فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » إلزام النّاصب في إثبات الحجّة الغائب الجزء الأول
 كتب أخرى

الكتب إلزام النّاصب في إثبات الحجّة الغائب الجزء الأول

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ علي اليزدي الحائري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ١٩٠٠٤ التعليقات التعليقات: ٠

إلزام النّاصب في إثبات الحجّة الغائب الجزء الأول

تأليف: الشيخ علي اليزدي الحائري

المحتويات

ترجمة المصنف

مقدمة الناشر

مقدمة المؤلف
الغصن الأوّل:

الفرع الأول: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة وفيمن مات ولم يعرف إمام زمانه وعلامات الإمام ومعرفته وجوامع صفاته
الثمرة الأولى: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة
الثمرة الثانية: فيمن مات ولم يعرف إمام زمانه ودان اللّه بغير إمام
الثمرة الثالثة: في حالات الإمام وكيفيّاته وعلاماته
الثمرة الرابعة: في جامع صفاتهم (صلوات اللّه عليهم)
الثمرة الخامسة: في معرفة الإمام (عليه السّلام)
الفرع الثاني: في أنّ الإمامة في الأعقاب وأنّها لا تعود في عمّ ولا أخ إلّا الحسن والحسين (عليهما السّلام)
الفرع الثالث: في عدم مدخلية البلوغ في الإمامة ولا يضرّها صغر السن
الغصن الثاني إخبار اللّه تعالى بقيام القائم (عليه السّلام):
الفرع الأول: إخبار اللّه تعالى بوجود القائم وغيبته وعلامات ظهوره وقيامه في آخر الزمان والآيات المؤوّلة به
الفرع الثاني إخبار اللّه عزّ وجلّ في كتب أنبيائه السلف وبشاراته بقيام القائم (عليه السّلام):
الغصن الثالث في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة من طرق الخاصة والعامة بقيام المهدي (عليه السّلام) في آخر الزمان من ولد فاطمة (عليهما السّلام) مع عيسى، وأخبار الدجّال وما جرى مع الدجّال:
الفرع الأوّل: إخبار النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السّلام) بقيام المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليهما السّلام) من طرق العامّة
الفرع الثاني: إخبار النبي والأئمّة (عليهم السّلام) بقيامه من طرق الخاصّة
الفرع الثالث: في الآيات القرآنية المفسّرة بأعيان الأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام)
الفرع الرابع: إخبار النبي والأئمّة بأعيان الأئمّة من طريق أهل السنّة
الفرع الخامس: إخبار النبي والأئمّة بأعيان الأئمّة وأسمائهم من طرق الخاصّة
الفرع السادس: في ذكر كتاب وجد عند صخرة تحت أرض الكعبة
الفرع السابع: إخبار أهل الجفر والحساب بأعيان الأئمّة (عليهم السّلام)
الفرع الثامن: إخبار الكهنة والسابقين بأعيان الأئمّة وقيام القائم (عجّل اللّه فرجه)
الفرع التاسع: في ذكر الدجّال وبعض أخباره وحالاته
الفرع العاشر: في أن اثني عشر لا ينطبق في بني اميّة كما زعم ولا في بني العبّاس بل في بني فاطمة (عليها السّلام)
الفرع الحادي عشر: في كراهية التوقيت وظهوره بعد الإياس والنهي عن التسمية ووجوب القيام عند ذكر لقب القائم:
الثمرة الاولى: في كراهية التوقيت
الثمرة الثانية: في القيام عند ذكر لقب القائم (عليه السّلام)
الثمرة الثالثة: في النهي عن التسمية
الغصن الرابع في إمكان الغيبة وعدم استبعادها ومن اتّفقت لهم الغيبة من الأنبياء والأولياء والأوصياء وذكر جمع من المعمّرين
الفرع الأوّل: في إمكان الغيبة ومن اتّفقت لهم
الفرع الثاني: في ذكر جمع من المعمّرين
الغصن الخامس في أخبار أمّه وتولّده والمعترفين بولادته من أهل السنّة والجماعة ومن رآه في حياة أبيه (عليه السّلام) وبعد وفاته في غيبته الصغرى والكبرى ومعاجزه وسفرائه وتوقيعاته:
الفرع الأوّل: أخبار أمّه
الفرع الثاني: أخبار تولّده (عجّل اللّه فرجه)
الفرع الثالث: في ذكر بعض المعترفين بولادته من أهل السنّة والجماعة
الفرع الرابع: من رآه في حياة أبيه
الفرع الخامس: فيمن رآه بعد أبيه في غيبته الصغرى
الفرع السادس: في ذكر جملة من معاجزه ودلائله
ريحانة معطّرة من ثمرة هذا الفرع جعلتها التحفة لمن زار الرضا (عليه السّلام)
الفرع السابع: في بيان نوّابه وسفرائه الممدوحين الذين كانوا في زمان غيبته الصغرى وسائط بين الشيعة وبينه عليه الصلاة والسلام
الفرع الثامن: في علّة الغيبة وكيفية انتفاع الناس به في غيبته (عليه السّلام)
الفرع التاسع: في توقيعاته الشريفة التي صدرت من الناحية المقدّسة
الفرع العاشر: انتظار الفرج ومدح الشيعة في زمان الغيبة وما ينبغي فعله في ذلك الزمان
الفرع الحادي عشر: في شمائله وأوصافه وخصائصه وأسمائه وألقابه وكناه:
الثمرة الاولى: في شمائله وأوصافه (عليه السّلام)
الثمرة الثانية: في خصائصه (عليه السّلام)
الثمرة الثالثة: في أسمائه وألقابه وكناه (سلام اللّه عليه وعلى آبائه)


www.m-mahdi.com

نسخة مصوّرة للصفحة الأولى من المخطوطة

www.m-mahdi.com

نسخة مصوّرة للصفحة الأخيرة من المخطوطة

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

ترجمة المصنف:
هو الشيخ علي بن زين العابدين البارجيني(١)، اليزدي الحائري، المعروف بشهرنوي(٢).
نشأ وترعرع (رحمه اللّه) في قرية صغيرة من قرى أردكان في محافظة يزد، وأكمل دراسته البدائية في مسقط رأسه بارجين القرية الصغيرة، واستمر في دراسته مواظبا عليها حتى أنهاها بتفوق ونجاح، ولكنه من عائلة ذات أصول دينة عرفت بالالتزام والمحافظة فاستهوته دراسة الحديث والفقه والأصول والخوض في مضاميرها لخدمة الدين الإسلامي والمذهب الحنيف، فشد الرحال الى كربلاء - وهي من المراكز العلمية يوم ذاك - ومنها لقّب بالحائري، لأنّ كربلاء كانت تسمى بالحائر الحسيني، فدرس المقدمات والسطوح على يد أساتيذ هذا الفن، حتى شرع بدراسة البحوث العالية.
أساتذته:
درس المؤلف البارجيني (رحمه اللّه) تحت أساتذة معروفين وعلماء مرموقين حتى احتل هذه المنزلة في المجتمع الإسلامي.
ومن أساتذته:
١ - العلامة السيد زين العابدين الطباطبائي الحائري، درس عنده الفقه والأصول والحديث وبرع على يديه.
٢ - العلامة الحاج الشيخ زين العابدين المازندراني الحائري، صاحب كتاب (ذخيرة المعاد) في الفروع الفقهية.
٣ - العلامة الحجة الحاج الميرزا محمد حسين الحسيني المرعشي الشهرستاني الحائري.
وغيرهم من أساطين الفقه والأصول والحديث في كربلاء آنذاك.
وكان الحائري (قدس سره) فقيها فاضلا مفتيا متوقد الذهن سريع الحافظة، بل أوحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الاتقان والضبط كما نقل عنه أصحاب التراجم.
وتدرج به الحال حتى حصل على إجازة الحديث والرواية عن علماء كثيرين منهم أساتذته الذين مرّ ذكرهم، وكذلك عن العلامة جمال السالكين السيد المرتضى الرضوي الكشميري النجفي، وعن العلامة الآية خاتم المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي، والعلامة الآية الحاج ميرزا فتح اللّه شيخ الشريعة الأصفهاني النمازي النجفي.
وغيرهم من العلماء الأعلام والثقات الأفذاذ، الذي كان (رحمه اللّه) محطّ ثقتهم وموضع صدقهم، وهو التلميذ البار الغيور على الإسلام وأهله.
حتى أصبح الشيخ البارجيني (رحمه اللّه) من العلماء المشار إليهم بالبنان وآية من آيات اللّه في المرجعية والتقليد، وإلقاء البحوث العالية لدرس الخارج في الفقه والأصول في الحوزة العلمية.
واستجاز منه جماعة في نقل الحديث والرواية عن أئمة أهل البيت (عليهم السّلام) بالواسطة السلسلية الشريفة.
فممن روى عنه: السيد شمس الدين محمود الحسيني المرعشي النجفي والد العلامة المرجع السيد شمس الدين شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي المتوفى سنة ١٣٣٨ ه ق، وتلميذه العلامة الحجة نظر علي بن إسماعيل الكرماني الواعظ، صاحب أنيس الأنام المتوفى سنة ١٣٤٨ ه ق.
وغيرهم من الأعلام الثقات.
وكان (رحمه اللّه) من أرباب الفضل ورواد العلم والأدب، وكان يتّصف بالتواضع والسماحة، ويشجع على طلب العلم ويحث عليه، حتى جعل هذه المفاهيم مصاديقه عملية حيث كانت داره محط طلاب العلم والفضيلة، فأسس فيها مكتبة عامرة بألوان وأصناف العلوم الفقهية والأصولية والحديثية والأدبية، والكلامية وغيرها.
حتى أن معاصره العلامة آغا بزرك الطهراني عند ما كان يأتي إلى كربلاء فإنه يقضي أكثر أوقاته في مطالعة مكتبة العلامة البارجيني، وهذا يدلّ على عظمة المترجم (رحمه اللّه) ومدى حبه للعلم والعلماء وخدمة الإسلام والمسلمين.
أقوال العلماء في حقه:
ترجم له معاصره العلامة المحقق والآية المدقق الشيخ آغا بزرك الطهراني في أكثر من كتاب وموضوع بقوله: هو الشيخ علي بن زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري المعروف بشهرنوي، عالم متضلع، وفاضل متتبع.
كان من الأجلاء المشهورين في كربلاء، كانت له مكتبة كبيرة فتح لها بابا من خارج بيته، وعرضها لفائدة الناس وأهل الفضل، فكانوا يرتادونها ويستفيدون منها، وقد كنت أطيل المكث فيها لدى تشرّفي بزيارة الحسين (عليه السّلام)(٣).
وقال عمر رضا كحالة في ضمن ترجمته للمؤلف (رحمه اللّه):
علي بن زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري المعروف بالشهرنوي، من الأجلاء في كربلاء، توفي سنة ١٣٣٣ ه ق.
ثم سرد آثار المؤلف وذكر منها كتابه هذا (إلزام الناصب في أحوال الإمام الغائب)(٤).
مصنفات المؤلف (رحمه اللّه):
لقد اغنى المؤلف (رحمه اللّه) المكتبة الإسلامية بمؤلفاته وكتاباته وأفاض على المذهب الحق من مداد قلمه الشريف أنوار كلماته، فرغم جهوده المبذولة في الدرس والتدريس، وأمور العامة، والتصدي للفتوى والمرجعية، كان مترجمنا (رحمه اللّه) يخصص بعض الوقت للكتابة والتأليف ما يسعفه وقته الشريف.
وفي المقام نذكر ما وصل إلينا من مؤلفات العلامة الحائري (قدس سره) في كتب التراجم وهي كالتالي:
١ - كتاب تبصرة المتهجدين في آداب صلاة الليل، وقد طبع في سنة ١٣٣١ ه ق(٥).
٢ - كتاب السعادة الأبدية في الأخبار العددية، لم يطبع(٦).
٣ - كتاب روح السعادة، وهو مختصر السعادة الأبدية وقد طبع في سنة ١٣٣٠ ه ق(٧).
٤ - منظومة في الفقه(٨).
٥ - تواريخ الأنبياء والأئمة، لم يطبع(٩).
٦ - كتاب حدائق الجنان، لم يطبع، وقيل أن إلزام الناصب ضمن كتاب حديقة الجنان(١٠).
٧ - بحر الغموم في مقتل سيدنا الإمام أبي عبد اللّه الحسين السبط الشهيد (عليه السّلام)(١١).
٨ - كتاب إلزام الناصب في أحوال الإمام الغائب.
وهو هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم وقد طبع عدة مرات(١٢)، فرغ من تأليفه المصنف سنة ١٣٢٦ ه ق، وقد أوصى المؤلف المولى محمد حسين القمشهي الصغير أن يطبع كتابه من ثلث ماله، وقد نشر في سنة ١٣٥٢ ه ق وترجم له ولده الميرزا علي أكبر الحائري، وذكر أنه فرغ من تأليفه في سنة ١٣٢٦ ه ق(١٣).
وفاته:
توفي العلامة البارجيني (رحمه اللّه) في سنة ١٣٣٣ ه ق، في مدينة كربلاء المقدسة في العراق، وكان يوم تشييعه مشهودا في المحافل والحوزات الدينية بفقد هذا العالم والمرجع الكبير.
ودفن (رحمه اللّه) في حرم سيدنا العباس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) بالتحديد قريبا من جهة الرجلين، ف (سلام اللّه عليه) يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيا.

[مقدمة الناشر]
هو اللّه تعالى شأنه
بسم اللّه الرّحمن الرحيم

هذا كتاب إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه)، أحد مجلّدات حدائق الجنان في ذكر ما ينبغي أن يطلع عليه الإنسان ممّا ألّفه وصنّفه المرحوم المبرور حضرة شيخ الفقهاء والمجتهدين حجّة الإسلام والمسلمين آية اللّه الكبرى في الأرضين الحاج الشيخ علي اليزدي الحائري أعلى اللّه مقامه ونوّر اللّه مرقده، الذي انتهت إليه الرئاسة العلمية والقضاوة الشرعية وتوفي سنة ١٣٣٣ في الحائر المقدّسة بعد إقامته خمسا وستّين سنة في تلك البلدة الشريفة ودفن في تلك البلدة عند رجلي العبّاس بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، وقد ألّف وصنّف كتبا كثيرة منها السعادة الأبدية في ذكر الأخبار العددية، ومنها روح السعادة التي هي فذلكة السعادة الأبدية وخلاصة الأخبار العددية التي طبعها (رحمه اللّه) في حياته، ومنها إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه)، ومنها منظومة في علم الفقه من الطهارة إلى الزكاة مشتملة على المدارك والاستدلالات.

[مقدمة المؤلف]

هذه النسخة الموسومة بالشجرة المباركة المشتهرة بإلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب (عجّل اللّه تعالى فرجه وسهّل اللّه مخرجه)
بسم اللّه الرّحمن الرحيم
وبه نستعين

نحمدك اللهمّ يا من خصّنا بحججه البالغة ونعمه السابغة الذين بهم رزق الورى وبيمنهم ثبتت الأرض والسماء، ولولاهم لساخت الأرض بأهلها، نشكرك اللهمّ يا من حبانا بخاتم الأوصياء وخاتم الأصفياء وفتننا بغيبته التامّة الإلهية الكبرى والطامة العظمى ومنّ على المؤمنين المنتظرين لدولته ووصفهم بالذكر بقوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(١٤)، والصلاة والسلام على خاتم صحيفة النبوّة والمبعوث على الأمّة بالهداية والرحمة، المبشّر برجعته والمنذر لغيبته ودولته والمذكّر لقيامه وسلطنته حيث أمره اللّه بقوله (وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)(١٥)، وعلى آله وعترته الهداة البررة الكرام، واللعنة على أعاديهم من الآن إلى يوم القيام.
أمّا بعد فيقول العبد الراجي عفو ربّه الغني ابن المرحوم زين العابدين البارجيني اليزدي الحائري علي: إنّي بعد إقامتي في الحائر المقدّسة على ساكنيه آلاف التحية كنت كثيرا ما عازما أن أمهّد صحيفة جامعة في أحوال سيّدنا وإمامنا النجم الثاقب والإمام الغائب حجّة اللّه المنتظر (عجّل اللّه تعالى فرجه) ولا يسعني الزمان من تقلّب الدهر الخوان واختلال البال وكثرة الاشتغال، إلى أن كاد الفراغ من كتابنا الجامع الموسوم ب (حدائق الجنان في ذكر ما ينبغي أن يطّلع عليه الإنسان) وقد خرج منه مجلدات وقد سنح ببالي أن أمهّد شجرة منها في ذلك واجعل كراريس في ترجمة الإمام وقطب رحى الإسلام (عجّل اللّه فرجه).
فبينما أنا فيه وإذا بسانحة عظيمة وعويصة فخيمة وداهية قد أوقعتني في محبس الاعتزال ومسجن الإخمال والإجمال، وغلقت عليّ الباب ولم يكن لي أنيسا سوى ربّ الأرباب فاحتصرت في فسحة الدار ممنوعا من مراجعة الأخيار، فأتى على ذلك أيّام وضاق بي المقام واشتدّ عليّ الأمر وبلغت روحي التراق والتفت الساق بالساق، فسألت اللّه في ذلك وتوسّلت إلى محيط مركز الامّة وشمس فلك الإمامة، وعاهدت اللّه أن أكتب لاستخلاصي منها شرحا مستقلّا يحتوي جلّ ما يتعلّق بأحواله وصحيفة جامعة تفوق الصحف الممهّدة له، فهاجت نفسي فأخذت فيها قبل أن تلمح المناص وتفوح ريح الاستخلاص.
فحاشا المنتظر المهدي نجل الحجّة العسكري (عجّل اللّه فرجه) أن يحجبني دونه الحجاب قبل أوان فراغ غصون هذا الكتاب، فشرعت فيه على المعهود وصرفت إليه عنان المقصود وعكفت عنان الهمّة إلى اجتماع فصول المهمّة فها هو قد أتى، كتاب جامع وبرهان قاطع وصحيفة حاولت النمط الأوفى ومعالم الزلفى وجنّة المأوى، ولعمري قد تضمّن هذه السطور كنوزا من لآلئ المنثور وكتاب مسطور في رقّ منشور، كاشف الغمّة عن المنتظرين، والكافي عن عمدة ما أهمّ المسترشدين لإكمال الدين، بحيرة تضمن بحار الأنوار وعجائب الآثار وينابيع الأخبار بل عيون الأخبار وكشف الأستار عن وجه الغيبة الإلهية النوراء، وشاخص الأبصار نحو البحر الأبيض والجزيرة الخضراء، هداة لإرشاد الصراط المستقيم مبرهنا، براهين إحقاق الحقّ ودر النظيم سيفا لفتوحات عوالم الغيبة، وحساما لقطع حبائل الناصب عن الشيعة، فروعه أبواب دار السلام وفي ثمراته غاية المرام وفاكهة الأنام، ولاشتمالها على أغصان أنواره الزاهرة وأثمار وجوده الباهرة سمّيتها بالشجرة المباركة، ولما تضمّن من خرق ما نسجته العامّة العمياء وقلع ما أسسته أمّة الطواغيت الطغيا من النقض والإبرام في وجوده وتصرّفاته سمّيتها ب (إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب) ورتبته على أغصان.
ثمّ إنّي اقتصرت فيه على لباب الأخبار بطرح المكررات اللفظية والمعنوية؛ بإلغاء الأسانيد والرجال من الأخبار المروية، اعتمادا على الصحاح المشهورة المنقولة واتّكالا على الثقات من الرجال المقبولة، وأحمد اللّه تعالى سبحانه أوّلا وآخرا وصلّى اللّه على خاتم أنبيائه وأشرف سفرائه محمّد وعترته الطاهرين الأنجبين الغرّ الميامين.

الغصن الأوّل

في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة وفيمن مات ولم يعرف إمام زمانه وعلامات الإمام ومعرفته وجوامع صفاته وأنّ الإمامة في الأعقاب ولا تعود في أخ ولا عمّ إلّا الحسن والحسين (عليه السّلام) وعدم مدخلية البلوغ في الإمامة ولا يضرّها صغر السنّ وفيه فروع:
الفرع الأوّل: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة وفيمن مات ولم يعرف إمام زمانه وعلائم الإمام ومعرفته وجوامع صفاته، وفيه ثمرات:
الثمرة الأولى: في أنّ الأرض لا تخلو من حجّة
قال اللّه تعالى في سورة الرعد (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)(١٦) وقال اللّه تعالى في سورة القصص (ولَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)(١٧).
في معالم الزلفى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام.
وقال (عليه السّلام): آخر من يموت الإمام لئلّا يحتجّ أحد على اللّه عزّ وجلّ أنّه تركه بغير حجّة للّه عليه(١٨). وبهذا المضمون أخبار كثيرة بطرق مختلفة.
وفي الأربعين عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو بقيت الأرض يوما بلا إمام منّا لساخت بأهلها ولعذّبهم اللّه بأشدّ عذابه، إنّ اللّه تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه وأمانا في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد اللّه أن يهلكهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا اللّه ثمّ يفعل ما شاء وأحب(١٩).
وفي البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لما انقضت نبوّة آدم وانقطع أكله أوحى اللّه عزّ وجلّ إليه يا آدم قد انقضت نبوّتك وانقطع أكلك فانظر إلى ما عندك من العلم والإيمان وميراث النبوّة وأثرة العلم والاسم الأعظم فاجعله في العقب من ذريتك عند هبة اللّه، فإنّي لم أدع الأرض بغير عالم يعرف طاعتي وديني ويكون نجاة لمن أطاعه(٢٠).
وفيه عن علي (عليه السّلام): لا تخلو الأرض من قائم بحجّة اللّه إمّا ظاهر مشهور وإمّا خائف مغمور لئلّا تبطل حجج اللّه وبيّناته(٢١).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): واللّه ما ترك اللّه الأرض منذ قبض اللّه آدم إلّا وفيها إمام يهتدى به إلى اللّه وهو حجّة اللّه على عباده(٢٢).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الأرض لن تخلو إلّا وفيها عالم(٢٣) كلّما زاد المؤمنون شيئا ردّهم، وإذا نقصوا أكملهم، فقال: خذوه كاملا، ولو لا ذلك لالتبس على المؤمنين أمورهم ولم يفرّقوا بين الحقّ والباطل(٢٤).
وفيه عن رسول (صلّى اللّه عليه وآله): إنّما مثل أهل بيتي في هذه الامّة كمثل نجوم السماء كلّما غاب نجم طلع نجم(٢٥).
وفي الكافي عن هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنه قال للزنديق الذي سأله: من أين أثبت الأنبياء والرسل؟ قال: إنّا لما أنّ لما أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق اللّه وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه ولا يلامسوه فيباشرهم ويباشروه ويحاجّهم ويحاجوه ثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبرون عنه إلى خلقه وعباده ويدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبّرون عنه عزّ وجلّ وهم الأنبياء وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة مبعوثين بها غير مشاركين للناس على مشاركتهم في الخلق والتركيب في شيء من أحوالهم مؤيّدين عند الحكيم العليم بالحكمة.
ثمّ ثبت في كلّ دهر وزمان ممّا أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين لكي لا تخلو أرض اللّه من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقالته وجواز عدالته(٢٦).
وفيه عنه (عليه السّلام): إنّ الحجّة لا يقوم للّه على خلقه إلّا بإمام حيّ حتّى يعرف(٢٧).
وفيه عنه (عليه السّلام): الحجّة قبل الخلق [آدم] ومع الخلق وبعد الخلق [صاحب الأمر] (عليه السّلام)(٢٨).
وفيه سئل أبو عبد اللّه: تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: لا، قلت: يكون إمامان؟ قال: لا إلّا وأحدهما صامت(٢٩).
وفيه عنه (عليه السّلام): إنّ الأرض لا تخلو إلّا وفيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردّهم وإن نقصوا شيئا أتمّه لهم(٣٠).
وفيه عنه (عليه السّلام): ما زالت الأرض إلا وللّه فيها الحجّة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل اللّه(٣١).
وفيه عن أحدهما (عليه السّلام): إنّ اللّه لم يدع الأرض بغير عالم، ولو لا ذلك لم يعرف الحقّ من الباطل(٣٢).
وقال: إنّ اللّه أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل(٣٣).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): واللّه ما ترك اللّه أرضا منذ قبض اللّه آدم إلّا وفيها إمام يهتدى به إلى اللّه عزّ وجلّ وهو حجّته على عباده ولا تبقى الأرض بغير إمام حجّة للّه على عباده(٣٤).
وفيه عن أبي الحسن (عليه السّلام): إنّ الأرض لا تخلو من حجّة وأنا واللّه ذلك الحجّة(٣٥).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت(٣٦).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله(٣٧).
وفيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا. قيل: إنّا نروي أنّها لا تبقى إلّا أن يسخط اللّه عزّ وجلّ على العباد. فقال: لا تبقى إذا لساخت(٣٨).
الثمرة الثانية فيمن مات ولم يعرف إمام زمانه ودان اللّه بغير إمام
في الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) لمحمّد بن مسلم: من دان اللّه بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من اللّه فسعيه غير مقبول وهو ضالّ متحيّر واللّه شانئ لأعماله فمثله كمثل شاة ضلّت عن راعيها وقطيعها فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنّها الليل بصرت بقطيع غنم بغير راعيها فحنّت إليها واغترت بها فباتت معها في مربضها فلمّا أن ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها فهجمت متحيّرة تطلب راعيها وقطيعها وبصرت بغنم مع راعيها فحنّت إليها واغترت بها فصاح بها الراعي: الحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة متحيّرة عن راعيك وقطيعك فهجمت ذعرة متحيّرة نادة(٣٩) ولا راعي لها يرشدها إلى مرعاها أو يردّها فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك واللّه يا محمد من أصبح من هذه الامّة لا إمام له من اللّه جلّ وعزّ ظاهرا عادلا أصبح ضالّا تائها، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق. واعلم يا محمّد أنّ أئمّة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين اللّه قد ضلّوا وأضلّوا فأعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدّت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون ممّا كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد(٤٠).
وفيه عن عبد اللّه بن أبي يعفور قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّي اخالط الناس فيكثر عجبي من أقوام لا يتولّونكم ويتولّون فلانا وفلانا، لهم أمانة وصدق ووفاء، وأقوام يتولّونكم ليس لهم تلك الأمانة ولا الوفاء ولا الصدق. قال: فاستوى أبو عبد اللّه (عليه السّلام) جالسا فأقبل عليّ كالغضبان ثمّ قال: لا دين لمن دان اللّه بولاية إمام جائر ليس من اللّه، ولا عتب على من دان بولاية إمام عادل من اللّه. قلت: لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء! قال: نعم لا دين لأولئك ولا عتب على هؤلاء. ثمّ قال: ألا تسمع لقول اللّه عزّ وجلّ (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ)(٤١) يعني ظلمات الذنوب إلى نور التوبة والمغفرة لولايتهم كلّ إمام عادل من اللّه عزّ وجلّ وقال (والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ)(٤٢) إنّما عنى بهذا أنّهم كانوا على نور الإسلام فلمّا أن تولّوا كلّ إمام جائر ليس من اللّه خرجوا بولايتهم إيّاه من نور الإسلام إلى ظلمات الكفر فأوجب اللّه لهم النار مع الكفّار (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)(٤٣).(٤٤)
وفيه عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه لا يستحي أن يعذّب أمّة دانت بإمام ليس من اللّه، وإن كانت في أعمالها برّة تقيّة. وإنّ اللّه ليستحي أن يعذّب أمّة دانت بإمام وإن كانت في أعمالها ظالمة مسيئة(٤٥).
وفيه عن فضيل بن يسار: ابتدأنا أبو عبد اللّه يوما وقال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): من مات وليس عليه إمام فميتته ميتة جاهلية. قلت: قال ذلك رسول اللّه!؟ فقال: إي واللّه قد قال. قلت: فكلّ من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم(٤٦).
وفيه عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، قال: فقلت: ميتة كفر؟ قال: ميتة ضلال. قلت: فمن مات اليوم وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية؟ قال: نعم(٤٧).
وفيه قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): من دان اللّه بغير سماع عن صادق ألزمه اللّه تعالى العناء، ومن ادّعى سماعا من غير الباب الذي فتحه اللّه تعالى فهو مشرك، وذلك الباب المأمون على سرّ اللّه المكنون(٤٨).
وفيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام) أخبرني عمّن عاندك ولم يعرف حقّك من ولد فاطمة هو وسائر الناس سواء في العقاب [فقال: كان علي بن الحسين (عليه السّلام) يقول: عليهم ضعفا العذاب](٤٩).
وفيه عن ابن أبي نصر سألته (عليه السّلام) الجاحد منكم ومن غيركم سواء؟ فقال: الجاحد منّا له ذنبان والمحسن له حسنتان(٥٠).
الثمرة الثالثة في حالات الإمام وكيفيّاته وعلاماته
في الكافي عن الحكم بن عتيبة(٥١) قال: دخلت على علي بن الحسين (عليه السّلام) يوما فقال: يا حكم هل تدري ما الآية التي كان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يعرف قاتله بها ويعرف بها الامور العظام التي كان يحدّث بها الناس.؟ قال الحكم فقلت في نفسي: قد وقعت على علم من علم علي بن الحسين (عليهما السّلام) أعلم بذلك تلك الامور العظام. قال: فقلت: لا واللّه لا أعلم، ثمّ قلت الآية تخبرني بها يا بن رسول اللّه. قال: هو واللّه قول اللّه (وما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ولا نَبِيٍ)(٥٢) ولا محدّث وكان علي بن أبي طالب (عليه السّلام) محدثا. فقال رجل يقال له عبد اللّه بن زيد كان أخا لعلي لامّة: سبحان اللّه محدثا! كأنه ينكر ذلك. فأقبل عليه أبو جعفر فقال: أما واللّه إن ابن أمّك بعد قد كان يعرف ذلك. قال: فلمّا قال ذلك سكت الرجل، فقال: هي التي هلك فيها أبو الخطّاب(٥٣) فلم يدر ما تأويل المحدّث والنبي(٥٤).
وفي البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): كان علي محدّثا وكان سلمان محدثا. قبل فما آية المحدث؟ قال: يأتيه ملك فينكت كيت وكيت(٥٥).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ عليّا كان محدّثا. فخرجت إلى أصحابي فقلت لهم: جئتكم بعجيبة. قالوا: ما هي؟ قلت: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: كان علي محدّثا. فقالوا: ما صنعت شيئا، ألا سألته من يحدثه.؟ فرجعت إليه فقلت له: إنّي حدّثت أصحابي بما حدثتني فقالوا:
ما صنعت شيئا ألا سألته من يحدثه؟ فقال لي: يحدثه ملك. قلت: فنقول إنّه نبي. قال: فحرّك يده هكذا ثمّ قال أو كصاحب سليمان أو كصاحب موسى أو كذي القرنين، أو ما بلغكم أنّه (عليه السّلام) قال: وفيكم مثله(٥٦).
في الكافي عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: لو لا أن نزداد لأنفدنا. قال: قلت: تزدادون شيئا لا يعلمه رسول اللّه. قال: أما إنّه إذا كان ذلك عرض على رسول اللّه ثمّ على الأئمّة ثمّ انتهى الأمر إلينا(٥٧).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إنّ للّه تعالى علمين علما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فما أظهر عليه ملائكته ورسله وأنبياءه فقد علمناه، وعلما استأثر به، فإذا بدا اللّه في شيء منه أعلمنا ذلك وعرض على الأئمّة الذين كانوا من قبلنا(٥٨).
وفي البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّا لنزداد في الليل والنهار ولو لم نزدد لنفد ما عندنا(٥٩).
وفيه عنه (عليه السّلام) ليحيى الصنعاني(٦٠): يا يحيى في ليالي الجمعة لشأن من الشأن. قال: فقلت له: جعلت فداك وما ذلك الشأن؟ قال: يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السماء حتّى توافي عرش ربّها فتطوف بها اسبوعا وتصلّي عند كلّ قائمة من قوائم العرش ركعتين، ثمّ تردّ إلى الأبدان التي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قد ملئوا وأعطوا سرورا ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وقد زيد في علمه مثل جم الغفير(٦١).
وفي الكافي عن سيف التمّار: كنّا مع أبي عبد اللّه (عليه السّلام) جماعة من الشيعة في الحجر فقال:
علينا عين. فالتفتنا يمنة ويسرة فلم نر أحدا فقلنا: ليس علينا عين. فقال: وربّ الكعبة وربّ البيّنة - ثلاث مرّات - لو كنت بين موسى والخضر [لأخبرتهما أني أعلم منهما ولأنبأتهما بما ليس في أيديهما؛ لأنّ موسى والخضر (عليهما السّلام)](٦٢)، أعطيا علم ما كان ولم يعطيا علم ما يكون وما هو كائن حتّى تقوم الساعة وقد ورثناه من رسول اللّه وراثة(٦٣).
وفيه عنه (عليه السّلام) يقول: إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض ولأعلم ما في الجنّة وأعلم ما في النار وأعلم ما كان وأعلم ما يكون. قال: ثمّ مكث هنيئة فرأى أنّ ذلك كبر على من سمعه منه فقال: علمت ذلك من كتاب اللّه إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول (فيه تبيان كلّ شيء)(٦٤).
وفي البحار عن أبي جعفر (عليه السّلام) سئل علي عن علم النبي فقال (عليه السّلام): علم النبي علم جميع النبيّين وعلم ما كان وما هو كائن إلى قيام الساعة. ثمّ قال: والذي نفسي بيده إنّي لأعلم علم النبي وعلم ما كان وعلم ما هو كائن فيما بيني وبين قيام الساعة(٦٥).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): واللّه إنّي لأعلم ما في السماوات وما في الأرض وما في الجنّة والنار وما كان وما يكون إلى أن تقوم الساعة، ثمّ قال: أعلمه من كتاب اللّه، أنظر إليه هكذا ثمّ بسط كفّيه ثمّ قال: إنّ اللّه يقول (وأنزلنا إليك الكتاب فيه تبيان كلّ شيء)(٦٦).
وفيه عن مفضل عن الصادق (عليه السّلام) قال: يا مفضّل هل عرفت محمّدا وعليّا وفاطمة والحسن والحسين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) كنه معرفتهم؟ قال: يا مفضل من عرفهم كنه معرفتهم كان مؤمنا في السنام الأعلى(٦٧). قال: قلت: عرفني يا سيّدي؟ قال: يا مفضّل تعلم أنّهم علموا ما خلق اللّه عزّ وجلّ وذرأه وبرأه وأنّهم كلمة التقوى وخزّان السماوات والأرضين والجبال والرمال والبحار، وعلموا كم في السماء من نجم وملك وكم وزان الجبال وكيل ماء البحر وأنهارها وعيونها وما تسقط من ورقة إلّا علموها ولا حبّة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلّا في كتاب مبين، وهو في علمهم وقد علموا ذلك. فقلت: يا سيدي قد علمت ذلك وأقررت به وآمنت، قال: نعم يا مفضّل نعم يا مكرم يا محبور نعم يا طيّب، طبت وطابت لك الجنّة ولكلّ مؤمن بها(٦٨).
في البحار عن أصبغ بن نباتة: كنت جالسا عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لاحبّك في السرّ كما احبّك في العلانية. قال: فنكت أمير المؤمنين (عليه السّلام) بعود كان في يده في الأرض ساعة ثمّ رفع رأسه فقال: كذبت واللّه ما أعرف وجهك في الوجوه ولا اسمك في الأسماء. قال الأصبغ: فعجبت من ذلك عجبا شديدا فلم أبرح حتّى أتاه رجل آخر فقال: واللّه يا أمير المؤمنين لاحبّك في السّر كما أحبّك في العلانية. قال: فنكت بعوده ذلك في الأرض طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: صدقت إنّ طينتنا طينة مرحومة أخذ اللّه ميثاقها يوم أخذ الميثاق فلا يشذّ منها شاذ ولا يدخل فيها داخل إلى يوم القيامة أما إنّه فاتخذ للفاقة جلبابا فإنّي سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يقول: الفاقة إلى محبيك أسرع من السيل من أعلى الوادي إلى أسفله(٦٩).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّ رجلا جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وهو مع أصحابه فسلّم عليه ثمّ قال: أنا واللّه أحبّك وأتولّاك. فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): ما أنت كما قلت: إنّ اللّه خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ثمّ عرض علينا المحبّ لنا، فو اللّه ما رأيت روحك فيمن عرض علينا فأين كنت؟ فسكت الرجل عند ذلك ولم يراجعه(٧٠).
في البحار عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه أكرم وأحكم وأجمل وأعظم وأعدل من أن يحتجّ بحجّة ثمّ يغيّب عنه شيئا من امورهم(٧١).
وفيه عنه (عليه السّلام): من زعم أنّ اللّه يحتجّ بعبده في بلاده ثمّ يستر عنه جميع ما يحتاج إليه فقد افترى على اللّه(٧٢).
وفيه عنه عن أبيه (عليهما السّلام) لجماعة من أصحابه: واللّه لو أنّ على أفواههم أوكية لأخبرت كلّ رجل منهم ما لا يستوحش إلى شيء، ولكن فيكم الإذاعة واللّه بالغ أمره(٧٣).
وفيه عن أبيه سعيد الخدري عن رميلة قال: وعكت وعكا شديدا في زمان أمير المؤمنين (عليه السّلام) فوجدت من نفسي خفة في يوم الجمعة وقلت: لا أعرف شيئا أفضل من أن أفيض على نفسي من الماء واصلّي خلف أمير المؤمنين (عليه السّلام)، ففعلت ثمّ جئت إلى المسجد فلمّا صعد أمير المؤمنين (عليه السّلام) المنبر عاد علي ذلك الوعك فلمّا انصرف أمير المؤمنين (عليه السّلام) ودخل القصر دخلت معه فقال: يا رميلة رأيتك وأنت متشبّك بعضك في بعض. فقلت: نعم وقصصت عليه القصة التي كنت فيها والذي حملني على الرغبة في الصلاة خلفه، فقال: يا رميلة ليس من مؤمن يمرض إلّا مرضنا بمرضه ولا يحزن إلّا حزنا بحزنه ولا يدعو إلّا أمّنا بدعائه ولا يسكت إلّا دعونا له. فقلت له: يا أمير المؤمنين جعلني اللّه فداك هذا لمن معك في القصر أرأيت من كان في أطراف الأرض. قال: يا رميلة ليس يغيب عنّا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها(٧٤).
وفي الكافي عن مفضل بن عمر قال: أتينا إلى باب أبي عبد اللّه (عليه السّلام) ونحن نريد الإذن عليه فسمعناه يتكلّم بكلام ليس بالعربية فتوهّمنا أنّه بالسريانية ثمّ بكى فبكينا لبكائه ثمّ خرج إلينا الغلام فأذن لنا فدخلنا عليه فقلت: أصلحك اللّه أتيناك ونريد الإذن عليك فسمعناك تتكلّم بكلام ليس بالعربية فتوهّمنا أنّه بالسريانية ثمّ بكيت فبكينا لبكائك. فقال (عليه السّلام): نعم ذكرت إلياس النبي (عليه السّلام) وكان من عبّاد أنبياء بني إسرائيل فقلت كما يقول في سجوده، ثمّ اندفع فيه بالسريانية. فلا واللّه ما رأينا قسّا ولا جاثليقا أفصح لهجة منه ثمّ فسّره لنا بالعربية فقال: كان يقول في سجوده أتراك معذّبي وقد أظمأت لك هو اجري، أتراك معذّبي وقد عفّرت لك في التراب وجهي، أتراك معذّبي وقد اجتنبت لك المعاصي، أتراك معذّبي وقد أسهرت لك ليلي، قال: فأوحى اللّه إليه أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك. قال: فقال: إن قلت لا أعذّبك ثمّ عذبتني كان ما ذا ألست عبدك وأنت ربّي. قال: فأوحى اللّه إليه أن ارفع رأسك فإنّي غير معذّبك فإنّي إذا وعدت وعدا وفيت به(٧٥).
وفي البحار عن الثمالي عن علي (عليه السّلام): لو ثنيت لي وسادة لحكمت بين أهل القرآن بالقرآن حتّى يزهر إلى اللّه ولحكمت بين أهل التوراة بالتوراة حتّى يزهر إلى اللّه ولحكمت بين أهل الإنجيل بالإنجيل حتّى يزهر إلى اللّه ولحكمت بين أهل الزبور بالزبور حتّى يزهر إلى اللّه، ولو لا آية في كتاب اللّه لأنبئنّكم بما يكون حتّى تقوم الساعة(٧٦).
وفيه عن أبي حمزة الثمالي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه تعالى لمّا أنزل ألواح موسى (عليه السّلام) أنزلها عليه وفيها تبيان كلّ شيء وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة. فلمّا انقضت أيّام موسى (عليه السّلام) أوحى اللّه إليه أن استودع الألواح وهي زبرجدة من جبل الجنّة، فأتى موسى الجبل فانشق له الجبل فجعل فيه الألواح ملفوفة، فلمّا جعلها فيه انطبق الجبل عليها فلم تزل في الجبل حتّى بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) نبيّه، فأقبل ركب من اليمن يريدون النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فلمّا انتهوا إلى الجبل انفرج الجبل وخرجت الألواح ملفوفة كما وصفها موسى فأخذها القوم فلمّا وقعت في أيديهم ألقي في قلوبهم أن لا ينظروا إليها وهابوها حتّى يأتوا بها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأنزل اللّه جبرئيل على نبيّه وأخبره بأمر القوم وبالذي أصابوا، فلمّا قدموا على النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ابتدأهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فسألهم عمّا وجدوا. فقالوا: وما علمك بما وجدنا؟ فقال (صلّى اللّه عليه وآله):
أخبرني به ربّي وهي الألواح. فقالوا: نشهد أنّك رسول اللّه، فأخرجوها ودفعوها إليه، فنظر إليها وقرأها وكتابها بالعبراني، ثمّ دعا أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال: دونك هذه ففيها علم الأوّلين وعلم الآخرين وهي ألواح موسى وقد أمرني ربّي أن أدفعها إليك قال: يا رسول اللّه لست احسن قراءتها. قال: إنّ جبرئيل أمرني أن آمرك أن تضعها تحت رأسك ليلتك هذه فإنّك تصبح وقد علمت قراءتها، فجعلها تحت رأسه فأصبح وقد علّمه اللّه كلّ شيء فيها، فأمره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أن ينسخها في جلد شاة، وهو الجفر وفيه علم الأوّلين والآخرين وهو عندنا والألواح، وعصا موسى عندنا ونحن ورثنا النبي(٧٧).
في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نحن شجرة النبوّة وبيت الرحمة ومفاتيح الحكمة ومعدن العلم وموضوع الرسالة ومختلف الملائكة وموضوع سرّ اللّه، ونحن وديعة اللّه في عباده ونحن حرم اللّه الأكبر ونحن ذمّة اللّه ونحن عهد اللّه، فمن وفى بعهدنا فقد وفى بعهد اللّه ومن خفرها(٧٨) فقد خفر ذمّة اللّه وعهده(٧٩).
في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: واللّه إنّي لأعلم كتاب اللّه من أوّله إلى آخره كأنّه في كفّي، فيه خبر السماء وخبر الأرض وخبر ما كان وخبر ما هو كائن، قال اللّه عزّ وجلّ: (فيه تبيان كلّ شيء)(٨٠).
في الكافي عن عبد الرّحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: (قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ)(٨١) ففرج أبو عبد اللّه بين أصابعه فوضعها في صدره ثمّ قال: وعندنا علم الكتاب كلّه(٨٢).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: إنّ اسم اللّه الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وإنّما كان عند آصف منها حرف واحد فتكلّم به فخسف بالأرض ما بينه وبين سرير بلقيس حتّى تناول السرير بيده ثمّ عادت الأرض كما كانت أسرع من طرفة عين، ونحن عندنا من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا، وحرف عند اللّه تعالى استأثر به في علم الغيب عنده، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العلي العظيم(٨٣).
في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ألواح موسى عندنا وعصا موسى عندنا ونحن ورثة النبيّين(٨٤).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ القائم إذا قام بمكّة وأراد أن يتوجّه إلى الكوفة نادى مناديه:
ألا لا يحمل أحد منكم طعاما ولا شرابا، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير فلا ينزل منزلا إلّا انبعث عين منه فمن كان جائعا شبع ومن كان ظامئا روي فهو زادهم حتّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة(٨٥).
في الكافي عن سعيد السمان قال: كنت عند أبي عبد اللّه إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال فقال: لا(٨٦).
فقالا له: قد أخبرنا عنك الثقات أنّك تفتي وتقرّ وتقول به وتسميتهم لك فلان وفلان وهم أصحاب ورع وتشمير(٨٧)، وهم ممّن لا يكذب، فغضب أبو عبد اللّه (عليه السّلام) وقال: ما أمرتهم بهذا، فلمّا رأيا الغضب في وجهه خرجا. فقال لي: أتعرف هذين؟ قلت: نعم هما من أهل سوقنا وهما من الزيدية وهما يزعمان أنّ سيف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عند عبد اللّه بن الحسن. فقال: كذبا لعنهم اللّه واللّه ما رآه عبد اللّه بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه ولا رآه أبوه، اللهمّ إلّا أن يكون رآه عند علي بن الحسين (عليهما السّلام) فإن كانا صادقين فما علامة في مقبضه؟ وما أثر في موضع مضربه؟ وإنّ عندي لسيف رسول اللّه وإنّ عندي لراية رسول اللّه ودرعه ولامته ومغفره(٨٨)، وإن كانا صادقين فما علامة درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)؟ وإنّ عندي لراية رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) المغلبة، وإنّ عندي ألواح موسى وعصاه وإنّ عندي لخاتم سليمان بن داود (عليهما السّلام)، وإنّ عندي الطست الذي كان موسى يقرب بها القربان، وإنّ عندي الاسم الذي كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإنّ عندي كمثل الذي جاءت به الملائكة(٨٩)، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم اوتوا النبوّة، ومن صار إليه السلاح منّا اوتي الإمامة وقد لبس أبي درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فخطت على الأرض خطيطا ولبستها أنا فكانت وكانت، وقائمنا إذا لبسها ملأها إن شاء اللّه(٩٠).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّما مثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل أينما دار التابوت دار الملك وأينما دار السلاح فينا دار العلم(٩١).
وفيه سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن الجعفر قال: هو جلد ثور مملوء علما. قال له: فالجامعة؟ قال:
تلك الصحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الأديم مثل فخذ الفالج(٩٢)، فبها كلّ ما يحتاج الناس إليه وليس من قضية إلّا وهي فيها حتّى أرش الخدش. قال: فمصحف فاطمة (عليها السّلام)؟ قال:
فسكت طويلا ثمّ قال: إنّكم لتبحثون عمّا تريدون وعمّا لا تريدون، إنّ فاطمة (عليها السّلام) مكثت بعد رسول اللّه سبعين يوما كان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل (عليه السّلام) يأتيها ويحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ويخبرها بما يكون بعدها في ذريّتها فكان علي يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة(٩٣).
في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أي إمام لا يعلم ما يصيبه وإلى ما يصير فليس ذلك بحجّة اللّه على خلقه(٩٤).
وفيه عن حسن بن جهم، قلت للرضا: إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قد عرف قاتله والليلة التي يقتل فيها والموضع الذي يقتل فيه وقوله لمّا سمع صياح الإوز في الدار: صوائح تتبعها نوائح، وقول أمّ كلثوم: لو صلّيت الليلة داخل الدار وأمرت غيرك يصلّي بالناس فأبى عليها، وكثر دخوله وخروجه تلك الليلة بلا سلاح وقد عرف أنّ ابن ملجم قاتله بالسيف، كان هذا ممّا لم يجز تعرّضه. فقال: ذلك كان ولكنّه خيّر في تلك الليلة لتمضي مقادير اللّه عزّ وجلّ(٩٥).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وفي كفنه ودخوله في قبره قلت: يا أباه واللّه ما رأيتك منذ اشتكيت بأحسن منك اليوم، ما رأيت عليك أثر الموت فقال: يا بني أما سمعت علي بن الحسين (عليهما السّلام) ينادي من وراء الجدار: يا محمّد، تعال عجّل(٩٦).
في الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) نزل جبرئيل برمّانتين من الجنّة من الجنّة فلقيه علي (عليه السّلام) فقال: ما هاتان الرمّانتان اللتان في يدك؟ فقال: أمّا هذه فالنبوّة ليس لك فيها نصيب وأمّا هذه فالعلم ثمّ فلقها رسول اللّه بنصفين فأعطاه نصفها وأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) نصفها ثمّ قال: أنت شريكي فيه. قال: فلم يعلم واللّه رسول اللّه حرفا ممّا علّمه اللّه إلّا وقد علّمه عليّا ثمّ انتهى العلم إلينا ثمّ وضع يده على صدره(٩٧).
الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب ونقر في الأسماع.
فقال: أمّا الغابر فما تقدّم من علمنا وأمّا المزبور فما يأتينا وأمّا النكت في القلوب فإلهام وأمّا النقر في الأسماع فأمر الملك(٩٨).
الكافي عن أبي بصير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): من أين أصاب أصحاب علي ما أصابهم مع علمهم بمناياهم وبلاياهم؟ قال: فأجابني شبه المغضب: ممّن ذلك الأمر إلّا منهم. فقلت: ما يمنعك جعلت فداك. قال: ذلك باب أغلق إلّا أن الحسين بن علي (عليهما السّلام) فتح منه شيئا يسيرا.
ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ اولئك كان على أفواههم أوكية(٩٩).
الكافي عن سدير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ قوما يزعمون أنّكم آلهة يتلون علينا بذلك قرآنا (وهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وفِي الْأَرْضِ إِلهٌ)(١٠٠) فقال: يا سدير سمعي وبصري وبشري ولحمي ودمي وشعري من هؤلاء برآء، وبرئ اللّه منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، واللّه لا يجمعني اللّه وإيّاهم يوم القيامة إلّا وهو ساخط عليهم. قال: قلت:
وعندنا قوم يزعمون أنّكم رسل يقرءون علينا بذلك قرآنا (يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)(١٠١) فقال: يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء برآء وبرئ اللّه منهم ورسوله، ما هؤلاء على ديني ولا على دين آبائي، واللّه لا يجمعني اللّه وإيّاهم يوم القيامة إلّا وهو ساخط عليهم قال: قلت: فما أنتم؟
قال: نحن خزّان علم اللّه نحن تراجمة أمر اللّه نحن قوم معصومون، أمر اللّه تبارك وتعالى بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجّة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض(١٠٢).
وفيه عن جابر عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: سألته عن علم العالم. قال لي: يا جابر إنّ في الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح روح القدس وروح الايمان وروح الحياة وروح القوّة وروح الشهوة، فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى. ثمّ قال: يا جابر إنّ هذه الأربعة يصيبها الحدثان إلّا روح القدس فإنّها لا تلهو ولا تلعب(١٠٣).
وفيه عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألته عن علم الإمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته مرخى عليه ستره. قال: يا مفضّل إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل في النبي خمسة أرواح روح الحياة فبه دبّ ودرج، وروح القوّة فبه نهض وجاهد، وروح الشهوة فبه أكل وشرب وأتى النساء من الحلال وروح الإيمان فبه آمن وعدل، وروح القدس فبه حمل النبوّة فإذا قبض النبي (صلّى اللّه عليه وآله) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام، وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يزهو، والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتلهو وتزهو، وروح القدس كان يرى به(١٠٤).
الكافي: سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه عزّ وجلّ (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(١٠٥) قال: خلق أعظم من جبرائيل وميكائيل لم يكن مع أحد ممّن مضى غير محمّد وهو مع الأئمّة يسدّدهم وليس كلّما طلب وجد(١٠٦).
الكافي: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حين سئل عن الإمام متى يعرف إمامته وينتهي الأمر إليه، قال: في آخر دقيقة تبقى من حياة الأوّل(١٠٧).
الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال (الَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شيء)(١٠٨) قال: الذين آمنوا النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السّلام) وذريّته الأئمّة والأوصياء ألحقنا بهم ولم ينقص ذريتهم الحجّة التي جاء بها محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) في علي وحجّتهم واحدة وطاعتهم واحدة(١٠٩).
الكافي عن بريد العجلي: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قوله اللّه عزّ وجلّ (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)(١١٠)،(١١١) قال: إيّانا عنى أن يؤدّوا الأوّل إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل الذي في أيديكم. ثمّ قال للناس (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(١١٢) إيّانا عنى خاصّة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا فإن خفتم تنازعا في أمر فردّوه إلى اللّه وإلى الرسول وأولي الأمر منكم، كذا نزلت، وكيف يأمرهم اللّه عزّ وجلّ بطاعة ولاة الأمر ويرخص في منازعتهم إنّما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم (أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(١١٣).
الكافي عن أبي بصير: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فذكروا الأوصياء وذكرت إسماعيل فقال: لا، واللّه يا أبا محمّد ما ذاك إلينا وما هو إلّا إلى اللّه عزّ وجلّ ينزل واحدا بعد واحد(١١٤).
وفيه عنه (عليه السّلام): أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد لا واللّه ولكن عهد من اللّه ورسوله لرجل فرجل حتّى ينتهي الأمر إلى صاحبه(١١٥).
وفيه عنه (عليه السّلام): إنّ الإمامة عهد من اللّه عزّ وجلّ معهود لرجال مسمّين ليس للإمام أن يزويها عن الذي يكون من بعده، إنّ اللّه تبارك وتعالى أوحى إلى داود (عليه السّلام) أن اتخذ وصيّا من أهلك فإنّه قد سبق في علمي أن لا أبعث نبيّا إلّا وله وصي من أهله، وكان لداود (عليه السّلام) أولاد عدّة فيهم غلام كانت أمّة عند داود وكان لها محبّا فدخل داود (عليه السّلام) عليها حين أتاه الوحي فقال لها: إنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إليّ يأمرني أن أتّخذ وصيّا من أهلي. فقالت له امرأته: فليكن ابني. قال: ذاك اريد. وكان السابق في علم اللّه المحتوم عنده أنّه سليمان فأوحى اللّه تبارك وتعالى لداود أن لا تعجل دون أن يأتيك أمري فلم يلبث داود (عليه السّلام) أن ورد عليه رجلان يختصمان في الغنم والكرم فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى داود أن اجمع ولدك فمن قضى بهذه القضية فأصاب فهو وصيّك من بعدك فجمع داود (عليه السّلام) ولده فلمّا أن قصّ الخصمان قال سليمان: يا صاحب الكرم متى دخلت غنم هذا الرجل كرمك؟ قال: دخلته ليلا، قال: قد قضيت عليك يا صاحب الغنم بأولاد غنمك وأصوافها في عامك هذا. ثمّ قال له داود:
فكيف لم تقض برقاب الغنم وقد قوّم ذلك علماء بني إسرائيل فكان ثمن الكرم قيمة الغنم؟
فقال سليمان (عليه السّلام): إنّ الكرم لم يجتثّ من أصله وإنّما أكل حمله وهو عائد في قابل فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى داود أنّ القضاء في هذه القضية ما قضى سليمان به، يا داود أردت أمرا وأردنا أمرا غيره، فدخل داود على امرأته فقال: أردنا أمرا وأراد اللّه أمرا غيره، لم يكن إلّا ما أراد اللّه عزّ وجلّ فقد رضينا بأمر اللّه عزّ وجلّ وسلّمنا. وكذلك الأوصياء ليس لهم أن يتعدوا بهذه فيتجاوزون صاحبه إلى غيره.
قال الكليني (رحمه اللّه): معنى الحديث الأوّل أن الغنم لو دخلت الكرم نهارا لم يكن على صاحب الغنم شيء لأنّ لصاحب الغنم أن يسرح غنمه بالنهار ترعى وعلى صاحب الكرم حفظه، وعلى صاحب الغنم أن يربط غنمه ليلا ولصاحب الكرم أن ينام في بيته(١١٦).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أترون أن الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟ لا واللّه ولكنّه عهد رسول اللّه إلى رجل فرجل حتّى انتهى إلى نفسه(١١٧).
الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ الوصية نزلت من السماء على محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) كتابا، لم ينزل على محمّد كتاب محتوم إلّا الوصيّة، فقال جبرئيل: يا محمّد هذه وصيّتك في أمّتك عند أهل بيتك، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): أي أهل بيتي يا جبرئيل؟ قال: نجيب اللّه منهم وذريته ليرثك علم النبوّة كما ورّثه إبراهيم وميراثه لعلي وذريّتك من صلبه. قال: وكان عليها خواتيم قال: ففتح علي (عليه السّلام) الخاتم الأوّل ومضى لما فيها، ثمّ فتح الحسن الخاتم الثاني ومضى لما امر به ونهي، فلمّا توفّي الحسن (عليه السّلام) ومضى فتح الحسين (عليه السّلام) الخاتم الثالث فوجدها: أن قاتل فاقتل وتقتل واخرج بأقوام للشهادة لا شهادة لهم إلّا معك. قال: فأفعل ففعل (عليه السّلام). فلمّا مضى دفعها إلى علي بن الحسين قبل ذلك ففتح الخاتم الرابع فوجد فيها: أن اصمت وأطرق لما حجب العلم، فلمّا توفّي ومضى دفعها إلى محمّد بن علي (عليه السّلام) وفتح الخامس فوجد فيها: أن فسّر كتاب اللّه وصدق أباك وورث ابنك واصطنع الامّة وقم بحق اللّه عزّ وجلّ وقل الحقّ في الخوف والأمن ولا تخش إلّا اللّه ففعل، ثمّ دفعها إلى الذي يليه. قال: قلت له: جعلت فداك فأنت هو؟ قال: فقال: ما بي إلّا أن تذهب يا معاذ فتروي عنّي. قال: فقلت: أسأل اللّه الذي رزقك من آبائك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك مثلها قبل الممات. قال: قد فعل اللّه ذلك يا معاذ. قال: فقلت: فمن هو جعلت فداك؟ قال: هذا الراقد، وأشار بيده إلى العبد الصالح وهو راقد(١١٨).
وفي رواية وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده ثمّ كذلك إلى قيام المهدي (عليه السّلام)(١١٩).
الثمرة الرابعة في جامع صفاتهم (صلوات اللّه عليهم)
في البحار عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام): للإمام علامات، يكون أعلم الناس وأحكم الناس وأتقى الناس وأحلم الناس وأشجع الناس وأسخى الناس وأعبد الناس، ويولد مختونا ويكون مطهرا ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أمّه وقع على راحتيه رافعا صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وتنام عيناه ولا ينام قلبه، ويكون محدّثا، ويستوى عليه درع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، ولا يرى له بول ولا غائط؛ لأنّ اللّه عزّ وجلّ قد وكّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه وتكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم وأشفق عليهم من آبائهم وأمّهاتهم ويكون أشدّ تواضعا للّه عزّ وجلّ ويكون آخذ الناس بما يأمر به وأكفّ الناس عمّا ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجابا حتّى إنّه لو دعا على صخرة لانشقّت بنصفين ويكون عنده سلاح رسول اللّه وسيفه ذو الفقار وتكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعا فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر، إهاب ماعز وإهاب كبش فيها جميع العلوم حتّى أرش الخدش وحتّى الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة (عليها السّلام)(١٢٠).
وفيه في حديث آخر: إنّ الإمام مؤيّد بروح القدس وبينه وبين اللّه عزّ وجلّ عمود من نور يرى فيه أعمال العباد، وكلّما احتاج إليه لدلالة اطّلع عليه ويبسط له فيعلم ويقبض عنه فلا يعلم، والإمام يولد ويلد ويصحّ ويمرض ويأكل ويشرب ويبول ويتغوّط وينكح وينام وينسّى ويسهو(١٢١) ويفرح ويحزن ويضحك ويبكي ويحيى ويموت ويقبر فيزار ويحشر ويوقف ويعرض ويسأل ويتاب ويكرم ويشفع، ودلالته في الخصلتين: في العلم واستجابة الدعوة، وكلّما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها فذلك بعهد معهود إليه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) توارثه عن آبائه عنهم ويكون ذلك ممّا عهده إلى جبرئيل عن علّام الغيوب عزّ وجلّ، وجميع الأئمّة الأحد عشر بعد النبي قتلوا، منهم بالسيف وهو أمير المؤمنين والحسين والباقون قتلوا بالسّم، قتل كلّ واحد منهم طاغية زمانه وجرى ذلك عليهم على الحقيقة والصحّة لا كما تقوله الغلاة والمفوّضة لعنهم اللّه، فإنّهم يقولون: إنّهم (عليهم السّلام) لم يقتلوا على الحقيقة وأنّه شبّه للناس أمرهم، وكذبوا عليهم غضب اللّه، فإنّه ما شبه أمر أحد من أنبياء اللّه وحججه للناس إلّا أمر عيسى ابن مريم وحده لأنّه رفع من الأرض حيّا وقبض روحه بين السماء والأرض، ثمّ رفع إلى السماء وردّ عليه روحه وذلك قول اللّه عزّ وجلّ (إِذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إِلَيَ)(١٢٢) وقال عزّ وجلّ حكاية لقول عيسى يوم القيامة (وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأَنْتَ عَلى كُلِّ شيء شَهِيدٌ)(١٢٣).
ويقول المتجاوزون للحدّ في أمر الأئمّة: إنّه جاز أن يشبه أمر عيسى للناس فلم لا يجوز أن يشبه أمرهم (عليهم السّلام) أيضا؟ والذي يجب أن يقال لهم: إنّ عيسى مولود من غير أب فلم لا يجوز أن يكونوا مولودين من غير آباء، فإنّهم لا يجسرون على إظهار مذهبهم لعنهم اللّه في ذلك، ومتى جاز أن يكون جميع أنبياء اللّه ورسله وحججه بعد آدم (عليه السّلام) مولودين من الآباء والامّهات وكان عيسى مولودا من غير أب جاز أن يتشبّه للناس أمره دون أمر غيره من الأنبياء والحجج، كما جاز أن يولد من غير أب دونهم وإنّما أراد اللّه عزّ وجلّ أن يجعل أمره آية وعلامة ليعلم بذلك أنّه على كلّ شيء قدير(١٢٤).
وفي البحار عن مشارق البرسي عن طارق بن شهاب عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: يا طارق الإمام كلمة اللّه وحجّة اللّه ووجه اللّه ونور اللّه وحجاب اللّه وآية اللّه، يختاره اللّه ويجعل فيه ما يشاء ويوجب بذلك الطاعة والولاية على جميع خلقه، فهو وليّه في سماواته وأرضه أخذ له بذلك العهد على جميع عباده، فمن تقدّم عليه كفر باللّه من فوق عرشه، فهو يفعل ما يشاء وإذا شاء اللّه شاء، ويكتب على عضده (وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا)(١٢٥) فهو الصدق والعدل، وينصب له عمود من نور من الأرض إلى السماء يرى فيه أعمال العباد، ويلبس الهيبة وعلم الضمير ويطّلع على الغيب، ويرى ما بين المشرق والمغرب فلا يخفى عليه شيء من عالم الملك والملكوت، ويعطى منطق الطير عند ولايته فهذا الذي يختاره اللّه لوحيه ويرتضيه لغيبه ويؤيّده بكلمته ويلقنه حكمته ويجعل قلبه مكان مشيئته وينادى له بالسلطنة ويذعن له بالإمرة ويحكم له بالطاعة، وذلك لأنّ الإمامة ميراث الأنبياء ومنزلة الأصفياء وخلافة اللّه وخلافة رسل اللّه، فهي عصمة وولاية وسلطنة وهداية، لأنّها تمام الدين ورجح الموازين.
الإمام دليل القاصدين ومنار للمجتهدين وسبيل السالكين وشمس مشرقة في قلوب العارفين، ولايته سبب للنجاة وطاعته مفترضة في الحياة وعدة بعد الممات، وعزّ المؤمنين وشفاعة المذنبين ونجاة المحبّين وفوز التابعين، لأنّها رأس الإسلام وكمال الإيمان ومعرفة الحدود والأحكام وحدّ سنن الحلال من الحرام فهي مرتبة لا ينالها إلّا من اختاره اللّه وقدّمه وولّاه وحكمه، فالولاية هي حفظ الثغور وتدبير الامور وتعديد الأيّام والشهور.
الإمام الماء العذب على الظمأ والدالّ على الهدى.
الإمام المطهّر من الذنوب المطّلع على الغيوب.
الإمام هو الشمس الطالعة على العباد بالأنوار فلا تناله الأيدي والأبصار، وإليه الإشارة بقوله تعالى (ولِلَّهِ الْعِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ)(١٢٦) والمؤمنون علي وعترته فالعزّة للنبي والعترة لا يفترقان في العزّة إلى آخر الدهر، فهم رأس دارة الايمان وقطب الوجود وسماء الجود وشرف الموجود وضوء شمس الشرف ونور قمره وأصل العزّ والمجد ومبدأه ومعناه ومبناه، فالإمام هو السراج الوهّاج والسبيل والمنهاج والماء الثجاج والبحر العجاج(١٢٧) والبدر المشرق والغدير المغدق والمنهج الواضح المسالك والدليل إذا عميت المهالك والسحاب الهاطل والغيث الهائل والبدر الكامل والدليل الفاضل والسماء الظليلة والنعمة الجليلة، والبحر الذي لا ينزف والشرف الذي لا يوصف والعين الغزيرة والروضة المطيرة والزهر الأريج والبدر البهيج والنير اللائح والطيب الفائح والعمل الصالح والمتجر الرابح والمنهج الواضح والطيّب الرفيق والأب الشفيق، مفزع العباد في الدواهي والحاكم والآمر والناهي، مهيمن اللّه على الخلائق وأمينه على الحقائق، حجّة اللّه على عباده ومحجّته في أرضه وبلاده، مطهّر من الذنوب مبرّأ من العيوب مطّلع على الغيوب، ظاهره أمر لا يملك وباطنه غيب لا يدرك، واحد دهره وخليفة اللّه في نهيه وأمره، لا يوجد له مثيل ولا يقوم له بديل، فمن ذا ينال معرفتنا أو يعرف درجتنا ويشهد كرامتنا أو يدرك منزلتنا، حارت الألباب والعقول وتاهت الأفهام فيما أقول، تصاغرت العظماء وتفاخرت العلماء وكلّت الشعراء وخرست البلغاء ولكنت الخطباء وعجزت الفصحاء وتواضعت الأرض والسماء عن وصف شأن الأوصياء، وهل يعرف أو يوصف أو يعلم أو يفهم أو يدرك أو يملك من هو شعاع جلال الكبرياء وشرف الأرض والسماء؟ جلّ مقام آل محمّد عن وصف الواصفين ونعت الناعتين، وأن يقاس بهم أحد من العالمين، كيف وهم الكلمة العليا والتسمية البيضاء والوحدانية الكبرى التي أعرض عنها من أدبر وتولّى وحجاب اللّه الأعظم الأعلى، فأين الاختيار من هذا؟ وأين العقول من هذا؟ ومن ذا عرف أو وصف من وصفت؟ ظنّوا أنّ ذلك في غير آل محمّد، كذبوا وزلّت أقدامهم، اتّخذوا العجل ربّا والشياطين حزبا وكلّ ذلك بغضة لبيت الصفوة ودار العصمة وحسدا لمعدن الرسالة والحكمة، وزيّن لهم الشيطان أعمالهم، فتبّا لهم وسحقا، كيف اختاروا إماما جاهلا عابد الأصنام، جبانا يوم الزحام، والإمام يجب أن يكون عالما لا يجهل وشجاعا لا ينكل لا يعلو عليه حسب ولا يدانيه نسب، فهو في الذروة من قريش والشرف من هاشم والبقية من إبراهيم والمتمتع من النبع الكريم، والنفس من الرسول والرضا من اللّه والقول عن اللّه، فهو شرف الأشراف والفرع من عبد مناف، عالم بالسياسة قائم بالرئاسة مفترض الطاعة إلى يوم الساعة، أودع اللّه قلبه سرّه وأطلق به لسانه فهو معصوم موفّق ليس بجبان ولا جاهل فتركوه يا طارق واتّبعوا أهواءهم ومن أضلّ ممّن اتّبع هواه بغير هدى من اللّه، والإمام يا طارق بشر ملكي وجسد سماوي وأمر إلهي وروح قدسي ومقام عليّ ونور جليّ وسرّ خفيّ، فهو ملكي الذات إلهي الصفات زائد الحسنات. عالم بالمغيبات مدحضا من ربّ العالمين ونصّا من الصادق الأمين جبرئيل، وهذا كلّه لآل محمّد لا يشاركهم فيه مشارك، لأنّهم معدن التنزيل ومعنى التأويل وخاصّة الربّ الجليل ومهبط الأمين جبرئيل، صفوة اللّه وسرّه وكلمته، شجرة النبوّة ومعدن الصفوة، عين المقالة ومنتهى الدلالة ومحكم الرسالة ونور الجلالة وجنب اللّه ووديعته وموضع خلفاء النبي الكريم وأبناء الرءوف الرحيم وأمناء العليّ العظيم، (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(١٢٨) السنام الأعظم والطريق الأقوم من عرفهم وأخذ عنهم فهو منهم، وإليه الإشارة بقوله (فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي)(١٢٩) خلقهم اللّه من نور عظمته وولّاهم أمر مملكته فهم سرّ اللّه المخزون وأولياؤه المقرّبون وأمرهم بين الكاف والنون، لا بل هم الكاف والنون، إلى اللّه يدعون وعنه يقولون وبأمره يعملون، علم الأنبياء في علمهم وسرّ الأوصياء في سرّهم وعزّ الأولياء في عزّهم، كالقطرة في البحر والذرّة في القفر. والسماوات والأرض عند الإمام كيده من راحته يعرف ظاهرها من باطنها ويعلم برّها من فاجرها ورطبها من يابسها، لأنّ اللّه علّم نبيّه علم ما كان وما يكون وورث ذلك السرّ المصون الأوصياء المنتجبون ومن أنكر ذلك فهو شقيّ ملعون يلعنه اللّه ويلعنه اللاعنون.
وكيف يفرض اللّه على عباده طاعة من يحجب عنه ملكوت السماوات والأرض وإنّ الكلمة من آل محمّد تنصرف إلى سبعين وجها وكلّ ما في الذكر الحكيم والكتاب الكريم والكلام القديم من آية تذكر فيها العين والوجه واليد والجنب فالمراد منها الولي، لأنّه جنب اللّه ووجه اللّه نعني حقّ اللّه وعلم اللّه وعين اللّه ويد اللّه، فهم الجنب العلي والوجه الرضي والمنهل الروي والصراط السويّ والوسيلة إلى اللّه والوصلة إلى عفوه ورضاه، سرّ الواحد والأحد فلا يقاس بهم من الخلق أحد، فهم خاصّة اللّه وخالصته وسرّ الديّان وكلمته وباب الإيمان وكعبته وحجّة اللّه ومحجّته وأعلام الهدى ورايته [وفضل اللّه. كلمة اللّه ومفتاح حكمته، مصابيح رحمته وينابيع نعمته، السبيل إلى اللّه والسلسبيل والقسطاس المستقيم والمنهاج القويم والذكر الحكيم والوجه الكريم والنور القديم، أهل التشريف والتقويم والتقديم والتعظيم والتفضيل](١٣٠) ورحمته، وعين اليقين وحقيقته وصراط الحقّ وعصمته ومبدأ الوجود وغايته وقدرة الربّ ومشيئته، وأمّ الكتاب وخاتمته وفصل الخطاب ودلالته وخزنة الوحي وحفظته، آية الذكر وتراجمته ومعدن التنزيل ونهايته، فهم الكواكب العلوية والأنوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية في سماء العظمة المحمّدية والأغصان النبوية النابتة في الدوحة الأحمدية والأسرار الإلهية المودعة في الهياكل البشرية، والذرية الزكية والعترة الهاشمية الهادية المهدية، أولئك هم خير البرية فهم الأئمّة الطاهرون والعترة المعصومون والذرية الأكرمون والخلفاء الراشدون والكبراء الصدّيقون والأوصياء المنتخبون والأسباط المرضيون والهداة المهديون والغرّ الميامين من آل طه ويس وحجج اللّه على الأوّلين والآخرين، واسمهم مكتوب على الأحجار وعلى أوراق الأشجار وعلى أجنحة الأطيار وعلى أبواب الجنّة والنار وعلى العرش والأفلاك وعلى أجنحة الأملاك وعلى حجب الجلال وسرادقات العزّ والجمال وباسمهم تسبّح الأطيار وتستغفر لشيعتهم الحيتان في لجج البحار، وإنّ اللّه لم يخلق أحدا إلّا وأخذ عليه الإقرار بالوحدانية والولاية للذرية الزكية والبراءة من أعدائهم، وإنّ العرش لم يستقرّ حتّى كتب عليه بالنور: لا إله إلّا اللّه محمّد رسول اللّه علي وليّ اللّه(١٣١).
الثمرة الخامسة في معرفة الإمام (عليه السّلام)
في البحار عن محمّد بن صدقة سأل أبو ذرّ الغفاري سلمان الفارسي (رحمه اللّه) وقال: يا أبا عبد اللّه ما معرفة أمير المؤمنين (عليه السّلام) بالنورانية؟ قال جندب: فامض بنا حتّى نسأله عن ذلك.
قال: فأتينا فلم نجده فانتظرناه حتّى جاء. قال (صلوات اللّه عليه): ما جاء بكما؟ قالا: جئناك يا أمير المؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية. قال (عليه السّلام): مرحبا بكما من وليّين متعاهدين لدينه لستما بمقصّرين، لعمري إنّ ذلك الواجب على كلّ مؤمن ومؤمنة. ثمّ قال: يا سلمان ويا جندب.
قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: إنّه لا يستكمل أحد الإيمان حتّى يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فإذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن اللّه قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وصار عارفا مستبصرا، ومن قصّر عن معرفة ذلك فهو شاكّ ومرتاب. يا سلمان ويا جندب قالا:
لبّيك يا أمير المؤمنين، قال (عليه السّلام): معرفتي بالنورانية معرفة اللّه عزّ وجلّ ومعرفة اللّه عزّ وجلّ معرفتي بالنورانية وهو الدين الخالص الذي قال اللّه تعالى (وما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(١٣٢) يقول: ما أمروا إلّا بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وهو دين الحنيفية المحمّدية السمحة، وقوله: ويُقِيمُوا الصَّلاةَ فمن أقام ولايتي فقد أقام الصلاة، وإقامة ولايتي صعب مستصعب لا يحتمله إلّا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان، فالملك إذا لم يكن مقرّبا لم يحتمله والنبي إذا لم يكن مرسلا لم يحتمله والمؤمن إذا لم يكن ممتحنا لم يحتمله. قلت: يا أمير المؤمنين من المؤمن؟ وما نهايته؟ وما حدّه حتّى أعرفه؟ قال: يا أبا عبد اللّه. قلت: لبّيك يا أخا رسول اللّه.
قال: المؤمن الممتحن هو الذي لا يردّ من أمرنا إليه شيء إلّا شرح صدره لقبوله ولم يشكّ ولم يرتد. اعلم يا أبا ذرّ: أنا عبد اللّه عزّ وجلّ وخليفته على عباده لا تجعلونا أربابا وقولوا في فضلنا ما شئتم فإنّكم لم تبلغوا كنه ما فينا ولا نهايته، فإنّ اللّه عزّ وجلّ قد أعطانا أكبر وأعظم ممّا يصفه واصفكم أو يخطر على قلب أحدكم، إذا عرفتمونا هكذا فأنتم المؤمنون. قال سلمان: قلت: يا أخا رسول اللّه ومن أقام الصلاة أقام ولايتك؟ قال: نعم يا سلمان تصديق ذلك قوله تعالى في الكتاب العزيز (واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ)(١٣٣) فالصبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) والصلاة إقامة ولايتي فمنها قال اللّه تعالى وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ ولم يقل وإنّهما لكبيرة لأنّ الولاية كبير حملها إلّا على الخاشعين، والخاشعون هم الشيعة المستبصرون بفضلي لأنّ أهل الأقاويل من المرجئة والقدرية والخوارج وغيرهم من الناصبية يقرّون لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ليس بينهم خلاف، وهم مختلفون في ولايتي منكرون لذلك جاحدون بها إلّا القليل، وهم الذين وصفهم اللّه في كتابه العزيز فقال وإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ.
وقال اللّه تعالى في موضع آخر في كتابه العزيز في نبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وفي ولايتي فقال عزّ وجلّ (وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ)(١٣٤) فالقصر محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) والبئر المعطّلة ولايتي عطّلوها وجحدوها، ومن لم لم يقرّ بولايتي لم ينفعه الإقرار بنبوّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ألا إنّهما مقرونان، وذلك أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) نبي مرسل وهو إمام الخلق ووصيّ محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) كما قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي مرسل بعدي، وأوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد فمن استكمل معرفتي فهو على الدين القيّم كما قال اللّه تعالى ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ وسأبين ذلك بعون اللّه تعالى وتوفيقه.
يا سلمان ويا جندب! قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال: كنت أنا ومحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) نورا واحدا من نور اللّه عزّ وجلّ فأمر اللّه تبارك وتعالى ذلك النور أن يشقّ فقال للنصف: كنّ محمّدا وقال للنصف: كنّ عليّا، فمنها قال رسول اللّه: علي منّي وأنا من علي ولا يؤدّي عنّي إلّا علي، وقد وجّه أبا بكر ببراءة إلى مكّة فنزل جبرئيل فقال: يا محمّد. قال:
لبّيك. قال: إنّ اللّه يأمرك أن تؤدّيها أنت أو رجل منك، فوجّهني في استرداد أبي بكر فرددته فوجد في نفسه وقال: يا رسول اللّه أنزله في القرآن؟ قال: لا ولكن لا يؤدّي إلّا أنا أو علي. يا سلمان ويا جندب. قالا: لبيك يا أخا رسول اللّه. قال: من لا يصلح لحمل صحيفة يؤدّيها عن رسول اللّه كيف يصلح للإمامة؟ يا سلمان ويا جندب فأنا ورسول اللّه نور واحد صار رسول اللّه محمّد المصطفى وصرت أنا وصيّه المرتضى، وصار محمّد الناطق وصرت أنا الصامت، وإنّه لا بدّ في كلّ عصر من الأعصار أن يكون فيه ناطق وصامت. يا سلمان صار محمّد المنذر وصرت أنا الهادي وذلك قوله عزّ وجلّ (إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ)(١٣٥) فرسول اللّه المنذر وأنا الهادي (اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شيء عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ. عالِمُ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ. سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ ومَنْ جَهَرَ بِهِ ومَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وسارِبٌ بِالنَّهارِ. لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)(١٣٦).
قال: فضرب بيده على الأخرى وقال: صار محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) صاحب الجمع وصرت أنا صاحب النشر وصار محمّد صاحب الجنّة وصرت أنا صاحب النار، أقول لها خذي هذا وذري هذا، وصار محمّد صاحب الرجفة وصرت أنا صاحب الهدة وأنا صاحب اللوح المحفوظ، ألهمني اللّه عزّ وجلّ علم ما فيه، نعم يا سلمان ويا جندب صار محمّد (يس والْقُرْآنِ الْحَكِيمِ)(١٣٧) وصار محمد (ن والْقَلَمِ)(١٣٨) وصار محمد طه (ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى)(١٣٩) وصار محمّد صاحب الدلالات، وصرت أنا صاحب المعجزات والآيات وصار محمد خاتم النبيّين وصرت أنا خاتم الوصيّين، وأنا الصراط المستقيم وأنا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون ولا أحد اختلف إلّا في ولايتي، وصار محمد صاحب الدعوة وصرت أنا صاحب السيف وصار محمّد نبيّا مرسلا وصرت أنا صاحب أمر النبيّ، قال اللّه عزّ وجلّ (يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)(١٤٠) وهو روح اللّه لا يعطيه ولا يلقي هذا الروح إلّا على ملك مقرّب أو نبي مرسل أو وصي منتجب فمن أعطاه اللّه هذا الروح فقد أبانه من الناس وفوّض إليه القدرة وأحيى الموتى وعلم بما كان وما يكون وسار من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق في لحظة عين وعلم ما في الضمائر والقلوب وعلم ما في السماوات والأرض. يا سلمان ويا جندب وصار محمد الذكر الذي قال اللّه عزّ وجلّ (قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللَّهِ)(١٤١) إنّي أعطيت علم المنايا والبلايا وفصل الخطاب واستودعت علم القرآن وما هو كائن إلى يوم القيامة ومحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) أقام الحجّة حجّة للناس وصرت أنا حجّة اللّه عزّ وجلّ، جعل اللّه لي ما لم يجعل لأحد من الأولين والآخرين لا لنبي مرسل ولا لملك مقرّب.
يا سلمان ويا جندب، قالا: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: أنا الذي حملت نوحا في السفينة بأمر ربّي(١٤٢)، وأنا الذي أخرجت يونس من بطن الحوت بإذن ربّي، وأنا الذي جاوزت بموسى ابن عمران البحر بإذن ربّي، وأنا الذي أخرجت إبراهيم من النار بإذن ربّي، وأنا الذي أجريت أنهارها وفجّرت عيونها وغرست أشجارها بإذن ربّي، وأنا عذاب يوم الظلمة(١٤٣) وأنا المنادي من مكان قريب قد سمعه الثقلان الجنّ والإنس وفهمه قوم إنّي لأسمع كلّ قوم؛ الجبّارين والمنافقين بلغاتهم، وأنا الخضر معلّم موسى وأنا معلّم سليمان بن داود وأنا ذو القرنين وأنا قدرة اللّه عزّ وجلّ. يا سلمان ويا جندب أنا محمّد ومحمّد أنا وأنا من محمّد ومحمّد منّي. قال اللّه (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ)(١٤٤). يا سلمان ويا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين، قال: إنّ ميّتنا لم يمت وغائبنا لم يغب وإن قتلانا لم يقتلوا. يا سلمان ويا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال: أنا أمير كلّ مؤمن ومؤمنة ممّن مضى وممّن بقي وأيّدت بروح العظمة، وإنّما أنا عبد من عبيد اللّه لا تسمّونا أربابا وقولوا في فضلنا ما شئتم فإنّكم لم تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله اللّه لنا ولا معشار العشر، لأنّا آيات اللّه ودلائله وحجج اللّه وخلفاؤه وأمناء اللّه وأئمّته ووجه اللّه وعين اللّه ولسان اللّه، بنا يعذّب اللّه عباده وبنا يثيب، ومن بين خلقه طهّرنا واختارنا واصطفانا ولو قال قائل لم وكيف وفيم كفر وأشرك، لأنّه لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون. يا سلمان ويا جندب. قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك)، قال (عليه السّلام): من آمن بما قلت وصدّق بما بيّنت وفسّرت وشرحت وأوضحت ونورت وبرهنت فهو مؤمن ممتحن امتحن اللّه قلبه للإيمان وشرح صدره للإسلام وهو عارف مستبصر قد انتهى وبلغ وكمل، ومن شك وعند وجحد ووقف وتحيّر وارتاب فهو مقصّر وناصب. يا سلمان ويا جندب، قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك).
قال: أنا احيي واميت بإذن ربّي وأنبّئكم بما تأكلون وما تدّخرون في بيوتكم بإذن ربّي، وأنا عالم بضمائر قلوبكم، والأئمّة من أولادي يعلمون ويفعلون هذا إذا أحبّوا وأرادوا إنّا كلّنا واحد؛ أوّلنا محمّد وآخرنا محمّد وأوسطنا محمّد وكلّنا محمّد، فلا تفرّقوا بيننا، ونحن إذا شئنا شاء اللّه وإذا كرهنا كره اللّه(١٤٥)، الويل كلّ الويل لمن أنكر فضلنا وخصوصيتنا وما أعطانا اللّه ربّنا؛ لأنّ من أنكر شيئا ممّا أعطانا اللّه فقد أنكر قدرة اللّه عزّ وجلّ ومشيئته فينا. يا سلمان ويا جندب. قالا: لبّيك يا أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليك). قال: لقد أعطانا اللّه ربّنا ما هو أجلّ وأعظم وأعلى وأكبر من هذا كلّه.
قلنا: يا أمير المؤمنين ما الذي أعطاكم ما هو أجلّ وأعظم من هذا كلّه؟ قال (عليه السّلام): قد أعطانا ربّنا عزّ وجلّ، علمنا الاسم الأعظم الذي لو شئنا خرقنا السماوات والأرض والجنّة والنار ونعرج به إلى السماء ونهبط به الأرض ونغرّب ونشرّق وننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي اللّه عزّ وجلّ ويطيعنا كلّ شيء حتّى السماوات والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب والبحار والجنّة والنار، أعطانا اللّه ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به، ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق نعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد اللّه المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون وجعلنا معصومين مطهّرين وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين فنحن نقول الحمد للّه الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لو لا أن هدانا اللّه وحقّت كلمة العذاب على الكافرين، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا اللّه من الفضل والإحسان. يا سلمان ويا جندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسّك بها راشدا مهديّا فإنّه لا يبلغ أحد من شيعتنا حدّ الاستبصار حتى يعرفني بالنورانية فإذا عرفني بها كان مستبصرا بالغا كاملا قد خاض بحرا من العلم وارتقى درجة من الفضل واطّلع على سرّ من أسرار اللّه ومكنون خزائنه(١٤٦).
وفيه عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: لما أفضيت الخلافة إلى بني اميّة سفكوا فيها الدم الحرام ولعنوا فيها أمير المؤمنين على المنابر ألف شهر وتبرّءوا منه واغتالوا الشيعة في كلّ بلدة واستأصلوا بنيانهم من الدنيا لحطام دنياهم، فخوّفوا الناس في البلدان وكلّ من لم يلعن أمير المؤمنين ولم يتبرّأ منه قتلوه كائنا من كان. قال جابر بن يزيد الجعفي: فشكوت من بني امية وأشياعهم إلى الإمام المبين أطهر الطاهرين زين العابدين وسيّد الزهّاد وخليفة اللّه على العباد علي بن الحسين (عليه السّلام) فقلت: يا بن رسول اللّه قد قتلونا تحت كلّ حجر ومدر واستأصلوا شأفتنا وأعلنوا لعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السّلام) على المنابر والمنارات والأسواق والطرقات وتبرّءوا منه، حتّى إنّهم ليجتمعون في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فيلعنون عليّا علانية لا ينكر ذلك أحد ولا ينهر، فإن أنكر ذلك أحد منّا حملوا عليه بأجمعهم وقالوا: هذا رافضي أبو ترابي، وأخذوه إلى سلطانهم وقالوا: هذا ذكر أبا تراب بخير، فضربوه ثمّ حبسوه ثمّ بعد ذلك قتلوه. فلمّا سمع الإمام (صلوات اللّه عليه) ذلك منّي نظر إلى السماء فقال: سبحانك اللهمّ سيّدي ما أحلمك وأعظم شأنك في حلمك وأعلى سلطانك يا ربّ قد أمهلت عبادك في بلادك حتّى ظنّوا أنّك أمهلتهم أبدا وهذا كلّه بعينك، لا يغالب قضاؤك ولا يردّ المحتوم من تدبيرك كيف شئت وأنّى شئت وأنت أعلم به منّا. قال: ثمّ دعا ابنه محمدا، قال: يا بني، قال:
لبّيك يا سيدي. قال: إذا كان غدا فاغد إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) خذ معك الخيط الذي أنزل مع جبرئيل على جدّنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فحرّكه تحريكا ليّنا ولا تحرّكه تحريكا شديدا، اللّه اللّه فتهلك الناس كلّهم.
قال جابر: فبقيت متفكّرا متعجّبا من قوله (عليه السّلام) فما أدري ما أقول لمولاي، فغدوت إلى محمّد وقد بقي عليّ ليل حرصا على أن أنظر إلى الخيط وتحريكه فبينما أنا على الباب إذ خرج الإمام فقمت وسلّمت عليه فردّ عليّ السلام وقال: ما غدا بك؟ فلم تكن تأتينا في هذا الوقت فقلت: يا ابن رسول اللّه سمعت أباك يقول بالأمس خذ الخيط وصر إلى مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فحرّكه تحريكا ليّنا ولا تحرّكه تحريكا شديدا فتهلك الناس كلّهم. فقال: يا جابر لو لا الوقت المعلوم والأجل المحتوم والقدر المقدور لخسفت واللّه بهذا المخلوق المنكوس في طرفة عين، لا بل في لحظة، لا بل في لمحة، ولكنّنا عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعلمون. قال: قلت له: يا سيّدي ولم تفعل هذا بهم؟ قال: ما حضرت أبي بالأمس والشيعة يشكون إليه ما يلقونه من الناصبية الملاعين والقدرية المقصّرين؟ فقلت: بلى يا سيدي. قال: فإنّي أرعبهم وكنت أحب أن يهلك طائفة منهم ويطهّر اللّه منهم البلاد ويريح العباد. قلت: يا سيدي فكيف ترعبهم وهم أكثر من أن يحصوا؟ قال: امض بنا إلى المسجد لأريك قدرة من قدرة اللّه تعالى، قال جابر: فمضيت معه إلى المسجد فصلّى ركعتين ثمّ وضع خدّه على التراب وتكلّم بكلمات ثمّ رفع رأسه وأخرج من كمه خيطا دقيقا يفوح منه رائحة المسك وكان أدقّ في المنظر من خيط المخيط ثمّ قال لي: خذ إليك طرف الخيط وامش رويدا وإيّاك ثمّ إيّاك أن تحرّكه، قال: فأخذت طرف الخيط ومشيت رويدا فقال (عليه السّلام):
قف يا جابر، فوقفت فحرّك الخيط تحريكا ليّنا فما ظننت أنّه حرّكه من لينه ثمّ قال: ناولني طرف الخيط. قال: فناولته فقلت: ما فعلت به يا بن رسول اللّه؟ فقال: ويحك اخرج إلى الناس وانظر ما حالهم. قال: فخرجت من المسجد فإذا صياح وولولة من كلّ ناحية وزاوية وإذا زلزلة وهدّة ورجفة وإذا الهدة أخربت عامّة دور المدينة وهلك تحتها أكثر من ثلاثين ألف رجل وامرأة وإذا بخلق يخرجون من السكك لهم بكاء وعويل وضوضاء ورنّة شديدة وهم يقولون: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون قد قامت الساعة ووقعت الواقعة وهلك الناس. وآخرون يقولون: الزلزلة والهدة، وآخرون يقولون: الرجفة والقيامة هلك فيها عامّة الناس، وإذا اناس قد أقبلوا يبكون يريدون المسجد وبعضهم يقولون لبعض: لم لا يخسف بنا وقد تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وظهر الفسق والفجور وكثر الزنا والربا وشرب الخمر واللواط، واللّه لينزلن بنا ما هو أشدّ من ذلك وأعظم أو نصلح أنفسنا. قال جابر: فقمت متحيّرا أنظر إلى الناس يبكون ويصيحون ويولولون ويفدون زمرا إلى المسجد فرحمتهم حتّى واللّه لبكيت لبكائهم، وإذن لا يدرون من أين أتوا واخذوا فانصرفت إلى الإمام الباقر (عليه السّلام) وقد اجتمع الناس عليه وهم يقولون: يا بن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ما ترى ما نزل بنا وبحرم رسول اللّه قد هلك الناس وماتوا فادع اللّه عزّ وجلّ لنا، فقال: افزعوا إلى الصلاة والصدقة والدعاء. ثمّ سألني وقال: يا جابر ما حال الناس؟ فقلت: يا سيدي لا تسأل يا بن رسول اللّه خربت الدور والقصور وهلك الناس ورأيتهم بغير رحمة فرحمتهم. فقال (عليه السّلام): لا رحمهم اللّه أبدا، أما إنّه قد بقي عليك بقية، لو لا ذلك ما رحمت أعداءنا وأعداء أوليائنا. ثمّ قال: سحقا سحقا وبعدا بعدا للقوم الظالمين واللّه لو حرّكت الخيط أدنى تحريكة لهلكوا أجمعين وجعلوا أعلاها أسفلها ولم يبق دار ولا قصر ولكن أمرني سيّدي ومولاي أن لا أحرّكه شديدا. ثمّ إنّه صعد المنارة والناس لا يرونه وأنا أراه فنادى بأعلى صوته ألا أيّها الضالّون المكذّبون فنظر الناس أنّه صوت من السماء فخرّوا لوجوههم وطارت أفئدتهم وهم يقولون في سجودهم: الأمان الأمان. فإذا هم يسمعون الصيحة بالحقّ ولا يرون الشخص ثمّ أشار بيده (صلوات اللّه عليه) وأنا أراه والناس لا يرونه فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة ليست كالأولى وتهدّمت فيها دور كثيرة ثمّ تلا هذه الآية (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ)(١٤٧) ثمّ تلا بعد ما نزل (فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأَمْطَرْنا)(١٤٨) (عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ)(١٤٩) وتلا (عليه السّلام) (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)(١٥٠). قال: وخرجت المخدّرات في الزلزلة الثانية من خدورهنّ مكشفات الرءوس وإذا الأطفال يبكون ويصر خون فلا يلتفت أحد، فلمّا بصر الباقر (عليه السّلام) ضرب بيده إلى الخيط فجمعه في كفّه فسكنت الزلزلة ثمّ أخذ بيدي والناس لا يرونه وخرجنا من المسجد فإذا قوم قد اجتمعوا على باب حانوت الحداد وهم خلق كثير يقولون: ما سمعتم في مثل هذه المدرة(١٥١) من الهمهمة، فقال بعضهم: بلى همهمة كثيرة. وقال آخرون: بلى واللّه صوت وكلام وصياح كثير ولكنّا واللّه لم نقف على الكلام. قال جابر: فنظر الباقر (عليه السّلام) إلى قصتهم ثمّ قال: يا جابر هذا دأبنا ودأبهم في كلّ عصر، إذا بطروا وأشروا وتمرّدوا وبغوا أرعبناهم وخوّفناهم فإذا ارتدعوا وإلّا أذن اللّه في خسفهم.
قال جابر: يا بن رسول اللّه فما هذا الخيط الذي فيه الأعجوبة؟ قال: هذه بقيّة ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إلينا، يا جابر: إنّ لنا عند اللّه منزلة ومكانا رفيعا ولو لا نحن لم يخلق اللّه أرضا ولا سماء ولا جنّة ولا نارا ولا شمسا ولا قمرا ولا برّا ولا بحرا ولا سهلا ولا جبلا ولا رطبا ولا يابسا ولا حلوا ولا مرّا ولا ماء ولا نباتا ولا شجرا، واخترعنا اللّه من نور ذاته، ولا يقاس بنا بشر، بنا أنقذكم اللّه عزّ وجلّ وبنا هداكم ونحن واللّه دللناكم على ربّكم فقفوا عند أمرنا ونهينا ولا تردوا كلّ ما ورد عليكم منّا فإنّا أكبر وأجلّ وأعظم وأرفع من جميع ما يرد عليكم، ما فهمتموه فاحمدوا اللّه عليه وما جهلتموه فكلوا أمره إلينا وقولوا:
أئمتنا أعلم بما قالوا. قال: ثمّ استقبله أمير المدينة راكبا وحواليه حرّاسه وهم ينادون في الناس: معاشر الناس احضروا إلى ابن رسول اللّه علي بن الحسين وتقرّبوا إلى اللّه عزّ وجلّ به لعلّ اللّه يصرف به عنكم العذاب، فلمّا بصروا بمحمّد بن علي الباقر (عليه السّلام) تبادروا نحوه وقالوا له: يا بن رسول اللّه أما ترى ما نزل بأمّة جدّك محمّد، هلكوا وفنوا عن آخرهم، أين أبوك حتّى نسأله أن يخرج إلى المسجد ونتقرّب به إلى اللّه ليرفع به عن أمّة جدّك هذا البلاء؟ قال لهم محمّد بن علي (عليه السّلام): يفعل اللّه ما يشاء أصلحوا من أنفسكم وعليكم بالتوبة والتضرّع والورع والنهي عمّا أنتم عليه فإنّه لا يأمن مكر اللّه إلّا القوم الخاسرون. قال جابر: فأتينا علي بن الحسين وهو يصلّي فانتظرناه حتّى فرغ من صلاته وأقبل علينا فقال: يا محمّد ما خبر الناس؟
فقال: ذلك لقد رأى من قدرة اللّه عزّ وجلّ ما لا زال متعجّبا منها. قال جابر: فقلت: يا سيدي إنّ سلطانهم سألنا أن نسألك أن تحضر إلى المسجد حتّى يجتمع الناس يدعون ويتضرّعون إلى اللّه عزّ وجلّ ويسألونه الإقالة. قال: فتبسّم ثمّ تلا (أَولَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ)(١٥٢) وقرأ (ولَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شيء قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ)(١٥٣) فقلت: يا سيدي العجب أنّهم لا يدرون من أين أتوا. قال: أجل ثمّ تلا (فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ)(١٥٤) وهي واللّه آياتنا وهذه إحداها وهي واللّه ولا يتنا. يا جابر ما تقول في قوم أماتوا سنّتنا وتولّوا أعداءنا وانتهكوا حريمنا فظلمونا وغصبونا وأحيوا سنن الظالمين وساروا بسيرة الفاسقين. قال جابر: الحمد للّه الذي منّ عليّ بمعرفتكم وألهمني فضلكم ووفّقني لطاعتكم وموالاة مواليكم ومعاداة أعدائكم.
قال (صلوات اللّه عليه): يا جابر أتدري ما المعرفة؟ المعرفة إثبات التوحيد أوّلا ثمّ معرفة المعاني ثانيا ثمّ معرفة الأبواب ثالثا ثمّ معرفة الإمام رابعا ثمّ معرفة الأركان خامسا ثمّ معرفة النقباء سادسا ثمّ معرفة النجباء سابعا وهو قوله تعالى (لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي ولَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً)(١٥٥) وتلا أيضا (ولَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ والْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)(١٥٦).
يا جابر: مالك أمركم إثبات التوحيد ومعرفة المعاني، أما إثبات التوحيد معرفة اللّه القديم الغائب الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير وهو غيب باطن ستدركه كما وصف به نفسه.
أمّا المعاني فنحن معانيه ومظاهره فيكم، اخترعنا من نور ذاته وفوّض إلينا أمور عباده، فنحن نفعل بإذنه ما نشاء ونحن إذا شئنا شاء اللّه وإذا أردنا أراد اللّه، ونحن أحلّنا اللّه هذا المحل واصطفانا من بين عباده وجعلنا حجّة في بلاده، فمن أنكر شيئا من ذلك وردّه فقد ردّ على اللّه جل اسمه وكفر بأنبيائه ورسله. يا جابر من عرف اللّه تعالى بهذه الصفات فقد أثبت التوحيد لأنّ هذه الصفة موافقة لما في الكتاب المنزل وذلك قوله تعالى (لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(١٥٧) وقوله تعالى (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يُسْئَلُونَ)(١٥٨) قال جابر: يا سيدي ما أقلّ أصحابي. قال (عليه السّلام): هيهات هيهات أتدري كم على وجه الأرض من أصحابك؟ قلت: يا بن رسول اللّه كنت أظنّ في كل بلدة ما بين المائة إلى المائتين وفي كل إقليم منهم ما بين الألف إلى ألفين، بل كنت أظنّ أكثر من مائة ألف في أطراف الأرض ونواحيها. قال (عليه السّلام): يا جابر خالفك ظنّك وقصر رأيك أولئك المقصّرون وليسوا لك بأصحاب. قلت: يا بن رسول اللّه ومن المقصّر؟ قال: الذين قصّروا في معرفة الأئمّة وعن معرفة ما فرض اللّه عليهم من أمره وروحه. قلت: يا سيّدي وما معرفة روحه؟
قال (عليه السّلام): أن يعرف كلّ من خصّه اللّه تعالى بالروح فقد فوّض إليه أمره، يخلق بإذنه ويحيي بإذنه ويعلم ما في الضمائر ويعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، ذلك أنّ هذا الروح من أمر اللّه تعالى فمن خصّه اللّه تعالى بهذا الروح فهو كامل غير ناقص يفعل ما يشاء بإذن اللّه، يسير من المشرق إلى المغرب بإذن اللّه في لحظة واحدة يعرج به إلى السماء وينزل به إلى الأرض يفعل ما شاء وأراد. قلت: يا سيّدي أوجدني بيان هذا الروح من كتاب اللّه تعالى وأنّه من أمر خصّه اللّه تعالى بمحمّد وأوصيائه (عليهم السّلام). قال: نعم اقرأ هذه الآية (وكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ ولَا الْإِيمانُ ولكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا)(١٥٩)، وقوله تعالى (أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)(١٦٠) قلت: فرّج اللّه عنك كما فرّجت عنّي ووقفتني على معرفة الروح والأمر. ثمّ قلت: يا سيّدي صلّى اللّه عليك فأكثر الشيعة مقصّرون وأنا ما أعرف من أصحابي على هذه الصفة واحدا. قال: يا جابر فإن لم تعرف منهم أحدا فإنّي أعرف منهم نفرا قلائل يأتون ويسلمون ويتعلّمون منّي شيئا من سرّنا ومكنوننا وباطن علومنا. قلت: إنّ فلان بن فلان وأصحابه من أهل هذه الصفة إن شاء اللّه وذلك أنّي سمعت منهم سرّا من أسراركم وباطنا من علومكم ولا أظنّ إلّا وقد كملوا وبلغوا. قال: يا جابر ادعهم غدا وأحضرهم معك. قال: فأحضرتهم من الغد فسلّموا على الإمام وبجّلوه ووقّروه ووقفوا بين يديه.
فقال: يا جابر أما إنّهم إخوانك وقد بقيت عليهم بقية، أتقرّون أيّها النفر أن اللّه تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ولا معقب لحكمه ولا رادّ لقضائه ولا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون؟
قالوا: نعم إنّ اللّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال جابر: فقلت: الحمد للّه قد استبصروا وعرفوا وبلغوا. قال: يا جابر لا تعجل بما لا تعلم، فبقيت متحيّرا. فقال (عليه السّلام): هل يقدر علي بن الحسين (عليه السّلام) أن يصير بصورة ابنه محمد وهل يقدر ابني محمد أن يصير بصورتي؟ قال جابر:
فسألتهم فأمسكوا وسكتوا. قال: يا جابر سلهم: هل يقدر محمّد أن يكون بصورتي؟ قال جابر: فأسألتهم فأمسكوا وسكتوا. قال: فنظر إليّ الإمام وقال: يا جابر هذا ما أخبرتك به قد بقي عليهم بقيّة. فقلت لهم: ما لكم لا تجيبون إمامكم فسكتوا وشكوا فنظر إليهم وقال: يا جابر هذا ما أخبرتك به، قد بقي عليهم بقيّة. وقال الباقر (عليه السّلام): ما لكم لا تنطقون فنظر بعضهم إلى بعض يتساءلون وقالوا: يا بن رسول اللّه لا علم لنا فعلّمنا. قال: فنظر الإمام سيّد العابدين علي بن الحسين إلى ابنه محمّد الباقر (عليه السّلام) وقال لهم: من هذا؟ قالوا: ابنك. فقال لهم: من أنا؟
قالوا: أبوه علي بن الحسين (عليهما السّلام). قال: فتكلّم بكلام لم نفهم فإذا محمّد بصورة أبيه علي بن الحسين وعلي بصورة ابنه محمّد، قالوا: لا إله إلّا اللّه. فقال الإمام: لا تعجبوا من قدرة اللّه أنا محمّد ومحمّد أنا. وقال محمّد: لا تعجبوا من أمر اللّه أنا علي وعلي أنا وكلّنا واحد من نور واحد وروحنا من أمر اللّه أوّلنا محمّد وأوسطنا محمّد وآخرنا محمّد وكلّنا محمّد. قال: فلمّا سمعوا ذلك خرّوا لوجوههم سجدا وهم يقولون: آمنّا بولايتكم وبسرّكم وعلانيتكم وأقررنا بخصائصكم.
فقال الإمام زين العابدين: يا قوم ارفعوا رءوسكم فأنتم الآن العارفون الفائزون المستبصرون وأنتم الكاملون البالغون اللّه اللّه لا تطلعوا أحدا من المقصّرين المستضعفين على ما رأيتم منّي ومن محمّد فيشنعوا عليكم ويكذّبوكم. قالوا: سمعنا وأطعنا، قال:
فانصرفوا راشدين كاملين. فانصرفوا. قال جابر: قلت: سيّدي وكلّ من لا يعرف هذا الأمر على الوجه الذي صنعته وبيّنته إلّا أن عنده محبّة ويقول بفضلكم ويتبرّأ من أعدائكم، ما يكون حاله؟ قال (عليه السّلام): يكونون في خير إلى أن يبلغوا. قال جابر: قلت: يا بن رسول اللّه هل بعد ذلك شيء يقصّرهم؟ قال (عليه السّلام): نعم إذا قصروا في حقوق إخوانهم ولم يشاركوهم في أموالهم ولم يشاوروهم في سرّ أمورهم وعلانيتهم واستبدّوا بحطام الدنيا دونهم فهنالك تسلب المعروف وتسلخ من دونه سلخا ويصيبه من آفات هذه الدنيا وبلائها ما لا يطيقه ولا يحتمله من الأوجاع في نفسه وذهاب ماله وتشتّت شمله لما قصر في برّ إخوانه.
قال جابر: فاغتممت واللّه غمّا شديدا وقلت: يا بن رسول اللّه ما حقّ المؤمن على أخيه المؤمن؟ قال (عليه السّلام): يفرح لفرحه ويحزن إذا حزن وينفذ اموره كلّها فيحصلها ولا يغتمّ بشيء من حطام الدنيا الفانية إلّا واساه حتّى يجريا في الخير والشرّ في قرن واحد. قلت: يا سيّدي فكيف أوجب اللّه كلّ هذا للمؤمن على أخيه المؤمن؟ قال: لأنّ المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمّه على هذا الأمر لا يكون أخاه وهو أحقّ بما يملكه. قال جابر: سبحان اللّه ومن يقدر على ذلك؟
قال (عليه السّلام): من يريد أن يقرع أبواب الجنان ويعانق الحور الحسان ويجتمع معنا في دار السلام. قال جابر: فقلت: هلكت واللّه يا بن رسول اللّه لأنّي قصّرت في حقوق إخواني ولم أعلم أنّه يلزمني من التقصير كلّ هذا ولا عشره وأنا أتوب إلى اللّه تعالى يا بن رسول اللّه ممّا كان منّي من التقصير في رعاية حقوق إخواني المؤمنين(١٦١).
الفرع الثاني في أنّ الإمامة في الأعقاب وأنّها لا تعود في عمّ ولا أخ إلّا الحسن والحسين (عليهما السّلام)
الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا تعود الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين أبدا إنّما جرت من علي بن الحسين (عليه السّلام) كما قال اللّه تعالى (وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ)(١٦٢) فلا تكون بعد علي بن الحسين إلّا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب(١٦٣).
وفيه سئل أبو الحسن الرضا (عليه السّلام): أتكون الإمامة في عمّ أو خال؟ قال: لا. سئل: ففي أخ؟
فقال: لا. سئل ففيمن؟ قال: في ولدي، وهو يومئذ لا ولد له(١٦٤).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أبى اللّه أن يجعلها لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السّلام)(١٦٥).
وفيه عنه (عليه السّلام): لا تجتمع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين إنّما في الأعقاب وأعقاب الأعقاب(١٦٦).
وفيه قيل لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): إن كان كون ولا أراني اللّه، فبمن ائتم؟ فأومأ إلى ابنه موسى.
قيل: فإن حدث فبمن ائتم؟ قال: بولده. قيل: فإن حدث بولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا فبمن ائتم؟ قال: بولده ثمّ واحد فواحد(١٦٧).
وفي البحار(١٦٨) عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين. قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟ فقال: إنّ اللّه تبارك وتعالى أحبّ أن يجعل سنّة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين، ألا ترى أنّهما كانا شريكين في النبوّة، كما كان الحسن والحسن والحسين شريكين في الإمامة، وأنّ اللّه عزّ وجلّ جعل النبوّة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى (عليه السّلام) وإن كان موسى أفضل من هارون.
قلت: فهل يكون إمامان في وقت؟ قال: لا، إلّا أن يكون أحدهما صامتا مأموما لصاحبه والآخر إماما ناطقا لصاحبه، وأمّا أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا. قلت: فهل الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين؟ قال: إنّما هي جارية في عقب الحسين كما قال اللّه عزّ وجلّ (وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ)(١٦٩) ثمّ هي جارية في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى يوم القيامة(١٧٠).
وفيه عن عبد الرّحمن بن المثنى الهاشمي؛ قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): جعلت فداك من أين جاء لولد الحسين الفضل على ولد الحسن وهما يجريان في شرع واحد؟ فقال: لا أراكم تأخذون به، إنّ جبرائيل نزل على محمد وما ولد الحسين بعد فقال له: يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك. فقال: يا جبرئيل لا حاجة فيه، فخاطبه ثلاثا ثمّ دعا عليّا فقال له: إنّ جبرئيل يخبرني عن اللّه عزّ وجلّ أنّه يولد لك غلام تقتله أمّتك من بعدك. فقال: لا حاجة لي فيه يا رسول اللّه، فخاطب عليا ثلاثا ثمّ قال: إنّه يكون فيه وفي ولده الإمامة والوراثة والخزانة فأرسل إلى فاطمة (عليه السّلام): إنّ اللّه يبشّرك بغلام تقتله أمّتي من بعدي. فقالت فاطمة: ليس لي فيه حاجة يا أبه، فخاطبها ثلاثا ثمّ أرسل إليها: لا بدّ أن يكون فيه الإمامة والوراثة والخزانة. فقالت له: رضيت من اللّه عزّ وجلّ، فعلت وحملت بالحسين فحملت ستّة أشهر ثمّ وضعت ولم يعش مولود قط ستّة أشهر غير الحسين بن علي وعيسى ابن مريم فكفلته أمّ سلمة وكان رسول اللّه يأتيه في كلّ يوم فيضع لسانه في فم الحسين فيمصّه حتّى يروى، فأنبت اللّه عزّ وجلّ لحمه من لحم رسول اللّه ولم يرضع من فاطمة ولا من غيرها لبنا قطّ، فلمّا أنزل اللّه تبارك وتعالى فيه (وحَمْلُهُ وفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وعَلى والِدَيَّ وأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)(١٧١) فلو قال أصلح لي ذريتي كانوا كلّهم أئمّة ولكن خصّ هكذا(١٧٢).
وفيه عن العلل: فقال: يا فضيل أتدري في أيّ شيء كنت أنظر؟ فقلت: لا، قال: كنت أنظر في كتاب فاطمة فليس ملك يملك إلّا وهو مكتوب باسمه واسم أبيه فما وجدت لولد الحسن فيه شيئا(١٧٣).
وفيه عن محمد بن يعقوب البلخي سألت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) قلت: لأي علّة صارت الإمامة في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن؟ قال: لأنّ اللّه عزّ وجلّ جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن واللّه لا يسأل عمّا يفعل(١٧٤).
وفيه عن عبد الرّحمن بن كثير: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما عنى اللّه عزّ وجلّ بقوله (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)(١٧٥) قال: نزلت في النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة فلمّا قبض اللّه عزّ وجلّ نبيّه كان أمير المؤمنين ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ وقع تأويل هذه الآية (وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ)(١٧٦) وكان علي بن الحسين إماما ثمّ جرت في الأئمّة من ولده والأوصياء فطاعتهم طاعة اللّه ومعصيتهم معصية اللّه(١٧٧).
وفيه عن عبد الرحيم القصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ (النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ) في من أنزلت؟ قال: انزلت في الإمرة، إنّ هذه الآية جرت في الحسين بن علي (عليهما السّلام) وفي ولد الحسين من بعده فنحن أولى بالأمر وبرسول اللّه من المؤمنين والمهاجرين. فقلت: لولد جعفر فيها نصيب؟ قال: لا، فعددت عليه بطون بني عبد المطّلب كلّ ذلك يقول: لا. ونسيت ولد الحسن (عليه السّلام) فدخلت عليه بعد ذلك فقلت: هل لولد الحسن فيها نصيب؟ قال: لا يا أبا عبد الرّحمن ما لمحمدي فيها نصيب غيرنا(١٧٨).
الفرع الثالث في عدم مدخلية البلوغ في الإمامة ولا يضرّها صغر السن
في الكافي عن يزيد الكناسي قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام): أكان عيسى ابن مريم حين تكلّم في المهد حجّة اللّه على أهل زمانه؟ فقال: كان يومئذ نبيّا حجّة اللّه غير مرسل أما تسمع لقوله حين قال (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا وجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وأَوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا)(١٧٩) قلت: فكان يومئذ حجّة للّه على زكريا في تلك الحال وهو في المهد؟ فقال: كان عيسى في تلك الحال آية للناس ورحمة من اللّه لمريم حين تكلّم فعبّر عنها وكان نبيّا حجّة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثمّ صمت فلم يتكلّم حتّى مضت.
له سنتان وكان زكريا الحجّة للّه عزّ وجلّ على الناس بعد صمت عيسى سنين(١٨٠) ثمّ مات زكريا فورث ابنه يحيى الكتاب والحكمة وهو صبي صغير، أما تسمع لقوله عزّ وجلّ (يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(١٨١) فلمّا بلغ عيسى سبع سنين تكلّم بالنبوّة والرسالة حين أوحى اللّه تعالى إليه فكان عيسى الحجّة على يحيى وعلى الناس أجمعين، وليس تبقى الأرض يا أبا خالد يوما واحدا بغير حجّة للّه على الناس منذ يوم خلق اللّه آدم وأسكنه الأرض فقلت: جعلت فداك أكان علي حجّة من اللّه ورسوله على هذه الامّة في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)؟ فقال: نعم يوم أقامه للناس ونصبه علما ودعاهم إلى ولايته وأمرهم بطاعته، قلت:
فكانت طاعة علي واجبة على الناس في حياة رسول اللّه وبعد وفاته؟ فقال: نعم ولكنّه صمت فلم يتكلّم مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وكانت الطاعة لرسول اللّه على أمّته وعلى علي في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وكانت الطاعة من اللّه ومن رسوله على الناس كلّهم لعلي بعد وفاة رسول اللّه وكان عليا حكيما عالما(١٨٢).
وفيه عن صفوان بن يحيى قلت للرضا (عليه السّلام): قد كنّا نسألك أن يهب لك أبا جعفر فكنت تقول يهب لي غلاما فقد وهب اللّه لك فقرّ عيوننا، فلا أرانا اللّه يومك، فإن كان كون فإلى من؟
فأشار بيده إلى أبي جعفر وهو قائم بين يديه. فقلت: جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين! قال:
وما يضرّه من ذاك شيء، قد قام عيسى بالحجّة وهو ابن ثلاث سنين(١٨٣).
وفيه عن بعض الأصحاب قلت لأبي جعفر الثاني: إنّهم يقولون في حداثة سنّك. فقال: إنّ اللّه تعالى أوحى إلى داود أن يستخلف سليمان وهو صبي يرعى الغنم فأنكر ذلك عبّاد بني إسرائيل وعلماؤهم، فأوحى اللّه إلى داود (عليه السّلام) أن خذ عصا المتكلّمين وعصا سليمان واجعلهما في بيت واختم عليهما بخواتيم القوم، فإذا كان من الغد فمن كانت عصاه قد أورقت فأثمرت فهو الخليفة، فأخبرهم داود (عليه السّلام) فقالوا: رضينا وسلّمنا(١٨٤).
وفيه عن محمد بن إسماعيل بن بزيع: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن شيء من أمر الإمام فقلت:
يكون الإمام ابن أقلّ من سبع سنين؟ فقال: نعم وأقلّ من خمس سنين(١٨٥).
وفيه عن الخيراني عن أبيه كنت واقفا بين يدي أبي الحسن بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟
قال: إلى أبي جعفر ابني فكأنّ القائل استصغر سنّ أبي جعفر (عليه السّلام). فقال أبو الحسن: إنّ اللّه تبارك وتعالى بعث عيسى ابن مريم رسولا نبيّا صاحب شريعة مبتدئة في أصغر من السنّ الذي فيه أبو جعفر.
وفيه قال علي بن حسان لأبي جعفر: يا سيّدي إنّ الناس ينكرون عليك حداثة سنّك، فقال: وما ينكرون من ذلك قول اللّه؟ لقد قال اللّه لنبيّه (قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا ومَنِ اتَّبَعَنِي)(١٨٦) فو اللّه ما تبعه إلّا علي وله تسع سنين وأنا ابن تسع سنين(١٨٧).
وفيه سئل الرضا (عليه السّلام) عن الإمام يغسله الإمام قال: سنّة موسى بن عمران(١٨٨)، حيث غسل أخاه هارون في التيه(١٨٩).
وفيه قيل للرضا: إنّ الإمام لا يغسله إلّا الإمام. فقال: أما تدرون من حضر لعلّه(١٩٠) قد حضره خير ممّن غاب عنه الذين حضروا يوسف في الجبّ حين غاب أبواه وأهل بيته(١٩١).

الغصن الثاني إخبار اللّه تعالى بقيام القائم (عليه السّلام)

وفيه فرعان:
الفرع الأوّل: إخبار اللّه تعالى في كلامه المجيد وفرقانه الحميد بوجود القائم وغيبته وعلامات ظهوره وقيامه في آخر الزمان والآيات المؤوّلة به.
اعلم أنّ الآيات المذكورة في هذا الغصن والروايات المنقولة المأثورة فيها ما كان أسانيدها مقيّدا مذكورا يؤخذ ويسند إلى من أخذنا منه، وما كان منها مطلقا ينصرف إلى المحجّة للسيّد الجليل النبيل المتبحّر المحدّث النحرير السيّد هاشم البحراني (رحمه اللّه) فمنها:
الآية الاولى:
قوله عزّ وجلّ: (الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ومِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ)(١٩٢) عن الصادق (عليه السّلام): المتّقون شيعة علي والغيب هو الحجّة (عليه السّلام)(١٩٣)، وشاهد ذلك قوله تعالى: (ويَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(١٩٤) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم أولئك من وصفهم اللّه في كتابه فقال تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) قال: اولئك حزب اللّه ألا إنّ حزب اللّه هم الغالبون(١٩٥).
الآية الثانية:
قوله تعالى (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً)(١٩٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يعني أصحاب القائم (عجّل اللّه فرجه) الثلاثمائة والبضعة عشر. قال (عليه السّلام): هم واللّه الأمّة المعدودة يجتمعون واللّه في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف، فيبايعونه بين الركن والمقام ومعه عهد من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقد توارثته الأبناء عن الآباء(١٩٧). وفي ذيل هذه الآية نقل (رحمه اللّه) عن كتاب مسند فاطمة (سلام اللّه عليها) أسماء الأصحاب وبلدهم وعددهم ذكرناها في الفرع الرابع من الغصن السابع لا حاجة بذكرهم.
وفي غيبة النعماني: قال الصادق (عليه السّلام): نزلت الآية في القائم وأصحابه يجمعون على غير ميعاد(١٩٨).
في المجمع عنهم (عليهم السّلام): إنّ المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان. وعن الرضا (عليه السّلام):
وذلك واللّه أن لو قام قائمنا يجمع اللّه جميع شيعتنا من جميع البلدان(١٩٩).
الآية الثالثة:
آية أخرى جعلتها رابعة والرابعة خامسة وهكذا قوله تعالى (وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَ)(٢٠٠) الآية في الخصال عن مفضل بن عمر عن الصادق (عليه السّلام) قال:
سألته عن قول اللّه عزّ وجلّ (وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه وهو أنّه قال: يا رب أسألك بحقّ محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علي، فتاب اللّه عليه إنّه هو التوّاب الرحيم. فقلت: يا ابن رسول اللّه فما يعني عزّ وجلّ بقوله (فَأَتَمَّهُنَ)؟ قال: يعني فأتمهنّ إلى القائم اثنا عشر إماما تسعة من ولد الحسين... الحديث(٢٠١).
الآية قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ)(٢٠٢).
في تفسير البرهان عن العياشي عن الفضل بن محمّد الجعفي عن الصادق (عليه السّلام) قال: الحبّة فاطمة والسبعة السنابل سبعة من ولدها سابعها قائمهم. قلت: الحسن. قال: إنّ الحسن إمام من اللّه مفترض الطاعة ولكن ليس من السنابل السبعة أوّلهم الحسين وآخرهم القائم. قلت:
قوله (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) فقال: يولد للرجل منهم في الكوفة مائة من صلبه وليس ذاك إلّا هؤلاء السبعة(٢٠٣).
أقول:
ينافي هذا الخبر من أنّ الحسين والتسعة من ولده عشرة وعاشرهم قائمهم: أن يحمل السبعة سبعة أسماء وهم حسين وعليّون ثلاث ومحمّدان اثنان وجعفر وموسى والحسن والقائم.
قوله تعالى: (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشيء مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ والْأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)(٢٠٤) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا بدّ وأن يكون قدام قيام القائم سنة يجوع فيها الناس ويصيبهم خوف شديد من القتل ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وإنّ ذلك في كتاب اللّه لبيّن(٢٠٥).
وعن أبي جعفر (عليه السّلام): الجوع جوع خاصّ وجوع عامّ، فأمّا العام فهو بالشام فإنّه عام، وأمّا الخاص بالكوفة يخصّ ولا يعمّ ولكن يخصّ بالكوفة أعداء آل محمّد فيهلكهم اللّه بالجوع، وأمّا الخوف فإنّه عام بالشام وذلك الخوف إذا قام القائم وأمّا الجوع فقبل قيام القائم (عليه السّلام)(٢٠٦).
في الإكمال عن محمد بن مسلم سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ لقيام القائم علامات تكون من اللّه عزّ وجلّ للمؤمنين. قلت: وما هي جعلني اللّه فداك؟ قال: قول اللّه عزّ وجلّ (ولَنَبْلُوَنَّكُمْ) يعني المؤمنين قبل خروج القائم (بِشيء مِنَ الْخَوْفِ والْجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ والْأَنْفُسِ والثَّمَراتِ وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) قال: نبلوهم بشيء من الْخَوْفِ ملوك بني فلان في آخر سلطانهم والْجُوعِ بغلاء أسعارهم ونَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ قال: كساد التجارات وقلّة الفضل والْأَنْفُسِ قال: موت ذريع(٢٠٧) (ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ قلّة ريع ما يزرع وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) عند ذلك بخروج القائم(٢٠٨).
الآية الرابعة:
في أواخر سورة البقرة قوله تعالى (مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)(٢٠٩) في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ أصحاب طالوت ابتلوا بالنهر الذي قال اللّه تعالى (مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وإنّ أصحاب القائم (عليه السّلام) يبتلون بمثل ذلك(٢١٠).
قوله تعالى في سورة آل عمران (ولَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً وإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ)(٢١١) عن أبي الحسن (عليه السّلام): انزلت في القائم إذا خرج باليهود والنصارى والصابئين والزنادقة وأهل الردة والكفّار في شرق الأرض وغربها فعرض (عليه السّلام) عليهم الإسلام فمن أسلم طوعا أمره بالصلاة والزكاة وما يؤمر به المسلم ويوحّد اللّه، ومن لم يسلم ضرب عنقه حتّى لا يبقى في المشارق والمغارب أحد إلّا وحّد اللّه. قلت: جعلت فداك إنّ الخلق أكثر من ذلك؟
فقال: إنّ اللّه إذا أراد أمرا قلّل الكثير وكثّر القليل(٢١٢).
الآية الخامسة:
قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وصابِرُوا ورابِطُوا واتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)(٢١٣) عن الباقر (عليه السّلام): اصبروا على أداء الفرائض وصابروا عدوّكم ورابطوا إمامكم المنتظر(٢١٤).
الآية السادسة:
قال اللّه تعالى (تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ)(٢١٥).
في البحار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ما زال منذ خلق اللّه آدم دولة للّه ودولة لإبليس فأين دولة اللّه؟ ما هو إلّا قائم واحد(٢١٦).
الآية السابعة:
قال اللّه تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها)(٢١٧) عن أبي جعفر (عليه السّلام) لجابر الجعفي: الزم الأرض ولا تحرّك يدا ولا رجلا حتّى ترى علامات أذكرها لك وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدّث به بعدي.. إلى أن يقول: ولا يفلت منهم إلّا ثلاثة نفر يحوّل اللّه وجوههم في أقفيتهم وهم من كلب، وفيهم نزلت هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ) الخ(٢١٨).
الآية الثامنة:
قال اللّه تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(٢١٩) عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد اللّه الأنصاري يقول: لما أنزل اللّه على نبيّه محمّد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الخ قلت: يا رسول اللّه عرفنا اللّه ورسوله فمن اولي الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعتك؟ فقال: هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين من بعدي؛ أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه منّي السّلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ سميّي وكنيّي حجّة اللّه في أرضه وبقيّته في عباده ابن الحسن بن علي (عليهم السّلام)، ذاك الذي يفتح اللّه تعالى ذكره مشارق الأرض له، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن اللّه قبله للايمان. قال جابر: قلت له: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السّلام): إي والذي بعثني بالنبوّة إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّاها سحاب. يا جابر هذا من مكنون سرّ اللّه ومخزون علمه فاكتمه إلّا عن أهله(٢٢٠).
الآية التاسعة:
قال اللّه تعالى (ومَنْ يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصَّالِحِينَ وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً)(٢٢١) في الدمعة عن تفسير القمي عن الصادق (عليه السّلام): النبيّين رسول اللّه والصدّيقين علي والشهداء الحسن والحسين والصالحين الأئمّة وحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً القائم من آل محمّد(٢٢٢).
الآية العاشرة:
قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ إلى قوله تعالى (لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ)(٢٢٣) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: واللّه، الذي صنعه الحسن بن علي كان خيرا لهذه الامّة ممّا طلعت عليه الشمس، فو اللّه لقد نزلت هذه الآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ) إنّما هي طاعة الإمام وطلب القتال فلمّا كتب عليهم القتال مع الحسين (عليه السّلام) (قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ)(٢٢٤) أرادوا تأخير ذلك إلى القائم(٢٢٥).
الآية الحادية عشرة:
قوله تعالى (وإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً)(٢٢٦) عن الباقر (عليه السّلام): إنّ عيسى قبل القيامة ينزل إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملّة يهودي ولا غيره إلّا آمن به قبل موته ويصلّي خلف المهدي (عليه السّلام)(٢٢٧).
الآية الثانية عشرة:
قوله تعالى (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ)(٢٢٨). في البحار: يوم يقوم القائم يئس بنو امية فهم الذين كفروا يئسوا من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)(٢٢٩).
الآية الثالثة عشرة:
قال اللّه تعالى (ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ)(٢٣٠) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لا تشتروا من السودان أحدا فإن كان ولا بدّ فمن النوبة فإنّهم (مِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) أما إنهم سيذكرون ذلك الحظّ وسيخرج مع القائم منّا عصابة منهم، ولا تنكحوا من الأكراد أحدا فإنّهم جنس من الجنّ كشف عنهم الغطاء(٢٣١).
الآية الرابعة عشرة:
قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ - إلى قوله - أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ)(٢٣٢) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ صاحب هذا الأمر محفوظ له، لو ذهب الناس جميعا أتى اللّه بأصحابه وهم الذين قال اللّه (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ)(٢٣٣) وهم الذين قال اللّه (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ)(٢٣٤).
الآية الخامسة عشرة:
قوله تعالى (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شيء حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ)(٢٣٥) عن أبي جعفر (عليه السّلام): أمّا قوله (فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ) يعني دولتهم في الدنيا وما بسط لهم فيها، وأمّا قوله (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) يعني قيام القائم(٢٣٦).
الآية السادسة عشرة:
قوله تعالى (فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ)(٢٣٧) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أهل هذه الآية هم أهل تلك الآية أي قوله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ إلى أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ)(٢٣٨).
الآية السابعة عشرة:
قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)(٢٣٩) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الآيات الأئمّة والآية المنتظرة القائم فيومئذ لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل قيامه بالسيف وإن آمنت بما تقدّم من آبائه(٢٤٠).
الآية الثامنة عشرة:
قوله تعالى (المص)(٢٤١) في البحار والدمعة والمحجّة(٢٤٢) عن أبي جعفر (عليه السّلام) لأبي لبيد: إنّه يملك من ولد العبّاس اثنا عشر يقتل بعد الثامن منهم أربعة فتصيب أحدهم الذبحة فتذبحه فئة قصيرة أعمارهم، قليلة مدّتهم، خبيثة سيرتهم منهم الفويسق الملقّب بالهادي والناطق والغاوي. يا أبا لبيد إنّ في حروف القرآن المقطّعة لعلما جمّا، إنّ اللّه تعالى أنزل (الم ذلِكَ الْكِتابُ)(٢٤٣) فقام محمد حتّى ظهر نوره وثبتت كلمته، وولد يوم ولد وقد مضى من الألف السابع مائة سنة وثلاث سنين، ثمّ قال: وتبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار، وليس من الحروف المقطعة حرف لا ينقضي الأيّام إلّا وقائم من بني هاشم عند انقضائه، ثمّ الألف واحد (واللام) ثلاثون (والميم) أربعون (والصاد) تسعون، فذلك مائة وإحدى وستّون. ثمّ كان بدء خروج الحسين بن علي الم اللّه فلمّا بلغت مدّته قام قائم ولد العبّاس من عند المص ويقوم قائمنا عند انقضائها ب المر فافهم ذلك وعه واكتمه(٢٤٤).
فاكهة قال الشيخ الأوحد الشيخ أحمد الأحسائي في بيان الرمز: كان في زماننا رجل من أهل الخلاف يدّعي معرفة الحقيقة والرمز، فاجتمع ببعض إخواننا المعاصرين لنا وهو شيخنا الشيخ موسى بن محمد الصائغ، فكان بينهما كلام في بعض المسائل فأخبرني بمجلسهما وأنّه كثير الدعوى وهو على مذهب أهل الخلاف في أنّ الصاحب (عليه السّلام) في الأصلاب، فأشار إليّ أن أكتب مسألة فيها رمز لا يفهمها حتّى ينكسر، وإن فهمها انكسر؛ لأنّها تلزمه مذهب الحقّ ضرورة وعيانا ومشاهدة وكشفا وإشارة ودلالة وحسّا وجفرا وشرعا وغير ذلك حتّى لا يكون له ولمنكره سبيل في أرض أو سماء إلّا الإقرار أو الانكسار وهي:
بسم اللّه الرّحمن الرحيم.
أقول:
روي أنّه بعد انقضاء المص ب المر يقوم المهدي والألف قد أتى على آخر الصاد والصاد عندكم أوسع من الفخذين فكيف يكون احداهما. وأيضا الواو ثلاثة أحرف ستّة وألف وستّة وقد مضت ستّة الأيام والألف هو التمام ولا كلام فكيف الستّة والأيّام الأخر وإلّا لما حصل العود لأنّه سر التنكيس لرمز الرئيس، فإن حصل من الغير الإقرار بالستّة الباقية تمّ الأمر بالحجّة وظهر الاسم الأعظم بالألفين القائمين بالحرف الذي هو حرفان من اللّه؛ إذ هما أحد عشر وبهما ثلاثة عشر فظهروا والذي هو هاء فأين الفصل؟ ولكن الواحد ما بين الستّة والستّة مقدر بانقضاء المص ب المر فظهر الستّة والستين في سدسها الذي هو ربعها وتمام السدس الذي هو الربع بالألف المندمجين فيه وسرّه تنزل الألف من النقطة الواسعة بالستّة والستّة الثاني في الليلة المباركة بالأحد عشر وهي هو الذي هو الستر والاسم المستتر الأوّل الظاهر في سرّ يوم الخميس، فيستتم السرّ يوم الجمعة ويجري الماء المعين يوم تأتي السماء بدخان مبين، هذا والكلّ في الواو المنكوسة من الهاء المهموسة فأين الوصل عند مثبت الفصل؟ ليس في الواحد ولا بينه غير وإلّا لكان غير واحد (وتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ)(٢٤٥) تمّ كلامه(٢٤٦).
قال بعض الفضلاء في حلّ هذا الرمز: هذا الحديث من أخبارهم الصعبة المستصعبة، هذا واحتمال البداء في أخبارهم من غير الحتمية جار، وهو يرفع إشكال عدم المطابقة في بعض التواريخ كما عرفت بل يمكن أن يخبروا بخبر في رجل فيقع في ولده أو يخبروا في ولده فيقع في ولد ولده، فعن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ اللّه أوحى إلى عمران إنّي واهب لك ذكرا سويا مباركا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن اللّه وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل، فحدّث عمران بذلك امرأته حنّة وهي أمّ مريم فلمّا حملت بها كان حملها عند نفسها غلاما فلمّا وضعتها قالت: (إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى ولَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى)(٢٤٧) أي لا تكون البنت رسولا، يقول اللّه عزّ وجلّ (واللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) فلمّا وهب اللّه لمريم عيسى كان هو الذي بشّر به عمران ووعده إيّاه، فإذا قلنا في الرجل منّا شيئا فكان في ولده أو ولد ولده فلا تنكروا ذلك(٢٤٨).
وفي العوالم عن غيبة الطوسي قال أبو عبد اللّه: كان هذا الأمر فيّ فأخّره اللّه ويفعل بعد بذريّتي ما يشاء(٢٤٩). وقال: قد يقوم الرجل بعدل أو يجور وينسب إليه، ولم يكن قام به فيكون ذلك ابنه أو ابن ابنه من بعده وهو(٢٥٠)، انتهى. فإذا إذا صدر عنهم توقيت على حسب التقدير ذلك اليوم ولم يقع في الموعد ولعلّه يقع بعد أيام أو شهور أو سنين، ولا حرج إذا أخبروا عن مجرى التقدير ولا كذب. وقد قلنا إنّه لا يقع إذا أخبروا حال التحدّي وإقامة الحجّة فإنّ أغلب توقيتاتهم التي أخبروا عنها وتحيّر العلماء في تطبيقها يحمل على ذلك ولا تحير بعد هذا، ويمكن أن يكون العدد عدد الأيّام أو الأسابيع أو الشهور أو السنين أو القرون، ويمكن أن يكون نفس العدد العدد الكبير أو العدد الوسيط أو العدد الصغير أو العدد المجموعي أو عدد الزبر أو عدد البيّنات أو هما معا أو عدد الحروف أو الأبجد المعروف أو أبجد المغاربة أو غيرهم أو عدد كبير الأبجد أو عدد صغير الأبجد أو غير ذلك. ومن كان من أهل الجفر يقدر على تطبيق الأعداد مع الحوادث الماضية بوجه من الوجوه ولكن الحوادث الآتية فلا يحصل منها العلم، لأنّ الإنسان لا يعلم أن يحاسب بأي تلك الأعداد ولا علم عندي في قول الإنسان يحتمل ويحتمل، ولا فضل فيه. وقال الفاضل المذكور عند شرح قوله: وأيضا الواو ثلاثة أحرف ستّة ألف وستّة إلى الرمز الرئيس.
أقول: قد مضت الإشارة إلى شرح ذلك ونزيد بيانا بالستر الجفري أنّ اسم الواو ويكتب واو وألف وواو كما ترى، فالواو الأوّل ستّة وهو إشارة إلى الستّة الأيّام في القوس النزولية أو الغيب أو الدهر والواو الآخر إشارة إلى الستّة الأيّام في الغيب في القوس الصعودية أو الشهادة والزمان. وقد علم أولو الألباب أنّ الاستدلال على ما هنالك لا يعلم إلّا بما هاهنا، فكما أنّ نزول الأشياء لم يكن إلّا في الحدود الستّة، صعودها أيضا لا يكون إلّا في الحدود الستة، والألف القائم في الواوين هو الولي الواقف على الطتنجين الناظر في المغربين والمشرقين، والواو فخذاه وهو قائم بهما قيام ظهور، وهما حيتان قائمتان به، وقد عرفت أنّ الحدود الستّة لا قوام لها بدون جوهر يكون ركن وجودها وقوام شهودها، فلا قوام للواو الأوّل إلّا بالألف بداهة وهو التمام ولا كلام، فإنّه لا يضرّ بالمخالف فإذا كان العود على جهة البدء كما قال سبحانه (كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ)(٢٥١) فلا بدّ وأن يكون للواو الآخر أيضا ألف، ولما كان الألفان واحدا بين الرئيس في رمزه الحرف بالتنكيس ليعود على الأوّل فتبيّن وظهر لمن نظر وأبصر أنّ الواو الثاني يحتاج إلى الألف كما يحتاج إليه الواو الأوّل، فلأجل ذلك نكس الواو الرئيس (عجّل اللّه فرجه) في رمزه في الاسم الأعظم وهو هذا* ١١١ مم ١١١١ ه، فنكس الواو ليدل على دورانه على الألف الأوّل هكذا وا، فأشار بتنكيس الواو إلى دورانه على الألف الذي هو قطبها وعليه يدور رحاهما، ظاهر بهما وبه قوامهما. إلى هنا مقدار حاجتنا.
الآية التاسعة عشرة:
قوله تعالى (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ)(٢٥٢)، عن كتاب التحصين لابن فهد الحلّي صاحب العدّة في صفات العارفين في القطب الثالث منه عن كتاب زهد النبي (صلّى اللّه عليه وآله) بإسناده عن عميرة بن نفيل قال: سمعت النبي (صلّى اللّه عليه وآله) يقول: وأقبل على اسامة بن زيد فقال: يا اسامة. وساق الحديث إلى أن قال: ثمّ بكى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) حتّى علا بكاؤه واشتد نحيبه وزفيره وشهيقه، وهاب القوم أن يكلّموه فظنّوا أنّه لأمر قد حدث من السماء، ثمّ إنّه رفع رأسه فتنفّس الصعداء ثمّ قال: اوه اوه، بؤسا لهذه الامّة، ما ذا يلقى منهم من أطاع اللّه، ويضربون ويكذبون من أجل أنّهم أطاعوا اللّه فأذلّوهم بطاعة اللّه، ألا ولا تقوم الساعة حتّى يبغض الناس من أطاع اللّه ويحبّون من عصى اللّه، فقال عمر: يا رسول اللّه والناس يومئذ على الإسلام؟
قال (صلّى اللّه عليه وآله): وأين الإسلام يومئذ يا عمر، إنّ المسلم كالغريب الشريد، ذلك زمان يذهب فيه الإسلام، ولا يبقى إلّا اسمه، ويندرس فيه القرآن فلا يبقى إلّا رسمه. قال عمر: يا رسول اللّه وفيما يكذبون من أطاع اللّه ويطردونهم ويعذّبونهم؟ فقال: يا عمر ترك القوم الطريق وركنوا إلى الدنيا ورفضوا الآخرة وأكلوا الطيّبات ولبسوا الثياب المزيّنات وخدمتهم أبناء فارس والروم، فهم يغتذون في طيب الطعام ولذيذ الشراب وزكي الذبح ومشيد البنيان ومزخرف البيوت ومنجد المجالس، يتبرّج الرجل منهم كما تتبرّج الزوجة لزوجها وتتبرّج النساء بالحلي والحلل المزيّنة، رأيتهم يومئذ ذي الملوك الجبابرة يتباهون بالجاه واللباس، وأولياء اللّه عليهم الفناء، شجية ألوانهم من السهر، ومنحنية أصلابهم من القيام، قد لصقت بطونهم بظهورهم من طول الصيام، قد أذهلوا أنفسهم وذبحوها بالعطش طلبا لرضى اللّه وشوقا إلى جزيل ثوابه وخوفا من أليم عقابه، فإذا تكلّم منهم بحق متكلّم أو تفوّه بصدق قيل له:
اسكت فأنت قرين الشيطان ورأس الضلالة، يتأوّلون كتاب اللّه على غير تأويله ويقولون (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ - إلى قوله تعالى - هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) عن الصادق (عليه السّلام) فهو من الآيات التي تأويلها بعد تنزيلها قال: ذلك بعد قيام القائم، ويقول يوم القيامة (يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ أي تركوه قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا) قال: هذا يوم القيامة (أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وضَلَّ عَنْهُمْ - أي بطل - ما كانُوا يَفْتَرُونَ)(٢٥٣).(٢٥٤)
الآية العشرون:
قوله تعالى (قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٢٥٥). في الدمعة عن الكافي عن أبي جعفر (عليه السّلام) عن كتاب علي: أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الأرض ونحن المتقون والأرض كلها لنا فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها، وليؤدّ خراجها إلى الإمام من أهل بيتي وله ما أكل حتّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف فيحويها ويمنعها منهم ويخرجهم كما حواها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ومنعها إلّا ما كان في أيدي شيعتنا، يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم(٢٥٦).
الآية الحادية والعشرون:
قوله تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ - إلى قوله - الْمُفْلِحُونَ)(٢٥٧) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:
يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ والْإِنْجِيلِ يعني النبي والوصي والقائم (عليه السّلام)، يأمرهم بالمعروف إذا قام وينهاهم عن المنكر، والمنكر من أنكر فضل الإمام وجحده (ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ) أخذ العلم من أهله (ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ) قول من خالف (ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) وهي الذنوب التي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الإمام والأغلال التي كانت عليهم (والْأَغْلالَ) ما كانوا يقولون ممّا لم يكونوا أمروا به من ترك فضل الإمام (فلمّا عرفوا) فضل الإمام (ويَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ) والإصر الذنوب ثمّ نسبهم فقال (فَالَّذِينَ آمَنُوا) يعني بالإمام (وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) يعني الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها، والجبت والطاغوت فلان وفلان وفلان، والعبادة طاعة الناس لهم، ثمّ قال (وأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ)(٢٥٨) ثمّ جزاهم فقال (لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الْآخِرَةِ)(٢٥٩) والإمام يبشّرهم بقيام القائم وبظهوره وبقتل أعدائهم وبالنجاة في الآخرة والورود على محمّد - (صلّى اللّه عليه وآله) الصادقين - على الحوض(٢٦٠).
الآية الثانية والعشرون:
قوله تعالى (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ)(٢٦١) عن المفضل بن عمر، قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام)، إذا ظهر القائم من ظهر هذا البيت(٢٦٢) بعث اللّه معه سبعة وعشرين رجلا، منهم أربعة عشر رجلا من قوم موسى وهم الذين قال اللّه (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ)، وأصحاب الكهف سبعة والمقداد وجابر الأنصاري ومؤمن آل فرعون ويوشع بن نون وصيّ موسى(٢٦٣).
الآية الثالثة والعشرون:
قوله تعالى (وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(٢٦٤) عن أبي جعفر (عليه السّلام): لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قام قائمنا بعد سيرى من يدرك ما يكون من تأويل هذه الآية ليبلغن دين محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ما بلغ الليل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض(٢٦٥).
الآية الرابعة والعشرون:
قوله تعالى (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(٢٦٦).
في البحار: يعني تكذيبه بقائم آل محمد؛ إذ يقول له: لسنا نعرفك ولست من ولد فاطمة كما قال المشركون لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله)(٢٦٧).
الآية الخامسة والعشرون:
قوله تعالى (وأَذانٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ)(٢٦٨) في البحار، قال: خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه(٢٦٩).
الآية السادسة والعشرون:
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٢٧٠) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): واللّه ما انزل تأويلها حتّى يخرج القائم، فإذا خرج القائم لم يبق كافر باللّه ولا مشرك بالإمام إلّا كره خروجه، حتّى لو كان كافر في بطن صخرة قالت: يا مؤمن في بطني كافر فاكسرني واقتله(٢٧١).
الآية السابعة والعشرون:
قوله تعالى (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)(٢٧٢).
في البحار والمحجّة والدمعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): موسع على شعيتنا أن ينفقوا ممّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتّى يأتيه فيستعين به على عدوّه، وهو قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه (والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والْفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ)(٢٧٣).
الآية الثامنة والعشرون:
قوله تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)(٢٧٤) عن جابر الجعفي: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن تأويل قول اللّه عزّ وجلّ (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) قال: فنفّس سيدي الصعداء ثمّ قال (عليه السّلام): يا جابر أمّا السنة فهي جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وشهورها اثنا عشر شهرا فهو أمير المؤمنين (عليه السّلام) وإلى الحسن وإلى الحسين وإلى أبي علي زين العابدين وإليّ وإلى ابني جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وإلى ابنه الحسن وإلى ابنه محمد الهادي المهدي اثنا عشر إماما، حجج اللّه على خلقه وأمناؤه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الذين هم الدين القيم أربعة منهم يخرجون باسم واحد علي أمير المؤمنين وأبي علي بن الحسين وعلي بن موسى وعلي بن محمد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيم (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)، أي قولوا بهم جميعا تهتدوا(٢٧٥).
الآية التاسعة والعشرون:
قوله تعالى (وقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً)(٢٧٦) عن أبي جعفر (عليه السّلام): قاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة حتّى لا يكون شرك ويكون الدين كلّه للّه. فقال: ولم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمّد ما بلغ الليل حتّى لا يكون شرك على ظهر الأرض كما قال اللّه تعالى(٢٧٧).
الآية الثلاثون:
قوله تعالى (ويَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ)(٢٧٨) عن الصادق (عليه السّلام): المتّقون شيعة علي، والغيب الحجّة القائم(٢٧٩).
الآية الحادية والثلاثون:
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ)(٢٨٠) في الدمعة عن أبي جعفر (عليه السّلام): فهو عذاب ينزل في آخر الزمان على فسقة أهل القبلة وهم يجحدون نزول العذاب عليهم(٢٨١).
الآية الثانية والثلاثون:
قوله تعالى (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً)(٢٨٢) عن الصادق (عليه السّلام) قال: نزلت في بني فلان ثلاث آيات: قوله عزّ وجلّ (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ إلى أَوْ نَهاراً) يعني القائم بالسيف (فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ) وقوله عزّ وجلّ ولو فتحنا عليهم بركات (كُلِّ شيء حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ)(٢٨٣) قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): بالسيف، وقوله عزّ وجلّ (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) يعني القائم يسأل بني فلان عن كنوز بني امية(٢٨٤).
الآية الثالثة والثلاثون:
قوله تعالى (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٢٨٥) عن عبد الرّحمن بن مسلمة الجريري قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): يوبخوننا ويكذّبوننا أنّا نقول: صيحتان يكونان، يقولون: من أين يعرف المحقّة من المبطلة إذا كانتا؟
قال: فما تردّون عليهم؟ قلت: ما نردّ عليهم شيئا. قال: قولوا يصدق بها إذا كان من يؤمن بها من قبل إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(٢٨٦).
الآية الرابعة والثلاثون:
قوله تعالى في سورة هود (مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى والْأَصَمِّ والْبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ)(٢٨٧) في مجمع النورين وملتقى البحرين للشيخ أبي الحسن المرندي عن عبد اللّه البشار الأخ الرضاعي للحسين بن علي (عليهما السّلام) في حديث طويل له عن الحسين (عليه السّلام) قال: اختلاف الصنفين من العجم في لفظ كلمة عدل [إلى أن يقول:] ويسفك فيهم دماء كثيرة ويقتل منهم ألوف ألوف ألوف وخروج الشروس من بلاد الأرومية إلى أذربايجان يسمّى بالتبريز، يريد وراء الري الجبل الأحمر بالجبل الأسود لزيق جبال طالقان - فتكون بين الشروس(٢٨٨) والمروزي وقعة صيلمانية يشيب منه الصغير ويهرم منه الكبير، اللّه اللّه فتوقّعوا خروجه إلى الزوراء وهي بغداد وهي أرض مشئومة، هي أرض ملعونة، ويبعث جيشه إلى الزوراء مائة وثلاثون ألف ويقتل على جسرها إلى مدّة ثلاثة أيّام سبعون ألف نفس ويفتض اثنا عشر ألف بكر، وترى ماء الدجلة محمرا من الدم ومن نتن الأجساد(٢٨٩).
من سورة الشعراء ومن سورة هود قوله تعالى (ولَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ)(٢٩٠) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): العذاب خروج القائم والامّة المعدودة أهل بدر وأصحابه(٢٩١).
الآية الخامسة والثلاثون:
قوله تعالى (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)(٢٩٢) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوّة القائم والركن الشديد الثلاثمائة والثلاثة عشر أصحابه، وقال (عليه السّلام): ما كان قول لوط (عليه السّلام) لقومه (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ) إلّا تمنيا لقوّة القائم، ولا الركن إلّا شدّة أصحابه فإنّ الرجل منهم يعطى قوّة أربعين رجلا وإنّ قلبه أشدّ من زبر الحديد، لو مروا بالجبال الحديد لتدكدكت، لا يكفون سيوفهم حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ(٢٩٣).
الآية السادسة والثلاثون:
قوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا)(٢٩٤) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): جاء رجل إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فشكا إليه طول دولة الجور فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): واللّه لا يكون ما تأملون حتّى يهلك المبطلون ويضمحل الجاهلون ويأمن المتّقون، وقليل ما يكون حتّى لا يكون لأحدكم موضع قدمه، وحتّى تكونوا على الناس أهون من الميتة عند صاحبها، فبينا أنتم كذلك إذا جاء نصر اللّه والفتح وهو قول ربّي عزّ وجلّ في كتابه (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا)(٢٩٥).
الآية السابعة والثلاثون:
قوله تعالى (وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)(٢٩٦) عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول: أيّام اللّه ثلاثة؛ يوم القائم ويوم الكرّة ويوم القيامة(٢٩٧).
الآية الثامنة والثلاثون:
قوله تعالى (قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ)(٢٩٨) (رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ ونَتَّبِعِ الرُّسُلَ)(٢٩٩) عن أبي جعفر (عليه السّلام): أرادوا تأخير ذلك إلى القائم(٣٠٠).
الآية التاسعة والثلاثون:
قوله تعالى (وسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)(٣٠١) عن غير واحد ممّن حضر عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) رجل يقول: قد بنيت دار صالح ودار عيسى بن علي وذكر دور العباسية، فقال رجل: أرانا اللّه خرابها أو خرّبها بأيدينا، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السّلام):
لا تقل هكذا، بل يكون مساكن القائم وأصحابه، أما سمعت اللّه يقول (وسَكَنْتُمْ فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ)(٣٠٢).
الآية الأربعون:
قوله تعالى (وإِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ)(٣٠٣)، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):
إنّ مكر بني العبّاس بالقائم لتزول منه قلوب الرجال(٣٠٤).
الآية الحادية والأربعون:
قوله تعالى (شَدِيدُ الْمِحالِ)(٣٠٥)، في غيبة النعماني عن علي (عليه السّلام): إن بين يدي القائم سنين خداعة، يكذّب فيها الصادق ويصدّق فيها الكاذب، ويقرّب فيها الماحل وينطق فيها الرويبضة. فقلت: وما الرويبضة؟ وما الماحل؟ قال (عليه السّلام): أو ما تقرءون القرآن قوله وهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ قال: يريد المكر، فقلت: وما الماحل؟ قال: يريد المكّار(٣٠٦).
الآية قوله تعالى (أَولَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها واللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ)(٣٠٧). عن الطبرسي في المجمع عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: نقصانها ذهاب عالمها(٣٠٨). وعن القمي قال: موت علمائها(٣٠٩). وعن الكافي عن الصادق (عليه السّلام) نَنْقُصُها يعني بالموت من العلماء، قال: نقصانها ذهاب عالمها(٣١٠).
وعن الجوامع: يريد أرض الكفر ننقصها من أطرافها بما يفتح على المسلمين من بلادهم فننقص بلاد الحرب ونزيد في بلاد الإسلام(٣١١).
الآية الثانية والأربعون:
قوله تعالى (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)(٣١٢) عن الصادق (عليه السّلام): أي وقت قيام قائمنا فيأخذ بناصيته ويضرب عنقه، فذلك إلى يوم الوقت المعلوم(٣١٣).
الآية الثالثة والأربعون:
قوله تعالى (ولَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي والْقُرْآنَ الْعَظِيمَ)(٣١٤) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إن ظاهرها الحمد وباطنها ولد الولد والسابع منها القائم (عليه السّلام)(٣١٥).
الآية الرابعة والأربعون
من سورة النحل: قوله تعالى (أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)(٣١٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ أوّل من يبايع القائم (عليه السّلام) جبرئيل، ينزل بصورة طير أبيض فيبايعه، ثمّ يضع رجلا على بيت اللّه الحرام ورجلا على بيت المقدس، ثمّ ينادي بصوت ذلق فيسمع الخلائق (أَتى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ)(٣١٧).(٣١٨)
وفي غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام) قال: هو أمرنا أمر اللّه عزّ وجلّ فلا تستعجل به، يؤيّده بثلاثة أجناد: بالملائكة وبالمؤمنين وبالرعب، وخروجه كخروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وذلك قوله عزّ وجلّ (كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ)(٣١٩).(٣٢٠)
الآية الخامسة والأربعون:
قوله تعالى (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٣٢١) عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام):
(وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) الخ الآية. فقال لي: يا أبا بصير ما تقول في هذه الآية؟ قلت: إنّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أن اللّه لا يبعث الموتى. قال: فقال: تبّا لمن قال هذا، هل كان المشركون يحلفون باللّه أم باللّات والعزّى؟ قال: قلت: جعلت فداك فأوجدنيه. قال:
فقال: يا أبا بصير لو قد قام قائمنا بعث اللّه إليه قوما من شيعتنا قباع سيوفهم على عواتقهم فيبلغ ذلك قوما من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بعث فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم (عليه السّلام) فبلغ ذلك من عدوّنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب، لا واللّه ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة. قال: فحكى اللّه قولهم (وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ)(٣٢٢).
الآية السادسة والأربعون:
قوله تعالى (أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ)(٣٢٣) سئل أبو عبد اللّه عن قول اللّه في هذه الآية، قال: هم أعداء اللّه وهم يمسخون(٣٢٤) ويقذفون ويسيحون في الأرض(٣٢٥).
الآية السابعة والأربعون:
قوله تعالى (وقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ - إلى قوله تعالى - وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(٣٢٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في هذه الآية (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ) قال: قتل أمير المؤمنين (عليه السّلام) وطعن الحسن بن علي (ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) قال: قتل الحسين، والكرّة الرجعة(٣٢٧).
وفي الصافي في ذيل (لكم الكرة) أن في الحديث: هي خروج الحسين في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهبة لكل بيضة وجهان، يؤدّون إلى الناس أنّ هذا الحسين قد خرج حتّى لا يشكّ المؤمنون فيه، وأنّه ليس بدجّال ولا شيطان، والحجّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنّه الحسين جاء الحجّة الموت فيكون هو الذي يغسّله ويكفّنه ويحنّطه ويلحده في حفرته، ولا يلي الوصي إلّا الوصي (فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما) قال: إذا جاء نصر الحسين (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ) قوم يبعثهم اللّه قبل قيام القائم (عليه السّلام) ثمّ لا يدعون لآل محمّد وترا إلّا أخذوه (وكانَ وَعْداً مَفْعُولًا)(٣٢٨).
وقد ذكرنا هذه الآية في الثمرة الثالثة من الغصن التاسع في ذكر الآيات المشعرة بالرجعة عموما مفصّلا ذكرناها هنا طردا للباب.
الآية الثامنة والأربعون:
قوله تعالى (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا)(٣٢٩) عن الصادق (عليه السّلام) (عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ) أن ينصركم على عدوّكم ثمّ خاطب بني امية فقال:
(وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا) يعني عدتم بالسفياني عدنا بالقائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) (وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً)(٣٣٠).
الآية التاسعة والأربعون:
قوله تعالى (ومَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً)(٣٣١) سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن قوله تعالى (ومَنْ قُتِلَ إلى إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) قال (عليه السّلام): ذلك قائم آل محمّد (صلوات اللّه عليه) يخرج فيقتل بدم الحسين، فلو قتل أهل الأرض لم يكن مسرفا وقوله فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ أي لم يكن ليضيع شيئا فيكون مسرفا، ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): يقتل واللّه ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائهم.
وعنه (عليه السّلام): إذا قام القائم (عليه السّلام) قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) بفعال آبائها. فقال: هو كذلك.
قلت: فقول اللّه عزّ وجلّ (أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى)(٣٣٢) ما معناه؟ فقال: صدق اللّه في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين (عليه السّلام) يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئا كمن أتاه، ولو أنّ رجلا قتل في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند اللّه عزّ وجلّ شريك القاتل، وإنّما يقتلهم بالقائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم. قال: فقلت له:
بأي شيء يبدأ القائم فيكم؟ قال: يبدأ ببني شيبة ويقطع أيديهم لأنّهم سرّاق بيت اللّه عزّ وجلّ(٣٣٣).
الآية الخمسون:
سورة بني إسرائيل قوله تعالى (وقُلْ جاءَ الْحَقُّ وزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً)(٣٣٤) عن أبي جعفر (عليه السّلام): إذا قام القائم ذهبت دولة الباطل(٣٣٥).
قوله تعالى (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)(٣٣٦) عن جابر الجعفي عن الصادق (عليه السّلام) يقول: الزم الأرض ولا تحرّك يدك ولا رجلك أبدا حتّى ترى علامات أذكرها لك في سنة وتر، وترى مناديا ينادي بدمشق وخسف بقرية من قراها وتسقط طائفة من مسجدها، فإذا رأيت الترك جاوزوها فأقبلت الترك حتّى نزلت الجزيرة وأقبلت الروم حتّى نزلت الرملة، وسنة اختلاف في كلّ أرض من أرض العرب، وأنّ أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات الأصهب والأبقع والسفياني مع بني ذنب الحمار مضر، ومع السفياني أخواله كلب، يظهر السفياني ومن معه على بني ذنب الحمار حتّى يقتلوا قتلا لم يقتله شيئا قط، ويحضر رجل بدمشق فيقتل هو ومن معه قتلا وهو من بني ذنب الحمار وهي الآية التي يقول اللّه تعالى (فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ إلى يَوْمٍ عَظِيمٍ)(٣٣٧) والحديث طويل فاطلبه في محلّه(٣٣٨).
الآية الحادية والخمسون:
قوله تعالى (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وأَضْعَفُ جُنْداً)(٣٣٩) عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ وجلّ (وإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وأَحْسَنُ نَدِيًّا)(٣٤٠) قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) دعا قريشا إلى ولايتنا فنفروا وأنكروا، فقال الذين كفروا من قريش للذين آمنوا؛ الذين أقرّوا لأمير المؤمنين ولنا أهل البيت: أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديّا تعييرا منهم فقال اللّه ردّا عليهم: (وكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ) من الامم السالفة (هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً ورِءْياً) قلت: قوله (قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا)(٣٤١) قال: كلّهم كانوا في الضلالة لا يؤمنون بولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) ولا بولايتنا فكانوا ضالّين مضلّين، فيمدّ لهم في ضلالتهم وطغيانهم حتّى يموتوا فيصيّرهم اللّه شرّ مكانا وأَضْعَفُ جُنْداً.
قلت: قوله (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً وأَضْعَفُ جُنْداً) قال: أمّا قوله (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ) فهو خروج القائم وهو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من اللّه على يدي وليّه فذلك قوله (مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً) نعني عند القائم (وأَضْعَفُ جُنْداً) قلت: قوله (ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً)(٣٤٢) قال: يزيدهم ذلك اليوم هدى على هدى باتّباعهم القائم حيث لا يجحدونه ولا ينكرونه قلت: قوله (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً)(٣٤٣) قال: إلّا من دان اللّه بولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) والأئمّة من بعده فهو العهد عند اللّه.
قلت: قوله (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا)(٣٤٤) قال: ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) هو الودّ الذي قال اللّه.
قلت: قوله (فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا)(٣٤٥) قال: إنّما يسّرناه على لسانه حين قام أمير المؤمنين (عليه السّلام) علما فبشّر به المؤمنين وأنذر به الكافرين وهم الذين ذكرهم اللّه في كتابه لُدًّا أي كفّارا(٣٤٦).
الآية الثانية والخمسون:
قوله تعالى (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وما خَلْفَهُمْ ولا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً)(٣٤٧) عن الصادق (عليه السّلام) قال: ما بين أيديهم ما مضى من أخبار الأنبياء، وما خلفهم من أخبار القائم(٣٤٨).
الآية الثالثة والخمسون:
قوله تعالى (ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٣٤٩) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: أخذ اللّه الميثاق على النبيين وقال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى) وأن هذا محمّدا رسولي، وأن عليا أمير المؤمنين والأوصياء من بعده ولاة أمري وخزّان علمي، وأنّ المهدي أنتصر به لديني وأظهر به دولتي فأنتقم به من أعدائي وأعبد به طوعا وكرها (قالوا أقررنا ربنا وشهدنا) ولم يجحد آدم ولم يقرّ فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي ولم يكن لآدم عزيمة على الإقرار وهو قول اللّه تعالى (ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)(٣٥٠).
الآية الرابعة والخمسون:
قوله تعالى (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ ومَنِ اهْتَدى)(٣٥١) عن موسى بن جعفر (عليه السّلام): سألت أبي عن هذه الآية قال: الصراط هو القائم، والمهدي ومن اهتدى إلى طاعته(٣٥٢). ومثلها في كتاب اللّه (وإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وآمَنَ وعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى)(٣٥٣) قال: إلى ولايتنا. وفي كثير من الروايات أنّها في الأئمّة وولايتهم(٣٥٤).
الآية الخامسة والخمسون:
قوله تعالى (وكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ إلى قوله لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ إلى قوله تعالى (خامِدِينَ)(٣٥٥) عن أبي جعفر (عليه السّلام) يقول في قول اللّه عزّ وجلّ (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ)(٣٥٦) قال: إذا قام القائم وبعث إلى بني امية بالشام هربوا إلى الروم فيقول لهم الروم: لا ندخلنّكم حتّى تتنصروا فيعلّقون في أعناقهم الصلبان فيدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم (عليه السّلام): لا نفعل حتّى تدفعوا إلينا من قبلكم. قال: فيدفعونهم إليهم فذلك قوله (ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) قال: يسألهم عن الكنوز وهو أعلم بها. قال فيقولون: (يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ)(٣٥٧) بالسيف، وهو سعيد بن عبد الملك الأموي صاحب سعيد بالرحبة(٣٥٨).
الآية السادسة والخمسون:
قوله تعالى (ولَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(٣٥٩) عن الصادق (عليه السّلام): الكتب كلّها ذكر اللّه (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) قال: القائم (عليه السّلام) وأصحابه(٣٦٠). وعن أبي جعفر (عليه السّلام) (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) هم أصحاب المهدي في آخر الزمان(٣٦١).
الآية السابعة والخمسون:
قوله تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(٣٦٢) عن أبي جعفر (عليه السّلام): في القائم (عليه السّلام) وأصحابه(٣٦٣). وعن الصادق (عليه السّلام): العامّة يقولون نزلت في رسول اللّه لما أخرجته قريش من مكة، وإنّما هو القائم (عليه السّلام) إذا خرج يطلب بدم الحسين (عليه السّلام)، وهو قوله: نحن أولياؤكم في الدم وطلب الدية(٣٦٤).
الآية الثامنة والخمسون:
قوله تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ولِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ)(٣٦٥) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: هذه لآل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، المهدي وأصحابه يملّكهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها ويظهر الدين ويميت اللّه عزّ وجلّ به وأصحابه البدع والباطل كما أمات السفهة الحقّ حتّى لا يرى أثر من الظلم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وللّه عاقبة الامور(٣٦٦).
الآية التاسعة والخمسون:
قوله تعالى (ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وإِنَ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)(٣٦٧).
في البحار في باب النصوص من اللّه ومن آبائهم (عليهم السّلام) عن كعب الأحبار قال في الخلفاء:
هم اثنا عشر فإذا كان عند انقضائهم وأتى طبقة صالحة مدّ اللّه لهم في العمر، كذلك وعد اللّه هذه الامّة ثمّ قرأ (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(٣٦٨) قال: وكذلك فعل اللّه عزّ وجلّ ببني إسرائيل، وليس بعزيز أن يجمع هذه الامّة يوما أو نصف يوم (وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)(٣٦٩).
الآية الستّون:
قوله تعالى (ذلِكَ ومَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ)(٣٧٠) في تفسير علي بن إبراهيم هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لمّا أخرجته قريش من مكّة وهرب منهم إلى الغار وطلبوه ليقتلوه فعاقبهم اللّه يوم بدر، فقتل عتبة وشيبة والوليد وأبا جهل وحنظلة بن أبي سفيان وغيرهم فلمّا قبض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وطلب بدمائهم فقتل الحسين (عليه السّلام) وآل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) بغيا وعدوانا وهو قول يزيد حين تمثّل بهذا الشعر:

ليت أشياخي ببدر شهدوا * * * وقعة(٣٧١) الخزرج من وقع الأسل
لأهلّوا واستهلّوا فرحا * * * ثمّ قالوا يا يزيد لا تشل
لست من خندف إن لم أنتقم * * * من بني أحمد ما كان فعل
قد قتلنا القرم من ساداتهم * * * وعدلناه ببدر فاعتدل

وقال أيضا:

يا ليت أشياخنا الماضين بالحضر * * * حتّى يقيسوا قياسا لا يقاس به
أيّام بدر فكان الوزن بالقدر

فقال اللّه تعالى (ومَنْ عاقَبَ) يعني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) (بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ) حين أرادوا أن يقتلوه (ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) يعني بالقائم (عليه السّلام) من ولده(٣٧٢).
الآية الحادية والستّون:
قوله تعالى (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ)(٣٧٣) عن أبي الحسن موسى (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثمّ خلق الأبدان بعد ذلك، فما تعارف منها في السماء تعارف في الأرض وما تناكر منها في السماء تناكر في الأرض، فإذا قام القائم ورث الأخ في الدين ولم يورث الأخ في الولادة، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ ولا يَتَساءَلُونَ)(٣٧٤).(٣٧٥)
الآية الثانية والستّون:
قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ إلى قوله تعالى (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ)(٣٧٦) الآية. عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: دخلت إلى مسجد الكوفة وأمير المؤمنين (صلوات اللّه وسلامه عليه) يكتب بإصبعه وتبسّم، فقلت له: يا أمير المؤمنين ما الذي يضحكك؟ فقال (عليه السّلام): عجبت لمن يقرأ هذه الآية ولم يعرفها حقّ معرفتها! فقلت له: أي آية يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السّلام): قوله تعالى (اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ) المشكاة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) فِيها مِصْباحٌ أنا المصباح فِي زُجاجَةٍ الزجاجة الحسن والحسين (كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌ) هو علي بن الحسين (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) محمّد بن علي (زَيْتُونَةٍ) جعفر بن محمد (لا شَرْقِيَّةٍ) موسى بن جعفر (ولا غَرْبِيَّةٍ) علي بن موسى الرضا (يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ) محمد بن علي (ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ) علي بن محمّد (نُورٌ عَلى نُورٍ) الحسن بن علي (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) القائم المهدي (عليه السّلام) (ويَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ واللَّهُ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ)(٣٧٧) والروايات في أنّ الآية نزلت في أهل البيت كثيرة(٣٧٨).
الآية الثالثة والستّون:
قوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(٣٧٩) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نزلت في علي ابن أبي طالب (عليه السّلام) والأئمّة من ولده (ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) قال: عنى به ظهور القائم(٣٨٠).
في كنز الواعظين للفاضل المحدّث البرغاني عن غيبة النعماني عن الصادق (عليه السّلام): إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تعالى ملائكة إلى سماء الدنيا، فإذا طلع الفجر نصب لمحمد وعلي والحسن والحسين منابر من نور عند البيت المعمور فيصعدون عليها ويجمع لهم الملائكة والنبيّين والمؤمنين وتفتح أبواب السماء، فإذا زالت الشمس قال رسول اللّه: يا ربّ، ميعادك الذي وعدت في كتابك وهو هذه الآية (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الخ. ويقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرّ محمّد وعلي والحسن والحسين سجّدا ثمّ يقولون: يا ربّ اغضب فإنّه قد هتك حريمك وقتل أوصياؤك واذلّ عبادك الصالحون، فيفعل اللّه ما يشاء وذلك وقت معلوم(٣٨١).
الآية الرابعة والستّون:
قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)(٣٨٢) عن مفضّل قلت لأبي عبد اللّه: ما قول اللّه في هذه الآية؟ قال: الليل اثنتا عشرة ساعة والشهور اثنا عشر شهرا والأئمّة اثنا عشر إماما والنقباء اثنا عشر نقيبا، وإنّ عليا ساعة من اثنتي عشرة ساعة وهو قول اللّه عزّ وجلّ (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً).
وعنه (عليه السّلام): إنّ الليل والنهار اثنتا عشرة ساعة وإنّ علي بن أبي طالب أشرف ساعة من اثنتي عشرة ساعة وهو قوله تعالى (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً)(٣٨٣).
الآية الخامسة والستّون:
قوله تعالى (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً)(٣٨٤) عن محمّد بن الحسن عن علي بن أسباط قال: روى أصحابنا في قول اللّه (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ) الخ. قال: الملك للرحمن اليوم وقبل اليوم وبعد اليوم، ولكن إذا قام القائم (عليه السّلام) لم يعبد إلّا اللّه عزّ وجلّ(٣٨٥).
الآية السادسة والستّون:
قوله تعالى (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)(٣٨٦) عن عبد اللّه بن سنان قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فسمعت رجلا من همدان يقول: إنّ هؤلاء العامّة يغيّرون ويقولون: إنّكم تزعمون أن مناديا ينادي باسم صاحب هذا الأمر، وكان متّكئا فغضب وجلس، ثمّ قال: لا ترووه عنّي وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك، أشهد أنّي سمعت أبي يقول: واللّه إنّ ذلك في كتاب اللّه عزّ وجلّ لبيّن حيث يقول (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) فلا يبقي في الأرض يومئذ أحد إلّا خضع وذلّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء، ألا إنّ الحقّ في علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وشيعته.
قال: فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتّى يتوارى عن أهل الأرض ثمّ ينادي ألا إنّ الحقّ في عثمان بن عفّان فإنّه قتل مظلوما فاطلبوا بدمه. قال: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) على الحقّ وهو النداء الأوّل، ويرتاب يومئذ الذين في قلوبهم مرض، والمرض واللّه عداوتنا، فعند ذلك يتبرّءون منّا ويتناولوننا ويقولون: إنّ المنادي الأوّل سحر من سحر أهل هذا البيت، ثمّ تلا أبو عبد اللّه (عليه السّلام) (وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(٣٨٧).(٣٨٨)
الآية السابعة والستّون:
قوله تعالى (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ)(٣٨٩) الآية عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: في هذه الامّة خروج القائم (عليه السّلام) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ)(٣٩٠) قال: هم بنو امية الذين متّعوا بدنياهم(٣٩١).
الآية الثامنة والستّون:
قوله تعالى (وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٣٩٢) عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): من أحبّ أن يتمسّك بديني ويركب سفينة النجاة بعدي فليقتد بعلي بن أبي طالب وليعاد عدوّه وليوال وليّه، فإنّه خليفتي ووصيّي على أمّتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو أمير كلّ مسلم وأمير كلّ مؤمن بعدي، قوله قولي وأمره أمري ونهيه نهيي وتابعه تابعي وناصره ناصري وخاذله خاذلي، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه وآله): من فارق عليا بعدي لم يرني ولم أره يوم القيامة، ومن خالف عليا حرّم اللّه عليه الجنّة وجعل مأواه النار، ومن خذل عليّا خذله اللّه يوم يعرض عليه، ومن نصر عليا نصره اللّه يوم يلقاه ولقّاه حجّة عند المنازلة، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه وآله):
الحسن والحسين إماما أمّتي بعد أبيهما وسيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء العالمين، وأبوهما سيّد الوصيّين، وولد الحسين (عليه السّلام) تسعة أئمّة، تاسعهم القائم (عليه السّلام) من ولدي، طاعتهم طاعتي ومعصيتهم معصيتي، إلى اللّه أشكو المنكرين لفضلهم والمضيّعين لحقّهم بعدي وكفى باللّه وليّا وكفى باللّه نصيرا لعترتي وأئمّة أمّتي ومنتقما من الجاحدين لحقّهم (وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)(٣٩٣).
الآية التاسعة والستّون:
قوله تعالى (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ)(٣٩٤) أوّل المضطرّ بالمهدي: عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إنّ القائم (عليه السّلام) إذا خرج دخل المسجد الحرام فيستقبل القبلة ويجعل ظهره إلى المقام، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمّ يقوم فيقول: يا أيّها الناس أنا أولى الناس بآدم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإبراهيم، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بإسماعيل، يا أيّها الناس أنا أولى الناس بمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ثمّ يرفع يديه إلى السماء ويدعو ويتضرّع حتّى يقع على وجهه وهو قول اللّه عزّ وجلّ (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ ويَكْشِفُ السُّوءَ ويَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ)(٣٩٥).
الآية السبعون:
قوله تعالى: (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ)(٣٩٦) عن الباقر والصادق (عليهما السّلام): إنّ فرعون وهامان هاهنا، هما شخصان من جبابرة قريش يحييهما اللّه تعالى عند قيام القائم (عليه السّلام) من آل محمّد في آخر الزمان فينتقم منهما بما أسلفا(٣٩٧).
والروايات في أنّ هذه الآية نزلت في الأئمّة من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) كثيرة، ذكر جلّها السيّد الأجلّ المحدّث البحراني في تفسير البرهان وغيره.
الآية الحادية والسبعون:
قوله تعالى (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٣٩٨) روى المفيد في الإرشاد عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) قال: لا يكون ما تمدّون إليه أعناقكم حتّى تميّزوا وتمحّصوا، فلا يبقى منكم إلّا ندر ثمّ قرأ قوله (الم أَحَسِبَ النَّاسُ) الآية(٣٩٩).
الآية الثانية والسبعون: قوله تعالى (ولَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ)(٤٠٠) يعني القائم (عليه السّلام) (لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَولَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ)(٤٠١).
الآية الثالثة والسبعون: قوله تعالى (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) إلى قوله تعالى (ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ)(٤٠٢) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) حين سئل عن تفسير (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) قال (عليه السّلام): هم بنو امية وإنّما أنزلها اللّه عزّ وجلّ: (الم غُلِبَتِ الرُّومُ) بنو امية (فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ ومِنْ بَعْدُ ويَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ) عند قيام القائم (عليه السّلام). وعن علي (عليه السّلام): قوله تعالى:
(الم غُلِبَتِ الرُّومُ) فينا وفي بني امية(٤٠٣).
الآية الرابعة والسبعون: قوله تعالى (ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ)(٤٠٤) الآية، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الأدنى عذاب السقر والأكبر المهدي (عليه السّلام) بالسيف في آخر الزمان(٤٠٥).
الآية الخامسة والسبعون: قوله تعالى (قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ ولا هُمْ يُنْظَرُونَ)(٤٠٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: يوم الفتح يوم تفتح الدنيا على القائم (عليه السّلام)، لا ينفع أحدا تقرّب بالإيمان ما لم يكن قبل ذلك مؤمنا وبعد هذا الفتح موقنا، فذلك الذي ينفعه إيمانه، ويعظم اللّه عنده قدره وشأنه، ويزخرف له يوم القيامة والبعث جنانه، وتحجب عنه نيرانه، وهذا أجر الموالين لأمير المؤمنين (عليه السّلام) ولذرّيته الطيبين(٤٠٧).
الآية السادسة والسبعون:
في سورة لقمان (وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وباطِنَةً)(٤٠٨) في الدمعة عن الكفاية عن محمد بن زياد الأزدي قال: سألت سيّدي موسى بن جعفر (عليهما السّلام) عن هذه الآية قال (عليه السّلام): النعمة الظاهرة الإمام الظاهر والباطنة الإمام الغائب. قال: فقلت له: فيكون في الأئمّة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منّا، يسهّل اللّه تعالى له كلّ عسير، ويذلّل كلّ صعب، ويظهر له كنوز الأرض، ويقرّب عليه كلّ بعيد(٤٠٩).
الآية السابعة والسبعون:
قوله تعالى (مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا)(٤١٠).
في كنز البرغاني عن ابن أبي الحديد في شرح خطبة نهج البلاغة المشتملة على ذكر بني امية ثمّ قال: ومنها: فانظروا أهل بيت نبيّكم، فإن لبدوا فلبدوا، وإن استنصروكم فانصروهم، ليفرجنّ اللّه برجل منّا أهل البيت، بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلّا السيف هرجا هرجا موضوعا على عاتقه ثمانية حتّى تقول قريش لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا، يغريه اللّه ببني اميّة حتّى يجعلهم حطاما ورفاتا (مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا). ثمّ قال ابن أبي الحديد: فإن قيل: من هذا الرجل الموعود؟ قيل: أمّا الإمامية فيزعمون أنّه إمامهم الثاني عشر وأنه ابن أمة اسمها نرجس. وأمّا أصحابنا فيزعمون أنّه فاطمي يولد في مستقبل الزمان لام ولد وليس موجودا الآن. فإن قيل: فمن يكون من بني امية في ذلك الوقت موجودا حتّى يقول (عليه السّلام) في أمرهم ما قال من انتقام هذا الرجل منهم؟ قال: أمّا الإمامية فيقولون بالرجعة ويزعمون أنّه سيعاد قوم بأعيانهم من بني امية وغيرهم إذا ظهر إمامهم المنتظر وأنه يقطع أيدي أقوام وأرجلهم ويسمل عيون بعضهم ويصلب قوما آخرين وينتقم من أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) المتقدّمين والمتأخّرين إلى آخر كلامه(٤١١).
الآية قوله تعالى (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً)(٤١٢) في تفسير مفتاح الجنان عن البحار عن المفضّل عن الصادق (عليه السّلام) هل للمأمول المنتظر المهدي من وقت موقت يعلمه الناس؟ فقال: حاش للّه أن يوقّت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا. قلت: يا سيدي لم ذلك؟ قال: لأنّه هو الساعة التي قال اللّه تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ) الآية، وهو الساعة التي قال اللّه تعالى (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ)(٤١٣) وقال (وعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)(٤١٤) ولم يقل إنّها عند واحد، وقال (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها)(٤١٥) وقال (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ)(٤١٦) وقال (ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(٤١٧) قلت: فما معنى يمارون؟ قال: يقولون:
متى ولد؟ ومن رأى؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟ كلّ ذلك استعجالا لأمر اللّه وشكّا في قضائه.
الخبر(٤١٨).
وعن الكافي مسندا عن الصادق (عليه السّلام) في حديث: أمّا قوله (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ)(٤١٩) فهو خروج القائم (عليه السّلام) وهو الساعة، فسيعلمون ذلك اليوم وما نزل بهم من اللّه على يدي قائمه - الخبر - (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ لا يعلمها غيره وما يُدْرِيكَ) يا محمّد أي: أي شيء يعلمك عن الساعة متى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثمّ قال (لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً)(٤٢٠) أي قريبا مجيئها(٤٢١).
قوله تعالى (وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وأَيَّاماً آمِنِينَ)(٤٢٢) عن محمد بن صالح الهمداني كتبت إلى صاحب الزمان: إنّ أهل بيتي يؤذونني ويقرعونني بالحديث الذي روي عن آبائك أنّهم قالوا: خدّامنا وقوّامنا شرار خلق اللّه. فكتب: ويحكم أما تقرءون ما قال اللّه (وجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً)(٤٢٣) فنحن واللّه القرى التي بارك اللّه فيها وأنتم القرى الظاهرة(٤٢٤).
الآية الثامنة والسبعون:
قوله تعالى (ولَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وقالُوا آمَنَّا بِهِ وأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ)(٤٢٥) إلى آخر السورة، عن أبي جعفر (عليه السّلام):
يكون لصاحب هذا الأمر غيبة - وذكر حديثا طويلا يتضمّن غيبة صاحب الأمر وظهوره إلى أن قال - فيدعو الناس - يعني القائم (عليه السّلام) - إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه والولاية لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام) والبراءة من عدوّه، ولا يسمّي أحدا حتّى ينتهي إلى البيداء فيخرج إليه جيش السفياني فيأمر اللّه الأرض فتأخذهم من تحت أقدامهم وهو قول اللّه تعالى (ولَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وقالُوا آمَنَّا بِهِ) يعني بقائم آل محمّد (وقَدْ كَفَرُوا بِهِ) يعني بقائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) إلى آخر السورة. فلا يبقى منهم إلّا رجلان يقال لهما: وتر ووتيرة من مراد، وجوههما في أقفيتهما يمشيان القهقرى فيخبران الناس بما فعل بأصحابهم.(٤٢٦) والحديث طويل اكتفينا بقدر الحاجة.
الآية في سورة يس (وآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)(٤٢٧).
عن كتاب الغيبة للسيّد علي عن السجّاد (عليه السّلام) قال: يقتل القائم من أهل المدينة حتّى ينتهي إلى الأجفر ويصيبهم مجاعة شديدة، قال (عليه السّلام): فيصبحون وقد نبتت لهم ثمرة يأكلون منها ويتزوّدون وهو قوله تعالى (وآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ)(٤٢٨) الخبر(٤٢٩).
الآية التاسعة والسبعون:
قوله تعالى (وإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ)(٤٣٠) سأل جابر بن يزيد الجعفي جعفر بن محمد الصادق (عليهما السّلام) عن تفسير هذه الآية، فقال: إنّ اللّه سبحانه لمّا خلق إبراهيم كشف له عن بصره فنظر فرأى نورا إلى جنب العرش فقال: إلهي ما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور محمد صفوتي من خلقي، ورأى نورا إلى جنبه فقال: إلهي ما هذا النور؟ فقيل له:
هذا نور علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ناصر ديني، ورأى إلى جنبهما ثلاثة أنوار فقال: إلهي وما هذه الأنوار؟ فقيل: هذه فاطمة فطمت محبّيها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين، فقال:
إلهي وأرى تسعة أنوار قد حفّوا بهم؟ قيل: يا إبراهيم هؤلاء الأئمّة من ولد علي وفاطمة، فقال إبراهيم: بحقّ هؤلاء إلّا ما عرّفتني من التسعة، فقال: يا إبراهيم أوّلهم علي بن الحسين وابنه محمد وابنه جعفر وابنه موسى وابنه علي وابنه محمد وابنه علي وابنه الحسن والحجّة القائم ابنه، فقال إبراهيم: إلهي وسيّدي أرى أنوارا قد أحدقوا بهم لا يحصي عددهم إلّا أنت؟ قيل: يا إبراهيم هؤلاء شيعتهم، شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فقال إبراهيم: وبما تعرف شيعتهم؟ قال: بصلاة إحدى وخمسين والجهر ببسم اللّه الرّحمن الرحيم والقنوت قبل الركوع والتختّم في اليمين، فعند ذلك قال إبراهيم: اللهمّ اجعلني من شيعة أمير المؤمنين، قال: فأخبر اللّه في كتابه فقال (وإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ)(٤٣١).
الآية الثمانون:
قوله تعالى (ولَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)(٤٣٢) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: عند خروج القائم(٤٣٣).
الآية الحادية والثمانون:
قوله تعالى (وأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها)(٤٣٤) عن مفضل عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ربّها أي ربّ الأرض، أي إمام الأرض، قلت: فإذا خرج يكون ما ذا؟ قال: إذن يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويحتظون بنور الإمام(٤٣٥).
وعنه (عليه السّلام): إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها واستغنى العباد عن ضوء الشمس وصار الليل والنهار واحدا وعاش الرجل في زمانه ألف سنة، يولد له كلّ سنة غلام لا يولد له جارية، يكسوه الثوب فيطول عليه كلّما طال، ويكون عليه أي لون شاء(٤٣٦).
الآية الثانية والثمانون:
قوله تعالى (وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى)(٤٣٧) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوله (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها)(٤٣٨) قال: ثمود رهط من الشيعة فإنّ اللّه سبحانه يقول (وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ)(٤٣٩) فهو السيف إذا قام القائم(٤٤٠).
الآية الثالثة والثمانون:
قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ)(٤٤١) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أي أنّه القائم (عليه السّلام)(٤٤٢). وسئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن تفسير قوله عزّ وجلّ سَنُرِيهِمْ آياتِنا إلى أَنَّهُ الْحَقُ فقال (عليه السّلام): يريهم اللّه في أنفسهم المسخ ويريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم، فيرون قدرة اللّه في أنفسهم وفي الآفاق، وقوله (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ) يعني بذلك خروج القائم وهو الحقّ من اللّه عزّ وجلّ، يراه هذا الخلق لا بدّ منه(٤٤٣).
الآية الرابعة والثمانون:
قوله تعالى (حم عسق)(٤٤٤) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: (حم عسق) عدد سنيّ القائم وقاف جبل محيط بالدنيا من زمرّد أخضر، وخضرة السماء من ذلك الجبل وعلم كلّ شيء في (عسق)(٤٤٥).
وعنه (عليه السّلام): (حم) حتم وعين عذاب وسين سنون كسني يوسف، وق قذف ومسخ يكون في آخر الزمان بالسفياني وأصحابه، وناس من كلب خال السفياني وبنو كلب وبنو خالد ثلاثون ألفا يخرجون معه وذلك حين يخرج القائم بمكّة، وهو مهدي هذه الأمّة(٤٤٦).
الآية الخامسة والثمانون:
قوله تعالى (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(٤٤٧). في الصافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): ليس له في دولة الحقّ مع القائم نصيب(٤٤٨).
الآية السادسة والثمانون:
قوله تعالى (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ)(٤٤٩) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) لمفضل بن عمر: يا مفضّل كيف يقرأ أهل العراق هذه الآية؟ قال: قلت: يا سيّدي وأي آية؟ قال (عليه السّلام): قول اللّه تعالى (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها) فقلت: يا سيّدي كذا تقرأ. فقال: كيف تقرأ؟
فقلت: (يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُ) قال: ويحك أتدري ما هي؟ فقلت: اللّه ورسوله وابن رسوله أعلم. فقال (عليه السّلام): واللّه ما هي إلّا قيام القائم، فكيف يستعجل به من لا يؤمن به؟ واللّه ما يستعجل به إلّا المؤمنون ولكنّهم حرّفوها حسدا لكم، فاعلم ذلك يا مفضّل. إلى آخر الحديث(٤٥٠).
الآية السابعة والثمانون:
قوله تعالى (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ)(٤٥١) عن أبي بصير قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ). قال:
ولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام)، قلت: (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ)، قال: معرفة أمير المؤمنين والأئمّة. (نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ)، قال: نزيده منها. قال: يستوفي نصيبه من دولتهم (ومَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) قال: ليس له في دولة الحقّ مع القائم (عليه السّلام) نصيب(٤٥٢).
الآية الثامنة والثمانون:
قوله تعالى (ولَوْ لا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٤٥٣) عن أبي جعفر (عليه السّلام): لو لا ما تقدّم فيهم من أمر اللّه عزّ وجلّ ما أبقى منهم القائم واحدا(٤٥٤).
الآية التاسعة والثمانون:
قوله تعالى (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ)(٤٥٥) عن أبي جعفر (عليه السّلام): جاءت الأنصار إلى رسول اللّه فقالوا: إنّا قد آوينا ونصرنا فخذ طائفة من أموالنا استعن بها على ما أنابك، فأنزل اللّه (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً يعني على النبوّة إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٤٥٦) أي في أهل بيته، ثمّ قال: ألا ترى أن الرجل يكون له صديق، وفي ذلك شيء على أهل بيته فلا يسلم صدره، فأراد اللّه أن لا يكون في نفس رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) شيء على أمّته ففرض عليهم المودّة في القربى، فإن أخذوا أخذوا مفروضا وإن تركوا تركوا مفروضا، قال: فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول: عرضنا عليه أموالنا فقال: قاتلوا عن أهل بيتي. وقال طائفة: ما قال هذا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وجحدوا وقالوا كما حكى اللّه (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فقال اللّه فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ) قال: لو افتريت (ويَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ) يعني سيبطله (ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ) يعني بالأئمّة والقائم من آل محمّد (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) ثمّ قال (وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ) إلى قوله (ويَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ)(٤٥٧) يعني الذين قالوا: القول ما قال رسول اللّه، ثمّ قال: والكافرون لهم عذاب شديد(٤٥٨). والروايات من طرق الخاصّة والعامّة كثيرة انّ الآية نزلت في مودّة أهل البيت(٤٥٩).
الآية التسعون:
قوله تعالى (ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ)(٤٦٠) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: (ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ) يعني القائم وأصحابه (فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) والقائم إذا قام انتصر من بني امية ومن المكذّبين والنصّاب هو وأصحابه، وهو قول اللّه تبارك وتعالى (إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ ويَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ)(٤٦١).(٤٦٢)
الآية الحادية والتسعون:
قوله تعالى (وتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ)(٤٦٣) عن أبي جعفر (عليه السّلام): (مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍ يعني القائم (عليه السّلام)(٤٦٤).
الآية الثانية والتسعون:
قوله تعالى (وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(٤٦٥) عن جابر بن يزيد عن الباقر (عليه السّلام) قال: قلت له: يا بن رسول اللّه إنّ قوما يقولون إنّ اللّه تبارك وتعالى جعل الأئمّة في عقب الحسن دون الحسين (عليهما السّلام)، قال: كذبوا واللّه أولم يسمعوا أنّ اللّه تعالى ذكره يقول (وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) فهل جعلها إلّا في عقب الحسين (عليه السّلام). فقال: يا جابر إنّ الأئمّة هم الذين نصّ عليهم رسول اللّه بالإمامة، وهم الذين قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء وجدت أسماءهم مكتوبة على ساق العرش بالنور اثني عشر اسما، منهم علي وسبطاه وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والحجّة القائم (عليه السّلام)، فهذه الأئمّة من أهل بيت الصفوة والطهارة، واللّه ما يدّعيه أحد غيرنا إلّا حشره اللّه تعالى مع إبليس وجنوده، ثمّ تنفّس (عليه السّلام) وقال: لا رعى حقّ هذه الامّة فإنّها لم ترع حقّ نبيّها، واللّه لو تركوا الحقّ على أهله لما اختلف في اللّه اثنان، ثمّ أنشأ يقول:

إنّ اليهود لحبّهم لنبيّهم * * * أمنوا بوائق حادث الأزمان
وذوو الصليب بحبّ عيسى أصبحوا* * * يمشون صحوا في قرى نجران
والمؤمنون بحبّ آل محمّد* * * يرمون في الآفاق بالنيران

قلت: يا سيّدي أليس هذا الأمر لكم؟ قال: نعم. قلت: فلم قعدتم عن حقّكم ودعواكم وقد قال اللّه تبارك وتعالى (وجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ)(٤٦٦) فما بال أمير المؤمنين قعد عن حقّه؟ قال: فقال: حيث لم يجد ناصرا، ألم تسمع اللّه يقول في قصّة لوط قالَ (لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ)(٤٦٧) ويقول حكاية عن نوح (عليه السّلام) (فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)(٤٦٨) ويقول في قصّة موسى (عليه السّلام) (إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ)(٤٦٩) فإذا كان النبي هكذا فالوصي أعذر، يا جابر مثل الإمام مثل الكعبة تؤتى ولا تأتي(٤٧٠).
وعن علي بن أبي طالب (عليه السّلام): فينا نزلت هذه الآية (وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ) فالإمامة في عقب الحسين إلى يوم القيامة، وإنّ للغائب منّا غيبتين؛ إحداهما أطول من الاخرى: أمّا الاولى فستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ست سنين، وأمّا الاخرى فيطول أمدها حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلّا من قوى يقينه وصحّت معرفته ولم يجد في نفسه حرجا ممّا قضينا وسلم لنا أهل البيت(٤٧١).
الآية الثالثة والتسعون:
قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ)(٤٧٢) عن أبي جعفر (عليه السّلام): هي ساعة القائم تأتيهم بغتة(٤٧٣).
الآية الرابعة والتسعون:
قوله تعالى (حم والْكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)(٤٧٤) عن أبي عبد اللّه وأبي الحسن (عليهما السّلام): الليلة المباركة ليلة القدر وأنزل اللّه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة، ثمّ نزل من البيت المعمور على النبي (صلّى اللّه عليه وآله) في طول عشرين سنة (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ) يعني في ليلة القدر كلّ أمر حكيم، أي يقدر اللّه كلّ أمر من الحقّ والباطل، وما يكون في تلك السنة، وله فيها البداء والمشيئة، يقدّم ما يشاء ويؤخّر ما يشاء من الآجال والأرزاق والبلايا والأمراض، ويزيد فيها ما يشاء وينقص ما يشاء، ويلقيه رسول اللّه إلى أمير المؤمنين ويلقيه أمير المؤمنين إلى الأئمّة حتّى ينتهي ذلك إلى صاحب الزمان، ويشترط له ما فيه البداء والمشيئة والتقديم والتأخير(٤٧٥).
الآية الخامسة والتسعون:
قوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ)(٤٧٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): الأيّام المرجوّة ثلاثة: يوم قيام القائم ويوم الكرّة ويوم القيامة، كما ذكر في ذيل آية (وذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ)(٤٧٧) في سورة إبراهيم.
الآية في سورة الأحقاف (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ولا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)(٤٧٨) عن الكراجكي عن الصادق (عليه السّلام) في قوله تعالى (واصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) يا محمّد من تكذيبهم إيّاك، فأنا منتقم منهم برجل منك وهو قائمي الذي سلّطته على دماء الظلمة(٤٧٩).
الآية السادسة والتسعون:
قوله تعالى (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ)(٤٨٠) عن مفضّل بن عمر: سألت سيّدي أبا عبد اللّه الصادق (عليه السّلام): هل للمأمول المنتظر المهدي وقت موقّت تعلمه الناس؟ فقال: حاش للّه أن يوقّت له وقتا. قال: قلت: مولاي ولم ذلك؟ قال: لأنّه الساعة التي قال اللّه تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ والْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)(٤٨١) وقوله (وعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ) ولم يقل: عند أحد دونه، وقوله (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنَّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ وقوله اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ)(٤٨٢) وقوله (وما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها والَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها ويَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ)(٤٨٣) قلت: يا مولاي ما معنى يمارون؟ قال: يقولون: متى ولد؟ ومن رآه؟ وأين هو؟ ومتى يظهر؟ كلّ ذلك استعجالا لأمره وشكّا في قضائه وقدرته، أولئك الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة وإنّ للكافرين لشرّ مآب. قال المفضّل: يا مولاي فلا يوقّت له وقت؟.
قال (عليه السّلام): يا مفضّل لا توقّت فإنّه من وقّت لمهديّنا وقتا فقد شارك اللّه في عمله وادّعى أنّه أظهره على علمه وسرّه(٤٨٤).
الآية السابعة والتسعون:
قوله تعالى (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً)(٤٨٥) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) لرجل قال له: أصلحك اللّه ألم يكن علي قويّا في دين اللّه؟ قال: بلى. قال:
فكيف ظهر عليه القوم؟ وكيف لم يدفعهم؟ وما منعه من ذلك؟ قال: آية في كتاب اللّه عزّ وجلّ منعته. قال: وأيّ آية؟ قال: قوله (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) إنّه كان للّه عزّ وجلّ ودائع مؤمنين، في أصلاب قوم كافرين ومنافقين، فلم يكن علي ليقتل الآباء حتّى تخرج الودائع، فلمّا خرج الودائع ظهر علي على من ظهر وقاتله، وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبدا حتّى تظهر ودائع اللّه عزّ وجلّ، فإذا ظهرت ظهر على من ظهر فقتله(٤٨٦).
الآية الثامنة والتسعون:
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(٤٨٧) عن الصادق (عليه السّلام): هو الإمام الذي يظهره على الدين كلّه، فيملا الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وهذا من الذي تأويله بعد تنزيله(٤٨٨).
الآية التاسعة والتسعون:
قوله تعالى (واسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ)(٤٨٩) عن الصادق (عليه السّلام): ينادي المنادي باسم القائم واسم أبيه. قوله (يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ) قال: صيحة القائم من السماء، وذلك يوم الخروج(٤٩٠).
الآية المائة:
قوله تعالى (وفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وما تُوعَدُونَ)(٤٩١) عن ابن عبّاس: هو خروج المهدي(٤٩٢).
الآية الحادية والمائة:
قوله تعالى (فَوَ رَبِّ السَّماءِ والْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ)(٤٩٣) عن علي بن الحسين (عليهما السّلام) قوله: (إِنَّهُ لَحَقٌ قيام القائم (عليه السّلام)، وفيه نزلت (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً)(٤٩٤).(٤٩٥)
الآية الثانية ومائة:
قوله تعالى (والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ)(٤٩٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: الليلة التي يقوم فيها قائم آل محمد ينزل رسول اللّه وأمير المؤمنين وجبرئيل على حراء فيقول له جبرئيل أجب فيخرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) رقّا من حجزة إزاره فيدفعه إلى علي فيقول له: اكتب: بسم اللّه الرّحمن الرحيم. هذا عهد من اللّه ومن رسوله ومن علي بن أبي طالب لفلان بن فلان باسمه واسم أبيه، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ في كتابه والطُّورِ وكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ وهو الكتاب الذي كتبه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) والرقّ المنشور الذي أخرجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من حجزة إزاره. قلت: والبيت المعمور أهو رسول اللّه؟ قال: نعم المملي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) والكاتب علي (عليه السّلام)(٤٩٧).
الآية الثالثة ومائة:
قوله تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وانْشَقَّ الْقَمَرُ)(٤٩٨) قد مرّ الحديث في ذلك من سورة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله).
الآية الرابعة ومائة:
قوله تعالى (وإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا ويَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)(٤٩٩) قد مرّ الحديث في ذلك من سورة الشعراء، في ذيل آية (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ).
الآية الخامسة ومائة:
قوله تعالى (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والْأَقْدامِ)(٥٠٠) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: اللّه يعرفهم، ولكن هذه انزلت في القائم وهو يعرفهم بسيماهم فيخبطهم [بالسيف] هو وأصحابه خبطا(٥٠١).
وعن معاوية الدهني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قول اللّه تعالى (يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي والْأَقْدامِ) فقال (عليه السّلام): يا معاوية ما يقولون في هذا؟ قلت: يزعمون أنّ اللّه تبارك وتعالى يعرف المجرمين بسيماهم في القيامة، فيأمر بهم، فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم فيلقون في النار. فقال لي: وكيف يحتاج تبارك وتعالى إلى معرفة خلق أنشأهم وهو خلقهم؟
فقلت: جعلت فداك وما ذلك؟ قال: ذلك لو قام قائمنا أعطاه السيماء فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ثمّ يخبط بالسيف خبطا، وقرأ أبو عبد اللّه (عليه السّلام): هذه جهنّم التي كنتما بها تكذبان تصليانها ولا تموتان فيها ولا تحييان(٥٠٢).
الآية السادسة ومائة:
قوله تعالى (ولا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ)(٥٠٣) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): نزلت هذه الآية في أهل زمان الغيبة وأيّامها دون غيرهم، والأمد أمد الغيبة(٥٠٤).
الآية السابعة ومائة:
قوله تعالى (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها)(٥٠٥) عن أبي جعفر: (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها بكفر أهلها، والكافر ميّت فيحييها اللّه بالقائم (عليه السّلام) فيعدل فيها فيحيي الأرض ويحيي أهلها بعد موتهم(٥٠٦).
وعن ابن عبّاس (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) يعني: يصلح اللّه الأرض بقائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) بعد موتها، يعني من بعد جور أهل مملكتها (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ بقائم آل محمّد لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) في قول اللّه عزّ وجلّ (يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قال: ليس يحييها بالقطر ولكن يبعث اللّه عزّ وجلّ رجالا فيحيون العدل فتحيى الأرض لإحياء العدل، ولإقامة العدل فيها أنفع في الأرض من القطر أربعين صباحا(٥٠٧).
الآية الثامنة ومائة:
قوله تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ)(٥٠٨) عن علي (عليه السّلام): العجب كلّ العجب بين جمادى ورجب، فقام رجل وقال: يا أمير المؤمنين ما هذا العجب الذي لا تزال تتعجّب منه؟ فقال (عليه السّلام): ثكلتك أمّك وأي العجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدوّ للّه ولرسوله ولأهل بيته وذلك تأويل هذه الآية (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ) فإذا اشتدّ القتل قلتم: مات وهلك وأي واد سلك؟ وذلك تأويل هذه الآية (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وبَنِينَ وجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً)(٥٠٩).(٥١٠)
الآية التاسعة ومائة:
قوله تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(٥١١) عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الماضي قال: سألته عن الآية قال:
يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم. قلت: واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ. قال: واللّه متمّ الإمامة لقوله عزّ وجلّ (فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا)(٥١٢) فالنور هو الإمام، قلت:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِ قال: هو أمر رسوله محمّد بالولاية لوصيّه، والولاية هي دين الحقّ. قلت: لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ قال: يظهره على جميع الأديان عند قيام القائم. قال: يقول اللّه (واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ بولاية القائم ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) بولاية علي.
قلت: هذا تنزيل. قال: نعم، أمّا هذا الحرف فتنزيل، أمّا غيره فتأويل(٥١٣).
الآية العاشرة ومائة:
قوله تعالى (وأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ)(٥١٤) في تفسير الإمام يعني في الدنيا بفتح القائم (عليه السّلام)(٥١٥).
الآية الحادية عشرة ومائة:
قوله تعالى (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٥١٦) عن أبي بصير سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الآية فقال:
واللّه ما نزل تأويلها. قلت: جعلت فداك ومتى ينزل تأويلها؟ قال: حتى يقوم القائم إن شاء اللّه، فإذا خرج القائم لم يبق كافر ومشرك إلّا كره خروجه، حتّى لو أن كافرا أو مشركا في بطن صخرة لقالت الصخرة: يا مؤمن في بطني كافر أو مشرك فاقتله فيجيئه فيقتله(٥١٧).
الآية الثانية عشرة ومائة:
قوله تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)(٥١٨) عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السّلام) قال: سألته عن هذه الآية، فقال:
إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فما ذا تصنعون؟(٥١٩).
وعن عمّار بن ياسر قال: كنت مع رسول اللّه في بعض غزواته، وقتل علي أصحاب الألوية وفرّق جمعهم وقتل جمعا، أتيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقلت له: يا رسول اللّه إنّ عليّا قد جاهد في اللّه حقّ جهاده. فقال (صلّى اللّه عليه وآله): لأنّه منّي وأنا منه وإنّه وارث علمي وقاضي ديني ومنجز وعدي والخليفة من بعدي، ولولاه لم يعرف المؤمن المحض بعدي، حربه حربي وحربي حرب اللّه وسلمه سلمي وسلمي سلم اللّه، ألا إنّه أبو سبطيّ والأئمّة، من صلبه يخرج اللّه تعالى الأئمّة الراشدين ومنهم مهدي هذه الامّة. فقلت: بأبي أنت وأمّي يا رسول اللّه من هذا المهدي؟
قال (صلّى اللّه عليه وآله): يا عمّار إنّ اللّه تبارك وتعالى عهد إليّ أنّه يخرج من صلب الحسين أئمّة تسعة والتاسع من ولده يغيب عنهم وذلك قوله عزّ وجلّ (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ)، يكون له غيبة طويلة يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وهو سميّي وأشبه الناس بي.
يا عمّار سيكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا واصحبه فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، يا عمّار إنّك ستقاتل بعدي مع علي صنفين: الناكثين والقاسطين ثمّ تقتلك الفئة الباغية، قال: يا رسول اللّه أليس ذلك على رضا اللّه ورضاك؟ قال: نعم على رضا اللّه ورضاي، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة من لبن تشربه، فلمّا كان يوم صفّين خرج عمّار بن ياسر إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فقال له: يا أخار رسول اللّه أتأذن لي في القتال؟ فقال: مهلا رحمك اللّه، فلمّا كان بعد ساعة أعاد عليه الكلام فأجابه بمثله، فأعاد عليه ثالثا فبكى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فنظر إليه عمّار فقال: يا أمير المؤمنين إنّه اليوم الذي وصفه لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فنزل علي أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن بغلته وعانق عمّارا وودّعه ثمّ قال: يا أبا اليقظان جزاك اللّه عن نبيّك وعنّي خيرا، فنعم الأخ كنت ونعم الصاحب كنت ثمّ بكى (عليه السّلام) وبكى عمّار ثمّ قال: واللّه يا أمير المؤمنين ما تبعتك إلّا ببصيرة فإنّي سمعت رسول اللّه يقول يوم خيبر: يا عمّار ستكون بعدي فتنة فإذا كان ذلك فاتبع عليا وحزبه فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، وستقاتل بعدي الناكثين والقاسطين، فجزاك اللّه يا أمير المؤمنين عن الإسلام أفضل الجزاء فلقد أديت وأبلغت ونصحت، ثمّ ركب وركب أمير المؤمنين (عليه السّلام) ثمّ برز إلى القتال ثمّ دعا بشرية من ماء، فقيل: ما معنا ماء، فقام إليه رجل من الأنصار وسقاه شربة من لبن فشربه فقال: هكذا عهد إليّ رسول اللّه أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ثمّ حمل على القوم فقتل ثمانية عشر نفسا فخرج إليه رجلان من أهل الشام فطعناه وقتل (رحمه اللّه)، فلمّا كان في الليل طاف أمير المؤمنين (عليه السّلام) في القتلى فوجد عمّارا ملقى بين القتلى فجعل رأسه على فخذه ثمّ بكى عليه وأنشأ يقول:

ألا أيّها الموت الذي ليس تاركي * * * أرحني فقد أفنيت كلّ خليل
أيا موت كم هذا التفرّق عنوة * * * فلست تبقّي خلّة لخليل
أراك بصيرا بالذين أحبّهم * * * كأنّك تمضي نحوهم بدليل(٥٢٠)

الآية الثالثة عشرة ومائة:
قوله تعالى (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(٥٢١) في تفسير الإمام (عليه السّلام): إذا تتلى عليه قال كنّى عن الثاني، أساطير الأوّلين أي أكاذيب الأوّلين (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)(٥٢٢) قال: في الرجعة إذا رجع(٥٢٣). وفي الدمعة عن تأويل الآيات (إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) يعني تكذيبه بقائم آل محمّد؛ إذ يقول له لسنا نعرفك ولست من ولد فاطمة، كما قال المشركون لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله)(٥٢٤).
الآية الرابعة عشرة ومائة:
قوله تعالى (سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ)(٥٢٥) سئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن معنى هذا، قال: نار تخرج من المغرب وملك يسوقها من خلفها حتّى تأتي دار سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع دارا لبني امية إلّا أحرقتها وأهلها، ولا تدع دارا فيها وتر لآل محمّد إلّا أحرقتها وذلك المهدي(٥٢٦).
الآية الخامسة عشرة ومائة:
قوله تعالى (والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ)(٥٢٧) عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: بخروج القائم(٥٢٨).
الآية السادسة عشرة ومائة:
قوله تعالى (خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ)(٥٢٩) عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني يوم خروج القائم(٥٣٠).
الآية السابعة عشرة ومائة:
قوله تعالى (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وأَقَلُّ عَدَداً)(٥٣١) عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني بذلك القائم وأنصاره. وعن الصادق (عليه السّلام) إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ قال: القائم وأمير المؤمنين في الرجعة (فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وأَقَلُّ عَدَداً) قال: هو قول أمير المؤمنين (عليه السّلام) لزفر: واللّه يا ابن صهاك لو لا عهد من رسول اللّه وعهد من اللّه سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصرا وأقلّ عددا، قال: فلمّا أخبرهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ما يكون من الرجعة، قالوا: متى يكون هذا؟ قال: قل يا محمّد إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربّي أمدا(٥٣٢).
الآية الثامنة عشرة ومائة:
قوله تعالى (فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ)(٥٣٣) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) [وقد سئل] عن هذه الآية قال: إنّ منّا إماما مظفرا مستترا، فإذا أراد اللّه عزّ وجلّ اظهار أمره نكت في قلبه نكتة فظهر فقام بأمر اللّه(٥٣٤).
الآية التاسعة عشرة ومائة:
قوله تعالى (ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) الآية عن أبي جعفر (عليه السّلام): يعني بهذه الآية إبليس اللعين، خلقه وحيدا من غير أب ولا أمّ، وقوله (وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً) يعني هذه الدولة إلى يوم الوقت المعلوم يوم يقوم القائم (وبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً)(٥٣٥) يقول: معاندا للأئمّة يدعو إلى غير سبيلها ويصدّ الناس عنها وهي آيات اللّه(٥٣٦).
الآية العشرون ومائة:
قوله تعالى (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ)(٥٣٧) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في قوله (ذَرْنِي ومَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً) قال: الوحيد ولد الزنا وهو زفر (وجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً) قال: أجل ممدود إلى مدّة (وبَنِينَ شُهُوداً) قال: أصحابه الذين شهدوا أنّ رسول اللّه لا يورث (ومَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً) ملكه الذي ملكته مهّدته له (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلَّا إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً) قال: لولاية أمير المؤمنين (عليه السّلام) جاحدا معاندا لرسول اللّه (سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً إِنَّهُ فَكَّرَ وقَدَّرَ) فيما أمر به من الولاية، وقدر أي مضى رسول اللّه لا يسلم لأمير المؤمنين البيعة الذي بايعه بها على عهد رسول اللّه (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ) قال:
عذاب بعد عذاب يعذّبه القائم، (ثُمَّ نَظَرَ) إلى رسول اللّه وأمير المؤمنين ف (عَبَسَ وبَسَرَ) ممّا أمر به (ثُمَّ أَدْبَرَ واسْتَكْبَرَ) وقال: (إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ).
قال: إنّ زفر قال: إنّ رسول اللّه سحر الناس لعلي (إِنْ هذا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ) أي ليس بوحي من اللّه عزّ وجلّ (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) إلى آخر الآية، فيه نزلت(٥٣٨).
الآية الحادية والعشرون ومائة:
(وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ)(٥٣٩) المراد بالصبح القائم(٥٤٠). قوله تعالى (وما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً)(٥٤١) لأهل المشرق والمغرب، والملائكة هم الذين يملكون علم آل محمّد. قوله (وما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) قال: يعني المرجئة. وقوله (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) قال: هم الشيعة وهم أهل الكتاب وهم الذين اوتوا الكتاب والحكم والنبوّة. وقوله تعالى (ويَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً ولا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) أي لا يشكّ الشيعة في أمر القائم (ولِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) يعني بذلك الشيعة وضعفاءها والكافرين ماذا (أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا) فقال اللّه عزّ وجلّ لهم: (كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ ويَهْدِي مَنْ يَشاءُ) فالمؤمن يسلّم والكافر يشكّ.
وقوله تعالى (وما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) فجنود ربّك هم الشيعة وهم شهداء اللّه في الأرض. وقوله (وما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) عنه، وقوله (كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ) قال: هم أطفال المؤمنين، قال اللّه تبارك وتعالى (ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) قال: إنّه بالميثاق. وقوله (وكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) قال: بيوم الدين خروج القائم وقولهم (فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ).
قال: بالتذكرة ولاية أمير المؤمنين (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) قال: كأنّهم حمر وحش فرّت من قسورة أي الأسد حين رأته وكذلك المرجئة إذا سمعت بفضل آل محمّد تعرّف عن الحقّ، ثمّ قال اللّه تعالى (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) قال: يريد كلّ رجل من المخالفين أن ينزّل عليهم كتابا من السماء ثمّ قال اللّه تعالى (كَلَّا بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ) قال: هي دولة القائم، ثمّ قال تعالى بعد أن عرفهم [أنّ] التذكرة هي الولاية (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) فالتقوى هي النبي والمغفرة علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)(٥٤٢).
الآية الثانية والعشرون ومائة:
قوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ الْجَوارِ الْكُنَّسِ)(٥٤٣) عن أبي جعفر (عليه السّلام): الخنّس إمام يخنس في زمانه عند انقطاع عن عمله عند الناس سنة ستّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الثاقب في ظلمة الليل، فإن أدركت ذلك قرّت عيناك(٥٤٤).
الآية الثالثة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ)(٥٤٥) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها فقلت له: ولم ذلك يا بن رسول اللّه؟ قال: إنّ اللّه عزّ وجلّ أبي أن لا يجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم، وإنّه لا بدّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم، قال اللّه عزّ وجلّ (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) أي على سنن من كان قبلكم(٥٤٦).
الآية الرابعة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (والسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ)(٥٤٧) عن الأصبغ عن ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): ذكر اللّه عزّ وجلّ عبادة وذكري عبادة وذكر على عبادة وذكر الأئمّة من ولده عبادة، والذي بعثني بالنبوّة وجعلني خير البرية إن وصيّي لأفضل الأوصياء، وإنّه لحجّة اللّه على عباده وخليفته على خلقه، ومن ولده الأئمّة الهداة، بهم يحبس اللّه العذاب عن أهل الأرض، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه، وبهم يمسك الجبال أن تميد بهم، وبهم يسقي خلقه الغيث، وبهم يخرج النبات، اولئك أولياء اللّه حقّا وخلفاؤه صدقا، وعدّتهم عدّة الشهور وهي اثنا عشر شهرا، وعدّتهم عدّة نقباء موسى بن عمران ثمّ تلا هذه الآية (والسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) ثمّ قال: أتقدّر يا ابن عبّاس أنّ اللّه يقسم بالسماء ذات البروج يعني به السماء وبروجها! قلت: يا رسول اللّه فما ذاك؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): فأمّا السماء فأنا، وأمّا البروج فالأئمّة بعدي أوّلهم علي وآخرهم المهدي(٥٤٨).
الآية الخامسة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً)(٥٤٩) عن أبي بصير في قوله (فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ ولا ناصِرٍ)(٥٥٠) قال: ما قوّة يقوى بها على خالقه، ولا ناصر من اللّه ينصره إن أراد به سوءا. قلت: (إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وأَكِيدُ كَيْداً)(٥٥١)؟ قال: كادوا رسول اللّه وكادوا عليا وكادوا فاطمة فقال: يا فاطمة إنّهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا فمهّل الكافرين يا محمّد أمهلهم رويدا، الوقت بعد بعث القائم فينتقم من الجبابرة والطواغيت من قريش وبني امية وسائر الناس(٥٥٢).
الآية السادسة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً)(٥٥٣) عن سهل بن محمّد عن أبيه عن أبي عبد اللّه قال: قلت:
(أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ) قال: يغشاهم القائم بالسيف قال: قلت (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ) لا تطيق الامتناع. قال: قلت: (عامِلَةٌ) قال: عملت بغير ما أنزل اللّه، قال: قلت: (ناصِبَةٌ) قال:
نصبت غير ولاة الأمر، قال: قلت: (تَصْلى ناراً حامِيَةً) قال: تصلى نار الحرب في الدنيا على عهد القائم، وفي الآخرة نار جهنّم(٥٥٤).
الآية السابعة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (والْفَجْرِ ولَيالٍ عَشْرٍ والشَّفْعِ والْوَتْرِ واللَّيْلِ إِذا يَسْرِ)(٥٥٥) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قوله عزّ وجلّ (والْفَجْرِ) الفجر هو القائم والليالي العشر الأئمّة من الحسن إلى الحسن (والشَّفْعِ) أمير المؤمنين وفاطمة (والْوَتْرِ) هو اللّه وحده لا شريك له (واللَّيْلِ إِذا يَسْرِ) هي دولة جبت فهي تسري إلى دولة القائم(٥٥٦).
الآية الثامنة والعشرون ومائة: قوله تعالى (والشَّمْسِ وضُحاها والْقَمَرِ إِذا تَلاها والنَّهارِ إِذا جَلَّاها واللَّيْلِ إِذا يَغْشاها)(٥٥٧) عن سليمان الديلمي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سألت عن قول اللّه عزّ وجلّ والشَّمْسِ وضُحاها.
قال: الشمس رسول اللّه أوضح للناس دينهم. قلت: (والْقَمَرِ إِذا تَلاها) قال: ذاك أمير المؤمنين تلا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) والنَّهارِ إِذا جَلَّاها قال: ذلك الإمام من ذرية فاطمة نسل رسول اللّه فيجلي ظلام الجور والظلم، فحكى اللّه سبحانه عنه وقال النَّهارِ إِذا جَلَّاها يعني به القائم (عليه السّلام).
قلت: (واللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) قال: ذاك أئمّة الجور الذين استبدّوا بالامور دون آل الرسول (صلّى اللّه عليه وآله) وجلسوا مجلسا كان الرسول أولى به منهم، فغشوا دين اللّه بالجور والظلم فحكى اللّه سبحانه فعلهم فقال (واللَّيْلِ إِذا يَغْشاها)(٥٥٨).
عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): (والشَّمْسِ وضُحاها) الشمس أمير المؤمنين (عليه السّلام) وضحاها قيام القائم (عليه السّلام)؛ لأنّ اللّه سبحانه قال (وأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى)(٥٥٩) (والْقَمَرِ إِذا تَلاها) الحسن والحسين (عليهما السّلام) (والنَّهارِ إِذا جَلَّاها) هو قيام القائم (عليه السّلام) (واللَّيْلِ إِذا يَغْشاها) الجبت ودولته قد غشا عليه الحقّ، وأمّا قوله (والسَّماءِ وما بَناها) قال: هو محمد هو السماء الذي يسيمون إليه الخلق في العلم، وقوله (والْأَرْضِ وما طَحاها) قال: الأرض الشيعة (ونَفْسٍ وما سَوَّاها) قال: هو المؤمن المستوي على الخلق، وقوله (فَأَلْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها) قال:
عرفت الحقّ من الباطل فذلك قوله (ونَفْسٍ وما سَوَّاها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) قد أفلحت نفس زكّاها اللّه (وقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها) وقوله (كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها) قال: ثمود رهط من الشيعة فإنّ اللّه تعالى يقول (وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ) فهو السيف إذا قام القائم (عليه السّلام)، وقوله (فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها) قال: الإمام الناقة الذي فهم عن اللّه، وسقياها أي عنده منتقى العلم (فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها) قال: في الرجعة (ولا يَخافُ عُقْباها) قال: لا يخاف من مثلها إذا رجع(٥٦٠).
الآية التاسعة والعشرون ومائة:
قوله تعالى (واللَّيْلِ إِذا يَغْشى والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى)(٥٦١) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) واللَّيْلِ إِذا يَغْشى قال: دولة إبليس لعنه اللّه إلى يوم القيامة وهو قيام القائم (والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى) وهو القائم إذا قام، وقوله (فَأَمَّا مَنْ أَعْطى واتَّقى)(٥٦٢) أعطى نفسه الحقّ واتّقى الباطل (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى وأَمَّا مَنْ بَخِلَ واسْتَغْنى)(٥٦٣) يعني بنفسه عن الحقّ واستغنى بالباطل عن الحقّ، (وكَذَّبَ بِالْحُسْنى) بولاية علي بن أبي طالب والأئمّة من بعده (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى) يعني النار، وأمّا قوله (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى) يعني إنّ عليّا هو الهدى (وإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ والْأُولى فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى) قال: القائم (عليه السّلام) إذا قام بالغضب فيقتل من كلّ ألف تسعمائة وتسعة وتسعين لا (يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى) قال: هو عدوّ آل محمّد (وسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى) قال: ذاك أمير المؤمنين وشيعته(٥٦٤).
وعن أبي جعفر قال: الليل في هذا الموضع الثاني يغشى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في دولته التي جرت له عليه، وأمير المؤمنين (عليه السّلام) يصير في دولتهم حتّى تنقضي قال: والنَّهارِ إِذا تَجَلَّى قال: النهار هو القائم (عليه السّلام) منّا أهل البيت إذا قام غلبت دولته الباطل، والقرآن ضرب فيه الأمثال وخاطب نبيّه ونحن، فليس يعلمه غيرنا(٥٦٥).
الآية الثلاثون ومائة:
قوله تعالى (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)(٥٦٦) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبو محمد: قرأ علي بن أبي طالب (عليه السّلام) (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(٥٦٧) وعنده الحسن والحسين فقال الحسنان: يا أبتا كأن بها فيك من حلاوة، قال له: يا ابن رسول اللّه وابني، اعلم أنّي أعلم فيها ما لم تعلم، إنّها لما أنزلت بعث إليّ جدّك رسول اللّه فقرأها عليّ فضرب على كتفي الأيمن وقال: يا أخي ووصيّي ووليّي على أمّتي وحرب أعدائي إلى يوم يبعثون، هذه السورة لك من بعدي ولولديك من بعدك، إنّ جبرئيل أخي من الملائكة أحدث إليّ أحداث أمّتي في سنتها وإنّه ليحدث ذلك إليك كأحداث النبوّة، ولها نور ساطع في قلبك وقلوب أوصيائك إلى مطلع فجر القائم. وسئل أبو عبد اللّه عن ما يفرق في ليلة القدر، هل هو ما يقدر سبحانه وتعالى فيها؟ قال: لا توصف قدرة اللّه تعالى سبحانه لأنّه يحدث ما يشاء، وأمّا قوله (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ)(٥٦٨) يعني فاطمة، وقوله تعالى (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ والرُّوحُ فِيها)(٥٦٩) والملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل محمّد، والروح روح القدس وهي فاطمة (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ) يقول: كلّ أمر سلّمه حتّى مطلع الفجر يعني حتّى يقوم القائم (عليه السّلام)(٥٧٠).
الآية الحادية والثلاثون ومائة:
قوله تعالى (وذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)(٥٧١) عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):
دين القيمة إنما هو ذلك دين القائم (عليه السّلام)(٥٧٢).
الآية الثانية والثلاثون ومائة:
قوله تعالى (والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا)(٥٧٣) الآيات عن مفضّل: سألت الصادق (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ (والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) فقال: العصر عصر القائم (عليه السّلام) (إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) يعني أعداءنا (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا بآياتنا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) يعني بمواساة الإخوان (وتَواصَوْا بِالْحَقِ) يعني بالإمامة (وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) يعني في الفترة(٥٧٤).
الآية الثالثة والثلاثون ومائة:
(إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ)(٥٧٥) من المواضع التي أوّل بزمان قيام القائم (عليه السّلام) كما عن كتاب تنزيل وتحريف لأحمد بن محمد السيار في آية (إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ والْفَتْحُ) فتح قائم آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)(٥٧٦).
الفاكهة الاولى:
قد ذكر ذيل آية النور تأويل قوله تعالى (يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ)(٥٧٧) إلى الحجّة، ولقد أجاد المحدّث الخوانساري في كتابه الموضوع للزبر والبيّنات المسمّى بمضيء الأعيان قال: زبر هذه الآية يطابق الإمام الحميد محمد بن الحسن المهدي صاحب الزمان، واستخرج وطابق بيّناته: الحميد الزكي محمد بن الحسن المهدي الهادي ومن جمع الزبر والبيّنات: الإمام الماحي والقائم الدائم ابن الحسن محمد المهدي صاحب العصر والزمان، واستخرج من زبر كلمة الغيب في قوله تعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٥٧٨) الإمام الجامع بالحقّ أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي الهادي ومن بيّناته: حبيب ودود محمد مهدي هادي، ومن جمعهما: الإمام بحق مولانا أبو القاسم محمد بن الحسن المهدي الهادي صاحب الزمان ((عجّل اللّه فرجه) وسهّل مخرجه)(٥٧٩).
الفاكهة الثانية:
في حديث جم الفوائد كثير العوائد حسن السبك جعلتها فاكهة من فرع هذه الشجرة المباركة، وذلك هو الحديث الوارد في تأويل سورة القدر والعصر في شأن اولي الأمر (عليه السّلام)، عن السيّد الثقة الجليل الفقيه السيّد نعمة اللّه الجزائري (رحمه اللّه) في بعض مؤلّفاته عن ابن عبّاس قال: لمّا صارت الخلافة إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) وسيّد الوصيّين وقائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فلمّا كان في اليوم الثالث أقبل رجل في ثياب خضر ووقف على باب المسجد، وكان أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) جالسا في المسجد والناس حوله يمينا وشمالا فقال: السلام عليكم يا أهل بيت النبوّة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة ومهبط الحقّ. فقال له أمير المؤمنين: وعليك السلام يا بيهس بن صاف بن حاف بن لامو بن بيهس. فقال: يا خليفة اللّه في أرضه من أين عرفتني وعرفت اسمي؟ قال (عليه السّلام): من علم وتبيان، أليس مسكنك في الجبال والبراري؟ قال: بلى يا خليفة اللّه. قال: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت أنظر نورك فأستضيء به. قال: كيف علمت أنّ لنا أنوارا؟ قال: يقول اللّه تعالى (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ...)(٥٨٠) وأنتم مصابيح الدجى ومفاتيح الهدى وحبل اللّه المتين.
قال له: صدقت سل عمّا بدا لك؟ قال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن قول اللّه تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ)(٥٨١) قال (عليه السّلام): نعم يا بيهس قد سألت عنه غيري؟ قال: لا كرامة لهم وهذا علم لا يعلمه إلّا نبي أو وصيّ.
قال (عليه السّلام): أمّا قوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) فنور أنزل على الدنيا. قال: كيف انزل؟
قال (عليه السّلام): لمّا استوى الربّ على العرش أراد أن يستضيء ضوء بنورنا وإنّ نورنا من نوره، فأمر اللّه النور أن ينطق فنطق حول العرش فعلمت الملائكة بذلك فخرّوا له سجّدا لحلاوة كلام نورنا، فلذلك سمّيت القدر فإنّها لنا ولمن يتولّانا، وليس لغيرنا فيه نصيب فكان نورنا عند العرش ناميا صباحا، والملائكة يسلّمون علينا، فلمّا أن خلق اللّه آدم رفع رأسه فنظر إلى نورنا فقال آدم: إلهي وسيّدي منذ كم نورهم تحت عرشك؟ فقال اللّه تبارك وتعالى: يا آدم من قبل أن خلقتك وخلقت السماوات والأرض والجبال والبحار والجنّة والنار بأربعة وعشرين ألف عام وأنت في بعض أنوارهم، فلمّا أن هبط آدم (عليه السّلام) إلى الدنيا كانت الدنيا مظلمة، فقال آدم (عليه السّلام): بإذن ربّهم. أتدري أي إذن كان؟ قال: لا. قال: أنزل اللّه تعالى إلى جبرائيل يا ربّ بحقّ محمّد وعلي إلّا رددت عليّ النور الذي كان لي، فأهبطه اللّه تبارك وتعالى إلى الدنيا فكان آدم يستضيء بنورنا، فلذلك سمّي ليلة القدر؛ فلمّا بقي آدم (عليه السّلام) في الدنيا وعاش فيها أربعمائة سنة أنزل اللّه عليه تابوتا من نور له اثنا عشر بابا، لكلّ باب وصي قائم يسير بسيرة الأنبياء.
قال: يا ربّ من هؤلاء؟ قال اللّه عزّ وجلّ: يا آدم أوّل الأنبياء أنت والثاني نوح والثالث إبراهيم والرابع موسى والخامس عيسى والسادس محمد خاتم الأنبياء. وأمّا الأوصياء أوّلهم شيث ابنك والثاني سام بن نوح والثالث إسماعيل بن إبراهيم والرابع يوشع بن نون والخامس شمعون الصفا والسادس علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وآخرهم القائم من ولد محمد الذي أظهر به ديني على الدين كلّه ولو كره المشركون. قال: فسلّم آدم التابوت إلى شيث وقبض آدم، فلذلك قال اللّه تعالى (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وإنّ نورنا أنزله اللّه إلى الدنيا حتى يستضيء بنورنا المؤمنون ويعمى الكافرون.
وأمّا قوله (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ) فإنّه لمّا بعث اللّه محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) ومعه تابوت من درّ أبيض له اثنا عشر بابا، فيه رقّ أبيض فيه أسامي الاثني عشر فعرضه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأمره عن ربّه أنّ الحقّ لهم وهم أنوار. قال: ومن هم يا أمير المؤمنين؟ قال: أنا وأولادي الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمّد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي ومحمد بن الحسن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، وبعدهم أتباعنا وشيعتنا المقرّون بولايتنا المنكرون لولاية أعدائنا.
وقوله (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلامٌ) من كلّ من في السماوات ومن في الأرض علينا صباحا ومساء إلى يوم القيامة، هي نور ذرّيتي، تستضاء بنا الدنيا حتّى مطلع الفجر عنّا إلى يوم القيامة، وأوّل ما يسأل العبد في ذلك اليوم يسأل عن ولايتنا فإن كان منّا نجا وإلّا دحي في نار جهنّم.
قال: صدقت يا أمير المؤمنين أشهد أنّك وصي محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) حقّا، فأخبرني عن نوركم ما هو؟
قال: نعم، نور لا يزول ولا ينقص ولا يطفأ فإذا كان ليلة القدر زيد فيه من نور عرش ربّ العالمين فيدخل في نورنا ونور شيعتنا ومحبّينا.
قال: من شيعتك ومحبّوك؟ قال (عليه السّلام): المؤمنون والمؤمنات من يتولّانا ولا يتولّى عدوّنا.
قال: يا أمير المؤمنين فبعد ذلك أين يذهب نوركم؟ قال (عليه السّلام): يرجع نورنا إلى السماء فإذا كان العام القابل وتأتي ليلة القدر ينزل نورنا إلى الدنيا فمن كان منّا نظر إلى نورنا ومن لم يكن منّا لم ير نورنا ولم يدر. قال: يا أمير المؤمنين ففي أي ليلة نلتمس أنواركم؟ قال: في الليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان أو سبعة وعشرين وهي أكرم ليلة على اللّه وأشرفها. قال: يا مولاي أخبرني عن أرواح محبّيكم؟ قال (عليه السّلام): أرواح محبّينا إذا أخذوا مضاجعهم تخرج أرواحهم من أبدانهم فيؤتى بها إلى العرش ثمّ ترجع إلينا لا تختلط بأرواح الآخرين، فلذلك يقع حبّنا في قلوبهم، لا يختلط معه حبّ غيرنا.
قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى (فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)(٥٨٢) قال: نعم، قوم زعموا أنّهم مؤمنون وليسوا مؤمنين. قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى (ذَرْنِي والْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهُمْ قَلِيلًا)(٥٨٣) قال: نعم، التيمي والعدوي والأموي الذين لم يصدّقوا رسول اللّه واتّهموه. فقال: إنّ لدنيا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصّة وعذابا أليما. قال: أخبرني عن قومك؟ قال: نعم قومي الخيّرون الفاضلون غدا في عرض ربّي يكسون إذا كسيت ويحيون اذا حييت. قال: فكيف يقومون؟ قال: بيض الوجوه خضر الثياب بين أيديهم النور حتّى ينتهوا إلى باب الجنّة. قال: فأخبرني عن المنكرين لحقّك؟ قال: يقومون حفاة عراة منكسين الرءوس، بين أيديهم السرادق من الظلم حتّى ينتهوا إلى باب جهنّم. وإنّ اللّه تعالى آلى على نفسه في ليلة القدر أن يقضي لنا حوائج الدنيا والآخرة.
وليلة القدر ليلة عظيمة شريفة شرّفها اللّه تعالى في محكم كتابه المنزل على لسان نبيّه الصادق فقال (شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى والْفُرْقانِ)(٥٨٤) فمن اهتدى إلينا وشايعنا كانوا هم السعداء ومن لم يهتد إلينا كانوا هم الأشقياء الذين لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلّمهم اللّه ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم. قال: بما ذا يكلّم العباد؟ قال: يسألون عن ولايتنا فمن تولّانا دخل الجنّة ومن لم يتولّنا فأولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين.
قال: أخبرني عن سراج أهل الجنّة؟ قال: سراج أهل الجنّة نورنا، بنا يبصرون وبنا يعرفون وبنا يجوزون على الصراط وبنا يدخلون الجنّة. قال: فما يصنع بمذنبيهم؟ قال (عليه السّلام): لو أنّ لأحد من شيعتي من الذنوب مثل الجبال الرواسي وزبد البحر وعدد الحصى والرمل ليغفر له تلك الذنوب كلّها، ولو أنّ لأهل البدع والأهواء من الحسنات بقدر ورق الأشجار وقطر الأمطار ولم يتولّنا لم تنفعه حسناته شيئا. قال: فأخبرني عن فاطمة بنت محمّد؟ قال (عليه السّلام):
حورية في صورة إنسية خلقت من النور. قال: فالحسن والحسين؟ قال (عليه السّلام): نوران مضيئان وسراجان ظاهران، لا يطفأ نورهما ولا ينقض علمهما ولا تفنى خزائنهما. قال: من العلم أم من النور؟ قال: من النور ومن العلم.
قال: أخبرني عن قوله تعالى (فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً)(٥٨٥) قال (عليه السّلام): نعم نزوله من السماء على الخلق، عنى بذلك المهدي (عليه السّلام). قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى (وبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وقَصْرٍ مَشِيدٍ)(٥٨٦) فبكى بكاء شديدا وقال (عليه السّلام): قد سألتني عن أمر عظيم سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إنّه قال لجبرئيل: أخبرني عن بئر معطّلة وقصر مشيد؟ قال:
لا علم لي بذلك حتّى أرجع إلى ربّي. قال: فرجع جبرائيل قال: أمّا البئر المعطّلة فعلي بن أبي طالب وفي أمّتك قوم يعطّلون ذكرهم يرجون رحمتي يوم القيامة، لا تنالهم رحمتي، هم أشرّ الناس وأبغضهم إليّ، فو عزّتي وجلالي لاذيقنّهم ماء الحميم، لا يموت عبد وفي قلبه من بغض علي إلّا أكبّه اللّه على منخريه في النار.
قال (صلّى اللّه عليه وآله): يا جبرئيل وما القصر المشيد؟ قال: أنت يا محمّد أكرمك اللّه بكرامته واختصك برسالته وعلا ذكرك مع ذكره، فما يذكر اسم اللّه إلّا وتذكر معه، وأنت يوم القيامة أقرب منزلة إلى اللّه تعالى وأمّتك أكرم الامم على اللّه تعالى فطوبى لك يا محمّد.
قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى (والْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ)(٥٨٧) فبكى بكاء شديدا وقال: كم تسألني ولو سألتني عمّا في التوراة والإنجيل والكتب التي أنزل اللّه على الأنبياء لأجبتك عن ذلك، لا يذهب عليّ حرف منها بقدرة اللّه تعالى. قال: صدقت يا أمير المؤمنين ولكنّي رسول الجنّ إليك ونحن ممّن آمنوا بمحمّد وصدّقوه وعرفوا أنّك وصيّه ولا بدّ لي من أن أسألك، فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): أما العصر فمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) (وإِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ) فأهل الشام الذين خسروا (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) هم محبّونا وأهل ولايتنا (وتَواصَوْا بِالْحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ) ولداي.
قال: أخبرني عن قول اللّه تعالى (وذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(٥٨٨) قال (عليه السّلام): أمره بأن يذكّر المؤمنين أمرنا حتّى ينتفعوا بذلك، وإذا ذكرونا لا يفترقون حتّى تنزل عليهم ملائكة من السماء فيقومون على رءوسهم ويسمعون كلامهم ويباركون عليهم ويقولون: طوبى لأقوام ذكروا هؤلاء القوم، فإذا صعدوا قالت الملائكة بعضهم لبعض: كنّا عند قوم ازداد نورنا من نور كلامهم، فتقول الملائكة: طوبى لهم ولمحبّيهم وطوبى لمن يسلم عليهم، فهذا الذكرى.
قال: أخبرني عن اسمك لم سمّيت عليّا؟ قال: لأنّ اللّه الأعلى قد أعلى أمري.
قال: أخبرني ما يكون بعدك؟ قال: جور وقهر وظلم وزور وباطل(٥٨٩). قال علي (عليه السّلام): من قال على أولادي وذريتي وأهل بيتي ومحبيّ. قال: وكيف يفعلون ذلك يا ابن عمّ محمّد ويعاندوكم أليس هم من أمّة محمّد؟ قال علي (عليه السّلام): بلى ولكنّهم أشدّ خلق اللّه لنا بغضا لأنّهم لا يرون حبّنا ويرون حبّ غيرنا فريضة، وإنّ اللّه تعالى فرض حبّنا على كلّ مؤمن باللّه ونبيّه، قال اللّه عزّ وجلّ لنبيّه (صلّى اللّه عليه وآله): (فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ)(٥٩٠) فنحن الذين عرّفنا في الكتب السالفة ومعرفتنا في التوراة والإنجيل والفرقان، قد سألتك يا بيهس: أليس تعلم أن الجنّ تعرفنا وتعرف أسامينا وحقّنا؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين ما جئت إليك إلّا لمعرفتي بك، فطوبى لك فطوبى لك ثمّ طوبى لمن أحبّك وطوبى لمن أحبّ محبّك، فلقد أخبرتني بعلم الأوّلين وأخبرتني بتفسير القرآن كما انزل على محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، وإنّي راجع إلى قومي لا يراني أحد بعدك حتّى يأتي اللّه بأمره وهم كارهون. ورجع من وقته وساعته ولم يره أحد بعد ذلك، والحمد للّه ربّ العالمين(٥٩١).
الفرع الثاني إخبار اللّه عزّ وجلّ في كتب أنبيائه السلف وبشاراته بقيام القائم (عليه السّلام)
البشارة الاولى
البشارة الاولى في إقامة الشهود أنّ في التوراة، في سفر التكوين، في الفصل السابع عشر في الآية العشرين ممّا ترجمته بالعربية: يقول اللّه تعالى مخاطبا لهاجر توصية لإسماعيل: يا إبراهيم إنّا قد سمعنا دعاءك وتضرّعك في إسماعيل فباركت لك فيه وسأرفع له مكانا رفيعا ومقاما عليا، وسأظهر منه اثني عشر نقيبا وستكون له أمّة عظيمة(٥٩٢).
ولا يخفى أنّ الآية فيها من علائم بيت الوحي والنبوّة والإشعار بوجودهم والبشارة بمقدمهم (صلوات اللّه عليهم) عدّة امور؛ الأوّل: لفظة بمأدمأد، فإنّ هذه الكلمة موافقة في الجمل بكلمة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) حيث إن كلّا منهما في العدد اثنان وتسعون. الثاني: وعد اللّه كثرة ذريّته وانتشار أولاده (صلوات اللّه عليه)، ومع انحصار عقبه في الزهراء (سلام اللّه عليها) لم يكن بلد من البلاد، لا مصر ولا صقع من الأصقاع إلّا وقد اشتمل على ذريته الطاهرة والسادة الزكية من ولده، وقد ملأ العالم نورهم، ولم ينعقد اليوم مجلس إلّا ويكون أكثرهم أو نصفهم أو غالبا فردا منهم ومن ذريتهم، ولا أقلّ من واحد ولا يكون خاليا غالبا، وإنّما ببركة دعاء الخليل ووعد الربّ الجليل، وليس الاثنا عشر الموعودون في الآية إلّا الأئمّة (صلوات اللّه عليهم)، فهم من ولد إسماعيل من قيدار، لا ما توهّمه اليهود خذلهم اللّه لأنّ أولاده الاثني عشر المسمّون في التوراة في الفصل الخامس والعشرين في الآية الحادية والثلاثين: وهم بنايوت وقيدار وادئيل وميسام وميشماع ودوماه ومسا وحدر وتيما ويطور ونافيش وقيدماه، عدد أسماء قبائلهم واممهم، لم يكن المقصود في الآية هؤلاء البتة، لأنّهم لم ينالوا مرتبة النبوّة ولا الوحي والإلهام والرسالة، فليسوا مقصودين إلّا الأنوار الطاهرة الاثنا عشر من بطن قيدار، وقد فضل اللّه تعالى ذكرا لقيدار وبيان شرفه في الفصل الثاني والأربعين من كتاب الشعيا في طي آيات.
البشارة الثانية
لا يخفى أنه يناسب بحسب الترتيب ذكر البشارة السادسة والعشرين قبل البشارة الثانية، ما ذكره القاضي جواد الساباطي وكان نصرانيا فأسلم وهو من السنّة والجماعة، وألّف كتابا في رد القسيس الپادري وإثبات حقيقة مذهب الإسلام سمّاه (البراهين الساباطية) وقد طبع ما يقرب [من] خمسين سنة قبل زماننا وهو عندنا موجود. قال: البرهان الأوّل من المقالة الثالثة من التبصرة الثالثة من البراهين الساباطية ما ورد في الفصل الثاني في الآية السابعة من الرؤيا التي ترجمتها بالعربية: من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي هي في جنّة اللّه(٥٩٣).
وفي الآية الحادية عشرة: من كانت له اذن سامعة فليسمع ما تقول الروح للكنائس: فإنّ المظفر لا تضرّه الموتة الثانية(٥٩٤).
وفي الآية السابعة عشرة: من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من المن المكنون وأعطيته حجرة بيضاء مكتوبا عليها اسم مرتجل لا يفهمه إلّا من يناله(٥٩٥).
وفي الآية السادسة والعشرين: وسأعطي المظفر الذي يحفظ جميع أفعالي سلطانا على الامم، فيرعاهم بقضيب من حديد ويسحقهم كآنية الفخار كما أخذت من أبي واعطيه أيضا نجمة الصبح، فمن كانت له اذن سامعة فليسمع ما تقول الروح للكنائس(٥٩٦).
وفي الفصل الثالث في الآية الخامسة: المظفر يلبس ثيابا بيضاء، ولا أمحو اسمه من سفر الحياة، وأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس(٥٩٧).
وفي الآية السادسة عشرة(٥٩٨) منه: المظفر أجعله عمودا في الهيكل الإلهي، ولا يخرج خارجا، وأكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي نزلت من السماء من عند إلهي، وأكتب عليه اسمي الجديد، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس(٥٩٩).
وفي الآية الحادية والعشرين(٦٠٠) منه: المظفر أهب له الجلوس معي على كرسيّي، كما ظفرت أنا أيضا وجلست مع أبي على كرسيّه، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس(٦٠١).
أقول:
هذه سبعة براهين متواترة مترادفة في الإصحاح الثاني والثالث من رؤيا يوحنا بن زبدي تدلّ دلالة صريحة على بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وعلى نبوّته العامّة وقبلته الجديدة وعلوّ درجته، تغافل النصارى عنها وأوّلوها تأويلات ركيكة لا تستقيم على شيء منها حجّة، ولا يثبت برهان، وكان الأحرى بها أن يكتب كلّ واحد منها على حدة لكنّي أعرضت عن ذلك وكتبتها كلّها في برهان واحد، وجعلتها أوّل هذه المقالة وتركت تفصيلها إلى آن خروجي من الهند، وبعد ذلك سأشرحها إن شاء اللّه تعالى في المطوّل الذي أو عدت به في صدر الكتاب، ولأشرع الآن في بيان معانيها والاستدلال بمبانيها.
فاعلم أيّدك اللّه بروحه القدسية، وجعلك ممّن يقتفي شريعة سيّد البرية أن يوحنا رضى عنه اللّه كان في جزيرة أطموس، وهي جزيرة واقعة في طول أربعة وأربعين درجة وخمس عشرة دقيقة من الطول الجديد وعرض سبعة وثلاثين درجة وخمس عشرة دقيقة من الشمال، في يوم الأحد، فأتاه الوحي وحلّ عليه الروح القدس وسمع صوتا عظيما يقول له: إنّي أنا الألف والياء، الأوّل والآخر فاكتب ما تراه وأرسله إلى الكنائس السبع المشهورة، أعني كنيسة افس وكنيسة سمرنا وبير غابوس وشاتيرا وسارديس وفيلادلفيه ولاذقية، ثمّ رأى في رؤيا سبع منائر من ذهب، وفي وسطها إنسان يماثل عيسى (عليه السّلام)، وفي يده سبعة كواكب وفي فمه سيف فقال: إنّي أنا الذي كنت حيّا وصرت ميّتا وأنا الآن حيّ إلى الأبد، وعندي مفاتيح جهنّم فاكتب إلى الكنائس السبع ما رأيته وما هو كائن وما سيكون، أعني سرّ الكواكب السبعة التي رأيت في يدي والمنائر السبع، فإنّ النجوم ملائكة الكنائس والمنائر أنفسها، فاكتب إلى ملك كنيسة افس، هذا ما يقول ذو الكواكب السبعة المتمشي بين المنائر السبع:
إنّي قد عرفت جميع أحوالك وامتحانك أنبياءك الكذبة، لكنّك لست كما كنت، فاذكر سقوطك وتب وإلّا فسأجيء وأزيل منارتك من وسطك، من كانت له أذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس:
إنّي سأطعم المظفر من شجرة الحياة التي في جنّة اللّه فاكتب إلى ملك كنيسة سميرنا، هذا ما يقول الأوّل والآخر الذي مات وحيي: إنّي قد عرفت عملك ومسألتك فلا تخف ممّا يحلّ عليك فإن إبليس سيضطهدكم عشرة أيّام، فاصبر وأنا أعطيك إكليل الحياة.
من كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس: فإنّ المظفر لا تضرّه الموتة الثانية، واكبت إلى ملك كنيسة بئر غاموس، هذا ما يقول ذو السيف الحاد: إنّي قد علمت أنّك لم تنكرني مع أنّك مستقرّ في مقرّ الشيطان لكن بعض قومك متمسّك ببدع بلعم باعور، وبعضهم ببدع النيقولانيين فتب وإلّا حاربتك بسيف فمي.
من كانت له اذن فليستمع ما تقول الروح للكنائس: إنّي سأطعم المظفر من المنّ المكتوم وأعطيه حصاة بيضاء مكتوبا عليها اسم لا يعرفه إلّا من يناله، واكتب إلى ملك كنيسة تياتيرا هذا ما تقول: أين اللّه الذي عيناه كالنار ورجلاه كالنحاس، إنّي قد اطلعت على حسن إيمانك إلّا أنك قبلت زابيل المتبنية أن تضلّ القوم وترغبهم في الزنا وأكل ذبائح الأوثان فسأقتلها وأولادها، وستعلم الكنائس أني أنا هو، وسأحصي الكلّ وأجازيكم بحسب أعمالكم، ومن تمسّك منكم بشريعتي فلا القي عليه ثقلا آخر، بل سيكون كذلك إلى آن إتياني، وسأعطي المظفر الذي يحفظ أفعالي سلطانا على الامم فيرعاهم بقضيب من حديد، ويسحقهم كآنية الفخار كما أخذت أنا أيضا من أبي وأعطيه نجمة الصبح، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس.
واكتب إلى ملك كنيسة ساوديس: هذا ما يقول ذو الأرواح السبع الإلهية والكواكب السبعة التي قد عرفت أعمالكم وأنك حيّ بالاسم، إلّا أنك ميّت فتيقّظ، وقوّ أصحابك فإنّ أعمالك لم تكمل أمام اللّه، فتذكر ما سمعت وتب، وإلّا فسأجيء إليك مجيء اللص، والذين لم يتدنّسوا منكم يستحقّون أن يلبسوا معي البياض، فالمظفر يلبس ثيابا بيضاء ولا أمحو اسمه من سفر الحياة وأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكة، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس.
واكتب إلى ملك كنيسة دلفيا هذا ما يقوله المقدس الحقيقي الذي عنده مفتاح داود فيفتح ولا أحد يغلق، ويغلق ولا أحد يفتح، قد عرفت أعمالك وفتحت لك بابا لا يستطيع أحد أن يغلقه لمحافظتك على كلامي، وسيذلّ لك الذين يقولون: إنّا يهود وليسوا بيهود، ويعلمون أنّي أحبّك وسأحافظ عليك ساعة الامتحان كما حافظت على كلامي فإنّي سريع الإتيان فتمسّك بما عندي لئلّا يؤخذ تاجك، فإنّي سأجعل المظفر عمودا في هيكل إلهي فلا يخرج منها إلى خارج، واكتب عليه اسم إلهي واسم مدينة إلهي أورشليم الجديدة التي نزلت من السماء من عند إلهي، واكتب عليه اسمي الجديد فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس.
واكتب إلى ملك كنيسة لاذقية، هذا ما يقوله أمين الشاهد، الأمين الحقيقي رأس خليقة اللّه: إنّي قد عرفت أنك لا حارّ ولا بارد، فيا ليتك كنت حارّا أو باردا، وها أنا أتقياك لأنّك فاتر تدّعي الغنى وعدم الاحتياج ولم تعلم بفقرك وشقائك فاشترني الذهب الإبريز لتستغني والبس البياض لتستر وتكحّل لتبصر، فإنّي اؤدّب من أحبّه فتب، فإنّي واقف على الباب فمن يفتح لي الباب أدخل إليه وأسعى معه وسأجلس المظفر معي على كرسيّي كما ظفرت وجلست مع أبي على كرسيه، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما تقول الروح للكنائس(٦٠٢).
أقول:
هذا ملخّص الفصول الثلاثة المشتملة على الحجج السبعة وإن أردت الاطّلاع على جميع العبارة فارجع إلى سفر الرؤيا(٦٠٣).
إذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الرؤيا هي، على ما يعتقد النصارى رؤيا رآها يوحنّا (عليه السّلام) تشتمل على الأخبار التي حدثت في العالم من ارتفاع المسيح إلى بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ومن وفاته إلى ظهور المهدي (عجّل اللّه فرجه)، ومن وفاته إلى قيام الساعة. ولا شكّ في أنّها تدلّ على جميع ذلك، وأنّها كلام اللّه تعالى لكنّي لست بمطمئنّ الخاطر من تحريفها، ومع ذلك إنّ أماكن الاستدلال فيها قائمة على دعائمها الأصلية، فمن جملة ذلك هذه الآيات الشريفة.
وهاهنا أمر يقف عليه البحث وهو معرفة الكلمات التي هي محلّ النزاع، فمن ذلك لفظة:
الاووركمن(٦٠٤)، يعني المظفر، وهي في الأصل اليوناني تدلّ على الغالب والغازي والقاهر في الحرب، ومنها الموتة الثانية وهي عند النصارى عبارة عن موت الإنسان في الذنب أي انهماكه فيه لا غير، وأمّا البعث فانّهم يعترفون بقيام جميع الناس عند ظهور المسيح وبخلود أهل الجنّة في الجنّة وأهل النار في النار، ولم يتعرّضوا للبحث في هذا المقام، وعند اليهود عبارة عن الموتة التي لا تكون بعدها موتة.
وتقرير ذلك: أنّهم يقولون إنّ مدّة مكث هذه الخليقة على حالتها لا يكون إلّا سبعة آلاف سنة، فمن آدم إلى موسى ألفان وثلاثمائة وثمان وستون سنة، ومن موسى إلى المسيح ثلاثة آلاف وستمائة واثنتان وثلاثون سنة، وإذا ظهر المسيح تبعث جميع الموتى وتستقيم لهم السلطنة ألف سنة، وبعد ذلك يفنى من على وجه الأرض، وتزول هي والسماء ويصير العالم كأن لم يكن، ثمّ يستأنف الصانع صنعته الأخرى، ترادف هذه الصنعة أو تغايرها، وفيه ما فيه من عدم فساد الأنفس؛ إذ الحكماء كلّهم متّفقون على عدم فسادها، لأنّها لو قبلت الفساد لكانت مركّبة من شيء يكون فيها بمنزلة المادّة يقبل الفساد، [و] شيء بمنزلة الصورة يفسد بالفعل، وينبغي للقائل للفساد أن يبقى مع الفساد وللفساد الفاسد بالفعل أن لا يبقى معه، والذي يفسد بالفعل غير الذي يقبل الفساد فتكون مركّبة، وليس الأمر كذلك ولأنّها لو كانت قابلة للفساد لاشير إليها في النواميس، لأنّها ممّا عليه التعويل، ولم يذكر ذلك في شيء من نواميسهم، فليس بشيء.
وقال بعضهم: إنّ أنفس الأتقياء تبقى إلى الأبد وأنفس الأشقياء تهلك.
وعند المسلمين: أمّا أهل السنّة والجماعة فالظاهر أنّهم لا يعترفون بموتة ثانية، ولم يذكروا إلّا الموتة الاولى والحياة الثانية، وبعدها يساق الذين آمنوا إلى الجنّة والذين كفروا إلى النار، وقالوا إنّ الاستثناء في مثل (لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى)(٦٠٥) منقطع.
وأمّا الإمامية فيقولون: إنّه إذا ظهر المهدي (عليه السّلام) ونزل عيسى يرجع حينئذ محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليه السّلام)، ويرجع معهم الأبرار والفجّار وتستقلّ لهم المملكة، واستدلّوا بآيات كثيرة منها قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا والَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ)(٦٠٦) وقالوا: إنّ علي بن إبراهيم وسهل بن عبد اللّه قد رويا عن الصادق (عليه السّلام): أن يوم يقوم الأشهاد يوم رجعة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)(٦٠٧)، وبقوله تعالى (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)(٦٠٨) وفيه بحث.
ومنها بلعم بن باعور الفاثوري، وفاثور بلد على شاطئ الفرات وقيل قبيلة من أعراب مدين، وكان بالاق بن صفور ملك الموآبيّين لما نزل بنو إسرائيل على شاطئ الأردن، وشاهد ما فعلوا في الامور خاف منهم واستدعى بلعم بن باعور ليدعو عليهم بالهلاك، فاستخار اللّه فمنعه عن ذلك فخالف حكم اللّه وسار إليه طمعا في إكرامه، قتله موسى في حرب مدين.
ومنها الحصاة البيضاء وهي حصاة يدفعها عيسى أو الروح القدس (عليهما السّلام) إلى المظفر وهو إلى الذي يكون بعده، ولا يفهم ما كتب عليها إلّا من يأخذها، ولا يشابه ذلك في مذاهب أهل السنّة والجماعة، وذهب الإمامية إلى أنّ جبرائيل (عليه السّلام) قد أعطى ذلك محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) وهو دفعه إلى علي (عليه السّلام)، وهلم جرّا إلى الحسن بن علي (عليهما السّلام) وهو دفعها إلى المهدي (عليه السّلام).
ومنها زابيل المتنبئة، وهي زابيل بنت أشبال ملك الزبدانيين، زوجة باشا بن أهيجا ملك إسرائيل فإنّها لمّا تزوّجت بباشا ألجأته إلى عبادة الأوثان، وأفسدتهم حتّى صار أكثر بني إسرائيل يعبدون التماثيل، كما صرّح به في الفصل السادس عشر في الآية الحادية والثلاثين من سفر الملوك الأول.
ومنها اورشليم الجديدة وهي عبارة عن مكة المعظّمة على بادئ الرأي لقوله: النازلة من السماء، لأنّ أهل الإسلام قد ذهبوا إلى أنّ قوله أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها)(٦٠٩) يفيد العموم وقالوا: إنّ الحجر الأسود كان قد نزل من السماء أشدّ بياضا من اللبن فسوّدته خطايا بني آدم.
وقد رواه الترمذي وصحّحه(٦١٠).
وذهب الإمامية إلى مثل ذلك(٦١١)، فيكون قوله: اورشليم الجديدة النازلة من السماء، كناية عن مكة وهذا من قبيل إقامة الظرف مقام المظروف، وهي في جزيرة العرب قريب من ساحل البحر الأحمر في محاري طول خمسة وأربعين درجة من الطول الجديد وعرض اثنتين وعشرين درجة من الشمال.
فالأول
قوله: فاكتب إلى كنيسة افس الخ، وهي بلدة في عرض ثمان وثلاثين درجة من الشمال وطول خمس وأربعين درجة وخمس عشرة دقيقة من الطول الجديد، هذا ما يقول المراد بالكواكب الملائكة الموكلة على الكنائس من أنّه لكل كنيسة ملك وبالمنائر نفوس الكنائس، أي هذا ما يقول مولانا.
وقوله: امتحانك الأنبياء الكذبة، يشير به إلى أنّه قد خرج في زمان الفترة نبي كاذب غير بارلسوع بصيغة الجمع. قوله: لكنّك لست كما كنت، يدلّ على عدم استقامة أهل افس في دينهم. قوله: وإلّا أزلت منارتك، إمّا بتخريب البلد أو بتفريق القوم. قوله: من كانت له اذن سامعة الخ، يدلّ على أنّ هذا هو محلّ يجب استماعه. قوله: ما تقول الروح للكنائس، ذهب كافّة النصارى إلى أنّ الفاعل هاهنا هو المسيح مع أنّه مظهر يؤول إلى الروح، وطمسوا على أعين القوم بأدلّة فاسدة، والحقّ أنّ الفاعل هو الروح.
قوله: إنّي ساطعم المظفر من عود الحياة، قال النصارى: إنّ المراد بالمظفر الذي يظفر على الشيطان من أهل كلّ كنيسة فيكون عاما، والعهد الخارجي يمنعه فلا يقوم، والحقّ أنّ مراده محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)؛ لأن تقييد كلا المعنيين يدلّ على أنّ موضوع الثاني غير موضوع الأوّل، ولم يأت بعد عيسى من يقوم بالأمر فيكون المنصوص عليه محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ولأنّ قوله:
وامتحانك لكذبة الأنبياء واضح الدلالة على إتيان غير الكاذب، وهذا يدلّ على فضيلته.
وفيه أنّك قد كذّبت الكاذبين فيلزمك تصديق الصادقين.
وقوله: لكنّك لست كما كنت أي لست مستعدّا في تصديق الصادق كما كنت في تكذيب الكاذب، فاحذر سقوطك، يحذره بهفوة آدم (عليه السّلام) أي اذكر سقوط آدم وكيف حبط علمه لمّا عصى اللّه وأكل من شجرة العلم، أو منصوب بنزع الخافض: أي احذر من سقوطك وتب عمّا أنت مستهيئ له من تكذيب الصادق وإلّا فسأجيء وازيل منارتك، ثمّ رجع بعد ذلك وقال: من كانت له اذن سامعة الخ، وهذا من بليغ التأكيد، وقد تحقّق أنّ هذه الكنائس السبع قد زالت بعد ظهوره وناهيك به من تنبؤ الصادق ومن بالحقّ ناطق.
والثاني:
قوله واكتب إلى ملك كنيسة سيمرنا الخ، وهي بلد في عرض ثمان وثلاثين وخمس وثلاثين وطول خمس وأربعين من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول الأوّل والآخر أي الذي مات وحيي. احتجّ النصارى بذلك على ربوبية المسيح وقالوا: إنّ قوله: الأوّل والآخر، يدلّ على ربوبيته؛ إذ هما من صفات الواجب تعالى، مع أنّ في قوله: مات وحيي، إضافة الموت والحياة إلى نفسه ظاهرة.
والحقّ أنّه يجيز النهوض لأنّه إن كان المراد بالأوّل القديم وبالآخر الحادث، فلا يجتمعان لأنّهما متباينان؛ لأنّ القديم إن كان بالذات فهو ما لا يكون وجدانه من غيره كواجب الوجود تعالى اسمه، وعيسى ابن مريم قد تولّد في أيّام هيروديس من أمّة مريم فليس بقديم الذات، وإن كان بالزمان فالقديم بالزمان ما لا أوّل لزمانه كالأفلاك العلوية، وعيسى متأخّر بالزمان فليس بقديم الزمان. وأمّا إن اريد به المقدّم بالرتبة في أنّه (عليه السّلام) أقرب لمبدئه من ملك كنيسة سيمرنا وأنا أثق به وعليه جميع أهل التحقيق، لكن أرادوا بالآخر المتأخّر بالرتبة فمن المحال أن يجتمع المتقدّم بالرتبة والمتأخّر فيها في شخص واحد. وإن أرادوا بهما الأوّل والآخر اللذين هما من صفات الواجب تعالى فينقضهما قوله: الذي مات وحيي، لأنّ الموت من أمارات الحدث. ومن المعلوم أنّ الوجوب مباين للحدث. وأمّا إضافة الموت والحياة لنفسه فمحمول على العرف العام إذ لم يرو أحد من أهل لغة قتل اللّه أو موّت اللّه فلانا، بل المطّرد عندهم مات وحيي، فتمسّكه بهذا الدليل ليس إلّا كتمسّك الضرير الساقط في البئر بحدّ السيف الطرير.
قوله إنّي قد عرفت عملك، إلى قوله: فاصبر وأنا أعطيك إكليل الحياة، إشارة إلى وفور الشبهات التي عرضت عليهم في سنيّ الفترة، عبّر فيها باليوم عن خمسين سنة لتصير المدّة بالنظر إلى حدوث الإنسان. وقوله إنّ يوما عند ربّك كألف سنة الخ بالنظر إلى قدم الواجب، فالذي يصبر فيها ولا ينحرف إلى عبادة الأوثان اعطيه إكليل الحياة، وبديهي أن غاية الصبر لا تكون إلّا بلوغ المأمول وهو إكليل الحياة الذي كنّى به عن محمّد (صلّى اللّه عليه وآله).
قوله اذن الخ، حثّ على الإصغاء لأنّ الذي يأتي بعده هو غاية الكلام. قوله: المظفر لا تضرّه الموتة الثانية، يريد به محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله)، والموتة الثانية مرّ ذكرها في مقدّمة هذا البحث.
والثالث
قوله: واكتب إلى ملك كنيسة بئر غاموس، وهي بلد في عرض تسعة وثلاثين درجة وعشرين دقيقة من الشمال وطول خمسة وأربعين درجة من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول ذو السيف الحادّ: إنّي قد عرفت الخ إشارة إلى حسن اعتقادهم وعدم انحرافهم عن دينه في أوان الشبهات، إلّا أنّ بعضهم كانوا يستعملون الرياضات والطلاسم مثل بلعم بن باعور فمنع عن ذلك، وبعضهم النيقوذيمسيين، وهي إضافة إلى نيقوذيمس وهو شماس دهري فمنعهم (عليه السّلام) عن اتباع شبهاته، ونيقوذيمس هذا ليس بنيقوذيمس الذي ذكر في الفصل الثالث في الآية الاولى من يوحنا، فإنّ ذلك من مقدّسي النصارى (رحمه اللّه). ثمّ قال: إن تركت هذين الأمرين وسلكت في سبيل الرشاد الذي أمرتك بسلوكه، وإلّا جئت وحاربتك بسيف فمي. قال بعض النصارى: إنّه يريد بسيف فمه سيف اللّه أبيه، فعلى هذا التقرير يكون المراد به عليّا (عليه السّلام)؛ لأنّه هو سيف اللّه الذي قاتل مشركي اليهود والنصارى.
ثمّ قال: من كانت له اذن سامعة الخ. حثّ على الإصغاء لأنّ هذا هو مقام البحث والنزاع لا تشتبهوا فيه لما مرّ فيما قبله. قوله: إنّي سأطعم المظفر من المن المكتوم، يريد به محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) والمن المكتوم هو علم النبوّة، والمن هو ما كان ينزل من الطل على الأشجار لبني إسرائيل في بريته فارو أعطيه حصاة بيضاء. اختلف النصارى في تأويلها فأكثرهم لم يبحث في الرؤيا، والذي بحث في أوّلها قال: هذه كناية عن ما يتفضّل به عليهم من الثواب؛ لأنّ اللذة لا يعرفها إلّا من ينالها، وليس بشيء؛ إذ تشبيه اللذّة بالحصاة أمر ما أبرده، والحقّ ما ذهب إليه الإمامية في مقدّمة هذا البحث.
وقال بعض أهل التحقيق: هذه حصاة نزل بها آدم (عليه السّلام) وأعطاها عند وفاته شيثا ولم تزل تنتقل من يد إلى يد حتّى أتت إلى عيسى (عليه السّلام) ومنه إلى محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ولا شكّ أنّ محمّدا إمّا أن يكون دفعها إلى عليّ (عليه السّلام) أو سيدفعها إلى المهدي (عليه السّلام)، لا سبيل إلى الثاني؛ لأنّ علماءنا لم يعترفوا بالرجعة وإنّما هي من خصائص مذهب الإمامية، فيكون قد فوّضها إلى عليّ (عليه السّلام) وهذا ممّا يؤيّد مذهبهم.
والرابع:
قوله: واكتب إلى ملك كنيسة تاتير الخ. وهي بلد في عرض ثمان وثلاثين درجة وخمس وأربعين دقيقة من الشمال وطول خمس وأربعين درجة وعشرين دقيقة من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول الذي عيناه إشارة إلى شدّة غضبه. وقوله رجلاه كالنحاس إشارة إلى استقامة رأيه وعزمه. قوله قد اطلعت يريد به حسن إيمانه الذي ثبت عليه في زمان الفترة، ثمّ جرحه بأنّه قد أهمل يزابيل أن تتصرّف في الكنيسة بفجورها، ولم تكن في ذلك الزمان باغية تسمّى يزابيل، لكنّه كنّى بها عن يزابيل المذكورة في مقدّمة هذا البحث لما اتبعوها في عبادة الأوثان، وأنذرهم بأنّهم إن لم يرتدعوا عمّا هم عليه وإلّا سيجيء إليهم، ويهلكهم ويجزيهم بحسب أعمالهم في زمان الرجعة مع المهدي (عليه السّلام)، وإلّا فلا معنى لإتيانه ومجازاتهم. قوله من تمسّك بشريعتي فلا القي عليه ثقلا آخر من البحث فيه في البرهان الثالث عشر من المقالة الثانية من التبصرة الثالثة، أراد بذلك أنّه لا يكلّف باتباع شريعة اخرى، وفوات المشروط يمنع وقوع الشرط، لكنّه سيكلّفه به بعد إتيانه.
قوله وسأعطي المظفر الذي يحفظ أفعالي، وفي بعض التراجم كلامي، وأيّما كان المراد بحفظ أفعاله أو كلامه هو مطلق أوامره، فيرعاهم بقضيب من حديد، وقد رعاهم بحدّ ذي الفقار، وسحقهم سحق آنية الفخار. قوله كما أخذت من أبي، أي اعطيه فكما أعطاني أبي على حسب مرتبة النبوّة اعطيه على حسب مرتبة النبوّة والسلطنة، وأعطيه نجمة الصبح، يريد بذلك المهدي (عليه السّلام) لأنّه ظهر في صبح اليوم الأوّل من الشهر الأوّل من السنة الاولى من العشرة الاولى من المائة الاولى من الألف السابع.
ثمّ قال: فمن كانت الخ، يحثّ على امتثال أمره واتباع حكمه إذا بعث، والاستضاءة بضياء نجمة الصبح، جعلني اللّه وإيّاك ممّن يستضيء ويهتدي بهداه.
والخامس:
قوله: فاكتب إلى ملك كنيسة سارديس، وهي بلدة في عرض سبع وثلاثين درجة وخمس وخمسين دقيقة من الشمال وطول خمس وأربعين درجة وخمسين دقيقة من الطول الجديد. قوله هذا ما يقول ذو الأرواح السبع الإلهية الخ، الأرواح السبع هي أرواح المنائر، هذا كما قال في الأوّل ذو الكواكب السبعة المتمشّي في وسط المنائر السبع. قوله:
قد عرفت أعمالك الصالحة وأنك لتمرّ حيّا مع أنّك ميّت أي أنّ عملك ليس بشيء، ثمّ أخذ يرغّبهم في التهيؤ لاتباع محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وقال: إنّ الذين لم يتدنسوا منهم بعصيان الإعراض عن اتباعه (صلّى اللّه عليه وآله) يلبسون معه البياض، أي يدخلون معه تحت ظلال نجمة الصبح، ثمّ قال: فإنّ المظفّر يلبس ثيابا بيضاء أي يدخل تحت راية نجمة الصبح، وهذا مصداق ما ذهب إليه الإمامية من باب الرجعة، فإنّهم قد اتفقوا على أنّ محمّدا وعليا وفاطمة والحسنين (عليهم السّلام) يرجعون بالأجسام إذا ظهر المهدي (عليه السّلام).
قوله: لا أمحو اسمه، ترغيب آخر لهم في اتباع شريعته حيث قال: إنّه يظهر فضيلتهم أمام اللّه وأمام ملائكته، أي يعترف بأنّ هؤلاء الذين اتبعوني وامتثلوا أمري ثمّ أزاد الترغيب بالتأكيد والتخصيص، وقال فمن كانت له الخ يريد به أن هذا كلام روح اللّه ولا شكّ في وقوعه، فاسمعوا وعده فإنّكم مسئولون.
السادس: قوله: واكتب إلى ملك كنيسة دلفية، وهي بلدة في عرض ثمان وثلاثين درجة وعشرين دقيقة من الشمال، وطول ست وأربعين درجة وعشرين دقيقة من الطول الجديد.
قوله هذا ما يقول الخ يريد بالمقدس الحقيقي درجة النبوّة، لأنّ السلطان ملك غير حقيقي أي زائل المملكة، وأمّا النبي فإنّ ملكه حقيقي، وهذا أيضا ممّا يشير إلى عدم احتياج أمّة أحد الأنبياء إلى تقيد الآخر، والمراد بالمفتاح هو الاقتدار الحقيقي كأنّما قال: إنّي أنتهز القاضي والمفتي فأفتي بالإطلاق واطلق وامنّي بالحبس وأحبس، ولم تجمع هاتان الصفتان في شخص واحد، واظهر له أنّه عرفت كيفية أعماله، وأفتح له بابا لن يغلق، وأنه سيذلّ له المتهودون الكذّابون، أي الذين لم يتمسّكوا بتوراة موسى، وقد فعل ذلك وسلّط عليهم اليونانيين والروم فأخذوهم أخذ عزيز مقتدر، وإنّه سيحافظ عليه ساعة الامتحان أي ساعة خروج الدجّال المسيح الكذّاب لعنه اللّه.
ثمّ أخذ يحذّره وحيث قال: فتمسّك بما عندك لئلّا يؤخذ تاجك إشارة إلى ما يجب على النصراني المشرك إذا لم يعترف بنبوّة ربّ الجنود من أداء الجزية، ثمّ أكّد ذلك وقال: فإنّي سأجعل المظفر الخ العمود الدعامة، وهيكل إلهه هو هيكل إلهنا أعني الكعبة شرّفها اللّه تعالى، ومدينة إلهه أورشليم الجديدة هي مكّة زادها اللّه شرفا، والمراد بنزولها من السماء هو نزول الحجر الأسود كما مرّ في مقدّمة هذا البحث، ثمّ زاده تأكيدا وقال: وكتب عليه اسمي الجديد، يعني الفار قليطا.
ثم زاد في التأكيد بالتخصيص حيث قال: فمن كانت له اذن الخ، حثّا على ترغيب القوم وتخويفهم بالوعد والوعيد.
السابع: قوله: واكتب إلى ملك كنيسة لاذقية، وهي بلدة في عرض ثلاثين درجة وثلاثين دقيقة من الشمال وطول سبع وأربعين درجة من الطول الجديد. قوله هذه هو ما يقول الخ أي غاية قوله: وأمين عجمة عبرانية بمعنى ليكن كذلك، وتكلّف المفسّرين لها جهل بحت، ونصيرها علما للمتكلّم إشارة إلى نفوذ الكلام، ووصفه نفسه بالشاهد الأمين بيانا لأنّه لم يأت إلّا شاهدا لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ثمّ وصف الشاهد بالأمين إخراجا له من الخائن، يريد به أنّه لم يكتم شهادته، بل إنّه أدّاها على سبيل إعلام، وضرب بها الأمثال، والحقيقي الذي يباين المجازي يريد به أنّه ليس بشاهد مجازي يشهد أمام القاضي الحقيقي على الأمر الحقيقي، واتّصافه برأس خليفة اللّه إشارة إلى فضيلة الأنبياء.
وقوله إنّه قد عرف أنّه فاتر وسيتقياه لفتوره إشارة إلى عدم تعصّب أهل كنيسته في مذهبهم ومداهنتهم مع اليونانيين والملاحدة، ثمّ وصفه بالفقر وأمره بشراء الذهب إشارة إلى تبشيره بالشريعة الغرّاء، ولباس البياض حثّ إلى الإعراض عن سبيل الضلال، والتكحّل أمر بإمعان النظر في معاني كلامه ليحصل له الغنى الحقيقي في الدين، ويستر بالسرور الذي لا زوال له ويشاهد حقائق الأشياء كما هي عليه في نفس الأمر. (وقوله) اؤدّب من أحبّه بيان لكمال اللطف على أهل كنيسته، ثمّ أمره بالتوبة بعد ما هدّده بالتأدّب وأخبره بسرعة إتيانه وقرب زمانه.
ثمّ قال: وسأجلس المظفر معي على كرسيي، تأكيد آخر برجعة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) زمان ظهور المهدي (عليه السّلام) وتأييد لما يزعمه الإمامية من باب الرجعة، فمن كانت له اذن سامعة فليستمع ما يقول الروح للكنائس، ويرغب في آجل الثواب ويحذر من عاجل العقاب ويتهيّأ بشريعة ربّ الجنود ويدلي بحاجته إلى النجاح وينتظم في حزب نجمة الصباح، جعلني اللّه وإيّاك ممّن يفوز بلقائه ويسلك في سلسلة أوليائه.
البشارة الثالثة
وفيه: البرهان الثالث ما ترجمته: وسيولم ربّ الجنود لجميع الناس في هذا الجنود ويدلي بحاجته إلى النجاح وينتظم في حزب نجمة الصباح. جعلني اللّه في تأويل هذا النصّ، فقال اليهود: إنّ المراد بربّ الجنود هو المسيح المزمع بالإتيان. وقال النصارى: بل هو عيسى ابن مريم (عليه السّلام) لأنّه كان قد صيّر الماء في قانى الجليل خمرا كما حرّر في الفصل الثاني في الآية الاولى من يوحنا، وليس بشيء، لأنّ قوله: ربّ الجنود لا يتناول عيسى ابن مريم لأنّه لم يكن ذا جند، ولأنّ الضيافة المذكورة هاهنا لا بدّ أن تكون لجميع الناس أو لأعظم النصفين، أو أن يكون فيها من كلّ حزب من بني آدم جماعة، وضيافة الجليل لم تكن إلّا وليمة عرس، فلا يصدق عليها.
والمراد بربّ الجنود وهو المهدي (عليه السّلام) فيكون هو المقصود من هذا النصّ. فإن قلت: لم لا يكون المقصود محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله)؛ لأنك قد وصفته بربّ الجنود. قلت: ولأني قد صرّحت فيما قبل هذا بأنّه لم يذهب إلى اورشليم إلّا ليلة الإسراء ولم يضيف هناك أحدا، وقد ذكرت لك ما ذهب إليه القوم من مسير المهدي (عليه السّلام) إلى اورشليم وتعميرها وإقامة دعائمها فيما مرّ آنفا فتذكّره، فلا يكون إلّا هو.
البشارة الرابعة
لا يخفى أنّه يناسب ذكر البشارة السابعة قبل ذلك، فيه في البرهان الخامس في الفصل الحادي والعشرين في الآية العاشرة من كتاب الرؤيا من كتب العهد الجديد(٦١٢) ترجمتها بالعربية: فأخذتني الروح إلى جبل عظيم شامخ، وأرتني المدينة العظيمة اورشليم المقدّسة نازلة من السماء من عند اللّه وفيها مجد اللّه، وضوؤها كالحجر الكريم، كحجر اليشم والبلور، وكان لها سور عظيم عال واثنا عشر بابا، وعلى الأبواب اثنا عشر ملكا، وكان قد كتب عليها أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر.
أقول:
لا تأويل لهذا النصّ بحيث أن يدلّ على غير مكّة شرّفها اللّه تعالى، والمراد بمجد اللّه بعثته محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) فيها، والضوء عبارة عن الحجر الأسعد، وتشبيهه باليشم والبلور إشارة إلى صحيح الروايات التي وردت في أنّه لمّا نزل كان أبيض. والمراد بالسور هو ربّ الجنود والأبواب الاثني عشر أولاده الأحد عشر وابن عمّه علي وهم: الحسن والحسين وعلي ومحمد وجعفر وموسى وعلي ومحمد وعلي والحسن والقائم المهدي (عليه السّلام) محمد، وقوله:
وعلى الأبواب الاثني عشر اثنا عشر ملكا، يدلّ على عظم رتبته وعلى عموم نبوّته وقيام دعوته على انقياد جميع الأسباط له، والأسباط الاثنا عشر عبارة عن أولاد يعقوب (عليه السّلام) وهم:
روبين وشمعون ولاوي ويهودا واسحر وزابلون وبنيامين ودان ونفتالى وياد وعاشر ويوسف (عليه السّلام) وهذا مصداق لقوله [تعالى] (لولاك لما خلقت الأفلاك)(٦١٣).
البشارة الخامسة
فيه: البرهان السادس ما ورد في الفصل الحادي والعشرين أيضا في الآية الرابعة عشرة من كتاب الرؤيا ما ترجمته بالعربية: ولسور المدينة اثنا عشر أساسا، وعليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر(٦١٤).
أقول:
هذا تأكيد صريح لما قبله، والاثنا عشر الأساس هم الأئمّة الاثنا عشر، ورسل الحمل الاثنا عشر هم الحواريون الاثنا عشر (رض) وهم: شمعون وبطرس واندرياس ويعقوب ويوحنا وفيلبوس وبرتولو وملئوس وتوما ومتى ويعقوب ولباؤس وشمعون القاني وبرلوص على راني انا لأن يهودا الاسخريوطي(٦١٥) كان قد خنق نفسه وهلك واقيم برلوص مقامه، وفيه إشارة إلى انقياد جميع المذاهب العيسوية لشريعة خير البرية.
البشارة السادسة
فيه: البرهان السابع ما ورد في الفصل الحادي والعشرين من الآية الحادية والعشرين من الرؤيا من كتب العهد الجديد ما ترجمته بالعربية: والأبواب الاثنا عشر لؤلؤا كلّ واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة، وساحة المدينة من الذهب الابريز كالزجاج الشفّاف(٦١٦).
أقول:
بيان لما قبله وصفة للأبواب، وكون كل باب من لؤلؤة واحدة فيه إشارة إلى ما يدّعيه الإماميون من عصمة أئمّتهم؛ لأنّ اللؤلؤة كروية، ولا شكّ أنّ الشكل الكروي لا يمكن انشلابه؛ لأنّه لا يباشر الأجسام إلّا على ملتقى نقطة واحدة، كما صرّح به اوقليدس، والأصل في عصمة الإمام أما عند أهل السنّة والجماعة فإن العصمة ليست بشرط، بل العمدة فيه انعقاد الإجماع، وأمّا عند الإمامية فهي واجبة فيه لأنّه لطف، ولأنّ النفوس الزكية الفاضلة تأبى عن اتباع النفوس الدنية المفضولة، وعدم العصمة علّة عدم الفضيلة، ولهما فيها بحث طويل لا يناسب هذا المقام(٦١٧).
قوله: وساحة المدينة من الذهب الإبريز كالزجاج الشفاف يريد بذلك أهل ملّته لأنّهم لا ينحرفون عن اعتقادهم ولا ينصرفون عن مذهبهم في حالة العسرة، وأمّا الذين أغواهم قسوس الانكتاريين فمن الجهّال الذين لا معرفة لهم باصول دينهم، وهذا هو مصداق قوله (عليه السّلام): (أنا مدينة العلم وعلي بابها)(٦١٨).
البشارة السابعة
وفيه: البرهان الرابع في الفصل الحادي عشر في الآية الاولى من كتاب شعيا ما ترجمته بالعربية: وسيخرج من قيس الآس عصا وينبت من عروقه غصن وستستقر عليه روح الرب أعني روح الحكمة والمعرفة، وروح الشورى والعدل، وروح العلم وخشية اللّه، وتجعله ذا فكرة وقّادة، مستقيما في خشية الربّ، فلا يقضى كذا عجايبات الوجوه ولا يدين بمجرّد السمع(٦١٩)، ثمّ ذكر تأويل اليهود والنصارى هذا الكلام وردّه وقال: فيكون المنصوص عليه هو المهدي (عليه السّلام) بعينه بصريح قوله: ولا يدين بمجرّد السمع، لأنّ المسلمين أجمعوا على أنّه رضي اللّه عنه لا يحكم بمجرّد السمع والحاضر، بل لا يلاحظ إلّا الباطن، ولم يتّفق ذلك لأحد من الأنبياء والأوصياء، إلى أن قال: وقد اختلف المسلمون في المهدي (عليه السّلام) فقال أصحابنا من أهل السنّة والجماعة: إنّه رجل من أولاد فاطمة يكون اسمه محمّد واسم أبيه عبد اللّه واسم أمّه آمنة.
وقال الإماميون: بل إنّه هو محمّد بن الحسن العسكري (عليه السّلام)، وكان قد تولّد سنة خمس وخمسين بعد المائتين من فتاة للحسن العسكري (عليه السّلام) اسمها نرجس في سر من رأى بزمن المعتمد، ثمّ غاب سنة ظهر ثمّ غاب وهي الغيبة الكبرى، ولا يئوب بعدها إلّا إذا شاء اللّه، ولما كان قولهم أقرب لتناول هذا النص وكان غرضي الذبّ عن ملّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) مع قطع النظر عن التعصّب في المذهب؛ ذكرت لك مطابقة ما يدّعيه الإماميون مع هذا النصّ.
انتهى.
ثمّ ذكر بعد ذلك: إذا علمت ذلك فاعلم أن ما تحقّق عندي هو أنّ عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، فمن خلقة آدم إلى مولد موسى (عليه السّلام) ثمان وستّون سنة بعد ثلاثمائة وألفي سنة، ومن مولد موسى إلى مولد عيسى اثنتان وتسعون بعد ثلاثمائة وألف سنة، ومن مولد عيسى إلى مولد محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ثلاث عشرة وستمائة سنة، ومن ميلاد محمّد إلى بعثته أربعون سنة، يصير الجميع من خلقة آدم إلى ميلاد محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ثلاثا وسبعين بعد أربعمائة وأربعة آلاف سنة، فينبغي أن يكون من بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) إلى ظهور المهدي (عليه السّلام) مدّة سبع وثمانين بعد خمسمائة وألف سنة مضت منها احدى وأربعون ومائتان وألف سنة وبقيت ست وأربعون وثلاثمائة سنة(٦٢٠) حتّى تتمّ مدّة ستّة آلاف سنة، فبعد مضي هذه المدّة يظهر المهدي ويملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما، وتسلّط بنو هاشم على جميع المسكونة مدّة ألف سنة، وحينئذ يعلم الظالمون أي منقلب ينقلبون. وأمّا ما ذكره بعض العلماء من أنّ المدّة الفاصلة بين محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وبين المهدي (عليه السّلام) ألف سنة فليس بشيء، برهان ساباطية.
البشارة الثامنة
فيه: البرهان الثامن ما ورد في الفصل الثاني والعشرين في الآية الاولى من كتاب الرؤيا ما ترجمته بالعربية: قوله: وأراني في وسطها نهرا معينا من ماء الحياة، مضيئا كالبلّور خارجا من كرسي اللّه والحمل، وفي أزقّتها وعلى كلّ طرف من طرفي النهر شجرة الحياة تثمر في كلّ شهر اثنتي عشرة ثمرة، وأوراق الأشجار شفاء الامم(٦٢١).
أقول:
هذه كناية ظاهرة في حقّ آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، والنهر هو شريعة محمّد، وكرسي اللّه والحمل هو السماء والحمل لقب عيسى (عليه السّلام)، والشجرة هي محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، والثمرات الاثنتا عشرة هم: علي وأولاده الأحد عشر على رأي الإمامية، والتثنية للتأكيد بتكرير الجملة، كما تقول: رأيت زيدا أخاك رأيت زيدا أخاك، وأوراق الأشجار هم السادة الذين هم من ولد فاطمة (رض)، الذين هم شفاء العالم، الذين حرّمت عليهم نار جهنّم، وإنّما قلت: حرّمت عليهم نار جهنّم، لأنّ الجنين يتركّب من كلا الماءين، وليس في الوجود جزء لا يتجزّأ، فإذا تأذّى السيّد يتأذّى ربّ الجنود بأذيته وذلك ممتنع عليه، وفيه بحث طويل لطيف، ولك أن تقول: إنّ النهر نفس محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) والشجرتان فاطمة وعلي، ثمّ تقول والأثمار الاثنتا عشرة هم الأئمّة الاثنا عشر بدخول علي فيهم، والأوراق أولادهم، وهذا المقدار في الأمثال مقنع لمن له اذن واعية وفطنة كافية، وقد فسّرته بهذا التفسير للمطابقة مع ما قبله وإلّا فعليهم أن يفسّروا، وعليّ أن أمنع.
البشارة التاسعة
فيه: البرهان الحادي عشر ما ورد في الفصل الثالث من الآية الرابعة من لوقا(٦٢٢)، وفي الفصل الخامس والأربعين في الآية الثالثة من كتاب أشعيا(٦٢٣) [ما] ترجمته بالعربية: صوت صارخ في البرية، أعدّوا طرق الرب وهيّئوا سبله فإنّ كلّ واد سيمتلئ، وكلّ جبل وأكمة(٦٢٤) ستتضع، وتعتدل المعوجات وتلين الصعاب ويشاهد خلاص اللّه كلّ ذي جسد.
أقول:
هذا من أوضح البراهين الواردة في شأن محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وقد تغافل اليهود والنصارى عنه، فأوّله اليهود في شأن مسيحهم الموهوم، وأوّله النصارى في حقّ إلههم المعلوم، والحقّ أنّه لا يدلّ على ذلك، أمّا أنّه لا يدلّ على المسيح الموهوم فلأنّ سياقه في أشعيا: سلوا شيعتي سلوهم، قال إلهكم: سلوا اورشليم وقولوا لها إنّ تعبها قد تمّ وخطيئتها قد غفرت؛ لأنّه قد وقع عليها من يد الرب لخطيئتها ضعفان من العذاب، وهذا صوت صارخ يقول في البرية: يئسوا طريق الرب ووطّئوا لأجل إلهنا في البادية سبيلا مرتفعا، فإن كلّ واد سيرتفع وكلّ جبل وأكمة ستتضع، وسيعتدل المعوج وستلين الصعاب وسيظهر مجد اللّه ويشاهده كلّ ذي جسم، لأنّ فم اللّه نطق به فقال الصوت: أصرخ، فقال: بما ذا أصرخ فإنّ جميع الأجسام كلاء وكلّ مجد ماكم هر الحقل ما لكلاء يذبل والزهر يسقط، لأنّ روح الربّ ترف عليه ولا شكّ أن تملأ كلاء فيجفّ الكلاء ويسقط الزهر، وكلمة اللّه تمكث إلى الأبد.
فمن قوله: سلوا، إلى: من العذاب؛ ظاهر الدلالة على أنّ الواجب تعالى يقول لنبيّه أن يسلي ويخبر أمّته بما هو مزمع الوقوع، وباستقامتكم دعائم اورشليم في آخر الزمان. وفي قوله: ضعفان من العذاب، إشارة إلى أنّها كانت قد أخطأت فانتقم اللّه منها بما أحدث عليها من الذلّ بعد المسيح (عليه السّلام) في أيّام تسلّط الروم والنصارى عليها إلى زمان محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، وبعد محمّد أيّام تسلّط العرب عليها، وهي أيامنا هذه إلى زمان ظهور القائم (عليه السّلام)، وبعد ذلك تستقيم دعائمها وتعمر رسومها، وقد ذكر بعض المحقّقين أنّ المهدي (عليه السّلام) سينطلق إلى اورشليم ويصلّي فيها ويجتمع هناك بالمسيح عند نزوله.
ومن قوله: هذا صوت صارخ، إلى قوله: نطق به، إشارة إلى يحيى بن زكريا (عليه السّلام) لما كان يعظ بهذه الجملة على شاطئ شط الأردن، وقوله: وطّئوا له في البادية سبيلا مرتفعا، لا يدلّ على غير السبيل المستقيم من مكة إلى اورشليم البتة؛ لأنّ اورشليم ليست في البادية.
وقوله: فإنّ كلّ واد، يريد به الجهال كأهل السواحل، والارتفاع عبارة عن الصعود على ذروة طود الايمان وكلّ جبل، وأكمة يشير به إلى الجبابرة من الفرس والروم، والاتضاع الانقياد إلى أواخر الدين الحنيف وسيعتدل المعوج، إشارة إلى اليونانيين وحكماء الهند بقبول الشريعة الغرّاء لانحرف طبائعهم عن الانعطاف إلى اتباع النواميس الإلهية. وقوله: تلين الصعاب، كناية عن العرب لأنّهم هم أقوى الناس جنانا وأبعدهم إيمانا، وإلى ذلك أشار بقوله [تعالى] (ولَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ)(٦٢٥) الخ. وقوله: سيشاهد مجد اللّه، أي المهدي (عليه السّلام) والسين لاستقبال البعيد والمعنى: إنّه إذا كملت جميع هذه الامور وبعث محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) يظهر المهدي (عليه السّلام).
وقوله: لأنّ فم الربّ قد نطق به، إشارة إلى وجوب وقوعه، ومن قوله: فقال الصوت اصرخ الخ، ضرب من شديد التأكيد لوجوب وقوعه بلا دلالة لشيء منه على مسيح اليهود الموهوم، اللهمّ إلّا أن يريدوا أنّ المسيح نفس المهدي (عليه السّلام)، فحينئذ يلزمهم الاعتراف بنبوّة عيسى ومحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وأمّا أنّه لا يدلّ على عيسى ابن مريم (عليهما السّلام) فلأنّ سياقه في أشعيا قد مرّ بيانه ولا محتمل له غيره، ولأن لوقا لم يذكره مستدلّا به عليه ولا قرينة هناك يؤول إليها الضمير، بل إنّه جملة مستأنفة في أوّل الإصحاح، ومضمون الإصحاح على الإجمال أن لوقا أخبر أنه في زمان كذا جاء يحيى بن زكريا إلى البرية ويصرخ ويقول كذا، وهذا لا يدلّ على المسيح ابن مريم بوجه من الوجوه، لكنّه يدلّ على بعثة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وقيام المهدي (عليه السّلام)؛ لأنّ الجملة مستأنفة والقاعدة في المستأنفات أن تحمل على ما يناسبها فيكون ما ذكره لوقا ضربا من التأكيد لكلام أشعيا لا غير، فعليك أن تتأمّل في هذا البرهان فإنّه في غاية اللطافة.
البشارة العاشرة
في الدمعة الساكبة عن المقتضب عن حاجب بن سليمان أبو موزج السدوي قال: لقيت ببيت المقدس عمران بن خاقان الوافد إلى المنصور على يهود الجزيرة وغيرها، أسلم على يد أبي جعفر المنصور، وكان قد غلب حجج اليهود ببيانه وعلمه، وكانوا لا يستطيعون جحده لما في التوراة من علامات رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) والخلفاء من بعده، فقال لي يوما: يا أبا موزج إنّا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسما منها محمد واثنا عشر بعده من أهل بيته هم أوصياؤه وخلفاؤه، مذكورون في التوراة، وليس فيهم القائمون بعده من تيم ولا عدي ولا بني امية، وإنّي لأظنّ ما تقول هؤلاء الشيعة حقّا. قلت: فأخبرني به، قال: لتعطيني عهد اللّه وميثاقه أن لا تخبر الشيعة بشيء من ذلك فيظهروه عليّ. قلت: وما تخاف من ذلك والقوم من بني هاشم؟ قال: ليست أسماؤهم أسماء هؤلاء، بل هم من ولد الأوّل منهم وهم محمد ومن بقيّته في الأرض من بعده، فأعطيته ما أراد من المواثيق، وقال لي: حدّث به بعدي إن تقدمتك وإلّا فلا عليك أن لا تخبر به أحدا: نجدهم في التوراة عبارة ذكر ترجمتها: إن شموعل يخرج من صلبه ابن مبارك - صلواتي عليه - يلد اثني عشر ولدا، يكون ذكرهم باقيا إلى يوم القيامة، وعليهم القيامة تقوم، طوبى لمن عرفهم بحقيقتهم(٦٢٦).
البشارة الحادية عشرة
فيه: عن الإقبال عن أبي المفضل في حديث طويل: أن علماء نصارى نجران أحضروا صحيفة آدم الكبرى ونقلوا منها كلاما طويلا في الإخبار بالنبي (صلّى اللّه عليه وآله) ونعته وصفة أهل بيته وأوصيائه ومنازلهم ومرتبتهم عند اللّه عزّ وجلّ، إلى أن قال: ثمّ صار القوم إلى ما نزل على موسى فألغوا في السفر الثاني من التوراة: إنّي باعث في الاميين من ولد إسماعيل رسولا انزل عليه كتابي وأبعثه بالشريعة القيّمة إلى جميع خلقي، اوتيه حكمي واؤيّده بملائكتي وجنودي، يكون ذريته من ابنة له مباركة باركتها ثمّ من شبلين لها كإسماعيل وإسحاق، أصلين شعبين عظيمين، أكبرهم جدّا جدّا، يكون منهم اثنا عشر قيّما، أكمل لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وبما أرسله به من بلاغ وحكمة ديني، وأختم به أنبيائي ورسلي، فعلى محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وأمّته تقوم الساعة. الحديث(٦٢٧).
البشارة الثانية عشرة
فيه: عن علي بن عيسى في كشف الغمّة: حكى لي بعض اليهود ورأيته أنا في توراة معرّبة وقد نقله الرواة أيضا: إسماعيل قبلت صلواته وباركت فيه وأنميته وكثّرت عدده بمادماد، وقيل: معناه محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وعدد حروفه اثنان وتسعون حرفا، ساخرج اثنا عشر إماما ملكا من نسله وأعطيه قوما كثير العدد. وأوّل هذا الفصل بالعبري: لا شموعيل شمعثخوا. انتهى(٦٢٨).
البشارة الثالثة عشرة
فيه: عن كتاب إثبات الهداة عن الشيخ المفيد في جواب المسائل السروية: قد بشّر اللّه عزّ وجلّ بالنبي والأئمّة في الكتب الاولى فقال في بعض كتبه التي أنزلها على أنبيائه وأهل الكتب يقرءونه واليهود يعرفونه: أنه ناجى إبراهيم في مناجاته: إنّي قد عظمتك وباركت عليك وعلى إسماعيل، وجعلت منه اثني عشر عظيما وكبرتهم جدّا جدّا، وجعلت منهم شعبا عظيمة لامّة عظيمة، وأشباه ذلك كثيرة في كتب اللّه تعالى، انتهى(٦٢٩). وعن الشيخ زين الدين علي بن محمد بن يونس البياضي في كتاب الصراط المستقيم: في السفر الأوّل من التوراة: نزل الملك على إبراهيم (عليه السّلام) وقال: إسماعيل يلد اثني عشر عظيما(٦٣٠).
البشارة الرابعة عشرة
فيه: عن كتاب الغيبة ما هذا نصّه: فما ثبت في التوراة ممّا يدلّ على الأئمّة الاثني عشر ما ذكر في السفر الأوّل فيها من قصّة إسماعيل بعد انقضاء قصة سارة، وما خاطب اللّه به إبراهيم في أمرها وولدها قوله عزّ وجلّ: وقد أجبتك دعاءك في إسماعيل وقد سمعتك ما باركته وسأكثره جدّا جدّا، وسيلد اثني عشر عظيما أجعلهم أئمّة كشعب عظيم. ثمّ قال:
و أقرأني عبد الحكيم بن الحسن السمري (رحمه اللّه) ما أملاه عليه رجل من اليهود بأرجان يقال له الحسن بن سليمان من علماء اليهود، بها من أسماء الأئمّة بالعبرانية وعدّتهم، وقد أثبته على لفظه وكان فيها قراءة: إنّه يبعث من ولد إسماعيل - واسم إسماعيل في التوراة اشموعيل - ميمي ما يد يعني محمّدا، يكون سيّدا ويكون من آله اثنا عشر رجلا أئمّة وسادة يقتدى بهم:
تقوبيث قيذوا دبيرا مغسورا مسموعا دوموه مشبو هذار يثيمو بطور توقس قيذموا. وسئل هذا اليهودي عن هذه الأسماء في أي سورة هي فذكر أنّها في سدّ سليمان، أي في قصّة سليمان، وقرأ منها أيضا كلاما تفسيره وترجمته: إنّه يخرج من صلب إسماعيل ولد مبارك عليه صلواتي وعليه رحمتي يلد منه اثنا عشر رجلا يرتفعون وينجلون، ويرتفع اسم هذا الرجل ويحلو بعلو ذكره، وقرأ هذا الكلام والتفسير على موسى بن عمران بن زكريا اليهودي وقال فيه إسحاق بن إبراهيم يحسبونه اليهودي العيسوي مثل ذلك، وقال سليمان بن داود النوشجاني مثل ذلك. آخر كلام النعماني(٦٣١).
البشارة الخامسة عشرة
فيه: عن المقتضب عن سالم بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب: كنت مع أبي عند كعب الأحبار فسمعته يقول: إنّ الأئمّة من هذه الامّة بعد نبيّها على عدد نقباء بني إسرائيل، وأقبل علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فقال كعب: هذا المقبل أوّلهم وأحد عشر من ولده، وسمّاهم كعب بأسمائهم في التوراة: تقوبيث قيذوا دبيرا مغسورا مسموعا دوموه مشيو هذاريتيمو(٦٣٢) بطور توقس قيذموا. قال أبو عامر هشام الدستواني: لقيت يهوديا بالحيرة يقال له: عثوا بن أوسوا(٦٣٣) وكان حبرا لليهود وعالمهم فسألته عن هذه الأسماء وتلوتها عليه. فقال لي: من أين عرفت هذه النعوت؟ قلت: هي أسماء. قال: ليست أسماء لو كانت أسماء لتطرّزت في تواطؤ الأسماء، ولكنّها نعوت لأقوام وأوصاف بالعبرانية صحيحة نجدها عندنا في التوراة، ولو سألت عنها غيري لعمي عن معرفته أو تعامى. قلت: ولم ذلك؟ قال: أمّا العمى فللجهل بها، وأمّا التعامي لئلّا يكون على دينه ظهيرا وبه خبيرا، وإنّما أقررت لك بهذه النعوت لأني رجل من ولد هارون بن عمران، مؤمن بمحمّد، أسر بذلك عن بطانتي من اليهود الذين لم اظهر لهم الإسلام ولن اظهره لأحد بعدك حتّى أموت.
قلت: ولم ذلك؟ قال: لأنّي أجد في كتب آبائي الماضين من ولد هارون أن لا نؤمن بهذا النبي الذي اسمه محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ظاهرا ونؤمن به باطنا حتّى يظهر المهدي القائم (عليه السّلام) من ولده، فمن أدركه منّا فليؤمن به، وبه نعت الأخير من الأسماء. قلت: وبما نعت به؟ قال: نعت بأنّه يظهر على الدين كلّه، ويخرج إليه المسيح فيدين به ويكون له صاحبا. قال: فانعت لي هذه النعوت لأعلم علمها؟ قال: نعم فعه عنّي وصنه إلّا عن أهله وموضعه: أمّا تقوبيث فهو أول الأوصياء ووصي آخر الأنبياء، أما قيذوا فهو ثاني الأوصياء وأوّل العترة الأصفياء. وأمّا دبيرا فهو ثالث الأوصياء وثاني العترة وسيّد الشهداء، وأمّا مغسورا فهو سيّد عبد اللّه من عباده، وأما مسموعا فهو وارث علم الأوّلين والآخرين، وأمّا دوموه فهو المدره الناطق عن اللّه الصادق، وأمّا مشيو فهو خير المسجونين في سجن الظالمين، وأمّا هذار فهو المنخوع(٦٣٤) بحقّه النازح عن الأوطان الممنوع، وأمّا يثيمو فهو القصير العمر الطويل الأثر، وأمّا بطور فهو رابع أي رابع من سمي بهذا الاسم اسمه، وأمّا توقس فهو سمّي محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، وأمّا قيذموا فهو المفقود من أبيه وأمّه، الغائب بأمر اللّه بعلمه والقائم بحكمه(٦٣٥).
البشارة السادسة عشرة
فيه: عن كتاب ضياء العالمين عن الشيخ محمد بن علي الكراجكيّ وبعض علماء اليهود بعد إسلامه، في رسالته التي ألّفها في بشارات اللّه وأنبيائه بمجيء نبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ثمّ قال:
وقد صرّح جمع بأنّها في السفر الأوّل من التوراة، في ذكر البشارة لإبراهيم في قبول دعائه في حقّ إسماعيل، ثمّ ذكر العبارة ولغته ملخّص ما فيه: وفي إسماعيل سمعت دعاءك، ها أنا باركته وأثمرته وكثرته بعظيم عظيم أو بمحمّد واثني عشر شريفا يولدون منه، وأعطيته لقوم عظيم كبير(٦٣٦).
البشارة السابعة عشرة
في قوام الأمّة عن مكاشفات يوحنا في الباب الثاني عشر في الآية الاولى ما ترجمته: إنّه ظهر في السماء علامة وهي امرأة لبست الشمس، وتحت رجليها القمر، وعلى رأسها تاج من اثني عشر كوكبا، فبينما هي حامل وإذا بثعبان سيمتلئ، وكلّ جبل وأكمة ستتضع وتعتدل المعوجات وتلين الصعاب، تلك الكواكب على الأرض والثعبان واقفة عند المرأة الحاملة على الوضع لتأخذ مولودها بعد وضعها، فوضعت ذكرا سويا يحكم على جميع الطوائف بعصا من حديد، فاجتلب وأخذ إلى اللّه وبلغ إلى مقرره وسريره، انتهى(٦٣٧).
قال المؤلّف: المراد بالمرأة هي فاطمة الزهراء حيث غلبت نورها الشمس، والقمر تحت رجلها وهي أعلى وأجلّ، بل نوره جزء من آلاف جزء من أجزاء نورها ومكتسب منها، والتاج المشتمل على البروج الاثني عشر الأئمّة الاثنا عشر (سلام اللّه عليهم أجمعين)، والمراد من تلك الثعبان شجرة بني أمية، الشجرة الخبيثة، قتلت الكواكب المعنوية المشرقة، والمراد من الطفل هو الإمام القائم (عليه السّلام) الغائب، حيث أراد الأعداء قتله فاختفى وحجب عن الأبصار، والعصا الحديد كناية عن السيف، فيقاتل من على وجه الأرض من الطوائف بالسيف ويملأ الأرض قسطا وعدلا ويضمحل وينهدم بنيان الكفر والضلال والظلم، وليس مراد اليسوع المسيح لأنّه (عليه السّلام) لم يقاتل قط، وإنّما كان المسيح مظهرا للرحمة، ويمكن أن يكون المراد من النجوم الاثني عشر محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) وعليا والعشرة من أولاده، والقمر كناية عن القائم (عليه السّلام)، ولا ينطبق على مريم واليسوع والحواريين؛ لأنّهم وإن كانوا اثني عشر إلّا أنّه ارتدّ واحد منهم فينافي العدد المعلوم.
وما فسّره بعض علماء النصارى من أنّ المراد من المرأة هي المعبد والكنيسة، والنجوم الاثني عشر عبارة عن الحوراء الملازمة لها الحافات حولها، وذلك حيث ذكر في الباب الثاني من المكاشفات أن اكتب للحوراء الموكّلة بكنيسة أقس أنّ من بيده النجوم السبع يسير في المصابيح السبعة المذهبة، ففيه أن الكنائس لا تشتمل على الحور ولا يناسب ذكر النجم لها أيضا وبعيد جدّا، والتعبير عن الخادم والحارث والحفظة مع ما هم عليه من الظلمة بالنورانية والبهاء أبعد خطأ عند العقلاء.
البشارة الثامنة عشرة
في حسام الشيعة(٦٣٨) عن الفصل العاشر من كتاب عزير(٦٣٩) أن أهل سامراء يشردون سلطانهم ورئيسهم على وجه الماء كزبد البحر. والمسيحية يؤوّلون هذه الآية ويطبقونها على المسيح ولا نسبة للمسيح وسامراء بوجه من الوجوه أبدا وعدم المناسبة ظاهر، كما أن انطباقه على القائم (عليه السّلام) ظاهر وصريح لما رأوه في سرداب داره منهزما مستترا عن أبصار الظلمة على البحر الذي ظهر هناك بإعجازه (عليه السّلام) فغاب عنهم، والسرداب ذاك حينئذ مقام معروف، مزار للشيعة مع أنّهم لم يذكروا ولم ير في تواريخهم شيء من فرار المسيح أو مروره على هذا الطريق والأراضي، فلا ينطبق عليه قطعا، هذا مع ما في ذلك الفصل من الكتاب المذكور حيث يقول اللّه سبحانه إغضابا لتلك البلدة ما حاصله وترجمته: إنّه يهجم بهم سامراء لأنّ أهلها أغضبوا ربّهم، ويقطّع أطفالهم إربا إربا ويشقّ بطون نسائهم الحبليات، والمواعيد المعلومة كناية عن هجمها، وقد وقع جميع ذلك بعد غيبته.
البشارة التاسعة عشرة
فيه: ما ناجى اللّه داود في السفر الحادي والسبعين من الزبور قوله: اللهمّ أعط قيامتك للسلطان وحجّتك لذريته، إلى أن يقول: وسيظهر في دولته حجّة ويزيد العدل والقسط إلى أن يزول القمر، ويحكم من البحر إلى البحر، ومن الوادي إلى جميع ما على وجه البسيطة، وتنعطف له العالم، وتقبّل رجله الجيش، وتلعس الأرض عنده الأعداء، وتهدى إليه الهدايا من سلاطين الجزائر ويقدم له من سلاطين العرب واليمن التقديمات ويسجدون له ويثنى عنده جميع سلاطين الأرض وملوك العجم عنده(٦٤٠)، والنصارى يطبقون هذه البشارات على المسيح. وفساده ظاهر لعدم سلطنته، ولو سلم أنّ المراد به السلطنة الواقعية المعنوية فلم يكن له عقب من ذريته له سلطنته، واقتدار، ثمّ المراد بزوال القمر لا شكّ أنّه القيامة فيلزم أن يكون العدل والقسط مبسوطان في العالم من زمان المسيح إلى القيامة، وخلافه ظاهر، وكذا سائر الإخبارات من تقبيل الجيش وذلّ الأعداء واهداء السلاطين وملوك الجزائر، وكذا إهداء ملوك العرب واليمن وسجود جميع السلاطين وتثنية ملوك العجم عنده وحضورهم لديه، ولم يذكر أحد منهم شيئا من هذه الامور بالنسبة إلى المسيح مع اهتمامهم بتواريخهم من الضبط، ولما كانت السلطنة العامة القاهرة لنبيّنا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ثابتا باتّفاق المؤرخين في هذه النشأة، والموهبة العظيمة والسلطنة الرفيعة والشفاعة الكبرى للعصاة في يوم القيامة، وتقدّمه على جميع الأنبياء في ذلك اليوم وبيده مفاتيح أبواب الجنان الثمانية، فيكون هو المراد بالسلطان، وأولاده وذريته وعترته فهم السلطنة، ولما تواتر(٦٤١) في الأخبار انطباق جميع الإخبارات المعلومة في الرجعة من طرق الشيعة بالقائم (عليه السّلام)؛ فالمراد به هو ليس إلّا لأنّه الملقّب بالحجّة وهو المظهر حجّته بعد ظهوره للعالمين، ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، ويبقى عدله إلى القيامة وينفذ حكمه على العالمين، وتذلّ له جميع السلاطين وتخضع له رقاب الجبابرة والطاغين.
البشارة العشرون
فيه: عن الفصل الأوّل من كتاب ميلكيس(٦٤٢) وهو الذي يقول بنو إسرائيل بنبوّته، يقول اللّه سبحانه: إنّه يأتي زمان كالتنور المسجرة، والظلمة فيه كالذرة فتحترق فيه أهل الظلم بحيث لا يبقى منهم عرق، وسيطلع عليكم أيها الخائفين عن اسمي من تحت جناحه شمس العدالة والشفاء، إلى أن يقول عزّ وجلّ: إنّا سنبعث عليكم قبله الإيليا. هذا ولم ينقل النصارى محو آثار الظلمة في زمان عيسى، وكيف يختص هذا الخبر من قطع عرق الظلم ومحو آثاره بزمانه مع اتّفاقهم على شيوعه في ذلك الزمان خاصة واجتماعهم على قتل المسيح وصلبه وهكذا بعده من الأزمنة؟ واتفقت الكلمة وتواتر الأخبار على محوه في زمان القائم وامتلاء العالم من العدل والقسط، ولم ينقطع ولم يمح في زمان نبي من الأنبياء، فتعيّن أنّه المعتبر بشمس العدالة والشفاء حتّى يملأ الأرض بوجوده قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا.
والمراد من أنّ الشفاء يكون تحت جناحه حتّى يشتفي به مرض جميع الكفّار والمخالفين ولا يبقى من مرض الكفر والشرك على وجه الأرض قط أبدا. والمراد بإيليا هو قطب الأولياء أمير المؤمنين (عليه السّلام) لأن إيليا على اصطلاحهم الإلياس، وليس المراد إلياس النبي لأنّ هذه العبارة الصادرة من ميلكيس وإنّما هو في زمان المسيح، وإلياس في عصر داود فالإلياس قبل ميلكيس بأزمنة بعيدة فلا ينطبق على إلياس نفسه. وليس المراد به يحيى لأنّه ذكر في الفصل الأوّل من انجيل يوحنا أنّ اليهود أرسلوا علماءهم إلى يحيى وسألوه:
أنّك الإيلياء الموعود؟ فأجابهم: إنّي لست بإيلياء الموعود وإنّما أنا يحيى، فيظهر أنّ اليهود كانوا ينتظرونه إلى زمان يحيى، على أن ما استظهر من الفصول الإنجيلية هو أنّ المسيح ويحيى كانا معاصرين، فظهر ممّا ذكر أنّ البشارة السابقة من قوله: إنّا نبعث قبل ذلك اليوم المهول الإلياء لا ينطبق على ما ذكر وأنّ المراد به هو أمير المؤمنين (عليه السّلام).
ويؤيّده ما تواتر به الإخبار من أنّ اسمه (عليه السّلام) في التوراة إيليا(٦٤٣).
وفي باب علامات ظهور القائم (عليه السّلام) الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) بارز عند [زوال] الشمس والمراد به هو علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فإنّه سيظهر في أوان الظهور عندها، وتقف الشمس في مركزها عن المسير ساعة فيظهر وجهه وبهاؤه بحيث يعرفه الناس وينادي أن بعث اللّه باقيا يعني الصاحب لهلاك الظلمة(٦٤٤). وفي الحديث: إنّ خروج الدابة إنّما هو بعد الدجّال وخروجها من جبل صفا في مكة، ومعه خاتم سليمان وعصا موسى فيضع الخاتم على المؤمن والكافر فيوسمهم فيعرفون به(٦٤٥). وسئل رأس الجالوت عن دابة الأرض فقال: إنّ اسمه إيليا(٦٤٦). فصدق ما في الأخبار أنّ خروج إيليا إنّما يكون قبل خروج القائم (عليه السّلام) بيسير.
البشارة الحادية والعشرون
فيه: عن الفصل السابع والثلاثين من كتاب زكيال النبي(٦٤٧) قوله: إني أجمع أهل الإسلام وألمّ شعثهم وآتي بهم على الأرض، ويحكم على جميعهم سلطان حاكم، فلا ينقادون بعد ذلك لسلطانين، ولا يذلّون ولا يكرهون من سوء اختيارهم وفعالهم وعصيانهم بعبادة الأصنام قط، وسأطهّرهم من رجسها، وأنا اللّه ربّهم وعبدي داود نبيّهم وسلطانهم، وينفرد الراعي على جميعهم، فيمشون في حججي ويحفظون أحكامي. ولمّا كان زكيال هو على اعتقاد النصارى بعد داود بمنزلة داود (عليه السّلام) وأبا لسليمان (عليه السّلام) فلا يمكن أن يقال المراد هو داود، وكذا لا ينطبق على المسيح من تأويلهم أنّ المسيح كان يعبّر عنه داود (عليه السّلام)؛ لأنّ التعبير هذا بهم خاصة، وليس من اللّه ولا في الكتب السماوية، وباتفاق النصارى أنّ المسلمين من بني إسرائيل ما اجتمعوا في زمان المسيح ولم يأتوا أرضهم وديارهم، وإنّما كانوا متفرّقين مشرّدين، بل إنّما اشتدّ تفرّقهم في تلك الأزمنة، وليس في التواريخ من كان فيهم (ح) مسمّى بداود (عليه السّلام) حاكما على جميع بني إسرائيل، وليس المراد بالسلطان المسيح لعدم اقتداره وسلطنته، وكذا لم يتعرّض مؤرّخ اجتناب أحد من عبدة الأصنام في ذلك الزمان عمّا هو عليه، وانهدام معابدهم وإعدام أصنامهم، وإنّما يتوجّه النصارى بالطعن على بني إسرائيل لعدم إيمانهم بالمسيح، ولما يعتقدونه من انتساب قتل المسيح إليهم؛ فظهر ممّا ذكر عدم انطباقه على المسيح (عليه السّلام) أيضا، فتعيّن انطباقه على القائم المنتظر (عليه السّلام).
ويؤيّده ما ذكر في الأخبار من وقوفه بعد ظهوره بين الركن والمقام وندائه بأعلى الصوت:
ألا أيّتها الجماعة المخصوصة بي والمدّخرة المحفوظة المنتصرة من اللّه لي من قبلي على وجه الأرض، أسرعوا إليّ، فيقرع اللّه بذلك النداء أسماعهم حيث ما كانوا من المشرق والمغرب، فيأتونه طرفة عين ويحضرون حوله ويجتمعون لديه(٦٤٨).
وهذا هو المراد بالآية والبشارة من اجتماعهم بعد تفرّقهم، ولمّهم بعد شعثهم، وإتيانهم أرض مكّة وقبلة الإسلام، ولما اتفقت الكلمة من أصحابنا على إعلائه على ملوك الأرض وجميع السلاطين ومحو آثارهم وانحصار السلطنة به، فهو المراد من الحاكم على الجميع، فلا ينقادون حينئذ لأحد غيره، ولا لسلطانين لأنّه ماحي أثر الكفر والشرك عن الأرض، والاختلاف عن الملل والأديان، ويتّحد الأديان كما وعد الرّحمن في القرآن بقوله (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(٦٤٩) وفي الاخرى (وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)(٦٥٠) فيحتمل على هذا أن يكون الدار محرّفا من مهدي، وإلّا فيكون إشارة إلى الخبر المروي فيه (عليه السّلام) من أنّه يحكم بحكم داود(٦٥١)، أي يحكم في الناس على الواقع كما كان يحكم داود (عليه السّلام)، وما ذكر من أنّهم يمشون في حججي ويحفظون أحكامي، يشعر بالحديث المروي فيه من رفعه (عليه السّلام) الاختلاف من بين الناس، ويرفع العالم أمنا، ويطيع الناس إيّاه ومحمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السّلام)(٦٥٢).
البشارة الثانية والعشرون
فيه: عن الفصل الثاني من كتاب (حول النبي)(٦٥٣) أن ارفعوا أصواتكم في جبلي المقدس لأنّه إلى يوم الصاحب وقرب يوم الظلمة ويوم العجاج والمطر، وفيه تنتشر كثير من الامّة والشجعان، لم يكن مثلهم في الأوّلين ولا يأتي كمثلهم في الآخرين، ينتشرون في الجبال وتكون بين أعينهم نار محرقة [و] من ورائهم نار موقدة ذات زفير وشهيق، وتكون بين عينيه الأرض كالبساتين المخضرة، ومن ورائه الأرض القفراء ولا يقدر أحد على الانهزام منه.
ويتراكض جنده كالخيل القوي المسرع، وأصواتهم يرى كصوت الجنود العظيمة المرتفعة في قلل الجبال، وهم كالنار المحرقة للقشاش، وهم مستعدّون للحرب بين يديه كالامّة القوية والشجعان العلية، وتبتلى الامّة بغضبة وتسودّ به الوجوه، وأمّة الصاحب يركضون كالشجعان ويعلون الحيطان، آخذين طريقهم نصب أعينهم، غير تاركيه يوم يفرّ المرء من أخيه ولا ينجيه، وتتزلزل به الأراضي وتتحرك به السماوات وتظلم الشمس والقمر. إلى أن يقول: فيصيح الصاحب قبالة جنده لأنّهم كثيرون وهم الشجعان وهم مطيعوه، فيوم الصاحب يوم عظيم مهول ومن يطيق على ذلك اليوم، انتهى.
والنصارى يأخذون هذه الآيات برهانا على خاتمية المسيح مع أنّه لم ينقل فيه ظهور صوت ممتاز عنه حين تولّده أو بعثته قط، وباتّفاق جميع النصارى أنّ أمّته لم تكن كثيرة ولا شجاعة ممتازة، وكذا جميع ما ذكر من العلامات، وكما يظهر من الأسفار الإنجيلية أنّ المسيح لم يزل شاردا منهزما من اليهود ومختفيا عنهم في البراري والصحاري، ولما ظهر من الإشارة إلى اللقلب الصاحب المخصوص بالقائم المهدي (عليه السّلام) كما هو المبيّن أيضا من العلامات المذكورة والبشارات المسطورة في المقام؛ فلا يخفى على من له أدنى مسكة انطباقها عليه لا المسيح، وينادي المنادي مقارنا لظهوره حين طلوع الشمس عند قرصها بصوت جلي يسمعه أهل السماوات والأرضين، فيعيد نسبه الشريف إلى جدّه الحسين (عليه السّلام).
ثمّ المراد بيوم الظلمة ويوم تموّج الهواء والعجاج والمطر والريح، إشارة إلى إتيانه بعد ظهوره بمدينة، فيمتحن الناس في الجبت والطاغوت ويأمر الناس بالبراءة منهما ويتوعّد العذاب على من لم يتبرّأ منهما، فيأبى محبّوهما وشيعتهما ذلك، فيأمر القائم الريح الأسود فيهلكهم جميعا(٦٥٤)، وعدد الامّة وأصحابه يكون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من الأتقياء، ويكون رجوع الشيعة الخاص وخروج السيّد الحسني مع جمع كثير، ونزول عيسى (عليه السّلام) وأصحاب الكهف ورجعة الأنبياء والأوصياء، ومعاونة جمع كثير من الملائكة والشجعان، وذلك على ما في الحديث من أنّه يعطى يومئذ لكلّ أحد من الشيعة قوّة أربعين شجاعا، وقلوبهم أقوى من الحديد(٦٥٥) ولو شاءوا لقلعوا الجبال الحديد الرواسي، والخوف عن قلوبهم زائل، وإلى قتال الأعداء مائل ويسحقون أعادي اللّه سحقا، وينشرهم في الجبال والقفار انتشارا، وإذا طاف بجنوده العالم لا يبقى على الأرض من الكافرين ديّارا ولو التجأ إلى شجر أو كنف حجر فينادونه أن عدوّ اللّه التجأ إلى كنفي ومختف عندي، فخذوه واقتلوه(٦٥٦).
والمراد بقوله: وتكون نار محرقة ونار موقدة، أن المخالف والطاغي عن إطاعته يبتلى بالنار الموقدة من ضربه بين أيديه أو ورائه. ومن قوله: بين يديه البساتين المخضرة، إلى ما روي فيه وفي زمانه من أنّ اللّه عزّ وجلّ ينزل حينئذ بركاته من السماء حتّى أن كلّ شجرة تثمر ما شاء اللّه، وتثقل أغصانها من ثمرتها حتّى تنكسر، وتوجد ثمرة الشتاء في الصيف وثمرة الصيف في الشتاء وتمطر السماء بمطر الرحمة(٦٥٧) وقد قطع عن العالمين من يوم السقيفة وغصب خلافة أمير المؤمنين (عليه السّلام)، فلو أن أحدا خرج من العراق إلى الشام لم يضع قدما ويرفع إلّا على العشب والخضر، كما ذكر في الفصل التاسع من كتاب (امس النبي) أنّ الجبال حينئذ تقطر ويجري منها السمن، وتجري من دار الصاحب عين عذب.
والمراد من داره مسجد الكوفة، وقد ورد في الحديث أنّ العيون الجارية من المسجد يومئذ أربعة؛ عين السمن وعين الحليب وعين ماء الطهور وعين ماء. والمراد من قوله: ومن ورائه الأرض القفراء، إشارة إلى انهدام العالم؛ وعماراتها. والمراد من الركض كالخيل ما ورد من طي الأرض تحته وتحت جنده، وتقطع المسافة البعيدة بأسرع ما يكون(٦٥٨). والمراد من ركضهم كالشجعان واعتلائهم الحيطان ما ورد من طي رجله أو رجل أصحابه حتّى يقطعوا المسافة البعيدة بزمان قليل(٦٥٩).
والمراد من ابتلاء الامم بغضبة خسف الأرض بمخالفيه من السفياني(٦٦٠) وجنده وهم ثلاثمائة ألف نفر والخسف الواقع بخراسان، وخراب كثير من البلدان فيأخذ كل ذي طريق طريقه ولا يتخلّف عنه ولا يؤذي أحد أحدا، وهذا إشارة إلى الحديث المروي من تصفية القلوب حينئذ من الحقد والعدوان، والمعز والذئب في المرعى يرعيان سيّان، حتّى أن المرأة تخرج بزينتها وحليها من العراق إلى الشام تمشي على أراضي الخضرة المعشوشبة ولا يعارضها أحد، ولا يؤذيها مفترس(٦٦١).
والمراد بحركة السماء حركة ملائكتها لنصرته. والمراد من ظلمة الشمس والقمر ظلمتهما خلاف العادة، فظلمة القمر في آخر رمضان، والشمس في نصفه. والمراد من صيحة الصاحب قبالة الجند، إلى آخر الآية والأحاديث المروية في كثرة جنده وكمال شجاعتهم وغاية إطاعتهم له (عليه السّلام)، ويومه أيضا يوم عظيم مهول لا يطيق المخالف عليه، وهذا ظاهر لمن له أدنى تتبّع في حالاته وأيّام ظهوره(٦٦٢).
البشارة الثالثة والعشرون
في حسام الشيعة عن الفصل الأوّل من كتاب صفنيا النبي من قوله: قرب زمان الصاحب، ويكون ذلك اليوم يوم مرّ تهرب منه الشجعان ويوم ضيق القلب واضطراب الحال، والظلمة والعجة والرياح العاصفة والصوت العظيم في البلاد المعمورة والأماكن والغرف العالية، فيضطرب الناس فيمشون مشي الأعمى لعصيانهم بالصاحب، وتهرق دماؤهم وتطحن أجسادهم، فلا ينجيهم ذهبهم وفضّتهم يوم غضب الصاحب؛ لأنّه حين غضبه تحرق جميع وجه الأرض(٦٦٣). والنصارى زعموا انطباق هذه العلائم بالمسيح مع أنّ المعلوم من تواريخهم أنّ شيئا منها لا يلائم زمانه، وكيف والمذكور في الآية قرب يوم الصاحب. إلى أن يقول: وذلك لعصيانهم بالصاحب.
ثمّ قوله: لا ينجيهم ذهبهم وفضّتهم يوم غضب الصاحب، واتّفقوا على أن المسيح لم يكن غضوبا وما غضب قط، ويظهر من العبارة صحّة انطباقه على القائم (عليه السّلام) لا غير، وذلك لأنّه لا شك في أن المراد بالصاحب غير قائلها المخبر عن وجوده ومجيئه، وأنّ النصارى يزعمون في المسيح الألوهية، فباعتقادهم هو قائلها والمخبر بمجيئه والمبشّر لظهوره، فيكون الصاحب غيره، ولا يكون ذلك الغير إلّا القائم (عليه السّلام) بدلالة لفظ الصاحب لظهوره واقتداره على المخالفين والمعاندين، واستعلائه على الجبابرة الطاغين وتضييقه على الامراء والسلاطين، فيكون يومئذ على كفّار والمعاندين يوما عبوسا قمطريرا وعذابا صبا، أو المراد ما يقع في القلوب من الخوف والهول والاضطراب بنداء يناديه جبرائيل، وذكره إيّاه باسمه ونسبه يفزع ويقوم النائم ويجلس القائم ويقوم الجالس لما دهاه من الاضطراب والاندهاش.
والمراد من الظلمة والعجة والأرياح العاصفة ما ورد في الأحاديث مع كسوف الشمس وخسوف القمر يومئذ، وهبوب الريح السوداء حين إتيانه إلى المدينة وامتحانهم في الجبت والطاغوت فيهلكهم جميعا(٦٦٤)، والمراد من الصيحة العظيمة هي الصيحة التي ترتفع حين ظهوره عند قرص الشمس، فيسمعها أهل السماوات والأرضين: ألا يا أهل العالم هذا مهدي آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، بايعوه تهتدوا. وقوله: فاضطرب حتّى أدعهم يمشون عميانا لأنّهم عصوا بالصاحب، فالمعنى أن اضطرابهم يكون من اقتدار الصاحب وسلطنته عليهم وهم خائفون، وفيما هم عليه عمون، ويدلّ على هذا ما في الفصل الأوّل والثاني من هذا الكتاب بعيد هذه العبارة أن آمنوا واجتمعوا أيّتها الامّة الذليلة الخفيفة قبل انقضاء الفرصة، واتبعوه قبل يوم التعب والانتقام، والمراد من هرق الدماء وسحق الأجساد ما يشير إليه الإمام سيّد الشهداء (عليه السّلام) في خطبته من إخباره بظهوره، وسلّه سيف الانتقام في أيّام رجعته وأخذ ثأره(٦٦٥).
البشارة الرابعة والعشرون
في سيف الامّة(٦٦٦) عن يوحنا في الفصل الحادي والعشرين من كتاب ابكليس(٦٦٧) ما ترجمته: إنّ للجنّة اثني عشر بابا من ألوان الجواهر، مكتوب على الأبواب الأسماء الاثنا عشر المنسوبون من عند من سبقوا العالمين في طاعتهم إيّاه، وتشبّه بعض منهم بقتله في سبيل طاعته بالشاة.
البشارة الخامسة والعشرون
فيه: عن شعيا النبي في كتابه في السيمان السادس والعشرين والسابع والعشرين، في بيان إخباره بالمهدي الموعود، ففي السيمان السادس والعشرين(٦٦٨) قوله في عدة باسوق بحذف الزوائد: إنّه يقرأ في أرض يهودا، أي في البيت المقدس وتوابعه، تسبيحك وتقديسك وشكرك، وستقول أنّك شافعنا فيبقى في تلك الحصن، افتحوا الأبواب لدخول الأخيار فإنّهم أهل الخير وحافظو الخير، إلى قوله: إنّي مدمّر ساكني أعاليكم والبلد التي أعلا بلدانكم، وتطأها أقدام الفقراء والمساكين لاستقامة طريق المتنسكين وطريقة للمشاءين فيها مستقيم.
ثمّ يقول شعيا: يا نور اللّه إن ذكرك واسمك أقصى مقاصدنا، وظهورك لنا في الليالي أسنى مرامنا، ولأجله استيقظت في طلوع الصبح أرواحنا، يا نور اللّه؛ إذ قلعت من على الأرض المجانين، تعلّم العدل منك ساكنيها، ولذلك لم ترحم المنافق لأنّه حينئذ لا يتعلّم العدل منك مع ذلك لمعصية في أرض يسكنها المقدسون، فيا نور اللّه تعلو يدك القاهرة إن شاء اللّه، فلا يرون يرون، وتندم حسّادك وتحرق أعاديك نار غضبك، فيا نور اللّه كنّا في غيبتك وعدم حضورك واستتارك مأسورا متصرّفا، ومع ذلك كنّا نسلّي قلوبنا بذكرك فلا ترجع أهل النار فتنكسر وتنعدم من كنّا في تصرّفه وأذاه، حيث يمحى عن الأرض ذكره واسمه.
يا نور اللّه ليست جلالتك بديعة، بل إنّما هي قديمة، وتابعوك تفحّصوا عنك في ضيقهم، وحديثك دينهم وطريقتهم في الشدّة، وسيقولون في رخائهم: إنّا كنّا في غيبتك كالمرأة الحامل المتحملة لضيق المخاض ووجع الارتياض، ونقرّ بسوء أعمالنا وإن بسببه وإدبارنا عن العدل أصابنا ما أصابنا، ولم ينقطع آثار الجبّارين عنّا، فلو أنا سمعنا ما أقرعت أسماعنا من كلام ربّنا ووعينا لقطعت عنّا أذى الجبّارين من قبل، ولأدركنا زمان الفرج والراحة، فما جرعناها من أذاهم ليست إلّا بما كسبت أيدينا، فإنّا لم نخلص أعمالنا فأخّرنا ظهورك، فنحن السبب في استتارك. إلى قوله في السيمان السابع والعشرون في الباسوق السابع والعشرون في خطاب شعيا لقومه: يا قوم ادخلوا مساكنكم وأغلقوا عليكم أبوابكم مدّة انقضاء الغضب، فإنّ هذا نور اللّه سيظهر لديوان العاصين وقلعهم من الأرض رادا عصيانهم إليهم، وستظهر الأرض حينئذ دماءها وقتلاها وسينتقم يومئذ نور اللّه منهم، أي الجبابرة والقتلة بسيفه القوي الشديد، وفي العبارة: وينتقم من ليوياتان، وليوياتان يطلق في اصطلاحهم بالعبري تارة على: بالإجماع والاتّفاق، وتارة على: التحالف والتواخي في الخدعة والاحتيال، مأخوذ من ليوتان وهي الآلة الملتفة طرفاها بها تجذب الأشياء من العالي إلى السافل، محتوية بالعقد وزيادة الاعوجاج، والمراد انتقامه من هؤلاء، إلى قوله: وسيطلب نور اللّه بستانه وحديقة مهره وصداقه إلى باسوق آخر بعده، وإني أحافظها وأتعوض بها ما غصبته واجتلبته الليوياتان(٦٦٩).
أقول:
فالمنصف لو تأمّل فيما ذكرت من الآيات يرى أنّ ما أخبر به نبيّنا في ولده وقضية ليوياتان صريح في اتّفاقهم وعهدهم ومؤاخاتهم في غصب حقوق آباء الحجّة المنتقم (عجّل اللّه فرجه)، وطلبه البستان والحديقة في فدك التي غصبها وحازها الليوياتان الآخرين صريح في المقصود، سيما بعد ضميمة ما يظهر من كلام شعيا في السيمان الثاني والثلاثين(٦٧٠) من كتاب من أوّل الباسوق إلى آخره ما خلاصته ومحصّله: إنّه يقوم في سلطنته بالعدل، وأبناء السلاطين أقرب من بحضرته، ويكون يومئذ يوما يكون فيه ذلك الرجل - ولعلّ المراد بالرجل هو الليوياتان - كالمنهزم من الطوفان، ينهزم من مكان إلى مكان مختفيا هاربا من الرعد والبرق وما نزل من الحدثان، ويكون ذلك السلطان منقذا كالشط الجاري للظامئين في العطش الشديد، أو كظل شجرة عظيمة في القفر، فلا ينصدع يومئذ العيون وتقرب الآذان بالسماع والقلوب بالإدراك، ويتكلّم ويفصح الأخرس ولا يأتم الجاهل الغبي ولا يستعظم المنافق الشقي، إلى قوله: فيمهد للمنافق بئس الأوقات وأسوأ الساعات؛ لأنّ فكره دائما لإضاعة الحقوق وتكلّمه بكلمات لأذيّة المظلوم.
فانظر أيّها المنصف بما صرّح في المقام من قرب أولاد السلاطين بمحضره وديوانه، من أنّ ذلك اليوم رجعة الأئمّة الاثني عشر وفرار الليوياتان، فإنّه وصف المنافقين به ومن كونه باتّفاق رفيقه منبعثا لإضاعة حقوق المظلومين، ومصاديق هذه البشارات كلّها ظاهرة ومنطبقة على الأوّل والثاني، وائتلافهما شدّة الائتلاف وما سنح منها. وكذا ما ذكر في آخر السيمان الحادي عشر(٦٧١) بعد اخباره عن آخر الزمان من قوله: إنّ نور اللّه يقوم لديوان المساكين وينتقم للمظلومين، متحزم بالايمان ومستظهر بالعدل، يرعى في زمانه الذئب والشاة على المرعى، والنمر والمعز يتراكضان معا، والأسد والبقر يأكلان معا، ويدخل الرضيع يده في جحر الحشرات والحيات(٦٧٢).
البشارة السادسة والعشرون
فيه: ما أخبر به شعيا في آخر السيمان الثاني والأربعين من كتابه: ألا أنبئكم بحدث الأخبار وأعلمكم بها قبل وقوعها، ستقرون وتثنون لنور اللّه ثناء جديدا، ومنتهى الأرض في البحر والجزائر عند سكنة تلك الجزائر(٦٧٣)، والمراد من الجزائر والبحر ما في أخبار الشيعة من كون القائم في منتهى الأرض في بحر المغرب وجزائر الخضراء.
البشارة السابعة والعشرون
فيه: ما أخبر به شعيا في السيمان التاسع والأربعين من قوله: ولقد سمع اللّه دعاءك وقد حميتك وأوثقتك لامّة لإحيائك، وتصرّفك المواريث المنتهية وإخراجك المحبوسين المقيّدين، وبشائرك بظهور من كان مبتلى بظلمة الغيبة(٦٧٤).
البشارة الثامنة والعشرون
في سيف الامّة عن كتاب جاماسب بعد ذكر نبذة من أحوال النبي (صلّى اللّه عليه وآله) من أنّ سبطه من بنته المسمّاة بخورشيد جهان وشاه زنان يصير ملكا بحكم اليزدان، يكون وصي ذلك النبي وتتصل دولته بالقيامة، فتتمّ الدنيا بعد سلطنته وتنطبق السماوات بعد دولته، وتخسف الأرض في الماء وتزول الجبال وتقيد، وتحبس الاهرمن الذي هو بضد اليزدان، والعبد العاصي للإله الديان، ويأخذ السمندع وقزح وعبائل وقنفذ من رؤساء الاهرمن، ويكون اسمه ومذهبه برهان القاطع فيحضر عنده البشر والسروش والاسمان، والمراد بهم ميكائيل وجبرائيل وعزرائيل، وينزل عليه البهرام وهو الملك الموكل بالمسافرين وفرخ زاد الموكّل بالأرض وبهمن الموكّل بالثيران والشاة وآذر الملك الموكّل بأوّل يوم من شهر مهر ماه وآذركشسب الموكّل بالنار. وكذا ينزل روان بخش والمراد منه روح القدس.
ويحيي كثيرا من الخلائق من السعداء والأشقياء، وكثيرا من الأنبياء كملكان ومهراس والدي الخضر، والإلياس ولغوماس والدارسطاليس ويحيي آصف بن برخيا وزير حوسب وهو سليمان، وكذا يحيي أرسطو الماقدوني وسام بن فريدون وهو نوح وشمسون العابد، وكذا سولان وشادول وشموئل وبحذقل وسيينا وشعيا وحيو أوّل وحوقوق وزخويا، ويحضر عنده رخ.
ومن الطلحاء والأشقياء يحيي سورپوس وهو النمرود فيحرقه بالنار، وپرع وقرح وهما الفرعون وقارون ويحيي هامان وزير فرعون فيصلبه حيّا، ويخرج الضحاك من البئر ويكافيه بسوء ظلامته، ويحرق بخت النصر الذي يخرب الهجة وهو البيت المقدس، ويحيي الشمامو مخرّب دين البهلويين، وكذا سدوم قاضي قوم لوط وأسقف قاضى مجوس واود وباغ مبدع عمل قوم لوط، وكذا زردون من أكابر الفرس، ويحيي شيذرنكر أو صائب اللذين أبدعا عبادة النجوم، وكذا الكيوان فيحرقهم جميعا، ثمّ يحيي سلاطين الجور والفتن من عشيرته وبني عمومته الذين أطفئوا السنن وأظهروا البدع وقتلوا الصالحين.
ومن الشجعان يحيي رستم بن زال وكيخسرو ويكون اسم هذا السلطان بهرام، وهو من بطن خورشيد جهان، وشاه زنان بنت السنين، والسنين بالبهلوي اسم محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا لنبيّه (عليه السّلام) يس، وظهوره إنّما هو في الدنيا ويكون عمره بقدر عمر سبعة نسور ويكون يوم ظهوره وخروجه قاضيا ثلاثين قرنا، ويقتل في أيّام خروجه الوردر يعني الدجّال وهو رجل أعمى، راكب على حمار له، يدّعي الألوهية ويكون معه ذو حياء وهو عيسى أو اسكندر بن دارا وهو ذو القرنين، ويفتح القسطنطينية والهند وينشر فيها أعلام الإسلام، ومعه عصا سرخ شبان باهودار يعني موسى، ومعه خاتم ذهب يعني سليمان وهو من ولد زمان العظيم، والمراد به إبراهيم وهو آذرگشب يعني به المطيع للّه، وهو الاتابك العظيم، وهو الكياوند والشيروية يعني صاحب عظمة وابّهة وهو من بنت السنين.
إلى قوله: ويدوم سلطنته وملكه في مدةاند وهو عبارة عن خمسمائة قرن، ويمضي إلى مقدونية دار الفيلقوس، ويخيم في ساحل بحر أقيانوس الذي هو آخر الدنيا ويتّحد به أديان العالمين، فلا يبقى من المجوس وطريقته أثر، ثمّ يرجع من المغرب ويدخل الظلمات ويخرب جزيرة النسناس(٦٧٥).
البشارة التاسعة والعشرون
وفيه أيضا: إنّي رأيت في كتاب جاماسب بعض السوانح المستقبلة والأخبار الآتية، فممّا شاهدت فيه تعبيره عن موسى بسرخ شبان باهودار، وكتب: إنّ النبي الخاتم يخرج من صلب هاشم دوال پشت، وذكر بعض أوصافه فمنها: إنّه ليس له عقب من ذكور، ومنها أنّه يغصب حق وصيّه، وذكر في آخرها: إنّ ابنه (عليه السّلام) يظهر وتخضر الدنيا بوجوده.
البشارة الثلاثون
فيه: عن كتاب پاتنكل وهو من أعظم كتب كفرة الهند في باب عمر الدنيا: إنّ عمر الدنيا أربعة أطوار، كلّ طور أربعة أكوار، كلّ كور أربعة أدوار، كل دور أربعة آلاف سنة، فإذا انقضى الدورة واستكملت العدّة وتمام المدّة يأتي صاحب الملك وهو من ولد مقتداءين، أحدهما ناموس خاتم النبيّين (صلّى اللّه عليه وآله) والآخر وصيّه وخليفته الأكبر الذي اسمه بش، فيكون ملكا بحق ويحكم في البرية في مقام الأنبياء كإبراهيم وخضر الحي، ويكون كثير المعجزات والآيات، من اعتصم به واختار دين آبائه يكون محمرّ اللون، فتطول دولته وعمره أكثر من سائر ولد الناموس الأكبر، وبه تختم الدنيا ويسخر من ساحل بحر المحيط وقبر آدم وجبال القمر وشمال هيكل الزهرة إلى سيف البحر(٦٧٦).
البشارة الحادية والثلاثون
فيه: عن كتاب الشاكيوني تزعم كفرة هند أنّه نبي، صاحب كتاب، مبعوث على الخطا والختن، ومولده بلدة كيلواس ما ملخّصه: إنّ زوال الدنيا ودولتها وحكومتها إنّما يكون بابن سيّد الخلائق ومميت العالم، السيّد العظيم وهو الحاكم على أعالي جبال المشرق والمغرب، ويركب السحاب وعمّاله الملائكة، ويتصرّف من السودان الذي هو تحت خط الاستواء إلى عرض فلسطين الذي هو تحت خط قطب الشمال، وما وراء الاقليم السابع وجنّة الإرم، وبه يتّحد دين اللّه(٦٧٧).
البشارة الثانية والثلاثون
فيه: عن كتاب ناسك أحد أنبياء كفرة هند وهم يزعمون أنّ الإنسان حاله كالنبت ينبت فيخضر ثمّ يصفرّ ويذبل فييبس ويبلى، لعنهم اللّه، وهو أنّ زوال الدنيا بملك في آخر الزمان يكون إمام الملائكة والإنس وهو من أولاد خاتم النبيين (صلّى اللّه عليه وآله) ومعه الحق والصدق، ويخرج ما في الجبال والبحار والأرضين(٦٧٨).
البشارة الثالثة والثلاثون
فيه: عن ماهي شور أحد أنبياء كفرة هند في كتابه في باب خراب الدنيا وزوالها أنّه سيظهر في آخر الزمان ملك يؤمّ الخلائق، ويملك الدنيا ويتصرّف في العالم ويدخلهم في دينه من المؤمن والكافر، يعرفه الجميع ويعطيه اللّه تعالى ما سأله(٦٧٩).
البشارة الرابعة والثلاثون
فيه: ما ذكره صاحب الوش المسمّى يحوك: إنّ اليوم الآخر من الدنيا تدور بمن يحب اللّه، وهو من المقرّبين إلى اللّه وإمام الخلق بالحق، يحيي الخلق بحكم من الجائن أي بحكم اللّه، ويحيي المبتدعين الضالّين ومن أضاع حقوق النبيّين فيحرقهم أجمعين، فيجدّد الدنيا، ودولته الملك والكرور، وبه وبعشيرته تدور السلطنة والملك(٦٨٠).
البشارة الخامسة والثلاثون
في العوالم: عن عبد اللّه بن سليمان وكان قارئا للكتب قال: قرأت في الإنجيل، وذكر أوصاف النبي (صلّى اللّه عليه وآله) إلى أن قال تعالى لعيسى: أرفعك إليّ ثمّ اهبطك في آخر الزمان؛ لترى من أمّة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجّال، اهبطك في وقت الصلاة لتصلّي معهم، إنّهم أمّة مرحومة(٦٨١).
مائدة:
في أوائل البراهين الساباطية من قاضي جواد الساباطي الذي مضت ترجمته في أوّل هذا الفرع من إخبار اللّه تعالى من كتب أنبياء السلف: (اعلم) أنّ العهد العتيق عبارة عن جميع رسائل الأنبياء التي كتبت قبل المسيح (عليه السّلام)، والعهد الجديد عبارة عمّا كتب بعده، فاليهود لا يعتقدون إلّا بالعتيق، والنصارى يعتقدون بالعتيق وبالجديد معا، وكتب العهد العتيق هي سفر الخليقة وسفر الخروج وسفر الأخبار وسفر العدد وسفر الاستثناء، ثمّ صحيفة يوشع بن نون وراعوث، وصحائف احمويل(٦٨٢) والملوك والاحبار وعزرا ونحميا واستير وأيوب وزبور داود وأمثال سليمان والجامعة، ونشيد الانشاد وصحيفة أشعيا وأرميا ومراثيه(٦٨٣)، وصحيفة خرقيال(٦٨٤) ودانيال وهوشع ويونيل(٦٨٥) وعاموس وعوبديا ويونس(٦٨٦) وميخا وناحوم وحبقوق وصفونيا(٦٨٧) ويحيى وزكريا وملاخيا(٦٨٨) (عليهم السّلام).
وكتب العهد الجديد هي إنجيل متى ومرقس ولوقا ويوحنا، وأعمال الرسل ورسائل بولوس إلى أهل الرومية وقورنثيه(٦٨٩)، ورسائله إلى أهل غلاطية وأفس والفيلبين(٦٩٠) والكولوصائيين(٦٩١)، ورسالتاه إلى التسالونيعيين(٦٩٢)، ورسالتاه إلى طيموطاؤس(٦٩٣)، ورسالته إلى طيطوس(٦٩٤). وفليمون والعبرانيين، ورسالة يعقوب ورسالتا بطرس ورسائل يوحنا ورسالة يهوذا ورؤيا يوحنا(٦٩٥).
البشارة السادسة والثلاثون
وفيه: البرهان الرابع عشر من المقالة الثانية من التبصرة الثالثة ما ورد في الفصل التاسع في الآية الثالثة والثلاثين من رومية، وفي الفصل الثامن في الآية الرابعة عشرة من أشعيا ما ترجمته بالعربية: ها أنا واضع في صهيون حجرة عثرة وصخرة شك وكلّ من يؤمن بها لا يخجل.
أقول:
تقييد عدم الخجالة بالإيمان بها دليل على صحّة نبوّته وأخذه النصارى، واستدلّوا به على ربوبية المسيح، وليس بشيء لما مرّ آنفا.
وصهيون جبل في اورشليم وقيل: بل عقبة اسست عليها اورشليم، والحجرة والصخرة والعثرة والشك من المترادفات، وسياق الكلام في رومية أنّ بولوس كان يعظ بعيسى (عليه السّلام) ويوبخ اليهود على عدم إيمانهم به إلى أن يقول: وأمّا إسرائيل فإنّه قد طلب شريعة العدل ولم يظفر بشريعة العدل، لم لم يظفر بها؟ لأنّهم لم يطلبوها بالإيمان، بل بأعمال الشريعة إلى أن يقول: ولسكنة اورشليم مصيدة وسيعثرون ويسقطون وينكسرون ويقيّدون ويؤسرون، فاطووا الشهادة واختموا الصحف التي عند تلاميذي، وأنا سأنتظر الربّ الذي يغطي وجهه عن أهل بيت إسرائيل والرقبة، وها أنا والأولاد الذين وهب لي ربّي علامة عجيبة في إسرائيل لرب الجنود الذي يسكن في صهيون(٦٩٦)، وهذا لا دلالة فيه على عيسى ابن مريم لأنّ أوّل صفاته ربّ الجنود ولم يكن المسيح ابن مريم كذلك والصفة الثانية كونه حجرة عثرة.
فإن قلت: إنّهم قد عثروا بالمسيح أي شكّوا فيه. قلت: إنّ مطلق الشك لا يكفي في صدقه عليه لقوله: يعثرون ويسقطون الخ، والصفة الثالثة كونه يغطي وجهه عن إسرائيل، وابن مريم كان مختصّا بدعوتهم، كما صرّح به في الفصل الخامس عشر في الآية الثانية والأربعين من متى فلا يصدق عليه. والصفة الرابعة كونه ناسخا لما قبله من الشرائع كلّها لقوله: أطووا الشهادة واختموا الصحف، وعيسى ابن مريم (عليه السّلام) يقول في الفصل العاشر في الآية الخامسة من متى ما ترجمته: هؤلاء الاثنا عشر أرسلهم عيسى وأمرهم وهو يقول: لا تنطلقوا إلى طريق العوام، ولا تدخلوا في أحد أمصار السامريين، بل اذهبوا إلى غنم بيت إسرائيل الضالة. ويقول في الفصل التاسع عشر في الآية السابعة عشرة من متى ما ترجمته: لكنك إن أردت أن تلج الحياة فحافظ على الأحكام الخ(٦٩٧). وهذه كلّها صريحة في خصوصية نبوّته وعدم نسخ ناموس موسى فلا يصدق عليه، فلا دلالة له عليه.
إذا فهمت هذا فاعلم أنّ غاية هذا الفصل التبشير ببعثة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) والإخبار بعد بعثته بظهور المهدي (عليه السّلام). إلى أن يقول بعد كلام طويل: ولربّ الجنود الذي يسكن في صهيون، إشارة إلى المهدي (عليه السّلام) لأنّه وصف محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) بربّ الجنود الذي يغطي وجهه عن إسرائيل، فإذا كان كذلك لا يمكن أن يسكن في صهيون، وإلى هذا ذهب أكثر العلماء وصرّحوا بأنّ المهدي (عليه السّلام) يستقرّ في اورشليم ويعمرها بأموال الهند، وفي هذا البرهان إقناع كامل لليهود والنصارى والمسلمين معا.

الغصن الثالث في إخبار النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة من طرق الخاصة والعامة بقيام المهدي (عليه السّلام) في آخر الزمان

من ولد فاطمة (عليها السّلام) مع عيسى، وأخبار الدجّال وما جرى مع الدجّال وهو مشتمل على فروع:
الفرع الأوّل إخبار النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمة (عليهم السّلام) بقيام المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام) من طرق العامّة.
في غاية المرام عن أبي سعيد عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): يكون في أمّتي المهدي (عليه السّلام) إن قصر عمره فسبع وإلّا فثمان وإلّا فتسع، تتنعّم أمّتي في زمانه نعيما لم يتنعّم مثله قط البرّ والفاجر، ترسل السماء مدرارا ولا تدّخر الأرض شيئا من نبات(٦٩٨).
وفي الفصول المهمّة لابن صباغ عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): يخرج المهدي (عجّل اللّه فرجه) وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا خليفة اللّه المهدي فاتبعوه(٦٩٩).
وعن أبي أمامة الباهلي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): بينكم وبين الروم أربع هدن، تتم الرابعة على يد رجل من أهل هرقل، تدوم سبع سنين، فقال له رجل من عبد القيس يقال له المستور بن غيلان: يا رسول اللّه من إمام الناس يومئذ؟ قال: المهدي من ولدي، ابن أربعين سنة، كأنّ وجهه كوكب درّيّ، في خدّه الأيمن خال أسود، عليه عبايتان قطوانيتان، كأنّه من رجال بني إسرائيل، يستخرج الكنوز ويفتح مدائن الشرك(٧٠٠).
وفيه عنه (عليه السّلام): لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي القسطنطينية وجبل الديلم، ولو لم يبق إلّا يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يفتحها(٧٠١).
وفيه عنه (عليه السّلام): سيكون بعدي الخلفاء ومن بعد الخلفاء أمراء ومن بعد الامراء ملوك جبابرة، ثمّ يخرج المهدي (عليه السّلام) من أهل بيتي يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا(٧٠٢).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): تتنعّم أمّتي في زمن المهدي (عليه السّلام) نعمة لم تتنعّم مثلها قط، يرسل السماء عليهم مدرارا، ولا تدع الأرض شيئا من نباتها إلّا أخرجته(٧٠٣).
وفيه عن هارون العبدي قال: أتيت أبا سعيد الخدري فقلت له: هل شهدت بدرا؟ قال:
نعم، قلت: أفلا تحدّثني بما سمعت من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في على (عليه السّلام) وفضله؟ قال: بلى اخبرك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) مرض مرضه الذي فقد منه، فدخلت عليه فاطمة (عليها السّلام) وأنا جالس عن يمين النبي (صلّى اللّه عليه وآله)، فلمّا رأت فاطمة (عليهما السّلام) ما برسول اللّه من الضعف خنقتها العبرة حتّى بدت دموعها على خدّها فقال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): ما يبكيك يا فاطمة؟
قالت: أخشى الضيعة يا رسول اللّه.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يا فاطمة إنّ اللّه اطلع على الأرض اطلاعة على خلقه فاختار منهم أباك فبعثه نبيّا، ثمّ اطلع ثانية فاختار منهم بعلك فأوحى إليّ أن أنكحه فاطمة فأنكحته إيّاك واتخذته وصيّا، أما علمت أنك بكرامة اللّه إيّاك زوّجك أغزرهم علما وأكثرهم حلما وأقومهم سلما فاستبشرت، فأراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) أن يزيدها عن مزيد الخير الذي قسمه اللّه تعالى لمحمّد (صلّى اللّه عليه وآله) فقال لها: يا فاطمة، ولعليّ ثمانية أضراس يعني مناقب: إيمانه باللّه ورسوله وحكمته وزوجته وسبطاه الحسن والحسين وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر.
يا فاطمة إنّا أهل بيت اعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأوّلين، ولم يدركها أحد من الآخرين غيرنا، نبيّنا خير الأنبياء وهو أبوك ووصينا خير الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو عمّ أبيك، ومنّا من له جناحان يطير بهما في الجنّة حيث يشاء وهو جعفر، ومنّا سبطا هذه الامّة وهما ابناك، ومنّا مهدي هذه الامّة الذي يصلّي خلفه عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، ثمّ ضرب على منكب الحسين وقال: من هذا مهدي هذه الامّة(٧٠٤).
وفي عمدة ابن بطريق عن صحيح مسلم وغيره عن أبي نضرة قال: كنّا عند جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم. قلنا: من أين؟
قال: من قبل العجم، يمنعون ذلك، ثمّ قال: يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدّ.
قلنا: من أين؟ قال: من قبل الروم، ثمّ سكت هنيئة، ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يكون في آخر أمّتي خليفة يحثو المال حثوا لا يعدّه عدّا. قلنا: أترى أنه عمر بن عبد العزيز، قال: لا.
وعنه (صلّى اللّه عليه وآله): يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعدّه(٧٠٥).
وفيه عن تفسير الثعلبي في تفسير (حم. عسق)(٧٠٦) قال سين سناء المهدي (عليه السّلام)، قاف قوّة عيسى حين ينزل فيقتل النصارى ويخرب البيع(٧٠٧).
وفيه أيضا عن الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ)(٧٠٨) وذكر حديث البساط ومسيرهم إلى الكهف ويقظتهم ثمّ قال: قال: وأخذوا مضاجعهم فصاروا إلى رقدتهم إلى آخر الزمان عند خروج المهدي (عليه السّلام) فقال: إنّ المهدي يسلّم عليهم فيحييهم اللّه عزّ وجلّ، ثمّ يرجعون إلى رقدتهم ولا يقومون إلى يوم القيامة(٧٠٩).
وفيه عن أمّ سلمة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي من عترتي من ولد فاطمة(٧١٠).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي منّي وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يملك سبع سنين(٧١١).
وفيه عنه (عليه السّلام): يكون اختلاف عند موت خليفة فيخرج رجل من أهل المدينة هاربا إلى مكّة، فيأتيه ناس من أهل مكة فيخرجونه وهو كاره فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليهم بعثا إلى الشام، فيخسف بهم بالبيداء بين مكّة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك أتاه أبدال [الشام] وعصائب أهل العراق فيبايعونه، ثمّ ينشأ رجل أخواله كلب فيبعث إليه بعثا فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال ويعمل بسنّتي - أو قال بسنّة نبيّهم - ويلقي الإسلام بجرانه إلى الأرض فيثبت سبع سنين، وعن بعض الرواة تسع سنين(٧١٢).
وفيه عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) في قصة المهدي: فيجيء إليه الرجل فيقول يا مهدي أعطني، فيجبي له في ثوبه ما استطاع أن يحمله(٧١٣).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي طاوس أهل الجنّة(٧١٤).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي من ولدي، وجهه كالقمر الدريّ، اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجو، يملك عشرين سنة.
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): يصيب هذه الامّة بلاء حتّى لا يجد الرجل ملجأ إليه من الظلم، فيبعث إليه رجلا من عترتي فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، يرضى عنه ساكن السماوات والأرض، لا تدع السماء من قطرها شيئا إلّا صبّته مدرارا ولا تدع الأرض من نباتها شيئا إلّا أخرجته حتّى يتمنّى الأحياء للأموات، تعيش في ذلك سبع سنين أو تسع سنين(٧١٥).
وفيه عن الصحاح من قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله): كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها(٧١٦). ولا يتوهّم أن عيسى يبقى بعد المهدي، وذلك لا يجوز؛ لأنّ المهدي إذا كان إمام آخر الزمان ومات فلا إمام بعده. مذكور في رواية أحد من الأئمّة، فقد بقيت الامّة بغير إمام، وهذا ما لا يمكن أنّ الخلق تبقى بغير إمام، فإن قيل: إنّ عيسى (عليه السّلام) يبقى بعده وتقتدي الامّة به، فغير ممكن أيضا لأنّ عيسى لا يجوز أن يكون إماما لامّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ولو كان ذلك جائزا لانتقلت الملة المحمّدية إلى ملّة عيسى، فلا يمكن أن يكون ذلك.
وذلك لا يقوله عاقل ولا محصل، بل للخبر معنى صحيح يحمل عليه وهو أنّه قد تقدّم معنى من الأخبار في هذا الباب أنّ عيسى ينزل وقد صلّى الإمام - وهو المهدي - بالناس العصر وقيل: الصبح، فيتأخّر فيقدّمه عيسى ويصلّى عيسى خلفه. وما نزل عيسى على مقتضى هذه الأخبار إلّا بعد نفوذ دعوة الإمام واجتماع الناس عليه، فيكون مصدّقا لدعوة الإمام دعواه، وقوّة له وعونا إلّا أنّه لا يغيّر شيئا ممّا جاء به النبي (صلّى اللّه عليه وآله)، فيكون فائدة الخبر أنّ النبي أولها لأنّه هو الداعي إلى الإسلام، والمهدي أوسطها وإن كان آخر الأئمّة فجعله وسطا إذ ظهوره قبل نزول عيسى فيكون في نزوله آخر المصدّقين بهذه الملّة، والمهدي (عليه السّلام) قبله صدّق بهذه الملّة قبل نزوله، والنبي فهو صاحب الملة لا بدّ أن يكون أولا، فعلى هذا يكون آخر المصدّقين والمعتنين لأنّه آخر الامّة.
يشهد بصحّة هذا التأويل لفظ الخبر لأنّه قال: كيف تهلك أمّة أنا أوّلها والمهدي أوسطها والمسيح آخرها، والمسيح ليس من أمّتنا هذه وإنّما نبيّها منها بلا خلاف لأنّه إمام آخر الزمان، ومن ولد رسول اللّه، ومن ولد علي وفاطمة، والمسيح ليس من النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ولا من علي وفاطمة، ولا من أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، بل هو آخر من ينزل لنصرة ملّة محمّد وآخر من يدعو إليها، لأنّ المهدي يكون قبل نزوله وقد تبعت الامّة وقد دخلت تحت أمره ونهيه، بدليل ما ورد في هذه الأخبار الصحاح أن المسيح يصلّي خلفه، إمّا صلاة الصبح أو صلاة العصر كما تقدّمت الرواية، فصار آخر هذه الامّة داعيا ومصدّقا، لأنّه منفرد ببقاء الدولة، والنبي أوّل داع إلى ملّة الإسلام والمهدي أوسط داع والمسيح آخر داع، معنى هذا الخبر، فللّه الحمد والمنّة.
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٧١٧).
أقول:
اورد أنّ بعض هذه الصفات لا ينطق عليه (عليه السّلام)، فإنّ اسم أبيه (عليه السّلام) لا يوافق اسم والد النبي (صلّى اللّه عليه وآله)، ويمكن أن يجاب شيوع إطلاق لفظ الأب على الجدّ الأعلى كقوله تعالى: (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ)(٧١٨)، وفي حديث الإسراء أنّ جبرئيل قال: هذا أبوك إبراهيم(٧١٩). ويمكن أن يجاب: إطلاق الاسم على الكنية واللقب كما سمّي علي أبو تراب فكان كنية أبيه أبو محمد كما كان كنية أب النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أبو محمد، ويمكن أن يكون أبي مصحّف ابني كما هو الظاهر.
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي من عترتي ومن ولد فاطمة(٧٢٠). وقال (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي منّا أهل البيت، يصلحه اللّه عزّ وجلّ في ليلة(٧٢١).
وعن الحمويني عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه: إنّ علي بن أبي طالب إمام أمّتي وخليفتي عليها بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، والذي بعثني بالحقّ بشيرا ونذيرا الثابتون على القول بإمامته في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر. فقام إليه جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي وربّي ليمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إنّ هذا الأمر من أمر اللّه وسرّ من سرّ اللّه علّته مطوية عن عباده فإيّاك والشكّ، فإنّ الشكّ في أمر اللّه عزّ وجلّ كفر(٧٢٢).
وعنه أيضا عن حسن بن خالد عن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام): لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم، أي أعملكم بالتقيّة، فقيل: إلى متى يا ابن رسول اللّه؟ قال: إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منّا. فقيل له: يا ابن رسول اللّه ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: الرابع من ولدي، ابن سيّدة الإماء، يطهّر اللّه به الأرض من كلّ جور ويقدّسها من كلّ ظلم، وهو الذي يشكّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره ووضع ميزان العدل بين الناس فلا يظلم أحد أحدا، وهو الذي تطوى له الأرض ولا يكون له ظلّ، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض للدعاء إليه يقول: ألا إنّ حجّة اللّه قد ظهر عند بيت اللّه فاتبعوه فإنّ الحقّ فيه ومعه، وهو قول اللّه (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ)(٧٢٣).(٧٢٤)
وعن تفسير الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(٧٢٥) قال: ذاك عيسى ابن مريم(٧٢٦). وروى ذلك جماعة. قال: وقرأ ابن عبّاس وأبو هريرة وقتادة ومالك بن دينار وضحاك: وإنّه لعلم للساعة، أي أمارة وعلامة(٧٢٧).
في الحديث: أنّ عيسى ينزل بثوبين مهرودين أو مصبوغين بالهرد وهو الزعفران(٧٢٨). وفي الحديث: ينزل عيسى في ثنية من الأرض المقدّسة يقال لها: اثبني وعليه ممصرتان وشعر رأسه دهين وبيده حربة وهي التي يقتل بها الدجّال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة العصر والإمام يؤمّ بهم فيتأخّر الإمام فيقدّمه عيسى ويصلّي خلفه على شريعة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، ثمّ يقتل الخنازير ويكسر الصليب ويخرّب البيع والكنائس ويقتل النصارى إلّا من آمن به(٧٢٩).
وبرواية: ويقبض أموال القائم ويمشي خلفه أهل الكهف، وهو الوزير الأيمن للقائم وحاجبه ونائبه ويبسط في المشرق والمغرب الأمن كرامة الحجّة بن الحسن (عليه السّلام)(٧٣٠).
أقول:
فإن قال معترض: هذه الأحاديث النبويّة متّفق على صحّتها ومجمع على نقلها عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وهي صحيحة صريحة في كون المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام) وأنّه من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وأنّه من عترته وأنّه من أهل بيته وأنّ اسمه يواطئ اسمه وأنّه يملأ الأرض قسطا وعدلا وأنّه من ولد عبد المطلب وأنّه سادات الجنّة وذلك ممّا لا نزاع فيه، غير أنّ ذلك لا يدلّ على أنّ المهدي الموصوف بما ذكر من الصفات والعلامات هو هذا أبو القاسم محمد بن الحسن الحجّة الخلف الصالح، فإنّ ولد فاطمة كثيرة، وكل من يولد من ذريتها إلى يوم القيامة يصدق عليه أنّه من ولد فاطمة وأنّه من العترة الطاهرة وأنّه من أهل البيت، فيحتاجون مع هذه الأحاديث المذكورة إلى زيادة دليل يدلّ على أنّ المهدي المراد هو الحجّة المذكور ليتمّ مرامكم.
فجوابه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لمّا وصف المهدي (عليه السّلام) بصفات متعدّدة من ذكر اسمه ونسبه ومرجعه إلى فاطمة وإلى عبد المطلب، وأنّه أجلى الجبهة أقنى الأنف، وعدّد من الأوصاف الكثيرة التي جمعتها الأحاديث المذكورة آنفا، وجعلها علامة ودلالة على أنّ الشخص الذي يسمّى بالمهدي وثبتت له الأحكام المذكورة هو الشخص الذي اجتمعت تلك الصفات فيه، ثمّ وجدنا تلك الصفات المجعولة علامة ودلالة مجتمعة في أبي القاسم محمد الخلف الصالح دون غيره فيلزم القول بثبوت تلك الأحكام وأنّه صاحبها، وإلّا فلو جاز وجود ما هو علامة ودليل ولا يثبت ما هو مدلوله قدح ذلك في تعينها علامة ودلالة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وذلك ممتنع.
ثمّ أقول:
سلّمنا لكن مع انضمام الأخبار الآتية عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة (عليهم السّلام) بأعيان الأئمّة في الفرع الرابع من طرق أهل السنّة والجماعة يثبت المدّعى والمطلوب.
الفرع الثاني إخبار النبي والأئمّة (عليهم السّلام) بقيامه من طرق الخاصّة
في البحار عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لا تقوم الساعة حتّى يقوم القائم الحق منّا، وذلك حين يأذن اللّه عزّ وجلّ له، من تبعه نجا ومن تخلّف عنه هلك، اللّه اللّه عباد اللّه فأتوه ولو [حبوا] على الثلج فإنّه خليفة اللّه عزّ وجلّ وخليفتي(٧٣١).
وفيه عن ابن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لمّا عرج بي إلى السماء السابعة ومنها إلى سدرة المنتهى ومن السدرة إلى حجب النور ناداني ربّي جل جلاله: يا محمد أنت عبدي وأنا ربك، فلي فاخضع وإيّاي فاعبد وعليّ فتوكّل وبي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبدا وحبيبا ورسولا ونبيّا، وبأخيك علي خليفة وبابا، فهو حجّتي على عبادي وإمام لخلقي، به يعرف أوليائي من أعدائي وبه يميّز حزب الشيطان من حزبي، وبه يقام ديني وتحفظ حدودي وتنفذ أحكامي، وبك وبه وبالأئمّة من ولدك أرحم عبادي وإمائي، وبالقائم منكم أعمر أرضي بتسبيحي وتقديسي وتهليلي وتكبيري وتمجيدي، وبه اطهّر الأرض من أعدائي واورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه احيي عبادي وبلادي بعلمي، وله اظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي، وإيّاه اظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي، وأمدّه بملائكتي ليؤيّدوه على إنفاذ أمري وإعلان ديني، ذلك وليي حقّا ومهدي عبادي صدقا(٧٣٢).
وفيه عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتّى يقوم بأمر أمّتي رجل من ولد الحسين يملؤها عدلا كما ملئت ظلما وجورا(٧٣٣).
وفيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في مرضه لفاطمة: والذي نفسي بيده لا بدّ لهذه الامّة من مهدي وهو واللّه من ولدك(٧٣٤).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): لمّا كان من أمر الحسين بن علي ما كان ضجّت الملائكة إلى اللّه تعالى وقالت: يا ربّ يفعل هذا بالحسين صفيك وابن نبيّك، قال: فأقام اللّه لهم ظلّ القائم، قال: بهذا أنتقم له من ظالميه(٧٣٥).
وفيه عن الحكم بن الحكم قال: أتيت أبا جعفر (عليه السّلام) وهو بالمدينة فقلت: عليّ نذر بين الركن والمقام إذا أنا لاقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنك قائم آل محمّد أم لا، فلم يجبني بشيء فأقمت ثلاثين يوما ثمّ استقبلني في طريق فقال (عليه السّلام): يا حكم وإنّك لهاهنا بعد، فقلت: إنّي أخبرتك بما جعلت للّه علي، فلم تأمرني ولم تنهني عن شيء ولم تجبني بشيء.
فقال (عليه السّلام): بكّر عليّ غدوة المنزل، فغدوت عليه فقال (عليه السّلام): سل عن حاجتك؟ فقلت: إني جعلت للّه عليّ نذرا وصياما وصدقة بين الركن والمقام إن لقيتك أن لا أخرج من المدينة حتّى أعلم أنك قائم آل محمّد أم لا، فإن كنت أنت رابطتك، وإن لم تكن أنت سرت في الأرض فطلبت المعاش. فقال: يا حكم كلّنا قائم بأمر اللّه. قلت: فأنت المهدي؟ فقال: كلّنا يهدي إلى اللّه.
قلت: فأنت صاحب السيف؟ قال: كلّنا صاحب السيف ووارث السيف. قلت: فأنت الذي تقتل أعداء اللّه ويعزّ بك أولياء اللّه ويظهر بك دين اللّه؟ فقال: يا حكم كيف أكون أنا وقد بلغت خمسا وأربعين، وإنّ صاحب هذا أقرب عهدا باللبن منّي، وأخفّ على ظهر الدابة(٧٣٦).
بيان: أقرب عهدا باللبن منّي أي بحسب المرئي والنظر، أي يحسبه الناس شابّا بكمال قوّته، وعدم ظهور أثر الكهولة والشيخوخة فيه.
وفيه عن جبوا بن نوف قال: قلت لأبي سعيد الخدري: واللّه ما يأتي علينا عام إلّا وهو شرّ من الماضي، ولا أمير إلّا وهو شرّ ممّن كان قبله، فقال أبو سعيد: سمعته من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يقول ما تقول، ولكن سمعت رسول اللّه يقول: لا يزال بكم الأمر حتّى يولد في الفتنة والجور من لا يعرف عندها، حتّى تملأ الأرض جورا فلا يقدر أحد يقول: اللّه، ثمّ يبعث اللّه عزّ وجلّ رجلا منّي ومن عترتي فيملأ الأرض عدلا كما ملأها من كان قبله جورا، وتخرج له الأرض أفلاذ كبدها ويحثو المال حثوا ولا يعدّه عدّا، وذلك حتّى يضرب الإسلام بجرانه(٧٣٧).
الجران:
باطن العنق، يقال للشيء إذا قرّ واستقرّ.
وفيه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضلّ فيه الامم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا(٧٣٨).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتد به قبل قيامه، يأتم به وبأئمة الهدى من قبله، وبرئ إلى اللّه من عدوّهم، اولئك رفقائي وأكرم أمّتي عليّ(٧٣٩).
وفي غيبة النعماني عن الباقر (عليه السّلام) قال: إذا قام قائم أهل البيت قسّم بالسوية وعدل في الرعية، فمن أطاعه فقد أطاع اللّه ومن عصاه فقد عصى اللّه، إنّما سمّي المهدي مهديا لأنّه يهدي إلى أمر خفي، ويستخرج التوراة وسائر كتب اللّه عزّ وجلّ من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن، ويجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها فيقول للناس، تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام وسفكتم فيه الدماء الحرام وركبتم فيه ما حرّم اللّه عزّ وجلّ، فيعطي شيئا لم يعطه أحد كان قبله، ويملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا كما ملئت ظلما وجورا وشرّا(٧٤٠).
وفي كتاب كنز الواعظين للفاضل المحدّث البرغاني عن غيبة النعماني مسندا عن أبان ابن عثمان عن الصادق (عليه السّلام): بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ذات يوم بالبقيع فأتاه علي فسلّم عليه فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): اجلس، فأجلسه عن يمينه، ثمّ جاء جعفر بن أبي طالب (عليه السّلام)، فسأل عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقيل له هو بالبقيع فأتاه فسلّم عليه فأجلسه عن يساره، ثمّ جاء العبّاس فسأل عنه فقيل هو بالبقيع، فأتاه فسلّم عليه وأجلسه أمامه، ثمّ التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) إلى علي (عليه السّلام) فقال: ألا أبشّرك، ألا اخبرك يا علي؟ فقال: بلى يا رسول اللّه فقال: كان جبرئيل عندي آنفا وأخبرني أنّ القائم الذي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، من ذريتك، من ولد الحسين (عليه السّلام)، فقال علي (عليه السّلام): يا رسول اللّه: ما أصابنا خير قط من اللّه إلّا على يدك.
ثمّ التفت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقال: يا جعفر ألا أبشّرك؟ قال: بلى يا رسول اللّه. فقال: كان جبرئيل عندي آنفا فأخبرني أنّ الذي يدفعها إلى القائم هو من ذريتك، أتدري من هو؟ قال:
لا قال: ذلك الذي وجهه كالدينار، وأسنانه كالمنشار وسيفه كحريق النار، يدخل الجبل ذليلا ويخرج منه عزيزا، يكتنفه جبرائيل وميكائيل، ثمّ التفت إلى العبّاس فقال: يا عمّ النبي ألا أخبرك بما أخبرني به جبرئيل؟ فقال: بلى يا رسول اللّه. قال: قال لي: ويل لذريتك من ولد العبّاس. فقال: يا رسول اللّه أجتنب النساء. قال له: قد فرغ اللّه ممّا هو كائن(٧٤١).
وفي إثبات الهداة للشيخ حرّ العاملي (رحمه اللّه) عن الأصبغ عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي، هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يكون لغيبته حيرة يضلّ فيها أقوام ويهتدي آخرون. إلى أن قال: أولئك خيار هذه الامّة مع خيار أبرار هذه العترة. انتهى(٧٤٢).
وفيه أيضا عن الصادق (عليه السّلام) قال: في القائم سنّة من موسى وسنّة من يوسف وسنّة من عيسى وسنّة من محمّد فأمّا سنّة موسى فخائف يترقّب، وأمّا سنّة يوسف فإنّ إخوته كانوا يبايعونه ويخاطبونه ولا يعرفونه، وأمّا سنّة عيسى فالسياحة، وأمّا سنّة محمّد فالسيف(٧٤٣).
وفي العيون في حديث الرضا (عليه السّلام) عن أبي الصلت الهروي بشهادته ومحل قبره وظهور الحيتان الصغار، ثمّ خروج حوتة كبيرة والتقاطها الحيتان الصغار إشعار وإخبار بقيامه (عليه السّلام)، يناسب ذكر تمام الخبر لليمن والبركة ومزيد البصيرة.
عن علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي أبي الحسن الرضا (عليه السّلام) إذ قال: يا أبا الصلت ادخل هذه القبّة التي فيها قبر هارون، وائتني بتراب من أربعة جوانبها. قال: فمضيت فأتيت به فلمّا مثل بين يديه قال لي: ناولني هذا التراب، وهو من عند الباب فناولته فأخذه وشمّه ثمّ رمى به ثمّ قال: سيحفر لي هاهنا فتظهر صخرة لو جمع عليها كلّ معول بخراسان لم يتهيّأ قلعها، ثمّ قال في الذي عند الرجل والذي عند الرأس مثل ذلك، ثمّ قال: ناولني هذا التراب فهو من تربتي.
ثمّ قال: سيحفر لي في هذا الموضوع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي إلى أسفل، وأن يشق ضريحه لي فإن أبوا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا، فإنّ اللّه تعالى سيوسعه ما يشاء، فإذا فعلوا ذلك فإنّك ترى عند رأسي نداوة فتكلّم بالكلام الذي اعلمك، فإنّه ينبع الماء حتّى يمتلئ اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتّ لها الخبز الذي اعطيك فإنّها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شيء خرجت منه حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان الصغار حتّى لا يبقى منها شيء، ثمّ تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء ثمّ تكلّم بالكلام الذي اعلمك، فإنّه يغيض الماء ولا يبقى منه شيء، ولا تفعل ذلك إلّا بحضرة المأمون، ثمّ قال: يا أبا الصلت غدا أدخل إلى هذا الفاجر فإن أنا خرجت مكشوف الرأس فتكلّم أكلمك وإن خرجت وأنا مغطّى الرأس فلا تكلّمني.
قال أبو الصلت: فلمّا أصبحنا من الغد لبس ثيابه وجلس فجعل في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين فلبس نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتّى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة، وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلمّا أبصر الرضا وثب إليه فعانقه وقبّل ما بين عينيه وأجلسه معه، ثمّ ناوله العنقود وقال له: يا ابن رسول اللّه ما رأيت عنبا أحسن من هذا.
قال له الرضا (عليه السّلام): ربّما يكون عنبا حسنا يكون من الجنّة. فقال له: كل منه. فقال له الرضا:
تعفيني منه. فقال: لا بدّ من ذلك وما يمنعك منه لعلّك تتّهمنا بشيء، فتناول العنقود فأكل منه ثمّ ناوله فأكل منه الرضا (عليه السّلام) ثلاث حبّات ثمّ رمى به وقام. فقال المأمون: إلى أين؟
فقال (عليه السّلام): إلى حيث وجهتني، وخرج مغطّى الرأس فلم اكلّمه حتّى دخل الدار، فأمر أن يغلق الباب فغلقت ثمّ نام (عليه السّلام) على فراشه، ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا، فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه، قطط الشعر أشبه الناس بالرضا فبادرت إليه فقلت له: من أين دخلت الدار والباب مغلق. فقال: الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق. فقلت له: ومن أنت؟
قال لي: أنّا حجّة اللّه عليك يا أبا الصلت أنا محمد بن علي، ثمّ مضى نحو أبيه (عليهما السّلام) فدخل وأمرني بالدخول معه، فلمّا نظر إليه الرضا (عليه السّلام) وثب إليه فعانقه وضمّه إلى صدره وقبّل ما بين عينيه ثمّ سحبه سحبا في فراشه، وأكبّ على محمّد بن علي (عليه السّلام) يقبّله ويسارّه بشيء لم أفهمه فرأيت على شفتي الرضا (عليه السّلام) زبدا أشدّ بياضا من الثلج، ورأيت أبا جعفر (عليه السّلام) يلحسه بلسانه ثمّ أدخل يده بين ثوبيه وصدره فاستخرج شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر (عليه السّلام)، ومضى الرضا (عليه السّلام)، فقال أبو جعفر: قم يا أبا الصلت فأتني بالمغتسل والماء من الخزانة.
فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء. فقال (عليه السّلام): انته إلى ما أمرتك به، فدخلت الخزانة فإذا فيها مغتسل وماء، فأخرجته وشمرت ثيابي لأغسله فقال لي: تنحّ يا أبا الصلت فإنّ لي من يعينني غيرك، فغسله ثمّ قال لي: ادخل الخزانة فأخرج لي السفط الذي فيه كفنه وحنوطه، فدخلت فإذا أنا بسفط لم أره في تلك الخزانة قط فحملته إليه فكفّنه وصلّى عليه ثمّ قال: ائتني بالتابوت، فقلت: أمضي إلى النجّار حتّى يصلح التابوت. قال: قم فإنّ في الخزانة تابوتا فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط، فأتيته به فأخذ الرضا (عليه السّلام) بعد ما صلّى عليه فوضعه في التابوت، وصفّ قدميه وصلّى ركعتين لم يفرغ منهما حتّى علا التابوت، فانشق السقف فخرج منها التابوت ومضى. فقلت: يا ابن رسول اللّه الساعة يجيئنا المأمون ويطالبنا بالرضا (عليه السّلام) فما نصنع؟ فقال لي: اسكت فإنّه سيعود يا أبا الصلت، ما من نبي يموت بالمشرق ويموت وصيّه بالمغرب إلّا جمع اللّه تعالى بين أرواحهما وأجسادهما، فما أتمّ الحديث حتّى انشق السقف فنزل التابوت فقام (عليه السّلام) واستخرج الرضا (عليه السّلام) من التابوت ووضعه على فراشه كأنّه لم يغسل ولم يكفّن.
ثم قال لي: يا أبا الصلت قم فافتح الباب للمأمون ففتحت الباب فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شقّ جيبه ولطم رأسه وهو يقول: يا سيداه فجعت بك يا سيدي، ثمّ دخل وجلس عند رأسه وقال: خذوا في تجهيزه، فأمر بحفر القبر فحفرت الموضع فظهر كلّ شيء كما وصفه الرضا (عليه السّلام)، فقال له بعض جلسائه: ألست تزعم أنّه إمام؟
قال: بلى. قال: لا يكون الإمام إلّا مقدم الناس، فأمر له أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي وأن أشق له ضريحه، فقال: انتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت سوى الضريح، ولكن يحفر له ويلحد، فلمّا رأى ما ظهر من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا (عليه السّلام) يرينا عجائبه في حياته حتّى أراناها بعد وفاته أيضا.
فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك به الرضا (عليه السّلام)؟ قال: لا. قال: إنّه أخبرك أن ملككم يا بني عبّاس مع كثرتكم وطول مدّتكم مثل هذه الحيتان، حتّى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلّط اللّه عليكم رجلا منّا فأفناكم عن آخركم. قال له: صدقت. ثمّ قال لي يا أبا الصلت علّمني الكلام الذي تكلّمت به. قلت: واللّه لقد نسيت الكلام من ساعتي وقد كنت صدقت، فأمر بحبسي ودفن الرضا (عليه السّلام) فحبست سنة فضاق علي الحبس وسهرت الليلة ودعوت اللّه بدعاء ذكرت فيه محمّدا وآل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، وسألت اللّه تعالى بحقّهم أن يفرّج عنّي، فلم أستتم الدعاء حتّى دخل عليّ أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السّلام) فقال لي: يا أبا الصلت لقد ضاق صدرك؟ فقلت: إي واللّه. قال: قم فاخرج ثمّ ضرب يده إلى القيود التي كانت علي ففكّها، وأخذ بيدي وأخرجني من الدار والحرسة والغلمة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلّموني فخرجت من باب الدار، ثمّ قال لي: امض في ودائع اللّه فإنك لن تصل إليه ولن يصل إليك أبدا. فقال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت(٧٤٤).
ورويت كيفية غسله وكفنه ودفنه (عليه السّلام) وخروج الحيتان من طرق أهل السنّة عن هرثمة باختلاف يسير(٧٤٥).
وفي الخصال عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): سيأتي مسجدكم هذا - يعني مكة - ثلاثمائة وثلاثة عشر يعلم أهل مكة أنّهم لم يلدهم آباؤهم ولا أجدادهم، عليهم السيوف، مكتوب على كلّ سيف كلمة تفتح ألف كلمة طلعت(٧٤٦) الريح فتنادي بكل واد: هذا المهدي يقضي بقضاء آل داود، ولا يسأل عليه بيّنة(٧٤٧).
وفي العوالم عن أبي سعيد الخراساني قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): المهدي والقائم واحد؟ فقال: نعم. فقلت: لأي شيء سمّي المهدي؟ قال: لأنّه يهدي إلى أمر خفي، وسمّي القائم لأنّه يقوم بعد ما يموت، إنّه يقوم بأمر عظيم(٧٤٨).
أقول:
قوله: بعد ما يموت، أي يموت ذكره أو بزعم الناس.
الفرع الثالث في الآيات القرآنية المفسّرة بأعيان الأئمّة الاثني عشر:
الآية الاولى:
قوله تعالى في سورة البقرة (وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ ومِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(٧٤٩).
في الدمعة عن تأويل الآيات عن مفضّل قال: سألت الصادق (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ وجلّ (وإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ) ما هذه الكلمات؟ قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه فتاب عليه، وهو أنّه قال: يا ربّ بحقّ محمّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين إلّا تبت علي، فتاب عليه إنّه هو التوّاب الرحيم. قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه فما معنى قوله (فَأَتَمَّهُنَ) قال: أتمهنّ إلى القائم اثني عشر إماما: علي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين. وأما قوله: إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ... أي إماما يقتدى به في أقواله وأفعاله ويقوم بتدبير الامّة وسياستها، فلمّا بشّره ربّه بذلك قال فرحا واستبشارا (ومِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) والعهد هو الإمامة، والظالم هو الكافر بقوله تعالى: (والْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ) ولذلك انّ الظالم لا يكون إماما(٧٥٠).
الآية الثانية:
قوله تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ والْمُؤْمِنُونَ)(٧٥١).
في الدمعة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لما اسري بي إلى السماء قال لي العزيز: آمن الرسول بما انزل إليه من ربّه. قلت: والمؤمنون. قال: صدقت يا محمد عليك السلام، من خلفت لامّتك من بعدك؟ قلت: خيرها لأهلها. قال: علي بن أبي طالب. قلت: نعم يا رب. قال: يا محمّد إنّي اطلعت على الأرض اطلاعة فاخترتك منها، واشتققت لك اسما من أسمائي، لا أذكر في مكان إلّا وذكرت معي فأنا المحمود وأنت محمّد.
ثمّ اطلعت ثانية فاخترت عليا واشتققت له اسما من أسمائي فأنا الأعلى وهو علي، يا محمد إنّي خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين أشباح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على السماوات وأهلها وعلى الأرضين ومن فيهنّ، فمن قبل ولايتكم كان عندي من المقرّبين ومن جحدها كان عندي من الكفّار الضالّين.
يا محمّد لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع أو يصير كالشن البالي ثمّ أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتّى يقرّ بولايتكم. يا محمد تحب أن تراهم؟ قلت: نعم يا رب، قال: التفت عن يمين العرش فالتفتّ فإذا أنا بأشباح علي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة كلّهم، حتّى بلغ المهدي في ضحضاح من نور قيام يصلّون، المهدي في وسطهم كأنّه كوكب درّي. فقال لي:
يا محمد هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، فو عزّتي وجلالي إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي(٧٥٢).
الآية الثالثة:
في سورة الأنفال قوله تعالى (وأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شيء عَلِيمٌ)(٧٥٣).
في الدمعة عن حسين بن علي (عليهما السّلام): لما أنزل اللّه تبارك وتعالى هذه الآية سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عن تأويلها فقال (صلّى اللّه عليه وآله): ما عنى بها غيركم، فأنتم أولو الأرحام، فإذا متّ فأبوك علي أولى بي وبمكاني، فإذا مضى أبوك فأخوك الحسن أولى به، فإذا مضى الحسن فأنت أولى به. قلت: يا رسول اللّه فمن أولى بي من بعدي؟ فقال: ابنك علي أولى بك من بعدك، فإذا مضى فابنه محمّد أولى به، فإذا مضى محمّد فابنه جعفر أولى به من بعده، فإذا مضى جعفر فابنه موسى أولى به من بعده، فإذا مضى موسى فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه محمّد أولى به من بعده، فإذا مضى محمّد فابنه علي أولى به من بعده، فإذا مضى علي فابنه الحسن أولى به من بعده، فإذا مضى الحسن وقعت الغيبة في التاسع من ولدك، فهذه الأئمّة التسعة من صلبك، أعطاهم اللّه علمي وفهمي، طينتهم من طينتي، ما لقوم يؤذونني فيهم، لا أنالهم اللّه شفاعتي(٧٥٤).
الآية الرابعة:
قوله تعالى (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(٧٥٥).
في الدمعة عن الحسن بن مسعود ومحمد بن خليل قالا: دخلنا على سيّدنا أبي الحسن علي بن محمد (عليه السّلام) بسامراء وعنده جماعة من شيعته، فسألناه عن الأيام سعدها ونحسها فقال (عليه السّلام): لا تعادوا الأيّام فتعاديكم. وسألناه عن معنى الحديث فقال (عليه السّلام): له معنيان: ظاهر وباطن، فالظاهر أن السبت لنا والأحد لشيعتنا والاثنين لبني امية والثلاثاء لشيعتهم والأربعاء لبني العبّاس والخميس لشيعتهم والجمعة للمسلمين عيد. والباطن: السبت جدّي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، والأحد أمير المؤمنين (عليه السّلام)، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد (عليهم السّلام)، والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابنه الذي به يجمع الكلم ويتم النعم ويحق اللّه الحقّ ويزهق الباطل، وهو مهديكم المنتظر، ثمّ قرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قال: هو واللّه بقية اللّه(٧٥٦).
الآية الخامسة:
قوله تعالى (ولَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ)(٧٥٧) في الخرائج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: أتدري ما كان قميص يوسف؟ قلت: لا.
قال: إنّ إبراهيم لمّا أو قد له النار أتاه جبرئيل بثوب من الجنة فألبسه إيّاه فلم يضرّه معه حرّ ولا برد، فلمّا حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة وعلقها على إسحاق، وعلقه إسحاق على يعقوب، فلمّا ولد يوسف علّقه عليه فكان في عضده حتّى كان من أمره ما كان، فلما أخرجه يوسف من التميمة بمصر وجد يعقوب ريحه، وهو قوله تعالى حاكيا عنه (إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ) فهو ذلك القميص الذي أنزل من الجنّة.
قلت له: جعلت فداك فإلى من صار ذلك القميص؟ قال: إلى أهله، وهو قائمنا إذا خرج يجد المؤمنون ريحه إن شاء اللّه شرقا وغربا، ثمّ قال: كل نبي ورث علما أو غيره فقد انتهى إلى محمّد وآله(٧٥٨).
الآية السادسة:
قوله تعالى (طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ)(٧٥٩) في الإكمال عن أبي بصير: قال الصادق (عليه السّلام): طوبى لمن تمسّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية. فقلت له:
جعلت فداك وما طوبى؟ قال (عليه السّلام): شجرة في الجنّة أصلها في دار علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، وليس من مؤمن إلّا وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قول اللّه عزّ وجلّ (طُوبى لَهُمْ وحُسْنُ مَآبٍ)(٧٦٠).
الآية السابعة:
قوله تعالى في سورة الحجر (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ. وإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ)(٧٦١).
عن المفيد في الإرشاد عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: إذا قام قائم آل محمّد يحكم بين الناس بحكم داود (عليه السّلام)، لا يحتاج إلى بيّنة، يلهمه اللّه فيحكم بعلمه ويخبر كلّ قوم بما استنبطوه، ويعرف وليّه من عدوّه بالتوسم، قال اللّه عزّ وجلّ: (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)(٧٦٢).
الآية الثامنة:
قوله تعالى في سورة الأنبياء (فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إلى قوله لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ)(٧٦٣).
في الدمعة عن القمي: فلمّا أحسّوا بأسنا يعني بني امية إذا أحسّوا بالقائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) (إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ ومَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ) يعني الكنوز التي كنزوها. قال: فيدخلون بني امية إلى الروم إذا طلبهم القائم، ثمّ يخرجهم من الروم ويطالبهم بالكنوز التي كنزوها فيقولون كما حكى اللّه (يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ)(٧٦٤) قال: بالسيف وتحت ظلال السيوف، وهذا كلّه ممّا لفظه ماض ومعناه مستقبل(٧٦٥).
الآية التاسعة:
قوله تعالى في سورة الشعراء (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ)(٧٦٦).
في البحار عن الباقر (عليه السّلام) قال: إذا ظهر قائمنا أهل البيت قال فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً أي خفتكم على نفسي وجئتكم لما أذن لي ربي وأصلح لي أمري(٧٦٧).
الآية العاشرة:
قوله تعالى في سورة ص هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ)(٧٦٨).
عن بصائر الدرجات عن أبي عبيدة الحذاء قال: كنّا زمان أبي جعفر (عليه السّلام) مضى حين نردد كالغنم لا راعي لها، فلقينا سالم بن أبي حفصة فقال: يا أبا عبيدة من إمامك؟ قال: قلت:
أئمّتي آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله). قال: هلكت وأهلكت أما سمعت أنا وأنت أبا جعفر وهو يقول: من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية. قلت: بلى لعمري لقد كان ذلك.
ثمّ بعد ذلك بثلاث أو نحوها دخلنا على أبي عبد اللّه فرزق اللّه لنا المعرفة فدخلت عليه فقلت له: لقيت سالما فقال لي كذا وكذا وقلت له كذا وكذا. فقال أبو عبد اللّه: يا ويل لسالم ثلاث مرّات أما يدري سالم ما منزلة الإمام، الإمام أعظم ممّا يذهب إليه سالم والناس أجمعين، يا أبا عبيدة إنّه لم يمت منّا ميّت حتّى يخلف من بعده من يعمل بمثل عمله، ويسير بمثل سيرته ويدعو إلى مثل الذي دعا إليه، يا أبا عبيدة إنّه لم يمنع اللّه ما أعطى داود أن يعطي سليمان أفضل ممّا أعطى داود، ثمّ قال: (هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ). قال: قلت: ما أعطاه اللّه جعلت فداك؟ قال: نعم يا أبا عبيدة إنّه إذا قام قائم آل محمّد حكم بحكم داود وسليمان لا يسأل الناس البيّنة(٧٦٩).
الآية الحادية عشرة:
قوله تعالى في سورة الواقعة (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)(٧٧٠).
في الدمعة عن غيبة النعماني عن داود بن كثير الرقي قال: قلت لأبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السّلام): جعلت فداك أخبرني عن قول اللّه عزّ وجلّ (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ. أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) قال: نطق اللّه بهذا يوم ذرأ الخلق في الميثاق، وقبل أن يخلق الخلق بألفي عام.
فقلت: فسّر لي ذلك؟ فقال: إنّ اللّه جلّ وعزّ لمّا أراد أن يخلق الخلق خلقهم من طين ورفع لهم نارا فقال ادخلوها فكان أوّل من دخلها محمد (صلّى اللّه عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السّلام) والحسن والحسين وتسعة من الأئمّة، إمام بعد إمام ثمّ أتبعهم بشيعتهم، فهم واللّه السابقون(٧٧١).
الآية الثانية عشرة:
قوله تعالى في سورة الصف (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ)(٧٧٢).
في الدمعة عن ابن أبي يعفور قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) وعنده نفر من أصحابه فقال لي: يا ابن أبي يعفور هل قرأت القرآن؟ قال: قلت: نعم، هذه القراءة. قال: عنها سألتك لبس عن غيرها. قال: فقلت: نعم جعلت فداك ولم؟ قال: لأنّ موسى (عليه السّلام) حدّث قومه بحديث لم يحتملوه عنه، فخرجوا عليه بمصر فقاتلوه فقتلهم وهو قوله عزّ وجلّ (فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وكَفَرَتْ طائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ) وإنّه أوّل قائم يقوم منّا أهل البيت يحدّثكم بحديث لا تحتملونه، فتخرجون عليه برميلة الدسكرة(٧٧٣) فتقاتلونه فيقاتلكم، فيقتلكم، وهي آخر خارجة تكون(٧٧٤).
الفرع الرابع إخبار النبي والأئمّة بأعيان الأئمّة من طريق أهل السنّة
في غاية المرام عن الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السّلام): قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): حدّثني جبرئيل عن ربّ العزّة جل جلاله أنّه قال: من علم أنّه لا إله إلّا أنا وحدي، وأنّ محمدا عبدي ورسولي، وأنّ علي بن أبي طالب خليفتي، وأنّ الأئمّة من ولده حججي، أدخلته الجنّة برحمتي ونجيته من النار بعفوي وأبحت له جواري وأوجبت له كرامتي وأتممت عليه نعمتي وجعلته من خاصّتي وخالصتي، إن ناداني لبّيته وإن دعاني أجبته وإن سألني أعطيته وإن سكت ابتدأته وإن أساء رحمته وإن فرّ منّي دعوته وإن رجع إلي قبلته وإن قرع بابي فتحته، ومن لم يشهد أن لا إله إلّا أنا وحدي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ محمّدا عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد أنّ الأئمّة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي وصغّر عظمتي وكفر بآياتي وكتبي ورسلي، إن قصدني حجبته وإن سألني حرمته وإن ناداني لم أسمع نداءه وإن دعاني لم أستجب دعاءه وإن رجاني خيّبت رجاءه منّى وما أنا بظلّام للعبيد.
فقام جابر بن عبد اللّه الأنصاري فقال: يا رسول اللّه ومن الأئمّة من ولد علي بن أبي طالب؟ قال: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة، ثمّ سيّد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثمّ الباقر محمد بن علي ستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ثمّ الكاظم موسى بن جعفر ثمّ الرضا علي بن موسى ثمّ التقي محمد بن علي ثمّ النقي علي بن محمد ثمّ الزكي الحسن بن علي ثمّ ابنه القائم محمد بالحق، مهدي أمّتي الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني ومن عصاهم فقد عصاني ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، وبهم يمسك اللّه السماء أن تقع على الأرض، وبهم يحفظ اللّه الأرض أن تميد بأهلها(٧٧٥).
وفيه عن أخطب الخطباء، خطيب خوارزم موفق بن أحمد المكي من أعيان علماء العامة عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): لمّا اسري بي إلى السماء أوحى إلي ربّي جل جلاله فقال: يا محمّد إنّي اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها وجعلتك نبيّا وشققت لك اسما من اسمي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت الثانية فاخترت منها عليا وجعلته وصيك وخليفتك وزوج ابنتك وأبا ذريتك وشققت له اسما من أسمائي، فأنا العلي الأعلى وهو علي، وخلقت فاطمة والحسن والحسين من نوركما، ثمّ عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان عندي من المقرّبين.
يا محمد لو أنّ عبدا عبدني حتّى ينقطع ويصير كالشن البالي، ثمّ أتاني جاحدا لولايتهم ما أسكنته جنّتي ولا أظللته تحت عرشي. يا محمد تحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ. فقال عزّ وجلّ: ارفع رأسك، فرفعت رأسي فإذا أنا بأنوار علي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ابن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد ابن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي، وم ح م د بن الحسن القائم في وسطهم كأنّه كوكب دري. فقلت: ومن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الأئمّة وهذا القائم في وسطهم كأنه كوكب دري، الذي يحلّ حلالي ويحرّم حرامي وبه أنتقم من أعدائي(٧٧٦).
أقول:
وهكذا عن طرق الخاصة بزيادة: وهو راحة الأولياء وهو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذ أشدّ من فتنة العجل والسامري(٧٧٧).
وفيه عن الحمويني عن أصبغ عن عبد اللّه بن عبّاس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر أوّلهم أخي وآخرهم ولدي. قيل:
يا رسول اللّه من أخوك؟ قال: علي بن أبي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا ونذيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٧٧٨).
وفيه عن الحمويني: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): أنا سيّد النبيّين، وعلي بن أبي طالب سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي بعدي اثنا عشر؛ أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم المهدي(٧٧٩).
وفيه عنه عن أبي سعيد الخدري أنّ رسول اللّه قال: يخرج المهدي في أمّتي، يبعثه اللّه عيانا للناس، تنعم الامّة وتعيش الماشية وتخرج الأرض نباتها ويعطى المال صحاحا(٧٨٠).
وفيه عن سلمان المحمّدي: دخلت على النبي وإذا الحسين على فخذه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: أنت السيّد ابن السيّد أبو السادة، أنت الإمام أخو الإمام ابن الإمام أبو الأئمّة، أنت الحجّة ابن الحجّة أخو الحجّة أبو الحجج التسعة، من صلبك تاسعهم قائمهم(٧٨١).
وفيه عن أخطب الخطباء موفق بن أحمد الخوارزمي في مناقبه عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): أنا واردكم على الحوض وأنت يا علي الساقي والحسن الذائد والحسين الآمر وعلي بن الحسين القارض ومحمد بن علي الناشر وجعفر بن محمد السائق وموسى بن جعفر محصي المحبّين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن موسى زين المؤمنين ومحمد بن علي منزل أهل الجنّة في درجاتهم وعلي بن محمد خطيب شيعته ومزوّجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنّة يستضيئون به، والمهدي شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن اللّه إلّا أن يشاء ويرضى(٧٨٢).
وفي أعلام الورى عن ابن عبّاس: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) حين حضرته وفاته فقلت: إذا كان ما نعوذ باللّه منه فإلى من؟ فأشار إلى علي فقال: إلى هذا فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماما، مفترضة طاعتهم كطاعتي(٧٨٣).
وفيه عن عبّاس بن عبد المطّلب أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال له: يا عم يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثمّ تكون امور كريهة شديدة عظيمة، ثمّ يخرج المهدي من ولدي يصلح اللّه أمره في ليلة، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا ويمكث في الأرض ما شاء اللّه، ثمّ يخرج الدجّال(٧٨٤).
وفي الخصال وعمدة ابن بطريق وأعلام الورى عن صحاح أهل السنّة عن جابر بن سمرة:
جئت مع أبي إلى المسجد ورسول اللّه يخطب فسمعته يقول: يكون من بعدي اثنا عشر أميرا، ثمّ خفض من صوته فلم أدر ما قال فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: كلّهم من قريش(٧٨٥).
وبهذا المضمون أخبار كثيرة بطرق مختلفة وفي بعضها: فقالوا له: ثمّ يكون ما ذا؟ قال: ثمّ يكون النفث والنفاث(٧٨٦).
وفي العمدة بطرق متعدّدة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال: لا يزال الدين قائما حتّى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلّهم من قريش. وسمعته يقول: عصبة من المسلمين يفتتحون البيت الأبيض، بيت كسرى وآل كسرى. وسمعته يقول: إنّ بين يدي الساعة كذّابين فاحذروهم(٧٨٧).
وفي الخصال عن مسروق قال: بينا نحن نعرض مصاحفنا على ابن مسعود إذ قال له فتى شاب: هل عهد إليكم نبيّكم كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنّك لحدث السن وإنّ هذا شيء ما سألني عنه أحد قبلك. قال: نعم عهد إلينا نبيّنا (صلّى اللّه عليه وآله) أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة بعدد نقباء بني إسرائيل(٧٨٨).
وفيه عنه بهذا المضمون من طرق متعدّدة كثيرة(٧٨٩).
وفي الينابيع عن بعض المحقّقين أنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده (صلّى اللّه عليه وآله) اثني عشر قد اشتهرت من طرق كثيرة، فبشرح الزمان وتعريف الكون علم أنّ مراد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من حديثه هذا الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته وعترته، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر، ولا يمكن أن يحمله على الملوك الأموية لزيادتهم على اثني عشر ولظلمهم الفاحش إلّا عمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه)، ولكونهم عين بني هاشم لأنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال: كلّهم من بني هاشم، لأنّ النبي في رواية عبد الملك عن جابر وإخفاء صوته في هذا القول يرجح هذه الرواية، لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم.
ولا يمكن أن يحمل على الملوك العبّاسية لزيادتهم على العدد المذكور ولقلّة رعايتهم.
الآية (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)(٧٩٠) وحديث الكساء، فلا بدّ من أن يحمل هذا الحديث على الأئمّة الاثني عشر من أهل بيته وعترته؛ لأنّهم كانوا أعلم أهل زمانهم وأجلّهم وأورعهم وأتقاهم وأعلاهم نسبا وأفضلهم حسبا وأكرمهم عند اللّه، وكانت علومهم عن آبائهم متصلا بجدّهم (صلوات اللّه عليه وعليهم) وبالوراثة واللدنية(٧٩١).
في الينابيع عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما انزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجّال فقد كفر(٧٩٢).
وفيه قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر؛ أوّلهم علي وآخرهم ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلف المهدي، وتشرق الأرض بنور ربّها ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٧٩٣).
وفيه عن فرائد السمطين عن مجاهد عن ابن عبّاس قال: قدم يهودي يقال له نعثل فقال:
يا محمّد أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذ حين فإن أجبتني عنها أسلمت على يديك، قال (صلّى اللّه عليه وآله): سل يا أبا عمارة. فقال: يا محمد صف لي ربّك؟ فقال (صلّى اللّه عليه وآله): لا يوصف إلّا بما وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز العقول أن تدركه والأوهام أن تناله والخطرات أن تحدّه والأبصار أن تحيط به، جل وعلا عمّا يصفه الواصفون، ناء في قربه وقريب في نأيه، هو كيّف الكيف وأيّن الأين فلا يقال له أين هو، وهو منقطع الكيفية والأينونية، فهو الأحد الصمد كما وصف نفسه، والواصفون لا يبلغون نعته، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.
قال: صدقت يا محمد فأخبرني عن قولك: إنّه واحد لا شبيه له، أليس اللّه واحدا والإنسان واحد؟ فقال (صلّى اللّه عليه وآله): اللّه عزّ وعلا واحد حقيقي أحدي المعنى، أي لا جزء ولا تركّب له، والإنسان واحد ثنائي المعنى مركّب من روح وبدن. قال: صدقت، فأخبرني عن وصيّك من هو، فما من نبي إلّا وله وصي وإنّ نبيّنا موسى بن عمران أوصى [إلى] يوشع بن نون.
فقال (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ وصيّي علي بن أبي طالب وبعده سبطاي الحسن والحسين تتلوه تسعة أئمة من صلب الحسين. قال: يا محمّد: فسمّهم لي؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): إذا مضى الحسين فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه جعفر فإذا مضى جعفر فابنه موسى فإذا مضى موسى فابنه علي فإذا مضى علي فابنه محمد فإذا مضى محمد فابنه علي فإذا مضى علي فابنه الحسن فإذا مضى الحسن فابنه الحجّة محمّد المهدي (عجّل اللّه فرجه)، فهؤلاء اثنا عشرة إلى هنا محلّ الحاجة(٧٩٤).
وما ذكرنا يعدّ إتماما للخبر المؤلفة. قال: أخبرني عن كيفية موت علي والحسن والحسين؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): يقتل علي بضربة على قرنه والحسن يقتل بالسمّ والحسين بالذبح. قال:
فأين مكانهم؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): في الجنّة في درجتي. قال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه، وأشهد أنّهم الأوصياء بعدك، ولقد وجدت في كتب الأنبياء المتقدّمة وفيما عهد إلينا موسى ابن عمران أنّه إذا كان آخر الزمان يخرج نبي يقال له أحمد ومحمّد وهو خاتم الأنبياء، لا نبي بعده فيكون أوصياؤه بعده اثني عشر أوّلهم ابن عمّه وختنه والثاني والثالث كانا أخوين من ولده، ويقتل أمّة النبي الأوّل بالسيف والثاني بالسمّ والثالث مع جماعة من أهل بيته بالسيف وبالعطش في موضع الغربة، فهو كولد الغنم يذبح ويصبر على القتل، يرفع درجاته ودرجات أهل بيته وذريّته ولإخراج محبّيه وأتباعه من النار، والتسعة الأوصياء منهم من أولاد الثالث، فهؤلاء الاثنا عشر عدد الأسباط.
قال (صلّى اللّه عليه وآله): أتعرف الأسباط؟ قال: نعم إنّهم كانوا اثني عشر أوّلهم لاوي بن برخيا وهو الذي غاب عن بني إسرائيل غيبة، ثمّ عاد فأظهر اللّه به شريعته بعد اندراسها، وقاتل قرسطيا الملك حتّى قتل الملك. قال: كائن في أمّتي ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، وإنّ الثاني عشر من ولدي يغيب حتّى لا يرى، ويأتي على أمّتي بزمن لا يبقى من الإسلام إلّا اسمه ولا يبقى من القرآن إلّا رسمه، فحينئذ يأذن اللّه تعالى له بالخروج فيظهر اللّه الإسلام به ويجدّده، طوبى لمن أحبّهم وتبعهم والويل لمن أبغضهم وخالفهم، وطوبى لمن تمسّك بهداهم(٧٩٥).
أقول:
كذا في كتاب الدر النظيم باختلاف يسير وفي آخره فانتفض نعثل فقام بين يدي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فأنشأ يقول:

صلّى العلي ذو العلى * * * عليك يا خير البشر
أنت النبي المصطفى * * * والهاشمي المفتخر
بك قد هدانا ربّنا * * * وفيك نرجو ما أمر
ومعشر سمّيتهم * * * أئمة اثني عشر
حباهم ربّ العلى * * * ثمّ صفاهم من كدر
قد فاز من والاهم * * * وخاب من عادى الزهر
آخرهم يشفي الظما * * * وهو الإمام المنتظر
عترتك الأخيار لي * * * والتابعون ما أمر
من كان عنهم معرضا * * * فسوف يصلاه سقر(٧٩٦)

وفيه: عن المناقب عن واثلة عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: دخل جندل بن جنادة بن جبير اليهودي على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقال: يا محمّد أخبرني عمّا ليس للّه وعمّا ليس عند اللّه وعمّا لا يعلمه اللّه، فقال (صلّى اللّه عليه وآله): أما ما ليس للّه فليس للّه شريك، وأمّا ما ليس عند اللّه فليس عند اللّه ظلم للعباد، وأمّا ما لا يعلمه اللّه فذلك قولكم يا معشر اليهود: إنّ عزيزا ابن اللّه، واللّه لا يعلم أنّ له ولدا، بل يعلم أنّه مخلوقه وعبده. فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّك رسول اللّه حقّا وصدقا.
ثمّ قال: إنّي رأيت البارحة في النوم موسى بن عمران فقال: يا جندل أسلم على يد محمّد خاتم الأنبياء واستمسك بأوصيائه من بعده. فقلت: أسلم! فللّه الحمد أسلمت وهداني بك. ثمّ قال: أخبرني يا رسول اللّه عن أوصيائك من بعدك لأتمسّك بهم، قال:
أوصيائي الاثنا عشر؟ قال جندل: هكذا وجدناهم في التوراة وقال: يا رسول اللّه سمّهم لي؟
فقال: أوّلهم سيّد الأوصياء أبو الأئمّة علي، ثمّ ابناه الحسن والحسين فاستمسك بهم، ولا يغرنّك جهل الجاهلين، فإذا ولد علي بن الحسين زين العابدين يقضي اللّه عليك، ويكون آخر زادك من الدنيا شربة لبن تشربه.
فقال جندل: وجدناه في التوراة وفي كتب الأنبياء: إيليا وشبر وشبير فهذه اسماء علي والحسن والحسين. فمن بعد الحسين ما أساميهم؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): إذا انقضت مدّة الحسين فالإمام ابنه علي ويلقّب بزين العابدين (عليه السّلام)، فبعده ابنه محمد يلقب بالباقر، فبعده ابنه جعفر يدعى بالصادق، فبعده ابنه موسى يدعى بالكاظم، فبعده ابنه علي يدعى بالرضا، فبعده ابنه محمد يدعى بالتقي والزكي، فبعده علي يدعى بالنقي والهادي، فبعده ابنه الحسن يدعى بالعسكري، فبعده ابنه محمد يدعى بالمهدي والقائم والحجة فيغيب ثمّ يخرج، فإذا خرج يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبّتهم، أولئك الذين وصفهم اللّه في كتابه وقال: (هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ)(٧٩٧) ثمّ قال تعالى: (أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(٧٩٨) فقال جندل: الحمد للّه الذي وفّقني بمعرفتهم. ثمّ عاش إلى أن كانت ولادة علي بن الحسين (عليهما السّلام) فخرج إلى الطائف، ومرض وشرب لبنا وقال: أخبرني رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله أن يكون آخر زادي من الدنيا شربة لبن، ومات ودفن بالطائف بالموضع المعروف بالكوزارة(٧٩٩).
في الدمعة عن كتاب سليم بن قيس الهلالي قال: أقبلنا من صفين مع أمير المؤمنين (عليه السّلام) فنزل العسكر قريبا من دير النصارى فنزل إلينا من الدير شيخ حسن الوجه، حسن الهيئة والسمة، معه كتاب في يده حتّى أتى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فسلّم عليه بالخلافة. فقال له علي:
مرحبا يا أخي شمعون بن حمون، كيف حالك رحمك اللّه؟
قال: بخير يا أمير المؤمنين وسيّد المسلمين ووصي رسول ربّ العالمين، أنا من حواري أخيك عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، وأنا من نسل شمعون بن يوحنا وصي عيسى ابن مريم، وإليه دفع كتبه وعلمه، فلم يزل أهل بيته على دينه مستمسكين بملّته، لم يكفروا ولم يبدّلوا ولم يغيّروا، وتلك الكتب عندي، إملاء عيسى وخط أبينا، وفيه كلّ شيء يفعل الناس من بعده، كل ملك ملك وكم يملك، وما يكون في زمان كلّ ملك منهم حتّى يبعث اللّه رجلا من العرب من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل اللّه من أرض تهامة يقال له أحمد، الأنجل العينين المقرون الحاجبين، صاحب الناقة والحمار والقضيب والتاج يعني العمامة.
ثمّ ذكر مبعثه ومولده وهجرته (صلّى اللّه عليه وآله) ومن يقاتله ومن ينصره ومن يعاديه وكم يعيش وما تلقى أمّته بعده، إلى أن ينزل عيسى ابن مريم من السماء(٨٠٠)، فذكر في ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلا من ولد إسماعيل، هم خير خلق اللّه وأحبّ من خلق اللّه إلى اللّه، وأن اللّه وليّ من والاهم وعدوّ من عاداهم، من أطاعهم اهتدى ومن عصاهم ضلّ، طاعتهم للّه طاعة ومعصيتهم للّه معصية، مكتوب بأسمائهم وأنسابهم ونعتهم، وكم يعيش كلّ رجل منهم، وكم رجل منهم يستتر بدينه ويكتمه من قومه، ومن يظهر حتّى ينزل عيسى على آخرهم فيصلّي خلفه ويقول: إنّكم الأئمّة لا ينبغي لأحد أن يتقدّمكم، فيتقدّم فيصلّي بالناس وعيسى خلفه في الصف الأوّل، وهو أفضلهم وأخيرهم، له مثل اجورهم ونور من أطاعهم واهتدى بهم:
بسم اللّه الرّحمن الرحيم أحمد رسول اللّه وهو محمد ويس والفتاح والخاتم والحاشر والعاقب والماحي والقائد هو نبي اللّه وخليل اللّه وحبيب اللّه وصفيّ اللّه وخيرته يرى تقلّبه في الساجدين، يعني في أصلاب النبيّين، هو أكرم خلق اللّه على اللّه وأحبّهم إليه لم يخلق اللّه خلقا ملكا مقرّبا ولا نبيّا مرسلا آدم فمن سواه خيرا عند اللّه منه ولا أحب إلى اللّه منه، يقعده اللّه يوم القيامة على عرشه ويشفّعه في كلّ من يشفع فيه، باسمه جرى القلم في اللوح المحفوظ.
ثمّ أخوه ووزيره وخليفته وأحبّ من خلق اللّه إلى اللّه بعده، ابن عمّه علي بن أبي طالب ولي كلّ مؤمن بعده، ثمّ أحد عشر رجلا من ولده وولد ولده؛ أوّلهم شبر والثاني شبير وتسعة من ولد شبير واحدا بعد واحد، آخرهم الذي يصلّي عيسى خلفه يسمّيه من يملك منهم ومن يستتر بدينه ومن يظهر، فأوّل من يظهر منهم يملأ جميع بلاد اللّه قسطا وعدلا، ويملك ما بين الشرق والغرب حتّى يظهره اللّه على الأديان كلّها، فبعث النبي وأبي حي فصدّق به وآمن به وشهد أنّه رسول اللّه، وكان شيخا كبيرا، لم يكن به شخوص فمات وقال: يا بني إنّ وصي محمّد وخليفته الذي اسمه في هذا الكتاب ونعته سيمرّ بك، إذا مضى ثلاثة من أئمّة الضلالة والمسمّين بأسمائهم وقبائلهم، فإذا مرّ بك فاخرج إليه فبايعه وقاتل معه عدوّه فإنّ الجهاد معه كالجهاد مع محمّد، والموالي له كالموالي لمحمد والمعادي له كالمعادي لمحمد.
وفي هذا الكتاب اثنا عشر إماما من أئمة الضلالة من قريش من قومه، يعادون أهل بيته ويمنعونهم حقّهم ويقتلونهم ويطردونهم ويحرمونهم ويخنقونهم، مسمّين واحدا واحدا بأسمائهم ونعتهم، وكم يملك كلّ رجل منهم وما يلقى من قومه ولدك وأنصارك وشيعتك من القتل والخوف والبلاء، وكيف يديلكم منهم ومن أوليائهم وأنصارهم، وما يلقون من الذل والخزي والقتل والخوف منكم أهل البيت.
ثمّ قال: ابسط يدك يا أمير المؤمنين ابايعك، فإنّي أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، وأشهد أنّك وصيّه وخليفته في بيعته وشاهده على خلقه وحجّته في أرضه، وأنّ الإسلام دين اللّه الذي اصطفاه لنفسه ورضيه لأوليائه، وأنّه دين عيسى ومن كان قبله من أنبياء اللّه ورسله، وهو الدين الذي دان به من مضى من آبائي، وإنّي أتولّاك وأتولّى أولياءك وأبرأ من أعدائك، وأتولّى الأئمّة من ولدك وأبرأ من عدوّهم وممّن خالفهم وبرئ منهم، وادّعى حقّهم وظلمهم من الأوّلين والآخرين، فتناول يد أمير المؤمنين (عليه السّلام) فبايعه، ثمّ قال له أمير المؤمنين: أرني كتابك فناوله إيّاه فقال لرجل من أصحابه: قم مع الرجل فانظر ترجمانا يفهم كلامه فلينسخه لك بالعربية، فلمّا انتسخه، أتاه به فقال للحسن: يا بني ائتني بالكتاب الذي دفعته إليك، واقرأ أنت يا بني وانظر أنت يا فلان في نسخة هذا الكتاب فإنّه خطي وإملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فقرأه فما خالف حرفا واحدا فكأنّه إملاء رجل واحد، فحمد اللّه أمير المؤمنين وقال: الحمد للّه الذي لو شاء لم تختلف الامّة ولم تفترق، والحمد للّه الذي لم ينسني ولم يضع أمري ولم يخمد(٨٠١) ذكري عنده وعند أوليائه؛ إذ صغر وخمل عند أولياء الشيطان وحزبه(٨٠٢). انتهى(٨٠٣).
وفي الينابيع عن الحمويني الشافعي في فرائد السمطين عن دعبل الخزاعي: أنشدت قصيدة لمولاي الرضا (عليه السّلام) أوّلها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات
وقبر ببغداد لنفس زكية * * * تضمّنها الرّحمن في الغرفات

قال: قال لي الرضا: أفلا الحق البيتين بقصيدتك؟ قلت: بلى يا ابن رسول اللّه، فقال (عليه السّلام):

وقبر بطوس يا لها من مصيبة * * * توقد في الأحشاء بالحرقات
إلى الحشر حتّى يبعث اللّه قائما * * * يفرّج عنّا الهمّ والكربات

قال دعبل: ثمّ قرأت بواقي القصيدة عنده فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة واقع * * * يقوم على اسم اللّه والبركات
يميّز فينا كلّ حقّ وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا (عليه السّلام) بكاء شديدا ثمّ قال: يا دعبل نطق روح القدس بلسانك، أتعرف من هذا الإمام؟ ومتى يقوم؟ قلت: لا إلّا أني سمعت خروج إمام منكم يملأ الأرض قسطا وعدلا.
فقال: إنّ الإمام بعدي ابني محمد وبعد محمد ابنه علي وبعد علي ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجّة القائم، وهو المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وأما متى يقوم فإخبار عن الوقت(٨٠٤).
وفي عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) من طرق الشيعة هكذا، إلّا أن فيه: لقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن علي عن النبي قيل له: يا رسول اللّه متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال: مثله مثل الساعة لا يجلّيها لوقتها إلّا هو ثقلت في الأرض لا تأتيكم إلّا بغتة(٨٠٥).
أقول:
ولما انجرّ الكلام إلى هذا فلا ضير أن نذكر بقية حال دعبل من بركة هذه القصيدة فتكون على بصيرة من أمرك.
في إكمال الدين: نهض الرضا (عليه السّلام) بعد فراغ دعبل من إنشاده القصيدة، وأمره أن لا يبرح من موضعه فدخل الدار، فلمّا كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار رضوية، فقال له:
يقول لك مولاي اجعلها في نفقتك. فقال: واللّه ما لهذا جئت ولا قلت هذه القصيدة طمعا في شيء يصل إلي، وردّ الصرّة وسأل ثوبا من ثياب الرضا (عليه السّلام) ليتبرّك به ويتشرّف، وأنفذ إليه الرضا بجبّة خزّ مع الصرّة وقال للخادم: قل له يقول لك مولاي خذ هذه الصرّة فإنّك ستحتاج إليها ولا تراجعني فيها.
فأخذ دعبل الصرّة والجبة وانصرف، وسار من مرو في قافلة فلما أتوا ميان (بلد بقرب نيسابور قوهان) وقع عليهم اللصوص وأخذوا القافلة بأسرها وكتّفوا أهلها، وكان دعبل فيمن كتف، وملك اللصوص القافلة وجعلوا يقتسمونها بينهم، فقال رجل من اللصوص متمثّلا بقول دعبل من قصيدة:

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما * * * وأيديهم من فيئهم صفرات

فسمعه دعبل فقال: لمن هذا البيت؟ قال: لرجل من خزاعة يقال له دعبل بن علي. قال دعبل: أنا دعبل بن علي قائل هذه القصيدة التي منها هذا البيت، فوثب الرجل إلى رئيسهم وكان يصلّي على رأس تل وكان من الشيعة فأخبره، فجاء بنفسه حتّى وقف على دعبل فقال له: أنت دعبل؟ فقال: نعم. قال: أنشد القصيدة، فأنشدها فحل كتافه وكتاف جميع أهل القافلة وردّ إليهم جميع ما اخذ منهم لكرامة دعبل.
وسار دعبل حتّى وصل إلى قم فسأله أهل قم أن ينشدهم القصيدة فأمرهم أن يجتمعوا في مسجد الجامع، فلما اجتمعوا صعد دعبل المنبر فأنشدهم القصيدة، فوصله الناس من المال والخلع بشيء كثير واتصل بهم خبر الجبّة فسألوه أن يبيعها منهم بألف دينار فامتنع من ذلك، فقالوا له: بعنا شيئا منها بألف دينار فأبي عليهم، وسار عن قم فلمّا خرج عن رستاق البلد لحق به قوم من أحداث العرب وأخذوا الجبّة منه، فرجع دعبل إلى قم وسألهم ردّ الجبّة عليه فامتنع الأحداث من ذلك وعصوا المشايخ في أمرها فقالوا لدعبل: لا سبيل لك إلى الجبّة فخذ ثمنها ألف دينار، فأبى عليهم فلما يئس من ردّهم الجبّة فسألهم أن يدفعوا إليه شيئا منها فأجابوه إلى ذلك، فأعطوه بعضها ودفعوا إليه ثمن باقيها ألف دينار، وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص قد أخذوا جميع ما كان في منزله، فباع المائة دينار التي كان الرضا (عليه السّلام) وصله بها من الشيعة، كل دينار بمائة درهم فحصل في يده عشرة آلاف درهم، فتذكّر قول الرضا (عليه السّلام) إنّك ستحتاج إلى الدنانير.
وكانت له جارية لها من قلبه محل، فرمدت رمدا عظيما فأدخل أهل الطب عليها فنظروا إليها فقالوا: أمّا العين اليمنى فليس فيها لنا علاج ولا حيلة، قد ذهبت، وأمّا اليسرى فنحن نعالجها ونجتهد ولا نرى أن تسلم، فاغتمّ لذلك غمّا شديدا وجزع عليها جزعا عظيما، ثمّ إنّه ذكر ما معه من فضلة الجبّة فمسحها على عيني الجارية وعصبها بعصابة من أوّل الليل فأصبحت وعيناها أضحّ ممّا كانتا، وكأنّه ليس لها أثر رمد قط ببركة مولانا أبي الحسن الرضا (عليه السّلام)(٨٠٦).
وفي العيون عن علي بن دعبل الخزاعي، يقول: لمّا أن حضرت أبي الوفاة تغيّر لونه وانعقد لسانه واسودّ وجهه فكدّت الرجوع من مذهبه، فرأيته بعد ثلاث فيما يرى النائم وعليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء فقلت: يا أبه ما فعل اللّه بك؟ فقال: يا بني إنّ الذي رأيته من اسوداد وجهي وانعقاد لساني كان من شرب الخمر في دار الدنيا، ولم أزل كذلك حتّى لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وعليه ثياب بيض وقلنسوة بيضاء فقال لي: أنت دعبل؟ قلت: نعم يا رسول اللّه، قال: فأنشدني قولك في أولادي فأنشدته قولي:

لا أضحك اللّه سنّ الدهر إن ضحكت * * * وآل أحمد مظلومون قد قهروا
مشرّدون نفوا عن عقر دارهم * * * كأنّهم قد جنوا ما ليس يغتفر

قال: فقال لي: أحسنت فشفع وأعطاني ثيابه وها هي وأشار إلى ثياب بدنه(٨٠٧).
وفي العيون: سمعت أبا نصر بن الحسن الكرخي الكاتب يقول: رأيت على قبر دعبل بن علي الخزاعي:

أعد للّه يوم يلقاه * * * دعبل أن لا إله إلّا هو
يقولها مخلصا عساه بها * * * يرحمه في القيامة اللّه
اللّه مولاه والرسول ومن * * * بعدهما فالوصي مولاه(٨٠٨).

الفرع الخامس إخبار النبي والأئمّة بأعيان الأئمّة وأسمائهم (عليهم السّلام) من طرق الخاصّة
في أعلام الورى أنّ رسول اللّه يقول: إنّي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثمّ علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فأخوه الحسين بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا علي، ثمّ ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين ثمّ تكملة اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين(٨٠٩).
وفيه سئل أمير المؤمنين (عليه السّلام) عن معنى قول رسول اللّه: (إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي) من العترة؟ قال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه حوضه(٨١٠).
وفيه عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): أنا وعلي والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين مطهّرون معصومون(٨١١).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): أنا سيّد النبيّين وعلي سيّد الوصيّين، وإنّ أوصيائي من بعدي اثنا عشر وصيّا؛ أوّلهم علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وآخرهم القائم(٨١٢).
وفيه عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري: لمّا أنزل اللّه تعالى على نبيّه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)(٨١٣) قلت: يا رسول اللّه قد عرفنا اللّه ورسوله فمن أولو الأمر الذين قرن اللّه طاعتهم بطاعته؟ فقال: هم خلفائي يا جابر وأئمّة المسلمين بعدي؛ أوّلهم علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي المعروف بالتوراة بالباقر وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه منّي السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي ثمّ سميّي وكنيّي حجّة اللّه في أرضه وبقيته في عباده محمد بن الحسن ابن علي (عليهم السّلام)، ذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلّا من امتحن اللّه قلبه للإيمان.
قال جابر: فقلت: يا رسول اللّه فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال: إي والذي بعثني بالنبوّة، إنّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر: هذا من مكنون سرّ اللّه ومخزون علم اللّه فاكتمه إلّا عن أهله، الحديث. فليطلب تمامه في محلّه(٨١٤).
وفيه: عن عبد اللّه بن عبّاس عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ اللّه تعالى اطلع على الأرض اطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيّا، ثمّ اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثمّ أمرني أن أتخذه أخا ووصيّا وخليفة ووزيرا، فعلي منّي وأنا من علي، وهو زوج ابنتي وأبو سبطيّ الحسن والحسين، ألا وإنّ اللّه تبارك وتعالى جعلني وإيّاه حججا على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمّتي أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مظلمة، فيعلن أمر اللّه ويظهر دين اللّه ويؤيّد ينصر اللّه وينصر بملائكة اللّه، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا(٨١٥).
وفيه عن حسين بن علي قال: دخلت على رسول اللّه وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): مرحبا يا أبا عبد اللّه يا زين السماوات والأرض. قال له أبي: وكيف يكون يا رسول اللّه زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ فقال: والذي بعثني بالحقّ نبيّا إنّ الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنّه لمكتوب على يمين عرش اللّه مصباح هدى وسفينة نجاة وإمام غير وهن وعزّ وفخر وعلم وذخر، وإنّ اللّه عزّ وجلّ ركب في صلبه نطفة طيّبة مباركة زكية، خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام أو يجري ماء في الأصلاب أو يكون ليل أو نهار، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلّا حشره اللّه عزّ وجلّ معه وكان شفيعه في آخرته، وفرّج اللّه عنه كربه، وقضى بها دينه ويسّر أمره وأوضح سبيله وقوي على عدوّه ولم يهتك ستره. فقال له أبي: وما هذه الدعوات يا رسول اللّه؟ قال: تقول إذا فرغت من صلاتك وأنت قاعد: اللهمّ إنّي أسألك بكلماتك ومعاقد عزّك وسكّان سماواتك وأنبيائك ورسلك أن تستجيب لي، فقد رهقني من أمري عسرا، فأسألك أن تصلّي على محمّد وآل محمّد وأن تجعل لي فرجا من عسري ويسرا ومخرجا، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يسهّل أمرك ويشرح صدرك ويلقنك شهادة أن لا إله إلّا اللّه عند خروج نفسك.
قال له أبي: يا رسول اللّه فما هذه النطفة في صلب الحسين (عليه السّلام)؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): مثل هذه النطفة كمثل القمر وهي نطفة تبيين وبيان(٨١٦)، يكون من اتّبعه رشيدا ومن ضلّ عنه غويا. قال:
فما اسمه وما دعاؤه؟ قال: اسمه علي ودعاؤه: يا دائم يا ديموم يا حي يا قيوم يا كاشف الغمّ ويا فارج الهمّ ويا باعث الرسل ويا صادق الوعد، من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه مع علي بن الحسين وكان قائده إلى الجنّة. قال له أبي: يا رسول اللّه فهل له من خلف ووصي؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله):
نعم له مواريث السماوات والأرض. قال: وما معنى مواريث السماوات والأرض؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله):
القضاء بالحق والحكم بالديانة وتأويل الأحكام وبيان ما يكون. قال: فما اسمه؟
قال: محمد وإنّ الملائكة لتستأنس به في السماوات ويقول في دعائه: اللهم إن كان لي عندك رضوان وود فاغفر لي ولمن تبعني من إخواني وشيعتي وطيّب ما في صلبي، فركّب اللّه عزّ وجلّ في صلبه نطفة مباركة زكية، وأخبرني أنّ اللّه طيّب هذه النطفة وسمّاها عنده جعفرا وجعله هاديا وراضيا ومرضيا، يدعو ربّه فيقول في دعائه: يا ديّان غير متوان يا أرحم الراحمين، اجعل لشيعتي من النار وقاء، ولهم عندك رضى واغفر ذنوبهم واستر عيوبهم ويسّر امورهم واقض ديونهم واستر عوراتهم، وهب لهم الكبائر التي بينك وبينهم، يا من لا يخاف الضيم، ولا تأخذه سنة ولا نوم، اجعل لي من كلّ غمّ فرجا. من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه أبيض الوجه مع جعفر بن محمد إلى الجنّة.
يا أبي إنّ اللّه ركب على هذه النطفة نطفة زكية مباركة طيّبة أنزل عليهما الرحمة وسمّاها عنده موسى. فقال له أبي يا رسول اللّه كأنّهم يتواصفون ويتناسلون ويتوارثون ويصف بعضهم بعضا، قال: وصفهم لي جبرئيل عن ربّ العالمين جل جلاله، قال: فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه؟ قال: نعم يقول في دعائه: يا خالق الخلق ويا باسط الرزق وفالق الحب وبارئ النسم ومحيي الأموات ومميت الأحياء ودائم الثبات ومخرج النبات افعل بي ما أنت أهله. من دعا بهذا الدعاء قضى اللّه حوائجه وحشره يوم القيامة مع موسى ابن جعفر.
وإنّ اللّه عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة مباركة زكية مرضية وسمّاها عنده عليا وكان للّه في خلقه رضيا في علمه وحكمه، وجعله حجّة على خلقه إلى يوم القيامة، وله دعاء يدعو به فيقول: اللهمّ اعطني الهدى وثبّتني عليه، واحشرني مع الذين لا خوف عليهم ولا حزن ولا جزع، إنّك أهل التقوى وأهل المغفرة.
وإنّ اللّه عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة مباركة طيّبة زكية مرضية، وسمّاها محمد بن علي فهو شفيع شيعته ووارث علم جدّه، له علامة بيّنة وحجّة ظاهرة إذا ولد، يقول: لا إله إلّا اللّه ويقول في دعائه: يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت اللّه لا إله إلّا أنت، ولا خالق إلّا أنت، تغني المخلوقين وتبقى، أنت حلمت عمّن عصاك وفي المغفرة رضاك، من دعا بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة.
وإنّ اللّه تبارك وتعالى ركّب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارّة مباركة طيّبة طاهرة سمّاها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم وكلّ سرّ مكتوم، من لقيه وفي صدره شيء أنبأه به وحذّره من عدوّه، ويقول في دعائه: يا نور يا برهان يا مبين يا منير يا رب اكفني شرّ الشرور، وآفات الدهور، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور، من دعا بهذا الدعاء كان علي بن محمد شفيعه وقائده إلى الجنّة.
وإنّ اللّه قد ركّب في صلبه نطفة وسمّاها عنده الحسن فجعله نورا في بلاده وخليفة في أرضه وعزّا لامّته وهاديا لشيعته وشفيعا لهم عند ربّهم، ونقمة على من خالفه وحجّة لمن والاه وبرهانا لمن اتخذه إماما، يقول في دعائه: يا عزيز العزّ في عزّه يا عزيزا أعزّني بعزّتك وأيّدني بنصرك، وأبعد عنّي همزات الشيطان وادفع عنّي بدفعك وامنع عنّي بمنعك واجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، من دعا بهذا الدعاء حشره اللّه عزّ وجلّ معه ونجّاه من النار ولو وجبت عليه.
وإنّ اللّه تعالى ركّب في صلبه نطفة زكية طيّبة طاهرة مطهّرة يرضى بها كلّ مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان ممّن قد أخذ اللّه ميثاقه في الولاية، ويكفر بها كلّ جاحد، فهو إمام تقي نقي سار مرضيّ هادي مهدي، يحكم بالعدل ويأمر به ويصدق اللّه ويصدقه اللّه في قوله، يخرج من تهامة حتّى يظهر الدلائل والعلامات، وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضّة إلّا خيول مطهمة ورجال مسومة، يجمع اللّه له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر، ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا مع صحيفة مختومة، فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم وبلدانهم وطبائعهم وخلقهم، وكدادون مجدّون في طاعته. فقال له أبي: وما دلائله وعلامته يا رسول اللّه؟
قال (صلّى اللّه عليه وآله): له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه اللّه عزّ وجلّ فناداه العلم: أخرج يا ولي اللّه واقتل أعداء اللّه، وله رايتان وعلامتان، وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه اللّه عزّ وجلّ فناداه السيف: اخرج يا ولي اللّه وأمرني بأمرك يا حجّة اللّه فلا يحلّ لك أن تقعد من أعداء اللّه حيث ثقفتهم، ويقيم حدود اللّه ويحكم بحكم اللّه، ويكون جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يسرته، وشعيب وصالح على مقدّمته، وسوف تذكرون ما أقول لكم وافوّض أمري إلى اللّه تعالى ولو بعد حين.
يا أبي طوبى لمن لقيه وطوبى لمن أحبّه وطوبى لمن قال به، ينجيهم اللّه من الهلكة وبالإقرار به وبرسول اللّه وبجميع الأئمّة تفتح لهم الجنّة، مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي تسطع ريحه فلا يتغيّر أبدا، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ أبدا نوره. قال أبي: يا رسول اللّه كيف حال هؤلاء الأئمّة عن اللّه عزّ وجلّ؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل عليّ اثنتي عشرة صحيفة باثني عشر خاتما اسم كلّ إمام على خاتمه وصفته في صحيفته(٨١٧).
وفيه: عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال لأصحابه: آمنوا بليلة القدر فإنّها تكون من بعدي لعلي بن أبي طالب وولده وهم أحد عشر من بعده(٨١٨).
وفيه عنه (صلّى اللّه عليه وآله): اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم اللّه فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبّرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، ما لهم لا أنالهم اللّه شفاعتي(٨١٩).
وعنه (صلّى اللّه عليه وآله): الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح اللّه على يده مشارق الأرض ومغاربها(٨٢٠).
وعنه (صلّى اللّه عليه وآله): الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج اللّه على أمّتي بعدي، المقرّ لهم مؤمن والمنكر لهم كافر(٨٢١).
وفيه: عنه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّ خلفائي وأوصيائي وحجج اللّه على الخلق بعدي الاثنا عشر أوّلهم أخي وآخرهم ولدي. قيل: يا رسول اللّه ومن أخوك؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): علي بن أبي طالب. قيل: فمن ولدك؟ قال: المهدي الذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، والذي بعثني بالحقّ بشيرا لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى ابن مريم فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب(٨٢٢).
وفي أربعين الخوئي عن ابن عبّاس: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّه لما عرج بي ربي جل جلاله أتاني النداء: يا محمد. قلت: لبيك ربّ العظمة لبيك، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلي: يا محمد فيم اختصم به الملأ الأعلى؟ قلت: إلهي لا علم لي. فقال لي: يا محمد هل اتخذت من الآدميين وزيرا وأخا ووصيّا من بعدك؟ فقلت: إلهي ومن أتخذ؟ تخيّر لي أنت يا إلهي، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى: يا محمّد قد اخترت لك من الآدميين عليا فقلت: إلهى ابن عمّي فأوحى اللّه لي: يا محمد إنّ عليا وارثك ووارث العلم من بعدك، وصاحب لوائك لواء الحمد يوم القيامة، وصاحب حوضك يسقي من ورد عليه من بريتي من أمّتك، ثمّ أوحى اللّه عزّ وجلّ إلي، يا محمد إنّي قد أقسمت على نفسي قسما حقّا لا يشرب من ذلك الحوض مبغض لك ولأهل بيتك وذريتك الطيبين الطاهرين حقّا حقّا، أقول يا محمّد لأدخلن جميع أمّتك الجنّة إلّا من أبي.
فقلت: إلهي وأحد يأبى دخول الجنّة؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلي: بلى. فقلت: وكيف يا ربي؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلي: يا محمّد اخترتك من خلقي واخترت لك وصيّا من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبي بعدك، وألقيت محبته في قلبك، وجعلته أبا لولديك، فحقّه بعدك على امتك كحقّك عليهم في حياتك، فمن جحد حقّه جحد حقّك ومن أبى أن يواليه فقد أبى أن يواليك، ومن أبى أن يواليك فقد أبى أن يدخل الجنّة.
فخررت للّه عزّ وجلّ ساجدا شاكرا لما أنعم علي، فإذا مناد ينادي: ارفع يا محمّد رأسك واسألني أعطك. فقلت: إلهي اجمع أمّتي من بعدي على علي بن أبي طالب ليردوا علي جميعا حوضي يوم القيامة، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلي يا محمد إنّي قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، وقضائي ماض فيهم، لاهلك به من أشاء وأهدي به من أشاء، وقد آتيته علمك من بعدك وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك وأمّتك، عزيمة منّي ولا يدخل الجنّة من عاداه وأبغضه وأنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن عاداه فقد عاداك ومن عاداك فقد عاداني ومن أحبّه فقد أحبّك ومن أحبّك فقد أحبّني، وقد جعلت لك هذه الفضيلة، وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهديّا، كلّهم من ذريتك من البكر البتول، وآخر رجل منهم يصلّي خلفه عيسى ابن مريم يملأ الأرض عدلا كما ملئت ظلما وجورا، انجي به من الهلكة وأهدي به من الضلالة وأبرئ به الأعمى وأشفي به المريض، فقلت: إلهي وسيّدي متى يكون ذلك؟
فأوحى اللّه عزّ وجلّ: يكون ذلك إذا رفع العلم وظهر الجهل وكثر القرّاء وقلّ العمل وكثر القتل وقل الفقهاء الهادون وكثر فقهاء الضلالة والخئونة، وكثر الشعراء، واتخذت أمّتك قبورهم مساجد وحليت المصاحف وزخرفت المساجد وكثر الجور والفساد وظهر المنكر وأمرت أمّتك به، ونهي عن المعروف واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وصارت الامراء كفرة وأولياؤهم فجرة وأعوانهم ظلمة وذوو الرأي منهم فسقة، وعند ثلاثة خسوف خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخراب البصرة على يد رجل من ذريتك تتبعه الزنوج، وخروج رجل من ولد الحسين بن علي، وظهور الدجّال، يخرج بالمشرق من سجستان وظهور السفياني.
فقلت: إلهي وما يكون بعدي من الفتن؟ فأوحى اللّه إلي وأخبرني ببلاء بني امية وفتنة ولد عمّي، وما هو كائن إلى يوم القيامة، فأوصيت بذلك ابن عمّي حين هبطت إلى الأرض، وأديت الرسالة وللّه الحمد على ذلك كما حمده النبيّون، وكما حمده كلّ شيء قبل وما هو خالقه إلى يوم القيامة(٨٢٣).
وفي أعلام الورى: سئل أمير المؤمنين عن معنى قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه وعترتي، من العترة؟ قال: أنا والحسن والحسين والأئمّة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهديّهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب اللّه ولا يفارقهم حتّى يردوا على رسول اللّه حوضه(٨٢٤).
وفي أعلام الورى عن أصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ذات يوم، ووضع يده في يد ابنه الحسن (عليه السّلام) وهو يقول: خرج علينا رسول اللّه ذات يوم ويده في يدي هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيّدهم أخي هذا، وهو إمام كلّ مسلم وأمير كل مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنّي أقول: إنّ خير الخلق بعدي وسيّدهم ابني هذا، إمام كلّ مسلم، وولي كلّ مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنّه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله).
وخير الخلق وسيّدهم بعد الحسن ابني الحسين المظلوم بعد أخيه، المقتول بأرض كربلاء، أما إنّه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء اللّه في أرضه وحججه على عباده وأمناؤه على خزائنه، وهم أئمّة المسلمين وقادة المؤمنين وسادة المتّقين، وتاسعهم القائم الذي يملأ اللّه به الأرض نورا بعد ظلمتها، وعدلا بعد جورها، وعلما بعد جهلها، والذي بعث أخي محمدا بالنبوّة واختصّني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرئيل، ولقد سئل رسول اللّه وأنا عنده:
من الأئمّة بعده؟ فقال للسائل: والسماء ذات البروج إنّ عددهم كعدد البروج، ورب الليالي والأيّام والشهور إنّ عدّتهم كعدّة الشهور.
قال السائل: فمن هم يا رسول اللّه؟ فوضع رسول اللّه يده على رأسي فقال: أوّلهم هذا وآخرهم المهدي من والاهم فقد والاني ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبّهم فقد أحبّني ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني ومن عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ اللّه دينه وبهم يعمر بلاده وبهم يرزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء وبهم يخرج بركات الأرض، هؤلاء أوصيائي وخلفائي وأئمّة المسلمين وموالي المؤمنين(٨٢٥).
وفيه: لمّا مات أبو بكر وبويع عمر وعلي جالس ناحية، إذ أقبل يهودي عليه ثياب حسان وهو من ولد هارون حتّى قام على رأس عمر بن الخطّاب فقال: يا أمير المؤمنين أنت أعلم هذه الامّة بكتابهم وأمر نبيّهم، فطأطأ عمر رأسه، فأعاد عليه القول فقال له عمر: ولم ذلك؟
فقال: إنّي جئت مرتاد النفس، شاكّا في ديني اريد الحجّة وأطلب البرهان. فقال له عمر:
دونك هذا الشاب، وأشار إلى أمير المؤمنين علي (عليه السّلام). فقال الغلام: ومن هذا؟ قال عمر: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول اللّه وأبو الحسن وأبو الحسين ابني رسول اللّه، وزوج فاطمة بنت رسول اللّه، وأعلم الناس بالكتاب والسنّة. قال: فقام الغلام إلى علي (عليه السّلام) فقال:
أنت كذلك؟ فقال (عليه السّلام) له: نعم.
قال الغلام: اريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، فتبسّم أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقال: يا هاروني ما منعك أن تقول عن سبع؟ فقال: اريد أن أسألك عن ثلاث فإن علمتهنّ سألتك عمّا بعدهنّ، وإن لم تعلمهن علمت أنّه ليس فيكم علم. قال أمير المؤمنين (عليه السّلام): فإنّي أسألك بالإله الذي تعبده لئن أجبتك عن ما تسألني لتدعن دينك ولتدخلن في ديني؟ قال: ما جئت إلّا لذلك. قال: فسل. قال: فأخبرني عن أوّل قطرة دم قطرت على وجه الأرض، أي قطرة دم هي؟ وأوّل عين فاضت على وجه الأرض أي عين هي؟ وأوّل شجرة اهتزّت على وجه الأرض أي شجرة هي؟
فقال (عليه السّلام): يا هاروني أما أنتم فتقولون: أوّل قطرة دم قطرت على وجه الأرض حيث قتل أحد ابني آدم، وليس كذلك ولكنّه حيث طمثت حوّاء، وذلك قبل أن تلد ابنيها. وأمّا أنتم فتقولون: أوّل عين فاضت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس، وليس هو كذلك ولكنّها عين الحياة التي وقف عليها موسى وفتاه ومعهما النون المالح، فسقط فيها فحيي وهذا الماء لا يصيب ميتا إلّا وحيي. وأمّا أنتم فتقولون: أوّل شجرة اهتزت على وجه الأرض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح، وليس كذلك ولكنّها النخلة التي اهبطت من الجنّة، وهي العجوة، ومنها تفرع كلّ ما ترى من أنواع النخل.
فقال: صدقت واللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّي لأجد هذا في كتب أبي هارون، كتابته بيده واملاء عمّي موسى، ثمّ قال: أخبرني عن الثلاث الأخر، عن أوصياء محمّد كم بعده من أئمّة عدل وعن منزله في الجنة ومن يكون ساكنا معه في الجنّة وفي منزله؟ فقال (عليه السّلام): يا هاروني إنّ لمحمّد اثني عشر وصيّا أئمّة عدل لا يضرّهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون خلاف من خالفهم، وإنّهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الأرض، ومسكن محمّد في جنّة عدن التي ذكرها اللّه عزّ وجلّ وغرسها بيده، ومعه في مسكنه فيه الأئمّة الاثنا عشر العدول. فقال: صدقت واللّه الذي لا إله إلّا هو، إنّي لأجد ذلك في كتب أبي هارون، كتابته بيده وإملاء عمّي موسى (عليه السّلام). قال: فأخبرني عن الواحدة: كم يعيش وصيّ محمّد بعده؟
وهل يموت أو يقتل؟ فقال (عليه السّلام): يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما، ثمّ يضرب ضربة هاهنا، ووضع يده على قرنه وأومأ إلى لحيته، فتخضب هذه من هذه.
قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه(٨٢٦) وقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّك وصي رسول اللّه، ينبغي أن تفوق ولا تفاق وأن تعظم ولا تستضعف، ثمّ مضى به علي إلى منزله فعلّمه معالم الدين(٨٢٧).
أقول:
قد ورد هذا الخبر بطرق مختلفة باختلاف يسير تركناها خوفا من الإطالة.
وفي أعلام الورى عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني قال (عليه السّلام): أقبل أمير المؤمنين ذات يوم ومعه الحسن بن علي وسلمان الفارسي، وأمير المؤمنين متكئ على يد سلمان فدخل المسجد الحرام فجلس؛ إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس فسلّم على أمير المؤمنين (عليه السّلام) فرد، فجلس ثمّ قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل إن أخبرتني بهنّ علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم، ولا في آخرتهم، وإن تكن الاخرى علمت أنك وهم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السّلام): سلني عمّا بدا لك. فقال: أسألك عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى الحسن (عليه السّلام) فقال: يا أبا محمد أجبه. فقال (عليه السّلام): أمّا ما سألت عنه من أمر الإنسان إذا نام أين تذهب روحه، فإنّ روحه متعلّقة بالريح، والريح متعلّقة بالهواء إلى وقت ما يتحرّك صاحبها لليقظة، فإن أذن اللّه بردّ تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الريح الروح، وجذبت تلك الروح الهواء فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن اللّه عزّ وجلّ بردّ تلك على صاحبها جذبت الهواء، وجذبت الريح الروح فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث.
وأمّا ما ذكرت من الذكر والنسيان فإن قلب الرجل في حقّ، وعلى الحقّ طبق، فإن صلّى عند ذلك على محمّد وآل محمّد صلاة تامّة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق فأضاء القلب وذكّر الرجل ما كان نسي، وإن لم يصلّ على محمّد وآل محمّد أو انتقص من الصلوات عليهم طبق ذلك الطبق على ذلك الحقّ وأظلم القلب ونسي الرجل.
وأمّا ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإنّ الرجل إذا أتى أهله فجامعها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب، فأسكنت بذلك تلك النطفة جوف الرحم خرج الولد يشبه أباه وأمّه، وإذا أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب اضطربت تلك النطفة، فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق فإن وقعت على عرق من عروق الأعمام يشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه الولد أخواله.
فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنّك وصي رسول اللّه والقائم بحجّته وأشار إلى أمير المؤمنين، ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنّك وصيّه القائم بحجّته، وأشار إلى الحسن بن علي، وأشهد أنّ الحسين بن علي أخيك وصي أبيك والقائم بحجّته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين من بعده، وأشهد على محمد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن الحسين من بعده، وأشهد على جعفر بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على موسى بن جعفر أنّه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنّه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمّد بن علي أنّه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنّه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنّه القائم بأمر علي بن محمد وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي لا يكنّى ولا يوصف أنّه يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، أنّه القائم بأمر الحسن بن علي، والسلام عليكم أيّها المؤمنون ورحمة اللّه وبركاته. ثمّ قام ومضى.
فقال أمير المؤمنين (عليه السّلام): يا أبا محمد اتبعه فانظر أين يقصد، فخرج الحسن بن علي (عليهما السّلام)، قال: فما كان إلّا أن وضع رجله خارج المسجد فما رأيت أين أخذ من أرض اللّه فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأعلمته، فقال: يا أبا محمّد أتعرفه؟ فقلت: اللّه ورسوله وأمير المؤمنين أعلم، فقال: هو الخضر(٨٢٨).
في أعلام الورى عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: قال أبي لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: إنّ لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر:
في أي الأوقات شئت، فخلا به أبي فقال له: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمّي فاطمة بنت رسول اللّه، وما أخبرتك به أمّي أنّ في ذلك اللوح مكتوبا؟ فقال له جابر: أشهد باللّه أني دخلت على أمّك فاطمة (سلام اللّه عليها) في حياة رسول اللّه اهنيها بولادة الحسن، فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنّه زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبيه نور الشمس فقلت لها:
بأبي أنت وأمّي يا بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ما هذا اللوح؟ فقالت (عليها السّلام): هذا اللوح أهداه اللّه إلى رسول اللّه فيه اسم أبي (صلّى اللّه عليه وآله) واسم بعلي (عليه السّلام) واسم ابنيّ واسم الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أمّك فاطمة فقرأته وانتسخته.
فقال أبي: فهل لك أن تعرضه علي؟ قال: نعم، فمشى معه أبي حتّى انتهى إلى منزل جابر وأخرج إلى أبي صحيفة من رق، قال جابر: فأشهد باللّه أني رأيته هكذا في اللوح مكتوبا:
بسم اللّه الرّحمن الرحيم هذا كتاب من اللّه العزيز العليم لمحمد بن عبد اللّه نوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين، عظّم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي، إني أنا اللّه الذي لا إله إلّا أنا قاصم الجبّارين ومذلّ الظالمين ومبيد المتكبّرين وديّان يوم الدين.
إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا فمن رجا غير فضلي وخاف غير عدلي عذّبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإيّاي فاعبد وعليّ فتوكّل إني لم أبعث نبيّا فأكملت أيّامه وانقضت مدّته إلّا جعلت له وصيّا، وإنّي فضّلتك على الأنبياء وفضّلت وصيّك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك بعده وبسبطيك الحسن والحسين، فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدّة أبيه، وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة، فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه والحجّة البالغة عنده وبعترته اثيب واعاقب، أوّلهم سيّد العابدين وزين أوليائي الماضين، وابنه شبيه جدّه المحمود محمد الباقر لعلمي، والمعدن لحكمي، سيهلك المرتابون في جعفر، الرادّ عليه كالرادّ عليّ، حقّ القول منّي لاكرمن مثوى جعفر ولأسرّنّه في أشياعه وأنصاره وأوليائه، وانتجبت بعده موسى وارتجيت بعده فتنة عمياء حندس(٨٢٩)، ألا إنّ خيط فرجي لا ينقطع وحجّتي لا تخفى وإنّ أوليائي لا يشقون ألا من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي من غير آية من كتابي فقد افترى عليّ، وويل للمفترين الجاحدين، فعند انقضاء مدّة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي، إنّ المكذّب بالثامن مكذّب بكلّ أوليائي، وعلي وليّي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوّة وأمنحه بالاضطلاع، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شرّ خلقي، حق القول منّي لاقرّنّ عينيه بمحمّد ابنه وخليفته من بعده، فهو وارث علمي ومعدن حكمي وموضع سرّي وحجّتي على خلقي، وجعلت الجنّة مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته قد استوجبوا النار، وأختم بالسعادة لابنه علي وليّي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي، اخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن العسكري، ثمّ أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب، ستذلّ أوليائي في زمانه، ويتهادون رءوسهم كما تتهادى رءوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم ويغشو الويل والرنين في نسائهم، أولئك أوليائي حقّا، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل وأرفع الآصار والأغلال، اولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واولئك هم المهتدون. قال أبو بصير لو لم تسمع في دهرك إلّا هذا الحديث لكفاك فصنه إلّا عن أهله(٨٣٠).
وعن إسحاق بن عمّار مثله بتفاوت يسير.
وعن محمد بن جعفر (عليه السّلام) عن أبيه جعفر بن محمد (عليه السّلام) أنّ أباه محمد بن علي جمع ولده وفيهم عمّهم زيد بن علي، وأخرج اللوح المذكور وفيه ما ذكر(٨٣١).
وفيه عن جابر بن عبد اللّه: دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وقدّامها لوح يكاد ضوؤه يعشي الأبصار فيه اثنا عشر اسما، ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فإذا هي اثنا عشر، فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت:
هذه أسماء الأوصياء، أوّلهم ابن عمّي وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم. قال جابر: فرأيت فيها محمّدا محمدا محمّدا في ثلاثة مواضع وعليا عليا عليا في أربعة مواضع، بشهادة جمع عند معاوية(٨٣٢).
في الأربعين: لمّا صالح الحسن بن علي (عليهما السّلام) معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس فلامه بعضهم على بيعته فقال (عليه السّلام): ويحكم ما تدرون ما عملت، واللّه الذي عملت خير لشيعتي ممّا طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، مفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنّة بنصّ رسول اللّه؟ قالوا: بلى. قال: أما علمتم أنّ الخضر لما خرق السفينة وقتل وأقام الجدار كان ذلك سخطا لموسى بن عمران؛ إذ خفي عليه وجه الحكم فيه، وكان ذلك عند اللّه حكمة وصوابا؟ أما علمتم أنّه ما منّا أحد إلّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلّا القائم الذي يصلّي روح اللّه عيسى ابن مريم خلفه؟ فإنّ اللّه عزّ وجلّ يخفي ولادته ويغيّب شخصه لئلّا يكون في عنقه بيعة، إذا خرج التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيّدة الإماء، يطيل اللّه عمره في غيبته ثمّ يظهر بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أنّ اللّه على كلّ شيء قدير(٨٣٣).
وفي الأربعين قال الحسين بن علي (عليهما السّلام): في التاسع من ولدي سنّة من يوسف وسنّة من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح اللّه تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة(٨٣٤).
وفيه عنه (عليه السّلام): قائم هذه الامّة هو التاسع من ولدي وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حيّ(٨٣٥).
وعنه (عليه السّلام): منّا اثنا عشر مهديا أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي وهو الإمام القائم بالحق، يحيي اللّه به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كلّه ولو كره المشركون، وله غيبة يرتدّ فيها أقوام ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون ويقال: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول اللّه.
وفيه عنه (عليه السّلام): لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه عزّ وجلّ ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا، كذلك سمعت رسول اللّه(٨٣٦).
وفيه عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين (عليه السّلام) فقلت له: يا ابن رسول اللّه أخبرني بالذين فرض اللّه طاعتهم ومودّتهم، وأوجب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول اللّه، فقال (عليه السّلام): يا كنكر إنّ اولي الأمر الذين جعلهم اللّه أئمّة للناس وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ثمّ الحسن ثمّ الحسين ابنا علي ابن أبي طالب، ثمّ انتهى الأمر إلينا وسكت. فقلت له: يا سيدي روي لنا عن أمير المؤمنين أن الأرض لا تخلو من حجّة للّه على عباده، فمن الحجّة والإمام بعدك؟ فقال: ابني محمد، فاسمه في التوراة باقر يبقر العلم بقرا، هو الحجّة والإمام بعدي ومن بعد محمّد ابنه جعفر واسمه عند أهل السماء الصادق.
فقلت: يا سيدي فكيف صار اسمه الصادق وكلّكم الصادقون؟ فقال (عليه السّلام): حدّثني أبي عن أبيه أنّ رسول اللّه قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسمّوه الصادق لأنّ الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدّعي الإمامة افتراء على اللّه وكذبا عليه، فسمّوه جعفر الكذّاب المفتري على اللّه والمدّعي بما ليس بأهل، المخالف على أبيه والحاسد لأخيه ذلك اليوم الذي يروم كشف سرّ اللّه عند غيبة ولي اللّه، ثمّ بكى علي بن الحسين (عليه السّلام) بكاء شديدا، ثمّ قال: كأنّي بجعفر الكذّاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي اللّه والمغيب في حفظ اللّه، والتوكيل بحرم أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر به طمعا في ميراث أبيه حتّى يأخذه بغير حقّه.
فقال أبو خالد: فقلت له: يا ابن رسول اللّه وإنّ ذلك لكائن؟ فقال: إي وربّي إنّ ذلك لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر المحن التي تجري علينا بعد رسول اللّه. قال:
فقلت له: يا ابن رسول اللّه ثمّ يكون ما ذا؟ قال: ثمّ تمتد الغيبة بولي اللّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللّه والأئمّة بعده، يا أبا خالد إنّ أهل زمان غيبته والقائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان؛ لأنّ اللّه تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول اللّه بالسيف، اولئك المخلصون حقّا وشيعتنا صدقا والدعاة إلى اللّه سرّا وجهرا(٨٣٧).
وفي أعلام الورى عن أبي جعفر (عليه السّلام): إنّ اللّه تعالى أرسل محمّدا إلى الجنّ والإنس وجعل من بعده اثني عشر وصيّا، منهم من سبق ومنهم من بقي، وكلّ وصي جرت به سنّة الأوصياء الذين من بعد محمّد على سنّة أوصياء عيسى، وكانوا اثني عشر(٨٣٨).
وفي الأربعين عن أبي بصير: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: في صاحب هذا الأمر أربع سنن من أربعة أنبياء: سنّة من موسى وسنّة من عيسى وسنّة من يوسف وسنّة من محمّد، أمّا من موسى فخائف يترقّب، وأمّا من يوسف فالحبس، وأمّا من عيسى فيقال: إنّه مات ولم يمت، وأمّا من محمّد فالسيف(٨٣٩).
وفيه عن محمد بن مسلم: دخلت على أبي جعفر (عليه السّلام) وأنا اريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) فقال لي مبتدئا: يا محمد بن مسلم إنّ في القائم من آل محمّد شبه من خمسة من الرسل: يونس بن متى ويوسف بن يعقوب وموسى وعيسى ومحمد، فأمّا شبهه من يونس فرجوعه من غيبته وهو شاب بعد كبر السن، وأمّا شبهه من يوسف بن يعقوب فالغيبة من خاصة وعامة، واختفاؤه من اخوته، وإشكال أمره على أبيه يعقوب مع قرب المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته، وأمّا شبهه من موسى فدوام خوفه وطول غيبته وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده ممّا لقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن اللّه عزّ وجلّ في ظهوره ونصره وأيّده على عدوّه، وأمّا شبهه من عيسى فاختلاف من اختلف فيه حتّى قالت طائفة منهم: ما ولد، وقالت طائفة: مات وقالت طائفة قتل وصلب. وأمّا شبهه من جدّه المصطفى فخروجه بالسيف وقتل أعداء اللّه وأعداء رسوله والجبّارين والطواغيت، وأنّه ينصر بالسيف وبالرعب، وأنّه لا تردّ له راية. وإنّ من علامات خروجه، خروج السفياني من الشام وخروج اليماني وصيحة من السماء في شهر رمضان، ومناد ينادي باسمه من السماء واسم أبيه(٨٤٠).
وفيه عن الصادق (عليه السّلام): من أقرّ بجميع الأئمّة وجحد المهدي كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمّدا نبوّته، فقيل له: يا ابن رسول اللّه فمن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع يغيب عنكم شخصه؛ ولا تحلّ لكم تسميته(٨٤١).
وفيه عنه (عليه السّلام): إذا توالت ثلاثة أسماء محمد وعلي والحسن كان رابعهم قائمهم(٨٤٢).
وفيه عن مفضل: دخلت على الصادق (عليه السّلام) قلت: يا سيدي لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟ فقال لي: يا مفضل الإمام من بعدي ابني موسى والخلف المأمول المنتظر م ح م د ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى(٨٤٣).
وفي أعلام الورى عن مفضل عنه (عليه السّلام): إنّ اللّه تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام فهي أرواحنا. فقيل له: يا ابن رسول اللّه ومن الأربعة عشر؟
فقال: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته، ويطهّر الأرض من كلّ جور وظلم(٨٤٤).
وفيه عن الحميري في حديث طويل: قلت للصادق (عليه السّلام): يا ابن رسول اللّه روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال: إنّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي وهو الثاني عشر من الأئمّة الهداة بعد رسول اللّه؛ أوّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحقّ بقيّة اللّه في الأرض وصاحب الزمان، وبقي من غيبته ما بقي نوح في قومه، لم يخرج من الدنيا حتّى يظهر فيخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٨٤٥).
وفي الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): إنّ اللّه عزّ وجلّ أنزل على نبيّه كتابا قبل وفاته وقال: يا محمد هذه وصيتك إلى النجبة من أهلك. قال: وما النجبة يا جبرئيل؟ قال: علي بن أبي طالب وولده، وكان على الكتاب خواتم من ذهب، ودفعه النبي إلى أمير المؤمنين وأمره أن يفك خاتما منه ويعمل بما فيه، ففك أمير المؤمنين خاتما وعمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى ابنه الحسن ففكّ خاتما وعمل بما فيه، ثمّ دفعه إلى الحسين ففكّ خاتما فوجد فيه: أن اخرج بقوم إلى الشهادة، فلا شهادة لهم إلّا معك واشر نفسك للّه ففعل، ثمّ دفعه إلى علي بن الحسين ففك خاتما فوجد فيه: أن أطرق واصمت إلى منزلك، واعبد ربّك حتّى يأتيك اليقين ففعل، ثمّ دفعه إلى محمّد بن علي ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس وأفتهم ولا تخافنّ إلّا اللّه عزّ وجلّ فإنّه لا سبيل لأحد عليك، ثمّ دفعه إلى ابنه جعفر ففك خاتما فوجد فيه: حدّث الناس وأفتهم وانشر علوم أهل بيتك، وصدّق آباءك الصالحين، ولا تخافن إلّا اللّه عزّ وجلّ وأنت في حرز وأمان ففعل، ثمّ دفعه إلى ابنه موسى وكذلك يدفعه موسى إلى الذي بعده، ثمّ كذلك إلى قيام المهدي(٨٤٦).
وفي الأربعين عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السّلام): إذا فقد الخامس من ولد السابع فاللّه اللّه في أديانكم، لا يزيلنّكم أحد عنها، يا بني إنّه لا بدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنّما هي محنة من اللّه عزّ وجلّ امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصحّ من هذا لاتّبعوه. فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: يا بني عقولكم تصغر من هذا، وأخلاقكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه(٨٤٧).
وفيه عن يونس بن عبد الرّحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليه السّلام) فقلت له: يا ابن رسول اللّه أنت القائم بالحق؟ فقال: أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهّر الأرض من أعداء اللّه ويملأها عدلا كما ملئت جورا هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتدّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون، ثمّ قال: طوبى لشيعتنا المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، اولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمّة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثمّ طوبى لهم واللّه معنا في درجاتنا يوم القيامة(٨٤٨).
قال الناقل لهذا الحديث الفاضل المحقّق الحاج ميرزا إبراهيم الخوئي في أربعينه: أحد العلل التي من أجلها وقعت الغيبة الخوف كما ذكر في هذا الحديث، وقد كان موسى بن جعفر (عليهما السّلام) في ظهوره كاتما لأمره وكان شيعته لا يجترءون على الإشارة إليه خوفا من طاغية زمانهم، حتّى أنّ هشام بن الحكم لما سئل في مجلس يحيى بن خالد عن الدلالة على الإمام أخبر بها، فلمّا قيل له: فمن هذا الموصوف؟ قال: صاحب أمير المؤمنين هارون الرشيد، وكان هو خلف الستر قد سمع كلامه، فقال: أعطانا واللّه من جراب النورة، فلمّا علم هشام أنّه قد أتى هرب، فطلب فلم يقدر عليه فخرج إلى الكوفة ومات بها عند بعض الشيعة فلم يكف عنه الطلب حتّى وضع ميتا بالكناسة وكتب رقعة معه: هذا هشام بن الحكم الذي يطلبه أمير المؤمنين حتّى نظر إليه القاضي والعدول وصاحب المعونة والعامل، فحينئذ كفّ الطاغية عنه(٨٤٩).
وفي الأربعين عن علي بن موسى (عليه السّلام) لحسن بن محبوب: لا بدّ من فتنة صمّاء صيلم(٨٥٠)، يسقط منها كل بطانة ووليجة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض، وكل حيرى وحيران وكل حزين ولهفان، ثمّ قال: بأبي وأمّي سمي جدّي وشبيهي وشبيه موسى بن عمران عليه حتوب(٨٥١) النور ويتوقّد من شعاع ضياء القدس، يحزن لموته أهل الأرض والسماء، وكم من مؤمنة وكم من مؤمن متأسّف حيران حزين عند فقدان الماء المعين، كأني بهم آيس ما كانوا وقد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة على المؤمنين وعذابا على الكافرين(٨٥٢).
وفيه عن عبد العظيم بن عبد اللّه عن زيد بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: دخلت على سيدي محمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام) وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره، فابتدأني فقال: يا أبا القاسم إنّ القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمّدا بالنبوّة وخصّنا بالإمامة إنّه لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإنّ اللّه تبارك وتعالى يصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى، إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع وهو رسول نبي، ثمّ قال (عليه السّلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج(٨٥٣).
وفيه عن صغير بن دلف قال: سمعت أبا جعفر الثاني يقول: إنّ الإمام بعدي ابني علي، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه، ثمّ سكت فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام بعد الحسن؟
فبكى (عليه السّلام) بكاء شديدا ثمّ قال (عليه السّلام): إنّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر، فقلت له:
يا ابن رسول اللّه ولم سمّي القائم؟ قال: لأنّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته.
فقلت له: ولم سمّي المنتظر؟ قال (عليه السّلام): لأنّ له غيبة تكثر أيّامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزئ بذكره الجاحدون ويكذّب فيها الوقّاتون ويهلك فيها المستعجلون وينجو فيها المسلمون(٨٥٤).
وفيه عن محمد بن عبد اللّه الحسيني: قلت لمحمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام): إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما.
فقال: يا أبا القاسم ما منّا إلّا قائم بأمر اللّه عزّ وجلّ وهاد إلى دينه، ولكن القائم الذي يطهّر اللّه به الأرض من أهل الكفر والجحود ويملأها قسطا وعدلا هو الذي يخفى عن الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمّي رسول اللّه وكنيّه وهو الذي تطوى له الأرض ويذلّ له كلّ صعب، يجتمع إليه من أصحابه عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض وذلك قول اللّه عزّ وجلّ (أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شيء قَدِيرٌ)(٨٥٥) فإذا اجتمعت له هذه العدّة من أهل الإخلاص أظهر أمره، فإذا أكمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن اللّه عزّ وجلّ فلا يزال يقتل أعداء اللّه حتّى يرضى اللّه عزّ وجلّ.
قال عبد العظيم: فقلت: يا سيدي وكيف يعلم أنّ اللّه قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزّى وأحرقهما(٨٥٦).
وفيه عن علي بن مهزيار كتبت إلى أبي الحسن أسأله عن الفرج فكتب: إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقّعوا الفرج(٨٥٧).
وفيه عن داود بن قاسم الجعفري: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف، فقلت: لم جعلني اللّه فداك؟ فقال:
لأنّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه. قلت: فكيف نذكره؟ قال: قولوا الحجّة من آل محمّد(٨٥٨).
وفيه عن عبد العظيم الحسني، ابن عبد اللّه بن علي بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ابن أبي طالب (عليه السّلام): دخلت على سيدي علي بن محمد قال: فبصر بي وقال: مرحبا بك يا أبا القاسم أنت وليّنا حقّا. قال: فقلت له: يا ابن رسول اللّه إنّي اريد أن أعرض عليك ديني فإن كان مرضيا أثبت عليه حتّى ألقى اللّه عزّ وجلّ. فقال: هات يا أبا القاسم. فقلت: إنّي أقول: إنّ اللّه تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شيء خارج عن الحدّين حدّ التشبيه وحدّ الإبطال، وإنّه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسّم الأجسام ومصوّر الصور وخالق الأعراض والجواهر وربّ كلّ شيء ومالكه وجاعله ومحدثه، وإنّ محمّدا عبده ورسوله خاتم النبيّين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وإنّ شريعته خاتم الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة.
وأقول إنّ الإمام والخليفة وولي الأمر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ثمّ الحسن ثمّ الحسين ثمّ علي بن الحسين ثمّ محمد بن علي ثمّ جعفر بن محمّد ثمّ موسى بن جعفر ثمّ علي بن موسى ثمّ محمّد بن علي ثمّ أنت يا مولاي. فقال (عليه السّلام): ومن بعدي الحسن ابني، فكيف للناس بالخلف بعده؟ قال: فقلت: وكيف ذلك يا مولاي؟ قال: لأنّه لا يرى شخصه ولا يحلّ ذكره باسمه حتّى يخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قال: فقلت: أقررت. وأقول: بأنّ وليّهم ولي اللّه وعدوّهم عدوّ اللّه وطاعتهم طاعة اللّه ومعصيتهم معصية اللّه عزّ وجلّ. الحديث، إلى هنا محلّ الحاجة(٨٥٩).
وفيه عن سعد بن عبد اللّه دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السّلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم إلى يوم القيامة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض وبه ينزل الغيث وبه يخرج بركات الأرض. فقلت له: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام والخليفة بعدك فنهض (عليه السّلام) مسرعا فدخل البيت ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء ثلاث سنين فقال (عليه السّلام): يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمّي رسول اللّه وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الامّة مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين واللّه ليغيبن غيبة لا ينجو منها من الهلكة إلّا من ثبّته اللّه على القول بإمامته ووفّقه للدعاء بتعجيل فرجه.
قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئن بها قلبي؟ فنطق الغلام بلسان عربي فصيح فقال (عجّل اللّه فرجه): أنا بقيّة اللّه في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق. قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما مننت عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد. فقلت: يا ابن رسول اللّه فإنّ غيبته لتطول؟ قال: إي وربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ اللّه عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه، يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر اللّه وسرّ من سرّ اللّه وغيب من غيب اللّه، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غدا في عليين(٨٦٠).
الفرع السادس في ذكر كتاب وجد عند صخرة تحت أرض الكعبة في زمان عبد اللّه بن الزبير، وفيه أخبار عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة الاثني عشر (عليهم السّلام).
في الدمعة عن المقتضب عن عبد اللّه بن ربيعة - رجل من أهل مكّة - قال: قال لي: إنّي محدّثك الحديث فاحفظه عنّي واكتمه علي ما دمت حيّا، أو يأذن اللّه فيه بما يشاء: كنت مع من عمل مع ابن الزبير في الكعبة قال: حدّثني أنّ ابن الزبير أمر العمّال أن يبلغوا في الأرض.
قال: فبلغنا صخورا أمثال الإبل، فوجدت على بعض تلك الصخور كتابا موضوعا، فتناولته وسترت أمره فلمّا صرت إلى منزلي تأمّلته فرأيته كتابا لا أدري من أي شيء هو، ولا أدري الذي كتب به ما هو إلّا أنه ينطوي الكتاب فقرأت فيه:
باسم الأوّل لا شيء قبله، لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم، ولا تعطوها غير مستحقيها فتظلموها، إنّ اللّه يصيب بنوره من يشاء، واللّه يهدي من يشاء، واللّه ضالّ لمن يريد. باسم الأوّل لا نهاية له القائم على كلّ نفس بما كسبت، وكان عرشه على الماء، ثمّ خلق الخلق بقدرته وصوّرهم بحكمته وميّزهم بمشيئته كيف شاء، وجعلهم شعوبا وقبائل وبيوتا لعلمه السابق فيهم، ثمّ جعل من تلك القبائل قبيلة مكرمة سمّاها قريشا وهي أهل الإمامة، ثمّ جعل من تلك القبيلة بيتا خصّه اللّه بالبناء والرفعة، وهم ولد عبد المطّلب حفظة هذا البيت وعمّاره وولاته وسكّانه.
ثمّ اختار من ذلك البيت نبيّا يقال له محمّد ويدعى في السماء أحمد، يبعثه اللّه في آخر الزمان نبيّا، وبرسالته مبلغا وللعباد إلى دينه داعيا منعوتا في الكتب، تبشّر به الأنبياء ويرث علمه خير الأوصياء، يبعثه اللّه وهو ابن أربعين عند ظهور الشرك وانقطاع الوحي وظهور الفتن؛ ليظهر اللّه به دين الإسلام ويدحر به الشيطان ويعبد به الرّحمن، قوله فصل وحكمه عدل يعطيه اللّه النبوّة بمكّة والسلطان بطيبة، له مهاجرة من مكة إلى طيبة وبها موضع قبره، يشهر سيفه ويقاتل من خالفه ويقيم الحدود فيمن اتبعه، هو على الامّة شهيد ولهم يوم القيامة شفيع، يؤيّده بنصره ويعضده بأخيه وابن عمّه وصهره وزوج ابنته ووصيّه في أمّته من بعده، وحجّة اللّه على خلقه، ينصبه لهم علما عند اقتراب أجله، هو باب اللّه فمن أتى اللّه من غير الباب ضلّ، يقبضه اللّه وقد خلف في أمّته عمودا بعد أن يبيّن لهم، يقول بقوله فيهم ويبيّنه لهم، هو القائم من بعده والإمام والخليفة في أمّته، فلا يزال مبغضا محسودا مخذولا ومن حقّه ممنوعا، لأحقاد في القلوب وضغائن في الصدور ولعلوّ مرتبته وعظم منزلته وعلمه وحلمه، وهو وارث العلم ومفسّره، مسئول غير سائل، عالم غير جاهل، كريم غير لئيم، كرّار غير فرّار، لا تأخذه في اللّه لومة لائم، يقبضه اللّه عزّ وجلّ شهيدا بالسيف مقتولا هو(٨٦١) يتولّى قبض روحه، ويدفن في الموضع المعروف بالغري، يجمع اللّه بينه وبين النبي (صلّى اللّه عليه وآله).
ثمّ القائم من بعده ابنه الحسن سيّد الشباب وزين الفتيان، يقتل مسموما، يدفن بأرض طيبة في الموضع المعروف بالبقيع، ثمّ يكون بعده الحسين (عليه السّلام) إمام عدل يضرب بالسيف ويقري الضيف، يقتل بالسيف على شاطئ الفرات في الأيّام الزاكيات، يقتله بنو الطوامث والبغيات، يدفن بكربلاء، قبره للناس نور وضياء وعلم، ثمّ يكون القائم من بعده ابنه سيّد العابدين وسراج المؤمنين، يموت موتا، يدفن في أرض طيبة في الموضع المعروف بالبقيع، ثمّ يكون الإمام القائم بعده المحمود فعاله محمد باقر العلم ومعدنه وناشره ومفسّره، يموت موتا يدفن بالبقيع من أرض طيبة، ثمّ يكون الإمام جعفر، وهو الصادق وبالحكمة ناطق، مظهر كلّ معجزة وسراج الامّة، يموت موتا بأرض طيبة، موضع قبره بالبقيع.
ثمّ الإمام بعده المختلف دفنه، سمي المناجي ربّه موسى بن جعفر يقتل بالسمّ في محبسه، يدفن في الأرض المعروفة بالزوراء، ثمّ القائم بعده ابنه الإمام علي الرضا المرتضى لدين اللّه إمام الحق، يقتل بالسمّ في أرض العجم، ثمّ القائم الإمام بعده ابنه محمد، يموت موتا، يدفن بالأرض المعروفة بالزوراء، ثمّ القائم بعده ابنه علي للّه ناصر ويموت موتا ويدفن في المدينة المحدثة، ثمّ القائم بعده ابنه الحسن وارث علم النبوّة ومعدن الحكمة، يستضاء به من الظلم، يموت موتا يدفن في المدينة المحدثة.
ثمّ المنتظر بعده اسمه اسم النبي يأمر بالعدل ويفعله وينهى عن المنكر ويجتنبه، يكشف اللّه به الظلم ويجلو به الشك والعمى، ويرعى الذئب في أيّامه مع الغنم، ويرضى عنه ساكن السماء والطير في الجوّ والحيتان في البحار، يا له من عبد ما أكرمه على اللّه، طوبى لمن أطاعه وويل لمن عصاه، طوبى لمن قاتل بين يديه فقتل وقتل، اولئك عليهم صلوات من ربّهم ورحمة واولئك هم المهتدون، واولئك هم المفلحون(٨٦٢).
زهرتان
الزهرة الأولى
في الدر النظيم عن الجارود بن منذر العبدي وكان نصرانيا، أسلم عام الحديبية وأنشد في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله):

أنبأ الأولون باسمك فينا * * * وبأسماء أوصياء كرام

فقال رسول اللّه: أفيكم من يعرف قس بن ساعدة الأيادي؟ فقال الجارود: كلّنا نعرف يا رسول اللّه، غير أني من بينهم عارف بخبره، واقف على أثره. فقال سلمان: أخبرنا؟ فقال: يا رسول اللّه لقد شهدت قسا وقد خرج من ناد من أندية أياد إلى ضحضح ذي قتاد وسمر وعتاد، وهو مشتمل بنجاد، فوقف في أضحيان ليل كالشمس، رافعا في السماء وجهه وإصبعه، فدنوت منه فسمعته يقول: اللهم ربّ السماوات الأرفعة والأرضين الممرعة، بحق محمّد والثلاثة المحاميد معه والعليين الأربعة، وفاطمة والحسنين الأربعة، وجعفر وموسى التبعة، وسمي الكليم الضرعة، اولئك النقباء الشفعة، والطريق المهيعة، درسة الأناجيل ونفاة الأباطيل والصادقوا القيل، عدد النقباء من بني إسرائيل، فهم أوّل البداية وعليهم تقوم الساعة، وبهم تنال الشفاعة، ولهم من اللّه فرض الطاعة، اسقنا غيثا مغيثا، ثمّ قال: ليتني ادركهم ولو بعد لأي(٨٦٣) من عمري ومحياي، ثمّ أنشأ يقول:

أقسم قس قسما * * * ليس به مكتتما
لو عاش ألفي سنة * * * لم يلق منها سأما
حتّى يلاقي أحمدا * * * والنجباء الحكماء
هم أوصياء أحمد * * * أفضل من تحت السما
يعمى الأنام عنهم * * * وهم ضياء للعمى
لست بناس ذكرهم * * * حتّى احلّ الرجما

قال الجارود: فقلت: يا رسول اللّه أنبئني أنبأك اللّه بخير هذه الأسماء التي لم نشهدها وأشهدنا قس ذكرها؟ فقال رسول اللّه: يا جارود ليلة اسري بي إلى السماء أوحى اللّه عزّ وجلّ إليّ أن سل من أرسلنا قبلك من رسلنا على ما بعثوا. قلت: على ما بعثوا؟ قال: بعثتهم على نبوّتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمّة منكما، ثمّ عرفني اللّه تعالى بهم وبأسمائهم، ثمّ ذكر رسول اللّه للجارود أسماءهم واحدا واحدا إلى المهدي (عليه السّلام)، ثمّ قال: قال لي الرب:
هؤلاء أوليائي وهذا المنتقم من أعدائي، يعني المهدي(٨٦٤).
وقد ذكر صاحب الروضة أنّ هذا الاستسقاء كان قبل النبوّة بعشر سنين، وشهادة سلمان بمثل ذلك مشهورة.
الزهرة الثانية
اعلم أنّ انحصار عدد الأئمّة في اثني عشر بوجوه:
الأوّل:
أن الإيمان والإسلام مبني على أصلين أحدهما: لا إله إلّا اللّه، والثاني: محمّد رسول اللّه، وكلّ واحد من هذين الأصلين مركّب من اثني عشر حرفا، والإمامة فرع الإيمان المتأصل والإسلام المقرر، فيكون عدّة القائمين بها اثنا عشر كعدد كلّ واحد من الأصلين المذكورين.
الثاني:
أنّ اللّه تعالى أنزل في كتابه العزيز (ولَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً)(٨٦٥) فجعل عدّة القائمين بفضيلة الإمامة والتقدمة بها مختصّة به، ولهذا لما بايع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) الأنصار ليلة العقبة قال لهم: أخرجوا لي منكم اثني عشر نقيبا كنقباء بني إسرائيل، ففعلوا فصار ذلك طريقا متبعا وعددا مطلوبا.
الوجه الثالث:
قال اللّه تعالى (ومِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً)(٨٦٦) فجعل الأسباط الهداة في الإسلام اثني عشر.
الوجه الرابع:
أنّ مصالح العالم في تصرّفاتهم لمّا كانت في حصولها مفتقرة إلى الزمان؛ لاستحالة انتظام مصالح الأعمال وإدخالها في الوجود الدنياوي بغير الزمان، وكان الزمان عبارة عن الليل والنهار، وكلّ واحد منهما حال الاعتدال مركّب من اثني عشر جزءا يسمّى ساعات، فكانت مصالح العالم مفتقرة إلى ما هو بهذا العدد، وكانت مصالح الأنام مفتقرة إلى الأئمّة وإرشادها، فجعل عددهم كعدد أجزاء كلّ واحد من جزئي الزمان للافتقار إليه كما تقدّم.
الوجه الخامس:
أنّ نور الإمامة يهدي القلوب والعقول إلى سلوك طريق الحق، ويوضح لها المقاصد في سلوك سبيل النجاة كما يهدي نور الشمس والقمر أبصار الخلائق إلى سلوك الطرق، ويوضح لهم المناهج السهلة ليسلكوها، والمسالك الوعرة ليتركوها، فهما نوران هاديان: أحدهما يهدي البصائر وهو نور الإمامة والآخر يهدي الأبصار وهو نور الشمس والقمر، ولكلّ واحد من هذين النورين محال يتناقلها، فمحل ذلك النور الهادي الأبصار البروج الاثنا عشر التي أوّلها الحمل وآخرها المنتهى إليه الحوت، فينقل من واحد إلى آخر، فيكون محال النور الثاني الهادي للبصائر وهو نور الإمامة منحصرا في اثني عشر أيضا.
لطيفة:
قد ورد في الحديث النبوي أنّ الأرض بما عليها محمولة على الحوت(٨٦٧).
وفي هذا إشارة لطيفة وحكمة شريفة وهو أنّ محال ذلك النور لمّا كان آخرها الحوت، والحوت حامل لأثقال هذا الوجود وقصر العالم في الدنيا، فآخر محال هذا النور وهو نور الإمامة أيضا حال انتقال مصالح أديانهم، وهو المهدي (عجّل اللّه فرجه)(٨٦٨).
الوجه السادس: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال: الأئمّة من قريش(٨٦٩). فلا يجوز أن تكون الإمامة في غير قرشي وإن كان عربيا، والذي عليه محققو علماء النسب أنّ كل من ولده النضر بن كنانة، فهو قرشي، فمردّ كلّ قرشي إلى النضر بن كنانة، والنضر هو دوحة متفرّع صفة الشرف عليها، وتنبعث منها وترجع إليها، وهذه القبيلة الشريفة كمل شرفها وعظم قدرها واشتهر ذكرها، واستحقّت التقدّم على بقية القبائل وسائر البطون من العرب وغيرها برسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فنسب قريش انحدر من النضر بن كنانة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فرسول اللّه في الشرف بمنزلة مركز الدائرة بالنسبة إلى محيطها، فمنه يرقى الشرف.
فإذا فرضت الشرف خطا متصاعدا متراقيا متّصلا إلى المحيط، مركّبا من نقط هي آباؤه أبا فأبا، وجدته محمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ابن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، فالمركز الذي انبعث منه الشرف متصاعدا هو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله). ووجدت المحيط الذي تنتهي الصفة الشريفة القرشية إليه هو النضر بن كنانة، فالخط المتصاعد الذي بين المركز وبين المنتهى المحيط اثنا عشر جزءا.
فإذا كانت درجات الشرف المعدودة متصاعدة اثني عشر، لاستحالة أن يكون الخطّان الخارجان من المركز إلى المحيط متفاوتين، فالنبي منبع الشرف الذي الإمامة منه بنفسه متصاعدا، وهو منبع الشرف الذي هو محل الإمامة متنازلا، فيلزم أن يكون الأئمّة اثني عشر، فكما أن الخط المتصاعد اثنا عشر فالخط المتنازل اثنا عشر، وهم: علي، الحسن، الحسين، علي، محمد، جعفر، موسى، علي، محمد، علي، الحسن، محمد (عليهم السّلام) جميعا، فأوّل من ثبتت له الصفة بأنّه قرشي مالك بن نضر ولا يتعداه صاعدا وهو الثاني عشر، وكذلك المنتهي تثبت له الإمامة ولا تتعدّاه نازلا واستقرّت في محمد بن الحسن المهدي وهو الثاني عشر (عليه السّلام).
الفرع السابع إخبار أهل الجفر والحساب بأعيان الأئمّة (صلوات اللّه عليهم أجمعين)
في الينابيع عن الشيخ عبد الرّحمن بن محمد علي بن أحمد البسطامي - كان أعلم زمانه في علم الحروف - : أمّا آدم (عليه السّلام) فهو نبي مرسل خلقه اللّه تعالى بيده ونفخ فيه من روحه فأنزل عليه عشر صحائف، وهو أوّل من تكلّم في علم الحروف، وله كتاب سفر الخفايا، وهو أوّل كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، وذكر فيه أسرار غريبة وامور عجيبة، وله كتاب الملكوت وهو ثاني كتاب كان في الدنيا في علم الحروف وصاحب الهيكل الأحمر قد أخذ من شيث (عليه السّلام) كتاب الملكوت وكتاب السفر المستقيم، وهو ثالث كتاب كان في الدنيا في علم الحروف عاش تسعمائة وثلاثين سنة شمسية.
عن ابن عبّاس عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال: خلق اللّه الأحرف وجعل لها سرّا، فلمّا خلق آدم (عليه السّلام) بثّ فيه السرّ ولم يبثّه في الملائكة، فجرت الأحرف على لسان آدم بفنون الجريان وفنون اللغات، وقد اطلع اللّه على أسرار أولاده وما يحدث بينهم إلى يوم القيامة، ومن هذه الكتب تفرّعت سائر العلوم الحرفية والأسرار العددية إلى يومنا هذا وإلى ما شاء اللّه.
ثمّ بعده ورث علم أسرار الحروف ابنه أغاناذيمون وهو نبي اللّه شيث (عليه السّلام)، وهو نبي مرسل أنزل اللّه عليه خمسين صحيفة، وهو وصي آدم (عليه السّلام) وولي عهده، وهو الذي بنى الكعبة المعظّمة بالطين والحجر، وله سفر جليل الشأن في علم الحروف، وهو رابع كتاب في الدنيا في علم الحروف، وعاش تسعمائة سنة شمسية، ثم ورث علم الحروف ابنه أنوش، ثمّ ابنه قينا وإليه ينسب القلم القيناوي، ثمّ ابنه مهلائيل ثمّ ابنه بارد، وفي زمانه عبدت الأصنام
ثمّ ابنه هرمس وهو نبي اللّه إدريس وهو نبي مرسل أنزل اللّه عليه ثلاثين صحيفة، وإليه انتهت الرئاسة في العلوم الحرفية والأسرار الحكمية واللطائف العددية والإشارات الفلكية، وقد ازدحم على بابه سائر الحكماء، واقتبس من مشكاة أنواره سائر العلماء، وقد صنّف كتاب كنز الأسرار وذخائر الأبرار، وهو خامس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، وعلّمه جبرائيل علم الرمل، وبه أظهر اللّه نبوّته وقد بني اثنين وسبعين مدينة، وتعلّم منه علم الحروف الهرامسة وهم أربعون رجلا، وكان أمهرهم اسقلينوس الذي هو أبو الحكماء والأطبّاء، وهو أوّل من أظهر الطب، وهو خادم نبي اللّه إدريس (عليه السّلام) وتلميذه، ثمّ ابنه متوشلخ ثمّ ابنه لامك ثمّ ابنه نوح (عليه السّلام)، وهو نبي مرسل وله سفر جليل القدر، وهو سادس كتاب كان في الدنيا في علم الحروف، ثمّ ابنه سام ثمّ ابنه أرفخشد ثمّ ابنه شالخ ثمّ ابنه عابر، وهو نبي اللّه هود (عليه السّلام) ثمّ ابنه فالغ ثمّ ابنه يقطر وهو قاسم الأرض بين الناس، ثمّ ابنه صالح نبي اللّه ورث علم الحروف، ثمّ ارغوا بن فالغ المذكور ورث علم الحروف، ثمّ ابنه اسردع ثمّ ابنه ناحود ثمّ ابنه تارخ ثمّ ابنه إبراهيم (عليه السّلام)، وهو نبي مرسل أنزل اللّه عليه عشرين صحيفة، وهو أوّل من تكلّم في علم الوفق(٨٧٠).
وقيل: إنّه وفق القاف في أساس الكعبة المكرمة، وله سفر عظيم القدر، وهو سابع كتاب كان في علم الحروف، ثمّ ابناه إسماعيل وإسحاق ثمّ ابنه يعقوب ثمّ ابنه يوسف ثمّ موسى (عليه السّلام)، وهو نبي مرسل أنزل اللّه عليه التوراة وعلّمه علم الكيمياء، وكان أعلم الناس في عصره بأسرار الأوفاق وبالوفق المسدس، استخرج تابوت يوسف من النيل، ثمّ وصيّه يوشع ابن نون ثمّ إلياس (عليه السّلام) ثمّ حزقيل، وقيل زردشت الآذربيجاني أخذ علم أسرار الحروف عن أصحاب موسى، ثمّ أخذ عن زردشت جاماسب الحكيم وهو أكبر أصحابه، ثمّ داود (عليه السّلام) ثمّ ابنه سليمان (عليه السّلام) ثمّ آصف بن برخيا وهو وزير سليمان ثمّ أشعيا (عليهم السّلام) ثمّ أرميا، ثمّ عيسى (عليه السّلام) ورث علم الحروف، ثمّ محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) ورث علم الحروف.
وقال الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام): العلم الذي دعي إليه المصطفى (صلّى اللّه عليه وآله) علم الحروف، وعلم الحروف في لام الألف وعلم لام ألف في الألف وعلم الألف في النقطة وعلم النقطة في المعرفة الأصلية وعلم المعرفة الأصلية في علم الأزل وعلم الأزل في المشيئة - أي المعلوم - وعلم المشيئة في غيب الهوية، وهو الذي دعا اللّه إليه نبيّه بقوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ)(٨٧١)، والهاء في (أنّه) راجع إلى غيب الهوية، ثمّ إنّ الإمام عليا (عليه السّلام) ورث علم أسرار الحروف من سيّدنا ومولانا محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وإليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه وآله): أنا مدينة العلم وعلي بابها.
وهو أوّل من وضع وفق مائة في مائة في الإسلام، ثمّ الإمامان الحسن والحسين ورثا علم أسرار الحروف من أبيها، ثمّ ابنه الإمام زين العابدين ورث من أبيه علم أسرار الحروف ثمّ ابنه الإمام محمد الباقر (عليه السّلام)، ثمّ ابنه الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام) وهو الذي حلّ معاقد رموزه وفك طلاسم كنوزه.
وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السّلام): علمنا غابر ومزبور وكتاب مسطور في رقّ منشور، ونكت في القلوب ومفاتيح أسرار الغيوب، ونقر في الأسماع ولا تنفر منه الطباع، وعندنا الجفر الأبيض والجفر الأحمر والجفر الأكبر والجفر الأصغر، والجامعة والصحيفة وكتاب علي، قال: لسان الحروف ومشكاة أنوار الظروف [قال] أبو عبد اللّه زين الكافي: أمّا قوله: (علمنا غابر) فإنّه أشار به إلى العلم بما مضى من القرون والأنبياء، وكلّما كان من الحوادث في الدنيا، وأمّا المزبور فإنّه أشار إلى المسطور في الكتب الإلهية والأسرار الفرقانية المنزلة من السماء على المرسلين والأنبياء (صلوات اللّه وسلامه عليهم)، وأمّا الكتاب المسطور فإنّه أشار به إلى أنّه مرقوم في اللوح المحفوظ.
أمّا قوله: (نقر في الأسماع) فإنّه أشار به إلى أنّه كلام عليّ وخطاب جليّ، لا ينفر منه الطبع ولا يكرهه السمع، لأنّه كلام عذب، يسمعونه ولا يرون قائله فيؤمنون بالغيب. وأمّا الجفر الأبيض فإنّه أشار به إلى أنّه وعاء فيه كتب اللّه المنزلة وأسرارها المكنونة وتأويلاتها. وأمّا الجفر الأحمر فإنّه أشار به إلى أنّه وعاء فيه سلاح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وهو عند من له الأمر، ولا يظهر حتّى يقوم رجل من أهل البيت.
وأمّا الجفر الأكبر فإنّه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي من ألف با تا ثا إلى آخرها، وهي ألف وفق. وأمّا الجفر الأصغر فإنّه أشار به إلى المصادر الوفقية التي هي مركّبة من أبجد إلى قرشت، وهي سبعمائة وفق. وأمّا الجامعة فإنّه أشار به إلى كتاب فيه علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة. وأمّا الصحيفة فهي صحيفة فاطمة (عليها السّلام)، فإنّه أشار بها إلى ذكر الوقائع والفتن والملاحم وما هو كائن إلى يوم القيامة. وأمّا كتاب علي فإنّه أشار إلى كتاب أملاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من فلق فيه - أي من شقّ فمه ولسانه المبارك - وكتب علي، وأثبت فيه كلّما يحتاج إليه من الشرائع الدينية والأحكام والقضايا حتى فيه جلدة ونصف الجلدة. والجفر من حيث اللغة فإنّه رق الجدي.
وقال جعفر الصادق (عليه السّلام) أيضا: منّا الفرس الغواص والفارس القناص. وقيل: إنّه يظهر في آخر الزمان مع محمّد المهدي (عجّل اللّه فرجه) ولا يعرفه على الحقيقة إلّا هو رضي اللّه عنه وقيل: إنّ المهدي (عجّل اللّه فرجه) يستخرج كتبا من غار أنطاكية ويستخرج الزبور من بحيرة طبرية، فيها ممّا ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة وفيها الألواح وعصا موسى.
والمهدي (عجّل اللّه فرجه) أكثر الناس علما وحلما، وعلى خدّه الأيمن خال أسود، هو من ولد الحسين بن علي (عليهما السّلام). وأمّا الجامعة فهو عبارة عن سفر آدم (عليه السّلام) وسفر الشيث (عليه السّلام) وسفر إدريس وسفر نوح وسفر إبراهيم (عليهم السّلام)، وقد تناقله أهل البصائر كابرا عن كابر إلى زماننا وإلى ما شاء اللّه.
قال بعض العارفين: إنّ الحروف سرّ من أسرار اللّه تعالى، والعمل بها من أشرف العلوم المخزونة، وهو من العلم المكنون المخصوص به أهل القلوب الطاهرة من الأنبياء والأولياء، وهو الذي يقول فيه محمد بن علي الحكيم الترمذي: علم الأولياء فافهم.
ولا بدّ للشارع في علم الحروف من معرفة علم التصحيف.
كتب علي (عليه السّلام): خراب البصرة بالريح، يعني بالزنج.
قال الحافظ الذهبي: ما علم التصحيف في هذه الكلمة إلّا بعد المائتين من الهجرة؛ لأنّ بالقرمط الزنجي خربت البصرة، واعلم أنّ اللّه تبارك وتعالى قال: (وعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها)(٨٧٢) يعني الحروف المحيطة بكل نطق، وهي اثنان وثلاثون حرفا تحوي جميع لغات الناطقين في الموجودات كلّها مع اختلاف ألسنتهم ولغاتهم، فمنها ثمانية وعشرون عربية بعدد منازل القمر، ومنها أربعة عجمية وهي پ چ ژ گ.
قال جعفر الصادق (عليه السّلام): علّم اللّه آدم الأسماء بالقلم الذي في اللوح المحفوظ، وقيل: إنّ الحروف كانت تتشكّل لآدم (عليه السّلام) في قوالب نورانية عند إرادة مسمّاها، وهي خاصته التي اختصّه اللّه تعالى بها، وعلّمه اللّه سبعين ألف باب من العلم، وعلّمه ألف حرفة، وأنزل عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وأنزل عليه حروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة وهي أوّل كتاب كان في الدنيا، وكونها في إحدى وعشرين ورقة إشارة إلى أن الدنيا سبعة أدوار - أي سبعة آلاف سنة - وأنزل عليه عشر صحائف وفيها ألف لغة، وقد بيّن اللّه فيها أخبار الدنيا وما يكون فيها في أهل كل زمان، وذكر صورهم وسيرهم مع أنبيائهم واممهم وملوكهم وعبيدهم ورعاياهم، وما يحدث في الأرض(٨٧٣).
روي عن أبي ذرّ الغفاري (رحمه اللّه): قلت: يا رسول اللّه أي كتاب أنزل اللّه تعالى على آدم؟
قال (صلّى اللّه عليه وآله): كتاب الحروف المعجم: ا ب ت ث الخ، فهي تسعة وعشرون حرفا. قلت: يا رسول اللّه عددت ثمانية وعشرين حرفا. فغضب (صلّى اللّه عليه وآله) حتّى احمرّت عيناه فقال (صلّى اللّه عليه وآله): يا أبا ذر والذي بعثني بالحق نبيّا ما أنزل اللّه على آدم في اللغة العربية إلّا تسعة وعشرين حرفا. قلت: يا رسول اللّه أليس فيها لام وألف؟ قال: لام وألف حرف واحد، قد أنزله اللّه تعالى على آدم في صحيفة واحدة ومعه سبعون ألف ملك، من خالف لام ألف فقد كفر بما أنزل اللّه تعالى علي.
قال تعالى: (ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وسُلَيْمانَ عِلْماً)(٨٧٤).
قال بعض المفسّرين: ذلك هو الاسم الأعظم تركّب من الحروف الواردة في فواتح السور، وكان مكتوبا على خاتم سليمان بن داود (عليهما السّلام)، وبه لان الحديد لداود (عليه السّلام)، وسخّر الجنّ لسليمان وطوى الأرض للخضر، وبه تعلّم العلم اللدني وبه اوتي عرش بلقيس وبه يحيي عيسى الطير، وكان مكتوبا على عصا موسى (عليه السّلام) وسيف علي (عليه السّلام)، وكما بلغنا عن الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) سأله رجل عن معنى كهيعص(٨٧٥) فقال له: لو فسّرتها لك لمشيت على الماء.
فأوّل الأقلام قلم السرياني ومنه تفرّعت سائر الأقلام وهو أوّل قلم كان في الدنيا وبه كان آدم (عليه السّلام) قد وضع سفره(٨٧٦).
الفرع الثامن إخبار الكهنة والسابقين بأعيان الأئمّة (عليهم السّلام) وقيام القائم (عجّل اللّه فرجه)
في البحار عن كتاب المقتضب: أجلي الفرس عن القادسية وبلغ يزدجرد بن شهريار ما كان من رستم وإدالة العرب عليه، وظنّ أنّ رستم قد هلك والفرس جميعا، وجاء مبادرا وأخبره بيوم القادسية وانجلائها عن خمسين ألف قتيل، فخرج يزدجرد هاربا في أهل بيته ووقف بباب الإيوان وقال: السلام عليك أيّها الإيوان، ها أنا ذا منصرف عنك وراجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه ولا آن أوانه.
قال سليمان الديلمي فدخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فسألته عن ذلك وقلت له ما قوله: (أو رجل من ولدي)؟ قال: ذلك صاحبكم القائم بأمر اللّه عزّ وجلّ السادس من ولدي قد ولده يزدجرد فهو ولده(٨٧٧).
في إثبات الهداة للشيخ حرّ العاملي (رحمه اللّه) عن هشام بن سعد الرجال قال: إنّا وجدنا حجرا بالإسكندرية مكتوبا فيه: أنا شداد بن عاد، أنا الذي شيد عماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، إلى أن قال: وكنزت كنزا في البحر على اثني عشر ميلا لن يخرجه أحد حتّى يخرجه قائم آل محمّد(٨٧٨).
وفي البحار عن الشعبي: إنّ عبد الملك بن مروان دعاني فقال: يا أبا عمرو إنّ موسى بن نصير العبدي كتب إليّ - وكان عامله على المغرب - يقول: إنّ مدينة من صفر كان ابتناها نبي اللّه سليمان بن داود، أمر الجن أن يبنوها له فاجتمعت العفاريت من الجن على بنائها، وإنّها من عين القطر التي ألانها اللّه لسليمان بن داود، وإنّها في مفازة الأندلس، وإنّ فيها من الكنوز التي استودعها سليمان، وقد أردت أن أتعاطى الارتحال إليها، فأعلمني الغلام بهذا الطريق أنّه صعب لا يتمطى إلّا بالاستعداد من الظهور والأزواد الكثيرة مع بعد المسافة وصعوبتها، وإنّ أحدا لم يهتمّ بها إلّا قصر عن بلوغها، إلّا دارا بن دارا، فلما قتله الاسكندر قال: واللّه لقد جئت الأرض والأقاليم كلّها ودان لي أهلها، وما أرض إلّا وقد وطئتها إلّا هذه الأرض من الأندلس، فقد أدركها دارا بن دارا وإنّي لجدير بقصدها كي لا اقصر عن غاية بلغها دارا، فتجهّز الإسكندر واستعد للخروج عاما كاملا، فلمّا ظنّ أنّه قد استعدّ لذلك وقد كان بعث روّاده فأعلموه أنّ موانع دونها، فكتب عبد الملك إلى موسى بن نصير يأمره بالاستعداد والاستخلاف على عمله، فاستعدّ وخرج فرآها وذكر أحوالها.
فلمّا رجع كتب إلى عبد الملك بحالها وقال في آخر الكتاب: فلمّا مضت الأيّام وفنيت الأزواد سرنا نحو بحيرة ذات شجر، وسرت مع سور البلد فصرت إلى مكان من السور فيه كتاب بالعربية فوقفت على قراءته وأمرت بانتساخه فإذا هو:

ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن * * * يرجو الخلود وما حيّ بمخلود
لو أنّ خلقا ينال الخلد في مهل * * * لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له القطر عين القطر فائضة * * * بالقطر منه عطاء غير مصدود
فقال للجن ابنوا لي به أثرا * * * يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يؤدي
فصيّروه صفاحا ثمّ هيل له * * * إلى السماء بإحكام وتجويد
وأفرغ القطر فوق السور منصلتا * * * فصار صلب من الصماء صيخود
وبثّ فيه كنوز الأرض قاطبة * * * وسوف يظهر يوما غير محدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعا * * * مصمّدا بطوابيق الجلاميد
لم يبق من بعده للملك سابقة * * * حتّى يضمّن رمسا غير اخدود
هذا ليعلم أنّ الملك منقطع * * * إلّا من اللّه ذي النعماء والجود
حتّى إذا ولدت عدنان صاحبها* * * من هاشم كان منها خير مولود
وخصّه اللّه بالآيات منبعثا * * * إلى الخليفة منها البيض والسود
له مقاليد أهل الأرض قاطبة * * * والأوصياء به أهل المقاليد
هم الخلائف اثنا عشرة حججا * * * من بعدها الأوصياء السادة الصيد
حتّى يقوم بأمر اللّه قائمهم * * * من السماء إذا ما باسمه نودي

فلمّا قرأ عبد الملك الكتاب وأخبره طالب بن مدرك - وكان رسوله إليه - بما عاين من ذلك، وعنده محمد بن شهاب الزهري قال: ما ترى في هذا الأمر العجيب؟ فقال الزهري:
أرى وأظنّ أنّ جنّا كانوا موكلين بما في تلك المدينة، حفظة لها، يخيلون إلى من كان صعدها، قال عبد الملك: فهل علمت من أمر المنادي من السماء شيئا؟ قال: أله عن هذا يا أمير المؤمنين. قال عبد الملك: كيف ألهو عن ذلك وهو أكبر أقطاري؟ لتقولن بأشد ما عندك في ذلك ساءني أم سرّني. فقال الزهري: أخبرني علي بن الحسين (عليه السّلام) أنّ هذا المهدي (عجّل اللّه فرجه) من ولد فاطمة بنت رسول اللّه، فقال عبد الملك: كذبتما لا تزالان ترحضان في بولكما وتكذبان في قولكما، ذلك رجل منّا.
قال الزهري: أما أنا فرويته لك عن علي بن الحسين (عليه السّلام)، فإن شئت فاسأله عن ذلك ولا لوم علي فيما قلته لك، فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يقول.
فقال عبد الملك: لا حاجة بي إلى سؤال بني أبي تراب، فخفض عليك يا زهري بعض هذا القول فلا يسمعه منك أحد. قال الزهري: لك عليّ ذلك(٨٧٩).
الفرع التاسع في ذكر الدجّال وبعض أخباره وحالاته
وهو المسيح الكذّاب والقبيح المرتاب الذي استحق بسوء اختياره أليم العذاب، واستوجب شديد العقاب، المعروف بالأعور الدجّال عليه من اللّه اللعنة على الدوام والاتصال.
في الدمعة الساكبة عن مشكاة المصابيح عن أبي بكرة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يمكث أبوا الدجّال ثلاثين عاما لا يولد لهما ولد، ثمّ يولد لهما غلام أعور أخرس - أي عظيم السن - وأقلّه منفعة - تنام عيناه ولا ينام قلبه، ثمّ نعت لنا رسول اللّه أبويه فقال: أبوه طويل ضرب اللحم(٨٨٠)، كأنّ أنفه منقار، وأمّة امرأة فرضاخية(٨٨١) طويلة اليدين، فقال أبو بكرة: فسمعنا بمولود في اليهود بالمدينة فذهبت أنا والزبير بن العوّام حتّى دخلنا على أبويه، فإذا نعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فيهما، فقلنا: هل لكما ولد؟ فقالا: مكثنا ثلاثين عاما لا يولد لنا ولد ثمّ ولد لنا غلام أعور أخرس وأقلّه منفعة، تنام عيناه ولا ينام قلبه. قال: فخرجنا من عندهما فإذا هو منجدل في الشمس في قطيفة وله همهمة فكشف عن رأسه فقال: ما قلتما؟ قلنا: وهل سمعت ما قلنا؟ قال: نعم تنام عيناي ولا ينام قلبي(٨٨٢).
في الكافي عن ابن عمر: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) صلّى ذات يوم بأصحابه الفجر، ثمّ قام مع أصحابه حتّى أتى باب دار المدينة، فطرق الباب فخرجت إليه امرأة فقالت: ما تريد يا أبا القاسم؟ فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يا أمّ عبد اللّه استأذني لي على عبد اللّه، فقالت: يا أبا القاسم، وما تصنع بعبد اللّه فو اللّه إنّه لمجهود(٨٨٣) في عقله، يحدث في ثوبه، وإنّه ليراودني على الأمر العظيم. فقال: استأذني لي عليه، فقالت: أعلى ذمتك؟ قال: نعم. قالت: ادخل فدخل فإذا هو في قطيفة يهينم(٨٨٤) فيها. فقالت أمّه: اسكت واجلس، هذا محمّد أتاك، فسكت، فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): ما لها لعنها اللّه، لو تركتني لأخبرتكم أهو هو، ثمّ قال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): ما ترى؟
قال: أرى حقّا وباطلا وأرى عرشا على الماء، فقال: اشهد أن لا إله إلّا اللّه وأني رسول اللّه، فقال: بل تشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه، فما جعلك اللّه بذلك أحقّ منّي. فلمّا كان في اليوم الثاني صلّى بأصحابه الفجر ثمّ نهض فنهضوا معه حتّى طرق الباب، فقالت أمّه: ادخل فدخل فإذا هو في نخلة يفرد فيها، فقالت له أمّه: اسكت وانزل هذا محمّد قد أتاك، فسكت، فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): ما لها لعنها اللّه لو تركتني لأخبرتكم أهو هو، فلمّا كان في اليوم الثالث صلّى بأصحابه الفجر، ثمّ نهض فنهضوا معه حتّى أتى ذلك المكان فإذا هو في غنم ينعق بها، فقالت له أمّه: اسكت واجلس هذا محمّد قد أتاك، وقد كانت نزلت في ذلك اليوم آيات من سورة الدخان، فقرأها لهم النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) في صلاة الغداة ثمّ قال (صلّى اللّه عليه وآله): اشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه فقال: بل تشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه، وما جعلك اللّه بذلك أحقّ منّي، فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): إنّي قد خبّأت لك خبيئا، فقال: الدخ الدخ، فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): اخسأ فإنّك لن تعدو أجلك ولن تبلغ أملك ولن تنال إلّا ما قدّر لك، ثمّ قال لأصحابه: أيّها الناس ما بعث اللّه نبيّا إلّا وقد أنذر قومه الدجّال، وإنّ اللّه عزّ وجلّ ادخره إلى يومكم هذا، فمهما تشابه عليكم من أمره فإنّ ربّكم ليس بأعور، إنّه يخرج على حمار، عرض ما بين أذنيه ميل، يخرج ومعه جنّة ونار وجبل من خبز ونهر من ماء، أكثر أتباعه اليهود والنساء والأعراب، يدخل آفاق الأرض كلّها إلّا مكة وبيتها، ولا المدينة ولا أبنيتها(٨٨٥).
أقول:
الهينمة صوت خفي. أهو أهو: أي أما تقولون ألوهية إله أم لا. أرى عرشا على الماء: أي عرش إبليس على البحر. قد خبأت لك خبيئا: أي أضمرت لك شيئا فأخبرني.
الدخ: بالضم والفتح الدخان أراد بذلك (يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ)(٨٨٦).
وفي عمدة ابن بطريق: انطلق عمر مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في رهط إلى ابن صياد حتّى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم(٨٨٧) بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتّى ضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) على ظهره بيده، ثمّ قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) لابن صياد: اشهد أنّي رسول اللّه، فنظر إليه ابن صياد قال: أشهد أنك رسول الاميين، فقال ابن صياد لرسول اللّه: اشهد أنّي لرسول اللّه، فقال: آمنت باللّه وبرسوله، ثمّ قال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): ما ذا ترى؟ قال ابن صياد:
يأتيني صادق وكاذب، فقال رسول اللّه: خلط عليك الأمر، ثمّ قال له رسول اللّه: إنّي خبأت لك خبيئا فقال ابن الصياد: هو الدخ، فقال له رسول اللّه: اخسأ فلن تعدو قدرك، فقال عمر بن الخطّاب: ذرني يا رسول اللّه أضرب عنقه؟ فقال رسول اللّه: إن يكن هو فلن تسلّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله(٨٨٨).
وفيه: انطلق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) بعد ذلك وأبي بن كعب إلى النخلة التي فيها ابن صياد شيئا حتّى إذا دخل رسول اللّه طفق يتقي بجذوع النخل، وهو يحتال أن يسمع من ابن صياد شيئا قبل أن يراه ابن صياد، فرآه رسول اللّه وهو مضطجع على فراشه في قطيفة له فيها زمزمة، فرأت أمّ ابن صياد رسول اللّه وهو يتّقي بجذوع النخل، فقالت لابن صياد: يا صاف - وهو اسم ابن صياد - هذا محمد، فثار ابن صياد فقال رسول اللّه: لو تركته بين، فقام رسول اللّه في الناس فأثنى على اللّه تعالى بما هو أهله ثمّ ذكر الدجّال فقال: لانذركموه، وما من نبي إلّا وقد أنذر قومه، لقد أنذر نوح قومه، ولكن أقول لكم فيه قولا لم يقله نبي لقومه تعلّموا أنّه أعور وإنّ اللّه ليس بأعور(٨٨٩).
وفيه إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) كان حذّر الناس الدجّال أنه مكتوب بين عينيه: كافر، يقرأه كلّ من كره عمله، أو يقرأه كلّ مؤمن. وقال: هلموا إنّه لن يرى أحد منكم ربّه حتّى يموت، وابن صياد هو الدجّال(٨٩٠).
وفيه إنّ جابر بن عبد اللّه يحلف باللّه أنّ ابن صياد هو الدجّال. فقيل: تحلف باللّه! قال:
سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فلم ينكره النبي (صلّى اللّه عليه وآله)(٨٩١).
(في البيان) روي عن عامر بن شراحيل الشعبي: شعب شمذان دخل على فاطمة بنت قيس اخت الضحّاك بن قيس وكانت من المهاجرات الاول فقال: حدّثيني حديثا سمعته عن رسول اللّه لا يسند إلى أحد غيره؟ فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل حدّثيني. فقالت:
نكحت ابن المغيرة، وكان من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أوّل الجهاد مع رسول اللّه، ولما تأيّمت(٨٩٢) خطبني عبد الرّحمن بن عوف في نفر من أصحاب محمد، وخطبني رسول اللّه على مولاه اسامة بن زيد وكنت حدثت أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال: من أحبّني فليحبّ اسامة، فلمّا كلّمني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قلت: أمري بيدك فأنكحني من شئت. فقال: انتقلي إلى بيت أمّ شريك، وأمّ شريك امرأة غنية عظيمة النفقة في سبيل اللّه تنزل عليه الضيفان، فقلت:
سأفعل، قال: لا تفعلي إنّ أمّ شريك كثيرة الضيفان فإنّي أكره أن يسقط عنك خمارك، وينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمّك عبد اللّه بن عمرو بن أمّ مكتوم، وهو رجل من بني فهر قريش وهو من البطن الذي هي منه، فانتقلت إليه فلما انقضت عدّتي سمعت نداء المنادي، منادي رسول اللّه ينادي: الصلاة جامعة فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول اللّه، فكنت في الصفّ الذي يلي ظهور القوم.
فلمّا فرغ رسول اللّه من صلاته جلس على المنبر وهو يضحك فقال: ليلزم كلّ إنسان مصلّاه ثمّ قال: هل تدرون لم جمعتكم؟ قالوا: اللّه ورسوله أعلم. فقال: إنّي واللّه ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأنّ تميما كان رجلا نصرانيا فجاء فبايع وأسلم، وحدّثني حديثا وافق الذي احدّثكم عن مسيح الدجال، حدّثني أنّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرا في البحر ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس، فجلسوا في ما يقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة، أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قبله من دبره لكثرة الشعر فقالوا: ويلك من أنت؟ قالت: أنا الجسّاسة.
قالوا: وما الجسّاسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق. قال: سمت لنا رجلا فزعنا منها أن تكون شيطانة.
قال: انطلقنا سريعا حتّى دخلنا الدير فإذا أعظم إنسان ما رأيناه قط خلقا وأشدّه وثاقا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قلنا: نحن اناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم فلعب بنا الموج شهرا ثمّ أرفأنا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر فقلنا: ويلك ما أنت؟
قالت: أنا الجساسة. قلنا: ما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فإنّه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا إليك سراعا وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة. فقال: أخبروني عن هزبيسان؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ فقلنا له: نعم، فقال: أما إنّه يوشك أن لا يثمر، قال: أخبرونا عن بحيرة طبرية. قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟
قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء. قال: أما إنّ ماءها يوشك إن يذهب. قال: أخبروني عن عين زعز؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها. قال: أخبروني عن نبي الاميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج مهاجرا من مكّة ونزل يثرب. قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم. قال: كيف صنع بهم؟ قال: فأخبرناه أنّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه. قال لهم: قد كان ذاك؟
قلنا: نعم. قال: أما إنّ ذاك خير لهم أن يطيعوه وإنّي أخبركم عنّي: إنّي أنا المسيح الدجّال، وإنّي اوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة فهما محرّمتان علي كلتاهما، كلّما أردت أن أدخل واحدة - أو واحدا - منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتا يصدّني عنها، وإنّ على كلّ نقب منها ملائكة يحرسونها.
قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وطعن بمخصرته في المنبر: هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة يعني المدينة. ألا هل كنت حدثتكم ذلك؟ فقال الناس: نعم، [قال:] فإنّه أعجبني حديث تميم إنّه وافق الذي كنت أحدّثكم عنه وعن مكة والمدينة، ألا إنّه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق، ما هو من المشرق ما هو، وأومى بيده، قالت: فحفظت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)(٨٩٣).
الفرع العاشر في أن اثني عشر لا ينطبق في بني أميّة كما زعم ولا في بني العبّاس، بل في بني فاطمة (عليهم السّلام)
اعلم أنّه إذا تأمّل المنصف عرف أنّ الأحاديث الشريفة النبوية في خصوص الاثني عشر لا تنطبق إلّا على مذهب الإمامية لقرائن كثيرة منها: أنّ خليفة النبي (صلّى اللّه عليه وآله) لا بدّ وأن يكون عالما عاملا عاقلا ورعا تقيّا حاويا للخصال الحميدة ومنزها عن الصفات القبيحة، تاركا لما يجب وينبغي تركه، بصيرا حاذقا، إلى غير ذلك ممّا هو من لوازم خلافة مثله (صلّى اللّه عليه وآله) المبعوث لهداية الخلق وتهذيبهم وتكميلهم وتزكيتهم وتعليمهم الكتاب والحكمة، فمن خلفه وجلس مجلسه لا بدّ وأن يكون له حظّ وافر من ذلك حتّى يصدق عليه الخلافة التي أخبر بها من جهة نبوّته ورسالته، لا من حيث سلطنته وملكيّته وغلبته على البلاد والعباد، مع أنّ في طرق بعض الأخبار المذكورة: يعمل بالهدى ودين الحقّ، وجعلهم بمنزلة نقباء بني إسرائيل وحواريي عيسى (عليه السّلام) وقيام الدين وعزّته بهم، وعزّة الدين بصلاح أهله لا بسعة الملك وكثرة المال وإن لم يكن لهم حظّ من الدين إلّا الإقرار باللسان، وهذا المعنى في هذا العدد من هذه القبيلة لم يتّفق بالاتّفاق إلّا في الاثني عشر الذين اتخذهم الإمامية، فإنّهم عند جمع من أهل السنّة علماء حكماء صلحاء عبّاد زاهدون جامعون لكلّ ما ينبغي أن يكون في الخليفة، كما لا يخفى على المتتبّع في الأخبار.
وقال السيوطي في تاريخ الخلفاء: قال القاضي عياض: لعلّ المراد بالاثني عشر في الأحاديث وما شابهها أنّهم يكونون في مدّة عزّة الخلافة وقوّة الإسلام واستقامة اموره، والاجتماع على من يقوم بالخلافة، وقد وجد هذا فيمن اجتمع عليه الناس إلى أن اضطرب أمر بني امية، ووقعت بينهم الفتنة زمن الوليد بن يزيد، فاتصلت بينهم إلى أن قامت الدولة العبّاسية فاستأصلوا أمرهم.
وأيّده ابن حجر في شرح البخاري قال: كلام القاضي عياض أحسن ما قيل في الحديث وأرجحه؛ لأنّ في بعض طرق الحديث: (كلّهم يجتمع عليه الناس) وهو انقيادهم لبيعته، والذي وقع أنّ الناس اجتمعوا على أبي بكر ثمّ عمر ثمّ عثمان ثمّ علي إلى أن وقع أمر الحكمين في صفّين فتسمّى معاوية يومئذ بالخلافة، ثمّ اجتمع الناس على معاوية عند صلح الحسن ثمّ اجتمعوا على ولده يزيد ولم ينتظم للحسين أمر بل قتل قبل ذلك، ثمّ لما مات يزيد وقع الاختلاف إلى أن اجتمعوا على عبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، ثمّ اجتمعوا على أولاده الأربعة الوليد ثمّ سليمان ثمّ يزيد ثمّ هشام، وتخلل بين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز، فهؤلاء سبعة بعد الخلفاء الراشدين.
والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك اجتمع الناس عليه لما مات عمّه هشام فولي نحو أربع سنين، ثمّ قاموا عليه فقتلوه وانتشرت الفتن وتغيّرت الأحوال من يومئذ، ولم يتّفق أن يجتمع الناس على خليفة بعد ذلك؛ لأنّ يزيد بن الوليد الذي قام على ابن عمّه الوليد بن يزيد لم تطل مدّته، بل ثار عليه قبل أن يموت ابن عمّ أبيه مروان بن محمد بن مروان، ولمّا مات يزيد ولي أخوه إبراهيم فقتله مروان ثمّ ثار على مروان بنو العبّاس إلى أن قتل، ثمّ كان أوّل خلفاء بني العبّاس السفاح ولم تطل مدّته مع كثرة من ثار عليه، ثمّ ولي عليه أخوه المنصور فطالت مدّته لكن خرج عليهم المغرب الأقصى باستيلاء المروانيين على الأندلس، واستمرّت في أيديهم متغلبين عليها إلى أن تسمّوا بالخلافة بعد ذلك، وانفرط الأمر إلى أن لم يبق من الخلافة إلّا الاسم في البلاد، بعد أن كان في أيّام بني عبد الملك بن مروان يخطب للخليفة في جميع الأقطار من الأرض، شرقا وغربا، يمينا وشمالا ممّا غلب عليه المسلمون، ولا يتولّى أحد في بلد من البلاد كلّها الإمارة على شيء منها إلّا بأمر الخليفة.
ومن انفراط الأمر أنّه كان في المائة الخامسة بالأندلس وحدها ستّة أنفس، كلّهم يتسمّى بالخلافة ومعهم صاحب مصر العبيدي والعبّاس ببغداد خارجا عمّن كان يدّعي الخلافة في أقطار الأرض من العلوية والخوارج. انتهى(٨٩٤).
وحاصل كلامه: أنّ المراد بالخلفاء الاثني عشر الذين أخبر بهم النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وأنّهم سبب عزّ الدين، وكلّهم يعملون بالهدى ودين الحقّ هم الخلفاء الأربعة ومعاوية وولده يزيد وعبد الملك بن مروان ووليد بن عبد الملك وأخوه سليمان وأخوه يزيد وأخوه هشام بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز (رحمه اللّه) والوليد بن يزيد بن عبد الملك الملقّب بالزنديق والفاسق.
والمستند أنّ الناس اجتمعوا عليهم دون غيرهم واقتصروا من شروط الخلافة بما انفرد به بعضهم في بعض طرق الحديث: وكلّهم يجتمع عليه الناس، فمع الاجتماع يصير مصداقا للحديث النبوي الشريف سواء كان فيه العلم والهداية والعدالة والعمل بالحق، أو كان فاقدا لجميعها(٨٩٥).
ويردّ على هذا الكلام بوجوه:
الوجه الأوّل:
أنّه كما قد قيد الأخبار المطلقة بما في بعض الطرق من قوله: ويعمل بالهدى ودين الحق، فلا بدّ من تقييدها أيضا بقوله (صلّى اللّه عليه وآله) في بعض طرقها: (وكلّهم يعمل بالهدى ودين الحقّ)(٨٩٦) وعليه فيخرج بعض هؤلاء ممّا لا خلاف في عدم عمله بهما.
الوجه الثاني:
كيف أخرج الحسن بن علي (عليهما السّلام) من هذا العدد مع أنّه صرّح به في الأوّل، وعن سفينة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): الخلافة ثلاثون عاما ثمّ يكون بعد ذلك الملك(٨٩٧). وعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): أوّل دينكم بدأ نبوّة ورحمة، ثمّ يكون الخلافة والرحمة، ثمّ يكون ملكا وجبرية، حديث حسن. انتهى(٨٩٨). فالحسن خليفة(٨٩٩) بنص منه، فإن عدّ الخلفاء الأربعة من الاثني عشر فلا بدّ من عدّه أيضا فيها، وما تشبّث به من الاجتماع على فرض التسليم، لا يعارض النصّ الصريح الصحيح، مع أنّه لو بنى على إخراجه بعدم الاجتماع أهل الشام عليه، يلزم إخراج والده أمير المؤمنين (عليه السّلام) منها أيضا لعدم اجتماعهم عليه من أوّل خلافته إلى آخرها، بل إخراجه (عليه السّلام) منها أولى من إخراج المنصور منها لعدم اجتماع أهل الأندلس عليه، وهم في أقصى المغرب، ونصارى هذه المملكة أضعاف المسلمين بخلاف الشام الواقع في بحبوحة بلاد المسلمين. ومن ذلك يعلم أنّ قوله: وكلّهم يجتمع الخ من زيادة الراوي لا تصلح لتقييد الأخبار المطلقة.
الوجه الثالث:
أنّ ظاهر نسبة الفعل إلى أحد صدوره منه قاصدا اختيارا من غير جبر ولا إكراه، فقوله: يجتمع على فرض التسليم أي باختيارهم ورضاهم، وغير خفيّ أنّ اجتماع الناس على ملوك بني امية كان للقهر والغلبة والخوف منهم، وأخذهم البيعة على الناس بسيفهم، كما هو مشروح في السير والتواريخ، وهل يمكن أن ينسب أحد إلى أهل مكة والمدينة وفيهم وجوه الفقهاء والمحدّثين وبقيّة الصحابة والمشايخ من أولاد المهاجرين والأنصار أنهم باختيارهم اجتمعوا على يزيد بن معاوية واختاروه لخلافة الامّة، وهل هو إلّا لما رأوا من قهره وغلبته وتجرّيه على سفك الدماء، فحفظوا أنفسهم ولم يلقوها إلى التهلكة فبايعه من بايع وتخلّف من تخلّف؟
الوجه الرابع:
كيف جوّزوا الخلافة المنعوتة على لسان النبي (صلّى اللّه عليه وآله) في جمع من بني امية وقد رووا فيهم من الذموم ما رووا؟ ففي كشف الأستار عن الإمام الثعلبي في قوله تعالى:
(وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ)(٩٠٠) قال: رأى بني امية على المنابر فساءه ذلك.
فقيل له: إنّها الدنيا يعطونها فنزل عليه (صلّى اللّه عليه وآله): (إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ) قال: بلاء للناس(٩٠١).
وفيه عن سهل بن سعد عن أبيه قال: رأى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) بني امية ينزون على منبره نزو القردة فساءه، فما استجمع ضاحكا حتّى مات فأنزل اللّه عزّ وجلّ في ذلك (وما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ والشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ(٩٠٢).
وفيه عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: (الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وبِئْسَ الْقَرارُ)(٩٠٣) قال: هما الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو امية، فأمّا بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر، وأمّا بنو امية فتمتعوا إلى حين(٩٠٤).
وعن الثعلبي في قوله تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ)(٩٠٥) نزلت في امية وبني هاشم. انتهى(٩٠٦).
أترى النبي (صلّى اللّه عليه وآله) يراهم كالقردة، ويرى أنّ اللّه تعالى كنّى عنهم بالشجرة الملعونة ثمّ يقول في سبعة منهم أنهم خلفاء يهدون بالحق ويعملون به ويعزّ في عصرهم الدين، حاشا أفعاله وأقواله من التناقض.
وفيه عن ابن مسعود: قال لنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): احذّركم سبع فتن تكون بعدي: فتنة تقبل من المدينة وفتنة تقبل من مكة وفتنة تقبل من اليمن وفتنة تقبل من الشام وفتنة تقبل من المشرق وفتنة تقبل من المغرب وفتنة من المغرب إلى بطن الشام وهي السفياني. قال ابن مسعود: فمنكم من يدرك أوّلها ومنكم من يدرك آخرها، فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير وفتنة مكّة من قبل عبد اللّه بن الزبير وفتنة الشام من قبل بني امية وفتنة بطن الشام من قبل هؤلاء(٩٠٧).
الوجه الخامس:
ثمّ كيف جوّزوا في خصوص بني مروان منهم أن يكون فيهم خلفاء هادون وقد لعنهم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وكان لا يولد لأحد مولود إلّا أتى به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فيدعو له، فادخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون(٩٠٨).
وفيه عن عمر بن يحيى قال: أخبرني جدّي [قال:] كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) يوما بالمدينة ومعنا مروان فقال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدّق يقول:
هلاك امتي على يدي غلمة من قريش قال: مروان لعنه اللّه غلمة(٩٠٩).
وعن زيد بن وهب أنّه كان عند معاوية ودخل عليه مروان في حوائجه فقال: اقض حوائجي يا أمير المؤمنين فإنّي أصبحت أبا عشرة وأخا عشرة، وقضى حوائجه، ثمّ خرج فلمّا أدبر قال معاوية لابن عبّاس وهو معه على السرير: أنشدك باللّه يا ابن عبّاس أما تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال ذات يوم: إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين اتخذوا مال اللّه عليهم دولا وعباد اللّه خولا وكتابه دخلا، فإذا بلغوا تسعا وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من أوّل؟ فقال ابن عبّاس: اللهمّ نعم. ثمّ إنّ مروان ذكر حاجته لما حصل في بيته فوجّه ابنه عبد الملك إلى معاوية فكلّمه فيها فقضاها، فلمّا أدبر عبد الملك قال معاوية لابن عبّاس: أنشدك اللّه يا ابن عبّاس أما تعلم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) ذكر هذا فقال: هذا أبو الجبابرة الأربعة؟ فقال ابن عبّاس:
اللهمّ نعم، فعند ذلك ادّعى معاوية زيادا(٩١٠).
وفي حديث أبي هريرة: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا كان مال اللّه دولا وعباده خولا.
ونشأ للحكم بن العاص أحد وعشرون ابنا وولد لمروان بن الحكم تسعة بنين. انتهى(٩١١).
ومع ذلك كلّه كيف رضي هؤلاء الأعلام أن يجعلوا الذين لعنهم رسول اللّه وعدّهم من الجبابرة من خلفاء الاثني عشر الذين يعملون بالهدى ودين الحق، وكان الإسلام في عهدهم عزيزا منيعا مع ما وقع في عهدهم من سفك الدماء المحرّمة وهتك الفروج المحرّمة حتّى المحارم، وحلّ الأموال المعتصمة ما لا يحصى، والتجاهر بشرب الخمور واللعب بالقمار وغيرها بما لم يقع في عصر، فكان الإسلام بهم ذليلا مهانا(٩١٢).
الوجه السادس:
أنّ هؤلاء الأجلّة كيف استحسنوا أن يكون يزيد بن معاوية من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحقّ مع ما كان عليه من الفساد، وما صدر منه ممّا بكت وتبكي منه السبع الشداد: من وقعة الطف(٩١٣) ومن وقعة الحرّة(٩١٤) وهتك بيت الحرام(٩١٥)، وقد ألف فيها بالانفراد كتب ورسائل سوى ما في التواريخ والسير.
في كشف الأستار عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي: إنّ قوما ينسبونني إلى تولي يزيد. فقال: يا بني هل يتولّى يزيد أحد يؤمن باللّه؟ فقلت: فلم لا تلعنه؟ فقال: ومتى رأيتني ألعن شيئا؟ ولم لا تلعن من لعنه اللّه في كتابه؟ فقلت: وأين لعن اللّه يزيد في كتابه، فقرأ (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وأَعْمى أَبْصارَهُمْ)(٩١٦) فهل يكون فساد أعظم من القتل(٩١٧)؟
وعن ابن حنظلة غسيل الملائكة الذي بايعه أهل المدينة قال: واللّه ما خرجنا على يزيد حتّى خفنا أن نرمى بالحجارة من السماء، إنّ رجلا ينكح الامّهات والبنات والأخوات ويشرب الخمر ويدع الصلاة، واللّه لو لم يكن معي أحد من الناس لأبليت اللّه فيه بلاء حسنا.
وعن الزهري أنّه قال: كان القتلى يوم الحرّة سبعمائة من وجوه الناس من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الموالي، وممّن لا يعرف من عبد وحرّ وامرأة عشرة آلاف(٩١٨).
وعن تاريخ عبد الملك العصامي: أنّ رجلا من أهل الشام وقع على امرأة في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه وآله)، ولم يجد خرقة ينظف بها، ووجد ورقة من القرآن المجيد فنظف نفسه بها، فسبحان من لم يهلكهم بصاعقة من السماء أو بحجارة من سجيل وإنّما يعجل من يخاف الفوت(٩١٩).
وفيه عن أبي عبيدة: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لا يزال أمر أمّتي قائما بالقسط حتّى يكون أوّل من يثلمه رجل يقال له يزيد(٩٢٠).
وكفاك الاستعجاب من هؤلاء الأعلام الذين عدّوه من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق مع هذه المفاسد العظيمة والرزايا الجليلة التي اصيب بها الإسلام في زمانه ولم يصب بعشر معشاره بعده، وبعد الخلفاء الذين عدّوهم من الاثني عشر الذين قام بهم الدين وأخبر النبي (صلّى اللّه عليه وآله) بأن بعدهم هرج. وأعجب من ذلك إخراجهم الحسن بن علي (عليهما السّلام) من العدد مع ما عرفت من نصّه بخلافته، بل انقضائها به، وأنّ الذين يلون الأمر بعده ملوك جبّارون لا خلفاء هادون، وما كان عليه من الفضل والعلم والتقي والسخاء والسيادة والشرافة والنسب الذي لا يدانيه أحد، والمناقب التي لا يحصيها عدد.
الوجه السابع:
أنّهم لم يذكروا المهدي في هذا العدد مع نصّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عليه بالخلافة، فإن عدّ في قبال الاثني عشر يزيد في عدد الخلفاء، وظاهر تمام النصوص السابقة حصر العدد فيها وإلّا فيلزم دخوله فيبطل ما عيّنوه بالحدس. وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعدّه(٩٢١).
وعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي: هذا هو المهدي خليفة اللّه فاتّبعوه(٩٢٢). إلى غير ذلك، وحيث إنّهم لم يشترطوا التوالي وجوّزوا تخلّل زمان بلا خليفة من الاثني عشر المنصوصة كما بين يزيد وعبد الملك بن مروان بعد قتل ابن الزبير، فاللازم عليهم أن يخرجوا يزيد بن معاوية منهم ويتمّوا العدد بالمهدي صونا للأخبار النبوية عن الاختلاف والمعارضة.
الوجه الثامن:
عدّهم عبد الملك بن مروان من الخلفاء الاثني عشر العاملين بالحق الذين بعد انقضائهم يصير الهرج، وفي عصرهم يكون الدين قائما عزيزا، وهذا موضع التعجّب، أليس في عهدهم هدم الحجّاج وأصحابه الكعبة الشريفة ورموها بالمنجنيق وفعلوا ما فعلوا في حرم اللّه تعالى من الهتك(٩٢٣)؟ أليس في عهده استخفّوا بأهل المدينة وختموا في أعناق بقيّة الصحابة وأيديهم، كجابر بن عبد اللّه وأنس بن مالك وسهل بن سعد الساعدي ليذلّوهم بذلك وجعلوهم بمنزلة العبيد، بل المواشي والأنعام؟(٩٢٤) ومن عظم هذه المصيبة الفادحة قال السيوطي(٩٢٥) بعد نقلها: إنّا للّه وإنّا إليه راجعون. أليس في عهده ولي الحجاج العراق وما والاها في عشرين سنة وفعل ما فعل من القتل والحبس والنهب والهدم وغيرها من الامور الفظيعة الشنيعة ما لا يدانيه أحد قبله ولا بعده. قال عمر بن عبد العزيز: لو أنّ الامم تخابثت يوم القيامة فأخرجت كلّ أمّة خبيثها ثمّ أخرجنا الحجّاج لغلبناهم.
روي: لمّا ولي عمر بن عبد العزيز جعل لا يدع شيئا ممّا كان في يده وفي يد أهل بيته من المظالم إلّا ردّها مظلمة مظلمة، فبلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك فكتب إليه: إنّك ازدريت على من قبلك من الخلفاء وسرت بغير سيرتهم وخصصت أهل قرابتك بالظلم والجور. فكتب إليه عمر: أمّا أوّل شأنك يا ابن الوليد كما تزعم وأمّك بنانة تطوف في سوق حمص واللّه أعلم بها، اشتراها ذيبان من فيء المسلمين، ثمّ أهداها لأبيك فحملت بك فبئس المحمول وبئس المولود، ثمّ نشأت فكنت جبّارا عنيدا تزعم أنّي من الظالمين.
وإنّ أظلم منّي وأترك لعهد اللّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين، تحكم فيهم برأيك، فويل لك وويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، وكيف ينجو أبوك من خصمائه، وإنّ أظلم منّي وأترك لعهد اللّه من استعمل الحجّاج بن يوسف ليسفك الدم الحرام ويأخذ المال الحرام، وإنّ أظلم منّي وأترك لعهد اللّه من استعمل قرة بن شريك أعرابيا جافيا على مصر، أذن له في المعازف واللهو والشرب، وإنّ أظلم منّي وأترك لعهد اللّه من جعل للغالية البربرية سهما في خمس العرب، فرويدا، لو تفرّغت لك ولأهل بيتك لحملتهم على المحجّة البيضاء، فطال ما تركتم الحقّ وأخذتم في تيهات الطريق وما وراء هذا ما أرجو أن أكون رائده أبيع رقبتك وأقسّم الثمن بين اليتامى والمساكين والأرامل، فإنّ لكلّ فيك حقّا.
وعن تفسير النيسابوري في قوله تعالى: (ولا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ)(٩٢٦) أنّ الحجّاج قتل مائة ألف وعشرين ألف رجل صبرا وأنّه وجد في سجنه ثمانون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهم ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب عليهم قطع ولا صلب(٩٢٧).
وعن تاريخ الخميس وتوفي في حبوسه خمسون ألف رجل وثلاثون ألف امرأة، منهم ثلاثة وثلاثون ألفا ما يجب عليهم قطع ولا صلب(٩٢٨). قتل بسببه في الحروب أضعاف ذلك، وفضائح أعماله وشنائع أفعاله التي هلكت بها العباد وخربت بها البلاد مشروحة في السير(٩٢٩).
وعن الفقهاء والمؤرخين(٩٣٠) أنّه كان ارتفاع العراق بعد الفتح إلى زمان الحجّاج ثلاثمائة وستّين ألف ألف درهم ورجع ارتفاعها في زمان الحجّاج إلى ثمانية عشر ألف ألف درهم، وليت شعري بأي خصلة استحق بها الخلافة المعهودة؛ بصلاحه وعلمه وزهده في نفسه أو بنشره وترويجه معالم الإسلام، أو بحفظه وحراسته نفوس المسلمين وقد بلغت قتلاه ما بلغت، أو بعمارته وإحيائه الأرضين؟ فإذا كان تعيين الخلفاء المنصوصة بالميل والجزاف لا بشواهد من الكتاب والسنّة، وسقط شرط التوالي فيما بينهم، فكان ينبغي أن يخرجوا هؤلاء الملعونين على لسان النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ويجعلوا بدلهم من بني العبّاس خصوصا بعد ما رووا في حقّهم ما يقتضي ذلك.
وعن تاريخ الخلفاء للسيوطي عن الطبراني عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): رأيت بني مروان يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ورأيت بني العبّاس يتعاورون على منبري فسرّني ذلك(٩٣١). فلا أقل من إخراج بني مروان منهم وعدّ بعض العبّاسيين الذين بالغوا في مدحهم وحسن سيرتهم وسياستهم، مثل المهتدي باللّه الذي هو في بني عبّاس كعمر بن عبد العزيز في بني امية، وأحمد الناصر الذي قال الذهبي: ولم يل الخلافة أحد أطول مدّة منه، فإنّه أقام فيها سبعة وأربعين سنة، ولم يزل مدّة حياته في عزّ وجلالة وقمع الأعداء واستظهار على الملوك، ولم يجد ضيما ولا خرج عليه خارجي إلّا قمعه، ولا مخالف إلّا دفعه، وكلّ من أضمر له سوءا رماه اللّه بالخذلان، وكان مع سعادة جدّه شديد الاهتمام بمصالح الملك، لا يخفى عليه شيء من أحوال رعيّته كبارهم وصغارهم(٩٣٢).
الوجه التاسع:
أنّ مقتضى كلام هؤلاء المشايخ العظام انقضاء مدّة خلافة الخلفاء الاثني عشر المنصوصة بهلاك الثاني عشر منهم، وهو الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي قال السيوطي في تاريخه: كان فاسقا شاربا للخمر، منتهكا حرمات اللّه، أراد أن يشرب فوق ظهر الكعبة فمقته الناس لفسقه، وخرجوا عليه فقتل(٩٣٣).
ونقل عن تاريخ الخميس أنّه ولد لأخي أمّ سلمة ولد سمّوه الوليد، فقال (صلّى اللّه عليه وآله): سمّيتموه باسم فراعنتكم، ليكونن في هذه الامّة رجل يقال له الوليد لهو أشدّ لهذه الامّة من فرعون لقومه(٩٣٤).
ونقل في التاريخ المذكور عنه من كفرياته كثيرا، من ذلك أنّه دخل يوما فوجد ابنته جالسة مع دادتها فبرك عليها وأزال بكارتها. فقالت له الدادة: هذا دين المجوس فأنشد:

من راقب الناس مات غمّا* * * وفاز باللذة الجسور(٩٣٥)

وأخذ يوما المصحف فأوّل ما طلع: (واسْتَفْتَحُوا وخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)(٩٣٦) قال: أتهدّدني، ثمّ أغلق المصحف، ولا زال يضربه بالنشاب حتّى مزّقه ثمّ أنشد:

أتوعد كلّ جبّار عنيد * * * فها أنا ذاك جبّار عنيد
إذا لاقيت ربّك يوم حشر* * * فقل يا ربّ مزّقني الوليد(٩٣٧)

واذّن للصبح مرّة وعنده جارية يشرب الخمر معها فقام فوطئها وحلف لا يصلّي بالناس غيرها فخرجت وهي جنب سكرانة، فلبست ثيابه وتنكّرت وصلّت بالناس. ونكح أمّهات أولاد أبيه، انتهى(٩٣٨).
إلى غير ذلك من شنائع الأعمال المذكورة في التواريخ، ومع ذلك كيف يكون من الخلفاء الذين كان الدين في زمنهم عزيزا منيفا، وبمدتهم وهلاك آخرهم في سنة ست وعشرين ومائة صار الإسلام ذليلا والدين مهينا ووقع الهرج والفتن، مع أنّه خلاف الحس والوجدان، فإن قوّة الدين وعزّه بعزّ حملته ونقلته وسدنته وكثرتهم، وعزّ من يرعاهم ويحرسهم ويعينهم.
ولا شكّ أنّ في دولة بني العبّاس إلى أن يرجع الأمر إلى سلاطين آل عثمان حماة الدين وحفظة الإسلام ملء الآفاق من العلماء والفقهاء والمحدّثين والادباء والقرّاء الجامعين للسنن والحافظين للقرآن، المؤلفين في العلوم الشرعية والمعالم الدينية بما لا يحصى عدّه، وهم مع ذلك فارغو البال من هموم تهيئة امور المعاش باهتمام ولاة الامور في إصلاح شئونهم ويدخلنهم شيعتهم، لا هتك بيت اللّه الحرام في عصرهم، ولا صلّت الجنب السكرانة بالناس في مسجد دار خلافتهم، ولا مزّق المصحف من نشاب خليفتهم، فأي عزّ كان في عصر بني امية فقد بعدهم، وأي ذلّ ورد على الدين الحنيف بعدهم أفظع وأشنع ممّا فعلوا. ومن جميع ذلك يظهر أنّ ما ورد في الأخبار النبوية الشريفة من ذكر الخلفاء الاثني عشر بمعزل عمّا ذكروا ورجحوا وصححوا.
الوجه العاشر:
ظاهر جملة من الأخبار وصريح بعضها أن بانقضاء الثاني عشر منهم ينقضي أمر الدين وتظهر علامات الساعة، وتقوم أشراط القيامة ويصير الهرج وينخرم نظام الامور. فلا آمر ولا مأمور ولا إمام ولا مأموم: عن أنس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لا يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها(٩٣٩).
وفي نسخة ماجت(٩٤٠). ونظيره أخبار اخر.
ومن تأمّل في هذه الأخبار ودوام قيام الدين وظهوره وغلبته وسكون الأرض وقرارها بوجود الخلفاء الاثني عشر، وبانقضاء خاتمهم تقوم الساعة فيكون الثاني عشر هو المهدي (عليه السّلام) بالاتفاق، إذ هو الخليفة المنصوص الذي بانقضاء مدّته تظهر أعلام القيامة، بل ظهور وجوده المقدّس عدّ منها، فلو فرض خلو زمانه بعد النبي (صلّى اللّه عليه وآله) إلى زمان ظهوره (عجّل اللّه فرجه) من خليفة منهم لزم عدم قيام الدين وذلّته واضطراب الأرض وظهور الفتن والهرج قبل انقضاء الاثني عشر؛ وهو خلاف صريح هذه الأخبار الصحيحة فيكون زمان وجودهم منطبقا على زمان رحلته إلى زمان ظهور أعلام الساعة.
الفرع الحادي عشر في كراهية التوقيت وظهوره بعد الإياس والنهي عن التسمية ووجوب القيام عند ذكر لقب القائم:

وفيه ثمرات:
الثمرة الاولى: في كراهيّة التوقيت
في الكافي عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السّلام) يقول: يا ثابت إنّ اللّه تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلما أن قتل الحسين (عليه السّلام) اشتد غضب اللّه على أهل الأرض فأخّره إلى أربعين ومائة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث فكشفتم قناع الستر، ولم يجعل اللّه بعد ذلك وقتا عندنا (ويَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ وعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)(٩٤١).(٩٤٢)
وفيه عن عبد الرّحمن بن كثير: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السّلام) إذ دخل عليه مهزم فقال له:
جعلت فداك أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ فقال: يا مهزم كذب الوقّاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلمون(٩٤٣).
وعن أبي بصير سألت الصادق (عليه السّلام) عن القائم (عليه السّلام) قال: أبى اللّه إلّا أن يخالف وقت الموقّتين(٩٤٤).
وفيه عن فضيل بن يسار: سألت أبا جعفر (عليه السّلام): ألهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنّ موسى لما خرج وافدا إلى ربّه واعدهم ثلاثين يوما، فلما زاده اللّه على الثلاثين عشرا قال قومه: قد اخلفنا موسى فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدّثناكم الحديث فجاء على خلاف ما حدّثناكم به فقولوا صدق اللّه تؤجروا مرّتين(٩٤٥).
وفيه عن إبراهيم بن مهزم عن أبيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: ذكرنا عنده ملوك آل بني عباس فقال: إنّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر - أي دولة الحق - إنّ اللّه لا يعجل لعجلة العباد، إنّ لهذا الأمر غاية ينتهي إليها، فلو قد بلغوها لم يستقدموا ساعة ولم يستأخروا(٩٤٦).
وفي إثبات الهداة للحرّ العاملي (رحمه اللّه) في وصية النبي (صلّى اللّه عليه وآله) لعلي (عليه السّلام) قال: يا علي أعجب الناس إيمانا وأعظمهم يقينا قوم يكونون في آخر الزمان، لم يروا النبي، وحجب عنهم الحجّة فآمنوا بسواد على بياض(٩٤٧).
وفي الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) لمّا بويع بعد مقتل عثمان صعد المنبر وخطب بخطبة ذكرها، يقول فيها: ألا إنّ بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث اللّه نبيّه، والذي بعثه بالحقّ لتبلبلنّ بلبلة ولتغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم وأعلاكم أسفلكم، وليسبقنّ سبّاقون كانوا قصروا، وليقصرنّ سباقون كانوا سبقوا، واللّه ما كتمت وسمة ولا كذبت كذبة، ولقد نبّئت بهذا المقام وهذا اليوم(٩٤٨).
وفيه عن أبي يعفور: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: ويل لطغاة العرب من أمر قد اقترب.
قلت: جعلت فداك كم مع القائم من العرب؟ قال: نفر يسير. قلت: واللّه إنّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير. قال: لأنه للناس أن يمحصوا ويميّزوا ويغربلوا، ويستخرج بالغربال خلق كثير(٩٤٩).
وفيه عن منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يا منصور إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلّا بعد إياس، لا واللّه حتى يميّزوا، ولا واللّه حتى يمحصوا، ولا واللّه حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد(٩٥٠).
وفيه عن معمر بن خلاد عن أبي الحسن (عليه السّلام) (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٩٥١) ثمّ قال لي: ما الفتنة؟ قلت: جعلت فداك الذي عندنا الفتنة في الدين.
فقال: يفتنون كما يفتن الذهب، ثمّ قال: يخلصون كما يخلص الذهب(٩٥٢).
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): إن حديثكم هذا لتشمئزّ منه قلوب الرجال فمن أقرّ به فزيدوه ومن أنكره فذروه، إنّه لا بدّ من أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتّى يسقط فيها من يشق الشعر بشعرتين، حتى لا يبقى إلّا نحن وشيعتنا(٩٥٣).
وفيه عن منصور الصيقل قال: كنت أنا والحارث بن مغيرة وجماعة من أصحابنا جلوسا، وأبو عبد اللّه يسمع كلامنا فقال لنا: في أي شي‏ء أنتم؟ هيهات هيهات لا واللّه لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتّى تغربلوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى تميّزوا، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلّا بعد إياس، لا واللّه لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتّى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد(٩٥٤).
أقول: والشاهد على كلامه (عليه السّلام) حكاية نوح في إكمال الدين عن جعفر بن محمد: لمّا أظهر اللّه نبوّة نوح وأيقن الشيعة بالفرج واشتدّت البلوى وعظمت العزيمة، إلى أن آل الأمر إلى شدّة شديدة نالت الشيعة، والوثوب على نوح بالضرب المبرح حتّى مكث (عليه السّلام) في بعض الأوقات مغشيا عليه ثلاثة أيّام، يجري الدم من اذنه ثمّ أفاق، وذلك بعد ثلاثمائة سنة من مبعثه، وهو في خلال ذلك يدعوهم ليلا ونهارا فيهربون، ويدعوهم سرّا فلا يجيبون، ويدعوهم علانية فيولّون، فهمّ بعد ثلاثمائة سنة بالدعاء عليهم، وجلس بعد صلاة الفجر للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السابعة وهم ثلاثة أملاك فسلّموا عليه ثمّ قالوا: يا نبي اللّه لنا حاجة. قال: وما هي؟ قالوا: تؤخّر الدعاء على قومك فإنّها أوّل سطوة للّه عزّ وجلّ في الأرض. قال: أخّرت الدعاء عليهم ثلاثمائة سنة اخرى.
وعاد إليهم فصنع ما كان يصنع ويفعلون ما كانوا يفعلون حتّى انقضت ثلاثمائة سنة، ويئس من إيمانهم جلس وقت الضحى والنهار للدعاء فهبط إليه وفد من السماء السادسة وهم ثلاثة أملاك فسلّموا عليه فقالوا: نحن وفد من السماء السادسة خرجنا بكرة وجئناك ضحوة، ثمّ سألوه ما سأله وفد السماء السابعة، فأجابهم مثل ما أجاب اولئك إليه وعاد (عليه السّلام) إلى قومه يدعوهم فلا يزيدهم دعاؤه إلّا فرارا، حتّى انقضت ثلاثمائة سنة اخرى فتمّت تسعمائة سنة.
فصارت إليه الشيعة وشكوا ما ينالهم من العامّة والطواغيت، وسألوه الدعاء بالفرج فأجابهم إلى ذلك وصلّى ودعا فهبط جبرئيل فقال له: إنّ اللّه تبارك وتعالى أجاب دعوتك فقل للشيعة يأكلون التمر ويغرسون النوى ويراعونه حتّى يثمر فإذا أثمر خرجت عنهم، فحمد اللّه وأثنى عليه فعرّفهم ذلك فاستبشروا به، فأكلوا التمر وغرسوا النوى وراعوه حتّى أثمر، ثمّ صاروا إلى نوح بالثمر وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ وجلّ في ذلك فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا التمر واغرسوا النوى فإذا أثمر فرجت عنكم، فلمّا ظنّوا أنّ الخلف قد وقع عليهم ارتدّ منهم الثلث وثبت الثلثان، فأكلوا التمر وغرسوا النوى حتّى إذا أثمر أتوا به نوحا فأخبروه وسألوه أن ينجز لهم الوعد، فسأل اللّه عزّ وجلّ في ذلك فأوحى اللّه إليه: قل لهم: كلوا هذا الثمرة واغرسوا النوى، فارتدّ الثلث الآخر وبقي الثلث، فأكلوا التمر وغرسوا النوى فلمّا أثمر أتوا به نوحا (عليه السّلام) فقالوا: لم يبق منّا إلّا القليل ونحن نتخوّف على أنفسنا بتأخّر الفرج أن نهلك، فصلّى نوح (عليه السّلام) فقال: يا ربّ لم يبق من أصحابي إلّا هذه العصابة، وإنّي أخاف عليهم الهلاك إن تأخّر عنهم الفرج، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه قد أجبت دعاءك فاصنع الفلك، وكان بين إجابة الدعاء وبين الطوفان خمسون سنة(٩٥٥).
وفي إثبات الهداة عن علي بن الحسين (عليهما السّلام) قال: إنّ للقائم (عجّل اللّه فرجه) منّا غيبتين إحداهما أطول من الاخرى - إلى أن قال: وأمّا الاخرى فيطول أمدها حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر من يقول به، فلا يثبت عليه إلّا من قوي يقينه وصحّت معرفته، ولم يجد في نفسه حرجا ممّا قضينا وسلّم لنا أهل البيت(٩٥٦).
وفي العوالم: والذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض وحتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين(٩٥٧).
وفي غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: لتكسّرن تكسّر الزجاج وإنّ الزجاج ليعاد فيعود، واللّه لتكسّرن تكسّر الفخار وإنّ الفخار ليتكسرن ولا يعود كما كان، وو اللّه لتغربلن وو اللّه لتميزن وو اللّه لتمحصن حتّى لا يبقى منكم إلّا الأقلّ، وصفر كفّه(٩٥٨).
فتبيّنوا يا معشر الشيعة هذه الأحاديث المروية عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) ومن بعده الأئمّة واحذروا ما حذروكم وتأمّلوا ما جاء عنهم تأمّلا شافيا وتفكّروا فيه تفكّرا، فلو لم يكن في التحذير شيء أبلغ من قولهم: إنّ الرجل يصبح على شريعة من أمرنا ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها، أليس هذا دليلا على خروج من نظام الإمامة وترك ما كان يعتقد منها إلى بنيّات الطريق؟ وفي قوله (عليه السّلام): واللّه لتكسّرن تكسّر الزجاج، وإنّ الزجاج ليعاد فيعود كما كان، واللّه لتكسّرن تكسّر الفخار فإنّ الفخار ليكسّر فلا يعود كما كان، فضرب ذلك مثلا لمن يكون على مذهب الإمامية فيعدل عنه إلى غيره بالفتنة التي تعرض له، ثمّ تلحقه السعادة بنظرة من اللّه فيتبيّن ظلمة ما دخل فيه وصفيّ ما خرج منه، فيبادر قبل موته بالتوبة والرجوع إلى الحقّ، فيتوب اللّه عليه ويعيده إلى حاله في الهدى، كالزجاج الذي يعاد بعد تكسيره فيعود كما كان. ولمن يكون على هذا الأمر فيخرج عنه ويتمّ على الشقاء بأن يدركه الموت وهو على ما هو عليه غير تائب منه، [وغير] عائد إلى الحقّ فيكون مثله كمثل الفخار الذي يكسر فلا يعاد إلى حاله؛ لأنّه لا توبة له بعد الموت ولا في ساعته. نسأل اللّه الثبات على ما منّ به علينا وأن يزيد في إحسانه إلينا فإنّما نحن له ومنه.
وفيه عن أبي جعفر (عليه السّلام): لتمحصن يا شيعة آل محمّد تمحيص الكحل في العين، وإنّ صاحب الكحل يدري متى ما يقع الكحل في عينه، ولا يعلم متى يخرج منها، وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا ويصبح وقد خرج منها(٩٥٩).
وفيه عن إبراهيم بن هليل قلت لأبي الحسن (عليه السّلام): جعلت فداك مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء، فقال: يا أبا إسحاق أنت تعجل.
فقلت: إي واللّه أعجل، وما لي لا أعجل وقد بلغت أنا من السن ما قد ترى؟ قال: أما واللّه يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتّى تميّزوا وتمحّصوا وحتى لا يبقى منكم إلّا الأقل ثمّ صفر كفّه(٩٦٠).
وفيه عن أبي الحسن الرضا (عليه السّلام): واللّه لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتّى تمحّصوا
وتميّزوا وحتّى لا يبقى منكم إلّا الأندر(٩٦١).
وفي إثبات الهداة للشيخ الحرّ العاملي عامله اللّه بالخير عن الرضا (عليه السّلام) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): والذي بعثني بالحقّ بشيرا ليغيبنّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي حتّى يقول أكثر الناس: ما للّه في آل محمّد حاجة، ويشكّ آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسّك بدينه ولا يجعل للشيطان عليه سبيلا بشكّه فيزيله عن ملّتي ويخرجه عن ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنّة من قبل، وإنّ اللّه عزّ وجلّ جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون(٩٦٢).
في العوالم عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أما إنّه لو قد قام لقال الناس: أنّى يكون هذا وقد بليت عظامه، هذا كذا وكذا(٩٦٣).
وفي الغيبة النعمانية عن أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: كونوا كالنحل في الطير، ليس شيء من الطير إلّا وهو يستضعفها، ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم، فو الذي نفسي بيده ما ترون ما تحبّون حتّى يتفل بعضكم في وجوه بعض، وحتّى يسمّي بعضكم بعضا كذّابين وحتّى لا يبقى منكم - أو قال: من شيعتي - إلّا كالكحل في العين والملح في الطعام، وسأضرب لكم مثلا وهو مثل رجل كان له طعام فنقّاه وطيّبه ثمّ أدخله بيتا وتركه فيه ما شاء اللّه، ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابه السوس فأخرجه ونقاه وطيّبه ثمّ أعاده إلى البيت فتركه ما شاء اللّه، ثمّ عاد إليه فإذا هو قد أصابته طائفة من السوس فأخرجه ونقّاه وطيّبه وأعاده، ولم يزل كذلك حتّى بقيت رزمة كرزمة الأندر، لا يضرّه السوس شيئا، وكذلك أنتم تميّزون حتّى لا يبقى منكم إلّا عصابة لا تضرّها الفتنة شيئا(٩٦٤).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه قال: لو قد قام القائم لأنكره الناس؛ لأنّه يرجع إليهم شابّا موفقا، لا يثبت عليه إلّا مؤمن قد أخذ اللّه ميثاقه في الذرّ الأوّل(٩٦٥).
وفي هذا الحديث عبرة للمعتبر وذكرى للمتذكّر المتبصّر وهو قوله: يخرج إليهم شابّا موفقا لا يثبت عليه إلّا مؤمن قد أخذ اللّه ميثاقه في الذرّ الأوّل. فهل يدلّ هذا إلّا على أنّ الناس يستبعدون مدّة العمر، ويستطيلون المدى في ظهوره وينكرون تأخّره وييأسون منه، فيطيرون يمينا وشمالا كما قالوا: تتفرّق بهم المذاهب وتنشعب لهم طرق الفتن، ويغترّون بلمع السراب من كلام المفتونين، فإذا ظهر بعد السنّ الذي يوجب مثلها فيمن بلغه الشيخوخة والكبر وحنوّ الظهر وضعف القوى، شابّا موفقا أنكره من كان في قلبه مرض وثبت عليه من سبقت له من اللّه الحسنى، بما وفّقه اللّه إليه وقدّمه إليه من العلم بحاله وأوصله إلى هذه الروايات من قول الصادقين (عليهم السّلام) فصدقها وعمل بها، وتقدّم علمه بما يأتي من أمر اللّه وتدبيره فارتقبه غير شاكّ ولا مرتاب ولا متحيّر ولا مغترّ بزخارف إبليس وأشياعه؟
والحمد للّه الذي جعلنا ممّن أحسن إليه وأنعم عليه، وأوصله من العلم إلى ما لا يوصل إليه غيره إيجابا للمنّة واختصاصا بالموهبة، حمدا يكون لنعمه كفاء ولحقه أداء(٩٦٦).
وفي البحار عن محمد بن الحنفية في حديث: إنّ لبني فلان ملكا مؤجّلا حتّى إذا أمنوا واطمأنوا، وظنّوا أنّ ملكهم لا يزول صيح فيهم صيحة فلم يبق لهم راع يجمعهم ولا داع يسمعهم وذلك قول اللّه عزّ وجلّ (حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(٩٦٧) قلت: جعلت فداك هل لذلك وقت؟ قال: لا، لأنّ علم اللّه غلب علم الموقّتين، إنّ اللّه وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمّها بعشر لم يعلمها موسى ولم يعلمها بنو إسرائيل، فلمّا جاز الوقت قالوا: غرّنا موسى فعبدوا العجل، ولكن إذا كثرت الحاجة والفاقة في الناس وأنكر بعضهم بعضا فعند ذلك توقّعوا أمر اللّه صباحا ومساء(٩٦٨).
وفيه عن مفضل بن عمر عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): أما واللّه ليغيبنّ إمامكم سنينا من دهركم، وليمحصن حتّى يقال: مات أو قتل وهلك، بأيّ واد سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلّا من أخذ اللّه ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه ولترفعنّ اثنا عشر راية مشتبهة لا يدرى أي من أي. قال: فبكيت ثمّ قلت: فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة قال: يا أبا عبد اللّه ترى هذه الشمس؟ قلت: نعم، فقال: واللّه لأمرنا أبين من هذه الشمس(٩٦٩).
وفيه عن زرارة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) يقول: إنّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: فلم؟
قال: يخاف، وأومى بيده - يعني القتل - إلى بطنه، ثمّ قال: يا زرارة وهو المنتظر وهو الذي يشكّ في ولادته منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنّه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر، غير أنّ اللّه يحبّ أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شيء أعمل؟
قال: يا زرارة إذا أدركت ذلك الزمان فادع بهذا الدعاء: اللهمّ عرّفني نفسك فإنّك إن لم تعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك، اللهمّ عرفني رسولك فإنّك إن لم تعرّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللهمّ عرّفني حجّتك فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك ضللت عن ديني، ثمّ قال (عليه السّلام): يا زرارة لا بدّ من قتل غلام بالمدينة، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: لا، ولكن يقتله جيش آل بني فلان، أي بني الحسن، يجيء حتّى يدخل المدينة فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لا يمهلون فعند ذلك توقّع الفرج إن شاء اللّه(٩٧٠).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم - أي موسم الحج - فيراهم ولا يرونه(٩٧١).
عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين (عليه السّلام) فوجدته متفكّرا ينكت في الأرض فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكّرا تنكت في الأرض، رغبة منك فيها؟ فقال: لا واللّه ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط، ولكن فكّرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي هو المهدي الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، يكون له غيبة وحيرة، تضلّ فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون. فقلت: يا أمير المؤمنين وكم تكون الحيرة والغيبة؟ قال: ستّة أيّام أو ستّة أشهر أو ست سنين، فقلت: وإنّ هذا لكائن؟ قال: نعم، كما أنّه مخلوق، وأنّى لك بهذا الأمر يا أصبغ؟ اولئك خيار هذه الأمّة مع خيار أبرار هذه العترة.
فقلت: ثمّ ما يكون بعد ذلك؟ فقال: ثمّ يفعل اللّه ما يشاء فإنّ له بداءات وإرادات وغايات ونهايات(٩٧٢).
يمكن أن يكون المراد أنّ آحاد مدّة الغيبة هذا القدر، وكان ظهوره في السابع سواء كان مع العشرات أو المئات أو الالوف، ويمكن أن يكون المراد هذا القدر محتوما، وربّما يزيده اللّه تعالى بالبداء ويمكن أن يكون هذا القدر الذي قدره اللّه تعالى للغيبة الصغرى.
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة والاخرى طويلة، والاولى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة شيعته، والاخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصة مواليه(٩٧٣).
وفيه عنه (عليه السّلام): لصاحب هذا الأمر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله والاخرى يقال:
هلك، في أيّ واد سلك؟ قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادّعاها مدّع فاسألوه عن أشياء يخيب فيها مثله(٩٧٤).
وفيه عن أبي حمزة: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السّلام) فقلت: أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال:
لا، فقلت: فولدك؟ فقال: لا، فقلت له: فولد ولدك هو؟ فقال: لا. فقلت: فولد ولد ولدك؟
فقال: لا. فقلت: من هو؟ قال: الذي يملأها عدلا كما ملئت ظلما وجورا على فترة من الأئمّة، إنّ رسول اللّه بعث على فترة من الرسل(٩٧٥).
في غيبة النعماني عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: سأل نوح ربّه أن ينزل على قومه العذاب، فأوحى اللّه إليه أن يغرس نواة من النخل فإذا بلغت وأثمرت وأكل منها أهلك قومه وأنزل عليهم العذاب، فغرس نوح النواة وأخبر أصحابه بذلك فلما بلغت النخلة وأثمرت واجتنى نوح منها وأكل وأطعم أصحابه قالوا له: يا نبي اللّه، الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربّه وسأل الوعد الذي وعده فأوحى إليه أن يعيد الغرس ثانية حتّى إذا بلغ النخل وأثمر وأكل منه أنزل عليهم العذاب، فأخبر نوح أصحابه بذلك فصاروا ثلاث فرق: فرقة ارتدت وفرقة نافقت وفرقة ثبتت، ففعل نوح، حتّى إذا بلغت النخلة وأثمرت وأكل منها وأطعم أصحابه قالوا: يا نبي اللّه، الوعد الذي وعدتنا، فدعا نوح ربّه فأوحى اللّه إليه أن يغرس ثالثة فإذا بلغ وأثمر أهلك قومه فأخبر أصحابه، فافترقت الفرقتان ثلاث فرق: فرقة ارتدّت وفرقة نافقت وفرقة ثبتت معه، حتّى فعل ذلك نوح (عليه السّلام) عشر مرّات، وفعل اللّه ذلك بأصحابه الذين يبقون معه فيفترقون كلّ فرقة ثلاث فرق على ذلك، فلمّا كان في العاشرة جاء إليه رجال من أصحابه الخلّص المؤمنين فقالوا: يا نبي اللّه فعلت بنا ما وعدت أو لم تفعل فأنت صادق نبي مرسل لا نشكّ فيك، ولو فعلت ذلك بنا. قال: فعند ذلك أهلكهم اللّه لقول نوح، وأدخل الخاص معه في السفينة فنجّاهم اللّه تعالى ونجّى نوحا معهم بعد ما صفّوا وهذّبوا وذهب الكدر منهم(٩٧٦).
وفيه عن سليمان بن صالح رفعه إلى أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السّلام) قال: إنّ حديثكم هذا لتشمئزّ منه قلوب الرجال فانبذوه إليهم نبذا، فمن أقرّ به فزيدوه ومن أنكره فذروه، إنّه لا بدّ أن تكون فتنة يسقط فيها كل بطانة ووليجة حتّى يسقط من يشقّ الشعرة بشعرتين حتّى لا يبقى إلّا نحن وشيعتنا(٩٧٧).
وفيه أنّه دخل على أبي عبد اللّه بعض أصحابه فقال له: جعلت فداك، إنّي واللّه احبّك واحبّ من يحبّك يا سيدي ما أكثر شيعتكم. فقال (عليه السّلام): اذكرهم؟ فقال: كثير. فقال: تحصيهم؟
فقال: هم أكثر من ذلك. فقال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): أما لو كملت العدّة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه ولا شجاؤه(٩٧٨)، ولا يمدح بنا غاليا ولا يخاصم بنا واليا ولا يجالس لنا عائبا ولا يحدث لنا ثالبا ولا يحبّ لنا مبغضا ولا يبغض لنا محبّا. فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنّهم يتشيّعون؟
فقال: فيهم التمييز وفيهم التمحيص وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم وسيف يقتلهم واختلاف يبددهم، إنّما شيعتنا من لا يهرّ هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل الناس بكفّه وإن مات جوعا. قلت: جعلت فداك، فأين أطلب هؤلاء الموصوفين بهذه الصفة؟ فقال: اطلبهم في أطراف الأرض، اولئك الخشن عيشهم، المنتقلة دارهم، الذين إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا، وإن مرضوا لم يعادوا وإن خطبوا لم يزوّجوا وإن ماتوا لم يشهدوا، اولئك الذين في أموالهم يتواسون وفي قبورهم يتزاورون، ولا تختلف أهواؤهم وإن اختلفت بهم البلدان(٩٧٩).
الثمرة الثانية في القيام عند ذكر لقب القائم (عليه السّلام)
عن تنزيه الخواطر: سئل الصادق (عليه السّلام) عن سبب القيام عند ذكر لفظ القائم من ألقاب الحجّة. قال: لأنّ له غيبة طولانية، ومن شدّة الرأفة إلى أحبّته ينظر إلى كلّ من يذكره بهذا اللقب المشعر بدولته والحسرة بغربته، ومن تعظيمه أن يقوم العبد الخاضع لصاحبه عند نظر المولى الجليل إليه بعينه الشريفة، فليقم وليطلب من اللّه جل ذكره تعجيل فرجه.
وروي أيضا عن الرضا (عليه السّلام) في مجلسه بخراسان أنّه قام عند ذكر لفظة القائم، ووضع يديه على رأسه الشريف وقال: اللهمّ عجّل فرجه وسهّل مخرجه. وذكر من خصائص دولته(٩٨٠).
ذكر المحدّث النوري طاب ثراه في كتابه النجم الثاقب ما ترجمته بالعربية: هذا القيام والتعظيم خصوصا عند ذكر ذلك اللقب المخصوص سيرة تمام أبناء الشيعة في كل البلاد من العرب والعجم والترك والهند والديلم وغيرها، بل وعند أبناء أهل السنّة والجماعة أيضا(٩٨١).
وعن العالم المتبحّر الجليل السيّد عبد اللّه سبط المرحوم العلّامة الجزائري في بعض تصانيفه أنّه رأى هذه الرواية المنسوبة إلى الصادق (عليه السّلام)، وعند أهل السنّة هذه السنّة جارية(٩٨٢). وروى أنّه اجتمع عند الإمام السبكي جمع من علماء عصره فإذا قرأ أحد الشعراء:

قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب * * * على ورق من خط أحسن من كتب
وأن نهض(٩٨٣) الأشراف عند سماعه * * * قياما صفوفا أو جثيّا على الركب
فإذا قاموا كلّهم تعظيما(٩٨٤).

وفي علل الشرائع: سئل الباقر (عليه السّلام): يا بن رسول اللّه أفلستم كلّكم قائمين بالحقّ؟ قال: بلى.
قيل: فلم سمّي القائم قائما؟ قال: لمّا قتل جدّي الحسين ضجّت الملائكة إلى اللّه عزّ وجلّ بالبكاء والنحيب قالوا: إلهنا وسيّدنا أتغفل عمّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليهم: قرّوا ملائكتي، فو عزّتي وجلالي لأنتقمنّ منهم ولو بعد حين، ثمّ كشف اللّه عزّ وجلّ عن الأئمّة من ولد الحسين للملائكة فسرّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يصلّي فقال اللّه عزّ وجلّ: بذلك القائم أنتقم منهم(٩٨٥).
الثمرة الثالثة في النهي عن التسمية
في الكافي عن أبي الحسن العسكري (عليه السّلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني اللّه فداك؟ قال: إنّكم لا ترون شخصه ولا يحلّ لكم ذكره باسمه. فقلت: وكيف نذكره؟ فقال: قولوا الحجّة من آل محمّد(٩٨٦).
وفيه عن أبي عبد اللّه الصالحي قال: سألني أصحابنا بعد مضيّ أبي محمد أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: إن دللتهم على الاسم أذاعوه وإن عرفوا المكان دلّوا عليه(٩٨٧).
وفيه سئل الرضا (عليه السّلام) عن القائم فقال: لا يرى جسمه ولا يسمّى اسمه(٩٨٨).
وفيه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: صاحب هذا الأمر لا يسمّيه باسمه إلّا كافر(٩٨٩).
وفيه عن محمد بن عثمان العمري قدّس روحه: خرج توقيع بخط أعرفه: من سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة اللّه(٩٩٠).
وفي البحار: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس(٩٩١).
وفيه عن موسى بن جعفر (عليه السّلام) أنّه قال عند ذكر القائم (عجّل اللّه فرجه): يخفى على الناس ولادته، ولا تحلّ لهم تسميته حتّى يظهره اللّه عزّ وجلّ فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٩٩٢).

الغصن الرابع في إمكان الغيبة وعدم استبعادها ومن اتّفقت لهم الغيبة من الأنبياء والأولياء والأوصياء وذكر جمع من المعمّرين:

مشتمل على فرعين:
الفرع الأوّل في إمكان الغيبة ومن اتّفقت لهم
الأوّل:
إدريس النبي (عليه السّلام)، فقد غاب عن شيعته حتّى آل الأمر إلى أن تعذّر عليهم القوت، وقتل الجبّار من قتل منهم وأفقر وأخاف باقيهم، ثمّ ظهر فوعد شيعته بالفرج وبقيام القائم من ولده وهو نوح، ثمّ رفع اللّه عزّ وجلّ إدريس فلم تزل الشيعة يتوقّعون قيام نوح قرنا بعد قرن وخلفا عن سلف، صابرين من الطواغيت على العذاب المهين حتّى ظهرت نبوّة نوح(٩٩٣).
الثاني:
صالح (عليه السّلام) فقد غاب عن قومه زمانا وكان يوم غاب عنهم كهلا، فلمّا رجع إليهم لم يعرفوه من طول المدّة(٩٩٤).
الثالث:
إبراهيم (عليه السّلام) فإنّ غيبته تشبه غيبة مولانا القائم (عليه السّلام)، لأنّ اللّه سبحانه قد غيّب أثر إبراهيم وهو في بطن أمّه حتّى حوّله عزّ وجلّ بقدرته من بطنها إلى ظهرها، ثمّ أخفى أمر ولادته إلى وقت بلوغ الكتاب أجله، وذلك أنّ منجم نمرود أخبره بأنّ مولودا يولد في أرضنا فيكون هلاكنا على يده وكان فيما اوتي المنجم من العلم: سيحرق بالنار ولم يكن اوتي أنّ اللّه سينجيه، فحجب النساء عن الرجال، فلمّا حملت أمّ إبراهيم به بعث القوابل إليها فلم يعرفن شيئا من الحمل، فلمّا ولد ذهبت به أمّه إلى غار ثمّ وضعته وجعلت على الباب صخرة ثمّ انصرفت عنه، فجعل اللّه عزّ وجلّ رزقه في إبهامه فجعل يمصّها ويشرب لبنا، وجعل يشب في اليوم كما يشب غيره في الجمعة، فجعل يكبر في الغار ويشبّ حتّى قام بأمر اللّه تعالى. وقد غاب غيبة اخرى سار فيها في البلاد بعد نجاته من النار. ونقل أنّه كانت له غيبة اخرى حين هاجر إلى الشام.
وكذا ورد أنّ لموسى غيبة اخرى في التيه. وغيبة يونس بن متى حين التقطه الحوت.
وكذا غاب سليمان حين أخذ الماء خاتمه. ونقل بعض أهل التواريخ أنّ مريم هربت بعيسى عن اليهود إلى مصر اثنتي عشرة سنة.(٩٩٥).
وفي نهج المحجّة روي عن الصادق (عليه السّلام): غيبة إلياس في الجبل عن الملك أجب سبع سنين إلى أن رفعه اللّه إليه واستخلف اليسع على بني إسرائيل(٩٩٦).
الرابع:

غيبة يوسف (عليه السّلام) فإنّها كانت عشرين سنة، وكان هو بمصر ويعقوب (عليه السّلام) بفلسطين وبينهما مسيرة تسعة أيّام فاختلفت الأحوال عليه في غيبته حتّى إنّه روي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قدم أعرابي على يوسف يشتري منه طعاما فباعه فلمّا فرغ قال له يوسف: أين منزلك؟
قال: بموضع كذا. فقال له: إذا مررت بوادي كذا وكذا فقف فناد: يا يعقوب يا يعقوب، فإنّه سيخرج إليك رجل عظيم جميل جسيم وسيم فقل له: رأيت رجلا بمصر وهو يقرئك السلام ويقول لك: إنّ وديعتك عند اللّه عزّ وجلّ لن تضيع. قال: فمضى الأعرابي حتّى انتهى إلى الموضع فقال لغلمانه: احفظوا عليّ الإبل ثمّ نادى: يا يعقوب يا يعقوب، فخرج إليه رجل أعمى طويل جميل يتّقي الحائط بيده حتّى أقبل فقال الرجل: أنت يعقوب؟ فقال:
نعم، فأبلغه ما قال يوسف، فسقط مغشيا عليه ثمّ أفاق فقال: يا أعرابي ألك حاجة إلى اللّه تعالى عزّ وجلّ؟ فقال: نعم، إنّي رجل كثير المال ولي بنت عمّ وليس لي ولد منها فاحبّ أن تدعوا اللّه عزّ وجلّ يرزقني ولدا، فتوضّأ يعقوب وصلّى ركعتين ثمّ دعا اللّه عزّ وجلّ فرزقه اللّه أربعة أبطن أو قال: ستّة أبطن في كلّ بطن ابنان. وكان يعقوب يعلم أنّ يوسف حيّ لا يموت وأنّ اللّه تعالى ذكره سيظهره له بعد غيبته.
والدليل عليه: أنّه لمّا رجع إليه بنوه يبكون قال لهم: يا بني ما لكم تبكون وتدعون بالويل والثبور؟ وما لي لا أرى فيكم حبيبي يوسف؟ قالوا: يا أبانا إنّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنّا صادقين، وهذا قميصه قد أتيناك به. قال: ألقوه إلي، فألقوه على وجهه فخرّ مغشيّا عليه، فلمّا أفاق قال لهم: يا بنيّ ألستم تزعمون أنّ الذئب أكل حبيبي يوسف؟ قالوا: نعم، قال: ما لي لا أشمّ ريح لحمه وما لي أراه صحيحا، هبوا أنّ القميص انكشف من أسفله، أرأيتم ما كان في منكبه وعنقه كيف خلص عنه الذئب من غير أن يخرقه؟ إنّ هذا الذئب مكذوب عليه، وإنّ ابني لمظلوم، بل سوّلت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون، فتولّى عنهم ليلتهم تلك لا يكلّمهم وأقبل يرثي يوسف ويقول: حبيبي يوسف الذي كنت أؤثره على جميع أولادي فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أرجوه من بين أولادي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أوسده يميني وأدثّره بشمالي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف الذي كنت أؤمن به وحشتي وأصل به وحدتي، فاختلس منّي، حبيبي يوسف، ليت شعري في أيّ الجبال طرحوك؟ أو في أيّ البحار أغرقوك؟ حبيبي يوسف ليتني كنت معك فيصيبني الذي أصابك(٩٩٧).
وقال الصادق (عليه السّلام): قال يعقوب (عليه السّلام) لملك الموت: الأرواح تقبضها مجتمعة أو متفرّقة؟
فقال: بل متفرّقة. فقال: هل قبضت روح يوسف في جملة ما قبضت من الأرواح؟ قال: لا.
فعند ذلك قال لبنيه(٩٩٨): (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وأَخِيهِ)(٩٩٩).
فحال العارفين في وقتنا هذا بصاحب الزمان حال يعقوب في معرفته بيوسف وغيبته، وحال الجاهلين به وبغيبته والمعاندين في أمره حال اخوة يوسف الذين من جهلهم بأمر يوسف وغيبته قالوا لأبيهم يعقوب (تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ)(١٠٠٠).
الخامس:
غيبة موسى فقد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله): لما حضرت يوسف الوفاة جمع شيعته وأهل بيته، فحمد اللّه وأثنى عليه ثمّ حدّثهم شدّة تنالهم، يقتل فيها الرجال وتشقّ فيها بطون الحبالى وتذبح الأطفال حتّى يظهر الحقّ من ولد لاوي بن يعقوب، وهو رجل أسمر طويل، ونعته لهم بنعته، فتمسّكوا بذلك، ووقعت الغيبة والشدّة على بني إسرائيل وهم منتظرون قيام القائم أربعمائة سنة حتّى إذا بشّروا بولادته ورأوا علامات ظهوره واشتدّت البلوى عليهم وحمل عليهم بالحجارة والخشب، وطلب الفقيه الذي كانوا يستريحون إلى أحاديثه فاستتر، فراسلوه وقالوا: كنّا مع الشدّة نستريح إلى حديثك، فخرج بهم إلى بعض الصحاري وجعل يحدّثهم حديث القائم ونعته وقرب الأمر وكانت له فترة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم موسى، وكان في ذلك الوقت حدث السنّ، وخرج من عند فرعون يظهر النزهة فعدل عن موكبه وأقبل إليهم وتحته بغلة وعليه طيلسان خزّ، فلمّا رآه الفقيه عرفه بالنعت فقام إليه وأكبّ على قدمه ثمّ قال: الحمد للّه الذي لم يمتني حتّى رأيتك، فلمّا رأى الشيعة ذلك علموا أنّه صاحبهم فأكبّوا على الأرض شكرا للّه عزّ وجلّ، فلم يزدهم على أن قال: أرجو أن يعجّل اللّه فرجكم، ثمّ غاب بعد ذلك وخرج إلى مدينة مدين فأقام عند شعيب ما أقام، فكانت الغيبة الثانية أشدّ من الأولى، وكانت نيفا وخمسين سنة، اشتدّت البلوى عليهم واستتر الفقيه، فبعثوا إليه بأنّه لا صبر لنا على استتارك عنّا، فخرج إلى بعض الصحاري واستدعاهم وطيّب نفوسهم وأعلمهم أنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إليه أنّه مفرّج عنهم بعد أربعين سنة، فقالوا بأجمعهم: الحمد للّه. فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: قل لهم قد جعلتها ثلاثين سنة لقولهم الحمد للّه.
فقالوا: كلّ نعمة من اللّه، فأوحى اللّه: قد جعلتها عشرين سنة. فقالوا: لا يأتي بالخير إلّا اللّه، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: قل لهم لا يرجعوا، فقد أذنت في فرجهم، فبينما هم كذلك إذ طلع موسى راكبا حمارا فأراد الفقيه أن يعرف الشيعة ما يستبصرون به فيه، وجاء موسى حتّى وقف عليهم فسلّم فقال الفقيه: ما اسمك؟ قال: موسى، فقال: ابن من؟ فقال: ابن عمران.
قال: ابن من؟ قال: ابن قاهب بن لاوي بن يعقوب. قال: بما ذا جئت؟ قال: بالرسالة من عند اللّه عزّ وجلّ. فقام إليه فقبّل يده ثمّ جلس بينهم وطيّب نفوسهم ثمّ أمرهم ثمّ فرّقهم، وكان بين ذلك الوقت وبين فرجهم لغرق فرعون لعنه اللّه أربعون سنة(١٠٠١).
السادس:
غيبة أوصياء موسى: أوّلهم يوشع بن نون فإنّه قام بالأمر بعد موته صابرا من طواغيت زمانه على الجهد والبلاء حتّى مضى منه ثلاث طواغيت فقوي بعدهم أمره، فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسى بصفراء بنت شعيب امرأة موسى في مائة ألف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم، وقتل منهم مقتلة عظيمة وهزم الباقين بإذن اللّه تعالى، وأسر صفراء بنت شعيب ثمّ قال لها: قد عفوت عنك في الدنيا إلى أن تلقي نبي اللّه موسى فأشكو ما لقيت منك ومن قومك. فقالت صفراء: وا ويلاه واللّه لو ابيحت لي الجنّة لاستحييت أن أرى فيها رسول اللّه وقد هتك حجابه علي وخرجت على وصيّه بعده(١٠٠٢).
واعلم أنّه قد وقع مثل هذا في هذه الامّة حذو النعل بالنعل، فإنّ وصي نبي هذه الامّة إنّما استقلّ بالأمر بعد مضي الثلاثة، ولمّا استقل خرجت عليه اخت صفيراء - وهي حميراء - أخرجها المنافقان إلى أن أسرها علي (عليه السّلام) في حرب البصرة، ولكن الفرق بين الامرأتين أنّ الاولى ندمت على ما فعلته والثانية لم تندم.
ثمّ إنّ الأئمّة قد استتروا بعد يوشع إلى زمان داود أربعمائة سنة وكانوا أحد عشر، فكان قوم كلّ واحد منهم يختلفون إليهم ويأخذون معالم دينهم حتّى انتهى الأمر إلى آخرهم، فغاب عنهم ثمّ ظهر وبشّرهم بداود وأخبرهم أنّ داود هو الذي يأخذ الملك من جالوت وجنوده، ويكون فرجهم في ظهوره وكانوا ينتظرونه، فلمّا كان زمان داود كان له أربعة اخوة، وكان لهم أب شيخ كبير، وكان داود من بينهم خامل الذكر وهو أصغرهم، فخرجوا إلى قتال جالوت وخلفوا داود يرعى الغنم تحقيرا لشأنه فلمّا اشتدّت الحرب وأصاب الناس جهد رجع أبوه وقال لداود (عليه السّلام): احمل إلى إخوتك طعاما، فخرج داود والقوم متقاربون فمرّ داود على حجر فناداه: يا داود خذني واقتل بي جالوت فإنّي خلقت لقتله، فأخذه ووضعه في مخلاته التي كانت فيها حجارته التي يرعى بها غنمه، فلمّا دخل العسكر رآهم يعظمون أمر جالوت فقال: تعظمون من أمره فو اللّه لئن أتيته لأقتلنّه، فأدخلوه على طالوت فقال له: يا بني ما عندك من القوّة؟ قال: قد كان الأسد يعدو على الشاة من غنمي فأدركه وأفكّ لحييه عن الشاة واخلّصها من فيه، وكان أوحى اللّه إلى طالوت أنّه لا يقتل جالوت إلّا من لبس درعك فملأها، فدعا بدرعه فلبسها داود فاستوى عليه فراع ذلك طالوت ومن حضره من بني إسرائيل، فلمّا أصبحوا والتقى الناس قال داود (عليه السّلام): أروني جالوت، فلمّا رآه أخذ الحجر فرماه فصك بين عينيه وقتله وقال الناس: قتل داود (عليه السّلام) جالوت، فاجتمعت عليه بنو إسرائيل وأنزل اللّه عليه الزبور وليّن له الحديد وأمر الجبال والطير أن تسبّح معه، وأعطاه صوتا لم يسمع بمثله حسنا وأقام في بني إسرائيل نبيّا(١٠٠٣).
وهكذا يكون سبيل القائم (عجّل اللّه فرجه) فإنّ له سيفا مغمدا، إذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه اللّه عزّ وجلّ فناداه السيف: اخرج يا ولي اللّه فلا يحلّ لك أن تقعد عن أعداء اللّه، فيخرج فيقتلهم.
ثمّ إنّ داود أراد أن يستخلف سليمان لأنّ اللّه عزّ وجلّ أوحى إليه يأمره بذلك، فلمّا أخبر بني إسرائيل ضجّوا من ذلك وقالوا: تستخلف علينا حدثا وفينا من هو أكبر منه، فدعا أسباط بني إسرائيل وقال لهم: قد بلغتني مقالتكم فأروني عصيّكم فأيّ عصا أثمرت فصاحبها ولي الأمر من بعدي. فقالوا: رضينا. قال: ليكتب كلّ واحد منكم اسمه على عصاه، فكتبوا، ثمّ جاء سليمان بعصاه فكتب عليها اسمه، ثمّ ادخلت بيتا واغلق الباب وحرسته رءوس أسباط بني إسرائيل، فلمّا أصبح فتح الباب فأخرج عصيهم وقد أورقت عصا سليمان وأثمرت فسلّموا ذلك لداود فقال: إنّ هذا خليفتي من بعدي.
ثم اخفي سليمان بعد ذلك وتزوّج بامرأة استتر في بيتها عن شيعته ما شاء اللّه، ثمّ إنّ امرأته قالت له ذات يوم: بأبي أنت وأمّي ما أكمل خصالك وأطيب ريحك، ولا أعلم لك خصلة أكرهها إلّا أنّك في مئونة أبي، فلو دخلت السوق فتعرّضت لرزق اللّه رجوت أن لا يخيبك. فقال لها سليمان: إنّي واللّه ما عملت عملا قط ولا احسنه، فدخل السوق يومه ذلك فرجع ولم يصب شيئا فقال لها: ما أصبت شيئا؟ قالت: لا عليك إن لم يكن اليوم كان غدا.
فلمّا كان من الغد خرج إلى السوق فجال يومه فلم يقدر على شيء فرجع فأخبرها فقالت:
غدا يكون إن شاء اللّه، فلمّا كان اليوم الثالث مضى حتّى انتهى إلى ساحل البحر فإذا هو بصيّاد فقال له: هل لك أن أعينك وتعطيني شيئا؟ قال: نعم، فأعانه فلمّا فرغ أعطاه الصياد سمكتين. فأخذهما وحمد اللّه، ثمّ إنّه شقّ بطن إحداهما فإذا هو بخاتم في بطنها فأخذه وصيّره في ثوبه، وحمد اللّه عزّ وجلّ وأصلح السمكتين وجاء بهما إلى منزله وفرحت امرأته بذلك فرحا شديدا وقالت له: إنّي أريد أن تدعو والديّ حتّى يعلما أنّك قد كسبت، فدعاهما فأكلا معه فلمّا فرغوا قال لهم: هل تعرفوني؟ قالوا: لا واللّه إلّا أنّا لم نر منك إلّا خيرا.
قال: فأخرج خاتمه فلبسه وخرّ عليه الطير والريح وغشيه الملك، وحمل الجارية ووالديها إلى بلاد اصطخر واجتمعت إليه الشيعة واستبشروا به، ففرّج اللّه عنهم ممّا كانوا فيه من حيرة غيبته، فلمّا حضرته الوفاة أوحى إلى آصف بن برخيا بأمر اللّه تعالى، فلم يزل بينهم تختلف إليه الشيعة ويأخذون منه معالم دينهم.
ثمّ غيّب اللّه تعالى آصف غيبة طال أمدها، ثمّ ظهر لهم فبقي بين قومه ما شاء اللّه، ثمّ إنّه ودّعهم فقالوا له: أين الملتقى؟ قال: على الصراط، فغاب عنهم ما شاء اللّه فاشتدّت البلوى على بني إسرائيل بغيبته، وتسلّط عليهم بخت نصر فجعل يقتل من يظفر به منهم ويطلب من يهرب ويسبي ذراريهم، فاصطفى من السبي من أهل بيت يهودا أربعة نفر فيهم دانيال، واصطفى من ولد هارون عزيرا، وهم حينئذ صبية صغار فمكثوا في يده، وبنو إسرائيل في العذاب المهين، والحجّة دانيال اسر في يد بخت نصر لعنه اللّه تسعين سنة، فلمّا عرف فضله وسمع أنّ بني إسرائيل ينتظرون خروجه ويرجون الفرج من ظهوره وعلى يده، أمر أن يجعل في جبّ عظيم واسع ويجعل معه أسد ليأكله، فلم يقربه وأمر أن لا يطعم، وكان اللّه تبارك وتعالى يأتيه بطعامه وشرابه على يدي نبي من أنبيائه، فكان دانيال يصوم النهار ويفطر بالليل على ما يدلى إليه من الطعام.
واشتدّت البلوى على شيعته وقومه المنتظرين لظهوره وشكّ أكثرهم في الدين لطول الأمد، فلمّا تناهى البلاء بدانيال وقومه رأى بخت نصر لعنه اللّه في المنام كأنّ ملائكة السماء هبطت إلى الأرض أفواجا إلى الجبّ الذي فيه دانيال مسلّمين عليه يبشّرونه بالفرج، فلمّا أصبح ندم على ما أتى إلى دانيال، فأمر بأن يخرج من الجبّ فلمّا أخرج اعتذر إليه ممّا ارتكب منه، ثمّ فوّض إليه النظر في امور ممالكه والقضاء بين الناس، فظهر من كان مستترا من بني إسرائيل، ورفعوا رءوسهم واجتمعوا إلى دانيال موقنين بالفرج، فلم يثبت إلّا القليل على ذلك الحال حتّى مات، وأفضى الأمر بعده إلى عزير فكانوا يجتمعون إليه ويأنسون به ويأخذون منه معالم دينهم، فغيّب اللّه تعالى عنهم شخصه مائة عام ثمّ بعثه وغابت الحجج بعده واشتدّت البلوى على بني إسرائيل حتّى ولد يحيى بن زكريا وترعرع، فظهر وله تسع سنين فقام في الناس خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه وذكّرهم بأيّام اللّه عزّ وجلّ، وأخبرهم أنّ محن الصالحين إنّما كانت لذنوب بني إسرائيل وأنّ العاقبة للمتّقين، ووعدهم الفرج بقيام المسيح بعد نيف وعشرين سنة من هذا القول، فلمّا ولد المسيح أخفى اللّه ولادته وغيّب اللّه شخصه؛ لأنّ مريم لما حملته انتبذت به مكانا قصيا، ثمّ إنّ زكريا وخالتها أقبلا يقصّان أمرها حتّى هجما عليها وقد وضعت ما في بطنها وهي تقول: (يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا)(١٠٠٤) فأطلق اللّه تعالى ذكره لسانه بعذرها وإظهار حجّتها، فلمّا ظهر اشتدّت البلوى والطلب على بني إسرائيل وأكبّ الجبابرة والطواغيت عليهم حتّى كان من أمر المسيح ما قد أخبر اللّه تعالى به.
واستتر شمعون بن حمون والشيعة، ثمّ أفضى بهم الاستتار إلى جزيرة من جزائر البحر فأقاموا بها ففجّر اللّه لهم فيها العيون العذبة، وأخرج لهم من كل الثمرات وجعل لهم فيها الماشية، وبعث إليهم سمكة تدعى القمل لا لحم لها ولا عظم وإنّما هي جلد ودم فخرجت من البحر، فأوحى اللّه عزّ وجلّ إلى النحل أن يركبها فركبها فأتت بالنحل إلى تلك الجزيرة، ونهض النحل وتعلّق بالشجر فعرس وبنى وكثر العسل، ولم يكونوا يفقدون من أخبار المسيح شيئا(١٠٠٥).
فقد روي أنّ له غيبات يسيح فيها في الأرض فلا يعرف قومه وشيعته خبره، ثمّ ظهر فأوحى إلى شمعون بن حمون، فلمّا مضى شمعون غاب الحجج بعده واشتدّ الطلب وعظمت البلوى ودرس الدين واميتت الفروض والسنن، وذهب الناس يمينا وشمالا لا يعرفون أيّا من أي، فكانت الغيبة مائتين وخمسين سنة(١٠٠٦).
وعن الصادق (عليه السّلام): كان بين عيسى وبين محمّد خمسمائة عام، منها مائتان وخمسون عاما ليس فيها نبي ولا عالم ظاهر. قيل: فما كانوا؟ قال: كانوا متمسّكين بدين عيسى(١٠٠٧).
وأمّا النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فغيبته المشهورة كانت في الغار وكل المسلمين أطبقوا على أنّ غيبته في الغار إنّما كانت تقية عن المشركين وخوفا على نفسه، حتّى أنّه لو لم يذهب إلى الغار لقتلوه؛ لأنّهم مهّدوا له القتل وسوّل لهم الشيطان وعلّمهم لطائف الحيل في قتله، وأخذ معه أبا بكر خوفا منه أيضا لئلّا يدلّ الناس عليه كما قالوه في كتبهم، واستشهد العامّة بهذا بأنّه فوق الصحابة، وجوابه هو الذي أجاب به إمام زماننا في سؤالات سعد بن عبد اللّه وذكرناه بعيد هذا في الفرع التاسع من الغصن الخامس في عداد التوقيعات.
أقول: الثامن ممّن غاب سليمان بن داود.

والتاسع آصف بن برخيا غاب عن قومه مدّة طال أمدها ثمّ رجع إليهم.

والعاشر دانيال.

والحادي عشر عزير.

والثاني عشر مسيح(١٠٠٨).
وغيبة نبيّنا ثلاث سنين في شعب أبي طالب حين حاصر قريش بني هاشم، وله غيبة اخرى قبلها، بمعنى اختفائه بالدعوة خمس سنين وذلك بعد البعثة حتّى أنزل اللّه عزّ وجلّ (فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ)(١٠٠٩) وله (صلّى اللّه عليه وآله) غيبة اخرى في الغار(١٠١٠).
الفرع الثاني: في ذكر جمع من المعمّرين

قال محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتابه البيان في أخبار صاحب الزمان: من الدلالة على كون المهدي (عجّل اللّه فرجه) حيّا باقيا منذ غيبته وإلى الآن أنّه لا امتناع في بقائه كبقاء عيسى ابن مريم والخضر وإلياس من أولياء اللّه، وبقاء الأعور الدجّال وإبليس اللعين من أعداء اللّه، وقد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنّة(١٠١١).
أمّا عيسى فالدليل على بقائه قوله تعالى: (وإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(١٠١٢) ولم يؤمن منذ نزول هذه وإلى يومنا هذا أحد، فلا بدّ أن يكون هذا في آخر الزمان.
وأمّا السنّة: كما رواه مسلم وغيره في قصّة الدجّال فينزل عيسى ابن مريم (عليه السّلام) عند المنارة البيضاء بين مهرودتين واضعا كفّيه على أجنحة ملكين(١٠١٣). وأيضا قول النبي (صلّى اللّه عليه وآله): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم(١٠١٤).
وأمّا الخضر (عليه السّلام) وإلياس فعن ابن جرير الطبري: الخضر وإلياس باقيان يسيران في الأرض(١٠١٥). وما روي في صحيح مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدري: حدّثنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) حديثا طويلا عن الدجّال وكان فيما حدّثنا أنّه قال: يأتي وهو محرّم عليه أن يدخل بقباب(١٠١٦) المدينة فينتهي إلى بعض السباخ(١٠١٧) التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس - أو من خير الناس - فيقول الدجّال: إن قتلت هذا ثمّ أحييته أتشكّون في الأمر؟
فيقولون: لا، قال: فيقتله ثمّ يحييه فيقول حين يحييه: واللّه ما كنت فيك قط أشدّ بصيرة منّي الآن، فيريد الدجّال أن يقتله فلن يسلّط عليه. وقال إبراهيم بن سعد: يقال إنّ الرجل هو الخضر. هذا لفظ مسلم في صحيحه كما سقناه سواء(١٠١٨). والدليل على بقاء إبليس اللعين (قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ)(١٠١٩).
وأمّا بقاء المهدي
(عجّل اللّه فرجه) فقد جاء في الكتاب والسنّة: أمّا الكتاب فقد قال سعيد ابن جبير في تفسير قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(١٠٢٠) قال: هو المهدي (عليه السّلام) من ولد فاطمة (عليها السّلام)(١٠٢١). وأمّا من قال إنّه عيسى، فلا تنافي بين القولين إذ هو مساعد للمهدي (عجّل اللّه فرجه) على ما تقدّم. وعن مقاتل بن سليمان ومن تابعه من المفسّرين في تفسير قوله تعالى: (وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(١٠٢٢) قال: هو المهدي يكون في آخر الزمان وبعد خروجه يكون أمارات ودلالات الساعة وقيامها(١٠٢٣).
وفي الينابيع عن سدير الصير في قال: دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السّلام) فرأيناه جالسا على التراب وهو يبكي بكاء شديدا ويقول: سيّدي غيبتك نفت رقادي وابتزّت منّي راحة فؤادي. قال سدير:
تصدّعت قلوبنا جزعا فقلنا: لا أبكى اللّه - يا ابن خير الورى - عينيك، فزفر زفرة انتفخ منها جوفه قال: نظرت في كتاب الجفر الجامع صبيحة هذا اليوم - وهو الكتاب المشتمل على علم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة، وهو الذي خصّ اللّه به محمّدا (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة من بعده (صلوات اللّه عليه وعليهم) - وتأمّلت فيه مولد قائمنا المهدي (عجّل اللّه فرجه) فطول غيبته وطول عمره وبلوى المؤمنين في زمان غيبته وتولّد الشكوك في قلوبهم من إبطاء ظهوره وخلعهم ربقة الإسلام عن أعناقهم، قال اللّه عزّ وجلّ (وكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ)(١٠٢٤) يعني ولاية الإمام؛ فأخذتني الرقّة واستعلت علي الأحزان. وقال: قدّر اللّه مولده تقدير مولد موسى وقدّر غيبته تقدير غيبة عيسى، وأبطأ كإبطاء نوح وجعل عمر العبد الصالح الخضر دليلا على عمره.
وأمّا مولد موسى فإنّ فرعون لمّا وقف على أنّ زوال ملكه بيد مولود من بني إسرائيل أمر بقتل كلّ مولود ذكر من بني إسرائيل حتّى قتل نيفا وعشرين ألف مولود فحفظ اللّه موسى، كذلك بنو امية وبنو العبّاس لما وقفوا على أنّ زوال الجبابرة على يد القائم منّا قصدوا قتله، ويأبى اللّه أن يكشف أمره لواحد من الظلمة إلّا أن يتمّ نوره.
وأمّا غيبته كغيبة عيسى فإنّ اليهود والنصارى اتّفقت على أنّه قتل فكذّبهم اللّه عزّ وجلّ ذكره بقوله (وما قَتَلُوهُ وما صَلَبُوهُ ولكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)(١٠٢٥) كذلك غيبة القائم فإنّ الناس استنكروها لطولها؛ فمن قائل بغير هدى بأنّه لم يولد، وقائل يقول: إنّه ولد ومات، وقائل يقول: إنّ حادي عشرنا كان عقيما، وقائل يقول: يتعدّى إلى ثالث عشر وما عدا، وقائل: إنّ روح القائم ينطق في هيكل غيره، وكلّها باطل.
وأمّا إبطاؤه كإبطاء نوح (عليه السّلام) فإنّه لما استنزل العقوبة على قومه بعث اللّه الروح الأمين فقال: يا نبي اللّه إنّ اللّه يقول لك: إنّ هؤلاء خلائقي وعبادي لست اهلكهم إلّا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجّة، فاغرس النوى واصبر واجتهد، وأخبر بذلك الذين آمنوا به فارتدّ منهم ثلاثمائة رجل، ثمّ إنّ اللّه يأمر عند ثمرها كلّ مرّة بأن يغرسها مرّة بعد اخرى إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زال منهم يرتدّ إلى أن بقي بالايمان نيف وسبعون رجلا فأوحى اللّه إليه: الآن صفى الحقّ عن الكدر بارتداد من كانت طينته خبيثة، فكذلك القائم - (عجّل اللّه فرجه) - منّا فإنّه تمتدّ غيبته ثمّ تلا (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا)(١٠٢٦).
وأمّا الخضر ما طوّل اللّه عمره لنبوّة قدرها له، ولا لكتاب ينزل عليه ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله، ولا لامّة يلزم اقتداؤهم به ولا لطاعة يعرضها له، بل طوّل عمره للاستدلال به على طول عمر القائم (عجّل اللّه فرجه) ولتنقطع بذلك حجّة المعاندين؛ لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة(١٠٢٧).
زهرة:
في القاموس في باب الدال وفصل العين عن حديث مفصل: إنّ أوّل الناس دخولا الجنّة عبد أسود يقال له عبود، وذلك أنّ اللّه تعالى بعث نبيّا إلى أهل قرية فلم يؤمن به أحد إلّا ذلك الأسود، وإنّ قومه احتفروا له بئرا فصيّروه فيها وأطبقوا عليه صخرة عظيمة، وكان ذلك الأسود يخرج فيحتطب فيبيع الحطب ويشتري به طعاما وشرابا ثمّ يأتي تلك الحفرة فيعينه اللّه عزّ وجلّ على تلك الصخرة فيرفعها ويدلي إليه ذلك الطعام والشراب، وإنّ الأسود احتطب يوما ثمّ جلس ليستريح، فضرب بنفسه شقّه الأيسر فنام سبع سنين، ثمّ هبّ من نومته وهو لا يرى إلّا أنّه نام ساعة من نهار فاحتمل حزمته فأتى القرية فباع حطبه، ثمّ أتى الحفرة فلم يجد النبي فيها، وقد كان بدا للقوم فيه فأخرجوه، فكان يسأل عن الأسود فيقولون: لا ندري أين هو، فضرب به المثل لمن نام طويلا.
وهذه الحكاية جواب لاستبعاداتهم بقاء الحجّة في طول الزمان؛ لأنّ بقاء أسود سبع سنين بلا ماء ولا طعام في الشمس والمطر وسائر الحوادث في معبر الدواب والحيوانات، أعجب من بقاء من يأكل ويشرب ويسير كما هو مذهب الإمامية، وأعجب من هذا أيضا خفاء هذا الأسود على أهالي تلك القرية في تلك المدّة مع أنّه نام في مكان مخصوص، كيف يمكن عدم عبور أحد في تلك المدّة من ذلك المكان وما احتاجوا إلى الحطب، وأعجب من هذا نوم أصحاب الكهف ثلاثمائة وتسع سنين فافهم وتأمّل.
يستدلّون مخالفونا(١٠٢٨) على بقاء عيسى بالآيات والأخبار ولا يستبعدون، وينكرون بقاء المهدي (عجّل اللّه فرجه). ومن أعجب العجب أنّهم يروون أن عيسى ابن مريم مرّ بأرض كربلاء فرأى عدّة من الظباء هناك مجتمعة فأقبلت إليه وهي تبكي، وأنّه جلس وجلس الحواريون فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى فقالوا: يا روح اللّه وكلمته ما يبكيك؟ قال (عليه السّلام): أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا، قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد وفرخ الخيرة الطاهرة البتول شبيهة أمّي، ويلحد فيها وهي أطيب من المسك لأنّها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، وهذه الظباء كلّمتني وتقول إنّها ترعى في هذه الأرض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنّها آمنة في هذه الأرض، ثمّ ضرب بيده إلى بعر تلك الظباء فشمّها وقال: اللهمّ أبقها أبدا حتّى يشمّها أبوه (عليه السّلام) فتكون له عزاء وسلوة، وإنّها بقيت إلى أيّام أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى شمّها وبكى وأبكى وأخبر بقصّتها لمّا مرّ بكربلاء(١٠٢٩).
فهم يصدقون بأن بعر تلك الظباء تبقى زيادة على خمسمائة سنة، لم تغيّرها الأمطار والرياح ومرور الأيّام والليالي والسنين، ولا يصدّقون بأنّ القائم (عليه السّلام) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) يبقى حتّى يخرج بالسيف فيبيد أعداء اللّه ويظهر دين اللّه، مع الأخبار الواردة عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة بالنصّ عليه باسمه ونسبه وغيبته المدّة الطويلة وجري سنن الأوّلين فيه، هل هذا إلّا عناد وجحود الحقّ؟
ولمّا كان بناء هذا الفرع على ذكر بعض المعمّرين ينبغي ذكرهم هنا، وإن ذكرهم علماء السلف في كتبهم(١٠٣٠)، والصدوق عليه الرحمة في كتاب كمال الدين(١٠٣١)، والمحقّق المجلسي(١٠٣٢) طاب ثراه، ولذلك تركنا كثيرا منهم خوفا من الإطالة.
من المعمّرين: أوّل الناس: آدم
عمره تسعمائة وثلاثون سنة.
الثاني: شيث
وعمره تسعمائة واثنتا عشرة سنة.
الثالث: نوح
وعمره ألفان وخمسمائة سنة.
الرابع: إدريس
وعمره تسعمائة وخمس وستّون سنة.
الخامس: سليمان بن داود
وعمره سبعمائة واثنتا عشرة سنة.
السادس: عوج بن عنقا
وعمره ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة، وعمر أمّه عنق بنت آدم أزيد من ثلاثة آلاف سنة.
في غيبة الطوسي(١٠٣٣): أفريدون العادل عاش فوق ألف سنة، ويقولون: إنّ الملك الذي أحدث المهرجان عاش ألفي سنة وخمسمائة سنة استتر منها عن قومه ستمائة سنة، ومنهم عمرو بن عامر مزيقيا عاش ثمانمائة سنة أربعمائة سنة في حياة أبيه وأربعمائة سنة ملكا، وكان في سني ملكه يلبس في كل يوم حلتين، فإذا كان بالعشيّ مزّقت الحلّتان عنه لئلّا يلبسها غيره فسمّي مزيقيا.
السابع: أصحاب الكهف
بعمرهم اللّه أعلم(١٠٣٤).
الثامن: الخضر (عليه السّلام)
وبعمره اللّه أعلم.
التاسع: إلياس
وبعمره اللّه أعلم.
العاشر: سلمان الفارسي
عمره على المشهور أربعمائة سنة. وفي رواية العوالم لقي عيسى ابن مريم(١٠٣٥).
الحادي عشر: ذو القرنين
وبعمره اللّه أعلم.
الثاني عشر: ضحاك
وعمره ألف سنة.
الثالث عشر: كرشاسب
وعمره خمس وسبعمائة سنة.
الرابع عشر: رستم
وعمره ستمائة سنة.
الخامس عشر: زال
وعمره خمسون وستمائة سنة.
السادس عشر: حبيب
الذي استدعى من النبي (صلّى اللّه عليه وآله) معجزة شق القمر وعمره.....
السابع عشر: رئيس نصارى نجران
.....
الثامن عشر: دقيانوس
.....
التاسع عشر: فرعون
.....
العشرون: شداد بن عاد
وعمره سبعمائة سنة.
الحادي والعشرون: لقمان بن عاد
وعمره ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة.
الثاني والعشرون: عزيز مصر
وعمره سبعمائة سنة.
الثالث والعشرون: ريان بن دومغ
والد عزيز مصر وعمره ألف وسبعمائة سنة.
الرابع والعشرون: دومغ
والد ريان وعمره ثلاثة آلاف سنة.
عن الصدوق: أنّ أبا الحسن حمّادويه بن أحمد بن طولون كان قد فتح عليه من كنوز مصر ما لم يرزق أحد قبله، فأغري بالهرمين، فأشار إليه ثقاته وحاشيته وبطانته أن لا يتعرّض لهدم الأهرام فإنّه ما تعرض أحد لها فطال عمره، فلجّ في ذلك وأمر ألفا من الفعلة أن يطلبوا الباب، وكانوا يعملون سنة حواليه حتّى ضجروا وكلّوا، فلمّا همّوا بالانصراف بعد الإياس منه وترك العمل وجدوا سربا فقدروا أنّه الباب الذي يطلبونه، فلمّا بلغوا آخره وجدوا بلاطة قائمة من مرمر فقدروا أنّها الباب فاحتالوا فيها إلى أن قلعوها وأخرجوها فإذا عليها كتابة يونانية، فجمعوا حكماء مصر وعلماءها فلم يهتدوا لها، وكان في القوم رجل يعرف بأبي عبد اللّه المديني أحد حفّاظ الدنيا وعلمائها فقال لأبي الحسن حمّادويه بن أحمد: أعرف في بلد الحبشة أسقفا قد عمّر وأتى عليه ثلاثمائة وستّون سنة يعرف هذا الخط، وقد كان عزم على أن يعلّمنيه فلحرصي على علم العرب لم أقم عليه وهو باق، فكتب أبو الحسن إلى ملك الحبشة يسأله أن يحمل هذا الأسقف إليه فأجابه أنّ هذا قد طعن في السن وحطمه الزمان، وإنّما يحفظه هذا الهواء، ويخاف عليه إن نقل إلى هواء آخر وإقليم آخر ولحقته حركة وتعب ومشقّة السفر أن يتلف، وفي بقائه لنا شرف وفرج وسكينة، فإن كان لكم شيء يقرأه ويفسّره ومسألة تسألونه كاتبوه بذلك، فحملت البلاطة في قارب إلى بلد أسوان من الصعيد الأعلى، وحملت من أسوان على العجلة إلى بلاد الحبشة وهي قرية من أسوان، فلمّا وصلت قرأها الأسقف وفسّر ما فيها بالحبشية ثمّ نقلت إلى العربية فإذا فيها مكتوب: أنا الريان بن دومغ - فسأله أبو عبد اللّه عن الريان من هو كان.
قال: هو والد العزيز ملك يوسف واسمه الريان بن دومغ وقد كان عمر العزيز سبعمائة سنة والريان والده ألف وسبعمائة سنة، وعمر دومغ ثلاثة آلاف سنة فإذا فيها: أنا الريان بن دومغ خرجت في طلب علم النيل لأعلم فيضه ومنبعه إذ كنت أرى مفيضه ومنبعه فخرجت ومعي ممّن صحبت أربعة آلاف ألف رجل فسرت ثمانين سنة إلى أن انتهيت إلى الظلمات والبحر المحيط بالدنيا، فرأيت النيل يقطع البحر المحيط ويعبر فيه ولم يكن له منفذ، وتماوت أصحابي وبقيت في أربعة آلاف رجل فخشيت على ملكي، فرجعت إلى مصر وبنيت الأهرام والبرابي وبنيت الهرمين وأودعتهما كنوزي وذخائري(١٠٣٦) وقلت في ذلك شعرا:

وأدرك علمي بعض ما هو كائن * * * ولا علم لي بالغيب واللّه أعلم
وأتقنت ما حاولت إتقان صنعه * * * وأحكمته واللّه أقوى وأحكم
وحاولت علم النيل من بدء فيضه * * * فأعجزني والمرء بالعجز ملجم
ثمانين شاهورا قطعت مسايحا * * * وحولي بنو حجر وجيش عرمرم
إلى أن قطعت الجن والإنس كلّهم * * * وعارضني لج من البحر مظلم
فأيقنت أن لا منفذا بعد منزلي * * * لدى هيبة بعدي ولا متقدّم
فأبت(١٠٣٧) إلى ملكي وأرسيت ناديا * * * بمصر وللأيّام بؤس وأنعم
أنا صاحب الأهرام في المصر كلّها * * * وباني برابيها بها والمقدم
تركت بها آثار كفي وحكمتي * * * على الدهر لا تبلى ولا تتهدم
وفيها كنوز جمّة وعجائب * * * وللدهر أمر مرّة وتهجّم
سيفتح أقفالي ويبدي عجائبي * * * ولي ولربّي آخر الدهر ينجم
بأكناف بيت اللّه تبدو اموره * * * ولا بدّ أن يعلو ويسمو به السم
ثمان وتسع واثنتان وأربع * * * وتسعون اخرى من قتيل وملجم
ومن بعد هذا كر تسعون تسعة * * * وتلك البرابي تستخر وتهدم
وتبدي كنوزي كلّها غير أنني * * * أرى كلّ هذا أن يفرقها الدم
رمزت مقالي في صخور قطعتها * * * ستبقى وأفنى بعدها ثمّ اعدم

قال أبو الحسن حمّادويه بن أحمد: هذا شيء ليس لأحد فيها حيلة إلّا للقائم (عجّل اللّه فرجه) من آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله وسلم)، وردت البلاطة كما كانت مكانها، ثمّ إنّ أبا الحسن بعد ذلك بسنة قتله طاهر الخادم على فراشه وهو سكران، ومن ذلك الوقت عرف خبر الهرمين ومن بناهما، فهذا أصحّ ما يقال في خبر النيل والهرمين ومن بناهما(١٠٣٨).
الخامس والعشرون: عبيد بن شريد الجرهمي(١٠٣٩)، في الإكمال أنّه معروف وعاش ثلاثمائة وخمسين سنة فأدرك النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) وحسن إسلامه وعمّر بعد ما قبض النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) حتى قدم على معاوية في أيام تغلبه وملكه فقال معاوية: أخبرني يا عبيد عمّا رأيت وسمعت وأدركت وكيف رأيت الدهر؟ فقال: أمّا الدهر فرأيت ليلا يشبه ليلا، ونهارا يشبه نهارا، ومولودا يولد وميتا يموت ولم أدرك أهل زمان إلّا وهم يذمّون زمانهم، وأدركت من قد عاش ألف سنة وحدّثني عمّن كان قبله عاش ألفي سنة.
وأمّا ما سمعت فإنّه حدّثني ملك من ملوك حمير أنّ بعض الملوك السابقة ممّن قد دانت له البلاد وكان يقال له ذو سرح، اعطي الملك في عنفوان شبابه، وكان حسن السيرة في أهل مملكته، سخيا فيهم مطاعا وملكهم سبعمائة سنة وكان كثيرا [ما] يخرج في خاصّته إلى الصيد والنزهة، فخرج يوما في بعض نزهه فأتى على حيّتين: إحداهما بيضاء كأنها سبيكة فضة والاخرى سوداء كأنّها فحمة، وهما يقتتلان وقد غلبت السوداء على البيضاء فكادت تأتي على نفسها فأمر الملك بالسوداء فقتلت وأمر بالبيضاء فاحتملت حتى انتهى بها إلى عين من ماء تفيء عليها شجرة فأمر بصب الماء عليها وسقيت حتى رجعت إليها نفسها فقامت فخلّى سبيلها فانسابت الحية ومضت لسبيلها، ومكث الملك يومئذ في تصيّد ونزهة، فلما أمسى ورجع إلى منزله فجلس على سريره في موضع لا يصل إليه حاجب ولا أحد، فبينا هو كذلك إذ رأى شابا أخذ بعضادتي الباب وبه من الشباب والجمال شيء لا يوصف، فسلم عليه فذعر منه الملك فقال له: من أنت؟ ومن أذن لك في الدخول إليّ في هذا الموضع الذي لا يصل إليّ فيه حاجب ولا غيره؟
فقال له الفتى: لا ترع أيّها الملك إنّي لست بإنسي ولكن فتى من الجن أتيتك لاجازيك ببلائك الحسن الجميل عندي. قال الملك: وما بلائي عندك؟ قال: أنا الحية التي أحييتني في يومك هذا، والأسود الذي قتلته وخلّصتني منه كان غلاما لنا تمرّد علينا، وقد قتل من أهل بيتي عدّة، كان إذا خلي بواحد منّا قتله، فقتلت عدوّي وأحييتني وجئتك لاكافيك ببلائك عندي، ونحن أيّها الملك الجن لا الجن. قال له الملك: وما الفرق بين الجن والجنّ.
إلى هنا مذكور ثمّ بعد هذا الخبر مقطوع(١٠٤٠).
السادس والعشرون من المعمّرين ربيع بن ضبيع الفراوي، في الإكمال: لمّا وفد الناس على عبد الملك بن مروان قدم في من قدم عليه الربيع بن ضبيع الفراوي، وكان أحد المعمّرين ومعه ابن ابنه وهب بن عبد اللّه بن الربيع شيخا فانيا، قد سقطت حاجباه على عينيه وقد عصبهما فلمّا رآه الآذن يأذنون الناس على أصنافهم قال له: ادخل أيّها الشيخ، فدخل يدق على العصا يقيم بها صلبه وكشحه، ولحيته على ركبتيه، فلمّا رآه عبد الملك رقّ له وقال له: اجلس أيّها الشيخ، فقال: يا أمير المؤمنين أيجلس الشيخ وجدّه على الباب. قال:
فأنت إذن من ولد الربيع بن ضبيع؟ قال: نعم أنا وهب بن عبد اللّه بن الربيع. قال للآذن: ارجع، فأدخل الربيع، فخرج الآذن فلم يعرفه حتّى نادى: أين الربيع؟ قال: ها أنا ذا فقام يتطرق في مشيته، فلما دخل على عبد الملك سلّم فقال عبد الملك لجلسائه: ويلكم إنّه لأشيب الرجلين، يا ربيع أخبرني عمّا أدركت من العمر، والذي رأيت من الخطوب الماضية؟ قال:
أنا الذي قلت الشعر هذا:

أنا ذا آمل الخلود وقد * * * أدرك عمري مولدي حجرا
أنا امرأ القيس قد سمعت به * * * هيهات هيهات طال ذا عمرا

فقال عبد الملك: قد رويت هذا من شعرك وأنا صبي. قال: وأنا أقول شعرا:

إذا عاش الفتى مائتين عاما * * * فقد ذهب اللذاذة والبهاء

قال عبد الملك: وقد رويت هذا أيضا وأنا غلام، يا ربيع لقد طلبك جد غير عاثر(١٠٤١) ففصّل لي عمرك؟ فقال: عشت مائتين سنة في الفترة بين عيسى ومحمّد ومائة وعشرين في الجاهلية، وستّين في الإسلام. قال: أخبرني عن الفترة في القريش المتواطي الأسماء؟ قال:
سل عن أيّهم شئت؟ قال: أخبرني عن عبد اللّه بن عبّاس؟ قال: فهم وعلم وعطاء وحلم ومقرئ ضخم. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن عمر؟ قال: حلم وعلم وطول وكظم وبعد من الظلم. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن جعفر؟ قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها. قال: فأخبرني عن عبد اللّه بن زبير؟ قال: جبل وعر ينحدر منه الصخرة.
قال: للّه درك ما أخبرك بهم؟ قال: قرب جواري وكثرة استخباري(١٠٤٢).
السابع والعشرون من المعمّرين: علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد المعروف بأبي الدنيا، في الإكمال: حدّثنا عبد اللّه بن محمد بن عبد الوهاب بن نصر السجزيّ قال:
حدّثنا أبو بكر محمد بن الفتح المزكّى وأبو الحسن علي بن حسن بن حمكا الملاشكي ختن أبي بكر قالا: لقينا بمكّة رجلا من أهل المغرب فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممّن كان حضر الموسم في تلك السنة، وهي سنة تسع وثلاثمائة، فرأيناه رجلا أسود الرأس واللحية كأنه شن باب، وحوله جماعة من أولاده وأولاد أولاده ومشايخ من أهل بلده ذكروا أنّهم من أقصى بلاد المغرب تعرف باهرة العليا، وشهد هؤلاء المشايخ أنّهم سمعوا آباءهم حكوا عن آبائهم وأجدادهم أنّهم عهدوا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمرا واسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد، وذكر أنّه همداني وأنّ أصله من صنعاء اليمن. فقلت له: أنت رأيت علي بن أبي طالب (عليه السّلام)؟ فقال بيده: نعم، ففتح عينيه، وقد كان وقعت حاجباه على عينيه ففتحهما كأنّهما سراجان فقال: رأيته بعيني هاتين، وكنت خادما له وكنت معه في وقعة صفّين، وهذه الشجة من دابة علي (عليه السّلام)، وأرانا أثره على حاجبه الأيمن.
وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر، وأنّهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة، وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا، ثمّ إنّا فاتحناه وسألناه عن قصّته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل، يفهم ما يقال له ويجيب عنه بلبّ وعقل، فذكر أنّه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان، وأنّها تجري في الظلمات، وأنّه من شرب منها طال عمره فحمله الحرص على دخول الظلمات، وتزود وحمل حسب ما قدّر أنّه يكتفي في مسيره به، وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين بازلين وعدّة جمال لبون وروايا وزادا، وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة، فسار بنا إلى أن وافانا طرف الظلمات.
ثمّ دخلنا الظلمات فسرنا فيها نحو ستّة أيّام بلياليها وكنّا نميز بين الليل والنهار بأنّ النهار كان يكون أضوأ قليلا وأقل ظلمة من الليل. فنزلنا بين جبال وأودية وربوات، وقد كان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر؛ لأنّه وجد في الكتب التي قرأها أنّ مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع، فأقمنا في تلك البقعة أيّاما حتّى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا، ولو لا أنّ جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشا، وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد نارا ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع إلينا، فكنّا في تلك البقعة نحو خمسة أيّام ووالدي يطلب النهر فلم يجده، وبعد الإياس عزم على الانصراف حذرا من التلف لفناء الزاد والماء والخدم الذين كانوا معنا، فأوجسوا في أنفسهم خيفة من التلف فألحّوا على والدي بالخروج من الظلمات، فقمت يوما من الرحل لحاجتي فتباعدت من الرحل قدر رمية سهم فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ، لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير، يجري جريا ليّنا فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثا فوجدته عذبا باردا لذيذ فبادرت مسرعا إلى الرحل فبشّرت الخدم بأنّي قد وجدت الماء، فحملوا ما كان معنا من القرب والأدوات لنملأها ولما أتى والدي في طلب النهر، فلم نهتد إليه حتّى أنّ الخدم كذّبوني وقالوا لم تصدق.
فلمّا انصرف الرجل وانصرف والدي أخبرته بالقصّة فقال لي: يا بني، الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمّل الخطر كان لذلك النهر ولم ارزق أنا، وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتّى تملّ الحياة، ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلادنا وعاش والدي بعد ذلك سنيّا ثمّ مات (رحمه اللّه)، فلمّا بلغ سنّي قريبا من ثلاثين سنة، وكان قد اتصل بنا وفاة النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) ووفاة الخليفتين بعده خرجت حاجّا فلحقت آخر أيّام عثمان، فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) إلى علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع، وفي وقعة صفّين أصابتني هذه الشجة من دابته، فما زلت مقيما معه إلى أن مضى لسبيله فألحّ عليّ أولاده وحرمه أن اقيم معهم فلم أقم، وانصرفت إلى بلدي وخرجت أيام بني مروان حاجّا وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، وما خرجت إلّا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فشخصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعمّا شاهدت، وكنت أتمنّى واشتهي أن أحجّ حجّة اخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي. وذكر أن أسنانه سقطت مرّتين أو ثلاثة.
فسألناه أن يحدّثنا بما سمع من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، فذكر أنّه لم يكن حرص ولا همّ في طلب العلم وقت صحبته لعلي بن أبي طالب (عليه السّلام)، والصحابة أيضا كانوا متوافرين، فمن فرط ميلي إلى علي (عليه السّلام) ومحبّتي له لم أشتغل بشيء سوى خدمته وصحبته، والذي كنت أتذكّره ممّا كنت سمعت منه قد سمعه منّي عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا، وهؤلاء أهل بلدي وحفدتي قد دوّنوه، فأخرجوا إلينا النسخة وأخذ يملي علينا من خطّه: حدّثنا علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مؤيّد الهمداني المعروف بأبي الدنيا المعمّر المغربي رضي اللّه عنه حيّا وميّتا قال: حدّثنا علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم): (من أحبّ أهل اليمن فقد أحبّني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني).
وحدّثنا أبو الدنيا المعمر قال: حدّثني علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم):
من أعان ملهوفا كتب اللّه له عشر حسنات ومحا عنه عشر سيّئات، ورفع له عشر درجات ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله وسلم): من سعى في حاجة أخيه المسلم وللّه فيها رضا وله فيها صلاح فكأنّما خدم اللّه ألف سنة ولم يقع في معصيته طرفة عين.
حدّثنا أبو الدنيا المعمّر المغربي قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول: أصاب النبي (صلّى اللّه عليه وآله وسلم) جوع شديد وهو في منزل فاطمة (عليها السّلام) قال علي: فقال لي النبي (صلّى اللّه عليه وآله): يا علي هات المائدة، فقدمت المائدة فإذا عليها خبز ولحم مشوي.
حدّثنا أبو الدنيا المعمّر قال: سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول:
جرحت في وقعة خيبر خمسا وعشرين جراحة، فجئت إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فلمّا رأى ما بي بكى وأخذ من دموع عينيه فجعلها على الجراحات، فاسترحت من ساعتي.
وحدّثنا أبو الدنيا قال: حدّثني علي بن أبي طالب (عليه السّلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فكأنّما قرأ ثلث القرآن، ومن قرأها مرّتين فكأنّما قرأ ثلثي القرآن، ومن قرأها ثلاث مرّات فكأنّما قرأ القرآن كلّه.
وحدّثنا أبو الدنيا: قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السّلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): كنت أرعى الغنم فإذا أنا بذئب على قارعة الطريق، فقلت ما تصنع هاهنا؟ فقال لي: وأنت ما تصنع هاهنا؟ قلت: أرعى الغنم. قال: مرّ أو قال: ذا الطريق. قال: فسقت الغنم فلمّا توسّط الذئب الغنم إذا أنا به قد شدّ على شاة، قال: فجئت حتّى أخذت بقفاه فذبحته وجعلته على يدي، وجعلت أسوق الغنم، فلمّا سرت غير بعيد وإذا أنا بثلاثة أملاك جبرئيل وميكائيل وملك الموت فلمّا رأوني قالوا هذا محمّد بارك اللّه فيه، فاحتملوني وأضجعوني وشقّوا جوفي بسكين كان معهم وأخرجوا قلبي من موضعه وغسلوا جوفي بماء بارد كان معهم في قارورة حتّى نقى من الدم، ثمّ ردّوا قلبي إلى موضعه وأمرّوا أيديهم على جوفي فالتحم الشقّ بإذن اللّه تعالى فما أحسست بسكين ولا وجع. قال: وخرجت أغدو إلى أمّي - يعني حليمة داية النبي (صلّى اللّه عليه وآله) - فقالت لي: أين الغنم؟ فخبرتها بالخبر فقالت: سوف تكون لك في الجنّة منزلة عظيمة(١٠٤٣).
أقول:
ذكروا حال المعمر أبي الدنيا المغربي بطريق آخر يطول الكلام، ومقصودنا ذكر المعمّرين، يكفينا هذا المقدار.
وقال الفاضل المحدّث الجزائري (رحمه اللّه) في كتابه الأنوار النعمانية: حدّثني أوثق مشايخي السيّد هاشم الأحسائي في شيراز في مدرسة الأمير محمد، عن شيخنا العادل الثقة الورع الشيخ محمد الحرفوشي أعلى اللّه مقامه في دار المقامة، أنّه دخل يوما مسجدا من مساجد الشام وكان مسجدا عتيقا مهجورا فرأى رجلا حسن الهيئة في ذلك المسجد فأخذ الشيخ في المطالعة في كتاب الحديث، ثمّ إنّ ذلك الرجل سأل الشيخ عن أحواله وعمّن نقل الحديث فأخبره الشيخ، ثمّ إنّ الشيخ سأله عن أحواله وعن مشايخه، فقال ذلك الرجل: أنا المعمر أبو الدنيا وأخذت العلم عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) وعن الأئمّة الطاهرين، وأخذت فنون العلم عن أربابها وسمعت وكتبت من مصنّفيها، فاستجازه الشيخ في كتب الأحاديث والاصول وغيرها وفي كتب العربية والاصول فأجازه، وقرأ عليه الشيخ بعض الأخبار في ذلك المسجد توثيقا للإجازة.
فمن ثم كان شيخنا الثقة (قدّس اللّه روحه) يقول لي: يا بني إن سندي إلى المحدثين الثلاثة وغيرهم من أهل الكتب قصير، فإنّي أروي عن الفاضل الحرفوشي عن المعمّر أبي الدنيا عن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، وكذا إلى الصادق والكاظم إلى آخر الأئمّة، وكذلك روايتي لكتب الاصول مثل الكافي والتهذيب ومن لا يحضره الفقيه، وأجزتك أن تروي عنّي بهذه الإجازة، فنحن نروي الكتب الأربعة عن مصنّفيها بهذا الطريق(١٠٤٤).
الثامن والعشرون
في كنز الفوائد للكراجكي وفي البحار: وكذلك حال المعمر الآخر المشرقي ووجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهرورد إلى الآن، ورأينا جماعة رأوه وحدّثوا حديثه، وأنّه كان أيضا خادما لأمير المؤمنين، والشيعة تقول أنّهما يجتمعان عند ظهور الإمام المهدي عليه وعلى آبائه أفضل السلام. وقال: هذا رجل مقيم ببلاد العجم من أرض الجبل، يذكر أنّه رأى أمير المؤمنين (عليه السّلام)، يعرفه الناس بذلك على مرّ السنين والأعوام، ويقول أنّه لحقه ما لحق المغربي من الشجة في وجهه، وأنّه صحب أمير المؤمنين (عليه السّلام) وخدمه.
وحدّثني جماعة مختلفو المذاهب بحديثه، وأنّهم رأوه وسمعوا كلامه: منهم أبو العبّاس أحمد بن نوح بن محمد الحنبلي الشافعي، فحدّثني بمدينة الرملة في سنة إحدى عشرة وأربعمائة قال: كنت متوجّها إلى العراق للتفقّه فعبرت بمدينة يقال لها شهرود من أعمال الجبل، قريبة من زنجان، وذلك في سنة خمسة وأربعمائة فقيل لي: إنّ هاهنا شيخا يزعم أنّه رأى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فلو صرت إليه فرأيته لكان في ذلك فائدة عظيمة.
قال: فدخلنا عليه فإذا هو في بيته يعمل النوار، وإذا هو شيخ نحيف الجسم مدوّر اللحية كبيرها وله ولد صغير ولد له منذ سنة فقيل له: إنّ هؤلاء قوم من أهل العلم متوجّهون إلى العراق يحبّون أن يسمعوا من الشيخ ما قد لقي من أمير المؤمنين. فقال: نعم، كان السبب في لقائي له أنّي كنت قائما في موضع من المواضع فإذا أنا بفارس مجتاز فرفعت رأسي فجعل الفارس يمرّ يده على رأسي ويدعو لي، فلمّا أن غبر أخبرت بأنّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) فهرولت حتّى لحقته وصاحبته، وذكر أنّه كان معه في تكريت وموضع من العراق يقال له: تل فلان بعد ذلك، وكان بين يديه يخدمه إلى أن قبض (عليه السّلام) فخدم أولاده.
قال لي أحمد بن نوح: رأيت جماعة من أهل البلد ذكروا ذلك عنه قالوا: إنّا سمعنا آباءنا يخبرون عن أجدادنا بحال هذا الرجل وأنّه على هذه الصفة، وكان قد مضى فأقام بالأهواز ثمّ انتقل إليها لأذية الديلم له وهو مقيم بشهرود، وحدّثني بحديثه أيضا قوم من أهل شهرود ووصفوا الوصفة وقالوا هو يعمل الزنانير. انتهى(١٠٤٥).
التاسع والعشرون من المعمّرين:
وفي البحار عن مكي بن أحمد قال: سمعت إسحاق بن إبراهيم الطوسي يقول: وقد أتى عليه سبع وتسعون سنة على باب يحيى بن منصور قال:
رأيت سربايك ملك الهند في بلاد تسمّى صوح، فسألناه: كم أتى عليك من السنين؟ قال:
تسعمائة سنة وخمس وعشرون سنة، وهو مسلم فزعم أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أنفذ إليه عشرة من أصحابه منهم حذيفة بن اليمان وعمرو بن العاص واسامة بن زيد وأبو موسى الأشعري وصهيب الرومي وسفينة وغيرهم يدعونه إلى الإسلام فأجاب وأسلم، وقبّل كتاب النبي (صلّى اللّه عليه وآله).
فقلت له: كيف تصلّي مع هذا الضعف؟ فقال لي: قال اللّه عزّ وجلّ (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وقُعُوداً وعَلى جُنُوبِهِمْ)(١٠٤٦) الآية، فقلت له: ما طعامك؟ فقال لي: آكل ماء اللحم والكرّاث، وسألته: هل يخرج منك شيء؟ فقال: في كل اسبوع مرّة شيء يسير، وسألته عن أسنانه فقال: أبدلتها عشرين مرّة، ورأيت له في اسطبله شيئا من الدواب أكبر من الفيل يقال له زند فيل فقلت له: ما تصنع بهذا؟
قال: يحمل ثياب الخدم إلى القصار ومملكته مسيرة أربع سنين في مثلها، ومدينته طولها خمسون فرسخا في مثلها، وعلى كلّ باب منها عسكر مائة ألف وعشرين ألفا، إذا وقع في أحد الأبواب حدث خرجت تلك الفرقة إلى الحرب لا تستعين بغيرها وهو في وسط المدينة. وسمعته يقول: دخلت العرب فبلغت إلى الرمل، رمل عالج، وصرت إلى قوم موسى فرأيت سطوح بيوتهم مستوية وبيدر الطعام خارج القرية، يأخذون منه القوت والباقي يتركونه هناك، وقبورهم في دورهم وبساتينهم من المدينة على فرسخين ليس فيهم شيخ ولا شيخة، ولم أر فيهم علّة ولا يعتلون إلى أن يموتوا، ولهم أسواق إذا أراد الإنسان منهم شراء شيء صار إلى السوق فوزن لنفسه وأخذ ما يصيبه وصاحبه غير حاضر، وإذا أراد الصلاة حضروا فصلّوا وانصرفوا، لا يكون بينهم خصومة ولا كلام يكره إلّا ذكر اللّه عزّ وجلّ والصلاة وذكر الموت(١٠٤٧).
قال الصدوق (رحمه اللّه): إذا كان عند مخالفينا مثل هذا الحال لسربايك ملك الهند فينبغي أن يحيلوا مثل ذلك في حجّة اللّه من التعمير، ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم(١٠٤٨).
الثلاثون من المعمّرين:
في الدمعة عن كنز الكراجكيّ عن معاوية بن فضلة: كنت في الوفد الذين وجّههم عمر بن الخطاب وفتحنا مدينة حلوان، وطلبنا المشركين في الشعب فلم نقدر(١٠٤٩) عليهم، فحضرت الصلاة فانتهيت إلى ماء فنزلت عن فرسي، وأخذت بعنانه وتوضّأت وأذّنت فقلت: اللّه أكبر، فأجابني شيء من الجبل وهو يقول: كبرت تكبيرا، ففزعت لذلك فزعا شديدا ونظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا فقلت: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، فأجابني وهو يقول: الآن حين أخلصت، فقلت: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقال: نبي بعث، فقلت:
حي على الصلاة، فقال: فريضة افترضت، فقلت: حي على الفلاح، فقال: قد أفلح من أجابها واستجاب لها، فقلت: قد قامت الصلاة، فقال: البقاء لامّة محمّد وعلى رأسها تقوم الساعة.
فلمّا فرغت من أذاني ناديت بأعلى صوتي حتّى أسمعت ما بين لابتي الجبل فقلت: إنسي أم جنّي؟
قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل فقال: ما أنا بجنّي ولكنّي إنسي، فقلت له: من أنت يرحمك اللّه؟ قال: أنا رزيب بن ثملا من حواريي عيسى ابن مريم، أشهد أنّ صاحبكم نبيّ وهو الذي بشّر به عيسى ابن مريم، ولقد أردت الوصول إليه فحالت فيما بيني وبينه فارس وكسرى وأصحابه، ثمّ أدخل رأسه في كهف الجبل فركبت دابتي ولحقت بالناس وسعد بن أبي وقاص أميرنا فأخبرته بالخبر فكتب بذلك إلى عمر بن الخطّاب فجاء كتاب عمر يقول:
الحق الرجل، فركب سعد وركبت معه حتّى انتهينا إلى الجبل فلم نترك كهفا ولا شعبا ولا واديا إلّا التمسناه فيه ولم نقدر عليه، وحضرت الصلاة.
فلمّا فرغت من صلاتي ناديت: يا صاحب الصوت الحسن والوجه الجميل قد سمعنا منك كلاما حسنا فأخبرنا من أنت يرحمك اللّه، أقررت باللّه تعالى ووحدانيته فأنا عبد اللّه ووفد نبيّه. قال: فأطلع رأسه من كهف الجبل فإذا شيخ أبيض الرأس واللحية، له هامة كأنّه رحى فقال: السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته. قلت: وعليك السلام ورحمة اللّه، من أنت يرحمك اللّه؟ قال: أنا رزيب بن ثملا وصي العبد الصالح عيسى ابن مريم (عليه السّلام)، كان سأل ربّه لي البقاء إلى نزوله من السماء، وقراري في هذا الجبل، وأنا موصيكم، سددوا وقاربوا، وإيّاكم وخصال لا تظهر في أمّة محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) فإن ظهرت فالهرب الهرب، ليقوم أحدكم على نار جهنّم حتّى يطفأ عنه خير من البقاء في ذلك الزمان. الخبر(١٠٥٠).
الحادي والثلاثون رجل معمّر ذو قلاقل، ذكر السيّد النسابة العلّامة علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي (قدّس اللّه روحه) في كتابه المسمّى بالأنوار المضيئة في الحكمة الشرعية:
روى الجدّ السعيد عبد الحميد يرفعه إلى الرئيس أبي الحسن الكاتب البصري وكان من الأشدّاء الأدباء قال: سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أشنت(١٠٥١) البرّ سنين عدّة وبعثت السماء درّها في أكناف البصرة وتسامع العرب بذلك، فوردوها من الأقطار البعيدة والبلاد النائية على اختلاف لغاتهم وتباين فطرهم، فخرجت مع جماعة من الكبار ووجوه التجار نتصفّح أحوالهم ولغاتهم ونلتمس فائدة ربّما وجدناها عند أحدهم، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخا جالسا قد سقطت حاجباه على عينيه كبرا، وحوله جماعة من عبيده وأصحابه فسلمنا عليه فردّ التحية وأحسن التلقية فقال له رجل منّا: هذا السيد - وأشار إليّ - هو الناظر في معاملة الدرب، وهو من الفصحاء وأولاد العرب وكذلك الجماعة، ما منهم إلا من ينتسب إلى قبيلة ويختص بسداد وفصاحة، وقد خرج وخرجنا معه حين ورد ثمّ نلتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم، وحين شاهدناك رجونا ما نبغيه عندك لعلوّ سنك. فقال الشيخ: واللّه يا بني أخي: حيّاكم اللّه، إنّ الدنيا شغلتنا عمّا تبغونه منّي فإن أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي وهابيته، وأشار إلى بيت كبير بإزائه، فقلنا النظر إلى مثل والد هذا الشيخ أهم فائدة فلنتعجّل، فقصدنا ذلك البيت فوجدنا خباء في كسره شيخ مضطجع وحوله من الخدم والأمراء.
وفي ما شاهدناه أوّلا ورأينا عليه من آثار السن ما يجوز أن يكون والد ذلك الشيخ، فدنونا منه وسلّمنا عليه وأحسن الردّ وأكرم الجواب، فقلنا له مثل ما قلنا لابنه وما كان من جوابه، وأنّه دلّنا عليك فعرجنا بالقصد إليك فقال: يا بني أخي حيّاكم اللّه إنّ الذي شغل ابني عمّا التمستموه هو الذي شغلني عمّا هذه سبيلي، ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته، وأشار إلى بيت منيف بنحوه منه، فقلنا فيما بيننا: حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فإن كانت منه فائدة بعد ذلك فهي ربح لم تحتسب، فقصدنا ذلك الخباء فوجدنا حوله عددا كثيرا من الإماء والعبيد، فحين رأونا تسرعوا إلينا وبدءوا بالسلام علينا فقالوا: ما تبغون حيّاكم اللّه؟ فقلنا: نبغي السلام على سيّدكم وطلب الفائدة من عنده ببركتكم.
فقالوا: الفوائد كلّها عند سيّدنا ودخل منهم من يستأذن ثمّ خرج بالإذن لنا فدخلنا فإذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد من جانبيه ووسادة في أوّله، على الوسادة رأس شيخ قد بلي وطار شعره، والإزار على المخاد التي من جانبي السرير لتستره ولا شغل منها عليه، فجهرنا بالسلام فأحسن الرد، وقال قائلنا مثل ما قال لولد ولده وأعلمناه أنّه أرشدنا إلى أبيه فحجنا بما احتج به وأنّ أباه أرشدنا إليك وبشّرنا بالفائدة منك، ففتح الشيخ عينين قد غارتا في أمّ رأسه وقال للخدم: أجلسوني، فلم تزل أيديهم تتهاداه بلطف إلى أن جلس وستر بالأزر التي طرحت على المخاد.
ثمّ قال لنا: يا بني أخي لاحدّثنّكم بخبر تحفظونه عنّي وتفيدون منه ما يكون فيه ثواب لي: كان والدي لا يعيش له ولد ويحب أن يكون له عاقبة، فولدت له على كبر ففرح بي وابتهج بمولدي ثمّ قضى ولي سبع سنين، فكفلني عمّي بعده وكان مثله في الحذر علي، فدخل بي يوما على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فقال له: يا رسول اللّه إنّ هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله وأنا كفيل بتربيته، وإنّني أنفس به على الموت فعلّمني عوذة أعوذه بها ليسلم ببركتها.
فقال (صلّى اللّه عليه وآله): أين أنت عن ذات القلاقل. فقال: يا رسول اللّه وما ذات القلاقل؟ قال (صلّى اللّه عليه وآله): أن تعوذه فتقرأ عليه سورة الجحد (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ) إلى آخرها، وسورة الاخلاص (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) الخ، وسورة الفلق (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) الخ، وسورة الناس (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) الخ.
وأنا إلى اليوم أتعوّذ بها كل غداة فما أصبت بولد ولا اصيب لي مال ولا مرضت ولا افتقرت، وقد انتهى بي السن إلى ما ترون فحافظوا عليها واستكثروا من التعوّذ بها، فسمعنا ذلك منه وانصرفنا من عنده.
وإذا كان شخص من بعض أمّة محمّد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) ولع على التعوّذ بأربع سور من قصيرات أحد أجزاء القرآن فعمّر هذا العمر الطويل وبلغ ببركتها ما بلغ كما قيل، فما ظنّك بولد النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) الذي قد انتهى هذا القرآن وحكمه وفهمه وفوائده وعلمه إليه وهو القائم بإيضاحه وبيانه، أليس هو ولي المسلمين والإسلام وصاحب زمانه؟ فما المانع أن يكون قد أعطاه اللّه تعالى من الخاصية وجعل له من المزية طول التعمير والبقاء على مرّ الدهور والأعوام، ليقوم بما وجب في القرآن على المكلّفين من شرائع الإسلام وملّة جدّه الرسول (صلّى اللّه عليه وآله)؟ وهل يجحد ذلك إلّا من طبع على قلبه فكان من أصحاب الشيطان وحزبه، اولئك الذين طبع اللّه على قلوبهم فأصمّهم وأعمى أبصارهم(١٠٥٢).(١٠٥٣)؟
الثاني والثلاثون: في العوالم عن عوالي اللئالي عن الشيخ جمال الدين حسن بن يوسف ابن مطهر قال: رويت عن مولانا شرف الدين إسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم عن خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي عن الشيخ صدر الدين السلوي قال: دخلت على الشيخ بابارتن وقد سقطت حاجباه على عينيه من الكبر فرفعهما عن عينيه فنظر إليّ وقال: ترى عينيّ هاتين، طال ما نظرتا إلى وجه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، وقد رأيته يوم حفر الخندق وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس وسمعته يقول في ذلك اليوم: اللهمّ إنّي أسألك عيشة هنيئة وميتة سوية ومردّا غير مخز ولا فاضح(١٠٥٤).
وعن السيد الجليل صدر الدين السيد علي في صنوة الغريب(١٠٥٥) عن قاضي القضاة نور الدين علي بن شريف محمد بن الحسين الحسيني الأثري الحنفي قال: حكى لي جدّي حسين بن محمد الحسيني في سنة إحدى وسبعمائة من الهجرة ما ترجمته بالعربية: إنّه مضى من عمري سبع أو ثماني عشرة سنة، فسافرت مع أبي وعمّي من خراسان إلى بلاد الهند للتجارة، فلمّا وصلنا إلى أوائل ملك هند وردنا مزرعة فقيل: إنّ هذه المزرعة للشيخ رتن بن كزبال بن رتن المترندي، فحططنا رحالنا عند شجرة يكفي ظلّها لأن يستظلّ فيه جماعة كثيرة، فاجتمع أهل المزرعة كلّهم عندنا وسلّمنا عليهم فردوا علينا السلام، فنظرنا بالفروع وأغصان هذه الشجرة فإذا بغصن من أغصانها زنفيل كبير معلّق فسألتهم عن الزنفيل وعمّا فيه وكيفيّته، قالوا: هذا مسكن الشيخ رتن وهو الذي أدرك زمان النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وتشرّف بخدمته ودعا (صلّى اللّه عليه وآله) له بطول العمر ست مرّات، فالتمسنا منهم أن ينزلوا الزنفيل فأنزله من بينهم رجل هرم فرأيناه مملوءا من القطن، وفي وسطه الشيخ رتن قاعد مثل الدجاجة، فجعل هذا الرجل الهرم فمه عند اذنه وقال: يا جدّ إن جمعا من أهل خراسان وفيهم الشرفاء وولد النبي (صلّى اللّه عليه وآله) يسألونك كيف رأيت النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وما قال لك، ثمّ تأوه وتكلّم بالفارسية وصوته كصوت النحل ونحن نسمع كلامه ونتميزه وترجمته بالعربية:
قال: سافرت مع أبي من هذه البلاد إلى الحجاز للتجارة، فلمّا وصلنا بواد من أودية مكّة وفيها ماء السبيل الكثير الغزير فرأينا شابّا وجيها كأنّ وجهه فلقة القمر وهو أسمر اللون، عمره عشرة أو اثنتا عشرة سنة، كان يرعى الإبل وقد حال الماء بينه وبين إبله وهو يريد العبور عن الماء وهو خائف على نفسه من ذلك، فلمّا وقفت بحاله أركبته على كتفي وجاوزته عن الماء وألحقته بإبله فنظر إليّ وقال لي بلسانه على ثلاث مرّات: بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، ثمّ اشتغلت بشغلي وتجارتي ورجعت إلى وطني ومضت عليّ سنون عديدة فإذا بليلة من الليالي وكانت ليلة إكمال القمر من الليالي البيض، كنت في مزرعتي هذه فإذا بالقمر انشق نصفين، وصار نصفه إلى المشرق ونصفه الآخر إلى المغرب، وعادا في محلّهما والتصقا فصارا قمرا كالأوّل، فتعجبنا من ذلك وما عرفنا كيف الحال إلى أن جاءت القوافل من سمت الحجاز، وأخبرونا بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) الذي ظهر في الحجاز طلبوا منه هذه المعجزة وصار كما طلبوا وأرادوا، فصرت مشتاقا لزيارة ذلك النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) المبعوث وسافرت إليه، فلمّا وصلت مكّة واستأذنت للدخول عليه، فدخلت عليه ورأيته وقد سطع النور من وجهه إلى السماء، وهو (صلّى اللّه عليه وآله) يأكل الرطب فسلّمت عليه وردّ عليّ، فبقيت من هيبته واقفا في مقامي ثمّ قال لي: كل الرطب فإنّ من المروّة الموافقة وإنّ من النفاق الزندقة، فقعدت وأكلت الرطب، وناولني بيده الشريفة رطبة واحدة ثمّ رطبة واحدة حتّى ناولني ستّا غير ما أخذته بيدي وأكلت، ثمّ نظر إليّ وتبسّم وقال (صلّى اللّه عليه وآله): لعلّك ما عرفتني، أنا ذلك الصبي الذي نجيته من ماء السيل الذي حال بيني وبين إبلي، فعرفته بتلك العلامة وقلت: نعم عرفتك يا حسن الوجه، ثمّ قال: مدّ يدك فمددت يدي وصافحته، فقال: قل: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فقلت ذلك وأسلمت، ففرح بإسلامي فلمّا أردت الرجوع إلى بلدي واستأذنته به وأذن لي دعا لي وقال (صلّى اللّه عليه وآله) لي ثلاث مرّات: بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، بارك اللّه في عمرك، فودّعته وفرحت بمحبّته إيّاي، واستجاب اللّه دعاءه لي وبارك في عمري ومضى من عمري أزيد من ستمائة سنة، وكل من كان في هذه المزرعة من نسلي وأولادي، وبدعائه (صلّى اللّه عليه وآله) تفضّل اللّه لي ولهم بكل الخير والبركة(١٠٥٦).
أقول: لما ذكر قصّة شق القمر في ترجمة الشيخ رتن لا ضير بذكر بعض أخبار شقّ القمر:
وهو أن جناب المولوي محمد صاحب الحبشي ذكر في تصديق المسيح في جواب الپادري‏ عند سؤاله عن شقّ القمر وكيفية وقوعه، نقلا عن سوانح الحرمين وكتب بالهندية ما ترجمته بالعربية وهو: أنّ رجلا هنديا كافرا يعبد الصنم وكان كبيرا في قومه، وصاحب الاقتدار في بلد دهار المتصلة ببحر چنبل صوبه مالون كان قاعدا في محلّه، وإذا قد صار القمر نصفين وتفرّق والتصق بعد ساعة، فسأل علماء مذهبه عن هذه الكيفية قالوا: في كتبنا مذكور أن نبيّا يظهر في العرب ومعجزته شقّ القمر، ثمّ أرسل هذا الرجل أمينه ومن هو في اموره العظيمة عميده، واستكشف حاله فآمن به، وسمّاه النبي (صلّى اللّه عليه وآله) عبد اللّه وله قبر معروف ومزار عام.
قصّة اخرى أيضا في تصديق المسيح عن المقالة الحادية عشرة من تاريخ فرشته: أنّ في مملكة مليپار كان يهودي من أولاد السامري الذي أبدع عبادة العجل في زمن موسى، وهو رأى شقّ القمر فتعجّب من هذه الواقعة العجيبة العظيمة، فاستعلم عن جمع من المعتمدين فعلم أنّه من معاجز النبي (صلّى اللّه عليه وآله) الامّي، فسافر إلى الحجاز وتشرّف بخدمته وآمن به ورجع إلى أن بلغ بلد ظفار فمات وقبره معلوم ومزاره عام.
الثالث والثلاثون:
سمعت من جمع أنّ من المعمّرين رجلا يسمّى نردوول في الكهف الذي من حوالي كابل من بلاد الأفاغنة من أهل السنّة والجماعة، فأردت كشف النقاب ورفع الحجاب عن هذا الأمر العجاب، واستفسرت عمّن له من علم السياحة والتواريخ سائغ وشراب، من الشيخ والشاب، والرعية والأرباب، والأدنين والأنجاب، والضبّاط والنوّاب، فأخبروني وصار بحيث ما بقي مجال شك ولا ارتياب أنّ بقدر ثمانية أو تسعة منازل إلى كابل كفّار، وأهل كابل يأخذون العبيد والإماء من أهل ذلك البلد، وهم معروفون بكفّار، سود اللباس مأكولهم لحم المعز ولبسهم جلد المعز، ويحرم عندهم نكاح الأرحام، وتمامهم من أولاد نردوول ونتائجه، وهو في كهف جبل من جبال ذلك البلد.
ونردوول هذا كان في عصر علي أمير المؤمنين (عليه السّلام)، وحضر غزوة من الغزوات، وجرح علي (عليه السّلام) رأسه بضربته، وكلّما قرب أن يندمل جراحته يخرج من الكهف فإذا طير يسيح في الهواء ويعود جراحته ودائما مبتل بهذا البلاء ومأكوله كل يوم معزان؛ معز في النهار ومعز في العشاء، ويعطيه أهل البلد لكونهم من نتائجه، وحكى لي واحد من السيّاحين: إنّي حضرت عند باب الكهف لأراه وأعرف حاله وأنّه كيف هو، فرأيته جالسا جلسة القرفصاء بحيث كانت ركبتاه بحذاء صدره، وكان رأسي قائما محاذي ركبتيه، وهو في الكهف دائما يأكل وينام ويتغوّط فيه.
الرابع والثلاثون:
في المجمع الرائق تصنيف السيّد هبة اللّه الموسوي عن الصادق (عليه السّلام) أنّه قال: إنّ داود (عليه السّلام) خرج يقرأ الزبور، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقى جبل ولا حجر ولا طائر إلّا أجابه، فانتهى إلى جبل فإذا على ذلك الجبل نبيّ عابد يقال له حزقيل، فلمّا سمع دويّ الجبال وأصوات السباع والطير علم أنّه داود (عليه السّلام)، فقال داود: يا حزقيل تأذن لي فأصعد إليك؟
قال: لا. فبكى داود فأوحى اللّه عزّ وجلّ إليه: يا حزقيل لا تعير داود وسلني العافية. قال:
فأخذ حزقيل بيد داود ورفعه إليه. فقال داود: يا حزقيل هل هممت بخطيئة قط؟ قال: لا.
قال: فهل دخلك العجب ممّا أنت من عبادة اللّه عزّ وجلّ؟ قال: لا. قال: فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهوتها ولذّتها؟ قال: بلى ربّما عرض ذلك بقلبي. قال: فما تصنع إذا كان ذلك؟ قال: أدخل هذا الشعب فأعتبر بما فيه. قال: فدخل داود الشعب فإذا سرير من حديد عليه جمجمة بالية وعظام فانية، وإذا لوح من حديد فيه كتابة فقرأها داود (عليه السّلام) فإذا فيها: أنا ملكت ألف سنة وبنيت ألف مدينة وافتضضت ألف بكر، فكان آخر عمري أن صار التراب فراشي والحجارة وسادي والديدان والهوام جيراني، فمن رآني فلا يغترّ بالدنيا(١٠٥٧).
في العوالم عن عوالي اللئالي بالإسناد إلى أحمد بن فهد عن بهاء الدين علي بن عبد الحميد عن يحيى بن نجل الكوفي عن صالح بن عبد اللّه اليمني وكان قدم الكوفة، قال يحيى: ورأيته بها سنة أربع وثلاثين وسبعمائة عن أبيه عبد اللّه اليمني، وأنّه كان من المعمّرين وأدرك سلمان الفارسي رضى اللّه عنه، وأنه روى عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) أنّه قال: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة، ورأس العبادة حسن الظنّ باللّه(١٠٥٨).
روى أبو رواحة الأنصاري عن المغربي قال: كنت عند أمير المؤمنين (عليه السّلام) وقد أراد حرب معاوية، فنظر إلى جمجمة في جانب الفرات وقد أتت عليه، فمرّ عليها أمير المؤمنين (عليه السّلام) فدعاها فأجابته بالتلبية، وقد خرجت بين يديه وتكلّمت بكلام فصيح فأمرها بالرجوع فرجعت إلى مكانها كما كانت.
ولمّا فرغ من حرب نهروان أبصرنا جمجمة نخرة بالية فقال: هاتوها، فحرّكها بسوطه وقال: أخبرني من أنت فقير أم غني، شقيّ أم سعيد، ملك أم رعية؟ فقالت بلسان فصيح: يا أمير المؤمنين أنا كنت ملكا ظالما، فأنا پرويز بن هرمز ملك الملوك، ملكت مشارق الأرض ومغاربها وسهلها وجبلها وبحرها وبرّها، أنا الذي أخذت ألف مدينة في الدنيا وقتلت ألف ملك من ملوكها، يا أمير المؤمنين أنا الذي بنيت خمسين مدينة وفضضت خمسمائة ألف جارية بكر، واشتريت ألف عبد تركي وأرمني، وتزوّجت سبعين ألفا من بنات الملوك، وما من ملك في الأرض إلّا غلبته وظلمت أهله، فلمّا جاءني ملك الموت قال: يا ظالم يا طاغي خالفت الحقّ، فتزلزلت أعضائي وارتعدت فرائصي وعرض علي أهل حبسي فإذا هم سبعون ألفا من أولاد الملوك قد شقوا من حبسي، فلمّا رفع ملك الموت روحي سكن أهل الأرض من ظلمي، فأنا معذّب في النار أبد الآبدين، فوكّل اللّه لي سبعين ألف ألف من الزبانية، في يد كلّ واحد منهم مرزبة من نار لو ضربت على جبال أهل الأرض لاحترقت الجبال فتدكدكت، وكلّما ضربني الملك بواحدة من تلك المرازيب تشتعل فيّ النار فيحييني اللّه تعالى ويعذّبني بظلمي على عباده أبد الآبدين، وكذلك وكلّ اللّه تعالى بعدد كلّ شعرة في بدني حيّة تنهشني وعقربة تلدغني، وكلّ ذلك أحسّ به كالحيّ في دنياه فتقول لي الحيّات والعقارب: هذا جزاء ظلمك على عباده. فسكتت الجمجمة فبكى جميع عسكر أمير المؤمنين (عليه السّلام) وضربوا على رءوسهم(١٠٥٩).

الغصن الخامس في أخبار أمّه وتولّده والمعترفين بولادته من أهل السنّة والجماعة ومن رآه في حياة أبيه (عليه السّلام) وبعد وفاته في غيبته الصغرى والكبرى ومعاجزه وسفرائه وتوقيعاته:

وهو مشتمل على فروع:
الفرع الأوّل: أخبار أمّه.
في البحار عن بشر بن سليمان النحاس وهو من ولد أبي أيّوب الأنصاري أحد موالي أبي الحسن وأبي محمد وجارهما بسر من رأى قال: أتاني كافور الخادم فقال: مولانا أبو الحسن علي بن محمد العسكري يدعوك إليه فأتيته، فلمّا جلست بين يديه قال (عليه السّلام) لي: يا بشر إنّك من ولد الأنصار وهذه الموالاة لم تزل فيكم يرثها خلف عن سلف وأنتم ثقاتنا أهل البيت، وإنّي مزكيك ومشرّفك بفضيلة تسبق بها الشيعة في الموالاة بسرّ أطلعك عليه وانفذك في ابتياع أمة، فكتب كتابا لطيفا بخطّ رومي ولغة رومية وطبع عليه خاتمه وأخرج شقّة صفراء فيها مائتان وعشرون دينارا فقال (عليه السّلام): خذها وتوجّه إلى بغداد واحضر معبر الفرات ضحوة يوم كذا، فإذا وصلت إلى جانبك زواريق السبايا وترى الجواري فيها ستجد طوائف المبتاعين من وكلاء قواد بني العبّاس وشرذمة من فتيان العرب، فإذا رأيت ذلك فأشرف من العبد على المسمّى عمر بن يزيد النخاس عامّة نهارك إلى أن تبرز للمبتاعين جارية صفتها كذا وكذا، لابسة حريرين صفيفين(١٠٦٠)، تمتنع من العرض ولمس المعترض والانقياد لمن يحاول لمسها، وتسمع صرخة رومية من وراء ستر رقيق فاعلم أنّها تقول واهتك ستراه، فيقول بعض المبتاعين عليّ ثلاثمائة دينار فقد زادني العفاف فيها رغبة فتقول بالعربية: لو برزت في زي سليمان بن داود وعلى شبه ملكه ما بدت لي فيك رغبة فأشفق على مالك، فيقول النخاس: وما الحيلة ولا بدّ من بيعك، فتقول الجارية: وما العجلة ولا بدّ من اختيار مبتاع يسكن قلبي إليه وإلى وفائه وأمانته، فعند ذلك قم إلى عمر بن يزيد النخاس وقل له: إنّ معي كتابا ملطفا لبعض الأشراف كتب بلغة رومية وخط رومي ووصف فيه كرمه ووفاءه وسخاءه فناولها إيّاه لتتأمّل منه أخلاق صاحبه، فإن مالت إليه ورضيته فأنا وكيله في ابتياعها منك.
قال بشر بن سليمان: فامتثلت جميع ما حدّه لي مولاي أبو الحسن (عليه السّلام) في أمر الجارية، فلمّا نظرت في الكتاب بكت بكاء شديدا وقالت لعمر بن يزيد بعني من صاحب هذا الكتاب، وحلفت بالمحرجة والمغلظة أنّه متى امتنع من بيعها منه قتلت نفسها، فما زلت أشاحّه في ثمنها حتّى استقر الأمر فيه على مقدار ما كان أصحبنيه مولاي من الدنانير، فاستوفاه وتسلّمت الجارية ضاحكة مستبشرة وانصرفت بها إلى الحجرة التي كنت آوي إليها ببغداد، فما أخذها القرار حتّى أخرجت كتاب مولانا (عليه السّلام) من جيبها وهي تلثمه وتطبقه على جفنها وتضعه على خدّها وتمسحه على بدنها، فقلت تعجّبا منها: تلثمين كتابا لا تعرفين صاحبه؟
فقالت: أيّها العاجز الضعيف المعرفة بمحل أولاد الأنبياء، أعرني سمعك وفرّغ لي قلبك:
أنا مليكة بنت يشوعا بن قيصر ملك الروم وأمّي من ولد الحواريين تنسب إلى وصي المسيح شمعون، انبئك بالعجب أنّ جدّي قيصر أراد أن يزوّجني من ابن أخيه وأنا من بنات ثلاث عشرة سنة فجمع في قصره من نسل الحواريين من القسيسين والرهبان ثلاثمائة رجل، ومن ذوي الأخطار منهم سبعمائة رجل، وجمع من أمراء الأجناد وقوّاد العسكر ونقباء الجيوش وملوك العشائر أربعة آلاف، وأبرز من بهيّ ملكه عرشا مصاغا من أصناف الجواهر ورفعه فوق أربعين مرقاة، فلمّا صعد ابن أخيه وأحدقت الصلب وقامت الأساقفة عكفا ونشرت أسفار الإنجيل، تسافلت الصلب من الأعلى فلصقت الأرض وتقوّضت أعمدة العرش، فانهارت إلى القرار وخرّ الصاعد من العرش مغشيا عليه، فتغيّرت ألوان الأساقفة وارتعدت فرائصهم.
فقال كبيرهم لجدّي: أيّها الملك اعفنا من ملاقاة هذه النحوس الدالّة على زوال هذا الدين المسيحي والمذهب الملكاني، فتطيّر جدّي من ذلك تطيرا شديدا وقال للأساقفة:
أقيموا هذه الأعمدة وارفعوا الصلبان وأحضروا أخا هذا المدبر العاهر المنكوس جدّه لازوّجه هذه الصبية فيدفع نحوسه عنكم بسعوده، ولمّا فعلوا ذلك حدث على الثاني مثل ما حدث على الأوّل وتفرّق الناس، وقام جدّي قيصر مغتمّا فدخل منزل النساء وارخيت الستور، ورأيت في تلك الليلة كأنّ المسيح (عليه السّلام) وشمعون وعدّة من الحواريين قد اجتمعوا في قصر جدّي ونصبوا فيه منبرا من نور يباري السماء علوّا وارتفاعا في الموضع الذي كان نصب جدّي فيه عرشه، ودخل عليه محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وختنه ووصيّه (عليه السّلام) وعدّة من أبنائه فتقدّم المسيح إليه فاعتنقه، فقال له محمد (صلّى اللّه عليه وآله): يا روح اللّه إنّي جئتك خاطبا من وصيك شمعون فتاته مليكة لا بني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد ابن صاحب هذا الكتاب، فنظر المسيح إلى شمعون وقال له: قد أتاك الشرف فصل رحمك إلى رحم آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله).
قال: قد فعلت، فصعد ذلك المنبر فخطب محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وزوّجني من ابنه وشهد المسيح وشهد أبناء محمّد والحواريون، فلمّا استيقظت أشفقت أن أقص هذه الرؤيا على أبي وجدّي مخافة القتل، فكنت أسرّها ولا ابديها لهم وضرب صدري بمحبّة أبي محمد (عليه السّلام) حتى امتنعت من الطعام والشراب فضعفت نفسي ودقّ شخصي ومرضت مرضا شديدا، فما بقي من مدائن الروم طبيب إلّا أحضره جدّي وسأله عن دوائي، فلمّا برح به اليأس قال:
يا قرّة عيني هل يخطر ببالك شهوة فأزودكها في هذه الدنيا؟
فقلت: يا جدّي أرى أبواب الفرج علي مغلقة فلو كشفت العذاب عمّن في سجنك من أسارى المسلمين، وفككت عنهم الأغلال وتصدّقت عليهم ومنيتهم الخلاص، رجوت أن يهب المسيح وأمّه عافية، فلمّا فعل ذلك تجلّدت في إظهار الصحّة من بدني قليلا وتناولت يسيرا من الطعام، فسر بذلك وأقبل على إكرام الأسارى وإعزازهم، فرأيت أيضا بعد أربع عشرة ليلة كأنّ سيّدة نساء العالمين قد زارتني ومعها مريم بنت عمران وألف من وصائف الجنان فتقول لي مريم: هذه سيّدة النساء (عليها السّلام) أمّ زوجك أبي محمّد (عليه السّلام)، فأتعلّق بها وأبكي وأشكو إليها امتناع أبي محمد من زيارتي، فقالت سيّدة النساء (عليها السّلام): إنّ ابني أبا محمّد لا يزورك وأنت مشركة باللّه على مذهب النصارى، وهذه اختي مريم بنت عمران تبرأ إلى اللّه من دينك فإن ملت إلى رضاء اللّه تعالى ورضا المسيح وزيارة أبي محمّد إيّاك فقولي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّ أبي محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فلمّا تكلّمت بهذه الكلمة ضمّتني إلى صدرها سيّدة نساء العالمين، وطيّبت نفسي وقالت: الآن توقعي زيارة أبي محمّد وإنّي منفذة إليك، فانتبهت وأنا أقول وأتوقّع لقاء أبي محمّد، فلمّا نمت من الليلة القابلة رأيت أبا محمّد (عليه السّلام) وكأنّي أقول: قد جفوتني يا حبيبي بعد أن أتلفت نفسي معالجة حبّك، فقال: ما كان تأخّري عنك إلّا لشركك، فقد أسلمت وأنا زائرك في كلّ ليلة إلى أن يجمع اللّه شملنا في العيان، فما قطع عنّي زيارته بعد ذلك إلى هذه الغاية.
قال بشر: فقلت لها: وكيف وقعت في الأسارى؟ فقالت: أخبرني أبو محمّد (عليه السّلام) ليلة من الليالي أنّ جدّك سيسيّر جيشا إلى قتال المسلمين يوم كذا وكذا ثمّ يتبعهم فعليك باللحاق بهم متنكّرة في زي الخدم مع عدّة من الوصائف من طريق كذا، ففعلت ذلك فوقفت علينا طلائع المسلمين حتّى كان من أمري ما رأيت وشاهدت، وما شعر بأنّي ابنة ملك الروم إلى هذه الغاية أحد سواك وذلك بإطلاعي إيّاك عليه، ولقد سألني الشيخ الذي وقعت إليه في سهم الغنيمة عن اسمي فأنكرته وقلت: نرجس اسم الجواري. قلت: العجب أنّك رومية ولسانك عربي! قالت: نعم من ولع جدّي وحمله إيّاي على تعلّم الآداب أن أوعز إلى امرأة ترجمانة له في الاختلاف إليّ، وكانت تقصدني صباحا ومساء وتفيدني العربية حتّى استمر لساني عليها واستقام.
قال بشر: فلمّا انكفأت بها إلى سرّ من رأى دخلت على مولاي أبي الحسن (عليه السّلام) فقال: أراك اللّه عزّ الإسلام وذلّ النصرانية وشرف محمّد وأهل بيته. قالت: كيف أصف لك يا بن رسول اللّه ما أنت أعلم به منّي. قال (عليه السّلام): فإنّي احبّ أن اكرمك فأيّما أحبّ إليك أصف لك يا بن رسول اللّه ما أنت أعلم به منّي. قال (عليه السّلام): فإنّي احبّ أن اكرمك فأيّما أحبّ إليك عشرة آلاف دينار أم بشرى لك بشرف الأبد؟ قالت: بشرى بولد لي. قال لها: أبشري بولد يملك الدنيا شرقا وغربا ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا. قالت: ممن؟ قال: ممّن خطبك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) له ليلة كذا في شهر كذا من سنة كذا بالرومية، قال لها: ممّن زوّجك المسيح ووصيّه؟ قالت: من ابنك أبي محمّد (عليه السّلام). فقال: هل تعرفينه؟ قالت: وهل خلت ليلة لم يزرني فيها، منذ الليلة التي أسلمت على يد سيّدة النساء (عليها السّلام). قال: فقال مولانا: يا كافور ادع اختي حكيمة (ر ض)، فلمّا دخلت قال لها: ها هيه واعتنقتها طويلا ومالت بها كثيرا، فقال لها أبو الحسن: يا بنت رسول اللّه خذيها إلى منزلك وعلّميها الفرائض والسنن، فإنّها زوجة أبي محمّد وأمّ القائم (عجّل اللّه فرجه)(١٠٦١).
الفرع الثاني أخبار تولّده (عجّل اللّه فرجه)
في إرشاد المفيد: كان الإمام القائم (عليه السّلام) بعد أبي محمد ابنه المسمّى باسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) المكنّى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولدا ظاهرا ولا باطنا غيره، وخلّفه غائبا مستترا وكان مولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين وأمّه أمّ ولد يقال لها نرجس، وكان سنّه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه اللّه فيها الحكمة وفصل الخطاب وجعله آية للعالمين، وآتاه اللّه الحكمة كما آتاها يحيى صبيا، وجعله إماما في حال الطفولية الظاهرة كما جعل عيسى ابن مريم في المهد نبيّا، وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الاخرى كما جاءت بذلك الأخبار؛ فأمّا القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة، وأمّا الطولى فهي بعد الاولى وفي آخرها يقوم بالسيف، قال اللّه عزّ وجلّ (ونُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ ونَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً ونَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ ونُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ ونُرِيَ فِرْعَوْنَ وهامانَ وجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ)(١٠٦٢) وقال جلّ اسمه (ولَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ)(١٠٦٣) وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لن تنقضي الأيّام والليالي حتّى يبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يواطي اسمه اسمي يملؤها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا(١٠٦٤).
وفي البحار عن محمّد بن عبد اللّه المطهري قال: قصدت حكيمة بنت محمد بعد مضيّ أبي محمد أسألها عن الحجّة وما قد اختلفت فيه الناس من الحيرة التي هم فيها. فقالت لي:
اجلس، فجلست، ثمّ قالت لي: يا محمد إنّ اللّه تبارك وتعالى لا يخلي الأرض من حجّة ناطقة أو صامتة، ولم يجعلها في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السّلام) تفضيلا للحسن والحسين وتمييزا لهما أن يكون في الأرض عديلهما، إلّا أنّ اللّه تبارك وتعالى خصّ ولد الحسين بالفضل على ولد الحسن كما خصّ ولد هارون على ولد موسى وإن كان موسى حجّة على هارون والفضل لولده إلى يوم القيامة. ولا بدّ للامّة من حيرة يرتاب فيها المبطلون ويخلص فيها المحقّقون لئلّا يكون للناس على اللّه حجّة بعد الرسل، وإنّ الحيرة لا بدّ واقعة بعد مضيّ أبي محمّد الحسن (عليه السّلام).
فقلت: يا مولاتي هل كان للحسن ولد؟ فتبسّمت ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن عقب فمن الحجّة من بعده، وقد أخبرتك أنّ الإمامة لا تكون للأخوين بعد الحسن والحسين. فقلت: يا سيّدتي حدّثيني بولادة مولاي وغيبته؟ قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها نرجس فزارني ابن أخي وأقبل يحدّ النظر إليها فقلت له: يا سيدي لعلّك هويتها فأرسلها إليك؟ فقال: لا يا عمّة لكن أتعجّب منها. فقلت: وما أعجبك؟ فقال (عليه السّلام): سيخرج منها ولد كريم على اللّه عزّ وجلّ الذي يملأ اللّه به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما. قلت: فأرسلها إليك يا سيّدي؟ فقال: استأذني في ذلك أبي (عليه السّلام).
قالت: فلبست ثيابي وأتيت منزل أبي الحسن فسلّمت وجلست فبدأني وقال: حكيمة ابعثي بنرجس إلى ابني أبي محمّد. قالت: فقلت: يا سيدي على هذا قصدتك أن أستأذنك في ذلك، فقال: يا مباركة إنّ اللّه تبارك وتعالى أحبّ أن يشركك في الأجر ويجعل لك في الخير نصيبا. قالت حكيمة: فلم ألبث أن رجعت إلى منزلي وزيّنتها ووهبتها لأبي محمّد وجمعت بينه وبينها في منزلي، فأقام عندي أيّاما ثمّ مضى إلى والده ووجّهت بها معه، قالت حكيمة: فمضى أبو الحسن وجلس أبو محمد مكان والده، وكنت أزوره كما كنت أزور والده فجاءتني نرجس يوما تخلع خفي وقالت: يا مولاتي ناوليني خفك.
فقلت: بل أنت سيدتي ومولاتي، واللّه ما رفعت إليك خفّي لتخلعيه لا خدمتني، بل أخدمك على بصري، فسمع أبو محمد ذلك، فقال: جزاك اللّه خيرا يا عمّة، فجلست عنده إلى غروب الشمس فصحت بالجارية وقلت: ناوليني ثيابي لأنصرف، فقال: يا عمّتاه بيتي الليلة عندنا فإنّه سيولد الليلة المولود الكريم على اللّه عزّ وجلّ، الذي يحيي اللّه عزّ وجلّ به الأرض بعد موتها، قلت: ممّن يا سيدي ولست أرى بنرجس شيئا من أثر الحمل؟ فقال: من نرجس لا من غيرها. قالت: فوثبت إلى نرجس فقلبتها ظهرا لبطن فلم أر بها أثرا من حمل، فعدت إليه فأخبرته بما فعلت، فتبسّم ثمّ قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها الحمل؛ لأنّ مثلها مثل أمّ موسى لم يظهر بها الحمل ولم يعلم بها أحد إلى وقت ولادتها؛ لأنّ فرعون كان يشقّ بطون الحبالى في طلب موسى وهذا نظير موسى.
قالت حكيمة: فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي لا تقلب جنبا إلى جنب، حتّى إذا كان في آخر الليل وقت طلوع الفجر وثبت فزعة فضممتها إلى صدري وسمّيت عليها فصاح أبو محمد وقال: اقرئي عليها: (إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) وقلت لها: ما حالك؟ قالت: ظهر الأمر الذي أخبرك به مولاي، فأقبلت أقرأ عليها كما أمرني، فأجابني الجنين من بطنها يقرأ كما أقرأ وسلّم علي.
قالت حكيمة: ففزعت لما سمعت، فصاح لي أبو محمد: لا تعجبي من أمر اللّه عزّ وجلّ، إنّ اللّه تبارك وتعالى ينطقنا بالحكمة صغارا ويجعلنا حجّة في أرضه كبارا، فلم يستتم الكلام حتّى غيّبت عنّي نرجس فلم أرها، كأنّه ضرب بيني وبينها حجاب، فعدوت نحو أبي محمّد وأنا صارخة فقال لي: ارجعي يا عمّة فإنّك ستجدينها في مكانها.
قالت: فرجعت فلم ألبث أن كشف الحجاب بيني وبينها وإذا أنا بها وعليها من أثر النور ما غشّى بصري، وإذا أنا بالصبي ساجدا على وجهه جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه نحو السماء وهو يقول: (أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له وأنّ جدّي رسول اللّه وأنّ أبي أمير المؤمنين،) ثمّ عدّ إماما إماما إلى أن بلغ إلى نفسه فقال (عجّل اللّه فرجه): اللهمّ أنجز لي وعدي وأتمم لي أمري وثبّت وطأتي واملأ الأرض بي عدلا وقسطا. فصاح أبو محمّد الحسن (عليه السّلام) فقال: يا عمّة تناوليه فهاتيه، فتناولته وأتيت به نحوه، فلمّا مثلت بين يدي أبيه وهو على يدي، سلّم على أبيه فتناوله الحسن والطير ترفرف على رأسه فصاح بطير منها فقال له:
احمله واحفظه وردّه إلينا في كل أربعين يوما فتناوله الطائر وطار به في جوّ السماء، واتبعه سائر الطير، وسمعت أبا محمد يقول: استودعتك الذي استودعته أمّ موسى موسى، فبكت نرجس فقال لها: اسكتي فإنّ الرضاع محرم عليه إلّا من ثديك وسيعاد إليك كما ردّ موسى إلى أمّه، وذلك قوله عزّ وجلّ: (فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ)(١٠٦٥).
قالت حكيمة: فقلت: ما هذا الطائر؟ قال: هذا روح القدس الموكّل بالأئمّة، يوفقهم ويسدّدهم ويربيهم بالعلم. قالت حكيمة: فلمّا أن كان بعد أربعين يوما ردّ الغلام ووجّه إليّ ابن أخي فدعاني فدخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرّك يمشي بين يديه فقلت: سيدي هذا ابن سنتين؟ فتبسّم (عليه السّلام) ثمّ قال: إنّ أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمّة ينشئون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإنّ الصبي منّا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإنّ الصبي منّا ليتكلّم في بطن أمّه ويقرأ القرآن ويعبد ربّه عزّ وجلّ، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليهم صباحا ومساء.
قالت حكيمة: فلم أزل أرى ذلك الصبي كلّ أربعين يوما إلى أن رأيته رجلا قبل مضيّ أبي محمّد (عليه السّلام) بأيّام قلائل فلم أعرفه فقلت لأبي محمّد: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس وخليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي. قالت حكيمة: فمضى أبو محمّد بأيّام قلائل وافترق الناس كما ترى، واللّه إنّي لأراه صباحا ومساء وإنّه لينبئني عمّا تسألونني عنه فأخبركم، وو اللّه إنّي لاريد أن أسأله عن الشيء فيبدأني به، وإنّه ليرد عليّ الأمر فيخرج إليّ منه جوابه من ساعته من غير مسألتي، وقد أخبرني البارحة بمجيئك إليّ وأمرني أن اخبرك بالحقّ. قال محمّد بن عبد اللّه: فو اللّه لقد أخبرتني حكيمة بأشياء لم يطّلع عليها إلّا اللّه عزّ وجلّ، فعلمت أنّ ذلك صدق وعدل من اللّه تعالى، وأنّ اللّه عزّ وجلّ قد أطلعه على ما لم يطلع عليه أحدا من خلقه(١٠٦٦).
الفرع الثالث في ذكر بعض المعترفين بولادته من أهل السنّة والجماعة
اعلم أيّها الطالب للحقّ والإنصاف أنّ في خصوص تولّده (عجّل اللّه فرجه) في سر من رأى أنّه وهو ابن الحسن العسكري لا يكاد يوجد منكر من طرف الخاصّة. وأمّا من طرف أهل السنّة فالمعترفون بولادته في سر من رأى من نرجس في سنة خمس وخمسين ومائتين، بل غيبته في السرداب من المعروفين الموثقين كثير بحيث لا يكاد يحصى عددهم، ونحن نذكر جلّا منهم:
الأوّل:
أبو سالم كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي النصيبي: ولا يكاد يوجد منكر من أهل السنّة والجماعة لنفسه ولكتابه المسمّى بمطالب السئول، قال في كتابه: الباب الثاني عشر في أبي القاسم م ح م د بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل بن محمد القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) بن أبي طالب، المهدي الحجّة الخلف الصالح المنتظر (عجّل اللّه فرجه) ورحمة اللّه وبركاته:

فهذا الخلف الحجّة قد أيّده اللّه * * * هدانا منهج الحق وآتاه سجاياه
وأعلاه ذرى العليا وبالتأييد رقّاه * * * وآتاه حلى فضل عظيم فتحلاه
وقد قال رسول اللّه قولا قد رويناه * * * وذو العلم بما قال إذا أدركت معناه
يرى الأخبار في المهدي جاءت بمسمّاه * * * وقد أبداه بالنسبة والوصف وسمّاه
ويكفي قوله: مني لإشراق محياه * * * ومن بضعته الزهراء مجراه ومرساه
ولن يبلغ ما اوتيه أمثال وأشباه * * * فإن قالوا هو المهدي ما ماتوا بما فاهوا

قد وقع من النبوّة في أكناف عناصرها ورضع من الرسالة أخلاف أواصرها وترع من القرابة بسجال معاصرها، وبرع في صفات الشرف فعقدت عليه بخناصرها، فاقتنى من الأنساب شرف نصابها، واعتلا عند الانتساب على شرف أحسابها، واجتنى جنا الهداية من معادنها وأسبابها؛ فهو من ولد الطهر البتول، المجزوم بكونها بضعة من الرسول (صلّى اللّه عليه وآله)، فالرسالة أصلها وإنّها لأشرف العناصر والاصول، فأمّا مولده فبسرّمن رأى في الثالث والعشرين من رمضان سنة ثمان وخمسين ومائتين للهجرة. وأمّا نسبه أبا وامّا فأبوه الحسن الخالص بن علي المتوكّل - إلى أن قال: ابن علي المرتضى أمير المؤمنين - إلى أن قال: وأمّا اسمه فمحمّد وكنيته أبو القاسم ولقبه الحجّة والخلف الصالح، وقيل: المنتظر(١٠٦٧).
الثاني:
أبو عبد اللّه محمد بن يوسف الكنجي الشافعي الذي يعبّر عنه ابن الصباغ المالكي في كتابه الفصول المهمّة: بالإمام الحافظ، ووثّقه وبجّله جمع من العلماء، ولا يوجد له معارض في أهل السنّة والجماعة قال في كتابه كفاية الطالب بعد ذكر تاريخ ولادة أبي محمّد (عليه السّلام) ووفاته: وخلّف ابنه، وهو الإمام المنتظر(١٠٦٨).
وفي كتابه البيان بعد ذكر الأئمّة من ولد أمير المؤمنين (عليه السّلام) ما لفظه: وخلّف - يعني علي الهادي - من الولد أبا محمد الحسن ابنه. ثمّ ذكر تاريخ ولادته ووفاته وقال: ابنه وهو الحجّة الإمام المنتظر، وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت وخوف السلطان. والباب الرابع والعشرون منه في الدلالة على جواز بقاء المهدي (عجّل اللّه فرجه) منذ غيبته(١٠٦٩).
الثالث:
نور الدين علي بن محمد بن الصباغ المالكي، ووثّقه وبجّله جلّ من العلماء منهم محمد بن عبد الرّحمن السخاوي البصري تلميذ الحافظ ابن حجر العسقلاني، قال في الفصول المهمّة: الفصل الثاني عشر في ذكر أبي القاسم الحجّة الخلف الصالح ابن أبي محمد الحسن الخالص، وهو الإمام الثاني عشر وتاريخ ولادته ودلائل إمامته(١٠٧٠).
الرابع:
شمس الدين يوسف بن قزأغلي بن عبد اللّه البغدادي الحنفي، سبط العالم الواعظ أبي الفرج عبد الرّحمن بن جوزي في آخر كتابه الموسوم بتذكرة خواص الامّة بعد ترجمة العسكري (عليه السّلام): ذكر أولاده منهم (م ح م د) الإمام فقال هو (م ح م د) بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السّلام)، وكنيته أبو عبد اللّه وأبو القاسم، وهو الخلف الحجّة صاحب الزمان القائم والمنتظر والتالي، وهو آخر الأئمّة(١٠٧١).
الخامس:
الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي في الباب السادس والستّين وثلاثمائة من الفتوحات: واعلموا أنّه لا بدّ من خروج المهدي (عجّل اللّه فرجه) لكن لا يخرج حتّى تمتلئ الأرض جورا وظلما فيملأها قسطا وعدلا، ولو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد طوّل اللّه ذلك اليوم حتّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) من ولد فاطمة (عليها السّلام)، جدّه الحسين ابن علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، ووالده الحسن العسكري بن الإمام علي النقي - بالنون - بن الإمام محمد التقي - بالتاء - بن الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر بن الإمام زين العابدين علي بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام)، يواطئ اسمه اسم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، يبايعه المسلمون ما بين الركن والمقام، يشبه رسول اللّه في الخلق - بفتح الخاء - وينزل عنه في الخلق - بضمّها - إذ لا يكون أحد مثل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) في أخلاقه، واللّه تعالى يقول: (وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)(١٠٧٢) وهو أجلى الجبهة، أقنى الأنف، أسعد الناس به أهل الكوفة يقسم المال بالسوية ويعدل في الرعية، يمشي الخضر بين يديه، يعيش خمسا أو سبعا أو تسعا، يقفو أثر رسول اللّه، له ملك يسدّده من حيث لا يراه، يفتح المدينة الرومية بالتكبير مع سبعين ألفا من المسلمين، يعزّ اللّه به الإسلام بعد ذلّه، ويحييه بعد موته، ويضع الجزية ويدعو إلى اللّه بالسيف فمن أبى قتل ومن نازعه خذل، يحكم بالدين الخالص عن الرأي. إلى آخر كلامه(١٠٧٣).
السادس:
الشيخ العارف عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني في كتابه المسمّى باليواقيت، وهو بمنزلة الشرح لتعلّقات الفتوحات، وهذا كتابه تلقّاه العلماء بالقبول. قال في المبحث الخامس والستّين من الجزء الثاني من الكتاب المذكور: في بيان أنّ جميع أشراط الساعة التي أخبرنا بها الشارع حقّ لا بدّ أن تقع كلّها قبل قيام الساعة، وذلك لخروج المهدي (عجّل اللّه فرجه) ثمّ الدجّال ثمّ نزول عيسى - إلى أن قال - إلى انتهاء الألف، ثمّ تأخذ في ابتداء الاضمحلال إلى أن يصير الدين غريبا كما بدأ، وذلك الاضمحلال يكون بدايته من مضي ثلاثين سنة من القرن الحادي عشر، فهناك يترقّب خروج المهدي (عجّل اللّه فرجه)، وهو من أولاد الإمام الحسن العسكري ومولده ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، وهو باق إلى أن يجتمع بعيسى ابن مريم فيكون عمره إلى وقتنا هذا - وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائة - سبعمائة وثلاث سنين(١٠٧٤).
السابع:
نور الدين عبد الرّحمن بن قوام الدين الدشتي الجامي الحنفي في شواهد النبوّة(١٠٧٥)، وهو كتاب جليل معتمد، وفي هذا الكتاب جعل الحجّة ابن الحسن (عليه السّلام) الإمام الثاني عشر، ذكر غرائب حالات ولادته وبعض معاجزه وأنّه الذي يملأ الأرض عدلا وقسطا، وروى عن حكيمة عمّة أبي محمّد الزكي أنّها قالت: كنت يوما عند أبي محمّد (عليه السّلام) فقال: يا عمّة بيتي الليلة فإنّ اللّه يعطينا خلفا. فقلت: ممّن؟ فإنّي لا أرى في نرجس أثر الحمل. فقال (عليه السّلام): يا عمّة مثل نرجس مثل أمّ موسى لا يظهر حملها إلّا في وقت الولادة(١٠٧٦)، إلى آخر حال تولّده كما ذكر في غصن تولّده (عجّل اللّه فرجه) باختلاف ما روي عن غير واحد رؤيتهم إيّاه في حال حياة أبي محمّد (عليه السّلام)، وحكاية المبعوثين من قبل المعتمد على قتله (عليه السّلام).
الثامن:
الحافظ محمد بن محمد بن محمود البخاري المعروف بخواجة پارسا من أعيان علماء الحنفية في كتابه فصل الخطاب: ولمّا زعم أبو عبد اللّه جعفر بن أبي الحسن علي الهادي رضى اللّه عنه أنّه لا ولد لأخيه أبي محمد الحسن العسكري (عليه السّلام) وادّعى أنّ أخاه الحسن العسكري جعل الإمامة فيه سمّي الكذّاب، وهو معروف بذلك، والعقب من ولد جعفر بن علي هذا في علي بن جعفر، وعقب علي هذا ثلاثة: عبد اللّه وجعفر وإسماعيل، وأبو محمد الحسن العسكري ولده م ح م د (عليه السّلام) معلوم عند خاصّة خواص أصحابه وثقات أهله. ثمّ جر الكلام في ذكر رواية تولّده عن حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد كما في ترجمة عبد الرّحمن الجامي قبيل ذلك باختلاف يسير(١٠٧٧).
التاسع:
الحافظ أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس في أربعينه(١٠٧٨) المعروف في الحديث الرابع عن أحمد بن نافع البصري قال: حدّثني أبي وكان خادما للإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي العبد الصالح موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر الصادق (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي باقر علوم الأنبياء محمّد بن علي قال: حدّثني أبي سيّد العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) قال: حدّثني أبي سيّد الشهداء الحسين بن علي (عليه السّلام) قال:
حدّثني سيّد الأوصياء علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أنّه قال: قال لي أخي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وهو مقبل عليه غير معرض عنه فليتولّ عليا، ومن سرّه أن يلقى اللّه وهو راض عنه فليتولّ ابنك الحسن، ومن أحب أن يلقى اللّه عزّ وجلّ ولا خوف عليه فليتولّ ابنك الحسين، ومن أحب أن يلقى اللّه وهو يحطّ عنه ذنوبه فليتولّ علي بن الحسين (عليه السّلام) فإنّه كما قال اللّه تعالى: (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ)(١٠٧٩) من أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وهو قرير العين فليتولّ محمد بن علي (عليه السّلام)، ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ فيعطيه كتابه بيمينه فليتولّ جعفر بن محمد، ومن أحبّ أن يلقى اللّه طاهرا مطهرا فليتولّ موسى بن جعفر النور الكاظم، ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وهو ضاحك فليتولّ علي بن موسى الرضا (عليه السّلام) ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وقد رفعت درجاته وبدّلت سيّئاته حسنات فليتولّ ابنه محمدا، ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ فيحاسبه حسابا يسيرا، ويدخله جنّة عرضها السموات والأرض فليتولّ ابنه عليّا، ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وهو من الفائزين فليتولّ ابنه الحسن العسكري، ومن أحبّ أن يلقى اللّه عزّ وجلّ وقد كمل إيمانه وحسن إسلامه فليتولّ ابنه صاحب الزمان المهدي (عجّل اللّه فرجه)؛ فهؤلاء مصابيح الدجى وأئمّة الهدى وأعلام التقى فمن أحبّهم وتولّاهم كنت ضامنا له على اللّه الجنّة(١٠٨٠).
العاشر:
أبو المجد عبد الحقّ الدهلوي البخاري قال في رسالته في المناقب وأحوال الأئمّة الأطهار بعد ذكر أمير المؤمنين والحسنين والسجّاد والباقر والصادق: وهؤلاء من أهل البيت وقع لهم ذكر في الكتاب - إلى أن قال - ولقد تشرّفا بذكرهم جميعا في الرسالة المنفردة الخ. فقال في الرسالة: وأبو محمد العسكري، ولده (م ح م د) معلوم عند خواص أصحابه وثقاته. ثمّ نقل قصّة الولادة بالفارسية على طبق ما مرّ عن فصل الخطاب للخواجة محمّد پارسا(١٠٨١).
الحادي عشر:
السيّد جمال الدين عطاء اللّه بن السّيد غياث الدين فضل اللّه بن السيّد عبد الرّحمن المحدث المعروف صاحب كتاب: روضة الأحباب بالفارسية: إمام دوازدهم (م ح م د) بن الحسن (عليه السّلام) تولد همايون آن در درج ولايت وجوهر معدن هدايت در منتصف شعبان سنة دويست وپنجاه وپنج در سامره اتفاق افتاد وگفته شده در بيست وسيم از شهر رمضان سنة دويست وپنجاه وهشت ومادر آن عالى عالى گهر امّ ولد بوده ومسماة بصيقل يا سوسن وقيل: نرجس وقيل: حكيمة، وآن إمام ذو الاحترام در كنيت با حضرت خير الأنام عليه وآله تحف السلام موافقت دارد ومهدي منتظر والخلف الصالح وصاحب الزمان در ألقاب أو منتظم است در وقت وفات پدر (عليه السّلام) بزرگوار خود بروايتى كه بصحت اقربست پنجساله بود وبقول ثانى دوساله وحضرت واهب العطايا آن شكوفه گلزار را مانند يحيى بن زكريا (سلام اللّه عليهما) در حالت طفوليت حكمت كرامت فرموده ودر وقت صبا به مرتبه بلند إمامت رسانيده وصاحب الزمان يعنى مهدى دوران در زمان معتمد خليفه در سنه دويست وشصت وپنج يا شصت وشش على اختلاف القولين در سردابه سر من رأى أز نظر فرق برا يا غائب شد، وبعد ذكر كلماتى چند درباره آن جناب ونقل بعضى روايات صريحه در آنكه مهدى موعود همان حجة بن الحسن العسكري است(١٠٨٢).
الثاني عشر:
الحافظ بن محمد أحمد بن إبراهيم بن هاشم الطوسي البلاذري في مسلسلاته: أخبرني فريد عصره الشيخ حسن بن علي العجمي، أنا(١٠٨٣) حافظ عصره جمال الدين الباهلي، أنا مسند وقته محمد الحجازي الواعظ، أنا صوفي زمانه الشيخ عبد الوهاب الشعراني، أنا مجتهد عصره الجلال السيوطي، أنا حفظ عصره أبو نعيم رضوان العقبي، أنا معرفي زمانه الشيخ محمد بن الجوزي، أنا الإمام جلال الدين محمد بن محمد بن الجمال زاهد عصره، أنا الإمام محمد بن مسعود محدث بلاد فارس في زمانه، أنا شيخنا إسماعيل ابن مظفر الشيرازي عالم وقته، أنا عبد السلام بن أبي الربيع الحنفي محدّث زمانه، أنا أبو بكر عبد اللّه بن محمد بن شابور القلانسي شيخ عصره، أنا عبد العزيز، حدثنا(١٠٨٤) محمد الأمّي إمام أوانه، أنا سليمان بن إبراهيم بن محمد بن سليمان نادرة عصره، حدثنا أحمد بن محمد بن هاشم البلاذري حافظ زمانه، حدثنا (م ح م د) بن الحسن المحجوب إمام عصره، حدثنا الحسن بن علي عن أبيه عن جدّه عن أبي جدّه علي بن موسى الرضا، حدثنا موسى الكاظم قال: حدثنا أبي جعفر الصادق، حدثنا أبي محمد الباقر بن علي، حدثنا علي بن الحسين زين العابدين السجّاد، حدثنا أبي الحسين سيّد الشهداء (عليه السّلام)، حدثنا أبي علي بن أبي طالب سيّد الأولياء، قال: أخبرنا سيّد الأنبياء محمّد بن عبد اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قال: أخبرني جبرئيل سيّد الملائكة قال: قال اللّه تعالى سيّد السادات: إنّي أنا اللّه لا إله إلّا أنا، من أقرّ لي بالتوحيد دخل حصني ومن دخل حصني أمن من عذابي.
الثالث عشر:
الشيخ العالم الأريب الأوحد أبو محمد عبد اللّه بن أحمد بن محمد بن الخشّاب عن صدقة بن موسى، حدّثنا أبي شهاب الدين المعروف بملك العلماء عن الرضا (عليه السّلام) الخلف الصالح من ولد أبي محمد الحسن بن علي، وهو صاحب الزمان وهو المهدي. وعن هارون بن موسى عن أبيه موسى قال: قال سيّدي جعفر بن محمّد (عليه السّلام):
الخلف الصالح من ولدي هو المهدي، اسمه م ح م د وكنيته أبو القاسم يخرج في آخر الزمان يقال لامّه صيقل، وفي رواية، بل أمّه حكيمة، وفي رواية اخرى ثالثة يقال لها:
نرجس، ويقال بل سوسن، واللّه أعلم بذلك(١٠٨٥).
الرابع عشر:
شهاب الدين بن شمس(١٠٨٦) الدين بن عمر الهندي المعروف بملك العلماء، صاحب التفسير الموسوم بالبحر المواج قال في كتابه الموسوم ب (هداية السعداء)(١٠٨٧):
ويقول أهل السنّة: إنّ خلافة الخلفاء الأربعة ثابتة بالنص، كذا في عقيدة الحافظية، قال النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله): خلافتي ثلاثون سنة، وقد تمّت بعلي وكذا خلافة الأئمّة الاثني عشر أوّلهم:
الإمام علي كرّم اللّه وجهه، وفي خلافته ورد حديث: الخلافة ثلاثون سنة، والثاني: الإمام الشاه حسن رضي اللّه عنه، قال (صلّى اللّه عليه وآله): هذا ابني سيّد سيصلح بين المسلمين، والثالث: الإمام الشاه حسين (عليه السّلام)، قال (صلّى اللّه عليه وآله): هذا ابني ستقتله الباغية، وتسعة من ولد الشاه حسين، قال (صلّى اللّه عليه وآله): بعد الحسين بن علي كانوا من أبنائه تسعة أئمّة آخرهم القائم.
وقال جابر بن عبد اللّه الأنصاري: دخلت على فاطمة بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) وبين يديها ألواح فيها أسماء أئمّة من ولدها فعددت أحد عشر اسما آخرهم القائم. ثمّ أورد على نفسه سؤالا أنّه لم يدّع زين العابدين الخلافة فأجاب عنه بكلام طويل حاصله: أنّه رأى ما فعل بجدّه أمير المؤمنين وأبيه (عليها السّلام) من الخروج والقتل والظلم، وسمع أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) رأى في منامه أن أجرية الكلاب تصعد على منبره وتعوي فحزن فنزل عليه جبرئيل بالآية (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) وهي مدّة ملك بني امية وتسلّطهم على عباد اللّه، فخاف وسكت إلى أن يظهر المهدي من ولده فيرفع الألوية ويخرج السيف فيملأ الأرض عدلا وقسطا إلى أن قال:
وأوّلهم الإمام زين العابدين والثاني الإمام محمد الباقر والثالث الإمام جعفر الصادق (عليهم السّلام) والرابع الإمام موسى الكاظم ابنه، والخامس علي الرضا ابنه، والسادس الإمام محمّد التقي ابنه، والسابع الإمام علي النقي ابنه، والثامن الإمام الحسن العسكري ابنه، والتاسع الإمام حجّة اللّه القائم الإمام المهدي ابنه، وهو غائب وله عمر طويل، كما بين المؤمنين عيسى وإلياس وخضر، وفي الكافرين الدجّال والسامري(١٠٨٨).
الخامس عشر:
الشيخ العالم المحدّث علي المتقي ابن حسام الدين ابن القاضي عبد الملك بن قاضي خان القرشي من كبار العلماء، وقد مدحوه في التراجم ووصفوه بكل جميل قال في كتاب المرقاة في شرح المشكاة بعد ذكر حديث اثني عشرية الخلفاء؛ قلت:
وقد حملت الشيعة الاثني عشر على أنّهم من أهل بيت النبوّة متوالية أعمّ من أن بهم خلافة حقيقة، يعني ظاهرا أو استحقاقا؛ فأوّلهم علي ثمّ الحسن والحسين فزين العابدين فمحمد الباقر فجعفر الصادق فموسى الكاظم فعليّ الرضا فمحمّد التقي فعليّ النقي فحسن العسكري (عليهم السّلام)، فمحمّد المهدي (رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين)، على ما ذكرهم صاحب زبدة الأولياء خواجه محمد پارسا في كتاب فصل الخطاب مفصّلا، وتبعه مولانا نور الدين عبد الرّحمن الجامي في أواخر شواهد النبوّة، وذكر فضائلهم ومناقبهم وكراماتهم مجملة، وفيه ردّ على الروافض حيث يظنّون بأهل السنّة بأنّهم يبغضون أهل البيت باعتقادهم الفاسد وفهمهم الكاسد. وأوّل كلامه وإن كان نقدا لمذهب الشيعة، إلّا أنّ آخره صريح في التصديق بما قالوا(١٠٨٩).
(وقال أيضا) في كتابه البرهان(١٠٩٠) في علامات مهدي آخر الزمان: عن أبي عبد اللّه الحسين ابن علي (عليه السّلام) قال: لصاحب هذا الأمر - يعني المهدي (عجّل اللّه فرجه) - غيبتان: إحداهما تطول حتّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم: ذهب لا يطلع على موضعه أحد من ولي ولا غيره إلّا المولى الذي يلي أمره(١٠٩١).
وعن أبي جعفر محمد بن علي قال: يكون لصاحب هذا الأمر - يعني المهدي (عجّل اللّه فرجه) - غيبة في بعض هذا الشعاب، وأومى بيده إلى ناحية ذي طوى، حتّى إذا كان قبل خروجه أتى المولى الذي يكون معه حتّى يلقى بعض أصحابه فيقول: كم أنتم؟ فيقولون:
نحوا من أربعين رجلا، فيقول: كيف أنتم لو رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: واللّه لو يأوي الجبال لنأوينّها، ثمّ يأتيهم من المقابلة فيقول: استبرءوا من رؤسائكم عشرة فيستبرءون فينطلق حتّى يلقى صاحبهم ويعدهم الليلة التي تليها.
السادس عشر: العالم المعروف فضل بن روزبهان شارح الشمائل للترمذي، قال في أوّله:
يقول الفقير إلى اللّه تعالى مؤلّف هذا الشرح، أبو الخير فضل اللّه ابن أبي محمد روزبهان محمد إسماعيل بن علي، الأنصاري أصلا وتبارا، الحنفي محتدا، الشيرازي مولدا، الاصبهاني دارا، المدني موتا، وأتبارا: أخبرنا بكتاب الشمائل الخ، وهو الذي تصدّى لرد كتاب نهج الحق للعلّامة الحلّي حسن بن يوسف بن المطهر وسمّاه: إبطال الباطل، وهو مع شدّة تعصّبه وإنكاره لجملة من الأخبار الصحيحة الصريحة، بل بعض ما هو كالمحسوس، وافق الإمامية في هذا المطلب فقال في شرح قول العلّامة: المطلب الثاني في زوجته وأولاده (عليه السّلام): كانت فاطمة سيّدة نساء العالمين (عليها السّلام) زوجته، وساق بعض فضائلها وفضائل الأئمّة من ولدها. قال الفضل:
أقول: ما ذكر من فضائل فاطمة صلوات اللّه على أبيها وعليها وعلى سائر آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) والسلام أمر لا ينكر فإنّ الإنكار على البحر برحمته وعلى البرّ بسعته وعلى الشمس بنورها وعلى الأنوار بظهورها وعلى الحساب بجودها وعلى الملك بسجوده؛ إنكار لا يزيد المنكر إلّا الاستهزاء به، ومن هو قادر على أن ينكر على جماعة هم أهل السداد، وخزّان معدن النبوّة، وحفّاظ آداب الفتوة (صلوات اللّه وسلامه عليهم)، ونعم ما قلت فيهم منظوما:

سلام على المصطفى المجتبى * * * سلام على السيّد المرتضى
سلام على ستنا فاطمة * * * من اختارها اللّه خير النسا
سلام من المسك أنفاسه * * * على الحسن الألمعي الرضا
سلام على الأورعي الحسين * * * شهيد يرى جسمه كربلاء
سلام على سيّد العابدين * * * على ابن الحسين المجتبى
سلام على الباقر المهتدى * * * سلام على الصادق المقتدى
سلام على الكاظم الممتحن * * * رضي السجايا إمام التقى
سلام على الثامن المؤتمن * * * علي الرضا سيّد الأصفيا
سلام على المتّقي التقي * * * محمد الطيب المرتجى
سلام على الأريحي النقي * * * علي المكرّم هادي الورى
سلام على السيّد العسكري * * * إمام يجهز جيش الصفا
سلام على القائم المنتظر * * * أبي القاسم العرم نور الهدى
سيطلع كالشمس في غاسق * * * ينجيه من سيفه المنتقى
قوي يملأ الأرض من عدله * * * كما ملئت جور أهل الهوى
سلام عليه وآبائه * * * وأنصاره ما تدوم السما(١٠٩٢)

فنصّ من غير تردّد أنّ المهدي الموعود القائم المنتظر هو الثاني عشر من هؤلاء الأئمّة الغرّ الميامين الدرر، والحمد للّه.
السابع عشر:
الناصر لدين اللّه أحمد ابن المستضيء بنور اللّه من الخلفاء العبّاسية، وهو الذي أمر بعمارة السرداب الشريف وجعل الصفة التي فيه شباكا من خشب صاج منقوش عليه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى ومَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ)(١٠٩٣) هذا ما أمر بعمله سيّدنا ومولانا الإمام المفترض الطاعة على جميع الأنام أبو العبّاس أحمد الناصر لدين اللّه، أمير المؤمنين وخليفة ربّ العالمين، الذي طبق البلاد إحسانه وعدله وعمّ البلاد رأفته وفضله، قرّب اللّه أوامره الشريفة باستمرار البحح والنشر وناطها بالتأييد والنصر، وجعل لأيّامه المخلدة حدّا لا يكبو جواده ولآرائه الممجدة سعدا لا يخبو زناده، في عز تخضع له الأقدار فيطيعه عواميها، وملك خشع له الملوك فيملكه نواصيها بتولي الملوك معد بن الحسين بن معد الموسوي الذي يرجو الحياة في أيّامه المخلدة، ويتمنّى إنفاق عمره في الدعاء لدولته المؤيّدة، استجاب اللّه أدعيته وبلغه في أيّامه الشريفة امنيته من سنة ست وستمائة الهلالية، وحسبنا اللّه ونعم الوكيل وصلّى اللّه على سيّدنا خاتم النبيّين وعلى آله الطاهرين وعترته وسلّم تسليما. ونقش أيضا في الخشب الساج داخل الصفة في دائر الحائط: بسم اللّه الرّحمن الرحيم محمّد رسول اللّه، أمير المؤمنين علي ولي اللّه، فاطمة، الحسن بن علي، الحسين بن علي، علي بن الحسين، محمد بن علي، جعفر بن محمد، موسى بن جعفر، علي بن موسى، محمد بن علي، علي بن محمد، الحسن بن علي القائم بالحق (عجّل اللّه فرجه). هذا عمل علي بن محمد ولي آل محمد رضى اللّه عنه. ولو لا اعتقاد الناصر بانتساب السرداب إلى المهدي (عجّل اللّه فرجه) وبكونه محل ولادته أو موضع غيبته أو مقام بروز كرامته لإمكان إقامته في طول غيبته، كما نسبه بعض من لا خبرة له إلى الإمامية، وليس في كتبهم قديما وحديثا منه أثر أصلا، لما أمر بعمارته وتزيينه، ولو كانت كلمات علماء عصره متّفقة على نفيه وعدم ولادته لكان إقدامه عليه بحسب العادة صعبا أو ممتنعا، فلا محالة فهم من وافقه في معتقده الموافق لمعتقد جملة ممّن سبقت إليهم الإشارة وهو المطلوب، وإنّما أدخلنا الناصر في سلك هؤلاء لامتيازه عن أقرانه بالفضل والعلم وعداده من المحدّثين.
الثامن عشر:
العالم العابد العارف الورع البارّ الألمعي الشيخ سليمان ابن خواجة كلان الحسين القندوزي البلخي صاحب كتاب (ينابيع المودّة) قد بالغ فيه في إثبات كون المهدي الموعود هو الحجّة بن الحسن العسكري (عليه السّلام) في طي أبواب فلا حاجة لذكر كلماته(١٠٩٤).
التاسع عشر:
العارف المشهور بشيخ الإسلام الشيخ أحمد الجامي قال: قال عبد الرّحمن الجامي في كتابه النفحات: إنّه دخل في غار جبل قرب بلد جام بجذب قوي من اللّه جلّ شأنه، وكان أمّيا لا يعرف الحروف ولا الكتاب، وسنّه كان اثنين وعشرين، واستقام في الغار ثماني عشرة سنة من غير طعام، ويأكل أوراق الأشجار وعروقها، وعبد اللّه فيه إلى أن بلغ سنّه أربعين سنة، ثمّ أمره اللّه بإرشاد الناس، وصنّف كتابا قدره ألف ورقة تحيّر فيه العلماء والحكماء من غموض معانيه، وهو عجيب في هذه الامّة وبلغ عدد من دخل في طريقته من المريدين ستمائة ألف، ومن كلماته كما في الينابيع:

من زمر حيدرم هر * * * لحظه اندر دل صفاست
أز پى حيدر حسن * * * ما رام إمام ورهنماست

إلى أن قال:

عسكري نور دو چشم عالمست وآدم است * * * همچه يك مهدي سپهسالار در عالم كجاست(١٠٩٥)

العشرون:
العارف عبد الرّحمن من مشايخ الصوفية في (مرآة الأسرار): ذكر آن آفتاب دين ودولت آن هادى جميع ملت ودولت آن قائم مقام پاك أحمدى إمام بر حق أبو القاسم م ح م د بن الحسن المهدي (صلوات اللّه وسلامه عليه) وى إمام دوازدهم است أز ائمه أهل بيت مادرش أم ولد بود نرجس نام داشت ولادتش شب جمعه پانزدهم ماه شعبان سنه خمس وخمسين ومأتين وبروايت شواهد النبوة بتاريخ ثلاث وعشرين شهر رمضان سنه ثمان وخمسين در سر من رأى معروف سامره واقع گرديد وإمام دوازدهم در كنيت ونام حضرت رسالت پناهي موافقت دارد، ألقاب شريفش مهدي وحجة وقائم ومنتظر وصاحب الزمان وخاتم اثنى عشر، وصاحب الزمان در وقت وفات پدر خود إمام حسن عسكرى (عليه السّلام) پنج ساله بوده كه بر مسند إمامت نشست چنانچه حق تعالى حضرت يحيى بن زكريا را در حال طفوليت حكمت كرامت فرمود وعيسى ابن مريم را در وقت صبا به مرتبه بلند رسانيد وهمچنين أو را در صغر سن إمام گردانيد وخوارق عادات أو نه چندانست كه در اين مختصر گنجايش دارد.
الحادي والعشرون:
عن عبد اللّه بن محمد المطري عن الإمام جمال الدين السيوطي في رسالة (إحياء الميت بفضائل أهل البيت): إنّ من ذرية الحسين بن علي المهدي المبعوث في آخر الزمان - إلى أن قال - : وجميع نسل الحسين (عليه السّلام) وذريته يعودون إلى إمام الأئمّة المحقّق المجمع على جلالته وغزارة علمه وزهده وورعه وكماله سلالة الأنبياء والمرسلين، وسلالة خير المخلوقين زين العابدين علي بن الحسين (عليه السّلام) - إلى أن قال - : فالإمام الأوّل علي ابن أبي طالب (عليه السّلام). وساق أسامي الأئمّة، ثمّ قال: الحادي عشر ابنه الحسن العسكري، الثاني عشر ابنه محمد القائم المهدي، وقد سبق النص عليه في ملّة الإسلام من النبي محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) وكذا من جدّه علي بن أبي طالب (عليه السّلام) ومن بقية آبائه أهل الشرف والمراتب، وهو صاحب السيف القائم المنتظر. إلى آخر ما قال(١٠٩٦).
الثاني والعشرون:
أبو المعالي محمد سراج الدين الرفاعي ثمّ المخزومي الشريف الكبير في كتابه الموسوم ب (صحاح الأخبار في نسب السادة الفاطمية الأخيار) في ترجمة أبي الحسن الهادي ما لفظه: وأمّا الإمام علي الهادي بن الإمام محمّد الجواد ولقبه النقي والعالم والفقيه والأمير والدليل والعسكري والنجيب، ولد في المدينة سنة اثنتي عشرة ومائتين من الهجرة، وتوفي شهيدا بالسمّ في خلافة المعتزّ العبّاسي يوم الاثنين في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، وكان له خمسة أولاد: الإمام الحسن العسكري والحسين ومحمّد وجعفر وعائشة، فأمّا الحسن العسكري فأعقب صاحب السرداب الحجّة المنتظر، ولي اللّه الإمام محمد المهدي، وأمّا محمد فلم يذكر له ذيل. إلى آخر ما قال.
وقال في موضع آخر في الإمامة: وروى العارفون من سلف أهل العلم أنّ الإمام الحسين لما انكشف له في سرّه أنّ الخلافة الروحية - التي هي الغوثية والإمامة الجامعة - فيه وفي بنيه على الغالب استبشر بذلك وباع في اللّه نفسه لنيل هذه النعمة المقدّسة، فمنّ اللّه عليه بأن جعل بيته كبكبة الإمامة وختم ببيته هذا الشأن، على أنّ الحجّة المنتظر الإمام المهدي من ذريّته الطاهرة وعصابته الزاهرة. انتهى.
الثالث والعشرون:
قال أحمد بن حجر الشافعي المصري في كتاب الصواعق المحرقة في الردّ على الرافضة: الآية الثانية عشرة قوله (وإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ)(١٠٩٧) قال مقاتل بن سليمان ومن تبعه من المفسّرين: إنّ هذه الآية نزلت في المهدي. وسيأتي التصريح بأنّه من أهل البيت النبوي، ففي الآية دلالة على البركة في نسل فاطمة وعلي (عليهما السّلام)، وأنّ اللّه يخرج منهما كثيرا طيّبا، وأن يجعل نسلهما مفاتيح الحكمة ومعادن الرحمة، وسرّ ذلك أنّه تعالى أعاذها وذريّتها من الشيطان الرجيم ودعا لعلي بمثل ذلك.
ثمّ ذكر بعد ترجمة أبي محمد الحسن العسكري: ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجّة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه فيها الحكمة، ويسمّى القائم المنتظر.
وقيل: لأنّه تستّر بالمدينة وغاب فلم يدر أين ذهب. ومرّ في الآية الثانية عشرة قول الرافضة فيه إنّه المهدي. إلى أن يقول: وممّا وردت من الأحاديث في حقّ المهدي ما أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة والبيهقي وآخرون: المهدي من عترتي من ولد فاطمة. وعنهم:
لو لم يبق من الدهر إلّا يوم لبعث اللّه فيه رجلا من أهل بيتي يملأها عدلا كما ملئت جورا. وأيضا:
المهدي منّا أهل البيت يصلحه اللّه في ليلة. إلى أن يقول: إنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) قال: المهدي هو الذي يصلّي ابن مريم خلفه. وعنه أيضا: لن تهلك أمّة أنا أوّلها وعيسى ابن مريم آخرها والمهدي وسطها. إلى أن يقول: وأخرج الحاكم عن ثوبان أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) قال: إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فاتبعوها فإنّ فيها خليفة اللّه المهدي. إلى أن يقول: واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى بخروجه، وأنّه من أهل بيته، وأنّه يملك سبع سنين، وأنّه يملأ الأرض عدلا، وأنّه يخرج معه عيسى فيساعده على قتل دجّال بباب لد بأرض فلسطين، وأنّه يؤمّ هذه الامّة، ويصلّي عيسى خلفه(١٠٩٨).
الرابع والعشرون:
يوسف بن يحيى بن علي الشافعي قال في كتابه المسمّى بعقد الدرر في ظهور المنتظر على ما نقل عنه بعض الثقات: وقد بشّرت بظهور المهدي أحاديث جمّة دوّنها في كتبهم علماء الامّة. ثمّ ذكر أحاديث تقدّمت ثمّ قال: وعن أبي سعيد الخدري قال:
قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): لا تقوم الساعة حتّى تملأ الأرض ظلما وعدوانا ثمّ يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وعدوانا. إلى آخر ما قال.
الخامس والعشرون:
العالم الألمعي القاضي أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان في تاريخه المعروف: أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمّة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجّة، وهو الذي تزعم الشيعة أنّه المنتظر والقائم والمهدي وهو صاحب السرداب عندهم وأقاويلهم فيه كثيرة، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى، كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولمّا توفي أبوه - وقد سبق ذكره في حرف الحاء - كان عمره خمس سنين، واسم أمّه خمط وقيل نرجس.
إلى أن قال: وذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين: أنّ الحجّة المذكور ولد في تاسع شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وخمسين ومائتين، وقيل: في ثامن من شعبان سنة ست وخمسين وهو الأصحّ، وأنّه لما دخل السرداب كان عمره أربع سنين وقيل: خمس سنين، وقيل: إنّه دخل السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة واللّه أعلم أيّ ذلك كان، (سلام اللّه ورحمته عليه)(١٠٩٩).
السادس والعشرون:
عن الشيخ شمس الدين محمد بن يوسف الزرندي في كتاب معراج الوصول إلى معرفة فضل آل الرسول: الإمام الثاني عشر، صاحب الكرامات المشتهر، الذي عظم قدره بالعلم واتباع الحقّ والأثر القائم - مولده على ما نقلته الشيعة ليلة الجمعة للنصف من شعبان سنة خمس وخمسين - بالحقّ والداعي إلى منهج الحقّ الإمام أبو القاسم محمد ابن الحسن، وكان بسر من رأى في زمان المعتمد وأمّه نرجس بنت قيصر الرومية أمّ ولد.
انتهى.
السابع والعشرون:
عن الشيخ محمد بن محمود الحافظ البخاري في كتابه ما لفظه: وأبو محمد الحسن العسكري، ولده محمد معلوم عند خاصّة أصحابه وثقات أهله. ثمّ قال:
ويروى أنّ حكيمة بنت أبي جعفر محمد الجواد، عمّة أبي محمد الحسن العسكري كانت تحبّه وتدعو له وتتضرّع أن ترى له ولدا، وكان أبو محمد الحسن العسكري اصطفى جارية يقال لها: نرجس، فلمّا كان ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين دخلت حكيمة فدعت لأبي محمد الحسن العسكري فقال لها: يا عمّة كوني الليلة عندنا. إلى آخر تاريخ تولّده كما شرحناه في الفرع الثاني من الغصن الخامس في أخبار تولّده باختلاف يسير(١١٠٠).
الثامن والعشرون:
عن الشيخ عبد اللّه بن محمد المطيري الشافعي في الرياض الزاهرة في فضل آل بيت النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) وعترته الطاهرة: ولد أبو القاسم محمّد الحجّة ابن الحسن الخالص بسرّ من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين للهجرة.
التاسع والعشرون:
عن كتاب الهداية للحسين بن حمدان الخصيبي قال: ومضى أبو محمد الحادي عشر الحسن بن علي في سبع وعشرين سنة، يوم الجمعة لثمان ليال خلون من ربيع الأوّل سنة ستّين ومائتين من الهجرة.
إلى أن قال: ولده الخلف المهدي الثاني عشر صاحب الزمان، ولد يوم الجمعة عند طلوع الفجر لثمان ليال خلون من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة قبل مضيّ أبيه بسنتين وسبعة أشهر.
الفرع الرابع من رآه في حياة أبيه
الأوّل:
ممن رآه حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى (عليهم السّلام) عمّة الحسن العسكري، فإنّها رأت القائم ليلة مولده وبعد ذلك عن نسيم ومارية قالتا: لمّا خرج صاحب الزمان من بطن أمّه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا بسبابتيه نحو السماء فعطس فقال: الحمد للّه ربّ العالمين وصلّى اللّه على محمّد وآله عبد اللّه أوّلا وآخرا غير مستنكف ولا مستكبر، ثمّ قال: زعمت الظلمة أنّ حجّة اللّه داحضة ولو أذن اللّه لنا لزال الشكّ(١١٠١).
الثاني:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في كشف الغمّة عن أبي بصير الخادم قال: دخلت على صاحب الزمان وهو في المهد فقال لي: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به فقال:
أتعرفني؟ قلت: نعم، أنت سيّدي وابن سيّدي، فقال: ليس عن هذا سألتك، فقلت: فسّر لي.
فقال. أنا خاتم الأوصياء، وبي يرفع اللّه البلاء عن أهل شيعتي(١١٠٢).
الثالث:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): وفيه عن أبي نعيم محمد بن أحمد الأنصاري قال:
وجّه قوم من المفوضة كامل بن إبراهيم المدني إلى أبي محمد قال: فقلت في نفسي: لئن دخلت عليه أسأله عن الحديث المروي عنه: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتي، وكنت جلست إلى باب عليه ستر مسبل، فجاءت الريح فكشفت طرفه وإذا أنا بفتى كأنّه فلقة قمر من أبناء أربع سنين أو مثلها فقال لي: يا كامل بن إبراهيم، فاقشعررت من ذلك فقلت: لبيك يا سيّدي. قال: جئت إلى ولي اللّه تسأله: لا يدخل الجنّة إلّا من عرف معرفتك وقال بمقالتك؟
قلت: إي واللّه. قال: إذا واللّه يقلّ داخلها واللّه إنّه ليدخلنّها قوم يقال لهم (الحقّية). قلت: ومن هم؟ قال: هم قوم من حبّهم لعلي يحلفون بحقّه ولا يدرون ما حقّه وفضله، إنّهم قوم يعرفون ما تجب عليهم معرفته جملة لا تفصيلا من معرفة اللّه ورسوله والأئمّة ونحوها. ثمّ قال:
وجئت تسأل عن مقالة المفوّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيئة اللّه فإذا شاء اللّه شئنا واللّه يقول (وما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ)(١١٠٣) فقال لي أبو محمد: ما جلوسك وقد أنبأك بحاجتك(١١٠٤).
الرابع:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): وفيه عن نسيم خادم أبي محمّد (عليه السّلام) قال: دخلت على صاحب الزمان (عليه السّلام) بعد مولده بعشرة أيّام فعطست عنده فقال: يرحمك اللّه. قال: ففرحت بذلك فقال لي: ألا أبشّرك في العطاس، هو أمان من الموت ثلاثة أيّام(١١٠٥).
وفيه عن حكيمة قالت: دخلت على أبي محمد بعد أربعين يوما من ولادة نرجس فإذا مولانا صاحب الزمان يمشي في الدار، فلم أر لغة أفصح من لغته فتبسّم أبو محمّد فقال: إنّا معاشر الأئمّة ننشأ في كل يوم كما ينشأ غيرنا في الشهر، وننشأ في الشهر كما ينشأ غيرنا في عصر السنة. قالت: ثمّ كنت بعد ذلك أسأل أبا محمد عنه فقال: استودعناه الذي استودعت أمّ موسى ولدها عنده(١١٠٦).
الخامس:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): وفي البحار عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال وأحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح في خبر طويل مشهور قالوا جميعا: اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) نسأله عن الحجّة من بعده، وفي مجلسه أربعون رجلا، فقام إليه عثمان بن سعيد العمري فقال له: يا بن رسول اللّه اريد أن أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي. فقال (عليه السّلام) له: اجلس يا عثمان، فقام مغضبا ليخرج فقال:
لا يخرجنّ أحد، فلم يخرج منّا أحد إلى أن كان بعد ساعة، فصاح (عليه السّلام) بعثمان فقام على قدميه قال: اخبركم لم جئتم؟ قالوا: نعم يا بن رسول اللّه. قال: جئتم تسألونني عن الحجّة من بعدي. قالوا: نعم. فإذا غلام كأنّه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمّد (عليه السّلام) فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتّى يتمّ له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه(١١٠٧).
السادس:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في الاحتجاج وتبصرة الولي باختلاف يسير عن سعد بن عبد اللّه القمي قال: كنت امرأ لهجا بجمع الكتب المشتملة على غوامض العلوم ودقائقها، كلفا(١١٠٨) باستظهار ما يصحّ من حقائقها، مغرما بحفظ مشتبهها ومستغلقها، شحيحا على ما أظفر به من معاضلها ومشكلاتها، متعصّبا لمذهب الإمامية، راغبا عن الأمن والسلامة في انتظار التنازع والتخاصم والتعدّي إلى التباغض والتشاتم، معيبا للفرق ذوي الخلاف، كاشفا عن مثالب أئمّتهم، هتاكا لحجب قادتهم إلى أن بليت بأشدّ النواصب منازعة وأطولهم مخاصمة وأكثرهم جدلا وأشنفهم سؤالا وأثبتهم على الباطل قدما.
فقال ذات يوم وأنا اناظره: تبّا لك ولأصحابك يا سعد، إنّكم معاشر الرافضة تقصدون على المهاجرين والأنصار بالطعن عليهما وتجحدون من رسول اللّه ولا يتهما وإمامتهما، هذا الصدّيق الذي فاق جميع الصحابة بشرف سابقته، أما علمتم أنّ رسول اللّه ما أخرجه مع نفسه إلى الغار إلّا علما منه بأنّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلّد من أمر التأويل، والملقى إليه أزمّة الامّة، وعليه المعوّل في شعب الصدع ولمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود وتسريب الجيوش لفتح بلاد الشرك، كما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ ليس من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة إلى مكان يستخفي فيه؟ ولمّا رأينا النبيّ متوجّها إلى الانجحار(١١٠٩)، ولم تكن الحال توجب استدعاء المساعدة من أحد استبان لنا قصد رسول اللّه بأبي بكر إلى الغار للعلّة التي شرحناها، وإنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن ليكترث له ولم يحفل به ولاستثقاله، ولعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها.
قال سعد: فأوردت عليه أجوبة شتّى فما زال يقصد كلّ واحد منها بالنقض والردّ علي ثمّ قال: يا سعد دونكها اخرى بمثلها تحطّم آناف الروافض، ألستم تزعمون أنّ الصدّيق المبرأ من دنس الشكوك، والفاروق المحامي عن بيضة الإسلام كانا يسرّان النفاق واستدللتم بليلة العقبة، أخبرني عن الصدّيق أسلم طوعا أو كرها. قال سعد: فاحتملت لدفع هذه المسألة عنّي خوفا من الإلزام وحذرا منّي إن أقررت لهما بطواعيتهما، والإسلام احتج بأن بدوّ النفاق ونشوءه في القلب لا يكون إلّا عند هبوب روائح القهر والغلبة وإظهار البأس الشديد في حمل المرء على من ليس ينقاد له قلبه نحو قول اللّه عزّ وجلّ (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا)(١١١٠). وإن قلت: أسلما كرها كان يقصدني بالطعن؛ إذ لم يكن ثم سيوف منتضاة كانت تريهما البأس.
قال سعد: فصددت منه مزورا قد انتفخت أحشائي من الغضب، وتقطّع كبدي من الكرب وكنت قد اتخذت طومارا وأثبتّ فيه نيفا وأربعين مسألة من صعاب المسائل لم أجد لها مجيبا على أن أسأل فيها خير أهل بلدي أحمد بن إسحاق صاحب مولانا أبي محمّد (عليه السّلام)، فارتحلت خلفه وقد كان خرج قاصدا نحو مولانا بسرّ من رأى، فلحقته في بعض المناهل فلمّا تصافحنا قال: بخير لحاقك بي. قلت: الشوق ثمّ العادة في الأسئلة. قال: قد تكافينا هذه اللحظة الواحدة فقد برح بي العزم إلى لقاء مولانا أبي محمد، واريد أن أسأله عن معاضل في التأويل ومشاكل من التنزيل، فدونكها الصحبة المباركة فإنّها تقف بك على ضفة بحر لا تنقضي عجائبه ولا تفنى غرائبه وهو إمامنا، فوردنا سر من رأى فانتهينا منها إلى باب سيّدنا فاستأذن فخرج الإذن بالدخول عليه وكان على عاتق أحمد بن إسحاق جراب قد غطّاه بكساء طبري فيه ستّون ومائة صرّة من الدنانير والدراهم، على كلّ صرّة منها ختم صاحبها.
قال سعد: فما شبهت مولانا أبا محمد حين غشينا نور وجهه إلّا بدرا قد استوفى من لياليه أربعا بعد عشر، وعلى فخذه الأيمن غلام يناسب المشتري في الخلقة والمنظر وعلى رأسه فرق بيّن وقرطين كأنّه ألف بين واوين، وبين يدي مولانا رمانة ذهبية تلمع بدائع نقوشها وسط غرائب الفصوص المركبة عليها قد كان أهداها إليه بعض رؤساء أهل البصرة، وبيده قلم إذا أراد أن يسطر به على البياض قبض الغلام على أصابعه فكان مولانا يد حرج الرمانة بين يديه ويشغله بردّها لئلّا يصدّه عن كتبه ما أراد، فسلّمنا فألطف في الجواب وأومى إلينا بالجلوس، فلمّا فرغ من كتبة البياض الذي كان بيده أخرج أحمد بن إسحاق جرابه من طي كسائه فوضعه بين يديه فنظر الهادي إلى الغلام وقال له: يا بني فضّ الخاتم عن هدايا شيعتك.
فقال: يا مولاي أيجوز أن أمدّ يدا طاهرة إلى هدايا نجسة وأموال رجسة قد شيب أحلّها بأحرمها؟ فقال مولاي: يا بن إسحاق استخرج ما في الجراب ليميّز بين الأحل والأحرم منها، فأوّل صرّة بدأ أحمد بإخراجها فقال الغلام: هذه لفلان ابن فلان من محلّة كذا بقم تشتمل على اثنين وستين دينارا، فيها من ثمن حجرة باعها صاحبها وكانت إرثا له من أخيه خمسة وأربعون دينارا ومن أثمان تسعة أثواب أربعة عشر دينارا، وفيها اجرة حوانيت ثلاثة عشر دينارا. فقال مولانا: صدقت يا بني. دلّ الرجل على الحرام منها؟ فقال: فتش على دينار رازي السكة تاريخه السنة كذا قد انطمس من نصف إحدى صفحتيه نقشه، وقراضة آملية وزنها ربع دينار، والعلّة في تحريمها أنّ صاحب هذه الحملة وزن في شهر كذا من سنة كذا على حائك من جيرانه من الغزل منّا وربع منّ فأتت على ذلك مدّة قيض انتهاؤها لذلك الغزل سارق، فأخبر به الحائك صاحبه فكذبه، واسترد منه بدل ذلك منّا ونصف منّ غزلا أدقّ ممّا كان دفعه إليه، واتخذ من ذلك ثوبا كان هذا الدينار مع القراضة ثمنه، فلمّا فتح رأس الصرّة صادفه رقعة في وسط الدنانير باسم من أخبر عنه وبمقدارها على حسب ما قال، واستخرج الدينار والقراضة بتلك العلامة. ثمّ أخرج صرّة اخرى فقال الغلام: هذه لفلان ابن فلان من محلّة كذا بقم تشتمل على خمسين دينارا لا يحلّ لنا مسّها.
قال: وكيف ذلك؟ قال: لأنّها ثمن حنطة خان صاحبها على أكاره في المقاسمة، وذلك أنّه قبض حصّة منها بكيل واف وكال ما خصّ الأكار بكيل بخس. فقال مولانا (عليه السّلام): صدقت يا بني. ثمّ قال: يا ابن إسحاق احملها بأجمعها لتردّها أو توصي بردّها على أربابها، فلا حاجة لنا في شيء منها وائتنا بثوب العجوز. قال أحمد: وكان ذلك الثوب في حقيبة لي نفيسة فلمّا انصرف أحمد بن إسحاق ليأتيه بالثوب نظر إلي مولانا أبو محمّد (عليه السّلام) فقال: ما جاء بك يا سعد؟ فقال: شوّقني أحمد بن إسحاق إلى لقاء مولانا.
قال: فالمسائل التي أردت أن تسأل عنها! قلت: على حالها يا مولاي. قال: فسل قرّة عيني - وأومى إلى الغلام - عمّا بدا لك منها. فقلت له: مولانا وابن مولانا إنّا روينا عنكم أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) جعل طلاق نسائه بيد أمير المؤمنين (عليه السّلام) حتّى أرسل يوم الجمل إلى عائشة إنّك قد أربحت(١١١١) على الإسلام وأهله بفتنتك، وأوردت بنيك حيّا من الهلاك بجهلك فإن كففت عنّي عززتك وإلّا طلّقتك، ونساء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قد كان طلاقهن وفاته قال: ما الطلاق؟ قلت:
تخلية السبيل. قال: فإذا كان طلاقهنّ وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) قد خلّيت لهنّ السبيل، فلم لا يحلّ لهنّ الأزواج؟ قلت: لأنّ اللّه تبارك وتعالى حرّم الأزواج عليهنّ. قال: وكيف وقد خلّى الموت سبيلهنّ؟ قلت: فأخبرني يا ابن مولاي عن معنى الطلاق الذي فوض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) حكمه إلى أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال (عجّل اللّه فرجه): إنّ اللّه تبارك وتعالى عظّم شأن نساء النبيّ (صلّى اللّه عليه وآله) فخصّهن بشرف الامّهات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله): يا أبا الحسن إنّ هذا الشرف باق لهنّ ما دمن للّه على الطاعة، فأيّهنّ عصت اللّه بعدي بالخروج عليك فأطلق لها في الأزواج وأسقطها من شرف امومة المؤمنين.
قلت: فأخبرني عن الفاحشة المبينة التي إذا أتت المرأة بها في أيّام عدّتها حلّ للزوج أن يخرجها من بيته؟ قال: الفاحشة المبينة هي السحق دون الزنا، فإنّ المرأة إذا زنت واقيم عليها الحدّ ليس لمن أرادها أن يمتنع بعد ذلك من التزويج بها لأجل الحدّ، وإذا سحقت وجب عليها الرجم والرجم خزي، ومن قد أمر اللّه عزّ وجلّ برجمه فقد أخزاه، ومن أخزاه فقد أبعده فليس لأحد أن يقرّبه.
قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه عن أمر اللّه تبارك وتعالى لنبيّه موسى (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً)(١١١٢) فإنّ فقهاء الفريقين يزعمون أنّها كانت من إهاب الميتة. فقال (عليه السّلام):
من قال ذلك فقد افترى على موسى واستجهله في نبوّته؛ لأنّه ما خلا الأمر فيها من خطيئتين؛ إمّا أن تكون صلاة موسى فيها جائزة أو غير جائزة، فإن كانت صلاته جائزة جاز له لبسهما في تلك البقعة، وإن كانت مقدّسة مطهّرة فليست بأقدس وأطهر من الصلاة، وإن كانت صلاته غير جائزة فيهما فقد أوجب على موسى أنه لم يعرف الحلال من الحرام، وعلم ما تجوز فيه الصلاة وما لم تجز وهذا كفر. قلت: فأخبرني يا مولاي عن التأويل فيهما؟
قال: إنّ موسى ناجى ربّه بالوادي المقدّس فقال: يا ربّ إنّي قد أخلصت لك المحبّة منّي وغسلت قلبي عمّن سواك، وكان شديد الحبّ لأهله فقال اللّه تعالى (فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ) أي انزع حبّ أهلك عن قلبك إن كانت محبّتك لي خالصة، وقلبك من الميل من سواي مغسولا.
قلت: فأخبرني يا ابن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) عن تأويل (كهيعص)(١١١٣)؟ قال: هذه الحروف من أنباء الغيب أطلع اللّه عليها عبده زكريا ثمّ قصّها على محمّد (صلّى اللّه عليه وآله)، وذلك أنّ زكريا سأل ربّه أن يعلّمه الأسماء الخمسة، فأهبط عليه جبرائيل فعلّمه إيّاها فكان زكريا إذا ذكر محمّدا وعليا وفاطمة والحسن سرى عنه همّه وانجلى كربه، وإذا ذكر اسم الحسين خنقته العبرة ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: إلهي ما بالى إذا ذكرت أربعا منهم تسلّيت بأسمائهم من همومي وإذا ذكرت الحسين (عليه السّلام) تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه اللّه تعالى عن قصّته وقال كهيعص فالكاف اسم كربلاء، والهاء هلاك العترة، والياء يزيد وهو ظالم الحسين، والعين عطشه، والصاد صبره، فلمّا سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيّام ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته: إلهي أتفجع خير خلقك بولده، أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه، أتلبس عليا وفاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما، ثمّ كان يقول: إلهي ارزقني ولدا تقرّبه عيني عند الكبر، واجعله لي وارثا ووصيّا واجعل محلّه منّي محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتنّي بحبّه ثمّ افجعني به كما تفجع محمّدا حبيبك بولده، فرزقه اللّه يحيى وفجعه به، وكان حمل يحيى ستّة أشهر وحمل الحسين كذلك وله قصّة طويلة.
قلت: فأخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم؟ قال: مصلح أو مفسد؟ قلت: مصلح. قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد بما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد؟ قلت: بلى. قال: فهي العلّة أوردتها لك ببرهان يثق به عقلك، أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللّه وأنزل الكتب عليهم وأيّدهم بالوحي والعصمة، وهم أعلى الامم وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت: لا. قال (عليه السّلام): فهذا موسى كليم اللّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين، قال اللّه عزّ وجلّ (واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا إلى قوله: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ بظلمهم)(١١١٤) فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه اللّه للنبوّة واقعا على الأفسد دون الأصلح ويظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد، علمنا أن لا اختيار إلّا لمن يعلم ما تخفي الصدور وتكنّ الضمائر وتتصرّف عليه السرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لما أرادوا أهل الصلاح.
ثمّ قال مولانا: يا سعد وحين ادّعى خصمك أنّ رسول اللّه ما أخرج مع نفسه مختار هذه الامّة إلى الغار إلّا علما منه أنّ الخلافة له من بعده، وأنّه هو المقلّد لامور التأويل والملقى إليه أزمة الامّة، المعول عليه في لمّ الشعث وسدّ الخلل وإقامة الحدود، وتسريب الجيوش لفتح بلاد الكفر، فكما أشفق على نبوّته أشفق على خلافته؛ إذ لم يكن من حكم الاستتار والتواري أن يروم الهارب من الشرّ مساعدة من غيره إلى مكان يستخفي فيه، وإنّما أبات عليا على فراشه لما لم يكن يكترث له ولا يحفل به، ولاستثقاله إيّاه وعلمه بأنّه إن قتل لم يتعذّر عليه نصب غيره مكانه للخطوب التي كان يصلح لها؛ فهلا نقضت عليه دعواه بقولك: أليس قال رسول اللّه: الخلافة بعدي ثلاثون سنة فجعل هذه موقوفة على أعمار الأربعة الذين هم الخلفاء الراشدون في مذهبكم، وكان لا يجد بدّا من قوله: بلى، فكنت تقول له حينئذ: أليس كما علم رسول اللّه أنّ الخلافة بعده لأبي بكر علم أنّها من بعد أبي بكر لعمر ومن بعد عمر لعثمان ومن بعد عثمان لعلي، فكان أيضا لا يجد بدا من قوله لك: نعم، ثمّ كنت تقول له:
فكان الواجب على رسول اللّه أن يخرجهم جميعا على الترتيب إلى الغار(١١١٥) ويشفق عليهم كما أشفق على أبي بكر، ولا يستخفّ بقدر هؤلاء الثلاثة بتركه إيّاهم وتخصيصه أبا بكر بإخراجه مع نفسه دونهم.
ولمّا قال: أخبرني عن الصدّيق والفاروق أسلما طوعا أو كرها لم لم تقل له: بل أسلما طمعا لأنّهما كانا يجالسان اليهود ويستخبرانهم عمّا كانوا يجدون في التوراة وسائر الكتب المتقدّمة الناطقة بالملاحم من حال إلى حال من قصة محمّد ومن عواقب أمره؟ فكانت اليهود تذكر أنّ محمّدا يسلّط على العرب كما كان بخت نصر سلّط على بني إسرائيل، ولا بدّ له من الظفر على العرب كما ظفر بخت نصر ببني إسرائيل، غير أنّه كاذب في دعواه وأنّ هذا نبي. فأتيا محمّدا فساعداه على قول شهادة أن لا إله إلّا اللّه، وبايعاه طمعا في أن ينال كلّ منهما من جهته ولاية بلد إذا استقامت اموره واستتبت أحواله، فلما أيسا من ذلك تلثما وصعدا العقبة مع عدّة من أمثالهما من المنافقين بغية أن يقتلوه، فدفع اللّه كيدهم وردّهم بغيظهم لم ينالوا خيرا، كما أتى طلحة والزبير عليا فبايعاه، وطمع كلّ واحد منهما أن ينال من جهته ولاية بلد، فلمّا أيسا نكثا بيعته وخرجا عليه، فصرع اللّه كلّ واحد منهما مصرع أشباههما من الناكثين. قال: ثمّ قام مولانا الحسن بن علي الهادي (عليه السّلام) إلى الصلاة مع الغلام فانصرفت عنهما وطلبت أثر أحمد بن إسحاق فاستقبلني باكيا. فقلت: ما أبطأك وأبكاك؟
قال: قد فقدت الثوب الذي سألني مولاي إحضاره. فقلت: لا عليك فأخبره، فدخل عليه مسرعا وانصرف من عنده متبسما وهو يصلّي على محمّد وآل محمّد، فقلت: ما الخبر؟
قال: وجدت الثوب مبسوطا تحت قدمي مولانا (عليه السّلام) يصلّي عليه. قال سعد: فحمدنا اللّه جل ذكره على ذلك، وجعلنا نختلف بعد ذلك إلى منزل مولانا أيّاما فلا نرى الغلام بين يديه فلمّا كان يوم الوداع دخلت أنا وأحمد بن إسحاق وكهلان من أهل بلدنا وانتصب أحمد بن إسحاق بين يديه قائما وقال: يا ابن رسول اللّه قد دنت الرحلة واشتدّت المحنة ونحن نسأل اللّه أن يصلّي على المصطفى جدّك وعلى المرتضى أبيك وعلى سيّدة النساء أمّك وعلى سيدي شباب أهل الجنّة عمّك وأبيك وعلى الأئمّة الطاهرين من بعدهما آبائك، وأن يصلّي عليك وعلى ولدك، ونرغب إلى اللّه أن يعلّي كعبك ويكبت عدوّك، ولا جعل اللّه هذا آخر عهدنا من لقائك. قال: فلمّا قال هذه الكلمة استعبر مولانا حتّى استهلت دموعه وتقاطرت عبراته ثمّ قال: يا بن إسحاق لا تكلّف في دعائك شططا فإنّك ملاقي اللّه في سفرك هذا، فخرّ أحمد مغشيا عليه فلمّا أفاق قال: سألتك باللّه وبحرمة جدّك إلّا شرّفتني بخرقة أجعلها كفنا، فأدخل مولانا يده تحت البساط فأخرج ثلاثة عشر درهما فقال (عليه السّلام): خذها ولا تنفق على نفسك غيرها فإنك لن تعدم ما سألت، وإنّ اللّه تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملا.
قال سعد: فلمّا صرنا بعد منصرفنا من حضرة مولانا من حلوان على ثلاثة فراسخ حمّ أحمد بن إسحاق وصارت عليه علّة صعبة آيس من حياته فيها، فلمّا وردنا حلوان ونزلنا في بعض الخانات دعا أحمد بن إسحاق برجل من أهل بلده كان قاطنا بها، ثمّ قال: تفرّقوا عنّي هذه الليلة واتركوني وحدي، فانصرفنا عنه ورجع كلّ واحد منّا إلى مرقده. قال سعد: فلمّا حان أن ينكشف الليل عن الصبح أصابتني فكرة ففتحت عيني فإذا أنا بكافور الخادم، خادم مولانا أبي محمّد (عليه السّلام) وهو يقول: أحسن اللّه بالخير عزاكم، وجبر بالمحبوب رزيتكم، قد فرغنا من غسل صاحبكم وتكفينه فقوموا لدفنه فإنّه من أكرمكم محلّا عند سيّدكم، ثمّ غاب عن أعيننا فاجتمعنا على رأسه بالبكاء والنحيب والعويل حتّى قضينا حقّه وفرغنا من أمره (رحمه اللّه تعالى)(١١١٦).
السابع:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليه السّلام): في تبصرة الولي عن أبي سهل إسماعيل النوبختي:
دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) في المرضة التي مات فيها، فأنا عنده إذ قال لخادمه عقيد وكان الخادم أسود نوبيّا قد خدم من قبله علي بن محمّد (عليه السّلام) وهو ربّى الحسن (عليه السّلام) فقال له: يا عقيد اغل لي ماء بالمصطكى، فأغلى له، ثمّ جاءت به صيقل الجارية أمّ الخلف، فلمّا صار القدح قرب ثنايا الحسن (عليه السّلام) فتركه في يده وهمّ بشربه فجعلت يده ترتعد حتّى ضرب القدح وقال للعقيد: ادخل البيت فإنّك ترى صبيا ساجدا فائتني به. قال أبو سهل: قال عقيد: فدخلت الحجرة فإذا بالصبي ساجدا رافعا سبابته نحو السماء فسلّمت عليه فأوجز لي صلاته فقلت: إنّ سيدي يدعوك إليه؛ إذ جاءت أمّه صيقل فأخذت بيده وأخرجته إلى أبيه الحسن (عليه السّلام).
قال أبو سهل: فلمّا مثل الصبي بين يديه سلّم فإذا هو دريّ اللون وفي شعر رأسه قطط، مفلج الأسنان، فلمّا رآه الحسن (عليه السّلام) بكى وقال: يا سيّد أهل بيته اسقني إنّي ذاهب إلى ربّي، وأخذ الصبي القدح المغلي بالمصطكى بيده ثمّ حرّك شفتيه ثمّ سقاه، فلمّا شربه قال:
هيئوني للصلاة، فطرح في حجره منديل فوضّأه الصبي واحدة واحدة ومسح على رأسه وقدميه فقال له أبو محمّد (عليه السّلام): أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان وأنت المهدي وأنت الحجّة للّه في أرضه وأنت ولدي ووصيي، وأنا ولدتك وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولدك رسول اللّه (صلوات اللّه عليهم أجمعين) وأنت خاتم الأئمّة الطاهرين، وقد بشّر بك رسول اللّه وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إليّ أبي عن آبائك الطاهرين صلّى اللّه على أهل البيت، ربّنا إنّه حميد مجيد، ومات الحسن بن علي (عليه السّلام) من وقته(١١١٧).
الثامن:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في البحار عن أحمد بن إسحاق قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليه السّلام) وأنا اريد أن أسأله عن الخلف بعده فقال لي مبتدئا: يا أحمد ابن إسحاق إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا تخلو إلى يوم القيامة من حجّة للّه على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض.
قال: فقلت: يا ابن رسول اللّه فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السّلام) فدخل البيت ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين فقال: يا أحمد بن إسحاق لو لا كرامتك على اللّه وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنّه سمي رسول اللّه وكنيّه الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الامّة مثل الخضر ومثله كمثل ذي القرنين، واللّه ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلّا من يثبته اللّه على القول بإمامته، ووفّقه للدعاء بتعجيل فرجه. قال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي هل من علامة يطمئن إليها قلبي؟
فنطق الغلام (عجّل اللّه فرجه) بلسان عربي فصيح فقال: أنا بقية اللّه في أرضه والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق. قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسرورا فرحا، فلمّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول اللّه لقد عظم سروري بما أنعمت عليّ، فما السنّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: طول الغيبة يا أحمد.
فقلت له: يا ابن رسول اللّه وإنّ غيبته لتطول؟ قال: إي وربّي حتّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، فلا يبقى إلّا من أخذ اللّه عهده بولايتنا وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر اللّه، وسرّ من سرّ اللّه، وغيب من غيب اللّه فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين تكن غدا في العليين(١١١٨).
التاسع:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): في تبصرة الولي عن يعقوب بن منفوس: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليه السّلام) وهو جالس على دكان في الدار، عن يمينه بيت وعليه ستر مسبل فقلت له: يا سيّدي من صاحب هذا الأمر؟ فقال (عليه السّلام): ارفع الستر، فرفعته فخرج إلينا خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض دريّ المقلتين، شثن الكفين معطوف الركبتين، في خدّه الأيمن خال وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد (عليه السّلام) ثمّ قال لي: هذا هو صاحبكم، ثمّ وثب فقال له: يا بني ادخل إلى الوقت المعلوم، فدخل البيت وأنا أنظر إليه ثمّ قال لي: يا يعقوب انظر من في البيت فدخلت فما رأيت أحدا(١١١٩).
العاشر:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): فيه عن ظريف أبي نصر قال: دخلت على صاحب الزمان فقال: عليّ بالصندل الأحمر، فأتيته به ثمّ قال: أتعرفني؟ قلت: نعم. قال: من أنا؟
فقلت: أنت سيّدي وابن سيّدي. فقال: ليس عن هذا أسألك. قال ظريف: قلت: جعلني اللّه فداك فبيّن لي قال: أنا خاتم الأوصياء، بي يدفع اللّه عزّ وجلّ البلاء عن أهلي وشيعتي(١١٢٠).
الحادي عشر:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليها السّلام): فيه عن عبد اللّه الستوري قال: صرت إلى بستان بني هاشم فرأيت غلمانا يلعبون في غدير ماء، وفتى جالس على مصلّى واضعا كمه على فيه، فقلت من هذا؟ فقالوا: م ح م د بن الحسن بن علي (عليه السّلام) وكان في صورة أبيه(١١٢١).
الثاني عشر:
ممّن رآه في حياة أبيه (عليهما السّلام): وفيه عن عبد اللّه بن جعفر الحميري قال: كنت مع أحمد بن إسحاق عند العمري رضي اللّه عنه فقلت للعمري: إنّي أسألك عن مسألة كما قال اللّه عزّ وجلّ في قصّة إبراهيم (أَولَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)(١١٢٢) هل رأيت صاحبي؟
فقال لي: نعم وله عنق مثل ذي، وأومأ بيده جميعا إلى عنقه. قال: قلت له: فالاسم؟ قال:
إيّاك أن تبحث عن هذا فإنّ عند القوم أنّ هذا النسل قد انقطع(١١٢٣).
الثالث عشر:
ممّن رآه هو، أمّه نرجس وهذه في الحقيقة معجزة واضحة: اعلم أنّه لما علم خلفاء بني عبّاس بالأخبار النبوية والآثار المروية عن النبي (صلّى اللّه عليه وآله) والأئمّة ما مضمونها: أنّ المهدي المنتظر سيظهر من صلب الحسن العسكري (عليه السّلام)، ويملأ اللّه به الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا، وينتقم من أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه وآله) خصوصا من بني العبّاس وبني امية، فلذلك صاروا في صدد إطفاء نوره، ويأبى اللّه إلّا أن يتمّ نوره، وقد بالغوا وجدّوا واجتهدوا فلم ينفعهم الجدّ حيث كانت يد اللّه فوق أيديهم (ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ)(١١٢٤).
وقد أخفى اللّه عزّ وجلّ حمل أمّه نرجس بنت يشوعا قيصر الروم عن عامّة الناس كما أخفى حمل أمّ موسى عن فرعون وقومه، مع أنّ الكهنة والمنجّمين قد عيّنوا سنة ولادته إلى أن بعث المعتمد العبّاسي القوابل سرّا وأمرهنّ أن يدخلن دور بني هاشم سيما دار العسكري (عليه السّلام) بلا استئذان، وفي أي وقت كان ليفتشن أثره ويتطلعن خبره إلى أن نوّر الكون بقدومه إلى عالم الوجود، وتولد (عجّل اللّه فرجه) قبل وفاة أبيه بسنتين، وقيل بخمس، في سامراء في منتصف شعبان، كما في نوحة الأحزان من مؤلفات العالم الفاضل محمد يوسف اللاهخوارماني الذي ألف في زمن شاه عباس الثاني (رحمه اللّه): إنّه كان (عليه السّلام) يوما من الأيّام في حجر والدته في صحن الدار إذ أحسّت نرجس بالقوابل فاضطربت اضطرابا شديدا، ولم تجد فرصة حتّى تخفي ذلك النّور، فهتف هاتف بها أن ألقي حجّة اللّه القهار في البئر التي في صحن الدار، فألقته في البئر وقد سمعت القوابل صوت الطفل فدخلن الدار بسرعة فبالغن في التفحّص فلم يجدن منه أثرا فخرجن والهات حائرات، فلما فرغت الدار عن الأغيار أقبلت نرجس إلى البئر لكي تعلم ما جرى على قرّة عينها، فلمّا أشرفت على البئر رأت الماء يفور إلى أن ساوى أرض الدار، وحجّة اللّه فوق الماء صحيحا سالما كالبدر الطالع، والقماط(١١٢٥) الذي عليه لم يبتل أبدا فتناولته وأرضعته وحمدت اللّه وسجدت له شكرا فهتف هاتف: أن يا نرجس ألقيه إلى البئر أربعين يوما، فمتى أردت أن تسترضعيه نوصله إليك، فكانت كلّما أرادت إرضاعه تأتي إلى شفير البئر فيفور الماء، وحجّة اللّه فوقه فتأخذه وترضعه وتقرّ عينها بجماله وترده إلى البئر فينزل الماء إلى قراره، فبقي (عجّل اللّه فرجه) في البئر في تلك المدّة كما كان يوسف الصدّيق أيضا كذلك، وكان مستورا عن أعين الناس(١١٢٦).
الرابع عشر: ممّن رآه في حياة أبيه (عليها السّلام): وفيه عن علي بن إبراهيم بن مهزيار الذي كان خادما له (عليه السّلام) أنّ الحسن العسكري كان يأمرني بإحضار حجّة اللّه من السرداب، وأنا أحضره عنده وهو يأخذه ويقبّله ويتكلّم معه، وهو يجاوب أباه بذلك وهو يشير إلي بردّه وأردّه إلى السرداب، حتّى أنّه (عليه السّلام) أمرني بإحضاره يوما من الأيّام فقال (عليه السّلام): يا ابن مهزيار ائتني بولدي حجّة اللّه، فأتيت به إليه من السرداب، فأخذه منّي وأجلسه في حجره وقبّل وجهه وتكلّم معه بلغة لا أعرفها وهو يجاوب أباه بتلك اللغة، فأمرني بردّه إلى محلّه ومكانه، فذهبت به ورجعت إلى العسكري (عليه السّلام)، ثمّ رأيت أشخاصا من خواصّ المعتمد العبّاسي عند الإمام (عليه السّلام) يقولون: إنّ الخليفة يقرئك السلام ويقول: بلغنا أنّ اللّه عزّ وجلّ أكرمك بولد وكبر فلم لا تخبرنا بذلك لكي نشاركك في الفرح والسرور؟ ولا بدّ لك أن تبعثه إلينا فإنّا مشتاقون إليه.
قال ابن مهزيار: لمّا سمعت منهم هذه المقالة فزعت وتضجرت وتفجرت واضطرب فؤادي فقال الإمام: يا ابن مهزيار اذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة، فزاد اضطرابي وحيرتي؛ لأني كنت متيقّنا أنّه أراد قتله فكنت أتعلّل وأنظر إلى سيّدي ومولاي العسكري (عليه السّلام) فتبسّم في وجهي وقال: لا تخف اذهب بحجّة اللّه إلى الخليفة، فأخذتني الهيبة ورجعت