فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » الحداثوية والقضية المهدوية
 كتب المركز

الكتب الحداثوية والقضية المهدوية

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ نزيه محيي الدين الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٥٢٠٠٥ التعليقات التعليقات: ٠

الحداثوية والقضيّة المهدوية
إشكاليات المنهج والخطاب

تأليف: الشيخ نزيه محيي الدين
تقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه

فهرست الموضوعات

مقدمة المركز
مقدمة المؤلف
الفصل الأوّل
مشكلة الغيبة والعقل الحسي التجريبي
هل الغيبة من المرفوض عقلاً؟
الغيبة في الإسلام والديانات السماوية
التبشير بالغيبة
إدريس عليه السلام
نوح عليه السلام واحتمال غيبته
ملخص قصة جلجامش حسب النسخة الآشورية
اختفاء النبي يونس عليه السلام
الخضر عليه السلام
النبي إلياس عليه السلام
النبي عيسى عليه السلام
مشكلة الأعور الدجال عند منتقدي فكرة بقاء المهدي عليه السلام
كارثة المسيح الدجال صحابي مسلم مجاهد
غيبة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يوم هاجر
بحث في بعض خصوصيات حديث خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البيت، وفداء عليّ بن أبي طالب عليه السلام له صلى الله عليه وآله وسلم
أحاديث في غيبة المهدي عليه السلام
أدلة وقوع الغيبة
ثبوت الغيبة
الفصل الثاني
البشارة بالإمام المهدي عليه السلام
أوّلاً: المصلح المنقذ في الديانات
المصلح المنقذ في الديانة اليهودية
من هو (مسيّا)؟ وما قصته؟
‏نصوص واضحة في التبشير بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم
نصوص تبشّر بالإمام المهدي عليه السلام
المصلح في الديانة المسيحية
المنقذ في معتقدات الزرادشتية
المنقذ في المعتقدات الهندية‏
المنقذ في المعتقدات الصينية‏
ثانياً: المنقذ المهدي في النصوص الإسلاميّة
الحديث القدسي‏
ما ورد من الحديث في المهدي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أوّلاً: المشهور من الحديث السُنّي
ثانياً: بعض الأحاديث المشهورة في التراث الشيعي
بعض ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام بشأن الإمام المهدي عليه السلام
ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام

عن سيدة نساء العالمين الزهراء البتول عليها السلام:
ما ورد عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام
ما ورد عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام
ما ورد عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام
ما ورد عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام
ما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام
ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام
ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام
ما ورد عن الإمام محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام
ما ورد عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام
ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المركز:
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه أجمعين محمّد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.
أمّا بعد:
فقد أولى الدين الإسلامي الحنيف بعض الأفكار والقضايا العقائدية اهتماماً خاصاً وأولوية مميّزة، ولعلَّنا لا نبالغ ولا نذيع سرّاً إذا قلنا بأنّ الثقافة المهدوية تعدّ من أوائل تلك القضايا ترتيباً من حيث الأهمية والعناية التي أولاها المعصومون عليهم السلام من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، وقد سبقهم إلى ذلك الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ينتهز المناسبة تلو الأخرى ليطبع في ذهن الأمّة وتفكيرها مصطلحات ثقافة انتظار القائد المظفّر الذي سيرسم ملامح القسط والعدل على ربوع الأرض بعد أن تغرق في غياهب الظلم والجور، محقّقاً بذلك الحلم السرمدي الذي نامت البشرية حالمة به على مرّ العصور، والذي كان هو الأمل الأكبر الذي سعى إليه الأنبياء عليهم السلام كافة.
وإذا كانت مقاييس الأهمّية والرفعة والخطر الذي تحظى به كل القضايا تتمثل بطرفين هما مبدأ ومآل كل قضية. فإنّ قضيتنا المقدّسة _ التي نحن بصدد الحديث عنها _ لا تدانيها قضية في الفكر الإسلامي.
فلو تحقّقنا في مبدأ هذه القضية وأصلها لوجدنا أنّ النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم يعادل بينها وبين مجموع رسالة السماء المباركة الخالدة التي حملها إلى البشرية، فقد ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني)،(١) ولا نجد أنفسنا بحاجة إلى مزيد من التوضيح لأهمية فكرة يعدّ إنكارها إنكاراً لخاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين.
بل يمكن القول بأنّ عدم الإيمان بهذه العقيدة يوازي عدم الإيمان بكل رسائل الأنبياء عليهم السلام، وهو الذي عبّر عنه بالضلالة عن الدين، فقد ورد في الدعاء في زمن الغيبة: (اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أعْرفْ رَسُولَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أعْرفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِيني)، ومن واضحات الأمور نوع العلاقة والارتباط بين عدم معرفة الحجّة وبين الضلالة عن الدين، إذ أنّ هناك ثوابت ورواسخ لا يمكن أن تنفك بحال من الأحوال عن قاموس الفكر العقائدي الشيعي، بل الإسلامي بكل أطيافه، منها أنّ الذي يموت دون أن يعرف إمام زمانه، أو دون أن تكون في عنقه بيعة لإمام زمانه يموت ميتة جاهليّة كما ورد في الأحاديث الشريفة التي تناقلها المحدّثون من كافة الطوائف الإسلاميّة، وأيّ تعبير أفصح وأصرح من التعبير بالميتة الجاهلية عن بيان الضلالة في الدين؟!
هذا بالنسبة إلى الطرف الأوّل من طرفي مقياس أهمّية القضايا، والذي هو مبدأ هذه القضية وأصلها والإيمان بها.
وأمّا بالنسبة للطرف الثاني لهذه الفكرة المقدّسة التي حرص النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة من أهل بيته عليهم السلام على غرسها في صميم أفكار الفرد المسلم، وهو المآل الذي تؤول إليه أو الثمرة التي تنتجها، فإنّ فيها تحقيق حلم الأنبياء وهدفهم الذي سعوا لأجله على مرّ العصور، والأمنية التي رافقت العقل البشري منذ اليوم الأوّل لترعرعه، لأنّ هذا القائد المؤمّل هو الذي سينزع عن البشرية قيود الظلم والعبودية، وهو الذي سيخلع عليها حلّة العدل والإنصاف، فإنّه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن ملئت ظلماً وجوراً.
وليس بعيداً عن توقّع كل عاقل أنّ مثل هذه القضية التي تحمل بين طيّاتها كل هذا المقدار من الأهمية والخطورة ستتعرّض _ حالها في ذلك حال كل مفاهيم العدالة الربّانية _ إلى وابل من سهام الغدر والعداوة، حيث إنّها تمثّل الخط العقائدي الإسلامي الأصيل الذي رسم ملامحه الناصعة نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم وواكبه على ذلك الأئمّة المعصومون عليهم السلام. فلقد أبت القوانين الدنيوية إلاّ أن تضع بإزاء كل حق باطلاً ينازعه ويناوئه، فتكالب أعداء الحقيقة من كل حدب وصوب ليوجّهوا نبال التشويه والتشكيك، وكل أنواع المحاربة لهذه العقيدة التي هي من مسلّمات العقل الإسلامي، الذي تعامل مع هذه الفكرة منذ أعماق تأريخه على أنّها أمر لا يمكن الغفلة عنه أو التنكّر له.
وهذا واحد من أهم الأسباب التي حفّزت فينا الشعور بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا في الحفاظ والدفاع عن هذه العقيدة المباركة التي حظت بهذا المقدار العظيم من الرعاية الإلهية. هذا الأمر هو الذي دفعنا للنهوض لتحمّل جزء من أعباء هذه المسؤولية وإنجاز هذا التكليف الذي لا مناص من تحمّله، وإيصال ما يمكن إيصاله إلى المؤمنين المهتمّين بشؤون دينهم وعقائدهم، وذلك بعون الباري عز وجل، ورعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيّد علي الحسيني السيستاني دام ظلّه الوارف، فكان تأسيس مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام، وقد عني هذا المركز بالاهتمام بكل ما يرتبط بالإمام المنتظر عليه السلام، ومن هذه الاهتمامات:
١ _ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام، بعد تحقيقها.
٢ _ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها.
٣ _ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عليه السلام، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.
٤ _ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم (الانتظار).
٥ _ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.
٦ _ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأطفال وإمامهم المنتظر عليه السلام.
وقد سعى مركزنا بكافة ما يملك من طاقات لأن يعمل على أداء ما يقع على عاتقه من مهام ضمن هذه المحاور من العمل.
فكان من بين ما وفقنا الله لإنتاجه سلسلة من الكتب المتخصّصة في ما يتعلّق بالإمام المهدي عليه السلام، أسميناها: (سلسلة اعرف إمامك)، نقدّم بين يديك _ عزيزي القارئ _ هذا الكتاب كحلقة من هذه السلسة التي نسأل الباري عز وجل أن يوفّقنا للتواصل في العمل بها لتوفير كل ما يمكن أن يخدم إخواننا المؤمنين وإعطائهم ما يحتاجون في رفد أفكارهم العقائدية المرتبطة بالإمام الغائب عليه السلام.
وكان العمل التحقيقي في هذا الكتاب يتضمّن تقطيع العبارات وإظهارها بالشكل المناسب الذي يضمن المساعدة في توضيح الفكرة المرادة من الكتاب وراحة القارئ الكريم، ثمّ استخراج المصادر والمآخذ للأحاديث والأقوال بشكل مختصر، والتخلّص من الأخطاء والاشتباهات، ثمّ إخراج الكتاب بالشكل المناسب له.
ولا بدَّ في نهاية المطاف من تقديم الشكر الجزيل والثناء الجميل للإخوة الأفاضل في المركز كافة، الذين لم يألوا جهداً في العمل على إظهار هذه السلسلة بشكلها اللائق.

مدير المركز
السيد محمّد القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة المؤلف:
في شهر حزيران، من سنة (١٩٩٤) ميلادية (محرم ١٤١٥هـ)، دار بيني وبين مَنْ التبس عليه الحق حوار حول مسائل خلافية مشهورة، وبعد أن طال بنا التحاور، قفز محاوري فجأة؛ ليقول: إن أهم خرافة مضرّة بالإسلام هي: فكرة المهدي عند الشيعة، وهذا _ للأسف _ ديدن محاورينا، حيث لا يثبتون على موضوع واحد في محاوراتهم، ويقفزون على الاستحقاقات الدينية والعقلية، بسيل من التهم التي لا يريدون سماع الجواب عنها، وحلّ ما التبس منها.
حين وصل صاحبي إلى هذه النقطة، التي لم تكن ضمن محلّ خلافنا، وإنما هي طريق للهروب من البحث الذي دار بيننا طويلاً:
قلت له: لا بأس أن نبحث الموضوع من جوانبه الإسلاميّة المعروفة، باستخدام أدلّة النقل والعقل، وبدأت أشير له بأن فكرة الإمام المهدي عليه السلام ليست فكرة شيعية حسب، وإنما هي فكرة إسلامية عميقة، ركّزها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد طالبته بتحدٍ أن ينفي عنها أن تكون فكرة ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فقال: إن منهجه لا يسمح له بقبول الحديث والتأريخ، وفق سياقات المحدّثين، وإنما يرى: أن كل فكرة نسبت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كانت غير مقبولة في عقله، فهي مرفوضة، حتّى لو أجمع عليها المتمذهبون.
فقلت له: هذا قفز آخر؛ لأنه مبنىً يحتاج إلى تمحيص، خاصة في تقرير أحكام العقل، وما يؤخذ منها، وما لا يؤخذ، فكلمة (غير مقبولة عقلاً)، يجب تحديدها، فإن طول عمر نوح، ونجاة إبراهيم من النار، تعتبر غير مقبولة عقلاً، بحسب المنهج التجريبي، واختفاء النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كذلك في هجرته. هذه كلها غير مقبولة، ويجب رفضها وإن صح النقل فيها!!
نحن نتفق في الكثير من طرق معالجة التعارض في الأحاديث، والتي منها العرض على كتاب الله والعقل، فلا بدَّ من الموافقة مع العقل، ولكن المشكلة في الطريقة، والمضمون الذي ستعالجه، وفي معايير العقل والنقل، فهذا أمر في غاية الدقة، ومعالجة أحاديث الإمام المهدي عليه السلام _ الثابتة بالطرق الصحيحة عند جميع المسلمين، على نحو الإجمال _ ليست من مسائل العقل المجرد، وكلها مما لا يساعدك العقل على إثبات مدّعاك.
وهذه النتيجة مما لا يكاد أن يصدّق بها العقل السطحي التجريبي؛ لأن العقل العلمي حين يثبت له صحة خبر الله عن شيء، يقف مؤمناً مصدقاً؛ لعدم قدرته على معالجة ما وراء مداركه. بخلاف العقل السطحي فإنه لا يقبل الإيمان بما وراء المحسوس إلاّ إذا أقهر على ذلك، فعندها يقول: إنه يسلم بذلك حتّى لو لم يتعقله، ليس من باب الإيمان بل من باب التصديق الحسي؛ لدليل حسي قهري _ وهو النص، أو الاعتقاد المذهبي الجماعي.
في هذه السنة (١٤٢٧ هجرية/ ٢٠٠٦ ميلادية) طلب مني الأستاذ الفاضل السيد محمّد نجل المرحوم المبرور الشهيد والد الشهداء الأربعة السيد حسن القبانجي رحمه الله إعادة النظر في الرسالة، وطبعها ضمن نشاط مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام، فوجدت طلبه ملزماً، ورأيه حفظه الله راجحاً، وهو عمل أرجو أن اُقبل به عند سادتي الكرام عليهم صلوات الله وسلامه.
وقد قمت بإعادة صياغة بعض الفقرات، وتزويد البحث بالمصادر المتنوعة، والنصوص الإضافية المناسبة، وإضافة فصول مهمة لتركيز الفكرة. وقد أعدت قراءة كتب الأحاديث، والاستفادة مما طرحه أهل البيت عليهم السلام، وكلامهم الذي هو في غاية الدقة والأهمية في هذا الموضوع. لا باعتبارهم أئمّة في نظري _ فهذا دور واضح لا يُثبِت مطلوبه هنا _ وإنما من أجل كونها تنبيهات عقلائية للإشكالية، ومتطلباتها، واستحقاقاتها، التي تُثبِت متعلقها، رغم كل التواء في الفهم والتفسير.
ولا بدَّ من توضيح أمر مهم جداً، وهو أن النتيجة لا بدَّ أن تكون بعد مقدمات سليمة؛ ولهذا فإن نتيجة هذا البحث لا تكون إلاّ بمقدمات متسلسلة بتحقيق معاني وأفكار تتعلق بالموضوع.
ومثل هذه المقدمات تحتاج إلى أمرين أساسيين:
الأوّل: هو إلزام العقل التجريبي بالنتائج، وحصره بزاوية كون الموضوع خارج حقل العقل السطحي والحسي.
والثاني: هو توضيح كل الملابسات، ورد كل التشويشات والتشويهات، التي لحقت بالموضوع، سواء بشكل متعمد أو غير متعمد.

نزيه محيي الدين
١٤٢٧هـ

الفصل الأوّل

مشكلة الغيبة والعقل الحسي التجريبي

إنَّ طرح مسألة الإمام المهدي عليه السلام، وغيرها على المجتمعات الحسية، قضية معقدة نسبياً، حيث يكلّم العالِمُ مجتمعاً، تمّت تربيته على المنهج الحسي، الذي يزرع فيه الظن أن هذه القضية هي ضد منهج العقل، أو يقال له _ إيحاءً، أو مباشرة _: إن منهجك في التفكير، هو منهج علمي رائع، ومنسجم، ويعتمد الوسطية، بخلاف الفكر المتطرف، الذي يؤمن بأمور غيبية، وما أشبه ذلك، من الإيهامات التي يوهمون بها مجتمعاتنا، بينما في نفس الوقت، لا يستطيع الثبات الفكري على رأي، لتلمس الحقيقة، فقد تمّت تربية الناس على عدم الثبات على فكرة، وعلى عدم التمييز الحقيقي للخطأ، والصواب، وللمصلحة، والمفسدة، فكل ساعة يمكن أن ينقلب إلى عكس ما كان يعتمده، ويدافع عنه.
وقد قمت شخصياً بتجارب، في مجتمعات كثيرة في منطقة الشرق الأوسط، متحدياً مجاميع من الناس ليختبروا طريقة تفكيرهم، فأعرض لهم الرأي بأدلته، فيقولون: هذا صحيح، ويساعدوني فيأتون بشواهد مؤيدة، ثمّ أعرض لهم الرأي المخالف تماماً، فيقولون: صحيح، ويأتون بشواهد مؤيدة جدّاً، ثمّ أقلب القضية، فأعرض رأياً ثالثاً، فيتأكدون من صحته، وأعود لأعرض الرأي الأوّل، والثاني، فيتفانون في إبطاله، وحين أخبرهم بأنهم خسروا الرهان، ولم يفوزوا في الامتحان، يتناقشون ويختلفون، ويتبيّن أنَّ القضية لم تكن فكرية، وإنما مجرد طرح أفكار.
إن هذه الكارثة العقلية في الاستدلال، وتحقيق المعرفة، هي ظاهرة غارقة في القدم، وموغلة في عمق التاريخ. ولكن، لا ينبغي أن تكون بنفس حدتها في زمننا هذا، بعد انفتاح وسائل المعرفة، ووصول إيجابيات العولمة إلينا _ مع تحفظنا على سلبياتها _، والأمر يعود _ في الحقيقة _ إلى عدم تعليم الإنسان، لطريق التفكير السليم، بشكل حقيقي، ومرتب، ليستطيع الثبات في عالم متغيّر. ولهذا وجدت أن من يعمل في علوم البرمجة _ بشكل حقيقي _ يتعامل بسهولة مع الأفكار، التي تحتاج إلى ترتيب في الاستدلال، وفي الوصول للنتيجة، وقد يقتنع بصورة سلسة في الحوارات، وذلك؛ لأنهم يدرسون ترتيب الأفكار، ولو جزئياً بمقدار حاجتهم المهنية، وحين يكون مبطلاً، ومتحزباً أراه يعترف بأنه يواجه صعوبة معينة؛ لأن طريقة تفكيره المرتبة، اصطدمت مع حواجز التربية على القوالب الجاهزة للفكر، الذي يصعب عليه الخروج من شرنقته، ولهذا يتهرب بمواضيع ثانوية، طلباً لعدم الدخول في فهم الحقائق؛ لأنها بدأت تصطدم بواقعه الداخلي، الذي تربّى عليه من الباطل.
وفي سبيل أن نحاور ذاتنا، حواراً داخلياً مقنعاً، علينا أن نواجه قضايا مهمة في طبيعة التفكير. فأوّل سؤال يجب أن نسأل أنفسنا به: هل الغَيبة مستحيلة عقلاً، أم هي ممكنة؟ والسؤال الثاني، الذي يجب أن نسأل أنفسنا به: هل هناك غيبة حدثت فعلاً؟ وهل هناك قناعة خارج حدود التمذهب الضيق لوجود غيبة فعلية؟
ثمّ نحاول أن ندرس القيمة الحقيقية للنصوص الدالة على التبشير بالغيبة، ابتداءً، قبل وقوعها، ثمّ على النصوص الدالة على وقوع الغيبة، انتهاءً.
وبعد أن نخرج من حوارنا الداخلي مع أنفسنا، علينا أن نتحرر من مرض الاستخفاف والسطحية، ونركّز على الحقيقة القرآنية، وعلى أن الغيبة لم تكن عملية طارئة مفاجئة في وجودها الواقعي للبشر، فتحتاج إلى تفسير أرضي لتحوّل الحالة، وإنما هي عملية مدروسة، منصوص عليها قبل حدوثها، وهي من قبل الله، لأمر يعلمه الله، وهو خارج نطاق القدرة العقلية، التي نمتلكها؛ لأنها خارج نطاق المألوف، فهي ليست ذات مصلحة مرتبطة بنا فقط، وإنما هي حقيقة، ذات علاقة كونية، مرتبطة بإرادة الله، فالعقل إذا كان يدرك الحسن والقبح، ويدرك الحقائق، لا يعني ذلك أبدا أنه قادر على إدراك ما هو خارج مجاله، فمسألة وقوع الغيبة، والنصوص عليها، يدركها عقلنا، ونتلمسها علمياً، وحسياً. ولكن تفسير أحكام هذه الحالة، يحتاج إلى معرفة من الله، ونحن لم نجد لها _ بالفعل _ تفسيراً واضحاً صريحاً من الله. ولذا، فإن جميع التفسيرات، تبقى للحكمة الظاهرة لنا، والمصلحة البينة لبني الإنسان، والسبب في ذلك كونها تفسيرات ذوقية، واجتهادات شخصية، خاضعة لميزان الخطأ والصواب. ولهذا، لا يمكن من خلالها، تشكيل أيّة إشكالية، بناءً على التصورات الظنية، لسبب هذه الظاهرة، أو لشكلها.
ولهذا، فإن السؤال لا يتوجه على الله بقول القائلين: ما فائدة أن يرسل الله ملائكته الكرام بالتكاليف السنوية، لشخص غائب، ومختف عن البشر، في حين أن التكاليف موجهة إلى البشر(٢)؟؟
إن بعض من يقول بالتصويب، يرى أن لله أحكاماً في الواقع، ولكن الإنسان غير مكلف بها، وهو _ أي المصوّب _ يعتمد هذه النظرية، ليؤسس مذهباً عجيباً، لقلب منظومة الشريعة، وتحويلها من كونها صادرة عن الله تبارك وتعالى، إلى كون الله عز وجل تابعاً للمشرع الأرضي، ولم يسأل القائل بهذا القول نفسه: ما فائدة الحكم بدون تكليف؟ مع أن مثل هذا السؤال _ هنا _ أكثر وجاهة من السؤال عن الغيبة؛ وذلك لأن في النظرية الثانية للتصويب _ القائلة بوجود حكم بدون تكليف _ مشكلة التفريق بين الحكم، والتكليف، وهما لا يفترقان _ عقلاً وواقعاً _ لأن الحكم هو أساس التكليف، والتكليف تابع قهري للحكم، والقائل بنظرية التصويب الثانية يقول: بأن هناك حكماً بدون تكليف كما بيّنا.
ومثل هذا لا يحتاج إلى توقف على تعليم، ونزول أمر إلهي به؛ لأن توقف التكليف، وتكوين تكليف إلهي، بموجب حكم حاكم أرضي يعمل بظنه، يعني عملية خروج عن نفس المسيرة الإسلاميّة، وعن تفسير الإسلام، كدين سماوي صرف؛ ولأن العقل لا يرى علاقة بين الإنسان، وبين الحكم، حينما لا يكون تكليفاً. ولو أننا افترضنا أن هناك الآلاف من الأحكام ولكنها لسبب أو لآخر لا تكون ملزمة للإنسان وهو غير مكلف بها، فما علاقته إذ ذاك بها، وهل ستكون جوهر شريعته، وهل يصح أن تتضمن الشرائع _ سماوية كانت أو أرضية _ أحكاماً معطلة لا يعمل بها، ولا يُكلّف أتباعها بالتزام العمل بها؟
بينما نزول التكاليف على بشر معيّن، مع وجود مانع بينه وبين تبليغ الأمر، لا يعني _ مطلقاً _ أن الأمر لم يصل، أو أنه لا فائدة فيه؛ وذلك لعدم توّحد العلة، وعدم انحصارها في نزول أحكام الله إلى الأرض بالنشر، وإلاّ لكان يجب إبلاغ كل إنسان، عن الله مباشرة، لتحل هذه المشكلة. وهذا لم ولن يحدث؛ لأنه غير لازم عقلاً.
ولو أردنا أن نوضّح الفكرة، بشكل مبسط، فينبغي أن نفترض أن الله _ تبارك وتعالى _ قد قصّر _ حاشاه جل وعلا _ بإرساله الرسل في مناطق محدودة من الأرض، وفي زمن محدود، بحيث لم يبلّغ بصورة واضحة، لجميع البشر. فيكون إرسال الرسالات غير كاف في الحجة على البشر، وتكون الديانات مجرد عملية ناقصة، لا تكون حجة كافية على الإنسان الموجود في كل بقاع الأرض. بالتالي فإن كل رسالات الله تكون غير مفيدة لعقابه وجزائه، ويكون التزامه بالبيان ناقصاً، حسب هذا الفهم السطحي، وهذا الإشكال، هو وليد طبيعي لإشكال عدم جدوى النزول، والتبليغ، لرجل غائب. ولا يعلم حجم المجتمع الذي يتواصل معه، ولا كيفية تواصله معهم. فلا يصح _ إذن _ استعمال عدم الإطلاع، دليلاً على العدم، فكون مساحة الصلة بالإمام الغائب غير معروفة، لا يعني _ أبداً _ أنها منفية، لعدم المعرفة، وهذا استعمال سيء لأساس سيء، وهو استعمالهم عدم العلم دليلاً على انعدام الموضوع، والذي لا يمكن أن يقول به صاحب منهج عقلي، ومنطقي للتفكير.
وقبل أن ندخل في مجالات بحث خاصة بالغيبة وحيثياتها لا بدَّ لنا من إعادة ترتيب أفكارنا وفق المنهج التالي:
نتساءل أوّلاً عن الأسس التي يجب أن نسلكها في بحث قضية الغيبة، معرفياً، لنحل إشكالاتها، علمياً، ونفسياً.
ثمّ نتطرق إلى إمكان وقوع الغيبة بكل صورها، فإذا ثبت عدم الإمكان، بطل الكلام بها، وإذا ثبت الإمكان، انتقل البحث إلى مرحلة ثانية.
لا بدَّ أن تكون الغيبة مبشّراً بها، كتهيئة عقلية للبشر، وأن تكون مدّعاة. وهي يجب أن تكون مقرونة بالشواهد، والأدلّة، التي يطمئن من خلالها الإنسان بوقوع الإخبار، والتبشير بها، لشخص معلوم نسبت أو تنسب إليه.
فإذا وصلنا إلى هذه المرحلة، لا يحسن بنا _ إذ ذاك _ إلاّ التسليم بوقوع الغيبة، وأنها ليست لعباً، أو دعوى باطلة، وإنما هي ظاهرة كونية نادرة، لها علاقة بالدين، وبالكون، و يجب دراستها، والتمحيص في معطياتها.
هذا ما يفرضه العقل، مما يسوقه من ترتيب، يفرض على الحس، وعلى غير الحس الإذعان له. فإذا نظرنا _ ولو باختصار واقتضاب _ إلى هذه المراحل، خرجنا بالتالي منها كما سيأتي في الصفحات اللاحقة، بنتائج تناقض المنهج الحسي التسطيحي.
هل الغيبة من المرفوض عقلاً؟
لو أردنا أن نحلل فكرة الغيبة، والدليل على إمكان وقوعها، واستمرارها، لا بدَّ لنا أن نبحث _ أوّلاً _ في إمكانية أمرين مهمين، هما: الاختفاء الحسي، وطول العمر، الملازم لغيبة طويلة الأمد.
فالاختفاء الحسي، تارة يكون باختفاء الهوية، وهذا لا يمكن تصوّر عدم إمكانه، وإنما هو طبيعة كل مجهول، فمن يأتيني، وأنا لا أعرف شكله، لا يمكنني أن أعرفه، ما لم أصل إلى معرّف له، وهذا أمر طبيعي، لا يحتاج إلى مزيد من البحث. فهذا النوع من الاختفاء، هو ما عليه كل التخفي البشري، بل، والحيواني _ أيضاً _ من تغيير اللون، والصورة، والشكل، وإيهام الحس، بأن هذا الشيء هو غيره تماماً. والتخفي بهذه الطريقة، هو دأب كل من يتخفّى من أعداءه، أو لأية أسباب أخرى تخصه. وهذا النوع ليس ممكناً فقط، بل هو واقع، نعيشه في كل مجالات حياتنا، في الإنسان، والحيوان، والنبات.
وتارة يكون الاختفاء، باختفاء الجسد، وما هو عليه (الخفاء البصري). وهنا، قد يشكّك من لا علم له بحقائق الأمور، بحقيقة وقوعه أو إمكان ذلك. ولكنّ من يعرف الحقائق، ويطلع على الدراسات، والثوابت في المعرفة الإنسانية، يجد أن هذه الحالة، واقعة، فضلاً عن القول بإمكان وقوعها، أو حدوثها.
وقبل كل شيء، لا بدَّ لنا أن ننبه إلى أننا لا نتكلم عن ظاهرة اختفاء مجردة، وإنما نتكلم عن حالة تكوينية، متعلقة بإرادة الله _ تبارك وتعالى _ وقدرته. وهنا يجب البحث، انطلاقاً من أن هذا، هو أمر الله، وأن الله قادر على تحقيق مثل هذا الإخفاء.
وعليه فإن بحث مسألة: أن هذا الاختفاء أمر إلهي، تتعلق ببحث التبشير بذلك، والنصوص الدالة على تعلق إرادة الله، بهذا الخفاء.
وأما مسألة البحث في قدرة الله على الإخفاء، فهذا بحث لا يليق بمسلم. بل لا يليق بعاقل يعرف الله، وقدرته. وهو أمر لا يجوز التفكير في استحالته عليه، بأيّ شكل من الأشكال. فالله _ تبارك وتعالى _ هو خالق الأجسام، وخصائصها، وهو من يستطيع تمكين الخصائص، أو إعدامها، فليس يليق بعاقل، أن يدعي بأن الله جل جلاله غير قادر على إخفاء عبد من عباده، بناءً على تصورنا البشري، أن الطبيعة الفيزيائية الظاهرة، تقتضي الصورة المرئية للجسم.
فقد كانت الطبيعة الفيزيائية، تقتضي إحراق إبراهيم عليه السلام بالنار الهائلة، ولكن ذلك لم يتحقق، وكانت عليه برداً وسلاماً.
والطبيعة الفيزيائية، تقتضي عدم انتقال الأشياء بطريقة الاختفاء، من مكانٍ، والظهور في مكانٍ آخر، يقع على بعد مئات، أو آلاف الأميال، كما حدث لنقل عرش بلقيس، في طرفة عين، إلى مجلس سليمان عليه السلام.
والطبيعة الفيزيائية _ أيضاً _ لا تقبل أن ينشق البحر لبني إسرائيل طريقاً يبساً، ليعبروا فيه، على أرض صلبة، وقد حدث ذلك، وتغيرت قوانين الفيزياء والطبيعة.
والقوانين الحياتية لا تقتضي أن تتكلم الحيوانات، ولكن الهدهد تكلم، والنملة تحدّثت _ كذلك _ وسمعهما نبي الله سليمان عليه السلام.
والقوانين الفيزيائية _ أيضاً _ تقتضي أن الجن لا يُرى؛ لأنه مستور عن أنظار وأبصار البشر، وهو من خلقة ومادة غير مادتنا، لا ترى بالعين، ولكن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التقى بهم، ومن قبله سليمان عليه السلام، وهو الذي حبس مردتهم في قوارير.(٣)
والقائمة طويلة في مخالفة، ومغايرة قوانين الطبيعة، بأمر إلهي منصوص، فليس في المخالفة، أي مجال للتساؤل عن قدرة الله عليها، حتّى بالنسبة للحسي، الذي لا يعقل إلاّ المألوف، لأنه يؤمن من خلال النقل، أو رؤية العين، بقدرة، وبكيفية اختراق القوانين الفيزيائية والطبيعية، بتدخل من الله تعالى.
وكم قد حصل، لعباد الله في حياتهم، من دلائل، تعتبر نوعاً من الخوارق للعادة، للنجاة، أو حدوث ما لا يقبله العقل من توقيت، أو تهديف في الحوادث. بحيث يكون خارقاً للعادة، نقتنع بحدوثه، أن الله أراد النجاة، ودفع البلاء في ذلك الوقت، لغرابة الموقف فعلاً.
والإخفاء، لا يختلف _ من هذه الناحية _ أبداً.
وهنا ننتقل إلى بحث لا نطيل فيه؛ لأنه بحث مستقل، يحتاج إلى كتب، ومجلدات، وذلك لدراسة ظاهرة اختفاء الأجسام المرئية، وسنشير إلى إلماعات فيه، تكفي العاقل أن يتنبه للربط بين المعلومات، التي تمر عليه.
إن العلماء لا زالوا يدرسون تفسير ظواهر كثيرة، سميت الظواهر الروحية، أو الظواهر الخارقة، ومن بينها ظواهر التخفي، والاختفاء الكلي للأجسام، وقد عبروا عن هذه الدراسات، باسم علم الباراسيكولوجي، أو أسماء أخرى، ترتبط بالتأثير غير الفيزيائي، في الكون الفيزيائي.
لقد أيقن الباحثون، بوقوع حالات من التخفي، أو من التأثيرات من قبل أجسام، أو قوى مختفية تماماً علينا، وقد وصل الحال إلى تصوير بعضها بالصور المتحركة، لدراستها، وقد صورت _ أيضاً _ بالأشعة المختلفة مثل الأشعة تحت الحمراء، أو أشعة جاما، أو أشعة أكس، وما شابه ذلك، وتبيّن وجود وقائع وحقائق، وهنا انطلق العلماء ليس بطريقة تفكير متسلسلة؛ لأنهم لم يتساءلوا عن الإمكان، وإنما تساءلوا عن صدق إخبار من يخبر عن هذه الظواهر، وحين ثبتت هذه الظواهر، بدأوا في إيجاد تفسير لها، بعيداً عن التفكير البيزنطي، في التشكيك بالواقع؛ لأن ما عندهم من معطيات معلوماتية، تمثل واقعاً يجب تفسيره، بشكل يتوافق مع وقوع الظاهرة.
وهناك عشرات التفسيرات، لمثل هذه الظواهر، ابتداء من فلسفة الضوء، واختراقه للأجسام، أو انعكاسه عنها، حيث افترض بعضهم، أن هذه الأجسام المختفية، إما أن تكون لها القابلية على امتصاص الضوء، أو أنها تسمح بنفاذ الضوء إلى الفراغ الذري داخلها، أو أنها تسيّل، وتشتت الضوء حول الجسم؛ ليذهب في نفس اتجاهه، من دون انعكاس، كما لو انحنى قليلاً، كما ينحني تيار الماء عن الجسد الواقف وسط التيار، وقد تفرّع من هذه النظريات، محاولات تجريبية في التطبيقات التقنية الحديثة، وقد تم اعتماد هذه النظريات، في بناء الطائرات، التي لا يكتشفها الرادار، بنفس هذه التصورات، من هندسة تمكّن من امتصاص الضوء، أو الذبذبة الرادارية، ومن تحويل بسيط لتيار الضوء حول جسد الطائرة، وغير ذلك، بل إن هناك الآن دراسات، لمراقبة مواد سرية، يمكنها تغيير تيار الضوء، لأيّ شكل كان، بدون حاجة إلى هندسة معيّنة، تسمح بتكوين انفراج في الحزمة الضوئية، حول الجسم. وهي دراسات سرية، لا نعلم شيئاً عن مقدار النجاح فيها، ولكن _ بشكل أوّلي _ تم الإعلان عن نجاح التجارب المخبرية، لقسم من التجارب في الحالة الساكنة.
وهذه المعطيات العلمية، لم تكن مبنية على فراغ. ولكن، في المجال الإنساني الفعلي، فإن الاختفاء حقيقة، ثبتت المصادقة عليها، علمياً، ودينياً. فالخفاء الذي يمارسه الرهبان المسيحيون المعروفون، وكذا كهنة اليهود، والظواهر المشابهة عند بعض كهنة الهنود، وما يمارسه فقراء الهنود، بما يسمى بطاقية الإخفاء، وأمّا ما ثبت لبعض الأولياء المسلمين، وما نقل عنهم، فهو كثير جدّاً، إلى حد ضرورة التيقن من وقوعه. (منبهين إلى وقوع الاختفاء البصري لنبينا محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في ساعة هجرته وهذا أهم من جميع ما قيل ويقال، فليراجع).
وبعد أن كانت حكايات الاختفاء، مجرد حكاية، وقناعة شخصية، لبعض الأفراد، الذين تعاملوا مع الحالة، وتيقنوا منها، فقد أصبحت _ اليوم _ حالة تدرس مخبرياً، بشكل جاد، وترصد لها الميزانيات الكبيرة، فهناك مراكز دراسات، لتفسير الظاهرة والاستفادة منها، وليس للتأكد منها فقط، فقد انتهى هذا الدور نهائياً.(٤)
إننا لا نريد _ هنا _ أن نغرق في تفسير الظاهرة، والتمكن من فهم طبيعتها، وأسبابها، وهل هي أسباب مسيطر عليها، أم هي خارجة عن السيطرة؟ وإنما نريد: أن نفهم قضية مهمة، وهي أن ظاهرة الإخفاء البصري للأجسام موجودة، وهي محل دراسة علمية، واعتراف علمي، والوجود أدل دليل على الإمكان.
وبهذا، ينهار _ تماماً وكليّاً _ الجزء الأوّل من التشكيك في الغيبة، ولا مجال لعاقل أن يدخل من هذا الباب. ويبقى الأمر الثاني الذي عادة ما يكون مدعاة للتشكيك في الغيبة وحدوثها، وهو طول العمر وعدم كونه مألوفاً.
و نحن نواجه هنا _ أيضاً _ مشكلة معرفية أخرى، فحين يقال: إن نوحاً عليه السلام، عاش يدعو قومه (٩٥٠) عاماً، وعاش بعدها كما قيل: ثلاثمائة، أوخمسمائة، أو ألف، أو ألفي سنة، للتدليل على إمكانية وقوع مثل ذلك، يكون الرد السطحي الحاضر: وهل المهدي مثل نوح عليه السلام؟ ولمن يورد _ عادة _ مثل هذا التساؤل الغريب، نقول: إن البحث هو عن إمكانية الوقوع، وليس عن التماثل، والتشابه بين حالتين! ومثل هذا الردّ الغريب لا يؤدي بنا إلى إدراك حقيقة الأمر، فأين البحث في إمكانية أن يطول عمر الإنسان إلى مثل هذه المدة المديدة، من التساؤل عن التشابه والتماثل بين نوح عليه السلام، والمهدي المنتظر عليه السلام.
إن المسألة _ برمتها ترتكز على إثبات إمكانية الوقوع، وهو _ هنا _ إمكانية أن يعيش الإنسان عمراً طويلاً كعمر نوح عليه السلام، وهذا الأمر ثابت لا جدال فيه، وقد أشار إليه القرآن الكريم بوضوح لا لبس فيه، ولما كان الأمر كذلك بالنسبة إلى نوح عليه السلام، فلا يبعد أبداً أن يقع مثيله، أو أن تكون هناك حالات مشابهة له، وهذا ثابت، دلَّت عليه الشواهد الكثيرة التي تمثلها بصورة دقيقة قصة نبي الله نوح عليه السلام.
فإذا أضيفت قصة الخضر عليه السلام وغيرها من القصص والشواهد الأخرى، إلى ما تقدم من قصة نوح عليه السلام، خرج الأمر عن الندرة إلى الكثرة، وعن دليل الوقوع الواحد إلى شيوع الأدلّة، مما لا يبقي مجالاً للقول باستحالة الإمكان، ومما يفرض علينا التسليم بصحة، وإمكانية، ووقوع مثل هذا الأمر.
وبحسب الروايات حول قضية الخضر عليه السلام، ينبغي أن يكون عمره إلى يومنا هذا قد تجاوز الألفي سنة (بل هناك أقوال تدل على أن عمره يزيد عن اثني عشر ألف عام لأنه الابن الصلبي لآدم كما يقولون، وسيأتي الكلام فيه)، ومما يثير الغرابة حقيقة في هذا الموضوع أن ابن تيمية أنكر وجود الخضر، ونفى الروايات التي أشارت إلى لقاءه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضها صحيح، والملاحظ في بحوث هذه القصة وحيثياتها، أن البعض يحاول أن يثبت بقاء الخضر عليه السلام حيّاً إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك فإن مثل هذا البقاء، يكون دليلاً على طول عمر خارق، فقد قيل عنه أنه سابق للمسيح بمئات السنين، وزمن بعثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في القرن السابع الميلادي فهو قد عاش ما يقارب الألف سنة، في ذلك الوقت، ونفي إمكانية بقاءه حيّاً إلى زمننا هذا، لا يعني _ أبداً _ أنه لم يعش مدة طويلة وعمراً مديداً قد يكون تجاوز الألف عام. وهذا بالتالي دليل إمكان للوقوع ينبغي الأخذ به.
وأما قصة عيسى عليه السلام وكونه حيّاً إلى الآن، وقصة إدريس عليه السلام، الذي رفعه الله مكاناً عَلِيّاً، وهو حي يرزق الآن. فهذه حالات جاءت بنصوص قرآنية، ونبوية ثابتة، ومن يريد أن يشكّك فيها، فعليه أن يشكّك في كل منظومته الإسلاميّة، ولا تجوز التجزئة، وأحادية النظر، بحيث ترفض هنا، وتقبل هناك! والقضية نفس القضية.
هذا بالإضافة إلى أن كتب التاريخ تعج بروايات المعمرين الخارقين للعادة. وها هم بيننا في جبال القوقاز، مئات المعمرين الخارقين، وقد تحدّثت الأنباء عن بعضهم، بأنه عاش أكثر من (١٣٠) سنة، وقد أجرت إحدى الصحف لقاءً مع معمر قوقازي، قيل: إن عمره أكثر من (١٥٠) سنة، وأنه لا زال يمارس نشاطه اليومي، في الزراعة، وما أشبه ذلك. ومثل هذه الحالات تعتبر خارقة للعادة فالإنسان _ اليوم _ رغم تحسن صحته، وارتفاع متوسط العمر لديه، فإنه يكاد أن يكون بمتوسط عمر (٦٦) سنة، في الدول الراقية الغنية، بينما في الدول الفقيرة يبلغ أقل من أربعين سنة. وعلى كل حال فإنَّه من النادر البقاء بحدود (١٢٠) سنة.
وهذه المعلومات، لا تحتاج إلى إسنادٍ؛ لأن على المعترض أن يبحث عنها في نشرات منظمات الصحة العالمية، وسيجد ما يسره من المفارقة بين متوسط العمر، وبين أعمار معمرين أصحاء بكامل قواهم العقلية، والبدنية.
وهنا قد نوجّه السؤال إلى علماء الحياة وأسرارها عن جوابهم عن سرّ الموت والحياة لدى البشر لندرس إمكانية بقاء الإنسان حيّاً مدة مئات، أو آلاف السنين.
لعلَّ غير المطّلعين سيفاجئون بجواب العلماء العجيب. وهو قولهم: إن ما يحيّرنا هو سرّ الموت، وليس سرّ الحياة؛ لأن الأصل الذي نراه في التكوين الداخلي للجين الوراثي، الذي يرسم حياة الإنسان، هو الحياة الكاملة، وعدم الموت، ولكن ما يفاجئنا، هو إصدار أوامر، وإيعازات برمجية، من داخل الجين الوراثي، لتخريب الجسد، وهذا ما لا نفهم سببه، ولعلَّ للتوازن البيئي دخلاً في الأمر، فقد جعل الله فينا برنامج الموت، وإلاّ فإن كل خلية، وكل نسيج له قابلية عجيبة للتجدد، والمحافظة على البقاء، بما فيها ما كان يعتقد بأنه لا يتجدد، وهو خلايا الأعصاب، والدماغ، فقد تبيّن أنها أيضاً رغم كونها مقفلة برمجياً، إلاّ أنها قابلة للتجدد كغيرها، وقد وجدوا أن علاجات الكآبة، قد بنت خلايا عصبية جديدة في نسيج كان ميتاً يقيناً، ويعتقد أنه غير قابل للحياة، فحتّى الخلية التي تموت يمكن استبدالها بخلايا أخرى من نفس النوع. ولكن هذا إنجاز طبي في بواكير حدوثه.
ونظام التجديد والإصلاح داخل الجسم، هو نظام متقن، وإلاّ لمات الإنسان، في بداية عمره. والمشكلة في اختلال هذا النظام.
وبهذا يتبيّن لنا، أن النظام الأساسي، هو بقاء الحياة، وسرّ الموت، هو المعجزة الإلهية التي لا يعرف مداها، ولا كنهها. فما يحدث للمعمرين، هو التفلت من سرّ الموت، والبقاء على الطبيعة الأساسية، لبناء الكيان الحي، بواسطة الشفرة البرمجية للحياة.
يمكن القول _ إذن _ أن ما يحدث في قضية الإمام عليه السلام، ربما يكون عدم حصول المعجزة العجيبة، التي تحصل لنا جميعاً، بحسب فهم العلماء، وهنا خروج عن القانون الذي يحكمنا بالموت، وهذا هو الأصل.(٥)
ولو فرضنا، أنه ليس الأصل في الكائن الحي، أن يبقى معمّراً، كما تعمّر السلحفاة، والقرش مئات السنين، كما يقال، أو كما يقال: إن القرش لا يمرض، حتّى لو تعرض لبتر في لحمه، فهو قادر على التعويض، كما يعوّض الأبرص السام ذيله، إذا انقطع. لنفترض أن القانون، هو الانتهاء بزمن معين، وهذا يعني، بأنه منوط بتوقيت برمجي داخل جسم الكائن الحي، وبما أننا نتكلم عن تدخل الله في هذا الإنسان، الذي هو المهدي عليه السلام، فلا مانع عقلاً، ولا واقعاً من إجراء تعديل بالتوقيت في داخل الجين الوراثي، ليكون أطول بكثير من المعروف، والمعهود في البشر. وهذا كل القضية.
فلا غرابة مطلقاً، في طول عمر بشر ما، بل هو واقع فعلاً، والغريب أن ينكر، ويستبعد عقلنا الحسي السطحي، ما هو موجود فعلاً، ومتحقق على صعيد الواقع، ويوافقه التفسير العلمي.
فهذا الباب الثاني، من أبواب التشكيك بالغيبة، قد انتفى _ أيضاً _. ولم يبق شيء، يمكن أن يكون مصدر نفي، واستحالة، لتحقق الغيبة. وهنا أحب أن أعرض لقضية بسيطة جدّاً، وهي: أننا حين نستدل على الإمكان، فهو للردّ على القول بعدم الإمكان. وهذا الردّ لا يصلح أن يكون دليلاً على الوقوع، ولا نريده أصلاً.
إنما دليل الوقوع هو أمر آخر سنأتي إليه، وقد ذكرت هذا التنبيه، بسبب ما جرى من حوار، بعد أن سلّمت الإشكالية إلى المعترض.(٦) فقد حاول تفريغ الإشكالية، بشكل سطحي، بدعوى أن الإشكالية تثبت الإمكان، واتهمنا بالقفز من الإمكان إلى الوقوع، وقد جرى هذا الحوار بيني، وبينه.
قلت له: لنبحث _ أوّلاً _ في الإمكان، وبعد ذلك في الوقوع، وفسرت له: أن الدليل العقلي، يجعل كل ذلك موقع الإمكان، بالإضافة إلى وقوعه، لغير الإمام، مما يثبت الإمكان.
فقال لي _ فوراً _: إنكم تستدلون على الوقوع بالإمكان، فكل شيء ممكن، ولكن، إذا كان غياب المهدي ممكناً، فهل يعني أنه واقع فعلاً، وعلينا تصديق ذلك؟
فقلت له: إنك تتكلم عن موضوع آخر؛ لأن اعتراضك الأساسي هو: عدم إمكان البقاء والغيبة، وقد أتيتك بدليل الإمكان، وهذه شواهد على الإمكان، فلم نقل: إن دليل الإمكان، هو دليل الوقوع حتّى تُشكل إشكالك هذا، إنما الإشكال عليك؛ لأنك نفيت الإمكان أساساً، وحين أتيتك بدليل الإمكان، بدأت تتهمني: بأنني اُريد أن أقنعك بالوقوع، من خلال الإمكان، وهذا هروب منك، وعدم وحدة موضوع، في الدليل والمدعى.
ولهذا فقد نجد داخلنا حساً معيناً، يقول لنا: إذا ثبت الإمكان، فلا يعني صدق قضية الغيبة، ونحن نقول به، وهو كذلك، ولهذا فإن صدق الغيبة، لا يستدل له بإمكانها، وإنما أنت، يا عقلي، قد استبعدت الغيبة بناءً على عدم الإمكان، وعدم الحصول، ولكن التأمل في المعلومات، يدل على الوقوع، وعلى الإمكان معاً، فيكون هذا الباب مسدوداً علينا، ولا يمكننا إيقاف قضية غيبة الإمام، من أجلها.
ولهذا ننتقل إلى المرحلة الثانية، وهي إثبات الوقوع، ومقدماته.

* * *

الغيبة في الإسلام والديانات السماوية
في بحث موضوع كهذا، تواجهنا حقائق مهمة، لا يمكن القفز عليها وتجاوزها، وهذه الحقائق، نجدها _ أوّلاً _ في تراث المسلمين في الصدر الأوّل للإسلام، ويدلنا عليها تساؤلنا عن معنى أن ينفي أحد التابعين، قضية المهدي عليه السلام، وغيبته؟ في تلك الحقبة المتقدمة من التراث الفكري والعقائدي لدى المسلمين، ألا يعني هذا وجود الفكرة وتفاصيلها كاملة في ما احتفظ به المسلمون الأوائل من تراث النبوة، وأحاديث وروايات زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مما يدل _ بالتالي _ على وجود فكرة المهدي وما يتعلق بها من التفاصيل في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وبعده قليلاً، وهم مختلفون فيها بين مثبت ونافٍ لها؟
ثمّ ما معنى أن تقول فرق كبيرة من المسلمين _ في الصدر الأوّل للإسلام، أيضاً _ ما قالته الكيسانية في موت محمّد بن الحنفية رحمه الله؟ من أنه غاب غيبة، سيرجع منها. وكذا الناووسية حين قالوا بأن الإمام الصادق هو المهدي عليه السلام، وأنه غاب وسيرجع.(٧) ألا يعني ذلك أن العقل المسلم، كان مهيأ منذ مدة، لفكرة الغيبة، التي اختمرت فيه حتّى وصلت إلى مستوى التطبيق الفعلي للفكرة، والإيمان بها؟؟
ما معنى أن يسمي المسلون أبناءهم بالمهدي، تيمناً به، أو طلباً لأن يكون هو؟ كما فعل المنصور، حين سمى ابنه المهدي، لغرض سياسي ديني معروف. لا شكّ أن ذلك مما يسمى بالشياع، والتعميم الثقافي، نتيجة التبشير بالمهدي، وغيبته.
لقد كان الأمويون يسمون الثوار عليهم بالـ (مهدي) باعتبار المهدي عدو بني أمية لأنهم يشعرون داخلياً أنهم أعداء رسول الله وذريته، فحين اُعدم زيد بن عليّ رحمه الله قال شاعر الأمويين:(٨)

صلبنا لكم زيداً على جذع نخلة * * * ولم نر مهدياً على الجذع يصلب

ففكرة الإمام المهدي عليه السلام، وفكرة غيبته، كانت متمكنة جدّاً من الشعور الإسلامي، بسبب تأكيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لها، ولهذا اخترع أصحاب الباطل غيبات موازية كما في قصة غيبة محمّد بن الحنفية بعد وفاته، ولو كان اختراعهم غير مقبول في أصل القصة، لقيل لهم بأن فعلهم بدعة، ولثارت عليهم المنتديات الثقافية الإسلاميّة التي لا شكّ في إخلاصها أو تلك التي لا شكّ في استغلالها لمثل هذا الحدث لأسباب سياسية، ولكن النقاش كان معهم حول ثبوت الوفاة، وهو ردّ عملي على ادعاء الغيبة لأيٍّ كان. ونرى _ مثلاً _ أن السيد الحميري كان قد رجع عن إيمانه بمقولة غيبة ابن الحنفية، لثبوت علم وصحة إمامة الصادق عليه السلام، وقد سأله فنفى أن يكون هو الغائب، وأن الغائب سيكون السادس من ولده، وهو محمّد بن الحسن عليه السلام، وهذا طريق ثان، للردّ على غيبة محمّد بن الحنفية، وهو يعتمد الخبر بعدم كونه هو المصداق، من قبل العالِم.(٩)
هذا الموضوع، وبهذا الشكل من التركيز، في ذهن المسلمين، لم يكن بدون جذور، وأسس فكرية، ونصوص أساسية، تساعد على تبني تأويلات صحيحة، أو أخرى مزورة، بل كان بنصوص ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إلى درجة اعتبر فيها أن حديث المهدي عليه السلام من المتواتر، بل اعتبره السلفيون _ وهم أشد أعداء المهدي، والنظرية المهدوية _: أنه من ضرورات الدين، وإنكاره إنكار للدين.
والأبعد من ذلك، أن فكرة المهدي المنقذ للبشرية، الذي سيظهر فجأة، بعد خفاء، واستتار، هي فكرة سابقة لدين الإسلام، وقامت عليها ديانات، وزيد فيها، ونقص، كما زيد فيها، ونقص في الإسلام، فهي فكرة عالمية بالنسبة للديانات السماوية، وما نبع منها، ولهذا علينا أن نمر مروراً عابراً على ما لدى الأديان الأخرى من الأفكار، لنرى مدى التبشير بالغائب المنتظر، ولا نستقصي ذلك؛ لطول البحث في هذا الموضوع. ولنبدأ، بالقول بوقوع الغيبة علمياً وعملياً ومن ثَمَّ بالتبشير بالغيبة متسلسلاً في الأديان المعترف بها.
التبشير بالغيبة:
قلنا: إن الديانات الأخرى، تحدّثت عن الغيبة، وبشرت برجعة الغائب، مدة طويلة، وهذا يحتاج إلى بسط بعض الأقوال، وتحقيق الأمور فيها، ولعلَّ أوّل ما يمكن أن نشير إليه، هو ما أثير، واشتهر من غيبة إدريس عليه السلام، والتبشير برجعته، باعتباره أوّل الأنبياء، الذين ثبتوا قواعد النبوة بين البشر. وقد اعترف بذلك كتّاب، أرادوا أن يسيئوا إلى فكرة الغيبة والرجعة، فأثبتوا أنها كانت لديانات سابقة، ونسبوها _ أوّلاً _ إلى هرمس، وهو إدريس عليه السلام نفسه، فجاءت القضية على العكس مما يريدون، وهي أن هذه الفكرة ثابتة، في الديانات فكراً، ووقوعاً، وهذا من أعجب استدلالات الظلم، والضلال، حيث يستدل بما يثبت الفكرة، على كونها غير ثابتة، وذلك انطلاقاً من المغالطة التالية: إن أيّة فكرة، تنسب لمن لا نحب، إذا وجدنا لها قولاً في السابقين، فهي مأخوذة عنهم، وهي ضلال مبين، باعتبار أن الديانات السابقة، باتت منسوخة، فيمكن أن نقول: إن الفكرة نفسها، أصبحت ضالة، وباطلة، وهذه مغالطة، لا يمكن إدراجها في المغالطات الصعبة؛ لأنها مكشوفة، وبيّنة البطلان، فليس كل ما كان من الديانات السابقة، باطل، حتّى لو لم يرد له ذكر، والثانية أن الإسلام في الأعم الأغلب منه، وافق الديانات السابقة، فلماذا يظن أن القول الموجود في الديانات السابقة باطل؟ وأخيراً، فإن هذه الأقوال، التي لا يستسيغها البعض، لما فيها من تدعيم لأفكار لا يؤمن بها، ويعاديها، لم تكن وليدة الديانات في الحقيقة، وإنما هي وليدة نصوص نبوية، وقرآنية ثابتة، فإن فكرة الرجعة _ التي ينكرونها أشد الإنكار _ ورد وقوعها، فضلاً عن إمكانها في القرآن الكريم، في أكثر من سبعة مواضع،(١٠) وكذا الولاية، والإمامة، والعصمة، ونصرة الله، والعلم اللّدني، فكلها واردة في القرآن، بشكل صريح، وليس تلميحاً، ولهذا علينا الآن، أن ندرس الكثير من صور الغيبة، والتبشير بها تاريخياً، ودينياً، ولنبدأ بالنبي إدريس عليه السلام (هرمس):
إدريس عليه السلام:
قال تعالى:
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا).(١١)
(وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ).(١٢)
لا شكّ أن الله _ تبارك وتعالى _ ذكر في هاتين الآيتين، مقاماً عظيماً لإدريس عليه السلام، فوصفه بأنه نبي، وصدّيق، ومن الصابرين، ومن الصالحين، ومن المرحومين، ورفعه الله مكاناً علياً. وكعادة المفسرين، فإنهم لا يفهمون معنى الكلام العربي، فيحتملون عشرات الاحتمالات في كل لفظة، إلى درجة انعدام الرؤية، ويضيفون إليها الروايات الإسرائيلية، وغيرها مما يشوّش المعنى. فلا نريد الآن أن ندخل في مناهج المفسرين.
ما يهمنا _ هنا _ هو قوله تعالى: (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا(١٣) فقد اختلفوا(١٤) _ هنا _ هل الرفع معنوي، أم جسدي، وإذا كان جسدياً: فما معنى رفعه؟ هل هو إصعاده إلى السماء؟ وهل هو في عداد الأحياء، أم الأموات؟ إلى آخر الخلاف.
والنصوص المعتمدة، والمؤيدة بظاهر الكتاب العزيز، أن النبي إدريس عليه السلام، ارتفع إلى السماء حيّاً، من دون موت، وهذا المعنى، هو نفسه الغيبة، أي إنه خرج من عالم المادة، إلى عالم ثانٍ، مع بقاءه بحياته، وله تعلق جسدي مختلف، وهو مبحث قررناه في مباحث ظاهرة الوحي، وتفسيرها، وكونها انتقال بين عالمين، وجوديين، مختلفين في الصفات، وإن تقاربا في الطبقة الوجودية.
والحقيقة، أن الدارس لكتب التاريخ القديم، يجد أن الديانات السابقة، وخصوصاً المصرية، تؤمن بداية، أن النبي إدريس عليه السلام _ وقد يسمى عندهم (اوزريس)،(١٥) و(هرمس)(١٦) _ وغير ذلك من الأسماء، من أهم الأنبياء عندهم، يجلونه إلى درجة التقديس، والغلو فيه، وقد روى الكتّاب الحداثويون، عن كتب السابقين، أنهم يقولون: إنه نبي غاب، ليعود في آخر الدنيا (الدينونة) ليقيم الحق، والعدل. وهذا ثابت عندهم، إلى درجة أنهم يعتبرون الهرمسية، مساوقة للغيبة والرجعة، وهذا اعتراف منهم بوجود فكرة الغيبة _ دينياً _ وترسخها في الأديان، تبشيراً، ووقوعاً. ونحن لا نريد منهم أكثر من هذا الاعتراف.
وقد غلا فيه المصريون، واعتمدوه نائباً لله ثمّ، ألّهوه.(١٧) ومن الطرائف المثيرة للدهشة أن مفكرين يسمون أنفسهم من أهل الثقافة الحداثوية، حين رأوا أن فكرة الهرمسية، أو الإدريسية، تقول بغيبة هرمس، وعودته للحق، أو لعلَّهم عثروا على أنَّه يقول بغيبة المصلح وعودته لنشر العدل في الأرض، اعتبروا أن أصل الفكر الشيعي، هو هرمسية دخيلة!!
ولم يستح بعضهم، أن اتهم الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، بفتح باب الهرمسية على الإسلام، حين لم يوافق الخلفاء على طريقتهم، وهذا منتهى التسطيح الفكري. فما علاقة هذا بذاك؟؟
إن من ثوابت الدين، وأهم ما تجب معرفته عن أمير المؤمنين عليه السلام، من قبل كل مسلم، مهما كان مذهبه: أن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، لم يكن إلاّ خلاصة صافية لعلم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، في كل أفكاره ومفاهيمه، فاتهامه أنه أوّل من فتح الباب للهرمسية بالشكل القبيح الذي يعتقده، هو اتهام للرسول الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بلا ورع، أو وازع من دين، أو يقين، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم.
على أيّة حال، فإن مثل هذا القول، يعد من قبيل قلب الحقائق، وتزييف المفاهيم، وقد ردَّ عليه من قبل، علماء كبار _ ناهيك عن هؤلاء الذين كبروا في عين أنفسهم _ وكم من طائفية مقيتة، تحكّمت من قبل بعقول أمثال الجاحظ وابن خلدون، وهذا ليس بالجديد في تاريخنا وحاضرنا.
إن أيّ توافق لفكرة ما في موروثنا الإسلامي، مع فكرة قديمة من موروثات أديان التوحيد السماوية لا يعني أبداً أن هذه الفكرة باطلة، لمجرد كونها معمول بها في الأديان السابقة، بل قد تكون هي من الدين الواحد، فالتوحيد، والنبوة، والصلاة، والعبادات، والأخلاق، والروحانيات، مما نادت بها جميع الأديان، وعلى قياس هذا المنطق، تكون جميعها باطلة شريرة.
لقد ابتليت الثقافة الإسلاميّة والعربية بالذات، ومنذ عهود، بالبعض ممن تصوروا في أنفسهم القدرة على تطويع حوادث التاريخ، وقراءتها وفق ما يلائم ميولهم، ورغباتهم، التي تعب من مياه الطائفية الآسنة، والغريب في الأمر أن هؤلاء الذين يفترض بهم _ بعد أن امتلكوا ناصية العلم، وأدوات المعرفة وآليات، ومناهج البحث العلمي، ودرسوا كل ذلك في مدارس الغرب الحديثة _ أن يكونوا علماء منصفين، تراهم ينبذون حقائق التاريخ وراء ظهورهم، ويلجأون إلى أهوائهم المريضة، ومعارفهم الناقصة، وما رسخ في أذهانهم من خزعبلات، ليتأولوا التاريخ كيف ما شاءوا.
والذي يواجهنا من دعاوى هؤلاء وأمثالهم _ في موضوع الهرمسية بالذات _ دعوى غريبة تقول: إن الهرمسية أثرت في اليهودية، والمسيحية، وهي انحرافٌ في الأديان، ولا عجب بعد ذلك أن نرى مثل هذه الدعوى تشتط تبعاً لميولها الطائفية بالذات فتصوّر لنا كيف أن الهرمسية هي حركة هدم وانحراف في كل الأديان السماوية وهي كذلك في الإسلام متمثلة بـ (الشيعة)، ولا عجب أيضاً أن تتجاهل مثل هذه الدعاوى الأصول التاريخية للهرمسية فتنسبها إلى الفرس لتكتمل عناصر المشهد (الشيعي _ الفارسي). ولا بأس أن يكون الخلط بين (هرمس) و(هرمز) الفارسي، دليلاً موثقاً لمثل هذا الزعم، حتّى وإن كان ذلك بعيداً كل البعد عن الحقائق والوقائع التاريخية، والعلم بعد ذلك ما هو إلاّ أداة من أدوات خدمة الجماعة، وسلاح من أسلحة حربها ضد أعدائها.
بقي أن نشير إلى جانب مهم أغفله الجمع من هؤلاء، وهو أنهم لا يملكون دليلاً واضحاً على منافاة الأفكار الهرمسية للعقائد الدينية الإسلاميّة، وإذا سلمنا بما نسب إليها من أصول مدعاة في (الغيبة، والعصمة، والارتباط بالله، مثلاً) _ كما قالوا _ فما هو العيب في ذلك، إذا كانت من دين الله الواحد، الذي لا يختلف عند الله، ولا يتغاير، سواء كان يهودياً، أو نصرانياً، أو هرمسياً، ومن قال أن التوحيد _ مثلاً _ كعقيدة أساسية في الأديان جميعها، لا يصلح أن يكون متماثلاً، ولا بدَّ أن يكون التوحيد، وغيره من العقائد، مختلفاً في الإسلام، عنه في المسيحية، واليهودية، والهرمسية، أليس كل هذا صادر عن الله الواحد الأحد؟!
والنتيجة التي نريدها، من هذه الخلطات التي يتحفنا بها هؤلاء، هي إثبات غيبة النبي إدريس عليه السلام، وأنه غاب إلى هذا اليوم _ كما أشارت النصوص القرآنية في: (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا)(١٨) _ لثبوت التفسير، بأنه ارتفع في السماء، وليست رفعته، رفعة مقام فقط، وهي قضية دينية، نقلت عنه في جميع الأديان، بحيث أصبحت قضية الغيبة، والرجعة، مرتبطة به، على مدى الأجيال. وهذا هو جوهر الموضوع.
نقرأ _ هنا _ مقالاً لبعض الحداثويين؛ لنرى الاعتراف بعلاقة النبي هرمس (إدريس) بالغيبة، والرجعة، ولنرى مقدار الخطأ في التشخيص، وفي تناول الفكرة علمياً، وعملياً، إذ سنجد أن أغلب الأقوال، تعتمد على الخيال، والترابط من غير رابط:(١٩)
يرى سعيد كحل _ تبعاً للجابري _: أن ليس لليهودية الماسونية، دور في القضاء على الإسلام في المهد، ونشوب الخلافات، وإنما هي الهرمسية، بواسطة الشيعة، والصوفية، والمجسمة!! ليرد على الثوابت التاريخية، الثابتة في دور اليهود وأثره في حياة المسلمين السياسية، وليرد على النظرية، التي تقول: إن الماسونية، قررت القضاء على الإسلام، عبر إظهار الإسلام، والسيطرة على الحكام المسلمين، وعلى أفكارهم، وحديثهم، ومفاهيمهم، وبدأت الإسرائيليات بالظهور تبعاً لذلك، يقول سعيد كحل: (من هنا نفهم أن الصراع السياسي بين المسلمين هو الذي خلق الحاجة إلى توظيف المعتقدات (الهرمسية)، وليس كما ظن الأستاذ طلابي: أن معتقدات الماسونية، هي التي خلقت أسباب هذا الصراع. وهذا ما أكد عليه د. الجابري بقوله: (لقد أدركت الأرستقراطية الفارسية، التي ركبت التشيع لـ (آل البيت) في ثورتها على الدولة الأموية، أن السلطة في المجتمع العربي الإسلامي _ آنذاك _ هي بالدرجة الأولى للإيديولوجيا. فالإيديولوجيا (وهي هنا الدين الإسلامي) هي التي تصنع القوة المادية: تخفف من الصراعات القبلية، وتدفعها إلى تجاوز نفسها، وتقمع الصراعات الطبقية، أو توجهها وجهة خارجية (الفتوحات). ولذلك قررت أن تخوض الصراع، في مصدر قوة الدولة العربية، أي في المجال الإيديولوجي ذاته، سلاحها في ذلك تراثها الثقافي الديني المبني على الغنوصية،(٢٠) هكذا شنت الأرستقراطية الفارسية، الموتورة، هجوماً إيديولوجيا واسع النطاق،(٢١) مستعملة تراثها الثقافي الديني، الزرادوشتي _ المانوي _ المزدكي. والهدف، هو التشكيك في الدين العربي، وهدمه، وصولاً إلى الإطاحة بسلطة العرب ودولتهم.(٢٢)
إذن، تأثير الهرمسية، بمختلف عقائدها على اليهود، والمسلمين ثابت، وخاصة فرق الشيعة. يقول الجابري: ونجد تأثير هرمسية أهل حران في الشيعة _ أيضاً _ وخاصة الإسماعيلية، الذين لم يعد الآن شكّ في نسبة رسائل إخوان الصفا إليهم. وكما يقول كوربان، فلقد كانت الشيعة أوّل من (تهرمس) في الإسلام، وقد ظهرت الهرمسية لديهم، وكأنها (حكمة لدنية أي: فلسفة نبوية).(٢٣)
أما ما يتعلق بالماسونية في اليمن، التي قال عنها د. طلابي: (فكان محفل سبأ الماسوني باليمن. هذا المحفل، الذي عقد مؤتمراً سرياً بسبأ، فيه تقرر إنزال فرقة يهودية إلى المدينة المنورة، بقيادة كعب بن ماتع بن هيوع، لتشهر إسلامها). فإنها ليست سوى اليهودية، وقد تهرمست. وهذا ما أكد عليه الجابري: (ولا بدَّ من التأكيد _ هنا _ على حضور المعتقدات اليهودية، في هذا التراث، خصوصاً، وقد كانت اليهودية المتهرمسة، منتشرة في اليمن، وبين سكانه منذ عصور سابقة).(٢٤)
إذن، لما كانت اليهودية في اليمن، (متهرمسة) كان طبيعياً، أن تتخذ (الإسرائيليات) مضموناً هرمسياً، سواء تعلق الأمر بالرجعة، أو العلم اللدني، أو الكشف، وغيرها من المعتقدات. ولا تخرج عن هذا الإطار، الأفكار، التي عمل على نشرها عبد الله بن سبأ، أو كعب الأحبار، أو وهب بن المنبه. يقول الجابري: (إذا استعرضنا الدور، الذي قام به في العصر نفسه، كل من كعب الأحبار، وهو يهودي من اليمن كذلك، ووهب بن المنبه، وهو يمني _ أيضاً _ من أصل فارسي، في نشر (الإسرائيليات) في أواسط الصحابة، والعامة، وقد روى عنهما، ابن عبّاس، وأبو هريرة، وغيرهما، إذا استحضرنا هذا الدور، الذي قامت به هاتان الشخصيتان، فإننا لا نستغرب، أن تكون هناك شخصية ثالثة، من (مُسلِمة اليهود) اليمنيين، قامت في ميدان السياسة بسوء نية، أو حسن نية سيئة، بمثل ما قام به، وهب بن منبه، وكعب الأحبار في مجال التفسير، والحديث، وقصص الأنبياء... الخ. خصوصاً، ونحن نعلم، أن من جملة (إسرائيليات) السياسة: القول بالرجعة، والوصية، والمهدي).(٢٥)
لقد تجاهل الأستاذ طلابي؟ عنصر الموروث الثقافي القديم، وأثره في بروز الفرق الباطنية، وعزى الأمر كله إلى (مؤامرة) الماسونية على الإسلام، والمسلمين، بل جعل من الماسونية (محرّك) التاريخ، وصانع الأحداث. في حين يؤكد الأستاذ الجابري أن: (الهرمسية كانت من أقوى التيارات في الموروث القديم، وقد احتلت مواقع أساسية، ولو في صورتها العامية، في جل المناطق التي أسلم أهلها، من مصر إلى فارس، كما كانت لها مراكز (عَالمية) قبل الإسلام، في فلسطين، وأفامية، وحران، وغيرها. لقد انتقلت الهرمسية _ إذن _ إلى الثقافة العربية الإسلاميّة، ضمن ذلك (المركب الجيولوجي)(٢٦) من الآراء، والملل، والنحل، الذي نتحدّث عنه _ هنا _ باسم: (الموروث القديم)... فلقد حاربها أهل السُنّة، وبكيفية عامة، المتمسكون بـ (المقول) الديني البياني العربي، محاربة شديدة، لأنها كانت تشكل الخلفية النظرية، لآراء الشيعة، والفرق الباطنية).(٢٧)
وبذلك تكون الهرمسية، قد احتلت المواقع الرئيسية، في الثقافة العربية الإسلاميّة، عبر تعدد أشكال حضورها، في هذه الثقافة. كما يبين الأستاذ الجابري: (فمن الغلاة الأوائل، إلى الرافضة، والجهمية، وبعض التيارات (المجسمة) إلى مؤسسي التصوف النظري الأوائل، إلى رسائل إخوان الصفا. إلى الفلسفة الإسماعيلية، في أعلى مراحل نضجها، إلى التيارات الصوفية الباطنية، والفلسفة الإشراقية، مروراً بأصحاب الحلول، وأصحاب، وحدة الشهود).(٢٨)
ينبغي القول _ إذن _ أن الصراع بين المسلمين حول السلطة، لم تتسبب فيه (الماسونية) كما لم يكن من تخطيط عبد الله بن سبأ، أو كعب بن ماتع بن هيوع اليهودي. إذ أن هذا الصراع نشب مباشرة، عقب الإعلان عن وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. وإذا تمكن المسلمون، من تجاوزه، بمبايعة أبي بكر خليفة، فإنهم لم يقضوا على أسبابه. وهذا ما عبر عنه الشهرستاني بقوله: (أعظم خلاف بين الأمّة، خلاف الإمامة، إذ ما سل سيف في الإسلام، على قاعدة دينية، مثل ما سل على الإمامة في كل زمان).(٢٩)
وقال:
(إن موقف عليّ بن أبي طالب، من مبايعة أبي بكر، هو الذي سيفتح باب استيراد المعتقدات الهرمسية، وتوظيفها في الصراع السياسي، والإيديولوجي حول السلطة. وبسبب الأطماع السياسية، والقناعات الإيديولوجية، التي ترفض الاحتكام إلى الديمقراطية، عانت الأمّة الإسلاميّة، من الاستبداد والقهر).
وقال في مقال آخر:
(يقول الدكتور عابد الجابري: (وهكذا نخلص إلى النتيجة التالية، وهي أن عبد الله بن سبأ، شخصية حقيقية، وهو يهودي من اليمن، زمن عثمان، أو قبله، ونشر فكرة (الوصي)... الخ. ثمّ صار يحوم حول عليّ بن أبي طالب، بعد أن تولى الخلافة. ولكن عندما بدأ يغالي في حقه، نفاه إلى المدائن. وعندما اغتيل عليّ، نشر فكرة الرجعة والوصية.(٣٠) فكان بذلك الأصل الأوّل، لـ (الغلو) في حق عليّ. وستقوم على أفكاره هذه، جملة آراء، و(عقائد) في الإمام، والإمامة، اكتست طابعاً ميثولوجياً).(٣١)
وكون عبد الله بن سبأ يهودياً، لا يعني بالضرورة أنه ماسوني.(٣٢) بدليل أن مسألة الظاهر والباطن، ليست من وضع الماسونية، أو من تأليف عبد الله بن سبأ، بل هي ذات أصل ومنشأ هرمسي _ نسبة إلى هرمس _.
وفي هذا يؤكد، ويقول د. الجابري: إن عبارة: (الولاية باطن النبوة): (تلخص بصورة مكثفة جدّاً، كل الجهد الفكري، الذي بذله العرفانيون الإسلاميون، من شيعة وإسماعيلية، ومتصوفة، من أجل إعطاء قالب إسلامي، للموروث العرفاني السابق على الإسلام، والهرمسي منه بصفة خاصة. ذلك أن الرؤية العرفانية الإسلاميّة للعالم، للكون، والإنسان، والزمان، والتاريخ، إذا كانت تتخذ من الزوج النبوة/ الولاية، إطاراً لها فإن المادة الموظفة، داخل هذا الإطار، هي عناصر تنتمي مباشرة، وفي أحيان كثيرة، علناً، وصراحة، إلى التراث الهرمسي).(٣٣) (انتهى).
أقول: هذا الكلام الهلامي، الذي يضرب بعضه بعضاً، لا يمكن أن يثبت في الحوار، فغاية ما يعتمد عليه، هو التشابه، إذ يقوم بالربط الإلزامي على أساس التشابه، وكان الأولى به، أن يلتفت إلى أنه جعل الهرمسية، أقوى الديانات كما يحاول تصويرها، وهي أعمقها في التأريخ، وقد أخذت بها كل الديانات كما ينقل هو، وهذا لا يقتضي _ هنا _ أن يكون تأثيرها منتقل بين الديانات فقط، وهي أفكار باطلة، بل لعلَّها عين الدين الصحيح، ولهذا نادى بها الرسل، واتّباعهم. وهو _ هنا _ لا يستطيع أن ينفي هذا بأيّ دليل، خصوصاً إذا ثبت أن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، بشّر بالمهدي، والرجعة، وبالعصمة وهو الذي: (ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى). فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، هو أوّل هرمسي في نظره المعرفي، وكل ما أتى به من ادّعاءات، عن نقل الهرمسية إلى الإسلام، عن طريق الشيعة، ليس له أيّ شاهد، يمكن أن يثبت في الحوار، فلا يساعده أيّ دليل مطلقاً، وأيّ واقع تأريخي، ولا يستطيع أن يثبت مصدرية أفكار الشيعة، بعيداً عن أفكار أهل البيت عليهم السلام، ونصوصهم، يوم كان الفرس غارقين في التسنن. ومع ذلك، فقد وقع في سطحية واضحة، فلم يبق مذهباً في الإسلام، من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، إلاّ وقال عنه: إنه من نتاج الهرمسية، وهو بهذا جعل كل المسلمين هرمسيين، من مجسمة، ومنزهة، وعدلية، وجبرية، وعقلية، ونقلية، فكلهم هرمسيون.
لنقرأ نصه الطريف إذ يقول: (فمن الغلاة الأوائل، إلى الرافضة، والجهمية، وبعض التيارات (المجسمة) إلى مؤسسي التصوف النظري الأوائل، إلى رسائل إخوان الصفا، إلى الفلسفة الإسماعيلية، في أعلى مراحل نضجها، إلى التيارات الصوفية الباطنية، والفلسفة الإشراقية، مروراً بأصحاب الحلول، وأصحاب وحدة الشهود).
إذا كان هؤلاء كلهم هرمسيون فمن بقي في الإسلام؟ لعلَّه لا يدري، إن هذه هي كل التيارات الإسلاميّة. فهم السُنّة، والشيعة، بكل فرقهم.
ولكن ماذا نصنع لنصيب المسلمين، أن ينسب هؤلاء السطحيون إليهم، وهم في السطحية، وعدم الترابط، وعدم الثبات، بهذا الشكل الغريب.
إن هذا النص الطويل، يمكن مناقشته بكتاب كامل، ولكن لا يبعد وصفه، بجمل قصيرة _ أيضاً _.
وهذا الباحث أراد أن ينفي فأثبت، حيث أثبت وجود مؤامرة ماسونية على الإسلام، من قبل اليهود، وحاول التنصل، والتبرير برأيه؛ لأنه لا يعقل أن الخليفة يستجيب للمؤامرة!! ولكنه شدد على أن أركان المؤامرة، هم الحاشية الخاصة للخليفة، (كعب الأحبار، ووهب بن منبه) وأراد أن يعمم، فأتى بشخصية مختلف في وجودها _ أصلاً _ لعدم كونها معروفة، أو مروي عنها أو في شأنها بطرق صحيحة بخلاف الشخصيات الماسونية، التي وصفها، ونقل الاجتماع الماسوني من أجلها في اليمن، وكيف قرروا تخريب الإسلام، ولكن الأفكار التي طرحها الاثنان، الذين قال عنهم أنهم انبثقوا من المجمع الماسوني، كانت ضد الأفكار الشيعية خاصة وضد إمام التشيع عليّ بن أبي طالب عليه السلام، التي وصفها بالهرمسية، فكان هؤلاء الذين ادعى أنهم هرمسيون، ضد الوصية، وضد الرجعة، وضد العصمة، وضد العلم الإلهي للإمام، وضد الإمامة، فقد خلط علينا الأفكار، فلا يعرف مَن مع مَن؟
فهؤلاء الماسنيون، الذين تهرمسوا _ كما يزعم _ قرروا تخريب الإسلام، عبر الثقافة، والسياسة، والقرب من خليفة المسلمين القوي، كما حققه خياله، فانتحلوا الإسلام، ووقفوا في الصف المعادي للهرمسية، (الهرمسيون _ في نظره _ هم شيعة عليّ، القائلون بالرجعة، والعلم الإلهي، والعصمة) وعادوا كل الأفكار الهرمسية، وتبيّن أن الهرمسية مرفوضة من قبلهم. فأين هرمسيتهم التي يدعيها لهم؟ لقد فشل _ تماماً _ في لصق صفة الهرمسية بهم، ولم يبق لهم إلاّ ماسونيتهم. وهذا هو الخيال المتناقض، ونقض الغرض، حيث أراد أن يثبت هرمسية الماسونية، فأثبت ماسونيتهم، وأن الماسونية، عدوة الهرمسية، من دون أن يشعر. على أن من نَسب إليهم الهرمسية، لا يعرفون الهرمسية، ولا أصلها، ولا علاقة لهم بها، كما لا يعرفها الغالبية العظمى من البشر علماء، وعامة، إذ لا شيء يمكن أن يثبت _ واقعياً _ وجودها، ووجود أفكارها، وقوة هذه الأفكار، وانتشارها بهذه السعة، اللهم إلاّ ما يعرفه الجابري، الذي لم يذكر لنا من المصادر المعتبرة كتاباً، أو مصدراً، أو ورقة مخطوطة، دوّنت عليها أفكار الهرمسية تلك، وإنما الذي يؤمن به أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام، أفكار، وأحاديث قالها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونقلها أهل بيته عليهم السلام عنه، كما نقلتها المصادر الأخرى، وإن لم يؤمن بها أصحاب تلك المصادر.
والحقيقة أن العاقل الحكيم، يعجب أشد العجب من هذا الذي يقوله الجابري بلا دليل أو نسبة إلى أحد، وما أشبه ما يقوله بالخرافة التي تستثير عقول المراهقين، وتحرك في المتلقي رغبة غريزية في معرفة ما يمكن أن يكون أسراراً مذهلة.
يقول: (فكان محفل سبأ الماسوني باليمن. هذا المحفل، الذي عقد مؤتمراً سرياً بسبأ، فيه تقرر إنزال فرقة يهودية، إلى المدينة المنورة، بقيادة كعب بن ماتع بن هيوع، لتشهر إسلامها).
ولو سلمنا باطلاع الجابري على مؤتمرات ذلك العصر، ووثائقها، وما حدث فيها، فإن الأمر سيكون _ عند ذاك _ معكوساً تماماً لديه، إذ أنَّ الهرمسيين عنده عملوا ضد الهرمسية، ولكنه أتى بشخصية عبد الله بن سبأ الهلامية الخيالية، ليرقع بها الحدث، ويثير ضباباً كثيفاً على الفكرة، ويخلط الحابل بالنابل، بما يشبه قصص المخابرات، والمغامرات البوليسية.
وعلى أقل تقدير، فإن شخصية ابن سبأ خيالية في عملها، وتأثيرها في الأحداث، حيث لا يوجد أيّ واقع تاريخي، يشير إلى هذا التأثير، وإلى تكوين فرقة تؤمن به، على أنه من المستحيل، نقل حقيقة أفكاره، إذا كان موجوداً؛ لأنه لا يوجد في التاريخ المنضبط، أيّة مؤشرات لأقواله، عدا ما قيل عنه، بتأليه الإمام عليّ عليه السلام، وإعدامه على يد الإمام عليّ عليه السلام؛ لأنه كافر. فأين هذا من ذاك؟
والجابري ينسب إلى ابن سبأ أفكاراً هرمسية، وينفي عنه كونه ماسونياً، مع أنه شخصية وهمية، بينما لم ينف الماسونية عن كعب، ووهب. وإنما قال: إن هذه الماسونية تهرمست، وأثبت لها الهرمسية، وهم المخالفون للأقوال الهرمسية. واكتفى بذلك. قال: (وكون عبد الله بن سبأ يهودياً، لا يعني بالضرورة أنه ماسوني. بدليل أن مسألة الظاهر والباطن، ليست من وضع الماسونية، أو من تأليف عبد الله بن سبأ، بل هي ذات أصل، ومنشأ هرمسي _ نسبة إلى هرمس _).
وكان كل همّه أن لا يربط بين الماسونية، وما حدث من انقلابات في السلطة، وأخذ يبرر _ في نص لم أنقله بالكامل _ بالقول أن الصراع على السلطة كان صراعاً قبلياً لئيماً، وكان يشترك فيه حتّى النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه إقصائي أراد أن يقصي القبائل الأخرى، فأقصت هذه القبائل جماعته، وعترته.
وقد اهتدى بهذه السطحية الفجة، إلى أن من جملة (إسرائيليات) السياسة: القول بالرجعة، والوصية، والمهدي، وهنا نتسائل: مَن مِنَ اليهود نشر فكرة المهدي، والوصية، والرجعة ونقل كل ذلك عن الفكر الإسرائيلي؟ هل هو عليّ بن أبي طالب، أم هو عمّار بن ياسر؟ أم حذيفة بن اليمان؟ أم المقداد؟ أم جابر الأنصاري؟ أم هل هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه؟ عليه أن يثبت صدور هذه الأفكار عن غيرهم!! ومن أين له هذه الدعاوى التي لا يستطيع مطلقاً أن يثبت شيئاً منها؟ ثمّ هل أصبح الرواة، الصحيحو الرواية _ عندهم _ أمثال كعب، ووهب، وتلميذهما: أبو هريرة، من الكذابين المخربين للإسلام كما يقول الجابري وكحل؟ أم أن الماسونية أرادت أن تحيي النظام الإسلامي، ضد الهرمسية؟ كما تشير إلى ذلك استنتاجاته العجيبة. الحقيقة لا يمكننا أن نعرف ونحن نقرأ مثل هذه الاستنتاجات مَن مع مَن؟ ومن ضد من؟ هل الهرمسيون ضد الهرمسية؟ وهل الماسونيون ضد الماسونية؟ وهل المسلمون ضد الإسلام؟ ما هذا الهراء الكلامي الذي ليس له أوّل ولا آخر؟
أراد الجابري أن يمدح فذم، وأراد أن يبرر فأثبت التهمة، وأراد أن يحسّن الصورة فأساء تصوير ما يريد تحسينه. فكعب الأحبار، وزير الخليفة عمر بن الخطاب، هرمسي، وكذا وهب بن منبه، وقد تبعهما ابن عبّاس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وخلق كثير من الصحابة، وقد مارس الصحابة _ خصوصاً الخلفاء الأربعة _ حرباً قبلية على السلطة، ضد دينهم، بمعايير القبيلة، لا بمعايير الإسلام!! هذا هو ما يعترف، ويصرح به رغم تناقضاته.
والطريف في كل هذا، أننا لولا ما اُخبرنا به لم نكن _ كما هي الغالبية العظمى من المسلمين _ نعلم بأمر الماسونية، وأظن أن الماسونية وحدها هي التي تعلم _ أن هناك حركة ماسونية، واجتماع ماسوني في اليمن، قرر الدخول في الإسلام! ولم نكن نعلم _ أيضاً _ أن هذا المجمع الماسوني، قرر أن يبعث كعب بن ماتع، وهو من خيار أصحاب الخليفة، لتخريب الإسلام من الداخل. والمشكلة أن هذا الذي أفرزه الاجتماع الماسوني، كما يذهب سعيد كحل ناقداً بلا نفي محملاً بافكار الأستاذ الجابري، لم يكن قد أيّد الأفكار الهرمسية، التي نقلها عليّ بن أبي طالب عليه السلام، والكثير من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل حاربها، ووقف مع الطرف المقابل لعليّ بن أبي طالب عليه السلام، بعكس ما يحلل الدكتور محمّد عابد الجابري بحسب السطحية التلفيقية للتاريخ، وللأفكار. فكيف أصبحت الهرمسية تحارب نفسها؟
وهناك حقيقة نسيها محمّد عابد الجابري، وهي أن الذين حاربوا الدولة الأموية في إيران، لم يكونوا من الفرس أصلاً، وإنما هم من قبائل العرب في خراسان ونواحيها، من مذحج، والأزد، وخزاعة، والأشعريين، والأسديين، وغيرهم من العرب، الناقمين على بني أمية، وهم القيادات العسكرية، والسياسية، والدينية العربية في بلاد فارس، وكانوا جميعاً تحت قيادة محمّد ذي النفس الزكية، من بني الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وبالإدارة المباشرة للأخوين، السفاح، والمنصور، من بني العبّاس. وكانت تدار الثورات من المدينة المنورة، وليس من البيوت الارسقراطية الفارسية، كما سماها، بحسب خياله الخصب. وكل ما قاله، لم يكن إلاّ جهلاً بحقائق التاريخ، أو كذباً مكشوفاً.
وهناك أمر مهم آخر، وهو أنه لم يستطع أن يكشف عن هوية هرمس، فقد أخفى حقيقة أنه النبي إدريس عليه السلام، وهو مرسل من الله، وقد صوره كقوة شيطانية عجيبة، دمرت الأديان في العالم، شرقاً، وغرباً، ومع هذا لم يستطع أن يثبت أن أفكار هرمس خاطئة، أو أنها منحولة له، ولم يشر إلى عظمة وأهمية هرمس، وكونه من العظام الذين خدموا البشرية، حيث حوّل العالم إلى الحضارة. كما تكتب عنه الكتب القديمة.
وهو _ فيما كتب _ ينال من الهرمسية، وكأنها فكرة قذرة، لا تمت إلى الرحمن بصلة، وكل ما أتى به إنما هي أفكار قال بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته عليهم السلام، من عصمة (وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى) وولاية وغيبة وغير ذلك.
ولعلَّ كل باحث متثبت، يعلم أن القائل بمثل مقولات الجابري، وكحل، لا يملك في ذلك أيّة نصوص حقيقية، أو دالة تدل على صحة تحليله، بأن أفكار الشيعة، هي أفكار منحولة.
وهو _ أي الجابري _ لا يتمكن من نقد فكر هرمس نفسه، بهذه المقولات التي ينال منها، ويعتبرها أساس التخريب الإسلامي _ كما يدّعي _ متجاهلاً النصوص الخطيرة نفسها، التي أوردها في الأسباب الأخرى، التي قالها بوضوح، وهو لا يعلم ما يقول.
والواقع _ وهذا من الطرافة بمكان _ أنه لا دليل _ ذا قيمة _ لديه على أن الهرمسية نفسها، تعنى بالرجعة، والعصمة، والإمامة، وغير ذلك، مما ادعاه؛ لعدم توفر النصوص الحقيقية، وعلى الأخص النصوص الدينية المعتمدة؛ لبعد العهد، وعدم وضوح ديانة هرمس، بشكل دقيق. وما ورد من كتبه يجب دراستها جيداً، لاستنتاج أفكاره، على أن الكتب المنسوبة إلى هرمس، يقال أنها ليس كلها لهرمس الأوّل، بل قد تكون لهرمسين آخرين، على أن كلاً منهم حكيم متأله، وصاحب ديانة فاضلة.
وإذا كان يشير من طرف، أن الهرمسية هي الفكر اليوناني الوثني، فهو وهم كبير، وما أبعد هذا، عن ذاك.
هذه مداخلة بين المعاني يسهل نقدها، فتبيّن أن كل هذا الكلام، ما هو إلاّ فقاعة، لا تنطوي على ثقل علمي، أو فكري.
وكل هذا الذي تكلّفوه، وتوهّموه، إنما هو لدفع تهمة أن اليهود، قد تدخلوا في تخريب البنية الإسلاميّة، في أيام الخليفة عمر بن الخطاب، وكان دفاعهم يثبت التهم حسب طريقتهم، فإن عدم نفي الاجتماع الماسوني، والقرار بإرسال شخصيات للتدخل والتخريب، وكونهم وصلوا بالفعل، وكان لهم عظيم الأثر في الإسلام، وفي الفكر الإسلامي، بحيث أصبح من المألوف، أن توصف جملة كبيرة من الروايات، التي شرحت الدين، والكتاب المقدس، بأنها (إسرائيليات) من صنع كعب الأحبار، ووهب بن منبه، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وصحائفه الكتابية الشهيرة، فإن هذا هو الواقع الحقيقي، المتصل إلى اليوم، هو الذي يشكو منه المفكرون الإسلاميون، ومن نتائجه المدمرة لدين الإسلام، وما جر من مآسي، حتّى مقتل الخليفة عمر بن الخطاب، إذ أن البحث التاريخي الدقيق أثبت أن إشارة ما صدرت من كعب الأحبار إليه، بأنَّه سيقتل بعد ثلاثٍ، وقُتل الخليفة بالفعل عندها، وتم إلصاق التهمة برجل آخر مسلم، من موالي عمر بن الخطاب، وخاصته، والعاملين في بيته بتصنيع أثاثه، وهو أبو لؤلؤة، الذي قتله عبيد الله بن عمر خطأ، بينما القاتل كان قد قتل في المسجد، فور وقوع الحادثة.
إن مثل هذه الملابسات، في الاعتداء على الإسلام، والفكر الإسلامي، لم يحلها مقالا كحل، ولا مقالات الدكتور الجابري، وإنما أثبتت التهم، وعمقت الشكّ فيها، وأكدت الحاجة الملحّة لدراستها من جديد، بطرق علمية دقيقة، وتحقيق أصيل.
ومع أن أهم قضية في التخريب، هي تخريب العقائد، وبما أن عقائد المسلمين تفرعت عن الخلاف فيمن يخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بشكل أساسي، إلاّ أن الجابري انتهى إلى أن الخلاف كان قبليّاً. فتحوّل دفاعه عن الصحابة، وعدم تأثرهم باليهودية، إلى اتهام للصحابة أنفسهم، بالمروق عن الدين بالقبلية، وسوء الإيمان، وانفلات الأمر، بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بغير ضوابط دينية. وهذا من سوء توفيق المفكريين الحداثويين.
نوح عليه السلام واحتمال غيبته:
ينتهي النص القرآني _ دائماً _ فيما يتعلق بالنبي نوح عليه السلام، إلى نقطة رسو السفينة، ونجاته، وقومه الذين معه في سفينته، ويسكت عن حياة نوح عليه السلام بعد ذلك.
فهنا يتولد تساؤل مهم، لا يتعلق فقط بطول عمر النبي نوح عليه السلام، كل هذه الآلاف من السنين، وإنما يتعلق بالتساؤل: أين كان النبي نوح عليه السلام، بعد أن أسس مجتمعاً جديداً، متوسعاً، متكاثراً بمرور الزمن بعد الطوفان؟
نحن _ هنا _ لا نكلّم من لا يؤمن بالطوفان، وبنوح عليه السلام، بحجة أن مداركه لم تلامس، وتشاهد الحدث، وإنما نكلّم مسلمين، لهم ثوابت دينية، وعقلية، ولكنهم يشككون في مسلماتهم التاريخية، والفكرية؛ لأغراض خاصة بهم، مع أنه ينبغي أن تكون مثل هذه الوقائع معلومة معروفة للمسلم، لما تفرضه النصوص، سواء كانت الصريحة منها، أو ما كان مستنبطاً، استنباطاً صحيحاً، وفق معطيات صحيحة.
ما نلاحظه _ إذن _ أن النصوص الإسلاميّة الأساسية، لم يرد فيها ذكرٌ مفصل أو شارح لحياة نوح عليه السلام بعد الطوفان، وهذا أمر غريب جدّاً! وغرابته تأتي من الروايات التاريخية؛ لكونه عاش _ كما قيل _ بعد الطوفان (٣٥٠) عام، وقيل أكثر من (٥٠٠) سنة.(٣٤)
إن مثل هذه الفترة، تفرض نفسها في التعاطي مع الشخصية القيادية، والأبوية، الحامية، والراعية للمجتمع الجديد، الذي توسع، وأصبح تعداد نفوسه بمئات الألوف، إذا لم يكن بالملايين.
نعلم يقيناً أن عمراً بمقدار خمسين سنة، لإنسان نشيط في العطاء، يمكن أن يجعل الساحات الثقافية والدينية في حالة حراك، ونشاط غير طبيعي، فكيف بمثل هذا العمر الطويل لنبي مؤسس؟ والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن _ حقيقة _ في هذا المقام هو: لماذا يسكت تاريخ البشرية عن هذه الفترة الطويلة من حياة نبي عظيم مؤسس كنوح عليه السلام، المكلف بنقض أسس البناء الحضاري القديم كاملة، واستئصال كل ما يمت إليه بصلة، وإعادة تأسيس المجتمع البشري، وبناء حضارته، وفق قيم جديدة؟ خاصة إذا قيس ذلك بما ذكرته المدونات التاريخية عن إدريس النبي عليه السلام (هرمس) الذي يفترض أنه سابق على نوح عليه السلام.
ولو افترضنا أن مبادئ، وعلوم، وأدبيات، ووثائق دعوته الناس _ التي امتدت طوال (٩٥٠) سنة _ إلى الإيمان بالله _ تبارك وتعالى _ وعبادته، وإلى قيم الحق والعدل والخير، قد فقدت بأثر الطوفان العظيم، ولم يبقَ لها ذكر، فأين هي _ إذن _ آثار منجزات نوح عليه السلام، في الفترة التي عاشها بعد الطوفان _ (٣٥٠ _ ٥٠٠ سنة) _ عاملاً ومكافحاً من أجل بناء المجتمع الجديد؟ وأين هي أفكاره، وحكمته، وتعاليمه، طوال تلك الفترة المديدة بعد الطوفان، والتي ستكون _ من دون شكّ _ حافلة بالأحداث، التي تحكمها ضرورة الاكتشاف، والتأسيس، والجدة، والمغايرة لما كان قبل الطوفان؟
لماذا بقيت تعاليم، وصحف إدريس عليه السلام (هرمس)، تعمل بين البشر، وبمختلف الديانات والحضارات، ولا يوجد نص واحد، سواء كان قصيراً، أو مطوّلاً، لما بعد الطوفان؟! ما عدا ما هو مثبت في بعض كتب الإسرائيليين، من مخازٍ وأكاذيب يلصقونها به، إذ أن النبي العظيم نوحاً عليه السلام في كتبهم، شيخ مسن يسكر بشدة، ويفقد الوعي، ويضحك منه أحد أبناءه _ وهو حام _ فيسود لونه، ليكون من بعد أباً للزنج، وما شابه ذلك من خرافات، أو أمور لا قيمة لها في مجال تقييم العباقرة، والقادة، وتأثيرهم، ولا ترقى إلى مستوى الحكمة، والمعرفة، التي يفترض أن ينطوي عليها نبي مرسل، ورسول من أولي العزم، وشيخ حكيم عاش تجربة حياتية تجاوزت الألف عام، وأب ثان للبشرية، أعاد بناءها، وشكّل ملامح حضارتها الجديدة.
وفي مسألة غياب الإشارة الواضحة، والدلائل، أو الآثار التي تركها لنا نوح عليه السلام بعد الطوفان، وأين كان؟ وكيف عاش؟ احتمالات، بعضها لا يمكن أن تصدق في حق هذا النبي العظيم، مثل أن نحتمل أنه ترك رسالته، أو تغيّر طبعه، وما أشبه ذلك. والاحتمال الأقرب، هو أنه قد اعتزل الناس، والحياة العامة، وغاب غيبة لا يعرف بها إلاّ الخاصة، من أصحابه، وأبنائه. هكذا يقتضي العقل، والوجدان. ولكن هذا الاحتمال لم يرد فيه نص ديني معتمد كالقرآن.(٣٥)
وبرغم أن العقل ينحاز لمثل هذا الاحتمال، لكنه لم يكن مؤيّداً برواية تاريخية، أو نص أدبي قديم، قبل اكتشاف ملحمة جلجامش السومرية، التي تروي قصة غيبة، واعتزال النبي نوح عليه السلام بعد الطوفان، وتنسب له الخلود. والملحمة ليست نصاً دينياً، أو نصاً موثوقاً، ولكن مما لا شكّ فيه هو قدم هذا النص، وهو الأقرب إلى زمن نوح عليه السلام، بشكل كبير، وهو نص يدل على وجود النبي نوح عليه السلام، في زمن القصة نفسها، وأن نوحاً قد نال درجة الخلود، وهذا يعني أنه قد مضى على وجوده أكثر من ألف سنة بعد الطوفان.(٣٦)
كل هذا يعطي للقصة بعداً منطقياً، وإذا أضفنا التطابق الكبير في أجزاء قصة الطوفان، وما قبلها، مع النص الديني الإسلامي المعتمد، تكون ذات بعد أقرب للتفكير بها. وهذا التطابق أصبح عند الغربيين عبارة عن أصل خرافي للقصة القرآنية، من دون أن يعرفوا عدم اتصال الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بتلك الحضارة، وبغيرها من الديانات، بل عدم اتصال مجتمع النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بكامله، بأيّ نوع من الحضارة، فضلاً عن اتصاله بحضارات متطورة.
وهذا التطابق _ من وجهة نظر المسلمين _ يعطي لقصة جلجامش، بعض المصداقية، وقد يدعوهم إلى مراجعة الترجمات، التي ربما قد تكون أخلت بالنصوص الحقيقية، بحيث خرجت عن إطارها الصحيح إلى إطار وثني، فتطابق النصين، يدعونا للتأمل في كل هذه الترجمات، مما يجعلنا نميل إلى ما نشر مؤخراً، من كون الترجمات لم تكن دقيقة تماماً، وأن القصة في الأساس توحيدية، تم التلاعب ببعض ألفاظها. وهذا ليس من شأننا _ هنا _ ولكن هذه الإلماعة، مهمة لما في التعارض بين شخصية النبي نوح التوحيدية، وشخصية الحكيم الذي قصده جلجامش، والذي روى له ما حدث في قصة الطوفان.
والتعارض _ في الحقيقة _ أمر جوهري، وهو يتركز في نقطة أساسية، إذ أن الذي حدث معه الطوفان، ونبهه الله إلى صناعة السفينة، وحمل الأزواج من الأحياء لحفظ نوعهم، هو وثني، ومتعلق بآلهة وثنية، وهذا يستحق التنويه إلى الاحتمال السابق، بالنسبة للترجمة. وأما ما وقع فيها من اختلاف، فيمكن أن يكون محلولاً، بطرق عقلائية: مثل كون الناجي معه زوجته _ مع أن القرآن يقول: إن زوجته هلكت _ أنها زوجة ثانية خصوصاً إذا علمنا أن سام بن نوح، ولد قبل الطوفان، وإن بقية أبنائه، ولدوا بعد الطوفان، وهكذا يمكن حل الكثير من التعارض الظاهري في بعض خصوصيات القصة.
بقي أمر مهم، وهو كيف عرفنا أن حكيم قصة جلجامش (أوتنابشتم) هو نفسه النبي نوح عليه السلام؟
كل الباحثين يقولون: إن تطابق قصة فريدة، لشخص فريد في العالم، يحدث معه هذا الحدث الفريد، يعني اتحاد الشخصية.
فإذا أضفنا تصريح المسلمين، وأصحاب الديانات الأخرى أن كلمة (نوح) لم تكن اسماً للنبي، بل هي صفة أطلقت عليه، وإن اسمه مختلف فيه، أو غير معروف، فلا يوجد أي تعارض، يدفع هذا التطابق في الشخصية.
في نص ملحمة جلجامش، ما يشير إلى أن جلجامش، يروي أنه سعى للقاء النبي نوح، الذي يسميه (أوتنابشتم (٣٧) Utanapishtim) فقد ورد في القصة: أن أوتنابشتم، مختفٍ في جزيرة، لا يصلها أيّ أحد؛ لأنها وسط بحر مميت، وإنه كان خالداً، وقد التقاه جلجامش في تلك الفترة (١٦٠٠ _ ٢٥٠٠) قبل الميلاد (التاريخ مختلف فيه، ولا أراه دقيقاً) وهذا يعني: أنه التقاه بعد ألفي سنة من ولادته _ تقريباً _ حسب تسلسل التاريخ الإنساني، والحضاري. والقصة تؤيد الاحتمال العقلي بأن النبي نوحاً عليه السلام، غاب عن قومه، واعتزل بعد الطوفان، بفترة غير معلومة، وبقي حياً فترة طويلة.
ملخص قصة جلجامش حسب النسخة الآشورية:
إن جلجامش، الفتى السومري، أراد أن يعمل شيئاً بطولياً، يخلد ذكراه، ويجعله مثار إعجاب الأبطال، فقرر أن يفاتح (أنكيدو) صديقه، وندّه في القوة لهذا الفعل الشجاع، وقرر محاربة الغول (خمبابا) في غابة الأرز الغربية (في الترجمة الغربية (جبل لبنان)). وبعد مغامرة إقناع لأنكيدو، ولحكماء المدينة، وسفر خطير، اجتازا المخاطر العظيمة، فقطعا رأس الغول في الغابة الغربية، وقدّماه قرباناً للشمس، فتعشقته الإلهة (عشتار) وأرادت إغراءه، فرفض؛ لأنه يعتقد أنها خانت معشوقيها السابقين، ورداً على الإهانة، دبرت له عشتار مكيدة، وبعثت (الثور السماوي) ليعيث فساداً في المدينة، فتصدى له الصديقان، جلجامش، وأنكيدو، فقتلاه، وقدّما قلب الثور السماوي قرباناً، ولكن الآلهة، غضبت فقررت موت أحد البطلين؛ لأنه قتل ثوراً سماوياً، وتم اختيار أنكيدو، فمات.
وهنا حزن جلجامش، وبدأ يفكر في الموت، وسرّ الحياة، وازداد قلقه لهذه الفكرة، وبدأت في حياته رحلة جديدة، وأخذ يطلب الحياة، والشباب، ففكر في الوصول إلى (نوح) الذي تسميه الملحمة: (أوتنابشتم Utanapishtim) ليسأله عن سرّ الخلود، الذي هو فيه. وبدأ السعي الفعلي، لهذه الرحلة الخطرة، والعجيبة.
تعرف جلجامش على ساقية الآلهة: (سيدوري) التي تعرف الطريق إلى جزيرة (أوتنابشتم) _ أو النبي نوح حسب المطابقة الإسلاميّة للقصة _ وبعد تعارف معها، تخبره بوجود الملاّح الخاص، الذي يعرف طريق الجزيرة التي يسكن فيها (أوتنابشتم) مع زوجته، خالدَين. فيأتي إلى الملاّح (أورشنابي) مسرعاً، فيتعثر، ويدوس على الألواح السحرية (المطلسمة) التي تحفظ المركب، حال السفر في بحر الموت، فتتكسر الألواح، التي فيها الطلاسم الحافظة للمركب من مخاطر الموت في البحر. وحين طلب منه الوصول إلى (أوتنابشتم) قال له: إن الألواح الحافظة للرحلة، قد تكسّرت فلا يمكن الآن، ولكن الملاّح خطرت له فكرة، وهي: أن يقود جلجامش المركب، بطريقة تجعله لا يمس الماء المميت، فاخترع له أعواداً طويلة هي (المردي في أهوار العراق الجنوبية) يدفع بها المركب، وهكذا وصل إلى (أوتنابشتم) وسأله عن سرّ الخلود، فحدّثه (أوتنابشتم) عن قصة الطوفان، بتفصيل مقارب للتفصيل القرآني (طغيان الناس، وكفرهم بالله، وإخبار الله له بوجوب صنع سفينة، يحمل بها الأجناس الحية لبقائها، وحدوث الطوفان الرهيب، ثمّ رسو السفينة على جبل، ومدح الله له، ونجاة الجنس البشري) وأن الآلهة منحته الخلود، هو، وزوجته جزاء ذلك.
بعد إلحاح جلجامش بطلب سرّ الخلود، أشفقت زوجة نوح على جلجامش، البطل، الفتى، فطلبت من نوح أن يعلمه طريقة معرفة سرّ الخلود، فعرّفه طريقة أخذ عشبة الخلود من قاع البحر، فسارع جلجامش إليها، ووصل لها، وحازها، بعد ألم وجروح، ولكنه في الطريق نزل يستحم في النهر، فجاءت أفعى، فسرقت عشبة الخلود. وخسر جلجامش الخلود نتيجة تفريطه، وشعر _ متيقناً وحزيناً _ أن مصير الإنسان الفناء.
والقصة بما هي، لا يمكن اعتمادها دينياً، ولكن فيها قضية مهمة، وهي اعتمادها على مسلمة شعبية _ على أقل تقدير _ لقضية يسلّم بها المسلمون، وكل المتدينين بالديانات السماوية، وهي قصة طول عمر نوح، وبقاءه فترة طويلة جدّاً تراوحت بين (٣٥٠) إلى (٥٠٠) عام، بعد الطوفان.(٣٨) بالإضافة إلى تفسير ظاهرة عدم التواصل معه، كل هذه الفترة، بالاختفاء، والاعتزال، وربما الغيبة، وهو ما يعطي بعداً منطقياً، وجواباً شافياً، لانقطاع الاتصال، والخبر الحقيقي عنه. فتكون هذه القصة قد سدت فراغاً معرفياً يحدث خللاً كبيراً في دراسة حياة النبي نوح.
إن هذا الاختفاء، والابتعاد عن الناس مع البقاء حياً، هو الغيبة بذاتها.
ففكرة غيبة النبي نوح واختفاءه _ إذن _ كانت سائدة في زمن جلجامش. وهذه لم تكن وليدة خدعة، أو غير ذلك، وإنما هي وليدة الواقع، أو أنها _ على أقل تقدير _ نتيجة المسموعات المنقولة، بين المجتمعات إلى درجة الشياع. خصوصاً إذا أضفنا تطابق قصة الطوفان، مع ما ورد في القرآن الكريم، مما يوحي بالمصداقية لها، للمنقول عن نوح عليه السلام (أوتنابشتم Utanapishtim).
فلنقل: إن ملحمة جلجامش خيالية، ولعلَّها كذلك.
ولكن كاتبها أو راويها، اعتمد _ في جزء منها _ على شياع معرفي، لقصة وردت في الأديان السماوية الثلاثة، المتأخرة عن زمنه، بزمن طويل جدّاً. وبنى عليها خياله، وهذا يثبت أصل قضية الطوفان، وصاحبها. وأن لها جانباً موضوعياً، لا يمكن إنكاره. ولا يمكن أن ننسى، أن زمن نشوء القصة، كان في زمن وجود النبي نوح عليه السلام، وفي أواخر أيامه _ كما يبدو _ أي منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، هذا من ناحية موضوعية، ومعرفية.(٣٩)
وقد يناقش البعض ليقول: كيف يثبت أصل القضية؟ وهي قصة خيالية؟!
فأقول: إن ظهور هذه الملحمة، بين الشعوب في ذلك الوقت، كان سيواجه بانتقادات لاذعة، لو كانت مبنية على خلاف المسموعات الشعبية، والثقافية في وقتها، وهذه هي طبيعة الإنسان، ولكن حين تكون مبنية على قضية، وصلت إلى حد الشياع، والتسليم بها بشكل مطلق، لا نجد عندها أيّ اعتراض، وهذا شأن أيّ قصة خيالية، تعتمد القصص الواقعية في السرد، من أجل الدمج بين الواقع، والخيال. ولهذا لم نسمع، أن هناك أيّ اعتراض، حول هذه القضية بالذات، لا في السابقين، ولا في اللاحقين. ويجب أن لا ننسى التأييد للقصة، من قبل ديانات، نعتقد أن كتبها نزلت من عند الله، لتروي القصة على نحو الإجمال.
الخلاصة: أن المنطق العقلي، والنصوص المصاحبة، وفحوى الأحاديث، تفرض وجود احتجاب، وغيبة واقعية، للنبي نوح عليه السلام. وهذا ليس اكتشافاً خيالياً، وإنما هو فرض، يحل إشكالية حقيقية، بحل مستند إلى مقولات سابقة، لعهود تاريخية، لما قبل الديانات الثلاث، ولزمن أقرب لزمن نوح عليه السلام، وما قد يعترض عليه المتنطعون، من كون النصوص غير إسلاميّة، فعليهم أن يفسروا لنا، معنى اقتراب النص السومري، من النص القرآني، في وصف الطوفان، وعليهم أن يبرروا لنا، رفضهم للاستفادة من نص قبل حدوث الديانات الثلاثة، يقترب من النص القرآني، أكثر مما يقترب من النص التوراتي؟ ومن المعلوم أن تفسير كل هذا الإنكار، والتنطع، هو كونه يثبت قضية، لا يريدونها، وهم على استعداد لترك صريح القرآن، من أجل هذه القضية، والذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، والقفز على الظواهر.
وعلى كل حال، ليست هذه هي الغيبة الوحيدة، ليكون بنقضها انتقاض الكل. وإنما هناك غيبات أخرى، يعضد بعضها بعضاً.
اختفاء النبي يونس عليه السلام:
من القصص التي يرويها لنا القرآن الكريم، مستعرضاً أحداثها بأسلوب أدبي مشحون بلحظات درامية مؤثرة، قصة نبي الله يونس عليه السلام، وفيها أن النبي اختفى في ظروف غامضة، وكان من الممكن أن يبقى في بطن الحوت، حيّاً، إلى ما شاء الله، آلافاً من السنين، يقول _ تبارك وتعالى _ في سورة الصافات:
(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ * وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ).(٤٠)
وقصة النبي يونس عليه السلام، واضحة في اختفائه في بطن حوت (نون). ولكن، هناك إشارة غريبة، ترافق هذا الاختفاء الغامض، وهو التصريح بوجود قابلية، لبقائه، وبقاء الحوت، إلى يوم البعث على حاله، وهذا أمر يحتاج من المسلم المنصف، أن يفكر فيه جيداً، قال تعالى: (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
هنا، نحن أمام ظاهرة غريبة، وفريدة، وهي الوعد، بأن النبي يونس عليه السلام، كان يمكن أن يخلد في بطن الحوت _ الذي ينبغي أن يكون نفسه قابلاً للبقاء _ لولا كونه من المسبحين، فأخرجه الله نتيجة تسبيحه، وهذا لا يحتاج إلى أدلّة، فالنص ظاهر، وواضح.(٤١)
ما معنى أن يكون قابلاً للبقاء، في بطن حوت إلى يوم البعث؟
_ هنا _ يمكن أن نقول: إن هذه الآية الكريمة، تثبت إمكانية البقاء حيّاً، وإمكانية الاختفاء، مع كونه نبياً، مرسلاً، لم تسقط نبوته، بالاختفاء.
والآية حين عالجت الإمكان، قالت بوقوع الغيبة، والعيش في ظرف، لا يمكن وصفه بأنه ظرف قابل للمعيشة البشرية، وهو بطن حوت كبير.
يمكن أن يدّعي المدعي، بأن النص السابق يتنافى مع نص آخر في القرآن، مفاده أنه لولا رحمة الله، لنبذَ الحوتُ يونسَ في العراء، وهذا قد يتعارض مع الآية السابقة، ومفادها، لولا كونه من المسبحين، لبقي في بطن الحوت، إلى يوم يبعث الخلق. قال تعالى: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ).(٤٢)
والجواب عن هذا: أن لا تعارض في الأمر، فإن الآية الأولى، تنظر إلى كون التسبيح لله، جعله خارج دائرة الخلود في بطن الحوت، وهو نوع من العذاب الإنساني، كما نفهمه بالفطرة، بينما الآية الثانية، تنص على أن رحمة الله، ونعمته وقّتتْ زمن، ومكان إنزال يونس عليه السلام، في مكانٍ أخضر فيه حياة، ولولا تلك الرحمة، لنبذ في العراء، وهو مكان لا حياة فيه. فلا تعارض مطلقاً، أي لو أراد أن يبقيه معذّباً، في بطن الحوت، لبقي إلى يوم يبعثون، ولو أراد الله أن يهلكه لنبذه في العراء.
وهذه مجموعة من نصوص، تدل على أن ليونس غيبة قصيرة، ويبدو أن أهمية هذه الغيبة، هو وعيد الله، بإمكانية أن تكون إلى يوم يبعثون، ولكن أمراً من الله، كان قد حصل في هذا الشأن:
فقد روي في بحار الأنوار، قصة يونس بسند العياشي، إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي قصة طويلة جدّاً، سنقتطع منها بعض مواضع الحاجة:
العلامة المجلسي:(٤٣)
(تفسير العياشي: عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين عليه السلام، قال: حدّثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أن جبرئيل عليه السلام حدثه، أن يونس بن متى عليه السلام، بعثه الله إلى قومه، وهو ابن ثلاثين سنة، وكان رجلاً يعتريه الحدة، وكان قليل الصبر على قومه، والمداراة لهم، عاجزاً عمّا حمل من ثقل حمل أوقار النبوة، وأعلامها، وأنه يفسخ تحتها كما يفسخ الجذع تحت حمله، وأنه أقام فيهم، يدعوهم إلى الإيمان بالله، والتصديق به، واتّباعه، ثلاثاً وثلاثين سنة، فلم يؤمن به، ولم يتبعه من قومه إلاّ رجلان: اسم أحدهما روبيل، واسم الآخر تنوخا، وكان روبيل من أهل بيت العلم، والنبوة، والحكمة، وكان قديم الصحبة ليونس بن متى، من قبل أن يبعثه الله بالنبوة، وكان تنوخا، رجلاً مستضعفاً عابداً، زاهداً، منهمكا في العبادة، وليس له علم، ولا حكم).
وذكر _ بعد ذلك _ قصة طويلة جدّاً، وممتعة حقاً، ملخصها: أن النبي يونس عليه السلام، رغب في إهلاك قومه، نتيجة كفرهم، وعتوهم، فوعده الله بذلك، وأخبر هو قومه، ولكن مستشاره الأمين، نبه الناس للعذاب، وذكّرهم الله، فضجوا بالاستغفار، والبكاء، حين رأوا بدايات الكارثة، فعفا الله عنهم، وحين جاءهم يونس، ليتأكد من هلاكهم، وجدهم بأتم حال، فهرب مستحيياً، معتقداً في نفسه الخذلان، فحصل له، أن التقمه الحوت، وحدث له ما حدث، ورجع إلى قومه، وقد آمنوا به، وحسن حالهم).
وفيه أيضاً:
(قال أبو عبيدة: قلت لأبي جعفر عليه السلام: كم غاب يونس عن قومه، حتّى رجع إليهم بالنبوة، والرسالة، فآمنوا به، وصدقوه؟ قال: (أربعة أسابيع)).
وقد ذكر الإمام الرضا عليه السلام، تصحيحاً لرواية راوٍ، اتهمه بالكذب، على الإمام الصادق، حيث قال: (إن لصاحب هذا الأمر عليه السلام، غيبة كغيبة يونس عليه السلام)، وهذا التشبيه بالغيبة، له توظيف عقلي واضح، وهو نفي استحالة الغيبة، بوقوعها _ فعلاً _ من النبي يونس عليه السلام.
مسند الإمام الرضا عليه السلام:(٤٤)
(عنه، عن أبي عمر، وقال: سمعت حمدويه، قال: حدّثني عليّ بن محمّد بن قتيبة، قال: حدّثني الفضل، قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الواسطي، ومحمّد بن يونس قالا، حدّثنا الحسن بن قياما الصيرفي، قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام، وقلت: جعلت فداك ما فعل أبوك؟ قال: (مضى، كما مضى آباؤه). فقلت: كيف أصنع بحديث، حدّثني به زرعة ابن محمّد الحضرمي، عن سماعة بن مهران، أن أبا عبد الله عليه السلام، قال: (إن ابني هذا، فيه شبه من خمسة أنبياء: يحسد كما حسد يوسف عليه السلام، وغاب كما غاب يونس)، وذكر ثلاثة أخر؟ قال: (كذب زرعة، ليس هكذا حديث سماعة، إنما قال: صاحب هذا الأمر _ يعنى القائم عليه السلام _ فيه شبه من خمسة أنبياء، لم يقل: ابني)).
وقد بيّن (السيد اللواساني) قضية مهمة، وهي أن ذكر غيبة يونس، ليست للمقارنة بالزمن، وما أشبه ذلك، وإنما لإثبات الإمكانية، فما دامت الغيبة ممكنة ليونس عليه السلام، فهي ممكنة لغيره، ولهذا لا مجال للاعتراض، بأن غيبة يونس عليه السلام قصيرة، لأقل من شهر، بينما غيبة المهدي عليه السلام طويلة، تجاوزت الألف عام. فهذا لا علاقة له بما يراد، من إثبات غيبة يونس.
السيد اللواساني:(٤٥)
(ولا مجال لنقض المعارضة، بالفرق بين غيبته، وغيبة هذا الإمام عليه السلام، بقصر مدة غيبة يونس عليه السلام، وطول زمان غيبة الإمام، بأن يقال بإمكان الأوّل، دون الثاني، فإن الفرق غير فارق، وذلك لوضوح أنه ليس في طول الزمان، والقصر فيه، من حيث الإمكان، وعدمه، ما يوجب الفرق، في قدرته تعالى، فإن المولى، الذي أدام حياة ذاك النبي عليه السلام، في غيبته، وحده منفرداً، في المغارات، والبراري مع حاجته التامة، إلى جميع لوازم البشرية، قادر _ أيضاً _ على إدامة حياة هذا الوصي، كذلك، من غير عجز، ولا فتور، فأمعن النظر).
الخضر عليه السلام:
قد يتبادر إلى ذهن القارئ الكريم، إنني سأبحث عن عمر الخضر عليه السلام. وهل هو موجود إلى الآن أم لا؟ وإنكار البخاري لبقاء الخضر إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم،(٤٦) ومتابعة ابن تيمية له، واعتباره أن ذلك حقيقة، تسقط دليل من استدل بطول عمر الخضر عليه السلام على إمكانية أن يطول _ كذلك إلى هذا الحد _ عمر المهدي عليه السلام.
ولكن _ في الحقيقة _ إن هذا غير منظور بالنسبة لي، بالمقام الأوّل، وإنما اُريد أن أنبّه إلى غيبة الخضر في زمن موسى عليه السلام، وبعد ذلك سأعرج إلى ما قيل عن غيبته، حتّى إلى زمن النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بل إلى زمننا كما يقال. وقد يقتضي هذا العرض لزوم الترابط بين هذه الغيبة، وبين العمر الطويل؛ لأنها غيبة تمتد لآلاف من السنين، وهناك من يبرهن على أنه عليه السلام موجود إلى هذا الزمن، وهذا يرد عرضاً وهو موكول إلى محله في البحث.
خلاصة الفكرة هي: أن قصة العبد الصالح، الذي قابله موسى عليه السلام، من وراء البحر، والذي لديه علم من لدن الله، والذي كان مختفياً عن الناس، ولم يعرفه أحد، إلى أن عرّف الله نبيه موسى عليه السلام به، وكشف العبد الصالح، لموسى عليه السلام، علمه الذي علمه الله إيّاه، وأحكامه بالحكم الواقعي، وليس الظاهري، وكما يبدو من مسيرة الحدث، فإنه قد عمل بما يخالف الشريعة، من العمل بالظاهر، وهذا من خصائص من له ولاية، وعلم من الله. ويتصرف بحسب ولايته. كقتله لغلام لم يفعل شيئاً يستحق القتل، وإنما سيعمل الشر مستقبلاً. وقد اعترض عليه موسى عليه السلام بموجب الشريعة، ولكن العبد الصالح أثبت له محدودية علمه، بالأمور الباطنة، مما يدل _ بالتالي _ على التفاوت بين الأنبياء، والأولياء في العلم.
هذا الرجل _ الذي قابله النبي موسى عليه السلام _ يعرفه المسيحيون، واليهود، ويقولون: إنه الخضر عليه السلام. وقد غلب عند المسلمين _ كذلك _ أنه الخضر، وفيه نصوص.(٤٧) وما وقع فيه من الاختلاف، فهو اختلاف تسمية، أو أقوال ضعيفة، وجدت للتشويش كالعادة.
ويضاف إلى كونه غائباً عن الناس أن عمره في زمن موسى عليه السلام، قد تجاوز مئات، وقد قيل آلاف الأعوام. وهذه قضية قرآنية، وليست حديثاً ليشك في سنده، أو يتمحل المتمحل في فهمه، ونقض دلالته. فالموضوع _ إذن _ ثابت بثبوت القرآن الكريم. وهو واضح، وضوح الشمس في رابعة النهار، إنه ولي من أولياء الله المكرمين بالعلم اللدني، قد اختفى عن الناس، ولم يحظ بلقائه إلاّ الأنبياء، كالنبي موسى عليه السلام، وقد أعطى النبي موسى عليه السلام، درساً قاسياً في العلم، والعلاقة بالله. فما هو _ إذن _ تفسير من يشكك بالغيبة _ أصلاً _ مع غيبة الخضر عليه السلام الواضحة قرآنياً؟
لنقرأ الآيات القرآنية بأناة، وهي وحدها كافية، أن تثبت الغيبة، والعلم اللدني الغيبي، وطول العمر، باعتبار التطبيق على الخضر، فإنه قد ولد في زمن إبراهيم عليه السلام، أو في زمن نوح عليه السلام، أو في زمن آدم عليه السلام، بحسب روايات متضاربة:
قال تعالى في سورة الكهف في قصة العبد الصالح الخضر عليه السلام مع موسى، وفتاه:
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً * قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْ‏ءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْ‏ءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً).(٤٨)
والقصة بكل وضوح _ وبحسب النص القرآني _ هي أن موسى عليه السلام، وفتاه، قد طلبا رجلاً موفقاً، والتقيا _ بعد سفر متعب، فيه مشاكل مربكة _ بهذا الرجل، الذي هو من العلماء المجهولين، قد رزقه الله _ تعالى _ العلم اللدني الحقيقي، المسمى بالانكشاف للمعلوم، فطلب منه موسى عليه السلام المصاحبة، على أن يعلمه مما علمه الله، فقال له الرجل الصالح: إنه لا يستطيع تحمّل العلم الذي معه، وبدأت الرحلة، التي وردت في القرآن، وما ورد فيها من مشاكل علمية، وفكرية، لم تحل رموزها لحد هذا التأريخ، عدا القول: بأن العبد الصالح عليه السلام كان مكلفاً بالأمر الواقعي، بينما النبي موسى عليه السلام مكلف بالأمر الظاهري. ولهذا لم يسكت موسى عليه السلام، وكان دائم الاعتراض، وكذلك لم نوفق نحن _ كبشر _ في استيضاح هذه المخالفات، باعتبارها فوق تصورنا، إذ أنها تتعلق بعلم إلهي، ممنوح، يختلف عن نظمنا الفكرية، ودساتيرنا الفقهية، فقتل الطفل _ عندنا _ غير جائز، حتّى لو كان سيرهق أبويه؛ لأنَّ العقوبة، لا تجوز، قبل الجناية، ولا جناية هنا، مع أن نوع الجناية المستقبلية، غير واضح، إذ أنه لو كانت الجناية عصيان الوالدين، وإيذائهما، فقط، فهذا مما لا يحكم عليه بالموت، أصلاً، وإذا كان هو الكفر بالله، وليس بالوالدين، وبالنعم، فيرجع الأمر إلى أحكام الردة، أو الكفر في بلاد الكفر، وهل كل كافر يجب قتله فوراً؟ ولكنها _ على كل حال _ من مسائل العقوبة قبل الجناية _ كما قلنا _ فالمسألة غير متعلقة بعلم طبيعي أبداً. وعلى كل حال فإن هذا العبد الصالح، هو الخضر عليه السلام كما نصت عليه النصوص، في هذا الشأن.
وهنا، نلحظ أموراً مهمة منها: أوّلاً: أنه كان عبداً مخفياً عن الناس، وغائباً، إلاّ عمّن يوفقهم الله للقائه. وثانياً: أنه طويل عمر، لأنه إما معاصر للنبي إبراهيم عليه السلام، أو معاصر للنبي نوح عليه السلام، أو قبله كما في الروايات _ وعلى كل حال _ فهو ليس مولوداً في زمن موسى عليه السلام، كما عليه إجماع أهل النقل. ولو فرضنا أنه في زمن موسى، فتبقى قضية غيبته عن الناس، وعدم معرفة هويته، بحيث لم يطلع عليه، وعلى علمه إلاّ النبي موسى عليه السلام، وباستثناء هذا لم يرد أيّ خبر، أو رواية، تدلُّ على حدوث اتصال علمي، أو عملي، مع الناس، مع وجود تصريح في الروايات باختفائه، وطلب موسى للرجل المختفي، وهذه هي الغيبة بعينها، وليس بعد النص القرآني الواضح من حاجة إلى دليل.
ومن يريد أن يغطي الشمس بغربال، يمكنه أن يدعي عدم فهمه، لكون الخضر عليه السلام في غيبة من خلال النص القرآني، حيث يدعي أن رؤية النبي موسى عليه السلام له، لا تنفي رؤية الآخرين له، ولهذا فلا غيبة، فلو وجد مثل هكذا معترض، فهو لم يلتفت إلى أمور منها:
أوّلاً: كون هذا العبد _ صاحب العلم اللدني _ لم يحظ بلقائه، أو معرفته عن قرب، أصحاب الدراسات، والديانات، بأنفسهم، مع أنه طويل عمر، وقد يكون عمّر إلى زمن موسى عليه السلام، أكثر من ستمئة عام. وهذا الانقطاع، وعدم التواصل، هو الغيبة ذاتها.
وثانياً: إن اللقاء بالخضر عليه السلام، لم يكن لقاء شخص معروف، بل هو _ بحسب النص القرآني _ عبد من عباد الله، وقد أخفى الله هويته في القصة؛ للتعبير عن خفاء الهوية على موسى عليه السلام، وإنما عرفه بالوحي، بدليل أنه عرف أنه صاحب علم لدني، ولهذا طلب منه أن يعلمه، ومعناه أنه لم يلتق به اعتباطاً، وإنما لتشخيص الله له، عبر الرسالة السماوية، فمن لا يستطيع الناس التعرف عليه، إلاّ بإخبار من الله _ تبارك وتعالى _ عبر ملائكته، هو في حالة من الاختفاء، والغياب _ قطعاً. وهذا ظاهر من دون تأمل؛ لأن النص القرآني ناطق به، مثل كونه قد علم أن هذا الشخص عنده علم لدنيّ، وقد سلّم له بذلك، وطلب منه تعليمه: (فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً).
وهذا التسليم له دلالته، من نبي يوحى إليه، في زمن استقامة نبوته، واكتمالها، بعد أن صاحب فتاه يوشع بن نون، وهو من صغار أصحابه. فلو كان متيسراً لكل بشر أن يجتمع، ويطّلع على الخضر، في زمن موسى عليه السلام لما احتاج إلى إخبار إلهي؛ ليطلعه على أن عند هذا العبد الصالح علم لدني، يجب عليه أن ينقاد له، وهو ينقاد له كتلميذ _ بشكل واضح من النص.(٤٩)
فمن أراد القول _ جزماً بلا دليل _ إن النص خال من الإشارة إلى غيبة الخضر عليه السلام في زمن موسى عليه السلام، فهو إنما يجزم بأمر، لا يحق له الجزم فيه، إلاّ تعنتاً.
ولكن بالنسبة للمسلمين، لا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهم يروون عن أصحاب الديانات الأخرى، تسالمهم على بقاء الخضر، وتواصله مع الأولياء، ويرى المسلمون أنه كان على اتصال بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وبعضاً من الصحابة، وربما الأولياء، إلى يومنا هذا، وهو غائب عن الناس، ولا يقدح في ذلك إنكار البخاري لبقائه عليه السلام، إلى زمن النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فهو لا يمكنه _ أوّلاً _ أن ينفي بقاءه لما قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ببرهة وجيزة؛ لعدم وجود دليل عنده قطعاً، وثانياً: إنما نفى ذلك لما يدعيه من عدم صحة الأحاديث، التي روت حوادث الاتصال بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبين الخضر عليه السلام، وهذا مردود؛ لأن عدم الصحة، لا تعني صحة العدم؛ ولأن الأمر فيه مسألة انحياز واضحة، حيث أن رواة الأحاديث ممن لا يرون العثمانية _ وهو مما يعتبر جريمة في نظر البخاري، الذي يروي عن ابن حريز، ويوثقه، وهو اللاعن عليّ، دبر كل صلاة سبعين مرة _ هؤلاء الرواة مردودون برأي البخاري، بحسب طريقته في غربلة النصوص الحديثية، بموجب معيار معاداة عليّ، وشيعته، ومذهبه، واتّباع وصايا معاوية المؤكدة على رفض كل ما يتصل بأبي تراب عليه السلام، والروايات _ كما نعلم _ قد وردتهم عن طريق عليّ عليه السلام نفسه. فالمسألة _ إذن _ متعلقة بالميول السياسية في التعامل مع الحديث.
وعلى هذا، فليس بذي قيمة _ إذن _ تشكيك البخاري ببقاء الخضر عليه السلام إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، واختفاءه، وغيبته، إلاّ عن الأولياء، وأما استغلال هذا التشكيك، من قبل ابن تيمية، ومن والاه؛ لاعتقادهم أن نفي بقاء الخضر عليه السلام، يسقط الدليل على بقاء المهدي عليه السلام، فهذا من الوهم الساقط؛ لأن أساس التشكيك، مشكوك فيه، وهو غير علمي، ومردود سُنّياً، قبل أن يرده الشيعي؛ ولأن نفي طول عمر الخضر عليه السلام، لا يستطيع أن ينفي طول عمر نوح عليه السلام المنصوص عليه في كتاب الله تعالى، كما قلنا في مسألة البقاء، وطول العمر، فهذا فيه نص قرآني، وهو يثبت عدم الاستحالة، فلا مجال للنفي، بناءً على الاستحالة، بالإضافة إلى طول الأعمار التي ذكرها التاريخ، وسلّم بها كل المؤرخين، مثل عُمر آدم، وإدريس عليهما السلام، وشداد بن عاد، وغير ذلك، ومثل ذكر المعمرين الذين ذكرتهم كتب التاريخ، بتسليم واضح، لم يستطع ابن تيمية الاعتراض عليه. فهذا النفي لا يقدم ولا يؤخر في شيء. وهو استغلال غير ناجح، لقضية لا يستطيع إثباتها، بل الأدلّة قائمة بإثبات الضد من مقولته.
وعلى كل حال، فإن ما قصدناه من غيبة الخضر عليه السلام، ما هو متيقن من غيبته في زمن النبي موسى عليه السلام، وأنه منعزل في مكان، لا يعرفه من يرغب بذلك، إلاّ بأمر الله. ولكن لو ثبت غيبته في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو أنه ما زال غائباً لحد الآن، فهذا فيه زيادة تأكيد. غير أن النصوص التاريخية، والدينية، أصابها الكثير من التشويش، باعتبار أن التحكم بها _ دائماً _ بيد السلطان، والمحدّثين، وهؤلاء ضد فكرة بقاء الخضر حيّاً، ولهذا يسعون جاهدين إلى إخفاء الروايات، واختلاق روايات لا صحة لها، تنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من باب الكذب له _ حسبة(٥٠) _ لقمع المخالفين من الصوفية، وقد يجد القارئ الكريم أن النقاش _ الدائر بين الصوفية والمحدّثين _ هو حوارُ من لا لقاء بينهم، وتضارب في كل قول، فكلٌ يدعي الإجماع، والدليل اليقيني، ويقيم الشبهات على الطرف الآخر، بدون نتيجة حقيقية، وكل هذا يُردّ بحديث واحد، صحيح، ورد في صحيح مسلم،(٥١) يقرر فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن الخضر سيقابل الدجال، في آخر الزمان، وأنه يصرح، بأن الخضر سمع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنباء الدجال. وهذا تصريح ما بعده تصريح.
ولمزيد من الفائدة _ في هذا الموضوع _ لا بأس بالإطلاع على مناقشة طريفة، قام بها الشيخ عليّ بن يونس العاملي رحمه الله لمسألة نفي بقاء الخضر عليه السلام واعتمادهم على رواية مكذوبة، صرحوا بضعفها، أو كذبها، وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم _ بزعمهم _: (لو كان الخضر حيّاً لزارني)،(٥٢) وردّه برواية صحيحة _ عندهم _ تدل بنص ورد بلسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أن الخضر سمع الحديث صلى الله عليه وآله وسلم صريحاً، ولهذا ذكر في الصحابة، وهي رواية صحيحة في صحيح مسلم.(٥٣) لكن مصيبتنا في العلم، تبقى من أعظم مصائب المسلمين، حين يترك العلماء منهجهم في اعتماد الصحاح، ويميلون إلى المكذوبات، لا لشيء إلاّ للردّ على الشيعة أو الصوفية.
وقد نبّه علماء الشيعة _ رضوان الله تعالى عليهم _ إلى هذا التناقض، وأشاروا إلى أن صحيح الرواية تقول: إن الخضر عليه السلام روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في زمنه:
نقرأ ما كتبه الشيخ عليّ بن يونس العاملي رحمه الله في الصراط المستقيم:(٥٤)
(قالوا: إنما أجرى الله عادته بالتطويل، في غير هذه الأمّة، قلنا: لا يضرنا ذلك بحال، مع اتفاق الأكثر على بقاء الخضر، والدجال، على أن ذلك وإن لم يقع لغيره، لم يدل على نفيه عنه، ويكون معجزة له، فإن كل المعجزات خوارق للعادات. قالوا: نمنع حياة الخضر؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كان الخضر حيّاً لزارني) قلنا: أخرج مسلم،(٥٥) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في الدجال: أنه محرم عليه أن يدخل المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ، فيخرج إليه رجل هو خير الناس، فيقول: أشهد أنك الدجال، الذي حدّثنا النبي بحديثه. فيقول الدجال: إن قتلت هذا، ثمّ أحييته، أتشكون في أمري؟ فيقولون: لا، فيقتله، ثمّ يحييه، فيقول: ما كنت فيك قط، أشد بصيرة مني الآن، فيريد الدجال قتله ثانياً، فلا يسلط عليه، فقال إبراهيم بن سعد: يقال: هذا الرجل الخضر. وذكر قول الخضر: (حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) دلَّ حديثه على اجتماعه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وفيه تكذيب: (لو كان حيّاً لزارني)). انتهى.(٥٦)
وعلى أيّة حال _ لا يهمنا النزاع الدائر بين الصوفية، والمحدّثين، حول الأدلّة الغريبة المتداولة فيما بينهم على بقاء، أو عدم بقاء الخضر عليه السلام إلى هذا اليوم، ولكن من الطريف أن نعرف _ هنا _ أن ابن تيمية، يستنكر بقاء الخضر إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن الخضر لم يحضر المعارك والجهاد، وكأنه يعلم من هم الجنود، الذين نصر الله _ تعالى _ بهم دينه ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم، من إنس، وجن، وملائكة، والذين صرح القرآن الكريم بعدم إمكانية أن نراهم نحن، قال _ تعالى _: (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها).(٥٧)
ومن القضايا الغريبة أن الآلوسي صاحب تفسير روح المعاني يؤيد إنكار بقاء الخضر عليه السلام إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد أيّد أدلّة النافين، وردّ بالكثير من الأجوبة عليها، وأبقى على بعضها، ولم يمنعه ذلك من تأييد الإنكار بطريقة مزاجية، فيها التفاف على الدليل النصي، الذي ينقله ويوثقه هو، ولكنه يبرر الإنكار على أساس الإشكالات مع صدق النقل عنده. ومن ذلك _ مثلاً _ أنه يروي إجازته للصلاة البشيشية عن الخضر عليه السلام نفسه!! قال:(٥٨)
(ومما ينبي على اجتماعه عليه السلام بالكاملين من أهل الله تعالى، بعض طرق إجازتنا، بالصلاة البشيشية، فإني أرويها من بعض الطرق، عن شيخي علاء الدين علي أفندي الموصلي، عن شيخه، ووالده صلاح الدين يوسف أفندي الموصلي، عن شيخه خاتمة المرشدين السيد عليّ البندينجي، عن نبي الله تعالى الخضر عليه السلام!! عن الولي الكامل الشيخ عبد السلام بن بشيش قدس سره). انتهى.
لا نريد _ هنا _ أن ندخل في جدل حول معجزات مشايخ الآلوسي واختصاصهم بالأنبياء، حين يجتمعون بهم، ويروون عنهم الأحاديث، لكننا نتساءل عن القوانين التي تحكم صحة العلم عند الآلوسي وغيره، كيف تسوغ له أن يروي عن من أنكر وجوده _ صراحة _ في زمننا؟
والأشد غرابة من هذا، قوله بإمكانية أن يلتقي (الكامل) بالمهدي عليه السلام، وهو الذي لم يولد بعد _ كما يراه الآلوسي وغيره منهم _ قال:(٥٩)
(وادعى الشيخ الأكبر قدس سره الاجتماع مع أكثر الأنبياء عليهم السلام لاسيّما مع إدريس عليه السلام فقد ذكر أنه اجتمع به مراراً، وأخذ منه علماً كثيراً، بل قد يجتمع (الكامل) بمن لم يولد بعد كالمهدي، وقد ذكر الشيخ الأكبر _ أيضاً _ اجتماعه معه، يعني الخضر). انتهى.
وهنا _ نروي ما رواه الآلوسي من أدلّة المثبتين الروائية قال:(٦٠)
(وشاع الاستدلال بخبر: (لو كان الخضر حيّاً لزارني). وهو _ كما قال الحفاظ _ خبر موضوع لا أصل له، ولو صح لأغنى عن القيل، والقال، ولانقطع به الخصام، والجدال. وذهب جمهور العلماء إلى أنه حيّ، موجود بين أظهرنا، وذلك متفق عليه عند الصوفية _ قدست أسرارهم _ قاله النووي. ونقل عن الثعلبي المفسر: أن الخضر نبي معمر، على جميع الأقوال، محجوب عن أبصار أكثر الرجال. وقال ابن الصلاح: هو حيّ اليوم، عند جماهير العلماء، والعامة معهم في ذلك؛ وإنما ذهب إلى إنكار حياته بعض المحدّثين. واستدلوا على ذلك بأخبار كثيرة منها: ما أخرجه الدارقطني في الأفراد، وابن عساكر، عن الضحاك، عن ابن عبّاس، أنه قال: الخضر ابن آدم لصلبه، ونُسيءَ له في أجله، حتّى يكذّب الدجال، ومثله لا يقال من قبل الرأي. ومنها: ما أخرجه ابن عساكر، عن ابن إسحاق، قال: حدّثنا أصحابنا، أن آدم عليه السلام لما حضره الموت، جمع بنيه، فقال: يا بني، إن الله _ تعالى _ منزل على أهل الأرض عذاباً، فليكن جسدي معكم في المغارة، حتّى إذا هبطتم فابعثوا بي، وادفنوني بأرض الشام، فكان جسده معهم، فلما بعث الله تعالى نوحاً، ضم ذلك الجسد، وأرسل الله _ تعالى _ الطوفان على الأرض، فغرقت زماناً، فجاء نوح، حتّى نزل بابل، وأوصى بنيه الثلاثة، أن يذهبوا بجسده، إلى المغار، الذي أمرهم أن يدفنوه به، فقالوا: الأرض وحشة، لا أنيس بها، ولا نهتدي الطريق، ولكن كف حتّى يأمن الناس، ويكثروا، فقال لهم نوح: إن آدم قد دعا الله _ تعالى _ أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة، فلم يزل جسد آدم، حتّى كان الخضر، هو الذي تولى دفنه، فأنجز الله تعالى له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله تعالى له أن يحيا، وفي هذا سبب طول بقائه، وكأنه سبب بعيد. وإلاّ، فالمشهور فيه، أنه شرب من عين الحياة، حين دخل الظلمة مع ذي القرنين، وكان على مقدمته. ومنها ما أخرجه الخطيب، وابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه، وكرم وجهه، قال: بينا أنا أطوف بالبيت، إذا رجل متعلق بأستار الكعبة، يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة رحمتك، قلت: يا عبد الله أعد الكلام، قال: أسمعته؟ قلت: نعم، قال: والذي نفس الخضر بيده _ وكان هو الخضر _ لا يقولهن عبد، دبر الصلاة المكتوبة، إلاّ غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل رمل عالج، وعدد المطر، وورق الشجر.
ومنها ما نقله الثعلبي، عن ابن عبّاس، قال: قال عليّ كرم الله تعالى وجهه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما توفي، وأخذنا في جهازه، خرج الناس، وخلا الموضع، فلما وضعته على المغتسل، إذا بهاتف يهتف من زاوية البيت، بأعلى صوته: لا تغسلوا محمّداً، فإنه طاهر طهر، فوقع في قلبي شيء من ذلك، وقلت: ويلك من أنت فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بهذا أمرنا، وهذه سُنّته، وإذا بهاتف آخر، يهتف بي من زاوية البيت، بأعلى صوته: غسلوا محمّداً، فإن الهاتف الأوّل، كان إبليس الملعون حسد محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، أن يدخل قبره مغسولاً، فقلت: جزاك الله تعالى خيراً، قد أخبرتني بأن ذلك إبليس، فمن أنت؟ قال: أنا الخضر، حضرت جنازة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
ومنها: ما أخرجه الحاكم في المستدرك، عن جابر، قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واجتمع الصحابة، دخل رجل أشهب اللحية، جسيم صبيح، فتخطى رقابهم، فبكى ثمّ التفت إلى الصحابة، فقال: إن في الله تعالى عزاء من كل مصيبة، وعوضاً من كل فائت، وخلفاً من كل هالك، فإلى الله تعالى فأنيبوا، وإليه تعالى فارغبوا، ونظره _ سبحانه _ إليكم في البلاء فانظروا، فإنما المصاب من لم يجبر، فقال أبو بكر، وعليّ رضي الله عنهما: هذا الخضر عليه السلام.
ومنها: ما أخرجه ابن عساكر: أن إلياس، والخضر، يصومان شهر رمضان، في بيت المقدس، ويحجان في كل سنة، ويشربان من زمزم، شربة، تكفيهما إلى مثلها من قابل.
ومنها: ما أخرجه ابن عساكر _ أيضاً _ والعقيلي، والدارقطني في الأفراد، عن ابن عبّاس، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يلتقي الخضر وإلياس، كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه، ويتفرقان عن هذه الكلمات، باسم الله، ما شاء الله، لا يسوق الخير إلاّ الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلاّ بالله).
ومنها: ما أخرجه ابن عساكر بسنده، عن محمّد بن المنكدر، قال: بينما عمر بن الخطاب، يصلي على جنازة، إذا بهاتف يهتف من خلفه، لا تسبقنا بالصلاة يرحمك الله تعالى، فانتظره حتّى لحق بالصف الأوّل، فكبر عمر، وكبر الناس معه، فقال الهاتف: إن تعذبه فكثيراً عصاك، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك، فنظر عمر وأصحابه إلى الرجل، فلما دفن الميت، وسوى عليه التراب، قال: طوبى لك يا صاحب القبر، إن لم تكن عريفاً، أو جابياً، أو خازناً، أو كاتباً، أو شرطياً، فقال عمر: خذوا لي الرجل، نسأله عن صلاته، وكلامه هذا، عمّن هو؟ فتوارى عنهم، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع. فقال عمر: هذا والله، الذي حدّثنا عنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
والاستدلال بهذا، مبني على أنه عنى بالمحدّث عنه، الخضر عليه السلام، إلى غير ذلك. وكثير مما ذكر، وإن لم يدل على أنه حي اليوم، بل يدل على أنه كان حيّاً في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يلزم من حياته إذ ذاك، حياته اليوم، إلاّ أنه يكفي في ردّ الخصم، إذ هو ينفي حياته إذ ذاك، كما ينفي حياته اليوم. نعم، إذا كان عندنا من يثبتها إذ ذاك، وينفيها الآن، لم ينفع ما ذكر معه، لكن ليس عندنا من هو كذلك، وحكايات الصالحين من التابعين، والصوفية في الاجتماع به، والأخذ عنه في سائر الأعصار، أكثر من أن تحصر وأشهر من أن تذكر). انتهى.
وقد ناقش القرطبي، ما ذهب إليه البخاري، من الاستفادة من حديث: (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) على موت الخضر، بأنه عام مخصص بالدجال، وعيسى، والخضر، وغيرهم للنصوص القطعية، وعلى ما فسره من العام المخصص، لا يكون دليلاً على موت الخضر، ويمكن إضافة من أعمارهم تجاوزت المئة، وهم أحياء في زمن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولما بعده كسلمان الفارسي رضي الله عنه، فيكون الحديث مخصصاً، إما بالنصوص، أو الواقع، كما يفترض من مفهوم التخصيص، قال القرطبي:(٦١)
(قلت: إلى هذا ذهب البخاري، واختاره القاضي أبو بكر بن العربي، والصحيح، القول الثاني، وهو أنه حيّ على ما نذكره. وهذا الحديث خرجه مسلم في صحيحه، عن عبد الله بن عمر، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة، صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم، قام، فقال: (أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مئة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد) قال ابن عمر: فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلك، فيما يتحدّثون من هذه الأحاديث، عن مائة سنة، وإنما قال (رسول الله) عليه الصلاة والسلام: (لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد) يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ورواه _ أيضاً _ من حديث جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول قبل أن يموت بشهر: (تسألوني عن الساعة، وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة، تأتي عليها مائة سنة). وفي أخرى، قال سالم: تذاكرنا أنها: (هي مخلوقة يومئذٍ). وفي أخرى: (ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مئة سنة، وهي حية يومئذٍ). وفسرها عبد الرحمن، صاحب السقاية، قال: نقص العمر.(٦٢) وعن أبي سعيد الخدري، نحو هذا الحديث. قال علماؤنا: وحاصل ما تضمنه هذا الحديث، أنه عليه الصلاة والسلام، أخبر قبل موته بشهر أن كل من كان من بني آدم، موجوداً في ذلك لا يزيد عمره على مئة سنة، لقوله عليه الصلاة والسلام: (ما من نفس منفوسة) وهذا اللفظ، لا يتناول الملائكة، ولا الجن، إذ لم يصح عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل، لقوله: (ممن هو على ظهر الأرض أحد) وهذا إنما يقال، بأصل وضعه على من يعقل، فتعين أن المراد بنو آدم. وقد بيّن ابن عمر هذا المعنى، فقال: يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. ولا حجة لمن استدل به على بطلان قول من يقول: إن الخضر حيّ لعموم قوله: (ما من نفس منفوسة) لأن العموم، وإن كان مؤكد الاستغراق، فليس نصاً فيه، بل هو قابل للتخصيص. فكما لم يتناول عيسى عليه السلام، فإنه لم يمت، ولم يقتل فهو حيّ بنص القرآن، ومعناه، ولا يتناول الدجال مع أنه حيّ، بدليل حديث الجساسة، فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام، وليس مشاهداً للناس، ولا ممن يخالطهم، حتّى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم، لا يتناوله. وقد قيل: إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى عليه الصلاة والسلام، كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عبّاس، كما ذكرنا. وقد ذكر أبو إسحاق الثعلبي، في كتاب (العرائس) له: والصحيح أن الخضر نبي معمر، محجوب عن الأبصار. وروى محمّد بن المتوكل، عن (ضمرة بن ربيعة)، عن عبد الله بن (شوذب)، قال: الخضر عليه السلام من ولد فارس، وإلياس من بني إسرائيل، يلتقيان كل عام في الموسم. وعن عمرو بن دينار، قال: إن الخضر، وإلياس، لا يزالان حيين في الأرض ما دام القرآن على الأرض، فإذا رفع ماتا. وقد ذكر شيخنا الإمام، أبو محمّد عبد المعطي بن محمود بن عبد المعطي اللخمي، في شرح الرسالة للقشيري، حكايات كثيرة، عن جماعة من الصالحين والصالحات، بأنهم رأوا الخضر عليه السلام، ولقوه، يفيد مجموعها غلبة الظن بحياته، مع ما ذكره النقاش، والثعلبي، وغيرهما. وقد جاء في صحيح مسلم: (أن الدجال ينتهي إلى بعض السباخ، التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل هو خير الناس _ أو _ من خير الناس...) الحديث. وفي آخره، قال أبو إسحاق: يعني أن هذا الرجل هو الخضر. وذكر ابن أبي الدنيا، في كتاب الهواتف بسند يرفعه إلى عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه لقي الخضر، وعلمه هذا الدعاء، وذكر أن فيه ثواباً عظيماً، ومغفرة، ورحمة لمن قاله، في أثر كل صلاة، وهو: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يتبرم من إلحاح الملحين، أذقني برد عفوك، وحلاوة مغفرتك. وذكر _ أيضاً _ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في هذا الدعاء بعينه، نحو مما ذكر عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، في سماعه من الخضر. وذكر _ أيضاً _ اجتماع إلياس مع النبي عليه الصلاة والسلام. وإذا جاز بقاء إلياس، إلى عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، جاز بقاء الخضر، وقد ذكر أنهما يجتمعان عند البيت في كل حول، وأنهما يقولان عند افتراقهما: (ما شاء الله ما شاء الله، لا يصرف السوء إلاّ الله، ما شاء الله ما شاء الله، ما يكون من نعمة فمن الله، ما شاء الله ما شاء الله، توكلت على الله، حسبنا الله ونعم الوكيل). وأما خبر إلياس فيأتي في (الصافات) إن شاء الله تعالى. وذكر أبو عمر ابن عبد البر، في كتاب (التمهيد) عن عليّ رضي الله عنه، قال: لما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسجي بثوب هتف هاتف من ناحية البيت، يسمعون صوته، ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم أهل البيت (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ...)(٦٣) الآية _ إن في الله خلفاً من كل هالك، وعوضاً من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر عليه الصلاة السلام. يعني أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام). انتهى.
ونؤكد _ هنا _ إن ما يهمنا، هو إثبات غيبة الخضر، وتعقل لقاءه بالخواص، عند من يستنكر غيبة المهدي عليه السلام، ولقاءه بالخواص. هذا هو جوهر المطلب.
النبي إلياس عليه السلام:
(وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الأَْوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الآْخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِلْ‏ياسِينَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).(٦٤)
اختلفت أقوال العلماء في النبي إلياس عليه السلام هل هو الخضر نفسه؟ أم هو أخوه؟ كما قال السدي. أم أنه مجرد صديق ورفيق له؟
وصورة هذا الرسول المنصوص على رسالته قرآنياً مشوّشة وغير واضحة المعالم، بحيث لا يعرف من هو؟ ولا أين كان؟ ولا ماهية رسالته؟ ولا قصة حياته؟!
فعلى كل حال فإن إلياس ذكر في القرآن بأنه من المرسلين، وليس مجرد عبد صالح.
ولعلَّ من المفيد أن أنقل نص من يريد نفي بقاءه من أجل أن أبيّن أمرين: الأوّل: مدى الاضطراب في تناول قصة هذا النبي الكريم، والثاني: هو الاصرار على عدم بقاءه بأدلّة مضحكة من قبيل النفي الانتقائي للنصوص والأحاديث الصحيحة عندهم. فأترك ذلك لابن كثير في كتابه التاريخي البداية والنهاية، فهو يروي كل ما قيل عنه من صحيح أو مكذوب وخرافة. وهو يتبنى مذهب عدم بقاءه لأسباب نفسية ومذهبية هو أعرف بها. وخلاصة ما سنستنتجه من بحثه أنه نبي غائب مستور في فترة من فترات حياته، وهذا مسلّم بين المسلمين، وأنه نبي غامض لا يصح في قصته شيء وكأنه لا شيء عنده، مع أنه من المرسلين بنص القرآن الكريم.
ابن كثير في تاريخه:(٦٥)
وأما(٦٦) إلياس عليه السلام فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات: (وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الأَْوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الآْخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِلْ‏ياسِينَ * إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ).(٦٧)
قال علماء النسب: هو إلياس التشبي عليه السلام ويقال: ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون عليه السلام وقيل: إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.
قالوا: وكان إرساله إلى أهل بعلبك غربي دمشق فدعاهم إلى الله عز وجل وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلاً. وقيل: كانت امرأة اسمها بعل والأوّل أصح. ولهذا قال لهم: (أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الأَْوَّلِينَ)(٦٨) فكذبوه وخالفوه وأرادوا قتله، فيقال: إنه هرب منهم واختفى عنهم عليه السلام.
قال أبو يعقوب الأذرعي، عن يزيد بن عبد الصمد، عن هشام بن عمّار قال: وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال: إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين، حتّى أهلك الله الملك وولى غيره، فأتاه إلياس فعرض عليه الإسلام، فأسلم، وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني أبو محمّد القاسم بن هاشم، حدّثنا عمر بن سعيد الدمشقي، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال: أقام إلياس عليه السلام هارباً من قومه في كهف جبل عشرين ليلة. أو قال أربعين ليلة _ تأتيه الغربان برزقه.
وقال محمّد بن سعد كاتب الواقدي: أنبأنا هشام بن محمّد بن السائب الكلبي، عن أبيه قال: أوّل نبي بعث إدريس، ثمّ نوح ثمّ إبراهيم، ثمّ إسماعيل وإسحاق ثمّ يعقوب ثمّ يوسف ثمّ لوط ثمّ هود ثمّ صالح ثمّ شعيب، ثمّ موسى وهارون ابنا عمران، ثمّ إلياس التشبي بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام هكذا قال وفي هذا الترتيب.
وقال مكحول عن كعب: أربعة أنبياء أحياء اثنان في الأرض إلياس والخضر، واثنان في السماء إدريس وعيسى (عليهم السلام).
وقد قدمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس، وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل.
وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة. وبيّنا أنه لم يصح شيء من ذلك.
وأن الذي يقوم عليه الدليل: أن الخضر مات، وكذلك إلياس عليهما السلام.(٦٩)
وما ذكره وهب بن منبه وغيره: أنه لما دعا ربه عز وجل أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه، فجاءته دابة لونها لون النار فركبها وجعل الله له ريشاً وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكياً بشرياً سماوياً أرضياً وأوصى إلى اليسع بن أخطوب(٧٠) ففي هذا نظر وهو من الإسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب بل الظاهر أن صحتها بعيدة والله أعلم.(٧١)
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي:(٧٢) أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو العبّاس أحمد بن سعيد المعداني(٧٣) ببخارا حدّثنا عبد الله بن محمود، حدّثنا عبدان بن سنان، حدّثني أحمد بن عبد الله البرقي، حدّثنا يزيد بن يزيد البلوي، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر فنزلنا منزلاً فإذا رجل في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم المرحومة المغفورة المثاب لها قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامك، قال: فأته فاقرأه السلام وقل له: أخوك إلياس يقرئك السلام. قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبرته فجاء حتّى لقيه فعانقه وسلم (عليه) عليه السلام ثمّ قعدا يتحادثان فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في (السنة) إلاّ يوماً وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت قال: فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس فأكلا وأطعماني وصلينا العصر، ثمّ ودعه (ثمّ رأيته) مرّ في السحاب نحو السماء. فقد كفانا البيهقي(٧٤) أمره وقال: هذا حديث ضعيف بمرة. والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في مستدركه على الصحيحين. وهذا مما يستدرك به على المستدرك(٧٥) فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه. ومعناه لا يصح أيضاً فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعاً في السماء...) إلى أن قال: (ثمّ لم يزل الخلق ينقص حتّى الآن) وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى كان هو الذي ذهب إليه. وهذا لا يصح لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء. وفيه أنه يأكل في السنة مرة وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر. وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها.(٧٦)
وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه كيف تكلم عليه فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة، عن هانئ بن الحسن، عن بقية، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن واثلة، عن ابن الأسقع فذكر نحو هذا مطولاً وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان قالا: فإذا هو أعلى جسماً بذراعين أو ثلاثة واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكلا من طعام الجنّة وقال: إن لي في كل أربعين يوماً أكلة وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورطب وبقل ما عدا الكراث وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سأله: عن الخضر فقال: عهدي به عام أوّل وقال لي: إنك ستلقاه قبلي فأقرئه مني السلام. وهذا يدل على أن الخضر وإلياس بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة وهذا لا يسوغ شرعاً(٧٧) وهذا موضوع أيضاً.
وقد أورد ابن عساكر طرقاً فيمن اجتمع بإلياس من العباد وكلها لا يفرح بها لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها.
ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني بشر بن معاذ حدّثنا حماد بن واقد عن ثابت قال: كنّا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة فدخلت حائطاً أصلي فيه ركعتين فافتتحت (حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ).(٧٨) فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء، عليه مقطعات يمنية، فقال لي: إذا قلت: غافر الذنب فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي. وإذا قلت: قابل التوب فقل: يا قابل التوب تقبل توبتي. وإذا قلت: شديد العقاب فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني. وإذا قلت: ذي الطول فقل: يا ذا الطول تطول عليَّ برحمة، فالتفت فإذا لا أحد وخرجت فسألت: مرَّ بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية؟ فقالوا: ما مرَّ بنا أحد فكانوا لا يرون إلاّ أنه إلياس.(٧٩)
وقوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ) أي للعذاب إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة. والأوّل أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون. وقوله: (إِلاَّ عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) أي إلاّ من آمن منهم وقوله: (وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الآْخِرِينَ) أي أبقينا بعده ذكراً حسناً له في العالمين فلا يذكر إلاّ بخير ولهذا قال: (سَلامٌ عَلى إِلْ‏ياسِينَ)(٨٠) أي سلام على الياس. العرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا إسماعيل وإسماعين وإسرائيل وإسرائين وإلياس والياسين. ومن قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمّد وقرأ ابن مسعود وغيره سلام على ادراسين. ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: إلياس هو إدريس وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم وحكاه قتادة ومحمّد بن إسحاق والصحيح أنه غيره كما تقدم والله أعلم). انتهى كلام ابن كثير.
أقول: الذي يفيدنا أن ابن كثير باعتباره من المتعصبين والمتأثرين برأي ابن تيمية أثبت لنا وجود إلياس حيث أراد نفيه بذكر بقاءه في حديث على شرط الشيخين. وعليه يكون غائباً إلى زمن النبي على أقل تقدير. وأما رفض ابن كثير فهو اجتهاد بخلاف مبناه كمحدّث حشوي.
أقول: وقد ورد أحاديث كثيرة عن غير طرق أهل السُنّة تدل على بقاء النبي إلياس إلى زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن على أقل تقدير أنه اختفى عن قومه مدة من الزمن، وإن كانت قصيرة، وهذا يكفي لإثبات غيبة نبي، وهو المطلوب عندنا.
النبي عيسى عليه السلام:
إن صعود عيسى إلى السماء حيّاً، لم يقتل، بحسب نصوص الإسلام الأساسية، لهو الغيبة بعينها، ولا تحتاج إلى أيّ نقاش، قال تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً).(٨١)
وهذا أمر واضح، حقيقته: أن عيسى عليه السلام حيّ محجوب عن الناس، وأما عند النصارى، فالأمر لا يختلف كثيراً، عمّا في أيدي المسلمين، لأنهم يقولون: إنه قام من قبره في اليوم الثالث، وهو حيّ الآن، فهم مختلفون مع المسلمين في ثلاثة أيام فقط، وكل قضيتهم، أنهم يريدون أن يثبتوا أن المسيح تألّم، وتعذّب، حاملاً ذنوب البشر، بدلاً عنهم؛ ليرفع عنهم التكاليف؛ لأنه هو من حمل عنهم عذاب الخطايا، وهذه نظرية، تحتاج إلى مراجعة عقلية، في أمرين أساسيين:
الأوّل: هو نفي الشريعة، وهذا يتناقض مع تأكيد المسيح عليه السلام، بأنه جاء للعمل بالناموس، وهو الشريعة.
والثاني: هو تعذيب غير الجاني، وغير المستحق. وهذا ممنوع على الله، وقد تقدّم الكلام فيه، وهذا كله ينفي من الأساس، قضية الصلب، والثلاثة أيام، التي قام بعدها المسيح _ بزعمهم_ والتي اختلفوا فيها مع المسلمين.
وعلينا _ إذن _ أن نختصر الاستدلال بغيبة عيسى عليه السلام بما قاله عليّ بن يونس العاملي، في كتابه الصراط المستقيم:(٨٢)
(ثمّ نرجع، ونقول: عيسى _ أيضاً _ حيّ إلى الآن، قال الضحاك، وجماعة _ أيضاً _ من مفسري المخالف، في قوله تعالى: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ)(٨٣) أي بعد إنزالك من السماء، وقال الكلبي، والحسن، وابن جريج: رافعك من الدنيا، إليَّ من غير موت. ويؤكد ذلك، ما رواه الفرا في كتابه، شرح السُنّة، وأخرجه البخاري، ومسلم في صحيحيهما، عن أبي هريرة، قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم؟). وفي تفسير: (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(٨٤) قال ابن المرتضى: قال قوم: الهاء في (مَوْتِهِ) كناية عن عيسى، أي قبل موت عيسى، عند نزوله من السماء، في آخر الزمان، فلا يبقى أحد، إلاّ آمن به حتّى يكون به الملة واحدة، ملة الإسلام، ويقع الأمنة في الناس، حتّى ترتع الأسود مع الإبل، والنمور مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات. ولا شكّ أن هذه المقالة، معها ظاهر الآية، إذ لم يؤمن بها منهم، منذ نزولها إلى الآن، فلا بدَّ من كون ذلك في آخر الزمان، وفي الحديث: ينزل عيسى في ثوبين، مهرودين أي مصبوغين بالهرد، وهو الزعفران). انتهى.

* * *

مشكلة الأعور الدجال عند منتقدي فكرة بقاء المهدي عليه السلام
الدجال أو المسيح الدجال: صحابي ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشارك في الفتح الإسلامي، غاب وسيخرج في زمن المهدي في آخر الزمان وهو صائد أو صاف بن صياد.
هذه القضية، معضلة حقيقية، لمن ينكر إمكان غيبة المهدي عليه السلام، فضلاً عن وقوعها،(٨٥) وذلك لأنه يؤمن _ بلا أدنى مجال للشكّ _ أن المسيح الدجال، ولد في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وصَحِبه، واسمه صائد بن صياد، ويسمى _ أيضاً _ صاف بن صياد. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذّر منه، وقد اختلط بالمسلمين، وشارك في الفتوحات، وقد فتحت مدينة (سوس) على يديه،(٨٦) وبقي مع الأحداث، وقد اعتبر حديث صائد بن صياد من الصحاح، كما اعتبر حديث الدجال المعروف، بحديث الجساسة _ أيضاً _ من الصحاح، ولهذا فقد أخذ حيزاً في الحديث، وفي الملاحم والفتن، وفي توصيف أشراط الساعة، وآخر الزمان، وزمن المهدي، والمسيح عليهما السلام، وغير ذلك، وقد قامت دراسات على هذا الموضوع، كلها تؤكد التسليم اليقيني، بشخصية الدجال، وكونه موجوداً، وحياً، في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو باق إلى زمن ظهور المهدي، ليحارب المهدي عليه السلام، ويُقتل على يد المسيح عليه السلام، ومن جملة هذه الدراسات، دراسة الأستاذ سعيد أيّوب، وهي دراسة ضخمة، بعنوان: (عقيدة المسيح الدجال) تقع في (٥٩٦) صفحة، يبحث فيها، خبايا قضية الدجال، وقد حاول ربط واقع ما عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في زمنه وبيّن ارتباط حركات صائد بن صياد، مع قضية الجساسة بنفس تفسير ابن حجر للظاهرة الغريبة، بأن الدجال في حديث الجساسة، هو نفسه صائد بن صياد، رغم اختلاف المظهر، والمكان، والزمان، باعتباره ساحراً، شيطانياً، يتمظهر بمظاهر متعددة، وقد ربط الأحداث بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بما ورد في حديث الجساسة، حيث ربط بين من قابل الدجال _ ببلاهة _ في رحلة تميم الداري، وبين كونهم أنفسهم، أعوان معاوية، والحجاج، والظلمة المزورين للإسلام، وربط بين كون الدجال ابن صياد في جيش أبي موسى الأشعري، وبين كون أبي موسى الأشعري يرتكب مخالفة النصوص الصريحة، التي بين يديه، ليقول نتركها لهوى الناس، فيتحكم الهوى، بما يدمر رسالة الإسلام، من الجذور.(٨٧) وقد ذهب سعيد أيّوب، إلى أن عدم استجابة لخم، وجذام، الموصوفتان بالعنجهية، والغباء، لدواعي الفتك بالمسيح الدجال، حين قابلهم بصحبة تميم الداري،(٨٨) جعلتهم قادة، وجنود معاوية، كما قرره في الصفحة: ٤١٩، من كتابه (عقيدة المسيح الدجال).
وبقي الدجال _ بحسب مروياتهم _ حتّى اختفى في موقعة الحرة، التي استبيحت فيها مقدسات المسلمين وشرفهم، وشرف بناتهم العذارى العفيفات اللواتي فقدن عذريتهن، بهجوم من يسمون أنفسهم بالمسلمين، بينما كان يقودهم المسيح الدجال، بالاتفاق مع أمير المسلمين.(٨٩)
ولعلَّ من يقرأ كتاب الأستاذ سعيد أيّوب، يراه غارقاً في الخيال، ولكن هناك حقيقة مهمة جدّاً، وهي التقاء الأسماء الواردة في الروايات بشكل محير، فلخم وجذام هم من كان مع تميم الداري حين قابل الدابة الجساسة، وقابل الدجال فلم يتأثر أهل لخم وجذام، لا بمنظر الجساسة، ولا بمقالات الدجال، بينما تأثر تميم وأسلم (يبدو أن سعيد أيّوب يبني على صحة رواية الجساسة).
وبعيداً عن هذه الرواية، فإن لخم وجذام هم مَنْ غدرَ برسول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في معان، وبعد ذلك تحالفوا مع الروم، لتكون معركة مؤتة الدامية للمسلمين، ثمّ شن عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حرباً في غزوة تبوك، فهربوا مع الروم، ولم يلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيداً، فعاد، ثمّ جهز لهم جيش أسامة بن زيد وبعث به، ولم ينفذه المسلمون، بحجج واهية، حتّى انتقل صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وقد وصفهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنهم من أولاد سبأ، ممن (شأموا) وقلّ حظهم في الدين، ومن ثَمَّ تحولوا إلى أنصار معاوية يقاتلون الحق، ويدافعون عن الباطل، وقد أسسوا أسس الخلل الإسلامي، من الأخذ بالقشور، وترك اللباب، فهم من اخترع الطرب على صوت الحجاج، حين يقرأ القرآن، بينما لا يكادون يفهمون من كلام الله حرفاً، ويقتلون عباد الله المخلصين، ويفضحون أعراضهم بلا سبب حقيقي، إلاّ نصر القوة الغاشمة. فهذه الوقائع موجودة بالفعل، وهي تترابط بينها، وبين كون الدجال يقابلهم في قصة الجساسة، وكون صائد بن صياد، الذي حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كان في نفس الجيش، وفي نفس الاتجاه، فهذه الوقائع لعلَّها جعلت من ربط المفاهيم، عند سعيد أيّوب، أكثر وضوحاً عند من لم تتوفر له.(٩٠)
ولعلَّنا نظلم الأستاذ سعيد أيّوب، إذا لم نقف مع الكثير من وقفاته المهمة بالفعل، فالربط بين كون الدجال في جيش أبي موسى الأشعري، وأنَّ أهل الكتاب طلبوه بالاسم، والصفة، وبرهن لهم أنه الدجال، وفتح السلاسل، بمجرد غضبه، وبين أن أبا موسى الأشعري هو نفسه من سلّم الحُكْم إلى من يدعو المسلمين إلى نار جهنم بصريح النص النبوي، وكون هذا الجيش، الذي يدعو إلى النار والفتنة، يتكون من نفس القبيلتين اللتين قابلتا الدجال في حديث الجساسة، ببلاهة وتقبّل، فهذا الربط لقضايا مبثوثة في كتب التاريخ، والحديث، لهو ربط عقلاني، ومهما ابتعد خيال الأستاذ سعيد أيّوب عن الواقع في الكثير من الروابط، ولكنه لم يبتعد _ هنا _ فهذه وقائع تحتاج إلى تأمل شديد، وهي ارتباطات تتبيّن بنتائجها أكثر مما تتبيّن بوقائعها، ولكن الوقائع تفسر هذه النتائج المترابطة بشكل عجيب.
ويبدو أن مشكلة الدجال شكّلت معضلة فكرية، فقد تجاذب رأيهم بين أن يكون الدجال، هو صائد بن صياد، وبين أن لا يكون هو المسيح الدجال نفسه، وإنما الدجال هو ما ورد في حديث تميم الداري من أمر الجساسة، وهذا الاختلاف يعود لسببين، الأوّل: هو غرابة الترابط بين الشخصيتين. والثاني: هو محاولة التخلص من قضية أساسية، وهي كون الدجال _ دائماً _ في جند الباطل، وبما أنه مع أبي موسى الأشعري، الذي سلّم الحكم لمعاوية، وهو في جند يزيد يوم الحرة، والدجال قابل قيادات جيش معاوية، لخم وجذام، في زمن النبي، وبشرهم بانتصاره على الإسلام، وانتصار الباطل، فهو في الجانب الذي يراد تلميعه، وتغطية مساويه، بينما الدجال معهم _ دائماً.
ونحن لا يهمنا هذا الاختلاف، فكلاهما سواء، إن كانا رجلاً واحداً أو رجلين، فهما من الأحياء في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم _ كما تزعم الروايات الموثقة في الصحاح والمسانيد _ وقد غابا عن الأنظار، فأما الذي في خبر الجساسة، فقد كان غائباً في زمن النبي نفسه، وأما صائد بن صياد فقد غاب بعد موقعة الحرة الفظيعة، التي هتكت حرمة الصحابة، وأحباب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على يد حاكم يدعي الإسلام، ويأتم به المسلمون من أهل الأهواء.
اختلاف الشخصيتين _ إذن _ أو اتحادهما، لا يعني شيئاً بالنسبة لقضية الغيبة، وكذا قضية طول العمر، فكلاهما يشتركان في هذا من دون نكير، عند من ينكر قضية الإمام المهدي، الذي تواتر الخبر به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، مع فارق بسيط هو _ وبحسب قصة صائد بن صياد _ أن هذا الرجل أطول عمراً من المهدي عليه السلام بأكثر من (٢٥٠) سنة. بينما رجل الجساسة، أطول عمراً بكثير، فقد يكون الفارق أكثر من ألف سنة، ولكن الموازين العلمية تقتضي أن يعتمد حديث صائد بن صياد، ولا يعتمد حديث الجساسة، لأسباب تتعلق بالسند، وحديث ابن صياد، مجمع على صحته.
والغريب في الاختلاف، هو أن من يصر على أن صائد ابن صياد هو الدجال، إنما هم الصحابة أنفسهم خصوصاً، خاصة أحباب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وبعض من يأخذ عنهم من الصحابة، بينما من يصرُّ على أنه ليس الدجال نفسه، بل هو دجال من الدجالين، هم من متأخري المتأخرين، من المقلدة والمتمذهبين المتعصبين، الذين يتبعون جيش من يدعو إلى النار، وقيادات لخم وجذام.
وللتنوير، بخصوص اعتماد الصحابة، لكون ابن صياد هو الدجال بنفسه، بالإضافة إلى ما تقدَّم من قصة فتح السوس التي يعتمدون روايتها، نورد _ هنا _ مجموعة من أحاديث صحيحة، تبيّن أن الصحابة يصرون على أن صائد ابن صياد هو الدجال بعينه:
من ذلك ما أخرجه الشيخان، البخاري ومسلم، في صحيحيهما: قيل لجابر بن عبد الله: إنه أسلم. فقال: وإن أسلم. فقيل: إنه دخل مكّة، وكان في المدينة. فقال: وإن دخل. فقد أخرج الشيخان، عن محمّد بن المنكدر، قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصائد الدجال. قلت: تحلف بالله؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلم ينكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم.(٩١)
وأخرج أبو داود، بإسناد صحيح عن ابن عمر، أنه كان يقول: والله ما أشك أن ابن صياد هو المسيح الدجال.(٩٢)
ومما أخرجه الشيخان، البخاري ومسلم، في صحيحيهما، عن ابن عمر، إن عمر قال: دعني يا رسول الله أضرب عنقه _ أي ابن الصياد _. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن يكنه فلن تسلط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله).(٩٣)
وأصرح من ذلك، رواية ابن مسعود، في صحيح مسلم، بلفظ: (فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دعه، فإن يكن الذي تخاف لن تستطيع قتله)).(٩٤)
ومما أخرجه مسلم في الصحيح، عن نافع، قال: لقي ابن عمر ابن صياد في بعض طرق المدينة. فقال له قولا أغضبه، فانتفخ حتّى ملأ السكة. فدخل ابن عمر على حفصة، وقد بلغها. فقالت له: رحمك الله، ما أردت من ابن صائد، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما يخرج من غضبة يغضبها).(٩٥)
ومما أخرجه مسلم في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري، أن ابن صياد، قال له: أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو كافر؟ وأنا مسلم، أوَليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هو عقيم لا يولد له؟ وقد تركت ولدي بالمدينة، أوَليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل المدينة، ولا مكّة؟ وقد أقبلت من المدينة، وأنا أريد مكّة. قال أبو سعيد الخدري: حتّى كدت أن أعذره. ثمّ قال: أما والله إني لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن. قال: قلت له: تباً لك سائر اليوم.(٩٦)
وفي رواية أخرى، عند مسلم في صحيحه: أما والله إني لأعلم الآن حيث هو، وأعرف أباه واُمّه. قال: وقيل له: أيسرك أنك ذاك الرجل؟ قال: فقال لو عرض عليَّ ما كرهت.(٩٧)
ومما أخرجه الشيخان _ أيضاً _ عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لابن صياد: (تشهد أني رسول الله؟)، فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين. فقال ابن صياد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: أتشهد أني رسول الله؟ فرفضه. وقال: (آمنت بالله وبرسله).(٩٨)
ومن ذلك _ أيضاً _ ما أخرجه الشيخان، عن ابن عمر: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لابن صياد: (ماذا ترى؟)، قال ابن صياد: يأتيني صادق وكاذب؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خُلِّط عليك الأمر).(٩٩)
ويلاحظ على الحديثين الأخيرين أنهما لا يدلان على تسميته بالدجال، وإنما هما عرض لسلوك الدجال، ومراقبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له، ويدلان على توقف صائد ابن صياد في إعلان إسلامه، وأنه يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بلغة العدو، في وقت لا يتسنى ذلك لصبي أن يواجه نبياً دانت له الجيوش والأمم.
وأما الأدلّة النافية، لكون صائد بن صياد هو الدجال، فأغلبها من نوع التشويش، وعدم وضوح الرؤية. ولعلَّه من قبيل نسبة تهمة النسيان _ والعياذ بالله _ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكما نسي ليلة القدر فقد نسي الدجال وحقيقته، وهذا ما يلفقونه مروياً عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد روى الطبراني في معجمه فقال:(١٠٠) (الفلتان بن عاصم، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فخرج في وجهه الغضب... فقال: إني خرجت إليكم وقد تبيّنت لي ليلة القدر، ومسيح الضلالة، فخرجت لأبينها لكم... فلقيت بسدة المسجد رجلين يتلاحيان، معهما الشيطان، فحجزت بينهما، فنسيتها).
ومن المحتمل أن قصة حضور الدجال في الفتوح الإسلاميّة، إنما هي قصة مفتراة، موضوعة، لا يخفى على المتعقل الغرض من وراءها، فهي تفتح الباب على مصراعيه للتشكيك بأسس الرسالة الإسلاميّة المقدسة، فما هو دفاعنا _ لو سلمنا بما جاء في هذه القصة الكاذبة _ أمام من يريد أن يطعن بالرسالة والرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، ويقول: إنه هو الدجال _ حاشاه _ وأن جيوشه تفتح المدائن بالسحر، وبغضب الدجال، وضربه الأرض برجليه، وما إلى ذلك؟! هذا مع علمنا أن النصوص التوراتية، أو التلمودية، لا تغفل ذكر الدجال، بل تذكره على أنه هو السامري، وأنه باق إلى يوم يقتله المسيح المخلص، في القدس، أو غيرها.
إن الاعتراف، والتسليم بأن صائد بن صياد، هو الدجال حقاً، وإنه كان موجوداً في زمن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لا يعني _ بالضرورة _ صحة ما قيل، حول مشاركته في الفتوح، وأنه يفتح البلدان بالسحر، ولو صحت هذه الرواية، لوجدنا أنفسنا أمام إشكالين، ينبغي معالجتهما، بشكل مقنع:
الأوّل: كيف يصح لأفراد الجيش الإسلامي الفاتح، وهم _ كما يفترض _ خيرة المسلمين، من أهل الجهاد، والمرابطة، أن يقبلوا بوجود الدجال بينهم جندياً يقاتل معهم؟
الرواية لم تسجل _ في هذا الصدد _ اعتراضاً إسلاميّاً واحداً، على مثل هذا الوجود غير المرغوب فيه _ قطعاً!
والثاني: إن السهولة واليسر الذين تم بهما فتح أسوار المدينة، بتأثير الدجال وسحره، ينبغي أن يشكلا ثقلاً وأهمية عسكرية، يستثمرها القادة في فتوحات أخرى، أو يشكلان _ في الأقل _ دافعاً للغبطة والسرور والفرح في صفوف أفراد الجيش الفاتح، وهذا _ أيضاً _ لم تسجله الرواية، ولم تشر إليه!
لا نجد _ إذن _ في طيات هذه الرواية، ولا في كتب التاريخ، ما يفسّر لنا كل هذا، بل على العكس من ذلك، نجد أن ذكر صائد بن صياد _ الفاتح، والمستبسل في قتال الكفار، والمجاهد في أفراد الجيش الإسلامي _ توقف نهائياً حتّى قيل: إنهم فقدوا أثره بعد واقعة الحرة، وهذا لا يتناسب مع ما حصل من تكسير سلاسل أسوار السوس، وانتصار المسلمين بالسحر! كما يدعي سيف بن عُمر التميمي. ولهذا فهذه القصة لا تضفي أيّ بعد ذي قيمة حقيقية للإسلام. ولكنها _ في الوقت نفسه _ تعطي الأعداء فرص نمو الخيال، وتزوير الحقائق، بالتمسك بقشة.
هذا الادعاء الباطل أثار الأستاذ سعيد أيّوب، ومن أجله كتب كتابه (عقيدة المسيح الدجال) كما يصرّح عدة مرات، فقد قال في المقدمة:
(لقد قرأت وسمعت أن المبشرين النصارى يروجون في بلاد المسلمين أكذوبة تقول: بأن محمّد نبي المسلمين، هو المسيح الدجال! وبتتبعي لهذه الأكذوبة، وجدت بأن لها جذوراً عند القوم، ففي عام (١١٤٢)، كلف بطرس المكرم بعض طلبته بترجمة القرآن الكريم، ومن ترجمة لاتينية وضع بطرس موجزاً لتعاليم الإسلام، وكان يعتبر أن محمّداً هو المسيح الدجال (منتجمري وات ١٠٠ _ ١٠٥ _ فضل الإسلام على الحضارة) وبطرس هذا هو أسقف دير كلوني (يوشع براور _ عالم المصلين) الذي روج للحرب الصليبية، وديره هو الذي خرج جميع الباباوات الذين قادوها، وبعد قرنين من الزمان، جاء كروتيش ليردد نفس المقولة (مونتجمري وات _ ١٠٠ _ فضل الإسلام) وبعد ثلاثة قرون وضعت ترجمة إنجليزية للقرآن (إلكساندر روس عام ١٦٤٩، والترجمة الفرنسية _ أندريه سور، في نفس العام) من خلال ترجمة فرنسية قالوا في مقدمتها:
أيها القارئ الكريم ها قد وصل المسيح الدجال العربي الكبير، أخيراً بعد ألف سنة، عبر فرنسا إلى انجلترا (عالم الفكر ١: ١٩٨٤/ ص ٦٦) وفي عام (١٩٨٤م)، خرجت علينا كبرى المجلات القاهرية المصورة برواية تبشيرية، تقول فيها المبشرة جين داكسون: بأن هناك ديناً سيكون قبل ظهور المسيح الدجال. هذا الدين ليس الدين المسيحي، بل نوع آخر من التوحيد بني على قوة الله العليا، أو توحيد الله العلي القدير، وأن هذا الدين هو دين المسيح الدجال، ثمّ جاء بعد ذلك، في أحد تفاسير أهل الكتاب، أنَّ بعض أساتذة الكاثوليك يعتبرون أن محمّداً، نبي المسلمين، هو المسيح الدجال. (آخر ساعة ٢٦/ ٩/ ١٩٨٤م) وبدأت هذه المقولة تنتشر بين المسلمين في أفريقيا، وفي الهند، وفي بعض دول الخليج، وأندنوسيا. وكنت أتعجب أنهم يفعلون هذا. لو كان الجسد حيّاً، ولكن الجسد قد مات! لا خطر منه. فالمسلمون قد انزووا عن حركة الحياة، بعد أن عطلوا الأسباب عندهم، وافتتنوا في الأسباب عند معسكرات الكفر والإلحاد. فلماذا يذبح القتيل إذن؟ (ولكنني دهشت، عندما عرفت السبب. قالوا:
(إن هناك مداً إسلاميّاً يفور، ولم يعد هناك من يؤدي ضريبة الذل كاملة! وعرف المسلمون أن للكرامة ضريبة باهضة، فجنحوا إليها، وكثيراً ما يؤدونها من دمائهم) ومن هنا، كان لا بدَّ أن أبحث لي عن معول! أكشف به الدجل في صوره، وفي أيّ مكان كان. وفي البداية، أقرر أن هذه الدعوى الضالة، التي أطلقوها، تقتلع من جذورها، أمام أيسر تحقيق، يقوم به أقل المسلمين شأناً، وأنا من أقل المسلمين شأناً).(١٠١) انتهى كلام الأستاذ سعيد أيّوب.
وهنا أقول: إن أيّ عدو لا يشعر بالمسؤولية الضميرية والأخروية تجاه عدوه، يمكنه أن يستغل أيّة ثغرة، أو قصة، ليضيف إليها الخيال، فكيف إذا وجد قصة توافق هواه، مثل كون المسيح الدجال يقود جيوش المسلمين، ويفتح البلدان بسحره الشيطاني. ولهذا فإن في طيات الحديث، والتأريخ الإسلامي المزور، ما يساعد على دعاوى الكافرين، ويفتح الأبواب الوهمية للهجوم على الإسلام، وليس هذا هو الباب الوحيد، فصفات الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التي تعرضها كتب الحديث، تجعل منه صلى الله عليه وآله وسلم أضحوكة، لو أردنا أن نتغافل ونصدّقها، مثل كونه مسحوراً لمدة لا يعرف ما يقول، ومثل كونه غضوباً، يقلب الله لعنه إلى رحمة للملعون، ومثل كونه يحاول الانتحار لمجرد تأخر الوحي عليه، ومثل خروجه بمشقص كالمجنون، في طلب من اطلع على شباك بيته، وكذلك قضايا كثيرة، تتعلق بظاهرة الوحي، مثل قصة الغرانيق، التي ينفونها تارة، ويثبتونها أخرى، ومثل دعوى غرامه بالنساء، بعد أن كبر في السن، وأشياء كثيرة، هي مادة دسمة للهجوم على الإسلام، يوجد من يوفرها لهم من داخل الكيان الإسلامي، وهذا يدل على حجم الاختراق للفكر الإسلامي، والمشكلة أن الدولة الإسلاميّة هي المسؤول الأوّل، عن هذا الاختراق، بل هي من صنعه من البدايات. وهذا يفسر مدى الهوة الحقيقية بين الحاكم وبين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث الحاكم يحكم باسم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بينما يصنع أفكاراً، ومجاميع فكرية، مهمتها الأساسية تدمير الإسلام من الداخل، والإساءة لرسوله الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، وقد لا نبالغ إذا قلنا بأننا لو جمعنا كل هذه السيئات التي ألصقت بالإسلام، وبنبي المسلمين، لكانت الصورة مشوهة لا تقبل التعديل، ولا تقبل أيّ تبرير، بل سيكون الحكم _ فوراً _ بأنه دين المجانين، وأهل الباطل، ولكن هيهات ثمّ هيهات أن تصلح الأدلّة الكاذبة، المزروعة داخل التراث الإسلامي؛ لتكون هادمة لدين الله، ولصورة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، الرجل العظيم الذي لم يأت الدهر بمثيله _ مطلقاً، وقد قيض الله _ تعالى _ من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، من دفع هذه الشبهات الملصقة بالإسلام، فنفى تحريف المحرفين، ومحا زيف المزيفين _ بحمد الله.
إن بحث هذه القضية يحتاج إلى دراسات متكاملة، ولكن هذه الإشارة، كانت ضرورية لبيان مسألة مهمة، وهي تفسير التخادم بين أعداء النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم من خارج الإسلام ومن داخله، في تكوين صورة غير قابلة للإصلاح، وهدم كل البنى الفكرية، والقانونية الإسلاميّة، بأحاديث وقصص خرافية، ودعاوى زائفة، وأكاذيب.
علينا _ قبل أن نهاجم أعدائنا _ أن ننقي ثيابنا من هذا الدرن، وأن ننفي زيف المزيفين، وأن نُخضع التراث الإسلامي للتقييم، على أساس مقدار التخادم، بين المطروح المدسوس، وبين الهجمة التي يقوم بها أعداء الإسلام. ولكننا نعلم علم اليقين أن هناك فرقاً إسلاميّة لا تقبل إعادة تقييم التراث، على أساس نفي التزييف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم يقولون: بأنه سوف يسقط مذهبهم من الاعتبار، حين ينفى هذا الكم الهائل من النصوص. فلا ندري ما فائدة بقاء مذهب إذا سقط أساس الدين؟
ولهذا، فإن دفاع الأستاذ سعيد أيّوب فيه خلل، حيث لم يعزل الفكر المندس والنصوص المفتعلة لنفي التهمة. وإنما أثبت التهمة بإثباته للنصوص، ولكن جعلها تهمة لمن خالف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحاربه، وحارب أهل بيته، طيلة حياتهم، وهذا يحتاج إلى مقدمة ثانية منه، وإلى تحديد منهج، إلاّ إذا كان قد قدّر أن عقول العامة، لا تستطيع تصوّر هذه الجريمة ومصدرها. فأراد أن يعطي جرعات من التفكير، عسى أن يصل القارئ إلى النتيجة الحتمية التي يقتضيها مسار التفكير. وهذا يحتاج إلى قرّاء أذكياء، وما أقلّهم في العالم الإسلامي، الذي لا يفرّق بين الناقة والجمل.
كارثة المسيح الدجال صحابي مسلم مجاهد:
وهو فوق الجرح والتعديل، كبقية الصحابة العدول المجاهدين، وابنه إمام أئمّة الدين، وشيخ الإمام مالك، اتفقوا على توثيقه، وكان لا يفضل عليه أحد، وقدموه على غيره.
حين يصنع الطغاة وأنصارهم ديناً ما، فإن تركيبة ذلك الدين ستكون تركيبة عجيبة غريبة؛ لأنه سيكون ديناً مرقّعاً، مجتمعاً من أوصال متناثرة، لا جامع بينها. وهنا نقطة جديرة بالانتباه تتعلق بهذا الدجال، وكيف أن الدين أصبح به مرقّعاً بشكل عجيب!!
والدجال، أو المسيح الدجال صاف بن صياد، مما لا شكّ في كفره، وقد قال بعض الصحابة: أنهم لا يشكون في كفره وفي كونه الدجال، حتّى لو صلى وصام، وإذا شكّ أحد في قصة الجساسة؛ لإعراض البخاري عنها، فلا يشكَّنَّ أحد _ ممن ليس لديه إلاّ طريق الصحاح _ بكون صاف، أو صائد بن صياد، هو الدجال.
ولكننا حين نطلع على ترجمته، نرى العجائب، والغرائب، فقد شكّك أعاظم رجال الجرح والتعديل في كونه الدجال، ووصفوه بالإسلام والجهاد وأداء الفروض. وأعرضوا عن كل هذه الروايات الصحيحة.
ولما كان الصحابي: هو من لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مؤمناً به ومات على الإسلام(١٠٢)... وهذا هو تعريفهم للصحابي. وحكم الصحابي _ عندهم _: العدالة المطلقة التي لا تقبل الجرح ولا التعديل،(١٠٣) فالصحابي عدل، لا يحتاج إلى توثيق في رواية رواياته. ولما كان ابن صياد _ كما نجده في ترجمته _ قد لقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ أسلم وآمن به، ومات على الإسلام، وجاهد، وحج، وهو عين المسيح الدجال، فهو على هذا ثقة لا يحتاج إلى تعديل مطلقاً!
هذه النتيجة الطريفة توصلنا إلى وثاقة الشيطان نفسه. ويا له من ترقيع عجيب! ولكن هل نقف عند هذا الحد؟ لا أبداً. فابن الدجال كان ثقة _ أيضاً _ بل أكثر من ثقة، وكان الإمام مالك بن أنس لا يفضل عليه غيره!
ابن الدجال _ إذن _ أهم رواة المسلمين، ولا يفضل عليه مالك ابن أنس أيّاً ممن عاصره، من العترة الزكية، ومن التابعين المخلصين!
لقد أدرك مالك بن أنس ثلاثة أو أربعة من الأئمّة الأطهار عليهم السلام هم: زين العابدين، والباقر، والصادق، والكاظم في آخر أيام مالك، فهؤلاء ليسو عدلاً لابن الدجال عند مالك. ولا أعرف كيف يمكن أن يحتاط إنسان لدينه، وهو يرى أن من حارب الإسلام في بدر واُحد إماماً يمكن يقتدى به، وأن الدجال وابنه رجال تقوى، وأهل علم ودين، تؤخذ عنهم الأحاديث ولا يفضل عليهم أحد، ولا يرقى إليهم الجرح؟
ولكي لا يكون كلامنا جزافاً، وبلا دليل، ولكي لا نتهم أننا نلقي الكلام على عواهنه، نقرأ معاً هذه التراجم، والحكم بعد ذلك للعقل لو رضينا به حاكماً:
الحافظ ابن حجر:(١٠٤)
الترمذي، وابن ماجة، عمارة بن عبد الله بن صياد الأنصاري أبو أيّوب المدني، روى عن جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن يسار، وعنه الضحاك بن عثمان الحزامي، ومالك بن أنس، ومحمّد بن معن الغفاري، والوليد بن كثير المدني، قال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة، قليل الحديث، وكان مالك بن أنس، لا يقدم عليه في الفضل أحداً! وكانوا يقولون: نحن بنو شهيب بن النجار، فدفعهم بنو النجار، فهم اليوم حلفاء بني مالك بن النجار، ولا يدري ممن هم!! وعبد الله بن صياد هو الذي ولد مختوناً، مسروراً فأتاه النبي، فقال: (قد خبأت لك خبيئاً) فقال: الدخ، فقال: (اخسأ). وهو الذي قيل: إنه الدجال، وقد أسلم عبد الله، وحج، وغزا مع المسلمين، وأقام بالمدينة.(١٠٥) ومات عمارة في خلافة مروان بن محمّد، وذكره ابن حبان في الثقات، له عندهما حديث واحد في الأضحية، قلت: قول ابن سعد في عبد الله بن صياد يوهم أنه مات على الإسلام بالمدينة، وقد ذكر غيره في ترجمته أنه خرج إلى أصبهان، وأن اليهود تلقوه، وقالوا: هذا ملكنا الذي نستفتح به على العرب، وأدخلوه البلد ليلاً، ومعه الطبول والشموع، ثمّ لم يعرف له خبر بعد ذلك، ذكر أبو نعيم في تاريخ أصبهان، بسنده، وقد بسطت ترجمته في كتابي في الصحابة؛ لأن صاحب التجريد ذكره مختصراً، نعم أخرج أبو داود بسند صحيح، عن جابر، قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة، ومن طريق ابن أبي سلمة، قال: شهد جابر أن ابن صياد هو الدجال، فقلت: إنه قد مات، قال: وإن مات. قلت: فإنه قد أسلم، قال: وإن أسلم. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عمارة بن صياد، من ولد ابن صياد، قال: بلغني هذا، عن ابن سعد. وسألت أحمد بن صالح، عن هذا، فأنكره، ولم يكن له به أدنى علم. وذكر الزبير بن بكار، في أوّل نسب قريش: إن ابن صياد، يعني عمارة هذا، وابن حزم، يعني عبد الله بن أبي بكر بن محمّد بن عمرو بن حزم، استبّا.(١٠٦) فقال ابن حزم، لابن صياد: لستم منّا، وقال ابن صياد، لابن حزم: لستم من العرب، فبلغ الوليد، وهو خليفة، فكتب: إن زعم ابن حزم أنهم من ولد إسماعيل فحد له ابن صياد، وإن أنكر، فلا، فإنّا لا نعرف عربياً إلاّ من ولد إسماعيل. فزعم ابن حزم من أنهم ولد إسماعيل، فحد له ابن صياد).
أقول: لا ندري، أنبكي أم نضحك من هذه الترجمة العجيبة المتناقضة التي لا يعرف لها أصل، ولا معنى لها. إلاّ تبرئة ابن صياد من كونه الدجال، مع وجود النقيض. فإنما هو صحابي مؤمن. ولم يعالج قضية كون اليهود تلقوه في أصبهان. وقالوا: إنه ملكنا، واختفى عندهم، وهذا _ قطعاً _ بعد حادثة فتح السوس،(١٠٧) وانكشاف كونه المسيح الدجال اليهودي، فعلاً.
وخلاصة ما نخرج به، من هذه الترجمة: أن ابن صياد، رجل مسلم، ممن أدرك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، مجاهد، حاج لله، مجاور لمسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقبره، فهو في قلب الإيمان، ومن عناصر الدين، وما شاء الله!
ومن ذلك _ أيضاً _ قال الحافظ ابن حجر:(١٠٨)
(عمارة بن عبد الله بن صياد، أبو أيّوب المدني، ثقة فاضل، من الرابعة، مات بعد الثلاثين، وأبوه هو الذي كان يقال: إنه الدجال).
أقول: يعلم ابن حجر علم اليقين القيمة الحقيقية للصحاح المنسوبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وللصحابة بما فيهم الخليفة عمر بن الخطاب الذي كان يحلف بالله إنه الدجال. فكيف تحوّلت عنده هذه الكمية من الصحاح المتفق عليها إلى (يقال) الدالة على التمريض، وتضعيف الصحاح. أم أن هذا كله من أجل عيون الدجال؟
الذهبي:(١٠٩)
(عمارة بن عبد الله بن صياد، هو ولد الذي ظن أنه الدجال، عن جابر، وعن ابن المسيب، وعنه مالك، وجماعة، وثقه ابن معين، وقال ابن سعد: كان مالك لا يقدم عليه في الفضل أحداً، وهم حلفاء بني النجار، مات زمن مروان الحمار).
أقول: الذهبي _ هنا _ كذّب ما في الصحيحين، بشكل أصرح من تشكيك ابن حجر؛ لأنه نسب القول: (إنه الدجال) بقوله: (كان يظن) وينبغي أن هذا الظن ذهب بثبوت العلم عنده، بحسب طريقة الفهم الإنساني. وهذا تكذيب للبخاري ومسلم من أجل أن يوثق الدجّال. حيث أنه عندهم صحابي، مسلم، مجاهد.
النووي:(١١٠)
(ابن صياد، الذي يقال له الدجال، اسمه عبد الله، ولقبه صاف، وقد ذكره الحافظ عبد الغني المقدسي في ترجمة ابنه عمارة بن عبد الله بن صياد، وعمارة هذا ثقة، واتفقوا على توثيقه، روى عنه مالك في الموطأ، في كتاب الأضحية، حديث أبي أيّوب الأنصاري: (الشاة تكفي عن أهل البيت في الأضحية) يتمم من الإكمال للمقدسي).
أقول: النووي _ أيضاً _ مرَّض القول بأنه الدجّال بكلمة: (يقال) فأين أصبحت الصحاح؟ حين يجمع هؤلاء العلماء على تكذيبها!
ابن الأثير:(١١١)
(عبد الله) بن صياد أورده ابن شاهين وقال هو ابن صائد كان أبوه من اليهود لا يدرى ممن هو وهو الذي يقول بعض الناس أنه الدجال ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعور مختوناً، من ولده عمارة بن عبد الله بن صياد من خيار المسلمين من أصحاب سعيد بن المسيب، روى عنه مالك وغيره.

* * *

غيبة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يوم هاجر:
إنها غيبة لحظية، وقصيرة، قد لا تتجاوز اللحظات، في موقفين: الأوّل: حين خرج من بيته، والمشركون على باب داره يريدون الفتك به فلم يروه، وكان قد حثا في وجوههم التراب فلم يشعروا به. والثاني: حين كان مختفياً بالغار مع صاحبه، ولم يستطع المشركون معرفة وجوده، رغم توفّر دلائل القيافة على وجوده هناك. ففي الأوّل كان غياباً عن الحس _ بالكامل. وفي الثاني كان غياباً بخداع الحس، ولهذا استنتجوا عدم وجوده، على العكس من أدلّة القيافة التي دلَّتهم على مكان تواجده.
القضية _ في طرح هذا الموضوع _ هي: تصوير القدرة على الاختفاء بالجسد، حيث حصل بالفعل مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل الله بين المشركين وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم سداً من حجاب قدرته، فاختفى عن أنظارهم. رغم أنه وضع التراب على رؤوسهم، فلم يشعروا به.
إن ثبوت هذه الحادثة يكفي تماماً للجواب على من يقول باستحالة الغياب الحسي والاختفاء أمام الحواس، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اختفى عن الحس أمام مردة قريش، وفتيانهم الذين أرادوا قتله.
وكل ما نقوله هو: إن الوقوع يدل على الإمكان. ولا نريد من هذا الحدث الشهير، أكثر من هذا، حتّى لا نستغرق في مناقشات لا طائل من ورائها _ مع وجود الحقائق الواضحة.
بحث في بعض خصوصيات حديث خروج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من البيت،وفداء عليّ بن أبي طالب عليه السلام له صلى الله عليه وآله وسلم:
أورد هذه الحادثة ابن هشام في سيرته، مرسلاً لها إرسال المسلمات، وقد رواها أكثر من حافظ، وهي مروية عن ابن عبّاس، وعليّ بن أبي طالب عليه السلام، والسيدة عائشة، وسراقة بن مالك، غير أن الطبري رواها مسندة إلى محمّد بن كعب القرظي، موقوفة عليه، عن طريق ابن إسحاق، وتبعه الكثير من الحفاظ، وقد علق ابن كثير على ما نقله الطبري عن ابن إسحاق، فقال:(١١٢)
(وهذه القصة، التي ذكرها ابن إسحاق، قد رواها الواقدي، بأسانيده، عن عائشة، وابن عبّاس، وعليّ، وسراقة بن مالك بن جشعم، وغيرهم، دخل حديث بعضهم في بعض، فذكر نحو ما تقدم).
ورواية ابن إسحاق، عن يزيد بن زياد، عن محمّد القرظي، فيها مشكلتان، الأولى: إنها لابن إسحاق الذي يرفضون روايته حين لا يعجبهم حديثه، ويقبلونه بقوة حين يعجبهم. وهو يرويها عن يزيد بن زياد المديني، وهو موثق، ولكن اختلط اسمه باسم غيره ممن لا يوثقونه، فوقع فيه كلام، وجرت شبهات.(١١٣) وعلى كل حال _ فالرواية بحسب موازيين علم الحديث، بدون تلاعب أو تحيّز، لا تنحط عن رتبة الحسن، إذا لم تكن صحيحة، فرواتها موصوفون بالتدين، وهم ثقاة عندهم، وسبب التوقف الحقيقي فيهم هو جهة المذهب أو المذاق السياسي. وقد وصف الألباني هذا السند بالحسن ومن أراد مزيداً من البحث في مشكلة يزيد بن زياد، ويزيد بن أبي زياد، فعليه أن ينظر في الهامش المتقدم، فقد وقع بهذا الاسم عدة رواة، وقد اختلطت فيهم الأحكام. ولكن صاحب هذه الرواية هو الثقة.(١١٤)
وقد أضاف القرطبي، قصة طريفة، وقعت له في حياته، لتصديق قصة اختفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم جسدياً، ببركة خواص أوائل سورة يس. فقال:(١١٥)
(ولقد اتفق لي، ببلادنا الأندلس، بحصن منثور من أعمال قرطبة، مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو، وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان، وأنا في فضاء من الأرض، قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أوّل سورة يس، وغير ذلك من القرآن، فعبرا عليَّ ثمّ رجعا من حيث جاءا وأحدهما يقول للآخر: هذا (ديبله) يعنون شيطاناً. وأعمى الله عز وجل أبصارهم فلم يروني، والحمد لله حمداً كثيراً، على ذلك).
خلاصة ما تقدم أن هذه القصة الصحيحة التي رويت في الاختفاء الجسدي لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أعين الكفار، هي قصة شارحة ومبينة، لقضية مهمة، وهي حقيقة إمكانية غيبة المهدي عليه السلام عن أعين الناس مع الوجود الجسدي الظاهر، وهذه الحالة لا تختلف عن حالة اختفاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع صاحبه في الغار. ولكن كما قلنا: إن القصة _ هنا _ اختفاء جسدي وفي قصة الغار اختفاء من نوع آخر، وهو تشويش معلومات، وانحراف الذهن عن معرفة الموجود الخارجي.

* * *

أحاديث في غيبة المهدي عليه السلام
بعد أن أصبح من الواضح تماماً أن الغيبة أمر ممكن الوقوع، غير مستبعد، ولا يتنافى مع العقل البشري وتجربته التاريخية في ذلك، كما أشارت إلى ذلك وقائع الغيبات الكثيرة للأنبياء والأولياء، والتي مرت علينا في الفصل السابق، نكتفي بسرد بعض الأحاديث المروية عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم بأسانيد صحيحة، والدالة بنفسها على ما نريد:
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من ولدي تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء عليهم السلام فيملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).(١١٦)
وقد ورد هذا الحديث بألفاظ أخرى منها:
(المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلقاً وخُلقاً، تكون به (له) غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).(١١٧)
وقد ورد بصيغة ثالثة:
(... تكون له غيبة... حتّى تضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً).(١١٨)
وفي هامش الصواعق المحرقة، ذكر محقق الكتاب أن أهل السُنّة يؤمنون بغيبتين للمهدي تختلفان عن إيمان الشيعة بالغيبتين المعروفتين عندهم، قال:
(وأخرج أحمد، والماوردي، أنه صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (أبشروا بالمهدي، رجل من قريش من عترتي، يخرج في اختلاف من الناس وزلزال، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، ويرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً بالسوية، يملأ قلوب أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم غنى، ويسعهم عدله حتّى يأمر منادياً فينادي فيقول له: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلاّ رجل، فيقول: ائت السادن، يعني الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحث فيحثي مالاً يستطيع أن يحمله، فيلقي حتّى يكون قدر ما يستطيع أن يحمل، فيخرج به فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد نفساً، أو عجز، كلهم دعي إلى هذا المال فتركه غيري، فيرد عليه فيقول له: إنا لا نقبل شيئاً أعطيناه، فيلبث في ذلك ستاً، أو سبعاً، أو ثمانياً، أو تسع سنين، ولا خير في الحياة بعده).(١١٩)
وقد علّق الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، محقق الكتاب، بهامش الحديث فقال:
(اختفاء العسكري وظهوره لخواص الشيعة يناقض ما روي عن أبي عبد الله الحسين بأنه لا يعرفه إلاّ الأولياء، وما يروى عن الباقر واختفائه هو ما ذكره علماء السُنّة في المهدي، من أنه يغيب غيبة طويلة، وأخرى قصيرة يختفي بجبال الطائف، ثمّ يظهر، ويختفي بجبال مكّة، ولا يسمي ظهور العسكري لخواص شيعته ظهوراً، وليس بسرداب بذي طوى، كما يقولونه، ولظهوره علامات، ذكرها السيوطي، والبرزنجي، في الإشاعة).(١٢٠)

* * *

أدلة وقوع الغيبة
بعد هذه الأحاديث الشريفة، والإخبار بالغيبة، فإن من المنطق، وضرورات العقل _ تماماً _ أن تحدث هذه الغيبة المشار إليها في زمن ما؛ لتكون القضية المنطقية متحققة، وتسمى قضية صادقة، يتطابق فيها نسبة المحمول للموضوع، مع الواقع الخارجي، فعند ذلك تكتسب القضية صفة القطع واليقين المعرفي لمن لم يصدّق بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو الأنبياء عليهم السلام، وسواء بادعاء عدم صحة السند، أو عدم تعقل القضية، أو بإنكار قول الأنبياء عليهم السلام، فكله سواء من الناحية المنطقية، ويحتاج إلى نفس التسلسل المنطقي مع فارق اختصار بعض الحلقات، فإن من يصدّق بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يختصر جملة إجراءات، ولكنه يبقى يحتاج إلى إثبات صدور البشارة، ويحتاج إلى تحقق البشارة. وتحقق البشارة يجب أن يثبت بالطريقة التالية:
١ _ وجود نصوص تدل على المهدي عليه السلام، بالاسم والنسب.
٢ _ ثبوت تحقق هذا الوجود لهذا المنصوص عليه، بالولادة، والتعايش.
٣ _ فإذا ثبت الأصلان السابقان، ثبت بشكل ذاتي أنه صاحب الغيبة، فلا يحتاج إلى أكثر من دعوى الغيبة؛ لأنها نتيجة حتمية للمقدمات، من البشارة، والتحقّق (بالتسمية، والتعيين، والوجود، من ولادة، وتعايش).
ولكن، من أجل قطع الشكّ في هذه النتيجة، عند من يشكّك، فيجب ذكر التواصل بعد ادعاء الغيبة، وهذا يعتمد على طرق الإثبات الخبرية المعتمدة عند البشر، وأرقى هذه الطرق هي طريق نقل الثقة عن ثقة، مع العلم أنه لا يثبت شيء في الدنيا إن لم تثبت هذه الطريق؛ بل لا حقيقة تاريخية _ مطلقاً، على أن هذه الطرق هي أكثر طرق إثبات التاريخ تشدداً؛ لأن هناك ما هو أقل من هذا المعيار تشدداً، ويؤخذ به عند محقق التاريخ، ووقائعه، بل عند جميع العقلاء، فيما إذا أرادوا إثبات حدث، كطرق القرائن الدالة، بل ما هو أدنى منها مرتبة من الطرق الظنية، كالآثار والدلائل الأخر، التي يأخذ بها المحققون في إثبات الوقائع التاريخية. فإذا ثبتت هذه الطريق، أو جملة طرق معرفية لثبوت الواقع التاريخي الخارجي، فلا مجال إلاّ التسليم بوقوع الغيبة فضلاً عن إمكانها والبشارة بها.
وهذه سلسة متكاملة لا بدَّ من الترابط بينها، ولا يصح إغفال بحث حلقاتها لمن يريد أن يبحث بطريقة علمية، ولا يجوز عكس القضايا بطريقة مقلوبة، كما وقع لبعض المذاهب الإسلاميّة وتابعيهم في تناول هذه القضية. فإن بعض المذاهب الإسلاميّة تعاملت مع هذه القضية بشكل غريب، من ناحية منطقية، فمثلاً هم يثبتون صحة نصوص البشارة بالمهدي عليه السلام وغيبته، وبعد أن يصلوا إلى اسمه محمّد بن الحسن عليه السلام ويسلمون بوقوع ولادته، فإنَّهم يشككون في غيبته، بحجة أن ادعاء الغيبة إنما هو ادعاء صدر عن نوابه من أجل المال. وهؤلاء الذين يعتبرهم التاريخ ثقات، ومن أتقى الناس، وأمثلهم طريقة، هم كاذبون _ كما زعموا _ بسبب حب المال. وعليه _ كما استدلوا _ لا أصل لأحاديث المهدي. وهذا الشكل من الاستدلال خلط للأوراق، وخرق لكل تفكير وتسلسل منطقي.
هنا _ يفاجيء المرء بالرجوع القهقرى، بواسطة دليل ظني غير صحيح، على أصل البشارة، وأصل أحاديث المهدي عليه السلام، فإذا أراد قائلهم أن يجامل وأن يتلّون فيقول: إن هذه القضية تثبت أن أصل قضية المهدي غامضة، ومشوّشة، ولا يمكن معرفتها، ولا طريقة التعامل معها، حتّى لو لم ننف أحاديث البشارة بالمهدي بشكل إجمالي. وهذا يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حينما تكلم عن المهدي بهذه الصراحة والوضوح، والتكرار بكثرة، لم يضع أيّ تكليف على المسلمين تجاه هذه القضية، مما يبقيه إخباراً عبثياً مزعجاً، لا داعي له، وهو يشوّش فكر المسلمين بقضية يدّعى أنها قضية ارتكازية، والنتيجة هي أنَّها قضية غير مطلوبة _ أصلاً، وأقل من هامشية، فكيف تكون قضية مركزية في فكر المسلم، وهي غير مطلوبة منه بأيّ موقف كان؟
وعلى هذا _ يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد فعل عكس ما هو مأمور به من البيان، وهذا اللازم لا يهم أصحاب هذا الاتجاه السلبي، تجاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بل الأنبياء عليهم السلام والرسالات، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن البشارة لم تكن على لسانه الشريف وحده صلى الله عليه وآله وسلم بل على لسان أنبياء آخرين، وفي رسالات أخرى، بل وفي عموم الديانات كما سيتضح ذلك في الفصل التالي.
هذا المسار الفكري، كثيراً ما يقع في شرك عشوائية التفكير، إذ لا يهمه ولا يعتني أبداً أن ينعكس تفكيره في أيّ مرحلة من المراحل، وأن يقفز من مرحلة إلى أخرى بعيداً عن المنطق والتفكير السليم، وهذه هي العبثية في الفكر بأجلى صورها.
نستطيع أن نمثل لهذه القضية، بأمثلة واقعية لفكر العوام والجهلة، حين لا يميّزون تسلسل الأفكار. فمثلاً حين نقول: إن الطبيب الفلاني حاذق، إنما نقول ذلك لشهادة جامعته، وشهادة زملائه الأطباء، وشهادة المرضى الذين عالجهم، ولكن سرعان ما نسمع من العوام: إن هذا الطبيب لا يفهم، بدليل أنه طبب فلاناً، فوصف له وصفة ناقصة، فانتكست صحته، وبعد التحقيق، يتبيّن أن المريض لم يلتزم بتوصيات الطبيب، وسمع نصيحة زائر له بأخذ دواء إضافي، سبب له ما لم يمكن السيطرة عليه. وما أكثر ما يمرّ بنا مثل هذا الحدث في الحياة الواقعية بالفعل. ولقد كنت أتصور أن هذا شأن الشرق الغارق بالجهل حسب، ولكن بعد الخبرة الحياتية، تبيّن لي أنه حالة شائعة عالمياً، عند كل السطحيين والجهلة في العالم، حتّى في أكثر الدول تقدماً. وهذا يشبه _ إلى حد بعيد _ ما يقوم به بعض أصحاب المذاهب، تجاه قضية الغيبة، فهم يحاولون نفيها بأدلّة فلسفية، خيالية، غير متحدة الموضوع مع المدعى، ولا تثبت في النقاش، وبسببها ينفون أصل القضية الثابتة بالأدلّة النصوصية عندهم، كما هو حال الطبيب الثابتة براعته بالشهادات العلمية، بدليل لا يمت إلى أصل القضية بصلة، بل هو يثبت عكسها.
وهكذا فادّعاء عدم وثاقة نواب الإمام، لاحتمال الاستفادة المالية، هو من أوهن الطرق المنطقية؛ لأن الوثاقة تنفي الاحتمال المذكور، فكيف يكون الاحتمال نافياً للوثاقة؟ ثمّ إن البحث في احتمال الخيانة المالية لا يمكن أن يكون جزءً من دليل النفي؛ لأن هذا الادعاء لا يكفي فيه الاحتمال _ أوّلاً _ بل يجب أن يكون محققاً، وأنّى لهم هذا؟ ثمّ إن الأمر لا يتعلق في الحقيقة بالنواب الأربعة فقط، بل بمجموع علماء وفقهاء المذهب، الذين فيهم من هو أكثر علماً، وأعظم شأناً من النواب، وتسليم كل هذا المجموع بصحة نيابتهم لم يكن عن جهل، عند العلماء منهم، بل العالم تصرفه عين العلم، ثمّ كما يظهر من مجمل تصرف علماء الشيعة، بأنهم كانوا يمتحنون النواب بقضايا لا تقبل الشكّ، من قبيل الخوارق، والمعجزات، واختبار الأمانة، والصدق، بالإضافة إلى تيقنهم من خلال اللقاء السري لقادة الشيعة بالإمام، إخبار الإمام نفسه عن وكلاءه، وتوثيقهم، أو نفي بعضهم. أي باللقاء السري مع خاصته الذين لا شبهة فيهم، وهم من ينشر الخبر، وحين يكون اللقاء بهذا الحجم يكتسب صفة التواتر التي هي أقوى أدلّة المعرفة.
نأتي إلى معالجة التسلسل المنطقي لإثبات وقوع الغيبة، مع عدم الاستشهاد بالنصوص _ متعمدين _ لأن البحث خارج عن هذا؛ ولأن النصوص تملأ مجلدات، وهي موجودة بكتب مستقلة يمكن الركون إليها ودراستها، مع أننا سنذكر ما يتعلق بالبشارة به عليه السلام:
١ _ تسمية الإمام وتخصيص سلسلة آبائه، وهذا ثابت لمن درس النصوص عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعن الأئمّة الأطهار عليهم السلام واحداً بعد واحد، بأنه محمّد بن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن (عليّ بن أبي طالب) الذي جعل الله ذرية نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في عقبه، كرامة من الله لا تقل أعجوبة وعن أيّة كرامة للأنبياء. وهذا التعيين إذا ناقش فيه المزوّرون، ورضي بتزويرهم العقلاء من طالبي الحق والحقيقة، فإن معنى ذلك هو التسليم بكذب التاريخ، وعدم صدقه، إذ لا حقيقة تبقى ولا دين، ولا وجود لأيّ معنى للتاريخ في الحاضر.
٢ _ إثبات ولادة الإمام وثبوت وجوده، وهذا بسيط من ناحية معرفية، فإن شهادة المولّدة، وشهادة الأهل، بثبوت النسب _ خصوصاً الأب _ هي مما يعتبر شرعاً، وقانوناً، وواقعاً، في إثبات النسب والوجود، فإذا أراد الحاكم الشرعي أن يثبت نسب إنسان عادي، فماذا يفعل غير ثبوت الفراش الشرعي، وشهادة الوالدة وإقرار الأب؟ وهذه الأمور حاصلة تماماً.
فكيف إذا أضفنا إليها استحضار الإمام العسكري عليه السلام لزعماء الشيعة وأعيانهم، وإطلاعهم على إمامهم المقبل، وتكلّمهم معه عليه السلام، واستمرار ذلك طيلة حياة الإمام العسكري عليه السلام، وبعد وفاته، حيث ظهر الإمام المهدي عليه السلام ظهوراً قصيراً للعامة يوم دَفْن أبيه عليه السلام، وبعد ذلك التواصل مع الشيعة عبر أوثق وأهم نواب الإمام الحسن العسكري والإمام الهادي، وهو العبد الصالح عثمان بن سعيد العمري الأسدي رضوان الله عليه، المشهور بالفضل، والإيمان، والوثاقة، بشهادة إمامين سابقين على الإمام المهدي عليه السلام، مما يجعل قضية التشكيك فيه قضية تجزيئية، غير ناظرة للواقع الحقيقي، وهكذا الحال في محمّد بن عثمان، ابنه، وفي الحسين بن روح، وفي السَمري، رضوان الله عليهم أجمعين، فهم من أوثق الناس في الأمانة، والتدين، والصلاح، بموجب أشد المعايير المتبعة في تحديد الوثاقة.
هذه الحال، لا تدع أيّ مجال للشكّ، ولكن بعض أصحاب المذاهب والأهواء _ الذين لا تعنيهم الحقيقة العلمية، بقدر ما يعنيهم التشكيك _ شكّكوا في ولادة الإمام عليه السلام؛ لأنَّه كان نائباً عنه يستلم أموال الإمام ويسلمها إليه؟ وكأن هذه الحال تهمة، بدخول المال في القضية! وشكّكوا فيه؛ لأن الإمام العسكري عليه السلام لم يتزوج، ونسوا بأن المهدي عليه السلام ابن سرية، وليس ابن زوجة! وكأن المشككين جاءوا من جزر الواق واق، فلا يعرفون أن ابن الاَمة ابن شرعي، وأن العديد من أئمّة الشيعة هم أبناء إماء، مثل الإمام زين العابدين، والكاظم، والجواد عليهم السلام، وشكّكوا؛ لأن الإمام نفى أمام محضر الجواسيس وجود ولد له، وكأنهم ينتظرون من الإمام أن يقدّم بقية الله الأعظم عليه السلام إلى جلاوزة الشيطان؛ ليقضوا عليه!! ومن الطبيعي والمنطقي _ تماماً _ أن ينفي الإمام عليه السلام ولده، في مورد الاجتماع العام، وفي وجود الجواسيس، وقد استدلوا على عدم الولادة بعدم ذكر لعبه مع الأطفال في الشارع، وهذا استدلال عجيب صادر عن عقل قاصر، لا يدرك حجم المسألة، وقد كرره من لا يستطيع أن يثبت أيّ حقيقة تاريخية، بما فيه ولادته من أبيه عليه السلام بموجب معاييره، فهل يستطيعون إثبات لعب الأنبياء مع الصبيان، أو لعب النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أو لعب الأئمّة؟ بل هل يستطيعون إثبات روايات لعب معاوية، وعبد الملك بن مروان، وأبي حنيفة، والشافعي في الشوارع مع الصبيان؟ على أن حال الإمام المهدي عليه السلام مختلف تماماً، لما وكّل به من أمر السماء، وللشأن الذي هو عليه، ناهيك عن ضرورة إخفاءه، هذه الضرورة التاريخية التي أرادها الله _ تعالى _ قبل أن يطبقها الإمام العسكري على ولده المبارك.
كما استدلوا على عدم ولادة الإمام المهدي عليه السلام باختلاف أسماء اُمّه، فهي ذات عدة أسماء، وعليه فالإمام المهدي عليه السلام غير مولود!! وقد نسي هؤلاء السطحيون أن السبية تأخذ اسماً جديداً، عند كل نخاس، وعند كل مالك. وهي كبقية السبي لها اسمها الذي سماها به أبواها، وأسمائها التي سماها بها النخاسون، واسمها الذي سماها به الإمام العسكري عليه السلام، فما المشكلة في تعدد أسماء اَمةٍ تباع في الأسواق كبقية الإماء؟
والحقيقة، إن هذه أهم مصادر تشكيكهم في ولادته، وفي الطعن بالإمام، وبالإمامة، وبحقيقة التشيّع _ كما يقولون _ وهي أقرب إلى الفكاهة منها إلى الأدلّة، التي تستطيع أن تنفي الواقع. وبعضها لو جردناه عن كثرة الكلام، والتشويشات، لكان قضايا هزلية، يمكن أن تكون من الطُرف والملح التي يتسامر بها المتسامرون، وإلاّ ما ذا يمكن أن يسمى _ سوى هذا _ التشكيك بولادة الإمام؛ لأن اُمّه (الاَمة) لها عدة أسماء؟ وما الذي يقال لمن ينفي وجود من شهدت الأدلّة الشرعية، والعقلية، والقانونية، والواقعية بوجوده، بسبب عدم ورود روايات للعبه بين الصبيان؟ هذه كلها _ في واقع الأمر _ ليست سوى طرف، وفكاهات، تدل على المستوى العقلي، لمن يصدق أنها أدلّة علمية على نفي الحقيقة.
ثبوت الغيبة:
وهذا يفهم من الكلام السابق. فالغيبة واقعة _ أصلاً _ منذ بداية حياته، وقد تم إخفاء الإمام عليه السلام من قبل والده عليه السلام، واستمر الاختفاء، والغيبة، مع التواصل المحدود مع القيادات الشيعية، وأهل الوساطة الموثقين، وقد كان الواقع من الاختفاء، والانتظار لأمر الله الكبير لإصلاح البشرية، يتطابق ويتوافق مع ما ورد من نصوص عن المعصومين عليهم السلام في طريقة الغيبة، وأهدافها، وأسرارها، وقد وقعت للشيعة حلولٌ وتواصلٌ معجّز، مع الإمام عليه السلام في غيبته الصغرى، التي كان فيها يتواصل مع شيعته عبر نوابه، وهذه الحالة قد سلّم بها الكثير من العلماء المخالفين للمذهب الشيعي.
وأما بالنسبة للغيبة الكبرى، فإن وقوعها كان بإعلان معجز، حيث حدد الإمام عليه السلام وقت وفاة نائبه السمري، رضوان الله عليه، بعد ستة أيام، وستقع بعدها الغيبة،(١٢١) وفعلاً وقع ذلك وتمت الغيبة التي وعدنا بها الأنبياء، والنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، والأئمّة الطاهرون عليهم السلام، ولكن في سبيل أن يزول الشكّ من قلوب المؤمنين، كانت تحدث بعض اللقاءات بالإمام، من دون قصد، أو من دون أن تكون هناك وكالة أو سفارة، لتثبيت الوجود في قلوب المؤمنين، وليأتيهم الردّ على التشكيك بكونه قد مات أو هلك، كما يتصور من لا يؤمن بهذه الظاهرة الغريبة التي صنعها الله في البشرية، في عصرنا تقريباً، إذا استثنينا الإيمان بوجود الخضر، وإلياس عليهما السلام، أو الدجال. وإلاّ فإن ما حدث لهم ظواهر مشابهة لظاهرة بقاء الإمام وغيبته.
واكتفي بهذا القدر من الإشارات المهمة في وقوع الغيبة للإمام المهدي عليه السلام، من دون الخوض في النصوص _ كما قلت؛ لأن هذا الموضوع يستحق كتباً مطوّلةً، وليس كتاباً واحداً. أو مبحثاً واحداً في كتاب، يكون فيه إحدى المقدمات التوضيحية الكثيرة لموضوع أصل فكرة الإمام المهدي، وعلاقته بالله _ تعالى _ ودينه. ومن الجدير بالانتباه فإن ما سننقله من البشارة بالإمام المهدي سيستبطن قضية الغيبة والظهور، والنابه لا يفوته ذلك.

* * *
الفصل الثاني

البشارة بالإمام المهدي عليه السلام
ليس من المعيب أن نسأل فنقول: إذا كانت قضية الإمام المهدي عليه السلام، تشكّل محوراً قرآنياً، وإشكالية كبيرة، فهل ورد لهذه الإشكالية ذكر في التراث الفكري الديني، سواء أكان ذلك قبل الإسلام أم بعده؟
الحقيقة، أن قضية الإمام المهدي قضية مسلّم بها، متسالم عليها عند الجميع، حتّى عند من ينفي المهدي عليه السلام من الوجود أو التعيين، غاية ما في الأمر، أنهم يفهمون كلمة: (سيظهر) على أنها: (سيولد) وهذا من أعجب ما يلاقيه الخداع الفكري البشري.
إن عشرات، أو مئات الروايات، التي وردت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يوجد فيها رواية واحدة تقول إنه: (سيولد) في آخر الزمان؛ ليملأ الأرض عدلاً، وإنما جميعها يقول: إنه (يظهر في آخر الزمان). واللغة العربية التي طلّقها العقل السطحي ترى بكل وضوح أن الظهور إنما يكون بعد خفاء، بينما الولادة تكون بعد أن لم يكن الإنسان موجوداً، ولكن بقدرة قادر، تحوّل معنى الظهور إلى معنى الولادة المتأخرة، وحين تسأل من يرى هذا الرأي، سيقول لك بسرعة مدهشة: إن هذا هو مذهبنا، والعجيب أنه لا يقبل أن تسأله عن سرّ هذا المذهب في القضية؟ ومن أين استقاه؟
فإذا كان مذهباً نصياً، فأين النص الذي يقول إنه (سيولد)؟
وإذا كان مذهباً تحليلياً، فأيّ مذهب تحليلي يقلب الظهور بعد الخفاء إلى الولادة بعد العدم؟
إنها رغبة فكرية لمناوئة خصم فكري، ليس عليها أيّ دليل أو برهان، ولا تستند إلى أيّ منطق سليم، فما دام القائل: إن روايات المهدي _ إجمالاً _ من المتواترات، فمن أين له سيناريو الولادة الغامض؟ فهو إما أن يؤمن بصحة أحاديث المهدي، وكثرتها، وعليه أن يؤمن بالظهور بعد الخفاء، كما هو نص الأحاديث، أو يؤمن بأن هذه الأحاديث كلها ضعيفة مطروحة، فليس له أن يؤمن بالمهدي من أصل الموضوع، أو يستدل بأنه سيولد، وليس له أن يقول: إن أحاديث المهدي متواترة، ومن ضروريات الدين، كما هو إيمانهم بأنها من الضروريات. فالقضية لا تتجزأ؛ لأن النصوص التي وصفت بالصحة والتواتر، هي نصوص صريحة بأنه سيظهر وليس سيولد.
وبهذا الشكل، نحن أمام حركة هلامية للفكر، تثبت المهدي بقوة من جهة إثبات النصوص، وتنفيه بقوة من جهة تحوير النص، ليتحوّل المهدي من (مختفٍ) إلى (غير مولود). وأصل هذه الخدعة، هو تحويل مفهوم (الظهور) إلى مفهوم (الولادة).
وهنا نقطة حساسة، وهي أنهم ينتظرون ولادته بدون أيّ معيار لمعرفة هذا المنتظر، ولعلَّ هذا السبب نفسه قد مكّن الكثيرين من ادعاء المهدوية في أهل السُنّة، وقد راقبنا أن كل من يدّعي المهدوية من الشيعة _ على قلتهم _ قد فعل فعلته هذه، بدفع وتحريك من حكومات، وقوى سُنّية معروفة. تدفع بهذا الاتجاه، كجزء من صراع فكري مع الشيعة، من أجل تشويش فكرة ظهور المهدي عليه السلام، ولم يدر بخلدهم إن الشيعة لا ينخدعون بهذه الألاعيب؛ لأن عندهم معايير خاصة للظهور، ولأن المهدي عليه السلام _ عندهم _ موجود بالفعل. وحين يريد الظهور يقبل بالامتحان، والمعجز، وغير ذلك، ولا يكون ذلك إلاّ وفق معايير، ومقارنة حوادث كونية لا تخطئ. فعليه يجب أن يعرف من يدعي المهدوية أنه لا يغش إلاّ نفسه.
وفي سبيل أن ندرس النصوص حول ظهور المهدي عليه السلام، علينا أن نركّز على قضية مهمة جدّاً، وهي البشارة بالمصلح العالمي بشكل عام، وربط هذه البشارة بالنصوص التي تدل على تطبيق النبي وأهل بيته لها على ظهور مهدي آل محمّد عليه السلام، وعلى تسميته، وتحديده، بشكل لا شائبة فيه. وذلك ليكون الترابط واضحاً في مجمل الديانات التي وردت فيها نصوص، سواء كنا نعترف بها، كاليهودية، والنصرانية، أو لا نعترف بها، كالمجوسية، والهندوسية، والبوذية. وبعد ذلك نقوم بقراءة النصوص الإسلاميّة خصوصاً الشيعية منها؛ لأنها نصوص صدرت من أصحاب نفس المقولة التي ترى ضرورة وجود المهدي، وغيبته.
أصبح _ إذن _ فهرس النصوص هو:
أوّلاً: أن نفهم إشارات كثيرة في الأديان، غير دين الإسلام سواء ما كان منها معترف به إسلاميّاً، أو غير معترف، تنص على انتظار منقذ للبشرية، يأتي في آخر الزمان ليسود العدل والرخاء للعنصر البشري، ويضع ميزان العدل والتفكير السليم لدى المجتمعات الإنسانية.
لقد مرّ بنا _ آنفاً _ تحقيق تهمة الهرمسية، لكل من يقول بالغيبة، ولكل من يقول بظهور المصلح في آخر الزمان. وهرمس _ كما قدمنا _ هو النبي إدريس عليه السلام، وهو من أوائل الأنبياء أصحاب الرسالات السماوية، وهذا الموضوع أخذ حجماً كبيراً في الكتاب، ولهذا لا نعيد الحوار والمناقشة فيه، ونعتبره مقدمة لما سنذكره، وقد تقدمت لسبب آخر، فمن أراد فليراجعها. ونبدأ _ بعد ذلك _ بالديانات السماوية المعروفة، المعترف بها إسلاميّاً، ونبدأها بالدين اليهودي، وبعض ما جاء في كتبه من إشارات وتصريح. ثمّ نأتي إلى النصوص، حسب الديانات الموجودة بين البشر.
ثانياً: النصوص الإسلاميّة سُنّية وشيعية في البشارة بالظهور.
فحين يثبت هذا الحجم من النصوص في المهدي سواء فيما قبل الإسلام أو في الإسلام، فلا يبقى أيّ شكّ بأن الإشكالية قائمة من جهة ومحلولة من جهة ثانية، ولكن السواد الذي في القلوب يمنع المبطل من الوصول إلى الحقيقة.
وهنا ينعقد فرعان في الموضوع تبعاً لهذا الفهرس:
الأوّل: البشارة بالمصلح في الأديان.
والثاني: البشارة بالمصلح في الدين الإسلامي.
أوّلاً: المصلح المنقذ في الديانات:
المصلح المنقذ في الديانة اليهودية:
وهنا، لا بدَّ من مقدمة، لمن لم يطلّع على أسس النصوص اليهودية والمسيحية، وذلك لوجود تشابك واتحاد من جهة، ولوجود اختلاف في الاعتراف بكتب معينة، أو الاختلاف على ترجمة، أو تفسير لنصوص معينة بين الديانتين.
_ وبشكل عام _ فإن كل مصادر الديانة اليهودية الأساسية، وهي العهد القديم، تعتبر من مصادر التشريع، والدراسة، والعقيدة لدى الديانة المسيحية، وليس العكس، فلا يعترف اليهود بالعهد الجديد، وهذا لن يلغي حقيقة: إن العهد الجديد يمثل دراسة تاريخية وفكرية لنفس المجتمع اليهودي السائد حين ظهر السيد المسيح عليه السلام. ولا يستطيع أيّ يهودي أن ينكر أن المجتمع اليهودي كان كما ذكر في العهد الجديد، بغض النظر عن التفاصيل الجزئية، أو التفسير المختلف للأحداث. أو القناعة بصحة الدعاوى، بين الطرفين.
غير أن هناك كتباً يهودية مستقلة، لم يعترف بها النصارى، إما لأنها متأخرة عن ظهور المسيح أو لأنها كانت من إنتاج الصدوقِيين، الذين أنكروا وتشددوا على المسيح، بعكس الفريسيين الذين تحاوروا معه، ووقعت فيهم بلبلة فكرية، فآمن بعضهم به، وأنكره الآخرون منهم أشد الإنكار، كما في كتب العهد الجديد.
وهذه الكتب اليهودية المنفردة، فيها حقائق مخفية ونصوص تعتبر مشكلة حقيقية للديانة اليهودية، ولهذا فهي في طور الكمون السري، لرفع الحرج عن الفكر اليهودي، ولمحو الدليل بالكامل حتّى لا تقام عليهم الحجة بشكل واضح وبيّن، وحتّى لا يبدو الخلل واضحاً أمام أبنائهم، فضلاً عن خصومهم الفكرين، من مسيحيين، ومسلمين، ومنها: مسألة البشارة بالنبي عيسى عليه السلام، والبشارة بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، والبشارة بالمصلح الذي يظهر في آخر الزمان عليه السلام.
إن مسألة البشارة بمصلح كبير عظيم، كانت هي أساس الشرعية لدعوى السيد المسيح عليه السلام، كما يقول النصارى. وكانت أفعال المسيح عليه السلام مؤيدة لهذه البشارة بالمقدس الآتي من قبل الرب، الذي اسمه: (مسيّا) في زمن السيد المسيح عليه السلام.(١٢٢) بينما المسلمون يقولون: إن المسيح عليه السلام مؤيد من الله منذ ولادته بالمعجز الخارق، وليس بأفعاله بعد أن كبر. فكان هو بذاته بشارة، ولا يحتاج إلى الاستدلال بالبشارة، فإن من ينطقه الله في طفولته _ بهذا الشكل _ وجريان أفعال غريبة على يديه، له دلالة على الخصوصية التكوينية، والدعوى المنفردة التي تحمل دليلها بنفسها، فلهذا لا يعتقد المسلمون أن أساس التصديق بالنبي عيسى عليه السلام هو البشارات المؤيدة بالنعمة أو الكرامة، كما يقول المسيحيون، ولذلك فهم يرون أن تطبيق المسيحيين، كلمة: (مسيّا) على المسيح عليه السلام فيها الكثير من المجازفة العلمية. بحسب صيغتهم، لعرض رسالة النبي عيسى عليه السلام منذ طفولته، بعكس ما ينص عليه القرآن الكريم، والذي يظهره بأنه مخلوق غير عادي إطلاقاً. ولهذا فإن كلمة: (مسيّا) تبقى في فراغ تطبيقي، حتّى مع ظهور المسيح عليه السلام، وهذا يؤيده اليهود. ولكن ليس من هذا الاتجاه، وإنما لأنهم لا يقبلون بأيّة دعوى تخرج عن سلطانهم ومرجعيتهم، ولا يفكرون بالاندماج بالدعوة الجديدة، فيما إذا كانت تنطبق عليها حقيقة القول بتحقق وجود: (المسيّا).
فالمشكلة _ إذن _ مشكلة كيان سياسي وقيادي ينهدم بالاعتراف بظهور النبي الجديد.
ولو أردنا أن ندرس الكتب المفردة لليهود، فسيأخذ منّا ذلك الكثير من المساحة، بما هو خارج موضوعنا، ولا بأس أن نشير أن من الكتب المنفردة لليهودية كتاب: (نبؤة هيلد) وتعريبه (وحي الطفل). وهو كتاب يحكي تنبؤات أحد أطفال اليهود قبل ظهور نبوة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بحدود سبعين سنة تقريباً، وتعتبر هذه القصة ذات مغزى كبير، حيث أنهم يحتفظون بها، ولا يعملون بموجبها، مع تقديسهم لها، وكان في كلام الطفل نصوصاً واضحة بظهور النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وبانتشار رسالته، ومن ثَمَّ تحوّلها إلى رسالة عالمية بعد ظهور المهدي عليه السلام. وهذا الكتاب يحتاج إلى دراسة متفرّغة، ليس موقعها هذا البحث الذي يريد أن يشير إشارات عابرة إلى حقيقة الانتظار للمصلح العالمي، الذي ينشر الدين الواحد في جميع العالم.(١٢٣)
وفي سبيل عرض النصوص، سوف نعتمد على النصوص المشتركة، بين الديانتين اليهودية والنصرانية. لبيان حقيقة انتظار الديانتين للمصلح العالمي، مع الإشارة العابرة إلى بعض الخصوصيات. لما ذكرناه من تداخل النصوص بين الديانتين.
ومن الجدير بالذكر أن صورة هذه النصوص في الديانتين، مؤيدة ومذكورة في القرآن الكريم، فمنها: ما ذكره الله سبحانه من حقيقة انتصار الصالحين في الأرض، ونسب ذلك للزبور. وهم الورثة الحقيقيون حسب القرآن الكريم، الذي كان يقرأ على مسامع اليهود، يومياً، وهم سكوت لا يعترضون بشيء _ مطلقاً _ وذلك حين قال تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَْرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ).(١٢٤) فلم يصدر منهم نفي، حيث نسب الله _ سبحانه _ في القرآن الكريم القول إلى المزامير. فهي إما أن تكون خالية منها، وهذا مأخذ كبير على القرآن في حينه، وإما أن تكون صحيحة، وهم يؤمنون بها، وهذه حكاية عن انتظارهم للمصلح الصالح الذي يرث الأرض جميعها. ومحل الاستدلال ليس هو النصّ القرآني، وإنَّما مجابهتهم بما ورد فيه على نحو الإلزام. ولم ينفوا ذلك؛ لأنه حقيقة كانت موجودة عندهم. وسكوتهم علامة على صحة القضية؛ لأنَّهم يتربّصون الفرصة بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم للايقاع به، ولا توجد أكبر من فرصة هذا الادعاء.
أقول: كيف ينفون ذلك؟ وهو نص في الزبور، إذ يقول:(١٢٥) (الصديقون يرثون الأرض، ويسكنونها إلى الأبد).
إذن، فإن انتظار (مسيّا) الموعود لنصرة الحق وتديين العالم بأكمله هو من مسلمات الفكر اليهودي، وقد كانت المجاميع اليهودية في كل مرة تظن أن أحد الرسل هو (المسيّا) فتقع خلافات شديدة بينهم. كما وقع الخلاف في كون يوحنّا المعمدان (يحيى بن زكريا عليه السلام) هو (المسيّا) أم لا؟ وهو مبدأ انشقاق مجاميع كثيرة من اليهود، مثل المجموعة الدينية المعروفة بـ (الصابئة) في وادي الرافدين.
ووقع الخلاف على المسيح، هل هو (المسيّا) أم لا؟ وهناك خلافات أخر، تتعلق بشخصيات أخرى.
وقد كان اليهود في الجزيرة العربية ينتظرون النبي الموعود (المسيّا)، وحين ظهر النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم رفضوا أن يكون هو (المسيّا) قائلين: يجب أن يكون (المسيّا) من بني إسرائيل وقيل: إن بعضه سمّى ابنه محمّداً لتتحقق النبوءة، مع أنه لم يرد في التوراة مثل هذا الشرط! وهذا يدل على أن أصل الحكم عندهم، ثابت، ولكن الاختلاف في التطبيق، والمصاديق.
فهل (المسيّا) هو يحيى بن زكريا عليه السلام؟
أم هو المسيح عيسى بن مريم عليه السلام؟
أم هو النبي الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؟
أم هو الإمام المهدي عليه السلام؟
هذه الأسئلة شكلت _ بالتالي _ مواضيع تطبيقية محيّرة بالنسبة للديانة اليهودية. فمن اليهود من اعتبر الأمر منتهياً وآمن بيحيى صابئاً، ومنهم من آمن بعيسى بن مريم متنصراً؟ أو من آمن بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، مسلماً، بناءً على هذه التطبيقات!
لقد كانت المجاميع اليهودية في حالة انتظار دائم، ولا زالت لحد الآن. فحالة انتظار اليهود للمصلح كانت في أشدها حين ولد يحيى، وكذلك حين ولد عيسى، وكتب التاريخ تحدّثنا _ بما لا مجال فيه للشكّ _ أن اليهود كانوا ينتظرون ظهور (المسيّا _ النبي الموعود) في مكّة أو المدينة قبل ولادة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وقبل ظهور دعوته، وكانوا يرجون أن يكون (المسيّا) منهم. وقد سمّى بعضهم ابنه محمّداً، عسى أن يكون هو.
فمن هذه الجهة، لا نحتاج إلى استدلال بالنصوص على انتظارهم للمصلح، ولكن جرت عادة بعض المؤمنين أن يورد نصوصاً تفيد هذه الحقيقة، ولا أدري لماذا نحتاج إلى مثل هذه النصوص؟ ما دامت المعارك التي أثارها اليهود، على ثلاثة أنبياء، تدلُّ على نفيهم لكون ذلك النبي هو (المسيّا)، وهذا يكفي _ تماماً _ للدلالة على حقيقة تسليمهم بانتظار المصلح: (المسيّا). وإن فكرة المصلح العالمي من المسلمات التي لا شكّ فيها عندهم.
من هو (مسيّا)؟ وما قصته؟
القصة ليست معقّدة، ولكنها تحتاج إلى تبسيط وربط بسيط؛ ليفهم القارئ الكريم، كلّ النصوص الآتية بشكل مترابط. فـ (مسيّا) هو اسم آرامي، أو سرياني، لا تظهر ترجمته إلاّ من خلال العبرية، وسيأتي معناه. واليهود ينتظرون (مسيّا). كما أن النصارى _ أيضاً _ ينتظرون (البركليت) أو (الباركليت). والمسلمون _ كما تبين لنا آنفاً _ ينتظرون _ كذلك _ (المهدي عليه السلام). ونحن سنبحث _ هنا _ هذا الترابط الغريب بين هذه المسميات:
(مسيّا) كلمة آرامية، أو سريانية، معناها: (محمّد)، أو (أحمد)، وكتبت: (حمدا) باللغة العبرية كما سيأتي. و(البركليت) كلمة يونانية، معناها (أفعل) التفضيل من (حَمَدَ) أي: (أحمد) أو (محمّد) كما سيأتي الاعتراف بذلك. و(محمّد) هو (محمّد) سواء كان النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، أو حفيده الإمام المهدي عليه السلام، ولا مشكلة في تعدد المسميين، لاختلاف نوع البشارتين، أو لاتحاد الديانة والتبشير، وكأن الزمن يتوقف عند (محمّد).
إذن نحن أمام حالة تطابق في المعنى، وفي اللفظ _ في بعض الأحيان _ كما هو حال كتابة: (مسيّا) في اللغة العبرية. فـ (مسيّا) لم تكتب في العبرية (حِمدا) اعتباطاً. وإنما هي الترجمة الحرفية للكلمة الآرامية، أو السريانية. فلهذا كتبت: (حمدا). وليس اعتباطاً _ أيضا _ حين يقال: إن (البركليت) هو (أحمد) وإنما لأن (البركليت) هو (أحمد) بالذات. والتفسير المذهبي لاسم المصلح المنتظر ولظهوره في اليهودية الحاضرة هو الحيرة، والترقب في انتظار (مسيّا) وعدم معرفته، بل استحالة معرفته حتّى لو ظهر. لأنهم دمروا معنى الكلمة (الاسم) التي ينتظرون صاحبها.
والتفسير المذهبي المسيحي، الحالي، لاسم المصلح هو أن المصلح المنتظر إذا كان (مسيّا) فقد ظهر، وهو نفسه المسيح عليه السلام، رغم الغموض في التطبيق، وإذا كان (البركليت) فهو قد ظهر للتلاميذ. وهو روح القدس. وهم يفرّقون _ ظاهراً _ بين (مسيّا) و(البركليت). مع أن معناهما في اللغات _ مدار الكلمات _ واحد، وهو (محمّد) أو (أحمد).
والتفسير المذهبي الإسلامي، مختلف حول شخصية المصلح المنتظر. ولكنه مجمع على أن اسمه محمّد المهدي عليه السلام.
إلاّ أن أغلب علماء المسلمين يقولون: إن (مسيّا) و(البركليت) هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا مصدر اضطراب لدى المسلمين. لعدم التطابق مع قضية شمول دينه لكل الأرض، وستأتي معالجة ذلك.
_ فهنا _ ثلاثة أسماء، تجب دراستها؛ لرؤية نقاط اللقاء، والافتراق بينها. لتكون دالة على الشخصية المنتظرة. وهل هي شخصية واحدة، أم شخصيات متعددة؟
ولو تجرد الإنسان من الميول الشخصية، والتمذهب، فإنه سيخلص إلى نتيجة خطيرة جدّاً. وهي أن الشخصيات المنتظرة هي شخصية واحدة، ولا فرق بينها أبداً. وهذه النتيجة خطيرة على مستوى الديانات الثلاث. فـ (المسيّا) هو: (البركليت) وهو: (روح الحق) وهو: (محمّد المهدي المنتظر). وقد لا يقبل هذه النتيجة كل من المسلمين، والمسيحيين، واليهود، لما استقر في أذهانهم من الاختلاف في صورة الأشخاص.
لننظر إلى مواصفات (مسيّا) حتّى نطابق بشكل دقيق:
مسيّا: مصلح من الله ينشر العدل والسلام على كل الأرض، في آخر الزمان، وينتشر الخير في زمنه.
ولننظر إلى (البركليت) فإنه: مصلح إلهي يمثل روح الحق، والحقيقة، سيأتي آخر الزمان، لنشر العدل والحقيقة، ويخضع جميع الأمم بسلامه، وينشر الخيرات في الأرض.
والمهدي المنتظر عليه السلام: يأتي في آخر الزمان، لينشر العدل، والحق في كل الأرض، ويخضع جميع الأمم، وينشر الخير في كل الأرض.
فإخضاع العالم كله، وجمع كلمته، ونشر العدل، والخير هي صفات كل واحد من هؤلاء، في آخر الزمان. وهذه صفات شخص واحد، منتظر، من قبل جميع الديانات، إذ لا يمكن التعدد في نفس الوقت لمثل هذه الحالة؛ لأن كل دين يقول: إنه واحد، لا يتعدد في زمن واحد، هو آخر الزمان، وفي جميع الأرض، فلا مكان لغيره. وهم متفقون على هذا.
_ وهنا _ نجد أنفسنا أمام استنتاج جديد، قد لا يرغب اليهودي أو المسيحي في التفكير به. وهذا مفهوم؛ لأن معناه التحوّل القهري عن الديانة التي يتمسك بها، باستبعاد فهمه الشخصي، لشخصية المصلح المنتظر. ولكن لماذا لا يقبل المسلمون _ أيضاً _ هذه النتيجة؟
المشكلة تقع بسبب أن المسلمين (سُنّة، وشيعة) يقولون: إن (مسيّا) و(البركليت) هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ذاته، وليس المهدي عليه السلام. فهي بشارة بالدين الحنيف. وليست بشارة بالمنقذ الأخير، حامل لواء محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا يقع المسلمون (سُنّة، وشيعة) في اضطراب لا بدَّ من حلّه، لتكون النظرة منسجمة _ تماماً.
أهل السُنّة يرون بلا خلاف: أن كل مواصفات (مسيّا) و(البركليت) هي للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقبلون التفكير في التناقضات، التي تنشأ بين النصّ والواقع، فالنص ينص على أن مهمة (البركليت) عالمية وحاسمة، وهو يُخضع جميع العالم، وأنه يقطع حجة جميع الأمم، وتبقى حجته فقط. وهذا لم يحدث للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فتطبيقها عليه فيه تكلّف ظاهر، وإغفال هذه الحقيقة يعني سقوط التطبيق، وسقوط الاستدلال، فإن المسلمين حين يقولون: إن (البركليت) هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم يخسرون قوة نص إلهي، وجُد في كتب اليهود والنصارى قبل النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بمئات السنين.
ولكن لا بدَّ من حل لهذه القضية، بالنسبة لأهل السُنّة وهو لحد الآن بلا حل...
والشيعة يقولون: إنه النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وحين يصلون إلى الإمام المهدي عليه السلام يقولون: إن هذه الأسماء هي للمهدي _ أيضاً لأنَّهم يرونه ينطبق عليه، لموضوع إخضاع العالم، وعندهم نصوص على تطبيقه على المهدي. وهذا اضطراب واضح.(١٢٦) وعلينا حل كل هذه المشكلات _ الآن؛ لنفهم القضية بشكل صحيح، وبلا عوائق فكرية، أو نفسية.
وقبل كل شيء، يجب أن ننبه إلى أن المتتبع يرى فرقاً في النصوص التوراتية، وغيرها، بين النص على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وبين النص على الإمام محمّد المهدي عليه السلام، فتارة هناك نص على (أحمد) وهو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم وتارة على (أحمد) وهو محمّد المهدي، والتفريق هو في الصفات، والزمن، وقوة الانتشار، فحين تكون البشارة براكب الحمار، وراكب الجمل _ مثلاً _ فهذه محصورة بالنبي عيسى عليه السلام، والنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم _ قطعاً _ ولا علاقة للإمام المهدي عليه السلام بها، ولكن حين تكون البشارة بمن يأتي آخر الزمان ليطوّع الأرض جميعها، فهذا لا يكون إلاّ للإمام المهدي عليه السلام، الامتداد الحقيقي لرسالة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وعليه فالفكر الإسلامي يحتاج إلى إعادة بحث وتنقيب لمعالجة ظاهرة اتحاد اسمين أو شخصين في النصوص الدينية القديمة، ومحاولة التفريق بينها بدقة، ومحاولة إيجاد صدقية الإخبار القرآني بنبوة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.
وكما هناك تفريق كبير بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام محمّد عليه السلام، فهناك إتحاد _ أيضاً _ يجب أن لا نغفل عنه، وهذا الاتحاد ناشئ عن كون النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم هو صاحب الرسالة، والإمام محمّد المهدي عليه السلام هو صاحب النشر العالمي والتمكين في الأرض قاطبة، وبصورة عامة فهما يمثلان قطبي الإسلام ابتداءً، وتعميماً على الأرض، فالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بُشّر بأن يكون هو صاحب السيادة على الأرض. ولكن من الناحية الواقعية، سيكون ذلك على يد ابنه الإمام المهدي عليه السلام، فهذا الاتحاد قد يفسر _ جزئياً _ التبشير بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأن دينه سينتشر على جميع الأمم ويعم الأرض. وهو ما يثير مشكلة خلط النصّ بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام المهدي عليه السلام.(١٢٧) ولهذا، فلو ورد ما لا يمكن إلاّ أن يكون تبشيراً، بمحمّد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وإنه سيملأ الأرض عدلاً، فيكون تبشيراً بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، من جهة كونه إماماً عاماً، وهو صاحب الرسالة التي ستنتشر على يد ابنه الإمام المهدي عليه السلام، في جميع بقاع الأرض.
وهنا، يجب أن نلتفت لقضية غاية في الأهمية، وهي أن القرآن الكريم صرّح بأن النبي عيسى عليه السلام بشّر بنبي بعده اسمه (أحمد). وهذا النصّ الذي لم يكذّب في وقتها من قبل الكنيسة، رغم الاتصال المؤكد، بل والتنازع بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والكنيسة، والوصول إلى مرحلة المحاججة والمباهلة، كما هو الحال مع قساوسة نجران، ولكن لم يجرؤ أحد من الكنيسة ولا من غيرها، على نفي هذا القول إلاّ بعد خمسة قرون أو أكثر، فيجب أن يكون موجوداً في الإنجيل _ قطعاً _ ولكن في أيّ إنجيل، وفي أيّ موقع منه؟ فهذا ما نسميه تغيير التراث لمصالح سياسية.
فهذا ما خفي على الجميع، نتيجة تحرّك النصوص الإنجيلية بالترجمة. ولعلَّه موجود في النصوص نفسها، التي يستدل بها المسلمون. ولكن حركة النصوص، وتغيير ألفاظها، حَرَمَ الجميع من الكشف الواضح، أو هناك إضافات، أو حذف، أو هو في نصوص غير موجودة _ أصلاً، أو أن الإنجيل الذي يستدل به القرآن هو غير هذه الأناجيل. فقد كان الإنجيل المتداول بين نصارى العرب هو إنجيل بطرس، الذي حرمته الكنيسة، بعد مدة من ظهور النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وأخفي هذا الإنجيل كلياً من الساحة الكنسية. فعليه، يجب أن نكون حذرين، إزاء التطابق بين النصّ القرآني وبين نصوص الأناجيل والكتب المقدسة المتوفرة _ حالياً. فلا نسلّم حين النفي للنص، ولا نسلّم حين يتشبث المتشبث بما هو موجود في النص المتداول المعترف به، لمشكلة تحريك النصوص بشكل دائم.
فيجب علينا _ وفق ذلك _ أن نميّز بين ألفاظ وردت في الكتب المقدسة، وقد قيل: إنها تنطبق على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أو الإمام المهدي عليه السلام، وأن نختبرها ونختبر صفاتها، ليتميّز ذلك بدقة.
على أنني أنبه إلى أن هذا البحث، ليس مخصصاً لمناقشة هذه القضية؛ لأن هذه القضية تأخذ بحثاً طويلاً جدّاً، حيث إن الحوار حول إثبات النصوص التوراتية والإنجيلية _ في النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بشكل عام _ دخلت في نفق الصراعات، والتحريك للألفاظ والمعاني، والتعقيد الشديد في تناول النص الكنسي، لتحركه الهلامي، ولتداخل الكثير من المعاني التي يجب الرجوع إلى أصول ألفاظها بصورة دقيقة. فهناك الكثير من الألفاظ والكلمات التي دخلت في دهاليز الظلام، فلا يعرف لها قرار، مثل إصرارهم على أن روح الحق _ الكلمة المهمة في النص الإنجيلي _ هو الروح القدس نفسه. وأن الروح القدس هو جبرائيل عليه السلام، ويدّعون في نفس الوقت أن روح الحق هو الله المتجسد بالمادة (الله المتجسد = المسيح)، الذي لا يحده مكان ولا زمان، فكيف يكون هذا؟ أيكون جبرائيل هو الله؟ وهو المسيح نفسه؟(١٢٨) وكيف يكون متجسداً، والله غير مرئي عندهم، وممتنع عن التعريف؟ وهذا مثال بسيط لمطبّات فكرية خارجة عن اختصاص هذا الكتاب.
وعلينا _ الآن _ أن نقوم بإطلالة سريعة، لنلمس النصوص بحس خاص، لنرى مواقع التطبيق في هذه النصوص. بشكل غير تخصصي، وغير مستكفي للبحث؛ لأنه بحث طويل يحتاج إلى تخصص دقيق، ودراسات، تتوفر فيها القدرة على قراءة النصوص بعدة لغات (الآرامية، والكلدانية، والآشورية، والسريانية، والعبرية، واليونانية، والرومانية، والفرعونية، والقبطية القديمة، والحديثة، والعربية، والإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والروسية السلافية) حتّى يصل الباحث إلى نقطة بداية صحيحة، وإلى نتائج يوثق بها، لبعثرة البحوث بين لغات عديدة، وضياع النصوص في التنقل بين لغات بعضها بائد، لا وجود له، إلاّ عند علماء الآثار.
‏نصوص واضحة في التبشير بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:
سوف أختار _ هنا _ نصين، وأدرج معهما بعض تعليقات الشيخ محمّد جواد البلاغي، قدس الله نفسه الزكية، من كتابه الرحلة المدرسية:
النص الأوّل من التوراة الذي ينطبق على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:
البشارة بنبي ليس من بني إسرائيل لا ينطق عن الهوى:
الفصل الثامن عشر من سفر التثنية:
(نبياً من وسطك،(١٢٩) من إخوتك، مثلي، يقيم لك الله إلهك، له تسمعون ككل ما سألت من الله إلهك بحوريب‏، بيوم الاجتماع، قائلاً: لا أعود أسمع صوت الله، إلهي، والنار العظيمة هذه، لا أراها بعد، ولا أموت، قال الله لي: أحسنوا الذي تكلموا، نبياً أقيم لهم من وسط أخوتهم، مثلك، وأعطي كلامي بفمه، ويكلمهم كل الذي أوصيه، ويكون الإنسان، الذي لا يسمع كلامي، الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه، أما النبي الذي يطغى، ويتكلم باسمي، الكلام الذي لم أوصه، أن يتكلمه، والذي يتكلم باسم آلهة أخرى، يموت النبي هو. وإن قلت بقلبك: كيف أعرف الكلام، الذي لم يتكلم به الله. الذي يتكلم به النبي باسم الله، ولا يكون، ولا يجيء، هو ذلك الكلام، الذي لم يتكلم به الله. بل بطغيان تكلم به النبي، لا تخف منه).
أقول: في العهد الجديد، يخبر أنه المسيح. وقد احتج بطرس بكلام التوراة على نبوة المسيح، وإنه هو النبي المشار إليه، كما في الفصل الثالث، من أعمال الرسل، في العدد الثاني والعشرين، والثالث والعشرين. وكذا استفانوس، في خطبته الشهيرة قبل استشهاده رضوان الله عليه، كما في العدد السابع والثلاثين، من الفصل السابع، من أعمال الرسل.
المشكلة في هذه الدعوى: أن الصفات والنصوص لا تدع مجالاً للشكّ بعدم انطباقها على المسيح عليه السلام، وإنما المقصود به النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك لما يلي:
يقول النص: إن ذلك النبي من إخوة بني إسرائيل، لا من بني إسرائيل، والمسيح باعتبار ولادته من اُمّه يكون من بني إسرائيل وأولادهم لا من إخوتهم.  وقد أشكل الشيخ البلاغي على لسان القس قائلاً: وماذا تصنع بقول التوراة لبني إسرائيل: من وسطك؟ فإنه يقتضي أن يكون ذلك النبي من شعب بني إسرائيل، ومن وسطهم.(١٣٠)
فأجاب بلسان عمانوئيل: يا سيدي الموجود في الأصل: (مقربك) ولفظ: (الوسط) يعبر عنه في الأصل العبراني بلفظ (توك). ويكفينا صراحة التوراة المتكرر بكون ذلك النبي من إخوة بني إسرائيل. 
فالقضية _ إذن _ كما يقرر الشيخ البلاغي، هي _ أيضاً _ تغيير ترجمة، فأين كلمة: (مقربك) من كلمة: (توك) التي تعني: (وسطك)؟
أقول: إن قوله تعالى: (إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى)(١٣١) يتطابق مع ما ورد في التوراة: (وأعطي كلامي بفمه، ويكلمهم كل الذي أوصيه، ويكون الإنسان، الذي لا يسمع كلامي، الذي يتكلم به باسمي، أنا أطالبه). وهذا، لا يدعيه النصارى، لمن يعرف طريقتهم، ويتأمل في أقوالهم،(١٣٢) فهم يقولون: إن المسيح، هو الله نفسه. وإنه ليس مرسلاً من الله ليتكلم نيابة عنه، أو أنه يعمل بوصية الله. فهذا لا يناسب اعتقادهم الحالي.
وهو كذلك لا يناسب اعتقاد بعض المسلمين في المسيح عليه السلام، ممن لا يرتضون القول بعصمة الأنبياء التامة، وهم _ بالضرورة _ لا يرون ذلك فيه عليه السلام.(١٣٣)
إلاّ أن الأمر مختلف عند الشيعة؛ لأنهم يقولون بعصمة المسيح عليه السلام التامة، ولهذا فهو عندهم قابل لأن يكون متكلماً عن الله، لا ينطق عن الهوى، هذا من حيث الإمكان والقبول. ولكن هذه الصفة، بهذا الاعتبار الاستدلالي، تحتاج إلى نص مسيحي صحيح النسبة وواضح الدلالة، ليكون النص المشار إليه قابلاً للتطبيق على المسيح، مسيحياً. وهذا مفقود، حسب ما يظهر، والله العالم.
والسر في ذلك، أن النص وضّح أن رسالة هذا النبي شمولية في عطائها، وفي توجهها، وهذا ينطبق على رسالة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يمكن أن يكون لرسالة النبي عيسى عليه السلام المحدودة لبني إسرائيل، وبتعاليم روحية فقط، لأن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم هو نبي مرسل للعالمين كافة، وجاء بمختلف التعاليم الجامعة، من النواحي التشريعية، والعقائدية، والقلبية، والأخلاقية، والفلسفية الشاملة، وهذا يتضح من نصوص رسالته صلى الله عليه وآله وسلم المقدسة الحاملة لكل هذه الاتجاهات الشاملة. بينما نبوة النبي عيسى عليه السلام تفتقر إلى ذلك، ففي ناحية التبليغ، فهي مخصصة لبني إسرائيل ابتداء، ولكن مجمع الرسل قال: إن رسالة (يسوع) أصبحت قابلة للأمم (الأميين من الأمّة)، بإجماع المجمع الكنسي في القدس، بعد رحيل المسيح بمدة، قيل تصل إلى تسع سنوات، حسب القس بطرس سمعان، في كتابه: (إنجيل برنابا). وأما محتوى رسالته فهو غير شامل لكل نواحي الحياة. حيث يقول المسيح: إنه جاء متمماً للناموس. أي إن شريعته تتميمية. وقد فسّر الكثير من العلماء ذلك، بسبب انحراف اليهودية نحو العقل المادي، فجاء المسيح بالمتمم الروحي لسد هذا الفراغ، وهذا فيه تأمل _ عندي؛ لأننا لا نعرف حقيقة دعوة المسيح نفسها، وإنما نعرف دعوة الكنيسة التراكمية التي يجب دراسة تطور ادعاءاتها، سنة بعد سنة؛ لنعرف ما هي أصول الدعوة المسيحية؟ فقد تكون عالمية بالأساس، أو قد تكون محصورة (بخراف) بني إسرائيل، كما ورد على لسان المسيح عليه السلام، وتحولها إلى عالمية إنما هو تجرؤ وادعاء على المسيح نفسه. فالقضية _ من وجهة نظري _ غامضة جدّاً.
وعلى كل حال _ لا يصح تطبيق النص المذكور على المسيح عليه السلام والمسيحية؛ لأن المسيحية تعترف بأنها ليست ديناً تنظيمياً للحياة، وإنما هو دين هداية قلبية، وخلاص أخروي، وهذا لا يناسب الإشارة إلى كلية الشريعة عند النبي المبعوث في النص التوراتي المبحوث _ هنا.
وقد ذكر الشيخ البلاغي رحمه الله إشكالات أخرى ملخصها: إنَّ الإنجيل ينطق بأمور مخالفة لهذا النص، مثل أن الإنجيل أخبر أن المسيح أخبرهم: أنه يبقى في بطن الأرض ثلاثة أيام. بينما _ في أبعد تقدير للأناجيل _ فإنه بقي يومين فقط. وبهذا لم ينطق المسيح بما أراده الله، لأنه يستحيل أن ينطق الله بما لا صحة لوقوعه.(١٣٤)
وذكر الشيخ البلاغي _ أيضاً _ أن الإنجيل ذكر أن المسيح ادعى آلهة متعددة. وهذا لا ينطق به الله. ففي يوحنا، الفصل العاشر، يذكر أن اليهود قالوا للمسيح: (إنك‏، وأنت إنسان، تجعل نفسك إلهاً. أجابهم: أليس مكتوباً في ناموسكم، أنا قلت: إنكم آلهة. إن قال: آلهة لأولئك الذين صارت إليهم كلمة الله، ولا يمكن أن ينقض المكتوب). وهذا نص صريح، بأنهم آلهة، وهذا وصف دائم لهم. وقد أورد بأن الناظر إلى المزمور الثاني والثمانين، يعرف إن قوله: (أنا قلت: إنكم آلهة) إنما هو وارد مورد الإنكار، والتوبيخ على المتكبرين على الله، برياستهم بين الناس بصورة الرياسة الروحانية.(١٣٥)
وكذلك أورد الشيخ البلاغي إشكالاً شهيراً، في ترجمة آية في المزمور (الزبور)، حيث أن المسيح نطق بأن الرب له رب. وهذا تعدد أرباب. وهو مخالف _ قطعاً _ لدين التوحيد الذي جاء به الله، وهذا يستحيل أن يخرج من نبي. ولكنه استأنف بأن هذه ترجمة خاطئة ومحرفة للجملة الأصلية في التوراة. فالنص الذي استدل عليه الشيخ البلاغي هو:
إنجيل متّي ٢٢: ٤١:
(وفيما كان الفريسيون مجتمعين، سألهم يسوع قائلاً: ماذا تظنون في المسيح ابن من هو؟ قالوا له: ابن داود. قال لهم: فكيف يدعوه داود بالروح رباً قائلاً: قال الرب لربي: أجلس عن يميني حتّى أضع أعداءك موطئاً لقدميك، فإن كان داود يدعوه رباً، فكيف يكون ابنه. فلم يستطع أحد أن يجيبه بكلمة، ومن ذلك اليوم لم يجسر أحد أن يسأله بتة).
فهذا استدلال بتعدد الآلهة.
ثمّ يستدرك الشيخ البلاغي رحمه الله، بأن القضية كلها فيها تحريف كبير، فقد أورد نص الآية التي يقال: إن المسيح استدل بها، بحسب النص العبري للمزمور: (قال الرب لربي: أجلس عن يميني) بأنها وردت في العبرية بهذه الصيغة:
(نأم يهوه لادناي شب ليميني).
وترجمتها: (أوحى الله لسيدي: أجلس ليميني). فلم يقل: لربي، بل قال: لسيدي. والسيد يجوز أن يكون من البشر. وأين معنى السيد؟ وأين معنى الرب؟ وإذا كان هذا التحريف هيّناً، فما هو التحريف القبيح؟(١٣٦)
وهنا _ قال البلاغي في قصته الطريفة: (يا سيدي القس، فأناجيلنا تبيّن لنا: أن المسيح ليس هو النبي الصالح الموعود به في التوراة. بل مقتضاها _ وحاشا المسيح _ أنه هو ضد ذلك النبي الصالح. يا سيدي، وهل يكون صالحاً من يقول: بتعدد الآلهة والأرباب، ويحرّف الكتب المقدسة، ويحمل ما فيها على غير معناه، فيتقول عليها لكي يموه احتجاجه الإشراكي الواهي. يا سيدي التوراة تقول: إن بني إسرائيل، ارتعبوا من سماع كلام الله، وما صادفوه في ذلك من أهوال العظمة، والآيات، والنار العظيمة، وطلبوا من الله أن يكون كلامه بغير هذا النحو، فأجابهم إلى ذلك وقال: أجعل كلامي في فم ذلك النبي. يا سيدي، وبمقتضى العهد القديم، والعهد الجديد: إن المسيح ومن قبله من الأنبياء، لم يجعل الله كلامه في فمهم، كما كان يتكلم من الشجرة، والجبل، بل كان المسيح، والذين قبله من الأنبياء، يتكلمون بكلامهم المستند إلى الإلهام).‏(١٣٧)
أقول: إن دراسة النص وحده كافية في إثبات أن النبي المقصود ليس هو النبي عيسى عليه السلام أوّلاً؛ لأن النبي المقصود، ليس من بني إسرائيل، وعيسى عليه السلام من بني إسرائيل _ من جهة الاُمّ على الأقل، أو كما يقولون هم أنه من بني إسرائيل _ وهذه إشارة مهمة، وحيوية.(١٣٨) وثانياً: إن من صفة هذا النبي، أنه كان تكلم بوحي من الله، والمسيح لم يكن يتكلم بأمر الله _ بحسب النصوص المسيحية _ وإنما هو الله نفسه، وأما من كان لا ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحي يوحى، إنما هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. وثالثاً: إن رسالته شاملة وعمومية، من خلال الكلية التي عناها بقوله: (ككل ما سألت من الله إلهك).(١٣٩) وبما بعده، مما يدل على كلية ما يطلبه الإنسان من الله. وهذا هو الأهم، وهو لا ينطبق إلاّ على رسالة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ولعلَّ الأمر الثالث هو الحد الفاصل الذي لا يقبل الجدل، في تعيين كون هذا النص في النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم خاصة.
وما ذكره المرحوم البلاغي، من إشكالات، إنما تصح بناءً على نصوص الأناجيل المختلف في ترجمتها، وفي محتواها، وهذا لا ينفع التطبيق من الناحية الحقيقية كما هي، وإنما ينفع للمحاججة _ فقط، على أن إشكاله بالتحريف للنصوص ينفي نفس الإشكالات التي أوردها، ولهذا فإنني أرى أن النص واضح وصريح، ولا يمكن أن ينطبق على المسيح عليه السلام، حتّى لو تم الاستدلال به من قبل النصارى، لعدم انطباقه كلياً عليه، وإنما ينطبق كلياً على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
وعلى كل حال فإن الإشكال بروايات عن النبي عيسى عليه السلام، تنسب إليه الكفر والعصيان لا تصح؛ لما نعرف من إمكان التحريف في النص، والذي وقع في أغلب الأديان، حتّى دين الإسلام. ويمكن أن يتمسك بمثل ذلك من يريد المشاغبة، بما ورد من أكاذيب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لوجود روايات صحيحة كثيرة، عند بعض المسلمين، تثبت للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم _ حاشاه _ شتى أنواع الكفر والعصيان. وهذا لا ينفع في مقام الحقيقة؛ لأن النصوص التي يُدَّعى ثبوتها، لا تثبت، ولا يمكن أن تثبت، فهي منفية _ أصلاً وموضوعاً. ولعلَّ جل الخلاف الشيعي السُنّي حول الموروث إنما هو لهذه الجهة. أي جهة عدم ثبوت هذه الروايات الموصوفة بالصحيحة، للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأنها تنفي دينه، وتنفي وجوده، وهي معارضة أشد المعارضة بنصوص أكثر صراحة منها، ومن منبع أصفى وأصدق من منابعها المشبوهة، مما يدل على كذبها. وقد يكون هذا حال المسيحية نفسها، ولكن لأن الكنيسة الحالية انتصرت على كنائس كثيرة، مثل الآريوسية الموحدة وغيرها، فلا يمكن الجزم بأن هذا الموصوف في الكنيسة الحالية هو المسيح نفسه، فقد يكون المسيح هو الموصوف الآريوسي الذي يكفّره أصحاب الكنيسة الحالية بمختلف مذاهبهم. على أن المذاهب المسيحية الحالية، فيها الكثير من الاختلاف حول النصوص وثبوتها وقوتها التفسيرية، مما لا يصح اعتبار أيّة صورة من خارج تمذهبهم، هي الصورة العامة للمسيح عليه السلام. ولهذا فلا أميل إلى ما قام به البلاغي قدس الله نفسه الزكية، في هذا الجانب، من استخدام إساءتهم لصورة المسيح عليه السلام؛ لتكون دليلاً على عدم المطابقة في النص المذكور، فهو لا يحتاج إلى كل هذا.
وهنا _ أنوه أن أعظم إشكال، يشكل به النصارى على نص سفر التثنية هو كلمة: (من وسطك) ويتفننون في مفادها. وإنها تنهى عن الاقتراب من النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بينما تبيّن أنها _ أصلاً _ لم تكن كلمة: (من وسطك) وإنما هي كلمة: (مقربك) بلفظها العبراني، وتعني أقربائك، وهي تدل على أبناء العمومة. فتكون كل الإشكالات المسيحية لا موضوع لها _ أصلاً _ باعتبار أن الكلمة التي يتمسكون بها لا أساس لها.‏
النص الثاني من التوراة الذي ينطبق على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم:
راكب الحمار، وراكب البعير ومشكلة تحريف الترجمة والنص:
ورد في سفر اشعياء الإصحاح ٢١: ٦: (لأنه هكذا قال لي السيد: اذهب أقم الحارس؛ ليخبر بما يرى. فرأى ركاباً، أزواج فرسان، ركاب حمير، ركاب جمال، فأصغى إصغاءً شديداً).
هذا النص المضطرب _ في الحقيقة _ هو نص معوج، لنص مفيدٍ، ومهم، يدل _ بكل وضوح _ بمجيء النبيين: راكب الحمار، وراكب البعير. وهما عيسى عليه السلام، ومحمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
هنا _ أثبت نص ما ذكره العلامة البلاغي رحمه الله، فهو مفيد جدّاً:(١٤٠)
(عمانوئيل: يا سيدي إن تراجمنا المقدسة ومترجمينا المقدسين، قد وجدنا الأغراض تدفعهم، إلى التحريف الواضح الفاضح. فمن ذلك _ يا سيدي، ما ذكرناه من قولهم: (قال الرب لربي) ومن ذلك تحريفهم للعدد السابع من الفصل الحادي والعشرين من كتاب أشعيا: (في الوحي من جهة برية البحر) فعمدوا إلى قوله: (زوج فرسان: راكب حمار، وراكب جمل) فحرّفوه إلى قولهم: (أزواج فرسان، ركاب حمير، وركاب جمال) مع أن الأصل العبراني، يقول هكذا: (ورأه ركب صمد ركب حمور وركب جمل) فإن لفظ ركاب بالعبرانية: (‏ركبيم) ومع الإضافة: (ركبي). أنظر _ أقلها _ سفر القضاء، في الأصل العبراني: ٥: ١٠ و‏‏١٠: ٤ و١٢: ١٤. ولفظ جمال: (جمليم). أنظر _ أقلها _ سفر التكوين: ١٢: ١٦ و٢٤: ٣٠ و‏‏٣١ و٣٥. ولفظ الحمير: (حموريم) أنظر _ أقلها _ تك: ٢٤: ٣٥، وعد: ٣١: ٢٨ و٣٠ و٤ و‏‏٣٩. ولفظ حمار: (حمور). أنظر _ أقلها _ خر: ٢٢: ٨ و٩. ولفظ الجمل: (جمل). أنظر _ أقلها _ لا: ١١: ٤: وتث: ١٤: ٧).(١٤١)
هنا يتّضح أن التحريف الكبير الذي وقع للجملة فجعلها مضطربة، قد تم _ كما هو واضح _ بقلب المفرد إلى جمع، وهو أحد أهم أسباب الاضطراب. فإذا أعيدت الجملة إلى أصلها بصيغة المفرد يتضح أن الرب _ تبارك وتعالى _ أوصى بالإخبار بالنبوءة بمجيء راكب الحمار (عيسى عليه السلام) وراكب الجمل (محمّد صلى الله عليه وآله وسلم). وهذا نص خاص في النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن القلب كان متعمداً وموظّفاً؛ لإبعاد الاستدلال للمسيحيين والمسلمين بصحة النبوّتين، على أن هذه الجملة شملتها دراسات كثيرة لا مجال لاستعراضها _ هنا؛ لأن الصياغة والقصة التنبوئية لم تكن كما هو مطروح بالنص العربي، بواسطة ترجمة عجيبة غريبة.
فكما أشار البلاغي رحمه الله أن النص يتعلق بالنبوءة الآتية من البرية، من جهة البحر. ولعلَّ هذا النص كان منشؤه في مصر، والله العالم. وهذا يُترك للدراسات الخاصة. وهنا _ نكرر التنويه إلى أن البحث لا يشمل هذا الموضوع، وإنما أوردناه للإشارة فقط، لا للاستيفاء.
نصوص تبشّر بالإمام المهدي عليه السلام:
نصوص متعدّدة ينبغي تفسيرها بأنَّها تبشّر بالإمام المهدي عليه السلام سواء كانت واضحة جدّاً أو فيها خفاء:
في سفر حجي النبي: (وَاُزَلزلُ كُلَّ الأمَم. وَيَأْتِي مُشْتَهَى كُلِّ الأمَم فَأمْلأ هَذَا البَيْتَ مَجْداً قَالَ رَبُّ الجُنُودِ). (حجي: ٢/ ٧).
الكلمة الأصلية لـ (مشتهى) هي: (مسيّا) وقد ترجمت إلى: (مشتهى) من الترجمة العبرية، بينما كلمة: (مشتهى) و(مسيّا) تلفظ بالعبرية: (حِمدَا hemdah‏)‏ و(مشتهى) هي ترجمة غير دقيقة للكلمة، لا تخلو من القصد، باعتبار أن هذا النص صريح بلفظ: (محمّد) أو (أحمد) من الجذر (حمد). والقرآن الكريم استشهد بمثل هذا الاسم بما ورد على لسان عيسى عليه السلام، فهنا حالة تفادي للدليل الواضح الصريح بتغيير اللفظ، وذلك للتطابق بين هذا اللفظ، وبين لفظ: (محمّد) أو (أحمد) وبين التنصيص على وجود البشارة، التي أخفوها في النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالذات.
وبمثل هذا التحريف في الترجمة، أو التحوّل من اللفظ إلى الترجمة، يتم العبور على خطورة إبقاء مثل هذا النص على الديانتين المسيحية واليهودية. وهذا حسب فهم كل من المسيحيين واليهود والمسلمين إذ يعتقدون أنها بشارة بالنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الذي يبدو أن البشارة هي بـ (محمّد المهدي عليه السلام) باعتبار لوازم النص. وعلينا أن نقرأ ما قيل، ثمّ نتأمل في كلامهم:
‏يقول الدكتور نصر الله أبو طالب في كتابه: (تباشير الإنجيل، والتوراة بالإسلام، ورسوله محمّد):(١٤٢)
(نقل م. ا. يوسف، في كتابه بالإنجليزية: (مخطوطات البحر الميت) ص:١١٠، عن السير (گودفرى هيگين Higgind godfrey Sir) في كتابه: (‏anacalypsis‏): بأن اسم (المسيّا) الذي سيأتي بعد عيسى، قد ظهر في فصل: ٢/ آية ٧: (ويأتي مشتهى كل الأمم).
الحروف العبرية _ هنا _ (حمد hmd‏) من النص العبري (لكلمة مشتهى بهذا التطابق. ومشتهى ما هي إلاّ ترجمة عربية غريبة للنص العبري _ إضافة توضيحية) علق عليها (گودفرى هيگين) بقوله:

(From this root, the prerended prophet moammed or mohamet had his name sir hggin says, here mohammed is expressly foretold by haggi, and by name, there is no in terpola tion here. there is no evading this clear text and its meaning).‏

وهو ما يمكن ترجمته إلى ما يلي: (من هذا الجذر _ يعنى كلمة: (حمد) _ فإن هاهنا إخباراً واضحاً عن (محمّد) بواسطة (حجى النبي) بالاسم، وبدون أيّ إدخالات على النص، ولا مهرب من هذا النص الواضح، ومعناه، وما يعنيه).(١٤٣) انتهى.
إذن، ما قاله (السير گودفرى هيگين) _ من أن كلمة: (مشتهى) تنطق بالعبرية: (حماداً)، وهذا لا مهرب منه كما صرح وهو يعني ما يقول _ يشير دون لبس إلى وجود تحريف متعمد. ولعلَّ في لفظ: (حِمدا) مشترك لفظي، بين: (مشتهى) وبين (محمود) _ كما هي العلاقة الواضحة في المعنى _ فاختاروا ما يبعد عن فهم المسلمين، بشكل متعمد، كما حدث في: (البركليت) ولهذا، فقد اعتبر (السير گودفرى هيگين) أن ذلك ذكراً صريحاً لاسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا الكلام، يحتاج إلى براهين، تدل على حصر كلمة: (حِمدا) بمعنى: (مشتهى) باللغة العبرية؛ ليصح استدلالهم على صحة ترجمتهم، إذ المعروف أن الجذر: (حَمَدَ) متطابق بين العبرية والعربية، حتّى أن يهود العراق كانوا يقولون: (الخمد لله) بقلب (الحاء) (خاءً) كما هو معروف في التباين البسيط في بعض ألفاظ اللغتين، بقلب الحروف وهو يعني أنهم يستعملون الحمد بنفس المعنى العربي. وهذا بحث يطول. فالاستعمال لجذر: (حمد) واحد في اللغتين كما يبدو، وقد يلاحظ الدارس، أن المحمود هو: الذي يحمده الناس، أي الذي يهوى الناس صفته، ويشتهونها. فلعلَّهم ترجموها بلازم (الحمد) والتطابق بين الحمد والاشتهاء تطابق مصداق، كما ترجموا، ويمكن أن نعتمد على تقارب اللغتين العربية والعبرية واتحاد أصولهما اللغوية. فاللغة العربية _ أيضاً _ يمكنها أن تقول: إن محمود الناس هو مشتهاهم، ولا غبار على ذلك؛ لأن الحمد والاشتهاء متعلقات صفات نفسية، تنطلق من الرغبة في الصفة وحسنها في النفس. فكل حسن عقلاً بتطابق رأي العقلاء، فهو محمود ممدوح، وهو مشتهى مرغوب _ أيضاً. والسرّ في ذلك واضح، وهو كونها من متعلقات صفات النفس وإقبالها على الشيء.
وما يعنيه (السير گودفرى هيگين) بقوله: (إخباراً واضحاً عن محمّد بواسطة حجي النبي، بالاسم). هو: أن المعنى يكون كذلك في حال استظهاره وقراءته من دون تدخلات ترجمية، أو تحريف صوتي، فإن الكلمة مكتوبة بالعبرية بالأصل: (حمدا) بدلاً عن: (مشتهى) فتكون الترجمة مع تثبيت (حمدا) هكذا: (وَيَأْتِي (حِمدا _ (المحمود، أو محمّد، أو أحمد)) كُلِّ الأمَم، فَأمْلأ هَذَا الْبَيْتَ مَجْداً، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ). فهنا، يتفق الباحثون الغربيون، مع الإسلاميين، في أن المقصود هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم باعتبار كلمة (حمدا). وقد أغفلوا كلمة: (كل الأمم) التي تحتاج إلى تأمل، فهي لا تناسب الدعوات الخاصة ببني إسرائيل.
أقول: لو تدبرنا الجملة جيداً لوجدناها تتقارب مع النص التالي، الذي جمعناه من عدة نصوص، وفيه: (فيأتي محمّد المهدي، فيملأ الأرض عدلاً وخيراً، بعد أن ملأت ظلماً وجوراً، ويملأ بيت إبراهيم عليه السلام بمجد الله، وتحقيق وعده).
ولا مناص من أن يتم فهم النص بهذه الكيفية؛ لأنه محمود كل الأمم، كما تنص عليه الجملة، وليس محمود أمّة معينة ليمكن تطبيق الفرض على أهل ديانته _ مثلاً. فلا يمكن أن يكون محمود كل الأمم إلاّ أن يُخضع جميع الأمم، وتقبله جميع الأمم، وهو لا ينطبق _ بحسب نصوص المسلمين _ إلاّ على الإمام المهدي عليه السلام. فمن وجهة نظر إسلاميّة، ليس أمام المسلم في تطبيق هذا النص إلاّ أن يفسره بالإمام (محمّد المهدي عليه السلام). ولكن من وجهة نظر غير المسلمين، ومن لا يعرف خصائص الإسلام، يمكن أن يختلط عندهم الأمر بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام محمّد عليه السلام، باعتبارهم يركزون على تطبيق لفظة: (ح م د) على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم باعتباره صاحب الديانة المعروفة التي جاءت باسم الإسلام. ولاعتبار التحدي بوجود لفظ: (أحمد) في بشارة الدين السابق، كما هو في نص القرآن الكريم.(١٤٤)
المشكلة، أن من طبّق النص على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم انطلق من فهم (مشتهى) العربية، أي الذي يشتهيه كل الناس، وحسبوا أن صفات النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم مشتهاة من جميع الناس، وهذا صحيح في ذاته، ولكن يجب أن يكون الانطلاق من الحمد _ أوّلاً _ ويجب أن يفهم أن النص فيه طبيعة انتظار، سواء كان (مشتهى) أو (محمود) _ ثانياً.
إن نص جملة: (وَيَأْتِي (حِمدا _ (المحمود، أو محمّد، أو أحمّد)) كُلِّ الأمَم، فَأمْلأ هَذَا الْبَيْتَ مَجْداً، قَالَ رَبُّ الْجُنُودِ). تفيد انتظار الأمم، لمثل هذه الشخصية والتطلع إليها، سواء بلفظ: (حمد) أم لفظ: (الاشتهاء) الترجمة غير الدقيقة لـ (حمد). وهذا الانتظار العالمي، الذي يتحقق للجميع، ويفرض نفسه على الجميع، هو ظهور المهدي عليه السلام، ولكن لو كان الانتظار لما هو حق بقطع النظر عن السيطرة الفعلية على الأمم، فإنه ينطبق على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، حيث كانوا ينتظرون ظهور النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه _ أيضاً، سواء كانت الصورة مشوشة عندهم، خالطين بين الشخصيتين، أم إنَّها واضحة.
إن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، هو النبي الذي يُرسَل برسالة الله الخاتمة، ودينه هو الخاتم. وهو الدين الذي سيظهر في آخر المطاف، على يد الإمام محمّد المهدي عليه السلام. وهذا الفهم غير بعيد عن أهل الكتاب _ قبل ظهور النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم _ في انتظاره، وترقب إرسال الله له. وهو أحد موارد الاتحاد الحقيقي بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم والإمام محمّد عليه السلام، كما أشرنا سابقاً، مراراً لئلا يقع الخلط.
وقد ورد في المزمور: ٧٢ من مزامير داود عليه السلام ما هو بشارة بملك في آخر الزمان يمسح كل مظالم التاريخ، رغم ورود كلمات غير مفهومة، وستكون متناقضة، حين تثبت مثل الإشارة إلى ابن الملك.(١٤٥) وقد وضعت نصين من نسختين مختلفتين من كتاب مزامير داود، حتّى نأخذ بالقدر المتيقن من النص، ونفهم طبيعة الاختلافات في القراءة، وفي ترجمة الكتب المقدسة التي تشكل معضلة حقيقية في التعاطي مع نصوص الكتاب المقدس، كما في الجدول التالي، للمقابلة بين النصين:
١ _ اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك.            |         ١ _ اللهم أعط شريعتك للملك وعدلك لابن الملك...
٢ _ يدين شعبك بالعدل ومساكينك بالحق.                      |       ٢ _ ليحكم بين شعبك بالعدل ولعبادك المساكين بالحق...
٣ _ تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبر.                   |       ٣ _ فلتحمل الجبال والآكام السلام للشعب في ظل العدل...
٤ _ يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين ويسحق الظالم.   |     ٤ _ ليحكم المساكين الشعب بالحق ويخلص البائسين ويسحق الظالم!...
٥ _ يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور.      |     ٥ _ يخشونك ما دامت الشمس وما أنار القمر على مرّ الأجيال والعصور!
٦ _ ينزل مثل المطر على الجزاز ومثل الغيوث الذارفة على الأرض.     |      ٦ _ سيكون كالمطر يهطل على العشب وكالغيث الوارف الذي يروي الأرض العطشى!...
٧ _ يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر.        |             ٧ _ يشرق في أيامه الأبرار ويعم السلام إلى يوم يختفي القمر من الوجود.
٨ _ ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض.       |        ٨ _ ويملك من البحر إلى البصر (كذا وعله البحر) ومن النهر إلى أقاصي الأرض...
٩ _ أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب.        |       ٩ _ أمامه يجثوا أهل الصحراء ويلحس أعداؤه التراب...
١٠ _ ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبا يقدمون هدية.       |        ١٠ _ ملوك ترسيس والجزائر يدفعون الجزية، وملوك سبأ وشبا يقدمون الهدايا...
١١ _ ويسجد له كل الملوك، كل الأمم تتعبد له.      |       ١١ _ يسجد له كل الملوك، وتخدمه كل الأمم...
١٢ _ لأنه ينجي الفقير المستغيث والمسكين إذ لا معين له.            |     ١٢ _ لأنه ينجّي الفقير المستغيث به والمسكين الذي لا معين له...
١٣ _ يشفق على المسكين والبائس ويخلص أنفس الفقراء.        |      ١٣ _ يشفق على الضعفاء والبائسين ويخلص أنفس الفقراء...
١٤ _ من الظلم والخطف يفدي أنفسهم ويكرم دمهم في عينيه.        |     ١٤ _ ويحررهم من الظلم والجور وتكرم دماؤهم في عينيه...
١٥ _ ويعيش ويعطيه من ذهب شبا ويصلي لأجله دائماً اليوم كله يباركه.          |      ١٥ _ فليعش طويلاً وليعط له ذهب سبأ، وليصل عليه دائماً وليبارك كل يوم...
١٦ _ تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال تتمايل مثل لبنان ثمرتها ويزهرون من المدينة مثل عشب الأرض.      |        ١٦ _ فليكثر القمح والبر في البلاد حتّى أعالي البلاد! ولتتمايل سنابل القمح كأشجار جبل لبنان! وليشرق الرجال في المدينة كحشائش الحقول!...
١٧ _ يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به كل أمم الأرض يطوبونه.        |       ١٧ _ ويبقى اسمه أبد الدهر، وينتشر ذكره واسمه أبداً ما بقيت الشمس مضيئة!
١٨ _ مبارك الرب الله إله إسرائيل الصانع العجائب وحده. ١٩ _ ومبارك اسم مجده إلى الدهر ولتمتلئ الأرض كلها من مجده.(١٤٦)         |        ١٨ و١٩ _ وليتبارك به الجميع، وجميع الأمم تنادي باسمه سعيدة...

* * *

النص _ إذن _ يدل على انتظار مصلح قوي، قادر على تسيير قوى الخير للبشر، وأهم ما فيه، هو الأبدية والشمول لكل الأرض: (لتمتليء الأرض كلها، جميع الأمم) والنهاية الحاسمة، وإغداق الخيرات العامة على عموم الناس، وهذه خصوصيات لا تنطبق على داود، ولا على ابنه سليمان عليهما السلام، كما يرغبون في الإيحاء به هذه الأيام، باعتبار ذكر: (الملك). والنص لا ينطبق على يحيى، ولا على عيسى عليهما السلام، ولا على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، فالنص واضح بإشارته إلى ملك يُخضع الأرض جميعها وتطيعه الطبيعة بنِعم فائضة. وهذا لم يحدث لحد الآن، ولأن عملية الإصلاح المقصودة تكون بها إنهاء كل الجدل الديني والسعي لتطبيق دين الله في الأرض. وهذا _ أيضاً _ لم يحدث بهذه الصورة. أي توحيد القلوب، مع توحيد الله، وتوحيد القوة، وتوحيد الإرادة.
وقد قلنا: إن المجتمع اليهودي الذي عاصر المسيح عليه السلام، يمثل المجتمع اليهودي المتمسك بالمباديء اليهودية _ بشكل واضح، فالنصوص المسيحية _ التي صدرت ممن واجه المسيح عليه السلام بحسب العهد الجديد _ تمثل رأي الشارع اليهودي في وقته. ولهذا فإن النصوص التي تفيد انتظار اليهود لـ (مسيّا) المصلح، في وقت المسيح، تمثل اعتقاد الشعب اليهودي الذي آمن بالمسيح أنه (مسيّا) نفسه، وهذا الترقب اليهودي يعتبر دليلاً يهودياً _ نصرانياً، مشتركاً، على وجود النصوص المشتركة للبشارة بالمنقذ (المسيّا) وليس دليلاً نصرانياً صرفاً. وقد ورد في أماكن متعددة، منها ما في يوحنا، الإصحاح الأوّل:
(٤٠ _ كان اندراوس أخو سمعان بطرس واحداً من الاثنين اللذين سمعا يوحنا، وتبعاه. ٤١ _ هذا وجد أوّلاً أخاه سمعان، فقال له: قد وجدنا مسيّا، الذي تفسيره المسيح).
وقد ورد أن المسيح قال: أنا هو (مسيّا). بناءً على تفسير: (المسيّا) بالمسيح! كما ورد على لسان السائلة نفسها، لنقرأ في إنجيل يوحنا الإصحاح الرابع:
(٤/ ٢٥: قالت له المرأة: أنا أعلم أن (مسيّا) الذي يقال له المسيح، يأتي. فمتى جاء ذاك يخبرنا بكل شيء. ٤/ ٢٦: قال لها يسوع: أنا الذي أكلمك هو. ٤/ ٢٧: وعند ذلك، جاء تلاميذه، وكانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة، ولكن لم يقل أحد: ماذا تطلب، أو لماذا تتكلم معها. ٤/ ٢٨: فتركت المرأة جرّتها، ومضت إلى المدينة، وقالت للناس ٤/ ٢٩: هلموا، أنظروا إنساناً قال لي: كل ما فعلت. ألعلَّ هذا هو المسيح؟). انتهى النص.
والنص، يقول بصراحة: إن المسيح، قال للمرأة: إنني أنا هو (المسيح)، وهي قد فسرته باللفظ بأنه (مسيّا) وهذا يعني أنه قال: إنه (مسيّا) في رأيها إما اجتهاداً منها أو للتطابق في نظرها بين (المسيح) و(مسيّا) كما يظهر من النص، ولكن يلاحظ في آخر النص أنها لم تكن متأكدة من كونه المسيح (ألعلَّ هذا هو المسيح؟) لأنه أخبرها بالمغيبات.(١٤٧)
هذا النص يدل بوضوح على انتظار (مسيّا) بغض النظر عن التشابك والاختلاف في النقل، أو في فهم النص. ولكن بهذا الشكل من النص يصبح تطبيقه على المسيح غير واضح، حسب النص، لسببين:
الأوّل: إن شهادة عيسى على أنه المسيح (مسيّا) هو من باب توقف الشيء على نفسه، فيحتاج إلى دعم خارجي، وهذا لا يتحقق بالمقولة المسيحية، وإنما يتحقق بالمقولة الإسلاميّة التي تقول: إن المسيح نفسه دليل على رسالته، باعتبار كونه معجزة في ولادته وليس بالبشارة به، المصدقة بالمعجزة المتأخرة، أو بفعل الأعاجيب. نعم، لا مانع من البشارة به في النصوص القديمة، ولكن يجب أن تكون هذه البشارة صريحة، لم تنلها يد التحريف، ولا تدخّل، ولا تأثير لأحد من البشر فيها. فالمسيح نصرانياً لا دليل عليه في البداية إلاّ بدعواه هو فقط، ولم تكن المعجزات دليلاً عليه وإنما أتت ككرامات له حسب الفهم النصراني. وهذا خلل منطقي. بينما المسلمون يرون خصوصية للسيد المسيح في هذه الناحية، وهي أن البرهان أقيم عليه قبل الدعوى بخلاف الكثير من الأنبياء الذين احتاجوا إلى المعجز للبرهان على صحة الادعاء.
والثاني: عدم صراحة القول، بأنه: (مسيّا) نفسه؛ فلعلَّه قال: أنا المسيح وليس ليقرها على فهمها أن مسيّا هو المسيح. للتعارض الحاصل بين كون (مسيّا) هو (البركليت) نفسه وأنه يقيم الدينونة على كل الأرض، كما قدمنا في النصوص، وبين كونه عليه السلام يبشر بمجيء (البركليت) بعده، فهذا يعقّد الصورة في هذا النص الغامض _ تماماً. ولكنه لا ينفي _ أبداً _ كونهم ينتظرون (مسيّا) وإن (مسيّا) مقدس عند الشعب اليهودي الذي قابل وحاور المسيح. كما هو مقدس عند المسيح نفسه.
ومن استدلال المسيحيين على صحة إيمانهم بالمسيح باعتباره (مسيّا) المنتظر نفسه _ حسب اشعياء _. يتبين أن العملية _ في حقيقتها _ عملية قراءة نص غامض يبشر بمجيء (مسيّا) لإنقاذ الناس من العذاب. وفي أحد نصوص اشعياء عن (‏مسيّا) يقول: إنه يتحمّل كل أنواع العذاب من أجل إنقاذ الأرض والبشر. وبما أن الفكر المسيحي الكنسي يقول: إن الصلب، هو كذلك، ألم وفداء من أجل الإنقاذ، فالبشارة هذه _ إذن _ صادقة بالمسيح _ تماماً. كما يفهمون.
والمشكلة في هذا الاستدلال، هي:
أوّلاً: لا يصح حصر مسألة العذاب والتعذيب بالمسيح عليه السلام، فقد تعذّب الكثير من الأنبياء والأولياء بعد أشعياء النبي، وبشتى أنواع العذاب النفسي والجسدي، ولو أردنا تعداد الآلام الجسدية والنفسية، والروحية للأنبياء لامتلأت بها الكتب، وكل عذاب لحق بنبي إنما هو كفارة عن أمّته وشفاعة لمحبيه وأتباعه، فلا انحصار _ أيضاً _ في هذه القضية. ولهذا يعتبر هذا الدليل مما لا ينضبط في فردٍ محدد، إلاّ بالنص عليه؛ لأنه صفة قابلة للتطبيق على كثيرين، وتحتاج إلى نص واضح. ونص اشعياء هو صفة وليس تعييناً.
وثانياً: هناك مشكلة في تشكيل صورة (مسيّا) فإن صورته المرسومة، هي لشخص له قدرة بسط كل الحق، على كل الأرض، لآخر الزمن. ويجب أن يقع فعلاً، وليس خيالاً. وهذا لم يقع _ قطعاً _ لكل الأنبياء، بما فيهم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. ومن هنا لا نستطيع تطبيقه على نبيٍ، أو ولي، مر على الكرة الأرضية حتّى الآن. فالوعد باق، وهو لا ينطبق إلاّ على صفة المهدي المنتظر عليه السلام الذي يملؤها عدلاً بعد ما ملئت جوراً، بوضوح النصوص الإسلاميّة. وهذا وعد يتطابق مع جميع الديانات.
وأخيراً، هناك ملاحظة على مجمل النظرية التي يريد أن يستدل بها القس عبد المسيح أبو الخير في كتابه: (هل صلب المسيح حقيقة أم شُبّه لهم؟). هذه الملاحظة هي: أن الدليل من أشعياء، لم يتبيّن صدقه في حياة المسيح كلها، إلاّ بعد وقوع الصلب المزعوم. (لأنه صفة عامة، لم تكن تصلح للتطبيق إلاّ بعد الآلام، كما يشرح القس عبد المسيح). وهذا تأخر في الدليل عن وقت الحاجة. وهو قبيح إذا استتبع العقاب على المخالف؛ لأن الحاجة هي قطع الشكّ باليقين في كون المسيح هو (مسيّا) الموعود قبل صلبه؛ ليؤمن به من تعرض لهم بالدعوة. ليكون تام الحجة بالشكل الذي يطرحونه، فلماذا تأخر إلى ما بعد صلبه؟ ليمكن تطبيق النص عليه بعد أن كفروا به. هذا من ناحية عقلية منطقية فيه مشكلة، لسنا بصدد بحثها.
هو _ إذن _ يريد أن يخبرنا: أن اليهود كانوا ولا زالوا ينتظرون (المسيّا) حتّى بعد ولادة المسيح _ أيضاً. والكنيسة ترى أنه ينطبق على المسيح _ فقط. وما نريده _ نحن _ هو إثبات انتظار اليهود للمصلح العالمي، وهذه مقتطفات مما كتبه القس عبد المسيح بسيط أبو الخير:(١٤٨)
(كما أجمع علماء اليهود، عبر تاريخهم السابق للمسيح، واللاحق له، أن هذا الإصحاح نبوّة عن (المسيّا) المنتظر، وقد لخّص القمص روفائيل البرموسي، في كتابه: (أمّا إسرائيل فلا يعرف: ١١٩ _ ١٢٨) خلاصة رأي علماء اليهود، كالآتي: (‏كل الرابيّين _ ما عدا راشي، الذي رأى أن العبد المتألّم هو شعب إسرائيل _ يرون أن هذه المقاطع من سفر أشعياء تصف آلام (المسيّا) كشخص فرديّ). ويُضيف أنَّه جاء في ترجوم يوناثان، الذي يعود للقرن الأوّل: (هوذا عبدي المسيّا يعقل) كما أن الرابي دون أتسحاق (حوالي ١٥٠٠م) يقر ويقول بدون تحفظ: (إن غالبية الرابيّين، في ميدراشيهم، يقرّون أن النبوّة تشير إلى المسيّا). وقال الرابي سيمون ابن يوخّيا، من القرن الثاني الميلادي: (في جنّة عدن يوجد مكان يسمى: (مكان أبناء الأوجاع والآلام). في هذا المكان سيدخل المسيّا، ويجمع كل الآلام والأوجاع والتأديبات التي لشعب إسرائيل، وكلها ستوضع عليه، وبالتالي يأخذها لنفسه، عوضاً عن شعب إسرائيل، لا يستطيع أحد أن يخلّص إسرائيل من تأديباته؛ لعصيانهم الناموس، إلاّ هو، المسيّا، وهذا هو الذي كتب عنه: (لكن أحزاننا، حملها، وأوجاعنا تحملها). وينقل عن تلمود بابل: (إن المتألم هو (المسيّا) ما هو اسمه؟ إنَّه عبد يهوه المتألّم). كما قيل عنه: (‏لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها). أمّا مدراش كوهين، حينما يشرح : (أشعياء: ٥٣/ ٥) يضع الكلمات التالية، على فمّ إيليّا النبي، حيث يقول إيليّا لـ (المسيّا): (‏أنت أبرّ من أن تتألّم وتُجرح. كيف كلّي القدرة يُعاقب هكذا، من أجل خطايا إسرائيل، ويُكتب عنك: (مجروح لأجل معاصينا. مسحوق لأجل آثامنا). إلى أن يحين الوقت حيث تأتي نهاية الأمم). ويقول رابي يافيث ابن عالي: (بالنسبة لرأيي فأنا أنحاز إلي رابي بنيامين النهاوندي في تفسيره لهذا الإصحاح، كونه يشير إلى (المسيّا). فالنبي إشعياء يريد أن يُفهمنا شيئَين: في المرحلة الأولى: إن (المسيّا) هو ‏‏الوحيد الذي سيصل إلي أعلى درجة من الكرامة، والمجد، لكن بعد محن طويلة ومريرة، ثانياً: هذه المحن، ستُوضع عليه كعلامة، لدرجة لو وجد نفسه تحت نير هذه المحن، وظل مطيعاً وتقياً في تصرفاته، وأفعاله، يُعرف أنَّه هو المختار، والتعبير: (عبدي) يعود إلى (المسيّا)). وفي كتاب: (Rabbah Bereshith). يقول مؤلّفه رابي موشى هادرشان: (إن القدّوس، أعطى فرصة لـ (المسيّا) أن يُخلّص النفوس‏، ولكن بضربات‏، وتأديبات عديدة، يقول: على الفور قَبِلَ (المسيّا) تأديبات وضربات المحبّة، كما هو مكتوب: (ظُلم، أما هو فتذلل ولم يفتح فاه)(١٤٩) عندما أخطأ شعب إسرائيل طلب (المسيّا) لهم الرحمة والمغفرة، كما هو مكتوب: (‏‏وبحبره شفينا). وقوله: (وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين).
وهكذا، يؤكّد لنا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، من خلال نبوّات أنبياء العهد القديم، وتطبيق المسيح لها على نفسه، وتأكيد تلاميذه ورسله بعد ذلك،(١٥٠) على أن اليهود عندما صلبوا المسيح فقد تمّموا كل ما سبق، وتنبّأ به عنه جميع الأنبياء، أنَّه لا بدَّ: (أن ابْنَ الإِنْسَانِ يَتَألَّمُ كَثِيراً وَيُرْفَضُ مِنَ الشُّيُوخ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلُ وَفِي الْيَوْم الثَّالِثِ يَقُومُ) (لو: ٩/ ٢٢)).(١٥١)
فهذا النص، الذي عرضه القس عبد المسيح أبو الخير يوفر مساحة للتأمل والفهم العميق لمدى مشكلة انتظار المصلح، المجهول الهوية، والمختلف في هويته بدون الرجوع إلى نصوص صريحة من الباري عز وجل، بخلاف النظرية الإمامية التي تؤكد وجود النص بالاسم والصفة.
ملاحظة: بحسب معرفتي بالعقل السطحي الهلامي الذي يسيطر على تفكير المحاوريين المتمذهبين، فإنني أتوقع أن يقول قائل منهم: أتعتبر هذه نصوصاً على المهدي عليه السلام؟ فأقول: إنني اعتبرتها نصوصاً على المصلح، بكل وضوح، وأوجدت أرضية للتفكير في مؤدى النصوص وجذور الكلمات، بما يؤدّي إلى صورة واضحة، نتيجة تقاطع البيانات بالضرورة. وكلٌ يأخذ بحسب موقفه مع الله جل جلاله. ولكن ليخبرني السائل: أيسمي هذه النصوص نصاً على عيسى أو يحيى أو أيّ نبي آخر يريدونه، بنفس مقياس السائل؟ مع أن النص قابل للتطبيق على المهدي عليه السلام أكثر لطول المحنة. فأين محنة يوم أو يومين من محنة ألف أو آلاف السنين؟ والنص يقول: (بعد محن طويلة ومريرة). فالجواب هو الجواب. رغم الفرق بين الاستدلالين.
المصلح في الديانة المسيحية:
‏ ‏‏أهم نص يدور حوله فكر متكامل في المسيحية، هو انتظار (الفارقليط، البركليت، الباركليت)، وهذا (البركليت) في الحقيقة، سيقوم بتطويع جميع الناس للدين، وسيحاسب المجرمين، ويقوم بالقسطاس.
طبعاً تُرجم (البركليت) في الكتب المسيحية، بـ (المعزي، والمسلي) ولكن المسلمون تمسكوا بأن المقصود به هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وينفي المسيحيون ذلك.
ونحن _ هنا بتجرد تام _ نريد أن نعرف ما قصة هذا اللفظ؟
فهو إما أن يكون عبارة عن لفظين متقاربين: (البركليت، الباركليت) أحدهما: (أحمد). أو إنه لفظ واحد يحمل معنيين، ولهذا تمسك المسلمون به.
ومن الطريف من باب: (أراد أن ينفي فأثبت): إن مستشرقاً شاتماً للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم اعترف باعتراف طريف، إذ اعتبر أن معلم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم خلط بين لفظين متشابهين أحدهما بدون امتداد، ويعني بهما كلمتي: (باركليتوس) و(بريكليتوس)،(١٥٢) والتي بدون امتداد تعني: (أحمد) والثانية تعني: (المعزي) فهو قد أثبت التشابه الصوتي، إلى درجة شبيهة بالتطابق بين كلمتين، إحداهما تعني: (أحمد) أو (محمّد) أو (المحمود) وهذا يعني أن استدلال المسلمين لم يكن من فراغ. وإنما يستند إلى لفظ متفق على كون أحد صيغتيه الصوتيتين هو (محمّد). يبقى أنه هل هو ما يقول به المسيحيون؟ أم ما يقول به المسلمون؟ وهذا يحتاج إلى دليل نفي قاطع بكونه ليس اللفظ الذي يعني: (محمّداً). لأن المحتمل يحتاج إلى دليل نفي حتّى ينتفي.
والسبب في الشكّ في القائل، هو توفر القصد والمنفعة في تغيير اللفظ، وأما ادعائهم أن معلّم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم خلط بين لفظين، فهذا أوّل الكلام.
فهل سمع هذا المستشرق كلمة (بركليت) أو (باركليت) من النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أو من معلمه حتّى يقول ما قال؟
المشكلة أن الدلائل تشير _ بكل تأكيد _ إلى أن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم مرسل من الله، وليس لديه أيّ معرفة بكتب السابقين. ولم يتفرد أو يدرس هذه الكتب المعقدة اللفظ نتيجة تعدد الترجمات. ولهذا فإن افتراض هذا المستشرق ما هو إلاّ ضرب من الخيال الذي يثبت المطلوب، رغم أنه يسعى لنفيه.(١٥٣)
ولو سأل أحد: فما علاقة النص على اسم النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، بالنص على الإمام المهدي؟
وهنا _ أقول: إن في النص ما يدل على أن محمّداً _ هنا _ ليس هو النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما ابنه محمّد المهدي عليه السلام، لما يحصل على يديه، فالتفسير الأشمل للنص، هو: أن النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، إذا كان هو: (البركليت)، وهو: (المسيّا) الموعود،(١٥٤) فإن ذلك لا يتم في التطبيق، إلاّ بشريعته، عبر ابنه الإمام المهدي عليه السلام، الذي ينشر شريعة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، على كل العالم، وهذا الفهم ناتج من ضرورة الاختلاف في التطبيق، بين النص والواقع.
وبهذا التفسير، يمكن أن نفهم أن (البركليت) الذي هو (مسيّا) والذي سيظهر آخر الزمان، برسالة عامة، ويقمع الباطل، ويبيّن جميع الحق _ بلا استثناء _ يصح أن يكون هو محمّد الإمام المهدي عليه السلام، الذي هو المطبق الحقيقي لشريعة محمّد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهذا بسبب ملحقات النص إذا صح النص نفسه.
فلنبحث في صفات (البركليت) أو (الباركليت) في إنجيل يوحنا الإصحاح الخامس عشر والسادس عشر، ونحن نورد النص كاملاً _ هنا _ من أجل المزيد من الفائدة:(١٥٥)
(ومتى جاء المعزي (بركليت) الذي سأرسله أنا إليكم من الأب روح الحق،(١٥٦) الذي من عند الأب ينبثق، فهو يشهد لي(١٥٧)/ وتشهدون أنتم أيضاً؛ لأنكم معي من الابتداء(١٥٨)/ قد كلمتكم بهذا؛ لكي لا تعثروا/ سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدّم خدمة لله/ وسيفعلون هذا بكم؛ لأنهم لم يعرفوا الأب ولا عرفوني/ لكني قد كلمتكم بهذا؛ حتّى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم، ولم أقل لكم من البداية؛ لأني كنت معكم/ وأما الآن، فأنا ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي/ لكن؛ لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم/ لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق؛ لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي (بركليت) ولكن إن ذهبت أرسله إليكم(١٥٩)/ ومتى جاء ذاك، يبكت العالم على خطية، وعلى بر وعلى دينونة/ أما على خطية؛ فلأنهم لا يؤمنون بي/ وأما على بر؛ فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضاً/ وأما على دينونة؛ فلأن رئيس هذا العالم قد دين/ إن لي أموراً كثيرة أيضاً؛ لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن/ و أما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق؛ لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية).(١٦٠)
رغم وجود خلل في السياق وفي التراكيب اللغوية وفي ترابط المعاني فإن الجمل الأخيرة من النص يجب التفكير فيها وتفسيرها جيداً، فهي تتحدّث عن الإفصاح عن جميع الحق. وهذا يعني محو أيّ مجال للمغالطة. فهو _ أي المذكور في النص _ يتكلّم بموجب العلم اللدني. بخلاف تكليف عموم الأنبياء، والأئمّة، والمصلحين. ويتكلّم بالمغيبات للأشخاص، وهذا يقتضي الحكم بموجبها، وهو الحكم وفق العلم اللدني. وهذا لا ينطبق إلاّ على المهدي عليه السلام، وفق النصوص؛ ولأن هذا النص مخالف لواقع كل من تقدم من أهل البلاغ.
لقد نقل الدكتور نصر الله أبو طالب في كتابه آنف الذكر، وبحسب ما ذكر في لفائف البحر الميت، التي سميت بمخطوطات قمران. نصاً من المخطوطة رقم‏: ١٥، يقول:(١٦١)

١٥: the dead sea scrip tures page.
the prophet that is to arise at end of days.

وتصح ترجمة هذا النص، بالشكل التالي:
(النبي (أو القديس) الذي سيظهر في نهاية العالم).
إن نهاية العالم، التي اتفقت الأديان الثلاثة، على تحديدها، كزمن لظهور المصلح المنقذ العالمي، يجعل كل النصوص المتقدمة لا تنطبق على أحد من الأنبياء، إلاّ إذا ثبت النص على نبي محدد بالصفة، بدون نهاية العالم، ولكن النصوص عكس هذا.
وهذا هو ما قلناه، من طريقة التمييز في البشارة بـ (أحمد) بين النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، صاحب الشريعة الشاملة، وبين الإمام محمّد عليه السلام، صاحب التطبيق الشامل على البشر، وإنقاذ البشرية من الجور والظلم.
المنقذ في معتقدات الزرادشتية‏:
‏وردت عندهم ثلاثة أسماء للظهور في آخر الزمان:
جاء في كتاب (شابوهرجان) وهو من الكتب المانوية المقدسة عندهم: (... (خرد شهر إيزد) لا بدَّ أن يظهر في آخر الزمان، وينشر العدل في العالم...).‏
وعن (سوشيانت) وهو من الكتب الزرادشتية المقدسة عندهم، جاء فيه:
(... استوت إرت، سوشيانت، أو المنقذ العظيم. سوشيانس، أو موعود آخر الزمان... وسيلة، وعلاج جميع الآلام به، يقتلع جذور الألم، والمرض، والعجز، والظلم، والكفر، يهلك، ويسقط الرجال الأنجاس...).
وفي رسالة (جامسب)، صفحة ١٢١: 
(... سينشر (شوشيانت،(١٦٢) المنقذ) الدين في العالم، فكراً، وقولاً، وسلوكاً).
لقد ورد في الروايات الإسلاميّة أن الديانة الزرادشتية ديانة سماوية، حرَّفها ملوكهم إلى دين وضعي. وهناك بعض الأحكام تتعلق بأصحاب هذه الديانة، مثل كونهم يحاسبون محاسبة أهل الكتاب في الذمة، وغيرها، عند بعض الفقهاء. وقد عدهم بعض الفقهاء، الذين يفتقرون إلى التحقيق، مشركين أصليين، بدون كتاب سماوي، ولا شكّ أن ذلك بسبب ما وصل إليهم من معرفة بعض عقائدهم، مثل الثنوية، فهو شرك في الألوهية لا ينكر، غير أن الحكم الشرعي يبنى على الأصل، فكثير من الديانات قد آثرت تعدد الآلهة، حتّى المسلمين فإن بعضهم عد الله تسعاً وتسعين إلها، وبعضهم عد الآلهة عشرين إلهاً باسم الصفات القديمة المستقلة عن الله، وبعضهم يعبد إلهاً مجسماً لا يعرفه الله ولا يعرفه الإسلام. ومع ذلك فحكمهم حكم الأصل وهو الإسلام. وهذه مسألة فقهية يختلف فيها نظر الفقهاء، فلا ينبغي الخوض فيها هنا، ونتركها إلى محلها اللائق بها في كتب الدراسات الفقهية المعمقة.
المنقذ في المعتقدات الهندية‏:
‏‏أنقل هنا تلخيص ما وجدته على موقع (شبكة الإمام المهدي) في ما يتعلق بهذه الديانة، والعهدة على الموقع بما يلي:
(جاء الحديث حول المنقذ، والموعود في أعراف الهنود، وكتبهم، مثل كتاب: (مهابهارتا) وكتاب: (بورانه ها) حيث قالوا:
تذهب الأديان جميعاً إلى أنه في نهاية كل مرحلة من مراحل التاريخ يتجه البشر نحو الانحطاط المعنوي والأخلاقي‏، وحيث يكونون في حال هبوط فطري، وابتعاد عن المبدأ، ويمضون في حركتهم مضي الأحجار الهابطة نحو الأسفل، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا نهاية لهذه الحركة التنازلية، والهبوط المعنوي والأخلاقي. إذن لا بدَّ من يوم تظهر فيه شخصية معنوية، على مستوى رفيع، تستلهم مبدأ الوحي وتنتشل العالم من ظلمات الجهل والضياع والظلم والتجاوز، وقد أشير لهذه الحقائق في تعاليم كل دين، إشارة رمزية منسجمة، مع المعتقدات والقيم الأخرى انسجاماً كاملاً.
فمثلاً: في الديانة الهندية، وفي كتب: (بورانا) (burana‏) شرح تفصيلي حول مرحلة العصر الكالي (‏kali) يعني: آخر مرحلة، قبل ظهور (أو تاراي) و(يشنو العاشر)).
المنقذ في المعتقدات الصينية‏:
ورد في كتاب: (أوبانيشاد) صفحة: ٥٤/ من المقدمة، ما يلي:
(... حينما يمتليء العالم بالظلم، يظهر الشخص الكامل الذي يسمى: (يترتنكر: المبشر) ليقضي على الفساد، ويؤسس للعدل، والطهر... سيُنجي (كريشنا) العالم، حينما يظهر البراهميتون).
وجاء في كتاب: (ريك ودا، ماندالاي) ص ٤ و٢٤:
(يظهر (ويشنو) بين الناس... يحمل بيده سيفاً، كما الشهاب المذنب، ويضع في اليد الأخرى خاتماً براقاً، حينما يظهر، تكسف الشمس، ويخسف القمر، وتهتز الأرض). 
ثانياً: المنقذ المهدي في النصوص الإسلاميّة:
الحديث القدسي:‏
١ _ عن الحسين بن عليّ عليه السلام عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل، قال: (... فقلت: يا رب ومن أوصيائي، فنوديت: يا محمّد أوصياؤك المكتوبون على ساق عرشي، فنظرت، وأنا بين يدي ربي جل جلاله إلى ساق العرش، فرأيت اثني عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر، عليه اسم وصي من أوصيائي، أوّلهم: عليّ بن أبي طالب، وآخرهم مهدي أمّتي، فقلت: يا رب هؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يا محمّد هؤلاء أوليائي وأوصيائي وحججي بعدك على بريتي، وهم أوصياؤك وخلفاؤك وخير خلقي بعدك، وعزَّتي وجلالي لأظهرن بهم ديني، ولأعلين بهم كلمتي، ولأطهرن الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأمكننه مشارق الأرض ومغاربها، ولأسخرن له الرياح، ولأذللن له السحاب الصعاب، ولأرقينه في الأسباب، ولأنصرنه بجندي، ولأمدنه بملائكتي، حتّى تعلو دعوتي، ويجتمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمن ملكه، ولأداولن الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة).(١٦٣)
وفي رواية أخرى:
(... فقلت: يا رب، ومن أوصيائي؟ فنوديت: يا محمّد، أوصياؤك المكتوبون على ساق العرش، فنظرت وأنا بين يدي ربّي إلى ساق العرش، فإذا اثنا عشر نوراً، في كل نور سطر أخضر، مكتوب عليه اسم كل وصي من أوصيائي، أوّلهم عليّ بن أبي طالب، وآخرهم مهدي أمّتي، فقلت: يا رب، أهؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت: يا محمّد، هؤلاء أوليائي، وأحبائي، وأصفيائي، وحججي بعدك على بريتي، وهم أوصياؤك، وخلفاؤك، وخير خلقي بعدك، وعزَّتي وجلالي لأظهرنّ بهم ديني، ولأعلينّ بهم كلمتي، ولأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي).(١٦٤)
٢ _ عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لما عرج بي إلى السماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومن السدرة إلى حجب النور، ناداني ربي جل جلاله: يا محمّد أنت عبدي وأنا ربك، فلي فاخضع، وإيّاي فاعبد، وعليَّ فتوكل، وبي فثق، فإنّي قد رضيت بك عبداً وحبيباً، ورسولاً ونبياً، وبأخيك عليّ خليفة وباباً... وبالقائم منكم أعمّر أرضي... وبه أطهّر الأرض من أعدائي وأورثها أوليائي، وبه أجعل كلمة الذين كفروا بي السفلى وكلمتي العليا، وبه أحيي عبادي وبلادي بعلمي، وبه أظهر الكنوز والذخائر بمشيئتي، وإيّاه أظهر على الأسرار والضمائر بإرادتي، وأمدّه بملائكتي لتؤيده على إنفاذ أمري وإعلان ديني. ذلك وليي حقّاً، ومهدي عبادي صدقاً).(١٦٥)
ما ورد من الحديث في المهدي عليه السلام عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:‏
ننقل فيما يلي بعض النصوص الواردة في كتب الحديث من الفريقين، والتي تصرح أو تشير إلى ما ورد من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر الإمام المهدي عليه السلام:
أوّلاً: المشهور من الحديث السُنّي:
ما جاء من ذلك في صحيح البخاري:(١٦٦)
باب ما يحذر من الغدر، وقوله تعالى: (وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ...)(١٦٧) الآية.
حدّثنا الحميدي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدّثنا عبد الله بن العلاء بن زبر، قال: سمعت بسر بن عبيد الله، أنه سمع أبا إدريس، قال: سمعت عوف بن مالك، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، في غزوة تبوك، وهو في قبة من أدم، فقال: (أعدد ستاً بين يدي الساعة، موتي، ثمّ فتح بيت المقدس، ثمّ موتان يأخذ فيكم كقُعَاص الغنم،(١٦٨) ثمّ استفاضة المال حتّى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً، ثمّ فتنة لا يبقى بيت من العرب إلاّ دخلته، ثمّ هدنة تكون بينكم وبين بنى الأصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية إثنا عشر ألفاً). انتهى ما جاء في البخاري.
وشرحه ابن حجر في فتح الباري فقال:(١٦٩)
(قوله: غاية) أي راية، وسميت بذلك لأنها غاية المتبع، إذا وقفت وقف. ووقع في حديث ذي مخبر بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة، عند أبي داود، في نحو هذا الحديث، بلفظ راية بدل غاية، وفي أوّله: ستصالحون الروم صلحاً أمناً، ثمّ تغزون أنتم، وهم عَدْواً، فتنصرون، ثمّ تنزلون مرجاً، فيرفع رجل من أهل الصليب الصليب فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدفعه، فعند ذلك تغدر الروم، ويجتمعون للملحمة، فيأتون، فذكره.
ولابن ماجة، من حديث أبي هريرة، مرفوعاً: إذا وقعت الملاحم، بعث الله بعثاً من الموالي يؤيد الله بهم الدين، وله من حديث معاذ بن جبل، مرفوعاً: الملحمة الكبرى، وفتح القسطنطينية، وخروج الدجال في سبعة أشهر. وله من حديث عبد الله بن بسر، رفعه: بين الملحمة وفتح المدينة ست سنين، ويخرج الدجال في السابعة، وإسناده أصح من إسناد حديث معاذ. قال ابن الجوزي، رواه بعضهم: غابة، بموحدة، بدل التحتانية، والغابة الأجمة، كأنه شبَّه كثرة الرماح بالأجمة، وقال الخطابي: الغابة الغيضة، فاستعيرت للرايات، ترفع لرؤساء الجيش لما يشرع معها من الرماح، وجملة العدد المشار إليه تسعمائة ألف وستون ألفاً، ولعلَّ أصله ألف ألف فألغيت كسوره، ووقع مثله في رواية ابن ماجة من حديث ذي مخبر، ولفظه: فيجتمعون للملحمة فيأتون تحت ثمانين غابة تحت كل غابة اثنا عشر ألفاً، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر، عن الوليد بن مسلم، قال: تذاكرنا هذا الحديث، وشيخاً من شيوخ المدينة، فقال: أخبرني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة: أنه كان يقول في هذا الحديث: مكان فتح بيت المقدس عمران بيت المقدس، قال المهلب فيه: إن الغدر من أشراط الساعة، وفيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها، وقال ابن المنير: أما قصة الروم فلم تجتمع إلى الآن، ولا بلغنا أنهم غزوا في البر في هذا العدد، فهي من الأمور التي لم تقع بعد، وفيه بشارة ونذارة، وذلك أنه دلَّ على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، وفيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه، ووقع في رواية للحاكم من طريق الشعبي، عن عوف بن مالك، في هذا الحديث: أن عوف بن مالك، قال لمعاذ في طاعون عمواس: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال لي: اعدد ستاً بين يدي الساعة، فقد وقع منهن ثلاث، يعني موته صلى الله عليه وآله وسلم، وفتح بيت المقدس، والطاعون، قال: وبقي ثلاث فقال له معاذ: إن لهذا أهلاً. ووقع في الفتن، لنعيم بن حماد، أن هذه القصة تكون في زمن المهدي، على يد ملك من آل هرقل.
وشرحه العيني في عمدة القاري، فقال:(١٧٠)
قوله: (غاية)، بالغين المعجمة، وبالياء، آخر الحروف: الراية، وقال ابن الجوزي: رواه بعضهم بالباء الموحدة، وهي الأجمة، وشبَّه كثرة الرماح للعسكر بها، فاستعيرت له، يعني: يأتون قريباً من ألف ألف رجل، قاله الكرماني، وقال غيره: الجملة في الحساب تسعمائة ألف وستون ألفاً، وقال الخطابي: الغاية الغيضة، فاستعيرت للرايات ترفع لرؤساء الجيش. وقال الجواليقي: غاية وراية واحد؛ لأنها غاية المتبع إذا وقفت وقف وإذا مشت تبعها، وهذه الست المذكورة ظهرت منها الخمس: موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفتح بيت المقدس، والموتان كان في طاعون عمواس زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مات فيه سبعون ألفاً في ثلاثة أيام، واستفاضة المال كانت في خلافة عثمان رضي الله عنه عند تلك الفتوح العظيمة، والفتنة استمرت بعده، والسادسة لم تجئ بعد، وروى ابن دحية، من حديث حذيفة، مرفوعاً: أن الله تعالى يرسل ملك الروم، وهو الخامس من أولاد هرقل، يقال له: صمارة، فيرغب إلى المهدي في الصلح، وذلك لظهور المسلمين على المشركين، فيصالحه إلى سبعة أعوام، فيضع عليهم (الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ).(١٧١) ولا يبقى لرومي حرمة، ويكسر لهم الصليب، ثمّ يرجع المسلمون إلى دمشق، فإذا هم كذلك، إذا رجل من الروم قد التفت، فرأى أبناء الروم وبناتهم في القيود، فرفع الصليب، ورفع صوته، وقال: ألا من كان يعبد الصليب فلينصره، فيقوم إليه رجل من المسلمين فيكسر الصليب، ويقول: الله أغلب وأعز، فحينئذٍ يغدرون، وهم أولى بالغدر، فيجتمع عند ذلك ملوك الروم خفية، فيأتون إلى بلاد المسلمين وهم على غفلة، مقيمين على الصلح، فيأتون إلى أنطاكية في اثني عشر ألف راية، تحت كل راية اثني عشر ألفاً، فعند ذلك يبعث المهدي إلى أهل الشام، والحجاز، والكوفة، والبصرة، والعراق، يستنصر بهم، فيبعث إليه أهل الشرق: أنه قد جاءنا عدو من أهل خراسان، شغلنا عنك. فيأتي إليه بعض أهل الكوفة، والبصرة، فيخرج بهم إلى دمشق، وقد مكث الروم فيها أربعين يوماً يفسدون ويقتلون، فينزل الله صبره على المسلمين فيخرجون إليهم، فيشتد الحرب بينهم، ويستشهد من المسلمين خلق كثير، فيا لها من وقعة ومقتلة ما أعظمها وأعظم هولها، ويرتد من العرب يومئذٍ أربع قبائل: سليم، وفهد، وغسان، وطي، فيلحقون بالروم، ثمّ إن الله ينزل الصبر والنصر والظفر على المؤمنين، ويغضب على الكافرين، فعصابة المسلمين يومئذٍ خير خلق الله تعالى، والمخلصين من عباده، وليس فيهم مارد ولا مارق ولا شارد ولا مرتاب ولا منافق، ثمّ إن المسلمين يدخلون إلى بلاد الروم، ويكبرون على المدائن والحصون فتقع أسوارها بقدرة الله تعالى، فيدخلون المدائن والحصون، ويغنمون الأموال ويسبون النساء والأطفال، وتكون أيام المهدي أربعين سنة: عشر منها بالمغرب، واثني عشر سنة بالمدينة، واثني عشر سنة بالكوفة، وستة بمكّة، وتكون مَنيّته فجاءة.
وفيه، وفي صحيح مسلم النيسابوري _ أيضاً _:(١٧٢)
حدّثنا ابن بكير، حدّثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن نافع مولى أبي قتادة الأنصاري: أن أبا هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم).
ما جاء من ذلك في مسند أحمد بن حنبل:(١٧٣)
حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا فضل بن دكين، ثنا ياسين العجلي، عن إبراهيم بن محمّد بن الحنفية، عن أبيه، عن عليّ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة).
وفيه:(١٧٤)
حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا محمّد بن جعفر، ثنا شعبة، قال: سمعت زيداً أبا الحواري، قال: سمعت أبا الصديق، يحدّث عن أبي سعيد الخدري، قال: خشينا أن يكون بعد فينا حدث، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (يخرج المهدي في أمّتي، خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً) _ زيد الشكّ _ قال: قلت: أي شيء؟ قال: (سنين)، ثمّ قال: (يرسل السماء عليهم مدراراً، ولا تدخر الأرض من نباتها شيئاً، ويكون المال كدوساً)، قال: (يجيء الرجل إليه، فيقول: يا مهدي أعطني أعطني). قال: (فيحثى له في ثوبه، ما استطاع أن يحمل).
وفيه:(١٧٥)
حدّثنا عبد الله، حدّثني أبي، ثنا وكيع، عن شريك، عن عليّ بن زيد، عن أبي قلابة، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فائتوها، فإنّ فيها خليفة الله المهدي).
ما جاء من ذلك في باب خروج المهدي، في سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني:(١٧٦)
حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا معاوية بن هشام، ثنا عليّ بن صالح، عن يزيد بن أبي زياد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إذ أقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم أغرورقت عيناه وتغيّر لونه. قال: فقلت: ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: (إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا. وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاءً وتشريداً وتطريداً. حتّى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود فيسألون الخير فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه، حتّى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي، فيملؤها قسطاً كما ملؤوها جوراً، فمن أدرك ذلك منكم فليأتهم، ولو حبواً على الثلج).(١٧٧)
وفيه:(١٧٨)
حدّثنا نصر بن عليّ الجهضمي، ثنا محمّد بن مروان العقيلي، ثنا عمارة بن أبي حفصة، عن زيد العمى، عن أبي صديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يكون في أمّتي المهدي. إن قصر فسبع، وإلاّ فتسع، فتنعم فيه أمّتي نعمة لم ينعموا مثلها قط، تؤتى أكلها ولا تدخر منهم شيئاً، والمال يومئذٍ كدوس، فيقوم الرجل، فيقول: يا مهدي! أعطني. فيقول: خذ).
وفيه:(١٧٩)
حدّثنا محمّد بن يحيى، وأحمد بن يوسف، قالا: ثنا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم) ثمّ ذكر شيئاً لا أحفظه. فقال: (فإذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي).
وفيه:(١٨٠)
حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا أبو داود الحفري، ثنا ياسين، عن إبراهيم ابن محمّد بن الحنفية، عن أبيه، عن عليّ، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّا أهل البيت، يصلحه الله في ليلة).
وفيه:(١٨١)
حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا أحمد بن عبد الملك، ثنا أبو المليح الرقي، عن زياد بن بيان، عن عليّ بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، قال: كنّا عند اُمّ سَلَمة، فتذاكرنا المهدي، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (المهدي من ولد فاطمة).
وفيه:(١٨٢)
حدّثنا هدية بن عبد الوهاب، ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر، عن عليّ بن زياد اليمامي، عن عكرمة بن عمّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: (نحن ولد عبد المطلب، سادة أهل الجنّة، أنا، وحمزة، وعليّ، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي).
وفيه:(١٨٣)
حدّثنا حرملة بن يحيى المصري، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، قالا: ثنا أبو صالح عبد الغفار بن داود الحراني، ثنا ابن لهيعة، عن أبي زرعة عمرو بن جابر الحضرمي، عن عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يخرج ناس من المشرق فيوطئون للمهدي) يعني سلطانه.
ما جاء من ذلك في كتاب المهدي، في سنن أبي داود، ابن الأشعث السجستاني:(١٨٤)
حدّثنا مسدد، أن عمر بن عبيد، حدّثهم، ح، وثنا محمّد بن العلاء، ثنا أبو بكر، يعني: ابن عياش، ح، وثنا مسدد، ثنا يحيى، عن سفيان، ح، وثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عبيد الله بن موسى، أخبرنا زائدة، ح، وثنا أحمد بن إبراهيم، حدّثني عبيد الله بن موسى، عن فطر، المعنى واحد، كلهم عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم) قال زائدة في حديثه: (لطوَّل الله ذلك اليوم) ثمّ اتفقوا: (حتّى يبعث فيه رجلاً منّي) أو: (من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي) زاد في حديث فطر: (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً). وقال في حديث سفيان: (لا تذهب، أو لا تنقضي، الدنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي) قال أبو داود: لفظ عمر، وأبي بكر، بمعنى سفيان.(١٨٥)
وفيه:(١٨٦)
حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا الفضل بن دكين، ثنا فطر عن القاسم بن أبي بزة، عن أبي الطفيل، عن عليّ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لو لم يبق من الدهر إلاّ يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً).
وفيه:(١٨٧)
حدّثنا أحمد بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن جعفر الرقي، ثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن عليّ بن نفيل، عن سعيد بن المسيب، عن اُمّ سلمة، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: (المهدي من عترتي، من ولد فاطمة).
وفيه:(١٨٨)
حدّثنا سهل بن تمام بن بزيع، ثنا عمران القطان، عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي منّي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين).
وفيه:(١٨٩)
حدّثنا محمّد بن المثنى، ثنا معاذ بن هشام، حدّثني أبي، عن قتادة، عن صالح أبي الخليل، عن صاحب له، عن اُمّ سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يكون اختلاف عند موت خليفة، فيخرج رجل من أهل المدينة، هارباً إلى مكّة، فيأتيه ناس من أهل مكّة، فيخرجونه، وهو كاره، فيبايعونه بين الركن والمقام، ويبعث إليه بعث من الشام، فيخسف بهم بالبيداء، بين مكّة والمدينة، فإذا رأى الناس ذلك، أتاه أبدال الشام، وعصائب أهل العراق، فيبايعونه بين الركن والمقام، ثمّ ينشأ رجل من قريش، أخواله كلب، فيبعث إليهم بعثاً، فيظهرون عليهم، وذلك بعث كلب، والخيبة لمن لم يشهد غنيمة كلب، فيقسم المال، ويعمل في الناس بسُنّة نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض، فيلبث سبع سنين، ثمّ يتوفى، ويصلي عليه المسلمون)، قال أبو داود: قال بعضهم عن هشام: (تسع سنين) وقال بعضهم: (سبع سنين).
ما جاء من ذلك في سنن الترمذي:(١٩٠)
حدّثنا عبيد بن أسباط بن محمّد القرشي، أخبرنا أبي، أخبرنا سفيان الثوري، عن عصام بن بهدلة، عن زر، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تذهب الدنيا، حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي).(١٩١)
وفيه:(١٩٢)
حدّثنا عبد الجبار بن العلاء العطار، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (يلي رجل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي). قال عاصم: أخبرنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوماً لطوَّل الله ذلك اليوم، حتّى يلي).
وفيه:(١٩٣)
حدّثنا محمّد بن بشار، حدّثنا محمّد بن جعفر، أخبرنا شعبة، قال: سمعت زيداً العمى، قال: سمعت أبا الصديق الناجي، يحدّث عن أبي سعيد الخدري، قال: خشينا أن يكون بعد نبينا حدث، فسألنا نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (إن في أمّتي المهدي يخرج، يعيش خمساً، أو سبعاً، أو تسعاً) _ زيد الشاك _ قال: قلنا: وما ذاك؟ قال: (سنين) قال: (فيجيء إليه الرجل فيقول: يا مهدي أعطني، أعطني)، قال: (فيحثي له في ثوبه، ما استطاع أن يحمله).
ما جاء من ذلك في مستدرك الحاكم النيسابوري:(١٩٤)
أخبرنا أبو عبد الله الصفار، ثنا محمّد بن إبراهيم بن أرومة، ثنا الحسين بن حفص، ثنا سفيان، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقاتلونكم قتالاً لم يقاتله قوم) ثمّ ذكر شيئاً، فقال: (إذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي).(١٩٥)
وفيه:(١٩٦)
أخبرني أبو بكر بن دارم الحافظ، بالكوفة، ثنا محمّد بن عثمان بن سعيد القرشي، ثنا يزيد بن محمّد الثقفي، ثنا حبان ابن سدير، عن عمرو بن قيس الملائي، عن الحكم عن إبراهيم، عن علقمة بن قيس، وعبيدة السلماني، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أتينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج إلينا مستبشراً، يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء إلاّ أخبرنا به، ولا سكتنا إلاّ ابتدأنا، حتّى مرت فتية من بني هاشم، فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم، وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله، ما نزال نرى في وجهك شيئاً نكرهه، فقال: (إنا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وإنه سيلقى أهل بيتي من بعدي، تطريداً، أو تشريداً في البلاد، حتّى ترتفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحق فلا يعطونه، ثمّ يسألونه فلا يعطونه، ثمّ يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون، فينصرون، فمن أدركه منكم، أو من أعقابكم، فليأت إمام أهل بيتي، ولو حبواً على الثلج، فإنها رايات هدى، يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي، فيملك الأرض، فيملأها قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً).
وفيه:(١٩٧)
أخبرني الحسين بن عليّ بن محمّد بن يحيى التميمي، أنبأ أبو محمّد الحسن بن إبراهيم بن حيدر الحميري، بالكوفة، ثنا القاسم بن خليفة، ثنا أبو يحيى عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني، ثنا عمر بن عبيد الله العدوي، عن معاوية بن قرة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ينزل بأمّتي في آخر الزمان بلاء شديد من سلطانهم، لم يسمع بلاء أشد منه، حتّى تضيق عنهم الأرض الرحبة، وحتّى يملأ الأرض جوراً وظلماً، لا يجد المؤمن ملجأ يلتجيء إليه من الظلم، فيبعث الله عز وجل رجلاً من عترتي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يرضى عنه ساكن السماء، وساكن الأرض، لا تدخر الأرض من بذرها شيئاً إلاّ أخرجته، ولا السماء من قطرها شيئاً إلاّ صبه الله عليهم مدراراً، يعيش فيهم سبع سنين، أو ثمان أو تسع، تتمنى الأحياء الأموات، مما صنع الله عز وجل، بأهل الأرض من خيره).
وفيه:(١٩٨)
وأخبرني محمّد بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمّد الشعراني، ثنا نعيم بن حماد، ثنا الوليد، ورشدين (قالا): ثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن أبي رومان، عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: (يظهر السفياني على الشام، ثمّ يكون بينهم وقعة بقرقيسا، حتّى تشبع طير السماء، وسباع الأرض من جيفهم، ثمّ ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم، حتّى يدخلوا أرض خراسان، وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان، ويقتلون شيعة آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم بالكوفة، ثمّ يخرج أهل خراسان في طلب المهدي).
وفيه:(١٩٩)
أخبرنا الحسين بن يعقوب بن يوسف العدل، ثنا يحيى بن أبي طالب، ثنا عبد الوهاب بن عطاء، أنبأ خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان رضي الله عنه، قال: إذا رأيتم الرايات السود خرجت من قبل خراسان فأتوها، ولو حبواً، فإن فيها خليفة الله المهدي.
وفيه:(٢٠٠)
أخبرني محمّد بن المؤمل، ثنا الفضل بن محمّد، ثنا نعيم بن حماد، ثنا أبو يوسف المقدسي، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (في ذي القعدة تجاذب القبائل، وتغادر، فينهب الحاج، فتكون ملحمة بمنى يكثر فيها القتلى، ويسيل فيها الدماء حتّى تسيل دماؤهم على عقبة الجمرة، وحتّى يهرب صاحبهم فيأتي بين الركن والمقام، فيبايع وهو كاره، يقال له: إن أبيت ضربنا عنقك، يبايعه مثل عدة أهل بدر، يرضى عنهم ساكن السماء وساكن الأرض) قال أبو يوسف: فحدّثني محمّد بن عبد الله، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: يحج الناس معاً، ويرفون(٢٠١) معاً على غير إمام، فبينما هم نزول بمنى، إذ أخذهم كالكلب، فثارت القبائل بعضها إلى بعض، واقتتلوا حتّى تسيل العقبة دماً، فيفزعون إلى خيرهم، فيأتونه وهو ملصق وجهه إلى الكعبة يبكي، كأني أنظر إلى دموعه، فيقولون: هلم فلنبايعك، فيقول: ويحكم كم عهد قد نقضتموه، وكم دم قد سفكتموه، فيبايع كرهاً، فإذا أدركتموه فبايعوه، فإنه المهدي في الأرض والمهدي في السماء.
ما جاء من ذلك في مجمع الزوائد للهيثمي:(٢٠٢)
عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبشركم بالمهدي، يبعث على اختلاف من الناس وزلازل، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسم المال صحاحاً) قال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: (بالسوية بين الناس، ويملأ الله قلوب أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم غَنَاء، ويسعهم عدله، حتّى يأمر منادياً فينادي، فيقول: من له في مال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلاّ رجل واحد، فيقول: أنا، فيقول: ائت السدان، يعني الخازن، فقل له: إن المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: أحث، حتّى إذا جعله في حجره وائتزره ندم، فيقول: كنت أجشع أمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، أو عجز عنّي ما وسعهم). قال: فيرده، فلا يقبل منه، فيقال له: (إنا لا نأخذ شيئاً أعطيناه، فيكون كذلك سبع سنين، أو ثمان سنين، أو تسع سنين، ثمّ لا خير في العيش بعده). أو قال: (ثمّ لا خير في الحياة بعده).(٢٠٣)
وفيه:(٢٠٤)
وعنه،(٢٠٥) عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ليقومن على أمّتي من أهل بيتي، أقنى، أجلى، يوسع الأرض عدلاً، كما وسعت ظلماً وجوراً، يملك سبع سنين).
وفيه:(٢٠٦)
وعن اُمّ سلمة، قالت: قال رسول صلى الله عليه وآله وسلم: (يبايع لرجل بين مكّة والمقام، عدة أهل بدر، فيأتيه عصايب أهل العراق وأبدال أهل الشام، فيغزوهم جيش من أهل الشام، حتّى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيغزوهم رجل من قريش، أخواله من كلب، فيلتقون فيهزمهم الله، فالخائب من خاب من غنيمة كلب).
أحاديث أخرى متفرقة، من مصادر سُنّية:
عن أنس بن مالك، قال: سمعت رسول الله، يقول: (نحن (سبعة) ولد عبد المطلب سادات أهل الجنّة، أنا، وأخي عليّ، وعمّي حمزة، وجعفر، والحسن، والحسين، والمهدي).(٢٠٧)
عن أبى هريرة، قال: قال رسول الله: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ ليلة، لملك فيها رجل من أهل بيتي).(٢٠٨)
عن ثوبان، قال: قال رسول الله: (يقتتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلاً لم يقتله قوم، ثمّ يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه فبايعوه ولو حبواً على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي).(٢٠٩)
عن ثوبان، قال: قال رسول الله: (تجيء الرايات السود من قبل المشرق، كأن قلوبهم زبر الحديد، فمن سمع بهم فليأتهم فيبايعهم ولو حبواً على الثلج).(٢١٠)
عن عليّ بن حوشب، سمع مكحولاً يحدّث عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قال: (قلت: يا رسول الله، المهدي، أمنّا آل محمّد المهدي أم من غيرنا؟ فقال رسول الله: لا، بل منّا، بنا يختم الله به الدين، كما فتح بنا، وبنا ينقذون من الفتن كما أنقذوا من الشرك، وبنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخواناً، كما ألّف بينهم بعد عداوة الشرك، وبنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخواناً، كما أصبحوا بعد عداوة الشرك، إخواناً في دينهم).(٢١١)
عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ ليلة لطول الله تلك الليلة حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي، يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، ويقسم المال بالسوية، ويجعل الله الغنى في قلوب هذه الأمّة، فيمكث سبعاً، أو تسعاً، ثمّ لا خير في الحياة بعد المهدي).(٢١٢)
عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (لا تقوم الساعة حتّى يملك رجل من أهل بيتي، يفتح القسطنطينية وجبل الديلم).(٢١٣)
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (سيكون بعدي خلفاء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثمّ يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، ثمّ يؤمر بعده القحطاني، فوالذي بعثني بالحق ما هو دونه).(٢١٤)
عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله: (منّا الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه).(٢١٥)
عن جابر، قال: قال رسول الله: (ينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم المهدي: تعال صل بنا، فيقول: ألا وإن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة لهذه الأمّة).(٢١٦)
عن أبي جعفر المنصور، عن جدّه عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله: (لن تهلك أمّة أنا أوّلها، وعيسى في آخرها، والمهدي في وسطها).(٢١٧)
عن أبي سعيد: (المهدي أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت جوراً وظلماً، يملك سبع سنين).(٢١٨)
عن حذيفة: (المهدي رجل من ولدي، وجهه كالكوكب الدري).(٢١٩)
ثانياً: بعض الأحاديث المشهورة في التراث الشيعي:
الشيخ الكليني:(٢٢٠)
...(٢٢١) عن يمان التمار، قال: كنّا عند أبي عبد الله عليه السلام جلوساً، فقال لنا: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد) ثمّ قال: هكذا بيده. (فأيكم يمسك شوك القتاد بيده؟) ثمّ أطرق ملياً، ثمّ قال: (إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد، وليتمسك بدينه).(٢٢٢)
عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام، قال: (إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم عنها أحد، يا بني إنه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هو محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصح من هذا لاتبعوه)، قال: فقلت: يا سيدي من الخامس من ولد السابع؟ فقال: (يا بني! عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن حمله، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه).(٢٢٣)
عن المفضل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام، يقول: (إيّاكم والتنويه، أما والله ليغيبن إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصن حتّى يقال: مات، قتل، هلك، بأيّ وادٍ سلك؟ ولتدمعن عليه عيون المؤمنين، ولتكفأن كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه، ولترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يدرى أيّ من أيّ) قال: فبكيت، ثمّ قلت: فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: (يا أبا عبد الله ترى هذه الشمس) قلت: نعم، فقال: (والله لأمرنا أبين من هذه الشمس).(٢٢٤)
عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن في صاحب هذا الأمر شبهاً من يوسف عليه السلام)، قال: قلت له: كأنك تذكره حياته أو غيبته؟ قال: فقال لي: (وما تنكر من ذلك هذه الأمّة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف عليه السلام كانوا أسباطاً أولاد الأنبياء تاجروا يوسف، وبايعوه وخاطبوه، وهم إخوته، وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتّى قال: (أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي)، فما تنكر هذه الأمّة الملعونة أن يفعل الله عز وجل بحجته في وقت من الأوقات كما فعل بيوسف، إن يوسف عليه السلام كان إليه ملك مصر وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يعلمه لقدر على ذلك، لقد سار يعقوب عليه السلام وولده عند البشارة تسعة أيام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمّة أن يفعل الله عز وجل بحجته كما فعل بيوسف، أن يمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم حتّى يأذن الله في ذلك له كما أذن ليوسف، قالوا: (أَإِنَّكَ لأََنْتَ يُوسُفُ)؟ قال: (أَنَا يُوسُفُ)).(٢٢٥)
عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (إن للغلام غيبة قبل أن يقوم)، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: (يخاف) _ وأومأ بيده إلى بطنه _ ثمّ قال: (يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يشكّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة)، قال: قلت: جعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أيّ شيء أعمل؟ قال: (يا زرارة إذا أدركت هذا الزمان فادع بهذا الدعاء: (اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني)) ثمّ قال: (يا زرارة لا بدَّ من قتل غلام بالمدينة)، قلت: جعلت فداك أليس يقتله جيش السفياني؟ قال: (لا ولكن يقتله جيش آل بني فلان يجيء حتّى يدخل المدينة، فيأخذ الغلام فيقتله، فإذا قتله بغياً وعدواناً وظلماً لا يمهلون، فعند ذلك توقع الفرج إن شاء الله).(٢٢٦)
عن عبيد بن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه).(٢٢٧)
الشيخ الصدوق:(٢٢٨)
حدّثنا أبو عليّ، أحمد بن الحسن بن عليّ بن عبد ربه، قال: حدّثنا أبو زيد محمّد بن يحيى بن خلف بن يزيد المروزي، بالري، في شهر ربيع الأوّل سنة اثنتين وثلاثمائة، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، في سنة ثمان وثلاثين ومائتين، المعروف بإسحاق بن راهويه، قال: حدّثني يحيى بن يحيى، قال: حدّثنا هشام بن خالد، عن الشعبي، عن مسروق، قال: بينا نحن عند عبد الله بن مسعود، نعرض مصاحفنا عليه، إذ قال له فتى شاب: هل عهد إليكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم، كم يكون من بعده خليفة؟ قال: إنك لحدث السن، وإن هذا لشيء ما سألني عنه أحد قبلك، نعم، عهد إلينا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة، بعدد نقباء بني إسرائيل.(٢٢٩)
حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن عامر، عن المعلي بن محمد البصري، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن خلفائي وأوصيائي، وحجج الله على الخلق بعدي اثنا عشر: أوّلهم أخي، وآخرهم ولدي)، قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: (عليّ بن أبي طالب)، قيل: فمن ولدك؟ قال: (المهدي الذي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق نبياً لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب).(٢٣٠)
عن ابن عبّاس في حديث يطول،(٢٣١) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (... فأوحى الله تعالى إليَّ: يا محمّد إني قد قضيت في عبادي قبل أن أخلقهم، وقضائي ماض فيهم، لأهلك به(٢٣٢) من أشاء وأهدي به من أشاء. وقد آتيته علمك من بعدك وجعلته وزيرك وخليفتك من بعدك على أهلك وأمّتك، عزيمة مني (لأدخل الجنّة من أحبه و) لا أدخل الجنّة من أبغضه وعاداه وأنكر ولايته بعدك، فمن أبغضه أبغضك، ومن أبغضك أبغضني، ومن عاداه فقد عاداك، ومن عاداك فقد عاداني، ومن أحبه فقد أحبك، ومن أحبك فقد أحبني، وقد جعلت له هذه الفضيلة، وأعطيتك أن أخرج من صلبه أحد عشر مهدياً كلهم من ذريتك من البكر البتول، وآخر رجل منهم يصلي خلفه عيسى بن مريم، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت منهم ظلماً وجوراً، أنجي به من الهلكة، وأهدي به من الضلالة، وأبرئ به من العمى، وأشفي به المريض، فقلت: إلهي وسيدي متى يكون ذلك؟ فأوحى الله عز وجل: يكون ذلك إذا رفع العلم، وظهر الجهل، وكثر القراء، وقل العمل، وكثر القتل...).(٢٣٣)
عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري، يقول: لما أنزل الله عز وجل على نبيه محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ)(٢٣٤) قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال عليه السلام: (هم خلفائي يا جابر، وأئمّة المسلمين بعدي أوّلهم عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن والحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثمّ الصادق جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ عليّ بن موسى، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ عليّ بن محمّد، ثمّ الحسن بن عليّ، ثمّ سميي، وكنيي حجة الله في أرضه، وبقيته في عباده ابن الحسن بن عليّ، ذاك الذي يفتح الله _ تعالى ذكره _ على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلاّ من امتحن الله قلبه للإيمان)، قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال عليه السلام: (أي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجللها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سرّ الله، ومخزون علمه، فاكتمه إلاّ عن أهله).(٢٣٥)
عن جابر بن يزيد الجعفي، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة قال:... فقلت: يا رسول الله أرشدني إلى النجاة، فقال: (يا ابن سمرة إذا اختلف(٢٣٦) الأهواء، وتفرقت الآراء فعليك بعليّ بن أبي طالب فإنه إمام أمّتي وخليفتي عليهم من بعدي، وهو الفاروق الذي يميز به بين الحق والباطل، من سأله أجابه ومن استرشده أرشده، ومن طلب الحق عنده وجده، ومن التمس الهدى لديه صادفه، ومن لجأ إليه أمنه، ومن استمسك به نجاه، ومن اقتدى به هداه، يا ابن سمرة سلم منكم من سلم له ووالاه، وهلك من ردَّ عليه وعاداه، يا ابن سمرة إن عليّاً منّي، روحه من روحي، وطينته من طينتي، وهو أخي وأنا أخوه، وهو زوج ابنتي فاطمة سيدة نساء العالمين من الأوّلين والآخرين، وإن منه إمامي أمّتي وسيدي شباب أهل الجنّة الحسن والحسين، وتسعة من ولد الحسين تاسعهم قائم أمّتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً).(٢٣٧)
عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (...(٢٣٨) وجعل من صلب الحسين أئمّة يقومون بأمري، ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمّتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة، فيعلن أمر الله، ويظهر دين الله عز وجل، يؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً).(٢٣٩)
الشيخ الطوسي:
عن العلاء بن بشير المرادي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبشركم بالمهدي يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلزال يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض).(٢٤٠)
عن عمارة بن جوين العبدي، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر: (إن المهدي من عترتي من أهل بيتي يخرج في آخر الزمان ينزل له من السماء قطرها، وتخرج له الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملأها القوم ظلماً وجوراً).(٢٤١)
عن أبي قبيل، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث طويل: (فعند ذلك خروج المهدي وهو رجل من ولد هذا _ وأشار بيده إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام _ به يمحق الله الكذب، ويذهب الزمان الكلب، وبه يخرج ذل الرق من أعناقكم). ثمّ قال: (أنا أوّل هذه الأمّة والمهدي أوسطها، وعيسى آخرها، وبين ذلك شيخ أعوج).(٢٤٢)
عن حبة العرني، قال: خرج أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحيرة فقال: (لتصلن هذه، بهذه، وأومأ بيده إلى الكوفة، والحيرة، حتّى يباع الذراع فيما بينهما بدنانير، وليبنين بالحيرة مسجد له خمسمائة باب يصلي فيه خليفة القائم عجل الله تعالى فرجه؛ لأن مسجد الكوفة ليضيق عنهم...).(٢٤٣)
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن القائم عليه السلام إذا قام، رد البيت الحرام إلى أساسه، ورد مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أساسه، ورد مسجد الكوفة إلى أساسه)، وقال أبو بصير: موضع التمّارين من المسجد.(٢٤٤)
عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن القائم عجل الله فرجه، إذا قام، بأيّ سيرة يسير في الناس؟ فقال: (بسيرة ما سار به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتّى يظهر الإسلام)، قلت: وما كانت سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم عليه السلام، إذا قام يبطل ما كان في الهدنة، مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل).(٢٤٥)
عن الحسن بن هارون، قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالساً، فسأله معلى بن خنيس: أيسير القائم بخلاف سيرة عليّ عليه السلام؟ قال: (نعم، وذلك أن عليّاً عليه السلام سار بالمن والكف؛ لأنه علم أن شيعته سيظهر عليهم، وإن القائم إذا قام سار فيهم بالسيف والسبي، وذلك أنه يعلم أن شيعته لم يظهر عليهم من بعده أبداً).(٢٤٦)
شعيب العقرقوفي عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لن تبقى الأرض إلاّ وفيها منّا عالم يعرف الحق من الباطل)، قال: (إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية. وأيم الله، لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي، ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم واُمّهاتكم، ولو قد قام القائم عليه السلام ما احتاج إلى مسائلتكم عن ذلك، ولأقام في كثير منكم من أهل النفاق، حد الله).(٢٤٧)
بعض ما ورد عن أهل البيت عليهم السلام بشأن الإمام المهدي عليه السلام:
فيما يلي نستعرض نماذج من أحاديث أهل البيت عليهم السلام حول الإمام المهدي عليه السلام في اُمّهات مصادر الكتب، ويمكن للباحث الرجوع إلى المصادر للاطّلاع على المزيد من الروايات:
ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام:
عن ثعلبة بن ميمون، عن مالك الجهني، عن الحارث بن المغيرة النصري، عن الأصبغ ابن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فوجدته متفكراً ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين ما لي أراك متفكراً تنكت في الأرض أرغبت فيها؟ فقال: (لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوماً قط ولكن فكرت في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، تكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون)، فقلت: يا أمير المؤمنين وإن هذا لكائن؟ فقال: (نعم كما أنه مخلوق وأنى لك بالعلم بهذا الأمر يا أصبغ أولئك خيار هذه الأمّة مع إبرار هذه العترة)، قلت: وما يكون بعد ذلك؟ قال: (ثمّ يفعل الله ما يشاء فإن له إرادات وغايات ونهايات).(٢٤٨)
عن كميل بن زياد _ بطرق كثيرة(٢٤٩) _ قال: أخذ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام بيدي فأخرجني إلى ظهر الكوفة، فلما أصحر، تنفس، ثمّ قال: (يا كميل، إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، احفظ عني ما أقول لك: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل ريح، لم يتسضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إلى ركن وثيق، يا كميل العلم خير من المال، العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق، يا كميل محبة العلم دين يدان به، يكسب الإنسان به الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته، وصنيع المال يزول بزواله، يا كميل مات خزان الأموال، وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، هاه، إن ههنا _ وأشار بيده إلى صدره _ لعلماً جماً لو أصبت له حملة، بل أصبت لقنا غير مأمون عليه، يستعمل آلة الدين للدنيا، ومستظهراً بحجج الله عز وجل على خلقه، وبنعمه على أوليائه؛ ليتخذه الضعفاء وليجة دون ولي الحق. أو منقاداً لحملة العلم لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشكّ في قلبه بأوّل عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً بالّلذات، سلس القياد للشهوات. أو مغرماً بالجمع والادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه. اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم بحجة إمّا ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً، لئلا تبطل حجج الله، وبيناته، وكم ذا، وأين أولئك، أولئك _ والله، الأقلون عدداً، والأعظمون خطراً، بهم يحفظ الله حججه، وبيناته، حتّى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم بهم العلم على حقائق الأمور، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعره المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، (و) صحبوا الدنيا بأبدان، أرواحها معلقة بالمحل الأعلى، يا كميل، أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه.. آه، شوقاً إلى رؤيتهم، وأستغفر الله لي ولكم).(٢٥٠)
حدّثنا محمّد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدّثنا أحمد بن إدريس قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري الكوفي قال: حدّثني إسحاق بن محمّد الصيرفي، عن أبي هاشم، عن فرات بن أحنف، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه ذكر القائم عليه السلام فقال: (أما ليغيبن حتّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد حاجة).(٢٥١)
حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد بن موسى بن عمران رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد بن عبد الحميد، وعبد الصمد بن محمّد جميعاً، عن حنان بن سدير، عن عليّ بن الحزور، عن الأصبغ بن _ نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول: (صاحب هذا الأمر الشريد الطريد الفريد الوحيد).(٢٥٢)
حدّثنا محمّد بن أحمد الشيباني رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الكوفي قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدمي قال: حدّثنا عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه، عن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: (للقائم منّا غيبة أمدها طويل كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول أمد غيبة إمامه فهو معي في درجتي يوم القيامة)، ثمّ قال عليه السلام: (إن القائم منّا إذا قام لم يكن لأحد في عنقه بيعة فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه).(٢٥٣)
حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عليّ بن معبد، عن الحسين بن خالد، عن عليّ بن موسى الرضا، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين، عن أبيه الحسين بن عليّ، عن أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام أنه قال: (التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، المظهر للدين، والباسط للعدل)، قال الحسين: فقلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ فقال عليه السلام: (إي والذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة واصطفاه على جميع البرية ولكن بعد غيبة وحيرة فلا يثبت فيها على دينه إلاّ المخلصون المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله عز وجل ميثاقهم بولايتنا وكتب في قلوبهم الإيمان وأيّدهم بروح منه).(٢٥٤)
حدّثنا محمّد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار، عن سهل بن زياد الآدمي، وأحمد بن محمّد بن عيسى قالا: حدّثنا الحسن بن العبّاس ابن الحريش الرازي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الثاني، عن آبائه عليهم السلام، أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عبّاس: (إن ليلة القدر في كل سنة وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة ولذلك الأمر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال ابن عبّاس: من هم؟ قال: (أنا وأحد عشر من صلبي أئمّة محدّثون).(٢٥٥)
عن سيدة نساء العالمين الزهراء البتول عليها السلام:
حدّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني رضي الله عنه قال: حدّثنا الحسن بن إسماعيل قال: حدّثنا أبو عمرو سعيد بن محمّد بن نصر القطان قال: حدّثنا عبد الله بن محمّد السلمي قال: حدّثنا محمّد بن عبد الرحمن قال: حدّثنا محمّد بن سعيد بن محمّد قال: حدّثنا العبّاس بن أبي عمرو، عن صدقة بن أبي موسى، عن أبي نضرة قال:
لما احتضر أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام عند الوفاة دعا بابنه الصادق عليه السلام، فعهد إليه عهداً فقال له أخوه زيد بن عليّ بن الحسين: لو امتثلت في تمثال الحسن والحسين عليهما السلام لرجوت أن لا تكون أتيت منكراً، فقال: (يا أبا الحسن إن الأمانات ليست بالتمثال، ولا العهود بالرسوم، وإنما هي أمور سابقة عن حجج الله تبارك وتعالى)، ثمّ دعا بجابر بن عبد الله فقال له: يا جابر حدّثنا بما عاينت في الصحيفة؟ فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر دخلت على مولاتي فاطمة عليها السلام لأهنئها بمولود الحسن عليه السلام فإذا هي بصحيفة بيدها من درة بيضاء، فقلت: يا سيدة النسوان ما هذه الصحيفة التي أراها معك؟ قالت: (فيها أسماء الأئمّة من ولدي)، فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: (يا جابر لولا النهي أفعل لكنه نهي أن يمسها إلاّ نبي أو وصي نبي، أو أهل بيت نبي، ولكنه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها). قال جابر: فقرأت فإذا فهيا: (أبو القاسم محمّد بن عبد الله المصطفى، اُمّه آمنة بنت وهب. أبو الحسن عليّ بن أبي طالب المرتضى، اُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف. أبو محمّد الحسن بن عليّ البر. أبو عبد الله الحسين بن عليّ التقي، اُمّهما فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، أبو محمّد عليّ بن الحسين العدل، اُمّه شهربانويه بنت يزدجرد ابن شاهنشاه، أبو جعفر محمّد بن عليّ الباقر، اُمّه اُمّ عبد الله بنت الحسن بن عليّ بن أبي طالب. أبو عبد الله جعفر بن محمّد الصادق، اُمّه اُمّ فروة بنت القاسم بن محمّد بن أبي بكر. أبو إبراهيم موسى بن جعفر الثقة، اُمّه جارية اسمها حميدة. أبو الحسن عليّ بن موسى الرضا، اُمّه جارية اسمها نجمة. أبو جعفر محمّد بن عليّ الزكي، اُمّه جارية اسمها خيزران. أبو الحسن عليّ بن محمّد الأمين، اُمّه جارية اسمها سوسن. أبو محمّد الحسن بن عليّ الرفيق، اُمّه جارية اسمها سمانة وتكنى باُمّ الحسن. أبو القاسم محمّد بن الحسن، هو حجة الله تعالى على خلقه القائم، اُمّه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين).
ما ورد عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام:
عن حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن عليّ عليهما السلام معاوية بن أبي سفيان دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عليه السلام: (ويحكم ما تدرون ما عملت والله الذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أنني إمامكم مفترض الطاعة عليكم وأحد سيدي شباب أهل الجنّة بنص من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليَّ؟)، قالوا: بلى، قال: (أما علمتم أن الخضر عليه السلام لما خرق السفينة وأقام الجدار وقتل الغلام كان ذلك سخطاً لموسى بن عمران إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصواباً، أما علمتم أنه ما منّا أحد إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم عليه السلام خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثمّ يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير).(٢٥٦)
ما ورد عن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام:
عن محمّد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق جعفر بن محمّد عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين عليهم السلام قال: قال الحسين بن عليّ عليهما السلام: (في التاسع من ولدي سُنّة من يوسف، وسُنّة من موسى بن عمران عليهما السلام وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة).(٢٥٧)
وكيع بن الجراح، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سليط قال: قال الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام: (منّا اثنا عشر مهدياً أوّلهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي، وهو الإمام القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها أقوام ويثبت فيها على الدين آخرون، فيؤذون ويقال لهم: (مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم).(٢٥٨)
عن يحيى بن وثاب، عن عبد الله بن عمر، قال: سمعت الحسين بن عليّ عليهما السلام يقول: (لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل الله عز وجل ذلك اليوم حتّى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، كذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول).(٢٥٩)
ما ورد عن الإمام عليّ بن الحسين عليهما السلام:
حدّثنا الشريف أبو الحسن عليّ بن موسى بن أحمد بن إبراهيم بن محمّد بن عبد الله بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدّثنا أبو عليّ محمّد بن همام قال: حدّثنا أحمد بن محمّد النوفلي قال: حدّثنا أحمد بن هلال، عن عثمان بن عيسى الكلابي، عن خالد بن نجيح، عن حمزة بن حمران، عن أبيه (حمران بن أعين)، عن سعيد بن جبير قال: سمعت سيد العابدين عليّ بن الحسين عليهما السلام يقول: (في القائم منّا سُنن من الأنبياء (سُنّة من أبينا آدم عليه السلام، و) سُنّة من نوح، وسُنّة من إبراهيم، وسُنّة من موسى، وسُنّة من عيسى، وسُنّة من أيّوب، وسُنّة من محمّد صلوات الله عليهم، فأما (من آدم و) نوح فطول العمر وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى، فالخوف والغيبة وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأمّا من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فالخروج بالسيف).(٢٦٠)
حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن بسطام بن مرة، عن عمرو بن ثابت قال: قال عليّ بن الحسين سيد العابدين عليهما السلام: (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر واُحد).(٢٦١)
ما ورد عن الإمام محمّد بن عليّ الباقر عليه السلام:
محمّد بن إسحاق، عن أسيد بن ثعلبة، عن اُمّ هانئ قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام فسألته عن هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ)؟ فقال: (إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقاد في ظلمة الليل فإن أدركت ذلك قرت عيناك).(٢٦٢)
حدّثنا أحمد بن هارون الفامي، وعليّ بن الحسين بن شاذويه المؤدب، وجعفر بن محمّد بن مسرور، وجعفر بن الحسين رضي الله عنهم قالوا: حدّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أيّوب بن نوح، عن العبّاس بن عامر القصباني. وحدّثنا جعفر بن عليّ بن الحسن بن عليّ عبد الله بن المغيرة الكوفي قال: حدّثني جدّي الحسن بن عليّ بن عبد الله، عن العبّاس بن عامر القصباني عن موسى بن هلال الضبي، عن عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن شيعتك بالعراق كثيرون فوالله ما في أهل بيتك مثلك فكيف لا تخرج؟ فقال: (يا عبد الله بن عطاء قد أمكنت الحشو من أذنيك، والله ما أنا بصاحبكم)، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: (أنظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم).(٢٦٣)
حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن عبد الله بن حماد الأنصاري، ومحمّد بن سنان جميعاً، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام قال: قال لي: (يا أبا الجارود إذا دارت الفلك، وقال الناس: مات القائم أو هلك، بأيّ واد سلك، وقال الطالب: أنى يكون ذلك وقد بليت عظامه فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبواً على الثلج).(٢٦٤)
ما ورد عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام:
حدّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس رضي الله عنه، قال: حدّثنا أبي، عن أيّوب بن نوح، عن محمّد بن سنان، عن صفوان بن مهران، عن الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام أنه قال: (من أقرَّ بجميع الأئمّة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم نبوته)، فقيل له: يا ابن رسول الله فمن المهدي من ولدك؟ قال: (الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته).(٢٦٥)
حدّثنا أبي، ومحمّد بن الحسن رضي الله عنهما قالا: حدّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعاً، عن إبراهيم بن هاشم، عن محمّد بن خالد، عن محمّد ابن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (أقرب ما يكون العباد من الله عز وجل وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله عز وجل، فلم يظهر لهم ولم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجج الله (عنهم وبيناته) فعندها فتوقعوا الفرج صباحاً ومساءً، وإن أشد ما يكون غضب الله تعالى على أعدائه إذا افتقدوا حجة الله فلم يظهر لهم، وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون لما غيب عنهم حجته طرفة عين، ولا يكون ذلك إلاّ على رأس شرار الناس).(٢٦٦)
ما ورد عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام:
الحسن ابن موسى الخشاب، عن العبّاس بن عامر القصباني قال: سمعت أبا الحسن موسى ابن جعفر عليهما السلام يقول: (صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يولد بعد).(٢٦٧)
عليّ بن حسان، عن داود بن كثير الرقي، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام عن صاحب هذا الأمر قال: (هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله، الموتور بأبيه عليه السلام).(٢٦٨)
عن صالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله أنت القائم بالحق؟ فقال: (أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء الله عز وجل ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون). ثمّ قال: (طوبى لشيعتنا، المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمّة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة).(٢٦٩)
ما ورد عن الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام:
حدّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن أيّوب بن نوح قال: قلت للرضا عليه السلام: إنا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر وأن يرده الله عز وجل إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك، فقال: (ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال إلاّ اغتيل أو مات على فراشه حتّى يبعث الله عز وجل لهذا الأمر رجلاً خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه).(٢٧٠)
حدّثنا أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا جعفر ابن محمّد بن مالك الفزاري، عن عليّ بن الحسن بن فضال، عن الريان بن الصلت قال: سمعته يقول: سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن القائم عليه السلام فقال: (لا يرى جسمه ولا يسمى باسمه).(٢٧١)
ما ورد عن الإمام محمّد بن عليّ الجواد عليه السلام:
حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى الدقاق رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن هارون الصوفي قال: حدّثنا أبو تراب عبد الله موسى الروياني قال: حدّثنا عبد العظيم بن عبد الله بن عليّ بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام (الحسني) قال: دخلت على سيدي محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم أهو المهدي أو غيره فابتدائي فقال لي: (يا أبا القاسم إن القائم منّا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بالنبوة وخصنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وإن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله ناراً فرجع وهو رسول نبي)، ثمّ قال عليه السلام: (أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج).(٢٧٢)
ما ورد عن الإمام عليّ بن محمّد الهادي عليه السلام:
حدّثنا أبي رضي الله عنه قال: حدّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عمر الكاتب، عن عليّ بن محمّد الصيمري، عن عليّ بن مهزيار قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أسأله عن الفرج، فكتب إليَّ: (إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقعوا الفرج).(٢٧٣)
حدّثنا محمّد بن الحسن رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر عليه السلام يقول: (الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟)، فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ فقال: (لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه)، قلت: فكيف نذكره؟ قال: (قولوا: الحجة من آل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم).(٢٧٤)
حدّثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني رضي الله عنه قال: حدّثنا عليّ بن إبراهيم قال: حدّثنا عبد الله بن أحمد الموصلي قال: حدّثنا الصقر بن أبي دلف قال: سمعت عليّ بن محمّد بن عليّ الرضا عليهم السلام يقول: (إن الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً).(٢٧٥)
ما ورد عن الإمام الحسن بن عليّ العسكري عليه السلام:
حدّثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي السمرقندي رضي الله عنه قال: حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسعود العياشي، عن أبيه، عن أحمد بن عليّ بن كلثوم، عن عليّ بن أحمد الرازي، عن أحمد بن إسحاق بن سعد قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن عليّ العسكري عليهما السلام يقول: (الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتّى أراني الخلف من بعدي، أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خَلقاً وخُلقاً، ويحفظه الله تبارك وتعالى في غيبته، ثمّ يظهره فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً).(٢٧٦)
حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطار رضي الله عنه قال: حدّثنا سعد بن عبد الله قال: حدّثنا موسى بن جعفر بن وهب البغدادي قال: سمعت أبا محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام يقول: (كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف منّي، أما إن المقر بالأئمّة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله ثمّ أنكر نبوة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمنكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كمن أنكر جميع أنبياء الله لأن طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأوّلنا. أما إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلاّ من عصمه الله عز وجل).(٢٧٧)
حدّثنا عليّ بن أحمد بن محمّد رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي قال: حدّثنا سهل بن زياد الآدمي قال: حدّثنا الحسن بن محبوب، حدّثنا محمّد بن عليّ ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدّثنا محمّد بن يحيى العطار قال: حدّثني جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري قال: حدّثني معاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيّوب بن نوح: ومحمّد بن عثمان العمري رضي الله عنه قالوا: عرض علينا أبو محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام ونحن في منزله وكنّا أربعين رجلاً فقال: (هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا)، قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلاّ أيام قلائل حتّى مضي أبو محمّد عليه السلام.(٢٧٨)

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
إثبات الهداة: الحر العاملي/ ط قم.
اُسد الغابة: ابن الأثير/ منشورات إسماعيليان/ طهران.
الإصابة: ابن حجر.
أصل الشيعة وأصولها: محمّد الحسين آل كاشف الغطاء.
إعلام الورى: أمين الإسلام الطبرسي/ مؤسسة آل البيت عليهم السلام/ قم.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ ت قسم الدراسات/ قم/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسسة البعثة.
الأمالي: الطوسي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ ت قسم الدراسات الإسلامية/ دار الثقافة/ قم.
الإمامة والتبصرة من الحيرة: ابن بابويه/ ت مدرسة الإمام المهدي.
الأنساب: السمعاني/ دار الجنان/ بيروت/ ١٤٠٨ هـ.
بحار الأنوار: محمّد باقر المجلسي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الوفاء/ بيروت.
البداية والنهاية: ابن كثير/ ت عليّ شيري/ ط ١/ ١٤٠٨هـ.
بصائر الدرجات: الصفار/ مط الأحمدي/ طهران/ ط ١٤٠٤هـ/ الأعلمي.
بنية العقل العربي: الجابري.
البيان في أخبار صاحب الزمان: ابن عبد الله محمّد الكنجي.
تاريخ الطبري: الطبري/ ط ٤/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الأعلمي/ بيروت.
تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر/ ط ١٤١٥هـ/ مط دار الفكر/ ت عليّ شيري.
التبيان في تفسير القرآن: الطوسي/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مكتبة الإعلام الإسلامي.
تحرير الأحكام: العلامة الحلي/ مؤسسة آل البيت للطباعة والنشر.
تحفة القاري: العيني.
تفسير ابن أبي حاتم: ابن أبي حاتم الرازي/ ت أسعد الطيب/ المكتبة العصرية.
تفسير ابن كثير: ابن كثير الدمشقي/ مط دار المعرفة/ بيروت/ ط ١٤١٢هـ.
تفسير الآلوسي: الآلوسي.
تفسير البحر المحيط: أبي حيان الأندلسي/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الكتب العلمية.
تفسير القرطبي: القرطبي/ ط ١٤٠٥/ طبع ونشر دار إحياء التراث الشيعي/ بيروت.
تقريب التهذيب: ابن حجر/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ ط ٣/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
تهذيب التهذيب: ابن حجر/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
الجامع الصغير: عبد الرحمن أبي بكر جلال الدين السيوطي/ دار الفكر/ بيروت.
جامع المقاصد في شرح القواعد: عليّ الكركي/ مؤسسة آل البيت/ ط ١.
الدر المنثور: السيوطي/ ط ١/ ١٣٦٥هـ/ مط الفتح جدة/ دار المعرفة.
دلائل النبوة: إسماعيل الاصبهاني/ دار العاصمة.
الذريعة إلى تصانيف الشيعة: آقا بزرك الطهراني/ دار الأضواء/ بيروت.
زاد المسير: ابن الجوزي/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ دار الفكر/ بيروت.
السرائر: ابن إدريس الحلي/ ت لجنة التحقيق/ ط ٢/ ١٤١٠هـ.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ دار الفكر/ (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي).
سنن أبي داود: أبو داود السجستاني/ دار الفكر/ (تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي).
سنن الترمذي: الترمذي/ دار الفكر/ تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف.
صحيح لأبن حبان بترتيب ابن بلبان: علاء الدين عليّ بن بلبان الفارسي/ ت الأرنؤوط/ مط الرسالة/ ط ٢/ ١٤١٤هـ.
صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري/ مط دار الفكر/ بيروت.
صحيح مسلم: مسلم ابن الحجاج النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم: زين الدين أبي محمّد عليّ بن يونس العاملي البياض/ ت محمّد باقر البهبودي/ مط الحيدري/ المكتبة المرتضوية.
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة: ابن حجر العسقلاني.
العدد القوية: علي بن يوسف الحلي/ مكتبة المرعشي/ قم/ ١٤٠٨ هـ.
عقد الدرر في أخبار المنتظر: يوسف بن يحيى المقدسي الشافعي/ ت عبد الفتاح الحلو/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مط أسوة.
العقل السياسي العربي: الجابري.
علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ط عام ١٣٨٥/ دار إحياء التراث العربي.
عمدة القاري: العيني/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
عون المعبود شرح سنن أبي داود: محمّد شمس الحق العظيم آبادي/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ مط دار الكتب العلمية/ بيروت.
عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: محمّد بن عبد الله بن سيد الناس/ نشر مؤسسة عز الدين/ بيروت.
عيون أخبار الرضا عليه السلام: الشيخ الصدوق/ ط الثانية ١٣٦٣/ مكتبة طوس.
الغدير: الشيخ عبد الحسين الأميني/ مط دار الكتاب العربي/ بيروت/ ط ١٣٧٩هـ.
الغيبة: الطوسي/ مؤسسة المعراف الإسلاميّة/ ط١/ ١٤١١هـ.
فتح الباري: ابن حجر/ دار المعرفة/ بيروت/ الطبعة الثانية.
فرائد السمطين: شيخ الإسلام الحمويني.
فيض القدير في شرح الجامع الصغير من أحاديث البشير النذير: محمّد عبر الرؤوف المناوي/ ت أحمد عبد السلام/ نشر دار الكتب العلمية بيروت/ ط ١.
الكاشف: الذهبي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ دار القبلة/ جدة.
الكافي: الشيخ الكليني/ ت عليّ أكبر غفاري/ ط ٣/ ١٣٨٨هـ/ مط حيدري.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير/ دار بيروت/ ١٩٦٥م.
الكتاب المقدس: مجمع الكنائس الشرقية.
الكشاف: الزمخشري/ دار الكتاب العربي/ بيروت.
كمال الدين: الصدوق/ ت عليّ أكبر غفاري/ ط ١٤٠٥هـ/ جماعة المدرسين.
كنز العمال: المتقي الهندي/ ت مجموعة/ مطبع ونشر/ مؤسسة الرسالة/ بيروت.
لقد شيعني الحسين: إدريس الحسيني المغربي.
مجمع الزوائد: نور الدين الهيثمي/ ط ١٤٠٨هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
المستدرك: محمّد بن محمّد الحاكم النيسابوري/ دار المعرفة/ بيروت ١٤٠٦هـ.
مسند أحمد: الإمام أحمد بن حنبل/ طبع ونشر دار صادر/ بيروت.
مسند الإمام الرضا عليه السلام: عزيز الله عطاردي/ ط ١٤٠٦هـ.
المعجم الأوسط: أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني/ دار الحرمين/ ١٤١٥هـ.
المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني/ ت السلفي/ مط دار إحياء التراث العربي/ ابن تيمية/ القاهرة.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسسة صاحب الأمر.
الملل والنحل: الشهرستاني/ ت محمّد سيد كيلاني/ دار المعرفة/ بيروت.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب/ ت مجموعة ط ١٣٧٦/ المطبعة الحيدرية/ النجف.
الموضوعات: ابن الجوزي/ المكتبة السلفية/ ط ١/ ١٣٨٨هـ.
ميزان الاعتدال: الذهبي/ ت البجاوي/ ط ١/ ١٣٨٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
نحن والتراث: الجابري.
نوادر المعجزات: الطبري (الشيعي)/ مؤسسة الإمام المهدي/ ط ١/ ١٤١٠هـ.
نور الأفهام في علم الكلام: اللواساني/ مؤسسة النشر الإسلامي/ ط ١/ ١٤٢٥هـ.
وسائل الشيعة: الحر العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤/ مؤسسة آل البيت عليهم السلام/ مط مهر/ قم.
ينابيع المودة لذوي القربى: سليمان القندوزي الحنفي/ دار الأسوة/ ط ١.

* * *



 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) منتخب الأثر: ٤٩٢.
(٢) إشارة إلى نزول الملائكة على قلب المعصوم في ليلة القدر كما هو صريح القرآن.
(٣) إن هذه ظاهرة غير مفسرة - أصلاً - ولكنها واقعة - فعلاً -. وقد استغلّها الكثير من الدجالين، للترويج بين بسطاء المسلمين والدعوى بارتباطهم بالجن جسدياً، والحقيقة هي أن الارتباط - إذا حدث - فهو روحي، وملكوتي، ومن وجود غير الوجود الجسمي المعروف.
وبهذا يمكن تفسير قوله تعالى: (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الإِْنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) (الجن: ٦). فالارتباط الملكوتي، أو الروحي، موجود، والتأثير، والتأثر موجود - أيضاً - كما تدل عليه النصوص الدينية، والدراسات الباراسيكولوجية الحديثة، التي قدرت إمكانية التواصل، عن طرق خارج جسد الإنسان. على أن قضية الارتباط بالجن، قضية غير ذات قيمة؛ لأن الجن مخلوق مكلّف مثلنا، فيه الجاهل، والعالم بخلاف الملائكة المكرمين. فدعوى الكرامات بالارتباط بالجن، قد تنقلب إلى عكسها؛ لأنها عبارة عن ارتباط بالجهل، والضلال، والظلام، في غالب أصحاب الدعوات العلنية بخلاف من لا يكشف ذلك لأنه يعرف أن هذا الأمر ليس بشيء تجاه كرامة الله.
(٤) نشرت الأهالي المصرية في عددها يوم (٢٣/١٠/ ٢٠٠٦م) على الصفحة الأخيرة، وصحيفة الوفاق/ علوم و تكنولوجيا/ السنة العاشرة/ العدد: ۲٦۳٤/ (الاثنين/ ۲۹ رمضان/ ۱٤۲۷ - ٢٣/ ١٠/ ۲۰۰٦م): خبرا ًبعنوان: تصميم جهاز يجعل الأشياء غير مرئية. قالت فيه: نجح علماء أمريكيون وبريطانيون، في تصميم جهاز قادر على لعب دور رداء الإخفاء، وحجب الأغراض الموضوعة فيه عن الأنظار، عبر تقنية ثورية جديدة، تستند على تشتيت الضوء، ومنع الانعكاسات. ووفقاً لشبكة (سي ان ان) الأمريكية، فإن الجهاز عبارة عن خليط معدني خاص، يضاف إليه أجزاء من السيراميك، والتفلون، والألياف، وهو سيكون قادراً عند الانتهاء من تطويره، على إخفاء نفسه، والأغراض التي يحتويها، بالإضافة إلى ظله الخاص، بحيث يصبح من المستحيل رؤيته، أو الشعور بوجوده. وقال صاحب المشروع، (ديفيد شيوريغ): إن الجهاز يقوم ببعثرة الضوء، والتموجات المنعكسة عن الأشياء، وبالتالي يجعلها مخفية، حيث أن العين البشرية، تعجز عن رؤية الأشياء، إلاّ بعد انعكاس الضوء عليها. وأوضح أن التقنية، التي اخترعها، ترتكز على تركيبة معدنية خاصة، تختلف عن تقنية الشبح، المستعملة في بعض أنواع الطائرات الحربية، والتي تلجأ إلى تقليص مقدار انعكاس الموجات القصيرة، عن جسم الطائرات تفادياً لرصد الرادارات لها. وأضاف شيوريغ: أن التقنية الجديدة، تقوم على تغليف كامل للأغراض المطلوب إخفائها، بحيث تتشتت عنها التموجات الضوئية، بصورة مشابهة لما يحدث، حين تمر مياه النهر حول صخرة في وسطه... وذكر بأن الجهاز، نجح في تجربته الأولى، في إخفاء اسطوانة نحاسية، بشكل شبه كامل. ويسعى العلماء المشرفون على المشروع، إلى تحسينه في الفترة المقبلة، بحيث ينجح ليس في إخفاء الأغراض فحسب، بل وفي إخفاء الظلال الناتجة عنه. ويطمح الفريق العلمي، الذي صمم الجهاز، إلى تطوير نماذج مستقبلية منه، تنجح في إخفاء البشر، وبذلك يكونوا قد حققوا إحدى العجائب، التي طالما كان الناس يتندرون بها في القصص الخرافية.
(٥) نشر موقع الـ (بي بي سي أونلاين) - في (٤/ ١/ ٢٠٠٠م) - مقالاً بعنوان: طب المستقبل يهدف إلى خداع الموت، وهو تقرير يبيّن أن سرّ الموت، هو ما يجب إزالته، والتأثير عليه. جاء فيه: ترى كم سيكون عمر أطفال القرن الحادي والعشرين؟ لن يرضى الباحثون في مجال الطب، في القرن الحادي والعشرين – ببساطة - بمعالجة العلل، والأمراض فحسب، بل سيهدفون إلى خداع الموت ذاته، فقد أصبح العلماء الآن أقرب إلى فهم الآليات البيولوجية، التي تعمل على الهَرم، وتساعد على الموت. قبل عدة عقود، لم يكن أحد يفكر في أننا نستطيع زيادة سنوات العمر، وكان يعتقد أن فترة الحياة القصوى لبني البشر، تبلغ نحو مئة عام، ويرجع ذلك إلى ما يعرف بالساعة الجينية، التي لا تقبل التغيير، ولكن بعض الاكتشافات الحديثة، أجبرت العلماء، على إعادة النظر في نظرياتهم الخاصة بكبر السن. فقد عثر العلماء - بالفعل - على بعض الجينات، التي لها دور في تأخير عملية الهرم، في حيوانات المختبرات، وبعد عدد من التجارب على هذه الحيوانات:
ذبابة الفاكهة تحدت الموت في المختبر:
تمكن العلماء من إيجاد سلالات فائقة، من الناحية العضوية، منها ذبابات الفواكه، التي يمكن أن تعمر ضعف حياتها الطبيعية المعتادة، وتموت وهي في كامل صحتها. وفي مختبر آخر، اكتشف العلماء فئراناً، يمكنها إعادة توليد أجزاء من أجسامها، وتصلح - باطراد - الأضرار، التي أفسدها العمر خلال عملية الهرم، وعلى الرغم من الجدل، الذي تثيره هذه الاكتشافات، فإن بعض العلماء واثقون من نتائج بحوثهم، ويمكن توسيع نطاقها لتشمل أجيال المستقبل، من بني الإنسان.
وقد نشر موقع الـ (بي بي سي أونلاين) - في (٨/ ٣/ ٢٠٠١م) - مقالاً آخر بعنوان: إطالة عمر الديدان فأل حسن للبشر، جين إضافي يمد بعمر الديدان، جاء فيه:
تمكن فريق من العلماء من إطالة عمر بعض الديدان، مما قد يوفر مدخلاً، لمعرفة أسرار الشيخوخة لدى البشر. وقد وجد العلماء، أن حياة بعض أنواع الطفيليات، التي تسمى بالديدان المستديرة، تطول بمقدار خمسين بالمئة، عند إدخال جين مضاد للكبر، من الخميرة إليها، ويسعى الفريق العلمي، وهو من معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، في الولايات المتحدة، إلى إحداث تغيير في التركيب الجيني للفئران، لمعرفة ما إذا كان بالإمكان، الحصول على نتائج متشابهة، في حيوانات أكثر تطوراً من الديدان، وقد يوفر هذا البحث، أدلّة وراثية، توضح أسرار ظاهرة الشيخوخة، عند الإنسان، كما قد يسرع في إنتاج عقاقير، تساعد في تأجيلها، وتتلخص التجربة، بإدخال نسخ إضافية، من جين خاص بالخميرة، يدعى (سي آي آر) إلى الديدان. ويستند ذلك، إلى أن الخمائر، التي توجد فيها نسختان من ذلك الجين، تعيش أمداً أطول، من تلك التي لا يوجد فيها الجين نفسه.
الخمائر والديدان:
وقد تمكن فريق البحث، من إطالة مدة حياة الديدان، من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، بإدخال قطعة مصنعة، من حامض (دي إن أيه) يتضمن جين الخميرة المذكور. ويقول ليونارد جوارنتي، الذي يقود فريق البحث: إنه في حالة إدخال قطعة إضافية من الجين إلى الدودة، فإن ذلك سيطيل من عمرها أكثر. وتعد النتائج، التي توصل إليها البحث مدهشة، إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن الطفيليات، رغم بساطة تركيبها، أكثر تعقيداً من الخمائر، ذات الخلية الواحدة. ويعتقد العلماء أن الشيخوخة لدى الكائنات المتطورة، بما فيها البشر، قد تكون مرتبطة بجينات مشابهة للجين موضوع البحث، ويعلق جوارنتي على ذلك بالقول: إن ما ينطبق على الخميرة، والطفيلي، ينطبق على جميع الكائنات؛ لأنهما ينتميان إلى فرعين متباعدين في شجرة الحياة.
الفئران أيضاً: ويجري الفريق - الآن - تجاربه على التركيب الوراثي للفئران، لدراسة ظاهرة الشيخوخة. ويعتقد بعض الخبراء، بأن البحث المنشور في مجلة - نيتشر - العلمية، قد يوفر مدخلاً لمعرفة شيخوخة البشر. ويرى ديفيد جيمز، من كلية يونيفرستي كوليدج، في جامعة لندن: أن البحث يوضح على الأقل، حقيقة اشتراك عدد من الكائنات، في الجينات التي تحدد ظاهرة الشيخوخة.
ونشر موقع الـ (بي بي سي أونلاين) - في (٢٨/ ٨/ ٢٠٠١م) - تقريراً بعنوان: جينات مسؤولة عن طول العمر، يؤكد اكتشاف جينات العمر، وهي جينات تحدد العمر، يمكن التدخل فيها، لإيقاف أسباب الأمراض، والموت. وكان مما جاء فيه:
جزء بسيط من الشفرة الجينية يحمل مفتاح سرّ عملية:
قال علماء أمريكيون: إن دراسة جينات الأشقاء المعمرين، قد تساعد العلماء، على فهم ظاهرة طول العمر. وأكّد باحثون، يعملون في أربعة مراكز للبحوث العلمية، في الولايات المتحدة، أنهم توصلوا إلى تحديد شفرات جينية معينة، قد تلعب دوراً مهماً في الطريقة، التي يتقدم فيها البشر في العمر. وقام فريق العلماء بدراسة التركيبات الجينية، لمجموعة من الأشقاء، والشقيقات المعمرين، بلغت ثلاثمائة وثمانية أشخاص، عاشوا إلى عمر التسعين على الأقل، ومنهم من بلغ الثامنة والتسعين عاماً، فوجد العلماء، أن عدداً كبيراً من المعمرين، قد ورثوا مجموعة من الجينات في الكروموسوم الرابع. ويأمل العلماء، أن تساعد هذه النتائج، التي نشرت في مجلة أكاديمية العلوم القومية الأمريكية، على تحديد الجينات، التي يمكن أن تساعد في المستقبل، على التوصل إلى إيجاد علاج للأمراض، التي تظهر في سن الشيخوخة، مثل أمراض القلب، والزهايمر.
ليست محض صدفة:
وقال البروفسور لويس كونكل، الذي أشرف على الدراسة: إن نسبة وجود جينات مشتركة للأشقاء، بلغت خمسة وتسعين بالمئة، وهي نسبة لا يمكن اعتبارها محض صدفة. وأضاف كونكل: أنه من الواضح الآن، وجود علاقة بين طول العمر، والتركيبة الجينية للمعمرين. وأكّد أنه إذا كان هناك شخصاً واحداً، معمراً في العائلة، بلغ عمر المئة عام، فعلى الأغلب، سيكون له شقيقين، أو ثلاثة، يعيشون لعمر المئة، أيضاً. وفي الوقت، الذي يعتبر فيه هؤلاء الأشقاء، محظوظين لتوارثهم جينات تطيل من عمرهم، فهم محظوظون - أيضاً - لعدم توارثهم جينات أمراض قاتلة، مثل أمراض القلب، والجلطة، والسرطان، والزهايمر.
تحديات مستقبلية:
وقال كونكل: إن العمل الشاق، يبدأ الآن؛ لأنه يتوجب على العلماء، العثور على الجينات المسؤولة عن طول العمر، ضمن نطاق منطقة الكروموسوم الرابع، وهي عملية معقدة للغاية؛ لوجود أكثر من خمسمائة جين في تلك المنطقة. يذكر أنه، لم تقم أيّة محاولة في الماضي، لتمديد عمر البشر، عبر إجراء تعديلات جينية، ولكن العلماء يأملون التوصل إلى عمل ذلك، بتعديل عدد من الجينات، فقط. وقد تمكن العلماء - سابقاً - من تطويل عمر مخلوقات بسيطة التركيب، مثل الدودة الخيطية، وحشرة الفواكه.
هذا الهامش طويل جدّاً لا يمكن أن ينفع كثيراً. والقول بالبرهان المنطقي الكلامي أولى منه، إذ الأصل فيما خلق الله تعالى من الأحياء، الحياة، والموت طارئ يطرأ عليها، والله تعالى هو القادر على منعه عمن يشاء. وكفى بالله قادراً وقديراً.
(٦) كما جاء في المقدّمة.
(٧) الكيسانية: فرقة، ومذهب انتشر بعد مقتل الإمام الحسين عليه السلام، يقال: إن من رجالاته المختار الثقفي، وهو مذهب يعتقد أن المهدي، هو محمّد بن الحنفية، وأنه لم يمت بل غاب وسيرجع. وأنه حي يرزق في جبل رضوى، وكان لهذا المذهب أتباع كثر، منهم كثير عزة، والسيد الحميري، الذي رجع عن مذهبه إلى الإمامية بعد لقاءه الإمام الصادق عليه السلام.
وفي كتاب السرائر لابن إدريس الحلي ٣: ١٦٢: (الكيسانية، وهم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفية، وأنه اليوم حي، وهو المهدي الذي يظهر، والناووسية، القائلون بأن جعفر بن محمّد عليه السلام لم يمت، وهو المهدي). وفي تحرير الأحكام للعلامة الحلي ٣: ٣٠٢ و٣٠٣/ الهامش: (الكيسانية هم القائلون بإمامة محمّد بن الحنفية، ويزعمون أنه اليوم حي، وهو المهدي الذي يظهر). وفي جامع المقاصد للمحقق الكركي ٩: ٤٢ – ٤٦/ شرح: (واعلم أن الكيسانية - ينسبون إلى كيسان مولى أمير المؤمنين عليه السلام، ويقال أنه تلميذ محمّد بن الحنفية - يقولون بغيبة محمّد رضي الله عنه).
(٨) الإصابة لابن حجر ٢: ١٨٢؛ تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ١٥: ١٣٥.
(٩) الصراط المستقيم/ عليّ بن يونس العاملي ٢: ٢٢٩، وأسند عبد الواحد، إلى السيد الحميري، قال: كنت أقول بالغلو، وأعتقد غيبة ابن الحنفية، فلما صح عندي بالدلائل، التي شاهدت من الصادق عليه السلام أنه الإمام، سألته عن الغيبة، فقال: (ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمّة، لم يخرج من الدنيا حتّى يطهرها)، فرجعت عمّا كنت (عليه).
(١٠) منها قوله تعالى: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٥٩).
(١١) مريم: ٥٦ و٥٧.
(١٢) الأنبياء: ٨٥ و٨٦.
(١٣) مريم: ٥٧.
(١٤) اختلف المفسرون في معنى: (وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا)، ولكنهم اتفقوا، أنه ليس بمعنى الموت، فقسم قال: إلى الجنّة مباشرة. مناقب ابن شهرآشوب ١: ١٥٣. وقسم قال: إلى السماء. مناقب ابن شهرآشوب ١: ١٨٤. وقد أورد العيني في تحفة القاري ١٥: ١٢٨: كل هذه المعاني، وأضاف معنى آخر، هو أن الارتفاع - هنا - الرفعة في المكانة، ولكنه روى: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، رآه مرتفعاً - حين المعراج - في السماء الرابعة، مما يؤيد نظرية ارتفاعه إلى السماء، كعيسى عليه السلام وهو حيّ يرزق. وسار على ذلك جميع المفسرين.
(١٥) اسم اوزريس، من أكثر الأسماء إيهاماً؛ لأنه تارة يكون لهرمس، وتارة لإله الخير عند المصريين، والذي يبدو واضحاً، إن الآلهة المصرية، هي آلهة تجسيمية، أصلها إنساني. ولهذا، فليس بمستبعد، أن يتحوّل القديس في الوجدان الشعبي إلى إله، تنسج حوله الخرافات، كما هو ملاحظ عند جميع الوثنيين تقريباً. ويلاحظ التشابه الصوتي، بين إدريس، وأوزريس.
(١٦) قالوا: إن هناك ثلاث شخصيات، سميت بهرمس. الأوّل منهم: هو النبي إدريس عليه السلام، والاثنان الآخران، هما من الحكماء المتأخرين عنه، وقيل: هما من الأنبياء – أيضاً -. وقد وصف النبي إدريس (هرمس المثلث بالحكمة)، بأوصاف كثيرة، وأن له كتباً، وتآليف تدرس إلى الآن، وبعضها مطبوع، وهذه بعض المقتطفات، مع التعليقات على ما جاء في أمر النبي إدريس عليه السلام، وكونه هرمس الأوّل نفسه:
المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣: ١٢٥ و١٢٦: (قال ابن فضل الله: كان إدريس يسمى هرمس المثلث، كان نبياً، وحكيماً، وملكاً، ووزيراً. قال أبو معشر: هو أوّل من تكلم في الأشياء العلوية، من الحركات النجومية، وأوّل من عمل الكيمياء، وأوّل من بنى الهياكل، ومجد الله فيها، وأوّل من نظر في الطب، وتكلم فيه، وأنذر بالطوفان، وكان يسكن صعيد مصر، فبنى هناك الأهرام، والبرابي، وصور فيها جميع الصناعات، وأشار إلى صفات العلوم لمن بعده حرصاً منه، على تخليدها بعده، وخيفة أن يذهب رسمها من العالم، وأنزل الله عليه ثلاثين صحيفة، ثمّ رفعه مكاناً علياً). (انتهى).
أقول: كيف يكون ملكاً ووزيراً في آن واحد؟
(١٧) يبدو أن اليونان ألّهوه - أيضاً - أو اعتبروه ابن الإله، وقد ترجمه الأب فردينان توتل في المنجد في الأعلام: ٧٢٨/ باب الهاء بعدها الراء، فقال: (هرمس (Hermes): ابن زفس ومايا. إله الفصاحة، والتجارة عند اليونان، ورسول الآلهة، سماه الرومان مركور) وحين ترجم النبي إدريس عليه السلام، ذكر أنه يشابه هرمس عند قدماء المصريين، حيث يبدو أن النصوص، فيها تداخل، فقال: ٢٩: (إدريس: نبي صديق، من نسل شيت بن آدم، ذكر في القرآن، ينسبون إليه إيجاد علم الكيمياء، وبعض الفنون، وبناء المدن، وفي ما يُروى أنه يشابه هرمس، عند قدماء المصريين، واليونان، وأخنوخ في التوراة. عاش أكثر من ٣٠٠ سنة).
(١٨) مريم: ٥٧.
(١٩) مقال لسعيد كحل وجزء من مقال ثان له - أيضاً - والأوّل نشر بعنوان: مطارحة من صميم المصارحة. حوار مع صديق إسلامي منشور على الانترنت يحصل عليه أيّ مستكشف عن الألفاظ الدليلية آنفة الذكر.
(٢٠) في سبيل إيجاد تفسير دقيق لكلمة الغنوصية التي تذم مسيحياً وإسلاميّاً لم أجد من حددها بدقة، ولكن هناك جملة معالم يمكن أن تؤطر الفكرة التي تسمى غنوصية: (فهي تفسير عرفاني للدين يغرق في التواصل مع الله، ويتمشى مع الفكر الصوفي في جانبه الفلسفي القائم على الوحدة وانكشاف العلم والولاية التكوينية للولي كما يظهر من مجمل النقد لها من قبل الكنيسة) فقد وصف مجمع الكنائس الشرقية الغنوصية بقوله: (من المعلوم أن الغنوصية كانت تبدو على العموم تعليماً سرياً يحمل الذين تلقوا أصوله، بعد القيام ببعض أعمال تطهير النفس، على الانفتاح للخلاص بالإطلاع على الحقائق الدينية الكبرى أو بانخطاف النفس. وكانت تلك المذاهب تبعث على نفور شديد من الأمور المادية أو الجسدية وتعدها هي والشر شيئاً واحداً). الكتاب المقدس/ مجمع الكنائس الشرقية: ٢٨٤، وقالت أيضاً: (يجب على المسيحيين، ليردوا على ادعاءات الغنوصية الكاذبة، أن يجهدوا لينموا ويرسخوا فيهم ذلك (العرفان) الحقيقي، وهو يقين الإيمان كما قال بعض الكتبة: إن المسيحي الكامل لم يبق في الظلام، بل هو في النور: إنه يعلم). إذن حسب هذا النص يوجد عرفانان:
الأوّل: كاذب. والثاني: حقيقي يجب اتّباعه! ولكن ما هي صفات العرفانين؟ أليس ادعاء الكنيسة بأنها تملك الحقيقة الإلهية والصوت الإلهي المنشور في البرية يخرج من قلب الكنيسة الرسولية، عرفاناً أخطر مما يقولونه عن عرفان الغنوصية... وقد فسّر السيد إدريس الحسيني المغربي (وهو باحث مسلم) الغنوصية بتوصيفه التالي: (وليست الغنوصية في اصطلاحها الأوّل سوى جنوسيس العرفان، وهو الاسم الذي أطلقه الغنوص على أنفسهم في القرن الثاني للميلاد. وهو مذهب منتقى من كثير من الاتجاهات الفلسفية والدينية، كالزرادشتية والأفلاطونية المحدثة والفيثاغورية ووجود أشكال من الاعتقادات كوحدة الوجود، وهي أساس الاعتقاد الثنوي الزرادشتي)، لقد شيعني الحسين عليه السلام - إدريس الحسيني المغربي: ٨٨. وعلى كل حال فالذي يبدو أن الكنيسة الكاثوليكية تشن حملات كبيرة على الكنيسة البروتستانتية متهمة لها بنفس التهم للغنوصية حيث أن البروتستانت يرون أن الإنسان قادر على استلهام النص الإلهي، وهذا ما تنكره الكنيسة الكاثوليكية، وتعتبره تجاوزاً وادعاءً للعلم اللّدني، وهو اندساس يهودي في المسيحية كما تقول الكنيسة الشرقية. فقال مجمع الكنائس الشرقية (ومهما يكن من أمر الرأي القائل أن قيرنتس هو المقصود في رسائل يوحنا، فإن التيار الذي يرجح أن هذه الرسائل تستهدفه يمت بصلة إلى تلك النزعة المتهودة التي مهدت السبيل للعرفان، والتي قاومتها منذ ذلك العهد رسائل بولس في السجن ورسائله الرعائية، والتي أدت بعدئذ إلى النظريات الغنوصية الكبيرة في القرن الثاني). الكتاب المقدس/ مجمع الكنائس الشرقية: ٧٦١... وعلى كل حال فإن التشاتم بالغنوصية غير مفهوم وغير محدد لأن نفس الغنوصية غير محددة. وقد رأينا في الكنيسة المعمدانية دعوة لاستقبال قيامة المسيح في فلسطين منذ أكثر من قرن وقد سميت هذه الحركات بالغنوصية أيضاً، فهل لأنها تعتمد استشفافاً للمستقبل سميت بذلك؟ أم أن جزءاً من الغنوصية هو انتظار المخلص انتظاراً شخصياً؟ فهذه أمور غير واضحة للباحثين بشكل جيد.
(٢١) من الواضح أنه يقصد بالهجوم الإيديولوجي هو الهجوم الإسلامي الديني على الفكر القومي العشائري، ولا أدري ماذا يريد الأستاذ بهذا التلميح الغريب؟
(٢٢) نحن والتراث/ الجابري: ٥١.
(٢٣) نحن والتراث/ الجابري: ١٧٩.
(٢٤) العقل السياسي العربي/ الجابري: ٢٩٧.
(٢٥) العقل السياسي العربي/ الجابري: ٢٣٣.
(٢٦) كذا في المصدر.
(٢٧) بنية العقل العربي/ الجابري: ١٨٨.
(٢٨) بنية العقل العربي/ الجابري: ٢٠٩ و٢١٠.
(٢٩) الملل والنحل: ٢٢.
(٣٠) لا يعرف الأستاذ الجابري، أن خرافة عبد الله بن سبأ، توقفت، وضاع أثرها، قبل وفاة الإمام عليّ عليه السلام. بنصوص المخترعين للسيناريو الطريف، في تأثيره على المسلمين، وقيادته لهم. فلا أثر لذكره بعد صفين.
(٣١) العقل السياسي العربي/ الجابري: ٢٣٥.
(٣٢) علمياً لا يوجد تطابق بين اليهودية والماسونية، ولكن الاستدلالات التي نقرأها غريبة نوعاً ما، فإن اجتماع الماسونية في سبأ وقرارهم باختراق الإسلام يدل على الهرمسية وليس الماسونية عندهم، وأن عبد الله بن سبأ حين اختفى كلياً قبل وفاة الإمام عليّ بل يقال: إن الإمام أعدمه في حياته، يكون قد نشر الهرمسية بعد وفاة الإمام عليّ!! فهذا الموقف الفكري المفكك الذي يفتقر إلى أبسط قواعد الاستقامة الفكرية يدعونا لأن نبتسم من جميع المقولات وطرق معالجتها.
(٣٣) بنية العقل العربي/ الجابري: ٢٣٨.
(٣٤) في عمر نوح أقوال كثيرة، وفي بقاءه بعد الطوفان - أيضاً أقوال كثيرة- وقد ذكر الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء في كتابه أصل الشيعة وأصولها: ٢٢٥ - ٢٢٧: إن أقل الروايات في عمر نوح أنه ألف وستمئة عام، وقد وصل بها إلى أكثر من ثلاثة آلاف عام، قال: (وكأنهم ينسون أو يتناسون حديث عمر نوح الذي لبث في قومه بنص الكتاب ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وأقل ما قيل في عمره: ألف وستمائة سنة، وقيل أكثر إلى ثلاثة آلاف.
وقد روى علماء الحديث من السُنّة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك). انتهى. وقد أرجع الأقوال في الهامش إلى: تفسير الكشّاف للزمخشري ٣: ٢٠٠؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٣: ٤١٨؛ زاد المسير لابن الجوزي ٦: ٢٦١.
(٣٥) الملاحظ، أن النصوص الدينية المعتمدة، والواضحة، تتوقف عند رسو سفينة النبي نوح، ولا تتكلم عمّا جرى بعد ذلك.
(٣٦) يذكر الجيولوجيون: أن هناك طوفانين، الأوّل: حدث قبل أحد عشر ألف سنة، والثاني حدث قبل تسعة إلى سبعة آلاف سنة، ويصفون الثاني بأنه الأشد تدميراً في منطقة الشرق الأوسط. ولكن اكتشافات ألاسكا الحديثة دلَّت أن الطوفان الذي وقع في حدود عشرة آلاف قبل الميلاد، هو الأعنف وهو الذي غمر الكثير من اليابسة بالمياه فقد ارتفع منسوب البحر حوالي ألف متر نتيجة سقوط جبال الجليد في القطب الشمالي نتيجة تراكم جليدي خطير يصل إلى أكثر من ثلاثة آلاف متر ارتفاعاً فأحدث عدم توازن في توزيع الثقل على الكرة الأرضية فحدثت اهتزازات خطيرة تهدمت فيها الجبال الثلجية وحدث تصدع كبير في صفائح الكرة الأرضية، مما أحدث زلازل وبراكين كبرى نشرت النيران والحرائق وارتفاع درجات الحرارة في شمال أمريكا وأوربا وآسيا، فزادت عملية ذوبان الثلوج فارتفع منسوب البحر بحدود ثلاثة آلاف قدم أي ألف متر فغمرت مناطق واسعة بالمياه في أمريكا وفي آسيا وفي أوربا، حتّى أنهم يقولون بأن اليابسة كانت متصلة بين ما بعد ايرلندا وبريطانيا بأوربا، وأوّل من نادى بهذه النظرية هو العالم الألماني ارنست هايكيل سنة (١٩٧٠) ميلادية، وقد أصبحت هذه الفكرة مدعاة إلهام للمفكر ألبرت انشتاين، وهي نظرية يمكن التحقق منها في العصر الحديث، قد ادعت مراكز البحوث أنها نظرية لها نصيب كبير من الصحة. وهذا يمكن أن يشكّل جواباً لما يدّعى من غرق حضارة كاملة في شرق الصين واليابان أسمها حضارة (مو) (MU Civilization) ويدّعى أن غرقها كان قبل ثلاثين ألف سنة مما يعني أن الإنسانية والحضارة موجودة قبل هذا التاريخ، وأن أصل الإنسان من تلك الحضارة، والثغرة في هذا الادعاء هو أن الغرق الكبير قد وقع كما قلنا بما لا يتعدى (١٢) ألف سنة حسب مكتشفات (آلاسكا). وهذا يجعل هذه الحضارة ضمن الزمن الحضاري الإنساني الذي اخترناه وهو بحدود (١٥) ألف سنة. لهذا فإن نظرية الأصل الإنساني الآتي من اليابان وشرق الصين وشعوب (الملايو) بدلالة حضارة (مو) لا قيمة لها لوجود خلل معرفي. فغاية ما يستدلون به: أن غرق حضارة (مو) المتقدمة كان قبل ثلاثين ألف سنة، وهذا تقدم في الزمن يدل على أنهم الأصل، ولم يثبت هذا الادعاء، والحقيقة أن الدراسات تقول أن ارتفاع منسوب المياه المسبب للغرق، كان في حدود عشرة آلاف سنة قبل الميلاد، وهذا حدث بعد التكوّن البشري (نزول آدم) بآلاف السنين، فلا يمكن الاستدلال بغرق هذه الحضارة ووجودها على تقدمها الزمني وكونها هي الأصل. وقد أثبت الفحص الكروسومي العالمي للأجناس البشرية بما فيها أجناس الملايو وكل الشعوب الصفراء والحمراء والسوداء، أن جميع أجناس البشر تعود لصفات إنسان شرق البحر المتوسط، الأسمر المتوسط الطول والبنية ذو الملامح الشرق أوسطية المعروفة، فلا يوجد أدلّة يقينية على كون حضارة (مو) أصل البشرية. مع ملاحظة مهمة: وهي أن البحث في الحضارات الغارقة هي بحوث جديدة بدأت بشكل حقيقي قبل عشر سنوات وهي بحوث مبنية على أسس ظنية وغير ثابتة ومتضاربة فالبحوث عن حضارة (مو) تقول أنها تنتمي لما قبل ثلاثين ألف عام، بينما البحث في المدن الغارقة في السواحل الهندية تدّعي أنها قبل تسعة آلاف وخمسمائة عام (وهذا التأريخ يتناسب مع تأريخ الانهيار الثلجي الثاني) بينما هناك مدن غارقة في البحر المتوسط يدّعى أنها قبل الميلاد بحدود ألفي عام، وهذا يدلّ على عدم وجود رؤية واضحة لتأريخ هذه الحضارات، ولكن من المؤكد أن هذه المدن الغارقة تكذّب دعوى عدم وقوع الطوفان العام، والاستهزاء بالكتب المقدسة، فإذا لم يكن هناك طوفان عام فلماذا غرقت هذه المدن في مختلف القارات؟ فهل بنيت تحت الماء في أوّل بناءها؟ فهذه المدن تكذّب دعاواهم وتثبت حقيقة الطوفان.
(٣٧) سيأتي أن التطابق بين القصتين يفرض اتحاد الاسمين المختلفين، مع أن اسم نوح، ليس اسماً، وإنما هو صفة، كما ورد في الروايات، فيمكن أن يكون أوتنابشتم اسماً، بينما نوح صفة، فلا تعارض.
(٣٨) يفهم من خلال أحداث، وتواريخ ملحمة جلجامش، أنهم يؤمنون ببقاء نوح آلاف السنين، بعد الطوفان. فجلجامش عاش في حدود (٢٧٠٠) قبل الميلاد، وقيل ربما (٤٠٠٠) قبل الميلاد، ولكن الملحمة، كتبت في حدود (٢٧٠٠) قبل الميلاد، والطوفان الكبير حدث بين فتر ة (١٢٠٠٠ - ٧٠٠٠) قبل الميلاد. والفرق واضح، بين أقصى ما يمكن لذكر تأريخ ملحمة جلجامش، وأقل ما يمكن لتأريخ الطوفان المدمر، وهو كما يتضح بحدود ثلاثة آلاف سنة. فكيف إذا أخذنا بأبعد تأريخ للطوفان، وأقرب تأريخ لملحمة جلجامش؟
(٣٩) لا أستغرب كباحث، أن تكون ولادة نوح بحدود عشرة آلاف سنة قبل الميلاد. وليس قبل ستة آلاف سنة كما هو نصوص التوراتيين. وذلك للخلاف في نشوء خلقة آدم عليه السلام، هل هو قبل (١٢) ألف سنة أي بحدود (١٥) ألف سنة، لما يقتضيه تتبع نشوء الإنسان الحالي؟ أم قبل سبعة آلاف سنة، لما تقتضيه نصوص المؤرخين؟
إن الحفريات، والأدلّة تشير إلى وجود هذا الإنسان، في بيئات سكنية، ومستوطنات، أنشئت بشكل حضري، وعلى شكل قرى، عرفت تدجين الحيوانات، والعمل الزراعي، والمجتمع المنظم، بحدود الألف التاسع قبل الميلاد، أي: قبل أحد عشر ألف سنة، ثمّ توالت مظاهر التحضّر تباعاً، كما هي اكتشافات في قرى مثل: زاوي جمي، شانيدار، ملفعات، قرمز درة، نمريك، وقرية جرمو، وهنا أنقل ما قاله في موجز تاريخ العراق القديم، والذي يدل على وجود الإنسان المتحضر، قبل أحد عشر ألف سنة، كما هو بيّن في هذا النص: (بدأ عصر الزراعة في بلاد الرافدين، وهو أوّل عهد للإنسان بتعلم الزراعة، بحدود سنة (٩٠٠٠) قبل الميلاد، وتطور حوالي سنة (٥٥٠٠) قبل الميلاد. في قرية (جرمو) في شمالي العراق، في أواسط العصر الحجري الحديث. ومن البديهي، أن تكون الزراعة عصرئذٍ محدودة، وعلى نطاق ضيق جدّاً). (العراق في التأريخ/ بقلم د. عبد العزيز حميد صالح) وتعليقي على هذا النص، أن سرّ العثور على التطور في منطقة (جرمو) دون المناطق السومرية الدافئة، هو أن (جرمو) في منطقة مرتفعة، ولعلَّها لم يدفنها طمي الطوفان، كما دفن مناطق (سومر) فضاعت به آثار القرى الزراعية، قبل ذلك بآلاف السنين. والعلم، والعقل، يستنتج أن الإنسان انتقل من المناطق الأكثر تكييفاً للمعيشة جنوباً، إلى المناطق الباردة الأقل تكيفاً للمعيشة في الشمال، كـ (جرمو) وغيرها، نتيجة كوارث طبيعية، كالطوفان، أو غيرها، (أو لاحتمال أن تكون (جرمو) وغيرها قد نشأت بعد الطوفان متفادية المناطق المنخفضة وهذا احتمال وارد إذا ثبت أن الطوفان كان قبل ١٢ ألف سنة) وهذا بشكل عام يعني عدم صحة نظرية التوراتيين، في تقدير عمر البشرية، والتي تقول: إن البشرية - منذ نزول آدم - لها سبعة آلاف سنة فقط، ومما يؤيد ما ذهبنا إليه (لقد قمت بدراسة مستقلة في عمر البشرية بشكلها الإنساني الحالي فلم أستطع أن أبعد أكثر من (١٥) ألف سنة وهذا يساعد على استيعاب زمن الطوفان الأوّل والثاني كما سيتبيّن)، هو أن الدراسات الجيولوجية، أوضحت وجود طوفان مائي رهيب في العراق، قبل أحد عشر ألف سنة، وقد نشرت الويكوبيديا، معلومات أرادت نفي الطوفان الأرضي، فأثبتته. قال: (تشير الأبحاث الجيولوجية، واستناداً إلى دراسة المتحجرات، وعلم طبقات الأرض، أن هناك دلائل على حدوث فيضان، في منطقة الشرق الأوسط، في العصور القديمة، ولكن الأبحاث، لم تؤكد المعتقد الديني السائد، إن الطوفان المذكور، قد شمل جميع أصقاع الأرض.
وتشير دراسات من جامعة كولومبيا، في الولايات المتحدة، إن البحر الأسود، كان عبارة عن بحيرة في العصر الجليدي، وإن درجة حرارة الأرض بدأت بالارتفاع قبل حوالي (١٢٠٠٠) عاماً، وبدأت الكتل الجليدية بالذوبان، وإنه قبل ما يقارب (٧٠٠٠) عاماً، حدث امتداد لمياه البحر المتوسط، وحدث طوفان باتجاه تركيا، وكانت قوة الطوفان، معادلة لما يقارب (٢٠٠) مرة، قوة شلالات نياجارا. وتشير دراسة المتحجرات، إلى حدوث سلسلة من الفيضانات، بين عامي (٢٠٠٠) إلى (٤٠٠٠) قبل الميلاد، في ما كان يسمى سابقاً بلاد ما بين النهرين، والتي كانت تشمل الأرض الواقعة، بين نهري دجلة، والفرات، بما في ضمنها أراضي تقع الآن في سوريا، وتركيا، والعراق، وإنه من المحتمل جدّاً، أن تكون قصة الطوفان، قد نشأت عن إحدى هذه الفيضانات، وتركت آثاراً واضحة في كتابات، وأساطير، ومعتقدات هذه المنطقة، في الشرق الأوسط). أقول: وهناك معلومات أكثر دقة من هذه المعلومات تشير إلى وجود اضطراب في قشرة الأرض وفي حركتها في تلك الفترة أدى إلى انهيار الجبال الجليدية الكبرى وارتفاع منسوب مياه البحر أكثر من ألف متر وغرق مساحات كبرى من اليابسة، فدعوى عدم الدليل على وجود غرق شامل في الكرة الأرضية لا تساعد عليه التحقيقات العلمية بل التحقيق يدل على غرق قارات وأراض كبرى حتّى أن أكثر من ثلث أوربا القديمة قد غرق وهو الآن تحت البحر، وهذه الإثباتات عن العثور على حضارة (مو) الغارقة قبالة السواحل الشرقية لكوريا والصين، والمدن الغارقة في سواحل الهند وفي سواحل أوربا والبحر المتوسط، فكيف تدعي الموسوعة عدم وجود دليل على شمول الطوفان للأرض؟ أنه نوع من الكذب العلمي والسطحية للتشويش على الأديان السماوية.
أقول: إن وصف هذا الانهيار الجليدي الهائل، والذي أحدث موجة مياه عالية جدّاً، كـ (تسونامي) بارتفاع آلاف الأمتار كفيل بأن يمتد ليشمل جميع الأرض. وهذا الانهيار، هو الذي يتوافق مع وصف كارثة بشرية، شملت جميع الأرض أو لنقل الأرض القديمة، المأهولة بالسكان. وإذا كان الطوفان الكبير، قبل إثني عشر ألف أو سبعة آلاف عام (بالتحديد عشرة آلاف قبل الميلاد أو سبعة آلاف قبل الميلاد)، وإن جلجماش عاش في الفترة (٢٥٠٠) قبل الميلاد، فبهذا يكون نوح قد عمّر كثيراً بعد الطوفان، بما قد يقارب عدة آلاف من السنين، بناءً على هذه المعطيات، فلو كان باقياً إلى زمن جلجامش، فقد كان عمره الإجمالي، أكثر من أربعة آلاف عام. والله أعلم.
(٤٠) الصافات: ١٣٩ - ١٤٨.
(٤١) لا نعلم، هل من المنطقي التساؤل عن نوع هذا الحوت، الذي له قابلية البقاء إلى يوم يبعثون؟ وهل هو حوت من لحم، ودم، أم هو حوت رمزي؟ ظاهر القرآن بأنه حوت حيواني، ولا يمكن الجزم.
(٤٢) القلم: ٤٨ - ٥٠.
(٤٣) بحار الأنوار ١٤: ٣٩٢ - ٣٩٧.
(٤٤) مسند الإمام الرضا عليه السلام/ الشيخ عزيز الله عطاردي ٢: ٤٣٥.
(٤٥) نور الأفهام في علم الكلام ٢: ١٤٢ و١٤٣/ الشرح.
(٤٦) يبدو أن عنده قاعدة تقول: عدم العثور على الدليل، دليل على عدم وجوده، وإلاّ فلا معنى لإنكاره ما اشتهر عندهم، والدليل على وجود مثل هذه القاعدة عنده، هو اعتباره لروايات ضعيفة السند بل موضوعة، وغير تامة الدلالة، معارضة لهذا المتواتر المشهور، وسيأتي بيان الرواية المعارضة، وحالها في الدلالة، في طي كلامنا لبيان المعالجة الغريبة، لهذا الموضوع.
(٤٧) في الأعم الأغلب أنه الخضر عليه السلام، وهناك من قال: إنه اليسع، أو إلياس، ولكن من قال ذلك، جعل الخضر، واليسع، متحدان وقد وحّد بعضهم بين الخضر، وإلياس، والنتيجة أن الخلاف خلاف أسماء وأنه هو الخضر عليه السلام.
(٤٨) الكهف: ٦٠ - ٨٢.
(٤٩) هناك من قال: إن الخضر عليه السلام نبي، وهناك من نفى ذلك، وهذا لا يقدم، ولا يؤخر، ويرى بعضهم، في قوله تعالى: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) (الكهف: ٨٢) إشعار عن أمر الله - تعالى - وهو النبوة، إلاّ أن تكون النبوة، أخص من التبليغ الإلهي، وهو المختار، ولهذا فالمسألة فيها خلاف، وليس من نص يدل بوضوح على نبوة الخضر. وفي تفسير القرطبي ١١: ٣٩ - ٤١: (قوله تعالى: (وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) يقتضي أن الخضر نبي، وقد تقدم الخلاف في ذلك).
(٥٠) وجِدَ في تاريخ المسلمين من يقول بجواز الكذب قربة إلى الله والعياذ بالله، ذكر الشيخ الأميني في كتابه الغدير ٥: ٢٧٥ و٢٧٦: (وقال القرطبي في التذكار ص ١٥٥: لا التفات لما وضعه الواضعون واختلقه المختلقون من الأحاديث الكاذبة والأخبار الباطلة في فضل سورة القرآن وغير ذلك من فضائل الأعمال، وقد ارتكبها جماعة كثيرة وضعوا الحديث حسبة كما زعموا، يدعون الناس إلى فضائل الأعمال كما روي عن أبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي، ومحمّد بن عكاشة الكرماني، وأحمد بن عبد الله الجويباري، وغيرهم. قيل لأبي عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عبّاس في فضل سور القرآن سورة سورة؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمّد بن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة. وقال في ص ١٥٦: قد ذكر الحاكم وغيره من شيوخ المحدّثين: إن رجلاً من الزهاد انتدب في وضع أحاديث في فضل القرآن وسوره فقيل له: لِمَ فعلت هذا؟ فقال: رأيت الناس زهدوا في القرآن فأحببت أن أرغبهم فيه فقيل: فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار). فقال: أنا ما كذبت عليه إنما كذبت له، وقال في التحذير من الموضوعات: وأعظمهم ضرراً قوم منسوبون إلى الزهد وضعوا الحديث حسبة فيما زعموا، فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا إليهم فضلوا وأضلوا). نكتفي بهذا القدر.
(٥١) صحيح مسلم ٨: ١٩٩ وسيأتي نص الحديث.
(٥٢) تفسير الآلوسي ١٥: ٣٢١: وفيه: (وشاع الاستدلال بخبر لو كان الخضر حيّاً لزارني وهو كما قال الحفاظ خبر موضوع لا أصل له ولو صح لأغنى عن القيل والقال، ولانقطع به الخصام والجدال).
(٥٣) صحيح مسلم ٨: ١٩٩ وسيأتي نص الحديث.
(٥٤) الصراط المستقيم ٢: ٢٢١ و٢٢٢.
(٥٥) صحيح مسلم ٨: ١٩٩: وفيه: (حدّثني) عمرو الناقد، والحسن الحلواني، وعبد بن حميد، وألفاظهم متقاربة، والسياق لعبد، قال: حدّثني، وقال الآخران: حدّثنا يعقوب - (وهو ابن إبراهيم بن سعد) - حدّثنا أبي، عن صالح، عن ابن شهاب، أخبرني عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، أن أبا سعيد الخدري، قال: حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يوماً، حديثاً طويلاً عن الدجال، فكان فيما حدّثنا، قال: (يأتي، وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ، التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذٍ رجل، هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال، الذي حدّثنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا، ثمّ أحييته، أتشكون في الأمر، فيقولون: لا، قال: فيقتله، ثمّ يحييه، فيقول، حين يحييه: والله ما كنت فيك قط، أشد بصيرة منّي الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله، فلا يسلط عليه)، قال أبو إسحاق: يقال: إن هذا الرجل هو الخضر عليه السلام.
أقول: كلمة: (يقال) تعني - هنا - الشياع بين الرواة والمحدّثين. وقد شرح العسقلاني، في الإصابة ٢: ٢٧٣: ما قاله ابن إسحاق، قال: (وقال إبراهيم بن محمّد بن سفيان الراوي عن مسلم، عقب روايته عن مسلم لحديث أبي سعيد فيه قصة الذي يقتله الدجال: يقال إن هذا الرجل الخضر. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي سعيد، في قصة الدجال، الحديث بطوله، وفيه قصة الذي يقتله، وفي آخره: قال معمر: بلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة من نحاس، وبلغني أنه الخضر، وهذا عزاه النووي، لمسند معمر، فأوهم أن له فيه سنداً، وإنما هو من قول معمر). انتهى. ثمّ ذكر العديد من الأحاديث الموقوفة، التي تدل على مثل هذا. وقد أكثر - كما أكثر الكتاب في القصص عن الخضر - حتّى لتظن أن كل من يغيب، هو الخضر.
(٥٦) لم نتطرق للإثبات الشيعي لبقاء الخضر عليه السلام لسبب أن النقاش متوجه مع المنكرين، ومع ذلك فإن من يريد أن يطلع على الإثباتات الشيعية فيمكنه مراجعة الكافي في الصحيحة في الجزء ١: ٥٢٥؛ والكافي ٣: ٢٢٢؛ وبصائر الدرجات للصفار: ٤٢٤؛ وعيون أخبار الرضا للصدوق ١: ١٢؛ وعيون أخبار الرضا ٣: ٥٦؛ وتهذيب الأحكام ٣: ٢٥٢؛ والأمالي للشيخ الطوسي: ٥١؛ ووسائل الشيعة للحر العاملي ١٢: ٨٥؛ ونوادر المعجزات لمحمّد بن جرير الطبري الشيعي: ١٥ - ١٩؛ وقد ورد على لسان الإمام زين العابدين عليه السلام في الصحيفة السجادية في دعاء: (الاحتراز عن المخافة، والخلاص من المهالك) صفحة: ٣٩٩ ما يدل على سياحة الخضر بين البلدان. وهناك موارد أخرى اكتفينا بهذا.
(٥٧) التوبة: ٤٠.
(٥٨) تفسير الآلوسي ١٥: ٣٢٧.
(٥٩) تفسير الآلوسي روح المعاني ١٥: ٣٢٧.
(٦٠) تفسير الآلوسي روح المعاني ١٥: ٣٢٢.
(٦١) تفسير القرطبي ١١: ٤١ - ٤٥.
(٦٢) إذا صح هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيبدو أنه قاله بشكل لم يفهمه الحاضرون، لكونه سرّاً، أو رمزاً، لأمر يتعلق بالساعة، وما يجري فيها، فكلٌ فسره بما يراه، وبحدوده في الفهم، ولهذا تحرك النص بهذا الشكل، وكل هذه النصوص مبهمة، وغير منطقية، ولا علاقة لها بالواقع، إذا كان المقصود بها هو الشهادة، بعدم بقاء إنسان عمره أكثر من مائة عام، وهذا لا يمكن تفسيره، لعدم صدقه الواقعي، فهذا سلمان الفارسي رضي الله عنه عمره أكثر من مائة عام، وهو لم يمت إلاّ بعد وفاة الرسول بمدة طويلة. والقائمة تطول، وقد ذكر ذلك القرطبي، بعنوان: تخصيص العام.
ولعلَّ مثل هذه الأحاديث - في غالبها الأعم - مثيرة للشكّ والريبة، في القصد والمغزى من روايتها، بهذه الطريقة، مقرونة بفهم قاصر، منقول معها، ولا ندري، هل الهدف في هذا تضييع بعض خصائص الأسرار النبوية عن قصد، أم أن وراء الأكمة ما وراءها، إذ أن في مثلها اتهام بعدم الدقة فيما يقوله الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف يقول الرسول الأعظم بهذا، وبين يديه مَن عمره فوق المائة؟! هذا الحديث - إذن - وبهذا الفهم، لا يصح مطلقاً؛ لأنه يخالف الواقع على أقل تقدير، ومن المستحيل أن نصف ما يخالف الواقع، بأنه صحيح الصدور؛ لأن هذا اتهام - والعياذ بالله - لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كل رسالته.
(٦٣) آل عمران: ١٨٥.
(٦٤) الصافات: ١٢٣ - ١٣٢.
(٦٥) البداية والنهاية/ ابن كثير ١: ٣٩٣ - ٣٩٦.
(٦٦) قال الطبري ١: ٢٣٩: كان سائر بني إسرائيل قد اتخذوا صنما يعبدونه من دون الله يقال له بعل. وقال ابن قتيبة في المعارف: إلياس من سبط يوشع بن نون بعثه الله في أهل بعلبك وكانوا يعبدون صنما يقال له بعل وملكهم اسمه أحب وامرأته أزبيل. أما الطبري فيقول إن أحاب أحد ملوك بني إسرائيل واسم امرأته ازبل فقد كان يسمع منه ويصدقه - دون سائر ملوك بني إسرائيل الذين عبدوا بعل.
أقول: بعلا ليس من أصنام بني اسرائيل كما هو معروف ولا أعرف أين أصنف معلومة الهامش لكتاب ابن كثير.
(٦٧) الصافات: ١٢٣ - ١٣٢.
(٦٨) الصافات: ١٢٤ - ١٢٦.
(٦٩) أقول: قد تبيّن من مبحث الخضر عليه السلام أنه لا يوجد دليل على وفاته وكذلك إلياس، وقد اعتمدوا عدم الدليل دليلاً على العدم.
(٧٠) روى الخبر ابن الأثير في الكامل ١: ٢١٤.
(٧١) كيف لا يصدق ولا يكذب؟ وعنده أدلّة مضادة كما يظهر ومنها كونه لا يعقل عنده.
(٧٢) دلائل النبوة ٥: ٤٢١.
(٧٣) كذا في الأصول؛ وفي دلائل البيهقي: البغدادي. البرقي في الدلائل: الرقي. يزيد بن يزيد البلوي في الدلائل: يزيد العلوي.
(٧٤) ما بين معقوفين في الحديث من دلائل البيهقي. عقب البيهقي بعد تمام الحديث قال: قلت: هذا الذي روي في هذا الحديث في قدرة الله تعالى جائز وبما خص الله عز وجل به رسوله من المعجزات يشبه، إلاّ أن إسناد هذا الحديث ضعيف بمرة.
(٧٥) قال الذهبي في الميزان ٤: ٤٤١ عن يزيد بن يزيد عن أبي إسحاق الفزاري بحديث باطل أخرجه الحاكم في مستدركه.. فما استحي الحاكم من الله يصحح مثل هذا ثمّ قال الذهبي في تلخيص المستدرك: هذا موضوع، قبح الله من وضعه، وما كنت أحسب أن الجهل يبلغ بالحاكم إلى أن يصحح هذا. ورواه ابن الجوزي في الموضوعات ١: ٢٠٠ وقال: حديث موضوع لا أصل له.
(٧٦) أقول: لم يبينوا سبب التضعيف ولم يفندوا قول الحاكم النيسابوري بأن الحديث على شرط الشيخين!! فكل ما قاموا به اتهامه بأنه موضوع وأنه مردود، وقد حاولوا أن يجدوا اختلافات اسموها تناقضاً بينما هي غير متناقضة، فإنه إذا كان يشرب في السنة مرة واحدة ويأكل مرة واحدة فأين التناقض في ذلك؟ على كل حال لا بدَّ أن عندهم سبباً لهذه الحدة في النقد وسب الحاكم بهذا الشكل البذيء، على أن بعض رواياتهم حجة عليهم، ولكن لا يتبعون طريقهم في الحجة، حيث كما نرى فقد انقلبوا فجأة من رجال سند إلى ناقدين نقداً من داخل النص، وهذا ليس من طريقهم مطلقاً فمبناهم إذا صح الحديث يقولون به حتّى لو خالف العقل.
وهنا أبيّن مسألة مهمة جدّاً: وهي أن نفس ابن كثير لو كان هواه مع تصحيح هذا الحديث لقال: إن في الحديث زيادة لم تثبت، وهو حديث تابعه عليه فلان وفلان، وقد أجمع أهل الحديث على قبوله. فقصة طول النبي إلياس مردودة من نفس الحديث حيث أن طوله ثلاثمائة ذراع أي حوالي (١٣٨) متراً وقد تعانق مع النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان بطول متوسط بحدود (٨/١) متراً فكيف يتعانق هذان الطولان؟ ويمكن الأخذ من الحديث الآتي بعده بأنه أطول من النبي بثلاثة أذرع فتحوّل بفعل النساخ إلى طوله ثلاثمائة ذراع، فلا بدَّ أن يكون الرقم مقحماً عن طريق الخطأ، وإلاّ فإن الراوي لا عقل له حتّى لو كان كذّاباً. وهذا سبب وجيه لنفي الزيادة غير المعقولة في الحديث والجمع مع الأحاديث الأخرى لتصحيح الخطأ، لا لنفي الحديث كله، وهذا حسب طريقتهم في التفكير وفي إثبات ما يريدون. فإنهم لا يفكرون مطلقاً حين يُقَزَّم الله عندهم فيكون طوله ستون ذراعاً على طول آدم، ويكون أمرداً قططاً، فهذا لا مشكلة فيه، وعلى أيّ حال فإن من يتغافل عن حديث رجم القردة لقردة زانية في صحيح البخاري يمكنه أن يتغافل عن خرافة الطول هذه. ولكن هناك نزعة غير واضحة في تكذيب خبر بقاء إلياس والخضر رغم صحة الأحاديث فيهما وعدم صحة الأحاديث في موتهما، وإنما هي استنطاق نصوص ضعيفة بما لا دلالة فيها على المطلوب، ولعلَّ من يقرأ لوازم طول العمر هذا وبقاء النبي الغائب المتواصل مع الأولياء والصالحين فسيفهم سرّ هذه الحملة، وهي واضحة التمذهب ولسد الباب على مسألة في غاية الخطورة.
(٧٧) أقول: لماذا لا يسوغ شرعاً؟ هل السبب هو ثبوت لقائهما بالنبي قبل ذلك؟ إذن هذا اعتراف بوجوده في زمن النبي ويكفي هذا الاعتراف في إثباته. أم صدر حكم شرعي بعدم جواز لقاء النبي بإلياس في السنة التاسعة للهجرة؟
(٧٨) غافر: ١ - ٣.
(٧٩) أقول: هذه الرواية الصحيحة عنده تروي إجماع المسلمين على وجود إلياس زمن ابن الزبير، وهذا يرد كل شكوك وعدم ارتياح ابن كثير للقول بوجوده.
(٨٠) الصافات: ١٢٧ - ١٣٠.
(٨١) النساء: ١٥٧.
(٨٢) الصراط المستقيم ٢: ٢٢٢.
(٨٣) آل عمران: ٥٥.
(٨٤) النساء: ١٥٩.
(٨٥) لا بأس أن نذكّر - هنا - بما ناقش به القرطبي، في مجال رد دعوى عدم بقاء الخضر عليه السلام، لما نسب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حديث، حيث قال عنه: إنه عام، قابل للتخصيص، بالمسيح، وبالدجال، الذي هو من المتيقنات، ببقاء شخصه حياً، لمدة طويلة غير متعقلة:
تفسير القرطبي ١١: ٤١ - ٤٥: (لأن العموم، وإن كان مؤكد الاستغراق، فليس نصاً فيه، بل هو قابل للتخصيص. فكما لم يتناول عيسى عليه السلام، فإنه لم يمت، ولم يقتل، فهو حيّ بنص القرآن، ومعناه، ولا يتناول الدجال، مع أنه حيّ بدليل، حديث الجساسة، فكذلك لم يتناول الخضر عليه السلام، وليس مشاهداً للناس).
(٨٦) تاريخ الطبري ٣: ١٨٦ و١٨٧.
(٨٧) ذلك في حادثة التحكيم الشهيرة، في صفين، حين رفض النصوص، التي اطلع عليها شفاها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: أخلع عليّ بن أبي طالب المنصوص عليه، وأتركها لهوى الناس، بينما قال خادعه، عمر بن العاص: إنه يثبّت معاوية، ويبقيه على الناس، ولم يكن معاوية - أصلاً - متعرضاً للخلافة، أو طالباً لها، إنما حارب الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، للاستئثار بالشام والبقاء والياً عليها؛ ولأن الإمام عليه السلام لم يقرّه على باطله، وتسلطه على مقدرات المسلمين، وما كان بعد ذلك، أثبتت صحة ما يراه أمير المؤمنين عليه السلام، من أن معاوية لم يكن إلاّ كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن يدعو إلى نار جهنم، وممن خرب النظام الإسلامي، وأحدث الشرخ الأكبر في الإسلام، وحوّل الدولة الإسلاميّة إلى قيصرية وملك عضوض.
(٨٨) صحيح مسلم ٨: ٢٠١/ باب خروج الدجال ومكثه في الأرض، وفيه خبر الجساسة، التي أخبرت تميم الداري، والمسافرين معه، من لخم وجذام، بوجود الدجال في دير وحده... الخ.
أقول: حديث الجساسة لا يثبت عندنا، وهو حجة على من يثبت عنده، وقد واجه المحدّثون مشكلة في كون حديث الجساسة، يقول: إن الدجال رجل كبير، موجود في جزيرة، مربوط في دير، بينما حديث صائد بن صياد يقول: إنه طفل في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وإنه صحابي، وقد أكّدوا إنه شارك في الفتوحات. واحتمل العسقلاني، في فتح الباري، أن يكون الدجال شيطاناً، يتشكل بأشكال الناس، ولكن روايات صائد بن صياد - كما هو معلوم - تقول: إنه بشر منّا، من لحم ودم، له قدرات خارقة، ولد زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اُمّه عن حمله، وولادته. بينما رواية الجساسة تقول: إنه رجل كبير في نفس الفترة الزمنية، معدّ للخروج على الإسلام، ويخبر بالمغيبات، وهو محتجز في جزيرة، وفرض أنه شيطان متشكّل - كما احتمل العسقلاني - يفتح الباب للادعاء بالقول: إن كل باطل هو الدجال نفسه، بينما الظاهر أنه شخصية معينة، ولهذا نرى أن معالجة سعيد أيّوب، فيها بعض التغاضي عن موضوع الجساسة، إلاّ أن يكون قد اقتنع بتحليل العسقلاني، حيث قال في فتح الباري ١٣: ٣٢٨:
(أقرب ما يجمع به بين ما تضمنه حديث تميم، وكون ابن صياد هو الدجال: إن الدجال بعينه، هو الذي شاهده تميم موثوقاً، وإن ابن صياد هو شيطان تبدّى في صورة الدجال في تلك المدة، إلى أن توجه إلى أصبهان، فاستتر مع قرينه إلى أن تجيء المدّة التي قدّر الله تعالى خروجه فيها). انتهى. مع العلم أن سعيد أيّوب أورد هذا التحليل للموقف من قبل العسقلاني، ولم يرده.
(٨٩) عقيدة المسيح الدجال: ٤١٨، وفيه: (فأهل لخم وجذام، شاهدوا المسيح الدجال، في أوّل الزمان، وكانوا في داخل الدير كعدد الجنود. وبعد المسيح الدجال دخلوا في رغيف معاوية فصلى بهم الجمعة يوم الأربعاء، وبعد معاوية خدموا يزيد، فضربوا في الحرة، وبالت خيولهم بين الروضة والمنبر، وحاصرت البيت العتيق، ورفعوا رأس الحسين على أسنة رماحهم، وبعد يزيد خدموا الحجاج بن يوسف، فكانوا يلتفون حوله، ويسمعون منه القرآن، ويهتزون لصوته طرباً (البيان والتبيين ٣: ١٤٧)، وبعد الحجاج صاروا خداماً لملايين الحجاجيين، حتّى يومنا هذا، يدافعون عن شرف السلطان، بهتك أعراض ألف عذراء من المهاجرين والأنصار، فكان هذا هو معسكر معاوية! وكانت هذه بصمات المسيح الدجال على جماجم بعض أفراده).
(٩٠) يمكن مراجعة هذه الأحداث، في كتب الحديث، والتأريخ، بشكل مفصل، فإن البحث غير مخصص الآن لهذا الموضوع، وعلى سبيل المثال، يمكن مراجعة الأنساب للسمعاني ١: ٢٩؛ وعبد الله بن سبأ للشيخ علي آل محسن الفصل الثالث، (سبأ والسبئيون)؛ وتفسير التبيان ٨: ٨٨؛ والبحار ١٤: ١١٧، و٣٣: ٢٥٩؛ وإعلام الورى بأعلام الهدى ١: ٢١٢؛ وغيرها الكثير من المصادر التاريخية، والحديثية، ومصادر السيرة.
(٩١) صحيح البخاري ٨: ١٣٧/ كتاب الاعتصام بالكتاب والسُنّة؛ صحيح مسلم ٨: ١٨٩/ باب ذكر ابن صياد؛ سنن أبي داود السجستاني ٢: ٣٢٢/ باب في الأمر والنهي/ ح ٤٣٣١.
(٩٢) سنن أبي داود السجستاني ٢: ٣٢٢/ ح ٤٣٣٠.
(٩٣) صحيح البخاري ٢: ٦٩/ باب في الجنائز؛ صحيح مسلم ٨: ١٨٩/ باب ذكر ابن صياد.
(٩٤) صحيح مسلم ٨: ١٨٩/ باب ذكر ابن صياد.
(٩٥) صحيح مسلم ٨: ١٩٤/ باب ذكر الدجال وصفته وما معه.
(٩٦) صحيح مسلم ٨: ١٩١/ باب ذكر ابن صياد.
(٩٧) المصدر السابق.
(٩٨) صحيح البخاري ٢: ٩٦/ باب الجنائز، وكرره في باب دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كتاب الأدب؛ صحيح مسلم ٨: ١٩٢/ باب ذكر ابن صياد؛ سنن أبي داود ٢: ٣٢١/ باب آخر في ذكر ابن صياد/ ح ٤٣٢٩؛ سنن الترمذي ٣: ٣٥٢/ باب ما جاء في ذكر ابن صياد؛ وقد ذُكر الحديث في مصنف عبد الرزاق، وفي الأدب المفرد للبخاري، وفي المعجم الكبير، ومسند الشاميين للطبراني، وفي تاريخ دمشق لابن عساكر، وفي الإصابة لابن حجر، وغيرها من كتب الأحاديث.
(٩٩) صحيح البخاري ٢: ٩٧/ باب الجنائز، وكرره في باب دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي كتاب الأدب؛ صحيح مسلم ٨: ١٩٢/ باب ذكر ابن صياد؛ سنن أبي داود ٢: ٣٢١/ باب آخر في ذكر ابن صياد/ ح ٤٣٢٩.
(١٠٠) المعجم الكبير للطبراني ١٨: ٨٥٧.
(١٠١) عقيدة المسيح الدجال: ٩ - ١١.
(١٠٢) ابن حجر الإصابة ١: ٦ - ٨‏.
(١٠٣) إلاّ إذا كان محباً لعليّ بن أبي طالب عليه السلام متفانياً له. فقد جرح البخاري وضعّف أوّل رجل بالغ، آمن بمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم وهو هند بن أبي هالة، ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وابن زوجته خديجة، من أبي هالة، وقيل: هو ابن أختها، وكان عمره حين آمن عشرين سنة، أو أقل بسنتين، بينما كان عُمرُ عليٍٍّ عليه السلام ثلاث عشرة سنة، حين آمن وأسلم، ولم يضعفوه ويخرجوه عن القاعدة، إلاّ لكونه متفانياً في حب عليّ، وقد قتل بين يديه في معركة الجمل. كما ضعفوا صحابة أجلاء مثل حجر بن عدي، وغيره، من أنصار أمير المؤمنين عليه السلام. ولو أخذنا بمعايير ابن حجر للصحبة، لوجدنا أنهم يضعفون صحابة كثر، ليسوا على هواهم، بخلاف مقولتهم في تعديل كل الصحابة، ومعيار ابن حجر أنه قال: (وقد قدَّمْتُ غير مرة أنهم كانوا لا يؤمّرون في ذلك الزمان إلاّ الصحابة) الإصابة: ١: ٤٤٥ و٢: ٦٠٣ و٢: ١٣٦. ويبدو أن ابن حجر استند في إثبات الصحبة - بهذا المعيار - حسب ابن أبي شيبة، الذي قال: (كانوا لا يؤمرون في المغازي إلاّ الصحابة). الإصابة ١: ٩. ولكن هذا محذوف - الآن - من مصنف ابن أبي شيبة!! وقد روى ابن كثير ما يدل على عرفهم، بأنهم لا يؤمرون إلاّ صحابياً. البداية والنهاية ٤: ٢٥.
(١٠٤) تهذيب التهذيب ٧: ٣٦٦. 
(١٠٥) يعني أن الدجال عنده صحابي مسلم مجاهد في سبيل الله وقد أدى الفروض الشرعية وأحمزها الحج والجهاد فهو من خيار المؤمنين. فماذا نريد بعد أكثر من هذا؟ يعني هو ممن لا يشكّ في توثيقه وهو القائد المجاهد! والصحيح يقول أنه الدجال الذي سيظهر آخر الزمان بروايات متعددة كما أسلفنا. ولا ندري ما حكمه عندهم إذا خرج قبل خروج المهدي لنصرة اليهود؟؟
(١٠٦) أي: تسابّا. سب أحدهما الآخر.
(١٠٧) فتحت السوس قبل أن تفتح أصبهان، وهي أقرب للعراق من أصبهان بكثير.
(١٠٨) تقريب التهذيب ١: ٧١١.
(١٠٩) الكاشف ٢: ٥٤. 
(١١٠) الأسماء واللغات ٢: ٥٧١. 
(١١١) أسد الغابة/ ابن الأثير ٣: ١٨٧.
(١١٢) البداية والنهاية ٣: ٢١٦ و٢١٧.
(١١٣) يُنظر كتب الرجال في من اسمه يزيد بن زياد والاشتباه في يزيد بن أبي زياد، وسيأتي بعض التحقيق في عموم الرواية.
(١١٤) وقد عزاها إلى ابن كعب القرظي، بدون ذكر السند، ابن أبي حاتم في تفسيره ١٠: ٣١١٨؛ ورواها القرطبي في تفسيره ١٠: ٢٦٩؛ ونقلها عن سيرة ابن هشام، أبي حيان الأندلسي في تفسيره البحر المحيط ٦: ٣٩؛ وذكرها ابن سيد الناس، في كتابه عيون الأثر ١: ٢٣٣.
(١١٥) تفسير القرطبي ١٠: ٢٧٠.
(١١٦) ورد هذا الحديث، مسنداً في كمال الدين ١: ٢٨٧‏/ باب ٢٥/ ح ٥، حدّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطار النيسابوري، قال: حدّثنا عليّ ‎بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدّثنا حمدان بن سليمان النيسابوري، عن محمّد بن ‎إسماعيل بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر، عن أبيه سيد العابدين عليّ بن الحسين، عن أبيه سيد الشهداء الحسين بن عليّ، عن أبيه ‎سيد الأوصياء، أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...؛ والحديث في: فرائد السمطين ٢: ٣٣٥/ ح ٥٨٧؛ ‎ينابيع المودة: ٤٨٨/ باب ٩٤ عن غاية المرام‏‎. 
المفردات: أي تكون له غيبة، وتكون في أثنائها حيرة الأمم وضلالها‎. وذخيرة الأنبياء: مواريثهم من الكتب، والعلم، وغيرها، كما يأتي.
(١١٧) ذكره في كمال الدين ١: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ‎ح ١، حدّثنا جعفر بن محمّد بن مسرور، رضي الله عنه، قال: حدّثنا الحسين بن محمّد بن ‎عامر، عن عمّه عبد الله بن عامر، عن محمّد بن أبي عمير، عن أبي جميلة المفضل بن ‎صالح، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: قال رسول الله‎ صلى الله عليه وآله وسلم...
(١١٨) ذكره في كمال الدين ١: ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤، حدّثنا أبي، ومحمّد بن الحسن‎، ومحمّد بن موسى المتوكل رضي الله عنهم، قالوا: حدّثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله ‎بن جعفر الحميري، ومحمّد بن يحيى العطار، جميعاً، قالوا: حدّثنا أحمد بن محمّد بن عيسى‎، وإبراهيم بن هاشم، وأحمد بن أبي عبد الله البرقي، ومحمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، جميعاً، قالوا: حدّثنا أبو عليّ الحسن بن محبوب السراد، عن داود بن الحصين، عن أبي ‎بصير، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم...؛ والحديث في: العدد القوية: ٧٠/ الحديث: ١٠٦، مرسلاً عن ‎جابر، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم...؛ وهو أيضاً في: إثبات الهداة ٣: ٤٦٠/ باب ٣٢/ فصل ٥/ ‎ح ١٠٣؛ ينابيع المودة: ٤٨٨، و٤٩٣/ باب ٩٤، عن غاية المرام. ‎
(١١٩) الصواعق المحرقة: ١٦٦. الصواعق المحرقة في الردّ على أهل البدع والزندقة، للمحدّث الشهير أحمد بن حجر الهيتمي المكّي. المتوفي سنة (٩٧٤هـ) خرّج أحاديثه، وعلّق حواشيه، وقدم له‏‏: عبد الوهاب عبد اللطيف، الأستاذ المساعد بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر/ ط ٢/ (‏١٣٨٥هـ/ ١٩٦٥م).
(١٢٠) الصواعق المحرقة: ١٦٦/ هامش الصفحة.
(١٢١) جاء في رسالة الإمام عليه السلام، إلى أبي الحسن السمري، رضوان الله عليه: (بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد، فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن الله تعالى، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفترٍ، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم). كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ٥١٦. وقد عد الشيعة الأيام فكان كما قال عليه السلام، وقد وقعت الغيبة الكبرى بعد هذه الرسالة، ووقع ما كتبه عليه السلام من ادعاء بعض الشيعة للسفارة كذباً، وقد فضح الله كل من كذب على الإمام عليه السلام ببركته وتوفيق الله.
(١٢٢) سيتبيّن فيما بعد، لماذا قلت: (في زمن السيد المسيح)‏؟ لأن اللفظة أخذت ترجمات، وإطلاقات، في لغات متعددة، بمفهوم، أو لفظٍ واحد. فقد لا تكون - صوتياً - هي نفس (مسيّا) في أوقات أخرى، غير زمن المسيح، أو في مكان آخر، غير مكان المسيح. وسيأتي أن لفظها في الحقيقة هو: حمادا، أو حِمدا، وهذا لا يتلاءم إلاّ مع محمّد، أو أحمد.
(١٢٣) لقد عرض المرحوم الشيخ آغا برزگ الطهراني رضوان الله عليه هذا الكتاب، من خلال عرضه لترجمة قصة هذا الطفل باسم: (وحي كودك). وقد بيّن أسس القصة العبرية المترجمة والإشارات التي فيها، سواء بظهور النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم أو بموضوع حتمية الانتشار العالمي لرسالته بواسطة الإمام المهدي عليه السلام. قال الطهراني في الذريعة: ٢٥: ٦٢/ باب (و ح ي)/ رقم ٣٢٦: (وحى كودك: أي تنبؤات طفل. قصة فارسية، مندرجة في: (ص ٢٩١ - ٣٤٦) من كتاب إقامة الشهود في رد اليهود ذ ٢: ٢٦٣ الذي هو ترجمة لكتاب منقول رضائى ذ ٢٣: ١٥٢، والمترجم بالفارسية، هو السيد عليّ بن الحسين الحسيني الطهراني من سادات اخوى: (١٢٣٨ - ١٣٠٦) بطهران، الذي ترجمناه في نقباء البشر: (ص ١٤١٢). قال فيه: (إنه ترجم الكتاب هذا من العبرية إلى الفارسية، بمساعدة فاضلين، أحدهما ابن أخ المؤلف لأصل الكتاب، وهو محمّد جعفر. والآخر محمّد عليّ الكاشاني الأصل، الطهراني المسكن، الشهير بملاّ آقا جاني. وجعل للكتاب مقدمة، فيها شيء من قواعد الخط العبري، واللغة العبرية. وقال عن أصل الكتاب: (إنه كان قد ألّفه أحد علماء اليهود، ببلدة يزد، بعد أن أسلم في عام (١٢٣٨)، وتسمى محمّد رضا، واشتهر بجديد الإسلام.
وقد ألّف هذا الكتاب باللغة العبرية، في الردّ على اليهود، وأدرج فيه بعنوان: نبوة هيلد، تنبؤات طفل، و‏هو طفل، قال عنه: إنه ولد ببعض قرى أورشليم، بيت المقدس، قبل بعثة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بسبعين عاماً، و‏سجد بعد الولادة، ثمّ رفع رأسه، وتكلم بعجائب فزجره أبوه ربى بن حاس، ومنعه عن الكلام، فسكت اثني عشر عاماً، ثمّ تكلم بأمر أبيه بتلك الملاحم والتنبؤات، من بعثة النبي، وعلائمه، و‏صفاته، ووقائع زمانه، إلى آخر الزمان، وظهور الحجة المهدي، إجمالاً، ورمزاً، ودونت تلك الكلمات، في ثلاثة فصول، كل فصل (٢٢) باباً، بعدد حروف الأبجد في اللغتين العبرية، والسريانية، أي إلى آخر قرشت، وطبعت ضمن كتب اليهود. ثمّ حصلت نسخته، عند هذا العالم اليهودي، المستبصر، والمتسمى بـ (محمّد رضا جديد الإسلام) بيزد، فشرح هذا الرجل، من مجموع الكتاب، الكلمات الأربع والعشرين فقط، وبيّن رموزها، ولم يشرح الباقي، ثمّ أدرج ما شرحه، في هذا الكتاب، الذي ألّفه بطهران، بعد استبصاره، وإسلامه، باسم فتح عليّ شاه، في الردّ على اليهود‏، ولم يمهله الأجل لترجمة الباقي، فترجمه عليّ بن الحسين الاخوي، في عصر ناصر الدين شاه، و‏طبعه (١٢٩٢) باسم إقامة الشهود، وقال المترجم بالفارسية: إن من الاتفاق، وقوع إسلام المؤلف، و‏ولادة المترجم الفارسي في سنة واحدة هي (١٢٣٨). هذا، وقد نقل عن كتاب: (وحى كودك) الملا محمّد تقي الكاشاني، المترجم في النقباء: (ص ٢٥٣)، وصاحب جامع الأصول ذ ٤١: ٥. فقد قال في كتابه هداية الجاحدين: (إني طلبت كتاب: (وحى كودك) من أصدقائي، من اليهود، فأبوا، حتّى أتاني به رجل جديد الإسلام، فطبعته ضمن كتابي هداية الطالبين، بطهران (١٣٠٧). ومرَّ في ذ ١٥٢: ‏‏٢٠ محضر الشهود لعالم يزدي آخر، معاصر لمحمّد رضا جديد الإسلام مؤلف منقول رضائي إدّعى فيه: أن والده - أيضاً - كان يهودياً، وأسلم. ومرَّ أيضاً أنيس الأعلام ٤٥٢: ٢ لجديد إسلام آخر، لكنه ردَّ فيه على بعض مطالب (وحى كودك) هذا).
(١٢٤) الأنبياء: ١٠٥.
(١٢٥) المزامير ٢٩: ٣٧.
(١٢٦) لا بأس أن نشير إلى ما كررناه في هذا الكتاب - دفعاً للالتباس. وذلك بما أن هذه الكلمات - لغةً - هي نص على كلمة (محمّد) أو (أحمد) فلا مانع - مطلقاً - أن تكون في النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم كصاحب رسالة، بينما يكون المهدي هو نفس النبي محمّد اعتباراً؛ لأنه هو صاحب نشر نفس الرسالة عالمياً، وبهذا الاعتبار، فهذه الألفاظ تكون نصاً على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ولكن الصفات التطبيقية هي في الإمام محمّد عليه السلام، وريث النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وبهذا يصح الاستدلال بهذه النصوص على نبوة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لعدم الفصل الحقيقي بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين المهدي عليه السلام.
وسيأتي: أن النص على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في غير هذه النصوص، موجود في الكتب القديمة، وقد استدل بها جمع من القساوسة الذين تحولوا إلى الإسلام، وقالوا: إنهم كانوا يدرسون هذه النصوص، على أساس أنها بشارة بالنبي الموعود، وهي لا تنطبق إلاّ على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم خصوصاً.
(١٢٧) هذا التطابق، قد يدعونا إلى التفكير في سرّ المنع الشديد، من تسمية الإمام المهدي عليه السلام باسمه الحقيقي: (محمّد، أو أحمد).
(١٢٨) هذه المشكلة، نابعة - أيضاً - من النصوص المضطربة نتيجة الترجمة. ففي إنجيل يوحنا: الإصحاح ١٤/ العدد ٢٦: (وأما المعزي الروح القدس، الذي سيرسله الأب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم). بينما في العدد ١٧، من الإصحاح نفسه ١٤ من إنجيل يوحنا: (روح الحق، الذي لا يستطيع العالم أن يقبله؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه؛ لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم). وهم يفسرون روح الحق في هذا النص: بأنه لا يمكن أن يحده زمان ولا مكان، وهو روح الله نفسه. بينما يقولون: بأن روح القدس هو جبرائيل، أو الملاك. ولهذا فإن تداخل ثلاثة آلهة - في التسمية والعنوان - أصبح لازماً، بعد مثل هذا التفكيك والجمع. فروح الحق هو الله وهو الروح القدس جبرائيل، وهو نفسه الكلمة المتجسدة، المسيح روح الحق، وهذه النتيجة حتمية لمثل هكذا (تفكيك، وجمع) في النصوص حتّى يمكن التخلص من التناقض.
وقد أورد أحد القساوسة المحاورين تفسيره لروح الحق - بكل صراحة - وقد فسّره بأنه روح من الله، أو روح من الحق، بنفي الفرق بين الصفة والإضافة والظرفية. وهو يكتب في الانترنت باسم مستعار باسم (CADAVRA DAVADA) يشرح فكرة روح الحق: فهو روحاً غير مرئياً (كذا) للبشر، وغير مادياً (كذا) وغير ملموساً (كذا). والحق - هنا - هو الله، فهو روح الله، الذي انبثق، أي يصدر من ذات الله الأب: (رُوحُ الْحَقّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الأب يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي) (يوحنا ١٥/ ٢٦)... اقتطاع... (الروح القدس) (يوحنا ١٤/ ٢٦) أي: روح الله القدوس، كما يوصف دائمًاً. ثانياً: فهو غير محدود بمكان، وزمان: (وَأنَا أطْلُبُ مِنَ الأب فَيُعْطِيكُمْ مُعَزّياً آخَرَ... لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إلى الأبَدِ رُوحُ الْحَقّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أنْ يَقْبَلَهُ لأنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرفُهُ) (يوحنا ١٤/ ١٦ و١٧). انتهى كلام القس. وفيه شيء عجيب، وهو أنه اعتبر: أن المسيح غير مرئي وغير معروف؟! وهذه حيرة عجيبة في تشخيص (الله، والمسيح، وروح القدس)؛ لأن المسيح مرئيٌ ومعروف، بينما النص يقول: إن روح الحق غير معروف وغير مرئي، فإذا كان المسيح هو الله، فإنه مرئي، وإذا كان روح الحق غير مرئي، فكيف يرى الله نفسه، ما دم المنبثق منه غير مرئي؟ إنها خلطة يصعب تصورها، ولكن المسيحيين يرون أن العزاء في ذلك هو (قبول الإيمان بها)، فالإيمان هو القبول حتّى لما لا يقبله العقل ولا قدرة له على تصوّره، ورغم تناقض الفهم فيه. والدليل عندهم المحبة، والرؤية القلبية، وليس التناسق المنطقي للصورة، فعندهم أنه لمقبول جدّاً أن يكون المسيح هو روح الحق، ويخبرهم بأنه سيأتي روح الحق، يبشرهم بكل الأمور من قبله. فمَنْ بعثَ مَنْ؟ هذا غير مهم، المهم الحب والقناعة القلبية. (يمكن لمن يريد المزيد أن يراجع الدراسات والحوارات الكثيرة حول هذا الموضوع).
(١٢٩) سيأتي تصحيح الشيخ البلاغي لترجمة كلمة من (وسطك) بأنها من (قربك) التي تعني من أقربائك أو أبناء عمومتك. ولكن يد المترجمين جعلتها بهذه الصورة المشوّهة والنصوص العبرية لا تساعد عليها بل هي نص يصح ترجمته من أقربائك أو عمومتك.
(١٣٠) كل ما ننقله عن الشيخ محمّد جواد البلاغي رحمه الله، هو من كتابه الرحلة المدرسية ١: ٧٠ - ٧٣. وليعلم ذلك، في هذا الباب، من الدليل بالنص على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وستأتي نصوص عن هذا الكتاب، ننقل صفحاتها.
(١٣١) النجم: ٤.
(١٣٢) تقدم ما في إنجيل (برنابا) إنه يقول: (بأنه لا ينطق من نفسه). ولكن هذا الإنجيل، ليس بحجة على المسيحيين، ولا على المسلمين، ويبقى مأزقاً فكرياً للمسيحية. وقد ذكرت ذلك في كتابي: (إنجيل برنابا - مأزق للمسيحية، ووهم للمسلمين).
(١٣٣) لا يخفى أن أغلب المذاهب الإسلاميّة - باستثناء مذهب أهل البيت عليهم السلام - لا ترى العصمة التامة في أحد، حتّى في الأنبياء.
(١٣٤) الرحلة المدرسية ١: ٧١.
(١٣٥) الرحلة المدرسية ١: ٧٢.
(١٣٦) الرحلة المدرسية ١: ٧١.
(١٣٧) الرحلة المدرسية ١: ٧٢.
(١٣٨) نصت التوراة على: أن إسماعيل، هو أخو بني إسرائيل: (وأمَام جميع إخوته يسكن) (تكوين ١٦/ ١٢). (أمام جميع إخوته نزل) (تكوين ٢٥/ ١٨).
(١٣٩) الفصل الثامن عشر من سفر التثنية.
(١٤٠) الرحلة المدرسة ١: ٧٣.
(١٤١) المختصرات في النص: (تك (تكوين)، عد (عدد)... الخ) هي مختصرات أسماء الأسفار في الكتاب المقدس. أبقينا عليها كما هي؛ للأمانة في نقل النص.
(١٤٢) تباشير الإنجيل والتوراة بالإسلام ورسوله محمّد: ٥٠٩‏.
(١٤٣) أضفنا إلى النص المنقول عن كتاب الدكتور أبي طالب بعض الأقواس لإبراز الأسماء، وإظهارها.
(١٤٤) نشير إلى أن التسمية الواردة في القرآن، إنما هي في الإنجيل، وليست في التوراة: (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ) (الصف: ٦). وهذه الآية، تشكل معضلة حقيقية للكنيسة؛ لأنها على مسمع منها ومرأى، ولم تنكرها، ولم تكذّب القرآن إلاّ بعد إجراء عدة تصحيحات في كتبهم، بعد خمسة قرون من نزول القرآن، وهذه الظاهرة لم تدرس جيداً، ولم يلتفت إليها المسلمون بشكل دقيق؛ لتشكّل تياراً بحثياً في أصل النفي ومتى بدأ؟ ولماذا بدأ؟ وكيف بدأ؟ فحسب علمي، حتّى في الحروب الصليبية لم يتطرقوا إلى أن القرآن كذب وادعى أن المسيح بشّر بأحمد. بينما سبّوا النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، ووصفوه بالكاهن الكذّاب، ووصفوه بالمسيح الدجال، لتعزيز قوة المهاجمين الصليبيين.
(١٤٥) كلمة الملك، وابن الملك، التي تمسك بها اليهود، والنصارى، بتفسيرها على أنها تعني داود نفسه، وابنه سليمان عليهما السلام، غير منحصرة بهما، إذ أن ترجمة كلمة: (ملك) - كلما وردت في الكتاب المقدس، وكما هو الحال في كلمة: (رب) - تعرضت - أيضاً - لمشكلة عدم الدقة في الترجمة، وهذا واضح في ترجمات النصوص القديمة. فهي قد تعني في حقيقتها (النبي) و(المصلح) و(الإمام) وهذا يمكن تطبيقه بسهولة على النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم، وابنه المهدي عليه السلام هذا بالإضافة إلى أن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم، كان ملكاً رئيساً على قومه - حقيقة، والمهدي عليه السلام، منصوص عليه كذلك، وسيكون ملك العالم أجمع، فلا ينحصر الأمر بالتفسير اليهودي، حتّى يكون حجة في بابه. ولهذا لا يليق التمسك بكون ذكر: (ابن الملك) في النص، يحّرف النص بأكمله عن الفهم الطبيعي. ومع ذلك، فإن ما ذكره في الصلوات، من صفات وأحداث، كنشر العدل في جميع العالم، وإلى الأبد، لا ينطبق على داود، ولا على سليمان عليهما السلام. وهذا يجعل من النص، نصاً غير منسجم - إطلاقاً - إذا فُسّر بكونه موجّهاً لهما إذ يصبح كل ما قيل، بعد السطر الأوّل، لا واقع له، ولا معنى مطلقاً.
(١٤٦) واضح - تماماً - الاختلاف بين النصين في الكتاب الواحد.
(١٤٧) من الطبيعي أن يحلّ شكّ، واضطراب عند أصحاب ديانة معينة، حين يداهمهم دين جديد، أو نبي جديد، وقد واجه ظهور السيد المسيح عليه السلام اضطراباً في تشخيصه، كما ينص العهد الجديد. من ذلك ما في إنجيل يوحنا: ٧/ ٤٠ - ٤٣‏: (٤٠ - فَكَثِيرُونَ مِنَ الْجَمْع لَمَّا سَمِعُوا هَذَا الْكلاَمَ قَالُوا: (هَذَا بِالْحَقِيقَةِ هُوَ النَّبِيُّ (المسيّا؟)). ٤١ - آخَرُونَ قَالُوا: ‏‏ (هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ). وَآخَرُونَ قَالُوا: (ألَعَلَّ الْمَسِيحَ مِنَ الْجَلِيل يَأتِي؟ ٤٢ - ألَمْ يَقُل الْكِتَابُ إِنَّهُ مِنْ نَسْل دَاوُدَ وَمِنْ بَيْتِ لَحْم الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَ دَاوُدُ فِيهَا يَأتِي الْمَسِيحُ؟) ٤٣ - فَحَدَثَ انْشِقَاقٌ فِي الْجَمْع لِسَبَبهِ).
(١٤٨) هل صلب المسيح حقيقة أم شُبّه لهم؟: ١١٦ و١١٧. 
(١٤٩) كيف يكون يطابق المسيح بينما هو قد تكلم وعاتب ربه على ألمه بقوله: (أي ربي لم شبقتني) أي لمَ تركتني؟؟
(١٥٠) قلنا: إن هذا مشكل، من ناحية سلامة الدليل، حيث الشهادة من نفس المشهود له، والتأكيد من المقتنعين به، بعد وفاته، وهو دَورٌ باطل، وتوقف للشيء على نفسه؛ لكونه وقع طبق ما يعتقدون من نص، حسب فهم القس الفاضل أبو الخير.
(١٥١) قلنا: إن هذا دليلٌ، تأخر عن وقت الحاجة، وهو قبيح عقلاً.
(١٥٢) الفرق بينهما من ناحية صوتية، هو الفرق بين الفتحة والكسرة. وفي اللغة الإنجليزية هو الفرق بين (E) وبين (A)، ولعلَّه الأمر نفسه، في اللغة اللاتينية الأصل. وهذا من أبسط موارد التصحيف، التي تواجه الأخطاء الكتابية في النقل، فما أكثر تصحيف (حسن) بـ (حسين) في كتب الحديث؟ وهو أصعب تصحيفاً لأن الاختلاف ليس بمستوى الفتحة والكسرة. ولا يمكن الجزم - بناءً على هذا، في تحويل الكلمة إلى الجهة التي لا تُعجب المستخدم. فهذا استخدام انتقائي غير مبرر، وهو ليس مسلكاً دينياً، فالمتدين ليس أمام لعبة كلمات متقاطعة، وإنما هو أمام نص ديني، هو حجة عليه أمام الله.
(١٥٣) ذكر المستشرق (tisdall) في كتابه:

(the original sources of quran): ١٩٠‏:

Muhammed was misled by some ignorant but zealous proselyte or other disciple, who confounded the Word used in these verses (joun xiv, ١٦, ٢٦, xvi, ٧) with another greek word, which might without avery great stretch of the imagination, be interpreted by the Arabic word ahmad the greatly praised.

ويمكن ترجمة هذا النص إلى (إن (محمّداً) ضُلل من قبل معلم جاهل حيث قرأ نص يوحنا: ١٥: ٢٦ و١٦: ٧ بكلمة يونانية بدون امتداد، متخيلاً أنها تعني (أحمد) العربية، وهي الممدوح جدّاً (المحمود - أفعل التفضيل من حمد).
والمقصود بذلك - طبعاً - (بريكليتيوس) التي ترجموها بـ (المعزي).
ويلاحظ على هذا النصّ أنه لم يحدد اللفظين، وإنما أشار - فقط - إلى أن أحدهما فيه امتداد يدل على كلمة: (أحمد) بينما الآخر لا يدل على ذلك. والنص يتهم المعلم المفترض للنبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم! بأنه اختار لفظة - تناسب مدعاه - اعتقاداً منه بأن النبي محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم أو معلمه المزعوم هو مؤلف القرآن، جهلاً منه بطبيعة كل من القرآن وبيئة النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم الثقافية، على أن وجود الاحتمال يبطل استدلاله، فلماذا لا يقول بأنهم اختاروا غيرها من أجل التخلص من هذه المصيبة العظيمة عليهم؛ لوجود الاحتمال بها؟
(١٥٤) ذكرنا آنفاً: أن (بركليت) في اللغة اليونانية هي (أفعل) التفضيل من (حمد)، و(مسيّا) في اللغة العبرية، هي: (حِمْدا) وتلفظ بهذا اللفظ - بالضبط.
(١٥٥) الآيات: ١٥/ ٢٦، ١٦: ١٣ من إنجيل يوحنا.
(١٥٦) إن كلمة روح الحق تختلف - بكل وضوح - عن روح القدس. وعليه: فإن تفسير (البركليت) بروح القدس الذي ظهر لرسل المسيح وحواريه يعتبر تزويراً للنص. وهو يوجد مشكلة حقيقية لإنجيل يوحنا. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
(١٥٧) هذا يعني أنه يستحيل أن يكون هو المسيح نفسه، كما فسّر في بعض التفسيرات الغريبة، بأن (البركيلت) الذي ظهر للرسل هو المسيح؛ لأنه يرسله. وسيشهد له، فلا يمكن اعتباره نفسه باتحاد الرسول والمرسل. وهذا غير معقول - أصلاً -.
(١٥٨) هذا يعني: أنه يستحيل أن يكون هو نفسه أحد رسل المسيح؛ لأنهم سيشهدون مع روح الحق الذي هو (البركليت) فإذا لم يكن هو روح القدس الملاك، ولا يكون هو المسيح نفسه، ولا يكون هو أحد الرسل، والحواريين، فإذن القضية أصبحت واضحة، فالحديث عن شخصية أخرى، والأحرى بالمسيحية أن تفكر بدراستها والتعرّف عليها. ولعلَّه بالوصول إلى الحقيقة تزول الضغائن لاتحاد المطلوب من الجميع فلا مشكلة حقيقية في إيمان الديانات.
(١٥٩) هذا النص يدل على عدم الاجتماع - أصلاً - بين المسيح و(البركليت) بينما المسيح وروح القدس مجتمعان، وكان معه، ومعهم، وقد شاهده الحواريون، وشاهد الناس آياته. فتكون كل التفسيرات عبارة عن إسقاط مذهبي على النص، من أجل إكمال صورة، غير تامة الأجزاء.
(١٦٠) هذا المقطع من النص يوضّح فرقاً بين محمّد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبين محمّد المهدي الإمام عليه السلام؛ لأنه يقول بانقطاع حجة الباطل في العالم، وبالتكلم بالعلم اللّدني، دون العلم الظاهري، وهذا من صفات المهدي عليه السلام وليس من صفات النبي محمّد صلى الله عليه وآله وسلم.
(١٦١) تباشير الإنجيل، والتوراة بالإسلام، ورسوله محمّد: ٥٠٩.
(١٦٢) سو شيانت: قد تكون بمعنى الداعم، أو المساند، إذ أن معنى المقطع الأوّل منها: (سو) هو الطرف أو الجهة، و(شيانت): مكوّنة من من مقطعين: (شانه) وتعني فيما تعنيه: الكاهل أو المتن، و(التاء) التي هي ضمير التملك للمخاطب، ومجموع المعنى وفق ذاك، هو: المساند، أو (الذي يدعمك) وهو معنى المنقذ بشكل من الأشكال.
(١٦٣) علل الشرائع ١: ٤ - ٧.
(١٦٤) كمال الدين ١: ٢٥٥‏.
(١٦٥) أمالي الشيخ الصدوق: ٤ و٥/ المجلس ٩٢/ الحديث ٢.
(١٦٦) صحيح البخاري ٤: ٦٨ و٦٩.
(١٦٧) الأنفال: ٦٢.
(١٦٨) القُعَاصُ: داء يأْخذ الغنم لا يُلْبِثُها أَن تموتَ. (لسان العرب: قعص).
(١٦٩) فتح الباري/ ابن حجر ٦: ١٩٨ - ٢٠٠.
(١٧٠) عمدة القاري/ العيني ١٥: ٩٩ و١٠٠/ ح ٦٧١٣.
(١٧١) التوبة: ٢٩.
(١٧٢) صحيح البخاري ٤: ١٤٣؛ صحيح مسلم ١: ٩٤؛ وهو أيضاً في مسند أحمد ٢: ٣٣٦؛ وعون المعبود ١١: ٣٠٩؛ وصحيح ابن حبان ١٥: ٢١٣؛ والمعجم الأوسط للطبراني ٩: ٨٦؛ والجامع الصغير للسيوطي ٢: ٢٩٩/ ح ٦٤٤٠؛ وكنز العمال ١٤: ٣٣٤/ ح ٣٨٨٤٥.
(١٧٣) مسند أحمد ١: ٨٤.
(١٧٤) مسند أحمد ٣: ٢١ و٢٢.
(١٧٥) مسند أحمد ٥: ٢٧٧.
(١٧٦) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦/ باب خروج المهدي.
(١٧٧) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٢. وعلق عليه فقال: (في الزوائد: إسناده ضعيف؛ لضعف يزيد بن أبي زياد الكوفي. لكن لم ينفرد يزيد بن أبي زياد عن إبراهيم. فقد رواه الحاكم في المستدرك، من طريق عمر بن قيس، عن الحكم، عن إبراهيم).
(١٧٨) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦ و١٣٦٧/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٣.
(١٧٩) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٧/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٤. وعلق عليه فقال: (في الزوائد: هذا إسناد صحيح. رجاله ثقات. ورواه الحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين).
(١٨٠) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٧/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٥. وعلق عليه فقال: (في الزوائد: قال البخاري في التاريخ، عقب حديث إبراهيم بن محمّد بن الحنفية، هذا: في إسناده نظر. وذكره ابن حبان في الثقات، ووثق العجلي، قال البخاري: فيه نظر، ولا أعلم له حديثاً غير هذا. وقال ابن معين، وأبو زرعة: لا بأس به، وأبو داود الحفري، اسمه عمر بن سعد، احتج به مسلم في صحيحه، وباقيهم ثقات).
(١٨١) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٦.
(١٨٢) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٧. وعلق عليه فقال: (في الزوائد: في إسناده مقال، وعليّ بن زياد، لم أرَ من وثقه، ولا من جرحه، وباقي رجال الإسناد موثقون).
والحديث في غيبة الطوسي: ١٨٣، عن محمّد بن عليّ، عن عثمان بن أحمد السماك، عن إبراهيم بن عبد الله الهاشمي، عن الحسن بن الفضل البوصرائي، عن سعد بن عبد الحميد الأنصاري، عن عبد الله بن زياد اليمامي، عن عكرمة بن عمّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك.
(١٨٣) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ باب خروج المهدي/ ح ٤٠٨٨. وعلق عليه فقال: (في الزوائد: في إسناده عمرو بن جابر الحضرمي، وعبد الله بن لهيعة، وهما ضعيفان).
(١٨٤) سنن أبي داود ٢: ٣٠٩ - ٣١١/ كتاب المهدي.
(١٨٥) سنن أبي داود ٢: ٣٠٩ و٣١٠/ ح ٤٢٨٢.
(١٨٦) سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ح ٤٢٨٣.
(١٨٧) سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ح ٤٢٨٤. وعلق عليه، فقال: (قال عبد الله بن جعفر: وسمعت أبا المليح يثني على عليّ بن نفيل، ويذكر منه صلاحاً).
(١٨٨) سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ح ٤٢٨٥.
(١٨٩) سنن أبي داود ٢: ٣١٠ و٣١١/ ح ٤٢٨٦ و٤٢٨٧، وفيه: حدّثنا هارون بن عبد الله، ثنا عبد الصمد، عن همام، عن قتادة، بهذا الحديث، وقال: (تسع سنين). قال أبو داود: وقال غير معاذ، عن هشام: (تسع سنين). وح ٤٢٨٨، وفيه: حدّثنا ابن المثنى، ثنا عمرو بن عاصم، ثنا أبو العوام، ثنا قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن اُمّ سَلَمة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بهذا الحديث. وحديث معاذ أتم. وح ٤٢٨٩، وفيه: حدّثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عبيد الله بن القبطية، عن اُمّ سَلَمة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، بقصة جيش الخسف، قلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: (يخسف بهم، ولكن يبعث يوم القيامة على نيته).
(١٩٠) سنن الترمذي ٣: ٣٤٣ و٣٤٤/ باب ما جاء في المهدي.
(١٩١) سنن الترمذي ٣: ٣٤٣/ ح ٢٣٣١. وعلق عليه، فقال: (وفي الباب، عن عليّ، وأبي سعيد، واُمّ سَلَمة، وأبي هريرة، هذا حديث صحيح).
(١٩٢) سنن الترمذي ٣: ٣٤٣/ ح ٢٣٣٢. وعلق عليه، فقال: (هذا حديث حسن صحيح).
(١٩٣) سنن الترمذي: ٣: ٣٤٣ و٣٤٤/ ح ٢٣٣٣. وعلق عليه، فقال: (هذا حديث حسن. وقد روى من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو، ويقال بكر بن قيس. هذا حديث حسن صحيح).
(١٩٤) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٣ - ٥٠٤.
(١٩٥) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٣ و٤٦٤. وعلق عليه، فقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين).
(١٩٦) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٤.
(١٩٧) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٥، وعلق عليه، فقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه).
(١٩٨) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٥٠١ و٥٠٢.
(١٩٩) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٥٠٢، وعلق عليه، فقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).
(٢٠٠) المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٥٠٤.
(٢٠١) في الملاحم والفتن: فيعرفون، أي في (عرفات).
(٢٠٢) مجمع الزوائد/ الهيثمي ٧: ٣١٣ - ٣١٧/ باب ما جاء في المهدي.
(٢٠٣) مجمع الزوائد/ الهيثمي ٧: ٣١٣ و٣١٤، وعلق عليه فقال: (رواه الترمذي وغيره باختصار كثير. رواه أحمد بأسانيد، وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات).
(٢٠٤) مجمع الزوائد/ الهيثمي ٧: ٣١٤، وعلق عليه فقال: (رواه أبو يعلى، وفيه عدي بن أبي عمارة، قال العقيلي: في حديثه اضطراب، وبقية رجاله، رجال الصحيح).
(٢٠٥) أبو سعيد الخدري.
(٢٠٦) مجمع الزوائد/ الهيثمي ٧: ٣١٤، وعلق عليه فقال: (في الصحيح طرف منه. رواه الطبراني في الكبير، والأوسط باختصار، وفيه عمران القطان وثقه ابن حبان وضعفه جماعة، وبقية رجاله رجال الصحيح).
(٢٠٧) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٧؛ المستدرك للحاكم النيسابوري ٣: ٢١١؛ كنز العمال ١٢: ٩٧/ ح ٣٤١٦٢؛ ينابيع المودة/ القندووزي ٣: ٢٦٧/ ح ١٩.
(٢٠٨) صحيح ابن حبان ١٣: ٢٨٥؛ المعجم الكبير/ الطبراني ١٠: ١٣٣/ ح ١٠٢١٦ باختلاف يسير في اللفظ؛ كنز العمال/ المتقي الهندي ١٤: ٢٦٩/ ح ٣٨٦٨٣؛ وعزاه السيوطي في العرف الوردي - أيضاً - للحسن بن سفيان في مسنده، وله شواهد من حديثه، ومن حديث حذيفة، بالرقم: ٦ و٢٠ و٥٨.
(٢٠٩) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٧/ ح ٤٠٨٤؛ المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٤، وفيه: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، الدر المنثور/ السيوطي ٦: ٥٨؛ البيان للكنجي: ١٠١/ ح ٤٩؛ قال ابن كثير في النهاية: ٢٦: (تفرد به ابن ماجة، وهذا إسناد قوي صحيح). وقال البوصيري في زوائده: ١٤٤٢: (هذا إسناد صحيح رجاله ثقات).
(٢١٠) مسند أحمد ٥: ٢٧٧، بلفظ آخر؛ عقد الدرر للسلمي: ١٢٩، وفيه: (أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي). وعزاه السيوطي في العرف الوردي - أيضاً - للحسن بن سفيان في مسنده.
(٢١١) المعجم الأوسط ١: ٥٧، بسند مختلف؛ كنز العمال ١٤: ٥٩٨/ ح ٣٩٦٨٢؛ عقد الدرر: ٢٥، وفيه: (أخرجه جماعة من الحفاظ في كتبهم، منهم أبو القاسم الطبراني، وأبو نعيم الأصبهاني، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو عبد الله نعيم بن حماد، وغيرهم). ورواه أيضاً في: ١٤٥ عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، مرسلاً، وقال فيه: (أخرجه الحافظ أبو بكر البيهقي).
(٢١٢) عقد الدرر: ١٦٩، وفيه: (أخرجه الحافظ أبو نعيم في صفة المهدي).
(٢١٣) عقد الدرر: ١٩، وفيه: (أخرجه الحافظ أبو نعيم).
(٢١٤) كنز العمال ١٤: ٢٦٥/ ح ٣٨٦٦٧؛ الجامع الصغير للسيوطي ٢: ٦٢.
(٢١٥) كنز العمال ١٤: ٢٦٦/ ح ٣٨٦٧٣، عن أبي نعيم في كتاب المهدي، عن أبي سعيد، ينابيع المودة ٢: ١٠١/ ح ٢٦٦، و٣: ٢٩٩/ ح ١٦.
(٢١٦) مسند أحمد ٣: ٣٤٥، عن أبي الزبير عن جابر باختلاف يسير في اللفظ؛ الدر المنثور ٢: ٢٤٥؛ تاريخ دمشق/ ابن عساكر ٤٧: ٥٠٠؛ ينابيع المودة ٣: ٢٩٩/ ح ١٣، عن الكنجي، و٣: ٣٩٢/ ح ٣٥؛ فيض القدير ٦: ٥١٣/ ح ٩٧٧٠، باختلاف في اللفظ.
(٢١٧) الجامع الصغير ٢: ٤٢٣/ ح ٧٣٨٤؛ فيض القدير ٥: ٣٨٣/ ح ٧٣٨٤؛ ينابيع المودة ٢: ١٠٠/ ح ٢٦٢، وفيه - أيضاً - عن أبي جعفر المنصور ٣: ٢٩٨/ ح ١١.
(٢١٨) كنز العمال ١٤: ٢٦٤/ ح ٣٨٦٦٥.
(٢١٩) كنز العمال ١٤: ٢٦٤/ ح ٣٨٦٦٦.
(٢٢٠) الكافي ١: ٣٣٥ - ٣٤٠/ باب في الغيبة.
(٢٢١) لم نذكر سند الحديث - هنا - توخياً للاختصار، واكتفينا بذكر المصدر، فمن أراد السند، فسيجده فيه.
(٢٢٢) الكافي ١: ٣٣٥ و٣٣٦، والحديث في الإمامة والتبصرة/ ابن بابويه القمي: ١٢٦؛ وكمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ٣٤٦؛ وغيبة الطوسي: ٤٥٥؛ والبحار ٥٢: ١١١.
(٢٢٣) الكافي ١: ٣٣٦.
(٢٢٤) المصدر السابق.
(٢٢٥) الكافي ١: ٣٣٧.
(٢٢٦) المصدر السابق.
(٢٢٧) الكافي ١: ٣٣٧ و٣٣٨.
(٢٢٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٥٠، وما بعدها.
(٢٢٩) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٧٠ و٢٧١.
(٢٣٠) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٨٠. والأحاديث المتضمنة لمعنى: (لو لم يبق إلاّ يوم) أو (لو لم تبق إلاّ ليلة) كثيرة جداً، أوردها أصحاب الحديث من الفريقين، من ذلك ما نقلناه - آنفاً - عن سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٧؛ وهو - أيضاً - في المستدرك للحاكم النيسابوري ٣: ٢١١؛ وفي كنز العمال ١٢: ٩٧/ ح ٣٤١٦٢؛ وفي ينابيع المودة ٣: ٢٦٧/ ح ١٩؛ وهو في غيبة الطوسي: ١٨٠، عن أبي هريرة. وفي: ١٨١، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، مثله.
(٢٣١) الحديث، من أحاديث المعراج، وهو طويل جدّاً، وقد اقتصرنا على موضع الحاجة منه.
(٢٣٢) سياق الحديث، يشير إلى أمير المؤمنين عليه السلام.
(٢٣٣) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٥١.
(٢٣٤) النساء: ٥٩.
(٢٣٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٥٣.
(٢٣٦) في أمالي الصدوق: اختلفت.
(٢٣٧) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٥٧.
(٢٣٨) اقتصرنا على ما احتجنا إليه من الحديث في هذا المورد.
(٢٣٩) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٥٧ و٢٥٨.
(٢٤٠) الغيبة/ الشيخ الطوسي: ١٧٨، وقد مرَّ - آنفاً - في المستدرك/ الحاكم النيسابوري ٤: ٤٦٥، عن معاوية بن قرة عن أبي الصديق الناجي، عن الخدري. ومثله - أيضاً - في كنز العمال ١٤: ٢٦٢/ ح ٣٨٦٥٣، عن البارودي، عن الخدري. وفي الغيبة للطوسي - أيضاً -: ١٧٩/ ١٣٧: عن الناجي يعني أبا الصديق، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أبشروا بالمهدي - قال: ثلاثاً - يخرج على حين اختلاف من الناس، وزلزال شديد، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً، يملأ قلوب عباده عبادة، ويسعهم عدله). والحديث في دلائل الإمامة للطبري: ٤٦٨، عن المعلى بن أبي المعلى، عن أبي الصديق الناجي، عن الخدري. وهو في بحار الأنوار ٥١: ٧٤، نقلاً عن الطوسي.
(٢٤١) الغيبة/ الشيخ الطوسي: ١٨٠، ومثله في مسند أحمد ٣: ٢٧، عن الناجي، عن الخدري.
(٢٤٢) الغيبة للطوسي: ١٨٥؛ الحديث في بحار الأنوار ٥١: ٧٥، نقلاً عنه، أما ما هو قريب منه، خاصة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا أوّل هذه الأمّة... الخ. فحديث: (كيف تهلك أمّة أنا أوّلها...) الخ، نقلناه - آنفاً - عن كمال الدين وتمام النعمة: ٢٦٩ و٢٧٠، وفي الأحاديث المنقولة عن المصادر السُنّية، ولكن بلفظ مختلف، كما في الجامع الصغير ٢: ٤٢٣/ ح ٧٣٨٤؛ فيض القدير ٥: ٣٨٣/ ح ٧٣٨٤؛ ينابيع المودة ٢: ١٠٠/ ح ٢٦٢، وفيه - أيضاً - عن أبي جعفر المنصور ٣: ٢٩٨/ ح ١١. وقد يكون مما انفرد الشيخ بنقله - بهذا السند - عن عبد الله بن عمرو بن العاص- لقيام الحجة.
(٢٤٣) تهذيب الأحكام/ الشيخ الطوسي ٣: ٢٥٤.
(٢٤٤) تهذيب الأحكام/ الشيخ الطوسي ٥: ٤٥٢؛ والحديث في الكافي ٤: ٥٤٣؛ والبحار ٩٧: ٤٥٩، نقلاً عن الكافي.
(٢٤٥) تهذيب الأحكام ٦: ١٥٤.
(٢٤٦) المصدر السابق.
(٢٤٧) تهذيب الأحكام ٦: ١٧٢؛ والحديث في وسائل الشيعة ١٦: ٢٣٥.
(٢٤٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٨٩.
(٢٤٩) كمال الدين وتمام النعمة: ٢٩٠ - ٢٩٤.
(٢٥٠) والحديث نقله الشريف الرضي رضوان الله تعالى عليه في النهج.
(٢٥١) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٠٣.
(٢٥٢) المصدر السابق.
(٢٥٣) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٠٣. وفيه بطريق ثان، قال: حدّثنا عليّ بن أحمد بن موسى رضي الله عنه، قال: حدّثنا محمّد بن جعفر الكوفي عن عبد الله بن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن محمّد بن عليّ الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام بهذا الحديث مثله سواء.
(٢٥٤) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٠٤.
(٢٥٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٠٥. وقد مرَّ - آنفاً - في فصول سابقة.
(٢٥٦) كمال الدين وتمام النعمة: ٣١٦.
(٢٥٧) كمال الدين وتمام النعمة: ٣١٧.
(٢٥٨) المصدر السابق.
(٢٥٩) كمال الدين وتمام النعمة: ٣١٨.
(٢٦٠) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٢.
(٢٦١) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٣.
(٢٦٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٥.
(٢٦٣) المصدر السابق.
(٢٦٤) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٢٦.
(٢٦٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٣٣.
(٢٦٦) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٣٧ و٣٣٨.
(٢٦٧) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٦٠.
(٢٦٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٦١.
(٢٦٩) المصدر السابق.
(٢٧٠) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٧٠.
(٢٧١) المصدر السابق.
(٢٧٢) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٧٧.
(٢٧٣) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٨٠.
(٢٧٤) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٨١.
(٢٧٥) كمال الدين وتمام النعمة: ٣٨٣.
(٢٧٦) كمال الدين وتمام النعمة: ٤٠٩.
(٢٧٧) المصدر السابق.
(٢٧٨) كمال الدين وتمام النعمة: ٤١٠.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016