فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الرابع
 كتب المركز

الكتب محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام الجزء الرابع

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: السيد علي محمد الحسيني الصدر الشخص المحقق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٥ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٠٩٠ التعليقات التعليقات: ٠

محاضرات حول الإمام المهدي عليه السلام (الجزء الرابع)

سماحة السيد علي الحسيني الصدر
إعداد وتحقيق: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عجل الله فرجه

الفهرست

مقدمة المركز
شكر وتقديم
المدخل
المحاضرة الأولى: وجود الإمام المهدي عليه السلام
البحث الأول: وجود الإمام المهدي عليه السلام والدليل عليه
إثبات وجود الإمام عليه السلام
الأدلة
القرآن الكريم
الكتب السماوية
السنة الشريفة
الدليل الثاني
الدليل الثالث
الأسئلة والأجوبة
المحاضرة الثانية: غيبة الإمام المهدي عليه السلام
البحث الثاني: غيبة الإمام عليه السلام والحكمة فيها
معنى الغيبة
الحكمة في الغيبة
الحكمة الأولى: التحذّر
الأسئلة والأجوبة
المحاضرة الثالثة: منافع وجود الإمام المهدي عليه السلام
الحكمة الثانية: تمييز المؤمنين
الحكمة الثالثة: استقلاله عن البيعة للظالمين
الحكمة الرابعة: الامتحان
الحكمة الخامسة: عدم مجاورة الظالمين
الأسئلة والأجوبة
المحاضرة الرابعة: طول عمر الإمام المهدي عليه السلام
إشكالات المخالفين
أجوبة الشبهات
الإعجاز الإلهي
القرآن الكريم
السنة النبوية
الوجدان
الطبيعة البشرية
الأصول العلمية
الأسئلة والأجوبة
المحاضرة الخامسة: سفراء الإمام المهدي عليه السلام
سفراء الإمام عليه السلام
الأدلة على السفارة
السفراء الأربعة
الأول: أبو عمر عثمان بن سعيد العمري الأسدي
الثاني: أبو جعفر محمد بن عثمان العمري الأسدي
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري
رؤية الإمام عليه السلام
لوجوه ثلاثة
الأسئلة والأجوبة

مصادر التحقيق

مقدّمة المركز

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله وعلى آله الطيبين الطاهرين...
أمّا بعد:
شاءت القدرة الإلهيّة أن تضع بأزاء كل حقّ باطلاً يتناسب معه بالقوّة والاستطالة ويوازيه من حيث الاتجاه والمسيرة التأريخية، فكان ذلك من القوانين والسنن الثابتة التي ابتنت عليها أسس الخليقة منذ نشأتها الأولى، والتي رسمت للدنيا إطارها الذي لا تملك أن تخرج عن حدوده.
وهذا هو ذات الأمر الذي أشارت إليه الآية المباركة في قوله تعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(١)، إذ أنّ التتبّع الواعي لكل مسيرة أو حركة تنتسب إلى الحق في منهجيتها يبرهن لنا أنّ مسيرة الباطل وحركته لم تتخلّ يوماً عن ملازمة حركات الإصلاح والتحرّر والسير الحثيث بموازاتها، منذ اليوم الأوّل الذي وقف فيه أبونا آدم ليعبد الله الواحد القهّار، ومروراً بما يحدّثنا التأريخ عن قابيل وهابيل والأنبياء والمصلحين، وإلى يومنا الذي نعيشه.
ولعلّ من أوضح الأفكار والرؤى التي تنتسب إلى الحق ونهجه القويم، بل وينتسب الحق إليها، هي الفكرة العقائدية الربّانية المقدّسة التي زرعتها الشرائع السماوية المتعاقبة في حقل الذهن البشري من خلال المسيرة التكاملية للأنبياء والرسل والأوصياء، وهي فكرة المنقذ الذي سيمدّ يده التي باركتها قدرة السماء لتنتشل البشرية من الأودية السحيقة للظلم والجور إلى مرابع القسط والعدل الإلهي، والتي ستحقق الأحلام والآمال التي بذل الأنبياء والمصلحون دماءهم زهيدة في سبيل تحقيقها، ساعين بذلك لجذب الدنيا من بؤر الظلم والفساد والعبودية إلى آفاق الحرية والعيش الرغيد.
فخضعت هذه العقيدة المقدّسة لهذه القوانين الثابتة وتعرضت لشتى أنواع المحاربة على مر العصور، فكانت هذه المحاربة متناسبة مع عظم الأهمية والسمو والرفعة التي أولتها السماء لها.
وبما أنّ أهميّة الدفاع عن هذه العقيدة تنبع من طرفين أوّلهما مقدار عظمة هذه الفكرة من حيث ارتباطها بمبدأ العقيدة الإسلامية التي عبّر عنها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في قوله: (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)(٢)، وثانيهما مقدار ما يبذله الأعداء من جهود لم يعرف لها مثيل من تسخير كافة الطاقات لإظهارها على أنها العامل الخرافي الذي يتشبث به أناس ناموا على أمل أن يجدوا العالم ذات يوم يحقق لهم آمالهم وأحلامهم التي كبتها ظلم الظالمين مدة مديدة من الزمن العسير.
لذلك وجدنا أنفسنا _ في خضم هذه الظروف والمداخلات _ نتحمل عبئاً كبيراً وجزءً غير يسير من المسؤولية الملقاة على عاتق المجتمع الصالح من أتباع أهل البيت عليهم السلام في الدفاع عن هذا المبدأ المقدّس الذي يعتبر أس العقيدة وأساس المذهب.
على أنّ كثرة المدافعين من العلماء الأعلام وذوي الأقلام الشريفة على مرّ الدهور لا تغني عن الاستمرار في انتهاج سبيل الذود عن هذه العقيدة المقدسة، إذ أنّ الشبهات _ وإن تكررت بصيغ مختلفة _ تحتاج إلى ردود تتناسب والطريقة التي يتبناها أعداء الحق والأساليب التي يسلكونها والطرق الملتوية التي يتبعونها في توجيه سهام الحقد الأسود للصورة الناصعة لهذه العقيدة المقدّسة.
ومركزنا الذي أنشئ بعد الاستشارة والمداولة مع ثلة من العلماء الأعلام وفضلاء الحوزة العلمية المباركة، وبرعاية من المرجع الديني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيد علي الحسيني السيستاني دام ظله، يجد أنّ واجبه الأول هو بذل الجهد للدفاع عن سيدنا ومولانا صاحب الزمان عجل الله فرجه الشريف.
فتبنّى هذا المركز مجموعة من المحاور في عمله منها:
١ _ طباعة ونشر الكتب المختصّة بالإمام المهدي عليه السلام، بعد تحقيقها، وذلك ضمن سلسلة وسمناها بـ (سلسلة اعرف إمامك).
٢ _ نشر المحاضرات المختصّة به عليه السلام من خلال تسجليها وطبعها وتوزيعها، ضمن سلسلة (محاضرات في الإمام المهدي).
٣ _ إقامة الندوات العلمية التخصصية في الإمام عجّل الله فرجه، ونشرها من خلال التسجيل الصوتي والصوري وطبعها وتوزيعها في كتيّبات ضمن (سلسلة الندوات المهدوية)، أو من خلال وسائل الإعلام وشبكة الانترنيت.
٤ _ إصدار مجلّة شهرية تخصّصية باسم (الانتظار).
٥ _ العمل في المجال الإعلامي بكل ما نتمكّن عليه من وسائل مرئية ومسموعة، بما فيها شبكة الانترنت العالمية من خلال الصفحة الخاصّة بالمركز.
٦ _ نشر كل ما من شأنه توثيق الارتباط بين الأجيال الجديدة وإمامهم المنتظر عليه السلام، وذلك من خلال القصص والكتب التي تتناسب مع أعمارهم.
٧ _ الاهتمام بنشر التراث المختص بالإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ضمن (سلسلة التراث المهدوي).
وها نحن عزيزي القارئ الكريم نضع بين يديك هذا الكتاب الذي يحمل بين طياته المحاضرات الفكرية المختصّة بالإمام المنتظر عجل الله فرجه، بعد جمعها وإعدادها، ثم تحقيقها وإستخراج المصادر والمنابع التي اعتمد عليها المحاضرون بالمقدار الذي نتمكّن عليه، بالصورة التي توثّق المعلومات الواردة فيها، ثم مراجعتها وإخراجها بهذه الحلّة التي نسأل الباري عز وجل أن يجعلها محط قبولكم ورضاكم، وأن يجعل هذا العمل مرضياً عند إمام زماننا الذي يعيش بين أظهرنا ويتفقد أحوالنا ويعلم بكل سرائرنا.
إنه نعم المولى ونعم المجيب.
شكر وتقدير
يتقدم المركز بالشكر الجزيل لكل من ساهم في إعداد هذه السلسلة تحت عنوان محاضرات حول المهدي عجل الله فرجه ونخصّ بالذكر كلاً من:
١ _ لجنة التحقيق، المؤلفة من: سماحة الشيخ رعد الجميلي، وسماحة الشيخ أحمد الساعدي، والأخ الفاضل علاء عبد النبي.
٢ _ قسم الحاسوب الآلي لجهودهم الكبيرة في إنجاز هذا العمل، ونخص بالذكر مسؤول القسم الأخ الفاضل ياسر الصالحي.
سائلين المولى القدير جلّ وعلا أن يجعل هذا العمل وجميع الأعمال محطّ قبوله، وأن يأخذ بأيدي الجميع لما فيه الصلاح والموفقية والسؤدد.

والحمد لله ربّ العالمين

السيد محمد القبانجي
مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي عليه السلام
النجف الأشرف

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين فاطر السماوات والأرضين، والصلاة والسلام على أحب خلقه وسيد رسله سيد الأنبياء والمرسلين وخاتم السفراء المقربين حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين الغر الميامين، لاسيما بقية الله في الأرضين سيدنا ومولانا الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه.
واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة من الجن والأنس إلى يوم الدين.. آمين رب العالمين.
المدخل
يسعدني ويشرفني أن أبدأ بالبحث حول ناموس الدهر وإمام العصر الحجة بن الحسن المهدي أروحنا فداه.
الاعتقاد بالإمام المهدي عجل الله فرجه مما لا ينفك عن العقائد، وخصوصاً عن الاعتقاد بالإمامة التي هي من العقائد الأصولية والمباحث الأصلية في باب الاعتقادات، لذلك يستدعي أن نلفت الأنظار لتقوية الإيمان، ولتقوية روح ولاية أهل البيت سلام الله عليهم أجمعين في ما يمكننا من البحث حول هذه الشخصية النورية سلام الله عليه.
والمأمول أن يوفقنا الله تعالى في هذه الليالي الخمس _ إن شاء الله _ لبيان هذه العناوين التي اخترناها ونسأل الله التوفيق.
أولاً: في إثبات وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه، والدليل على ذلك.
ثانياً: البحث في موضوع غيبة الإمام أرواحنا فداه، والحكمة فيها.
ثالثاً: في موضوع عمره المبارك، وتحليل طول العمر.
رابعاً: البحث في سفرائه الكرام والتشرف بخدمته، ووظائفنا في غيبته.
خامساً: في ظهوره الميمون، وقيامه المبارك.
نسأل الله بقدر ما يسمح لنا التوفيق والوقت أن نتمكن من أداء جزءٍ مما يجب علينا ويفرض.

المحاضرة الأولى: وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه

البحث الأوّل: وجود الإمام المهدي عليه السلام والدليل عليه
نبحث هنا الدليل على الإمام المهدي، أي الاستدلال على وجوده وولادته وبقائه إلى أن يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً:
أوّلاً: الكتاب والسنة القطعية المتواترة، ومن بشارات الكتب المقدّسة السابقة على القرآن.
ثانياً: من جهة الإخبارات المتواترة على ولادة الإمام عليه السلام، وهي شهادات مقبولة بحيث لا تقبل الإنكار.
ثالثاً: من جهة شهود العيان في المراحل الثلاث من مراحل حياة الإمام عليه السلام، وأعني بها في زمان العسكري أبيه أرواحنا فداه، وفي عهد الغيبة الصغرى، وفي زمان الغيبة الكبرى.
في جميع هذه الأدوار والمراحل شاهدوه عياناً، وأخبرنا به الثقات وجداناً.
وهل يحتاج العيان إلى بيان، إذ شهد بمشاهدته وتشرف بخدمته الثقات والأعيان وممن لا يشك في صدقهم وعدالتهم، فكيف يمكن إنكاره؟
وغرضنا من هذه الجهة هو نفس الاعتقاد بالإمام المهدي عجل الله فرجه ثم دفع بعض الشبهات التي ألقاها بعض المنحرفين، هذه الأدلة نبينها بخدمتكم.
والظاهر أنها متفق عليها بين الفريقين _ العامة والخاصّة _ بلا شك، وسنقرأ نصوص كلماتهم.
لكن بعض المنحرفين للأسف شككوا في ذلك، وألقوا بعض الشبهات حتى أنكروا الوجود بشكل فظيع لا يمكن أن يقبل، وينافي الصدق والحقيقة.
نلاحظ بعض العبارات التي بينوها في كتبهم _ الكتب مسجلة مع عناوينها كاملة حتى صفحاتها _ قال بعضهم: (المهدي أسطورة لا دليل عليها في الكتاب الكريم ولا في كتب السنة). وقال آخر منهم: (نحن لا نعتقد بولادة غائبهم الموهوم ونجزم أن الحسن العسكري لم يتزوج ولم يولد له ولد).(٣) وقال ثالث منهم في تعبيره: (إنما نهدف إلى القول أن شخصاً باسم محمد بن الحسن العسكري لم يولد ولم يوجد).(٤)
وهذا ظلم في الحقيقة وجفاء واقع مع وجود الأدلة المتوافرة من الكتاب والسنة والبشائر في الكتب المقدسة المقبولة بين الفريقين. كيف يدّعي أحد هذه التعبيرات والادعاءات ولم يلاحظ الكتاب ولا السنة، أم تغافل عنها أم جهلها، أم عاندها؟ الظاهر أنه عناد والعياذ بالله، وإلاّ فقد اعترف به كبار علمائهم في مستندات كتبهم وصحاح أحاديثهم كما سنبينه إن شاء الله.
إثبات وجود الإمام عليه السلام
ونعني الإمام المهدي بن الحسن العسكري، والحسن العسكري من أولاد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ومن أولاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله.
هذه الشخصية معروفة، إلاّ أنه في بعض الروايات يوجد تحريف من جهة أنه نقل عن صحيح سنن أبي داود السجستاني بالنسبة إلى الحديث الشريف المتفق عليه بين الطرفين عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله انه قال: (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً) هذه الرواية متفق عليها بين الفريقين ومن المسلّمات في الكتب الحديثية، لكن حرفت في جملة منها بزيادة: (واسم أبيه اسم أبي) تحريفاً للحقيقة وتشويهاً للواقع بعد قول الرسول: (اسمه اسمي وكنيته كنيتي) فزادوا في ذلك واسم أبيه اسم أبي.
هذه الزيادة من التحريفات ولا يمكن الوفاق عليها سنداً ولامتناً، لا في كتب الخاصّة ولا في كتب العامّة.
وبيان ذلك أن هذه الزيادة في الحديث منقولة فقط في سنن أبي داود بسنده عن زائدة عن عاصم عن زر بن حبيش عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله، وأظن أن هذا السند فيه إشكال حتى من جهات العامّة، لأن (زائدة) كان يزيد في الحديث، على ما اعترف به نفس الجمهور وصرح به في كتاب كشف الغمة(٥)، ثم إن المتن كذلك لا يمكن قبوله لأنه من المتفق عليه أن الإمام المهدي بن الحسن العسكري اسم أبيه الحسن لا عبد الله كاسم النبي، لذلك لا تقبل هذه الرواية لا سنداً ولا متناً.
ويؤيدنا في إثبات تحريف هذه الزيادة وعدم صحتها ما ذكره الكنجي الشافعي في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان(٦) جاء فيما نصه: الأحاديث الواردة عن النبي جميعها خالية من هذه الجملة (واسم أبيه اسم أبي) وقد ذكر الترمذي الحديث(٧) ولم يذكر قوله: واسم أبيه اسم أبي، وفي معظم روايات الحفاظ والثقات من نقلة الأخبار: (اسمه اسمي) فقط والقول الفصل في ذلك أن الإمام أحمد مع ضبطه وإتقانه روى الحديث في مسنده في عدّة مواضع: (اسمه اسمي)(٨) فقط بدون هذه الزيادة.
إذاً هذه الزيادة غير صحيحة، والمتفق عليه في الأحاديث المهدي اسمه اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وكنيته كنية الرسول (أبو القاسم) يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً.
وبالإضافة إلى ذلك أنه من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام، ومن أولاد الصديقة الطاهرة، كونه من أبناء الحسن العسكري في هذه السلسلة الشريفة.
ومن الأمور التي وردت في الأحاديث المتفق عليها بين الفريقين التي تشهد لنا في هذا النسب الشريف من كتب الخاصة: روايات إكمال الدين للصدوق(٩)، وكفاية الأثر(١٠) ومن كتب العامة: الصواعق المحرقة(١١)، وتذكرة الخواص(١٢)، والمستدرك على الصحيحين للحافظ النيشابوري(١٣)، والبيان للكنجي الشافعي(١٤)، وينابيع المودة للقندوزي(١٥).
كما أحصاه بمتون هذه الروايات والعناوين الكاملة في منتخب الأثر(١٦)، لذلك هذا النسب لهذه الشخصية بهذه الكيفية من النسب، متفق عليه في أحاديث الفريقين بلا إشكال.
الأدلَّة:
الغرض أن الاعتقاد بهذه الشخصية حقيقة ثابتة راسخة لا تقبل التشكيك أبداً، وهي من العقائد الإسلامية الصحيحة الصريحة المأخوذة من كلام أهل بيت الوحي، وهو لا شك فيه ولا إشكال.
ودليلنا على ذلك من الكتاب الكريم والسنة المتواترة والكتب المقدسة.
القرآن الكريم:
أما من الكتاب _ أي القرآن الكريم _ فقد أحصيت الآيات التي فسّرت بالإمام المهدي أرواحنا فداه فبلغت ١٣٠ آية، وذلك في كتاب المحجة للسيد البحراني أعلا الله مقامه. وأكثر تلك الآيات تفسيرها بأهل البيت والإمام المهدي متفق عليه بين الفريقين، نختار منها استدلالاً وتبركاً ثلاث آيات فقط:
الآية الأولى: قوله تعالى في سورة القصص الآية ٥ (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ).(١٧)
فظهور الآية بنفسها يكفي في التفسير بأهل البيت والإمام المهدي. وتفسير الفريقين يكفي.
أما قوله تعالى: (نُرِيدُ) فإرادة الله لا تتخلف عن المراد، إذ لو قال لشيء: كن كان ذلك الشيء ولا يمكن فيه التخلف.
(نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ) منّة على المستضعفين. والمنّة تكون في النعم العظمى، فالنعمة إن كانت عظيمة يعبّر الله عنها بالمن (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(١٨) الله لا يمن، لكن هذه المنة بمعنى النعمة العظيمة (نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ) من هم المستضعفون؟ الفرد الأكمل والمصداق الأتم للمستضعفين هم أهل البيت أرواحنا فداهم، لأنهم كانوا مظلومين منذ قبض رسول الله (لم أزل مظلوماً منذ قبض رسول الله)(١٩) هذا كلام أمير المؤمنين أرواحنا فداه.
المظلومية لأهل البيت أرواحنا فداهم بعد الرسول جعلتهم من المستضعفين، استضعفهم الناس استضعفهم الأعداء، قتلوهم، شرّدوهم، سجنوهم، حتى منعوهم عن شرب الماء، حتى أهدوا رؤوسهم إلى الأشقياء.
فأتم أفراد المستضعفين هم أهل البيت أرواحنا فداهم. وربما اطلعتم على رواية المنهال عن الإمام السجاد عليه السلام أنه سأله: كيف أصبحت يا بن رسول الله؟ قال: (ويحك يا منهال أصبحنا كما أصبح بنو إسرائيل في آل فرعون يذبّحون رجالنا ويستحيون نساءنا).(٢٠)
لذلك فالمظلومية والاستضعاف بالنسبة لأهل البيت مسلّم، لأنهم الفرد الأكمل للمستضعفين في العالم.
(نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ)(٢١) نجعلهم أئمة الأرض، قادة الأرض، سادة الأرض، ونجعلهم الوارثين للأرض، ومن المعلوم أن الوارث من يصل إليه عن المورّث شيء ينتقل إليه بعد ذهابه وبقاء الوارث.
ففي أي زمان تطبقت هذه الإرادة الإلهية منذ نزول الآية إلى يومنا هذا؟ إن تطبيق هذه الإرادة التي لا تتخلّف قطعاً بيّنها الصادق المصدّق الله تبارك وتعالى.
لذلك لابدّ أن يكون هناك وراثة مستضعفين لجميع الكرة الأرضية، وهذا لم يتفق أن حصل.
فمعناه: أن المستضعفين هم أهل البيت، ويلزم أن يكونوا الوارثين للأرض بلا شك ولا إشكال.
هذا بحسب ظاهر الآية، بل التفاسير المتفق عليها بين الخاصة والعامة تبين هذا التفسير، أي التفسير بأهل البيت والإمام المهدي أرواحنا فداه.
أمّا من الخاصة فعلى سبيل المثال _ والاّ فالروايات كثيرة _ في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي بسنده المعتبر إلى أمير المؤمنين عليه السلام في قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) قال عليه السلام: هم آل محمد صلى الله عليه وآله يبعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل عدوهم، ثم يقول شيخ الطائفة رحمة الله عليه: والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى.(٢٢)
وكذلك في الحديث الخاص المروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة أنه قال روحي فداه: (لتعطفنّ الدنيا) والعطف: الحنان، (لتعطفنّ الدنيا علينا أهل البيت بعد شماسها)(٢٣) يعني بعد استعصائها (عطف الفروس على ولدها)، أي كما تحسن الفروس يعني الناقة السيئة الخلق التي تعظّ صاحبها في سبيل حفظ لبنها لولدها إشفاقاً عليه، هكذا محبة إشفاق، هكذا حنان وجداني سيكون للدنيا علينا أهل البيت، وتلا عليه السلام عقيب ذلك: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا) يعني هذه الآية تفيد إشفاق الدنيا علينا أهل البيت وإرادة امتلاك هذه الأرض.
وأما من أحاديث العامة، فمثل حديث الشيباني في كشف البيان الذي رواه عنه في تفسير البرهان المجلد الثاني من الطبعة القديمة صفحة ٧٨٧ قال الشيباني في كشف البيان: (روي في أخبارنا _ العامّة _ عن أبي جعفر وأبي عبد الله أن هذه الآية مخصوصة بصاحب الأمر ويبيد الجبابرة والفراعنة ويملك الأرض شرقاً وغرباً فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً) تصريح هذا الشخص وهو من علمائهم، بل هناك كلام لطيف لابن ابي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة المجلد ١٩ من الطبعة المصرية صفحة ٢٩ هذا ما نصّه ابن أبي الحديد: أصحابنا يقولون: (إنه وعد بإمام يملك الأرض ويتولى على الممالك)، ينسبه إلى الأصحاب، كأنه متفق عليه بين العامة والخاصة أن هذه الآية في أهل البيت في الإمام المهدي أرواحنا فداه، لذلك هذه الآية التي تبين إرادة الله في أن يملك الأرض أهل البييت بشارة بالإمام المهدي، وهذه البشارة لابدّ أن تتحقق بعد شهادة الإمام الحسن العسكري، ولم يحقق هذا الوعد غير الإمام المهدي عليه السلام.
ولا يمكن أن نلتزم بأنه في آخر العهد يولد الإمام المهدي بدون أم، فلا يلتزم بهذا أحد، ولابد أن يكون من نسل الحسن العسكري للروايات المتقدمة.
فإذاً يلزم أن يكون المخصوص بهذه الآية الإمام المهدي عليه السلام من جهة بشارة الله ووعد الله وإرادة الله التي لا تتخلف.
الآية الثانية: قوله تعالى في سورة النور الآية ٥٥: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ).
وعد إلهي. ووعده بمنزلة القسم، باتفاق المفسرين، لذلك جاء في الآية _ ليستخلف _ لام جوابية ثم تلاها تأكيد بالنون وبلام القسم، (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)، من الأنبياء (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ)، تمكين الدين أي يعبدون الله بكل إمكانية، (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ)، الإسلام (وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي)، يعبدون الله بلا خوف وبلا تقية وبكل تجاهر بالحق، (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً).
كذلك هذه الآية الشريفة بحسب المعنى الظاهري تعني أهل البيت أرواحنا فداهم، لأنه لم يتحقق من حين نزول الآية إلى هذا اليوم _ ١٤٠٠ سنة _ معنى كامل لهذه الفقرات الثلاث:
أولاً: يستخلفنهم في الأرض، أي تصل إليهم جميع الكرة الأرضية.
ثانياً: يمكننّ لهم دينهم، أي يعبدون بلا خوف ولا تقية.
ثالثاً: تبديل الخوف بالأمن.
فإن هذا لم يتحقق إلى ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه، وهذا التفسير كذلك متفق عليه بين الخاصة والعامّة في الروايات المتواترة.
أما من الخاصة على سبيل المثال، فحديث الآيات الباهرة ينقلها في تفسير كنز الدقائق: رواية صحيحة عن عبد الله بن سنان عن الإمام الصادق عليه السلام قال: في قوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) _ إلى آخر الآية _ عنى به ظهور المهدي عليه السلام بذلك الاسم الخاص الذي ينبغي له القيام.(٢٤)
وكذلك في حديث جوامع الجامع عن المقداد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: (لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا حجر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إما أن يعزّهم فيجعلهم من أهلها، وإما أن يذلهم فيدينون لهم).(٢٥)
وكذلك نفس هذه الروايات _ تفسيراً لهذه الآية بأهل البيت _ موجودة في ثلاث روايات من الحاكم الحسكاني من العامة في شواهد التنزيل.(٢٦)
إذاً تفسير الآية بأهل البيت والإمام المهدي متفق عليه بين الفريقين.
الآية الثالثة: وهي التي تكررت في ثلاثة مواضع وبلفظ واحد تقريباً تأكيداً على هذا المعنى.
أولاً: في سورة التوبة الآية: ٣٣: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ).
ثانياً: بنفس اللفظ في سورة الصف الآية: ٩.
ثالثاً: وبتغيير طفيف في سورة الفتح الآية: ٢٨: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً).
تبين الآيات الشريفة الهدف من بعث الرسول صلى الله عليه وآله، ومعنى يظهره: يغلبه على الدين كله. أي:وعلى جميع الأديان ولو كان برغم أنف المشركين.
بمعنى أنه لايبقى على وجه الأرض دين إلا دين الإسلام، فيكون الإسلام غالباً على جميع الأديان.
وهذا لم يتحقق إلا في زمان حكومة أهل البيت عليهم السلام بعد ظهور المهدي أرواحنا فداه.
وهذا المعنى كذلك متفق عليه بين الخاصة والعامة.
أما من الخاصة ففي حديث الكنز المجلد ٥ ص ٤٤٥ عن أبي بصير: قال أبو عبد الله عليه السلام في هذه الآية: والله _ الصادق يقسم _: (والله مانزل تأويلها بعده ولا ينزل تأويلها حتى يخرج المهدي، فإذا خرج لم يبق كافر بالله العظيم ولا مشرك بالإمام إلا وكره خروجه).(٢٧) ولا يتحقق إلا بظهور المهدي أرواحنا فداه كما تصرح به الأحاديث.
وكذلك في تفاسير العامة عن مجاهد عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة إلا صار إلى الإسلام، ويكون عند قيام المهدي عليه السلام.(٢٨)
وصرحت بذلك رواياتهم في ينابيع المودة للقندوزي في تفسير هذه الآية بطريق مجاهد وابن عباس عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله.(٢٩)
فمن حيث القرآن الكريم وتصريح الآيات الشريفة _ ظهوراً وتفسيراً _ من المسلمات في أنها تفسر بالإمام المهدي وأهل البيت أرواحنا فداهم، فكيف يمكن إنكار وجوده؟ وكيف تكون هذه الشخصية أسطورة والعياذ بالله؟ أتكون الأساطير من القرآن الكريم؟! هل هذا ممكن!!
الكتب السماوية:
ثم قبل القرآن الكريم بشرت الكتب المقدسة بذلك من خلال (٣٦) نصاً فسر بأهل البيت والإمام المهدي، وفي إلزام الناصب(٣٠) نصان من هذه النصوص أذكرهما لكم.
أولاً: في التوراة سفر التكوين الفصل السابع عشر الآية ٢٠ ما ترجمته بالعربية:
خطاب الله تعالى لسيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا وآله السلام: (يا إبراهيم إنا قد سمعنا دعاءك وتضرعك في إسماعيل).. كأنه كان يدعو أن يرزقه الله ولداً (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ)(٣١) دعوته بأن يرزقه الله ولداً.
وتبين هذه النصوص تلك الدعوة، قد سمعنا دعاءك وتضرعك في إسماعيل فباركت لك فيه _ يعني في إسماعيل _ وسأرفع له مكاناً رفيعاً ومقاماً علياً.. كأن رفعة المقام بأولاده الطاهرين وهم أهل البيت، فأظهر منه اثني عشر نقيباً، ويقيناً النقباء الأثنا عشر مفسرون بأهل البيت، لماذا؟ لأن النقباء من بني إسرائيل من أولاد إسحاق وليس من أولاد إسماعيل، فيلزم أن يكون النقباء في هذا التصريح هم أهل البيت عليهم السلام الإثنا عشر نقيباً أولهم علي عليه السلام وآخرهم المهدي عجل الله فرجه وستكون له أمة عظيمة، وهذه بشارة صريحة بالإمام المهدي عليه السلام فكيف ينكر؟!
ثانياً: وكذلك في الزبور الذي تشير إليه الآية الكريمة: (وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ...).(٣٢)
الزبور هو السفر الواحد والسبعون، بعد دعاء داوود للإمام المنتظر عليه السلام جاء ما ترجمته بالعربية بهذا البيان: وسيظهر في دولته _ يعني دولة المنتظر _ حجة بينة واضحة على جميع أهل العالم ويزيد العدل والقسط إلى أن يزول القمر _ يعني يوم القيامة _ ويحكم من البحر إلى البحر جميع البحار، ومن الوادي إلى جميع ما على وجه البسيطة جميع الكرة الأرضية، وتنعطف له العالم _ أي الناس تنعطف للإمام المهدي عليه السلام _ ويبين أهلها المحنّة والمحبّة إلى الإمام المهدي عجل الله فرجه وتنعطف له الأرض..
إذن الكتب المقدسة قبل القرآن بشرت بالإمام المهدي، فكيف يمكن إنكاره؟
ثم إن الأحاديث التي وردت في كتبهم وفي كتبنا بنحو التواتر والتصريح بالتواتر، هذه الروايات كيف يمكن إنكارها؟!
السنة الشريفة:
الأحاديث التي تربو على المئات، لا مائة ومائتين، بمضامين عديدة أحصيت في فهرست إحقاق الحق وفي غاية المرام للسيد البحراني (رحمه الله) تلك الروايات تصرح بالإمام المهدي وتنص على الإمام المهدي أنه ابن الحسن والعسكري.
هذه الروايات موجودة في كتبنا وكتب العامة.
أما في كتبنا من طريق الخاصة، فهي موجودة حتى في الكتب التي تقدمت على ولادة الإمام المهدي عجل الله فرجه مثل كتاب سليم بن قيس الهلالي(٣٣)، من أصحاب أمير المؤمنين أرواحنا فداه.
قصدي من هذا التقسيم هو أن هذه المسألة (العقيدة المهدوية) من الأمور الثابتة في الكتب المعتبرة والصحاح من العامة والخاصة ولا يمكن إنكارها.
والروايات توجد في: كتاب سليم بن قيس الهلالي من الخاصة، كتاب الحسن بن محبوب، كتاب المهدي لعيسى بن مهران، الغيبة لعبد الله بن جعفر الحميري، الغيبة لمحمد بن القاسم البغدادي، أخبار المهدي للعلامة الرازي، خروج المهدي لعلي بن الحسن الصفار، أخبار المهدي لأحمد بن محمد الجرجاني، ذكر القائم لأحمد بن رميح المروزي، كمال الدين للصدوق، الغيبة لابن الجندي، الغيبة للشيخ المفيد، الغيبة للسيد المرتضى، الغيبة للشيخ الطوسي، التاج الشرفي للسعد آبادي تلميذ السيد المرتضى، وكذلك أخبار صاحب الزمان لعبد الله بن عياش في كتبنا الخاصّة.
وفي كتب العامة: صحاحهم وغير صحاحهم حتى أنهم صرّحوا بتواترها، والمصرح بتواتر أخبار المهدي موجود في كتاب نور الأبصار للشبلنجي، والصواعق لابن حجر، والبيان للكنجي الشافعي، وإسعاف الراغبين للصبان، وفتح الباري للحافظ، والفتوحات الإسلامية لزيني دحلان، والتوضيح للشوكاني، والإذاعة لأبي الطيب، وغاية المأمول للناصر، صرحوا بتواتر أخبار المهدي.
وأما الذين ضبطوا أخبار الإمام المهدي في كتبهم فالبخاري ومسلم وأحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود في سننه، والنسائي في سننه، وفرائد السمطين وكنز العمال وينابيع المودة وسنن البيهقي، وتفسير الفخر الرازي وتفسير الثعلبي، والدر المنثور للسيوطي، ومصابيح السنن للبغوي، ومستدرك الحاكم وحلية الأولياء وأسد الغابة والاستيعاب وتهذيب الآثار والأخبار والفصول المهمّة، والمناقب لابن المغازلي، ضبطوها وتواتروا فيها وحفظها حفاظهم.
وهذه الكتب ذكرت تلك الروايات فهي موجودة بنصوصها، وضبطها كتاب الإمامة والمهدوية المجلّد الثالث القسم الأول صفحة ٣٤ إلى صفحة ١٤٠.
لذلك من جهة الأخبار الشريفة ومن جهة السنة المباركة لا شك ولا ريب فيها أنها متفقة على الإمام المهدي.
وبعنوان التبرك نذكر حديثين أو ثلاثة أحاديث من أخبارنا الشريفة تنويراً للمجلس وتبركاً بالإمام أرواحنا فداه.
من ذلك حديث إكمال الدين للشيخ الصدوق أعلى الله مقامه، يرويه بسند معتبر عن عاصم عن الإمام الجواد عليه السلام في إكمال الدين عن الإمام الجواد عليه السلام عن آبائه حديث سلسلة الذهب عن الإمام الحسين عليه السلام قال رسول الله: (إن الله عزوجل ركب في صلب الحسن العسكري نطفة مباركة زكية طاهرة مطهرة يرضى بها كل مؤمن ممن أخذ الله عزوجل ميثاقه في الولاية ويكفر بها كل جاحد، فهو إمام تقي نقي بار مرضي هادي مهدي، أول العدل وآخره يصدّق الله عزوجل ويصدّقه الله في قوله، يخرج من تهامة حتى تظهر الدلائل والعلامات له...فقال له أبي: ما دلائله وعلاماته يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وآله: له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه وأنطقه الله تبارك وتعالى فناداه العلم: أخرج يا ولي الله فاقتل أعداء الله _ بنحو الإعجاز بنحو الإخبار الإلهي _...
ثم قال: يا اُبي طوبى لمن لقيه وطوبى لمن أحبه وطوبى لمن قال به _ بشارة لكم أيها المؤمنون، يبشركم الرسول الأكرم روحي فداه _ ينجيهم الله من الهلكة بالإقرار به وبرسول الله وبجميع الأئمة يفتح الله لهم الجنة مثلهم _ شيعة المهدي _ في الأرض كمثل المسك يسطع ريحه فلا يتغير أبداً، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ نوره أبداً).(٣٤)
تصريح بالإمام، بإمامته، بظهوره، بغلبته، بدولته.
وكذلك نص عن أمير المؤمنين أرواحنا فداه بشر بالإمام المهدي في حديث إكمال الدين بإسناد الشيخ الصدوق إلى الحسين بن خالد عن الإمام الرضا عن آبائه الكرام عن أمير المؤمنين عليه السلام قال لولده الحسين روحي فداه: (التاسع من ذريتك يا حسين هو المهدي المظهر للدين الباسط للعدل) قال الحسين: فقلت له: يا أمير المؤمنين وإن ذلك لكائن؟ _ ما فيه بداء ما فيه تغير _ إن ذلك لكائن، فقال: (أي والذي بعث محمداً بالنبوة واصطفاه على جميع البرية، لكن بعد غيبة وحيرة لا يثبت فيها على دينه إلا المخلصون)(٣٥)، تبشير صريح بالإمام المهدي ودولته الشريفة.
وكذلك جميع الأئمة أرواحنا فداهم والزهراء وأولادها الكرام يوجد لجميعهم تصريحات بالإمام عجل الله فرجه.
وهذا من العجيب إذ لا أتصور أن لدينا في الفقه حكماً ينص عليه جميع المعصومين الأربعة عشر، ليس عندنا حكم شرعي هكذا إذ يكفي لو نص عليه أحدهم، أمّا حكم ينص عليه جميع المعصومين الأربعة عشر فهذا لم يوجد في الفقه. لكن مسألة الإمام المهدي جميع المعصومين نصوا عليه.
وللتبرك نذكر قول الإمام العسكري أرواحنا فداه في ولده الإمام المهدي، وهو موجود في إكمال الدين للشيخ الصدوق أعلى الله مقامه(٣٦) بسند الصدوق عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، لا شك في جلالته ووثاقته ووكالته للإمام العسكري أرواحنا فداه، قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئاً: (يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم عليه السلام ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجة لله على خلقه لابد أن يكون لي خلف به يدفع البلاء عن وجه الأرض وبه ينزل الغيث وبه تخرج بركات الأرض)، قلت له: يا بن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك فنهض عليه السلام _ تصريح بياني عياني ليري الإمام المهدي له، هذه واحدة _ فنهض عليه السلام مسرعاً ودخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأنّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: (يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عزوجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سميّ رسول الله وكنيّه، به يملأ الله الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يا أحمد بن إسحاق مثله في هذه الأمة مثل الخضر _ من جهة طول العمر _ ومثله مثل ذي القرنين _ من جهة الاستيلاء على الأرض _ والله ليغيبنّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبتهم الله عزوجل على القول بإمامته ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه)، فقال أحمد بن إسحاق: قلت له: يا مولاي فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ _ يطلب علامة صريحة، علامة وجدانية _ فنطق الغلام بإذن الله بلسان عربي فصيح قال: (أنا بقية الله في أرضه والمنتقم من أعدائه فلا تطلب أثراً بعد عين... أحمد بن إسحاق نفسه صرّح على نفسه نصّ على نفسه قال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً فلمّا كان من الغد قمت إليه فقلت: يا بن رسول الله لقد عظم سروري بما مننت علي، فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ _ شبهتموه بالخضر وذي القرنين من أي جهة سيدي _ قال: (طول الغيبة يا أحمد) قلت: يابن رسول الله إن غيبته لتطول؟ قال: (أي وربي حتى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به _ والعياذ بالله _ ولا يبقى إلا من أخذ الله عهده بولايتنا أهل البيت وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح القدس، يا أحمد بن إسحاق هذا أمر من أمر الله وسرّ من سرّ الله وغيب من غيب الله فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين تكن مع الأبرار في عليين).
إذن التصريح بالإمام أرواحنا فداه من جميع المعصومين الأربعة عشر أرواحنا فداهم موجود، كذلك من جهة التفسير القرآني ومن جهة الحديث المتواتر وإجماع الفريقين، وهذا الإجماع موجود في كتب الخاصة والعامة، فعجبٌ إنكاره.
أما من كتب الخاصّة فالشيعة الإمامية قطعي إجماعهم ومن مسلمات دينهم وضروريات مذهبهم، كما صرّح به في الإمامة والمهدوية.(٣٧)
بل حتى في كتب العامة إجماعهم واتفاقهم موجود، ومسلميتهم لهذا الأمر موجودة، ففي شرح نهج البلاغة للمعتزلي جاء ما نصه: (قد وقع اتفاق الفرق من المسلمين أجمعين على أن الدنيا والتكليف لا ينقضي إلا عليه _ على المهدي _).(٣٨)
وتصريح أكثر من هذا في سبائك الذهب قال ما نصّه: (الذي اتفق عليه العلماء أن المهدي هو من يظهر في آخر الزمان وبه يملأ الله الأرض عدلاً والأحاديث فيه وفي ظهوره كثيرة).(٣٩)
وقال ابن خلدون في مقدمته ما نصّه: (اعلم أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور الرجل من أهل البيت يؤيد الدين ويظهر العدل ويتبعه المسلمون ويتولى على الممالك الإسلامية ويسمّى بالمهدي).(٤٠)
وفي غاية المأمول للناصب قال: (اتضح مما سبق _ بعد أن بيّن الآيات والروايات _ أن المهدي المنتظر من هذه الأمة وعلى هذا أهل السنة سلفاً وخلفاً).(٤١)
البرهان إجماعي بلا شك ولا ترديد لذلك من جهة القرآن الكريم.
الدليل الأول في استدلالنا: بالقرآن الكريم والحديث المتواتر وكذلك بشارات الكتب المقدسة.. دليل قطعي على الإمام المهدي، وجوده ودولته، بلا شك ولا ريب.
الدليل الثاني:
الإخبارات المتظافرة بولادته عليه السلام وأنه ولد وشوهد أثناء ولادته وشوهد بعد ولادته، فكيف يمكن إنكاره؟
وإخبارات الشهادة بولادته كذلك موجودة بين العامة والخاصة متفق عليه بين الفريقين.
شهدوا بولادة الإمام المهدي في رواياتهم التي نقلها ثقة الإسلام الكليني في الكافي(٤٢) وشيخ المحدثين الصدوق في كتابه كمال الدين(٤٣) وشيخ الطائفة الطوسي في كتابه الغيبة.(٤٤)
ومن العامة ممن رووا روايات ولادته: البيهقي وابن الصبان وابن خلكان والقندوزي والسفدي وياقوت الحموي بأسانيد عديدة كما أحصيت في المهدي الموعود المنتظر، المجلد الأول صفحة ١٠٨ متفق عليه بين الفريقين.
مشاهدته، ولادته، الشهادة بولادته مما لا يمكن إنكاره.
الرواية الشريفة عن السيدة حكيمة سلام الله عليها، وهي بنت إمام وأخت وعمّة إمام، والصادقة المصدقة، ومن أودع عندها بعضاً من مواريث الإمامة، صادقة في حديثها قطعاً. في حديث كمال الدين المعروف في هذا العصر نقل أخباراً كثيرة، لذا لا نكرر حديث حكيمة، وهو من الأحاديث الصحاح التي تصرح بولادة الإمام المهدي، إذ شاهدته من قبل ولادته إلى بعد ولادته، شاهدته إلى حين وفاتها سلام الله عليها.
وفي الأحاديث المتكررة ثمانية أحاديث في كمال الدين للشيخ الصدوق صفحة ٤٢٤ فما بعد الباب ٤٢ الحديث الأول وما بعده تصرح بكيفية ولادة الإمام الحجة أرواحنا فداه.
والتصريح بما حدث عند الولادة وبعد الولادة شهادة السيدة حكيمة أولاً، وهي قابلة السيدة نرجس أم الإمام المهدي أرواحنا فداه، وشهادة القابلة في النساء مقبولة قطعاً في فقه العامة والخاصة، لا يمكن إنكاره.
ورأيت في بعض الكتب لبعض المحرفين تساؤلاً مؤداه: كيف تثبت إمامة شخص بشهادة إمراة أو بقول امرأة بولادة ذلك الشخص؟ كأنه لا يعتني بقول السيدة حكيمة في هذه الرواية.
الظاهر أن هذا كلام غير صحيح أساساً:
أولاً: الآيات والروايات شهدت بما لا يمكن مخالفته بوجود الإمام المهدي.
ثانياً: شهادة إخبار والده عليه السلام، وهي شهادة رجل، إخبار الأب، إخبار الولي بولادته لا يمكن إنكاره.
ثالثاً: شهادة السيدة حكيمة، ونسيم خادم الإمام العسكري، وجارية أم المهدي واسمها مارية.
وشهادة السيدة حكيمة ومقبوليتها من حيث أنها إمرأة وقابلة للسيدة نرجس متفق عليه في فقه الخاصة والعامة.
ودليلنا على ذلك في الجواهر للشيخ محمد حسن النجفي أعلى الله مقامه(٤٥) يبين: تعتبر شهادة النساء منفردات في الولادة كما ثبت بقيام النص الصحيح الصريح. لم يكن فيه خلاف بين علماء الشيعة، رحم الله الماضين وحفظ الباقين. شيء غير مختلف فيه بتصريح صاحب الجواهر. شهادة النساء في مسألة الولادة مقبولة عندهم.
بل حتى في فقه العامة في جميع مذاهبهم شهادة النساء فيما تنحصر به أو لا يطلع عليه إلاّ النساء غالباً، خصوصاً وتخصيصاً في مسألة الولادة مقبول عندهم في جميع المذاهب. كيف يستنكر شهادة السيدة حكيمة؟
في بداية المجتهد للقرطبي قال ما نصّه: (أما شهادة النساء منفردات _ أعني النساء دون الرجال _ فهي مقبولة عند الجمهور في حقوق الأبدان التي لا يطلع عليها الرجال غالباً مثل الولادة). ينص ويصرح مثل الولادة (والاستهلال مجيء الطفل حيّاً وبكائه وعيوب النساء لا خلاف في شيء من هذا _ مسألة وفاقية _ بين الجمهور).(٤٦)
إذن شهادة السيدة حكيمة بنفسها تكفي حتى لو انحصرت الأدلة بها، فكيف يمكن إنكارها؟
ثم إخبار الإمام العسكري أرواحنا فداه، شهادة الأب، إخبار الإمام المعصوم وهو أب وولي يقبل قوله في الولادة بلا شك ولا إشكال.
وقد أخبر بولادة الإمام المهدي أرواحنا فداه في روايات عديدة:
مثلاً في كمال الدين حديث أحمد بن إسحاق القمي رضوان الله عليه قال: لما ولد الخلف الصالح عليه السلام ورد عن مولانا أبي محمد الحسن بن علي العسكري إلى جدي أحمد بن إسحاق كتاب فيه مكتوب بخط يده عليه السلام الذي كانت ترد فيه التوقيعات، (ولد لنا _ كلام الإمام العسكري وإخباره _ مولود، فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته والولي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرك الله مثل ما سرنا به والسلام).(٤٧)
إخبار وتصريح الإمام بولادة الإمام المهدي وهو مقبول، بل نفس إرسال الإمام العقيقة إلى بني هاشم في سامراء، بنفسه يكفي في إخباره وإعلامه بولادة الإمام المهدي عليه السلام بيان ولادة الإمام المهدي بعنوان إرسال العقيق، والتصريح بأن هذه عقيقة ولدي محمد، عقيقة ولدي المهدي.
في روايات متعددة إخبار منه أرواحنا فداه كما توجد هذه التصريحات في إكمال الدين صفحة (٤٣٢) الباب الرابع الأحاديث عشرة فما بعدها تصريح في بعثه العقيقة لولده الإمام المهدي.
إذن إخبار الإمام بعد تلك الآيات والروايات ثم شهادة السيدة حكيمة، إخبار وجداني عياني بولادته، فكيف يمكن إنكاره؟
لذلك قال الشيخ المفيد أعلى الله مقامه في كتابه الفصول العشرة صفحة (٥٩) وهو يستدل بشهادة السيدة حكيمة وإخبار الإمام العسكري في إثبات ولادة الإمام المهدي: (الخبر بصحة ولد الحسن العسكري قد ثبت بأوكد ما تثبت به أنساب الجمهور من الناس)، الناس كيف تثبت أنسابهم بأحسنها وأوكدها ثبتت نسبة الإمام المهدي إلى العسكري، إذا كان النسب يثبت بقول القابلة مثلها من النساء التي جرت عادتهنّ بحضور ولادة النساء وتولّي معونتهنّ عليه فقد ثبت ذلك بشهادة السيدة حكيمة ومارية ونسيم وباعتراف صاحب الفراش وحده الإمام العسكري بذلك دون من سواه، وبشهادة رجلين من المسلمين على إقرار الاب بنسب الابن.
وقد ثبتت هذه بإخبار الجماعة من أهل الديانة والفضل والورع والزهد والعبادة والفقه عن الحسن العسكري أنه اعترف بولادته وأعلمهم بوجوده ونص على إمامته.
إذاً من جهة الشهادة بالولادة يتضح لنا دليل ثانٍ على وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه.
الدليل الثالث:
على وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه العيان الذي يغني عن البيان، أي من رأوا الإمام المهدي في جميع مراحله الحياتية. يعني في زمان أبيه الإمام العسكري أرواحنا فداه أوّلاً: فقد أخبر الثقاة العدول بذلك بالمشاهدة، ثم في زمان الغيبة الصغرى السبعين سنة تقريباً أخبار العدول، ثم في الغيبة الكبرى، كما أحصيت.
وسنقرأ إن شاء الله مقداراً من أسماء الذين شهدوا برؤية الإمام المهدي أرواحنا فداه في هذه المراحل الثلاث، فيثبت شهادة العيان بعد ذلك البرهان: الروايات، الآيات، الاخبار المتواترة القطعية في أن الإمام المهدي أرواحنا فداه وجد، وهو موجود إلى أن يظهره الله على الأرض فيظهره على جميع الأديان. واستمرار بقائه إلى زمان قيامه ثبت كذلك بالأدلة الروائية الشريفة المعتبرة، وفوق كل تلك الروايات، الرواية المعتبرة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله المذكورة في غاية المرام للسيد البحراني من صفحة ٣١٢ إلى صفحة ٤٠٠، يضاف إليها (١٦٣) حديثاً عن طريق العامة و٢٧ حديثاً عن طريق الخاصّة:
ونص هذه الرواية: (الأئمة بعدي هم اثنا عشر أولهم علي وآخرهم المهدي، ولا يزالون ما زال هذا الدين قائماً)(٤٨) يعني مادام دين الإسلام باقياً إلى يوم القيامة يلزم أن يكون أهل البيت موجودين... ولا يزالون ما زال هذا الدين باقياً، والدين باقٍ إلى يوم القيامة، فيلزم أن يكون المعصومون باقين إلى يوم القيامة.
ومن المعلوم وجداناً أن الإمام العسكري استشهد _ روحي فداه _ وشيع في آلاف ودفن في ضريح مقدس وهذا معلوم. فمن بعد الإمام العسكري يكون إماماً؟ ليس هناك غير الإمام المهدي، لذا وجوده أرواحنا فداه ثبت وبقاؤه ثابت كذلك. ولا يعقل التخلف في قول الرسول صلى الله عليه وآله وهو المعصوم الذي لا يكذب أبداً، صدق من صادق مصدّق.
لذلك يثبت وجود الإمام أرواحنا فداه وبقاؤه إلى أن يملأ الله الأرض به قسطاً وعدلاً.
بهذه الادلة التي نكملها ليلة غدٍ إن شاء الله نختم الحديث.
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً.
اللهم وعجل فرجه الشريف، واجعلنا من أنصاره وأصحابه وأعوانه ومخلصيه وتابعيه والممتثلين لأوامره، وهب لنا رحمته ورأفته ودعاءه وخيره وإحسانه ببركة الصلاة على محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله.
الأسئلة والأجوبة:
س١/ أود أن تبينوا ما هي الآثار السلبية على أرض الواقع في إنكار ولادة المهدي؟ يعني عملاً، ماذا يخسر وماذا يفقد من ينكر ولادة الإمام المهدي؟
ج/ بسم الله الرحمن الرحيم
السلام على أحب خلقه محمد وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم قاطبة إلى يوم الدين. آمين رب العالمين.
بالنسبة إلى خسارة إنكار الإمام المهدي أرواحنا فداه، إضافة إلى أنه أمر يخالف الوجدان سحق للوجدان لأن شخصاً بيمينه رزق الورى وبوجوده ثبتت الأرض والسماء، فإذا أنكره معناه أنه جحد حقه. هذا خلاف الوجدان ثم إن الأثر السلبي أنه يكون إنكاراً لما ثبت من الدين بالضرورة. فمسألة الإمامة من الضروريات ومن الأمور التي ثبتت في الدين الإسلامي المقدس.
فإنكاره يكون إنكاراً لما ثبت من أمور الدين، وإذا كان إنكاراً لما ثبت من أمور الدين، يكون موجباً للفسق والعياذ بالله، لذا الحد الأقل من إنكار الإمام أرواحنا فداه، وإنكار إمامته أنه يوجب الفسق لأنه أنكر ما ثبت من الدين.
ويخالف الوجدان، لانه أنكر النعمة المستبينة الظاهرة. وخصوصاً مع وجود الدلائل التي سنذكرها إن شاء الله في الفصول المقبلة التي تثبت بأن وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه وآثاره الحياتية وآثاره الإيجابية والكونية موجودة في هذا العالم، لذا يكون إنكاره كأنكار الشمس فيخالف الوجدان.
لذلك من السلبيات التي يؤدّي إليها إنكار المهدي أنه يوجب مخالفة الوجدان ومخالفة الأدلة، ثم الحرمان من دعاء الإمام المهدي عليه السلام، لأن الإمام المهدي يدعو _ كما سيأتي في الحديث إن شاء الله _ لمن كان مؤمناً به، يدعو لمن كان داعياً له، يدعو لمن كان معتقداً به. في النصوص الصريحة التي من جملتها توقيع الشيخ المفيد(٤٩) وسيأتي ذكره إن شاء الله.
فعلى هذا، الإنكار يؤثّر هذه السلبيات في عالم الوجود ونعوذ بالله من ذلك.
اللهم اجعلنا من الذين يقرون بولايته ويعترفون بإمامته.
س٢/ أنا من السنة وسؤالي من سماحة السيد هو: هل تعتقدون أن هناك اتصالاً بين المهدي ومراجع الشيعة، أو اتصالاً بأي أحد آخر؟
ج/ من المحسوس بالمشاهدة من ألطاف الإمام عجل الله فرجه على علماء الشيعة وبخاصة القدامى منهم سواء أكان ذلك على مستوى السفارة أو الوكالة. فإنه من الأمور الثابتة، وسيأتي ذكره عند ذكر سفراء الإمام عجل الله فرجه. أما بالنسبة إلى سائر العلماء بعد الغيبة الصغرى فسنذكر الاتصالات الشريفة القطعية التي حدثت وتحققت واتفقت عليها الخاصة والعامة، وسجلت في كتب الفريقين واعترف بها أمثال ابن الجوزي في كتاب المنتظم، كذلك اتصاله عجل الله فرجه وألطافه على علماء الشيعة من المتأخرين وعلى المؤمنين وجميع الشيعة وشمولهم بدعائه لهم، وهو ما سنبينه في الفصل الرابع من بحثنا بإذن الله تعالى.
س٣/ الشيخ يوسف القرضاوي وهو من أهل السنة في إحدى المرات قال: المهدي عندنا غير المهدي عند الشيعة، فهل هناك رد عليه؟
ج/ إن ما بدأنا به البحث من قول الرسول الأكرم أرواحنا فداه: (المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي)، ثم تصريح الروايات الأخرى بأنه ابن الحسن العسكري ومن أبناء أمير المؤمنين والصديقة الطاهرة ابنة رسول الله ممّا اتفق عليه الفريقان _ كما ذكرنا _ مثلاً في كتاب الحاكم الحسكاني، ينابيع المودّة للقندوزي، تذكرة الخواص لابن الجوزي. والظاهر أن المهدي عند الشيعة والسنة شخص واحد، وليست عندنا مهدوية نوعية ولا مهدي غير الإمام الحجة بن الحسن أرواحنا فداه، الظاهر أن هذه مغالطة وليست في شيء من الصحة.
س٤/ هل يمكن أن نعتبر استمرار مذهب أهل البيت عليهم السلام رغم ما واجهه من ظلم وجور من قبل النواصب، دليلاً على وجود الإمام المهدي عجل الله فرجه حيث يكون هو الحافظ للمذهب؟
ج/ نعم كما في توقيع الشيخ المفيد: (ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء واصطلمكم الأعداء..)(٥٠) أي المصائب العظيمة، أي لكان الأعداء يبيدونكم لولا ذلك الدعاء الخاص من الإمام عجل الله فرجه، فلا بأس بالاستدلال على وجود الإمام ببقاء المذهب سليماً معافى.
س٥/ هناك حديث يقول: (هلك المستعجلون وخسر المبطلون وفاز المسلمون) هل معناه أن علينا أن لا نستعجل بتأويل العلامات وتطبيق الأحاديث على بعض المشاهدات؟
ج/ الحديث على ما في ذهني: (هلك المستعجلون وخسر المثقلون)(٥١) هذا المقدار موجود في دعاء الغيبة وهو من الأدعية المعروفة. وقد ورد ذم الاستعجال المخالف للصبر وانتظار الفرج اللذين أمرنا بهما. فلا يصح القول: لماذا لم يظهر ويخرج الإمام عجل الله فرجه؟، فهذا اعتراض على أمر الله تبارك وتعالى. والاستعجال المذموم هو الاستعجال الذي يكون منافياً لإرادة الله وموجباً للسقوط في بعض الهلكات، أو في بعض الأخطاء، أو في بعض الاشتباهات عند اختلاق العلامات غير الصحيحة وهذا مذموم، لكن العلامات التي تفسر بمعنى انتظار الفرج والأمل بظهوره القريب فهذا لا بأس به.
هلك المستعجلون، لا الذين ينتظرون ويكون عندهم انتظار الفرج كلما كان أقرب فهو أفضل، لا هذا المعنى، وإنما المعنى يستعجلون فيخالفون إرادة الله، يعترضون على الله والعياذ بالله. أو تحدث لهم بعض العلامات غير الثابتة في الكتاب والسنة.
ليس معنى الاستعجال انتظار الفرج مثلاً أو انتظار بعض العلائم التي يأمل المؤمن أن تحدث عاجلاً ليفوز بالظهور مثلاً، وإنما الاستعجال الذي ذكرناه أولاً مذموم قطعاً والثاني بعكسه.
س٦/ هل كان تحريف الروايات لخدمة الحكومات الغاصبة والظالمة في زمان المحرفين؟، أم أن هذا التحريف هو من تدبير أعداء الإمام عجل الله فرجه؟
ج/ قد تكون هناك تحريفات متعمدة وضعت لدواع اقتضاها زمن التحريف. كالزيادة التي وردت في رواية أبي داود (واسم أبيه اسم أبي)(٥٢) فقد احتمل بعض العلماء أن تكون هذه الزيادة من أجل أن يثبتوا الإمامة لمحمد بن عبد الله بن الحسن ذي النفس الزكية، فقالوا بأن اسم أبيه اسم أبي، حتى يكون المهدي هو محمد بن عبد الله بن الحسن في ذلك الزمان.
وقد تكون بعض التحريفات مثل هذه الرواية لأجل حكومات ذلك الوقت، لكن بعض التحريفات التي حدثت ليس لها مدلول غير العداء والعناد. وإلا فالحق موجود ومشهور كالشمس في رابعة النهار لا يمكن إنكاره، لذلك كان أغلبه من باب العناد. وقد يكون هناك تجاهل أو جهل إلا أن الذي نشاهده أغلبه عناد والعياذ بالله. أعرض بخدمتكم لو كان المهدي من أبناء بني أمية لما كانوا يعترضون عليه، أما كونه من أبناء علي وفاطمة فيعترض عليه، وقد اتضح أن الاعتراضات بعد هذا البيان والوضوح أغلبها من جهة العناد وقد يكون بعضها من جهة خدمة بعض الحكومات الغاصبة.
س٧/ إن ما نواجهه في الأنترنت من إشكال عند إيصال مفاهيم التشيع للآخرين هو: ولادة المهدي المنتظر، وطول العمر، وسبب الغيبة حيث نحتاج إلى تحليل مبني على أسس علمية لهذه التساؤلات. فهل من بيان لذلك؟
ج/ سنبين فيما يأتي مسألة طول العمر للإمام المهدي أرواحنا فداه وسبب الغيبة، حكم الغيبة على ما يوافق الوجدان وتوافقه العقول. بالإضافة إلى الروايات الشريفة، وكذلك طول العمر نبينه إن شاء الله على ضوء القرآن الكريم والروايات الشريفة، ثم على صعيد الوجدان، ثم الأسس العلمية كذلك. حتى سننقل _ بعون الله _ بعض النصوص الطبية التي تبرهن على إمكان طول العمر، بل وجوده إن شاء الله.
س٨/ بعد السلام: هل بإمكانكم تسليط الضوء على الأدلة الوجدانية التي يتحرك بسببها وجدان الإنسان ليعتقد في الإمام المهدي المنتظر أرواحنا فداه؟
ج/ لا شك أن الوجدان مما يتبع العقل. والعقل سيدرك بعد ملاحظة الأدلة الشريفة حقيقة هذه العقيدة ووجدانية هذه العقيدة. والعقل حينما أدرك ثبت الوجدان، لأنه يصدق دائماً الأمور الوجدانية والبديهيات العقلية لذلك بعد ثبوت الإمام المهدي عقلاً يكون هذا الأمر ثابتاً في الوجدان أيضاً، كما سنبين بعون الله وقوته ما يكون من الأدلة العقلية على الإمام المهدي وما يثبت حوله من البحوث.
س٩/ هل علامات الظهور حتمية الحدوث أم أن منها مشروطاً شرطاً ولا يحدث، وهل يجب أن تسوء الأوضاع أكثر لكي تتحقق العلامات؟
ج/ هذا ما نبينه إن شاء الله في البحث الأخير قبل ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه عند ذكر علامات الظهور. وقد قسمنا العلامات إلى أقسام ثلاثة، بعض العلامات هي علامات الغيبة لا الظهور، بعض العلامات القريبة من الظهور، والبعض الثالث العلامات التي تقارن الظهور في سنته أو ما يقارب سنته، في تلك العلامات من القسم الثالث، التي هي الحرية بأن تسمّى علامات الظهور، وهي فيها قسمان: قسم: علامات حتمية وهي خمسة، وقسم علامات غير حتمية وهي سبعة وسنبينها إن شاء الله تعالى إذا وصل البحث إليها.
س١٠/ هل كانت غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه من الناحية المادية الجسمية؟ عليه السلام
ج/ سنذكر بعون الله تلميحاً نبين فيه غيبة الإمام المهدي ومعنى الغيبة من جهة الروايات الشريفة، بل من جهة نصوصها العربية.
الغيبة بمعنى الخفاء: عدم الرؤية لا عدم الحضور وعدم الجسمية، لا أن جسمه _ روحي فداه _ غير حاضر بيننا، وإنما غائب بمعنى أنه خفي عن عيوننا. وسنذكر روايات معتبرة تدل على أنه في كل سنة يحضر الموسم يرى الناس ولا يرونه ويحضر يوم عرفات(٥٣)، وإنه ليطأ فرشكم ولكن لا ترونه، يأتي في المجلس، يُرى جسمه، يكون حاضراً لكن غيبته غيبة خفاء عنا لا غيبة لجسمه، وسنبين ذلك إن شاء الله في كلامنا في الغيبة بعون الله تعالى.
نسأل الله التوفيق للجميع وأن يجعلنا من أعوان وأنصار الإمام الحجة، وأنتم من أعوانه. أسأل الله لكم البقاء على ذلك ببركة الصلاة على محمد وآل محمد.
س١١/ هل يمكننا تقسيم جنود الإمام الحجة إلى ثلاثة أقسام: الأول: مباشر من نوع الملائكة وخواص الأنس والجن. الثاني: نوع يتلقى الأمر منه بشكل غير مباشر. الثالث: يتصل به عجل الله فرجه بشكل معنوي؟
ج/ بعون الله تعالى سنبين في الفصل الخامس ظهور الإمام المهدي أرواحنا فداه وقيامه، وقدرة جنده وقوته السماوية والأرضية.
لقد قسمنا القوى إلى عشرة أقسام: منها ما هو سماوي ومنها ما هو أرضي وجميعها في يد الإمام قدرة غالبة، وجامعها أنها تكون قوة ربانية وتبقى قوة أعظم الدول قوة إنسانية مهما بلغت من الفتك والدمار (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ)(٥٤) وللإمام المهدي انتصارات أخرى سنبينها في البحث الخامس تفصيلاً إن شاء الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

* * *
المحاضرة الثانية: غيبة الإمام المهدي عجل الله فرجه
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، فاطر السماوات والأرضين.
والصلاة والسلام على أحب خلقه وسيد رسله حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد صلى الله عليه وآله، وعلى آله الطاهرين المنتجبين الغر الميامين، لا سيما بقية الله في الأرضين سيدنا ومولانا الإمام الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه.
واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة من الجن والإنس، آمين يا رب العالمين.
انتهى بنا الكلام ليلة أمس إلى الاستدلال على وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه في مقابل من ينكر وجوده أو ولادته أو بقاءه.
أثبتنا ذلك بأدلة ثلاثة:
الأول: التنصيص على الإمام المهدي عليه السلام من الكتاب الكريم والكتب المقدسة والسنة المتواترة المتفق عليها بين الفريقين، كما قرأناها.
الثاني: الاستدلال بتنصيص والده الإمام الحسن العسكري عليه السلام على ولادته، وهو صاحب الفراش مقبول القول في النسب في جميع الآراء الفقهية، ومن جهة أخرى هو إمام معصوم من أهل بيت الوحي معصوم صادق، من أهل بيت التطهير لا يكون فيه غير الصدق، من أهل آية التطهير لا يمكن الكذب في حقهم، نص على ولادة ولده الإمام محمد المهدي أرواحنا فداه تنصيصاً بالغاً لحد الاعتراف به بين الفريقين أيضاً.
والعجب ممن ينكر ذلك مع أن في كتبهم روايات بيان العسكري ولادة ولده المهدي عليه السلام، ثم تنصيص وشهادة السيدة حكمة بنت الإمام الجواد عليه السلام على ولادة سيدنا الإمام المهدي وحضور الولادة، مع شهادة خادمتي الإمام العسكري، يعني نسيم ومارية، وشهادة القابلة في الولادة مقبول في جميع المذاهب كما قرأنا النصوص من فقه الخاصة والعامة.
الثالث: رؤية الإمام المهدي، حضروا ونظروا وأخبروا بذلك، فكيف يمكن إنكاره.
صار المطلب عينياً، وهل يحتاج بعد العيان إلى برهان؟ رأوه في جميع المراحل الثلاث من حياته، يعني في زمن والده الإمام العسكري السنوات الخمس وبعد وفاة وشهادة الإمام العسكري في أيام الغيبة الصغرى وبعد الغيبة الصغرى في الغيبة الكبرى، شاهدوه وأخبروا وشهدوا برؤيته، رؤية بلغت التواتر في جميع هذه المراحل الثلاث.
يعني أحصينا الروايات المعتبرة في زمن الإمام العسكري ممن نظر وحضر وشهد، وفي الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى.
اخترنا في جميع هذه المراحل لكل مرحلة عشر روايات معتبرة بأسناد موثوقة في كتب معتمدة، حتى يحصل بها التواتر والعلم بحيث لا يمكن إنكاره، رؤية عيانه مشهودة في جميع المراحل الثلاث ممن يوثق بهم، وفي الكتب الموثوقة بحيث يحصل العلم بولادته ووجوده حتى في الغيبتين إلى الغيبة الكبرى، واللطيف أن بعض الناظرين _ بعض الشاهدين _ على رؤية الإمام المهدي من نفس العامة، ذكرنا أنه هناك بيانات في كتب المنتظم وغير المنتظم من كتب العامة أخبروا عن رؤية الإمام المهدي.
نختار رواية واحدة من العامة ورواية من الخاصة، يعني رواية رؤية الأولياء، رواية رؤية الأعداء وغير الأعداء، كلا الطرفين كلا الفريقين شهدوا ونظروا وأخبروا عن ذلك، بعنوان النموذج، روايتين نقرأ، ومن أراد التفصيل قدمت له الروايات الشريفة، لأن التفصيل يأخذ من وقتنا كثيراً.
أما من رؤية الأولياء رواية صحيحة ينقلها الصدوق أعلى الله مقامه بأسناده الصحيحة إلى معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) من أجلة أصحاب الإمام الحسن العسكري وموثّوقين بجلالة، وخصوصاً العمري محمد بن عثمان من أصحاب الإمام العسكري وممن وثقه نفس الإمام، وثقه ووثق أباه (العمري وابنه ثقتان فما إليك عني فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان)(٥٥)، مسموع الكلمة ومطاع بين المؤمنين يخبر بهذه الرؤية، قال جميعهم _ الثلاثة _: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام ونحن في منزله، وكنا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا.(٥٦)
رؤية جماعية من الموثقين، شهدوا بالرؤية ووجود الإمام المهدي.
وأما من شهد بالرؤية من المخالفين ففي حديث الآودي الذي نقله شيخ الطائفة بأسناده المعتبرة في الغيبة(٥٧) في حدود سنة ٣٠٠ الآودي ينقل: بينما أنا في الطواف وقد طفت ستة حول البيت وأريد أن أطوف السابعة فإذا أنا بحلقة عن يمين الكعبة وشاب حسن الوجه طيب الرائحة هيوب ومع هيبته متقرب إلى الناس فتكلم فلم أر أحسن من كلامه ولا أعذب من منطقه في جلوسه فذهبت أكلمه فزبرني الناس بعضهم فقلت: من هذا؟ فقالوا: ابن رسول الله صلى الله عليه وآله يظهر للناس في كل سنة يوماً لخواصه فيحدثهم ويحدثونه، فقلت: مسترشداً أتاك _ صحيح لست معتقداً به لكن استرشد أطلب الهداية، يتبين كونه مخالفاً _.. فارشدني، قال: فناولني حصاة، فحولت وجهي، فقال بعض الجلساء: ما الذي دفع إليك ابن رسول الله؟ فقلت: حصاة وكشفت عن يدي، فإذا أنا بسبيكة من ذهب!! _ إعجاز حتى يتيقن أنه الأمام، ليتيقن أنه من الناحية الغيبية _ فإذا أنا بسبيكة من ذهب، وإذا أنا به قد لحقني فقال: ثبت عليك الحجة _ كنت تنكرني الآن رأيتني والآن ثبت عليك الحجة _ وظهر لك الحق وذهب عنك العمى، أتعرفني؟ قلت: اللهم لا، فقال عليه السلام: أنا المهدي أنا قائم الزمان أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً(٥٨)، يخبر مخالفاً.
في كلا الفريقين خبر النظر إلى الإمام المهدي ورؤيته تكشف عن وجوده، فبالأدلة الثلاثة الفريق الأول والثاني والثالث تبين صراحاً وصريحاً وجود الإمام المهدي وولادته وبقاءه، خصوصاً مع ما استدللنا عليه ليلة أمس(٥٩) بالحديث الشريف المتفق عليه بين الفريقين بـ ١٦٣ حديثاً من العامة و٢٧ حديثاً من الخاصة قول رسول الله: (الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم علي وآخرهم المهدي لم يزالوا ما زال هذا الدين قائماً إلى يوم القيامة) يلزم أن يكون هناك فرد من أهل البيت، ثم استشهد الإمام الحسن العسكري فمن يكون بعد الإمام العسكري غير الإمام المهدي، غير ولده المنحصر بالفرد.
إذن وجود الإمام المهدي عيان لا يحتاج إلى بيان، عيان بالأدلة والبيانات والحجج القطعية العلمية، لا يمكن إنكاره.
فما نقلناه سابقاً _ ليلة أمس _ عن بعض المخالفين من أن المهدي أسطورة، عجيب من الكلام، إنكار للحقيقة، إنكار للشمس، والعجيب المضحك للثكلى أنّني رأيت وتفحصت استدلالهم على هذا الإنكار _ رؤية وجود الإمام المهدي _ الخطوط العريضة لمحيي الدين الخطيب صفحة ١٦ عبارته: لم يولد المهدي ولم يوجد لأن ولادته لم تسجل في سجل مواليد العلويين.
ولادة المهدي لم تسجل في سجل مواليد العلويين!! عجيب هذا الكلام من الخطيب، عجباً هل كانت ولادة العلويين تسجل في سجلات خاصة؟! وهل كانت تحفظ عندك وما رأيتها فأنكرتها؟! سلمنا ما رأيت اسم الإمام المهدي في السجلات، هل لا تراه في البينات وفي الآيات وفي الحجج وفي الروايات؟! كيف ينكر مع هذا الوضوح مع هذا الوجود البين الظاهر؟!
إذن المسألة الأولى أو الموضوع الأول للبحث، وهو وجود الإمام المهدي وولادته وبقاؤه من الامور التي لا يشك فيها، لقيام الاستدلال العلمي عليها، فهو روحي فداه موجود إلى ظهوره المسعود.
البحث الثاني: غيبة الإمام والحكمة فيها
لابد في البدء من الإشارة إلى كلمة في معنى الغيبة، حتى ترتفع وتندفع بعض الشبهات، لأن بعض الشبهات تبتني على أساس عدم الالتفات إلى معنى الغيبة.
معنى الغيبة
أوردت _ مثلاً _ في بعض الكتب من المنحرفين رأيت أنه يقول تقريباً بهكذا عبارة: (الشيعة ادعت غيبة المهدي، فما فائدة إمام غير حاضر) هذا إشكاله.
الظاهر أن هذا الكاتب لوكان يراجع اللغة العربية في معنى الغيبة ماكان يشكل هذا الإشكال، لأن معنى الغيبة ليس عدم الحضور، بل باتفاق أهل العربية في الكتب المعتمدة عند القدامى والمتأخرين من أهل اللغة: الغيبة مأخوذة من الغيب بمعنى الخفاء أي عدم الرؤية وليس عدم الحضور، الغيبة مقابل الظهور، ولست مقابل الحضور، غاب يعني لم ير، يعني خفي عن الأعين، يعني لم نره والغائب يعني المخفي عن العيون، ليس الغير حاضر.
هذا المعنى متفق عليه في اللغة العربية في الكتب المعتمدة من أهل اللغة، مثلاً _ من باب المثال _ الموجود إضافة إلى الأحاديث في اللغة في مجمع البحرين(٦٠) قال صاحب المجمع الشيخ الطريحي رحمة الله عليه: قوله تعالى (وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ)(٦١) أي في قعره سمي به لغيبوبته عن أعين الناظرين لا عن شخصهم، وكل شيء غيب عنك فهو غيابة، وما من غائبة أي شديد الخفاء، جميع استعمال كلمات الغيبة في الخفاء في عدم الرؤية.
وكذلك في لسان العرب.(٦٢)
وقريب منه في النهاية الأثيرية(٦٣)، وتاج العروس.(٦٤)
قالوا: الغيب ما غاب عن العيون وإن كان محصلاً في القلوب، لم تره العين وإن كان حاصلاً موجوداً، يقال: سمعت صوتاً من وراء الغيب، أي من موضع لا أراه.
وقد تكرر في الحديث ذكر الغيب والغائب، وهو كلما أو من غاب عن العيون، والغيبة عن العيون تنصيص أهل العربية ليست عدم الحضور حتى يشكل ما فائدة إمام غير حاضر، الغيبة بمعنى عدم الرؤية، لم تره العيون وإن كان حاضراً في المكان، هذا في اللغة، وكذلك في الأحاديث الشريفة.
الأحاديث التي بينت غيبة الإمام المهدي شرحت الغيبة، نصت على معنى الغيبة أنه بمعنى عدم الرؤية، دليل ذلك في التوقيع الشريف إلى علي بن محمد السمري في البحار(٦٥) قال روحي فداه: (فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور _ ولم يقل: فلا حضور _ فلا ظهور إلا بعد إذن الله ألا فمن ادعى المشاهدة _ ليس الحضور، بل جعل الغيبة في مقابل المشاهدة، في مقابل الظهور، لا في مقابل الحضور حتى يقال: إن الغيبة بمعنى غير حاضر.
وكذلك في حديث عبيد بن زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه)(٦٦) عدم الرؤية.
وكذلك حديث العمري: سمعته يقول: (والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(٦٧) المعرفة غير موجودة. إذن هو حاضر لكن ليس من الضروري أن يعرف.
وكذلك حديث الصيرفي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (فما تنكر) كأنه ذاك الوقت معلوم كان بعضهم ينكرون الغيبة (فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقه صاحب هذا الأمر يتردد بينهم ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم ولا يعرفونه)(٦٨)، حاضر ناظر لكن لا يعرفونه.
بل صريح الكلام العلوي الشريف روحي فداه لحذيفة بن اليمان: (حتى إذا غاب المتغيب من ولدي عن عيون الناس... فورب علي إن حجتها عليها قائمة ماشية في طرقها، داخلة في دورها وقصورها، جوّالة في شرق هذه الارض وغربها، تسمع الكلام، وتسلم على الجماعة، ترى ولا ترى إلى الوقت والوعد).(٦٩)
إذن الغيبة على ضوء الروايات الشريفة _ بل تؤيده الكلمات اللغوية _ بمعنى عدم النظر إليه أو عدم معرفته، وليست بمعنى عدم الحضور، فقول: غائب يعني لم ير.
هذا المعنى يفسر أن الإمام المهدي غائب يعني غائب عن العيون غائب عن معرفة الناس الا أنه حاضر بينهم يراهم يعرفهم يسمعهم.
لكن السؤال المطروح في المقام هو أنه لماذا غاب الإمام عليه السلام هذه القرون الطويلة، فالمؤالف والمخالف يسأل والشاب وغير الشاب يسأل: لماذا غاب هذه القرون الطويلة؟ وما هو وجه وسبب الغيبة، أو ما هي حكمة الغيبة هذا السؤال مفروض ومطروح.
فنقول بعون الله تعالى:
غيبة الإمام المهدي أرواحنا فداه لها حِكم خمس، وجميع الحكم الخمس نبينها إن شاء الله، لكن مع هذه المقدمة البسيطة المختصرة:
لا شك ولا ريب أن الله تعالى، وهذا من الأصول المسلمة بين جميع الفرق وجميع المذاهب، بل بين جميع الناس حتى المشركين، لا شك أن الله تعالى الخالق حكيم، له الحكمة في أفعاله لا يفعل عبثاً ولا يصنع شططاً فجميع أفعاله سبحانه وتعالى على شكل الحكمة وموافقة للحكمة، فالله تعالى حكيم وحكمته من الأصول المسلمة بين جميع الناس، ومن المعلوم أن الحكيم لا يفعل في جميع أموره إلا ما هو مطابق للحكمة، وإلا تخالف أفعاله حكمته.
من المسلمات الضرورية أن الحكيم لا يصدر منه إلا الأفعال الحكيمة، إلا الأفعال ذوات المصلحة، ونقصد بها المصلحة العائدة إلى نفس المكلفين، أي التي ينتفع به الناس لا الله تعالى، فإن الله غني عن الناس.
الله الحكيم على الأصل المعتبر المسلم الضروري لا يفعل إلا ما هو بطبق الحكمة، جميع أفعاله في الكون في جميع الموارد في الوجودات والعدميات، جميعها على طبق الحكمة والمصلحة الحقيقية. هذا يدركه العقل، ويحكم به الشرع (وَلَهُ الْمَثَلُ الأَْعْلى فِي السَّماواتِ وَالأَْرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).(٧٠)
هو ينص على نفسه، والعقل يستقل ينظر إلى جميع عوالم الملك والملكوت يراها كلها متناسقة متناسبة مفيدة، كلها على طبق الحكمة فيحكم بأن جميع أفعال الحكيم على طبق الحكمة، إذا توصل إلى أنه حكيم يحكم حكماً مستقلاً بأنه لا يفعل إلا ما هو مستحكم.
إذن الشرع والعقل متوافقان على أن الله تعالى حكيم ولا يضع إلا ما هو حكيم، كأنه تستفاد قاعدة كلية _ أن كل ما صنعه الله وكل فعل قدره الله تعالى هو على وفق المصلحة والحكمة _ هذا شيء لا شك فيه، هذه مقدمة.
يعرف العقل ويعرف الناس أن جميع الأفعال الإلهية أفعال على طبق الحكمة.
مسألة غيبة الإمام المهدي من شؤون خليفة الله، الله في جميع فعاله تكون فعاله على طبق الحكمة، فكيف في نصب خليفته وشؤون خليفته (إِنِّي جاعِلٌ فِي الأَْرْضِ خَلِيفَةً)(٧١) خلفاؤه الأنبياء والأئمة الأطهار وخاتمهم الإمام المهدي عجل الله فرجه.
غيبة الإمام المهدي من شأن خليفة الله، فهل يمكن أن تكون على غير الحكمة؟ بل لابد أن تكون حكيمة، لأن ذلك من الضروريات المحكومة بحكم العدل، أنها لابد أن تكون على فعل الحكمة، على طبق الحكمة لأنه من شأن خليفة الله لا شيء عادي في الوجود.
إذن غيبة الإمام المهدي عليه السلام يتوصل العقل إلى أنها يلزم أن تكون حكيمة وعلى طبق الحكمة، لكن ما هي الحكمة؟ الآن جواب السؤال:
الحكمة في الغيبة:
الحكمة في غيبة الإمام المهدي أرواحنا فداه على ما تستفاد من الأدلة المعتبرة من الروايات حكم خمس، والعقول توافقها وتقبلها، والوجدان يقبلها أيضاً.
الحكمة الأولى: التحذّر
أما الحكمة الأولى، فإن حياة الإمام المهدي عليه السلام مهددة بالقتل كانت ولا زالت مهددة بالقتل، فلابد من التحذر وحفظ نفسه بالغيبة، ولابد أن الإمام المهدي مقابل الأخطار المتوجهة إليه يلزم أن يحفظ نفسه ويتحذر من القتل ومما يصيبه الظالمون من جهة العداء له، وخصوصاً بعد معرفة الظالمين أن الإمام المهدي هو الذي يقيض عروشهم وهو الذي يهدم بنيانهم وهو الذي يزيل ملكهم، فلابد أن يعادوه ويكونوا في صدد معاداته وقتله، فما يلزم مقابل هذا إلا التحذر إلا التحفظ.
من الوجدانيات الملحوظة السابقة تلاحظون بالنسبة إلى فرعون وموسى عليه السلام فرعون بمجرد أن أحس وأخبره الكهنة أن الذي يقيض عرشك موسى، كيف صنع؟ أباد جميع النساء وجميع الأطفال، حتى لا يباد عرشه وحتى لا يولد أحد يبيد عرشه.
تلاحظون أن هذه من الأمور الواضحة فإنه إذا التفت الظالم إلى أن شخصاً يريد أن يزيله حتماً سيقتله.. حتماً سيبيده.
الإمام المهدي جميع الظالمين يعرفون هذا الأمر، وهو أنّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، فقد أخبر به التوراة وأخبر به الإنجيل وأخبر به الزبور وأخبر به رسول الله، ويعرفون أنه صادق وإن جحدوا بها، لكن استيقنتها أنفسهم.
مع معرفة الظالمين بأن الإمام المهدي هو الذي يقيض عروشهم لابد أنهم سيحاولون قتله، فماذا هو الحزم في مقابل هذه المحاولة للقتل إلا التحذر؟ هل يكون غير التحذر في مقابل هذه الإرادة المعارضة الموجبة لقتل الإمام المهدي عليه السلام؟ لابد من التحذر، وهو تحذر في مقابل الخوف القطعي، في مقابل الخطر القطعي.
وهذا التحذر من الأمور التي تكون موافقة للعقل ويحكم بها العقلاء، فلابد لكل شخص يحس بالخطر ويعقل الخطر، لابد أن يتحذر وإلا يقال بأنه سفيه _ والعياذ بالله _ مسألة التحذر في مقابل الخطر أمر عقلي عرفي شرعي يفرضه الشرع في مقابل الخطر القطعي، لذلك الإمام المهدي في مقام التحذر يغيب وتكون غيبته للتحذر.
عبّرت بهذه الحكمة، وأفادت بهذه الحكمة الروايات الشريفة، وإن كانت بعض الروايات عبرت بالخوف لكنّه خوف تحذر وخوف حزم، لا خوف جبن وضعف حاشى الإمام المهدي عن الضعف وعن الجبن، أبداً هو أشجع الناس، فإنّه ممّا ثبت في علم الإمامة أن الإمام عليه السلام يلزم أن يكون أشجع الناس، هذا ثابت على طبق قاعدة الإمامة المستفادة من الأدلة البرهانية، والإمام المهدي بما أنه إمام فهو أشجع الناس، حاشاه عن الخوف الناشئ من الضعف، فإنه ناشئ من الجبن وحاشى ذلك، إضافة إلى ذلك فإن القواعد لا تجوز هذا المعنى، فهو سلالة الشجعان وابن الشجعان وسلالة الطيبين الأبطال، ولا يمكن أن يكون من أنجبته الفحولة والشجعان ضعيفاً، كيف يكون جباناً ابن أمير المؤمنين الشجاع الذي اعترف بشجاعته عدوه وصديقه؟! كيف يكون ابنه جباناً؟!
ابن أبي الحديد في مقدمة شرح نهج البلاغة يبين خصوصيات الأمير روحي فداه، ومن جملة خصوصية شجاعته له كلمة عجيبة يقول فيها: (وأما علي بن أبي طالب فهو الذي ينتهي كل شجاع إليه وينادي كل بطل باسمه وهو الذي ما فرّ قط ولا ارتاع من كتيبة أبداً ولا بارز أحداً إلا قتله، ولا ضرب ضربة تحتاج إلى ثانية، فأنسى من كان قبله ومحى من يأتي بعده، عدوه يشهد بشجاعته وعدم خوفه).(٧٢)
وكذلك ابن دأب له رسالة لطيفة في زمان العباسيين، مع ذلك كان يصرّح ويبين، مواد هذه الرسالة مناقب علي بن أبي طالب، المناقب السبعون التي لم يشترك معه فيها أحد، مخصوصة لأمير المؤمنين عليه السلام يقول: (وفي شجاعته لم يكع _ يعني لم يجبن _ علي عن أحدٍ قط، ولم يضرب أحداً في الطول إلا قدّه ولم يضرب أحداً في العرض إلا قطعه، ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله حمله على فرسٍ فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما لي وللخيل وأنا لا أتبع أحداً ولا أفرّ من أحد).(٧٣)
المهدي ابن هكذا شخصية ابن أمير المؤمنين، هل يمكن أن يخاف؟! ليس خوفه خوف جبن، بل هو خوف تحذر خوف حزم خوف تكليف شرعي عليه من الله تعالى، لذلك في الروايات تبين هذه الحكمة.
من جملة ذلك _ بعنوان التبرك _ روايتان أبينها:
حديث أبان عن الإمام الصادق عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (لابدّ للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال يخاف القتل(٧٤)، من جهة خوف القتل تكون غيبة).
وفي حديث زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام قال الإمام عليه السلام: (للغلام غيبة قبل قيامه، قلت: ولم؟ قال: يخاف على نفسه الذبح).(٧٥)
لذلك تبين الروايات أن غيبة الإمام من جهة خوف الذبح، أي التحذر، خوف الذبح والتحذر من القتل والذبح الذي هو خطر قطعي مقابل الإمام عليه السلام.
الحكمة الأولى هذه، وهذه الحكمة ليست بأمر مستنكر، ليس الخوف والتحذر أمراً مستنكراً، بل هو أمر عقلي وعرفي، بل شرعي، بل فعله الأنبياء قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وفعله الرسول، التحذر بالغيبة من الامور الحكيمة التي صنعتها الأنبياء صنعه موسى حين فرّ من قومه، فرّ منهم خوفاً، لا بتعبيري، بل بتعبير القرآن (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً)(٧٦) تعبير موسى فرار خوف، لكن خوف تحذر.
وكذلك رسول الله روحي فداه فرّ عن قومه، غاب عنهم في الغار، لأي شيء؟ كان خوف جبن؟! أبداً حاشاه عن الجبن، فإنه أشرف البشر وأشجع البشر، خوف تحذر، الاختفاء في الغار، بل غيبته في شعب أبي طالب ثلاث سنوات وبعض الأشهر تلك المدة الطويلة لأجل التحذر.
إذن مسألة التحذر بالغيبة من الأمور الشرعية العقلية الوجدانية، يصنعه العقلاء، بل يفعله الأنبياء، ولا ضير في ذلك أبداً.
وبيّن هذه الحكمة ونصّ عليها الشيخ المفيد شيخ الشيعة أعلى الله مقامه في كتابه رسالة الغيبة، وكذلك الفصول العشرة _ في الفصول ٧٥ وفي رسالة الغيبة القسم الرابع صفحة ١٢ _ بيّن رحمه الله وقال: إن ابن الحسن عليه السلام لو يظهر لسفك القوم دمه ولم تقتض الحكمة التخلية بينه وبينهم فيلزمه أن يغيب.
وبيّن في موضع آخر في رسالة الغيبة: لم يكن أحد من آبائه عليهم السلام كلف القيام بالسيف مع ظهوره(٧٧)، لذلك الإمام مكلف لذلك يلزم أن يغيب للخطر القطعي، إلا أن إمام هذا الزمان هو المشار إليه بسل السيف من أول الدهر ومن تقادم الأيام المذكورة يعرفه جميع الناس والجهاد لأعداء الله عند ظهوره ورفع التقية عن أوليائه وإلزامه لهم بالجهاد وأنه المهدي الذي يظهر الله به الحق ويبيد بسيفه الضلال، فلزمته الغيبة يلزم أن يغيب ووجب فرضها عليه كما فرض على آبائه.
وكذلك الشيخ الطوسي قدس الله روحه في كتاب غيبته صفحة ٦١ قال رحمه الله: إذا خاف الإنسان على نفسه كالمهدي عليه السلام وجبت غيبته ولزم استتاره كما استتر النبي صلى الله عليه وآله تارة في الشعب وأخرى في الغار، ولا وجه لذلك إلا خوفه من الأخطار الواصلة إليه.
إذن فمسألة حفظ النفس بالاستتار من الأمور الشرعية العقلية العرفية الذي يقبله كل عاقل، ومن خالفه يقال: إنه متهور في مقامه سفيه في إقدامه، ما يفعله أحد من العقلاء.
على ذلك مسألة الغيبة الحكمة الأولى فيها التحذر الذي يقتضي ويدعو _ بل يلزم _ غيبة الشخص المتحذر حفظاً على نفسه وإبقاءاً على نفسه، لذلك غاب الإمام المهدي عليه السلام ليظهر في الوقت المناسب، يظهر يداً عليا، يداً تطال، يداً تغلب، يداً تظهر على جميع الأديان في الكرة الأرضية إن شاء الله تعالى.
إذن الحكمة الأولى مستدلة _ ظاهراً _ ليس فيها إشكال من جهة العقل والشرع.
وهنا بعض الأسئلة قد يسألها بعض الشباب وقد يسألها بعض المؤمنين، نجيب عليها قبل أن يسأل عنها، مثلاً:
س١/ أنه هلا يمنع الله تعالى من قتله ويحول بينه وبين أعدائه؟! سلّمنا أن الإمام مهدد بالقتل ويلزم أن يتحذر بالغيبة، لكن لماذا الله لن يدفع عنه ظالميه ولن يدفع عنه القتلة ليحفظه بالرغم من أعدائه؟ لماذا لم يفعل هكذا؟
ج/ إن أمر الله تعالى الإمام المهدي بالاستتار نوع من المنع عن قتله، المنع عن القتل يمكن بصد الظالمين عن القتل ويمكن بتحذر المظلوم، بكلتا الطريقتين يمكن، ومنع الإمام عن الظهور نوع تحذر له ونوع منع عن قتله يحصل به المطلوب.
وتلك الطريقة الأخرى _ مسألة إجبار الظالم أو القاتل على عدم قتله _ خلاف السنة الإلهية وخلاف الاختيار في العوالم الدنيوية، لأنه لا جبر ولا تفويض وإنما أمر بين الأمرين، وهو الاختيار، فكل إنسان مختار في أفعاله.. الظالم مختار في فعله وكذلك المحسن مختار في إحسانه حتى تحصل العقوبة والإثابة، وإلاّ لو كانت الدار دار إجبار وكل من يفعل فعلاً يفعله بالإجبار، فإنّه لا عقوبة ولاثواب ولا جنة ولا نار، وهذا خلاف العقل، الآن من يقتل فإنه مختار في قتله ومن ينفق مختار في إنفاقه يثاب المنفق ويعاقب الشخص القاتل فعلة حكيمة مطابقة للسنة الإلهية، لكن أن يمنع القاتل إجباراً، فهذا خلاف الاختيار والله لايصنع ماهو خلاف الحكمة وخلاف الاختيار، ومنع القاتل عن قتله إجباراً خلاف الاختيار وخلاف السنة الإلهية.
ومن الجانب الآخر منع المظلوم عن الظهور يحصل به الغرض وتحصل به النتيجة، فيا حبذا لو كانت من هذه الطريقة الصحيحة لذلك في هذا العالم المبني على الاختيار.
س٢/ لماذا لم يبق عليه السلام ظاهراً كظهور آبائه الطاهرين مع التقية حفاظاً على نفسه؟
ج/ التقية ممكنة فيما قبله من الآباء الطاهرين، لكن الإمام المهدي روحي فداه منهجه منهج القيام بالسيف لا يمكن فيه التقية، يعرف جميع الأديان منه هذا المنهج، عرف أعداؤه وأولياؤه منه هذا الأمر، لذا لا يمكنه أن يتخذ منهج التقية، فهو معروف بالقيام بالسيف فكيف يتقي.
ثم إنه _ من جهة أخرى _ لو كان يحصل حفظه بالتقية كان معرضاً للخطر القطعي وليس بعد الإمام المهدي إمام آخر يقوم مقامه فلو فرض أنه قتل _ لا سمح الله _ ليس بعده إمام حتى يقوم مقامه، والأئمة قبل الإمام المهدي كان هناك من يقوم مقامهم في الإمامة وتحفظ الأغراض الإلهية والحكمة الربانية، لذلك لا يمكن أن يكون الإمام المهدي عليه السلام ظاهراً مع التقية، بل يلزم أن يكون مخفياً ويلزم أن يكون غائباً، لأن منهجه القيام بالسيف، وهذه لا تلازم التقية أبداً.
س٣/ أنه إذا كان سبب الغيبة لزوم التحذر والخوف، فليكن التحذر والخوف من الأعداء، لم غاب عن الأولياء. أعداؤه يطلبونه فهو يتحذر عنهم ويتقي منهم ويغيب عنهم، لكن لماذا يغيب أيضاً عن أوليائه وعشاقه؟!
ج/ أنه إذا فتح طريق اللقاء مباشرة لجميع الأولياء حتماً ستتضح آثار المهدي روحي فداه، مكانه وموضعه ومزاره والموضع الذي يزار فيه، وهذا خلاف الغرض الإلهي، إذاكانت الغيبة للتحذر فإنّ التحذر يناسبه الاختفاء وليس معلومية الآثار وليس بيان الآثار بظهورها.
جميع أولياء الإمام المهدي أرواحنا فداه لو كان يمكنهم اللقاء بالإمام المهدي لعرفت آثاره ولنقضت الأغراض التي هي من الله تعالى في حفظه بغيبته، أي أن هذا نقض للغرض لا يفعله الحكيم، ولا يمكن أن يصحح.
نعم تشرف بلقائه بعض الأولياء، وهو شيء واقع، وكم تشرفوا بخدمته، وكم تلاقى مع بعض الأولياء القديسين من علمائنا رحمهم الله ممّن يكون قولهم قول موثق، قول صحيح، قول ليس فيه اشتباه أو خطأ، أمثال السيد بحر العلوم أعلى الله مقامه والمقدس الأردبيلي على احتياطه وورعه وصدقه والاخوة الروحانيون يعرفون شدة احتياطه من خلال كتبه، مثل كتاب مجمع الفائدة والبرهان، فيقول في بعض الموارد: (كأنّ المسألة إجماعية) مع أنها قطعية كذلك، وهذا كله من شدة احتياطه وورعه.
تشرف هؤلاء بخدمة الإمام عليه السلام وكذا حصل الشرف لبعض الأولياء، هذا لا ينكر، تشرف بحيث لا يعرف أثره ولا يتوصل الأعداء إلى أثره، هذا ممكن، بل هذا شيء موجود وصرح به علماؤنا.
الشيخ الطوسي أعلى الله مقامه يقول: الذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال أنه لا يعلم كل إنسان إلا حال نفسه(٧٨)، جميع الأولياء ما تشرفوا، لكن بعضهم تشرفوا. يشير إلى أنه لعله هو من المتشرفين بخدمة الإمام المهدي عليه السلام.
إذن مسألة التشرف للأولياء بما أنها تنقض الحكمة وتنافي الغرض لا يمكن التشرف للجميع، نعم يمكن للبعض وقد حصل بحمد الله تعالى.
س٤/ هل هناك غيبتان للإمام المهدي عجل الله فرجه؟ ولماذا صارت الغيبة على نحوين صغرى وكبرى؟
ج/ مسألة الغيبتين وإن أنكرها بعض، أنكرها مع وجودها في كتب العامة والخاصة، ففي بعض كتب المنحرفين ما نصه: (حكاية الغيبتين لم تثبت في التأريخ ولا يوجد عليها دليل!!) عجيب هذا القول، مع أنه في نفس كتب العامة توجد روايات الغيبتين: (لولدي المهدي غيبتان)(٧٩)، (يغيب ولدك غيبتان)(٨٠) موجود في رواياتهم تناقلته العامة والخاصة، كيف يقول: لم يوجد في التأريخ؟
ولادة الإمام المهدي أرواحنا فداه موجودة في كتب الخاصة من غيبة النعماني وغيره، أغلب كتب الغيبات، وقد ذكرت أحاديث الغيبتين في ينابيع المودة، والبرهان في علامات مهدي آخر الزمان في روايات عديدة تلاحظها في منتخب الأثر صفحة ٢٥١ بأسناد متعددة مذكورة في كتب الفريقين، كيف تنكر؟ أليست الروايات بمثابة التاريخ؟! روايات المعصومين ورواياتكم بينتها، كيف تكرونها وتقولون بأنها لم تثبت في التأريخ؟!
الغيبتان ثابتة بلا شك وموجودة في روايات الفريقين، لكن لماذا صارت كبرى وصغرى؟ لكم حق السؤال، ما وجه كون الغيبتين على نحوين صغرى وكبرى؟!
لعل الجواب يكون صحيحاً هكذا: الناس والأصحاب والمؤمنون من زمن أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمن الإمام العسكري كانوا قد تعودوا على التشرف بخدمة أئمتهم ليلاًَ ونهاراً صباحاً ومساءاً، في أي وقت كانوا يرغبون ويريدون أن يسألوا، إذا كانوا يحتاجون يراجعون الإمام، من أمير المؤمنين إلى الإمام الحسن العسكري، فلو كانت تحصل الغيبة فجأة لكان موجباً للاستيحاش، يغيب الإمام المهدي فجأة بعدما كان آباؤه الطاهرون ظاهرين يتشرف جميع الناس بخدمتهم، عدوهم وصديقهم في كل عام، الآن يغيب فجأة سيحدث الاستيحاش، بل كانت توجب تزلزل بعض المؤمنين في إيمانهم، لماذا غاب؟ كيف صار؟ هل مات؟ العياذ بالله، لا سمح الله، كان يوجب الاستيحاش، لذلك كان من الحكمة ومن دواعي العقل والحكمة أن تكون هناك تمهيدات للغيبة، أولاً تحدث الغيبة الصغرى تمهيداً وتوطئة ومقدمة للغيبة الكبرى، ثم يغيب روحي فداه الغيبة التامة الكبرى.
هذا على طبق الحكمة، فإنّ فيه رفع الاستيحاش وحفظ الإيمان والتحفظ على إيمان المؤمنين وعدم تزلزل إيمانهم.
إذن مسألة الغيبتين ثابتة شرعاً، وهي مطابقة للحكمة، لأن الغيبة الصغرى تمهيد ومقدمة وتوطئة للغيبة الكبرى، حتى يتعود الناس تدريجاً، شيئاً فشيئاً على غيبة إمامهم روحي فداه.
ثم إن هناك حكمة أخرى في الغيبة الصغرى، وهي أنّه كان يمكن للمؤمنين أن يتشرفوا بخدمة الإمام عن طريق السفراء، فقد كان يلزم أن تكون هكذا، يلزم أن يحصل زمان يكون للمؤمنين تشرفات بخدمة الأولياء السفراء وتوقيعات وأجوبة المسائل أو رؤية الإمام المهدي والشهادة على رؤيته في هذه المدة من الأزمنة في زمان الغيبة الصغرى، وقد استمرت هذه الحالة ما يقرب من سبعين عاماً.
كان المفروض وكانت الحكمة تدعو إلى أنه لا تكون الغيبة تامة كبرى، بل تكون غيبة صغرى يمكن التشرف ويمكن الاتصال ويتعرف عليه المؤمنون ويشهدون بوجوده ويشهدون بمكاتبته وتوجد خطوطه وتوقيعاته ويراسل من يكون قابلاً لذلك، وكان ذلك مطابقاً للحكمة.
إذن مسألة الغيبتين على طبق المصلحة التامة، بأنه كانت الغيبة الصغرى توطئة للغيبة الكبرى ومقدمة للحفظ وعدم الاستيحاش والتحفظ على النفوس والتحفظ على إيمان المؤمنين في هذه المدة من الزمان.
س٥/ ما فائدة وجود الإمام في زمان الغيبة؟ أو ما فائدة الإمام الغائب؟ كما يتساءل عنه بعض المنحرفين، وهذا سؤال أساسي، وهذا سؤال له محتواه ويلزم بيانه.
ج/ ونستعين بالله، إن الفائدة في الإمام الغائب أرواحنا فداه من جهات عديدة:
أولاً: نفس وجوده الشريف وإن كان غائباً هو مناط الإيمان، هذا أولاً.
ثانياً: وجود الإمام وجود الحجة الإلهية، ولا تخلو الأرض من حجة، يلزم أن تكون الأرض دائماً فيها حجة، من آدم إلى خاتم الأوصياء لا تخلو الأرض من حجة، ولو خلت من الحجة ساعة لما قامت، لماجت كما تموج البحار، لارتفعت الأرض وما بقت أبداً، لساخت بأهلها.
الله تعالى حينما خلق الخلق جعل لهم حجة، جعل في الأرض حجة، والحجة الإلهية هم الأئمة الأطهار بعد رسول الله، فيلزم بقاءهم بوجودهم حتى تكون الحجة الإلهية موجودة في الأرض.
فبقاء الإمام بقاء للحجة الإلهية، كما تشير إليه الأحاديث الشريفة، حديث أمير المؤمنين عليه السلام: اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيناته.(٨١)
حفظ الحجة الإلهية بوجود الإمام وإن كان خافياً، هذه فائدة ثانية.
ثالثاً: وهي مهمّة، أن الإمام عليه السلام مركز للأمور الكونية ومهبط للفيوضات الربانية ومورد لنزول الفيض من السماء إلى الأرض وإلى جميع الموجودات، كما تشهد الآيات القرآنية ويشهد به سورة القدر، دقّقوا في الآية الشريفة، (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) (كل) أداة عموم، والأمر نكرة، وفي العربية تفيد التعميم التام الشامل، جميع الأمور الأرضية والسماوية الوجودية والعدمية، للإنسان وغير الإنسان، جميعها تنزل في ليلة القدر، تنزل الملائكة والروح، ينزل روح القدس، ينزل جبرئيل سيد الملائكة، ينزل بأي كبكبة لماذا؟ تنزل بكل أمر (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) على من تنزل الملائكة بهذه الأمور الكونية؟ فالملائكة تحتاج إلى مهبط وتحتاج إلى شخص، الله تعالى ينزل عليه تقديرات الكون بهذه الكبكبة الملائكية على الأرض تبين جميع الأمور الكونية. فيلزم وجود إمام ويلزم أن يكون هناك إمام بعد رسول الله تنزل عليه التقديرات وتنزل عليه الأمور وتنزل عليه مقدرات الموجودات في الأرض وفي السماء، فمن هو الذي تنزل عليه الملائكة؟
ويمكن توضيح ذلك بأمر عرفي، حينما ترسلون رسالة إلى صاحبكم، يلزم أن يكون هناك مرسل إليه، إمّا صاحب أو صديق ترسل اليه رسالة، فإرسالها بدون هدف غير عقلي.
يلزم أن يكون هناك تنزيل الملائكة على هدف، على مكان، على شخص.
تصريح الاية (تَنَزَّلُ) بالاتفاق في العلوم العربية تذكرت صيغة المضارع تفيد الاستمرار، يعني ليلة القدر ما دامت موجودة تنزل الملائكة، أي يجب أن يكون تنزّل، يعني تتنزل، ولم يقل: نزلت الملائكة ليقال: فعل ماضٍ حدث النزول وتم، وإنما تنزل دائماً باستمرار، في كل ليلة قدر تتنزل الملائكة بجميع الأمور الكونية على الإمام المهدي عليه السلام، فمن يليق بذلك، ومن يكون أهلاً لذلك، ومن هو قريبة النبي روحي فداه.
إذن وجود الإمام المهدي وجود للفيوضات الكونية للتقادير الإلهية، أليست هذه فائدة؟ أليست أعظم فائدة؟!
لذلك مسألة وجود الإمام المهدي أرواحنا فداه _ في الفائدة الثالثة _ هي وجود لمحل التقادير الكونية والفيوضات الربانية، وهذه من أعظم الفوائد.
رابعاً: مسألة الاستفادة من الإمام في مقام الشاهدية، والاستفادة منه في بركات الدعاء. من الأمور التي نذكرها إن شاء الله.
نبين البقية، بقية فوائد الإمام الغائب، والحكم الأربعة البقية من الحكم الخمسة في الغيبة...
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن العسكري المهدي صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً.
اللهم وعجل فرجه الشريف، واجعلنا من أصحابه وأعوانه ومخلصيه وتابعيه والممتثلين لأوامره، وهب لنا رأفته ورحمته ودعائه وخيره وإحسانه، ببركة الصلاة على محمد وآل محمد.
الأسئلة والأجوبة:
س١/ ما هو وجه الغيبة، وما هي الفائدة من إمام غائب؟ فهل له أسوة بأجداده الطاهرين والأنبياء والمرسلين والأئمة سلام الله عليهم؟ فكثيراً ما يشكل على موقفه؟
ج/ أحسنتم وأجدتم، من الأجوبة والحكم _ سنذكر إن شاء الله _ إجراء السنة الإلهية في غيبات الأنبياء والأوصياء، ابتداءً وتأسياً بهم سلام الله عليهم، من ذلك غيبة الإمام العسكري مدّة من الزمان.. تأسياً بالإمام العسكري، بل تأسياً بما قبل الإمام العسكري من الأنبياء من زمن موسى إلى زمن عيسى، سنذكر مدة غيبتهم وزمان غيبتهم وكون غيبتهم لأجل أي حكمة كانت، ثم تأسّي الإمام إجراءً للسنة الإلهية في الغيبات.. أحسنتم هذا وجه من وجوه الحكمة في الغيبة، وهي تأتي إن شاء الله.
س٢/ هل أن للإمام الحجة أولاد؟ وإذا كان له أولاد فلماذا الإمام لا يستفاد منهم ويظهرون؟
ج/ مختصراً أعرض بخدمتكم أن الإمام روحي فداه له أولاد، كما يستفاد من الأدعية الشريفة، إلا أن تفصيل بيان أولاده وأسرته يأتي في الموضوع الرابع من بحثنا إن شاء الله، بحث سفراء الإمام المهدي والتشرف برؤيته عند غيبته والشؤونات المرتبطة به.
س٣/ أسباب إنكار وجود المهدي عجل الله فرجه من قبل المعاندين، هل كانت عقولهم لا تتحمل في زمانهم؟ أم أنكروا معاجز الباري سبحانه وتعالى؟ أم هو عناد مع الشيعة ليبرزوا عداوتهم لو اعترفوا بظهور المهدي؟ هل يزعزع مناصبهم؟
ج/ الظاهر أن هذه الأسئلة في موقعها، ولا بأس باجتماع جميعها، فإن مسألة إنكار الإمام المهدي إنكار للشمس، وإنكار للوجدان وإنكار للبينة الواضحة التي تكون عياناً للجميع، فمع وجوده في كتبهم التي بيناها سابقاً في الصحاح _ صحيح البخاري ومسلم وغيرهم _ مع وجوده في كتبهم ولا نحتمل عدم اطلاعهم عليها لأن كتب الصحاح يلزم أن تكون بين أيديهم مع اطلاعهم عليها، ووجود الكتب بين أيديهم لا يدع مجالاً لأن يحمل على الجهل بذلك، وإذا كانوا مطلعين على الإمام المهدي بالأدلة المقبولة ورفضوها فلابد أن يكون من العناد.
وهو في نفس الوقت إنكار لمعجزة الباري تعالى.
وهو في نفس الوقت عناد مع الشيعة الأبرار.
وجميع هذه الوجوه يمكن أن تجتمع فيمن أنكر، خصوصاً مع مسألة الإمامة والولاية الإلهية التي هي مبينة للجميع، في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام: عرف هذا الأمر حتى سقّاءات المدينة(٨٢)، لا يمكن أن يكون مخفياً على أحد، وحتى النساء السقاءات في المدينة عرفن ولاية أمير المؤمنين والأئمة من بعده إلى المهدي، لا يمكن أن يكون بعد المعرفة إلا الإنكار.
ولعله من جميع الوجوه، والسؤال في محله.. أسأل الله الهداية لجميع من ينكر هذه البينة الواضحة.
س٤/ هل يمكن توضيح الاستدلال على إثبات الحجة عجل الله فرجه بقاعدة الأشرف وإمكان الأشرف؟ ومن جهة أخرى هل أن الحجة عجل الله فرجه هو الواسطة في الفيض الإلهي؟
ج/ بالنسبة إلى سؤالك سيدنا الكريم، مسألة قاعدة الأشرف ومسألة نزول الفيض ووصول الفيض هي مسألة ليلة القدر التي تعرضنا إليها أخيراً، وسنفصلها بشكل أكثر وأوسع إن شاء الله، لابد أن يكون هناك لله تعالى واسطة للفيض في الأرض بواسطته يرزق الورى وتتم المقدرات وتصل إليهم، لأن الله تعالى يفعل أموره عن طريق خلفائه، هذا من المسلّمات.
وكذلك يمكن إثبات الإمام عليه السلام بقاعدة الأشرف، بما أنه تمسكنا بالآيات والروايات المتفق عليها بين الفريقين وكان غرضنا الاستدلال لتقوية إيماننا ولدفع شهبات مخالفينا تمسكنا بدليل يقبله الطرفان.
وإلا مسألة التمسك بقاعدة الأشرف _ كما تفضلتم _ استدلال حسن جيد وتفيدنا في هذا الأمر، وتفيد من يستدل بالأدلة العقلية، بما أنه أشرف الموجودات، لذلك حكمة الإله والخبرويّة الإلهية والبصيرة الإلهية والعلم الإلهي بالعواقب يقتضي أن ينصبه علماً حجة على خلقه، في كل زمان بحسب قاعدة الأشرف، فهي تقتضي النبي الأكرم صلى الله عليه وآله للإمامة والحجية في زمن رسول الله، وبعده أمير المؤمنين، وبعده الأئمة المعصومين، والأشرف في زماننا هو مهدي هذه الأمة.
فقاعدة الأشرفية تقتضي التنصيب الإلهي وتقتضي الخلافة الربانية بالحكم العقلي.
وهذا استدلال حسن لطيف ويفيدنا على الصعيد العقلي، لكن غرضنا من الاستدلال كان ما يقبله الفريقان، لذلك استدللنا به، يضاف إليه الاستدلال العقلي بمسألة قاعدة الأشرف.
س٥/ هو أن ما تفضلتم به أن الذي يدعي المشاهدة فهو كذاب ومفتر، فما المقصود من هذه المشاهدة؟
سيأتي إن شاء الله في المقام الرابع من بحثنا مسألة السفراء الأربعة في الغيبة الصغرى، وأنه تمت السفارة بعلي بن محمد السمري، وظهر على يده الإعجار وخرج له التوقيع من ناحية الإمام الحجة الذي بيّن فيه أنّ من ادعى المشاهدة فكذبوه.
سنبين هناك إذا تفضل الله علينا أنه ما معنى من ادعى المشاهدة فكذبوه، أولاً، ثم هل تتوافق هذه الفقرة مع المشاهدات التي حصلت بالأعيان من العلماء من الطيبين ومن الأخيار التي أحصيت في الكتب المفصلة؟ وكيف تتلائم هذه الفقرة مع تلك التشرفات؟ نبينها بوجوه ثلاثة يقبلها الجميع إن شاء الله تعالى.
س٦/ ما الدليل على بطلان الرأي القائل بأن الإمام المهدي المنتظر عجل الله فرجه هو في دور التدريب والتهيؤ في زمان الغيبة الكبرى؟ وما الذي يوجب رفض فكرة التدرج في الكمال للإمام المنتظر؟
ج/ هذا السؤال يشير إلى وجود فكرة تقول بأن الإمام المهدي عليه السلام استمر بقاءه هذا الزمان الطويل وامتدت غيبته لأجل أن يحصل له التدرّج في الكمال، أي أنه خلال فترة الغيبة الطويلة هذه يتدرج في الكمال ليحصل على المرتبة العليا في الكمال.
هذه الفكرة هل هي صحيحة أم لا؟
الظاهر أن الجواب عن هذه الفكرة هو أن الأئمة عليهم السلام بشكل عام _ كما ثبت في كتاب الإمامة وبيّناه في العقائد _ هم المستجمعون لجميع الجهات الكمالية في مرتبة المخلوقات.
صحيح أن كمال الإمام يكثر بعبادته وثوابه بعبادته، إلا أن كماله ودرجته ورتبته محفوظة، يلزم أن يكون الإمام كاملاً من جميع الجهات حتى ينصب إماماً للناس، ليس فيه نقص، أي ليست فيه نقيصة في مرتبة المخلوقية.
ليست في الإمام مرتبة نقص حتى تحتاج إلى مرتبة الكمال.
بقاؤه روحي فداه على أساس هذه الحكم الخمس التي نبينها، وفي ضمن هذا البقاء طبعاً يعبد الله أكثر ويصبر أكثر ويحصل على ثوابات أكثر إلا أن تحصيل الثوابات الأكثر ليس معناه التدرج في الكمال، إنما هو بلغ الغاية العليا من الكمال، والذي يحصل من بقائه هذه المدة الطويلة تكثير الثواب لا البلوغ إلى الكمال الأعلى أو التدرج في الكمال.
إذن مسألة التدرج في الكمال لا تناسب ما يلزم في باب الإمامة من أكملية الإمام من جميع الجهات وعدم النقص فيه من حيث المخلوقية، فهو دون الخالق _ لا شك في ذلك _ وهو غير الخالق وهو أنزل من الخالق، لكن في مرتبة المخلوقية من جميع الجهات ليس فيه أي نقص حتى يحتاج إلى كمال.
لذا نقول في جواب سؤال الأخ حفظه الله بأن الذي يوجب رفض هذه الفكرة _ أي التدرج في الكمال _ أنها تنال من اعتقادنا في الإمامة وأكملية الإمام وعدم نقصه في جهة من الجهات.
س٧/ يسأل الأخ بأنه يلاحظ بعض المهتمين بعصر الغيبة يتركون كثيراً من المهام والواجبات الشرعية بذريعة أننا في زمن الظهور، بيد أن الشارع لم يرد للأمة الضعف والهوان في زمن الغيبة بل أوجد لها قوانين وتشريعات تكفل لها سبل التقدم والرقي، فما رأي سماحتكم في هذا التقصير الذي يتخذ من توسيع مفهوم الانتظار غطاءً له؟
ج/ الاهتمام بعصر الغيبة لا شك بأنه اهتمام بأمر جيد، فمن يهتم بعصر الغيبة وبالمهام وبالواجبات لا شك أنه اهتمام جيّد، لكن هذا لا يدعو إلى ترك بعض الواجبات أو ترك بعض الشرعيات أو ترك بعض الأحكام مع أنه قد بُصّرت الأحكام _ جميع الأحكام _ الشرعية في الكتب الأم للشيعة الإمامية، أعني الأصول الاربعمائة التي دونت في زمن الصادقين، أي أي انمسمنذ عهد أمير المؤمنين عليه السلام روحي فداه إلى عهد الإمام العسكري عليه السلام، فقد دونت جميع الأحكام في هذه الأصول الاربعمائة وصحّحها المعصومون إلى عهد الإمام العسكري، فإن الإمام كان ينظر الكتب الاربعمائة، أو بعضها فيصحّحها.
فوصلت الأحكام لنا إلى زمان الإمام العسكري عليه السلام بواسطة هذه الكتب، فالأحكام وصلت ببركة أهل البيت إلينا.
ثم التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي عليه السلام _ ٤٢ توقيعاً _ على تفصيلاتها في زمن الغيبة وصلت إلينا.
ثم إنه ببركة ما نشر من قبل الائمة عليهم السلام: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا)(٨٣) من هذه الجهة لم يحدث نقص في التشريعات والأحكام.
صحيح أنه قد أصابنا النقص بعدم لقائنا بالإمام فقلّ فيضنا بعدم تشرفنا، لكن في الأحكام الشرعية الظاهر أنه لم يحدث نقص ببركة نفس الأئمة المعصومين، وببركة ما تداركه المعصومون، حيث كانوا يعلمون بغيبة الإمام المهدي فبينوا جميع الأحكام الشرعية ودونوها وأمروا بتدوينها واهتموا بتدوينها، في حديث أذكر أن الراوي يذكر في زمن الإمام الرضا: حضرت عند الإمام حدثني بحديث فأخذت القلم لأسجل الحديث، فكان الإمام الرضا هو المقدم الدواة إليّ حتى أكتب أخذت الدواة وقبلت يده.(٨٤)
كانوا يأمرون بتدوين الحديث، لذلك ببركة أهل البيت دونت الأحكام الشرعية ووصلت إلينا، واهتم بها علماؤنا الأبرار رحم الله الماضين منهم وحفظ الباقين، لذلك لم يحدث نقص في الأحكام الشرعية حتى يكون المهتم بعصر الغيبة يسأل هذا السؤال.
فالظاهر إنه _ بعون الله _ من جهة التشريعات ليس هناك نقص حتى يورد الإشكال.
س٨/ يتبين من خلال الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وعن الأئمة عليهم السلام أن الله سبحانه وتعالى يريد للإمام المهدي أن يبقى ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وهذا يعني أنه سبحانه وتعالى يحفظه بقدرته وعن طريق الإعجاز، فلماذا هذه الغيبة وهذا الاستتار عن الظالمين؟!
ج/ نقطة لطيفة، والظاهر أن الجواب يكون على هذا الترتيب: أن الإرادة الإلهية بحفظ الإمام المهدي عن طريق الإعجاز أمر ثابت، بل وقع حفظ الإمام المهدي إعجازاً، كما في حديث ينقله كتاب تبصرة الأئمة الميثمي العراقي في أنه رأى الإمام المهدي عند المعتمد العباسي، إلا أنه قبض على يده ولم يتمكن من سل السيف لقتله.(٨٥)
هذا إعجاز، لكن السنة الإلهية لم تستقل على إحداث جميع الأفعال على الإعجاز، وإلا كان المفروض أن النبي يتغلب على المشركين إعجازاً، فلماذا هذه الحروب ولماذا هذه الغزوات ولماذا هذا العناء ولماذا يتحمل من الأذى ما وصفه بقوله: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت).(٨٦)
فلم تكن السنة الإلهية _ يا خانا العزيز _ على شكل الإعجاز، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى يلزم أن يمتحن الناس (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٨٧) والامتحان لابدّ أن يكون _ أخي العزيز _ والافتتان في وقت يكون الناس فيه مخيرون في فعلهم حتى يمتحنون، ثم يعرفون نتيجتهم، إذ كيف يعرفون الامتحان لو التزمنا بالنظرية التي تفضلتم بها؟! مع أنها نظرية مليحة وجيدة ولطيفة إلا أنه يلزم منها عدم التعرض إلى الامتحان وعدم الافتتان، وهذا خلاف ما يحدثنا القرآن وما جرت عليه السنة الإلهية.
لذا الجمع بين كلامكم وكلام المعصومين يكون هكذا: أنه حال الإعجاز دون قتله لإظهار إرادته الغامضة أحياناً وتركه إلى الناس امتحاناً، فتارة يمتحن الناس من جهة اختيارهم، وتارة من جهة الإعجاز أما إنّه دائماً يصد عنه القتل إعجازاً، فإن هذا أمر منافٍ لسنة الامتحان وسنة الافتتان التي هي سنة إلهية، فهو سبحانه وتعالى خلقهم ليمتحنهم وخلقهم ليرحمهم ثم يثيبهم ويمتحنهم.
فالامتحان سنة إلهية، وإلا الله يعرف الضمائر، وهو قادر علىجميع الأمور إلا أن الامتحان بما أنه سنة الهية يلزم أن تتحقق، وفي الامتحان يلزم التخيير، إذ لا يمكن أن يكون هناك إجبار وصد إجباري عن قتل الإمام روحي فداه، فإن هذا معنى الإجبار، والإجبار ليس من فعال الحكمة.
ويكون هذا هو الجواب والجمع بين الأمرين.
س٩/ يسأل الأخ هذا السؤال: أنه هل توافقون على الرأي القائل ببعض مشاكل آخر الزمان، وعدم القدرة على معالجتها؟!
ج/ الظاهر أنه لا بد في غيبة الإمام _ وإن كانت مطابقة للحكمة _ إلا أنه لابدّ من الاعتراف بحصول النقص في زمان الغيبة بعدم التشرف بخدمة الإمام للجميع، إلا أن هذه المشكلة التي تتحدثون عنها غير حاصلة، وحل هذه المشكلة مقدور عليه ما دام يكون في المقام روايات المعصومين المبينة للأحكام، والسادة العلماء المبينون لهذه الأحكام الشريفة.
لذلك المشاكل التي تصفها في سؤالك بحيث توجب العناء، الظاهر أنها لا تحدث من هذه الجهة، والله العالم.
س١٠/ سيدنا بالنسبة إلى مسألة الانتظار ووجوب الانتظار ومعنى الانتظار، هل هناك روايات تستفاد لتفسير هذه الكلمة غير التفاسير التي يقوم بها المجتهدون من غير المعصومين حول هذه المسألة؟
ثم إنه بالنسبة إلى العلامات الحتمية وغير الحتمية ماهو المقصود من كلمة الحتمية، هل أن المراد أنّها من ناحية الصدور حتمية، أو أنها من ناحية ما يقرب من الوقوع حتمية، أو شيء آخر؟
ج/ السؤال الأول أيها السيد الجليل يجاب بأنه مسألة انتظار الفرج يأتي إن شاء الله عند بياننا للتوقيع الشريف للشيخ المفيد غداً بعون الله، فانتظار الفرج يتبين ببيان معنى الفرج وهو كشف الغمة وكشف الهم، والمصداق الأتم للفرج هو ظهور الإمام عليه السلام الذي تنتهي به جميع المشاكل وتقضى به جميع الحاجات وينال به جميع الآمال.
هذا هو الفرج الأكمل الذي يوجب على المنتظر التهيؤ لهذا الأمر، أي التهيؤ لظهور الإمام المهدي عليه السلام فيكون المنتظر عوناً له ويكون ناصراً له ويكون من شيعته، وهذا يلزم ويقتضي أن يكون الشخص المنتظر مهيئاً لنفسه، فإن من ينتظر صديقاً يتهيأ بما يناسب مقام ذلك الصديق، والذي ينتظر الإمام المعصوم حتماً يكون مهيئاً لنفسه ومهيئاً لأخلاقه ومهيئاً لدينه ومهيئاً لروحياته، كي يكون قابلاً لصحبة الإمام المهدي عجل الله فرجه.
فالانتظار معناه انتظار فرج الإمام وكشف الغمة بظهور الإمام عليه السلام، ويكون الانتظار بمعنى الاهتمام، وأن يكون المكلف مهيئاً لنفسه بشكل يكون مستعداً، بحيث لو خرج غداً الإمام المهدي روحي فداه يكون ذا قابلية ليصبح من أنصاره، فهو انتظار بشكل أن يكون منتظراً مع القابلية.
ونبين معنى الانتظار إن شاء الله بمعان ثلاثة في توقيع الإمام للشيخ المفيد إن شاء الله.
وبالنسبة إلى السؤال الثاني، مسألة العلائم الحتمية والغير حتمية، كذلك تأتي إن شاء الله وبعون الله تعالى في الموضوع الخامس: الظهور والقيام المبارك، فإن ظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه له علائم في مراحل ثلاثة: المرحلة الأخيرة العلائم المقارنة للظهور وتحدث في سنة الظهور أو قريب منها، وهذه العلائم تكون بعضها حتمية وهي خمسة، وبعضها غير حتمية وهي سبعة.
ومعنى التحتم ليس من جهة الصدور، بل معنى حتمية أنها تقع جزماً وقطعاً بحيث لا يحصل فيها بداء، أي يكون وقوع هذه العلائم قطعياً، فالتحتم بمعنى القطع وليس فيها بداء ولا تتغير ولا يمكن أن لا تقع، بل هي تقع واقعاً وحتماً، وهي علائم خمس إن شاء الله نذكرها ونذكر الروايات المتواترة في بيانها بعون الله.
نذكرها مفصلاً إن شاء الله في الموضوع الخامس _ ظهور الإمام المهدي والقيام المبارك _ بعون الله تعالى.
س١١/ ماذا تقولون في دعاء الندبة؟ ألا تجدون فيه مخالفة لبعض الثوابت، واعتراضاً على ما قدّر الله تعالى من غيبة الإمام؟!
ج/ دعاء الندبة هو دعاء مأثور وموجود بسند صحيح في كتاب مزار ابن المشهدي المعتبر، وسنذكر بعونه تعالى توثيق سنده.
وهو معين لأوقات محدودة، وهي الأعياد الأربعة، التي هي الفطر والأضحى والغدير والجمعة، فلا يمكن قراءته أصولاً وتعبداً في غير هذه الأيام إلاّ رجاءً للمطوبية، فلا بأس بقراءة هذا الدعاء بنية الورود في هذه الأوقات المحددة، وبنية الرجاء في سائر الأيام، والله العالم.
وسنذكر أن دعاء الندبة الشريف في جميع فقراته مناسب للقرآن الكريم وموافق للأحاديث المتواترة، وكذلك مناسب للفطرة السليمة.
من جملة الأمور الفطرية مسألة إظهار الحب للإمام عليه السلام، فمن المستحبات أن يتحبب الإنسان ويظهر حبه للإمام المهدي عليه السلام.
مما يظهر ويبرز الحب هذه الفقرة الشريفة: (إلى متى أحار فيك يا مولاي) محبوب عزيز، كم شخص عليكم عزيز، كيف تبرزون له الحب؟ بهذه الكلمات. هذه من موارد وفقرات وكلمات إبراز الحب الذي هو تحبيب وابراز مستحب للإمام المهدي عليه السلام.
(إلى متى أحار فيك يا مولاي وإلى متى) يعني أحبك كثيراً، يعني يضيق صدري بفراقك، يعني لا أتحمل فراقك، لا اعتراض عليه، وإلا حاشى لصاحب الدعاء أن يبين الاعتراض، فهو عنده تسليم لأمر الله وتسليم لما أراده الله، ومسألة الإحارة في هذه الفقرة الشريفة هي إبراز للحب، وليس باعتراض أبداً لذا لا يعتريها مشكلة شرعية بأي وجه أبداً.
س١٢/ يسأل الاخ أنه ما هي العلائم الحتمية الغير واقعة؟ يعني التي لم تقع لحد الآن.
ج/ إن العلائم الحتمية _ كما أشرنا ونبين تفصيلاً _ بالنسبة إلى ظهور الإمام المهدي عليه السلام تقع في سنة الظهور أو ما يقاربها.
وأما العلائم قبل الظهور فبعضها علائم مقاربة للظهور وبعضها علائم لزمان الغيبة وليس علائم الظهور، مثلاً (ترى النساء كاسيات عاريات)، هذه ليس من علائم لظهور الإمام عليه السلام بل علائم الغيبة، بلى كسوف الشمس في وقت غير وقته المناسب وخسوف القمر في وقت غير مناسب هذه علائم قريبة إلى الظهور.
بعض العلائم القريبة إلى الظهور لم تحدث، أو بالأحرى لم نعرفها صحيحاً قريبة إلى الظهور.
وأما العلائم، فلو قصد الأخ العزيز علائم زمان الظهور فوقع بعضها، والعلائم الحتمية التي تقصدها _ علائم ظهور الإمام عليه السلام لم تقع منها قط، والعلائم التي تقريباً قريب الظهور لم نعلم بها كذلك.
وأما العلائم التي تكون حتمية وتكون في زمان الغيبة فقد وقع بعضها وبعضها لم يقع لحد الآن، لذا سؤال الأخ ما هي العلائم الحتمية الغير واقعة لحد الآن، يمكن فقط جوابه بالنسبة إلى علامات الغيبة، نشير إليها إن شاء الله في رواية الشيخ المفيد في كتاب الإرشاد، نبينه بعون الله تفصيلاً مع انتظاركم بعون الله تعالى.

والحمد لله رب العالمين

* * *
المحاضرة الثالثة: منافع وجود الإمام عليه السلام وحكمة الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أحبِّ خلقه وسيد بريته سيدنا ومولانا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين الغرِّ الميامين، لا سيما بقية الله في الأرضين الحجة ابن الحسن المهدي أرواحنا فداه.
واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة من الجن والإنس إلى يوم الدين..آمين يا ربَّ العالمين.
انتهى بنا موضوع البحث، الموضوع الثاني في غيبة الإمام المهدي أرواحنا فداه والحكمة فيها، وقدمنا بأن الحكم المستفادة من الأدلة الشريفة والتي يعاضدها العقل هي خمس حكم:
الحكمة الأولى:
الحكمة الأولى لغيبة الإمام أرواحنا فداه هي التحذر على نفسه ودفع خطر القتل بواسطة الغيبة.
والتحذر بالغيبة مستفاد من الروايات الشريفة، بل هو أمر عقلي عرفي كما بيناه مفصلاً، ولكن بعد قبول أن الغيبة كانت لأجل التحذر بالغيبة.
وقلنا بأن هناك تساؤلات في مسألة الغيبة وانتهت الأسئلة إلى السؤال الأخير وهو: ما فائدة الإمام عليه السلام في غيبته إذا كان غائباً؟ وكيف ينتفع به الناس؟
قلنا: إن هناك فوائد جمّة في مسألة الإمام عليه السلام ووجوده وإن كان غائباً، ومن تلك الفوائد التي يساعد عليها الدليل قلنا:
الفائدة الأولى:
إن نفس وجود الإمام روحي فداه موضوع لحصول المعرفة والإيمان، فإن من لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
الفائدة الثانية:
إن وجود الإمام روحي فداه وجود للحجة الإلهية والبينة الربانية، ولولا الحجة لساخت الأرض بأهلها.
الفائدة الثالثة:
التي تعرضنا إليها إشارة إلى أن الإمام عليه السلام مركز الأمور الكونية وواسطة للفيوضات الإلهية والمقدمات الإلهية، واستدللنا بالآية الشريفة في سورة القدر (تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ)(٨٨)، قلنا بأن صيغة التنزل صيغة مضارعة تفيد الاستمرار، أي كلما كانت ليلة القدر نزلت الملائكة وروح القدس، بأي شيء نزلت؟ نزلت بإذن الله من كل أمر من الأمور المقدرة للخلق وللموجودات، من كل أمر _ كل أداة تعميم _ والأمر شيء منكر يفيد العموم، نزلت بكل الأمور، بلّغت جميع الأمور، أخبرت بجميع الأمور.
لمن تخبر؟ الجواب: ألا إنها تخبر الرسول صلى الله عليه وآله في حين وجوده، ولكن بعد شهادة رسول الله من تخبر؟ يلزم أن تخبر الإمام روحي فداه، تخبر وصيه، تخبر الأئمة الذين هم خلفاء الله وخلفاء الرسول، وإلاّ لكان نزول الملائكة بالوحي نزول بالأخبار والمقدرات بدون داعٍ، لغواً وعبثاً، تنزل الملائكة وتخبر، من تخبر؟ هل تخبر الهواء؟ لا يمكن ذلك، إلاّ إذا كان المفروض النزول والصعود، فليحفظ في اللوح المحفوظ.
إذن هي تنزل بالأخبار وبالمقدرات كما كانت تنزل على الرسول صلى الله عليه وآله كذلك تنزل على الإمام، وليس هناك مهبط إلا أئمة أهل البيت أرواحنا فداهم.
إذن وجوده استمرار لنزول المقدرات الكونية، لذلك لو رفعت ليلة القدر لساخت الأرض، أي لارتفعت الأرض ولم تبقَ الدنيا لحظة واحدة، هذه المقدرات لم تُقدر ولم تنزل لولا وجود الإمام أرواحنا فداه، ليكون واسطة لبيان المقدرات ولتقيم المقدرات لهبوط الملائكة بالمقدرات لجميع الموجودات وفي كل أمر.
وهذه أكبر فائدة، وهي فائدة عظمى لا يمكن استبدالها والاستغناء عنها.
ولزيادة هذه الأمور من جهة بعض الروايات الشريفة التي تؤيد هذا المعنى بل تصرّح بهذا المعنى، ولعلّ ممّا يدل على أن جميع المقدرات تنزل على أهل البيت أرواحنا فداهم الزيارة المطلقة الحسينية الأولى، التي هي من أصح الزيارات، يكتفي بها الصدوق في الفقيه(٨٩)، ويذكرها الكليني أعلى مقامه في مقام بيان كيفية زيارة الإمام الحسين(٩٠) عليه السلام ورواتها جميعهم أجلاء والراوي الأخير المباشر عن الإمام جماعة من الفقهاء هم: الحسين بن ثويب بن أبي فاختة والمفضل الجعفي ويونس بن عبد الرحمن يروون كلهم:
وكان المتكلم منا يونس فسأل أبا عبد الله عليه السلام: أريد زيارة الحسين فكيف أزور؟ وكيف أصنع؟ قال عليه السلام: ائت شاطئ الفرات واغتسل والبس أنظف ثيابك ثم امش بطمأنينة ووقار وسبح الله، فإذا وصلت إلى قبر الحسين عليه السلام فكبر ثلاثين مرة ثم قل:
السلام عليك يا حجة الله وابن حجته.. إلى هذه الفقرة التي هي محل الشاهد.. بكم يمحو ما يشاء وبكم يثبت وبكم يفك الذل من رقابنا وبكم يدرك الله ترة كل مؤمن وبكم تنبت الأرض أشجارها وبكم تخرج الأشجار أثمارها وبكم تنزل السماء قطرها وبكم يكشف الله الكرب وبكم ينزل الله الغيث وبكم تسيخ _ يعني تستقر _ الأرض التي تحمل أبدانكم وتستقر جبالها، إرادة الرب..
والمقصود بهذه الكلمة العظيمة (إرادة الرب) إرادة رب العالمين في مقادير أموره، جميع ما يقدر من جميع أمور الله، لا أمر واحد، وإنما بصيغة الجمع.. في جميع أموره تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم لا محيص عن هذا النزول والهبوط، تهبط إليكم وتصدر من بيوتكم.
إذن فمحل الإرادات ومحل التقادير الإلهية هم أهل البيت، والذين الآن خاتمهم الإمام المهدي أرواحنا فداه، لذلك وجوده وجود ضروري أكيد وحتمي لا يمكن أن يستغنى عنه، فكيف يقال ما فائدة إمام غائب؟
الفائدة الرابعة:
أن الإمام عليه السلام حتى إذا كان غائباً له مقام الشاهدية يشهد على الخلق، لأن من عدالة الله سبحانه وتعالى، كما ثبت في باب التوحيد، أنه إنما يجازي مع الشهادة، وإنما يجازي مع الأشهاد الذين يشهدون بذنب شخص فيعاقبه، ويشهدون بحسن أعمال شخص فيثيبه، كل هذا حسب العدالة وبحسب الشهادة وبحسب الإخبار القطعي في الآية الشريفة (وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً)(٩١)، أنتم يا أهل البيت شهداء على الناس والرسول شهيد عليكم.
فلولا الأئمة ولولا وجود الإمام الغائب من يشهد عند الله في المحكمة الإلهية في زمان الإمام الحجة روحي فداه؟ إذن وجوده ضروري لشهادته يوم القيامة بتنصيص الكتاب.
الفائدة الخامسة:
إن وجوده فينا هو طمأنينة للقلوب واستقرار، لأن وجوده كوجود رسول الله روحي فداه، ألا تلاحظون في كتب السير العامة والخاصة ينقل عن الصحابة أنهم كانوا يقولون: (كنا نلتجئ برسول الله إذا اشتد البأس والحرب وهو أقربنا إلى العدو؟).(٩٢)
فالنفس تطمئن ووجود الرسول وجود يغني عن أي شيء وعن أي حاجة ويوجب الاطمئنان للقلب والاستقرار للنفس، وجوده كافي الاستقرار والاطمئنان.
والإمام كالرسول في جميع الخصوصيات إلا مسألة الرسالة، لذلك وجود الإمام بنفسه قوة للقلب فإذا كان إحساسنا بأن الإمام موجود وإن كان غائباً نستقر بأن العذاب مرفوع عنا وأن الرحمة نازلة بنا، ووجوده يكون موجباً إلى الاطمئنان، لذلك جاء في الحديث الرضوي الشريف أن الإمام هو مفزع العباد في الداهية النادّ(٩٣)، أي العظيمة، فوجوده يوجب الاطمئنان وإن كان غائباً.
الفائدة السادسة:
إن الإمام أرواحنا فداه له اللطف ولوجوده اللطف، وجوده لطف وتصرّفه لطف آخر، نفس الوجود لطف من الله تعالى لأنه يمد الخلق ولأنه يعين الخلق والمخلوقات والموجودات، فكم يعين المحتاجين ويعرف الضالين وينجي المؤمنين ألا تلاحظون كم من مريض قد شفي ببركة الحجة روحي فداه؟ وكم من عطشان قد أرواه؟ وكم من مضطر قد نجا في المهلكات؟ وكم من شخص ضالٍّ في الطريق قد هداه؟ وعاجز قد أغناه؟ فوجوده لطف على العباد وإن كان غائباً وغير مرئي.
الفائدة السابعة:
هي الفائدة التي بيّنها الرسول الأعظم والإمام الصادق وكذلك الإمام المهدي في بعض التوقيعات، وهي أن وجوده كالشمس التي غيبتها السحب، (كالشمس إذا جللّتها السحب) وهذا وجود مفيد كوجود الشمس.
وهذا تشبيه لطيف من التشبيهات اللطيفة، بل من ألطف وأحسن أنواع التشبيه، تشبيه بالشمس المجلّلة بالسحاب في رواية الرسول الأعظم وفي حديث الإمام الصادق وفي حديث التوقيع، كلها مذكورة في كمال الدين حيث سئل الرسول صلى الله عليه وآله: كيف ينتفع بالإمام في غيبته؟ فقال: والذي بعثني بالنبوة إنهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها سحاب.(٩٤)
وكذلك في الحديث الصادقي: ينتفعون به كانتفاعهم بالشمس إذا سترها السحاب.(٩٥)
وفي التوقيع الشريف: الانتفاع بي في غيبتي كالانتفاع بالشمس إذا غيبتها عن الأبصار السحاب.(٩٦)
وهو من أجمل أنواع التشبيه، تعرفون أن للشمس الدور القيادي في جميع المنظومة الشمسية وفي جميع الكواكب الكونية، ولولا الشمس ولولا جاذبية الشمس لاختلّت جميع حركاتها، فالشمس كأنها قائد للكواكب له الدور القيادي في تنظيم الكواكب، وكذلك وجود الإمام الحجة له الدور القيادي في جميع الموجودات ولولاه لساخت الأرض بأهلها.
وكذلك من حيث الاستفادة بالضوء كنور الشمس وينتفع به ولو كان خلف السحاب، وجميع الموجودات شجرها وإنسانها ونباتها وأرضها، الجميع يستفيدون بنور الشمس كل بقدر ما يحتاج وإن كان خلف السحاب، إنه ينوّر العالم بوجوده ولولاه لا ظلمّت الدنيا ولولاه لما كانت الدنيا مضيئة ولما كانت مستقرّة ولما سكن إليها أحد، وجوده ينير الدنيا ويضيء القلب روحي فداه.
إضافة إلى أن التعبير بالتجليل (يجلّلها السحاب)، في اللغة العربية: السحاب قسموه إلى أقسام: السحاب الممطر والسحاب المجلل، وعند صاحب مجمع البحرين(٩٧) أعلى الله مقامه يبين ما مضمونه السحاب المجلّل: هو السحاب الذي يجلل الأرض ويعمها بمطره كأنه المطر الذي يعم، ويسمى مجلل السحاب الذي له مطر يعم وإن كان مستوراً وإن كان غير مرئي لانه مستور مع عموم خيره لجميع الموجودات كالمطرالذي يصيب الغث والسمين ويصيب من ينتفع به من جميع الموجودات.
إذن فالانتفاع بالإمام المهدي بتنصيص الرسول والأئمة أرواحنا فداهم كالانتفاع بالشمس، وهل يستغني الناس عن الشمس؟ بالله عليكم ممكن إذا سرمد الليل هل يكون للناس حياة في هذه الدنيا؟! وكذلك يكون الاحتياج إلى الإمام روحي فداه.
الفائدة الثامنة:
وهي الأخيرة، المستفادة أيضاً من الروايات أن وجوده روحي فداه رعاية للشيعة، دعاء للشيعة، بوجوده ينتفعون وبدعائه الذي يستجاب ولا يرد عن ربِّ العالمين، كما بينه هو روحي فداه في رسالتيه إلى الشيخ الأعظم المفيد أعلى الله مقامه.
هناك رسالتان يذكرهما الطبرسي أعلى الله مقامه في الاحتجاج(٩٨) تلقاهما الشيخ الأعظم المفيد من الإمام الحجة من الناحية المقدسة، في الرسالة الأولى هذا بعض النص أبينه لخدمتكم:
(نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فإنا نحيط علماً بأنبائكم _ انباؤكم أمام عيني أراها وأحيط بها علماً _ ولا يعزب عنا شيء من أخباركم.. إلى أن يقول: إنا غير مهملين لمراعاتكم _ بأبي وأمي يراعي جميع شيعته _ إنّا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء _ اللأواء يعني الشدة والضيق _ واصطلمكم الأعداء _ وجوده بهذه المثابة وجود للمراعاة، مراعاة الشيعة ورعاية الشيعة _ ثم يقول عليه السلام: فليعمل كل امرئ منكم بما يقرب من محبتنا ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإن أمرنا بغتة وفجأة حين لا تنفعه توبة).
وبيّن في الرسالة الثانية:
(إننا من وراء حفظهم _ يعني الشيعة _ بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فلتطمئن بذلك من أوليائنا القلوب وليتقوا بالكفاية منه).
يدعو للشيعة، رعاية للشيعة، وجميع الأعمال، وجميع الأفعال تكون بمنظره، في بعض الروايات أنه تعرض عليه الأعمال، إذا كان _ والعياذ بالله _ قد عصى الشيعي يستغفر له، وإن كان قد أحسن يطلب له الجزاء ويطلب له العمل أكثر.(٩٩)
لذلك فوجود الإمام روحي فداه وجود مفيد للشيعة بالمراعاة وبالدعاء، ذلك الدعاء الذي يكون مستجاباً قطعاً عند الله.
هذه فوائد ثمانية تستفاد من الأدلة، ويؤيدها العقل، لأنها من الأدلة القطعية، وعلى ضوء ذلك فوجود الإمام الغائب وإن كان غائباً مازال ينتفع به بهذه الفوائد الجمة فلا ضير في غيبته إذا كانت الغيبة للتحذر ولحفظ النفس بالتحذر، وهذه هي الحكمة الأولى منها.
الحكمة الثانية: تمييز المؤمنين
وأما الحكمة الثانية، فكما كانت الحكمة الاولى من شأن الإمام ومن حيث الإمام ومن جانب الإمام، فالحكمة الثانية من جانب الناس ومن جانب الخلق.
الحكمة الثانية لغيبة الإمام روحي فداه وطول غيبته هي تمييز المؤمنين وخروج ما في الأصلاب، وأنتم تعرفون أن ظهور الإمام روحي فداه يكون ظهوراً على جميع الكرة الأرضية (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(١٠٠) لذلك يكون إصلاحه إصلاحاً كونياً، أي يصلح جميع ما في الكون ومن في الكون، وهناك في الكون كافرون وفي أصلابهم مؤمنون، ومؤمنون وفي أصلابهم كفار، فيلزم التمييز ويلزم أن يكون الكافر مميزاً عن المؤمن خارجاً من صلبه، وكذلك المؤمن خارجاً من صلب الكافر، حتى لا يحترق أحدهما بذنب الآخر، وحتى لا يجزى أحدهما بذنب الآخر، ويلاقي كل واحد منهم جزاء عمله.
بالنسبة إلى الإصلاح المأمول من الإمام المهدي أرواحنا فداه هو نظير الإصلاح الذي كان بالنسبة إلى نوح عليه السلام، فكما أن نوح بعد دعوته ٩٥٠ عاماً وبعد أن رأى أن دعوته لم تؤثر في أكثر من السبعين كان المقرر نزول العذاب الإلهي، إنما نزل العذاب بعد أن تميز وحصل التمييز وحصل التزيّل _ يسمّى بالتزيل يزول المؤمن عن الكافر والكافر عن المؤمن _ حصل التزيل ثم نزل العذاب، لذلك في الآية الشريفة تبين على لسان نوح: (وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَْرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ ولا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً).(١٠١)
 الولادات انتهت والتميز صفا في الأصلاب، إنما كان الكافر بحدّ ذاته وليس في صلبه مؤمن، والمؤمن ليس في صلبه كافر، هنالك حينما تميزوا يلاقي كل واحد جزاء عمله، وهذه سنّة إلهية موافقة للعدالة الإلهية، فإذا كان الكافر في صلبه مؤمن ويقتل على يد الإمام الحجة أو بيد أعوانه هذا خلاف العدالة.
يلزم أن يحصل التميز ويحصل التزيل ويكون الكفار في جهة والمؤمنون في جهة أخرى. ثم إن لم يؤمن الكفار لاقوا جزاءهم، فقد يقتل المؤمن في صلب الكافر وهذا خلاف العدالة ولم يكن من سنة الله في الأنبياء الماضين ولا في الأئمة عليهم السلام.
لذلك مسألة التزيل ومسألة التميز من الأمور التي تدعو إلى غيبة الإمام إلى أن يتزايل المؤمن من الكافر ويخرج المؤمن من صلب الكافر، يخرج الطيب من الخبيث ويخرج الخبيث من الطيب.
وهذه في جميع الأزمان موجودة، أنه هناك أسلاف مؤمنون في أصلابهم كفار، وهناك أسلاف كفار في أصلابهم مؤمنون، ولا يمكن أن يؤخذ أحد بذنب الآخر، لذلك يلزم التزيل، والشاهد على ذلك أدلة كثيرة وشواهد وجدانية وفيرة، ومن باب المثال نمثّل بموردين:
الحجاج الثقفي عليه اللعنة والعذاب ممن تعرفونه جميعاً أنه سفاك قتال لشيعة أمير المؤمنين، يأخذ الشيعة على الظن والتهمة لولائهم لعلي عليه السلام، ولكن جعل الله في صلبه حفيداً من مخلصي أمير المؤمنين ومن مجيدي الشعر في أمير المؤمنين ومن المتفانين في علي بن أبي طالب، على خلاف جده الحجاج، وهو الحسين بن أحمد بن الحجاج، من شعراء الغدير، فإذا كان مثل هكذا شخص في صلب هكذا شخص ويقتل في زمن الإمام أليس هذا جفاء يقيناً؟
الحسين بن أحمد بن الحجاج لاحظوا شخصيته، حيث ينقل المرحوم المحدّث القمي _ أعلى الله مقامه _ أنه حينما توفي كان قد أوصى أولاً ادفنوني عند قبر موسى بن جعفر عند رجليه واكتبوا على القبر (وكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)(١٠٢) وفي أشعاره لأمير المؤمنين أرواحنا فداه شعر عجيبٌ في الولاء، وفائيته المعروفة التي ينقلها صاحب الغدير أعلى الله مقامه، قطعة من الشعر موشحة بالآيات القرآنية، بمعنى أن الآيات ضمن صياغتها الشعرية، ومنها:

يا صاحب القبّة البيضاء في النجف * * * من زار قبرك واستشفى لديك شفي
إني أتيتك يا مولاي من بلدي * * * مستمسكاً من حبال الحق بالطرف
لأنك العروة الوثقى فمن علقت * * * بها يداه فلن يشقى ولن يخف
وإن أسمائك الحسنى إذا تليت * * * على مريضٍ شفي من سقمه الدنف(١٠٣)

إلى بقية الأشعار وفيها معاني الآيات القرآنية والروايات النبوية الشريفة.
فهكذا شخصية أليس لو ذهب جفاءً من ضمن الحجاج كان ذلك من الظلم على هذا الشخص؟
وفي ذهني ما ينقله العلامة الأميني أعلى الله مقامه في هذا الشخص، ينقل أنه بلغ من المفاخر والمآثر، وأنه كانت له المكارم في ولاية أهل البيت، وينقل الشيخ الأميني أعلى الله مقامه في كتاب: الدر النضيد في مراثي الإمام الشهيد، أو في تعازي الإمام الشهيد، يقول: إنه كان هناك شخصان صالحان في زمن ابن الحجاج أحدهما محمد السبيتي، والآخر علي السرائي، كان هذان الشخصان الصالحان على صلاحهما يزدريان بابن الحجاج ويعيبان عليه وإن كان شعره من الشعر الراقي، ولكن لعل ذلك من جهة جده الحجاج، رأى أحدهما في المنام أنه تشرف بخدمة الإمام الحسين عليه السلام رأى نفسه في عالم المنام في حرم الحسين عليه السلام هو وصديقه والصديقة الزهراء عليها السلام في الحرم الشريف وأمامها أولادها الكرام أرواحنا فداهم، وبينما هو في هذه الحالة دخل ابن الحجاج يقول هذا الصالح: قلت لأخي الصالح الآخر: أنا لا أحب ابن الحجاج وأخذت أريد أن أزدريه كما كنت أزدريه في عالم اليقظة _ أنا لا أحب ابن الحجاج _ مجرد أن تكلمت بهذه الكلمة سمعت الزهراء عليها السلام قالت: إن من لا يحب ابن الحجاج فليس من شيعتنا، ثم قال الأئمة بعد قول أمهم الزهراء روحي فداها: من لا يحب ابن الحجاج فليس بمؤمن، يقول هذا الصالح: ففزعت من نومي مرعوباً كيف هذه الرؤيا وأنا أكون من القادحين في هذا الشخص؟ فصممت أن أزور الحسين روحي فداه للاعتذار وقلت: أنا أذهب إلى الحرم في ذلك الموضع الذي سمعت الزهراء وأعتذر منهم، خرجت من البيت وأسرعت في المسير إلى كربلاء ثم إنه في الطريق لاقيت هناك جماعة في قافلة وأحدهم ينشدهم شعر ابن الحجاج، فأسرعت إلى القافلة ورأيت أن ذلك الصديق ينشدهم شعر ابن الحجاج، فقلت له: ما حدا مما بدا؟، كنا نقدح أنا وأنت ابن الحجاج والآن تقرأ أشعاره؟ قال: لا تلمني يا أخ رأيت البارحة في المنام الزهراء فقص لي عينَ الرؤيا التي رأيتها أنا في المنام، فعلمت أنها رؤيا صادقة.
يقول الشيخ الأميني أعلى الله مقامه: تبين أنه ممن نال في الولاية أعلى المراتب والدرجات بحيث كانت له هذه المكرمات.
فمثل هكذا شخص يكون في صلب الحجاج، وإذا كان من هذا القبيل وهذا النمط في زمن الإمام الحجة، أليس من الأصلح ومن الموافق للعدالة الإلهية أن يخرج من الصلب؟
التزيل والتميز في الأصلاب لازم ومطابق للعدالة الإلهية، لذلك تطول الغيبة، فيغيب لأجل التزيل وتطول الغيبة إلى أن يحصل التزيل الكامل.
وكذلك النموذج الآخر، وهو محمود بن الحسين بن السندي بن شاهك عليه اللعنة، والسندي يهودي حقود عدو لدود للأئمة تعرفونه جيداً، لكن له حفيد يقول عنه ابن شهر آشوب في معالم العلماء أنه كان من مجاهري الشعراء لأمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام(١٠٤)، فالأب يقتل موسى بن جعفر والابن يرثي موسى بن جعفر.
إذا كانت هذه المثابة وهذه الكيفية بالنسبة إلى الأصلاب لذلك يلزم أن يخرج ما في صلب الكافر من المؤمنين ويمتحن ما في صلب المؤمن من الكافرين ثم يظهر الإمام، حتى يلاقي كل شخص جزاءه على هذا التميز، إذا خلت أصلاب الكفار من الذرية المؤمنة فلابد من خروج الصالح، وعند ذلك يظهر الإمام الحجة روحي فداه.
وهذا المعنى يستفاد من الأحاديث الشريفة، ومن جملتها:
حديث منصور بن حازم عن الإمام الصادق عليه السلام قال روحي فداه: إن هذا الأمر لا يأتيكم إلا بعد أياس، لا والله حتى تميزوا.(١٠٥)
التميز لازم، لا يأتي إلا بعد التميز.
وكذلك في الحديث الآخر عن محمد بن منصور عن أبيه قال: هيهات هيهات، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا.(١٠٦)
فالتميز لازم.
وكذلك في كلام أمير المؤمنين أرواحنا فداه قال: وكذلك المهدي منا أهل البيت لا يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله، فإذا ظهرت ظهر على من ظهر.(١٠٧)
لا يظهر حتى تظهر الودائع.
إذن فالتميز من الأمور اللازمة والموافقة للعدالة الإلهية.
فالوجه الثاني أوالحكمة الثانية لغيبة الإمام الحجة أرواحنا فداه مسألة التميز وخروج ما في الأصلاب حتى يلاقي كل واحد ما يكون جزاؤه بحسب عمله وبحسب عقيدته وبحسب ما يختاره من الإيمان أو الكفر.
الحكمة الثالثة: استقلاله عن البيعة للظالمين
الله الله.. نعرف من مراجعة التأريخ والروايات، أن الأئمة عليهم السلام كانوا يجبرون وبالقهر والغلبة على أن يبايعوا _ ظاهرياً _ سلطان زمانهم، وتؤخذ منهم البيعة قهراً، أخذت البيعة من بعض الأئمة قهراً وإن كانت البيعة للامام على الناس، لكن بيعة قهرية تؤخذ من الإمام لبعض الظالمين.
فلأجل أن لا يكون مأخوذاً بالبيعة، وإن كانت ظاهرية، وإن كانت جبرية وإجبارية للظالمين فينقض هذه البيعة، وإن كانت بيعة ظالمة وإجبارية، إلا أنه يعاب عليه نقضها، (والإيمان قيد الفتك).(١٠٨)
فإذا بايع الإمام لا ينقض وإن كان الطرف المقابل كافراً وظالماً، هذه سجية الإيمان وهذه من أمور الإيمان ومن حقائق الإيمان.
فلأجل أن لا يجبر على البيعة غاب، وقد كانت هذه البيعة بالنسبة لبعض الأئمة عليهم السلام كما تعلمون.
و يستفاد هذا الوجه وهذه الحكمة من كثير من الأحاديث الشريفة، نختار منها ثلاثة:
حديث أبي سعيد عن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام جاء فيه: أما علمتم أنه ما منّا أحد إلا ويقع في عنقه البيعة لطاغية زمانه، إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإنّ الله عزوجل يخفي ولادته ويغيّب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج.(١٠٩)
وكذلك حديث أبي بصير عن الإمام الصادق عليه السلام قال: صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج.(١١٠)
وحديث جميل بن صالح عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يبعث المهدي وليس في عنقه لأحد بيعة.(١١١) إلى آخر الأحاديث التي منها هذه الثلاثة.
لذلك فمسألة البيعة الإجبارية وأخذ البيعة إجباراً تدعو إلى أن يغيب الإمام حتى لاتؤخذ منه البيعة التي أخذت من آبائه الكرام عليهم السلام.
وبعض الأعاظم الذين يُعتنى بقولهم _ وإن كان ليس لهذا الوجه دليلاً روائياً لأنه دليل ذوقي أو دليل من بعض ما يستفاد من الآيات الشريفة _ أفاد بعض الأعاظم بأنه لا لأجل أن لا تكون عليه بيعة فحسب بل لا يكون لأحد من الظالمين حق عليه.
فإذا كان هناك ظالم والإمام ظاهر ولذلك الظالم حق على الإمام فهو أخلاقياً يكون مجبراً على رعاية الحق، وأخلاقياً يكون مجبراً على أدائه بالجميل، وهذا المن موجود في الطبيعة البشرية، بل موجود في الظالمين.
لذلك تحذراً عن هذا الحق ومراعاة لهكذا جميل غاب لئلا يكون لأحد من الظالمين حق عليه فيمنّ على الإمام روحي فداه كما منّ فرعون، وتلاحظون في قضية فرعون بالنسبة إلى موسى _ على نبينا وآله وعليه السلام _ (قالَ أَ لَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً ولَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)(١١٢) منَّ على موسى وهذا المنّ لا يليق بالامام روحي فداه لذلك بما انه لاتكون للامام بيعة ولامنّ من الظالمين كان من الحسن ومن الحكمة أن يغيب حتى يكون خالياً من هذا المنّ أو من البيعة أو الاشياء التي لا تناسب مقامه عليه السلام.
الحكمة الرابعة: الامتحان
سنة الله تعالى في امتحان خلقه بالغيبة (أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(١١٣) الامتحان _ اعزائي _ من الأمور التي تكون لجميع الموجودات، لجميع الموجودات البشرية، الامتحان شيء مفروض، الافتتان شيء مفروض وسنة إلهية ومما يفتتن ويمتحن به الانسان: غيبة إمامه غيبة نبيه يلاحظ أنه إذا كان نبيه غائباً، هل يكون باقياً على إيمانه؟ هل يطيعه؟ هل لا يكون مجتنباً عن معصيته؟ هل يبقى على الايمان به؟ من الامور التي يمتحن بها الخلق غيبة نبيهم وإمامهم وهذه سنة جارية في الانبياء وجرت في النبي الاعظم وتجري في الائمة للامتحان، امتحان الخلق بهذه الغيبة.
ويجمع هذه السنن المرحوم الصدوق أعلى الله مقامه في كمال الدين صفحة ٢٢٧ فما بعد، في أحاديث كثيرة وكذلك الشيخ المفيد أعلى الله مقامه في الفصول العشرة صفحة ٨٢ وشيخ الطائفة الطوسي في الغيبة صفحة ٧٧، وروايات امتحان الخلق بغيبة وليهم أو نبيهم أو النبي الاكرم روحي فداه جمعت في هذه الكتب الشريفة وأشير اليها أولاً: غيبة النبي إدريس: غاب عن شيعته حتى تعذر عليهم قوتهم وقتل من قتل من شيعته إلى أن رجع لهم النبي وكانت غيبة امتحان الخلق، وغاب النبي صالح عن قومه ثمود التي كانت مساكنهم بين الحجاز والشام زماناً طويلاً حتى رجع اليهم وهو كهل بعد أن كان في سنّ الشباب، وغاب سيدنا النبي ابراهيم أرواحنا فداه وكانت غيبته إثر حمل أمه حين حوله الله من بطنها إلى ظهرها فلما حملت أم إبراهيم به بعث نمرود القوابل حتى يعرفن الحمل فلما ولد ابراهيم ذهبت به أمّه إلى الغار ووضعته في الغار وجعلت على باب الغار صخرةً بقي ابراهيم وحده من ابتداء ولادته فجعل الله رزق ابراهيم في ابهامه يمصها ويشرب اللبن منها إلى أن شب ثم جاءت أمه وأخذته، غيبة طويلة وبعد هذه الغيبة وبعد ان نجاه الله تعالى من النار غاب غيبة أخرى إذ قال الله تعالى (وَأَعْتَزِلُكُمْ وما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه)(١١٤) غيبتان كانتا لإبراهيم.
وكذلك النبي يوسف غاب عشرين سنة عن خاصّته وعامته والنبي موسى غاب عن وطنه مصر خمسين سنة، وأوصياؤه مثل يوشع غاب عن قومه حتى رجع اليهم بعد مسير كثير وبعد مدة كثيرة، وكذلك نبي الله الرسول الأعظم أرواحنا فداه غاب عن قومه، غاب عن المشركين ثلاث سنين في شعب أبي طالب إلى أن تصل الغيبة إلى الإمام الحجة أرواحنا فداه، فالغيبة تكون لهكذا إمتحان الذي هو من شأن الله تعالى في خلقه ويشهد على ذلك أحاديث كثيرة منها حديث سدير في كمال الدين صفحة ٦٤٤ حديث سدير عن أبي عبد الله عليه السلام: إنّ للمهدي منا غيبة يطول أمدها، قلت: لم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: ان الله عزوجل أبى إلا أن يجري سنن الانبياء في غيباتهم(١١٥)، سنة إمتحانية جارية تجري في الإمام المهدي.
وكذلك حديث زرارة عن الإمام الصادق عليه السلام: إن المهدي منّا، له غيبة قبل أن يقوم(١١٦) لأن الله عزوجل يحب أن يمتحن خلقه فعند ذلك يرتاب المبطلون، إذن مسألة السنة الالهية في الامتحان بالغيبة من الحكم التي تدعو إلى غيبته حتى يمتحن خلقه.
الحكمة الخامسة: عدم مجاورة الظالمين
الحكمة الأخيرة، وهي كراهة مجاورة الظالمين، وهو أمر مستحسن عقلاً بل مدلولٌ عليه شرعاً، فإن الاعتزال بالنسبة إلى الأنبياء وبالنسبة إلى الصالحين إذا لم تؤثر كلمتهم الحسنى في الظالمين يعتزلون عنهم، هذا ممّا يؤيده العقل، تأنيباً للظالم يُعتزل عنه.
وبعد هذا التأنيب للظالم، إضافة إلى هذه الأمور التي كانت من الحكم، يدعو إلى أنه يغيب الإمام روحي فداه ليأنب الظالم ويوجب اشتياق المظلوم.
يوجب اشتياق المظلوم إليه مع أن الظالم يكون مرتدعاً بهذه الغيبة وبهذا الامتياز عنه، كما بالنسبة للأنبياء الكرام:
النبي نوح طلب من الله (فَافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ فَتْحاً ونَجِّنِي ومَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).(١١٧)
وكذلك النبي إبراهيم (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ).(١١٨)
وكذلك النبي موسى (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).(١١٩)
إذن الاعتزال من السنن ومن الأمور المستحسنة تأنيباً للظالم وزيادة لاشتياق المظلوم.
والإمام المهدي أرواحنا فداه صرحت الروايات أنه من جهة تأنيب الظالم ومن جهة تأديب الظالم يغيب حتى يكون مؤنباً في هذه الغيبة، ومن جملة الروايات الشريفة التي تبين هذا الأمر، والروايات كثيرة نختار منها بعض الروايات:
جاء في حديث مروان الأنباري قال: عن أبي جعفر عليه السلام (إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم).(١٢٠)
وحديث محمد بن النعمان عن الإمام الصادق عليه السلام جاء فيه: (إن أشد ما يكون (الله تعالى) غضباً على أعدائه إذا أفقدهم حجته فلم يظهر لهم)(١٢١) لم يظهر، موجود ولكن غائب.
إذن مسألة الاعتزال ومسألة كراهة الظالمين والابتعاد عنهم من الأمور المستحسنة تأديباً وتأنيباً لذلك، وإن كان التأديب للظالم يرافقه حرمان المظلوم إلا أنه يزداد شوقه، بل بالنسبة إلى المظلوم يزداد ثواباً.
ففي بعض الأحاديث: من انتظرنا وصبر في غيبتنا كان له أجر مئة شهيد من شهداء بدر...
وفي بعض الأحاديث: ألف شهيد من شهداء بدر.(١٢٢)
فإن الإمام عليه السلام يغيب وتطول غيبته وتكون موافقة للمصلحة الموجودة العقلية، بل الشرعية، بل العرفية التي يعرف بها كل ذي وجدان.
فالسؤال الأخير أنه لم غاب الإمام وما حكمة غيبته.
يُجاب عن ذلك السؤال بأن هذه الحكم الخمس المروية تكفي في أن يكون الإمام روحي فداه غائباً وأن تكون هذه الغيبة موافقة لهذه الحكم.
وهذا تمام الكلام في الموضوع الثاني _ غيبة الإمام _ روحي فداه والحكمة فيها.
وأما الموضوع الثالث: عمر الإمام روحي فداه وطول عمره وتحليل طول العمر على ضوء القرآن الكريم والأحاديث المتواترة، بل على صعيد الأصول العلمية والطبيعة البشرية، نبحثها إن شاء الله يوم غد بتوفيق الله وعون الله.
اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً، ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً. برحمتك يا أرحم الراحمين.
الأسئلة والأجوبة:
س١/ هل أن الإمام صاحب الزمان عجل الله فرجه مستقر في الجزيرة الخضراء؟
ج/ هو سائر جوّال في جميع العالم، مشرف على جميع الأنحاء، لذلك استقراره في الجزيرة الخضراء وإن كان مورداً للتشرفات وهو صحيح إن شاء الله إلا أنه لا يمكن أن نحمل الروايات جزماً على تلك الجزيرة بنحو أن مسكنه الدائمي هناك، هذا _ الظاهر _ لا يمكن الجزم به وإن كان احتماله من جهة ما ينقله المحدّث النوري احتمال لابأس به.
قال تعالى: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا...).(١٢٣)
س٢/ أحد الأخوة يسأل: هل حكم الإمام المهدي عليه السلام في المسائل القضائية يكون كما عليه المشهور من دون الاستناد إلى الشهود، أي حسب علمه بالغيب؟ أم أن هذا المطلب غير ثابت بنحو قطعي؟
ج/ نبين إن شاء الله وبعون الله تعالى فيما يخص ظهور الإمام المهدي وقيامه، ونتعرض لو ساعدنا التوفيق إلى ما يكون في دولته الحقة إلى مسألة قضاء المهدي عليه السلام.
قضاء الإمام المهدي يكون على سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله، لا فرق فيها إلاّ أن في السيرة النبوية الشريفة أن القاضي يحق له أن يقضي بعلمه، وإذا قضى الإمام المهدي بعلمه فقد قضى على طبق سيرة الرسول صلى الله عليه وآله.
البعض يعترضون بأن سيرة المهدي تخالف سيرة الرسول، فكيف نعترف به؟!! نقول: لا يا عزيزي فإن سيرة المهدي على سيرة الرسول إلا أن من سيرة الرسول القضاء بالعلم، والإمام المهدي يقضي بعلمه، لأن القضاء من سيرة الرسول.
فالمسألة القضائية للإمام المهدي أرواحنا فداه على نفس الموازين القضائية، إلا أنه يمتاز بأنه يُعلّمه الله بعصمته وبإمامته وبنورانيته، يعلم ما في الحياة ويعلم ما في الضمائر ويعلم ما في الأنفس، وبعد علمه هذا يقضي كقضاء داوود، وقضاء داود قضاء شرعي بالعلم، وكذلك قضاء المعصومين إذا كانوا يعلمون، فإذا كان القاضي يعلم قضاءَه بالعلم فهذا أمر شرعي على سنة الرسول الأكرم ولا إشكال من هذه الجهة.
فالجواب القطعي عن هذا السؤال أن القضاء على نفس سنة الرسول، إلا أن من السنة قضاء القاضي بعلمه، ويقضي الإمام بعلمه كقضاء داوود.
بل لعله يقال ويحسن أن يقال: إنه ينبغي أن يقضي الإمام المهدي بعلمه، لأن دولته الحقة إذا كانت أوتكون ظاهرة على جميع العالم وفيها إصلاح عالمي لجميع العالم، فهذا لا يلائم انتظار الشهود.
أخي العزيز إذا انتظر الشهود مع هذه الإصلاحات الجمعية العالمية لا يمكن أن ينتظر حتى يأتي الشهود، وذلك يخالف الإصلاح العالمي، لذلك يناسبه القضاء بالعلم، القضاء بالعلم على طبق سنة الرسول، وهذا هو الموافق للعقول، والله العالم.
س٣/ أخ عزيز يسأل: هل هناك محذور من الاعتقاد بزواج المهدي وأن لديه ذرية؟
ج/ عزيزي السائل، الظاهر أن الأدعية الشريفة، بل بعض الأدلة الروائية يستفاد منها أن الإمام المهدي قد تزوج وأنه أنجب، لذلك فالاعتقاد بزواجه اعتقاد بجريانه على سنة رسول الله جدّه الأكرم، وهو اعتقاد لابأس به ولا محذور فيه، والله العالم.
س٤/ أخ عزيز يسأل ما خلاصته: أن موضوع الارتياب هل تكون له أسباب؟ وهل هذه بتقديركم طلائع الفتن؟
ج/ لا شك أن الإيمان بالغيب والإيمان بما جاء به الرسول الأكرم يحتاج إلى توفيق، قد يوفق الشخص فلا يرتاب وقد لا يوفق بواسطة اختيار نفسه وابتعاد نفسه عما يوجب التوفيق فيكون له ريب.
لذلك مسألة الارتياب أنه تكون من طلائع الفتن، قد يكون من شؤون الناس، هل تكون هذه طليعة للفتنة؟ لم أر هذا المعنى في الروايات الشريفة، أنه مّما يكون من طلائع الفتن أو ما يكون في عهد الغيبة، أنه تكون هناك فتن.
نعم مسألة المخالفات التي هي علائم أولى لغيبة الإمام يذكرها الشيخ المفيد أعلى الله مقامه(١٢٤)، تلك العلائم الصحيحة مروية عن روايات الفريقين، فمسألة الارتياب التي تفضل بها الأخ لن نرى لها دليلاً تكون بموجبه من طلائع الفتنة، والله العالم.
س٥/ يسأل الأخ العزيز: هل يمكن أن يكون الإمام عجل الله تعالى فرجه حاضراً في أكثر من مكان في آن واحد؟ وأقصد الحضور وليس العلم، أي حاضراً شخصياً؟
ج/ الأئمة عليهم السلام كما ثبت في باب الإمامة هم من جنس نوراني مأخوذ من تحت عرش رب العالمين، روحهم وبدنهم ألطف من روحنا وبدننا، لذلك تكون حركتهم وتجول نظرهم وبدنهم من هذه الجهة أشرف من أبداننا ولايمكن أن يقاس بدنه ببدننا، صحيح (إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ)(١٢٥) هذا الوحي مائز بين بشر نبي وبشر إمام هذا يفرق عن بقية البشر.
لذلك لا ضير في أن يكون الإمام عليه السلام شاهداً وحاضراً وناظراً بواسطة روحه الشفافة وبدنه اللطيف في أكثر من مكان ومتجول إليه من باب طي الأرض أو بعلم الإمامة أو بالقدرة الربانية التي تفضل بها عليه في آن واحد.
يتمكن الإمام عليه السلام أن يتجول في نقطتين أو بقعتين يحيط بها علماً ويصلها قدماً، الظاهر لا إشكال في هذا الأمر، والله العالم.
لعله يؤيده حضور الأمير عليه السلام:

يا حار همدان من يمت يرني * * * من مؤمن أو منافق قبلاً

مقابلاً له، فالإمام يحضر والنبي يحضر والزهراء تحضر، لابأس بالحضور في أماكن لشفافية روحهم ولنورانية أبدانهم الشريفة.
س٦/ أخ عزيز يسأل: هل سماحتكم ترون بأن العلامات الصغرى والكبرى قد حدث منها شيء حتى الآن؟
ج/ كررنا ليلة أمس أن العلامات المذكورة يلزم أن تقسم إلى أقسام ثلاثة: بعضها علامات غيبة الإمام، وبعضها علامات مقاربة لظهور الإمام، وبعضها علامات لسنة الظهور وما يقارب ذلك، وتلك العلائم تكون حتمية وغير حتمية.
بالنسبة إلى العلامات الكبرى والصغرى التى تكون في زمن الغيبة، نعم حدث منها شيء ولم تحدث منها أشياء أخرى. هناك ما يقرب من ثلاثين علامة في رواية الشيخ المفيد، بل ما يقارب من مائة علامة في حديث الشيخ أعلى الله مقامه، بمراجعة تلك الروايات يستفاد أنه بعض العلائم علائم الغيبة، بعضها حدثت وبعضها لم تحدث، والله العالم.
س٧/ يسأل الأخ العزيز: هل رؤية الإمام عجل الله فرجه في المنام إذا كان يبين بعض ما يجري من أحداث، هل هذه الرؤية هي الحجة على أن الحدث من العلامات؟
ج/ المعروف _ والله العالم _ أن المنام ليس بحجة وإن كانت به عبرة، وهي من بعض شؤون الوحي، ولها عبرة إلاّ أنها لا تكون حجة قطعية بحيث أنها تكون مثل الروايات المبينة عن المعصومين.
وبالنسبة إلى المنام قد يكون مناماً صادقاً، لكن بحيث أنه يكون حجة كالأحاديث الشريفة، يشكل الالتزام بهذا الأمر والله العالم.
س٨/ ما رأيكم سيدنا فيمن يدعي رؤية الإمام في المنام أو اليقظة والحديث الشريف يقول: (ألا من ادعى الرؤية فهو كذاب، ألا ومن ادعى المشاهدة فهو كذاب مفترٍ؟).(١٢٦)
ج/ الظاهر أن الأخ العزيز يسأل: هل رؤية الإمام غير ممتنعة؟
سنذكر إن شاء الله _ لو ساعدنا التوفيق _ بأن قضية التشرف بخدمة الإمام عليه السلام ليست بممتنعة، وحديث السمري، أي التوقيع الذي يذكر (ألا فمن ادعى المشاهدة...الخ) نبين إن شاء الله له معان ثلاثة، ليست هذه المشاهدة التي حدثت وكانت بالنسبة لمقدسينا وعلمائنا الأبرار كالسيد ابن طاووس أو العلامة الحلي أو السيد بحر العلوم أو المقدس الأردبيلي.
المشاهدة في اليقظة أو المنام غير ممتنعة، وقد تكون، وسنذكر بعون الله تعالى في مسألة التشرف التوقيع الثاني من الشيخ المفيد رحمه الله للفوز بمشاهدة الإمام المهدي، وهناك جملة إن شاء الله سنذكرها في محلها.
إذن جواب السيد الأخ هو أن مسألة رؤية الإمام لا مانع منها في المنام أو اليقظة لمن وفقه الله، ونسأل الله التوفيق لهذه الرؤية.
س٩/ أخ عزيز يسأل عن فترة الغيبة مع طول مدته وانقطاع الإمام المهدي عليه السلام عن الناس، هل ترك الناس سدى وبلا راعٍ وبلا هدف؟
ج/ أخانا العزيز: الظاهر في نفس التوقيع الذي قرأناه هذه الليلة (إنا غير ناسين لمراعاتكم) تصريح من الإمام المهدي عليه السلام أنه لم يتركنا سدى ولم يتركنا بلا راعٍ ولم يخلينا بلا هدف، وإنما نظره الكريم علينا نظر لطف ورعاية ودعاء وحفظ، لا حرمنا الله من هذا النظر الشريف.
س١٠/ هل من دليل من القرآن والسنة على رؤية الإمام بشخصه في اليقظة؟
ج/ الأخ السائل يجاب بأنه السنة الشريفة والأحاديث المباركة الدالة على رؤية الإمام بشخصه في جميع المراحل الثلاث، يعني حين ولادته وفي زمان والده الكريم الإمام العسكري عليه السلام وكذلك في زمان الغيبة الصغرى وكذلك في زمان الغيبة الكبرى، سجلت في ثمان من الكتب التي بينت التشرفات.
والأحاديث عن رؤية الإمام نفسه في اليقظة موجودة، بل متواتره في المقام، وقد اخترنا منها من كل مرحلة عشرة من الأحاديث القطعية التي رويت بالأسانيد الموثقة التي توجب العلم ويحصل بها التواتر، ولعله يضيق الوقت لبيانها، ولكنها مسجلة لو طلبها أحد قدمناها له والله العالم.
س١١/ حول دعاء: (اللهم كم لوليك الحجة بن الحسن...) الفقرة الأخيرة (حتى تسكنه أرضك طوعاً) من ناحية المعنى غير واضحة، وسند هذا الحديث وددت أن أعرفه وهذه الفقرة بالذات؟
ج/ أشكر عواطفكم، تقصدون بسكون الأرض طوعاً للإمام المهدي عليه السلام بأنه كيف يُدعى له هكذا دعاء.
الدعاء الشريف أخي العزيز موجود بسند معتبر ينقله المرحوم المحدّث القمي، وقبله نقله في البحار وستقرؤونه إن شاء الله في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، من مستحبات أدعية ليلة القدر في القدر الأخير، والسند ظاهراً معتبر ويعتنى به.
و الدعاء أساساً لا يلزم أن يكون دعاءً بالمفقود، الدعاء قد يكون دعاءً بالموجود لإدامته ولبقائه، تسألون الله: (اللهم عافني بعافيتك) هل العياذ بالله أنت مريض؟! أبداً، بل مع وجود صحتك وأدامها الله عليك تدعو الله (اللهم شافني بشفائك)، وأنت مشافى، (عافني بعافيتك) وأنت معافى، الدعاء ليس بما ليس بموجود بل حتى مع وجوده لإدامة هذا الشيء.
طبعاً الإمام المهدي روحي فداه وعاء لمشيئة الله، راضٍ برضى الله طواعية لله، لكن لإدامة هذه الطواعية ولإدامة هذا الوجود أنه سكن طواعية حتى في زمان غيبته وحتى في زمان مظلوميته، وحتى في زمان حزنه يسكن طوعاً في ذلك الزمان زمان دولته المظفرة ويمتع فيها طويلاً إن شاء الله، لكن من باب إدامة هذا الشيء.
ثم من باب وظيفتنا نحن شيعته، لأننا نحن مكلفون بالدعاء له، تكليفنا بالدعاء لا لأنه محتاج إلى هذا الشيء، فبالرغم من أنه سكن طواعية نحن مكلفون بأن ندعو له تكليفاً لنا وإدامة لهذه الطواعية.
الظاهر أنه بهذا الأمر لا يبقى إشكال من جهة هذا الدعاء الشريف سنداً ومتناً أيضاً، والله العالم.
وآخر دعونا أن الحمد لله ربّ العالمين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

* * *
المحاضرة الرابعة: طول عمر الإمام عجل الله فرجه
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على أحب خلقه وسيد بريته، سيدنا ومولانا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين الغرّ الميامين، لاسيما بقية الله في الأرضين الحجة بن الحسن المهدي أرواحنا فداه.
واللعنة الدائمة على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة إلى يوم الدين.. آمين رب العالمين.
موضوع بحثنا بعون الله تعالى في عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه وتحليل طول العمر، لأنه من المباحث الأساسية التي أثير حولها الشبهات والأقوال، فياحبذا لوكنا نطفئ الشبهات ونستسيغ البحث بشكل يكون مستنداً إلى أدلة قطعية وبراهين علمية.
إشكالات المخالفين:
في مقابل القول الحق بطول عمر الإمام المهدي رعاه الله ووقاه من كل سوء إن شاء الله أقوال للمخالفين، جمعها المرحوم الكراجكي في كنز الفوائد.
إنها أقوال ثلاثة، أو آراء ثلاثة، أو إيرادات ثلاثة على طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه.
يقول في كنز الفوائد:
اعلم أيدك الله أن المخالفين.
منهم: من ينطق بلسان الفلاسفة فيقول: إن طول العمر من المستحيل في العقول، ولم يثبت على جوازه دليل.
ومنهم: من ينطق بلسان المنجمين فيقول: إن الكواكب لا تعطي أحداً من العمر أكثر من مائة وعشرين.
ومنهم: من ينطق بلسان الأطباء وأصحاب الطبائع ويقول: إن العمر الطبيعي هو مائة وعشرون سنة، فإذا انتهى إليها، فقد بلغ غاية ما يمكن فيه الصحة وتخرج عن العادة.(١٢٧)
ولعل أغلب الشبهات الأخيرة، بالنسبة إلى طول عمر الإمام عليه السلام هي الجهة الأخيرة، لأنهم يشككون من حيث عدم الإمكان طبياً، وعدم الإمكان في هذا العرف وفي هذا الزمان.
أجوبة الشبهات
فيجاب على هذا الإشكال بجميع جوانبه من وجوه خمسة نتطرق إليها إن شاء الله.
أولاً: على صعيد القرآن الكريم، نتكلم بذلك.
ثانياً: على صعيد الروايات المتواترة المتفقة بين الطرفين أو الفريقين.
ثالثاً: على صعيد الدليل الوجداني، الذي هو يكفي عن البيان.
رابعاً: على صعيد الطبيعة البشرية، التي قيل: إن طول الأعمار خرج عن العادة فيها.
خامساً: على صعيد الأصول العلمية، وعلى سبيل الأمور الطبية.
الإعجاز الإلهي:
لكن اسمحوا لي قبل أن أبدأ بهذه الأمور الخمسة، أن أبين بخدمتكم مقدمة تمهيديه تحليلية، ولعلها تكفينا إذا استكفينا بها في تحليل طول عمر الإمام المهدي عليه السلام وبقائه في هذه المدة رعاه الله، لأنه ولد في سنة ٢٥٥ وهذه السنة التي نعيش فيها سنة ١٤٢٣، فقد مرّ تقريباً ١٢ قرناً على الإمام المهدي رعاه الله.
بداية نقول وكمقدمة تحليلية: إن طول عمر الإمام المهدي عليه السلام إعجاز إلهي، وذلك بإبقائه شاباً متمتعاً بجميع أنحاء الصحة والسلامة بحمد الله، من دون عوارض الشيب، من دون بوادر الدهر، من دون موارد الخطر، محفوظاً بإعجاز الله وإرادته وعزمه وحفظه ورعايته.
حيث أراد عزوجل أن يظهره على الدين كله، أراد أن يحفظ وليّه إلى أن يظهره، وإلى أن تكون ساعة ظهوره على الكون، وعلى الدين.
فكان الحفظ عن جميع هذه العوارض، بحيث يدفع المستحيل، كما أشكل، أو يدفع خلاف المتعارف كما قيل، أو يدفع عدم الملائمة مع الأمور الطبية كما زُعم. الذي يدفعه بنحو جزمي وقطعي.
فإعجاز الله تبارك وتعالى حفظ وليّه للغاية القصوى، والنهاية العظمى التي جعلها له، وهذا الحفظ والصون من جهة الإعجاز ليس بأمر عجيب.
قد يقال بأنه خلاف المتعارف، نحن نقول: كل إعجاز خلاف المتعارف، وأي إعجاز كان وفق الطبيعة والمتعارف؟! تحويل العصا إلى حية تسعى هل هذا متعارف؟! تحويل العصا إلى أمور أخرى، التي كان يستعملها موسى هل كان متعارفاً؟ تحويل الحصى في يد رسول إلى لسان ينطق هل هذا متعارف؟ كله غير متعارف.
فطول عمر الإمام المهدي الذي نثبت أنه بنحو الإعجاز الإلهي تندفع به جميع الشبهات ولانحتاج إلى استدلال إطلاقاً، إعجاز إلهي سبق مثله ودل الدليل عليه كما سنبنيه، لذلك لا ينافي بأن يكون الحفظ الإلهي إعجازاً ربانياً في طول عمره، حتى بالرغم من كونه خلاف الطبائع البشرية.
فكيف أنه سيتلائم مع طبيعة البشر؟ سنقول بملائمته للطبيعة البشرية، ولا ضير ولا عجب في أن يحفظ الله وليه.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يظهر فيها مثل هذا الإعجاز، فقد سبق حفظ الله لأوليائه، لرسول الله، ولأمير المؤمنين، فقد حفظ الله أمير المؤمنين من الأخطار القطعية مائة بالمائة، ولا بأس فمن المناسب _ وهذه أيام الأمير عليه السلام _ أن نتعرض إلى ذكر علي فإنها عبادة(١٢٨).
أمير المؤمنين روحي فداه إذا راجعنا السير والتواريخ والروايات نرى أن الله تعالى نجّاه وحفظه من الأخطار القطعية والقتل الجزمي من ابتداء هجرته من مكة إلى المدينة، بل في نفس مكة ليلة المبيت كانت خطراً على علي بن أبي طالب.
كذلك هجرته إلى المدينة وملاحقة المشركين له ليقتلوه، ثم في المدينة غزوات وسرايا وحروب مع النبي روحي فداه وكلها خطر قطعي عليه.
ثم بعيد هجرته إلى الكوفة في واقعة صفين وواقعة النهروان خطر قطعي عليه، حفظه الله من غير أن يصاب بشيء أبداً، بالرغم من تلك الإصابات التي أصابته.
حفظ إلهي لاريب في ذلك.. أتذكر عبارة ابن أبي الحديد المعتزلي في أول نهج البلاغة، يذكر في مناقب علي عليه السلام يقول: (ما أقول في رجل وقف لصلاته في ليلة الهرير والسهام تترى عليه أو تمر من صماخه)(١٢٩)، هذا أليس خطراً قطعياً؟ تترى السهام معناه توالي السهام عليه والمرور من (صماخه) موضع الخطر منه حفظه الله تعالى منه.
أو تلاحظون في خطبة الزهراء عليها السلام: (كلما أوقدوا ناراً أطفأها الله...قذف أخاه في لهواتها)(١٣٠) أي أن أمير المؤمنين يقذفه رسول الله في فم الموت في لهوات الموت، كلها مخاطر قطعية، مع ذلك حفظه الله تعالى.
وابن دأب له عبارة لطيفة في رسالته: سبعون منقبة لعلي لم يشاركه فيها أحد، أتذكر هذه العبارة، ولعله عين ما ذكره ابن دأب في هذه الرسالة يقول: انصرف علي سلام الله عليه من أحد وبه ثمانون جراحة تنزف الدم، وكانت تصنع له الفتائل لتقيه الدماء فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وآله فرآه جالساً على نطع (البساط الجلدي) وهو كالّلحمة الممدودة المنضودة _ تفكروا في هذه العبارة: (لحمة ممدودة) من آثار السيوف والسهام والرماح حتى صار كالّلحمة _ بكى رسول الله، فقال علي عليه السلام: يا رسول الله بأبي أنت وأمي الحمد لله الذي لم يرني ولّيت عنك ولا فررت، لكن كيف حرمت الشهادة؟ _ هو يتعجب هكذا حاله شهادة قطعية _ كيف حرمت الشهادة؟ قال: هي من ورائك يا علي، يقتلك أشقى الأشقياء وتهد مصيبتك الأرض والسماء، ثم يقول: عُدَّ ما بعلي من الجراحات الباقية عليه من قرنه إلى قدمه، فكانت ألف جراحة باقية، ابن دأب يقول ذلك.(١٣١)
الفاصل الزماني بين شهادة الأمير روحي فداه، ووقاء الرسول في المدينة ثلاثون أو أكثر من ثلاثين سنة. كيف كانت الجروح حتى بقي منها ألف جراحة ولم يصبه شيء من جهة منظره، من جهة جماله، من جهة روحه. أبداً لم يشنها شيء.
حفظ الإله حتماً وقطعاً، إذا أراد الله أن يحفظ أحداً يحفظه، وقد رأينا أنه حفظ الأمير من هذه الأخطار القطعية، فكيف لايحفظ ابنه ولا يحفظ ولده الذي أراد أن يظهره على الدين ويملأ به الأرض عدلاً؟! ليس هذا بغريب.
ويدلنا على كونه إعجازاً بالنسبة إلى الإمام الحجة وطول عمره، الروايات الثابتة في المقام بالأسانيد المعتبرة:
منها: حديث الحسين بن حمدان عن الإمام العسكري عليه السلام في قول الله بالنسبة إلى الإمام المهدي، هكذا نص العبارة: (فإنه في ضماني وكنفي وبعيني إلى أن أُحقَّ به الحق وأزهق به الباطل).(١٣٢)
ضمان الله هل يمكن فيه التخلف؟ تأمين إلهي وضمان إلهي ورعاية إلهية، ومعها هل يصعب طول لعمر الإمام.
ومنها: الحديث المعتبر بأسناد كذلك، حديث أبي سعيد، يعني إسناد الصدوق أعلى الله مقامه حديث أبي سعيد عن الإمام المجتبى أرواحنا فداه قال: (التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره في صورة شاب دون أربعين سنة)... وطول العمر مع سن الشباب لا يوافق الطبيعة ولكنه إعجاز.(ليعلم ان الله على كل شيء قدير).(١٣٣)
الإرادة الإعجازية في الإمام المهدي تحكيه روايات متعددة، للتبرك قرأنا اثنتين فقط من الروايات المتعددة المستفيضة التي يستفاد منها أن طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه بنحو الإعجاز، وإذا كان إعجازاً حكم على جميع القوانين، وعلى جميع الأمور، ولم يرد هناك إشكال واحد.
لكن من أجل تكميل الاستدلال وإتمام الحجة لابد أن نستدل بالآيات الشريفة وبالأحاديث من طريق الفريقين.
القرآن الكريم
أما على ضوء القران الكريم، فبعد أن قالوا بأن طول العمر مستحيل، أو أنه خلاف العادة، فنقول: كيف يكون مستحيلاً أو مخالفاً للعادة وقد أخبر الله عن ذلك لا في مورد واحد، بل في موارد متعددة في كلامه الصادق، بالنسبة إلى نوح على نبينا وآله وعليه السلام تلاحظون في الآية الشريفة: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عاماً).(١٣٤)
تسعمائة وخمسون سنة بصريح القرآن، إذا كان مستحيلاً فالمستحيل لا يمكن أن يوجد مرة واحدة، كالجمع بين النقيضين الذي هو مستحيل فلا يحدث في العالم ولو لمرة واحدة، والجمع بين المتضادين مستحيل، فلا يمكن أن يحدث في العالم.
إذا كان طول العمر مستحيلاً كيف حصل وأخبر عنه الله تعالى؟! تسعمائة وخمسون عاماً هي مدّة التبليغ، وإلاّ فعمره (٢٥٠٠) سنة، عدّة روايات بينت هذا المعنى. من جملتها حديث منصور بن حازم في أحاديث متعددة عن الإمام الصادق عليه السلام عمر نوح ألفان وخمسمائة سنة ثم أتاه ملك الموت وهو في الشمس فقال له: السلام عليك فردّ الجواب، فقال له: ما جاء بك يا ملك الموت؟ قال جئت لأقبض روحك، قال: تدعني أخرج من الشمس إلى الظل؟ قال: نعم، فتحول نوح من الشمس إلى الظل، ثم قال: يا ملك الموت كأنما مرّ بي من الدنيا (٢٥٠٠) مثل تحولي من الشمس إلى الظل، فامض لما أمرت به، فقبض روحه على هذه الصفة.(١٣٥)
الإمام المهدي روحي فداه لم يبلغ هذا العمر، كيف يكون مستحيلاً؟!
بل البقاء الأبدي إلى يوم القيامة أخبر الله عنه في القرآن الكريم، كيف؟ أيكون مستحيلاً؟! هذا نبي الله يونس أخبر الله في كتابه عنه (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(١٣٦) إلى يوم القيامة، كم ألف سنة؟ آلاف من السنين، الله يخبر بأنه لولا هذا التسبيح لكان لابثاً والظاهر من معنى الآية والله العالم، للبث حياً كما فسره العامة والخاصة.
أما من الخاصة، كنز الدقائق المجلد ١١ صفحة ١٨٤ فسره وفسر عن علماء الشيعة للبث حياً.
وأما من العامة، الكشاف للزمخشري المجلد ٤ صفحة ١٦٠ للبث حياً،
يفسرون (اللبث) اللبث حيّاً، بل قد يقال: إن نفس كلمة لبث في العربية لعلها توافق الحياة لا الموت.
وفسره الراغب في المفردات اللبث لغة الإقامة بالمكان أو الملازمة له(١٣٧)، من الذي يقيم؟ فإن الميت لا يقيم في مكان ولا يلازم مكاناً، المناسب للإقامة والملازمة هو الحياة.
اللبث في اللغة الإقامة في المكان والملازمة له، ويناسبه أن يكون اللبث حياً لغة وتفسيراً (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ) يعني حياً.
إذاً يمكن أن يلبث يونس، وهو من البشر، في بطن الحوت بدون هواء ولا غذاء ولا ماء وفي أجواء غير طبيعية يلبث إلى يوم يبعثون، يونس يلبث في بطن الحوت، وهو ولي الله ومختار لا يلبث في عالم الدنيا. فهل يمكن أن يقال في مثل هذه الحالة بالاستحالة وعدم العادة، وقد وقعت في الخارج أكثر من مرّة، فلا يمكن أن تكون أمراً مستحيلاً أو مخالفاً للعادة.
فإمكان طول العمر قال به القرآن الكريم ليس فقط لأولياء الله، وإنما وقع في الخارج لأعداء الله أيضاً (قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ)(١٣٨) أعداء الله يمكن أن يبقوا فكيف الأولياء؟ لذا الشيخ الصدوق رحمة الله يقول: إن مخالفينا يقولون بطول العمر في أعداء الله ولا يقولونه في أحبائه(١٣٩)، إنه يعترض عليهم.
وعلى هذا فمسألة طول العمر في القرآن الكريم، في الكلام الإلهي، شيء موجود وليس بمستحيل.
بل أخبرت بطول العمر _ خصوصاً طول عمر نوح _ الكتب المقدسة السابقة، مثلاً: في التوراة، سفر التكوين الإصحاح خمسة في ثلاث آيات ٥، ٨، ١١، وردت الإشارة إلى طول عمره، فما يؤيد مدعانا موجود في الكتب المقدسة أيضاً.
لذلك أصبحت مخالفة الإمكان والاستحالة غير العقلية مما يرده القرآن الكريم أصراحة.
السنة النبوية
وأما من السنة المباركة، فالأحاديث متظافرة، بل متواترة ونحن اخترنا عشرة من الأحاديث بالأسانيد الصحيحة ليحصل بها العلم. لكن رواية واحدة للتبرك فقط متواترة من طريق الخاصة ومن طريق العامة، أويشهد به نفس العامة، وسنقرأ نصوصهم التي يشهدون بها، فكيف يقال بالاستحالة أو بعدم الإمكان؟!
أما من أحاديث الخاصة فصريح حديث سدير الصيرفي: المفضل عن الإمام الصادق عليه السلام جاء فيه.. (وأما العبد الصالح أعني الخضر) الذي أعطاه الله من العمر ما يقارب أربعة آلاف سنة لأنه حفيد نوح إلياس بن أروخش بن سام بن نوح، حفيد نوح النبي، لعل ما يستفاد من بعض التواريخ أنه عمّر إلى الآن ما يقارب أو أكثر من أربعة آلاف سنة... (وأما العبد الصالح أعني الخضر عليه السلام فإن الله تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر المهدي في أيام غيبته ما يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح الخضر).(١٤٠)
فالاستدلال بغاية خلقه الله خضر استدلال على عمر المهدي ليقطع بذلك حجة المعاندين لئلاّ يكون للناس على الله حجة يقبلونها، فكيف يمتنعون ويقولون باستحالتها؟!
هذا من الخاصة.
وعرضت بخدمتكم روايات متواترة في هذا المقام.
وكذلك من العامة روايات متظافرة في الكتب المعتبرة منهم بألفاظ مختلفة: أنه يعود شاباً وهو شيخ، يعود وفيه سنة التعمير، يعود وهو مثل الخضر، ألفاظ مختلفة في رواياتهم.
ينقل تلك الروايات ويعترف بصحتها وصراحتها في كتاب البيان لصاحب الزمان، الكنجي الشافعي يقول:
(أما بقاء المهدي، فقد جاء في الكتاب والسنة: أما الكتاب فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله عز وجل (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)(١٤١) المهدي من عترة فاطمة).(١٤٢)
بإشارة هذه الآية، إشارة لطيفة يتنبه لها هذا الشخص، لاحظوا الله تعالى يقول: ليظهره، وليس ليبعثه، لو كان ليبعثه يمكن بعد الموت، البعث يكون بعد الموت، لكن الظهور بعد الخفاء، فالمهدي خفي يظهره الله على الكون.
وسعيد بن جبير يفسر (لِيُظْهِرَهُ) بظهور الإمام المهدي بعد أن كان له من العمر والحياة.
وأما السنة فما تقدم من الأحاديث التي بينتها بخدمتكم من جهة ألفاظها، وهي صريحة صحيحة في هذا المقام.
وكذلك ما يقرب من هذا البيان والتعبير بيّنه القندوزي في ينابيع المودة.
وعبد الوهاب الشعراني في اليواقيت والجواهر.
ومحمد في فصل الخطاب.
وابن حجر في القول المختصر.
وشهاب الدين الهندي في هداية السعداء
كما أحصى الأقوال والقائلين والروايات في إحقاق الحق المجلد ١٩ صفحة ٦٩٨.
فمن جهة الروايات من الفريقين لا استحالة فيها لطول العمر.
لذلك مما لا يكاد ينقضي التعجب عنه، أن بعض المخالفين المنحرفين ادعى شيئاً سفسطة ظاهراً وكذباً، فقد جاء في بعض كتب المنحرفين: الشيعة تدعي طول عمر الإمام المهدي ورواياتهم تكذب طول عمر المهدي، وتقول لو مدّ الله في أجل أحد من بني آدم لمّد الله في أجل رسول الله، في رواية من رواياتهم.
نحن نقول بأن الإمام المهدي طويل العمر روحي فداه، وإمامنا يقول: لا، ويكذب هذا المعنى، أي أن المهدي ليس بطويل العمر ولو مدّ الله في أجل أحد لمدّ الله في أجل رسول الله، سفسطة ظاهرة، أخي العزيز لماذا؟!
الرواية التي يشير إليها هذا الشخص موجودة في بحار الانوار(١٤٣)، وهي من روايات محمد بن أبي عمير الأزدي رضوان الله عليه صاحب المراثي المعتبرة، يرويها عن الإمام الرضا عليه السلام دققوا في الحديث:
قلت للرضا عليه السلام جعلت فداك قوم قد وقفوا على أبيك _ يعني الواقفة علي بن أبي حمزة البطائني وأمثاله _. قوم قد وقفوا على أبيك يزعمون أنه لم يمت، قال الرضا روحي فداه: كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وآله، ولو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمّد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وآله.
الرواية في صدد النقد على قول الواقفية، وترد قول الواقفية، ولا ترد طول عمر الإمام المهدي، كما ادعى وحرّف وزوّر في سفسطة له. هذا أولاً.
ثم الحديث بمتنه حتى لو لم يكن في هذا المقام بهذه القرينة، لا يحتمل أن يكون ردّاً على طول عمر الإمام المهدي روحي فداه، لماذا؟
لو كان الله يمد في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه، لا منافاة أن لا يمد في الأجل لحاجة الخلق، يمده لإظهار دينه، يمده لانتشار عدله، لظهور دولته.
التعليل في هذا الحديث يحصل بموردين، المد في الأجل لاحتياج الخلق لو كان لكان في رسول الله، نحن نقول: هذا المد في أجل الإمام المهدي عليه السلام لأجل أن يظهره على الكون كله لا لأجل احتياج الخلق إليه هذا ثانياً.
ثم ثالثاً إن الرواية أجنبية عن الاستدلال بهذا المقام لأن الرواية قالت: لو كان الله يمد في أجل أحد... وليس في عمر أحد، وهناك فرق بين الأجل وبين العمر، فالشخص له أجل في يوم كذا يمد الله في أجله، يؤجل أجله في اليوم الآتي أو بعده، أو في سنة وراءها أو في مائة سنة وراءها يمد في الأجل.
لكن مسألة المد في العمر غير المد في الأجل، الله تبارك وتعالى جعل أجل الإمام المهدي بعد الظهور، من أول الأمر أجله مؤجل أجله ممدد، لم يمد في أجله، بل قدّر له أجلاً وعمراً طويلاً بدون أن يطيل عمره، بدون أن يمد في أجله.
لم يجعل الله تعالى أجل المهدي في وقت قريب من ولادته ثم يمد في أجله حتى يردوا هذا الحديث، أبداً وإنما قدر الله له من أول الأمر، من قبل ولادته قدر له أن يموت ويستشهد بعد ظهوره وبعد دولته، لم يمد في أجله حتى يردوا هذا الحديث.
كلام عربي صحيح فصيح (لو كان الله يمد في أجل) ليس في العمر، والله لا يمد في أجل المهدي، وإنما مد في عمره، والأجل كان مدّ من أول الأمر وقبل خلقته، لا يرتبط الحديث بهذا المعنى، كيف يسوق الكلام بأنه هذا إمامهم أو رواياتهم ترد على هذا المعنى؟!
لذلك فالأحاديث من الفريقين لا تحتمل أي شبهة إنصافاً، بل هي تثبت طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه بدون أي شك وبدون أي دغدغة في المقام.
الوجدان:
ويمكن الاستدلال به على طول عمر الإمام عليه السلام بعد القرآن والسنة النبوية المباركة، فسليم الوجدان الذي لا يخالف فطرة الإنسان يشهد بطول عمر الإمام المهدي، بعد تظافر وتواتر نقل مشاهدته في الغيبة الكبرى والذين رأوه من مقدّسي العلماء من الصلحاء ومن الأبرار ومن الصادقين ومن العدول، رأوه وشهدوا وأخبروا برؤيته في الغيبة الكبرى.
لابد أن يحس الوجدان أنه باقٍ فيرى، وليس هناك خبر واحد أو عشرة، بل أكثر، وكلها شهادات في رؤية الإمام المهدي من قبل الصالحين، من قبل الطيبين، من قبل الصادقين في هذا المقام.
لاحظوا بحار الأنوار المجلد ٥٢ صفحة ١ إلى ٩٠، فقد أحصى من شاهدوا الإمام عليه السلام في زمن الغيبة الكبرى.
تبصرة الولي في مواضيع المهدي للسيد الجليل البحراني رحمه الله.
دار السلام فيمن فاز بالإمام للشيخ الميثمي العراقي.
بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام للسيد اليزدي الطباطبائي.
البهجة فيمن فاز بلقاء الحجة للميرزا الألماسي.
العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان للشيخ النهاوندي.
إلزام الناصب للشيخ اليزدي.
هذه الكتب تذكر من شاهد الإمام وهم ممن شهد بوثاقتهم وعدلهم، بل عرفوا بذلك، أمثال العلامة الحلي، أمثال السيد بحر العلوم رحمه الله، ممن لا يحتمل في حقهم الكذب وخلاف الواقع أبداً.
فثبت وجوده عياناً ووجداناً، وليس بعد العيان بيان.
الطبيعة البشرية:
ثم الدليل الرابع بالنسبة إلى طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه على صعيد الطبيعة البشرية، ولعل بعض الشبهات تثار الآن على هذا الصعيد، فيدّعون أن طبيعة البشر لا تتحمل طول العمر بهذه المثابة وهذا المقدار.
وهذا مردود، لأن الطبيعة البشرية تحتمل طول العمر بكل سعة، وبدون أي امتناع وأي غرابة، ويشهد بذلك إحصاء من عمروا وطال عمرهم فوق الألف.
في كتاب (المعمرون) لأبي حاتم السجستاني من أبناء العامة، شهد وأخبر عمن طال عمرهم، أحصينا من هذا الكتاب ومن كتاب الإمامة والمهدوية وإلزام الناصب والكتب التي ذكرت من طال عمرهم، نبذة قليلة ممن طال عمرهم ممن يشهد لهم بذلك وصدقت شهاداتهم، يعني الأخبار بطول عمر هؤلاء ممّا هو متيقّن قطعاًٍ مثلاً:
يستفاد من الروايات والتأريخ الصحيح أن آدم عمّر ٩٣٠ سنة.
شيت بن آدم عمّر ٩١٢ سنة.
إدريس عمّر ٩٦٠ سنة.
ذوالقرنين عمّر ٣٠٠٠ سنة.
لقمان عمّر ٣٥٠٠ سنة.
عوج بن عناق عمّر ٣٠٠٠ سنة.
الضحاك عمّر ١٠٠٠ سنة.
الفارسي عمّر ٧٥٠ سنة.
فريدون عمّر ١٠٠٠ سنة.
ليس المعمّرون عشرة أو عشرين فقط حتى تكون الطبيعة البشرية عاجزة عن ذلك.
وإليك ما أخبر به أبو الصلاح الحلبي رحمة الله عليه تلميذ السيد المرتضى قدس الله روحه في تقريب المعارف(١٤٤) قال: أما استبعاد ذلك _ طول عمر الإمام الحجة عليه السلام _ فالمعلوم خلافه، وذكر الإجماع على طول عمر جماعة مثل: نوح والخضر ولقمان، بل غير الصالحين أيضاً، ثم قال: وإذا كان ما ذكرنا من أعمار هؤلاء معلوماً لكل سامع للأخبار، وفيهم أنبياء صالحون، وكفار معاندون، وفساق معلنون، سقط دعوى خصومنا.
هل كان عمر الغائب خارقاً للعادة؟ كلاّ، لقد عمروا كثيراً فحصلت بهم العادة لثبوت أضعاف عمر الإمام الحجة الحالي، أربعة آلاف سنة عمر الخضر، هل ذلك أكثر أم عمر الإمام المهدي؟
لذلك فإن الطبيعة البشرية التي أشكل بها على طول عمر الإمام المهدي هي تؤيد طول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه.
الأصول العلمية:
وأما على صعيد الأصول العلمية، وأتذكر قبل ليلتين سأل بعض الاخوان على الانترنيت: هل يمكن إثبات طول عمر الإمام المهدي بحسب الأصول الطبية، أو بحسب الموازين الطبية؟
مسألة التحقيقات التجريبية والمطالعات العلمية في علم الحديث تؤيد مائة بالمائة طول عمر الإمام روحي فداه، بل تؤيد طول عمر البشر عامّة بعد بيان ما يلزم في طول العمر.
نص واحد ننقله من خبراء هذا الفن من الجراحين والأطباء المشتغلين في الجراحة من مجلة المقتطف المصرية العدد ٣ السنة ١٩٥٩ صفحة ٢٨٣، أنا صورت ثلاث صفحات من هذه المجلة، أقرأ بعض النصوص وبعض العبارات، لتعلموا أنه على الصعيد الطبي يمكن، بل يعلم إمكان طول العمر، بل هو محقق فعلاً، يقول العلماء الموثوق بعلمهم:
إن كل الأنسجة الرئيسية من جسم الحيوان تقبل البقاء إلى مالا نهاية، بل والإنسان أيضاً يقبل البقاء حياً ألوفاً من السنين إذا لم تعرض عليه عوارض تقصر حبل حياته.
وقولهم هذا ليس فقط نظرية، بل عملية مؤيدة بالامتحانات.
فقد تمكن أحد الجراحين من قطع جزء من الحيوان وإبقائه حياً أكثر من السنين التي يحياها، وهذا الجراح الدكتور لكسي كارل من المشتغلين في معهد (روفلر) امتحن ذلك في قطعة من جنين الدجاج، فبقيت تلك القطعة حية نامية أكثر من ثمان سنوات، وهو وغيره امتحنا قطعاً من أعضاء جسم الإنسان من أعضائه وعضلاته وقلبه وجلده وكليته، فكانت تبقى حية نامية مادام الغذاء اللازم لها موفوراً في زمان طويل.
حتى قال الأستاذ بيمندورول من أساتذة جامعة هوبنز: إن كل الأجزاء الخلوية الرئيسية من جسم الإنسان قد ثبت أن خلودها بالقوة، بل هو مثبت بالامتحان، ثم أخبر الدكتور ورون لويس أنه يمكن وضع أجزاء خلوية صناعية في جسم الإنسان، وتوالت التجارب فظهر أن الأجزاء الخلوية في أي حيوان، وأي إنسان يمكن أن يعيش، بل يمكن أن يتكاثر مادام له الغذاء المناسب.
ثم شرع في بيان تجاربه إلى أن حصل على عدة نتائج:
أ _ إن هذه الأجزاء الخلوية تبقى حية ما لم يعرضها عارض يميتها.
ب _ إنها لا تكتفي بالبقاء حية بل تنمو خلاياها وتتكاثر، بخلاف الشبهات المطروحة طبياً من أن الخلايا تموت، بل يمكن تجديد وتكاثر الخلايا.
جـ _ يمكن نموها وتكاثرها ومعرفة ارتباطها بالغذاء.
د _ لا تأثير للزمن عليها حتى أنها تشيخ وتضعف بمرور الزمن، فشيخوخة الأحياء ليست سبباً بل هي نتيجة.
وذكر الاستدلال على ذلك والاستناد إلى التجارب التي وصلته من أطباء وجراحين عدّة في هذا المقام.
على صعيد الأصول الطبية، الأصول العلمية لا تنفي، بل تؤيد مسألة طول العمر.
فطول عمر الإمام المهدي أرواحنا فداه بالإضافة إلى الاستدلال الرئيسي الذي عرضته بخدمتكم وهو الأعجاز، يمكن الاستدلال له بالأمور الخمسة، ويثبت طول العمر، وهو واقع، ورعاه الله تعالى من كل سوء إن شاء الله.
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحمين.
الأسئلة والأجوبة:
س١/ كيف تكون رؤية الإمام عليه السلام؟ هل الرؤية في الحقيقة أم بالمكاشفة، وهل هذه الرواية صحيحة: (إن من قال برؤية الإمام فكذبوه؟).
ج/ تكرر هذا السؤال ليلة أمس، وقلنا بأن الرؤية رؤية حقيقية ويمكن الرؤية في المنام، بل يمكن الرؤية في اليقظة.
وتكون رؤية حقيقية على نحوين: إما رؤية مع المعرفة، أو رؤية بدون معرفة، ثم يعرف الإمام روحي فداه، وهذه المشاهدة ممكنة، بل هي واقع.
وأما الحديث الشريف وان كانت من التوقيعات الصحيحة (ألا فمن ادعى المشاهدة فكذبوه).(١٤٥)
معنى المشاهدة غير المشاهدة في عصر الغيبة الكبرى لأبرار علمائنا رضوان الله عليهم، تلك تكون بمعنى آخر، نبيّنها إن شاء الله.
س٢/ هل رواية أن الإمام سيقتل صحيحة؟ وكيف يكون ذلك، والمفروض أن الأرض بعد ظهوره تتملئ قسطاً وعدلاً؟
ج/ شهادة الإمام روحي فداه مستفادة من الروايات عنهم عليهم السلام: (ما منا إلا مقتول أو مسموم)(١٤٦) على نحو الشهادة.
وإن كان بعض العلماء قد لا يقبل هذا القول، لكن الروايات المعتبرة تقول: إن حديث (ما منا إلا مقتول أو مسموم) حديث صحيح معتبر جارٍحتى في الإمام الحجة روحي فداه.
وهو أجاره الله من كل سوء، سيكون شهيداً، لكن بعد ظهوره وبعد دولته لا قبلها.
حتى لا يتخيل الأخ ويسأل: كيف يقتل وكيف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، يملؤها قسطاً وعدلاً بالتأكيد، وسيكون ذلك في حكومته المظفرة، بل في بعض الروايات أنه سيعيش في حكومته (٣٠٠) سنة، وفي بعضها (٧٠) سنة، وفي بعضها (٢٠) سنة على اختلاف الأقوال والروايات، لكن هذه الشهادة ستكون بعد ذلك.
نعم، ستكون له الشهادة وهي واضحة في أحاديث معتبرة، أنه سيتولى غسله الإمام الحسين روحي فداه، بل في بعض الأقوال أنه سيدفنه في قبره.
هذا موجود ومعتبر، لكن لا منافاة بين أن تكون الشهادة بعد دولته والإصلاحات قبل دولته، والله العالم.

والحمد لله رب العالمين

* * *
المحاضرة الخامسة: سفراء الإمام المهدي عجل الله فرجه
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، فاطر السماوات والأرضين.
والصلاة والسلام على أحب خلقه وسيد بريته حبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين المعصومين المنتجبين الغرّ الميامين.
واللعن الدائم على أعدائهم وظالميهم وقاتليهم ومنكري فضائلهم ومناقبهم وجاحدي حقوقهم قاطبة، من الجن والإنس إلى يوم الدين، آمين رب العالمين.
سفراء الإمام عليه السلام:
بحثنا هذه الليلة بعون الله في سفراء الله، سفراء الإمام المهدي، والتشرف بخدمته ووظائفنا في غيبته.
مسألة السفراء في الغيبة الصغرى التي دامت ما يقارب سبعين سنة، هذه المسألة ثابتة حقيقة لكن يلزم التعرض لها للتأكيد في ثبوتها وإثباتها أمام التساؤلات أو الشبهات في مقابل البديهة التي ألقاها بعض العامة، نبين بعض كلماتهم.
إذاً لابد من هذا البحث، لأنه يفيدنا في التثبيت وفي دفع الشبهات العامية.
ابتداءً السفارة إذا كانت بفتح السين بمعنى الرسول، وبكسر السين بمعنى المصلح، وكلا المعنيين في السفير موجود.
السفير هو الرسول، وهو الواسطة والمصلح، وفي زيارة أمير المؤمنين أرواحنا فداه: السلام عليك يا سفير الله إلى خلقه.(١٤٧)
هذه المعاني المقدسة _ الواسطة، الوسيلة، المصلح _ من قبل الله تعالى إلى خلقه أطلقت على السفراء الأربعة الذين نابوا عن سيدنا الإمام المهدي أرواحنا فداه في مدة الغيبة الصغرى، المشايخ الأربعة يعني: عثمان بن سعيد العمري الزيات، وولده محمد بن عثمان، والحسين بن روح النوبختي، وعلي بن محمد السمري، هؤلاء المشايخ الأربعة الطيبون العدول الثقات أصحاب جلالة القدر، بشهادة أكابر وأعاظم علمائنا ممن نظروا، وحظروا، وشهدوا، هؤلاء السفراء.
سفارتهم ثابتة، ونيابتهم وبابيتهم ووكالتهم عن الإمام المهدي أرواحنا فداه ثابتة بالأدلة التي سنذكرها إن شاء الله.
لكن هناك شبهة من بعض الكتب العامية مضمونها _ أطال كلامه في الشبهة _ وخلاصتها:
أن الشيعة تزعم سفارة بعض المشايخ عن مهديهم، لو فرضنا وجود المهدي، إلا أن سفارة هؤلاء ليس لهم دليل عليها، لماذا؟ _ بماذا يحتج هذا الشخص _ وذلك لأن الحسين بن روح وهو أحد هؤلاء السفراء بعث كتابه كتاب التأديب إلى قم ليصححوه، فإن كان سفيراً عن المهدي فلِمَ لم يعرضه على المهدي ليصححه؟ بعثه إلى علماء قم لصححوه.(١٤٨)
هذا مضمون الكلام والشبهة التي أطال فيها، واحتج بها، وهي حجة وليست بحجة، لماذا؟
أولاً: إن الذي يشير إليه هذا الشخص _ وهو إرسال كتاب التأديب إلى قم _ هو ما ذكره شيخ الطائفة أعلى الله مقامه في كتاب الغيبة صفحة ٢٤٠ عبارة: (بعث الشيخ حسين بن روح كتاب التأديب إلى قم، وكتب إليهم: لاحظوه انظروا فيه هل فيه شيء يخالفكم؟).
هذه جميع العبارة، وليس فيها أنه أرسله للتصحيح، خصوصاً مع هذا التعبير (هل فيه شيء يخالفكم)، ولم يقل: تخالفونه، لا أريد التصحيح أنتم لاحظوا هل لكم رأي في مقابل هذا، ليس المقصود تصحيح الكتاب، ولم يقل الحسين رحمه الله: هل فيه شيء تخالفونه، بل قال: هل فيه شيء يخالفكم، تثبيتاً لهذا الكتاب.
ولعله مثل الحسين لا يصنع إلا ما أمره المهدي روحي فداه، فلعله بأمر المهدي تثبيتاً لهذا الكتاب في أهل قم.
ثم لمن أرسله؟ أرسله إلى محمد بن عبد الله الحميري شيخ القميين أعلى الله مقامه، ومحمد بن عبد الله هو صاحب التوقيعات والمسائل من الحسين بن روح، هو يسأل الحسين بن روح، أمّا الحسين يسأل من عنده فهذ غير معقول.
مسائل محمد بن عبد الله الحميري مذكورة في الكتب، كتب الأخبار والكتب الفقهية التي يستدلون بها، عن طريق الحسين بن روح، يسأل الحسين هكذا: جعلني الله فداك، وقاك الله من كل سوء، مالك في هذه المسألة، يسأل الحسين، ثم الحسين يسأل الإمام الحجة فيجيبه.
إذاً هو يسأل الحسين، فكيف الحسين يسأل من عنده؟ شيء غير معقول.
إضافة إلى أن العبارة لا توجب هذا المعنى (هل فيه شيء يخالفكم)، ولم يذكر تصريحاً في المقام.
جعل هذه حجة، أنه إذا كان نائب الإمام، سفير الإمام الحجة لِمَ لَم يصحح الكتاب عنده؟
الأدلة على السفارة:
بلى ثبتت سفارة هؤلاء بالأدلة التي سنذكرها عندنا، بل هي محل الاطمئنان والقطع واليقين عند الشيعة.
إنهم سفراء الإمام المهدي بلا شك ولا ريب من وجوه شتى، بأدلة كثيرة، ليس بين الشيعة أي خلاف فيها، لم أر بالرغم من التحري الكامل من هذه الجهة، لم أر خدشاً _ شهد الله _ في سفارة هؤلاء من أحد من علماء الشيعة أبداً، بل كما في كتاب _ الإمامة والمهدوية _ أجمعت الشيعة على أمانتهم وعدالتهم وسفارتهم ومقامهم وعلوّ درجتهم، محل إجماع الشيعة، مجمع عليه، كيف ليس لدينا دليل؟!
أولاً: الإجماع، إجماع الشيعة، وليس في هذا الأمر خلاف، ثانياً الأدلة موجودة بالنسبة إلى سفارة هؤلاء عن الإمام في نفس الرسائل، الكتب، التوقيعات، الروايات التي وردت في جلالة قدرهم.
وسنذكرها إن شاء الله، لكن قبل أن أبين شيئاً يدلنا على سفارة ووكالة هؤلاء.
أولاً: الإجماع المتقدم، وليس بين الشيعة أي خلاف.
ثانياً: كلام الطبرسي صاحب الاحتجاج في الاحتجاج(١٤٩)، حيث يقول _ رحمه الله _: ولم يقم أحد منهم بذلك إلا بنص عليه من قبل صاحب الأمر روحي فداه، يعني بالوكالة والسفارة.
أنت سلمت أن الإمام المهدي موجود لكن سفارة هؤلاء لم تثبت. لكنه موجود ونص على هؤلاء، ونصب صاحبه الذي تقدم عليه، منصوص من قبل صاحب الأمر مباشرة، أو بنص السفير السابق عليه، لا ينطق ذلك السفير إلا عن الحجة روحي فداه. هذا ثانياً.
ثالثاً: لم تقبل الشيعة _ كما يقول الطبرسي رحمه الله _ قول هؤلاء إلا بعد ظهور آية، أو معجزة تظهر على يد كل واحد منهم، مع جلالة قدرهم.
بمجرد أن بينوا شيئاً عن الإمام المهدي، رسالة عن الإمام، أو كلاماً أو أمراً عن الإمام لم يقبلوا إلا بعد ظهور المعجزة على يدهم.(١٥٠)
وقد صدرت معاجز للإمام يذكرها بالتفصيل كتاب الغيبة للشيخ الطوسي(١٥١)، فيما يقارب خمس صفحات، ظهرت معاجز على يدهم، إنباءات غيبية بما يريده السائل ويضمره فيجيبه هذا الشيخ، أو بالنسبة إلى بعض المعاجز التي تكون هي خارقة للطبيعة والعادة ظهرت على يد هؤلاء بواسطة الإمام المهدي.
لن تقبل الشيعة قولهم إلا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر، تدل على صدق مقالتهم وصحة نيابتهم هذا ثالثاً.
رابعاً: تؤيدنا الزيارة التي وردت لهؤلاء السفراء _ رزقنا الله زيارتهم _ ينقلها شيخ الطائفة أعلى الله مقامه في التهذيب(١٥٢)، بعد زيارة المعصومين أرواحنا فداهم، يذكر استحباب زيارة هؤلاء السفراء الأربعة، ثم يذكر في زيارة هؤلاء السفراء هذا النص في كل واحد من هؤلاء الأربعة:
أشهد أنك (باب المولى، أديت عنه وأديت إليه، ما خالفته ولا خالفت عليه، والسلام عليك من سفير ما آمنك ومن ثقة ما أمكنك).
صريح في سفارتهم، ونيابتهم، وأمانتم أداء عن الإمام المهدي عليه السلام لذلك الشيعة لهم دليل، دليل اطمئناني جزمي في سفارة هؤلاء.
خامساً: النصوص المبينة لوكالة هؤلاء، النصوص المعبرة بنيابة هؤلاء، نصوص صحيحة معتبرة نصت على هؤلاء.
كيف لم يكن لهم دليل؟!
نذكر هذه النصوص في ضمن بيان تراجم هؤلاء السفراء الأربعة رضوان الله عليهم.
وبيان هؤلاء إضافة إلى كونه إثباتاً لسفارتهم، رأيت رواية عن الإمام الرضا روحي فداه في عيون الأخبار، ينقلها الشيخ الصدوق أعلى الله مقامه في رسالة شرايع الإسلام، يذكر فيه الإمام الرضا عليه السلام الأمور التي هي من صميم شريعة الإسلام، من الصلاة والصوم والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومودة أهل البيت، إلى أن يصل إلى المحبة، يبين الإمام أن من شريعة الإسلام، ومن شريعة الدين محبة الذي مضوا على منهاج نبيهم ولم يغيروا ولم يبدلوا الولاية لأتباعهم وأشياعهم، والمهتدين بهداهم والسالكين منهاجهم رضوان الله عليهم.(١٥٣)
ولا شك أن هؤلاء السفراء على هذه الجلالة من القدر ممن سلكوا منهاج رسول الله صلى الله عليه وآله، ومنهاج الأئمة، ليس فيهم تغيير ولا تبديل أبداً.
لذلك مقدمة لمحبتهم نعرفهم فنحبهم استدلالاً على سفارتهم وبياناً لجلالة قدرهم، وواسطة في محبتهم والاعتقاد بهم على صعيد النيابة والسفارة.
وقبل أن أبين هذا المعنى، ذكر بعض الأفراد وبعض الشخصيات والثقات في مقام التوثيقات والتوقيعات التي هي عن الإمام المهدي، لذا سأل بعض الاخوان: ما الفرق بين مثل العمري وبين أبي القاسم بن العلاء رحمه الله، فإن هؤلاء كلهم سفراء؟
الظاهر أن هناك فرقاً، بل قطعاً هناك فرق بين السفارة والوكالة للسفراء الأربعة.
الوكلاء عنهم في البلدان المختلفة، كأنه هؤلاء وسائط في جلب رسائل الناس إلى السفراء في بغداد، وفي بعث رسائلهم وأجوبتهم إلى تلك المدن.
هناك وكلاء أو سفراء الإمام المهدي منحصرون بالأربعة، والبقية الذي نراهم يحملون التوقيع أو يبينون شيئاً، هؤلاء وكلاء عن هؤلاء السفراء أحصاهم في تنقيح المقال وهم عشرون شخصاً(١٥٤)، هؤلاء وكلاء عن هؤلاء السفراء، لذلك كان هؤلاء السفراء الخاصون النواب الأربعة من جهة خصوصيتهم هم يحملون الرسائل والأجوبة والمسائل مباشرة مع الإمام المهدي روحي فداه ويرونه ويسألونه ويبلغون عنه، بينما الوكلاء يراسلون عن طريق هؤلاء السفراء، هذه من جهة.
ومن جهة أخرى الحفاظ على الشيعة وعقائدهم كانت مهمة السفراء الأربعة في جميع البلدان، لكن بالنسبة إلى الوكلاء، كل واحد منهم كان مسؤولاً عن محله ووظيفته، لذلك هناك فرق بين السفير وبين الوكيل من جهة شأنه ومن جهة عمله.
الوكلاء العشرون _ حتى لا يختلطوا بالسفراء _ أحصاهم في التنقيح، وهم:
أحمد بن إسحاق الأشعري من قم.
أبو هاشم الجعفري، محمد بن جعفر الأسدي عن ري.
حاجز بن يزيد الملقب بالوشاء من بغداد.
أبو إسحاق إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، ومحمد بن إبراهيم من أهواز.
القاسم بن العلاء من أهل آذربيجان.
ولده الحسن بن القاسم، ومحمد بن شاذان النعيم من أهل نيشابور.
أحمد بن حمزة بن اليسع، ومحمد بن صالح من همدان.
العاصمي من الكوفة.
إبراهيم بن محمد الهمداني العطار من بغداد.
الشامي من ري.
أبو محمد الوجناتي، وعمر الأهوازي، وأبو عبد الله الحسين في قم.
أيوب بن نوح بن الدراج، أبو جعفر محمد بن أحمد في بغداد.
هؤلاء الوكلاء، ويكونون في حيطة المحافظة على الدين كل في منطقته وفي حيطته، وأما السفراء فهم أربعة لا يزيدون على ذلك.
السفراء الأربعة:
بالنسبة إلى السفراء الأربعة:
الأول: أبو عمر عثمان بن سعيد العمري السمان الزيات الأسدي:
بدأ حياته السعيدة من زمن الإمام الهادي عليه السلام صاحب الإمام الهادي، ثم الحسن العسكري ثم الإمام المهدي أرواحنا فداه، توكل عنه، ناب عنه، كان سفيراً من قبله، ووكالته وسفارته تثبت من روايات عديدة، لكن بعنوان التبرك نقرأ رواية أو روايتين من كل واحد ليتبين وجود الدليل على سفارة هؤلاء.
بالنسبة إلى عثمان بن سعيد فيكفينا حديث عبد الله بن جعفر الحميري الموجود في أصول الكافي قال: أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن _ يعني الإمام الهادي روحي فداه _ وقال: سألته وقلت له: من أعامل وعمّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال له: العمري ثقتي فما أدّى إليك عني فعني يقول، وما قال لك فعني يقول، فاسمع له وأطع فإنه ثقة وثقتي في المحيا والممات(١٥٥). في زمان حياتي وبعد موتي عند وجود الإمام المهدي.
وكذلك في حديث جعفر بن محمد بن مالك الفزاري المنقول في رجال الكشي ينقل عن جماعة من الشيعة منهم الأجلاء: علي بن بلال، وأحمد بن هلال، ومحمد بن معاوية بن حكيم، والحسن بن أيوب بن نوح، في خبر طويل قالوا جميعاً: (اجتمعنا إلى أبي محمد الحسن بن علي العسكري لنسأله عن الحجة من بعده فقال: جئتموني تسألوني عن الحجة من بعدي؟ قلنا: نعم بأبي أنت وأمنا، فإذا غلام كأنه قطعة قمر أشبه الناس بأبي محمد عليه السلام فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم فاقبلوا من عثمان ما يقوله بعد يومكم هذا وانتهوا إلى أمره _ في زمان الغيبة _ واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه)(١٥٦). نص على خلافته وسفارته.
إذاً سفارة عثمان بن سعيد من المنصوصة من قبل الإمام الهادي والعسكري والمهدي أرواحنا فداهم.
توفي رضوان الله عليه ودفن في الجانب الغربي من بغداد في شارع الميدان، وله مقام معروف يزار فيه. رزقنا الله زيارته.
الثاني: أبو جعفر محمد بن عثمان العمري الأسدي الزيات:
وهو الورع النقي الذي لم يختلف في تقواه اثنان من علماء الشيعة، خدم الإمام العسكري والإمام المهدي خمسين سنة سفراً وحضراً.
يظهر من بعض الروايات أنه كان في خدمة الإمام في سفره وحضره في مكة وفي غير مكة.
وجلالة قدره وسفارته تتبين من أحاديث كثيرة منها:
حديث محمد بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي في الغيبة للشيخ الطوسي أنه خرج إليه بعد وفاة أبي عمر عثمان بن سعيد والد محمد بن عثمان، خرج هذا التوقيع من الناحية المقدسة عن الإمام المهدي عليه السلام:(والابن _ محمد بن عثمان _ والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضر الله وجهه، يجري عندنا مجراه ويسدّ مسده _ مثل الأب _ وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل تولاّه فانتهِ إلى قوله وعرف معاملتنا ذلك.(١٥٧)
وكذلك حديث عبد الله بن جعفر الحميري خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري في التعزية بأبيه رضي الله عنهما: (أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رزئت ورزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسره الله في منقلبه وكان من كمال سعادته أن رزقه الله عز وجل ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه، والحمد لله، فإن الأنفس طيبة بمكانه _ هنيئاً له يطيّب خاطره الإمام المهدي _ وما جعله الله عز وجل فيك وعندك، أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك، وكان الله لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً ومعيناً).(١٥٨)
وفي حديث علي بن أحمد الدلال القمي قال: (دخلت على أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد يوماً لأسلم عليه، فوجدته وبين يديه ساجة _ خشبة _ ونقاش ينقش عليها ويكتب آي من القرآن الكريم وأسماء الأئمة عليهم السلام على حواشيها فقلت له: يا سيدي ما هذه الساجة؟ فقال: هذه لقبري تكون في القبر أوضع عليها، وقد عرفت من الدلال _ يقول عن محمد بن عثمان _ وقد عرفت منه أنه قال: وأنا في كل يوم أنزل فيه _ في القبر _ فأقرأ جزءاً من القرآن فأصعد فأخذ بيدي وأراني، فإذا كان يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا صرت إلى الله عز وجل، ودفنت فيه، وهذه الساجة معي، فلما خرجت من عنده أثبت ما ذكره، فما تأخر الأمر حتى اعتل أبو جعفر فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله في السنة التي ذكرها ودفن في ذلك القبر مع تلك الساجة).(١٥٩)
جلالة قدره مدح الإمام له يكفيه.
دفن رحمة الله عليه في بغداد قرب باب سلمان، وقبره معروف هناك يعرف بالشيخ الخلاّني، رزقنا الله زيارته.
الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي:
وهو الثقة السعيد الرشيد السديد الموصوف بكمال العقل والرشد في توثيقاته وفي بيان جلالة قدره والشواهد على نيابته كذلك روايات عديدة منها:
رواية محمد بن همام المذكورة في غيبة الشيخ أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري قدس الله روحه جمعنا قبل موته وكان وجوه الشيعة وشيوخها معنا فقال لنا: إن حدث علي حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي فقد أمرت أن أجعله في موضعي _ هذا الشخص الذي يدعو له المهدي (رعاك الله حفظك الله) هذا لا يحتمل فيه الكذب _ فقد أمرت أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعولوا في أموركم عليه.(١٦٠)
وكذلك في الغيبة حديث جعفر بن أحمد النوبختي في حديثه: دخلنا على أبي جعفر _ يعني العمري رحمة الله عليه _ فقلنا له: إن حدث أمر فمن يكون بعدك؟ فقال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح ابن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر والوكيل والثقة الأمين، فارجعوا إليه وعولوا أموركم عليه، فبذلك أمرت وقد بلغت.(١٦١)
توفي رحمه الله بعد هذه الخدمة الجزيلة، ودفن في مقامه المعروف ببغداد في سوق الشورجة.
الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري:
وهو كذلك ثقة جليل موسوم بالفضيلة والنبل في كتب الرجال، صحب الإمام العسكري أرواحنا فداه مدة، ثم تولى نيابة وسفارة الإمام المهدي أرواحنا فداه، كما ينص حديث الكتاب:
أوصى الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه فقام بما كان إلى أبي قاسم في جميع أموره.(١٦٢)
بل من نفس التوقيع الذي صدر، وهو آخر توقيعات الإمام المهدي أرواحنا فداه بالنسبة إلى السمري تتبين سفارته بالوضوح، يعني هناك رواية صحيحة معتبرة نص فيها على أنه سفير ونائب عن الإمام المهدي عليه السلام، الرواية المعروفة التي كانت آخر توقيعات الحجة روحي فداه.
بعد ما توفي السمري أعلى الله مقامه ودفن في المكان المعروف قرب قبر الشيخ الكليني قدس الله روحه، هذا التوقيع من التوقيعات الحساسة المهمة، وقد نقل بأسناد صحيحة ومعتبرة، توجد جميع الأسناد في الغيبة للشيخ الطوسي صفحة ٢٤٢ وكمال الدين صفحة ٥١٦ والاحتجاج للطبرسي المجلد ٢ صفحة ٢٩٧، حديث معتبر من التوقيعات المقدسة إلى السمري، ينقلها جميع هؤلاء هذا نص الحديث، بالأسناد المعتبرة إلى أحمد بن الحسن الكتب شيخ الشيخ الصدوق قال:
كنت بمدينة السلام، في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري، وحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً رأيناه، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفترٍِ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قال المكتب فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده.(١٦٣)
أخبره الإمام أنه بينه وبين ستة أيام إلى اليوم السادس توفي السمري.. فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيك من بعدك؟ قال: لله أمر هو بالغه.
وهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه، ثم توفي رحمه الله سعيداً.
السند معتبر، المتن صريحِ، والقرينة العلمية موجودة، فيها إخبار بالغيب أنه يموت إلى ستة أيام، ومات على رأس الستة ولا يحدد ذلك صادقاً غير الإمام روحي فداه.
لذا من الأحاديث المعتبرة التي بينت مسألة السفارة عن الإمام المهدي روحي فداه أنه تمت الغيبة الصغرى ووقعت الغيبة الكبرى التامة والسفارة منتهية.
بالنسبة إلى هذا التوقيع الشريف يستفاد من قوله عليه السلام: (فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامة)، لا توص لأحد لأنه ليس هناك بعده نيابة خاصة، أو سفارة خاصة، نعم النيابة العامة موجودة ببركة حديث إسحاق.
أما السفارة الخاصة وادعاء السفارة الخاصة عن الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه بصريح هذه الرواية مردودة.
رؤية الإمام عليه السلام
لكن يبقى في التوقيع الشريف شيء يثير التساؤل، وهو: (ألا فمن ادعى المشاهدة...) تحريض وتأكيد وبيان صريح: (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفترٍ).
ألا تكون هذه الفقرة مكذبة لما يدّعى من التشرفات والمشاهدات التي وقعت في الغيبة الكبرى؟! فإنه عليه السلام قال: فكذبوه أو فهو كذاب مفتر، والتعبير بأنه كذاب مفتر، ألا يقول بأنه إذا ادعيت المشاهدة تشرفاً في الغيبة الكبرى تكون مفتراة.
يحدث هذا السؤال في الذهن، لكن الظاهر بأن الحقيقة أنه لا تنفي هذه الفقرة الشريفة التشرفات التي حدثت من الأعيان ومن الأعاظم من المؤمنين من الأجلاء في الغيبة الكبرى لماذا؟
لوجوه ثلاثة:
أولاً: يحتمل في معنى هذه الفقرة: (الا فمن ادعى المشاهدة فكذبوه) بقرينة المقام، بما أنها في توقيع السفارة الخاصة لعلي بن محمد السمّري لعل المعنى: المشاهدة على نحو السفارة، أي هكذا مشاهدة، مثلك يا علي بن محمد السمري، بقرينة أنه في التوقيع توقيع للسفير مشاهدة السفير _ ألا فمن ادعى المشاهدة _ هكذا كمشاهدتك كسفارتك، مشاهدة نيابية، مشاهدة سفارية، هكذا مشاهدة فكذبوه.
وخصوصاً _ سيأتي من يدعي المشاهدة _ هكذا مشاهدة لعلها تكون على الوجه الذي نبّه عليه شيخ الطائفة أعلى الله مقامه تنبيهاً على من يدعي السفارة كذباً عن الإمام المهدي روحي فداه، ثم أحصاهم الشيخ في الغيبة صفحة ٢٤٤ قال: مثل حسن الشريعي ومحمد بن نصير النميري وأحمد بن هلال الكرخي ومحمد بن علي بن بلال والحسين بن منصور الحلاج ومحمد بن علي الشلمغاني المعروف ابن أبي العذافر وأبي دلف محمد بن المظفر الكاتب الأزدي ومحمد بن أحمد البغدادي ممن شملهم حديث اللعن.
كلام الشيخ الطوسي _ ألا فمن ادعى المشاهدة _ الشيخ يفيد أنه هكذا مشاهدة وهكذا بيان ادعاء افترائي ممن يدعي المشاهدة السفارية والنيابية هذا معنى.
ثانياً: المعنى الثاني المحتمل _ والعلم عند الله _ أن تكون معنى المشاهدة بلحاظ القرينة السياقية اللفظية: المشاهدة في الكلام العربي العرفي تكون فيمن ينظر أحداً ويعرفه، شاهدت زيداً يعني رأيته وعرفته. إذا لم يعرف لم يقل: شاهدته، المشاهدة بالنسبة إلى من ينظر ويعرف _ ألا فمن ادعى المشاهدة فهو كذاب مفتر _ يعني من يقول أنه شاهد الإمام المهدي وعرفه هكذا يكون في هذه المثابة.
وأغلب التشرفات التي حصلت لم يعرف فيها الإمام المهدي إلا بعد الانصراف عن خدمته، تنبهوا أنه الإمام المهدي في أغلب المشاهدات، إلاّ الأوحدي من أعاظمنا.
الحديث الشريف بالنسبة إلى المشاهدة بمعناها العرفي اللفظي، يعني المشاهدة مع المعرفة، المشاهدة مع معرفة الإمام، هذه تُكذّب، لا كل مشاهدة، فلا تشمل المشاهدات التي كانت في عهد الغيبة الكبرى بالنسبة إلى المؤمنين الذين لم يعرفوا الإمام ثم عرفوه هذا المعنى الثاني.
ثالثاً: المعنى الثالث، ولعله معنى مناسب أيضاً: أن نلاحظ نفس التعبير _ ألا فمن ادعى المشاهدة _ من يصدق في حقه الدعوى العياذ بالله بالنسبة إلى الدعوى، فالمذكور في كتب القضاء أن المدّعي من إذا ترك تُرك وأن قوله يحتاج إلى دليل، يحتاج إلى إثبات، فادعاء المشاهدة إنما يكون بالنسبة إلى الشخص الذي لم تتم له المرحلة المعلومة من جلالة القدر كالمقدّس الأردبيلي أو السيد بحر العلوم أو العلامة الحلي الذين لم يحتمل في كلامهم الخلاف العياذ بالله أبداً، فليس من المحتمل أن يصدر من أحد هؤلاء كذب حتى يكون كلامه محتاجاً إلى إثبات، حتى تناسب الدعوى.
إذا أخبرتم جنابكم عن شيء وكان ثابتاً لا يقال: ادعى شيئاً، بل يقال: أخبر عن شيء، أما ذلك الذي يحتاج إلى دليل فيقال له: ادعى هذا الشيء، وهو يحتاج إلى بينة وإلى إثبات، لذلك تكون الدعوى في النزاع وفي المنازعات _ ألا فمن ادعى _.
الإمام روحي فداه بناءً على هذا الاحتمال _ والله العالم _ لا يقول جميع المشاهدات أو كل مدعي المشاهدة، بل من ادعى المشاهدة، أي يكون مدعياً للمشاهدة مفترياً كذاباً.
وأما أمثال المشاهدات التي يبينها علماؤنا الأبرار ليس فيها احتمال الكذب، وليس يصدق عليها الدعوى في هذا المقام.
هذا من جهة ومن جهة أخرى بعض الأمور التي بينت في المشاهدات والتشرفات في زمن الغيبة الكبرى لم تكن دعوى قطعاً، لأنها كانت مرفقة بالدليل وبالبرهان وبالقرينة العلمية القطعية.
لم تكن دعوى، فتخرج عن هذه الدعوى تخصصاً، تكون خارجة عن: _ ألا فمن ادعى المشاهدة _ إذا كانت دعوى، أما إذا كانت تشرفات مع الدليل ومع البينة القطعية، فلا تشمل هذه التوقيعات مثل هذه المشاهدة والتشرف.
على سبيل المثال قضية إسماعيل الهرقلي، لعل أغلبكم يعرفها، فلا نحتاج إلى تطويل، قضية إسماعيل الهرقلي رضوان الله عليه وتشرفه بالإمام المهدي في سامراء مع تلك القرحة الخبيثة التي كانت في رجله اليمنى، ولم يمكن للأطباء معالجتها فأوصوا بقطع الرجل، فانتقل إلى سامراء وتوسل بالإمام المهدي عند شاطئ دجلة هناك، بعدئذٍِ توجه إليه الإمام المهدي وجعل يده على موضع الجرح.
يقول إسماعيل بعد ذلك _ وهذه النكتة أبينها _ أولاً الجرح الذي كان في رجل إسماعيل الهرقلي شاهده السيد رضي الدين بن طاووس وجميع الشيعة في محلة بغداد، بل وبعض العامة كذلك شاهدوه ثم وقعت هذه المعجزة: لمسه الإمام المهدي بيده فلم تكن بعد لمسه أبداً أي آثار للجرح، لم تكن حتى أنه نفسه شك في ذلك.
وكانت القرحة في الرجل اليمنى لاحظ لعله كانت في اليسرى، لاحظها لا في اليمنى ولا في اليسرى، حتى أنّه نبت الشعر في مكان القرحة في اللحظة، ثم أبان هذه الفضيلة عندما رجع، أبانها إلى السيد رضي الدين بن طاووس وأراه هذه القرحة، رآه الشيعة، والعامة، حتى المستنصر العباسي مذكور في الأخبار أنه رأى هذه القرحة وأراد أن يكرمه لم يقبل منه التكريم.(١٦٤)
إذاً مشاهدة إسماعيل الهرقلي لا يقال لها: إنها دعوى، إنها إخبار مع البينة ومع الدليل، خبر مع البرهان كيف تكون دعوى؟ تكون خارجة تخصصاً هذا ثانياً.
وثالثاً أن الذي لاحظناه وشاهدناه ولمسناه أن الأبرار الذين يتشرفون بخدمة الإمام المهدي لا يدّعون ذلك، لا يقولون بذلك، يحفظون هذا الأمر، يتحفظون على هذه الفضيلة، لا يراؤون في هذا الشيء.
والذي تبين من علمائنا تبين قهراً، تبين بدون إعلان منهم. قضية حدثت فبانت، فضيلة انكشفت.
المير غلام تلميذ المقدس الأردبيلي اقتفى أثره من النجف إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى النجف، ثم بسؤاله تبين للمقدس أنه وراءه فاضطر إلى إعلامه قال: لا أتركك حتى تبين لي لماذا جئت إلى الكوفة وماذا سمعت؟ فرأى المقدس الأردبيلي نفسه مجبوراً على البيان.
أو قضية عيسى البحراني لأجل إثبات حقانية الأمير عليه السلام.
نوعاً. التشرفات إما لم تبين، وإذا بينت كان بيانها قهراً أو دليلاً وبرهاناً لأجل مظلمة.
لذلك التشرفات من أوليائنا من الثقات، التشرفات المنقولة من الثقات، من الأولياء، من الأبرار، من الصادقين لا تنافي هذه الفقرة الشريفة:(ألا فمن ادعى المشاهدة) لا تنافيها للوجوه الثلاثة التي بيناها.
فالتشرف إذاً لا يمتنع بواسطة هذه الفقرة الشريفة، بل إن التشرف لعله يؤيدنا من جهة كونه من علمائنا، فلا ينافي هذا الكلام، وهذا التوقيع.
دعاء التشرف، دعاء الوصول بالخدمة: اللهم أرني وجه وليك الميمون في حياتي وبعد الممات. فإذا لم يمكن التشرف والنظر كيف ندعو بذلك؟!.
أو اللهم أرني الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة، وأكحل ناظري بنظرة مني إليه.
إذاً يمكن لا مانع في التشرف، لكن مع دليل، تشرف مع برهان، تشرف مع وثاق.
بل هناك بعض الأدلة ومن ضمنها، توقيع الشيخ المفيد أعلى الله مقامه، أعني الرسالة الثانية للشيخ المفيد قدس الله روحه، تبين مكان التشرف، وطريق التشرف، ليس هناك طريق الا من طريقهم، إلا ببيانهم، إلا بحجتهم.
كيف نتشرف بخدمتهم كيف نصل إلى تقبيل رجل الإمام المهدي روحي فداه؟ نسأل نفس الإمام لا أنفسنا. هناك بيان صريح في التوقيع الثاني للشيخ المفيد أعلى الله مقامه من الإمام الحجة روحي فداه يبين بأي وسيلة تتشرفون، وإليكم هذا التوقيع لأهميته في هذا المقام.
التوقيع الثاني مذكور في الاحتجاج(١٦٥) دققوا في العبارة أرجوكم إخواني الأعزاء:
(لو أن أشياعنا _ وفقهم الله لطاعته _ على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها...).
يشاهدونني ويعرفونني مشاهدة صادقة...
(فما يحبسنا عنهم إلا ما يتصل بنا مما نكره ولا نؤثره منهم).
مثلي وأمثالك قد نفعل شيئاً لا يرضى الإمام المهدي بأن يصل إليه، ويكرهه، فلا يحب ملاقاتهم...
إذاًَ طريق التشرف مسموح باجتماع القلوب على الوفاء بالعهد، وعدم فعل ما يكرهه الإمام المهدي روحي فداه.
رزقنا الله التشرف به.
كنت أود ان أكمل هذا البحث في هذه الليلة الختامية من هذا المجلس الشريف، لكن الظاهر أنه (عبدي تريد وأريد، ولا يكون ِإلا ما أريد)(١٦٦)، إرادة الله كأنه لم تتعلق بإكمال البحث.
هناك بحث شريف في وظائف الأمة في زمان غيبة الإمام روحي فداه، ثم ظهور الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه وقيامه ودولته الحقة. ولكن مع ذلك يؤجل إلى وقت آخر إذا الله وفقني، وحفظكم الله وحفظ هذه المؤسسة والمدراء الكرام.
ووصيتي لكم وإن كنت أصغركم في هذا المقام، لكنه رجاء أخ مؤمن لكبار إخوانه وهم أنتم أن لا تنسوا الإمام المهدي من الدعاء، أكثروا من الدعاء له، فقد نص الإمام المهدي في توقيعه لمحمد بن عثمان العمري (وأكثروا بالدعاء لتعجيل الفرج، فإن في ذلك فرجكم)(١٦٧) مأمورون بالدعاء للإمام المهدي روحي فداه.
الدعوات التي نقلت بالاسناد المعتبرة في الكتب المعتبرة.
منها الدعاء عن الإمام الرضا روحي فداه، العجيب أنه قبل ولادة الإمام في الحديث المعتبر الشريف صحيحة يونس بن عبد الرحمن، ينقل دعاء الإمام الرضا للإمام المهدي، وأوله:
(اللهم ادفع عن وليك...)(١٦٨) موجود بعد دعاء العهد بعد دعاء الندبة في المفاتيح، وكان الإمام الرضا يأمر بهذا الدعاء وقراءته.
إذاً الدعاء يكون من جهة الإمام المهدي ندعو له قطعاً، لطفه وإحسانه يقتضي أن يدعو هو لنا ويشملنا بدعائه المستجاب.
اللهم كن لوليك الحجة ابن الحسن صلواتك عليه وعلى آبائه في هذه الساعة وفي كل ساعة ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً، حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتعه فيها طويلاً.
الأسئلة والأجوبة:
س١/ لماذا نقوم عند سماعنا باسم الإمام المهدي؟ فإذا كان السبب هو التأهب والاحترام فمن باب الأولى أن نفعل ذلك للنبي ولعلي صلوات الله عليهما؟
ج/ فعل الشيعة هذا تأسياً بالإمام الصادق عليه السلام، والإمام الرضا عليه السلام.
هناك حديثان أذكرهما في إلزام الناصب المجلد الأول.(١٦٩) صرحا أن الإمام الصادق عليه السلام أمر بالقيام لذكر الاسم الخاص بالإمام، والإمام الرضا فعل ذلك، يعني قام وجعل يده على رأسه.
فتأسياً بهما، ولأن الإمام المهدي إمام يقوم، إمام يكون له القيام فيظهر على الدين وعلى الكرة الأرضية من جهة هذه الميزة، وإن كان جميع الأئمة أحياءً، وإن كان يلزم تعظيم جميعهم، إلا أنه من باب مراعاة الخصوصية، وهي أنه يقوم فيملأ الأرض، خصّ بهذا الاحترام، وإنما نفعله تأسياً بذلك.
س٢/ هناك نظريات تقول: إن بعد استشهاد الإمام الحجة صلوات الله عليه سوف تخلو الأرض منه، فما هو حال دولته؟ ومفاد الأحاديث: أنه لو لا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها، فكيف نوفق بين الاثنين؟
ج/ الموجود الذي رأيناه في أحاديثنا المعتبرة أنه مع وجود الإمام الحجة وقبل شهادته، يرجع الإمام الحسين روحي فداه، فيستلم دولته ويكون هو الذي يقوم بالأمر بعده(١٧٠) ولا تحدث فجوة أبداً، ولا تخلو الأرض من الإمام لحظة أبداً.
وهذا الحديث إنّما ينقله غيرنا، ومن طريق غيرنا، فليس معتبراً قطعاً.
وحديث لو خلت الأرض من الحجة... أتصور أن فيها تسعة أحاديث معتبرة، وهو الصحيح لذلك لا تخلو الأرض من الحجة، والحجة بعد الإمام المهدي هو الإمام الحسين روحي فداه بلا خلو أربعين. والحديث عامي غير مقبول، والله العالم.
س٣/ ما هي الحكمة لانقطاع الإمام الحجة انقطاعاً شبه تام، بحيث أدى إلى عدم الرواية عنه في مجال الأحكام الشرعية؟! في حين كان الإمام بوسعه أن يتصل ببعض العلماء الأبرار، فيبين لهم حكماً شرعياً ينقلونه عنه كرواة، كما كان يروى عن باقي الأئمة ممن سبقه. ولعل ذلك أكثر تثبيتاً لقلوب الشيعة، وأكثر إصابة للحكم الشرعي، وأكثر حسماً للاختبار في وسط الساحة الشيعية؟
ج/ أحسنتم أخي العزيز، ما تفضلتم به الانقطاع التام لم يحدث يا أخي. ولا تنسى: (ولو لا دعاؤنا لكم لاصطلمكم الأعداء).
الانقطاع التام لم يحصل، وإنما الحاصل انقطاع غيبة مع وجود توقيعات منه في الأحكام الشرعية كما بيناه. مر ٤٢ توقيع مشتملة على كثير من الأحكام الشرعية.
ومع إرجاعه إلى الرواة في حديث إسحاق (إلى رواة أحاديثنا)(١٧١) فهو إرجاع إلى الأحاديث المعتبرة التي هي مدونة في الأصول الأربعمائة من الشيعة، وهي محفوظة.
إذاً لم يحدث انقطاع تام، وكذلك لم تحدث هناك حاجة من جهة الأحكام الشرعية التي طالما بينت وحفظت في الأصول الأربعمائة، وأرشد إليها الإمام عليه السلام.
نعم حرماننا من وجوده يقيناً حرمان كبير، لكنه بفعلنا لا بفعله، مع أن وجوده لطف، وتصرفه لطف، مع بعده منا.
ندعو الله أن يرزقنا ذلك، وأن يرفع هذا الانقطاع والحرمان الذي يتخيله الإنسان من جهة انقطاع الإمام المهدي، وإنه ليس انقطاعاً، بل هو في بعض الموارد التي احتاج البعض إلى إغاثتهم ونصرهم، أعانهم، وقد مرّ على مسامعكم حديث البحراني في مسألة رمانة البحرين.
فهو غير منقطع ونحن غير منقطعين عنه وإنما مشمولون بدعائه إن شاء الله.
س٤/ ولكن لو كانت هناك روايات خاصة في الأحكام الشرعية المستجدة لكان ذلك أفضل من الحالة التي نحن عليها الآن ولما احتجنا للرجوع إلى الاجتهاد، أليس هذا النقص الذي نعيشه الآن انقطاعاً؟!
ج/ صحيح ما تتفضلون به، إلا أنه إذا كانت هناك قواعد فقهية قد بيّنت بشكل ضرب القاعدة، والفقيه الذي أرجع إليه الجامع للشرائط يتمكن من الاستفادة بحكمها، فما الفرق بينه وبين الرواية الخاصة بمورد، خاصة وأن فقهاء أصحابنا كزرارة ومحمد بن مسلم بيّن لهم: (علينا إلقاء الأصول وعليكم تفريع الفروع)(١٧٢)، أي أن نفس الاجتهاد كان موجوداً حتى في زمان الإمام روحي فداه، فمحمد بن مسلم الثقفي كان يجتهد ويستنبط في الكوفة والإمام في المدينة نفس الاجتهاد كان موجوداً وليس بشيء حادث.
الاجتهاد في زمن الإمام الصادق كان موجوداً في الكوفة بالرغم من كونه في المدينة، بشكل الاستنباط الحي الصحيح.
إذا أمكن الاستنباط واستفادة الحكم من القاعدة والضابطة الكلية من الفرق بينه في النتيجة العملية _ من جهة العمل _ ما الفرق بينه وبين وجود رواية خاصة في مورد؟! خصوصاً وأن دور الإمام المهدي بعد أدوار الأئمة، والتي حفظت فيها جميع الروايات، لأن ليس هناك نقص _ ببركة الأئمة عليهم السلام _ في الفقه الإسلامي الشيعي من جهة رواتنا، حتى بيّن الشهيد الأول رحمه الله في كتاب الذكرى أن كتابنا الكافي _ الأجزاء الثمانية _ تزيد رواياته على جميع الصحاح الستة.
إذن نحن أغنياء ببركة أهل البيت وببركة روايات أهل البيت في المجاميع الموجودة بأيدينا غير محرومين، صحيح ليس هناك مباشرة سؤال عن الإمام المهدي، وذلك حرمان من جهتنا لا من جهته.
فليس هناك غائلة أو مشكلة من هذه الجهة مادام يمكن استفادة الأحكام الشرعية ببركة أجداد الإمام المهدي وببركة توقيعات الإمام المهدي وبرعاية ودعاء الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه.
أليس هذا كافياً في الجواب؟!
السائل: إذا كانت رواية عن الإمام، أليس أفضل من التضارب والاختلاف في الاجتهادات؟!
السيد: صحيح، إلا أنها إذا لم تكن هكذا، هل هي نقيصة؟ ما فيها نقص أو مشكلة.
السائل: الرجوع إلى رواية مباشرة من الإمام عليه السلام أليس بأفضل من الروايات التي مرّ عليها أربعة عشر قرناً تعرضت خلالها للتحريف والتزوير؟!
السيد: نعم، إذا لم تكن هناك دواع، لكن الحكم الخمسة التي بيناها هي دواع لذلك.
إذا لم تكن هناك دواعٍ لغيبة الإمام لزوماً، لكان هذا هو الأفضل، لكن مع وجود هذه المحاذير في ظهور الإمام روحي فداه، كيف نوفق بين حضور الإمام بيننا واستفسارنا منه وبين هذه الفضيلة، إذن هناك باب التزاحم بين سؤالنا من الإمام عليه السلام وبين سلامة الإمام، وفي باب التزاحم يقدم الأهم على المهم.
س٥/ عامة الناس إذا أرادوا المشاهدة فماذا يفعلون؟
ج/ فليهذبوا أنفسهم وليشاهدوه، وليس هناك مانع، لكن مسألة ظهور الإمام بحيث أسأله أنا وأمثالي، إذا كان هذا فيه محذور من المحاذير الخمسة ومنها خطر قتل الإمام، فمع وجود التزاحم يقدم الأرجح ملاكاً والأتم ملاكاً!.
الأتم ملاكاً حفظ نفس الإمام لا جوابه لمسألة شرعية لي، فإذا ظهر ووقع في خطر فهل هذا هو الملاك الأرجح أم حفظ الإمام؟
لذلك لا يمكن الظهور، وإنما هناك مسألة الاستنباط نستكفي بها بعون الله.
س٦/ أخ عزيز يسأل هل ثبت أن الإمام المهدي عجل الله فرجه أفضل المعصومين بعد أصحاب الكساء؟
ج/ تعرض بعض الأخوان إلى هذا السؤال كذلك، قلنا: إن الإمام المهدي أرواحنا فداه بالنسبة إلى جميع الأئمة بل المعصومين الاربعة عشر من جهة العلم سواسية.
يعني ما كان يعلمه النبي بلغ إلى المهدي، وما يعلمه المهدي كان يعرض على النبي، فجميع المعصومين من جهة العلمية والفضيلة العلمية سواسية لا فرق بينهم، لكن من الجهات الأخرى، من الأمور الأخرى مثل: تعميرهم، وعبادتهم، فضيلة قيامهم، هذه الأمور تخص الإمام المهدي من هذه الجهة.
نعم يستفاد من بعض الروايات الشريفة، أنه له فضيلة على من بعد أصحاب الكساء، يعني بعد الخمسة الطيبة، من الإمام السجاد للإمام المهدي، وهي فضيلة من تلك الجهة، لكن سواسية من الجهة العلمية، والله العالم.
س٧/ التوقيع الذي ذكرتموه عن الإمام عجل الله فرجه جاء فيه سيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، هل يمكن أن يكون حدث بعينه، أي وقع خارجاً؟
ج/ ليس في التوقيع الشريف _ كما قرأناه _ من شيعتي: (ألا فمن ادعى المشاهدة) هذا إخبار غيبي عمن يدعي المشاهدة بعد الغيبة التامة.
والذي أفاده الشيخ أنه يكون إشارة إلى من ادعى السفارة كذباً، لا بأس أن يكون بياناً لمن يدعي المشاهدة بعينه ويقول بأنه سوف تحدث المشاهدة، لا حدثت في زمان السفارة إنباءً عن مشاهدة بعينها تكون بعد وفاة علي بن محمد السمري من جهة بعض من يدعي السفارة. يحتمل أن يكون هكذا.
لكن ادعاء المشاهدة بعد وفاة علي بن محمد، أي لا في زمانه ولا في زمان الحجة روحي فداه، (ألا فمن ادعى المشاهدة)، يستفاد منه أنه من حين وفاة علي بن محمد السمري وما يلي ذلك الوقت، أي من حين وفاة السمري إلى المستقبل (ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر).(١٧٣)
لا أنه حدثت مشاهدة قبلاً والإمام المهدي يكذّب ذاك، والله العالم.
س٨/ هل يمكن رؤية الإمام بواسطة دعاء مخصوص أو عمل مخصوص؟
ج/ في ذهني أن هناك رواية معتبرة الأسناد ينقلها المحدث القمي أعلى الله مقامه، والظاهر أنها موجودة في المصباح(١٧٤)، وهي دعاء لرؤية الإمام إما في المنام أو في الحضور.
وهو دعاء العهد المعروف، يذكر في خاصيته في الحديث أنه يتشرف صاحبه بخدمة الإمام إما في اليقظة أو في المنام.
هذا مالدينا من إمكان المشاهدة بالدعاء، والله العالم.
س٩/ هل هناك ١٣ من الأنصار من النساء؟
ج/ الذي هو موجود في كتبنا، خصوصاً كتب الملاحم والفتن للسيد أعلا الله مقامه يوجد هناك أسماء رجال بينة بالنسبة إلى أصحاب الإمام المهدي أرواحنا فداه.
والذي تبين هناك، وإن كان بعضه اسماً خاصاً بدون اسم الأب، لكن الملحوظ أسماء الرجال.
والمأمول أن تكون النساء من الأنصار إن شاء الله، لا من الأصحاب، الأصحاب ٣١٣ الظاهر أنهم رجال سموا برجال، عبر عنهم برجال لكن يؤمل أن تكون النساء إن شاء الله من الأنصار، فإن هناك أنصاراً للإمام الحجة يؤمل للنساء أن تكون منهم، وإن لم يكنِّ من أصحابه روحي فداه.
س١٠/ سؤال من النساء: هل لسماحتكم أن تبينوا معنى الأوتاد والأبدال وعددهم، وهل في زماننا مثلهم، وهل يمكن أن يكون بينهم نساء؟
ج/ هناك ذكر للأبدال والأوتاد، يعني: الطيبون، يفسر الأوتاد والأبدال الذين هم طيبون مؤمنون، يكونون من الوسائط في إنجازات الإمام الحجة أرواحنا فداه، كما نقل في بعض الموارد.
نقلهم كاملاً _ على ما في ذهني _ السيد الكاظمي في دوائر المعارف، وذكر بعضهم وبعض رواياتهم، فإذا أردتم التفصيل لاحظوا ذلك الكتاب، والله العالم.
س١١/ هل السفارة تكون من الممكن على درجات مختلفة؟
ج/ سفارة الإمام المهدي تعني نيابته الخاصة التنصيصية بالمعنى الذي بيناه، يعني السفارة معناها واحد، هي النيابة والوساطة الرابطة ما بين الإمام روحي فداه وبين الناس.
لكن السفراء وإن كانوا مختلفين في الدرجات إلا أن معنى السفارة لا يختلف.
س١٢/ في أحيان كثيرة يذكر بعض مقلدي المراجع الكرام، التعبير التالي: باسم المرجع ونائبه بالحق، ما وجه الصحة؟
ج/ وجه الصحة التوقيع الشريف الذي يرجع الإمام المهدي روحي فداه الناس إلى الرواة المجتهدين: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله)(١٧٥) من باب إرجاع الإمام المهدي أرواحنا فداه إلى الرواة، وإلى المجتهدين من الرواة بالسفارة العامة التي بينها الإمام العسكري في التوقيع الشريف.
من جهة نيابتهم وإرجاع الإمام إليهم سموا بنائبي الحق والله العالم.
س١٣/ هل يمكن للمؤمن رؤية الحجة شخصياً، أو الإمام علي عليه السلام شخصياً؟ وكيف يكون، وهل بذلك دليل؟
ج/ رؤية الإمام روحي فداه شخصياً، إن كان المراد رؤية الإمام علي بعد شهادته روحي فداه، فإنهم لا فرق بين حيهم وميتهم: (أشهد أنك حي تسمع الكلام وترد الجواب)(١٧٦) ورؤيته ورؤية روحه المطهرة، رؤيته في المنام، ولا شك في ذلك، بل يوجد بعض ما يوجب رؤيته في المنام روحي فداه.
وأما رؤية الإمام المهدي روحي فداه، فما ذكرناه من التوقيع الشريف إلى الشيخ المفيد التي تسمح برؤيته لمن اتصف بتلك الصفات التي بينها الإمام عليه السلام.
س١٤/ بارك الله بكم، يهمني رؤية الإمام علي شخصياً لأن هناك شخصاً يدعي أنه رآه في اليقظة وأن الإمام يكلمه وينصحه؟
ج/ نأمل أن نكون جميعنا متشرفين بخدمة الإمام روحي فداه، رؤية روحه المطهرة في حياتنا ورؤيت شخصه الطاهر بعد وفاتنا.
لكن مسألة رؤيته في اليقطة أو نقل شيء عنه هذا يحتاج إلى دليل ونلتمس الدليل حتى يكون موجباً لإقناعنا، والله العالم.
س١٥/ هل يمكن أن يعلل كلامكم بالنسبة إلى عدم تكلم الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه مشافهة مع العلماء كما ذكر الشيخ الأنصاري رحمة الله عليه في كتاب الرسائل حينما ينقلون شيئاً لم نجد له دليلاً ونحتمل أن يكون من قبيل ما هو قد شاهد الحجة عجل الله فرجه، ولكن لم يجدوا على ذلك دليلاً، فلا يمكن لنا أن نتعبد ذلك في مقام الاجتهاد، فربما يعني لو أمكن ذلك أيضاً فالمجتهدون يطالبون بالحجة ومن وراء الحجة وهذه الاحتمالات لا تغنيهم في مقام الاستدلال، هل هذا من المؤيدات؟
ج/ الظاهر أن ما تفضلتم به هو المنقول عن بعض الثقات من أبرارنا ومشايخنا بالنسبة إلى السيد مهدي بحر العلوم أعلى الله مقامه الشريف ما يبينه في كتابه الفقهي ويذكره بعنوان الإجماع ولا نرى في المسألة إجماعاً ولم نر تعرضاً من بعض فقهائنا السابقين على السيد بحر العلوم.
ذلك الكلام يفسره بعض ثقاتنا، وسمعناه من بعض المشايخ أنه من تشرفات السيد أعلى الله مقامه، وتسمى بالإجماعات التشرفية أصولاً، وذلك سمعناه من بعض الثقاة.
وبما أنه يعني بهذه المقدمة التي يبينها السيد بحر العلوم جزمياً، ولم نر عليها دليلاً سابقاً من الفقهاء، ولجزم السيد ومقامه وصدقه وفقاهته ووثاقته فالاحتمال بل الظن قوي أن يكون هو من تشرفاته بخدمة الإمام عليه السلام، هذا شيء مسموع ولاحظناه من فقهائنا الأبرار.
لكن بالنسبة إلى غير ذلك كالأدعية الشريفة للسيد ابن طاووس أعلى الله مقامه منقول فيها هذا.
وإذا كان هناك قول ثابت يوجب اطمئناننا، فلابد أن يكون من الحجة، وأما إذا لم يكن ذلك مورداً للاطمئنان فيشكل الاستناد إليه، وإن كان صادقاً في مقامه، يعني لو أن مسألة شرعية بينها عالم جليل يكون لنا دليل، هذا مشكل.
نعم، هذا صار دليلاً بالنسبة إلى ما أفتى به الصدوق أعلى الله مقامه في المقنع، لأن ما أفتى به هو مضمون الروايات الشريفة، إذا كان الفقهاء يرجعون إلى كتاب المقنع عند إعواز النصوص من جهة أنها روايات أفتي بها وروايات بينت على شكل نص، أما أن نستدل بها استناداً إلى ذلك، أي على أنها حكم شرعي فذلك مشكل، لامن من جهة عدم صحته، بل لاحتياجنا إلى دليل جزمي عند الافتاء بحكم شرعي، والله العالم.
س١٦/ ما هي جدوى الانتظار؟
ج/ بالنسبة إلى الانتظار لا شك ولا ريب، لعل الروايات تفوق التواتر، وهي منقولة في إكمال الدين وغيره حتى أن انتظار الحجة لو انتظر الشخص أثيب كمن كان مع رسول الله، أو استشهد مع رسول الله، ومن كان في فسطاط الحجة لا شك في ثوابه.
إلا أن الظاهر هذا لا ينافي التفحص عن حتمية العلامات الأولى، كي يسترّ الإنسان، أو يعرف الإنسان ويحصل كمال معرفته من هذه الجهة، الظاهر لا ينافي الانتظار، منتظراً للفرج، لكن مع ذلك لمزيد المعرفة، لمزيد العلم، يعرف العلامات الحتمية أو غير الحتمية، ويتهيأ للعلامات حتمية وغير حتمية.
إن كان من جانب المعرفة والعلم فهي لا تنافي مسألة الانتظار، وإن كان الانتظار في نفسه وهو (تسليم) محض جيد لا شك في صحته.
س١٧/ سؤالي هو أن: هل يمكن ملاحظة أن أدلّة كون الإنسان متوقعاً لأمر الحجة، وأن الله يصلح أمره في ليلة واحدة، هذه الأدلة تكون حاكمة على العلامات الحتمية وغير الحتمية؟! أي ان الله تعالى يمكن أن يحدث فيها البداء، كما أن الإمام عليه السلام من قبل ذلك قد قال: (لو لا البداء لأخبرتكم بما كان ويكون)؟
ج/ الحاكمية سيدنا العزيز تحتاج إلى ناظرية، يعني الدليل الحاكم يكون ناظراً إلى الدليل المحكوم، والمفسر له توطئة أو طريق، ليست هناك ناظرية ما بين دليل انتظار الفرج خصوصاً مع روايات التسليم، أي يكون الشخص مسلماً تسليماً، ولا يقول: لم لم يظهر ولي الأمر في دعاء الغيبة الشريفة. إذا كان انتظار مع التسليم ليس هناك منافاة.
ليس هناك حاكمية ما بين الدليل وبين معرفة الأدلة الحتمية، وحتى قد يستفاد نفس بيان الأدلة الحتمية، خصوصاً: انتظروا نداء السماء، كيف هذا في الحديث: أن نداء السماء يصيح جبرئيل بصوت يسمعه جميع الناس: هذا مهدي آل محمد خرج من الكعبة فاتبعوه، أعينوه التحقوا به.
يجب أن يعرف الإنسان هذه الأمور حتى يكون ملتحقاً بالإمام المهدي.
كذلك المعرفة، لأننا في الانتظار خصوصاً مع التسليم الذي بينته.
س١٨/ إذا كان ظهور الإمام حتمياً، فلماذا لم يصلح الله أمر الحجة ويظهر عاجلاً من دون أن نرى العلامات؟
ج/ صحيح، لكن هذا لا يمكن أن يكون، بما أن العلامات الخمس: الصيحة التي بينت في محلها وخروج السفياني وغيرها.
هب أن هذه العلامات حتمية لا يكون فيها بداء، ولعدم البداء فيها يلزم أن تكون في سنة الظهور أو قبلها بقليل، لا يمكن أن يكون هناك معنىً حتمي بالنظر إلى هذا المعنى، فمع حتمية وعدم البداء في هذه العلامات الخمس لا يمكن أن يكون ظهور بدون هذه العلامات، وإلا لم تكن حتمية، فإن هذا الكلام مصادرة للمطلوب.
لذلك الجمع بين حتمية هذه العلامات في سنة الظهور أو قريباً منها ويرافقها الظهور.
ومع ذلك يمكن الظهور أن يصلح أمره في ليلة، ولا ينافي أن تكون في تلك الليلة العلامات الخمسة ثابتة، وهل يستحيل على الله أن يبادر لجميع العلامات الخمس فيخرج السفياني، وتكون الصيحة السماوية، ويخرج اليماني، ويكون ظهور الحجة؟
ليس فيها إشكال، مسألة العلامات الخمسة قد تكون في لحظة واحدة، في يوم واحد، في سنة واحدة، وتلائم الظهور مع الحتمية.
ولا يمكن أن نلتزم بالظهور بدون هذه العلامة.
نعم لو لم تكن حتمية لصح القول، لكن بما أنها حتمية فلابدّ من الجمع ما بين الروايات التي ليس فيها بداء وظهور الإمام الحجة، وفقنا الله لرؤيته إن شاء الله.
س١٩/ هذا إذا فسرتم الحتمية بأنه لا يقتضي فيها البداء، ولا يمكن أن يكون فيها تفسير آخر.
ج/ أنا أجيب حسبما وصلنا من كلام أهل البيت، فإن أهل البيت فسروه بأنها لا يكون فيها بداء، محتم لا يكون غيره، هم فسروه بأنه لا يمكن أن يكون غير هذا.
لذلك أنا على ضوء كلام أهل البيت أعرض في خدمتكم معنى الحتمية: لا يكون فيها بداء، هذا مضمون كلام الإمام الصادق عليه السلام، حتمية لا يكون فيها بداء، كذلك تفسّر الحتمية على ضوء الروايات، وتقبلونه جنابكم قطعاً ويقيناً إن شاء الله.
س٢٠/ وأخيراً ما هي نصيحتكم بالنسبة إلى الشيعة في زمان غيبة الإمام الحجة عجل الله فرجه، بالنسبة إلى الدروس التي يدرسها الطلبة؟
ج/ وظائف الأمة في زمان غيبة الإمام روحي فداه كثيرة، وهي مما استفدناه من الأحاديث الشريفة والأدلة التي يعتمد عليها، وعددها عشرون.
وبما أنه يطول الوقت ولا يمكن لنا أن نشرح هذا المعنى، لذلك نحيله إلى وقته المناسب تفصيلاً بعون الله تعالى مع العذر منكم، وهو مقبول لأنكم من الكرام، والعذر عند كرام الناس مقبول.
س٢١/ سيدنا قد رزقنا الله رؤية الإمام في الرؤية مرتين، في الأولى كان شاباً في منتصف العشرينيات، والثانية كان رجلاً نحو الثلاثين فأيهما أقرب إلى الدقة؟
ج/ إن شاء الله رؤية صادقة، ونأمل له ذلك وكذلك للجميع. لكن الذي في أيدينا من الروايات أنه يظهر في ما يقارب سن الأربعين، والمشاهدات التي حدثها بعض الثقات في هذا السن تقريباً، والذين رأوه قالوا بذلك.
إلا أنه يمكن في مسألة الرؤيا أن يشاهد الإمام في جميع أزمان حياته، في جميع أطوار حياته، والظاهر أن كلامه من جهة الإمكان ممكن ومن جهة الرؤية، أأمل أن تكون صادقة إن شاء الله، والله العالم.
س٢٢/ كيف يمكننا التوفيق بين الروايات التي تعلل غيبة إمامنا المهدي عجل الله تعالى فرجه بأعمال الناس غير اللائقة، وبين الاستطراد وانتشار الفساد والظلم وظهوره الشريف؟
ج/ الذي بيناه كما عرفتموه الآن في توقيع الشيخ المفيد أعلى الله مقامه مسألة المشاهدة كانت من جهة عدم اللياقة وليس مسألة الظهور.
الظهور كان للقضاء على الفساد وامتلاء الأرض عدلاً، الظهور مبتن على هذا، أما الرؤية فهي ممتنعة للياقة، المشاهدة ممتنعة على ما بينه الإمام في توقيعه الشريف أنه الوفاء بالعهد، وعدم وصول ما يكره الإمام المهدي.
هذا كان مبتنى الرؤية والمشاهدة، والأخير مسألة انتشار الفساد والظلم مبتنى لظهور الإمام وقيامه بعد ذلك.
فهناك فرق بين الأمرين، والفارق واضح.
س٢٣/ هل الثلاث مئة والثلاثة عشر شخصاً من أنصاره يستشهدون في الحرب عند ظهوره؟
ج/ يلزم أن نبين مسألة أصحاب الإمام المهدي بأن لهم أوصافاً من جهة إيمانهم، من جهة قوتهم، أنهم لو أرادوا أن يزيلوا الجبال لأزالوها، كيف تكون من قوة؟! كيف تكون من قدرة إلهية محضة؟! ليست من القوى البشرية العادية.
ونفس الإمام مزود بالقوى الربانية التي هي قوى عشرة مبينة في مقامها.
مسألة أنصار الإمام المهدي لهم صفات ولهم خصوصيات، والمعروف بل المذكور في بعض الأحاديث أن بعضهم يستشهد بخدمة الإمام روحي فداه، وينالون هذه الدرجة الرفيعة، رزقنا الله ذلك.
وهناك دعاء موجود أن يجعله من شهداء الإمام المهدي والدعاء فرع الإمكان، بل فرع وقوع هذا الأمر، وهو المأمول إن شاء الله، والله العالم.

والحمد لله رب العالمين

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم
نهج البلاغة: الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام _ دار المعرفة / بيروت
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري _ دار الفكر/ بيروت
سنن أبي داود: سليمان بن الاشعث السجستاني _ دار الفكر/ بيروت
سنن الترمذي: محمد بن عيسى الترمذي _ دار الفكر/ بيروت
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري _ دار المعرفة/ بيروت
مسند احمد بن حنبل: أحمد بن حنبل _ دار صادر/ بيروت
تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون _ دار إحياء التراث العربي/ بيروت
الصواعق المحرقة: ابن حجر العسقلاني
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي _ دار إحياء الكتب العربية
لسان العرب: ابن منظور _ نشر أدب الحوزة/ قم/ إيران
مفردات غريب القرآن: الحسين بن محمد المعروف بالراغب الاصفهاني
عقد الدرر: يوسف الشافعي السلمي/ نشر نصايح _ إيران
تفسير القرطبي: محمد القرطبي _ دار إحياء التراث العربي/ بيروت
تفسير ابن كثير: أبو الفداء الدمشقي _ دار المعرفة / بيروت
فتح القدير: محمد بن علي بن محمد الشوكاني _ عالم الكتب
تفسير فرات: فرات بن إبراهيم بن فرات الكوفي _ (ط: طهران)
تفسير القمي: علي بن إبراهيم القمي _ دار الكتاب / قم / إيران
البيان في أخبار صاحب الزمان: محمد بن يوسف الكنجي الشافعي
كنز العمال: علاء الدين الهندي _ مؤسسة الرسالة/ بيروت
تاريخ دمشق: علي الشافعي المعروف بابن عساكر _ دار الفكر/ بيروت
ينابيع المودة: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي _ دار الأسوة _ إيران
مجمع الزوائد: نور الدين الهيثمي _ دار الكتب العلمية/ بيروت
النهاية: ابن الأثير
شواهد التنزيل: الحاكم الحسكاني/ مجمع إحياء الثقافة الإسلامية _ طهران
الاقتصاد: محمد بن الحسن الطوسي _ مكتبة جامع جهلستون / طهران
كتاب سليم بن قيس: سليم الهلالي / تحقيق: محمد باقر الأنصار الزنجاني
الاعتقادات: الشيخ الصدوق
غاية المأمول: منصور علي ناصف
كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم
كتاب الغيبة: محمد بن إبراهيم النعماني _ مكتبة الصدوق/ طهران
كتاب الغيبة: محمد الطوسي _ مؤسسة المعارف الإسلامية/ إيران
الكافي: محمد بن يعقوب الكليني _ دار الكتب الإسلامية/ طهران
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب _ مؤسسة انصاريان/ قم
شرح إحقاق الحق: السيد المرعشي النجفي _ مكتبة المرعشي/ قم
منتخب الأثر: الشيخ لطف الله الصافي _ مكتب المؤلف/ قم/ إيران
الصراط المستقيم: ابن يونس العاملي _ المكتبة الرضوية/ مشهد
بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي _ مؤسسة الوفاء/ بيروت
معجم أحاديث الإمام المهدي: الشيخ علي الكوراني ضمن المعجم الفقهي
تفسير الصافي: محسن (الفيض الكاشاني) _ مكتبة الصدر / طهران
تفسير كنز الدقائق: الميرزا المشهدي/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم
تفسير جوامع الجامع: الفضل الطبرسي/ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم
شرح الأخبار: النعمان المغربي _ مؤسسة النشر الإسلامي / قم / إيران
تهذيب الأحكام: محمد الطوسي _ دار الكتب الإسلامية/ طهران
الإحتجاج: أحمد الطبرسي _ مطبعة النعمان/ النجف الأشرف
الإختصاص: الشيخ المفيد _ جماعة المدرسين قم/ إيران.
المحاسن: أحمد بن محمد بن خالد البرقي _ دار الكتب الإسلامية
الإيضاح: الفضل بن شاذان الأزدي النيسابوري
السنن الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي البيهقي _ دار الفكر / بيروت
الجامع الصغير: جلال الدين السيوطي _ دار الفكر / بيروت
الغدير: الشيخ عبد الحسين النجفي _ دار الكتاب العربي/ بيروت
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه القمي
تفسير العياشي: محمد العياشي _ المكتبة العلمية الإسلامية _ طهران
مصباح المتهجد: محمد الطوسي _ مؤسسة فقه الشيعة / بيروت
إلزام الناصب: الشيخ علي اليزدي الحائري _ تحقيق: علي عاشور
مسند أبي داوود الطيالسي: سليمان الطيالسي _ دار الحديث / بيروت
عون المعبود: محمد العظيم آبادي _ دار الكتب العلمية / بيروت
سير أعلام النبلاء: محمد الذهبي _ مؤسسة الرسالة / بيروت
البداية والنهاية: إسماعيل الدمشقي _ دار إحياء التراث العربي / بيروت
رسائل في الغيبة: الشيخ المفيد / تحقيق: علاء آل جعفر
كشف الغمة: علي الأربلي _ دار الأضواء / بيروت
كفاية الأثر: علي القمي الرازي _ بيدار / قم / إيران
تذكرة الخواص: عبد الرحمن (السبط ابن الجوزي) (ط: بيروت)
التبيان: محمد بن الحسن الطوسي _ دار إحياء التراث العربي / بيروت
من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق _ جماعة المدرسين/ قم / إيران
جواهر الكلام: الشيخ النجفي _ دار الكتب الإسلامية / طهران
التوحيد: الشيخ الصدوق _ جماعة المدرسين / قم / إيران
بداية المجتهد: محمد القرطبي _ دار الفكر / بيروت ١٤١٥هـ
فلاح السائل: علي الطاووس (ابن طاووس)
غاية المرام: السيد هاشم البحراني/ تحقيق السيد علي عاشور / قم / إيران
رجال الكشي: محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي
قصص العلماء: الميرزا محمد التنكابني
تنقيح المقال: الشيخ عبد الله المامقاني _ ط: النجف ١٣٥٢هـ
مجمع البحرين: الشيخ فخر الدين الطريحي
الأنوار البهية: الشيخ عباس القمي/ مؤسسة النشر الإسلامي / قم / إيران
تاج العروس: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي _ مكتبة الحياة / بيروت
المصباح: إبراهيم بن علي الكفعمي
الإشاعة لأشراط الساعة: محمد البرزنجي المدني / ط: مصر
البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: المولى المتقي الهندي/ قم / إيران
السرائر: محمد الحلي _ مؤسسة النشر الإسلامي/ قم / إيران
جالية الكدر (في شرح منظومة البرزنجي): الشيخ الشافعي / ط: مصر
مدينة المعاجز: السيد هاشم البحراني/ مؤسسة المعارف الإسلامية / إيران
الفصول المهمة: ابن الصباغ المالكي
سبائك الذهب: محمد السويدي البغدادي _ دار الكتب العلمية / بيروت
المصنف: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي _ دار الفكر / بيروت
معالم العلماء: محمد بن علي بن شهر آشوب
أوائل المقالات: الشيخ المفيد _ دار المفيد / بيروت
كنز الفوائد: محمد الكراجكي الطرابلسي _ دار الأضواء / بيروت
عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق _ مؤسسة الأعلمي / بيروت


 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) العنكبوت (٢٩): ٢.
(٢) الكافي: ١/ ٣٧٦ الباب الأول _ الحديث ١ _ ٤، المحاسن للبرقي: ١/ ٩٢ الحديث ٤٦، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٠٩ الحديث ٩، الإيضاح لابن شاذان: ٧٥، مجمع الزوائد: ٥/ ٢٢٤، مسند أبي داوود: ٢٥٩، كنز العمال: ١/ ٢٠٣ الحديث ٤٦٤، وفي صحيح مسلم: ٦/ ٢٢ والسنن الكبرى للبيهقي: ٨/ ١٥٦ بلفظ (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)....
(٣) راجع هذا المعنى في عون المعبود للعظيم آبادي ج ١١ ص ٢٤٧ ـ ٢٥٧، وسير أعلام النبلاء للذهبي ج ١٣ ص ١١٩ ـ ١٢٢، والبداية والنهاية لابن كثير ج ١ ص ١٧٧، وكذلك رد الشيخ المفيد في كتابه ج ١ ص ٤ رسائل الغيبة.
(٤) نفس المصدر.
(٥) كشف الغمة للأربلي ج٣ ص ٢٧٧.
(٦) البيان في أخبار صاحب الزمان: ص ٤٨٣.
(٧) سنن الترمذي ج ٣ ص ٣٤٣.
(٨) مسند أحمد ج ١ ص ٣٧٦ و٣٧٧ و٤٣٠و٤٤٨.
(٩) كمال الدين للصدوق، ج١: ٢٨٧، ح٧ وج٢: ٣٣٤، باب ٣٣، ح٤.
(١٠) كفاية الأثر للخزاز القمي ص ٦٧، ٨٣، ١٥٤.
(١١) الصواعق المحرقة لابن حجر: ٢٣٦.
(١٢) تذكرة الخواص لابن الجوزي: ١٤٣.
(١٣) المستدرك للحاكم، ج ٤: ص ٤٤١، ٤٦٤، ٥٥٧.
(١٤) البيان للكنجي الشافعي: ٩٩، ٤٨٣.
(١٥) ينابيع المودة للقندوزي الحنفي: ٤٢٤، باب ٩٤ و١٣٤، باب ١٤٥.
(١٦) منتخب الأثر للشيخ الصافي الگلپايگاني، ج٢: ١٤٢، ٤٦، ٢٠٢.
(١٧) القصص (٢٨): ٥.
(١٨) آل عمران، الآية ١٦٤.
(١٩) الاقتصاد للشيخ الطوسي: ٢١٠، وكتاب سليم بن قيس ص ٢١٥، وص ٤٠٤، والاعتقادات في دين الإمامية للصدوق ص ٨٠.
(٢٠) البحار ج ٤٥: ١٤٣، تفسير القمي ج ٢: ١٣٥، تفسير فرات الكوفي: ١٤٩.
(٢١) القصص (٢٨): ٥.
(٢٢) الغيبة للشيخ الطوسي: ١٨٤، الحديث ١٤٣.
(٢٣) نهج البلاغة ج ٤: ٤٧، تفسير الصافي للفيض الكاشاني ج ٤: ٨٠.
(٢٤) تفسير كنز الدقائق: ٩/ ٣٣٧.
(٢٥) جوامع الجامع: ٣١٢.
(٢٦) شواهد التنزيل: ١/ ٥٣٧.
(٢٧) البحار للمجلسي ج ٥٢: ٣٢٤.
(٢٨) راجع نحو هذا شرح الأخبار للقاضي المغربي ج ٣: ٣٩٤، وتفسير القرطبي ج ٨: ١٢١، وج ١٨: ٦٨.
(٢٩) ينابيع المودّة: ٣/ ٢٤٠.
(٣٠) إلزام الناصب: ١/ ١١٥.
(٣١) سورة الصافات، الآية ١٠٠ ـ ١٠١. وتفسير ابن كثير ج ٤: ٢١٨، وفتح القدير للشوكاني ج ٥: ٢٢١.
(٣٢) سورة الانبياء، الآية ١٠٥.
(٣٣) من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام والإمامين الحسنين والإمام السجاد والإمام الباقر عليهم السلام (٢ق هـ ـ ٧٦ هـ) وكتابه أول مصنف عقائدي حديثي وصل إلينا من القرن الأول.
(٣٤) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٩٩ الحديث ١١ من الباب ٢٤.
(٣٥) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٣٣٧ الحديث ١٦ من الباب ٢٦.
(٣٦) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤١٥ الحديث ١ من الباب ٦.
(٣٧) الإمامة والمهدوية: ٣ / ٣٥.
(٣٨) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٠: ٩٦، ط ١، دار إحياء الكتب العربية.
(٣٩) سبائك الذهب للسويدي: ٧٨.
(٤٠) المقدمة لابن خلدون: ٣١٧.
(٤١) غاية المأمول: ٥ / ٣٦٥ نقلاً عن كتاب منتخب الأثر.
(٤٢) الكافي للكليني ج ١: ٣٢٨.
(٤٣) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق ص ٢٢٤.
(٤٤) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص ١٣٧.
(٤٥) جواهر الكلام: ٤١ / ١٧٠.
(٤٦) بداية المجتهد: ٢ / ٣٨١.
(٤٧) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٣٣ الحديث ١٦.
(٤٨) راجع: الاعتقادات للصدوق ص ٧٩، والصراط المستقيم للنباطي ج ٢ ص ١٢٤، وغاية المرام للبحراني في عدة مواضع من اجزائه..... وعدة مصادر من طريق العامة والخاصة.
(٤٩) راجع الاحتجاج، ج٢: ٣١٨، وقصص العلماء ص ٣٩٨.
(٥٠) الاحتجاج ج٢: ٣٢٢.
(٥١) الامامة والتبصرة لابن بابويه ص ٣٩، وفيه: (هلك المستعجلون ونجا المسلمون...) وراجع الكافي ج ٣: ١٣٠ ح ٤ هامش ٢ في بيان قوله عليه السلام (هلكت المحاضير).
(٥٢) سنن أبي داوود ج٢: ٣٠٩.
(٥٣) راجع كتاب الغيبة للشيخ الطوسي ص ١٥٢.
(٥٤) آل عمران، الآية ١٦٠.
(٥٥) الكافي للشيخ الكليني ج١ ص٣٣٠.
(٥٦) كمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق ص ٤٣٥.
(٥٧) الغيبة للشيخ الطوسي ص٢٥٣.
(٥٨) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٤٥ الحديث ١٨ من الباب ٤٣.
(٥٩) المحاضرة الاولى.
(٦٠) مجمع البحرين: ج٣: ٣٤٢.
(٦١) يوسف (١٢): ١٠.
(٦٢) لسان العرب: ١ / ٦٥٤.
(٦٣) النهاية لابن الأثير: ٣ / ٣٩٩.
(٦٤) تاج العروس: ١ / ٤١٦.
(٦٥) بحار الأنوار: ٥٢ / ١٥١.
(٦٦) بحار الأنوار/ ج٥٢/ ص ١٥١/ ح٢/ باب ٢٣.
(٦٧) كمال الدين للصدوق: ٤٤٠، ح٨.
(٦٨) الغيبة للنعماني: ١٦٣، ح٤.
(٦٩) الغيبة للنعماني: ١٤٢، ح٣.
(٧٠) الروم (٣٠): ٢٧.
(٧١) البقرة (٢): ٣٠.
(٧٢) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ١ / ٢٠.
(٧٣) نقلها الشيخ المفيد في كتاب الاختصاص: ١٤٩ عن رسالة ابن دأب (المناقب السبعون).
(٧٤) بحار الأنوار: ٥٢ / ٩٠ الباب ٢٠ الحديث ١.
(٧٥) بحار الأنوار: ٥٢ / ٩٧.
(٧٦) الشعراء (٢٦): ٢١.
(٧٧) رسائل في الغيبة للشيخ المفيد: ٤/ ١٢.
(٧٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ٩٩.
(٧٩) الإشاعة لأشراط الساعة: ٩٣ (دار الكتب العلمية – بيروت)، عقد الدرر للشافعي السلمي: ٤١ (ط: دار الفكر)، البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي: ١٧١. لمطالعة هذه المصادر انظر شرح إحقاق الحق للمرعشي، ج٢٧: ١٨٠، ج٢٩: ٥٨٧ و٥٩٢، ولفظ الحديث: (لصاحب هذا الأمر غيبتان).
(٨٠) جالية الكدر (في شرح منظومة البرزنجي): ٢٠٧ (ط مصر) نقلاً عن صاحب الفصول المهمة، سبائك الذهب للسويدي: ٣٦٦ (ط: دار الكتب العلمية به بيروت) المطالعة هذه المصادر، انظر شرح إحقاق الحق للمرعشي، ج١٣: ٩٤، ج٢٩: ١١٦. ولفظ الحديث: (وله قبل فيامه غيبتان).
(٨١) كمال الدين وإتمام النعمة للشيخ الصدوق ص٢٩٤.
(٨٢) لاحظ: الكافي: ص٢/ ٤٠٥ الحديث ٤.
(٨٣) كمال الدين للصدوق: ٤٨٤، ح٤.
(٨٤) انظر الكافي للكليني، ج٢: ٥٩، ح٩.
(٨٥) لاحظ: إلزام الناصب للحائري اليزدي: ١/ ٣١٨.
(٨٦) الجامع الصغير، ج٢: ١٤٤، وروي أيضاً بلفظ (ما أوذي أحد...) انظر كنز العمال، ج٣: ١٣٠، ح ٥٨١٨.
(٨٧) العنكبوت (٢٩): ٢.
(٨٨) القدر (٩٧): ٤.
(٨٩) من لا يحضره الفقيه: ٢/ ٥٩٤ الحديث ٣١٩٩.
(٩٠) الكافي: ٤/ ٥٧٥ الحديث ٢.
(٩١) البقرة (٢): ١٤٣.
(٩٢) المصنف لابن أبي شيبة ج٧ ص٥٧٨ ب ١٣ ح١، كنز العمال للمتقي الهندي ج١٠ ص٣٩٧ ح ٢٩٩٤٣.
(٩٣) بحار الأنوار للعلامة المجلسي ج ٢٥ ص١٣١.
(٩٤) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٥٣ الحديث ٣ من الباب ٢٣.
(٩٥) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٢٠٧ الحديث ٢٢ من الباب ٢١.
(٩٦) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٨٣ الحديث ٤ من الباب ٤٥.
(٩٧) مجمع البحرين للطريحي: ١/ ٣٨٩.
(٩٨) الاحتجاج للشيخ الطبرسي: ٢/ ٣٢٢.
(٩٩) التبيان للشيخ الطوسي ج ٥ ص ٢٩٥، وتفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي ج٢ ص ٩٣.
(١٠٠) التوبة (٩): ٣٣.
(١٠١) نوح (٧١): ٢٦- ٢٧.
(١٠٢) الكهف (١٨): ١٨.
(١٠٣) كتاب الغدير للأميني: ٤/ ٨٨.
(١٠٤) معالم العلماء لابن شهر آشوب: ١٨٣.
(١٠٥) بحار الأنوار: ٥٢/ ١١١ الباب ٢١ الحديث ٢٠.
(١٠٦) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٣٣٥، ح ٢٨١، والحديث عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام، ولفظه: (أيهات، أيهات...)، بدل: هيهات...
(١٠٧) كمال الدين للصدوق: ٦٤١، ولفظه: (...وكذلك قائمنا أهل البيت لن يظهر أبداً حتى تظهر ودائع الله عز وجل، فإذا ظهرت ظهر على من يظهر فقتله).
(١٠٨) الكافي للكليني، ج٧: ٣٧٥، ح ١٦.
(١٠٩) إكمال الدين وإتمام النعمة للصدوق: ٣١٦، ب ٢٩، ح ٢.
(١١٠) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٧٩، ب٤٤، ح١.
(١١١) الإمامة والتبصرة: ١١٦ الحديث ١٠٦، إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٨٠ الحديث ٢ من باب ٤٤.
(١١٢) الشعراء (٢٦): ١٨.
(١١٣) العنكبوت (٢٩): ٢.
(١١٤) مريم (١٩): ٤٨.
(١١٥) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٤٨٠ الحديث ٦ من الباب ٤٤.
(١١٦) لاحظ: الكافي: ١/ ٣٣٧ الحديث ٥، إكمال الدين وإتمام النعمة ٣٤٢ الحديث ٢٤ عن الباب ٣٣.
(١١٧) الشعراء (٢٦): ١١٨.
(١١٨) مريم (١٩): ٤٩.
(١١٩) القصص (٢٨): ٢١.
(١٢٠) بحار الأنوار: ٥٢/ ٩٢.
(١٢١) كمال الدين للصدوق: ٣٣٩، باب ٣٣، ح ١٧.
(١٢٢) الإمام علي بن الحسين عليه السلام قال: (من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأحد). راجع كمال الدين للصدوق: ٣٢٣، ب٣١، ح٧.
(١٢٣) يوسف (١٢): ١١٠.
(١٢٤) أوائل المقالات للشيخ المفيد: ٢٣٦.
(١٢٥) الكهف (١٨): ١١٠.
(١٢٦) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٥١٦ الحديث ٤٤ من الباب ٤٥، كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٣٩٥ الحديث ٣٦٥، الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٢٩٧.
(١٢٧) كنز الفوائد للكراجكي، ص: ٣٤٤.
(١٢٨) راجع مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ج ٣: ٦، والجامع الصغير للسيوطي ج ١: ٦٦٥، وتاريخ دمشق لابن عساكر ج ٤٢: ٣٥٦.
(١٢٩) راجع شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ج ١: ٢٧، وفيه: وأما العبادة... وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على ورده ان يبسط له نطع بين الصفين ليلة الهرير فيصلي... والسهام تقع بين يديه وتمر على صماخيه...
(١٣٠) راجع الاحتجاج للطبرسي ج ١: ١٣١.
(١٣١) الاختصاص للشيخ المفيد ص ١٥٨.
(١٣٢) بحار الأنوار: ٥١/٢٧.
(١٣٣) إكمال الدين إتمام النعمة: ٣١٦ الحديث ٢ من الباب ٢٩.
(١٣٤) العنكبوت (٢٩): ١٤.
(١٣٥) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٥٢٣.
(١٣٦) الصافات، الآية: ١٤٢.
(١٣٧) مفردات غريب القرآن: ٤٤٦.
(١٣٨) الحجر، الآية: ٣٦ _ ٣٧.
(١٣٩) كمال الدين للصدوق: ٥٥١، أنظر تعليق الشيخ اعلى الله مقامه على الحديث ١ من الباب ٥٣.
(١٤٠) إكمال الدين وإتمام النعمة: ٣٨٦ الحديث ٥٠.
(١٤١) التوبة (٩): ٣٣.
(١٤٢) البيان للكنجي الشافعي ص ٢٨. وراجع كشف الغمة للأربلي ج ٣: ٢٩٠.
(١٤٣) بحار الأنوار: ٤٨/ ٢٦٥ الباب ٤٤ الحديث ٢٥.
(١٤٤) تقريب المعارف: ٤٤٩.
(١٤٥) الاحتجاج للطبرسي ج ٢: ٢٩٧.
(١٤٦) كفاية الأثر للخزاز القمي ص ١٦٢، والصراط المستقيم للنباطي العاملي ج ٢: ١٢٨.
(١٤٧) بحار الأنوار: ٩٧/ ٣٤٢ الحديث ٣٢.
(١٤٨) للوقوف على هذه الرواية راجع كتاب الغيبة للطوسي ص ٢٤٠.
(١٤٩) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٢٩٥.
(١٥٠) الاحتجاج للطبرسي ج٢: ٢٩٧.
(١٥١) راجع كتاب الغيبة للطوسي ص ١٧٠.
(١٥٢) تهذيب الأحكام: ٦/١١٨.
(١٥٣) عيون أخبار الرضا عليه السلام: ٢/١٢٥.
(١٥٤) تنقيح المقال في معرفة الرجال: ١/ ٢٠٠.
(١٥٥) الكافي: ١/٣٢٩ الحديث ١.
(١٥٦) رجال الكشي: ٤٨٥.
(١٥٧) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٢٠.
(١٥٨) كتاب الغيبة للطوسي، ص: ٣٦١.
(١٥٩) فلاح السائل لابن طاووس ص ٧٤.
(١٦٠) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٢٦.
(١٦١) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٢٦.
(١٦٢) كتاب الغيبة للشيخ الطوسي: ٢٤٢.
(١٦٣) لاحظ: مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني: ٨ / ٩.
(١٦٤) راجع الأنوار البهية للشيخ عباس القمي، ص: ٣٦٠ نقلاً عن كشف الغمة.
(١٦٥) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٣٢٥.
(١٦٦) التوحيد للصدوق: ٣٣٧، باب ٥٥، ح٤، ولفظ الحديث: (يا داود تريد وأريد...).
(١٦٧) كمال الدين للشيخ الصدوق، ص: ٤٨٥.
(١٦٨) مصباح المتهجد للشيخ الطوسي، ص: ٤٠٩.
(١٦٩) إلزام الناصب للشيخ الحائري اليزدي ج١: ٢٤٦.
(١٧٠) راجع تفسير العياشي، ج٢: ٣٢٥.
(١٧١) الاحتجاج للطبرسي ج٢: ٤٧٠، كمال الدين للصدوق ص ٤٨٤.
(١٧٢) السرائر لابن ادريس الحلي ج٣: ٥٧٥.
(١٧٣) الاحتجاج للطبرسي ج٢: ٢٩٧.
(١٧٤) راجع مصباح المتهجد للشيخ الطوسي ص ٧١٣، مصباح الكفعمي ص ٤٨٢.
(١٧٥) الاحتجاج للطبرسي ج٢: ٢٨٣.
(١٧٦) البحار للمجلسي ج ٩٨: ٣٣٠.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٤.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016