إعـــــــلان

تقليص

توقف العمل في المنتدى...

بسم الله الرحمن الرحيم
الاخوة الاخوات المنتظرون الكرام
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بعد سنين طويلة من الخدمة المهدوية من خلال منبر(منتدى مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عليه السلام) ارتأت ادارة المنتدى ان توقف العمل به وتحوله الى قناة للأرشيف المهدوي ولا يسعها الا أن تتقدم بالشكر الجزيل والثناء الكبير الى جميع الاخوة والاخوات الذين بذلوا الوقت والفكر من أجل الارتقاء بهذا المنتدى.
كما نتقدم بالشكر الجزيل لخصوص الاخوة والاخوات المشرفين والمراقبين الذين سهروا واجهدوا انفسهم في سبيل صيانة المنتدى ومراقبة المقالات وغيرها.
فلهم منا خالص الشكر والامتنان ومن الله القبول والتوفيق
ادارة
منتدى مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عليه السلام
شاهد أكثر
شاهد أقل

فوكوياما من "نهاية التاريخ" إلى "مستقبلنا ما بعد البشري

تقليص
X
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة

  • فوكوياما من "نهاية التاريخ" إلى "مستقبلنا ما بعد البشري

    فوكوياما من "نهاية التاريخ" إلى "مستقبلنا ما بعد البشري

    فاطمة الزهراء كفيف


    تمهيد:

    فوكوياما من "نهاية التاريخ" إلى "مستقبلنا ما بعد البشري"مـا لا يُنتهك في الثورة الجينية هو الفطريّ إلى اليوم، تدبّر الإنسان أمره واغتنى بتكنولوجيته. الأدوات حسّنت محيطه وجعلت الإنسان أقوى، أكثر أماناً، أسرع، وأوفر سعادة. لكن ماذا يحصل عندما تسمح المعرفة أخيراً بتصحيح عيوب الطبيعة البشرية؟
    هذا الحل لا يراه فوكوياما جديراً بأن يطبّق العنصر الجديد أن البيوتكنولوجيا سوف تسمح قريباً بالاختبار: إذا لم يكن المولود الرضيع سوى نتيجة الـ"أ. د. إن" خاصته، على ما تؤكده لنا عملية فك رموز الجينوم البشري، فلن يكون بعيداً الوقت الذي سنشهد فيه العلم عاملاً على تحسين طينتنا، جسداً وروحاً.

    هل الأمر حتميّ وخطير إلى هذا الحد؟ هل ينبغي منعه؟ "هذه المعطيات سوف تعيد طرح ما تجذّر عميقاً فينا، أي مفهوم المساواة والقدرة على القيام بخيارات أخلاقية" يقول : فرنسيس فوكوياما في كتابه "مستقبلنا ما بعد البشري"، ويتابع قائلاً: "هذه المعطيات سوف توفّر للمجتمع تقنيات جديدة للسيطرة على تصرفات الأفراد. سوف تغيّر مفهومنا للشخصية والهوية الإنسانية. سوف تزعزع المراتب الاجتماعية(...)وتؤثّرعلى السياسةعالمياً".
    صرخة الإنذار هذه ليست أكاديمية على الإطلاق. فرنسيس فوكوياما ينتسب إلى مجلس البيو-أخلاقية في البيت الأبيض. عند تقاطع العلم، الفلسفة والسياسة، يُقلق فوكوياما ما قد تنتهكه المعرفة في المجال الذي لا يُنتهك: الطبيعة البشرية.
    والإنذار لم يصدر باكراً في أي حال. للإقناع، يناقش الكاتب ما سبق أن وجد له مكاناً في خزانة صيدليتنا المنزلية، أكثر منه التقنيات التي لا تزال بعيدة كالجينات تحت الطلب، أو زرع الذكاء، أو الأطفال على الطلب. يرى ان "البروزاك" المضاد للإحباط الأكثر مبيعات في فرنسا و"الريتالين" الذي يصفه الأطباء كثيراً في الولايات المتحدة للأطفال الوفير الحركة، يجعلاننا نتصور منذ الآن ما ستكون عليه البشرية المستقبلية المخدّرة حتى في جيناتها. ويعتبر فوكوياما أن العلماء وصناعيي البيوتكنولوجيا تقدموا كثيراً اليوم ويترك لهم الخيار حول الطريق التي ينبغي ان يسلكوها.
    يرسم فوكوياما الحدود بين الفطري والمكتسب، مستنداً إلى تعريفه الواضح لما ينبغي أن يبقى بعيداً عن الانتهاك: الطبيعة البشرية: "مجموع التصرفات وكل الطبائع الناتجة بالأحرى من الجينات، لا من المحيط".
    وماذا عن "نهاية التاريخ"؟

    هل عساه بدّل رأيه وهو القائل "لن تكون النهاية ممكنة بعد الآن لأن العلم والبيوتكنولوجيا في صدد تغيير الطبيعة البشرية". فهل نحن أمام بلبلة جديدة؟ وجيناتنا التي ستسوّق قريباً هل ستُطلق التاريخ مجدداً؟

    ويجيب فوكوياما: "بعض عناصر هذه الثورة مرهون بالمستقبل فقط، كالجينة الوراثية. فيما أضحت عناصر أخرى هنا، حولنا. يكفي أن ننظر إلى أوروبا وعدم توازنها الديموغرافي. ولا نحتاج إلى الذهاب بعيداً جداً كي نرى المجادلات حول الهجرة والمجتمعات المتعددة الانتماء وحول خرق جان ماري لوبن الانتخابي في فرنسا، وبيم فورتوين في هولندا. فالمعطيات الديموغرافية هذه الناتجة من التقدم العلمي الطبي حوّلت طبيعة المناقشة السياسية، وليست سوى البداية.
    والأمر الآخر في الصدارة، يتعلّق بتلك المواد المتنوعة التي تسمح بتبديل التصرف البشري، لأنها تتيح تبديل الأحاسيس والانفعالات ونشاط الدماغ، أي كل ما يتعلق بالفطري. يسعنا أن نتبنّى يوماً شخصية ما، وفي اليوم التالي شخصية أخرى. وفي السنوات المقبلة سوف تستهدف مواد أخرى الدماغ للتقليل من حاجة الإنسان إلى النوم، ولتنمية الذاكرة والذكاء. [2]
    "أما الاستنساخ فهو الحدث الذي يثير الرعب الأكبر، فلا أحد تقريباً يودّ حقاً أن يعاد نسخه. إني ضدّ هذا الإجراء قطعاً، لأن ذلك سيكون على صعيد التجربة البشرية خطوة لا عودة عنها.
    "لكن من ناحية أخرى، تضخم التكهنات حجم الأمور أحيانا. علماء المستقبل في الخمسينات تصوّروا كل بلد على المعمورة مصححاً حدوده بواسطة القنابل النووية. والواقع أن عدد القوى الذرية يظل محدوداً، فضلاً عن انه لم يحصل أي انفجار من هذا النوع منذ هيروشيما وناغازاكي. ليس ممكناً إيقاف مسيرة العلم. انما لا شيء يمنعنا من لجم مفعوله.
    "لن نتمكن من تلافي هذه المناقشة عندما تتوصل الجينة الوراثية إلى إطالة الحياة إلى ما لا نهاية، أو إلى صنع أطفال على الطلب. يجب أن نفكّر في أبعد من ذلك. كل الفئات الاجتماعية سوف تحاول "تحسين" نسلها: الأغنياء، بالتأكيد، لكن أيضا الجماعات الدينية أو بعض الفئات الإتنية. الخطر يكمن في مفاضلة لا عودة عنها في الإرث الجيني، وفي تعبير آخر حصول تمييز بشري من نوع جديد. [3] مثلاً في الصفوف المدرسية، سوف يوضع التلامذة موضع شك لناحية جيناتهم في حال نجحوا نجاحاً بارزاً. المشكلة أن القرار لن يكون للدولة بل للعائلة. فالأهل يحبّون أولادهم وسوف يحاولون تأمين نجاحهم. لذا ينبغي البدء بتوعية أولئك الأهل توعية جدية ليفهموا أن التلاعب بثروة أولادهم الجينية رهان خطر. "إني مقتنع بأن على الطبيعة البشرية أن تتجاوز المفهوم الضيق إلى كل الانفعالات الإنسانية البحتة، كالقابلية للتعلّم واللغة والحاجة الى العيش ضمن مجموعة من البشر لا في عزلة وتذوّق السياسة. الطبيعة البشرية معقدة وهشّة. لو بدّلنا عنصراً لتزعزع كل ما تبقى. إن لم تكن الوصفة جيدة فقد نقع في "ما بعد البشرية" سهواً. [4]
    في أي حال، ثمة أمر أخلاقي فريد، رابط وثيق يشدّ الطبيعة البشرية، هو عزة النفس والحقوق التي ننسبها إلى أنفسنا بشرا.

    الديمقراطية الليبرالية ونهاية التاريخ :


    تعد مقولة "نهاية التاريخ" آخر صيحة عالمية استفاق عليها الفكر الإنساني المعاصر. وقد وردت في كتاب نهاية التاريخ والإنسان الأخير

    (The end of history and the last man) للمفكر الياباني اللامع فرنسيس فوكوياما.


    الديمقراطية الليبرالية بشقيها السياسي والاقتصادي هي خاتمة مطاف تتطور الفكر البشري. فقد حسم صراع الايديلوجيات ، نهائيا والى الابد ، لصالح الديمقراطية الليبرالية. هذه هي باختصار الرسالة التي يريد تبليغها ، فرانسسكو فوكاياما من خلال كتابه الذائع الصيت : " نهاية التاريخ"
    Francis Fukouyama :The End of History and the Last Man,

    لعله ليس صدفة ، ان تلتقي الفلسفات الارضية بالعقائد السماوية في تصور نهاية سعيدة تتوج تطور الفكر الانساني في رحلته الشاقة والمتعرجة نحو الكمال ( ان كان ثمة كمال ) . فاذا كانت الجنة هي النهاية السعيدة التي تبشر بها الاديان السماوية اتباعها . فان الفلسفات الانسانية المثالية ( افلاطون وتوماس مور الخ ..) لا يختلف تصورها لتلك النهاية السعيدة ( اليوتوبيا او المدينة الفاضلة ) عن الجنة
    اما الفلسفات المادية (العقلانية ) فتؤمن ان الانسان قد امتلك زمام مصيره بفضل المعرفة وانه قادر علي تسخير هذا العلم ليرقي به نحو الكمال البشري ، وانه حتما سيبلغ نهاية هذا الكمال حينما يتجسد النظام المثالي الذي يلبي طموحات واشواق الانسان الي الحياة الانسانية الكريمة . يري هيجل ان غاية تطور الفكر البشري هي بلوغ الحرية الانسانية ، وان النظام الاقدر علي تحقيق هذه الحرية ، هي الديمقراطية الليبرالية . اما عند كارل ماركس فيري ان الحرية الانسانية التي ينشدها هيغل لا تتحقق الا بتحقق النظام الشيوعي هذه الغاية التي عناها ، هيجل وماركس ، هي النهاية التي قصدها فرنسيس فوكاياما في عنوان كتابه : " نهاية التاريخ " . فهو لا يقصد بنهاية التاريخ ، نهاية الاحداث والوقائع اليومية وانما يقصد" ان التطور المضطرد للمجتمعات البشرية لا يسير الي ما لانهاية ، وانما محكوم بتوصل الانسان الي شكل محدد لمجتمعه يرضي احتياجاته الاساسية وعندما يتم التوصل لالي هذا الشكل يتوقف التطور او بمعني آخر يتوقف التاريخ . هذا لا يعني اطلاقا توقف للاحداث ، فالحياة ستستمر من ميلاد وموت ، وسيستمر تفجر الاحداث الهامة وغير الهامة ، وستستمر نشرات الاخبار وتستمر الجرائد في الاطلال علينا كل يوم ، لكن الفرق الوحيد هو انه لن يكون هنالك اي تقدم او تطور بعد اليوم فيما يتعلق بالمباديء والايدلوجيات والمؤسسات . "
    هذه النهاية بالنسبة لفوكوياما هي ، الديمقراطية الليبرالية الراسمالية. انها في تصوره النظام الامثل للحكم . كل المجتمعات شاءت ام ابت مكتوب عليها تتنبي هذا النظام . قد تتعثر المسيرة عند بعض الدول والامم نحو بلوغ هذه الغاية ولكنها ستصل ان عاجلا ام أجلا . ويختتم فوكوياما كتابه بهذا التصور الدرامي الذي يعبر عن ايمانه الحتمي بانتصار الديمقراطية اللبيرالية :
    " .. ويبدو لي اخيرا – الجنس البشري كما لو كان قطارا طويلا من العربات الخشبية التي تجرها الخيول متجها الي مدينة بعينها عبر طريق في قلب الصحراء ، بعض العربات قد حددت وجهتها بدقة ووصلت اليها باسرع وقت ممكن ، والبعض الاخر تعرض الي هجوم من الهنود الاوباش ، فضل الطريق ، والبعض الثالث أنهكته الرحلة الطويلة فقرر اختيار مكان وسط الصحراء للاقامة فيه وتنازل عن فكرة الوصول الي المدينة ، بينما من ضلوا الطريق راحوا يبحثون عن طريق بديلة للوصول الي المدينة ، وفي النهاية يجد الجميع انفسهم مجبرون علي استعمال نفس الطريق - ولو عبر طرق فرعية مختلفة – للوصول الي غائتهم ، وفعلا تصل أغلب هذه العربات الي المدينة في النهاية ، وهذه العربات عندما تصل لا تختلف عن بعضها الا في شيء واحد هو توقيت وصولها الي المدينة : سرعة او بطء وصولها الي ، الديمقراطية الليبرالية ، ومن ثم نهاية رحلتها.[5] .. نهاية التاريخ ." ...
    للكلام تتمة ..................

  • #2
    بسمه تعالى
    اللهم صل على محمد وال محمد

    الاخ الفاضل : الباحث
    نشكر لكم المشاركة في واحة المهدي في الفكر المعاصر ونحن في انتظار بقية البحث .
    دمتم في رعاية الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف .

    تعليق


    • #3
      تتميم:-
      فهل حقا ان الديمقراطية الليبيرلية بشقيها السياسي والاقتصادي هي خاتمة المطاف البشري نحو المال ام انها حسب ماركس مرحلة ضرورية لا بد منها ، تصل فيها الراسمالية الى أعلي مراحل تتطورها لتهيئة المجتمعات للانتقال الي الاممية الشيوعية . ام انها التجسيد الرمزي للمسيخ الدجال الذي يمهد لظهور المسيح ليقيم جنة الارض السماوية حيث يرث المستضعفون الارض كما يعتقد الجمهوريون وسائر اتباع الكتب السماوية ؟؟؟!!
      صدر كتاب فوكاياما سنة 1992 عقب تفكك الاتحاد السوفياتي وسقوط الانظمة

      الاشتراكية في اوربا الشرقية ويقول المؤلف في مقدمة الكتاب ان فكرة الكتاب ترجع الي مقال حمل نفس العنوان كتبه في صيف 1989 . بل ان فكرة المقال نفسه ترجع الى محاضرة القاها بجامعة شيكاغو في ذات السنة بعنوان : الديمقراطية بين النظرية The End of History and the Last Man, Francis Fukuyama, perennial , 1992


      فكرة نهاية التاريخ في خطوطها الكبرى كما وردت في الكتاب:

      تعد مقولة نهاية التاريخ آخر صيحة عالمية استفاق عليها الفكر الإنساني المعاصر. وإلقاء نظرة على مجمل ما ورد في كتاب نهاية التاريخ وخاتم البشر يكشف عن مجموعة من الأفكار والتصورات التي صاغها فوكوياما يمكن إبراز خطوطها العريضة الآتية:

      ـ يرى المؤلف أن سقوط الاتحاد السوفياتي واكتساح الديموقراطية الليبرالية أرجاء العالم، وانهيار الأنظمة الشمولية، وانتصار فكرة الأسواق الحرة، كل ذلك وصد باب التاريخ وأدى إلى نهايته الأبدية التي لن يبرز في أفقها أي مؤشر جديد.[6]

      ـ يرتكز في تحليله للديموقراطية على المرجعية التاريخية فيعود إلى أحداث القرن 19م الذي يعتبره قرن الاستقرار والسلام بفضل ما جناه من ثمار الثورة الفرنسية التي ركزت مبادئ الديموقراطية. لكنه ينتقد أحداث القرن العشرين التي أدت في نظره إلى تراجع المبادئ الديموقراطية بسبب الحربين العالميتين وظهور الأنظمة الديكتاتورية واليسارية الشمولية. ثم يعرج على الفترة المعاصرة ليفسر كيفية تحول الدول الديكتاتورية إلى دول ديموقراطية وسقوط الأنظمة الاشتراكية، وتحولها إلى أنظمة تنحو نحو وجهة الاقتصاد الحر بسبب عجزها عن حل مشاكلها الاقتصادية.

      في مواضع أخرى من الكتاب، يضع المؤلف الأصبع على فكرة التاريخ الكوني، فيستعرض مختلف النظريات التاريخية لفلاسفة التاريخ والآلية التي تحرك التاريخ العالمي، والمتمثلة في نظره في الآلة العسكرية والتكنولوجية وسعي الإنسان المعاصر للسيطرة على الطبيعة، معتبرا أن التاريخ يسير نحو تاريخ عالمي متجانس بهدف تكوين الدولة العالمية، مستبعدا أن يكون التاريخ الكوني تاريخا دوريا يقضي على المنجزات الحديثة ليرجع للمرحلة السابقة.[7] إلا أن أهم ما يميز فكر فوكوياما في باب التاريخ العالمي يكمن في رؤيته بأن الاتجاه نحو الدولة العالمية المتجانسة يؤدي إلى نشأة مجتمع خال من الطبقات، ويعكس آخر مرحلة مرضية من التاريخ الإنساني، منها سيكون الاتجاه نحو نهاية التاريخ.

      ولم يفته الإشارة إلى ما ينجم عن التطور التكنولوجي من دمار للبيئة معبرا عن تشاؤمه الشديد في هذا المجال من المجهودات التي تقوم بها الجمعيات ومنظمات من أنصار البيئة. وحول الاقتصاد الاشتراكي، أبرز أوجه قصوره، خاصة من ناحية اعتماد الدول الاشتراكية على فكرة الخطط الاقتصادية التي لم تعد ملائمة في نظره للتغيرات الاقتصادية السريعة وتبدل الأسعار، ومن ثم يعتبرها معيقة للتطور التكنولوجي، ويقرن الثورة العلمية بالديموقراطية الليبرالية الحرة.[8]

      ويطرح في مواضع أخرى وجهات نظر تتعلق بفلسفة التاريخ، خاصة آراء هيغل كما فسرها كوجيف حول الحرية والإنسان، معتبرا أن الحرية تظهر عندما يقدر الإنسان على تجاهل وجوده الطبيعي الحيواني وخلق ذات جديدة لنفسه. وفي هذا الإطار يخصص فصلا لمعالجة السيادة والعبودية، فيرى أن خدمة العبد لسيده أصبحت تستفيد من التطور التكنولوجي، مما جعل العبد حرا بفضل تغلبه على صعوبة الخدمات السائدة قبل العصر التكنولوجي، ومطالبا بالمزيد من الحرية والمساواة.[9]

      وفي تحليله للكائن البشري، يرى أن انفعالات الإنسان من خلال رغبته في العرفان والتمايز والحفاظ على النفس والكرامة، يؤدي به إلى الدخول في مجتمع مدني حيث الدستور يقر بحقوق كل إنسان، ويقدم شرحا لمفهوم الشهامة اعتمادا على آراء الفلاسفة الأقدمين، منتقدا النظام الشيوعي الذي جعل الجزء الشهواني من النفس ضد الجزء الحيوي فيها، وذلك بإجبار الناس العاديين على جعل العديد من التافهين أكثر اتفاقا من طبائعهم.

      ويلاحظ أن فكرة الديموقراطية تأخذ حيزا هاما من اهتمامات المؤلف الذي يرى أن غيابها يسفر عن مشاكل لا حصر لها داخل المجتمع، ويمكن أن تلعب دورها إذا وضعت في الحسبان الخصوصيات الثقافية لشعب أو أمة. ويذهب إلى أن الديموقراطية تتجه نحو وجهة عالمية تتميز بالتجانس، ليخرج بنتيجة قطعية في نظره، وهي أن التاريخ يقود الإنسان بطريق أو بآخر إلى الديموقراطية الحرة.

      ويستند فوكوياما في الدفاع عن أطروحة التوجه الكوني نحو الديموقراطية على الثورة الحالية لتكنولوجية الإعلام، فالانفجار التكنولوجي في المجال الإعلامي الذي نجح في غزو أكثر المناطق انزواء في العالم، سيعطي –في نظره- الأفراد مزيدا من القدرات ويسرع من وتيرة الدمقراطية.[10]

      للكلام تتمة...

      تعليق


      • #4
        للكلام تتمة...
        وبهذه الأفكار التي أبر*** خطوطها العريضة كما أوردها فوكوياما في كتابه نهاية التاريخ وخاتم البشر، يبرر أطروحته حول نهاية التاريخ الذي لن يطرأ في نظره أي مؤشر جديد يغيره أو يؤدي به إلى مسار جديد. فما مدى مصداقية هذه الأطروحة؟

        من إنصاف القول أن فوكوياما كان جريئا في أطروحته، ولم يكن يغرب عن باله أنها ستلاقي جيشا من النقاد. كما يحمد له إبحاره في كتابه السالف الذكر عبر مجموعة من العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وفلسفة التاريخ والأنتروبولوجيا، ونجاحه في تجييش مجموعة من القرائن التي تدل على صحة وجهات نظره. وبالمثل اتخذ التاريخ بمراحله الشاسعة مرجعية لمجموعة من التصورات، خاصة في تحليله للحرية والديموقراطية، واستطاع بهذا التحليل التاريخي أن يدلل على أبعاد أطروحته.

        وقد دعم مقولته حول نهاية التاريخ بمؤلفات وأبحاث ومقالات أخرى دافع فيها دون هوادة عن أفكاره، فضلا عن مقابلات علمية متعددة أجرتها معه مختلف المجلات نذكر من بينها على سبيل المثال مجلة Construction التي أجرت معه حوارا مطولا أكد فيه تشبثه بنظريته وموقفه من أن اليمين هو القادر الوحيد على تسيير الاقتصاد العالمي، منتقدا بعض النظريات الوسطية كنظرية الطريق الثالث لرئيس الوزراء البريطاني طوني بلير، بل ذهب بعيدا في حديثه عن نهاية الإنسان الأخير بفعل ثورة الاستنساخ التي جعلت بعض الباحثين يبشرون بعمر إنساني يمتد إلى 200 وحتى 300 سنة؛ ولعل كتابه الأخير: The great discruption : human nature and the reconstruction of social order يعكس هذا التوجه الأخير، فضلا عن آخر مقال صدر له تحت عنوان (الإنسان الأخير في الزجاجة) The last man in a bottle.

        والواقع أن أي أطروحة معاصرة لم تثر صخبا وضجة إعلامية مسترسلة مثلما أثارته أطروحة فوكوياما. وربما زاد من تضخيم ردة الفعل تجاهها سوء الفهم الذي وقع في حباله بعض المنتقدين لها؛ لذلك لا غرابة أن نجد صاحب الأطروحة يشكو من قلة إدراك المجادلين لأطروحته بقوله: "لقد نتج قسم كبير من الجدال الأول حول نهاية التاريخ عن سؤال دلالي غبي إذ لم يفهم العديد من القراء أنني استعملت كلمة تاريخ بمعناها الهيغلي الماركسي: التطور التدريجي للمؤسسات الإنسانية والسياسية والاقتصادية".[11] ويوضح المفهوم الذي استعمله للتاريخ بأن هذا الأخير موجه بواسطة قوتين جوهريتين، وهما توسع علوم الطبيعة والتكنولوجيا المعاصرة التي تشكل أساس التحديث الاقتصادي، والنضال من أجل الاعتراف الذي يتطلب في نهاية المطاف نظاما سياسيا يقبل كونية حقوق الإنسان. وعلى عكس الرؤية الماركسية التي ترى أن صيرورة التطور التاريخي تجد نهايتها في الاشتراكية، فإن المفكر الياباني يرى أن هذه النهاية تتجسد في الديموقراطية واقتصاد السوق. ولم يعد ثمة نموذج آخر للتنمية قابل للاستمرار يجعل العالم يتفاءل بنتائج أفضل من اقتصاد السوق، فحتى النموذج الآسيوي التنموي المزعوم، والذي تتبناه دول ما يعرف بنمور آسيا عرف هزة قوية بسبب التعثرات التي شهدها في العقد الأخير بسبب الأزمة الاقتصادية التي عصفت به، مما يؤكد هشاشة نظام الحكم المطلق في البلدان الآسيوية، حيث سعى ذلك النظام إلى كسب شرعيته من خلال الإنجازات الاقتصادية الكبرى.


        يضاف إلى جملة الانتكاسات التي عرفها النظام الشيوعي، الهزائم المرة التي لحقته في أفغانستان حيث تم استئصال شأفة الخطر الأحمر بفعل تحالف القوى الإسلامية هناك بدعم أمريكي واضح؛ ناهيك عن تداعي أنظمة أخرى بإفريقيا وآسيا كانت تدور في فلك المارد الأحمر السوفيتي.

        قصارى القول إن نظرية فوكوياما حول نهاية التاريخ بقدر ما هي قضية فكرية جريئة ومثيرة للجدل والنقاش، فإنها لا تستند على مقومات علمية دقيقة لابتعاد صاحبها عن القاعدة الثابتة التي تشكل منطلق المؤرخ، وهي النزاهة والموضوعية. أما وقد سقط في شباك التحيز حين وضع فكرته في خدمة السياسة الأمريكية الرأسمالية، وصاغ أفكاره بروح انبهارية تحت نشوة انتصار النظام الدولي الجديد، فإن هذا التوجه المهندس سلفا، جره إلى السباحة في عالم تخيل فيه أن التاريخ قد انتهى وأغلق أبوابه بعد انتهاء الحرب الباردة، متناسيا أن بوادر تكتلات سياسية أخرى بدأت تطفو ملامحها مع كل من روسيا والصين والهند، كما أن أوروبا نفسها بدأت تعلن عدم انصياعها لنظام العولمة الجديد، دون أن ننسى أن القوى التحررية الإسلامية بدأت في الانتفاض والتفكير في تكتلات إقليمية وجهوية، وتطمح ليكون لها موقع قدم في خارطة القوى المؤثرة رغم هيمنة الغرب. ومن ثم فإن ظهور أطروحة نهاية التاريخ في عصر ما، ليس سوى علامة على مخاض الفكر الذي يدشن تأمله في حقبة جديدة تصبح البداية وليست النهاية.

        إن هذه التغيرات العالمية ذات الإيقاع السريع المتجه نحو تكريس النظام العالمي الجديد تفسر إلى حد كبير أن هذا الكتاب/القنبلة تحول من مجرد محاضرة ألقاها فوكوياما في جامعة شيكاغو الأمريكية إلى كتاب طبقت شهرته الآفاق. ولا أعتقد أن هذا الشاب الياباني الأصل، الأمريكي الجنسية، الذي كان يشتغل في العلوم السياسية بمؤسسة راندا بكاليفورنيا ومديرا مساعدا لمصلحة التخطيط الأمريكية وعضوا باحثا في مركز الأبحاث Rand Corporation التابع لجامعة شيكاغو، كان يحلم بكل هذه الشهرة التي بناها بوسائل الإعلام الأمريكية، وجعلته يحول محاضرته التي ألقاها في جامعة شيكاغو ونشرتها مجلة The National interest سنة 1989 إلى كتاب أكثر ما يقال عنه أنه يقال عنه أنه إعادة لفكرة هيغل، ودفاع عن نظرة الدولة الرأسمالية، وإعلام غربي متطور يهدف إلى الترويج للنظام العالمي الجديد.

        يتبع

        تعليق


        • #5
          النهاية بين العلم والفلسفة:
          يمكن أن نبدأ باستعارة سؤال صاغه جاك دريدا: كيف يمكن فهم خطاب النهاية أو الخطاب حول النهاية، وهل يمكن أن تكون نهاية النهاية مفهومة؟

          يتعلق الأمر، بالنسبة إلينا، تحليلا بالتمييز بين خطاب النهاية والخطاب حول النهاية، ونقدا بالبحث عن إمكانية الحديث عن نهاية النهاية وعن دلالتها.

          فالخطاب حول النهاية، هو الخطاب الذي ينطلق من نهاية الفلسفة، لكي يؤسس خطابا حول النهايات، وبالتالي يريد أن يؤسس خطابا أبوكاليبسيا بصدد العالم (نموذج الخطابات السائدة حول نهاية التاريخ، نهاية الشيوعية وسنعود إلى ذلك لاحقا).

          أما خطاب النهاية في الفلسفة فهو يحيل على الأسس الفلسفية التي أسست لما يمكن تسميته بالقيامة الحديثة Apocalypse moderne (موت الله، موت الإنسان، نهاية الفلسفة) [12]وقد وضع هذه الأسس فلاسفة أمثال: ماركس، نيتشه، هايدغر…الخ.

          إن الإحالة الدلالية لكلمة النهاية على المكان هي التي تجعل لكلمة النهاية دلالة أخرى، ألا وهي وضع الحدود limites، فالأمر يتعلق لا بانتهاء الفلسفة ولكن بنهاية الفلسفة، عند تخوم وحدود معينة. بهذا المعنى اعتبر ج. دريدا أن الخطاب حول النهاية، حول الموت، هو عبارة عن خطاب تشكيلي في بلاغة الحدود[13]. تبتدئ هذه الحدود بمشكلات (problèmes) وتنتهي بإحراجات. فالشكل يحيل على الإسقاط أو الحماية (projection-protection). ذلك أن فكرنا وتساؤلاتنا ليست سوى إسقاط لمشاريعنا ومتطلباتنا، نضعها أمامنا، لكي تمثلنا وتأوينا وتحمينا، إذ نستتر على ما لا نود التصريح به، لكن الحد الآخر للمشكل هو الأبوريا، حيث لا نعلم أين نذهب. يتعلق الأمر بممر مغلق non-passage، إننا نقف مشلولين في مكان ما أمام حدود مليئة بالعقبات، حيث لا نستطيع أن نضع ما يحمينا، أي أن نكون مشكلا بما هو إسقاط وحماية، إننا في مكان إحراجي "أبوريتيكي" تكون فيه سريرتنا الداخلية معرضة للفضح وللعري بموازاة مع هذا البعد الأبوكاليبسي في الفلسفة (خطاب النهاية)، سيتأسس خطاب حول النهايات، وما بعدها، يتخذ مسحة إسكاتولوجية، تجعل من التحولات العالمية مؤشرا على عالم أخروي.

          وعلى العموم، يمكن تكثيف هذه التحولات العالمية في عبارة صدمة التاريخ، هذه الصدمة التي يمكن تلمس تجلياتها على مستويين:

          المستوى السياسي:

          حيث عملت الأحداث التي شهدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية (النازية والستالينية والليبرالية الجديدة) على وضع الفلسفة والفلاسفة أمام كوة سحيقة، إذ كانوا ضحايا سيرورة لم يستطيعوا منع حدوثها ولا التنبؤ بها، بل لم يكونوا على علم بها (بل إن بعض الفلاسفة، كما أشار إلى ذلك Christian de La Campagne، كانوا متورطين فيها).

          علاوة على ذلك فانهيار الإمبراطورية السوفياتية، بخر كل الآمال المعلقة على الثورة التاريخية المشيدة لعالم مثالي. الشيء الذي وضع ارتهان الفلسفة بالثورة موضع تساؤل، وجعل الفلاسفة يتخلون عن الرغبة في تغيير العالم، من أجل العودة إلى السعي نحو محاولة فهمه وتفسيره.
          يتبع...

          تعليق


          • #6

            المستوى العلمي/البيولوجي:

            سنقتصر بهذا الصدد على التطورات العلمية التي حدثت على مستوى البيوتكنولوجي Biotechnologie. لقد لاحظ Dominique folsheid بعمق، أنه ليس صدفة أن يكون انهيار الإمبراطورية السوفياتية معاصرا لتطور نمو البيوتكنولوجيا، وظهور وعي حاد بمشاكلها. إن هذا الترادف له دلالة فلسفية، لا يجب الاستهانة بها. إن صدمة التاريخ هنا، تتجلى في تعويض العهد الذهبي للتاريخ ولكل الخطابات والتمثلات التي أسسها بصدد الإنسان والإنسانية، وبصدد العالم، بعهد ذهبي للبيوتكنولوجيا، وما رافقها من تغير على مستوى الخطابات والتمثلات. هكذا فعوض النظر تاريخيا إلى الإنسان كمنتوج اجتماعي، يمكن تفسير كل ما يتعلق به اعتمادا على ما هو سياسي وعلى ما هو اجتماعي، وبالتالي على ما هو مكتسب، أصبح الإنسان الآن ينظر إليه بيولوجيا، كمنتوج لتركيبة من الخلايا l’homme neuronal (لنستحضر هنا أطفال الأنابيب وظاهرة الاستنساخ)، إذ يمكن تفسير كل ما يتعلق بالإنسان اعتمادا على ما هو اقتصادي، ما هو بيولوجي وبالتالي ما هو فطري[14]، (بل حتى الشذوذ الجنسي أصبح ينظر إليه لا كنتاج لشروط نفسية واجتماعية، بل نتاج لشروط جينية).

            إن صدمة التاريخ، هنا، تكمن في تحول الإنسان من منتوج اجتماعي (تاريخي) إلى منتوج بيولوجي، وتحويل وجهة التحكم من حقل التاريخ إلى حقل البيولوجيا. أمام هذه التحولات وأمام صدمة التاريخ، انتعشت نزعة اسكاتولوجية، تعلن نهاية التاريخ.

            يرجع أصل الفكرة إلى هيغل، الذي اعتبر أن نهاية التاريخ تبدأ تحديدا من الفلسفة، "ذلك أن التاريخ هو المعيار الواقعي للحكم على مدى أهمية ودلالة الأفكار". لكن السؤال الذي يجب طرحه، هو ذلك الذي صاغه دريدا، أليست نهاية التاريخ، سوى نهاية تصور محدد عن التاريخ؟ ألا تؤدي هذه النزعة الإسكاتولوجية، إلى استنبات يوم القيامة في المتخيل؟ وما هي دلالة هذا الاستنبات وخلفياته؟

            يمكن الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال فرضيتين اثنتين:

            أولا: لقد اعتبر فوكو أن الفكرة التي كانت سائدة عن التاريخ هي أنه مجال متصل، يضفي القيمة على ما يدوم ويستمر، بينما التصور الجديد للتاريخ، أصبح قائما على مساءلة التحولات. وبالتالي فقراءة التحولات العالمية، على أنها مؤشر على لحظة أبوكاليبسية تبشر بحدوث اسكاتولوجيا محددة، ليس سوى دليل على النظر إلى التاريخ، كتاريخ شامل يعكس وجه العصر. فهو يسلم بكون جميع الأحداث وجميع الظواهر تدخل في منظومة شبكة واحدة من العلاقات والعمليات التي تتمحور كلها حول نواة مركزية "ثم إنه يفترض أن نفس الشكل التاريخي يعم البنيات الاقتصادية والثوابت الاجتماعية واستقرار الذهنيات والمواقف السياسية، فيخضعها جميعا لذات النوع من التحول".[15]

            ولكن قد نتخلى عن هذه النزعة الإسكاتولوجية، إذا ما قرأنا هذه التحولات وفق ما سماه فوكو بالتاريخ العام، باعتباره فضاء للتشتت والتغير. إن السعي نحو سيادة خطاب أحادي شامل حول التاريخ، يود أن يتحدث باسم روح العصر، هو الذي جعل النظر إلى بعض الفلسفات التي أسست للخلخلة والتصدع بمثابة فلسفات أبوكاليبسية، تنذر بسوء مآل التاريخ. لذا فضد كل أشكال الخلخلة الماركسية والنيتشية والفرويدية، سيتم البحث عن كيفية الحفاظ على سيادة الوعي من خلال السعي نحو إقامة تاريخ شامل ينتعش فيه التناسق والاتصال والمعقولية، وبالتالي فالنزعة الإسكاتولوجية المدججة بخطاب النهايات، ليست سوى نزوع نحو كلية م***قة، ينتفي فيها التنوع ويرفع فيها التصدع والخلخلة، إنه التبشير بتاريخ ينظر إلى ما سبقه نظرة يوم القيامة، كما قال فوكو. إن هذه النظرة الإسكاتولوجية تفترض شيئين: افتراض إمكانية الحكم بموضوعية على يوم القيامة، وافتراض وجود حقيقة خالدة في العالم الآخر الجديد، الذي يتأسس بعد القيامة، إنه عالم الخلود، حيث ينتهي الموت، ينتهي الفناء: إن هذا العالم الخالد ليس شيئا آخر سوى عالم الليبرالية، عالم العولمة.

            ثانيا، لقد أشار دريدا إلى نفس الفكرة، ولكن بطريقة مغايرة، ذلك أن هذه النزعة الإسكاتولوجية، التي تدعي ارتداء لبس جديد وتدعي سمة وجه العصر، ترجع إلى بداية الخمسينات. فالخطابات حول النهاية (نهاية التاريخ، نهاية الإنسان) وهذه اللكنة الأبوكاليسية كانت مستشرية. لذا قال دريدا إنها تشبه مفارقة مملة[16]. إن خطاب نهاية التاريخ، يتقنع من أجل إخفاء حقيقته كخطاب معاد للخلخلة الماركسية، وللتاريخ الشامل. فالخطاب المهيمن، والذي يتلذذ بالحديث عن نهاية المجتمعات المبنية على النموذج الماركسي، هو خطاب يبدو ظاهريا، منسجما، إلا أنه خطاب دوغمائي، يسكنه الخوف والوسواس من طيف الشيوعية، الذي يمكن دائما أن يعود، بل يجب علينا أن لا نجعله يعود. لقد كان في الماضي، يشكل طيفا مقبلا؛ وفي الحاضر، يعتقد البعض أنه طيف مضى، وعلينا الاحتياط من رجوعه. لهذا ينبغي تهويل يوم القيامة، نعجل فيه بالإعلان عن النهاية، عن الموت. إن هذه النزعة الأسكاتولوجية تريد أن تنتصر لحقيقة خالدة، ولعالم غير فان. إن الأمر يتعلق بإنجيل جديد، يبشر بإيديولوجية رأسمالية ليبرالية جديدة منتصرة، ينظر إليها كلحظة شمولية، كونية وبالتالي كنقطة نهاية في الحكومة الإنسانية، لأنها تعلن بفرح نهاية الشيوعية. لكنها، حسب دريدا لم تنته لأنها لم توجد قط، ولأنها مجرد شبح لا يموت. تنبني هذه الإسكاتولوجية، إذن على "انهيارات مزعومة، هدفها التبشير بالديموقراطية الليبرالية باعتبارها أصبحت المطمح الوحيد السياسي المنسجم، الذي يجمع مناطق وثقافات مختلفة"[17].

            إن الأسكاتولوجية هي حد فاصل بين حياة وحياة أخروية، بين موت/نهاية وخلود/بقاء، إن الخطاب الذي يتأسس بعد هذه الأسكاتولوجيا، هو خطاب مدمر لكل الخطابات الأخرى، ويقوم على أنقاضها، إنه خطاب يعيد الاعتبار للتاريخ الشامل (بالمعنى الفوكوي) خطاب يبحث عن وجه العصر، وينزع نحو تأسيس كلية منسجمة مغلقة، إنه خطاب العولمة، "إيديولوجيا هذه الأيام" التي تزعم التطابق مع الطبيعة العميقة للإنسان، إذ تنطلق مقومات هذه الإيديولوجيا من التقدم والتقنية والاتصال، لكي تمركز فكر الناس حول الكيف، مع إخفاء سؤال "لماذا"، في أفق تثبيت ديانة العصر(30).

            إن خطابا كهذا يجعل من العولمة عالما أخرويا، استتب دوامه، لأنه انتهى زمن النهايات وقامت القيامة، ولم يبق سوى أن نتموقع في فلك هذا الخلود، وأن نختار هذا الشكل من خلودنا.

            إن هذا العالم الجديد (العولمة)، هذا النظام العالمي الجديد هو سعي نحو ترسيخ انسجام يزعم أنه لم يسبق له مثيل، يعتمد في آلياته الكليانية على إعلان حرب ضد الماركسية، لأنها الطيف، حسب دريدا، الذي يهدد كليته المغلقة، ويهدد انسجامه، إنه مجرد اختلال عالمي جديد nouvel désordre mondial[18]، هاجسه ترسيخ رأسمالية جديدة وليبرالية جديدة وخالدة ومتحررة من الأشباح التي لازالت تطاردها. إن عولمة العالم، ليست كما يشيع لذلك خطاب العولمة، عبارة عن سيرورة عادية، ومرحلة نهائية من مراحل التطور، بل هو في الأصل، نزعة كليانة تقوم أساسا على إسكاتولوجيا للأزمات ووضع حد للإيديولوجيات.

            إنها مهمة تتوخى النظر في هذه التحولات بمعزل عن روح العصر، وبالتالي مهمة نقدية، تتوخى هدم خطاب العولمة، بما هو مطمح يود جعل التحولات دالة على زمن العالم الذي نعيشه، زمن يجب أن نقرأ فيه كل التحولات باعتبارها ليست سوى تجليات لعالم يرسم قدر الحضارات ومصير الإنسانية مصيرا واحدا خالدا، كمرحلة نهاية من مراحل التطور. فالعالم الأفضل الأبدي الذي ينتظره الإنسان، حسب هذا المنظور، ليس هو النموذج الذي عاش فيه سابقا (المجتمع الإنساني ذو الدلالة الاشتراكية ولا حتى النموذج الرأسمالي سابقا) بل هو مملكة خالدة (مملكة إلهية). هذا العالم الأخروي، هذا العالم الجديد،[19] لا يمكن أن ننظر إليه وفق ثنائية الجنة والنار، بل هو العالم المفروض وكفى، العالم الوحيد الذي يمكن أن نعيش فيه. إن مهمة الفلسفة تكمن في خلخلة وهدم هذا الفردوس الذي يزعم الخلود. إنه تصور ينبني على موقف خطي من التاريخ حيث يرفض إسكاتولوجيا فكرة العود الأبدي (رفض عودة الاشتراكية)، فلا عودة للعالم المنتهي. لهذا قد يبدو لنا فردوسا، وقد يبدو لنا جحيما، ولكن لا خيار لنا، فليس هناك عالم آخر بعده، لأنه عالم أخروي أخير. يقول ديريدا في نقد هذا العالم: "يسير العالم نحو الأسوأ (ليس كعالم على ما يرام). لقد أصبح مستنفذا (مبتذلا) ولا يمكن تقدير هذا الابتذال: هل هو شيخوخة أم شباب؟ لا يمكننا تقدير ذلك. أصبح للعالم أكثر من عمر. يعو*** قياس القياس، إننا لا ننتبه إلى هذا الابتذال وكأن الأمر يتعلق بعمر واحد له دور في تقديم تاريخ ما. ليست المسألة مسألة نضج، ولا أزمة ولا حتى احتضار، يتعلق الأمر بشيء آخر. إن ما يحدث، يحدث في نفس العمر، لكي يعزز النظام الغائي للتاريخ. أما ما يأتي، أو يبدو أنه لا زمني، فهو يحدث في الزمن، ولكنه لا يحدث في وقته[20].

            يتبع..

            تعليق


            • #7

              الخاتمة:


              إن انتهاء الزمان رياضيا، يعني اقترابه من الصفر أي تحقق السرعة المطلقة-سرعة الضوء، وتفكك فكرة المابعد والما قبل لتتأسس اللحظة، باعتبارها الراهن الفوري المحدد لكل حدث. لا تفيد النهاية هنا، وعلى حد تعبير عبد السلام بنعبد العالي، بلوغ تلك النقطة التي عندها تتوقف كل حركة، وإنما بالضبط جعل الحركة خاصية كل نقطة، مما يشي بالدخول في حالة من التسريع والإسراع، وهو ما نحن عليه اليوم مع حدث "الانفجار الاتصالي عن بعد"(ليوتار) الذي بات يغدي العالم السرنطيقي (عالم التحكم والضبط) بالصور والرسائل والأرقام وغيرها من المنتوجات الإلكترونية التي تبث وتنقل من مكان إلى آخر، ومن نقطة إلى أخرى بسرعة خاطفة، على طول وامتداد الكوكب اللانهائي. وبقدر ما أضحى الإنسان، أمام هذا البث الفوري، لا يبالي بشأن التاريخ والزمان من حوله، كما كان من ذي قبل بقدر ما صار مأخوذا في عالم من الصور المرئية والمعلومات الضوئية التي غدت تخلق له مشهدا واقعيا يستغني فيه تماما عن كل ما تحمله له ذاكرته الخبيثة من مرجعيات وأساطير. أمام زمان الرقم والسرعة إذن، تتشظى كل الصيغ والأشكال، كما تتحول وتتبخر كل المرجعيات والأنساق، كما لو أن لعبة الخروج التي ما فتئ ينبئها بها "دولوز"، قد غدت تتحقق مع ثروة الاتصالات والإعلاميات، حيث تكاثرت المداخل بنفس القدر الذي تكاثرت في المخارج.

              ب – نهاية الأخلاق ما هي إلا بداية لبزوغ قيم التقنية

              إن الإنسان وهو يحيا في مدينة الاتصالات "الأمنوبوليتية" على حد تعبير بول فيريليو، هو من غدا بخلاف الأمس، يساير الأحداث ويتفاعل مع العالم على مستوى الزمن الواقعي temps réel، زمن السرعة المطلقة، معه لا مجال، بل لا طائل من التمييز بين الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، ما دام الفكر قد غدا لأول مرة في التاريخ، فكرا كوكبيا وكونيا. والحال أن الوجود في ظل هذه المدينة/عالم، قد أضحى خاضعا لإكراهات التقنية، حيث الكل يوصف بالتقني: لقد حلت لائحة جديدة، من المفاهيم محل اللائحة القديمة، فأصبحنا نتحدث عن الزمن التقني، المكان التقني، العقل القني بل والإنسان التقني.. وعليه وجب الاعتراف على ما يبدو بأن ثمة إلها تقنيا صار يتسلل هنا وهناك ليحتل رويدا، رويدا، مكان الإله التيولوجي. يكمن الفرق ما بين الاثنين على ما يتضح في أن الإله التقني هو من لا يتطلب منا الامتثال لقواعد النموس الأخلاقي، حيث لا تعنيه الصلاة، الصوم، الزكاة.. وما إلى غير ذلك في شيء. إنه لا يتلكأ لأي وسيط، وفي رمشة عين يغوص بنا في عالم افتراضي، مغاير تماما لما كان فيما قبل، لا من حيث زمانه وفضائه فحسب، لكن من حيث نظامه وإيقاعه أيضا، وهذا ما عبر عنه عبد العزيز بومسهولي في مؤلفه قائلا: "لم يعد التصور الإيطيقي هو الذي يسير العالم، إنما هو العقل التقني الذي غدا شاملا وكونيا، وشكل مرحلة نهاية الإنسان"، هاته النهاية التي تعلن عن ميلاد نموذج إنساني آخر مغاير لأسلافه: إنه الإنسان الرقمي أو العددي، ما دام لكل كائن صنوه العددي.

              ج – كونية الرغبة، كونية الحدث، كونية الكائن، كلها جعلت التنافس يجري حول احتلال موقع في العالم الافتراضي.

              إن الحدث الكوني الذي غدت العولمة تمثله، هو ما ينذر بتحولات يستحيل حصرها كما أسلفنا، رغم محاولة العديد من القراءات التنبؤ بمستقبلها، تكن بعض بوادر هذه التحولات فيما نشأ اليوم من طرق جديدة في العيش وممارسة الحياة، بل والتعامل مع الذات والآخر. الأحرى أن أولى هذه العلاقات بخاصة هي تلك التي في حماها يسكن الإنسان، أعني اللغة بما هي "مسكن الوجود" على حد تعبير هايدغر. لقد انتقلنا اليوم أو صرنا ننتقل على الأصح من لغة محلية ترسو على قوام الهوية والإثنية وتعكس تمركز الذات Egocentrisme إلى فضاء لغة كونية تتكفل بصيانتها شبكات الاتصال والأنترنيت، فاللغة قد أضحت على حد تعبير الباحث عبد العزيز بومسهولي مختزلة تقنيا(…) مما يفيد أن الهوية اللغوية التي هي موطن الكائن قد تحللت في شبكة الأنترنيت لتفسح المجال للترجمة الآلية، التي تنقل مضمون الخطاب من لغة إلى أخرى، فالمتكلم –فيما يرى الكاتب- لم يعد في حاجة إلى تعلم لغة أخرى ليحاور من يتصل به، لأن الشاشة هي الوسيط الذي يقوم بعملية النقل والتلقي، كل شيء يمضي كما لو أن الكائن الإنساني غدا مكتوبا أو كأنه جزء من كتاب كوني، تنعدم فيه حدود الإيطيقا، وتنسحب فيه الرؤية الأخلاقية لصالح رؤية تقنية تتكفل بإعادة ترتيب اللغات والأفكار، والمعلومات التي أضحت سائلة باستمرار، وتغدي جميع الحقول" . على غرار هذا يتشكل ذلك المركز الفائق أو الأعظم Hypércentre الذي يوجد في كل مكان بقدر ما لا يوجد في أي مكان، وبقدر ما يتجسد كمركز للبث والاستقبال بقدر ما يضفي صبغة كونية لا على الرغبة أو الإنسان فحسب بل أيضا على الحدث والأشياء، الزمان والمكان.. أمام هذا الوضع، ألا يليق بنا التسليم بأن التقنية اليوم، قد أضحت تسيطر على النواة الأخلاقية للمجتمعات؟ إذ بقدر ما تخلق الواقع عبر الهندسة اللحظية للأوطان والبلدان، بواسطة القنبلة المعلوماتية التي أصبحت من الآن فصاعدا، أهم بكثير من المجرى الفعلي للأحداث بقدر ما يسعى كل كائن على البسيطة إلى حيازة موقع في العالم السبيرنطيقي، الأثيري.

              أمام عالم كهذا يتساءل الباحث: "كيف يمكن للكائن الإنسان انتشال كينونته واستعادة حريته التي بدت خاضعة لتدبير التقنية؟ كيف يستعيد الإنسان إيطيقاه وينفلت على الأقل بطاقته الإبداعية في ظل هيمنة التقنية؟ . وإن راح يتساءل على هذا النحو، فلأنه يعرف بل ويقر بأن السؤال تقوى الفكر، من حيث كونه الجرثومة التي لا تتوقف عن التناسل وإصابتنا نحن القراء بالحمى..

              هذا هو المراد من هذا الكتاب، الذي بقدر ما يضعنا على قدم وساق أمام حكم التقنية وقدرها، بقدر ما يعدنا بأن الأمور غير قابلة للحسم على اعتبار أن سؤال نهاية الأخلاق هو من يكشف لنا عن وجه لوحة باهتة يعرضها علينا المؤلف في عصر اللايقين التقني، عصر تحكمه ربما عودة الأسطوري والرمزي، اللاعقل والجنون، التيهان واستحالة الضبط القبلي لمجريات الأمور.


              ------------------------------------------------------------------------------

              - باحثة في قسم الفلسفة،جامعة وهران،الجزائر[1]

              فرنسيس فوكوياما :مستقبلنا بعد البشري،عواقب ثورة التقنية الحيوية،ترجمة إيهاب عبد الرجيم محمد،مركز الإمارات للدراسات والتحوث الإستراتيجية، الطبعة الأولى،2006,ص,40,[2]

              المصدر نفسه،ص.46.[3]

              فرنسيس فوكوياما:مستقبلنا بعد البشرية،عواقب ثؤرة التقنية الحيوية،ص.180.[4]

              - فوكوياما فؤنسيس.بداية التاريخ،المقال المؤسس لكتاب نهاية التاريخ والنسان الاخير،مجلة العرب والفكر العالمي،الغدد15-16،1996,ص87[5]

              - فرنسيس فزكزياما. المرجع السابق،الصفحة،73[6]

              [7] -Francis Fukuyama :The End of Hestory and the Ladt Man,perennial,1992.P.92.

              [8] -Ibid,92,

              - فوكوياما فرنسيس:نهاية التاريخ،برجمة حسين الشيخ،دار العلوم،بيروت،1993.ص.153[9]

              - المرجع السابق،ص.123[10]

              - فوكوياما:مستقبلنا بعد البشري،المرجع السابق،ص.86[11]

              -المصدر السابق،ص.54[12]

              [13] Derrida Jacqes f gramatologie,trans :Gayatri Cayatri LONDON Univ/PRESS ?1972 ?P/46

              -فوكوياما:عواقب الثؤرة الحيوية،ص.123[14]

              [15] M Foucaut :L’Archéologie du Savoir,éd Gallimard,Paris ,1969.P 54

              -المرجع السابق،ص75[16]

              - فوكوياما:مستقبلنا بعد البشري،ص,09[17]

              -المصدر نفسه،ص76[18]

              المصدر السابق،عواقب ثورة التقنية الجيوية،ص،231[19]

              -فوكوياما:مستقبلنا بعد البشري،ص،98[20]

              تعليق


              • #8
                اللهم صل على محمد وآل محمد

                الباحث

                ادام الله توفيقاتكم لخدمة سيدنا ومولانا الامام المهدي عليه السلام

                دمتم برعاية المولى
                sigpic

                منتدى مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام

                تعليق


                • #9
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                  حيا الله الباحث والمشاركين .....مفال رائع وفقكم الله

                  السلام عليك يا مولاي يا صاحب الزمان

                  تعليق

                  يعمل...
                  X