فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب على ضفاف الانتظار

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٧/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ١٤٩٤ التعليقات التعليقات: ٠

على ضفاف الانتظار

تأليف: الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
تقديم: مركز القمر للإعلام الرقمي
الطبعة الأُولى: ١٤٣٨هـ

الفهرست

مقدَّمة المركز
الإهداء
مقدَّمة المؤلِّف
(١) الانتظار..
(٢) ما هي حالتك مع إمامك؟ وكم تذكره؟ ومتى؟
(٣) ماذا لو..؟
(٤) ما هو السؤال الذي تخشى أن يسألك إيّاه الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(٥) كيف نُحبّب المهدي إلى الناس؟
(٦) هل يجوز إهداء الأعمال للإمام المهدي (عليه السلام)؟
(٧) هل مات الإمام!؟
(٨) على ماذا بايعت إمامك؟
(٩) مَنْ ينتظر مَنْ؟ هل هو (عليه السلام) ينتظرنا أم نحن ننتظره؟
(١٠) إصلاح.. لعدل
(١١) إعداد متواصل
(١٢) الأحداث الجارية والظهور
(١٣) تربية مهدوية.. كيف تجعل من عائلتك عائلة مهدوية؟
(١٤) شبابٌ مهدوي
(١٥) الوقت والمنتظِر المهدوي
(١٦) موظَّف مهدوي
(١٧) طبيب مهدوي
(١٨) نساء مهدويات
(١٩) هل تختلف المرأة في دورها التمهيدي؟
(٢٠) المرأة زمن الظهور
(٢١) ما هو مصير المنتظِر الذي مات قبل الظهور؟
(٢٢) نراه ولا نعرفه؟
(٢٣) هل الهدف رؤية الإمام؟
(٢٤) شروط اللقاء
(٢٥) هل الغيبة تعني الانقطاع!؟
(٢٦) كيف تقتدي بإمامك الغائب؟
(٢٧) كيف يمكنك أن تُدخِل الحزن على قلب إمامك!؟ وهل يمكنك إفراحه؟
(٢٨) لماذا اعتَزَلنا المهديُّ (عليه السلام)؟
(٢٩) ما الفرق بين مهدي العامَّة ومهدي الشيعة؟
(٣٠) هل المهدي (عليه السلام) من ولد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
(٣١) لماذا كان الإمام المهدي (عليه السلام) من أولاد الإمام الحسين (عليه السلام) ولم يكن من أولاد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
(٣٢) هل المهدوية عند الشيعة فكرة يهودية؟
(٣٣) لماذا يحكم الإمام المهدي (عليه السلام) بحكم آل داود؟
(٣٤) لماذا لا يظهر وقد امتلأت ظلماً!؟
(٣٥) لماذا كان انتظار الفرج أفضل أعمال أُمَّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
(٣٦) ولا تستبدل بي غيري
(٣٧) اسم صريح في القرآن
(٣٨) الإمام المهدي وحديث الثقلين
(٣٩) الجسم إسرائيلي
(٤٠) مسجد السهلة
(٤١) الفرق بين السفير والفقيه
(٤٢) لماذا غيبة صغرى ثمّ كبرى؟
(٤٣) الفرق بين الغيبة الصغرى والكبرى
(٤٤) متى بدأت الغيبة الصغرى؟
(٤٥) القواسم المشتركة بين الأنبياء والمهدي (عليهم السلام)
(٤٦) إمام صبي..!
(٤٧) أُمَّة واحدة، تأمّلات مستوحاة من الجوِّ العامِّ للروايات الشريفة
(٤٨) انتظار العلامات أم الإمام؟
(٤٩) إهمال متعمَّد
(٥٠) بركات وجوده رغم غيبته
(٥١) من تجلّيات الإحاطة العلمية
(٥٢) تتويج الإمام المهدي (عليه السلام)
(٥٣) تعجيل الظهور بنشر الفساد!
(٥٤) جاهلية جهلاء
(٥٥) جزاء عدم معرفة الإمام
(٥٦) حرب عالمية ثالثة
(٥٧) خلاصة المعرفة
(٥٨) سَكَنُ الملائكة
(٥٩) لماذا المهدي دون غيره؟
(٦٠) له أُسوة بالزهراء (عليها السلام)
(٦١) ما هو الجفر؟
(٦٢) ما هي قومية الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(٦٣) ماء معين
(٦٤) طبقات أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)
(٦٥) بلدان أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)
(٦٦) كيف سيجتمع إليه أصحابه؟
(٦٧) ميثاق المهدي على أصحابه
(٦٨) الأبدال
(٦٩) الحسني
(٧٠) الخراساني
(٧١) الخضر (عليه السلام) في القضيَّة المهدويَّة
(٧٢) بين الخليل والمهدي (عليهما السلام)
(٧٣) تعدّد أسماء أُمِّ الإمام المهدي (عليه السلام)
(٧٤) دابَّة الأرض
(٧٥) شعيب بن صالح
(٧٦) مَنْ هم المهديّون؟
(٧٧) الكيسانية
(٧٨) الشلمغاني
(٧٩) الشيصباني
(٨٠) مَنْ هو السفّاح؟
(٨١) مَنْ هو القائم؟
(٨٢) مَنْ هو المنصور؟
(٨٣) المنتصر
(٨٤) الإمام داعية سلام
(٨٥) المنتقم..!
(٨٦) أوَّل مَن يرجع
(٨٧) أين يعيش الآن!؟
(٨٨) بأيِّ صورة يُرى إذا ظهر؟
(٨٩) خروجه بغتة
(٩٠) راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
(٩١) صيحة إعجازية
(٩٢) معجزة إثبات
(٩٣) ظهور أم ظهوران؟
(٩٤) عاصمة المهدي (عليه السلام)
(٩٥) كيف سيموت الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(٩٦) أين يُدفَن المهدي (عليه السلام) بعد موته؟
(٩٧) كيف سيحكم بالحقِّ؟
(٩٨) كيف نُسلِّم عليه إذا ظهر؟
(٩٩) كيف يتمُّ التوفيق بين علامية العلامات ووضوحها وبين فجائية الظهور؟
(١٠٠) ما هو موقفنا اتِّجاه السفياني؟
(١٠١) ما هو نوع السلاح الذي سيظهر به الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(١٠٢) ما هو دور الفقهاء في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(١٠٣) ما هي الخطوات التي خطاها الإمام المهدي (عليه السلام) ليُرجِع الشيعة إلى الفقهاء زمن غيبته؟
(١٠٤) ما هو الأصعب؟
(١٠٥) مدَّة الدولة المهدوية
(١٠٦) ممَّن يطلب الثأر؟
(١٠٧) مَنْ الذي يحكم الأرض بعد الإمام المهدي (عليه السلام)؟
(١٠٨) موقع المعجزة من الظهور
(١٠٩) هل ذنوبنا هي سبب تأخير الظهور؟
(١١٠) هل سيقتل علماء الشيعة!؟
(١١١) هل للمهدي قرآن خاصٌّ؟
(١١٢) هل ستنتهي تسويلات النفس الأمّارة بالسوء؟
(١١٣) هل يُولَد في آخر الزمان؟
(١١٤) يقضي الدَّين ويُعطي هنيئاً
ختامه مسك
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على محمّدٍ خاتم النبيّين والمرسلين، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.
لقد وفَّر ظهور شبكات التواصل الاجتماعي فتحاً ثورياً ثقافياً واسعاً جدّاً، حيث أخذ بنقل المعلومة إلى كلِّ من في الأرض عبر ثوانٍ قليلة، وأعطى مستخدميه فرصة كبرى للتأثير والانتقال عبر الحدود بلا قيود ولا رقابة، الأمر الذي تخطّى أُفق التوقّع.
إنَّ قفزات علمية بعيدة المدى حصلت في السنوات الأخيرة، أدَّت إلى ظهور الكثير من الإبداعات العلمية، والتي اختصرت الوقت في كثير من الأحيان، وجاءت بالبعيد لتضعه بين يديك وبكلِّ سهولة.
ومن ذلك ما يُسمّى بالإعلام الرقمي، الذي يضمُّ كافَّة تقنيّات الاتِّصال المعلوماتية الرقمية التي تُمارَس من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، والتفاعل مع المستخدمين الآخرين.
إنَّ العالم اليوم يضجُّ بمواقع التواصل المختلفة، والتي تبثُّ مختلف الثقافات، وبأنواع اللغات وصنوف العلوم.
وتشير بعض الدراسات إلى تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في العالم (٢) مليار مستخدم عام (٢٠١١م)، أي حوالي ثلث سكّان العالم، هذا الرقم يُمثِّل زيادة بنسبة (٤.٤٨٠%) عمَّا كان عليه في عام (٢٠٠٠م)، وكانت أكبر نسبة نموّ خلال هذه الفترة من نصيب قارَّة إفريقيا، والتي نمى فيها استخدام الإنترنت بحوالي (٤.٢٥٢٧%)، تليها منطقة الشرق الأوسط بنسبة (١٩٨٧%).
ومن هنا، نشأت الفكرة بتأسيس (مركز القمر للإعلام الرقمي) التابع للعتبة العبّاسية المقدَّسة، ليملأ فراغات ثقافية عديدة، من شأنها أن تساعد في نشر ثقافة أهل البيت (عليهم السلام) الدينية والثقافية المختلفة، وهو بهذا يواكب مسيرة الأنبياء والأولياء في التبليغ لأحكام الله تعالى وهداية الناس نحو الطريق القويم.
وقد أخذ المركز على عاتقه نشر أُمور عديدة، منها: التنشئة الاجتماعية المتطوّرة، والتعليم والتثقيف المتنوّع، ونشر البوسترات بمختلف العناوين؛ الثقافية العقائدية والمهدوية، والإجابة عن الشبهات، وغيرها كثير.
ومن ضمن مهامّ المركز، طباعة الكتب التي تنشر مقالاتها عبر مركزه الإلكتروني للتسوّق، لما في ذلك من دعم لمسيرة الكُتّاب، وتنمية لجوانب المعرفة، وكان أوَّل كتاب يُطبَع في هذا المجال هو كتاب (على ضفاف الانتظار) لمؤلِّفه (الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي)، فنسأل الله تعالى أن يُوفِّقه ويُوفِّقنا لمزيد من العلم والعمل الصالح.

مركز القمر للإعلام الرقمي

الإهداء

إلى من لم تشبع عيناي من رؤيته..
إلى من لم تغب أطلال ذكرياته عن خاطري..
إلى أبي..
وإلى الحضن الدافئ الذي ضمَّني..
إلى القلب الرؤوم الذي اتَّكأت عليه..
إلى اليد التي ساندتني من حيث لا أشعر..
إلى أُمّي التي لم أتعب معها كثيراً..
حيث اختطفها المرض بأسرع من لمح البصر..
ربِّ، اقبل هذا العمل، وإن كان فيه ثواب وأجر، فإنّي أُهديه لوالديّ.

* * *
بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المؤلّف:
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله على سيِّدنا الأعظم محمّد، وآله الطيّبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أعداء الدين، إلى قيام يوم الدين.
أمَّا بعد..
١ - تتراوح المفاهيم الدينية فيما بينها شدَّةً وضعفاً من حيث الأهمّية، فبينا يكون بعضها من النوع الذي لا يضرُّ جهله في عقيدة المؤمن، يحتلُّ بعضٌ آخر منها الصدارة في قائمة الاعتقادات، ليتوقَّف عليه أصل التلبّس بالإيمان، وليخرج عن ربقته من لا يعتقد به، وليدور مداره مستقبل المرء الأُخروي.
٢ - إنَّ قضيَّة الإيمان بمهدي الأُمم، والمصلح الأعظم، هي من القضايا التي تجاوزت الحدود المذهبية، بل والدينية، فكانت قضيَّة آمن بها بنو البشر منذ القِدَم وعلى اختلاف مشاربهم، وحُلُمهم بالمدينة الفاضلة لم يفارق أذهانهم. نعم، اختلفت الحضارات والديانات والمذاهب في تشخيص ذلك المخلِّص العظيم والمنقذ المصلح بعد أن اتَّفقت على ضرورته كفكرة عامَّة.
٣ - إنَّ مطالعة سريعة في تراث الديانات السماوية، تكشف لنا وبوضوح عن أنَّ هذه القضيَّة كان لها من الأهمّية ما لا يمكن غضُّ الطرف عنه، وبالتالي، كان لزاماً على كلِّ موحِّد - فضلاً عن مسلم - أن يقوّي من ارتباطه بها، وأن يزيد من معارفه فيما يتعلَّق بجوانبها المختلفة، الأمر الذي أشارت إلى أهمّيته رواياتنا الإسلاميَّة، بل وصرَّحت بأنَّ من لا يكون له معرفة بها فإنَّه سيموت «ميتةً جاهليةً».
عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفت لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(١).
وعن فضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «من مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهلية، ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، ومن مات و هو عارف لإمامه كان كمن هو مع القائم في فسطاطه»(٢).
٤ - ومن هنا، كان من المفترض على (المنتظرين) أن يعملوا جاهدين على تطبيق الانتظار عمليّاً، الأمر الذي يستدعي المعرفة المسبقة، حتَّى يستتبعها العمل على بيِّنة من الأمر.
ولأنَّ خيوط هذه القضيَّة شائكة، ورواياتها كثيرة، والبحوث فيها طويلة، خطرت الفكرة بكتابة (مقالات قصيرة) يُكمِل بعضها بعضاً، على أن يكون لكلِّ واحدة منها استقلالها النسبي والمعرفي الخاصّ.
وعلى مدار أكثر من سنة كاملة، ومن خلال قناة (لبّيك يا مهدي) عبر برنامج (Telegram) وعلى الرابط (https://t.me/labaikyamahdi) طُرِحَت هذه المقالات مسبوقة بسؤال قبل طرحها بيوم، لتجتمع فيما بعد في هذه الأوراق.
وقد كُتِبَ لهذه الكلمات أن تشقَّ طريقها متواضعة بين المقالات والبرامج المهدوية من خلال ما يلي:
أوَّلاً: أُتيح لخمسين منها أن تكون برنامجاً تلفزيونياً أنتجته الوحدة الإعلامية التابعة للعتبة العلوية المقدَّسة، وقد بُثَّ فيما بعد بعنوان (الموعود) عبر البثّ الإلكتروني المباشر للعتبة المقدَّسة، وتمَّ استلامه من أكثر من ستّ قنوات فضائية بثَّته بين برامجها.
ثانياً: أُتيح لمجموعة منها أن تملأ عموداً ثابتاً في مفكرة (المنتظِر) لعام (٢٠١٨م)، التي تصدر عن مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك بتوجيه من مدير المركز سماحة الأُستاذ الفاضل السيِّد محمّد القبانچي، الذي تفضَّل مشكوراً بمراجعة هذه المقالات كلّها، وإبداء ملاحظاته القيِّمة عليها.
ثالثاً: أُتيح لها أن تُنشَر عبر مركز التسوّق الإلكتروني التابع لمركز القمر للإعلام الرقمي التابع للعتبة العبّاسية المقدَّسة.
وأخيراً، وبتوجيه من سماحة الأخ الكريم الشيخ حسين الترابي، مدير معهد تراث الأنبياء التابع للعتبة العبّاسية المقدَّسة، أُتيح لها أن تكون في هذا الكتاب، فشكر الله سعيه ورزقه وإيّانا حسن العاقبة.
الإخوة والأخوات:
إنَّ هذه المقالات لا تُمثِّل (فتاوى) نهائية في هذا المجال، فما زال المجال رحباً، وما زالت الأرض خصبة، وما زال الطريق طويلاً حتَّى نصل إلى أعماق هذه القضيَّة المصيرية، لكنَّها على كلِّ حالٍ، تقدح في الأذهان تساؤلات عديدة، يمكن أن تكون مفتاحاً لكثير من الحقائق المهدوية، وبالتالي، فالمرجو أن تستمرَّ المطالعات في هذا الجانب، حتَّى يصل المنتظرون إلى قناعات مستدلَّة في شتّى مجالاتها.
هي (مائة وأربع عشرة) مقالة، كانت بهذا العدد تيمّناً بعدد سور القرآن الكريم، أسأل الله تعالى أن يلطف بي وأن يُوفِّقني لإصدار مجموعة أُخرى في هذا المجال، وأن يُوفِّق جميع إخوتي المؤمنين أن يبذلوا جهدهم لملئ ما يجدونه من فراغات في المكتبة المهدوية.
أسأل الله تعالى أن يتقبَّل هذه (البضاعة المزجاة) بقبوله الحسن، وأن يتجاوز عمَّا هو به أعلم، وأن يمنَّ علينا بنفحة ملكوتية من قطب رحى الإمكان، المولى الأعظم صاحب العصر والزمان.

حسين عبد الرضا الأسدي
النجف الأشرف
(٢٦/ نيسان/ ٢٠١٧م)
(٢٨/ رجب الأصبّ/ ١٤٣٨هـ)

(١) الانتظار..
وما أدراك ما الانتظار؟!
الانتظار معنى إسلامي إنساني.
الانتظار: عمل مستمر دؤوب، نحو هدف سامٍ وغاية عظمى.
الانتظار: إيمان قلبي، مقرون بعمل جارحي، مرتكز على عقيدة قلبية راسخة.
الانتظار: شوق لمعشوق، غائب حاضر، يقرنه تمهيد لمجيئه.
الانتظار: قلب واله، وجوارح عاملة، وعيون دامعة.
الانتظار: حماس في عمل، ونشاط في دوام، واستمرار في جهاد.
الانتظار: هو ترجمة عملية للإسلام المحمّدي.
فطوبى للمنتظرين.
إنَّ الانتظار ليس سكوناً عن حركة، ولا ركوداً عن تغيير.
إنَّ الانتظار ليس تواكلاً على الغير، ولا رأس نعامة مدفوناً في التراب.
إنَّ الانتظار ليس نوماً وكسلاً، ولا إلقاء لوم على الآخرين.
إنَّ الانتظار ليس تقوقعاً على الذات، ولا انطواءً على النفس.
فالانتظار..
كلّه عمل، وإيمان، وورع، وتقوى.
إنَّه إيمان بأُصول الدين، وعمل بفروع الدين، والتزام بمكارم الأخلاق، وتهيئة عملية للظهور، ومشاركة عملية في التغيير - على مستوى النفس أو على مستوى المجتمع -.
عن جابر [الجعفي]، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنَّ أدنى ما يكون لهم من الثواب أن يناديهم البارئ (جلَّ جلاله) فيقول: عبادي وإمائي! آمنتم بسرّي وصدَّقتم بغيبي، فأبشروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقّاً منكم أتقبَّل، وعنكم أعفو، ولكم أغفر، وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء، ولولاكم لأنزلت عليهم عذابي...»(٣).
(٢) ما هي حالتك مع إمامك؟ وكم تذكره؟ ومتى؟
هل المنتظرون على درجة واحدة من الارتباط بالإمام وبعقيدة الانتظار، أم أنَّ هناك تفاوتاً بين المنتظرين في ارتباطهم بالإمام (عليه السلام)؟
هذه همسات نخاطب بها أنفسنا:
إنَّ البعض لا يذكره (عليه السلام) إلَّا في يوم ولادته (عليه السلام).
والبعض لا يذكره إلَّا إذا دهته نائبة من الدهر أو اشتدَّت به الريح في يوم عاصف.
وثالث ذاكر له، لكن عطف الأيّام عليه وسكون الليالي عنه تلهيه عن ذكره.
ورابع متألّم على فراقه، لكنَّه لا يخطو خطوة واحدة نحو الوصال.
وهناك من أحرق غياب الإمام قلبه، وأقلق مضجعه، ونفى رقاده، فهام قلبه في عشقه يبحث في أرجاء السماء وأقطار الأرض عن موضع لمولاه، فلا انقطع حنينه، ولا سكن أنينه، ولا يقرُّ له قرار إلَّا برؤية طلعة مولاه البهيَّة، ولطالما ردَّد قلبه بهدوء يكاد لا يسمع همسه «لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوى أَوْ غَيْرِها أَمْ ذِي طُوى؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلاتُرى، وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوى...»(٤).
(٣) ماذا لو..؟
لو.. حرف امتناع لامتناع..
هكذا قالوا في اللغة العربية.
ولو.. تُستَعمل اليوم، بيننا نحن أهل العرف العامّ، في الأُمور التي نستبعدها، لكنَّها ممكنة الوقوع.
ومن هنا.. دعونا نتأمَّل التالي:
ماذا لو كنت جالساً في بيتك، وطرَقَ الإمام المهدي (عليه السلام) بابك؟! كيف ستستقبله؟ وبأيِّ وجه ستراه؟ وبأيّة صيغة ستُرحِّب به؟
ماذا لو جاءك الإمام ضيفاً؟ ماذا ستُقدِّم له؟ هل ستطمئنُّ بما تُقدِّمه له بأنَّه حلال صريح! أو ماذا؟
ماذا لو أراد الإمام أن يُقلِّب قنواتِ تلفزيونِك! أو صفحاتِ جوّالِك! هل ستُقدِّم له ذلك بكلِّ رحابة صدر واطمئنان؟!
ماذا لو رأيت إمامك اليوم في طريق عملك؟ ماذا ستقول له؟ وهل ستكون راضياً عن هندامك أمامه؟
ماذا لو كنت جالساً مع أصحابك، في خلوتكم المعتادة، ودخل عليكم الإمام، هل ستكون وتيرة الحديث واحدةً أو ماذا؟
ماذا لو خرج الإمام غداً، نعم غداً! هل ستكون مستعدّاً تماماً لتكون معه؟!
ماذا لو قال لك الإمام: اُطلب ما شئت! ماذا ستطلب منه! وتذكَّر: فإنَّ طلباتك تكشف عن علاقتك بإمامك؟
ماذا لو أراد الإمام (عليه السلام) أن يأخذ أموالَك، نعم، جميعَ أموالِك! ما تعبْتَ في جمعه طول عمرك! هل ستكون مستعدّاً لذلك!
ماذا لو كان أبوك أو أخوك أو ابنك أو من تُحِبُّه معارضاً للإمام، وكان مستحقّاً للقصاص، هل ستكون راضياً بما يفعله الإمام مهما كان!؟
ماذا لو..؟ أتركها لكم..
و﴿الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة: ١٤).
(٤) ما هو السؤال الذي تخشى أن يسألك إيّاه الإمام المهدي (عليه السلام)؟
كلّنا ندَّعي أنَّنا نُحِبُّ الإمام (عليه السلام)، وكلّنا ندَّعي أنَّنا نُحِبُّ لقياه اليوم قبل غد، ولكن، تصوَّروا معي الآن:
لو تحقَّق الحلم، والتقيت أنا أو أنت به (عليه السلام)، فما هو السؤال الذي تخشى أن يسألك إيّاه؟
ماذا أقول لو سألني الإمام: لماذا لم تُقدِّم أكثر ممَّا أنت عليه الآن؟ فحتَّى لو كنت تسير في الطريق الإيجابي، لكن ألَا يمكنك أن تُقدِّم أكثر حتَّى تملأ مساحات أكثر؟
قد يأمرني الإمام بشيء ما، قد يأمرني بأن أدخل معركة، قد يأمرني بالتخلّي عن أبي أو ابني لأنَّه على الطريق المنحرف، قد يأمرني بتسليم كلّ ما أملك له من دون مقابل، هل سأستطيع أن أُسلِّم له أمره، وأرضى بقلبي قبل لساني؟
هل سأكون مثل عبد الله بن أبي يعفور، الذي وصل به التسليم لأمر المعصوم إلى أن قال لأبي عبد الله (عليه السلام): والله لو فلقت رمّانة بنصفين، فقلت: هذا حرام وهذا حلال، لشهدت أنَّ الذي قلت: حلال، حلالٌ، وأنَّ الذي قلت: حرام، حرامٌ، فقال له الإمام (عليه السلام): «رحمك الله، رحمك الله»(٥)؟
ماذا لو سألني الإمام (عليه السلام): ما هو دورك في المجتمع فيما يتعلَّق بالتمهيد لظهوري؟ عندها، سأنتبه إلى نفسي، وهل كنت شمعة تضيء الدرب للمنتظرين، أم كنت حجر عثرة في طريق التمهيد؟!
ماذا لو كنت أُظهِر الورع والتقوى في العلن وأمام الناس، ولكنّي إذا خلوتُ بنفسي عصيت وما ارعويت، فكيف سيكون حالي إذا قال الإمام لي من باب التعريض: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ (الأنبياء: ٤٩)؟!
ماذا لو كنت ادَّعي التشيّع والحبّ له، ولكنّي جاهل بأحكام الشريعة، ألَا أتذكَّر حينها قوله (عليه السلام): «قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه»(٦)؟
ماذا أقول لو قال لي الإمام كلمة واحدة فقط، كلمة واحدة:
لماذا آذيتني؟!
(٥) كيف نُحبّب المهدي إلى الناس؟
عندما نستقرئ أفكار الناس تجاه الإمام المهدي (عليه السلام)، نجد أنَّ هناك تبايناً بينهم في الصورة التي رسموها للإمام (عليه السلام)، هناك من لا يرى إلَّا الجنبة الدموية لظهور الإمام (عليه السلام)، وذلك بسبب قراءته لبعض الروايات التي تذكر القتل، أو الشبهات التي تثار من قِبَل المغرضين تجاه قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) ليُبعِدوا الناس عنه (عليه السلام).
ونحن كمنتظرين وممهِّدين، علينا أن نتذكَّر قول الإمام الصادق (عليه السلام): «رحم الله عبداً حبَّبنا إلى الناس ولم يُبغِّضنا إليهم...»(٧).
فعلينا أن نُحبِّب الإمام للناس، وهذا يقتضي عدَّة أُمور، منها التالي:
أوَّلاً: علينا أن نُركِّز على ذكر صفات الإمام (عليه السلام) التي وردت في الروايات المعتبرة، والتي تصفه بأنَّه «رحمةً للعالمين»(٨)، وأنَّه شفيق جدّاً على رعيَّته(٩).
ثانياً: التركيز على أنَّ الإمام (عليه السلام) سوف لن يغلق باباً فتحه الله تعالى، وهو باب التوبة.
ثالثاً: التركيز على الجوانب الإنسانية من دعوة الإمام المهدي (عليه السلام)، الأمر الذي سيصل بالإمام إلى قبول التوبة حتَّى من أعدائه (كما ورد هذا المعنى في السفياني)، وإلى أن يُرسِل الرسل لفتح المدن بطريقة سلمية (كما ورد هذا المعنى في فتح القسطنطينية)(١٠).
رابعاً: أنَّ أكثر الخوف من الإمام جاء بسبب الجهل بقضيَّته، لذلك، علينا أن نُركِّز على ضرورة أن يزيد الفرد من معرفته بالإمام، من خلال القراءة، واستماع المحاضرات من المتخصّصين والعارفين بهذا الشأن.
خامساً: عندما يذكر بعضنا الروايات الواردة في حروب الإمام، فعليه أيضاً أن يُبيِّن المبرّرات الشرعية والإنسانية لحصولها، وأنَّ الإمام (عليه السلام) لن يخرج عن الخطِّ الإسلامي العامّ فيها، لأنَّه إنَّما يقوم من أجل إحياء الإسلام بتمام معنى الكلمة.
تنبيه:
لا يعني كلُّ هذا أن ينظر أحدنا إلى القضيَّة بعين التهاون والتسامح اللامسؤول، ولا يعني هذا الاستخفاف بالأوامر والنواهي، كلَّا، فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) وإن كان رحمةً للعالمين كجدِّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنَّه في نفس الوقت الذي يخرج منتقماً من أعداء الدين، وقد جُعِلَ آخر الدواء الكيّ!
(٦) هل يجوز إهداء الأعمال للإمام المهدي (عليه السلام)؟
قد يتساءل البعض عن الدليل عن جواز ذلك، وأنَّه هل يجوز أن أحجَّ مثلاً أو أُؤدّي عمرة مفردة أو أن أقرأ القرآن الكريم نيابةً أو هديةً عن الإمام المهدي (عليه السلام).
إنَّ من الواضح فقهياً جواز ذلك، وهذه سيرة علمائنا اليوم وأمس قائمة على ذلك، فإنَّ هذا الأمر جائز، بل مستحبّ.
وقد وردت بعض الروايات الدالّة على أنَّ من أشرك معه أحداً من المؤمنين في حجَّته فإنَّ له ولجميع من أشركه الثواب الكامل، فقد ورد عن عليِّ بن إبراهيم الحضرمي، عن أبيه، قال: رجعت من مكّة، فلقيت أبا الحسن موسى (عليه السلام) في المسجد وهو قاعد فيما بين القبر والمنبر، فقلت: يا ابن رسول الله، إنّي إذا خرجت إلى مكّة ربَّما قال لي الرجل: طف عنّي أُسبوعاً وصلِّ ركعتين، فأشتغل عن ذلك، فإذا رجعت لم أدر ما أقول له، قال: «إذا أتيت مكّة فقضيت نُسكك فطف أُسبوعاً وصلِّ ركعتين ثمّ قل: اللّهمّ إنَّ هذا الطواف وهاتين الركعتين عن أبي وأُمّي وعن زوجتي وعن ولدي وعن حامَّتي وعن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن قلت للرجل: إنّي قد طفت عنك وصلَّيت عنك ركعتين، إلَّا كنت صادقاً، فإذا أتيت قبر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقضيت ما يجب عليك فصلِّ ركعتين، ثمّ قف عند رأس النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ قل: السلام عليك يا نبيَّ الله من أبي وأُمّي وزوجتي وولدي وجميع حامَّتي ومن جميع أهل بلدي حرّهم وعبدهم وأبيضهم وأسودهم، فلا تشاء أن تقول للرجل: إنّي أقرءت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنك السلام إلَّا كنت صادقاً»(١١).
بل ورد أنَّه قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لو أشركت ألفاً في حجَّتك لكان لكلِّ واحد حجَّة من غير أن تنقص حجَّتك شيئاً»(١٢).
بل ورد أنَّ إهداء بعض الأعمال لبعض العظماء من الصالحين هو من الأبواب التي تساعد على قضاء الحاجة، فقد ورد عن داود الرقّي قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) ولي على رجل مال قد خفت تواه(١٣)، فشكوت إليه ذلك، فقال لي: إذا صرت بمكّة فطف عن عبد المطَّلب طوافاً وصلِّ ركعتين عنه، وطف عن أبي طالب طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن عبد الله طوافاً وصلِّ عنه ركعتين، وطف عن آمنة طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، وطف عن فاطمة بنت أسد طوافاً وصلِّ عنها ركعتين، ثمّ ادع أن يردَّ عليك مالك، قال: ففعلت ذلك، ثمّ خرجت من باب الصفا وإذا غريمي واقف يقول: يا داود، حبستني، تعال اقبض مالك»(١٤).
ولذلك نحن نعمل عادةً على إهداء تلاوة القرآن الكريم للإمام المهدي (عليه السلام)، ليس فقط من أجل قضاء الحوائج، وإنَّما من باب صلة مولانا الإمام المهدي (عليه السلام) بما هو حقٌّ علينا أن نصله بمثله.
وقد ورد عن عليِّ بن المغيرة، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: قلت له: إنَّ أبي سأل جدّك، عن ختم القرآن في كلِّ ليلة، فقال له جدّك: «كلّ ليلة»، فقال له: في شهر رمضان، فقال له جدّك: «في شهر رمضان»، فقال له أبي: نعم ما استطعت. فكان أبي يختمه أربعين ختمة في شهر رمضان، ثمّ ختمته بعد أبي فربَّما زدت وربَّما نقصت على قدر فراغي وشغلي ونشاطي وكسلي، فإذا كان في يوم الفطر جعلت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ختمة، ولعليٍّ (عليه السلام) أُخرى، ولفاطمة (عليها السلام) أُخرى، ثمّ للأئمَّة (عليهم السلام) حتَّى انتهيت إليك فصيَّرت لك واحدة منذ صرت في هذا الحال، فأيُّ شيء لي بذلك؟ قال: «لك بذلك أن تكون معهم يوم القيامة»، قلت: الله أكبر فلي بذلك؟! قال: «نعم»، ثلاث مرّات(١٥).
(٧) هل مات الإمام!؟
لا تستغربوا.. واستمعوا قليلاً.. وستجدون أنَّ لهذا السؤال واقعاً..
لكن علينا أن نلتفت أوّلاً إلى أنَّه ليس المقصود من الموت هي مفارقة روح الإمام لجسده وخروجه من الدنيا، كلَّا.
فإنَّ من يقول بهذا الأمر الآن يُعتَبر كافراً بما ثبت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أنَّه لا بدَّ من قيامه (عليه السلام).
فقد ورد عن رسول الله الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «... المهدي الذي يملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحقِّ نبيّاً، لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل الله ذلك اليوم، حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيُصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»(١٦).
بل لو مات الإمام، فهذا معناه أنَّ الأرض ستبقى بلا إمام، وعندئذٍ لا يمكن أن تستمرَّ الحياة، فعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهلها كما يموج البحر بأهله»(١٧).
إذن، نقصد من الموت هنا معنى آخر.
فكيف مات الإمام المهدي (عليه السلام)؟
لقد مات الإمام في قلب من لا يذكره.
لقد مات الإمام في قلب من لا يعرفه.
لقد مات الإمام في قلب من يتذكَّره عند المعصية فيتناساه.
لقد مات الإمام في قلب من لا يقف حبُّه حائلاً دون المعصية.
لقد مات الإمام في قلب من لم يُعرِّف أولاده بإمامهم.
لقد مات الإمام في قلب من لم يجعل وقتاً خاصّاً لزيادة معرفته به.
لقد مات الإمام في قلب من أنكره.
لقد مات الإمام في قلب من يئس منه ومن ظهوره.
لقد مات الإمام في قلب انشغل بحبِّ شهوي دنيوي وتناسى آخرته.
وهناك ألف قلب وقلب مات الإمام فيه!
في رواية أبي سعيد الخراساني، عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وسُمّي القائم لأنَّه يقوم بعدما يموت، إنَّه يقوم بأمر عظيم»(١٨).
وفي رواية الصقر بن دلف، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ سُمّي القائم؟ قال: «لأنَّه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته»(١٩).
هذه الرواية وأمثالها تدعونا إلى أن نراجع أنفسنا، وأنَّه هل نحن فعلاً من الذاكرين للإمام القائم (عليه السلام) أم من الناسين له؟!
وفي نفس الوقت تدعونا إلى العمل على أن نكون من الذاكرين له (عليه السلام) في صلواتنا ودعائنا وصدقاتنا وجميع أحوالنا حتَّى لا نكون ممَّن مات ذكر القائم في قلوبهم.
فهل مات الإمام في قلوبنا؟!
(٨) على ماذا بايعت إمامك؟
جاء في كتاب تاج العروس للزبيدي مادَّة (بيع): (... والمبايعة والتبايع عبارة عن المعاقدة والمعاهدة، كأنَّ كلَّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره)(٢٠).
من هذا المعنى نعرف أنَّ بيعتنا لإمام زماننا تستبطن إعطاء وبذل عدَّة أُمور:
أوَّلاً: النفس، بأن ينذر المؤمن نفسه لإمامه، بحيث يكون مستعدّاً لبذلها في أيِّ لحظة لو استلزم الأمر.
ثانياً: الطاعة، بأن يمتثل أوامره وينزجر عن زواجره، فإنَّ حقيقة الطاعة هي في امتثال الأوامر والنواهي.
ثالثاً: دخيلة الأمر، أي أن يكون كلُّ سلوك المؤمن مترجماً لطاعته وتسليمه لإمام زمانه، بحيث يكون باطنه كظاهره في ذلك، فهي عبارة عن الاعتقاد القلبي المطابق لإيمانه الظاهري.
وقد ورد في القرآن الكريم والروايات الشريفة ذكر بعض المفردات التي يلزم على المبايع الالتزام بها مع إمامه.
أمَّا بالنسبة للرجال، فقد ورد أنَّهم بايعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بيعة الرضوان واشترط عليهم: (... أن لا ينكروا بعد ذلك عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شيئاً يفعله ولا يخالفوه في شيء يأمرهم به...)(٢١).
وأنَّهم بايعوه على الموت(٢٢)، وعلى أن لا تأخذهم في الله لومة لائم(٢٣).
وأمَّا بالنسبة للنساء، فقد ذكر القرآن الكريم مفردات ممَّا يلزم على المؤمنة التزامه في بيعتها، فقال عزَّ من قائل فيما حكاه جلَّ وعلا عن بيعة المؤمنات للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (الممتحنة: ١٢).
فهذا هو المنهاج العامّ للبيعة مع إمام زماننا.
هذا بالإضافة إلى أنَّ هناك مقتضيات خاصَّة تتعلَّق بزمن الظهور، وهي تابعة لتقدير الإمام وحكمته، فيلزم التسليم لأوامره فيها.
فهل أنا وأنت على قدر هذه المسؤولية!؟
(٩) مَن ينتظر مَن؟
هل هو (عليه السلام) ينتظرنا أم نحن ننتظره؟
الجواب:
نحن نعلم أنَّ من أسمائه (عليه السلام) هو (المنتظر)، ومعنى هذا الاسم هو ما بيَّنه الإمام الجواد (عليه السلام) عندما سأله الصقر بن دلف: ولِمَ سُمّي المنتظر؟ قال الإمام الجواد (عليه السلام): «لأنَّ له غيبة تكثر أيّامها ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكثر فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلِّمون»(٢٤).
ولكن مع هذا، فإنَّه يمكن أن يُقرَأ هذا الاسم بصيغة اسم الفاعل (المنتظِر) بالكسر، وهو وإن لم يرد في الروايات الشريفة، إلَّا أنَّه يمكن أن يُفهَم من خلال بعض الروايات.
إنَّه ينتظر أمر الله تعالى له وإذنه له بالخروج، الأمر الذي ورد في آخر توقيع له (عليه السلام) إلى السفير الرابع، حيث جاء فيه: «... فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)...»(٢٥).
إنَّه (عليه السلام) ينتظر أن يكمل العدد المطلوب من الأنصار، كما ورد هذا المعنى عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى يكون تكملة الحلقة»، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف...»(٢٦).
إنَّه (عليه السلام) ينتظر أن تكون قاعدته الاجتماعية مستعدَّة وجاهزة لتحمّل أُطروحته الإسلاميَّة الأصيلة إلى كافَّة أرجاء الدنيا، كما ورد هذا المعنى في مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الشيخ المفيد: «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نُؤثِره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل...»(٢٧).
وباختصار..
هو ينتظرنا بشوق وإخلاص! فهل نحن كذلك!؟
(١٠) إصلاح.. لعدل
ما هي العلاقة بين حركة الإمام الحسين (عليه السلام) والإمام المهدي (عليه السلام) بملاحظة شعاريهما: الإصلاح، والعدل؟
قالوا: إنَّ لكلِّ معلول علَّة، ولكلِّ مسبَّب سبباً، وهذا قانون الحياة الذي لا يشذُّ عنه موجود.
الحسين والمهدي (عليهما السلام)، منهج واحد متكامل، وحركة تغييرية متواصلة الحلقات، وبيانه بالتالي:
إنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) قام من أجل هدف معيَّن، صرَّح به في أكثر من موقف، فكان (عليه السلام) يقول: «إنَّما خرجت لطلب الإصلاح في أُمَّة جدّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٨).
والإصلاح كمفهوم حياتي يُمثِّل سبباً وعلَّةً لشيء آخر، فإنَّ نتيجة (الإصلاح) هو العدل والقسط كما هو واضح.
ولكنَّنا نعلم أنَّ هذه النتيجة لم تقع في الخارج، لأنَّ بني أُميَّة، وعدم قيام الناس آنذاك بما عليهم من مهمَّة، مثَّلت مانعاً من تحقّقها، وحجر عثرة في طريق خروجها إلى الوجود. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ هدف الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن خلال مطالعة مئات الروايات الشريفة في ذلك، هو إقامة (العدل والقسط)، ولا تجد رواية تمرُّ عليك أو ذكراً للإمام المهدي (عليه السلام) إلَّا ويأتي هذا الهدف في الذهن ونصب العين.
فالإمام المهدي (عليه السلام) إذن، سيقوم بتحقيق نتيجة الإصلاح التي ابتدأها الإمام الحسين (عليه السلام).
إنَّه سيُحقِّق تلك النتيجة التي رجاها الناس منذ آلاف السنين.
ومن هنا يمكن أن نفهم التالي:
أوَّلاً: ما يقوله المؤمنون من أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو أمل المستضعفين ومحقِّق رسالات الأنبياء والمرسلين.
ثانياً: العلاقة التكاملية بين حركة الإمام الحسين وحركة الإمام المهدي (عليهما السلام).
ثالثاً: موضعنا من التمهيد، ومسؤوليتنا الملقاة على عاتقنا، فمهمَّة كلِّ واحد منّا التمهيد لتحقيق العدل والقسط، فعلى كلِّ واحد منّا أن يُهيِّئ نفسه لأن يكون جُندياً فذّاً في صفِّ المحقِّقين لذلك الهدف. وأن لا يقف عائقاً في طريق ذلك كما وقف شيعة آل أبي سفيان يوم عاشوراء الحسين (عليه السلام).
(١١) إعداد متواصل
إنَّ التأمّل في حركات الأنبياء عموماً يكشف لنا عن حقيقة تاريخية واقعية، وهي أنَّهم كانوا في إعداد متواصل لكلِّ جوانب الحياة، ومنها الدينية، ذلك لأنَّ حياة الإنسان بطبيعتها تكاملية، تبدأ من حيث انتهى الآباء، وتواصل التكامل، وهذا في الحقيقة فرق حياة البشر عن الحيوانات التي تُعتَبر حياتها دائرية، تبدأ من النقطة التي بدأ منها الآباء، وتنتهي في نفس النقطة.
ولذلك تجد أنَّ كلَّ نبيٍّ كان يُهيِّئ المجتمع التالي لتلقّي فكرة النبيِّ اللاحق، فموسى يُبشِّر بعيسى، وعيسى يُبشِّر بمحمّد (صلوات الله عليهم أجمعين)، وهكذا الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هيَّأ الناس وبشَّرهم بعترته الطاهرة.. إلى الإمام المهدي (عليه السلام).
إذن، واحدة من سمات حركات الأنبياء، أنَّها حركات إعدادية، أي أنَّها في إعداد متواصل.
والغيبة، وطولها، كانت - فيما كانت لأجله - من أجل هذا الإعداد، الإعداد على المستويات المختلفة، الإعداد النفسي، والجسدي، والعسكري، والروحي، وكلّ جوانب الحياة.
وهذا ما يمكن أن نستكشفه من خلال الروايات الشريفة، التي ذكرت أنَّ الناس لا بدَّ أن يمرّوا بالعديد من الاختبارات مختلفة المستويات، لينكشف المؤمن الحقّ من غيره.
والخلاصة: إنَّنا في عصر الغيبة سنمرُّ بعدَّة اختبارات من أجل الوصول إلى الإعداد المناسب للظهور، وتلك الاختبارات ستمرُّ بالتالي:
سيُغربَل الناس في زمن الغيبة، وتبدأ حينها مرحلة التزكية من الشوائب، أي فرز النقاوة عن الشوائب.
وبعدها سيشتدُّ البلاء أكثر، إلى الحدِّ الذي قد ينكسر البعض، كناية عن زيغه عن الطريق القويم، وانحرافه عن الجادَّة الوسطى.
وفي المرحلة الأخيرة، سيتوب من يتوب، وسيثبت على المبدأ من يثبت، ليفرز زمن الغيبة في آخره نماذجاً يمكن أن تقوم بمهمَّة التمهيد العملي للظهور والمشاركة فيه، وفي إشارة إلى تلك المراحل تقول الروايات الشريفة:
أوَّلاً: الغربال:
عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سمعه يقول: «... لا بدَّ للناس من أن يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، ويخرج مع الغربال خلق كثير»(٢٩).
ثانياً: التزكية من الشوائب:
عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ (عليهما السلام) يقول: «والله لتميزنَّ، والله لتمحصنَّ، والله لتغربلنَّ كما يُغربَل الزؤان(٣٠) من القمح»(٣١).
ثالثاً: الكسر والتعمير!
عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «والله لتكسرنَّ تكسّر الزجاج، وإنَّ الزجاج ليُعاد فيعود كما كان، والله لتكسرنَّ تكسّر الفخار، وإنَّ الفخار ليتكسَّر فلا يعود كما كان، ووالله لتغربلنَّ، ووالله لتميزنَّ، ووالله لتمحصنَّ حتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأقلّ»، وصعَّر كفّه(٣٢).
رابعاً: التصفية:
عن صفوان بن يحيى، قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تمحّصوا وتميّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(٣٣).
(١٢) الأحداث الجارية والظهور
هل للأحداث الجارية في العالم - من سقوط دول وقيام أُخرى أو ما نشاهده في خصوص العالم العربي - مدخلية في الظهور المقدَّس؟
الجواب: عبر عدَّة خطوات:
الخطوة الأُولى: في البداية علينا أن نعلم أنَّ هناك ترابطاً بين أحداث العالم، وأنَّ لأفعال الناس أثراً لا يُستهان به في عالم التكوين، ولذلك يُصرِّح القرآن الكريم بأنَّ أفعال الناس تُسبِّب الكثير من الحالات السلبية في الحياة، فقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: ٤١)، وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥). وفي نفس الوقت لها أثر إيجابي في الحياة، قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً﴾ (الجنّ: ١٦).
الخطوة الثانية: أنَّ القاعدة التي يمكن قولها في خصوص المقام هي التالي:
إنَّ كلَّ حدث يقع في العالم - سواء كان على مستوى سقوط دول أو إطاحة بطاغية أو كان على مستوى نظر محرَّم من شخص عاصٍ أو قضاء حاجة مؤمن - فإنَّ له مدخلية في الظهور بطريقة وبأُخرى.
نعم، قد يكون هذا الفعل من مقرِّبات الظهور، وقد يكون من مبعِّداته.
وبعبارة أُخرى: إنَّ كلَّ حدث اجتماعي تقوم به أُمَّة من الأُمم أو عمل شخصي يقوم به فردٌ ما، فإنَّ له نحواً من الارتباط بقضيَّة ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سواء على نحو التقريب للظهور والتمهيد له، أو على نحو ما يقف حائلاً دون الظهور.
إنَّ كلَّ حدث إيجابي يقع في العالم يُعتَبر من ممهِّدات الظهور، سواء وقع الظهور بعده بفترة قليلة أو طويلة، فالإمام الحسين (عليه السلام) دعا إلى الإصلاح الذي هو مقدَّمة العدل الذي سيقوم بتطبيقه الإمام المهدي (عليه السلام).
وهكذا الأحداث السلبية، تُعتَبر من الأُمور التي تُؤخِّر الظهور.
لكن هذا لا يعني أن تكون تلك الأحداث مؤشِّرات جزمية على قرب الظهور، فلعلَّ الظهور يتأخَّر لمئات السنين رغم أنَّ حدثاً ما هو من الأُمور الممهِّدة والمقرِّبة للظهور.
الخطوة الثالثة: لا دليل على أنَّ ما يجري في العالم هو من العلامات الحتمية للظهور، نعم، قد يكون بعضها من العلامات غير الحتمية.
وعلى كلِّ حالٍ، ينبغي على المؤمن أن يعمل على التمهيد لظهور الإمام (عليه السلام) مهما كانت الظروف وأنّى كان موقعه.
(١٣) تربية مهدوية..
كيف تجعل من عائلتك عائلة مهدوية؟
لا شكَّ أنَّ الأب راعٍ ومسؤول عن أبنائه، وليست الأُمّ بمعزل عن تلك المسؤولية، إن لم تكن مسؤوليتها أعظم.
ولا شكَّ أنَّ المؤثّرات الخارجية اليوم، من إعلام مسموع ومقروء ومرئي، قد أخذت مأخذها من تربية الأبناء، فضلاً عن تأثير الأصدقاء، والمجتمع، والبيئة المحيطة بالفرد. وألف مؤثِّر ومؤثِّر.
في خضمِّ هذه الدوّامة، كيف يستطيع أحدنا أن يجعل من عائلته عائلة مهدوية، وكيف يُربّي أبناءه تربية مهدوية؟
نذكر هنا عدَّة منبِّهات تساعدنا على ذلك:
أوَّلاً: كن أنت مهدوياً في قولك وفعلك واهتمامك، فردِّد الأدعية المهدوية أمامهم، واقرأ بعض الروايات المهدوية، وليرى وليستمع أبناؤك منك ذلك، فتأثير التربية بالفعل أقوى بكثير من التربية بالقول. على ما رسمه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «مَنْ نَصَبَ نَفْسَه لِلنَّاسِ إِمَاماً فَلْيَبْدَأْ بِتَعْلِيمِ نَفْسِه قَبْلَ تَعْلِيمِ غَيْرِه، وَلْيَكُنْ تَأْدِيبُه بِسِيرَتِه قَبْلَ تَأْدِيبِه بِلِسَانِه، وَمُعَلِّمُ نَفْسِه وَمُؤَدِّبُهَا أَحَقُّ بِالإِجْلَالِ مِنْ مُعَلِّمِ النَّاسِ وَمُؤَدِّبِهِمْ»(٣٤).
ثانياً: أقم جلسات مهدوية في بيتك، وإن لم تكن في بيتك فأحضرهم معك لندوة أو محاضرة مهدوية، فللجوّ المحيط تأثير واضح في التربية.
ثالثاً: اقتن مكتبة مهدوية، تضمُّ كتباً متفاوتة من حيث التخصّص وأُسلوب طرح المعلومة المهدوية، وليكن فيها أفلام أنتجت لغرض زيادة المعرفة المهدوية، خصوصاً تلك التي تناغم أحاسيس الأطفال وتتناسب مع إدراكهم. وكذلك القصص المهدوية المصوَّرة والهادفة.
رابعاً: أقم مسابقات مهدوية فيما بين أطفالك، تتضمَّن طرح أسئلة، أو قراءة قصَّة وإعادة إلقائها أمامك، وما شابه ذلك، ولتكن الهدايا والجوائز متناغمة مع رغباتهم ونفسياتهم.
خامساً: اصطحبهم معك في سفرات ترفيهية دينية، للمعالم التي لها ارتباط بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، كمسجدي الكوفة والسهلة، ومراقد الأئمَّة (عليهم السلام)، والمقامات المنسوبة للإمام المهدي (عليه السلام)، وإن أمكن اصطحابهم لبيت الله الحرام وتذكيرهم بالمكان الذي سيظهر فيه الإمام أوَّل ما يظهر.
ولنتذكَّر دوماً.. أنَّ أبناءنا غنيمة ومسؤولية.
(١٤) شبابٌ مهدوي
دورة الإنسان التكاملية، تبدأ من الضعف، وتنتهي بالضعف، وفي ما بين الضعف والضعف، يقوى الإنسان ويقوى، إلى أن يصل إلى أوج قوَّته في فترة شبابه، ثمّ يرجع ليعيش الضعف التدريجي من جديد.
فالعطاء كلُّ العطاء إنَّما يكون في مرحلة الشباب. ولذلك سيكون سؤال الإنسان عن مرحلة شبابه شديداً يوم القيامة، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتَّى يُسئَل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعمَّا اكتسبه من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن حبِّنا أهل البيت»(٣٥).
فرغم أنَّ مرحلة الشباب هي جزء من العمر، لكن السؤال سيكون عن العمر كلّه من جهة، وعن مرحلة الشباب بالخصوص من جهة أُخرى! وما ذلك إلَّا لأهمّية هذه المرحلة وخطورتها.
لذلك على كلِّ شابٍّ أن يستغلَّ هذه المرحلة، قبل أن يهجم عليه الدهر، ويأتيه القوس بلا ثمن!
قال رسول الله الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحَّتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، وغناك قبل فقرك»(٣٦).
ولذلك، تُعتَبر مرحلة الشباب هي المرحلة التي لا يُعذَر فيها المؤمن إذا لم يتعرَّف دينه ويلتزمه، فقد ورد أنَّه سُئِلَ الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (فاطر: ٣٧)، فقال: «توبيخ لابن ثماني عشرة سنة»(٣٧).
وهنا تأمّل:
هل هناك شباب مهدوي؟!
وكيف يكون الشابُّ مهدوياً؟!
نذكر هنا خلاصة نافعة في أنَّه كيف يكون الشابُّ مهدوياً:
أوَّلاً: التفقُّه في الدين، فقد قال أبو عبد الله وأبو جعفر (عليهما السلام): «لو أتيت بشابٍّ من شباب الشيعة لا يتفقَّه لأدَّبته»(٣٨).
بل ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «لو وجدت شابّاً من شبّان الشيعة لا يتفقَّه، لضربته ضربة بالسيف»(٣٩).
ولنتذكَّر أنَّ حصن الشابّ هو الأدب والعلم، فقد ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «يا معشر الفتيان، حصِّنوا أعراضكم بالأدب ودينكم بالعلم»(٤٠).
ثانياً: الورع عن المحارم، فهو بالإضافة إلى أنَّه واجب لازم لا يُعذَر فيه أحد، وبالإضافة إلى أنَّه جميل من المؤمن، لكنَّه من الشابِّ أجمل، وعليه أن يكون به ألزم. يكفيه أنَّه سيباهي الله به الملائكة.
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ الله تعالى يباهي بالشابِّ العابد الملائكة، يقول: اُنظروا إلى عبدي! ترك شهوته من أجلي»(٤١).
وعنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «فضل الشابِّ العابد الذي تعبَّد في صباه على الشيخ الذي تعبَّد بعد ما كبرت سنُّه كفضل المرسلين على سائر الناس»(٤٢).
ومن هنا قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما من شابٍّ يدع لله الدنيا ولهوها وأهرم شبابه في طاعة الله إلَّا أعطاه الله أجر اثنين وسبعين صدّيقاً»(٤٣).
ثالثاً: تحمّل مسؤولية من مسؤوليات التمهيد، فللتمهيد للظهور طرق عديدة، وهي تُمثِّل مسؤوليات موزَّعة على الجميع، فعلى الشابِّ المؤمن أن يأخذ على عاتقه أن يتحمَّل نوعاً من أنواع التمهيد العملي للظهور، وهذا الأمر متروك لكلِّ مؤمن أن يعرف الطريقة المناسبة التي يستطيع من خلالها أن يُمهِّد للظهور المبارك.
وليتذكَّر الجميع، أنَّ أكثر أصحاب الإمام هم من الشباب، لأنَّ يوم الظهور يحتاج إلى عطاء على جميع المستويات، وهو ما يتوفَّر أكثر ما يتوفَّر عند الشباب.
علماً أنَّ هذا لا يعني أنَّ الشيوخ سيكونون من المعارضين.
(١٥) الوقت والمنتظِر المهدوي
إدارة الوقت، وتنظيمه، أصبح علماً له روّاده ومتخصِّصوه ومريدوه، لأنَّ الإنسان أدرك ضرورة تنظيم الوقت، لما فيه من أثر في توفير الجهد وزيادة الإنتاج وجودة المنتَج.
فكيف يُنظِّم الممهِّد وقته؟ وكيف يديره؟
الجواب: يكون ذلك بملاحظة التالي:
أوَّلاً: ملاحظة مشاغل الممهِّد وتقسيمها وفق نظام: الأهمّ، فالمهمّ، وغير المهمّ، والمستعجَل منها وغير المستعجَل.
يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك فاقسمهما بين راحتك وعملك»(٤٤).
ثانياً: ليضع الممهِّد نصب عينيه الأحاديث التي عالجت إدارة الوقت، والتي أعطت تقسيمات لساعات الإنسان اليومية، ممَّا يمكن اعتباره منهاجاً على نحو القاعدة، ويبقى ملء تلك القواعد بالمفردات المناسبة شأن الفرد نفسه.
والروايات في هذا المجال عديدة، نذكر منها التالي:
قال الإمام الكاظم (عليه السلام): «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يُعرِّفونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرَّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات»(٤٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «كان فيما وعظ لقمان ابنه... يا بني اجعل في أيّامك ولياليك وساعاتك نصيباً لك في طلب العلم، فإنَّك لن تجد لك تضييعاً مثل تركه»(٤٦).
ثالثاً: على الممهِّد أن يجعل من أولوياته المهمَّة زيادة معارفه المهدوية يوماً بعد يوم، ولو بنسبة (١%) من وقته. فإنَّ القضيَّة المهدوية من أهمّ القضايا المصيرية، ومن أكثرها إثارات وخلافات اليوم، ممَّا يعني أنَّ زيادة المعرفة في هذا الجانب له دخل في تثبيت إيمان الممهِّد، وتقويته بالعلم المأخوذ من مصادره المعتبرة.
(١٦) موظَّف مهدوي
إنَّ مهمَّة التمهيد للظهور المبارك لا تنحصر بشخص دون آخر، بل هي مهمَّة جميع المؤمنين.
ولا شكَّ أنَّ للموظَّف في الدوائر المختلفة دوراً ما في عملية التمهيد المبارك.
فكيف يكون الموظَّف مهدوياً؟
هنا عدَّة نقاط تنفع في هذا المجال:
النقطة الأُولى: أن يضع نفسه في موضعها المناسب، فلا يترقّى المناصب من دون خبرة واختصاص.
وكلُّ موظَّف يعرف أنَّ الشخص إذا وضع نفسه في غير ما تخصَّص فيه، فإنَّ النتائج ستكون سلبية لا محالة.
وهذا هو مفاد ما روي عن رسول الله الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من وضع نفسه في غير الموضع الذي وضعه الله فيه مقته الله، ومن دعا إلى نفسه، فقال: أنا رئيسكم، وليس هو كذلك، لم ينظر الله إليه حتَّى يرجع عمَّا قال ويتوب إلى الله ممَّا ادَّعى»(٤٧).
النقطة الثانية: أن يكون (أميناً) في أدائه الوظيفي، سواء على مستوى (حفظ الأموال العامَّة) التي تكون تحت يديه، أو في (خدمة) من يراجعه، أو في (أدائه) الوظيفي.
ولا بدَّ من اجتماع هاتين النقطتين معاً في الموظَّف المهدوي، وقد جمعهما قوله تعالى حكايةً عن النبيِّ يوسف (عليه السلام): ﴿قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٥٥).
فقوله: ﴿حَفِيظٌ﴾ إشارة إلى الأمانة، وقوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ إشارة إلى التخصّص.
وأكثر تقصير الموظَّفين ناشئ من فقدان إحدى هاتين النقطتين أو كليهما.
النقطة الثالثة: الموازنة، وتعني التالي:
أوَّلاً: أن يوازن بين أدائه (الوظيفي) وأدائه (الأُسري)، فلا بدَّ أن يكون الموظَّف مهنياً بصورة لا تمنعه عن ممارسة دوره كأبٍ وزوج وأخ. بالإضافة إلى موازنته للعمل المهني مع علاقاته العامَّة التي تجمعه بأقاربه وجيرانه وأصدقائه.
ثانياً: أن يوازن بين أدائه (الوظيفي) وأدائه (العبادي)، من خلال سلوكه اليومي، فيحاول قدر الإمكان أن يُصلّي الصلاة في وقتها، ولا يتناسى بعض الأدعية والزيارات، وأن يعمل على أن يكون مبلِّغاً لدينه بوسيلة وبأُخرى، ولو من خلال تعليقه لبعض البوسترات الأخلاقية أو الفقهية وما شابه، وعليه أن يكون مهدوياً في هذا أيضاً، فيعمل على نشر الفكر المهدوي بين زملائه في العمل، ومن الواضح أنَّ عليه أن يتسلَّح أوَّلاً بالمعلومات المهدوية حتَّى يتمكَّن من فتح الموضوعات المهدوية معهم.
ثالثاً: الموازنة بين جميع مقتضيات الحياة غير ما تقدَّم، فلا ينسى أن يريح جسده من التعب، ولا ينهمك بالعمل إلى الحدِّ الذي يصل إلى الإعياء أو الإرهاق، وأن لا ينسى بعض السفرات الترفيهية العبادية منها أو التي تكون للنزهة المحلَّلة، وأن يأخذ عائلته معه فيها، ليُغيِّر من الروتين اليومي القاتل في حياة بعض الموظَّفين.
(١٧) طبيب مهدوي
لا شكَّ أنَّ مهنة الطبِّ هي من المهن الإنسانية العظيمة، ولا شكَّ أنَّ للطبيب المؤمن ثواباً عظيماً لا يعلمه إلَّا الله تعالى، فإنَّ من أحيا نفساً فكأنَّما أحيا الناس جميعاً.
ولكن كيف يكون الطبيب ممهِّداً مهدوياً؟
الجواب:
أوَّلاً: أخذ التخصّص بأُصوله العلمية، بعيداً عن الغشِّ والتزوير.
فعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من تطبَّب ولم يُعلَم منه طبٌّ قبل ذلك فهو ضامن»(٤٨).
ثانياً: بذل الجهد لتحصيل العلم، وعدم الاكتفاء بشهادة التخرّج، بل عليه أن يستمرَّ بالبحث ليزيد من خبرته، فيقرأ ما يصدر من بحوث علمية حديثة، ويحضر الندوات الطبّية، أو يتابعها.
ثالثاً: ترك الجشع، وجعل الإنسانية هي أساس التعامل، فطالما سمعنا ونحن صغار أنَّ الأطباء ملائكة السلام ورسل الرحمة.
وليتذكَّر الطبيب أنَّ الله تعالى أعطاه ما يحتاج إليه الناس، فليُقدِّر هذه النعمة.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ نبيّاً من الأنبياء مرض، فقال: لا أتداوى حتَّى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ): لا أشفيك حتَّى تتداوى، فإنَّ الشفاء منّي والدواء منّي»(٤٩).
رابعاً: الحفاظ على الحدود الشرعية فيما يخصُّ النظر للجنس الآخر، ولمسه، والتعامل معه بعيداً عن المفاكهة المحرَّمة والمزاح غير الشرعي وغير المبرَّر.
فعن الإمام عليٍّ (عليه السلام): «من تطبَّب فليتقِّ الله ولينصح وليجتهد»(٥٠).
خامساً: على الطبيب أن لا يجعل عمله يُشغِله عن عائلته، خصوصاً إذا كان الزوجان كلاهما يعمل في السلك الطبّي، فإنَّ الانشغال الدائم بين الوظيفة الصباحية والعيادة المسائية قد يؤدّي إلى أن تنفرط أُسس وروابط الأُسرة، ممَّا يؤدّي بالأولاد إلى الانحراف.
سادساً: على الطبيب أن لا ينسى آخرته، وليعطِ لجسده راحته أيضاً، فالتوازن أساس النجاح في الحياة.
سابعاً: على الطبيب أن يتذكَّر دوماً الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكيف كان: طبيباً دوّاراً بطبِّه، قد أحكم مراهمه، وأحمى مواسمه، يضع ذلك حيث الحاجة إليه، من قلوب عمي وآذان صمٍّ، وألسنة بكم، متتبعاً بدوائه مواضع الغفلة، ومواطن الحيرة(٥١).
(١٨) نساء مهدويات
المرأة هي نصف المجتمع كما قالوا، والانصاف أنَّها مربّية النصف الآخر، ولها أثر في انحراف المجتمع أو صلاحه.
والسؤال هو: كيف تكون الفتاة مهدويةً؟
يُردِّد البعض أنَّ النساء هنَّ حبال الشيطان، وأنَّه لولاهنَّ لما خرج أبونا آدم من الجنَّة، ولما دخل الرجال النار!
وهذا المعنى صحيح إلى حدٍّ ما، حيث نجد أنَّ هناك تيّاراً منحرفاً من النساء اللواتي يعملْنَ على تصديق هذه المقالة.
ولكن على المنصف أن لا ينسى أنَّ «الجنَّة تحت أقدام الأُمَّهات»(٥٢)، وأنَّ النساء كان لهنَّ دور رئيسي في كثير من حركات التغيير والإصلاح، وخير شاهد على ذلك النساء الأربع الكاملات!
وعلى كلِّ حالٍ، يوجد في مجتمع النساء من تُمثِّل تيّار الأخطاء والانحراف، وأُخرى تُمثِّل تيّار الإصلاح والعفاف.
والسؤال هو: كيف تكون المرأة مصلِحة لا مُفسِدة؟
وبعبارة أُخرى: كيف تكون المرأة مهدوية؟
هنا عدَّة نقاط، تُمثِّل منهاجاً عامّاً للمرأة المهدوية:
أوَّلاً: الورع، أي الابتعاد عن الحرام بكلِّ أشكاله، وخصوصاً ما يتعلَّق بإظهار المحاسن، فليس من الصحيح عقلاً وشرعاً أن تعرض المرأة زينتها لكلِّ ذباب! وليس من الدين أن تكشف محاسنها لكلِّ ناظر! وجمال الأشياء في وضعها موضعها المناسب! فليس من المعقول أن تبذل ما يخصُّ زوجها من زينة وتجمّل لغيره وتحرم زوجها منه!
وإلَّا فقد تلعن الملائكةُ امرأةً من حين خروجها إلى حين رجوعها إلى بيتها!
ولنتذكَّر أنَّ الإسلام هو دين العفاف، فهو الذي يُقدِّر المرأة ويحترمها إلى الحدِّ الذي يجعلها كجوهرة يمنعها من إبراز شعرة واحدة من رأسها..!
فهل من معتبِر..؟!
ثانياً: أنَّ جهاد المرأة حسن التبعّل، فلتُكثِر المرأة من جهادها! فإنَّ لها من الأجر ما لا يحصيه إلَّا الله تعالى.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «الامرأة الصالحة خير من ألف رجل غير صالح، وأيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيّام أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنَّة، تدخل من أيّها شاءت»(٥٣).
ثالثاً: تربية أولادها - ذكوراً وإناثاً - تربية مهدوية إسلاميَّة إنسانية! فليس وراء مسؤوليتها تلك من عظمة! وليس هناك من مربٍّ أكثر تأثيراً منها.
فلتُعلِّم ابنها - وكذا ابنتها - الأمانة والعفاف والحياء وغضِّ الصوت والبصر..، ولتقرأ من سيرة أهل البيت (عليهم السلام) ونسائهم فإنَّ فيها منهلاً ثرّاً لا ينضبُ عطاؤه.
رابعاً: محاولة توسعة رقعة التأثير المهدوي في البيت، وفي دائرة العمل الوظيفي، وعند اجتماع الأحباب، وفي كلِّ حالٍ، فبدلاً من تبادل أطراف الحديث الفارغ من المحتوى، على المرأة المهدوية أن تستغلَّ أوقات تواجدها مع نظيراتها بإثارة القضايا ذات الصلة بالقضيَّة المهدوية خصوصاً والإسلاميَّة والإنسانية عموماً.
خامساً: على المرأة أن تسعى جهد إمكانها إلى أن تكون شعلة نور وسط ظلام الانحراف الحالك! ولا شكَّ أنَّ من النساء من تكون عاملاً من عمّال الله تعالى على الأرض! ولعلَّ منها من يُرزَق أهلها بفضل عبادتها ودعواتها!
ولا شكَّ أنَّ هناك من تُمثِّل طرف النقيض من ذلك!
فأين موضعكِ أنتِ أيَّتها المنتظرة من هذا!؟
(١٩) هل تختلف المرأة في دورها التمهيدي؟
لا شكَّ أنَّ هناك فوارقاً نفسية وبدنية وعاطفية بين الرجل والمرأة، ولكن هذا لا يعني أنَّ دورها في الحياة يقلُّ عن دور الرجل - هذا إن لم نقل: إنَّه يزيد عليه من حيث التأثير في بناء مستقبل واعٍ لمسؤولياته المفترضة عليه -.
ولقد اشتهر أنَّ المرأة تُمثِّل نصف المجتمع، وهذه المقالة إن صحَّت فعلينا أن لا ننسى أثر المرأة الفاعل في النصف الآخر!
على كلِّ حالٍ، فيما يتعلَّق بعملية التمهيد للإمام المهدي (عليه السلام)، يمكن أن نتكلَّم في جهتين:
الجهة الأُولى: دورها في أصل عملية التمهيد:
وهنا لا فرق بينها وبين الرجل، فإنَّ المطلوب من كلِّ المؤمنين - رجالاً كانوا أو نساءً - أن يهتمّوا بفكرة التمهيد العملية، والتي تتضمَّن العناصر النفسية والفقهية والعقائدية والسلوكية المختلفة، ممَّا يصبُّ في عملية بناء أُسس رصينة لقيام دولة الحقِّ.
ولذلك، فإنَّ دعاء الندبة يساوي بينهما في حرقة الشوق للمولى الغائب، فيقول الدعاء: «بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شائِقٍ يَتَمَنَّى مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا»(٥٤).
وفي حديث للإمام الرضا (عليه السلام): «... كم من مؤمن ومؤمنة متأسِّف متلهِّف حيران حزين لفقده...»(٥٥).
الجهة الثانية: مفردات التمهيد:
لا شكَّ أنَّ المفردات العملية للتمهيد تختلف بين الرجل والمرأة، تبعاً لدور كلٍّ منهما في الحياة، وتبعاً للاختلافات النفسية والفسيولوجية (البدنية) بينهما، ويتلخَّص دورها بالتالي:
١ - حسن التبعّل.
٢ - تربية الأولاد تربية إنسانية إسلاميَّة.
٣ - العفَّة في مختلف جوانبها.
٤ - نشر مفاهيم الدين والخير والصلاح حسب قدرتها.
٥ - الورع بتمام معنى الكلمة.
إنَّ المرأة تنطلق للتمهيد للظهور المهدوي من مملكة بيتها، وعرش عفَّتها، وحصون أدبها، لترسم لوحة زاهية الألوان، تملؤها العاطفة والحنان، تغمر بهما بيتها، وأهلها، ومعارفها، لتُؤطِّر عملها بأريج الحبِّ المهدوي، ونسمات العشق العلوي، ونفحات العفَّة الفاطمية.
(٢٠) المرأة زمن الظهور
كيف ستكون المرأة زمن الظهور؟
ذكرت الروايات الشريفة بعض الإشارات عن ذلك، والتي تشير إلى أنَّها ستتكامل بصورة غير مسبوقة النظير. ومن تلك الإشارات التالي:
أوَّلاً: إنَّها ستصل إلى مراحل عالية من الكمال العلمي، بحيث يُمكِنها أن تفهم القرآن الكريم وتحكم به، فعن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «... وتؤتون الحكمة في زمانه حتَّى إنَّ المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٥٦).
ثانياً: إنَّه سيكون لها دور في عملية تطهير الأرض من براثن الظلم والجور، وإنَّها ستكون مع جيش الإمام الفاتح، ومع الكادر الإداري لإدارة الدولة، حسب المهامِّ التي يُحدِّدها الإمام المهدي (عليه السلام).
عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يكرُّ مع القائم (عليه السلام) ثلاث عشرة امرأة»، قلت: وما يصنع بهنَّ؟ قال: «يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى، كما كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، قلت: فسمهنَّ لي. فقال: «القنواء بنت رشيد، وأُمُّ أيمن، وحبابة الوالبية، وسمية أُمُّ عمّار بن ياسر، وزبيدة، وأُمُّ خالد الأحمسية، وأُمُّ سعيد الحنفية، وصبانة الماشطة، وأُمُّ خالد الجهنية»(٥٧).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضاً، وهي الآية التي قال الله: ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]»(٥٨).
ثالثاً: إنَّها ستنعم بالأمان في ذلك الزمان، بحيث يتاح لها السفر عبر البلدان من دون أن تخاف ذئباً بشرياً أو حيوانياً.
فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «حتَّى تمشي المرأة بين العراق إلى الشام لا تضع قدميها إلَّا على النبات وعلى رأسها زينتها لا يُهيِّجها سبع ولا تخافه»(٥٩).
(٢١) ما هو مصير المنتظِر الذي مات قبل الظهور؟
من المعلوم أنَّ من أهمّ واجبات زمن الغيبة هو انتظار الفرج، ذاك الانتظار الذي يعني باختصار التمهيد للظهور المبارك.
وكلُّ منتظِر يعيش أملاً بأن يُدرِك تلك اللحظة التي يرى فيها الحقَّ أبلجاً، ويُكحِّل ناظريه برؤية نور وجه إمامه.
ولكن، ماذا لو مات هذا المنتظِر قبل الظهور!؟
هل يذهب انتظاره وجهده وتعبه سدى؟
هل تبقى رؤية إمامه بهيّ الطلعة حسرةً تتكسَّر في صدره؟
الجواب: هنا عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: حيث إنَّ انتظار الفرج يُمثِّل منهجاً متكاملاً للحياة، من حيث الاعتقاد والسلوك الفقهي والأخلاقي، وعلى جميع المستويات، فتكون الثمرة للانتظار هو نجاح الفرد في التزامه التكليف الإلهي، ليخرج من الضرر المحتمل توجّهه إليه فيما إذا وقع في مخالفة المولى (عزَّ وجلَّ).
وذلك الضرر يتمثَّل بنار جهنَّم - والعياذ بالله -.
فالتزام الفرد بنظام الانتظار يُخلِّصه من نار جهنَّم.
ونعمت الثمرة هذه.
النقطة الثانية: أنَّ الانتظار في الحقيقة يُمثِّل مشروعاً ذا حلقات متتالية، فأنت تُمثِّل حلقة في هذا المشروع، أستلمها منك أنا لأُمثِّل حلقة ثانية، ليأتي الثالث فيُكمِل المسيرة، وهكذا.
وبالتالي، فحتَّى لو مات الفرد قبل الظهور، فإنَّه سيكون قد أدّى دوره في هذا المشروع، وكان سبباً من أسباب استمراره.
وكما قال رسول الله الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من سنَّ سُنَّة حسنة فله أجرُها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أُجورهم شيء»(٦٠).
النقطة الثالثة: أنَّ نفس الانتظار فيه ثواب عظيم يحصل عليه الفرد، سواء أدرك الظهور أو لا، فإنَّ الفرد سينال ثوابه في الدنيا وبعد مماته.
فقد ورد أنَّه قال سيِّد العابدين (عليه السلام): «من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله (عزَّ وجلَّ) أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر وأُحُد»(٦١).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم (عليه السلام)»(٦٢).
النقطة الرابعة: صرَّحت بعض الروايات بأنَّ هذا السؤال كان يُقلِق مضاجع بعض المؤمنين في زمن المعصومين (عليهم السلام)، لذلك كانوا قد توجَّهوا للأئمَّة (عليهم السلام) بالسؤال عن هذا الأمر، وقد ألقى إليهم الأئمَّة جواباً يُثلِج الصدور ويُبرِّد الغليل.
إنَّ المؤمن المنتظر إذا مات قبل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) فإنَّه سيُبشَّر بذلك وهو في قبره، وقد يُخيَّر في الرجوع إلى الدنيا لنصرة القائم (عليه السلام).
وهذا ما أشارت إليه الروايات الشريفة، نذكر منها التالي:
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) - وهو يتحدَّث عن زمن الظهور المبارك -: «... ولا يبقى مؤمن ميِّت إلَّا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حيث يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم (عليهم السلام)»(٦٣).
وعن المفضَّل بن عمر، قال: ذكرنا القائم (عليه السلام) ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا قام أُتِى المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا! إنَّه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربِّك فأقم»(٦٤).
وفي نفس السياق جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... وإنَّ لأهل الحقّ دولة إذا جاءت ولّاها الله لمن يشاء منّا أهل البيت، فمن أدركها منكم كان عندنا في السنام الأعلى، وإن قبضه الله قبل ذلك خار له...»(٦٥).
فقوله (عليه السلام): «خار له» يُراد منه ما أشارت له الرواية السابقة من التخيير بين البقاء أو الرجوع، والله العالم.
(٢٢) نراه ولا نعرفه؟
نعلم أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) غائب عنّا..
ولكن. هل يرانا ولا نراه؟ أم هل نراه ولا نعرفه؟
الجواب:
أنَّ فهم هذه الحقيقة راجع في الحقيقة إلى المعنى الصحيح للغيبة.
فهل هي بمعنى خفاء الشخص، بحيث يختفي جسم الإمام عنّا تماماً، ويصبح جسماً شفّافاً لا يُرى بالعين؟
أم هل معناها أنَّه ما زال جسمه (عليه السلام) يُرى بالعين المجرَّدة، لكنَّنا لا نعرفه بشخصيته، فقد نراه ولكن لا نعرفه؟
الروايات الشريفة تؤكّد المعنى الثاني:
فعن عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، قال: سمعته يقول: (والله إنَّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه)(٦٦).
وأوضح منها الرواية التالية:
عن سدير الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: «إنَّ في صاحب هذا الأمر لَشَبَهَاً من يوسف»، فقلت: فكأنَّك تُخبِرنا بغيبة أو حيرة؟! فقال: «ما ينكر هذا الخلق الملعون أشباه الخنازير، من ذلك؟ إنَّ إخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء أسباطاً أولاد أنبياء دخلوا عليه فكلَّموه وخاطبوه وتاجروه وراودوه وكانوا إخوته وهو أخوهم لم يعرفوه حتَّى عرَّفهم نفسه، وقال لهم: أنا يوسف، فعرفوه حينئذٍ، فما تنكر هذه الأُمَّة المتحيِّرة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يريد في وقت من الأوقات أن يستر حجَّته عنهم، لقد كان يوسف النبيُّ ملك مصر، وكان بينه وبين أبيه مسيرة ثمانية عشر يوماً، فلو أراد أن يُعلِمه بمكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيّام من بدوهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقَّه صاحب هذا الأمر يتردَّد بينهم، ويمشي في أسواقهم، ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتَّى يأذن الله له أن يُعرِّفهم نفسه كما أذن ليوسف حين قال له إخوته: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: ٩٠]»(٦٧).
ومعه، فقد ترى الإمام وأنت في طريقك لعملك، وقد تجلس بجنبه في سيّارة أُجرة، وقد تصادفه في سفرة الحجِّ، وقد تتصادم معه في زحمة مكان ما..
فهل نحن على المستوى الذي يؤهِّلنا لأن يصافحنا الإمام وإن كنّا لا نعرفه!؟
وهل عيوننا طاهرة من الرجس لتقع على نور وجه الإمام (عليه السلام)!؟
﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (القيامة: ١٤).
(٢٣) هل الهدف رؤية الإمام؟
لا شكَّ أنَّ من السعادة التي ما مثلها سعادة أن يتشرَّف أحدنا برؤية صاحب الطلعة البهيَّة الإمام الحجَّة بن الحسن (عليه السلام).
ولا شكَّ أنَّ هناك من المؤمنين من يعمل الكثير من الأعمال المستحبَّة ويرجو أن يرزقه الله تعالى رؤية الإمام (عليه السلام).
ولكن هل من الصحيح أن نجعل الهدف من أعمالنا أن نرى الإمام (عليه السلام)؟
وبعبارة أُخرى: هل رؤية الإمام غاية أم وسيلة؟
الجواب: لا شكَّ أنَّ أصل علاقتنا بأهل البيت (عليهم السلام) تُمثِّل وسيلة للوصول إلى رضا الله تعالى، من باب أنَّ رضا الله رضاهم، كما هو صريح الكثير من الروايات الشريفة، وهذا ما أشار له قنبر خادم أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما أمره الحجّاج بأن يبرأ من عليٍّ (عليه السلام)، فقال: (فإذا برئت من دينه تدلّني على دين غيره أفضل منه!؟)(٦٨).
نعم، رؤيته هدف سامي، لكن ليس من الصحيح أن نجعل همّنا رؤيته فقط، فقد ورد أنَّه قال أبو العبّاس أحمد بن الحسن بن أبي صالح الخجندي وكان قد ألحَّ في الفحص والطلب، وسار في البلاد، وكتب على يد الشيخ أبي القاسم بن روح (رضي الله عنه) إلى الصاحب (عليه السلام) يشكو تعلّق قلبه واشتغاله بالفحص والطلب، ويسأل الجواب بما تسكن إليه نفسه، ويكشف له عمَّا يعمل عليه، قال: فخرج إليَّ توقيع نسخته: «من بحث فقد طلب، ومن طلب فقد دلَّ، ومن دلَّ فقد أشاط(٦٩)، ومن أشاط فقد أشرك»، قال: فكففت عن الطلب وسكنت نفسي، وعدت إلى وطني مسروراً، والحمد لله(٧٠).
فالمهمُّ إذن هو أن نعمل على تحصيل رضا الله تعالى من خلال تحصيل رضاهم (عليهم السلام)، فالهدف إذن هو رضا الله تعالى ورضا أهل البيت (عليهم السلام)، ورؤيتهم سعادة ما مثلها سعادة إن حصلت.
في مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ المفيد (رحمه الله) يقول فيها: «فليعمل كلُّ امرئ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة»(٧١).
(٢٤) شروط اللقاء
نعلم أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) غائب عنّا بشخصيته لا بشخصه، فيمكن أن نلتقي به من دون أن نعرفه.
وقد دلَّ العقل والنقل على إمكان لقائه مع معرفته أيضاً.
ولا شكَّ أنَّ هذه المرتبة من التشرّف باللقاء لا ينالها إلَّا ذو حظٍّ عظيم.
ولكن: هل هناك من شروط يلزم توفّرها ليتشرَّف المؤمن باللقاء مع المعرفة؟
الجواب:
يمكن القول: إنَّ هناك شرطين أساسيين، يلزم توفّرهما في المؤمن، ليتأهَّل للقاء المؤمَّل المنتظَر، وهذان الشرطان هما:
الشرط الأوَّل: وجود المصلحة من لقاء الإمام (عليه السلام) به، وهذه المصلحة يُحدِّدها الإمام نفسه.
الشرط الثاني: وصول الشخص إلى مرتبة من الإيمان والوثاقة بحيث يحفظ السرَّ ولا يذيعه.
أي أنَّ القاعدة الأوَّلية في رؤيته (عليه السلام) هي أن يتمَّ اللقاء مع تمام الحفاظ على حياة الإمام وسلامته، فإذا توفَّر هذا الشرط المهمّ أمكن رؤيته، وهو ما أشار إليه الشيخ أبو سهل النوبختي حيث أشار إلى أنَّ الشيء المهمّ في لقائه (عليه السلام) هو الوثاقة بدرجة كبيرة بحيث يؤمن بها على حياته (عليه السلام).
حيث ورد أنَّه سُئِلَ الشيخ أبو سهل فقيل: كيف صار هذا الأمر (أي السفارة عن الإمام) إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟
فقال: (هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأُناظرهم ولو علمتُ بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجَّة (على مكانه) لعلّي كنتُ أدلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه)(٧٢).
وينبغي الالتفات إلى قضيَّة مهمَّة، وهي: أنَّنا وإن كنّا لا نراه اليوم، ولكن ينبغي أن يرانا هو (عليه السلام) على حالٍ حسنة في علاقتنا مع الدين عموماً.
فينبغي العمل على إرضائه (عليه السلام) بالالتزام بالتعليمات الإسلاميَّة وعدم مخالفته في شيء من ذلك.
ولعلَّ أقوى مانع من رؤيتنا له (عليه السلام) هو إقامتنا على الذنوب، وهو ربَّما يشير إليه (عليه السلام) في مكاتبته للشيخ المفيد (رحمه الله): «ولو أنَّ أشياعنا -وفَّقهم الله لطاعته - على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمنُ بلقائنا...»(٧٣).
(٢٥) هل الغيبة تعني الانقطاع!؟
إنَّها تعني الانقطاع في غيبتي وغيبتك، حيث يكون الانقطاع في غيبتنا من كلا الطرفين.
ولكن هل غيبة الإمام المهدي كذلك!؟
إنَّ غيبته تعني انقطاعنا نحن عنه! لسبب ولآخر.
ولكن هل هو أيضاً منقطع عنّا؟
كلَّا وألف كلَّا، فإنَّ غيبته لا تعني أكثر من أنَّنا لا نعرفه، ولا نتواصل معه مباشرةً، أمَّا هو، فإنَّه لم ينقطع عنّا أبداً، وهو (عليه السلام) مطَّلع على أعمالنا، ويتابع تصرّفاتنا، بما وهبه الله تعالى من علم لدنّي، ولذلك يقول (عليه السلام): «إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأْواء، أو اصْطلمَكم الأعداء»(٧٤).
إنَّه غائب عن أن نراه، لكنَّه حاضر معنا في كلِّ لحظة، فهو غائب حاضر.
إنَّ وعينا لهذه الحقيقة يستلزم أن نلتفت إلى التالي:
أوَّلاً: علينا أن نعيش حياتنا مستشعرين المراقبة الذاتية الإلهية أوَّلاً والمعصومية ثانياً، وأن نُرتِّب أثراً على هذه المراقبة يتلخَّص بالابتعاد عمَّا حرَّمه الله تعالى، والعمل على تحصيل رضاه من خلال ما رسمه لنا أهل البيت (عليهم السلام)، هو معنى ما ورد عنه (عليه السلام): «فليعمل كلُّ امرئ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة، ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة»(٧٥).
ثانياً: أنَّ الإحساس بحضوره واستشعاره رغم غيبته يُولِّد في النفوس أملاً يزيح عنّا ظلام الدروب، وحافزاً لتحمّل ما يمرُّ علينا من صعاب، ودافعاً لتهيئة الأرضية المناسبة لظهوره بالعمل على التمهيد لذلك من خلال الالتزام بالنظام العامّ للإسلام على مستوياته المختلفة: العقائدية والفقهية والسلوكية الأخلاقية.
فحضوره معنا يقول لنا: لا تحزنوا، ولا تهنوا، فأنتم تحت المراقبة، وفي محطِّ النظر، وتحت دائرة الدعاء.
ثالثاً: أنَّ الاعتقاد بحضوره مع المؤمن، يضفي مسؤولية عظيمة عليه، فإنَّ حضوره معنا يعني إمكانية أن تراه وتجالسه وتُكلِّمه في مكان ما أو زمن ما! فعلى المؤمن أن يكون طاهراً قلباً وقالباً، ليكون محلّاً لشرافة اللقاء به، بأن يعمل جهد إمكانه على أن يجعل من قلبه مستعدّاً لتلقّي الفيض الملكوتي حين لقياه، وعلى أن يُطهِّر عينيه من النظرة الحرام، وأُذُنه من الغيبة والنميمة، ويده من الشبهات، وجميع جسده من جميع الأدران المعنوية، ليتمكَّن المؤمن من مباشرة عين الإمام بنظرة، ولأن يسمع منه كلاماً هو أرقُّ من ريح الصبا، وليفيض جسده الطاهر على جسده من عبق أنفاسه الطيّبة.
ولنتذكَّر دائماً، ما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): «... فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له أن يُعرِّفهم نفسه...»(٧٦).
(٢٦) كيف تقتدي بإمامك الغائب؟
كيف تقتدي بإمام زمانك وهو غائب لا تراه ولا ترى أفعاله ولم تلتق به؟
الجواب:
أوَّلاً: من نافلة القول التذكير بأنَّ التأسّي بالقدوة الصالحة والناجحة مبدأ إسلامي وعقلائي، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١).
وقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: ٤).
ثانياً: أنَّ الاقتداء لا يتوقَّف على اللقاء المباشر، فيكفي أن نعرف صفات القدوة ونُطبِّقها على سلوكنا، فإنَّ لنا أُسوة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رغم أنَّنا لم نرَه، ولم نجد إلَّا حبراً على ورق.
وقد روي أنَّه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... ألَا إنَّ أعجب الخلق إليَّ إيماناً لقوم يكونون من بعدكم يجدون صحفاً فيها كتاب يؤمنون بما فيها»(٧٧).
ثالثاً: لقد ذكرت بعض الروايات كيفية الاقتداء بالإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته.
وخلاصة الاقتداء به عبر التالي:
١ - التولّي لأولياء وشيعة ومحبّي الإمام المهدي (عليه السلام)، وما يترتَّب على هذا الأمر من التواصل وقضاء الحوائج وغيرها من المفاهيم المترتِّبة على التولّي.
٢ - التبرّي من أعداء الإمام (عليه السلام) ومبغضيه، وما يترتَّب على هذا الأمر من الابتعاد عن أخلاق الأعداء وسلوكياتهم.
٣ - الإيمان بالأئمَّة (عليهم السلام) وما يستلزمه الإيمان بهم من أخذ العلم منهم لا غير، وترجيح أقوالهم على أقوال غيرهم.
روي أنَّه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتدٍ به قبل قيامه، يتولّى وليَّه ويتبرَّأ من عدوِّه، ويتولّى الأئمَّة الهادية من قبله، أُولئك رفقائي وذوو ودّي ومودَّتي، وأكرم أُمَّتي عليَّ»(٧٨).
(٢٧) كيف يمكنك أن تُدخِل الحزن على قلب إمامك!؟ وهل يمكنك إفراحه؟
الحزن والفرح، حالتان وجدانيتان، يمرُّ بهما كلُّ امرئٍ في حياته اليومية.
والإنسان قد يفرح لأمر يصيبه، وقد يحزن لآخر يعتريه، ولكن، أن يفرح لفرح آخر، وأن يحزن لحزن آخر، فهذا ما لا نجده إلَّا في العلاقات الروحية المجرَّدة عن المادَّة والمادّيات.
من هنا، كان شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يفرحون لفرحهم، ويحزنون لحزنهم.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث الأربعمائة: «... إنَّ الله تبارك وتعالى أطلع إلى الأرض، فاختارنا، واختار لنا شيعة، ينصروننا، ويفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويبذلون أموالهم وأنفسهم فينا، أُولئك منّا وإلينا»(٧٩).
ولكن يا ترى، هل عملنا نحن على إدخال الفرح على قلوبهم، أم عملنا العكس!؟
وكيف نحن مع قلب إمام زماننا!؟
تأمَّل معي أخي الكريم، أُختي الكريمة، الكلمات التالية:
عندما تمسح على رأس يتيم، وتُعطيه كسوة شتاء أو صيف، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
عندما تعلم بحاجة أخيك، فتقصده لتقضيها له، من دون أن تريق ماء وجهه، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
عندما تسمع صوت أُمِّك أو أبيك يناديان لحاجة، فتُسرع قبل إخوانك لتقضيها لهما، ولتتشرَّف ببرِّهما، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
عندما ترى صاحب مصيبة مغموماً، فتذهب إليه لتُصبِّره على بلائه، ولتُسلّيه عن مصابه، ولتؤانسه في وحشته، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
عندما تصبر عن حلاوة المال الحرام، وتربو بنفسك عن معاقرة الشبهات، وتحبس نفسك على الكسب الحلال، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
عندما تُمسِك عن سماع لغو الكلام من غناء وغيبة ونميمة وسباب وشتيمة، فاعلم أنَّك أدخلت السرور على قلب إمامك.
ولكن..
عندما ترى يتيماً محتاجاً، فتبخل عليه بما هو زائد عن حاجتك، وبما هو سقط طعامك، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
عندما تريق ماء وجه أخيك، ولا تقضي حاجته مع قدرتك عليها، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
عندما تشهق أُمُّك مستغيثة منك لله تعالى، وعندما لا يجدك أبوك حيث يحتاجك، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
عندما تشمت بصاحب رزيَّة، أو تغمز بعينك عليه عند حلول مصيبة، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
عندما تُغمِض في طلب الأموال، ولا يهمّك أن تجنيها من شبهة أو حرام أو حلال، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
عندما تستمع لغو الكلام بحجَّة أنَّه مجرَّد كلام يمرُّ، لا يضرُّ، وتتناسى ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً﴾ (الإسراء: ٣٦)، فاعلم أنَّك أدخلت الحزن والألم على قلب إمامك.
ولنتذكَّر جميعاً، أنَّ أعمالنا تُعرَض على إمامنا بالعلم الذي وهبه الله تعالى له.
فقد ورد عن داود الرقّي، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال لي: «يا داود، أعمالكم عرضت عليَّ يوم الخميس، فرأيت لك فيها شيئاً فرَّحني، وذلك صلتك لابن عمك...»(٨٠).
وعن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ أعمال العباد تُعرَض على نبيِّكم كلَّ عشية الخميس، فليستحي أحدكم أن تُعرَض على نبيِّه العمل القبيح»(٨١).
وعن حفص بن البختري، عنه (عليه السلام)، قال: «تُعرَض الأعمال يوم الخميس على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى الأئمَّة (عليهم السلام)»(٨٢).
ولنتذكَّر دائما قوله جلَّ وعلا: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (القيامة: ١٤ و١٥).
(٢٨) لماذا اعتَزَلنا المهديُّ (عليه السلام)؟
ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بدَّ له في غيبته من عزلة...»(٨٣).
فلماذا يعتزلنا المهدي (عليه السلام)، ونحن شيعته وموالوه ومحبّوه؟
الجواب: أنَّ ذلك يرجع إلى التالي:
أوَّلاً: أنَّ الغيبة تخطيط إلهي، وهي لا تتحقَّق إلَّا بالعزلة، وهذا هو مفهوم الغيبة، فلو كان ظاهراً لكلِّ أحد، ويلتقي بكلِّ شخص، فأيُّ غيبة هذه!؟
ثانياً: أنَّ الإمام (عليه السلام) لا يعتزل الجميع، فهناك من يكون مع الإمام في غيبته، لأنَّه أهل لذلك، كالخضر مؤنس وحدته، والأبدال الثلاثين الذين تذهب بهم وحشته.
ثالثاً: أنَّ الإمام (عليه السلام) يُمثِّل الطهارة على أعلى مستويات كمالها، فلا يليق بمن عاش الرجس أن يرافق الإمام، ومن هنا، فعلى كلِّ واحد منّا أن يعمل على أن يُطهِّر نفسه وروحه، ليكون مؤنساً لوحشة إمامه في غيبته، وذلك لا يكون إلَّا بالالتزام بالتقوى ومحاسن الأخلاق، لتُرفَع صحيفته لإمامه بيضاء ناصعة لا سواد فيها.
فهل أنت على قدر هذه المسؤولية!؟
(٢٩) ما الفرق بين مهدي العامَّة ومهدي الشيعة؟
بعد الاتِّفاق بين الشيعة والعامَّة على أنَّ فكرة (المهدي) فكرة جاء بها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، الأمر الذي تكشف عنه الروايات الكثيرة من الطرفين، هنا سؤال: ما هو الفرق بين المهدي الذي يؤمن به الشيعة، والمهدي الذي يؤمن به العامَّة؟
والجواب:
يمكن إيجاد عدَّة فروق في هذا المجال، نذكر منها التالي:
الفرق الأوَّل: أنَّ المهدي عند الشيعة هو من ولد الإمام الحسين (عليه السلام)، وأمَّا عند العامَّة فهو من ولد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).
الفرق الثاني: أنَّ المهدي عند الشيعة اسمه (محمّد بن الحسن)، وأمَّا عند العامَّة فاسمه (محمّد بن عبد الله).
الفرق الثالث: أنَّ المهدي عند الشيعة كان قد وُلِدَ سنة (٢٥٥) للهجرة، وما زال حيّاً إلى أن يُظهِره الله تعالى في الوقت الذي لا يعلمه إلَّا هو (عزَّ وجلَّ)، وأمَّا عند العامَّة فإنَّه يُولَد في آخر الزمان.
الفرق الرابع: أنَّ المهدي عند الشيعة ينصره الله تعالى بالملائكة(٨٤)، وبالأولياء الذين سيُرجِعهم الله تعالى بإذنه(٨٥)، وأمَّا المهدي عند العامَّة فلم يذكروا له هذه النصرة، خصوصاً وأنَّهم لا يؤمنون بالرجعة أصلاً.
الفرق الخامس: أنَّ المهدي عند الشيعة يقوم بتجهيزه بعد موته الإمامُ الحسينُ (عليه السلام)، وأمَّا عند العامَّة فليس كذلك لأنَّهم لا يؤمنون أصلاً بالرجعة.
هذه أوضح الفروق بيننا وبينهم فيما نعتقده من المهدي (عليه السلام).
(٣٠) هل المهدي (عليه السلام) من ولد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
من الواضح جدّاً في عقيدتنا أنَّه (عليه السلام) من ولد الإمام الحسين (عليه السلام)، وعشرات الروايات تدلُّ على ذلك.
إلَّا أنَّ البعض من العامَّة ادَّعوا أنَّه من الإمام الحسن (عليه السلام)، والذي يمكن أن يكون دليلاً على مدَّعاهم هو التالي:
أوَّلاً: ما ورد في سنن أبي داود أنَّه: قال عليٌّ (رضي الله عنه) ونظر إلى ابنه الحسن فقال: «إنَّ ابني هذا سيِّد كما سمّاه النبيُّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلَّم)، وسيخرج من صلبه رجلٌ يُسمّى باسم نبيِّكم، يشبهه في الخُلق ولا يشبهه في الخَلق»(٨٦).
وهذه رواية عامّية لا يُعتَمد عليها، خصوصاً وأنَّ الوارد في رواياتنا هو التالي:
نظر أمير المؤمنين عليٌّ إلى الحسين (عليهما السلام) فقال: «إنَّ ابني هذا سيِّد كما سمّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيِّداً، وسيُخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيِّكم يشبهه في الخَلق والخُلق...، ويملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٨٧).
ثانياً: ما قيل من أنَّ هناك رواية وردت في كتبنا الخاصَّة تدلُّ على أنَّه من ولد الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام)، وهي ما ورد في رواية طويلة عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): «... وأشهد على رجل من ولد الحسن بن عليٍّ لا يُكنّى ولا يُسمّى، حتَّى يظهر أمره، فيملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً»(٨٨).
حيث ادُّعي أنَّ المقصود من (الحسن بن عليٍّ) هو الإمام المجتبى (عليه السلام).
وهذا مردود بالتالي:
١ - إنَّ والد الإمام المهدي (عليه السلام) هو الإمام العسكري (عليه السلام) وهو ابن عليٍّ الهادي (عليه السلام)، فيقال عنه (الحسن بن عليٍّ) أيضاً.
٢ - إنَّ (الحسن بن عليٍّ) وإن كان مشتركاً بين المجتبى والعسكري (عليهما السلام)، ولكن في خصوص هذه الرواية يُراد منه الإمام العسكري (عليه السلام) جزماً، وذلك لأنَّ سياق الرواية كان في أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) يذكر كلَّ واحد من الأئمَّة، ثمّ يذكر ابنه بعده، وهكذا، ولمَّا وصل إلى الإمام العسكري قال التالي: «وأشهد على الحسن بن عليٍّ أنَّه القائم بأمر عليِّ بن محمّد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن عليٍّ(٨٩) لا يُكنّى ولا يُسمّى حتَّى يظهر أمره فيملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً».
فما هو المبرِّر لصرف الكلمة إلى الإمام المجتبى (عليه السلام)؟!
ملاحظة:
يمكن نسبة الإمام المهدي (عليه السلام) إلى الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) من جهة الأُمِّ، وذلك باعتبار أنَّ زوجة الإمام زين العابدين (عليه السلام) هي فاطمة ابنة الإمام الحسن (عليه السلام)، وهي أُمُّ الإمام الباقر (عليه السلام). فيصحُّ نسبته إليه باعتبار أنَّ جدَّته فاطمة هي ابنة الإمام المجتبى عليهم صلوات الله أجمعين، كما كان السادة يُنسَبون إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويقال عنهم: (أولاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)) من جهة أُمِّهم الزهراء (عليها السلام).
(٣١) لماذا كان الإمام المهدي (عليه السلام) من أولاد الإمام الحسين (عليه السلام)
ولم يكن من أولاد الإمام الحسن (عليه السلام)؟
من المعلوم من خلال الروايات الشريفة أنَّ الإمام الحسن (عليه السلام) هو الولد الأكبر للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو أفضل من الإمام الحسين (عليه السلام) كما نصَّت على ذلك بعض الروايات الشريفة، فقد يقول البعض: إنَّ من المناسب والحال هذه أن يكون الإمام المهدي (عليه السلام) من أولاد الإمام الحسن (عليه السلام)، فلماذا كان من أولاد الإمام الحسين (عليه السلام)؟
الجواب:
هنا نقطتان توضِّحان الجواب، (ونفس هذا الجواب يُجاب به عن السؤال عن أنَّه لماذا كان الأئمَّة من ذرّية الإمام الحسين دون الإمام الحسن (عليهما السلام)؟):
النقطة الأُولى: أنَّ من أهمّ ما يعتقد به أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) هو أنَّ مسألة اختيار الإمام هي كمسألة اختيار النبيِّ، لا بدَّ أن تكون باختيار إلهي، ولا دخل للاختيار البشري فيها، ذلك لأنَّ الله تعالى هو المطَّلع على حقائق الأُمور، وهو الذي يعلم بالأصلح والأكفأ لمثل هذه المهامّ..
فكان من المنطقي جدّاً أن يكون اختيار أفراد معيَّنين للقيام بمسؤولية النبوَّة أو الإمامة خاصّاً بالله تعالى دون غيره من البشر.
وهذه المسألة هي أُسُّ الخلاف بيننا وبين العامَّة الذين طرحوا عدَّة طرق لاختيار الإمام، كالشورى، واختيار أهل الحلِّ والعقد، والاستيلاء بالقوَّة، وما شابه..
ومعه، فالسؤال المطروح وأنَّه لماذا كان المهدي من ذرّية الإمام الحسين دون الإمام الحسن (عليهما السلام) ليس سؤالاً منطقياً، وغير صحيح بالموازين التي نعتقد بها..
وهذا جواب استُفيد من بعض كلمات الأئمَّة (عليهم السلام)..
عن محمّد بن أبي يعقوب البلخي، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام)، قلت له: لأيِّ علَّة صارت الإمامة في ولد الحسين دون ولد الحسن (عليهما السلام)؟
قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) جعلها في ولد الحسين ولم يجعلها في ولد الحسن، والله لا يُسئَل عمَّا يفعل»(٩٠).
النقطة الثانية: أنَّ كون المهدي من ذرّية الإمام الحسين دون الإمام الحسن (عليهما السلام) لا يستلزم إضافة خصوصية للإمام الحسين (عليه السلام) تجعله أفضل من الإمام الحسن (عليه السلام)، بل يبقى في اعتقادنا أنَّ الإمام الحسن أفضل من الإمام الحسين (عليهما السلام)..
وهذه المسألة ليست خاصَّة بالإمامين الحسنين (عليهما السلام)، وإنَّما هي قد جرت في بعض الأنبياء السابقين..
وهذا ما ذكره الأئمَّة (عليهم السلام) أيضاً..
فعن هشام بن سالم، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): الحسن أفضل أم الحسين؟
فقال: «الحسن أفضل من الحسين».
قلت: فكيف صارت الإمامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟
فقال: «إنَّ الله تبارك وتعالى أحبَّ أن يجعل سُنَّة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين (عليهما السلام).
ألَا ترى أنَّهما كانا شريكين في النبوَّة كما كان الحسن والحسين شريكين في الإمامة!؟
وإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) جعل النبوَّة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وإن كان موسى أفضل من هارون (عليهما السلام)...»(٩١).
النقطة الثالثة: وقد ورد في بعض الروايات الشريفة أنَّ ذلك الأمر كان واحداً من التعويضات الإلهية لما قدَّمه الإمام الحسين (عليه السلام) في سبيل الله تعالى وفي سبيل الإصلاح في أُمَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد ورد عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر وجعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقولان: «إنَّ الله تعالى عوَّض الحسين (عليه السلام) من قتله أن جعل الإمامة في ذرّيته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تُعَدُّ أيّام زائريه جائياً وراجعاً من عمره».
قال محمّد بن مسلم: فقلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هذا الجلال ينال بالحسين (عليه السلام) فما له في نفسه؟
قال: «إنَّ الله تعالى ألحقه بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان معه في درجته ومنزلته»، ثمّ تلا أبو عبد الله: «﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]»(٩٢).
(٣٢) هل المهدوية عند الشيعة فكرة يهودية؟
أشكل بعض النواصب بأنَّ المهدي الذي يؤمن به الشيعة نابع من فكرة يهودية، مستدلّاً على ذلك بأنَّ مهدي الشيعة سيُخرج التوراة ويحكم بها، وأنَّ هناك من يرجع معه من الموتى، والرجعة فكرة يهودية، فكيف الجواب؟
أوَّلاً: بعد ثبوت فكرة المهدي عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالدليل المتواتر، ليس عندنا فحسب، بل حتَّى عند العامَّة، فلا معنى للقول بأنَّها فكرة يهودية.
ثانياً: إذا كانت العقيدة حقَّة، فنؤمن بها حتَّى لو آمن بها اليهود أو المجوس، بل إنَّ إيمان اليهود أو النصارى بها قد يشير إلى حقّانيتها، لأنَّ عقيدة يتَّفق عليها جميع المتديّنين بالديانات السماوية هي عقيدة ثابتة ولا خلاف فيها، ويكون حالها حال عقيدة (التوحيد). فإنَّها عقيدة حقَّة وقد آمنت بها جميع الديانات وإن حصل اختلاف في تطبيقاتها أو حدودها.
ومن ذلك القول بالرجعة، فإنَّها عقيدة نطق بها القرآن الكريم، فلا يُبطِلها إيمانُ اليهود بها، وإلَّا فاليهود يذبحون بالسكّين ويختنون أطفالهم، فهل نترك هذه الواجبات لمجرَّد فعل اليهود لها!؟
ثالثاً: أنَّ الروايات التي ذكرت أنَّه يحكم بالتوراة والإنجيل، كانت واضحة في أنَّ هذا الحكم خاصٌّ باليهود، باعتبار أنَّهم يؤمنون بالتوراة، فهو يحاججهم بنفس التوراة من باب «ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم»(٩٣)، ولا يعني هذا أن يكون عموم حكمه (عليه السلام) بالتوراة، بل إنَّ نفس الرواية التي ذكرت حكمه بالتوراة، هي قد ذكرت حكمه بالقرآن أيضاً، فالمهدي بصريح الروايات سيحكم بالقرآن الكريم، وسيرجع الناس إلى الإسلام المحمّدي الأصيل.
ورد عن أبي جعفر (عليه السلام): «... وإنَّما سُمّي المهدي مهدياً لأنَّه يهدي إلى أمر خفيٍّ، ويستخرج التوراة وسائر كتب الله (عزَّ وجلَّ) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن...»(٩٤).
(٣٣) لماذا يحكم الإمام المهدي (عليه السلام) بحكم آل داود؟
من الإشكالات التي أثارها بعض الجهلة، أنَّ المهدي عند الشيعة لا يحكم بحكم الإسلام، وأنَّه سيحكم بحكم آل داود، لا بحكم النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكيف الجواب؟
من الواضح أنَّه أشارت بعض الروايات الشريفة إلى أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيحكم بحكم آل داود، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «... المهدي يحكم بحكم داود ولا يريد بيِّنة»(٩٥).
وأنَّ الثابت إسلاميّاً هو أنَّ القضاء في زمن النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان اعتماداً على البيِّنات والشهادات الظاهرية، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّما أقضي بينكم بالبيِّنات والأيمان...»(٩٦).
ولكن علينا أن نلتفت إلى أنَّ الحكم الظاهري قابل للخطأ، لأنَّه يعتمد الأُمور الظاهرة لا الواقعية، ولذلك ورد في ذيل نفس هذا الحديث ما يشير إلى هذا المعنى، حيث جاء فيه: «... وبعضكم ألحن بحجَّته من بعض، فأيّما رجل قطعت له من مال أخيه شيئاً فإنَّما قطعت له به قطعة من النار».
وكذلك ورد أنَّ حكم آل داود كان باعتبار الواقع الذي لا يقبل الخطأ، وأنَّ النبيَّ داود (عليه السلام) حكم بهذا المعنى بما لم تستطع الناس تحمّله، لذلك رجع إلى الحكم الظاهري، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «... إنَّ داود (عليه السلام) قال: يا ربِّ، أرني الحقَّ كما هو عندك حتَّى أقضى به، فقال: إنَّك لا تطيق ذلك، فألحَّ على ربِّه حتَّى فعل، فجاءه رجل يستعدي على رجل فقال: إنَّ هذا أخذ مالي! فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إلى داود (عليه السلام): أنَّ هذا المستعدي قتل أبا هذا وأخذ ماله، فأمر داود (عليه السلام) بالمستعدي فقُتِلَ وأخذ ماله فدفعه إلى المستعدى عليه». قال: «فعجب الناس وتحدَّثوا حتَّى بلغ داود (عليه السلام) ودخل عليه من ذلك ما كره، فدعا ربَّه أن يرفع ذلك، ففعل، ثمّ أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: أن اُحكم بينهم بالبيِّنات وأضفهم إلى اسمي يحلفون به»(٩٧).
إذا تبيَّن هذا نقول:
أوَّلاً: أنَّ هذه المسألة على كلِّ حالٍ، هي مسألة قضائية، وقد ثبت فقهياً أنَّ الحاكم إذا علم بالواقع فيمكنه الحكم باعتبار علمه لا باعتبار الظاهر، لأنَّه من الحكم بالعدل الذي لا يُعترَض عليه(٩٨).
بل يمكن القول: إنَّه مع علم الحاكم بالواقع، فيجب عليه أن يحكم به ولا يستمع للبيِّنة، وإلَّا كان حكمه على خلاف الواقع مع علمه بالخلاف. يعني يكون حكمه بالباطل، وهذا ما لا يرضاه الله (عزَّ وجلَّ) أكيداً.
ثانياً: لا شكَّ أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) عنده من العلم ما ينكشف له معه الواقع، فيمكنه أن يُطبِّق علمه على أيِّ مسألة تُعرَض عليه، وأكيداً سينتهي هذا الحكم إلى تطبيق العدل.
وينبغي الالتفات إلى أنَّ هذا السؤال لا يصحُّ ممَّن يؤمن بعصمة الإمام المهدي (عليه السلام) كما هو واضح، إذ المعصوم لا يفعل إلَّا ما يرضاه الله تعالى.
(٣٤) لماذا لا يظهر وقد امتلأت ظلماً!؟
سؤال يتردَّد في أذهان بعض المنتظرين..
نحن نرى أنَّ الظلم قد وصل إلى أعلى مستوياته هذه الأيّام.
والروايات قالت بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يظهر بعد أن تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً.
فلماذا لم يظهر الإمام إلى الآن؟
والجواب:
أوَّلاً: من قال إنَّ الشرط الأساسي للظهور هو امتلاء الأرض ظلماً وجوراً!؟
إنَّ هذا قول بلا دليل، بل هو ليس شرطاً أبداً.
ثانياً: أنَّ الظهور متوقِّف في الحقيقة على سبب رئيسي، وهو الإذن الإلهي، فقد ورد في التوقيع الأخير للإمام المهدي (عليه السلام) لسفيره الرابع: «... فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)...»(٩٩).
ثالثاً: وحتَّى لو قلنا: إنَّ الظهور متوقِّف على امتلاء الأرض ظلماً، فمن قال إنَّ الظلم اليوم قد وصل إلى ذروته!؟
من الواضح أنَّ الظلم من الأُمور المشكَّكة، أي القابلة للشدَّة والضعف، ولعلَّ الظلم الحاصل اليوم لا يُمثِّل إلَّا عشر معشار الظلم المزامن للظهور!
فربَّما تأتينا أيّام عندما نرى فيها الظلم آنذاك نعتبر عصرنا اليوم هو عصر العدالة والمساواة! وكما قيل:

فليت ظلم بني مروان دام لنا * * * وليت عدل بني العبّاس في النار

رابعاً: وعلى فرض أنَّنا اليوم نعيش الظلم على أعلى مستوياته، لكن علينا أن نلتفت إلى أنَّ الظهور ليس مشروطاً بهذه العلامة فقط، بل هناك علامات أُخرى لم تتحقَّق لحدِّ الآن.
بل تلك العلامات أوضح في الدلالة من هذه العلامة، (هذا لو قلنا: إنَّها علامة).
فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «قبل قيام القائم خمس علامات محتومات: اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكيَّة، والخسف بالبيداء»(١٠٠).
(٣٥) لماذا كان انتظار الفرج أفضل أعمال أُمَّة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
ورد عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار الفرج من الله (عزَّ وجلَّ)»(١٠١).
فلماذا كان انتظار الفرج أفضل أعمال أُمَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
إنَّ ذلك يرجع في الحقيقة إلى أنَّ مفهوم الانتظار يحتوي في داخله على عناصر متعدِّدة تجعل منه عملاً عامّاً يشمل جميع العبادات والمستحبّات والأخلاق والسلوكيات فضلاً عن الاعتقادات.
فهو معنى جامع لكلِّ مفاصل الإسلام المحمّدي الأصيل.
وتلك العناصر باختصار هي:
العنصر الأوَّل: العنصر الاعتقادي:
القائم على أساس الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له، وبنبوَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبكلِّ ما أمر به ونهى عنه، وبالإيمان بولاية أئمَّة الهدى الاثني عشر (عليهم السلام).
عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو مقتدٍ به قبل قيامه، يأتمُّ به وبأئمَّة الهدى من قبله، ويبرء إلى الله (عزَّ وجلَّ) من عدوِّهم أُولئك رفقائي وأكرم أُمَّتي عليَّ»(١٠٢).
العنصر الثاني: العنصر الفقهي:
ويتمثَّل بالالتزام العملي بكلِّ التكاليف الشرعية، الذي يعني باختصار التزام التقوى، التي تعني الاجتهاد والورع، الاجتهاد بمعنى التزام الواجبات، والورع بمعنى اجتناب جميع المحرَّمات.
عن يمان التمّار، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوساً، فقال لنا: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسِّك فيها بدينه كالخارط للقتاد - ثمّ قال هكذا بيده - فأيُّكم يُمسِك شوك القتاد بيده؟»، ثمّ أطرق مليّاً، ثمّ قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»(١٠٣).
العنصر الثالث: العنصر السلوكي:
ويتمثَّل بالتزام المستحبّات وترك المكروهات ما استطاع المؤمن إلى ذلك سبيلاً.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «من سرَّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه، فجدّوا وانتظروا، هنيئاً لكم أيَّتها العصابة المرحومة»(١٠٤).
العنصر الرابع: الاستعداد العملي ليوم الظهور:
وهو عنصر مستبطن في العناصر المتقدِّمة، لكن نُفرده بالذكر لما له من أثر فعّال في الانتظار المهدوي. فعن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «ليعدَّنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً فإنَّ الله تعالى إذا علم ذلك من نيَّته رجوت لأن يُنسئ في عمره حتَّى يُدركه، ويكون من أعوانه وأنصاره»(١٠٥).
(٣٦) ولا تستبدل بي غيري
من السنن التي ذكرها القرآن الكريم في محكم آياته، هي سُنَّة الاستبدال، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ﴾ (محمّد: ٣٨).
فماذا تعني هذه السُّنَّة؟
إنَّها تعني: أنَّ الإنسان قد تتاح له فرصة لأن يكون من عمّال الله تعالى على الأرض.
لأن يكون من خدمة الدين والمذهب.
لأن يكون ممَّن ينتصر الله تعالى به لدينه، ويدفع به الأعداء.
لأن يكون من الذين يباهي الله بهم الملائكة في السماوات العلى.
لأن يكون ممَّن يدفع الله بهم البلاء عن الناس.
لأن يكون ممَّن يُؤهَّلون ليرجعوا مع إمام الزمان، ليضربوا بين يديه هامّ الكفرة الفجرة.
ولكنَّه..
وبسبب عملٍ من الأعمال السيِّئة.. بسبب فعل سيِّئ يُحبِط أعماله الصالحة.. بسبب تصرّف طائش من دون حساب.. من دون رويَّة في اتِّخاذ قرار.. بسبب سلوك طريق غير طريق الله تعالى، بسبب تنكّب السبيل الأقوم..
فإنَّ سُنَّة الاستبدال تعمل عملها.. فيُرمى بهذا الشخص بعيداً.. فيُلقى به في وادٍ سحيق.. فُيطرَح به في منآى عن طريق الإصلاح، ليحلَّ محلَّه مؤمن آخر، أو مؤمنة أُخرى، قد التزما بما يريده منهم العقل والشرع.
هذه السُّنَّة، في الوقت التي تُنبئ عن خطر محدق بالأعمال والمصير، هي تدعونا إلى التالي:
أوَّلاً: أن يطلب المؤمن من الله تعالى أن يُثبِّته على الطريق.
ثانياً: أن لا يسمح لنفسه بأن تتَّخذ قراراً طائشاً غير محسوب العواقب.
ثالثاً: أن يكون قويّاً في دينه، ولا يتساهل أبداً في أُمور آخرته.
ولنُردِّد دائماً: ربِّ «واجعلني ممَّن تنتصر به لدينك ولا تستبدل بي غيري»(١٠٦).
(٣٧) اسم صريح في القرآن
ذكر الشيخ النوري في كتابه النجم الثاقب أكثر من (١٨٠) اسماً وكنيةً للإمام المهدي (عليه السلام).
ومن تلك الأسماء ما ورد صريحاً في القرآن الكريم، ومنها التالي:
أوَّلاً: بقيَّة الله:
عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله رجل عن القائم يُسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟
قال: «لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يُسَمِّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلَّا كافر».
قلت: جُعلت فداك، كيف يُسلَّم عليه؟
قال: «يقولون: السلام عليك يا بقيَّة الله»، ثمّ قرأ: «﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]»(١٠٧).
ثانياً: المنصور:
عن تفسير فرات بن إبراهيم... عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾، قال: «الحسين»، ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء: ٣٣]، قال: «سمّى الله المهدي منصوراً، كما سمّى أحمد ومحمّد محموداً، وكما سمّى عيسى المسيح»(١٠٨).
وفي رواية أُخرى: «المقتول الحسين (عليه السلام)، ووليُّه القائم، والإسراف في القتل أن يقتل غير قاتله، ﴿إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ فإنَّه لا يذهب من الدنيا حتَّى ينتصر برجل من آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(١٠٩).
(٣٨) الإمام المهدي وحديث الثقلين
ورد في سنن الترمذي بإسناده عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدها أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(١١٠).
يُستفاد من حديث الثقلين أُمور، نذكر بعضاً منها:
أوَّلاً: أنَّ القرآن والعترة توأمان لا ينفكُّ أحدهما عن الآخر بأيِّ حالٍ من الأحوال، وأنَّ أهل البيت (عليهم السلام) عِدل القرآن وحملة علومه.
ثانياً: يُستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كتاب الله وعترتي أهل بيتي» أنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) منزلةً رفيعةً، ومقاماً شامخاً مساوياً لمقام القرآن ورفعته، الأمر الذي يستلزم عصمتهم، كما أنَّ القرآن معصوم، فإنَّ القرآن حيث إنَّه ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فُصِّلت: ٤٢)، فكذلك أهل البيت (عليهم السلام) لأنَّهم عِدله، وهذا يلزمنا بإطاعة أوامرهم واجتناب نواهيهم ورعاية حقوقهم.
ثالثاً: أنَّ القرآن والعترة كليهما صمّام أمان يمنع انحراف الأُمَّة وضلالها طالما تمسَّكت بهما وسرت على ضوء تعاليمهما وإرشاداتهما، وهذا مستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا».
رابعاً: أنَّ ملازمة أهل البيت (عليهم السلام) للقرآن الكريم وعدم افتراقهم عنه حالة مستمرَّة إلى يوم القيامة، والورود على الحوض كما أشار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لذلك.
وهذا يعني وجود إمام منهم مقترن بالقرآن في كلِّ زمان ليتسنّى لنا التمسّك بهما، وصيانة المسيرة وحفظها من الضلال.
فإذا كان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) آخر الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) استشهد سنة (٢٦٠هـ) فمن خلفه في تولّي مهمَّة الإمامة من بعده؟
فإن قيل: إنَّ الأمر تُرِكَ سدى فلم يخلفه أحد، انتقض قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لن يفترقا»، حيث حصل افتراق فعلاً باستشهاد الإمام العسكري (عليه السلام)، وعدم وجود من يخلفه. وسيعقب هذا الافتراق ضلال لا محالة، وهذا ما لا يرتضيه الله سبحانه وتعالى لعباده.
إذن، هذا الحديث يدلُّ بكلِّ وضوح على ضرورة وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، وإلَّا لحصل الضلال وافتراق القرآن عن العترة.
(٣٩) الجسم إسرائيلي
قالت الروايات بأنَّ جسم الإمام المهدي (عليه السلام) متناسق جدّاً، وفيه كلُّ حيثيات القوَّة الشديدة والجمال الإلهي، حتَّى إنَّه لو صاح بجبل لتدكدك، ومن هذا القبيل ما ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «بأبي وأُمّي سميّ جدّي، شبيهي وشبيه موسى بن عمران (عليه السلام)»(١١١).
وقد ورد في بعض صفاته أنَّ جسمه جسم إسرائيلي، فقد روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من ولدي، وجهه كالكوكب الدرّي، واللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي»(١١٢).
فما هو معنى كون جسمه إسرائيلياً؟
ربَّما لا نستطيع الجزم باحتمال معيَّن، لكن يمكن القول كاحتمال في المسألة بالتالي:
إنَّ جسم الإمام المهدي (عليه السلام) يشبه جسم النبيِّ موسى (عليه السلام) من حيث التناسق والقوَّة البدنية، إذ إنَّ النبيَّ موسى (عليه السلام) كان معروفاً بالقوَّة البدنية، ويمكن لنا أن نتعرَّف على قوَّة موسى (عليه السلام) البدنية من خلال موقفين:
أوَّلهما: عندما وكز موسى القبطي فقضى عليه بضربة واحدة، ولم يكن قاصداً لقتله، ولكن قوَّة الضربة قتلته.
وثانيهما: عندما سقى لابنتي شعيب بدلو كانت حين تمتلئ لا يستخرجها إلَّا عشرة أنفار من البئر(١١٣).
ومن هنا نعرف مقصود الروايات التي عبَّرت عن جسم الإمام المهدي (عليه السلام) بأنَّه «اللون لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي»(١١٤).
فإنَّ المقصود - احتمالاً والله العالم - من الجسم الإسرائيلي هو جسم النبيِّ موسى (عليه السلام).
هذا طبعاً إن صحَّت الرواية التي وصفته بذلك.
(٤٠) مسجد السهلة
مسجد السهلة مسجد في الكوفة المقدَّسة، تابع لها، وهو مسجد تأريخي، ترجع أُصوله إلى الأنبياء العظام، وفيما بين أيدينا من الروايات الشريفة، نجد أنَّ له أُصولاً ترجع إلى زمن نبيِّ الله إدريس ونبيِّ الله إبراهيم (عليهما السلام)، بل ورد أنَّه ما من نبيٍّ بعثه الله تعالى إلَّا وصلّى في هذا المسجد المعظَّم.
هو أحد المساجد المهمَّة التي أوصى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بتعاهدها والاهتمام بها، بل ورد أنَّ «المقيم فيه كالمقيم في فسطاط رسول الله صلوات الله عليه وآله، وما من مؤمن ولا مؤمنة إلَّا وقلبه يحنُّ إليه، وما من يوم ولا ليلة إلَّا والملائكة يأوون إلى هذا المسجد يعبدون الله فيه»(١١٥).
وما يزيده من الأهمّية أنَّه سيكون منزل القائم (عليه السلام) بأهله وعياله.
وله أسماء عديدة: مسجد سهيل، والسهلة، وبني الظفر، والثرى.
ولهذا المسجد خصائص عديدة امتاز بها عن غيره من مساجد الأرض، وتلك الخصائص هي:
أوَّلاً: أنَّه من المساجد المباركة في الكوفة المقدَّسة، والمبارك بمعنى كثير البركة، أي النفع، وهذا المسجد ينفع كلَّ من صلّى فيه، فهو مبارك من الله تعالى.
عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ بالكوفة... مساجد مباركة...»، وعد منها: «مسجد بني ظفر وهو مسجد السهلة»(١١٦).
ثانياً: أنَّه من المساجد التي يتأكَّد استحباب الصلاة فيها، وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال لأبي بصير: «يا أبا محمّد، أمَا إنّي لو كنت بالقرب منكم ما صلَّيت صلاةً إلَّا فيه»(١١٧).
وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: قال عليُّ بن الحسين (عليه السلام): «من صلّى في مسجد السهلة ركعتين زاد الله في عمره سنين»(١١٨).
ثالثاً: أنَّه من المساجد التي كانت منطلقاً للحركات الإصلاحية والتغييرية السماوية عبر التأريخ، فقد روي أنَّ «منه سار إبراهيم (عليه السلام) إلى اليمن بالعمالقة، ومنه سار داود إلى جالوت»(١١٩).
فنحن نعلم أنَّ الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يُخصِّصون مكاناً معيَّناً لانطلاق حركاتهم التغييرية، كما فعل النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما كان يجتمع مع المسلمين في المسجد المعظَّم في المدينة المنوَّرة.
رابعاً: أنَّه الموضع الذي كان النبيُّ إدريس يجلس فيه ليخيط، فالنبيُّ إدريس «هو أوَّل من خطَّ بالقلم، وأوَّل من خاط الثياب ولبسها، وكان من كان قبله يلبسون الجلود، وكان كلَّما خاط سبَّح الله وهلَّله وكبَّره ووحَّده و مجَّده»(١٢٠)، وقد ذكرت الروايات أنَّه كان يخيط، وبالتالي يذكر الله تعالى هنا، في مسجد السهلة المعظَّم، «... أمَا علمت أنَّه موضع بيت إدريس النبيِّ (عليه السلام) والذي كان يخيط فيه»(١٢١).
خامساً: أنَّه من المساجد التي يجير الله تعالى من استجار إليه فيه، فهو من المواضع التي تكون بعين الله تعالى، ولا يرد الله تعالى إغاثة من استغاث إليه فيه.
عن عبد الله بن أبان، قال: دخلنا على أبي عبد الله (عليه السلام) فسألَنا: «أفيكم أحد عنده علم عمّي زيد بن عليٍّ؟»، فقال رجل من القوم: أنا عندي علم من علم عمِّك، كنّا عنده ذات ليلة في دار معاوية بن إسحاق الأنصاري إذ قال: انطلقوا بنا نُصلّي في مسجد السهلة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «وفعل؟»، فقال: لا جاءه أمر فشغله عن الذهاب، فقال: «أمَا والله لو أعاذ الله به حولاً لأعاذه»(١٢٢).
سادساً: أنَّه من الأماكن التي تُستجاب فيها الدعوة، فإذا ما صلّى المرء فيه ركعتين بين صلاتي المغرب والعشاء ودعا الله تعالى بما فيه، فإنَّ الروايات تؤكّد أنَّ الله تعالى سيستجيب له دعوته.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وما أتاه مكروب قطُّ فصلّى فيه بين العشائين ودعا الله إلَّا فرَّج الله كربته»(١٢٣).
وقد يتساءل بعض المؤمنين:
بأنَّه لطالما زار مسجد السهلة ودعا الله تعالى فلم يُستَجب له؟
وفي الحقيقة هذا سؤال يطرحه كثير من المؤمنين عندما يدعون فلا يُستجاب لهم!
والجواب:
١ - يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ ربَّكم حيٌّ كريم، يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردّهما صفراً»(١٢٤).
٢ - تؤكّد الروايات أنَّه ما من دعوة تخلو من أثر، ولكن الأثر يختلف، يقول الإمام زين العابدين (عليه السلام): «المؤمن من دعائه على ثلاث: إمَّا أن يُدَّخر له، وإمَّا أن يُعجَّل له، وإمَّا أن يُدفَع عنه بلاء يريد أن يصيبه»(١٢٥).
٣ - ولذلك روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ الربَّ ليلي حساب المؤمن فيقول: تعرف هذا الحساب؟ فيقول: لا يا ربِّ، فيقول: دعوتني في ليلة كذا وكذا في كذا وكذا فذخرتها لك»، قال: «فممَّا يرى من عظمة ثواب الله يقول: يا ربِّ، ليت إنَّك لم تكن عجَّلت لي شيئاً وادَّخرته لي»(١٢٦).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ المؤمن ليدعو الله (عزَّ وجلَّ) في حاجته، فيقول الله (عزَّ وجلَّ): أخَّروا إجابته، شوقاً إلى صوته ودعائه، فإذا كان يوم القيامة قال الله (عزَّ وجلَّ): عبدي! دعوتني فأخَّرت إجابتك وثوابك كذا وكذا ودعوتني في كذا وكذا فأخَّرت إجابتك وثوابك كذا وكذا»، قال: «فيتمنّى المؤمن أنَّه لم يستجب له دعوة في الدنيا ممَّا يرى من حسن الثواب»(١٢٧).
٤ - فضلاً عن أنَّ بعض الأدعية قد لا تُستجاب من باب مخالفتها للحكمة التي لا يعلم بها العبد، فالحكمة الإلهية مقدَّمة في الفعل على الجود الإلهي، وهذا ما عبَّر عنه أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «إنَّ كرم الله تعالى لا ينقض حكمته، فلذلك لا تقع الإجابة في كلِّ دعوة»(١٢٨).
سابعاً: أنَّه المكان الذي يرتاح فيه العبد الصالح الخضر، كما ورد ذلك عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وإنه لمناخ الراكب»، قيل: ومن الراكب؟ قال: «الخضر (عليه السلام)»(١٢٩).
ثامناً: أنَّه المكان الذي سيتَّخذه الإمام المهدي (عليه السلام) منزلاً له بأهله وعياله عند ظهوره المبارك.
إذ لا شكَّ أنَّ وجود تلك الخصائص فيه، يُرجِّحه ليكون منزلاً لوليِّ الله الأعظم وبقيَّته في أرضه، فمسجد الكوفة مكان حكمه، ومسجد السهلة مكان سكنه.
ملاحظة:
ما تعارف عند المؤمنين من زيارة مسجد السهلة في ليلة الأربعاء بالخصوص، بهدف اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) بعد أربعين ليلة أربعاء!
هذا الأمر يحتاج إلى أن نتوقَّف فيه لنُبيِّن حقيقة الحال منه:
أوَّلاً: أنَّ هذا الفعل يدخل تحت عموم استحباب الصلاة في هذا المسجد المبارك، وقد نقل صاحب البحار ما نصّه: (قال السيِّد (رضي الله عنه): إذا أردت أن تمضي إلى السهلة فاجعل ذلك بين المغرب والعشاء الآخرة من ليلة الأربعاء، وهو أفضل من غيره من الأوقات...)(١٣٠).
ثانياً: أنَّ طريق اللقاء بالإمام المهدي (عليه السلام) ليس منحصراً بهذا الفعل، فإنَّ أهمّ ما يُؤهِّل الإنسان للتشرّف بخدمته (عليه السلام) هو التزام مفردات الإسلام الشرعية الأخلاقية، على حدِّ ما قاله الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ المفيد في رسالته إليه: «ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نُؤثِره منهم، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل»(١٣١).
ثالثاً: لا ينبغي أن يكون الهدف الأساسي لأعمال المؤمن هو لقاء الإمام المهدي (عليه السلام) فقط، فإنَّ لقاءه إنَّما هو طريق لتحصيل رضا الله تعالى ورضاهم (عليهم السلام)، فالمهمُّ إذن، هو أن نعمل بما يرضيهم، وأمَّا مسألة اللقاء، فإن حصلت فهي السعادة كلُّ السعادة أن يُكحِل أحدنا ناظريه برؤية صاحب الطلعة البهيَّة حجَّة الله على الأرض. وإن لم تحصل، فلا بدَّ أن يكون ذلك لحكمة يعلمها الله تعالى ورسوله وإمام الزمان، وليس أمامنا آنذاك إلَّا التسليم.
يقول الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام): «فليعمل كلُّ امرئ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يُدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد، ويلطف لكم في التوفيق برحمته»(١٣٢).
(٤١) الفرق بين السفير والفقيه
كان للإمام المهدي (عليه السلام) سفراء أربعة في غيبته الصغرى، وهم: عثمان بن سعيد العمري الأسدي السمّان، وابنه محمّد، والشيخ الحسين بن روح، والشيخ عليّ بن محمّد السمري.
ويُطلَق عليه اصطلاح: السفير أو الوكيل الخاصّ.
وبعد انتهاء الغيبة الصغرى، بدأت مرحلة جديدة، وهي مرحلة الفقهاء والعلماء، وهي مستمرَّة إلى يومنا هذا، وإلى ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ويُطلَق عليه اصطلاح: الوكيل العامّ.
فما هو الفرق بين السفير والفقيه؟
الجواب:
هناك عدَّة فروق، نذكر أهمّها:
الأوَّل: أنَّ الإمام (عليه السلام) كان قد عيَّن السفير بشخصه، يعني نصَّ نصّاً واضحاً على أنَّ فلان بن فلان هو السفير لا غيره، فلا يشتبه الأمر بغيره.
أمَّا الفقيه، فليس هناك تعيين شخصي له، وإنَّما هناك تعيين بالصفات، يعني أنَّ الإمام (عليه السلام) قد ذكر صفات معيَّنة للفقيه العالم، فمن توفَّرت فيه هذه الصفات جاز لنا أن نُقلِّده. مثل وصف: (رواة الحديث)، ووصف: (الفقيه الصائن لنفسه المطيع لربِّه).
ومن الروايات التي ذكرت صفات العالم الفقيه التالي:
ورد عن الإمام المهدي (عليه السلام): «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(١٣٣).
وعن الإمام العسكري (عليه السلام) أنَّه قال: «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يُقلِّدوه...»(١٣٤).
الثاني: أنَّ السفارة انتهت بانتهاء الغيبة الصغرى، ولا يوجد في زمن الغيبة الكبرى أيُّ سفير خاصٍّ، بل نحن مأمورون بتكذيب كلِّ من يدَّعي أنَّه سفير خاصٌّ للإمام (عليه السلام) زمن الغيبة الكبرى، إلى أن يبدأ الظهور وتبدأ علامات الظهور بالوقوع.
وهذا ما نصَّ عليه الإمام المهدي (عليه السلام) في آخر توقيع له لسفيره الرابع السمري (رضي الله عنه) حيث جاء فيه: «... وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر...»(١٣٥).
فالمجال مفتوح في زمن الغيبة الكبرى لادِّعاء الوكالة العامَّة، وعلى مدَّعيها أن يُثبِت أهليته للفقاهة حسب الأُصول العلمية المعمول بها في الأوساط الحوزوية العلمية، ولا تكفي مجرَّد الدعوى لجواز اتِّباعه بالنسبة لنا.
(٤٢) لماذا غيبة صغرى ثمّ كبرى؟
قد يتساءل البعض: لماذا تدرَّجت الغيبة من الصغرى إلى الكبرى، ولم تكن الغيبة كبرى فقط؟
الجواب:
بعد غضِّ النظر عن عصمة الإمام، وأنَّه لا يفعل إلَّا ما يوافق الحكمة، نقول:
لقد تعوَّد الناس أن يكون قائدهم وإمامهم حاضراً معهم ظاهراً إليهم، يباشرونه في أُمورهم، فالأصل هو الظهور، أمَّا الغيبة فهي استثناء حسب الظروف الموضوعية التي يعيشها المعصوم.
وهذا الاستثناء سيواجهه الناس بالاستغراب، وربَّما بالإنكار، فالنبيُّ موسى (عليه السلام) عندما زاد ميقاته عشرة أيّام فقط، ارتدَّ كثير من بني إسرائيل وعبدوا العجل مع السامري. وعندما طال السجن بالإمام الكاظم (عليه السلام) أنكر البعض موته، وادَّعوا أنَّه المهدي الغائب، وأنكروا إمامة الإمام الرضا (عليه السلام) طمعاً في حفنة أموال كانت بجعبتهم.
ومن هنا، فلو غاب المهدي (عليه السلام) غيبته الكبرى من دون سابق إنذار، لأمكن أن يحصل التالي:
١ - حيث إنَّ ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) كانت محاطة بالكتمان ومنتهى السرّية، فيمكن لأيِّ شخص أن ينكر أصل الولادة.
٢ - وبالتالي، يمكن لأيِّ شخص أن يُدخِل الشكَّ والريب حتَّى إلى قلوب المؤمنين والموالين، كما حصل في بداية الأمر حسب بعض الروايات الشريفة.
فكانت الغيبة الصغرى لتمهيد الذهنية الشيعية على تقبُّل فكرة الغيبة، وتدريبهم على التواصل غير المباشر مع إمامهم بواسطة السفراء ثمّ الفقهاء، ولتنقطع بذلك حجَّة المنكرين لولادته، ولتثبت قلوب المؤمنين ولا ترتاب من طول الغيبة.
(٤٣) الفرق بين الغيبة الصغرى والكبرى
الغيبة الصغرى والغيبة الكبرى اصطلاحان واردان في لسان روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وعادةً ما يُعبَّر عنهما بأنَّ أحدهما أطول من الأُخرى.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأُخرى طويلة»(١٣٦).
والفرق بينهما - بعد اتِّفاقهما في غيبة الإمام (عليه السلام) - من عدَّة جهات، منها التالي:
الجهة الأُولى: قِصر الصغرى بالقياس إلى الكبرى، حيث لم تستمرّ الصغرى أكثر من حوالي السبعين سنة، بينما الغيبة الكبرى تجاوزت الألف سنة إلى الآن، ولا نعلم متى تنتهي، إذ إنَّها تنتهي بالظهور المبارك، وهو أمر لا يعلمه إلَّا الله تعالى.
الجهة الثانية: أنَّ الصغرى بدأت من يوم استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) أو من ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) على اختلاف الآراء.
أمَّا الكبرى فبدأت بالاتِّفاق سنة (٣٢٩هـ) حيث توفّي السفير الرابع السمري رضوان الله تعالى عليه.
الجهة الثالثة: أنَّ السفارة الخاصَّة كانت متاحة في زمن الغيبة الصغرى، أمَّا في الغيبة الكبرى فغير متاحة لأحد، وكلُّ من ادَّعى السفارة قبل الظهور، وقبل الصيحة والسفياني فعلينا أن نُكذِّبه.
وذلك باعتبار ما ورد من توقيع عنه (عليه السلام): «... وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر...»(١٣٧).
الجهة الرابعة: أنَّ الواسطة بين الإمام والشيعة فترة الغيبة الصغرى هم السفراء الأربعة، أمَّا في زمن الغيبة الكبرى فهم الفقهاء العارفون بحديث أهل البيت (عليهم السلام).
وهذا يعني أنَّ السفراء في الغيبة الصغرى والفقهاء في الغيبة الكبرى هم المرجع في الفتوى، لأنَّهم يستقون علمهم من المعصوم، سوى أنَّ السفير بالمباشر، والفقيه بغير المباشر.
(٤٤) متى بدأت الغيبة الصغرى؟
بعد الفراغ عن أنَّ الحكمة الإلهية قد اقتضت أن يغيب الإمام المهدي (عليه السلام) عن الناس لسبب ولآخر.
وأنَّ معنى الغيبة هو ابتعاد الإمام المهدي (عليه السلام) عن مباشرة الناس، بحيث إنَّهم قد يرونه ولكنَّهم لا يعرفونه بشخصه.
وأنَّ للإمام المهدي (عليه السلام) غيبتين: صغرى وكبرى.
نتساءل: متى بدأت الغيبة الصغرى؟
والجواب:
هناك رأيان في المسألة:
الأوَّل: أنَّ غيبته الصغرى بدأت من حين ولادته، فإنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) ما كان يُظهِر ولده المهدي (عليه السلام) إلَّا لخاصَّة أصحابه، وأمَّا عن سائر الناس فقد كان غائباً بالمعنى المتقدِّم، وبالتالي، فيكون الإمام (عليه السلام) قد غاب من حين ولادته.
الثاني: وهو المشهور، وهو أنَّ الغيبة الصغرى بدأت من يوم استُشهد الإمام العسكري (عليه السلام)، أي عندما كان عمر الإمام المهدي (عليه السلام) خمسة أعوام.
وعلى كلِّ حالٍ، ليست لهذا الخلاف ثمرة عملية، بعد الاتِّفاق على أنَّ هذه الغيبة استمرَّت إلى عام (٣٢٩هـ) حيث توفّي السفير الرابع عليُّ بن محمّد السمري، وانتهت بوفاته فترة الغيبة الصغرى لتبدأ الغيبة الكبرى.
(٤٥) القواسم المشتركة بين الأنبياء والمهدي (عليهم السلام)
ليست فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) فكرة منعزلة عن الحركة العامَّة للأنبياء، فهناك العديد من القواسم المشتركة التي تفرض على المتأمِّل حقيقة أنَّ حركة الإمام المهدي تُمثِّل امتداداً سماوياً لحركات الأنبياء ودعواتهم، وذلك يتبيَّن من خلال التالي:
أوَّلاً: يؤكّد القرآن الكريم على وحدة الأديان السماوية في أُطرها العامَّة، يقول تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (الشورى: ١٣).
ثانياً: ثمّ يُصرِّح بأنَّ ما يجمع بينها هو كلمة التوحيد وما يترتَّب عليها من مفاهيم، يقول تعالى: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤).
ثالثاً: ونحن نعرف أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقوم من أجل إقامة كلمة التوحيد ونشرها في ربوع الكرة الأرضية.
فقد ورد عن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «... ولا تبقى أرض إلَّا نودي فيها شهادة أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأنَّ محمّداً رسول الله، وهو قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]»(١٣٨).
وهذا هو ما كان يسعى إليه الأنبياء، وكانوا بحركاتهم يُمهِّدون لذلك اليوم الذي سيظهر فيه الموعود.
(٤٦) إمام صبي..!
كيف صار المهدي (عليه السلام) إماماً، وهو لمَّا يبلغِ الخمسة أعوام؟
سؤال قد يتردَّد في أذهان البعض، وجوابه من الوضوح بمكان، لكنَّه يحتاج إلى منبِّهات:
المنبِّه الأوَّل: أنَّ لهذا الأمر - جعل الإمام صبياً - نظيراً في باب النبوَّة، فإنَّ النبيَّ عيسى (عليه السلام) قد أُوتي النبوَّة وهو ما زال رضيعاً، قال تعالى: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٢٩ و٣٠).
وكذلك أُوتي النبيُّ يحيى الحكم صبياً، قال تعالى: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
فبالجواب الذي يجيب به الطرف الآخر عن هذا الجعل، نجيب نحن عن جعل الإمام صبياً.
المنبِّه الثاني: نحن نعتقد - وهذا الاعتقاد دلَّ عليه الدليل القطعي المذكور في محلِّه من علم الكلام - أنَّ الإمامة هي شأن إلهي، فهي تابعة للجعل الإلهي، حالها حال النبوَّة، فكما أنَّ جعل النبيِّ أمر من مختصّات الباري جلَّ وعلا، فكذلك جعل الإمام.
وأيضاً نحن نعتقد اعتقاداً جازماً لا تردُّد ولا شبهة فيه، أنَّ الله تعالى حكيم، فلا يصدر منه إلَّا ما هو فعل متقن في زمانه ومكانه المناسبين، ولا يهمّنا بعد هذا أن نفهم الحكمة من فعل معيَّن أو لا نفهمها، ما دمنا نؤمن بأنَّ أفعال الله تعالى لا لغو فيها ولا عبث.
والنتيجة من هذا: إنَّ الله تعالى عندما يجعل فرداً معيَّناً إماماً فلا شكَّ أنَّ هذا الفعل موافق للحكمة، وفي محلِّه، ومعه، سواء كان الإمام شيخاً كبيراً أو صبياً صغيراً، وسواء كان فقيراً أو غنيّاً...، فلا يصحُّ أن نسأل الحكيم: لِمَ فعلت هذا الفعل الحكيم؟
ويُصطَلح على هذا الجواب بالجواب الحلّي.
وهذا الكلام يجري أيضاً في السؤال عن إمامة الإمام الجواد والهادي (عليهما السلام)، إذ قد جعلهما الله أئمَّةً واستلما منصبها وهما في عمر السادسة والثامنة.
المنبِّه الثالث: أنَّ هذا السؤال إنَّما يصدر ممَّن لا يعرف حقيقة الإمام وعظم علاقته بالسماء، فإنَّ الإمام وإن كان بشراً مثلنا، إلَّا أنَّه وباعتبار علاقته بالسماء، فإنَّه يتجاوز الحدود الطبيعية للبشر من حيث الفكر والفهم والعلم والحكمة.
المنبِّه الرابع: على أنَّ الواقع المعاش يشهد بروز عباقرة صغار، ومن دول بعيدة عن الإسلام وعن التوحيد أصلاً، ولكن لا معترض، بل يقف الناس أمامهم موقف الانبهار والإكبار والتقدير، فلِمَ الاعتراض على عبد اصطفاه الله تعالى بنفسه!؟
إنَّه ليس إلَّا العناد واللجاج.
(٤٧) أُمَّة واحدة، تأمّلات مستوحاة من الجوّ العامّ للروايات الشريفة
يذكر القرآن الكريم أنَّ الناس كانوا أُمَّةً واحدةً، وروى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «كانوا قبل نوح أُمَّةً واحدةً على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضُلّالاً، فبعث الله النبيّين».
وعلى هذا فالمعنى أنَّهم كانوا متعبّدين بما في عقولهم، غير مهتدين إلى نبوَّة ولا شريعة، ثمّ بعث الله النبيّين بالشرائع، لما علم أنَّ مصالحهم فيها(١٣٩).
وبعدها تفرَّق الناس لسبب ولآخر، إلى أن جاء النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فجمع البعض منهم وجعلهم كما يقول القرآن الكريم: ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ (آل عمران: ١٠٣).
ثمّ فشل المجتمع في الحفاظ على تلك الوحدة والأُخوَّة الإيمانية، فتفرَّق الناس إلى فِرَق كثيرة، ووصل الأمر إلى أن يُكفِّر بعضهم بعضاً، ويقتل بعضهم بعضاً.
وسيبقون هكذا إلى أن يظهر خاتم الأوصياء مهدي الأُمم (عليه السلام)، ليُرجع بالناس كلّ الناس إلى الأُمَّة الواحدة، يجمعهم الإيمان، ويتنافسون بالتقوى.
وهذا ما صرَّحت به الروايات الشريفة.
عن أبي سعيد، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «تأوي إليه أُمَّته كما تأوي النحل إلى يعسوبها، يملؤ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً، حتَّى يكون الناس على مثل أمرهم الأوَّل، لا يوقظ نائماً ولا يهريق دماً»(١٤٠).
وهذا الأمر الأوَّل، والوحدة الإنسانية، ستنتج نتائج مبهرة للعقول، ومنها التالي:
أوَّلاً: أنَّ الأرض ستكون دولة واحدة، فلا حاجة إلى (جواز سفر) ولا إلى (فيزة) للتنقّل في أرجائها.
ثانياً: انتفاء الانتماءات العرقية، والمذهبية، والقومية، والرجوع إلى أصل «الناس إمَّا أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق»(١٤١).
ثالثاً: المسلم كفؤ المسلم.
رابعاً: لا كرامة إلَّا بالتقوى، لا المناصب ولا الأحساب.
خامساً: التعاون سيكون من الطرفين، فهو تعاون متبادل.
وغيرها من مقتضيات الوحدة الإنسانية تحت إطار الإسلام.
(٤٨) انتظار العلامات أم الإمام؟
بحسب المتابعة الميدانية، نجد الكثير من المؤمنين يتساءل عن العلامات، ويحاول من هنا وهناك أن يجد تطابقاً بين بعض الأحداث وبين روايات العلامات، وتجد شغله الشاغل هو البحث في هذا الجانب، فهل هذا الأمر منطقي في القضيَّة المهدوية!؟
ينبغي أن يكون واضحاً أنَّ الله تعالى لم يجعل علامات الظهور بمحض الصدفة أو العبثية، وإنَّما جعلها لأهداف تربوية ونفسية، وتكمن فائدتها في أنَّها تُمثِّل منبِّهاً للغافلين على قرب الظهور المبارك، ليُكمِل المنتظرون استعداداتهم العملية ليوم الظهور الموعود، فضلاً عن أنَّ معرفتها قبل الظهور يُمثِّل حافزاً مهمّاً للتدارك إذا ما حصلت، فهي بمثابة المنبِّهات من الخطر..
والخطر يكمن في أن يعيش المرء حالة الفساد والانحراف إلى أن يظهر الإمام، وحينئذٍ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ (الأنعام: ١٥٨)، إذ لعلَّ المنحرف لا يُوفَّق للتدارك زمن الظهور، خصوصاً مع سرعة عمليات التطهير من براثن الانحراف، ممَّا نسمعه في الروايات الشريفة.
إذن، لمعرفة العلامات فوائد عديدة، وقد عبَّرت الروايات عنها بعدَّة تعبيرات، فعن هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «هما صيحتان: صيحة في أوَّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية»، قال: فقلت: كيف ذلك؟ قال: فقال: «واحدة من السماء، وواحدة من إبليس»، فقلت: وكيف تُعرَف هذه من هذه؟ فقال: «يعرفها من كان سمع بها قبل أن تكون»(١٤٢).
وفي رواية أُخرى قال (عليه السلام) لعبد الرحمن بن مسلمة الجريري حينما قال له: إنَّ الناس يُوبِّخونا ويقولون: من أين يعرف المحقّ من المبطل إذا كانتا؟ فقال (عليه السلام): «ما تردّون عليهم؟»، قلت: فما نردُّ عليهم شيئاً. قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت من كان مؤمناً يؤمن بها قبل أن تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥]»(١٤٣).
ولكن هذا لا يعني ضرورة التعمّق الكبير والغور في أعماق معرفة العلامات، فالمهمُّ هو البحث عن عوامل الظهور والعمل على تطبيقها، بحيث يكون الفرد المؤمن شعلة في طريق التمهيد، ولا يكون حجر عثرة فيه، وأمَّا علامات الظهور فهي واضحة جدّاً بحيث لا تقبل التشكيك، فإنَّها إمَّا قائمة على الإعجاز كالخسف والصيحة، وإمَّا على كونها ظواهر اجتماعية أو سياسية غريبة ملفتة للأنظار بشكل كبير كتحرّك ثلاث قوى ومن ثلاثة محاور إلى مركز واحد: السفياني من الشام، واليماني من اليمن، والخراساني من بلاد المشرق (إيران)، في يوم واحد باتِّجاه الكوفة أو العراق عموماً، وكقتل النفس الزكيَّة في حرم الله الآمن بين الركن والمقام.
إذن..
المطلوب هو انتظار الإمام والتمهيد لظهوره، لا انتظار العلامات.
(٤٩) إهمال متعمَّد
هل من الصحيح أن نواجه علناً كلَّ من ادَّعى دعوى غيبية؟
وهل من الصحيح أن نجالس كلَّ من طالبنا بالنقاش والمحاججة؟
وهل طاولة النقاش مفتوحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ؟
الجواب:
أنَّ التفكير المنطقي الموزون يقضي بضرورة الجلوس والنقاش مع البعض، وفي نفس الوقت يحكم بضرورة اتِّخاذ إجراء الإهمال المتعمَّد مع البعض، فإنَّ البعض يكون أبلغ جواب له هو إهماله، فإنَّ مناقشته قد ترفع من شأنه وهو وضيع، وقد تُلفِت الأنظار إليه فينخدع به من لا بصيرة له، فيكون التصرّف الحكيم معه إهماله، والاجتناب عن الجلوس معه، ليعرف الجميع ضعته وزيفه، وأنَّه لا يصل إلى منزلة يستحقُّ معها إنفاق بعض الوقت والجهد لأجل الثرثرة معه.
وهذا ما فعله السفير الثالث الشيخ الحسين بن روح مع الشلمغاني.
فقد ورد أنَّه أنفذ محمّد بن عليٍّ الشلمغاني العزاقري إلى الشيخ الحسين بن روح يسأله أن يباهله، وقال: أنا صاحب الرجل، وقد أُمرت بإظهار العلم، وقد أظهرته باطناً وظاهراً، فباهلني. فأنفذ إليه الشيخ (رضي الله عنه) في جواب ذلك: (أيُّنا تقدَّم صاحبه فهو المخصوم)، فتقدَّم العزاقري فقُتِلَ وصُلِبَ...(١٤٤).
بل قد يكون التصرّف المناسب معه هو الاستهزاء به، وطرده، وعدم السماح له حتَّى بالجلوس، كما فعله الشيخ ابن بابويه والد الشيخ الصدوق (رحمه الله) مع الحلّاج.
فقد ورد أنَّ ابن الحلّاج صار إلى قم، وكاتب قرابة أبي الحسن [وهو والد الشيخ الصدوق] يستدعيه ويستدعي أبا الحسن أيضاً ويقول: أنا رسول الإمام ووكيله.
قال الصدوق: فلمَّا وقعت المكاتبة في يد أبي (رضي الله عنه) خرقها وقال لموصلها إليه: ما أفرغك للجهالات؟ فقال له الرجل:... فإنَّ الرجل قد استدعانا فلِمَ خرقت مكاتبته!؟ وضحكوا منه وهزؤا به.
ثمّ نهض إلى دكّانه ومعه جماعة من أصحابه وغلمانه.
قال: فلمَّا دخل إلى الدار التي كان فيها دكّانه نهض له من كان هناك جالساً غير رجل رآه جالساً في الموضع فلم ينهض له ولم يعرفه أبي، فلمَّا جلس وأخرج حسابه ودواته كما يكون التجّار أقبل على بعض من كان حاضراً، فسأله عنه، فأخبره، فسمعه الرجل يسأل عنه، فأقبل عليه وقال له: تسأل عنّي وأنا حاضر؟
فقال له أبي: أكبرتك أيّها الرجل، وأعظمت قدرك أن أسألك.
فقال له: تخرق رقعتي وأنا أُشاهدك تخرقها؟
فقال له أبي: فأنت الرجل إذاً. ثمّ قال: يا غلام، برجله وبقفاه، فخرج من الدار العدوّ لله ولرسوله، ثمّ قال له: أتدَّعي المعجزات عليك لعنة الله؟ أو كما قال، فأخرج بقفاه، فما رأيناه بعدها بقم(١٤٥).
وهكذا ما فعله السفير الأوَّل عثمان بن سعيد العمري الأسدي مع محمّد بن نصير النميري الذي ادَّعى أنَّه رسول نبيٌّ، وكان يقول بربوبية عليٍّ (عليه السلام)، ويقول بإباحة المحارم وتحليل نكاح الرجال.
فقد ورد أنَّه لمَّا ظهر محمّد بن نصير بما ظهر لعنه أبو جعفر (رضي الله عنه) وتبرَّأ منه، فبلغه ذلك، فقصد أبا جعفر (رضي الله عنه) ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه، فلم يأذن له وحجبه وردَّه خائباً(١٤٦).
(٥٠) بركات وجوده رغم غيبته
لم تكن غيبة الإمام (عليه السلام) مانعة من أن نستفيد من بركات وجوده وهو في ظهر الغيب، وذلك ما تكشفه لنا الروايات الشريفة، ومنها:
أوَّلاً: أنَّ وجوده يُمثِّل أماناً لأهل الأرض، ولولاه لانتهت الحياة، وماجت الأرض بأهلها، فقد ورد عن أحمد بن عمر، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): هل يُبقي الأرض بغير إمام، فإنّا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يُبقي الأرض إلَّا أن يسخط الله على العباد»؟ قال: «لا تبقى، إذاً لساخت»(١٤٧).
وفي رواية أُخرى: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهلها كما يموج البحر بأهله»(١٤٨).
ثانياً: أنَّه (عليه السلام) يمارس دور الحماية لشيعته من دون أن يُظهِرهم على ذلك، فلرُبَّ مصيبة تقدم عليك ولكنَّها تُصرَف عنك من دون أن تعرف كيف صُرِفَت، ولرُبَّ نائبة تُدفَع عنك من حيث لا تشعر، ولا شكَّ أنَّ لتدخُّل الإمام (عليه السلام) الغيبي أثراً مباشراً في ذلك.
يقول الإمام (عليه السلام) في كتابه إلى الشيخ المفيد: «نحن وإن كنّا ناوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه الله تعالى لنا من الصلاح ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنّا نحيط علماً بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذلِّ الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً، ونبذوا العهد المأخوذ وراء ظهورهم كأنَّهم لا يعلمون. إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء»(١٤٩).
ثالثاً: أنَّ نور وجوده يمتدُّ إلينا كما تمدُّ الشمس نورها من وراء السحب، فقد ورد عنه (عليه السلام) في إحدى مكاتباته: «وأمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها عن الأبصار السحاب»(١٥٠).
والتشبيه بالشمس له عدَّة دلالات(١٥١)، أهمّها: أنَّ منكر وجوده كمنكر الشمس، وأنَّ ظهوره متوقّع في أيِّ وقت، كما أنَّ ظهور الشمس متوقَّع من وراء السُّحُب في كلِّ آنٍ، وكما أنَّ تغييب الشمس وراء السُّحُب قد يكون لمصلحة ترجع للعباد، كذلك غيبة الإمام لها فائدة ومصلحة للعباد بلا شكٍّ، وكما أنَّ نور الشمس يدخل البيوت حسب ما يُفتَح لها من شبابيك، كذلك نور الإمام (عليه السلام) يدخل إلى القلوب حسب ما ينفتح القلب لنوره (عليه السلام).
(٥١) من تجلّيات الإحاطة العلمية
ورد عن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث له عن الإمام المهدي (عليه السلام) أنَّه وصفه بأنَّه «ألَا إنَّه وارث كلِّ علم والمحيط به»(١٥٢).
فما هي تجلّيات تلك الإحاطة العلمية؟
لقد ذكرت الروايات الشريفة تجلّيات هذه الإحاطة العلمية في الكثير من الموارد، وقد تقدَّم بعضها:
١ - نشر جميع أجزاء العلوم، عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «العلم سبعة وعشرون جزءاً فجميع ما جاءت به الرسل جزءان فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزءين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزءين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين جزءاً»(١٥٣).
٢ - تكامل الناس، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائمنا (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم»(١٥٤).
٣ – العلم الباطني، فلا يمكن لمنافق أن يخفي نفاقه عليه (عليه السلام)، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «بينا الرجل على رأس القائم يأمر وينهى إذ أمر بضرب عنقه، فلا يبقى بين الخافقين شيء إلَّا خافه»(١٥٥).
وروى عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائم آل محمّد عليه وعليهم السلام... ويُخبِر كلَّ قوم بما استبطنوه...»(١٥٦).
٤ – العلم الواقعي، ويتجلّى هذا العلم بالحكم بلا بيِّنة، أي بلا حاجة إلى بيِّنة، لأنَّه يعلم الواقع، والبيِّنة قد تكون على خلاف الواقع، روى عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائم آل محمّد عليه وعليهم السلام حَكَمَ بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيِّنة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويُخبِر كلَّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليَّه من عدوِّه بالتوسّم، قال الله سبحانه: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٥ و٧٦]»(١٥٧).
٥ - ختم العلوم به (عليه السلام)، بل ختم كلِّ شيء به، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لكميل بن زياد: «يا كميل، ما من علم إلَّا وأنا أفتحه، وما من سرٍّ إلَّا والقائم (عليه السلام) يختمه»(١٥٨).
وقد يكون المراد من «ما من سرٍّ» هو العلم، بقرينة صدر الكلام، وقد يكون المراد هو جميع الكمالات والأخلاق الحسنة والعلوم والمعارف الحقَّة التي أظهر سائر الأئمَّة بعضها بمقتضى صلاح زمانهم، والقائم (عليه السلام) يُظهِر جميعها، فالجميع يُختَم بظهوره.
(٥٢) تتويج الإمام المهدي (عليه السلام)
التاسع من ربيع الأوَّل، عُرِفَ بيوم تتويج الإمام المهدي (عليه السلام)، فما معنى هذا التتويج؟
قيل فيه: إنَّه أوَّل يوم من أيّام إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) بعد وفاة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام).
وهذا الكلام صحيح عرفاً، ولكنَّه بالدقَّة غير صحيح، لأنَّه ما هو المقصود من أنَّه أوَّل يوم من أيّام إمامته؟
إن كان المقصود هو أوَّل يوم من جعل الله تعالى له إماماً، فهذا باعتقادنا غير صحيح، لأنَّ الله تعالى قد اختار الأئمَّة كلَّهم وجعلهم أئمَّةً قبل أن يخلق آدم، فمنذ أن كانوا في عالم الأنوار كانوا أئمَّةً بجعلٍ من الله تعالى. وعلى الأقلّ نحن نعلم بأنَّ الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان قد أخبر بإمامته وبجعل الله تعالى له إماماً قبل هذا اليوم.
وإن كان المقصود هو تسلّمه الفعلي للإمامة بعد وفاة أبيه (عليه السلام)، فهذا غير صحيح أيضاً، لأنَّه (عليه السلام) قد تسلَّم الإمامة فعلاً في اللحظة التي توفّي فيها أبوه العسكري (عليه السلام)، لا أنَّ إمامته بقيت معلَّقة وغير مفعَّلة إلى اليوم التاسع من ربيع الأوَّل.
وهنا يرجع التساؤل مرَّةً أُخرى: ما معنى أنَّ التاسع من ربيع الأوَّل هو يوم تتويج الإمام المهدي (عليه السلام)؟
الظاهر - والله العالم - أنَّ ذلك باعتبار أنَّ اليوم الثامن - وهو يوم التسلّم الفعلي للإمامة له (عليه السلام) - هو يوم حزن وبكاء، فهو يوم استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) مسموماً مظلوماً، وحيث إنَّ الشيعة يفرحون لفرح أئمَّتهم ويحزنون لحزنهم، فإنَّه وكترتيب فنّي أبقوا اليوم الثامن يوم حزن، وجعلوا من التاسع يوم فرح، وسمّوه بيوم التتويج.
(٥٣) تعجيل الظهور بنشر الفساد!
هناك مقولة قد يُردِّدها البعض ممَّن يحاول أن يخدع البسطاء من الناس، بأنَّ الروايات ذكرت أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لا يظهر إلَّا إذا امتلأت الأرض ظلماً وجوراً، وبالتالي، إذا أردنا أن نُعجِّل بالظهور، فعلينا أن نعمل على نشر الفساد عمليّاً، ليتحقَّق السبب المهمُّ للظهور، فعلى الشابِّ أن يرتكب ما يُتاح أمامه من الفواحش، وعلى الشابَّة أن ترمي بالحجاب جانباً، وبالعفَّة على الجانب الآخر، وسيكونون بذلك من الممهِّدين لدولة الحقِّ المبين!
فهل هذه المقولة صحيحة؟!
في البداية لا بدَّ أن نضع نُصب أعيننا أنَّ أيَّ مقولة إذا أردنا أن نعرف صحَّتها من سقمها، فعلينا أن نزنها بميزان القرآن الكريم وسُنَّة النبيِّ الأكرم وأهل البيت الطاهرين (عليهم السلام)، إذ هما المرجع في مثل هذه الأُمور.
ووفق هذا المقياس الواضح، نجد التالي:
أوَّلاً: أنَّ القرآن الكريم يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (المائدة: ٢٧).
ثانياً: أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) في ضمن كلامٍ له عن زمن الغيبة الكبرى يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة فليتَّق الله عبد وليتمسَّك بدينه»(١٥٩).
ثالثاً: من الواضح جدّاً أنَّه (لا يُطاع الله من حيث يُعصى)، إذ العقل يحكم بأنَّ طاعة المولى تكون كما يُحِبُّ هو، لا كما يحلو للعبد ولو كان الفعل مبغوضاً للمولى.
ومن هنا ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال في رواية: «... قال الله تبارك وتعالى للملائكة: اسجدوا لآدم، فسجدوا له، فأخرج إبليس ما كان في قلبه من الحسد، فأبى أن يسجد، فقال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]»، قال الصادق (عليه السلام): «فأوَّل من قاس إبليس واستكبر، والاستكبار هو أوَّل معصية عُصِيَ الله بها»، قال: «فقال إبليس: يا ربِّ، اعفني من السجود لآدم (عليه السلام) وأنا أعبدك عبادةً لم يعبدكها ملك مقرَّب ولا نبيُّ مرسل، فقال الله: لا حاجة لي إلى عبادتك، إنَّما أُريد أن أُعبد من حيث أُريد لا من حيث تريد، فأبى أن يسجد، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحشر: ٣٤ و٣٥]»(١٦٠).
ووفق هذه المعطيات، ينكشف بسهولة زيغ وزيف تلك المقولة، وأنَّ هناك أيدٍ خفيَّة تعمل من وراء الكواليس هدفها تمييع القضيَّة المهدوية وتحويلها إلى سبب للفساد والدمار الشامل.
فعلى المؤمن أن ينتبه لخدع أبالسة الجنِّ والإنس، ولا يُدخِل يده في جُحر أفعى، فإنَّ اللدغة مميتة.
(٥٤) جاهلية جهلاء
كلَّما زادت معارف الإنسان، كلَّما انفتحت أمامه آفاق السماء وأقطار الأرض، ولكن هذه الفتوحات لا تعني أبداً ضرورة مصاحبتها للتمسّك بالغيب وتوطيد العلاقة بالسماء، كلَّا، فلعلَّ التقدّم التكنولوجي يقف حائلاً أمام التواصل الغيبي، ليترك جفافاً روحياً يعيش المرء معه ضنك الحياة، والانكماش على الذات، وعدم قبول الآخر.
وهذا يُمثِّل جاهلية جهلاء من شأنها أن تقف أمام حركات الإصلاح المخلصة، وهذا ما ربَّما يكون سبباً لمعارضة البعض لحركة الإمام المهدي (عليه السلام) التغييرية.
إنَّ الجاهلية التي يعيشها اليوم البعض، لهي أشدّ على الإسلام من جاهلية الكفّار، لأنَّ من يعيشها ينفث سمومه في داخل الجسد الإسلامي، وهذا ما ربَّما ينعكس على الواقع الحياتي لبني الإسلام، ممَّا يُؤثِّر سلباً في علاقة المؤمنين بإمامهم، وفي تقبّلهم لحركته التغييرية الجوهرية.
في حديث لأمير المؤمنين (عليه السلام) يُبيِّن فيه أمر هذه الجاهلية، ويُعطي في نفس الوقت الأمل بالخروج منها عند خروج قائم آل محمّد (عليهم السلام)، فيقول (عليه السلام):
«اعلموا علماً يقيناً أنَّ الذي يستقبل قائمنا من أمر جاهليتكم ليس بدون ما استقبل الرسول من أمر جاهليتكم، وذلك أنَّ الأُمَّة كلَّها يومئذٍ جاهلية إلَّا من رحم الله، فلا تعجلون فيجعل الخرق بكم، واعلموا أنَّ الرفق يمن، وفي الإناة بقاء وراحة، والإمام أعلم بما ينكر، ولعمري لينزعنَّ عنكم قضاة السوء، وليقبضنَّ عنكم المراضين، وليعزلنَّ عنكم أُمراء الجور، وليُطَهِّرَنَّ الأرض من كلِّ غاش، وليعملنَّ فيكم بالعدل، وليقومنَّ فيكم بالقسطاس المستقيم، وليتمنَّينَّ أحياؤكم لأمواتكم رجعة الكرَّة عمَّا قليل، فيعيشوا إذن، فإنَّ ذلك كائن»(١٦١).
(٥٥) جزاء عدم معرفة الإمام
اعتبرت الروايات الشريفة أنَّ معرفة الإمام - إمام الزمان - أمر ضروري جدّاً، بحيث رتَّبت آثاراً كثيرة على عدم المعرفة، هذه أهمّها:
الأثر الأوَّل: الخروج عن ربقة الإيمان:
فإنَّ من المقرَّر قرآنياً وروائياً أنَّ هناك مرتبتين للإيمان: الإسلام، وهي مرتبة الإيمان الظاهري. والإيمان، وهي مرتبة العقد القلبي الذي لا يتزلزل أبداً، قال تعالى: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
ومن لا يعرف إمام زمانه يكون في المرتبة الأُولى، ولم يترقَّ في مدارج الإيمان القلبي.
عن أبان بن تغلب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): من عرف الأئمَّة ولم يعرف الإمام الذي في زمانه أمؤمن هو؟ قال: «لا»، قلت: أمسلم هو؟ قال: «نعم»(١٦٢).
الأثر الثاني: موت الجاهلية:
فإنَّ مجرَّد الكون في أُمَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا يعني أنَّ الإنسان قد خرج من الجاهلية الجهلاء، فإنَّ للجاهلية أطواراً وأدواراً، ومنها أن لا يعرف المسلم إمام زمانه.
عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية»(١٦٣).
الأثر الثالث: الضلال:
فإنَّ الإسلام لا يكون إلَّا كما يريده الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ (آل عمران: ١٩)، ومسألة الإمامة تُعتَبر مسألة أُصولية محورية فيه، ومن لا يعرف إمام زمانه فإنَّه يكون ضالّاً عن السبيل الأقوم.
عن سُليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:... قلت له: ما أدنى ما يكون به الرجل ضالًّا؟ قال: «أن لا يعرف مَنْ أمر الله بطاعته، وفرض ولايته، وجعله حجَّته في أرضه، وشاهده على خلقه»، قلت: فمن هم يا أمير المؤمنين؟ فقال: «الذين قرنهم الله بنفسه ونبيِّه فقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]»، قال: فقبَّلت رأسه وقلت: أوضحت لي وفرَّجت عنّي وأذهبت كلَّ شكٍّ كان في قلبي»(١٦٤).
وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وأدنى ما يكون به العبد ضالًّا أن لا يعرف حجَّة الله تبارك وتعالى وشاهده على عباده الذي أمر الله (عزَّ وجلَّ) بطاعته وفرض ولايته»(١٦٥).
الأثر الرابع: النفاق:
والنفاق يتمثَّل بعدم الاعتراف بإمام الزمان رغم أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يدَّخر جهداً في تبيين هذه الحقيقة.
عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «من مات لا يعرف إمامه، مات ميتة جاهلية كفر ونفاق وضلال»(١٦٦).
(٥٦) حرب عالمية ثالثة
هل هناك حرب عالمية ثالثة تسبق الظهور المقدَّس؟
هنا عدَّة نقاط ينبغي أن نتعرَّف عليها:
النقطة الأُولى: ورد في الروايات الشريفة ما يشير إلى وقوع حرب عامَّة قبل الظهور، كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «بين يدي القائم موت أحمر، وموت أبيض، وجراد في حينه، وجراد في غير حينه، أحمر كالدم، فأمَّا الموت الأحمر فبالسيف، وأمَّا الموت الأبيض فالطاعون»(١٦٧).
وفي رواية أُخرى: «حتَّى يذهب من كلِّ سبعة خمسة»(١٦٨).
أو «لا يكون هذا الأمر حتَّى يذهب ثلثا الناس»(١٦٩).
النقطة الثانية: لم تُصرِّح الروايات بأنَّ تلك الحرب هي حرب عالمية، فلعلَّها ليست كذلك.
وحتَّى لو كانت حرباً عالمية، فمن قال إنَّ الظهور سيكون بعد الحرب العالمية الثالثة، فلعلَّه يكون بعد الحرب العالمية الرابعة أو الخامسة أو العاشرة...، من يدري!؟
النقطة الثالثة: على المؤمن أن لا يُشغِل نفسه كثيراً بهذه الأُمور، فالأمر المهمُّ الذي يلزم أن يُشغِل المؤمن نفسه به هو التمهيد العملي للظهور المبارك، وذلك يكون بالتزام التقوى (فعل الواجبات وترك المحرَّمات)، والتزام مكارم الأخلاق، وممارسة التغيير العملي على مستوى النفس وعلى مستوى المجتمع كلٌّ حسب طاقته وإمكانياته.
(٥٧) خلاصة المعرفة
عرفنا أنَّ معرفة الإمام أمر ضروري ولا مناص منه.
ولكن ما هو المقصود من هذه المعرفة؟
الجواب:
أوَّلاً: معرفة شخصه ونسبه وصفاته الخُلُقية والخَلْقية. تلك المعرفة التي تلازم الاعتقاد القلبي الثابت، فتعرف أنَّه من ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنَّه من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأنَّه باختصار من ذرّية الإمام العسكري (عليه السلام).
وتتعرَّف على صفات بدنه الخاصَّة به (من شامات، وتقاسيم الوجه، وتفاصيل الجسم، فإنَّ منها ما لا يكون إلَّا فيه (عليه السلام))، والأخلاقية (من كونه رحمةً للعالمين، وأنَّه ينشر العدل، وأنَّه زاهد في نفسه كريم مع غيره...).
ثانياً: معرفة الأُمور التي تؤدّي إلى توطيد العلاقة معه، وخلاصتها التقوى، أي فعل الواجبات وترك المحرَّمات، فإنَّ ذلك من شأنه أن يجعل من الفرد مهدوياً بمعنى الكلمة.
وخلاصة هذه النقطة هو ما ورد في الرسائل العملية للفقهاء الأعاظم من أحكام تكليفية ووضعية، فعلى المهدوي أن يجعل وقتاً خاصّاً للتفقّه في الدين.
ثالثاً: معرفة الفتن التي ستمرُّ على المرء إبّان الغيبة الكبرى، وكيفية الوقاية منها. وذلك من خلال مطالعة الروايات الشريفة التي فصَّلتها، ومراجعة أهل العلم الذين يستقون معارفهم من كلمات أهل البيت (عليهم السلام) لمعرفة المخلِّص من تلك الفتن.
رابعاً: معرفة علامات الظهور الحتمية التي أخبر أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّه لا بدَّ أن تقع قبيل الظهور المبارك، وهي (خروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، والخراساني من خراسان، في يوم واحد من شهر رجب، والصيحة ليلة الجمعة (٢٣) من شهر رمضان، والخسف بجيش السفياني في البيداء بين مكّة والمدينة، وقتل النفس الزكيَّة قبيل الظهور بـ (١٥) ليلة فقط في المسجد الحرام بين الركن والمقام).
خامساً: معرفة أحداث الظهور والخريطة العامَّة له ممَّا له دخل في زيادة المعرفة المهدوية، وممَّا يدفع بالمؤمن إلى العمل للتمهيد العملي للظهور المبارك.
وبعبارة أُخرى: إنَّ المعرفة تنقسم إلى قسمين:
أوَّلاً: المعرفة الواجبة، وهي المعرفة الاعتقادية، بأن يكون الفرد معتقداً بإمامته (عليه السلام) وما يترتَّب على هذا الاعتقاد من سلوك عملي موافق.
ثانياً: المعرفة الكمالية، ويدخل تحت هذا القسم معرفة صفاته الخَلْقية والخُلُقية، ومعرفة مقاماته وسلوكياته.
وكلا القسمين ضروري لزيادة المعرفة ممَّا من شأنه أن يزيد ارتباط المؤمن بإمام زمانه (عليه السلام).
(٥٨) سَكَنُ الملائكة
في الرواية عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام)...، فقلت: يا بن رسول الله، فلستم كلّكم قائمين بالحقِّ؟ قال: «بلى»، قلت: فلِمَ سُمّي القائم قائماً؟ قال: «لمَّا قُتِلَ جدّي الحسين (عليه السلام) ضجَّت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيِّدنا، أتغفل عمَّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك؟ فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم: قرّوا ملائكتي، فوَعزَّتي وجلالي لانتقمنَّ منهم ولو بعد حين. ثمّ كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمَّة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يُصلّي، فقال الله (عزَّ وجلَّ): «بذلك القائم انتقم منهم»(١٧٠).
في هذه الرواية دلالات كثيرة، ومنها ما يهمّنا في عنوان هذه الكلمة:
إنَّ الملائكة ضجّوا، وتألمَّوا، وطالبوا ربَّ العزَّة والجلال أن ينتقم ممَّن قتل الحسين (عليه السلام)، فأجابهم الله تعالى بما ذكرته الرواية.
وهذا معناه التالي:
إنَّ وجود الإمام المهدي (عليه السلام) كان ولا يزال يُمثِّل سكناً نفسياً وهدوءاً عميقاً عاشه الملائكة، رغم الألم الذي أصابهم من هتك حرمة الإمام الحسين (عليه السلام) والتعدّي على دمه وعيالاته.
وهذا الأمر يُوضِّح لنا المفردات التالية:
المفردة الأُولى: أنَّ معرفة الإمام تُمثِّل الخطوة الأُولى والأهمّ للحصول على السكن النفسي، وتحقيق مفهوم الانتظار البنّاء.
عن زرارة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «اعرف إمامك فإنَّك إذا عرفته لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(١٧١).
المفردة الثانية: أنَّ نفس انتظار الإمام هو من الفرج، لأنَّه إذا كان بالصورة الصحيحة فإنَّه سيُضفي من الهدوء والسكن على المنتظر ما عاشه ويعيشه ملائكة السماء.
المفردة الثالثة: أنَّ وجوده الواقعي يُمثِّل أماناً لأهل الأرض فضلاً عن ذلك السكن الذي يعيشه خصوص المؤمنين.
وعن هاتين المفردتين يقول (عليه السلام) فيما ورد عنه من توقيع: «وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء...، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم»(١٧٢).
(٥٩) لماذا المهدي دون غيره؟
لماذا كان الذي يملؤ الأرض بالعدل والقسط وينشر الإسلام في ربوع الارض هو الإمام المهدي (عليه السلام) ولم يكن هو الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أحد الأئمَّة (عليهم السلام)؟
والجواب عنه هو التالي:
أنَّ هذا التساؤل يجري حتَّى في رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلماذا كان الخاتم هو محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليس عيسى (عليه السلام) مثلاً، وهكذا...
والجواب في الجميع واحد وهو:
أوَّلاً: أنَّ مسألة اختيار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام (عليه السلام) ليست بيد البشر، إنَّما هي بالجعل الإلهي: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
وحيث إنَّ أفعال الله تعالى حكيمة لا عبث فيها، فهذا يعني أنَّه (عزَّ وجلَّ) عندما يختار إماماً لمهمَّة، فهذا يعني أنَّه تبارك وتعالى قد رأى المصلحة والحكمة المناسبة لذلك.
وليس مهمّاً - بعد هذا - أن نعلم بتلك الحكمة والمصلحة ما دمنا نؤمن بأنَّ الفعل موافق للحكمة.
ثانياً: على أنَّه يمكن القول: إنَّ المانع من اختيار غيره (عليه السلام) من الأئمَّة (عليهم السلام) لمهامِّ آخر الزمان ليس في الأئمَّة أنفسهم، وإنَّما المانع كان هو عدم وصول المجتمع آنذاك للنضج الملائم لقيام دولة الحقِّ، فإنَّ تطبيق قانون الإسلام وإقامة الحقِّ يحتاج إلى مجتمع واعٍ تمام الوعي لهذا القانون، ومستعدٍّ تمام الاستعداد للتضحية من أجل المبادئ، ومتفهِّم تماماً لما سيقوم به المشرِّع والإمام من أفعال ربَّما تكون غير مفهومة الملاكات، أو قد تكون غير موافقة للفهم العامِّ، وغيرها من الحيثيات التي افتقدها المجتمع الذي عاصره الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام).
وبعبارة مختصرة: وكما قالوا في الفلسفة: إنَّ المانع في القابل لا في الفاعل.
وهذا يُفسِّر لنا بعض الحكمة من طول الغيبة، إذ لعلَّ طول الغيبة كان لأجل أن يُمحَّص الناس حتَّى يصلوا إلى المستوى المطلوب لقيام دولة الحقِّ، وقد أشارت الروايات الشريفة إلى ذلك.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «والله لتمحصنَّ والله لتطيرنَّ يميناً وشمالاً حتَّى لا يبقى منكم إلَّا كلّ امرئ أخذ الله ميثاقه، وكتب الإيمان في قلبه، وأيده بروح منه»(١٧٣).
وقال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(١٧٤).
(٦٠) له أُسوة بالزهراء (عليها السلام)
إنَّ من أهمّ أنظمة الحياة التربوية هو نظام الأُسوة والقدوة الحسنة، وهو نظام دعا له القرآن الكريم بقوله عزَّ من قائل: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (الأحزاب: ٢١)، وقال تعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ (الممتحنة: ٤).
والإمام المهدي (عليه السلام) اتَّخذ من جدَّته الطاهرة الزهراء (عليها السلام) أُسوة حسنة، فقد ورد في أحد توقيعاته (عليه السلام): «وفي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لي أُسوة حسنة»(١٧٥).
فما هو وجه التأسّي بها (عليها السلام)؟
إنَّ التأسّي بها (عليها السلام) من عدَّة وجوه:
الأوَّل: أنَّها (عليها السلام) قد غُصِبَ حقُّها وإرثها في حياتها، والإمام المهدي (عليه السلام) كذلك، غُصِبَت حقوقه، وقُسِّم إرثه في حياته.
عن أحمد بن إبراهيم، قال: دخلت على حكيمة بنت محمّد بن عليٍّ الرضا (عليهما السلام) سنة اثنتين وستّين ومائتين، فكلَّمتها من وراء حجاب، وسألتها عن دينها، فسمَّت لي مَنْ تأتمُّ بهم، قالت: فلان ابن الحسن، فسمَّته. فقلت لها: جعلني الله فداكِ، معاينةً أو خبراً؟ فقالت: خبراً عن أبي محمّد (عليه السلام) كتب به إلى أُمِّه، قلت لها: فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدَّة أُمّ أبي محمّد (عليه السلام)، فقلت: (أقتدي) بمن وصيَّته إلى امرأة. فقالت: اقتدِ بالحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) أوصى إلى أُخته زينب بنت عليٍّ (عليه السلام) في الظاهر، وكان ما يخرج من عليِّ بن الحسين (عليهما السلام) من علم يُنسَب إلى زينب ستراً على عليِّ بن الحسين (عليهما السلام). ثمّ قالت: إنَّكم قوم أصحاب أخبار أمَا رويتم أنَّ التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) يُقسَّم ميراثه وهو في الحياة(١٧٦).
الثاني: أنَّها (عليها السلام) لم تتَّق من الأعداء عندما طالبت بحقِّها، فوقفت أمام السلطات العاتية، وفي مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتطالب بحقوها ولتكشف أباطل المبطلين من دون أيَّة تقيَّة.
وكذلك الإمام المهدي (عليه السلام) سيطالب بالحقِّ ويُطبِّقه عندما يأذن الله تعالى من دون أيَّة تقيَّة، بل سترتفع التقيَّة في زمن ظهوره حتَّى عن الشيعة.
الثالث: أنَّها المدافعة عن الولاية وإمام زمانها في زمن قلَّ فيه الناصر، وهي التي أبرزت هذه العقيدة الإيمانية أمام الملأ.
والإمام المهدي (عليه السلام) سيكشف للناس هذه الحقيقة الإيمانية، وستكون الدولة إسلاميَّة محمّدية علوية لا غير.
(٦١) ما هو الجفر؟
بمراجعة الروايات الشريفة يمكن أن نجد عدَّة معاني للجفر، خلاصتها التالي:
أوَّلاً: وعاء العلم:
إنَّ الجفر عبارة عمَّا يشبه الصندوق الذي جُمِعَ في داخله بعض الأُمور، كالكتب السابقة وسلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فقد ورد عن عنبسة بن مصعب، قال: كنّا عند أبي عبد الله (عليه السلام)...، قال: قلت: أصلحك الله، وما الجفر؟ قال: «وهو والله مسك ماعز ومسك ضأن ينطبق (ينطق) أحدهما بصاحبه، فيه سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والكتب ومصحف فاطمة...»(١٧٧).
فالجفر على هذه الرواية أشبه بمكتبة تحتوي في داخلها كتباً علمية، بالإضافة إلى سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثانياً: كتاب الجفر:
فقد ورد في بعض الروايات الشريفة ما يظهر منها أنَّ الجفر عبارة عن كتاب علمي مختصّ بأهل البيت (عليهم السلام) توارثه اللاحق منهم عن السابق، فعن نعيم بن قابوس، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): «عليٌّ ابني أكبر ولدي وأسمعهم لقولي وأطوعهم لأمري ينظر معي في كتابي الجفر والجامعة، وليس ينظر فيه إلَّا نبيٌّ أو وصيُّ نبيٍّ»(١٧٨).
فالرواية صريحة في أنَّ الجفر هو عبارة عن كتاب، وأنَّه من مختصّات الأنبياء والأوصياء لا غير.
ويدلُّ عليه أيضاً ما ورد في رواية طويلة عن سدير الصيرفي، قال: دخلت أنا والمفضَّل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح خيبري مطوَّق بلا جيب، مقصَّر الكمّين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى...، وقال (عليه السلام): «... نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم، وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصَّ الله به محمّداً والأئمَّة من بعده (عليهم السلام)، وتأمَّلت منه مولد غائبنا وغيبته وإبطاءه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم...»(١٧٩).
وصريح هاتين الروايتين أنَّ كتاب الجفر والعلم الذي فيه هو من مختصّات أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يطَّلع عليها أحد غيرهم إلَّا ما رووه هم (عليهم السلام) وصرَّحوا بأنَّه ممَّا في الجفر.
ثالثاً: الجفران الأبيض والأحمر:
فقد ورد في بعض الروايات أنَّ عند الأئمَّة (عليهم السلام) جفرين: أحدهما أبيض، والآخر أحمر.
فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «... وإنَّ عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض...، وأمَّا الجفر الأحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولن يظهر حتَّى يقوم قائمنا أهل البيت، وأمَّا الجفر الأبيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الأُولى...»(١٨٠).
ويمكن القول في مثل هذه الرواية بأنَّ هذين الجفرين هما عبارة عمَّا ورد في الرواية الأُولى المتقدِّمة، من أنَّ الجفر عبارة عمَّا يشبه الصندوق الذي ينطبق أحد قسميه على الآخر «مسك ماعز ومسك ضأن ينطبق (ينطق) أحدهما بصاحبه»، وأنَّ هذا الصندوق يحوي في داخله الكتب والسلاح.
ويُؤيِّده ما ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) حيث قال: «... والله إنَّهما لإهابان عليهما أصوافهما وأشعارهما مدحوسين كتبنا (كتباً) في أحدهما وفي الآخر سلاح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»(١٨١).
وبهذا يمكن أن نفهم ما ورد من وجود (جفر جلد الثور) بأنَّه وعاء جُمِعَ فيه الجفران الأحمر والأبيض، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه تحدَّث عن الجفر فقال: «... فإنه جلد ثور مدبوغ كالجراب، فيه كتب وعلم ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، من حلال وحرام، املاء رسول الله بخطِّ عليٍّ (عليه السلام)، وفيه مصحف فاطمة، وما فيه آية من القرآن، وإنَّ عندي لخاتم رسول الله ودرعه وسيفه ولواه، وعندي الجفر على رغم أنف من زعم»(١٨٢).
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ الجفر بأيِّ معنىً فُرِضَ، فهو من مختصّات أهل البيت (عليهم السلام) التي ورثها عنهم المولى صاحب العصر والزمان (عليه السلام)، فلا يمكن لأحد أن يدَّعي أنَّه اطَّلع عليه أو أخذ شيئاً من العلم عنه إلَّا ما رووه هم (عليهم السلام) وصرَّحوا بأنَّه من الجفر وثبت سنده إليهم من خلال الكتب المعتبرة.
(٦٢) ما هي قومية الإمام المهدي (عليه السلام)؟
القومية، هي مبدأ سياسي اجتماعي، يُفضِّل معه صاحبه كلَّ ما يتعلَّق بأُمَّته، على سواه ممَّا يتعلَّق بغيرها.
وبالتالي، يعمل القومي على حماية جماعته والدفاع عنهم بالبنان والبيان.
وستنتج هذه القومية أن يكون الأتباع بمأمن اجتماعي وسياسي ما داموا تحت حماية القومي ذاك.
فما هي قومية الإمام المهدي (عليه السلام) التي سيدافع عنها والتي ستضمن لنا الأمان معه؟
الجواب:
قد يتصوَّر البعض أنَّ قوميته هاشمية، وهذا الكلام غير صحيح، لأنَّ الهاشمية وإن كانت نسباً شريفاً، إلَّا أنَّ لأهل البيت (عليهم السلام) شرفهم الخاصّ الذي فاق كلَّ شرف.
هذا بالإضافة إلى أنَّ الأئمَّة أنفسهم بيَّنوا في كثير من الأحيان أنَّ النسب لا يعني تميّزاً في حدِّ ذاته.
ومن هنا نجد أنَّ الروايات تذكر أنَّ هناك مدَّعين من بني هاشم لغير حقِّهم قبيل الظهور، لذلك ذمَّتهم الروايات الشريفة.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه»(١٨٣).
وقد يتصوَّر البعض أنَّ قوميته (عليه السلام) عربية، وهذه أيضاً ليست صحيحة، ومن هنا تذكر الروايات الشريفة أنَّ أمره سيكون شديداً على العرب، فلو كان يُمجِّد العربية لذاتها لما كان شديداً عليهم.
عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام): «والله لكأنّي أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد، على العرب شديد»، وقال: «ويل لطغاة العرب من شرٍّ قد اقترب»(١٨٤).
والصحيح أنَّ قومية الإمام المهدي (عليه السلام) إسلاميَّة إنسانية بحتة، فهو لا يقيم لأيِّ شيء غير الإسلام أيَّ وزن.
وبالتالي على من يريد الأمان معه أن يكون مسلماً بمعنى الكلمة، الإسلام الذي أكمله الله تعالى بتبليغ النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الولاية لأمير المؤمنين (عليه السلام).
(٦٣) ماء معين
يُمثِّل الماء عصب الحياة بلا منازع، ونسبته على الكرة الأرضية بل وفي جسم الإنسان شاهد على ذلك، والقرآن الكريم يقول: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (الأنبياء: ٣٠).
والمعين، هو الطاهر والظاهر الجاري على وجه الأرض، فهو أطهر أنواع الماء.
فهذا هو عصب الحياة المادّية الجسدية.
وقد استعارت الروايات الشريفة هذا المعنى لتكنّي به عمَّن هم عصب الحياة المعنوية والروحية - والحياة المعنوية عصبها العلم -، ومن لولاهم لساخت الأرض بمن فيها، وهم أهل البيت (عليهم السلام).
فقد ورد عن فضالة بن أيّوب، قال: سُئِلَ الرضا (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]، فقال (عليه السلام): «ماؤكم أبوابكم، أي الأئمَّة (عليهم السلام)، والأئمَّة أبواب الله بينه وبين خلقه، ﴿فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ يعني يأتيكم بعلم الإمام»(١٨٥).
وحيث إنَّ الإنسان إذا فقد الماء، فلا يمكنه أن يعيش إلَّا أيّاماً قلائل، ثمّ يفارق الحياة، وقبل مفارقته الحياة سيمرُّ بحالات من الغثيان وفقدان التوازن والاختلال في التصرّفات.
كذلك إذا فقد البشر إمامهم وغاب عنهم، فإنَّهم سيموتون، لكن موت من نوع آخر، هو موت القلوب، وموت العلم، لأنَّهم سيفتقدون إمامهم، والحجَّة عليهم، ومن لولاه لساخت الأرض. وسيمرّون بحالات من الغثيان الفكري والاختلال الخُلُقي، إلَّا إذا تمسَّكوا بالطريق الذي رسموه (عليهم السلام) لأتباعهم في كيفية النجاة من الأثر السلبي لذاك.
عن عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام)، قال: قلت له: ما تأويل قول الله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾، فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون؟»(١٨٦).
وفي رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إن غاب إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد؟»(١٨٧).
وفي رواية أُخرى: «أرأيتم إن أصبح إمامكم غائباً فمن يأتيكم بإمام مثله؟»(١٨٨).
فإمامنا الغائب الحاضر (عليه السلام) هو الماء المعين اليوم، فلا حياة من دون وصاله، ولا علم من دون ارتشافه من منبعه.
فكيف أحدنا في وصال الإمام!؟ وكيف أنا وأنت معه!؟
(٦٤) طبقات أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)
القسم الأوَّل: أصحاب الألوية:
وهم الأصحاب الذين يبدأ الإمام معهم نهضته، وهم الـ (٣١٣) رجلاً.
قال الإمام الصادق (عليه السلام) لمفضَّل بن عمر: «كأنّي أنظر إلى القائم (عليه السلام) على منبر الكوفة وحوله أصحابه ثلاثة مائة وثلاثة عشر رجلاً، عدَّة أهل بدر، وهم أصحاب الألوية، وهم حكّام الله في أرضه على خلقه»(١٨٩).
وهم الذين وصفتهم الروايات بأوصاف عالية، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «... ورجال كأنَّ قلوبهم زبر الحديد لا يشوبها شكٌّ في ذات الله أشدّ من الحجر، لو حملوا على الجبال لأزالوها، لا يقصدون براياتهم بلدة إلَّا خرَّبوها، كأنَّ على خيولهم العقبان، يتمسَّحون بسرج الإمام (عليه السلام) يطلبون بذلك البركة، ويحفّون به يقونه بأنفسهم في الحرب، ويكفونه ما يريد، فيهم رجال لا ينامون الليل، لهم دويٌّ في صلاتهم كدويِّ النحل، يبيتون قياماً على أطرافهم، ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل، ليوث بالنهار، هم أطوع له من الأَمَة لسيِّدها، كالمصابيح، كأنَّ قلوبهم القناديل، وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنَّون أن يُقتَلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحقِّ»(١٩٠).
القسم الثاني: الجيش الذي سيخرج به من مكّة المكرَّمة:
وقد اختلفت الروايات في تحديد عدده بين (١٠) أو (١٢) أو (١٥) ألفاً.
ورد عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم (عليه السلام) حتَّى يكون تكملة الحلقة»، قلت: وكم تكملة الحلقة؟ قال: «عشرة آلاف...» (١٩١).
وقد روى السيِّد ابن طاووس في (الملاحم والفتن)(١٩٢) عن ابن زرير الغافقي أنَّه سمع عليّاً (عليه السلام) يقول: «يخرج المهدي في اثني عشر ألفاً إن قلوا، وخمسة عشر ألفاً إن كثروا...».
القسم الثالث: وهم عامَّة الناس والشعب:
وهؤلاء حتَّى لو لم نجد رواية خاصَّة فيهم، لكن طبيعة المرحلة تقتضي وجود أُناس يناصرون الإمام ولا يعترضون عليه وإن لم يقاتلوا معه لعجز أو عدم حاجة وما شابه، وبالتالي هناك طبقة ستكون محبَّة للإمام ولا يعترضون عليه بقلوبهم.
(٦٥) بلدان أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)
إنَّ أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) من بلدان متفرِّقة..
ولكن هل ذكرت الروايات بلدان أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)؟ وهل من الضروري أن أكون من تلك البلدان؟
الجواب:
لقد ذُكِرَت بلدان أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) في روايات ذكرها الطبري الشيعي في (دلائل الإمامة)(١٩٣)، وابن طاووس في (الملاحم والفتن)(١٩٤)، وكلُّها ضعيفة السند، ولا يمكن الاعتماد عليها.
وينبغي التنبيه على عدَّة أُمور:
الأوَّل: أنَّ كون بعض الأنصار من بلدة لا يعني أفضلية تلك البلدة على سائر البلدان، فإنَّ الأبدال من الشام، رغم أنَّ الشام بلد السفياني والأبقع والأصهب، وكلّهم من أعداء الإمام المهدي (عليه السلام).
وهكذا فإنَّ عدم وجود أنصار في بعض البلدان لا يعني عدم قدسيتها أو كونها معادية للإمام المهدي (عليه السلام).
الثاني: ليس مهمّاً أن أجد نفسي من بلد ذكرت الروايات أنَّه سيكون منه أنصار للإمام (عليه السلام)، بل المهمُّ هو أن أكون على قدر مسؤولية التمهيد للظهور، وأن أكون متهيِّئاً للظهور المقدَّس عقائدياً وفقهياً وسلوكياً ونفسياً باستمرار.
ثالثاً: وحتَّى لو سلَّمنا أنَّ تلك الروايات التي ذكرت بلدان الأصحاب صحيحة، ولكنَّها في الوقت ذاته ذكرت أسماء الـ (٣١٣) فقط، فيبقى هناك الجيش الذي عداده عشرة آلاف أو أكثر، فما هو المانع أن أكون أنا وأنت من أُولئك الأفراد الذين سيكون لهم شرف فتح الأرض بين يدي الإمام (عليه السلام)!؟
على أنَّ مثل تلك الروايات إنَّما تتحدَّث عن زمن الظهور، ولا يلزم منها أنَّ غير تلك البلدان لا يوجد فيها مؤمنون منتظرون في زمن الغيبة.
(٦٦) كيف سيجتمع إليه أصحابه؟
لا شكَّ أنَّ أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) ينتمون إلى بلدان متفرِّقة، وليس كلّهم من مكّة المكرَّمة ليكونوا قريبين من منطقة الظهور المبارك، ومعه، يمكن أن يرد إلى الذهن:
كيف سيجتمع عليه أصحابه من أصقاع الأرض المتباعدة في مكّة المكرَّمة ساعة الصفر؟
والجواب:
يمكن القول: إنَّ طريقة الجمع للأصحاب ستتمُّ من خلال محورين:
المحور الأوَّل: ما ذكرته الروايات الشريفة، حيث ذكرت الروايات أنَّ الأصحاب يجتمعون إليه بأمر من الله تعالى، فهناك من يُفقَد من فراشه ليلاً، ليصبح في مكّة المكرَّمة.
وأنَّ هناك من الأصحاب من يُحمَل على السحاب، ليصل إلى مكّة المكرَّمة، وهل المقصود الإعجاز بحملهم على السحاب، أو الكناية عن سفرهم بالطائرة؟ الظاهر الأوَّل، والثاني محتمل، والله العالم.
ومن يصل عن هذا الطريق سيكون أفضل الأصحاب كما صرَّحت بعض الروايات بذلك.
عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لقد نزلت هذه الآية في المفتقدين من أصحاب القائم (عليه السلام)، قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، إنَّهم ليُفتَقدون عن فرشهم ليلاً فيصبحون بمكّة، وبعضهم يسير في السحاب يُعرَف باسمه واسم أبيه وحليته ونسبه»، قال: قلت: جُعلت فداك، أيّهم أعظم إيماناً؟ قال: «الذي يسير في السحاب نهاراً»(١٩٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً أنَّه قال: «بينا شباب الشيعة على ظهور سطوحهم نيام إذ توافوا إلى صاحبهم في ليلة واحدة على غير ميعاد، فيصبحون بمكّة»(١٩٦).
المحور الثاني: وهذا المحور نذكره كاحتمال لا أكثر: أنَّ هناك مجموعة من الأصحاب سوف يكونون في مكّة المكرَّمة، بأن يكونوا قد جاؤوا للحجِّ في عام الظهور، وعلموا بطريقة وبأُخرى بأنَّ الإمام سيظهر في العاشر من محرَّم، فأبقوا أنفسهم هناك انتظاراً لساعة الصفر.
خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ النفس الزكيَّة سيُقتَل في آخر أيّام موسم الحجِّ، حيث ستكون علامة واضحة لمن ينتظر الإمام، ولا شكَّ أنَّ الأصحاب سيكونون على علم واضح بذلك.
(٦٧) ميثاق المهدي على أصحابه
من الواضح أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقوم ليبني دولة مثالية تقوم على أُصول متينة، أساسها العدل، وحيث إنَّ الدولة بحكّامها ومالكي أُمورها، وحيث إنَّ أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) سيكونون هم حكّام الله على الأرض، لذلك فإنَّه (عليه السلام) سوف لن يقبل أحداً ليكون من رجاله إلَّا إذا قطع على نفسه قبول الميثاق المهدوي.
ونصُّ ذلك الميثاق هو التالي:
سيقف المهدي أمام تلك الجموع التي تريد الالتحاق به، وتطلب منه القيام، فيقول لهم: إنَّ على من يريد أن يكون من رجالي أن يلتزم بالميثاق الذي أشترطه بجميع فقراته، فيجيبونه بالتسليم قبل أن يسمعوا الميثاق والشروط فيقولون له: قد فعلنا ذلك، فاذكر ما أنت ذاكر يا ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فيخرجون معه إلى الصفا، فيقول: «أنا معكم على...» ويبدأ يذكر فقرات ذلك الميثاق، وهي التالي:
«أنا معكم على أن لا تولّوا(١٩٧)، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا مُحرِماً، ولا تأتوا فاحشة، ولا تضربوا أحداً إلَّا بحقِّه، ولا تكنزوا ذهباً ولا فضَّةً ولا تبراً ولا شعيراً، ولا تأكلوا مال اليتيم، ولا تشهدوا بغير ما تعلمون، ولا تخربوا مسجداً، ولا تُقبِّحوا مسلماً...، ولا تشربوا مسكراً، ولا تلبسوا الذهب ولا الحرير ولا الديباج، ولا تبيعوها رباً، ولا تسفكوا دماً حراماً، ولا تغدروا بمستأمن(١٩٨)، ولا تبقوا على كافر ولا منافق، وتلبسون الخشن من الثياب، وتتوسَّدون التراب على الخدود، وتجاهدون في الله حقَّ جهاده، ولا تشتمون، وتكرهون النجاسة، وتأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر».
ثمّ يلتفت إليهم ليذكر ما يشترطه على نفسه هو، كقائد لدولة العدل الإلهي، فيقول لهم: «فإذا فعلتم ذلك فعليَّ أن لا أتَّخذ حاجباً، ولا ألبس إلَّا كما تلبسون، ولا أركب إلَّا كما تركبون، وأرضى بالقليل، وأملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً، وأعبد الله (عزَّ وجلَّ) حقَّ عبادته، وأفي لكم وتفوا لي».
قالوا: رضينا واتَّبعناك على هذا.
فيصافحهم رجلاً رجلاً(١٩٩).
فليستعدّ من يريد أن يكون من رجال المهدي لأن يتعهَّد بفقرات ذلك الميثاق.. من الآن.. ليتهيَّأ لذلك اليوم الموعود.
(٦٨) الأبدال
للفظ الأبدال إطلاقات ثلاثة وردت في الروايات الشريفة، خلاصتها التالي:
الإطلاق الأوَّل: الأئمَّة (عليهم السلام):
يُطلَق الأبدال على الأئمَّة (عليهم السلام)، كما ورد هذا المعنى عن خالد بن الهيثم الفارسي(٢٠٠)، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنَّ الناس يزعمون أنَّ في الأرض أبدالاً، فمن هؤلاء الأبدال؟ قال: «صدقوا، الأبدال هم: الأوصياء، جعلهم الله في الأرض بدل الأنبياء إذا رُفِعَ الأنبياء وخُتِمَ بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(٢٠١).
الإطلاق الثاني: أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام):
وهنا نجد نوعين من الأبدال:
أوَّلاً: أبدال الغيبة الكبرى: وهم مجموعة من الشيعة المخلصين يرافقون الإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته الكبرى، كلَّما مات واحد منهم أبدله الله تعالى بآخر، وهؤلاء سيردّون الوحشة عن الإمام في غيبته.
فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من عزلة، ولا بدَّ في عزلته من قوَّة، وما بثلاثين من وحشة، ونعم المنزل طيبة»(٢٠٢).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولا بدَّ له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة»(٢٠٣).
وروى أحمد بن حنبل في مسنده، عن عبادة بن الصامت، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال: «الأبدال في هذه الأُمَّة ثلاثون، مثل إبراهيم خليل الرحمن (عزَّ وجلَّ)، كلَّما مات رجل أبدل الله تبارك وتعالى مكانه رجلاً»(٢٠٤).
ملاحظة:
على المؤمن أن لا يتوقَّف عن طلب أن يكون من أنصار الإمام المهدي (عليه السلام) ومن الأبدال أُولئك، فعلى كلِّ واحدٍ أن يعمل على أن يكون منهم، بعمله، وليتذكَّر أنَّه بعين إمامه، رغم كونه في مكانه النائي عنّا حسب الذي أراه الله تعالى له من الصلاح.
ثانياً: أبدال الظهور:
ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «يبايع القائم بين الركن والمقام ثلاثمائة ونيف عدَّة أهل بدر، فيهم النجباء من أهل مصر، والأبدال من أهل الشام، والأخيار من أهل العراق، فيقيم ما شاء الله أن يقيم»(٢٠٥).
هؤلاء الأبدال قد يكونون نفس أبدال الغيبة، ولكن تحديد مكانهم بالشام يُبعِّد هذا الاحتمال، لأنَّ أبدال الغيبة أعمّ كما هو واضح. والأوضح من ذلك أنَّ هؤلاء الأبدال سينصرون الإمام (عليه السلام) بعد خروجه، وأبدال الغيبة الكبرى هم مرافقوه أثناء غيبته، وقد يبقى منهم من ينصره إبّان ظهوره.
الإطلاق الثالث: يوم الأبدال:
ما هو يوم الأبدال؟
هناك يوم سمَّته الروايات الشريفة بـ (يوم الأبدال)، وسُمّي بذلك لأنَّه سيحدث يومذاك انقلاب البعض على عقبيه فيترك الإمام المهدي (عليه السلام) ويلتحق بالسفياني، وفي نفس الوقت تُدرك الهداية والرحمة بعضاً ممَّن هو في صفِّ السفياني فيتركه وينتقل إلى معسكر الإمام المهدي (عليه السلام).
ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في رواية طويلة: «... ثمّ يأتي - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - الكوفة...»، إلى أن يقول: «حتَّى يأتي العذراء - أو البيداء في نسخة أُخرى - هو ومن معه، وقد لحق به ناس كثير، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة حتَّى إذا التقوا، وهو يوم الأبدال يخرج أُناس كانوا مع السفياني من شيعة آل محمّد (عليهم السلام)، ويخرج أُناس كانوا مع آل محمّد (عليهم السلام) إلى السفياني، فهم من شيعته حتَّى يلحقوا بهم، ويخرج كلُّ ناس إلى رايتهم، وهو يوم الأبدال»(٢٠٦).
ملاحظات:
الأُولى: يمكن قراءة (الأبدال) بفتح الهمزة، ويكون المعنى أنَّه يوم أُولئك الذين سيتركون المهدي ويلتحقون بالسفياني والذين سيُبدَلون بآخرين يتركون السفياني ويلتحقون بالمهدي (عليه السلام)، فيرجع كلُّ واحد منهم إلى أصله. أي إنَّه سيكون وصفاً للأفراد الذين سينتقلون من الجانبين.
ويمكن قراءته بكسر الألف (الإبدال)، فيكون المعنى أنَّ ذلك اليوم هو يوم الاستبدال والتبديل. فهو وصف لليوم الذي سيحدث فيه ذلك التبديل.
والنتيجة واحدة على كلِّ حالٍ.
الثانية: ما هو سبب تواجد مجموعة من الشيعة في ركب السفياني؟
الجواب: لعلَّ ذلك بسبب مكر السفياني وخداعه ودهائه، بحيث يوحي لهم بتصرّفاته أنَّه عادل فيهم لا يجوز، وهو مضمون ما ورد في خطبة البيان: «ثم يغلبهم السفياني فيقتل منهم خلق كثير ويملك بطونهم ويعدل فيهم حتَّى يقال فيه: والله ما كان يقال عليه إلَّا كذباً...»(٢٠٧).
وهذا السبب لو صحَّ فإنَّه سيُمثِّل واحداً من الابتلاءات التي ستمرُّ على الناس قبيل الظهور المقدَّس.
ولعلَّه بسبب الخوف الذي يملأ القلوب من وحشية السفياني وقسوته، بحيث إنَّه لا يتورَّع حتَّى عن قتل الأطفال الصغار، وهذا أوضح من أن يُذكر له شاهد، وهو الأقرب إلى الصواب، لأنَّ السبب الأوَّل مرويٌّ في رواية ضعيفة السند، فلا نطمئنُّ بالركون لها ولمضمونها.
ولعلَّه لأجل أنَّ الحقيقة لم تكن قد اتَّضحت عند البعض، وتتَّضح لهم في الساعة الأخيرة، وليس بالضرورة أنَّهم كانوا من شيعة آل أبي سفيان من بداية الأمر، وإن كانوا في علم الله تعالى كذلك.
الثالثة: على المرء أن يلتزم بمبادئ الإسلام، ويدعو الله تعالى دائماً بحسن العاقبة.
(٦٩) الحسني
يظهر من الروايات الشريفة أنَّه من الشخصيات الإيجابية إبّان الظهور المبارك، وأنَّ له أثراً في معادلة القوى المتناحرة في الساحة آنذاك، ولا نملك معلومات كثيرة عنه سوى ما ورد في بعض الروايات التي ذكرته.
وأهمُّ الخطوط العامَّة لبيانه هي التالي:
أوَّلاً: قدومه من الشرق، (ولذلك احتمل البعض اتِّحاده مع الخراساني، وبناءً عليه ستتحدُّ مشخَّصاتهما). وقد عبَّرت الرواية عن خروجه ذلك بأنَّه يخرج من الديلم.
ثانياً: قيادته لجيش عظيم يقاتل به المخالفين للحقِّ.
ثالثاً: لقاؤه بالمهدي (عليه السلام) وطلبه منه المعجزة، فيقيمها له المهدي (عليه السلام)، وبعدها سينضمُّ مع جيشه إليه.
فقد روي: «ويلحقه الحسني في اثني عشر ألفاً، فيقول له: أنا أحقُّ منك بهذا الأمر، فيقول له: هات علامة، هات دلالة، فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب الذي بيده فيخضرُّ ويعشوشب، فيُسلِّم إليه الحسني الجيش، ويكون الحسني على مقدَّمته...»(٢٠٨).
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح من نحو الديلم...، ويتَّصل به وبأصحابه خبر المهدي (عليه السلام)، فيقولون: يا ابن رسول الله، من هذا الذي نزل بساحتنا؟ فيقول: أخرجوا بنا إليه حتَّى ننظره من هو، وما يريد، والله ويعلم أنَّه المهدي، وأنَّه يعرفه، وأنَّه لم يرد بذلك الأمر إلَّا له...، فيقبل الحسني حتَّى ينزل بالقرب من المهدي...، فيقول له أصحاب المهدي: هذا وليُّ الله مهدي آل محمّد...، فيخرج الحسني من عسكره ويخرج المهدي (عليه السلام) ويقفان بين العسكرين، فيقول له الحسني:... وأنا أسألك أن تغرس هراوة جدِّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا الحجر الصفا، وتسأل الله أن يُنبِتها فيها، وهو لا يريد بذلك إلَّا أن يرى أصحابه فضل المهدي إليه التسليم حتَّى يطيعوه ويبايعوه، فيأخذ المهدي الهراوة بيده ويغرسها في الحجر فتنبت فيه وتعلو وتُفرِّع وتورق حتَّى تظلَّ عسكر المهدي والحسني، فيقول الحسني: الله أكبر، مُدْ يدك يا ابن رسول الله حتَّى أُبايعك، فيمدُّ يده فيبايعه ويبايعه سائر عسكر الحسني...»(٢٠٩).
(٧٠) الخراساني
وهو من الشخصيات الإيجابية التي سيكون لها دور في أحداث عصر الظهور، ويتبلور دوره في وقوفه بوجه توسّعات السفياني وطغيانه، خصوصاً عندما يحاول التوجّه نحو الكوفة لاحتلالها والفتك بأهلها.
والخطوط العامَّة لشخصيته هي التالي:
١ - إنَّه من بني هاشم، وهو فتى صبيح الوجه.
روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يخرج شابٌّ من بني هاشم بكفِّه اليمنى خال، من خراسان، برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني، فيهزمهم»(٢١٠).
٢ - خروجه من خراسان، كما تدلُّ عليه النسبة - أي نسبته إلى خراسان -.
وكما وصفت الروايات خروجه من جهة المشرق الذي يُطلَق على بلاد فارس، لأنَّها تقع بالشرق من المدينة أو مكّة أو العراق، (والإمام لم يكن إلَّا في واحدة من هذه المدن، فيكون الشرق بالنسبة إليه هو بلاد إيران).
٣ - خروجه مع اليماني والسفياني في يوم واحد من شهر رجب.
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً...»(٢١١).
٤ - توجّهه نحو الكوفة لردِّ كيد السفياني.
عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه سمعه يقول: «لا بدَّ أن يملك بنو العبّاس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتَّت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان، هذا من هاهنا، وهذا من هاهنا...»(٢١٢).
(٧١) الخضر (عليه السلام) في القضيَّة المهدويَّة
بمتابعة الروايات الشريفة نجد أنَّ للخضر (عليه السلام) حضوراً واضحاً في الروايات المهدوية، وخلاصتها التالي:
أوَّلاً: أنَّ الخضر (عليه السلام) هو مؤنس وحشة الإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته، ونعم المؤنس له العبد الصالح.
عن الحسن بن عليِّ بن فضّال، قال: سمعت أبا الحسن عليّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: «إنَّ الخضر (عليه السلام) شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتَّى يُنفَخ في الصور، وإنَّه ليأتينا فيُسلِّم فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنَّه ليحضر حيث ما ذُكِرَ، فمن ذكره منكم فليُسلِّم عليه، وإنَّه ليحضر الموسم كلَّ سنة فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة فيُؤمِّن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته»(٢١٣).
ثانياً: أنَّه يأوي ويرتاح في مسجد السهلة، ذلك المسجد الذي سيكون منزل الإمام المهدي (عليه السلام) عند ظهوره، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في ضمن كلامه عن مسجد السهلة: «وإنَّه لمناخ الراكب»، قيل: ومن الراكب؟ قال: «الخضر (عليه السلام)»(٢١٤).
ثالثاً: أنَّ الله تعالى أطال عمره ليكون دليلاً على إمكان طول عمر الإنسان، وبالتالي لا تكون هناك حجَّة على من يُكذِّب بطول عمر الإمام المهدي (عليه السلام).
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) - فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب يُنزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]»(٢١٥).
رابعاً: أنَّ أفعاله التي حكاها القرآن الكريم مع النبيِّ موسى (عليه السلام) كانت مثالاً لعدم معرفة السبب الحقيقي وراء الغيبة، وأنَّ هذا السبب لا يظهر إلَّا عند ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).
فقد ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلُّ مبطل»، فقلت: ولِمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟ قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمرٌ من (أمر) الله تعالى وسرٌّ من سرِّ الله، وغيبٌ من غيبِ الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(٢١٦).
(٧٢) بين الخليل والمهدي (عليهما السلام)
للإمام المهدي (عليه السلام) أوجه شبه كثيرة بالكثير من الأنبياء، ومنها شبهه بخليل الرحمن (عليه السلام).
وأوجه الشبه بينهما عديدة، نذكر منها التالي:
الوجه الأوَّل: أنَّ كلّاً منهما أُخفي مولده بسبب طاغية زمانه الذي كان يبحث عنه ليفتك به، لكنَّ الله تعالى أبى إلَّا أن يتمَّ نوره ولو كره الكافرون.
فالنبيُّ إبراهيم (عليه السلام) كان ممَّن أُخفيت ولادته خوفاً عليه، فقد نُقل: (أنَّ ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبَّرها المعبِّرون بأنَّه يُولَد غلام ينازعه في ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كلِّ غلام يُولَد، فحبلت أُمُّ إبراهيم به وما أظهرت حبلها للناس، فلمَّا جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدَّت الباب بحجر، فجاء جبريل (عليه السلام) ووضع إصبعه في فمه فمصَّه فخرج منه رزقه، وكان يتعهَّده جبريل (عليه السلام)، فكانت الأُمُّ تأتيه أحياناً وتُرضِعه...)(٢١٧).
وكذلك الإمام المهدي (عليه السلام)، حيث لم يعلم بولادته إلَّا خاصَّة الخاصَّة من أهل بيت الإمام العسكري (عليه السلام) وبعض المقرَّبين جدّاً من الشيعة المخلصين.
الوجه الثاني: أنَّ كلّاً منهما (عليهما السلام) قد اعتزل قومه وغاب عنهم، إلَّا أنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) أطول وأكثر خفاءً.
قال تعالى حكايةً عن النبيِّ إبراهيم (عليه السلام): ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [مريم: ٤٨]، حيث قيل: إنَّه هاجر إلى الشام(٢١٨).
الوجه الثالث: أنَّ عندهما قميصاً من الجنَّة، وهو قميص النبيِّ إبراهيم الذي جاء إليه به جبرئيل من الجنَّة، ولبسه عندما رموه في النار، فلم تضرّه، وهو نفسه قميص يوسف الذي ألقاه على وجه أبيه فارتدَّ بصيراً(٢١٩).
وسيكون هذا القميص عند الإمام المهدي (عليه السلام)، لأنَّه من مواريث الأنبياء التي ستكون عنده (عليه السلام)، حيث روي أنَّ القائم (عليه السلام) إذا خرج يكون عليه قميص يوسف (عليه السلام)(٢٢٠)(٢٢١).
(٧٣) تعدّد أسماء أُمِّ الإمام المهدي (عليه السلام)
إنَّ لأُمِّ الإمام القائم (عليه السلام) عدَّة أسماء، منها التالي: (نرجس، مليكة، صقيل، ريحانة، سوسن).
ومن أسمائها أيضاً: (حديث أو حديثة، وقيل: سوسن، وقيل: سليل).
ومنها أيضاً: (خمط، حكيمة، مريم).
أمَّا سبب تعدّد أسمائها، فيمكن أن يقال: إنَّه أحد أُمور:
أوَّلاً: سُمّيت بجميع ذلك على التعاقب كما هي العادة في الجواري، وذلك بناءً على ما هو المشهور من أنَّها كانت جارية.
ثانياً: أنَّ الدولة العبّاسية آنذاك كانت تعرف أنَّ الذي سيزيل ملكهم هو ابن الإمام العسكري (عليه السلام)، فلذلك كانت تراقب بيت الإمام ونساءه وجواريه، بل نُقِلَ أنَّهم احتجزوا بعض جواريه، حتَّى إذا ما ولدت إحداهنَّ ولداً للإمام، أخذوه وقتلوه فوراً، كما هي عادة الفراعنة، فلذلك قد يقال: إنَّ الإمام قد تعمَّد تكثير أسمائها ليُضلِّل السلطة العبّاسية عن أُمَّ الإمام المهدي الحقيقية.
ثالثاً: يمكن القول بأنَّ الاسم واحد لها، ولكن التعدّد إنَّما هو في ألقابها (عليها السلام)، تبعاً لمتغيّرات العصر والظروف الموضوعية المحيطة بها آنذاك.
(٧٤) دابَّة الأرض
هي الدابَّة التي تحدَّث عنها القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ ٨٢﴾ (النمل: ٨٢).
وهي من علامات الساعة.
وقد اتَّفق أكثر المفسِّرين ورواة الحديث أنَّ هذا الإنسان الذي سيقوم بهذه المهمَّة هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام).
فقد روي أنَّه قال أبو عبد الله (عليه السلام): «قال رجل لعمّار بن ياسر: يا أبا اليقظان، آية في كتاب الله تعالى قد أفسدت قلبي وشكَّكتني، قال عمّار: وأيَّة آية هي؟ قال: قول الله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ...﴾، فأيَّة دابَّة هذه؟ قال عمّار: والله ما أجلس ولا آكل ولا أشرب حتَّى أريكها. فجاء عمّار مع الرجل إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يأكل تمراً وزبداً، فقال: يا أبا اليقظان هلمَّ، فجلس عمّار وأقبل يأكل معه، فتعجَّب الرجل منه، فلمَّا قام عمّار قال الرجل: سبحان الله يا أبا اليقظان حلفت أنَّك لا تأكل ولا تشرب ولا تجلس حتَّى ترينيها، قال عمّار: قد أريتكها إن كنت تعقل»(٢٢٢).
وهكذا بعض علماء العامَّة فقد رووا أنَّ دابَّة الأرض عليّ بن أبي طالب، كما روى ذلك الذهبي في (ميزان الاعتدال)(٢٢٣).
هذا ولكن البعض ذهب إلى أنَّها دابَّة لها مواصفاتها الخاصَّة تُكلِّم الناس.
وهناك من اعتقد أنَّ دابَّة الأرض هي مطلق الدابَّة المعروفة، وأنَّها تحمل معها عصا موسى وخاتم سليمان وتُوسِم الكافر والمنافق، إلى غير ذلك ممَّا اتَّفق عليه الفريقان.
قال المباركفوري في (تحفة الأحوذي)(٢٢٤) ما نصّه:
((والدابَّة) وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ...﴾ الآية، قال المفسِّرون: هي دابَّة عظيمة تخرج من صدع في الصفا، وعن ابن عمرو بن العاص: أنَّها الجساسة المذكورة في حديث الدجّال، قاله النووي. وقال الجزري في النهاية: دابَّة الأرض قيل: طولها ستّون ذراعاً ذات قوائم ووبر، وقيل: هي مختلفة الخلقة تشبه عدَّة من الحيوانات ينصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع والناس سائرون إلى منى، وقيل: من أرض الطائف، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام)، لا يُدركها طالب ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصا، وتكتب في وجهه: مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه: كافر).
ولكن هذا التفسير لا يتناسب مع المعطيات والأدوار التي تقوم بها هذه الدابَّة، خصوصاً مع ملاحظة أنَّ الدابَّة أعمُّ من الحيوان والإنسان، فكلُّ ما يدبُّ على وجه الأرض فهو دابَّة، كما في قول الشاعر:

زعمتني شيخاً ولست بشيخ * * * إنَّما الشيخ من يدبُّ دبيبا

أي يسير بشكل بطيء على الأرض بسبب ضعفه.
وعلى كلِّ حالٍ، فنحن نجزم بأنَّ المقصود من الدابَّة هو إنسان معيَّن، وذلك بملاحظة التالي:
أوَّلاً: أنَّ القرآن الكريم وصف دابَّة الأرض بأنَّها تُكلِّم الناس، والكلام لا يصدر إلَّا من الآدميين، وليس من صفات الدواب الحيوانية.
ثانياً: أنَّ مهمَّة هذه الدابَّة - كما في كثير من الروايات - هي محاججة الناس، أي إنَّ مهمَّتها حوارية، فمن غير المقبول ولا المعقول أن نُقنِع أنفسنا بأنَّ هذه الدابَّة حيوان يتصدّى لمحاججة المنحرفين ويحاول القاء الحجَّة عليهم.
ثالثاً: أنَّ لهذه الدابَّة شأناً إنسانياً ولها مقاماً رفيعاً بقرينة حملها لعصا موسى وخاتم سليمان وهي من مواريث الأنبياء، ولا يتناسب لمثل هذه المواريث أن تكون لدى دابَّة حيوانية.
إذن فلا مناص من القول بأنَّ الدابَّة هي إنسان يخرج لمحاججة الناس والقاء الحجَّة عليهم.
(٧٥) شعيب بن صالح
شعيب بن صالح من شخصيات الظهور الإيجابية، والتي سيكون لها دور مهمّ في زمن الظهور، ولم تسعفنا الروايات بالكثير من المعلومات عنه، ولكن يمكن أن نتعرَّف عليه من خلال الخطوط العامَّة التالية:
أوَّلاً: أنَّه رجل ربعة، أي مربوع الخَلق لا بالطويل ولا بالقصير، ووصفته بعض الروايات بأنَّه كوسج، وهو الذي لا شعر على عارضيه.
ثانياً: خروجه من الريِّ.
ثالثاً: أنَّه يكون واحداً من قيادات جيش الخراساني، فمشخَّصات الخراساني تنفع في تشخيصه أيضاً.
رابعاً: أنَّه قائد عسكري محنَّك، يتغلَّب على كلِّ أعدائه.
خامساً: أنَّه سيكون صاحب لواء المهدي (عليه السلام) بعد ظهوره.
والروايات الدالَّة على هذه الخطوط هي التالي:
روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يخرج شابٌّ من بني هاشم بكفِّه اليمنى خال، من خراسان برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني، فيهزمهم»(٢٢٥).
وروى السيِّد ابن طاووس عن الحسن، قال: (يخرج بالريِّ رجل ربعة(٢٢٦) أسمر مولى لبني تميم، كوسج(٢٢٧)، يقال له: شعيب بن صالح، في أربعة آلاف، ثيابهم بيض، وراياتهم سود، يكون مقدَّمة للمهدي لا يلقاه أحد إلَّا فلَّه(٢٢٨))(٢٢٩).
وروي عن عمّار بن ياسر في حديث له: (يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح)(٢٣٠).
وهذه الرواية وإن لم تُروَ عن المعصوم، ولكنَّها بالتالي تحكي عن أمر محتمل، بل قد تساعد عليه الظروف الموضوعية آنذاك، فإنَّ قائداً محنَّكاً كشعيب لا شكَّ أنَّه يصلح لأن يكون على لواء المهدي (عليه السلام).
(٧٦) مَن هم المهديّون؟
تذكر الروايات الشريفة عدَّة إطلاقات للمهديّين، وهي التالي:
الإطلاق الأوَّل: الأئمَّة المعصومون (عليهم السلام):
وهو الإطلاق الذي ينصرف إليهم (عليهم السلام) عند الإطلاق، ولذا وردت الكثير من الروايات الشريفة التي تصف أهل البيت (عليهم السلام) بالمهديّين.
روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فاختار من أهل بيتي بعدي، وهم خيار أُمَّتي، أحد عشر إماماً بعد أخي واحداً بعد واحد...، كلَّما غاب نجم طلع نجم، إنَّهم أئمَّة هداة مهديّون...، هم حجج الله في أرضه، وشهداؤه على خلقه، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، هم مع القرآن والقرآن معهم لا يفارقهم ولا يفارقونه حتَّى يردوا عليَّ حوضي، وأوَّل الأئمَّة أخي عليّ خيرهم، ثمّ ابني حسن، ثمّ ابني حسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين...»(٢٣١).
الإطلاق الثاني: قوم من الشيعة، يقومون بالدعوة إلى أمر أهل البيت (عليهم السلام) وإلى معرفتهم وموالاتهم.
عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا ابن رسول الله، إنّي سمعت من أبيك (عليه السلام) أنَّه قال: «يكون بعد القائم اثنا عشر مهديّاً»، فقال: «إنَّما قال: اثنا عشر مهديّاً، ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقِّنا»(٢٣٢).
والرواية تحتمل أمرين:
الأمر الأوَّل: أنَّ المقصود من «يكون بعد القائم» يعني بعد ظهوره، فهؤلاء القوم سيأخذون على عاتقهم الدعوة لأمر أهل البيت والتعريف بأمرهم في أرجاء الأرض، فهم دعاة المعرفة ورسل الإمام لدعوة الناس لأمر أهل البيت (عليهم السلام).
الأمر الثاني: أنَّ المقصود من ذلك هو أنَّه بعد وفاة الإمام المهدي (عليه السلام) يقوم أُولئك المهديّون بالاستمرار بالدعوة لأمر أهل البيت (عليهم السلام).
وعلى كلِّ حالٍ، لا دلالة في هذه الرواية على ضرورة بيعة أُولئك المهديّين، ولا لزوم أخذ أوامرهم إلَّا في ما يتعلَّق باتِّباع أمر أهل البيت (عليهم السلام)، لأنَّها لم تقل: إنَّهم يدعون الناس لأنفسهم، بل قالت: إنَّهم يدعون الناس لأمر أهل البيت (عليهم السلام).
تنبيه:
ادَّعى جماعة المدَّعي لليمانية أحمد إسماعيل گاطع أنَّ المهديّين هم أولاد الإمام المهدي (عليه السلام) الذين سيحكمون الأرض بعد الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّ أحمدهم هو أوَّل أُولئك المهديّين.
واستدلّوا على ذلك برواية غيبة الطوسي التي أسموها برواية الوصيَّة، والتي ورد فيها: «... فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام). فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديّاً، فإذا حضرته الوفاة، فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين»(٢٣٣).
واستدلّوا بهذه الرواية على ضرورة مبايعة أحمد إسماعيل گاطع، وأنَّ من يتخلَّف عن بيعته فهو ضالٌّ مضلٌّ منحرف عن الشريعة وعن مذهب التشيّع.
ويرد عليهم باختصار:
أوَّلاً: أنَّ الرواية ضعيفة السند، فلا تصلح للاستدلال بها على قضيَّة فقهية فضلاً عن اعتقادية أُصولية.
ثانياً: ولو تنزَّلنا، فنقول: إنَّ الرواية قالت: إنَّ المهدي الأوَّل يحكم الأرض بعد وفاة الإمام المهدي (عليه السلام)، فإمَّا أن يدَّعوا أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) قد ظهر ومات، فتلزمنا بيعتهم، ولكنَّهم حينئذٍ سيخرجون عن الوجدان، وعن ضرورة أن يقوم الإمام أوَّلاً ليحكم الأرض. وإمَّا أن يقولوا بأنَّ الإمام لم يظهر إلى الآن، فلا دليل على لزوم بيعتهم، والرواية لا تُلزمنا بذلك أبداً.
(٧٧) الكيسانية
وهي من أوائل الفِرَق التي ادَّعت المهدوية من غير حقٍّ، فقد ادَّعى أتباعها أنَّ (محمّداً بن الحنفية) هو المهدي الموعود، وأنَّه لم يمت، وإنَّما غاب عنهم، وأنَّه يقيم في جبل رضوى، من جبال تهامة، بين أسد ونمر يحفظانه، وعنده عينان نضّاختان تجريان بماء وعسل، وأنَّه يعود بعد الغيبة فيملأ الأرض عدلاً كما مُلِئَت جوراً...(٢٣٤).
وقد سُمّيت هذه الفرقة بالكيسانية، نسبةً إلى (كيسان)، وقد اختلفوا فيه على أقوال، فمنهم من قال: إنَّه اسم لمحمّد بن الحنفية، وآخر: إنَّه اسم للمختار الثقفي، وثالث على أنَّه اسم لمولى لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ورابع على أنَّه اسم (أبي عمرة) صاحب شرطة المختار...(٢٣٥).
ولا يهمّنا التحقيق في ذلك، فهي فرقة أكل الدهر عليها وشرب.
لكن ينبغي الالتفات إلى أنَّ (محمّداً بن الحنفية) الذي ادَّعى الكيسانية أنَّه المهدي، هو بريء من هذه الدعوى، فهو لم يقل بها، ولا تبنّاها، بل كان مقرّاً بإمامة أبيه وأخويه (عليهما السلام)، ومن بعدهما بإمامة ابن أخيه الإمام زين العابدين (عليه السلام). وإنَّه مات على هذا الاعتقاد.
وهكذا (المختار)، هو لم يدَّع هذا الأمر، وإنَّما نُسِبَ إليه فيما بعد.
ومنه نفهم، أنَّ المنحرفين قد يستعينون ببعض الشخصيات اللامعة، فيدَّعون أنَّهم من أتباعهم، أو يدَّعون أنَّهم تبع لهم، وبالتالي، سيحاولون خداع الناس بمثل هذه التزييفات.
لذا، كان لزاماً على المؤمن الفطن أن لا ينخدع بمثل أُولئك المدَّعين، وأن يتسلَّح بسلاح العلم والرويَّة والصبر، وأن يرجع لذوي الاختصاص ليُميِّزوا له الحقَّ من الباطل.
(٧٨) الشلمغاني
هو محمّد بن عليٍّ الشلمغاني أبو جعفر المعروف بابن أبي العزاقر، كان متقدِّماً في أصحابنا، فحمله الحسد للسفير الثالث أبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة، حتَّى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان وقتله وصلبه(٢٣٦).
كان الشلمغاني مرشَّحاً ليكون من وجوه الشيعة وأقطاب الطائفة، وكانت له العديد من الكتب العلمية والفقهية، ولكنَّه وبسبب طلبه للدنيا وإخلاده إلى الأرض، نسي الآخرة، حيث كان يطمع في أن يكون هو السفير الثالث بعد السفير الثاني (محمّد بن عثمان العمري)، ولمَّا تمَّ تعيين الشيخ ابن روح للسفارة، حسده، وتغيَّر، وترك ما كان عليه، وصار ملعوناً بنصِّ توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) بعد أن كان على ما كان عليه(٢٣٧).
إنَّ الذي يهمّنا من سرد جانب من سيرة هذا اللعين هو أن نلتفت إلى حقيقة مهمَّة جدّاً، ومؤلمة جدّاً، وخطرة جدّاً، وهي:
أنَّ على الإنسان أن لا يغترَّ بما هو عليه من العبادة أو العلم أو التأليف أو ما شابه، فإنَّ الأعمال إنَّما تُقبَل إذا بقي الإنسان محافظاً عليها إلى الخاتمة، وإذا لم يحرز المرء حسن العاقبة، فستذهب كلُّ أعماله سدى، ولا يبقى له منها إلَّا التعب والنصب - والعياذ بالله -.
ومن هنا، نجد أنَّ القرآن الكريم يُرتِّب الفوز ليس على عمل الحسنة فحسب، وإنَّما على الاحتفاظ بها وعدم خسرانها، بحيث يأتي بها يوم القيامة، يقول تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (النمل: ٨٩).
ولذلك ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: «لا يزال المؤمن خائفاً من سوء العاقبة، لا يتيقَّن الوصول إلى رضوان الله، حتَّى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له»(٢٣٨).
نسأل الله تعالى لنا ولكم حسن العاقبة.
(٧٩) الشيصباني
إنَّ سبيلنا لمعرفة الشخصيات المستقبلية هي الروايات لا غير، وكلُّ ما يمكن أن يقال في الشيصباني هو التالي:
ورد عن جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن السفياني، فقال: «وأنّى لكم بالسفياني حتَّى يخرج قبله الشيصباني، يخرج من أرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقَّعوا بعد ذلك السفياني، وخروج القائم (عليه السلام)»(٢٣٩).
وهنا عدَّة نقاط:
النقطة الأُولى: أنَّ (الشيصباني) مأخوذ من الشصب والجدب، بمعنى الشدَّة، والشصّاب: القصّاب؛ وهو الجزّار. والشيصبان: اسم الشيطان.
فوصف ذلك الرجل بالشيصباني يدلُّ على أنَّ توجّهاته سلبية.
هذا بالإضافة إلى القرائن الموجودة في نفس الرواية الدالّة على ذلك، من قبيل: «فيقتل وفدكم»، أي وجهاء المؤمنين الذي يتقدَّمون الوفد عادةً، حيث يقال: وفد القبيلة ووفد المدينة بمعنى وجهائها ورهطها. والظاهر أنَّه يقتلهم عدواناً وبدون ذنب.
النقطة الثانية: أنَّ خروجه يكون قريباً نسبياً من ظهور السفياني وبعده الإمام المهدي (عليه السلام).
ولكن هل سيكون خروج السفياني وبعده الإمام المهدي (عليه السلام) بعد مقتل الشيصباني أو أنَّهما يخرجان والشيصباني ما زال موجوداً؟
الرواية لا تُصرِّح بشيء، بل قالت: عندما يظهر الشيصباني فتوقَّعوا خروج السفياني والإمام المهدي (عليه السلام)، وهذا يُحتَمل فيه أنَّ الشيصباني ما زال موجوداً، ويُحتَمل أنَّه قد هلك آنذاك.
النقطة الثالثة: على الفكرة القائلة: إنَّ الشيصباني سيُقتَل، فمن الذي سيقتله؟
إنَّ الرواية لم تذكر من يقتله، وهنا احتمالان:
الاحتمال الأوَّل: أن يقتله الإمام المهدي (عليه السلام)، أو أحد الممهِّدين له، كاليماني أو الخراساني، باعتبار أنَّه يُمثِّل خطّاً معادياً للحقِّ.
الاحتمال الثاني: أن يقتله السفياني، باعتبار أنَّه وبملاحظة الخطِّ العامِّ للسفياني نجد أنَّه لا يقبل بوجود قوَّة أُخرى في الساحة حتَّى وإن اشتركت معه في منهج العداء لأتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فإنَّ السفياني سيقاتل الأصهب والأبقع.
وبهذا الاعتبار، حيث إنَّ الشيصباني يخرج في الكوفة، والسفياني سيعمل على التوجّه إليها أيضاً، فقد تحدث بينهما معركة، وسيكون النصر من نصيب السفياني باعتبار أنَّ الروايات ذكرت بقاءه إلى ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) دون أن تذكر الشيصباني بشيء من ذلك.
وعلى كلِّ حال هذا مجرَّد تحليل، قد يصحُّ وقد يخطئ.
النقطة الرابعة: هناك من احتمل أنَّ الشيصباني هو صدّام حسين، وهذا الكلام بلا دليل، بل الدليل قائم على عدمه، حيث هلك صدّام دون أن يخرج السفياني إلى الآن، بالإضافة إلى أنَّ الرواية ذكرت أنَّ الشيصباني يخرج في الكوفة، لا من تكريت.
(٨٠) مَن هو السفّاح؟
ذكرت بعض الروايات الشريفة أنَّه وبعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) سيخرج رجل وصفته الروايات بالسفّاح، فمن هو هذا السفّاح؟ وما هو معناه؟
الجواب:
صرَّحت بعض الروايات الشريفة بأنَّ المقصود منه هو أمير المؤمنين (عليه السلام).
فقد ورد عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ منّا أهل البيت رجل بعد موته...»، إلى أن يقول: «... حتَّى يخرج السفّاح...»(٢٤٠).
وفي رواية أُخرى يقول الإمام الباقر (عليه السلام) لجابر: «وهل تدري... من السفّاح يا جابر؟... السفّاح عليُّ بن أبي طالب (عليهما السلام)»(٢٤١).
وقد يستغرب البعض من تسميته (عليه السلام) بهذا الاسم فيقول: أيُعقَل أن يُوصَف أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسفّاح! حيث يتبادر إلى الذهن معنى سلبي، يشير إلى القتل من دون مبرِّر، وسفك الدم بصورة عشوائية!
ولكن هذا الاستغراب يزول إذا لاحظنا التالي:
إنَّ تبادر المعنى السلبي من كلمة (السفّاح) جاء من جهة اشتهار هذه الكلمة في القتل بغير حقٍّ، كما كان يفعل الظالمون والطغاة، وإلَّا، فإنَّه إذا رجعنا إلى الكتب اللغوية، وجدنا أنَّ كلمة (السفح) تدلُّ على عدَّة معانٍ، منها:
١ - إراقة الدم، أعمُّ من كونه بحقٍّ أو باطل.
٢ - القدرة على الكلام.
٣ - العطاء.
فعن المعنى الأوَّل، قال الجواهري في صحاحه(٢٤٢): (وسَفَحْتُ دمه: سفكته)، وقال الزبيدي في تاج العروس(٢٤٣): (وسَفَحَ الدم كمَنَعَ: أراقه وصبَّه. وسَفَحْتُ دمه: سفكته).
لذلك، يمكن حمل هذه الاسم في أمير المؤمنين (عليه السلام) على أنَّه يسفك الدم بما يُرضي الله تعالى، وهذا لا إشكال فيه من هذه الناحية.
وعن المعنيين الثاني والثالث، ورد في المصدرين السابقين ما نصّه:
(ورجل سفّاح: أي قادر على الكلام)(٢٤٤).
(والسفّاح ككتّان: الرجل المعطاء...، هو أيضاً الرجل الفصيح. ورجل سفّاح، أي قادر على الكلام)(٢٤٥). (الزبيدي)
وفي كتاب لسان العرب(٢٤٦): (ورجل سفّاح: معطاء، وهو أيضاً الفصيح، ورجل سفّاح: أي قادر على الكلام).
وهذا المعنى إيجابي تماماً، وهو لائق بأمير المؤمنين (عليه السلام)، كيف، وهو أمير الفصاحة وملك البيان!؟
مع الالتفات إلى ما ورد من أنَّه (عليه السلام) هو (دابَّة الأرض) التي ستخرج لتُكلِّم الناس، حيث ذُكِرَ في محلِّه بأنَّ مهمَّة هذه الدابَّة هي محاججة الناس وإثبات الحقِّ لهم، فيناسبه أن يكون الرجل الذي وُصِفَ بذلك صاحب بيان وبلاغة، أو قل: سفّاحاً بمعنى القادر على الكلام وإثبات الحقِّ بالحجَّة الدامغة.
(٨١) مَن هو القائم؟
عندما نقرأ ما ورد في حقِّ أهل البيت (عليهم السلام) نجد أنَّهم وُصِفوا بوصف القائم، فمثلاً ورد في زيارة الإمام الحسن (عليه السلام) يوم الاثنين: «السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّها القائِمُ الأَمِينُ»(٢٤٧).
وفي زيارة أئمَّة البقيع (عليهم السلام) ورد: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَيُّها القُوَّامُ فِي البَرِيَّةِ بِالقِسْطِ»(٢٤٨).
وفي زيارة الإمام الرضا (عليه السلام) ورد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ... القائِمِ بِعَدْلِكَ...، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى عَلِيٍّ بْنِ مُوسى الرِّضا المُرْتَضى... القائِمِ بِعَدْلِكَ...»(٢٤٩).
بل ورد صريحاً بأنَّ كلَّ الأئمَّة (عليهم السلام) قائمون(٢٥٠).
فعن الحكم بن أبي نعيم، قال: أتيت أبا جعفر (عليه السلام) وهو بالمدينة...، فقال - الإمام الباقر (عليه السلام) -: «يا حكم، كلّنا قائم بأمر الله...»، قلت: فأنت الذي تقتل أعداء الله ويعزُّ بك أولياء الله ويظهر بك دين الله؟ فقال: «يا حكم، كيف أكون أنا وقد بلغت خمساً وأربعين!؟».
وعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن القائم، فقال: «كلّنا قائم بأمر الله، واحد بعد واحد حتَّى يجيء صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان».
ومعه يأتي السؤال: من هو القائم من أهل البيت (عليهم السلام) بالضبط؟
والجواب:
إنَّ للقائم معنيين:
المعنى الأوَّل: أنَّه الحجَّة لله على الناس، والقائم بأُمور الولاية التكوينية والتشريعية، والقائم بالحقِّ في زمانه.
وهذا المعنى شامل لكلِّ أهل البيت (عليهم السلام)، وما ورد من الشواهد المتقدِّمة ناظر إلى هذا المعنى.
المعنى الثاني: أنَّه الذي سيزيل الظلم ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا المعنى هو الخاصُّ بالإمام المهدي (عليه السلام).
وهو المعنى الذي أشار له الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «حتَّى يجييء صاحب السيف، فإذا جاء صاحب السيف جاء بأمر غير الذي كان».
وهو ما أشارت له العديد من الروايات الشريفة، فقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الأئمَّة من بعدي اثنا عشر، أوَّلهم أنت يا عليُّ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها»(٢٥١).
(٨٢) مَن هو المنصور؟
بمراجعة الروايات الشريفة، يمكن أن نجد لهذا الاسم عدَّة استعمالات في القضيَّة المهدويَّة، أهمّها التالي:
أوَّلاً: المنصور هو الإمام المهدي (عليه السلام):
عن تفسير فرات بن إبراهيم... عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾، قال: «الحسين»، ﴿فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء: ٣٣]، قال: «سمّى الله المهدي منصوراً، كما سمّى أحمد ومحمّد محموداً، وكما سمّى عيسى المسيح»(٢٥٢).
ثانياً: اليماني:
اليماني هو أحد شخصيات الظهور الإيجابية، وقد اعتبرته الروايات الشريفة من علامات الظهور الحتمية، وقد وصفته رواية بالمنصور، بغضِّ النظر عن سند تلك الرواية.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: وفد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أهل اليمن، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... قوم رقيقة قلوبهم، راسخ إيمانهم، منهم المنصور، يخرج في سبعين ألفاً ينصر خَلَفي وخَلَف وصيّي...»(٢٥٣).
فحيث إنَّ المتبادر من الشخص الذي سيخرج من اليمن والذي سينصر الإمام المهدي (عليه السلام) هو اليماني لا غير، فيمكن القول: إنَّ المنصور المذكور في هذه الرواية هو اليماني لا غير.
ملاحظة: لم يثبت أنَّ اليماني هو وزير الإمام المهدي (عليه السلام) بدليل واضح.
ثالثاً: أحد أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام):
حيث تذكر بعض الروايات الشريفة أنَّ السفياني حينما يسمع أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) موجود في المدينة، فإنَّه سيبعث له بعثاً ليقتله، فيخرج الإمام المهدي (عليه السلام) منها إلى مكّة المكرَّمة، ومعه شخص سمَّته الرواية بـ (المنصور)، ولم تذكر الروايات أيَّ صفة أُخرى لهذا المنصور، فلم تذكر اسمه ولا صفته ولا دوره مع الإمام المهدي (عليه السلام) سوى أنَّه سيخرج معه إلى مكّة المكرَّمة (٢٥٤).
رابعاً: قائد الملائكة التي ستنزل لنصرة الإمام (عليه السلام):
تذكر بعض الروايات الشريفة أنَّ مجموعة من الملائكة نزلوا لنصرة الإمام الحسين (عليه السلام)، ولكنَّهم لم يُؤذَن لهم، وكان رئيسهم اسمه (منصور)، وأنَّهم ينتظرون قيام القائم (عليه السلام) لينصروه وليكونوا معه.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وأربعة آلاف هبطوا يريدون القتال مع الحسين (عليه السلام) لم يُؤذَن لهم، فرجعوا في الاستيمار، فهبطوا وقد قُتِلَ الحسين (عليه السلام)، فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا يزوره زائر إلَّا استقبلوه، ولا يُودِّعه مودِّع إلَّا شيَّعوه، ولا مريض إلَّا عادوه، ولا يموت ميِّت إلَّا صلّوا عليه واستغفروا له بعد موته، فكلُّ هؤلاء ينتظرون قيام القائم (عليه السلام)...»(٢٥٥).
ولعلَّ (منصور) هذا هو المعنيُّ بشعار المسلمين يوم بدر: (يا منصور أمت)(٢٥٦)، أي اُقتل الكافرين، وكذلك كان هو شعار مسلم بن عقيل في الكوفة(٢٥٧).
وقد ورد أنَّ واحداً من شعارات أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) هو: (أمت أمت)(٢٥٨)، ولعلَّ المقصود هو نفس شعار المسلمين يوم بدر.
(٨٣) المنتصر
من الشخصيات التي لم تُذكر كثيراً في الروايات، وإنَّما ورد في رواية أنَّه الإمام الحسين (عليه السلام)، يخرج بعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ليطلب بثأر نفسه وثأر أصحابه.
فقد ورد عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ رجل منّا أهل البيت بعد موته ثلاث مائة سنة ويزداد تسعاً»، قال: فقلت: فمتى يكون ذلك؟ قال: فقال: «بعد موت القائم...، ثمّ يخرج المنتصر إلى الدنيا فيطلب بدمه ودماء أصحابه...، وهل تدري من المنتصر... يا جابر؟ المنتصر الحسين بن عليٍّ...»(٢٥٩).
نعم، ورد في رواية أُخرى نقلها الشيخ الطوسي في غيبته(٢٦٠) أنَّ المراد من المنتصر هو رجل يخرج ليطلب بثأر الحسين (عليه السلام)، وهي أيضاً عن جابر، وقد جاء فيها: «ثمّ يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين (عليه السلام) ودماء أصحابه...».
ولعلَّ في هذه الرواية تصحيفاً أو خطأً من النسّاخ، على أنَّه يمكن القول: إنَّها لا تختلف عن الرواية الأُولى، وأنَّ الرجل الذي يطلب بثأر الحسين (عليه السلام) هو نفسه الإمام الحسين (عليه السلام)، إلَّا أنَّه حدث تغيير في التعبير ربَّما لعلَّة بلاغية أو شيء من هذا القبيل.
وعلى كلِّ حالٍ، فالظاهر من الرواية أنَّ المنتصر هو الإمام الحسين (عليه السلام) لا غير.
نعم، ورد في رواية انفرد بنقلها عليُّ بن محمّد العلوي في كتابه (المجدي في أنساب الطالبين)(٢٦١) أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) قال لعمَّته حكيمة (رضوان الله عليها) في إشارة منه لولده المهدي (عليه السلام): «يا عمَّة، هذا المنتصر لأولياء الله، المنتقم من أعداء الله».
وهذا لا مانع منه، فإنَّ المهدي أيضاً منتصر للحقِّ ولأولياء الله تعالى.
(٨٤) الإمام داعية سلام
إنَّ الروايات الشريفة صرَّحت في الكثير من الموارد أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيكون في الحقيقة داعية للسلام، وأنَّه سيجتنب الحروب والقتال ما أُوتي إلى ذلك سبيلاً، ممَّا يدفع شبهة كونه قاتلاً من دون مبرِّرات.
والمؤشِّرات على ذلك كثيرة، نذكر منها التالي:
١ - وصفه بأنَّه رحمةً للعالمين في بعض الروايات الشريفة، ففي حديث اللوح الوارد عن جابر، عن الإمام الباقر (عليه السلام): «وأختم بالسعادة لابنه عليٍّ وليّي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي، أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن، وأُكمل ذلك بابنه (م ح م د) رحمةً للعالمين، عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيّوب...»(٢٦٢).
٢ - قبوله لبيعة السفياني رغم أفعاله الشنيعة، كما ذكرت ذلك بعض الروايات(٢٦٣).
٣ - ما ورد من إرساله الجند إلى القسطنطينية، ممَّا يظهر منه أنَّه أرسلهم للقتال، لكن عندما يستسلم أهاليها فإنَّ جنده يتركون القتال، ويدخلون المدينة سلماً(٢٦٤).
٤ - ما ورد من جلوسه لمحاججة أهل الديانات بالدليل، ممَّا يعني أنَّه يُقدِّم الحجَّة والدليل العلمي على القتال...(٢٦٥).
٥ - ما ورد من أنَّه (عليه السلام) سوف لا يقاتل إلَّا من يقاتله، ولا يزيد على ذلك شيئاً، وهو أمر لا تجده إلَّا عند من تتمثَّل الإنسانية والأحكام الشرعية في سلوكه رغم ما عنده من أسباب القوَّة ما لا يحتاج معه إلى التودّد إلى أحد.
فقد روي بالإسناد إلى الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يبايع القائم بمكّة على كتاب الله وسُنَّة رسوله، ويستعمل على مكّة، ثمّ يسير نحو المدينة فيبلغه أنَّ عامله قُتِلَ، فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة، ولا يزيد على ذلك»(٢٦٦).
٦ - ما ورد من أنَّه وأصحابه يعظون بعض الخارجين عليهم قبل أن يبدؤوهم القتال، ممَّا يعني أنَّهم يرجون أن لا يكون بينهم وبينهم قتال، ولكن لو لم يكن إلَّا الكيّ فهو آخر العلاج.
فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «ثمّ يرسل جريدة خيل إلى الروم فيستحضرون بقيَّة بني أُميَّة، فإذا انتهوا إلى الروم قالوا: أخرجوا إلينا أهل ملَّتنا عندكم، فيأبون ويقولون: والله لا نفعل، فيقول الجريدة: والله لو أمرنا لقاتلناكم، ثمّ ينطلقون إلى صاحبهم...»(٢٦٧).
إنَّ هذه المؤشِّرات وغيرها واضحة في أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) رغم تمتّعه بموقع القوَّة والهيمنة، إلَّا أنَّه لا يبدأ المشركين، بل الزنادقة وأهل الردَّة بالقتال، وإنَّما يُظهِر لهم من قوَّة التسامح وقبول التوبة أكثر ممَّا يُظهِر لهم من قوَّة البطش والقتل، وما هذا إلَّا لأنَّه داعية صلاح وسلام، اللّهمّ إلَّا من يأبى منهم، أو من يبادر الإمام (عليه السلام) بالقتال أو بالمكر لحركة الإصلاح المهدوية العالمية، فإنَّه يتعامل معه التعامل الإسلامي الواضح والذي فعله قبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما كان يضطرُّ إلى ذلك.
هذا فضلاً عن توافق هذا الفعل مع القانون العقلائي القاضي بإزاحة العقبات عن طريق الإصلاح.
(٨٥) المنتقم..!
من هو المنتقم؟
إنَّه الإمام المهدي (عليه السلام) حسبما وصفته بعض الروايات الشريفة.
ففي خطبة النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم غدير خُمٍّ ورد وصف له (عليه السلام) بقوله: «... ألَا إنَّه المنتقم من الظالمين»(٢٦٨).
وفي رواية أُخرى: «إذا ظهر القائم (عليه السلام) قام بين الركن والمقام وينادي بنداءات خمسة: الأوَّل: ألَا يا أهل العالم أنا الإمام القائم، الثاني: ألَا يا أهل العالم أنا الصمصام المنتقم، الثالث: ألَا يا أهل العالم إنَّ جدّي الحسين قتلوه عطشاناً، الرابع: ألَا يا أهل العالم إنَّ جدّي الحسين (عليه السلام) طرحوه عرياناً، الخامس: ألَا يا أهل العالم إنَّ جدّي الحسين (عليه السلام) سحقوه عدواناً»(٢٦٩).
فماذا يعني هذا الاسم؟
هل يعني أنَّه (عليه السلام) سينتقم من الجميع، وسيقتل الجميع!؟
والجواب:
حسب الروايات الشريفة فإنَّ الإمام (عليه السلام) سينتقم من عدَّة أصناف كلّهم يشتركون في كونهم من الكافرين أو المشركين أو النواصب.
فقد ورد:
أنَّه المنتقم من قتلة الحسين (عليه السلام)، كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) في الرواية التي ذكرت سبب تسمية المهدي بالقائم، حيث ورد عن أبي حمزة ثابت بن دينار الثمالي، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليه السلام): يا بن رسول الله...، فلستم كلّكم قائمين بالحقِّ؟ قال: «بلى»، قلت: فلِمَ سُمّي القائم قائماً؟ قال: «لمَّا قُتِلَ جدّي الحسين (عليه السلام) ضجَّت عليه الملائكة إلى الله تعالى بالبكاء والنحيب، وقالوا: إلهنا وسيِّدنا أتغفل عمَّن قتل صفوتك وابن صفوتك وخيرتك من خلقك، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليهم: قرّوا ملائكتي، فوَعزتي وجلالي لانتقمنَّ منهم ولو بعد حين، ثمّ كشف الله (عزَّ وجلَّ) عن الأئمَّة من ولد الحسين (عليه السلام) للملائكة، فسرَّت الملائكة بذلك، فإذا أحدهم قائم يُصلّي، فقال الله (عزَّ وجلَّ): بذلك القائم أنتقم منهم»(٢٧٠).
علماً أنَّ قتله إيّاهم سيكون من خلال إرجاع نفس قتلته المباشرين ومن خلال قتل كلِّ من رضي بقتله وسلك منهجهم، كما ورد ذلك صريحاً في رواية الإمام الرضا (عليه السلام)(٢٧١).
تنبيه:
ورد في الكافي أنَّه قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لمَّا كان من أمر الحسين (عليه السلام) ما كان، ضجَّت الملائكة إلى الله بالبكاء، وقالت: يُفعَل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟»، قال: «فأقام الله لهم ظلَّ القائم (عليه السلام) وقال: بهذا أنتقم لهذا»(٢٧٢).
وادَّعى البعض أنَّ «ظلَّ القائم» هو اليماني، وهذا باطل من عدَّة جهات، نذكر منها التالي:
١ - ليس هناك أيُّ دليل على أنَّ المقصود من «ظلِّ القائم» هو اليماني، أو أنَّ اليماني سيكون هو ظلُّ القائم بعد الظهور.
٢ - إنَّ المقصود من «ظلِّ القائم» ليس شخصاً آخر غير الإمام المهدي (عليه السلام) بقرينة الرواية السابقة التي هي بنفس مضمون هذه الرواية، والتي يُصرَّح فيها بأنَّ الانتقام من قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) سيكون بيد الإمام المهدي (عليه السلام)، ولذلك سُمّي بالقائم.
أمَّا لماذا عبَّرت الرواية الثانية عنه بالظلِّ، فهذا باعتبار أنَّ العرض كان في عالم (الأظلَّة) - الذي هو عالم الذرِّ(٢٧٣) - حيث كانت الأرواح من دون هذه الأجسام المادّية، حيث يُعبَّر عن الأرواح بـ (الأظلال)(٢٧٤).
وكذلك وردت روايات أُخرى في أنَّه سينتقم من سرّاق بيت الله الحرام (بني شيبة)، وأنَّه سيقطع أيديهم(٢٧٥).
وسيقتل بعض الفِرَق التي تعترض عليه مكابرةً من دون دليل كالبترية وغيرها.
فعن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يُدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتَّى يأتي على آخرهم، ويدخل الكوفة فيقتل بها كلَّ منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتلتها حتَّى يرضى الله عزَّ وعلا»(٢٧٦).
وعلى كلِّ حالٍ ليس في كونه (عليه السلام) منتقماً أيَّة إشارة تخويفية أو رعب يُلقى في قلوب الناس، فإنَّه سيكون عوناً للمؤمنين، فمن كان مؤمناً سيكون في أمان من انتقام المهدي (عليه السلام)، ومن لم يكن كذلك، وكان معانداً ومبارزاً للإمام، ويعمل على هدم أُسس دولة الإمام، فلا مناص من مناجزة الإمام له.
على أنَّ من الواضح أنَّ انتقام المهدي (عليه السلام) لا يكون من دون مقدّمات، بل إنَّه سيكون بعد إلقاء الحجج الواضحة، وإقامة الكرامات والمعجزات، بحيث ينكشف الدجى ولا يبقى عذر لمعتذر، بل لا يكون انتقامه إلَّا على من شنَّ عليه الحرب وابتدأه بقتال، وإلَّا فإنَّ الإمام (عليه السلام) يعمل على أن تكون فتوحاته سلمية، كما يظهر ذلك من رواية إرسال رسله إلى القسطنطينية(٢٧٧).
(٨٦) أوَّل مَن يرجع
ورد في الروايات الشريفة أنَّ أوَّل من يرجع زمن الظهور هو الإمام الحسين (عليه السلام).
وقد بيَّنت الروايات الشريفة بعض أدواره (عليه السلام) في الرجعة، وأهمّها دوران:
الدور الأوَّل: القيام بتجهيز الإمام المهدي (عليه السلام) بعد وفاته، تطبيقاً لقاعدة (لا يلي أمر الوصي إلَّا الوصي).
عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦]، قال: «خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه...، والحجَّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين (عليه السلام) جاء الحجَّة الموت، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه و يُحنِّطه ويلحده في حفرته الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ولا يلي الوصيَّ إلَّا الوصيُّ»(٢٧٨).
الدور الثاني: حكم الأرض بعد الإمام المهدي (عليه السلام)، والاستمرار بدولة العدل الإلهي، فإنَّ الحسين (عليه السلام) هو من بدأ ثورة المهدي عندما خرج معلناً أنَّه إنَّما خرج (لطلب الإصلاح).
عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «أوَّل من يرجع إلى الدنيا الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، فيملك حتَّى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر»(٢٧٩).
(٨٧) أين يعيش الآن!؟
في غيبته، يعيش الإمام المهدي (عليه السلام) بيننا، يطأ فرشنا، ويمرُّ في أسواقنا، كما صرَّحت بذلك الرواية الشريفة.
فعن الإمام الصادق (عليه السلام): «... فما تنكر هذه الأُمَّة أن يكون الله (عزَّ وجلَّ) يفعل بحجَّته ما فعل بيوسف أن يكون يسير فيما بينهم ويمشي في أسواقهم ويطأ بسطهم وهم لا يعرفونه حتَّى يأذن الله (عزَّ وجلَّ) له أن يُعرِّفهم نفسه...»(٢٨٠).
ولكن، لعاشق ولهان، أو منتظر وجدان، أن يتساءل عن مسكنه بالضبط، هل يسكن في مدينة معيَّنة، أم في بيت ما؟ علَّنا نحظى بجواره وإن لم نعرفه بشخصه.
والجواب:
هنا خطوتان في الجواب:
الخطوة الأُولى: لا بدَّ أن نُسلِّم أوَّلاً بأنَّ الغيبة تتنافى مع معرفتنا التفصيلية بمكان سكناه (عليه السلام)، فإنَّ الغيبة تستبطن عدم اطِّلاعنا على ذلك، وكما ورد في لقاء ابن مهزيار معه (عليه السلام) أنَّه قال: «... إنَّ أبي (عليه السلام) عهد إليَّ أن لا أُوطن من الأرض إلَّا أخفاها وأقصاها إسراراً لأمري...»(٢٨١).
الخطوة الثانية: الاحتمالات في بلد سكناه:
طُرِحَت عدَّة احتمالات في محلِّ سكناه، وتلك الاحتمالات هي:
الاحتمال الأوَّل: أنَّه يسكن المدينة المنوَّرة (طيبة):
وذلك اعتماداً على رواية ذكرها الشيخ الطوسي في غيبته، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من عزلة...، ونعم المنزل طيبة»(٢٨٢).
ولكن الرواية قالت: إنَّ نعم المنزل طيبة، أي إنَّ طيبة من المنازل المفضَّلة، ولم تحصر منزله بها، فلعلَّ له مسكناً آخر غير طيبة، لكن أفضلها هو طيبة أثناء الغيبة.
وبعبارة أُخرى: إنَّ تلك الرواية لا دلالة فيها على أنَّ طيبة هي السكن الفعلي للإمام المهدي (عليه السلام).
الاحتمال الثاني: بيت الحمد:
عن المفضَّل، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم وُلِدَ إلى يوم يقوم بالسيف، لا يطفأ»(٢٨٣).
وهذه الرواية لم تُحدِّد مكان بيت الحمد هذا، فما زال محلُّ سكناه مجهولاً لدينا.
على أنَّه قد يقال: إنَّ المقصود هو بيت معنوي لا مادّي.
الاحتمال الثالث: مسجد السهلة:
عن أبي عبد الله (عليه السلام) حينما ذكر مسجد السهلة فقال: «أمَا إنَّه منزل صاحبنا إذا قدم بأهله»(٢٨٤).
وهذه الرواية صريحة في أنَّ مسجد السهلة منزله عند ظهوره، ونحن نتساءل عن منزله اليوم، في غيبته الكبرى.
الاحتمال الرابع: الجزيرة الخضراء:
اعتقد البعض بأنَّ سكن الإمام المهدي (عليه السلام) في جزيرة تُسمّى الخضراء، وهذا القول والاعتقاد لم يرجع إلى أصل روائي، وإنَّما دخل في كتبنا من القرن الثاني عشر في بعض كتب العلَّامة المجلسي (رحمه الله) حيث نقل قصَّة طويلة عن دخول رجل يُسمّى بعليِّ بن فاضل المازندراني إلى هذه الجزيرة وما جرى له فيها، وإنَّما ذكره لما فيه من الغرائب وإن لم يظفر به في الأُصول المعتبرة، فقال في أوَّله: (وجدت رسالة مشتهرة بقصَّة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت إيرادها لاشتمالها على ذلك من رآه، ولما فيه من الغرائب، وإنَّما أفردت لها باباً لأنّي لم أظفر به في الأُصول المعتبرة)(٢٨٥).
فاعتقد البعض اعتماداً على هذه القضيَّة المشكوكة بأنَّ سكن الإمام المهدي (عليه السلام) في هذه الجزيرة.
وجزم بعضهم على أنَّ مثلَّث برمودا هو المكان الذي يسكن فيه الإمام المهدي (عليه السلام) حيث طبَّقوا الجزيرة على هذا المثلَّث من دون أيِّ دليل وبرهان، واستدلَّ أحدهم على ما يعتقده بأنَّه ما استطاعت الدول العظمى الوصول إلى هذا المكان رغم محاولاتهم في الوصول إليه وذهبت أتعابهم أدراج الرياح.
وكلُّ هذا دعوى بلا دليل واضح، وإنَّما هي مجرَّد تخيّلات، هذا إذا سلَّمنا جدلاً صحَّة ما يقال عن مثلَّث برمودا.
النتيجة:
أوَّلاً: لا يمكن الجزم بمكان معيَّن يسكن فيه الإمام (عليه السلام)، بل إنَّ تعيين مكانه كذلك يتنافى مع الغيبة.
ثانياً: علينا أن نسعى لنجعل قلوبنا محلّاً معنوياً يسكن فيه الإمام (عليه السلام)، ليزهر قلب كلِّ واحد منّا بالإيمان.
ثالثاً: ومن هذا سنعرف حجم الألم الذي يعتصر الروح حينما يناجي المنتظِر مولاه الغائب فيقول:
«... لَيْتَ شِعْرِي أيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى، بَلْ أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّكَ أَوْ ثَرى؟! أَبِرَضْوى أَوْ غَيْرِها مِنْ ذِي طُوى؟! عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ أَرى الخَلْقَ وَلاتُرى، وَلا أَسْمَعُ لَكَ حَسِيساً وَلا نَجْوى، عَزِيزٌ عَلَيَّ أَنْ تُحِيطَ بِكَ دُونِيَ البَلْوى، وَلا يَنالُكَ مِنِّي ضَجِيجٌ وَلا شَكْوى. بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ مُغَيَّبٍ لَمْ يَخْلُ مِنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ مِنْ نازِحٍ ما نَزَحَ عَنّا، بِنَفْسِي أَنْتَ أُمْنِيَّةُ شائِقٍ يَتَمَنَّى مِنْ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ ذَكَرا فَحَنّا...»(٢٨٦).
(٨٨) بأيّ صورة يُرى إذا ظهر؟
قد يتساءل البعض عن الهيأة التي يظهر بها الإمام المهدي (عليه السلام) للناس إذا ظهر.
والجواب:
صرَّحت الروايات الشريفة بأنَّه عندما يظهر الظهور الموعود به، فإنَّه سيظهر بهيأة الشابِّ الموفَّق الذي لا يتجاوز الأربعين سنة، وهذا ما سيُشكِّل واحداً من ابتلاءات واختبارات زمن الظهور، وقد ذكرت الروايات الشريفة أنَّ الذي كان على قدر معتدٍّ به من المعرفة والإيمان، فإنَّه سينجو من هذا الاختبار.
فقد ورد عن الريّان بن الصلت، قال: قلت للرضا (عليه السلام): أنت صاحب هذا الأمر؟ فقال: «أنا صاحب هذا الأمر، ولكنّي لست بالذي أملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني؟ وإنَّ القائم هو الذي إذا خرج كان في سنِّ الشيوخ ومنظر الشبّان، قويّاً في بدنه حتَّى لو مدَّ يده إلى أعظم شجرة على وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها...»(٢٨٧).
وعن عليِّ بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لو قد قام القائم لأنكره الناس، لأنَّه يرجع إليهم شابّاً موفَّقاً، لا يثبت عليه إلَّا من قد أخذ الله ميثاقه في الذرِّ الأوَّل»، وفي روية أُخرى أنَّه قال (عليه السلام): «وإنَّ من أعظم البلية أن يخرج إليهم صاحبهم شابّاً وهم يحسبونه شيخاً كبيراً»(٢٨٨).
وعن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنَّه قال: «... ثمّ يغيب غيبة في الدهر ويظهر في صورة شابٍّ موفَّق ابن اثني وثلاثين سنة، حتَّى ترجع عنه طائفة من الناس، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً»(٢٨٩).
نعم، ورد في رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه يظهر بأيِّ صورة شاء، فقد ورد في رواية طويلة أنَّ الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «... ويظهر وهو شابٌّ حزور»، قال المفضَّل: يا سيِّدي، يعود شابّاً أو يظهر في شيبته؟ فقال (عليه السلام): «سبحان الله، وهل يُعرَف ذلك؟ يظهر كيف شاء وبأيِّ صورة شاء، إذا جاءه الأمر من الله تعالى مجده وجلَّ ذكره»(٢٩٠).
فهل تتنافى هذه الرواية مع الروايات التي صرَّحت بظهوره شابّاً؟
الجواب:
علينا أن نعرف أنَّ ما تقدَّم من الروايات الدالّة على أنَّه يخرج بصورة الشابِّ الموفَّق تُمثِّل أصلاً في هذه المسألة، وما عداها يمكن رفضه.
والذي يؤكّد هذا الأصل هو ما ورد عن أبي الصلت الهروي، قال: قلت للرضا (عليه السلام): ما علامات القائم منكم إذا خرج؟ قال: «علامته أن يكون شيخ السنِّ شابُّ المنظر حتَّى إنَّ الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإنَّ من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيّام والليالي حتَّى يأتيه أجله»(٢٩١).
ولو تنزَّلنا، فإنَّه يمكن القول: إنَّ الرواية الأخيرة تتحدَّث عن الكيف، أي إنَّه يمكنه أن يخرج بهيأة شابٍّ عربي أو شابٍّ غير عربي، أو قد يظهر باللباس العربي (العقال) أو باللباس المتعارف هذه الأيّام، وهكذا. وأمَّا اختيار إحدى الهيئات فهذا راجع لتقديره هو (عليه السلام) للموقف المناسب.
وبعبارة أُخرى: إنَّ هذه الرواية تتكلَّم عن الإمكان، وتلك عن الوقوع، والإمكان أعمُّ من الوقوع، فإن قُبِلَ هذا فبها، وإلَّا فلا مناص من رفض هذا المقطع من الرواية لمعارضته للروايات المتعدِّدة الصريحة في خروجه شابّاً موفَّقاً، أو ردُّ علمها إلى أهلها.
(٨٩) خروجه بغتة
تؤكّد الروايات الشريفة أنَّ خروج الإمام المهدي (عليه السلام) سيكون بصورة مفاجئة (بغتة)، فقد ورد أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟ فقال (عليه السلام): «مثله مثل الساعة التي ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]»(٢٩٢).
فماذا نستوحي من هذه الفكرة؟
نستوحي عدَّة أُمور، منها التالي:
أوَّلاً: أنَّ من يُوقِّت لهذا الأمر فتكذيبه لازم، لأنَّه يخالف صريح الروايات الشريفة الآمرة بعدم التوقيت، بالإضافة إلى مخالفته للخروج البغتة.
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟ فقال: «يا أبا محمّد، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت، وقد قال محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كذب الوقّاتون. يا أبا محمّد، إنَّ قدّام هذا الأمر خمس علامات: أولاهنَّ النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكيَّة، وخسف بالبيداء»(٢٩٣).
ثانياً: علينا أن نتوقَّع الظهور كلَّ يوم، فإنَّ الخروج بغتة يستلزم الخروج في أيِّ لحظة، وهو معنى ما ورد عن الإمام صادق (عليه السلام): «فتوقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً»(٢٩٤).
ثالثاً: الاستعداد التامّ للظهور المبارك على المستوى العملي، بأن يعمل الفرد على إصلاح نفسه ومن يستطيع إصلاحه ممَّن حوله، ليكون مهيَّئاً لنصرة الحقِّ في أيِّ لحظة، فقد ورد عنه (عليه السلام) قوله: «فليعمل كلُّ امرئٍ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا يُنجيه من عقابنا ندم على حوبة»(٢٩٥).
(٩٠) راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
ذكرت الروايات الشريفة أنَّ راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نزلت عليه من الجنَّة في يوم بدر، ولمَّا نشرها فتح الله تعالى له.
فلفَّها ولم ينشرها أحد إلَّا أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمل، فلمَّا نشرها فتح الله تعالى له.
وأنَّ الناس طلبوا منه نشرها يوم صفّين فأبى، وأخبرهم بأنَّه لن ينشرها بعده إلَّا القائم من آل محمّد (عليهم السلام).
عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لمَّا التقى أمير المؤمنين (عليه السلام) وأهل البصرة نشر الراية راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فزلزلت أقدامهم، فما اصفرَّت الشمس حتَّى قالوا: آمنّا يا بن أبي طالب، فعند ذلك قال: لا تقتلوا الأسرى، ولا تجهزوا على الجرحى، ولا تتبعوا مولّياً، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن. ولمَّا كان يوم صفّين سألوه نشر الراية فأبى عليهم، فتحمَّلوا عليه بالحسن والحسين (عليهما السلام) وعمّار بن ياسر (رضي الله عنه)، فقال للحسن: يا بنيَّ، إنَّ للقوم مدَّة يبلغونها، وإنَّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلَّا القائم صلوات الله عليه»(٢٩٦).
هذا، وتذكر الروايات الشريفة أنَّ لنشر الراية على يدي القائم (عليه السلام) أثرين:
الأثر الأوَّل: على المؤمنين، حيث سينتعشون بها، وتصبح قوَّتهم شديدة جدّاً.
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كأنّي بالقائم (عليه السلام) على نجف الكوفة...، فينشر راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...، لا يهوي بها إلى شيء أبداً إلَّا هتكه الله. فإذا هزَّها لم يبقَ مؤمن إلَّا صار قلبه كزبر الحديد، ويُعطى المؤمن قوَّة أربعين رجلاً، ولا يبقى مؤمن إلَّا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، وذلك حين يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم»(٢٩٧).
الأثر الثاني: على غير المؤمنين، حيث سيلعنونها ويبتعدون عنها.
عن أبي بصير أيضاً، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «... ثمّ يهزُّ الراية ويسير بها، فلا يبقى أحد في المشرق ولا في المغرب إلَّا لعنها، وهي راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نزل بها جبرئيل يوم بدر»(٢٩٨).
(٩١) صيحة إعجازية
إنَّ من أهمّ علامات الظهور على الإطلاق هي الصيحة، تلك الصيحة التي وصفتها الروايات الشريفة بصفات أغلبها خارجة عن نطاق القانون الطبيعي، ومن أهمّ صفاتها الإعجازية هي:
١ - إنَّ المنادي بها هو روح الله الأمين الملك جبرئيل (عليه السلام).
٢ - إنَّ جميع الناس يسمعونها في لحظة واحدة في كلِّ العالم.
٣ - إنَّ كلَّ فرد من البشر يسمعها باللغة التي يفهمها.
٤ - إنَّها تُسبِّب فزعة عظيمة بحيث تُخرج الفتاة الحيية من خدرها.
عن الإمام الباقر (عليه السلام): «ينادي منادٍ من السماء باسم القائم (عليه السلام)، فيسمع من بالمشرق ومن بالمغرب، لا يبقى راقد إلَّا استيقظ، ولا قائم إلَّا قعد، ولا قاعد إلَّا قام على رجليه فزعاً من ذلك الصوت...، حتَّى تسمعه العذراء في خدرها فتُحرِّض أباها وأخاها على الخروج»(٢٩٩).
وهذه الصفات بطبيعتها تنتج أنَّ هذه الصيحة لا تكون إلَّا بقانون الإعجاز.
أمَّا من ادَّعى بأنَّ الصيحة تكون من خلال الأقمار الصناعية، بحجَّة أنَّ التعبير عنها بأنَّها من السماء ينطبق على الأقمار الصناعية، فهي دعوى بلا دليل، وحجَّته أوهى من بيت العنكبوت.
فإنَّ تلك الصفات المتقدِّمة تنفي كونها صيحة من الأقمار الصناعية.
بالإضافة إلى وجود أُمور وجدانية تمنع هذا التصوّر:
فكيف توقظ قناة فضائية الشخص إذا كان في بيته نائماً!؟
وكيف تفزعه إذا كانت الكهرباء منقطعة في تلك اللحظة!؟
وماذا لو لم يكن الشخص عنده تلفزيون!؟
وكم مترجماً سنحتاج لترجمة تلك الصيحة إلى مئات اللغات الموجودة اليوم!؟
ثمّ أين موقع (جبرئيل) من القناة الفضائية!؟
حكِّم عقلك.. واخرج بنتيجة.
(٩٢) معجزة إثبات
الاتِّصال بالغيب، ليس له أدوات حسّية في الأعمِّ الأغلب للإثبات، لذا، أيَّد الله تعالى رسله وأنبياءه بالمعجزات الكثيرة، حتَّى يتمكَّن من إثبات اتِّصاله ذلك.
ومن يدَّعي الاتِّصال بالإمام المهدي (عليه السلام) عليه أن يُثبِت ذلك بنفس الكيفية، إذ ما من طريق يقيني يورث الاطمئنان بذلك إلَّا أن يأتي المدَّعي بما يكشف عن صدق دعواه، وذلك بأن يأتي بشيءٍ خارق للعادة، من دون سابق إنذار، ومن دون تعليم مسبق، لا كما يفعل المشعوذون والسحرة.
وهذا الأمر له شواهد عديدة، نذكر منها التالي:
أوَّلاً: المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأُخرى يقال: هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: «إن ادَّعى مدَّعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٣٠٠).
فالإمام الصادق (عليه السلام) يدلّنا على أنَّ من يدَّعي مقاماً غيبياً، كالمهدوية، أو حتَّى الاتِّصال بالمهدي والسفارة عنه، فعليه أن يجيب من يسأله عن أُمور عظائم، لا يجيب عليها إلَّا الإمام أو من يُرسِله الإمام ويُعطيه المؤيِّدات على ذلك.
ثانياً: من اللطيف ما ورد عن الحسين بن عليِّ بن محمّد المعروف بأبي عليٍّ البغدادي، قال: رأيت في تلك السنة بمدينة السلام امرأة، تسأل عن وكيل مولانا (عليه السلام) من هو؟ فأخبرها بعض القمّيين أنَّه أبو القاسم الحسين بن روح، وأشار لها إليه وأنا عنده. فقالت له: أيّها الشيخ، أيَّ شيء معي؟ فقال: ما معك اذهبي فألقيه في دجلة، ثمّ ائتيني حتَّى أُخبرك. قال: فذهبت المرأة، وحملت ما كان معها، فألقته في دجلة، ثمّ رجعت، ودخلت إلى أبي القاسم الروحي، وأنا عنده. فقال أبو القاسم لمملوكته: أخرجي إليَّ الحُقَّة، فأخرجت إليه الحُقَّة، فقال للمرأة: هذه الحُقَّة التي كانت معك، ورميت بها في دجلة، أُخبركِ بما فيها أم تُخبريني؟ قالت: بل تُخبرني أنت. قال: في هذه الحُقَّة زوج سوار ذهب، وحلقة كبيرة فيها جواهر وخاتمان، أحدهما فيروزج والآخر عقيق. وكان الأمر كما ذكر لم يغادر منه شيئاً. ثمّ فتح الحُقَّة، فعرض عليَّ ما فيها، ونظرت المرأة إليه فقالت: هذه التي حملتها بعينها، ورميت بها في دجلة. فغشي عليَّ وعلى المرأة لما شاهدناه من صدق الدلالة والعلامة(٣٠١).
ثالثاً: وكذلك ما ورد عن محمّد بن الحسن الصيرفي الدورقي المقيم بأرض بلخ، يقول: أردت الخروج إلى الحجِّ، وكان معي مال بعضه ذهب وبعضه فضَّة، فجعلت ما كان معي من الذهب سبائك، وما كان معي من الفضَّة نقراً، وكان قد دُفِعَ ذلك المال إليَّ لتسليمه إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدَّس الله روحه. قال: فلمَّا نزلت سرخس ضربت خيمتي على موضع فيه رمل، فجعلت أُميِّز تلك السبائك والنقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منّي وغاضت في الرمل وأنا لا أعلم. قال: فلمَّا دخلت همدان ميَّزت تلك السبائك والنقر مرَّة أُخرى اهتماماً منّي بحفظها، ففقدت منها سبيكة وزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل - أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالاً -. قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة وجعلتها بين السبائك، فلمَّا وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح قدَّس الله روحه، وسلَّمت إليه ما كان معي من السبائك والنقر، فمدَّ يده من بين [تلك] السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلاً ممَّا ضاع منّي فرمى بها إليَّ وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا، وسبيكتنا ضيَّعتها بسرخس حيث ضربت خيمتك في الرمل، فارجع إلى مكانك وانزل حيث نزلت واطلب السبيكة هناك تحت الرمل فإنَّك ستجدها، وستعود إلى هاهنا فلا تراني. قال: فرجعت إلى سرخس ونزلت حيث كنت نزلت، فوجدت السبيكة تحت الرمل وقد نبت عليها الحشيش، فأخذت السبيكة وانصرفت إلى بلدي، فلمَّا كان بعد ذلك حججت ومعي السبيكة، فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين ابن روح (رضي الله عنه) مضى، ولقيت أبا الحسن عليّ بن محمّد السمري (رضي الله عنه)، فسلَّمت السبيكة إليه(٣٠٢).
ومن هذه الإشارات نفهم:
أوَّلاً: ضرورة التروّي في اتِّباع أيِّ مدَّعٍ لدعاوى الارتباط بالغيب، وعدم الاستعجال والدخول معه من دون بصيرة.
ثانياً: يجوز لنا أن نطالب مدَّعي الاتِّصال بالغيب بآية تثبت صدق دعواه، فإذا رفض كان ذلك علامة كذبه.
(٩٣) ظهور أم ظهوران؟
هنا نقطتان:
النقطة الأُولى: أنَّ مصطلح (الظهور الأصغر) لم يرد في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وإنَّما هو استعمال عند بعض المؤمنين، وعند بعض متأخِّري مفكّري الشيعة.
فليس هناك إلَّا ظهور واحد للإمام المهدي (عليه السلام)، وهو ظهوره في مكّة المكرَّمة بين الركن والمقام في العاشر من محرَّم الحرام.
النقطة الثانية: ومع ذلك، يمكن أن يُراد من الظهور الأصغر أحد الاحتمالين التاليين:
الاحتمال الأوَّل: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهور ذكره (عليه السلام) على ألسن الناس، خصوصاً بعد وقوع علامات الظهور، وأهمّها الصيحة، الأمر الذي أشارت له بعض الروايات الشريفة.
عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «إذا نادى منادٍ من السماء: إنَّ الحقَّ في آل محمّد، فعند ذلك يظهر المهدي على أفواه الناس، ويُشربون حبّه، فلا يكون لهم ذكر غيره»(٣٠٣).
الاحتمال الثاني: أن يُراد من الظهور الأصغر هو ظهوره الابتدائي لخاصَّة شيعته في المدينة المنوَّرة، الأمر الذي سيعلم به السفياني، وسيُرسِل على إثره جيشاً جرّاراً ليفتك بالحجَّة المنتظر، وعلى هذا الأساس سيخرج المهدي (عليه السلام) من المدينة إلى مكّة المكرَّمة، ويتبعه جيش السفياني فيُخسَف به في البيداء.
ويدخل ضمن هذا الاحتمال ظهوره (عليه السلام) في مكّة لأصحابه قبل ظهوره العلني العامّ بعدَّة أيّام، ولعلَّها بعدَّة أسابيع.
تنبيه:
علينا أن نُحيي قلوبنا بذكر الإمام المهدي (عليه السلام) اليوم وغداً وكلَّ يوم، ولا ننتظر أن تقع الصيحة لنفعل ذلك، فإنَّ العلامات هي لتنبيه الغافلين، ولا أظنُّ أنَّ أحداً من المؤمنين يُحِبُّ أن يكون غافلاً، فالمؤمن كيِّس فطن، لا تهجم عليه اللوابس.
(٩٤) عاصمة المهدي (عليه السلام)
ذكرت الروايات الشريفة أنَّ مركز حكم الإمام (عليه السلام) أو قل: عاصمة دولته، هي الكوفة المقدَّسة، فقد ورد أنَّ المفضَّل بن عمر سأل الإمام الصادق (عليه السلام) فقال له: يا سيِّدي، فأين تكون دار المهدي، ومجتمع المؤمنين؟ قال (عليه السلام): «دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها...»(٣٠٤).
أمَّا عن سبب اختياره لخصوص هذه المدينة، فنحن وبعد إيماننا بعصمة الإمام المهدي (عليه السلام) الأمر الذي يستلزم القول بأنَّ اختياره لها لا بدَّ أن تكون له حكمة بالغة، وإن خفيت علينا، لكن مع ذلك يمكن استكشاف شيء من تلك الحكمة من خلال بيان شيء عن الكوفة غيبياً وتاريخياً.
أمَّا من الجانب الغيبي، فإنَّ هناك العديد من الروايات الشريفة التي تشير وتؤكّد على أنَّ للكوفة فضلاً على سائر البقاع، وعلى أنَّها من البلدان الطيِّبة، وأنَّها من أراضي الجنَّة.
فعن أبي أُسامة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «الكوفة روضة من رياض الجنَّة فيها قبر نوح وإبراهيم (عليهما السلام)، وقبور ثلاثمائة نبيّ وسبعين نبيّاً وستمائة وصيّ وقبر سيِّد الأوصياء أمير المؤمنين (عليه السلام)»(٣٠٥).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ الله احتجَّ بالكوفة على سائر البلاد، وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد...»(٣٠٦).
وغيرها من الروايات الكثيرة في هذا المجال، هذا فضلاً عن الروايات العديدة في فضل مساجدها والصلاة فيها، وأنَّها من أماكن التخيير في الصلاة، وأنَّ من أرادها من الجبابرة بسوء قصمه الله، ففي نهج البلاغة: «كَأَنِّي بِكِ يَا كُوفَةُ تُمَدِّينَ مَدَّ الأَدِيمِ الْعُكَاظِيِّ، تُعْرَكِينَ بِالنَّوَازِلِ، وَتُرْكَبِينَ بِالزَّلَازِلِ، وَإِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّه مَا أَرَادَ بِكِ جَبَّارٌ سُوءاً إِلَّا ابْتَلَاه اللهُ بِشَاغِلٍ ورَمَاه بِقَاتِلٍ»(٣٠٧).
وهذا كلّه يعني أنَّ للكوفة أثراً تكوينياً مهمّاً عند الله تعالى، ممَّا يعني وجود حكمة مهمَّة عنده جلَّ وعلا جعلته يأمر بأن تكون الكوفة عاصمة لدولة الإمام المهدي (عليه السلام).
أمَّا من الجانب التاريخي، فإنَّ الشواهد التاريخية الكثيرة تؤكّد على أنَّ الكوفة كانت ولا زالت من أهمّ أماكن تواجد الشيعة المخلصين، رغم ما مرَّ بها من محن وانتكاسات في بعض الأحيان.
فعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ ولايتنا عُرِضَت على السماوات والأرض والجبال والأمصار ما قبلها قبول أهل الكوفة»(٣٠٨).
وورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «... والكوفة حرم الله وحرم رسوله وحرم عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، الصلاة فيها بألف صلاة، والدرهم فيها بألف درهم»(٣٠٩).
ولذا فقد اختارها أمير المؤمنين (عليه السلام) عاصمةً لدولته دون غيرها من المدن، واختارها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) كذلك قبل الصلح، واختارها الإمام الحسين (عليه السلام) على غيرها من الخيارات المتاحة له آنذاك، كاليمن وأعالي الحجاز ومكّة وغيرها.
على أنَّ التاريخ يشهد أنَّ الكوفة بقيت على تشيّعها رغم ما مرَّ بها من مآسي، ورغم قصد الطغاة لها دائماً، وهي بهذا تختلف عن مدن عُرِفَت بالتشيّع لكن ما أن داهمها الخطر حتَّى نزعت ثوب التشيّع كمصر، فإنَّها كانت يوماً ما عاصمة للدولة الفاطمية، ولكن ما أن دخلها صلاح [خراب] الدين وخرَّب أراضيها وقتل أهلها وأحرق مكتباتها حتَّى تحوَّلت إلى المذهب الشافعي السُّنّي...، علماً أنَّ الدماء التي أُريقت في مصر لا يمكن قياسها بما أُريق في الكوفة من دماء!
هذا فضلاً عن أنَّ الكوفة ستكون هدفاً للقوى المتعدّدة في عصر الظهور، فيقصدها السفياني من جانب، ويقصدها اليماني والخراساني من جانب آخر، لأنَّ السيطرة عليها تعني السيطرة على فئة مهمَّة من الناس كان لهم الدور البارز على مسرح الأحداث وتحديد مجرى التاريخ منذ الصدر الأوَّل للإسلام.
لهذا وذاك سيختارها الإمام المهدي (عليه السلام) لتكون عاصمةً لدولته المباركة.
والله تعالى هو العالم بحقائق الأُمور.
(٩٥) كيف سيموت الإمام المهدي (عليه السلام)؟
حيث إنَّ هذا الأمر مستقبلي، فلا نملك فيه إلَّا مطالعة الروايات الشريفة، وبمطالعتها نلاحظ التالي:
أوَّلاً: وردت رواية ذكرت موته (عليه السلام) من دون ذكر أيِّ سبب لذلك.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦]، قال: «خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه، عليهم البيض المذهَّب، لكلِّ بيضة وجهان، المؤدّون إلى الناس أنَّ هذا الحسين قد خرج، حتَّى لا يشكُّ المؤمنون فيه، وأنَّه ليس بدجّال ولا شيطان، والحجَّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين (عليه السلام) جاء الحجَّة الموت، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه ويُحنِّطه ويلحده في حفرته الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ولا يلي الوصيَّ إلَّا الوصيُّ»(٣١٠).
ثانياً: اشتهر على الألسن أنَّه (عليه السلام) يموت مقتولاً، حيث تقتله امرأة ذات لحية.
ومصدر هذا الأمر هو ما ورد في كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب): (... فإذا تمَّت السبعون السنة أتى الحجَّة الموت، فتقتله امرأة من بني تميم اسمها سعيدة، ولها لحية كلحية الرجل، بجاون صخر من فوق سطح وهو متجاوز في الطريق، فإذا مات تولّى تجهيزه الحسين...)(٣١١).
وهذه القصَّة ليست رواية واردة عن أهل البيت (عليهم السلام)، بل هي نقل عن بعض العلماء، ولا نعرف أنَّه استند إلى كلام معصوم، ولو كان هذا الأمر صحيحاً لذكرته مجاميعنا الحديثية، ولكن لا ذكر له في غير هذا المصدر، فلا يُطمَئنُّ بالركون إليها.
ثالثاً: ما ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّه قال في مرضه الذي توفّي فيه: «... والله إنَّه لعهد عهده إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنَّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، ما منّا إلَّا مسموم أو مقتول...»(٣١٢).
فهذه الرواية، تعطي قاعدة عامَّة لكيفية وفاة الأئمَّة (عليهم السلام) عموماً، فإذا نظرنا إلى الواقع التأريخي للأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّه لم يمت واحد منهم إلَّا مسموماً أو مقتولاً، ترجَّح كون الإمام المهدي (عليه السلام) سيموت مقتولاً، لكن من دون بيان كيفية ذلك القتل.
(٩٦) أين يُدفَن المهدي (عليه السلام) بعد موته؟
من الواضح أنَّ مثل هذا الأمر هو من الأُمور المستقبلية التي لا مكان للتكهّنات في مجال الجواب عنها، فعلينا أن نرجع إلى روايات المستقبل لنعرف هل ذكرت هذا الأمر أم لا؟
وبمراجعة الروايات الشريفة نجد التالي:
أوَّلاً: لقد ذكرت الروايات الشريفة من يقوم بتجهيز الإمام المهدي (عليه السلام) من غسل وتكفين وإنزال في قبره.
فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين (عليه السلام) جاء الحجَّةَ الموتُ، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه ويُحنِّطه ويلحده في حفرته الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ولا يلي الوصيَّ إلَّا الوصيُّ»(٣١٣).
ولكن هذه الرواية لم تُعيِّن مكان الدفن، فلا تنفعنا في تحديده.
ثانياً: قد يقال بأنَّه يُدفَن في كربلاء، ولكنَّه من دون دليل ولا مرجِّح.
ثالثاً: قد يقال بأنَّ المهدي يُدفَن في النجف الأشرف، باعتبار أنَّ عاصمة دولته هي الكوفة(٣١٤)، وأنَّ منزله سيكون في مسجد السهلة(٣١٥).
وهذا الأمر وإن كان محتملاً، لكن لا يمكن الجزم به، لعدم صراحة ما ذُكِرَ على هذا المعنى.
تنبيه:
إنَّ مثل هذه المعرفة تدخل في مجال المعرفة الكمالية التي لا تضرُّ من جهلها، وليست هي من المسائل التي يترتَّب عليها أثر عملي ينفع المنتظرين والممهِّدين للظهور، وبالتالي، فلا داعي لإتعاب النفس فيها أكثر من اللازم.
(٩٧) كيف سيحكم بالحقّ؟
ما هي الوسائل التي يستعملها الإمام في سبيل تحقيق الحقِّ؟
حسب الروايات الشريفة، فإنَّ هناك عدَّة أُمور ستكون عنده (عليه السلام) سيحكم من خلالها بالحقِّ والعدل:
الأمر الأوَّل: أنَّه (عليه السلام) معصوم، والمعصوم في الوقت الذي لا يتطرَّق لحكمه الخطأ أو الاشتباه أو النسيان، كذلك يمكنه أن يعلم الشيء متى أراد، هكذا أراد الله تعالى لهم (عليهم السلام)، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً علَّمه الله ذلك»(٣١٦).
الأمر الثاني: أنَّ عنده علماً لدنّياً إلهياً، يستطيع من خلاله أن يعرف الأُمور التي يُخفيها المتَّهمون، وبذلك لا يكون عند المتَّهم حجَّة ليُخفي حقيقة الأمر، وهو ما عبَّرت عنه الروايات الشريفة بأنَّه (عليه السلام) يحكم بحكم آل داود، ولا يسأل الناس البينة.
قال أبو عبد الله (عليه السلام) في حديث له: «... هذا المهدي يقضي بقضاء آل داود، لا يسأل عليه بيِّنة»(٣١٧).
الأمر الثالث: التوسُّم، وهو العلم الذي يستطيع من خلاله معرفة الإنسان الصالح من الطالح، كما ورد في الرواية الشريفة، فقد ورد عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا قام القائم (عليه السلام) لم يقم بين يديه أحد من خلق الرحمن إلَّا عرفه صالح هو أم طالح، لأنَّ فيه آية للمتوسِّمين، وهي لبسبيل مقيم»(٣١٨).
الأمر الرابع: أنَّ الظلم لا يُتوقَّع منه (عليه السلام)، لأنَّ وقوع الظلم لا بدَّ له من سبب، وسببه إمَّا الجهل بالظلم، أو الحاجة إلى الظلم، أو الاضطرار إلى الظلم، أو العبثية، وكلُّ هذه الأُمور ممتنعة على الإمام (عليه السلام)، فهو العالم، والذي سيكون على رأس الدولة، فلا يضطرُّه أحد إلى فعل من الأفعال، وليس مضطرّاً إلى الظلم، لأنَّ عنده من العدل ما يسع الكلَّ، ولا عبث في تصرّفاته (عليه السلام).
(٩٨) كيف نُسلّم عليه إذا ظهر؟
ليس بالأمر الصعب أن تجد كيفية السلام عليه في الروايات الشريفة، إنَّما المهمُّ أن نتعرَّف على دلالات ذلك السلام الوارد فيها.
عن عمر بن زاهر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله رجل عن القائم يُسلَّم عليه بإمرة المؤمنين؟ قال: «لا، ذاك اسم سمّى الله به أمير المؤمنين (عليه السلام)، لم يُسَمَّ به أحد قبله ولا يتسمّى به بعده إلَّا كافر»، قلت: جُعلت فداك، كيف يُسلَّم عليه؟ قال: يقولون: «السلام عليك يا بقيَّة الله»، ثمّ قرأ: «﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٦]»(٣١٩).
وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «فمن بقي منكم حتَّى يراه فليقل حين يراه: السلام عليكم يا أهل بيت الرحمة والنبوَّة ومعدن العلم وموضع الرسالة»(٣٢٠).
في هاتين الروايتين العديد من اللفتات والنكات، نذكر منها:
أوَّلاً: أنَّ أسماء الأولياء وصفاتهم هي هبات من الله تعالى، تكشف عن عظيم مقاماتهم، وهي كمقاماتهم أُمور جعلية من الله تعالى، فإمامتهم وخلافتهم للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلّها من الله تعالى.
عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: لِمَ سُمّي أمير المؤمنين؟ قال: «الله سمّاه، وهكذا أنزل في كتابه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وأنَّ محمّداً رسولي، وأنَّ عليّاً أمير المؤمنين؟»(٣٢١).
ثانياً: ولا ينافي هذا أن يُسمّي المحبّون أولادهم بأسماء أهل البيت (عليهم السلام)، بمعنى أن تُلاحِظ معنى الاسم مرتبطاً بأهل البيت (عليهم السلام) لتكشف عن حبِّك وولاءك لهم.
ثالثاً: وقد يقال: هل يجوز لأحد أن يُلقِّب نفسه بأمير المؤمنين تيمّناً بلقب الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟
والجواب: قد بيَّنت الرواية الأُولى أنَّ لقب أمير المؤمنين هو هبة من الله تعالى لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا يجوز لأحد أن يتلقَّب به مهما كان، أي حتَّى وإن كان من أهل البيت أنفسهم، ولذا فالإمام المهدي (عليه السلام) رغم أنَّه الإمام المفترض الطاعة من الله تعالى، ولكنَّه لا يُلقِّب نفسه بذلك اللقب.
ويؤيِّد هذا المعنى بعض الروايات، فعن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فأنت يا عليُّ أمير مَنْ في السماء، وأمير مَنْ في الأرض، وأمير مَنْ مضى، وأمير مَنْ بقي، ولا أمير قبلك، ولا أمير بعدك، إنَّه لا يجوز أن يُسمّى بهذا الاسم من لم يسمِّه الله تعالى به»(٣٢٢).
رابعاً: أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو الممثِّل الرسمي اليوم لأهل بيت الرحمة (عليهم السلام)، حيث تتجلّى الرحمة الإلهية في عطفه وحنوّه على شيعته، وهو أصل العلم ومنبعه، وهو الموضِّح والمبيِّن للرسالة المحمّدية، وتعبيراً عن هذا المعنى يمكنك أن تُسلِّم عليه (عليه السلام) بصيغة: «السلام عليكم يا أهل بيت النبوَّة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة وبيت الرحمة ومعدن العلم»(٣٢٣)، أو تُسلِّم عليه بما قاله الإمام الصادق (عليه السلام): «السلام عليك يا بقيَّة الله»(٣٢٤).
(٩٩) كيف يتمُّ التوفيق بين علامية العلامات ووضوحها وبين فجائية الظهور؟
الجواب الأوَّل: أنَّ المباغتة إنَّما تكون للعدوِّ، أمَّا الموالي، فلا ضرورة لتحقّق المباغتة معه، بل الاستراتيجية الحربية تقتضي أن يكون الصديق والموالي على علم مسبق بساعة الصفر، حتَّى يكون له يد في إحداث المباغتة للعدوِّ. بل تؤكّد الروايات على وضوح أمر أهل البيت (عليهم السلام) كوضوح الشمس.
ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام) للمفضَّل بن عمر عندما بكى من اختلاف الرايات واشتباهها وخوفه من عدم معرفة الحقِّ: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قال المفضَّل: نعم، فقال (عليه السلام): «والله لأمرنا أضوء منها»(٣٢٥).
الجواب الثاني: أنَّ الروايات وإن أشارت إلى علامات الظهور، إلَّا أنَّها في الوقت ذاته أكَّدت على أنَّ العلامات إنَّما تكون علامات ملفتة للنظر لمن كانت عنده معرفة مسبقة وإيمان مستقرّ بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، وإلَّا، فمن دون معرفة مسبقة وإيمان مستقرّ، قد تحدث العلامات، وتحدث معها ردّات فعل لكنَّها مؤقَّتة، لا تدوم طويلاً، وما تفتؤ تحدث حتَّى تُنسى، وبالتالي، سيكون عنصر المباغتة محفوظاً من جهة الأعداء والجهّال بالقضيَّة المهدوية.
عن زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون»، قلت: فمَنْ يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أُميَّة -»، قلت: فمَنْ يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنَّهم هم المحقّون الصادقون»(٣٢٦).
الجواب الثالث: أنَّ العلامات وإن كانت ملفتة للنظر، ولكن عنصر المباغتة سيبقى محافظاً على وجوده، باعتبار أنَّ هناك ظروفاً موضوعية ستؤدّي إلى اختلال أفكار الناس، بحيث يحارون في أمرهم، وقد يصل الأمر بهم إلى تناسي تلك العلامات والانشغال بتلك الظروف.
وتلك الظروف تتمثَّل في كثرة الفتن والاختبارات والمحن، إلى الحدِّ الذي يصل الأمر بالحكيم إلى أن يتيه فكره ويحار لبُّه، بالإضافة إلى تتابع دعاوى المهدوية الباطلة، ممَّا يُقلِّل من أثر تلك العلامات لانشغال الناس بتلك الظروف.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلّهم يدعو إلى نفسه»(٣٢٧).
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تقوم الساعة حتَّى يخرج نحو من ستّين كذّاباً، كلّهم يقول: أنا نبيٌّ»(٣٢٨).
(١٠٠) ما هو موقفنا اتّجاه السفياني؟
من الثوابت الإسلاميَّة التي لا يمكن إنكارها هي قداسة الدفاع عن الوطن والعرض والنفس.
وهذا الثابت لا يتغيَّر الموقف فيه عندما يبدأ السفياني بالتحرّك، فمن الواضح جدّاً أنَّ تكليفنا سيكون هو المقاومة والردع حتَّى يرجع إلى ورائه القهقرى.
وهذا التكليف ينتج لنا التالي:
أوَّلاً: ضرورة اتِّحاد المؤمنين ضدَّ العدوّ (السفياني)، بقيادة المرجعيات الموثوقة على الدين في بدايات ظهوره، وتحت راية المهدي المنتظر (عليه السلام) بعد أن يأذن الله تعالى له بالظهور.
ثانياً: أنَّ ما ذكرته الروايات الشريفة من أفعال شنيعة للسفياني بشيعة عليٍّ (عليه السلام) ليس من النوع المحتوم، فإذا ما التزم المؤمنون بما عليهم من تكليف ضدَّ السفياني، فإنَّه سوف يرتدع لا محالة، كما ارتدع (داعش)، وسوف لن يقع القتل والتشريد في شيعة عليٍّ (عليه السلام).
ثالثاً: ومنه يتَّضح أنَّ ما ذكره أهل البيت (عليهم السلام) من روايات في أفعال السفياني، إنَّما ذكروه من باب التحذير لشيعتهم من عدوِّهم، حتَّى يستعدّوا له تمام الاستعداد، ولا يثقوا بوعوده المزيَّفة، فلا نندم بعد التحذير.
(١٠١) ما هو نوع السلاح الذي سيظهر به الإمام المهدي (عليه السلام)؟
الجواب:
لقد وردت روايات عديدة تُصرِّح بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقوم بالسيف، من قبيل التالي:
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا يظهر إلَّا بالسيف»(٣٢٩).
ويمكن القول:
إنَّ القرآن الكريم والرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) كانت لهم طريقة معيَّنة في إلقاء الخطابات الشرعية وروايات المستقبل، وتلك الطريقة لا شكَّ أنَّها اتَّصفت بالخطاب الذي يتناسب مع أفهام المخاطَبين وحدودهم العلمية، وإن كان هناك في بعض الأحيان إشارات لمفاهيم ومعانٍ علمية مستقبلية أوسع بكثير ممَّا كان يفهمه المخاطَبون في عصر النصِّ.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ما كلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العباد بكنه عقله قطُّ»، وقال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنّا معاشر الأنبياء أُمِرْنا أن نُكلِّم الناس على قدر عقولهم»(٣٣٠).
ومن هنا نجد أنَّ الروايات الشريفة ذكرت أسلحة البرِّ والبحر، ولم تذكر سلاح الجوّ رغم أنَّ المتكلِّم عالم بما ستؤول إليه حالة الأسلحة وتطوّرها.
ومن هنا، يتَّضح لنا جليّاً السبب في تعبير أهل البيت (عليهم السلام) عن سلاح الإمام المهدي (عليه السلام) بأنَّه يخرج بالسيف، فما ذاك إلَّا لأنَّ السيف هو رمز القوَّة والغلبة على مرِّ العصور.
وإلَّا فتصوَّروا دهشة وحيرة أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام) في ذلك العصر لو كان أهل البيت (عليهم السلام) أخبروهم بأنَّ المهدي يخرج مثلاً بدبّابة من طراز كذا! أو أنَّ عنده مسدَّس ليزر قدرته كذا! أو أنَّ طائراته أسرع من لمح البصر!
وبعبارة واضحة: نحن نعتقد أنَّ الإمام (عليه السلام) سيظهر بأسلحة أقوى بكثير ممَّا هو معروف اليوم، أسلحة لا تقاوم ما هو موجود اليوم وحسب، وإنَّما تنتصر عليه أيّما انتصار.
أمَّا أنَّه يرجع إلى عصر السيف (بالمعنى الحقيقي)، فهو رجوع بالحضارة إلى الوراء، وهو ممَّا لا يتناسب مع عصر العلم الذي سيُفجِّره الإمام (عليه السلام) بصورة لم يسبق لها مثيل، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «العلم سبعة وعشرون جزءاً فجميع ما جاءت به الرسل جزءان فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزءين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزءين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين جزءاً»(٣٣١).
وهكذا ما قد يقال من أنَّه عندما يخرج بالسيف فإنَّه وبإشارة واحدة من سيفه فإنَّه سيوقف جميع أجهزة الاتِّصالات، وسيوقف عمل جميع الأسلحة، ولو أُطلقت عليه قوَّة غاشمة صاروخاً فإنَّه سيُرجِعه على المنصَّة التي انطلق منها بإشارة من سيفه، فكلُّ ذلك هو مجرَّد تخرّصات، وكلام مضحك للثكلى، وألفاظ لا دليل عليها أبداً.
إشارة:
إذا أبى البعض إلَّا التمسّك بظاهر الروايات الواردة في السيف، فيمكن القول: إنَّ الإمام (عليه السلام) سيظهر بالسيف حقيقةً - سيف ذي الفقار -، ولكن يظهر به من باب أنَّه من المواريث المهمَّة لديه، للدلالة على ارتباط قيامه المبارك بأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي يُمثِّل الإسلام المحمّدي الأصيل، فيقوم بأحدث التقنيّات، لكنَّه يرتدي ذلك السيف، وهذا الأمر طبيعي جدّاً، بل نرى اليوم أنَّ الكثير من الرؤساء من يرتدي شيئاً يُمثِّل ارتباطه بقوميته أو بدينه أو حتَّى ببلده، رغم امتلاكه أنواع الأسلحة الحربية للقتال.
(١٠٢) ما هو دور الفقهاء في زمن ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)؟
لا يشكُّ أحد في الدور المهمِّ الذي يقوم به الفقهاء زمن الغيبة الكبرى، متمثِّلاً في بيان الأحكام الشرعية للمؤمنين، وربطهم بأهل البيت (عليهم السلام) وبالمذهب الحقِّ، بالإضافة إلى الدفاع عن العقائد الحقَّة، وعن بيضة الإسلام إذا هدَّدتها الأخطار.
ولا شكَّ بأنَّ هؤلاء الفقهاء الحافظين للمذهب والشريعة في زمان الغيبة، سيكونون أنصاراً وأعواناً للإمام (عليه السلام) عند ظهوره.
ولا يصحُّ أن يرد على البال أنَّ الإمام سيعتمد أهل الجهل ويترك أهل العلم، في حين أنَّ القرآن الكريم والروايات الشريفة فضلاً عن العقل يأمر بالتمسّك بأهل العلم والركون إليهم وتجنّب أهل الجهل وترك الركون إليهم، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩).
وبعبارة أُخرى: إنَّ دور الفقهاء في زمن الظهور سيكون نفس دورهم في زمن المعصوم (عليه السلام)، ودورهم في زمن المعصوم كان عبارة عن استنباط الأحكام الشرعية من الروايات الكلّية والأدلَّة الشرعية التي سمعوها عن المعصوم أو ممَّن سمعها عن المعصوم وتطبيقها على الوقائع الحادثة ليعرفوا حكم المسألة المطروحة.
وهكذا في زمن الغيبة، سوى أنَّ المرجع يأخذ الروايات من الكتب الحديثية المعتمدة وفق شروط خاصَّة، وعملية الأخذ تلك تخضع لشروط خاصَّة، وتستدعي إتقان أنواع عديدة من العلوم حتَّى يصل إلى مرحلة يستطيع معها استنباط - أي استخراج - الأحكام الشرعية من تلك الروايات بالإضافة إلى آيات القرآن الكريم.
وهذا الدور نفسه سيبقى زمن الظهور المبارك، وسيكون مرجعهم المباشر هو الإمام المهدي (عليه السلام)، وهم بدورهم سيُمثِّلون المبيِّن للأحكام الشرعية كما كانوا في زمن الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
ما هو الدليل على أنَّه كان هناك دور للفقهاء في زمن المعصوم (عليه السلام)؟
عند مطالعة الروايات الشريفة نجد أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كانوا يُرجِعون شيعتهم إلى العلماء العارفين بأحاديثهم زمن حضورهم، وهذا منهم كان من باب: ﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
ممَّا يعني إمكان الرجوع إليهم إذا كانوا فقهاءً في دينهم.
والروايات في هذا المجال كثيرة، نذكر منها التالي:
أوَّلاً: ما ورد في ذلك في زمن النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
روي في قصَّة بيعة العقبة: قال ابن إسحاق: (فلمَّا انصرف عنه القوم بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معهم مصعب بن عمير...، وأمره أن يُقرئهم القرآن ويُعلِّمهم الإسلام ويُفقِّههم في الدين)(٣٣٢).
وروي أنَّه بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عمرو بن حزم والياً على بني الحارث ليُفقِّههم في الدين ويُعلِّمهم السُّنَّة ومعالم الإسلام(٣٣٣).
ثانياً: ما ورد في ذلك في زمن أمير المؤمنين (عليه السلام):
وهو ما كتبه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى قُثَم بن عبّاس حين ما ولّاه: «وَاجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ، فَأَفْتِ المُسْتَفْتِيَ، وَعَلِّمِ الْجَاهِلَ، وَذَاكِرِ الْعَالِمَ»(٣٣٤).
ثالثاً: ما ورد في ذلك في زمن الأئمَّة المعصومين بعد أمير المؤمنين (عليه السلام):
١ - الإمام الباقر (عليه السلام):
قال (عليه السلام) لأبان بن تغلب: «اُجلس في مسجد المدينة وأفتِ الناس، فإنّي أُحِبُّ أن يُرى في شيعتي مثلك»(٣٣٥).
٢ - الإمام الصادق (عليه السلام):
عن معاذ بن مسلم النحوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «بلغني أنَّك تقعد في الجامع فتُفتي الناس؟»، قلت: نعم، وأردت أن أسألك عن ذلك قبل أن أخرج. إنّي أقعد في المسجد فيجيء الرجل فيسألني عن الشيء، فإذا عرفته بالخلاف لكم أخبرته بما يفعلون. ويجيء الرجل أعرفه بمودَّتكم وحبِّكم، فأُخبره بما جاء عنكم. ويجيء الرجل لا أعرفه ولا أدري من هو، فأقول: جاء عن فلان كذا، وجاء عن فلان كذا، فأُدخل قولكم فيما بين ذلك. فقال لي: «اصنع كذا، فإنّي كذا أصنع»(٣٣٦).
وعن سليمان بن خالد، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ما أجد أحداً أحيا ذكرنا وأحاديث أبي (عليه السلام) إلَّا زرارة، وأبو بصير ليث المرادي، ومحمّد بن مسلم، وبريد بن معاوية العجلي. ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا. هؤلاء حفّاظ الدين وأُمناء أبي على حلال الله وحرامه...»(٣٣٧).
٣ - الإمام الرضا (عليه السلام):
عن محمّد بن عيسى، قال: حدَّث الحسن بن عليِّ بن يقطين بذلك أيضاً، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جُعلت فداك، إنّي لا أكاد أصل إليك أسألك عن كلِّ ما أحتاج إليه من معالم ديني، أفيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني؟ فقال: «نعم»(٣٣٨).
وعن عليِّ بن المسيّب، قال: قلت للرضا (عليه السلام): شقَّتي بعيدة، ولست أصل إليك في كلِّ وقت، فممَّن آخذ معالم ديني؟ فقال: «من زكريا بن آدم القمّي المأمون على الدين والدنيا»، قال عليُّ بن المسيّب: فلمَّا انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمَّا احتجت إليه»(٣٣٩).
٤ - الإمام الهادي (عليه السلام):
وهنا، بدأت فكرة الرجوع إلى الفقهاء الثقات تتبلور أكثر، وتصبح عملية أكثر، من خلال إرجاع الإمام الهادي (عليه السلام) الشيعة إلى عثمان بن سعيد الذي كان ثقةً مأموناً عنده (عليه السلام).
عن أحمد بن إسحاق، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) وقلت: من أعامل، أو عمَّن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون»(٣٤٠).
٥ - الإمام العسكري (عليه السلام):
وقد اتَّخذ طابع الإرجاع إلى الفقهاء هنا مستوى أعمق على المستوى العملي، من خلال إرجاع الإمام الشيعة للسفيرين الأوَّلين، وقد كانا أتباعاً مخلصين وفقهاء مأمونين عند الإمام العسكري (عليه السلام).
عن أحمد بن إسحاق أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك(٣٤١)، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنَّهما الثقتان المأمونان...»(٣٤٢).
(١٠٣) ما هي الخطوات التي خطاها الإمام المهدي (عليه السلام) ليُرجِع الشيعة إلى الفقهاء زمن غيبته؟
وهنا خطوتان:
الخطوة الأُولى: زمن الغيبة الصغرى: تعيين السفراء الخاصّين:
عندما غاب الإمام المهدي (عليه السلام) غيبته الصغرى، صارت معرفة الأحكام الشرعية من خلال الرجوع إلى السفراء الأربعة وعلى مدار ما يقرب من سبعين سنة، حيث تمَّ تعيين السفراء بأشخاصهم من قِبَل الإمام شخصياً، وهذا ما يُميِّز السفير والنائب الخاصّ عن العامّ، فإنَّ السفير هو من يُعيِّنه الإمام نفسه بشخصه لا بصفته.
وهذا المعنى هو ما دلَّت الروايات الشريفة على عدم وقوعه بعد انتهاء الغيبة الصغرى إلى أن يخرج السفياني وتحدث الصيحة، ففي توقيع الإمام المهدي (عليه السلام) لسفيره الرابع في آخر أيّام حياته ورد:
«... وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر...»(٣٤٣).
وعليه، فكلُّ من ادَّعى السفارة الخاصَّة عن الإمام المهدي (عليه السلام) بهذا المعنى قبل أن تقع الصيحة ويخرج السفياني فنحكم بتكذيبه من دون تردّد.
الخطوة الثانية: في زمن الغيبة الكبرى: تعيين الفقهاء بصفاتهم:
وعندما انتهت الغيبة الصغرى كانت فكرة الرجوع إلى الفقهاء المأمونين قد ترسَّخت في أذهان العامَّة - رغم وجودها في الأزمنة السابقة، حيث كان المعصومون حاضرين ظاهرين - بحيث صارت أمراً طبيعياً من خلال الروايات التي عيَّنت الفقهاء الذين يمكن الرجوع إليهم تعييناً من خلال الصفة لا الشخص.
وهذا ما ورد على لسان الإمام المهدي (عليه السلام) في توقيعه الشريف: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(٣٤٤).
بل نجد أنَّ هذا التعيين الصفتي قد بدأ من زمن الإمام العسكري (عليه السلام) حيث قال: «فأمَّا من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوامِّ أن يُقلِّدوه...»(٣٤٥).
بل ومن زمن الإمام الهادي (عليه السلام)، فقد ورد أنَّه قال (عليه السلام): «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلَّا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسِكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يُمسِك صاحب السفينة سكّانها، أُولئك هم الأفضلون عند الله (عزَّ وجلَّ)»(٣٤٦).
(١٠٤) ما هو الأصعب؟
هل ما واجهه النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الناس كان أصعب، أم ما سيواجهه الإمام المهدي (عليه السلام)؟
الجواب:
رغم الظروف الصعبة التي مرَّ بها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من القوم الذين بُعِثَ فيهم، حيث كانوا يعيشون حياةً هي أقرب إلى حياة الغاب، وكما عبَّر عن ذلك جعفر بن أبي طالب (عليهما السلام) أمام ملك الحبشة عندما قال له: (أيّها الملك كنّا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا الضعيفَ)(٣٤٧).
ورغم أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ما أُوذي نبيٌّ مثل ما أُوذيت»(٣٤٨).
ورغم السنوات الطوال ولفترة الـ (٢٣) سنة، التي قضاها النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام.
إلَّا أنَّه وبالرغم من كلِّ ذلك، تأتي الروايات الشريفة لتذكر حقيقة غريبة مُرَّة المذاق، عن المجتمع الذي سيخرج فيه الإمام المهدي (عليه السلام)، بحيث سيكون ما يواجهه المهدي أشدّ ممَّا واجهه جدّه النبيُّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ قائمنا إذا قام استقبل من جهل الناس أشدّ ممَّا استقبله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من جهّال الجاهلية»، قلت: وكيف ذاك؟ قال: «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتى الناس وهم يعبدون الحجارة والصخور والعيدان والخشب المنحوتة، وإنَّ قائمنا إذا قام أتى الناس وكلّهم يتأوَّل عليه كتاب الله يحتجُّ عليه به»، ثمّ قال: «أمَا والله ليدخلنَّ عليهم عدله جوف بيوتهم كما يدخل الحرّ والقرّ»(٣٤٩).
وفي رواية أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ صاحب هذا الأمر لو قد ظهر لقي من الناس ما لقي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأكثر»(٣٥٠).
وعن محمّد بن أبي حمزة، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنَّ القائم (عليه السلام) يلقى في حربه ما لم يلقَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أتاهم وهم يعبدون الحجارة المنقورة والخشبة المنحوتة، وإنَّ القائم يخرجون عليه فيتأوَّلون عليه كتاب الله ويقاتلون عليه»(٣٥١).
فعلى كلِّ مؤمن منّا أن يتَّصف، بل ويتمثَّل بصفة التسليم في كلِّ أُموره لأهل البيت (عليهم السلام) عموماً وللإمام المهدي (عليه السلام) خصوصاً، وليكن شعاره دائماً: «ِفَالْحَقُّ مَا رَضِيتُمُوه، وَالْبَاطِلُ مَا أَسْخَطْتُمُوه...»(٣٥٢)، «وَالحَقُّ مَعكُمْ وَفِيكُمْ وَمِنْكُمْ وَإِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ وَمَعْدِنُهُ...»(٣٥٣).
(١٠٥) مدَّة الدولة المهدوية

ينبغي علينا في هذا الموضوع أن نُميِّز بين أمرين:
الأمر الأوَّل: مدَّة الدولة المهدوية العادلة:
وهنا يمكن القول بأنَّ الدولة ستبقى إلى يوم القيامة، إذا لاحظنا التالي - مع الالتفات إلى أنَّ المقصود من الدولة المهدوية ما يشمل حكم الإمام المهدي (عليه السلام) وحكم الأئمَّة (عليهم السلام) في الرجعة -:
أوَّلاً: ما ورد من أنَّ دولتهم (عليهم السلام) هي آخر الدول على الأرض، ممَّا يعني عدم قيام دولة أُخرى بعدها.
عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ما يكون هذا الأمر حتَّى لا يبقى صنف من الناس إلَّا وقد ولّوا على الناس حتَّى لا يقول قائل: إنّا لو ولّينا لعدلنا، ثمّ يقوم القائم بالحقِّ والعدل»(٣٥٤).
وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(٣٥٥).
ثانياً: ما ورد من تصريح بكونها ستبقى إلى يوم القيامة، مثل الحديث القدسي الشريف:
«ولأُطَهِّرَنَّ الأرض بآخرهم من أعدائي، ولأُمَكِّنَّنَه مشارق الأرض ومغاربها، ولأُسَخِّرَنَّ له الرياح، ولأُذَلِلَنَّ له السحاب الصعاب، ولأُرَقِيَّنَّه في الأسباب، ولأنصرنَّه بجندي، ولأمدنَّه بملائكتي حتَّى تعلو دعوتي ويجتمع الخلق على توحيدي، ثمّ لأديمنَّ ملكه، ولأُداولنَّ الأيّام بين أوليائي إلى يوم القيامة»(٣٥٦).
ثالثاً: أنَّ قيام دولة أُخرى بعدها يعني رجوع الأرض إلى الظلم والجور ولو بالتدريج، وهذا خلاف ما ورد من أنَّ الأرض ستكون نهايتها بيد الصالحين، الأمر الذي يستدعي قيام مهدي آخر ليُحقِّق هذا الوعد الإلهي، ومن الواضح أنَّه لا مهدي بعد مهدي آل محمّد (عليهم السلام).
الأمر الثاني: مدَّة ملك الإمام المهدي (عليه السلام):
والروايات الواردة في هذا المجال جاءت بلفظ: «يملك القائم».
وقد اختلفت الروايات في تحديد تلك المدَّة بين سبع وثمان وتسع وتسع عشرة سنة وأشهراً وسبعين وثلاثمائة وتسع سنين.
وقد يكون سبب اختلاف الروايات في تحديد هذه المدَّة راجعاً إلى أحد الأُمور التالية:
أ - إمكان حصول البداء في هذه المدَّة.
ب - أنَّ الصحيح منها رواية واحدة في علم الله تعالى ذكرت مدَّة معيَّنة، ولكن نحن لا نعلمها لسبب وآخر.
ج - تعمّد إخفاء أهل البيت (عليهم السلام) المدَّة الحقيقية لسبب ما، ولعلَّه إشارة إلى أنَّه ليس مهمّاً طول الفترة التي يملك بها الإمام المهدي (عليه السلام)، بل المهمُّ أنَّه سيُثبِّت أركان الدولة العادلة، ليستلمها من بعده من يستمرُّ بها من دون أن يزيغ عن الحقِّ قيد أنملة.
والأرجح من هذه الروايات هي الروايات التي قالت: إنَّه يملك ثلاثمائة وتسع سنين، لأنَّها واردة في كتبنا، وأكثر الروايات الأُخر واردة في كتب العامَّة.
فعن أبي الجارود، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ القائم يملك ثلاثمائة وتسع سنين كما لبث أهل الكهف في كهفهم، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً...»(٣٥٧).
(١٠٦) ممَّن يطلب الثأر؟
قد يقول البعض: إنَّ ممَّا عُرِفَ به الإمام المهدي (عليه السلام) هو أنَّه الطالب بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)، ولذلك ورد في دعاء الندبة: «أَيْنَ الطَّالِبُ بِدَمِ المَقْتُولِ بِكَرْبَلاَء»(٣٥٨)، وورد أيضاً أنَّ واحداً من شعارات أصحابه هو: «يا لثارات الحسين»(٣٥٩).
فإذا كان المختار قد أخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام) وقتل قتلته، فممَّن يطلب المهدي الثأر؟!
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ هذا السؤال يفترض أنَّ المسألة مسألة شخصية، تنتهي بقتل الأشخاص، والحال أنَّ القضيَّة أعمق من هذا بكثير، فإنَّها قضيَّة خطّين لا يلتقيان، ونظريتين لا تجتمعان.
أشار إلى هذه الحقيقة الإمام الصادق (عليه السلام) فيما روي عنه حيث قال: «إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله، قلنا: صدق الله، وقالوا: كذب الله. قاتل أبو سفيان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقاتل معاوية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). وقاتل يزيد بن معاوية الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، والسفياني يقاتل القائم (عليه السلام)»(٣٦٠).
وهذا معناه أنَّ هذين الخطّين ما زالا على شاكلتهما، ولا ينقطعان أبداً.
ثانياً: لقد ورد في بعض الروايات أنَّ ثأر الإمام الحسين (عليه السلام) لم يتمّ أخذه بعد، فعن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١] أنَّه قال: «الحسين بن عليٍّ منهم، ولم يُنصَر بعد»، ثمّ قال: «والله لقد قُتِلَ قتلة الحسين (عليه السلام) ولم يُطلَب بدمه بعد»(٣٦١).
فيكون ما فعله المختار (رضي الله عنه) مجرَّد انتقام معجَّل من القتلة المباشرين، ولا يعني انتهاء الثأر بذلك.
ثالثاً: أنَّ الحسين (عليه السلام) يُمثِّل منهجاً عملياً نحو الإسلام المحمّدي الأصيل، فكلُّ من كان على غير خطِّه ومنهجه يُعتَبر قاتلاً له، ولذلك سيقوم الإمام المهدي (عليه السلام) بقتل كلِّ من رضي بقتله (عليه السلام) وإن لم يباشر القتل.
فقد ورد أنَّ عبد السلام بن صالح الهروي، قال: قلت لأبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام): يا بن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (عليه السلام) بفعال آبائها»؟ فقال (عليه السلام): «هو كذلك»، فقلت: فقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، ما معناه؟ فقال: «صدق الله في جميع أقواله، لكن ذراري قتلة الحسين يرضون أفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنَّ رجلاً قُتِلَ في المشرق فرضي بقتله رجل في المغرب كان الراضي عند الله شريك القاتل، وإنَّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم»(٣٦٢).
ويُقرِّر الإمام الصادق (عليه السلام) هذا المبدأ أكثر فيما روى عنه محمّد بن الأرقط حيث قال له الإمام الصادق (عليه السلام): «تنزل الكوفة؟»، قلت: نعم، قال: «ترون قتلة الحسين (عليه السلام) بين أظهركم؟»، قال: قلت: جُعلت فداك، ما بقي منهم أحداً، قال: «فأنت إذاً لا ترى القاتل إلَّا من قُتِلَ أو من ولي القتل؟! ألم تسمع إلى قول الله: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]، فأيُّ رسول قتل الذين كان محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أظهرهم، ولم يكن بينه وبين عيسى رسول، إنَّما رضوا قتل أُولئك فسمّوا قاتلين»(٣٦٣).
وهو الأمر الذي أشارت له العديد من زيارات الإمام الحسين (عليه السلام) بعنوان: «وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً سَمِعَتْ بِذلِكَ فَرِضِيَتْ بِهِ»(٣٦٤).
(١٠٧) مَن الذي يحكم الأرض بعد الإمام المهدي (عليه السلام)؟
الأمر من هذه الناحية مستقبلي، فلا يمكننا أن نجزم بشيء من عند أنفسنا.
فلا بدَّ من ملاحظة الروايات الواردة في هذا المجال:
والتحقيق أن يقال:
إنَّ الذي يحكم الأرض بعده (عليه السلام) هو جدّه الإمام الحسين (عليه السلام).
فقد قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أوَّل من تنشقُّ الأرض عنه ويرجع إلى الدنيا الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)»(٣٦٥).
وعنه (عليه السلام): «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام)، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٣٦٦).
وهذا الأمر هو ما استقرَّ عليه التحقيق من العلماء.
نعم، ادَّعى بعض المنحرفين عن الجادَّة أنَّ الذي يحكم الأرض بعده (عليه السلام) هم أولاده الذين يُسمَّون بالمهديّين، وأنَّ عددهم اثنا عشر مهدياً.
واعتمدوا على رواية رواها الشيخ الطوسي في غيبته ورد فيها: «ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهديّاً، فإذا حضرته الوفاة، فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين»(٣٦٧).
ولكن عند التحقيق يتبيَّن أنَّ هذه الرواية ضعيفة السند جدّاً، وأنَّها لا تصلح للاستدلال.
(١٠٨) موقع المعجزة من الظهور
عندما نلاحظ الحركات السماوية، نجد أنَّها جميعاً امتازت بكونها جاءت وفق القانون الطبيعي، وكانت المعجزة فيها تُمثِّل استثناءً وحالةً لا تكون إلَّا عند الحاجة القصوى إليها أو عند الحكمة الإلهية البالغة.
والشاهد على ذلك أنَّ أكثر الأنبياء قُتلوا، ولم يرحمهم أعداء الله تعالى.
روي عن أحمد بن سليمان القمّي الكوفي، قال: سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إن كان النبيُّ من الأنبياء ليُبتلى بالجوع حتَّى يموت جوعاً، وإن كان النبيُّ من الأنبياء ليُبتلى بالعطش حتَّى يموت عطشاً، وإن كان النبيُّ من الأنبياء ليُبتلى بالعراء حتَّى يموت عرياناً، وإن كان النبيُّ من الأنبياء ليُبتلى بالسقم والأمراض حتَّى تتلفه، وإن كان النبيُّ من الأنبياء ليأتي قومه فيقوم فيهم، يأمرهم بطاعة الله ويدعوهم إلى توحيد الله وما معه مبيت ليلة، فما يتركونه يفرغ من كلامه ولا يستمعون إليه حتَّى يقتلوه، وإنَّما يبتلي الله تبارك وتعالى عباده على قدر منازلهم عنده»(٣٦٨).
كلُّ ذلك لأنَّ طبيعة الحركة هي وفق القانون الطبيعي.
ولكن إذا شاءت الحكمة الإلهية أن تجري المعجزة، جرت على يدي الأنبياء سلسة سهلة لا صعوبة فيها.
وحركة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تخرج عن هذه القاعدة، فهي تجري وفق القانون الطبيعي إلَّا إذا دعت الحاجة والحكمة إلى إجراء المعجزة.
وقد ذكرت الروايات الشريفة العديد من المعجزات التي تكون إبّان أو مرافقة للظهور المقدَّس، نذكر عناوين بعض منها:
أوَّلاً: الصيحة التي ينادي بها جبرئيل ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان بأنَّ الحقَّ مع عليٍّ (عليه السلام).
ثانياً: الخسف الذي يقع بحيش السفياني في البيداء، فلا ينجو منه أحد.
ثالثاً: عدم تغيّر هيأة الإمام المهدي (عليه السلام) رغم طول عمره، وخروجه يوم يخرج شابّاً موفَّقاً.
رابعاً: الراية التي سينشرها الإمام (عليه السلام) والتي هي من نصر الله لا يهوي بها على شيء أبداً إلَّا أهلكه الله، فإذا هزَّها لم يبقَ مؤمن إلَّا صار قلبه كزبر الحديد، ويُعطى المؤمن قوَّة أربعين رجلاً.
خامساً: إذا قام القائم أذهب الله عن كلِّ مؤمن العاهة، وردَّ إليه قوَّته.
سادساً: مشي أصحابه على الماء.
سابعاً: أنَّ هناك غمامة ستُظلِّل الإمام (عليه السلام) أينما ذهب، ومنادٍ ينادي منها: «هذا مهدي آل محمّد فاتَّبعوه».
ثامناً: القضيب الذي يغرسه فيورق من ساعته.
وغيرها من المعجزات التي ذكرتها الروايات الشريفة.
وعلى كلِّ حالٍ، فقد روي أنَّه: «ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء إلَّا ويُظهِر الله تبارك وتعالى مثلها في يد قائمنا، لإتمام الحجَّة على الأعداء»(٣٦٩).
(١٠٩) هل ذنوبنا هي سبب تأخير الظهور؟
لا شكَّ أنَّ للذنوب آثاراً وخيمة على الفرد وعلى المجتمع، بل وعلى عالم التكوين، ولا شكَّ أنَّ ممَّا يمنع من تواصل الإمام المهدي (عليه السلام) معنا بالمباشرة هو ما يصدر منّا من ذنوب، فقد روي أنَّه (عليه السلام) قال:
«ولو أنَّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخَّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجَّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلَّا ما يتَّصل بنا ممَّا نكرهه ولا نُؤثِره منهم...»(٣٧٠).
ولكن هذا لا يعني أنَّ السبب الرئيسي للغيبة وطولها هي ذنوبنا، وذلك لأنَّه:
أوَّلاً: أنَّ الذنوب تُمثِّل جزء العلة للغيبة ولطولها، وهناك أجزاء أُخرى كانت وراء الغيبة، كالخوف من القتل، وكجريان سنن الأنبياء السابقين في الغيبة، وغيرها ممَّا ذكرته الروايات.
ثانياً: أنَّ العلَّة التامَّة للغيبة غير منكشفة لنا، وإذا أدركنا ظهور الإمام (عليه السلام) سنعرف العلَّة الحقيقية لها، تماماً كما كشف الخضر (عليه السلام) للنبيِّ موسى (عليه السلام) العلَّة الحقيقية لما فعله من خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار في نهاية رحلتهما وصحبتهما، وهذا ما ذكره الإمام الصادق (عليه السلام) حيث قال:
«... إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لم ينكشف وجه الحكمة فيما أتاه الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار لموسى (عليه السلام) إلى وقت افتراقهما...»(٣٧١).
ثالثاً: لا يعني هذا أن نُبرِّر لأنفسنا أن نذنب أو نتجاوز الحدود الإلهية، كلَّا، فلا شكَّ أنَّها تُؤثِّر في تأخير الظهور، بل علينا أن نعمل دوماً لمرضاة الله تعالى، وأن نتذكَّر دوماً ما قاله الإمام المهدي (عليه السلام):
«فليعمل كلُّ امرئ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يُدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة»(٣٧٢).
(١١٠) هل سيقتل علماء الشيعة!؟
يدَّعي البعض أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) إذا خرج فإنَّه أوَّل ما يبدأ بقتل علماء الشيعة.
فهل هذه الدعوى صحيحة؟
الجواب:
أوَّلاً: أنَّها دعوى بلا أيّ دليل، وعلى من يدَّعيها أن يُثبِت قوله بآية أو رواية.
ثانياً: أنَّ القرآن يؤكّد أنَّ الذي يعترض على الإمام المهدي (عليه السلام) هم فقط الكافرون والمشركون، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، وقال تعالى في آية أُخرى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (الصفّ: ٨).
والعلماء هم أهل التوحيد.
ثالثاً: البعض استدلَّ برواية: «ويسير إلى الكوفة، فيُخرج منها ستَّة عشر ألفاً من البترية، شاكّين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم، وشمَّروا ثيابهم، وعمَّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك. فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور، فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد»(٣٧٣).
ولكنَّه نسي أنَّ (البترية) هم من الزيدية، وليسوا من الشيعة الاثني عشرية.
رابعاً: والبعض قال: إنَّه يقتل من يُفتي بغير علم من العلماء!
ولكن من يُفتي بغير علم هو ليس عالماً، وإنَّما هو مدَّعي كاذب ومنافق.
خامساً: وبعد هذا، فكيف يقتلهم وهو (عليه السلام) من نصبهم حجَّة على الناس بقوله: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله عليهم»(٣٧٤).
وهم الذين مدحهم الإمام الهادي (عليه السلام) بمدح عظيم جدّاً يوم قال: «لولا من يبقى بعد غيبة قائمكم (عليه السلام) من العلماء الداعين إليه، والدالّين عليه، والذابّين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب، لما بقي أحد إلَّا ارتدَّ عن دين الله، ولكنَّهم الذين يُمسِكون أزمَّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يُمسِك صاحب السفينة سكّانها، أُولئك هم الأفضلون عند الله (عزَّ وجلَّ)»(٣٧٥).
(١١١) هل للمهدي قرآن خاصّ؟
يحاول البعض من المخالفين أن يُشنِّع على أتباع مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بأنَّ عند مهديهم قرآناً خاصّاً يختلف عن قرآن المسلمين، وبذلك يحاولون النيل من التشيّع.
فهل لهذا الأمر من واقع!؟
بعدما ارتحل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الرفيق الأعلى جلس عليٌّ (عليه السلام) - الذي كان بنصٍّ من النبيِّ أعلم الناس بالقرآن - في بيته حتَّى جمع القرآن في مصحف على ترتيب النزول، ولم يمض ستَّة أشهر من وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا كان عليٌّ (عليه السلام) قد فرغ من عمل الجمع وحمله للناس على بعير...(٣٧٦).
فلمَّا أكمله خرج به إلى المسجد وعرضه عليهم، ولكنَّهم رفضوا أن يلتزموه، فأخفاه عنهم الإمام (عليه السلام)، وقال: «لن تروه حتَّى يظهِر ولدي آخر الزمان»(٣٧٧).
ولهذا المصحف خصّيصتان:
الخصّيصة الأُولى: كان مرتَّباً على ترتيب النزول، فكان أوَّله: اقرأ، ثمّ المدَّثِّر، ثمّ نون، ثمّ المزَّمِّل، ثمّ تبَّت، ثمّ التكوير، وهكذا إلى آخر المكّي والمدني، نقله في الإتقان عن ابن فارس...(٣٧٨).
وهو بهذا يختلف عن المصحف الموجود بين أيدينا، لأنَّ الموجود عندنا اليوم مرتَّب لا على حسب النزول كما هو واضح.
ولذا روي أنَّه عندما يُخرجه الإمام المهدي (عليه السلام) فإنَّه سيكون صعباً، لتعوّد الناس على تأليف غير التأليف الذي سيُخرجه المهدي (عليه السلام).
فقد روي أنَّه «إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) ضرب فساطيط لمن يُعلِّم الناس القرآن على ما أنزل الله (جلَّ جلاله)، فأصعب ما يكون على من حفظه اليوم، لأنَّه يخالف فيه التأليف»(٣٧٩).
الخصّيصة الثانية: أنَّه يحتوي على التفسير الصحيح الذي أخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن جبرئيل (عليه السلام)، كتبه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع الآيات، أي كأنَّه كتب التفسير كحاشية للمصحف الشريف أو ما يشبه الحاشية.
وذلك لأنَّ أعلم الناس بالقرآن الكريم هو أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما روي عن عامر بن واثلة، قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على منبر الكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الله بما هو أهله، وصلّى على نبيِّه، ثمّ قال: «أيّها الناس سلوني سلوني، فوَالله لا تسألوني عن آية من كتاب الله إلَّا حدَّثتكم عنها بما نزلت، بليل أو بنهار؟ أو في مقام أو في مسير؟ أو في سهل أم في جبل؟ وفيمن نزلت: أفي مؤمن أم في منافق؟ وما عني به أخاصَّة أم عامة؟ ولئن فقدتموني لا يُحدِّثكم أحد حديثي...»(٣٨٠).
(١١٢) هل ستنتهي تسويلات النفس الأمّارة بالسوء؟
في زمن الظهور سيتحقَّق العدل.
ولكن هل سيتمُّ القضاء على النفس الأمّارة بالسوء وجميع مدافع الخطأ؟
علينا أن ننظر إلى الأمر من عدَّة جهات:
فمن جهة تذكر بعض الروايات الشريفة أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيقتل الشيطان في الكوفة.
فقد ورد عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول إبليس: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]، قال له وهب: جُعلت فداك، أيُّ يوم هو؟ قال: «يا وهب، أتحسب أنَّه يوم يبعث الله فيه الناس؟ إنَّ الله أنظره إلى يوم يُبعَث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم»(٣٨١).
ومن جهة ثانية تذكر الروايات أنَّ الإمام (عليه السلام) سيقوم بعمل محاكم لمحاسبة المقصِّرين، كما يظهر من محاسبته لبعض المقصِّرين كبني شيبة(٣٨٢)، وكالرجل الخائن الذي كان يظهر أنَّه من المقرَّبين للإمام (عليه السلام)(٣٨٣).
ومن جهة ثالثة علينا أن لا ننسى أنَّ في داخل النفس الإنسانية توجّهات سلبية بغضِّ النظر عن وجود الشيطان.
وبالتالي يمكن القول:
إنَّ الصبغة العامَّة للمجتمع الذي سيضع الإمام المهدي (عليه السلام) يده على رأسه هي الصلاح والفلاح، ولكن هذا لا يعني عدم وجود توجّهات سلبية في داخل نفوس البعض.
(١١٣) هل يُولَد في آخر الزمان؟
رغم الاتِّفاق في العديد من المفردات المتعلّقة بمهدي أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين المذاهب الإسلاميَّة، إلَّا أنَّ هناك عدَّة فروق بينها فيما يتعلَّق بالمهدي (عليه السلام).
ومنها الخلاف في كونه هو ابن الإمام العسكري (عليه السلام) الذي وُلِدَ سنة (٢٥٥هـ)، أو أنَّه رجل يُولَد في آخر الزمان.
والعامَّة - على الأقلّ معظمهم - ادَّعى أنَّه يُولَد في آخر الزمان.
ويردُّ هذه الدعوى عدَّة أُمور، نذكر منها التالي:
أوَّلاً: ليس عندهم دليل على عدم ولادته، أو على أنَّه يُولَد في المستقبل.
ثانياً: وممَّا يؤيّد أنَّه يُولَد قبل زمن ظهوره، أنَّ الروايات الواردة حول المهدي (عليه السلام) جاءت بلفظ: (يظهر في آخر الزمان)، ولا توجد ولا رواية واحدة بلفظ: (يُولَد)، ومن الواضح أنَّ (يظهر) تتناسب مع كونه غائباً قبلاً، الأمر الذي يلازم كونه مولوداً قبلاً.
ثالثاً: هذا فضلاً عن اعتراف الكثير من علمائهم بأنَّ المهدي هو ابن الإمام العسكري (عليهما السلام)، أمثال:
١ - ابن حجر الهيثمي:
حيث قال في (الصواعق المحرقة): (ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمّد الحجَّة، وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة، ويُسمّى القائم المنتظر)(٣٨٤).
٢ - ابن خلّكان:
قال في ترجمة الإمام العسكري (عليه السلام) من (وفيات الأعيان) ما نصّه: (أبو محمّد الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن عليّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، أحد الأئمَّة الاثني عشر على اعتقاد الإماميَّة، وهو والد المنتظر صاحب السرداب، ويُعرَف بالعسكري، وأبوه عليٌّ يُعرَف أيضاً بهذه النسبة...)(٣٨٥).
(١١٤) يقضي الدين ويُعطي هنيئاً
يقضُّ مضاجع أكثر الناس اليوم أمران:
الأوَّل: الرغبة في الحصول على كماليات الحياة فضلاً عن أساسياتها، والتي يمكن اختصارها برغبة التموّل (أي امتلاك المال).
الثاني: الهمُّ الناتج من الديون المتراكمة على الفرد والأُمَّة، ذلك الهمُّ الذي ينخر العظم ويذيب اللحم.
وكثير من مشاكل الحياة وصعوبتها، بل وجرائمها تنشأ عن أحد هذين الأمرين.
ومن أهمّ ملامح الدولة المهدوية، أنَّه سيتمُّ القضاء على هذين الهمّين بصورة لم يسبق لها نظير، فلا حاجة للمال لكثرته ولقناعة الناس، ولا ديون لأنَّ الإمام سيتولّى قضاء تلك الديون.
وممَّا يدلُّ على ذلك الروايات التالية:
الرواية الأُولى: قال المفضَّل للإمام الصادق (عليه السلام): يا مولاي، من مات من شيعتكم وعليه دين لإخوانه ولأضداده كيف يكون؟ قال الصادق (عليه السلام): «أوَّل ما يبتدئ المهدي (عليه السلام) أن ينادي في جميع العالم: ألَا من له عند أحد من شيعتنا دين فليذكره، حتَّى يرد الثومة والخردلة، فضلا عن القناطير المقنطرة من الذهب والفضَّة والأملاك، فيوفّيه إيّاه»(٣٨٦).
الرواية الثانية: عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنَّني بدينكم هذا لا يزال متخضخضاً يفحص بدمه، ثمّ لا يردّه عليكم إلَّا رجل منّا أهل البيت، فيُعطيكم في السنة عطاءين، ويرزقكم في الشهر رزقين...»(٣٨٧).
الرواية الثالثة: عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أُبشِّركم بالمهدي، يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلازل، فيملؤ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، يرضى به ساكن السماء، يُقسِّم المال صحاحاً»، قلنا: وما الصحاح؟ قال: «بالسويَّة بين الناس، فيملأ الله قلوب أُمَّة محمّد غنى، ويسعهم عدله، حتَّى يأمر منادياً فينادي: من له في مال حاجة؟»، قال: «فلا يقوم من الناس إلَّا رجل فيقول: أنا، فيقول له: ائت السادن - يعني الخازن(٣٨٨) -، فقل له: إنَّ المهدي يأمرك أن تعطيني مالاً، فيقول له: اُحث - يعني خذ -، حتَّى إذا جعله في حجره وأبرزه ندم، فيقول: كنت أجشع أُمَّة محمّد نفساً أوَعجز عنّي ما وسعهم؟»، قال: «فيردّه، فلا يقبل منه، فيقال له: إنّا لا نأخذ شيئاً أعطيناه»(٣٨٩).

* * *
ختامه مسك

من طبيعة الإنسان أنَّه يوازن بين أُموره، إيجاباً وسلباً، فيُقدِّم الأهمّ على المهمّ، والضارّ على الأضرّ، لأنَّ حبَّه لذاته يدفعه نحو ذلك.
وهذا أمر فطري، ويحكم به العقل من دون مانع، والشرع جرى مجرى العقلاء في ذلك.
ولا شكَّ أنَّ كلَّ مؤمن يعتقد بأنَّ من القضايا الإسلاميَّة المهمَّة هي قضيَّة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، بل الذي يظهر من بعض الروايات الشريفة أنَّها من أهمّ القضايا الإسلاميَّة على الإطلاق.
عن الحارث بن المغيرة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية»؟ قال: «نعم»، قلت: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: «جاهلية كفر ونفاق وضلال»(٣٩٠).
وهنا، دعونا نقف وقفة تأمّل مع أنفسنا.
ماذا يحصل لو عملنا على نشر الدعوة إلى الإمام المهدي (عليه السلام) بنسبة (١%) فقط من أوقاتنا، أي بمعدل نصف ساعة كلّ يومين!؟
ربَّما سيتغيَّر الكثير من الناس في نظرتهم حول الإمام المهدي (عليه السلام).
ربَّما ستتَّسع رقعة المنتظرين الحقيقيين، وبالتالي سيتحقَّق سبب مهمّ من أسباب تعجيل الظهور.
ربَّما سيتغيَّر وجه العالم الإسلامي.
ولكن، كم منّا عمل بهذه النسبة!؟
أعتقد أنَّ كثيراً من الناس وإن كانوا مؤمنين ومتديّنين، لكنَّهم لا يعطون لهذه القضيَّة إلَّا فضول أوقاتهم، وفضول جهودهم، وفضول أموالهم، وفضول تفكيرهم.
إنَّنا لا نريد أن نُقلِّل من شأن المؤمنين، ولكنَّنا نحاول أن ننتبه ونُنبِّه إلى مدى تقصيرنا في حقِّ قضيَّتنا العظمى، قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام).
وما كان منّا في هذه الأوراق هو محاولة لمليء هذه الـ (١%) فقط من أوقاتنا في هذه القضيَّة، والمأمول أن تزيد النسبة أكثر.
والله المستعان، وعليه التكلان، ومنه التوفيق.

* * *
المصادر والمراجع

القرآن الكريم.
الاحتجاج: الطبرسي/ تحقيق محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
الاختصاص: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ مط بعثت/ مؤسَّسة آل البيت/ ١٤٠٤هـ/ قم.
أدعياء المهدوية: ملحق مجلَّة (الرصد) الثالث/ حزيران ٢٠١٤م/ أحمد الفرج الله.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق مؤسَّسة آل البيت/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
إلزام الناصب: الشيخ عليّ اليزدي الحائري/ تحقيق السيِّد عليّ عاشور.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ تحقيق قسم الدراسات/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة البعثة.
الأمالي: الشيخ الطوسي/ تحقيق مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
الأمالي: الشيخ المفيد/ تحقيق الأُستادولي وعليّ أكبر الغفّاري/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي/ قم.
بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
البداية والنهاية: ابن كثير/ تحقيق عليّ شيري/ ط ١/ ١٤٠٨هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
تاج العروس: الزبيدي/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تاريخ اليعقوبي: اليعقوبي/ دار صادر/ بيروت.
تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر/ ت عليّ شيري/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تأويل الآيات الظاهرة: شرف الدين الحسيني/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مط أمير/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
تحفة الأحوذي: المباركفوري/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
تفسير ابن كثير: ابن كثير/ تحقيق يوسف المرعشلي/ ١٤١٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
التفسير الأصفى: الفيض الكاشاني/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
تفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
التفسير الكبير: الفخر الرازي/ ط ٣.
تفسير العيّاشي: العيّاشي/ تحقيق هاشم الرسولي المحلّاتي/ المكتبة العلمية الإسلاميَّة/ طهران.
تفسير القمّي: عليّ بن إبراهيم القمّي/ تحقيق طيّب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/ ط ١ محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
تفسير الميزان: السيِّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية/ قم.
تفسير فرات الكوفي: فرات بن إبراهيم الكوفي/ تحقيق محمّد الكاظم/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة طبع ونشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي/ طهران.
تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ تحقيق لجنة من العلماء/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
التمحيص: محمّد بن همّام الإسكافي/ تحقيق مدرسة الإمام المهدي/ قم.
جمال الأُسبوع: ابن طاووس/ تحقيق جواد القيّومي/ ط١/ ١٣٧١ش/ مط أختر شمال/ مؤسَّسة الآفاق.
الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ ط ١ كاملة محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي/ قم.
الخصال: الشيخ الصدوق/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرِّسين/ قم.
دعائم الإسلام: القاضي النعمان المغربي/ تحقيق آصف فيضي/ ١٣٨٣هـ/ دار المعارف/ القاهرة.
دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
رجال النجاشي: النجاشي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
روضة الواعظين: الفتّال النيسابوري/ تحقيق محمّد مهدي الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
سعد السعود: ابن طاووس/ ١٣٦٣هـ/ مط أمير/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ ت محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني/ تحقيق محمّد اللحّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
سنن الترمذي: الترمذي/ تحقيق عبد الوهّاب عبد اللطيف/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
شرح نهج البلاغة: ابن ميثم البحراني/ ط ١/ ١٣٦٢ش/ مركز النشر مكتب الإعلام الإسلامي/ إيران/ قم.
الصحاح: الجوهري/ تحقيق أحمد عبد الغفور العطّار/ ط ٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
الصواعق المحرقة: ابن حجر الهيتمي/ ط ١/ ١٩٩٧م/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
عقد الدرر: يوسف بن يحيى المقدسي/ انتشارات نصائح.
علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تحقيق محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
العين: الخليل الفراهيدي/ ط ٢/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة دار الهجرة.
عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تحقيق حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
عيون الحِكَم والمواعظ: عليّ الليثي الواسطي/ تحقيق حسين البيرجندي/ ط ١/ دار الحديث.
الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق عبد الله الطهراني، عليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
الغيبة: النعماني/ تحقيق فارس حسّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
فتح الوهّاب: زكريا الأنصاري/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ منشورات محمّد علي بيضون/ دار الكتب العلمية.
الفتن: نعيم بن حمّاد المروزي/ تحقيق سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
فرحة الغري: السيِّد عبد الكريم بن طاووس/ تحقيق السيِّد تحسين آل شبيب الموسوي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مط محمّد/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
فقه الرضا: عليّ بن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/ المؤتمر العالمي للإمام الرضا/ مشهد.
القرآن في الإسلام: العلَّامة الطباطبائي/ تعريب السيِّد أحمد الحسيني.
قصص الأنبياء: قطب الدين الراوندي/ تحقيق غلام رضا عرفانيان/ ط١/ ١٤١٨هـ/ الهادي.
الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
كامل الزيارات: ابن قولويه/ تحقيق جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ مؤسَّسة نشر الثقافة.
الكامل في التاريخ: ابن الأثير/ ١٣٨٦هـ/ دار الصادر/ بيروت.
كفاية الأثر: الخزّاز القمّي/ تحقيق عبد اللطيف الكوهكمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ مط الخيام/ انتشارات بيدار.
كمال الدين: الشيخ الصدوق/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
كنز العمّال: المتَّقي الهندي/ تحقيق بكري حياني/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
لسان العرب: ابن منظور/ ١٤٠٥هـ/ نشر أدب الحوزة/ قم.
مباني تكملة المنهاج: السيِّد الخوئي/ ط ٢/ ١٣٩٦هـ/ مط العلمية/ قم.
المبسوط: السرخسي/ ١٤٠٦هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
المجدي في أنساب الطالبيين: عليّ بن محمّد العلوي العمري/ تحقيق الدكتور أحمد المهدوي الدامغاني/ ط ١/ ١٤٠٩هـ/ مط سيِّد الشهداء (عليه السلام)/ مكتبة المرعشي/ قم.
المجموع: النووي/ دار الفكر/ بيروت.
المحاسن: البرقي/ تحقيق جلال الدين الحسيني المحدِّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
المزار: الشيخ المفيد/ تحقيق محمّد باقر الأبطحي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
المزار: ابن المشهدي/ تحقيق جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ نشر القيّوم/ قم.
مستدرك الوسائل: الميرزا النوري/ ط ١ المحقَّقة/ ١٤٠٨هـ/ مؤسَّسة آل البيت/بيروت.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ دار الصادر/ بيروت.
مشكاة الأنوار: عليّ الطبرسي/ ت مهدي هوشمند/ ط ١/ ١٤١٨هـ/ دار الحديث.
مصباح المتهجِّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة فقه الشيعة/ بيروت.
معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ١٣٧٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): عليّ الكوراني/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
مكارم الأخلاق: الشيخ الطبرسي/ ط ٦/ ١٣٩٢هـ/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
مكيال المكارم: ميرزا محمّد تقي الأصفهاني/ تحقيق عليّ عاشور/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة صاحب الأمر/ أصفهان.
الملل والنحل: الشهرستاني/ دار المعرفة/ بيروت.
من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تحقيق عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب/ تحقيق لجنة من أساتذة النجف/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدرية/ النجف.
ميزان الاعتدال: الذهبي/ تحقيق عليّ محمّد البجاوي/ ط ١/ ١٣٨٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
النهاية: ابن الأثير/ تحقيق طاهر أحمد الزاوي ومحمود محمّد الطناحي/ ط ٤/ ١٣٦٤ش/ مؤسَّسة إسماعيليان/ قم.
نهج البلاغة: الشريف الرضي/ ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ/ بيروت.
نور البراهين: نعمة الله الجزائري/ تحقيق السيِّد مهدي الرجائي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
الهداية الكبرى: الخصيبي/ ط ٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.
وسائل الشيعة: الحرّ العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مط مهر/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
وفيات الأعيان: ابن خلّكان/ تحقيق إحسان عبّاس/ دار الثقافة/ بيروت.

* * *



 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الكافي للكليني ١: ٣٧١/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ١.
(٢) الكافي للكليني ١: ٣٧١ و٣٧٢/ باب أنَّه من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر/ ح ٦.
(٣) كمال الدين للصدوق: ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٥.
(٤) المزار لابن المشهدي: ٥٨٠ و٥٨١/ من الدعاء للندبة.
(٥) اختيار معرفة الرجال للطوسي ٢: ٥١٨ و٥١٩/ الرقم ٤٦٢.
(٦) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٨٩.
(٧) الكافي للكليني ٨: ٢٢٩/ ح ٢٩٣.
(٨) كمال الدين للصدوق: ٣١٠ / باب ٢٨/ ح ١.
(٩) في الغيبة للنعماني: ٢٢٢/ باب ١٣/ ح ١، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف المهدي (عليه السلام): «... أوسعكم كهفاً، وأكثركم علماً، وأوصلكم رحماً، اللّهمّ فاجعل بعثه خروجاً من الغمَّة، واجمع به شمل الأُمَّة...».
(١٠) الغيبة للنعماني: ٣٣٤ و٣٣٥/ باب ٢١/ ح ٨.
(١١) الكافي للكليني ٤: ٣١٦ و٣١٧/ باب من يشرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح ٨.
(١٢) الكافي للكليني ٤: ٣١٦ و٣١٧/ باب من يشرك قرابته أو إخوته في حجَّته أو يصلهم بحجِّه/ ح ١٠.
(١٣) توى يتوى توى المال: ذَهَبَ. (العين للفراهيدي ٨: ١٤٤/ مادَّة توو).
(١٤) الكافي للكليني ٤: ٥٤٤/ باب النوادر/ ح ٢١.
(١٥) الكافي للكليني ٢: ٦١٨/ باب في كم يُقرَأ القرآن ويُختَم/ ح ٤.
(١٦) كمال الدين للصدوق: ٢٧٩ و٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٧.
(١٧) بصائر الدرجات للصفّار: ٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١٢/ ح ٣.
(١٨) بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٣٠/ ح ٦.
(١٩) بحار الأنوار للمجلسي ٥١: ٣٠/ ح ٤.
(٢٠) تاج العروس ١١: ٣٥/ مادَّة (بيع).
(٢١) تفسير القمّي ٢: ٣١٥.
(٢٢) مسند أحمد بن حنبل ٤: ٥١.
(٢٣) كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١: ٣٢٤/ ح ١٥١٦.
(٢٤) كمال الدين للصدوق: ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣.
(٢٥) كمال الدين للصدوق: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٢٦) الغيبة للنعماني: ٣١٩ و٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٢.
(٢٧) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٥.
(٢٨) بحار الأنوار للمجلسي ٤٤: ٣٢٩.
(٢٩) الغيبة للنعماني: ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٧.
(٣٠) وهو ما ينبت مع القمح ممَّا يشبه حَبُّه حَبَّ القمح.
(٣١) الغيبة للنعماني: ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٨.
(٣٢) الغيبة للنعماني: ٢١٥/ باب ١٢/ ح ١٣.
(٣٣) الغيبة للنعماني: ٢١٥/ باب ١٢/ ح ١٥.
(٣٤) نهج البلاغة: ٤٨٠/ ح ٧٣.
(٣٥) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ٥٦.
(٣٦) مشكاة الأنوار لعليّ الطبرسي: ٢٩٨/ ح ٩١٥.
(٣٧) أمالي الصدوق: ٩٠/ ح (٦٢/٢).
(٣٨) المحاسن للبرقي ١: ٢٢٨/ ح ١٦١.
(٣٩) فقه الرضا لابن بابويه: ٣٣٧.
(٤٠) تاريخ اليعقوبي ٢: ٢١٠.
(٤١) كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٥: ٧٧٦/ ح ٤٣٠٥٧.
(٤٢) كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٥: ٧٧٦/ ح ٤٣٠٥٩.
(٤٣) أمالي الطوسي: ٥٣٥/ ح (١١٦٢/١).
(٤٤) عيون الحِكَم والمواعظ للليثي الواسطي: ١٥٥.
(٤٥) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ٤٠٩ و٤١٠.
(٤٦) أمالي المفيد: ٢٩٢ و٢٩٣/ ح ٢.
(٤٧) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ٤٤.
(٤٨) سنن ابن ماجة ٢: ١١٤٨/ ح ٣٤٦٦.
(٤٩) مكارم الأخلاق للطبرسي: ٣٦٢.
(٥٠) دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي ٢: ١٤٤/ ح ٥٠٣.
(٥١) نهج البلاغة: ١٥٦/ الخطبة ١٠٨.
(٥٢) مستدرك الوسائل للنوري ١٥: ١٨٠/ ح (١٧٩٣٣/٤).
(٥٣) وسائل الشيعة للحرِّ العاملي (آل البيت) ٢٠: ١٧٢/ ح (٢٥٣٤٢/٢).
(٥٤) المزار لابن المشهدي: ٥٨١/ من الدعاء للندبة.
(٥٥) الغيبة للنعماني: ١٨٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٨.
(٥٦) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠.
(٥٧) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ٤٨٤/ ح (٤٨٠/٨٤).
(٥٨) تفسير العيّاشي ١: ٦٥/ ح ١١٧.
(٥٩) الخصال للصدوق: ٦٢٦/ حديث أربعمائة.
(٦٠) الكافي للكليني ٥: ٩ و١٠/ باب وجوه الجهاد/ ح ١.
(٦١) كمال الدين للصدوق: ٣٢٣/ باب ٣١/ ح ٧.
(٦٢) كمال الدين للصدوق: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ١.
(٦٣) الغيبة للنعماني: ٣٢٣/ باب ٢٠/ ح ٥.
(٦٤) الغيبة للطوسي: ٤٥٨ و٤٥٩/ ح ٤٧٠.
(٦٥) الغيبة للنعماني: ٢٠١/ باب ١١/ ح ٢.
(٦٦) كمال الدين للصدوق: ٤٤٠/ باب ٤٣/ ح ٨.
(٦٧) الغيبة للنعماني: ١٦٦ و١٦٧/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٤.
(٦٨) بحار الأنوار للمجلسي ٤٢: ١٢٦.
(٦٩) شاط دمُه وأشاط دمَه وبدمِه: أذهبه، وقيل: أشاط بدمِه عمل في هلاكه. (لسان العرب لابن منظور ٧: ٣٣٨/ مادَّة شوط).
(٧٠) الغيبة للطوسي: ٣٢٣/ ح ٢٧١.
(٧١) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(٧٢) الغيبة للطوسي: ٣٩١/ ح ٣٥٨.
(٧٣) بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ١٧٧/ ح ٨.
(٧٤) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣.
(٧٥) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(٧٦) كمال الدين للصدوق: ١٤٥/ باب ٥/ ح ١١.
(٧٧) تفسير ابن كثير ١: ٤٤.
(٧٨) الغيبة للطوسي: ٤٥٦/ ح ٤٦٦.
(٧٩) الخصال للصدوق: ٦٣٥.
(٨٠) بصائر الدرجات للصفّار: ٤٤٩/ ج ٩/ باب ٦/ ح ٣.
(٨١) بصائر الدرجات للصفّار: ٤٤٦/ ج ٩/ باب ٤/ ح ١٤.
(٨٢) بصائر الدرجات للصفّار: ٤٤٦/ ج ٩/ باب ٤/ ح ١٦.
(٨٣) الغيبة للنعماني: ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤١.
(٨٤) راجع: الغيبة للنعماني: ٢٣٩ و٢٤٠/ باب ١٣/ ح ٢٢.
(٨٥) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦.
(٨٦) سنن أبي داود ٢: ٣١١/ ح ٤٢٩٠.
(٨٧) الغيبة للنعماني: ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢.
(٨٨) كمال الدين للصدوق: ٣١٥/ باب ٢٩/ ح ١.
(٨٩) وفي الكافي للكليني ١: ٥٢٦/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١، جاءت الرواية بلفظ: «من ولد الحسن» لا «الحسن بن عليٍّ».
(٩٠) علل الشرائع للصدوق ١: ٢٠٨/ باب ١٥٦/ ح ١٠.
(٩١) كمال الدين للصدوق: ٤١٦/ باب ٤٠/ ح ٩.
(٩٢) أمالي الطوسي: ٣١٧/ ح (٦٤٤/٩١).
(٩٣) وسائل الشيعة للحرِّ العاملي (آل البيت) ٢٦: ٣١٩ و٣٢٠/ ح (٣٣٠٧٨/٢).
(٩٤) الغيبة للنعماني: ٢٤٢ و٢٤٣/ باب ١٣/ ح ٢٦.
(٩٥) الغيبة للنعماني: ٣٢٨ و٣٢٠/ باب ٢٠/ ح ٧.
(٩٦) الكافي للكليني ٧: ٤١٤/ باب أنَّ القضاء بالبيِّنات والأيمان/ ح ١.
(٩٧) الكافي للكليني ٧: ٤١٤ و٤١٥/ باب أنَّ القضاء بالبيِّنات والأيمان/ ح ٣.
(٩٨) قال السيِّد الخوئي (رحمه الله) في مباني تكملة المنهاج ١: ١٢/ مسألة ٨: (كما أنَّ للحاكم أن يحكم بين المتخاصمين بالبيِّنة وبالإقرار وباليمين، كذلك له أن يحكم بينهما بعلمه).
وهكذا عند العامَّة، حيث بنى الكثير منهم على صحَّة حكم القاضي بعلمه وعدم احتياجه إلى بيِّنة، بل إنَّه يجوز له مخالفة البيِّنة إذا علم الواقع، وننقل هنا بعض كلماتهم:
قال محيى الدين النووي في المجموع ١٢: ١٥٠: (... على الصحيح أنَّ القاضي يقضى بعلمه)، وقال في ٢٠: ١٦٢: (... وإذا علم القاضي عدالة الشاهد أو فسقه عمل بعلمه في قبوله وردِّه...).
وقال زكريا الأنصاري في فتح الوهّاب ٢: ٣٦٩: (... (ولا يقضي) أي القاضي (بخلاف علمه) وإن قامت به بيِّنة، وإلَّا لكان قاطعاً ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرَّم...).
وقال السرخسي في المبسوط ٩: ١٠٨: (... فإن عرف القاضي حرّيته اكتُفي بمعرفته، لأنَّ علم القاضي أقوى من الشهادة...).
(٩٩) كمال الدين للصدوق: ٥١٥ و٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(١٠٠) كمال الدين للصدوق: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٧.
(١٠١) كمال الدين للصدوق: ٦٤٤/ باب ٤٥/ ح ٣.
(١٠٢) كمال الدين للصدوق: ٢٨٦ و٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٣.
(١٠٣) الكافي للكليني ١: ٣٣٥ و٣٣٦/ باب في الغيبة/ ح ١.
(١٠٤) الغيبة للنعماني: ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦.
(١٠٥) الغيبة للنعماني: ٣٣٥/ باب ٢١/ ح ١٠.
(١٠٦) مصباح المتهجِّد للطوسي: ٥٦٨/ ح (٦٧٢/٤٨).
(١٠٧) الكافي للكليني ١: ٤١١ و٤١٢/ باب نادر/ ح ٢.
(١٠٨) تفسير فرات الكوفي: ٢٤٠/ ح ٣٢٤.
(١٠٩) تفسير العيّاشي ٢: ٢٩٠/ ح ٦٧.
(١١٠) سنن الترمذي ٥: ٣٢٩/ ح ٣٨٧٦. والحديث متواتر ومشهور لدى الفريقين، وإنَّما ذكرت مصدراً عامّياً من باب (ألزموهم...).
(١١١) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق ٢: ٩ و١٠/ ح ١٤.
(١١٢) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ٤٤١/ ح (٤١٣/١٧).
(١١٣) اُنظر: تفسير الأمثل لناصر مكارم الشيرازي ١٢: ١٩٧ و٢١٠.
(١١٤) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ٤٤١/ ح (٤١٣/١٧).
(١١٥) قصص الأنبياء للراوندي: ٨٤/ ح ٦٣.
(١١٦) الكافي للكليني ٣: ٤٨٩/ باب مساجد الكوفة/ ح ١.
(١١٧) قصص الأنبياء للراوندي: ٨٤/ ح ٦٣.
(١١٨) المزار لابن المشهدي: ١٣٤/ باب ٥/ ح ٦.
(١١٩) الكافي للكليني ٣: ٤٩٤/ باب مسجد السهلة/ ح ١.
(١٢٠) قصص الأنبياء للراوندي: ٨٢ و٨٣/ ح ٦١.
(١٢١) الكافي للكليني ٣: ٤٩٤/ باب مسجد السهلة/ ح ١.
(١٢٢) المصدر السابق.
(١٢٣) الكافي للكليني ٣: ٤٩٥/ باب مساجد الكوفة/ ح ٣.
(١٢٤) سنن ابن ماجة ٢: ١٢٧١/ ح ٣٨٦٥.
(١٢٥) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ٢٨٠.
(١٢٦) بحار الأنوار للمجلسي ٩٠: ٣٧١/ ح ١٢، عن التمحيص للإسكافي: ٤٥/ ح ٥٩.
(١٢٧) الكافي للكليني ٢: ٤٩٠ و٤٩١/ باب من أبطأت عليه الإجابة/ ح ٩.
(١٢٨) عيون الحِكَم والمواعظ للليثي الواسطي: ١٥١.
(١٢٩) الكافي للكليني ٣: ٤٩٤/ باب مسجد السهلة/ ح ١.
(١٣٠) بحار الأنوار للمجلسي ٩٧: ٤٤٥.
(١٣١) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٥.
(١٣٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(١٣٣) كمال الدين للصدوق: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(١٣٤) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٦٣.
(١٣٥) كمال الدين للصدوق: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(١٣٦) الكافي للكليني ١: ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٩.
(١٣٧) كمال الدين للصدوق: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(١٣٨) تفسير العيّاشي ٢: ٦٠/ ح ٤٩.
(١٣٩) تفسير مجمع البيان للطبرسي ٢: ٦٥.
(١٤٠) الفتن للمروزي: ٢٢٢.
(١٤١) راجع: نهج البلاغة: ٤٢٧/ ح ٥٣، عهده (عليه السلام) للأشتر.
(١٤٢) الغيبة للنعماني: ٢٧٣ و٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣١.
(١٤٣) الغيبة للنعماني: ٢٧٤/ باب ١٤/ ح ٣٢.
(١٤٤) الغيبة للطوسي: ٣٠٧/ ح ٢٥٨.
(١٤٥) الغيبة للطوسي: ٤٠٢ و٤٠٣/ ح ٣٧٧.
(١٤٦) الغيبة للطوسي: ٣٩٨/ ح ٣٧٠.
(١٤٧) بصائر الدرجات للصفّار: ٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١٢/ ح ١.
(١٤٨) بصائر الدرجات للصفّار: ٥٠٨/ ج ١٠/ باب ١٢/ ح ٣.
(١٤٩) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٢ و٣٢٣.
(١٥٠) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٨٤.
(١٥١) اُنظر: بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٩٣ و٩٤/ ذيل الحديث ٨.
(١٥٢) الاحتجاج للطبرسي ١: ٨٠.
(١٥٣) الخرائج والجرائح للراوندي ٢: ٨٤١/ ح ٥٩.
(١٥٤) كمال الدين للصدوق: ٦٧٥/ باب ٥٨/ ح ٣٠.
(١٥٥) الغيبة للنعماني: ٢٤٦/ باب ١٣/ ح ٣٣.
(١٥٦) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦.
(١٥٧) المصدر السابق.
(١٥٨) تحف العقول لابن شعبة الحرّاني: ١٧١.
(١٥٩) كمال الدين للصدوق: ٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٥.
(١٦٠) تفسير القمّي ١: ٤١ و٤٢.
(١٦١) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني ٣: ٩/ ذيل الخطبة ٩٧.
(١٦٢) كمال الدين للصدوق: ٤١٠/ باب ٣٩/ ح ٣.
(١٦٣) كمال الدين للصدوق: ٤١٣ و٤١٤/ باب ٣٩/ ح ١٥.
(١٦٤) معاني الأخبار للصدوق: ٣٩٤/ باب معنى نوادر المعاني/ ح ٤٥.
(١٦٥) الكافي للكليني ٢: ٤١٤ و٤١٥/ باب أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافراً أو ضالّاً/ ح ١.
(١٦٦) الإمامة والتبصرة لابن بابويه: ٨٢/ ح ٦٩.
(١٦٧) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦١.
(١٦٨) كمال الدين للصدوق: ٦٥٥/ باب ٥٧/ ح ٢٧.
(١٦٩) الغيبة للطوسي: ٣٣٩/ ح ٢٨٦.
(١٧٠) علل الشرائع للصدوق ١: ١٦٠/ باب ١٢٩/ ح ١.
(١٧١) الغيبة للنعماني: ٣٥٠/ باب ٢٥/ ح ١.
(١٧٢) كمال الدين للصدوق: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(١٧٣) الغيبة للنعماني: ٣٣ و٣٤.
(١٧٤) الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٥.
(١٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٨٦/ ح ٢٤٥.
(١٧٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٠/ ح ١٩٦.
(١٧٧) بصائر الدرجات للصفّار: ١٧٤/ ج ٣/ باب ١٤/ ح ٩.
(١٧٨) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للصدوق ٢: ٤٠/ ح ٢٧.
(١٧٩) كمال الدين للصدوق: ٣٥٣ و٣٥٤/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(١٨٠) الإرشاد للمفيد ٢: ١٨٥ و١٨٦.
(١٨١) بصائر الدرجات للصفّار: ١٧١/ ج ٣/ باب ١٤/ ح ٢.
(١٨٢) بصائر الدرجات للصفّار: ١٨٠/ ج ٣/ باب ١٤/ ح ٣٠.
(١٨٣) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨.
(١٨٤) الغيبة للنعماني: ٢٠٠/ باب ١١/ ح ١.
(١٨٥) تفسير القمّي ٢: ٣٧٩.
(١٨٦) كمال الدين للصدوق: ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٣.
(١٨٧) تأويل الآيات الظاهر للأسترآبادي ٢: ٧٠٨ و٧٠٩/ ح ١٥.
(١٨٨) تفسير القمّي ٢: ٣٧٩.
(١٨٩) كمال الدين للصدوق: ٦٧٢ و٦٧٣/ باب ٥٨/ ح ٢٥.
(١٩٠) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٨٢.
(١٩١) الغيبة للنعماني: ٣١٩ و٣٢٠/ باب ١٩/ ح ٢.
(١٩٢) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٣٨/ ح ١٥٨.
(١٩٣) راجع: دلائل الإمامة: ٥٥٤ - ٥٧٥/ باب معرفة رجال مولانا صاحب الزمان (عليه السلام).
(١٩٤) راجع: الملاحم والفتن: ٣٧٥ - ٣٨٤/ فصل في عدَّة أصحاب القائم (عليه السلام).
(١٩٥) كمال الدين للصدوق: ٦٧٢/ باب ٥٨/ ح ٢٤.
(١٩٦) الغيبة للنعماني: ٣٣٠/ باب ٢٠/ ح ١١.
(١٩٧) أي لا تتركوا القتال مولّين.
(١٩٨) أي بمن طلب منكم الأمان وأعطيتموه ذلك.
(١٩٩) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) للكوراني العاملي ٣: ٩٥، عن عقد الدرر للمقدسي: ٩٦ و٩٧.
(٢٠٠) ورد في هامش المصدر أنَّه مجهول.
(٢٠١) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٣١.
(٢٠٢) الغيبة للطوسي: ١٦٢/ ح ١٢١.
(٢٠٣) الغيبة للنعماني: ١٩٤/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤١.
(٢٠٤) مسند أحمد بن حنبل ٥: ٣٢٢.
(٢٠٥) الغيبة للطوسي: ٤٧٦ و٤٧٧/ ح ٥٠٢.
(٢٠٦) تفسير العيّاشي ١: ٦٦/ ح ١١٧.
(٢٠٧) إلزام الناصب للحائري ٢: ١٧٢.
(٢٠٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٢٩٥ و٢٩٦.
(٢٠٩) الهداية الكبرى للخصيبي: ٤٠٣ و٤٠٤.
(٢١٠) الفتن للمروزي: ١٨٩.
(٢١١) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٢١٢) الغيبة للنعماني: ٢٦٧/ باب ١٤/ ح ١٨.
(٢١٣) كمال الدين للصدوق: ٣٩٠ و٣٩١/ باب ٣٨/ ح ٤.
(٢١٤) الكافي للكليني ٣: ٤٩٤/ باب مسجد السهلة/ ح ١.
(٢١٥) كمال الدين للصدوق: ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٣.
(٢١٦) كمال الدين للصدوق: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٢١٧) تفسير الرازي ١٣: ٤٧، وقال ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٦: ١٦٤: (كانت تخبئه في كهف في جبل بقرية برزة في الموضع الذي يُعرَف بمقام إبراهيم اليوم).
(٢١٨) التفسير الأصفى للفيض الكاشاني ٢: ٧٤٢.
(٢١٩) اُنظر: الكافي للكليني ١: ٢٣٢/ باب ما عند الأئمَّة (عليهم السلام) من آيات الأنبياء (عليهم السلام)/ ح ٥.
(٢٢٠) كمال الدين للصدوق: ١٤٣/ باب ٥/ ذيل الحديث ١٠.
(٢٢١) ولمزيد اطِّلاع على بقيَّة أوجه الشبه بينهما (عليهما السلام) راجع كتاب: مكيال المكارم للأصفهاني ١: ١٦١ - ١٦٤.
(٢٢٢) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ١٦٩ و١٧٠.
(٢٢٣) ميزان الاعتدال للذهبي ١: ٣٨٤.
(٢٢٤) تحفة الأحوذي ٦: ٣٤٤.
(٢٢٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٢٠/ ح ١١٥.
(٢٢٦) في هامش المصدر: رجل ربعة: أي مربوع الخلق لا بالطويل ولا بالقصير. (لسان العرب ٥: ١١٩/ ربع).
(٢٢٧) في هامش المصدر: الكوسج: الذي لا شعر على عارضيه. (لسان العرب ١٢: ٨٨ كسج).
(٢٢٨) في هامش المصدر: فلَّه: أي هزمه. (النهاية لابن الأثير ٣: ٤٧٣).
(٢٢٩) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١١٩/ ح ١١٣.
(٢٣٠) الغيبة للطوسي: ٤٦٤/ ح ٤٧٩.
(٢٣١) الغيبة للنعماني: ٨٥ و٨٦/ باب ٤/ ح ١٢.
(٢٣٢) كمال الدين للصدوق: ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٦.
(٢٣٣) الغيبة للطوسي: ١٥١/ ح ١١١.
(٢٣٤) الملل والنحل للشهرستاني ١: ١٥٠.
(٢٣٥) أدعياء المهدوية/ ملحق مجلَّة (الرصد) الثالث/ حزيران ٢٠١٤م/ أحمد الفرج الله، ص ٦٦، بتصرّف.
(٢٣٦) رجال النجاشي: ٣٧٨/ الرقم ١٠٢٩.
(٢٣٧) الغيبة للطوسي: ٤١١/ ح ٣٨٤.
(٢٣٨) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام): ٢٣٩/ ح ١١٧.
(٢٣٩) الغيبة للنعماني: ٣١٣ و٣١٤/ باب ١٨/ ح ٨.
(٢٤٠) الغيبة للطوسي: ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ٥٠٥.
(٢٤١) الاختصاص للمفيد: ٢٥٧ و٢٥٨.
(٢٤٢) الصحاح ١: ٣٧٥/ مادَّة (سفح).
(٢٤٣) تاج العروس ٤: ٩٠/ مادَّة (سفح).
(٢٤٤) الصحاح ١: ٣٧٥/ مادَّة (سفح).
(٢٤٥) تاج العروس ٤: ٩١/ مادَّة (سفح).
(٢٤٦) لسان العرب لابن منظور ٢: ٤٨٦/ مادَّة (سفح).
(٢٤٧) جمال الأُسبوع لابن طاووس: ٣٩.
(٢٤٨) المزار للمفيد: ١٨٧.
(٢٤٩) كامل الزيارات لابن قولويه: ٥١٦/ ح (٨٠١/٢).
(٢٥٠) الكافي للكليني ١: ٥٣٦ و٥٣٧/ باب أنَّ الأئمَّة كلّهم قائمون بأمر الله هادون إليه/ ح ١ و٢.
(٢٥١) أمالي الصدوق: ١٧٢ و١٧٣/ ح (١٧٥/١١).
(٢٥٢) تفسير فرات الكوفي: ٢٤٠/ ح ٣٢٤.
(٢٥٣) الغيبة للنعماني: ٤٦/ باب ٢/ ح ١.
(٢٥٤) تفسير العيّاشي ١: ٦٤/ ح ١١٧.
(٢٥٥) الغيبة للنعماني: ٣٢٣/ باب ٢٠/ ح ٥.
(٢٥٦) الكافي للكليني ٥: ٤٧/ باب الشعار/ ح ٢.
(٢٥٧) الإرشاد للمفيد ٢: ٥٢.
(٢٥٨) الملاحم والفتن لابن طاووس: ١٣٨/ ح ١٥٨.
(٢٥٩) الاختصاص للمفيد: ٢٥٧ و٢٥٨.
(٢٦٠) الغيبة للطوسي: ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ٥٠٥.
(٢٦١) المجدي في أنساب الطالبيين: ١٣٣.
(٢٦٢) الكافي للكليني ١: ٥٢٨/ باب فيما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٣.
(٢٦٣) راجع: بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٨٨/ ح ٢٠٦.
(٢٦٤) الغيبة للنعماني: ٣٣٤ و٣٣٥/ باب ٢١/ ح ٨.
(٢٦٥) علل الشرائع للصدوق ١: ١٦١/ باب ١٢٩/ ح ٣.
(٢٦٦) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٠٨/ ح ٨٣.
(٢٦٧) تفسير العيّاشي ٢: ٦٠/ ح ٤٩.
(٢٦٨) روضة الواعظين للفتّال: ٩٧.
(٢٦٩) إلزام الناصب للحائري ٢: ٢٤٦.
(٢٧٠) علل الشرائع للصدوق ١: ١٥٩ و١٦٠/ باب ١٢٩/ ح ١.
(٢٧١) علل الشرائع للصدوق ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١.
(٢٧٢) الكافي للكليني ١: ٤٦٥/ باب مولد الإمام الحسين (عليه السلام)/ ح ٦.
(٢٧٣) لاحظ: الخصال للشيخ الصدوق/ هامش صفحة: ١٦٩.
(٢٧٤) نور البراهين للسيِّد نعمة الله الجزائري ١: شرح صفحة ١٦٠.
(٢٧٥) علل الشرائع للصدوق ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١.
(٢٧٦) الإرشاد للمفيد ١: ٣٨٤.
(٢٧٧) الغيبة للنعماني: ٣٣٤ و٣٣٥/ باب ٢١/ ح ٨.
(٢٧٨) الكافي للكليني ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(٢٧٩) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ٢٩.
(٢٨٠) كمال الدين للصدوق: ١٤٥/ باب ٥/ ح ١١.
(٢٨١) كمال الدين للصدوق: ٤٤٧/ باب ٤٣/ ح ١٩.
(٢٨٢) الغيبة للطوسي: ١٦٢/ ح ١٢١.
(٢٨٣) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣١.
(٢٨٤) الغيبة للطوسي: ٤٧٠ و٤٧١/ ح ٤٨٨.
(٢٨٥) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ١٥٩.
(٢٨٦) المزار لابن المشهدي: ٥٨٠ و٥٨١/ الدعاء للندبة.
(٢٨٧) كمال الدين للصدوق: ٣٧٦/ باب ٣٥/ ح ٧.
(٢٨٨) الغيبة للنعماني: ١٩٤ و١٩٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٣.
(٢٨٩) الغيبة للنعماني: ١٩٥/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٤.
(٢٩٠) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ١٨٢.
(٢٩١) كمال الدين للصدوق: ٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١٢.
(٢٩٢) كمال الدين للصدوق: ٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦.
(٢٩٣) الغيبة للنعماني: ٣٠١/ باب ٢٦/ ح ٦.
(٢٩٤) كمال الدين للصدوق: ٣٣٧/ باب ٣٣/ ح ١٠.
(٢٩٥) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(٢٩٦) الغيبة للنعماني: ٣١٩/ باب ١٩/ ح ١.
(٢٩٧) كامل الزيارات لابن قولويه: ٢٣٣ - ٢٣٤/ ح (٣٤٨/٥).
(٢٩٨) الغيبة للنعماني: ٣١٩ و٣٢٠/ باب ١٩/ ح ٢.
(٢٩٩) الغيبة للنعماني: ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٠٠) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
(٣٠١) الخرائج والجرائح للراوندي ٣: ١١٢٥ و١١٢٦/ ح ٤٣.
(٣٠٢) كمال الدين للصدوق: ٥١٦ و٥١٧/ باب ٤٥/ ح ٤٥.
(٣٠٣) كنز العمّال للمتَّقي الهندي ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٥.
(٣٠٤) بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ١١.
(٣٠٥) بحار الأنوار للمجلسي ٩٧: ٤٠٤ و٤٠٥/ ح ٦١، عن فرحة الغري للسيِّد عبد الكريم بن طاووس: ٩٨/ ح ٤٥.
(٣٠٦) بحار الأنوار للمجلسي ٥٧: ٢١٢ و٢١٣/ ح ٢٢.
(٣٠٧) نهج البلاغة: ٨٦/ ح ٤٧.
(٣٠٨) بصائر الدرجات للصفّار: ٩٧/ ج ٢/ باب النوادر/ ح ٤.
(٣٠٩) الكافي للكليني ٤: ٥٨٦/ باب بدون العنوان/ ح ١.
(٣١٠) الكافي للكليني ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(٣١١) إلزام الناصب للحائري ٢: ١٤٤ - ١٤٦ بعنوان فاكهة: (ملخَّص الاعتقاد في الغيبة والظهور ورجعة الأئمَّة لبعض العلماء).
(٣١٢) كفاية الأثر للخزّاز القمّي: ٢٢٦ و٢٢٧.
(٣١٣) الكافي للكليني ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(٣١٤) في بحار الأنوار ٥٣: ١١: قال المفضَّل: قلت: يا سيِّدي، فأين تكون دار المهدي، ومجتمع المؤمنين؟ قال - الإمام الصادق (عليه السلام) -: «دار ملكه الكوفة، ومجلس حكمه جامعها، وبيت ماله ومقسم غنائم المسلمين مسجد السهلة، وموضع خلواته الذكوات البيض من الغريَّين».
(٣١٥) في المزار لابن المشهدي: ١٣٤ و١٣٥/ ح ٧: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يا أبا محمّد، كأنّي أرى نزول القائم (عليه السلام) في مسجد السهلة بأهله وعياله»، قلت: يكون منزله جُعلت فداك؟ قال: «نعم...».
(٣١٦) بصائر الدرجات للصفّار: ٣٣٥/ ج ٧/ باب ٢/ ح ٥.
(٣١٧) الخصال للصدوق: ٦٤٩/ ح ٤٣.
(٣١٨) كمال الدين للصدوق: ٦٧١/ باب ٥٨/ ح ٢٠.
(٣١٩) الكافي للكليني ١: ٤١١ و٤١٢/ باب نادر/ ح ٢.
(٣٢٠) كمال الدين للصدوق: ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٨.
(٣٢١) الكافي للكليني ١: ٤١٢/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ ح ٤.
(٣٢٢) تأويل الآيات الظاهرة للأسترآبادي ١: ١٨٥ و١٨٦/ ح ٣١.
(٣٢٣) بصائر الدرجات للصفّار: ٧٧/ ج ٢/ باب ١/ ح ٤.
(٣٢٤) الكافي للكليني ١: ٤١١ و٤١٢/ باب نادر/ ح ٢.
(٣٢٥) الغيبة للنعماني: ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩.
(٣٢٦) الغيبة للنعماني: ٢٧٣/ باب ١٤/ ح ٢٨.
(٣٢٧) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨.
(٣٢٨) الغيبة للطوسي: ٤٣٤/ ح ٤٢٤.
(٣٢٩) الغيبة للنعماني: ١٥٨ و١٥٩/ باب ١٠/ فصل ١/ ح ١٩.
(٣٣٠) الكافي للكليني ١: ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥.
(٣٣١) الخرائج والجرائح للراوندي ٢: ٨٤١/ ح ٥٩.
(٣٣٢) الكامل في التاريخ لابن الأثير ٢: ٩٦.
(٣٣٣) البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٨٩.
(٣٣٤) نهج البلاغة: ٤٥٧/ ح ٦٧، من كتاب له (عليه السلام) إلى قُثَم بن العبّاس، وهو عامله على مكّة.
(٣٣٥) رجال النجاشي: ١٠/ الرقم ٧.
(٣٣٦) اختيار معرفة الرجال للطوسي ٢: ٥٢٢ - ٥٢٤/ الرقم ٧٠٤.
(٣٣٧) اختيار معرفة الرجال للطوسي ١: ٣٤٨/ الرقم ٢١٩.
(٣٣٨) اختيار معرفة الرجال للطوسي ٢: ٧٨٤/ الرقم ٩٣٥.
(٣٣٩) اختيار معرفة الرجال للطوسي ٢: ٨٥٨/ الرقم ١١١٢.
(٣٤٠) الكافي للكليني ١: ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١.
(٣٤١) أي ما ورد في الرواية السابقة.
(٣٤٢) المصدر السابق.
(٣٤٣) كمال الدين للصدوق: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٣٤٤) كمال الدين للصدوق: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٣٤٥) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٦٣.
(٣٤٦) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٦٠.
(٣٤٧) مسند أحمد بن حنبل ١: ٢٠٢.
(٣٤٨) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب ٣: ٤٢.
(٣٤٩) الغيبة للنعماني: ٣٠٧/ باب ١٧/ ح ١.
(٣٥٠) الغيبة للنعماني: ٣٠٨/ باب ١٧/ ح ٢.
(٣٥١) الغيبة للنعماني: ٣٠٨/ باب ١٧/ ح ٣.
(٣٥٢) المزار لابن المشهدي: ٥٧١/ زيارة مولانا الخلف الصالح صاحب الزمان (عليه السلام).
(٣٥٣) من لا يحضره الفقيه للصدوق ٢: ٦١٢/ ح ٣٢١٣، الزيارة الجامعة.
(٣٥٤) الغيبة للنعماني: ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٣.
(٣٥٥) الغيبة للطوسي: ٤٧٢ و٤٧٣/ ح ٤٩٣.
(٣٥٦) علل الشرائع للصدوق ١: ٧/ باب ٧/ ح ١.
(٣٥٧) الغيبة للطوسي: ٤٧٣ و٤٧٤/ ح ٤٩٦.
(٣٥٨) المزار لابن المشهدي: ٥٧٩/ الدعاء للندبة.
(٣٥٩) بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٨٢.
(٣٦٠) معاني الأخبار للصدوق: ٣٤٦/ باب معنى قول الصادق (عليه السلام): «إنّا وآل أبي سفيان أهل بيتين تعادينا في الله (عزَّ وجلَّ)/ ح ١.
(٣٦١) كامل الزيارات لابن قولويه: ١٣٤/ ح (١٥٤/٢).
(٣٦٢) علل الشرائع للصدوق ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١.
(٣٦٣) تفسير العيّاشي ١: ٢٠٩/ ح ١٦٥.
(٣٦٤) مصباح المتهجِّد للطوسي: ٧٢١/ ح (٨٠٦/٧٥).
(٣٦٥) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ٢٤.
(٣٦٦) مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلّي: ١٨.
(٣٦٧) الغيبة للطوسي: ١٥٠ و١٥١/ ح ١١١.
(٣٦٨) أمالي المفيد: ٣٩/ ح ٦.
(٣٦٩) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) للكوراني ٣: ٣٨٠/ ح ٩٣١.
(٣٧٠) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٥.
(٣٧١) كمال الدين للصدوق: ٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٣٧٢) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
(٣٧٣) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ٤٥٥ و٤٥٦/ ح (٤٣٥/٣٩).
(٣٧٤) كمال الدين للصدوق: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٣٧٥) الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٦٠.
(٣٧٦) القرآن في الإسلام للعلَّامة الطباطبائي: ١٣٤ و١٣٥، عن المصحف للسجستاني.
(٣٧٧) نور البراهين للسيِّد نعمة الله الجزائري ٢: شرح ص ٤٥٩.
(٣٧٨) تفسير الميزان للعلَّامة الطباطبائي ١٢: ١٢٦.
(٣٧٩) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦.
(٣٨٠) بحار الأنوار للمجلسي ٣٦: ١٩٠/ ذيل الحديث ١٩٢، عن سعد السعود لابن طاووس: ١٠٨ و١٠٩.
(٣٨١) تفسير العيّاشي ٢: ٢٤٢/ ح ١٤. طبعاً يمكن أن يكون بمعنى القتل الحقيقي، ويمكن أن يكون بمعنى قتل الجذور التي يُحرِّكها إبليس في داخل الإنسان، فينتفي الحافز لاتِّباع خطواته. وهذا ما يُفسِّر لنا وصول المجتمع الإنساني عموماً إلى مرحلة عالية من العبادة والإخلاص في العمل لله تعالى.
(٣٨٢) علل الشرائع للصدوق ١: ٢٢٩/ باب ١٦٤/ ح ١.
(٣٨٣) الغيبة للنعماني: ٢٤٥ و٢٤٦/ باب ١٣/ ح ٣٢ و٣٣.
(٣٨٤) الصواعق المحرقة: ٢٠٨.
(٣٨٥) وفيات الأعيان ٢: ٩٤/ الرقم ١٦٩.
(٣٨٦) بحار الأنوار للمجلسي ٥٣: ٣٤.
(٣٨٧) الغيبة للنعماني: ٢٤٥/ باب ١٣/ ح ٣٠.
(٣٨٨) هكذا في المصدر.
(٣٨٩) الملاحم والفتن لابن طاووس: ٣٢٢ و٣٢٣/ ح ٤٦٥.
(٣٩٠) الكافي للكليني ١: ٣٧٧/ باب من مات وليس له إمام من أئمَّة الهدى.../ ح ٣.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016