فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب المركز

الكتب شذرات مهدوية

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٣٩١٩٣ التعليقات التعليقات: ٦

شذرات مهدوية

تأليف: حسين عبد الرضا الأسدي
تقديم وتحقيق: مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)
الطبعة الثانية: ١٤٣٨هـ

فهرست الموضوعات

مقدّمة المركز
مقدّمة المؤلِّف
الشذرة الأُولى: أسماء الإمام المهدي (عليه السلام)
بعض أسماء الإمام المهدي (عليه السلام)
الاسم الأوَّل: (م ح م د)
الاسم الثاني: القائم
الاسم الثالث: المهدي
الاسم الرابع: المنتظَر
الاسم الخامس: بقيَّة الله
الاسم السادس: الماء المعين
الاسم السابع: الشريد
الاسم الثامن: الغريم
الاسم التاسع: الحجَّة
الاسم العاشر: الخلف والخلف الصالح
الاسم الحادي عشر: المؤمَّل
الاسم الثاني عشر: المنصور
الاسم الثالث عشر: الغائب
الاسم الرابع عشر: صاحب الزمان
الشذرة الثانية: صفات الإمام المهدي (عليه السلام)
النوع الأوَّل: الصفات العامَّة لجسمه الشريف
النوع الثاني: تفاصيل رأسه ووجهه الشريف
النوع الثالث: شامات الإمام المهدي (عليه السلام)
النوع الرابع: تفاصيل جسمه الشريف (عليه السلام)
النوع الخامس: روايات الشبه بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
سرد الروايات
الشذرة الثالثة: أفضلية الإمام المهدي على التسعة من ذرّية الحسين (عليه السلام)
التفاضل بين الأولياء
الشذرة الرابعة: الإمام المهدي (عليه السلام) متمُّ نور الله تعالى
الشذرة الخامسة: الإمام المهدي (عليه السلام) كلمة الله التامَّة
ما معنى كلمة الله التامَّة؟
مقامات الكلمة
١ - التأييد الإلهي بالملائكة
٢ - الكلام في المهد
٣ - تعليم الكتب السماوية
٤ - إحياء الموتى
٥ - كفُّ بني إسرائيل عنه
الشذرة السادسة: الإمام المهدي (عليه السلام) المنتهي إليه مواريث الأنبياء
النوع الأوَّل: مواريث الأنبياء ما قبل النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
١ - عصا موسى (عليه السلام) وحجره
٢ - خاتم سليمان (عليه السلام)
٣ - قميص يوسف (عليه السلام)
٤ - الزبور والتوراة والإنجيل وألواح موسى وصحف إبراهيم ونوح
النوع الثاني: مواريث النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل البيت الطاهرين (عليهم السلام)
١ - سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر شؤونه
٢ - درعان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
٣ - كتاب علي (عليه السلام)
٤ - مصحف فاطمة (عليها السلام)
٥ - الجامعة
٦ - الجفر
٧ - راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
٨ - الناموس
الشذرة السابعة: الإمام المهدي (عليه السلام) خاتم الأوصياء
الشذرة الثامنة: خاصّية ليلة مولد الإمام المهدي (عليه السلام)
أثر الزمان والمكان في التشريع والتكوين
ليالي ولادات المعصومين (عليهم السلام)
خاصّية ليلة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
ليلة النصف من شعبان في الروايات
الشذرة التاسعة: الغيبة المهدوية
النقطة الأُولى: الغيبة في أحاديث الأئمَّة (عليهم السلام)
١ - التأكيد على وقوع الغيبة
٢ - ضرورة عدم إنكار الغيبة
٣ - ضرورة الثبات على الولاية زمن الغيبة
٤ - التصريح بالغيبتين وبطول الكبرى منهما
٥ - كشف حال الناس في زمان الغيبة
النقطة الثانية: بيان بعض علل الغيبة
أ) الخوف من القتل
ب) التمييز والتمحيص
ج) حتَّى لا يبايع ظالماً
د) السنن التاريخية
هـ) أن لا تضيع ودائع الله (عزَّ وجلَّ)
و) قبائح أعمال العباد، وفضائح أفعالهم، ممَّا يُسبِّب قلَّة العدد المطلوب من الأنصار
ز) إظهار عجز من يسعى للإصلاح الكامل من غير أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان محقَّاً
النقطة الثالثة: معنى الغيبة
النقطة الرابعة: فائدة الغائب والغيبة
الشذرة العاشرة: مدَّعوا المهدوية واليمانية وغيرها
الأمر الأوَّل: ما هي العوامل المساعدة على ادِّعاء السفارة الخاصَّة؟
الأمر الثاني: ما هي الخطوط العامَّة لدعاوى مدَّعي السفارة؟
الأمر الثالث: كيف نواجه دعوى السفارة الكاذبة؟
الشذرة الحادية عشرة: هل يمكن اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) زمن الغيبة الكبرى؟
الشذرة الثانية عشرة: فضل الانتظار والمنتظرين
اختلاف الآثار لاختلاف درجات الانتظار
السبب الأوَّل: اختلاف درجة المعرفة
السبب الثاني: اختلاف درجة الإخلاص
السبب الثالث: تفاوت المنتظرين في ارتباطهم بالإمام (عليه السلام)
الفوائد التربوية للانتظار
الشذرة الثالثة عشرة: المعنى الصحيح لمفهوم الانتظار
كيف أكون منتظراً حقيقياً؟
الخطوة الأُولى: التسليم القلبي
الخطوة الثانية: الشعور بالمسؤولية
الخطوة الثالثة: الاستعداد للتضحيَّة من أجل الدين
الخطوة الرابعة: الاستعداد العملي ليوم الظهور
الخطوة الخامسة: المتابعة الميدانية للظروف الموضوعية
الخطوة السادسة: زيادة الرصيد المعرفي بدولة الحقّ
الشذرة الرابعة عشرة: ما يجب فعله في زمن الغيبة الكبرى
النقطة الأُولى: تأمين الموالاة بمعناها الصحيح
النقطة الثانية: توفير الحصانة الرصينة ضدّ أسباب الانحراف
١) التمسّك بالتقوى
٢) التزام محاسن الأخلاق
٣) الصبر على التزام ذينك الأمرين
٤) القعود عن تأجيج الفتن
النقطة الثالثة: تنمية الجانب الروحي والغيبي
١) الصدقة
٢) إهداء الأعمال العبادية
٣) إقامة مجالس خاصَّة بذكر الإمام المهدي (عليه السلام) وقضيَّته
٤) التزام الدعاء
النقطة الرابعة: الشعور بالألم الحاصل من الغيبة
الشذرة الخامسة عشرة: بعض الآيات النازلة في المهدي (عليه السلام)
الشذرة السادسة عشرة: من خصائص الإمام المهدي (عليه السلام)
الشذرة السابعة عشرة: هل ترتفع التوبة زمن الظهور؟
المخصِّص المدَّعى
المناقشة في المخصِّص
مؤشرات قبول التوبة زمن الظهور
الشذرة الثامنة عشرة: من فتن زمن الغيبة والظهور
مقدّمات تمهيدية
المقدّمة الأُولى: نظام الاختبار
المقدّمة الثانية: ما هي أسباب الوقوع في الفتن؟
المقدّمة الثالثة: كيفية الخروج من الفتنة؟
الطريق الأوَّل: الرجوع إلى أهل العلم
الطريق الثاني: التريّث وعدم الاستعجال
الطريق الثالث: تقديم البحث والتنقيب عند وقوع الفتنة
الطريق الرابع: الورع والدعاء بإخلاص للوقاية من الفتنة
الطريق الخامس: التعامل مع الفتنة بكلّ فطنة وذكاء
من فتن زمن الغيبة والظهور
أوَّلاً: من فتن الغيبة الكبرى
الفتنة الأُولى: فتنة طول الغيبة
الفتنة الثانية: الاستعجال والدخول في الفتن
الفتنة الثالثة: فتنة اختلاف الشيعة
ثانياً: من فتن عصر الظهور
الفتنة الأُولى: فتنة التأول بالقرآن على الإمام المهدي (عليه السلام)
البترية
الفتنة الثانية: فتنة عدم فهم بعض التصرّفات من الإمام المهدي (عليه السلام)
الفتنة الثالثة: فتنة صيحة إبليس
الفتنة الرابعة: فتنة خروجه شابَّاً
الفتنة الخامسة: فتنة اشتباه الرايات
الشذرة التاسعة عشرة: كيف لنا أن نُميِّز المهدي الحقّ؟
النحو الأوَّل: طرق تشخيصية
الأوَّل: سؤاله عمَّا يعجز غيره عن الإجابة عنه
الثاني: سؤاله المعجزة
النحو الثاني: طرق تقريبية
معرفة علامات الظهور
هل من ضرورة لمعرفة العلامات؟
ما هي علامات الظهور؟
العلامة الأُولى والثانية: السفياني والخسف في البيداء
الموقف الأوَّل: مبدأ ظهوره وتحرّكه
الموقف الثاني: بعثه بالجيش خلف المهدي (عليه السلام) والخسف به
الموقف الثالث: القضاء عليه
العلامة الثالثة: اليماني
أسئلة وأجوبة مفيدة
العلامة الرابعة: الصيحة
العلامة الخامسة: قتل النفس الزكية
الشذرة العشرون: هل سيأتي المهدي (عليه السلام) بإسلام جديد؟
النقطة الأُولى: سرد أحاديث الإسلام الجديد
النقطة الثانية: هل ما سيأتي به الإمام المهدي (عليه السلام) هو دين جديد؟
النقطة الثالثة: ما هي دواعي الإسلام الجديد؟
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز

قد لا يجد الإنسان كبير عناء في الإيمان بفكرة المخلِّص المهدي المنتظر (عليه السلام)، خصوصاً إذا عاش في أوساط إيمانية يستقي منها تعاليم رسول الله وأهل البيت (عليهم السلام) ويتفحَّص أخبارهم وأحاديثهم الشريفة.
ولكن هل المطلوب والغاية هو مجرَّد الإيمان بفكرة الانتظار، أم أنَّ المرجو هو أمر آخر يترتَّب على الإيمان بأصل الفكرة، ألَا وهو تحويل الفكرة من مجرَّد نظرية إلى سلوك عملي على الأرض.
نعم، فنحن نفهم الدين الإسلامي على هذا الأساس، فهو ليس دين نظريات فقط، بل هو ممارسة وعمل وارتقاء بواقع الإنسانية انطلاقاً من المباني والأُسس التي يعتمد عليها الإنسان المؤمن، فالإيمان كما جاء في الحديث الشريف: «الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان»(١).
وانطلاقاً من هذا الحديث المبارك فإنَّ المنتظِر لا يكون مؤمناً بعقيدته بشكل صحيح إلَّا إذا بذل الوقت والجهد في ترسيخها من الناحية الفكرية والعقلية من جهة ودأب على نشرها والترويج لها من جهة ثانية.
لأنَّ عقيدة المهدي المنتظر (عليه السلام) تُمثِّل المشروع الإلهي العالمي، ولا شكَّ ولا ريب فإنَّ الإنسان إذا خطى خطوة واحدة إلى الأمام في هذا المضمار فإنَّ الله تعالى سوف يأخذ بيده إلى آفاق رحبة، ويجد طرقاً وسبلاً ومنافذ لتوسعة مشروعه وتطويره، كلُّ ذلك بفضله تعالى ومنِّه.
وهكذا كان فقد انطلق المؤلِّف في مشروعه الإلهي المهدوي من بدايات بسيطة، لكنَّها مفعمة بالإخلاص والمحبَّة والهمَّة، فكانت محاضرة هنا وندوة هناك ولقاء صحفي في مجلَّة وكتابة مقالات في صحيفة وحلقات إذاعية وتلفزيونية، وهكذا بارك الله في عمله حيث نما وترعرع، فكان من نتاجه (الشذرات المهدوية) التي بين يديك عزيزي القارئ.
أيّها الشابّ العزيز، أيَّتها الشابَّة المكرَّمة، هذه شذرات متنوّعة كزهور في حديقة لكلٍّ عطرها الخاصّ ولونها المختلف، لكنَّها بمجموعها تعطيك باقة مهدوية من المعلومات المنوَّعة التي تحتاجها في السير المهدوي وثقافة الانتظار.
نسأل الله تعالى أن يُنتَفع بالكتاب والكاتب لما فيه الخير والصلاح، وأن يوفِّقنا جميعاً لنكون من أنصار سيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان والشهداء بين يديه.

مدير المركز
السيّد محمّد القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المؤلّف

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.
أصبح من نافلة القول التحدّث عن أهمّية القضيَّة المهدوية وما يتعلَّق بها من جميع جوانبها، وتأثيرها المباشر في حياة المؤمن زمن الغيبة الكبرى.
في الوقت نفسه، نجد أنَّ مقدار المعرفة العامّة بقضيَّته صلوات الله عليه تتراوح مدَّاً وجزراً من مجتمع لآخر، ومن فئة لأُخرى، حتَّى أنَّك ربَّما تجد شخصاً تكون القضيَّة المهدوية شغله الشاغل، وآخر لا يعرف عنها حتَّى الخطوط العامَّة.
لذلك رأيت أن أكتب كلمات، تتنوَّع في طرح المعلومات، وتعالج العديد من الجوانب في هذه القضيَّة، بأُسلوب بعيد عن التعقيد، سهل على الأذهان، تتناغم مع المستويات العلمية المختلفة، وقد ضمَّنتُها الكثير من الروايات الشريفة، وألحقتها بالعديد من الإشارات النافعة، فكانت هذه الشذرات.
ولا يفوتني أن أذكر هنا الكادر العلمي في مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام) لرفدي بالمعلومات الضرورية والكتب النافعة في هذا المجال، وفي مقدّمتهم سماحة السيّد محمّد القبانچي (أدام الله عزَّه وتوفيقه) مدير المركز، حيث وقف معي وقفة المؤمن بجنب أخيه، فتابعني في كتابتي، وأضاف عليه روعة من بيانه، وشذَّب منه تشذيباً دقيقاً، وبذل وقتاً في ذلك هو أحوج ما يكون إليه في تحقيقاته، فجزاه الله خيراً، وجعله من أصحاب الألوية بين يدي المولى صاحب العصر والزمان.
والمسؤول أوَّلاً ربّي تعالى شأنه وتقدَّست أسماؤه، في أن يُعرِّفني الحقَّ حقَّاً ويُوفِّقني لاتِّباعه، ويريني الباطل باطلاً ويقويني على اجتنابه، إنَّه نعم المولى ونعم النصير.

حسين عبد الرضا الأسدي

الشذرة الأولى: أسماء الإمام المهدي (عليه السلام)

لقد ذكرت الروايات الشريفة أسماءً وألقاباً كثيرة للإمام المهدي (عليه السلام)، حتَّى أوصلها بعض العلماء إلى أكثر من (١٨٠) اسماً(٢)، وحتَّى نكون على اطّلاع - ولو إجمالياً - على بعض تلك الأسماء وسبب التسمية بها، نذكر هنا بعضاً من أهمّ وأشهر أسمائه (عليه السلام).
وقبل أن نذكرها لا بدَّ من التنبيه على مسألة مهمَّة، وهي أنَّه توجد بعض الروايات التي تُحرِّم ذكر اسم الإمام المهدي (عليه السلام).
فهل يحرم فعلاً ذكره باسمه - أي باسم محمّد -؟
توجد في المقام طائفتان من الروايات:
الطائفة الأُولى: تُصرِّح بالنهي عن ذكر الاسم، فقد ذكر العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في باب خصَّه بالنهي عن التسمية ثلاثَ عشرةَ رواية عن تسعة من الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)(٣)، ففي بعضها: «لا يحلُّ»، وفي بعضها: «يحرم»، وخصوصاً بملاحظة ما ورد عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «لا يُسمّيه باسمه إلَّا كافر»(٤).
الطائفة الثانية: روايات وردت عن لسان المعصومين (عليهم السلام) تُصرِّح باسم الإمام منها حديث اللوح، حيث ذكر في هذا الحديث اسماء الأئمَّة الاثني عشر ومن جملتهم الإمام المهدي (عليه السلام)(٥)، ومنها ما قاله النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لسلمان المحمّدي: «ثمّ ابنه محمّد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بأمر الله»(٦)، وهكذا صرَّح بعض أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) باسمه المبارك(٧).
إنَّ الجمع بين الطائفتين هو من خلال حمل الطائفة الأُولى على زمان خاصّ وهو زمن الغيبة الصغرى، حيث أرادوا (عليهم السلام) من ستر اسم المهدي (عليه السلام) أن يحفظوا شيعتهم من خطر الحوادث، وعلى الأقلّ حفظ النوّاب الأربعة من تعرّض الأعداء، ويُستَشهد بالتوقيع الذي خرج عنه (عليه السلام) بقوله: «ملعون ملعون من سمّاني في محفل من الناس»(٨).
والذي يستقرأ روايات أهل البيت (عليهم السلام) يفهم أنَّ كلمة (الناس) تُطلَق على غير شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، نعم لو كانت هذه المكاتبة صدرت عنه في الغيبة الكبرى، كالتوقيع الذي صدر من الناحية المقدَّسة إلى الشيخ المفيد (رحمه الله)(٩)، لقلنا: إنَّ النهي عن ذكر اسمه المبارك يشمل حتَّى زمن الغيبة الكبرى.
وممَّا يقوي هذا الجمع أنَّ هذا النهي ورد في إفشاء السرّ بولادته (عليه السلام) في زمان خاصّ، فلو كان هذا التصريح غير جائز في كلِّ زمان فلماذا صرَّح النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسمه في عدد كثير من الروايات كما سبق؟
بعض أسماء الإمام المهدي (عليه السلام):
الاسم الأوَّل: (م ح م د) (١٠):
وهو اسمه (عليه السلام) الحقيقي، وما أخبر به النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أكثر من مناسبة، فقد ورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خَلْقاً وخُلُقاً، تكون له غيبة وحيرة حتَّى تضلّ الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب، فيملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(١١).
ومن المعلوم أنَّ للرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أسماءً كثيرة، حيث ذكرت بعض الروايات أنَّ له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشرة أسماء في القرآن فقط(١٢). ولكن أشرف تلك الأسماء وأعظمها هو من إذا ذكرناه صلَّينا عليه، وهو اسم (محمّد)، والإمام المهدي (عليه السلام) اسمه (محمّد بن الحسن).
وقد ورد عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما يمكن أن يكون سبباً لتسمية المهدي بمحمّد، فعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «وهو رجل منّي، اسمه كاسمي، يحفظني الله فيه(١٣)، ويعمل بسُنَّتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً بعد ما تمتلئ ظلماً وجوراً وسوءاً»(١٤).
الاسم الثاني: القائم:
وهو من الأسماء التي اشتهر بها الإمام المهدي (عليه السلام).
وأمَّا عن علَّة تسميته (عليه السلام) بالقائم، فقد وردت عدَّة روايات تُبيِّن أكثر من علَّة لذلك، وهي:
أ) في رواية محمّد بن عجلان، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «... وسُمّي القائم لقيامه بالحقِّ»(١٥).
إنَّه (عليه السلام) سيقوم بالحقِّ المطلق الذي لن يُحقِّقه أحد سواه، فكلُّ من يقوم اليوم من الدعاة، ومهما كان في دعوته من حقّ، لكن الحقَّ فيها ليس مطلقاً، حتَّى إذا قام (عليه السلام) تمثَّل الحقُّ في أعلى مستوياته على الأرض، ولذلك ستكون دولتهم (عليهم السلام) آخر الدول، حتَّى لا يدَّعي العدل الذي سينشره الإمام غيره من المدَّعين.
ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقى أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(١٦).
ب) في رواية الصقر بن دلف، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ سُمّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته»(١٧).
هذه الرواية وأمثالها تدعونا إلى أن نراجع أنفسنا، وأنَّه هل نحن فعلاً من الذاكرين للإمام القائم (عليه السلام) أم من الناسين له؟! وفي نفس الوقت تدعونا إلى العمل على أن نكون من الذاكرين له (عليه السلام) في صلواتنا ودعائنا وصدقاتنا وجميع أحوالنا، حتَّى لا نكون ممَّن مات ذكر القائم (عليه السلام) في قلوبهم.
(١%) فقط!!
أتساءل: ماذا يحصل لو عملنا على نشر قضيَّة وعقيدة الإمام المهدي (عليه السلام) بنسبة (١%) فقط من أوقاتنا، أي بمعدل نصف ساعة كلّ يومين؟!
ربَّما سيتغيَّر الكثير من الناس في نظرتهم حول الإمام المهدي (عليه السلام).
ربَّما ستتَّسع رقعة المنتظرين الحقيقيين، وبالتالي سيتحقَّق سبب مهمّ من أسباب تعجيل الظهور.
ربَّما يتغيَّر وجه العالم الإسلامي.
ولكن، كم منّا عمل بهذه النسبة؟!
أعتقد أنَّ كثيراً من المبلِّغين المنتظرين لا يعطون لهذه القضيَّة إلَّا فضول أوقاتهم، وفضول جهودهم، وفضول أموالهم، وفضول تفكيرهم.
أنا لا أُريد أن أُقلِّل من شأن المبلِّغين، ولكنّي أحاول أن أتنبَّه وأُنبِّه إلى مدى تقصيرنا في حقِّ قضيَّتنا العظمى، قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام).
ج) عن أبي حمزة الثمالي، قال: سألت الباقر (عليه السلام): يا بن رسول الله، ألستم كلّكم قائمين بالحقِّ؟ قال: «بلى»، قلت: فلِمَ سُمّي القائم قائماً؟ قال: «لمَّا قُتِلَ جدّي الحسين صلّى الله عليه ضجَّت الملائكة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيّدنا أتغفل عمَّن قتل صفوتك وابن صفوتك، وخيرتك من خلقك؟ فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم: قرّوا ملائكتي، فوَعزَّتي وجلالي لأنتقمنَّ منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمَّة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يُصلّي، فقال الله (عزَّ وجلَّ): بذلك القائم أنتقم منهم»(١٨).
سؤال موجَّه إلى مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، وجواب المركز عليه:
السؤال: لماذا عندما يُذكر اسم القائم (عليه السلام) نضع أيدينا فوق رؤوسنا ونقف؟
الجواب: قال في النجم الثاقب (ج ٢/ ص ٤٧٤): (القيام تعظيماً لسماع اسمه المبارك (عليه السلام)، وبالأخصّ إذا كان باسمه المبارك (القائم (عليه السلام)), كما استقرَّت عليه سيرة الإماميَّة كثَّرهم الله تعالى في جميع بلاد العرب والعجم والترك والهند والديلم، وهذا كاشف عن وجود مصدر وأصل لهذا العمل، ولو أنّي لم أعثر لحدِّ الآن عليه, ولكن المسموع من عدَّة من العلماء وأهل الصلاح أنَّه رأوا خبراً في هذا الباب, ونقل بعض العلماء أنَّه سأل عن هذا الموضوع العالم المتبحّر الجليل السيّد عبد الله سبط المحدِّث الجزائري وقد أجاب هذا المرحوم في بعض تصانيفه أنَّه رأى خبراً مضمونه أنَّه ذُكِرَ يوماً اسمه المبارك في مجلس الإمام الصادق (عليه السلام) فقام (عليه السلام) تعظيماً واحتراماً له).
وفي صراط النجاة للميرزا جواد التبريزي (رحمه الله) (ج ١/ ص ٤٦٥/ سؤال ١٣٠٥): وضع اليد على الرأس عند ذكر الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله تعالى فرجه)، هل هو مروي برواية معتبرة؟ وكذا القيام عند ذكر القائم (أرواحنا فداه)؟
وأجاب السيّد الخوئي (قدّس سرّه): (ما وجدنا في موضوع السؤال من الآثار المرويَّة سوى ما في مرآة الكمال للعلَّامة المامقاني في الأمر الأوَّل من تذييل أحوال الإمام المنتظر (عليه السلام) في ذيل خبر المفضَّل الطويل عن الشيخ محمّد بن عبد الجبّار في كتاب مشكاة الأنوار أنَّه قال: لمَّا قرأ دعبل قصيدته المعروفة التي أوَّلها (مدارس آيات) على الرضا (عليه السلام) وذكره (عليه السلام) وضع الرضا (عليه السلام) يده على رأسه وتواضع قائماً ودعا له بالفرج، والله العالم.
الاسم الثالث: المهدي:
وهو من الأسماء التي اشتهر بها الإمام الحجَّة (عليه السلام)، وقد ذكرت الروايات الشريفة العلَّة في ذلك وكما يلي:
أ) عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «... فمن أطاعه فقد أطاع الله ومن عصاه فقد عصى الله، فإنَّما سُمّي المهدي لأنَّه يهدي لأمر خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان...»(١٩).
ب) وروى محمّد بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ وضلَّ عنه الجمهور، وإنَّما سُمّي القائم مهدياً لأنَّه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسُمّي القائم لقيامه بالحقّ»(٢٠).
ج) عن أبي سعيد الخراساني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المهدي والقائم واحد؟ فقال: «نعم»، فقلت: لأيّ شيء سُمّي المهدي؟ قال: «لأنَّه يهدي إلى كلّ أمر خفي»(٢١).
هذه الروايات تعطينا سبب تسميته (عليه السلام) بالمهدي، وهو الهداية إلى أمر خفي، أو مضلول عنه، أو ضلَّ عنه الجمهور، أو كلّ أمر خفي.
أمَّا ما هو هذا الأمر الخفي؟
فقد ذكرت الرواية الأُولى أنَّه الكتب السماوية، ومن الواضح أنَّ الكتب السماوية كلّها تهدي لأمر واحد محدَّد هو دين الله تعالى، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣).
وهذا الدين اليوم هو الدين الخاتم، دين النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو الذي تكلَّمت عنه الروايات بأنَّه قد دُثِرت الكثير من حقائقه وبُدِّلت الكثير من أحكامه بسبب السلاطين ووعّاظهم وأصحاب المصالح والمفترين والمندسّين في داخل الإسلام من المشركين واليهود وعامل التقيَّة التي نتجت عن الظلم الذي تعرَّض له أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم وغيرها من الأسباب.
وبالتالي يكون معنى الهداية إلى ذلك الأمر الخفي هو الهداية لدين النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الصحيح الذي ارتضاه الله تعالى لنا يوم بيعة الغدير حينما أنزل الله تعالى بعد أن بايع المسلمون علياً (عليه السلام): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣).
فدين الإسلام هو دين الولاية، والناس ضلَّت عنه، والجمهور وعلماؤهم ضلَّلوا الناس عن الدين وأخفوه عنهم، والإمام المهدي (عليه السلام) سيُظهر الدين المحمّدي الصحيح.
ومن هنا ورد أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيواجه الكثير من الصعاب من الناس، لأنَّهم سوف يعترضون على ما سيأتي به من أحكام الإسلام الواقعية ممَّا لم يعرفوه ولم يعتادوا عليه قبل ظهوره (عليه السلام)، ولذا ورد عن الفضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهلة الناس أشدّ ممَّا استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهّال الجاهلية!»، فقلت: وكيف ذلك؟ قال: «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنَّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوَّل عليه كتاب الله، ويحتجّ عليه به»، ثمّ قال: «أمَا والله ليدخلنَّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ»(٢٢).
وفي رواية أُخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ القائم (عليه السلام) يلقى في حربه ما لم يلقَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وإنَّ القائم يخرجون عليه فيتأوَّلون عليه كتاب الله ويقاتلونه عليه»(٢٣).
من هنا ورد التأكيد على ضرورة التعرّف على الفتن التي تقع في زمن الإمام المهدي (عليه السلام) حتَّى يكون المؤمن على بيّنة منها فلا يقع في الفتنة، وعلى الأقلّ يبقى محايداً إلى أن تنكشف له الحقيقة، وإن كانت الحقيقة أبين من الأمس وأوضح من الشمس، فرغم كلّ الفتن والاختبارات، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يأتي بما يدلُّ على الحقّ وبما هو أوضح من الشمس كما ورد عن محمّد بن عصام، قال: حدَّثني المفضَّل بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: «إيّاكم والتنويه - يعني باسم القائم (عليه السلام) -»، وكنت أراه يريد غيري، فقال لي: «يا أبا عبد الله، إيّاكم والتنويه، والله ليغيبنَّ سبتاً من الدهر، وليخملنَّ حتَّى يقال: مات أو هلك بأيّ وادٍ سلك؟ ولتفيضنَّ عليه أعين المؤمنين، وليكفأنَّ كتكفّئ السفينة في أمواج البحر حتَّى لا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه، ولتُرفَعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أيّ من أيّ»، قال المفضَّل: فبكيت، فقال لي: «ما يبكيك؟»، قلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: «تُرفَع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أيّ من أيّ»؟ قال: فنظر إلى كوَّة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه فقال: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قلت: نعم، فقال: «والله لأمرنا أضوء منها»(٢٤).
الاسم الرابع: المنتظَر:
ورد في رواية الصقر بن دلف السابقة: فقلت له: ولِمَ سُمّي المنتظر؟ قال الإمام الجواد (عليه السلام): «لأنَّ له غيبة تكثر أيّامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكثر فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلِّمون»(٢٥).
هذا، ويمكن أن يُقرأ هذا الاسم بصيغة اسم الفاعل (المنتظِر) بالكسر، وهو وإن لم يرد في الروايات الشريفة، إلَّا أنَّه يمكن أن يُفهَم من خلال بعض الروايات، فإنَّه ينتظر أمر الله تعالى له وإذنه له بالخروج، الأمر الذي ورد في آخر توقيع له (عليه السلام) إلى السفير الرابع، حيث جاء فيه: «... فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)...»(٢٦).
وهو (عليه السلام) ينتظر أن يكمل العدد المطلوب من الأنصار للظهور المبارك، كما ورد هذا المعنى عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى يكون تكملة الحلقة»، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف...»(٢٧).
وهو (عليه السلام) ينتظر أن تكون قاعدته الاجتماعية مستعدَّة وجاهزة لتحمل أُطروحته الإسلاميَّة الأصيلة إلى كافّة أرجاء الدنيا، كما ورد هذا المعنى في مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد: «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل...»(٢٨).
الاسم الخامس: بقيَّة الله:
لقد مرَّت الإنسانية بأدوار عديدة وطويلة، دارت دفَّتها فيها بين يدي الصالحين أحياناً وبين يدي المفسدين أحياناً أكثر، وزمننا زمن الغيبة الكبرى، فقرن الشيطان ظهر وارتفع لواؤه، والغرب يغزونا في عقر دارنا، وشبابنا تعيش التميّع والابتعاد عن المبادئ والدين، ومئات الأقمار الصناعية تبثُّ الفساد والإفساد مجّاناً، والاقتصاد الإسلامي يسير من سيّئ إلى أسوأ، والحكومات المستبدَّة تبطش بالناس وتفرمهم بلا مبالاة..، فيا ترى.. ما هو حجم الفاجعة التي تنتظرنا أو ننتظرها؟
(إنَّ حجم القنابل النووية التي تغصّ بها ترسانة الدول الكبرى تكفي لإبادة كلّ ما على سطح الكرة الأرضية ولسبع مرّات وليس لمرَّة واحدة، ولا يبدو من العبث صنع مثل تلك الأسلحة بتلك التكاليف الفادحة التي تُحسَب بالأرقام النجومية، لقد صنعت لتُستَخدم في الحرب الذرّية الرهيبة، كما لا يبدو من الصعب اختلاق بعض الذرائع لانطلاق شرارة هذه الحرب في هذا العالم المتخم بالصدامات الحدودية واشتباك المصالح والمناطق الساخنة المشرفة على الانفجار، وأنَّنا لنلمس (الشعور بالسيطرة والهيمنة) و(جنون القوَّة) التي تساور أذهان زعماء الدول العظمى، والتي تكفي لنشوب هذه الحرب، وعليه يمكن توقّع حدوث (فاجعة كبرى) في المستقبل القريب، ولعلَّ البشرية مهدَّدة بالفناء في خضم حرب نووية شاملة، أو إثر الفقر الاقتصادي، الذي يفرزه احتكار الدول العظمى، أو بفعل نفاد مصادر الطاقة، أو تلوّث البيئة...)(٢٩).
تحت وطأة هذه الآلام، وأمواج الفتن، وظلام المحن، يشقّ صوتٌ مدوّي يملأ الآذان الواعية، ويلهمها الصبر والشجاعة للمواجهة، ويرسم طريق الهناء والرجاء والنجاة، ويصدح قائلاً: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ...﴾ (هود: ٨٦).
هذه الآية تقول: أيّها المؤمنون، يا من شقيتم وتعبتم من ابتعاد الناس عن الله تعالى، يا من وصل إليكم ريح الفساد فأقلق مضاجعكم، يا من حرتم في زمنٍ يجعل الحكيم حيراناً، هناك طريق وحيد ومنجى فريد لكم ولكلّ من يريد النجاة، إنَّه (بقيَّة الله)، فبقيَّة الله خير محض لكم، لا شرَّ فيه، فمن هو بقيَّة الله!؟ لا أحد غيره، إنَّه الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام).
عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله رجل عن القائم يُسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: «لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يُسمَّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلَّا كافر»، قلت: جُعلت فداك، كيف يُسلَّم عليه؟ قال: «يقولون: السلام عليك يا بقيَّة الله»، ثمّ قرأ: «﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾»(٣٠).
وفي هذه الرواية العديد من اللفتات والنكات، نذكر منها:
١ - إنَّ أسماء الأولياء وصفاتهم هي هبات من الله تعالى، تكشف عن عظيم مقاماتهم، وهي كمقاماتهم أُمور جعلية من الله تعالى، فإمامتهم وخلافتهم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّها من الله تعالى، بل حتَّى عصمتهم وطهارتهم، قال تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).
وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: لِمَ سُمّي أمير المؤمنين؟ قال: «الله سمّاه، وهكذا أنزل في كتابه: (وإذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، وأنَّ محمّداً رسولي، وأنَّ علياً أمير المؤمنين)»(٣١).
٢ - ولا ينافي هذا أن يُسمّي المحبّون أولادهم بأسماء أهل البيت (عليهم السلام) على نحو الارتجال - كما يقولون في المنطق - بمعنى أن تلاحظ معنى الاسم مرتبطاً بأهل البيت (عليهم السلام) لتكشف عن حبّك وولائك لهم، إذ التسمية بأسمائهم (عليهم السلام) تعني تيمّناً بأسمائهم (عليهم السلام) ورجاءً بأن يتَّصف الولد بصفاتهم (عليهم السلام)، بل وامتثالاً لأوامرهم بتسمية أولادنا بأسمائهم، تلك الأوامر التي جاءت على شكل تعاليم تربوية في الروايات - يعني الاستحباب المؤكَّد -، فقد روي أنَّه قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلت فداك، إنّا نُسمّي بأسمائكم وأسماء آبائكم، فينفعنا ذلك؟ فقال: «إي والله، وهل الدين إلَّا الحبّ؟ قال الله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١]»(٣٢).
وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «من ولد له أربعة أولاد لم يُسمِّ أحدهم باسمي فقد جفاني»(٣٣).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا يولد لنا ولد إلَّا سمّيناه محمّداً، فإذا مضى سبعة أيّام فإذا شئنا غيَّرنا وإلَّا تركنا»(٣٤).
عن جابر، قال: أراد أبو جعفر (عليه السلام) الركوب إلى بعض شيعته ليعوده فقال: «يا جابر، ألحقني»، فتبعته، فلمَّا انتهى إلى باب الدار خرج علينا ابن له صغير فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «ما اسمك؟»، قال: محمّد. قال: «فبِمَ تُكنّى؟»، قال: بعلي، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «لقد احتظرت من الشيطان احتظاراً شديداً، إنَّ الشيطان إذا سمع منادياً ينادي: يا محمّد يا علي ذاب كما يذوب الرصاص، حتَّى إذا سمع منادياً ينادي باسم عدوّ من أعدائنا اهتزَّ واختال»(٣٥).
وفي الخبر: «إنَّ رجلا يؤتى في القيامة واسمه محمّد، فيقول الله له: ما استحييت أن عصيتني وأنت سميُّ حبيبي، وأنا أستحيي أن أُعذِّبك وأنت سميُّ حبيبي»(٣٦).
٣ - وقد يقال: هل يجوز لأحد أن يُلقِّب نفسه بأمير المؤمنين تيمّناً بلقب الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله عليه؟
والجواب: قد بيَّنت الرواية - لخصوصية في المورد وسؤال السائل - أنَّ لقب أمير المؤمنين هو هبة خاصَّة من الله تعالى لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا يجوز لأحد أن يتلقَّب به مهما كان، أي حتَّى وإن كان من أهل البيت أنفسهم، ولذا فالإمام المهدي (عليه السلام) رغم أنَّه الإمام المفترض الطاعة من الله تعالى، ولكنَّه لا يُلقِّب نفسه بذلك اللقب.
ويؤيّد هذا المعنى بعض الروايات، فعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي، أنت أمير من في السماء، وأمير من في الأرض، وأمير من مضى، وأمير من بقي، ولا أمير قبلك، ولا أمير بعدك، لأنَّه لا يجوز أن يُسمّى بهذا الاسم من لم يُسمِّه الله تعالى به»(٣٧).
٤ - ومنه تعرف أيضاً أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) حينما يقولون لبعض مدَّعي الخلافة بـ (أمير المؤمنين) فيما لو صحَّت تلك الروايات، فهو من باب التقيَّة المكثَّفة التي كان يعيشها أهل البيت (عليهم السلام).
٥ - واحفظ صيغة السلام على الإمام المهدي (عليه السلام) لو أدركت ظهوره، فلا تقل له: السلام عليك يا أمير المؤمنين، بل قل له: السلام عليك يا بقيَّة الله.
الاسم السادس: الماء المعين:
عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، فقال: «هذه نزلت في القائم، يقول: إن أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماء والأرض وحلال الله (عزَّ وجلَّ) وحرامه؟»، ثمّ قال (عليه السلام): «والله ما جاء تأويل الآية ولا بدَّ أن يجيء تأويلها»(٣٨).
وحيث إنَّ الله تعالى قد جعل كلّ شيء حي من الماء(٣٩)، فاعلم أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو منبع حياة عالم الإمكان، وبواسطته ينزل الفيض والرحمة الإلهية إلى الموجودات.
الاسم السابع: الشريد:
وقد ذُكِرَ هذا اللقب كثيراً على لسان الأئمَّة (عليهم السلام)، لاسيّما أمير المؤمنين والإمام الباقر (عليهما السلام).
فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان إذا أقبل ابنه الحسن يقول: «مرحباً يا بن رسول الله»، وإذا أقبل الحسين يقول: «بأبي أنت يا أبا ابن خيرة الإماء»، فقيل: يا أمير المؤمنين، ما بالك تقول هذا للحسن وهذا للحسين؟ ومن ابن خيرة الإماء؟ فقال: «ذاك الفقيد الطريد الشريد (م ح م د) بن الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين هذا - ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام)-»(٤٠).
وعن عبد الأعلى بن حصين الثعلبي، عن أبيه، قال: لقيت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) في حجّ أو عمرة فقلت له: كبرت سنّي ودقَّ عظمي فلست أدري يُقضى لي لقاؤك أم لا؟ فاعهد إليَّ عهداً وأخبرني متى الفرج؟ فقال: «إنَّ الشريد الطريد الفريد الوحيد، المفرد من أهله الموتور بوالده المكنّى بعمّه هو صاحب الرايات واسمه اسم نبيّ»، فقلت: أعد عليَّ، فدعا بكتاب أديم أو صحيفة فكتب لي فيها»(٤١).
وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام)،أنَّه قال: «صاحب هذا الأمر هو الطريد الشريد الموتور بأبيه المكنّى بعمّه المفرد من أهله اسمه اسم نبيّ»(٤٢).
(ومعنى الشريد هو الطريد من قِبَل هؤلاء الناس، الذين ما رعوه حقّ رعايته وما عرفوا قدره وحقّه، ولم يشكروا هذه النعمة، بل سعى أوائلهم إلى القضاء عليه، وسعى أخلافهم إلى إنكاره ونفي وجوده باللسان والبنان)(٤٣).
وقد قال هو (عليه السلام) لعلي بن مهزيار عندما التقى به: «إنَّ أبي (عليه السلام) عهد إليَّ أن لا أوطن من الأرض إلَّا أخفاها وأقصاها إسراراً لأمري، وتحصيناً لمحلّي لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأُمم الضوال، فنبذني إلى عالية الرمال، وجبت صرائم الأرض ينظرني الغاية التي عندها يحل الأمر وينجلي الهلع...، فعليك يا بنيّ بلزوم خوافي الأرض، وتتبّع أقاصيها، فإنَّ لكلّ وليّ لأولياء الله (عزَّ وجلَّ) عدوَّاً مقارعاً وضدَّاً منازعاً...»(٤٤).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لمَّا دخل سلمان (رضي الله عنه) الكوفة، ونظر إليها، ذكر ما يكون من بلائها حتَّى ذكر ملك بني أُميَّة والذين من بعدهم. ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتَّى يظهر(٤٥) الطاهر ابن الطاهر المطهَّر ذو الغيبة الشريد الطريد»(٤٦).
الاسم الثامن: الغريم:
وهو من ألقابه الخاصَّة به (عليه السلام)، والغريم بمعنى الدائن المُقرِض، ويُستَعمل بمعنى المدين والمقروض أيضاً، ويُستَعمل هذا اللقب تقيَّةً، كما يُستَعمل لقب (الغلام) له (عليه السلام)، فكان الشيعة يطلقون هذا اللقب عليه، إذا أرادوا إرسال الأموال إليه، أو إلى أحد وكلائه، وكذا حين يوصون بشيء له، أو يريدون أخذ الأموال له من الغير، لأنَّه (عليه السلام) كان له أموال في ذمَّة الزرّاع والتجّار وأرباب الحِرَف والصناعات...
وقال العلَّامة المجلسي (رحمه الله): (يحتمل أن يكون المراد من الغريم هو المعنى الثاني - أي المدين -، وذلك لتشابه حاله (عليه السلام) مع حال المديون الذي يفرُّ من الناس مخافة أن يطالبوه، أو بمعنى أنَّ الناس يطلبونه (عليه السلام) لأجل أخذ الشرايع والأحكام وهو يفرُّ عنهم تقيَّةً، فهو الغريم المستتر صلوات الله عليه...)(٤٧).
الاسم التاسع: الحجَّة:
ورد أنَّ نقش خاتمه (عليه السلام) هو (أنا حجَّة الله وخالصته)(٤٨).
وورد في زيارته (عليه السلام) يوم الجمعة: «السلام عليك يا حجَّة الله في أرضه»(٤٩).
وفي الدعاء الذي بعد زيارته (عليه السلام) في نفس اليوم: «اللهم صلِّ على حجَّتك في أرضك...»(٥٠).
وفي الحقيقة، إنَّ هذا اللقب يُطلَق على جميع الأئمَّة (عليهم السلام)، إذ لا شكَّ أنَّ كلَّ الأئمَّة (عليهم السلام) حجج الله تعالى وقائمون بأمر الله تعالى مهديّون، كما لا شكَّ أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلّهم صادقون كاظمون للغيظ هادون...
ولكن تخصيص لقب من الألقاب بإمام من الأئمَّة تابع للظرف المعاش آنذاك، ممَّا يؤدّي إلى اشتهار إمام من الأئمَّة بلقب من الألقاب.
ولقب الحجَّة ينصرف في زمن الغيبة الكبرى إلى خصوص الإمام المهدي (عليه السلام)، لأنَّه هو الحجَّة علينا في هذا الزمن.
الاسم العاشر: الخلف والخلف الصالح:
وهو أيضاً من ألقابه (عليه السلام)، ومعنى الخلف هو الذي يقوم مقام غيره، فهو (عليه السلام): (خلف جميع الأنبياء والأوصياء، ووارث جميع صفاتهم وعلومهم وخصائصهم، وسائر مواريث الله تعالى التي كانت لديهم...)(٥١).
عن علي بن عبد الغفّار، قال: لمَّا مات أبو جعفر الثاني (عليه السلام) كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يسألونه عن الأمر، فكتب (عليه السلام): «الأمر لي ما دمت حيَّاً، فإذا نزلت بي مقادير الله (عزَّ وجلَّ) آتاكم الله الخلف منّي، وأنّى لكم بالخلف بعد الخلف»(٥٢).
وستتعرَّف أكثر إن شاء الله تعالى عن تلك المواريث في الشذرة السادسة الخاصَّة بها(٥٣).
الاسم الحادي عشر: المؤمَّل:
جاء في دعاء الندبة: «أين المؤمَّل لإحياء الكتاب وحدوده»(٥٤).
وعن الإمام العسكري (عليه السلام) أنَّه قال - حين ولد الحجَّة (عليه السلام) -: «زعم الظلمة أنَّهم يقتلونني ليقطعوا هذا النسل، فكيف رأوا قدرة الله؟»، وسمّاه المؤمَّل(٥٥).
الاسم الثاني عشر: المنصور:
عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء: ٣٣]: «سمّى الله المهدي المنصور كما سمّى أحمد ومحمّد ومحمود(٥٦)، وكما سمّى عيسى المسيح (عليه السلام)»(٥٧).
الاسم الثالث عشر: الغائب:
ورد عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام)، قال: «نحن أئمَّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجَّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يُمسِك الله السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يُمسِك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وتُنشَر الرحمة، وتخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها»، ثمّ قال: «ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجَّة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلوا إلى أن تقوم الساعة من حجَّة الله فيها، ولولا ذلك لم يُعبَد الله»، قال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(٥٨).
وعن داود بن كثير الرقّي، قال: سألت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن صاحب هذا الأمر، قال: «هو الطريد الوحيد الغريب الغائب عن أهله، الموتور بأبيه (عليه السلام)»(٥٩).
وهو بمعنى أنَّ الناس لا يعرفونه وإن كانوا ربَّما يرونه، كما ورد عن السفير الثاني الشيخ محمّد بن عثمان العمري الأسدي أنَّه قال: (والله، إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(٦٠).
الاسم الرابع عشر: صاحب الزمان:
فعن عن السيِّد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا بن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك (عليهم السلام) في الغيبة وصحَّة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ فقال (عليه السلام): «إنَّ الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمَّة الهداة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أوَّلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم القائم بالحقِّ، بقيَّة الله في الأرض، وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتَّى يظهر فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(٦١).
وهو بمعنى أنَّه (عليه السلام) له سيطرة كونية - أو قل: ولاية تكوينية - على الزمن، وهذا ما ثبت في محلّه من أنَّ للحجَّة على الأرض ولاية تكوينية على الكون، باعتبار أنَّه وصل إلى مرحلة ما ورد في بعض الأحاديث القدسية: «عبدي أطعني أجعلك مثلي، أنا حي لا أموت أجعلك حيَّاً لا تموت، أنا غني لا أفتقر أجعلك غنيَّاً لا تفتقر، أنا مهما أشأ يكن أجعلك مهما تشأ يكن»(٦٢).

* * *
الشذرة الثانية: صفات الإمام المهدي (عليه السلام)

لقد بلغ الاهتمام النبوي بالإمام المهدي (عليه السلام) إلى حدِّ ذكر صفاته البدنية تفصيلاً وبما يُميِّزه عن جميع الناس، وبالتالي فإنَّ هذه الصفات - ومنها ما هو غير موجود إلَّا في الإمام المهدي (عليه السلام) - ستكون سبيلاً مهمَّاً جدَّاً للتعرّف عليه (عليه السلام)، وعدم الاشتباه في حقيقته فيما لو ادَّعى شخص المهدوية، فينقطع بذلك السبيل على من تسوّل له نفسه ادِّعاءها، وعلى كلّ حال فالروايات الشريفة ذكرت صفات الإمام المهدي (عليه السلام) تفصيلاً، ويمكن أن نُنوِّع الصفات المذكورة في الروايات إلى أنواع خمسة، نستعرضها أوَّلاً، وباتّضاحها سيتَّضح بعض الروايات الواردة في صفاته (عليه السلام) ممَّا سنذكره في خاتمة المطاف:
النوع الأوَّل: الصفات العامّة لجسمه الشريف:
وهنا قالت الروايات بأنَّ جسم الإمام المهدي (عليه السلام) متناسق جدَّاً، وفيه كلّ حيثيات القوَّة الشديدة والجمال الإلهي، حتَّى أنَّه لو صاح بجبل لتدكدك، ومن هذا القبيل ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «بأبي وأُمّي سميّ جدّي، شبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام)»(٦٣)، أي إنَّ جسم الإمام المهدي (عليه السلام) يشبه جسم النبيّ موسى (عليه السلام) من حيث التناسق والقوَّة البدنية، إذ أنَّ النبيّ موسى (عليه السلام) كان معروفا بالقوَّة البدنية، ويمكن لنا أن نتعرَّف على قوَّة موسى (عليه السلام) البدنية من خلال موقفين: أوَّلهما عندما وكز موسى القبطي فقضى عليه بضربة واحدة، ولم يكن قاصداً لقتله، ولكن قوَّة الضربة قتلته. وثانيهما عندما سقى لابنتي شعيب بدلو كانت حين تمتلئ لا يستخرجها إلَّا عشرة أنفار من البئر(٦٤).
ومن هنا نعرف مقصود الروايات التي عبَّرت عن جسم الإمام المهدي (عليه السلام) بأنَّه «اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي»(٦٥)، فإنَّ المقصود من الجسم الإسرائيلي هو جسم النبيّ موسى (عليه السلام).
وفي هذا النوع نجد أنَّ الروايات الشريفة تصف جسمه (عليه السلام) بأنَّه (لا هو بالطويل الشامخ ولا بالقصير اللازق)، بل هو مربوع القامة يميل إلى الطول، وكذلك نجدها تقول: إنَّه يخرج حين يخرج ويراه الرائي فيظنّه ابن ثلاثين أو أربعين سنة، وهذا الأمر سيكون من فتن الظهور أجارنا الله تعالى من مضلَّات الفتن.
النوع الثاني: تفاصيل رأسه ووجهه الشريف:
ونُدرج هذا النوع ضمن عدَّة نقاط:
١ - شعره (عليه السلام) حسن يسيل على منكبيه، وإن كان يظهر من بعض الروايات أنَّه شعر أجعد، أي ليس في غاية الاسترسال، وسيأتي الكلام عن هذا في آخر الشذرة إن شاء الله تعالى.
٢ - برأسه داء الحزاز، وهو ما نُسمّيه عرفاً بـ (القشرة) التي تظهر على شكل حبيبات بيضاء على الرأس خصوصاً في فصل الشتاء.
٣ - أجلى الجبين، أي إنَّ جبينه المبارك واسع وصافي يسطع نوره وبهاؤه.
٤ - مشرف الحاجبين، أي إنَّ حاجبيه المباركين طويلان مستديران، كثيفا الشعر من وسطهما، ملتقيان من طرفيهما الداخليّين. وهما مرتفعان عن العينين، وارتفاعهما يُعزى - والله العالم - إلى أنَّ عينيه غائرتان.
٥ - غائر العينين، وذلك من طول السهر تعبّداً لله تعالى، ومن كثرة السجود والبكاء(٦٦)، وورد أنَّه أدعج العينين(٦٧)، أي إنَّ بياض عينيه شديد البياض، وسوادهما شديد السواد(٦٨)، وهذه الصفة هي أجمل صفة للعين(٦٩). وورد أنَّه (عليه السلام) كأنَّه ينظر إلى طرف أنفه، وهو كناية عن تواضعه وخشوعه وغضّه للبصر.
٦ - أقنى الأنف، القنا في الأنف: طوله ودقَّة أرنبته مع حدب في وسطه(٧٠)، أي إنَّ أنفه المبارك فيه شيء من الطول، وتحدّب من وسطه، ونهايته دقيقة، وهي صفات الأنف الجميل.
٧ - أفلج الثنايا، أي إنَّ أسنانه منفرجة غير ملتقية وغير متراكبة بعضها على البعض الآخر، وهذه الصفة من الصفات العامَّة لدى جميع الأئمَّة (عليهم السلام).
٨ - إنَّ لون وجهه الشريف هو لون عربي، أي يميل إلى البياض، مشرب بحمرة، أي ليس أحمر ولا أسمر، بل هو مشرب بحمرة.
٩ - نور وجهه يعلو سواد شعر رأسه ولحيته.
١٠ - قالت الروايات: إنَّك لو نظرت إلى وجه الإمام (عليه السلام) لأخذ حسنه بمجامع قلبك، وهو ما عبَّرت عنه الروايات الشريفة بأنَّه (أروع)، وهو من إذا نظرت إليه أعجبك منظره وأخذ حسنه بمجامع قلبك(٧١).
النوع الثالث: شامات الإمام المهدي (عليه السلام):
وقد ذكرت الروايات الشريفة أنَّ للإمام المهدي (عليه السلام) عدَّة شامات مميَّزة، هي:
الشامة الأُولى: شامة على خدّه الأيمن، وهي ما عبَّرت عنها الروايات بالخال في وجهه، أو بالأثر في وجه، أو بالشامة في رأسه.
الشامة الثانية: شامة بفخذه اليمنى، وهو ما ذكرته الروايات صريحاً.
الشامة الثالثة: شامة على كتفه الأيسر، عبَّرت عنها الروايات بما يلي: «وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسر، تحت كتفه الأيسر ورقة مثل ورق الآس»، وورقة الآس حجمها كحجم عقدة من عقد الأصابع، بيضوية الشكل، فيكون لون تلك الشامة مميَّز عن لون البشرة، مائل إلى اللون القهوائي الفاتح.
الشامة الرابعة: وهي ما ذكرته الروايات الشريفة على أنَّها شامة تشبه الشامة التي في الكتف الأيمن للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، التي هي ختم النبوَّة في كتفه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي شامة عريضة سوادها شديد، فيها شيء من البروز وشيء من الشعيرات، ومثلها ذكرت الروايات أنَّها موجودة في كتف الإمام المهدي (عليه السلام) الأيمن، والظاهر أنَّها تشير إلى أنَّه (عليه السلام) هو خاتم الأوصياء للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أنَّ شامة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت تشير إلى أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو خاتم الأنبياء والمرسلين.
النوع الرابع: تفاصيل جسمه الشريف (عليه السلام):
وما ذكرته الروايات هنا هو:
أنَّه (عليه السلام) بعيد ما بين المنكبين، وأنَّه (مبدح البطن) أي ضخم البطن، وأنَّه (أزيل - أذيل - الفخذين) أي عريض الفخذين ولا التقاء بينهما، وهما في غاية القوَّة، وأنَّه (عبل الذراعين) أي شديدهما.
وهذه الصفات متلازمة، فمن كان عريض المنكبين فلا بدَّ أن يكون صدره واسعاً، وإذا كان الصدر واسعاً كانت البطن ضخمة، حتَّى تتلاءم مع الصدر، وإذا كانت البطن ضخمة فلا بدَّ أن يكون الحوض الذي تعتمد البطن عليه عريضاً، وإذا كان الحوض عريضاً فإنَّ الفخذين مهما عظما فإنَّهما لا يلتقيان مع بعضهما، لتباعد مفصليهما، لأنَّهما يكونان في طرفي الحوض.
النوع الخامس: روايات الشبه بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
وهنا أكَّدت الروايات الشريفة على شبه الإمام المهدي (عليه السلام) بالرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حيث الخَلْق والخُلُق، كما ورد ذلك في رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ستعرفها بعد قليل.
ولتوضيح هذا النوع نقول: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يشبه النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حيث الخَلْق والخُلُق.
أمَّا من حيث الخَلْق، فمن جهتين:
الجهة الأُولى: أنَّه كان لجسم النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خصائص تكوينية مختصَّة به (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من قبيل أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان لا ظلَّ له - لشدَّة نورانية جسمه الشريف بما يصل إلى أنور من نور الشمس(٧٢)، وبالتالي لا يحصل لجسده الشريف ظلّ -، وأنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا مرَّ بمكان عرف الناس أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرَّ به، لما يتركه مروره من عَرف زكي ورائحة عطرة، وهكذا لو مسح بيده على صبي، وأنَّه كان يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وأنَّه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه، وغيرها من الخصائص المذكورة في محالّها، وطبقاً لرواية أمير المؤمنين (عليه السلام) فإنَّ هذه الخصائص التكوينية قد اتَّصف بها الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام) وإن اشترك فيها بقيَّة الأئمَّة الطاهرين (عليهم السلام)، ولكن في زمنه (عليه السلام) حيث إنَّه لم يتَّصف بها غيره فتكون من مختصّاته حينئذٍ.
الجهة الثانية: جهة المنظر الخارجي، فقد كان النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بديناً - يميل إلى السمنة -، ضخم البطن، بعيد المنكبين، مربوع القامة، يميل إلى الطول، عبل الذراعين(٧٣)، وهذا ما سمعناه قبل قليل أنَّه من صفات الإمام المهدي (عليه السلام).
وأمَّا من حيث الخُلُق، أي المشابهة بالأخلاق، فهذا من الأُمور العامّة لكلِّ أهل البيت (عليهم السلام)، لأنَّهم (عليهم السلام) كانت أخلاقهم هي أخلاق النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن لظرف من الظروف السياسية أو الاجتماعية أو غيرها، كانت تبرز بعض الصفات على الأئمَّة بروزاً بحيث يشتهر الإمام بتلك الصفة، رغم تمتّعه ببقيَّة الصفات الحميدة، فالإمام الحسن (عليه السلام) كريم، والإمام الحسين (عليه السلام) شجاع، والإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام) كاظم للغيظ، وهكذا، مع أنَّهم (عليهم السلام) كلّهم كرماء شجعان كاظمون للغيظ نقيّون تقيّون...
سرد الروايات:
إذا عرفنا هذا التفصيل، تعالَ معي عزيزي المؤمن، لنطالع معاً بعض الروايات الشريفة الواردة في صفات الإمام المهدي (عليه السلام)، وستجد فهمها إن شاء الله تعالى سهلاً بعد اطّلاعك على التنويع والتفصيل المتقدّم.
ففي رواية علي بن مهزيار ورؤيته للإمام المهدي (عليه السلام) يقول علي: (... فدخلت عليه صلوات الله عليه وهو جالس على نمط عليه نطع أديم أحمر متَّكئ على مسورة أديم، فسلَّمت عليه وردَّ عليَّ السلام، ولمحته فرأيت وجهه مثل فلقة قمر، لا بالخرق ولا بالبزق، ولا بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللاصق، ممدود القامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أدعج العينين، أقنى الأنف، سهل الخدّين، على خدّه الأيمن خال، فلمَّا أن بصرت به حار عقلي في نعته وصفته...)(٧٤).
وعن حذيفة بن اليمان، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى بخلافته أهل السماء [وأهل الأرض](٧٥) والطير في الجوّ...»(٧٦).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لو خرج القائم لقد أنكره الناس، يرجع إليهم شابَّاً موفَّقاً، فلا يلبث عليه إلَّا كلّ مؤمن أخذ الله ميثاقه في الذرِّ الأوَّل»(٧٧).
وعن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر أو أبو عبد الله (عليهما السلام) - الشكّ من ابن عصام -: «يا أبا محمّد، بالقائم علامتان: شامة في رأسه، وداء الحزاز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسر، تحت كتفيه الأيسر ورقة مثل ورق الآس»(٧٨).
عن أبي وائل، قال: نظر أمير المؤمنين علي إلى الحسين (عليهما السلام) فقال: «إنَّ ابني هذا سيّد كما سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيّداً، وسيُخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيّكم يشبهه في الخَلْق والخُلُق، يخرج على حين غفلة من الناس، وإماتة للحقّ، وإظهار للجور، والله لو لم يخرج لضُرِبَت عنقه، يفرح بخروجه أهل السماوات وسكّانها، وهو رجل أجلى الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أزيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة، أفلج الثنايا، ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(٧٩).
وعن حمران بن أعين، قال: قلت لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): جُعلت فداك، إنّي قد دخلت المدينة وفي حقوي(٨٠) هميان فيه ألف دينار، وقد أعطيت الله عهداً أنَّني أنفقها ببابك ديناراً ديناراً، أو تجيبني فيما أسألك عنه. فقال: «يا حمران، سَلْ تجب، ولا تنفقنَّ دنانيرك»، فقلت: سألتك بقرابتك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنت صاحب هذا الأمر والقائم به؟ قال: «لا»، قلت: فمن هو، بأبي أنت وأُمّي؟ فقال: «ذاك المشرب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، العريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر، رحم الله موسى»(٨١).
وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يصف فيها المهدي (عليه السلام)، قال: «هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء»(٨٢).
نسأل الله تعالى أن يرينا الطلعة البهيَّة للإمام المهدي (عليه السلام) على سلامة من ديننا ويقين من اعتقادنا، إنَّه سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين.
إشارات(٨٣):
١ - إنَّ معرفة أوصاف الإمام المهدي (عليه السلام) هي من النوع الذي ينبغي معرفته لزيادة كمال المعرفة، نعم تترتَّب عليها منافع عظيمة كتشخيصه وعدم الاشتباه في شخصيته.
٢ - وردت في بعض الروايات صفاتٌ له (عليه السلام) قد يظهر منها التعارض، فمن رواية تقول: إنَّه مشرب بحمرة، إلى أُخرى تقول: في وجهه سمرة. رواية تقول: شعره حسن يسيل على منكبيه، وأُخرى تقول: إنَّ شعره أجعد.
فإمَّا أن تُحمَل بعضها على البعض الآخر، أو يُطرَح ضعيف السند، وأمرُ ذلك موكول إلى مظانّه.
٣ - إنَّ الصفات المذكورة للإمام (عليه السلام) بعضها من قبيل العرض اللازم كمقدار طول جسمه ولون عينيه، وبعضها من قبيل العرض المفارق، كالرواية التي وصفت شعره بأنَّه يسيل على منكبيه، فإنَّ هذا الأمر كان متعارفاً زمن صدور الرواية، وليس من الضروري أن يبقى شعر الإمام يسيل على منكبيه في زمنٍ يعاب فيه على الرجل هذا الأمر.

* * *
الشذرة الثالثة: أفضلية الإمام المهدي على التسعة من ذرّية الحسين (عليه السلام)

التفاضل بين الأولياء:
يقرُّ الدين مبدأ التفاضل بين البشر، ولكن له أُسسه الخاصَّة في ذلك. وأُسسه كما في القرآن الكريم أربعة: التقوى والإيمان والعلم والجهاد(٨٤). والكمال يزيد طردياً بزيادة الاتّصاف بتلك الأُسس، وعلى كلّ حال، فالكلام هنا وباختصار عن أفضلية الإمام المهدي (عليه السلام) على الأئمَّة من ولد الحسين (عليه السلام)، ويدلُّ عليه العديد من الروايات الشريفة:
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... واختار من الحسين الأوصياء، يمنعون عن التنزيل تحريف الضالّين وانتحال المبطلين وتأول الجاهلين، تاسعهم باطنهم ظاهرهم قائمهم وهو أفضلهم»(٨٥)، فهذه الرواية صرَّحت بأنَّ التاسع من ولد الإمام الحسين (عليه السلام) هو أفضل أُولئك التسعة.
عن سلمان، قال: كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحسين بن علي (عليهما السلام) على فخذه، إذ تفرَّس في وجهه وقال: «يا أبا عبد الله، أنت سيّد من سادة، وأنت إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمَّة تسعة، تاسعهم قائمهم إمامهم أعلمهم أحكمهم أفضلهم»(٨٦).
وأمَّا الأئمَّة الثمانية (عليهم السلام)، فالظاهر من عدَّة روايات أنَّهم متساوون، مثل ما عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... واختار من صلبك يا حسين تسعة، تاسعهم قائمهم، وكلّهم في المنزلة والفضل عند الله واحد»(٨٧).
وأفضلية المهدي (عليه السلام) هو مقتضى الروايات المتقدّمة، فتكون تلك الروايات مخصِّصة لعموم مثل هذه الرواية الأخيرة.

* * *
الشذرة الرابعة: الإمام المهدي (عليه السلام) متمُّ نور الله تعالى

نحن نعلم أنَّ الله تعالى قد اختار الإسلام ديناً يرتضيه ولا يرتضي غيره، قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (آل عمران: ١٩)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).
ولذا تجد أنَّ كلّ النبوّات والأديان السابقة على الدين الإسلامي إنَّما كانت مقدّمة تُمهِّد الناس وعقولهم لتحمّل الدين الإسلامي، حتَّى إذا أشرق نور النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وظهر الإسلام على يديه كأقوى ما يكون الدين، وحتَّى إذا ما جاهد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طوال (٢٣) سنة، تجد - بالرغم من ذلك - موقفين أو حقيقتين يتحيَّر فيهما العقل:
الحقيقة الأُولى: قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (المائدة: ٦٧).
نعلم أنَّ القرآن الكريم يُبجِّل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخطابات هي من أرقى الخطابات وأكثرها تبجيلاً، من قبيل: ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ (طه: ١ و٢)، ومن قبيل: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، بل تجد القرآن الكريم يقسم بعمر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وببلده(٨٨).
رغم هذا، نجد القرآن في الموارد التي تحتاج إلى حسم وجزم وعدم تساهل، فإنَّه يُغيِّر من لهجة خطابه ليجعلها خطابات حاسمة وجازمة بصورة قطعية، كما هو الحال في الآية المتقدّمة: ﴿بَلِّغْ... وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ...﴾.
يا لله، ما هذا الذي إذا لم يُبلِّغه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنَّه لم يُبلِّغ رسالة الله تعالى!؟ ما هذا الذي يذهب نصب (٢٣) سنة إن لم يُخبِر الناس به!؟
تعالَوا لنرجع بعجلة الزمان إلى سنة (١٠) للهجرة، حيث انتهى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من حجَّة الوداع، وحيث وصل إلى مفترق طرق، و(حيث أوقف النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مائة ألف من المسلمين أو أكثر حجّوا معه حجَّة الوداع وعادوا معه، فلمَّا بلغوا غدير خُمٍّ حيث مفترق طرقهم إلى مواطنهم، نادى مناديه أن يرد المتقدِّم، وينتظر المتأخّر حتَّى يلحق، ثمّ قام فيهم خطيباً وهو آخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟»، قالوا: بلى، قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه»)(٨٩).
... ثمّ نزل عن المنبر - وكان وقت الظهيرة - فصلّى ركعتين، ثمّ زالت الشمس، فأذَّن مؤذنه لصلاة الفرض، فصلّى بهم الظهر، وجلس (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خيمته، وأمر عليَّاً أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثمّ أمر المسلمين - وعددهم يزيد على مائة وعشرين ألف إنسان - أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً فيُهنِّؤوه بالمقام، ويُسلِّموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك كلّهم، ثمّ أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه، ويُسلِّمن عليه بإمرة المؤمنين، ففعلن. وكان ممَّن أطنب في تهنئته بالمقام عمر بن الخطّاب، فأظهر له المسرَّة به وقال فيما قال: (بخ بخ يا علي، أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة)(٩٠).
وبعد أن بلَّغ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رسالة ربِّه هذه، نزل عليه الخطاب الإلهي صادحاً: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ (المائدة: ٣).
إذن، لقد تمَّ الدين الإسلامي ورضاه الله تعالى لنا بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذا يعني أنَّ مسألة الإمامة مسألة أُصولية لا فرعية، ومسألة دستورية لا إدارية.
ولكن الغريب بعد هذا هو:
الحقيقة الثانية: وبعد إكمال الدين وإتمام النعمة بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فماذا ننتظر؟
إنَّ الله تعالى يقول: إنَّ النور الإسلامي لم يتمّ لحدِّ الآن! فالدين كمل، لكن النور لم يتمّ! وأين قال هذا؟
نجد ذلك في موضعين من القرآن الكريم:
الموضع الأوَّل: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصفّ: ٨ و٩).
والموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٢ و٣٣).
نلاحظ هنا أنَّ القرآن الكريم يُؤكّد على أنَّ هناك فئتين من الناس تريدان إطفاء نور الله تعالى، وهم المشركون والكافرون، ولكن الأمر الإلهي صدر بأنَّ النور الإلهي سيتمُّ بأمر منه تعالى رغماً على أُنوفهم، وسيظهر الإسلام على كلّ الأديان وعلى كلّ الناس، ولكن متى؟ هل حصل هذا الأمر؟ التاريخ والواقع يشهدان على عدم حصول هذا الوعد الإلهي.
إذن، هل يحتمل أنَّ هذا وعد لن يفي به الله تعالى؟ حاشا وكلَّا ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (آل عمران: ٩).
إذن، متى سيُنفِّذ هذا الوعد؟
هذا ما أجابتنا عنه الروايات:
عن عمّار بن موسى الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته وهو يقول: «لم تخلُ الأرض منذ كانت من حجَّة عالم يُحيي فيها ما يميتون من الحقّ»، ثمّ تلا هذه الآية: «﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾»(٩١).
وعن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، فقال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتَّى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلَّا كره خروجه، حتَّى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني واقتله»(٩٢).
من هذا يتبيَّن أنَّ ذلك النور الذي سيتمّه الله تعالى وسيتمُّ به الدين هو الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام).
لقد اكتمل الدين على يد جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم بلَّغ إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن الهدف النهائي لم يتمّ بهذا فقط، إنَّ الهدف النهائي هو أن يعمَّ الدين الدنيا، وهذا ما وعدنا به تعالى، يوم يأذن لنوره العظيم بالظهور. وهذا يعني أنَّ الإمام الحجَّة (عليه السلام) هو (متمُّ نور الله تعالى في الأرض).
إشارات:
الأُولى: أشارت الآيتان السالفتان إلى حقيقة مهمَّة من حقائق الإمام المنتظر (عليه السلام)، تلك الحقيقة المستفادة من إضافة النور إلى لفظ الجلالة، إذ من المعلوم - نحوياً - أنَّ المضاف يكون في رتبة المضاف إليه من حيث التعريف، فإذا أُضيفت النكرة إلى العَلَم كانت برتبة العَلَم، وهنا فإنَّ النور في الآيتين أُضيف إلى لفظ الجلالة، وهنا لا نقول: إنَّ رتبة النور هي رتبة الله تعالى، كلَّا لكن على الأقلّ هناك صفة مشتركة في هذا الجانب، وهي أنَّه حيث يتعذَّر علينا معرفة الله تعالى - كما هو واضح -، فكذلك يتعذَّر علينا معرفة الإمام المهدي (عليه السلام) - بحقيقته -، وسيمرُّ عليك من المقامات في هذه الشذرات ما يُؤكّد هذه الحقيقة إن شاء الله تعالى.
وهذا ما يمكن أن نستفيده من رواية الإمام الرضا (عليه السلام) حيث يقول: «فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الإِمَامِ، أَوْ يُمْكِنُه اخْتِيَارُه، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، ضَلَّتِ الْعُقُولُ، وَتَاهَتِ الْحُلُومُ، وَحَارَتِ الأَلْبَابُ، وَخَسَأَتِ الْعُيُونُ، وَتَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ، وَتَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ، وَتَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ، وَحَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ، وَجَهِلَتِ الأَلِبَّاءُ، وَكَلَّتِ الشُّعَرَاءُ، وَعَجَزَتِ الأُدَبَاءُ، وَعَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ، عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِه، أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِه...»(٩٣).
الثانية: نلاحظ في الآيتين أنَّ النور - الذي يكون الإمام المهدي (عليه السلام) مصداقه البارز زمن الغيبة - مرَّة أُضيف إلى ضمير الغيبة، وأُخرى أُضيف إلى الاسم الظاهر، ولعلَّ - أقول: لعلَّ - هذا فيه إشارة إلى مرحلتي الغيبة والظهور، وها نحن في عصر الغيبة، ونأمل أن نُدرِك اليوم الذي يتَّكئ فيه الإمام على الركن ويخطب، ويبدأ نور الله تعالى مرحلة الظهور المقدَّس.
الثالثة: يمكن أن نستكشف من هذا أنَّ من أسماء الإمام المهدي (عليه السلام) هو (النور) كما في هاتين الآيتين، وكما ورد في بعض زياراته: «السلام عليك يا نور الله الذي لا يُطفأ...»(٩٤).
فإذا عرفت أنَّ نور الله تعالى يملأ السماوات والأرض(٩٥)، فاعرف مقاماً من مقامات الإمام المهدي (عليه السلام).
الرابعة: أشارت الرواية الثانية إلى معنى لطيف جدَّاً، وهو أنَّ الشرك له مراتب ومعاني، فالشرك بالله أعظمها وأخطرها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣).
ولكن يمكن أن يُترجَم الشرك بالائتمام بغير إمام الحقّ، فيكون المرء حينئذٍ مشركاً بالإمام الحقّ غيره من أئمَّة الجور. وهذا ما أشارت إليه الرواية الثانية: «... فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلَّا كره خروجه...».
الخامسة: أكَّدت الآيتان على أنَّ الدين الإسلامي سيظهر على جميع الأديان وأنَّه سيغلبها جميعاً، ولكن ما المراد من الظهور والغلبة؟
لقد ذكر العلماء معانٍ ثلاثة للظهور والغلبة في الآيتين:
المعنى الأوَّل: الظهور والغلبة المنطقية: بمعنى أنَّ في الإسلام من القوانين ما لو دار نقاش بينه وبين بقيَّة الأديان لرجحت كفَّة الإسلام على غيره، لما فيه من قوانين منطقية ثابتة ورزينة وواقعية، بالإضافة إلى خلوّه من الخرافات والتحريفات التي ابتلت بها الأديان السابقة.
والظاهر عدم إرادة هذا المعنى وإن كان صحيحاً في حدِّ نفسه، فإنَّ هذا المعنى موجود منذ الصدر الأوَّل للإسلام.
المعنى الثاني: ظهور الإسلام وغلبته الأديان ولو على بعض الأرض. وهذا المعنى وإن وقع بداية الإسلام، ولكنَّه خلاف ظاهر الآية، إذ هي تُصرِّح بأنَّ الظهور سيكون على كلّ الأرض بقرينة قوله: ﴿عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾، ومن المعلوم أنَّ الإسلام وإن وصل إلى بقاع بعيدة من الأرض، ولكنَّه لم يظهر على الدين كلِّه.
المعنى الثالث: ظهور الإسلام وغلبته على سائر الأديان وسيطرته على كلّ الأرض، وهذا ما ننتظر وقوعه، جعلنا الله تعالى من ناشري الإسلام في ذلك اليوم. وهو المعنى الذي أشارت له الروايات بصراحة:
عن عباية بن ربعي أنَّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ...﴾ الآية، أظهر ذلك بعد؟»، قالوا: نعم، قال: «كلَّا والذي نفسي بيده حتَّى لا يبقى قرية إلَّا ونودي فيها بشهادة أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمّداً رسول الله بكرةً وعشياً»(٩٦).
وعن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، قال: (لا يكون ذلك حتَّى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملَّة إلَّا دخل في الإسلام، حتَّى أمن الشاة والذئب والبقرة والأسد والإنسان والحيَّة، وحتَّى لا تقرض فارة جراباً، وحتَّى توضع الجزية، ويُكسَر الصليب، ويُقتَل الخنزير. وذلك قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، وذلك يكون عند قيام القائم (عليه السلام))(٩٧).
وعن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلَّا أدخله الله الإسلام إمَّا بعزِّ عزيز وإمَّا بذلِّ ذليل، إمَّا يُعزِّهم فيجعلهم الله من أهله فيُعزّوا به، وإمَّا يُذلِّهم فيدينون له»(٩٨).

* * *
الشذرة الخامسة: الإمام المهدي (عليه السلام) كلمة الله التامَّة

ورد في الدعاء الذي بعد زيارة آل ياسين: «اللّهمّ صلِّ على حجَّتك في أرضك...، وكلمتك التامَّة في أرضك...»(٩٩).
ما معنى كلمة الله التامّة؟
إنَّ الكثير من معاني كلمات الأدعية والزيارات نحتاج فيها إلى مراجعة دقيقة للقرآن الكريم وتأمّل في آياته حتَّى تنفتح خزائنه المكنونة، فنفهم منها معاني تلك الأدعية أو الزيارات..
ومقامنا من هذا القبيل، فإنَّ (الكلمة التامَّة) هو مقام عظيم من مقامات الإمام المهدي (عليه السلام)، وحتَّى نفهم هذا المقام وبعض آثاره دعونا نرجع إلى القرآن الكريم.
إنَّ القرآن الكريم يصف النبيّ عيسى (عليه السلام) بأنَّه كلمة منه، فيقول عزَّ من قائل: ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: ٤٥).
فالنبيُّ عيسى (عليه السلام) هو كلمة.. كلمة من الله تعالى.. وقد وصل إلى مقام عظيم بهذه الكلمة! أتعرف ما هو هذا المقام؟ إنَّه ما قاله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (المائدة: ١١٠).
فهذه المقامات العظيمة وصل إليها النبيّ عيسى (عليه السلام) لأنَّه كلمة من الله تعالى.
إذن، كيف يكون مقام (كلمة الله التامَّة)!؟
ليس الإمام المهدي (عليه السلام) كلمة فقط، بل هو كلمة تامَّة من الله تعالى، فلا عجب حينئذٍ إذا أخبرتنا الروايات بأنَّ النبيّ عيسى (عليه السلام) سيُصلّي خلف الإمام المهدي (عليه السلام)(١٠٠)، إنَّه لا غرو ولا عجب.
وقد أشارت بعض الآيات الكريمة إلى سبب تمام الكلمة، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (الأنعام: ١١٥).
(... فتمام الكلمة الإلهية يكون بمنتهى الصدق الذي هو نهاية الحكمة النظرية، وبمنتهى العدل الذي هو نهاية الحكمة العملية. فعندما يبلغ الإنسان منتهى درجات الصدق والفقه، تنكشف لقلبه المقدَّس كلّ الحقائق. وعندما يبلغ منتهى درجات العدل يكون كلمة الله التامَّة...)(١٠١).
مقامات الكلمة:
أشارت الآية الكريمة السابقة إلى عدَّة مقامات، وقد أثبتتها الروايات كلّها وزيادة للإمام المهدي (عليه السلام)، وخلاصتها:
١ - التأييد الإلهي بالملائكة:
وهو ما أشارت إليه الآية بـ ﴿إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾.
وهذا المقام ثبت للإمام المهدي (عليه السلام)، فعن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) يقول: «لو قد خرج قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنصره الله بالملائكة المسوّمين والمردفين والمنزلين والكرّوبيين، يكون جبرائيل أمامه، وميكائيل عن يمينه، وإسرافيل عن يساره، والرعب يسير مسيرة شهر أمامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، والملائكة المقرَّبون حذاه...»(١٠٢).
٢ - الكلام في المهد:
﴿تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾، وهو أمر ثبت للإمام المهدي (عليه السلام)، ففي رواية ليلة مولد الإمام الحجَّة (عليه السلام)، تقول السيّدة حكيمة (عليها السلام): (...فإذا أنا به (عليه السلام) ساجداً يتلقّى الأرض بمساجده، فضممته إليَّ، فإذا أنا به نظيف متنظّف، فصاح بي أبو محمّد (عليه السلام): «هلمّي إليَّ ابني يا عمَّة»، فجئت به إليه، فوضع يديه تحت أليتيه وظهره ووضع قدميه على صدره ثمّ أدلى لسانه في فيه وأمرَّ يده على عينيه وسمعه ومفاصله، ثمّ قال: «تكلَّم يا بني»، فقال: «أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، ثمّ صلّى على أمير المؤمنين وعلى الأئمَّة (عليهم السلام) إلى أن وقف على أبيه، ثمّ أحجم...)(١٠٣).
٣ - تعليم الكتب السماوية:
﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، وهذا الأمر ثبت لجميع أهل البيت (عليهم السلام)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم، ونحن نعلمه»(١٠٤).
وسيترجم الإمام المهدي (عليه السلام) هذا العلم بعدَّة صيغ، منها ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... فإنَّما سُمّي المهدي لأنَّه يهدي لأمرٍ خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان...»(١٠٥).
٤ - إحياء الموتى:
﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾، وهو أمر ثبت أيضاً للإمام المهدي (عليه السلام)، فعن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يخرج مع القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبع وعشرون رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبو دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكّاماً»(١٠٦).
٥ - كفُّ بني إسرائيل عنه:
﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ﴾، وهذا المقام ثبت للإمام المهدي (عليه السلام)، فقد روي: «ثمّ بعثوا - أي المعتضد وجماعته - عسكراً أكثر، فلمَّا دخلوا الدار سمعوا من السرداب قراءة القرآن، فاجتمعوا على بابه، وحفظوه حتَّى لا يصعد ولا يخرج، وأميرهم قائم حتَّى يصل العسكر كلّهم، فخرج من السكة التي على باب السرداب، ومرَّ عليهم، فلمَّا غاب قال الأمير: انزلوا عليه، فقالوا: أليس هو مرَّ عليك؟ فقال: ما رأيت، قال: ولِمَ تركتموه؟ قالوا: إنا حسبنا أنَّك تراه(١٠٧).

* * *
الشذرة السادسة: الإمام المهدي (عليه السلام) المنتهي إليه مواريث الأنبياء

لقد وُصِفَ الإمام المهدي (عليه السلام) في إحدى زياراته بأنَّه «المنتهى إليه مواريث الأنبياء، ولديه موجودة آثار الأصفياء، السلام على المؤتمن على السرّ، والولي للأمر»(١٠٨).
فما معنى مواريث الأنبياء التي هي الآن عند مولانا الإمام المهدي (عليه السلام)؟
إنَّ معنى هذا يتمُّ من خلال بيان أمر مهم، وهو:
للإمام المفترض الطاعة علامات عديدة، ذكرت الروايات أنحاءً عديدة منها، فهناك علائم خَلْقية، وأُخرى خُلُقية، وثالثة نفسية، ورابعة أخلاقية، وعلمية، وغيبية، وليس هنا محلّ تفصيل الكلام.
ومن الروايات الجامعة التي أشارت إلى علائم الإمام، ما ورد عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) قال: «للإمام علامات: يكون أعلم الناس، وأحكم الناس، وأتقى الناس، وأحلم الناس، وأشجع الناس، وأسخى الناس، وأعبد الناس، ويلد مختوناً، ويكون مطهَّراً، ويرى من خلفه كما يرى من بين يديه، ولا يكون له ظلّ، وإذا وقع إلى الأرض من بطن أُمّه وقع على راحتيه رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يحتلم، وينام عينه ولا ينام قلبه، ويكون محدَّثاً، ويستوي عليه درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يُرى له بول ولا غائط لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قد وكَّل الأرض بابتلاع ما يخرج منه، ويكون رائحته أطيب من رائحة المسك، ويكون أولى الناس منهم بأنفسهم، وأشفق عليهم من آبائهم وأُمّهاتهم، ويكون أشدّ الناس تواضعاً لله (عزَّ وجلَّ)، ويكون آخذ الناس بما يأمرهم به، وأكفّ الناس عمَّا ينهى عنه، ويكون دعاؤه مستجاباً، حتَّى لو أنَّه دعا على صخرة لانشقَّت بنصفين، ويكون عنده سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وسيفه ذو الفقار، ويكون عنده صحيفة فيها أسماء شيعتهم إلى يوم القيامة(١٠٩)، وصحيفة فيها أسماء أعدائهم إلى يوم القيامة، ويكون عنده الجامعة وهي صحيفة طولها سبعون ذراعاً فيها جميع ما يحتاج إليه ولد آدم، ويكون عنده الجفر الأكبر والأصغر: وإهاب ماعز وإهاب كبش فيهما جميع العلوم، حتَّى أرش الخدش، وحتَّى الجلدة ونصف الجلدة، ويكون عنده مصحف فاطمة (عليها السلام)»(١١٠).
وسنتكلَّم عن معاني بعض هذه الأُمور إن شاء الله تعالى بالتفصيل في مستقبل البحث.
المهمّ أنَّنا نجد عنواناً واضحاً عن علائم الإمام بعنوان (مواريث الأنبياء).
فما هي مواريث الأنبياء؟
إنَّها أشياء يرثها المعصوم الحيّ عن المعصوم الشهيد، وهي رموز ومعانٍ وشعارات متوارثة من الأنبياء، لأجل الترابط الرمزي بين كلّ الأنبياء والديانات والرسالات، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣).
هذا ويمكن أن تحتوي تلك المواريث على جهة إعجازية يستفيد منها المعصوم لهداية الناس إذا ما توقَّفت الهداية على الأعجاز.
ويمكن أن تكون تلك المواريث مواد إثبات حقيقة المهدي، كما ورد ذلك في قضيَّة الحسني عندما يطلب من الإمام المهدي بعض المواريث التي ورثها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحينئذٍ يؤمن جيش الحسني بأحقانية المهدي، ويتَّبعونه أجمع...(١١١).
ويمكن أن تكون هناك حِكَم أُخرى وراء تلك المواريث..
والمواريث التي ورثها أهل البيت (عليهم السلام) عموماً والإمام المهدي (عليه السلام) خصوصاً عديدة، والبحث فيها يطول، ويمكن أن نجد في بطون الروايات الكثير منها..
والملاحظ أنَّه يمكن أن نُنوِّع تلك المواريث إلى نوعين:
النوع الأوَّل: مواريث الأنبياء ما قبل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
النوع الثاني: مواريث النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل البيت الطاهرين (عليهم السلام).
ولنتكلَّم عن بعض مفردات ذينك النوعين:
النوع الأوَّل: مواريث الأنبياء ما قبل النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
١ - عصا موسى (عليه السلام) وحجره:
عن أبي سعيد الخراساني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ القائم إذا قام بمكّة وأراد أن يتوجَّه إلى الكوفة نادى مناديه: ألَا لا يحمل أحد منكم طعاماً ولا شراباً، ويحمل حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلَّا انبعث عين منه، فمن كان جائعاً شبع ومن كان ظامئاً روى، فهو زادهم حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة»(١١٢).
وعن محمّد بن الفيض، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كانت عصا موسى لآدم (عليه السلام)، فصارت إلى شعيب، ثمّ صارت إلى موسى بن عمران، وإنَّها لعندنا، وإنَّ عهدي بها آنفاً، وهي خضراء كهيئتها حين انتزعت من شجرتها، وإنَّها لتنطق إذا استنطقت، أُعِّدَت لقائمنا (عليه السلام)، يصنع بها ما كان يصنع موسى، وإنَّها لتروع وتلقف ما يأفكون وتصنع ما تؤمر به، إنَّها حيث أقبلت تلقف ما يأفكون يفتح لها شعبتان: إحداهما في الأرض والأُخرى في السقف، وبينهما أربعون ذراعاً، تلقف ما يأفكون بلسانها»(١١٣).
وعن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «عصا موسى قضيب آس من غرس الجنَّة، أتاه بها جبرائيل (عليه السلام) لمَّا توجَّه تلقاء مدين، وهي وتابوت آدم في بحيرة طبرية، ولن يبليا، ولن يتغيّرا حتَّى يُخرِجهما القائم (عليه السلام) إذا قام»(١١٤).
إشارات:
١ - تقدَّم أنَّ وجود هذه المواريث لدى الإمام المهدي (عليه السلام) فيه إشارة إلى وحدة الهدف العامّ للرسالات، فتكون حركة الإمام المهدي (عليه السلام) خلاصة ونتيجة لكلِّ حركات الأنبياء السابقين، ووجود عصا موسى لديه (عليه السلام) فيه إشارة إلى ذلك.
وهذه الملاحظة عامَّة لجميع هذا النوع من المواريث.
٢ - كان لعصا موسى آثار عديدة عندما كانت عنده، كالانقلاب إلى أفعى، وشقّ البحر بها، وانبجاس عيون الماء من الصخر بضربة منها، وغيرها، وليس من الضروري أن يكون الهدف من وجودها عند الإمام المهدي (عليه السلام) هو نفس ترتّب تلك الآثار، بقدر ما تكون مشيرة إلى هدفية حركته بالنسبة لحركة النبيّ موسى كما تقدَّم قبل قليل.
وهذا ما أشارت إليه الرواية الشريفة عندما ذكرت تاريخ هذه العصا وكيف أنَّها انتقلت من نبيّ إلى آخر.
٣ - على أنَّ الروايات المتقدّمة أشارت إلى أنَّ تلك الخصائص ما زالت في تلك العصا، وأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيستعملها فيها، ولكن لا بدَّ أن نعلم أنَّه ليس الطابع العامّ لحركة الإمام المهدي هو طابع الإعجاز (الذي كان وراء صدور تلك الآثار من تلك العصا)، وهذا يعني أنَّ استعمال تلك الخصائص للعصا من قِبَل الإمام المهدي (عليه السلام) سيكون محدوداً بحدود ما لا يثبت من الحقِّ إلَّا بها، أو بحدود الحكمة التي يراها الإمام المهدي (عليه السلام) مناسبةً حسب الظرف الموضوعي.
٢ - خاتم سليمان (عليه السلام):
وهو الخاتم الذي ملك به النبيّ سليمان ملكاً وصفه القرآن الكريم بـ ﴿مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ * وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (ص: ٣٥ - ٣٨).
ورد عن الحسين بن موسى بن جعفر، قال: رأيت في يد أبي جعفر محمّد بن علي الرضا (عليهما السلام) خاتم فضَّة ناحل (أي رقيق، رقَّ من كثرة اللبس)، فقلت: مثلك يلبس هذا؟ قال: «هذا خاتم سليمان بن داود (عليهما السلام)»(١١٥).
ولكن هذه الرواية لم تُصرِّح بأنَّ هذا الخاتم هو عند الإمام المهدي (عليه السلام)، فكيف نُثبِت ذلك؟
الجواب:
١ - لا نحتاج إلى رواية خاصَّة تُصرِّح بأنَّ الخاتم هو عند الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث تكفينا الروايات العامَّة التي دلَّت على أنَّ كلّ مواريث الأنبياء هي عند الأئمَّة (عليهم السلام)، ومن ذلك ما ورد عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «ألواح موسى (عليه السلام) عندنا، وعصا موسى عندنا، ونحن ورثة النبيّين»(١١٦).
ولا شكَّ أنَّها ستنتهي إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، ولا شكَّ أنَّ الخاتم المذكور هو من تلك المواريث.
٢ - هذا فضلاً عن وجود روايات أُخرى صرَّحت بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيخرج ومعه خاتم سليمان، فمن ذلك ما جاء عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «أوَّل ما يبدأ القائم (عليه السلام) بأنطاكية فيستخرج منها التوراة من غار فيه عصا موسى وخاتم سليمان»، قال: «وأسعد الناس به أهل الكوفة»، وقال: «إنَّما سُمّي المهدي لأنَّه يهدي إلى أمر خفي، حتَّى أنَّه يبعث إلى رجل لا يعلم الناس له ذنب فيقتله، حتَّى أنَّ أحدهم يتكلَّم في بيته فيخاف أن يشهد عليه الجدار»(١١٧).
وعن أبي الجارود زياد بن المنذر، قال: قال أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام): «إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه...»(١١٨).
وعن الريّان بن الصلت، قال: قلت للرضا (عليه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكنّي لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني؟ وإنَّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قويَّاً في بدنه حتَّى لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان (عليهما السلام). ذاك الرابع من ولدي، يُغيبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يُظهِره فيملأ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(١١٩).
وقال الصدوق (رحمه الله): (روي أنَّ القائم (عليه السلام) إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى، وخاتم سليمان (عليهم السلام))(١٢٠).
٣ - قميص يوسف (عليه السلام):
عن مفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «أتدري ما كان قميص يوسف (عليه السلام)؟»، قال: قلت: لا، قال: «إنَّ إبراهيم (عليه السلام) لمَّا أُوقدت له النار أتاه جبرئيل (عليه السلام) بثوب من ثياب الجنَّة فألبسه إيّاه، فلم يضرّه معه حرّ ولا برد، فلمَّا حضر إبراهيم الموت جعله في تميمة وعلَّقه على إسحاق، وعلَّقه إسحاق على يعقوب، فلمَّا وُلِدَ يوسف (عليه السلام) علَّقه عليه، فكان في عضده حتَّى كان من أمره ما كان، فلمَّا أخرجه يوسف بمصر من التميمة وجد يعقوب ريحه وهو قوله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْ لا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: ٩٤]، فهو ذلك القميص الذي أنزله الله من الجنَّة»، قلت: جُعلت فداك، فإلى من صار ذلك القميص؟ قال: «إلى أهله»، ثمّ قال: «كلّ نبيّ ورث علماً أو غيره فقد انتهى إلى آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٢١).
إشارة:
الرواية التي ذكرناها وإن لم تُصرِّح بأنَّ القميص عند الإمام المهدي (عليه السلام) لكن تكفينا العمومات - كما تقدَّم في خاتم سليمان -، بالإضافة إلى وجود روايات صرَّحت بهذا، ومنها ما جاء في (كمال الدين)(١٢٢) مرسلاً، قال: (روي أنَّ القائم (عليه السلام) إذا خرج يكون عليه قميص يوسف، ومعه عصا موسى، وخاتم سليمان (عليهم السلام)).
وفي (الصراط المستقيم)(١٢٣): (وفي رواية المفضَّل: يخرج وعليه قميص يوسف، فيشمُّ المؤمنون رائحته شرقاً وغرباً، وهو الذي شمَّ رائحته يعقوب في قوله: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ...﴾).
٤ - الزبور والتوراة والإنجيل وألواح موسى وصحف إبراهيم وصحف نوح (عليهم السلام):
لا شكَّ أنَّ جميع الديانات السماوية النازلة من الله تعالى كانت مشتركة في الأُصول العامَّة للدين الإلهي، ذلك لأنَّ مصدرها واحد، والله تعالى يدعو إلى أمر واحد بواسطة جميع أنبيائه، وإن تعدَّدت الأساليب في ذلك، والقرآن الكريم يُؤكّد على وحدة الدين بين جميع الأنبياء، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣).
وما دام الدين الإلهي واحداً، إذن العلوم الموجودة في كتب الدين الواحد هي واحدة، وهي تنفع جميع الأُمم، فإذا كان لأحدٍ علومٌ من تلك الكتب، كان عنده علم ثرّ بالمعارف الإلهية على جميع المستويات، وهذا أيضاً من مواريث الأنبياء.
عن شعيب الخزّاز، عن ضريس الكناسي، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ داود ورث الأنبياء، وإنَّ سليمان ورث داود، وإنَّ محمّداً ورث سليمان وما هناك، وإنّا ورثنا محمّداً، وإنَّ عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى»، فقال له أبو بصير: إنَّ هذا لهو العلم، فقال: «يا أبا محمّد، ليس هذا هو العلم إنَّما هذا الأثر إنَّما العلم ما حدث بالليل والنهار يوماً بيوم وساعة بساعة»(١٢٤).
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي: «يا أبا محمّد، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يعطِ الأنبياء شيئاً إلَّا وقد أعطاه محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، قال: «وقد أعطي محمّداً جميع ما أعطي الأنبياء، وعندنا الصحف التي قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ [الأعلى: ١٩]»، قلت: جُعلت فداك، هي الألواح؟ قال: «نعم»(١٢٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) - لمن سأله: أنّى لكم التوراة والإنجيل وكتب الأنبياء؟ -، قال: «هي عندنا وراثة من عندهم، نقرؤها كما قرؤوها، ونقولها كما قالوا، إنَّ الله لا يجعل حجَّة في أرضه يسأل عن شيء فيقول: لا أدري»(١٢٦).
ولذا، فإنَّ الروايات الشريفة تُؤكّد على أنَّ من أهمّ ما سيهدي اليهود والنصارى عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) هو أنَّه (عليه السلام) سيناقشهم بالتوراة والإنجيل غير المحرَّفتين، ممَّا يدعوهم إلى تصديقه والإيمان به، وبالتالي سيكون هذا الأمر سبباً مهمَّاً لفتح كثير من بلدان العالم فتحاً سلمياً ومن دون قتال.
فقد ورد في سبب تسمية الإمام المهدي (عليه السلام) بالمهدي: «إنَّما سُمّي المهدي لأنَّه يهدي لأمر خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان...»(١٢٧).
وورد أنَّه (عليه السلام) سوف «يستخرج تابوت السكينة من غار بأنطاكية، فيه التوراة التي أنزل الله على موسى (عليه السلام)، والإنجيل الذي أنزله الله (عزَّ وجلَّ) على عيسى (عليه السلام)، يحكم بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم»(١٢٨).
سؤال موجَّه إلى مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، وجواب المركز عنه:
جاء في الروايات أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يستخرج من غار أنطاكية نسختي التوراة والإنجيل، ويحتجّ بهما على اليهود والنصارى، فيدخل الأغلب منهم في الإسلام. السؤال هنا: كيف يُثبِت الإمام المهدي (عليه السلام) للجميع أنَّ هذه الكتب حقيقية؟ إذ من المستبعد أن يؤمن اليهود والنصارى بهذا الأمر مباشرةً دون دليل على صحَّة الكتب! خاصَّة أنَّ هذه الكتب ستكون مختلفة عن نسخ التوراة والإنجيل الموجودة حالياً، كيف يُثبِت للجميع أنَّ الذي نزل هو المسيح عيسى (عليه السلام) فعلاً؟
الجواب:
نعرف من خلال عموم الروايات الشريفة، أنَّ للإمام المهدي (عليه السلام) عدَّة طرق تفيد اليقين، يستعملها لإقناع الناس عموماً، كطريق البرهان العلمي، والمعجزة، ومعه فيمكن للإمام أن يُثبِت حقّانية نسختي التوراة والانجيل اللتين عنده من خلال:
١) الإثبات العلمي: فمثلاً يُبرِز لهم متناقضات النسخ الموجودة عندهم وفسادها، أو يُبرِز لهم تواريخ كتابة تلك النسخ الموجودة عندهم ممَّا يُثبِت أنَّها كُتِبَت بأيدي أُناس أشبه بالصحفيين والإعلاميين ورواة القصص الرومانسية أو البوليسية. أمَّا نسختاه فهما خاليتان من التناقض والأُمور المنفّرة للطباع أو المخالفة للمروءة.
٢) المعجزة: فمثلاً يُبرِز عصا موسى وإمكانياتها التكوينية الهائلة، أو تابوت السكينة وأثره في تطمين النفوس وتهدئتها.
وعلى كلِّ حالٍ لا بدَّ أن يكون عنده (عليه السلام) ما يُثبِت معه حقّانية ما عنده من كتب.
أمَّا كيف يُثبِت أنَّ هذا الذي معه هو النبيّ عيسى (عليه السلام)، فإنَّه يظهر من الروايات الشريفة أنَّ نزول عيسى سيكون بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وإثبات كونه هو الحجَّة المنتظر بالدليل والبرهان - إضافةً الى المعجزة -، وبالتالي ستكون إخبارات المهدي يقينية وغير قابلة للتكذيب، ونفس هذا يقال في إثبات أنَّ تلك الكتب هي التوراة والإنجيل حقيقةً، أي إنَّ إثبات كونه هو المهدي الحجَّة (عليه السلام) سابق على إظهار تلك الكتب ونزول عيسى (عليه السلام)، ومعه ستكون إخبارات المهدي (عليه السلام) غير قابلة للتشكيك.
طبعاً هذا يفيد إقناع المسلمين، أمَّا نفس اليهود والنصارى، فحيث نعلم أنَّهم منتظرون لظهور عيسى المنقذ في كتبهم واعتقاداتهم، وبالتالي إذا جاء عيسى (عليه السلام) وأثبت لهم أنَّه عيسى الموعود بالدليل أو المعجزة فسيؤمنون به، وبعد أن يروه يُصلّي خلف الإمام المهدي (عليه السلام) ويُقدِّمه عليه ويعترف بإمامته عليه، عندئذٍ سيؤمن اليهود والنصارى بالإمام المهدي مهدياً.
النوع الثاني: مواريث النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآل البيت الطاهرين (عليهم السلام):
١ - سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسائر شؤونه:
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ السلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، يدور الملك حيث دار السلاح كما يدور حيث دار التابوت»(١٢٩).
عن محمّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن علي بن سعيد، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعته يقول: «إنَّ عندي لخاتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودرعه وسيفه ولواه»(١٣٠).
عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ألَا أُريك قميص القائم الذي يقوم عليه؟»، فقلت: بلى، قال: فدعا بقمطر(١٣١)، ففتحه وأخرج منه قميص كرابيس فنشره، فإذا في كمّه الأيسر دم، فقال: «هذا قميص رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي عليه دم يوم ضُرِبَت رباعيَّته، وفيه يقوم القائم»، فقبَّلت الدم ووضعته على وجهي، ثمّ طواه أبو عبد الله (عليه السلام) ورفعه(١٣٢).
ويدخل تحت هذا المعنى العلوم التي ورثها أهل البيت (عليهم السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي تُمثِّل مصدراً من أهمِّ مصادر علومهم (عليهم السلام)، وهي عبارة عن أُصول العلوم التي علَّمها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام)، والتي عبَّرت عنها الروايات على لسانه (عليه السلام): «علَّمني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألف باب من العلم يفتح لي من كلّ باب ألف باب»(١٣٣).
عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يا جابر، لو كنّا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين، ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأُصول علم عندنا، نتوارثها كابراً عن كابر، نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضَّتهم»(١٣٤).
إنَّها أُصول العلوم، ومن كلّ باب يُفتَح تفرّعات لا تُعَدُّ ولا تُحصى، تجعل الإمام المهدي (عليه السلام) الذي ورثها أهلاً لأن يسأل عمَّا لا يجيب عليه غيره، وهذا يُمثِّل طريقاً مهمَّاً من الطرق التي يمكن التثبّت من خلالها على أحقانية المدَّعي للمهدوية، ولذا ورد عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إن ادَّعى مدعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(١٣٥).
٢ - درعان لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
إنَّ الروايات الشريفة ذكرت أنَّ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) درعين(١٣٦)، أحدهما يُعتَبر علامة التنصيب الإلهي للحجَّة على الأرض، والآخر يُعتَبر علامة خاتمية الوصاية والخلافة.
والملفت للنظر، أنَّ الروايات تُؤكّد أنَّ لهذين الدرعين خاصّية عجيبة، غير معروفة القانون! وهي أنَّها لا تستوي على أيّ أحد إلَّا الإمام المنصَّب من الله تعالى - في الأوَّل -، وإلَّا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمهدي (عليه السلام) في الثاني! مهما كان طول الشخص. وهذا ما يجعلها من علامات الإمام المختصَّة به.
فعن الدرع الأُولى، يقول الإمام الرضا (عليه السلام): «ويستوي عليه درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٣٧).
وفي رواية الإمام الباقر (عليه السلام) في علامات الإمام: «وإذا لبس درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً»(١٣٨).
وعن الدرع الثانية، روي عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: جُعلت فداك، إنّي أُريد أن ألمس صدرك. فقال: «افعل»، فمسست صدره ومناكبه، فقال: «ولِمَ يا أبا محمّد؟»، فقلت: جُعلت فداك، إنّي سمعت أباك وهو يقول: «إنَّ القائم واسع الصدر مسترسل المنكبين عريض ما بينهما»، فقال: «يا [أبا] محمّد، إنَّ أبي لبس درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكانت تستخب على الأرض، وأنا لبستها فكانت وكانت، وإنَّها تكون من القائم كما كانت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مشمرة، كأنَّه ترفع نطاقها بحلقتين، وليس صاحب هذا الأمر من جاز أربعين»(١٣٩).
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) يذكر فيها بعض مواريث الأنبياء التي ورثها أهل البيت (عليهم السلام): «ولقد لبس أبي درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخطَّت على الأرض خطيطاً، ولبستها أنا فكانت وكانت، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله»(١٤٠).
(وروي أنَّ الحسني سيطلب من الإمام إخراج هذا الدرع وارتداءه ليُثبِت للناس أنَّه المهدي الموعود)(١٤١).
إشارات:
١ - نعلم أنَّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يجعل لمختصّاته أسماءً، فما اسم درعيه؟
الجواب: أمَّا اسم درع الإمامة فالظاهر أنَّه (ذات الفضول)، فعن يحيى بن أبي العلاء، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذات الفضول لها حلقتان من ورق في مقدمها وحلقتان من ورق في مؤخّرها»، وقال: «لبسها علي (عليه السلام) يوم الجمل»(١٤٢)، فالرواية ذكرت أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لبسها يوم الجمل، فيُستَكشف منه أنَّها ليس الدرع الخاصّ بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام المهدي (عليه السلام)(١٤٣).
أمَّا عن اسم الدرع الثاني فهو (السابغة) حسب ما ذكرته رواية الإمام الصادق (عليه السلام) التي تصف الإمام المهدي (عليه السلام) ولباسه حين خروجه: «ودرعه درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السابغة»(١٤٤).
وعلى كلِّ حالٍ، فأحد الدرعين باسم ذات الفضول، والآخر باسم السابغة، وعلم الواقع عند ربّي في كتاب.
٢ - ما دامت هاتان الدرعان من مختصّات الإمام المهدي (عليه السلام) بحيث أنَّها لا تستوي على أحد غيره، فيمكن اتّخاذهما وسيلة مهمَّة جدَّاً لمعرفة صدق أو عدم صدق مدَّعي المهدوية، فمن أخرج لنا تينك الدرعين وكانتا بتلك الصفة فهو المهدي حقَّاً، وإلَّا فدعواه والعدم سواء.
٣ - كتاب علي (عليه السلام):
تُؤكّد الروايات الشريفة على أنَّ من مصادر علوم أهل البيت (عليهم السلام) هو كتاب لعلي (عليه السلام)، وأعتقد أنَّ كتاب علي (عليه السلام) هو كتابان: أحدهما باسم مصحف علي، والآخر باسم كتاب أو صحيفة علي. وهما يُمثِّلان جانباً من جوانب مواريث الأنبياء والمعصومين الحجج (عليهم السلام).
أمَّا عن مصحف علي (عليه السلام)، فقصَّته أنَّه (بعدما ارتحل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الرفيق الأعلى جلس علي (عليه السلام) - الذي كان بنصٍّ من النبيّ أعلم الناس بالقرآن - في بيته حتَّى جمع القرآن في مصحف على ترتيب النزول، ولم يمض ستَّة أشهر من وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا كان علي قد فرغ من عمل الجمع وحمله للناس على بعير...)(١٤٥).
فلمَّا أكمله خرج به إلى المسجد وعرضه عليهم، ولكنَّهم رفضوا أن يلتزموه، فأخفاه عنهم الإمام (عليهم السلام) وقال: «أمَا والله لا ترونه بعد يومكم هذا أبداً»، حتَّى يُظهِره الله تعالى على يدي الإمام المهدي (عليه السلام)(١٤٦).
ولهذا المصحف خصّيصتان:
الخصّيصة الأُولى: كان مرتَّباً على ترتيب النزول، فكان أوَّله: اقرأ، ثمّ المدَّثِّر، ثمّ نون، ثمّ المزَّمِّل، ثمّ تبَّت، ثمّ التكوير، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني، نقله في الإتقان عن ابن فارس...(١٤٧).
وهو بهذا يختلف عن المصحف الموجود بين أيدينا، لأنَّ الموجود عندنا اليوم مرتَّب لا على حسب النزول كما هو واضح.
وليس في هذا أيّ نوع من التحريف، إذ لا زيادة ولا نقيصة فيه، إنَّما هو نفس المصحف الموجود اليوم مع اختلاف ترتيب الآيات والسور حسب النزول.
ولذا روي أنَّه عندما يُخرِجه الإمام المهدي (عليه السلام) فإنَّه سيكون صعباً، لتعوِّد الناس على تأليف غير التأليف الذي سيُخرِجه المهدي (عليه السلام).
فقد روي أنَّه «إذا قام قائم آل محمّد (عليهم السلام) ضرب فساطيط لمن يُعلِّم الناس القرآن على ما أنزل الله (جلّ جلاله)، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنَّه يخالف فيه التأليف»(١٤٨).
الخصّيصة الثانية: أنَّه يحتوي على التفسير الصحيح الذي أخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن جبرئيل (عليه السلام)، كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الآيات، أي كأنَّه كتب التفسير كحاشية للمصحف الشريف أو ما يشبه الحاشية.
وذلك لأنَّ أعلم الناس بالقرآن الكريم هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما روي عن عامر بن واثلة، قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلّى على نبيِّه، ثمّ قال: «أيّها الناس، سلوني سلوني، فوَالله لا تسألوني عن آية من كتاب الله إلَّا حدَّثتكم عنها بما نزلت، بليل أو بنهار؟ أو في مقام أو في مسير؟ أو في سهل أم في جبل؟ وفيمن نزلت، أفي مؤمن أم في منافق؟ وما عني به، أخاصَّة أم عامَّة؟ ولئن فقدتموني لا يُحدِّثكم أحد حديثي...»(١٤٩).
وأمَّا عن كتاب أو صحيفة علي (عليه السلام)، فقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ عندنا ما لا نحتاج معه إلى الناس، وإنَّ الناس ليحتاجون إلينا، وإن عندنا الصحيفة سبعون ذراعاً بخطّ علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله صلّى الله عليهما وعلى أولادهما، فيها من كلّ حلال وحرام»(١٥٠).
٤ - مصحف فاطمة (عليها السلام):
عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إنَّ عندنا لمصحف فاطمة (عليها السلام)، وما يدريهم ما مصحف فاطمة (عليها السلام)؟!»، قال: قلت: وما مصحف فاطمة (عليها السلام)؟ قال: «مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد»(١٥١).
وعن حمّاد بن عثمان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وذلك أنّي نظرت في مصحف فاطمة (عليها السلام)»، قال: قلت: وما مصحف فاطمة؟ قال: «إنَّ الله تعالى لمَّا قبض نبيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)، فأرسل الله إليها ملكاً يُسلّي غمّها ويُحدِّثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال: إذا أحسستِ بذلك وسمعتِ الصوت قولي لي، فأعلمته بذلك، فجعل أمير المؤمنين (عليه السلام) يكتب كلَّما سمع حتَّى أثبت من ذلك مصحفاً»، قال: ثمّ قال: «أمَا إنَّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون»(١٥٢).
إشارة:
قد يأتي مخالف معاند يقول: إنَّكم أيّها الشيعة عندكم قرآن غير قرآننا تسمّونه مصحف فاطمة.
ولكن الجواب واضح، إذ أنَّ الرواية صريحة في أنَّ مصحف فاطمة (عليها السلام) ليس فيه من القرآن ولا حرف واحد، وهذا يعني أنَّه غير القرآن، مع الالتفات إلى أنَّ معنى كلمة (مصحف) هو ما يتصفَّح فيه، أي كتاب له صفحات، وإنَّما اختصَّت بالقرآن الكريم لكثرة الإطلاق عليه، وإلَّا فبأصل اللغة يمكنك أن تُطلِق على أيّ كتاب أنَّه مصحف.
هذا، وقد ذكرت الروايات الشريفة أنَّ لفاطمة (عليها السلام) غير مصحفها لوحاً وصحيفةً، وهي من هدايا الله تعالى لها:
أمَّا عن الصحيفة، فقد روي أنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) لمَّا حضرته الوفاة: دعا بجابر بن عبد الله فقال له: «يا جابر، حدِّثنا بما عاينت في الصحيفة»، فقال له جابر: نعم يا أبا جعفر، دخلت على مولاتي فاطمة (عليها السلام) لأُهنِّئها بمولود الحسن (عليه السلام) فإذا هي بصحيفة بيدها من درَّة بيضاء، فقلت: يا سيّدة النسوان، ما هذه الصحيفة التي أراها معكِ؟ قالت: «فيها أسماء الأئمَّة من ولدي»، فقلت لها: ناوليني لأنظر فيها، قالت: «يا جابر، لولا النهي أفعل، لكنَّه نهي أن يمسّها إلَّا نبيّ أو وصيّ نبي، أو أهل بيت نبيّ، ولكنَّه مأذون لك أن تنظر إلى باطنها من ظاهرها»، قال جابر: فقرأت فإذا فيها: «أبو القاسم محمّد بن عبد الله المصطفى، أُمّه آمنة بنت وهب. أبو الحسن علي بن أبي طالب المرتضى، أُمّه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف...»، إلى أن قرأ فيها: «أبو القاسم محمّد بن الحسن، هو حجَّة الله تعالى على خلقه القائم، أُمّه جارية اسمها نرجس صلوات الله عليهم أجمعين»(١٥٣).
وأمَّا عن اللوح، فقد ورد عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال أبي (عليه السلام) لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنَّ لي إليك حاجة، فمتى يخفُّ عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: في أيّ الأوقات شئت، فخلّى به أبو جعفر (عليه السلام)، قال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أُمّي فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما أخبرتك به أنَّه في ذلك اللوح مكتوباً.
فقال جابر: أشهد بالله، أنّي دخلت على أمّك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُهنِّئها بولادة الحسين (عليه السلام)، فرأيت في يدها لوحاً أخضر، ظننت أنَّه من زمرّد، ورأيت فيه كتابة بيضاء شبيهة بنور الشمس، فقلت لها: بأبي أنتِ وأُمّي يا بنت رسول الله، ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله (عزَّ وجلَّ) إلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه اسم أبي، واسم بعلي، واسم ابنيّ، وأسماء الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرّني بذلك. قال جابر: فأعطتنيه أُمّك فاطمة (عليها السلام)، فقرأته وانتسخته.
فقال له أبي (عليه السلام): فهل لك يا جابر أن تعرضه عليَّ؟ فقال: نعم، فمشى معه أبي (عليه السلام)، حتَّى انتهى إلى منزل جابر، فأخرج إلى أبي صحيفة من رقّ، فقال: يا جابر، أُنظر أنت في كتابك، لأقرأه أنا عليك. فنظر جابر في نسخته فقرأه عليه أبي (عليه السلام)، فوَالله ما خالف حرف حرفاً، قال جابر: فإنّي أشهد بالله أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوباً:
بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لمحمّد نوره وسفيره وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند ربّ العالمين. عظِّم يا محمّد أسمائي، واشكر نعمائي، ولا تجحد آلائي. إنّي أنا الله، لا إله إلَّا أنا، قاصم الجبّارين، (ومبير المتكبّرين)، ومذلّ الظالمين، وديّان الدين. إنّي أنا الله، لا إله إلَّا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذَّبته عذاباً لا أُعذِّبه أحداً من العالمين، فإيّاي فاعبد، وعليَّ فتوكَّل، إنّي لم أبعث نبيَّاً، فأكملت أيّامه وانقضت مدَّته، إلَّا جعلت له وصيَّاً، وإنّي فضَّلتك على الأنبياء، وفضَّلت وصيّك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك بعده وبسبطيك الحسن والحسين...».
إلى أن يقول: «والخازن لعلمي الحسن، ثمّ أُكمل ذلك بابنه، رحمةً للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيّوب، ستذلُّ أوليائي في زمانه، ويتهادون رؤوسهم كما تُهادى رؤوس الترك والديلم، فيُقتَلون ويُحرَقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تُصبَغ الأرض من دمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أُولئك أوليائي حقَّاً، بهم أدفع كلّ فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع عنهم الآصار والأغلال، ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]».
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلَّا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلَّا عن أهله(١٥٤).
٥ - الجامعة:
عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال له: «يا أبا محمّد، وإنَّ عندنا الجامعة، وما يدريهم ما الجامعة؟»، قلت: جُعلت فداك، وما الجامعة؟ قال: «صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإملائه من فلق فيه وخطّ علي بيمينه، فيها كلّ حلال وحرام، وكلّ شيء يحتاج الناس إليه حتَّى الأرش في الخدش»، وضرب بيده إليَّ فقال: «تأذن لي يا أبا محمّد؟»، قلت: جُعلت فداك، إنَّما أنا لك فاصنع ما شئت، فغمزني بيده وقال: «حتَّى أرش هذا - كأنَّه مغضب -...» الخ(١٥٥).
٦ - الجفر:
الظاهر من الروايات أنَّه العلم المشتمل على علم المنايا والبلايا، كما في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) يتكلَّم مع أصحابه، فقال فيما قال: «... نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خُصَّ به محمّداً والأئمَّة من بعده (عليهم السلام)، وتأمَّلت منه مولد غائبنا وغيبته وابطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم...»(١٥٦).
فهذه الرواية تُبيِّن معنى الجفر، وتدلُّ على أنَّه من العلوم الموجودة عند الإمام (عليه السلام)، وهو ما دلَّت عليه أيضاً رواية الإمام الرضا (عليه السلام) في علامات الإمام حيث يقول: «... عنده الجفر الأكبر والأصغر...»(١٥٧).
نعم، ورد في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ الجفر ليس علماً خاصَّاً، وإنَّما هو وعاءٌ فيه علوم، فهو بمثابة الخزينة أو المكتبة(١٥٨)، ففي الرواية: «وأمَّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولن يخرج حتَّى يقوم قائمنا أهل البيت. وأمَّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأُولى...»(١٥٩).
٧ - راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لمَّا التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فزلزلت أقدامهم، فما اصفرَّت الشمس حتَّى قالوا: آمنّا يا بن أبي طالب، فعند ذلك قال: لا تقتلوا الأسرى، ولا تجهزوا على الجرحى، ولا تتبعوا مولّياً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. ولمَّا كان يوم صفّين سألوه نشر الراية فأبى عليهم، فتحمَّلوا عليه بالحسن والحسين (عليهما السلام) وعمّار بن ياسر (رضي الله عنه)، فقال للحسن: يا بنيّ، إنَّ للقوم مدَّة يبلغونها، وإنَّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلَّا القائم صلوات الله عليه»(١٦٠).
وعن أبي بصير أيضاً، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى يكون تكملة الحلقة»، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، ثمّ يهزُّ الراية ويسير بها، فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلَّا لعنها، وهي راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، نزل بها جبرئيل يوم بدر». ثمّ قال: «يا أبا محمّد، وما هي والله قطن ولا كتّان ولا قزّ ولا حرير»، قلت: فمن أيّ شيء هي؟ قال: «من ورق الجنَّة، نشرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم بدر، ثمّ لفَّها ودفعها إلى علي (عليه السلام)، فلم تزل عند علي (عليه السلام) حتَّى إذا كان يوم البصرة نشرها أمير المؤمنين (عليه السلام) ففتح الله عليه، ثمّ لفَّها، وهي عندنا هناك، لا ينشرها أحد حتَّى يقوم القائم (عليه السلام)، فإذا هو قام نشرها، فلم يبقَ أحد في المشرق والمغرب إلَّا لعنها...»(١٦١).
٨ - الناموس:
وهو عبارة عن كتاب فيه أسماء الشيعة كلّهم، فأهل البيت (عليهم السلام) يعرفون شيعتهم بواسطته.
عن رجل من بني حنيفة، قال: كنت مع عمّي فدخل على علي بن الحسين (عليه السلام)، فرأى بين يديه صحائف ينظر فيها، فقال له: أيّ شيء هذه الصحف جُعلت فداك؟قال: «هذا ديوان شيعتنا»، قال: أفتأذن أطلب اسمي فيه؟! قال: «نعم»، فقال: فإنّي لست أقرأ و ابن أخي معي على الباب فتأذن له يدخل حتَّى يقرأ؟! قال: «نعم»، فأدخلني عمّي، فنظرت في الكتاب، فأوَّل شيء هجمت عليه اسمي، فقلت: اسمي وربّ الكعبة، قال: ويحك، فأين أنا؟ فجزت بخمسة أسماء أو ستَّة ثمّ وجدت اسم عمّي. فقال علي بن الحسين (عليه السلام): «أخذ الله ميثاقهم معنا على ولايتنا لا يزيدون ولا ينقصون، إنَّ الله خلقنا من أعلى علّيين وخلق شيعتنا من طينتنا أسفل من ذلك، وخلق عدوّنا من سجّين وخلق أولياءهم منهم من أسفل ذلك»(١٦٢).
وعن ابن فضّال، عن ظريف بن ناصح وغيره، عمَّن رواه، عن حبّابة الوالبية(١٦٣)، قالت: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ لي ابن أخ وهو يعرف فضلكم، وإنّي أُحِبُّ أن تُعلِمني أمن شيعتكم؟ قال: «و ما اسمه؟»، قالت: قلت: فلان بن فلان. قالت: فقال: «يا فلانة، هات الناموس، فجاءت بصحيفة تحملها كبيرة، فنشرها، ثمّ نظر فيها فقال: نعم هو ذا اسمه و اسم أبيه هاهنا»(١٦٤).
إشارات:
١ - إنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) من العلوم ما يفوق مجرَّد احصاء أسماء شيعتهم، بل إنَّ مستوى علمهم هو على الحدِّ الذي وصفته بعض الروايات الشريفة بأنَّهم إذا أرادوا أن يعلموا الشيء علموه…
في (بصائر الدرجات)(١٦٥) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ الإمام إذا شاء أن يعلم علم».
٢ - من المهمّ جدَّاً أن تكون أسماؤنا في تلك الصحيفة، وهذا الأمر لا يتأتّى إلَّا من خلال أن يكون عملنا موافقا لسيرتهم وأوامرهم، فإنَّه لا يكفي في التشيّع مجرَّد الادِّعاء.
عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا تذهب بكم المذاهب، فوَالله ما شيعتنا إلَّا من أطاع الله (عزَّ وجلَّ)»(١٦٦).
٣ - إنَّ سعة علم أهل البيت (عليهم السلام) الذي تشير إليه الروايات الشريفة يدفعنا نحو العمل بما يفرح قلوبهم حين رفع صحائف أعمالنا إليهم، فهم المؤمنون الذين يرون أعمالنا كما نصَّت بذلك الآية الكريمة مع بيان الروايات لها.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام): قوله: ﴿قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥]، قال: «هم الأئمَّة تُعرَض عليهم أعمال العباد كلّ يوم إلى يوم القيامة»(١٦٧).
٤ - إنَّ لإمامنا المهدي (عليه السلام) من العلوم ما لا تغيب معه أخبارنا عنه، فلنكن على قدر المسؤولية اتّجاه مولانا صاحب العصر والزمان.
ففي مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين...، فإنّا نحيط علمنا بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم...»(١٦٨).

* * *
الشذرة السابعة: الإمام المهدي (عليه السلام) خاتم الأوصياء

١ - نحن نعلم أنَّ الدين الذي ارتضاه الله تعالى لعباده - وهو الإسلام - جاء من أجل هدف واضح ومهمّ، وهو إيصال الناس إلى أعلى مراتب الكمال التي يمكن أن يصلوا إليها في الدنيا، ولا شكَّ أنَّ تلك المراتب الكمالية عظيمة يصل العبد بها في بعض الأحيان إلى ما لم يصل قبله ولا يصل بعده بشر ولا ملك، كما وصل الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٦٩)، أو أن يصير مخدوماً للملائكة(١٧٠)، أو أن تتمثَّل أسماء الله تعالى به فيقول للشيء: كن فيكون..
٢ - وهذه المراتب وإن حصل عليها البعض، وهو بلا شكّ أمر عظيم، ولكن الهدف الإلهي لم يتعلَّق بوصول الأفراد وحداناً إلى تلك المراتب، حتَّى إذا وصل البعض ارتفع الهدف! كلَّا، وإنَّما صريح القرآن الكريم بأنَّ الهدف هو وصول المجموع كلّه إلى هدف محدَّد في بدايته غير منتهٍ في نهايته، وهو (العبادة) وما تستلزمه من معرفة، قال تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
فالظاهر من هذه الآية هو أنَّ الهدف هو وصول الجميع إلى مرحلة العبادة.
٣ - هذا، ولا شكَّ أنَّ لكلّ هدف آلية تتناسب مع حجم الهدف ونوعه، وشاء الله تعالى أن تكون آلية هدف الخليقة هي بعث الأنبياء، ليهدوا الناس سواء السبيل فيما لو اختلفت عليهم السبل. وقد جاهد الأنبياء في سبيل أداء مهمَّتهم حقَّ الجهاد، وأدّوا ما عليهم من دون أيّ تقصير، ولكن الهدف لم يتحقَّق، لا لقصور في الهدف، ولا في تبليغ الأنبياء، وإنَّما لأسباب كانت في الناس، إلى أن جاء النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاتماً لهذه الآلية، ومفتتحاً آلية جديدة لإيصال الناس إلى هدفهم، فكان تنصيب المعصومين من آله حججاً على العباد، وأدلَّاء وأعلاماً على الهدف الأسمى للخليقة. فكان (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (الخاتم لما سبق) من عصر النبوّات، (والفاتح لما استقبل) من عصر تنصيب الأوصياء من غير الأنبياء. وهذا يعني أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان خاتماً للنبوّات، ولكن هل من خاتم للأوصياء؟
٤ - نعم، إنَّه الإمام الحجَّة (عليه السلام)، هو خاتم الأوصياء بعد جدّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو صريح الأحاديث العديدة في هذا الجانب، بل ومقتضى العديد من صفات الإمام المهدي والروايات المبيِّنة لعصر الظهور.
روي عن علي (عليه السلام) أنَّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي منّا، يختم الدين بنا، كما فتح بنا»(١٧١).
وعنه (عليه السلام) أنَّه قال للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أمنّا المهدي أم من غيرنا يا رسول الله؟»، قال: «بل منّا، بنا يختم الله كما بنا فتح...»(١٧٢).
(ومن هنا كان من صفاته (عليه السلام) أنَّه (المنتهى إليه مواريث الأنبياء، ولديه آثار الأصفياء)...، فهو نقطة نهاية المطاف في دائرة النبوَّة والإمامة، وعلى يده يُحقِّق الله ثمراتها، وفيه يجمع الله ما شاء من ألطافه الخاصَّة التي وزَّعها في أنبيائه وأوليائه، ما كان أعطاه إلى نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، فيجمعها في خاتم الحجج ومحقّق أهداف الأنبياء (عليهم السلام))(١٧٣).
وهنا إشارات:
١ - حيث إنَّ الهدف النهائي للخليقة هو الوصول إلى العبادة، وحيث إنَّ آلية الوصول إلى هذا الهدف هي بعثة الأنبياء وما يستتبعها من تنصيب الخلفاء، وحيث وُصِفَ الإمام المهدي (عليه السلام) بخاتم الأوصياء، فهذا يعني أنَّ ذلك الهدف سيتحقَّق بلا أدنى شكّ على يديه (عليه السلام)، وإلَّا كان من المناسب عدم ختم هذه المرحلة، إذ ختمها يعني قطع مادَّة الاتّصال بالسماء، وعدم توفير الآلية للوصول إلى ذلك الهدف، وهذا يتنافى مع الوعد الإلهي بتحقيق ذلك الهدف.
إذن، من وصف الإمام المهدي (عليه السلام) بخاتم الأوصياء نستكشف أنَّ ذلك الهدف سيتحقَّق إن شاء الله تعالى على يديه، وهو ما نرجو إدراكه على سلامة من ديننا لننعم بفيضه وألطافه (عليه السلام).
٢ - وهذا ما يُفسِّر لنا الروايات التي تقول بأنَّ الشيطان سيُقتَل على يدي الإمام المهدي (عليه السلام)(١٧٤)، إذ أنَّ وجوده بالإمكانيات المتاحة له من الوسوسة للإنسان وتمكّنه من خداعه بتحسين القبيح وتزيين السيّئ، ينافي تحقّق الهدف العامّ للخلقة، وهو وصول العباد إلى مرحلة ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾.
وسواء كان معنى قتله هو القتل الحقيقي بإعدام الحياة، أو بالقتل المعنوي بقتل دوافع الميل إلى وساوسه من صدور الناس عندما يصل الناس كلّ الناس إلى مرتبة عباد الله الذين لا تصلهم وساوس الشيطان(١٧٥)، فالنتيجة واحدة، وهي التزام العباد بالعبادة والابتعاد عن غضب الله تعالى وعن وسوسة الشيطان.
ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨)، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتَّى يجثو على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى أجله»(١٧٦).
وقريب منه ما عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً: «يا وهب، أتحسب أنَّه يوم يبعث الله فيه الناس؟ إنَّ الله أنظره إلى يوم يبعث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد وجاء إبليس حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك اليوم هو الوقت المعلوم»(١٧٧).
٣ - ربَّما يكون للخاتم معنى واسع يتعدّى ختم مرحلة الخلافة عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيكون معنى الخاتم هو الذي يختم كلّ مراحل التطوّر على جميع المستويات، فالعلم سيكون في أعلى مراحله الممكنة للإنسان، والأخلاق تكون في أسمى منازلها الممكنة، والغنى والتقدّم العلمي وجميع المستويات، يكون ختامها وسنامها وغايتها ومنتهاها على يدي الإمام المهدي (عليه السلام)، وهذا المعنى قد دلَّت عليه الروايات المبيِّنة لمعالم دولة الإمام المهدي (عليه السلام)، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: «يا كميل ما من علم إلَّا وأنا أفتحه، وما من سرٍّ إلَّا والقائم (عليه السلام) يختمه»(١٧٨).
وقد يكون المراد من «ما من سرٍّ» هو العلم، بقرينة صدر الكلام، وقد يكون المراد هو جميع الكمالات والأخلاق الحسنة والعلوم والمعارف الحقَّة التي أظهر سائر الأئمَّة بعضها بمقتضى صلاح زمانهم، والقائم (عليه السلام) يُظهِر جميعها، فالجميع يُختَم بظهوره.
٤ - وبهذا تعرف زيف من يدَّعي الإمامة من غير أهل البيت (عليهم السلام) بعد الإمام المهدي (عليه السلام)، سواء كان يتسمّى باسم المهدي الأوَّل أو باسم خليفة المهدي أو ما شابه، فلا إمام بعد المهدي (عليه السلام) إلَّا من أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم، كما هو مقتضى الاعتقاد برجعة الأئمَّة (عليهم السلام).

* * *
الشذرة الثامنة: خاصّية ليلة مولد الإمام المهدي (عليه السلام)

في دعاء الليلة الخامسة عشرة من شهر شعبان: «اللّهُمَّ بِحَقِّ لَيْلَتِنا وَمَوْلُودِها، وَحُجَّتِكَ وَمَوْعُودِها الَّتِي قَرَنْتَ إِلى فَضْلِها فَضْلَكَ، فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ صِدْقاً وَعَدْلاً، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ، وَلا مُعَقِّبَ لآياتِكَ، نُورُكَ المُتَأَلِّقُ، وَضِياؤُكَ المُشْرِقُ، وَالعَلَمُ النُّورُ فِي طَخْياء الدَيْجُورِ، الغائِبُ المَسْتُورُ جَلَّ مَوْلِدُهُ وَكَرُمَ مَحْتِدُهُ...»(١٧٩).
للزمان والمكان أثر في التشريع وفي التكوين، ولليالي ولادات المعصومين أثر في التشريع والتكوين..
أثر الزمان والمكان في التشريع والتكوين:
يتصوَّر البعض أن لا شعور للزمان والمكان، وهو على حقٍّ إذا كان يقصد من الشعور نفس الشعور الذي عند الإنسان، المصاحب للأحاسيس والعواطف والنموّ.. ولكن هناك معنى آخر للشعور وللحياة، هو الشعور التكويني، فالزمان والمكان من مخلوقات الله تعالى، ومخلوقات الله تعالى أُمور حيَّة تكويناً، ولذا فلها تسبيحها الخاصّ، كما يُنبئ عنه عموم قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (الإسراء: ٤٤).
ومن هنا كان من الذين يشهدون على الإنسان أو له يوم القيامة هو الزمان والمكان، يقول الإمام السجاد (عليه السلام): «... وَهَذَا يَوْمٌ حَادِثٌ جَدِيدٌ، وَهُوَ عَلَيْنَا شَاهِدٌ عَتِيدٌ، إنْ أحْسَنَّا وَدَّعَنَا بِحَمْد، وَإِنْ أسَأنا فارَقَنا بِذَمٍّ...»(١٨٠).
ومن هنا، نجد في تشريعات الدين أنَّ الثواب وكذا العقاب ربَّما يتضاعف بسبب وقوعه في مكان معيَّن أو زمان كذلك.
أمَّا عن أثر المكان فهناك أمثلة كثيرة:
فالنبيّ موسى (عليه السلام) ناجاه الله تعالى في مكان محدَّد اختاره الباري (عزَّ وجلَّ) له، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأعراف: ١٤٣).
ولإحرام الحجّ أمكنة محدَّدة لا يجوز الإحرام من غيرها..، ولمكّة أحكام تختلف عن غيرها من بقاع الأرض، فلا يجوز دخولها إلَّا بإحرام، ولا صيد فيها ولا قطع شجر..
(وتُستَحبُّ الصلاة في مشاهد الأئمَّة (عليهم السلام)، بل قيل: إنَّها أفضل من المساجد، وقد روي أنَّ الصلاة عند علي (عليه السلام) بمائتي ألف)(١٨١).
و(قد ذكروا أنَّه تكره الصلاة في الحمّام، والمزبلة، والمجزرة، والموضع المعدّ للتخلّي، وبيت المسكر، ومعاطن الإبل، ومرابط الخيل والبغال والحمير والغنم، بل في كلّ مكان قذر، وفي الطريق، وإذا أضرَّت بالمارّة حرمت، وفي مجاري المياه، والأرض السبخة، وبيت النار كالمطبخ، وأن يكون أمامه نار مضرمة ولو سراجاً، أو تمثال ذي روح، أو مصحف مفتوح، أو كتاب كذلك، والصلاة على القبر وفي المقبرة، أو أمامه قبر إلَّا قبر معصوم، وبين قبرين. وإذا كان في الأخيرين حائل أو بعد عشرة أذرع فلا كراهة، وأن يكون قدّامه إنسان مواجه له، وهناك موارد أُخرى للكراهة مذكورة في محلّها)(١٨٢).
وأمَّا عن أثر الزمان فكذلك:
فشهر رمضان مثلاً الثواب فيه مضاعف، والعبادة فيه أكثر استحباباً، يقول الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خطبة استقبال شهر رمضان: «أيّها الناس، إنَّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عنده الله أفضل الشهور، وأيّامه أفضل الأيّام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجُعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب...»(١٨٣).
وللجمعة في ليلتها ويومها أثر مختلف، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «الصدقة يوم الجمعة تضاعف، وليلة الجمعة تضاعف، وما من يوم كيوم الجمعة، وما ليلة كليلة الجمعة، يومها أزهر وليلتها غرّاء»(١٨٤).
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «الصدقة ليلة الجمعة ويومها بألف، والصلاة على محمد وآله ليلة الجمعة بألف من الحسنات، ويحطُّ الله فيها ألفاً من السيّئات، ويرفع فيها ألفاً من الدرجات، وإنَّ المصلّي على محمّد وآله في ليلة الجمعة يزهر نوره في السماوات إلى يوم تقوم الساعة، وإنَّ ملائكة الله في السماوات يستغفرون له، ويستغفر له الملك الموكَّل بقبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أن تقوم الساعة»(١٨٥).
ولسَحَر ليلة الجمعة أثر في غفران الذنوب، ورد عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول يعقوب لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، قال: «أخَّرها إلى السحر ليلة الجمعة»(١٨٦).
بل إنَّ هناك من الواجبات ما هي مقيَّدة بزمان معيَّن، لا يجوز تجاوزه، كما في الصلاة اليومية وصلاة الآيات وصوم شهر رمضان، وغيرها من الأحكام..
بل قد يكون لواجب وقت متَّسع، لكنَّه يكون في أوَّل الوقت أفضل منه في آخره، فالصلاة في أوَّل وقتها أفضل بكثير من الصلاة في آخره، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لكلّ صلاة وقتان: أوَّل وآخر، فأوَّل الوقت أفضله، وليس لأحدٍ أن يتَّخذ آخر الوقتين وقتاً إلَّا من علَّة، وإنَّما جُعِلَ آخر الوقت للمريض والمعتلّ ولمن له عذر، وأوَّل الوقت رضوان الله، وآخر الوقت عفو الله...»(١٨٧).
والخلاصة: إنَّ الإسلام يُؤكّد على أنَّ للزمان وكذا المكان أثراً في التشريع والتكوين.
ليالي ولادات المعصومين (عليهم السلام):
ومن نفس المنطلق السابق، نجد أنَّ الروايات أكَّدت على أنَّ لليالي ولادات المعصومين أثراً يختلف عن بقيَّة الليالي، إذ أنَّ نفس ولادة المعصوم تختلف عن ولادة غيره، ويمكن إدراج هذا الأمر في خصائص المعصومين (عليهم السلام)، والروايات كثيرة في هذا المجال:
فعن ابن أبي عمير، عن ابن مسكان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا خلق الله الإمام في بطن أُمّه يكتب على عضده الأيمن: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١١٥]»(١٨٨).
وعن محمّد بن سليمان الديلمي، عن أبيه سليمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ نطفة الإمام من الجنَّة، وإذا وقع من بطن أُمّه إلى الأرض وقع وهو واضع يده إلى الأرض رافع رأسه إلى السماء»، قلت: جُعلت فداك، ولِمَ ذاك؟ قال (عليه السلام): «لأنَّ منادياً يناديه من جوِّ السماء من بطنان العرش من الأُفق الأعلى: يا فلان بن فلان أثبت فإنَّك صفوتي من خلقي، وعيبة علمي، ولك ولمن تولَّاك أوجبت رحمتي، ومنحت جناني، وأحلك جواري. ثمّ وعزَّتي وجلالي لأصلينَّ من عاداك أشدّ عذابي، وإن أوسعت عليهم في دنياي من سعة رزقي»، قال: «فإذا انقضى صوت المنادي أجابه هو: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، فإذا قالها أعطاه الله العلم الأوَّل والعلم الآخر، واستحقَّ زيادة الروح في ليلة القدر»(١٨٩).
ومن أهمّ الآثار التكوينية لليلة ولادة المعصوم، هو ما ورد عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ في الليلة التي يولد فيها الإمام لا يولد فيها مولود إلَّا كان مؤمناً، وإن وُلِدَ في أرض الشرك نقله الله إلى الإيمان ببركة الإمام»(١٩٠).
ولا يقال: كيف تصحُّ هذه الرواية والحال أنَّنا نجد الكثير من الناس من يولد في ليالي ولادة المعصومين ولكنَّه على ضلال ومات على ذلك؟
لأنَّه يقال: إنَّ المقصود من الرواية هي القضيَّة الخارجية لا الحقيقية، بمعنى أنَّ المقصود هو تلك الليلة التي وُلِدَ فيها المعصوم وخرج إلى الدنيا، وليس تلك الليالي التي تأتي في السنوات التالية ممَّا يصادف تاريخها نفس تاريخ ولادة المعصوم، فليلة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) هي ليلة الخامس عشر من شعبان من عام (٢٥٥هـ)، فهذه الليلة بالخصوص هي مقصود الرواية، وهكذا ليالي ولادات بقيَّة المعصومين (عليهم السلام).
خاصّية ليلة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام):
وأمَّا عن ليلة مولد الإمام المهدي (عليه السلام)، وهي ليلة الخامس عشر من شعبان، فلها إضافة إلى ما سبق خاصّيات أُخرى وردت في الروايات أيضاً، وقبل أن نذكر تلك الروايات، لنتأمَّل قليلاً في مقطع من دعاء تلك الليلة، لنرى ما تشير إليه بعض فقراته.
«اللّهُمَّ بِحَقِّ لَيْلَتِنا»، هذا دعاء مشفوع بقسم، ومن المعلوم أنَّ القسم لا يكون إلَّا بالأمر العظيم، فيدلُّ على عظمة تلك الليلة.
«وَمَوْلُودِها وَحُجَّتِكَ وَمَوْعُودِها»، قد يقال: إنَّ عطف (مولودها) على الليلة يدلُّ على أنَّه كان لتلك الليلة عظمة قبل هذا المولد - كما قد يظهر ذلك من بعض الروايات الواردة في شأن هذه الليلة عن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما سترى بعد قليل إن شاء الله تعالى -، ولكن تلك العظمة زادت وعظمت بسبب تلك الولادة.
ولذا يمكن القول بأنَّ هذه الليلة زاد فضلها من ولادة ذلك المولود فيها، ذلك أنَّ الله تعالى علم في علمه الأزلي بحصول تلك الولادة فيها، وعظمة ذلك المولود شملت تلك الليلة في أوَّل زمان تكوينها، أي قبل الولادة الدنيوية، ونحن نعلم أنَّ أنوار المعصومين كانت قبل أن يخلق الله تعالى الخلق بزمن طويل(١٩١).
وممَّا يؤيّد هذه الاحتمال، هو أنَّ الدعاء لم يعطف (مولودها) فقط على تلك الليلة، بل وصف ذلك المولود بأنَّه حجَّة الله تعالى والموعود في هذه الليلة، فهو إشارة واضحة على أنَّ هذه الليلة كانت منتظرة مجيء الموعد المحدَّد لها من الله تعالى لتتشرَّف بأن تكون ظرفاً لولادته (عليه السلام). ولذا قرن الله تعالى إلى فضلها فضلاً، فكونها الليلة التي وُعِدَت بأن تكون ظرفاً لولادة الحجَّة يُمثِّل لها فضلاً عظيماً، وكونها الليلة التي تحقَّق الوعد الإلهي لها بالولادة الفعلية، ففضل آخر يضاف إلى فضلها الأوَّل.
«فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ صِدْقاً وَعَدْلاً»، فبنفس ولادة المهدي (عليه السلام) تمَّت كلمة الله تعالى بالصدق والعدل، فوعد صادق وحكم عادل تنتظره البشرية، ولكن هل يمكن أن يتخلَّف هذا الوعد الصادق العادل؟ كلَّا، لأنَّه:
«لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ وَلا مُعَقِّبَ لآياتِكَ»، فهذا إشارة إلى حتمية أمر الإمام المهدي (عليه السلام)، فلا أحد يُبدِّل وعد الله تعالى وكلمته التي أعطاها، ولا يمكن لأحدٍ أن يُعقِّب تلك الكلمة بخلافها، فوعد الله تعالى يجب أن يقع.
ليلة النصف من شعبان في الروايات:
وأمَّا عن الروايات التي ذكرت أثر تلك الليلة، فهي كثيرة نذكر نزراً قليلاً منها:
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كنت نائماً ليلة النصف من شعبان، فأتاني جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمّد، أتنام في هذه الليلة؟ فقلت: يا جبرئيل، وما هذه الليلة؟ قال: هي ليلة النصف من شعبان، قم يا محمّد، فأقامني، ثمّ ذهب بي إلى البقيع، ثمّ قال لي: ارفع رأسك فإنَّ هذه ليلة تُفتَح فيها أبواب السماء فيُفتَح فيها أبواب الرحمة، وباب الرضوان، وباب المغفرة، وباب الفضل، وباب التوبة، وباب النعمة، وباب الجود، وباب الإحسان، يُعتِق الله فيها بعدد شعور النعم وأصوافها، ويُثبِت الله فيها الآجال، ويُقسِّم فيها الأرزاق من السنة إلى السنة، ويُنزِل ما يحدث في السنة كلّها. يا محمّد، من أحياها بتكبير وتسبيح وتهليل ودعاء وصلاة وقراءة وتطوّع واستغفار كانت الجنَّة له منزلاً ومقيلاً، وغفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر. يا محمّد، من صلّى فيها مائة ركعة يقرأ في كلّ ركعة فاتحة الكتاب مائة مرَّة و﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عشر مرّات، فإذا فرغ من الصلاة قرأ آية الكرسي عشر مرّات، وفاتحة الكتاب عشراً، وسبَّح الله مائة مرَّة، غفر الله له مائة كبيرة موبقة موجبة للنار، وأُعطى بكلِّ سورة وتسبيحة قصراً في الجنَّة، وشفَّعه الله في مائة من أهل بيته، وشركه في ثواب الشهداء، وأعطاه ما يعطي صائمي هذا الشهر وقائمي هذه الليلة، من غير أن ينقص من أُجورهم شيئاً. فأحيها يا محمّد، وأمر أُمَّتك بإحيائها والتقرّب إلى الله تعالى بالعمل فيها فإنَّها ليلة شريفة، ولقد أتيتك يا محمّد وما في السماء ملك إلَّا وقد صفَّ قدميه في هذه الليلة بين يدي الله تعالى»، قال: «فهم بين راكع وقائم وساجد وداع ومكبِّر ومستغفر ومسبِّح. يا محمّد، إنَّ الله تعالى يُطلِع في هذه الليلة فيغفر لكلِّ مؤمن قائم يُصلّي وقاعد يُسبِّح وراكع وساجد وذاكر، وهي ليلة لا يدعو فيها داع إلَّا استُجيب له، ولا سائل إلَّا أُعطي، ولا مستغفر إلَّا غُفِرَ له، ولا تائب إلَّا تيب عليه، من حرم خيرها يا محمّد فقد حرم».
وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعو فيها فيقول: «اللّهمّ أقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تُبلِغنا به رضوانك، ومن اليقين ما يهون علينا به مصيبات الدنيا، اللّهمّ أمتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تُسلِّط علينا من لا يرحمنا، برحمتك يا أرحم الراحمين»(١٩٢).
وعن ابن أبي عمير، عن زيد الشحّام، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال: «من زار الحسين (عليه السلام) ليلة النصف من شعبان غفر الله له ما تقدَّم من ذنوبه وما تأخَّر، ومن زاره يوم عرفة كتب الله له ثواب ألف حجَّة متقبِّلة وألف عمرة مبرورة، ومن زاره يوم عاشوراء فكأنَّما زار الله فوق عرشه»(١٩٣).

* * *
الشذرة التاسعة: الغيبة المهدوية

وهنا عدَّة نقاط:
النقطة الأولى: الغيبة في أحاديث الأئمَّة (عليهم السلام):
ينبغي أن نعلم أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قد اهتمَّ بهذه المسألة عبر توضيحها وتوضيح ملابساتها من خلال أحاديث متعدّدة، والتي تُكوِّن في مجموعها وحدة موضوعية عن الغيبة، ويمكن استخلاص تلك الأحاديث عبر عدَّة نقاط(١٩٤):
١ - التأكيد على وقوع الغيبة:
عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إيّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم، ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات، قُتِلَ، هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيده بروح منه...»(١٩٥).
٢ - ضرورة عدم إنكار الغيبة:
عن هشام بن سالم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «القائم من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسُنَّته سُنَّتي، يقيم الناس على ملَّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب ربّي (عزَّ وجلَّ)، من أطاعه فقد أطاعني، ومن عصاه فقد عصاني، ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني، ومن كذَّبه فقد كذَّبني، ومن صدَّقه فقد صدَّقني، إلى الله أشكو المكذِّبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شأنه، والمضلّين لأُمَّتي عن طريقته، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]»(١٩٦).
٣ - ضرورة الثبات على الولاية زمن الغيبة:
عن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوساً فقال لنا: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثمّ قال هكذا بيده -، فأيّكم يُمسِك شوك القتاد بيده؟»، ثمّ أطرق مليَّاً، ثمّ قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»(١٩٧).
عن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): «طوبى لمن تمسَّك بأمرنا في غيبة قائمنا فلم يزغ قلبه بعد الهداية...»(١٩٨).
ولضرورة هذا الأمر، نجد التأكيد عليه من أهل البيت (عليهم السلام) في مناسبات عديدة وفي فترات مختلفة، فعن عمرو بن ثابت، قال: قال علي بن الحسين سيّد العابدين (عليهما السلام): «من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأُحُد»(١٩٩).
وعن الإمام الكاظم (عليه السلام): «طوبى لشيعتنا، المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أُولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمَّة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(٢٠٠).
٤ - التصريح بالغيبتين وبطول الكبرى منهما:
عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأُخرى طويلة، الغيبة الأُولى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة مواليه»(٢٠١).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: «لقائم آل محمّد (عليه السلام) غيبتان واحدة طويلة والأُخرى قصيرة»، قال: فقال لي: «نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الأُخرى»(٢٠٢).
٥ - كشف حال الناس في زمان الغيبة:
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل»(٢٠٣).
وعن فرات بن أحنف، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: «زاد الفرات على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) فركب هو وابناه الحسن والحسين (عليهما السلام) فمرَّ بثقيف، فقالوا: قد جاء علي يرد الماء، فقال علي (عليه السلام): أمَا والله، لأُقتلنَّ أنا وابناي هذان، وليبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنَّ عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتَّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد من حاجة»(٢٠٤).
النقطة الثانية: بيان بعض علل الغيبة:
أوَّلاً لا بدَّ أن نُسلِّم بأنَّ ما أراده الله تعالى لا بدَّ أن يكون الأصلح للبشر، وأنَّنا لا نستطيع أن نعرف العلل الواقعية لأمر إلهي، والغيبة من هذا القبيل، ولذا ورد أنَّ العلَّة الحقيقية للغيبة لم يُؤذَن بالكشف عنها، فقد ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلّ مبطل»، فقلت له: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ فقال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار، لموسى (عليه السلام) إلَّا وقت افتراقهما. يا بن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم، صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(٢٠٥).
اللّهمّ إلَّا أن يكشف لنا ذلك أهل البيت (عليهم السلام) أو يكون ما يذكر هو من باب الحكمة لا أكثر، وهذا ما أشارت إليه الروايات في تعليل وقوع غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث ذكرت عدَّة أسباب يمكن أن تكون حِكَماً للغيبة وعلى نحو جزء العلَّة والمقتضي لها، منها:
أ) الخوف من القتل:
عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم، وهو المطلوب تراثه»، قلت: ولِمَ ذلك؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني القتل -»(٢٠٦).
ذلك الخوف الذي فُسِّر بأنَّه (عليه السلام) يخاف على نفسه من أعدائه، والخوف على النفس ليس معناه الجبن، بل هو الخوف على دين الله وشريعة جدّه سيّد المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ب) التمييز والتمحيص:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «مع القائم (عليه السلام) من العرب شيء يسير»، فقيل له: إنَّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: «لا بدَّ للناس من أن يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير»(٢٠٧).
وفي حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) السابق: «وليبعثنَّ الله رجلاً من ولدي في آخر الزمان يطالب بدمائنا، وليغيبنَّ عنهم تمييزاً لأهل الضلالة حتَّى يقول الجاهل: ما لله في آل محمّد من حاجة»(٢٠٨).
ج) حتَّى لا يبايع ظالماً:
ورد في جواب الإمام المهدي (عليه السلام) لمسائل إسحاق بن يعقوب: «وأمَّا علَّة ما وقع من الغيبة فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، إنَّه لم يكن أحد من آبائي (عليهم السلام) إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي...»(٢٠٩).
وطبعاً هذا يعتبر واحداً من خصائصه التي تميَّز بها عن آبائه الطاهرين صلوات الله عليهم.
د) السنن التاريخية:
عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلَّا أن تجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وإنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم»، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي سنن من كان قبلكم»(٢١٠).
هـ) أن لا تضيع ودائع الله (عزَّ وجلَّ):
أي المؤمنين الذين يظهرون من أصلاب الكافرين، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث ابن أبي عمير، عمَّن ذكره، قال: قلت له - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) -: ما بال أمير المؤمنين لم يقاتل مخالفيه في الأوَّل؟ قال: «لآية في كتاب الله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]»، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: «ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، فكذلك القائم (عليه السلام) لم يظهر أبداً، حتَّى تخرج ودائع الله (عزَّ وجلَّ)، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) فقتلهم»(٢١١).
و) قبائح أعمال العباد، وفضائح أفعالهم، ممَّا يُسبِّب قلَّة العدد المطلوب من الأنصار:
فإنَّها المانعة عن ظهوره (عليه السلام) عقوبةً علينا كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «واعلموا أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله (عزَّ وجلَّ)، ولكنَّ الله سيُعمي خلقه عنها، بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم...» الخبر(٢١٢).
وفي توقيع الحجَّة (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا، على حقِّ المعرفة، وصدقها منهم بنا، فما يُحبِسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه، ولا نُؤثِره منهم، والله المستعان...»(٢١٣).
ز) إظهار عجز من يسعى للإصلاح الكامل من غير أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان محقَّاً:
عن أبي صادق، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(٢١٤).
النقطة الثالثة: معنى الغيبة:
اقتضت الحكمة الإلهية حفظ الإمام المهدي (عليه السلام) من كيد الأعداء إلى اليوم الموعود للظهور المبارك، وتلك الحكمة استوجبت اتّخاذ طريقة عملية مزدوجة، يتمُّ فيها حفظ الإمام (عليه السلام) من جانب، وضمان اطّلاعه على الأوضاع الجارية ومتابعتها ومعايشتها عن كثب من جانب آخر..
تلك الطريقة كانت هي الغيبة..
ولكن ما هو معناها؟
هل معناها هو أنَّ الإمام (عليه السلام) وبمعجزة إلهية اختفى عن الأنظار، بحيث فقد جسمه أيّ لون أو أصبح مثالياً أو شفّافاً أو شيئاً من هذا القبيل؟
أو أنَّ معناها هو أنَّه (عليه السلام) لا زال يراه الناس، ولكنَّهم لا يعرفون انطباق عنوان المهدي عليه، وإنَّما قد يرونه لكن بشخصية شاب وقور عليه سيماء الصالحين؟
الصحيح هو الثاني، ويمكن الاستدلال عليه:
١ - عرفنا فيما سبق أنَّ واحداً من أسباب الغيبة هو حفظ الإمام (عليه السلام) من أعدائه، إذ هم يحاولون القضاء عليه، لأنَّ وجوده يقلقل مضاجعهم. وهذه الغاية من الغيبة يكفي فيها أن لا يعرفوه بشخصه وإن رأوه، ولا داعي للانتقال إلى إخفائه، لأنَّ هذه الطريقة تعني جريان المعجزة، وقد قيل بأنَّ المعجزة إنَّما تجري عادَّة فيما لو توقَّف إثبات الحقّ عليها، أمَّا إذا كان لإثباته طريقة أُخرى من دون جريان المعجزة فلا تجري، وفي المقام حيث أمكن حفظ الإمام (عليه السلام) بإخفاء هويَّته وشخصيته، فلا موجب لاتّخاذ الطريقة الأُخرى.
٢ - وقد كان من أسباب الغيبة أيضاً هو جريان السنن التاريخية في الأنبياء السابقين عليه (عليه السلام)، وقد كانت غيبتهم بابتعادهم عن الناس من دون اختفاء الجسد، بل ما زالوا يمكن رؤيتهم بالعين المجرَّدة. وبمقتضى وحدة تلك السنن الجارية، يثبت أنَّ غيبة الإمام (عليه السلام) هي بنفس النحو..
عن سدير الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: «إنَّ في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف»، فقلت: فكأنَّك تُخبِرنا بغيبة أو حيرة؟! فقال: «ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير من ذلك؟ إنَّ إخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء أسباطاً أولاد أنبياء دخلوا عليه فكلَّموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه وكانوا إخوته وهو أخوهم لم يعرفوه حتَّى عرَّفهم نفسه، وقال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ، فما تنكر هذه الأُمَّة المتحيّرة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجَّته عنهم، لقد كان يوسف النبيّ ملك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يُعلِمه بمكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقَّه صاحب هذا الأمر يتردَّد بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه حتَّى يأذن الله له أن يُعرِّفهم نفسه كما أذن ليوسف حين قال له إخوته: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]»(٢١٥).
٣ - الروايات التي تُصرِّح بإمكان رؤيته (عليه السلام) لكن من دون معرفته بشخصيته الواقعية..
عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) قال: سمعته يقول: (والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(٢١٦).
وعنه، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) فقلت له: أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: «اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني»(٢١٧).
وفي رواية: رأيته صلوات الله عليه متعلِّقاً بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: «اللّهمّ انتقم لي من أعدائي»(٢١٨).
إشارة:
نحن وإن انتهينا إلى أنَّ معنى الغيبة هو ما تقدَّم، لكن هذا لا يمنع من أن يتَّخذ الإمام المهدي (عليه السلام) طريقة اختفاء الجسد (الشخص)، بمعنى أنَّ قدرته على ذلك ما زالت موجودة، والإمام (عليه السلام) يمكنه أن يستعمل هذه الطريقة متى شاء أو اضطرَّته الظروف الموضوعية إلى ذلك.
وبهذا يتَّضح المغزى من بعض الروايات الشريفة التي صرَّحت باختفاء شخص الإمام صلوات الله عليه، ومنها التالي:
الرواية الأُولى: عن عبيد بن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه»(٢١٩).
الرواية الثانية: ما ورد عن يعقوب بن منقوش، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن علي (عليهما السلام) وهو جالس على دكّان في الدار، وعن يمينه بيت وعليه ستر مسبل، فقلت له: [يا] سيّدي، من صاحب هذا الأمر؟ فقال: «ارفع الستر»، فرفعته فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، درّي المقلتين، شثن الكفّين(٢٢٠)، معطوف الركبتين(٢٢١)، في خدّه الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمّد (عليه السلام)، ثمّ قال لي: «هذا صاحبكم»، ثمّ وثب فقال له: «يا بنيّ، أُدخل إلى الوقت المعلوم»، فدخل البيت وأنا أنظر إليه، ثمّ قال لي: «يا يعقوب، أُنظر من في البيت؟»، فدخلت فما رأيت أحداً(٢٢٢).
النقطة الرابعة: فائدة الغائب والغيبة:
من الأسئلة التي ترد كثيراً حول القضيَّة المهدوية سؤالان:
السؤال الأوَّل: ما الفائدة في إمام غائب عن قواعده وعن مباشرة ما أُوكل إليه من مهام؟
السؤال الثاني: وأصلاً، ما الفائدة من أصل ظاهرة الغيبة؟
أمَّا جواب السؤال الأوَّل فهو: إنَّ هذا السؤال يستبطن اعترافاً بوجود الإمام (عليه السلام)، حتَّى لو كان هذا الاعتراف تنزّلياً، ومع تسليم وجود الإمام (عليه السلام) فالفوائد المترتّبة عليه - حتَّى وهو غائب - كثيرة، منها:
أوَّلاً: إنَّ الشعور بوجود إمام مفترض الطاعة، مطَّلع على الأعمال، وعلى ما يجري على أتباعه، يتألَّم لألمهم ويفرح لفرحهم، يُولِّد إحساساً بالطمأنينة، ودافعاً لتحمّل المصاعب ما دامت بعين الإمام، وبصيص أمل للمستضعفين، بأنَّ ما يمرُّ عليهم من مصاعب مهما طال زمنها فإنَّها لا محالة منتهية وزائلة، وأنَّ العاقبة لهم، وأنَّ عاقبة أمرهم هي الراحة والسرور والطمأنينة، إنْ في الدنيا لو أدركوا زمن ظهور إمامهم، وإنْ في الآخرة بالنعيم الأبدي.
ثانياً: إنَّ من أدوار الإمام - أيّ إمام - هو دور الرعاية الأبوية لأتباعه وشيعته، وهذا الدور يمكن تأديته - وعلى وجه حسن - حتَّى لو كان الراعي غائباً عن الأنظار..
ومعه نقول: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) له دور رعاية أتباعه وهو غائب عنهم ما دام لم يؤذن له بعد بالظهور..
في مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ المفيد (رحمه الله) يقول (عليه السلام): «... إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء...»(٢٢٣).
ثالثاً: إنَّ للإمام - أيّ إمام - ثلاثة أدوار - غير دور الرعاية الأبوية -:
الدور الأوَّل: دور المبيِّن للأحكام الشرعية، وهذا الدور يرتكز على العلم والورع، قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (آل عمران: ١٦٤).
عن يونس بن عبد الرحمن، عن أبي الصباح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى لم يدع الأرض إلَّا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردَّهم وإذا نقصوا شيئاً أكمله لهم، ولولا ذلك لالتبست على المؤمنين أُمورهم»(٢٢٤).
وعن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لما عُرِفَ الحقُّ من الباطل»(٢٢٥).
وعن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «ما ترك الله الأرض بغير عالم يُنقِص ما زادوا ويزيد ما نقصوا، ولولا ذلك لاختلطت على الناس أُمورهم»(٢٢٦).
الدور الثاني: دور الحاكم الأعلى للدولة، وهذا الدور مرتكز على العلم والأمانة، قال تعالى حكايةً عن النبيّ يوسف (عليه السلام): ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
الدور الثالث: دور الحجَّة، والواسطة بين الله تعالى وبين جميع عالم الإمكان..، الحجَّة الذي يجب أن يوجد على الأرض حتَّى لو لم يبقَ على الأرض إلَّا شخصان لكان أحدهما الحجَّة..، الحجَّة الذي هو أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء..، الحجَّة الذي لو رُفِعَ من الأرض طرفة عين لساخت الأرض وما فيها..
عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «لو بقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها، ولعذَّبهم الله بأشدِّ عذابه، إنَّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجَّةً في أرضه، وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يُهلِكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله ما شاء وأحبّ»(٢٢٧).
هذه هي الأدوار الثلاثة للحجَّة على الأرض..
ولكن هل يجب أن يُفعِّل الحجَّة هذه الأدوار الثلاثة كلّها بنفسه أم يمكن أن يوكلها إلى غيره؟ وهل يمكن لأحدٍ أن يسلبها منه بطريقة أو بأُخرى أو لا يمكن ذلك؟
في هذا تفصيل:
أمَّا الدور الأوَّل (دور العلم)، فلا يمكن لأحدٍ أن يسلبه منه، وهل يمكن لأحدٍ أن يسلب علم غيره!؟
نعم، لظروف موضوعية تحيط بالحجَّة لعلَّه لا يُظهِر علمه، ولكن هذا لا يمنعه من إيكال هذه المهمَّة إلى غيره ممَّن أخذوا العلم عنه وحفظوه ووعوه..، ولذا فالإمام المهدي (عليه السلام) وإن ابتعد عن مباشرة دور التعليم، ولكنَّه أوكل هذه المهمَّة للفقهاء الذي يستقون علمهم من مناهل أهل البيت (عليهم السلام) ويُعلِّمونه للشيعة..
وأمَّا الدور الثاني (دور الحاكم الأعلى للبلاد)، فليس هو دوراً أساسياً للحجَّة، وإنَّما هو دور كمالي أو تكميلي، فما دام هو العالم بأحكام الله تعالى والمبيِّن لها، فمن المناسب أن يكون هو الحاكم السياسي الأعلى للدولة، ومعه فلو أخذ ظالم هذا المركز فهذا لا يُؤثِّر في مقام الحجّية شيئاً، بل تجد الظالمين رغم أخذهم الحقّ من أصحابه الشرعيين يعرفون في دخائل أنفسهم ويعترفون بأنَّ الحقَّ للحجَّة لا لهم.
فتلخَّص: أنَّ الدورين الأوَّل والثاني بحاجة إلى ظروف موضوعية مناسبة حتَّى يقوم الإمام والحجَّة نفسه بأدائهما.
وأمَّا الدور الثالث (دور الحجَّة)، فهذا الدور ذاتي للإمام، ولا يمكن لأحدٍ أن يسلبه إيّاه أو يمنعه من أدائه كما هو واضح، ويمكن للإمام أن يؤدّيه سواء كان ظاهراً أو مغموراً، وهو ما عبَّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «اللَّهُمَّ بَلَى، لَا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ للهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً وَإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَبَيِّنَاتُه»(٢٢٨).
وهنا تظهر واحدة من فوائد وجود الإمام المهدي (عليه السلام) في زمن الغيبة - وإن كان غائباً -، فهو الحجَّة على الأرض الذي به نُرزَق، وهو الأمان على الأرض، وهو الذي لولاه لساخت الأرض وما فيها في طرفة عين..
وأمَّا جواب السؤال الثاني: أصلاً، ما الفائدة من أصل ظاهرة الغيبة؟ فتكمن الفائدة من أُسلوب الغيبة الطويلة في عدَّة أُمور أيضاً، هذه بعضها باختصار:
١ - إنَّ الغيبة أفضل أُسلوب للتمحيص ولفرز المخلصين عن غيرهم، خصوصاً إذا طالت مدَّة الاختبار، وهي سُنَّة إلهية تاريخية للتمحيص، كما في قضيَّة النبيّ نوح (عليه السلام).
٢ - إنَّ الغيبة فرصة سانحة ومهمَّة للتوبة والإنابة قبل الظهور وعدم التوفيق للتوبة، في مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ المفيد (رحمه الله): «فليعمل كلّ امرء منكم بما يقرب به من محبّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة. والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته»(٢٢٩).
٣ - إنَّ فترة الغيبة أفضل فترة يمكن للمؤمن أن يُهيِّئ نفسه فيها للظهور المبارك ونصرة المهدي (عليه السلام)..، وهو الذي عبَّرت عنه الروايات الشريفة بلزوم الانتظار.
٤ - إنَّ من أهمّ عناصر انتصار ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) على أعدائه المتهيّئين له على الدوام هو عنصر المباغتة، وحتَّى يكون عنصر المباغتة تامَّاً لا بدَّ من تكتيك منظَّم يُنسي الظالمين لحظة الظهور، وليس هو أفضل من تكتيك الغيبة الطويلة.

* * *
الشذرة العاشرة: مدَّعوا المهدوية واليمانية وغيرها

عندما نلاحظ الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام)، نجد أنَّها كانت محاطة في كثير من الأحيان بالصعوبة والمراقبة الدقيقة من قِبَل السلطات الظالمة، وهنا كان على أهل البيت (عليهم السلام) أن يوفقوا ويكيفوا بين اتّقاء شرور الظالمين وعدم إعطائهم أيَّة فرصة تسمح لهم بتصفيتهم، وبين أداء ما عليهم من مسؤولية في هداية الناس وحفظ الدين..
من هنا، أسَّس أهل البيت (عليهم السلام) نظاماً إسلاميَّاً سارت عليه الأُمَّة فيما بعد، وهو نظام الوكالة والنيابة عن الإمام، وقد تبلور هذا النظام في عهد الإمام الكاظم (عليه السلام) حيث قضى العديد من السنين في غياهب السجون، فكان يتواصل مع قواعده الشعبية من خلال الوكلاء الذين أقامهم..
وهكذا فعل الإمام المهدي (عليه السلام) حيث حكمت عليه الظروف الموضوعية بأن يغيب عن مباشرة قواعده الشعبية..، ونحن نعلم أنَّ وكلاء الإمام المهدي (عليه السلام) على صنفين: صنف النوّاب الخاصّين، وهم المعروفون بالنوّاب الأربعة (رضوان الله عليهم)(٢٣٠)، وصنف الوكلاء والنوّاب العامّين، وهم الفقهاء العارفون بحديث أهل البيت (عليهم السلام) والحافظون لدينهم..
وفي زمن الغيبة الكبرى، ليس بدعاً أن يكون شخص نائباً عامَّاً عن الإمام المهدي (عليه السلام)، إذا ما أثبت أهليته لذلك حسب القواعد المقرَّرة في عرف الفقهاء..
وإنَّما الكلام في إمكان دعوى شخص أنَّه نائب خاصّ عنه (عليه السلام)..
وينبغي التنبيه على أنَّ البحث هنا ليس بحثاً تاريخياً عن مدَّعي السفارة، وإنَّما هو بحث يتناول أُموراً لها تأثير على العقيدة إيجاباً وسلباً، بما في ذلك السلوك العملي للمؤمن، تلك الأُمور هي:
الأمر الأوَّل: ما هي العوامل المساعدة على ادِّعاء السفارة الخاصَّة؟
ممَّا يساعد على ادِّعاء السفارة المزوَّرة أُمور عديدة، ويمكن تصنيفها إلى صنفين:
الأوَّل: ما يرجع إلى نفس المدَّعي للسفارة، وخلاصتها ما يلي:
لا شكَّ أنَّ مقام النيابة عن أحد الأئمَّة (عليهم السلام) عموماً والإمام المهدي (عليه السلام) خصوصاً لهو شرف عظيم(٢٣١) ومرتبة سامية لا ينالها إلَّا عبد امتحن الله تعالى قلبه للإيمان..، وهذا ما نجده واضحاً من خلال الزيارات الخاصَّة بالنوّاب الأربعة (رضوان الله تعالى عليهم)، فقد روى الشيخ الطوسي عن الشيخ الحسين بن روح (رضوان الله عليه) في باب زيارة النوّاب أنَّك تقول في زيارتهم: (السَّلامُ عَلَيْكَ يَا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، أَشْهَدُ أَنَّكَ بَابُ المَوْلَى، أَدَّيْتَ عَنْه وَأَدَّيْتَ إِلَيْه، مَا خَالَفْتَه وَلا خَالَفْتَ عَلَيْه، فَقُمْتَ خَالصاً وَانْصَرَفْتَ سَابِقاً جِئْتُكَ عَارِفاً بِالْحَقِّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْه، وَأَنَّكَ مَا خُنْتَ فِي التَّأْدِيَةِ وَالسَّفَارَةِ. السَّلامُ عَلَيْكَ مِنْ بَابٍ مَا أَوْسَعَه، وَمِنْ سَفِيرٍ مَا آمَنَكَ، وَمِنْ ثِقَةٍ مَا أَمْكَنَكَ، أَشْهَدُ أَنَّ اللهَ اخْتَصَّكَ بِنُورِه حَتَّى عَايَنْتَ الشَّخْصَ فَأَدَّيْتَ عَنْه وَأَدَّيْتَ إِلَيْه...، جِئْتُكَ مُخْلِصاً بِتَوْحِيدِ اللهِ وَمُوَالاةِ أَوْلِيَائِه وَالْبَرَاءَةِ مِنْ أَعْدَائِهِمْ وَمِنَ الَّذِينَ خَالَفُوكَ يَا حُجَّةَ المَوْلَى، وَبِكَ إِلَيْهِمْ تَوَجُّهِي وَبِهِمْ إِلَى اللهِ تَوَسُّلِي)(٢٣٢).
ويترتَّب على هذا أنَّ النائب سيكون محطّ أنظار الموالين، وسيكون الآمر الناهي، والآخذ والمعطي، وبيت المال سيكون تحت تصرّفه، وهذه أُمور من شأنها أن تهوي بصاحبها في وادٍ سحيق إلَّا إذا اعتصم بحبل وثيق من الإيمان والتقوى..
فأوَّل ما يدعو ضعيفي الإيمان إلى ادِّعاء السفارة هو هذا المقام السامي الذي سيحصدون من خلاله الأموال الطائلة - حسب تصوّرهم -..، وقد رأيت بعض المدَّعين كيف أنَّ النساء تعطيهم مصوغاتهنَّ الذهبية، والرجال يعطون سيّاراتهم لهم وغيرها، وقد رأيت أنَّ المستفيد الوحيد من هذه الأموال هو المدَّعي وأتباعه المؤمنون به، فتراهم يصرفون الأموال وهم لا عمل لهم سوى (التبشير) بدعوتهم، والدعوة إلى (رسولهم) في القواعد الشعبية الموالية للإمام (عليه السلام)، وإصدار الأوامر والنواهي فيها بزعم أنَّها صادرة عنه (عليه السلام)(٢٣٣).
أضف إلى هذا أنَّ السفير على اتّصال سرّي مع الإمام، وبالتالي لا يمكن لأحد أن يطالبه بما يدلُّ على ارتباطه بالإمام، وهذا أمر يسهل له مهمَّة ذاك الادِّعاء من دون خوف - ولو من السذَّج الذين سيكونون محطّ نظره -.
الثاني: ما يرجع إلى مصدّقي دعوى السفير، يظهر من متابعة أتباع السفارات المزوَّرة - خصوصاً ما عايشناه في العراق لأعوام قاربت العشرة، لحركة مدَعٍّ لسفارة (أحمد إسماعيل گاطع وأتباعه الذين كانوا ممَّن أعرفهم معرفة وثيقة) - أنَّ المدَّعي يختار من الأتباع من تتوفَّر فيه الصفات التالية:
١ - السذاجة والبساطة، أي من الذين يكتفون بظواهر الأُمور السطحية، وعدم التدقيق في الدعاوى لمعرفة الغثّ من السمين..
٢ - الفقر المدقع، إلى حدّ أنَّهم يجدون صعوبة في توفير ضروريات الحياة..
٣ - العاطفة القويَّة - المفرغة من المبدأ العقلي والنقلي المستدلّ - اتّجاه القضيَّة المهدوية..
٤ - قابليتهم للخداع بأُمور ظنّية كالرؤيا وإظهار بعض القدرات الخفيَّة..
إنَّ اجتماع هذه الأُمور في أشخاص يُسهِّل للمدَّعي خداعهم، وبالتالي يضمن ولاءهم إذا ما جاءهم لينقذهم من الفقر الذي هم فيه، خصوصاً إذا أطلق عليهم بعض الألقاب التي تأخذ بمجامع القلوب..
وأعرف شخصاً حاولوا إقناعه، فقالوا له: إنَّ (فلاناً) يقول: إنَّك مبارك، وإنَّك ستكون من الدعاة إلى هذه القضيَّة ومن المقرَّبين لدى الإمام ورسوله..، إنَّ شخصاً ساذجاً إذا سمع بألقاب كهذه وصفات تُطلَق عليه، فإنَّه لا شكَّ سيهفو لاتّباع هذا المدَّعي، إلَّا أن يعصمه الله تعالى من الزلل..
الأمر الثاني: ما هي الخطوط العامَّة لدعاوى مدَّعي السفارة؟
يمكن تلخيص هذه الخطوط بالتالي:
١ - أنَّ مسألة (التقليد) قد انتهت، لأنَّ (فلاناً) اليماني أو ما شابه قد ظهر..، وهذا يعني أنَّ الفقهاء قد انتهى دورهم، بل يجب عليهم هم أن يكونوا من أتباع (فلان)..
٢ - وهذا يسلتزم أن تدفع الحقوق الشرعية لـ (فلان)، لأنَّه هو الخليفة والوكيل والنائب الشرعي للإمام ولا أحد غيره..
٣ - لا دليل ملموس على أحقّانية الدعوة، سوى (الرؤيا) الدالّة على ذلك، أو الإخبار بحصول بعض الأُمور المستقبلية، وفي حال عدم وقوعها فيزعمون آنذاك بأنَّ البداء قد حصل في هذا الأمر!
٤ - لا مجال للتريّث في تصديق الدعوة، بل إمَّا أن تُصدِّق مباشرةً، وإمَّا أن تتبوَّءَ مقعدك من النار..، وبذلك يقطعون الفرصة على المؤمن في التفكير وإعمال عقله وتفكيره، بل وحتَّى في مراجعة الروايات والمتخصّصين فيها..
٥ - كلُّ من لا يؤمن بالمدَّعي فهو كذّاب أشر، ومنحرف مضلّ، فلا يصدق في أيِّ كلمة يقولها، ولا يُعتَمد على نقله للروايات..
الأمر الثالث: كيف نواجه دعوى السفارة الكاذبة؟
وهنا أذكر أُموراً عملية، قد جُرِّبت عملياً أيضاً، وجاءت بنتائجها المرجوَّة، ويمكن إضافة أُمور من خلال التجربة الحياتية لكلِّ مؤمن واجه حركة ادِّعاء للسفارة:
١ - متابعة الظروف التي أحاطت بالمدَّعي، من بداية مسيرته في الحياة، وأين أخذ العلم، ومن يصاحب، وأخلاقه في بيته ومع أصحابه، وملاحظة مكسبه أمن حلال أو حرام أو شبهات..؟
٢ - التريّث في تصديق المدَّعي - أيّ مدَّعٍ - وعدم الالتحاق به ريثما تتبيَّن الحقيقة، فأمر أهل البيت (عليهم السلام) أوضح من الشمس وأبين من الصبح(٢٣٤).
٣ - النظر في مدى مطابقة دعوى المدَّعي لضروريات الدين والمذهب، إذ نعلم أنَّ هناك ضروريات لا يمكن مخالفتها، للنصِّ القرآني أو النصّ الشرعي الصحيح المتواتر، فإذا كانت بعض الدعاوى مخالفة لتلك الضرورات فلا بدَّ من الإسراع بتكذيبها، كما حصل من بعض الدعاوى، كالقول بأنَّ آية (الحجاب) قد نُسِخَت، فلا يجب الالتزام به..
٤ - مطالبته بالإتيان بما يدلُّ على أحقّانيته، نظرياً من خلال المناظرات المبتنية على الأُصول العلمية المقرَّرة، وعملياً بالإتيان بأُمور تدلُّ على الارتباط بالغيب، وليس فقط إخبارات أو أُمور خارقة للعادة، فإنَّ هذا ممَّا يمكن أن يأتي به المشعوذون.
وإن قال المدَّعي بأنَّه لا يجوز ذلك، فما عليك إلَّا أن تسمع هذه الرواية الدالّة على أنَّ حتَّى الإمام المهدي (عليه السلام) يقبل من الشخص الطالب للحقيقة أن يطالبه بما يدلُّ على شخصيته الحقيقية، فالحسني الذي سيكون من أهمّ أنصار المهدي (عليه السلام) يطالبه بما يدلُّ على أحقّيته، والإمام المهدي (عليه السلام) يأتيه بما يريد..، وهي أيضاً تدلُّ على أنَّ من يطالب بالدليل القطعي ويأتيه ثمّ لا يؤمن، فإنَّ الحجَّة قد كملت بحقّه..
عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إن ادَّعى مدعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٢٣٥).
وفي رواية أُخرى: «ويلحقه الحسني في اثني عشر ألفاً، فيقول له: أنا أحقُّ منك بهذا الأمر، فيقول له: هات علامة، هات دلالة، فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب الذي بيده فيخضرّ ويعشوشب، فيُسلِّم إليه الحسني الجيش، ويكون الحسني على مقدمته...»(٢٣٦).
٥ - الجدّ والاجتهاد في زيادة المعرفة بالقضيَّة المهدوية، فإنَّ زيادة الرصيد المعرفي من شأنه أن يزيل الالتباس الذي قد يحصل ليس في الحركات المنحرفة وحسب، بل وحتَّى في الحركات الحقَّة، ولذا سمعنا أنَّ لعلامات الظهور فوائد يستفيد منها من سمع بها قبل أن تكون..

* * *
الشذرة الحادية عشرة: هل يمكن اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) زمن الغيبة الكبرى؟

هنا حالتان:
الحالة الأُولى: رؤيته واللقاء به (عليه السلام) مع معرفته أثناء اللقاء:
وهذا أمر ممكن في حدِّ نفسه، إذ لا مانع عقلي من رؤية الإمام (عليه السلام)، ولا دليل على امتناع وقوعها.
ولكن القاعدة الأوَّلية في رؤيته (عليه السلام) هي أن يتمَّ اللقاء مع تمام الحفاظ على حياة الإمام وسلامته، فإذا توفَّر هذا الشرط المهمّ أمكن رؤيته، على إنَّ هذا الأمر لا يحصل لأيّ أحد، بل هو للأوحدي من الناس، وهو ما أشار إليه الشيخ أبو سهل النوبختي حيث أشار إلى أنَّ الشيء المهمّ في لقائه (عليه السلام) هو الوثاقة بدرجة كبيرة بحيث يؤمن بها على حياته (عليه السلام).
حيث ورد أنَّه سُئِلَ الشيخ أبو سهل فقيل: كيف صار هذا الأمر (أي السفارة عن الإمام) إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأُناظرهم ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجَّة (على مكانه) لعلّي كنتُ أدلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه...(٢٣٧).
وعليه فرؤيته يمكن أن تكون مع المعرفة، وهذه يشترط فيها ذلك الشرط المهمّ وغيره من الشروط كالمصلحة التي يُشخِّصها الإمام (عليه السلام)..
الحالة الثانية: رؤيته واللقاء به (عليه السلام) مع عدم معرفته أثناء اللقاء:
وهذه ممكنة لكلِّ الناس، بل هو الواقع، كما ورد هذا المعنى في الروايات الشريفة:
ففي صريح الكلام لأمير المؤمنين (عليه السلام) لحذيفة بن اليمان قال: «حتَّى اذا غاب المتغيّب من ولدي عن عيون الناس...، فوَربّ علي إنَّ حجَّتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق هذه الأرض وغربها، تسمع الكلام، وتسلم عن الجماعة، تَرى ولا تُرى إلى الوقت والوعد...»(٢٣٨).
وكذلك رواية سدير الصيرفي، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقَّه صاحب هذا الأمر يتردَّد بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم، ولا يعرفونه»(٢٣٩).
وكذلك رواية السفير الثاني محمّد بن عثمان العمري: (والله، إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(٢٤٠).
وينبغي الالتفات إلى قضيَّة مهمَّة، وهي: أنَّنا وإن كنّا لا نراه اليوم ولكن ينبغي أن يرانا هو (عليه السلام) على حال حسنة في علاقتنا مع الدين عموماً.
فينبغي العمل على إرضائه (عليه السلام) بالالتزام بالتعليمات الإسلاميَّة وعدم مخالفته في شيء من ذلك.
إذن، إنَّ اللقاء به (عليه السلام) ممكن في حدِّ نفسه زمن الغيبة الكبرى.
ولكن ينبغي هنا التنبيه على أُمور:
١ - هناك فرق بين اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) وبين ادِّعاء السفارة عنه، والمنفي هو الثاني، أمَّا الأوَّل فهو ممكن.
٢ - وهذا المعنى هو الذي يمكن به تفسير ما ورد عن السفير الرابع من توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) من أنَّه «ألَا فمن ادَّعى المشاهدة... فهو كذّاب مفتر...»(٢٤١).
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله): (لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) إلى الشيعة، على مثال السفراء، لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه (عليه السلام)، والله يعلم»(٢٤٢).
على أنَّه يمكن حمله على نفي رؤيته ومعرفته أثناء اللقاء من قِبَل غير المخلصين، أمَّا المخلِص فحتَّى إذا رآه فإنَّه لا يذيع سرَّه..
٣ - إنَّ من أهمّ ما يمنع من رؤيته (عليه السلام) هو اقتراف الذنوب والمعاصي، فهو (عليه السلام) يُمثِّل الطهارة والعفَّة والورع، إنَّ الجمال الإلهي يتجسَّد به (عليه السلام)، فينبغي لمن أحبَّ هذا الجمال أن يعمل على كلِّ ما يرضيه، فالعاشق يودي بحياته من أجل أن يرضى عنه معشوقه، ويرمي بنفسه في النار لو رآه المحبوب على غير ما يُحِبُّ..، فهيهاتَ لعين امتلأت من النظر الحرام أن تقع على نور الله الأعظم، وهيهاتَ للسان حصد أعراض الناس أن ينبس ببنت شفة في حضرة شمس الدنيا والآخرة، وهيهاتَ ليد قارفت المعاصي أن تلامس يد الرحمة الإلهية..
وفي توقيع الحجَّة (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان...»(٢٤٣).

* * *
الشذرة الثانية عشرة: فضل الانتظار والمنتظرين

من عادة العاقل أنَّه لا يخطو خطوة إلَّا إذا حسب لها حسابها الخاصّ، وعرف ما سيجنيه منها، وهذه العادة عمَّت حتَّى المقولات الدينية، ولذا نرى أنَّ أصحاب كلّ حركة أو مذهب، أوَّل ما يُعلِنون فإنَّهم يُعلِنون عمَّا سيجنيه الفرد من فوائد وأرباح من اتّباعه لهم..
وقد جرى الدين الحقّ في ذلك هذا المجرى، وخصَّص جزءاً كبيراً من أدبياته وتربويّاته في آياته ورواياته لبيان الفوائد - الدنيوية والأُخروية - المترتّبة على دين الحقّ، وذكر الجنَّة وما فيها من نعم لا تُعَدُّ ولا تُحصى تصبُّ في هذا المعنى..
وعلى نفس هذا السياق، جاءت الروايات الشريفة لتؤكّد فضل الانتظار والمنتظرين، وهي روايات كثيرة جدَّاً، ويمكن استخلاص عدَّة عناوين لذلك الفضل:
١ - إنَّ الانتظار من أفضل العبادات وأحبّها إلى الله تعالى:
فعن موسى بن بكر الواسطي، عن أبي الحسن، عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار الفرج من الله (عزَّ وجلَّ)»(٢٤٤).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: «انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من روح الله، فإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج ما دام عليه العبد المؤمن...»(٢٤٥).
ومن هنا فقد رتَّبت الروايات الكثير من الآثار العظيمة على عبادة الانتظار، فعن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم (عليه السلام)»(٢٤٦).
وعن أبي بصير ومحمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: «المنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله»(٢٤٧).
وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا كالمتشحّط بدمه في سبيل الله»(٢٤٨).
عن عمرو بن ثابت، قال: قال سيّد العابدين (عليه السلام): «من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأُحُد»(٢٤٩).
عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنَّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ (جلّ جلاله) فيقول: عبادي وإمائي! آمنتم بسرّي وصدَّقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقَّاً، منكم أتقبَّل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث، وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي»، قال جابر: فقلت: يا بن رسول الله، فما أفضل ما يستعمله المؤمن في ذلك الزمان؟ قال: «حفظ اللسان، ولزوم البيت»(٢٥٠).
٢ - إنَّ الانتظار هو الأمل الذي تُحيى به النفوس، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بأنَّ انتظار الفرج هو الفرج بعينه:
فعن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن شيء من الفرج، فقال: أوَليس تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟ إنَّ الله يقول: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١]»(٢٥١).
عن الحسن بن الجهم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شيء من الفرج، فقال: «أوَلست تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟»، قلت: لا أدري إلَّا أن تُعلِّمني، فقال: «نعم، انتظار الفرج من الفرج»(٢٥٢).
٣ - إنَّ الانتظار سبب القرب الإلهي:
فعن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «أقرب ما يكون العباد من الله جلَّ ذكره، وأرضى ما يكون عنهم، إذا افتقدوا حجَّة الله (عزَّ وجلَّ) ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنَّه لم تبطل حجَّة الله جلَّ ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقَّعوا الفرج صاحباً ومساءً، فإنَّ أشدَّ ما يكون غضب الله على أعدائه إذا افتقدوا حجَّته ولم يظهر لهم، وقد علم أنَّ أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنَّهم يرتابون ما غيَّب حجَّته عنهم طرفه عين، ولا يكون ذلك إلَّا على رأس شرار الناس»(٢٥٣).
٤ - إنَّ الانتظار سبب لتكامل العقول والمعرفة:
فعن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، قال: «... ثمّ تمتدُّ الغيبة بوليّ الله (عزَّ وجلَّ) الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة بعده. يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف، أُولئك المخلصون حقَّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرَّاً وجهراً...»(٢٥٤).
٥ - إنَّ الانتظار مخرج من المهلكات، وباب رزق - معنوي ومادّي - من الله تعالى، وهو موجب لرحمة الله تعالى:
عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام)، قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظاراً لهذا الأمر، فقال (عليه السلام): «يا عبد الحميد، أترى من حبس نفسه على الله (عزَّ وجلَّ) لا يجعل الله له مخرجاً؟ بلى والله ليجعلنَّ الله له مخرجاً، رحم الله عبداً حبس نفسه علينا، رحم الله عبداً أحيا أمرنا»، قال: قلت: فإن متُّ قبل أن أدرك القائم؟ قال: «القائل منكم أن لو أدركت قائم آل محمّد نصرته، كان كالمقارع بين يديه بسيفه، لا بل كالشهيد معه»(٢٥٥).
اختلاف الآثار لاختلاف درجات الانتظار:
إنَّ الروايات كثيرة جدَّاً في هذا المجال، وهي بمجموعها تُولِّد دافعاً مهمَّاً وحافزاً عظيماً للعمل بجد واجتهاد حتَّى ينال المؤمن مرتبة تلك العبادة، وهذا يعني ضرورة العمل وفق مبادئ الإسلام، وعدم الانحراف قيد أنملة عن تعاليم أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المجال.
هذا، ولكن رأينا أنَّ الروايات الشريفة قد بيَّنت أنَّ آثار الانتظار مختلفة، وهنا قد يرد إلى الذهن سؤال، وهو أنَّه ما دام الانتظار حقيقة واحدة، فلماذا اختلفت الآثار؟
والجواب: أنَّ ذلك كان بسبب اختلاف درجات الانتظار، أي بسبب اختلاف الغاية مثلاً من انتظار الإمام المهدي (عليه السلام)، أو اختلاف تمثّل حقيقة الانتظار في الشخص المنتظِر، ولذا توجب علينا أن نلتزم بالمنهج العملي للانتظار، وأمَّا عن الاختلاف فيمكن إرجاعه إلى أحد أسباب:
السبب الأوَّل: اختلاف درجة المعرفة:
نعلم أنَّ أهمَّ ما يخلق الاختلاف والتفاوت بين البشر هو اختلاف معارفهم ومدركاتهم، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (الزمر: ٩)، ولذا: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (المجادلة: ١١).
ومسألة الانتظار تختلف من شخص لآخر تبعاً لاختلاف معرفته بإمامه (عليه السلام)..
فهناك من لا يعرف من الإمام إلَّا اسمه، وهناك من يعرف خطوطاً عريضة جدَّاً وعامَّة عنه، والبعض لا يعرف عنه إلَّا أنَّه رجل انقلاب عسكري، والنظرات مختلفة باختلاف درجات المعرفة.
نعم، هناك من يعرف من الإمام (عليه السلام) بعض حقيقته، ويعرف أشياء عمَّا يجب الالتزام به، وما يُقرِّبه من إمامه، ولكنَّه قد يلتزم بمعرفته عملياً وقد لا يلتزم، فهذه الجهات وغيرها - ممَّا يرتبط بالمعرفة - لها دخل واضح في اختلاف ترتّب الآثار على الانتظار.
وعليه، فالمعرفة الصحيحة للمنتظِر لا بدَّ أن تتوفَّر على عناصر عديدة، نذكر منها:
أ) معرفة شخص الإمام (عليه السلام) بصفته المذكورة في الروايات.
ب) معرفة الزمان الذي يعيشه الفرد، فإنَّ من عرف الزمان لم تهجم عليه اللوابس، ولم يختلط عليه الحابل بالنابل، ولم يشتبه بمدَّعٍ للمهدوية زوراً.
جـ) معرفة الفتن التي سيقع فيها الناس زمن الظهور، طبعاً من خلال الروايات، ليعمل على اجتنابها.
د) معرفة شروط الإيمان التي لا بدَّ من التزامها زمن الغيبة، ممَّا يصبُّ في نجاح المنتظِر أثناء اختبارات الظهور، أي معرفة الأحكام الشرعية التي لا بدَّ من التزام العمل بها زمن الغيبة.
هـ) معرفة النفس، والعمل على توجيهها بالوجهة الصحيحة، فلعلَّها تخدع صاحبها وتُزيِّن له سوء عمله.
السبب الثاني: اختلاف درجة الإخلاص:
فما هي غاية المنتظِر من انتظاره لمولاه؟
هل هي تخليصه من ظلم ألمَّ به وأقلق مضجعه، أو أنَّه لتخليص الأُمَّة عموماً من آلام نفت رقادها؟
هل هو الرفاه المادّي الذي وعدت به الروايات، أو أنَّه الارتباط الروحي في أعلى مستوياته حتَّى يصل إلى مرحلة ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾؟
هل هو توفير الأمن لأصحاب الأموال فلا يخافون قاطع طريق ولا طارق شرّ بليل، أو هو سيادة روح الأُخوَّة الإيمانية وحبّ الخير للغير كحبِّه للنفس وأكثر؟
هل هو لأجل توفير فرص عمل ذات مردود مادّي عالٍ جدَّاً، أو هو لأجل العمل مع الإمام (عليه السلام) المفترض الطاعة إلى أن تعلو كلمة لا إله إلا الله الأرض، لا لشيء إلَّا لأنَّ قوله صدق وعمله حقّ؟
هذا بعض الجهات التي يختلف فيها إخلاص المنتظرين، ولأجلها تختلف آثار انتظارهم.
السبب الثالث: تفاوت المنتظرين في ارتباطهم بالإمام (عليه السلام):
إنَّ البعض لا يذكره (عليه السلام) إلَّا في يوم ولادته..
والبعض لا يذكره إلَّا إذا دهته نائبة من الدهر أو اشتدَّت به الريح في يوم عاصف..
وثالث ذاكر له، لكن عطف الأيّام عليه وسكون الليالي عنه تلهيه عن ذكره..
ورابع متألّم على فراقه، لكنَّه لا يخطو خطوة واحدة نحو الوصال..
وهناك من أحرق غياب الإمام قلبه، وأقلق مضجعه، ونفى رقاده، فهام قلبه في عشقه يبحث في أرجاء السماء وأقطار الأرض عن موضع لمولاه، فلا انقطع حنينه، ولا سكن أنينه، ولا يقرُّ له قرار إلَّا برؤية طلعة مولاه البهيَّة، ولطالما ردَّد قلبه بهدوء يكاد لا يسمع همسه: «لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوى أَمْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوى؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلَا تُرى، وَلَا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلَا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى وَلَا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلَا شَكْوى...»(٢٥٦).
قد يقول قائل: إنَّ أمر النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالانتظار معناه الدعوة إلى الركود والسكون وعدم العمل وعدم النبس ببنت شفة حيال الأوضاع الراهنة، أي إنَّ الانتظار ما هو إلَّا مراقبة الأوضاع عن كثب ريثما تأتي تلك الآية وذلك القائد، فعلى المرء أن يكون أشبه بجندي قد حاصره عدوّه، فآثر الاختباء في ملجئه بانتظار المدد(٢٥٧)!
ولكن هذا كلام قد ديف فيه السُّمُّ بالعسل، بل ما هو إلَّا سمّ زعاف، فالانتظار لا يعني أبداً ما قيل، بل ما هو إلَّا دعوة للعمل والجدّ من أجل توفير الأرضية المناسبة فردياً واجتماعياً لظهور دولة الحقّ، وهو ما ستعرف تفصيله في المعنى الصحيح لمفهوم الانتظار، فانتظر.
ومن هنا، اتَّجه البحث إلى دراسة:
الفوائد التربوية للانتظار:
للانتظار وجهتان: وجهة فردية، وأُخرى اجتماعية.
والانتظار في وجهتيه يُمثِّل حالة من الصراع النفسي، وعملاً باستمرار وجهد ونصب إلى أن يسيطر المؤمن على شهواته، ويجعل قيادة وجوده بيد عقله الواعي، فإذا عرفنا أنَّ الانتظار هو عبادة من العبادات، بل هو من أفضلها - كما تقدَّم قبل قليل - حينئذٍ أمكننا الجزم بفائدة الانتظار على المستوى الفردي، ويمكن تلخيص ذلك بـ:
١ - إنَّ الانتظار يُمثِّل عملاً عبادياً مهمَّاً، فإذا اقترن بالنيَّة الخالصة ترتَّب عليه الثواب العظيم، وما يستتبعه من لطف إلهي خفي وظاهر، ومن توفيق للعمل وفق فطرة الدين.
٢ - والانتظار - حاله في ذلك حال بقيَّة العبادات - يصبُّ في عملية بناء الفرد بناءً متكاملاً، وليس الفرد فقط بل والمجتمع، فإنَّ الدين عموماً جاء من أجل هذه الغاية، خصوصاً عندما يُتعرَّف على المعنى الصحيح للانتظار..
٣ - والانتظار - بمعناه الصحيح - يُمثِّل شعلة أمل تبثُّ إلى النفس قوَّة العمل، ووهج نور ينير الطريق بالاتّجاه الصحيح، ذلك أنَّ المؤمن المنتظر لا بدَّ وأن يتعايش مع المجتمع المنحرف، ذلك المجتمع الذي يكون المؤمن فيه (كالقابض على جمرة بيده)، وأنت تعرف حالة القابض على جمرة! خصوصاً إذا علمنا أنَّه لا يمكنه الاستغناء عن تلك الجمرة، إذ أنَّه لا يرى وجوده وكيانه إلَّا بالقبض عليها(٢٥٨)!
وإنسان بهذه الصفة يعيش حالة من الاضطراب والألم، وصراعاً نفسياً عظيماً، بين اتّجاهين في وجوده: اتّجاه يناديه: ألق ما في يدك، وعش بحرّية مع الناس، وفق مبدأ (حشر مع الناس عيد)، واتّجاه يناجيه: اثبت على مبدئك، ولا تخشَ الناس، إنَّ الله معك.
في صراع كهذا، يأتي الانتظار ليلقي بالصبر والأمل في قلب المؤمن، ليجعله ليس فقط يتحمَّل أذى الجمرة، وإنَّما ليجعله يعيش حالة من اللذَّة والفرح بقبضه عليها، ذلك عندما يرى كثرة الساقطين في الطريق، وهو يرى نفسه ثابتاً في خطواته على طريق الحقّ.
إنَّ من الآثار المهمَّة للاعتقاد بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) هو شحن طاقات الأُمَّة وبعث روح الأمل فيها..، ففرق بين من يسير وليس له هدف مرجو ومحدَّد، وبين من يسير ويحدوه الأمل الكبير..، ومن هنا تأكَّد الأمر بانتظار الفرج، وأنَّه أفضل الأعمال، ومن الواضح أنَّ المراد بانتظار الفرج هو تهيئة الأسباب لقدوم من ننتظر فرجه..، وذلك يكون في كلِّ شخص بحسب قدراته العقلية والجسدية.
سؤال: وقد يقول البعض: إنَّ ما ذُكِرَ من فوائد يتنافى مع العديد من الروايات الآمرة بعدم التحرّك وبلزوم البيوت، بألسنة متعدّدة، مثل: «كونوا أحلاس بيوتكم، وألبدوا ما ألبدنا...»، «كونوا أحلاس بيوتكم، فإنَّ الغبرة على من أثارها...»، «كفّوا ألسنتكم، والزموا بيوتكم، فإنَّه لا يصيبكم أمر تخصّون به أبداً...»، فهذه الروايات دالّة على لزوم الابتعاد عن ساحة الصراع في الحياة، وداعية إلى الوقوف وقفة المتأمّل على مسرح الأحداث..، فأيّ فائدة تربوية تبقى في الانتظار بعد هذا؟
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ هذا الكلام دعوة صريحة لإلغاء أهمّ مبدأ من مبادئ الإسلام، ذلك المبدأ الذي به كانت هذه الأُمَّة خير أُمَّة أُخرجت للناس، وهو المبدأ الذي كان مقدّمة مهمَّة، بل أهمّ مقدّمات الإيمان، ألَا وهو مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ...﴾ (آل عمران: ١١٠)، ويكفينا جواباً عن هذا الإشكال دعوته إلى ذلك.
وثانياً: إنَّ من الأساليب الملتوية للمغرضين هو أنَّهم يستندون إلى جزء رواية ويقطعونه عن بقيَّة الرواية، أو ينظرون إلى الروايات بنظرة تجزيئية لا ربط لها بالروايات الأُخر..
وهذا ما لا يمكن القبول به، فإنَّ الدين كلٌّ واحدٌ، يُفسِّر بعضه بعضاً، ويرتبط أوَّله بآخره، ونظرة كهذه من شأنها أن تحلَّ أمثال هذه الإشكالات، وعليه فنقول في الجواب:
إنَّ تتبّعاً بسيطاً لأجواء صدور مثل تلك الروايات يكشف عن أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) أطلقوها في أجواء ومناسبات خاصَّة، كانت فيها السلطات تتحيَّن الفرص بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) من جانب، وكانت بعض الصيحات اللامسؤولة تتعالى بالثورات والقتال من جانب آخر..
وبين هذين الجانبين، كان أهل البيت (عليهم السلام) يلاحظون الظروف الموضوعية لمثل تلك الحركات، وكانوا يعلمون أنَّها ستنتهي بالفشل الذريع، وأنَّها لا يُجنى منها إلَّا القتل والتشريد، لأنَّها ستُعطي الظالمين العذر المشروع لتتبّع أنصارها والقضاء عليهم..
وفي ظروف كهذه صدرت بعض الروايات الآمرة بعدم الخروج والانطواء تحت رايات تلك الحركات(٢٥٩)، بمعنى أنَّهم (عليهم السلام) أمروا أتباعهم بالقعود عن تأجيج الفتن وعن الانغماس فيها، ولكن في نفس الوقت هناك روايات كثيرة تدعو إلى أنَّه متى ما ظهر الإمام المهدي (عليه السلام) فلا بدَّ من الخروج معه ولو حبواً، ويلزم من هذا ضرورة التهيّؤ لخروجه والعمل على توفير الظروف المناسبة للظهور، وهو معنى الانتظار الصحيح - كما ستعرف قريباً إن شاء الله تعالى -.
وعلى كلِّ حالٍ، فالروايات تلك بعضها جاء على نحو القضيَّة الخارجية المحدودة بحدودها، ومن تلك الروايات ما ورد: عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «كفّوا ألسنتكم، والزموا بيوتكم، فإنَّه لا يصيبكم أمر تخصّون به أبداً، ويصيب العامَّة، ولا تزال الزيدية وقاء لكم أبداً»(٢٦٠).
فهذه الرواية يظهر منها أنَّها صدرت في زمن تحرّك الزيدية، والإمام الصادق (عليه السلام) أمر أتباعه بعدم الانخراط في تلك الحركة، لأنَّ تلك الحركة ستلهي السلطات عن متابعة الشيعة، بمعنى أنَّ تلك الحركة ستكون بمثابة الغطاء الذي يُخفي الشيعة(٢٦١).
وبعض تلك الروايات جاءت على نحو القضيَّة الحقيقية التي تنطبق على أيّ مورد مشابه لمورد الرواية، ومن تلك الروايات التالي:
١ - عن أبي بكر الحضرمي، قال: دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله (عليه السلام) وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا: ما ترى؟ فقال: «اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدّوا إلينا بالسلاح»(٢٦٢).
وهذه الرواية ظاهرة المعنى في أمر أهل البيت (عليهم السلام) أتباعهم بعدم الانخراط في أيّ حركة ليس لهم فيها دور، فإذا كان لهم (عليهم السلام) فيها دور فيجب التحرّك إليها بالسلاح وبسرعة.
٢ - عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «اسكنوا ما سكنت السماوات والأرض، أي لا تخرجوا على أحد فإنَّ أمركم ليس به خفاء، ألَا إنَّها آية من الله (عزَّ وجلَّ) ليست من الناس، ألَا إنَّها أضوء من الشمس لا تخفى على برّ ولا فاجر، أتعرفون الصبح؟ فإنَّها كالصبح ليس به خفاء»(٢٦٣).
وكم هي واضحة هذه الرواية في اتّباع الحقّ إذا ظهر، والابتعاد عن الشبهات، لأنَّها ربَّما تُهلِك المؤمن من حيث لا يشعر.
وخلاصة القول في الجواب هو أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) دعوا إلى:
أ) عدم الانخراط في الحركات المنحرفة.
ب) الصبر إلى حين تحرّكهم (عليهم السلام).
جـ) الإسراع بالالتحاق بحركة يقومون بها هم (عليهم السلام).
ووفق هذه المعاني يكون تأويل الروايات الواردة بلزوم البيت وحفظ اللسان وما شابه.
ولذلك، فإنَّ أيَّة حركة تقوم، ويكون منهجها منهج أهل البيت (عليهم السلام)، فإنَّه يمكن للمنتظر أن ينخرط فيها، ويكون من دعاتها، لأنَّها حركة تُمثِّل أهل البيت (عليهم السلام)، وفي المقابل فإنَّ أيَّة حركة لا تكون في طول خطّ أهل البيت (عليهم السلام) ولا تقوم وفق منهجهم صلوات الله عليهم تكون مشمولة للنهي الوارد في تلك الروايات.
ولذلك نجد علماءنا أفتوا بالجهاد وبالقيام إذا اقتضت الظروف الموضوعية ذلك، كما حصل في ثورة العشرين وفتوى الشيخ محمّد تقي الشيرازي (قدّس سرّه) بالجهاد، وكما عشناه من فتوى السيّد علي السيستاني (دام ظلّه) بالجهاد ضدّ أعداء أهل البيت (عليهم السلام) في العراق.

* * *
الشذرة الثالثة عشرة: المعنى الصحيح لمفهوم الانتظار

كيف أكون منتظراً حقيقياً؟
ينبغي الالتفات إلى أنَّ هذا المنهج يأتي في خطوة متأخّرة عن الاعتراف بالمهدي (عليه السلام)، بمعنى أنَّ نصف الطريق هو الاعتراف بإمامة المهدي (عليه السلام) وبعده يأتي دور هذا المنهج العملي.
والذي يمكن استخلاصه هو المنهج ذو الخطوات التالية:
الخطوة الأُولى: التسليم القلبي:
وهو ما عبَّرت عنه الروايات الشريفة بالإيمان بالغيب، الغيب الذي فُسِّر بأنَّه المهدي (عليه السلام)، وهذا يعني أنَّ أوَّل خطوة للمؤمن في طريق الانتظار هو التسليم النفسي بضرورة المهدي (عليه السلام) وكلّ ملابسات هذه القضيَّة، من ظهور دينه تعالى على الدين كلّه، وما يستلزمه من صعاب لا بدَّ منها، والتسليم بالغيبة وإن طالت، والتسليم بالأوامر الصادرة من أهل البيت (عليهم السلام) فيما يتعلَّق بواجبات زمن الغيبة - على ما ستعرفه إن شاء الله تعالى قريباً -.
عن داود بن كثير الرقّي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢ و٣]، قال: «من أقرَّ بقيام القائم أنَّه حقّ»(٢٦٤).
وعن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فقال: «المتَّقون شيعة علي (عليه السلام)، والغيب فهو الحجَّة الغائب». وشاهد ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠](٢٦٥).
الخطوة الثانية: الشعور بالمسؤولية:
بمعنى أنَّ المنتظِر لا بدَّ أن يعيش حالة من الشعور بأنَّه قد أُلقي عليه مهمَّة التمهيد لظهور المهدي (عليه السلام)، وهذا يستلزم العمل وفق مبادئ الإسلام التي من أهمّها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
إنَّ تنامي هذا الشعور في الوسط المؤمن يخلق أرضية مناسبة لظهور المهدي (عليه السلام)، وعلى هذا يكون الإمام المهدي (عليه السلام) هو من ينتظر الناس، أي ينتظر أن يقوم عدد كافٍ من المنتظِرين بمهمَّة التمهيد لظهوره.
وهذا ما تُعبِّر عنه بعض الأفكار المستفادة من الروايات، بأنَّ المهدي (عليه السلام) يظهر حين يظهر والإيمان على أشدّه كما أنَّ الكفر على أشدّه.
فعن أبي خالد الكابلي، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «... ثمّ تمتدُّ الغيبة بوليّ الله (عزَّ وجلَّ) الثاني عشر من أوصياء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة بعده. يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرون لظهوره أفضل من أهل كلّ زمان، لأنَّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف، أُولئك المخلصون حقَّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرَّاً وجهراً»(٢٦٦)-.
الخطوة الثالثة: الاستعداد للتضحيَّة من أجل الدين:
فإنَّ الدين في زمن الغيبة سيكون في خطر من جوانب عديدة: فالابتعاد عن زمن النصّ، وغياب حجَّة الله تعالى على الأرض، وتكالب الأعداء وتعاونهم ضدَّه، والتشكيك بقضيَّة المهدي (عليه السلام)، واضطهاد المؤمنين، بالإضافة إلى نوازع الشرّ والشهوات الكامنة في أعماق النفوس، كلّها مصادر خطر على الدين، والمطلوب من الفرد المنتظِر أن يقف في مواجهة جميع هذه التحدّيات.
عن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوساً فقال لنا: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثمّ قال هكذا بيده -، فأيّكم يُمسِك شوك القتاد بيده؟»، ثمّ أطرق مليَّاً، ثمّ قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»(٢٦٧).
الخطوة الرابعة: الاستعداد العملي ليوم الظهور:
صحيح أنَّ الغيبة كانت طويلة، وربَّما تطول أكثر، فعلمها عند ربّي في كتاب لا يضلُّ...، ولكن يوم الظهور آتٍ لا محالة، ومعه فلا بدَّ من الاستعداد العملي لمساندة الإمام المنتظر (عليه السلام).
فعن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ليعدنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً، فإنَّ الله تعالى إذا علم ذلك من نيَّته رجوت لأن ينسئ في عمره حتَّى يُدرِكه، فيكون من أعوانه وأنصاره»(٢٦٨).
الخطوة الخامسة: المتابعة الميدانية للظروف الموضوعية:
فإنَّ الروايات الشريفة قد بيَّنت علامات وشرائط لظهور المهدي (عليه السلام)، والتي يمكن معرفة بعضها من خلال تتبّع جريان الأحداث في العالم، الأمر الذي عبَّرت عنه الروايات الشريفة بضرورة معرفة الزمان، يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعرف الناس بالزمان، من لم يتعجَّب من أحداثه»(٢٦٩)، ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): «العالم بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس»(٢٧٠).
(... وكلَّما كان الإنسان عارفاً بزمانه استطاع أن يتنبَّأ بالحوادث القادمة أفضل، ولا يندهش لأيّ حادثة، لأنَّه تنبَّأ بها من قبل. قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «أعرف الناس بالزمان من لم يتعجَّب من أحداثه»، من هنا فإنَّ القائد العارف بزمانه الواعي لمتطلّبات عصره يفهم واجبه في الهداية والإمامة عندما تطرأ الشبهات السياسية وغير السياسية، ولا تهجم عليه اللوابس، كما قال الإمام الصادق (عليه السلام): «العالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس»)(٢٧١).
وخلاصة ما يجب ملاحظته في هذا الجانب:
١ - معرفة جريان الأحداث السياسية في العالم، خصوصاً تلك المتعلّقة بما يُسمّى بالدول العظمى، ويدخل ضمن هذا قراءة أسباب سقوط دول عظمى، وإن كان هناك أسباب خفيَّة فإنَّه يُحتَمل أنَّ يداً غيبية تدخَّلت في ذلك.
٢ - متابعة الظروف الخاصَّة التي ينشأ في أحضانها مدَّعوا المهدوية على طول خطّ التاريخ، ومحاولة تلمّس الأدوات التي يعتمدونها، والخطط التي يتَّبعونها في نشر دعاواهم أو في إقناع المخاطب بقضيَّتهم، حتَّى لا يقع المؤمن لقمة سائغة في أفواههم.
٣ - متابعة نموّ المذهب الحقّ، ورصد تحرّكات العدوّ ضدّه، فلا شكَّ أنَّ لهذه المعرفة - إذا تُرجِمت إلى عمل جادّ - أثراً مهمَّاً في خلق القاعدة المناسبة وتهيئة الظروف الملائمة ليوم الظهور المقدَّس.
الخطوة السادسة: زيادة الرصيد المعرفي بدولة الحقّ:
لا شكَّ أنَّ من أهمّ ما يجعل المنتظِر لدولة الحقّ متلهِّفاً لها ولنصرتها هو معرفته بها معرفة إن لم تكن تامَّة فواسعة، إذ المعرفة بها وبما توفّره للبشر من مبادئ للسعادة الدنيوية والأُخروية تُمثِّل أكبر دافع وأقوى حافز للعمل على التمهيد لها، والتمهيد لها هو خلاصة ما يجب فعله في زمن الغيبة الكبرى.
ويدخل في هذا السياق متابعة الحركة العلمية المتعلّقة بالإمام المهدي (عليه السلام)، من دراسات حديثة وكتب جديدة ومجلَّات متخصِّصة في الشأن المهدوي، إذ لا شكَّ في قدرتها عموماً على زيادة المعرفة بالإمام المهدي (عليه السلام) وبدولته العظيمة وملابساتها المختلفة.
إنَّ زيادة المعرفة بدولة الحقّ هو ما يجعلها بارزة واضحة لا لبس فيها، وهو ما عبَّر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) فيما ورد عن محمّد بن عصام، قال: حدَّثني المفضَّل بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: «إيّاكم والتنويه - يعني باسم القائم (عليه السلام) -»، وكنت أراه يريد غيري، فقال لي: «يا أبا عبد الله، إيّاكم والتنويه، والله ليغيبنَّ سبتاً من الدهر، وليخملنَّ حتَّى يقال: مات أو هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتفيضنَّ عليه أعين المؤمنين، وليكفأنَّ كتكفّئ السفينة في أمواج البحر حتَّى لا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه، ولتُرفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُعرَف أيّ من أيّ»، قال المفضَّل: فبكيت، فقال لي: «ما يبكيك؟»، قلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: «تُرفَع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُعرَف أيّ من أيّ»؟ قال: فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قلت: نعم، فقال: «والله لأمرنا أضوء منها»(٢٧٢).

* * *
الشذرة الرابعة عشرة: ما يجب فعله في زمن الغيبة الكبرى

كثيرة هي الواجبات على المسلم، ولكن هناك أُموراً واجبة على المؤمن الذي يحسب نفسه منتظراً لمولاه المهدي (عليه السلام)، وقد تقدَّم في الشذرة السابقة جملة من تلك الواجبات، وفي هذه الشذرة سنُعطي نقاطاً عدَّة تُمثِّل عناوين عامَّة شاملة لما يجب فعله في زمن الغيبة، وستكون الصبغة الغالبة عليها - وهنا يكمن فرق هذه الشذرة عن سابقتها - هي الصبغة العملية التنفيذية، التي لا تحتمل التأجيل، وإنَّما تجب المباشرة بتطبيقها حتَّى يسلك المؤمن خطوات عملية جادّة للوصول إلى مرحلة المنتظرين.
النقطة الأولى: تأمين الموالاة بمعناها الصحيح:
بمعنى أن يشتمل المنتظِر الحقيقي على معرفة عملية بإمام زمانه (عليه السلام)، والتي تعني تولّيه عملياً والتبرّي من أعدائه كذلك، وقد عبَّرت الأحاديث عن هذا المعنى بعدَّة تعبيرات، كالاقتداء بالإمام (عليه السلام)، ومعرفة الأمر، وقد رتَّبت عليه ثمرات عملية، كالصبر على الغيبة وطولها، وضبط النفس بالتسليم لأمر الله تعالى، طالت الغيبة أو قصرت.
عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتدٍ به قبل قيامه، يأتمّ به وبأئمَّة الهدى من قبله، ويبرء إلى الله (عزَّ وجلَّ) من عدوّهم، أُولئك رفقائي وأكرم أُمَّتي عليَّ»(٢٧٣).
عن عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من عرف هذا الأمر ثمّ مات قبل أن يقوم القائم (عليه السلام) كان له مثل أجر من قُتِلَ معه»(٢٧٤).
عن الفضيل بن يسار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فقال: «يا فضيل، اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفت إمامك لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن عرف إمامه ثمّ مات قبل أن يقوم صاحب هذا الأمر كان بمنزلة من كان قاعداً في عسكره، لا، بل بمنزلة من قعد تحت لوائه»(٢٧٥).
النقطة الثانية: توفير الحصانة الرصينة ضدّ أسباب الانحراف:
إنَّ على من ينذر نفسه للتمهيد للظهور أن يتمثَّل الإسلام في حياته العملية، لأنَّ يوم الظهور ما هو إلَّا يوم ظهور الإسلام بحلَّته الإلهية التي ارتضاها ربّ العالمين للمسلمين، وهذا الأمر يقتضي أن يتوفَّر المؤمن على حصانة رصينة وترسانة صلبة ضدّ أسباب الانحراف، لأنَّ من أهمّ سمات زمن الغيبة التي نعيشها اليوم هي توفّر أسباب الانحراف وسيولتها بشكل لافت للنظر، بحيث أصبحت في متناول الجميع، ولا صعوبة في الحصول عليها، علناً وخفاءً. لذا كان لزاماً على المؤمن أن لا يذوب في هذا المحيط الفاسد، وفي نفس الوقت لا بدَّ أن يعمل على التعايش مع هكذا وضع منحرف ليعمل على إصلاحه!
والموازنة بين هذين الأمرين هي رهان المؤمن على نجاحه في اختبار زمن الغيبة.
وهذه الحصانة تعني التزام التقوى، والتقوى تحتاج إلى ما يُنمّيها ويُقوّيها، وهذا ما يحتاج إلى صبر وحبس نفس حتَّى لا يترك إلى غيره، والحفاظ على هذا المعنى المتكامل بحاجة إلى ابتعاد عملي عن المشاركة في الفتن التي تسلب التقوى ومقوّماتها، وتفصيل هذا:
١) التمسّك بالتقوى:
إذ هي حصن الإيمان كما عبَّر أمير المؤمنين (عليه السلام)(٢٧٦)، وعن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوساً فقال لنا: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسّك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثمّ قال هكذا بيده -، فأيّكم يُمسِك شوك القتاد بيده؟»، ثمّ أطرق مليَّاً، ثمّ قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»(٢٧٧).
ولا يخفى أنَّ التقوى مفهوم مركَّب من:
أ) الورع، وهو الابتعاد عن المعاصي صغيرها وكبيرها، بل وعن الشبهات.
ب) الاجتهاد، وهو بذل الجهد في عمل الواجبات والطاعات.
وهو ما عبَّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «أَعِينُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّةٍ وَسَدَادٍ»(٢٧٨).
٢) التزام محاسن الأخلاق:
إذ التزامها عامل مهمّ في تقوية التقوى وتنميتها، وبالتالي الحفاظ على الإيمان.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال ذات يوم: «ألَا أُخبركم بما لا يقبل الله (عزَّ وجلَّ) من العباد عملاً إلَّا به؟»، فقلت: بلى، فقال: «شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمّداً عبده ورسوله، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا - يعني الأئمَّة خاصَّة -، والتسليم لهم، والورع والاجتهاد، والطمأنينة، والانتظار للقائم (عليه السلام)»، ثمّ قال: «إنَّ لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء»، ثمّ قال: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق، وهو منتظِر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة»(٢٧٩).
٣) الصبر على التزام ذينك الأمرين:
خصوصاً وإنَّ طول الغيبة مدعاة لليأس والقنوط، فلولا الصبر الذي يلتزمه المؤمن لفقد إيمانه، ولذا أكَّدت الروايات الشريفة على التزام الصبر كمنهج عملي في زمن الغيبة.
عن جابر الأنصاري، عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «يغيب عنهم الحجَّة، لا يُسمّى حتَّى يُظهِره الله، فإذا عجَّل الله خروجه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محجَّتهم، أُولئك وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وقال: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]»(٢٨٠).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أمَا سمعت قول العبد الصالح: ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣]، ﴿انْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١]، فعليكم بالصبر فإنَّه إنَّما يجيء الفرج على اليأس، وقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم»(٢٨١).
هذا، وينبغي أن يتمثَّل الصبر بأشدّ صوره في مسألة الانتظار، من جهة حبس النفس على أمر الله تعالى، بمعنى التسليم بما قدَّره الله تعالى من الوقت المحدَّد للظهور المبارك، بحيث يرضى المؤمن بذلك بقلبه وعقله، ولا يُحدِّث نفسه أبداً بما يوحي بالاعتراض على تقدير الله تعالى، وحتَّى يضمن المنتظِر المؤمن هذه المرتبة، لا بدَّ أن يتمثَّل بعض فقرات دعاء زمن الغيبة، وأن يعيش مضمونها بوجدانه ويعيشها بكيانه، أقصد الفقرات التالية:
«... اللّهُمَّ فَثَبِّتْنِي عَلى دِينِكَ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِطاعَتِكَ، وَلَيِّنْ قَلْبِي لِوَلِيِّ أَمْرِكَ، وَعافِنِي مِمَّا امْتَحَنْتَ بِهِ خَلْقَكَ، وَثَبِّتْنِي عَلى طاعَةِ وَلِيِّ أَمْرِكَ، الَّذِي سَتَرْتَهُ عَنْ خَلْقَكَ، فَبِإِذْنِكَ غابَ عَنْ بَرِيَّتِكَ، وَأَمْرَكَ يَنْتَظِرُ، وَأَنْتَ العالِمُ غَيْرُ المُعَلَّمِ بِالوَقْتِ الَّذِي فِيهِ صَلاحُ أَمْرِ وَلِيِّكَ فِي الإِذْنِ لَهُ بِإِظْهارِ أَمْرِهِ وَكَشْفِ سِرِّهِ، فَصَبِّرْنِي عَلى ذلِكَ حَتَّى لَا أُحِبَّ تَعْجِيلَ ما أَخَّرْتَ وَلَا تَأْخِيرَ ما عَجَّلْتَ، وَلَا أَكْشِفُ ما سَتَرْتَ وَلَا أَبْحَثُ عَمَّا كَتَمْتَ، وَلَا أُنازِعَكَ فِي تَدْبِيرِكَ، وَلَا أَقُولَ: لِمَ وَكَيْفَ وَما بالُ وَلِيِّ الأَمْرِ لَا يَظْهَرُ وَقَدْ امْتَلَأَتِ الأَرْضُ مِنَ الجَوْرِ؟! وَأُفَوِّضَ أُمُورِي كُلَّها إِلَيْكَ...»(٢٨٢).
٤) القعود عن تأجيج الفتن:
وهو معنى ما تقدَّم من أمر بعض الروايات بالتزام البيوت وأن نكون (أحلاس بيوتنا)، وقد عرفنا المعنى التفصيلي لمثل هذه الروايات، والآن نؤكّد ذلك المعنى، خصوصاً وإنَّ الروايات الشريفة قد صرَّحت بهذا المعنى.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لمَّا دخل سلمان (رضي الله عنه) الكوفة، ونظر إليها، ذكر ما يكون من بلائها حتَّى ذكر ملك بني أُميَّة والذين من بعدهم. ثمّ قال: فإذا كان ذلك فالزموا أحلاس بيوتكم حتَّى يظهر الطاهر ابن الطاهر المطهَّر ذو الغيبة الشريد الطريد»(٢٨٣).
النقطة الثالثة: تنمية الجانب الروحي والغيبي:
ويتمثَّل هذا بالتزام أعمال لها دور غيبي في تعجيل الظهور، وأثر في تنقية الروح وربطها بالسماء والغيب، وهذا أقلّ ما يمكن أن يفعله المؤمن لمولاه المنتظر (عليه السلام)، وفاءً لحقوقه العظيمة علينا، والتي ربَّما لا نستطيع إحصاءها، يكفي أنَّه لولا الحجَّة لساخت الأرض ومن عليها، فهو أمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء.
وأهمّ تلك الأعمال هي:
١) الصدقة:
وتعني التزام دفع صدقة - ولو قليلة - يومياً نيابةً عن الإمام المهدي (عليه السلام)، ينوي فيها المؤمن دفع البلاء بها عن مولاه المضطرّ (عليه السلام)، وتعجيل فرجه، والتقرّب إليه، وغيرها من القصود التي تصبُّ في هذا المعنى، وتذكَّر أنَّه «لا تستح من إعطاء القليل، فإنَّ الحرمان أقلّ منه»(٢٨٤).
في تفسير العيّاشي: عن مفضَّل بن عمر، قال: دخلت على أبى عبد الله (عليه السلام) يوماً ومعي شيء فوضعته بين يديه، فقال: «ما هذا؟»، فقلت: هذه صلة مواليك وعبيدك، قال: فقال لي: «يا مفضَّل، إنّي لا أقبل ذلك، وما أقبله من حاجتي إليه، وما أقبله إلَّا ليزكوا به»، ثمّ قال: «سمعت أبي يقول: من مضت له سنة لم يصلنا من ماله قلَّ أو كثر لم ينظر الله إليه يوم القيامة إلَّا أن يعفو الله عنه»، ثمّ قال: «يا مفضَّل، إنَّها فريضة فرضها الله على شيعتنا في كتابه إذ يقول: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، فنحن البرّ والتقوى، وسبيل الهدى، وباب التقوى، ولا يُحجَب دعاؤنا عن الله، اقتصروا على حلالكم وحرامكم فاسألوا عنه، وإيّاكم أن تسألوا أحداً من الفقهاء عمَّا لا يعنيكم وعمَّا ستر الله عنكم»(٢٨٥).
٢) إهداء الأعمال العبادية:
فهو ديدن علمائنا، فقد كانوا - ولا زالوا - يجهدون أنفسهم بعمل بعض الأعمال ويهدون ثوابها لمولاهم المهدي (عليه السلام)، وأُسوة بهم لا بدَّ من التزام منهج عملي لتلك الأعمال المهداة له (عليه السلام)، وكاقتراح عملي نطرح هذا المنهج التالي:
أ) ختم القرآن وإهداء ثوابه إلى الإمام المنتظر (عليه السلام).
وقد دلَّت بعض الروايات الشريفة على استحباب إهداء قراءة القرآن إلى أهل البيت (عليهم السلام)، فعن علي بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: قلت له: إنَّ أبي سأل جدَّك عن ختم القرآن في كلّ ليلة، فقال له جدّك: «كلّ ليلة»، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدّك: «في شهر رمضان»، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربَّما زدت وربَّما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ختمة، ولعلي (عليه السلام) أُخرى، ولفاطمة (عليها السلام) أُخرى، ثمّ للأئمَّة (عليهم السلام) حتَّى انتهيت إليك، فصيَّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيّ شيء لي بذلك؟ قال: «لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة»، قلت: الله أكبر، [ف]لي بذلك؟! قال: «نعم»، ثلاث مرّات(٢٨٦).
ب) إشراك الإمام (عليه السلام) في كلّ فريضة، وإهداء النوافل - كلّها - له، ولا تخف، ففضل الله تعالى وجوده أوسع وأعظم ممَّا تتخيَّل.
وقد دلَّ على جواز ذلك بعض الروايات الشريفة، منها ما ورد عن أبي عبد الله أحمد بن عبد الله البجلي بإسناد رفعه إليهم صلوات الله عليهم، قال: «من جعل ثواب صلاته لرسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين وسلَّم، أضعف الله له ثواب صلاته أضعافاً مضاعفة حتَّى ينقطع النفس، ويقال له قبل أن يخرج روحه جسده: يا فلان، هديَّتك إلينا وألطافك لنا، فهذا يوم مجازاتك ومكافاتك، فطب نفساً وقرّ عيناً بما أعدَّ الله لك، وهنيئاً لك بما صرت إليه»، قال: قلت: كيف يهدي صلاته ويقول؟ قال: «ينوي ثواب صلاته لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولو أمكنه أن يزيد على صلاة الخمسين شيئاً ولو ركعتين في كلّ يوم ويهديها إلى واحد منهم...» الخ(٢٨٧).
جـ) إهداء الطواف للإمام (عليه السلام)، وإن أمكن فعمرة أو حجَّة، فقد كان أهل البيت (عليهم السلام) يبعثون من يحجّ عنهم في حياتهم، فقد ورد عن محمّد بن عيسى اليقطيني، قال: بعث إليَّ أبو الحسن الرضا (عليه السلام) رزم ثياب وغلماناً وحجَّة لي وحجَّة لأخي موسى بن عبيد وحجَّة ليونس بن عبد الرحمن، فأمرنا أن نحج عنه، فكانت بيننا مائة دينار أثلاثاً فيما بيننا...(٢٨٨).
وعن موسى بن القاسم، قال: قلت لأبي جعفر الثاني (عليه السلام): قد أردت أن أطوف عنك وعن أبيك، فقيل لي: إنَّ الأوصياء لا يطاف عنهم، فقال لي: «بل طف ما أمكنك فإنَّه جائز»، ثمّ قلت له بعد ذلك بثلاث سنين: إنّي كنت استأذنتك في الطواف عنك وعن أبيك فأذنت لي في ذلك فطفت عنكما ما شاء الله، ثمّ وقع في قلبي شيء فعملت به، قال: «وما هو؟»، قلت: طفت يوماً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال ثلاث مرّات: «صلّى الله على رسول الله»، ثمّ اليوم الثاني عن أمير المؤمنين، ثمّ طفت اليوم الثالث عن الحسن (عليهما السلام)، والرابع عن الحسين (عليه السلام)، والخامس عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، والسادس عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام)، واليوم السابع عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، واليوم الثامن عن أبيك موسى (عليه السلام)، واليوم التاسع عن أبيك علي (عليه السلام)، واليوم العاشر عنك يا سيّدي، وهؤلاء الذين أدين الله بولايتهم، فقال: «إذن والله تدين بالدين الذي لا يُقبَل من العباد غيره»، قلت: وربَّما طفت عن أُمّك فاطمة (عليها السلام) وربَّما لم أطف، فقال: «استكثر من هذا فإنَّه أفضل ما أنت عامله إن شاء الله»(٢٨٩).
٣) إقامة مجالس خاصَّة بذكر الإمام المهدي (عليه السلام) وقضيَّته في شتّى جوانبها:
والمشاركة العملية في ذلك، ولا شكَّ أنَّ إقامة المسابقات الخاصَّة بالقضيَّة المهدوية لها أثر مهمّ في تنمية هذا الجانب الروحي بها.
٤) التزام الدعاء:
وهذا أمر قد أكَّدت عليه الروايات الشريفة كثيراً، والدعاء هنا له مرحلتان:
الأُولى: مرحلة الدعاء للإمام المهدي (عليه السلام)، لحفظه من كيد الأعداء، ولتعجيل ظهوره، وهنا نجد قائمة مهمَّة من الأدعية، وأهمّها: دعاء الفرج «اللَّهُمَّ كُنْ لِوَلِيِّكَ الحُجَّةِ بْنِ الحَسَنِ...»(٢٩٠)، ودعاء العهد «اللّهُمَّ رَبَّ النُّورِ العَظِيمِ...»(٢٩١)، ودعاء الندبة(٢٩٢).
ويدخل في هذا السياق الزيارات الخاصَّة به (عليه السلام)، وأهمّها زيارة آل يس التي ورد التوقيع الشريف في مقدمتها: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمره تعقلون، حكمة بالغة، فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا أردتم التوجّه بنا إلى الله تعالى وإلينا، فقولوا كما قال الله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلى إِلْ ياسِينَ﴾ [الصافّات: ١٣٠]...»(٢٩٣).
الثانية: مرحلة دعاء المؤمن لنفسه في زمن الغيبة، لحفظ إيمانه، ودفع كيد الشياطين عن نفسه.
وهنا أيضاً قائمة مهمَّة من الأدعية، أهمّها:
أ) دعاء زمن الغيبة: فقد ذكر الإمام الصادق (عليه السلام) زمن الغيبة لزرارة، فقال زرارة: فقلت: جُعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان فأيّ شيءٍ أعمل؟ قال: «يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء: اللّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي...»(٢٩٤)، وهو دعاء طويل، وهو موجود في (مفاتيح الجنان)(٢٩٥)، فالتزمه.
علماً أنَّه يمكن التزام المقطع المذكور في الرواية يومياً.
ب) دعاء الغريق: فعن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يُرى، ولا إمام هدى، ولا ينجو منها إلَّا من دعا بدعاء الغريق»، قلت: كيف دعاء الغريق؟ قال: «يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»، فقلت: يا الله يا رحمن يا رحيم يا مقلِّب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) مقلِّب القلوب والأبصار، ولكن قل كما أقول لك: يا مقلِّب القلوب ثبِّت قلبي على دينك»(٢٩٦).
وينبغي تمثّل حالة الغريق - الذي فقد الأمل بالحياة، وكان على استعداد للتمسّك بأيّ شيء ينقذه من الهلاك - عند قراءة هذا الدعاء، حتَّى يؤتي الدعاء ثمرته.
وهنا قد يسأل البعض: أليس الله تعالى هو الحافظ للإمام المهدي (عليه السلام) من كيد الأعداء؟ فما فائدة دعائنا له؟
والجواب من عدَّة جهات(٢٩٧):
١ - إذا صحَّ هذا الإشكال فمعنى ذلك يجب علينا أن لا ندعو لأيّ شخص كان، ولا ندعو بشيء على الإطلاق، لأنَّ كلّ شيء في هذا الكون مقدَّر من الله سبحانه وتعالى، فلا تدعُ لأصدقائك وأقربائك بطول العمر مثلاً أو بزيادة الرزق أو بالصحَّة والعافية، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قد قدَّر لهم عمراً معيَّناً ورزقاً معيَّناً وصحَّة وعافية معيَّنة، وهذا واضح البطلان، لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: «الدعاء يردّ القضاء المبرم فاتَّخذوه عدة»(٢٩٨).
٢ - للدعاء آثار كبيرة على جميع الأصعدة، سواء على الحالة النفسية للإنسان الداعي أو على مستوى تغيير الواقع الذي يعيشه، مضافا إلى الأجر والثواب الكبير باعتباره أحد أهمّ العبادات، والتي تربط بين العبد وربّه، فعلى هذا الأساس فإنَّ دعاءنا للإمام (عليه السلام) بالحفظ والفرج يفيد أوَّلاً في زيادة ارتباطنا به، وعدم الغفلة عنه، ممَّا يعطينا زخماً معنوياً، وحركةً عاليةً في اتّجاه حركة الإصلاح العالمي والتمهيد لها، إضافة إلى ذلك الحصول على الأجر الكبير والثواب الجزيل من الله سبحانه وتعالى، والمهمّ في الأمر هو أنَّ دعاءنا للإمام مفيد حتَّى للإمام سلام الله عليه، وذلك في تعجيل الفرج له، فإنَّ الإسراع في فرجه مرتبط بكثرة الدعاء له، وهذا لا ينافي أنَّه محفوظ من الله ووقت ظهوره من المحتوم، لأنَّ الله يمحو ما يشاء ويُثبِت وعنده أُمّ الكتاب.
النقطة الرابعة: الشعور بالألم الحاصل من الغيبة:
لا شكَّ أنَّ لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) فوائد مهمَّة تربوية وعقائدية بل وسياسية، لكن يبقى جانب الألم والمصيبة بارزاً فيها، إذا التفتنا إلى:
١ - أنَّ غيبة الإمام (عليه السلام) مانعة من وصول عموم شيعته إليه، والانقطاع عن الحبيب من أقسى أنواع الألم، يقول الإمام الرضا: «كم من حرّى مؤمنة، وكم من مؤمن متأسف حرّان حزين عند فقدان الماء المعين»(٢٩٩)، والماء المعين هو الإمام المهدي (عليه السلام).
من هنا، جاء دعاء الندبة ليفصح في بعض فقراته عن الألم الناجم عن هذه الغيبة، حيث يقول الموالي:
«لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى، أَبِرَضْوى أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلَا تُرى، وَلَا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلَا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى، وَلَا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلَا شَكْوى، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شائِقٍ يَتَمَنَّى، مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا...»(٣٠٠).
٢ - عدم الإذن له (عليه السلام) بإجراء أحكام الدين والحقوق والحدود، خصوصاً مع رؤيته (عليه السلام) حقوقه نهباً وتراثه سلباً، كما كان حال آبائه الطاهرين من قبل.
عن حنان بن سدير، عن عبد الله بن دينار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال: «يا عبد الله، ما من عيد للمسلمين أضحى ولا فطر إلَّا وهو يُجدّد لآل محمّد فيه حزناً»، قلت: ولِمَ ذاك؟ قال: «لأنَّهم يرون حقّهم في يد غيرهم»(٣٠١).
٣ - أنَّ أعداء الدين استغلوا غيبة حامي الشريعة (عليه السلام) ليبثّوا شبهاتهم وشكوكهم في أذهان العامَّة، خصوصاً فيما يتعلَّق بالرجوع إلى وكلاء الإمام المهدي (عليه السلام) العامّين، أقصد علماء الدين من أتباع آل محمّد (عليهم السلام)، رغم أنَّهم هم من أمرنا أهل البيت (عليهم السلام) عموماً(٣٠٢) والمهدي (عليه السلام) خصوصاً(٣٠٣) بالرجوع إليهم وأخذ معالم ديننا فيما لو لم نصل إليهم (عليهم السلام) منهم رضوان الله عليهم.
عن علي بن أبي المغيرة، عن عميرة بنت نفيل، قالت: سمعت الحسين بن علي (عليهما السلام) يقول: «لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتَّى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً». فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير؟ فقال الحسين (عليه السلام): «الخير كلّه في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كلّه»(٣٠٤).
٤ - إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) بحكم ولايته التكوينية، وعلمه الواسع، مطَّلع على أعمال العبد عموماً وشيعته خصوصاً، وبالتالي فإنَّه يتألَّم كثيراً إذا ما صدرت بعض الذنوب - وما أكثرها - من العباد عموماً وشيعته خصوصاً.
إنَّ هذا الأمر دعوة عامَّة وصريحة إلى العمل على إدخال السرور على قلب الإمام المهدي (عليه السلام) باتّخاذ عمل الصالحات منهجاً عملياً يومياً، وعدم إدخال الحزن والألم على قلبه (عليه السلام) باجتراح المعاصي، خصوصاً وإنَّ اجتراحها يعني معاونة الظالمين في العمل على تأجيل وتأخير الظهور المبارك.
وأنت مخيَّر، بين إدخال السرور على قلب مولاك أو الحزن.
حكِّم عقلك، واخرج بنتيجة.
وقد ورد في مراسلة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد (رحمه الله): «نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلّ الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء، فاتَّقوا الله (جلّ جلاله) وظاهرونا على انتياشكم من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمَّ أجله ويحمى عنها من أدرك أمله...»(٣٠٥).
إنَّ هذه الآلام وغيرها، تدخل على قلب الإمام المهدي (عليه السلام) يومياً، وهو يعيشها في كلّ لحظة، أفلا يكون واجباً علينا أن نعيش بعض تلك الآلام معه (عليه السلام)؟
إنَّ من أهمّ علامات المحبّ هو أن يحزن لحزن محبوبه، فكيف بشيعة الإمام (عليه السلام)؟
إنَّ أقلّ ما يمكن أن نُقدِّمه لمولانا هو أن نشعر بالمأساة التي يعيشها هو (عليه السلام)، وأن نعمل جاهدين على قطع هذه الآلام عنه (عليه السلام)، وذلك لا يكون إلَّا بالعمل على توفير الأرضية المناسبة لقيام دولة الحقّ، وذلك بتوسيع رقعة الصالحين.

* * *
الشذرة الخامسة عشرة: بعض الآيات النازلة في المهدي (عليه السلام)

ليس شيء..
أبعد من عقول الرجال..
من تفسير القرآن..
عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شيء من التفسير فأجابني، ثمّ سألته عنه ثانيةً فأجابني بجواب آخر، فقلت: جُعلت فداك، كنت أجبتني في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم، فقال: «يا جابر، إنَّ للقرآن بطناً وللبطن بطن، وله ظهر وللظهر ظهر، يا جابر ليس شيء أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن، إنَّ الآية يكون أوَّلها في شيء وآخرها في شيء، وهو كلام متَّصل منصرف على وجوه»(٣٠٦).
وروي في قوله تعالى في سورة المدَّثِّر: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (المدَّثِّر: ٨ - ١٠)، عن المفضَّل، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «إذا نودي في أُذُن القائم (عليه السلام) بالإذن في قيامه فيقوم، فذلك اليوم عسير على الكافرين»، قال: «والقرآن ضُرِبَ فيه الأمثال، ونحن نعلمه، فلا يعلمه غيرنا»(٣٠٧).
لقد بات واضحاً أنَّ لآيات القرآن الكريم خاصيَّة الانطباق على موارد عديدة، وأنَّ الآية الواحدة يمكن أن يكون سبب نزولها حادثة في زمن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكن يمكن أن تنطبق على حادثة ثانية وثالثة وعاشرة، لأنَّ الآية الكريمة تنزل لتعالج حادثة ما، فكلَّما تكرَّرت تلك الحادثة انطبقت تلك الآية عليها، وعلى هذا أمثلة ربَّما لا حصر لها، وسنلاحظ هذا الأمر بوضوح في هذه الشذرة.
هذا، وإنَّ الآيات المؤوَّلة بالإمام المهدي (عليه السلام) كثيرة جدَّاً، ولكن سأُورد هنا بعضاً قليلاً منها، ممَّا له دافع للعمل في زمن الغيبة، أو ما يُوضِّح حقيقة ربَّما تخفى على الكثير، كشفها لنا أهل بيت العصمة (عليهم السلام).
بعض الآيات النازلة في الإمام المهدي (عليه السلام):
١ - قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: ٢٠٠).
عن بريد بن معاوية العجلي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) في قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا﴾، قال: «اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم المنتظر»(٣٠٨).
إشارتان:
الأُولى: هذه الآية في الحقيقة - بضمّ الرواية الواردة في تأويلها - تُعطي المنهج العامّ لأعمال الغيبة الكبرى، وتتمثَّل في:
أ) الجانب العبادي، ويتمثَّل بالتزام الفرائض وعدم تضييعها، وهي أحبّ ما يُتقرَّب به إلى الله جلَّ وعلا، فعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اعمل بفرائض الله تكن أتقى الناس»(٣٠٩).
وعنه (عليه السلام)، قال: «قال الله تبارك وتعالى: ما تحبَّب إليَّ عبدي بأحبّ ممَّا افترضت عليه»(٣١٠).
ب) جانب مواجهة العدوّ، ويتمثَّل بالصبر على أذيَّة الأعداء من جميع الجوانب، ولا يعني هذا الذوبان في محيط الأعداء، لأنَّ الجانب العبادي يمنع من ذلك.
جـ) جانب التهيّؤ للتحرّك الإيجابي بقيادة المهدي المنتظر (عليه السلام).
د) حصن ذلك كلّه، وهو التقوى، إذ هي (حصن الإيمان) كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)(٣١١).
وستكون نتيجة الالتزام بهذا المنهاج هو الفلاح الدنيوي والأُخروي كما وعدت بذلك الآية الكريمة.
الثانية: الآية الكريمة - فضلاً عمَّا تقدَّم - توحي بأنَّ المؤمن سيواجه الكثير من المشاكل والصعوبات التي تستدعي منه الصبر والمصابرة والمرابطة، وهذا واقع نعيشه، والروايات لم تغفله، فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «المؤمن بين خمس شدائد: مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، ونفس تنازعه، وشيطان يضلّه»(٣١٢).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ما أفلت المؤمن من واحدة من ثلاث، ولربَّما اجتمعت الثلاث عليه، إمَّا بغض من يكون معه في الدار، يُغلِق عليه بابه يؤذيه، أو جار يؤذيه، أو من في طريقه إلى حوائجه يؤذيه، ولو أنَّ مؤمنا على قلَّة جبل لبعث الله (عزَّ وجلَّ) إليه شيطاناً يؤذيه، ويجعل الله له من إيمانه أُنساً لا يستوحش معه إلى أحد»(٣١٣).
٢ - قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ - ١٥٧).
عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قدّام القائم علامات تكون من الله (عزَّ وجلَّ) للمؤمنين»، قلت: وما هي؟ جعلني الله فداك. قال: «ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ يعني المؤمنين قبل خروج القائم (عليه السلام)، ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾»، قال: «يبلوهم بشيء من الخوف من ملوك بني فلان في آخر سلطانهم، ﴿وَالْجُوعِ﴾ بغلاء أسعارهم، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ﴾»، قال: «كساد التجارات وقلَّة الفضل، ونقص من الأنفس»، قال: «موت ذريع، ونقص من الثمرات»، قال: «قلَّة ريع ما يُزرَع، ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ عند ذلك بتعجيل خروج القائم (عليه السلام)»، ثمّ قال لي: «يا محمّد، هذا تأويله، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران ٧]»(٣١٤).
إشارات:
الأُولى: إنَّ مثل هذه الآيات والروايات تشير إلى عدَّة جوانب، فهي من جانب تشير إلى جانب التحذير الواجب لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) لمواجهة تلك البلايا والفتن.
ومن جانب آخر تدفعهم لاتّخاذ ما يلزم اقتصادياً ونفسياً لمواجهة تلك التحدّيات.
ومن جانب ثالث تزرع الأمل في نفوسهم بأنَّ تلك المحن إنَّما هي لتصفية البرّ من الفاجر، وبالتالي سيفوز البرّ بنصرة المهدي (عليه السلام).
الثانية: الآية الكريمة في الوقت الذي تشير إلى شدَّة البلاء على المؤمن وإصابته بالبلاء والمصائب، هي تُعطي عوامل النجاح للمؤمن عندما يصيبه بلاء أو اختبار، وهي كالتالي(٣١٥):
١ - ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾: الصبر، حيث بشَّر الله تعالى الصابرين، ووعدهم بالدخول إلى الجنَّة بغير حساب، الأمر الذي يحتمل دخولهم الجنَّة من غير أن يدخلوا قاعة المحكمة والحساب، ويحتمل أنَّهم يعطون أجراً لا يمكن حسابه، بغير حساب، أي لا يمكن حسابه وإحصاؤه لكثرته(٣١٦).
والصابرون طبعاً هم الذين يصبرون على أداء الفرائض، ويصبرون عن ارتكاب المعاصي، ويصبرون عند المصائب والشدائد.
٢ - ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الالتفات إلى أنَّ نكبات الحياة ومشاكلها مهما كانت شديدة وقاسية فهي مؤقَّتة وعابرة، وهذا الإدراك يجعل كلّ المشاكل والصعاب عرضاً عابراً وسحابة صيف، قال تعالى حكايةً عن لسان السحرة الذين آمنوا بموسى (عليه السلام) وتركوا الدنيا ولم تهزّهم تهديدات فرعون: ﴿قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا وَما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللهُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (طه: ٧٢ و٧٣).
وقد ورد عن أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في تفسير الاسترجاع: «إِنَّ قَوْلَنَا: ﴿إِنَّا للهِ﴾ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالمُلْكِ، وَقَوْلَنَا: ﴿وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إِقْرَارٌ عَلَى أَنْفُسِنَا بِالْهُلْكِ»(٣١٧).
٣ - ﴿قالُوا إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾: الاستمداد من قوَّة الإيمان والألطاف الإلهية عامل مهمّ آخر في اجتياز الاختبار دون اضطراب وقلق وفقدان للتوازن، فالصابرون عندما يواجهون مشاكل الحياة يمدّون أيديهم إلى ربّهم يتوسَّلون إليه بنبيّهم وأهل بيته ليرفعه عنهم أو ليعطيهم القوَّة في مواجهته، وقد جاء الوعد الإلهي بهدايتهم وتوفيقهم، يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (العنكبوت: ٦٩).
وقال الإمام الباقر (عليه السلام): «ما من مؤمن يصاب بمصيبة في الدنيا فيسترجع عند مصيبته حين تفجأه المصيبة، إلَّا غفر الله له ما مضى من ذنوبه إلَّا الكبائر التي أوجب الله (عزَّ وجلَّ) عليها النار»(٣١٨).
٤ - ﴿أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾: الالتفات إلى الوعد الإلهي بالثواب والأجر المترتّب على الاسترجاع عند المصيبة، إنَّها لعطايا يقف العقل عاجزاً عن إدراكها، ويكلُّ اللسان عن النطق بفضلها، إنَّ الصابرين يُصلّي عليهم ربّهم، ويرحمهم، وهم المهتدون بإخبار الله تعالى الذي لا يحتمل الخطأ. فهنيئاً للصابرين، وهنيئاً للمنتظِرين الصابرين.
﴿عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أي: ثناءً جميلاً من ربّهم وتزكية، وقيل: بركات من ربّهم، وقيل: مغفرة من ربّهم. وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (الأحزاب: ٤٣).
﴿وَرَحْمَةٌ﴾، أي: نعمة عاجلاً وآجلاً. فالرحمة: النعمة على المحتاج، وكلّ أحد يحتاج إلى نعمة الله في دنياه وعقباه.
﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾، أي: المصيبين طريق الحقّ في الاسترجاع. وقيل: إلى الجنَّة والثواب(٣١٩).
٣ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة: ٣).
في حديث طويل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع جابر الأنصاري: «... فإذا عجَّل الله خروج قائمنا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»، ثمّ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمتَّقين على محجَّتهم، أُولئك وصفهم الله في كتابه وقال: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، وقال: ﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]»(٣٢٠).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، قال: «من أقرَّ بقيام القائم أنَّه حقّ»(٣٢١).
وعن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فقال: «المتَّقون شيعة علي (عليه السلام)، والغيب فهو الحجَّة الغائب»(٣٢٢).
قال العلَّامة المجلسي (رحمه الله): (قال الصدوق: وشاهد ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]، فأخبر (عزَّ وجلَّ) أنَّ الآية هي الغيب، والغيب هو الحجَّة، وتصديق ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]، يعني حجَّة»(٣٢٣).
وخلاصة الروايات الواردة هو التالي:
أوَّلاً: الغيب ضدّ الشهادة، والإمام المهدي (عليه السلام) من الغيب، وليس معنى هذا أنَّ الغيب منحصر به (عليه السلام)، وإنَّما المهدي (عليه السلام) مصداق من مصاديق الغيب، ولعلَّ في هذا إشارة إلى غيبته (عليه السلام)، والرواية الثالثة تؤكّد ذلك.
ثانياً: الرواية الأُولى ركَّزت على ضرورة أن يصبر منتظروه في غيبته، وفي هذا إشارة إلى شدَّة البلاء عليهم، فالممسك على دينه كالقابض على جمرة، أو كالخارط شوك القتاد.
ثالثاً: إنَّ الآية تُصرِّح بأنَّ القرآن هدىً للمتَّقين، الذين هم في الحقيقة من يؤمنون بالغيب، الذي هو المهدي (عليه السلام)، ومعه فستكون الهداية من نصيب من يؤمن به (عليه السلام)، الذين هم شيعة علي (عليه السلام).
رابعاً: تؤكّد الرواية على الإيمان بالغيب لنكتة، وهي إنَّ (الإيمان بالغيب أعظم مثوبةً لصاحبه، لأنَّه خلوّ من كلّ عيب وريب، لأنَّ بيعة الخليفة وقت المشاهدة قد يتوهَّم على المبايع أنَّه إنَّما يطيع رغبةً في خير أو مال، أو رهبةً من قتل، أو غير ذلك ممَّا هو عادات أبناء الدنيا في طاعة ملوكهم، وإيمان الغيب مأمون من ذلك كلّه، ومحروس من معايبه بأصله)(٣٢٤).
٤ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٨).
عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام): ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أنا وأهل بيتي الذين أورثنا الله الأرض، ونحن المتَّقون، والأرض كلّها لنا، فمن أحيا أرضاً من المسلمين فليعمرها وليؤدِّ خراجها إلى الامام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، فإن تركها أو أخربها وأخذها رجل من المسلمين من بعده فعمَّرها وأحياها فهو أحقُّ بها من الذي تركها، يؤدّي خراجها إلى الإمام من أهل بيتي، وله ما أكل منها، حتَّى يظهر القائم من أهل بيتي بالسيف، فيحويها ويمنعها ويُخرِجهم منها، كما حواها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومنعها إلَّا ما كان في أيدي شيعتنا، فإنَّه يقاطعهم على ما في أيديهم ويترك الأرض في أيديهم»(٣٢٥).
وينبغي الالتفات إلى ما ورد عن معاذ بن كثير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «موسَّع على شيعتنا أن يُنفِقوا ممَّا في أيديهم بالمعروف، فإذا قام قائمنا حرم على كلّ ذي كنز كنزه حتَّى يأتيه به فيستعين به على عدوّه، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [التوبة: ٣٤]»(٣٢٦).
وطبعاً هذا لا يعارض ما ورد من أنَّه (عليه السلام) يُعطي الأموال من دون عدّ، كما ورد ذلك عن أبي سعيد الخدري أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «يخرج المهدي في أُمَّتي، يبعثه الله غياثاً للناس، تنعم الأُمَّة وتعيش الماشية وتُخرِج الأرض نباتها، ويُعطي المال صحاحاً»(٣٢٧).
وعن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون عند انقطاع من الزمان، وظهور من الفتن، رجل يقال له: المهدي، يكون عطاؤه هنيئاً»(٣٢٨).
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثي المال حثياً لا يعدّه عدداً»(٣٢٩).
إنَّ هذه الأحاديث لا تتنافى مع ما ذكرناه قبلها، لأنَّ رواية أخذ الأموال من أيدي الناس تكون في بداية ظهور الإمام (عليه السلام) وقبل استقرار الدولة، وربَّما تحمل في طياتها نوع اختبار لمن يدَّعي الموالاة للإمام (عليه السلام)، وأمَّا روايات توزيع الأموال بكثرة، فهي تتكلَّم عمَّا بعد استقرار الدولة، ليجعل الإمام (عليه السلام) حياة الناس هنيئة بأروع صورة.
والحاصل:
أنَّ الحجَّة على الأرض هو خليفة الله تعالى عليها، فكلّ ما في الأرض هو له بالخلافة والوكالة عن الله تعالى(٣٣٠)، ومعه فلا يجوز لأحد أن يتصرَّف بشيء إلَّا بإذنه، وقد أذن لمن يؤدّي حقّها.
٥ - قال تعالى: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨).
عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول إبليس: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، قال له وهب: جُعلت فداك، أيّ يوم هو؟ قال: «يا وهب، أتحسب أنَّه يوم يبعث الله فيه الناس؟ إنَّ الله أنظره إلى يوم يُبعَث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم»(٣٣١).
إشارات:
الأُولى: إنَّ إبليس من الجنّ بصريح القرآن، والأمر بالسجود توجَّه إلى الملائكة، والأمر إنَّما شمله لأنَّه كان من العباد الذين تصاعدوا في مرتبته الوجودية بحيث صار كالملائكة، يتوجَّه إليه ما يتوجَّه إليهم، ولكنَّه حيث تكبَّر على أمر الله تعالى، لم تفده عبادته، فالحذر كلّ الحذر، لا يغترّ أحد بعمله، ولنسأل الله تعالى دوماً حسن العاقبة.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَه الطَّوِيلَ وَجَهْدَه الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ، لَا يُدْرَى أَمِنْ سِنِيِّ الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِيِّ الآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِه، كَلَّا مَا كَانَ اللهُ سُبْحَانَه لِيُدْخِلَ الْجَنَّةَ بَشَراً بِأَمْرٍ أَخْرَجَ بِه مِنْهَا مَلَكاً، إِنَّ حُكْمَه فِي أَهْلِ السَّمَاءِ وَأَهْلِ الأَرْضِ لَوَاحِدٌ»(٣٣٢).
الثانية: إنَّ الله تعالى أعدل من أن يضيع عمل مخلوق من المخلوقات، فكلّ من عمل عملاً سيرى نتيجته، لكن قد يُعجَّل له الثواب ولا يكون له أيّ خلاق في الآخرة، وقد يُؤجَّل له الثواب حيث يراه يوم القيامة، وقد يُجازى في الدارين بعمل حسن أو سيّئ، وإبليس ممَّن عُجِّل له ثواب عمله في الدنيا، فليس له في الآخرة من نصيب.
عن الحسن بن عطيَّة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ إبليس عَبَدَ الله في السماء الرابعة في ركعتين ستَّة آلاف سنة، وكان إنظار الله إيّاه إلى يوم الوقت المعلوم بما سبق من تلك العبادة»(٣٣٣).
الثالثة: أمَّا ما هو معنى قتل الإمام المهدي (عليه السلام) لإبليس؟
يمكن أن يكون بمعنى القتل الحقيقي، ويمكن أن يكون بمعنى قتل الجذور التي يُحرِّكها إبليس في داخل الإنسان، فينتفي الحافز لاتّباع خطواته. وهذا ما يُفسِّر لنا وصول المجتمع الإنساني عموماً إلى مرحلة عالية من العبادة والإخلاص في العمل لله تعالى.
٦ - قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ (الحجر: ٧٥).
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «كأنّي أنظر إلى القائم (عليه السلام) وأصحابه في نجف الكوفة، كأنَّ على رؤوسهم الطير، قد شنت مزادهم، وخُلِقت ثيابهم، متنكّبين قسيّهم، قد أثَّر السجود بجباههم، ليوث بالنهار رهبان بالليل، كأنَّ قلوبهم زبر الحديد، يُعطى الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويعطيهم صاحبهم التوسم، لا يقتل أحد منهم إلَّا كافراً أو منافقاً، فقد وصفهم الله بالتوسّم في كتابه: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾»(٣٣٤).
التوسّم هو القدرة على تمييز النوايا والخفايا والاطّلاع عليها من خلال نظر العين، وهذه القدرة لا تكون لأيّ أحد كما هو واضح، إنَّما تكون للمؤمنين الذين وصلوا إلى مراتب كمالية تُهيِّئهم لهذا المقام، والملفت للنظر أنَّ الرواية ذكرت أنَّ الإمام (عليه السلام) سيجود على أصحابه بهذا النوع من العلم «ويعطيهم صاحبهم التوسّم»، وهذه ستكون واحدة من بركات وجوده على أصحابه المخلصين.
والظاهر أنَّ المتوسّمين يرون السيماء الذي على وجوه المجرمين، فيأخذونهم بالنواصي والأقدام، قال تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ (الرحمن: ٤١).
فعن معاوية بن عمّار، عن الصادق (عليه السلام) قال: «لو قام قائمنا أعطاه الله السيماء فيأمر بالكافر فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم، ثمّ يخبط بالسيف خبطاً»(٣٣٥).
ولا يعني هذا أنَّ السيماء خاصّ بالمجرمين، بل هو عند كلّ إنسان بحسبه، ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (الأعراف: ٤٦).
ولذا كان للمؤمنين أيضاً سيماء لكنَّه سيماء خير وصلاح، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: ٢٩).
٧ - قال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ (الإسراء: ٣٣).
عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾، قال: «هو الحسين بن علي (عليه السلام) قُتِلَ مظلوماً ونحن أولياؤه، والقائم منّا إذا قام طلب بثأر الحسين، فيقتل حتَّى يقال: قد أسرف في القتل».
وقال: «المقتول الحسين (عليه السلام)، ووليّه القائم، والإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله، ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ فإنَّه لا يذهب من الدنيا حتَّى ينتصر برجل من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(٣٣٦).
إشارات:
الأُولى: ورد عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾، فما هذا الإسراف الذي نهى الله (عزَّ وجلَّ) عنه؟ قال: «نهى أن يقتل غير قاتله أو يُمثِّل بالقاتل»، قلت: فما معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾؟ قال: «وأيّ نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فيقتله ولا تبعة تلزمه من قتله في دين ولا دنيا»(٣٣٧).
وهذه إشارة إلى أنَّ على المؤمنين جميعاً أن لا يتجاوزوا حدود الشرع في أخذ الثأر، لا كما يحدث في بعض المجتمعات من أنَّه إذا حدث قتل فيقوم أهل المقتول بتهديد كلّ من له صلة بالقاتل، وهذا ليس من الإسلام في شيء.
الثانية: إنَّ تتبّعاً قليلاً للروايات يكشف لنا عن أنَّ علاقة الإمام المهدي (عليه السلام) بالإمام الحسين (عليه السلام) علاقة واضحة جدَّاً، وأوضح العلاقات هو أنَّه (عليه السلام) المطالب بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)، ودعاء الندبة، وشعار الإمام الحجَّة (عليه السلام)، وروايات عديدة تكشف عن ذلك.
بالإضافة إلى العلاقة التكاملية بين طلب الإصلاح الذي قام به أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) وبين نتيجة الإصلاح الذي هو العدل والقسط الذي سيقوم به ولده المهدي (عليه السلام).
الثالثة: وقد يُشكل بإشكال يتعلَّق بقيام الإمام المهدي (عليه السلام) بقتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام)، وهذا السؤال كان في زمن الأئمَّة (عليهم السلام)، وقد أجابوا عنه (عليهم السلام).
عن عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائها»؟ فقال (عليه السلام): «هو كذلك»، فقلت: فقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ما معناه؟ فقال: «صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضى شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنَّ رجلاً قُتِلَ في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب لكان الراضي عند الله شريك القاتل، وإنَّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم»(٣٣٨).
٨ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (الحجّ: ٤١).
عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾، قال: «هذه الآية لآل محمّد، المهدي وأصحابه يُملِّكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويُظهِر الدين، ويميت الله (عزَّ وجلَّ) به وبأصحابه البدع والباطل، كما أمات السفهة الحقّ، حتَّى لا يُرى أثر من الظلم، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولله عاقبة الأُمور»(٣٣٩).
إنَّ كون الأُمَّة الإسلاميَّة أفضل من غيرها من الأُمم هو في ما إذا كانت أُمَّة آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، وهذا هو هدف الدولة المهدوية، فينبغي أن يعمل أصحابه وشيعته في زمن غيبته بما يتلاءم وهذا الهدف المقدَّس.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (آل عمران: ١١٠).
٩ - قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (الزخرف: ٦٦).
عن زرارة بن أعين، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، قال: «هي ساعة القائم (عليه السلام) تأتيهم بغتة»(٣٤٠).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) وقد سأله الكميت الأسدي: فمتى يخرج يا بن رسول الله؟ قال: «لقد سُئِلَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك فقال: إنَّما مثله كمثل الساعة لا تأتيكم إلَّا بغتة»(٣٤١).
هذه الروايات تؤكّد على واحدة من أهمّ حقائق يوم الظهور، وهي حقيقة عدم علمنا بالوقت المضبوط للظهور، وأنَّ أمر الظهور موكول لله (عزَّ وجلَّ)، وهذا ربَّما يُفسِّر لنا الروايات الناهية عن التوقيت.
ولا شكَّ في ترتّب كثير من الآثار التربوية والاجتماعية على خفاء ساعة الصفر، والتي منها التالي:
١ - توفير عنصر المباغتة ضدّ العدوّ.
٢ - توليد الأمل بالظهور.
٣ - توفّر الحافز للعمل بجدّ والتوبة قبل الظهور.
٤ - تكذيب مدَّعي المهدوية قبل حصول شرائطه وعلاماته.
كما أنَّه قد يظهر منها سبب تسمية يوم الظهور بيوم الساعة.
١٠ - قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦).
عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنَّه قال: «نزلت هذه الآية التي في سورة الحديد: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ في أهل زمان الغيبة، ثمّ قال (عزَّ وجلَّ): ﴿أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧]»، وقال: «إنَّما الأمد أمد الغيبة، فإنَّه أراد (عزَّ وجلَّ): يا أُمَّة محمّد، أو يا معشر الشيعة، لا تكونوا كالذين أُوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد، فتأويل هذه الآية جاء في أهل زمان الغيبة وأيّامها دون غيرهم من أهل الأزمنة، وإنَّ الله تعالى نهى الشيعة عن الشك في حجَّة الله تعالى، أو أن يظنّوا أنَّ الله تعالى يُخلي أرضه منها طرفة عين، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلامه لكميل بن زياد: بلى اللّهمّ لا تخلو الأرض من حجَّة لله إمَّا ظاهر معلوم، أو خائف مغمور، لئلَّا تبطل حجج الله وبيّناته، وحذَّرهم من أن يشكّوا أو يرتابوا فيطول عليهم الأمد فتقسوا قلوبهم»، ثمّ قال (عليه السلام): «ألَا تسمع قوله تعالى في الآية التالية لهذه الآية: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾؟ أي يحييها الله بعدل القائم عند ظهوره بعد موتها بجور أئمَّة الضلال»(٣٤٢).
هذه الرواية تُحذِّر المنتظرين من الملل من الانتظار خشية أن يقسو القلب، وهذا يعني أنَّ الابتعاد عن أهداف الإمام المهدي (عليه السلام) وعن أداء واجبات زمن الغيبة يُسبِّب قسوة القلب، لذا وجب أن نتعرَّف أوَّلاً عن أهمّ واجبات زمن الغيبة وبالتالي العمل على تطبيقها، وهو ما تقدَّم في الشذرة الرابعة عشرة.

* * *
الشذرة السادسة عشرة: من خصائص الإمام المهدي (عليه السلام)

إنَّ الكلام عن خصائص الإمام - أيّ إمام مفترض الطاعة - طويل الذيل، ويجرّنا إلى بحث كلامي خلافي بين المذاهب، وليس هذا محلّ ذكره، المهمّ أن نعرف أنَّ من عقيدة أتباع أهل البيت (عليهم السلام) هو أنَّ الإمامة ليست منصباً ينال بقوَّة الذراع أو بكثرة المال، بل هي منصب إلهي رفيع لا يناله إلَّا من اختاره الله تعالى بعلمه الأزلي، وأنَّه ليس للإنسان أن يختار الإمام، لجهله بجهات كثيرة تتوقَّف عليها إمامة الناس وخلافة الأرض.
وعلى كلِّ حالٍ فقد ذكرت الروايات خصائص الإمام الحقّ، والمهمّ هنا أن نعرف بعض خصائص الإمام المهدي (عليه السلام).
والذي يمكن ملاحظته في خصائصه (عليه السلام) هو أنَّها جاءت على ثلاثة أنواع:
النوع الأوَّل: خصائص تكشف عن بعض مقاماته (عليه السلام)، وطريق الاطّلاع عليها منحصر بالروايات، وهذه الخصائص تقوّي رابطة المؤمن بإمامه عندما يسمع بتلك المقامات العظيمة له، وهي عديدة، منها:
١ - سطوع نوره (عليه السلام) في عالم الملكوت:
إذ ورد في عدَّة أخبار بأنَّ نوره (عليه السلام) يزهر ويسطع بين أنوار سائر الأئمَّة، ففي خبر المعراج:
«... يا محمّد، إنّي خلقتك وخلقت عليَّاً وفاطمة والحسن والحسين من شبح نور من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرضين، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان عندي من الكافرين. يا محمّد، لو أنَّ عبداً من عبادي عبدني حتَّى ينقطع ويصير مثل الشنّ البالي ثمّ أتاني جاحداً بولايتكم ما غفرت له حتَّى يقرَّ بولايتكم. يا محمّد، أتحبّ أن تراهم؟ قلت: نعم يا ربّ، فقال: التفت عن يمين العرش، فالتفتُّ فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن والمهدي (عليهم السلام) في ضحضاح من نور، قيام يصلّون، والمهدي في وسطهم كأنَّه كوكب درّي. فقال: يا محمّد هؤلاء الحجج، وهذا الثائر من عترتك. يا محمّد، وعزَّتي وجلالي إنَّه الحجَّة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي»(٣٤٣).
إشارة: هذه الرواية تعتبر من الأدلَّة التي قيلت في تفضيل الإمام المهدي (عليه السلام) على ما عدا أصحاب الكساء.
٢ - إنَّ له بيتاً خاصَّاً يُسمّى بيت الحمد:
فعن المفضَّل، قال: سمعت أبا عب الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم وُلِدَ إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفأ»(٣٤٤).
إشارة: هذا هو الوارد في الروايات، من دون تعيين مكان هذا البيت أو حتَّى حقيقته، ولعلَّه من باب الكناية عن أمر لا نعرفه، خصوصاً مع اشتماله على جهة إعجازية (وهو السراج الذي يزهر بلا انقطاع)، واشتمال الرواية التي ذكرته على بيان كيفية ظهور الإمام وأنَّه يقوم بالسيف.
والمسألة من هذه الناحية وإن لم نعرف حقيقتها فنؤمن بها تعبّداً - لو صحَّت الرواية سنداً -.
وأمَّا ما يدَّعيه البعض من أنَّه (عليه السلام) يسكن هو وعياله في الجزيرة الخضراء أو في مثلث برمودا، فهي دعوى بلا مثبت ولا دليل.
النوع الثاني: وهي كالنوع الأوَّل، ولكن تزيد عليها بأنَّ لها خاصيَّة إثبات المهدي الحقّ فيما لو اشتبه بغيره، بحيث يمكن الاطّلاع عليها لو أُريد ذلك، وسيكون وجودها عند المهدي (عليه السلام) من أقوى أدلَّة حقّانيته، وهذا ما يكشف لنا بعض فوائد الأمر بالتعرّف على إمام الزمان في زمان غيبته، وهذه الخصائص عديدة منها:
١ - ليس له (عليه السلام) أيَّة بيعة لأيّ ظالم، فلو بحثنا في كلّ سجلَّات العالم الخاصَّة بالمنتخبين، من يوم وُلِدَ (عليه السلام) وإلى أن يظهر، لاستحال أن نجد اسمه (عليه السلام) فيها، ففي خطبة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بعد صلحه مع معاوية:
«... أمَا علمتم أنَّه ما منّا أحد إلَّا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلَّا القائم الذي يُصلّي روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) خلفه، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُخفي ولادته، ويغيب شخصه، لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج...»(٣٤٥).
وفي التوقيع الذي خرج لمحمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): «... وأمَّا علَّة ما وقع من الغيبة فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، إنَّه لم يكن لأحد من آبائي (عليهم السلام) إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج، ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي...»(٣٤٦).
وعن علي بن الحسن بن علي بن فضّال، عن أبيه، عن أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) أنَّه قال: «كأنّي بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي كالنعم يطلبون المرعى فلا يجدونه»، قلت له: ولم ذاك يا بن رسول الله؟ قال: «لأنَّ إمامهم يغيب عنهم»، فقلت: ولِمَ؟ قال: لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا قام بالسيف»(٣٤٧).
٢ - تظليل غمامة على رأسه الشريف دائماً، وصوت من تلك الغمامة يسمعه الثقلان بأنَّ هذا مهدي آل محمّد، وبعض الروايات قالت بأنَّ المنادي بذلك الصوت هو ملك، ولا منافاة بين الروايتين كما هو واضح.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «... يظهر في آخر الزمان [و]على رأسه غمامة تظلّه من الشمس تدور معه حيثما دار تنادي بصوت فصيح هذا المهدي»(٣٤٨).
وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج المهدي وعلى رأسه غمامة فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتَّبعوه»(٣٤٩).
وفي رواية أُخرى عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج المهدي وعلى رأسه ملك ينادي: ألَا إنَّ هذا المهدي فاتَّبعوه»(٣٥٠).
٣ - عدم تغيّر هيأته وقوَّته بمرور الدهور والسنين، وخروجه يوم يخرج شاباً كأقوى ما يكون الإنسان، وإن كان عمره أكبر من عمر أيّ شيخ موجود:
فعن أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: «علامته أن يكون شيخ السنّ، شابّ المنظر، حتَّى أنَّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإنَّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي حتَّى يأتيه أجله»(٣٥١).
ولذا، فمن فتن وامتحانات الظهور هو خروجه الإمام (عليه السلام) شابَّاً وهم يظنّونه شيخاً كبيراً، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنَّه يرجع إليهم شابَّاً موفَّقاً، لا يثبت عليه إلَّا من قد أخذ الله ميثاقه في الذرّ الأوَّل»، وفي غير هذه الرواية أنَّه قال (عليه السلام): «وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابَّاً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً»(٣٥٢).
٤ - إحياء بعض الموتى وحضورهم في ركبه (عليه السلام):
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يُخرِج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحقّ وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكّاماً»(٣٥٣).
وفي رواية أُخرى إضافة مؤمن آل فرعون بدل المقداد(٣٥٤).
وبهذا المضمون أخبار عديدة، وربَّما تُعتَبر من أدلَّة الرجعة، وليس هنا محلّ بحثها.
٥ - صلاة نبيّ الله عيسى (عليه السلام) خلفه بعد أن ينزل من السماء:
قال الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «منّا مهدي هذه الأُمَّة الذي يُصلّي عيسى بن مريم خلفه»، قلنا: من يا رسول الله؟ قال: «هو التاسع من صلب الحسين، تسعة من صلب الحسين أئمَّة أبرار، والتاسع مهديهم، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(٣٥٥).
وعن شهر بن حوشب، قال: قال لي الحجاج بأنَّ آية في كتاب الله قد أعيتني، فقلت: أيّها الأمير، أيَّة آية هي؟ فقال: قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩]، والله إني لآمر باليهودي والنصراني فتُضرَب عنقه، ثمّ أرمقه بعيني فما أراه يُحرِّك شفتيه حتَّى يخمد، فقلت: أصلح الله الأمير ليس على ما تأوَّلت، قال: كيف هو؟ قلت: إنَّ عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملَّة يهودي ولا نصراني إلَّا آمن به قبل موته، ويُصلّي خلف المهدي، قال: ويحك أنّى لك هذا؟ ومن أين جئت به؟ فقلت: حدَّثني به محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، فقال: جئت بها والله من عين صافية(٣٥٦).
تنبيه:
إنَّ لنزول عيسى (عليه السلام) وصلاته خلف الإمام المهدي (عليه السلام) أهمّية عظيمة, وتبرز هذه الأهمّية من أنَّ عيسى (عليه السلام) يمتاز عن بقيَّة كلّ الناس بميزات عديدة(٣٥٧)، هي:
١ - إنَّه (عليه السلام) من أُولي العزم من الأنبياء (عليهم السلام).
٢ - إنَّه (عليه السلام) صاحب شريعة وكتاب سماوي، وإن امتدَّت يد التحريف إلى كتابه.
٣ - إنَّه (عليه السلام) خُلِقَ من غير أب.
٤ - إنَّه (عليه السلام) مؤيَّد بالمعجزات العديدة، كالتكلّم في المهد وإحياء الموتى وشفاء المرضى والإخبار بالمغيَّبات.
وهذه الميزات ستكون من أقوى الدوافع لكثير من أتباعه للإيمان بالمهدي (عليه السلام)، وبالتالي ليكون فتح كثير من البلدان فتحاً سلمياً لا تراق فيه قطرة دم.
النوع الثالث: وهذا النوع من الخصائص متعلّق بالنتائج المباركة للظهور المقدَّس لصاحب الزمان (عليه السلام)، بمعنى أنَّها تتبيَّن بعد فترة من الظهور، وهنا أيضاً عدَّة خصائص، منها:
١ - بطؤ حركة الأفلاك وتقليل سرعتها حين ظهوره (عليه السلام):
روى أبو بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، فلم يبقَ مسجد على وجه الأرض له شُرَف إلَّا هدمها وجعلها جمّاء، ووسَّع الطريق الأعظم، وكسر كلّ جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والمآزيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلَّا أزالها ولا سُنَّة إلَّا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كلّ سنة عشر سنين من سنيّكم هذه، ثمّ يفعل الله ما يشاء»، قال: قلت له: جُعلت فداك، فكيف تطول السنون؟ قال: «يأمر الله تعالى الفلك باللبوث وقلَّة الحركة، فتطول الأيّام لذلك والسنون»، قال: قلت له: إنَّهم يقولون: إنَّ الفلك إن تغيَّر فسد، قال: «ذلك قول الزنادقة، فأمَّا المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك، وقد شقَّ الله القمر لنبيّه (عليه السلام)، وردَّ الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وأنَّه ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحجّ: ٤٧]»(٣٥٨).
إشارات:
أ) هدم المساجد الأربعة لعلَّه لعلَّةٍ فيها، كما لو كانت مغصوبة أو بنيت لا لوجه الله تعالى، وليس المهدي (عليه السلام) بدعاً في ذلك من الرسل، وقد أمر الله تعالى نبيَّه الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يهدم ويحرق مسجد ضرار(٣٥٩).
ب) وفي الروايات عدَّة إشارات إلى ما قلناه، حيث عطفت أنَّه (عليه السلام) عندما يهدمها يوسِّع الطريق الأعظم ويزيل كلّ بدعة ويحيي كلّ سُنَّة.
جـ) الجهة الإعجازية واضحة المعالم في هذه الخصّيصة.
٢ - عدم استيحاش الحيوانات بعضها من البعض الآخر، وذهاب خوفها من الإنسان، والأُلفة بينها:
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... بنا يفتح الله، وبنا يختم الله، وبنا يمحو ما يشاء، وبنا يُثبِت، وبنا يدفع الله الزمان الكلب، وبنا ينزل الغيث، فلا يغرنَّكم بالله الغرور، ما أنزلت السماء [من] قطرة من ماء منذ حبسه الله (عزَّ وجلَّ)، ولو قد قام قائمنا لأنزلت السماء قطرها، ولأخرجت الأرض نباتها، ولذهب الشحناء من قلوب العباد، واصطلحت السباع والبهائم حتَّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلَّا على النبات وعلى رأسها زينتها لا يُهيِّجها سبع ولا تخافه...»(٣٦٠).
إشارات:
أ) مهَّد أمير المؤمنين (عليه السلام) لذكر تلك الفضائل ببيان بعض مقاماتهم (عليهم السلام)، لذا قال: «بنا فتح الله...».
وفي معنى كلمة «بنا فتح الله وبنا يختم» عدَّة معانٍ، أوضحها أنَّ الله تعالى فتح بهم (عليهم السلام) عصر خلافة أئمَّة عن أنبياء، لا كما كان سابقاً من خلافة نبيّ عن نبيّ. وأنَّ الله تعالى سيختم بهم أيضاً عصر الإمامة بخاتمهم (عليه السلام).
ب) خصَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) الطريق من العراق إلى الشام بالذكر لأنَّه طريق يتميَّز في زمن الغيبة بأنَّه صحراء قاحلة والمخاطر فيها تحيط بها من قطّاع طرق وحيوانات كاسرة وخوف الهلاك وغيرها.
٣ - ظهور عيون له ولأصحابه (عليه السلام)، وانفجار العيون لهم:
قال أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام): «إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه، ثمّ يأمر مناديه فينادي: ألَا لا يحملنَّ رجل منكم طعاماً ولا شراباً ولا علفاً، فيقول أصحابه: إنَّه يريد أن يقتلنا ويقتل دوابّنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأوَّل منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف، فيأكلون ويشربون، ودوابّهم حتَّى ينزلوا النجف بظهر الكوفة»(٣٦١).
وعنه (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا خرج القائم من مكّة ينادي مناديه: ألَا لا يحملنَّ أحد طعاماً ولا شراباً، ويحمل معه حجر موسى بن عمران وهو وقر بعير، فلا ينزل منزلاً إلَّا نبعت منه عيون، فمن كان جائعاً شبع، ومن كان ظمآناً روي، ودوابّهم حتَّى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة»(٣٦٢).
إشارات:
أ) الروايتان ذكرتا بعضاً من مواريث الأنبياء لديه (عليه السلام).
ب) الرواية الأُولى ذكرت تشكيكاً من البعض في أمر الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد يُحمَل ذلك على الذين لم تزكُ نفوسهم بعد، وهم ما زالوا في بداية طريق التكامل، أو يُحمَل على أمر آخر، المهمّ أن نفهم أنَّ هذا التشكيك لا يمكن أن يصدر من الجميع، لأنَّ الأصحاب والأنصار فيهم من لو أمره مولاه أن يلقي بنفسه من شاهق لفعل من دون تردّد.
جـ) الجهات المذكورة في الرواية ظاهرها الإعجاز والكرامة في إشباع الجيش والدواب، وقد يحملها البعض على الجهات الطبيعية باعتبار التطوّر الهائل الذي سيأتي به المهدي (عليه السلام).
٤ - اكتساحه العالم وسلطنته على الشرق والغرب والبرّ والبحر والجبال والصحاري، ولا يبقى مكان إلَّا ويجري فيه حكمه (عليه السلام):
وهذا ما اشتهر كثيراً عن سيرة المهدي (عليه السلام)، وهو ما لم يحصل على يد أحد قبله (عليه السلام). وقد فُسِّر قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: ٨٣)، بأنَّ الأرض كلّها تدين بالدين الحقّ على يدي الإمام المهدي (عليه السلام).
فقد روى علي بن عقبة، عن أبيه، قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) حكم بالعدل، وارتفع في أيّامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، وردّ كلّ حقّ إلى أهله، ولم يبقَ أهل دين حتَّى يُظهِروا الإسلام ويعترفوا بالإيمان، أمَا سمعت الله تعالى يقول: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾»(٣٦٣).
وفي رواية: «وتقبل الروم إلى قرية بساحل البحر عند كهف الفتية، ويبعث الله الفتية من كهفهم إليهم رجل يقال له: تمليخا، والآخر كمسلمينا، وهما الشهداء المسلِّمون للقائم، فيبعث أحد الفتية إلى الروم فيرجع بغير حاجة، ويبعث بالآخر فيرجع بالفتح، فيومئذٍ تأويل هذه الآية: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً﴾»(٣٦٤).
وهنا سؤال: لِمَ اختير الإمام المهدي (عليه السلام) لمهام آخر الزمان؟ ولِمَ لَمْ يتمّ اختيار غيره من الأئمَّة (عليهم السلام)، كأن يكون الإمام العسكري (عليه السلام) أو الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)؟
الجواب(٣٦٥): أنَّ هذا التساؤل يجري حتَّى في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فهما بلا شكّ أفضل من الإمام المهدي (عليه السلام)، فلماذا لم يكن أحدهما هو المختار لمهام آخر الزمان؟ بل لماذا كان الخاتم هو محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليس عيسى (عليه السلام) مثلاً؟ وهكذا.
والجواب في الجميع واحد وهو:
أوَّلاً: أنَّ مسألة اختيار النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام (عليه السلام) ليست بيد البشر، إنَّما هي بالجعل الإلهي، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ (السجدة: ٢٤)، وحيث إنَّ افعال الله تعالى حكيمة لا عبث فيها فهذا يعني أنَّه (عزَّ وجلَّ) عندما يختار إماماً لمهمَّة ما كان تعالى قد رأى المصلحة والحكمة المناسبة لذلك وليس مهمَّاً - بعد هذا - أن نعلم بتلك الحكمة والمصلحة ما دمنا نؤمن بأنَّ فعله موافق للحكمة.
ثانياً: على أنَّه يمكن القول: إنَّ المانع من اختيار غيره (عليه السلام) من الأئمَّة (عليهم السلام) لمهام آخر الزمان ليس في الأئمَّة أنفسهم، وإنَّما المانع كان عدم وصول المجتمع آنذاك للنضج الملائم لقيام دولة الحقّ.
وهذا يُفسِّر لنا بعض الحِكَم من طول الغيبة، إذ لعلَّ طول الغيبة كان لأجل أن يُمحَّص الناس حتَّى يصلوا إلى المستوى المطلوب لقيام دولة الحقّ، وقد أشارت الروايات الشريفة إلى ذلك.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «والله لتمحصنَّ، والله لتطيرنَّ يميناً وشمالاً حتَّى لا يبقى منكم إلَّا كلّ امرءٍ أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه»(٣٦٦).
وعن الإمام الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(٣٦٧).
٥ - إظهاره لأحكام لم يُعمَل بها من قبل:
فعن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، قالا: «لو قد قام القائم لحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله: يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويُورِّث الأخ أخاه في الأظلَّة(٣٦٨)»(٣٦٩).
إشارات:
أ) ليس في الإتيان بهذه الأحكام أيَّة مشكلة إذا تذكَّرنا أنَّ للإمام الولاية التشريعية بإذن الله تعالى.
على أنَّ إتيانه بها لا يعني التشريع الجديد بالضرورة، بل هي أحكام مشرَّعة، لكن تفعيلها مؤجَّل إلى زمن الظهور لحكمة ليس من الضروري أن نعرفها.
ب) تذكَّر بأنَّ هناك العديد من الاختبارات التي تقع إبّان الظهور، وربَّما هذا أحدها، فعلينا بالانتباه حتَّى لا نفشل بالاختبار، فهي إذن دعوة لزيادة معارفنا المهدوية وقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) من جميع جهاتها.
٦ - ظهور جميع مراتب العلم في زمنه (عليه السلام):
عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «العلم سبعة وعشرون جزءاً(٣٧٠)، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزئين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزئين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين جزءاً»(٣٧١).
إشارات:
أ) إنَّ لعلوم أهل البيت (عليهم السلام) مصادر عديدة ذكرتها الروايات الشريفة، كالقرآن والسُّنَّة وأُصول العلم وكتاب علي (عليه السلام) وصحيفة فاطمة (عليها السلام) والناموس وغيرها.
ب) لنتعلَّم الجود بما نعلم، فزكاة العلم نشره، ولذا فالإمام سيبثُّ علومه في الناس ولا يُجمِّدها لديه.
جـ) ولا يقولنَّ أحد: إذن لماذا جمَّد أهل البيت (عليهم السلام) تلك العلوم عندهم؟
لأنَّه يقال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمَّاً - وَأَشَارَ بِيَدِه إِلَى صَدْرِه - لَوْ أَصَبْتُ لَه حَمَلَةً»(٣٧٢).
٧ - تكامل الناس ببركة ظهوره (عليه السلام):
عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «إذا قام قائمنا (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم(٣٧٣)، وكملت بها أحلامهم»(٣٧٤).
وقد أشارت بعض الروايات إلى مصداق مهمّ من مصاديق ذلك التكامل، فعن أبي جعفر (عليه السلام): «... وتؤتون الحكمة في زمانه، حتَّى أنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٣٧٥).
٨ - ذهاب البلايا والعاهات والضعف عن أنصاره وأعوانه:
عن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام): «إذا قام قائمنا أذهب الله (عزَّ وجلَّ) عن شيعتنا العاهة، وجعل قلوبهم كزبر الحديد، وجعل قوَّة الرجل منهم قوَّة أربعين رجلاً، ويكونون حكّام الأرض وسنامها»(٣٧٦).
سؤال: هل المراد من كون قوَّة الرجل الواحد قوَّة أربعين رجلاً هو المعنى الحقيقي أم ماذا؟
الجواب: المراد هو الكناية عن شدَّة القوَّة والصلابة في أنفسهم وأبدانهم، الأمر الذي يعني أنَّ ذكر الأربعين هو لبيان هذه النكتة لا لبيان الرقم، ممَّا يعني إمكان أن تكون قوَّة الرجل الواحد منهم قوَّة ألف رجل، والمعنى هذا على غرار قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (التوبة: ٨٠)، إذ المقصود هو الكناية عن عدم غفران الله لهم ولو استغفر لهم كثيراً.
٩ - سيادة الأمن والاستقرار العامّ بحيث ترتفع الحاجة إلى التقيَّة:
فعن المفضَّل، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قوله: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ [الكهف: ٩٥]، قال: «التقيَّة»، ﴿فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً﴾ [الكهف: ٩٧]، قال: «ما استطاعوا له نقباً إذا عمل بالتقيَّة لم يقدروا في ذلك على حيلة، وهو الحصن الحصين وصار بينك وبين أعداء الله سدَّاً لا يستطيعون له نقباً»، قال: وسألته عن قوله: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ [الكهف: ٩٨]، قال: «رفع التقيّة عند الكشف(٣٧٧)، فينتقم من أعداء الله»(٣٧٨).
إشارة:
رفع التقيَّة هو واحد من مفردات سيادة الأمن، وإلَّا فمفرداته أكثر من هذا بكثير، الأمر الذي اختصرته الروايات بأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.

* * *
الشذرة السابعة عشرة: هل ترتفع التوبة زمن الظهور؟

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨).
عن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها﴾، «يعني خروج القائم المنتظر منّا»، ثمّ قال (عليه السلام): «يا أبا بصير، طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أُولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(٣٧٩).
سؤال: هل ترتفع التوبة زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) أم لا؟
الجواب: هناك قانون عامّ أكَّد عليه الإسلام، وهو أنَّ باب التوبة مفتوح ما دام الإنسان في الدنيا وعلى قيد الحياة. وهناك عشرات الآيات ومئات الروايات الدالّة على فتح باب التوبة على مصراعيه لكلّ منحرف عن الطريق الحقّ.
ومن ذلك الآيات التالية:
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (التوبة: ١٠٤).
﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (هود: ٩٠).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (الشورى: ٢٥).
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التحريم: ٨).
وهذه الآيات عامَّة تشمل حتَّى زمن الظهور المقدَّس، فما لم يرد دليل خاصّ يُخصِّص زمن الظهور وأنَّه زمن ترتفع فيه التوبة، فنبقى آنذاك نحن وذلك العموم القرآني، ونلتزم بأنَّ باب التوبة يبقى مفتوحاً زمن الظهور.
المخصِّص المدَّعى:
قد تذكر رواية كمخصِّص لعموم فتح باب التوبة، وهي ما ورد عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) يقول: «لو قد خرج قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنصره الله بالملائكة المسوّمين والمردفين والمنزلين والكرّوبين...، لا يستتيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم...»(٣٨٠).
فمن قوله: «لا يستتيب أحداً» ربَّما يظنُّ البعض أنَّ باب التوبة ينغلق زمن الظهور.
المناقشة في المخصِّص:
ولكن في قبال هذا اللفظ من الرواية هناك لفظ آخر جاء فيه أنَّه لا يستنيب أحداً، من الاستنابة في الأعمال، وقد ذكر هذا العلَّامة المجلسي (رحمه الله) حيث أورد تلك الرواية وجاء فيها: «... ولا يستنيب أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم».
ثمّ قال: (بيان: «لا يستنيب أحداً»، أي يتولّى الأُمور العظام بنفسه...)(٣٨١).
بل ورد في نسخة ثالثة أنَّه لا يستبقي أحداً، أي من الكفّار، كما ورد ذلك في الغيبة للنعماني (رحمه الله): «... لا يستبقي أحداً، ولا تأخذه في الله لومة لائم»(٣٨٢).
وهذا أمر لا مانع منه، بل هو ما تدلُّ عليه الآيات والروايات، مثل ما ورد عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾، فقال: «والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتَّى يخرج القائم (عليه السلام)، فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبقَ كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلَّا كره خروجه، حتَّى أن لو كان كافراً أو مشركاً في بطن صخرة لقالت: يا مؤمن، في بطني كافر فاكسرني واقتله»(٣٨٣).
ومع هذا التعدّد في اللفظ تكون الرواية في أحسن احتمالاتها مجملة، فلا يُستَدلُّ بها على مطلب بعينه، فلا تصلح لتخصيص عموم فتح باب التوبة لكلّ إنسان وفي كلّ زمان.
مؤشرات قبول التوبة زمن الظهور:
فضلاً عمَّا تقدَّم، فإنَّه يمكن القول بأنَّ هناك مؤشّرات عديدة تدلُّ على أنَّه (عليه السلام) سيقبل التوبة من الكثير من الناس، نذكر منها التالي:
١ - ما ورد من أنَّه يُرسِل النفس الزكية للتعريف به وبحركته في محاولة للإقناع من دون قتال، ولو كان لا يقبل توبة أحد فلماذا يُرسِل لهم رسولاً منه محاولاً هدايتهم للطريق الحقّ؟
٢ - ما ورد من أنَّه سيناقش أهل الديانات ويُثبِت لهم بالدليل أنَّه المنقذ والمخلِّص والمهدي.
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «... فإنَّما سُمّي المهدي لأنَّه يهدي لأمرٍ خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان...»(٣٨٤).
٣ - ما ورد من أنَّه يبعث بعض أصحابه إلى المدن (مثل القسطنطينية)، فيفتح الناس لهم أبوابها سلماً عندما يرونهم يمشون على الماء.
عن محمّد بن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كلّ إقليم رجلاً، يقول: عهدك في كفّك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه فانظر إلى كفّك واعمل بما فيها»، قال: «ويبعث جنداً إلى القسطنطينية، فإذا بلغوا الخليج كتبوا على أقدامهم شيئاً ومشوا على الماء، فإذا نظر إليهم الروم يمشون على الماء قالوا: هؤلاء أصحابه يمشون على الماء، فكيف هو؟! فعند ذلك يفتحون لهم أبواب المدينة، فيدخلونها فيحكمون فيها ما يريدون»(٣٨٥).
إنَّ هذه الرواية واضحة في أنَّ الإمام (عليه السلام) كان قد أرسل جنوده للقتال، لذلك لم تقل: إنَّه أرسل علماء أو رسل سلام، بل قالت: إنَّه يبعث جنداً، وهذا واضح الدلالة على إرادة الحرب، ولكن أُولئك الروم وبعد أن يروا كرامات جنده يفتحون أبواب مدينتهم سلماً، فجند الإمام آنذاك يدخلون المدينة من دون أن يهريقوا محجمة دم، ممَّا يعني قبول الإمام لتوبة أُولئك الروم.
وغيرها من النصوص الصريحة في كونه سيفتح باب النقاش على مصراعيه لكلّ طالب حقيقة.
نعم، قد جعل آخر الدواء الكيّ.
ولذا سيستخدم الإمام (عليه السلام) عنصر القتل إذا اقتضت الظروف ذلك، كما كان يفعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكما أمر الإسلام بذلك عندما أمر بجهاد الكفّار وقتلهم، أو برجم الزناة وقطع أيدي السارقين وقطع أيدي وأرجل الذين يفسدون في الأرض...
سؤال: ولكن هل من توبة غير مقبولة زمن الظهور؟
بمعنى أنَّه هل يمكن أن نقول: إنَّ كلّ من ادَّعى التوبة زمن الظهور فإنَّ الإمام (عليه السلام) ملزم بقبول توبته، أم أنَّ هناك أنواعاً من التوبة يمكن للإمام أن لا يقبلها، ورغم ذلك لا يخرج (عليه السلام) عن عموم فتح باب التوبة؟
الجواب: نعم، وهذا ما يتبيَّن من النقاط التالية:
١ - عدم قبول التوبة غير المسقطة للعقوبة، بمعنى أنَّه يمكن القول أنَّ التوبة على أنواع، فمنها ما يؤدّي إلى محو السيّئات وكأنَّها لم تقع، وكذلك هي تُسقِط العقوبة المترتّبة على الذنب، ومنها ما يؤدّي إلى محو السيّئات لكن بعد أن يأخذ المذنب جزاء عمله فيعاقب ثمّ تدركه الرحمة الإلهية، وهذه التوبة يمكن أن لا يقبلها الإمام (عليه السلام)، بمعنى أنَّه يعاقب المذنب ويقيم الحدّ عليه رغم أنَّه تائب.
وهذا نظير دخول بعض في النار وبعد أن يقضي فترة حكمه وتطهيره يخرج ليدخل الجنَّة.
ونظير ما لو أقرَّ أحدهم على نفسه بالسرقة أو الزنا، فإنَّ اعترافه وإقراره هذا لا يرفع عنه الحدّ والعقوبة الشرعية، رغم أنَّ إقراره بالذنب يكشف عن ندمه وتوبته وأنَّه يريد من إمامه أن يُطهِّره.
٢ - إنَّ المقصود من التوبة المنفية هي التوبة الصورية لا الحقيقية، وكما يقولون في علم المنطق هي من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فإنَّه قد يُظهِر الإنسان التوبة عن ذنب، ونحن لا نعلم حقيقة الواقع عنده في داخل نفسه، ولكن زمن الظهور لا تقبل دعوى التوبة من دون أن تكون نصوحة وخالصة وحقيقية، فالتوبة المنفيَّة هي التوبة الصورية لا الحقيقية.
٣ - إنَّ المقصود هو عدم قبول التوبة عند نزول البأس، كما هو الحال في قضيَّة فرعون، فقد ورد عن إبراهيم بن محمّد الهمداني، قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): لأيّ علَّة أغرق الله (عزَّ وجلَّ) فرعون وقد آمن به وأقرَّ بتوحيده؟ قال: «إنَّه آمن عند رؤية البأس وهو غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا﴾ [غافر: ٨٤ و٨٥]، وقال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وهكذا فرعون لمَّا أدركه الغرق قال: آمنت أنَّه لا إله إلَّا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين، فقيل له: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢]...»(٣٨٦).
وكذلك ما ورد عن جعفر بن رزق الله، قال: قدم إلى المتوكّل رجل نصراني فجر بامرأة مسلمة، فأراد أن يقيم عليه الحدّ فأسلم، فقال يحيى بن أكثم: قد هدم إيمانه شركه وفعله، وقال بعضهم: يُضرَب ثلاثة حدود، وقال بعضهم: يُفعَل به كذا وكذا، فأمر المتوكّل بالكتاب إلى أبي الحسن الثالث (عليه السلام) وسؤاله عن ذلك، فلمَّا قرأ الكتاب كتب: «يُضرَب حتَّى يموت»، فأنكر يحيى بن أكثم وأنكر فقهاء العسكر ذلك، وقالوا: يا أمير المؤمنين، سَلْ عن هذا فإنَّه شيء لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سُنَّة، فكتب إليه أنَّ فقهاء المسلمين قد أنكروا هذا وقالوا: لم يجئ به سُنَّة ولم ينطق به كتاب، فبيِّن لنا لِمَ أوجبت عليه الضرب حتَّى يموت؟ فكتب: «﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ مُشْرِكينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتي‏ قَدْ خَلَتْ في‏ عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٥]»، قال: فأمر به المتوكّل فضُرِبَ حتَّى مات»(٣٨٧).
٤ - أن يكون عدم قبولها بسبب سلب التوفيق من المذنب لأن يتوب توبة نصوحة، وذلك لأنَّه من المقرَّر والثابت أنَّ أعمال الإنسان لها تأثير مباشر على سلوك الإنسان المستقبلي، والمذنب إذا انغمس في الذنوب وأصرَّ عليها، فإنَّه يمكن أن يصل إلى مرحلة لا تنفعه معها المواعظ، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب انمحت، وإن زاد زادت، حتَّى تغلب على قلبه فلا يفلح بعدها أبداً»(٣٨٨).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «ما من عبد إلَّا وفي قلبه نكتة بيضاء، فإذا أذنب ذنباً خرج في النكتة نكتة سوداء، فإن تاب ذهب تلك السواد، وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتَّى يُغطّي البياض، فإذا [ت]غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى خير أبداً، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطفّفين: ١٤]»(٣٨٩).
فعدم قبول التوبة زمن الظهور هو بمعنى سلب التوفيق عن أُولئك الذي طغت الذنوب على قلوبهم فسلبوا التوفيق عنها.
ويؤيّد هذا المعنى ما ورد عن هشام بن الحكم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): «﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ يعني في الميثاق، ﴿أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]»، قال: «الإقرار بالأنبياء والأوصياء وأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصَّة»، قال: لا ينفع إيمانها لأنَّها سُلِبَت»(٣٩٠).
٥ - إنَّ التوبة غير المقبولة هي توبة المذنب المصرّ، لا المذنب غير المصرّ، ولا المذنب الجاهل، ولا المذنب المستضعف.
عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها﴾، قال: «طلوع الشمس من المغرب، وخروج الدابَّة، والدجّال، والرجل يكون مصرَّاً ولم يعمل على الإيمان، ثمّ تجيء الآيات فلا ينفعه إيمانه»(٣٩١).
٦ - أن يكون المراد هو غلق باب التوبة على خصوص أُولئك الظالمين الذين صدرت منهم معاصي، إذ إنَّه لا بدَّ أن ينالوا عقابهم عليها، لأنَّهم لم يتداركوها في الوقت المقرَّر، أو الذين صدرت منهم ذنوب لا علاج لها سوى العقوبة، كالظلمة الذين يقتلون الناس ظلماً، فالإمام (عليه السلام) سوف لن يمهلهم، بل سيعاقبهم، وهذا هو معنى كون الإمام المهدي (عليه السلام) يُبعَث نقمةً كما في بعض الروايات(٣٩٢)، فإنَّ معناه هو أنَّه نقمة على الظالمين، فإنَّه يعاقبهم ولا يمهلهم.
عن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول في كتابه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء: ٣٣]، فما هذا الإسراف الذي نهى الله (عزَّ وجلَّ) عنه؟ قال: «نهى أن يقتل غير قاتله أو يُمثِّل بالقاتل»، قلت: فما معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾؟ قال: «وأيّ نصرة أعظم من أن يدفع القاتل إلى أولياء المقتول فيقتله ولا تبعة تلزمه من قتله في دين ولا دنيا؟»(٣٩٣).
وعلى هذه الوجوه يمكن حمل الروايات التي يظهر منها عدم قبول التوبة وارتفاعها زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)(٣٩٤).
إشارة:
لا يعني ما ذكرناه من أنَّ باب التوبة مفتوح زمن الظهور أن يبقى المذنب زمن الغيبة منغمساً في ذنوبه بحجَّة أنَّه سيتوب عند ظهور الإمام، فإنَّ هذا في الوقت الذي هو أمر محرَّم كما هو واضح، فإنَّه يواجه مشكلة، وهي أنَّه من قال إنَّ المذنب سيُوفَّق للتوبة عند الظهور؟
من قال: إنَّ ذنوبه سوف لا تطغى على قلبه بحيث يُسلَب التوفيق عن التوبة؟ من قال: إنَّه لا يموت قبل أن يُظهِر التوبة؟
لذلك فإنَّ الروايات الشريفة أكَّدت على أن يُعجِّل المذنب بالتوبة.
يقول الإمام الجواد (عليه السلام): «تأخيرُ التوبةِ اغترارٌ، وطولُ التسويفِ حيرةٌ»(٣٩٥).
ويقول الإمام علي (عليه السلام): «لَا تَكُنْ مِمَّنْ يَرْجُو الآخِرَةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ، ويُرَجِّي التَّوْبَةَ بِطُولِ الأَمَلِ...، إِنْ عَرَضَتْ لَه شَهْوَةٌ أَسْلَفَ المَعْصِيَةَ وَسَوَّفَ التَّوْبَةَ»(٣٩٦).
وعنه (عليه السلام): «إن قارفتَ سيئةً فعجِّل محوها بالتوبة»(٣٩٧).
وعنه (عليه السلام): «مُسَوِّفُ نفسه بالتوبة من هجومِ الأجلِ على أعظمِ الخطر»(٣٩٨).
وفي وصيَّته (عليه السلام) لولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام): «... وَأَنَّكَ طَرِيدُ المَوْتِ الَّذِي لَا يَنْجُو مِنْه هَارِبُه، وَلَا يَفُوتُه طَالِبُه، وَلَا بُدَّ أَنَّه مُدْرِكُه، فَكُنْ مِنْه عَلَى حَذَرِ أَنْ يُدْرِكَكَ وَأَنْتَ عَلَى حَالٍ سَيِّئَةٍ، قَدْ كُنْتَ تُحَدِّثُ نَفْسَكَ مِنْهَا بِالتَّوْبَةِ، فَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ ذَلِكَ، فَإِذَا أَنْتَ قَدْ أَهْلَكْتَ نَفْسَكَ...»(٣٩٩).

* * *
الشذرة الثامنة عشرة: من فتن زمن الغيبة والظهور

مقدّمات تمهيدية:
المقدّمة الأُولى: نظام الاختبار:
نحن نعلم أنَّ الله تعالى جعل (الفتنة) أي الاختبار من القواعد الرئيسية في عالم الإمكان، حتَّى أنَّ بعض الآيات القرآنية جعلت ذلك نظاماً للحياة لا يمكن التملّص منه، يقول عزَّ من قائل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ٢ و٣).
هذا، وإنَّ الروايات الشريفة أكَّدت بما لا مناص منه، على أنَّ الناس سيعيشون فتناً واختبارات بدأت بحسب التسلسل التاريخي للروايات من زمن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهي باشتداد إلى أن تصل الفتنة إلى ذروة اشتدادها قبيل الظهور وإبّانه.
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... أَلَا وَإِنَّ بَلِيَّتَكُمْ قَدْ عَادَتْ كَهَيْئَتِهَا يَوْمَ بَعَثَ اللهُ نَبِيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَالَّذِي بَعَثَه بِالْحَقِّ لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً، وَلَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً، وَلَتُسَاطُنَّ سَوْطَ الْقِدْرِ، حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وَأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ، وَلَيَسْبِقَنَّ سَابِقُونَ كَانُوا قَصَّرُوا، وَلَيُقَصِّرَنَّ سَبَّاقُونَ كَانُوا سَبَقُوا...»(٤٠٠).
وعن صفوان بن يحيى، قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(٤٠١).
وعن محمّد بن منصور، عن أبيه، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة نتحدَّث، فالتفت إلينا فقال: «في أيِّ شيءٍ أنتم؟ أيهات أيهات(٤٠٢) لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُغربَلوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُميَّزوا، [لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى يتمحَّصوا]، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلَّا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى يشقى من شقي ويسعد من سعد»(٤٠٣).
وعن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): «أمَا والله لا يكون الذي تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُميَّزوا أو تُمحَّصوا، حتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر، ثمّ تلا: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [التوبة: ١٦]، ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]»(٤٠٤).
وعن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم عنها أحد. يا بنيّ، إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هو محنة من الله (عزَّ وجلَّ) امتحن بها خلقه»(٤٠٥).
المقدّمة الثانية: ما هي أسباب الوقوع في الفتن؟
ليس الوقوع في الفتنة محض صدفة أو خطأ غير مقصود، إنَّما للوقوع فيها والانحدار في منزلقاتها أسباب واقعية يمكن تلمُّسها من خلال بعض الروايات الشريفة التي حذَّرت من تلك المنزلقات، وهي باختصار التالي:
السبب الأوَّل: الاتّباع الأعمى لمن يدَّعي العلم، وعدم الرجوع إلى المتخصّصين في مجال الروايات وفهمها، وإلى العلماء الذين لا يخرجون عن خطّ القرآن الكريم والسُّنَّة الثابتة.
فعن الإمام علي (عليه السلام): «إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللهِ، فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى المُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْه أَلْسُنُ المُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِه، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنى»(٤٠٦).
ملاحظة: مجرَّد ادِّعاء العلم لا يجعل الإنسان عالماً، كما أنَّ مجرَّد ادِّعاء الطبّ لا يجعل الإنسان طبيباً، بل هناك أُصول موضوعة وقواعد معرفية أسَّسها القرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) لمعرفة العالم من المدَّعي.
وللحوزة العلمية باع طويل في معرفة الدعاوى الباطلة والكاذبة وعلى جميع المستويات، فلا مناص من الاعتماد على خبراتها في تشخيص الفتن وكيفية التخلّص منها.
السبب الثاني: الجهل بالقضيَّة التي تقع فيها الفتنة، وعدم الإحاطة العلمية بجوانبها المختلفة.
ولذلك تجد أنَّ الروايات الشريفة قد بيَّنت أن أحد أهمّ ما يوقع المرء في بعض فتن الظهور هو الجهل بتلك الفتن وعدم المعرفة المسبقة بها.
ومن ذلك ما ورد في الحثِّ على معرفة علامات الظهور، فقد ورد عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «هما صيحتان صيحة في أوَّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية»، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: «واحدة من السماء، وواحدة من إبليس»، فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال: «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»(٤٠٧).
السبب الثالث: تناسي أنَّ الحياة عموماً مبنيَّة على أساس الابتلاء والاختبار - كما تقدَّم - وأنَّ الشيعة بالخصوص يعيشون الاختبارات الاستثنائية وعلى أعلى مستوياتها زمن الغيبة الكبرى، فإنَّ العالم بنوع الزمن الذي يعيشه وبصفات أهله وتوجّهاتهم، والملتفت إلى ذلك سيكون في مأمن من الوقوع في فتنته وفتنتهم، وقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «العالم بزمانه، لا تهجم عليه اللوابس»(٤٠٨).
وقد بيَّنت الروايات الفتن، ووصفتها ببعض الصفات التي يمكن لأيّ أحد أن يتلمَّسها بوضوح، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُه، وَمِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُه، وَمَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، سُكَّانُهَا وَعُمَّارُهَا شَرُّ أَهْلِ الأَرْضِ، مِنْهُمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ وَإِلَيْهِمْ تَأْوِي الْخَطِيئَةُ، يَرُدُّونَ مَنْ شَذَّ عَنْهَا فِيهَا، وَيَسُوقُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهَا إِلَيْهَا، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَه فَبِي حَلَفْتُ: لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ، وَقَدْ فَعَلَ وَنَحْنُ نَسْتَقِيلُ اللهَ عَثْرَةَ الْغَفْلَةِ»(٤٠٩).
المقدّمة الثالثة: كيفية الخروج من الفتنة؟
من المعروف عن أهل البيت (عليهم السلام) - وهذا واضح عند من تابع كلماتهم وعرفها وطبَّقها في حياته - أنَّهم (عليهم السلام) عندما يُبيِّنون مرضاً فردياً أو اجتماعياً أو ما شابه، فإنَّهم لا يبرحون حتَّى يُبيِّنوا الطرق الناجعة والسبل الواضحة للاستشفاء منه، وهم (عليهم السلام) عندما أكَّدوا على وقوع الفتن وتتابعها علينا، فإنَّهم إلى جنب ذلك بيَّنوا الطرق للتخلّص من الوقوع فيها، ويمكن أن نعنون تلك الطرق بالتالي:
الطريق الأوَّل: الرجوع إلى أهل العلم:
فقد ورد: «ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمناً ويمسي كافراً إلَّا من أحياه الله تعالى بالعلم»(٤١٠).
وذلك - أي الإحياء بالعلم - يكون بالرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام) الذين ما تركوا لنا شيئاً نجهله، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أَيُّهَا النَّاسُ، شُقُّوا أَمْوَاجَ الْفِتَنِ بِسُفُنِ النَّجَاةِ»(٤١١).
وذلك يكون في زمن الغيبة والفتنة بالرجوع إلى العلماء الموثوقين على الدين، كما كان أهل البيت (عليهم السلام) يُرجِعون شيعتهم لأصحابهم الموثوقين، وقد نقل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) بعضاً من أهمّ تلك الروايات مستدلَّاً بها على عدم الفرق بين الرواية عن الثقة وبين أخذ الفتوى عنه، نذكر منها التالي(٤١٢):
... ما دلَّ على إرجاع آحاد الرواة إلى آحاد أصحابهم (عليهم السلام)، بحيث يظهر منه عدم الفرق بين الفتوى والرواية، مثل: إرجاعه (عليه السلام) إلى زرارة بقوله (عليه السلام): «فإذا أردت حديثنا فعليك بهذا الجالس» مشيراً إلى زرارة(٤١٣).
وقوله (عليه السلام) في رواية أُخرى: «أمَّا ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) فلا يجوز ردّه»(٤١٤).
وقوله (عليه السلام) لابن أبي يعفور بعد السؤال عمَّن يرجع إليه إذا احتاج أو سُئِلَ عن مسألة: «فما يمنعك من محمّد بن مسلم الثقفي؟ فإنَّه قد سمع من أبي، وكان عنده وجيهاً»(٤١٥).
وقوله (عليه السلام) - فيما عن الكشّي - لسَلَمة بن أبي حبيبة(٤١٦): «ائت أبان بن تغلب، فإنَّه قد سمع منّي حديثاً كثيراً، فما روى لك عنّي فارو عنّي»(٤١٧).
وقوله (عليه السلام) لشعيب العقرقوفي بعد السؤال عمَّن يرجع إليه: «عليك بالأسدي» يعني أبا بصير(٤١٨).
وقوله (عليه السلام) لعلي بن المسيّب بعد السؤال عمَّن يأخذ عنه معالم الدين: «من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا»(٤١٩).
الطريق الثاني: التريّث وعدم الاستعجال:
فإنَّه ليس من المنطقي أن يركض المرء خلف كلّ ناعق، وليس من العقل أن يُصدِّق بكلّ دعوى، وهذا أمر وضَّحته بعض الروايات الشريفة بكلّ صراحة.
ولنتذكَّر أنَّ الناس ثلاثة: «عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ»(٤٢٠)، وأنَّ علينا أن نغدو عالمين أو متعلِّمين لا غيرها فنهلك.
فعن أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة، يأرز العلم فيها بين المسجدين كما تأرز الحيَّة في جحرها، يعني بين مكّة والمدينة، فبينما هم كذلك إذ أطلع الله (عزَّ وجلَّ) لهم نجمهم»، قال: قلت: وما السبطة؟ قال: «الفترة والغيبة لإمامكم»، قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: «كونوا على ما أنتم عليه حتَّى يُطلِع الله لكم نجمكم»(٤٢١).
بيان: أرزت الحيَّة: أي رجعت إلى جحرها القهقرى، بأن تُدخِل ذيلها أوَّلاً ثمّ جسمها شيئاً فشيئاً، وآخر شيء يدخل منها رأسها. والحيَّة تفعل ذلك إذا خافت. وهذا كناية عن انكماش العلم في البيوت وعدم عمل الناس به.
الطريق الثالث: تقديم البحث والتنقيب عند وقوع الفتنة:
صحيح أنَّه ينبغي للمؤمن أن يكون حسن الظنّ من سجاياه، وصحيح أنَّ سوء الظنّ لو كان سجيَّة فإنَّه يجعل الحياة مسرحاً للظنون والأوهام بما لا يدع للراحة من فسحة أو للاطمئنان من مجال، ولكن هذا ليس على نحو الدوام، بل هناك استثناءات أكَّدت عليها الروايات الشريفة، بل الواقع والعقل يُصدِّقها ولو من دون روايات.
وهذا ما أكَّدته الروايات الشريفة في العديد من المواضع، نذكر منها ما عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا كان الزمان زمان جور وأهله أهل غدر فالطمأنينة إلى كلِّ أحد عجز»(٤٢٢).
الطريق الرابع: الورع والدعاء بإخلاص للوقاية من الفتنة:
إنَّ المرء مهما أُوتي من عقل وفطنة، ومهما كان عالماً ذكياً، إلَّا أنَّه لا يستغني في لحظة من لحظاته عن التوفيق الإلهي وعن الدعم الغيبي، لذلك كان على كلّ واحد منّا ممَّن يريد أن لا يقع في شرك الفتن أن يزيد من علاقته بالغيب، وأن يبتهل متوسِّلاً للباري جلَّ وعلا في أن يحفظه ويحفظ إيمانه من الهلكة.
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى للمخلصين، أُولئك مصابيح الهدى تتجلّى عنهم كلّ فتنة ظلماء»(٤٢٣).
وعن الإمام علي (عليه السلام): «اعْلَمُوا أَنَّه مَنْ يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَه مَخْرَجاً مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ»(٤٢٤).
الطريق الخامس: التعامل مع الفتنة بكلّ فطنة وذكاء:
قد تكون الفتنة التي يمرُّ بها أحدنا من النوع الذي لا يمكنه أن يغضّ طرفه عنها، قد تكون من النوع الذي لا بدَّ أن تكون له كلمة فيها، فكيف يتعامل آنذاك؟
لا شكَّ أنَّ التعامل العقلاني وقتها يكون بصيغة يكون فيها المرء مؤثِّراً لا متأثِّراً، يكون فيها بحيث لا يقع في شراكها، وهو ما عبَّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بتعبير أجمل ما يكون بلاغةً وسبكاً وأداءً للمعنى المطلوب، فقال (عليه السلام): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»(٤٢٥).
من فتن زمن الغيبة والظهور:
بعد أن تعرَّفنا على هذه المقدّمات، نذكر الآن بعضاً من الفتن التي تكون قبيل وعند الظهور، وليكن معلوماً من الآن أنَّ تعداد تلك الفتن لا يُقصَد منه بثّ الخوف في القلوب بقدر ما يُقصَد منه الاطّلاع عليها والتهيّؤ لها، فإنَّ من اطَّلع عليها ستكون عنده فرصة مؤاتية جدَّاً للخروج من شراكها واللحاق بركب الإمام المهدي (عليه السلام).
وعلى كلّ حال، فالفتن في هذا المجال كثيرة، نذكر منها التالي:
أوَّلاً: من فتن الغيبة الكبرى:
الفتنة الأُولى: فتنة طول الغيبة:
شاءت الحكمة الإلهية أن يدَّخر الباري جلَّ وعلا الإمام المنتظر (عليه السلام) إلى وقت لا يعلمه إلَّا هو (عزَّ وجلَّ)، يراه مناسباً للظهور المقدَّس.
ولكن نجد أنَّ الإنسان ومن طبعه يحب أن يجني الثمار قبل أوانها، وأن يستقبل الأمر قبل تمامه، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ﴾ (القيامة: ٥)، ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (الأنبياء: ٣٧).
وهذه السجيَّة في الإنسان ستجعل البعض يمتعضون من طول الغيبة، وربَّما أثَّر هذا على سلوكهم، بل وعلى عقيدتهم بالمهدي (عليه السلام)، وهذا ما نبَّهت عليه بعض الروايات الشريفة وأمرت بالثبات على المبدأ زمن الغيبة التي يضلُّ فيه الكثيرون.
قال محمّد بن علي التقي (عليهما السلام) لعبد العظيم الحسني: «المهدي الذي يجب أن يُنتَظر في غيبته، ويُطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، وأنَّ الله ليصلح أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) حيث ذهب ليقتبس لأهله ناراً، هو سميّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيّه، تُطوى له الأرض»، قيل: ولِمَ سُمّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته، وسُمّي المنتظر لأنَّ له غيبة يطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويهلك المستعجلون»(٤٢٦).
عن يونس بن عبد الرحمن، قال: دخلت على موسى بن جعفر (عليهما السلام) فقلت له: يا بن رسول الله، أنت القائم بالحقّ؟ فقال: «أنا القائم بالحقّ، ولكن القائم الذي يُطهِّر الأرض من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتدُّ فيها أقوام ويثبت فيها آخرون»، ثمّ قال: «طوبى لشيعتنا، المتمسّكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أُولئك منّا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمَّة، ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم، ثمّ طوبى لهم، وهم والله معنا في درجاتنا يوم القيامة»(٤٢٧).
وفي رواية أحمد بن إسحاق مع الإمام العسكري (عليه السلام)... فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا بن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت [به] عليَّ، فما السُّنَّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ فقال: «طول الغيبة يا أحمد»، قلت: يا بن رسول الله، وإنَّ غيبته لتطول؟ قال: «إي وربّي، حتَّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، ولا يبقى إلَّا من أخذ الله (عزَّ وجلَّ) عهده لولايتنا، وكتب في قلبه الإيمان، وأيَّده بروح منه. يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من أمر الله، وسرّ من سرّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في علّيين»(٤٢٨).
الفتنة الثانية: الاستعجال والدخول في الفتن:
كلّ من طالع التاريخ الإسلامي يجد وبوضوح أنَّ الشيعة قد مرَّت عليهم ظروف لا يحسدون عليها من ظلم وقتل وتشريد وحبس وغيرها كثير، وبالتالي انعكس هذا على نفسياتهم، وصاروا يبحثون عن متنفّس يُخلِّصهم ممَّا نزل بهم، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، فإنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لم يغفلوا هذه الحقيقة، بل رسموا لشيعتهم الطريق الصحيح للخروج من هذا الظلم، وأنَّه إن كان الظرف مناسباً لذلك لم يكن لهم ولا للشيعة عذر في عدم القيام ضدّ الظلم.
ثمّ بيَّنوا أنَّ التخلّص من الظلم بكلّ صوره إنَّما يتمُّ على يدي الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّ من يقوم قبله حتَّى وإن كُتِبَ له الانتصار لكنَّه ما يلبث أن تنتهي حركته، وأنَّ العدل المطلق لا يتمُّ إلَّا على يديه (عليه السلام).
وعلى كلِّ حالٍ، هذه الحالة جعلت من بعض الشيعة يتأمَّلون التخلّص من الظلم على يد كلّ من ادَّعى القيام لأجل الحقّ.
وهنا، جاءت التعليمات من أهل البيت (عليهم السلام) في أن يتريَّثوا ولا يستعجلوا بالدخول في الحركات من دون معرفة أساسياتها ومرتكزاتها الحقيقية ونتائجها المحتومة.
وفي الحقيقة، إنَّ الاستعجال في الدخول في حركات كتلك هو من فتن الظهور وما قبله، لذلك أكَّدت الروايات الشريفة على عدم الاستعجال في الأمر قبل أن يحين أوانه.
وهنا عدَّة روايات، نذكر منها:
الرواية الأُولى: عن سيف التمّار، عن أبي المرهف، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «هلكت المحاضير»، قال: قلت: وما المحاضير؟ قال: «المستعجلون، ونجا المقرّبون، وثبت الحصن على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم، فإنَّ الغبرة على من أثارها، وأنَّهم لا يريدونكم بجائحة(٤٢٩) إلَّا أتاهم الله بشاغل إلَّا من تعرَّض لهم»(٤٣٠).
الرواية الثانية: عن أبي بكر الحضرمي، قال: دخلت أنا وأبان على أبي عبد الله (عليه السلام)، وذلك حين ظهرت الرايات السود بخراسان، فقلنا: ما ترى؟ فقال: «اجلسوا في بيوتكم، فإذا رأيتمونا قد اجتمعنا على رجل فانهدّوا إلينا بالسلاح»(٤٣١).
سؤال وجوابه:
قد يتصوَّر البعض أنَّ مثل هذه الروايات تدعو الشيعة إلى الخضوع والخنوع وعدم العمل على التغيير على المستوى السياسي العامّ، بدعوى أنَّها أمرت بلزوم البيت، وبالتالي هذا سيتيح للظالمين الفرصة المناسبة لفرض سيطرتهم من دون معارض، وهذا بالتالي سيُبرِّر المقولة التي تُصوِّر الأمر بالانتظار على أنَّه يعني السكون والركود وعدم التفاعل مع الأحداث والواقع.
والجواب: تقدَّم تفصيله في الشذرة الثانية عشرة، فراجع.
الفتنة الثالثة: فتنة اختلاف الشيعة:
صحيح أنَّ إبليس آلى على نفسه أن يضلَّ عباد الله تعالى، وصحيح هو يعمل على ذلك ليلاً نهاراً، ولكن الواقع هو أنَّ إبليس يبذل كلّ جهوده في سبيل إضلال فئة واحدة من أُمَّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهي الفرقة الناجية التي اتَّبعت أمر النبيّ بالولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام) لفراغه عن ضلال ما عداهم فقد أُركسوا في الانحراف.
وهذا ما بيَّنه الإمام الصادق (عليه السلام) في وصيَّته لعبد الله بن جندب، حيث يقول فيها: «يا عبد الله، لقد نصب إبليس حبائله في دار الغرور فما يقصد فيها إلَّا أولياءنا»(٤٣٢).
عن مالك بن ضمرة، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يا مالك بن ضمرة، كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض -؟»، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير؟ قال: «الخير كلّه عند ذلك يا مالك، عند ذلك يقوم قائمنا فيُقدِّم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيقتلهم، ثمّ يجمعهم الله على أمر واحد»(٤٣٣).
تنبيه:
إنَّ ذكر هذه الفتنة وتصريح الروايات بها لا يعني الاستسلام لها لو وقعت، بل لا بدَّ على المؤمنين أن يستعدّوا لمثل هذه الفتنة، وأن يلجؤوا - لو وقعت - إلى صمّام الأمان الذي وضعه أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم لو وقعت الفتنة، وهو الرجوع إلى العلماء المأمونين على الدين، الذين يعرفون كيف يُوجِّهون عموم الناس نحو السبيل الذي يريده الله تعالى منهم.
ثانياً: من فتن عصر الظهور:
الفتنة الأُولى: فتنة التأول بالقرآن على الإمام المهدي (عليه السلام):
لا شكَّ أنَّ القرآن الكريم يُمثِّل أهمّ مصادر التشريع الإسلامي، بل هو الدستور العامّ لكلّ مجالات الحياة، ومنها مجالات العقيدة، وهذا الأمر لا يحتاج إلى بيان.
ولكن الأمر المهمّ هو: أنَّ كون القرآن كذلك لا يعني أنَّ فهمه والاستفادة منه في بعض المجال التخصّصية متاح لكلّ من ادَّعى العلم أو قرأ في القرآن، وإنَّما ذاك أمر خصَّ الله تعالى به بعض الناس، ولا شكَّ أنَّ على رأسهم - بل لا يقاس بهم أحد - هم الأئمَّة (عليهم السلام)، وهو ما أكَّدته الكثير من الروايات الشريفة.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله»(٤٣٤).
لذلك كان من أهمّ الأخطاء التي وقع فيها فقهاء العامَّة هو تأوّلهم القرآن ومحاولتهم فهمه من دون الرجوع إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ما سبَّب إرباكاً في فقههم وعقائدهم وحتَّى أخلاقهم وسلوكياتهم، وهو ما تكشف عنه بعض الروايات الشريفة.
وهذا الخطأ الذي وقع فيه العامَّة، سيقعون فيه وسيقع فيه غيرهم زمن الظهور، فيقوم بعض ممَّن يدَّعي العلم بالقرآن بالتأوّل على الإمام المهدي (عليه السلام) في محاولة لرفض حركته، وإبعاد الناس عن اتّباعه، والإمام (عليه السلام) وبعد أن يلقي الحجَّة عليهم لا يجد مناصاً من مناجزتهم القتال، وهذا أمر عقلائي بل وإسلامي، ولا يؤاخذ به (عليه السلام)، وبعد أن يعملوا على محاربة الإمام بالسلاح.
وقد ذكرت الروايات الشريفة هذه الفتنة، وسمَّت بعضاً ممَّن سيقعون فيها:
عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممَّا استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهّال الجاهلية»، قلت: وكيف ذاك؟ قال: «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنَّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوَّل عليه كتاب الله يحتجّ عليه به»، ثمّ قال: «أمَا والله ليدخلنَّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ»(٤٣٥).
ومن أهمّ الفِرَق التي ذكرت الروايات الشريفة أنَّها ستعترض على الإمام المهدي (عليه السلام) هي فرقة البترية، ولأنَّ هذه الفرقة سبَّبت اليوم فتنة قبل ظهورها، فيحسن بنا إذن أن نتعرَّف عليها بالتفصيل:
البترية (٤٣٦):
يظهر من الروايات الشريفة أنَّهم خطّ منحرف عقائدياً، حيث إنَّهم لا يتبرَّؤون من أعداء الإمام علي (عليه السلام)، وإنَّهم بتروا أمر أهل البيت (عليهم السلام) بعدم البراءة من أعدائهم، ولهم جذور تاريخية تمتدُّ إلى زمن الإمام زين العابدين (عليه السلام)، ولمزيد بيان ننقل ما أورده الشيخ الصدوق:
(البترية - بضمِّ الباء الموحَّدة وسكون التاء المثنّاة الفوقية والراء المكسورة -، والنسبة بتري، وهم طائفة من الزيدية يُجوِّزون تقديم المفضول على الفاضل، يقولون: إنَّ أبا بكر وعمر إمامان وإن أخطأت الأُمَّة في البيعة لهما مع وجود علي (عليه السلام)، ولكنَّه خطأ لم ينته إلى درجة الفسق، وتوقَّفوا في عثمان، ودعوا إلى ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، ويرون الخروج مع بطون ولد علي (عليه السلام)، ويذهبون في ذلك إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُثبِتون لكلِّ من خرج من أولاد علي (عليه السلام) عند خروجه الإمامة، وهم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حيّ وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسَلَمة بن كهيل أبي يحيى الحضرمي، وأبي المقدام ثابت بن هرمز الحدّاد.
روى الكشّي بإسناده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ الحكم بن عتيبة وسَلَمة وكثير النواء وأبا المقدام والتمّار - يعني سالم بن حفصة - أضلّوا كثيراً ممَّن ضلَّ من هؤلاء، وإنَّهم ممَّن قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]»(٤٣٧).
وروى أيضاً بإسناده عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي سَلَمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّاد وسالم بن أبي حفصة وكثير النواء وجماعة منهم، وعند أبي جعفر (عليه السلام) أخوه زيد بن علي (عليه السلام)، فقالوا لأبي جعفر (عليه السلام): نتولّى عليَّاً وحسناً وحسيناً ونتبرَّأ من أعدائهم، قال: «نعم»، قالوا: فنتولّى أبا بكر وعمر ونتبرَّأ من أعدائهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي (عليه السلام) وقال لهم: أتتبرَّؤون من فاطمة (عليها السلام)، بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذٍ سمّوا البترية»(٤٣٨).
وروى بإسناده عن ابن أبي عمير، عن سعد الجلَّاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لو أنَّ البترية صف واحد ما بين المشرق إلى المغرب ما أعزَّ الله بهم ديناً»(٤٣٩))(٤٤٠).
وفي بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي (رحمه الله): روى أبو الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس يُدعون البترية، عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتَّى يأتي على آخرهم»(٤٤١).
وهذه الرواية على فرض ثبوتها فيها ما يأتي:
١ - الرواية تتحدَّث عن أُناس منحرفين عقائدياً، حيث أطلقت عليهم الرواية اسم البترية، وهم طائفة من الزيدية يقولون بالنصِّ على أمير المؤمنين (عليه السلام) والحسنين وزين العابدين (عليهم السلام) فقط، ويدَّعون أنَّ الإمامة بعدهم شورى في أولاد الحسنين لمن قام منهم بالسيف.
٢ - إنَّ هذه الطائفة توالي قوماً غصبوا حقوق أهل البيت (عليهم السلام) وأزالوهم عن مراتبهم.
٣ - إنَّ هؤلاء الأقوام الذين يقتلهم الإمام الحجَّة (عليه السلام) رفعوا السلاح في وجهه وردّوا دعوته ولم يستمعوا إليه.
٤ - إنَّ هؤلاء ليسوا من رجال العلم والعلماء، بل هم من جهلة الأُمَّة، فالروايات تُعبِّر عن علماء الدين برواة الحديث، ففي توقيع الإمام الحجَّة (عليه السلام): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(٤٤٢).
٥ - ومن هنا يتَّضح أنَّ دعوى قتل الإمام الحجَّة (عليه السلام) لعلماء الدين دعوى باطلة منشؤها الجهل بتعابير الروايات، فأصحاب هذه الدعوى قد وقعوا في جهل مركب.
الفتنة الثانية: فتنة عدم فهم بعض التصرّفات من الإمام المهدي (عليه السلام):
تؤكّد الروايات الشريفة على أمر غاية في الأهمّية، يرجع في حقيقته إلى أنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) مقامات وجودية عالية جدَّاً، وصفتها بعض الروايات الشريفة بعدم بلوغ فضلهم مهما تكلَّم الناس عنهم.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا إسماعيل، لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم، اجعلونا مخلوقين وقولوا بنا ما شئتم فلن تبلغوا...»(٤٤٣).
وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «إيّاكم والغلو فينا، قولوا: إنّا عبيد مربوبون. وقولوا في فضلنا ما شئتم»(٤٤٤).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «اجعلوا لنا ربَّاً نؤوب إليه وقولوا فينا ما شئتم»(٤٤٥).
وقال (عليه السلام): «اجعلونا مخلوقين وقولوا بنا ما شئتم فلن تبلغوا...»(٤٤٦).
ولذلك رتَّبت الروايات الشريفة على هذا المقام ضرورة عدم تكذيب أقوالهم حتَّى لو لم يقتنع المرء بها، وحتَّى لو لم يفهم معناها، وأنَّه لو سمعنا بحديث لم نفهم معناه لكن ثبت صدوره عنهم (عليهم السلام) فعلينا أن نردّ معناه الحقيقي لهم (عليهم السلام).
عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ حديث آل محمّد صعب مستصعب لا يؤمن به إلَّا ملك مقرَّب أو نبيّ مرسَل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمّد فلانت له قلوبكم وعرفتموه فاقبلوه، وما اشمأزَّت منه قلوبكم وأنكرتموه فردّوه إلى الله وإلى الرسول وإلى العالم من آل محمّد، وإنَّما الهالك أن يُحدَّث أحدكم بشيء منه لا يحتمله فيقول: والله ما كان هذا...»(٤٤٧).
إذا فهمنا هذا المعنى، عندئذٍ نأتي لبيان المراد من هذه الفتنة، وهو التالي:
ذكرت بعض الروايات الشريفة أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقوم ببعض الأفعال، التي ربَّما لو نظرنا إليها نظرة سطحية لاستغربنا صدورها منه (عليه السلام)، ولربَّما سوَّغ البعض الاعتراض عليه، ولكنَّنا لو تذكَّرنا ما ذكرناه في المقدّمة، فلا مناص حينئذٍ من التسليم لأفعاله (عليه السلام).
هذا طبعاً إذا غضضنا النظر عن كونه (عليه السلام) إماماً معصوماً لا يصدر منه فعل إلَّا إذا كان موافقاً للحكمة التي يعلمها الله تعالى، ولا يضرُّ بعد ذلك جهلنا بها.
وقد ذكرت الروايات الشريفة بعضاً من تلك الأُمور والأفعال، نذكر منها الروايات التالية:
الرواية الأُولى: عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام)، قالا: «لو قد قام القائم لحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله: يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويُورِّث الأخ أخاه في الأظلَّة»(٤٤٨).
إشارات:
الإشارة الأُولى: إنَّ الراوي لهذه الرواية هو البطائني، والأقوال في توثيقه وعدمه ثلاثة: التوثيق مطلقاً، وعدم التوثيق مطلقاً، والتفصيل بين حال ما قبل وقفه فيقال بقبول رواياته وبين حال ما بعده فلا.
الإشارة الثانية: الحكم الإسلامي للزاني (والعياذ بالله) هو التفصيل بين المحصن فيُرجَم، وبين غير المحصن فيقام عليه الحدّ. ولكن الرواية مطلقة من هذه الناحية، فالشيخ الزاني سواء كان محصناً أو لا فالرواية تقول: إنَّ الإمام (عليه السلام) سيقتله. وفي هذا تحذير واضح من هذه الفاحشة، ليس للشيخ فقط، وإنَّما للجميع.
الإشارة الثالثة: لعلَّ قتل مانع الزكاة يكون في بداية قيام الدولة المهدوية، إذ لا شكَّ أنَّ الناس سيعيشون الغنا في دولة الإمام المهدي (عليه السلام) بشكل لم يسبق له نظير، بحيث ذكرت بعض الروايات أنَّ صاحب الزكاة يبحث عن فقير مستحق فلا يجد(٤٤٩).
الرواية الثانية: عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «بينا الرجل على رأس القائم يأمره وينهاه إذ قال: أديروه، فيديرونه إلى قدّامه فيأمر بضرب عنقه، فلا يبقى في الخافقين شيء إلَّا خافه»(٤٥٠).
وبنفس المعنى ورد عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى إذ أمر بضرب عنقه، فلا يبقى بين الخافقين شيء إلَّا خافه»(٤٥١).
الرواية الثالثة: حدَّثنا أبو الجارود زياد بن المنذر، قال: قال أبو جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام): «إذا ظهر القائم (عليه السلام) ظهر براية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وخاتم سليمان، وحجر موسى وعصاه، ثمّ يأمر مناديه فينادي: ألَا لا يحملنَّ رجل منكم طعاماً ولا شراباً ولا علفاً، فيقول أصحابه: إنَّه يريد أن يقتلنا ويقتل دوابّنا من الجوع والعطش، فيسير ويسيرون معه، فأوَّل منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف، فيأكلون ويشربون، ودوابّهم حتَّى ينزلوا النجف بظهر الكوفة»(٤٥٢).
الرواية الرابعة: عن داود بن قاسم الجعفري، قال: كنت عند أبي محمّد (عليه السلام) فقال: «إذا قام القائم يهدم المنار والمقاصير التي في المساجد»، فقلت في نفسي: لأيّ معنى هذا؟ فأقبل عليَّ فقال: «معنى هذا أنَّها محدَثة مبتدعة لم يبنها نبيّ ولا حجَّة»(٤٥٣).
وعلى نفس المنوال ما ورد عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث طويل - أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة فهدم بها أربعة مساجد، فلم يبقَ مسجد على وجه الأرض له شُرَف إلَّا هدمها وجعلها جمّاء، ووسَّع الطريق الأعظم، وكسر كلّ جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف والمآزيب إلى الطرقات، ولا يترك بدعة إلَّا أزالها ولا سُنَّة إلَّا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، فيمكث على ذلك سبع سنين مقدار كلّ سنة عشر سنين من سنيّكم هذه، ثمّ يفعل الله ما يشاء»(٤٥٤).
وقد تقدَّمت بعض الإشارات النافعة حول هذه الرواية في الشذرة السادسة عشرة في النوع الثالث من خصائصه (عليه السلام).
الرواية الخامسة: عن الهروي، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام):... بأيّ شيء يبدأ القائم منكم إذا قام؟ قال: «يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم لأنَّهم سرّاق بيت الله (عزَّ وجلَّ)»(٤٥٥).
وفي رواية الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «فأوَّل ما يبدأ ببني شيبة فيقطع أيديهم ويُعلِّقها في الكعبة، وينادي مناديه: هؤلاء سرّاق الله»(٤٥٦).
إشارة(٤٥٧):
إنَّ قطع أيدي سرّاق بيت الله تعالى حيث إنَّه كان إقامة للحدِّ الشرعي فلا بأس به بلا شكّ، أمَّا كونه هتكاً وتصغيراً لحرمة الكعبة (كما قد يتوهَّم البعض) فهذا أوَّل الكلام، بل إنَّ إقامة الحدّ على أُولئك السرّاق فيه حفظ لحرمة الكعبة وتحذير للآخرين بعدم التعدّي على حرمتها.
نعم، ورد حرمة قتل المذنب في داخل الحرم، بل يُمنَع عنه الطعام حتَّى يخرج عنه، أمَّا إقامة الحدّ - دون القتل - فلا مانع منه شرعاً.
بل ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وإذا جنى في الحرم جنايةً أُقيم عليه الحدّ في الحرم لأنَّه لم يدع للحرم حرمته»(٤٥٨).
علماً أنَّ سدانة الكعبة كانت لبني شيبة من زمن جدّهم شيبة بن عثمان الأوقص إلى اليوم، حيث إنَّ السدانة هي بيد عبد القادر بن طه بن عبد الله بن عبد القادر بن علي بن محمّد السابع بن زين العابدين الشيبي، كما في موسوعة ويكيبيديا (عنوان: سدانة الكعبة).
الفتنة الثالثة: فتنة صيحة إبليس:
عندما أمر الله تعالى إبليس بالسجود لآدم (عليه السلام)، وتكبَّر إبليس ولم يستجب لأمر الله تعالى، وطرده الله تعالى وجعله ملعوناً، أخذ إبليس على نفسه أن لا يدع بني آدم حتَّى يعمل على إضلالهم ما أُوتي إلى ذلك سبيلاً، وهذا الأمر واضح جدَّاً.
وتذكر الروايات الشريفة أنَّ من أهمّ العلامات الحتمية للظهور هي الصيحة، التي تصدر من السماء لتلفت الأنظار والأذهان إلى قرب ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وإبليس - وأعوانه من الجنّ والإنس - على علم بهذا الأمر، لذلك وفي محاولة منه لإضلال الناس وتشكيكهم بهذه الصيحة، فإنَّه سيقوم هو وأتباعه بإطلاق صيحة من الأرض وإعلان أنَّ الحقَّ ليس مع علي وأولاده، وإنَّما هو مع الطرف المقابل.
فعن هشام بن سالم، عن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ينادي منادٍ باسم القائم (عليه السلام)»، قلت: خاصّ أو عامّ؟ قال: «عامّ كلّ قوم بلسانهم»، قلت: فمن يخالف القائم (عليه السلام) وقد نودي باسمه؟ قال: «لا يدعهم إبليس حتَّى ينادي في آخر الليل ويُشكِّك الناس»(٤٥٩).
عن المعلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «صوت جبرئيل من السماء، وصوت إبليس من الأرض، فاتَّبعوا الصوت الأوَّل، وإيّاكم والأخير أن تفتتنوا به»(٤٦٠).
ملاحظة: تختلف صيحة السماء أو ما سمَّته بعض الروايات بصيحة جبرئيل عن صيحة إبليس من عدَّة جهات، أهمّها أنَّ صيحة جبرئيل تتَّصف بالإعجاز، الأمر الذي عبَّرت عنه الروايات بأنَّه صيحة من السماء، ويسمعها كلّ فرد بلغته، أمَّا صيحة إبليس فتصدر بصورة طبيعية يمكن لأيّ شخص عنده بعض الإمكانات المادّية أن يقوم بها، وقد عبَّرت عنها الروايات بأنَّها من الأرض.
الفتنة الرابعة: فتنة خروجه شابَّاً:
من الأُمور الطبيعية التي نشاهدها عياناً أنَّ الإنسان يهرم في بدنه بمرور الأيّام، وهي سُنَّة جعلها الله تعالى في البشر ليلفت أنظارهم إلى أنَّهم من الضعف بحيث لا يمكنهم الهرب منه أبداً.
ولا شكَّ أنَّ قوَّة البدن هي من أسباب السعادة لدى الإنسان، بل ومن أسباب التمكّن من القيام بالكثير من الأُمور التي لا يمكن أن تتمّ من دون قوَّة البدن.
والقيام بمهام الإصلاح العالمي آخر الزمان من هذا القبيل، لذلك نرى أنَّ الإمام الرضا (عليه السلام) يجيب الريّان بن الصلت عن كونه هو المهدي (عليه السلام) بالإشارة إلى ضعف بدنه الذي يشير إلى عدم كونه هو المهدي (عليه السلام).
فعن الريّان بن الصلت، قال: قلت للرضا (عليه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكنّي لست بالذي أملؤها عدلاً كما ملئت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني؟ وإنَّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قويَّاً في بدنه حتَّى لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى، وخاتم سليمان (عليهما السلام). ذاك الرابع من ولدي، يُغيبه الله في ستره ما شاء، ثمّ يُظهِره فيملؤ [به] الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً»(٤٦١).
ولذلك نجد أنَّ من الاختبارات والفتن التي سيقع فيها الناس زمن الظهور هو خروج الإمام المهدي (عليه السلام) لهم شابَّاً رغم أنَّ عمره قد تجاوز إلى الآن أكثر من ألف سنة ومائة، ولا نعلم متى سيخرج وكم سيكون عمره آنذاك.
عن علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنَّه يرجع إليهم شابَّاً موفَّقاً، لا يثبت عليه إلَّا من قد أخذ الله ميثاقه في الذرّ الأوَّل»، وفي غير هذه الرواية أنَّه قال (عليه السلام): «وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابَّاً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً»(٤٦٢).
وعن علي بن عمر بن علي بن الحسين (عليهما السلام)، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنَّه قال: «... ثمّ يغيب غيبة في الدهر ويظهر في صورة شابّ موفق ابن اثني وثلاثين سنة، حتَّى ترجع عنه طائفة من الناس، يملؤ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(٤٦٣).
الفتنة الخامسة: فتنة اشتباه الرايات:
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الحقَّ واحد، وأنَّه واضح جليّ لمن فتح بصره وبصيرته، ولكن الحقّ على وضوحه قد تحيط به بعض الأُمور التي تجعل منه غير واضح للعيان، وفي الحقيقة هذا يُمثِّل واحداً من ابتلاءات الحياة واختباراتها، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى المُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْه أَلْسُنُ المُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِه، وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللهِ الْحُسْنى»(٤٦٤).
وقال (عليه السلام): «إِذَا ازْدَحَمَ الْجَوَابُ خَفِيَ الصَّوَابُ»(٤٦٥).
وقال (عليه السلام): «كم من ضلالة زخرفت بآية من كتاب الله كما يزخرف الدرهم النحاس بالفضَّة المموِّهة»(٤٦٦).
ومن هنا نجد أنَّ من فتن الغيبة أو ما قبل الظهور هي فتنة اشتباه الرايات وتعدّدها، وكلّ يدَّعي وصلاً بليلى، وقد تعدَّدت الروايات في ذكر هذه الفتنة، نذكر منها التالي:
الرواية الأُولى: عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل، قال: «يدخل المهدي الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له...»(٤٦٧).
وهذه الرواية وأمثالها يظهر منها أنَّ العراق قبيل الظهور سيكون محطَّة لأنواع من القوى المتصارعة، ولأنواع من الفتن والاختبارات، وأنَّه سيبقى كذلك غير مستقرّ من الناحية السياسية، وسيبقى ساحة لصراع القوى المتناحرة، وأنَّ تهدئة الأُمور واستتباب الأمن تماماً سوف يكون على يدي الإمام المهدي (عليه السلام).
الرواية الثانية: محمّد بن عصام، قال: حدَّثني المفضَّل بن عمر، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) في مجلسه ومعي غيري، فقال لنا: «إيّاكم والتنويه - يعني باسم القائم (عليه السلام) -»، وكنت أراه يريد غيري، فقال لي: «يا أبا عبد الله، إيّاكم والتنويه، والله ليغيبنَّ سبتاً من الدهر، وليخملنَّ حتَّى يقال: مات أو هلك بأيّ وادٍ سلك؟ ولتفيضنَّ عليه أعين المؤمنين، وليكفأنَّ كتكفّئ السفينة في أمواج البحر حتَّى لا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيَّده بروح منه، ولتُرفَعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أيّ من أيّ»، قال المفضَّل: فبكيت، فقال لي: «ما يبكيك؟»، قلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: «تُرفَع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أيّ من أيّ»؟ قال: فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه فقال: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قلت: نعم، فقال: «والله لأمرنا أضوء منها»(٤٦٨).

* * *
الشذرة التاسعة عشرة: كيف لنا أن نُميّز المهدي الحقّ؟

مع غيبة الإمام (عليه السلام)، وعدم رؤيتنا له مباشرة، وعدم وجود صورة شخصية له، ومع كثرة المدَّعين للمهدوية زمن الغيبة الكبرى، ما هي الطريقة التي يُمكِننا من خلالها معرفة المهدي الحقّ من مدَّعيها زوراً؟
الجواب: هناك نحوان من الطرق(٤٦٩):
النحو الأوَّل: طرق تشخيصية:
بمعنى أنَّ من خلالها يمكن تشخيص المهدي (عليه السلام) وعدم اشتباهه بغيره أبداً، ونذكر طريقين في هذا المجال:
الأوَّل: سؤاله عمَّا يعجز غيره عن الإجابة عنه:
كسؤاله عن معضلة تاريخية أو مسألة علمية عجز عنها أهل الاختصاص كلّهم، وما شابه ممَّا يعجز عنه الناس كلّهم، ولا يستطيع أن يجيب عنها إلَّا الإمام المفترض الطاعة من الله (عزَّ وجلَّ)، وعلى غرار قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني»(٤٧٠).
عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إن ادَّعى مدعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٤٧١).
الثاني: سؤاله المعجزة:
فإنَّ الله تعالى يؤيِّد رسله وحججه بالمعجزات الخارقة للعادة، والتي لا يستطيع أيّ إنسان عادي أن يأتي بها، والإمام يمكنه القيام بذلك فيما إذا اقتضت الحكمة الإلهية ذلك، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عنده القدرة على ذلك بلا شكّ، وأوضح ما ورد في ذلك ما جاء في إقامة الإمام المهدي (عليه السلام) المعجزة الواضحة للحسني عندما يطالبه بها لإثبات أنَّه الحقّ(٤٧٢).
النحو الثاني: طرق تقريبية:
بمعنى أنَّها لا تُشخِّص المهدي بالضبط، وإنَّما تفيد في تقريب الصورة، ممَّا يساعد على التهيّؤ النفسي لظهور الإمام (عليه السلام)، ونذكر هنا طريقين أيضاً:
الأوَّل: زيادة المعرفة المهدوية زمن الغيبة الكبرى، فإنَّ لها أثراً مهمَّاً في التعرّف على الواقع المعاش وعلى قرب الظهور وعلى تمييز الحقّ من الباطل، كما ورد ذلك عن أهل البيت (عليهم السلام) في عدَّة روايات:
في كتاب الغيبة للنعماني(٤٧٣) وردت الروايات التالية:
١ - عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليَّاً وشيعته هم الفائزون»، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أُميَّة -»، قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون، قبل أن يكون، ويعلمون أنَّهم هم المحقّون الصادقون».
فالرواية واضحة في أنَّ إبليس وأعوانه سيحاولون خداع الناس، وأنَّ الناس في معرض الوقوع في تلك الخُدع، ولكن الذين عندهم معرفة مسبقة بالحقِّ، سوف ينجحون في هذا الاخبار ويتجاوزونه.
وربَّما يكون قول الإمام (عليه السلام): «الذين كانوا يروون حديثنا» إشارة إلى ضرورة التفقّه المعمَّق والفهم الدقيق لرواياتهم (عليهم السلام).
ولعلَّه إشارة إلى ضرورة استشارة الفقهاء المأمونين على الدين ممَّن ثبت كونه نائباً عامَّاً للمعصوم (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى، فيكون الرجوع إليهم عاملاً مساعداً في كشف الفتنة.
٢ - عن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «هما صيحتان: صيحة في أوَّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية»، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: «واحدة من السماء، وواحدة من إبليس»، فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال: «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون».
٣ - عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ الناس يُوبِّخونا ويقولون: من أين يُعرَف المحقّ من المبطل إذا كانتا؟ فقال: «ما تردّون عليهم؟»، قلت: فما نردّ عليهم شيئاً، قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت من كان مؤمناً يؤمن بها قبل أن تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]».
وهنا إشارة مهمَّة جدَّاً، وهي أنَّه لا بدَّ أن تكون المعرفة من الطريق الذي رسمه لنا أهل البيت (عليهم السلام)، وهو طريق العلماء الذين بذلوا أنفسهم لاستنباط الأحكام الشرعية، وتداول أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، فهم صمّام الأمان للأُمَّة الإسلاميَّة لو اتَّبعناهم بصدق.
الثاني: علامات الظهور:
إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) ذكروا علامات حتمية لظهور الإمام (عليه السلام)، وكونها علامات يعني أنَّها أُمور فارقة من خلالها يمكننا تمييز المهدي الحقّ، مع الالتفات إلى أنَّ العلامات لها فائدة من جهتين:
الجهة الأُولى: القطع بكذب وزيف مدَّعي المهدوية قبل وقوعها، تطبيقاً للتوقيع الشريف الأخير الذي صدر للسفير الرابع: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم»(٤٧٤).
الجهة الثانية: إنَّ وقوعها مؤشِّر مهمّ لقرب ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).
وهذا لا يعني امتناع أن يدَّعي أحد المهدوية بعد وقوع العلامات، فتكون فائدة العلامة آنذاك هو التريّث والبحث عن صدق المدَّعي بأحد الطريقين المتقدّمين.
ولذا، توجَّه البحث إلى معرفة أمر لطالما سأل عنه كثير من الناس، وهو معرفة علامات الظهور.
معرفة علامات الظهور:
شاءت إرادة المولى جلَّ وعلا أن يجعل قبيل ظهور وليّ من أوليائه أو مزامناً له إرهاصات كونية ملفتة لنظر عموم الناس حتَّى يستعدَّ من كان ينتظره لتفعيل مقتضى انتظاره، وهذا ما وجدناه في حركات أغلب الأنبياء، فالنبيّ موسى (عليه السلام) كانت قبله نبوءة من أتباع بلاط فرعون بأنَّ مولوداً من بني إسرائيل سيزيل ملكه، وقتل لأجل التخلّص منه أكثر من عشرين ألف مولود ذكر، ولكن شاء المولى أن يعيش من يزيل ملك فرعون في بيت فرعون نفسه...(٤٧٥).
والنبيّ عيسى (عليه السلام) كانت علامة ولادته نجماً في السماء معروفاً بصفات محدَّدة، وقد تتبَّعه بعض العلماء في ذلك الزمن حتَّى وصلوا إلى فلسطين، وفي بيت لحم بناحية بيت المقدس، حيث وُلِدَ النبيّ عيسى (عليه السلام)...(٤٧٦).
والنبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كذلك، حيث سقطت شرف طاق كسرى، وخمدت نار فارس وهي التي لم تخمد مذ نشبت، وغارت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة...(٤٧٧).
فهذه هي سنن ولادات الأنبياء (عليهم السلام)، أو قل: هذه هي علامات ظهور حركة جديدة تُغيِّر مساراً سارت عليه الأُمَّة لقرون متمادية، وتلك هي العلامات التي ينتظرها المؤمنون.
إذن، (مسألة العلامات تُمثِّل إرهاصات لظهور الحقّ، وتمهيد الناس لاستقبال الحدث المهمّ، وهو أمر جرى في الأنبياء السابقين...)(٤٧٨).
وهي عادةً تشير إلى أُمور غير مألوفة أو غير طبيعية، وربَّما حوت بعضها على عنصر المعجزة، من شأنها أن تهزّ كيان الإنسان، وأن تُحرِّك شعوره وفضوله حول معرفة ما يجري حوله، وبالتالي الاستعداد لذلك الحدث المهمّ.
هل من ضرورة لمعرفة العلامات؟
ينبغي أن يكون واضحاً أنَّ الله تعالى لم يجعل علامات الظهور بمحض الصدفة أو العبثية، وإنَّما جعلها لأهداف تربوية ونفسية، وتلك الفوائد لا يمكن لأحد أن يشعر بها إلَّا إذا اطَّلع على تلك العلامات، وهذا هو أساس الفوائد المرجوَّة من العلامات، وهذا يعني أنَّه لولا المعرفة بها، لحصلت عدَّة أُمور لا تُحمَد عقباها، وهي:
١ - اشتباه الحقّ بالباطل، حيث إنَّ المنحرفين يحاولون تغرير البسطاء من الناس ببعض تصرّفاتهم، خصوصاً مدَّعي المهدوية.
٢ - فقدان عنصر الاستعداد النفسي والسلوكي، الذي يُعتَبر من أهمّ فوائد معرفة العلامات، بمعنى أنَّ من كان يعرف العلامات، لو حدثت، فإنَّه سيعمل على تفعيل ما كان قد تجهَّز به زمن الغيبة، أو زيادة التعبئة والتهيئة عند وقوعها، أمَّا من فَقَدَ هذه المعرفة، فستمرُّ عليه تلك العلامات من دون أن تترك أيّ أثر في نفسه وسلوكه، وبالتالي لربَّما ظهر الإمام (عليه السلام) وهو غافل بالكلّية عنه وعن الاستعداد له.
٣ - هذا فضلاً عن أنَّ معرفتها قبل حصولها، من ِشأنه أن يكون دافعاً مهمَّاً وحافزاً قويَّاً للتدارك إذا ما حصلت، فهي بمثابة المنبّهات من الخطر، الأمر الذي يدفع إلى تجنّبه.
والخطر يكمن في أن يعيش المرء حالة الفساد والانحراف إلى أن يظهر الإمام (عليه السلام)، وحينئذٍ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً(٤٧٩)، إذ لعلَّ المنحرف لا يُوفَّق للتدارك زمن الظهور، خصوصاً مع سرعة عمليات التطهير من براثن الانحراف، ممَّا نسمعه في الروايات الشريفة.
إذن، لمعرفة العلامات فوائد عديدة ظهرت، وقد عبَّرت الروايات عنها بعدَّة تعبيرات، فمرَّة يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»(٤٨٠).
وأُخرى قال (عليه السلام) لعبد الرحمن بن مسلمة الجريري حينما قال له: إنَّ الناس يُوبِّخونا ويقولون: من أين يُعرَف المحقّ من المبطل إذا كانتا؟ فقال: «ما تردّون عليهم؟»، قلت: فما نردّ عليهم شيئاً، قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت من كان مؤمناً يؤمن بها قبل أن تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]»(٤٨١).
إشارة مهمَّة:
لا يعني هذا ضرورة التعمّق الكبير والغور في أعماق معرفة العلامات، فالمهمّ هو البحث عن وتطبيق عوامل الظهور، وأمَّا علامات الظهور فهي واضحة جدَّاً بحيث لا تقبل التشكيك، فإنَّها إمَّا قائمة على الإعجاز - كالخسف والصيحة -، وإمَّا على كونها ظواهر اجتماعية أو سياسية غريبة ملفتة للأنظار بشكل كبير، كتحرّك ثلاث قوى ومن ثلاثة محاور إلى مركز واحد (السفياني من الشام، واليماني من اليمن، والخراساني من بلاد المشرق (إيران)، في يوم واحد باتّجاه الكوفة أو العراق عموماً)، وكقتل النفس الزكيَّة في حرم الله الآمن بين الركن والمقام.
ما هي علامات الظهور؟
إنَّ علامات الظهور كثيرة جدَّاً، وقد قُسِّمت إلى حتمية وغير حتمية، ولكن (النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام) يختارون بعض الحوادث الكبرى الملفتة للنظر، ممَّا يعلمون وقوعه في المستقبل، بالوحي والإلهام، فيُخبِرون به مرتبطاً بالظهور، حتَّى إذا ما وقعت الحادثة في الأزمان ثبت عند الجيل المعاصر لها والأجيال المتأخّرة عنها صدق هذه الأخبار بالحسِّ والوجدان...)(٤٨٢).
ومن هنا، سنذكر بعضاً من مهمّ العلامات.
ولكن قبل ذكر ذلك، لا بدَّ أن نعرف أنَّه يمكن فهم العلامات بنوعين من الفهم، أحدهما سمّي بالفهم الحرفي، والآخر بالفهم الرمزي، فالأوَّل يعني فهم العلامة حرفياً كما وردت في الرواية، فالدجّال والسفياني شخصان يقودان خطّ الفساد ومحاولة القضاء على حركة المهدي (عليه السلام)، واليماني رجل يُمثِّل خطّ الإيمان والتمهيد للمهدي (عليه السلام)، والفهم الثاني يعني فهم الروايات بفهم رمزي تأويلي، وعليه يكون الدجّال والسفياني رمزين للحركات المنحرفة العاملة ضدّ المهدي (عليه السلام).
وعلى كلِّ حالٍ، الظاهر من الروايات الشريفة لمن اطَّلع عليها أنَّ مثل السفياني واليماني والخراساني هم شخصيات حقيقية لا رمزية، نعم، مثل الدجّال لو صحَّت رواياته فربَّما يظهر منها أنَّه يُمثِّل حركة فكرية لا شخصاً بعينه، على أنَّه يمكن حمله على الشخص الحقيقي، وعلى كلِّ حالٍ، لا يهمّنا التعرّض لمثل هذه المسألة الآن.
المهمّ لنا الآن أن نتعرَّف على العلامات البارزة كما ذكرت ذلك الروايات الشريفة.
والعلامات المذكورة في الروايات كثيرة، ولكن سأُحاول هنا ذكر ما له دخل في التمحيص الإلهي والابتلاءات التي تمرُّ على المؤمن زمن الغيبة، حتَّى نكون على اطّلاع بها، وبالتالي نضمن - ولو جزئياً - عدم الوقوع في شراكها.
وأهمّ العلامات هي ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء»(٤٨٣).
العلامة الأُولى والثانية: السفياني والخسف في البيداء:
يعتبر السفياني من البلايا والاختبارات الصعبة التي تمرُّ بها الأُمَّة الإسلاميَّة المؤمنة على مشارف الظهور، ويمكن متابعة حركته من خلال ثلاثة مواقف متسلسلة تاريخياً:
الموقف الأوَّل: مبدأ ظهوره وتحرّكه:
تُحدِّثنا الروايات الشريفة بالتالي:
عن عيسى بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «السفياني من المحتوم، وخروجه في رجب، ومن أوَّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهراً، ستَّة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر، ولم يزد عليها يوماً»(٤٨٤).
إشارة مهمَّة جدَّاً:
يظهر من الأخبار أنَّه حين يتوجَّه إلى العراق والكوفة، فإنَّه يقع قتلاً بشيعة علي (عليه السلام)، فعن عمر بن أبان الكلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كأنّي بالسفياني أو لصاحب السفياني قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس [رجل من] شيعة علي فله ألف درهم، فيثبُ الجار على جاره يقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ ألف درهم. أمَا إنَّ إمارتكم يومئذٍ لا تكون إلَّا لأولاد البغايا...»(٤٨٥).
ولكن ينبغي الالتفات إلى أنَّ أصل خروج السفياني هو من الأُمور الحتمية كما نصَّت الروايات على ذلك، ولكنَّ هذا لا يعني أنَّه إذا خرج فإنَّ علينا أن نخنع له، وأن نستسلم له، وأن ننتظر سيفه ليصل إلى أعناقنا، كلَّا أبداً، إنَّ هذه الفكرة هي ما يحاول البعض أن يقنع بها الشيعة والمنتظرين، ممَّا يُولِّد الخوف والفزع عندهم من السفياني، والحال أنَّه يمكن أن نقول التالي:
١ - إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) حينما ذكروا لنا ما يفعله السفياني بالشيعة، لا يعني هذا أنَّهم يأمروننا بأن نستسلم لهذا الأمر، وإنَّما يعني أنَّهم يريدون تحذيرنا منه، ممَّا يعني أنَّهم يدعوننا إلى أخذ الحيطة والحذر منه، وإلى الاستعداد تمام الاستعداد لتحرّكه في أيّ وقت.
٢ - وهذا يعني أنَّه لو اتَّحد المؤمنون يداً واحدة، ووقفوا ضدّ أطماع السفياني التوسّعية، وانضووا تحت لواء قياداتهم المخلصة ومرجعياتهم الدينية، لأمكن أن يقفوا في وجه السفياني، وأن يمنعوه من إيقاع القتل والتشريد فيهم.
٣ - إذن، لا ينبغي للمؤمن أن يعيش حالة الخوف والفزع من السفياني بقدر ما يلزم عليه أن يُهيّئ نفسه لمواجهته في أيَّة لحظة.
الموقف الثاني: بعثه بالجيش خلف المهدي (عليه السلام) والخسف به:
يظهر من بعض الروايات أنَّ السفياني إذا ظهر في الشام وملك كورها الخمسة، فإنَّه سيعلم - من طريق جواسيسه المنتشرين في بقاع الأرض - أنَّ ثمَّة ظهوراً جزئياً للمهدي (عليه السلام) في المدينة، فيبعث السفياني بجيش ليقتله، ولكن الإمام (عليه السلام) يخرج إلى مكّة، فيصل الجيش ويعلم بذلك، فيتبعه، ولكن مكّة حرم الله الآمن، والمهدي (عليه السلام) هو الموعود لتطبيق الوعد الإلهي، فتقتضي الحكمة الإلهية أن يُخسَف بذلك الجيش في البيداء، ولا ينجو منه إلَّا المخبر عن ذلك الخسف.
ويظهر أيضاً أنَّ ذلك الجيش فيه بعض من كره قتال المهدي (عليه السلام)، ولكنَّه خرج مكرهاً، وسيشمله الخسف، ولكن في يوم القيامة سيُحاسب على نيَّته الواقعية.
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يعوذ عائذ بالبيت، فيبعث إليه بعث، فإذا كان ببيداء من الأرض يُخسَف بهم»، فقلنا: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: «يُخسَف به معهم، ولكنَّه يُبعَث يوم القيامة على نيَّته»(٤٨٦).
الموقف الثالث: القضاء عليه:
بعد حصول الخسف بجيش السفياني، تحصل عنده حجَّة واضحة بأنَّ الحقّ مع المهدي (عليه السلام)، فيقرُّ بذلك، ويلتقي بالإمام (عليه السلام) في الكوفة، وفي محاولة من الإمام المهدي (عليه السلام) لهدايته، يبايعه السفياني، ولكنَّها بيعة لا عن اعتقاد قلبي راسخ، وإنَّما عن خوف وفرق منه (عليه السلام)، ولذلك حينما يرجع إلى أخواله - وهم قبيلة كلب - يُعيِّرونه بذلك، فينكث بيعته، فيقاتل المهدي، فيقتله الإمام (عليه السلام)، وبذلك تنتهي حركة السفياني إلى الأبد.
عن جابر بن يزيد، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا بلغ السفياني أنَّ القائم قد توجَّه إليه من ناحية الكوفة، يتجرَّد بخيله حتَّى يلقى القائم، فيخرج فيقول: أُخرجوا إليَّ ابن عمّي، فيخرج عليه السفياني فيُكلِّمه القائم (عليه السلام)، فيجيء السفياني فيبايعه، ثمّ ينصرف إلى أصحابه، فيقولون له: ما صنعت؟ فيقول: أسلمت وبايعت، فيقولون له: قبَّح الله رأيك، بين ما أنت خليفة متبوع فصرت تابعاً، فيستقبله فيقاتله، ثمّ يمسون تلك الليلة، ثمّ يصبحون للقائم (عليه السلام) بالحرب، فيقتتلون يومهم ذلك. ثمّ إنَّ الله تعالى يمنح القائم وأصحابه أكتافهم، فيقتلونهم حتَّى يفنوهم، حتَّى أنَّ الرجل يختفي في الشجرة والحجرة، فتقول الشجرة والحجرة: يا مؤمن، هذا رجل كافر فاقتله، فيقتله...»(٤٨٧).
العلامة الثالثة: اليماني:
وهو من الشخصيات التي تعمل على تمهيد الأوضاع للإمام المهدي (عليه السلام)، خصوصاً في ما يتعلَّق بمجابهة حركة السفياني، ويبدو أنَّه (ينطلق من اليمن إثر أنباء قادمة من الكوفة بتوجّه السفياني إليها، وهو صاحب حركة إصلاحية تتَّخذ اليمن معقلاً لها تهدف إرجاع الناس إلى الحقّ...)(٤٨٨).
ويظهر من الروايات أنَّ اليماني يبدأ حركته متزامناً مع حركة السفياني، ليوقف من مدّ جذوره في الكوفة، وكذلك متزامناً مع تحرّك الخراساني، الذي يعمل أيضاً على إيقاف تحرّكات السفياني والقضاء عليه.
ولا يخفى ما لهاتين الحركتين من أثر مهمّ يومذاك في مجابهة السفياني، فالخراساني من الشرق (إيران)، واليماني من الجنوب الغربي (اليمن)، فيُطوِّقان حركة السفياني ويوقفانها في الكوفة، ويحدّان من توسّعها لغير العراق.
وعموماً، فالذي يظهر من الروايات هو أنَّ هناك ثورة عارمة ستحدث في اليمن على يدي شخص سمَّته باليماني، وهي راية هدى، (بل تصفها عدَّة روايات بأنَّها أهدى الرايات في عصر الظهور على الإطلاق...)(٤٨٩).
قال الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكلّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإنَّ رايته راية هدى، ولا يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم»(٤٩٠).
عن سيف بن عميرة، عن بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحقّ»(٤٩١).
أسئلة وأجوبة مفيدة (٤٩٢):
السؤال الأوَّل: ما هي مقوّمات وأُسس معرفة اليماني التي هي غير واضحة عندنا.
الجواب:
أوَّلاً: كون اليماني لا يخرج عن بديهيات المذهب الجعفري، ولا يخالف ضروريات المذهب من عدم مخالفة الحجَّة الشرعية في زمن الغيبة الكبرى وهم الفقهاء العدول، وهذا ما أمر به أهل البيت (عليهم السلام) من انحصار طريق أخذ التكليف الشرعي من طريق الفقهاء.
أو كونه منهم حقيقة لا مجرَّد ادِّعاء، وهذا أهمّ أمر، علماً أنَّه لم يرد في الروايات أنَّه من فقهاء وعلماء الطائفة.
ثانياً: خروجه من اليمن.
ثالثاً: التزامن الواحد في الخروج بين اليماني والخراساني والسفياني، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): قال الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً»(٤٩٣).
السؤال الثاني: من هو اليماني في عصرنا؟
الجواب:
ليس اليماني ولا السفياني ولا الخراساني شخصية مستنسخة يمكن أن نُوجِد لها شاخصاً في كلّ عصر حتَّى يصحَّ السؤال عن من هو اليماني في عصرنا.
وكأنَّ اليماني في العصور الماضية كان شخصية أُخرى وفي عصرنا هذا شخصية ثانية وفي عصر الظهور شخصية ثالثة، كلَّا، فإنَّ اليماني هو شخصية واحدة تظهر قبيل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ويواكب ظهوره ظهور كلّ من الخراساني والسفياني، كما في تعبير الروايات: «اليماني والسفياني كفرسي رهان»(٤٩٤)، وأنَّ رايته أهدى الرايات الثلاث.
السؤال الثالث: إذا ظهر اليماني بعد السفياني هل يجب علينا وإن كنّا في كلّ مكان من العالم الالتحاق به؟
الجواب:
ورد في الروايات ما يمكن أن يدلَّ على لزوم اتّباع اليماني وحرمة الالتواء عليه، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات راية أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكلّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه فإنَّ رايته راية هدى، ولا يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النار، لأنَّه يدعو إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم»(٤٩٥).
هذا، ولكن الرواية يمكن المناقشة في صحَّة سندها، بالإضافة إلى أنَّ معنى عدم الالتواء هو عدم معاداته ومحاربته، وهذا غير الالتحاق به.
على أنَّ النصرة تختلف باختلاف الزمان والمكان وقدرات الشخص، فلعلَّ نصرة رجل يعيش في اليمن تتحقَّق بالالتحاق بجيش اليماني، ولكن نصرة رجل يعيش في بلاد الهند أو السند تكون بتأييده قلباً وذكره لساناً.
على أنَّ القاعدة في مثل هذه الحالة هو الرجوع إلى المراجع الذين أُمرنا باتّباع أوامرهم في زمن الغيبة الكبرى.
العلامة الرابعة: الصيحة:
ذكرت الروايات أنَّه ستحصل حادثة غريبة من نوعها، تكون المعجزة سِمتُها الظاهرة، عبَّرت عنها الروايات الشريفة بعدَّة تعبيرات، كالصيحة والفزعة والنداء في السماء، حيث يظهر من الروايات (أنَّ أخبار الصيحة والفزعة وأخبار النداء بأقسامها تشير إلى معنى مشترك وحادثة واحدة، لا اختلاف فيها وإن تعدَّدت أساليب الأخبار، ولا تعارض بينها في الحقيقة...)(٤٩٦).
وخلاصة هذه العلامة هي: في الليلة الثالثة والعشرين - ليلة جمعة - من شهر رمضان، سينادي جبرئيل (عليه السلام) بالحقّ: أنَّ الحقَّ مع آل محمّد عموماً ومع قائمهم (عليه السلام) خصوصاً، وحينئذٍ سيحصل فزع عظيم، بحيث يصل إلى كلّ من على وجه البسيطة، وستفزع حتَّى الفتاة الحيية من خدرها، ويعلم الجميع بالحقّ، فتخضع رقاب الظالمين وأعداء الله تعالى، لأنَّ إعلامهم المنحرف ضدّ القضيَّة المهدوية سيذهب أدراج الرياح بسبب ذلك النداء الإعجازي(٤٩٧)، وستكون هذه العلامة أقرب العلامات نسبياً للظهور المبارك، إذ أنَّها تحصل في شهر رمضان، والظهور سيكون في محرَّم الحرام. وسيكون لذلك النداء أثر مهمّ في قيام ذكر المهدي (عليه السلام) على ألسنة الناس، حتَّى يُشربوا حبَّه، وسيكون موضوع الساعة - كلّ ساعة - هو الإمام المهدي (عليه السلام).
والروايات في هذا المجال عديدة، نذكر منها:
عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «الصيحة التي في شهر رمضان تكون ليلة الجمعة لثلاث وعشرين مضين من شهر رمضان»(٤٩٨).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «الصيحة لا تكون إلَّا في شهر رمضان، لأنَّ شهر رمضان شهر الله، والصيحة فيه هي صيحة جبرائيل إلى هذا الخلق»، ثمّ قال: «ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام) فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلَّا استيقظ، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت، فرحم الله من اعتبر بذلك الصوت فأجاب، فإنَّ الصوت الأوَّل هو صوت جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)»، ثمّ قال (عليه السلام): «يكون الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلاث وعشرين فلا تشكّوا في ذلك، واسمعوا وأطيعوا...، فإذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلا تشكّوا فيه أنَّه صوت جبرئيل، وعلامة ذلك أنَّه ينادي باسم القائم واسم أبيه (عليهما السلام) حتَّى تسمعه العذراء في خدرها فتُحرِّض أباها وأخاها على الخروج...»(٤٩٩).
وأخرج ابن طاووس (رحمه الله) عن أبو نعيم بإسناده عن علي (عليه السلام)، قال: «إذا نادى منادٍ من السماء أنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويشربون حبَّه، فلا يكون لهم ذكر غيره»(٥٠٠).
العلامة الخامسة: قتل النفس الزكية:
بعد أن يلجأ المهدي (عليه السلام) إلى مكّة، ويخسف بجيش السفياني، يقبل أصحاب المهدي (عليه السلام) عليه ويقترحون أن يعلن ظهوره ويبدأ بحركته المباركة في مكّة، فيجيبهم بأنَّ أهل مكّة لا ينصرونه، ولكن من باب إلقاء الحجَّة، ورجاء هدايتهم أو هداية بعضهم، فإنَّه يُرسِل بعض المؤمنين من خاصَّته - وهو الذي سمَّته الروايات بالنفس الزكيَّة - ليدعوهم إلى نصرته، فيطيع أمره، ويذهب إلى مكّة، وعند بيت الله الحرام يخطب بهم ويدعوهم لنصرة المهدي (عليه السلام)، ولكن أهل مكّة يقتلونه في حرم الله الآمن، ليقترفوا بذلك أنواعاً من المعاصي في آنٍ واحد، هي:
١ - هتك حرمة البيت الحرام، الذي اعتبره القرآن الكريم حرماً آمناً.
٢ - قتل النفس المحرَّمة بدون حقّ، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (المائدة: ٣٢).
٣ - رفض نصرة المظلومين، وقد قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من أصبح لا يهتم بأُمور المسلمين فليس منهم، ومن سمع رجلاً ينادي: يا للمسلمين فلم يجبه فليس بمسلم»(٥٠١).
ولا يخفى أنَّ قتل أهل مكّة إيّاه إعلان منهم لمعارضة حركة المهدي (عليه السلام) وتمرّدهم عليه، وهذا ما يحدو به (عليه السلام) لتطهيرها بداية ظهوره، ولعلَّ تسميته بالنفس الزكيَّة لبراءته وكونه يُقتَل مظلوماً، وقد ورد هذا التعبير في القرآن الكريم: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ (الكهف: ٧٤)، أي بريئة من الذنب، كما عليه المفسِّرون(٥٠٢).
هذا وتُحدِّثنا الروايات الشريفة أنَّ ظهور المهدي (عليه السلام) التامّ سيكون بعد مقتل النفس الزكيَّة بخمس عشرة ليلة، لتكون هذه العلامة أقرب العلامات للظهور المبارك.
عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إلى أن قال: «يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم، إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسل إليهم لاحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امض إلى أهل مكّة، فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّية محمّد وسلالة النبيّين، وأنّا قد ظلمنا واضطهدنا وقهرنا وابتزَّ منّا حقّنا منذ قُبِضَ نبيّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكّة لا يريدوننا...»(٥٠٣).
وعن صالح مولى بني العذراء، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: «ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكيَّة إلَّا خمسة عشر ليلة»(٥٠٤).

* * *
الشذرة العشرون: هل سيأتي المهدي (عليه السلام) بإسلام جديد؟

ورد في روايات عديدة أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عندما يقوم فإنَّه سيأتي بالإسلام جديداً، وهذا الأمر يحتاج إلى بيان، إذ أنَّه قد يتساءل البعض، بل قد يشتبه الأمر على بعض آخر، ويقول:
هل إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيأتي بدين جديد غير هذا الإسلام؟ أو أنَّه سيأتي بشيء آخر لا نعرفه؟
وهذا الأمر من شأنه أن يكون حجَّة يتمسَّك بها ضعاف النفوس وأعداء مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ليخلخلوا بها اعتقاد الناس بإمامهم.
لذلك، كان مناسباً أن نتعرَّف على هذه الأحاديث، ونعرف المقصود منها:
وهنا عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: سرد أحاديث الإسلام الجديد:
ورد هذا المعنى في عدَّة روايات، نذكر منها التالي:
الرواية الأُولى: عبد الله بن عطاء المكّي، عن شيخ من الفقهاء - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) -، قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: «يصنع كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً»(٥٠٥).
الرواية الثانية: عن عبد الله بن عطاء، قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام)، فقلت: إذا قام القائم (عليه السلام) بأيّ سيرة يسير في الناس؟ فقال: «يهدم ما قبله كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويستأنف الإسلام جديداً»(٥٠٦).
الرواية الثالثة: عن أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني عن قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ الإسلام بدأ غريباً، وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء»، فقال: «يا أبا محمّد، إذا قام القائم (عليه السلام) استأنف دعاءً جديداً كما دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، وقال: فقمت إليه وقبَّلت رأسه، وقلت: أشهد أنَّك إمامي في الدنيا والآخرة، أُوالي وليّك، وأُعادي عدوّك، وإنَّك وليّ الله. فقال: «رحمك الله»(٥٠٧).
الرواية الرابعة: روى محمّد بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) دعا الناس إلى الإسلام جديداً، وهداهم إلى أمر قد دُثِرَ وضلَّ عنه الجمهور، وإنَّما سُمّي القائم مهدياً لأنَّه يهدي إلى أمر مضلول عنه، وسُمّي القائم لقيامه بالحقّ»(٥٠٨).
النقطة الثانية: هل ما سيأتي به الإمام المهدي (عليه السلام) هو دين جديد؟
عندما نطالع الروايات الآنفة الذكر نجد أنَّها لم تُعبِّر بالدين الجديد، وإنَّما عبَّرت مرَّة بـ (الإسلام جديداً)، وأُخرى (دعاءً جديداً)، وهذا يُصرِّح بأنَّ ما سيأتي به الإمام (عليه السلام) ليس ديناً جديداً بمعنى الدين الناسخ للدين الذي جاء به النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
بل إنَّ هذا الأمر لا يُعقَل أبداً من أيّ شخص يدَّعي الإسلام، لأنَّه مخالف لصريح القرآن الكريم، يقول عزَّ من قائل: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ...﴾ (آل عمران: ١٩).
ويقول تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (آل عمران: ٨٥).
هذا فضلاً عن أنَّ الإتيان بدين جديد هو شأن الأنبياء (عليهم السلام)، ولا نبيّ بعد نبيّنا الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يقول عزّ من قائل: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (الأحزاب: ٤٠).
فإذن، ما سيأتي به الإمام (عليه السلام) ليس هو ديناً جديداً، بل هو الإسلام نفسه، لكن بحلَّة جديدة، ومظهر جديد.
النقطة الثالثة: ما هي دواعي الإسلام الجديد؟
من حقّ المطالع لهذه الروايات أن يتساءل عن السبب الذي يدعو الإمام المهدي (عليه السلام) إلى أن يأتي بالإسلام جديداً، وهل في الإسلام اليوم أيّ خلل أو مشكلة حتَّى يحتاج إلى ترميم من الإمام المهدي (عليه السلام)؟
والجواب:
إنَّ الأسباب الداعية إلى ذلك تتلخَّص في أنَّ أحكام الإسلام قد تعرَّضت إلى هجمات شرسة أضاعت الكثير من الحقائق فيها، مثل التالي:
١ - ابتعادنا عن زمن النصّ وانقطاعنا عن مباشرة المعصوم، إذ لا شكَّ أنَّ هذا يؤدّي إلى الجهل بالكثير من الأحكام الواقعية التي يريدها الله تعالى من المسلم.
٢ - وعّاظ السلاطين في المذاهب الإسلاميَّة - أمثال شريح القاضي ومن هم على شاكلته في كلّ عصر، وهكذا كلّ من تلبَّس بلباس أهل العلم لأغراض دنيوية من أصحاب المذهب الحقّ، كما في عصرنا الحالي وادِّعاءات السفارة الكاذبة والمهدوية الزائفة من أمثال فاضل المرسومي وأحمد إسماعيل كويطع وحيدر مشتَّت وأضرابهم -، فقد تعمَّد كلّ أُولئك إخفاء بعض الحقائق الإسلاميَّة وتحريف البعض، ودسّ الأحاديث المكذوبة على النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وهذه حقيقة أشار لها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حياته، فقد ورد عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غير ما في أيدي الناس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أنَّ ذلك كلّه باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) متعمّدين، ويُفسِّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل عليَّ فقال: «قد سألت فافهم الجواب، إنَّ في أيدي الناس حقَّاً وباطلاً، وصدقاً وكذباً، وناسخاً ومنسوخاً، وعامَّاً وخاصَّاً، ومحكماً ومتشابهاً، وحفظاً ووهماً، وقد كُذِبَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على عهده حتَّى قام خطيباً فقال: أيّها الناس، قد كثرت عليَّ الكذّابة، فمن كذب عليَّ متعمّداً فليتبوَّأ مقعده من النار، ثمّ كُذِبَ عليه من بعده...»(٥٠٩).
بل وتحقَّقت بعده (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما هو صريح بعض الروايات عند أهل السُّنَّة، فقد قال البخاري في صحيحه:
حدَّثنا عمر بن حفص، حدَّثنا أبي، حدَّثنا الأعمش، حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني أبو هريرة (رضي الله عنه)، قال: قال النبيُّ [صلّى الله عليه وسلّم]: «أفضل الصدقة ما ترك غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، المرأة إمَّا أن تطعمني وإمَّا أن تُطلِّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني»، فقالوا: يا أبا هريرة، سمعت هذا من رسول الله [صلّى الله عليه وسلّم]؟ قال: لا، هذا من كيس أبي هريرة.
فها هو أبو هريرة يعترف بأنَّ هذا الحديث هو من كيسه لا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكم يا ترى بثَّ في الأُمَّة من أحاديث كيسه!؟
وقد روي أنَّ معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتَّى يروي أنَّ هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٤ و٢٠٥]، وأنَّ الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]، فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف درهم فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل(٥١٠).
و(قال المدائني عن عصر معاوية: وظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بليَّة القرّاء المراؤون، والمستضعفون الذين يُظهِرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا من مجلسهم، ويصيبوا به الأموال والضياع والمنازل، حتَّى انتقلت تلك الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديّانين الذين لا يستحلّون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنّون أنَّها حقّ، ولو علموا أنَّها باطلة لما رووها ولما تديَّنوا بها.
وبعد هذا يتَّضح لنا كلام جعفر بن محمّد الصادق بكلِّ دقَّة وجلاء، حين قال: «أتدري لِمَ أُمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامَّة؟»، قلت: لا، فقال: «إنَّ عليَّاً لم يكن يدين الله إلَّا خالفته عليه الأُمَّة إلى غيره، إرادة لإبطال أمره، وكانوا يسألون أمير المؤمنين عن الشيء لا يعلمونه، فإذا أفتاهم جعلوا له ضدَّاً من عندهم ليُلبِسوا على الناس»(٥١١))(٥١٢).
٣ - نسيان بعض الأحكام أو تناسيها بسبب الظروف الصعبة التي مرَّ بها الحديث الشريف من منع التدوين، ومن منع بثّ الأحاديث التي فيها فضائل أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا الأمر أشهر من أن يُذكر له شواهد.
والخلاصة:
إنَّه قد تغيَّرت الكثير من حقائقه واندثرت أُخرى حتَّى صار الإسلام اسماً فارغاً من المحتوى في كثير من مفرداته، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بأنَّه لا يبقى من الإسلام إلَّا اسمه، وهو ما عبَّرت عنه الروايات هنا بأنَّ الإسلام سيكون غريباً حتَّى بدا للناظر أنَّ الإسلام بقي وحيداً إلَّا من ناصرٍ قليل.
إنَّ مفردات الانحراف عن الدين كثيرة جدَّاً، فمثلاً الصلاة رغم أنَّها مسألة عامَّة البلوى، وكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُصلّيها يومياً خمس مرّات أمام المسلمين، وكانوا على مرأى ومسمع منه، لكن مع ذلك حصلت انحرافات كثيرة فيها من تكتف، وقول (آمين)، والإخفات بالبسملة رغم أنَّ السُّنَّة هي الجهر بها، وغيرها. وكصلاة التراويح التي لمَّا أراد أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يمنعها في الكوفة صاح الناس: (وا سُنَّة عمراه)، وتناسوا سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك تحريم عمر لمتعة النساء، وكذلك القول بالقياس والرأي، وغيرها كثير، بل صرَّح صاحب الهداية من الحنفية بأنَّ السُّنَّة هي التختّم باليمين، ولكن لأنَّ الشيعة يفعلونه فلا بدَّ أن يكون التختّم في الشمال، لئلَّا يشابه فعل الشيعة(٥١٣)!!
فإذا كانت مثل هذه الأُمور الظاهرة والتي بلَّغ بها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علناً وصراحةً، ومع ذلك قد دخلتها يد التحريف، فكيف بغيرها من الأحكام والتي قد لا يفعلها المكلَّف في حياته إلَّا مرَّة واحدة - كالحجّ -، أو أنَّها من الأحكام الدقيقة التي تحتاج إلى عمق فقهي - كالإرث حيث ابتدع عمر فيه مسألة العَوْل -؟ على أنَّ هذا غيض من فيض انحرافات غير أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
فإذا جاء الإمام المهدي (عليه السلام) وهو العالم بالواقع وبمصادر التشريع وملاكات الأحكام، فآنذاك سيُظهِر للناس الإسلام كما أراده الله تعالى، فيُظهِر جميع الأحكام التي حُرِّفت أو نُسيت، وقد يحكم الإمام بأحكام لا نعرف أُسسها الظاهرية، ولكنَّه سيحكم فيها بعلمه الواقعي وبما يراه من علامات ومصالح أو مفاسد تتناسب مع الموقف.
على أنَّ الأمر ليس مقتصراً على الأحكام، بل سيشمل عموم مفاهيم الدين ومقولاته، من التوحيد الصحيح والمعاد وتفسير القرآن وكلّ ما يتعلَّق بالدين الإسلامي.
وهذا ما عبَّرت عنه الأدعية الشريفة بتعبيرات مختلفة، مثلاً ما ورد في دعاء زمن الغيبة: «اللّهُمَّ جَدِّدْ بِهِ ما امْتَحى مِنْ دِيْنِكَ، وَأَحْيِ بِهِ ما بُدِّلَ مِنْ كِتابِكَ، وَأَظْهِرْ بِهِ ما غُيِّرَ مِنْ حُكْمِكَ، حَتَّى يَعُودَ دِينُكَ بِهِ وَعَلى يَدَيْهِ غَضَّاً جَدِيداً خالِصاً مُخْلَصاً، لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ مَعَهُ، وَلَا باطِلَ عِنْدَهُ، وَلَا بِدْعَةَ لَدَيْهِ»(٥١٤).
وفي دعاء العهد: «وَمُجَدِّداً لِما عُطِّلَ مِنْ أَحْكامِ كِتابِكَ، وَمُشَيِّداً لِما وَرَدَ مِنْ أَعْلامِ دِينِكَ وَسُنَنِ نَبِيِّكَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٥١٥).
فهذه الفقرات تشير وبصراحة إلى وجود بدع ليست من الدين، ولكنَّها اختلطت بالحقِّ حتَّى ظنَّ البعض أنَّها من الدين، وأنَّ هناك سنناً في الدين، ولكنَّها غابت لسبب ولآخر، وما سيفعله الإمام المهدي (عليه السلام) هو أنَّه سيكشف البدعة ويبعدها عن الدين، ويكشف السُّنَّة الحقَّة ويلحقها بالدين.
إذن، فالإمام (عليه السلام) سيقيم الأحكام التي لم تُطبَّق والتي عُطِّلت، وسيرفع الأحكام المنحرفة ويأتي بالحقيقة، وسيحكم بأحكام واقعية حسب الموقف وما يراه هو من مصلحة، وهو ما عبَّرت عنه الروايات بأنَّه سيحكم بحكم آل داود(٥١٦).
إشارتان:
الأُولى: لا شكَّ أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عندما يأتي فإنَّه سينشر الدين الذي ارتضاه الله تعالى للمسلمين ديناً، وهو الدين الذي تكون فيه ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) أصلاً لا يتنازل عنه، إذ أنَّ الولاية هي من أهمّ ما طُلِبَ من المسلم، فقد ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «بني الإسلام على خمس: على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحجّ، والولاية، ولم يُناد بشيء ما نودي بالولاية»(٥١٧).
وهذا الأمر بطبيعة الحال سيجعل من الإسلام الذي يبثّه الإمام (عليه السلام) للناس شيئاً جديداً لم يطَّلعوا أو لم يقتنعوا به من قبل، مع الالتفات إلى أنَّ المقصود من الناس هم غير الشيعة كما هو واضح.
الثانية: لا يعني هذا كلّه بحال من الأحوال أنَّ الشيعة اليوم خارج إطار الدين، لأنَّ كلّ ما بيد الفقهاء هو أحكام وقواعد عامَّة وروايات خاصَّة تلقّوها من المعصوم (عليه السلام). نعم، هم يحكمون في بعض الأحيان بأحكام ظنّية ظاهرية، ولكن هذا الظنّ وهذا الظاهر قد ثبت بالدليل القطعي أنَّ الله تعالى قد رضي لنا أن نعمل به في زمن الغيبة وابتعادنا عن مصدر التشريع، فهو أيضاً داخل إطار الدين، فلا ينبغي أن تكون مثل تلك الروايات مصدراً للخوف والرعب النفسي، بل هي ستكون مصدر اطمئنان لنا بأنَّ إمامنا سيُعرِّفنا على الدين الواقعي الذي ارتضاه الله لنا ديناً.
أمَّا أهل السُّنَّة، فإنَّهم قد استعملوا في استخراج الأحكام الشرعية الكثير من القواعد التي ما أنزل الله بها من سلطان، كالقياس والاستحسان وغيرها، بل أنتجت المدرسة الأُموية الكثير من القواعد المخالفة لصريح القرآن وأحكام العقل، كقاعدة الجبر وغيرها كثير.

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
الاحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ مط بعثت/ قم/ مؤسّسة آل البيت/ ١٤٠٤هـ.
إرشاد القلوب: الحسن بن محمّد الديلمي/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ مط أمير/ انتشارات الشريف الرضي/ قم.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ت مؤسّسة آل البيت/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
إعلام الورى: الطبرسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط ستارة/ مؤسّسة آل البيت/ قم.
إقبال الأعمال: ابن طاووس/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري/ ت السيِّد علي عاشور.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ ت قسم الدراسات/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسّسة البعثة.
الأمالي: الشيخ الطوسي/ ت مؤسّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي/ قم.
بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسّسة الوفاء/ بيروت.
بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
تاج العروس: الزبيدي/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تأويل الآيات الظاهرة: شرف الدين الحسيني/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مط أمير/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني/ ت علي أكبر الغفاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
تفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي/ ت دكتور محمّد جعفر ياحقّي ودكتور محمّد مهدي ناصح.
تفسير العيّاشي: العيّاشي/ ت هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلمية الإسلاميَّة/ طهران.
تفسير القمّي: علي بن إبراهيم القمّي/ ت طيب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسّسة دار الكتاب/ قم.
تفسير الميزان: السيِّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية/ قم.
تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسّسة طبع ونشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي/ طهران.
تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ ت لجنة من العلماء/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسّسة الأعلمي/ بيروت.
تهذيب الأحكام: الشيخ الطوسي/ ت حسن الخرسان/ ط ٣/ ١٣٦٤ش/ مط خورشيد/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
جامع أحاديث الشيعة: السيّد البروجردي/ ١٣٩٩هـ/ مط العلمية/ قم.
جمال الأُسبوع: ابن طاووس/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٣٧١ش/ مط أختر شمال/ مؤسّسة الآفاق.
الحقُّ المبين في معرفة المعصومين (عليهم السلام): الشيخ الوحيد الخراساني/ بقلم الشيخ علي الكوراني العاملي/ ط ٢ مزيَّدة ومنقَّحة/ ١٤٢٣هـ/ ٢٠٠٣م/ دار الهادي.
الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ ط ١ كاملة محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مؤسّسة الإمام المهدي/ قم.
الخصال: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرّسين/ قم.
دعائم الإسلام: القاضي النعمان المغربي/ ت آصف فيضي/ ١٣٨٣هـ/ دار المعارف/ القاهرة.
دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسّسة البعثة/ قم.
سعد السعود: ابن طاووس/ ١٣٦٣هـ/ مط أمير/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
سنن الدارمي: عبد الله بن بهرام الدارمي/ ١٣٤٩هـ/ مط الاعتدال/ دمشق.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد/ ت محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط ١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكتب العربية/ بيروت.
شعب الإيمان: أبو بكر البيهقي/ ط ١/ ١٤٢٣هـ/ مكتبة الرشد.
الصحاح: الجوهري/ ت أحمد عبد الغفور العطّار/ ط ٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الصحيفة السجّادية: أبطحي/ ت محمّد باقر الأبطحي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مط نمونة/ مؤسّسة الإمام المهدي، مؤسّسة الأنصاريان/ قم.
الصراط المستقيم: علي بن يونس العاملي/ ت محمّد باقر البهبودي/ ط ١/ ١٣٨٤هـ/ مط الحيدري/ المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية.
عدّة الداعي: ابن فهد الحلّي/ ت أحمد الموحّدي القمّي/ مكتبة وجداني/ قم.
عصر الظهور: علي الكوراني/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي/ قم.
عقد الدرر: يوسف بن يحيى المقدسي/ انتشارات نصائح.
علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ت محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
العمدة: ابن البطريق/ ١٤٠٧هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
العين: الخليل الفراهيدي/ ط ٢/ ١٤٠٩هـ/ مؤسّسة دار الهجرة.
عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ ت حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسّسة الأعلمي/ بيروت.
عيون الحكم والمواعظ: علي الليثي الواسطي/ ت حسين البيرجندي/ ط ١/ دار الحديث.
الغيبة: الشيخ الطوسي/ ت عبد الله الطهراني، علي أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
الغيبة: النعماني/ ت فارس حسّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
الفتن: نعيم بن حمّاد المروزي/ ت سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
فرائد الأُصول: الشيخ الأنصاري/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مط باقري/ مجمع الفكر الإسلامي/ قم.
القاموس المحيط: الفيروزآبادي.
القرآن في الإسلام: العلَّامة الطباطبائي/ تعريب السيِّد أحمد الحسيني.
قرب الإسناد: الحميري القمّي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسّسة آل البيت/ قم.
الكافي: الشيخ الكليني/ ت علي أكبر الغفاري/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
كامل الزيارات: ابن قولويه/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسّسة النشر الإسلامي/ مؤسّسة نشر الثقافة.
كشف الغمَّة: ابن أبي الفتح الأربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
كفاية الأثر: الخزّاز القمّي/ ت عبد اللطيف الكوه كمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ مط الخيام/ انتشارات بيدار.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
كنز العمّال: المتَّقي الهندي/ ت بكري حياني/ ١٤٠٩هـ/ مؤسّسة الرسالة/ بيروت.
مائة منقبة: ابن شاذان/ ت الأبطحي/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مط أمير/ قم.
مجمع البحرين: الشيخ الطريحي/ ت أحمد الحسيني/ ط ٢/ ١٤٠٨هـ/ مكتب نشر الثقافة الإسلاميَّة.
المحاسن: البرقي/ ت جلال الدين الحسيني المحدِّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
المحتضر: حسن بن سليمان الحلّي/ ١٤٢٤هـ/ انتشارات مكتبة الحيدرية.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
المزار: ابن المشهدي/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مط مؤسّسة النشر الإسلامي/ نشر القيّوم/ قم.
مستدرك الوسائل: الميرزا النوري/ ط ١ المحقَّقة/ ١٤٠٨هـ/ مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)/بيروت.
مشارق أنوار اليقين: الحافظ رجب البرسي/ ت علي عاشور/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسّسة الأعلمي/ بيروت.
مصباح المتهجّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسّسة فقه الشيعة/ بيروت.
المعجم الأوسط: الطبراني/ ١٤١٥هـ/ دار الحرمين.
مفاتيح الجنان: الشيخ عبّاس القمّي/ ط ٣/ ٢٠٠٦م/ مكتبة العزيزي/ قم.
مقتضب الأثر: ابن عيّاش الجوهري/ مط العلمية/ مكتبة الطباطبائي/ قم.
المقنعة: الشيخ المفيد/ ط٢/ ١٤١٠هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسّسة صاحب الأمر (عليه السلام)/ أصفهان.
من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ ت علي أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسّسة النشر الإسلامي/ قم.
منتخب الأنوار المضيئة: بهاء الدين النجفي/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ مط اعتماد/ مؤسّسة الإمام الهادي.
منهاج الصالحين: السيِّد السيستاني/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مط مهر/ قم.
موجز دائرة معارف الغيبة: مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ النجف الأشرف.
النجم الثاقب: النوري/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ أنوار الهدى/ مط مهر/ قم.
نهج البلاغة: الشريف الرضي/ ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ/ بيروت.
الهداية الكبرى: الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسّسة البلاغ/ بيروت.
وضوء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): السيِّد علي الشهرستاني/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مط ستارة/ قم.
ينابيع المودَّة: القندوزي/ ت علي جمال أشرف الحسيني/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار الأُسوة.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الخصال: ١٧٨/ ح ٢٣٩.
(٢) الشيخ النوري (رحمه الله) في كتابه النجم الثاقب.
(٣) راجع: بحار الأنوار ٥١: ٣١/ باب النهي عن التسمية.
(٤) بحار الأنوار ٥١: ٣٣/ ح ١١، عن كمال الدين: ٦٤٨/ باب ٥٦/ ح ١.
(٥) راجع: كمال الدين: ٣٠٨/ باب ذكر النصّ على القائم (عليه السلام) في اللوح...
(٦) دلائل الإمامة: ٤٤٩/ ح (٤٢٤/٢٨).
(٧) راجع: الغيبة للطوسي: ١٤٩/ ح ١١٠.
(٨) بحار الأنوار ٥١: ٣٣/ ح ٩، عن كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١.
(٩) راجع: الاحتجاج ٢: ٣١٨.
(١٠) وجدت الكثير من الكتب تكتب اسمه (عليه السلام) بالشكل الذي أثبتُّه، ولعلَّ في هذه الطريقة للكتابة إشارة إلى المنع الوارد في الروايات عن التصريح باسمه، فكان العلماء يكتبونه بهذا الشكل المتقطّع احتياطاً، والله العالم.
(١١) الإمامة والتبصرة لابن بابويه القمّي: ١١٩ و١٢٠/ ح ١١٤؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) في كمال الدين: ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٤ عن أبيه؛ وعنه في بحار الأنوار ٥١: ٧٢/ ح ١٦، وفي ٧١/ ح ١٣ عن كمال الدين: ٢٨٦/ باب ٢٥/ ح ١ بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؛ وأورده في كفاية الأثر: ٦٧؛ وإعلام الورى ٢: ٢٢٦ عن الصدوق (رحمه الله).
(١٢) عن الكلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي: «يا كلبي، كم لمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من اسم في القرآن؟ فقلت: اسمان أو ثلاثة، فقال: «يا [كلبي]، له عشرة أسماء، ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، وقوله: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصفّ: ٦]، ولما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً، ﴿طه * ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه: ١ و٢]، ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١ - ٤]، و﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ [القلم: ١ و٢]، و﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدَّثِّر: ١]، و﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [المزَّمِّل: ١]، وقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً * رَسُولاً﴾ [الطلاق: ١٠]، فالذكر من أسماء محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونحن أهل الذكر، فاسأل يا كلبي عمَّا بدا لك...». (مختصر بصائر الدرجات: ٦٧ و٦٨).
(١٣) لصاحب البحار تعليق هنا يقول فيه: (أي يحفظ حقّي وحرمتي في شأنه فيعينه وينصره أو يجعله بحيث يعلم الناس حقَّه وحرمته لجدِّه). (بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ذيل الحديث ٢).
(١٤) علل الشرائع ١: ١٦١/ باب ١٣٠/ ح ٣.
(١٥) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ح ٧، عن الإرشاد ٢: ٣٨٣.
(١٦) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٢/ ح ٥٨، عن الغيبة للطوسي: ٤٧٢ و٤٧٣/ ح ٤٩٣.
(١٧) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ح ٤، عن كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(١٨) بحار الأنوار ٥١: ٢٨ و٢٩/ ح ١، عن علل الشرائع ١: ١٦٠/ باب ١٢٩/ ح ١.
(١٩) بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ح ٢، عن علل الشرائع ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(٢٠) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ح ٧، عن الإرشاد ٢: ٣٨٣.
(٢١) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ح ٦، عن الغيبة للطوسي: ٤٧١/ ح ٤٨٩.
(٢٢) بحار الأنوار ٥٢: ٣٦٢/ ح ١٣١، عن الغيبة للنعماني: ٣٠٨/ باب ١٧/ ح ١.
(٢٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٦٢ و٣٦٣ / ح ١٣٣، عن الغيبة للنعماني: ٣٠٨/ باب ١٧/ ح ٣.
(٢٤) بحار الأنوار ٥١: ١٤٧/ ح ١٨، عن الغيبة للنعماني: ١٥٣ و١٥٤/باب ١٠/ح ٩.
(٢٥) بحار الأنوار ٥١: ٣٠/ ح ٤، عن كمال الدين: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(٢٦) كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٢٧) الغيبة للنعماني: ٣١٩ و٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(٢٨) الاحتجاج ٢: ٣٢٥.
(٢٩) الحكومة العالمية للإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ ناصر مكارم الشيرازي: ١٣ و١٤، نقلاً عن الخبراء العالميين.
(٣٠) الكافي ١: ٤١١ و٤١٢/ باب نادر/ ح ٢.
(٣١) الكافي ١: ٤١٢/ باب نادر/ ح ٤.
(٣٢) بحار الأنوار ٢٧: ٩٥/ ح ٥٨، عن تفسير العيّاشي ١: ١٦٨ و١٦٩/ ح ٢٨.
(٣٣) بحار الأنوار ١٧: ٢٩/ ح ٨، عن الكافي ٦: ١٩/ باب الأسماء والكنى/ ح ٦.
(٣٤) بحار الأنوار ١٠١: ١٣١/ ح ٢٨، عن عدَّة الداعي: ٧٧ و٧٨.
(٣٥) الكافي ٦: ٢٠/ باب الأسماء والكنى/ ح ١٢.
(٣٦) جامع أحاديث الشيعة ٢١: ٣٣٧/ ح (١١٥٢/١٣)، عن لب اللباب للراوندي.
(٣٧) مائة منقبة لابن شاذان: ٥٢ و٥٣/ المنقبة ٢٦.
(٣٨) بحار الأنوار ٥١: ٥٢/ ح ٢٧، عن كمال الدين: ٣٢٥ و٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٣.
(٣٩) قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٠).
(٤٠) بحار الأنوار ٥١: ١١٠ و١١١/ ح ٤، عن مقتضب الأثر: ٣١.
(٤١) الغيبة للنعماني: ١٨٣ و١٨٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٢.
(٤٢) الغيبة للنعماني: ١٨٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٤.
(٤٣) منتهى الآمال ٢: ٧٠٤.
(٤٤) كمال الدين: ٤٤٧ و٤٤٨/ باب ٤٣/ ح ١٩.
(٤٥) أي إذا ظهر الإمام فلا بدَّ من الجهاد بين يديه، وهو ما صرَّح به الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية أُخرى يقول فيها: «فكونوا أحلاس بيوتكم، وألبدوا ما ألبدنا، فإذا تحرَّك متحرّكنا فاسعوا إليه ولو حبواً» (الغيبة للنعماني: ٢٧١/ باب ١٤/ ح ٢٤).
(٤٦) بحار الأنوار ٥٢: ١٢٦ و١٢٧/ ح ١٩، عن الغيبة للطوسي: ١٦٣/ ح ١٢٤.
(٤٧) راجع: منتهى الآمال ٢: ٧٠٥.
(٤٨) النجم الثاقب ١: ١٨٣؛ إلزام الناصب ١: ٤٢٧.
(٤٩) جمال الأُسبوع: ٤١.
(٥٠) الاحتجاج ٢: ٣١٨.
(٥١) منتهى الآمال ٢: ٧٠٤.
(٥٢) كمال الدين: ٣٨٢/ باب ٣٧/ ح ٨.
(٥٣) (ص ٥٧).
(٥٤) إقبال الأعمال ١: ٥٠٩/ من دعاء الندبة.
(٥٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٣/ ح ١٨٦.
(٥٦) أي كما سمّى النبيّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعدَّة أسماء.
(٥٧) بحار الأنوار ٥١: ٣٠ و٣١/ ح ٨، عن تفسير فرات الكوفي: ٢٤٠/ ح ٣٢٤.
(٥٨) كمال الدين: ٢٠٧/ باب ٢١/ ح ٢٢.
(٥٩) كمال الدين: ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٤.
(٦٠) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨.
(٦١) كمال الدين: ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣.
(٦٢) مشارق أنوار اليقين: ١٠٠.
(٦٣) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ٢: ٩ و١٠/ ح ١٤.
(٦٤) أُنظر: تفسير الأمثل ١٢: ١٩٧ و٢١٠.
(٦٥) دلائل الإمامة: ٤٤١/ ح (٤١٣/١٧).
(٦٦) ولبكاء الإمام (عليه السلام) أسباب عديدة، فمنها أنَّه يبكي من خشية الله تعالى، ويبكي داعياً لتعجيل الفرج، ويبكي لما يراه من المصاعب التي يمرُّ بها شيعته، ويبكي للذنوب الصادرة من شيعته!
(٦٧) أُنظر: كمال الدين: ٦٤٨/ باب ٤٣/ ح ٢٣.
(٦٨) أُنظر: كتاب العين للخليل الفراهيدي ١: ٢١٩.
(٦٩) وهذه الصفة تُسمّى عند النساء بالحَوَر، فالحوراء هي من كانت عيناها كذلك. وفي القاموس المحيط (ج ٢/ ص ١٥): (والحور بالتحريك: أن يشتدَّ بياض بياض العين وسواد سوادها، وتستدير حدقتها، وترق جفونها، ويبيضّ ما حواليها، أو شدَّة بياضها وسوادها في بياض الجسم، أو اسوداد العين كلّها).
(٧٠) أُنظر: بحار الأنوار ٥١: ٥٠/ ذيل الحديث ١٩.
(٧١) أُنظر: كمال الدين: ٤٤٦/ باب ٤٣/ ح ١٩؛ قال الجوهري: الأروع من الرجال الذي يُعجبك حسنه. (الصحاح ٣: ١٢٢٣/ مادَّة روع).
(٧٢) وهذا في حقيقته راجع إلى أنَّ نفس نور الشمس إنَّما خُلِقَ من نور النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل كلّ الوجود كذلك، كما ورد في رواية عن جابر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أوَّل ما خلق الله نوري، ابتدعه من نوره واشتقَّه من جلال عظمته، فأقبل يطوف بالقدرة حتَّى وصل إلى جلال العظمة في ثمانين ألف سنة، ثمّ سجد لله تعظيماً، فتفتَّق منه نور علي، فكان نوري محيطاً بالعظمة، ونور علي محيطاً بالقدرة، ثمّ خلق العرش، واللوح، والشمس، والقمر، والنجوم، وضوء النهار، وضوء الأبصار، والعقل والمعرفة، وأبصار العباد، وأسماعهم، وقلوبهم، من نوري...». (مشارق أنوار اليقين: ٥٧ و٥٨).
(٧٣) أُنظر: بحار الأنوار ١٦: ١٨٣ و١٨٤.
(٧٤) كمال الدين: ٤٦٨ و٤٦٩/ باب ٤٣/ ح ٢٣.
(٧٥) ما بين المعقوفتين من البحار.
(٧٦) دلائل الإمامة: ٤٤١/ ح (٤١٣/١٧)؛ بحار الأنوار ٥١: ٩١.
(٧٧) بحار الأنوار ٥٢: ٢٨٧/ ح ٢٣، عن الغيبة للطوسي: ٤٢٠/ ح ٣٩٨.
(٧٨) الغيبة للنعماني: ٢٢٤/ باب ١٣/ ح ٥.
(٧٩) الغيبة للنعماني: ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢.
(٨٠) أي الموضع الذي يُشَدُّ عليه الحزام.
(٨١) الغيبة للنعماني: ٢٢٣ و٢٢٤/ باب ١٣/ ح ٣.
(٨٢) الغيبة للطوسي: ٤٧٠/ ح ٤٨٧.
(٨٣) مستفادة من مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
(٨٤) قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣)، وقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة: ١١)، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (النساء: ٩٥).
(٨٥) المحتضر: ٢٧٧.
(٨٦) مقتضب الأثر: ٩؛ بحار الأنوار ٣٦: ٣٧٢.
(٨٧) دلائل الإمامة: ٤٤٧/ ح (٤٢٣/٢٧).
(٨٨) قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (الحجر: ٧٢)، وقال تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ﴾ (البلد: ١ و٢).
(٨٩) دلائل الإمامة: ١٨/ تقديم الناشر؛ وراجع: كمال الدين: ٢٣٨/ باب ٢٢/ ح ٥٥.
(٩٠) الإرشاد ١: ١٧٦ و١٧٧.
(٩١) كمال الدين: ٢٢١/ باب ٢٢/ ح ٤.
(٩٢) كمال الدين: ٦٧٠/ باب ٥٨/ ح ١٦.
(٩٣) الكافي ١: ٢٠١/ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته/ ح ١.
(٩٤) المزار لابن المشهدي: ٥٨٧.
(٩٥) قال تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرضِ﴾ (النور: ٣٥).
(٩٦) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٦٨٩/ ح ٨.
(٩٧) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٦٨٩/ ح ٩.
(٩٨) تفسير مجمع البيان ٥: ٤٥.
(٩٩) الاحتجاج ٢: ٣١٨.
(١٠٠) ورد هذا المعنى في روايات عديدة وبألفاظ مختلفة لكن معناها واحد، فعن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يلتفت المهدي وقد نزل عيسى بن مريم كأنَّما يقطر من شعره الماء، يقول له المهدي: تقدَّم فصلِّ، فيقول: إنَّما أُقيمت الصلاة لك، فيُصلّي عيسى خلف رجل من ولدي». (الصراط المستقيم ٢: ٢٥٧)؛ وعن معمّر بن راشد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... ومن ذرّيتي المهدي، إذا خرج نزل عيسى بن مريم لنصرته، فقدَّمه وصلّى خلفه». (أمالي الصدوق: ٢٨٧ و٢٨٨/ ح ٣٢٠/٤)؛ وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «... ويدخل المهدي (عليه السلام) بيت المقدس ويُصلّي بالناس إماماً، فإذا كان يوم الجمعة، وقد أُقيمت الصلاة نزل عيسى بن مريم (عليه السلام) بثوبين مشرقين حمر، كأنَّما يقطر من رأسه الدهن، رجل الشعر، صبيح الوجه، أشبه خلق الله (عزَّ وجلَّ) بأبيكم إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام)، فيلتفت المهدي فينظر عيسى (عليه السلام)، فيقول لعيسى: يا بن البتول، صلِّ بالناس. فيقول: لك أُقيمت الصلاة، فيتقدَّم المهدي (عليه السلام) فيُصلّي بالناس، ويُصلّي عيسى (عليه السلام) خلفه، ويبايعه». (عقد الدرر: ٢٧٤ و٢٧٥)؛ إلى غير ذلك من الروايات.
(١٠١) الحقُّ المبين في معرفة المعصومين (عليهم السلام)/الشيخ الوحيد الخراساني/ بقلم الشيخ علي الكوراني العاملي: ٥٥٠ و٥٥١.
(١٠٢) الغيبة للنعماني: ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢.
(١٠٣) كمال الدين: ٤٢٥/ باب ٤٢/ ح ١.
(١٠٤) الكافي ١: ٦١/ باب الردّ إلى الكتاب والسُّنَّة.../ ح ٩.
(١٠٥) بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ح ٢، عن علل الشرائع ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(١٠٦) بحار الأنوار ٥٣: ٩٠ و٩١، عن إعلام الورى ٢: ٢٩٢، والإرشاد ٢: ٣٨٦.
(١٠٧) بحار الأنوار ٥٢: ٥٢ و٥٣/ ح ٣٧، عن الخرائج والجرائح ٢: ٩٤٢ بتفاوت.
(١٠٨) المزار لابن المشهدي: ٥٩٠.
(١٠٩) وهو ما ذكرته الروايات باسم الناموس.
(١١٠) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ١٩٢ و١٩٣/ ح ١.
(١١١) راجع: الهداية الكبرى: ٤٠٤.
(١١٢) الكافي ١: ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٣.
(١١٣) الكافي ١: ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ١.
(١١٤) الغيبة للنعماني: ٢٤٣/ باب ١٣/ ح ٢٧.
(١١٥) بحار الأنوار ٢٦: ٢٢٢/ ح ٤٨، عن سعد السعود: ٢٣٦.
(١١٦) الكافي ١: ٢٣١/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٢.
(١١٧) بحار الأنوار ٥٢: ٣٩٠/ ح ٢١٢.
(١١٨) الغيبة للنعماني: ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٨.
(١١٩) كمال الدين: ٣٧٦/ باب ٣٥/ ح ٧.
(١٢٠) كمال الدين: ١٤٣.
(١٢١) الكافي ١: ٢٣٢/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٥.
(١٢٢) كمال الدين: ١٤٣.
(١٢٣) الصراط المستقيم ٢: ٢٥٣.
(١٢٤) بصائر الدرجات: ١٥٥/ باب ما عند الأئمَّة من كتب الأوَّلين.../ ح ١.
(١٢٥) الكافي ١: ٢٢٥/ باب أنَّ الأئمَّة ورثوا علم النبيّ وجميع الأنبياء.../ ح ٥.
(١٢٦) الكافي ١: ٢٢٧/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) عندهم جميع الكتب.../ ح ١.
(١٢٧) بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ح ٢، عن علل الشرائع ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(١٢٨) الفتن للمروزي: ٢٢٠.
(١٢٩) بصائر الدرجات: ١٩٧/ باب ما عند الأئمَّة من سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).../ح ٧.
(١٣٠) بصائر الدرجات: ١٨٠/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم أُعطوا الجفر والجامعة.../ح ٣٠.
(١٣١) القمطر: ما يصان فيه الكتب. (الصحاح للجوهري ٢: ٧٩٧/ مادَّة قمطر).
(١٣٢) الغيبة للنعماني: ٢٥٠/ باب ١٣/ ح ٤٢.
(١٣٣) راجع: بصائر الدرجات: ٣٢٢/ باب في ذكر الأبواب التي علَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمير المؤمنين (عليه السلام).
(١٣٤) بحار الأنوار ٢: ١٧٢/ ح ٣، عن بصائر الدرجات: ٣٢٠/ باب في الأئمَّة أنَّ عندهم أُصول العلم ما ورثوه عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يقولون برأيهم/ ح ٤.
(١٣٥) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
(١٣٦) أُنظر: بحار الأنوار ٢٦: ٢٠٣/ ذيل الحديث ١.
(١٣٧) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ١٩٢/ ح ١.
(١٣٨) وهي رواية جليلة شريفة، تذكر عدَّة علامات للإمام هي في الحقيقة من مقاماته العظيمة، نذكرها للفائدة: قال (عليه السلام): «للإمام عشر علامات: يُولَد مطهَّرا مختوناً، وإذا وقع على الأرض وقع على راحته رافعاً صوته بالشهادتين، ولا يجنب، وتنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يتثاءب، ولا يتمطّى، ويرى من خلفه كما يرى من أمامه، ونجوه كرائحة المسك، والأرض موكلة بستره وابتلاعه، وإذا لبس درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت عليه وفقاً، وإذا لبسها غيره من الناس طويلهم وقصيرهم زادت عليه شبراً، وهو محدَّث إلى أن تنقضي أيّامه». (الكافي ١: ٣٨٨ و٣٨٩/ باب مواليد الأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ٨).
(١٣٩) بصائر الدرجات: ٢٠٨ و٢٠٩/ باب ما عند الأئمَّة من سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).../ ح ٥٦.
(١٤٠) الكافي ١: ٢٣٣/ باب ما عند الأئمَّة من سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومتاعه/ ح ١.
(١٤١) موجز دائرة معارف الغيبة: ٦٤.
(١٤٢) الكافي ٨: ٣٣١/ ح ٥١١.
(١٤٣) هذا، ولكن ذكرت رواية أُخرى أنَّ اسم (ذات الفضول) هو لدرع لم تستوٍ على الإمامين الصادقين (عليهما السلام)، وهذه هي صفة الدرع الثاني! فعن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لبس أبي درع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذات الفضول فخطَّت، ولبست أنا فكان وكان». (بصائر الدرجات: ٢٠٧/ باب ما عند الأئمَّة من سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).../ ح ٤٩).
(١٤٤) الغيبة للنعماني: ٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(١٤٥) القرآن في الإسلام للعلَّامة الطباطبائي: ١٣٤ و١٣٥.
(١٤٦) أُنظر: بصائر الدرجات: ٢١٣/ باب في الأئمَّة أنَّ عندهم جميع القرآن الذي أُنزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)/ ح ٣.
(١٤٧) تفسير الميزان ١٢: ١٢٦.
(١٤٨) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٩/ ح ٨٥، عن الإرشاد ٢: ٣٨٦.
(١٤٩) بحار الأنوار ٣٦: ١٩٠/ ذيل الحديث ١٩٢، عن سعد السعود: ١٠٨ و١٠٩.
(١٥٠) بحار الأنوار ٢٦: ٢١ و٢٢/ ح ٨، عن بصائر الدرجات: ١٦٢/ باب في الأئمَّة أنَّ عندهم الصحيفة الجامعة التي هي إملاء رسول الله وخط على (عليهم السلام) بيده.../ ح ١.
(١٥١) الكافي ١: ٢٣٩/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام)/ ح ١.
(١٥٢) الكافي ١: ٢٤٠/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام)/ ح ٢.
(١٥٣) كمال الدين: ٣٠٥ - ٣٠٧/ باب ٢٧/ ح ١.
(١٥٤) الإمامة والتبصرة: ١٠٣ - ١٠٦/ ح ٩٢.
(١٥٥) الكافي ١: ٢٣٨ و٢٣٩/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة (عليها السلام)/ ح ١.
(١٥٦) كمال الدين: ٣٥٣ و٣٥٤/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(١٥٧) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ١٩٢ و١٩٣/ ح ١.
(١٥٨) جاء في تاج العروس (ج ٦/ ص ٢٠٥/ مادَّة جفر) ما يمكن أن يكون مشيراً إلى هذا المعنى، قال: والجفير: جعبة من جلود لا خشب فيها، أو من خشب لا جلود، وفي بعض الأُصول الجيّدة: لا جلد فيها، وهي من جلود مشقوقة في جنبها، يُفعَل ذلك بها ليدخلها الريح، فلا يأتكَّل الريش. وقال الأحمر: الجفير والجعبة: الكنانة. وقال الليث: الجفير شبه الكنانة إلَّا أنَّه أوسع منها، يُجعَل فيها نشاب كثير. وفي الحديث: «من اتَّخذ قوساً عربيةً وجفيرها نفى الله عنه الفقر».
(١٥٩) بحار الأنوار ٢٦: ١٨/ ح ١، عن الإرشاد ٢: ١٨٦، والاحتجاج ٢: ١٣٤.
(١٦٠) الغيبة للنعماني: ٣١٩/ باب ١٩/ ح ١.
(١٦١) الغيبة للنعماني: ٣١٩ و٣٢٠/ باب ١٩/ ح ٢.
(١٦٢) بحار الأنوار ٢٦: ١٢١ و١٢٢/ ح ١١، عن بصائر الدرجات: ١٩١/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من ديوان شيعتهم.../ ح ٢.
(١٦٣) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ حبّابة الوالبية كان إذا وفد الناس إلى معاوية وفدت هي إلى الحسين (عليه السلام)، وكانت امرأة شديدة الاجتهاد قد يبس جلدها على بطنها من العبادة...». (بصائر الدرجات: ١٩١/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من ديوان شيعتهم.../ ح ٤).
(١٦٤) بحار الأنوار ٢٦: ١٢١/ ح ١٠، عن بصائر الدرجات: ١٩٠/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من ديوان شيعتهم.../ ح ١.
(١٦٥) بصائر الدرجات: ٣٣٥/ باب في الإمام بأنَّه إن شاء أن يعلم العلم علم/ ح ٢.
(١٦٦) الكافي ٢: ٧٣/ باب الطاعة والتقوى/ ح ١.
(١٦٧) بصائر الدرجات: ٤٤٧/ باب عرض الأعمال على الأئمَّة الأحياء والأموات/ ح ٤.
(١٦٨) الاحتجاج ٢: ٣٢٢ و٣٢٣.
(١٦٩) قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لمَّا عُرِجَ بي إلى السماء وعند سدرة المنتهى ودَّعني جبرئيل (عليه السلام)، فقلت له: في هذا المكان تفارقني؟ فقال: إنّي لا أجوزه فتُحرَق أجنحتي»، ثمّ قال: «زُجَّ بي في النور ما شاء الله...» (إرشاد القلوب ٢: ٤١٦).
(١٧٠) عن مسمع كردين، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي اعتللت فكنت إذا أكلت عند الرجل تأذَّيت به، وإنّي أكلت من طعامك ولم أتأذَّ به. قال: «إنَّك لتأكل طعام قوم تصافحهم الملائكة على فرشهم»، قال: قلت: ويظهرون لكم؟ قال: «هم ألطف بصبياننا منّا». (بصائر الدرجات: ١١٠/ باب في الأئمَّة وأنَّ الملائكة تدخل منازلهم.../ ح ١).
(١٧١) عقد الدرر: ١٤٥.
(١٧٢) المعجم الأوسط للطبراني ١: ٥٦.
(١٧٣) الحقّ المبين في معرفة المعصومين (عليهم السلام) للشيخ علي الكوراني: ٥٦١.
(١٧٤) وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أنَّ الذي يقتل إبليس هو الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد معركة تدور له مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيهرب فيتبعه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيقتله. (راجع: مختصر بصائر الدرجات: ٢٦ و٢٧). بل وفي رواية أُخرى أنَّ الذي يقتله أمير المؤمنين (عليه السلام). وقد جمع بينها سماحة الشيخ محمّد السند في كتابه (الرجعة بين الظهور والمعاد) بأنَّ لإبليس رجعات يُقتَل عدَّة مرّات خلالها.
(١٧٥) قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ (الإسراء: ٦٥).
(١٧٦) بحار الأنوار ٥٢: ٣٧٦ و٣٧٧/ ح ١٧٨.
(١٧٧) تفسير العيّاشي ٢: ٢٤٢/ ح ١٤.
(١٧٨) تحف العقول: ١٧١.
(١٧٩) مصباح المتهجّد: ٨٤٢/ ح (٩٠٨/٢٣).
(١٨٠) الصحيفة السجّادية: ٥٠/ الدعاء ٦.
(١٨١) منهاج الصالحين للسيّد السيستاني (دام ظلّه) ١: ١٨٧/ مسألة ٥٦٢.
(١٨٢) منهاج الصالحين للسيّد السيستاني (دام ظلّه) ١: ١٨٨/ مسألة ٥٦٦.
(١٨٣) أمالي الصدوق: ١٥٤/ ح (١٤٩/٤).
(١٨٤) بحار الأنوار ٨٦: ٢٨٣/ ضمن الحديث ٢٨.
(١٨٥) المقنعة: ١٥٦.
(١٨٦) من لا يحضره الفقيه ١: ٤٢٢/ ح ١٢٤٢.
(١٨٧) بحار الأنوار ٨٠: ٢٥/ ح ٤٧، عن دعائم الإسلام ١: ١٣٧.
(١٨٨) بحار الأنوار ٢٥: ٣٦ و٣٧/ ح ٢، عن تفسير القمّي ١: ٢١٤ و٢١٥.
(١٨٩) بحار الأنوار ٢٥: ٣٧ و٣٨/ ح ٤، عن بصائر الدرجات: ٢٤٣/ باب ما يُلقى إلى الأئمَّة في ليلة القدر.../ ح ١٣.
(١٩٠) بحار الأنوار ٢٥: ٣٦/ ح ١، عن أمالي الطوسي: ٤١٢/ ح (٩٢٥/٧٣).
(١٩١) سأل المفضَّل الإمام الصادق (عليه السلام): ما كنتم قبل أن يخلق الله السماوات والأرضين؟ قال (عليه السلام): «كنّا أنواراً حول العرش نُسبِّح الله ونُقدِّسه حتَّى خلق الله سبحانه الملائكة فقال لهم: سبِّحوا، فقالوا: يا ربَّنا لا علم لنا، فقال لنا: سبِّحوا، فسبَّحنا فسبَّحت الملائكة بتسبيحنا، ألَا إنّا خُلقنا من نور الله، وخُلِقَ شيعتنا من دون ذلك النور، فإذا كان يوم القيامة التحقت السفلى بالعليا»، ثمّ قرن (عليه السلام) بين إصبعيه السبّابة والوسطى وقال: «كهاتين»، ثمّ قال: «يا مفضَّل، أتدري لِمَ سُمّيت الشيعة شيعة؟ يا مفضَّل شيعتنا منّا، ونحن من شيعتنا، أمَا ترى هذه الشمس أين تبدو؟»، قلت: من مشرق. وقال: «إلى أين تعود؟»، قلت: إلى مغرب، قال (عليه السلام): «هكذا شيعتنا، منّا بدؤا وإلينا يعودون». (بحار الأنوار ٢٥: ٢١/ ح ٣٤).
(١٩٢) بحار الأنوار ٩٥: ٤١٣ و٤١٤.
(١٩٣) بحار الأنوار ٩٨: ٩٣/ ح ١، عن كامل الزيارات: ٣٢٥/ باب ٧١/ ح (٥٥٤/٧).
(١٩٤) ولزيادة التفاصيل وإضافة نقاط أُخرى متعلّقة باهتمام الإمام الصادق (عليه السلام) بهذه المسألة، يمكن مراجعة مجلَّة علوم الحديث الصادرة عن كلّية علوم الحديث (العدد ١٥/ محرَّم الحرام ١٤٢٥هـ/ ص ٤٦ - ١٠٧/ بحث للسيّد ثامر العميدي).
(١٩٥) الكافي ١: ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٣.
(١٩٦) كمال الدين: ٤١١/ باب ٣٩/ ح ٦.
(١٩٧) الكافي ١: ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١.
(١٩٨) كمال الدين: ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٥.
(١٩٩) كمال الدين: ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧.
(٢٠٠) كمال الدين: ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥.
(٢٠١) الكافي ١: ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٩.
(٢٠٢) إعلام الورى ٢: ٢٥٩.
(٢٠٣) كمال الدين: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٢٠٤) الغيبة للنعماني: ١٤٣/ باب ١٠/ ح ١.
(٢٠٥) كمال الدين: ٤٨١ و٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٢٠٦) الغيبة للنعماني: ١٨٢ و١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٠.
(٢٠٧) الغيبة للنعماني: ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٦.
(٢٠٨) الغيبة للنعماني: ١٤٣/ باب ١٠/ ح ١.
(٢٠٩) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٢١٠) كمال الدين: ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦.
(٢١١) كمال الدين: ٦٤١/ باب ٥٤.
(٢١٢) الغيبة للنعماني: ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٢.
(٢١٣) الاحتجاج ٢: ٣٢٥.
(٢١٤) الغيبة للطوسي: ٤٧٢ و٤٧٣/ ح ٤٩٣.
(٢١٥) الغيبة للنعماني: ١٦٦ و١٦٧/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٤.
(٢١٦) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨.
(٢١٧) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٩.
(٢١٨) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ١٠.
(٢١٩) الكافي ١: ٣٣٧ و٣٣٨/ باب في الغيبة/ ح ٦.
(٢٢٠) أي خشن الكفّين.
(٢٢١) أي منحني الكتفين.
(٢٢٢) كمال الدين: ٤٠٧/ باب ٣٨/ ح ٢.
(٢٢٣) الاحتجاج ٢: ٣٢٣.
(٢٢٤) كمال الدين: ٢٠٣/ باب ٢١/ ح ١١.
(٢٢٥) كمال الدين: ٢٠٣ و٢٠٤/ باب ٢١/ ح ١٢.
(٢٢٦) كمال الدين: ٢٠٤ و٢٠٥/ باب ٢١/ ح ١٦.
(٢٢٧) كمال الدين: ٢٠٤/ باب ٢١/ ح ١٤.
(٢٢٨) نهج البلاغة: ٤٩٧/ ح ١٤٧.
(٢٢٩) الاحتجاج ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(٢٣٠) كان للإمام المهدي (عليه السلام) في زمن الغيبة الصغرى نوّاب أربعة، بالإضافة إلى وكلاء كانوا يستمدّون أمرهم من أُولئك النوّاب الأربعة.
(٢٣١) بل نرى هذا حتَّى في الوكالة عن المرجع الديني، بل كلّ وكيل عن شخص عظيم يحسُّ بهذا الإحساس، والناس تنظر إليه بإجلال حسب درجة الموكِّل ومقدار عظمته.
(٢٣٢) تهذيب الأحكام ٦: ١١٨.
(٢٣٣) تاريخ الغيبة الصغرى للسيّد محمّد الصدر: ٤٩٠.
(٢٣٤) الغيبة للنعماني: ٢٠٧ و٢٠٨.
(٢٣٥) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
(٢٣٦) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٩٥ و٢٩٦.
(٢٣٧) الغيبة للطوسي: ٣٩١/ ح ٣٥٨.
(٢٣٨) الغيبة للنعماني: ١٤٦/ باب ١٠/ ح ٣.
(٢٣٩) الغيبة للنعماني: ١٦٦ و١٦٧/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٤.
(٢٤٠) كمال الدين: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨.
(٢٤١) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٢٤٢) بحار الأنوار ٥٢: ١٥١/ ذيل الحديث ١.
(٢٤٣) الاحتجاج ٢: ٣٢٥.
(٢٤٤) كمال الدين: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٣.
(٢٤٥) الخصال: ٦١٦.
(٢٤٦) كمال الدين: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ١.
(٢٤٧) كمال الدين: ٦٤٥/ باب ٥٥/ ح ٦.
(٢٤٨) الخصال: ٦٢٥/ حديث الأربعمائة.
(٢٤٩) كمال الدين: ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧.
(٢٥٠) كمال الدين: ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٥.
(٢٥١) تفسير العيّاشي ٢: ١٣٨/ ح ٥٠.
(٢٥٢) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧١.
(٢٥٣) الكافي ١: ٣٣٣/ باب نادر في حال الغيبة/ ح ١.
(٢٥٤) كمال الدين: ٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢.
(٢٥٥) كمال الدين: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٢.
(٢٥٦) إقبال الأعمال ١: ٥١٠/ من دعاء الندبة.
(٢٥٧) وممَّن أطلق مثل هذا الكلام هو ابن خلدون في مقدمته، راجع: نفحات القرآن للشيخ ناصر مكارم الشيرازي ٩: ٣٣٦.
(٢٥٨) عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللّهمّ لقِّني إخواني مرَّتين، فقال من حوله من أصحابه: أمَا نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا إنَّكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني، لقد عرَّفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يُخرِجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أُمَّهاتهم، لأحدهم أشدّ بقيَّة على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا، أُولئك مصابيح الدجى، ينجيهم الله من كلّ فتنة غبراء مظلمة». (بصائر الدرجات: ١٠٤/ باب في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه عرف ما رأى في الأظلَّة والذرّ وغيره/ ح ٤).
(٢٥٩) ولا يعني هذا أنَّ تلك الحركات كانت باطلة ومحرَّمة بأجمعها، وإنَّما كانت تنتهي بالفشل رغم حقّانية بعضها، وما كان الشيعة رخيصي الثمن عند أهل البيت (عليهم السلام) ليسمحوا لهم بالانخراط في معركة خاسرة، فمثل حركة زيد بن علي (رحمه الله) انتهت بالفشل، ولكن الإمام الصادق (عليه السلام) ترحَّم على عمّه زيد كثيراً، وكان يبكي عليه كلَّما تذكَّره.
(٢٦٠) الغيبة للنعماني: ٢٠٣ و٢٠٤/ باب ١١/ ح ٧.
(٢٦١) وربَّما يكون هذا من أهداف حركة زيد بن علي (رحمه الله)، فلعلَّه رأى توجّه السلطات إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وأتباعه الذين سيقومون بدور نشر المذهب والتعريف به، فقام بثورته ليُبعد أنظار السلطات عنهم، خصوصاً وإنَّ السلطات كانت ترى القضاء على المعارضة المسلَّحة أهمّ من القضاء على المعارضة الفكرية.
(٢٦٢) الغيبة للنعماني: ٢٠٣/ باب ١١/ ح ٦.
(٢٦٣) الغيبة للنعماني: ٢٠٧ و٢٠٨/ باب ١١/ ح ١٧.
(٢٦٤) كمال الدين: ٣٤٠/ باب ٣٣/ ح ١٩.
(٢٦٥) كمال الدين: ٣٤٠ و٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢٠.
(٢٦٦) كمال الدين: ٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢.
(٢٦٧) الكافي ١: ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١.
(٢٦٨) الغيبة للنعماني: ٣٣٥/ باب ٢١/ ح ١٠.
(٢٦٩) عيون الحكم والمواعظ: ١٢٦.
(٢٧٠) تحف العقول: ٣٥٦.
(٢٧١) القيادة في الإسلام للريشهري: ٢١٦ و٢١٧.
(٢٧٢) الغيبة للنعماني: ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩.
(٢٧٣) كمال الدين: ٢٨٦ و٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٣.
(٢٧٤) الغيبة للطوسي: ٤٦٠/ ح ٤٧٤.
(٢٧٥) الكافي ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٢.
(٢٧٦) قال (عليه السلام): «أمنع حصون الدين التقى». (عيون الحكم والمواعظ: ١١٤).
(٢٧٧) الكافي ١: ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١.
(٢٧٨) نهج البلاغة: ٤١٧/ ح ٤٥.
(٢٧٩) الغيبة للنعماني: ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦.
(٢٨٠) بحار الأنوار ٥٢: ١٤٣/ ح ٦٠.
(٢٨١) قرب الإسناد: ٣٨٠ و٣٨١/ ح ١٣٤٣.
(٢٨٢) مصباح المتهجّد: ٤١٢/ ح (٥٣٦/١٤٦).
(٢٨٣) بحار الأنوار ٥٢: ١٢٦ و١٢٧/ ح ١٩، عن الغيبة للطوسي: ١٦٣/ ح ١٢٤.
(٢٨٤) نهج البلاغة ٤: ١٥.
(٢٨٥) تفسير العيّاشي ١: ١٨٤/ ح ٨٥.
(٢٨٦) الكافي ٢: ٦١٨/ باب في كم يُقرأ القرآن ويُختَم/ ح ٤.
(٢٨٧) جمال الأُسبوع: ٢٩.
(٢٨٨) تهذيب الأحكام ٨: ٤٠/ ح (١٢١/٤٠).
(٢٨٩) الكافي ٤: ٣١٤/ باب الطواف والحجّ عن الأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ٢.
(٢٩٠) الكافي ٤: ١٦٢/ باب الدعاء في العشر الأواخر من شهر رمضان/ ح ٤.
(٢٩١) مصباح المتهجّد: ٢٢٧/ ح (٣٣٦/٧٤).
(٢٩٢) إقبال الأعمال ١: ٥٠٤.
(٢٩٣) إقبال الأعمال ١: ٥٠٤.
(٢٩٤) كمال الدين: ٣٤٢ و٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٤.
(٢٩٥) مفاتيح الجنان: ٨٤٣.
(٢٩٦) كمال الدين: ٣٥١ و٣٥٢/ باب ٣٣/ ح ٤٩. وفي هذه الرواية نكتة لطيفة، وهي أنَّ الدعاء مفتاح الإجابة، وأهل البيت (عليهم السلام) يعطون المفتاح الملائم تماماً لفتح باب الإجابة، فلا ينبغي الزيادة أو النقيصة في دعاء وارد عنهم (عليهم السلام)، إذ لعلَّ تلك الزيادة أو النقيصة تعرقل فتح الباب، تماماً كما أنَّ أيّ مفتاح لو حصل له ذلك لما فتح بابه، ومن هنا ينبغي التأكّد من كون لفظ الدعاء موافقاً حتَّى للقواعد النحوية، إذ لهذا الأمر - وغيره ممَّا يدخل في سرعة استجابة الدعاء - أثر مهمّ في الإجابة.
(٢٩٧) مستفاد من مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
(٢٩٨) الخصال: ٦٢٠.
(٢٩٩) كمال الدين: ٣٧١/ باب ٣٥/ ح ٣.
(٣٠٠) إقبال الأعمال ١: ٥١٠.
(٣٠١) الكافي ٤: ١٦٩ و١٧٠/ باب النوادر/ ح ٢.
(٣٠٢) حدَّث الحسن بن علي بن يقطين بذلك، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جُعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم». (اختيار معرفة الرجال ٢: ٧٨٤/ ح ٩٣٥).
وعن علي بن المسيّب، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقَّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلّ وقت، فممن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا»، قال علي بن المسيّب: فلمَّا انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمَّا احتجت إليه. (اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٥٨/ ح ١١١٢).
(٣٠٣) جاء في التوقيع الشريف جواباً عن مسائل إسحاق بن يعقوب: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم». (كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤).
(٣٠٤) الغيبة للنعماني: ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٩.
(٣٠٥) الاحتجاج ٢: ٣٢٢ و٣٢٣.
(٣٠٦) المحاسن للبرقي ٢: ٣٠٠/ ح ٥.
(٣٠٧) ينابيع المودَّة ٣: ٢٥٣ و٢٥٤/ ح ٥٧.
(٣٠٨) الغيبة للنعماني: ٢٠٦/ باب ١١/ ح ١٣.
(٣٠٩) الكافي ٢: ٨٢/ باب أداء الفرائض/ ح ٤.
(٣١٠) الكافي ٢: ٨٢/ باب أداء الفرائض/ ح ٥.
(٣١١) قال (عليه السلام): «أمنع حصون الدين التقى». (عيون الحكم والمواعظ: ١١٤).
(٣١٢) كنز العمّال ١: ١٦١/ ح ٨٠٩.
(٣١٣) الكافي ٢: ٢٤٩/ باب ما أخذه الله على المؤمن من الصبر.../ ح ٣.
(٣١٤) الإمامة والتبصرة: ١٢٩/ ح ١٣٢.
(٣١٥) تفسير الأمثل ١: ٤٤٤ - ٤٤٦ بتصرّف.
(٣١٦) قال السيّد عبد الله شبَّر في تفسيره (ص ٤٣٣) في تفسير هذه الآية: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ﴾ على الطاعة والمحن ﴿أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزمر: ١٠]، أي لا يحصر لكثرته أو لا يحاسبون.
(٣١٧) نهج البلاغة: ٤٨٥/ ح ٩٩.
(٣١٨) من لا يحضره الفقيه ١: ١٧٥/ ح ٥١٥.
(٣١٩) راجع: تفسير مجمع البيان ١: ٤٤٢.
(٣٢٠) كفاية الأثر: ٦٠.
(٣٢١) كمال الدين: ٣٤٠/ باب ٣٣/ ح ١٩.
(٣٢٢) كمال الدين: ٣٤٠ و٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢٠.
(٣٢٣) بحار الأنوار ٥٢: ١٢٤/ ذيل الحديث ١٠، عن كمال الدين: ١٨.
(٣٢٤) كمال الدين: ١١.
(٣٢٥) الكافي ١: ٤٠٧ و٤٠٨/ باب أنَّ الأرض كلّها للإمام (عليه السلام)/ ح ١.
(٣٢٦) الكافي ٤: ٦١/ باب النوادر/ ح ٤.
(٣٢٧) كشف الغمَّة ٣: ٢٧٠/ ح ١٥.
(٣٢٨) كشف الغمَّة ٣: ٢٧١/ ح ٢٤.
(٣٢٩) العمدة لابن بطريق: ٤٢٤/ ح ٨٨٥، عن صحيح مسلم ٨: ١٨٥.
(٣٣٠) ورد في بيان هذا المعنى روايات عديدة ذكرها الكليني (رحمه الله) في الكافي (ج ١/ باب أنَّ الأرض كلّها للإمام (عليه السلام))، نذكر منها:
عن عمر بن يزيد، قال: رأيت مسمعاً بالمدينة، وقد كان حمل إلى أبي عبد الله (عليه السلام) تلك السنة مالاً، فردَّه أبو عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: لِمَ ردَّ عليك أبي عبد الله المال الذي حملته إليه؟ قال: فقال لي: إنّي قلت له حين حملت إليه المال: إنّي كنت ولّيت البحرين الغوص، فأصبت أربعمائة ألف درهم، وقد جئتك بخمسها بثمانين ألف درهم، وكرهت أن أحبسها عنك وأن أعرض لها وهي حقّك الذي جعله الله تبارك وتعالى في أموالنا، فقال: «أوَما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلَّا الخمس يا أبا سيار؟ إنَّ الأرض كلّها لنا، فما أخرج الله منها من شيء فهو لنا»، فقلت له: وأنا أحمل إليك المال كلّه؟ فقال: «يا أبا سيار، قد طيَّبناه لك وأحللناك منه، فضمّ إليك مالك، وكلّ ما في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محلَّلون حتَّى يقوم قائمنا، فيجبيهم طسق ما كان في أيديهم، ويترك الأرض في أيديهم، وأمَّا ما كان في أيدي غيرهم فإنَّ كسبهم من الأرض حرام عليهم حتَّى يقوم قائمنا، فيأخذ الأرض من أيديهم ويُخرِجهم صغرة». قال عمر بن يزيد: فقال لي أبو سيار: ما أرى أحداً من أصحاب الضياع ولا ممَّن يلي الأعمال يأكل حلالاً غيري إلَّا من طيَّبوا له ذلك.
وعن أبان بن مصعب، عن يونس بن ظبيان أو المعلّى ابن خنيس، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما لكم من هذه الأرض؟ فتبسَّم ثمّ قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى بعث جبرئيل (عليه السلام) وأمره أن يخرق بإبهامه ثمانية أنهار في الأرض، منها: سيحان وجيحان وهو نهر بلخ، والخشوع وهو نهر الشاش، ومهران وهو نهر الهند، ونيل مصر، ودجلة والفرات، فما سقت أو استقت فهو لنا، وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدوّنا منه شيء إلَّا ما غُصِبَ عليه، وإنَّ وليّنا لفي أوسع فيما بين ذه إلى ذه - يعني بين السماء والأرض -، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ المغصوبين عليها ﴿خالِصَةً﴾ لهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢] بلا غصب».
(٣٣١) تفسير العيّاشي ٢: ٢٤٢/ ح ١٤.
(٣٣٢) نهج البلاغة: ٢٨٧/ الخطبة ١٩٢.
(٣٣٣) تفسير العيّاشي ٢: ٢٤١ و٢٤٢/ ح ١٣.
(٣٣٤) منتخب الأنوار المضيئة: ٣٤٤.
(٣٣٥) بصائر الدرجات: ٣٧٩/ باب في الأئمَّة أنَّهم المتوسّمون في الأرض.../ ح ١٧.
(٣٣٦) تفسير العيّاشي ٢: ٢٩٠/ ح ٦٧.
(٣٣٧) الكافي ٧: ٣٧٠ و٣٧١/ باب النوادر/ ح ٧.
(٣٣٨) علل الشرائع ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١.
(٣٣٩) تأويل الآيات الظاهرة ١: ٣٤٣ و٣٤٤/ ح ٢٥.
(٣٤٠) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٥٧١/ ح ٤٦.
(٣٤١) كفاية الأثر: ٢٥٠.
(٣٤٢) الغيبة للنعماني: ٣١ و٣٢/ مقدّمة المؤلِّف.
(٣٤٣) الغيبة للطوسي: ١٤٨/ ح ١٠٩.
(٣٤٤) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣١.
(٣٤٥) كمال الدين: ٣١٦/ باب ٣٠/ ح ٢.
(٣٤٦) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٣٤٧) كمال الدين: ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٤.
(٣٤٨) كشف الغمَّة ٣: ٢٧٥.
(٣٤٩) كشف الغمَّة ٣: ٢٧٠/ ح ١٦.
(٣٥٠) الصراط المستقيم ٢: ٢٥٩/ ح ١.
(٣٥١) كمال الدين: ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٢.
(٣٥٢) الغيبة للنعماني: ١٩٤ و١٩٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٣.
(٣٥٣) الإرشاد ٢: ٣٨٦.
(٣٥٤) تفسير العيّاشي ٢: ٣٢/ ح ٩٠.
(٣٥٥) كفاية الأثر: ٩٩.
(٣٥٦) تفسير القمّي ١: ١٥٨.
(٣٥٧) أُنظر: الإمام المهدي من المهد إلى الظهور للسيّد محمّد كاظم القزويني: ٣٩٢/ مطبعة النبراس في النجف الأشرف/ سنة (٢٠٠٤م)، ومجلَّة الانتظار الصادرة عن مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)/ العدد ١٣/ ص ٤٨ وما بعدها.
(٣٥٨) الإرشاد ٢: ٣٨٥.
(٣٥٩) تفسير مجمع البيان ٥: ١٢٦؛ بحار الأنوار ٢١: ٢٥٤.
(٣٦٠) الخصال: ٦٢٦/ حديث أربعمائة.
(٣٦١) الغيبة للنعماني: ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٨.
(٣٦٢) الغيبة للنعماني: ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٩.
(٣٦٣) الإرشاد ٢: ٣٨٤.
(٣٦٤) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠١.
(٣٦٥) مستفاد من مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
(٣٦٦) الغيبة للنعماني: ٣٣ و٣٤/ مقدّمة المؤلِّف.
(٣٦٧) الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٥.
(٣٦٨) يعني: الأخوين الذي عُقِدَ بينهما عقد الأُخوَّة هناك، فإنَّه يُورِّث أحدهما الآخر. (النجم الثاقب ١: ٣٢٧).
(٣٦٩) الخصال: ١٦٩/ ح ٢٢٣.
(٣٧٠) في البحار: (حرفاً)، وكذا في المواضع التالية.
(٣٧١) الخرائج والجرائح ٢: ٨٤١/ ح ٥٩؛ بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٦/ ح ٧٣.
(٣٧٢) نهج البلاغة: ٤٩٦/ ح ١٤٧.
(٣٧٣) المراد هو الكناية عن تربية القائم (عليه السلام) للأُمَّة الإسلاميَّة، وإنَّما عبَّر بالرؤوس باعتبار كونها وعاء العقل والفكر باعتقاد الناس، ووضع اليد عليها كناية عن السيطرة عليها بالإقناع والتربية... (تاريخ ما بعد الظهور للسيّد محمّد الصدر: ٥٣٧).
(٣٧٤) كمال الدين: ٦٧٥/ باب ٥٨/ ح ٣٠.
(٣٧٥) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠.
(٣٧٦) الخصال: ٥٤١/ ح ١٤.
(٣٧٧) في البحار: (عند قيام القائم).
(٣٧٨) تفسير العيّاشي ٢: ٣٥١/ ح ٨٦؛ بحار الأنوار ١٢: ٢٠٧/ ح ٣٤.
(٣٧٩) كمال الدين: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٤.
(٣٨٠) الغيبة للنعماني: ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢.
(٣٨١) بحار الأنوار ٥٢: ٣٤٨ و٣٤٩/ ح ٩٩.
(٣٨٢) الغيبة للنعماني: ٢٦٣ و٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٨٣) كمال الدين: ٦٧٠/ باب ٥٨/ ح ١٦.
(٣٨٤) بحار الأنوار ٥١: ٢٩/ ح ٢، عن علل الشرائع ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(٣٨٥) الغيبة للنعماني: ٣٣٤ و٣٣٥/ باب ٢١/ ح ٨.
(٣٨٦) علل الشرائع ١: ٥٩/ باب ٥٤/ ح ٢.
(٣٨٧) الكافي ٧: ٢٣٩/ باب ما يجب على أهل الذمَّة من الحدود/ ح ٢.
(٣٨٨) الكافي ٢: ٢٧١/ باب الذنوب/ ح ١٣.
(٣٨٩) الكافي ٢: ٢٧٣/ باب الذنوب/ ح ٢٠.
(٣٩٠) الكافي ١: ٤٢٨/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ ح ٨١.
(٣٩١) تفسير العيّاشي ١: ٣٨٤ و٣٨٥/ ح ١٢٨.
(٣٩٢) راجع: المحاسن ٢: ٣٣٩ و٣٤٠/ ح ١٢٦؛ الكافي ٨: ٢٣٣/ ح ٣٠٦.
(٣٩٣) الكافي ٧: ٣٧١/ باب النوادر/ ح ٧.
(٣٩٤) ولمزيد إيضاح وتفاصيل حول هذا الموضوع يمكن مراجعة كتاب الرجعة بين الظهور والمعاد (ص ٧٩ - ٩٩) للمحقِّق آية الله الشيخ محمّد السند دام توفيقه.
(٣٩٥) تحف العقول: ٤٥٦.
(٣٩٦) نهج البلاغة: ٤٩٧/ ح ١٥٠.
(٣٩٧) تحف العقول: ٨١.
(٣٩٨) مستدرك الوسائل ١٢: ١٣٠/ ضمن الحديث (١٣٧٠٧/١٣).
(٣٩٩) نهج البلاغة: ٤٠٠/ ح ٣١.
(٤٠٠) نهج البلاغة: ٥٧/ ح ١٦.
(٤٠١) الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٥.
(٤٠٢) بمعنى: هيهات.
(٤٠٣) الغيبة للطوسي: ٣٣٥ و٣٣٦/ ح ٢٨١.
(٤٠٤) الغيبة للطوسي: ٣٣٦ و٣٣٧/ ح ٢٨٣.
(٤٠٥) الكافي ١: ٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ٢.
(٤٠٦) نهج البلاغة: ٨٨/ ح ٥٠.
(٤٠٧) الغيبة للنعماني: ٢٧٣ و٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣١.
(٤٠٨) تحف العقول: ٣٥٦.
(٤٠٩) نهج البلاغة: ٥٤٠/ ح ٣٦٩.
(٤١٠) سنن الدارمي ١: ٩٧.
(٤١١) نهج البلاغة: ٥٢/ الخطبة ٥.
(٤١٢) فرائد الأُصول ١: ٢٩٩ - ٣٠١.
(٤١٣) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤٧/ ح ٢١٦.
(٤١٤) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤٦/ ح ٢١١.
(٤١٥) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٨٣/ ح ٢٧٣.
(٤١٦) في المصدر: (مسلم بن أبي حيَّة).
(٤١٧) اختيار معرفة الرجال ٢: ٦٣٢ و٦٣٣/ ح ٦٠٤.
(٤١٨) اختيار معرفة الرجال ١: ٤٠٠/ ح ٢٩١.
(٤١٩) اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٥٨/ ح ١١١٢.
(٤٢٠) نهج البلاغة ٤: ٣٥ و٣٦/ ح ١٤٧.
(٤٢١) كمال الدين: ٣٤٩/ باب ٣٣/ ح ٤١.
(٤٢٢) تحف العقول: ٣٥٧.
(٤٢٣) شعب الإيمان للبيهقي ٥: ٣٤٣/ ح ٦٨٦١.
(٤٢٤) نهج البلاغة: ٢٦٦/ الخطبة ١٨٣.
(٤٢٥) نهج البلاغة: ٤٦٩/ ح ١.
(٤٢٦) الخرائج والجرائح ٣: ١١٧١ و١١٧٢/ ح ٦٦.
(٤٢٧) كمال الدين: ٣٦١/ باب ٣٤/ ح ٥.
(٤٢٨) كمال الدين: ٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١.
(٤٢٩) (جوح) الجائحة: الآفة التي تهلك الثمار وتستأصلها، وكلُّ مصيبة عظيمة وفتنة مبيرة جائحة، يقال: جاحت الآفة المال تجوحه جوحاً من باب، قال: أهلكته، وتجيحه جياحة لغة فهي جائحة، والجمع الجوائح. (مجمع البحرين ٢: ٣٤٧).
(٤٣٠) الغيبة للنعماني: ٢٠٣/ باب ١١/ ح ٥.
(٤٣١) الغيبة للنعماني: ٢٠٣/ باب ١١/ ح ٦.
(٤٣٢) تحف العقول: ٣٠١.
(٤٣٣) الغيبة للنعماني: ٢١٤/ باب ١٢/ ح ١١.
(٤٣٤) بصائر الدرجات: ٢٢٣ و٢٢٤/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم الراسخون في العلم.../ ح ٥.
(٤٣٥) الغيبة للنعماني: ٣٠٧/ باب ١٧/ ح ١.
(٤٣٦) هذا البحث مستفاد من بعض الأسئلة الموجّهة إلى مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام) وجواب المركز عنها، بتصرّف قليل.
(٤٣٧) اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٠٩/ ح ٤٣٩.
(٤٣٨) اختيار معرفة الرجال ٢: ٥٠٤ و٥٠٥/ ح ٤٢٩.
(٤٣٩) اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٩٩/ ح ٤٢٢.
(٤٤٠) من لا يحضره الفقيه ٤: ٥٤٤ و٥٤٥.
(٤٤١) بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٨/ ح ٨١، عن الإرشاد ٢: ٣٨٤.
(٤٤٢) كمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٤٤٣) بصائر الدرجات: ٢٥٦/ باب في الأئمَّة أنَّهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يُخبَروا به/ ح ٥.
(٤٤٤) الخصال: ٦١٤/ حديث أربعمائة.
(٤٤٥) مختصر بصائر الدرجات: ٥٩.
(٤٤٦) بصائر الدرجات: ٢٥٦/ باب في الأئمَّة أنَّهم يعرفون الإضمار وحديث النفس قبل أن يُخبَروا به/ ح ٥.
(٤٤٧) بصائر الدرجات: ٤٠ و٤١/ باب في أئمَّة آل محمّد (عليهم السلام) حديثهم صعب مستصعب/ ح ١.
(٤٤٨) الخصال: ١٦٩/ ح ٢٢٣.
(٤٤٩) راجع: الإرشاد ٢: ٣٨١.
(٤٥٠) الغيبة للنعماني: ٢٤٥ و٢٤٦/ باب ١٣/ ح ٣٢.
(٤٥١) الغيبة للنعماني: ٢٤٦/ باب ١٣/ ح ٣٣.
(٤٥٢) الغيبة للنعماني: ٢٤٤/ باب ١٣/ ح ٢٨.
(٤٥٣) الغيبة للطوسي: ٢٠٦ و٢٠٧/ ح ١٧٥.
(٤٥٤) الإرشاد ٢: ٣٨٥.
(٤٥٥) بحار الأنوار ٥٢: ٣١٣/ ح ٦، عن علل الشرائع ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١، وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ٢٤٧/ ح ٥.
(٤٥٦) الغيبة للنعماني: ٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(٤٥٧) مستفادة من مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
(٤٥٨) الكافي ٥: ٢٢٦/ باب في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾/ ح ٢.
(٤٥٩) الإمامة والتبصرة: ١٢٩ و١٣٠/ ح ١٣٣.
(٤٦٠) كمال الدين: ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٣.
(٤٦١) كمال الدين: ٣٧٦/ باب ٣٥/ ح ٧.
(٤٦٢) الغيبة للنعماني: ١٩٤ و١٩٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٣.
(٤٦٣) الغيبة للنعماني: ١٩٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٤.
(٤٦٤) نهج البلاغة: ٨٨/ ح ٥٠.
(٤٦٥) نهج البلاغة: ٥١١/ ح ٢٤٣.
(٤٦٦) عيون الحكم والمواعظ: ٣٨١.
(٤٦٧) الغيبة للطوسي: ٤٦٨ و٤٦٩/ ح ٤٨٥.
(٤٦٨) بحار الأنوار ٥١: ١٤٧/ ح ١٨، عن الغيبة للنعماني: ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩.
(٤٦٩) يضاف إلى هذين النحوين ما تقدَّم من صفاته الخاصَّة به (في الشذرة الثانية)، وبعض مواريث الأنبياء التي تحمل صفة إعجازية (كما في الشذرة السادسة)، وكذلك بعض مختصّاته كخروجه شابَّاً لا يتغيَّر بتطاول السنين.
(٤٧٠) نهج البلاغة ٢: ١٣٠/ ح ١٨٩.
(٤٧١) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
(٤٧٢) راجع: الهداية الكبرى: ٤٠٤.
(٤٧٣) الغيبة للنعماني: ٢٧٢ - ٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٢٨ و٣١ و٣٢.
(٤٧٤) كمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٤٧٥) راجع: كمال الدين: ٣٥٤/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(٤٧٦) راجع: سعد السعود: ٥٥٣ و٥٤.
(٤٧٧) عن أبان بن عثمان، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «كان إبليس لعنه الله يخترق السماوات السبع، فلمَّا وُلِدَ عيسى (عليه السلام) حُجِبَ عن ثلاث سماوات، وكان يخترق أربع سماوات، فلمَّا وُلِدَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُجِبَ عن السبع كلّها، ورُميت الشياطين بالنجوم، وقالت قريش: هذا قيام الساعة الذي كنّا نسمع أهل الكتب يذكرونه، وقال عمرو بن أُميَّة، وكان من أزجر أهل الجاهلية: أُنظروا هذه النجوم التي يُهتدى بها، ويُعرَف بها أزمان الشتاء والصيف، فإن كان رُمي بها فهو هلاك كلّ شيء، وإن كانت ثبتت ورُمي بغيرها فهو أمر حدث. وأصبحت الأصنام كلّها صبيحة مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس منها صنم إلَّا وهو منكبٌّ على وجهه، وارتجس في تلك الليلة إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وفاض وادي السماوة، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى المؤبذان في تلك الليلة في المنام إبلاً صعاباً تقود خيلاً عراباً، قد قطعت دجلة، وانسربت في بلادهم، وانقصم طاق الملك كسرى من وسطه، وانخرقت عليه دجلة العوراء، وانتشر في تلك الليلة نور من قِبَل الحجاز، ثمّ استطار حتَّى بلغ المشرق، ولم يبقَ سرير لملك من ملوك الدنيا إلَّا أصبح منكوساً، والملك مخرساً لا يتكلَّم يومه ذلك، وانتزع علم الكهنة، وبطل سحر السحرة، ولم تبقَ كاهنة في العرب إلَّا حُجِبَت عن صاحبها، وعظمت قريش في العرب، وسمّوا آل الله (عزَّ وجلَّ)»، قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): «إنَّما سمّوا آل الله (عزَّ وجلَّ) لأنَّهم في بيت الله الحرام». (أمالي الصدوق: ٣٦٠ و٣٦١/ ح ٤٤٤/١).
(٤٧٨) مجلَّة الانتظار/ العدد ٤/ ص ١١.
(٤٧٩) عن أبي بصير، قال: قال الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها﴾، «يعني خروج القائم المنتظر منّا»، ثمّ قال (عليه السلام): «يا أبا بصير، طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أُولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون». (كمال الدين: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٤).
(٤٨٠) الغيبة للنعماني: ٢٧٣ و٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣١.
(٤٨١) الغيبة للنعماني: ٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣٢.
(٤٨٢) تاريخ الغيبة الكبرى للسيّد محمّد الصدر: ٤٤٣ و٤٤٤.
(٤٨٣) كمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٧.
(٤٨٤) الغيبة للنعماني: ٣١٠/ باب ١٨/ ح ١.
(٤٨٥) الغيبة للطوسي: ٤٥٠/ ح ٤٥٣.
(٤٨٦) صحيح مسلم ٨: ١٦٧.
(٤٨٧) بحار الأنوار ٥٢: ٣٨٨/ ح ٢٠٦.
(٤٨٨) موجز دائرة معارف الغيبة: ١٨٦.
(٤٨٩) عصر الظهور للشيخ علي الكوراني العاملي: ١١٣.
(٤٩٠) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٤٩١) الغيبة للطوسي: ٤٤٦ و٤٤٧/ ح ٤٤٣.
(٤٩٢) مستفادة من مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام).
(٤٩٣) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٤٩٤) الغيبة للنعماني: ٣١٦ و٣١٧/ باب ١٨/ ح ١٥.
(٤٩٥) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٤٩٦) تاريخ ما بعد الظهور للسيّد محمّد الصدر: ١٣٠.
(٤٩٧) وكون النداء إعجازياً يمنع من صدور نداء معارض بأنَّ الحقّ مع (آل فلان) كما عبَّرت بعض الروايات، اللّهمّ إلَّا أن يُحمَل النداء على معنى طبيعي، والتفاصيل في تاريخ الغيبة الكبرى: ١٣١ و١٣٢.
(٤٩٨) كمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٦.
(٤٩٩) الغيبة للنعماني: ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٥٠٠) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٢٩/ ح ١٣٦.
(٥٠١) الكافي ٢: ١٦٤/ باب الاهتمام بأُمور المسلمين والنصيحة لهم ونفعهم/ ح ٥.
(٥٠٢) موجز دائرة معارف الغيبة: ١٧٣.
(٥٠٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/ ح ٨١.
(٥٠٤) كمال الدين: ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٢.
(٥٠٥) الغيبة للنعماني: ٢٣٦/ باب ١٣/ ح ١٣.
(٥٠٦) الغيبة للنعماني: ٢٣٧ و٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٧.
(٥٠٧) الغيبة للنعماني: ٣٣٧ و٣٣٨/ باب ٢٢/ ح ٥.
(٥٠٨) الإرشاد ٢: ٣٨٣.
(٥٠٩) الكافي ١: ٦٢/ باب اختلاف الحديث/ ح ١.
(٥١٠) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٤: ٧٣.
(٥١١) أُنظر: علل الشرائع ٢: ٥٣١/ باب ٣١٥/ ح ١.
(٥١٢) وضوء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للشهرستاني ١: ٢٥٤ و٢٥٥.
(٥١٣) راجع: وضوء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للشهرستاني ١: ٤٥٤.
(٥١٤) مصباح المتهجّد: ٤٠٨/ ح (٥٣٤/١٤٤).
(٥١٥) مصباح المتهجّد: ١٥٩ و١٦٠/ ح (٢٥٠/٤٦).
(٥١٦) راجع: الكافي ١: ٣٩٧ و٣٩٨/ باب في الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البيِّنة.
(٥١٧) الكافي ٢: ١٨/ باب دعائم الإسلام/ ح ١.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٣ / ٤.٧
 التعليقات
الإسم: محمد علي
الدولة: العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عج وسماحة المرجع الاعلى اية الله على السيستاني دام ظله وجعله الماء الزلال لاءروائنا
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/١٩ ٠٢:٢٢ م
إجابة التعليق

الإسم: علي سعد ا
الدولة: العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الاءمام المهدي الذي بفضله فتح الافاق واشرقت الشمس بنور ربها
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/٢٠ ٠٢:٣٥ ص
إجابة التعليق

الإسم: علي سعد ا
الدولة: العراق
النص: شكرا لكم وللمركز المبارك لنشر التراث العظيم لال الرسول وتحت اشرافكم لنربح صفوة الحق وصراطه المستقيم وجزى الله خيرا سندنا ومرجعنا اية الله علي الحسيني دامت بركاته
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١٠/٢٢ ٠٢:٠٨ ص
إجابة التعليق

الإسم: محمد علي
الدولة: العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي ع على هذا الكتاب القيم وان يبارك في حوزتنا العلوية جعل زعيمها في صحة وعافية
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١١/٠٣ ١١:٤٠ م
إجابة التعليق

الإسم: علي سعد ا
الدولة: العراق
النص: نشكر مركز الدراسات التخصصية على كل مانقدمه من نشر يعود لفضلكم وللشيخ الاسدي ولسماحة المرجع الرباني خير الزاهدين في عصرنا وهو حريص على ايصال المعارف الى كل بلد ليعرف الحق فيتبعه
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/١١/٠٥ ٠٢:٣٧ ص
إجابة التعليق

الإسم: محمد
الدولة: العراق
النص: نشرك مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي عج وكل التقدير والاحترام لنائب الامام السيد المفدى اية الله العظمى على الحسيني ابقاه الله ذخرا لنا ولولاه ولولا حكمته لكنا طرائق قددا
تاريخ الإضافة: ٢٠١٦/١٢/٣١ ٠١:١٥ ص
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016