فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب إمام الرحمة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد منير الخباز تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٨/١٥ المشاهدات المشاهدات: ١٠٨ التعليقات التعليقات: ٠

إمام الرحمة
سلسلة يسير بسيرة جدّه (١-٣)

سماحة آية الله السيد منير الخباز
الطبعة الأولى: ١٤٣٥هـ - ٢٠١٤م

المحتويات

مقدمة
المحاضرة الأولى: يوم الظهور انتصار فكري لا مادي
المحور الأول: يوم الظهور انتصار فكري لا انتصار عسكري
الأمر الأول: لا يمكن فرض الدين بالسلاح
الأمر الثاني: وجود فئة كارهة للدين لا يدلُّ على فرض الدين بالقوة
المحور الثاني: بقاء الفكر المعارض
المحور الثالث: كيفية تعامل المهدي (عليه السلام) مع الفئة المعارضة
الوجه الأول: الفكر المعارض غير متصور
الوجه الثاني: النزعة العدوانية هي الممنوعة
المحاضرة الثانية: النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والمهدي (عليه السلام)
المحور الأول: الحقيقة المحمدية والرحمة
المحور الثاني: مظاهر الرحمة المحمدية في المهدي (عليه السلام)
المظهر الأول: خُلُق الرحمة
المظهر الثاني: المجتمع الأخوي
المظهر الثالث: الرحمة العامة
المحور الثالث: دولة المهدي دولة رحمة لا دولة عنف
استفتاءات حول سيرة الإمام المهدي (عليه السلام) في الحكم
مكتب المرجع الديني السيد محمد الشاهرودي (دام ظله)
المرجع الديني السيد محمد جواد علوي البروجردي (دام ظله)
المرجع الديني الميرزا يد الله الدوزدوزاني (دام ظله)
المرجع الديني الشيخ بشير النجفي (دام ظله)
مكتب المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظله)
سماحة آية الله السيد علي الميلاني (دام ظله)
المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)
المرجع الديني الشيخ شمس الدين الواعظي (دام ظله)
المرجع الديني الشيخ محقق كابلي (دام ظله)
مكتب المرجع الديني الشيخ إسحاق الفياض (دام ظله)
المرجع الديني الشيخ محمد الخاقاني (دام ظله)
المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه)
المرجع الديني الميرزا جواد التبريزي (قدّس سرّه)
المرجع الديني السيد صادق الروحاني (دام ظله)
آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه)
آية الله الشيخ محمد كاظم الخاقاني (دام ظله)
آية الله الشيخ محمد السند (دام ظله)

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، لا سيما بقية الله في الأرضين، واللعنة الدائمة على أعدائهم إلى يوم الدين.
كثير من التساؤلات تطرح بين عامة الناس بين الحين والآخر تتحدث عن سيرة ونهضة الإمام المهدي (عليه السلام) وكيفية وصوله إلى الحكم.
فهل سيصل إلى الحكم بقوة السيف والإكثار من القتل وسفك الدماء الكثيرة؟
وهل سيرته عند ظهوره كسيرة جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمنطق والإقناع والعفو والرحمة؟
كيف ستعيش الأقليات الدينية (المنحرفة) في زمن دولة الإمام المهدي (عليه السلام)؟
وغيرها من التساؤلات يجيب عنها ويتناولها بحثاً ونقاشاً سماحة العلامة الحجة السيد منير الخباز –دام ظله- من خلال هذا الكراس المختصر الذي احتوى على محاضرتين قيمتين:
عنوان المحاضرة الأولى: يوم الظهور انتصار فكري لا مادي.
أما عنوان المحاضرة الثانية: النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمهدي (عليه السلام).
وأثناء فترة إعدادنا لهذا الكراس تفاعل معنا بعض الأخوة المؤمنين وقاموا بتزويدنا بمجموعة من الاستفتاءات التي أرسلت منهم إلى مكاتب المرجعية الدينية حول سيرة الإمام الحجة (عليه السلام) في الحكم.
وقد ألحقنا عدداً من هذه الاستفتاءات في نهاية الكراس إتماماً للفائدة.
وحاولنا قدر المستطاع تقليص هذه الأسئلة إلى سؤال واحد (موحد) وإعادة إرساله إلى مكاتب المراجع العظام (أدام الله ظلهم) لكن المحاولة لم نوفق بها لعدة أسباب منها:
- اعتذار بعض مكاتب الاستفتاء من عدم الرد على التساؤلات العقائدية في الوقت الحالي والاقتصار بالرد على الأسئلة الفقهية فقط.
- بعض مكاتب الاستفتاء إلى الآن لم تقم بالرد علينا، وأحياناً يطول الرد إلى فترة طويلة.
لذلك نعتذر من القراء الكرام ونعدهم في الكراس الثاني من سلسلة (يسير بسيرة جده) بتنظيم الاستفتاءات بشكل أفضل مع إضافة بعض الاستفتاءات التي لم يتسن لنا نشرها هنا.
وأخيراً، نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الجميل للإخوة الأعزاء الذين ساهموا في إعداد وإنجاز هذا العمل.
نسأل الله تعالى التوفيق والتسديد، إنه على كل شيء قدير.

الكويت – بنيد القار
المعد

المحاضرة الأولى: يوم الظهور انتصار فكري لا مادي
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:
(وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأْرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً) (النور: ٥٥)
تتضمَّن هذه الآية المباركة وعداً بخلافة الأرض وتمكين الدين من الأرض كلّها، وهذا الوعد لم يتحقَّق إلى يومنا هذا، فلا بدَّ من يوم يتحقَّق فيه للمسلمين خلافة الأرض كلّها وتمكّن دينهم من الأرض كلّها، وهذا لا ينطبق إلاَّ على ما أفصحت عنه الروايات الشريفة، فعن الصادق (عليه السلام) في رواية متعدّدة الطرق أنَّه قال: (نزلت في القائم وأصحابه)(١).
وبمضمون هذه الآية توجد آيات أخرى مع تفسيرها في الروايات مثلاً: قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ * فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) (السجّدة: ٢٨ _ ٣٠)، ففي الرواية عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (يوم الفتح يوم تفتح الدنيا على القائم)(٢).
وفي آية أخرى، قال تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً) (الأنعام: ١٥٨)، ففي الرواية عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (الآيات هم الأئمّة والآية المنتظرة هو القائم (عليه السلام))(٣).
وانطلاقاً من مضامين هذه الآيات الشريفة نتحدَّث في محاور ثلاثة:
المحور الأوّل: يوم الظهور انتصار فكري لا انتصار عسكري:
قد يتصوَّر كثير من الباحثين أنَّ عصر الظهور هو عصر الانتصار العسكري بمعنى أنَّ الدين يفرض على الأرض كلّها بلغة القوّة وبلغة السلاح، وبالتالي فإنَّ فرض الدين على الأرض كلّها بلغة القوّة وبلغة السلاح أمر لا يتناسب مع كونه اليوم الموعود.
وقد يقول بعض الباحثين: إنَّ المستفاد من بعض الآيات الشريفة أنَّ اليوم الموعود هو يوم عسكري، مثلاً: قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣٣)، معناه أنَّ هناك فئة كارهة معارضة لظهور الدين ومع ذلك فُرض عليها الدين، ومعناه أنَّ الفرض سوف يكون بقوّة السلاح وليس بالفكر والقناعة. ومثلاً: قوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) (التوبة: ٣٢)، يدلُّ على أنَّ هناك فئة كارهة لظهور الدين، فالدين سوف يفرض عليها بالقوّة. ومثلاً: قوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) (المجادلة: ٢١)، وكلّ هذه الآيات توحي بأنَّ يوم الظهور هو يوم غلبة عسكرية يفرض فيها الدين على الأرض كلّها بمنطق القوّة لا بلغة الفكر والقناعة، وهذا لا ينسجم مع طبيعة الفكر الإسلامي، لأنَّ أيّ فكر لا يفرض بالقوّة إلاَّ إذا كان فيه خلل ويعوّض نقصه بفرضه بالقوّة، بينما الفكر الإسلامي من جهةٍ هو فكر كامل لقول القرآن الكريم: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإْسْلامَ دِيناً) (المائدة: ٣)، ومن جهة أخرى هو فكر متطابق مع الفطرة السليمة، يقول القرآن الكريم: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) (الروم: ٣٠)، وبما أنَّ الدين والفكر الإسلامي فكر كامل ومتطابق مع الفطرة الإنسانية السليمة فلماذا يفرض بالقوّة؟
إذن ظاهر هذه الآيات أنَّ اليوم الموعود يوم عسكري ينتصر فيه الدين انتصاراً عسكرياً، وهذا لا ينسجم مع كون الفكر الإسلامي فكراً عرض لأجل أن يقتنع به الناس ويقبل عليه أبناء المجتمع الإنساني، وهذه الشبهة التي ذكرها بعض الباحثين نجيب عنها بذكر أمرين:
الأمر الأوّل: لا يمكن فرض الدين بالسلاح:
إنَّ الفكر الإسلامي أو الفكر الديني بصفة عامّة لا يمكن فرضه بالقوّة ولا بلغة منطق السلاح.
أوّلاً: لأنَّ الدين شيء لا يمكن الإكراه عليه، فهو من الأمور الوجدانية لا من الأمور الخارجية، فالصلاة مظهر للدين، والحجّ مظهر للدين، وليس هذا هو الدين, لأنَّ الدين أمر وجداني موطنه القلب، والقلب لا يمكن السيطرة عليه من أيّ قوّة في العالم، فهو المنطقة الحرّة الوحيدة في العالم كلّه، لأنَّه مجموعة من الوجدانيات والخواطر والمعتقدات ولا يمكن لأحد التحكّم فيها، لذلك ورد عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لَوْ ضَرَبْتُ خَيْشُومَ الْمُؤْمِن بِسَيْفِي هَذَا عَلَى أنْ يُبْغِضَنِي مَا أبْغَضَنِي، وَلَوْ صَبَبْتُ الدُّنْيَا بِجَمَّاتِهَا عَلَى الْمُنَافِقِ عَلَى أنْ يُحِبَّني مَا أحَبَّني)(٤)، فإنَّ السيطرة على القلب غير ممكنة لأيّ إنسان، لأجل ذلك لا يمكن السيطرة على الدين، لأنَّ الدين موطنه القلب، فالدين لا يُعقل الإكراه عليه، ولأجل ذلك فمن المستحيل فرض الدين بالقوّة.
لمّا قُتل الإمام علي (عليه السلام) بدأ معاوية يلتقط أصحاب الإمام علي واحداً بعد واحد، فهناك من يصفّيه، وهناك من يجلبه بالأموال، وهناك من يتركه يعيش حالة من الإرهاب والخوف والقلق، وكلّ واحد يعامله معاوية بحكم جهازه الاستخباري معاملة خاصّة، فأرسل معاوية إلى أبي الأسود الدؤلي _ أحد أصحاب الإمام علي (عليه السلام) _ شيئاً من الحلواء يريد بذلك استمالته وصرفه عن حبّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فدخلت ابنة صغيرة له فأخذت لقمة من تلك الحلواء وجعلتها في فمها، فقال لها أبو الأسود: يا ابنتي ألقيه فإنَّه سمّ، هذه حلواء أرسلها إلينا معاوية ليخدعنا عن أمير المؤمنين، ويردّنا عن محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، فقالت الصبيّة: قبَّحه الله يخدعنا عن السيّد المطهّر بالشهد المزعفر، تباً لمرسله وآكله، فعالجت نفسها حتَّى قاءت ما أكلته، ثمّ قالت:

أبالشهد المزعفر يا ابن هند * * * نبيع عليك أحساباً ودينا
معاذ الله كيف يكون هذا * * * ومولانا أمير المؤمنينا(٥)

ثانياً: إنَّ قوله تعالى: (لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ) لأنَّه (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة: ٢٥٦)، بمعنى أنَّ الدين لا يحتاج إلى إكراه، فإنَّ كلّ فكر قويّ لا يحتاج أن يُكره الناس عليه، لأنَّ الفكر لا يأخذ قوَّته من الدولة ولا من السلاح، بل يأخذ قوَّته من المنطق الذي يدعمه، لذلك لا يحتاج إلى أن يُفرض بالقوّة، بل هو ينتشر تلقائياً، وهذا هو معنى الآية: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) يعني أنَّ الفكر الديني يدعمه الدليل ويدعمه البرهان ويدعمه المنطق العقلي، فلا مبرّر للإكراه عليه، وهذا هو معنى قوله تعالى: (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) (الأنعام: ١٤٩).
ثالثاً: الإكراه على الدين يخلق أثراً معاكساً للدين.
يقول علماء الكلام: نقض الهدف يتنافى مع الحكمة، فكلّ إنسان حكيم يرسم لنفسه أهدافاً، ولا يقوم بعمل يتناقض مع أهدافه، لأنَّ نقض الهدف لا يجتمع مع الحكمة، فكيف بالله تبارك وتعالى وهو الحكيم المطلق؟
 فبما أنَّ الله حكيم قد أنزل الدين، والهدف من إنزال هذا الدين أن يتفاعل الناس معه تفاعلاً قلبياً وسلوكياً، فإذا كان الهدف من إنزال الدين التفاعل معه في مرحلة السلوك فإنَّ فرضه بالقوّة مانع من التفاعل مع الدين، يقول القرآن الكريم: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) (العنكبوت: ٤٥)، ويقول: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: ١٨٣)، والتقوى والانتهاء عن الفحشاء والمنكر لا يحصل إلاَّ مع الصلاة الاختيارية، أمَّا الصلاة الإكراهية فلن يتفاعل معها الإنسان حتَّى يصل إلى مرحلة التقوى أو مرحلة الانتهاء عن الفحشاء والمنكر.
إذن الإكراه على الدين يمنع عن التفاعل معه، وإذا أصبح الدين بلا تفاعل كان ذلك نقضاً للهدف من تشريعه، ونقض الهدف لا ينسجم مع الحكمة، فكيف بالحكيم تبارك وتعالى؟
إذن الإكراه على الدين غير معقول وغير متصوَّر، هذا هو الأمر الأوّل.
بل قد يقال: إنَّ فرض النظام بالقوّة ليس أمراً قبيحاً عقلاً ولا مستهجناً لدى العقلاء إذا كان في مصلحة المجتمع نفسه، فلو فرضنا أنَّ مجتمعاً رفض مرافق التعليم والصحَّة وأصرَّ أن يعيش بدائياً، فهل يمكن تركه بحجّة أنَّ الإكراه على النظام غير حضاري؟
لا يمكن ذلك، بل لا بدَّ من فرض نظام التعليم والصحَّة عليه، وليس ذلك قبيحاً عقلاً ولا مستهجناً عرفاً لأنَّه في صالحه وإن رفض، نظير المريض بمرض خطير فإنَّ فرض العلاج عليه بالقوّة ليس قبيحاً ما دام علاجه إحساناً إليه وإن كان رافضاً له، وهذه هي فلسفة الجهاد في الإسلام، وفلسفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّ عبادة الإنسان لمخلوق آخر أقلُّ منه كالأصنام والحيوانات والكواكب يتنافى مع كرامة الإنسان وأشرفيته، كما أنَّ الانسياق وراء المنكرات التي تحوّل المجتمع لمجتمع حيواني إباحي يتنافى مع عقلانية الإنسان وهدف خلقته وهو بناء الحضارة المادية والروحية معاً، لذلك كان الجهاد ونظام الرقابة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان بالقوّة غير قبيح عقلاً ولا مستهجناً لدى العقلاء ما دام في مصلحة المجتمع وهذا ما تقوم به كلّ دولة، حيث إنَّها تفرض نظامها بالقوّة لضبط مصلحة الشعب فلا ضير في قيام الإمام المهدي (عليه السلام) بهذا الدور.
الأمر الثاني: وجود فئة كارهة للدين لا يدلُّ على فرض الدين بالقوّة:
قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)، أو (وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)، هذه الآيات لا تدلُّ على أنَّ الدين سيفرض عليهم بالقوّة، لأنَّ وجود فئة كارهة للدين لا يدلُّ على أنَّ الدين فرض عليها بالقوّة، لأنَّ كلّ إنسان لديه قوّتان _ كما يقول علماء العرفان _:
١ - قوّة العقل.
٢ - قوّة القلب.
ودور قوّة العقل هو استيعاب المعلومات واستنتاجها، أمَّا قوّة القلب فدورها أن تكذّب، أو تصدّق، أو تشكّك، أو تتيقَّن، أن تحبّ، أو تبغض، أو تفرح، أو تحزن، فإذا تطابقت القوّتان قوّة العقل والقلب تحقَّق الإيمان، وإذا تعاكست القوّتان لم يتحقَّق الإيمان.
مثلاً: يقول علماء الأصول في مبحث حجّية القطع: لو فرض أنَّ ليلة من الليالي تركت معك جنازة في الغرفة من دون الكهرباء، هل تستطيع أن تستقرّ في الغرفة مع هذه الجنازة ليلة كاملة؟
سيكون الجواب: لا تستطيع، حتَّى لو كنت إنساناً شجاعاً لأنَّ قلبك لم يتطابق مع عقلك، فإنَّ قوّة العقل تقول: هذا ميّت جثّة هامدة لا يمكن أن يحدث منه ضرر، لكن قوّة القلب لا تطاوع قوّة العقل، وتبدأ الهواجس والمخاوف حتَّى يمتنع الإنسان عن هذا العمل، فهنا لم تتطابق قوّة القلب مع قوّة العقل.
كذلك من ناحية الدين، أحياناً يقتنع الإنسان بالفكر الديني مائة بالمائة، لأنَّ البراهين تدلُّ على أنَّ هذا الفكر صحيح بحسب قوّة العقل ولكن قوّة القلب لا تطيع قوّة العقل.
فبالنتيجة قد يرى الإنسان أنَّ الفكر الديني صحيح مائة بالمائة بحسب قوّة العقل لكن قوّة القلب لا تطيع قوّة العقل لعوامل أخرى، فلا يتحقَّق الإيمان المطلوب. ومن هنا قالت الآية القرآنية: (وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ) (النمل: ١٤)، والمقصود من الأنفس العقول فإنَّها أدركت أنَّه صحيح لكن القلوب لم تطع العقول، والنتيجة أنَّ الإنسان قد يرى أنَّ الفكر صحيح لكنَّه يكرهه من داخل قلبه لعوامل عاطفية أو لعوامل نفسية، وهو ما تشير إليه الآية المباركة: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣٣).
إذن هذا التعبير لا يدلُّ على أنَّ الدين سيفرض يوم الظهور بالقوّة، بل سينتشر الدين والفكر الإسلامي وإمامة علي وأهل البيت (عليهم السلام) كلّ ذلك بالمنطق العقلي، لكن الفئة الكافرة لن تؤمن بذلك، لا لأنَّه مفروض عليهم، بل لأنَّ الكراهة نابعة من عوامل نفسية أو ثقافية تراكمية إلى غير ذلك, إذن هذه الآيات لا تدلُّ على أنَّ يوم الظهور يوم انتصار عسكري، بل هو يوم انتصار فكري، كما اتَّضح ذلك من خلال الروايات الشريفة.
المحور الثاني: بقاء الفكر المعارض:
هناك شبهة طرحها بعض الباحثين أيضاً وهي أنَّ ظاهر بعض النصوص بقاء الفكر المعارض إلى زمن دولة المهدي (عليه السلام)، وهذا لا ينسجم مع تطبيق الآيات على يوم الظهور، فإنَّ قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣٣)، ظاهره أنَّه ليس هناك دين آخر، بينما ظاهر الآيات الأخرى أنَّ هناك ديناً آخر سيبقى حتَّى في زمن ظهور المهدي (عليه السلام)، فما هي هذه الآيات؟
مثلاً: قوله تعالى في حقّ اليهود: (وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ) (المائدة: ٦٤)، وظاهرها أنَّ اليهود سوف يبقون إلى يوم القيامة لأنَّ القرآن يقول: (وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ)، فمعناه أنَّ اليهود ستبقى إلى يوم القيامة، وهذا يتنافى مع قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ).
وكذلك في آية أخرى تتحدَّث عن النصارى: (وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ) (المائدة: ١٤)، وظاهرها بقاء اليهودية والنصرانية إلى يوم القيامة إلى عصر المهدي (عليه السلام).
وأيضاً قوله تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ) (ص: ٢٤)، يعني أنَّ المؤمنين سوف يبقون قلَّة إلى الأخير، أو قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِنَ الأْوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآْخِرِينَ) (الواقعة: ١٠ _ ١٤)، أي إنَّ الموجودين من المقرَّبين في عصر المهدي (عليه السلام) قلّة، فكيف يقال بأنَّ يوم المهدي (عليه السلام) هو يوم ظهور الدين على الدين كلّه مع أنَّ ظاهر هذه الآيات أنَّه توجد فئة غير متديّنة يهودية أو نصرانية، غير مؤمنة حتَّى يوم عصر ظهور المهدي (عليه السلام)؟
الجواب:
أوّلاً: اليهودية الحقّة والنصرانية الحقّة لا مانع أن تبقى إلى يوم القيامة، لأنَّها هي الإسلام, قال تعالى: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالإْنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ) (المائدة: ٦٨)، وقال تعالى في آية أخرى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالإْنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) (المائدة: ٦٦)، وإقامة التوراة والإنجيل بمعنى إقامتهما بتمام آياتهما، ومن جملة آيات التوراة والإنجيل هذه الآية: (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) (الصفّ: ٦).
إذن الإنجيل ينصُّ على أنَّ هناك رسولاً بعد عيسى (عليه السلام)، فالنصرانية الحقّة هي النصرانية التي تؤمن بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهذا هو الإسلام، ولذلك قال عز وجل في آية أخرى: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأْسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) (البقرة: ١٣٦)، ويقول تعالى في آية ثالثة: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإْسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآْخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ) (آل عمران: ٨٥)، بمعنى أنَّ الإسلام هو الذي يؤمن بجميع الرسل، وهذا هو المقصود بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) (المائدة: ٦٩).
ثانياً: لنفترض أنَّ اليهودية المحرَّفة أو النصرانية المحرَّفة سوف تبقى إلى يوم الظهور، فلا مانع من أن يتعامل معها المهدي (عليه السلام) كما تعامل جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجدّه أمير المؤمنين (عليه السلام) مع اليهود والنصارى الذين كانوا يعيشون في ظلّ الدولة الإسلاميّة بشرائط الذمّة بينهم وبين المسلمين، وهذا لا ينافي مع قوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) لأنَّ المقصود بالظهور هنا الغلبة، بمعنى أنَّ السيطرة والقوّة والدولة للدين الإسلامي، وهذا لا ينافي وجود بعض الأقلّيات التي تؤمن بدين آخر، وهذا معنى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(٦)، أي إنَّ القوّة والسيطرة هي للقسط والعدل، وهذا لا يتنافى مع وجود أقلّيات تؤمن بدين آخر.
ثالثاً: إنَّ هذه الآية التي قرأناها: (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) (المائدة: ١٤)، لا تدلُّ على بقاء اليهود إلى يوم القيامة، فهذا التعبير في العرف العربي كناية عن عدم الاتّحاد.
مثلاً: إذا كان لديك صديق جار لا يعتدل، يصحُّ أن تقول عنه: جاري لا يعتدل، بل هو أعوج إلى يوم القيامة، فليس معناه أنَّه سوف يبقى إلى يوم القيامة، بل هو كناية عن عدم الاعتدال، كأنَّك تريد القول: إنَّ هذا لو عاش إلى يوم القيامة فسوف يبقى أعوج لا يتغيَّر، فقوله تعالى: (فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ) يشير إلى أنَّ اليهود لا يتَّحدون أبداً، حتَّى اليهود في زماننا هذا الموجودون في فلسطين المحتلّة ليسوا متَّحدين، فإنَّ بعضهم ضدّ الدولة الصهيونية، والآية تريد أن تقول: إنَّ اليهود لا يتَّحدون ولو بقوا إلى يوم القيامة، وليس إخباراً عن بقائهم إلى يوم القيامة، كما في قوله تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ: ١٣)، وقوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الأْوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الآْخِرِينَ) (الواقعة: ١٣ و١٤)، فإنَّ المقصود به بملاحظة مجموع الأزمنة لا بملاحظة زمان المهدي (عليه السلام)، فلو أجريت إحصائية للموجودين في زمان المهدي (عليه السلام) وكانوا مثلاً في عصره مئة مليار إنسان، فإنَّ نسبتهم إلى عدد البشرية منذ يوم آدم إلى يوم المهدي (عليه السلام) واحد بالمائة مثلاً، فهذه النسبة تعتبر قليلة وليست كثيرة، فلنفترض أنَّ جميع من في عصر المهدي مؤمنون مع ذلك يعتبر نسبة المؤمنين إلى الكافرين منذ يوم آدم إلى يوم المهدي قليلة وليس كثيرة.
والنتيجة أنَّ الآيات صادقة على كلّ حال: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ)، (وَقَلِيلٌ مِنَ الآْخِرِينَ)، بمعنى أنَّ نسبة المؤمنين في مجموع الأزمنة إلى الفاسقين أو الكافرين تعتبر قليلة، وهذا المضمون صادق حتَّى لو كان كلّ من في عصر المهدي إنساناً مؤمناً.
المحور الثالث: كيفية تعامل المهدي (عليه السلام) مع الفئة المعارضة:
هناك أيضاً شبهة مطروحة عند بعض الباحثين مفادها أنَّه إذا فرضنا وجود فئة معارضة في زمان المهدي (عليه السلام)، فهي لا تريد دولته لعدم قناعتها وعدم إسلامها، فكيف سيتعامل المهدي مع هذه الفئة المعارضة؟
وبعبارة أخرى: هل في دولة المهدي (عليه السلام) حرّية فكرية بحيث يحقُّ للإنسان أن يطرح فكراً معارضاً لفكر الدولة؟
وهل في عصر المهدي (عليه السلام) حرّية إعلامية بحيث يحقُّ لفئة من المجتمع أن تُصدر إعلاماً معارضاً لإعلام الدولة أم لا؟
فهذه هي النقطة الأساسية.
والجواب عن هذه النقطة بوجهين:
الوجه الأوّل: الفكر المعارض غير متصوّر:
فنحن لا نتكلَّم عن الإنسان الذي يعيش مرضاً نفسياً معيَّناً، بل نتكلَّم عن الإنسان العاقل، فلماذا لا يتصوَّر له فكر معارض؟
إنَّ المتنبّي يقول:

والظلم من شيم النفوس فإن تجد * * * ذا عفّة فلعلّة لا يظلم

أي إنَّ الظلم شيء فطري في الإنسان, والإنسان بطبعه يظلم الآخرين، لكن المنطق الإسلامي خلاف ذلك، فهو يقول: الظلم ليس شيئاً فطرياً، بل الظلم شيء طارئ، والشيء الفطري هو العدل.
فعن معروف بن خربوذ، عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: (إنَّما يعجل من يخاف الفوت، وإنَّما يحتاج إلى الظلم الضعيف)(٧)، ومعناه أنَّ الإنسان الذي يخاف أن تفوته الفرصة يستعجل فيقع في الخطأ، والإنسان الضعيف هو الذي يظلم، أمَّا الإنسان القويّ بفكره والقويّ بسلوكه لا يحتاج إلى أن يظلم، لأنَّ فكره يفرض نفسه، وإنَّما يحتاج إلى الظلم الضعيف، كما أنَّ الظلم ينشأ عن عقدة النقص ويعوّض الإنسان نقصه بالظلم.
وإذا عاش الإنسان في دولة عادلة تضمن له حقوقه وتوفّر له العيش الرغيد، وتوفّر له الرخاء التامّ، وتضمن له مصالحه الشخصية، فلن يفكّر في الظلم أبداً، ولن يفكّر في التمرّد، ولن يفكّر في المعارضة، لأنَّه يعيش عيشاً رغيداً فلماذا يفكّر في الظلم والمعارضة؟
والمفروض أنَّ دولة المهدي هي دولة الرخاء، دولة العدل، دولة العيش الرغيد، فلماذا يفكّر الإنسان في دولة المهدي (عليه السلام) في المعارضة؟
وهذا ما يستفاد من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)، فإنَّ العدالة الاجتماعية فرع العدالة الفردية، والعدالة الفردية فرع العدالة الفكرية، فإذا كانت الثقافة ثقافة عادلة سوف يكون السلوك عادلاً، وإذا كان السلوك سلوكاً عادلاً ففيه تتحقَّق العدالة الاجتماعية.
إذن بما أنَّ المهدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، فهذا معناه أنَّه سيملأ المجتمع ثقافة عادلة، لكي تتحوَّل الثقافة العادلة إلى سلوك عادل، ثمّ يتحوَّل السلوك العادل إلى عدالة اجتماعية، فلا يتصوَّر إنسان ظالم أو إنسان يحمل فكراً معارضاً أو إعلاماً معارضاً، لأنَّ الإنسان العاقل لا يكون له فكر معارض للعدالة.
الوجه الثاني: النزعة العدوانية هي الممنوعة:
لو تصوَّرنا جدلاً أنَّ هناك فئة معارضة للمهدي تحمل فكراً غير فكره وأنَّ المعارض معذور، فسيرة المهدي معها كسيرة جدّه كما ورد في الروايات أنَّه: (... وأمَّا سُنّة من محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيهتدي بهداه ويسير بسيرته)(٨)، فكما أنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يغلق باب الحرّية الفكرية وإنَّما منع من تحوّل الكلمة المعارضة إلى فتنة أو تحوّل الكلمة المعارضة إلى نزعة عدوانية، فإنَّ من الأهداف السامية لدى المشرّع الأقدس هو الحفاظ على وحدة المجتمع الإنساني وعدم تفتّته بالصراعات الداخلية كما هو المستفاد من قوله عز وجل: (وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: ٤٦)، والحفاظ على السلوك الفطري القويم القائم على الأخوّة والتعاون كما هو المستفاد من قوله عز وجل: (وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى) (المائدة: ٢)، والحفاظ على المجتمع من الفسوق والفواحش كما في قوله عز وجل: (وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (الإسراء: ١٦)، فكلّ كلمة معارضة تؤدّي لبعث الصراعات أو انحراف المجتمع لا قبح عقلاً في مواجهتها بالقوّة لأنَّ مفسدة تركها أشنع بكثير من مفسدة اقتلاعها بالقوّة، كما هو المستفاد من قوله عز وجل: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال: ٣٩)، وأمَّا مجرَّد الاختلاف فليس ممنوعاً.
وقد تحدَّث الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده العظيم لمالك الأشتر عن معالم الدولة الإسلاميّة في كلّ زمان، ولا نتصوَّر أنَّ دولة المهدي على خلاف هذا العهد، ومن معالمها توفير حقوق المواطنة لأيّ مواطن سواء اختلف مع الدولة في الدين أو لم يختلف.
يقول (عليه السلام): (وَأشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ وَالْمَحَبَّةَ لَهُمْ وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلاَ تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أكْلَهُمْ، فَإنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أخٌ لَكَ فِي الدَّين، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ)(٩)، هذه هي الدولة الإسلاميّة، وهذه هي الدولة العلوية، بخلاف الدولة الأموية التي تعاملت على أساس الاختلاف في الدين، أو على أساس الاختلاف في اللغة، أو الاختلاف في العرق.
وهكذا كان أهل البيت (عليهم السلام) يتعاملون مع من يختلف معهم في الدين، بلغة التكريم، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) (الإسراء: ٧٠).
وفي قصَّة الإمام الحسين (عليه السلام) كان أحد أنصاره عثماني الهوى _ وبعض الروايات تقول: إنَّه زهير بن القين(١٠)، ومع ذلك تعامل الإمام معه باللطف إلى أن حوَّله من ذلك الإنسان العثماني الهوى إلى حسيني المحبّة وحسيني النصرة والجهاد، وأصبح من أنصار الحسين، ومن الشهداء الذين ضحّوا بأرواحهم بين يدي الحسين (عليه السلام)، بل الحسين فتح باب الرحمة لكلّ من قاتله إلى آخر لحظات حياته، وكان يبكي على أولئك القوم ويقول: (أبكي لهؤلاء القوم الذين يدخلون النار بسببي)(١١)، لكنَّهم أصرّوا على المجزرة الشنيعة والمذبحة المفجعة وأبادوا عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

والحمد لله ربّ العالمين
المحاضرة الثانية: النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والمهدي (عليه السلام)
بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)
وانطلاقاً من الآية المباركة نتحدَّث عن محاور ثلاثة:
المحور الأوّل: الحقيقة المحمّدية والرحمة:
كثير منّا سمع أو قرأ هذا المصطلح وهو مصطلح الحقيقة المحمّدية, فما معنى الحقيقة المحمّدية؟ وحتَّى نفهم هذا المصطلح نذكر أموراً ثلاثة:
الأمر الأوّل: يقول الفلاسفة: كلّ موجود يمرّ بمرحلتين من الوجود: الوجود الإجمالي، والوجود التفصيلي.
مثلاً الشجرة المثمرة وجودها تفصيلي فلها ساق وأغصان وثمار, لكنَّها كانت موجودة قبل هذا الوجود بوجود آخر وهو الوجود الإجمالي المختصر في البذرة, وهكذا الإنسان الذي غزا الفضاء وسيطر على الكون قبل أن يوجد بوجوده التفصيلي كان موجوداً بوجود إجمالي ضمن نطفة, ثمّ تحوَّل الآن إلى وجود تفصيلي جسد وعقل ومشاعر:

ما بال من أوّله نطفة * * * وجيفة آخره يفخرُ

حتَّى القرآن الكريم مرَّ بهاتين المرحلتين، فهذا القرآن الذي نقرأه الآن وجود تفصيلي وسور وآيات وأوامر ونواهي، لكن كان له وجود إجمالي في الكتاب المكنون، والقرآن الكريم نفسه يفصح عن هذه الحقيقة، يقول: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود: ١)، ويقول أيضاً: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ * لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ) (الواقعة: ٧٧ _ ٧٩).
فكلّ شيء مرَّ بوجودين، وجود إجمالي ووجود تفصيلي، وقد صرَّح القرآن الكريم بهذا المعنى فقال: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ) (الحجر: ٢١)، وقال في آية أخرى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) (القمر: ٤٩)، أي وضعنا له حدوداً وقدراً عندما أنزلناه إلى عالم الوجود المادي.
وأيضاً هذا الوجود كلّه من أصغر ذرّة إلى أعظم مجرَّة بسمواته بأرضيه بنجومه بشموسه، كان موجوداً وجوداً إجمالياً قبل أن يوجد وجوداً تفصيلياً فهو قد مرَّ بمرحلتين: مرحلة وجود إجمالي مختصر يسمّى بـ (الفيض الأقدس) بتعبير الفلاسفة، ثمّ تحوَّل إلى وجود تفصيلي أصبح سماءً وأرضاً وشمساً وقمراً وإنساناً وجماداً وحيواناً ونباتاً وسمّي بـ (الفيض المقدَّس), وهذا الوجود التفصيلي سيرجع مرَّةً ثانيةً يوم القيامة إلى الوجود الإجمالي المختصر، قال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ) (الأنبياء: ١٠٤).
الأمر الثاني: ورد في تراثنا الإسلامي شيء يسمّى بـ (عالم الأنوار) بمعنى أنَّ الله خلق محمّداً وآل محمّد من نور قبل أن يخلق الكون، فعن الإمام الباقر (عليه السلام): (... أمَا علمت أنَّ محمّداً وعلياً صلوات الله عليهما كانا نوراً بين يدي الله عز وجل قبل خلق الخلق بألفي عام؟...)(١٢)، وأنت تقرأ في زيارة الجامعة: (خَلَقَكُمُ اللهُ أنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ)(١٣)، وفي زيارة الإمام الحسين (عليه السلام): (أشْهَدُ أنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الأصْلابِ الشَّامِخَةِ وَالأرْحَام الْمُطَهَّرَةِ)(١٤).
وعالم الأنوار هو الذي سمَّيناه (الفيض الأقدس) وهو الذي سمَّيناه (الوجود الإجمالي)، وهذا الوجود الإجمالي للكون هو نور محمّد وآل محمّد، إذن أوّلاً خلق الله المادة النورية المسمّاة بنور محمّد وآل محمّد المسمّاة بالوجود الإجمالي المسمّاة بالفيض الأقدس، ثمّ أفاض منها الوجود كلّه فتحوَّل الوجود بتلك المادة النورية إلى وجود تفصيلي، هذا هو الحقيقة المحمّدية.
والمحقّق الأصفهاني أستاذ سيّدنا الإمام الخوئي (قدس سرهما) يقول في حقّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم):

وقد تجلّى من سماء العظمه * * * من عالم الأسماء أسمى كَلِمَهْ

إذن عرفنا أنَّ الحقيقة المحمّدية هي الوجود الإجمالي، وبما أنَّ الوجود الإجمالي هو الرحمة لأنَّ الرحمة هي الوجود، قال تبارك وتعالى: (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (طه: ٥٠)، نعرف أنَّ الحقيقة المحمّدية هي: الرحمة العامّة, وبالتالي فقد وصلنا إلى معنى من معاني الآية: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧).
ما هي علاقة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالعالمين؟
عالم السماء, عالم الأرض, عالم الجنّ, عالم الملائكة, عالم النبات, عالم الجماد، عالم الحيوان، إنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشر خلق على الأرض وأرسل إلى المجتمع البشري, فما هي علاقته بالعالمين؟
والجواب يتَّضح على ضوء المعنى الذي ذكرناه وهو الحقيقة المحمّدية، لأنَّ النبيّ نور خلق قبل الكون باعتباره الوجود الإجمالي والفيض الأقدس الذي خلق قبل الكون، ومنه وجد الكون وأفيض الكون، لذلك كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) لجميع العالمين.
الأمر الثالث: يقول علماء العرفان: (لكلّ حقيقة رقيقة)، ويُقصد بها أنَّ لكلّ حقيقة مدداً ونبعاً يمدّها، وذلك النبع الذي يمدّها هو الرقيقة، ولتقريب الفكرة فإنَّ المصباح حقيقة لكن الرقيقة هو المدد الذي يمدّه بالضوء وهو الطاقة الكهربائية، فكلّ حقيقة لها رقيقة، قال تعالى: (مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ) هذه كلّها حقيقة، والرقيقة، (يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ) الشجرة هي النبع وهي الرقيقة، (مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِي‏ءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ) (النور: ٣٥)، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو الرقيقة لكلّ الحقائق وهو الشجرة المباركة وليس كما يصوّره بعض كتب إخواننا أهل السُنّة: (محمّد يحكّ المني من ثوبه)(١٥)، و(نام عن صلاة الصبح)(١٦)، إنَّما محمّد هو الرحمة العامّة للعالمين جميعاً، محمّد هو الوجود والفيض الأقدس الذي سبق هذا الكون وأفيض منه هذا الكون، هذه هي الحقيقة ولكن من يشعر برقيقة هذه الحقيقة؟ ومن يشعر بلذّة النور المحمّدي؟
إنَّ الذي يشعر به خواصّ من الناس وهم المحسنون، قالت الآية المباركة: (إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف: ٥٦)، وقال تبارك وتعالى: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) (الأعراف: ١٥٦).
عندنا حديث مشهور يلفت الانتباه، فقد ورد عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّه قال: (أوّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد)(١٧)، وقد يتصوَّر البعض أنَّ النبيّ بصدد بيان الأسماء، ولكن الصحيح هو أنَّ الحديث بيان لمراحل الحقيقة المحمّدية، حيث إنَّ الحقيقة المحمّدية نور يمرُّ بمراحل، هذا النور له مبدأ، وله وسط، وله منتهى، ومبدأ هذا النور الذي سرى نزل من السماء إلى الأرض هو المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنَّه هو الذي بذر بذرة الدعوة، ووسط هذا النور الإمام الباقر الذي بقر العلم بقراً لأنَّ على يده تأسَّست دعائم المذهب، والمنتهى هو الذي يحقّق الدولة التامّة والعدالة التامّة على الأرض كلّها، وهو الذي بيده تظهر ثمرة جهود الأنبياء وجهود المرسلين وتضحيات الأولياء والأوصياء، قال تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ) (القصص: ٥)، إذن الأخير هو الذي يحقّق الثمرة المطلوبة.
من هنا نعرف أنَّ الإمام المنتظر (عليه السلام) هو امتداد لجدّه المصطفى، فكما كان النبيّ رحمة للعالمين فالإمام المنتظر أيضاً رحمة للعالمين، وكما كان النبيّ قطعة من الرحمة فالمهدي أيضاً قطعة من الرحمة.
المحور الثاني: مظاهر الرحمة المحمّدية في المهدي (عليه السلام):
هناك ثلاثة مظاهر:
المظهر الأوّل: خُلُق الرحمة:
إنَّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان خلقه رحمة، يقول القرآن الكريم: (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران: ١٥٩)، حيث كان (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قطعة من التواضع، والألفة، والمحبّة، والقرآن يصف خلقه، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم: ٤)، وهذه الصورة الجميلة الرائعة لشخصية النبيّ نفسها تتصوَّر وتتجسَّد في المهدي المنتظر (عليه السلام)، فإنَّ بعضهم يتصوَّر أنَّ المهدي إنسان عابس، إنسان عنيف، والصحيح أنَّ المهدي كجدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صورة مبتسمة، صورة جذّابة، صورة ملؤها التواضع، وملؤها الخلق الجذّاب، تماماً كجدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لذلك ورد في الرواية عن الصادق (عليه السلام): (يسير في الناس كسيرة جدّه)(١٨)، وفي الرواية عن الصادق (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) (المائدة: ٥٤)، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (نزلت في القائم (عليه السلام) وأصحابه)(١٩).
المظهر الثاني: المجتمع الأخوي:
إنَّ من الواضح لمن اطَّلع على كتابات المستشرقين يجدهم قد طعنوا في النبيّ في كلّ شيء إلاَّ في شيء واحد، وقفوا له موقف الإجلال والعظمة واعتبره كثير منهم إعجازاً لم يسبق به النبيّ، وهو أنَّه استطاع في فترة وجيزة أن يحوّل المجتمع المدني إلى مجتمع أخوي وهو ليس أمراً سهلاً على الإطلاق، فإنَّ المجتمع المدني الذي كان قبائل متناحرة ومتقاتلة حوَّله النبيّ في فترة وجيزة إلى أخوّة يملؤهم الحبّ والوفاء وهذا أمر في غاية الصعوبة، والإمام المهدي (عليه السلام) أيضاً مجتمعه مجتمع أخوي كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والقرآن أثنى على ذلك المجتمع الأخوي الذي أقامه النبيّ، قال تعالى: (لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالإْيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر: ٨ و٩)، فهنا تعطي الآية صورة رائعة جدَّاً، حيث إنَّ الأنصار احتضنوا كلّ مهاجر جاء فقيراً، ووفَّروا له السكن وفرصة العمل واعتبروه أخاً وحبيباً، وهل هذا يحصل في زماننا؟
أن يحتضن مجتمع آخر ويوفّر له السكن المجّاني ويوفّر له فرصة العمل مجّاناً ويوفّر ذلك له لا بدافع الحياء والخجل، بل بدافع المحبّة والأخوّة.
وهذا المجتمع الأخوي هو الذي يؤسّسه المهدي (عليه السلام) عند خروجه، وهو يقوم على عنصرين: عنصر المحبّة، وعنصر التكافل الاجتماعي.
نحن جميعاً مشتاقون إلى المجتمع المهدوي وندعو دائماً: (اللّهمّ اجعلنا من أنصاره وأعوانه), (اللّهمّ عجّل فرجه), (اللّهمّ أرنا ذلك اليوم العظيم)، لكن المهدي يقول لنا: إذا أردتم أن تروا يومي فعليكم أن تعدّوا أنفسكم لأن تكونوا مجتمعاً أخوياً، إذ لا يمكن لنا أن نكون من أنصاره وأعوانه حتَّى نكون مجتمعاً أخوياً نتبادل المحبّة رغم اختلافاتنا ونتبادل التكافل الاجتماعي، وإذا صرنا بهذه الدرجة صرنا مؤهّلين لأن نكون من أنصاره وأعوانه.
فعن أبي إسماعيل، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جُعلت فداك إنَّ الشيعة عندنا كثير، فقال: (فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون؟)، فقلت: لا، فقال: (ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا). وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): (أيجيء أحدكم إلى أخيه فيدخل يده في كيسه فيأخذ حاجته فلا يدفعه؟)(٢٠).
وإنَّ أنصار المهدي وأعوانه وشيعته هم هؤلاء المجتمع الأخوي القائم على عنصر المحبّة وعنصر التكافل الاجتماعي فلن نكون من أنصاره حتَّى نحوّل أنفسنا من غسيل الاختلافات والتراكمات إلى أنفس متحابّة متقاربة متآخية، قال تعالى: (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: ١١)، وقال تعالى: (لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) (آل عمران: ٩٢).
المظهر الثالث: الرحمة العامّة:
من المظاهر المحمّدية التي تجسَّدت في شخصية المهدي المنتظر (عليه السلام) الرحمة العامّة.
فقد كان النبيّ رحيماً بالمطيعين وبالعصاة، وهكذا المهدي كجدّه رسول الله حنانه ورحمته على العصاة لا تقلّ عن رحمته بالمؤمنين وبالمطيعين، فإنَّ المهدي فيض من الرحمة على العصاة وعلى المطيعين كما كان جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم), فعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صبر في ذات الله عز وجل فأعذر قومه إذ كذب، وشرّد، وحصب بالحصا، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال، أن شقّ الجبال وانته إلى أمر محمّد، فأتاه فقال: إنّي أمرت لك بالطاعة فإن أمرت أن أطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنَّما بعثت رحمة، ربّ اهد قومي فإنَّهم لا يعلمون)(٢١)، كان رحيماً بالكافرين، كذلك المهدي أيضاً هو على خلق جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وقد ورد ذلك في كتب الفريقين، ففي (مسند أحمد) عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (أبشّركم بالمهدي يبعث في أمّتي على اختلاف من الناس وزلازل فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يقسّم المال صحاحاً)، فقال له رجل: ما صحاحاً؟ قال: (بالسوية بين الناس)، قال: (ويملأ قلوب أمّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غنى ويسعهم عدله)(٢٢)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رواية أخرى: (فتنعم أمّتي في زمانه نعيماً لم ينعموا مثله قطّ، البرّ منهم والفاجر)(٢٣)، فالمهدي بشارة والمهدي رحمة والمهدي خلق والمهدي حنان ورأفة على العصاة والمنحرفين فضلاً عن المطيعين والمؤمنين.
المحور الثالث: دولة المهدي دولة رحمة لا دولة عنف:
هناك شبهة طرحتها بعض الأقلام الإسلاميّة ومفادها أنَّ مهدي الشيعة يختلف عن مهدي أهل السُنّة والجماعة، فمن يراجع الروايات الشيعية يجد أنَّ المهدي إنسان دكتاتور، إنسان عدواني، مصدر للعنف والبطش والاستئصال لأمّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والصورة التي تصوّرها روايات الإماميّة عن المهدي تصوّر لنا دولة تقوم على السيف والبطش والاستئصال والعنف، وبالتالي فمعالم هذه الدولة التي ينتظرها الشيعة الإمامية هي:
أوّلاً: دولة تتنافى مع روح الإسلام لأنَّ روح الإسلام الرحمة، قال تعالى: (وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) (الأنبياء: ١٠٧)، بينما دولة المهدي لدى الشيعة دولة تقوم على السيف والبطش والاستئصال فهي تتنافى مع روح الإسلام.
ثانياً: هل من المعقول أنَّ البشرية تنتظر آلاف السنين تلك الدولة الخاتمة بكلّ شوق ولهفة ثمّ تفاجأ بدولة تقوم على البطش والاستئصال والعدوان لا تبقي ولا تذر؟
فبالنتيجة لم يتحقَّق أمل البشرية وإنَّما تصاب بالخيبة وبالخذلان، هذا هو مهدي الشيعة إنسان عنيف عدواني، أمَّا مهدي أهل السُنّة والجماعة فهو مصدر الرحمة والعطف، وهذا الكاتب اعتمد على مجموعة من الروايات الموجودة فعلاً في كتب الشيعة، منها:
الرواية الأولى: من كتاب بحار الأنوار للشيخ المجلسي (رحمه الله) (ج ٥٢/ ص ٣٥٣/ ح ١٠٩) رواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قلت له: أيسير بسيرة محمّد؟ _ بمعنى أنَّ المهدي إذا خرج هل يسير على سيرة محمّد؟ _. قال: (هيهاتَ هيهاتَ يا زرارة، ما يسير بسيرته)، قلت: جُعلت فداك، لِمَ؟ قال: (إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سار في أمّته باللين(٢٤) كان يتألَّف الناس، والقائم يسير بالقتل، بذلك أمر في الكتاب الذي معه أن يسير بالقتل ولا يستتيب أحداً، ويل لمن ناواه)(٢٥).
الرواية الثانية: عن أبي خديجة أيضاً في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٥٣/ ح ١١٠) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: (إنَّ علياً (عليه السلام) قال: كان لي _ بمعنى من صلاحياتي _ أن أقتل المولّي وأجهز على الجريح، ولكن تركت ذلك للعاقبة من أصحابي إن جرحوا لم يقتلوا، والقائم له أن يقتل المولّي ويجهز على الجريح)(٢٦).
الرواية الثالثة: عن العلا، عن محمّد، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: (لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج القائم لأحبَّ أكثرهم ألاَّ يروه، ممَّا يقتل من الناس، أمَا إنَّه لا يبدأ إلاَّ بقريش، فلا يأخذ منها إلاَّ السيف ولا يعطيها إلاَّ السيف، حتَّى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمّد، لو كان من آل محمّد لرحم)(٢٧).
الرواية الرابعة: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: (إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلاَّ السيف، ما يأخذ منها إلاَّ السيف، وما يستعجلون بخروج القائم؟ والله ما لباسه إلاَّ الغليظ، وما طعامه إلاَّ الجشب، وما هو إلاَّ السيف، والموت تحت ظلّ السيف)(٢٨).
الراوية الخامسة: ذكرها النعماني في كتاب (الغيبة)(٢٩) عن أبي الجارود، عن القاسم ابن الوليد الهمداني، عن الحارث الأعور الهمداني، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (بأبي ابن خيرة الإماء _ يقصد القائم _ يسومهم خسفاً، ويسقيهم بكأس مصبرة، ولا يعطيهم إلاَّ السيف هرجاً...).
ما هو موقفنا من هذه الروايات؟
أوّلاً: إنَّ جملة من هذه الروايات ضعيفة السند حيث ورد في طريقها محمّد بن علي الكوفي المكنّى بأبي سمينة، والشيخ النجاشي شيخ الرجاليين يقول: (وكان يلقَّب محمّد بن علي أبا سمينة، ضعيف جدّاً، فاسد الاعتقاد، لا يعتمد في شيء. وكان ورد قم _ وقد اشتهر بالكذب بالكوفة _ ونزل على أحمد بن محمّد بن عيسى مدّة، ثمّ تشهَّر بالغلو، فجفي، وأخرجه أحمد بن محمّد بن عيسى عن قم)(٣٠)، وأيضاً من طرقها محمّد بن علي الهمداني وهو مجهول(٣١)، ومن طرقها الحسن بن علي ابن أبي حمزة البطائني، وقد نصَّ علماء الرجال على ضعفه(٣٢)، ومن طرقها الحسن بن هارون (بيّاع الأنماط) وهو مجهول(٣٣)، ومن طرقها أبو الجارود وقد كان رأس الفرقة الجارودية التي انشقَّت عن الفرقة الزيدية وهو مضعَّف في بعض كتب علم الرجال(٣٤)، إذن هذه الروايات مبتلاة بضعف السند لا ينبغي أن يعوَّل عليها وأن يستنتج منها مفهوم عن دولة القائم المنتظر (عليه السلام).
ثانياً: هذه الروايات معارضة بروايات تظهر لنا روعة دولة القائم وأنَّها دولة الرحمة ودولة الحنان على الكلّ المطيع والعاصي، لاحظوا في كتاب (عقد الدرر) عن الإمام علي (عليه السلام) أنَّ المهدي يأخذ البيعة من أصحابه على أن لا يسبّوا مسلماً، ولا يقتلوا محرماً، ولا يهتكوا حريماً، ولا يهدموا منزلاً، ولا يضربوا أحداً إلاَّ بحقّه(٣٥)، هذا نهج المهدي حتَّى مع أعدى أعدائه وهو السفياني.
ففي الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): (يسير بهم _ أي المهدي _ في اثني عشر ألفاً إن قلّوا أو خمسة عشر ألفاً إن كثروا، شعارهم: أمت أمت حتَّى يلقاه السفياني فيقول: أخرجوا إليَّ ابن عمّي حتَّى أكلّمه، فيخرج إليه فيكلّمه فيسلّم له الأمر ويبايعه _ بمعنى أنَّ السفياني يتراجع عن منهجه _ فإذا رجع السفياني إلى أصحابه ندمه كلب فيرجع ليستقيله فيقيله، فيقتتل هو وجيش السفياني...)(٣٦), إذن الإمام يبدأ عدوّه بحوار ممَّا يدلّ على أنَّه شخصية حوارية منهجها الرحمة وليس منهجها العنف والقتال.
ويذكر في البحار عن الإمام الصادق (عليه السلام): أنَّ المهدي يستدعي بين يديه كبار اليهود وأحبارهم ورؤساء دين النصارى وعلماءهم ويحضر التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، فلا يقاتلهم أوّلاً، بل يبيّن لهم الحقائق، ويجادلهم على كلّ كتاب بمفرده، ويطلب منهم تأويله ويعرّفهم بما بدّل منه(٣٧).
ثالثاً: إنَّ بعض الروايات الصحيحة في هذا المجال دلَّت على حدوث قتال شديد بين المهدي (عليه السلام) ومناوئيه ولكنَّها مطلقة من هذه الجهة، فمقتضى القاعدة تقييدها بما دلَّ على نوع القتال ومن هو المستهدف به والغرض منه، وهنا نلاحظ أنَّ النصوص الشريفة عيَّنت لنا من هو المستهدف بالقتال، وعيَّنت أنَّ قتاله (عليه السلام) قتال دفاعي وليس قتالاً هجومياً, فإنَّ الغرب بيهوده ومسيحييه سيؤمن وسيسلّم للمهدي ولن يقاتله، إنَّما الذي سيقاتل المهدي فئة من المسلمين وهي فئة النواصب، وإلاَّ فإنَّ أغلب أهل الأرض سيسلّمون له طوعاً لأنَّه سيظهر بمنطق العلم والمعرفة، وبمنطق الرأفة والحنان، وستقاتله فئة خاصّة من المسلمين ألا وهم النواصب, فعن الإمام الباقر (عليه السلام): (ويسير _ أي المهدي _ إلى الكوفة، فيخرج منها ستة عشر ألفاً من البترية، شاكين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدين، قد قرحوا جباههم، وشمَّروا ثيابهم، وعمَّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك)(٣٨)، وفي بعض الروايات: (يقبل المهدي على الطائفة المنحرفة فيعظهم ويؤخّرهم إلى ثلاثة أيّام فلا يزدادون إلاَّ طغياناً وكفراً، فيأمر المهدي (عليه السلام) بقتلهم)(٣٩)، مضافاً إلى أنَّ إقامة العدالة التامّة على الأرض كلّها لا يتمُّ إلاَّ باقتلاع براثن الظلم المتجذّرة في كثير من المجتمعات، وذلك يقتضي طولاً في مدّة القتال وشدّة وغلظة، إذ لا يتمُّ اقتلاع الجذور إلاَّ بهذا النهج، وقد قال تعالى عن عملية التطهير الجذري الذي قام به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة: ١٤)، وقال تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) (التوبة: ٥)، وقال تعالى: (وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ) (الأنفال: ٣٩)، وقال تعالى: (وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً) (التوبة: ١٢٣)، فالمعالم البارزة للقتال المحمّدي هي المظاهر البارزة للقتال المهدوي.
ومن خلال هذه الملاحظات عرفنا أنَّ دولة المهدي دولة الرحمة والرأفة والحنان، وأنَّها لا تفرض الدين بالقسر والإكراه، وإنَّما ستنشر الدين بلغة العلم، وهذه سيرة آبائه وأجداده (عليهم السلام)، فقد كان رسول الله إنساناً حوارياً، بدأ بالحوار ولم يبدأ بالقتال، وعلي (عليه السلام) كان أيضاً إنساناً حوارياً بدأ بالحوار ولم يبدأ بالقتال، والحسين نفسه كان إنساناً حوارياً حاور المقاتلين ووعظهم إلى آخر لحظة من لحظات وجوده الشريف، حتَّى أنَّه بكى على أعدائه وقال: (أبكي لهؤلاء القوم الذين يدخلون النار بسببي)(٤٠), والحسين لم يخرج من المدينة إلى مكّة وإلى كربلاء بقصد أن يَقتل أو يُقتل، إنَّما خرج بقصد الإصلاح لكنَّهم أصرّوا على قتله، وقال: (والله لا يدعوني حتَّى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي)(٤١)، (والله يا أخي لو كنت في جحر هامة من هوام الأرض، لاستخرجوني منه حتَّى يقتلوني)(٤٢)، ثمّ وقف على جبل الصفا وقال: (كأنّي بأوصالي يتقطَّعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأنَّ منّي أكراشاً جوفاً وأجربة سغباً لا محيص عن يوم خُطَّ بالقلم رضا الله رضانا أهل البيت نصبر على بلائه ويوفّينا أجور الصابرين... من كان باذلاً فينا مهجته وموطّناً على لقاء الله نفسه فليرحل فإنّي راحل مصبحاً إن شاء الله)(٤٣).

والحمد لله ربّ العالمين
استفتاءات حول سيرة الإمام المهدي (عليه السلام) في الحكم

مكتب المرجع الديني السيد محمد الشاهرودي (دام ظلّه)

س: ما هو تقييمكم للروايات المتواترة التي ذكرت: أن الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يسرف في قتل الأعداء وسفك الدماء الكثيرة لإقامة العدل والخير للبشرية؟
ج: لم تثبت.

رقم الاستفتاء: ٩١٣٧٢٤

آية الله السيد محمد جواد علوي البروجردي (دام ظلّه)

ج: تواتر هذه الروايات غير ثابت والكلام في اعتبار إسنادها، مع التأمل في مدلولها حيث أن هذا المعنى لا يليق بشأن الإمام (عليه وعلى آبائه أفضل التحية والسلام) وإقامة العدل من ناحيته لا تحتاج إلى سفك الدماء الكثيرة فضلاً عن الإسراف فيها وهو الهادي إلى الصواب.

تاريخ الإرسال: ١٠/١/٢٠١٣

المرجع الديني الميرزا يد الله الدوزدوزاني (دام ظلّه)

ج: تواتر هذه الروایات غیر معلوم والسؤال عن هذه الموضوعات والجواب عنها لیس بلازم.

تاريخ الإرسال: ٢٧ /١٢/ ٢٠١٢

المرجع الدیني الشیخ بشير النجفي (دام ظلّه)

ج: بعد اعتقادنا بأنه (سلام الله عليه) معصوم فهو لا يفعل إلا ما أمره الله به فقتله (عليه السلام) لمن يقتل كقبض عزرائيل أرواح ملايين البشر فقتله كذلك فهو لا يسأل عن ذلك.
نعم لا يكون منه سلام الله عليه إسراف في الدماء كما يشير إليه قوله تعالى: (فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً).

تاريخ الإرسال: ١٠/صفر/١٤٣٤هـ

مكتب المرجع الديني السيد محمد سعيد الحكيم (دام ظلّه)

ج: لعل المقصود المبالغة وترهيب الأعداء، خصوصاً مع ملاحظة الغاية المنصوصة وهي إقامة العدل، حيث لا يعقل اجتماع العدل مع الإسراف في ذلك.

تاريخ الإرسال: ٨/١/٢٠١٣

آية الله السيد علي الميلاني (دام ظلّه)

ج: نحن لا نقول بالإثبات المطلق ولا بالنفي المطلق.

رقم الاستفتاء: ٧٤٩٤

المرجع الديني السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله)

يسير بسيرة جده
لا يسير الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بخلاف سيرة آبائه الطاهرين عليهم (الصلاة والسلام)، أما الأحاديث الشريفة التي قد يستظهر منها أنه (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يعمل بخلاف السيرة العامة لآبائه الطاهرين، فهي موجبة جزئية على نحو القضية الخارجية، كما كان شأن آبائه الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام).
حالها حال العديد من العمومات والإطلاقات في القرآن الكريم كقوله تعالى: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) حيث المقصود منها موجبة جزئية، وكذلك في الأحاديث الشريفة الكثير، كبعض ما ورد في الروايات الشريفة من ذم النساء، حيث المقصود ليس كل النساء، بل بعض النساء اللواتي كن في ذلك الزمن.

(استفيد ذلك من جواب المرجع الشيرازي دام ظله في جلسات ليالي شهر رمضان).
٧ رمضان المبارك ١٤٣٢

المرجع الديني الشيخ شمس الدين الواعظي (دام ظلّه)

ج: ليس الأمر كما كتبت _ حفظك الله _ بل إن حركة الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) تشبه إلى حد كبير حركة جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) تقوم بعرض الحق وبيان الواقع لإقامة دولة العدل الإلهي. فمن أذعن للحق وإلا عدّ محارباً للمشروع الرباني المخطط له منذ افتتاح المسيرة البشرية.
وسيستخدم الإمام كل وسائل الإقناع المتاحة لديه ولا يبادئ أحداً بالحرب كما ظن البعض. ولو كان الإمام (عجل الله فرجه الشريف) كما تقول فما الفرق بينه وبين السلطان الجائر؟!!

تاريخ الإرسال: ١٢/٣/٢٠١٤

المرجع الدیني الشیخ محقق کابلي (دام ظلّه)

ج: لم تثبت عندنا هذه الروایات.

٢٩/ربيع الثاني/١٤٣٥هـ

مكتب المرجع الديني الشيخ إسحاق الفياض (دام ظلّه)

س: هل خروج الإمام (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بالسيف يدل على سفك الدماء؟
وهل الإكثار في قتل الأعداء وسفك الدماء الكثيرة يتعارض مع ما ورد من أنه يسير بسيرة جديه رسول الله وأمير المؤمنين (عليهما وآلهما الصلاة والسلام)؟
ج: ليس المراد من خروجه بالسيف سفك الدماء، كيف وهو الإمام المعصوم العدل الذي يملأ الارض عدلاً، فلا يقتل إلا من يستحق القتل، والمراد هو عدم اتقائه من أعدائه وأعداء الدين كما كانت وظيفة آبائه فلا يتقي أحداً، ويناجز من لا ينصاع لدعوة الحق وينصب له (عليه السلام) العداء والقتال.

٢٠/ج١/١٤٣٣هـ

المرجع الديني الشيخ محمد الخاقاني (دام ظلّه)

ج: لا يلزم من ذلك سفك الدماء والإكثار من القتل وإنما خروجه بالسيف رمز للقوة وإثبات العدل والمساواة لتطبيق الحدود الشرعية والتعزيرات وكذا حفظ النظام وما إلى ذلك.

تاريخ الإرسال: ١/٤/٢٠١٢

المرجع الديني السيد محمد الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه)

الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وخروجه بالسّيف
أما تفسير السيف بمطلق القوة، لا خصوص السيف غير ظاهر؛ وذلك لأن صرف معناه الظاهري يحتاج الى قرينة وهي مفقودة في المقام، خصوصاً مع وجود بعض الروايات الدالة على حمله (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لسيف الإمام علي (عليه السلام) ذي الفقار.
هذا إضافة إلى أن الظاهر: إن غالب الأعداء يُسلمون ويسلّمون لما يرون من الدلائل والبينات، وغيرهم يستسلم لما يتملكه من الرعب، إذ يُنصر مولانا (أرواحنا فداه) بالرعب، وهو من أسباب قلة القتلى جداً.
مضافاً إلى ظهور: (إنه عليه السلام يسير بسيرة جده صلى الله عليه وآله) في ذلك.

كتاب: فقه المستقبل

المرجع الديني الميرزا جواد التبريزي (قدّس سرّه)

س: يقول البعض بخروج الإمام المهدي (عليه السلام) بالسيف، ما هو المراد من السيف وكيف تفسرونه؟
ج: يمكن أن يكون المراد بالسيف المعنى الظاهر لهذه الكلمة، وتفسيره بالقوة وأداة القتال يحتاج إلى القرينة، وإن كان هذا في حدّ نفسه ممكناً وكون هذا الزمان زمان التقدّم العلمي والآلات التكنولوجية المتطورة لا يكون قرينة على صرف معنى كلمة السيف عن ظاهرها؛ لأنا لا نعلم زمان خروجه (عليه السلام) ولا ظروف ذلك الزمان، فلعل جميع هذه الوسائل المتطورة تفنى ولا يبقى منها شيء، أو تتعطل عن عملها ولو بمشيئة الله تعالى على نحو الإعجاز بعد ظهوره (عليه السلام)، كما شاء الله تعالى أن يجعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام)، وكما أن السكين مع كونها حادة لم تذبح إسماعيل (عليه السلام)، وكما في انفلاق البحر لموسى (عليه السلام)، وغير ذلك من الموارد التي أظهرها الله تعالى، فإنّ الله على كلّ شيء قدير.

كتاب: الأنوار الإلهية في المسائل العقائدية

المرجع الديني السيد صادق الروحاني (دام ظلّه)

س: هل من الصحيح القول بأنّ أهمّ آليّة يستخدمها الإمام المهدي (عليه السلام) لتحرير العالم من الظلم والجهل هو سلاح الحرب والقتل الجماعي وإيجاد أنهر من الدماء؟
أم أنه يعتمد آلية المبادئ العقلية والمنطقية والوجدان الديني، وينادي فطرة البشر ويحاورهم، ويبعث لهم سفراء أينما كانوا، مما يجعلهم ينجذبون إليه وإلى ما يدعو إليه من العدالة، لكن الأقلية من سكنة الأرض تتعرّض مصالحهم للخطر فيحاربونه ويجاهدهم؟
وبصياغة أخرى: هنالك عدّة روايات تصف حركة الإمام (عليه السلام) بأنها قائمة على السيف، نظير «يقتل القائم (عليه السلام) حتى يبلغ السوق» و«من كثرة ما يقتل هناك من يقول: ليس من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم» و«من كثرة ما يقتل هناك من يقول: إنه ليس من ولد فاطمة» و«يقطع رؤوس الناس كما يقطع القصاب رأس الذبيحة» و«يتّخذ سيرة غير سيرة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأمير (عليه السلام) فلا يقبل التوبة» و«يقتل جميع الحيوانات المحرّم أكل لحمها» و«يبقر بطون الحوامل»، فهل هذه الروايات صحيحة؟
ج: أكثر الأخبار التي تصف نهضة الإمام بأنّها نهضة دمويّة أخبار ضعيفة الأسناد، ولعلّها قد وضعت بغرض تشويه نهضته المباركة، وما صحّ منها يُحمل على جهاد اُولئك الذين يرفضون دعوته، ويصرّون على حربه ومواجهته، وإلاّ فإنّ منهجه هو التسامح والدعوة بالتي هي أحسن، ولذلك ورد في العهد الذي يأخذه على أنصاره: «يبايعون على أن لا يقتلوا، ولا يهتكوا حريماً محرماً، ولا يسبوا مسلماً، ولا يهجموا منزلا، ولا يخرّبوا مسجداً، ولا يقطعوا طريقاً، ولا يخيفوا سبيلا، ولا يقتلوا مستأمناً، ولا يتّبعوا منهزماً، ولا يسفكوا دماً، ولا يجهزوا على جريح».

كتاب: أجوبة المسائل ج:١

آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه)

السلام عليك أيها الرحمة الواسعة
إن جميع روافد الرحمة الإلهية العامة تنتهي إلى منبع واحد هو وجود خاتم الأوصياء الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وكلّ رافد يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، فالشمس تمثّل جانباً والماء جانباً والهواء الذي نستنشقه يمثّل جانباً من جوانب الرحمة الإلهية العامة، ولكن هناك منبع واحد يمثّل الرحمة الإلهية العامّة الشاملة بتمام أبعادها ومظاهرها، ذلكم هو الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وقد روي أنه (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) قال عن نفسه: «إن رحمة ربكم وسعت كل شيء وأنا تلك الرحمة».
وفي زيارة آل ياسين نخاطب الإمام المهدي (عليه السلام): السلام عليك أيها الرحمة الواسعة. وفي الدعاء: «وأكمِل ذلك بابنه القائم رحمة للعالمين».
وكلمة "العالمين": جمع "عالم" فهي تشمل عالم الإنس، والجن، والملائكة، وعالم الأجنة والنبات والحيوان...، لأن كلّ مجال يضمّ صنفاً من المخلوقات فهو عالَم.
استناداً إلى ما تقدم وإلى بعض الروايات المعتبرة الأخرى، يمثّل الإمام المهدي (عليه السلام) الرحمة التي تشمل كلّ العوالم، فما من شيء إلا وهو مشمول بها، وهو (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يمثّل المنبع الذي يمدّ جميع الروافد الخاصّة للرحمة الإلهية، ولذلك لا تجد موجوداً في هذا العالم - إنساناً كان أم نباتاً أم جماداً أو ملكاً - إلا وهو مشمول لهذه الرحمة التي تسع المؤمن والكافر والمنافق وجميع الكائنات، فكلّ الكائنات إنما يجلسون على مائدة الإمام المهدي (عليه السلام) ويكتسبون الفيض منه - بإذن الله تعالى ومشيئته.

كتاب: الإمام المهدي (عليه السلام) إمام الرحمة

آية الله الشيخ محمد كاظم الخاقاني (دام ظله)

الانتقام هو الانتقام من رؤوس الجريمة:
لعل ما أشارت إليه الروايات من الانتقام هو الانتقام من رؤوس الجريمة التي لا صلاح للأرض إلّا بتطهير الأرض منهم حيث لا يصلحهم إلّا السيف كأمثال أبي جهل والمنافقين أعداء آل محمد (عليهم السلام) الذين بعد ما كلّت سواعدهم من مقاومة الدعوة دخلوا في الإسلام لينالوا منه وهم في داخل الهيكل الإسلامي ليكونوا أشد وقعاً بالإسلام والمسلمين فأمثال هؤلاء لا يعطيهم المهدي (عليه السلام) مجالاً للتلاعب في عصر الظهور ليفسدوا على البشرية الأمر ويحرفوا الموازين عن مواطن استقامتها.
فالمهدي سيف الحق والرحمة العامة للعالمين مظهر تجليات الأنوار المحمدية فهو مظهر اللطف والعطف والعلم والعدل والحكمة وجميع الأسماء والصفات الإلهية فلا يقيم دولة الحق لإرعاب عام بشري ولا يكون وسيلة للانتقام والثارات.
فما قام التوحيد لأخذ الثارات وتصفية الحسابات وما قام أحد من الأنبياء بذلك وشعار يا لثارات الحسين قد فهم البعض منه فهماً سيئاً بعيداً عن سنن الله عز وجل في العالمين ظاناً أن المهدي (عليه السلام) رئيس قبيلة يأتي ليأخذ الثأر من أبناء من قتلوا جدّه الحسين (عليه السلام) غافلاً عن أنها معالم النبوة التي هي الرحمة للعالمين متجلية في مهدي آل محمد (عليهم السلام).

كتاب: إزدهار الحق بظهور قائم آل محمد (عليهم السلام)

آية الله الشيخ محمد السند (دام ظلّه)

الأصل في سيرة المهدي (عليه السلام) أنَّه يسير بسيرة جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
بسم الله الرحمن الرحيم
(إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، وهذا ما قد قاله سيّد الرسل عندما فتح مكّة، نعم كان منه الصفح والعفو، وهذا ما سيكون عليه الإمام المهدي (عليه السلام) إذ يسير بسيرة جدّه المصطفى في العفو، ومن أصرَّ من الأعداء المعاندين في اللجاج والخصومة فتكون سيرته معهم بشكل آخر، وإلاَّ فالأصل في سيرة المهدي (عليه السلام) أنَّه يسير بسيرة جدّه المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإن كان قد ورد أنَّ المصطفى بُعث رحمة والمهدي بُعث نقمة، فالمقصود من ذلك أنَّه يسير بسيرة جدّه يعفو ويصفح، لكن من يركب رأسه اللجاج والعناد ينتقم منه ولا يكون له مهلة كما قد كان في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

كتاب: الإمام المهدي (عليه السلام) والظواهر القرآنية



 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للنعماني: ٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٥.
(٢) تأويل الآيات ٢: ٤٤٥/ ح ٩؛ ينابيع المودّة ٣: ٢٤٦/ باب ٧١/ ح ٣٧.
(٣) الإمامة والتبصرة: ١٠١/ باب إمامة القائم (عليه السلام)/ ح ٩١.
(٤) نهج البلاغة ٤: ١٣/ ح ٤٥.
(٥) مواقف الشيعة ٣: ٢٧٤/ الرقم ٨٩١.
(٦) أمالي الصدوق: ٧٨/ ح (٤٥/٣).
(٧) من لا يحضره الفقيه ١: ٤٩١/ ح ١٤٠٩.
(٨) كمال الدين: ٣٥١/ باب ٣٣/ ح ٤٦.
(٩) نهج البلاغة ٣: ٨٤/ ح ٥٣، من عهد له (عليه السلام) إلى مالك الأشتر النخعي.
(١٠) أنظر: من أخلاق الإمام الحسين (عليه السلام): ١٨٨؛ وجاء في الإرشاد (ج ٢/ ص ٧٢): (حدَّث جماعة من فزارة ومن بجيلة، قالوا: كنّا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكّة، فكنّا نساير الحسين (عليه السلام)، فلم يكن شيء أبغض إلينا من أن ننازله في منزل...).
(١١) بنور فاطمة اهتديت لعبد المنعم حسن: ٢٠١.
سمعتها من الثقة الثبت العارف الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري –قده- كما سمعت منه هذه الرواية ايضا: (كلنا سفن النجاة ولكن سفينة جدي الحسين أوسع) مع اني لم أجدها في مصدر معتبر فلعل هذه الروايات وصلت لهؤلاء عن طريق المشافهة والأجازة. (السيد منير الخباز)
(١٢) علل الشرائع ١: ١٧٤/ باب ١٣٩/ ح ١.
(١٣) المزار لابن المشهدي: ٥٢٩.
(١٤) مصباح المتهجّد: ٧٢١/ الرقم (٨٠٦/٧٥).
(١٥) عن عائشة، قالت: كان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثمّ يصلّي فيه ويحتّه من ثوبه يابساً ثمّ يصلّي فيه. (مسند أحمد ٦: ٢٤٣).
(١٦) راجع: سنن النسائي ١: ٢٩٣ - ٢٩٩، فيمن نام عن الصلاة.
(١٧) الغيبة للنعماني: ٨٨/ باب ٤/ ح ١٦.
(١٨) عن عبد الله بن عطاء المكّي، عن شيخ من الفقهاء - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) -، قال: سألته عن سيرة المهدي كيف سيرته؟ فقال: (يصنع كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر الجاهلية، ويستأنف الإسلام جديداً). (الغيبة للنعماني: ٢٣٦/ باب ١٣/ ح ١٣).
وعن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن القائم عجَّل الله فرجه إذا قام بأيّ سيرة يسير في الناس؟ فقال: (بسيرة ما سار به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى يظهر الإسلام)، قلت: وما كانت سيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: (أبطل ما كان في الجاهلية واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم (عليه السلام) إذا قام يبطل ما كان في الهدنة ممَّا كان في أيدي الناس ويستقبل بهم العدل). (تهذيب الأحكام ٦: ١٥٤/ باب سيرة الإمام (عليه السلام)/ ح ٢٧٠/١).
(١٩) تفسير القمي ١: ١٧٠.
(٢٠) الكافي ٢: ١٧٣ و١٧٤/ باب حقّ المؤمن على أخيه/ ح ١١ و١٣.
(٢١) الاحتجاج ١: ٣١٥.
(٢٢) مسند أحمد ٣: ٣٧.
(٢٣) كنز العمّال ١٤: ٢٧٤/ ح ٣٨٧٠٦.
(٢٤) وفي بعض نسخ كتاب الغيبة للنعماني: (بالمنّ).
(٢٥) عن الغيبة للنعماني: ٢٣٦ و٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٤.
(٢٦) عن الغيبة للنعماني: ٢٣٧/ باب ١٣/ ح ١٥.
(٢٧) الغيبة للنعماني: ٢٣٨/ باب ١٣/ ح ١٨.
(٢٨) الغيبة للنعماني: ٢٣٩/ باب ١٣/ ح ٢١.
(٢٩) الغيبة للنعماني: ٢٣٤/ باب ١٣/ ح ١١.
(٣٠) رجال النجاشي: ٣٣٢/ الرقم٨٩٤.
(٣١) راجع: الفهرست/ الطوسي: ٣٣٧/ الرقم ٦١٨؛ رجال ابن داود: ٢٧٤/ الرقم ٤٦٨.
(٣٢) راجع: رجال النجاشي: ٣٦/ الرقم ٧٣؛ اختيار معرفة الرجال ٢: ٨٢٧/ الرقم ١٠٤٢.
(٣٣) راجع: مستدركات علم رجال الحديث للشيخ علي النمازي ٣: ٦٧/ الرقم ٤٠٦٩؛ الفائق في رواة وأصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) لعبد الحسين الشبستري ١: ٣٨٦/ الرقم ٧٧٨.
(٣٤) راجع: رجال النجاشي: ١٧٠/ الرقم ٤٤٨؛ اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٩٥ و٤٩٦/ الرقم ٤١٣ - ٤١٦.
(٣٥) انظر: معجم الإمام المهدي (عليه السلام) ٣: ٩٥/ ح ٦٣٩، عن عقد الدرر: ٩٠ - ٩٩.
(٣٦) كتاب الفتن للمروزي: ٢١٧.
(٣٧) راجع: بحار الأنوار ٥٣: ٩، عن مختصر بصائر الدرجات: ١٨٥.
(٣٨) دلائل الإمامة: ٤٥٥ و٤٥٦/ ح (٤٣٥/٣٩).
(٣٩) مختصر البصائر: ١٩٠.
(٤٠) بنور فاطمة اهتديت لعبد المنعم حسن: ٢٠١.
سمعتها من الثقة الثبت العارف الكبير السيد عبد الأعلى السبزواري (قدس سره) كما سمعت منه هذه الرواية أيضاً: (كلنا سفن النجاة ولكن سفينة جدي الحسين أوسع) مع اني لم أجدها في مصدر معتبر فلعل هذه الروايات وصلت لهؤلاء عن طريق المشافهة والأجازة. (السيد منير الخباز)
(٤١) الإرشاد ٢: ٧٦.
(٤٢) بحار الأنوار ٤٥: ٩٩.
(٤٣) مثير الأحزان: ٢٩.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016