فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » علامات الظهور (قراءة في المعرفة والتطبيق)
 كتب المركز

الكتب علامات الظهور (قراءة في المعرفة والتطبيق)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ كاظم القره غولّي الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٩/٢١ المشاهدات المشاهدات: ٦٧٦٦ التعليقات التعليقات: ٣

علامات الظهور
(قراءة في المعرفة والتطبيق)

تأليف: الشيخ كاظم القره غولّي
تقديم: مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام

فهرست الموضوعات

مقدّمة المركز
المقدّمة
أثر افتقاد القدرة على قراءة الموروث الشرعي
البُعد عمَّا تقتضيه موضوعية البحث
الرغبة بالاطّلاع على الفصول الأخيرة للحوادث
اقتصار بعض الأدلَّة على بيان الإمكان
الفصل الأوّل: صعوبة التعاطي مع أدلَّة علائم الظهور
المعرفة والعبادة في الفكر الديني
الإمامة من مرتكزات الهرم المعرفي في الشريعة
أقسام المعرفة المرتبطة بالقائم عليه السلام
اختلاف الجوانب النظرية المرتبطة بالإمام عليه السلام في الأهمّية
طرح علامات قيام دولة الحقّ (ما له وما عليه)
حتمية دولة الحقّ لا مشكلة في تكرار التعرّض لها
عقبات التعاطي مع روايات علائم الظهور
الأوّل: عدم جريان التعبّد
الثاني: البداء في العلامات
الثالث: قلَّة الموروث الشرعي في علائم الظهور
الرابع: مطلوبية الواقع لا انكشافه
الخامس: تعمّد الروايات إغفال التوضيح
السادس: الحاجة إلىٰ التشخيص لأنَّ الحديث عن أفراد خارجية
السابع: ضعف القيمة الاحتمالية للروايات
اختلاف روايات الغيبة عن روايات العلائم
الثامن: تأثير الرغبة في الخلاص وأُمنية الفرج
التاسع: تأثير السعي للخروج من الجهل
العاشر: عدم تكرّر البحث في الروايات
الحادي عشر: ليس كلّ من تصدّىٰ متخصّصاً
الثاني عشر: قلَّة الجدوىٰ
الثالث عشر: عدم وفرة القرائن الخارجية
موضوعية البحث لا تورث اليأس
الفصل الثاني: انتظار الفرج والمصالح المترتّبة عليه
انتظار الفرج ليس مطلوباً بالذات
فوائد طلب الانتظار
١ _ تحقّق المعرفة
٢ _ الأمل
٣ _ لجم الأتباع
٤ _ التكامل المعنوي
الفصل الثالث: الإمام الحجّة عليه السلام والدين الجديد
١ _ احتمال اختلاف الواقع عن الظاهر
٢ _ احتمال خطأ التطبيق في مستحدثات المسائل
٣ _ وصف الجديد إضافي
٤ _ إمكان النسخ في زمانه عليه السلام
٥ _ تغيّر بعض الآليات
ثبات معالم الدين
إمكان التغيّر واقعاً في الفروع
الخلاصة
الفصل الرابع: مساهمة الأمل بقرب الظهور في ثبات المؤمنين
الأمل يُخفّف ثقل الابتلاء
الشيعة تربى بالأماني
الفرج والانتظار لا يُمثّلان غاية
النهي عن التوقيت
مفاسد التوقيت
روايات تحدَّثت عن وقت خاصّ
قيام دولة الحقّ أمر حتمي بشرائطه
ظرف الأياس وقت إفاضة النصر
الفصل الخامس: الحكمة في الغيبة
هل إنَّ حكمة الغيبة سرٌّ لم يحن وقت انكشافه؟
وجوه الحكمة في الغيبة
الأوّل: خوف الذبح
الثاني: غيبته عليه السلام عقوبة وأثر لظلم الناس
العقوبات الدنيوية ليست لازمة
الثالث: تمحيص المؤمنين
الرابع: عدم مبايعته عليه السلام لأحد
الخامس: إجراء سنن الأنبياء السابقين فيه عليه السلام
السادس: إخراج المؤمنين من صلب الكافرين
السابع: التخلّص من عقدة المعاصرة
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
الحديث عن المستقبل والتطلّع إلىٰ معرفة المجهول والاهتمام بمصير الإنسان من القضايا الساخنة في كلّ عصر سواء علىٰ صعيد الأفراد أو المجتمعات، وقد تكون مناشئ هذه الحالة النفسية وهذا الاندفاع نحو الإمام هو خطوة استباقية لمواجهة المجهول والتصدّي له، وربَّما مجرَّد التشويق لمعرفة الأُمور قبل حدوثها من باب اللغز والأُحجية، باعتبار أنَّ المستقبل من الغيب البعيد عن إدراك الإنسان بأدواته الطبيعية.
حتَّىٰ باتت برامج التنجيم وقراءة الطالع في الفضائيات من أكثرها رواجاً علىٰ الساحة، ولا يختصُّ ذلك بالعرب أو المسلمين فقط، بل هي منتشرة حتَّىٰ في أُوربا وأميركا والغرب بشكل عامّ، بل نستطيع القول إنَّها هناك أكثر رواجاً بكثير من بلداننا، إذ كلَّما أصبح المجتمع مادّياً وبعيداً عن الروحانيات كلَّما تركَّز ذهنه وبنىٰ حياته ومستقبله علىٰ قراءة الطالع وما قاله العرّاف والمنجّم بحقّه وما يخصُّ مستقبله فيصبح آلة يتحرَّك وفق إملاءات العرّافين.
وبنظرة خاطفة حول الفكر الإسلامي وقيمه يتَّضح أنَّ المستقبل والتعرّف عليه ومحاولة اكتشافه يعتبر من أولويات الفكر الديني، إذ اعتبر المعاد والبعث بعد الموت من أصول الدين الإسلامي، ولم يكتف هذا الفكر بذكر المفاهيم والقيم الدينية بما بعد الموت، بل أخذ يركِّز علىٰ تفاصيل المستقبل بكلّ أبعاده دنيوياً قبل أن يكون أُخروياً، وذلك ينبع من أنَّ الفكر الديني الإسلامي يرىٰ أنَّ عالم الدنيا مرتبط بعالم الآخرة وليس شيئاً منفصلاً عنه، فهو ليس فكراً روحياً بحتاً يستقي مبادئه وقيمه من عوالم ما وراء الطبيعة والباراسيكولي، بل هو فكر واقعي ينظر إلىٰ الفرد كما ينظر إلىٰ المجتمع ويحاول إيجاد صيغة متكاملة للرقي بالإنسان في مختلف جوانب أبعاده المادّية والروحية.
لذا نجد أنَّ الإسلام أراد للإنسانية مستقبلاً زاهراً ينعم بالخير والرفاه والتطوّر، وذلك وفق آلية رسمها لا يمكن أن تختلف أو تتخلَّف، وذلك عبر إرسال الرسل وبعث الأنبياء عليهم السلام، ثمّ بسط العدل الإلهي علىٰ الأرض بخلافة الإنسان الكامل وتحقيق الوعد الربّاني حيث قال: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥)، وتحقيق الهدف والغاية من الخلق: (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦)، ببركة وجهود خاتم الأوصياء المهدي المنتظر سليل خاتم الأنبياء عليه السلام، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة)(١)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بنا فتح الله وبنا يختم)(٢).
ورسم لذلك كلّه نظاماً خاصّاً رتيباً دقيقاً كما جاء في الرواية: (نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً)(٣)، وأعطىٰ للأُمّة إشارات وعلامات ودلالات لكي تستفيق من غفلتها وتنهض من سباتها وتعالج مشاكلها، ولتكون علىٰ أُهبة الاستعداد وقدر المسؤولية الملقاة علىٰ عاتقها.
فصحيح أنَّ أمر المهدي من الميعاد والله لا يخلف وعده(٤)، ولكن أبىٰ الله إلَّا أن تجري الأُمور بأسبابها، فليس من سنن الله هداية الأُمم بمبدأ: (كن فيكون)، بل وفق منهج: (إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمّد: ٧)، وسنن: (قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ...) (التوبة: ١٠٥)، هكذا هي مسيرة الحياة التي اختارها الله لخلقه وأرادها لعباده.
هكذا هي بعض غايات علامات الظهور المقدَّس، ولكنَّنا نجد الكثير الكثير من الناس يولون اهتماماً بالغاً بمعرفة العلامات ومحاولة إيجاد الرابط بينها وبين ما يحدث في حياتهم اليومية من وقائع سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية، فأصبح شغلهم الشاغل التطلّع إلىٰ العلامات، ولا شكَّ أنَّ مثل هذا النهج يخسِّر الشخصية الإنسانية الكثير، لأنَّها سوف تستغرق فيه إلىٰ درجة تفقد معه حسّ النقد والموضوعية، ممَّا يؤثِّر علىٰ وعيها بشكل عامّ.
ولعلَّ من هذا الباب وكردّ فعل علىٰ تصرّفات البعض نجد هناك من يدعو إلىٰ إهمال العلامات وعدم البحث عنها باعتبارها لا تقدّم ولا تؤخِّر في تعجيل ظهور ذي العلامة، فليست هي مقدّمات موصلة، وليست هي من باب مقدّمات الواجب حتَّىٰ يحسن الاهتمام بها ولولاها لما وصل الإنسان إلىٰ ذيها ولم يمكن تحصيل الواجب، فهي ليست كذلك علىٰ الإطلاق.
إذن فعلام كلّ هذا الاعتناء والاهتمام والتركيز علىٰ أمر ثانوي غير داخل في صميم حركة الإصلاح العالمي؟ فلنقفل كلّ باب ولنسدّ كلّ نافذة تتحدَّث عن العلامات.
هكذا قد يفكّر البعض.
والحقّ الذي ينبغي الالتفات إليه أنَّ كلا الأُسلوبين سقيم، وكلا المنهجين غير صحيح، فلا المنهج الأوّل الذي صبَّ كلّ اهتمامه بالعلامات ونسي وغفل عن ذيها، بل لا يحسّ بضرورة المساهمة من قِبَله في تحقّق الوعد الإلهي، فهو كالمتفرّج الذي ينظر من بعيد لقضيّة لا تمتُّ إليه بصلة. ولا منهج الإهمال المطلق والذي جاء كما ذكرنا كردّ فعل علىٰ المنهج الأوّل.
فالنظر والتأمّل في تراث أهل البيت عليهم السلام يعطينا معرفة واضحة بالمنهج الذي اتَّبعوه عليهم السلام، فقد اتَّخذوا منهجاً وسطياً فأعطوا اهتماماً خاصّاً بالعلامات، لكن علىٰ أن لا تشكّل حاجزاً عن معرفة دور الإنسان وقدرته علىٰ تغيير المستقبل لصالحه، فهو ليس خارج اللعبة حتَّىٰ يكون متفرّجاً، كما أنَّ مقاليد الأُمور ليست كلّها بيده.
والكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ قد عالج وبصورة علمية تحليلية فذّة مخاطر الاهتمام الزائد في علامات الظهور وبيان نقاط ضعفها وإشكالية التطبيق فيها ممَّا يُعطي صورة علمية واضحة للمسيرة التي يجب أن يتعاطىٰ بها المنتظر مع علامات الظهور.
والمركز حيث يقدّم شكره للأستاذ المؤلّف الشيخ كاظم القره غولّي علىٰ ما سطَّرته أنامله الكريمة وعلىٰ بحثه القيّم، فالمركز يقدّم معلماً جديداً للنظر في علامات الظهور ورفد المكتبة المهدوية بهذا الكتاب القيّم.
سائلين المولىٰ تعالىٰ أن يديم عطاء المؤلّف لما فيه الخير والبركة وخدمة المذهب.

مدير المركز
السيّد محمّد القبانچي

المقدّمة

منذ أوّل الخليقة شرعت معركة طاحنة بين الحقّ والباطل قُدِّر لها أن تبقىٰ حامية الوطيس إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها. وقد عمَّت كلّ جوانب الحياة وهي ضرورة من ضرورات هذه النشأة التي من جهات الحكمة من خلقتها التكامل الاختياري للموجودات العاقلة. وفصول هذه المعركة طرّاً بيد الحقّ تبارك وتعالىٰ بما هو خالق كلّ شيء مدرك الأشياء قبل وجودها لا يسطر في صفحة الوجود إلَّا ما شاء أن يكون والله غالب علىٰ أمره وهو بالغ أمره قد جعل لكلّ شيء قدراً.
ومسيرة التكامل طويلة والهدف بعيد. فاستيعاب الخطوات نظرياً غاية في الصعوبة، ممَّا اقتضىٰ تعدّد القنوات التي تساهم في رسم صورتها، لتكتمل الصورة النهائية بمعالمها الجزئية عند الأفراد. وقد هيَّأت الإرادة الإلهية تلك القنوات، مرَّةً بمفرداتها وأدوات فطرية وجبلية في تكوين الإنسان كالعقل الذي أدرك بعض المعالم الكلّية.
(وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد: ١٠).
والتوحيد المكنون في عمق الوجدان الإنساني والملازم لإنسانية الإنسان لأنَّه من لوازم الخلقة، والرغبة الإنسانية الجامحة في الخلود والسعي الحثيث لنيل مراتب الكمال وغير ذلك.
ومرَّةً ببعث الأنبياء والرسل لتحديد المعالم الجزئية للطريق التي لا تتمكَّن الأدوات السابقة من كشفها أو يصعب عليها ذلك وللتنبيه علىٰ المفردات التي يمكن للنفس أن تدركها مع إعمال شيء من النظر والتدقيق وقد تغفل عنها لمانع من الالتفات. وقد وقع علىٰ عهدة الأنبياء عليهم السلام بيان كلّ هذه الجزئيات علىٰ كثرتها فساحة المعركة التي دعي الإنسان لخوضها واقتضت الضرورة أن يكون طرفاً فيها تشمل كلّ وقائع الحياة ممَّا يعني ضرورة حلّ المشكلة نظرياً قبل تحديد الوجهة عملياً وهو ما يفوق قدرة النفس البشرية وما لا توفّره الأدوات التي زُوِّدت بها. فالهداية التكوينية علىٰ فعّاليتها الكبيرة لا تغطّي هذا الجانب برمَّته، فاقتضت الحكمة الإلهية أن تأتي عناصر المدد من خارج هذه النفس، لتكمل ما تفقده من ضروريات أدوات المواجهة، لتضمن انتصار النفس في مضمار المعركة إن أرادت أن تسير في طريق الحقّ. وجعلت الحلقة الأخيرة من أجزاء العلَّة لسلوك الطريق إرادة الإنسان.
(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١).
وما زاد علىٰ ذلك من المقدّمات يقتصر دورها علىٰ حلّ المشاكل النظرية التي لا بدَّ منها قبل الفعل الاختياري، مضافاً إلىٰ إيجاد المحفّزات ودعم ما هو موجود منها.
أثر افتقاد القدرة على قراءة الموروث الشرعي:
من المشاكل التي تواجه الإنسان في الجانب النظري افتقاد القدرة علىٰ قراءة الموروث الشرعي من القرآن والسُنَّة لمقاربة الواقع في كثير من المفردات، سواء كانت في جانب المعتقد أو في الفروع. وقد انعكس ذلك علىٰ الواقع حيث اختلفت القراءات للنصّ الشرعي ممَّا تسبَّب في انشعاب المجتمع الإسلامي الساعي لاتّباع منهج النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم إلىٰ فِرَق وطوائف تستند في اعتقاداتها وأحكامها علىٰ اختلافها إلىٰ ذلك الموروث الشرعي. والاختلاف يعني عدم إصابة الواقع وتحديده بشكل دقيق للبعض منهم فإنَّ الواقع واحد لا يقبل التعدّد. وانجرَّ ذلك إلىٰ اتّهام بعض الفِرَق للأُخرىٰ بالكفر والخروج عن الإسلام. وترتَّب علىٰ ذلك ضياع الأعمار في التخبّط بحثاً عن الحقّ، وربَّما في إقامة الأدلَّة والبراهين علىٰ معتقدات متضاربة يجزم ببطلان بعضها بحكم وحدة الحقّ وانعكس ذلك علىٰ التعاطي مع من يختلف معنا في الرؤية بقساوة شديدة وبأسلوب فجّ فسالت أودية الدماء من المسلمين بأيدي بعضهم بزعم أنَّ ذلك امتثالاً لتعاليم هذا الدين. إنَّ هذه النتائج لم تكن غائبة عن الشارع المقدَّس إذ ما من شيء يشذُّ عن علمه. فكان لا بدَّ من إيجاد الدافع لذلك الاختلاف. فاقتضت الضرورة أن يكون لله في كلّ زمن حجَّة يكون بيانه قاطعاً للشكّ ودافعاً للشبهات، له القول الفصل في حلّ المشكلات ودفع المعضلات لو أراد الناس ذلك بحكم الدلائل علىٰ عصمته. وهذا ما تيسَّر لفئات عرفت حقّ الحجَّة في زمانه وأنَّه مفترض الطاعة.
وحين اقتضت الحكمة الإلهية أن يغيب الحجَّة عن الأُمَّة تفاقمت المشاكل وعظمت المحن، فاقتصرت الهمَّة علىٰ تحديد الظواهر في كثير من المفردات للعجز عن مقاربة الواقع وانسداد طريق العلم به. وقد نعجز عن تحديد مفهوم أراده الشارع في بياناته وقد يتَّضح المفهوم ولكن يخفىٰ المصداق ولا جهة تورث الجزم بتشخيصها سوىٰ المعصوم عليه السلام وطريق الاتّصال به أشبه بالمنقطع علىٰ الخواصّ فضلاً عن العوامّ. وكانت ضريبة الانقطاع عن المعصوم باهضة علىٰ الناس. وأكثر من تضرر بها أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وأمَّا أتباع المدارس الأُخرىٰ فقد غيَّبوا الإمام عليه السلام في زمان حضوره فلم ينعكس غيابه بشكل واضح عليهم.
وتفاقمت أزمات الأُمَّة حين ضمَّت الىٰ محن انشقاقها محنة الغزو الخارجي لها بكلّ ما له من تداعيات، ممَّا شكَّل مفردات جديدة من سلسلة الصراعات التي تمرُّ بها. ولعلَّ من أهمّ ما يواجه الأُمَّة هذه الأيّام سعي القوىٰ الكبرىٰ لتمرير فكر إلىٰ أفرادها وأتباع الدين الحنيف، يبعدها عن دورها الأصيل، ويخرج الدين عن المساهمة في رسم واقع الحياة الكريمة وتحديد الخطوات نحو مستقبل مشرق. نعم إنَّها مشكلة الغزو الثقافي التي تُدرس خطواتها بشكل دقيق ويسعىٰ لتطبيقها بمنهجية عرف الغرب ببراعته فيها.
(وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) (الأنفال: ٣٠).
ومن له أدنىٰ قدرة علىٰ التفكير لا يفوته إدراك أنَّه في حرب ضروس الغاية منها إسقاط الإسلام إن أمكن، وإلَّا فإخراجه عن دوره الذي أراده الله وتجميده.
البُعد عمَّا تقتضيه موضوعية البحث:
إنَّ الموضوعية تقتضي أن يسعىٰ الإنسان التابع للشريعة لأن يشخِّص تكليفه أوّلاً ثمّ يسعىٰ إلىٰ امتثاله. ومن الناحية النظرية يفترض بالمؤمن أن لا يحرِّكه غير ذلك فكماله المطلوب هو التلبّس بلباس العبودية. أو بعبارة أدقّ طريق كماله المطلوب التلبّس بلباس العبودية. وهذا التلبّس يُمثِّل مقدَّمة اختيارية لكمال غير اختياري له بل هو بمثابة معدّ يجعل النفس البشرية مهيَّأة لاستقبال الفيوضات الإلهية التي تُمثِّل كماله المنشود. هذا هو المضمار الأساسي الذي يُفترض أن لا يغفل الإنسان عنه.
إلَّا أنَّ الإنسان لا يعيش في عالم فرضي بل يعيش في الواقع. ولا ينحصر المحرّك للإنسان في هذا الواقع بالإدراك العقلي السليم، بل هناك محرّكات فعلية أُخرىٰ قد يعني انتفاؤها انتفاء التحرّك. ومن تلك المفردات قراءة مآل الأُمور ونهاية المواقف إذ كثيراً ما تتحدَّد المواقف من خلال تحديد نتاجاتها، لا من خلال تحديد سلامتها وموافقتها للذوق الشرعي هذا لغير النفوس الراقية التي منطلقها في مواقفها.
(ما رأيت شيئاً إلَّا ورأيت الله قبله)(٥).
ونحن نتحدَّث عن غير هذا الصنف، لأنَّ حديثنا عن واقع الأُمَّة في زمن الغيبة. ولا يقتصر الكلام علىٰ أفذاذها.
وقد تكرَّر تناكل المسلمين عن تحمّل مسؤولياتهم التاريخية في مواقف عديدة حين واجهتهم الصعاب في أكثر من واقعة في حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في واقعة أُحُد وأوّل معركة حنين، وبعدها كما في معركة صفّين ومعركة الطفّ. مع أنَّ الكثير منهم قد شخَّص الحقّ وما ينبغي الإتيان به من موقف. لكن ما يدعم هذا الموقف المفترض من المؤثّرات الواقعية علىٰ النفوس انتفىٰ فيهنَّ موقف العقل من حيث التأثير عن تحريك النفس البشرية لاتّخاذ موقف مناسب.
الرغبة بالاطّلاع على الفصول الأخيرة للحوادث:
إنَّ النفس البشرية توّاقة لمعرفة عاقبة الأُمور ومآلها تتملَّكها رغبة عارمة للاطّلاع علىٰ الفصول الأخيرة من الأحداث، خصوصاً إذا كانت طرفاً فيها، مضافاً إلىٰ انعكاس تلك الصورة النهائية علىٰ وجهة الإنسان وقراره، خصوصاً بملاحظة شمول مفردات هذه المعركة كلّ جوانب حياته. وهنا تأتي البيانات الإلهية علىٰ شكل بشارات لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً.
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥).
(وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء: ١٠٥).
(قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف: ١٢٨).
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشركُونَ بِي شَيْئاً) (النور: ٥٥).
ويضاف إلىٰ ذلك أنَّ وضوح العاقبة والعلم بالكيفية التي تضع الحرب عليها أوزارها قد يقلِّل من تأثير الظروف والمتغيّرات علىٰ الإنسان فلا يجعل موقفه منبثقاً من رؤيته للمبرّرات الزمانية والمكانية المحدودة، بل سيكون مؤمناً بلا نهائية التأريخ، وأنَّ المبرّرات والمقدّمات إن لم تكن ملائمة لذلك الهدف السامي الذي يسعىٰ إليه فإنَّها مؤقَّتة في ذلك ولا بدَّ أن تتغيَّر وفقاً للمرتكز الفكري المنبثق من إخبار السماء كما في الآيات السابقة وإخبار المتحدِّثين عنها دون تطرّق احتمال الكذب أو الخطأ. وما أكثر الإخبارات الواردة عن المعصومين عليهم السلام في بيان تلك النتيجة، حيث تجمع علىٰ أنَّ الجولة الأخيرة للحقّ وأنَّها دولة تتحقَّق فيها بشارات الأنبياء.
لقد انعكس ما تقدَّم علىٰ اهتمام العلماء في البحث والتأليف، فكتبت كتب في جمع ما ورد من العلامات والمقدّمات التي تحصل قبل ارتفاع راية الحقّ علىٰ كلّ أصقاع الأرض وفي التحقيق والتنقيح والتعليل والتطبيق للمفردات التي ذكرتها الروايات الشريفة. فجاءت النتاجات في الملاحم والفتن متعدّدة وأُلِّفت في ذلك العديد من الكتب، اقتصر الكثير منها علىٰ جمع ما ورد وتبويبه وسعىٰ البعض إلىٰ إعمال النظر في تحقيق ما ورد وتحديد المصاديق الخارجية بل الأفراد المعنيَّة في كلام العترة إذ كثيراً ما جاءت الروايات للحكاية عن حقيقة خارجية ستقع في ظرفها ممَّا يعني أنَّه لا توجد مصاديق متعدّدة، لأنَّ المفهوم الوارد في هذه الروايات ليس كلّياً ليصلح للانطباق علىٰ متعدّد.
وممَّا دعا إلىٰ معالجة النظرية في هذا الجانب المعرفي الإسلامي سيل التهم التي وجِّهت للمعتقد المبني علىٰ الموروث الشرعي، خصوصاً فيما يرجع إلىٰ حياة الإمام الثاني عشر عليه السلام. وكلّ هذه التهم منبثقة من مجرَّد استبعادات، لأنَّه يستحيل إقامة الدليل علىٰ بطلان الحقّ وإلَّا لما كان حقّاً.
اقتصار بعض الأدلَّة على بيان الإمكان:
لقد اقتصرت بعض الأدلَّة علىٰ الحقّ علىٰ بيان حدود الإمكان _ وليس كلّ ممكن واقعاً _ دون بيان أنَّ دور ما ذكر ليس إلَّا دفع الاستبعاد وتوضيح بطلان الاستحالة. فحين ينفي البعض بقاء الإمام عليه السلام في كلّ هذه المدَّة يجاب عنه بأنَّ التاريخ حافل بالمعمّرين وكما قيل: إنَّ أدلّ دليل علىٰ الإمكان الوقوع. وهذا الجواب لا يثبت إلَّا إمكان أن يبقىٰ شخص كلّ هذه المدَّة حيّاً. وهل أنَّ هذا الإمكان صار واقعاً بالنسبة للإمام الثاني عشر عليه السلام؟ هذا ما لا يتضمَّن جوابه ما تقدَّم. بل لا بدَّ من الرجوع إلىٰ الأدلَّة التي تثبت وجوده عليه السلام وما أكثرها، حتَّىٰ أنَّ بعضهم قد استقصىٰ هذه الأدلَّة فوجد أكثر من ألف رواية تحدَّثت عن ذلك ولو بطريق غير مباشر أو بضميمة روايات أُخرىٰ. ومع وجود هذا الكمّ من الروايات لا يبقىٰ مجال للتشكيك في وقوع ما ثبت سلفاً إمكانه.
لكنَّهم يذكرون ضمن هذا السياق دليلاً ما أنزل الله به من سلطان وهو لا يقارب محلّ البحث من بعيد أو قريب، إذ غاية ما يشير إليه هو الإمكان ونفي الاستبعاد، وهو لا يخلو عن بعد إلَّا على وجه سيأتي بعد قليل. ويتمثَّل ذلك بالاستشهاد بإبليس الذي عمَّر كلّ هذه الدهور وعلىٰ نفس المنوال يمثّل بالملائكة. أين الجنّ من الإنس وهما يمثّلان حقيقتين نوعيتين متغايرتين؟ بل هما علىٰ نظر لبعض أكابر علمائنا من عالمين متباينين. فبدن الإنسان من عالم المادّة والطبيعة والجنّ من عالم المثال والبرزخ. وإمكان بقاء بعض أفراد ذلك العالم مدَّة طويلة في النشأة الدنيوية لا يعني إمكان ذلك بالنسبة لبني الإنسان. وأوضح من ذلك في الاستشهاد ببقاء الملائكة علىٰ المدَّعىٰ. وكثير من الملائكة من عالم العقل الذي هو أرقىٰ من عالم المثال علىٰ نظر معتبر.
وحسناً فعلوا إذ لم يستدلّوا علىٰ المدَّعىٰ ببقاء الحقّ تعالىٰ سرمدياً وقبله كان أزلياً. وقد ذهبت الأوهام ببعض إلىٰ الاستدلال علىٰ ذلك بما ثبتت قطعيته من خلود الإنسان في عالم الآخرة وأين نشأة الدنيا من نشأة الآخرة؟ وقد اقتضت الضرورة الدينية والعقلية فناء الأُولىٰ ودوام الأُخرىٰ للأدلَّة الكثيرة جدّاً. ولأنَّ الدنيا دار ابتلاء وامتحان وكلّ امتحان فهو أمر مقدّمي والأمر المقدّمي لا بدَّ أن تكون له نهاية. فمقدّمية الشيء تمنع دوامه وتنافيه.
اللّهمّ إلَّا إذا كان مرادهم إمكان بقاء الإنسان لمدد طويلة بل إمكان خلوده كما لا شكَّ في ذلك في الآخرة. فإذا اقتضت الحكمة الإلهية بقاء حياة فرد لمدَّة مديدة في الدنيا وقع لإمكانه فلا استحالة ذاتية لأن يعمّر فرد ما آلاف السنين. ولو وجدت الاستحالة الذاتية لما جاز الخلود في الجنَّة أو النار. وأمَّا الجنّ والملائكة فالاستشهاد بهما لجهة أنَّ الله يمكن أن يجعل بعض خلقه معمّرين لمدد طويلة جدّاً فإنَّه تعالىٰ لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض.
ومن هنا فأنا أعتقد أنَّ من المناسب أن تستعرض الوجوه الذي ذكرها المخالفون أوّلاً ثمّ تلاحظ الدعوىٰ التي يرومون الاستدلال عليها بها فإن كانوا يريدون الاستدلال علىٰ الاستحالة فهي غير ناهضة لإثباتها وأنّىٰ لهم التناوش من مكان بعيد. وهل يعقل أن يقام علىٰ الباطل دليل؟ وإن كانوا يرومون مجرَّد الاستبعاد فلا قيمة لذلك مع وجود الأدلَّة المتواترة إجمالاً. ولو كان الاستبعاد نافعاً في شيء فإنَّه قد ينفع في حصول الظنّ، والظنّ لا يغني من الحقّ شيئاً، وهو ليس بحجَّة _ بنفسه _ في الفروع فكيف يحتجُّ به في المعتقد؟ خصوصاً مع وجود الكمّ الهائل من الأدلَّة علىٰ خلافه. وهذا يعني بالضرورة أنَّه لا يبقىٰ مجال للاحتمال بعد ملاحظة هذه الأدلَّة فضلاً عن الظنّ. فالظنّ الذي تحدَّثنا عنه أوّلاً هو الظنّ البدوي غير المبني علىٰ الحاصل بعد ملاحظة جميع الأدلَّة المرتبطة بالمسألة.
وقد يستدلُّ لمسألتنا بما ورد من الروايات الكثيرة التي نصَّت علىٰ أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة. وهي وإن كانت نافعة في المقام إلَّا أنَّه لا يمكن الاستدلال بها علىٰ أنَّها أدلَّة مستقلَّة. إذ غاية ما تثبته وجود حجَّة ظاهر أو غائب. وأمَّا أنَّ الحجَّة هو الإمام الثاني عشر فلا يثبت بها منفردة، بل بضميمة ما نُصَّ من الروايات علىٰ أسماء الأئمّة عليهم السلام، أو علىٰ الأقلّ ما دلَّ من الأدلَّة علىٰ ذلك. فإذا ثبت أنَّ الإمام الثاني عشر قد ولد في عام (٢٥٥هـ) وثبت أنَّ الأئمّة عليهم السلام اثنا عشر إماماً لا غير حصلنا علىٰ نتيجة من هذه الأقسام الثلاثة من الأدلَّة مؤدّاها أنَّ الإمام الحجَّة عليه السلام لا بدَّ أن يبقىٰ حيّاً طوال هذه الدهور.
وقد أفرد بعض علمائنا فصولاً خاصّة في قصص من التقىٰ بالإمام عليه السلام في زمن الغيبة. ورام بعضهم الاستدلال علىٰ المدَّعىٰ المزبور بهذه القصص. والذي يقتضيه الانصاف أنَّها أبعد ما تكون عن إتمام الحجَّة علىٰ الآخر بمضمونها، خصوصاً مع ملاحظة أنَّ هذه المسألة من المسائل الأساسية في المعتقد لأنَّنا إن أحرزنا بل جزمنا بعدم الكذب يبقىٰ احتمال الاشتباه في المصداق. وقد يكون ذلك من تلبيس إبليس وجنوده. اللّهمّ إلَّا إذا حصل الجزم بعدم الاشتباه هنا، كما قد يقال بالنسبة إلىٰ السيّد بحر العلوم والسيّد ابن طاووس رضوان الله عليهما. لكنَّه إنَّما ينفع مع من اعتقد بهذين العلمين وأمثالهما بقطعية الصدق وانتفاء احتمال الاشتباه وهذا ما لا مجال فيه بالنسبة للمخالفين.
ثمّ إنَّه يمكن أن يضمّ إلىٰ الروايات التي تحدَّثت عن ولادته في وقتها الروايات التي ذكرت أنَّ أُمَّه أَمَة ببيان أنَّ عملية الاسترقاق قد انتهت علىٰ الأرض ولا يوجد الآن مظهر من مظاهر عبودية البشر للبشر بملك الرقبة. ومن المستبعد جدّاً أن تعود البشرية إلىٰ الاسترقاق من جديد فالمطمئن به عدم عودة الرقّ إلىٰ الظهور مرَّةً أُخرىٰ. وهذا يعني انتفاء إمكان وجود الإماء ليلدن بعد ذلك. فكونه عليه السلام ابن أَمَة مستلزم بالضرورة ولادته في زمن توجد فيه الإماء وقد تصرم زمن ملك الرقاب.
وربَّما يقال: إنَّ ملك الرقاب لم ينته من خلال الأسباب الشرعية، إذ كثير من الأرقّاء لم تجر عليهم صيغة العتق ليتحرَّروا بل كأنَّ الواقع قد حكم بأن تلغىٰ هذه الظاهرة، وهذا يعني أنَّ الكثير ممَّن ظاهرهم أنَّهم أحرار هم في الواقع عبيد دون أن يلتفتوا أو دون أن يقولوا. فما المانع من أن توجد امرأة لم تجر علىٰ آبائها صيغة العتق فهي علىٰ واقع كونها أَمَة وإن لم تعرف الناس بذلك؟
لكن يبعده أنَّ المنساق إلىٰ الذهن أنَّ الروايات التي ذكرت أنَّه عليه السلام ابن أَمَة كانت بصدد بيان إحدىٰ مشخّصاته التي يمكن أن يعرف من خلالها بضميمة القرائن الأُخرىٰ، فهي واردة في مقام ما ينفع في مقام الإثبات.
نعم لا يمكن أن يقال باستحالة رجوع ظاهرة الرقّ ولو ضمن نطاق محدود، كما لا يمكن الجزم بأنَّ تلك العلامة كانت لبيان ما يمكن أن يشخّص به من عامّة الناس، فلا بدَّ أن تكون معلومة لهم.
وهذا لا يضر لأنَّنا لم نرد الاستناد لهذه الروايات في اعتقادنا بولادته من أبيه الحسن العسكري عليهما السلام، بل أردناها داعمة للروايات المتواترة في ولادته ومؤكِّدة لها خصوصاً لمن روىٰ أنَّه ابن أَمَة من المخالفين، وقد تردَّد ذلك في رواياتهم.
وقد قال ابن أبي الحديد: (وأمَّا أصحابنا فيزعمون أنَّه سيخلق الله تعالىٰ في آخر الزمان رجلاً من ولد فاطمة عليها السلام ليس موجوداً الآن وأنَّه يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وينتقم من الظالمين، وينكل بهم أشدّ نكال، وأنَّه لأُمّ ولد كما قد ورد في هذا الأثر وفي غيره من الآثار)(٦).

* * *
الفصل الأوّل: صعوبة التعاطي مع أدلَّة علائم الظهور

المعرفة والعبادة في الفكر الديني:
لا شكَّ أنَّ الإنسان بفطرته طالب للمعرفة، فهاجس الاستزادة المعرفية له مساحته الكبيرة في الساحة الإنسانية، وكيف تكون غاية البارئ من خلقته المعرفة ولا يوجِد في بنيته التكوينية ما يدفعه باتّجاهها؟ وقد ينظر إليه في حدود الفضول أو حبّ الاستطلاع، لكنَّه في أصله وازع لم يعرض عليه بعد حين، بل هو ملازم لإنسانيته لا يفارقها تحت أيّ ظرف، وإن اختلف شدَّةً وضعفاً، بل إنَّ العبادة التي تصرح سورة الذاريات أنَّه غاية للخلقة الإنسانية، بل وتعمّ الجنّ أيضاً..
(وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: ٥٦).
تعتبر مقدّمة للمعرفة، فهي غاية متوسّطة..
(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: ٩٩).
فالعبادة لم ترد لذاتها، وغايتها وصول الإنسان إلىٰ المعرفة اليقينية.
والإنسان لا يختلف مع أخيه الإنسان في أصل الأُمور الفطرية ومساحة الاختلاف في غالبية _ إن لم نقل جميع _ ما يرجع إلىٰ الأُمور القريبة من الفطرية، والفطرية تمثّل في المصداق لا المفهوم، وأصل الشرائع هو الجانب المعرفي فيها، إذ لا شكَّ أنَّه أهمّ كثيراً من الجانب العملي والعبادي، والعبادة وإن كانت أثراً من آثار مستوىٰ معيَّن من المعرفة أو الإدراك، فكلّ عمل اختياري مسبوق بعلم يعتبر من مبادئه، والشريعة في جانبها العملي تقتصر علىٰ الأفعال الاختيارية، إلَّا أنَّ العبادة في الواقع مقدّمة لمراتب أُخرىٰ من العلم، وإنَّما أُريدت لمساهمتها في حصول واقع معرفي علىٰ المستوىٰ الفردي قد ينعكس في مرتبة لاحقة علىٰ الصعيد المجتمعي.
الإمامة من مرتكزات الهرم المعرفي في الشريعة:
إنَّ الجانب المعرفي في الشريعة رأس هرمه التوحيد وهو يتركز علىٰ ركائز متعدّدة، ومن هذه الركائز ما يرجع إلىٰ الإمامة التي لها أهمّية كبرىٰ في حفظ مسيرة الأُمة عن الانحراف، ومن هنا قامت الضرورة علىٰ وجود الإمام أو الحجّة في كلّ زمان. ومن هنا صار ترك التبليغ بولاية علي عليه السلام _ كما في سورة المائدة _ بمنزلة عدم تبليغ أصل الرسالة.
فالدين قد أُكمل بحياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم..
(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأَسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣).
لكن بقاءه مرهون بوجود قيّم راعٍ يمنع الناس من سلوك السُبُل المنحرفة عن الصراط المستقيم، ومن خلال تنزيل عدم التبليغ بالولاية منزلة عدم تبليغ كلّ الرسالة بملاحظة أنَّ الشريعة قد بيَّنت ملامحها العامّة، والكثير من معالمها التفصيلية من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم يمكن أن نستدلَّ علىٰ ضرورة وجود الإمام في كلّ زمان فحينها ينظر إلىٰ علي عليه السلام علىٰ أنَّه الحافظ لتلك الشريعة وعدم التبليغ بإمامته يعني إبقاء الشريعة بلا حافظ، وهذا يعني تركها في مهبّ رياح الأهواء يعبث بها جهل تهيّأ للمتَّصف به أنَّه علم فاملاهُ علىٰ الرسالة وحمله عليها بل حملها عليه، فإذا كان ترك الرسالة بلا حافظ في زمانه عليه السلام بمثابة ترك تبليغ كلّ الرسالة كان تركها في أيّ زمان بلا حافظٍ وراعٍ بمثابة تضييع لها وتركها في مهبّ الريح.
وما تقدَّم إن لم يكن دليلاً فهو مؤيّد ومؤشّر بلا شكّ علىٰ ما قلنا، وهذا يشمل مدَّة إمامة الإمام الثاني عشر عليه السلام.
أقسام المعرفة المرتبطة بالقائم عليه السلام:
إنَّ المعرفة التي ترجع إلىٰ إمامة الحجّة عليه السلام تنقسم إلىٰ قسمين: الأوّل ما يرتبط بإمامته، والثاني: ما يرجع إلىٰ دولة الحقّ التي ستقوم علىٰ يديه، ليحقّق بذلك بشارة الأنبياء عليهم السلام، ويترجم الصورة التي رسمتها بشارة الوعد الإلهي الذي لا يمكن أن يخلف إلىٰ واقع عملي يقطع الحجّة علىٰ من تذرَّع بعدم إمكان قيام الدولة، لأنَّها أمر بعيد المنال مع التنوّع البشري في مختلف النواحي الذي يجعلهم بعيدين كلّ البعد عن أن يجمعهم فكر واحد ويسود عليهم قانون واحد ويخضعون لثقافة اعتقادية تجعلهم ينظرون إلىٰ أنفسهم وكأنَّهم أعضاء في جسد واحد لا يضر اختلاف مظهرها الخارجي وتنوّع الوظائف فيها من كونها جميعاً وحدة واحدة عزّز الاختلاف في أجزائها من قدراتها.
ثمّ إنَّ ما يرجع إلىٰ قيام دولة الحقّ علىٰ يديه عليه السلام ينقسم إلىٰ قسمين: الأوّل ما يرتبط بعلامات قبل قيام تلك الدولة، والآخر ما يرتبط بتلك النهضة ورفع راية الحقّ وقطع حبائل الانحراف.
اختلاف الجوانب النظرية المرتبطة بالإمام عليه السلام في الأهمّية:
إنَّ الجوانب النظرية المرتبطة بالإمام الثاني عشر عليه السلام كلّها ذات درجة عالية من الأهمّية، لكن أكثرها أهمّية دلائل الإمامة وما يرتبط بأصلها بالنسبة له عليه السلام، ثمّ يأتي جانب قيام دولة الحقّ وضرورة تحقّقها بشارة إلهية علىٰ لسان جميع الأنبياء والأولياء عليهم السلام. وفي اعتقادي أنَّ آخرها مرتبة في الأهمّية ما يرتبط بعلامات الظهور. والجانب الثاني والثالث فرع لأصل الإمامة، فلا شكَّ في أهمّية ما يرتبط به علىٰ ما يرتبط بهما.
وأمَّا بالنسبة لأهمّية البحوث المرتبطة بقيام دولة الحقّ قياساً بما يرتبط بعلامات الظهور فلا يحتاج إلىٰ كثير بيان، إذ جلّ ما ورد من أنَّ الشيعة تربىٰ بالأماني مرتبط بأصل قيام دولة الحقّ، وأمَّا العلامات فالتعرّض لها علىٰ سعته في الموروث الروائي كان لأجل الإبقاء علىٰ الأماني بما له من إنعكاس علىٰ الجانب التربوي للشيعة. ولئلَّا يهجم اليأس علىٰ أتباع الأُمّة فيحملهم علىٰ التقصير ويضعّف همَّتهم في تحمّل أعباء المسؤولية التي يفترض أن يتحمَّلوها في السعي لصياغة واقع يحقّقون فيه ملامح المشروع الإلهي والهدف الكبير للسماء.
ويمكن أن يستشهد علىٰ أهمّية أصل قيام الدولة الإلهية في مقابل مباحث العلامات أنَّه قد تكرَّر في الكتاب الكريم التعرّض لذلك الوعد الإلهي دون أن تشير آية واحدة إلىٰ العلامات التي تسبق تلك الدولة بما أنَّها علامة.
وكيف كان فالاعتبار قاضٍ بما ذكرنا.
وقد حظي البحث في الجانب الثاني (العلامات) باهتمام أكبر من الجانبين الآخرين رغم أنَّه أقلُّ أهمّية منهما، والتمدّد في البحث العلمي في أيّ جانب قد يكون علىٰ حساب الجوانب الفكرية الأُخرىٰ، مضافاً إلىٰ ما في ذلك من أثر سلبي إذا تجاوز حدود ما تقتضيه المصلحة.
لكن يمكن أن يكون الوجه في ذلك هو أنَّ البحوث المرتبطة بالإمامة تفضي عادةً إلىٰ نتائج قطعية مضافاً إلىٰ أنَّها غير مختصّة بالإمام الثاني عشر عليه السلام، نعم حوت الكتب المرتبطة بمباحث الإمامة الكثير من المفردات التي هي مفردات سيرة حيث وثَّقت المفردات اليومية المرتبطة بمواقف الأئمّة عليهم السلام وكلماتهم وأفعالهم، وأُفق ذلك محدود في الإمام الذي غاب عن الناس من طفولته وضاقت دائرة اللقاء به والتواصل معه جدَّاً بحيث اقتصرت علىٰ السفراء الأربعة بالنحو المعترف به والذي يمثّل حالة اعتيادية. وأمَّا غيرهم فالتواصل منهم مع الإمام يعتبر حالة استثنائية يُحيطها الشكّ والريبة خصوصاً مع ما ورد في الروايات من الأمر بتكذيب من ادّعىٰ الرؤية في زمن الغيبة، وإن كنّا لا نعمل بذلك علىٰ إطلاقه، فمن جزمنا بصدقه وبعدم حصول الاشتباه منه في مفردة معرفة شخص الإمام عليه السلام خارج عن دائرة الأمر بالتكذيب، لأنَّ الأمر بالتكذيب ظاهر في الشمول لكلّ أحد، وحجّية الظهور لا تشمل المفردات القطعية علىٰ خلافها.
وكيف كان فإنَّ من يتشرف باللقاء به عليه السلام في زمن الغيبة يسعىٰ عادةً لعدم إظهار ذلك بخلاف اللقاء بالأئمّة السابقين عليهم السلام حيث السعي لتدوين كلّ ما صدر منهم عليهم السلام ميزة يتشرف بها أصحابها ويدعوهم السعي لنشر العلم إلىٰ تدوينها.
وهذا يجعل دائرة ما يدوَّن في جانب السيرة والبيانات الجزئية بالنسبة للإمام الثاني عشر ضيّقة جدَّاً، وما زاد علىٰ ذلك ممَّا يرجع إلىٰ إمامته وأبعادها وضرورتها لا يختصُّ به عليه السلام، لأنَّه يشمل جميع الأئمّة عليهم السلام. والذي اختصَّ به هو عليه السلام غيبته وطول مدَّة إمامته بعد إثبات أصل وجوده ومقدار انتفاع الناس به في زمن الغيبة لتوهّم أنَّ الانتفاع مختصٌّ بحالة الظهور المفقودة فيه عليه السلام ونظائره، وكلّ ذلك إلَّا النادر ورد عن آبائه عليهم السلام لا عنه عليه السلام.
والحاصل أنَّ الواقع الموضوعي يقتضي قلَّة الموروث وضيق دائرة المباحث المرتبطة بأصل إمامته عليه السلام بشكل خاصّ.
وأمَّا قيام دولة الحقّ علىٰ يديه فهي قطعية أيضاً لا تحتاج إلىٰ كثير بحث، لوضوح الأدلَّة فيها مع تنوّعها. وقد تكون مقبوليتها علىٰ تصوّراتها المختلفة في مختلف الاتّجاهات الفكرية معيناً علىٰ قبولها دون حاجة إلىٰ كثير استدلال عليها. ولا أستبعد أن تكون أصل الفكرة والتصوّر قد أُخذ من أنبياء سابقين في ديانات سابقة، وحين حُرِّفت الأديان وهُجرت لم تُهجر بكلّ جزئيّاتها، فكثير من المرتكزات التي هي في صميم الفكر الإنساني في المجتمعات بقايا لمنظومة فكر ديني كان الأسلاف يتديَّنون به، خصوصاً إذا كان الإطار الفكري الجديد يعاني من فراغات لم يعطَ تصوّراته الخاصّة بها. وحينما تُهجر الديانات ويعرض الناس عنها لا يمكن الإعراض عنها بكلّ تفاصيلها بما في ذلك الجانب الفكري المرتبط بالتصوّرات عن الكون وعن مبدأ الإنسانية ومنتهاها في مسيرتها الدنيوية.
وأمَّا البحث في تفاصيل وجزئيات الدولة الموعودة فهي وإن كانت تمثّل جانباً من الفكر الذي يتربط بمستقبل البشرية إلَّا أنَّه لا يحضىٰ بذلك المستوىٰ من الاهتمام والجاذبية لدىٰ المتديّنين لأنَّ انعكاسه العملي علىٰ نفوسهم ليس كبيراً بخلاف أصل قيام الدولة.
وأمَّا العلامات فلأنَّها مرتبطة بالفرج العامّ لكلّ أبناء النوع الإنساني وتشكّل مبشرات بين يديه وقعت موقع الاهتمام الكبير في النفوس. فالبحث فيها له أثره علىٰ عامّة الناس، ممَّا دعا إلىٰ الإكثار منه. هذا مضافاً إلىٰ أنَّ دلالاته ليست قطعية، بل ليست ظنّية علىٰ مستوىٰ آحاد الأدلَّة. فاحتاج إلىٰ إعمال النظر وإجالة الفكر فيه.
لكن تكمن المشكلة في الإكثار من البحث فيه علىٰ حساب بحوث أُخرىٰ، وقد طغىٰ الحديث والبحث عن العلامات علىٰ الجوانب الأُخرىٰ المرتبطة بالإمام الثاني عشر عليه السلام بشكل لافت لدرجة أنَّ البعض قد اختزل الحديث عنه عليه السلام بالعلامات بحثاً وتطبيقاً.
طرح علامات قيام دولة الحقّ (ما له وما عليه):
إنَّ ما يرتبط بقيام دولة الحقّ والأحداث السابقة عليها ممَّا تُشكِّل علامات لها يعتبر جانباً من جوانب الفكر الإسلامي، وهو يستحقّ البحث فيه شأنه شأن بقيّة الجوانب الأُخرىٰ. وهذا وغيره دعا عدداً من كبار علمائنا إلىٰ التأليف فيه، ولكن المهمّ أن لا يأخذ أكثر ممَّا يستحقّه. وقد دأب البعض في أيّامنا علىٰ إعطاء هذا الأمر أهمّية فائقة خصوصاً في الجانب التبليغي، حيث إنَّ البعض يتحدَّث في موسم تبليغي كامل عن الظهور وعلاماته. ولا شكَّ أنَّ هذا أمر غير موضوعي، إذ مع الحاجة إلىٰ طرح المباحث الأُخرىٰ ليس من الإنصاف إعطاء هذه المسألة كلّ هذا الحجم. فإنَّ هذا التضخّم والانتفاخ كان علىٰ حساب جوانب الوعي والفكر الأُخرىٰ. وما أحوجنا إلىٰ بناء الشخصية الإسلاميّة فكرياً لتكون مستعدِّة لمقاومة كلّ المحاولات التي تهدف إلىٰ النيل من قيمة الإسلام في نفس المسلم.
إنَّ من مفاسد هذا التضخيم لهذه المسألة تأثيرها في التثاقل والتناكل عن أداء التكليف بصنع تأريخ الأُمّة وبناء حاضرها ومستقبلها، مضافاً إلىٰ الأثر السيّئ المتقدّم.
توضيح ذلك أنَّ الإنسان بطبيعته طالب للرقي والكمال في أموره الدنيوية ساعٍ لنيل الحظوة في الآخرة. وأحد السُبُل لذلك بالنسبة للمؤمن إقامة دولة الحقّ التي تنال فيها الحياة الكريمة ويقضىٰ فيها علىٰ شظف العيش وضيق اليد ويبعد فيها الظلم والاستخفاف بالقيم والناس. فإذا شخص أمام الناس أنَّ هذا الهدف حتمي التحقّق قريب الوقوع بحكم علامات وردت في الروايات وطبّقت علىٰ وقائع تاريخية لاح من تطبيقها قرب تحقّقه في صفحة الوجود عنىٰ ذلك للبعض بل للكثير أنَّ ترك التحرّك من قِبَلنا لن يؤثّر في تغيير الحتمية التأريخية التي هي قيام دولة الحقّ قريباً، ولمَّا كان التحرّك يعني التضحية والنهوض بهذه المسؤولية الشرعية، فليس ببعيد أن تتثاقل بعض النفوس عن هذا التحرّك حذراً من لازمه المتمثّل بالمخاطرة والتضحية، حيث يعدُّ ذلك مثمناً بلا ثمن ما دامت عملية التحوّل حتمية. وهذا يعني أنَّ العبد لا يعتبرها ضمن حدود مسؤوليته، إذ تدخله وعدمه سواء بالنسبة للنتيجة، فهي مسؤولية الغيب والسماء، وقد تكفَّلت بذلك، فلا قلق علىٰ النتيجة. ولا شكَّ أنَّ هذا علىٰ خلاف ما تريده الشريعة، فهي تريد التغيير ولكن وفق أسبابه.
قال تعالىٰ: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١).
إنَّ الشريعة تريد من الإنسان أن يكون موجوداً إيجابياً يصنع الأحداث، لا سلبياً يُصنع له حاضره ومستقبله، والملحوظ من الشريعة لا يقتصر علىٰ النتائج العامّة، فهي تلاحظ في توجيهاتها رقي الافراد من خلال ممارسة ما رسم له تشريعاً، من أمر بمعروف ونهي عن منكر وثورة علىٰ الظلم وغير ذلك. وأيّ تثاقل عن تحمّل مثل هذه المسؤولية مخالف لحكمة التشريع جزماً، والإكثار من التعرّض لبيان قرب الفرج الإلهي الكبير دون التركيز أيضاً علىٰ مسؤوليتنا التاريخية في صياغة واقع التحوّل الشامل له هذه السلبية.
حتمية دولة الحقّ لا مشكلة في تكرار التعرّض لها:
إنَّ المشكلة لا تكمن في أصل بيان حتمية دولة الحقّ وأنَّها من الوعد الإلهي الذي لا يمكن أن يخلف، بل لا بدَّ أن يتحقَّق في صفحة الوجود، وكيف نتعقَّل ذلك والأنبياء عليهم السلام علىٰ مرّ العصور قد بشروا بهذه الدولة التي تشكِّل أُمنية لكلّ طلّاب الحقّ من أتباع الشرائع؟ بل هي أُمنية طلّاب العدل ولو لم يكونوا من أتباع الديانات السماوية، ومن هنا صارت مورداً للبشارة، وكيف يبشر الإنسان بأمر لا يتمنّاه ولا يرجو حصوله؟
وقد بشر بعض أصحاب المذاهب الدينية الباطلة بذلك كالبراهماتية، بل بشَّر به بعض أصحاب المذاهب الفكرية غير الدينية، بل المنكر للدين كما في الماركسية، وإن اختلفت الرؤية في التفاصيل، وأنَّ المنقذ هو شخص يأخذ بأيدي الناس لنشر راية العدل والمساواة وإزهاق الباطل، أو أنَّ المنقذ هو نفس المجتمع الذي سيصل إلىٰ حالة من التكامل فيخرج بذلك مسير المادّة من تصارع التضادّ والديالكتيك بين الموجودات إلىٰ حالة النضج في الإدراك ليسعىٰ في جانب العطاء إلىٰ العمل بقدر ما يستطيع وفي جانب النفع إلىٰ الاكتفاء بمقدار الحاجة.
وكيف كان فأصل بيان الحتمية أمر في غاية الأهمّية لا بدَّ من تسليط الضوء عليه بما يناسب أهمّيته في نفسه، حيث إنَّه يمثِّل المفصل الأخير لحركة أبناء هذا النوع علىٰ الأرض، وهو ليس مفصلاً مجرَّداً عن باقي أجزاء المسيرة، بل هو بالنسبة لها كثمرة لشجرة زرعها زارعها بعد أن أعدَّ أرضها ورفع الموانع من نموّها ونضجها. والذي ينظر إلىٰ نشأة الدنيا لبني الإنسان بشكلها الكلّي قد ينظر إلىٰ قيام دولة الحقّ كغاية لذاك العناء ومواجهة التحدّيات وتحمّل الصعوبات والإقدام علىٰ التضحيات الجسام فيما لو دعت الحاجة. ولا شكَّ أنَّ النظر إلىٰ هذا الأمر بشكل كلّي بعد كسر الآفاق الضيّقة التي قد تحكم الإنسان له آثاره علىٰ الفرد. ومن هنا انعكس ذلك في ساحة بيان المعصومين عليهم السلام بنحو قد نجزم أنَّه مختلف عن الزخم الذي كان من الأنبياء الآخرين غير نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم. فمشروع دولة الحقّ ستكون أدوات تنفيذه أتباع هذا الدين الحنيف، والمسألة ليست نظرية لا مقاربة فيها لواقع التكليف كما هو الحال بالنسبة لأتباع الديانات السابقة في ظرف فعليتها وقبل نسخها، بل هي مسألة عملية لأتباع هذه الديانة، ومن هنا كثرت الروايات التي وردت عنهم عليهم السلام في بيان ما يرجع لهذا الأمر من مقدّمات ونتائج، وما ذاك إلَّا لأهمّيته الكبيرة.
وكيف كان فقد انصبَّ الكثير من الجهود علىٰ البحث في العلامات التي تسبق الظهور، وهي وإن كانت نافعة بما أنَّها ترسم للناس خريطة الأحداث قبل الظهور فيعرف الإنسان المحدَّد الزماني، بل وربَّما المكاني للحدث من خلال ذلك ومن خلال التطبيق علىٰ الواقع إن كان ذلك التطبيق موضوعياً، لكن التضخّم في طرحها وبيان تفاصيلها كان في كثير من الحالات علىٰ حساب البحث في المشروع المهدوي بملامحه من المقدّمات والواقع والنتائج خصوصاً ما يطرح لعامّة الناس. وهذا يكشف عن خلل في ترتيب سُلَّم الأولويات لكثير من المتحدِّثين والباحثين في هذا الموضوع. ممَّا انعكس علىٰ عامّة الناس حيث نرىٰ اهتمام جُلِّهم بالعلامات أكثر بكثير من اهتمامهم بوعي المشروع المهدوي فكرياً والوعي بالتكاليف المرتبطة به والمسؤولية المرتبطة بالمساهمة في صياغة الواقع من خلال تهيئة المقدّمات.
إنَّ انتصار دولة الحقّ ورفع راية الإسلام علىٰ كلّ أصقاع الأرض وإن كان يمثِّل مرحلة مهمّة في مسيرة البشرية، وقد بلغت أهمّيتها حدّاً بشَّر بها الأنبياء علىٰ مدىٰ آلاف السنين. لكنَّها ليست كلّ شيء في الفكر الديني، نعم لها انعكاس كبير علىٰ الأفراد من جهة المنع عن حصول اليأس عندما تقرأ الوقائع بالنتائج المستندة إلىٰ مبرّرات يتصوَّر أنَّها موضوعية دون ملاحظة حاكمية الله تعالىٰ المطلقة علىٰ الكون ووعده بالنصر وظهور الأمر. فالنصر لا تُسَدُّ أبوابه ولا ينقطع سبيله، كونه من الحتميات الدينية. فطرح هذه المسألة بين عامّة الناس يمنع من حصول حالة اليأس التي تدعو للاستسلام للظروف وإعلان العجز. واندفاع من أيقن بالنصر لا يقاس باندفاع من يئس منه. هذا لو بقي عنده اندفاع. والتعبّد منفرداً أي إن لم يكن مدعوماً بمؤشِّرات علىٰ تحقيق الأهداف لا يجدي عند أكثر الناس. والشواهد علىٰ ذلك كثيرة في التاريخ، ففي واقعة أُحُد مع كون جذوة الإسلام حديثة الاتّقاد في نفوس المسلمين، ومع تذوّق المسلمين طعم النصر علىٰ قريش التي كانت تمثّل عزّاً لم يختلط بذل، ولم يمرّ علىٰ ذلك وقت طويل، ومع كون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين ظهرانيهم إلَّا أنَّهم بمجرَّد أن استشهد حمزة وهجم عليهم خالد بن الوليد من الخلف فرّوا ولم يلووا علىٰ أحد حتَّىٰ مع دعوة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم بالرجوع. والبعض لم يرجع إلَّا بعد ثلاثة أيّام في وقت لم يشكّ أحد فيهم أنَّ الثبات مطلوب منه.
هذا بالنسبة إلىٰ الأثر الذي يتركه واقع النظر علىٰ الناس. ولا نريد أن نقول: إنَّ ذلك التفكير في محلّه، فإن الشواهد القرآنية تجمع علىٰ أنَّ النصر هبة من الله تعالىٰ في الوقت الذي يكون الانتصار في نظر الناس بعيداً جدّاً. ولعلَّ من وجوه الحكمة في ذلك أن لا يُنسب النصر إلىٰ غير الحقّ تعالىٰ. ولا فرق في ذلك بين النصر في المعركة أو في الاستدلال، كما في إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار، وفي واقعة يوم الزينة لموسىٰ عليه السلام، وفي واقعة شقّ البحر، وفي واقعة حنين، وغير ذلك كثير.
إذن فنحن لسنا ضدّ هذه المسائل ومناقشتها علمياً، وإنَّما ضدّ إعطائها أكبر من حجمها والإكثار من تداولها علىٰ حساب مسائل دينية ومهدوية أُخرىٰ نرىٰ أنَّها أكثر أهمّيةً وأكبر أثراً علىٰ الأُمّة الإسلاميّة.
عقبات التعاطي مع روايات علائم الظهور:
ثمّ إنَّ التعامل مع الروايات الواردة في علامات الظهور فيه عقبات عديدة تجعله أكثر تعقيداً من التعامل مع الروايات الواردة في أبواب الفقه. وتتمثَّل هذه الفوارق في أُمور:
الأوّل: عدم جريان التعبّد:
إنَّ كلّ الإخبارات قابلة لأن يحتمل فيها مخالفة الواقع، ومنشأ ذلك الاحتمال ينحصر في أمرين: الأوّل هو تعمّد الكذب، والثاني هو الخطأ. ويخرج من ذلك خبر المعصوم عليه السلام فإنَّه منزَّه عن الكذب وبعيد عن الخطأ. وقد تتوفَّر خصوصية في المخبر تجعل خبره قطعياً إذا كان علىٰ درجة عالية جدّاً من الوثاقة وكان ضبطاً كما يُعبِّرون. وربَّما توافرت قرائن تجعلنا نقطع بصدق هذا الخبر كمضمونه الذي نجزم مثلاً أنَّه لا يصدر من غير المعصوم كما يُمثَّل لذلك بالكلمة الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سُئل عن الله كيف هو، فقال:
(لا كيف له ولا أين، لأنَّه عز وجل كيَّف الكيف وأيَّن الأين)(٧).
وربَّما كثر من نقل الحديث حتَّىٰ وصل إلىٰ حدّ التواتر، إلَّا أنَّ الأعمّ الأغلب من الروايات ليست قطعية الصدور. ومن هنا احتجنا في الاستدلال الفقهي إلىٰ الاستفادة من قاعدة حجّية خبر الثقة التي تثبت بأدلَّتها الخاصّة من سيرة عقلائية وسيرة متشرعة وآيات وروايات متواترة إجمالاً. وهذه الحجّية تعني عدم الاهتمام باحتمال مخالفة الخبر للواقع إذا كان الراوي ثقة وتنزيله منزلة العدم. وقد دعت الحاجة الماسّة بل الضرورة إلىٰ هذا التعبّد حيث إنَّ جل أحكامنا ثبتت بالأخبار غير القطعية. ولا مجال للاحتياط في جميعها ومقام العمل يستوجب تحديد موقف عملي لا يستتبع مؤاخذة. ولا ضرورة في غير الفروع، ومن هنا قد يقال بأنَّه لا وجه لجريان التعبّد في مثل الروايات التي تحدَّثت عن الظهور، فيسدّ باب الاعتماد علىٰ الروايات، إلَّا ما كان قطعياً من جهة صدوره، وما أقلّ ذلك في هذه الروايات، بل قد يقال بأنَّه لا فائدة ترتجىٰ من التعبّد في هذه الروايات، إذ أيَّة ثمرة نجنيها من خلال تعبّدنا بهذه الرواية؟ اللّهمّ إلَّا في حدود رسم صورة عن أحداث المستقبل مستقاة من الأدلَّة الشرعية، وهي ليست مسألة مهمّة لنا، وقد لا أُبالغ إن قلت إنَّها مسألة ثانوية جدّاً بالنسبة لأكثر الحوادث التي تحدَّثت عنها هذه الروايات.
ونفس هذا الكلام يجري في جهة الدلالة فإن الغالبية المطلقة من الروايات دلالتها في حدود الظهور، فهي ليست نصوصاً فيما تحدَّثت عنه. والظهور يعني وجود احتمال مخالف إلَّا أنَّه مرجوح وضعيف قياساً باحتمال ما ظهرت فيه الرواية والقاعدة تقتضي عدم إسقاط هذا الاحتمال إلَّا إذا دلَّ الدليل. وقد اعتمد الفقهاء علىٰ ظهور الأدلَّة لقيام الدليل عندهم من سيرة عقلائية وسيرة متشرعة، حيث يكشفان وبشكل قطعي عن أنَّ الشارع يرضىٰ بالتعاطي مع أدلَّته بنفس هذه الطريقة في مقام تحديد الأحكام التي دلَّت عليها الأدلَّة اللفظية بل وغير اللفظية، كما في ظهور سكوت المعصوم في الإمضاء. ولمَّا كانت هذه الطريقة متضمّنة لإسقاط احتمال آخر وعدم الاعتناء به مع ثبوته وجداناً فالعمل بالظهورات مبني علىٰ التعبّد بحجّيتها شرعاً. فإن منعنا التعبّد في غير الاستدلال الفقهي _ بدعوىٰ أنَّ التعبّد فيه إلغاء لاحتمال وجداني بالخلاف والضرورة قد دعت لذلك في الفروع والدليل قد دلَّ عليه. ولكن لا ضرورة في المعتقد فتنتفي الحاجة إلىٰ التعبّد _ كما هو مذهب بعض أكابر الأُصوليين تبيَّن أنَّ الاحتمال في صدور الرواية وإرادة المعنىٰ الظاهر منها سيكون ضعيفاً وإن كان المخبر ثقة. وهذا يعني إسقاط العدد الأكبر من الروايات عن الاعتبار، ولا تبقىٰ لها إلَّا قيمتها الاحتمالية الوجدانية، وهي ممَّا لا يبنىٰ عليها معتقد، ولا يترتَّب عليها أثر يُذكر في مجال الاعتماد عليها، بناءً علىٰ عدم جريان التعبّد فيها للوجه السابق. وأين هذا من الروايات الواردة في الأحكام الشرعية!؟
إذن فهذا الفارق يأتي علىٰ مبنىٰ من يقول بأنَّه لا وجه للتعبّد في غير أدلَّة الأحكام الفرعية فتكون النتيجة صغر احتمال المطابقة مع الواقع. وبملاحظة أنَّ الروايات لم تصلنا من خلال راوٍ واحد بل من سلسلة رواة في سندها، فإنَّ الاحتمال يصغر جدّاً عمَّا سبق، لأنَّ احتمال مخالفة الواقع في إخبار كلّ واحد من رجال السند يترك أثراً علىٰ ضعف احتمال المطابقة طبق الآلية المعمول بها في الإحصاء الرياضي الذي يجري في مثل هذا المورد، إذ سيضعف الاحتمال جدّاً.
لكن الإنصاف أنَّ هذا الوجه غير واضح، فالفقهاء لم يمنعوا من التعبّد خارج دائرة الفروع، بل قالوا به في بعض مسائل الاعتقاد، حيث قسَّموها إلىٰ قسم المهمّ فيه هو القطع والمعرفة فلم يجروا التعبّد فيه كوجود الصانع وتوحيده والنبوَّة والمعاد. وقسم المهمّ فيه شرعاً هو الاعتقاد بمعنىٰ عقد القلب عليه، وهو من الأعمال القلبية الاختيارية، وهذا يمكن إجراء التعبّد فيه، بل حتَّىٰ بعض الأُصول العملية، مع أنَّ الغرض من الأصل العملي تحديد الموقف العملي، إلَّا أنَّ المورد فيه عمل لكنَّه عمل قلبي اختياري.
ومن هنا قد يقال بأنَّ التعبّد معقول في المقام كما صار معقولاً في تفاصيل عالم البرزخ والقيامة.
نعم تبقىٰ مشكلة تتمثَّل في صعوبة إثبات أنَّ المورد ممَّا أُريد فيه الانقياد الذي بمعنىٰ عقد القلب. فهل أنَّ الروايات جاءت لتتعبّدنا بمضمونها أم أنَّها جاءت لرسم صورة الأحداث المستقبلية والتنبيه عليها لكي لا يبقىٰ الإنسان متخبّطاً في جهله بآفاق المستقبل عندما يصبح حاضراً بحلول ظرفه، دون أيّ نظر إلىٰ طلب عقد القلب علىٰ حصول هذه الأحداث في زمانها؟
الثاني: البداء في العلامات:
قسَّمت الروايات الشريفة علامات الظهور إلىٰ قسمين: الأوّل ما كان من القضاء المحتوم، والثاني ما كان من غيره. والقسم الأوّل منحصر بمجموعة قليلة من العلامات كالسفياني واليماني والخسف والصيحة وقتل النفس الزكية. وقد اختلفت بعض الروايات من حيث المصداق والعلَّة، فبعض الروايات حدَّتها بعشرة كما في الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
(عشر قبل الساعة لا بدَّ منها: السفياني، والدجّال، والدخان، والدابّة، وخروج القائم، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسىٰ عليه السلام، وخسف بالمشرق، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلىٰ المحشر)(٨).
ولفظ (لا بدَّ) ظاهر في أنَّ الذي لا بدَّ منه هو من المحتوم، والمجزوم به أنَّ ما كان من القضاء المحتوم من العلامات قليل جدّاً. وعلىٰ هذا فالعلامات التي لا تدخل تحت القضاء المحتوم كثيرة، وهذا يعني أنَّه علىٰ فرض صحَّة الرواية التي تتحدَّث عن العلامة أوّلاً وعلىٰ فرض التزامنا بجواز التعبّد في مثل هذه الأمور، فإنَّ ذلك قد لا يجدي نفعاً ولا يُشخِّص طريقاً، لأنَّه قد يبدو لله تعالىٰ في العلامة الخاصّة التي حكتها الرواية فلا تقع من أصلها.
والإنصاف أنَّ هذه العشرة علامات للساعة، وليست علامات لخصوص الظهور، ومن هنا كان خروج القائم من هذه العلامات، وهل يكون حدوث الشيء علامة علىٰ نفسه!؟
لكن الذي يقوىٰ في النفس أنَّ كلّ ما تحدَّثت عنه الروايات التي وردت عنهم صلوات الله عليهم واقع إن كانت الروايات صادرة منهم وكانت علىٰ جهتها. وهنا يأتي الميزان الذي ذكرته الروايات في أبواب أُخرىٰ وهو: (لا يُكذِّب الله نفسه ولا ملائكته ولا رسله)(٩) وما يجري في الرسل من محذور التكذيب يجري في الأئمّة عليهم السلام أيضاً. والمعنى أنَّه تعالىٰ لا يجعلهم يُخبرون بخبر دون أن يُحقِّقه إلَّا في الحالات الخاصّة التي وردت فيها بيانات أنَّ المخبر به كان حصوله علىٰ نحو توفّر المقتضي لا النتيجة الحتمية. وإنَّ ما ورد من عدم كون هذه الأحداث من القضاء المحتوم هو ملاحظة حال الناس فقد يبنون علىٰ علامة ما ثمّ يتبيَّن زيفها بنظرهم وعدم تحقّقها، ممَّا قد يُؤدّي إلىٰ حالة من الانتكاسة عندهم. وقد سعىٰ الأئمّة عليهم السلام إلىٰ عدم حصول ذلك للمؤمنين نتيجة تصوّر خاطئ، فجعلوا لهم ما يسلون به أنفسهم وما يدفع التشكيك عن معتقدهم وهو احتمال كون تلك العلامة خصوصاً مع ملاحظة الاحتمال الكبير للخطأ في فهم الروايات وتشخيص المراد منها مفهوماً ومصداقاً.
وحينئذٍ يقال: ما الداعي إلىٰ تقسيم العلامات إلىٰ ما كان من المحتوم وما كان من غير المحتوم، مع أنَّ المستظهر أو المحتمل قويّاً أنَّ الجميع لا بدَّ كائن؟ ولِمَ استثنيت بعض العلامات من البداء دون غيرها؟
لكن يردّه أنَّ ما نصَّت الروايات علىٰ أنَّه من المحتوم لا يترتَّب عليه المحذور المترتِّب علىٰ غيرها فقتل النفس الزكية حادثة دفعية ومع ملاحظة أنَّ ظهور الإمام يتلوها بفترة وجيزة فلا يبقىٰ مجال لأن تعلّق الناس آمالها ثمّ تعيش حالة صدمة لو لم يتحقَّق المأمول.
وقد ورد تحديد تلك المدَّة بـ (١٥) ليلة، فعن الصادق عليه السلام أنَّه سُمع يقول:
(ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكية إلَّا خمسة عشر ليلة)(١٠).
ومثل هذا الأمر الدفعي لا يسبق بما يجعل الناس ينتظرونه، حتَّىٰ إذا جاءهم ثمّ أخطأوا التطبيق داهمهم اليأس بعد تعلّق النفس بالأمل وانسياقها خلف الأُمنيات، بل لو كان ثَمَّة أمل فإنَّه سيتولَّد بعدها لأنَّ المفروض أنَّه متولّد عنها.
وأمَّا الصيحة في السماء فهو ممَّا لا يمكن أن يقع الاشتباه في تشخيصه، فهي حادثة ستكون فريدة في الدنيا، مع ملاحظة أنَّ كلّ الناس ستسمعها في شتّىٰ بقاع العالم، فهي حادثة غير مسبوقة بنظر ولا يلحقها شبيه، مضافاً إلىٰ ما سيصدّقها بعدها مباشرةً من ظهور الإمام عليه السلام في المكان المحدَّد والزمان المعيَّن.
والخسف مثل الصيحة من الصعب جدّاً أن يتكرَّر في التاريخ مع ملاحظة أنَّه سيقع بجيش يتَّجه إلىٰ الحجاز بعد أن انطلق من الشام إلىٰ العراق فعاث في ظهر الكوفة فساداً وقتل الرجال وترك النساء والأطفال، وبعد أن استقرَّ الوضع للسفياني في ستّة أشهر فبسط يده علىٰ كور الشام الخمسة، مع تحديد هذه الكور بدمشق وحمص وفلسطين والأُردن وقنسرين(١١) ثمّ لم يسلم من الجيش إلَّا شخصان. ومثل هذا الحادث بتفاصيله لا يحتمل أن يتكرَّر مرَّتين بحسب العادة، إذ لم يحصل علىٰ مرِّ التاريخ أن خُسِفَت الأرض بجيش مع هذه التفاصيل، فكيف إذا لاحظنا الاقتران بمقدّمات ونتائج خاصّة بيَّنتها الروايات، وتحديد المكان في المسير إلىٰ الحجاز؟
وبعد هذا البيان يقال: لا يمكن أن تعيش النفوس حالة الأمل بعد ملاحظة الخسف بجيش السفياني، ثمّ إذا تبيَّن عدم كونها العلامة المطلوبة هيمنت علىٰ النفوس حالة الإحباط فتصير بذلك قريبة إلىٰ رفض معتقد ظهور الإمام عليه السلام أو التشكيك فيها.
مضافاً إلىٰ أنَّ حركة السفياني ستكون (بضميمة الإخبار بها) قرينة علىٰ صدق الإمام عليه السلام، إذ المفروض أنَّ جيشه سيتحرَّك إلىٰ الحجاز لمحاربة الإمام عليه السلام بعد ظهوره، وبعد ظهوره لا وجه للإحباط، فتتعلَّق النفوس حينها بظهوره الذي يُمثِّل الفرج الإلهي الكبير والنصر العظيم وإقرار دولة الحقّ وإزهاق الباطل، ولا خشية حينها من الإحباط، ويجري مثل ذلك في علامتي السفياني واليماني.
ويدعم ذلك أنَّ الأحداث التي هي من القضاء المحتوم اختلفت الروايات في تحديدها، كما يمكن أن نفهم الوجه في جعل زوال دولة بني العبّاس من القضاء المحتوم فإنَّه حادثة لا تقبل الخطأ في تطبيقها، إذ تحدَّث الأئمّة عن دولة قائمة فعلاً وزوالها في حينه ليس شيئاً قابلاً لوقوع الخطأ في التشخيص فيه، نعم انكشف حين تأخَّر ظهور الإمام عليه السلام عن سقوطها أنَّها ليست من العلامات المقاربة لظهوره.
والحاصل أنَّ الذي يقوىٰ في النظر أنَّ كلّ ما أخبر به الأئمّة عليهم السلام من الحوادث قبل الظهور فهو من القضاء المحتوم، وأنَّ البداء لو شملها فإنَّه لا يشمل أصلها بل يشمل وقتها. ولأجل أن لا تتعلَّق النفوس بالأمل الكاذب الذي يخشىٰ عند ظهور كذبه من إحباط قد يترتَّب عليه التثاقل عن أداء التكليف، بل ربَّما أورث التشكيك في أصل المعتقد، فقد قالوا عليهم السلام بأنَّه قد يبدو لله تعالىٰ فيه.
ويُؤكِّد ذلك أنَّ الإخبار باحتمال حصول البداء لم يقترن مع أصل الإخبار عن هذه الحوادث، فإنَّ جل الروايات تحدَّثت عن هذه العلامات والحوادث التأريخية في المقاطع الزمنية المختلفة من الغيبة دون تعرّض لاحتمال شمول البداء لها. وروايات قابلية الموارد للبداء قليلة جدّاً صدر أصل الرواية لبيان احتماله ظاهراً.
إنَّ الإخبارات التي وقعت من الأئمّة عليهم السلام بل والأنبياء عليهم السلام والمرتبطة بوقائع لم تتحقَّق وإن كانت ظاهرة في المحصَّل النهائي الذي هو نتيجة وجود المقتضي واجتماع الشرائط وانتفاء المانع إلَّا أنَّ المقصود كان أمراً مختلفاً عن الظاهر. ووجه العدول إلىٰ إخبار يُراد خلاف ظاهره وجود مصلحة دعت إلىٰ ذلك تتمثَّل في لفت النظر إلىٰ تأثير المانع، فإنَّ إخبار المعصوم بخبر لا يتحقَّق كما أخبر أمر غاية في الغرابة بالنسبة لمن اعتقد بعصمته، وغرابة المفردة مؤثِّرة في الالتفات إليها وداعية إلىٰ بقائها حاضرة آبية عن النسيان. وهذه الحكمة غير موجودة في الإخبار بالعلامات إن كانت إحداها ممكنة الامتناع من خلال البداء، فإن ما ذُكِرَ من الاعتماد علىٰ المقتضي في الإخبار ومخالفة الظاهر إنَّما يتعقَّل إذا كان المخبر به قريب الحدوث لو كان حدوثه مقدَّراً. فلا مفسدة في الإخبار بما ظاهره واقع حتمي ثمّ انكشاف الخلاف بعد وقت قريب، بل فيه مصلحة تتمثَّل في الوقوف علىٰ مانعية المانع وتأثيره في التفكيك خارجاً بين المقتضي ومقتضاه وليس مجرَّد الوقوف، بل لفت النظر بقوَّة إلىٰ ذلك. وكيف يتحقَّق ذلك في الإخبار بأمر ظرف وجوده _ وفق الإخبار _ زمن بعيد قد يفصله عن الإخبار أكثر من ألف سنة؟ إنَّ الفاصل الزمني الكبير بين الإخبار بأمر وبين زمان تحقّقه الفرضي مانع عن عدم ملاحظة المانع والشرائط والاكتفاء بالاعتماد علىٰ المقتضي. ويشهد لذلك أيضاً كثرة الروايات التي تحدَّثت عن العلامات دون إشارة فيها إلىٰ إمكان البداء فيها في نفس هذه الروايات، ومع ملاحظة بلوغ عددها المئات يقوىٰ في النفس أنَّ إرادة غير ظاهرها المتمثِّل بالإخبار بالمحصَّل النهائي لما سيكون عليه الواقع وتعليق ذلك علىٰ عدم البداء غاية في البعد. كما يمكن دعم ذلك بملاحظة أنَّ الروايات التي تحدَّثت عن احتمال حصول البداء في كلّ العلامات إلَّا ما استثني قد وردت مستقلَّة كما أشرنا سابقاً، فهي بمثابة قرينة منفصلة لو أُريد ظاهرها جدّاً، ممَّا يعني افتراض أنَّ الأئمّة عليهم السلام كانوا بصدد بيان تمام مرادهم بنوع كلامهم لا بشخصه، وهذا وإن كان ممكناً، بل هو حاصل في حالات كثيرة، إلَّا أنَّ تعقّله وقبوله في نوع خاصّ من كلماتهم وبهذه النسبة العالية بحيث يشمل كلّ الكلمات تقريباً في هذا النوع المتمثِّل بالروايات الخاصّة بعلامات الظهور لا يخرج عن قبول الغرائب المستبعدة التحقّق.
ويقوّي ذلك أنَّ الأئمّة عليهم السلام في موارد قطعهم بعدم التحقّق _ ككون الكاظم عليه السلام هو صاحب الراية، أو الرضا عليه السلام كمثال كذلك _ لم ينفوا ذلك صراحة بل علَّقوا ذلك علىٰ المشيئة فقالوا ما هو بمعنىٰ أو بلفظ: (يفعل الله ما يشاء) حين يُسئل أحدهم أنَّه هو صاحب الأمر ومهدي الأُمّة.
ومثال ذلك ما ورد عن ابن أسباط، قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: جُعلت فداك، إنَّ ثعلبة بن ميمون حدَّثني عن علي بن المغيرة، عن زيد العمّي، عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: (يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة)، قال: (يقوم القائم بلا سفياني! إنَّ أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلَّا بسفياني). قلت: جُعلت فداك، فيكون في هذه السنة؟ قال: (ما شاء الله). قلت: يكون في التي يليها؟ قال: (يفعل الله ما يشاء)(١٢).
ومن رواية أُخرىٰ عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن الرضا عليه السلام:... فقلت: أصلحك الله، إذا انقضى ملكهم، يملك أحد من قريش يستقيم عليه الأمر؟ قال: (لا)، قلت: يكون ماذا؟ قال: (يكون الذي تقول أنت وأصحابك)، قلت: تعني خروج السفياني؟ فقال: (لا)، فقلت: قيام القائم؟ قال: (يفعل الله ما يشاء). قلت: فأنت هو؟ قال: (لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله)(١٣).
وحين يخشىٰ البعض أن تطول المدَّة عليه لا يجيبه الأئمّة عليهم السلام بما علموا، فعن محمّد بن الصامت، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قال: قلت له: ما من علامة بين يدي هذا الأمر؟ فقال: (بلى). قلت: وما هي؟ قال: (هلاك العبّاسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء). فقلت: جُعلت فداك، أخاف أن يطول هذا الأمر؟ فقال: (لا، إنَّما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً)(١٤).
ومن الواضح أنَّ خوف السائل ليس من طول المدَّة بين هذه الأحداث، بل من طول المدَّة بينه وبينها بحيث لا يدركها، فإنَّها إن فاتته بتأخّرها وعدم إدراكه لها يرتفع الموجب للخوف ظاهراً.
وفي أُخرىٰ يصرف الإمام عليه السلام اهتمام السائل الذي يريد معرفة الوقت إلىٰ أداء التكليف من خلال الانتظار لأمرهم عليهم السلام والصبر على الأذىٰ والخوف وأنَّه لا فائدة في العلم بزمان الظهور.
فحين يسأل الصادق عليه السلام بعض مواليه عن زمان الراحة من بني العبّاس، قال عليه السلام: (... أليس تعلم أنَّ لكلّ شيء مدَّة؟)، قال: بلىٰ، فقلت (الإمام عليه السلام): (هل ينفعك علمك أنَّ هذا الأمر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين؟ إنَّك لو تعلم حالهم عند الله عز وجل وكيف هي كنت لهم أشدّ بغضاً ولو جهدت أو جهد أهل الأرض أن يدخلوهم في أشدّ ما هم فيه من الإثم لم يقدروا، فلا يستفزنَّك الشيطان فإنَّ العزَّة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون. ألَا تعلم أنَّ من انتظر أمرنا وصبر علىٰ ما يرىٰ من الأذىٰ والخوف هو غداً في زمرتنا؟...) الخبر(١٥).
لقد كان بالإمكان أن يخبره الإمام عليه السلام بأنَّ الموعد بعيد بمئات السنين، ثمّ يصحّح له ترتيب الأشياء في الأهمّية فلا يكون للوقت المسؤول عنه أهمّية قياساً بأداء التكليف المتعلّق بالانتظار والصبر، لكنَّه عليه السلام لم يتعرَّض للإجابة عن سؤاله وإنَّما أخبره بأنَّ العلم بذلك لا ينفعه.
واللافت أنَّ ذلك لم يكن بطريقة واحدة. فحين يكون السائل مثل جابر بن يزيد الجعفي، يكشف الستار عن وجه الحقيقة وهي عدم إدراكه للظهور.
فعنه عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر عليه السلام، قال: (الزم الأرض ولا تحرّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك: اختلاف بني فلان، ومنادٍ ينادي من السماء، ويجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، وخسف قرية من قرىٰ الشام تسمّىٰ الجابية...) الخبر(١٦).
وقد أخبره الإمام عليه السلام أنَّه لا يدرك الظهور، ولا مشكلة في مثل جابر خازن الأسرار.
وفي أُخرىٰ: (يا جابر، الزم الأرض ولا تحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّىٰ ترىٰ علامات أذكرها لك إن أدركتها: أوّلها اختلاف بني العبّاس، وما أراك تدرك ذلك، ولكن حدِّث به من بعدي عنّي...) الخبر(١٧).
وحين يكون السائل سلمان الفارسي يبيَّن له أنَّ الأمر يأخذ وقته لأنَّه سيكون في أحد ولد الحسين عليه السلام بعد قتل ملوك بني العبّاس، فلا مشكلة أن يعرف سلمان تأخّر الأمر.
قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: أتيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام خالياً، فقلت: يا أمير المؤمنين، متىٰ القائم من ولدك؟ فتنفَّس الصعداء، وقال: (لا يظهر القائم حتَّىٰ يكون أُمور الصبيان، وتضيع حقوق الرحمن، ويتغنّىٰ بالقرآن، فإذا قتلت ملوك بني العبّاس أُولي العمىٰ والالتباس، أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه كالتراس، وخربت البصرة هناك يقوم القائم من ولد الحسين عليه السلام)(١٨).
ولعلَّ الوجوه التراس وجوه المغول الذي أسقطوا الدولة العبّاسية فإنَّ وجوههم دائرية.
وكيف كان فمخالفة ظاهر عدد محدود جدّاً من الروايات _ والمتمثِّل بروايات تقسيم العلامات إلىٰ حتمية وغير حتمية _ من خلال حملها علىٰ ما يخالف أصالة الجهة، والالتزام بعدم إرادة الإخبار الجدّي أولىٰ من مخالفة الظهور في آلاف الروايات التي تحدَّثت عن علامات الظهور بحملها علىٰ الإخبار اعتماداً علىٰ المقتضي لا علىٰ ما هو ظاهر منها من الإخبار بالمحصَّل النهائي لواقع الحدث المستقبلي، خصوصاً مع ملاحظة عدم تمامية أصالة الجهة في القسم الآخر المعارض لظهور هذه الروايات، حيث احتملنا قويّاً عدم إرادة ما هو ظاهر منها بالظهور البدوي، فالظاهر منها بدواً لا يبقىٰ ظاهراً بعد التأمّل، وبغضِّ النظر عن المعارضة.
ويُؤيِّد ذلك ما يبدو من أنَّ الإخبار باحتمال وقوع البداء في حصول ما أُخبر به من العلامات لم يرد أو علىٰ الأقلّ لم يتكرَّر من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء عنه الحديث عن العشرات من العلامات دون تعرّض لهذا الاحتمال. ووجه اختلاف إخبار النبيّ عمَّا ورد عن الأئمّة عليهم السلام أنَّ الناس لم تبتل في زمن النبيّ بما يُوحي لهم أنَّهم مقاربون لزمن ظهور دولة المنتظر عليه السلام، مضافاً إلىٰ عدم ابتلائهم حينها بجور حكومات الباطل، خلافاً لزمن الأئمّة، خصوصاً ما بعد الإمام الحسين عليه السلام.
فإن قيل: إنَّه لا يتيسَّر للمعصوم إلَّا الاطّلاع علىٰ المقتضي أو ربَّما لم يطَّلع إلَّا عليه فأخبر بذلك.
قلنا: القول إنَّ اقتصار الانكشاف عنده عليه السلام علىٰ المقتضي فقط دون بقيّة أجزاء علَّة الحوادث لا يحلُّ المشكلة، لأنَّه يعلم حينها أنَّ وقوع ما سيخبر به غير مجزوم به، فإنَّه منوط بتحقّق باقي أجزاء العلَّة، وهو أمر غير معلوم له علىٰ الفرض، فالمناسب حينها الإخبار لا علىٰ نحو يظهر منه أنَّ إخباره بملاحظة المحصَّل النهائي للواقع لا الاقتضائي فقط، فيكون المناسب أن يُعقِّب كلامه بقوله: والله أعلم، أو والله يفعل ما يشاء، أو غير ذلك من التعابير المناسبة. ولمَّا كان الإخبار نوعاً خالياً من مثل هذه التعابير فإنَّ الذي يقوىٰ في النظر أنَّه كان بملاحظة المحصَّل النهائي.
ويدعم ذلك أيضاً أنَّ الحتميات التي كثرت الروايات في بيان حتميتها ورد في بعضها أنَّ الله تعالىٰ قد يبدو له فيه إلَّا ظهور القائم عليه السلام.
فعن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنّا عند أبي جعفر محمّد بن علي الرضا عليه السلام فجرىٰ ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: (نعم). قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: (إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد)(١٩).
والحاصل أنَّ القرائن علىٰ أنَّ الروايات التي قسَّمت العلامات إلىٰ حتمية وغير حتمية لم يرد منها الإخبار بما هو الظاهر منها بدواً متعدِّدة، وهي:
١ _ الاختلاف في عدد العلامات الحتمية في الروايات.
٢ _ اختصاص الحتميات بما لا يكون مورداً للاشتباه في التطبيق.
٣ _ كون الروايات المقسِّمة لذلك منفصلة عن روايات العلائم.
٤ _ كثرة الروايات التي تحدَّثت عن علامات دون تعليق حصولها علىٰ عدم البداء.
٥ _ الميزان الذي ذكرته بعض الروايات من أنَّ الله تعالىٰ لا يُكذِّب أولياءه، خرج منه ما انكشف سريعاً أنَّه إخبار في حدود الاقتضاء، فيبقىٰ الباقي علىٰ ظاهره من الإخبار عن المحصَّل النهائي لواقع الحدث.
٦ _ عدم إحراز أنَّ الإخبار في الروايات المقسِّمة كانت في مقام الإخبار عمَّا هو ظاهر منها بدواً.
٧ _ عدم ورود الإخبار باحتمال حصول البداء فيما ذُكِرَ من العلامات في الروايات النبوية.
٨ _ ورد في بعض الروايات التي عمَّمت البداء لكلّ ما نصَّت عليه روايات أُخرىٰ أنَّه من المحتوم.
وهذه الوجوه وإن لم ينهض بعضها إلىٰ مستوىٰ الحجّية في الدلالة منفرداً، بل ولا إلىٰ مستوىٰ التأييد بقوَّة، إلَّا أنَّ انضمامها إلىٰ بعضها يُوصل الباحث إلىٰ الجزم بما ذكرناه.
الثالث: قلَّة الموروث الشرعي في علائم الظهور:
إنَّ الموروث الشرعي من الأدلَّة في باب الفقه عظيم جدّاً، ممَّا يجعل استجلاء رأي الشارع في مسألة ما فيه شيء من السهولة في بعض جوانبها. فالمادّة الخام للفقيه متوفّرة بوفرة شديدة قد تصل إلىٰ حدّ يتعب الفقيه استقصاؤها جميعاً ودراستها. فإحدىٰ الجهات التي تعقد مهمّة الفقيه كثرة وتنوّع الأدلَّة التي يراجعها في المسألة وهو ما يتجلّىٰ في الروايات بالخصوص لأنَّ حاجة الناس الفعلية لتطبيق الأحكام تدعو المشرع إلىٰ بيان تلك الأحكام وتدعوهم إلىٰ الإكثار من السؤال عنها مما يتسبَّب في ضخامة الموروث الروائي في مختلف الأبواب. وكلَّما كان الباب محلّ ابتلاء أكثر كلَّما كثرت الروايات فيه كالصلاة والطهارة.
وإذا لاحظنا أنَّ الأدلَّة القرآنية متوافرة في أحكام متعدِّدة وضممنا إلىٰ ذلك الدليل العقلي والإجماع فإنّا نصل إلىٰ نتيجة مؤدّاها أنَّ الفقيه لا تعييه الحيل في الوصول إلىٰ ما يُريد من الأحكام وإن لم يصل إلىٰ الحكم فإنَّ وجهة بحثه ستنحىٰ منحىٰ آخر وهو تحديد الوظيفة العملية من خلال أدلَّة شرعية خاصّة يرجع إليها عند عدم تمامية دليل علىٰ الحكم الشرعي. وإن لم يحصل له ذلك اتَّجه نحو ما يقتضيه حكم العقل في مثل هذا المورد، فيفتي طبق الأصل العملي العقلي بذلك الحكم أو يثبته طبقاً لما يدركه العقل في نظر الفقيه.
وفي مقابل ذلك لا تجد ذلك التنوّع في الروايات التي تحدَّثت عن الظهور ولا التعدّد الموجب للاستيعاب الكامل إذ لا ضرورة تدعو إلىٰ استقصاء كلّ شاردة وواردة وتبيينها للناس قبل زمان حصولها بأكثر من ألف وثلاثمائة سنة، وربَّما تصل إلىٰ آلاف السنين والله العالم بزمان الظهور وإن قيل ما قيل من تقريب له. وما ورد بيانه ابتداءً لا يتعدّىٰ حدود الملامح العامّة والوقائع المفصلية في تأريخ المسلمين وغيرهم، وهي أيضاً قد بيَّنت بشيء من الإبهام كالموت الأحمر والموت الأبيض أو انحسار الفرات عن كنز أو دولة الصبيان وغير ذلك. كما أنَّ الأسئلة الموجَّهة للأئمّة عليهم السلام في ذلك لا تُقاس بعدد ما وُجِّهَ لهم في مسائل الفقه. والإجماع لا وجه له في مثل هذه المسائل. والآيات في تفاصيل الظهور منعدمة تماماً، إلَّا في بيان الخاتمة كقوله تعالىٰ:
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥).
ونظائرها التي لا تتعدّىٰ بضع آيات وقد ذكرناها في طيّات البحث، وهي مسألة لا نقاش فيها لأنَّها من المسلَّمات عند المؤمنين وغيرهم من أتباع الديانات السابقة.
والعقل لا دخل له من بعيد أو قريب في تفاصيل العلامات لا من جهة ضرورة تحقّقها ولا إدراك مصاديقها. أمَّا عدم دخالته في إدراك المصاديق فلأنَّ مجال إدراك العقل هو الكلّيات. والمصاديق بل وكلّ الواقع الخارجي عالم التشخص والجزئية، وهو ليس من وظيفة العقل في جهة الإدراك جزماً.
وأمَّا من جهة ضرورة تحقّقها أو كونها علامات علىٰ ظهور الإمام فلانتفاء الدلالات العقلية علىٰ علامية علامة ما جزماً إثباتاً، بل وثبوتاً لأنَّ هذا ليس من مساحة إدراك العقل لما تقدَّم من أنَّ هذه العلاميات التي تثبت للعلامات بخصوصها أُمور جزئية لا كلّية.
نعم قد يدرك العقل أنَّه لا بدَّ من وجود علامات بنحو كلّي، من جهة أنَّ اللطف الإلهي يقتضي ذلك، كما يقتضي ضرورة التعرّض من الشريعة لها والتنبيه عليها. لأنَّ ذلك يُقرِّب الناس نحو الاستعداد لتلك المرحلة والتشخيص لدولة الحقّ قبل زمانها وحين ظهورها، والاستعداد والتشخيص واقعان ضمن مساحة الإطاعة والابتعاد عن المعصية، فما يُقرِّب منهما مناسب للطف الإلهي.
كما يمكن الالتزام بأنَّ العقل يمكن أن يدرك ضرورة قيام دولة الحقّ قبل انقضاء الدنيا بأهلها، لتتمّ الحجَّة يوم القيامة علىٰ الناس وأنَّ ما كُلّفوا بتحقيقه في الدنيا من إقامة الحقّ وتطبيق أحكام وحدود الشريعة ليس ضرباً من الخيال، أو أمراً ممكناً ضمن عالم الممكنات التي لا يقطع مجرَّد إمكانها احتجاج الناس، وقد لا يتعدّىٰ هذا الأخير حدود الإشعار دون الإدراك الجزمي.
وكيف كان فلا ربط للعقل بمحلّ الكلام وهو البحث عن جزئيات العلامات، لأجنبية المسائل الجزئية عن الإدراكات العقلية.
إنَّ ما تقدَّم يجعل مهمّة الباحث في هذا الأمر في غاية التعقيد والصعوبة لو أراد أن يقف علىٰ واقع مسألة من حوادث المستقبل تعرَّضت لها الروايات.
نعم بإمكان هذا الباحث أن يترك المسألة علىٰ إبهامها إن أعيته الحيلة وافتقد آلات البحث فهو غير مضطرّ لبناء تصوّر عن كلّ حادثة بخصوصها وأمَّا الفقيه فهو مضطرّ إلىٰ أن يصل إلىٰ نتيجة فإنَّ لله تعالىٰ في كلّ واقعة حكماً فيضطرّ لبذل الجهد في البحث لتشخيصه وإلَّا حدَّد الموقف العملي الذي ينبغي للمكلَّف أن يتَّخذه وبين هذين قد يفتي بالاحتياط إذا واجهته مؤشّرات لا تخلو من قوَّة علىٰ الحكم ولكنَّها لا تصل إلىٰ حدّ الجزم بحجّيتها.
الرابع: مطلوبية الواقع لا انكشافه:
هناك ملاحظة أُخرىٰ لا بدَّ من الالتفات إليها وتتمثَّل في:
إنَّ القول بإمكان التعبّد خارج دائرة الفروع لا يُجدي كثيراً في ما ورد من الأدلَّة التي تحدَّثت عن العلائم والبشارات لظهور الإمام عليه السلام وقيام دولته. لأنَّ الأثر المطلوب ليس بناءً عملياً كما في الفروع وتحديد الموقف العملي الذي ينبغي علىٰ المكلَّف اتّخاذه ليتخلَّص من تبعة المخالفة علىٰ فرض تحقّقها خارجاً، ولو بدون علم المكلَّف. كما لا يكون الأثر مرتبطاً بالبناء علىٰ ما ورد في الروايات نظرياً واعتقاداً أي التعبد في جهة المعتقد، بل إنَّ المكلَّف يبحث عن علامات في الروايات، ليلاحظ تحقّقها في الواقع الخارجي، لتكون مؤشِّراً أو دالَّاً علىٰ ما ذكرت الأدلَّة الشرعية أنَّها علامات عليه، أي إنَّ المكلَّف باحث عن واقعها لا الظاهر الحالي عنها والذي قد يُسقِط الشارع احتمال المخالفة للواقع فيه من خلال الأمر بالتعبّد بمؤدّاه. فأنا أبحث عن العلامة الواقعية لأنّي أُريد أن أعرف الواقع وأقرأه بشكل صحيح، لئلَّا أقع في مخالفته. وهل ينفعني العذر إذا تعبَّدت برواية فأخطأت الواقع ونصرت السفياني مثلاً أو حاربت اليماني أو الخراساني؟
إذن فالمبحوث عنه من خلال هذه الروايات هو واقع ما تحكي عنه الروايات والمطلوب الشخصي لي هو هذا الواقع فلا فائدة للتعبّد هنا ما دام لم ينقطع الاحتمال المخالف.
وممَّا يُزيد المسألة تعقيداً أنَّ التعبّد من جهة السند في الروايات يُمثِّل تطبيق مجموعة تعبّدات في طول بعضها، حيث إنَّ أكثر أسانيد الروايات تتمثَّل في وسائط متعدِّدة وفي كلّ واسطة يوجد احتمال مخالفة الواقع، فإذا ترتَّبت طولياً كان حاصل احتمال مطابقتها للواقع عبارة عن حاصل ضرب احتمالات المطابقة لكلّ الوسائط، وهو يُضعِّف احتمال المطابقة الوجداني للواقع كثيراً، لدرجة قد يكون الخبر ذو الوسائط الخمسة _ إذا كانت نسبة المطابقة في إخبار كلّ واسطة (٧٠%) _ محتمل المطابقة بنسبة (١٧%) لا غير.
هذا من ناحية ضعف الاحتمال الناشئ من السند، فإذا أضفنا له إنَّ أكثر ألفاظ الروايات تدلُّ بمستوىٰ الظهور فقد برز مضعِّف آخر لاحتمال المطابقة فيُضرب احتمال الموافقة من جهة الدلالة في احتمال الموافقة من جهة السند، فالنسبة طولية.
نعم قد يكون غرض المكلَّف التعبّد بمؤدّىٰ الروايات لبناء رؤية نظرية مستندة إلىٰ الدليل الشرعي، وحينئذٍ يمكن القول بجدوائية التعبّد في غير الفروع، ولكنَّه ليس تمام مراد المكلَّف بلا شكّ.
الخامس: تعمّد الروايات إغفال التوضيح:
وهناك أمر اختصَّت به بعض الروايات الواردة في علامات الظهور وعصره، وهو أنَّها في حكايتها عن الحوادث والأفراد تعمَّدت الحكاية بشكل مرموز، ولم تُحدِّد التفاصيل في الأفراد والجيوش بما يرفع اللبس علىٰ الناس، ولذلك أمثلة كثيرة كلفظ: الشيصباني، والسفياني، والخراساني، واليماني، والكبش، والخروف، ورايات الترك متفرّقات، ويأجوج ومأجوج وأوصافهم الكنائية ككبر آذانهم حتَّىٰ أنَّهم يفترشونها أو يتَّخذونها دثاراً، ممَّا يجعل الباحث في حيرة من أمره من جهة التشخيص للمقصود في الواقع الخارجي، وإن تصدّىٰ للتشخيص احتمل وقوعه في الخطأ بشكل كبير.
ولذا ترىٰ أنَّ أكثر المتصدّين للتشخيص يحاولون تطبيق ما ورد من مبهمات في هذه الروايات علىٰ حوادث وأفراد علموهم مع احتمال أنَّ مصاديق ما ذكرته الروايات لم تتحقَّق بعد في الخارج.
وقد جاء في كلام المجلسي رحمه الله في بيان بعض مفردات الرواية الواردة عن أمير المؤمنين عليه السلام في بعض العلامات والحوادث التي قبل ظهور الإمام عليه السلام، ومنها قوله عليه السلام:
(إذا قام القائم بخراسان، وغلب علىٰ أرض كوفان والملتان، وجاز جزيرة بني كاوان، وقام منّا قائم بجيلان، وأجابته الآبر والديلمان...).
إلىٰ أن يقول عليه السلام:
(إذا جُهِّزت الأُلوف، وصُفَّت الصفوف، وقُتِلَ الكبش الخروف، هناك يقوم الآخر، ويثور الثائر، ويهلك الكافر، ثمّ يقوم القائم المأمول، والإمام المجهول...)(٢٠).
قال المجلسي رحمه الله في بيان ذلك:
(القائم بخراسان هولاكوخان أو جنكيزخان...، والقائم بجيلان السلطان إسماعيل نوَّر الله مضجعه، والآبر قرية قرب الاستراباد، والخروف كصبور الذكر من أولاد الضأن، ولعلَّ المراد بالكبش السلطان عبّاس الأوّل طيَّب الله رمسه حيث قُتِلَ ولده صفي الدين ميرزا رحمه الله. وقيام الآخر بالثأر يحتمل أن يكون إشارة إلىٰ ما فعل السلطان صفي تغمَّده الله برحمته ابن المقتول بأولاد القاتل من قتل وسمل العيون وغير ذلك).
فما وجه دلالة لفظ (الكبش) علىٰ إرادة الشاه عبّاس الصفوي؟ ومن أين عرف أنَّ المراد بالقائم بجيلان هو الشاه إسماعيل؟ وهو وإن ذكره بعد قوله: (لعلَّ) لكنَّه لا منشأ لهذا الاحتمال حتَّىٰ يُميَّز ويُذكَر دون غيره. وقد يدعو حبّ الإنسان أو تعصّبه إلىٰ الوقوع في الخطأ كما اشتبه علىٰ البعض تشخيص (طالقان) التي يخرج منها رجال كزبر الحديد في الروايات، فاعتمد علىٰ وجود مدينة حديثة لم تكن في زمن الأئمّة عليهم السلام تقع في إيران وقال: هي المقصودة. مع أنَّ كتب اللغة تقول: هي في أفغانستان(٢١)، وقد أوقع حبّ الجمهورية الإسلاميّة وتمنية النفس بأنَّها هي الدولة التي تُسلِّم الراية إلىٰ الإمام عليه السلام إلىٰ هذا الخطأ وإن كان من المحتمل بقاء هذه الدولة إلىٰ زمن الظهور لكنَّه مجرَّد احتمال لا توجد دلالة يمكن الاعتماد عليها في البناء عليه. وأمَّا التعصّب الأعمىٰ فإنَّه قد يُؤدّي إلىٰ فهم مقلوب للأشياء كقول القائل: إنَّ اليماني يخرج من إيران لأنَّها علىٰ يمين الحجاز، ولا أدري كيف صارت يمين الحجاز؟ كما لا أدري لِمَ لم يُنسب بقولهم عليهم السلام اليميني لا اليماني؟
وما أكثر التشخيصات المبنيّة علىٰ الظنّ الشخصي المنبثق من أسباب غير موضوعية، والذي إن لم يثبت بطلانه لم يخرج عن كونه ظنّاً ورجماً بالغيب، وهو لا يغني من الحقّ شيئاً.
وربَّما اقتضت المصلحة أن يتكلَّم الأئمّة علىٰ نحو المجازية لمصلحة في ترك بيان الحقيقة مفصَّلاً، ومن هذا القبيل ما ورد في عيسىٰ عليه السلام، ففي الصحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
(إِنَّ اللَّه تَعَالَىٰ أَوْحَىٰ إِلَىٰ عِمْرَانَ: أَنِّي وَاهِبٌ لَكَ ذَكَراً سَوِيّاً مُبَارَكاً يُبْرِئُ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ ويُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ، وجَاعِلُهُ رَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ. فَحَدَّثَ عِمْرَانُ امْرَأَتَه حَنَّةَ بِذَلِكَ وهِيَ أُمُّ مَرْيَمَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ كَانَ حَمْلُهَا بِهَا عِنْدَ نَفْسِهَا غُلَامٌ: (فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) [آل عمران: ٣٦]، أَيْ لَا تَكُونُ الْبِنْتُ رَسُولاً، يَقُولُ اللَّه عز وجل: (وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ)، فَلَمَّا وَهَبَ اللهُ تَعَالَىٰ لِمَرْيَمَ عِيسَىٰ كَانَ هُوَ الَّذِي بَشر بِه عِمْرَانَ ووَعَدَه إِيَّاه، فَإِذَا قُلْنَا فِي الرَّجُلِ مِنَّا شَيْئاً وكَانَ فِي وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ فَلَا تُنْكِرُوا ذَلِكَ)(٢٢).
قال صاحب البحار رحمه الله في بيان هذا الحديث:
(حاصل هذا الحديث وأضرابه أنَّه قد يحمل المصالح العظيمة الأنبياء والأوصياء عليهم السلام علىٰ أن يتكلَّموا في بعض الأُمور علىٰ وجه المجاز والتورية وبالأُمور البدائية علىٰ ما سُطِرَ في كتاب المحو والإثبات، ثمّ يظهر للناس خلاف ما فهموه من الكلام الأوّل، فيجب عليهم أن لا يحملوه علىٰ الكذب ويعلموا أنَّ المراد منه غير ما فهموه كمعنىٰ مجازي، أو كان وقوعه مشروطاً بشرط لم يتحقَّق. ومن جملة ذلك زمان قيام القائم عليه السلام وتعيينه من بينهم عليهم السلام لئلَّا ييأس الشيعة ويسلوا أنفسهم من ظلم الظالمين بتوقّع قرب الفرج، فربَّما قالوا: فلان القائم، ومرادهم القائم بأمر الإمامة، كما قالوا: (كلّنا قائمون بأمر الله)...) إلىٰ آخر كلامه.
السادس: الحاجة إلىٰ التشخيص لأنَّ الحديث عن أفراد خارجية:
إنَّ الفقيه حيث يرجع إلىٰ الأدلَّة الشرعية لا يخرج غالباً عن تحديد المفاهيم التي يصل من خلالها إلىٰ بناء رؤية تُمثِّل حكماً كلّياً يُفتي به علىٰ وفق ما ظهر له من الأدلَّة الشرعية. وبالتعبير الاصطلاحي يُشخِّص الكبريات، وأمَّا الصغريات والأُمور الجزئية التي تُشكِّل مصداقاً لتلك الكبريات فإنَّها وإن دخلت في بعض الأحيان ضمن غرض الفقيه، إلَّا أنَّ ذلك ليس أكثرياً فضلاً عن أن يكون دائمياً. ولو فرضنا تعلّق غرضه بها إلَّا أنَّه يُمثِّل غالباً كلّيات أيضاً، فالصغرىٰ كلّي ينطبق عليه الكلّي الذي في الكبرىٰ، ولتوضيح ذلك ينظر الفقيه إلىٰ قوله تعالىٰ:
(ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللهِ فَإِنَّها مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحجّ: ٣٢).
فيصل إلىٰ نتيجة مؤدّاها أنَّ إقامة الشعائر راجحة شرعاً. وحين يُسئل عن لطم الصدور وإقامة المجالس فيرىٰ أنَّها من مصاديق الشعائر الراجحة شرعاً فيُفتي طبقاً للدليل الكلّي السابق بأنَّهما راجحان شرعاً. لكن إقامة المجالس له أفراد بأعداد هائلة وكذا لطم الصدور فانصبَّ تحديد الصغرىٰ علىٰ أمر كلّي. ولم تُلحَظ في هذا الكلّي إلَّا حيثية الشعيرة الواردة في الدليل، بمعنىٰ أنَّ الفقيه لم يحتج إلىٰ كلّ ما له دخالة في هذا الكلّي ممَّا يُميِّزه عن غيره. فإنّا لا نلاحظ أنَّ فيه لطماً للصدر ولا إقامة المجلس، بل بحث الفقيه منصبٌّ علىٰ صدق الشعيرة عليه.
وهذا بخلاف ما ورد من العلائم، خذ مثلاً علىٰ ذلك: قتل النفس الزكية، فإنَّ من الصعوبة بمكان أن يُشخِّص المتتبّع في الروايات أنَّ فلاناً بعينه هوصاحب النفس الزكية، فإنَّ النفس الزكية وإن كانت صفة كلّية يمكن أن تنطبق علىٰ أفراد عديدين في الخارج، إلَّا أنَّ المراد ممَّا ورد في الروايات واحد شخصي، ولا شكَّ أنَّ تحديد هذا الواحد فيه مشقَّة كبيرة واحتمال الخطأ في التشخيص وارد جدّاً.
ونفس الكلام يجري في تحديد شخص السفياني واليماني والخراساني، والمتعرِّض للتشخيص يقدم وفي نفسه هاجس أن لا يكون تشخيصه في محلّه، خصوصاً مع إبهام الوقت الذي يخرج فيه هؤلاء، فإنَّ المسألة ستصبح في غاية التعقيد وإن حلَّت من جهة سند الدليل الشرعي ومن جهة دلالته حيث تُحدِّد المفاهيم فإنَّ التطبيق لا يعدو كونه مخاطرة كبيرة.
نعم قد يُوفَّق الإنسان من طريق التقوىٰ والورع للحصول علىٰ الفرقان كما تقول الآيات والروايات، لكن ذلك خارج عن محلّ بحثنا.
إنَّ الفارق بين ملاحظة انطباق الكلّي وتحقّق الجزئي هو أنَّه في الأُولىٰ لا يلاحظ إلَّا صدق المفهوم الكلّي وتحقّقه ضمن الفرد، وهذا لا يحتاج إلَّا إحراز صدق الكلّي أي توفّر حيثية الكلّي في الفرد دون حاجة إلىٰ ملاحظة خصوصيته، وأمَّا لو كان الغرض تحديد المفهوم الذي عنته مفردات الرواية فالأمر فيه أسهل بكثير، ويبقىٰ حينئذٍ تشخيص المصاديق علىٰ المكلَّف.
وخلاصة ما تقدَّم أنَّ احتمال الخطأ في التشخيص وتحديد المراد بالنسبة للروايات المرتبطة بمحلّ بحثنا أكبر بكثير من احتماله في الروايات المرتبطة بالفقه واستنباط الأحكام.
وهنا أمر لا بدَّ من الالتفات إليه يتمثَّل في أنَّ العناوين التي ذُكِرَت في العلامات تعلَّقت بالجانب الغيبي لأنَّها تناولت ما ليس حاصلاً الآن، والحديث عن المستقبل الذي لم يثبت عند الآخرين بأدلَّة قطعية حديث مرتبط بالغيب، وقد يقال بأنَّ مثل هذا الحديث لا يتناول جميع التفاصيل ولا يخرج عن الإبهام في جهات متعدِّدة، بل قد يكون أصل البيان ضبابياً، وحينها يحتاج توضيح المراد منه إلىٰ إعمال نظر في سائر ما ورد وممَّا يمكن أن يساهم في توضيح معالم الصورة التي تحدَّثت عنها هذه الرواية أو تلك.
خذ مثلاً علىٰ ذلك الأعور الدجّال الذي تكرَّر ذكره كثيراً في الروايات، ويعتبر مَعْلَماً شاخصاً في الوقت المقارب بل والمقارن للظهور حيث يمكن أن يقال: إنَّه ليس من الواضح أنَّه يُمثِّل حالة شخصية مرتبطة برجل أو أنَّه يُمثِّل عنواناً لحركة باطلة منهجها التدليس علىٰ الناس والكذب عليهم بوعود بما تنال معه الأماني ويحصل معها العيش الرغيد الذي يُمثِّل مطلوباً أساسياً لكلّ النفوس.
ولأجل الوقوف علىٰ واقع حال المراد من هذه الروايات أو مقاربة ذلك كحدٍّ أدنىٰ لا بدَّ من تجميع القرائن من مختلف الروايات والتعمّق في التفكير في دلالاتها فهو شبيه بملاحظة مناسبات الحكم والموضوع التي يستفاد منها تقييد دلالة الأدلَّة علىٰ الأحكام أو توسيعها أو صرفها إلىٰ غير ظاهرها، كاستفادة حكم إرشادي من رواية ظاهرها لولا ذلك الحكم المولوي، أو يستفاد الحكم الوضعي من رواية ظاهرها الحكم التكليفي.
وهذا ما هو مفقود في الدراسات المرتبطة بعلامات الظهور عادةً، ومن أعطاه حيّزاً في مجال تفكيره وقع في المبالغة في تأثيره في الفهم ووقع في التحميل غير الموضوعي علىٰ دلالات هذه الروايات.
وقد وقع نظير ذلك في ما يستفاد من الأدلَّة الشرعية التي تحدَّثت عن تفاصيل عالم البرزخ أو مواقف يوم القيامة وعالم الآخرة علىٰ العموم، فالحديث عنها حديث عن الغيب، والبيان الوارد في الروايات لم يخرجها عن الضبابية إلىٰ الوضوح، فاستفاد بعض العلماء من دلالات عقلية ذكرها الفلاسفة، وبعض استفاد من تصوّرات قال العرفاء إنَّها صور أدركوها واطَّلعوا عليها، فاستفاد العلماء بما ذكروا بموضوعية في توضيح الصورة عن هذين العالمين الذين يُمثِّلان بعض جهات الغيب عنها.
ويمكن أن تكون البيانات الشرعية قد استعانت بالصور المتعلّقة عندنا لتقريب أذهاننا من تصوّر واقع هذين العالمين، حيث دعت الحاجة إلىٰ هذا التوضيح لما له من تأثير في تحريك العبد بالاتّجاه الذي يلائم وصوله إلىٰ الهدف الذي رسمته له السماء انطلاقاً من نزعة تحكم علىٰ البشر تدعوه إلىٰ التحرّك لدفع غير الملائمات وجلب ما فيه المناسبات والمصالح. وهذا يحتاج إلىٰ العلم بنتائج هذه الطرق المستقبلية، والعلم يحتاج إلىٰ طريق للانكشاف، وتولَّت الروايات تحصيل الكشف للعبد عن الملائمات في ذلك العالم وترتّبها علىٰ طريق الحقّ ليساهم اعتقاده بترتّبها في اختيار طريق الحقّ. والبيان كان بالمقدار الممكن. وقد تكون اللذائذ للمطيعين والعقوبة للمسيئين في عالم الآخرة بنحو لا يمكن لأهل الدنيا أن يدركوه، وقد لا يكون الوصف بالكلام كافياً لخلق تصوّر عمَّا نتحدَّث عنه ما لم تطَّلع الأنفس علىٰ بعض المشابهات له أو تذقه. ومن قال: إنَّ لذّات الآخرة مثل لذّات الدنيا لنستفيد من صور اللذّات في الدنيا في إدراك واقع اللذّات في الآخرة؟
ومثل ذلك محلّ الكلام حيث إنَّ ما حصل من الإنجازات العلمية كانت ضرباً من الخيال، بل لم تكن تخطر ببال أحد لتكون خيالاً فلو فرضنا أنَّ الروايات أرادت أن تبيّنه لمن عاش في تلك الأزمنة فبأيّ صورة تقرّبه؟ وحين تقتضي الحكمة التعرّض له لا بدَّ من أن تكتفي بالرموز، وبيانه لو أمكن يعتبر أمراً إعجازياً لا استثمار لمنجز علمي.
وكيف كانت ستُبيَّن طيران الطائرات والصواريخ وتأثير الأسلحة النووية واستعمال الأشعّة في العلاج مثلاً وتدمير الأسلحة؟ وكيف كانت ستوضَّح كيفية الاتّصال وعمل الرادارات والغوّاصات؟ وعليه لو اقتضت الحكمة أن يُبيَّن ذلك فلا بدَّ من ذكر ما يكشف صوراً تقارب هذا الواقع ممَّا يجعل التعامل مع هذه الروايات غاية في التعقيد.
لكن ما ذُكِرَ لا يعني التعقيد في كلّ الروايات، بل خصوص هذه الروايات لا جميع الروايات، فمثل قتل النفس الزكية ومثل خروج السفياني والخسف الذي في البيداء وانهدام حائط مسجد دمشق وغير ذلك أُمور لا تواجه فيها مشكلة مثل هذه، وإن واجهنا فيها مشاكل من سنخ آخر.
السابع: ضعف القيمة الاحتمالية للروايات:
تتميَّز الروايات الواردة في علامات الظهور بمضعِّف احتمالي نوعي يجعل القيمة الاحتمالية لمطابقة الرواية للواقع ضعيفاً قياساً بالروايات الواردة في مجالات أُخرىٰ. وقد أشرنا في بعض طيّات البحث إلىٰ أنَّ عدم مطابقة الرواية للواقع ينشأ من تعمّد الكذب والخطأ غير المتعمّد. والروايات في محلّ البحث يقوي فيها المنشأ الأوّل، وبيان ذلك:
إنَّ حديث الفرج ممَّا يجذب النفوس إليه كثيراً، والمتحدِّث بمفرداته يعلم علم اليقين أنَّ كثيراً من الناس تهوي إليه، فيكون ذلك أدعىٰ للتحدّث بهذا الموضوع وإن لم يكن من أهل الدين، فإنَّ ذلك يجرُّ إلىٰ اختلاق بعض الروايات في هذا الموضوع خصوصاً الموارد التي لا يجد فيها رواية تعالج المشكلة من حيث المفهوم والمصداق. وهذا يعني أنَّ احتمال تعمّد الكذب في هذه الروايات أكبر منه في روايات الفقه التي لا تنجذب إليها الناس كثيراً، اللّهمّ إلَّا طلبة العلوم الدينية. وإذا كبر احتمال تعمّد الكذب ضعفت كاشفية الرواية عن الواقع، فقد اقترنت بمضعِّف نوعي للقيمة الاحتمالية لها.
نعم يمكن أن يقال: إنَّ ذلك الفرق لا يظهر إذا عملنا علىٰ الضوابط ولم نعتمد إلَّا علىٰ أخبار الثقات، ومع إحراز الوثاقة يضعف احتمال تعمّد الكذب.
ومع ذلك لا يسقط هذا الوجه عن التأثير إذ قد يكون المعتمد هو تواتر الرواية الذي يرفعها إلىٰ القطعيات ولو لم تكن بعض مفردات التواتر أخبار ثقات، وهذا يعني ضرورة ملاحظة القيمة الاحتمالية التي تتولَّد من الرواية.
اختلاف روايات الغيبة عن روايات العلائم:
إنَّ ما تقدَّم من ضعف القيمة الاحتمالية لا يجري في الروايات التي تحدَّثت عن الغيبة وشؤونها، فتلك لها شأن آخر حيث إنَّنا حين نتعامل مع الأخبار الحاكية عن غيبة الإمام عليه السلام لا نتعامل معها كبقيّة الأخبار من حيث الاعتماد عليها. ويتمثَّل الفارق في كونها تحدَّثت عن أمر مستقبلي وقد وقع وهو ما يُؤكِّد صدقها. وهذا أمر لم يكن يخطر في بال أحد ليُخبر به بعد ذلك ويتوقَّع من الناس أن يقبلوه، بل مثل هذا الإخبار من المعصومين عليهم السلام لا توجيه له إلَّا الاطّلاع علىٰ الغيب المرتبط بهذا الأمر، فحين يتحدَّث القرآن عن غلبة الروم بعد بضع سنين فإنَّ ذلك يُمثِّل مفردة من مفردات الإعجاز وشاهد حقّ علىٰ صدق دعوىٰ النبوَّة، لأنَّه علم بما سيحصل، والمستقبل _ لولا الإخبار الغيبي _ منفتح علىٰ جميع الاحتمالات، فتشخيص أحدها وتحديد ظرفه بالجزم ضرب من الإعجاز وشاهد الاتّكاء علىٰ الغيب والانفتاح عليه ولو ضمن نطاق محدود.
إنَّ المسألة المبحوث عنها أبلغ في الدلالة علىٰ ذلك لجملة من الأُمور، منها: أنَّ المخبر به أمر غاية في الغرابة، بخلاف انتصار الروم فإنَّه لا يُشكِّل كواقعة تاريخية شيئاً غريباً، فإذا كان المخبر به غريباً كان ذلك أدعىٰ لاعتباره ضرباً من الإعجاز.
ومنها: أنَّ غيبته ليست أمراً دفعي الحصول، بل أمر ذكرت الروايات أنَّه يطول لمدَّة ليست بالقصيرة.
ومنها: أنَّ الفارق الزمني بين الخبر والحدث طويل جدّاً قد يصل في بعض الإخبارات إلىٰ أكثر من ثلاثة قرون، فهو أدعىٰ للاستغراب _ بحسب الأسباب الطبيعية _ من الإخبار بنصر أو بحدث سوف يحصل بعد بضع سنين. ومن هنا كانت حكايته عن الإعجاز أوضح، لأنَّه بالإمكان تعقّل الحديث عن واقعة تحصل بعد سنتين أو ثلاثة أو ربَّما عشرة، وأمَّا الحديث عن واقع يأتي بعد قرون ثمّ يقع فهو غير معقول إلَّا إذا استند إلىٰ الإعجاز.
ومنها: الإصرار علىٰ حصول هذه المفردة في مستقبل الأيّام بنحو صارت مَعْلَماً مسلَّماً من معالم المستقبل، حيث تكرَّرت الإخبارات عن أكثر إن لم يكن كلّ المعصومين السابقين عليهم السلام.
ومنها: تعرّض الروايات إلىٰ بيان الحكم الداعية لهذه المفردة المستقبلية بما أنَّها ممَّا شاء الله تعالىٰ حصوله.
ومنها: استيعاب بعض التفاصيل كحصولها للإمام الثاني عشر، وهو لم يولد بعد، بل ولم يولد أبوه وأجداده عليهم السلام. وهيَّأ الأئمّة المتأخّرون الناس لذلك حين بدأوا بتعيين وكلاء واستعملوا المكاتبات بزخم أقوىٰ وحدَّدوا المرجع للناس حينئذٍ بحملة الروايات أو الفقهاء بتعبير آخر. بل تعرَّضت الروايات للغيبتين كما في كتب المشيخة للحسن بن محبوب الزرّاد الذي صنَّفه قبل الغيبة بمائة عام، فقد نقل فيه عن إبراهيم الحارثي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:
كان أبو جعفر عليه السلام يقول: (لقائم آل محمّد غيبتان: أحدهما أطول من الأخرى)؟... الخبر(٢٣).
وممَّا يجعل الأمر أكثر وضوحاً أنَّ رسم صورة الحدث المستقبلي بجوانبه المتعدِّدة لم ينصبّ علىٰ حدث جزئي في التأريخ، إذ يمكن القول إنَّه يمثِّل الفصول الأخيرة من حياة النوع الإنساني علىٰ الأرض، فهو حديث يختزل كلّ فصول مسيرة البشر ويقف عند ملامحها العامّة، حتَّىٰ إذا تناول المقاطع الأخيرة شرع في البيان التفصيلي، ولم يقف عند الواقع التفصيلي، بل تعدّاه إلىٰ البُعد التحليلي والوقوف عند الأسباب _ وإن في الجملة _ والنتائج. ولا يبعد أنَّ عدم انفتاح الذهن البشري لاستيعاب الأسباب كان منشأ لإحالة بيان بعض الأسباب إلىٰ وقتها. وقد عُبِّر في بعض الروايات عن ذلك بأنَّه سرّ لا ينكشف إلَّا حين يظهر الإمام عليه السلام.
كلّ هذا وغيره يفترض أن يجعل المسألة من المسلَّمات لمن له أدنىٰ درجات التأمّل والإنصاف.
إنَّ خبر غيبة الإمام عليه السلام مدَّة من الزمان كان من الوضوح بدرجة جعلت أصحاب الدعوات الباطلة يذهبون إلىٰ ادّعائها لغيره عليه السلام من أئمّتهم المزعومين، وهذا ما حصل من الكيسانية والإسماعيلية في بعض فِرَقها والواقفية والناووسية وغيرهم، فقد عمد وجوههم إلىٰ التدليس في التطبيق للغائب.
وروايات هذه الفِرَق تعتبر داعماً لما نصَّت عليه رواياتنا حيث ثبت بالدليل القاطع بطلان مدَّعياتهم، فسقط تطبيقهم ولم تسقط أصل الرواية في حكايتها عن وجود المعصوم وأنَّ الأرض لا تخلو منه وأنَّه غائب. ولا نريد بذلك أن نثبت مدّعاناً من خلال الرجوع إلىٰ رواياتهم فقط، بل نريد القول إنَّ رواياتهم تشكِّل قرائن احتمالية إذا ضُمَّت إلىٰ غيرها من القرائن تجعل الواقع أكثر وضوحاً.
الثامن: تأثير الرغبة في الخلاص وأُمنية الفرج:
إنَّ ما ترغب به النفس من مشتهيات ليس له حدّ خصوصاً مع الالتفات إلىٰ عجز الإنسان عن تحقيق جميع طموحاته وتحصيل كلّ مشتهياته. فهو وإن أُوتي كلّ أسباب القدرة يدرك أنَّ ما فاته أعظم ممَّا يتمكَّن من نيله. ومن هنا فالنفس توّاقة إلىٰ ما ترىٰ فيه محقِّقاً لآمالها، وظهور الإمام وتحقّق دولة الحقّ ممَّا ترىٰ الناس أنَّه يوم خلاصها من شظف العيش وظلم الآخرين وقبح الرذيلة. نعم تزداد هذه الرغبة عند الطبقات المسحوقة التي جارت عليها الدنيا بأهلها. وكلَّما مرَّت الأُمّة بضيق تعلَّقت نفسها بالفرج الموعود، ولذا ترىٰ فترات الشدَّة التي تمرُّ بها الشعوب كثيرة الدعاوىٰ من جهة ما يرتبط بالإمام الحجَّة عليه السلام، كادّعاء البابية والممهّدية له عليه السلام. وما ذلك إلَّا لزيادة احتمال المصدِّقين بمثل هذه الدعاوىٰ كانعكاس لصعوبة الظرف الذي تمرُّ به الأُمّة، والإحساس بالعجز أمام الواقع القاهر لهم. فالنفوس توّاقة وبشدَّة إلىٰ دولة الحقّ، وكثيراً ما تأخذها الأماني بعيداً في إدراكها والأخذ من نوالها، وهذه الأماني التي تمتلك النفس تؤثِّر عليها في استقاء النتائج. وهذا ما ينعكس علىٰ الناس بشكل عامّ وعلىٰ مرِّ العصور في استقرابهم لظهور دولة الحقّ، فيبشِّر بعضهم البعض بقرب حصول المنَّة الإلهية الكبرىٰ علىٰ الذين استضعفوا في الأرض بأنَّهم الوارثون. وهذا الجوّ الذي تعيشه النفوس يترك أثره في جانب الاستفادة من الأدلَّة الشرعية بخصوص ظهور الإمام عليه السلام، حيث إنَّهم يبتعدون عن الموضوعية في قراءة تلك الأدلَّة، بل لا يسمحون لأنفسهم بالتشكيك في دلالاتها علىٰ قرب ظهور الإمام عليه السلام وارتفاع الظلم عن العباد. وممَّا يزيد من تأثير ذلك أنَّ البحث في عدد غير قليل من الروايات يقتصر علىٰ تحديد المصداق، ولمَّا لم يكن البيان الوارد فيها شاملاً لجميع التفاصيل أمكن أن ينجرَّ الإنسان خلف رغبته الجامحة في الخلاص والفرج، ورغبته في كسر حاجز الجهل والذي تراه النفس نوع قيد تحاول كسره، مضافاً إلىٰ سعي النفس لنيل الخصوصية من جهة الانتماء إلىٰ فئة ذكرت الروايات أنَّها تنصر الحقّ كما حصل في إيران بعد ثورتها الإسلاميّة، حيث كانت بعض الأجواء لا تقبل التشكيك في كون قائد الثورة هو الخراساني، وأنَّه لا بدَّ أن يسلِّم الراية إلىٰ الإمام عليه السلام. فما كان من المحتمل أن يكون إنجازاً للنفس ولو من خلال الانتساب دلّست النفوس فيه من حيث لا تشعر، فصار إنجازاً كما قبلت التغيير في اسم والد الإمام المنقذ الذي بشرت به الروايات حين قيل: اسمه _ أي الإمام _ كاسم أبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ليطبَّق علىٰ محمّد بن عبد الله بن الحسن يوم قيل إنَّه مهدي هذه الأُمّة ومفرِّج همّها ورافع راية نصرها. وحين قُتِلَ بقيت الروايات التي قالت إنَّ أبا الإمام هو عبد الله.
التاسع: تأثير السعي للخروج من الجهل:
من الأُمور التي تجذب النفس البشرية إليها العلم فإنَّه مطلوب للنفس وإن لم تجنِ منه فائدة ولم يكن طريقاً لكمال لأنَّ العلم بنفسه كمال مطلوب للنفس، والتاريخ مليء بالمفردات التي كانت بمثابة نذر النفس للعلم والتضحية لأجله، والمجازر التي أوقعتها الكنيسة بالعلماء تحت ذرائع مختلفة كاكتشاف شيء لم يذكر في كتب العهد القديم والجديد لم تمنع العلماء من العطاء وقد علم الآلاف منهم أنَّهم كمن يحمل روحه علىٰ كفّه في سبيل العلم، فلم يمنعهم ذلك من ولوج بابه. يتملك الإنسان دافع جبلّي لسبر أغوار المجهول لإخراجه إلىٰ دائرة المعلوم، فهو مدفوع إلىٰ كشف المستور وإزاحة ستار الجهل عن الحقيقة، وهذا الدافع الجبلّي قد يساهم في خروج الإنسان عن موضوعيته في استخلاص النتائج فيما إذا أعيته الحيلة عن الحلّ العلمي للمشاكل العلمية. وهذا يتجلّىٰ بشكل واضح في تفسير ظاهرة ما يواجهها أو تحديد الفرد المراد في القضايا الخارجية كما يعبِّر المناطقة. والروايات التي تناولت علامات الظهور تحدَّثت في الغالب عن قضايا خارجية لأفراد معيّنين وجيوش وحروب كذلك، فما تُحدِّث منها عن السفياني واليماني والخراساني والنفس الزكية والأعور الدجّال وغير ذلك كلّها كان بنحو القضيّة الخارجية، بل إنَّ الكلام في مفردات التاريخ كلّه من القضايا الخارجية، نعم الكلام في سنن التاريخ وفلسفته يكون علىٰ نحو القضيّة الحقيقية إلَّا في المفردات التي تستفاد منها السُنَّة التاريخية، فإنَّها قضايا خارجية أيضاً.
والحديث عن المستقبل إن تضمَّن الوقائع الجزئية كالحديث عن الماضي من جهة كونه بنحو القضيّة الخارجية، ممَّا يجعله عرضة لمحذور الخروج عن الموضوعية في تشخيص كونه المراد من الأخبار، فالباحث يجرُّ من حيث لا يشعر إلىٰ تطبيق ما يعلمه من مفهوم من الرواية علىٰ ما يعلمه من أفراد خارجية، مع أنَّ الفرد المعنيّ بهذه الروايات قد يأتي بعد ألف سنة، خصوصاً مع ملاحظة أنَّ المفردات التي تحدَّثت عنها هذه الروايات بيَّنت بشكل متجزّئ، بمعنىٰ أنَّها لم تبيِّن من جهة كونها جزءاً من سلسلة أحداث لها ترتيب خاصّ من جهة الوقوع، وأنَّ الحدث الكذائي سيقع أوّلاً والحدث الكذائي سيقع ثانياً إلَّا ضمن دائرة ضيّقة شملت بعض المفردات المقاربة جدّاً لظهور الإمام عليه السلام، ممَّا يسدُّ الطريق أمام استفادة التشخيص من السابق واللاحق من الأحداث أو يضيّقه إلىٰ حدٍّ بعيد.
وقد وقع في هذا المحذور حتَّىٰ الأكابر ممَّن تعرَّض للبحث في تشخيص المعنيّ بهذه الروايات، ومنهم المجلسي رحمه الله الذي لم يستبعد أن تكون الدولة الصفوية هي المرادة بقولهم عليهم السلام: (قوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ فلا يعطونه...) الحديث.
ففي بيانه عن الرواية الواردة في غيبة النعماني عن أبي جعفر عليه السلام أنَّه قال:
(كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ فلا يعطونه، ثمّ يطلبونه فلا يعطونه فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم علىٰ عواتقهم فيعطون ما سألوه، فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلىٰ صاحبكم، قتلاهم شهداء أَمَا إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر)(٢٤).
قال المجلسي رحمه الله: (لا يبعد أن يكون إشارة إلىٰ الدولة الصفوية شيَّدها الله تعالىٰ ووصلها بدولة القائم عليه السلام)(٢٥).
مع أنَّه ليس من الواضح أنَّهم طلبوا الحقّ فلم يعطوه لأكثر من مرَّة. ولا أدري ما الذي لاحظه هذا العالم الكبير ليطبِّق ما عنته الرواية السابقة علىٰ الدولة الصفوية، ولعلَّ كونها أوّل دولة في التاريخ الإسلامي تحكم بمذهب التشيّع(٢٦) قرب ذلك مع ما ذكرناه من سعي النفس لرفع الجهل عنها، وهذا جرَّ مثل هذا العملاق إلىٰ الخطأ في التطبيق، وإن كان قد صدَّر قوله بكلمة (لعلَّ).
فإذا كان مثل المجلسي رحمه الله غير آمن من الخطأ في التطبيق وهو العلم الكبير، فما بالك بغيره ممَّن لا حظَّ له من دقَّة النظر حين يكتب في هذا الموضوع!؟
العاشر: عدم تكرّر البحث في الروايات:
لقد اختصَّ مذهبنا بفتح باب الاجتهاد وما زالت الأعداد الكبيرة من المجتهدين في كلّ عصر تعمل بمنهج محدَّد المعالم في تحديد الأحكام الشرعية واستنباطها من أدلَّتها. وغالباً ما يرجع الاختلاف في الفتوىٰ إلىٰ جهة أُخرىٰ غير الآلية المعمول بها، كالاختلاف في قاعدة رجالية، والذي يجرُّ إلىٰ الاختلاف في وثاقة بعض الرواة، والذي يجرُّ بدوره إلىٰ الاختلاف في تقييم بعض الروايات من جهة جواز الاعتماد عليها وعدمه. والاختلاف في بعض القواعد الأُصولية كحجّية خبر الثقة إذا ظُنَّ بخلافه، والاختلاف في تحقّق صغرىٰ الظهور لتطبَّق عليه الكبرىٰ المتَّفق عليها وهي حجّية الظهور، وغير ذلك.
وقد تكرَّر التعرّض لنفس الأدلَّة الشرعية في كتب القوم، فاستفاد اللاحق من فكر السابق بكثرة، بل بلغ بالكثير من فقهائنا الأكابر أن كرَّروا نفس عبارات السابقين، وربَّما لم يكن ذلك مقصوداً كما في عبارات الجواهر والرياض الذين تجد الكثير من التعابير فيها عين عبارات الفقهاء السابقين. وقد تقلَّص مجال الإبداع كثيراً بالنسبة للفقهاء المعاصرين، وصار الهمّ الأكبر اختيار الرأي الأرجح من بين الآراء المطروحة ولكن بموضوعية وذلك يكون عادةً من خلال ملاحظة الاستدلال الأقوىٰ من بين الاستدلالات علىٰ الأقوال المختلفة. فقد استوعب بحث الآخرين أكثر الإثارات الفكرية، فضاقت بذلك دائرة الإبداع والابتكار.
وعلىٰ هذا فالرواية الواحدة التي يريد الفقيه أن يرجع إليها لملاحظة إمكان دلالتها علىٰ الحكم المبحوث عنه قد بحثت مئات المرّات من فقهاء آخرين، وبحوثهم موجودة عند الفقيه الذي يبحث في هذه الرواية، ممَّا يعني أنَّه يمكن له الاستفادة التامّة من الآراء المختلفة في المسألة، سواءٌ أكان الاختلاف في النتيجة أم في الاستدلال، بل قد يرجع الفقيه في أكثر من مرَّة لهذه الروايات، ولذا نرىٰ أنَّ الفقيه الواحد قد يكون له أكثر من رأي في المسألة الواحدة في أوقات مختلفة.
وكلّ ذلك مفقود في الروايات التي تحدَّثت عن الظهور، فقلَّة من كتب في ذلك قياساً بمن بحث في الفقه، وليس كلّ من كتب تعرَّض إلىٰ فهم الرواية، لأنَّ دور الكاتب في كتب عديدة من ذلك لم يتعدَّ حدود الجمع للروايات والتبويب، وأمَّا إعمال النظر والسعي للجمع بين الأخبار المتنافية بدواً فلا يعتبر سمة عامّة لكتب الملاحم والفتن وعلامات الظهور.
وخلاصة الكلام أنَّ هناك تجربة ثرية لفقهائنا في التعاطي مع أدلَّة الفروع، وهي بين أيدي الباحثين، فيمكن لهم الاستفادة القصوىٰ منها، وهذا يجعل التعامل مع هذه الرواية بمستوىٰ عالٍ من النضوج الفكري، بخلاف الروايات التي ترجع إلىٰ علامات الظهور، فإنَّها ليس لها ذلك التكرّر في البحث وإعمال النظر ممَّا يجعل الاستفادة من آراء الآخرين سالبة بانتفاء الموضوع لقلَّة من تعاطىٰ مع هذه الأدلَّة بموضوعية وتخصّص ممَّا يجعل الدقَّة أقلّ واحتمال الخطأ في التعاطي معها أكبر.
يضاف إلىٰ ذلك أنَّ الفقيه ملزم بحكم مهمّته أن يستقصي كلّ ما له ربط بالحكم الشرعي الذي يروم استنباطه من قاعدة ودليل موافق ودليل يحتمل المخالفة، ولا يجيز لنفسه أن يعطي رأياً في مسألة فرعية إلَّا إذا استوعب البحث عن أيّ دليل محتمل سواء أكان موافقاً أم مخالفاً، فإنَّ مستنده إن كان هو الأصل العملي فإنَّ جريانه والاعتماد عليه مشروط بعدم وجود دليل اجتهادي يتمثَّل بآية أو رواية _ تامّة السند والدلالة _ علىٰ خلافه، وإن كان خبراً فلا بدَّ من إحراز تمامية سنده أوّلاً، وتمامية دلالته ثانياً، وعدم وجود معارض أو مانع من التمسّك به ثالثاً. وكلّ ذلك يعني البحث في المقتضيات والموانع بدقَّة عالية ومهنية كبيرة، فالفقيه واقع تحت ضغط واقع استيعاب الأحكام الشرعية لكافّة المواقف التي تواجه أو يمكن أن تواجه المكلَّفين في حياتهم من جهة، واقتضاء مهمّته تحديد الموقف الشرعي المناسب في كلّ هذه المواقف من جهة أُخرىٰ.
ومثل هذا الضغط غير موجود فيما يرتبط بالموروث المرتبط بعلائم الظهور وبنفس الزخم، فلا يوجد للباحث ملزم لأن يستوعب في بحثه جميع ما يرتبط بالجزئيات التي تحدَّثت عنها الروايات، نعم يبقىٰ عليه أثر الضغط الدافع لاكتشاف الحقيقة بما لها من نتائج علىٰ الأرض، لكنَّه ليس بنحو يمكن أن يقاس بالضغط الذي يحمل الفقيه مسؤولية تحديد الأحكام الفرعية في الشريعة المقدَّسة.
وهذا ما يجعل آراء الفقهاء المتقدّمين والمعاصرين أكثر رصانة منها في مسائل أُخرىٰ في غير مجال استنباط الأحكام الشرعية، ممَّا يعني أنَّ مدىٰ الفائدة من نتاجهم في دائرة الاستنباط أعظم بكثير ممَّا يمكن أن ينتفع به في محلّ بحثنا.
الحادي عشر: ليس كلّ من تصدّىٰ متخصّصاً:
إنَّ المتصدّي للتعامل مع الروايات الواردة في الفروع هو الفقيه، وهو علىٰ أعلىٰ درجات التخصّص والمهنية لا يلج هذا الباب إلَّا بعد طيّ صفحات عديدة يسبر خلالها أغوار علوم شتّىٰ، وبمستويات مختلفة من النحو والبلاغة والمنطق والدراية والرجال والحديث والأُصول وبعض مطالب علم الكلام وعلم الفلسفة. وبعد متابعة الأساتذة لسنوات عديدة في الدرس وهم يمارسون عملية الاستنباط حتَّىٰ تحصل الملكة والأهلية عنده، فيتصدّىٰ بعدها للاستنباط. ولا يكون استنباطه لغيره في الفترة الأُولىٰ، ولو قُدِّرَ له أن يستنبط لغيره فإنَّ ذلك سيكون بعد مدَّة مديدة بحسب العادة.
وأمَّا من تصدّىٰ للكتابة والاستنباط في روايات الظهور فلم يؤخذ فيه أيّ شرط ممَّا سبق حتَّىٰ تصدّىٰ لهذا الباب كلّ من هبَّ ودبَّ، واقضِ عجباً ممَّا تجده قد سُطِرَ في كتبهم التي جمعت الغثّ والسمين. وحين تقرأ لبعضهم ترىٰ خيالاً خصباً تجرَّد عن عالم الطبيعة وراح ينسج صوراً لا تمتُّ إلىٰ الواقع بصلة. وذهبت الأماني ببعض إلىٰ مدىٰ بعيد وتصوَّر أنَّه قد أتىٰ بالعجب، وجزم في مقدّمة كتابه بأنَّ من قرأ كتابه لا يموت موتة جاهلية. ولا أتَّهم بذلك أحداً بسوء النيّة، بل إنَّ هذا وأضرابه نتيجة حتمية لفتح الباب أمام غير المتخصّص لإبداء رأيه فيما يتوقَّف علىٰ التخصّص.
نعم كتب بعض أكابر علمائنا في ذلك لكنَّهم ليسوا كثيرين، وما أكثر من كتب من غير المتخصّصين في ذلك. وبذلك يبرز أمامنا سبب إضافي لاحتمال الخطأ في التعامل مع هذه الأدلَّة لا وجود له في علم الفقه، حيث إنَّه لا يوجد تقليد في أمثال هذه المسائل، وهذه الكتب موجودة بين أيدي الناس، ومن أراد التحدّث عن هذه المواضيع ليس متخصّصاً، فيأخذ من هذه الكتب في مقام بناء رؤيته عن الظهور وعلاماته.
والحاصل أنَّ أثر هذا المبحث إنَّما يكون علىٰ غير المتخصّصين من عامّة الناس وبعض أهل الموعظة ممَّن لا تخصّص له، وهؤلاء أكثر تواصلاً مع عامّة الناس بحكم مهنتهم، وإن كانت من باب أداء الوظيفة الشرعية ونشر الوعي، والمشكلة في الموضوع أي في الصغرىٰ والوعي المتصوَّر.
وإذا أضفنا إلىٰ ذلك واقعاً مُرَّاً تعيشه الأُمّة يتمثَّل في ترك البحث العلمي، بل والقراءة والاختصار علىٰ السماع مع ملاحظة أنَّ المتحدّثين ليسوا من أصحاب النظر وهذا واقع لا ينكر، تبيَّن عمق المأساة واتّساع دائرة احتمال الخطأ في التصوّرات المبنية عند عامّة الناس من المتلقّين.
ومثل هذا غير موجود في عملية الاستنباط وإن كثرت دعاوىٰ الاجتهاد في أيّامنا هذه، ولم يقترن مع كثير منها شاهد حقّ علىٰ صدقها.
الثاني عشر: قلَّة الجدوىٰ:
إنَّ كون شيء ما علامة لا يفيد أكثر من أنَّه يسبق الساعة التي يظهر فيها الإمام عليه السلام، ولا يقارب المدَّة التي تفصل هذه العلامة عن ظهوره عليه السلام. وهذا يجعل البحث في تحديد المراد من هذه العلامة قليل الفائدة لأنَّنا إنَّما نبحث في العلامات لأجل مقاربة تحديد الوقت الذي سيفرج فيه عن الدنيا وتُغسَل الأرض من الفساد الذي جرىٰ علىٰ ظهرها والدماء التي سالت ظلماً.
وها هو القرآن يتحدَّث عن مجيء أشراط الساعة في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع أنَّ الساعة متأخّرة في موعدها عن ظهور الإمام عليه السلام.
قال تعالىٰ: (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) (محمّد: ١٨).
والعلامات كأشراط الساعة. نعم تشير العلامات الواقعة إلىٰ قرب ظهور الإمام عليه السلام، لكن القرب مفهوم إضافي لا ينفعنا إن لم يؤطَّر بمدىٰ زماني محدَّد، وما دامت عجلة الزمن تدور فنحن نقترب من أحداث المستقبل التي منها ظهور الإمام عليه السلام ومنها قيام الساعة.
قال تعالىٰ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ) (القمر: ١).
وها قد تجاوزنا القرن الرابع عشر علىٰ ذلك الخبر ولم تحصل الساعة والتي عبَّر عنها القرآن بأنَّها قد اقتربت.
ويمكن أن يُستثنىٰ من ذلك بعض العلامات التي تحصل قبيل الظهور بمدَّة يسيرة كالسفياني واليماني وخسف البيداء والصيحة وهذه لم تحصل إلىٰ الآن.
الثالث عشر: عدم وفرة القرائن الخارجية:
إنَّ الحيثيات التي تجعل التعاطي مع الروايات التي تحدَّثت عن الظهور مختلفاً عنه في روايات الفروع عدم وفرة القرائن الخارجية _ أو ندرتها في حدٍّ أعلى _ التي تقوي الرواية وتجبر ضعفها أو تسقطها عن الاعتبار وتمنع الاعتماد عليها. وبتعبير آخر قد تحول الرواية الفاقدة في ذاتها لمناط الحجّية إلىٰ حجّة يعتمد عليها، وقد تؤثِّر عكساً بإخراجها عن الحجّية وكونها محلّاً للاعتماد.
وهذه القرائن متوفّرة بكثرة في مجال عمل الفقيه، ومنها:
أ _ قيام الإجماع الذي يُسقط الرواية إذا كان مخالفاً لها. فلو جاءتنا رواية ظاهرها وجوب صلاة أوّل الشهر، وكانت تامّة سنداً، وقام الإجماع علىٰ عدم وجوب هذه الصلاة، لسقطت هذه الرواية عن الاعتبار. لأنَّ الإجماع دليل قطعي والرواية بحسب العادة دليل غير قطعي في سندها، وكذلك دلالتها، فيكون الاعتماد عليها من باب التعبّد، والتعبّد لا يجري في ما قطع بخلافه، بل لو كانت قطعية في سندها فقط أو دلالتها فقط وقام الإجماع على خلافها لسقطت عن الاعتبار.
ولمَّا لم تكن موارد روايات الظهور وعلاماته ضمن دائرة الفتوىٰ لم يكن للإجماع معنىٰ فيها.
ب _ إعراض المشهور عن الرواية فإنَّه مسقط للرواية عن الاعتبار لو كانت تامّة سنداً ودلالةً. والمقصود من الإعراض ترك الرواية مع وجودها بين أيديهم والإفتاء بخلاف مضمونها. وهذا ما لا مجال لتحقّقه خارج دائرة الاستنباط، أو علىٰ الأقلّ لا مجال لتحقّقه في دائرة أخبار علامات الظهور.
جـ _ عمل المشهور بها، فإذا وردت رواية ضعيفة سنداً ولكن وجدنا أنَّ المشهور من الفقهاء قد عملوا بها واستندوا إليها في مقام الاستدلال، فإنَّ ذلك يعتبر جابراً لضعفها السندي علىٰ نظر مشهور، ولا يكفي مجرَّد موافقة فتاواهم لها، بل الجابر هو الاستناد إليها في مقام الاستدلال. وهذا ما لا يتوفَّر في الروايات المرتبطة بالظهور وعلاماته، إذ لا مجال للإفتاء ليقال: إنَّ الفقهاء قد عملوا بهذه الرواية واستندوا إليها ليكون ذلك جابراً لضعفها.
د _ قد تُؤيَّد الرواية في الاستدلال الفقهي من خلال موافقتها للحكمة التي ينطلق منها التشريع، إذ أنَّ ذلك يشكِّل داعماً عقلياً، لأنَّه يشكِّل قرينة، وإن لم تنهض بمفردها لإثبات الحجّية، إلَّا أنَّ ضمّها إلىٰ قرائن أُخرىٰ قد يوصل إلىٰ الجزم بصدق مؤدّاها، أو علىٰ الأقلّ إلىٰ الاطمئنان الذي هو حجّة بحكم السيرة العقلائية. وهذا ما لا سبيل إليه في غير أدلَّة الاستدلال الفقهي. فأيَّة حكمة يمكن أن يدركها الباحث في روايات العلامات في خروج السفياني بعنوان أنَّه سفياني؟ وأيّة حكمة يمكن أن يقف عليها العقل في خروج اليماني وزحف الخراساني وقتل النفس الزكية، وغير ذلك من العلامات، بل مطلق العلامات إذا لاحظنا خصوصياتها؟ ولا شكَّ أنَّ المبحوث عنه هو خصوصياتها، بل إنَّ عمومياتها لا يمكن أن نقف علىٰ الحكمة فيها بسهولة إذا لم يثبت لنا خروج السفياني في أيّ أرض أو أيّ زمان، نعم بعد أن يتمّ الدليل علىٰ أنَّه سيخرج السفياني أو سيحصل شيء آخر كالصيحة والخسف وغير ذلك، فإنَّه يمكن أن يتصوَّر لذلك بعض مفردات الحكمة. وهذا خارج عن دائرة بحثنا قطعاً، فالمبحوث عنه هو أصل تحقّقها لا الحكمة منها علىٰ فرض تحقّقها في صفحة الوجود.
هـ _ يمكن لبعض الفقهاء معرفة الخطوط العامّة لمنظومة الأحكام الشرعية، وتبعاً لذلك يمكن أن يتكهَّن بثبوت حكم معيَّن، خصوصاً إذا وردت رواية ولو ضعيفة فيه. وهذا وإن كان قد يرجع في بعض الحالات إلىٰ تعقّل الحكمة لكن ليس دائماً. وعلىٰ هذا الأساس يمكن أن تدعم رواية ضعيفة تحدَّثت عن ذلك الحكم. وأمَّا سلسلة الحوادث الزمنية المرتبطة بما قبل الظهور فلا يمكن الوقوف إلَّا علىٰ خطوطها العامّة جدّاً، والتي لا يمكنها أن تنفعنا بشكل واضح في استكشاف مفردة جزئية ولو وردت فيها رواية ضعيفة، بل غاية ما نستفيده هو الإمكان الذي يجعل ورود الرواية الضعيفة فيه أقوىٰ احتمالاً من ناحية تحقّقه في الوجود والواقع الخارجي. فلا يبقىٰ في حدود الإمكان بل في حدود الإمكان الذي فيه درجة من القرب بحسب نوع القرائن الاحتمالية التي تحتفُّ به، وهو ما لا يصل إلىٰ الحجّية بالنحو الذي يمكن الاعتماد عليه.
و _ مخالفة العامّة حيث إنَّها من مرجّحات العمل بالرواية في مقام التعارض مع رواية أُخرىٰ، بل والموافقة للكتاب في مقابل موافقة العامّة ومخالفة الكتاب اللتين تُسقطان الرواية عن الاعتبار.
أمَّا مخالفة العامّة أو موافقتهم فلأنَّ الموروث الروائي عند العامّة في الملاحم والفتن أقلّ بكثير ممَّا عندنا، وربَّما كان الكثير ممَّا عندهم من غير المأخوذ عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، فقد دخل في موروثهم الروائي وضمن أبواب متعدّدة كم من الإسرائيليات.
والمأخوذ من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في محلّ الكلام قليل جدّاً لاعتبارات، منها: أنَّ الفترة التي تمكَّن فيها المسلمون في المدينة قصيرة جدّاً لم تكن تسع لما حصل فيها مضافاً إلىٰ بيان ما يرتبط بتفاصيل الملاحم والفتن وعلامات الظهور إلىٰ قيام دولة الحقّ.
ومنها: أنَّ الداعي إلىٰ السؤال عنه صلى الله عليه وآله وسلم عمَّا يرتبط بالموضوع المبحوث عنه ضعيف، إذ لم تضق عليهم الآفاق ليبحثوا عن الفرج ولو في المستقبل، فلم تكن معرفة تفاصيل مستقبل البشرية ذات داعي يحمل علىٰ السعي لاستشرافه. والإنسان إذا عاش في ضنك العيش وضاقت عليه آفاق حاضره لم يستسلم لليأس وسعىٰ إلىٰ فتح نافذة للأمل ولو في المستقبل. وإذا قلَّ السؤال ضاقت آفاق البيان لما لا يرتبط بحاجة غير فعلية أو فعلية غير ملحَّة.
ومنها: منع كتابة الحديث بعد رحيل النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلىٰ الرفيق الأعلىٰ، ممَّا تسبَّب في ضياع كم هائل من أثر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقد أبعد الناس عن حفظ تراث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم علىٰ مدىٰ ثلاثة أجيال. ولمَّا كانت العصمة تنتهي عندهم بوفاته صلى الله عليه وآله وسلم انعكس ذلك علىٰ مقدار ما أُثبت من الروايات عنه صلى الله عليه وآله وسلم في كتب القوم الحديثية.
ومنها: عدم انتشار ثقافة التدوين في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم، فاقتصر حفظ التراث علىٰ الحفظ في الأذهان لا التدوين في الكتب، فالقوم في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعرفوا الكتابة إلَّا حديثاً وفي نطاق محدود جدّاً. ومن هنا صار جزاء من يعلِّم عشرة من المسلمين أن يُطلق من أسره بعد واقعة بدر. وهذا يعني أنَّ عاصمة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في زمان بدر لم يكن فيها عدد يكفي لتعليم المسلمين فضلاً عن أن يكون عامّة الناس يعرفونها.
ثمّ بعد ما تعلَّموا القراءة بعد السنة الثانية للهجرة وضمن دائرة ضيّقة لم ينعكس ذلك علىٰ المسلمين في جانب التدوين. ومن هنا لا تجد من ألَّف كتاباً ولو في حدود نقل الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم في حياته، واستمرَّ الأمر علىٰ ذلك إلىٰ زمان متأخِّر.
وهذا يعني أنَّ ترجيح رواية في مقام التعارض من خلال مخالفة العامّة، أو تضعيفها من خلال موافقتهم ستضيق دائرته جدّاً. وهذا بخلاف روايات الفقه حيث كان للعامّة مدارسهم الفقهية بعد مدَّة قاربت القرن من رحيله صلى الله عليه وآله وسلم وفي القرن الثاني للهجرة وما بعده اتَّسعت دائرة المدارس الفقهية العامّية حتَّىٰ تصدَّت السياسة لحصرها في الأربعة المشهورة، والتي لا يمثِّل بعضها مدرسة حيث إنَّ أحمد بن حنبل لم يكن فقيهاً، بل هو معارض لرأي السلطات في حينه حيث قالوا بحدوث القرآن فسُجِنَ لرأيه في هذه المسألة، واشتهر لذلك فصار مذهباً لا يتوفَّر علىٰ قوام المذهب لأنَّه راوٍ للأحاديث _ أي محدِّث _ وليس فقيهاً. ولا أدري علىٰ ماذا عوَّل أتباع مذهبه حين اتَّخذوه مذهباً فقهياً مع أنَّه ليس فقيهاً. لكن مفردات ضياع الموازين متعدِّدة في المذاهب الأُخرىٰ.
وأمَّا مخالفة الكتاب وموافقته فلأنَّ الآيات التي تعرَّضت لهذا المطلب محدودة جدّاً وهي لم تتعرَّض إلَّا علىٰ المحصَّل النهائي وصورة الفصل الأخير للأحداث والوقائع التاريخية، دون أيّ تصريح بما قبلها، ولو كان من قبلها يمثِّل مفردة مفصلية في تاريخ البشرية. وهذا يعني انعدام موافقة الكتاب ومخالفته في ما هو محلّ بحثنا.
ز _ مخالفة الدليل العقلي حيث إنَّها تُسقط الرواية عن الاعتبار، ولمَّا كانت تفاصيل العلامات ممَّا لا يمكن أن تنال بالعقل فقد امتنع عليه إدراكها، فإنَّ العقل لا يدرك إلَّا الكلّيات، وكلّ العلامات تمثِّل مفردات جزئية، فلا سبيل للعقل ليدركها وجوداً أو عدماً.
نعم يمكن أن يقال: إنَّ العقل حاكم بأنَّه لا بدَّ أن تتحقَّق دولة الحقّ في الدنيا وتعمّ أرجائها ويسود العدل فيها، لأنَّ الشارع المقدَّس وفي مختلف الأديان دعا إلىٰ إقامة الحقّ ووجَّه الناس نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تتمّ له الحجَّة علىٰ الناس يوم القيامة إلَّا إذا تحقَّقت لذلك مفردة واضحة لكلّ البشر، فإذا اعترضوا وقالوا: إنَّ ما كلَّفتنا به غير ممكن كان الجواب إنَّه ممكن ولذلك تحقّق.
لكن هذا فيه ما فيه، إذ ليس من الواضح في الشرائع وجود تكليف بالسعي لإقامة دولة حقّ تعمّ أصقاع الأرض، كما أنَّه ليس من الضرورات العقلية أن تتحقَّق هذه الدولة في آخر الزمان، بل يمكن أن تتحقَّق في بقعة خاصّة وفي مقطع زمني معيَّن. فلولا إخبارات الشريعة لما تيسَّر للعقل طريق لإدراك ضرورة قيام دولة الحقّ في آخر الزمان لتبقىٰ إلىٰ أن يرث الله الأرض ومن عليها.
والحاصل أنَّ البحث في علائم الظهور قليل الجدوىٰ، وهذا بخلاف البحث الفقهي الاستدلالي، فإنَّ الفقيه يسعىٰ لتعيين الموقف العملي المطلوب وهو الفعلي، وبمجرَّد تحديده يظهر أثره العملي.
موضوعية البحث لا تورث اليأس:
إنَّ ما تقدَّم من وجوه الاختلاف في المعطيات والمقدّمات بين الأدلَّة المتضمّنة لبيان الأحكام الفرعية والروايات التي تحدَّثت عن علائم الظهور وإن كان حقّاً إلَّا أنَّه لا يمنع من البحث الموضوعي وإن كان مجهداً في هذا الباب نظراً لما تقدَّم وغيره، فليقتصر اهتمامنا علىٰ الدراسات التي تحمل طابع الموضوعية والتي أتىٰ بها المتخصّصون، علىٰ أن يتعامل معها معاملة وجهة نظر غير مسلَّمة الصحَّة، واهتمامنا بها حينئذٍ من خلال تسليط الضوء عليها لدراستها وفق الموازين والضوابط التي يفترض أن تكون منسجمة مع المنطق، وأن لا نقفز إلىٰ النتائج ونأخذها أخذ المسلَّمات. وما زالت الكثير من المفردات المرتبطة بهذا الموضوع ضبابية في بعض جوانبها وإن بانت بعض ملامحها، وكم ترك الأوّل للآخر.
كما أنَّ دعوتنا للتعامل بموضوعية وعدم الانجرار خلف الأماني بعيداً لا تعني اليأس من مجيء الفرج وإلَّا نكون قد سعينا إلىٰ التوجّه بعكس وجهة الروايات الشريفة وهي إدامة زخم الأمل في النفوس، بل والإيحاء للكثير من الناس بأنَّه لا يقتصر علىٰ فرج الحقّ ونصرته علىٰ الباطل أي الفرج النوعي، بل هو فرج نوعي قد ينعكس علىٰ الفرد المنتظر فيصبح فرجاً شخصياً أيضاً، ولا ينعكس كذلك إلَّا إذا تحقَّق في ظرف حياته.
نعم هي دعوة للتوازن في استخلاص النتائج وترك الإفراط في التوقّع لأنَّ لذلك أثراً سيّئاً جدّاً يتمثَّل في حصول اليأس من ظهوره عليه السلام بل قد يجرُّ إلىٰ التشكيك في بقائه حيّاً وهو ما تحدَّثت عنه الروايات حيث ذكرت أنَّ ظهوره لا يكون إلَّا بعد أياس حتَّىٰ يقول القائل: هلك، في أيّ وادٍ سلك(٢٧)؟
وحاصل كلامنا السابق إضعاف الاحتمال الناشئ من مبرِّرات غير موضوعية لا إلغاؤه، فنكون بذلك قد ابتعدنا عن حصول اليأس لاحقاً والناتج عن إعطاء الاحتمال أكبر من حجمه، ولم نصادر احتمال ظهور الإمام عليه السلام في أيّ وقت، ممَّا يعني بقاء الأمل في النفوس أن تدرك زمان ظهوره عليه السلام وتساهم في إنشاء دولة الحقّ وبنائها والذود عنها. جعلنا الله تعالىٰ من أنصاره عليه السلام، والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، إنَّه نعم المولىٰ ونعم النصير.

* * *
الفصل الثاني: انتظار الفرج والمصالح المترتّبة عليه

انتظار الفرج ليس مطلوباً بالذات:
لقد تكرَّر في الروايات الشريفة التعرّض لانتظار الفرج وفضله، وأنَّه من أفضل العبادات، وأنَّه أحبّ الأعمال إلىٰ الله عز وجل، وأنَّ المنتظر لأمرهم كالمتشحّط بدمه في سبيل الله، وأنَّه حتَّىٰ يموت بمنزلة من كان مع القائم في فسطاطه، بل له مثل أجر من قُتِلَ معه، بل هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل كالشاهر سيفه بين يديه، بل كمن استشهد معه.
والمحصَّل من ذلك كلّه وأمثاله أنَّ الانتظار مطلوب في الشريعة، بل هو من المطلوبات المؤكَّدة نظراً لتعدّد الأدلَّة وتعدّد الألسنة، ولطبيعةا لأجر الذي تحدَّثت الروايات عن ثبوته للمنتظر، ولتنزيله منزلة بعض الأعمال العظيمة المنزلة في الشريعة كالكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع الإمام الثاني عشر في فسطاسه، بل كونه كمن استشهد معه.
وكلّ هذه أعمال عظيمة المنزلة في الشريعة المقدَّسة. ونظراً للسان المستعمل في التعبير عن أهمّيته: (كالمتشحّط بدمه في سبيل الله عز وجل)، وللمدّة التي يستغرقها أداء ذلك التكليف والتي تستهلك العمر كلّه. كلّ ذلك يثبت أنَّ الانتظار مطلوب بالطلب المؤكَّد جدّاً.
وقد قسَّم بعض العلماء الانتظار إلىٰ سلبي وإيجابي:
فالانتظار السلبي أن يبقىٰ الإنسان مترقِّباً ظهور الإمام عليه السلام دون أن يعدَّ العدَّة بما في ذلك تقوية الاستعداد النفسي، وبدون الاستعداد لا يصدق الانتظار. ويُمثِّلون لذلك بمن ينتظر ضيفاً له دون أن يعدَّ له ما يستلزمه مجيئه فإنَّه حينئذٍ لو قال له: كنت منتظراً إيّاك لما صدَّقه إذ لازم الانتظار الاستعداد، فإن انتفىٰ الاستعداد فقد الانتظار معناه.
وأمَّا الانتظار الإيجابي فهو بخلاف الأوّل، فمن أراد أن ينتظر الإمام عليه السلام لا بدَّ أن يعدَّ ما يناسب ذلك الظهور من كمالات نفس وعزم علىٰ الإطاعة والصبر علىٰ المكروهات، وأضافوا لذلك تهيئة الدابّة والسلاح. ويمكن إثبات أنَّ المراد من الروايات المطلقة خصوص الانتظار الإيجابي بالرجوع إلىٰ العرف الذي يسلب صدق مفهوم الانتظار عن السلبي، بل ليس في الانتظار السلبي إلَّا دعوىٰ الانتظار، وهي دعوىٰ يُكذِّبها الواقع ويمنع العرف صدقها. والقاعدة في تحديد معاني المفردات الواردة في الأدلَّة الشرعية تقتضي الرجوع إلىٰ العرف، فما صدق عليه عرفاً أنَّه انتظار يدخل تحت إطلاق الروايات، وما سلب عنه الانتظار عرفاً يخرج عنها، وقد أُطيل الكلام في ذلك.
لا يقال: إنَّه يمكن القول بعدم جريان التعبّد خارج دائرة الفروع، والرجوع إلىٰ الظهور العرفي في تحديد معنىٰ الظهور الوارد في الأدلَّة تمسّك بالتعبّد، إذ لا جدوىٰ من الرجوع إلىٰ العرف مع عدم الالتزام بحجّية الظهور العرفي. وحجّية الظهور تعبّدية لأنَّه ليس كاشفاً وجدانياً عن المراد الجدّي من الكلام.
فإنَّه يقال: إنَّ محلّ الكلام من الفروع لأنَّه فعل شرعي منصبٌّ علىٰ فعل للمكلَّفين وهو الانتظار والفروع محلّ التعبّد علىٰ رأي الجميع. مضافاً إلىٰ أنَّ المنع من التعبّد في المعتقد علىٰ القول به مختصٌّ بأصول الاعتقاد لا فروعه.
كما لا حاجة إلىٰ البحث عن أسانيد الروايات التي تحدَّثت عن مطلوبية الانتظار، إذ يمكن القول: إنَّها متواترة معنوياً، وقد ورد الكثير منها في كتبنا المعتبرة، فهي من جهة الصدور في دائرة القطعيات المستغنية عن التعبّد.
وكيف كان فالمفهوم من مجموع كلماتهم أنَّ الانتظار مطلوب لذاته وأنَّ تهيئة المقدّمات شرط فيه، فهي من مقدّمات الواجب، والقدر المتيقَّن أنَّ مقدّمات الواجب واجبة عقلاً وإن اختلف في تعلّق وجوب شرعي بها.
وقد ورد في بعض الروايات:
(من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة)(٢٨).
والذي يلوح من الأدلَّة أنَّ الانتظار ليس مطلوباً نفسياً، بل المراد لازمه الواحد أو المتعدِّد، ولذلك جملة من الشواهد:
الأوّل: الألسنة المختلفة في الروايات، والتي منها:
أ _ ما ورد ممَّا يُستظهر منه أنَّ الأصل معرفة الإمام:
ففي رواية ثعلبة بن ميمون، قال: (اعرف إمامك فإنَّك إذا عرفته لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يرىٰ هذا الأمر ثمّ خرج القائم عليه السلام كان له من الأجر كمن كان مع القائم في فسطاطه)(٢٩). وهي ظاهرة في أنَّ الأصل معرفة الإمام عليه السلام.
وفي رواية الحسن بن جهم، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن شيء من الفرج، فقال: (أوَلست تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟)، قلت: لا أدري إلَّا أن تُعلِّمني، فقال: (نعم، انتظار الفرج من الفرج)(٣٠).
وإنَّما عدَّ انتظار الفرج من الفرج لأنَّ أعظم كربة تمرُّ بالإنسان ضياع الحقّ وعدم الإقرار بأئمّة الحقّ. ومن وُفِّقَ لانتظار الفرج عرف إمامه وانتظر فرج الله له فيكون بذلك قد وُفِّقَ لدفع هذه الكربة العظيمة وكفىٰ بذلك فرجاً له.
وفي رواية أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين عليهما السلام، قال: (تمتدُّ الغيبة بوليّ الله عز وجل الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة بعده. يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالىٰ أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أُولئك المخلصون حقّاً وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلىٰ دين الله عز وجل سرّاً وجهراً)(٣١).
فقد استحقّوا هذا المدح للمعرفة التي لم تترك عليها الغيبة أثراً. وحينما يقول عليه السلام: (ما صارت به الغيبة بمنزلة المشاهدة)، والغائب هو الإمام عليه السلام، فهذا يعني أنَّ الحيثية التي استحقّوا عليها المدح هي عدم شكّهم بالإمام عليه السلام ومعرفتهم به.
وفي رواية أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جُعلت فداك، متى الفرج؟ فقال: (يا أبا بصير، وأنت ممَّن يُريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فُرِّجَ عنه لانتظاره)(٣٢).
وفي أُخرىٰ عن إسماعيل بن محمّد الخزاعي، قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع، فقال: تراني أدرك القائم عليه السلام؟ فقال: (يا أبا بصير، ألست تعرف إمامك؟)، فقال: إي والله، وأنت هو _ وتناول يده _، فقال: (والله ما تبالي يا أبا بصير ألَّا تكون محتبياً بسيفك في ظلّ رواق القائم صلوات الله عليه)(٣٣).
وغير ذلك من الروايات.
ب _ ما ورد بلسان بيان أجر الثبات في زمن الغيبة:
فعن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: (طوبىٰ لمن تمسَّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية)، فقلت له: جُعلت فداك، وما طوبىٰ؟ قال: (شجرة في الجنَّة أصلها في دار علي بن أبي طالب عليه السلام، وليس من مؤمن إلَّا وفي داره غصن من أغصانها، وذلك قول الله عز وجل: (طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) [الرعد: ٢٩])(٣٤).
وعن عمرو بن ثابت، قال: قال علي بن الحسين سيّد العابدين عليهما السلام: (من ثبت علىٰ موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحُد)(٣٥).
جـ _ ما يلوح منه أنَّ الانتظار يمنع من طول الأمد الذي يُقسي القلب:
كالذي ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: (لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم)(٣٦).
د _ ما ورد بلسان يُبيِّن أنَّ منشأ عظم أجر المنتظر صعوبة الابتلاء، إذ يظهر من بعض الأخبار ما يوافق الاعتبار من أنَّ عظم أجر المنتظرين كان لأجل صعوبة الابتلاء وشدَّته وقساوة الظرف عليهم ممَّا يكشف عن شدَّتهم في دينهم، أو كان لأجل لازمه من المعرفة ورجحان العقل.
فعن حماد بن عمرو، عن الإمام جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه، عن علي بن أبي طالب عليهم السلام في حديث طويل في وصيّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يذكر فيها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا علي، واعلم أنَّ أعجب الناس إيماناً وأعظمهم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبيّ، وحجبتهم الحجَّة، فآمنوا بسواد علىٰ بياض)(٣٧).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللّهمّ لقّني إخواني مرَّتين، فقال من حوله من أصحابه: أَمَا نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا إنَّكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني...)(٣٨) إلىٰ آخر الرواية وستأتي.
ومن رواية عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: (يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظرين لظهوره أفضل أهل كلّ زمان، لأنَّ الله تعالىٰ ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة...)(٣٩) الخبر.
الثاني: لزوم كون الأمر بانتظار الفرج شبه عبثي لو كان المراد ذات الفرج، حيث إنَّ الأئمّة عليهم السلام الذين أمرونا بانتظار الفرج أعلم الناس ببعد ذلك خصوصاً وهم يتحدَّثون عن استمرار حكم بني العبّاس لمدَّة طويلة يطالون فيها الجبال العوالي لشدَّة طولها ممَّا يعني أنَّهم كانوا يعلمون بأنَّ من عاصرهم لن يدرك ظهور الإمام عليه السلام وتحقّق الفرج، ولا معنىٰ لأمر شخص بانتظار أمر مع العلم بعدم تحقّقه في حياته لو أُريد الانتظار. فأيَّة فائدة تُرتجىٰ من ذات الانتظار؟ بل إنَّ تعاقب الأجيال المنتظرة دون تحقّق ما يصبون إليه يجعل انتظار المتأخِّرين وتوقّع ظهور المنتظر في حياتهم ضعيف الاحتمال. وليس ذلك من إنكار أصل الظهور ولا من القول باستحالة تحقّقه في حياتهم بل هو مجرَّد استبعاد لتحقّقه في حياتهم مع الإقرار بأنَّه من الميعاد الإلهي، وهو تعالىٰ لا يُخلف الميعاد.
ويُؤيِّد ذلك التزامنا بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد، ولا توجد مصلحة واضحة تترتَّب علىٰ ذات الانتظار، اللّهمّ إلَّا بعض لوازمه، وقد أشرنا إلىٰ المعرفة بالإمام عليه السلام اللازمة له، مضافاً إلىٰ شيء آخر سيأتي بيانه. وأمَّا ذات الانتظار فمن غير الواضح موافقته للحكمة خصوصاً ما ورد في أسئلة الرواة من تطبيقات لهذا الأمر من تركهم أعمالهم لأجل أن يحقّقوا الانتظار الذي طال زمانه لأكثر من اثني عشر قرناً من الزمان ولم يأتِ، وربَّما تأخَّر الإذن الإلهي إلىٰ ما بعد زماننا بألف سنة أُخرىٰ. وهل يمنع من ذلك دليل أو منطق؟
ونحن لا نتأثَّر بأجواء تُشاع دون الاعتماد علىٰ حجَّة واضحة من أنَّ الإمام سيظهر قريباً جدّاً فطالما منَّت الشيعة نفسها بظهور المولىٰ عليه السلام في زمان تدركه فتكون من المقاتلين بين يديه والذابّين عنه والمسارعين إليه في قضاء حوائجه، وتنعم بأجواء دولة الحقّ الموعودة. وأيّ تحديد لزمان لا بدَّ أن يكون مستنداً إلىٰ حجَّة معتبرة. وأيُّ فرق في ذلك بين زمان الشيخ المفيد والصدوق والطوسي وزماننا حيث كان يسود جوّ عند عامّة الناس أنَّ الإمام قريب الظهور؟
وهل يتعقَّل أنَّ بعض القوم كان قد أعدَّ دابَّته وسيفه وهو مستبعد لظهور الإمام في زمانه؟ أم يقال: إنَّ ذلك قد حصل للتعبّد المحض بالروايات الآمرة بالاستعداد لظهور الإمام عليه السلام؟ إنَّ هذا بعيد بحسب التحليل.
فوائد طلب الانتظار:
١ _ تحقّق المعرفة:
إنَّ الأمر بانتظار الفرج منبثق من جملة من المصالح أهمّها تحقّق لازمه من المعرفة بالإمام عليه السلام، وإلَّا كيف يطلب منّا انتظار ما لم نعلم بوجوده؟ والعلم بالإمام في زمن الغيبة أمر في غاية الصعوبة لاعتبارات، منها:
أنَّ طول الأمد أحد عوامل قلَّة التعامل النفسي مع ما تعتقد أنَّه سيتحقَّق. وهذا ما أشارت إليه الآية الشريفة:
(فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦).
وقد جاء في الرواية عن أمير المؤمنين عليه السلام:
(لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم)(٤٠).
ومنها: أنَّ وقع مشاهدة المعصوم والأخذ منه أكثر من مجرَّد السماع بالواسطة كما في زمن الغيبة. ومن هنا استحقَّ المؤمن في زمن غيبة المعصوم أن يصفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصفة الأُخوَّة.
فعن أبي الجارود، عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللّهمّ لقّني إخواني مرَّتين، فقال من حوله من أصحابه: أَمَا نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا إنَّكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني لقد عرَّفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أُمّهاتهم، لأحدهم أشدُّ بقيّةً علىٰ دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض علىٰ جمر الغضا، أُولئك مصابيح الدجىٰ ينجيهم الله من كلّ فتنة غبراء مظلمة)(٤١).
والروايات في هذا المعنىٰ متعدِّدة.
ومنها: أنَّ طول غيبته عليه السلام يثير الشبهات ممَّا يجعل احتمال التراجع عن المعتقد أمراً وارداً.
إنَّ البقاء علىٰ المعتقد يحتاج إلىٰ ركوز المعرفة في النفس لتتمكَّن من مقاومة هذه الشبهات ووساوس الشيطان، وهذا يدعو إلىٰ السعي لتركيز المعرفة واستيضاح المعتقد كمقدّمة لا بدَّ منها للثبات علىٰ الحقّ في مثل هذا المخاض الذي تمرُّ به النفوس نتيجة للموانع من البقاء علىٰ المعتقد.
وانعكاس ذلك المعتقد علىٰ العمل المتمثِّل بالانتظار ولوازمه يحتاج لتركيز تلك المعرفة بنحو آكد مضافاً إلىٰ تفعيل ذلك المعتقد بالنحو الذي تنساق له النفس في مقام العمل فليس كلّ من علم عمل. ولا تنعكس كلّ معلومة علىٰ السلوك ما لم تضمّ لها عناصر أُخرىٰ تدعمها، ومن أهمّها ركوزها في النفس مع تربية النفس للانصياع لما علمته. فالانتظار المطلوب شرعاً يستدعي أموراً بمثابة مقدّمات له أوّلها انقياد النفس له، والانقياد فرع العلم، فهو يستدعي العلم، بل وتفعيله في صقع النفس. فاستيقان المعلومة نظرياً لا يستلزم الانصياع والانقياد والمتابعة عملياً. ومن هنا جاء قوله تعالىٰ:
(وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) (النمل: ١٤).
مضافاً إلىٰ أنَّ المعلومة قد تغيب عن الحضور أمام النفس ويلفّها النسيان فيمتنع تأثيرها علىٰ النفس. وهذا قد يُشكِّل وبالاً علىٰ النفس إذ أنَّ الحجَّة تتمّ علىٰ العالم أكثر من تماميتها علىٰ الجاهل، والسعي لتجسيد تلك المعلومة أو آثارها عملاً بشكل متكرِّر يعني إبعادها عن النسيان أو الغفلة عنها. ولعلَّ أحد الوجوه في طلب تكرار العبادة طوال العمر هو ذلك.
فطلب الانتظار يحقّق المعرفة أوّلاً أو يساهم في ذلك، ويساهم في تفعيلها من جهة تأثيرها علىٰ النفس ثانياً، ويدفع النسيان عنها والغفلة من خلال إبقائها حاضرة أمام النفس إذ من غير المعقول أن تمارس النفس وتفعل ما يقتضيه الانتظار دون أن تستحضر من هو المنتظر وما هو مشروعه.
٢ _ الأمل:
ومن فوائد انصباب الأمر ظاهراً علىٰ الانتظار للفرج هو تحقّق لازمه من الأمل الذي يبعث علىٰ التحرّك. وهذا ما تحدَّثت عنه بعض الروايات بشكل صريح.
ففي غيبة الشيخ الطوسي روىٰ عن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: (يا علي، إنَّ الشيعة تربىٰ بالأماني منذ مائتي سنة).
ومن هنا لمَّا قال يقطين(٤٢) لابنه علي: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إنَّ الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد غير أنَّ أمركم حضركم فأُعطيتم محضه، وكان كما قيل لكم، وإنَّ أمرنا لم يحضر فعلَّلنا بالأماني. ولو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلىٰ مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج(٤٣).
وهذا ما استفاده علي من الكاظم عليه السلام حين قال له: ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي، وما روي في أعاديكم قد صحَّ؟ فقال عليه السلام: (إنَّ الذي خرج في أعدائنا كان من الحقّ فكان كما قيل، وأنتم علَّلتم بالأماني فخرج إليكم كما خرج)(٤٤).
٣ _ لجم الأتباع:
ثمّ إنَّ من فوائد ذلك لجم الأتباع عن التحرّك المتسرع الذي غالباً ما يتسبَّب في خسائر كبيرة لأتباع المذهب الحقّ. ويظهر من الروايات العديدة أنَّ الأئمّة عليهم السلام كانوا بصدد معالجة هذه المشكلة من خلال الحثّ علىٰ الصبر مرَّة، والكون أحلاساً للبيوت حتَّىٰ يطلع نجمهم، والتحذير أن يكونوا من المتمنّين، وأن يقوموا قبل الأوان.
٤ _ التكامل المعنوي:
وقد قدَّمنا أنَّ من فوائده أيضاً السعي لتحقيق ما يقتضيه الانتظار من السعي للتكامل وتزكية النفس، ليكون الإنسان مؤهَّلاً لمواكبة حركة الإمام عليه السلام. ومن رجا شيئاً طلبه والطلب يستدعي رفع الموانع والسعي لتحمّل ما يُؤهِّله لنيل المطلوب، وهذا ما يعني بذل الجهد لنيل الكمالات التي قد يساهم وجودها في اقترابه من المطلوب.

* * *
الفصل الثالث: الإمام الحجّة عليه السلام والدين الجديد

لقد ورد في بعض الروايات الشريفة أنَّه عليه السلام يأتي بدين جديد، ولا غضاضة في ذلك إذا لاحظنا جملة من الأُمور:
١ _ احتمال اختلاف الواقع عن الظاهر:
إنَّ أكثر الأحكام الشرعية الفعلية في زمن الغيبة هي أحكام ظاهرية ثبتت عن طريق أمارات ظنّية علىٰ الأحكام الواقعية. وقد ثبتت لها الحجّية تعبّداً مع كونها ظنّية أي يحتمل فيها عدم إصابتها للواقع. والإمام عليه السلام حين يظهر يستغني عن هذه الأمارات لأنَّه يعرف الأحكام الواقعية. ومع معرفة الحكم الواقعي تنتفي الحاجة، بل ينعدم المجال للحكم الظاهري. ومن الطبيعي أن تختلف الكثير من الأحكام الواقعية عن الأحكام الظاهرية، فما يظهر من الأحكام مخالف لكثير من السائد ممَّا استظهره الفقهاء من الأمارات الظنّية.
وإذا لاحظنا أنَّ جلّ الأحكام الفرعية ثبتت بأخبار الثقاة متعدِّدة الوسائط نعرف أنَّ أكثر أحكامنا الظاهرية غير مظنونة المطابقة مع الواقعية، إذ كلّ إخبار من واسطة ظنّي، فإذا تعدَّدت الوسائط كان الحاصل ضرب الظنون ببعضها بحكم ترتّبها علىٰ بعضها طولاً، ممَّا يُضعِّف الاحتمال كثيراً إذا زادت الوسائط عن اثنين كما هو الغالب. وهذا يعني أنَّ الكثير من أحكامنا السائدة محتملة المطابقة للواقع غير مظنونة _ نعم قد لا يجري ذلك في بعض صور تعدّد الأخبار الواردة في بيان حكم واحد كما لو كانت مستفيضة _ ممَّا يفتح الباب واسعاً أمام كون خريطة الأحكام الواقعية التي ستظهر بظهوره عليه السلام مختلفة كثيراً عمَّا هو معمول به في زمن الغيبة.
٢ _ احتمال خطأ التطبيق في مستحدثات المسائل:
إنَّ الكثير من المسائل التي هي محلّ ابتلاء لنا اليوم والتي ستكون محلّ ابتلاء للأجيال اللاحقة _ أي المسائل المستحدثة علىٰ مرور الأيّام _ لم يرد فيها دليل خاصّ، وقد اكتفي في مقام تشخيص أحكامها بتطبيق عناوين واردة في الأدلَّة أو قواعد مستفادة منها علىٰ هذه المسائل. واحتمال الخطأ في مجال التطبيق وارد ممَّا يفسح المجال أمام المخالفة للأحكام الواقعية الشرعية. ولمَّا كان ما سيسود من الأحكام في زمن الظهور هو الحكم الواقعي نتج عن ذلك أنَّ ما سيظهر في زمان ظهوره عليه السلام مخالف لما هو السائد قبل الظهور.
وما أوسع دائرة المسائل المستحدثة في زماننا ممَّا لم تكن محلّ ابتلاء في زمن الحضور وصدور النصّ، فلا توجد آنذاك حقوق نشر ولا تصوير ولا انترنيت ولا وسائل سمعية وبصرية ولا صناعة وتقنية شملت جميع جوانب الحياة.
٣ _ وصف الجديد إضافي:
إنَّ وصف الجديد إضافي لا يقتضي أكثر من وجود أحكام لم تكن قبل ذاك جزءاً من الدين الذي بين أيدي الناس، ولمَّا كانت جميع طوائف المسلمين مؤمنة بمجيء اليوم الموعود الذي يظهر فيه صاحب الأمر وإن اختلفوا في شخصه كان إظهار أحكام جديدة غير مألوفة لأتباع المذاهب مصحِّحاً لأن يوصف ما يأتي به الإمام أو يظهره بأنَّه دين جديد. ونحن لا نعلم أنَّ وصف ما يأتي به عليه السلام بأنَّه جديد كان بالإضافة إلىٰ فرقة حقّة إذ لعلَّه كان بالإضافة إلىٰ المذاهب الإسلاميّة السائدة أو إلىٰ بعضها. والتفاوت في الأحكام بين المذاهب الأُخرىٰ ومذهب الحقّ كبير جدّاً. فإذا ظهر الإمام عليه السلام ودانت له أتباع المذاهب الأُخرىٰ ظهر لهم الفرق الكبير بين ما ظهر علىٰ يديه عليه السلام وما هو سائد عندهم. وهذا مسوِّغ لوصف ما يظهر علىٰ يديه عليه السلام بأنَّه دين جديد.
وممَّا يُقرِّب ذلك أنَّ السواد الأعظم من المسلمين قد شرَّقوا وغرَّبوا مبتعدين عن مدرسة الحقّ المتمثّلة بمدرسة أهل البيت عليهم السلام، فكان النتيجة خلط الحقّ بالباطل بنحو هدَّد أصل الشريعة وضيَّع الكثير من الأحكام فيها.
وقد تعدَّدت الروايات التي جاء فيها وصف لبعض الصحابة لحال المسلمين بأنَّهم لم يبقوا شيئاً ممَّا كان علىٰ عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
فعن أنس بن مالك أنَّه قال: ما أعرف شيئاً ممَّا كان علىٰ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: الصلاة. قال: أليس ضيَّعتم ما ضيَّعتم فيها(٤٥).
وذاك أبو الدرداء يشهد بمثل هذه الشهادة.
فعن سالم، قال: سمعت أُمّ الدرداء تقول: دخل علي أبو الدرداء وهو مغضب. فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أُمَّة محمّد صلى الله عليه وسلم شيئاً إلَّا أنَّهم يصلّون جميعاً)(٤٦).
لا نريد أن نقول إنَّهما عنيا ما قالا فعلاً وأنَّه لم يبقَ شيء من دين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالدقَّة، بل أرادا أنَّ التغيّر كان كبيراً.
فإذا كان هذا كلام الجيل الذي أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف هو الحال بعد مرور أكثر من ألف وأربعمائة وعشرين عاماً من رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ بل كيف هو الحال بعد مرور مدَّة أكثر إلىٰ ظهور الإمام عليه السلام؟
ويمكن أن يكون من ذلك أنَّ جملة من علمائنا يبنون علىٰ ثبوت الولاية التشريعية للأئمّة عليهم السلام، ممَّا يعني إمكان اقتضاء المصلحة لتشريع أحكام جديدة في مساحات الفراغ التي تُشرع لها أحكام بعناوينها. إذ لا يُعلَم أنَّ حقّ التشريع الثابت بمقتضىٰ الولاية التشريعية الثابتة لهم عليهم السلام يشمل نسخ حكم شُرِّعَ من الله تعالىٰ ابتداءاً أو من خلال إعمال معصوم سابق ولايته التشريعية. ولا موجب بعد الاعتقاد بثبوت الولاية التشريعية له عليه السلام للاعتقاد بانتفاء هذا الحقّ في زمن ظهوره.
٤ _ إمكان النسخ في زمانه عليه السلام:
لقد ثبت النسخ في الشريعة الإسلاميّة والذي هو عبارة عن انتهاء أمد حكم ما شُرِّعَ وعلم المشرع بأنَّه مؤقَّت، إلَّا أنَّه لم يبيِّنه كذلك لمصلحة أو مصالح كإعطاء الحكم زخماً أكثر في النفوس. ويمكن أن نتعقَّل أنَّ بعض الأحكام ينتهي أمدها عند ظهور الإمام عليه السلام ممَّا يمكن أن يترك أثره علىٰ سمة الشريعة وأنَّها جديدة قياساً بما قبل ظهوره عليه السلام. ثمّ إنَّه لا توجد آية أو رواية تنفي ذلك. والعقل الذي قَبِلَ إمكان حصوله في زمن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، بل قَبِلَ بوقوعه لا يأبىٰ أن يقع بعد زمن طويل.
لكن هذا الوجه ضعيف جدّاً، لا أقلّ باعتبار ما ورد من أنَّ حلال محمّد حلال إلىٰ يوم القيامة وحرامه حرام إلىٰ يوم القيامة(٤٧). وهو كما قيل متواتر في المعنىٰ. وإن أمكن الخدشة من جهة أنَّ النسخ قد لا يكون ضمن نطاق الحرمة والحلّية إذ قد نتعقَّل نسخ الإباحة بالمعنىٰ الأخصّ بالاستحباب ونسخ الاستحباب بالوجوب أو بالكراهة. لكنَّه يبقىٰ احتمالاً ضعيفاً، لأنَّه يمكن أن يكون المراد من الحديث أنَّ كلّ أحكام الشريعة باقية علىٰ حالها إلىٰ يوم القيامة. فالحلال والحرام الواردين في الحديث لم ترد خصوصيتهما، بل أُطلقا وأُريد جميع الأحكام، بل ربَّما أُلغيت خصوصية الحكم التكليفي واستظهرت الإشارة إلىٰ ثبات أحكام الشريعة مطلقاً ولو كانت وضعية كما هو غير بعيد.
علىٰ أنَّه لا توجد عين ولا أثر عن إمكان ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كلمات المعصومين عليهم السلام ممَّا يُبعِّد ثبوته.
وهذا الذي قلناه وإن لم يفد القطع بعدم إمكان النسخ فيبقىٰ أصل الاحتمال، إلَّا أنَّنا لا نريد التمسّك بأيّ احتمال ولو كان ضعيفاً جدّاً.
٥ _ تغيّر بعض الآليات:
وقد يرجع بعض ذلك إلىٰ تغيّر في بعض الآليات، والمعروف من ذلك ما يرجع إلىٰ الأحكام في باب القضاء، حيث دلَّت الروايات علىٰ أنَّه يحكم فيهم بحكم داود عليه السلام ولا يعتمد علىٰ البيّنة الشرعية التي كان يعمل بها المعصومون _ ولو مع اطّلاعهم علىٰ مغايرة الواقع لمؤدّاها _ ومن جاء بعدهم عليهم السلام وإن كان باعتبار عدم قدرتهم علىٰ النظر إلىٰ الواقع بنحو قطعي فلا يبقىٰ أمامهم في مقام إقامة الحدود إلَّا العمل بالبيّنات الشرعية وهم يعلمون أنَّها قد تُخطئ الواقع. فحينها تكون النفوس مستعدّة لقبول هذا النحو من القضاء، فيرتفع المانع من العمل بالحقّ الذي علمه المعصوم عليه السلام. ولذلك شواهد في الروايات التي تحدَّثت عن ظهوره عليه السلام.
ثبات معالم الدين:
ثمّ إنَّ اتّصاف ما يظهر في زمانه عليه السلام بأنَّه دين جديد لا يعني تغيّر الملامح العامّة للدين السائد إذ يكفي الاختلاف في بعض الفرعيات.
والبيانات السماوية مع أنَّ كلّ شريعة تنسخ الشريعة السابقة عليها حتَّىٰ عبَّر الكتاب الكريم بالقول: (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) (المائدة: ٤٨)، إلَّا أنَّ ذلك لم يمنع من اتّحاد الخطّ العامّ للديانات والشرائع، بل والاتّحاد في أبواب واسعة من الأحكام، كالأحكام التي يمكن أن يدركها العقل والتي لا بدَّ أن تكون ثابتة في جميع الشرائع. وكيف نتعقَّل حكماً يدركه العقل في هذه الشريعة ولا يدركه في شريعة أُخرىٰ؟ والأحكام التي فيها مصالح نعلم بأنَّ الشارع لا يقبل بفواتها، كالقتل والانتحار والكفر والشرك والزنا وشرب الخمر التي حكم بحرمتها والإيمان وإنقاذ النفس المحترمة والإحسان إلىٰ الآخرين، بل لا يبعد أن تكون الصلاة والصيام وبعض مفردات الإنفاق علىٰ الآخرين من هذا القبيل أيضاً.
ومع كلّ ذلك يقول الكتاب الكريم:
* (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ) (الحجّ: ٧٨).
* (وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٢).
* (ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً) (آل عمران: ٦٧).
* (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: ١٢٧ و١٢٨).
ويقول علىٰ لسان يوسف عليه السلام: (أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: ١٠١).
ويقول علىٰ لسان الحواريين: (قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) (آل عمران: ٥٢).
وحيث ينقل حادثة إيمان السحرة يقول علىٰ لسانهم: (وَما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ) (الأعراف: ١٢٦).
وحين يتحدَّث القرآن عن الإنسان بشكل عامّ يقول: (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (الأحقاف: ١٥).
وهذا يعني أنَّ كون الإسلام هو جوهر كلّ الديانات والجامع المشترك بينها كان واضحاً عند عامّة الناس، بل حتَّىٰ فرعون حين أدركه الغرق قال إنَّه مسلم، (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: ٩٠).
ومن جهة أُخرىٰ نرىٰ أنَّ القرآن يصر علىٰ أنَّ الدين لا بدَّ أن يكون موافقاً للفطرة التي لا نشكُّ أنَّها لازمة لخلقة أجيال النوع الإنساني علىٰ مرِّ العصور.
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ) (الروم: ٣٠).
ممَّا يعني تشابهاً كبيراً في أحكام الشرائع علىٰ اختلافها، لأنَّها لا بدَّ أن تكون منسجمة مع الفطرة الإنسانية الثابتة بثبات وبقاء النوع الإنساني.
إمكان التغيّر واقعاً في الفروع:
ثمّ إنَّ بعض الوجوه المتقدّمة التي علىٰ أساسها نتعقَّل اختلاف الشريعة في زمانه عليه السلام إنَّما تجري في الأحكام والفروع لا في المعتقد، إذ ليس في المعتقد جنبة تطبيقية، ولا مجال لإعمال الولاية التشريعية في المعتقدات، لأنَّ المعتقد يفترض أن يكون مطابقاً للواقع، والواقع غير قابل للتغيير. كما لا مجال للنسخ في المعتقدات لأنَّه لا معنىٰ له هناك، فينحصر الأمر في الكاشف عنه أي يختصّ مجال الاختلاف في المعتقد بما يرجع إلىٰ مقام الإثبات.
لكن ذلك لا يعني أنَّ المعتقد غير قابل للتغيير، لأنَّه يمكن توجيه دلالة دليل أو إقامة دليل جديد علىٰ أمر لم يكن معتقداً به. ومن أمثلة ذلك ما قام من الأدلَّة علىٰ ضرورة الإمامة وشخص الإمام عليه السلام ودور الإمامة ومهمّة الإمام في وقت أنكرها أو بعض تفاصيلها أكثر المسلمين.
بل ضمن نطاق الفكر الشيعي تغيَّرت معتقدات جزئية متعدِّدة بعد إعمال النظر في نفس الأدلَّة التي كانت بين أيدي أسلافنا من العلماء. وقد تطوَّر علم الكلام في القرون الماضية كثيراً ولم ينحصر تطوّره في آليات الاستدلال وأدواته بل عمَّ ذلك بعض المعتقدات.
والحاصل أنَّ ظهور ملامح جديدة لهذا الدين في زمان ظهوره عليه السلام لا يختصُّ بالفروع، بل يشمل الأصول أيضاً وإن بحدود أضيق وأسباب أقلّ. إذ لا شكَّ سيتبيَّن للمسلمين أنَّ الله تعالىٰ ليس له جسم وأنَّه لا يمكن أن يُرىٰ في الدنيا ولا في الآخرة وأنَّه يستحيل أن تكون له يد أو رجل أو وجه وأنَّه عادل وإن كان لا يُسئل عن شيء وهم يُسألون، وأنَّه الخالق لنا علىٰ نحو الاستقلال ولأفعالنا الاختيارية بأسبابها التي منها اختيارنا، وأنَّ أحكامه تابعة لمصالح الناس عادةً ومفاسدهم.
وسيتبيَّن أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن أن يهجر ولو في أُخريات حياته وأنَّه لا ينطق علىٰ لسانه الشيطان وأنَّه لا يحتاج لورقة بن نوفل ليعرف أنَّه نبيّ وأنَّه لا يخاف إن تأخَّر عنه الوحي أنَّه نزل علىٰ غيره خصوصاً فلان، وأنَّه لا يمكن أن ينسىٰ أو يسهو وأنَّه لم يترك الأُمَّة بلا إمام وقائد.
كما سيتبيَّن أنَّه الله تعالىٰ لا يمكن أن يترك الناس بلا حجَّة تتلاعب بهم الأهواء ويحكم الزيغ والأهواء، وغير ذلك كثير.
الخلاصة:
تحصَّل ممَّا سبق أنَّ ما ذكرته الروايات الشريفة من أنَّه عليه السلام يأتي بدين جديد معقول جدّاً ولا مانع منه. وأنَّ المقصود من ذلك ليس معناه الدقّي، وأنَّه سيكون عندنا شريعة جديدة بواقع أنَّها شريعة جديدة. وكيف نلتزم بذلك أو نتحمَّله مع اعتقادنا بأنَّ الشرائع والنبوّات قد خُتمت بالشريعة المحمّدية الخاتمة التي أوصد بها باب النبوّات إلىٰ آخر الدهر؟ بل المراد هو المعنىٰ المجازي الذي لا يقتضي أكثر من تغيّر بعض الأحكام التي كان يُعتقد أنَّها شرعية أو كانت شرعية فعلاً لأنَّ الأحكام الظاهرية شرعية أيضاً إلَّا أنَّ ظرفها قد انتهىٰ لانتفاء موضوعها، إذ موضوعها مشروط بالجهل بالأحكام الواقعية في الشريعة، فإذا انتفىٰ الجهل انتفىٰ موضوعها، فانتفت شرعيتها في زمان العلم وإن كانت شرعية قبله.
فالمنكشف غالباً إن لم يكن دائماً يُمثِّل جزءاً من الشريعة المحمّدية علىٰ من جاء بها آلاف التحيّة والسلام وعلىٰ آله الطيّبين الكرام، فلا يرد من ما يظهر في زمانه عليه السلام أنَّه ديانة جديدة تنسخ بها شريعة الإسلام المحمّدي. فالتغيّر الحاصل عادةً إن لم يكن دائماً راجع إلىٰ مقام الإثبات لا الثبوت والواقع، فالشريعة واقع بجانبيها الأُصول والأحكام لم تنكشف لنا بكلّ تفاصيلها لظروف ليس هذا محلّ التعرّض لها وستنكشف صورتها التفصيلية في زمانه عليه السلام لارتفاع الموانع ممَّا يلبسها ثوباً جديداً يصلح معه أن يقال: إنَّها ديانة جديدة غير ما عهد من الإسلام في زمان الغيبة.

* * *
الفصل الرابع: مساهمة الأمل بقرب الظهور في ثبات المؤمنين

إنَّ الأمل سرّ التمسّك بالحياة والتشبّث بأسبابها وانعدامه يعني عبثيتها في نظر فاقده. ولمَّا كانت الحياة غير خالية من المزعجات وغير الملائمات فإنَّ فقد الأمل سيدفع باتّجاه إنهائها نعم قد يمنع من ذلك مانع. ومن هنا استحقَّ زرع الأمل في النفوس وفتح باب الأماني أن تدفع لأجله ضرائب باهظة، لأنَّه ضريبة مقابل ما يهب للحياة معناها ويبعدها عن العبثية. ومن هنا نفهم لِمَ أنَّ الأئمّة عليهم السلام مع جزمهم بعدم ظهور دولة القائم قريباً وأنَّه لا بدَّ من استيفاء الشرائط التي منها استيعاب عدد الأئمّة عليهم السلام وانقضاء دولتي بني العبّاس وبني أُميّة ومجيء زمن الغيبة الطويل يسعون لإبقاء الأمل عند المعاصرين لهم بأن يدركوا ذلك العصر؟
فحين يأتي عبد الحميد الواسطي فيقول للباقر عليه السلام:
أصلحك الله والله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر حتَّىٰ أوشك الرجل منّا يسأل ما في يديه فقال: (يا عبد الحميد أترىٰ من حبس نفسه علىٰ الله لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلىٰ، والله ليجعلنَّ الله له مخرجاً، رحم الله عبداً حبس نفسه علينا رحم الله عبداً أحيا أمرنا). قلت: فإن متُّ قبل أن أدرك القائم؟ فقال: (القائل منكم: إن أدركت القائم من آل محمّد نصرته كالمقارع معه بسيفه، والشهيد معه له شهادتان)(٤٨).
ترىٰ هل خفي علىٰ الباقر عليه السلام عدم إدراك عبد الحميد لدولة الإمام في حياته وهو يعلم عدم حلول الوقت لا أقلّ باعتبار ما ذكرنا قبل التعرّض للرواية؟ فلِمَ لم يُخفِّف عليه ويقول له: إنَّ أوانه لم يحن وإنَّ الأمر لا يستوجب أن تترك طلب الرزق لبعده؟
إنَّ ترك طلب الرزق محذور ومفسدة أو علىٰ الأقلّ هو تضييع لمصلحة استدعت الحكم باستحباب التكسّب والتعرّض لفضل الله والتوسعة علىٰ العيال لكن ما سوَّغه هو الخوف من فقدان الأمل بإدراك دولة الإمام عليه السلام بما له من لوازم من جهة انعكاسه علىٰ نفس المؤمن حيث ستضعف مقاومتها لاستبعادها النصر واستقامة الأمر. ممَّا يعني التقصير في تحمّل المسؤولية الشرعية تجاه مشروع الإصلاح الكبير الذي سيقود مراحله النهائية صاحب العصر والزمان أرواحنا لتراب مقدمه الفداء، ومن جهة انعكاس ذلك علىٰ الآخرين إذا قيل لعبد الحميد أومن سواه بأنَّ هذا الأمر لم يحن وقته بعد ولن يحين في وقت قريب، وقد لا يكون الإمام ناظراً لخصوص المخاطب.
الأمل يُخفّف ثقل الابتلاء:
إنَّ الأمر المرتبط بقيام دولة الحقّ التي ستبسط فيها يد المعصوم عليه السلام علىٰ جميع أرجاء الدنيا وانتشار العدل وسيادته بنحو ساغ أن يُعبَّر في الروايات الشريفة أنَّه عليه السلام يملأها قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً شدّ النفوس للمساهمة في صياغة المشروع الإلهي الكبير وصنع مفرداته. وأبعد الناس عن استثقال ضريبة الدفاع عن الحقّ والثبات عليه حيث لم يجعل الاستجابة لأوامر الحقّ تعالىٰ ممَّا يرتبط بتحمّل المسؤولية تجاه هذا المشروع الكبير الذي تُساق له كلّ التجمّعات البشرية سوقاً، حيث إنَّه يُشكِّل مَعْلَمَاً شاخصاً في تاريخ كلّ البشرية ومحطَّة أساسية في مسيرة الأُمم في طريق التكامل علىٰ المستوىٰ الفردي والمستوىٰ الاجتماعي، بل هي المحطَّة الأهمّ من كلّ المحطّات لم يجعل الاستجابة لأوامر الحقّ مقتصرة علىٰ التعبّد المحض الذي لا دافع له إلَّا الأمر الشرعي مهما كانت النتائج، حيث إنَّ انحصار الدافع بذلك يسقط الأكثرية الساحقة من المكلَّفين في هذا البلاء لشدَّته وثقله الكبير علىٰ النفوس، والتاريخ حافل بأمثلة لذلك، ففي معركة أُحُد حيث إنَّ المسلمين كانوا يعيشون لذَّة الدين الجديد ولم تجر عليهم بعد سُنَّة طول أمد لتقسو القلوب وتبتعد عن الطاعة والالتزام بأوامر الشريعة.
(فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الحديد: ١٦).
وذاقوا قبل ذلك لذَّة النصر الكبير في بدر وما نتج عنه من كسر الأعداء وغنم الأموال وما أفرزه من الهيبة لهم والعزَّة في زمن كانت تبذل الأرواح رخيصة لأجل الحصول علىٰ مثل هذه الحيثية، وقد أُخبروا سلفاً أنَّهم سيخسرون في معركة أُحُد إذا اختاروا بعد واقعة بدر أن يأخذوا الفدية من الكفّار الأسرىٰ بعد أن خيَّرهم النبيّ الأكرم بين ذلك علىٰ أن يخسروا في معركة أُخرىٰ سبعين شهيداً وبين أن يقتل أسرىٰ بدر فيحرموا من الفداء الذي كانوا يحتاجونه. ومع كلّ ذلك حين رأوا القتل بأصحابهم من سريّة خالد بن الوليد التي فتكت بهم من خلفهم ولّوا فراراً وتركوا النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحده، إلَّا علي عليه السلام الذي وقف يدفع الكتائب واحدة بعد أُخرىٰ(٤٩).
ومثل ذلك حصل في حنين حيث اعتمدوا علىٰ كثرتهم يوم أعجبوا بها، ومع أنَّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان قد وعدهم النصر فيها إلَّا أنَّهم لمجرَّد استبطائهم النصر..
(حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصر اللهِ) (البقرة: ٢١٤).
تركوا النبيّ وارتدّوا القهقرىٰ إلَّا عشرة تسعة منهم من بني هاشم وأيمن ابن أُمّ أيمن(٥٠). فكيف يصبر منتظرو ظهور الإمام عليه السلام علىٰ الثبات في طريق الحقّ إذا استبعدوا ظهوره وانتصار الحقّ علىٰ يديه؟ خصوصاً إذا لاحظنا كثرة المحن التي واجهت وتواجه الناس في الأزمنة المختلفة. وقد وصفت بعض الروايات الشريفة حال المتديّنين بأوصاف تكشف عمق المأساة التي تواجههم وقساوة الامتحان كقولهم عليهم السلام:
(الصابر منهم علىٰ دينه كالقابض علىٰ الجمر)(٥١).
ومن منّا يصبر علىٰ جمرة في يده بل يقبضها باختياره؟
الشيعة تربى بالأماني:
نعم إنَّ تعقّل ذلك يُفسر لنا بوضوح ما ورد من أنَّ الشيعة تربىٰ بالأماني، فالأمل الذي يبعث في النفس يدفعها إلىٰ أن تتمنّىٰ ما تصوَّرته ممكناً أو قريباً. فالأمل يفاض علىٰ النفس من أسبابه غير الاختيارية عادةً والأُمنية فرع الأمل فهي فعل النفس المتفرِّع علىٰ الأمر الحسن المأمول. وعندما يزرع الأمل بإدراك دولة الحقّ في زمان ظهوره عليه السلام تتحرَّك النفس نحو ما يُحقِّق لها ما تتمنّاه من أمن وسعة رزق وانتشار عدل ونيل مرتبة وغير ذلك. فالأمل يترك أثراً تربوياً كبيراً علىٰ النفوس ممَّا ينعكس علىٰ استجابة الإنسان لربّه والمساهمة في صنع الأُسس لهذا المشروع الكبير.
فعن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن عليه السلام: (يا علي، إنَّ الشيعة تربىٰ بالأماني منذ مائتي سنة).
وقد فهم علي ذلك جيّداً ولذا حين يسأله أباه يقطين الذي كان مع العبّاسيين: ما بالنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إنَّ الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد غير أنَّ أمركم حضركم فأُعطيتم محضه، وكان كما قيل لكم، وإنَّ أمرنا لم يحضر فعلَّلنا بالأماني. ولو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلىٰ مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه، تألّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج(٥٢).
وقد تقدَّم ذلك ومأخذه من الكاظم عليه السلام.
والحاصل أنَّه يمكن القول: إنَّ الأمل مرتبط بقيام دولة الحقّ لم يفتأ الأئمّة المعصومون عليهم السلام يزرعونه في نفوس الناس دفعاً لحالة الضياع الناشئة من اليأس واستبعاد حصول المراد ممَّا يبعث علىٰ التناكل عن تحمّل المسؤولية والانهيار الذي كان سيحصل لأتباع هذا المذهب لو انطلقوا في بناء رؤيتهم وتصوّراتهم عن مستقبلهم المنظور من المبرِّرات الموضوعية سوىٰ هذه الإخبارات التي صدرت من المعصومين عليهم السلام. فإنَّ كلّ المؤشرات غالباً تُشير إلىٰ قوَّة دولة الباطل وفق معطيات الأسباب الطبيعية وضعف حملة الرسالة والمتمسّكين بالمذهب الحقّ. وهذا يعني أنَّ النظر إلىٰ المستقبل ومحاولة استشرافه من غير جهة الأمل الذي زرعه المعصوم في نفوسهم يكشف عن صورة غاية في المأساوية للمستقبل ومآل الأُمور علىٰ المدىٰ المنظور. وهذا يعني بشكل أو بآخر أنَّ الثبات علىٰ الحقّ سوف لن يدعم إلَّا من جهة التعبّد المحض الذي يدعو إلىٰ السباحة ضدّ التيّار الجارف في أكثر الأوقات. وتأثير التعبّد مجرَّداً عن أمل في انتصار ظاهري للمشروع الذي ينتمي إليه الفرد علىٰ المدىٰ القريب ينحصر ظهوره عند عدد قليل من الناس الذين لا تهزّهم الرياح العواصف.
فدعم نداء الحقّ الذي نادت به الشريعة أتباعها بزرع أمل يجعل النفوس ناظرة إلىٰ نصر حتمي قريب فقوي الداعي للاستجابة لنداء الحقّ، ونشفت دموع اليأس، وكسرت دعوات العجز لإلقاء ما في اليد وانقطعت سكنة فقد الأمل بالتغيير نحو المراد، وبدا التحرّك عند الكثير ولو تحت سكرة قرب تحقّق المأمول التي سينكشف بعد مدَّة أنَّها ليست قريبة إلىٰ هذا الحدّ، لكنَّها ما زالت قريبة إلىٰ حين انتقال الفرد إلىٰ جوار ربّه.
والنتيجة أنَّ ذلك سيساهم مساهمة بالغة في الاستعداد لتلك اللحظات الموعودة ممَّا يعني تزكية النفس ورقيها والسعي الحثيث لاتّصافها بالكمالات المكتسبة بالاختيار الحسن للطريق والسلوك، وبتعبير آخر سيدفع لبناء الذات وفق توجيهات الشريعة.
وهذا ما أبقىٰ التشيّع صامداً كلّ هذه القرون الطويلة بظلمها الذي قد يتراءىٰ للناظر في سلسلة الأحداث التاريخية أنَّه مقام لا يزول، فمع كلّ الإجحاف الذي مورس ضدّ أتباع هذا المذهب وأسياده ما زال متجدِّداً في عطائه، حادّاً في مواجهة الظروف القاسية. وتحوَّلت تلك الظروف التي هيَّأت لإسقاطه من حجر راموا به أن يكلّ به سيف هذا المذهب إلىٰ حجر حدّ به ليكون أكثر فاعليةً وتأثيراً.
ويمكن أن يستظهر من متابعة سيرة الأئمّة عليهم السلام أنَّهم كانوا يرصدون كلّ دعوىٰ تمَّت إلىٰ ظهور دولة الحقّ ويقفون بوجه مدَّعيها بما يناسب من موقف، لئلَّا ينعكس انكشاف عدم كونها ما قيل إنَّه وعد الله تعالىٰ علىٰ تمسّك الناس بأصل الوعد الإلهي، من جهة الاستبعاد نظراً لبطلان الدعاوىٰ التي تعلَّقت الناس بها ظنّاً منها أنَّها مقدّمة دولة الحقّ، ممَّا يعني سحب اليد عن أصل المشروع الإلهي للتشكيك فيه أو ضعف الارتباط به.
بل وصل الأمر بهم إلىٰ الكشف عن ستر الغيب حين أعلموا البعض أنَّه لا يصل إلىٰ شيء كما حصل في حركة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن. واللجوء إلىٰ الإخبار عن الغيب حالة استثنائية لا تكون إلَّا مع وجود مصلحة ظاهرة، فحين يأتي عبد الله بن الحسن إلىٰ الإمام الصادق عليه السلام ويطلب منه أن يبايع ولده محمّد الذي قاد ثورة مع أخيه إبراهيم يُخبره الإمام عليه السلام أنَّ ما يصبو إليه لا يتحقَّق، وأنَّ الخلافة ستصل إلىٰ المنصور وأخيه وأولاده في وقت لم يكن يخطر في بال المنصور أنَّ مآل الأُمور إليه(٥٣).
وقد يكون جزء السبب في إزالة ستر الغيب عن هذه الحقيقة المستقبلية السعي لدفع أثر سيّئ لحركة محمّد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، حيث إنَّ عدم وصولها إلىٰ غايتها حين أُشيع أنَّ محمّداً هو المهدي الموعود يعني أنَّ الأمل بقيام دولة الحقّ سيضعف.
بل لا يبعد أن تكون الإخبارات المتكرِّرة عن بقاء دولة بني العبّاس مدَّة طويلة راجعة إلىٰ ذلك أيضاً، لئلَّا يستعجل الناس فيسعون إلىٰ التغيير من خلال المشروع الإلهي فإذا لم يتحقَّق كما هو معلوم للإمام انعكس ذلك سلباً علىٰ الناس، ويمكن أن يكون التأكيد علىٰ أنَّ له عليه السلام غيبة طويلة تدعو الكثيرين إلىٰ اليأس راجعاً إلىٰ ذلك أيضاً.
ويمكن القول: إنَّ المبالغة في التحذير من كلّ راية قبل قيام الإمام عليه السلام علىٰ ما فيه من أثر سلبي علىٰ الأُمَّة كما سنبيِّن لا يخرج عن هذا السياق، حيث إنَّ من وجوه الحكمة فيه أن لا تتعلَّق قلوب الناس بفرج بعده، ثمّ إذا لم يتحقَّق يضعف الأمل في تحقّق ذلك الفرج الكبير، وربَّما لو تكرَّر ذلك مات ذلك الأمل، فيقولون عن يأسهم بقولهم: هلك، في أيّ وادٍ سلك؟
وأمَّا الأثر السلبي في ذلك فهو أنَّه قد يمنع الناس في المجتمع الإسلامي ضمن دائرة الولاء من التحرّك لصنع التاريخ وتغيير مسار الأحداث، فيبتعد الناس عن الفكر الثوري، لأنَّهم إن قرأوا النتائج سلفاً وكانت علىٰ غير ما يريدون فلماذا التحرّك؟ وهذا يعني تعطيل البعث باتّجاه صنع التاريخ وإعادة صياغة الواقع علىٰ الأرض بالطريق الثوري، مع أنَّ المنطق القرآني لا يقرُّ غير ذلك طريقاً.
(إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١).
وهذا يعني الاقتصار في السعي للتغيير علىٰ الساحة الشخصية للفرد، وإن أمكن التأثير في الآخرين فليقف علىٰ ما دون حمل راية وسلّ السيوف. ولا شكَّ أنَّ من أهمّ المراحل في تغيير مَعْلَم من معالم المجتمعات، خصوصاً إذا كان في البين دولة قويّة مرحلة الثورة وحمل السلاح التي لا نتعقَّل أن تحصل دون نشر راية _ أي تحرّك ثوري كجبهة موحّدة ضدّ الظالمين _ وهل تتنازل السلطات عن مغنمها بسياسة العباد وإدارة البلاد مع كلّ ما فيه من النفع الشخصي لهم دون أن يصل الأمر إلىٰ المواجهة العسكرية؟
فإذا لاحظنا أنَّ توجيهات الأئمّة عليهم السلام في ذلك لا تجري في عصر دون عصر، بل تشمل كلّ العصور حتَّىٰ ظهور الإمام عليه السلام عرفنا أنَّه يمكن أن يقول الأتباع لهذا المذهب: إنَّ هذه الوصايا تمنع من الدخول في أيّ مشروع تغييري إصلاحي يرتكز في بعض مراحله علىٰ حمل السلاح والثورة علىٰ الطغاة.
ولتعدّد الروايات في ذلك ولظاهر اللسان القاطع الذي وردت به وصل بعض الفقهاء إلىٰ رؤية مؤدّاها الجزم واليقين المستند إلىٰ الإخبار الغيبي بأنَّ كلّ راية تخرج قبل ظهور الإمام عليه السلام راية ضلالة. وهذا يعني حرمة المحاربة تحتها، لحرمة تقوية الباطل.
وأنا علىٰ فهمي المتواضع أرىٰ أنَّ المبالغة في التحفّظ علىٰ الأمل الذي يبعث النفوس نحو العمل والتمسّك بما دلَّ علىٰ حتمية تحقّق الوعد الإلهي _ ولا بدَّ أن لا يضعف ذلك _ هو الذي دعا للإكثار من التحذير من رايات الباطل ولاستعمال الأُسلوب الشديد في البيان. ولا أدلّ علىٰ الحاجة الشديدة إلىٰ ذلك من كثرة المنجرّين لنصرة الدعوات الباطلة التي ارتدت لباس الحقّ ظاهراً علىٰ مرِّ التاريخ. ولأنَّ من يدعو إلىٰ الحقّ بين من كانت دعوته باطلة ولبَّسها علىٰ الناس بظاهر لباس الحقّ، وبين من يكون غرضه إقامة دولة الحقّ لكن لا تواتيه الظروف ولا يحقّق ما يريد فإنَّ عدم التحذير سينعكس يأساً علىٰ الناس، ويقطع الأمل في النفوس، ولذلك صارت هذه الإخبارات بهذه الكثرة وبهذا اللسان الشديد.
وهذا يعني أنَّ الأئمّة عليهم السلام كانوا بين محذورين:
أوّلهما التركيز علىٰ التحذير الشديد من التحرّك العسكري لصياغة الواقع والثورة ضدّ الظالمين. ومحذوره الامتناع عن المشاركة في مشروع تغييري بقوَّة السلاح بل حتَّىٰ بدونها، وهذا يشمل المشروع الحقّ قبل قيام دولة الإمام المهدي عليه السلام. ولا شكَّ أنَّ الأئمّة عليهم السلام لا يريدون منّا أن نكون سلبيين من الأحداث.
والمحذور الثاني أن لا يُركّزوا علىٰ ذلك، وحينها سينعق السواد الأعظم من الأتباع مع كلّ ناعق، وسيُسحقون في الثورات التي إن كانت بدافع نصرة الحقّ فهي ثورة قبل أوانها، ومن أراد القطاف قبل الأوان لم ينل إلَّا الحسرة. وإن كانت لأغراض شخصية كانت نتيجتها تضحيات في إيجاد واقع ظالم جديد، كما حصل حين ثار الناس للثأر لآل محمّد علىٰ الدولة الأُموية، فأوجدوا دولة بني العبّاس. وصار حالهم بعدها كما قال الشاعر:

يا ليت ظلم بني مروان دام لنا * * * وليت عدل بني العبّاس في النار

ومن واقع تكرّر التحذير بلسان شديد يتَّضح أنَّ الأئمّة عليهم السلام قد رجَّحوا ذلك علىٰ السكوت، فمحذور السكوت أعظم، فدفع بطريق فيه محذور أقلّ.
نعم ربَّما تكون جهة الحكمة فيها مضافاً إلىٰ ما تقدَّم علم الأئمّة عليهم السلام بما تؤول إليه هذه التحرّكات ودواعي أهل بعضها الباطلة للتحرّك، فأراد الأئمّة عليهم السلام إحداث شيء من الموازنة داخل النفوس كي لا يقعوا تحت سطوة استعجال الأمل الذي يجمح بالنفوس في ساعات الإحساس بالحرمان والحيف الكبير من الظلم الذي توقعه حكومات الباطل وأعوان الظالمين عليهم، فيكون أثر هذه الروايات عليهم أن يتريَّثوا ويدرسوا خياراتهم ولا يهبون ولاءهم ويضحّوا بأنفسهم في مشروع تحرّك قبل التأكّد من سلامة منهج قادته وموافقة خطاهم للشريعة، فلا يصبحوا باختيارهم حطباً لنار أُعدَّت لإحراقهم، كما نلاحظه في أيّامنا هذه متكرّراً، حيث يُدلَّس علىٰ من تاقت نفسه للفرج الإلهي بعض من أغوته الدنيا واستعبده هواه، فيتدافع الناس للدفاع عن ذلك الباطل، ويضحّون بأنفسهم لتقوية راية ظاهرها الحقّ وباطنها من قِبَله العذاب.
وقد يكون ذلك سبباً في توجّه أنظار حكّام الجور إليهم باعتبارهم مشروع ثورة تسعىٰ لتغيير الواقع بالسلاح، وهذا فارق كبير بين الزيدية والشيعة، حيث يذهب الزيدية إلىٰ أنَّ الإمام هو من قام بالسيف من بني فاطمة عليها السلام، بشرط اتّصافه بالعلم والزهد والشجاعة والسخاء. فقوام مشروعهم المواجهة العسكرية، ورغم تحقيقهم مكاسب علىٰ الأرض حين أسَّسوا دولة جنوب بحر الخزر في طبرستان لمدَّة مديدة وتأسيسهم لدولة في اليمن لم تسقط إلَّا في ستّينيات القرن الماضي، إلَّا أنَّهم لا يُمثِّلون الآن إلَّا فئة قليلة ليس لها امتداد معتدٌّ به علىٰ الأرض. وقد ورد في بعض الروايات أنَّهم صاروا وقاءاً للشيعة(٥٤).
وتوجيهات الأئمّة عليهم السلام منعت من أن يكون الشيعة رأس الحربة للمعارضة المسلَّحة للأنظمة الجائرة في زمانهم، لليأس من تحقيق النصر، لعدم توفّر الظروف الموضوعية له في ذلك الزمان. فساهم ذلك رغم كيد الحكومات علىٰ مرِّ التأريخ في عدم تهديد أصل التشيّع، بل واتَّسعت دائرة أتباعه وازداد تأثيرهم في الواقع الإسلامي. وهناك أسباب أُخرىٰ لا نتعرَّض لها هنا لأنَّها ليست ذات ربط بموضوع بحثنا.
الفرج والانتظار لا يُمثّلان غاية:
إنَّ المطلوب من قِبَل الشارع المقدَّس ليس نفس الفرج ولا نفس الانتظار، لأنَّ الفرج أمر غير اختياري للعبد، بل ليس من أفعال العبد ليُطلَب منه، فالفرج محطَّة في التكوين ساهم الإخبار بها في تقوية الاستجابة للتشريع، ونفس الانتظار وإن كان قد دلَّت عليه أدلَّة شرعية كثيرة جدّاً إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أنَّه مطلوب لذاته. وشأن الشارع أن يطلب ما يُقرِّب نحو الهدف إذ ليس من الضروري أن ينصبَّ طلبه علىٰ ما تعلَّقت إرادته به بل غالباً ما ينصبُّ طلبه علىٰ ما هو موصل أو مجرَّد مقرِّب لمطلوبه، والمطلوبات لذاتها في الشريعة كالمنعدمة إذا لوحظت نسبتها إلىٰ المطلوبات لتعلّق الإرادة بغيرها.
فصيرورة انتظار الفرج مصبَّاً للطلب باعتبار تعلّق الإرادة بما يترتَّب عليه ولو عادةً من الثبات علىٰ المعتقد بهم عليهم والالتزام بالشريعة وعدم مجاراة الباطل، والفرج للمؤمن بالمعرفة. ومن هنا مثّلت المعرفة لذوي الدرجات العالية فرجاً، ومن هنا نفهم ما ورد في حقّ أبي بصير.
ففي رواية عنه، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جُعلت فداك، متى الفرج؟ فقال: (يا أبا بصير، وأنت ممَّن يُريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فُرِّجَ عنه لانتظاره)(٥٥).
وفي أُخرىٰ عن إسماعيل بن محمّد الخزاعي، قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله عليه السلام وأنا أسمع، فقال: تراني أدرك القائم عليه السلام؟ فقال: (يا أبا بصير، ألست تعرف إمامك؟)، فقال: إي والله، وأنت هو _ وتناول يده _، فقال: (والله ما تبالي يا أبا بصير ألَّا تكون محتبياً بسيفك في ظلّ رواق القائم صلوات الله عليه)(٥٦).
ولا يفوتني التنويه هنا أنَّ المخاطب هنا أبو بصير الذي لا يحتاج إلَّا إلىٰ تنبيه إلىٰ الفرج الحقيقي ولا يضر به أن يقال له: إنَّ إدراك الإمام عليه السلام لا يتحقَّق له.
النهي عن التوقيت:
ممَّا تقدَّم يمكن أن نفهم التشديد من الأئمّة عليهم السلام علىٰ التعرّض للتوقيت في مسألة الظهور.
فعن منذر الجواز، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كذب الموقِّتون، ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نوقِّت فيما يستقبل)(٥٧).
وفي رواية محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تكذّبه، فلسنا نوقِّت لأحد وقتاً)(٥٨).
مفاسد التوقيت:
إنَّ التشديد جاء لأجل أمر شديد الفساد يتمثَّل في أنَّ إعلان الوقت الذي يظهر فيه الإمام عليه السلام علىٰ خلاف المصلحة لجهات عديدة، منها:
١ _ إنَّه يقطع الأمل في النفوس من يُراد منه الانتظار ممَّا ينعكس سلبياً علىٰ حركة الأفراد والأُمم في مسيرة الإصلاح والسعي لنشر راية الحقّ. وقد فصَّلنا كثيراً في الصفحات السابقة فلا حاجة إلىٰ الإعادة. وهذا خاصّ بالأجيال التي تعلم أنَّها لا تدرك الإمام عادةً بحسب ذلك التوقيت.
٢ _ إنَّ تحديد الوقت للناس يعني وصول الخبر إلىٰ الظالمين وحكّام الجور ممَّا يعني أنَّهم سيسعون بكلّ قواهم إلىٰ وأد هذه الحركة _ في زمان ظهوره _ في مهدها، والعمل علىٰ قتل الإمام عليه السلام وأنصاره. صحيح أنَّ الله تعالىٰ بالغ أمره ولا يعجزه شيء، لكن ذلك يعني اللجوء إلىٰ معجزة لحماية الإمام وحماية مشروعه وأنصاره، مضافاً إلىٰ إعمال القدرة الإلهية لإخفاء شخصه كلّ هذه المدَّة الطويلة عن أعين الناس، والمعجزة تُمثِّل حلَّاً في الحالات الاستثنائية عادةً التي ليس منها حالتنا التي نبحث فيها.
٣ _ إنَّ إخفاء زمن ظهوره عليه السلام شبيه إلىٰ حدٍّ بعيد بإخفاء الساعة التي نعلم بأصلها دون وقتها حيث لا يجلّيها لوقتها إلَّا هو تعالىٰ. وشبيه بإخفاء لحظة التحاق الفرد بالآخرة علىٰ الغالبية المطلقة من الناس. والحكمة في الموارد الثلاثة متقاربة من جهة إحكام الابتلاء لإظهار قابلية الناس للاستجابة للتعاليم الشرعية، ومن جهة استلزام الإعلان وتحديد الوقت أن تتباطأ الناس عن إصلاح أُمورها في الجانب المعنوي استبعاداً لوقت الحدث المعلوم، حتَّىٰ إذا قارب ذلك الوقت كان الباطل قد تمكَّن من أنفسهم بنحو يجعل التوبة والرجوع إلىٰ الطريق الحقّ أشبه بأُمنية بعيدة المنال لو بقي الشخص علىٰ إيمانه. ولا شكَّ أنَّ ذلك يُمثِّل خسارة كبيرة علىٰ مستوىٰ الفرد، وهو منافٍ للطف الله تعالىٰ الذي يستدعي فعل كلّ ما بإمكانه أن يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد عن المعصية.
٤ _ إنَّ الأئمّة عليهم السلام لم يُحدِّدوا لأحد وقتاً لا لأنَّهم لا يعرفونه، إذ قد يقال: إنَّهم يعرفون الوقت تفصيلاً لجملة قرائن، منها: علمهم بما يكون وما هو كائن إلىٰ يوم القيامة. ومنها: ما يلوح من بعض كلماتهم كالرواية السابقة: (ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نوقِّت فيما يستقبل)، حيث يمكن أن يقال: إنَّ عدم التوقيت كان لمانع لا لعدم علمهم بالوقت. وهذا يعني أنَّ الموقِّت من غيرهم إمَّا يتعمَّد الكذب، وإمَّا يعتمد علىٰ قرائن لا تورث القطع بالوقت، إلَّا أنَّه لخروج عن الموضوعية لأسباب يرىٰ أنَّها تفيد القطع. وعلىٰ كلّ حال لا يبعد أن يقع الموقِّت في الخطأ في تشخيص الوقت، فإذا صدَّقه الناس ثمّ انكشف الخطأ تسبَّب ذلك في حالة من الصدمة في النفوس التائقة إلىٰ الفرج لما له من انعكاسات كبيرة علىٰ الجهات المختلفة في حياة الفرد، وحين ينكشف زيف تلك الأُمنية وبطلانها قد ينقطع عنده الأمل فينعكس سلباً علىٰ حركة الإنسان لإصلاح نفسه ولتغيير الواقع نحو الأفضل، لا أقلّ من ضعف هذا الاحتمال. ومن الواضح أنَّ قوَّة الاحتمال تساهم في زيادة الزخم باتّجاه الحركة، ففي المحتمل الواحد يكون الاحتمال الأقوىٰ أشدُّ بعثاً نحو الحركة إن كان المحتمل ممَّا يستدعي التحرّك.
بل قد يدعوه ذلك إلىٰ التشكيك في أصل الظهور، فنفسه التي عاشت أملاً في الفرج وبنت أحلاماً علىٰ ذلك ظنَّت أنَّها قريبة المنال بل حتمية المنال في الأمد المنظور، فإذا تلاشىٰ الأمل قد يتلاشىٰ معه تعقّل المأمول. هذا إذا كان التحديد في المدىٰ المنظور.
وكم هي جميلة تلك اللفتة الواردة في الرواية الشريفة عن قوم موسىٰ عليه السلام حين تأخَّر عشرة أيّام عن الموعد المحدَّد سلفاً لقومه بالرجوع، فعن محمّد بن بشر الهمداني، عن محمّد بن الحنفية، قال:... قلت: جُعلت فداك هل لذلك وقت؟ قال: (لا، لأنَّ علم الله غلب علم الموقِّتين، إنَّ الله تعالىٰ وعد موسى ثلاثين ليلة وأتمَّها بعشر لم يعلمها موسىٰ، ولم يعلمها بنو إسرائيل، فلمَّا جاوز الوقت قالوا: غرَّنا موسىٰ، فعبدوا العجل، ولكن إذا كثرت الحاجة والفاقة في الناس، وأنكر بعضهم بعضاً، فعند ذلك توقَّعوا أمر الله صباحاً ومساءً)(٥٩).
وفي أُخرىٰ الفضل بن يسار، عن الباقر عليه السلام، قال:
(كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنَّ موسىٰ عليه السلام لمَّا خرج وافداً إلىٰ ربّه، واعدهم ثلاثين يوماً، فلمَّا زاده الله علىٰ الثلاثين عشراً، قال قومه: قد أخلفنا موسىٰ، فصنعوا ما صنعوا...)(٦٠) الحديث.
ومثل ذلك ما جرىٰ علىٰ قوم نوح عليه السلام، ففي رواية عن سدير الصيرفي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال:
(... وأمَّا إبطاء نوح عليه السلام فإنَّه لمَّا استنزل العقوبة من السماء بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام معه سبع نويات، فقال: يا نبيّ الله، إنَّ الله جلَّ اسمه يقول لك: إنَّ هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلَّا بعد تأكيد الدعوة، وإلزام الحجَّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإنّي مثيبك عليه، واغرس هذا النوىٰ، فإنَّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، وبشر بذلك من تبعك من المؤمنين. فلمَّا نبتت الأشجار وتأزَّرت وتسوَّقت وأغصنت وزها الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله العدة، فأمره الله تعالىٰ أن يغرس من نوىٰ تلك الأشجار، ويعاود الصبر والاجتهاد، ويُؤكِّد الحجَّة علىٰ قومه، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتدَّ منهم ثلاثمائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدَّعيه نوح حقّاً لما وقع في عدته خلف.
ثمّ إنَّ الله تعالىٰ لم يزل يأمره عند إدراكها كلّ مرَّة أن يغرس تارةً بعد أُخرىٰ إلىٰ أن غرسها سبع مرَّات، وما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة إلىٰ أن عادوا إلىٰ نيف وسبعين رجلاً، فأوحىٰ الله عز وجل عند ذلك إليه، وقال: الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحقّ عن محضه، وصفا الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة...)(٦١) الحديث.
فإنَّ الموعد الذي بنىٰ عليه القومان: قوم نوح وقوم موسىٰ عليهما السلام حين فات انعكس سلباً علىٰ كثير من أتباعهم، فكفروا بالدعوتين وتركوا الإيمان. والسجايا التي تحكم الإنسان متقاربة إن لم تكن واحدة بحكم اتّحاد النوع الذي يعني اتّحاد النزعات التي يمكن أن تدفع الإنسان للإقدام أو الإحجام والكفر والإيمان.
ويختصُّ بعض ذلك بما إذا كان التحديد لظهور الإمام والتوقيت ضمن المدىٰ المنظور، أو أنَّه بلحاظ الجيل الذي كان التوقيت يعني إمكان الإدراك بالنسبة إليه، والبعض الآخر يختصُّ بما إذا كان التحديد في زمان بعيد لا يدركه الإنسان عادةً.
روايات تحدَّثت عن وقت خاصّ:
هناك ظاهرة في الروايات التي تعرَّضت للتوقيت، فإنَّ جملة من هذه الروايات نفت إمكان تحديد الوقت للآخرين ودعت إلىٰ تكذيب الموقِّتين، وقد تعرَّضنا لذكر بعضها. ونفت أن يكونوا عليهم السلام قد وقَّتوا فيما مضىٰ أو يوقِّتون لما هو قادم. ولكن هناك روايات أُخرىٰ تحدَّثت عن توقيت مفترض قد مضىٰ وأُجِّلَ الفرج لمانع.
ومن هذه الروايات ما عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: (بلىٰ، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله)(٦٢).
وما عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنَّ علياً عليه السلام كان يقول: (إلىٰ السبعين بلاء)، وكان يقول: (بعد البلاء رخاء)، وقد مضت السبعون ولم نرَ رخاءً؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: (يا ثابت إنَّ الله تعالىٰ كان وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين عليه السلام اشتدَّ غضب الله علىٰ أهل الأرض، فأخَّره إلىٰ أربعين ومائة سنة، فحدَّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر، فأخَّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً، و(يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) [الرعد: ٣٩])(٦٣).
ومنها ما عن عثمان النوا، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (كان هذا الأمر فيَّ فأخَّره الله، ويفعل بعد في ذريتي ما يشاء)(٦٤).
إنَّ ما ذُكِرَ في هذه الأخبار ونظائرها ينافي ما ثبت قبل ذلك من أنَّ عدَّة الأئمّة عليهم السلام اثنا عشر إماماً. وأنَّ الثاني عشر منهم له غيبة طويلة تصل إلىٰ حدٍّ يشكُّ معه في بقاء الإمام حيّاً، بل يُؤدّي إلىٰ التشكيك في ولادته من جهة استبعاد بقائه كلّ تلك المدَّة من جهة الأسباب الطبيعية. ومنافي لما دلَّت عليه الروايات من طول مدَّة حكم بني العبّاس وقبلهم حكم بني أُميّة لألف شهر. وكلّ هذه المنافيات وغيرها كان قد أُعلن عنها في زمان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وزمان علي عليه السلام.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الإخبار لم يكن كاذباً والمخبر به لم يتحقَّق لأنَّ الإخبار كان قائماً علىٰ شرط مفترض كقوله تعالىٰ:
(وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) (الجنّ: ١٦).
(لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (الفتح: ٢٥).
فلأنَّهم لم يستقيموا لم يسقوا الماء الغدق، ولأنَّ المؤمنين لم ينعزلوا عن الكافرين لم يُعذَّب الكافرون. فإخبار الله تعالىٰ صحيح، والمخبر به الذي هو شرط الجزاء لم يتحقَّق ولم يكن الخبر كاذباً، لأنَّ المشروط قد انتفىٰ لانتفاء شرطه.
وفارق الإخبارات في محلّ الكلام أنَّها لمصلحة لم يُصرح بشرطها إذ الشرط في رواية أبي حمزة كان أن لا يشتدّ غضب الله تعالىٰ علىٰ أهل الأرض فلمَّا قُتِلَ الحسين عليه السلام اشتدَّ غضبه تعالىٰ عليهم فانتفىٰ بذلك الشرط فانتفىٰ المشروط. ولأنَّهم عليهم السلام يعلمون أنَّ الشرط لن يتحقَّق في ظرفه فهم يعلمون أنَّ الظهور لن يتحقَّق أيضاً فلا ينافي الإخبار بالجملة الشرطية الإخبار بشيء ينافي جزاءها لأنَّ المخبر به المنافي شرطه محقَّق في ظرفه وفعلي، والمخبر به في الجملة الشرطية معلَّق علىٰ شرط لن يتحقَّق.
ومثل هذا الكلام يجري في الموعد الفرضي الثاني في الرواية فإنَّ الفرج المؤمَّل في سنة مائة وأربعين كان معلَّقاً علىٰ عدم الإذاعة، وحين تمَّت الإذاعة من أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام انتفىٰ الشرط فانتفىٰ الفرج في ذلك الزمان لانتفاء شرطه.
ونفس الكلام يجري في الرواية الأُولىٰ.
أمَّا الرواية الثالثة فلم يتعرَّض فيها الإمام عليه السلام إلَّا إلىٰ التأخير دون ذكر الشرط المنتفي.
ولا يفوتنا هنا الإشارة إلىٰ أنَّ ما ذكرته هاتان الروايتان ونظائرهما لا يُعَدُّ منافياً لنفي التوقيت لأنَّ التوقيت المنفي هو ما يرتبط بالمستقبل وهاتان الروايتان تحدَّثتا عن وقت سابق كان مقدَّراً فيه قيام دولة الحقّ معلَّقاً علىٰ شرط لم يتحقَّق.
إلَّا أنَّ هذا لا يلغي البحث لوجود روايات أُخرىٰ ظاهرة في ذلك أو مشعرة به كرواية محمّد بن قيس الواردة في تفسير الحروف المقطَّعة التي قيل فيها إنَّها تكشف عن مدَّة ملك آل محمّد عليهم السلام وهو الحديث السادس من الأحاديث الواردة في تفسير سورة البقرة بحسب ترتيب تفسير نور الثقلين(٦٥).
وهذه الرواية تحدَّثت عن المستقبل، فراجع.
ومثلها ما حدَّد زمن الظهور بمثل سنوات تيه بني اسرائيل(٦٦)، إذ ما يظهر منه أنَّه قريب بحيث يدركه بعض المخاطبين في حياتهم.
وقد صدرت من بعض الأولياء تحديدات لم تتحقَّق وأثبت الزمان عدم صحَّتها، وهي إن كانت مأخوذة من وجهها الصحيح فإنَّها لم تُفهَم بالشكل الصحيح، فلعلَّ الاطّلاع عليها كان بنحو الاقتضاء دون ملاحظة الموانع، وعدم تحقّقها في زمانها كاشف قطعي عن أنَّ ما تتوقَّف عليه لم يتحقَّق كاملاً.
قيام دولة الحقّ أمر حتمي بشرائطه:
إنَّ المحصَّل النهائي هو إيماننا بحتمية الظهور وأنَّ دولة الحقّ ميعاد إلهي، والله تعالىٰ لا يمكن أن يخلف ميعاده، بل هي حتمية حتَّىٰ مع عدم الالتفات إلىٰ تعلّق الوعد الإلهي بها، فإنَّها قبل تعلّق الوعد بها كانت قد اقتضتها الحكمة الإلهية البالغة، إذ بدونها تبقىٰ الكثير من التعاليم الإلهية في حدود الحالة النظرية التي لا يمكن أن تتمَّ بها الحجَّة علىٰ العباد مع أنَّ له تعالىٰ الحجَّة البالغة علىٰ الناس أجمعين.
وهل تتمُّ الحجَّة علىٰ الناس الذين كُلِّفوا بالسعي لإقامة العدل في الأرض وإعلاء كلمة الله تعالىٰ مع أنَّه لا يتحقَّق في الأرض ولو لمرَّة واحدة؟ وهل اجتمعت الناس علىٰ كلمة التوحيد وهي أساس كلّ الأديان والهدف السامي لكلّ الصالحين ليعاقب المقصر في سعيه إن لم يسع؟ لا شكَّ أنَّه يمكن الاحتجاج من العبد يوم القيامة أنَّ ما كلَّفت به غير مقدور إذ لم يتحقَّق مرَّة واحدة في تاريخ البشرية في نشأتها الدنيوية فما لم يسعَ إليه لم يُحقِّقه الساعون. فتكليفه بالسعي له أشبه بالتكليف بغير المقدور في نظره يوم القيامة، إذ لو كان مقدوراً لقدر عليه بعض أجيال البشرية.
وقد تقدَّمت الإشارة لهذا المعنىٰ قبل ذلك، فلا تغفل.
لكن تحقّق هذا الأمر في وقت خاصّ قد يكون مرهوناً بشرائط متىٰ ما توفَّرت تحقَّق المشروط، بحكم تعليق حصوله بتحقّقها، وإلَّا لما كانت شرائط له، ومتىٰ انتفت انتفىٰ حصوله في ذلك الوقت. لكنَّه لا ينتفي في جميع الأوقات بل له موعد لا بدَّ أن يتحقَّق فيه عند تهيّؤ الظروف المناسبة وتعلّق الإرادة التكوينية الإلهية بحصوله. ولمَّا لم نعلم بتفصيل ما هو معلَّق عليه لم يمكننا الجزم، بل ولا الاطمئنان بوقت ظهوره عليه السلام قبل أوانه. فمن جهة الإمكان يمكن أن يظهر الآن ويمكن أن يبقىٰ إلىٰ قرون كما يمكن أن يتحقَّق ما بين هذين. فساعة ظهوره لا يجلّيها لوقتها إلَّا هو تبارك وتعالىٰ. ومن علم بها من أوليائه العظام عليهم آلاف التحيّة والسلام لم تقتض المصلحة أن يبيحوا هذا السر لأحد من الأنام.
ظرف الأياس وقت إفاضة النصر:
ويتَّضح ذلك أكثر إذا التفتنا إلىٰ أنَّ الطريقة الإلهية في إفاضة النصر علىٰ المؤمنين أنَّه يمنُّ عليهم به في الظرف الذي تُشير كلّ الدلائل إلىٰ بُعده ليظهر جليّاً للناس أنَّه هبة من الله تعالىٰ، ولا يغتر المؤمنون بحسابه كمنجز لهم وأنَّ الناس متىٰ ما ظنّوا أنَّهم أقرب إلىٰ النصر انطلاقاً من المبرِّرات الموضوعية وموازين القوىٰ حجب عنهم النصر، كما في غزوة أُحُد وغزوة حنين، ومتىٰ ما ظنّوا أنَّهم أبعد عن النصر وأنَّ طريقه منحصر بإرادة الله تعالىٰ وأنَّ المنطلق في التحرّك والثبات هو أداء التكليف والالتزام بالشريعة وتعاليم الأنبياء والنصر من الله تعالىٰ..
(وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ) (هود: ٨٨).
هنا يكونون أقرب إلىٰ النصر ويشارفون علىٰ نيله، كما حصل في غزوة بدر للمسلمين وحصل مع موسىٰ عليه السلام قبل عبوره البحر يوم كانت كلّ المبرِّرات الموضوعية تُشير إلىٰ إدراك فرعون لهم، فانفلق البحر وكان كلّ ذلك تجلّياً لإرادة الله التي لا يمكن لمدَّعٍ أن يقول: أنا ساهمت في صياغة مثل هذا الحدث. وكذلك نصر موسىٰ عليه السلام عند التحدّي أمام السحرة، حتَّىٰ أنَّ نبيّ الله عليه السلام قد أوجس في نفسه خيفة، فانقطع الأمل إلَّا بالله تعالىٰ، فأُفيض النصر وضُرِبَ الباطل بأقوىٰ أدواته وهم السحرة، وإذا بهم مؤمنون مصرون علىٰ تحمّل قطع الأيدي والأرجل من خلاف والتصليب علىٰ جذوع النخل دون أيّ تردّد، وأمثال هذه المفردات كثيرة.
ولا تتحقَّق حالة ظهور دولة الحقّ والفرج للمؤمنين إلَّا في مثل هذه الظروف، فإنَّها سُنَّة الله في هذه الدنيا، ولن تجد لسُنَّة الله تبديلاً ولن تجد لسُنَّة الله تحويلاً. وقد أشارت بعض الروايات لذلك، حتَّىٰ أنَّ أصحاب الإمام عليه السلام من المقرَّبين والقادة وأساس الانطلاقة الكبرىٰ يفتقدون في أرضهم، فيجتمعون معه في تلك الأرض المقدَّسة(٦٧)، بنحو يوحي بأنَّهم لم يكونوا يعلمون بهذا الأمر قبل ذلك.
وكيف والحال هذه لمتخرِّص أن يجزم بخروجه في وقت كذا؟
وممَّا يدعم ذلك ما يظهر من بعض الروايات أنَّ ظهوره عليه السلام لا يتحقَّق إلَّا عند حصول اليأس وانحراف الناس وابتعادها عن الدين وانتشار الكفر.
ففي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلىٰ، قال: قال أبي: دفع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الراية يوم خيبر إلىٰ علي بن أبي طالب عليه السلام...، إلى أن قال: ثمّ بكىٰ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فقيل: مِمَّ بكاؤك يا رسول الله؟ قال: (أخبرني جبرئيل عليه السلام أنَّهم يظلمونه ويمنعونه حقّه، ويقاتلونه ويقاتلون ولده، ويظلمونهم بعده، وأخبرني جبرئيل عليه السلام عن الله عز وجل أنَّ ذلك يزول إذا قام قائمهم، وعلت كلمتهم، واجتمعت الأُمَّة علىٰ محبَّتهم، وكان الشانئ لهم قليلاً، والكاره لهم ذليلاً، وكثر المادح لهم، وذلك حين تغيّر البلاد، وضعف العباد، والأياس من الفرج، وعند ذلك يظهر القائم منهم)(٦٨).
وفي أُخرىٰ عن أبي سعيد، قال: سمعته صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يزال بكم الأمر حتَّىٰ يولد في الفتنة والجور من لا يعرف غيرها، حتَّىٰ تملأ الأرض جوراً، فلا يقدر أحد يقول: الله. ثمّ يبعث الله عز وجل رجلاً منّي ومن عترتي، فيملأ الأرض عدلاً كما ملأها من كان قبله جوراً...)(٦٩) الخبر.
وفي ثالثة عن ابن عبّاس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (... والذي بعثني بالحقّ بشيراً، إنَّ الثابتين علىٰ القول به في زمان غيبته لأعزّ من الكبريت الأحمر)(٧٠).
وفي رابعة عن أبي سعيد الخدري، قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بلاء يصيب هذه الأُمَّة حتَّىٰ لا يجد الرجل ملجأً يلجأ إليه من الظلم، فيبعث الله رجلاً من عترتي أهل بيتي، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٧١).
وهذه الروايات مؤشِّر علىٰ صعوبة انكشاف الأُمور بنحو يتيسَّر لغير المعصوم أن يعرف وقت الظهور، فإنَّه يأتي بغتة. وهذا ليس خارجاً عن السُنَّة الإلهية في إفاضة النصر عند انقطاع الأمل وحصول اليأس منه، ليتجلّىٰ للنفوس أنَّه هبة من الله تعالىٰ ولا تنسبه نفس إليها.

* * *
الفصل الخامس: الحكمة في الغيبة

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ غيبة الإمام عليه السلام نشأت عن أمر إلهي، وقد نال التكوين السهم الأعظم في صياغة واقعها، وللتشريع سهم حيث إنَّ الإمام عليه السلام مأمور بأن لا يظهر شخصه بعنوانه إلَّا في الحالات النادرة، وقد يكون التحريم المتعلّق بتسميته باسمه في أوائل أزمنة الغيبة جزءاً من سهم التشريع في مسألة الغيبة.
ولا شكَّ أنَّ هذا الأمر الإلهي قد دعت إليه الحكمة، والبحث عن واقع الحكمة وجزئيات وجوهها أدعىٰ لإذعان النفوس بها والإقرار بحدوثها، ومن هنا كان البحث في وجوه الحكمة التي دعت إلىٰ تغييب الإمام عليه السلام ذا جدوىٰ.
هل إنَّ حكمة الغيبة سرٌّ لم يحن وقت انكشافه؟
إنَّ المتأمّل في الأدلَّة التي تعرَّضت للحكمة في الغيبة يجد نحوين من الأدلَّة، بعضها ذكر أنَّ ذلك سرٌّ لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره عليه السلام، وبعض تعرَّض لبيان بعض الحِكَم.
أمَّا الأوّل فمثل رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: (إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل)، فقلت: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: (لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم)، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: (وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالىٰ ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر عليه السلام من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسىٰ عليه السلام إلىٰ وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنَّ هذا الامر أمر من أمر الله تعالىٰ وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتىٰ علمنا أنَّه عز وجل حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة وإن كان وجهها غير منكشف)(٧٢).
وهي وإن نصَّت علىٰ أنَّ الحكمة سرّ من سرّ الله وذكرت لنا إحدىٰ نتائج الغيبة وهي ارتياب كلّ مبطل فيها إلَّا أنَّ هذه إحدىٰ الحِكَم، فالتمحيص الذي يفشل فيه المبطلون إحدىٰ الحِكَم كما سيأتي بيانه.
وأمَّا الثاني فله أمثلة متعدِّدة سنبحثها مفصَّلاً وسنتعرَّض لبعض هذه الأمثلة في حينه فانتظر.
وقبل الشروع في بيانه موضِّحاً نقول: لا يوجد تنافي بين نوعي الروايات، إذ لعلَّ المراد من كون الحكمة سرّاً أنَّ إحصاء جميع الحِكَم واستقصاءها غير ميسور، أو أنَّ الميسور غير جلي وسيظهر جليّاً في أوان ظهوره عليه السلام. وربَّما كان قول الإمام: إنَّ هذا سرّ لا يظهر إلَّا في زمان دولة الإمام من باب أنَّهم أُمروا بأن يُكلّموا الناس علىٰ قدر عقولهم. وقد لا يكون المقصود نفس عبد الله بن فضل الهاشمي بل ومن سيصل إليه الخبر عن طريق الهاشمي.
وجوه الحكمة في الغيبة:
إنَّ المتأمّل في ما يمكن أن يقال من بيان لحكمة غيبة الإمام عليه السلام كلّ هذه المدَّة تستوقفه جملة من الحِكَم التي يمكن أن تكون مجتمعة قد دعت إلىٰ تلك الغيبة، وبعض هذه الحِكَم قد صرَّحت به الروايات، ومنها:
الأوّل: خوف الذبح:
ممَّا ورد في الروايات أنَّه يخاف الذبح، ولعلَّ هذا أكثر ما تكرَّر في الروايات الشريفة كبيان للوجه الذي دعا إلىٰ غيبة الإمام عليه السلام.
وبيانه أنَّنا بعد الفراغ من أنَّ الله تعالىٰ غالب علىٰ أمره، وأنَّ كلّ ما قدَّره لا بدَّ كائن، وبعد اقتضاء الحكمة عدم خلو الأرض من حجَّة وإلَّا لساخت بأهلها لزم أن يبقىٰ الإمام حيّاً ما دام الله تعالىٰ لم يأذن بعد بقيام دولة الحقّ بل حتَّىٰ بعد قيامها، لكن ما يهمّنا هو ما يسبق عصر الظهور، وحينئذٍ يدور الأمر بين أن يبقىٰ ظاهراً بين الناس يعرفونه باسمه وصفته وبين أن يغيب عنهم ولو باسمه. وظهوره عليه السلام مع تأكيد الروايات علىٰ أنَّه المنقذ ومبير العتاة والظلمة وأنَّه محيي السُنَّة ومميت البدعة يعني تقاطع بقائه وما وعد به مع ما يريده الحكّام الظلمة بل حتَّىٰ بعض المؤسّسات الدينية تعاديه وتسعىٰ به كما حصل لآبائه عليهم السلام حيث سعىٰ بعض علماء السوء للإيقاع بالأئمّة عليهم السلام حسداً لهم، وهذا سيدعو إلىٰ السعي لقطع منشأ الخوف هذا وقتل الإمام عليه السلام.
وقد حدَّثنا التاريخ أنَّ حكّام الجور قد احتاطوا لذلك قبل ولادة الإمام عليه السلام بمدَّة طويلة، وما أخذ الإمام الهادي عليه السلام إلىٰ سامراء وإبقاؤه تحت الإقامة الجبرية إلَّا لمثل هذا السبب. واستمرَّ ذلك في مدَّة إمامة الإمام الحسن العسكري عليه السلام مع التفتيش بين الفينة والأُخرىٰ في بيته بحثاً عن هذا المولود الموعود، ظنّاً منهم أنَّ بإمكانهم إعجاز الله تبارك تعالىٰ ومنع وقوع ما يُريد أن يقع. والاستكبار يدفع المتَّصف به إلىٰ الاعتقاد بأنَّ لديه القدرة علىٰ الوقوف أمام ما أرادته السماء، بل قد يكون استكبارهم مانعاً من تصديقهم بأنَّه من المحتوم. والظنّ والاحتمال المخالف لا مجال له في الحكم وإدارة البلدان فينطلقون بردود عنيفة لدرء احتمالات سيّئة ولو كان الاحتمال ضعيفاً. وأكثر الصولات التي يقوم بها حكّام الجور لا تنطلق من العلم بالأثر السيّئ بل منطلقها الاحتمال ولو كان ضعيفاً. وبقاء الإمام عليه السلام حيّاً يعني أعظم خطر علىٰ ملكهم، بل علىٰ حياتهم لأنَّهم حماة الباطل ومروّجو البدعة ومغتصبو حقوق الناس، وهذا سيدفعهم إلىٰ قتل الإمام عليه السلام إن أمكن ذلك في اعتقادهم. وقد بحثوا عنه كثيراً بعد اطّلاعهم علىٰ وجوده حتَّىٰ حرم ذكره بالاسم لئلَّا يصل إليه أعداؤه. وهذا السعي يُؤكِّد هذه الحقيقة التي ذكرتها بعض الروايات قبل أكثر من قرنين من الزمان، ممَّا ينبه إلىٰ انطلاق المتحدِّث بها من الاطّلاع علىٰ الغيب وتمتّعه بالعلم اللدنّي، وأنّىٰ لمن لم يكن كذلك أن يُخبر بالغيبة وأنَّ أعداءه سيسعون لقتله؟
وإذا أضفنا لذلك أنَّ الحكمة قد اقتضت بقاءه لأكثر من ألف ومائة سنة إلىٰ الآن ولا نعلم متىٰ تنتهي، إذ لا نعلم متىٰ تنكسر راية الباطل ويحكم الحقّ والعدل كلّ الدنيا، فإنَّ ذلك يعني تراكم الأحقاد علىٰ ذلك الوجود المقدَّس وقوَّة الدواعي التي تدعو للإقدام علىٰ قتله عليه السلام.
إنَّ الاحتمال عند بعض النفوس سينقلب إلىٰ علم جزمي بأنَّه ناشر راية الحقّ ومهلك أعداء الله ومزيل حكم الطغاة، وتأثير العلم لا شكَّ أكثر من تأثير الاحتمال ولو كان ظنّاً، إنَّ تعيّن شخصه خارجاً يعني بالنسبة للحاكم سيفاً مسلطاً علىٰ رأسه لا يعلم متىٰ يقع عليه فيهلكه. وحالة الانتظار ثقيلة جدّاً علىٰ النفوس خصوصاً إذا كان المنتظر أمراً خطيراً، ولا يمكن للنفس البشرية أن تتعامل معه بهدوء أو أن تتحمَّله. وهذا يعني أنَّ كلّ خليفة سيستلم الحكم سينظر من أوّل أيّام خلافته إلىٰ الإمام عليه السلام بما أنَّه يُمثِّل المهلك له لا مجرَّد أنَّه عدوّ.
وإذا كان العداء والخوف علىٰ الحكم قد دعا الجبابرة إلىٰ قتل آبائه عليهم السلام جميعاً مع علم الكثير منهم أنَّهم ليسوا أصحاب هذا الأمر وليسوا من ينصرون علىٰ عدوّهم وينشرون راية الهدىٰ، فكيف لا يندفعون إلىٰ قتله عليه السلام لو كان ظاهراً؟
لا شكَّ في أنَّ التراكم الزماني للخوف من الإمام عليه السلام سيجعل الدافع لقتله من كلّ خليفة لاحق أكثر من السابق، إلَّا إذا طالت المدَّة كثيراً فإنَّ اليقين بأنَّه صاحب الأمر والزمان لا يستلزم حينها اليقين بأنَّ زمان حكمه قد حلَّ.
وهذا مع اقتضاء الحكمة بقاء المعصوم عليه السلام يعني لا بدَّ من طريق معجز فيستمرّ الإعجاز ويتكرَّر عند كلّ محاولة من عدوّه لقتله. وغيابه عن الأعين معجزة واحدة طويلة الأمد دعت إليها الضرورة فساغت كما دعت قبل ذلك إلىٰ أن لا يظهر حمل أُمّه الطاهرة به إلَّا آخر ليلة ولادته وكما دعت إلىٰ أن تكون رضاعته من غير الطريق الطبيعي، سوَّغ كلّ منهما انحصار طريق المراد الإلهي بهما، فسوَّغ الاضطرار أن يعيش ويغيب بطريقة معجزة أيضاً.
إنَّ الضرورة وفق الأسباب الطبيعية قاضية بقتل من ظهر وأُشير إليه بالأيدي بالبيان المتقدِّم، خصوصاً إذا كان من سيُؤدّي الفصل الأخير في قصَّة تكامل البشرية ونشر الفضيلة.
وفي رواية عن عبد الله بن عطا، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إنَّ شيعتك بالعراق كثيرة والله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ فقال: (يا عبد الله بن عطاء قد أخذت تفرش أُذنيك للنوكىٰ(٧٣)، إي والله ما أنا بصاحبكم). قلت: فمن صاحبنا؟ فقال: (أُنظروا من عمي علىٰ الناس ولادته فذاك صاحبكم. إنَّه ليس منّا أحد يُشار إليه بالإصبع ويمضغ بالألسن إلَّا مات غيضاً أو رغم أنفه)(٧٤).
وفي أُخرىٰ عن أيّوب بن نوح، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام: (... ما منّا أحد اختلفت إليه الكتب، وأُشير إليه بالأصابع، وسُئل عن المسائل، وحُملت إليه الأموال، إلَّا اغتيل أو مات علىٰ فراشه، حتَّىٰ يبعث الله عز وجل لهذا الأمر غلاماً منّا خفي الولادة والمنشأ، غير خفي في نسبه)(٧٥).
وإذا لاحظنا طول مدَّة بقائه وفترة إمامته بعد اقتضاء الحكمة ذلك تجلّىٰ لنا أنَّه وفق الأسباب الطبيعية لا بدَّ أن يُقتل إن بقي ظاهراً.
(وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (التوبة: ٣٢).
(وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (الصفّ: ٨).
فكان لا بدَّ للوصول إلىٰ الغرض الإلهي من إعمال المعجزة وخرق المألوف والإتيان بغير المعروف علىٰ أنَّه حالة طبيعية _ وإن وجدت لها مماثلات قليلات _، وإطالة عمر الإمام عليه السلام غائباً لا ظاهراً كما لم يُعرَف الخضر عليه السلام مع عدم الشكّ في حياته، وكرفع عيسىٰ عليه السلام مكانه العلي عند ربّه الكريم.
الثاني: غيبته عليه السلام عقوبة وأثر لظلم الناس:
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن لا يقتصر الجزاء علىٰ الأعمال علىٰ الأُخروي منه من عقوبة ومثوبة. فقد جُعلت بعض الآثار ظاهرة في الدنيا بنحو لا دخالة للناس ولا للمعصوم عليه السلام فيه، كالآثار التكوينية التي تترتَّب علىٰ الأعمال وبعضها بنحو يكون للمعصوم أو نائبه أو عدول المؤمنين دخالة فيه كالحدود والديات والقصاص ليكون الجميع مؤثِّراً في تقريب الناس من الطاعة وإبعادهم عن المعصية. فإن لم يكن لتحريكه الأثر الأُخروي كما هو الأغلب من الناس أثَّر فيه الأثر التكويني الدنيوي، مضافاً إلىٰ الجزاء الأُخروي في بعض الأعمال. وإن كانت الأعمال خطيرة علىٰ المجتمع ضُمَّ إلىٰ ما تقدَّم الجزاء الذي يكون اختيارياً في الدنيا كالحدود والديات. وإن ظهرت أيَّة معصية وإن لم ترجع إلىٰ التجاوز علىٰ حقوق الآخرين لم يثبت لها إلَّا التعزير في الدنيا ما لم تصل إلىٰ حدّ الكفر أو ما هو بمثابة الكفر كسبِّ الله تعالىٰ والمعصومين عليهم السلام. ومع ذلك فالمحصَّل النهائي..
(وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) (يوسف: ١٠٣).
(وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ) (المؤمنون: ٧٠).
وما يقتضيه اللطف الإلهي هو التقريب من الطاعة والإبعاد عن المعصية لا الإجبار عليهما، فالحكمة قاضية بأنَّ طريق التكامل للنوع البشري يمرُّ من خلال قناة التكليف المتقوِّم بالاختيار وإلَّا فقد الابتلاء معناه.
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً * إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (الإنسان: ٢ و٣).
وأمَّا إجباره علىٰ الالتزام وسلب اختياره فليس منسجماً مع غاية الخلقة.
(قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأنعام: ١٤٩).
(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: ٩٩).
نعم إيمان الشخص واستقامته الاختيارية لا يقعان إلَّا بإذن الله تبارك وتعالىٰ.
ثمّ إنَّ بعض الآثار التي تترتَّب علىٰ الأعمال قد تترتَّب علىٰ الفرد دون غيره ولا تعمُّ المجتمع بحسب العادة كالظلم.
(من ظَلم ظُلِم)(٧٦) ولو في عقبه.
وكاجتناب المعاصي المنبثق عن ذكر الله تعالىٰ المؤثِّر في حصول حالة اطمئنان، (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: ٢٨).
وسلب الاطمئنان للعاصي، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) (طه: ١٢٤).
وقد تكون الآثار الدنيوية بنحو يعمُّ المجتمع كهطول المطر عند الاستغفار وسعة الرزق، (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً) (نوح: ١٠ _ ١٢).
ومن ذلك حرمانهم من الاتّصال بالإمام عليه السلام، وإذ لم تُعدَم بركات وجود الإمام وإن كان غائباً فالانتفاع به كالانتفاع بالشمس غيَّبها السحاب كما تعبِّر بعض الروايات الشريفة فإنَّ الظهور له بركاته الخاصّة التي تضاف إلىٰ بركات أصل وجوده. لقد حرمت الأُمَّة من وجود الإمام بين ظهرانيها لترجع إليه عند التباس الأُمور. ويكفيك أن تنظر إلىٰ جهد عشرات الآلاف من طلّاب العلوم الدينية حيث ينصبّ جهدهم الأساسي علىٰ تعلّم الآليات التي تُمكِّن من استنباط الأحكام الشرعية، وهي لا تعدو كونها أحكاماً ظاهرية قد لا تكون مطابقة لحكم الله تعالىٰ في الواقع. فالأحكام الواقعية في معرض عدم الإصابة من خلال الاستنباط. وهذا يعني احتمال فوات المصالح التي دعت إلىٰ تشريع تلك الأحكام الواقعية.
١ _ ضياع أعمار عشرات الآلاف من الناس وخسارة الأُمَّة لساعات هائلة العدد من خيرة أبنائها أُنفقت في استنباط الأحكام والتي هي مهمّة غاية في المشقَّة. ولو كان الإمام عليه السلام ظاهراً لانتفت الحاجة لممارسة الاستنباط كمهنة تخصّصية، بل يقتصر الأمر علىٰ الاطّلاع علىٰ الحكم دون حاجة إلىٰ مراجعة الروايات من جهة دلالتها علىٰ الحكم أو خلافه ووجود معارض من عدمه ودون حاجة إلىٰ تأسيس علم الرجال، ولا علم الدراية، ولا لبحث موضوع التعارض، ولا الأُصول العملية ولا مباحث الحجج، ولا مباحث الألفاظ، ولا إلىٰ علم الأُصول.
٢ _ المهاترات العريضة الطويلة الناشئة من اختلاف الرأي المتولِّد من الرجوع إلىٰ الطُرُق الظنّية المختلفة والفهم المختلف لتعاليم الشريعة المقدَّسة. وقد تفاقمت هذه الاختلافات إلىٰ حدِّ سفك الدماء وإزهاق النفوس، مضافاً إلىٰ الطاقات الهائلة التي أُهدرت في النقض والإبرام الراجع إلىٰ مختلف العلوم الشرعية.
٣ _ الحرمان من مشورة الإمام المعصوم عليه السلام في الأُمور الشخصية والموضوعات الخارجية، فما أكثر المكاتبات التي يسأل فيها الإمام الحجَّة عليه السلام عن موضوعات خارجية ويطلب في بعضها مشورة شخصية فيشير عليهم ويجيبهم، وقد سُدَّ ذلك الباب من خلال الغيبة.
٤ _ حالات الضلال المتسبّبة عن دعوىٰ السفارة الكاذبة والبابية والممهّدية والنيابة الخاصّة التي أخذت في وقتها بتلابيب الكثير من أولاد الأُمَّة، ولو كان الإمام ظاهراً مبسوط اليد لخفت تلك الدعوات.
كلّ ذلك كان كعقوبة للأُمَّة التي قصرت بحقّ الأئمّة عليهم السلام حيث لم تكن بمستوىٰ المسؤولية تجاه هذا الفضل العظيم، فكانت بذلك كمن سدَّ أبواب الخير عن نفسه. وقد ورد في بعض الروايات ما يُشير إلىٰ ذلك، فقد جاء في بعضها: (... واعلموا أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة الله عز وجل ولكنَّ الله سيُعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم علىٰ أنفسهم)(٧٧).
وقد يكون من هذا الباب ما ورد عن مروان الأنباري، قال: خرج من أبي جعفر عليه السلام: (إنَّ الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم)(٧٨).
العقوبات الدنيوية ليست لازمة:
تبيَّن ممَّا تقدَّم أنَّ الروايات دلَّت علىٰ أنَّ غيبة الإمام الثاني عشر عليه السلام كانت نحو عقوبة دنيوية للناس لتقصيرهم مطلقاً أو في بعض الجوانب الخاصّة. وهنا سؤال وهو أنَّ غيبة الإمام إن كانت عقوبة للناس لتقصيرهم فهل غاب بقيّة الأئمّة عليهم السلام بعد أن عصتهم الناس واستخفَّت بهم وجهلت قدرهم؟
والجواب: إنَّ المخالفة توجب استحقاق العقوبة في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما في بعض الحالات، إذ قد تكون العقوبة الدنيوية المشرعة علىٰ ذنب لا تُمثِّل إلَّا الحدّ الأدنىٰ المشترك في المخلَّفات التي تدخل تحت عنوان واحد كالقتل مثلاً. وتبقىٰ حالة الاختلاف في البشاعة والدوافع والظروف ووجود المنبّهات وعدمه وغير ذلك ممَّا له علاقة بزيادة القبح الذي يوصف به القتل مثلاً أو نقصانه. والحدّ الأدنىٰ الذي اقتضته المصلحة من العقوبة الدنيوية في صورة العمد هو القود بدم المقتول. وما زاد علىٰ ذلك في بعض الحالات تُؤجَّل عقوبته إلىٰ الآخرة. هذا فيما يرجع إلىٰ العقوبة الدنيوية المشرعة والتي قد تجتمع مع استحقاق عقوبة أُخروية.وأمَّا اجتماع أثر تكويني سيّئ علىٰ عمل سيّئ في الدنيا مع عقوبة الآخرة فأوضح في تعقّله وقبوله. وكيف كان فلا مشكلة في استحقاق العقوبة. ولكن من قال إنَّ اقتضاء ذنب ما عقوبة خاصّة يجعل بقيّة الذنوب المشابهة تقتضي نفس العقوبة؟ نعم نتعقَّل ذلك في الآثار التكوينية وفي الآثار التي تُمثِّل نوع عقوبة أُريد للإنسان أن يطبّقها فشُرِّعت وفق قانون جزائي كالحدود والقصاص والديات.
وأمَّا ما كان الله تعالىٰ يفعله كأثر للعمل فليس من الضروري أن يكون منضبطاً بنوع خاصّ وبمقدار معيَّن، وموردنا من هذا القبيل.
فالقدر المجزوم به أنَّ ما أصابنا من غير الملائمات ممَّا يمكن أن يُعَدُّ مصيبة فهو مما كسبت أيدينا.
(وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) (الشورى: ٣٠).
وهو يمثِّل بعض الاستحقاق لأنَّ الأصل في الجزاء أن يكون في الآخرة، لكن الحكمة ومصلحة العباد دعت إلىٰ أن يقدّم جزء منه في الدنيا، وليس هذا محلّ التفصيل.
(أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسابِ) (البقرة: ٢٠٢).
وربَّما كان من عاصر الأئمّة عليهم السلام في زمن الظهور قد أُخذوا بعقوبات أُخرىٰ هذا أوّلاً.
وثانياً: ليس من الضروري أن تتمَّ المؤاخذة علىٰ الذنوب في الدنيا، حيث يمكن أن تكون سُنَّة أُخرىٰ قد حكمت علىٰ الوضع ومثال ذلك أنَّ الله تعالىٰ حكم في عالم التكوين بملازمات بين بعض الذنوب والآثار التكوينية السيّئة، قال تعالىٰ:
(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم: ٤١).
وهذه الآية خاصّة بالآثار التي يعلم الناس أنَّها سيّئة ولكن المؤاخذة متمثّلة بظهور الفساد في البر والبحر كانت في ظرف يُرتجىٰ للناس الإيمان كما أشار إليه ذيل الآية: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). وحين ينقطع الأمل بإيمانهم تأتي سُنَّة الاستدراج التي تُرفع فيها الآثار المتمثِّلة بالمزعجات.
(ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضراءُ وَالسَّراءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (الأعراف: ٩٥).
(فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام: ٤٤).
بل قد تكون الآثار السيّئة باعتبار واقعها لا باعتبار رؤية الناس سوءها وأثرها السيّئ غير الملتفت إليه قد يكون في الدنيا كما في قوله تعالىٰ:
(فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) (التوبة: ٥٥).
وقد يكون في الآخرة كما يشير إلىٰ ذلك قوله تعالىٰ:
(وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضروا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران: ١٧٦).
وثالثاً: إنَّ ما ذُكِرَ من سببية التقصير لحرمان الأُمَّة من التواصل مع إمام زمانها لا يمثِّل سببية تامّة بل هو جزء سبب لا بدَّ معه من بقيّة المقتضيات وارتفاع الموانع وبضمّ بقيّة الحِكَم إلىٰ هذه يكتمل السبب وتتمّ العلَّة، فيلزم تحقّق المعلول الذي هو غيبة الإمام عليه السلام.
وبعض هذه الحِكَم لا تتوفَّر في زمن الحضور، فإنَّ خوف القتل مثلاً يشكِّل محذوراً بالنسبة للخلف الحجَّة عليه السلام إذ لا إمام بعده ولا يشكِّل محذوراً خطيراً بالنسبة للأئمّة السابقين، ولذلك أقدموا في بعض الحالات باختيارهم علىٰ ما فيه قتلهم كخروج الإمام علي عليه السلام إلىٰ المسجد وهو يعلم أنَّه يُقتَل ذلك اليوم، وخرج الإمام الحسين عليه السلام إلىٰ كربلاء وهو يعلم بمآل الأُمور فيها، وهكذا بالنسبة لبعض الأئمّة الآخرين وفق ما بيَّنت الأدلَّة الشرعية، وإن كنت أميل إلىٰ علمهم جميعاً بواقع ما قُدِّمَ إليهم من طعام مسموم فتناولوه باختيارهم، وهذا ما لا يمكن أن يُسمَح به بالنسبة للإمام الثاني عشر قبل ظهوره واستكمال تحقّق بشارة الأنبياء وإزهاق الباطل وإحقاق الحقّ.
وكذلك منع وقوع البيعة لطاغية في عنقه، فإنَّه ليس بمحذور ظاهراً، وإلَّا لما وقعت البيعة من أحد من الأئمّة السابقين. وكذلك جريان ما جرىٰ علىٰ الأُمم السابقة علىٰ أُمَّة النبيّ الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم، فيكفي في جريان الغيبة التي جرىٰ علىٰ بعض أنبياء الأُمم السابقة أن تجري علىٰ إمام واحد من أئمّتنا.
وكيف كان فسببية تقصير الأُمَّة لغيبة الإمام غير تامّة لا تستدعي حصول غيبة للإمام إلَّا مع اجتماع بقيّة الأجزاء من ذلك السبب، ولم تجتمع، ولذا لم يغب أحد من الأئمّة السابقين.
الثالث: تمحيص المؤمنين:
قدَّرت الإرادة الإلهية خلقة الإنسان في هذه النشأة لهدف منشود يرجع إلىٰ الإنسان لا إلىٰ خالقه، وقد اختلف بيان الأدلَّة الشرعية لهذا الهدف فمرَّةً يقال: خُلِقَ ليتكامل وأُخرىٰ يقال: خُلِقَ ليعرف ربّه وثالثة: خُلِقَ للابتلاء والكلّ صحيح. أمَّا الابتلاء فلأنَّه طريق للتكامل ولولا الابتلاء المستلزم لجزاء ملائم أو غير ملائم أي بنحو المثوبة أو العقوبة فإنَّ الناس لا تسلك طريق التكامل، فتصبح الحياة بلا فائدة من هذه الناحية، ومن هنا كانت الحياة الدنيا من دون دار جزاء عبثية.
(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) (المؤمنون: ١١٥).
ومن هنا كان الابتلاء شرطاً في التكامل، ولا يمكن أن يكون الابتلاء غاية لأنَّ الابتلاء بأيّ نحو من أنحائه لا يمكن إلَّا أن يكون أمراً مقدّمياً، وشأن الأُمور المقدّمية أن لا تُراد لذاتها فلا تصلح للتعليل أو لتكون غايات، وإنَّما عبَّرت بعض الآيات عن الغاية من الخلقة به باعتباره سبباً للوصول إلىٰ الغاية المطلوبة.
(الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (الملك: ٢).
(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف: ٧).
إنَّ الدنيا ليست دار إقامة دائمة وليست مرادة لذاتها. فهي لا تمثِّل غاية وهدفاً بل مقدّمة اقتضت الحكمة الإلهية أن يُكلَّف الإنسان فيها بالاستكمال باختياره من خلال سلوك طريق الحقّ الذي تكفَّلت السماء ببيان معالمه التفصيلية، فصار بنحو من الوضوح بحيث يُشار إليه ويقال: هذا (وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) (الأنعام: ١٥٣).
ولا زالت الآيات والروايات تذكّرنا بفناء الدنيا بأجمعها وفناء أعمار الأفراد جميعاً.
(كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) (آل عمران: ١٨٥).
(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ...) (الشمس: ١ و٢).
(يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (الأنبياء: ١٠٤).
والوجهة التي تريد الشريعة لنا أن نتحرَّك نحوها هي الابتعاد عن جعل الدنيا هدفاً فالفاني لا يستحقُّ أن يُجعَل مقصداً.
وقد كان سبيل تكامل الإنسان متمثّلاً بالنجاح في الابتلاء الذي يعمُّ جميع مفردات الحياة، وكانت بعض مفردات الابتلاء شاقّة إلىٰ حدٍّ بعيد لم يصل إلىٰ حدّ التكليف بما يعجز المكلَّف عن القيام به، وأُسقطت الكثير من التكاليف التي فيها عسر شديد رحمة منه تعالىٰ لعباده.
وأمَّا التكامل فإنَّه لا يتنافىٰ مع ما ذُكِرَ من معرفة الله تعالىٰ، فإنَّ التكامل إنَّما يكون علىٰ طريق التوحيد ومعرفة الحقّ تبارك وتعالىٰ.
وكيف كان فالابتلاء لا بدَّ منه وإلَّا فقدت الحياة غايتها بالنسبة لواهبها وخالقها ويعمُّ الابتلاء جميع شؤون حياة المكلَّف ولا بدَّ أن تكون جميع أجزاء هذه الحياة منسجمة مع الهدف منها، نعم أنحاء الابتلاء مختلفة بما يراه المبتلي من المصلحة، فقد يكون بنحو يرىٰ الناس أنَّه خير، وقد يكون بنحو يرىٰ أنَّه شرّ.
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشر وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) (الأنبياء: ٣٥).
وشدَّة الابتلاء ذات أثرين:
الأوّل: بيان واقع الاستحقاقات للأفراد إذ لا يكون التمايز واضحاً بين الأفراد إن لم يكن في الامتحان شيء من الصعوبة.
والثاني: ارتقاء مستوىٰ المبتلين إذا كان الابتلاء شديداً. ومن هنا كان نصيب الأولياء منه عظيماً، فهم أشدُّ بلاءً بعد الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل.
ومن هنا كان الابتلاء بمثابة التحفة التي يتحف الله تعالىٰ بها أحبّاءه وأوليائه، فهو يتعاهدهم بها مرَّةً بعد أُخرىٰ.
ومن أنواع الابتلاء الصعب الابتلاء بالشبهات الفكرية، فإنَّ الجانب العملي أسهل في الابتلاء من الجانب الفكري والنظري، وغيبة الإمام عليه السلام لهذه المدَّة الطويلة بحيث لم ترَ الأجيال المتعاقبة له عيناً بحسب العادة إلَّا ما شذَّ من حالات اللقاء به عليه السلام من النوادر تعتبر محلّ شبهة بل شبهات جعلت الكثير من أتباع المذاهب الأُخرىٰ يسخرون ممَّن يعتقد بحياته عليه السلام وغيبته عن الأنظار. وهذا ما يجعل المؤمنين به والمعتقدين بظهوره بعد أياس منه أشدُّ ثباتاً علىٰ دينهم ومعتقدهم، كما ينكشف به زيف دعاوىٰ من يدَّعون أنَّهم يعتقدون بوجوده عليه السلام حتَّىٰ إذا اشتدَّت عليهم الابتلاءات وتعلَّقت قلوبهم به عليه السلام لمدَّة منتظرين فرجه وتخليصهم من ذلك، ثمّ طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فنطقت ألسنتهم بما يكشف الفسق في قلوبهم.
(فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) (الحديد: ١٦).
وهنا نادوا: (هلك، في أيّ وادٍ سلك؟)، كما تُصرح الروايات(٧٩). ولا ينجو حينها إلَّا الذين سبقت لهم الحسنىٰ، وهم أُناس أحدهم في دينه أشدّ من زبر الحديد أو أكثر ثباتاً من الجبال الرواسي، وزبر الحديد تتغيَّر إذا أُحرقت بالنار والمؤمن الحقّ لا يتزحزح في إيمانه ولو قُطِّعَ وذري في البراري.
إذن فمن جوانب الحكمة في غيبته عليه السلام إحكام الابتلاء علىٰ الأُمَّة والقائلين بإمامته، نظراً لما يمثِّله ظهور الإمام عليه السلام بين الناس من حصن حصين وسدٍّ منيع من الزيغ والانحراف.
عن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن آبائه عليهم السلام، قال: (زاد الفرات علىٰ عهد أمير المؤمنين عليه السلام فركب هو وابناه الحسن والحسين عليهما السلام فمرَّ بثقيف فقالوا: قد جاء عليٌّ يردّ الماء فقال علي عليه السلام: أَمَا والله لأُقتلنَّ أنا وابناي هذان ليبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا وليغيبنَّ تمييزاً لأهل الضلالة حتَّىٰ يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد حاجة)(٨٠).
وعن الحسن بن محبوب، عن أبي الحسن علي بن موسىٰ الرضا عليهما السلام، قال: (لا بدَّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي)(٨١).
وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، قال: (يا بني، إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتَّىٰ يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هو محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، لو علم آباؤكم وأجدادكم ديناً أصحُّ من هذا لاتَّبعوه...)(٨٢) الخبر.
والتمحيص من جهة الإذعان بقدرة الله تعالىٰ علىٰ حفظه عليه السلام كلّ هذه المدَّة ثمّ الإذعان بصدق إخبارات الأولياء عليهم السلام وكلَّما طالت المدَّة شقَّ علىٰ النفس البقاء علىٰ الاعتقاد بوجوده عليه السلام حتَّىٰ تقول الناس: هلك، في أيّ وادٍ سلك؟
وقد جاء في رواية أُخرىٰ عن سدير الصيرفي، عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، قال:
(... وأمَّا إبطاء نوح عليه السلام فإنَّه لمَّا استنزل العقوبة من السماء بعث الله إليه جبرئيل عليه السلام معه سبع نويات، فقال: يا نبيّ الله، إنَّ الله جلَّ اسمه يقول لك: إنَّ هؤلاء خلائقي وعبادي لست أبيدهم بصاعقة من صواعقي إلَّا بعد تأكيد الدعوة، وإلزام الحجَّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك فإنّي مثيبك عليه، واغرس هذا النوىٰ، فإنَّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا أثمرت الفرج والخلاص، وبشر بذلك من تبعك من المؤمنين. فلمَّا نبتت الأشجار وتأزَّرت وتسوَّقت وأغصنت وزها الثمر عليها بعد زمان طويل استنجز من الله العدة، فأمره الله تعالىٰ أن يغرس من نوىٰ تلك الأشجار، ويعاود الصبر والاجتهاد، ويُؤكِّد الحجَّة علىٰ قومه، فأخبر بذلك الطوائف التي آمنت به فارتدَّ منهم ثلاثمائة رجل، وقالوا: لو كان ما يدَّعيه نوح حقّاً لما وقع في عدته خلف.
ثمّ إنَّ الله تعالىٰ لم يزل يأمره عند إدراكها كلّ مرَّة أن يغرس تارةً بعد أُخرىٰ إلىٰ أن غرسها سبع مرَّات، وما زالت تلك الطوائف من المؤمنين ترتدّ منهم طائفة بعد طائفة إلىٰ أن عادوا إلىٰ نيف وسبعين رجلاً، فأوحىٰ الله عز وجل عند ذلك إليه، وقال: الآن أسفر الصبح عن الليل لعينك حين صرح الحقّ عن محضه، وصفا الأمر للإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة.
فلو أني أهلكت الكفّار وأبقيت من ارتدَّ من الطوائف التي كانت آمنت بك لما كنت صدقت وعدي السابق للمؤمنين الذين أخلصوا لي التوحيد من قومك واعتصموا بحبل نبوَّتك، بأن أستخلفهم في الأرض، وأُمكِّن لهم دينهم، وأُبدل خوفهم بالأمن، لكي تخلص العبادة لي بذهاب الشكّ من قلوبهم.
وكيف يكون الاستخلاف والتمكين وبدل الخوف بالأمن منّي لهم، مع ما كنت أعلم من ضعف يقين الذين ارتدّوا وخبث طينتهم، وسوء سرائرهم التي كانت نتائج النفاق وسنوخ الضلالة، فلو أنَّهم تنسَّموا من الملك الذي أُوتي المؤمنون وقت الاستخلاف إذا هلكت أعداؤهم لنشقوا روائح صفاته، ولاستحكم سرائر نفاقهم، وتأبَّد خبال ضلالة قلوبهم، ولكاشفوا إخوانهم بالعداوة، وحاربوهم علىٰ طلب الرئاسة، والتفرّد بالأمر والنهي عليهم، وكيف يكون التمكين في الدين وانتشار الأمر في المؤمنين مع إثارة الفتن وإيقاع الحروب؟ كلَّا فـ (اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) [هود: ٣٧]).
قال الصادق عليه السلام: (وكذلك القائم عليه السلام فإنَّه تمتدّ غيبته ليصرح الحقّ عن محضه، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشىٰ عليهم النفاق إذا أحسّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم عليه السلام...)(٨٣) الحديث، وقد تقدَّم بعض هذا المضمون في طيّات البحث سابقاً.
وعن إبراهيم بن عمر اليماني، عن رجل، عن أبي جعفر عليه السلام أنَّه قال: (والله لتمخضنَّ يا معشر الشيعة شيعة آل محمّد كمخيض الكحل في العين، لأنَّ صاحب الكحل يعلم متىٰ يقع في العين ولا يعلم متىٰ يذهب، فيصبح أحدكم وهو يرىٰ أنَّه علىٰ شريعة من أمرنا فيُمسي وقد خرج منها ويُمسي وهو علىٰ شريعة من أمرنا فيصبح وقد خرج منها)(٨٤).
وعن منصور، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (يا منصور، إنَّ هذا الأمر لا يأتيكم إلَّا بعد أياس، ولا والله حتَّىٰ تميّزوا، ولا والله حتَّىٰ تمحّصوا، ولا والله حتَّىٰ يشقىٰ من يشقىٰ ويسعد من يسعد)(٨٥).
وتكرَّر هذا المضمون في روايات أُخرىٰ.
وممَّا يزيد في شدَّة هذا الابتلاء أنَّه لم يوقَّت له وقت خاصّ، فإنَّه وكما ورد عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (مثله مثل الساعة (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) [الأعراف: ١٨٧])(٨٦).
الرابع: عدم مبايعته عليه السلام لأحد:
لقد ورد في بعض الروايات تعليل غيبة الإمام عليه السلام بدفع وقوع بيعة لأحد في عنقه، فعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسىٰ الرضا عليه السلام أنَّه قال:
(كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعىٰ فلا يجدونه)،قلت له: ولِمَ ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: (لأنَّ إمامهم يغيب عنهم)، فقلت:ولِمَ؟ قال: (لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف)(٨٧).
وعن سعيد بن جبير، قال: قال علي بن الحسين سيّد العابدين عليهما السلام:
(القائم منّا تخفىٰ ولادته علىٰ الناس حتَّىٰ يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة)(٨٨).
وليس ببعيد أن لا تكون نفس البيعة محذوراً لتدعو الضرورة إلىٰ اجتنابها من خلال غيبة الإمام عليه السلام كلّ هذه المدَّة، بما لذلك من انعكاسات سلبية علىٰ الأُمَّة تجعلها تعيش كالغنم بلا راعٍ في أرض مذئبة مسبعة. ولو كانت محذوراً مطلقاً داعياً للغيبة لدعا ذلك إلىٰ غيبة بقيّة الأئمّة عليهم السلام.
نعم قد يقال بوجود فوارق منعت غيبتهم دونه عليه السلام، منها: أنَّ مدَّة إمامتهم محدودة جدّاً قياساً بمدَّة إمامته عليه السلام، وقد بلغت مدَّة إمامة أحد عشر إماماً من السنة الحادية عشرة بعد الهجرة النبوية الشريفة إلىٰ سنة (٢٦٠) هجرية، أي ما مجموعه مائتان وخمسون سنة. وهذا يعني أنَّ معدّل إمامة كلّ إمام منهم عليهم السلام اثنتان وعشرون سنة وأقلّ من تسعة شهور وإمامة القائم عليه السلام امتدَّت من سنة (٢٦٠) للهجرة إلىٰ عامنا هذا، بل ستبقىٰ إلىٰ زمان ظهوره _ وأما ما بعد الظهور فلا مانع من بقائه ظاهراً من هذه الناحية _ وهي مدَّة تزيد علىٰ ألف ومائة وسبعين عاماً، والله العالم كم ستستمر هذه الغيبة.
وهذا التفاوت بين المدَّتين يجعل المحذور الداعي إلىٰ الغيبة بالنسبة إلىٰ آبائه عليهم السلام أقلّ ممَّا يدعو إلىٰ غيبته هو عليه السلام، فالتراكم الذي يحصل عند نفوس أصحاب القرار من أعدائه _ وهم الحكّام والمتنفّذون في دولهم _ للأسباب التي تدعوهم إلىٰ التخلّص منه لو كان ظاهراً وطول مدَّة القلق التي يعيشها الحاكم الظالم من وجودٍ _ داخل المجتمع الذي يحكمه _ يشكِّل نقطة استقطاب للجماهير ولا يتَّفق معه في المبدأ، أو كحدٍّ أدنىٰ لا يتلبس بلباس الخضوع ولو ظاهراً يدفع باتّجاه السعي لرفع موجب القلق من خلال السعي لقتل المعصوم عليه السلام والتخلّص منه. ونفس امتداد عنصر القلق علىٰ عمود الزمان، ولو بدون تراكم الأسباب يشكِّل عنصر ضغط علىٰ نفس الفرد القلق. وحالة القلق العارضة علىٰ النفس لها ثقلها الكبير علىٰ نفس الفرد القلق، ممَّا يعني أنَّها إن أمكن أن تجد طريقاً للتخلّص منه بحثت عنه وسلكته مع الإمكان والمناسبة. ومن هنا بيَّن لنا القرآن الكريم أنَّ طريق تحصيل الاطمئنان والتخلّص من القلق يتمثَّل بإطاعة الله والالتزام بتعاليمه، وقد عبَّر عنه بالذكر:
(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: ٢٨).
ولولا أنَّ النفس طالبة للاطمئنان لما بيَّن بنحو يُفهم منه أنَّه أثر حسن للذكر ينبغي أن تلج النفس طريق الذكر للوصول إليه ونيله.
ومنها: أنَّ الداعي للتدارك والدفع للأئمّة السابقين أضعف منه في الإمام الثاني عشر عليه السلام، لأنَّ الخطر المتوجّه إلىٰ الإمام السابق يتوجَّه لشخصه لا لأصل منصب الإمامة، لأنَّ كلّ إمام غير الحجَّة عليه السلام يأتي بعده إمام، بخلافه عليه السلام فإنَّه لا إمام بعده، والحكمة قد اقتضت بقاءه. فدفع الأسباب التي قد تؤدّي إلىٰ تعريض حياته للخطر لازم بمقتضىٰ الحكمة، وإذا توقَّف ذلك علىٰ غيبته لزمت.
ومنها: أنَّ صدور البيعة من الإمام المعصوم لطاغية زمانه قد يشكِّل نقطة ضعف ومثلبة موجبة للتشكيك في عصمة الإمام أو في إمامته عند ضعاف الإيمان. ومن الشواهد علىٰ ذلك ما حصل في زمن الإمام الحسن المجتبىٰ عليه السلام حين صالح معاوية حيث إنَّ بعض قادته ومن أخلصوا له مدَّة الحرب جاؤوه مسلّمين عليه ومستعملين وصف مذلّ المؤمنين، فما حال عامّة التابعين إن كان خواصّهم كذلك؟
فإذا كانت الإرادة الإلهية قد حكمت ببقاء الإمام عليه السلام مدَّة طويلة يتعاقب فيها علىٰ حكم الأُمَّة عشرات الطغاة فإن بقي الإمام ظاهراً لزم أحد أمرين:
الأوّل: ترك البيعة، وهذا يعني السير علىٰ طريق الحسين عليه السلام، ومآله حينئذٍ القتل إن لم يكن علىٰ يد أوّل خليفة فعلىٰ يد الثاني وإلَّا فالثالث. ولا أدلُّ علىٰ ذلك من انتهاء حياة آبائه الطاهرين بسُمٍّ أو بنصل سيف مع أنَّ أكثرهم لم يعترض أو يعارض علناً حكم طغاة زمانه واستعملوا التقيّة بنحو مكثَّف. وهل كان الطغاة ليتركوا الإمام عليه السلام دون أن يقتلوه؟ وهذا علىٰ خلاف ما تقتضيه الحكمة من بقائه ليتمّ المشروع الإلهي وينشر العدل في الأرض ويكسر راية الباطل.
الثاني: أن يبايع طغاة زمانه، وهذا يعني تكرّر ما يُعَدُّ منقصةً ومثلبةً منه، ممَّا يستدعي ابتعاد قاعدته الجماهيرية عنه وضعف اعتقادهم بكونه إماماً مفترض الطاعة معصوم من الزلل والخطأ، بما لذلك من تبعات سيّئة. وهذا مبعِّدٌ للناس عنه، فهو منافٍ لما يقتضيه اللطف من التقريب إلىٰ الطاعة والإبعاد عن المعصية.
صحيح أنَّ الكثير من البركات تترتَّب علىٰ أصل وجود الإمام عليه السلام، ومنها بقاء الأرض، حيث نصَّت الروايات علىٰ أنَّه لولا وجود الحجَّة لساخت الأرض بأهلها(٨٩)، إلَّا أنَّ الكثير يترتَّب علىٰ معرفة الناس به وأبرزها الانقياد لله تعالىٰ والسير في طريق الحقّ، والذي اقتضت الحكمة أن يكون اختيارياً للناس. ومعرفة الإمام عليه السلام وعدم التشكيك في إمامته أو عصمته أدعىٰ للاستقامة علىٰ صراط الحقّ.
ويتأكَّد ما تقدَّم بملاحظة أنَّ اختلاف الظروف واختلاف خصوصيات الحكّام الجائرين من الإقدام والإحجام والضعف والقوَّة وأسبابهما قد يؤكِّد في أنفس الناس الإشكال علىٰ الإمام عليه السلام ويُوحي لهم أنَّ تكرّر البيعة يكشف عن ضعف عند الإمام عليه السلام والعياذ بالله، والتعبّد بأنَّ أمر الله تعالىٰ لم يحن وقته لا يقنع النفوس دائماً.
وبملاحظة ذلك يسدّ الطريق أمام أحد الخيارين المتقدّمين اللذين يجتمع بينهما بقاء الإمام ظاهراً، فلا بدَّ من غيابه درءاً للآثار السيّئة المترتّبة علىٰ بقاء الظهور إلىٰ أن يأذن الله تعالىٰ بالتحرّك الفاعل لتغيير هذه الدنيا وتأسيس الدولة الإلهية.
وكيف كان فالذي ينساق إليه النظر أنَّ تعليل غيبة الإمام عليه السلام بدفع وقوع البيعة منه لأحد لا يُراد منه البيعة بل إنَّ بقاءه ظاهراً كلّ هذه المدَّة يدفع الطغاة إلىٰ السعي لإرغامه علىٰ إظهار الطاعة لهم والولاء، فإن أظهرها ولو تقيّةً قلَّت هيبته عند الكثير وسرىٰ ذلك إلىٰ التشكيك في عصمته بل وإمامته وكفىٰ بذلك محذوراً يوجب تغييبه عليه السلام عن أعين الناظرين.
الخامس: إجراء سنن الأنبياء السابقين فيه عليه السلام:
يظهر من بعض الروايات أنَّ الحكمة في غيبته عليه السلام تتمثَّل في إرادة الله تعالىٰ إجراء سنن الأقوام الأُخرىٰ وأنبيائهم في أُمَّة النبيّ الأكرم وأئمّتهم، وقد جرت بعض حالات الغيبة لأنبياء سابقين فلا بدَّ أن تجري في حقّ أئمّتنا، ولمَّا لم تجر الغيبة للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو للأئمّة السابقين عليهم السلام لم يبقَ إلَّا أن تجري في الحجَّة عليه السلام.
ومن الروايات التي تحدَّثت عن ذلك رواية سدير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها)، فقلت له: يا ابن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: (لأنَّ الله عز وجل أبىٰ إلَّا أن تجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم وإنَّه لا بدَّ يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم قال الله تعالىٰ: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) [الانشقاق: ١٩]، أي سنن [علىٰ سنن](٩٠) من كان قبلكم)(٩١).
وقد ذكرت بعض الروايات غيبة موسىٰ عليه السلام عندما ذهب لميقات ربّه وتأخَّر عن الموعد عشر ليالي، وغياب يونس عليه السلام عن قومه حين ذهب مغاضباً، وأمثال هاتين الغيبتين.
ولكن التأمّل يوصلنا إلىٰ أنَّ ذلك لا يصحُّ كتعليل لبيان وجه الحكمة، لأنَّه سيُسئل حينها: وما الحكمة التي دعت إلىٰ غيبة هؤلاء الأنبياء عن أُممهم؟
بل يمكن أن يقال: إنَّ الحكمة في غيبة الأنبياء السابقين عليهم السلام مرتبطة بالحكمة التي ستدعو مستقبلاً إلىٰ غيبة الإمام صاحب الزمان عليه السلام لأنَّ النفوس البشرية إنَّما تتنفَّر من قبول الإخبار بالحوادث التي ليس لها مشابه، فإذا وجد لها المشابه ولو عند أُمم سابقة كانت أقرب إلىٰ القبول بحصولها خصوصاً إذا كان المشابه معلوم الحصول بنحو لا شائبة فيه.
وهذا ما يمكن ملاحظته في بعض الروايات كالرواية المروية عن الصادق عليه السلام حيث قال في رواية:
(وأمَّا العبد الصالح _ أعني الخضر عليه السلام _ فإنَّ الله تبارك وتعالىٰ ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لامامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلىٰ إنَّ الله تبارك وتعالىٰ لمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم عليه السلام في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به علىٰ عمر القائم عليه السلام وليقطع بذلك حجَّة المعاندين لئلَّا يكون للناس علىٰ الله حجَّة)(٩٢).(٩٣)
وقد قال عليه السلام قبل ذلك في هذه الرواية:
(وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح _ أعني الخضر عليه السلام _ دليلاً علىٰ عمره).
وهذان المقطعان وإن تحدَّثا عن خصوص طول العمر إلَّا أنَّه يمكن أن يُفهم ولو علىٰ نحو الاحتمال أنَّ إجراء بعض السنن التي تجري عليه علىٰ الأنبياء السابقين مع الإخبار بها كان لأجل أن يُتعقَّل ما يجري علىٰ الإمام عليه السلام ممَّا هو غير مألوف من خفاء ولادة كخفاء ولادة موسىٰ عليه السلام وطول عمر بعض كنوح والخضر عليهما السلام وغيبة كعيسىٰ ويونس عليهما السلام. فليس من البعيد أن يكون التكوين قد تكفَّل رفع الغرابة عمَّا سيحصل مستقبلاً.
ولو لم يكن ذلك مقصوداً في التكوين (كإطالة عمر نوح والخضر عليهما السلام وخفاء ولادة موسىٰ عليه السلام) فإنَّ بيانه بملاحظة المشابهة مع الإمام عليه السلام كان بملاحظة دفع الاستيحاش عن هذه الحقائق التي تنفر منها النفوس لشدَّة غرابتها والتي يُراد للناس أن يعتقدوا بها ويرتّبوا الأثر علىٰ هذا المعتقد، وإن كان لكلّ غيبة وجهة مشابهة عندهم حكم خاصّ بها.
ثمّ إنَّ التعرّض للشبه من خصوص الأنبياء والصالحين لم يكن علىٰ نحو المصادفة بل كان من الممكن أن يُحكىٰ عن شبهه بطول العمر لبعض الأشرار.
وكيف كان فلم أجد وجهاً مقنعاً في تطبيق قوله تعالىٰ: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ) (الانشقاق: ١٩) علىٰ محلّ الكلام، والإمام عليه السلام إن تحدَّث بذلك فلأجل دفع الاستغراب لا لأجل بيان وجه من وجوه الحكمة.
السادس: إخراج المؤمنين من صلب الكافرين:
جرت سُنَّة الله في خلقه في تمييز الخبيث من الطيّب كما جرت في إمكان أن يكون الخبيث وعاءً للمؤمن مثل كفّار قريش ممَّن آمن أولادهم واستقاموا علىٰ الإيمان ومات آباؤهم علىٰ الكفر، بل كبعض من ادّعي أنَّه من خيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممَّن قال عنه ولده المؤمن: (خلَّصني الله من أبي كما يخلَّص الشعر من العجين). فإنَّ عدم استواء الخبيث والطيّب..
(قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) (المائدة: ١٠٠).
باعث علىٰ ضرورة التمييز والفصل بينهما..
(لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً) (الأنفال: ٣٧).
وبذلك تتمُّ الحجَّة علىٰ الخبيث المولود من مثله بالطيّب المولود من الخبيث.
وقد جرت المقادير الإلهية بالاختلاط إلىٰ حين، والأحكام التي تجري علىٰ صنف لا تجري إلَّا مع التمييز كبعض مفردات العذاب الإلهي.
(لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) (الفتح: ٢٥).
فالمؤمنون الذين في أصلاب الكافرين بمثابة ودائع عندهم قضت الحكمة بضرورة استردادها، ويظهر من بعض الروايات أنَّ الله تعالىٰ لا يأذن بظهور الإمام عليه السلام حتَّىٰ تسترد هذه الودائع.
فعن ابن أبي عمير، عمَّن ذكره، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين عليه السلام لم يقاتل مخالفيه في الأوّل؟ قال: (لآية في كتاب الله تعالىٰ: (لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) [الفتح: ٢٥])، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: (ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين. وكذلك القائم عليه السلام لم يظهر أبداً حتَّىٰ تخرج ودائع الله عز وجل، فإذا خرجت ظهر علىٰ من ظهر من أعداء الله عز وجل فقتلهم)(٩٤).
لكن ذلك لا يصحُّ منفرداً كوجه لغيبته، بل هو وجه لعدم ظهوره بمشروعه السماوي أمَّا اقتضاء ذلك للغيبة قبل قيامه بالسيف فيمكن أن يستفاد ممَّا تقدَّم. ولذا فإنّا لا نرىٰ أنَّ هذا العنوان يصلح لبيان وجه مستقلّ يمكن أن يكون سبباً في الغيبة.
السابع: التخلّص من عقدة المعاصرة:
هناك عقدة تحملها النفس تجاه أصحاب الخصوصيات والأفراد الأفذاذ في الأُمم، بل تجاه كلّ من يرىٰ أنَّه حقَّق إنجازاً وإن كان قياساً ببعض لا يعتبر من أصحاب الإنجازات وتتمثَّل هذه العقدة الاجتماعية بعقدة المعاصرة التي تنعكس علىٰ التعامل مع المعاصرين سلباً ومصادرة ما لهم من الامتيازات في التقييم، ربَّما كان دافعها الحسد، وربَّما كان دافعها عدم قبول التخلّف في الإنجاز عن الآخرين الذين يشعر الفرد أنَّهم أقرانه وأنَّهم اشتركوا معه في بعض المقدّمات ومراحل الطريق.
ويرتكز الفرد في تقييمه للآخرين علىٰ المشتركات وتغيب عنه أو يُغيِّب متعمّداً ما للآخر من امتياز، وكل ما كانت المشتركات كثيرة كلَّما طغت هذه العقدة علىٰ الإنسان في تقييمه للآخرين وانعكست بشكل سلبي لافت. وقد تنقلب إلىٰ عداوة تأخذ بتلابيب هذا الفرد وتعميه عن النظر بعين الحقيقة والانصاف.
ومن هنا يعاني الأفراد المتميّزون من محاربة وكيد معاصريهم الذين يشكِّلون سياجاً من الأوهام حولهم فيُمنع الآخرون من الاقتراب منهم والالتفاف حولهم. وعادةً ما يعرف الأفذاذ بعد زمانهم من الأجيال اللاحقة. وتكبر فرصة الأفراد إذا كانت انطلاقاتهم في الترقّي والإبداع في مجتمعات غير مجتمعاتهم وفرصة معرفة خصوصياتهم من الذين لم تجمعهم معهم مشتركات كثيرة كبيرة وحين يعرفون في مجتمع آخر عادة ما يحتفىٰ بهم ويلتفت إليهم أكثر. وحينها تبدأ دوائر معارفهم بالافتخار والاهتمام بهم. ويشمل ذلك دائرة المتديّنين وربَّما دائرة أذناب الكيانات العلمية في المؤسّسات الدينية.
لقد انطلق إبراهيم عليه السلام في أرض ليست بأرض مولده وصباه. وانطلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في أرض مهجره. ظلَّت هنات في نفوس قومه دعتهم إلىٰ أن يذكروه لا بصفة الرسالة بل بابن أبي كبشة. ولم تخضع الرقاب لعلي عليه السلام نسبياً مع كلّ ما رأوه منه ممَّا هو رصيد فخر للإنسانية جمعاء إلَّا في الكوفة حيث أبت نفوس القوم الذين عاصروه في المدينة ومكّة أن يقرّوا بفضله وأحقّيته في قيادة الأُمّة. وعانىٰ كلّ الأئمّة عليهم السلام في المدينة من جهل قدرهم وإنكار فضلهم.
إنَّ المنجز في الفكر البشري المتأثِّر بالحالة النفسية للأفراد لا بدَّ أن يكون ممَّن له خصوصية، والخصوصية تنشأ من الظرف الخاصّ والمقدّمات الخاصّة وتعدّد جهات الاشتراك مع فرد يبعد النفس عن قبول وجود الخصوصية وربَّما كان ذلك دفعاً لقصور همَّة في الفرد الفاقد لتلك الخصوصية أو لتقصير عنده، ومن هنا استكثر الناس علىٰ بشر يأكل الطعام ويمشي في الأسواق أن يكون موضع اهتمام السماء وإنزال الوحي..
(وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشي فِي الْأَسْواقِ) (الفرقان: ٧).
ورأوا أنَّ من غير المناسب أن تثبت الطاعة لمن يشترك معهم في البشرية..
(وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) (المؤمنون: ٣٤).
إذا تبيَّن ذلك نقول: إنَّ الإمام المهدي عليه السلام لو قدر أن يبقىٰ ظاهراً كلّ هذه المدَّة بين الناس للزم أن تلتفت الناس إلىٰ جهات اشتراكه معهم، فتنعكس معاصرة الناس له علىٰ اعتقادهم به وتقلُّ هيبته في نفوسهم ممَّا يبعد الناس عن اتّباعه والإقرار بفضله، ولعلَّ هذا وجه للحكمة في كون خروجه بعد ذلك بنحو مفاجئ.
فعن صفوان بن مهران الجمّال، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد عليهما السلام: (أَمَا والله ليغيبنَّ عنكم مهديكم حتَّىٰ يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمّد حاجة ثمّ يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً)(٩٥).
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: (مثله مثل الساعة (لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً) [الأعراف: ١٨٧])(٩٦).
وهذا الكلام لا يعني أنَّ كلّ الناس تتأثَّر بهذا الضاغط والمرض الاجتماعي، لكن حين اقتضىٰ اللطف تقريب الكلّ من الانقياد له عليه السلام لزم مراعاة ما يكون القرب من الطاعة معه متحقّقاً.
هذا آخر ما أردنا كتابته، والحمد لله أوّلاً وآخراً.

* * *
مصادر التحقيق

١ _ القرآن الكريم.
٢ _ الاحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
٣ _ الإرشاد: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٤ _ الأمالي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
٥ _ الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي.
٦ _ بحار الأنوار: المجلسي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ مؤسسة الوفاء/ بيروت.
٧ _ بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
٨ _ تفسير القمّي: علي بن إبراهيم القمي/ ت طيّب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسّسة دار الكتاب/ قم.
٩ _ تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسّسة طبع ونشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي/ طهران.
١٠ _ تفسير نور الثقلين:الحويزي/ ت هاشم الرسولي المحلاتي/ ط٤/ ١٤١٢هـ/ مؤسّسة إسماعيليان/ قم.
١١ _ التوحيد: الشيخ الصدوق/ ت هاشم الحسيني الطهراني/ جماعة المدرسين/ قم.
١٢ _ الخصال: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرسين/ قم.
١٣ _ دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسّسة البعثة/ قم.
١٤ _ سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني/ ت محمّد اللحّام/ ط١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٥ _ شرح أصول الكافي: المازندراني/ ت الشعراني/ ط١/ ١٤٢١هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
١٦ _ شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد/ ت محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكتب العربية/ بيروت.
١٧ _ صحيح البخاري: البخاري/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٨ _ العدد القوية: علي بن يوسف الحلّي/ ت مهدي الرجائي/ ط١/ ١٤٠٨هـ/ مط سيّد الشهداء/ مكتبة المرعشي/ قم.
١٩ _ علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ت محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٢٠ _ العمدة: ابن البطريق/ ١٤٠٧هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
٢١ _ عيون الحكم والمواعظ: علي الليثي الواسطي/ ت حسين البيرجندي/ ط١/ دار الحديث.
٢٢ _ الغيبة: الشيخ الطوسي/ ت عبد الله الطهراني، علي أحمد ناصح/ ط١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسّسة المعارف الإسلاميّة/ قم.
٢٣ _ الغيبة: النعماني/ ت فارس حسّون كريم/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
٢٤ _ قرب الإسناد: الحميري القمّي/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسّسة آل البيت/ قم.
٢٥ _ الكافي: الشيخ الكليني/ ت علي أكبر الغفاري/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
٢٦ _ كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
٢٧ _ لسان العرب: ابن منظور/ ١٤٠٥هـ/ نشر أدب الحوزة/ قم.
٢٨ _ المحاسن: البرقي/ ت جلال الدين الحسيني المحدّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميّة/ طهران.
٢٩ _ معجم البلدان: الحموي/ ١٣٩٩هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٣٠ _ مقاتل الطالبين: أبو الفرج الأصفهاني/ ت كاظم المظفّر/ ط٢/ ١٣٨٥هـ/ المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.

* * *



 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للطوسي: ١٨٦/ ح ١٤٥؛ سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ح ٤٢٨٤.
(٢) أمالي الطوسي: ٦٦/ ح (٩٦/٥).
(٣) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٤) عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر محمّد بن علي الرضا عليه السلام، قال: (... إنَّ القائم من الميعاد والله لا يخلف الميعاد) (الغيبة للنعماني: ٣١٥/ باب ١٨/ ح ١٠).
(٥) شرح أُصول الكافي ٣: ٨٣.
(٦) شرح نهج البلاغة ٧: ٥٩.
(٧) التوحيد للصدوق: ٣١١/ ح ٢.
(٨) الغيبة للطوسي: ٤٣٦/ ح ٤٢٦.
(٩) الكافي ١: ١٤٧/ باب البداء/ ح ٦.
(١٠) كمال الدين: ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٢.
(١١) كمال الدين: ٦٥١ و٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١١؛ وفي رواية أُخرىٰ رواها النعماني في غيبته (ص ٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٣): (حلب) بدل (قنسرين).
(١٢) قرب الإسناد: ٣٧٤/ ح ١٣٢٩.
(١٣) قرب الإسناد: ٣٧١/ ح ١٣٢٦.
(١٤) الغيبة للنعماني: ٢٦٩ و٢٧٠/ باب ١٤/ ح ٢١.
(١٥) الكافي ٨: ٣٦ و٣٧/ ح ٧.
(١٦) الغيبة للطوسي: ٤٤١ و٤٤٢/ ح ٤٣٤.
(١٧) الغيبة للنعماني: ٢٨٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(١٨) العدد القوية: ٧٥ و٧٦/ ح ١٢٦.
(١٩) الغيبة للنعماني: ٣١٤ و٣١٥/ باب ١٨/ ح ١٠.
(٢٠) بحار الأنوار ٥٢: ٢٣٥ و٢٣٦/ ح ١٠٤، عن الغيبة للنعماني: ٢٨٣ و٢٨٤/ باب ١٤/ ح ٥٥.
(٢١) أُنظر: معجم البلدان ٤: ٧، وفيه: (طالقان بلدتان أحدهما بخراسان بين مرو الروذ وبلخ...، والأُخرىٰ بلدة وكورة بين قزوين وأبهر).
(٢٢) بحار الأنوار ٥٢: ١١٩ و١٢٠/ ح ٤٩، عن الكافي ١: ٥٣٥/ باب في أنَّه إذا قيل في الرجل شـيء فلم يكن فيه وكان في ولده أو ولد ولده فإنَّه هو الذي قيل فيه/ ح ١.
(٢٣) الغيبة للنعماني: ١٧٧/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٧.
(٢٤) الغيبة للنعماني: ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(٢٥) بحار الأنوار ٥٢: ٢٤٣/ ذيل الحديث ١١٦.
(٢٦) سبقتها دول حكّامها شيعة كالدولة الحمدانية والبويهية لكنَّهم لم يحكموا بالتشيّع.
(٢٧) راجع: الكافي ١: ٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ١١، و١: ٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٣.
(٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦.
(٢٩) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧٢.
(٣٠) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧١.
(٣١) كمال الدين: ٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢.
(٣٢) الكافي ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٣.
(٣٣) الكافي ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٤.
(٣٤) كمال الدين: ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٥.
(٣٥) كمال الدين: ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧.
(٣٦) الخصال: ٦٢٢/ حديث أربعمائة.
(٣٧) كمال الدين: ٢٨٨/ باب ٢٦/ ح ٨.
(٣٨) بصائر الدرجات: ١٠٤/ باب ١٤/ ح ٤.
(٣٩) الاحتجاج ٢: ٥٠.
(٤٠) الخصال: ٦٢٢/ حديث أربعمائة.
(٤١) بصائر الدرجات: ١٠٤/ باب ١٤/ ح ٤.
(٤٢) كان يقطين من أتباع دولة بني العبّاس، وقصد بالذي وعدوا به تحقّق ظهور دولة بني العبّاس التي وعد به المعصومون عليهم السلام، وقصد بالذي وعد به ابنه وفئة ابنه (الشيعي) دولة الحقّ التي ستحكم العالم كلّه.
(٤٣) الغيبة للطوسي: ٣٤١ - ٣٤٣/ ح ٢٩٢.
(٤٤) علل الشرائع ٢: ٥٨١/ باب ٣٨٥/ ح ١٦.
(٤٥) صحيح البخاري ١: ١٣٤.
(٤٦) صحيح البخاري ١: ١٥٩.
(٤٧) راجع: بصائر الدرجات: ١٦٨/ باب ١٣/ ح ٧؛ الكافي ١: ٥٨/ باب البدع والرأي والمقائيس/ ح ١٩.
(٤٨) المحاسن للبرقي ١: ١٧٣/ ح ١٤٨.
(٤٩) راجع: تفسير فرات الكوفي: ٩٣ - ٩٦/ ح (٧٨/٣٤)؛ بحار الأنوار ٢٠: ١٠٣ - ١٠٦/ ح ٣٠.
(٥٠) راجع: الإرشاد ١: ١٤٠.
(٥١) أمالي الطوسي: ٤٨٥/ ح (١٠٦٠/٢٩).
(٥٢) الغيبة للطوسي: ٣٤١ - ٣٤٣/ ح ٢٩٢.
(٥٣) راجع: مقاتل الطالبيين: ١٤٠ - ١٤٢؛ الإرشاد ٢: ١٩٠ - ١٩٣.
(٥٤) أُنظر: الكافي ٢: ٢٢٥/ باب الكتمان/ ح ١٣.
(٥٥) الكافي ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٣.
(٥٦) الكافي ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٤.
(٥٧) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٢.
(٥٨) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٤.
(٥٩) الغيبة للطوسي: ٤٢٧/ ح ٤١٥.
(٦٠) الكافي ١: ٣٦٨ و٣٦٩/ باب كراهية التوقيت/ ح ٥.
(٦١) الغيبة للطوسي: ١٧٠ و١٧١/ ح ١٢٩.
(٦٢) الغيبة للنعماني: ٢٩٩/ باب ١٦/ ح ١.
(٦٣) الغيبة للطوسي: ٤٢٨/ ح ٤١٧.
(٦٤) الغيبة للطوسي: ٤٢٨ و٤٢٩/ ح ٤١٨.
(٦٥) تفسير نور الثقلين ١: ٢٦ و٢٧/ ح ٦، عن تفسير القمّي ١: ٢٢٣، قال: حدَّثني أبي، عن الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب، عن محمّد بن قيس، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يُحدِّث: (إنَّ حييا وأبا ياسر ابني أخطب ونفراً من يهود أهل نجران أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالوا له: أليس فيما تذكر فيما أنزل الله عليك (ألم)؟ قال: بلى، قالوا: أتاك بها جبرئيل من عند الله؟ قال: نعم، قالوا: لقد بعث أنبياء قبلك وما نعلم نبيّاً منهم أخبر ما مدَّة ملكه وما أجل أُمَّته غيرك)، قال: (فأقبل حيي بن أخطب على أصحابه، فقال لهم: الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فهذه إحدى وسبعون سنة، فعجب أن يدخل في دين مدَّة ملكه وأجل أُمَّته إحدى وسبعون سنة)، قال: (ثمّ أقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: يا محمّد، هل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قال: فهاته، قال: (المص)، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد تسعون، فهذه مائة وإحدى وستّون سنة. ثمّ قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قال: هاته. قال: (الر)، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والراء مأتان، ثمّ قال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فهل مع هذا غيره، قال: نعم، قال: هاته، قال: (المر)، قال: هذه أثقل وأطول، الألف واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والراء مائتان، ثمّ قال له: هل مع هذا غيره؟ قال: نعم، قالوا: قد التبس علينا أمرك، فما ندري ما أُعطيت، ثمّ قاموا عنه، ثمّ قال أبو ياسر للحيى أخيه: ما يدريك، لعلَّ محمّداً قد جمع له هذا كلّه وأكثر منه)، قال: فذكر أبو جعفر عليه السلام أنَّ هذه الآيات أُنزلت فيهم (مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ) [آل عمران: ٧]، قال: وهي تجرى في وجه آخر على غير تأويل حيي وأبى ياسر وأصحابهما.
(٦٦) راجع: الغيبة للطوسي: ٢٥٤/ ح ٢٢٣.
(٦٧) عن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين أو عن محمّد بن علي عليهما السلام، أنَّه قال: (الفقداء قوم يفقدون من فرشهم فيصبحون بمكّة، وهو قول الله عز وجل: (أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً) [البقرة: ١٤٨]، وهم أصحاب القائم عليه السلام). (الغيبة للنعماني: ٣٢٧/ باب ٢٠/ ح ٤).
(٦٨) أمالي الطوسي: ٣٥١/ ح (٧٢٦/٦٦).
(٦٩) أمالي الطوسي: ٥١٢ و٥١٣/ ح (١١٢١/٢٨).
(٧٠) كمال الدين: ٢٨٨/ باب ٢٦/ ح ٧.
(٧١) العمدة لابن بطريق: ٤٣٦/ ح ٩١٨.
(٧٢) كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٤/ ح ١١.
(٧٣) أي الحمقىٰ. (أُنظر: لسان العرب ١٠: ٥٠١).
(٧٤) الكافي ١: ٣٤٢/ باب في الغيبة/ ح ٢٦.
(٧٥) الكافي ١: ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٥.
(٧٦) عيون الحكم والمواعظ: ٤٢٨.
(٧٧) الغيبة للنعماني: ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٢.
(٧٨) علل الشرائع ١: ٢٤٤/ باب ١٧٩/ ح ٢.
(٧٩) راجع: الكافي ١: ٣٢٣/ باب الإشارة والنصّ على أبي جعفر الثاني عليه السلام/ ح ١٤، و١: ٣٣٩ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١١ و٢٠؛ الغيبة للنعماني: ١٥٨ و١٥٩/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٨ - ٢٠؛ الإرشاد ٢: ٢٧٦.
(٨٠) الغيبة للنعماني: ١٤٣/ باب ١٠/ ح ١.
(٨١) الإمامة والتبصرة: ١١٤/ ح ١٠٢.
(٨٢) الكافي ١: ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢.
(٨٣) الغيبة للطوسي: ١٧٠ و١٧١/ ح ١٢٩.
(٨٤) الغيبة للطوسي: ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ٢٨٨.
(٨٥) الكافي ١: ٣٧٠/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٣.
(٨٦) كمال الدين: ٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦.
(٨٧) كمال الدين: ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٤.
(٨٨) كمال الدين: ٣٢٢ و٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٦.
(٨٩) راجع: الكافي ١: ٥٣٤/ باب فيما جاء في الاثني عشـر.../ ح ١٧؛ كمال الدين: ٢٠٣/ باب ٢١/ ح ٩؛ الغيبة للطوسي: ١٣٩/ ح ١٠٢؛ دلائل الإمامة: ٤٣٦/ ح (٤٠٧/١١)؛ الاحتجاج ٢: ٤٨.
(٩٠) الإضافة من البحار.
(٩١) كمال الدين: ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦؛ بحار الأنوار ٥٢: ٩٠/ ح ٣.
(٩٢) كمال الدين: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٣.
(٩٣) بحار الأنوار ج٥١ ص٢٢٢-٢٢٣
(٩٤) كمال الدين: ٦٤١/ باب ٥٤.
(٩٥) كمال الدين: ٣٤١ و٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٢.
(٩٦) كمال الدين: ٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٣ / ٥.٠
 التعليقات
الإسم: منتصر القرةغولي
الدولة: العراق
النص: بارك الله بيك على هذة الجهود الطيبه.................وجعله في ميزان حسناتك انشاء الله
تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/١٠/١٤ ٠٤:٢٤ م
إجابة التعليق

الإسم: علي عبد الرزاف القره غولي
الدولة: العراق
النص: أسأل لله أن يكتب لك بكل خطوة سعادة وكل نظرة عبادة وكل بسمة شهادة وكل رزق زيادة

لك مني كل الاحترام وكل الموده والمعزه

تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠٤/٠٥ ١١:٢٨ ص
إجابة التعليق

الإسم: نوري سلمان القره غولي
الدولة: العراق . واسط
النص: السلام عليكم.
بارك الله بجهودكم منذ فتره وأنا لحاول الحصول على هذه النسخه المباركه .
فجزاكم الله كل خير.
تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/١٢/٠٣ ٠٥:٥٤ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016