فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » رؤى مهدوية (شذرات فكرية في القضية المهدوية)
 كتب أخرى

الكتب رؤى مهدوية (شذرات فكرية في القضية المهدوية)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: مجتبى السادة تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٨/١٦ المشاهدات المشاهدات: ٥٩٥ التعليقات التعليقات: ٠

رؤى مهدوية
شذرات فكرية في القضية المهدوية

مجتبى السادة
الطبعة الأولى ٢٠١٦م – ١٤٣٧هـ

المحتويات

الاهداء
المقدمة
الباب الاول: رؤى مهدوية في فكر بعض الفرق الاسلامية
تمهيد: أهمية دراسة الأطروحات المهدوية المختلفة
العقيدة المهدوية تجمعنا وتوحدنا
المؤامرة ضد العقيدة المهدوية
منهجنا في المقارنة
الهدف من الدراسة
الفصل الاول: المهدي المنتظر في الفكر الإباضي
الإباضية النشأة والعقائد
الانتشار التاريخي والحالي
رأي الإباضية في المهدي
مبررات موقف الإباضية من المهدي
خلاصة القول
الفصل الثاني: المهدي المنتظر في الفكر الإسماعيلي
الطائفة الإسماعيلية
الإسماعيلية النزارية
الإسماعيلية المستعلية الطيبة
المهدي في المعتقد الإسماعيلي
هوية المهدي المنتظر عند أتباع المذهب الإسماعيلي حالياً
هوية المهدي عند الفرقة الإسماعيلية المستعلية السليمانية
هوية المهدي عند الفرقة الإسماعيلية النزارية القاسمية
خلاصة القول
الفصل الثالث: المهدي المنتظر في فكر أهل السنة
مذاهب أهل السنة
المهدي المنتظر في معتقد أهل السنة
هوية وصفات وسيرة المهدي عند أهل السنة
الأحاديث والآثار عند أهل السنة في المهدي
علامات ظهور المهدي عند أهل السنة
مناقشة أطروحة أهل السنة في المهدي
أولاً: سيولد في آخر الزمان (المستقبل)
ثانياً: تعيين المهدي للخلافة
ثالثاً: معرفة المهدي حقيقة نفسه
رابعاً: صلاة المسيح خلف المهدي واستيعاب شخصيته
خامساً: الإيمان بخوارق الدجال وإنكار استئثار المهدي لمثلها
خلاصة القول
الفصل الرابع: المهدي المنتظر في فكر الشيعة الإمامية
نشأة التشيع والشيعة
تعداد الشيعة في العصر الحاضر
موجز عقائد الإمامية
مقام الإمامة عند الاثنا عشرية
المهدي المنتظر في معتقد الإمامية
جذور وأسس الأطروحة المهدوية عند الإمامية
هوية وخصائص الإمام المهدي عند الإمامية
علامات وشروط ظهور المهدي عند الإمامية
معالم الدولة المهدوية الفاضلة
إيضاح لشبهات وإشكالات حول الأطروحة الإمامية
الأول: إنكار ولادته
الثاني: استهجان إمامته المبكرة
الثالث: التشكيك في طول عمره
الرابع: ما فائدته في غيبته
الخامس: فرية السرداب
خلاصة القول
الباب الثاني: رؤى مهدوية استراتيجية
الفصل الاول: عند الظهور المقدس لماذا شعار يا لثارات الحسين
الأول: الفتح المحمدي (فتح مكة)
الثاني: الفتح الحسيني (عاشوراء)
الثالث: الفتح المهدوي (الظهور-عاشوراء)
خلاصة القول
الفصل الثاني: استراتيجية الاعداء في حربهم ضد الامام المهدي حالياً
أولاً: نسف العقيدة المهدوية من الأساس
ثانياً: خلق حالة من الكره النفسي والعقلي للإمام
ثالثاً: ضرب المرجعية الدينية الشيعية
رابعاً: محاربة الأرضية الداعمة والمؤيدة والمساندة للإمام
خلاصة القول
الفصل الثالث: قراءة استراتيجية في مسيرة التمهيد المهدوي
أولاً: الاستمرار في عرض المسائل الفكرية والعقائدية
ثانياً: التصدي إلى أعداء الإسلام
ثالثاً: التبشير للقضية المهدوية لدى غير المسلمين
رابعاً: الاستفادة من أساليب ومناهج الدولة المهدوية
خلاصة القول
الباب الثالث: رؤى مهدوية في علامات الظهور
الفصل الأول: منهج قراءة علامات الظهور
أولاً: معرفة العلامات وتقسيماتها
ثانياً: إدراك الأبعاد التربوية للعلامات
ثالثاً: المحافظة على سرية حركة الظهور
رابعاً: قراءة العلامات بصورة شاملة
خامساً: استيضاح مصدر الخبر أو العلامة
خلاصة القول
الفصل الثاني: الحجاز قبل الظهور
مكانة الحجاز في أحداث آخر الزمان
إيجاز عن الوضع السياسي في الحجاز قبل الظهور
موقف أهل الحجاز تجاه الإمام
أبرز الأحداث السياسية في العالم الإسلامي
خسف البيداء وهجمة السفياني على الحجاز
خريطة سير الإمام بدءً من الصيحة وحتى الخروج إلى المدينة
مكانة الانتظار بين سكان الجزيرة العربية
الفصل الثالث: الاكتشافات العلمية تترجم علامات الظهور الغيبية
أولاً: الصوت السماوي (الهدّة أو الفزعة) في رمضان
ثانياً: كف تطلع من السماء
ثالثاً: علامات ظهور لها علاقة بالشمس
رابعاً: اكتشافات علمية تؤكد أخباراً غيبية
خلاصة القول
الخاتمة: ولاء عاشق للمهدي (عجل الله فرجه)
المصادر

الإهداء

السلام عليكِ يا سيدتي ومولاتي يا فاطمة الزهراء.. السلام عليكِ يا درة التوحيد، وثمرة النبوة، وبرزخ الولاية، سلام المخلص لكِ في الولاء.. سيدتي أجدد العهد والبيعة لكِ ولأبيك وبعلك وبنيك في يومي هذا وما عشت من أيامي.. سيدتي يا ومضة القدوس وسيدة نساء الملكوت، كلنا شوق لابنكِ: أمير الأمة المحمدية وخاتم الولاية الإلهية.
السلام عليكِ يا فاطمة يا من فطمت هي وشيعتها من النار.
السلام عليكِ يا زهراء يا من نورها اُزهرت به السموات.
السلام عليكِ يا صديقة يا من صدقت بالوحدانية والنبوة والولاية وهي في رحم أمها.
السلام عليكِ يا طاهرة يا من نزهت عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
السلام عليكِ يا مرضية يا من رضي الله عنها فاتحد رضاها برضاه.
السلام عليكِ يا حوراء يا من نطفتها تكونت من ثمار الجنة.
السلام عليكِ يا محدثة يا من تحدثها الملائكة.
السلام عليكِ يا بتول يا من بُتّلت عن النظير.
السلام عليكِ يا من اسمها في القرآن (الكوثر)، وفي التوراة (هليون)، وفي الانجيل (متسربلة).
السلام عليكِ يا: أم الأنوار، وأم النجباء، وأم الأطهار، وأم السبطين، وأم النورين، وأم الريحانتين، وأم البررة، وأم التقى، وأم الخيّرة، وأم الرأفة، وأم العلا، وأم الفضائل، وأم العلوم، وأم أبيها.
السلام عليكِ يا: بضعة المصطفى، وتفاحة الفردوس، وحظيرة القدس، وخامسة أهل الكساء، وثالثة الشمس والقمر، وحجاب الله المرخى، والكوكب الدري، والحوراء الإنسية، والذروة الشامخة، ومستودع السر الأعظم.
يا سيدتي ومولاتي: يا سيدة نساء العالمين هذه سطور وصفحات عن حفيدك يوسف الزهراء.. يا بقية النبوة هذه رؤى وأفكار عن بقية الله.. يا حانية يا صاحبة القلب العطوف والرؤوف، تقبلي مني هذا الإهداء وتحنني عليَّ بأن تجعليني من همك.. أسأل الله أن يرزقني شفاعتكِ ورؤيتكِ في الآخرة.. والسلام عليكِ ورحمة الله وبركاته.

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين، أما بعد:
الإيمان بحتمية ظهور المنقذ، وإقامة الدولة العالمية الفاضلة من نقاط الاشتراك والاتفاق البارزة بين جميع الأديان السماوية، ومعظم أفراد البشرية ينتظرون المخلص بفارغ الصبر.. فالقضية المهدوية من السنن والنواميس الإلهية، وتحقق الأهداف الربانية من إرسال الأنبياء والرسل، وهو وعد إلهي في كتابه الكريم.. وهي قضية جميع شعوب وقبائل وحضارات العالم، فهي ضرورة إنسانية، وهي المصداق الحقيقي والوحيد للمخلص والمنقذ العالمي.
المهدوية الأصيلة تعد من ركائز الدين الإسلامي العقائدية، وأغلب الفرق الإسلامية تتفق على ظهور المهدي في آخر الزمان.. وإن جميع المساعي والجهود والتضحيات التي قام بها الأنبياء والرسل والأئمة والأوصياء، وكذلك حصيلة ونتائج كل المواقف البطولية التي قدموها، ستؤتي ثمارها على يديه المباركتين، وستظهر بواسطته ثمرة الإسلام.. فيتطلب منا في عجالة أن نشير إلى المقام الشامخ والرفيع للإمام صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه)، علماً بأنه من المستحيل درك ولمس عظمة الإمام بقية الله، ولكن إذا عرفنا شيئاً من مقامه العظيم، ستسمو وتكبر في أعيننا منزلته، وتزداد علاقتنا ومحبتنا له، وسنتقرب أكثر وأكثر إلى ساحته القدسية.. فللمهدي المنتظر مكانة خاصة ومقام رفيع عند الله (عزَّ وجلَّ) وعند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لأنه عجل الله فرجه من كبار سادة أهل الجنة، وإن الجنة تشتاق إليه، وهو طاووسها، وأن عليه من نور الله جلابيب تتوقد، وأنه ملهم مهديُّ من الله تعالى وإن لم يكن نبياً، وأن الله يجري على يديه كثيراً من الكرامات والآيات والمعجزات، فهو بقية الله ووعد الله التي تعمر الأرض على يديه، ويكفي المهدي شرفاً ومكانته علواً، أن عيسى بن مريم يصلي خلفه ويرضى به إماماً له.
إن الحديث عن الإمام المهدي (عليه السلام) هو حديث عن الإسلام بنقائه وصفائه، وأن القضية المهدوية لها أبعاد كثيرة، عقائدية وأخلاقية وثقافية ومعنوية، والحديث فيها واسع، فهي تمنح الدين الإسلامي جدوى الاستمرارية ومعنى الخلود في فضاء الأيدولوجيات.. ومن أجل النهوض بالثقافة المهدوية الأصيلة، وتعزيز الأهداف التربوية في المجتمع الإسلامي جاء هذا الكتاب.. لقد حاول البعض وللأسف حصر الاعتقاد بالمهدي (عليه السلام) بالمذهب والمدرسة الإمامية، في محاولة مزاجية متعسفة لا تنطلق من أصول علمية ولا يسندها الواقع الفكري ولا التراث الثقافي للمدارس الإسلامية المختلفة، وبحوثنا في هذا الكتاب تعضد الحقيقة الناصعة بأن العقيدة المهدوية فكرة راسخة ومتأصلة في أروقة الفكر الإسلامي.. إن إلقاء الضوء على الآراء المختلفة والمدارس المتناقضة في القضية المهدوية، يغني الفكرة ويثري المضمون ويوسع دائرة الأفق، فالدراسات المقارنة سواء على الصعيد الأكاديمي أو على صعيد اختلاف التيارات والمدارس الفكرية، إذا ما روعيت فيها الموضوعية وأخذت بعين الاعتبار المعايير العلمية، فإننا سنحصل على نتائج طيبة وسنتعرف على أوجه الاختلاف والائتلاف أو نقاط الالتقاء والافتراق، علماً بأن الخلاف في الأطروحات المهدوية هو خلاف في الأساس في عمق آليات الفهم الديني، ومع ذلك هي مسألة التقاء لجميع الأديان، إذاً ليست المشكلة في التنوع المذهبي ولا الاختلاف الفكري، وإنما تكمن في التعصب وتحجر الأفكار وضيق الأفق، ولا ريب أن الحديث عن الوحدة والسلام، وقبول الآخر وثقافة التسامح لا يمكن أن يتم إلا بالمعرفة، أن تعرف ما عندي وأن أعرف ما عندك.
إن ما يميز كتابنا هذا أنه عبارة عن دراسات وبحوث بحشد ثقافي متعدد الأطياف، ويعالج جوانب عديدة ومتنوعة في القضية المهدوية.. فلقد وقفنا على أطروحات مهدوية مختلفة، وبذلنا جهداً لاستقصاء مدارك نظرياتهم وفهم مبانيهم العقدية، واستعرض قلمنا بشيء من الإيجاز وبتوضيح عام أهم أراء وأفكار بعض الفرق الإسلامية حول المهدي المنتظر، ووضحنا ملامح أطروحاتهم وسلطنا الضوء على أهم تصوراتهم وجوهر نظريتهم.. حتى يستطيع القارئ تقييم الأطروحة بموضوعية وبشكل منصف ومحايد، ويستنتج أيهما أقرب إلى الرؤى القرآنية والمنهج النبوي.. وأود أن أشير إلى أن الموضوع الذي بحثته في قسم (الباب الأول): هو العمود الفقري للكتاب، وقد كان بالغ الحساسية والأهمية، ولا أدعي إيفاء الموضوع حقه من البحث والاستقصاء، فهناك مدارس أخرى لم نبحث نظريتها المهدوية ولم نشر لها كالزيدية مثلاً، وكل ما قدمته وعالجته في هذه الدراسة كان محاولة أولى في مجال الدراسات المهدوية المقارنة التي تفتقدها المكتبة الإسلامية ودراساتنا الأكاديمية، أرجو أن تكون فاتحة لغيرها من البحوث الموضوعية والنافعة.
ومن بحوث هذا الكتاب إعطاء لمحة عن بعض الرؤى الاستراتيجية في القضية المهدوية (الباب الثاني): فالعقيدة المهدوية قضية عامة تخص البشرية كلها، وهي أيضاً مسألة مركزية في المنظور الإسلامي، فيتحتم على المؤمنين أن يتحلوا بنظرة عميقة وشاملة لأبعاد القضية المهدوية، ومعرفة كل ما يحيط بها وما يحاك ضدها.. ورؤى وأفكار هذا الكتاب هي في الأساس عبارة عن مجموعة بحوث ودراسات سابقة حول الثقافة المهدوية وذو أهداف تربوية قد كتبت بنظرة شاملة وبتحليل كلي.. كما أن من محتويات هذا الكتاب (الباب الثالث): قراءة في علامات الظهور برؤية جديدة، ففي الوقت الراهن زاد اهتمام الناس بكثرة للبحث عن إرهاصات اليوم الموعود، لعلهم يجدون بصيص أمل لقرب الفرج، ولذا قد تطرقنا لمجموعة من الثوابت التي يجب مراعاتها وإدراكها عند التعامل مع علائم الظهور، بالإضافة للتمتع برؤية ثاقبة ونظرة شاملة وبصيرة تحليلية فيما يخص أخبار المهدي.
آمل أن يكون هذا الكتاب قد تمكن من رسم لمحة جديدة عن القضية المهدوية، فالثقافة والفكر أهم منابع قوة المسلمين، وأن تنافس النظريات والأطروحات الفكرية عبر الحوار والدراسات تمثل ضرورة بقاء وثراء لهذه النظريات.. وأن من أبرز سمات الفكر الأصيل والمتفتح أنه يمكن التحاور فيه لأجل إثرائه وبلوغ الحقيقة.. وكتابنا هذا ينتمي لهذه الفئة، إذ أن مضمونه عبارة عن بحوث عقائدية مقارنة، ويهدف لملء فراغ في المكتبة الإسلامية ورفداً للحركة العلمية، وأن يعبد الطريق للثقافة المهدوية الأصيلة.
وقبل أن أقفل هذه المقدمة، أرى من نافلة القول إيضاح أن هذا الكتاب يحكي رؤىً موجزة عن قضية الإمام الملهم العظيم، وإلمامة عابرة بالسيرة العطرة لبقية الله، الذي أُعدّ لإقامة الدولة الفاضلة.
وختاماً، أسأله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت في عرض الأطروحة المهدوية الإمامية بإيجاز وبجميع مفرداتها وشؤونها الرئيسية شكلاً ومضموناً، وأن يجد المسلمون عموماً والمؤمنون خصوصاً شيئاً من الفائدة في هذه البحوث، ونسأل الله القبول.
.. نتمنى للقارئ الكريم نزهة فكرية ورحلة ثقافية ممتعة..

الباب الأول: رؤى مهدوية في فكر بعض الفرق الإسلامية
تمهيد: أهمية دراسة الأطروحات المهدوية المختلفة

المهدي المنتظر هو شخص يتوقع المسلمون ظهوره في الفترة الأخيرة من حياة البشرية، أو ما يعرف إسلاميا بـ (آخر الزمان) ليكون هذا الشخص حاكماً عادلاً وعظيماً لدرجة أنه سينهي الظلم والفساد على وجه الأرض وينشر العدل والإسلام الأصيل كما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويحارب وينتصر على أعداء الإسلام، وعلى الرغم من أن المصادر الإسلامية تكاد تجمع على ظهوره إلا أنها تختلف على شخصيته.
إن الاختلافات الفكرية والعقائدية بين مذاهب المسلمين المتعددة ليس أمراً جديداً، بل هو واقع تاريخي في الأمة الإسلامية، بعد أن مزقتها الصراعات التاريخية والسياسية، وحولتها إلى مذاهب ومدارس متعددة مختلفة، في فهم الإسلام وطريقة التعامل مع ثقافته وتشريعاته، فلا غرابة أن تختلف الأمة في فهمها لعقيدة المهدي الموعود، ولكن هذه الاختلافات لا تمس أصل الإيمان بالمهدوية وأصالتها الإسلامية حتى في الإطار المذهبي.
إن علم مقارنة الأديان والمذاهب أحد الإنجازات الرفيعة للحضارة الإسلامية، وهذا العلم لم يظهر قبل الإسلام، لأن الأديان المختلفة قبل الإسلام لم يعترف بعضها ببعض، وكان كل دين يعدّ ما سواه من الأديان قبل ذلك هرطقة وضلال، وخير مثال على ذلك موقف اليهودية من النصرانية وموقف النصرانية من اليهودية.. وبالنسبة للمسلمين، قدّم القرآن الكريم الدرس المنهجي والموضوعي الأول في مجال مقارنة الأديان، حيث أشارت آيات كثيرة للمقارنة، تحدثت فيها عن كثير من الأديان: سماوية كانت أو وضعية، فكما تحدث عن اليهودية والمسيحية، تحدث كذلك عن عبدة الأصنام والطاغوت، وسماها القرآن أدياناً مع بطلانها، قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾(١).
أهمية دراسة الأطروحات المهدوية المختلفة عند الفرق الإسلامية:
١ - الدراسة تقدم للباحثين ولعموم المسلمين أهم العناصر للدفاع عن العقيدة المهدوية الإسلامية الأصيلة ضد التحديات التي تواجهها، ليس فقط من أتباع التصورات الخاطئة، ولكن أيضا من التحديات التي تنشرها التيارات المشبوهة والمنحرفة في العالم الإسلامي.
٢ - إن المثقف الواعي والباحث الناجح في القضية المهدوية لا يستطيع أن يتحاور مع جمهور (أصحاب الأطروحات المختلفة) بالتي هي أحسن، إلا إذا درس ما عندهم من أفكار وتصورات حول المهدوية، ووقف على الاختلافات التي يؤمنون بها.
٣ - الدراسة المقارنة للعقيدة المهدوية تقدم للمؤمنين معرفة قيمة عن العقيدة الإسلامية الأصيلة وقوة الدليل ونصاعة البرهان ومتانة الحجة، ومكانتها الراقية والعظيمة في فضاء الفكر الإسلامي والإنساني.
٤ - دراسة العقيدة المهدوية بشكل مقارن واجب علمي تقتضيه الضرورة الملقاة على عاتق العلماء والباحثين، لتوضيح الحق للناس بطريق علمي سليم بعيداً عن الأهواء والمصالح المذهبية.
٥ - الدراسة المقارنة تؤكد ثقة المؤمن في عقيدته المهدوية، وفي مبادئ مذهبه وأسسه العقدية، وهذا من مقومات الأفضلية والامتياز.
٦ - الاطلاع على الأطروحات المهدوية المختلفة سلاح للمؤمنين في الحاضر، كما كان سلاحاً لهم في الماضي للدفاع عن العقيدة المهدوية الأصيلة.
٧ - الدراسة العميقة للأطروحات المهدوية المختلفة، ستضع أيدينا على متانة المذهب وعلى الدور الذي يحمله لهداية البشر، وسيستفيد المؤمن والباحث في مواجهة (المتحاورين والمجادلين والمتعصبين) فيما يعتقدونه نقاط ضعف في المذهب ليهاجموه عن طريقها كـ: طول العمر، الإمامة المبكرة، الغيبة، السرداب،... الخ، كذلك لا يجوز أن يقف الباحث والمؤمن الواعي موقف المدافع فقط، بل يجب أن يعرف كيف يهاجم أحياناً، ولن يتاح ذلك إلا إذا تعرف على الأطروحات والتصورات المختلفة ودرسها وأدرك ما حدث لها من تشويه وتحريف على مر السنين.
العقيدة المهدوية تجمعنا وتوحدنا:
علم مقارنة الأديان لم يكن معروفاً قبل الإسلام، لأن المقارنة نتيجة للتعدد والاعتراف بالآخر، ولم يكن ذلك متوفر قبل الإسلام حيث كل دين ومذهب لا يعترف بالآخر، وقد أدت الحرية والتعددية الدينية التي وفرتها الثقافة والفكر الإسلامي إلى وجود جوّ من التسامح الفكري، وهذا أدّى الى المخالطة والتواصل والمعايشة التي نتج عنها الحوار والمناقشة، ثم ما لبث أن اتسع الأمر ليشمل جانب الدراسة لديانة أو مذهب الآخر فهماً ووصفاً وتحليلاً ومقارنة، مما أدى إلى نشوء فرع من العلم يسمى علم مقارنة الأديان، يعني أساساً بدراسة الملل والنحِّل.. وهكذا انبثقت جذور علم المقارنة، حيث أن الإسلام جاء واعترف بالأديان السابقة عليه نظرياً وواقعياً: فمن الناحية النظرية يعلن أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة الرسالات السماوية، وبالتالي فقد ورث أهم ما في الأديان وأضاف إلى ذلك ما تحتاجه البشرية في مسيرتها إلى يوم الدين، والعقيدة المهدوية كأيدولوجية إسلامية هي خلاصة رسالات السماء.. ومن الناحية الواقعية فإن الإسلام يعترف بالوجود الفعلي للجماعات غير المسلمة، ويتحدث عن أهل الكتاب وأهل الذمة وينظم حقوقهم وواجباتهم، وفي الحقبة الأخيرة من تاريخ البشرية يأتي التطبيق الواقعي للقضية المهدوية، فينتشر التوحيد والعدل والقسط على كافة أرض المعمورة، وهكذا تطبق وتحقق أهداف كل الأنبياء والرسل.
القضية المهدوية وحقيقة المنقذ – بدون مسميات – هي القاعدة المشتركة التي تلتقي عندها كافة الأديان والمذاهب الفلسفية، فهم يتفقون في أصل الفكرة ويختلفون في المسميات فقط.. كذلك الفرق والمذاهب الإسلامية المختلفة، فالمهدوية هي القاعدة التي تقارب بين المسلمين وتمنح لوحدتهم المستقبلية نظرياً وعملياً معنىً زاخراً بالأمل، فأغلب الفرق تؤمن بأحقية وصدق قضية المهدي وتنتظر خروجه آخر الزمان، لتتبعه وتنطوي تحت رايته.
فالعقيدة المهدوية تجمع وتوحد كل البشرية، فهي من الحقائق التي يتشارك في الاعتقاد بها أهل الأديان السماوية، وتطمح لها أهل الفلسفات الوضعية، وهي الحقيقة الأخيرة التي بها يتحقق وعد الله بنشر التوحيد، وأداء أعظم رسالة إصلاحية عرفتها البشرية، وهيمنة الدولة العادلة الفاضلة فتملأ الدنيا قسطاً وعدلاً.
المؤامرة ضد العقيدة المهدوية:
لم ننسّ ونحن نكتب هذه البحوث أن هناك حركة تآمرية خبيثة ضد العقيدة المهدوية قديماً وحديثاً، تتخذ تارة طابعاً سياسياً وأخرى طابعاً فكريّاً، وتستهدف القضاء عليها في وجدان الأمة الإسلامية، وقتل جذوتها الإيمانية وروحيتها الإيجابية والتفاؤلية في المجتمع الإسلامي.
ومن حلقات التآمر الخبيثة على القضية المهدوية، محاولة تحجيمها في إطار مذهبي خاص، واعتبارها من العقائد الشيعية الخرافية.. نعتقد أن هذه المؤامرة ليست عفوية، بل هي مؤامرة عقائدية وسياسية في وقت واحد، تقف وراءها مخابرات دولية معادية للإسلام، وتنفذ بأيدٍ مستأجرة ومشبوهة.
نؤمن وبشكل كبير أن البحث العلمي المقارن في العقيدة المهدوية، هو المنهج العلمي الوحيد القادر على كشف حقيقة العقيدة المهدوية وإثبات أصالتها الإسلامية، ونفي اختصاصها بمذهب معين دون آخر، ومن هذا المنطلق أولينا البحث المقارن اهتماماً خاصاً، وهذه البحوث التي بين أيدينا تؤكد أصالة المهدوية والإيمان الراسخ بها عند الفرق الإسلامية، حتى صار التشكيك في أصل المهدوية شكاً في البديهيات والأبجديات التي لا يقرها عقل ولا عرف، ولا وزن علمي للشطحات والانحرافات الفكرية في القضية.. فالحمد لله لقد فاضت الأدلة وتكاثرت البراهين عند معظم الفرق الإسلامية على أصالة العقيدة في المهدي المنتظر (عليه السلام)، فاعتبروا المهدوية شأناً هاماً في الإسلام لا يجوز تهوينه أو نكرانه.
منهجنا في المقارنة:
في دراستنا للمهدوية عند بعض الفرق الإسلامية المختلفة اشتمل بحثنا على تقصّي التاريخ، والتحليل العلمي، والمقارنة الموضوعية، مما يعد من صميم علم الأديان المقارن بأدق معانيه المعاصرة، ودراستنا لم تكن قائمة على منهج مقارنة تقليدي(٢)، بل اعتمدنا المنهج التحليلي النقدي، والذي يعد أحد مناهج دراسة الأديان في الفكر الإسلامي، كذلك في دراستنا سلطنا الضوء على أبرز ما يميز كل فرقة عن غيرها في تصورهم عن المهدي المنتظر، ولقد أخذنا المعلومات من مصادرها الأصلية (آثار علماء الفرقة وتراثها الفكري) وليس نقلاً عن آخرين، ثم نخضع المعلومات والتصورات للمقارنة والنقاش والبحث والتمحيص العلمي.. نبحث عن منشأ الفكرة وتطورها وخصائص ومميزات كل نظرية، وفي الأسس التي ترتكز عليها الأطروحات المختلفة، وفي أوجه الاتفاق او الاختلافات الرئيسية فيما بينها.
نظرتنا بشكل عام لكل أطروحة كانت نظرة كلية شاملة، واضعة في الاعتبار المبادئ الأساسية للمذهب، وليس بناء على الذيول التاريخية للأطروحة.. لقد اخترنا المنهج الإسلامي في المقارنة(٣) من بين المدراس والمناهج المختلفة.. فالمقارنة بين أطروحتين أو أكثر إما يقصد مجرد التعرف والوصف على تلك الأطروحات، أو يتجاوزه إلى اختيار الأطروحة الأقوم والأرشد أو يزداد إيماناً وصدقا بأصالة أطروحته.. وهدفنا من هذه البحوث المهدوية ودراسة الأطروحات المختلفة هو: التقريب بين المسلمين واستخلاص أوجه الشبه والاختلاف بين النظريات المتعددة، ومعرفة صحة التصورات وعدمها، واظهار للحقيقة المهدوية الأصيلة بأدلة يقينية، وكذلك نستطيع من خلال التباين والمقارنة التعرف على صدق العقيدة الإسلامية الأصلية وحقيقتها وقوة حجتها، وعلى ضعف الأطروحات والنظريات الأخرى، ووهن تصوراتها وضعف محتواها وفساد مبناها.
الهدف من الدراسة:
إنني اعترف سلفاً بأن هذه البحوث (المهدي المنتظر في فكر الفرق الإسلامية) في غاية الاختصار، والدافع لكتابة هذه الدراسة المتواضعة، والهدف السامي من ورائها، هو الفائدة المرجوة من الدراسات المقارنة، والتي تعتبر من أعظم عوامل التقريب بين المذاهب الإسلامية، وخاصة إذا كتبت بأقلام تحمل روح التسامح، وتنظر إلى نظيراتها من الفرق الأخرى بعين الاحترام، وتتجنب التكفير والتضليل للفرق والمدارس المختلفة.
الحرص على التقريب بين المسلمين، والنظر العميق إلى مصالح الإسلام والمسلمين، هو الهدف الماثل أمامنا أثناء الكتابة، وقد سعيت جاهداً التواضع في الحوار، والابتعاد عن أسلوب التهجم والاستخفاف، ونرجو أن نكون وفقنا في ذلك.
اخترت أربع اطروحات مهدوية مختلفة للدراسة والنقاش، ولا زلت أتمنى أن تأتي لي فرصة أكبر ومجال أوسع للبحث والكتابة عن بقية الفرق الإسلامية كالزيدية والصوفية وغيرها، وإخراج تلك الحقائق الدفينة في نظرياتهم المهدوية وطرحها على طاولة البحث والنقاش.
وأرجو من الله تعالى أن أوفق في هذه الدراسة المتواضعة، للتقريب بين وجهات نظر المسلمين فيما يتعلق بالخلافات والتصورات في العقيدة المهدوية، كما آمل أن تساهم هذه الدراسة في إزاحة الشبهات الباطلة التي أُلصقت بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) نتيجةً للصراعات التاريخية والمذهبية.. علماً بانني حاولت اقتفاء آثار كتاب الله، والاستضاءة بهدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والاهتداء بنور ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وفي البحث عن الثوابت الفكرية والتاريخية في القضية المهدوية.. والحمد لله رب العالمين.

الفصل الأول: المهدي المنتظر في الفكر الإباضي

لا شك أن عقيدة المخلص المنتظر قديمة بقدم الزمان، وإنها ليست من خصوصيات دين الإسلام فقط، فكل الأديان السماوية والتي سبقت الإسلام في الزمن بشرت بهذه الفكرة، وان اختلفت المسميات.. بل حتى الأديان والمذاهب غير السماوية وصلت إليها الفكرة وأخذت تبشر به.
الإسلام بركنيه القرآن الكريم والسنة الشريفة هما المصدر والمنبع لدى المسلمين بكافة أطيافهم للإيمان والاعتقاد بهذه الفكرة.. فالمنقذ المخلص متواتر عند كثير من أهل الشرائع الأولى، وأحاديث المهدي المنتظر متواترة عن نبي الإسلام وعلى ألسنة كافة طوائف المسلمين – إلا من شذ وندر – علماً بأن صحة السند لا تشترط في الأحاديث المتواترة، مما أدى إلى شهرة الفكرة بين المسلمين على مر العصور.. في هذه السطور نحاول تسليط الضوء على فكرة المهدي المنتظر عند أتباع المذهب الإباضي، والبحث في أفكارهم عبارة عن بحث في فرقة موجودة من الخوارج ويعتبر مذهبهم المذهب الرسمي في سلطنة عُمان.
الإباضية: النشأة والعقائد:
الإباضية إحدى الطوائف الإسلامية، سميت بهذا الاسم نسبة إلى (عبد الله بن أباض التميمي)، ولكن المؤسس الحقيقي للمذهب هو جابر بن زيد الأزدي وهو أحد التابعين، ومن تلاميذ ابن عباس، وممن روى الحديث عن السيدة عائشة وعن عدد من الصحابة، وكان ذا مذهب خاص به في الفقه.. سياسيا، ينسب المذهب الإباضي إلى (عبد الله بن أباض المريّ التميمي) الذي عاصر الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (٦٥ – ٨٥ هـ).
ودينيا، يذكر الإباضية إن إمامهم الأول الذي أسس المذهب هو (جابر بن زيد الأزدي العماني) ولذلك فإن أغلب الأحاديث النبوية يرويها علماء المذهب عن جابر.
ظهر المذهب الإباضي في القرن الأول الهجري في البصرة، فهو يعتبر من المذاهب الإسلامية القديمة ومستمر حتى الآن، يقول الإباضيون أن مذهبهم تعود نشأته بالدرجة الأولى إلى العامل الديني والسياسي، الذي تمثل في مبايعة عبد الله بن وهب الراسبي من طرف بعض الصحابة والتابعين الذين أنكروا التحكيم على الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشكلوا حركة سياسية وكان على رأس تلك الحركة ثلاث شخصيات يعود إليها البدء في تأسيس الحركة وبلورة أفكارها ومبادئها وهم: أبو بلال مرداس بن حدير التميمي، وجابر بن زيد الأزدي، وعبد الله بن أباض.
وكانت هذه النشأة في شوال ٣٧ هـ.. اشترك أبو بلال في واقعة النهروان عام ٣٨ هـ مع الخوارج، وبعد الهزيمة التي ألحقها بهم الإمام علي (عليه السلام) انقسم الخوارج عام ٦٤ هـ إلى أربع فرق كبرى وهي(٤):
١ - الأزارقة: وهم المنسوبون إلى نافع بن الأزرق الحنظلي (البصرة) مقتول سنة ٦٥ هـ، (الفرقة انقرضت ولم يعد لها أثر).
٢ - النجدات: وهم المنسوبون إلى نجدة بن عامر الحنفي (اليمامة) (الفرقة انقرضت).
٣ - الصفرية: وهم المنسوبون إلى عبد الله بن الصفار السعدي (الفرقة انقرضت).
٤ - الإباضية: وهم المنسوبون إلى عبد الله بن أباض التميمي (متوفي ٨٦ هـ) وهو واحد من الذين ثبتوا على المنهج الذي سار عليه أهل النهروان وتتابع عليه الإباضية فيما بعد(٥)، وهي الفرقة الوحيدة المستمرة حتى الآن.
والعجب أن هذه الفرق ظهرت في زمان واحد، فصار للقوم أئمة أربعة، كل يدعو إلى نفسه.. ويرفض أتباع المذهب الإباضي حالياً أن يطلق عليهم أو يسموا بالخوارج فيقولون: إن كلمة الخوارج تشمئز منها النفس وينقبض منها القلب مثل كلمة (الإرهابي) حالياً، وان حديث المروق والخروج من الإسلام لا ينطبق عليهم، والمتمثل في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية).. ويقولون إن الاعتبارات التي من أجلها أطلق المسمى على الخوارج لا وجود لها عند الإباضية مطلقاً، وان كلمة الخوارج لا يجب أن تطلق إلا على الذين خرجوا من الدين ومرقوا من الإسلام.
إن المتتبع يرى أن الإباضية تلتقي مع الخوارج من الناحية الفكرية في قضيتين جوهريتين هما:
أولاً: رفض التحكيم: إن الإباضية والخوارج ينتقدون قبول التحكيم ويرون أن الإمام علي (عليه السلام) مخطئ في قبوله التحكيم، لأنه جعل حقه في الخلافة موضع نزاع مع معاوية، وكما أخطأ في قبوله تحكيم الحكمين، فقد أخطأ كذلك في قتاله لأهل النهروان.
ثانياً: نفي لزوم القرشية في الإمام: فأصلها الحديث الذي ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي يقول: (الخلافة في قريش) أو (كلهم من قريش).. ورأى الإباضية وكذلك الخوارج أن الخلافة الإسلامية لا تنحصر في قبيلة أو عائلة أو طائفة وإنما يتولى أمر المسلمين الأكفاء والأقدر على خدمتهم وتسيير أمورهم.
أمّا الخوارج في نظر الإباضية هم طوائف قديمة من الناس من زمن التابعين رؤوسهم نافع بن الأزرق، ونجدة بن عامر، وعبد الله بن الصفار ومن شايعهم، وسموا خوارج لأنهم خرجوا عن الحق وعن الأمة، بالحكم على مرتكب الذنب بالشرك وان محاربيهم مشركون، ويترتب على ذلك ما يترتب على حرب المشرك، فاستحلوا ما حرم الله من الدماء والأموال بالمعصية، وحين اخطأوا في التأويل لم يقتصروا على مجرد القول، بل تجاوزوه إلى الفعل، وهم باعتقادهم وعملهم قد خرجوا من الإسلام وخرجوا عن الحق فهم الذين يمكن أن ينطبق عليهم حديث المروق من الدين.
إن الإباضية كانت من إحدى الطوائف التي رفضت التحكيم واعتزلت الإمام علي (عليه السلام)، ولذا فأغلب المؤرخين ينسب الإباضية إلى الخوارج على وجه العموم، وبعضهم قال: الإباضية أعدل الخوارج، والآخر قال: الإباضية اقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة.. مما سبق يتبين لنا أن المذهب الإباضي (المعتدل) أحد فرق الخوارج(٦)، وتكون في أول أمره كحركة سياسية، ومع مرور الأيام تطور إلى مذهب فقهي كغيره من المذاهب الإسلامية.
مصادر التشريع عند الإباضية: القرآن والسنة والإجماع والرأي، وبالنسبة للأحاديث النبوية فيعتمدون على المسند الربيع بن حبيب الفراهيدي ويطلق عليه الإباضية (الجامع الصحيح) ويعتبرونه من أصح كتب الحديث سنداً، لأن معظم الأحاديث رواها (الربيع) عن شيخه (أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة) عن (جابر بن زيد) عن أحد الصحابة، وتوفي الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي ما بين عام ١٧١هـ و١٨٠هـ ودفن في عُمان.
الانتشار التاريخي والحالي:
كما يحدثنا التاريخ(٧) أن الإباضية لم يخرجوا على الدولة الأموية لا خروجا سياسياً ولا خروجاً دينياً، ولكنهم لم يكونوا راضين عن سياسة الأمويين.. فهذا عبد الله بن أباض الذي تنسب إليه الإباضية لم يرفع السيف في وجه الدولة الأموية ولكنه اكتفى بنقد سياستهم عن طريق المراسلة، وكذلك أبو بلال مرداس فكان ينتقد سياسة الأمويين باللسان ولم يرفع سيفاً(٨)..
* قامت في عُمان دولة باسم الإباضية في عهد أبي العباس السفاح سنة ١٣٢هـ.
* أعلنوا الإمامة في اليمن سنة ١٢٩هـ، وفي طرابلس شمال إفريقيا سنة ١٤٢ه(٩).
* قامت في الشمال الإفريقي دوله إباضية باسم الدولة الرستمية أسسها (عبد الرحمن بن رستم) الفارسي سنة ١٦٠هـ وجعل مدينه تاهرت عاصمتها (تيارات حالياً، وهي مدينة جزائرية) والتي استمرت قرابة ١٢٠ سنة. وبعد سقوط الدولة الإباضية في تاهرت احتفظت التجمعات السكانية الإباضية حتى أيامنا هذه بنوع من الاستقلال الديني والسياسي ويقوم مجالس العلماء والتي عرفت في اصطلاح الإباضية (بمجالس العزابة) برعاية أمورهم.
استمر الإباضيون يقيمون (الإمامة) في عمان كلما سنحت لهم الفرصة، فإذا ما ضعفت قامت الملكية على أنقاضها وهكذا دواليك، وكانت آخر إمامة استطاع الإباضيون إقامتها سنة ١٣٣١هـ، واستمرت حتى عام ١٣٧٥ه(١٠).
تنتشر الإباضية في الوقت الحالي بشكل أساس في سلطنة عُمان حيث يشكلون حوالي ٧٥% من العمانيين (١,٨ مليون تقريبا)، وينتشر المذهب أيضا في وادي ميزاب في الجزائر (٣٥٠ ألف تقريباً)، وفي جبل نفوسة وفي زوارة في ليبيا (٧٠ ألف تقريباً)، وفي جزيرة جربه بتونس (١٠ آلاف تقريباً)، بالإضافة إلى مناطق مختلفة كاليمن والشمال الإفريقي ومصر وزنجبار ومالي وغانا والسعودية وبعض المغتربين في الدول الأجنبية، مما يشكل أتباع ومعتنقي المذهب الإباضي حالياً في العالم حوال ٢.٥ مليون شخص كان سبب انتشار ووجود أتباع للمذهب الإباضي حالياً في كل من عُمان وشمال إفريقيا، هو قيام دول إباضية في تلك المناطق.
رأي الإباضية في المهدي المنتظر:
إن المهدي المنتظر في الفكر الإباضي عبارة عن خرافة لا أساس لها من الصحة، ويعتبرون الفكرة من الأمور الغيبية التي لا ينبغي الإيمان بها إلا على أدلة قطعية، وفي نظرهم لا توجد أدله قطعية بخصوص المهدي المنتظر، ولذا فهم يصرّحون ويؤكدون أن أخبار المهدي قد تسربت للفكر الإسلامي قديما من أهل الكتاب (وبالخصوص اليهود) الذين أسلموا في بداية العصر الإسلامي الأول، وكانوا يروون أخبار المخلص المنتظر من موروثهم الديني المحرَّف.
يصرح الإباضية عن فكرة المهدي المنتظر بأنها خرافية كما يقول أحد علمائهم: (انتشر بين بعض المسلمين فكرة ظهور رجل خارق في آخر الزمان يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجورا في فترة لا تتجاوز الأيام المعدودة، وأنه هو المهدي المنتظر.. لم يقبل الإباضية بمثل هذه الأفكار لمخالفتها منهج القرآن الكريم الذي وعد المسلمين بالنصر والتمكين في أي زمان ومكان إن هم أقاموا منهج الله وشرعه، كما إن تلك الأفكار تنشر في الأمة التخاذل والتواكل وانتظار المجهول دون محاولة للسعي والعمل، وفكرة المهدوية ذات أصول توراتية وهي في حقيقتها بشارة بالنبي الخاتم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١١).
عند الرجوع إلى الجذور التاريخية والعقدية لنظرة الإباضية للمهدي المنتظر نجد أن هذه المدرسة خلت مروياتها من الغالبية العظمى من هذا الصنف من الروايات (المهدي المنتظر أو اشراط الساعة)، كما خلا التنظير العقدي والفقهي عبر تاريخ الفكر الإباضي من الاهتمام بهذه القضايا.. ومع مسيرة الزمن وبفعل حركة التثاقف والتلاقح بين المدرسة الإباضية والمدارس الإسلامية الأخرى حصل نوع من انتقال بعض هذه القضايا إلى قطاع بسيط جداً جداً من التفكير الإباضي، لكن لم يصل الأمر إلى دائرة الاعتقاد بها، ونجد هذا الأمر في بعض الكتب الإباضية في القرن الهجري السادس، كالدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني (توفي: ٥٧٠ هـ) ذكر في ج ٢ص ٣٥ (وقد وردت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبار كادت تكون ضرورية عن المهدي في آخر الزمان،، وأنه يملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد إن ملئت ظلماً وجوراً) وقال في ج٢ ص٢٤: (فإن كان عن معصوم كان حقاً، ولا معصوم إلا المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام).. كذلك ذكر الشيخ القطب في (وفاء الضمانة بأداء الأمانة) ج٥ –ج٦، عدد لا يستهان به من روايات المهدي المنتظر والدجال وعودة المسيح (عليه السلام) دون أن يعلق عليها بشيء.. أما الشيخ الجيطالي في (قناطر الخيرات) ج٣ ص٥٤٦ وص ٥٤٧، ذكر عدداً من الأشراط المستقبلية للساعة مثل: طلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى (عليه السلام) والدجال وغيرها.. غير أن الساحة الإباضية شهدت في أواخر القرن الهجري الماضي وبدايات القرن الحالي عودة الإباضية إلى التحفظ على فكرة المهدي المنتظر، وبعض القضايا الغيبية بغلاف ما كان عليه الخط الإباضي العام من عدم الاعتناء بها.. وممن تحفظوا على فكرة المهدي المنتظر من علماء الإباضية المتأخرين نذكر:
* قال الشيخ أحمد بن حمد الخليلي (المفتي العام الحالي لسلطنة عُمان(موضحاً رأي الإباضية في مسألة المهدي المنتظر(١٢): (علينا نحن أن نعمل وأن يكون كل واحد منا هادياً مهدياً بمشيئة الله سبحانه وتعالى، وأن لا ننتظر من يظهر بعد حين، على أن الروايات في المهدي فيها الكثير من الاضطراب كما شرح ذلك العلامة رشيد رضا، وقد وضعَت في المهدي روايات متعددة وادعى الكثير من الناس أنه هو المهدي المنتظر، ومن الناس من قال إن المهدي من ذرية الحسين بن علي، ومنهم من قال هو من ذرية الحسن بن علي، ومنهم من قال هو من ذرية العباس بن عبد المطلب، وهذا مما يدل على إن للاتجاه السياسي دخلاً في حبك هذه الروايات).
* أما الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي (وهو مرجع الإباضية حالياً في الحديث النبوي الشريف) فقد قال في محاضرة له(١٣) (أحاديث المهدي مكذوبة موضوعة، لم تثبت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)).
* الشيخ بكلي عبد الرحمن عمر الذي قال في الفتاوى: (أما المهدي فما قيل في الدجال فقد حيك مثله فيه من روايات متضاربة أثارت إشكالات يصعب الجمع بينها، اتخذ المهدي ميداناً، ركض فيه كثير من ذوي الغايات والمطامع في الملك والسلطان، وكلما مضى أحدهم ولم تُحقَّق الآمال التي نيطت به حاولوا لعب ورقته مع آخر، كما كان اصحاب الرايات السوداء والرايات الصفراء ودعوى السفياني قبله، ويبدو لي والله اعلم أنها من دسائس المنظمات السرية التي أسست لهدم الإسلام وإفساده بإدخال الخرافات على تعاليمه ومبادئه، ومن وراء ذلك تثبيط أبنائه عن العمل والأخذ بأسباب القوة اتكالا على المهدي وانتظار خروجه، فيقعدهم ذلك عن الدفاع عنه وصيانة حماه).
* الشيخ علي يحي معمر في الحلقة الأولى من موسوعة (الإباضية في موكب التاريخ) ص٥ حيث عد قضية المهدي المنتظر من الخرافات التي تسربت إلى المسلمين.
* الشيخ ناصر بن أبي نبهان الخروصي حيث قال: (وفي أخبار قومنا إن الله يبعث المهدي ويخرج الدجال وينزل عيسى من السماء، وكل ذلك في نفسي بعيد من الصواب، ومعي إن الخضر ميت وعيسى كذلك).
* الشيخ احمد بن سعود السيابي الذي قال في محاضرة له(١٤): (والقول بالمهدي المنتظر ونزول المسيح عيسى (عليه السلام) قدح في خاتمية النبوة وعصمة هذه الأمة في عدم اجتماعها على ضلال، فهو قدح فيها أنها كانت على استقامة، وهي رد لكلام الله تعالى بقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(١٥)، وقد يقول قائل من الاخوة الإباضية إن المسالة وجدت في بعض تآليف علماء الإباضية، فنقول له: إن هذا صحيح، لكنه عند التأمل نجده تأثراً بما في كتب الآخرين).
ولمزيد من التوسع ومعرفة رأي بقية علماء الإباضية حول المهدي المنتظر، يفضل مراجعة كتاب(١٦) (اشراط الساعة – النص التاريخي من ص،٢٠٣ إلى ص٢١١)، للكاتب الإباضي / الأستاذ خالد بن مبارك الوهيبي، والذي جمعها من جانبه من متفرق كتب ومخطوطات ومحاضرات الإباضية.
وفي مناقشته لرأي الشيعة الإمامية في مسألة المهدي المنتظر، كتب الإباضي الأستاذ علي بن هلال العبري في رسالة الماجستير(١٧) الإمامة في الفقه الإسلامي: على افتراض أن الإمام (المهدي المنتظر) لم يختف، وظهر على الظالمين والغاصبين، افتراه يعيش إلى يوم القيامة يسوس الأمة، ويقيم الكتاب، ويحمل الناس على الجادة، أم انه يموت بعد عمر كما مات آباؤه من قبل؟! ومن الذي سيخلفه عندئذ، مع حصر الأئمة في عدد معين، فإن كان سيخلفه نائب فهل النائب يشترط ما يشترط في الإمام؟ وإذا كان الأمر كذلك فما معنى تحديد العدد؟ وإذا كان الإمام سيبقى إلى يوم القيامة فقد حاز من الفضيلة والكرامة ما لم ينله الأئمة من قبله.
نستشف من قراءتنا لموقف الإباضية من أمر المهدي المنتظر، أنهم ينكرون كثيراً من الأمور الغيبية وأخبار الملاحم والفتن وأغلب علامات وأشراط الساعة، حتى وإن كان هناك دليل صريح من القرآن الكريم مثل:
* إنكار عقيدة المهدي المنتظر من الأساس، واعتبارها فكرة خرافية تسربت لأفكار المسلمين من اليهود.
* إنكارهم عودة السيد المسيح آخر الزمان، وتأكيدهم بأنه قد مات.
* إنكارهم طلوع الشمس من المغرب كعلامة من علامات الساعة، واعتبار أن ذلك يخالف القوانين والسنن الكونية.
* إنكارهم خروج الدجال آخر الزمان واعتباره كائن أسطوري خرافي لا وجود له، باعتبار مناقشتهم لروايات ابن صياد والجساسة في صحيح مسلم.
* إنكارهم خروج يأجوج ومأجوج آخر الزمان واعتبارهم من القصص التاريخية القديمة التي ذكرها الله تعالى في القرآن للعظة والعبرة فقط.
* إنكارهم خروج دابة الأرض آخر الزمان كعلامة من علامات الساعة ويعتبرون خروجها عند وقوع القول فقط، أي أثناء وجوب العذاب أو الغضب.
* إنكارهم لكثير من أخبار الملاحم والفتن وأخبار الخضر (عليه السلام) والسفياني المنتظر والقحطاني وفتح القسطنطينية، واعتبار أن الروايات في هذا الشأن كلها لا تصح نسبتها إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولمزيد من التوسع لمعرفة رأي الإباضية في مثل هذه القضايا والأمور، يفضل الرجوع إلى كتبهم التالية:
١- كتاب (الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ)(١٨) للدكتور زكريا المحرمي، راجع الفصل الخاص: موقف الإباضية من أخبار الفتن والملاحم والميزان والصراط.
٢- كتاب (أشراط الساعة – النص والتاريخ)(١٩)، للشيخ خالد بن مبارك بن محمد الوهيبي، راجع الفصل الخاص: تطبيقات في دراسة الأشراط المستقبلية للساعة، وقد قال فيه في ص٣١٩ "تبين من خلال البحث أن القطاع الأكبر والأعظم وهو المعبر عن التوجه العام للمذهب الإباضي حول هذه القضايا كان دائراً بين الرفض التام أو التشكيك الذي عبر عنه بالتوقف والسكوت.... إلى أن قال: لا نجد في كتاب الله أي ذكر لكل تلك الاشراط المستقبلية كالدجال وعودة المسيح (عليه السلام) والمهدي، أو ارتباط بعضها بالساعة وما يكون بين يديها كيأجوج ومأجوج وخروج دآبة من الأرض، بينما جمع مجلدات في هذا الشأن من الروايات السنية والشيعية.. لماذا لم تذكر في كتاب الله تعالى، ووردت بكل هذه الكثافة الهائلة في الروايات".
مبررات موقف الإباضية من المهدي المنتظر وأشراط الساعة:
رفض الإباضية معظم روايات الملاحم والفتن التي وردت في مجموعات الحديث عند كثير من المدارس الإسلامية لأنها صورت أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم الغيب، وأنه أخبر ببعض الظواهر والحوادث التي ستحصل قبل يوم القيامة، واعتبروها مخالفة للقواعد وللأصول المستوحاة من مذهبهم وذلك للأسباب التالية من وجهة نظرهم:
١- مخالفة لمنهج القرآن الكريم، حيث إن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو آخر الأنبياء والمرسلين، ولذا فعودة المسيح خرم صريح لهذه العقيدة.
٢- بروز الطابع المثيولوجي الأسطوري، وهي عبارة عن خوارق العادات والنواميس والسنن الكونية، كروايات المخلّص المنتظر وعودة عيسى (عليه السلام) وظهور الدجال.
٣- تفاعل روايات آخر الزمان مع أحداث زمن تدوينها، حيث تتحدث عن أسلحة بدائية (السيف، الرمح، الحربة...)، وهذا يتناقض مع تطور آخر الزمان.
٤- إن فكرة المخلّص المنتظر تسربت إلى المسلمين عن طريق مسلمة أهل الكتاب وهي ذات أصول ونزعه يهودية، لا سيما أن كعب الأحبار أحد رواتها.
٥- روايات آخر الزمان تعطل الطاقات وترسخ قيم الاستبداد والظلم في النفوس، وبخاصة روايات المهدي المنتظر (عليه السلام)، فإنها تصب لصالح الانتظار السلبي وقيام الفرد المطلق (السوبرمان) بقضية الإصلاح.
إن قراءة متأنية للمبررات التي أثارها الإباضية عن المهدي المنتظر وأشراط الساعة، توضح لنا مدى ضعف منهجهم في التعامل مع هذه القضية الخطيرة (الإمامة)، وتدلنا وجهات نظرهم على بساطة تفكيرهم، فليس لديهم ما يدعم رأيهم وإنكارهم من الأدلة والمستمسكات الموثوقة، بل الدليل قائم على خلاف ما يذهبون إليه، والبرهان ساطع وقاطع على صحة العقيدة في المهدي، لثبوت الدليل من آيات القران الكريم، وتواتر الأحاديث الشريفة.. وما التبريرات التي ساقوها إلا دليل على ضعفهم في علوم القران وأصول الحديث.. وكيف لا يكون ذلك وأهم كتاب حديث لديهم مسندهم الصحيح الأول، والذي يرجعون إليه في الأحاديث النبوية – من وجهة نظرهم – مسند الربيع بن حبيب، لا يحتوي إلا على ٧٥٤ حديثاً فقط ومدونة أبي غانم الخراساني لا يحتوي إلا على ١٤٠ حديثاً(٢٠) فقط، وهذا يخالف المنطق والواقع والتاريخ وعلم الحديث المتعارف عليه عند جميع الفرق الإسلامية، ولذا لا نستغرب خلوّ مجموعاتهم الحديثية التي رووها من طرقهم (على قلتها وقلة احاديثها) من هذا الصنف من الروايات.. وفوق كل ذلك لم يخلُ صحيحهم الأول (مسند الربيع) من روايتين (حديث ٥٥، وحديث ٤٩٥) تذكر الدجال بصراحة.. ومن هنا نؤكد أن كل هذه التبريرات حسب مقاييس البحث العلمي ليس لها قيمة علمية.
خلاصة القول:
يتضح لنا من تتبع أقوال علماء الإباضية، ومن البحث في جذور نشأة المذهب الإباضي، ومن خلال بعض مؤلفاتهم والحوارات والنقاشات التي دارت معهم بخصوص المهدي المنتظر ما يلي:
شعور الإباضية بالمأزق الذي أوقعتهم فيه عقيدتهم في الخلافة (الإمامة)، لرفضهم حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (كلهم من قريش) – وإن كانت هذه النظرية تخالف الحديث رقم ٤٥ في الجامع(٢١) الصحيح الأول لديهم – فبدأ كبار علمائهم يراجعون قضية الخلافة وفكرة المهدي المنتظر (عليه السلام)، فجاؤوا بنظرية إنكار أمر المهدي المنتظر (عليه السلام) من الأساس، وساقتهم النظرية كذلك إلى إنكار عودة السيد المسيح (عليه السلام) وخروج الدجال وظهور دآبة الأرض ويأجوج ومأجوج وكثير من أشراط الساعة، ليخرج الفكر الإباضي في نظرهم من المأزق الذي ألم به والجمود الذي أتحفتهم به نظريتهم الأولى في السياسة وعقيدتهم في الخلافة.
لذا تجد أن علماء المذهب الإباضي القدماء لم يحسموا أمرهم في موضوع المهدي المنتظر (عليه السلام) بعكس علمائهم المتأخرين الذين اتفقوا على الإنكار، فالخط العام الذي انتهجه جمهور علماء المذهب الإباضي من قضية المهدي المنتظر (عليه السلام) – من خلال تتبع مؤلفاتهم(٢٢)- والتي سكتوا فيها عن الخوض في هذه القضية وأمثالها.. وإن كانت بعض الكتابات(٢٣) أشارت إلى موضوع المهدي المنتظر (عليه السلام) بكل صراحة ككتاب (الدليل والبرهان) لأبي يعقوب الوارجلاني، ووفاء الضمانة للقطب.. ولكن يلاحظ بشكل عام أن المدرسة الإباضية خلت مروياتها من الغالبية العظمى من روايات المهدي، كما خلا التنظير الفقهي والعقدي عبر تاريخ الإباضية من الاهتمام بهذه القضية.. إن المتتبع لآراء علماء المذهب الإباضي في أحاديث الملاحم والفتن يقرأ فيها تهم جريئة يوجهونها إلى حفاظ السنة ورجال الصحاح والجوامع الحديثية، بالإضافة لتفسيرهم بعض آيات القران الكريم ذات العلاقة بالمهدي المنتظر (عليه السلام) بغير تفسيرها ومواردها الصحيحة، وهم يقصدون من وراء ذلك تسهيل طريق الإنكار، إذ ألجأتهم الضرورة المذهبية إلى إنكار بعض الحقائق الدامغة للمحافظة على أسس ومبادئ مذهبهم.
من هنا نفهم الدوافع لإنكار أصل فكرة المهدي المنتظر، وقولهم بضعف الروايات واختلاقها، والعجب من ركوب علماء الإباضية هذه الجرأة المفضوحة، إذ أن روايات المهدي المنتظر ذكرتها كل الجوامع الحديثية والصحاح والمساند عند الفرق الإسلامية كافة، وخرجوها من عدة طرق وقال بتواترها معظمهم.
لذا فإن منهجهم المشكك في أمر المهدي بمثل تلك التبريرات والتوهمات والمغالطات المنكرة، فضلا عن تعارضه مع الأصول المعتبرة الإسلامية من أدلة قرآنية وروايات متواترة، ينطلق من دوافع وأهداف لا تنسجم مع منهج الإسلام العام.. فالمبادئ الإسلامية تقوم وتعتمد في جانب مهم منها على ضرورة الإيمان بالغيب، وقد تكررت الدعوة (الإيمان بالغيب) لعشرات الآيات الكريمة بل مدحت المؤمنين به(٢٤).. ونتساءل هنا: ما هي الغيبيات التي يؤمن بها أتباع المذهب الإباضي في هذه الحياة؟ والسؤال الذي يلفت النظر: ماهي الأدلة التي يبحث عنها الإباضية في موضوع المهدي المنتظر؟.. إذ ليس هناك من سبيل إلى ثبوت مثل هذه الأمور إلا بالأدلة المعتبرة، وهل بعد ذكر القرآن الكريم وآياته كلام، وهل نحتاج إلى دليل آخر، بالإضافة للروايات المتواترة والأخبار الصحيحة المروية عن الحبيب المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتوفر الشواهد وقيام القرائن والمؤيدات من العقل والمنطق، وقد ثبت من كل هذه الجهات في أمر المهدي المنتظر.
الغريب إن الإباضية يتوسلون بنفس الذرائع، ويتعللون بنفس الحجج والمبررات التي توسل بها منكرو ما جاء من أنباء الغيب.. ومن بساطة تفكيرهم وضعف رأيهم من السهل تفنيد حججهم، فإن كانوا يقولون إن أحاديث المهدي تخالف العقل فليوجهوا النقد إلى القرآن لأنه الذي بشر به وصنفه كوعد إلهي، وإن كانوا يقولون كيف لشخص يعيش مئات السنين فليوجهوا نقدهم للقرآن كذلك لأنه يخبرنا عما يخالف الطبيعة في عمر النبي نوح (عليه السلام) والسيد المسيح (عليه السلام) وعمر إبليس، وهذا منطق القرآن الكريم.. وعلاوة على ذلك ما الذي يضر فكرة المهدي إذا آمن بها اليهود وكافة الأديان والمذاهب ونسجوا حولها خيوطاً من الآمال، ولو أردنا أن نبطل كل فكرة أو حق آمن وتمسك به اليهود والنصارى لأبطلنا حقائق عديدة كالتوحيد والصدق والأمانة وتحريم الربا وأكل لحم الخنزير.. الخ.
وأرى أني أمام حقيقة لاذعة، يسوقني إليها الموضوع، ومضطر للجهر بها وهي: أن مصادر التشريع عند الإباضية كما يقولون هي: القرآن والسنة والإجماع والرأي، ففي نظرتهم إلى المهدي المنتظر (عليه السلام) وإنكار أمره قد خالفوا القرآن الكريم (المصدر التشريعي الأول) حيث فسروا الآيات القرآنية الدالة عليه والمبشرة به في غير موردها الصحيح، وخالفوا السنة النبوية الشريفة (المصدر التشريعي الثاني) حيث كذبوا كل الروايات المتواترة والأخبار الصحيحة واعتبروها مختلقة موضوعة، وخالفوا إجماع المسلمين (المصدر التشريعي الثالث) بمذاهبهم وأطيافهم كافة بالإيمان بفكرة المهدي المنتظر، وهكذا تمسك الإباضية برأيهم الشاذ بإنكارهم أمر المهدي وذلك للحفاظ على نظريتهم الأولى والتي قام عليها مذهبهم – وتتفق عليها كل فرق الخوارج – بأن الخلافة (الإمامة) في نظرهم لا تنحصر في قريش وهو مخالف لما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٢٥)، فكيف يتم الإيمان بالمهدي والروايات تؤكد أن المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)، ومن بني هاشم، ومن أولاد فاطمة عليها السلام، إذاً المهدي من (قريش) وهذا ما يتعارض مع مبادئ وأسس مذهبهم ولذا لم يكن هناك من مفر إلا بإنكار أمر المهدي، وإن كان ذلك يتعارض مع المصادر التشريعية، فإنكار أمر المهدي من وجهة نظرهم أسهل من نسف أساس المذهب.
نسي هؤلاء أو تجاهلوا أن فكرة المهدي كعقيدة نشأت من القول بضرورة وجود إمام معصوم في كل جيل حافظ للشريعة وقرين للكتاب، وقد ترك النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثقلين لا يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وشهد القرآن لكل واحد من هذين الثقلين بالعصمة والتسديد والحفظ، وهذا هو المبدأ الحقيقي لفكرة المهدي المنتظر (عليه السلام) عند الشيعة الإمامية.. وإذا حتم الدليل وجوده وبقاءه لأنه الأخير من قرناء الكتاب، فليكن غائباً إذا أوجبت الحكمة الإلهية أن يغيب، فإن الاختفاء لا يضر بشان من شؤونه، كما لا يضر بالشمس سترها من وراء السحاب.. خاصة إذا علمنا أن الإيمان بالمهدي المنتظر عقيدة ورسالة يريد الله تبليغها إلى كافة البشر مصداقاً لقولة تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٢٦).. وأخيرا نقول كما قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾(٢٧).

الفصل الثاني: المهدي المنتظر في الفكر الإسماعيلي

حتمية ظهور المنقذ المخلص آخر الزمان هو اعتقاد عالمي، فجميع الأديان والملل تنتظر خروج شخص يخلص العالم من الظلم والجور وينشر القسط والعدل.. المسلمون يعتقدون بالمنقذ المخلص للبشرية ويسمونه (المهدي المنتظر (عليه السلام)) ويؤكدون أنه من ذرية فاطمة الزهراء عليها السلام كما بشر به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إن الإسلام بركنيه القرآن الكريم والسنة الشريفة هما المصدر والمنبع لدى المسلمين للاعتقاد والإيمان بفكرة المهدي وعلى ذلك أجمع المسلمون بكافة أطيافهم ومذاهبهم.. وفي هذه السطور نحاول تسليط بعض الضوء على فكرة المهدي عند أتباع المذهب الإسماعيلي بفرقه المختلفة.
الطائفة الإسماعيلية:
تعتبر فرقة من المذاهب الإسلامية الشيعية، وتعتقد بإمامة إسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام) في حياة والده، ومن ثم اتبعت ابنه محمد بن إسماعيل وقالت بإمامته، على أساس أن الإمامة لا تكون إلا من أب إلى ابن ولا تعود القهقرى.
افترقت الطائفة الإسماعيلية إلى فرق متعددة، وبعض هذه الفرق التاريخية قد انتهى وانقرض مثل (القرامطة)(٢٨)، ولكن يوجد في الوقت الحالي أربع فرق رئيسية تشكل أبناء الطائفة الإسماعيلية في العالم.. وقد نشأت هذه الفرق بعد أن حدث نزاع حول الخلافة بعد الإمام الفاطمي المستنصر بالله عام (٤٨٧ هـ /١٠٩٤م) مما قسم الاسماعيليين بشكل دائم إلى جماعتين متميزتين هما:
الفرقة النزارية وهي التي اتبعت وقالت بإمامة نزار بن المستنصر بالله.
الفرقة المستعلية (الطيبة) وهي التي اتبعت وقالت بإمامة المستعلي بن المستنصر بالله.
ومن ثم انقسمت كل فرقة إلى مجموعتين مما أدى إلى تشكيل أو تكوين أربع فرق مختلفة كالآتي:
الإسماعيلية النزارية:
وأتباعها متمركزون حاليا في سوريا والعراق وآسيا الوسطى وأوروبا، وقد انقسمت الى فرقتين:
١ - الفرقة المؤمنية: اتبعت وقالت بإمامة الابن الأكبر للإمام شمس الدين والمسمى "مؤمن"، واستمر أئمة هذه الفرقة في الظهور والكشف الى الإمام الصادق (عليه السلام)، ومن ثم دخل ائمتهم دور الستر وأصبحوا في الوقت الحالي يقولون بستر الإمام (وهم إسماعيلية باكستان وآسيا الوسطى).
٢ - الفرقة القاسمية (الأغاخانية): أتبعت وقالت بإمامة الابن الأصغر للإمام شمس الدين والمسمى "قاسم" ولا زال أئمة هذه الفرقة ظاهرين ومعروفين إلى يومنا هذا (وهم إسماعيلية سوريا والشام وأوربا)، وآخر إمام ظاهر هو الإمام الحالي "كريم شاه الحسيني"(٢٩) ويعتقدون بعصمته ويعيش حاليا في لندن. والغريب من معتقدات هذه الفرقة انها لا تعترف بإمامة الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) ويرون أن الإمامة انتقلت من الإمام علي (عليه السلام) إلى الإمام الحسين (عليه السلام) مباشرة.


www.m-mahdi.net
إمام الزمان الحالي للطائفة الإسماعيلية القاسمية (الأغاخانية)

الإسماعيلية المستعلية الطيبة:
وأتباعها متمركزون حاليا في الهند ومصر واليمن وجنوب السعودية، هذه الفرقة تؤمن أن الأئمة دخلوا دور الستر بعد أن كانوا في دور الكشف والظهور، ومن قبله في دور ستر، وكان آخر إمام لديهم معروف في دور الكشف هو الطيب بن الآمر بأحكام الله، ومن ثم بدأ دور الستر لدى هذه الفرقة وأصبح (الداعي) المنفرد والمطلق في دعوته هو الحجة الظاهرة الذي يمثل الإمام في دور الستر وكان الداعي داوود عجب هو آخر داعٍ اتفقت عليه جميع الفرق المستعلية الطيبية.. وبعد وفاته انقسمت المستعلية الى فرقتين:
٣ - الفرقة الداوودية: اتبعت وقالت إن الداعي هو داوود قطب من بعد الداعي داوود عجب، ويسمى أتباعها بطائفة البهرة بالهند.
٤ - الفرقة السليمانية: اتبعت وقالت إن الداعي المنصوص عليه هو سليمان بن الحسن من بعد الداعي داوود عجب، ويتزعم أتباعها حاليا عائلة المكرمي بنجران السعودية واليمن.
هذه الفرق الأربع هي أشهر فرق الإسماعيلية المعروفة الآن، وينتشر أتباعها حالياً في أكثر من (٢٥) دولة في العالم ويبلغ عددهم أكثر من (١٥) مليون شخص(٣٠).
المهدي المنتظر في المعتقد الإسماعيلي (الجذور التاريخية والعقائدية):
الإمام هو محور المذهب الإسماعيلي، ومحور العقيدة يدور حول شخصيته، فالطائفة الإسماعيلية قالت إن الإمامة تكون لإسماعيل في زمن الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن حدث ما لم يكن في الحسبان فقد مات إسماعيل قبل أبيه (عليه السلام)، فأشكل عليهم الأمر فلجأ بعضهم إلى فكرة غيبة الإمام، وقالوا إن إسماعيل لم يمت، بل اختفى وسيظهر بعد ذلك، ولكن غالبية الطائفة (رفضوا فكرة الغيبة لإسماعيل) حيث الواقع والأدلة التاريخية تؤكد وفاته، لذا التزموا بقاعدة نقل الإمامة للذرية، فقالوا بأن الإمام بعد الإمام الصادق (عليه السلام) هو الابن الأكبر لإسماعيل، وهو محمد الذي تركه أبوه في الثالثة من عمره.
انتشرت لاحقاً فكرة لدى غالبية الاسماعيليين الأوائل بعد أن ساقت الإمامة في إسماعيل ثم في ولده محمد، فأصبحوا يعتقدون ويقولون أن محمداً قد ذهب في غيبة وعند عودته (ظهوره الثاني) سوف يبدأ الدور العالمي لحركته بصفته المهدي أو القائم ليملأ الأرض عدلاً وقسطا.
في عام (٢٩٦ هـ) وبعد زمن قصير من استلام عبد الله المهدي الخليفة الفاطمي الأول الذي أسس أول دولة إسماعيلية فاطمية في المهدية بإفريقيا (تونس) غيّر بعض التوجيهات العقائدية المرسلة لأتباعه، فبدلاً من التمسك بمهدوية محمد بن إسماعيل الذي قامت الدعوة باسمه ونيابة عنه، فان القائد الجديد (عبد الله المهدي) ادعى الإمامة و(المهدوية) لنفسه، وكذلك الإمامة لأسلافه الذين قادوا الإسماعيليين بعد محمد بن إسماعيل.. كان قادة الإسماعيليين المركزيين قبل إصلاح وتجديد عبد الله المهدي يتخذون لأنفسهم رتبة الحجة للإمام الغائب (دور الستر)، وكانت العقيدة أنه عبر الحجة يمكن للأتباع الاتصال بالمهدي المستور(٣١).. على كل حال يتضمن إصلاح عبد الله المهدي رفض مهدوية محمد بن إسماعيل التي كانت النقطة المركزية في العقيدة التي عليها غالبية الإسماعيليين.
إن دعوة عبد الله المهدي العلنية لإمامته قسمت الجماعة الإسماعيلية إلى فرعين: قسم قبل دعوته والتي أصبحت فيما بعد العقيدة الرسمية، وحافظ هؤلاء (الغالبية) على استمرار الإمامة وقبلوا تفسير عبد الله المهدي بأن الإمامة الإسماعيلية انتقلت ضمن أحفاد الإمام الصادق (عليه السلام) المباشرين.. أما الفرع الآخر وهم (القلة) من الإسماعيليين المنشقين على عبد الله المهدي والذين لم يستطيعوا تأمين قيادة موحدة، ولكنهم رفضوا دعوة عبد الله المهدي لإمامته، وحافظوا على عقيدتهم الأصلية، وأعادوا تأكيدها بعودة محمد بن إسماعيل بصفته المهدي.
يعتقد الإسماعيلية حاليا بأن الأرض لا تخلو من إمام ظاهر مكشوف أو خائف مستور، فإن كان الإمام ظاهراً جاز أن يكون حجته مستوراً، وإن كان الإمام مستوراً فلا بد أن يكون حجته (نائبه بمسمى الداعي) ظاهرا.. من هنا نرى أن الحركة الإسماعيلية تاريخيا قد مرت بعدة أدوار:
* دور الستر: من موت إسماعيل عام ١٤٣هـ إلى ظهور عبد الله المهدي عام ٢٩٦ هـ.
* دور الظهور: بدأ بعد تأسيسهم أول دولة بقيادة عبد الله المهدي، واختلفت الفرق بعد ذلك، فالفرقة النزارية القاسمية لازالت في دور الظهور حتى الآن.
* دور الستر: عاد من جديد عند الفرقة المستعلية بعد وفاة الطيب بن الآمر بأحكام الله عام ٥٢٥ هـ، ويعتقدون أن الأئمة المستورين من نسله إلى الآن، ولكن لا يعرف عنهم شيئا، حتى أن أسماءهم غير معروفة، والداعي المطلق (المفترض نائبه وحجته) لا يعرفهم.
هوية المهدي المنتظر عند أتباع المذهب الإسماعيلي حالياً:
توفقنا في فترة سابقة من إجراء حوار(٣٢) ونقاش مع افراد من فرقتين مختلفتين من أتباع الطائفة الإسماعيلية (المستعلية السليمانية، النزارية القاسمية)، وكان محور الحديث يدور حول هوية المهدي المنتظر لنستشف من خلاله ملامح تطور النظرية الفكرية المهدوية عند الإسماعيلية حاليا، وإلى أي ضفة وصلت الفكرة وماهي أبرز خطوطها العريضة.. ولا أخفي سراً إن قلت: أنني بذلت جهداً غير يسير لأحصل على هذه المعلومات لصعوبة انفتاحهم لمن هم خارج طائفتهم وخارج الدائرة المغلقة الخاصة بهم، وتم ذلك بعد إقناعهم بأفضلية أن يتم معرفة الرأي من قبل معتنقي المذهب وليس من قبل مخالفيهم، وخاصة أنني من أتباع المذهب الشيعي (الاثنا عشري)، ويعتبر المهدي المنتظر (عليه السلام) إمام زمانهم وإمام العصر الغائب، ونود أن نتعرف على هوية المهدي المنتظر من وجهة نظر مختلفة ومن خلال التصور والمعتقد الإسماعيلي.. لذا لم أستطع التوسع أكثر في الحوار أو التعمق في النظرية أكثر، حيث أن صعوبة إيجاد المعلومة حول عقائد الإسماعيلية تكمن في صعوبة الحديث المنفتح معهم حول عقائدهم خاصة مع شخص من غير أبناء طائفتهم، بالإضافة إلى قلة المصادر المتوفرة في المكتبات والشبكة العنكبوتية.. والمعلومات التي حصلنا عليها توضح لنا أبرز ملامح هوية المهدي عند الفرق الإسماعيلية حالياً:
هوية المهدي عند الفرقة الإسماعيلية المستعلية السليمانية:
وكان هذا الحوار الخاص مع أحد رجال الدين (من مدينة نجران السعودية) من أتباع هذه الفرقة:
س: هل ينتظر أبناء المذهب الإسماعيلي خروج المهدي آخر الزمان؟
ج: إن الإسماعيلية السليمانية وباقي الفرق الإسماعيلية تؤمن بأن الإمامة لا يحدها عدد ولا رقم إنما مشيئة الله، وهم يؤمنون كذلك أن الإمامة لا تنقطع عن هذه الدنيا ولم تنقطع منذ أن خلق الله الأرض إلى أن يرثها، ويتم توارثها ولداً عن والد بأمر الله سبحانه وتعالى واختياره وتدبيره، ولكن يكون هؤلاء الأئمة إما مغمورين مستورين بسبب تغلب الأضداد وأهل الكبر والعناد وأهل الفساد، أو ظاهرين لإعلاء كلمة الله عندما يأمر الله ويكون لهم الغلبة، مثلما حدث وقت ظهور الإمام المهدي بالله عبد الله بن الحسين من المغرب وقيام الدولة الفاطمية.. والإسماعيلية يؤمنون أن القائم سيقوم بإذن الله متى ما شاء الله، وينتظرون قيامه بفارغ الصبر، ولكن لا يؤمنون أنه ولد قبل مئات السنين وأنه لا زال حياً منذ ذلك الحين إلى قيام الساعة، إنما يؤمنون أنه سيولد من نسل إمام مستور وانه سيقوم ويقيم العدل ويعلي كلمة الله ويحي شريعة محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وعلى آله)، ونؤمن أنه من نسل الحسين بن علي (عليهم السلام).
س: من هو المهدي (عليه السلام) وما هو نسبه؟ وما اسم أبيه وجده؟
ج: لا أعلم من هو فقد يكون ولد في الوقت الراهن، وقد يكون لازال في ظهر أبيه، وقد يكون هو الإمام الحالي المستور، او قد يكون الإمام الحالي المستور هو أبوه او جده، فلا أعلم هل الإمام الحالي المستور سوف يكون على يديه وقت الكشف والظهور أم لا، فالله ومن شاء يعلمون، ولكني أعلم أنه من نسل الحسين بن علي (عليهم السلام).
س: هل الفرق الإسماعيلية الأخرى تنتظر نفس الشخص (المهدي) أي تتفق عليه؟ أم هناك اختلاف بينهم؟
ج: أعتقد أن جميع الشيعة ينتظرون قيام الإمام القائم (عليه السلام) وليس فقط الإسماعيلية، ولكن الاختلاف الواضح بين الشيعة والإسماعيلية هو في هوية آباء هذا الإمام، فالاثنا عشرية يؤمنون أنه من نسل موسى الكاظم والإسماعيلية يؤمنون أنه من نسل إسماعيل، والإسماعيلية النزارية يؤمنون أنه من نسل نزار والإسماعيلية المستعلية يؤمنون انه سيكون من نسل المستعلي... الخ، وهكذا فإن الاختلاف في هوية الإمام القائم يكون اختلافاً في نسبه ومن يكون آباؤه ومن أي نسلٍ ينحدر.
س: هل هناك علامات للظهور ذكرت عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) تحدد لنا زمن خروج المهدي؟
ج: يوجد لدينا بعض الكتب توضح بعض العلامات ولكن ليست متوفرة لدي الآن، أما المشهور بين الشيعة من ظهور الشمس من المغرب فقد ظهرت بالنسبة لنا الشمس (الدولة الفاطمية من المغرب)، فنحن نؤمن أن كوكب الشمس لن يظهر من المغرب أبدا، بل سيكون المشرق ظهوره والمغرب غروبه من قبل والآن ومن بعد، وكان قصد الرسول (صلى الله عليه وعلى آله) ظهور الحق بقوله الشمس فشبه الحق بالشمس (هذا مثال بسيط).. وقول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسمه على اسمي فكان المهدي بالله عبد الله بن الحسين اسمه عبد الله والرسول أحد أسمائه عبد الله قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدا﴾(٣٣).
س: هل هناك كتاب أو كراس تنصحوننا بقراءته لنتعرف على المهدي (عليه السلام) حسب معتقد المذهب الاسماعيلي؟
ج: حتى لو نصحناك وذكرنا لك اسم الكتاب فلن تجده لأن أغلب كتبنا مخطوطة والمطبوع قليل منها، ولكن لو استطعت أن تحصل على كتاب (الفترات والقرانات)(٣٤)وهو كتاب إسماعيلي فقد تجد ما تبحث عنه.
س: هل هناك إمام مستور حاليا ننتظر خروجه أو ظهوره؟ ومن هو؟
ج: يؤمن الإسماعيلية كما ذكرت سابقا أن الأرض لا يمكن أبدا أن تخلو من إمام إما ظاهر مشهور أو مستور مغمور، ونؤمن أن هناك الآن إمام ولكن لا نعلم نحن العامة هل هو الإمام القائم أم لا، وهل زمنه زمن ظهور أم لا فهذه أكبر من معرفتنا نحن العامة من أبناء المذهب الإسماعيلي. ولا نعلم هويته فآخر إمام ظهر لنا اسمه هو: الإمام أحمد بن محمد بن هاشم بن نزار بن معد بن الحسين بن علي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن الطيب " أبي القاسم " بن الآمر بأحكام الله أبو علي المنصور بن المستعلي بالله أبو القاسم احمد بن المستنصر بالله معد أبي تميم بن الظاهر لإعزاز دين الله علي بن الحسن بن الحاكم بأمر الله المنصور أبى علي بن العزيز بالله نزار أبو منصور بن المعز لدين الله معد أبو تميم بن المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل بن القائم بأمر الله أبو القاسم محمد بن المهدي بالله عبد الله بن الحسين بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين أبو عبد الله بن حيدرة الكرار علي بن أبي طالب.. الخ عليهم وعلى آبائهم أفضل الصلاة والسلام أجمعين.
س: هل هناك وقت محدد لخروج المهدي تم تحديده؟ أم ان وقت خروجه سر من أسرار الله سبحانه وتعالى؟
ج: حسب معلوماتي والله أعلم، فإنه لا علم لدينا ولا يوجد لدينا تاريخ محدد لخروج القائم (عليه السلام)، إنما هذا سر من أسرار الله يُعلمه من يشاء من عباده ومن اصطفى وهو فضل يؤتيه من يشاء بغير حساب.
هوية المهدي عند الفرقة الإسماعيلية النزارية القاسمية (الأغاخانية):
وفي حوار خاص مع أحد مثقفي هذه الفرقة (من مدينة سلميّة السورية) جاء فيه:
س: هل ينتظر أبناء المذهب الإسماعيلي (وبالخصوص الفرقة النزارية) خروج المهدي آخر الزمان؟
ج: لا ينتظر المسلمون الإسماعليون المهدي آخر الزمان، فبالنسبة لنا نحن المسلمين الشيعة الإسماعيليون (الأغاخانية) نعتبر أن الإمام موجود دائم وحي في هذا الوجود منذ بداية الكون وحتى نهايته، ونعتبر أن الإمام يجب أن يكون معلوماً ومعروفاً لدى الجماعات وغير مجهول المكان الجغرافي، لتتم الهداية عن طريقه مباشرة لأتباعه الأحياء، ولذلك في نظرنا لا تخلوا الأرض من الإمام، فهو خليفة الله على الأرض وذلك حسب قوله تعالى:﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(٣٥) في هذه الآية دلالة واضحة على أن (خلافة) خليفة الله في الأرض موجودة باستمرار لا انقطاع فيها سئل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن قول الرسول محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "من مات لا يعرف إمام دهره حيا مات ميتة جاهلية" فقال من لم يعرف الإمام من آل محمد أو غيرهم؟ ثم قال من جحد الإمام مات ميتة جاهلية، كان من آل محمد أو من غيرهم.(من كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن حيون ص ٣١ جزء أول).حول هذا الحديث: نقول إن معرفة الإمام معرفة جلية واجبة على كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة وذلك حسب قول الرسول: (إمام دهره حياً) فإن مات تُعتبر ميتته ميتة جاهلية.
مرّت في تاريخ الأئمة أدوار منها دور ستر (تم إخفاء الإمام عن أعين الأعداء خشية القتل)، ولكن كان هناك دعاة يعرفون مكانه ويتصلون به باستمرار وتتم إيصال المعلومات للأتباع من خلالهم، فلم يكن غائباً عن الوجود بمعنى (الغيبة)، مثلما حصل على زمن الإمام اسماعيل بن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) ثم ولده الإمام محمد بن اسماعيل ثم ولده عبد الله الملقب بالوفي أحمد ثم ولده أحمد الملقب بالتقي محمد ثم ولده الحسين الملقب رضي الدين عبد الله ثم ولده عبد الله الملقب محمد المهدي التي ظهرت على يديه الدولة الفاطمية في المغرب العربي عام ٢٩٦ هـ.
س: من هو المهدي (عليه السلام) وما هو نسبه؟ وما اسم أبيه وجده؟ وما هي القابه؟
ج: أما ما يخص الإمام القائم: فنحن نعتبر الإمام الحي هو قائم الزمان الموجود به، وكل إمام حي هو قائم لزمانه، ولا يوجد عندنا إمام بمعنى المهدي المنتظر القائم في نهاية الزمان، والذي سيأتي ليملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت جورا، ونسب الإمام في كل زمان وعصر يعود للإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء ابنة النبي المصطفى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين يعودون بنسبهم إلى النبي إبراهيم من ذرية الإمام والرسول إسماعيل.. إننا نتبع الآن الإمام الحاضر الموجود الإمام كريم شاه الحسيني والذي يرجع نسبه إلى علي بن أبي طالب ابن عم نبي هذه الأمة عليه الصلاة والسلام وهو من ملة أبينا إبراهيم، وإن كل إمام هو هادٍ ومهدي للزمن الذي هو فيه، فالإمامة لا تنقطع، ذرية بعضها من بعض وليس لسنن الله تبديلاً.
س: هل الفرق الإسماعيلية الأخرى تنتظر نفس الشخص (المهدي) أي تتفق عليه؟ أم هناك اختلاف بينهم؟
ج: هذا السؤال تجيب عليه الفرق الإسماعيلية الاخرى.
س: هل هناك علامات للظهور ذكرت عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) تحدد لنا زمن خروج المهدي؟ وما هي أبرز هذه العلامات؟
س: هل هناك كتاب تنصحوننا بقراءته لنتعرف على المهدي (عليه السلام) حسب معتقد المذهب الإسماعيلي؟
س: هل هناك إمام مستور حاليا ننتظر خروجه؟ ومن هو؟ وما الاختلاف بين الفرق الإسماعيلية في ذلك؟
س: هل هناك وقت محدد لخروج المهدي (عليه السلام) تم تحديده، أم أن وقت خروجه سر من أسرار الله سبحانه وتعالى؟
ج: لأننا لا ننتظر المهدي آخر الزمان، لذلك لا نملك إجابة لما سألته أو تكلمت عنه.
خلاصة القول:
يتضح لنا من النبذة التاريخية الموجزة، والجذور العقائدية للإمامة عند أتباع المذهب الإسماعيلي حالياً، ومن خلال الحوارات والنقاشات التي دارت بخصوص هوية المهدي المنتظر ما يلي: إن فكرة المهدي المنتظر عند أتباع المذهب الإسماعيلي (حاليا) هي عبارة عن توليفة تاريخية فلسفية ترتبط من جهة بالإمامة وبالواقع التاريخي لتسلسلها عندهم، ومن جهة أخرى ترتبط بالوثائق التاريخية والأدلة المعتمدة عندهم.. فنظرتهم للمهدي المنتظر (حاليا) تعتمد على ما انتهى إليه مفهومهم للإمامة وتطوره التاريخي، وإن كان يخالف الدليل الإسلامي والروايات الشريفة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)، ففكرة المهدي عندهم عبارة عن تقليد عشوائي، وعقيدة مبهمة غير مبنية على أدلة وأصول راسخة عميقة، فنظرية المهدي عندهم مهددة بالسقوط والانتزاع ومتغيرة بالمؤثرات والتيارات الخارجية (كالتسلسل التاريخي للأئمة عندهم)، وهوية المهدي في نظرهم سحابة تحركها الرياح الشرقية والغربية، وكعقيدة هي بناء سقط أو كاد أن يسقط (وبالفعل سقطت عند الفرقة النزارية القاسمية الأغاخانية) حيث لم يفهموا العقيدة المهدوية حق فهمها.. بخلاف عقيدة الشيعة الاثنا عشرية القائمة على الأدلة المنطقية والبراهين العقلية والنقلية من الكتاب والسنة المحمدية، حيث أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) بينوا لنا أسم القائم المهدي وأسماء آبائه.. وعليه ووفقاً لتلك النصوص والمصادر الشرعية والأدلة الإسلامية وبعيداً عن تأثير المتغيرات الخارجية، كُتب الخلود والبقاء للعقيدة المهدوية لدى الإمامية ما بقي الدهر.
إننا نعتقد أن الحركة الإسماعيلية كانت حركة ذات أهداف سياسية سليمة منذ البدء، ثم انحرفت تاريخياً عن خطها الصحيح بعد أن وقعت في تناقض موت إسماعيل قبل أبيه الإمام الصادق (عليه السلام)، وبناءً على ذلك انحرفت وتشوشت نظرية المهدي المنتظر آخر الزمان وقبل ذلك انحراف تسلسل الإمامة بشكلها الأوسع، فضاعت لديهم ابرز ملامح العقيدة المهدوية وخطوطها العريضة التي وضحها أهل البيت (عليهم السلام).
إن هوية المهدي المنتظر عند جميع الفرق الإسماعيلية غير واضحة المعالم (الآن)، فقد كانوا في السابق يعتقدون بمهدوية محمد بن إسماعيل والذي تؤكده مصادر إسماعيلية قليلة(٣٦) تخص فترة ما قبل المرحلة الفاطمية.. أما حاليا فبعض الفرق تعتقد بأن الإمام الحالي (الفرقة الأغاخانية) هو إمام هادي ومهدي للزمن الذي هو فيه، ولذا فهم لا ينتظرون المهدي آخر الزمان. أما بعض الفرق الأخرى (المستعلية) فيؤمنون بأن المهدي الموعود سيولد في المستقبل من نسل إمام مستور، ولكن لا يعرفون اسمه أو اسم أبيه (الإمام مستور) وبالتالي تظل هوية المهدي مبهمة عندهم.
نتعجب عندما يذكرون حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"، ودائما ما يستشهدون بهذا الحديث عند ردهم على أهل العامة بخصوص الإمام بعد فترة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأحقية الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة، ولكن لو سُئلوا عن إمام زمانهم في الوقت الحالي لتفادي موته الجاهلية!! لحاروا في الجواب ولتلعثم اللسان.. ولذا لا نستغرب أن يدعي عبد الله المهدي (المهدوية)، وكذلك يدعي القرمطي أبو سعيد الجانبي (المهدوية)، وكذلك لا يعترينا الاستغراب عندما يدعي شخص عادي (خريج جامعة أمريكية) أنه إمام الزمان ويضع نفسه في مصاف الإمام الباقر والإمام الصادق (عليه السلام) وهذا هو الواقع الحالي للفرقة النزارية الأغاخانية.
الحمد لله أننا كشيعة اثني عشرية نعرف وننتظر إمام زماننا المهدي المنتظر الحجة بن الحسن العسكري (عليه السلام) المولود في (١٥ شعبان ٢٥٥ هـ)، ونعرف اسمه وأسماء آبائه الكرام، ونعرف مواصفاته الجسدية والخلقية وإمكانياته المعنوية والروحية ومكانته الرفيعة عند الله فهو طاووس أهل الجنة حسب الروايات الخاصة لأهل البيت (عليهم السلام)، ونعرف علامات ظهوره وعلامات تعيين شخصه، وفوق ذلك نعرف أدق تفاصيل القضية المهدوية من ولادة وغيبة وظهور كما وضحها الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، وقبل كل هذا يؤكد الاثنا عشرية في خطابهم وممارستهم العبادية والحياتية أن الأمر ما هو إلا وعد إلهي للمؤمنين كما ذكر في القرآن الكريم، وبذلك ننفرد عن باقي الفرق الإسلامية في تحديد شخصية وهوية الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) في الوقت الذي تعتقد بقية الفرق الاسلامية انه لم يولد بعد، فعجل الله تعالى فرجه وسهل مخرجه.

الفصل الثالث: المهدي المنتظر في فكر أهل السنة

إن عقيدة المنقذ المهدي الموعود وظهوره في آخر الزمان، تعتبر مورد قبول جميع الفرق الإسلامية، فقد أخبر عنها الرسول الاكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتحدث عنها أهل البيت (عليهم السلام) والصحابة والتابعين، وكتب عنها العلماء جيلا بعد جيل إلى زماننا هذا، ومن هذا المنطلق كانت مسألة الإمام المنتظر حتمية ويقينية، وفي التاريخ الإسلامي انتشرت فكرة المهدي لدى أغلب الفرق الإسلامية باعتبار أن مصدر ومنبع الفكرة والعقيدة هو الشرع الإسلامي بركنيه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة.
مذاهب أهل السنة:
إن الخلاف والشقاق ظهر في الأمة الإسلامية بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكانت فكرة الإمامة بذرة الخلاف الأولى في واقع المسلمين، ومزق الأمة فرقاً أو فرقتين: فرقة تشايع الخلفاء، وفرقة تشايع (علياً) وأهل البيت (عليهم السلام) الى اليوم الحاضر.
لقد اختلف أهل العامة (شيعة الخلفاء) إلى مذاهب كثيرة في الفروع والأصول، كمذهب سفيان بن عيينة بمكة، ومذهب مالك بن أنس بالمدينة، ومذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري بالكوفة، ومذهب الأوزاعي بالشام، ومذهب الشافعي بالعراق، والليث بن سعد بمصر، ومذهب إسحاق بن راهويه بنيسابور، ومذهب أحمد بن حنبل وأبي ثور ببغداد.... وغيرها. إلا أن اكثر تلك المذاهب انقرضت بين الناس، وظلت آراء أصحابها مدونة في بطون الكتب عند أهل السنة(٣٧)، وبقيت من تلك المذاهب الأربعة المعروفة فقط، أما كيف نشأت هذه المذاهب وانتشرت دون غيرها، فيمكن الرجوع إلى المصادر المختصة وهي عديدة وتطرقت لها بالتفصيل(٣٨).. وهم بحسب ظهورهم بالترتيب كالاتي:
١ - المذهب الحنفي: ينسب هذا المذهب لأبي حنيفة النعمان بن ثابت (٨٠ هـ - ١٥٠ هـ) وهو من التابعين، تأسس المذهب في العراق، وينتشر حاليا في دول إسلامية مختلفة منها شمال مصر ووسط أسيا وتركيا والعراق وأفغانستان وباكستان وشمال الهند وسوريا.
٢ - المذهب المالكي: ينسب هذا المذهب لـ مالك بن أنس (٩٣ هـ - ١٧٩ هـ)، تأسس المذهب في الحجاز (المدينة المنورة) في أوائل القرن الثاني الهجري وتطورت معالمة على يد تلاميذه من بعده، انتشر في بغداد بسبب دعم السلطة العباسية له، وقد ظهر في البصرة بعد خمسة قرون من تاريخ انتشاره في الحجاز، حالياً يتواجد في الحجاز وبلاد المغرب العربي ودول الخليج والسودان ووسط وغرب أفريقيا.
٣ - المذهب الشافعي: ينسب هذا المذهب لـ محمد بن إدريس الشافعي (١٥٠ هـ - ٢٠٤ هـ)، تأسس المذهب في العراق، وينتشر حاليا بشكل كبير في بلاد الشام وفي فلسطين حيث مسقط رأس الشافعي في غزة خاصة، وفي مصر وإندونيسيا وماليزيا وشرق أفريقيا وجنوب الهند وبقاع مختلفة من البلاد الإسلامية.
٤ - المذهب الحنبلي: ينسب هذا المذهب لـ أحمد بن محمد بن حنبل (١٦٤ هـ - ٢٤١ هـ)، تأسس المذهب في العراق، اهتم ابن حنبل بجمع السنة وحفظها حتى صار من كبار المحدثين في عصره، ولذلك يعده البعض (مثل الطبري) محدثاً فقط لا فقيها، ينتشر مذهبه حاليا في نجد والخليج ومصر وبلاد الشام.
هذه المذاهب هي التي عليها أهل العامة في كافة الأمصار منذ أن حصر التقليد فيها إلى عصرنا الحاضر، وهؤلاء العلماء الأربعة الذي يجمع على إمامتهم جميع أهل السنة بكافة توجهاتهم، وهم متفقون على كل الأصول الفقهية واختلفوا في بعض الفروع، والمسائل الفرعية التي اختلفوا فيها هي التي كوَنت نشأة المذاهب الفقهية الأربعة.. ومن المسائل المتفق عليها بين كافة المذاهب وفرق أهل العامة (الأطروحة المهدوية)، مما دفعنا للتطرق لهم جميعا كأصحاب فكرة ونظرية وأطروحة واحدة في العقيدة المهدوية.
المهدي المنتظر في معتقد أهل السنة:
كل الفرق الإسلامية (من أهل العامة) تتفق على أصل الاعتقاد بصحة العقيدة المهدوية ويحكمون بجهالة من أنكرها، ويتفقون أن المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)، وأن دولته حتمية الظهور وأنها عالمية النفوذ، وأنها من الوعد الإلهي الثابت بالنص القرآني، ويتفقون على حتمية وقوع بعض العلامات والمقدمات من الحوادث المختلفة المبشرة بقرب ظهوره.
إن المهدي عند أهل السنة لا يشكل الشيء الكثير او المهم، فهو في نظرهم أحد علامات الساعة الكبرى يتبع خروجه نزول عيسى (عليه السلام) وخروج الدجال، فلم يرد في أي نص من النصوص – حسب اعتقادهم – أنهم متعبدون بانتظاره، بل يعيشون حياتهم ويمارسون عباداتهم وأعمالهم بشكل عادي ولا شيء من ذلك مرهون بوجوده، فإذا وجد هذا الإنسان الصالح وظهرت أدلته القطعية اتبعوه.
ويؤمن أهل السنة بأن المهدي هو رجل صالح من آل البيت (عليهم السلام)، يولد آخر الزمان بعمر إنسان عادي، يعيش بين الناس حياة طبيعية، يدرس في مدارسهم وجامعاتهم، ولا يعرف نفسه أنه المهدي، ولا تكون له أي مزايا أخرى مختلفة عن بقية الناس، فلا يعتقدون بعصمته أو ارتباطه بالسماء، بل يعتبرونه إنساناً عادياً متلبساً ببعض الذنوب والمعاصي مثل أي إنسان آخر، فاذا اختاره الله تعالى للخلافة تاب عليه وأنقذه من الضلال والمعاصي فيهديه الله (يصلح أمره) في ليلة، ويستدلون على ذلك بالرواية: «المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة واحدة"(٣٩).. ويرى أهل العامة أن المهدي تكون ولادته ومدة حياته طبيعية، ويعتقدون أنه يولد قبل توليه الحكم أو الخلافة ببضعة عقود(٤٠)، ولم يوجد في الأحاديث – بحسب اجتهاد علمائهم – ما يدل على أنه يمتاز عن غيره من الناس بشيء من طول العمر او الغيبة الطويلة او الاختفاء عن الناس مثلا.
هوية وصفات وسيرة المهدي عند أهل السنة:
هويته: يؤمنون أنه من أهل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من كنانة من قريش من بني هاشم من ولد فاطمة وعلي (عليهما السلام)، اسمه اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) محمد أو احمد، واسم أبيه عبدالله(٤١)، وهناك من أهل السنة من رجح أن يكون من سلالة السبط الحسن بن علي (عليهما السلام)، وكنيته أبو عبدالله، وأنه أحد الخلفاء القرشيين الاثنا عشر الذي ذكرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث رواه البخاري(٤٢).
صفاته: من الصفات التي وردت عنه في بعض الروايات المختلفة من كتب سلف أهل العامة: المهدي يشبه النبي في الخلق والخُلق، وأن وجهه كوكب دري، أجلى الجبهة أقنى الأنف، أفرق الثنايا، ومن صفاته انفراج فخذيه وتباعد ما بينهما، لونه لون عربي، عليه عباءتان قطوانيتان، يخرج وعلى رأسه غمامة فيها ملك ينادي هذا: المهدي خليفة الله فاتبعوه.
سيرته: يبايع بمكة ثم يذهب إلى الشام وخراسان وغيرهما، ثم يكون مقره ببيت المقدس، يبايع بين الركن والمقام وهو كاره، يأتي في الرايات السود القادمة من قبل المشرق كأن قلوبهم زبر الحديد، ويظهر عند انقطاع من الزمن وظهور من الفتن، يكون عطاؤه هنيئا، يستخرج الكنوز، وتخرج الأرض نباتها وتمطر السماء قطرها، يسقيه الله الغيث، وتكثر الماشية، يرضى في خلافته أهل الأرض وأهل السماء، والطير في الجو، يبعثه الله غياثا للناس، تنعم الأمة في زمانه نعيماَ لم ينعموا مثله قط، يعطي المال صحاحا ويحثه حثيا لا يعده عدا ويقسمه بالسوية، يكون أول ظهور له في البيت الحرام، يقوم بالدين آخر الزمان كما قام النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، تجري الملاحم على يديه، ويظهر الاسلام، يملأ الأرض عدلاً، يحكم خمس أو سبع أو تسع سنوات، ويملك الدنيا كما ملكها ذو القرنين وسليمان، وهو أمير الطائفة التي لا تزال تقاتل على الحق حتى ينزل المسيح عيسى بن مريم فيصلى خلفه صلاة الصبح، ثم يقتل الدجال.
الأحاديث والآثار عند أهل السنة في المهدي:
قد تواترت الأخبار واستفاضت بكثرة رواتها عن المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجيء المهدي آخر الزمان، وأنه من أهل بيته، وأنه يملأ الأرض عدلاً و... فالأحاديث والآثار الواردة في المهدي عند أهل السنة كثيرة جداً، فقد خرج أحاديث المهدي جماعة من أئمة الحديث من أهل السنة منهم: أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد والبزار والحاكم والطبراني وأبو يعلى الموصولي، وأسندوها إلى جماعة من الصحابة.. بل استدرك الحاكم في عدد من الأحاديث على الشيخين (البخاري ومسلم) عن المهدي، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وأقره الذهبي على ذلك في تلخيصه(٤٣)، ويرى كثير من العلماء على أن أحاديث المهدي بلغت حد التواتر المعنوي(٤٤)، وقد صرح بذلك د. عبدالعليم عبدالعظيم البستوي في رسالة الماجستير بعنوان: (الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل)(٤٥) وقال: «بعد النظر في الأحاديث الواردة في المهدي ودراستها سنداً ومتنا، وصلت إلى ما يلي: إن خلافة المهدي في آخر الزمان حق ولا يمكن إنكارها لثبوت هذه الأحاديث الصحيحة او الحسنة، ولورود أحاديث أخرى كثيرة وهي ضعيفة في تفاصيلها ولكنها تشارك الصحيحة في أصل الفكرة وهي (وجود خلافة المهدي) وهكذا يصبح هذا الأمر متواتراً تواتراً معنوياً"(٤٦).. ونستعرض بعض الأحاديث الصحيحة في المهدي عند أهل السنة وننتخب شذرة منها، ولم نشأ إثقال البحث بدرج عدد كبير منها ومصادرها، بل اكتفينا بالإشارة إلى بعضها:
* عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي"(٤٧)... نتيجة دراسة الماجستير، البستوي: اسناده صحيح، وقال الألباني: صحيح.
* عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي مني، أجلى الجبهة، أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا، كما ملئت ظلماً وجوراً، ويملك سبع سنين"(٤٨).. نتيجة دراسة الماجستير، البستوي: الحديث حسن لشواهده، وقال الألباني: إسناده حسن.
* عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «المهدي من عترتي من ولد فاطمة"(٤٩).. نتيجة دراسة الماجستير، البستوي: إسناده حسن، وقال الألباني: صحيح.
* عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لو لم يبق من الدهر إلا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً كما ملئت جورا"(٥٠).. نتيجة دراسة الماجستير، البستوي: إسناده صحيح، وقال الألباني: صحيح.
اعتنى العلماء والمحدثون من أهل السنة بجمع أحاديث المهدي في مصنفاتهم وكتبهم حفاظاً على التراث النبوي، وقد أفردوا قديماً وحديثاً في المهدي المنتظر مؤلفات ذكروا فيها كل ما يختص فيه، ومن هذه الكتب والمصنفات:
١ - كتاب (الفتن) تأليف: نعيم بن حماد المروزي الخزاعي، وهو من شيوخ البخاري، توفى ٢٢٨ هـ.
٢ - كتاب (البيان بأخبار صاحب الزمان) تأليف: محمد بن يوسف الكنحي الشافعي توفى ٦٥٨ هـ.
٣ - كتاب (عقد الدرر في اخبار المنتظر) تأليف: يوسف بن يحيى الشافعي السلمي، توفى ٦٨٥ هـ.
٤ - كتاب (العرف الوردي في أخبار المهدي) تأليف: جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، توفى ٩١١ هـ.
٥ - كتاب (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) تأليف: أحمد بن محمد بن حجر المكي الهيتمي، توفى ٩٧٤ هـ.
٦ - كتاب (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان) تأليف: علي بن حسام الدين المتقي الهندي، صاحب كتاب (كنز العمال) الشهير، توفى ٩٧٥ هـ.
علامات ظهور المهدي عند أهل السنة:
إن علامات الظهور عند مدرسة الخلفاء كثيرة وعديدة، انتخبنا شذرة من الأخبار المستقبلية من كتب أعلام المدرسة والمصنفات المشهورة في هذا الباب كـ: (عقد الدرر) و(العرف الوردي) و(القول المختصر) و(البرهان في العلامات)، ولم نراعِ الترتيب الزمني في تبويب العلامات المختارة، وأيضا لم نشر إلى الرواية أو الدليل(٥١) لكل علامة، مراعاة لمنهج البحث والدراسة، لذا تطرقنا للمختصر القليل منها:
بلاء يصيب هذه الأمة، حتى لا يجد الرجل ملجأً يلجأ إليه من الظلم.
فتن وأهوال كثيرة، وقتل ذريع بين الكوفة والحيرة.
خروج ستين كذاباً كل منهم يدعى أنه مرسل من عند الله.
يقتل عند كنزكم ثلاثة، كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم.
رجفة تكون بالشام، يهلك فيها أكثر من مائة ألف إنسان.
هدم حائط مسجد الكوفة، مما يلي دار عبدالله بن مسعود.
نزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة.
نداء على سور دمشق: ويل للعرب من شر قد اقترب.
طلوع نجم بالمشرق يضئ، ثم ينعطف حتى يلتقي طرفاه أو يكاد.
خسف قرية من قرى الشام تسمى (حرستا).
اختلاف أهل الشام بينهم، والفزعة في شهر رمضان.
تطلع الرايات السود من قبل المشرق (خراسان) ثم يجئ خليفة الله المهدي.
خروج الأصهب من الجزيرة، خروج الجرهمي من الشام، خروج القحطاني من بلاد اليمن.
خروج ثلاثة نفر بالشام كلهم يطلب الملك، رجل أبقع ورجل أصهب ورجل من بيت أبي سفيان.
خروج السفياني ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس.
كود الشمس وخسوفها في النصف من شهر الصيام، وخسوف القمر في آخره.
صوت في ليلة النصف من رمضان، يوقظ النائم ويفزع اليقظان.
نداء من السماء لأهل الأرض، ويسمع أهل كل لغة بلغتهم.
استيلاء السفياني وجنده على الكور الخمس.
وقعة بقرقيسيا حتى تشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم.
معمعة في شوال، وفي ذي القعدة حرب وقتال، وينهب الحاج في ذي الحجة.
آخر الفتن والعلامات قتل النفس الزكية، أي ذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام.
خسف البيداء بجيش الشام المتوجه لمكة للقضاء على المهدي.
مناقشة اطروحة أهل السنة في المهدي:
يتضح لنا من الاستعراض الموجز والسريع لمدرسة المذاهب الأربعة وقراءة تاريخ نشوئها، ومن خلال الاطلاع على مؤلفات المدرسة وتتبع أقوال علمائها، والحوارات والنقاشات العديدة التي دارت بخصوص القضية المهدوية: أن العقيدة في المهدي المنتظر من العقائد الثابتة المتسالم عليها والمسّلم بها عند علماء وجمهور أهل السنة، ويؤكدون الإيمان بأصل وأساس المهدوية، ويرون أن العقيدة في المهدي من فروع العمل الواجب على الأمة، لا من أصول الاعتقاد الذي يُبنى عليه الإيمان، وإذا لم تكن المهدوية من العقائد فهي ملحق بما يجب الالتزام به، لا كمعتقد بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به.
عندما نبحث في جوهر وتفاصيل الأطروحة المهدوية عند أهل السنة، ونتعمق أكثر في افكارها وجزئياتها نجد أن المهدي في التصور السني كالآتي:
* المهدي شخص عادي من الأمة، وينتسب إلى آل البيت (عليهم السلام).
* سيولد آخر الزمان، ويعيش حياة طبيعية وبعمر إنسان عادي.
* يختاره الله لمنصب المهدوية، وهو لا يعرف نفسه أنه المهدي.
* لا تكون له أي مزايا مختلفة عن بقية الناس، فلا عصمة ولا ارتباط بالسماء.
لمناقشة هذا التصور والأطروحة ونقد أفكارها، تثار عدة استفسارات وتساؤلات جوهرية، ولعل أبسط هذه الأسئلة: إمكانيات وكفاءة هذه الشخصية (حسب نظرية أهل العامة) على تحقيق إنجازات عظيمة بحيث يحقق حلم كل الأنبياء والرسل، والذين عجزوا عن تنفيذه طوال عمر وتاريخ البشرية، وذلك بنشر العدل والقسط والتوحيد على كافة أرض المعمورة.
إن من يريد مناقشة ونقد نظرية أو اطروحة مهدوية، فعليه أن يبدأ بدراسة قاعدتها ومبانيها العقائدية اولاً، ويناقش جوهر أفكارها ويتعرف على منهجها ورؤاها(٥٢).. لقد ثبت أن المنهج الذي اتبعته مدرسة الخلفاء في الأطروحة المهدوية جاء مع سياق الواقع السياسي والتاريخي للمسلمين، مما يحفظ لديهم نظرية الخلافة وشرعية السقيفة، فأولت وفسرت جميع الأفكار في القضية المهدوية بما يتناسب مع مبادئ المدرسة، مما أدى الى أن تكون النظرية المهدوية لديهم مفتقرة إلى الدليل والبرهان، ومعتمدة في الكثير من أفكارها على أقوال العلماء واجتهاداتهم، وإن خالفت بذلك النص والعقل.
بشذرات من رؤية استراتيجية شاملة، وببعض من تحليل ونقد، سنناقش بعض التصورات عن المهدي والتي انفردت بها مدرسة الخلفاء، وسنرى مدى صدق وواقعية ما تميزت به الأطروحة في فضاء الثقافة الإسلامية والتعاليم الربانية، ومدى صحة المباني والقواعد التي أسست نظريتهم في المهدي:
أولاً: سيولد في آخر الزمان (المستقبل):
غالبية أهل السنة ينكرون ولادة المهدي، ويقولون أنه سيولد في آخر الزمان، والمتصفح لكلمات علمائهم وأقوال رجالهم بهذا الموضوع لا يجد لهم أي مستند شرعي ولا علمي ولا تاريخي لإثبات مدّعاهم، بل كل الأدلة والبراهين والروايات تقول: «سيبعث – سيخرج – سيظهر -....... " ولم نجد أي حديث ولا رواية واحدة على الأقل منسوبة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو حتى للصحابة أو حتى للتابعيين (سواءً كانت ضعيفة او مختلقة او مكذوبة) تقول إنه سيولد في آخر الزمان، فالمطلوب دليل شرعي واحد فقط يثبت أو يؤكد ذلك، وهذا هو الحد الأدنى ومع ذلك لم يتوفر.. فلا ندري على ماذا اعتمدت مدرسة الخلفاء على فكرة ولادته في المستقبل؟!!.
من الواضح أن المسألة في خلفيتها الفكرية والعقائدية تتعلق بالموقف من الإمامة، فمدرسة المذاهب الأربعة اضطرتها المصلحة المذهبية والتمسك بصحة وشرعية السقيفة والخلافة ونظرية الشورى، إلى ضرورة الجنوح بالمسألة المهدوية صوب الرؤية المستقبلية (سيولد في آخر الزمان) فراراً من القول بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، والخوف من انهيار شرعية نظام الخلافة.

كيف نعذر من فاضت أمامه الأدلة وتكاثرت الحقائق بولادة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام)، وجمهور أهل العامة لا يستندون في معرض إنكارهم على دليل شرعي متين، ولا على تحليل عقلي عميق، ولا على حقائق علمية رصينة، وهم بذلك يرتكبون أخطاء:
* رفضهم للحقائق من دون دليل.
* عدم قبولهم بالأدلة الشرعية الوافرة(٥٣).
إن حقيقة ولادة ووجود الإمام صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) ليس أمراً تاريخياً فحسب، بل هو أمرٌ له صلةٌ بالمستقبل، ونتائج المستقبل هنا هي من يحسم حقائق التاريخ.
ثانياً: تعيين المهدي للخلافة:
تساؤلات وإشكالات عديدة تثار حول أطروحة أهل السنة في المهدي المنتظر، وقد يكون هذا السؤال أحد الأركان والأعمدة الرئيسية لهذه الإشكالات، لأنه يمس أصل وجوهر المدرسة من الأساس، وينسف المباني الفكرية التي قام عليها المذهب (المذاهب الأربعة): هل مهدي مدرسة شيعة الخلفاء منتخب بالشورى، أم معين ومختار من قبل الله سبحانه وتعالى؟.. وما الدليل على أقوالكم؟.. فهل أمر المهدي موكّل لأفراد الأمة ليختاروه بالشورى؟.. إن كانت الإجابة (نعم)، وهذا هو الرأي الحق والصواب، فلماذا لا نتفق ونقرر من الآن ونختاره!!، هل ننتظر ظلم وجور أكثر من واقعنا الحالي، أم أن أوضاع الأمة الإسلامية تعجبنا!!، هل هناك دليل شرعي على أنه منتخب بالشورى؟!!.. حسب الأحاديث الصحيحة والصريحة لدى المدرسة، فإن كل الأدلة والبراهين تؤكد أن أمر المهدي بيد الله سبحانه وتعالى، كما جاء في نص العديد من الروايات الصحيحة والمعتبرة (يبعثه الله)(٥٤)، أي أن تعيين واختيار المهدي يتم من قبل الله ولا شأن للأمة في ذلك، وهذا يخالف مبادئ وأسس مذهبهم، ونظريتهم الأولى في السياسة، وعقيدتهم في الخلافة.
نحن نستغرب أشد الاستغراب!! كيف يتم تعيين واختيار المهدي من قبل الله بعد مئات السنين وهو الاخير من الأئمة والخلفاء(٥٥)، ولم يتم تعيين أو تنصيب او اختيار أي من الخلفاء الأحدَ عشر الذين قبله، منذ صدر الإسلام وحتى آخر الزمان.. هذا الموضوع أدى إلى اضطراب مدرسة أهل العامة في تفسيرهم وتشخيصهم للحقيقة المهدوية، بالإضافة إلى أن هذا الحديث يدل على أن فترة إمامة وخلافة الإثني عشر رجلاً الذين أشار لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تستوعب جميع مراحل التاريخ الإسلامي ومستقبله.
إن مدرسة الخلفاء لما آمنت منذ البدء بشرعية السقيفة ونظام الخلافة، ورفضت مبدأ التعيين والتنصيب من قبل الله، وأقامت تراثها الكلامي والفقهي على هذا الأساس، واضطرت إلى تأويل كل ما يعارضه، فانكشف اضطراب آرائها في تحديد هوية وأشخاص الخلفاء الاثني عشر، ووقع في مطبات يتعذر الخروج منها عند ذكر أسمائهم.. إن حديث الخلفاء الاثني عشر هو جوهر مفهوم المهدوية، وإن ثبوت وربط المهدي بهذا الحديث، لا يبقي مجالاً للشك في أصالة المفهوم العقائدي للمهدوية الذي تصر عليه مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وإن فشل التفسير التاريخي للإمامة والخلافة الاثني عشرية من قبل مدرسة المذاهب الأربعة، يعني بالنتيجة فشل هذا التفسير بالنسبة إلى المهدوية أيضا.
ثالثاً: معرفة المهدي حقيقة نفسه:
كيف لهذا الشخص العادي أن يعرف نفسه أنه المهدي الحقيقي المختار من قبل الله سبحانه وتعالى؟.. وهذا الشخص حسب تصور أهل العامة ليس له ارتباط بالسماء، وكيف يتأكد من حقيقة نفسه ومن مهدويته؟.. وكيف يتسنى للأمة ولجمهور المسلمين أن يصدقوه ويؤمنوا بصحة دعواه؟.. بالرغم من كثرة مدعي المهدوية كذباً وبهتاناً، فضلا على أن هذا الشخص العادي يرتكب بعض الذنوب والمعاصي باعتباره غير معصوم، وفي الوقت نفسه ليس عنده دليل أو امكانيات (كمعجزة او كرامة) ليثبت حقيقة مهدويته باعتباره غير مرتبط بالغيب.. مما يضعنا أمام تساؤل كبير وإشكال مهم جداً: كيف السبيل للأمة أن تشخص أنه المهدي المنتظر الحقيقي؟.. وكيف نستطيع أن نميز بينه وبين المدعين؟، والأدهى والأمرّ من ذلك أنه لا يعرف حقيقة نفسه، فكيف إذاً نعرفه ونصدقه.
هذا الاستشكال واللبس في الأطروحة (عدم المعرفة) أدى في الواقع إلى سقوط هوية المهدي المنتظر في مدرسة الخلفاء، حتى وإن ذكرت الأحاديث نسبه الشريف، لكن رواياتهم لم تحدد شخصه بالدقة باعتباره سيولد في المستقبل.. مما ولّد جرأة على ادعائها من قبل اشخاص، وكذلك تهيئة الأرضية الفكرية والثقافية والمناخ النفسي والاجتماعي لتقمص شخصية المهدي (كذباً وزوراً)، مما جعل هذا الشيء رائج في المجتمع السني أكثر من المجتمع الشيعي، فادعاء المهدوية من الشائعات (الرائجات) التي اعتاد عليها أبناء العامة، فالمهدوية بمدلولها السني تتيح الفرصة لهكذا نوع من الادعاءات، وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أكثر من دعوى في هذه القضية(٥٦)، وعدم المعرفة من الأسباب التي تؤدي الى انتشار ذلك، وهذا من الملابسات والإشكالات التي تذكر في هذا المجال، ومما يؤخذ على الأطروحة لدى المذاهب الاربعة:
أنها لا تتصف بأي معاني غيبية غير مألوفة كالغيبة أو العمر الطويل أو الإمامة المبكرة أو الارتباط بالسماء، وللأسف دفعهم جهلهم وعجزهم عن تصور هذه الصفات، إلى إنكار هذا المفهوم عن المهدوية واتهام من يؤمن بذلك بالغلو والسذاجة، والاستعاضة عنه بمفهوم آخر للمهدوية يخلو من هذه الأبعاد، مما أوقعهم في غموض تحديد شخصية وهوية المهدي، وأدى إلى أن جمهور الأمة لا يستطيع معرفته، فيظل الأمر ملتبسا على الناس حتى وإن ظهر المهدي الحقيقي.. وبعملهم هذا قد انتقلوا من الكمال إلى النقص، فضلا عن مخالفته للناحية المنطقية التي تقتضي في باب الاعتقاد متابعة الدليل والبرهان اينما وجد، لا تحريفها باتجاه ما تقتضيه الأهواء والمصلحة المذهبية.
رابعاً: صلاة المسيح خلف المهدي واستيعاب شخصيته:
إن الأحاديث الواردة في نزول عيسى بن مريم (عليهما السلام) وصلاته خلف المهدي (عجّل الله فرجه) ثابتة ومتواترة عند الفريقين شيعة(٥٧) وسنة(٥٨). ولله تعالى حكمة بالغة في ذلك، ألا وهي التصديق بالمهدي (عليه السلام) وتقوية موقعه بين المسلمين أولاً، وبين سائر الشعوب الاخرى وبالخصوص الشعوب المسيحية ثانياً، وتسهيل مهمته (عليه السلام) في إقامة دولة العدل الإلهي إلى حد كبير.. وفي صلاة المسيح مأموماً خلف المهدي (عليه السلام) إثبات بأحقيته (عجّل الله فرجه) وأنه الوريث الشرعي لكل الرسالات ويجب الانضواء تحت قيادته الشرعية، وبالتالي تثبت عالمية القضية المهدوية.
والسؤال الذي يطرح على مدرسة المذاهب الأربعة: كيف يمكن استيعاب مثل شخصية السيد المسيح (عليه السلام) بعد نزولها؟!!.. باعتبار أن نزول عيسى (عليه السلام) بحاجة إلى استيعاب علمي وعملي وقيادي من قبل المهدي، باعتباره شاهداً له ولرسالة الإسلام.. يحتار جمهور مدرسة الخلفاء عندما تسألهم: هل بإمكان شخص عادي يولد في المستقبل، غير مؤيد بالمعجزات والعصمة والعلم التام – أي بلا تأييد إلهي – أن يستوعب شخصية عظيمة ورسول من أولي العزم كالسيد المسيح (عليه السلام)؟.
المهدي على تصور أهل العامة لن يكون قادراً على استيعاب شخصية المسيح (عليه السلام)، بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين أصلاً، لوجود مشكلات جوهرية تعترضه منها: مشكلة إثبات كونه المهدي الموعود الحقيقي، فهو من غير ارتباط بالسماء – وهذا ما تتصوره أطروحة أهل السنة – لن يكون قادراً على كسب القناعة التامة من الآخرين بمهدويته، بالإضافة إلى الفرق الكبير والشاسع بين إمكانياته الشخصية والقدرات التي يمتلكها السيد المسيح (عليه السلام).
بالتعرف على الهدي القرآني الذي يفيد بظهور النبي عيسى (عليه السلام) في آخر الزمان مؤيداً للمهدي، يقتضي أن تكون خلافة أو إمامة المهدي مستوعبة لعيسى النبي الرسول المعصوم المؤيد إلهياً، ولن تستوعبه هذه المهدوية (الأطروحة السنية) إذا لم تكن معصومة، إلا إذا افترضنا أن يكون صاحبها نبياً – وهذا مخالف للقرآن بخاتمية النبوة – او أن نقبل بالمهدي على التصور والطرح الشيعي الذي يستوعب ما عجز عنه المهدي بالأطروحات الاخرى، فهو قادر على استيعاب ظاهرة المسيح (عليه السلام)، وقادر ايضا على استيعاب طوائف أمة جده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والبشرية كافة.
خامساً: الإيمان بخوارق الدجال وإنكار استئثار المهدي لمثلها:
الدجال حسب التصور السني هو: رجل من الناس يهودي، ليس من الجن ولا من الملائكة، يجري عليه ما يجري على البشر، يأكل ويشرب ويبول ويتغوط ويمشي في الأسواق، وهو مولود من أب وأم (مخلوق) ليثبت لدى الناس، أنه ليس إلهاً ولا رب(٥٩).. لقد أولت مدرسة الخلفاء عناية خاصة بأحاديث الدجال وأعطت اهتماماً يفوق حجم الاهتمام بأحاديث المهدي!!، وتكاد تفقد أو تعدم أحاديث السفياني!!، ذكرت الروايات عن الأعور الدجال في كل كتب السنة الصحيحة وشروحها وغيرها من الكتب، وقد تواترت الأحاديث عنه جملة وتفصيلاً تواتراً معنويا، وليس هناك خلاف بين علماء الحديث على قبول سيرة الدجال والإيمان بأنه سيخرج آخر الزمان، ثم ينزل عيسى بن مريم (عليهما السلام) لقتله، وأنه من علامات الساعة الكبرى، وأن الإيمان به وبخروجه حق وواجب، وهذه عقيدة أهل العامة فيه.
روايات أهل السنة في الدجال تؤكد أنه وُلد من آلاف السنين، فقصة تميم الداري (كحديث صحيح)(٦٠) والمشهورة في علم الحديث بقصة (الجساسة)(٦١) تثبت أن تميم الداري شاهد الدجال محبوساً في إحدى جزر البحر ايام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأن دابة (الجساسة) تقوم برعاية شئونه من الاكل والشرب وغيره.. والثابت أيضا في مدرسة المذاهب الأربعة، أن الدجال رجل يهودي الأصل يظهر من جهة المشرق، فيدّعي بين الناس الصلاح والاستقامة والتدين، ثم يدّعي النبوة، ثم يدّعي الالوهية(٦٢). ومن الصفات والخوارق التي يتميز بها عدو الله عن غيره (حسب اطروحة شيعة الخلفاء) ما يلي:
وُلد من آلاف السنين، وهو غائب ومحبوس في إحدى جزر البحر (حديث الجساسة).
يأمر السماء أن تمطر فتمطر، والأرض أن تنبت فتنبت.
يحبس الشمس عن الناس ثم يسيرها مرة أخرى.
قدرته على الإحياء والإماتة لدرجة أنه يقتل بعض الرجال ويقسمه نصفين بالمشار، ثم يمشي بين القطعتين ثم يقول له: قم، فيستوي قائماً.
معه نهران: نهر يقول الجنة، ونهر يقول النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهو النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهو الجنة.
يمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل.
أن تطوى له الأرض مهلاً مهلاً، طيّ فروة الكبش، وأنه يسيح في الأرض كلها في اربعين يوماً.
له ثلاث صيحات يسمعها أهل المشرق وأهل المغرب، ويتناول الطير من الجو ويشويه في الشمس.
يأتي نهر فيأمره أن يسيل له فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس.
يأمر جبل طور وجبل زيتا أن ينتطحا فينتطحا.
يأمر الريح فتسير سحاباً من البحر فتمطر الأرض.
تنام عيناه ولا ينام قلبه.
يتحدث جميع لغات أهل الأرض.
وهناك الكثير من عجائب وخوارق الدجال(٦٣) صرحت بها كتب صحاح أهل السنة، موضحة الاساليب التي سيصنعها أو يستخدمها لإغواء البشر.
للأسف واكررها مراراً.. إن أهل السنة يثبتون ويؤكدون ما يظهر على يد كافر عدو لله من خوارق وعجائب، ولكن!! ينكرون ويشكلون استئثار المهدي (عليه السلام) لبعض المزايا والكرامات مثل: طول العمر والإمامة المبكرة والغيبة، وهو ولي من أولياء الله.. فهل المهدي في نظرهم أهون على الله من الدجال؟!! – أعوذ بالله – ولكن للأسف المصلحة المذهبية، وهنا مربط الفرس.
من المدهش حقاً في أطروحة أهل العامة، الإيمان والتصديق بطول عمر وغيبة الدجال، إمام الشرك والكفر والضلال آخر الزمان، وإظهارهم لطف الله وعنايته في حفظ حياته، وإطالة عمره قروناً عديدة، ليخرج بعد ذلك يمارس دور إغواء المجتمع البشري.. بينما يتخلى الله سبحانه وتعالى عن حفظ حياة ابن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منقذ البشرية من الظلم والجور والضلال، ويملأ الأرض قسطا وعدلاً وينشر التوحيد..!! إن فكرة الغيبة وطول العمر تقوم بالأساس على عقيدة الإيمان بالمعجزة والغيب، ولا يمكن تحقق إطالة عمر المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) بدون تدخل القدرة الإلهية، فضلا على ان هذا الأمر ممكن عقلا، ولم يقم أي دليل شرعي او علمي على امتناعه او استحالته.
اليس من العجيب، إنكار مزايا وكرامات لولي من أولياء الله، والإيمان بخوارق وعجائب عدو من أعداء الله، فما لهم كيف يحكمون!!، والأعجب أن ثقل عليهم استيعاب الاطروحة الشيعية في المهدي المنتظر (عليه السلام)، فأخذوا الأمر بالسخرية والاستهزاء، ولم نر هذا الكلام والاستهزاء والاستثقال على خوارق ومزايا منحرف ضال مدعٍ للألوهية.
إشكالات ونقاط علمية وفكرية عديدة يمكن طرحها على طاولة البحث والدراسة والنقاش، ونقد الأطروحة سلباً من خلالها، من قبيل:
* الأرضية الفكرية الداعمة للادعاءات الكاذبة للمهدوية والمتكررة في التاريخ والحاضر في وسط مجتمع أهل السنة.
* عدم التصريح بلفظة المهدي في صحيحي البخاري ومسلم، وتأثير الضغط الأمني والسياسي للسلطة العباسية على ذلك.
* استغلال بعض الملابسات التاريخية في القضية المهدوية والتشكيك بنسب وهوية المهدي.
* التشكيك بعصمة المهدي وأثرها على مستقبل البشرية حين ظهوره.
والكثير من النقاط الأخرى التي يمكن طرحها للنقاش، ولكن لا يهمنا هنا الاستطراد في مناقشة ومعالجة هذه المسائل، لأن الغرض من سرد الأمثلة السابقة وبحثها ودراستها باختصار سريع، والتعرف على نقاط الضعف والنقد، إنما ياتي ضمن سياق إيضاح الأفكار والمبادئ التي تقوم عليها أطروحة أهل السنة في المهدي، واستشفاف الحقيقة.
خلاصة القول:
إن نمط التصور السني للمهدوية يعكس المبادئ الأساسية التي قامت عليها مدرسة الخلفاء من البدء، بشرعية السقيفة ونظام الخلافة والشورى، ورفض التعيين والتنصيب من قبل الله سبحانه وتعالى للإمام والخليفة.. وهكذا أصبحت المهدوية في أطروحة أهل العامة عبارة عن شخصية عادية غامضة، وإن كان من سلالة المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو ليس أكثر من مصلح اجتماعي، وقائد سياسي يحكم بالعدل، ويُطبق التعاليم الاسلامية بناءً على اجتهاده، وسوف تسنح له الفرصة بان يسيطر على بقعة كبيرة من أرض العالم، فيحقق بإمكانياته الشخصية المتواضعة – (باعتباره غير مرتبط بالسماء، ومن غير أي مزايا إيمانية وعلمية وقيادية فريدة عالية)!! – حلم الأنبياء، ويجسد طموحات المرسلين وآمال المصلحين، وتتويج البشرية بسيادة دولة العدل الإلهي.
إن هذا التصور والأطروحة في تشخيص المهدي، لا يصمد ولا يبقى ثابتا أو متيناً على طاولة البحث والدراسة والنقاش، باعتباره يفتقر للأدلة الشرعية المتينة او المنطق العقلي العميق، التي يمكن أن تسند هذا الرأي، وفي الحقيقة هذا التصور قائم في الأساس على اجتهاد وآراء علماء المدرسة، وقبل ذلك على القواعد والمبادئ والأسس المذهبية التي نشأت عليها.. فمثلا لا يوجد دليل شرعي واحد (حديث شريف: صحيح أو ضعيف) يقول: إن المهدي سيولد في المستقبل أو آخر الزمان، غير أقوال وآراء الرجال، كذلك لا تجد دليلاً واحداً يقول: إن المهدي سيتم اختياره من قبل الأمة، وأيضا ليس لديهم أي دليل يوضح: كيف سيعرف المهدي نفسه أو تعرفه الأمة؟.. وهكذا بقية التصورات التي تتبناها المدرسة، وتفتقر للأدلة والبراهين التي تثبتها.
إن فكرة المهدي المنتظر انتقلت إلى جمهور مدرسة الخلفاء من خلال الموروث الثقافي والديني وبشكل هامشي.. فالمهدوية في مفهوم أهل السنة ليس لها تأثير في الواقع الإنساني تاريخياً وحاضراً، بالإضافة لافتقادها لأي تأثير نفسي أو روحي على واقع الفرد او المجتمع السني، وكذلك ليس لها أي أثر يذكر في الحياة الفكرية او الثقافية لمدرسة المذاهب الأربعة.. فما زالوا يعتقدون بأن المهدوية ليست أكثر من تنبؤ مستقبلي أو مسألة مستقبلية صرفة، فالمهدي في نظرهم خليفة لا أكثر، وإحدى علامات الساعة الكبرى، ومن غير أي رؤية وتعاليم جامعة شاملة أو رؤية استراتيجية للنجاة تحتضن أفراد البشرية كافة، وهي بهذا تبين الحد الأدنى من الحقيقة المهدوية.
جوهر القضية المهدوية في أطروحة أهل العامة، أنها من فروع العمل الواجب على الأمة الإيمان به، لا كمعتقد بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به، فهي ليست محور عقائدي هام، ولا خصائص معينة مترتبة على ذلك، شأنه شأن أي علامة من علامات يوم القيامة، فهي مجرد إخبار عن مستقبل سعيد للبشرية سيكون في نهاية المطاف.. فمهدي أهل العامة لم يوجد حتى اليوم، فهو مثل مسيح اليهود مجرد أمل وفكرة، تجسيدها غير مؤكد على الاطلاق، وتجسيدها مرتبط بتاريخ أهل السنة.
للأسف، لقد جعلوا من المهدوية قضية عائمة في المستقبل، بعد أن كانت قضية إسلامية أصيلة، متجذرة في عمق التاريخ الإسلامي، منطلقة من مبدأ (إمام الزمان) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية"(٦٤).. ومما يرثى له حقا، أن جمهور مدرسة الخلفاء لا يعرفون إمام زمانهم الحالي، ليحصّنوا أنفسهم من موتة الجاهلية، وفي عصرنا الحالي ليس هناك مصداق حقيقي أو تطبيق فعلي لهذا الحديث غير الاعتقاد بوجود المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) حياً يرزق وقائداً وإماماً، ننتظر خروجه ليملأ الأرض قسطا وعدلاً.. فالمسلم الذي يؤمن بحياة النبي عيسى (عليه السلام)، بل وحياة الدجال الكافر، ويروي في أصح كتبه (حديث الجساسة) الصريح في أن الدجال كان حياً في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنه يخرج في آخر الزمان، كيف يعيب أطروحات المدارس الأخرى قولهم بولادة وبقاء الإمام المهدي (عليه السلام)، وينسبهم إلى الجهل وعدم العقل، أليس من العجيب، جرأة مدرسة أهل العامة وتحاملها على الشيعة إيمانهم بوجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فدراسة(٦٥) كثير من الادعاءات الكاذبة للمهدوية في المجتمع السني، أوضحت أن هذه الادعاءات نتاج إنكار ولادته وبقائه (عليه السلام)، ونتاج عدم الاهتداء والاهتمام بعلامات ظهور المهدي (عليه السلام)، ونسبه وهويته وخصائصه وقدراته ومزاياه المصرحة بها في الأحاديث الشريفة.. فهل من اللطف أن ترفع الحجج عن الأرض؟، وهل من اللطف والعدل الإلهي أن تترك البشرية سُدى؟!!.
الحمد لله، فالشيعة الإمامية الاثني عشرية تقر بإمامة (م ح م د) بن الحسن العسكري (عليه السلام) وتلتزم بها، وتؤمن بأنه معين ومُنصّب (جعل) من الله، وتؤمن به كإمام مفترض الطاعة، وهو خاتم الأوصياء والأئمة والخلفاء الاثني عشر الذين ذكرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتعترف بعصمته وبمقامه الشامخ، وبمراتب الكمال العالية لديه، وتحدد بوضوح هويته ونسبه وآباءه وصفاته وعلامات ظهوره، وهم بهذا يقفلون الطريق على كل من يدعي الإمامة والمهدوية دجلاً وزوراً وبهتاناً.. فالسلام عليك يا صاحب الزمان وشريك القرآن وإمام الإنس والجان، وعجل الله تعالى فرجك وسهل مخرجك.

الفصل الرابع: المهدي المنتظر في فكر الشيعة الإمامية

إن أصل المهدوية (المنقذ) هو محل اتفاق جميع المسلمين، وهي فكرة ضرورية في الدين الإسلامي، ومن صميم السنن والنواميس الإلهية والتعاليم الربانية، وهي أيضاً من عقائد الأديان الأخرى.. فأصل الفكرة (المخلص) بصورة موجزة لا تختص بطائفة معينة من البشر ولا بمنطقة من الأرض دون أخرى، بل هي مسألة عامة تستوعب كلّ الأرض وكلّ البشر، وهي الأمل لحياة سعيدة تنتظر البشرية في المستقبل، حتى ترتقي وتصل بمستواها الى مرحلة الرشد والبلوغ والنضج والكمال، وهذا مضمون الآيات القرآنية والروايات الإسلامية.
من خصائص عقيدة الشيعة الإمامية: تجسيد الأمنية الكبرى لجميع الأمم والأديان وعبر جميع العصور (أطروحة المنقذ والمخلص) إلى حالة واقعية موجودة، شخص يعيش بين الناس ويشعر بآلامهم وأسقامهم، ويتلمس مشاكلهم وأتعابهم.. فقضية المهدي المنتظر تحتل مساحة كبيرة في الفكر الشيعي الاثني عشري، نظراً لارتباطها بعقيدة (الإمامة)، وبالأحرى تشكل المهدوية عند الشيعة منعطفاً هاماً (تاريخياً ومستقبلاً) فيما يتعلق بتسلسل الإمامة، فالمهدي (عليه السلام) عند الإمامية هو الإمام الثاني عشر والأخير، وهو إمام الزمان الحالي.
نشأة التشيع والشيعة:
الشيعة الإمامية: طائفة دينية إسلامية، تمتد جذورهم وأصالتهم إلى زمن بداية الرسالة وعهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذا تعد الشيعة أولى الفرق الإسلامية التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، واصطلح وتعارف على أن لفظة (الشيعة) إذا قيلت مطلقة دون تخصيص فإن الذهن ينصرف نحو الاثني عشرية أو الجعفرية لكونها الطائفة الأكبر من حيث عدد الأتباع من بين الطوائف الشيعية الأخرى، وتُسمىّ بذلك تميزاً لهم عن الإسماعيلية والزيدية، ولاعتقادهم بأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد نصّ على اثني عشر إماماً خلفاء من بعده، بدءاً بالإمام علي (عليه السلام) وختماً بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فكانت عقيدة الإمامة هي المميز الرئيس لها عن بقية الطوائف الإسلامية الاخرى.
الشيعة في اللغة: هي المشايعة والمناصرة والموالاة، أي الأتباع والأنصار.
الشيعة اصطلاحاً: هم أتباع الإمام علي (عليه السلام)، أي من شايع علياً وقدمه على جميع الصحابة، واعتقد أنه الإمام من بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بوصية ونص مباشر منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبإرادة إلهية(٦٦).
لم يكن ظهور التشيع حصيلة لإفرازات سياسية أو صراعات فكرية أو جدالات كلامية، بل هو امتداد حقيقي للفكر العقائدي للدين الإسلامي، وأنه الاستمرار الصحيح لرسالة الإسلام.. لذا فإن التشيع بدأ في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد ثبت في الروايات النبوية الشريفة أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أول من أطلق لفظ الشيعة على من أحب علياً وتابعه، وقد اعترف بذلك المخالفين وأثبتوه، جاء في صواعق ابن حجر: (أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: "يا علي إنك ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين")(٦٧)، وجاء في الدر المنثور للسيوطي: (أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: "إن هذا – وأشار إلى علي (عليه السلام) – وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة")(٦٨)، وجاء في تفسير الطبري: في تفسير سورة البينة (أن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في تفسير الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾(٦٩) هم أنت وشيعتك يا علي)(٧٠).. وقد ثبت تاريخياً أيضاً أن اسم الشيعة كان على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان يدل على مجموعة من الأتباع والموالين وهو لقب ثلة من الصحابة في بدء الدعوة الإسلامية وهم: أبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وعمار بن ياسر، والمقداد بن الأسود، وجابر بن عبدالله الانصاري، وحذيفة اليمان، وأبو أيوب الانصاري، وسهل بن حنيف، وأبا الهيثم بن التيهان، وأبا الطفيل..... وغيرهم، وجميع بني هاشم(٧١).
منذ عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان الشيعة يسيرون على نهج الإمام علي (عليه السلام)، لأنه الامتداد الطبيعي للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والرسالة، ولذا يعتقد الإمامية بأن التشيع هو الإسلام الحقيقي، ويؤكدون أن المذهب الشيعي لم يظهر بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بل يعود تاريخ الشيعة إلى عصر الرسالة المحمدية وهو الإسلام ذاته، وأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وضع أساسه بنفسه على مدار حياته، وأكده قبل موته في يوم غدير خم بنص جلي عندما أعلن الولاية لعلي (عليه السلام) من بعده.. كما يرون أن الطوائف والفرق الإسلامية الأخرى هي المستحدثة، ووضعت أسسها من قبل الحكام والسلاطين وغيرهم بعد ذلك، لتكون لبعض العلماء والفقهاء مكانة سامية عند الناس، باعتبارهم أئمة في الدين، ليصرفوا الأنظار عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).
هناك الكثير من الأدلة على نشأة التشيع في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشار إليها العلامة القرشي(٧٢) ننتخب شذرة منها:
١ - من مكملات دعوته ورسالته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يترك الأمر فوضى من بعده ويهمل شؤون الخلافة.
٢ - من جملة متطلبات قيادة الأمة أن يختار لها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائداً وإماماً من بعده.
٣ - أنه قد أثرت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجموعة ضخمة من الأخبار والروايات الصحيحة كحديث المنزلة والغدير التي تشير إلى الإمام علي (عليه السلام) خلفاً للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقيادة الأمة.
٤ - تخلف خيار الصحابة عن بيعة الخليفة الأول، واحتجاجهم بأن علياً أولى من غيره بمقام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٥ - إن وصية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام) بأن يكون خليفة من بعده كانت شائعة في الأوساط الإسلامية في العصر الأول.
كل ذلك يدل على أن نشأة التشيع كان في عهد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الذي وضعها وأقامها بنصب الإمام علي (عليه السلام) خليفة من بعده.
لم يوال الشيعة أشخاصاً لمجرد أنهم ينتمون إلى أسرة معينة، وإذا كانوا قد والوا من سمّاهم القرآن والنبي (أهل البيت)، فلأن الأدلة الشرعية قد أمرت بذلك.. وأما سبب تمسك الشيعة بمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، فقد قال السيد عبد الحسين شرف الدين: "الأدلة الشرعية أخذت بأعناقنا إلى الأخذ بمذهب الأئمة من أهل بيت النبوة وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي والتنزيل، فانقطعنا إليهم في فروع الدين وعقائده، وأصول الفقه وقواعده، ومعارف السنة والكتاب، وعلوم الأخلاق والسلوك والآداب، نزولاً على حكم الأدلة والبراهين، وتعبداً بسنة سيد النبيين والمرسلين، (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليهم أجمعين.. ولو سمحت لنا الأدلة بمخالفة الأئمة من آل محمد، أو تمكنا من تحصل نية القربة لله سبحانه في مقام العمل على مذهب غيرهم، لقصصنا أثر الجمهور، وقفونا إثرهم، تأكيداً لعقد الولاء، وتوثيقاً لعرى الإخاء، لكنها الأدلة القطعية تقطع على المؤمن وجهته، وتحول بينه وبين ما يروم"(٧٣).. والتشيع في حقيقته هو النهج الذي خطه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو الإسلام كلّه في خطه الأصيل، ولذلك قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً"(٧٤).
تعداد الشيعة في العصر الحاضر:
إن الشيعة طائفة كسائر الفرق والطوائف التي لها كيانها، وهم اليوم منتشرون في طول الأرض وعرضها، ويعدّون من الفرق الكبرى، ولا يمكن حصر تعداد الشيعة اليوم بكافة أرجاء المعمورة لصعوبة ذلك، (ولكن القرائن تشهد على أن الشيعة بطوائفها الثلاث: الإمامية والزيدية والإسماعيلية يؤلفون خمس أو ربع المسلمين)(٧٥)، حيث تعتبر الإمامية هي الطائفة الأكبر، وتليها الإسماعيلية ثم الزيدية بنسب صغيرة، ويتراوح عدد الشيعة في العالم ما بين ٢٥٠ مليون إلى ٣٠٠ مليون نسمة، وأكثرهم عدداً هم الإمامية المعروفون بالاثني عشرية.. يشكل الشيعة أغلبية سكان بعض البلدان كإيران والعراق وأذربيجان والبحرين، وفي بعض البلدان هم من كبرى الطوائف كلبنان والكويت، كما يشكلون أقليات كبيرة في بعض البلدان كبقية دول الخليج وباكستان وأفغانستان والهند وغيرها.. وفي السنوات الأخيرة أخذ التشيّع في الانتشار في بلاد ينعدم فيها الوجود الشيعي أو يوجد بنسبة صغيرة جداً.
موجز عقائد الشيعة الإمامية:
روى الصدوق بسنده عن الفضل بن شاذان قال: سأل المأمون (الخليفة العباسي) الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) (الإمام الثامن لدى الشيعة) أن يكتب له محض الإسلام على سبيل الإيجاز والاختصار، فكتب (عليه السلام) له: «إن محض الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إلها واحداً، أحداً، فرداً، صمداً، قيوماً، سميعاً، بصيراً، قديراً، قديماً، قائماً، باقياً، عالماً لا يجهل، قادراً لا يعجز، غنياً لا يحتاج، عدلاً لا يجور، وأنه خالق كل شيء، ليس كمثله شيء، لا شبه له، ولا ضد له، ولا ند له، ولا كفو له، وأنه المقصود بالعبادة والدعاء والرغبة والرهبة.
وأن محمداً عبده ورسوله وأمينه وصفيه وصفوته من خلقه، وسيد المرسلين وخاتم النبيين وأفضل العالمين، لا نبي بعده ولا تبديل لملته ولا تغيير لشريعته، وأن جميع ما جاء به محمد بن عبد الله هو الحق المبين، والتصديق به وبجميع من مضى قبله من رسل الله، وأنبيائه، وحججه، والتصديق بكتابه الصادق العزيز الذي: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(٧٦) وأنه المهيمن على الكتب كلها، وأنه حق من فاتحته إلى خاتمته، نؤمن بمحكمه ومتشابهه، وخاصه وعامه، ووعده ووعيده، وناسخه ومنسوخه، وقصصه وأخباره، لا يقدر أحد من المخلوقين أن يأتي بمثله.
وأن الدليل بعده والحجة على المؤمنين والقائم بأمر المسلمين، والناطق عن القرآن، والعالم بأحكامه: أخوه وخليفته ووصيه ووليه، والذي كان منه بمنزلة هارون من موسى: علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمير المؤمنين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وأفضل الوصيين، ووارث علم النبيين، والمرسلين، وبعده الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم علي بن الحسين زين العابدين، ثم محمد بن علي باقر علم النبيين، ثم جعفر بن محمد الصادق وارث علم الوصيين، ثم موسى بن جعفر الكاظم، ثم علي بن موسى الرضا، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم الحجة القائم المنتظر (صلوات الله عليهم أجمعين).
أشهد لهم بالوصية والإمامة، وأن الأرض لا تخلو من حجة لله تعالى على خلقه في كل عصر وأوان، وأنهم العروة الوثقى، وأئمة الهدى، والحجة على أهل الدنيا، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن كل من خالفهم ضال مضل باطل، تارك للحق والهدى، وأنهم المعبرون عن القرآن، والناطقون عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالبيان، ومن مات ولم يعرفهم مات ميتة جاهلية، وأن من دينهم الورع والفقه والصدق والصلاة والاستقامة والاجتهاد، وأداء الأمانة إلى البر والفاجر، وطول السجود، وصيام النهار وقيام الليل، واجتناب المحارم، وانتظار الفرج بالصبر، وحسن العزاء وكرم الصحبة "(٧٧).. ثم ذكر الإمام فروعا شتى من مختلف أبواب الفقه لا يهمنا في المقام ذكرها.
مقام الإمامة عند الشيعة الاثنا عشرية:
إن مسالة الإمامة لها أهميتها الخاصة عند أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو الأصل(٧٨) الذي امتازت به الإمامية وافترقت عن سائر فرق المسلمين، وأن الشيعة تعتقد أن الإمامة بعد النبوة، وهي أصل من أصول الدين، وأن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أوصى قبل رحيله إلى الرفيق الأعلى بالإمامة والولاية إلى الأئمة الاثني عشر أولهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
هذا الأصل الاعتقادي عند الشيعة المستند والدليل والأساس فيه هو (الدليل العقلي): العقل الحاكم بضرورة وجود الإمام المعصوم(٧٩) في كل عصر وزمان بناءً على قاعدة اللطف(٨٠) الإلهي (الإمامة لطف واجب من قبل الله سبحانه وتعالى كالنبوة)(٨١)، فالإمام منصوص عليه من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الله (عزَّ وجلَّ)، أو من قبل الإمام الذي قبله.
وهكذا يتضح مفهوم الإمامة باعتبار أن الإمام هو القائد الذي يحمل مسؤولية الدين بعد النبي، وبمعنى آخر استمراراً لوظائف النبوة ماعدا تحمل الوحّي: بيان الأحكام الإلهية (النبوة)، وإكمال وظيفة تبليغ الأحكام الإلهية (الإمامة)، وتعتقد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) بأن الإمامة ولاية كاملة، وأن الإمام هو الإنسان الكامل وهو حجة العصر وإمام الزمان، وهذا الإنسان لابّد من وجوده في كّل عصر وزمان، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولهذا الشخص (الإمام) مقاماتٌ ودرجاتٌ عالية، وأن هذه المرتبة ثابتة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وللأئمة الاثنا عشر (عليهم السلام) من بعده.. ويتم اختيار هؤلاء الأئمة عن طريق التعيين والنص، فإن الإمامة ترتبط بالله سبحانه وتعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(٨٢) فهذه الخلافة الإلهية غير منقطعة، وفي آية أخرى قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾(٨٣) فكما هو واضح أن الإمامة غير النبوة والرسالة، وهي جعل إلهي ومنصب رباني مثلها مثل النبوة، ولا شأن للناس أو الأمة بها، فيستحيل فيه على الإنسان أن ينال هذا المقام السامي وهذه المرتبة العالية من خلال انتخاب الأمة أو من خلال انتخاب أهل الحلِّ والعقد له، أو من خلال الشورى أو ما شابه ذلك.
إن الإمامة من المسائل الأساس في استمرار الإسلام وضمان له من الانحراف، وقد نصت عليها الأدلة والبراهين الثابتة من العقل والقرآن والسنة: فالإمامة مقام بعد النبوة، وضرورية لحاجة المسلمين والبشر لتوضيح أحكام الله بعد ختم النبوة.. والقرآن الكريم ذكر في آيات عديدة مقام الإمامة وأهميتها مثل: آية الولاية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(٨٤)، وآية الطاعة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٨٥)، وآية التطهير، وآية المباهلة، وآية الإنذار، وآية التبليغ وكثير من الآيات.. وكذلك اهتم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأمر الإمامة وصرح في أحاديث كثيرة جداً أهميتها ومكانتها مثل: حديث الثقلين (الكتاب والعترة)، وحديث إمام الزمان (وموتة الجاهلية)، وحديث المنزلة، والطير، والغدير، والسفينة وكثير من الأحاديث النبوية الشريفة، وهذه النصوص لم تنفرد بها الإمامية، بل روت العامة في مصادرها مثل هذه الأحاديث وتفسير الآيات، واتفقت مع الإمامية بشكل يوجب الحكم بصحتها.. وكذلك ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدد كبير جداً من الروايات التي تنص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم واحداً واحداً، ومن هذه الروايات قوله لجابر بن عبد الله الأنصاري عندما سأله عن الذين وجبت طاعتهم في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾.. فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "هم خلفائي يا جابر وأئمة المسلمين من بعدي، وأولهم علي بن ابي طالب، ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرأه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم علي بن محمد ثم الحسن بن علي ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي"(٨٦).
من مجمل ما تقدم، يظهر وبشكل جليّ أهمية الإمامة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والمقام الرفيع للإمام: (الرئاسة العامة، والمرجعية الدينية، والولاية الكاملة)(٨٧).. ولا بد أن تتوفر في الإمام ثلاث خصال لكي يكون إماماً مفترض الطاعة، وهي:
١ - أن يكون معيناً من قبل الله تعالى ومنصوصاً عليه في كلمات النبي أو الإمام الذي قبله.
٢ - أن يكون مؤيداً بالعلم الإلهي بحيث لا يحتاج إلى علم الناس وهم يحتاجون إلى علمه.
٣ - أن يكون معصوم(٨٨) بحيث لا يخطأ ولا يعصي، كما هو حال الأنبياء (عليهم السلام).
فمن توفرت فيه هذه الشرائط مجتمعة كان الإمام، ولو انتفى عنه شرط واحد خرج عن أهلية الإمامة.
إن الخلاف بين المدارس الإسلامية المختلفة(٨٩) ليس في أي شخص له مثل هذا الأمر، وإنما في أصل وجود مثل هذا الشخص، فمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) أثبتت المرجعية الدينية (جزء من الإمامة) للإمام علي (عليه السلام) وللأئمة من بعده، فهي تستمّد أحكامها منهم كما كانت تستمدها من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتعتبر أن كل الأحكام قد بينها الأئمة (عليهم السلام) بعد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولديها ما يكفي لحلّ جميع ما يستجد من مسائل، سواء عبر اللجوء إلى الكتاب والسنة النبوية مباشرة أو من خلال الأئمة (عليهم السلام)، فالله سبحانه وتعالى لم ينزل ديناً ناقصاً، بل كاملاً تاماً مصداقاً لقوله تعالى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(٩٠)، وأن النبي بلغه كاملاً، ولكن الصيغة الكاملة من الأحكام لم يبلّغها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعامة الناس، وإنما خص بها الإمام علي (عليه السلام) والأئمة من بعده، وأمرهم ببيانها للناس متى دعت الحاجة إلى ذلك، وهذا يعني أن النبي مبلغ عن الله والإمام مبلغ عن النبي.. مع الأخذ في الاعتبار عدة نقاط جوهرية في هذا الجانب لإيضاح المرجعية الدينية:
* ما يتضمنه القرآن الكريم من أحكام، ليس سوى أحكام مختصرة جداً، مضافاً إلى كونها كليّات.
* ما ورد من خلال السنة النبوية من أحكام، فإنها مختصرة مجملة أيضاً، ومحدودة ومستجدة حسب الحاجة، وليس قبل أوانها.
* إن الإسلام دين يبسط حاكميتّه على جميع شؤون البشر، فبملاحظة الفترة التي عاشها (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فالوقت لم يكن كافياً لبيان جميع ما وصله من رسالة الإسلام.
* ضياع الكثير من أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وذلك بسبب منع تدوين الحديث، وهو أمر ثابت تاريخياً.
وبملاحظة هذه النقاط، يظهر بوضوح الحاجة الضرورية إلى الإمامة بعد النبوة الخاتمة، أي الحاجة إلى المرجعية الدينية (وهي جزء من مفهوم الإمامة) لإيضاح أحكام الله في المسائل المستجدة في الحياة ومواكبة تطور مسيرة البشرية.. ومن هذا الباب والمدخل ترى الشيعة الإمامية أن البحث والحديث حول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يجب أن يكون، من هذا المنطلق وبهذا المفهوم، باعتباره الشخص الذي يجمع المسلمون على حتمية ظهوره في آخر الزمان وهو القائد الرباني للبشرية حالياً، وإن أمر وجوده ثابت بكل الأدلة العقلية المنطقية والنقلية الصحيحة، ولهذا تعتقد الإمامية وتؤكد بأن وجود الإمام في كل عصر وزمان ضروري لبيان أحكام الدين وحقائقه، وإرشاد الناس وهدايتهم، وهذا أصل العقيدة المهدوية وحقيقتها عند الشيعة الاثنا عشرية.. أفكار تثار وأسئلة ينبغي أن تطرح: ماذا كان سيجري لو أن المسلمين اتبعوا أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وطبقوا تعاليمهم وعقائدهم؟(٩١) أي وجه كان سيبدو به الإسلام أمام العالم؟.
المهدي المنتظر في معتقد الإمامية:
ينطلق الشيعة الإمامية في نظرتهم إلى المهدوية من معتقد الإمامة، فهي الإمامة الباقية، والتي تتفرع من النبوّة، فأننا نجد أن من مهمات الإمام – والمهدي المنتظر إمام الزمان الحاضر – الولاية الكاملة على الأمة وتعليمها وتربيتها، وله حق الحاكمية عليها وإدارة شؤونها والهيمنة على مسيرتها.. والإمام هو ذلك الإنسان الحاضر والناظر والراصد لحركة الإسلام في المجتمعات، والشاهد على الناس في مدى استجابتهم وتفاعلهم مع الإسلام.. مما يؤكد أن وجود الإمام في كل عصر وزمان ضرورة لا غنى عنه، وذلك لتحقيق الأهداف الإلهية، وضمن دائرة السنن الإلهية الجارية وبالطرق الطبيعية (الطوعّية والاختيارية) وليس بأسلوب إعجازي قاهر.
ومن هذا المنطلق: ضرورة الإمامة، وضرورة وجود إمام في كل زمان، وطبيعة عمل الإمام في الأمة ضمن السنن الإلهية الاعتيادية: يأتي ضمن هذا السياق أيضا، إن الإرادة الإلهية والمشيئة الربانية اقتضت ألا يزيد عدد الأئمة الاطهار على اثنا عشر إماماً ولا ينقص عن هذا، ولم يُترك هذا العدد للزمن (أي مفتوح وغير محدد)، حتى لا يكون سبباً في بلبلة أذهان الناس وتحيرهم وتضليلهم.. ولأجل هذا وذاك اقتضت الحكمة الإلهية أن يطول عمر الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، بانتظار أن تسنح الفرصة له للقيام بالحركة الإصلاحية الشاملة على مستوى العالم بأسره.
بملاحظة جميع ما تقدم، فإن غيبة الإمام واتخاذه موقعاً آخر يمكن من خلاله مواصلة الاتصال بالأمة والتعامل معها، ولو من خلال سفرائه ووكلائه الخاصّين والعامّين، وغير ذلك من وسائل تقع تحت اختياره(٩٢).. فإن الغيبة تصبح هي القرار الحكيم الذي يعطي مسيرة الصلاح والإصلاح عامل استمرار بقوة وفاعلية أكثر.. ولولا هذه الغيبة فإن فرصة الحفاظ على منجزات الرسالات السماوية والتي هي ثمرة جهود الأنبياء عبر التاريخ البشري، لسوف تتقلص وتصل إلى درجة الصفر وتدمر وتنتهي الأطروحة المهدوية بأسرها من خلال القضاء على المحور والقلب النابض لها والمتجسد في الإمام.. ومما يساعد على حفظ الهدف الكبير، وكذلك المحافظة على الروحية الإيجابية والتفاؤل والحيوية المؤثرة في الأمة، تم إبلاغ الناس بعلامات الظهور.. وبرؤية العلامات تتحقق واحدة بعد الأخرى على صفحات التاريخ ستشحذ العزائم وتستنهض الهمم، ويكون انتظار الفرج بمثابة ماء الحياة الذي يغذي الأمة بالفاعلية والنشاط، والعلاج المؤثر الناجع على المشكلات والمصاعب والمتاعب.
جذور وأسس الأطروحة المهدوية عند الإمامية:
انبثقت جذور الاعتقاد بالأطروحة المهدوية عند الشيعة الإمامية من ركنّي الإسلام الكتاب والعترة، فشق الاعتقاد طريقه بيسر وسهولة باعتبار أن أصل القضية ومنبع الفكرة هي المصادر الرئيسية للشريعة الإسلامية(٩٣):
القرآن الكريم:
يمكننا أن نتلمس الآيات الكريمة التي تشير إلى المهدي المنتظر، فقد تطرق كتاب الله إلى القضية المهدوية بطرق وأساليب شتى، ويمكن تلخيص منهج القرآن في ذلك بالآتي:
أولاً: تحدث القرآن الكريم عن وجود إمام لكل زمان: بالعنوان العام (الإمامة) أشارت آيات عديدة عن ضرورة وأهمية وجود إمام لكل عصر وزمان، وهي واضحة الدلالة على وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالدلالة الإلتزامية، ننتخب شذرات من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾(٩٤).
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾(٩٥).
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ﴾(٩٦).
فالآيات السابقة تشير إلى عقيدة الإمامة، والمهدوية هي الإمامة الباقية والحاضرة.
ثانياً: بشر القرآن الكريم بوعد إلهي بنشر العدل والقسط على كافة الأرض: وعد إلهي وبشارة سماوية بأن العالم سينعم بعصر مشرق مفعم بالإيمان والعدل والسلام، على يد منقذ البشرية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، نختار جواهر من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ﴾(٩٧).
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٩٨).
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾(٩٩).
لم يتحقق الوعد الإلهي، ولم يحل اليوم الذي يسود فيه الإسلام ربوع الأرض.. نحن ننتظر تحقق ذلك بخروج المهدي المنتظر (عليه السلام).
ثالثاً: ذكر القرآن الكريم بعض ملامح عصر الظهور: إشارات ودلالات قرآنية عديدة تخبر العالم والمؤمنين ببعض الحوادث المرافقة لقيام المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه)، نقتطف زهوراً من هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾(١٠٠)، مصداق لعلامة الصيحة السماوية (من المحتوم): وهي صوت ونداء من السماء في شهر رمضان في ليلة القدر، يسمعه أهل الأرض كلهم، وكل قوم بلغتهم.
قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾(١٠١) مصداق لعلامة ركود الشمس (من غير المحتوم): وهي توقف الشمس عن الحركة من الزوال إلى العصر في شهر رجب.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾(١٠٢)، مصداق لعلامة خسف البيداء (من المحتوم): وهي تحويل وجوه أشخاص من جيش السفياني إلى القفاء، وهو الجيش الغازي والمتجه لمكة أثناء ظهور المهدي بها.
هذه أمثلة ونماذج لبعض علامات اليوم الموعود وإرهاصات الظهور ذكرها القرآن الكريم، فسرتها الروايات الشريفة بعلامات ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام).
من هنا نؤكد أن مصطلح (المهدي المنتظر) لم يذكر في القرآن صراحة، ولكن هناك بعض الآيات الكريمة مفسرة ومؤولة في المهدي المنتظر.. وتمتلك المكتبة الإمامية مجموعة كبيرة من الكتب والأبحاث التي تتحدث عن الإمام المهدي في القرآن، بعكس مكتبات المدارس الإسلامية الأخرى التي تفتقر إلى مثل هذا النوع من الكتب.
من أمثلة كتب الإمامية في هذا المجال:
* كتاب: المحجة فيما نزل في القائم الحجة، للسيد هاشم البحراني.
* كتاب: المهدي في القرآن والسنة، للسيد صادق الشيرازي.
* كتاب: معجم أحاديث الإمام المهدي (الآيات المفسرة)، المجلد الخامس، الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية.
هذه المصادر تذكر الروايات والأحاديث عن الرسول الاكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) التي وردت في تفسير الآيات أو تأويلها أو تطبيقها أو الاستشهاد بها في القضية المهدوية.
السنة الشريفة:
إن مسألة المهدوية في الإسلام لها أعمق الجذور وأعلى درجات الأصالة والصحة من جهة الحديث، باعتبار أن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أول من طرح موضوع المهدوية في الإسلام، وكان يبشر الأمة بظهوره في كل منتدى ومحفل، ويتحين الفرص للإخبار عنه، بحيث أن النصوص والروايات الشريفة قد تواترت حول المهدي وأخباره وعلامات ظهوره، ويمكن القول أن موضوع المهدي قد أحتل مساحة واسعة من الحديث والرواية.
أجمع عمداء أهل بيت النبوة والأئمة الأطهار، الذين ورثوا علمي النبوة والكتاب، والذين اختارهم الله، وأعدّهم وأهّلهم لقيادة الأمة ومرجعيتها طوال عصر ما بعد النبوة، والذين سماهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأسمائهم قبل أن يولد تسعة منهم.. على أنهم قد سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبشر بالمهدي المنتظر ويسميه باسمه: (م ح م د بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، حفيد النبي الأكرم، وحفيد ابنته فاطمة الزهراء، ويكنى بأبي القاسم) وأنهم سمعوا رسول الله يصفه وصفاً دقيقاً، ويؤكد على حتمية ظهوره، وأن هذا المهدي (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وهكذا حسم أهل بيت النبوة اسم المهدي المنتظر، واسم أبيه وجده وكنيته.
ننتخب شذرات من الأحاديث النبوة الشريفة الصحيحة والمتواترة والتي تدل على ولادة ووجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) حالياً، وإن لم ترد هذه الروايات بخصوصه وعنوانه، ولكنها واضحة الدلالة:
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، أحدهما أكبر من الآخر، ولن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض"(١٠٣).
عن جابر بن سمرة يقول: دخلت مع أبي على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعته يقول: "إن هذا لا ينقضي حتى يمضى فيهم اثنا عشر خليفة"، ثم تكلم بكلام خفي عليّ، فقلت لأبي ما قال؟ قال: «كلهم من قريش"(١٠٤).
قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"(١٠٥).
في ضوء هذه الأحاديث الثلاثة المتواترة عند المسلمين (الثقلين - الأئمة الاثني عشر - إمام الزمان) والتي تحمل دليلاً إضافياً على صدق وصحة صدورها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عدا الحكم بصحة أسانيدها من قبل جميع علماء الحديث، وأنه من شواهد النبوة لأنه كان مأثوراً في بعض الصحاح والمسانيد قبل أن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) مباشرة، ولكنها بالدلالة الإلتزامية تدل على أن الإمام (عليه السلام) قد ولد وتحققت ولادته، وهو حالياً موجود ويعيش بيننا، ومن المحتوم والمؤكد أنه لا يمكن أن تخلو الأرض من حجة لله على عباده.
الأحاديث الشريفة: بعض الملاحظات الهامة حول الأحاديث المتعلقة بالمهدي:
المهدي المنتظر (عليه السلام) حقيقة دينية، بشر بها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وثبت وجود مئات الأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الخصوص.
روى أحاديث المهدي عدد كبير من الصحابة مثل: أهل بيت النبوة وآل محمد، زوجات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، طائفة كبيرة من الصحابة.
أخرج أحاديث المهدي جمع كبير من علماء الحديث ودونوا ذلك في كتبهم ومسانيدهم، وأجمعوا على أنها قد صدرت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالفعل.
صرّح جمعٌ من أهل الاختصاص بعلوم الحديث بصحة وتواتر الأحاديث المتعلقة بالمهدي مثل: يوسف الكنجي الشافعي، وسليمان القندوزي الحنفي، والألباني، وابن باز.
أجمعت الأمة الإسلامية بكون المهدي المنتظر (عليه السلام) من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والكل متفق على أن المهدي من صلب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن أحفاد فاطمة الزهراء عليها السلام.
كتب عن الإمام المهدي (عليه السلام) ودونت الروايات والأحاديث بهذا الخصوص(١٠٦)، حتى قبل أن يولد (عليه السلام) وتتحقق الفكرة.
احصائيات: عدد الأحاديث المتعلقة بالمهدي في التراث الإسلامي كثيرة جدا، وبالرجوع إلى موسوعة (معجم أحاديث الإمام المهدي) الذي ألفته مؤسسة المعارف الإسلامية والواقع في خمسة مجلدات نجد الكم الهائل من هذه الروايات الشريفة:
١ - المجلد الأول والثاني: قد اشتملا على (٥٦٠) حديثاً من الأحاديث المروية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبطرق الشيعة وأهل العامة.
٢ - المجلد الثالث والرابع: قد اشتملا على (٨٧٦) حديثاً مسنداً إلى أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، واشترك أهل العامة برواية الكثير منها مع الشيعة الإمامية.
٣ - المجلد الخامس: فقد اشتمل على (٥٠٥) أحاديث وكلها من الأحاديث المفسرة لآيات قرآنية.. وغطت هذه الأحاديث ما أورده المفسرون من الشيعة وأهل العامة.
٤ - يتضح أن مجموع الأحاديث النبوية وروايات أهل البيت (عليهم السلام) (١٤٣٦) حديثاً، وإذا أضفنا لها محتويات المجلد الخامس، يكون مجموع الأحاديث المتعلقة بالمهدي (١٩٤١) حديثاً مجموع المعجم.
٥ - كتاب: (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر) للشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني أحصى عدد (٥٣٠٣) حديث مما رواه المسلمون عن القضية المهدوية.
المسلمون بشكل عام قد آمنوا بفكرة خروج المهدي آخر الزمان، ومصدر اعتقادهم في ذلك الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، وسلّموا بأن الوعد الإلهي والبشارة النبوية سوف تتحقق، فأصل فكرة المهدوية مسلّم بها من قبل عامة المسلمين إلا من شذّ وندر.
هوية وخصائص الإمام المهدي عند الإمامية:
أجمع المسلمون على أصل فكرة المهدوية في مفهومها العام وخروجها آخر الزمان، ولكن وقع الخلاف بينهم في تحديد شخصه الكريم.. والإمام المهدي حسب تصور الشيعة الإمامية يتميز بخصائص مهمة:
هويته:
الاسم: (م ح م د).. اللقب: المهدي.. الكنية: أبو القاسم.. اسم الأب: الإمام الحسن العسكري.. اسم الأم: السيدة نرجس (مليكة) بنت يشوع الذي ينتهي نسبه إلى قيصر ملك الروم، كما أن أُمّها ينتهي نسبها إلى (شمعون) الذي هو أحد أوصياء السيد المسيح ومن حواريه.. تاريخ الولادة: يوم الجمعة ١٥ شعبان ٢٥٥ هـ الموافق ٨٦٩ م.. نسبه الشريف: قرشي، هاشمي، من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من صلب الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، من أحفاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، من نسل الإمام الحسين السبط الشهيد (عليه السلام).
إمامته:
هو الإمام الثاني عشر من أئمة الهدى (عليهم السلام).. بدأت إمامته من وفاة والده الإمام العسكري (عليه السلام) ٢٦٠ هـ وحتى آخر الزمان.. بدء الغيبة الصغرى: ٢٦٠ هـ.. بدء الغيبة الكبرى: ٣٢٩ هـ.. يوم الخروج (اليوم الموعود): السبت ١٠ محرم من عام (مجهول عند الناس).. من خصائصه ومميزاته الشخصية: (العصمة والعلم التام والارتباط بالغيب و.....) فهي مشابهة تماماً لخصائص آبائه الأئمة الطاهرين، بالإضافة أنه يمتاز بمزايا أخرى كالإمامة المبكرة (إمام وهو ابن خمس سنوات)، طول العمر (عمره حالياً اكثر من ١١٩٠ سنة)، الغيبة (صغرى وكبرى)، سيسيطر على العالم كله وينشر التوحيد والعدل.
موجز تاريخي عن ظروف ولادته:
بناءً على البشارات الصادقة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام)، بأن نجل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هو آخر الخلفاء والأئمة الاثني عشر، وأنه المصلح الأعظم الذي ينشر العدل والقسط ويقضي على الظلم والجور، لذا فقد خاف العباسيون منه، واعتقدوا أنه هو الذي يقوّض عروشهم ويدمّر كيانهم ويزيل دولتهم القائمة على الظلم والجور، فانتشرت شائعات قوية وعلى نطاق واسع مفادها أن ملك بني العباس سيزول على يد رجل من آل محمد يقال له المهدي وأن ولادته قريبة وهو ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وهكذا نجد أن التاريخ يعيد نفسه، فكما علم فرعون انهدام صرح طغيانه بواسطة النبي موسى (عليه السلام)، فجمع كيده وبذل جُهده للقضاء عليه وقتله حين ولادته.. كذلك أخذت السلطة العباسية بنفس الإجراءات والاحتياطات فعرضت الإمام العسكري (عليه السلام) للسجن والاضطهاد، وفرضت عليه الإقامة الجبرية في (مدينة سامراء)، ومنعت شيعته من الاتصال به، وقد حاولوا عدة مرات اغتيال الإمام العسكري (عليه السلام) ليقضوا عليه قبل ولادة ابن له، فجندت الدولة مخابراتها وأجهزتها السرية للتحري والبحث عن هذا الطفل (المهدي) الذي سيولد قريبا، فزرعت الجواسيس والعيون في كل مكان يحيط بالإمام وبالذات في داخل بيته.. هذه الحملة الظالمة من السلطة اضطرت الوالد الإمام العسكري (عليه السلام) أن يقوم بإجراءات متعدّدة للتمهيد لإمامة ابنه (المهدي) منها: أن يُخفي نبأ ولادة ابنه عام ٢٥٥ هـ، وألا يطلع أحداً عليه إلا للخواص والخلص من شيعته، ولمّا علم الإمام العسكري (عليه السلام) أنه مفارق الحياة، نصّ على إمامة ولده الوحيد (م ح م د)، وعرّفه لخواص أصحابه، وثقات شيعته.. ونفذ المعتمد العباسي خطته باغتيال الإمام العسكري سريعاً فدس له السم، فانتقل الإمام الحادي عشر إلى جوار ربه عام ٢٦٠ هـ وهو في مقتبل العمر (٢٨ عاماً)، وآلت الإمامة إلى ابنه (م ح م د) وعمره خمس سنين.. انتشر خبر وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) وهرع رجالات بني هاشم وجميع من كان في سامراء إلى دار الإمام للفوز بتشيع جثمان الإمام، وجهز الجسد الطاهر لصلاة الجنازة، وانبرى جعفر (أخ الإمام العسكري) للصلاة عليه، فتقدم الإمام الصبي (م ح م د) وقال له: أنا أولى بالصلاة على أبي، ثم صلى على الجثمان المقدس، وأمّ الجميع دون اعتراض من أحد وسط دهشة الكل (بتحقيق بشارة الرسول)، وتسليمهم بأن هذا الصبي هو القائم مقام أبيه في الإمامة وهو الإمام المنتظر، وبعد انتهاء مراسم الصلاة اختفى الإمام الصبي.
اضطربت السلطة العباسية اضطراباً شديداً في موضوع الابن، وتساءلت متى ولد!! وقدرت أنه المهدي المنتظر، وبدأت تستفيق من هول الصدمة، وتتعجب كيف أنها لم تعرف بولادته!! وصْدَقت الإشاعة التي انتشرت بين الناس!! وأخذت أجهزتها الأمنية استعدادها للامساك به والقضاء عليه، فكبست دار الإمام العسكري (عليه السلام)، وكبسوا الدور والمنازل القريبة وفتشت تفتيشاً دقيقاً.. وهكذا اتّخذ العباسيون جميع الإجراءات الحاسمة للتفتيش عن الإمام المهدي (عليه السلام) لإلقاء القبض عليه وتصفيته جسدياً.. وكان من عظيم لطف الله تعالى وعنايته بالإمام المنتظر أن حجبه عن عيون الظالمين من بني العباس، فقد غيّبه تعالى عن أبصارهم كما غيّب جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أبصار قريش حينما اجتمعوا على قتله.
غيبته:
نجحت خطة الإمام العسكري (عليه السلام) بكتمان خبر ولادة ابنه وإخفائه عن عوام الناس، وأثمرت جهوده في الحفاظ على ابنه.. وكذلك فشلت أجهزة السلطة العباسية في القبض على الغلام والقضاء عليه، بعد أن تيقنت من وجوده، بل عجزت وبكل قوتها عن تحديد مكان وجوده، واحتارت أين ذهب الإمام الصغير وكيف اختفى، ولم يجزم أحد بموته، بل ولم يدع أحد موته.. مما يعني بأن الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (شريك القرآن وأنهما لن يفترقا)(١٠٧) مازال حياً يرزق، ولكنه غائب أو مغيب إلهياً عن الناس إلى أن يأذن الله بظهوره في اليوم الموعود.
يقسم الشيعة الإمامية احتجاب أو اختفاء الإمام المهدي إلى مرحلتين ويطلقون عليها مصطلح الغيبة:
الأولى - الغيبة الصغرى(١٠٨) (٢٦٠ هـ - ٣٢٩ هـ): بدأت منذ وفاة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) في الثامن من ربيع الأول عام ٢٦٠ هـ، وتولّي الإمام المهدي الإمامة والولاية، ففي هذه الفترة احتجب الإمام عن الناس، إلا أنه كان يلتقي بخيار المؤمنين والصالحين، وبدأت ترتيبات عصر إمامة المهدي وقيادته للمجتمع، وتعيين سفراء له، وإن لم يكن أمر السفارة غريباً على أذهان الموالين (الشيعة) بعد أن كان نظام الإمامين الهادي والعسكري (عليه السلام) قائماً على ذلك بشكل طبيعي واعتيادي:
السفير الأول: عثمان بن سعيد العمري - بداية عام (٢٦٠ هـ)، ولمدة (٥ سنوات).
السفير الثاني: ابنه محمد بن عثمان العمري، ولمدة (٤٠ سنة).
السفير الثالث: أبو القاسم حسين بن روح النوبختي، ولمدة (٢١ سنة).
السفير الرابع: علي بن محمد السمري، ولمدة (٣ سنين) - حتى عام (٣٢٩ هـ).
ففترة الغيبة الصغرى دامت على التحديد تسعا وستين عاما وستة أشهر وخمسة عشر يوماً.. وانتهت بوفاة رابع وآخر سفير ونائب خاص للإمام المهدي (عليه السلام).
هناك أهداف اساسية من وراء الغيبة الصغرى وتعيين السفراء كنواب ووكلاء مقامه (عجّل الله فرجه) تتمثل في:
١ - كانت ضرورية لإيجاد الارتباط بين الإمام المهدي وبين الخواص من شيعته، وكانت فترة ٧٠ سنة كافية لإثبات وجود الإمام، وترسيخ ثقافة الغيبة عند الناس.
٢ - تهيئة الأمة وخاصة القواعد الشعبية الموالية للأئمة (عليهم السلام) لاستيعاب مفهوم الغيبة الكبرى، وتعويدهم عليها تدريجياً، وعدم مفاجئتهم بذلك.
٣ - قيام السفارة بمصالح المجتمع وشؤون الأمة، وتعويد الناس على الارتباط بالعلماء أثناء غيبة الإمام واختفائه عن مسرح الحياة.
الثانية - الغيبة الكبرى (٣٢٩ هـ - اليوم الموعود): كانت وفاة السفير الرابع يوم الخامس عشر من شعبان عام ٣٢٩ هـ إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى، وكان التوقيع الصادر عن الإمام (عليه السلام) إلى علي السمري قبل وفاته بستّة أيّام هو الإعلان عن انتهاء أمد الغيبة الصغرى وانقطاع السفارة والنيابة الخاصة(١٠٩) وبدء عصر الغيبة الكبرى.. وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة النيابة العامة: فالنائب العام لم يشخص بالاسم، وإنّما شخص بالصفة (ملكة الفقاهة)(١١٠)، وذلك باعتبار ما ورد من روايات في هذا الخصوص منها: عن الإمام العسكري (عليه السلام):»... فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه، حافظاً لدينه، مخالفاً لهواه، مطيعاً لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه"، وقد تقلّد الفقهاء ومراجعنا العظام هذا الدور.. وفي هذه الفترة والمرحلة من الغيبة يكون احتجاب الإمام عن الناس شبه تام وكامل، وإن كانت له (عجّل الله فرجه) عدة لقاءات ومراسلات مع جهابذة العلماء والمتقين من أعلام الشيعة.
طرق احتجاب الإمام عن الناس: يمكن تصوير تحرك ونشاط الإمام خلال احتجابه في عصر الغيبة الكبرى بأحد شكلين:
١ - خفاء الشخص: وهي أن يختفي الإمام بجسمه عن الأنظار، فهو يرى الناس ولا يرونه، ويتمّ ذلك عن طريق الإعجاز الإلهيّ، مثل ما حدث لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما اجتمع مشركي قريش على قتله، وهذا الاحتجاب قد يزول أحياناً عندما توجد مصلحة في زواله.
٢ – خفاء العنوان: وهي أن الناس يرون الإمام المهدي بشخصه، دون أن يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقة أنه المهدي، وهذا هو الشائع في عصر الغيبة الكبرى، وهذا الاحتجاب يزول ويتحول للشكل الأول عندما يوجد خطر يهدد حياة الإمام أو كشف أمره.
من التكاليف المطلوبة إسلامياً في فترة الغيبة، ومن الضروريات العقائدية الواضحة في مدرسة الشيعة الإمامية: الإيمان بوجود الإمام المهدي (م ح م د ابن الإمام الحسن العسكري) والاعتراف به كإمام مفترض الطاعة وقائد فعلي للأمة والالتزام بذلك، وإن لم يكن عمله ظاهراً للعيان، ولا شخصه معروفاً لدى الناس، فإنه الإمام الثاني عشر ومعرفته تنقذ من موتة الجاهلية(١١١)، ارتكازاً على الأدلة العقلية المنطقية والأدلة النقلية الصحيحة.
صفاته الجسدية:
صفات الإمام المهدي الجسدية كما وردت في الروايات الشريفة، حيث وصفه جده أمير المؤمنين: (يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان، أبيض مُشَرَّبُ حمرة، مبدح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم))(١١٢).. ومن أوصافه (عليه السلام) التي وردت على لسان الإمام الباقر (عليه السلام): (أنه شاب، أكحل العينين، أزجّ الحاجبين، أقُنى الأنف، كث اللحية، على خده الأيمن خال، وعلى يده اليمنى خال)(١١٣).. وعن الإمام الباقر (عليه السلام): (يا أبا محمد بالقائم علامتان: شامة في رأسه وداء الخراز برأسه، وشامة بين كتفيه من جانبه الأيسر تحت كتفه الأيسر ورقة مثل ورقة الآس)(١١٤).. عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (هو رجل جلي الجبين، أقنى الأنف، ضخم البطن، أذيل الفخذين، بفخذه اليمنى شامة، أفلج الثنايا)(١١٥).
وهنا تنبع الحكمة من ذكر أوصاف الإمام المهدي (عليه السلام) وعلامات تعيين شخصه، بالإضافة لعلامات ظهوره، لتقطع الطريق أمام مدعي المهدوية كذباً وبهتاناً.
بعض مزايا المهدوية بشكل موجز:
الاسم: م ح م د (إمام العصر والزمان الحالي) وعدم معرفته يموت المسلم على الجاهلية.
الأب: الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، الإمام الحادي عشر للمسلمين.
الأم: السيدة نرجس (مليكة) رومية الأصل.
ولادته: يوم الجمعة ١٥ شعبان ٢٥٥هـ، وعمره حاليا أكثر من ألف عام.
هو الإمام الثاني عشر للمسلمين، والذي نص عليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو القائد الشرعي الوحيد للعالم الآن.
يتمتع بمزايا الإمامة كـ: العصمة، العلم التام، الولاية التكوينية والتشريعية، الاتصال بالغيب.
لا يزال حياً يرزق، ويعيش على الأرض، وينتظر الأمر الإلهي له بالخروج.
يعيش في فترة الغيبة الكبرى، وقد يراه الناس ولا يعرفونه بما يصطلح عليه غيبة عنوان.
له إشراف على العالم، وإحاطته بأخبار العباد والبلاد وكل ما يجري في العالم بإذن الله.
سيظهر في يوم معلوم عند الله مجهول عندنا(١١٦)، وتحدث علامات حتمية قبل ظهوره.
إذا ظهر يحكم الكرة الأرضية كلها، وتخضع له جميع الدول والشعوب في العالم.
يطبق الإسلام الصحيح كما جاء به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وتنقاد له كافة الأديان والملل.
ينزل النبي عيسى (عليه السلام) من السماء ويصلي خلفه.
خروجه إحدى علامات يوم القيامة الكبرى.
يُقتل ابليس اللعين في عصره الميمون.
يحقق حلم كل الأنبياء بنشر التوحيد والعدل على الأرض كافة.
علامات وشروط ظهور المهدي عند الإمامية:
علامات الظهور:
إن أخبار وعلائم الظهور(١١٧) كثر ذكرها في كتب وآثار الإمامية ومصدرها روايات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)، وقد أوضحوها (عليهم السلام) في مسار حديثهم عن الإمام المهدي (عليه السلام)، وحظيت باهتمام خاص من قبلهم (عليهم السلام)، ويهدفون من وراء تكرار ذكرها إلى تثبيت العقيدة المهدوية وترسيخها في أذهان المسلمين على طول العصور، حيث جعلوا من الانتظار الذي أعلنوا ثوابه مسبقاً قاعدة عظيمة يمكن على ضوئها تثبيت القضية المهدوية في المجتمع الإسلامي، لذلك نجد أن العلائم موزعة الحدث على فترات زمنية متباعدة وعلى طول تاريخ الغيبة، وتنقسم علامات ظهوره (عليه السلام) عند الإمامية إلى نوعين:
علامات عامة: تصف حالة المجتمع من حيث شيوع بعض الظواهر المنافية للدين والأخلاق، أو بعض الأحداث التي جاء ذكرها متناثراً هنا وهناك من حيث الزمان والمكان، ومن دون إشعار بالارتباط بينها وبين العلامات الأخرى، وليس هناك ارتباط زمني محدد أو قريب من عصر الظهور، ولذا لا تُعطى تلك الأهمية من المتابعة والتأمل والتحليل.. ننتخب شذرة منها، ونركز على بعض العلامات العامة الموجزة القريبة من الظهور:
خروج المهدي في وتر من السنين.
سنة الظهور سنة غيداقة (كثيرة المطر).
سنة الظهور كثيرة الزلازل والخوف والفتن.
يخرج في مكة المكرمة في يوم السبت العاشر من محرم في سنة مجهولة عند الناس.
خروج الخراساني (الرايات السود) من قبل المشرق.
ظهور صدر إنسان ووجهه في عين الشمس.
ظهور مجسم في السماء على شكل يد بشرية تشير.
كود (توقف) الشمس عن الحركة لعدة ساعات في رجب.
كسوف الشمس وخسوف القمر في غير وقتهما في رمضان.
تقع معركة قرقيسيا في شمال سوريا يقتل فيها مائة ألف شخص.
ثلاث رايات تخرج في الشام (الأصهب - الأبقع - السفياني) تتقاتل مع بعضها.
تقسم الشام إلى خمس كور (محافظات منفصلة).
خسف قرية من قرى الشام تسمى حرستا.
هدم السور الأيمن من مسجد دمشق الكبير (المسجد الأموي).
فراغ سياسي وعسكري في الحجاز واضطرابات أمنية شديدة في المنطقة.
علامات خاصة (المحتومة): وهي عبارة عن ظواهر وأحداث كونية أو حضارية أو عسكرية، وقد وضحت الروايات تفاصيلها مما يجعلها من هذه الناحية هامة وملفتة.. وهي مرتبطة بعصر الظهور مباشرة، ومرتبطة بعضها ببعض كنظام الخرز، وفي الروايات حددت الأماكن والأزمنة فيها بشكل قاطع ودقيق، ولكن من غير تحديد للسنة أو العام التي سيظهر بها الإمام، أي يظل العام الذي به اليوم الموعود مجهول لدينا.. وهذه العلامات الخاصة تهدف إلى تنبيه المؤمن المنتظر أن يستعد لاستحقاقات اليوم الموعود، ومن المهم متابعتها بدقة واهتمام لاستقراء ملامح يوم الظهور.
المحتومات الخمسة: هي علامات خاصة أُطلق عليها في الروايات المأثورة بالعلامات الحتمية والتي لابد من وقوعها، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (للقائم خمس علامات: السفياني، واليماني، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء)(١١٨).
الأولى - السفياني: خروج رجل يقال له السفياني: (عثمان بن عنبسة من آل أبي سفيان من نسل يزيد بن معاوية) من ناحية الشام من الوادي اليابس، ويمثل رمزاً للحكام المسلمين الظالمين ومناهض للمهدي، وهو مدعوم من قبل الروم، يستولي على محافظات الشام الخمس، يشارك في معركة قرقيسيا، ثم يغزو العراق ويرتكب مجازر بشعة ضد الشعب العراقي، ويغزو الحجاز ويكون خسف البيداء بجيشه، يخرج في شهر رجب في سنة زوجية قبل عام الظهور، ويفصل بينه وبين ظهور المهدي (عليه السلام) في مكة ستة أشهر فقط.. وهذا الحدث أو العلامة متفق عليه بين الشيعة والسنة.
الثانية - اليماني: خروج سيد حسيني من نسل زيد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) من ناحية اليمن، ولذا أطلق عليه اليماني، وتصف الأحاديث حركته بأنها راية هدى وهو يدعو للإمام، يخرج في شهر رجب في نفس يوم خروج السفياني والخراساني وسوف يتوجه إلى العراق والشام ويشارك مع الخراساني في قتال السفياني، وهو أحد أفراس الرهان في المنطقة.
الثالثة - الصيحة من السماء: حدث كوني غريب، وهو حدث من عالم الملكوت، وهو صوت ونداء من السماء (صوت جبرائيل) يسمعه أهل الأرض جميعاً، كل قوم بلغتهم، يحدث هذا الصوت في شهر رمضان، ويخبر: ألا إن الحق مع المهدي وشيعته.. وهو دليل واضح من الله سبحانه وتعالى إلى كل الناس على قرب ظهور المهدي، وهذه العلامة إعجاز إلهي وهامة جداً حيث لا يمكن التلاعب بها، وهي أوضح وأصدق علامة لقرب ظهور الإمام، وقد اشار لها القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾(١١٩).. ثم تعقبها عملية تكذيب عالمية واسعة (بقيادة ابليس اللعين) للتعمية على هذا الإعلان وتشويهه، فيقال إن هذا الصوت من سحر الشيعة.. وبين الصيحة وبين اليوم الموعود ثلاثة أشهر ونصف الشهر.
الرابعة - قتل النفس الزكية: وهو الشاب الحسيني الذي يبعثه الإمام المهدي (عليه السلام) لأهل مكة لتهيئة الأجواء للحركة المباركة، فينقل في يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة، أي قبل ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) بخمس عشرة ليلة، خطاب شفهي من الإمام إلى الحجاج في بيت الله الحرام، وقبل أن يكمل كلامه ترتكب جريمة قتله في الحرم المكي بين الركن والمقام.. وهذا الحدث آخر العلامات، ومتفق عليه بين الشيعة والسنة.
الخامسة – خسف البيداء: الخسف الذي يقع بجيش السفياني القادم من الشام إلى الحجاز، والمتجه إلى مكة المكرمة للقضاء على حركة الإمام المهدي (عليه السلام) في بدايات ظهورها.. ومكان الخسف أرض البيداء الواقعة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة.. وهذا الخسف كمعجزة إلهية من الدلالات القوية على صدق وحقيقة ارتباط المهدوية الصادقة بالغيب.
إن هذه العلامات الخمس الخاصة والحتمية، أخبر بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) قبل أن يولد الإمام المهدي (عليه السلام) بأكثر من قرنين.. وبدراسة هذه العلامات نستنتج عدة أمور:
أولاً - معالم الطريق: رسم منهج به تحذيرات وإنذارات مسبقة، ومنارات هدى على الطريق، بإيضاح صورة ومعالم رايات الهدى، وصورة ومعالم رايات الضلال.
ثانياً – مناهج عمل: رؤى عملية ومناهج حركية نستهدي من خلالها للتمهيد لحركة الظهور، وأن تأخذ هذه العلامات دورها الموجّه والراسم لمسار الحركة الرسالية في زمن الغيبة الكبرى.
إن علامات الظهور عبارة عن خارطة زمانية ومكانية للمنتظرين، دالة للمؤمنين على إمام زمانهم كي لا يخدعوا بالمدعين للمهدوية، وخير مثال على ذلك (الصيحة وخسف البيداء)، وأن هذا البلاء والظلم قد أزف زواله لقرب ظهور الإمام المنتظر، وخير مثال على ذلك (السفياني).. فواحدة من مهمات علامات الظهور أنها تشخص ذلك الوقت الموعود (يوم الظهور) وتدلنا عليه، وفي نفس الوقت تزرع الامل والتفاؤل في نفوس المؤمنين في مواجهة المصاعب والمحن، وما علينا إلا أن نراقب هذه الخريطة.
شروط الظهور:
ترتكز العقيدة الشيعية بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) على أنه القائد المنقذ والمخلص للعالم من الظلم والجور، ومطبق للقسط والعدل، وناشر للتوحيد على الأرض المعمورة.. يتحتم توفر بعض الأبعاد الاستراتيجية الضرورية يكون وجودها أساسي ورئيسي في بداية نشوء حركة (الفتح المهدوي العالمي) لتحظى هذه الثورة العالمية والتغيير الشامل بالنجاح، وتستطيع أن تحقق أهدافها المنشودة على المدى القريب والبعيد، وتتوفق لإحداث تغييراً جذرياً شاملاً في حركة ومسيرة البشرية، وأهم هذه الأبعاد أو الشروط(١٢٠) هي:
أولاً: البعد القيادي: القائد الحكيم، ذو الخبرة والكفاءة لإدارة هذا التغيير الشامل وتأسيس الدولة الفاضلة، وهذه القيادة متمثلة في المهدي المنتظر (الإمام المعصوم).
ثانياً: البعد الأيديولوجي: العقيدة أو الشريعة أو القوانين التي تنظم أمور هذه الدولة، والتي تصلح لكل زمان ومكان، وهذه العقيدة متمثلة في آخر الأديان السماوية (الإسلام).
ثالثاً: البعد الاستراتيجي المستقبلي: رؤية واضحة وبصيرة ثاقبة للتغيير الشامل، ونظرة مستقبلية لتطور المجتمع البشري، وهذه الرؤية متمثلة في نشر التوحيد والعدل (دولة آل محمد).
رابعاً: البعد البيئي: والمتمثل في أبعاد متعددة لها علاقة بتهيئة الظروف البيئية العامة التي تساعد على النجاح:
وجود العدد الكافي من الأفراد والكوادر المنفذين والمضحين بين يدي القائد العظيم في بداية الحركة (الأنصار ٣١٣).
يأس شعوب العالم من القوانين والأنظمة الوضعية وتجارب الثورات السابقة، وعدم تحقيق طموح هذه الشعوب بفشل الحلول التي طرحتها النظريات والسياسات المختلفة (تهيئة القاعدة الشعبية).
التقدم العلمي والتكنلوجي لتوفير الوسائل التي تساعد القائد على إدارة العالم - ومع اتساع نطاقه وحجمه - بيسر وسهولة، وضمان توفير الرفاهية والرخاء الأمثل للبشرية لاحقاً.
وبعبارة أخرى، هذه الأبعاد الاستراتيجية ضرورية لبناء الدولة الفاضلة، القائمة على وجود قيادة حكيمة، وأيديولوجية متكاملة، ورؤية استراتيجية مستقبلية ثاقبة، وقبول شعبي عالمي وتوفر الوسائل لهذا التغيير، ليتسنى للدولة النجاح وتحقيق طموح كل الأنبياء.
معالم الدولة المهدوية الفاضلة:
تمتاز الأطروحة المهدوية الإمامية بأنها ترسم نهاية سعيدة ومشرقة لتاريخ البشرية، وأن المحطة الأخيرة التي سيصل لها الإنسان في مسيرته المستقبلية أفضل المراحل وأجمل المحطات، عصر متألق بالسعادة والرفاهية والخير والعدل والقسط، وانعدام الظلم والجور والحروب والقتل والفساد، عصر تشرق به الأرض بنور ربها، نظرة متفائلة إيجابية تحمل روح الأمل الكبير الذي لا يتوقف ولا ينطفئ، نظرة تحث على الحيوية والنشاط وتدفع للتقدم والعمل، نظرة متطابقة مع القرآن الكريم في وراثة الأرض.. بعكس النظريات والأطروحات الفلسفية الغربية التي تؤكد وتقول: (بأن الإنسان في تدهور، وأن العالم في تأخر، ويسير نحو الأسوأ، وأن البشرية تحفر قبرها بنفسها)(١٢١)، نظرة كلها تشاؤم وإحباط، نظرة سوداوية قاتمة لمستقبل البشرية.
للتعرف على معالم وسمات الدولة المهدوية وما تمتاز به من خصائص، لابد أن نرسم بعض التصورات والآمال المستقبلية عند الشيعة بناءً على الروايات الشريفة عن دولة السماء في الأرض دولة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
١ - إسلامية: الهدف والغاية من بعثة الأنبياء والرسل هو نشر التوحيد والتعاليم الإلهية بين الأمم والشعوب، والدين الإسلامي هو خلاصة كل الأديان السماوية وخاتمها، فدستور الدولة المهدوية الأساس هو القرآن الكريم والسنة الشريفة والعمل على تطبيقهما وتنفيذ أحكامهما، فالإسلام الصحيح كما جاء به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الدولة الفاضلة هو الدين والمعتقد والنظام والدستور، نظرياً وعملياً وقولاً وفعلاً.
٢ - العالمية: حكومة الإمام (عليه السلام) تبسط هيمنتها وسيطرتها على جميع أنحاء العالم، من خلال فتوحاته لكافة أركان الكرة الأرضية، وأن تكون مقاليد المجتمع البشري بيد الصالحين، ويشكل حكومة عالمية واحدة تسقط فيها الحواجز القومية، وتتوحد فيها كل البشرية تحت ظل سيادة واحدة.. فهو (عليه السلام) الوارث الحقيقي للأرض وله الحاكمية المطلقة كما وعد الله سبحانه وتعالى الاستخلاف في الأرض.
٣ - العدالة: هو المعلم البارز في الدولة المهدوية، وهو مدلول أيديولوجي وسياسي يرتبط بأهداف ومناهج وأولويات الدولة، يطبق العدل والقسط في أنظمة الدولة وتترجم إلى أفعال وأعمال حقيقية، ويزيل آثار الظلم والجور، فتتحقق أحلام الإنسانية في حياة قائمة على العدل والمساواة، ويتشكل المجتمع العادل كما دعت وطمحت له الشرائع السماوية.
٤ - الأمن والقضاء: في بداية تأسيس الدولة المهدوية ستشن عملية تطهير واسعة، وإعلان حرب صريحة ضد الظلم والجور، ويتم قلع جذور الفتن والحروب والجريمة من الأساس، فيزول الخوف ويستتب الأمن ويستقر الاطمئنان في المجتمع البشري في ظل دولته (عليه السلام).. ويرجع الفضل في ذلك لإعطاء الأهمية والموقع الكبير للقضاء والمحاكم، والذي سيكون الفصل فيها على أساس الحقائق والواقع وليس على أساس الأدلة التي تثبت الادعاء القائم على الظن والظاهر، فينتشر العدل ويستتب الأمن.
٥ - الازدهار الاقتصادي: يتنامى التقدم الاقتصادي وتطبق سياسة اقتصادية فاعلة، وتدار الأسواق العالمية بكفاءة وفاعلية، وتوزع الثروة المالية بشكل عادل، وتستخرج الموارد الطبيعة بشكل تكفي الحاجة، إضافة إلى ذلك فإن الدولة الفاضلة توفر الغذاء والسكن والتعليم والعلاج وتضمن للفرد مستقبل مريح في آخر العمر، فتنعدم الحاجة لجمع المال والاستكثار منه.. فتنقلب القيم حينها، فلا يعد للمال قيمة تذكر، بل للتقوى والأخلاق (القلب السليم)، فيعم الرخاء والرفاه الاقتصادي والمعيشي على كل البشرية، إلى درجة أنه لا يجد الرجل موضعاً لصدقته.
٦ - التقدم العلمي والثقافي: ستكون هناك قفزة في تقدم الحياة الإنسانية على الأرض في جميع مرافقها، فيتنامى البُعد المعنوي لدى المجتمع إلى جانب التقدم العلمي، فيبرز التقدم الصناعي والتقني على أثر تكامل العقول في عصر الإمام (عليه السلام)، فتتطور وسائل المعرفة والتعليم وتكتشف علوم جديدة (٢٥ حرف كما عبرت عنه الروايات)، فتحدث نهضة علمية وقفزة ثقافية هائلة، ونقلة نوعية حضارية في مسيرة البشرية من ناحية العلم والمعرفة، بحيث يصنع من العالم جنة حقيقية.
٧ - تكامل الصحة: في عهده الميمون ومع تقدم العلم وتكامل العقول، يتم في البدء اكتشاف وتوفير العلاج الناجع لكل الأمراض (الجسدية والنفسية والروحية)، وبعد أن تشع أنوار الولاية المهدوية في كل مكان وعلى جميع الأشخاص، ستصل أبحاث الإنسانية في مجال الطب والعلاج إلى أعلى مراتبها، فتكتشف طرق وأساليب جديدة ومبتكرة للشفاء، فتزول الأمراض تدريجيا عن المجتمع، وتمحى من قاموس اللغة في ذلك العصر كلمات مثل المرض والألم، وينال الجميع السلامة والصحة الكاملة، فيمتاز أبناء ذلك الزمان بطول العمر، حتى يعمر للرجل ألف ولد.
٨ - الانفتاح على العوالم الأخرى: الرحلات الفضائية في عصرنا الحالي بداية الخطوات للانفتاح على عالم الفضاء والوجود، وفي ذلك العصر المشرق سيضحكون على وسائلنا ومناهجنا الحالية (فأقصى ما وصلنا إليه سرعة الضوء)، فعندها تصل الإنسانية إلى الكمال والحضارة الواقعية المطلقة، عصر التكنولوجيا وتسخير السحاب في الفضاء، والتعرف على أسباب السماوات، والاستفادة من القدرات الكامنة وراء المادة، عصر التطور المادي والمعنوي في أعلى مراتبه.. وتسنح الفرصة للبشرية الاتصال بسكان الكواكب البعيدة، والانفتاح على عالم الموت وحياة البرزخ، وتدخل البشرية في عصر ومرحلة جديدة لم تعرفها من قبل.
إن هذه السمات والمعالم هو الوجه المشرق في ظهوره (عليه السلام)، وهذا ما ينتظر الإنسانية على يده المقدسة، وهذه هي الرؤية الشيعية وأسس نظرتها المستقبلية المشرقة والواضحة للأجيال المسلمة وغيرها.. فالحديث عن الخطوط العريضة لدولة المهدي (عجّل الله فرجه) وعصره الميمون، وما يكتنفه من تطور وأحداث، سيجذب القلوب الطاهرة ويجعلها تنبض بشوق وحماس للوصول ولتحقق ذلك العصر المتألق.
إيضاح لشبهات وإشكالات حول الأطروحة الإمامية:
صعب على البعض أن يستوعب العقيدة المهدوية حسب الأطروحة الإمامية، فلا زالوا ينظرون إليها من خلال الذيول التاريخية وما يرتبط بها، دون إعمال فكرهم وعقولهم لدراسة جوهر منهجها ومبانيها العقائدية، مما أدى الى أن تكون نظرتهم سطحية وهامشية وبعيدة كل البعد عن الحقيقة.. لذا نجد أن القوم يجهلون الكثير من المعطيات بخصوص الفكر والثقافة المهدوية، والتي بقيت ملتبسةً ومشوشةً في تراثهم، ولهذا نجد كثرة ظاهرة ادعاء المهدوية والانتساب الى عنوانها في أوساطهم، بالإضافة للأهداف المشبوهة للبعض والذي يسعى من خلال بث وإشاعة الشبهات لتشويه صورتها وتزييف حقيقتها بعد استثقالها.
إن العقيدة المهدوية مع ثبوت يقينيتها وصدقها عقلاً ونقلاً وبالأدلة الصحيحة والمتواترة، إلا أنها لم تسلم من توجيه سهام الشبهات وترادف الإشكالات عليها، فضلاً عن التشكيك بأصل القضية، بل تطاولت بعض الأقلام المغرضة لتصف القضية المهدوية بأنّها من القصص والخرافات التي ابتدعتها الشيعة.. ولكن الحقيقة التي يجب إدراكها قبل الإيمان بالأطروحة المهدوية الإمامية وتصديق كل ما يتعلق بها من قبيل الغيبة وطول العمر و.. و.. الخ، وجوب إدراك ومعرفة حقيقة ومنصب ومقام وعقيدة (الإمامة)، حيث هناك تلازم وارتباط وثيق بين مهدوية الشيعة، وبين فهم حقيقة الإمامة الربانية لمذهب الاثني عشرية في ضوء القرآن الكريم وحديث الثقلين ورواية الخلفاء الاثني عشر وحديث الكساء.. فعند التأمل بعمق في الآيات القرآنية والنصوص النبوية حول هذه الحقيقة، حينها ستكون هذه الشبهات لا مكان لها من الإعراب، ومن السهل تقبلها وتصديقها وإدراك حقيقتها وبمنطق العقل والعلم.
مازال البعض يحاول إثارة الإشكالات والتساؤلات حول الإمام (م ح م د) بن الحسن العسكري (عليه السلام)، وعادة تتردد هذه الشبهات بكثرة على لسان بعض المتطفلين على تراث الثقافة الإسلامية، ولهذا تجدهم يتذرعوا بحجج واهية، كما سيتضح ذلك من دراستها ومناقشتها، ومن الذرائع الهزيلة التي تمسكوا بها في هذا المقام ما يلي:
١ - إنكار ولادته.
٢ - استهجان إمامته المبكرة.
٣ - التشكيك في طول عمره.
٤ - ما فائدته في غيبته.
٥ - فرية السرداب.
هذه هي أهم الإشكالات التي يوجهونها للأطروحة الإمامية ويسوقونها في هذا المقام(١٢٢)، وسوف نقف عندها بالمقدار الذي يسمح به البحث، لكي يتضح بجلاء أن تلك الشبهات الباطلة، مخالفة لمنطق العقل ومنهج العلم، وغريبة عن العقيدة الإسلامية وثقافتها، فمنهج الإسلام يقوم على العقل والمنطق، ويعتمد على الفطرة ويستند إلى الغيب، والمهدوية الإمامية تنبثق من كل ذلك، وحقيقتها تتوافق مع المنهج القرآني والمنهج النبوي.
الأول: إنكار ولادته:
من الشبهات التي تثار هنا: هل المهدي ولد، وهل هو موجود حالياً؟.. أم أنه سيولد في المستقبل؟.. لماذا نعتقد بأن المهدي قد ولد فعلاً، وما المانع من أن يولد قبل ظهوره بقليل؟.. هذا الإشكال هو أهم اختلاف بين الشيعة وأهل العامة في موضوع المهدي.
يعتقد الإمامية بأن المهدي الموعود هو الإمام الثاني عشر، والذي ولد بسامراء (العراق) في ١٥ شعبان من عام ٢٥٥ هـ، وغيّبه الله (لحكمة لم ينكشف لنا أبعادها، وتعتبر سر من أسرار الله)، أما مدرسة أهل العامة فذهب فريق كبير منها إلى أنه لم يولد بعد وسيولد في آخر الزمان.
الإمامة المهدوية أمر عقائدي، وللاستدلال على أمر عقائدي نحتاج إلى دليل من ثلاثة:
١ - دليل عقلي: مبني على برهان، بمعنى أنه مبني على بديهية عقلية وليس مغالطة أو جدل.
٢ - دليل نقلي (القرآن الكريم): آية محكمة، وليست متشابهة.
٣ - دليل نقلي (السنة الشريفة): حديث أو رواية قطعية الصدور، قطعية الدلالة.
قطعية الصدور: أي رواية متواترة بحيث تفيد اليقين.
قطعية الدلالة: أي ظاهرة المعنى، ولا تقبل التأويل.
أن مسألة ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ووجوده وحياته وغيبته (أمر عقائدي - غيبي -كوني)، لا يمكن الاكتفاء فيه بالبحث التاريخي فقط، بل هو إثبات عقائدي وتاريخي في آن واحد، تقوم فيه العقيدة بلعب دور أساسي، فيما يلعب البحث التاريخي فيه دوراً تكميلياً.. فنحن لا نتحدث عن قضية مادية محسوسة بكل أبعادها، حتى نعتمد في إثباتها وإنكارها على المؤرخين فقط، وإنما نتحدث من حيث الأساس عن قضية غيبية (كونية) مرتبطة بسنن الله في الكون، أي أن الدليل عليها عقائدي قبل أن يكون تاريخي.
الشيعة الإمامية يستطيعون أن يستدلوا بأدلة وبراهين عقلية ونقلية، عقائدية وتاريخية وافرة للتأكيد على ولادة المهدي (م ح م د) بن الحسن العسكري (عليه السلام)، ووجوده وغيبته، وبقائه إلى أن يأذن الله له بالظهور في اليوم الموعود:
أولاً: الدليل العقلي والناحية العقائدية:
الشيعة تقول إن ولادة المهدي ووجوده ثابت على نحو اليقين بالعقل، فضلاً عن النقل.. "وهذا الأصل الاعتقادي عند الإمامية، ليس مستنده الأدلة النقلية فقط، بل الأساس فيه هو العقل الحاكم بضرورة وجود الإمام الهادي في كل عصر، المنصوص عليه من قبل الله تعالى على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).. فالمنهج والاستدلال العقلي على ولادة ووجود الإمام المهدي، تقسمه الإمامية إلى قسمين:
١ - الدليل العقلي على ضرورة وجود الإمام وتعيينه أو نصبه من قبل الله (عزَّ وجلَّ).
٢ - الدليل العقلي على استمرارية هذه الإمامة للوصول إلى إمامة المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
ومن هنا يتبيّن لماذا طُرحت الإمامة في الفكر الشيعي كأصل عقائدي، لا كحكم فقهي فرعي، وهذا هو مبنى الشيعة في اعتقادهم بضرورة الإمامة بعد النبوة الخاتمة.. فالله تعالى لم يترك الأرض ولن يتركها على الإطلاق من دون إمام معصوم يحمل مواصفات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويستمر في أداء الوظيفة الإلهية التي من أجلها بُعث إلى البشرية هادياً ونذيراً، وأما إثبات خصوص إمامة (م ح م د) بن الحسن العسكري، فإنما يستند فيه العقل إلى النقل بعد ثبوت أصل الدليل العقلي على ضرورة الإمامة"(١٢٣).
إضافة إلى تلك الأدلة والشواهد العقلية، فإن هناك الكثير من الروايات التي أشارت إلى أن الأرض لا تخلو من الحجة ولولا ذلك لساخت بأهلها، لأن الإمام المعصوم سبب لتنزل الرحمة ورفع العذاب عن أمته، قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾(١٢٤)، وهناك روايات تؤكد على ضرورة وجود إمام في كل زمان، وعدم إمكانية وجود إنسان على الأرض مع غياب الحجة، قال الإمام الرضا (عليه السلام): "لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها"(١٢٥)، وإمامة أهل البيت (عليهم السلام) امتداد لخط النبوة والهداية، واكبر مصداق لامتداد الإمامة هو وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، ومن هذا المنطلق كان التأكيد على ضرورة معرفة الإمام في كل زمان، كما في الحديث النبوي: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".
ثانياً: الدليل النقلي والناحية التاريخية:
من الناحية التاريخية فقد وردت قصة ميلاد الإمام المهدي في عدد كبير من كتب الشيعة، من أهمها موسوعة بحار الأنوار للمجلسي(١٢٦)، وتثبت بالفعل ولادته من حيث المصداقية التاريخية، إضافة إلى ذلك عرفنا اتفاق كلمة المسلمين على تحديد نسبه وأنه من أهل البيت (عليهم السلام)، وأن ظهوره يكون في آخر الزمان.
للاطلاع والتعرف على الأدلة والبراهين النقلية والتاريخية، فقد ذكرنا شذرة من تلك الحجج في بداية هذا البحث، في فقرة (جذور وأسس الأطروحة عند الإمامية) - بالإضافة إلى أننا كتبنا بحث مطول(١٢٧) بعنوان: (اليقين بوجود المهدي) تطرقنا فيه إلى الأدلة التاريخية والنقلية بشيء من التفصيل - ونشير هنا لعناوين تلك الأدلة وبعض الشواهد بإيجاز:
١ - الآيات القرآنية (دليل نقلي): التي تؤكد على ضرورة وجود إمام لكل عصر وزمان، بالإضافة للآيات(١٢٨) التي يستدل بها على موضوع الإمامة، والآيات التي تشير إلى استمرار الإمامة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والتي أحصاها العلماء بما يزيد على المائة آية(١٢٩).
٢ - الأحاديث النبوية الشريفة (دليل نقلي): التي تطرقت إلى الإمام المهدي بعنوانه العام (الإمامة)، فقد تواترت في الدلالة والإشارة إلى أن ظاهرة الإمامة مستمرة غير منقطعة، ومنها الأحاديث المتواترة: الثقلين، الخلفاء الاثنا عشر، إمام الزمان، والتي تفيد بالدلالة الإلتزامية بولادة الإمام ووجوده حالي(١٣٠).
٣ - اخبار الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) (دليل نقلي): بأنه سوف يولد للإمام العسكري (عليه السلام) ولد، ثم يغيب ويتمتع بعمرٍ مديدٍ حتى يأذن الله له بالظهور ويملأ الأرض عدلا.. مما يلزم على كل مسلم تصديق ذلك(١٣١).
٤ – شهادة والده والقابلة (دليل تاريخي): شهادة واعتراف والده الإمام العسكري (عليه السلام) بولادة ابنه الإمام المهدي الموعود، وكذلك شهادة السيدة حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام)، وهي القابلة التي أشرفت على الولادة.
٥ – عشرات الشهادات برؤية الإمام (دليل تاريخي): قائمة طويلة من الأسماء، ممن رأى الإمام واتصل به في مراحل حياته، سواء مع أبيه أو في الغيبة الصغرى أو في الغيبة الكبرى وشهدوا بذلك، وسجلتها المصادر التاريخية.
٦ – تصرف السلطة العباسية مع الحدث (قرينة تاريخية): بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) تعاملت السلطة مع عائلة الإمام المهدي (عليه السلام) بطريقة تدل على خوفها من مولود خطير خفي عنها، وقد سجل التاريخ ذلك، كموقف فرعون من موسى (عليه السلام).
٧ – اعترافات بعض علماء السنّة بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) (قرينة تاريخية): الكتب والمصادر تثبت اعتراف صريح لأكثر من مائة عالم من أهل السنة ومن أجيال مختلفة بولادة المهدي، وبعضهم قال بأن ابن الحسن العسكري هو الإمام الموعود بظهوره في آخر الزمان.
٨ – قضية السفارة وتواقيع الناحية المقدسة (قرينة تاريخية): خروج التواقيع وأجوبة الإمام على المسائل بواسطة السفراء الأربعة، وبالخط نفسه المعروف للإمام ومن دون تغيير طوال (٧٠ سنة) وبنفس الأسلوب والمضمون، وهذه مسألة واضحة في تاريخ الشيعة.
٩ – اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) (قرينة تاريخية): الرجوع إلى أصحاب كل فن أمر ضروري، ولاسيما فيما نحن بصدده من الحديث عن علماء الأنساب، فذكر اسمه الشريف في مصنفات الأنساب دليل إثبات على إيمانهم وتصديقهم بولادته، وخاصة إذا كانوا من مذاهب مختلفة، فنجد فيهم من أهل العامة والزيدي إلى جانب الشيعي، فأهل مكة أعرف بشعابها.
١٠ – قرائن تاريخية عديدة مثل: شهادة الخدم والإماء برؤية المهدي في بيت الإمام العسكري (عليه السلام).. وضوح فكرة ولادة الإمام وغيبته بين الشيعة وعلى طول مراحل التاريخ من عام ٢٥٥ هـ وحتى يومنا هذا.. آثار تدل على وجوده مثل: أقواله وكلماته وتعليماته ووصاياه وأدعيته وصلواته ورسائله وتوجيهاته.. وغير ذلك من القرائن والشواهد التاريخية، مما لا يعطي مجالاً للشك بوجوده (عليه السلام).
أدلة وبراهين وشواهد وقرائن عديدة، وأحاديث وروايات متواترة وصحيحة وواضحة الدلالة على ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).. هل بعد كل هذه الأدلة وإضافة القرائن والعوامل المساعدة معها: هل يخالجنا أدنى شك بولادته ووجوده (عليه السلام)؟!!.. لنسأل منطق العقل ومنطق العلم بعد هذه البراهين ماذا يقول؟.
الثاني: استهجان إمامته المبكرة:
إن الإمام المهدي (عليه السلام) خلف أباه في إمامة المسلمين في وقت مبكر من حياته الشريفة، وهو يومئذ ابن خمس سنين.. وهذا ما يستشكله المخالفين على الشيعة قبولهم وإيمانهم بإمامته وهو في هذه السن الصغيرة، علماً بأن من شروط إمام صلاة الجماعة عند الشيعة (البلوغ)، فكيف بإمامة جميع المسلمين في كافة شؤون الحياة، وبتحمل مسؤولية تبليغ الشريعة والحفاظ عليها، وهذا من الشبهات التي تثار وتطرح بخصوص الإمام المهدي (عليه السلام).
إن خصوصية الإمامة المبكرة للإمام المهدي (عليه السلام)، لهي إمامة حقيقية واقعية تحمل المؤهلات الكافية بكل ما في الإمامة من محتوى فكري وروحي، وهي ليست إمامة مفترضة أو مدّعاة، ويمكن النظر إليها من ناحيتين:
١ - الناحية العقائدية:
إن الشيعة الإمامية تؤمن بأن الإمامة من اصول الدين، والتي هي من شؤون رب العالمين، وليست من خصائص المكلفين، أي أنها مسألة عقائدية مثلها مثل النبوة تقوم بالدليل والبرهان، ولا تخضع لمقاييس الناس أو المقاييس الفقهية (كالبلوغ - الحجر على الصغير)، فإذا قام الدليل على إمامة الصغير فلابد من الإذعان لها كما أذعنا لنبوة الصغير، وهكذا نجد القرآن الكريم يصرح بثبوت النبوة للصبي، وعندنا مثالان على ذلك:
* النبي عيسى بن مريم (عليهما السلام) وهو من أولي العزم، جُعل نبياً وهو رضيع، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾(١٣٢).
* النبي يحيى بن زكريا (عليهما السلام) جُعل نبياً وهو صبي أبن تسع سنوات، قال تعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾(١٣٣).
فالنبوة مقام رفيع ووسام عظيم لا يتقلده إلا المؤهل لهذه المنزلة ويختاره الله لذلك، وهكذا بالنسبة للإمامة، فهي مقام شامخ ومنزلة رفيعة يتم اختيارها من قبل الله سبحانه وتعالى.. فالإمامة امتداد للنبوة، فالإمام المهدي (عليه السلام) ليس نبياً، لكن فيه شبه من سنن الأنبياء، وهؤلاء المجتبون مرتبطون بمهمة ربانية، وسبحانه وتعالى هو الذي يزودهم بالعلم والحكمة، ولهذا فان كانت الشبهة والإشكال تطرح على الإمام المهدي (عليه السلام) في إمامته المبكرة، فإنها أيضا تطرح على الأنبياء قبله، والجواب هنا هو الجواب هناك.
٢ - الناحية التاريخية:
 إن الإمامة المبكرة قضية ثابتة في التاريخ الإسلامي ولم تكن وهماً من الأوهام، لأن الفرد الذي يبرز على المسرح الاجتماعي والديني وهو صغير، ويعلن عن نفسه إماماً روحياً وفكرياً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة تيار واسع من المجتمع وقاعدة شعبية عريضة من الشيعة، لابد أن يكون على قدر كبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق، والتمكن من الفقه والتفسير والعقائد، لأنه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع القواعد الشعبية بإمامته.. بالإضافة لذلك، لماذا سكتت السلطة العباسية وهي قوة معادية، وتعتبر الإمام مصدر خطر كبير يهدد كيانها، ولم تعمل على كشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وتفضح هذه الإمامة الصغيرة في السن، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحية والفكرية للأمة.
إن ظاهرة الإمامة المبكرة كانت ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت (عليهم السلام)، وليست مجرد افتراض، ويكفي مثالاً لها في التاريخ الإسلامي الإمامان:
* الإمام محمد الجواد (عليه السلام)، الإمام التاسع للشيعة، تسلم الإمامة وعمره ٦ سنوات.
* الإمام علي الهادي (عليه السلام)، الإمام العاشر للشيعة، تسلم الإمامة وعمره ٨ سنوات.
أن التفسير الوحيد لسكوت السلطات العباسية المعاصرة عن عدم استخدام هذه الورقة، هي إدراكها أن الإمامة المبكرة حقيقية وليست مصطنعة، فقد حاول العباسيون في زمن (المأمون) إفشال إمامة الجواد (عليه السلام) وإحراجه باعتباره صبياً، فرتبت مناظرة(١٣٤) بينه وهو يومئذ ابن تسع سنوات، وبين قاضي القضاة يحيى بن أكثم وهو أكبر قامة علمية لدى السلطة، ولكنه غرق في شبر ماء من علم الإمام الجواد (عليه السلام)، وبالفعل قد أثبت الأئمة (عليهم السلام) جدارتهم أمام كل التحديات بعيداً عن أعمارهم، بل تحدّوا بعلمهم وفضلهم كل الشخصيات التي كانت ذات صدى علمي في العالم الإسلامي وغيره، ومن هنا نعرف عظمة أهل البيت (عليهم السلام).
نحن ماذا نطلب وننتظر من الإمام المعصوم غير العلم الوافر والخلق العظيم وهداية البشر، بالطبع لا ننتظر منه أن يكون رياضي مبدع أو ملاكم قوي أو مصارع ضخم حتى يكون للعمر والوزن دور ومقياس.. كذلك شاهدنا في بعض الاحيان وعلى طوال صفحات التاريخ، بروز اطفال يمتازون بذكاء حاد يفوق الرجال، فعشرات من العباقرة نبغوا في طفولتهم، فعندما يحبو الله هؤلاء العباقرة الصغار بنعمة العقل والنبوغ ليصبحوا نوادر عصرهم وفرائد زمانهم، أفتراه يعجز عن اختيار إنسان لجعله خليفته وحجّته وإماماً للزمان، ومثالاً وقدوةً لأبناء البشر ومسؤولاً عن شريعته فيهم.
مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) ترى أن الإمامة منصب إلهي لا يتمتع به إلا من تكتمل لديه صفات أساسية تتلخص في العلم والعصمة ومجموعة من صفات الكمال، لابد للقائد الربّاني من الاتصاف بها، وهذه المواصفات إذا اجتمعت في إنسان جعلته جديراً بها مهما كان عمره، فلا مانع من اجتماعها في طفل لم يبلغ الحلم.. لقد ثبت أن النبوة والإمامة المبكرة حقيقة واقعية من الجهة الإسلامية والناحية التاريخية، فلم الاعتراض إذاً فيما يخص إمامة المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد نال هذا الوسام الربّاني وهو في الخامسة من عمره المبارك.
الثالث: التشكيك في طول عمره:
من الشبهات التي تثار وتطرح حول الأطروحة الإمامية بخصوص الإمام المهدي (عليه السلام) طول عمره في فترة غيبته: كيف يكون الإمام حيّاً يُرزق حالياً، وقد ولد في عام ٢٥٥ هـ، فهل يمكن في منطق العلم والعقل أن يعيش إنسان هذا العمر الطويل؟.. كيف عاش الإمام هذه المدة الطويلة التي تزيد على ألف ومائة وثمانين عاماً، ولا يخضع لأعراض الشيخوخة، وتتعطل قوانين الطبيعة التي تقضي بهرم الإنسان وفنائه؟.
إن امتداد عمر الإنسان مئات السنين وقرون عديدة وفوق الحد الطبيعي أضعافاً مضاعفةً، هو أمر ليس مشاهداً ومألوفاً ويبدو غريباً في حياة الناس، ولكنه أيضاً ليس ضمن دائرة المستحيل.. لابد لنا أن نناقش الموضوع بمنطق العقل والعلم وقبل ذلك الدين، ونرى ما هو الرأي الصائب والسديد في هذه المسألة:
أولاً: إن إطالة عمر الإنسان أمر ممكن عقلاً وليس مستحيلاً، فبقاء الإنسان قروناً متعددة أمر ممكن منطقياً (لا يتعارض مع العقل)، وممكن علمياً (من وجهة النظر العلمية، ومن الناحية النظرية)، ولكنه لا يزال غير ممكن عملياً، إلا أن اتجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الامكان.
ثانياً: الأعمار من حيث الطول والقصر مسألة بيد الخالق سبحانه وتعالى، وكذلك فإن عناية الله تعالى قد تتدخل لتجميد قوانين الطبيعة، فقد جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام)، وفلق البحر لموسى (عليه السلام)، وستر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن عيون قريش، وهكذا تكون قوانين الشيخوخة من هذا القبيل مع ولي الله المهدي (عليه السلام).. فما المانع أن يمنحه الله تعالى حياة طويلة ويبقيه شاباً مصوناً عن عوارض الشيب، خصوصاً أنه القائد المنتظر المُعد لليوم الموعود، والدور المطلوب منه استثنائي وفريد، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة ربانية عطلت قانوناً طبيعياً.
طول عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من الحقائق التي لا مجال لإنكارها أو التشكيك فيها، فهو أمر لا يثير إشكالاً إلا حين ينظر إليه بالقياسات الطبيعية العادية لا في إطار المشيئة والقدرة الإلهية التي لا تحكمها قوانين الطبيعة، ولإثبات هذه الحقيقة لنستقرئ بعض الادلة والشواهد والبراهين، ونقتطف شذرات من هنا وهناك، ونستضيء بهدي الإسلام ومصادره الرئيسية:
١ - القرآن الكريم: قد ثبت في كتاب الله أن تمتع بعض الأفراد بأعمار طويلة مثل:
شيخ الأنبياء نوح (عليه السلام): ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾(١٣٥).
نبي الله يونس (عليه السلام): ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(١٣٦).
نبي الله عيسى (عليه السلام): ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(١٣٧).
أهل الكهف: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾(١٣٨).
ابليس اللعين: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾(١٣٩).
أليس الله بقادر على حفظ وابقاء وليّه المهدي (عليه السلام)، الذي وعد أن يحقق على يديه: ظهور الإسلام على الدين كله، ويمكّن له في الأرض، ويجعله من الوارثين.
٢ - السنة الشريفة: مضافاً للأحاديث الخاصة بطول عمره المبارك، والمروية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فإنه:
لا شك في أبدية الدين الإسلامي إلى يوم القيامة، وباعتبار أن الأئمة الأحد عشر آباء الإمام المهدي قد مضوا واستشهدوا، فلابد من بقاء وإطالة عمره المبارك، مصداقاً لحديث الخلفاء الاثني عشر.
إن الإمام حياً يُرزق ولابد من بقائه لأن هذا الدين باق، ولأن هذا القرآن باق، وقد قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنهما يردان عليّ الحوض يوم القيامة (القرآن والعترة)، فما دام هذا في الوجود فذاك معه لا يفارقه، مصداقاً لحديث الثقلين.
إن عدم وجوده وعدم إطالة عمره الشريف، يلزم عدم وجود إمام رباني بين المسلمين، فتكون ميتتهم جاهلية، ولزم عدم الحجة من الله على الخلق، ولاشك في بطلان هذه الافتراضات، مصداقاً لحديث إمام الزمان.
فيثبت شرعاً كون الإمام المهدي (عليه السلام) باقياً وعمره طويلاً، حفظه الله ورعاه.
٣ - برهان من التاريخ: إن التاريخ البشري يزخر بنماذج من المعمرين(١٤٠) مثل:
النبي آدم عاش ٩٣٠ سنة.
النبي شيث بن آدم عاش ٩١٢ سنة.
النبي نوح عاش ٢٥٠٠ سنة.
ذو القرنين عاش ٣٠٠٠ سنة.
لقمان بن عاد ذو النسور عاش ٣٥٠٠ سنة.
الخضر اطول بني آدم عمراً.
مما يثبت كون طول عمر الإمام المهدي ليس ممكناً فقط بل طبيعياً أيضاً، قياساً مع مسيرة المعمرين في تاريخ البشرية، مما يسقط دعوى المنكرين كون عمر القائد المنتظر شيء غير مألوف أو لا مثيل له.
٤ - شواهد من الوجدان: لقد التقى ورأى وشاهد كثير من المؤمنين الإمام المهدي (عليه السلام) مراراً وتكراراً سواءً في حياة أبيه (عليه السلام) أو في زمن الغيبة الصغرى أو في زمن الغيبة الكبرى، فالذين تشرفوا وفازوا بلقائه (عليه السلام) كثيرون جداً(١٤١) ولا يمكن إحصاؤهم، وقد كتب علماؤنا مصنفات عديدة في هذا الموضوع، فرؤيته (عليه السلام) حقيقة ثابتة على طول صفحات التاريخ وتشكل مقداراً من التواتر.. فيتحصل أن طول عمر الإمام المنتظر حقيقة لا جدال فيها، فالعيان يغني عن البرهان، ووجوده يُحس بالوجدان.
وبناءً على هذا تندفع شبهة استحالة أو استبعاد طول عمره (عليه السلام) على ضوء القرآن الكريم والأحاديث النبوية ثم تواتر الرؤية وشواهد التاريخ، وقبل ذلك لا ننسى أنها قدرة الخالق (عزَّ وجلَّ) كمعجزة وكرامة للإمام المهدي (عليه السلام).. وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بإعادة برمجة الحياة البشرية وتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكل منهما عمر مديد، أحدهما مارس دوره في ماضي البشرية وهو النبي نوح، والآخر يمارس دوراً في مستقبل البشرية وهو المهدي.. فلماذا نقبل نوحاً الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهدي؟!!.
الرابع: ما فائدته في غيبته:
يتفق علماء الإمامية على غيبة الإمام المهدي (غيبة عنوان) ويعتقدون بأنه لا زال حياً حتى يأذن الله له بالظهور.. وهنا تثار كثير من الأسئلة والإشكالات حول هذا الموضوع مثل: اليوم وهو غائب ماذا ينفعكم؟ إذا كان وجود الإمام ضرورة عقلية دينية، فكيف تفسرون غيبته عن الناس؟ وهل ينتفع منه في غيبته؟.. وغيرها من الأسئلة؟!!.
في البدء لابد أن نوضح بأن الغيبة ظاهرة عامة وليست خاصة بالمهدي، فالقرآن الكريم يثبت أن الغيبة متكررة في التاريخ، فحدث أن غاب بعض الأنبياء عن قومهم فترات من الزمن وإن اختلفت مدتها، فمثلا: غيبة نبي الله موسى (عليه السلام) كانت قصيرة، ولكن غيبة نبي الله عيسى (عليه السلام) عن قومه طويلة جداً، بل غاب عن البشرية كلها، وقد مّر على غيبته حتى الآن الفي عام، وهناك غيبتان لنبي الله ابراهيم (عليه السلام) وهي شبيهه بغيبة المهدي، ويخبر القرآن كذلك عن غيبة أهل الكهف (٣٠٩ سنة)، وغير ذلك من الأنبياء كيونس (عليه السلام) ويوسف (عليه السلام) و... فغيبة المهدي لها نظائر في الأمم السابقة، فالغيبة إذن ظاهرة عامة، والسؤال عن علة الغيبة وسببها وفائدتها، يكون سؤالاً عاماً أيضاً، لماذا غاب عيسى؟ ما فائدة نبي يعيش بعيداً عن قومه؟ ولماذا غاب أهل الكهف؟ ولماذا غاب الإمام المهدي أيضاً؟.
كما وضحنا سابقاً، أن غيبة المهدي (عليه السلام) هي غيبة عنوان، فإن الإمام حاضرٌ معنا، غاية الأمر أننا لا نعرفه فقط، فهو ليس بعيد عن الأمة وشؤونها، بل هو يعيش مع الناس، يشاركهم في حياتهم ويسمعهم ويراهم ويرونه، ويتحسس مشاكلهم والآمهم، إلا ان الناس لا تعرفه بعنوانه الحقيقي (المهدي)، وخير مثال على ذلك نبي الله يوسف (عليه السلام) فقد تعامل مع أخوته في مصر ومع ذلك لم يعرفونه، فانقطاع صلتنا بالإمام بحكم الغيبة لا يعني انقطاع صلته بنا.. فالقرآن يعرّفنا أن الولي ربما يكون غائباً، ولكنه مع ذلك لا يعيش في غفلة عن أمته، بل يتصرف في مصالحها ويرعى شؤونها، من دون أن يعرفه الناس، كما هو ثابت عن الخضر ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾(١٤٢).
إن الإمامية تؤمن وتعتقد بأن الإمام المهدي (عليه السلام) موجود وغائب بناء على الأدلة العقلية، مثل أي أصل اعتقادي عند الشيعة، فالأساس فيه هو العقل الحاكم بضرورة وجود الإمام المعصوم في كل عصر من قبل الله تعالى على لسان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بالإضافة للأدلة النقلية من القرآن الكريم والسنة الشريفة التي تؤكد على استمرار الإمامة والخلافة وعدم انقطاعها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(١٤٣)، وتمسكاً بأحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) التي صدرت منهم قبل وقوع الغيبة، بل قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بأكثر من مائتين سنة.
من الحقائق التي يجب أن لا نغفل عنها، أن إيماننا بالمهدي لا يرتبط بأنفسنا وبمزاجنا، بحيث لو أحببنا: نؤمن به ونصدق القضية، أو عندما لا نحب: نرفض القضية، ليس هكذا القضية المهدوية، بل الثابت أن إيماننا بالمهدي بناءً على الأدلة والبراهين الحقة، وحسب العقل والعلم، وهذا خضوع وتسليم لإرادة الله سبحانه وتعالى، فالأمر كما شاء الله لا كما يشاء خلقه.
إن الله قدّر للمهدي أن يكون أحد الأئمة الاثني عشر، وقدّر بحكمته أن يكون آخرهم، وأن يكون منقذ البشرية، وهو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهو الذي يظهر الإسلام على الدين كله - وكوعد قاطع(١٤٤) - ونحن كمسّلِمُون لإرادة الله لا يسعنا إلا أن نؤمن بأن عدد الأئمة قد اكتمل، وأنهم لا يفترقون عن القرآن، وهكذا لا يمكننا إلاّ أن نقر بوجود الثاني عشر وغيبته وظهوره بعد غيبته، وأن هذا الظهور قطعاً يكون بعد الغيبة لأنه لم يكن له ظهور قبل ذلك، وذلك استمراراً للإمامة الإلهية، ومنجزاً ما وعد الله به خلقه ونبيه.. إن غيبة المهدي وظهوره قدّره الله سبحانه وتعالى، وأنه اللطيف الخبير يفعل ما يشاء ولكنه لا يفعل إلاّ لحكمة، ونحن لا نتدخل في حكمة الله، فمن المؤكد أن الإنسان أقصر ذهنياً من أن يحيط بحكم الخالق العظيم في تصرفاته وشؤونه.. إذاً لابدّ لنا أن نلتزم بفائدة غيبته، وإن كنا لا نعرف وجه الحكمة منها، وكما قال الإمام الصادق (عليه السلام):" إن وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلا بعد ظهوره، ثم قال: إن هذا الأمر أمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا إنه (عزَّ وجلَّ) حكيم صدقنا بأن أفعاله كلها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف"(١٤٥).
الفائدة من الإمام في زمن الغيبة الكبرى:
من الضروري أن نشير، أن الفائدة من الإمام لا تتوقف أو تنحصر في حال ظهوره فقط، بل هناك فوائد جمة حتى في حال غيابه واحتجابه عن الناس، فالروايات الشريفة تشبه الفائدة من الإمام في غيبته بالشمس إذا سترها السحاب، فالشمس تصل فوائدها من دفئ ونور وغير ذلك وإن جللها السحاب، كذلك الإمام وإن كان غائباً فإن له فوائد، فعدم علمنا بوجود الفوائد لا يدل على عدمها.. لنستقرئ الأدلة النقلية والعقلية ونستشف بعض من فوائد غيبته:
١- وجوده أمان لأهل الأرض: لولا وجوده (عليه السلام) لساخت الأرض بأهلها، وبسببه يدفع البلاء عن المسلمين، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض"(١٤٦)، قال تعالى:﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ﴾(١٤٧).. إن مجرد وجوده (عجّل الله فرجه) هو سبب لبقاء البشر على الأرض، فهو قلب العالم الإنساني، ومن هذه الأدلة نلمس لوجود الإمام أثراً تكوينياً، ولولاه (عليه السلام) لانعدمت الحياة، ولا فرق هنا بين ظهوره وغيابه، فهو كالشمس ودورها في استمرار الحياة على الأرض.
٢- واسطة الفيض الإلهي: إن فيوضات الله تعالى لا تنزل على الأرض وأهلها إلاّ بواسطة، وليس هناك شخص في هذا الزمان أهلٌ لها غيره (عليه السلام)، فإن الإمام مركز للأمور الكونية وتنجيز المقدّرات التكوينية التي تقدّر للخلق في ليلة القدر، ففيها تتنزل الملائكة والروح على الإمام، ولولاه لما تم هذا التنزيل، قال تعالى:﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾(١٤٨)، فالإمام (عليه السلام) مهبط الملائكة، وواسطة وصول النعم الإلهية إلى عباد الله، هذا شأن من شؤون الإمام - حتى مع غيبته واحتجابه عن الناس - لابد من وجوده لتنجيز المقدرات الإلهية بواسطته، ووصول الفيض إلى خلقه.
٣- له مقام الشاهدية على الخلق: الإمام (عليه السلام) يُعدُ شاهداً على أعمال العباد كما قال تعالى:﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(١٤٩)، فالجزاء والحساب يوم القيامة يكون على الأعمال المشهودة، وهذا الشاهد في زماننا الحالي هو إمام الزمان وهو الحجة على الخلق، فالإمامة استمرار للنبوة، ووجوده (عليه السلام) في عصرنا الحاضر كوجود رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في زمانه، فلابد من وجوده لأجل شاهديته، غائباً كان أو حاضراً.
٤- فوائد عديدة على وجوده الشريف: فالاستفادة من الإمام (عليه السلام) غير متوقفة على ظهوره، فوجوده يبعث على طمأنة النفوس واستقرارها وتقوية عزيمة المؤمنين، فهو أمان الله في البلاد والملجأ والمفزع للعباد يلجؤ إليه في الشدة والرخاء، فالأمل بظهور الإمام يخلق التفاؤل والإيجابية ويبعث على العمل.. علاقة الإمام (عليه السلام) مع الأمة ومع قاعدته الشعبية كبيرة وعظيمة، فمن مهامه (عليه السلام) أن يصون الشريعة ويحافظ على الإسلام، ويسدد ويصوّب حركة الشيعة ويرعى أمورهم ويشفق عليهم، والوجدان خير دليل ويغني عن البيان.
٥- واجبات الإمامة لا تتعارض مع الغيبة: مجرد وجوده يدخل ضمن دائرة واجبات الإمامة، حيث أن معرفة الإمام - بغض النظر عن حضوره أو غيبته - تنقذ المكلفين من موتة الجاهلية، وعدم معرفته تدخل الأفراد ضمن دائرة الجاهلية، فإذن وجوده ومعرفته يدخل ضمن تكاليف العباد، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية".
وعلى أي حال، فغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) حكمة بالغة وحقيقة حكيمة، حتى إذا لم نعرف حكمتها، وقد قال (عجّل الله فرجه) عن الفائدة من غيبته: "وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبتها عن الأبصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض، كما أن النجوم أمان لأهل السماء"(١٥٠)، فمنكر وجوده في غيبته كمنكر وجود الشمس خلف السحاب.
اسباب غيابه:
يطرح في هذا المقام تساؤلات: لماذا غاب الإمام؟ ماهي الأسباب التي أدت الى غيابه؟ وما هي العلة الرئيسية للغيبة؟.. من المؤكد تاريخياً أن الأئمة (عليهم السلام) اضطهدوا جميعاً وشردوا، وكان يمارس بحقهم القسوة والظلم، فقد سجن بعضاً منهم وحوصر الآخر، وقد استشهدوا جميعا إما بالسيف أو بالسم.. ومع كل ذلك كان اتصالهم بشيعتهم مستمراً، وأياديهم على الأمة ظاهرة، وكلما رحل واحد منهم خلف مكانه آخر، وفي مرض الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) اهتمت السلطة العباسية بالبحث عن ولده، الذي وعد الله في كتابه وعلى لسان رسوله بأنه سينشر العدل ويقضي على الظلم والجور، وعلى يديه تزول دول الضلال، وهكذا كانت القوات العباسية تفتش عن طفل للإمام العسكري (عليه السلام) لتقتله، أو تبحث عن جنيناً له لتقضي عليه، ففي هذه الظروف والأجواء، كيف يتسنى للإمام المهدي الظهور، وقد وصل الأمر إلى أشد حالاته وأصعب مراحله؟ كفرعون موسى ونمرود إبراهيم.
انحراف الأمة عن نهج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إن العلة الأساسية للغيبة هي عدم التزام الأمة بشرع الله وتضييعها لحقوق أهل البيت (عليهم السلام)، فحصلت الغيبة حفظاً لآخر الخلفاء الربانيين (الإمام الثاني عشر)، فالإمام المهدي اذا قتل فليس له من يخلفه.. علماً بأن علة الخوف من القتل ستنتفي عندما تتوفر الشروط الموضوعية التي ستوجد في عصر الظهور وهي غير متوفرة الآن، حيث أن الأمة لا تزال مصرة على موانع الظهور.
لا بيعة لظالم في عنقه: فالإمام المهدي بواسطة غيبته، يكون مستغنياً عن التقية مع حكام عصره، فلا تكون في عنقه بيعة لأحد منهم، لأن زمان ظهوره هو زمان ظهور الحق المطلق بأجلى صوره، فلا يحتج أحد عليه عند خروجه بأنه نقض البيعة، وكذلك عدم وجود حقٍ لأحدٍ من الظالمين عليه أيضاً، حتى يلزم مراعاته أخلاقياً.. فالغيبة تعني الاستقلال وعدم التقيد بالتقية أو البيعة.
امتحان العباد واختبارهم وتمحيصهم: فمسألة غيبة الإمام والاعتقاد بها من موارد الامتحان، حيث تحتاج إلى نفس مؤمنة مطمئنة والى عقل كامل يؤمن الدليل، عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قال:" لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنما هي محنة من الله امتحن الله بها خلقه"(١٥١)، ومما امتحن الله تعالى به الأمم السابقة غيبة أنبيائهم وأوصياء انبيائهم لاختبار حالهم، وجرت هذه السنّة الإلهية والحقيقة الامتحانية في الأمة المحمدية بغيبة آخر الأوصياء.
إن الغيبة في الواقع تعد حرماناً كبيراً للناس من الفوائد المترتبة لوجود الإمام، فإذا صد الناس الإمام عن أداء واجبه واضطروه الى الغيبة، وحالوا بينه وبين أداء رسالته، فعليهم يقع اللوم وعلى عاتقهم تقع المسؤولية.. إن الغيبة في الحقيقة هي إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) من قبل الظالمين عن القيام بدورهم ومسؤوليتهم الربانية، لا ابتعاد أهل البيت (عليهم السلام) عن مراتبهم التي رتبهم الله فيها.
من هنا نؤكد إن الإشكالات أو الشبهات التي تثار حول جدوى إمام غائب، إنما تصدر عن الذين لم يدركوا المعنى الحقيقي للإمامة، ولا يرون فيه سوى مفتياً أو منفذاً لحدود الله.. طوبى للمؤمنين المتمسكين بحبل أهل البيت (عليهم السلام) في غيبة قائمهم، وطوبى للثابتين على ولايتهم.
الخامس: فرية السرداب:
من الإشكالات والتهم التي وجهت للأطروحة الإمامية: هل يمكن أن يعيش شخص في سرداب مئات السنين حتى موعد ظهوره في آخر الزمان؟.. أليس العقل يمتنع عن تصديق بقائه في مثل هذه الظروف (السرداب) من دون أن يقوم أحد بطعامه وشرابه وقضاء حوائجه؟.
الأسطورة: إن حكاية غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) في سرداب وأنّه حي يرزق، ومازال إلى الآن مختفياً فيه دون طعام أو شراب، وسوف يظهر منه يوما ما، وأن الشيعة تزور هذا السرداب بقصد الإلحاح على المهدي للخروج.. إن هذا القول في غاية السخف والافتراء، وهذا الاتهام التافه لا أصل له، قد ردده المخالفون واختلقوا قصته ولا زالوا يكررون هذه الكذبة حتى اليوم.. انتقاصاً لمسألة الغيبة، حتى يعدها الآخرون عملية مستهجنة تدل على سخف فكرة الغيبة، وقد الصقت هذه التهمة بالشيعة، ظناً منهم بأن الإمامية سوف تبحث عن إمامها في السرداب، وتتوقع ظهوره فيه.
حقيقة السرداب(١٥٢): في العهود القديمة كانت أكثر المنازل في المناطق الحارة مزودة بسرداب لاتقاء حرارة الصيف، وكانت دار الإمام العسكري (عليه السلام) في مدينة سامراء بالعراق بها سرداب ايضاً.. المعروف حالياً باسم (سرداب الغيبة(١٥٣)) وهو مكان ومعلم بارز في العتبة المقدسة بسامراء، ويقع في الجهة الغربية من قبري الإمامين علي الهادي (عليه السلام) والحسن العسكري (عليه السلام)، والشيعة تحترم هذا المكان لشرافته وقدسيته، ولأنه كان جزءاً من بيت الأئمة الهادي والعسكري والمهدي (عليهم السلام)، وكان موضعاً لمبيتهم وعبادتهم في بعض الأحيان، وهو مصلى للإمام الصبيّ وأبيه وجده حيث اعتادوا أن يعتزلوا فيه للتأمل والعبادة، ولتحاشي المزعجين لا سيما مضايقات عَسس الخليفة العباسي، وهو من الأماكن المباركة التي أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه، وحيث أن الإمام المهدي (عليه السلام) ليس له مكان محدد يقصد فيه، كان من المفضل زيارته في بيته الذي ولد فيه.. وقد قال الشاعر العلامة السيد محسن الأمين في قصيدة رائعة بعنوان (أتى سائلاً)(١٥٤):

وما شُرّف السرداب إلاّ لأنه * * * بدار تناهى عندها العز والفخر
تشرف مغناها بسكنى ثلاثة * * * من الآل يُستسقى بذكرهم القطر
وقد أذن الباري تعالى برفعها * * * وذكر اسمه فيها فطاب لها الذكر

نشأة الأكذوبة: قد نشأت شبهة وأكذوبة السرداب، من زيارة الشيعة لذلك المكان وصلاتهم فيه، وقراءة زيارة الإمام المهدي، فتوهم المخالفون أن الشيعة يقولون بوجوده فيه، وأصبح الموضوع من الشائعات التاريخية المغرضة بلا سند أو تحقيق.. فمن الثابت والمؤكد علمياً وتاريخياً أنه لا يوجد أحد من الشيعة يعتقد بأن الإمام المهدي (عليه السلام) غاب في السرداب، أو أنه ساكن ومقيم فيه، ولم يقله علماؤهم ولا عوامهم ولا يوجد مصدر لهذا القول في كتب ومؤلفات الشيعة.. بل الشيعة تعتقد بوجود المهدي حياً يرزق في هذه الدنيا يعيش مع الناس يراهم ويرونه، يحضر الحج ويكلم الناس وينصب السفراء ويقبض الأموال ويكتب التوقيعات، ويواكب الأحداث عن كثب، وفرصته كبيرة بأن يعيش كأي فرد من الناس، ولكن من دون معرفتهم بحقيقة أمره.. وقد قال الشاعر العلامة السيد محسن الأمين(١٥٥):

وما غاب في السرداب قط وإنما * * * توارى عن الأبصار إذ ناله الضر
ولا اتخذ السرداب برجاً ومن يكن * * * لنا ناسباً هذا فقولته هذر
بلى أمست الدنيا به مستنيرة * * * ومنه على أقطارها يعبق النشر

تهم وافتراءات: ما نسج حول السرداب من أساطير، ونظم من شعر ساخر بناءً عليه، لا يجد أساساً حتى لو كان واهياً، بل هو محض افتراء، وقد بقيت هذه الأكذوبة تتداول بين أقلام الجهال وتتطور في عالم الوهم والخيال، وقد علق العلامة السيد محمد كاظم القزويني: «ويأتي آخر ويضيف إلى هذه الأكذوبة - من نسج خياله - تهمة أخرى وافتراءً آخر، فيقول: إن الشيعة يأتون - في كل جمعة – بالسلاح والخيول إلى باب السرداب، ويصرخون وينادون: يا مولانا أخرج إلينا!.. ويا ليت هؤلاء المنحرفين اتفقوا – في هذه الأكذوبة – على قول واحد، حتى لا تنكشف سوءتهم، ولا تتساقط أقنعتهم المزيفة، ولكن أبى الله إلا أن يظهر الحق ويدمغ الباطل ويفضحه، فتراهم يتفرقون على أقوال متناقضة، فيقول أحدهم: إن هذا السرداب في الحلَّة، ويقول آخر: إنه في بغداد، ويقول ثالث: إنه في سامراء، ويأتي القصيمي من بعدهم فلا يدري أين هو، فيطلق لفظ السرداب، ليستر سوءته"(١٥٦).
الحقيقة: إن غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في السرداب أسطورة لم يقل بها أحد من الشيعة منذ فجر تاريخهم حتى اليوم، وإنما افتعلها خصومهم والحاقدون عليهم.. وقد قال الشاعر العلامة السيد محسن الأمين(١٥٧):

لنا نسبوا شيئا ولسنا نقوله * * * وعابوا بما لم يجر منّا له ذكر
بأن غاب في السرداب صاحب عصرنا * * * وأمسى مقيماً فيه ما بقي الدهر
ويخرج منه حين يأذن ربه * * * بذلك لا يعروه خوف ولا ذعر
أبينوا لنا من قال منا بهذه * * * وهل ضمّ هذا القول من كتبنا سفر
وإلاّ فأنتم ظالمون لنا بما * * * نسبتم وإن تأبوا فموعدنا الحشر

اعتقادنا بأن الإمام ليس غائباً في السرداب فهو محل لسكن والده وجده ومنزله الذي عاش فيه مع والده، فهو موضع مفضل لزيارته فيه.. أما الحقيقة فإن الإمام حاضر في قلب الأحداث، وله طريقته وأسلوبه في معالجة القضايا التي تواجه الأمة، وهذا ما يفسر لنا الحديث الوارد عنه (عجّل الله فرجه) بأن فائدته حال غيبته كالشمس إذا غيَّبها السحاب.
حقيقة الشبهات: هذه هي الإشكالات، رأينا أن منطقها هزيل بحسب موازين العلم وأصول المنطق والمنهج السليم، وهكذا انكشف واقعها وأصبح ساقها هشيماً وعودها حطاماً وبناؤها ركاماً.. حتى صار التشكيك في القضية المهدوية شكاً في البديهيات التي لا يقرها العقل ولا العلم.
خلاصة القول:
الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) حسب الأطروحة الشيعية الإمامية هو: (م ح م د) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ولد بسامراء (العراق) ليلة النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هـ، وهو الإمام الثاني عشر عند الإمامية، وهو آخر حجج الله على الأرض وخاتم خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآخر ائمة المسلمين الاثني عشر.. بعد استشهاد والده عام ٢٦٠ هـ أنيطت به مهمة الإمامة وله من العمر خمس سنين، وجعله الله إماماً وهو طفل كما جعل المسيح نبياً وهو رضيع، وبأمر من الله تعالى اختار الغيبة.. وتدرج في الاحتجاب عن الناس حيث كانت له غيبتان: الأولى (الصغرى) ومدتها ٦٩ سنة، بدأت عام ٢٦٠ هـ وامتدت حتى عام ٣٢٩ هـ، وكان اتصال الشيعة به عن طريق سفرائه، وهم أربعة وكلاء نص عليهم بأشخاصهم.. والثانية (الكبرى) بدأت عام ٣٢٩ هـ بعد وفاة آخر نائب خاص له (علي السمري)، وبذلك انتهت فترة السفارة وبدأت مرحلة الغياب والاحتجاب التام عن الناس إلى أن يأذن الله له بالخروج، وليس له في هذه الفترة نواب محددين، ولكن نيابة عامة للفقهاء العدول.. لا زال يعيش في دار الدنيا وأن مثل عمره وحياته كمثل عمر وحياة الخضر وعيسى (عليهما السلام) بإعجاز إلهي.. تتفق الإمامية مع بقية المسلمين على ظهوره آخر الزمان لإزالة الظلم والجور ونشر التوحيد والعدل، ولكن لا يعلم أحد من الناس وقت خروجه بالتحديد، وهناك علامات محتومة تسبق ظهوره مثل: خروج اليماني في اليمن، خروج السفياني بالشام، الصيحة السماوية في رمضان، قتل النفس الزكية في الحرم المكي، وخسف البيداء بين مكة والمدينة، وتعتقد الإمامية اعتقاداً صريحاً بخروجه بين الركن والمقام في مكة، ثم يبايعه الناس.
الشيعة الاثنا عشرية لم تقم عقيدتها بوجود المهدي المنتظر وبضرورة بقائه على الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة فقط، وإنما يقوم اعتقادهم هذا على أصول عقدية(١٥٨) (أصل: الإمامة) وبناءً على أدلة عقلية ونقلية.. فمن منطلق ضرورة الإمامة، وضرورة وجود إمام في كل عصر وزمان، فإن الشيعة ترى من هذا الباب والمدخل يجب أن يكون الحديث والبحث والنقاش حول الإمام المهدي (عليه السلام)، فهذا أساس ومبدأ وجوهر العقيدة المهدوية عندهم، فالعقيدة المهدوية وحدة متكاملة، فكما أن الاسلام وحدة متكاملة والتوحيد وحدة متكاملة، كذلك القضية المهدوية، فهي قضية دينية منطقية يساندها العقل والأدلة المعتبرة، وهي ليست مسألة تخص الشيعة دون غيرهم، بل هي أكبر وأوسع من ذلك، فهي كمال وخاتم الإمامة، وهي المرحلة السعيدة لنهاية تاريخ الإنسانية في الدنيا.. وبكل تأكيد لا يمكن فهم وإدراك حقيقة غيبة الإمام الثاني عشر قبل إدراك حقيقة الإمامة الربانية، حيث هناك تلازم بين حقيقة الإمامة وحقيقة الغيبة، وهذا هو المنهج القرآني والمنهج النبوي الذي يبين حقيقة المهدوية بصورة صحيحة ودقيقة، أما النظرة التجزيئية الفردية الضيقة لحقيقة من حقائق المهدوية: كالغيبة مثلاً أو الإمامة المبكرة أو طول العمر، ودون النظر إلى بقية الحقائق أو دون أخذ نظرة وصورة شاملة عن القضية كلها أو دون النظر إليها كوحدة متكاملة، فسوف لن يتم التوصل إلى معرفة حقيقتها وجوهرها حسب الأطروحة الإمامية، وإن كانت حقائق أساسية مستمدة ومنبثقة من القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.
كل الشرائع السماوية والمذاهب الوضعية وغيرها تنتظر المخلص، فقد اتفق الجميع على فكرة المنقذ الذي يخلص العالم من الظلم والجور، واختلفوا في اسمه وشخصه ونسبه، ومع هذا فإن الإسلام الحنيف والمذهب الشيعي بالخصوص ذكر القضية المهدوية ووضحها بشكل لم تبيّن في دين ومذهب آخر، باعتبار أن القضية المهدوية تمثل لدى الشيعة الإمامية الاثني عشرية شيئاً هاماً ومهماً من حيث الموقع العقائدي، فهي تتصل بأصل من أصول الدين لديهم (الإمامة)، ومع الأطروحة المهدوية تبلورت فكرة المخلص بشكلها النهائي، وبلغت معه أرقى صور نضجها، فالمسلمون متفقون على خروج رجل من نسل فاطمة (عليها السلام) في آخر الزمان يسمى (المهدي)، ولكن في البعد الأساسي المتعلق بتحديد ومعرفة شخصية المنقذ، ينقصهم الكثير من المعرفة، بعكس مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) فإنهم يعرفون شخصية المهدي بالاسم والنسب والهوية والعلامة والخصائص وتاريخ الولادة، وعلى أساس ذلك التحديد انفرد الشيعة ببعض الأمور داخل القضية المهدوية أو بالأصح اختصت الإمامية في أطروحتها ببعض التفاصيل، ومن أهمها واكثرها جدلاً ولادته (عليه السلام) وغيبته.. فخصوصية المدرسة الإمامية في القضية المهدوية أنها بدلت حالة الأمنية والأمر النظري إلى حالة واقعية موجودة، فوضحت للمؤمنين وللعالم أنها تنتظر مهدياً واحداً محدداً، وهو من نسل فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومن أحفاد الإمام الحسين (عليه السلام) وابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وقد ولد في عصره، وهو الآن في فترة الغيبة الكبرى، وسوف يظهر في آخر الزمان عندما يأذن الله تعالى لينشر التوحيد والعدل على كافة المعمورة، فالوعي الشيعي مشدوداً نحو قادم محدد مشخص وبعلم ومعرفة.. هذا التحديد الدقيق في شخصية وهوية المهدي المنتظر هو تثبيت للعقيدة المهدوية وتجسيد للأمنية الكبرى لجميع أمم العالم، إذن مهدي الشيعة عقيدة واقعية جسدها التاريخ، بوصفه شخصية تاريخية بسنة ميلاد معينة، وبسنة اختفاء تاريخية معينة، وكان بعد اختفائه على صلة بشيعته خلال الغيبة الصغرى عن طريق سفرائه، فهو إذن شخصية محددة عاشت حياتها في الماضي، فارتبطت عودته بأتباعه الشيعة ارتباطاً وثيقاً، فالمهدي وإن ظل محتجباً عن الناس في هذا العالم إلا أنه يظل حاضراً في قلب شيعته، يقول السيد محمد باقر الصدر(١٥٩): (إن الإسلام حول فكرة المخلص من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن فكرة ننتظر ولادتها ونبوءة نتطلع إلى مصداقها، إلى واقعاً قائماً ننتظر فاعليته وإنساناً معيناً يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويترقب مع الآخرين اللحظة الموعودة)(١٦٠).
قبل أن نصل إلى نهاية بحثنا، علينا أن نضيف سطوراً نوضح فيها وبنظرة كلية عن مكانة المهدوية وأهميتها الاستراتيجية عند الإنسانية عموماً والشيعة خصوصاً.. فقراءة سريعة وشاملة للتاريخ البشري وحركة المسيرة الإنسانية في مبدأها ومنتهاها، نجد أصالة فكرة المخلص (المهدي) في روافد التراث الإنساني: الدين والفلسفة والتاريخ والاجتماع السياسي وفي النظريات الوضعية، وكلها تشير وتبشر بأن الاعتقاد بالمهدوية يتوافق بالإجمال مع تطلعات وأحلام الإنسانية، فهو منتظر البشرية على الإطلاق، يقول السيد محمد باقر الصدر: (المهدي عنوان لطموح اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها وصياغة لإلهام فطري، أدرك الناس من خلاله أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض، تجد فيه استقرارها وطمأنينتها)(١٦١).
فكرة المخلص والمنقذ كتطلع إنساني بشرت بها ملل العالم كافة ولكن بمنهج عام وافتقاد للتفاصيل، بعكس الأطروحة الإمامية فقد شخصت المهدوية ووضعت النقاط فوق الحروف وبأدق العلامات وأوضح التفاصيل وبشمولية المنهج وعالمية الرؤية، ولذا نجد لبعض الفلاسفة والمتكلمين غير المسلمين آراءً دقيقة ورائعة في وصف الأطروحة المهدوية الشيعية وتأثيرها الهام ودورها الريادي على مسيرة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يقول المستشرق الفرنسي هنري كوربان(١٦٢): (بأن المهدوية تشكل ركناً هاماً وأساسياً في المعتقد الشيعي جعله يفوق كافة المذاهب الإسلامية، وكانت سبباً في رقيه وازدهاره)(١٦٣)، وفي مكان آخر يقول كوربان: (يجمع التراث الشيعي فكره العميق عن المهدي بما هو خاتم الولاية المحمدية، ويختلف هذا الفكر في ماهيّته عن تصور المهدي المنتشر في الإسلام السنيّ، حيث لا يمكن بداهة أن يتصل عضوياً بفكرة الإمامة بالمعنى الشيعي للكلمة، ولا بالتالي بفكرة الباطن وتأويله، أو بما تعنيه من مستقبل، وكنا قد خرجنا بالفارق الواضح والأساسي، أن محمداً كان خاتم النبيّين، لكن في هذا الختم للبعثة النبوية، يدرك التراث الشيعي مؤشر افتتاح دائرة جديدة، دائرة الولاية، دائرة الهداية الروحية)(١٦٤).. ويقول الفيلسوف الامريكي فرانسيس فوكاياما(١٦٥): (إن الشيعة طائر يطير أعلى من مرمى سهامنا وله جناحان: جناح أحمر (الماضي) وجذوره في كربلاء، وجناح أخضر (المستقبل) وهو المهدوية وطلب العدالة على يديه، فهم منتظرون والمنتظر لا ييأس، وهذا ما يمنعهم من الفناء.. فالشيعة تطير عالياً بهذين الجناحين، بحيث يكون بعيداً عن مرمى سهامنا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.. فكيف يهزمون؟؟؟)(١٦٦).. وهكذا نجد أن للعقيدة والثقافة المهدوية تأثير هام وكبير على كثير من الأفكار والأنشطة الكلامية والسياسية عند الشيعة، فدورها فاعل وركن أساسي في ظهور الحركات التحررية الشيعية تاريخياً وحاضراً، وتنير الطريق أمام الأجيال في الحركة والنشاط والجهاد وتضئ في نفوسهم بارقة أمل في التضحية والصمود والتفاؤل بالمستقبل.
بعض الفلاسفة والمستشرقين والبعيدين عن الثقافة الدينية وعن تطلعات الإنسانية وفكرة المخلص، والذين يحملون في نفوسهم نظرة تشاؤمية ويقرؤون مستقبل البشرية بعيون سوداء يقولون ويؤكدون: (أن الدنيا سوف تدمر وتفنى، وأن البشرية في تمدنها وحضارتها قد وصلت إلى مرحلة بحيث لم يبق أمامها إلا خطوة واحدة لتسقط في القبر، الذي حفرته لنفسها بيدها)(١٦٧) فنظرية نهاية التاريخ هذه تعبر عن رؤية الغرب لذاته، ولكن غفل هؤلاء بأن هذه الزلات والسقطات في السير الأساسي والخط العريض في حياة وتاريخ البشرية، هي أمور جزئية، فالإنسانية منذ البدء كانت تتكامل وتتقدم نحو الأفضل، وما التقدم والتكامل في الشرائع السماوية إلا أصدق مثال على ذلك، ولذا فالإنسانية تتحرك بأمل وبفطرة وبإيمان نحو المستقبل.. وهذا ما تؤكده الأطروحة المهدوية الإمامية التي تثبت بأن الفساد الموجود شيء موقت، وأن هناك حياة سعيدة وعصر متألق ينتظر البشرية في المستقبل على يد المنقذ (الإمام المهدي) وهذا ما يؤكده القرآن الكريم ويبشر به ويعتبره كوعد إلهي(١٦٨) لابد من تحقيقه، فالاعتقاد بالمهدوية يعطي وضوحاً في الرؤية للتاريخ الإنساني، وفهماً للسنن الإلهية في التاريخ التي تحدث عنها القرآن الكريم.. فالمستقبل الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهية أن يسير نظام العالم تجاهه هو الطور المهدوي، حيث يلغي الإمام (عجّل الله فرجه) الصراع بين البشر ويزيل أسبابه المادية والمعنوية، فتتحقق مرحلة قيام دولة آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يقول المفكر مرتضى مطهري(١٦٩): (لا الشر والفساد والتعاسة صفات تلازم البشرية، ولا التطور المدني المادي بقادر على إبادة البشرية، بل إن البشرية تتجه نحو مستقبل مشرق سعيد، تنقلع فيه جذور الظلم والفساد.. وهذه النظرية يبشر بها الدين، ونهضة المهدي ترتبط بهذه البشرى)(١٧٠).. فالقضية المهدوية تمثل تفسيراً للتاريخ يتطابق مع النظرية القرآنية التي ترى وراثة الأرض لعباد الله الصالحين، ومن وجهة نظر أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم تمثل تجسيداً حياً للحقيقة التاريخية، ليس على مستوى المستقبل غير المنظور فحسب، بل على مستوى الحاضر المعاش وتحقيق حكومة العدل الإلهي المطلق في مستقبل البشرية.
إن العالم ينتظر بشوق وتلهف إلى اليوم الذي تشرق به الدنيا وتضئ فيه الآفاق بالمظهر الإلهي لولي الله الأعظم، وخاصة بعد أن اتضحت معالم مستقبل البشرية الزاهر والعصر المتألق الذي ينتظرها.. فكم هو عظيم هذا الحلم، وكم هو كبير هذا الهدف؟!.. فعندما نقول إن البشرية بانتظار المهدي وانتظار راية التوحيد والعدالة ترفرف في العالم، يجب أن نعرف أن القائد العظيم (عليه السلام) لن يحقق هذا الهدف بمفرده، بل يطلب وينتظر العون والمساعدة منا، فهو ينتظرنا أن نتكامل ونستعد ليوم ظهوره، فمن الحكمة أن نكون من الممهدين لإقامة الدولة العادلة، وعضداً له عند خروجه، ويجب أن يكون الانتظار الإيجابي هو عنوان المسؤولية العامة في هذا العصر، وأن يكون همنا التطلع إلى المستقبل بشكل مستمر ودائم، فالكل ينتظر أن يتحقق الفتح المهدوي العالمي بقيادة صاحب العصر والزمان (عجّل الله فرجه).
من مجمل ما تقدم نقول: هذه هي العقيدة المهدوية في فكر شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا هو فكرها الوضاء المنبثق من كتاب الله والسنة النبوية الشريفة والمستمد من العقل والعلم، وهذا هو المستقبل الزاهر الذي ينتظر البشرية بظهور قائم آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذه هي أُطروحة خاتمة المطاف لحركة الأنبياء والرسل جميعاً.

الباب الثاني: رؤى مهدوية استراتيجية
الفصل الأول: عند الظهور المقدس لماذا شعار يا لثارات الحسين (١٧١)

عندما يظهر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في اليوم الموعود، والذي يصادف يوم عاشوراء من ذلك العام.. يرفع أصحابه (عليه السلام) شعار "يا لثارات الحسين" ويهتفون بأعلى أصواتهم بهذا الشعار، كون هذا اليوم هو يوم مقتل جده الإمام الحسين (عليه السلام) وهذا ما دلت عليه روايات الظهور.
إن ثورة سيد الشهداء (عليه السلام) وثورة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) منسجمتان معاً في الهدف، وقد كانت نهضة الحسين (عليه السلام) في حقيقتها من بعض مقدمات ثورة المهدي (عليه السلام) وإنجازاً ليومه الموعود، بصفتها جزءً من التخطيط الإلهي لإعداد الأمة لليوم المنتظر.. كما إن ثورة الإمام المهدي (عليه السلام) دفاع عن قضية الإمام الحسين (عليه السلام) وأخذ بثأره كونها محققة للهدف الأساس المشترك بينهما بتطبيق القسط والعدل وإزالة الظلم والجور والانحراف والكفر.
من هنا كان انطلاق حركة الإمام المنتظر (عليه السلام) من زاوية " يا لثارات الحسين " انطلاقاً من نقطة قوة متسالم على صحتها ورجحانها، وإن أهم مناسبة يمكن الحديث فيها عن الإمام الحسين (عليه السلام) وأهدافه، هو يوم ذكرى مقتله في العاشر من محرم الحرام، ومن هنا كان هذا التوقيت للظهور حكيماً وصحيحاً، بالإضافة إلى أن وجود الإمام الحسين (عليه السلام) كان ومازال وسيبقى في ضمير الأمة خاصة والبشرية عامة حيّاً نابضاً وعلى مختلف المستويات، يُلهم الأجيال روح الثورة والتضحية والإخلاص.

إذاً.. شعار " يا لثارات الحسين " له من الدلالات الكبيرة والعظيمة الموضحة لأهداف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ورمز لمسيرته، ومن هنا لابد أن نعرف طبيعة الحركتين (الثورتين) وأهدافهما والرابط المشترك، علماً بأن المسيرتين من أجل الإسلام ورسالته السمحاء... ولكن قبل هذا وذاك لابد أن نعرف شيئاً يسيراً من مسيرة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فتح مكة وربطه بـ (الفتح الحسيني) و(الفتح المهدوي) باعتبار أن هناك في التاريخ الإسلامي ثلاثة فتوحات رئيسية أثرت وحافظت على رسالة الإسلام:
الأول: الفتح المحمدي (فتح مكة):
قال تعالى في كتابه الكريم:﴿إِذَا جَاء نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾(١٧٢) وقال تعالى ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾.. فما هي العقبة الرئيسية التي واجهت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تأخر فتح مكة مكان بعثته وانطلاق دعوته لسنوات عديدة، حتى أنّه سُمّي العام الذي فتحت به مكة بعام الفتح، ولتوضيح المشكلة الحقيقية التي واجهت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى تأخر الفتح.. لابد من الرجوع إلى عام الفيل (٥٧٠ م) – العام الذي ولد فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) – عندما أراد أبرهة ملك اليمن مهاجمة مكة المكرمة وهدم بيت الله الحرام (الكعبة) وعند اقتراب الجيش وفي مقدمته فيل نزح سكان مكة (قريش) من منازلهم إلى الجبال المجاورة وقال زعيمهم عبد المطلب مقولته المشهورة " للبيت ربّ يحميه " فأقام الله معجزته لحفظ الكعبة المشرفة، فأرسل طيراً أبابيل بحجارة من سجيل (اكبر من العدسة وأصغر من الحمصة) وهنا بدأت تتكون فكرة جديدة وتترسخ في عقول الناس (ملازمة فكرية) بين قدسية بيت الله الحرام وسيادة قريش على مكة ممّا شكّل قوة أدبية ونفوذاً لقريش عند العرب، لأنهم جيران بيت الله الحرام وحماته وسدنته، ولأنهم يكرمون زوار هذا البيت.. ولذا اعتبر هذا النفوذ الأدبي لقريش أصعب ما واجهه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بداية دعوته بمكة، ومع بقاء النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مكة من بداية دعوته ولمدة ثلاثة عشر عاماً إلا أن الداخلين في الإسلام قليلون، ولم يكن ذلك بتقصير من أساليب الدعوة أو ضعفها، وإنّما بسبب الفكرة المرسخة في عقول الناس بين قدسية البيت الحرام وسيادة قريش، وهنا تنبع الحكمة النبوية بالهجرة إلى يثرب، وبمعرفة القائد العظيم لهذه الحقيقة لم يضع في صلح الحديبية مع قريش إلا مطلب واحد وهو أن تُخلي قريش بينه وبين العرب، وان تتوقف عن استغلال نفوذها الأدبي عند العرب لصدّهم عنه، وأن تتوقف عن دعاياتها الكاذبة ضده وضد دينه.. وبانتصار الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على قريش وفتح مكة في العام الثامن للهجرة سقطت أعتى الموانع وأقوى العقبات في طريق تقدم الدعوة الرسالية وانتشار الإسلام.. وذلك اثر تفكك الملازمة الفكرية وسقوطها من أذهان الناس، ولذا بدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً من غير مشقة أو عناء، ولذا أُطلق على العام الذي فتحت به مكة بعام الفتح أو عام الوفود لكثرة توافد قبائل العرب على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتعلن قبولها بولايته واعتناقها للإسلام، وأصبح النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زعيماً لجزيرة العرب بلا منازع.
الثاني: الفتح الحسيني (عاشوراء):
كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو القائد العام والرئيس الأعلى في الحكومة الإسلامية، وقد منحه الله في ذلك صلاحيات واسعة حتى يمكنه النهوض بهذه المسؤولية الكبرى.. قال الله تعالى:﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾(١٧٣) وقال تعالى:﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾(١٧٤) ومن هنا فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يمثل السلطتين التشريعية والتنفيذية، فارتباطه بالسماء من خلال الوحي الذي يمثل المصدر التشريعي الوحيد يجعله مسؤولاً عن إبلاغ الرسالة الإلهية، كما أن تصديه لقيادة الأمة الإسلامية يجعله المسؤول الأول عن تنفيذ الشريعة السمحاء.. قال تعالى:﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ﴾(١٧٥) ولذا لم تكن مهمة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إبلاغ الرسالة فقط، بل تتعدى إلى قيادة المسلمين وتنفيذ شرع الله في الأرض، وكان المسلمون ملزمين بطاعة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي تعد طاعة لله سبحانه، قال تعالى:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾(١٧٦) ومن هنا فطاعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجبة، فبالإضافة إلى اتباعه في التشريع، هناك طاعة أخرى متوجبة له كقائد وحاكم وهي واجبة لأن الله أمر بذلك، ولذا تعتبر الحكومة الإسلامية من صميم الدين.. وبوفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بدأت تتكون في عقول الناس وأذهانهم (ملازمة فكرية جديدة) وهي: قدسية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعاليم الدين الإسلامي من جهة، وقدسية خليفة الرسول أو من يجلس على كرسي الحكم من جهة أخرى، فالأصل أن خليفة الرسول مهاب ومحترم وموقر لأنه القائم مقام الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقيادة الأمة وحفظ الدين على أصوله الصحيحة، فهيبة الخليفة مستمدة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هذا بالنسبة للخليفة الشرعي المعيّن بأمر الله ورسوله، والأصل أن الخليفة هو الأعلم والأفهم بالدين والأتقى والأصلح وهو ولي أمر المسلمين وهو مرجعهم الرسمي في أمور دينهم ودنياهم.. ولكن للأسف انتشرت تقليعة الغلبة واكتساب الخلافة عن طريق الغصب والقوة وانتقلت مهابة الخليفة الشرعي للخليفة الغالب الذي لا سند لشرعية حكمه غير القوة والقوة وحدها فقط.. وبما أن الخليفة (الحاكم أو الأمير) هو خليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقد تمتع بكل الصلاحيات التي كان يتمتع بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأضفت عليه القداسة التي كانت للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوصفه خليفته، وأخذت هذه القداسة للخليفة الحاكم الغالب (غير الشرعي) شيئاً فشيئاً تترسخ في عقول الناس وأذهانهم، بل أصبحت التوجيهات والتعليمات التي يصدرها الحاكم من صميم تعاليم الدين ولها قدسية باعتباره خليفة الرسول ومستمداً قدسيته من قدسية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتى وإن كانت التعليمات التي يصدرها بعيدة كل البعد عن أحكام الدين الحنيف.. وهكذا أصبحت أوامر وتعليمات الحاكم الأموي مثلاً (معاوية ويزيد) ديناً أو من تعاليم الدين وليست أفكاراً خارجية منحرفة، وهنا مكمن الخطر والكارثة التي واجهت الأمة.. ولذا كان لا بد من القيام بعمل جهادي يوضح الحقائق ويسقط (الملازمة الفكرية) قدسية الحاكم وتعليمات الحاكم.
لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يدرك ويعي هذه الحقيقة، ويعلم بان التاريخ ينتظر منه القيام بعمل لإعادة الأمور إلى نصابها، ومضى سيد الشهداء (عليه السلام) في طريقه إلى الهدف الأسمى والغاية القصوى وهو يتمثل بقول القائل:
إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي يا سُيوف خذيني
لقد وقف الحسين (عليه السلام) وقفته الخالدة العظيمة بعد أن أدرك أن الأخطار المحدقة برسالة جده لا يمكن تفاديها وتجاوزها إلا بشهادته، ولذا كان الحسين (عليه السلام) يجسد المسؤولية الشرعية والتاريخية الملقاة على عاتقه بقوله: «لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر».
فالشعار والهدف التي انطلقت منها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) هو الإصلاح في أمة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والذي يتضمن إعادة الأمة إلى النهج الإسلامي الصحيح، من هنا نجد أن ثورة الحسين (عليه السلام) كانت طوفاناً في وجه هذا العدو الداخلي الخطير الذي يهدد كيان الأمة ويحطم قوتها وينخر في جسدها من الداخل (باعتبار أن كيد الداخل أخطر من مؤامرات الخارج).. إن ثورة سيد الشهداء (عليه السلام) (الفتح الحسيني) كانت ثورة لتحرير الأمة، كما أنها ثورة قيم الدين، وتحمل في طياتها الفكر والضمير والوعي والمسؤولية التاريخية، ولذا لم يستطيع أي حاكم بعد ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) أن يحتكر الفقه أو الفقاهة أو الثقافة أو الوحي أو القرآن وتفسيره، بل أصبح الحاكم (سلطة تنفيذية) ووُضع حدٌ فاصل بين السلطة التنفيذية (الحاكم – الملك – الخليفة – أمير المؤمنين – ولي الأمر) أو أي مسمى آخر كخليفة غير شرعي وبين الأحكام الشرعية والتعاليم الإسلامية، ومن هنا تنبع عظمة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) إذ أسقطت الملازمة الفكرية والذهنية المتمثلة بقدسية الدين الإسلامي وقدسية من يجلس على كرسي الحكم باعتباره خليفة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولذا تلاحقت الثورات والحركات بعد نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) كالتوابين والمختار الثقفي و.... الخ ولذا أفضل ما يطلق على نهضة أو حركة أو ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) بالفتح الحسيني.
الثالث: الفتح المهدوي (الظهور - عاشوراء):
شعار يا لثارات الحسين (عليه السلام) الذي سيرفع في بداية ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيوضح الرابط المشترك بين أهدافه وأهداف ثورة سيد الشهداء (عليه السلام)، ألا وهو عودة الإسلام النقي الصافي الصحيح كما جاء به الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا ما توضحه بعض الروايات الشريفة من استئناف الإسلام من جديد على يد الإمام المهدي (عليه السلام) وهذا هو الرابط المشترك بين الفتح المهدوي والفتح الحسيني وقبل ذلك الفتح المحمدي.. ولذا يصح لنا أن نقول: هناك ثلاثة فتوحات حقيقة في التاريخ الإسلامي (المحمدي - الحسيني - المهدوي) وهي في الأساس فتوحات فكرية عقلية توضح الحقائق وتحقق أهداف الرسالة الإسلامية وان كان لها طابع عسكري أو سياسي.
إن المهمة المراد تنفيذها من الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كبرى وعظيمة، فهو مكلّف بأن يقطف جهد كافة الأنبياء والرسل والأوصياء، وأن يحقق أهدافهم وما تطّلعوا إليه، وذلك بأن يهدي سكان الكرة الأرضية من مختلف الأديان والمذاهب إلى دين الله الحق (كما جاء به النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم))، ومكلّف بأن يُكوّن دولة عالمية تشمل كافة أقاليم الكرة الأرضية وتضمّ كافة أبناء الجنس البشري المتواجدين على المعمورة، ومكلّف أيضاً بأن يجعل المنظومة الإلهية (أحكام الشريعة الإسلامية) قانوناً نافذاً في كافة أرجاء دولته العالمية، وأن ينشر العدل المطلق، ويحقق الكفاية والرخاء التام لكافة سكان المعمورة.. وتلك أهداف ومهام لم يكلّف بها أحد قطّ قبل المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
سيواجه الإمام المنتظر (عليه السلام) في بداية ظهوره عقبات وصعوبات كثيرة وعديدة سواء على صعيد العالم الإسلامي من تنوع المذاهب واختلاف الآراء، فعلى مدار أربعة عشر قرناً تداول المسلمون روايات سنة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيرة وحديثاً، ومع وجود المجمل والمبين والعام والخاص إضافة إلى العوامل الخارجة المؤثرة من مكاسب سياسية ومصالح خاصة وتغليب الأهواء اختلفت آراء العلماء، وبتحريض وتوجيه من القادة السياسيين اختلفت اجتهادات المجتهدين في ترجيح بعض الروايات على بعض أو إسقاط بعض الأحاديث الشريفة أو تجاهلها، خاصة عندما تتعارض مع المصالح الخاصة أو السياسية العامة، بالإضافة إلى اجتهاداتهم الخاصة في مختلف معارف الإسلام واحكامه، فتعصب كلّ لآرائه فتكونت لكل فرقة رؤية خاصة للإسلام أوّلت بموجبها آيات متشابهات في كتاب الله الكريم وحملت عليها آيات محكمات أخرى.. وهكذا انقسم المسلمون إلى فرق ومذاهب، ومضت عليهم قرون طويلة كفّرت خلالها بعض فرق المسلمين الفرق الأخرى، وأحلّت دماءهم وقتلت من خالفها في الرأي أحياناً وهدمت ديارهم.. فكيف يمكن للإمام المهدي (عليه السلام) توحيد كلمة المسلمين وتوجيهم لاتباع تعاليم الإسلام كما جاء به النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع وجود كل هذه المفارقات؟
أمّا على صعيد غير المسلمين.. فهم أكثرية والمسلمون أقلية، فمع تنوّع وتشتت الأديان والمذاهب فهناك الأديان السماوية بمختلف مذاهبها وتقسيماتها وهناك أديان غير سماوية وهناك الإلحاد.. إضافة إلى الانحرافات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية والخواء الفكري والفراغ الروحي، إلى جانب العقبات التي ستواجه الإمام (عجّل الله فرجه) سواء العسكرية منها أو الفنية وعلى شتى المجالات والسبل (الفقر – المرض – القتل – الدمار – الفساد – الجهل – الظلم – الاضطهاد – الكفر – الكوارث الطبيعية – كثرة الفتن – الجوع – قلة الأمن والأمان _ الجور -... الخ) بالإضافة إلى الاصطدام مع مصالح الحكومات العالمية.
إذا خرج الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أعلن ثورة كبرى على الباطل بكل رموزه ومعانيه، وعلى الظلم بكل جبهاته الضالة، فيقوم سلام الله عليه بإنجاز أعمال لها طابع جذري وجوهري قوي وذات دلالات عظيمة، ليسقط بذلك الواقع المتخلف الذي يعيشه المسلمون وسكان العالم والذي ترسخ في عقولهم وأذهانهم على طول التاريخ.. وسيقوم بإنجاز أعمال لها ملامح فكرية وعقلية توضح الحقائق الأصيلة، وإن كان لها طابع عسكري وسياسي ليسقط بذلك تراكمات وأفكار التاريخ المتخلف، وليزيل بذلك الملازمات الفكرية المترسخة في عقول الناس وأذهانهم سواء على صعيد المسلمين أو على صعيد سكان العالم، فيحدث هزات عنيفة في عقول ونفسيات الناس لتتوضح لهم الحقيقة ناصعة بعد أن ظلوا غافلين عنها طوال التاريخ.. وحينها سينطلق فتحه بسهولة وسيفرض نفوذه على العالم الإسلامي في مدة قياسية (ثمانية شهور كما توضح ذلك عدة روايات) وسيفرض سيطرته على العالم بمساعدة السيد المسيح (عليه السلام) في وقت قصير بناءً على المهمة الكبرى المنوط به تحقيقها بنشر القسط والعدل على كافة المعمورة.
خلاصة القول:
هناك في التاريخ الإسلامي ثلاثة فتوحات حقيقة: الفتح المحمدي والفتح الحسيني والفتح المهدوي مستقبلاً، وهي في الأساس فتوحات فكرية عقلية توضح الحقائق وتزيل تراكمات التاريخ المتخلف وتحقق أهداف الرسالة الإسلامية وإن كان لهذه الفتوحات طابع عسكري أو سياسي:
الفتح المحمدي: أزال بذلك الواقع المتخلف الذي ترسخ في عقول الناس لعشرات السنين، وهي الملازمة الفكرية المتمثلة بين قدسية بيت الله الحرام وسيادة قريش على مكة.. مما شكّل لقريش نفوذاً أدبياً على العرب لم يستطع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تجاوزه إلا بعد فتح مكة ومن ثم دخل الناس في دين الله أفواجا.
الفتح الحسيني: أزال الواقع المتخلف الذي ترسخ في عقول الناس (المسلمين) لعشرات السنين وهي الملازمة الفكرية المتمثلة بين قدسية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعاليمه وتوجيهاته المؤيدة بآيات من القرآن الكريم وبين قدسية خليفة الرسول أو من يجلس على كرسي الحكم (الخليفة غير الشرعي) فأصبحت التوجيهات والتعليمات التي يصدرها الحاكم (بنو أمية) من صميم تعاليم الدين ولها قدسية وإن كانت في الحقيقة بعيدة كل البعد عن تعاليم الدين الإسلامي، وهنا تنبع عظمة نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته الخالدة في يوم عاشوراء لتوضيح الحقائق، ومن ثم بدأت الثورات والحركات الإسلامية تأتى تباعاً لمحاربة الظلم وإزالة القدسية عن الحكام المنحرفين.
الفتح المهدوي (مستقبلا): سيزيل بذلك الواقع المتخلف الذي ترسخ في عقول الناس (المسلمين وغيرهم) لمئات السنين، سواء على الصعيد العقائدي كأديان ومذاهب أو على صعيد الظلم والجور والانحراف والباطل، ولذا سيقوم بإنجاز بعض الأعمال التي لها طابع جذري وجوهري، مما سيسبب هزة عنيفة في عقول ونفسيات الناس، ومن ثم سيسهّل له القيام بالمهمة الكبرى المنوط له تحقيقها بنشر الدين الإسلامي على كافة المعمورة وبسط القسط والعدل وبمدة قياسية وبالأسباب الطبيعية.

الفصل الثاني: استراتيجية الأعداء في حربهم ضد الإمام المهدي (عليه السلام) حالياً (١٧٧)

أخذ أعداء الإسلام على عاتقهم في السنوات الأخيرة خلق ظروف مناسبة، تفرز مناخاً يساعد على تقويض أمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وجعل مبادئ العقيدة المهدوية خاوية وفارغة من محتواها الأصلي.. إن الأعداء بشتى توجهاتهم يحاربون حالياً القضية المهدوية وبكل ما يملكون من قوة، لأنهم يدركون المصير الأسود الذي ينتظرهم، ولذا فقد خططوا ومنذ أمد بعيد لتدمير كل ما يمكن أن يمثل قوته أو يساعد على إنجاح فتوحاته ونهضته العالمية، ولذا لا نستغرب من حجم الهجوم الشرس الذي يشنه الأعداء على المهدوية في السنوات الأخيرة.. فإن من يقرأ أخبار الأحداث الأخيرة ومجريات الأمور الحالية، يذهله عظيم البلاء وحجم العداء ضد العقيدة المهدوية، ففي ظل إرادة دولية ظالمة متنفذة، ودعاية إعلامية ثقافية عدائية، يحاولون دحض الثقافة المهدوية، بل يصرون على نشر أفكار تنكر أصل وجوده (عليه السلام)، وتعمل تلك الإرادة الظالمة جاهدة لتنفيذ استراتيجية متكاملة وشاملة، ولإقامة منظومة ثقافية تحمل في طياتها العداء للعقيدة المهدوية.
إن من يراقب أخبار وأحداث الزمن الحالي يجد أن معاداة ومحاربة أمر الإمام المهدي والعقيدة المهدوية وصلت الى قرب الذروة وبمستوى عنيف وخبيث، وذلك عبر خلق حالة من العداء النفسي والفكري والاجتماعي والسياسي للإمام (عجّل الله فرجه) في أوساط القاعدة الشعبية الموالية له سواء الخاصة منها أو العامة.. يطمح الأعداء من وراء ذلك التخطيط الى شن هجمة صاعقة ضد العقيدة المهدوية الأصيلة، وإلى تغييب وتهميش فكرة وجود الإمام (عجّل الله فرجه) وما تحمله هذه العقيدة من روحية تفاؤل وإيجابية وحيوية ونشاط ودافعية نحو المستقبل.
إن كل من يخاف المهدي ولا يتمنى خروجه، ويحمل مبادئ وأهداف تخالف ما يحمله المهدي، وتتضارب مصالحه مع مبادئ العدل والقسط الإلهي، تراه يعلن العداء للمهدي.. ومن هنا يجب أن نوضح: عندما نتكلم عن أعداء الإمام المهدي (عليه السلام) حالياً، فإنما نقصد من خلاله الإشارة الى الجبهة السياسية المعادية، أو الكيان المخطط والمنفذ لاستراتيجية حرب وعداء ضد الإمام (عجّل الله فرجه)، وقد عبرت الروايات عنهم باسم (أهل الروم).. إن اليهود والصهيونية العالمية يحاربون المهدي لأنهم يعرفون أن زوالهم سيتم على يديه، ولأن كل الوثائق القديمة لديهم تؤكد أن حرب المهدي لليهود قادمة لا محالة، وكذلك التوراة القديمة الأصلية أنبأت به (عجّل الله فرجه).
السؤال الكبير الذي يشغلنا ومن المهم أن نعرف إجابته: ما هي الخطط التي يتبعها الأعداء (الصهيونية والغرب) في حربهم ضد الإمام المهدي (عليه السلام) حالياً؟؟.. وكيف يستعدون لقدومه؟.. علماً بأن التاريخ يخبرنا عن قصص استعداد الأعداء لقدوم الأنبياء والرسل، كقصة موسى وفرعون، وعيسى واليهود، والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واليهود، فكما راقب اليهود والأعداء أخبار ولادة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخططوا للقضاء عليه في صغره، كذلك هم الآن يراقبون الأحداث ويقرأون علامات ظهور الإمام المنتظر (عجّل الله فرجه).. ولذا فهم يتبعون استراتيجية معينة في حربهم ضده، أو للقضاء عليه.. فما هي هذه الاستراتيجية؟ وما هي أبرز خطوطها وملامحها؟.. إن المنتظر الحقيقي للإمام والذي يعّد نفسه لذلك، لابد له أن يعرف ماذا يحيك الأعداء من دسائس ومؤامرات ضد الإمام المهدي (عليه السلام) في الوقت الحالي، ليتم كشف مخططهم وإسقاط استراتيجيتهم.
إن طبيعة صراع الأعداء اليوم ضد القضية المهدوية، وحركات الصدام والمجابهة التي يتبنوها تظل مختلفة في أكثر من ناحية ومقام وفترة وزمان، إلا أنها في بعض خططها الاستراتيجية وبعض أسمائها وعناوينها واضحة للمؤمنين.. علماً بأننا عندما نتكلم عن استراتيجية الأعداء، فإنما نتكلم عن خطة شاملة متكاملة بعيدة المدى، ذات أهداف متعددة، يستخدمون فيها أساليب قديمة وحديثة ومتنوعة وخبيثة لمواجهة حجم القضية التي ينتظرونها ويعرفون نتائجها مسبقاً.. ومن هنا يجب علينا أن نعي ونفهم ونكشف للمؤمنين أساليب الأعداء الحديثة في حربهم ضد الإمام المهدي (عليه السلام) حالياً، واستعداداتهم للمواجهة اللاحقة مستقبلاً.
نستشف من قراءتنا للأوضاع والأحداث الحالية، بعض أبرز خطوط استراتيجية الأعداء والموجهة ضد الإمام (عجّل الله فرجه) حالياً – في الفترة الحالية، وليس في المستقبل أثناء ظهوره – ويمكن تشخيص هذه الاستراتيجية في النقاط التالية:
أولا: نسف العقيدة المهدوية من الأساس والتشكيك في مصداقيتها:
يستغل الأعداء بعض الملابسات التاريخية والفكرية في القضية المهدوية للتشكيك في العقيدة (سواء من ناحية أصل الفكرة، أو من ناحية الولادة والوجود).. وما هذه الملابسات الظاهرية التي يعلنونها إلا غطاءً مكشوفاً للدافع والسبب الحقيقي، وأسلوب من أساليب الحرب والعداء للعقيدة المهدوية الأصيلة وذلك عبر:
* التشكيك في أصل الفكرة: وذلك بإيحاء الأعداء بأن العقيدة المهدوية من وهم الخيال، والإيحاء للمؤمنين بأنهم يعيشون في الأحلام.. ويختبئ في طيات هذا الأسلوب دوافع وجذور نفسية، وذلك بقتل كل الجوانب الإيجابية للإيمان بالفكرة من روحية التفاؤل والأمل والإيجابية والانتظار لمستقبل باهر، وخلق روحية من اليأس والقنوط والبؤس والتشاؤم.
* التشكيك في الوجود، وفي أصل الولادة تاريخياً، والإيهام بأن الفكرة سوف تولد في المستقبل: وذلك لتهيئة الأرضية الفكرية والثقافية للمدعين المزورين الكذابين، وما يتبع ذلك من أضرار، مما جعل مدعيّ المهدوية يكثرون في هذا الوقت.. علماً بأن هذا الأسلوب ليس حديثاً، ولكنه يتجدد ويستمر عبر الدعم والتشجيع الصريح لكل من يتبنى تلك الأفكار والانحرافات (العقيدية) من أهل العامة أو من داخل البيت الشيعي (كالقضية المثارة منذ فترة في لندن) مما جعل نسبة معدل الادعاءات للمهدوية حديثاً مرتفعة.
من أساليب الأعداء الفكرية والثقافية الخبيثة تبنّي ونشر وترويج بعض ملابسات المشككين في العقيدة المهدوية مثل:
القول بعدم التصريح بلفظة المهدي في القرآن الكريم.
القول بعدم التصريح بلفظة المهدي في صحيحي بخاري ومسلم.
تضعيف ابن خلدون للأحاديث الواردة في المهدي.
التركيز على رواية في سنن ابن ماجة: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم).
ترويج أن المهدي رجل من الأمة.. أي بدلاً من عترتي جعلوها من أمتي.
الادعاء بأن الفكرة يعود أصلها للديانات السابقة.
الظن والتشكيك في الاسم.. بإضافة يواطئ اسمه اسمي، واسم أبيه اسم أبي.
التأكيد على أن المهدي سيولد في المستقبل.
يهدفون من تبني هذه الملابسات: الترويج والإيحاء الى أن فكرة المهدي غير أصيلة، وليس لها مصدر من القرآن الكريم، بالإضافة إلى شكوك حول أحاديثها من السنة الشريفة، وبالتالي لا حاجة للاستعداد والانتظار، وإن كان لابد من الإيمان بهذه الفكرة، فإن المهدي المنتظر هو شخص عادي من الأمة الإسلامية وسيولد في المستقبل، وأي فرد بإمكانه تقمص شخصيته.. كل هذه الأساليب الخادعة والماكرة تضعنا أمام حرب نفسية أشرس من الحرب العسكرية، إنها حرب الأفكار والقيم والمعتقدات (علما بأن كل الملابسات رد عليها العلماء الأفاضل وتم إيضاح الحقيقة الناصعة تجاهها).
تكمن الخطورة في هذا الأسلوب من استراتيجية الأعداء، في زج أفكارهم الهدامة بأية طريقة ووسيلة، من أجل خدمة أهدافهم وتحقيق مآربهم والتي تتمثل في:
* قتل نفسية الأمل والتفاؤل من الإيمان بالعقيدة المهدوية، وإجهاض الإيجابية في روحية الانتظار.
* تهيئة الأرضية الفكرية والثقافية والمناخ الاجتماعي لمدعيّ المهدوية كذباً وزوراً.
ثانيا: خلق حالة من الكره النفسي والعقلي للإمام وللعقيدة المهدوية لدى المجتمعات المؤمنة بالفكرة، وذلك عبر دعم ومساندة مدعيّ المهدوية والنبوة كذباً:
يستغل أعداء الإسلام الواقع النفسي السيئ والمرير للمجتمع الإسلامي وكثرة الاحباطات فيه بشتى أنواعها، ويعرفوا جدوى استثمار الحالة النفسية وتوظيفها لتشويه العقيدة المهدوية.. فقد حمل حقد الأعداء على الإمام المهدي (الشخص والفكرة) للانضواء تحت راية المدعين لتكثير سوادهم، وتقوية حركاتهم لهدم الإسلام من داخله، وذلك بإغداق الأموال والمساعدات على هؤلاء الأفّاكين وأتباعهم، وإغراء ضعاف الإيمان للانضمام الى تلك الحركات الهدامة، فكما فعلت روسيا من قبل مع البابية (البهائية) في إيران، ودعمت بريطانيا القاديانية في الهند، كذلك يجدد الأعداء اليوم بقوة وبشكل فعال الدعم والمساندة لأدعياء المهدوية والنبوة، ولذا نلحظ أن معدل ونسبة عدد المدعين (للمهدوية والنبوة) في العصر الحديث يظل مرتفعاً جداً ومتضخماً مقارنة بالحالات المتشابهة في التاريخ، وقد بدأت حالات الادعاءات المزورة تزداد، فيما يمكن إطلاق عليها كـ (ظاهرة)، وقد يكون الأمر مطمئناً لو أن معظم الأدعياء في الأعوام الأخيرة انتهى بهم الأمر للعلاج في مستشفيات الأمراض العقلية والنفسية، لكن المثير أن بعضهم انتهى به الحال لقضاء فترة عقوبة بالسجن، بمعنى أن القضاء تأكد من انتفاء شبهة الخلل العقلي أو خلل في حالتهم النفسية.
وهنا يأتي السؤال المهم: من يقف خلف هؤلاء الأدعياء ويقدم الدعم والمساندة لهم؟.. تشير الدلائل إلى أن مدعي المهدوية والنبوة (زوراً)، وكذلك الحركات الهدامة في الإسلام، المغِّذي الحقيقي لها هو الصهيونية، التي تدعم وتساند ظهور هؤلاء الأدعياء، منتهزة في ذلك الواقع النفسي السيء للمجتمع المسلم وتراكم إحباطاته.. لا نخفي سراً إن قلنا أنه يوجد الآن في إسرائيل مركز لتفريخ أدعياء المهدوية والنبوة (الدعاة العرب) وذلك بعد تدريبهم تدريباً خاصاً، ثم إطلاقهم في العالم الإسلامي لبث سمومهم وتقويض القيم الدينية والأخلاقية وتشويه المعتقدات الأصيلة.. علماً بأن إسرائيل قد شرعت ببناء المحفل البهائي الرئيسي (البهجة) بمدينة عكا، والذي يحوي ضريح (البهاء)، وقد أنفقت عليه (٢٥٠ مليون دولار)، وتم افتتاح حدائقه المتدرجة التسع عشرة في (٢٢ مايو ٢٠٠١ م) بحضور ٤٥٠٠ شخص يمثلون قيادات البهائية في العالم، تم خلاله مراجعة أساليب وخطط استراتيجية الانتشار.
لا يساورنا أدنى شك في أن أعداء الإسلام يقفون خلف بعض مدعي المهدوية حديثاً، وتكمن خطورة استراتيجية الأعداء في: أن انتشار ظاهرة ادعاء المهدوية الكاذبة وبكثرة في العصر الحديث وتكرار فشلها، سيؤدي إلى اقتران هذا الفشل المتكرر بتكوين كره نفسي وعقلي للعقيدة المهدوية عند الشعوب الإسلامية، مما تدفعها لاتخاذ مواقف مضادة ومنفره منها.. وليس بمستبعد أن يكون الخائفون من العقيدة المهدوية الحقة هم الذين يدفعون ويغرون بعض السذج والخبثاء إلى تقمص شخصية المهدي الحقيقي واستغلالها، وهدفهم من وراء ذلك فصل الجماهير المؤمنة عن هذه العقيدة الأصيلة.. وربما يظن الأعداء أن نجاح أحد المرجفين المزورين في دعواه سيمهد لإقناع الجماهير المسلمة بأن المهدي المذكور في الأحاديث والروايات قد تحققت بشارته، وحينئذ فإن فكرة انتظار المهدي الحقيقي (عليه السلام) لم يعد لها جدوى، فتتضاءل حالة الاستعداد ويفتر حماس المؤمنين وكأن الأمر لم يكن، وهكذا تموت العقيدة المهدوية في النفوس والعقول وتموت معها فاعلية ثقافتها.
ثالثاً: استغلال بعض جوانب الثقافة المهدوية لضرب المرجعية الدينية الشيعية، وذلك عبر دعم ومساندة مدعي السفارة والبابية:
إن المرجعية الدينية هي المركز الحقيقي والقلعة الحصينة للشيعة، ولذا يحاول الأعداء دوماً ضرب هذا الغصن العنيد والذي عصى على الانحناء.. يستغل الأعداء القضية المهدوية وثقافتها، وبالخصوص من ناحية السفارة ومزاياها وذلك لضرب المرجعية الدينية للشيعة.. كشف الدكتور مايكل برانت مؤلف كتاب: (مؤامرة التفريق بين الأديان الإلهية) عن برنامج مدروس للاستخبارات الأمريكية وموجه ضد الطائفة الشيعية يقول: في إحدى جلسات الاستخبارات وبحضور كبار مسئوليها وحضور ممثل للاستخبارات البريطانية بسبب تجاربها الطويلة في الدول الإسلامية، توصلنا إلى نتيجة: لا يمكن بأي حال من الأحوال مواجهة المذهب الشيعي ومحاربته بصورة مباشرة، وإن هزيمته أمر في غاية الصعوبة، وأنه لابد من العمل خلف الستار.. ومن أجل ذلك خططنا ووضعنا برامج دقيقة وشاملة للمدى البعيد، فتصميمنا كان على ضرب المرجعية الدينية وتضعيف عقائد الشيعة وإفسادها، وأن نحّرف المفاهيم بحيث يبدو للناظر أن الشيعة ليسوا سوى طائفة جاهلة تهوى الخرافات، والأمل معقود – في نظرهم – على سحق الشيعة بحلول عام ٢٠١٠ م.
قد لا يخفى على كل ذي بصيرة ما يمكن أن تلعبه في زماننا هذا الأيدي الصهيونية وعملائها من مكر وحيل وألاعيب لتشويه العقيدة المهدوية الأصيلة الحقة، ولا يخالجنا أدنى شك في أن أعداء الإسلام (الصهيونية والغرب) يقفون وراء بعض مدعي السفارة.. تكمن الخطورة في هذا الجانب من استراتيجية الأعداء:
أولاً: في خلقهم ودعمهم ومساندتهم لمدعي السفارة حديثا.
ثانياً: بإشاعة وترويج صلة هؤلاء بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في غيبته الكبرى، على نحو يدعي أنه يتلقى منه الأحكام الشرعية والمسائل الفقهية والذي توافق الحق والصدق وتطابق الواقع الذي يريده الله سبحانه وتعالى.. وعند تصديق ذلك يجب حينها الاستغناء عن الفقهاء (المرجعية الدينية)، لأن المراجع يعيشون مرحلة الحكم الظاهري (حسب قواعد الاجتهاد الفقهي)، باعتبار أن إصدار الفتوى يتم بناءً على القواعد الاجتهادية وقد تصيب الحق والصدق وتطابق الواقع، أو قد تخطئ.. أي تظل الفتوى والحكم ظاهرياً ظنياً أقرب منه إلى الواقع، وهذه المرحلة قد انتهت بظهور السفير (المدعي للسفارة والنيابة الخاصة) والذي يرجع للإمام المعصوم (عجّل الله فرجه) مباشرة، وبالتالي ينقل الأحكام والمسائل الحقة والمطابقة للواقع.
بناء على هذه الفكرة، يدعم الأعداء مدعي السفارة وينشؤون جماعات وحركات حديثة موالية لهم مثل: جماعة السفارة في البحرين، وجماعة اليماني في العراق، وحركة الأحمدية في باكستان، وذلك كامتداد متطور وحديث لحركة البابية والبهائية في إيران، والقاديانية في الهند.. فيتم بذلك إضعاف المرجعية الدينية بالاستغناء عنها شيئا فشيئاً، وضرب الجانب المالي والاجتماعي والسياسي لها، ولذا أخذوا لاحقا بنشر وترويج بعض الأفكار الهدامة مثل (بدعة التقليد – بدعة المرجع الأعلى) وهكذا.
والمؤلم المقرف في كل هذا، أن يجد الأعداء من يقوم بتنفيذ هذا الجانب من الاستراتيجية نيابة عنهم، فيتطوع المتعصبون الجهال من المسلمين بتقديم خدماتهم كهدية مجانية للأعداء، فترى البعض من هؤلاء الجهال يغلي صدره حقداً على مراجع الدين الكبار وعلى بقية العلماء، فيصفهم بأقسى الأوصاف!!! حتى أنه يستحل دماءهم لأنهم برأيه العقبة الكأداء أمام دعوته، فلو استجابوا له لاستجاب كل الناس.. وهؤلاء هم خوارج العصر، فالواحد منهم يزايد على كل الناس، ويتحدى ويعادي كل المراجع العظام، تماماً كالخوارج والذي كان إمامهم حرقوص بن زهير يزايد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويرى أنه أفضل منه.
نحن الآن أمام أسلوب خطير للأعداء، تطبقه وتنفذه قلة مشبوهة من مدعّي السفارة تستهدف النيل من المرجعية الدينية الشيعية، والمدهش في الأمر حقاً أن يكون لهؤلاء المدعين الضالين مريدون وتابعون من شرائح اجتماعية وثقافية مختلفة، يمتثلون لأوامرهم وينساقون خلف مخططاتهم وينفذون مؤامراتهم بسذاجة وجهل.
رابعاً: محاربة الأرضية الداعمة والمؤيدة والمساندة للإمام المهدي قبل خروجه، وذلك بإضعاف قاعدته الشعبية عبر سلسلة من الحروب العسكرية والاقتصادية والفكرية:
لقد استطاع اليهود أن يعرفوا عن طريق بحوثهم ودراساتهم واطلاعهم في الفلسفة والروحانيات وتراثهم الديني وكتبهم المقدسة، وخاصة كتابهم السري (الكابلا) وما كشفه المتنبئ الفرنسي اليهودي الأصل (نوستر اداموس) من أن زوالهم سيتم على يد المهدي (عج)، ولذا فهم يدركون المصير الأسود الذي ينتظرهم، ويخافون من المجهول ومن المصير المحتوم المتوقع لهم.. وعليه فكما كان اليهود في السابق يزيّنون لكفار قريش سوء أفعالهم في كواليس السياسة في مكة خوفاً ورعباً من ظهور أمر الدولة المحمدية، كذلك هم الآن: فنبوءة خروج القائد العظيم (المهدي المنتظر) من مكة مستقبلاً يرعبهم ويقضّ مضاجعهم.
اليهود يعرفون ومنذ أمد بعيد أن المهدي (عليه السلام) سيقضي عليهم عندما يظهر، وسيحاربهم في يوم من الأيام، وأن ساحة الحرب ستكون منطقة الشرق الأوسط: فمن إيران ستخرج رايات سود لنصرة المهدي، والعراق سيكون مركزاً لدولته وسيتخذ من الكوفة عاصمة له ومنها سينطلق لتحرير القدس والقضاء على اليهود، أما الجزيرة العربية (مكة) فإن أول ظهوره سيكون منها، أما بلاد الشام فإن السفياني (ألد أعداء الإمام وحليف اليهود والغرب) سيظهر منها، ومصر سيتخذها المهدي منبراً إعلامياً له.
إن أخطر ما فعله اليهود، أنهم خلقوا لدى نصارى الغرب عقائد جديدة مرتبكة ومشوهة وخاطئة فيما يتعلق بمنقذ البشرية (القضية المهدوية) وبشكل خاص بالقائد العظيم المنتظر، ودوره القادم في دمار الحضارة الغربية، مما خلق لديهم حالة من الرعب والقلق من كل ماله علاقة بالمهدي (عليه السلام)، ويعلم اليهود علم اليقين، أن المبعوثين عليهم في المرة الثانية (كما في القرآن الكريم) بقيادة المهدي (عجّل الله فرجه) سيخرجون من أرض بابل (وسط العراق)، وهذا ما يفسر مساعيهم الدائمة لتدمير العراق، وشن الحروب عليه بلا هوادة، لهذا فاليهود والغرب والصهيونية - بمقتضى الحسابات السياسية والاستراتيجية - خططوا ومنذ أمد بعيد لتدمير كل ما يمكن أن يمثل قوة قد يستغلها القائد العظيم في حربه القادمة ضدهم. وقد قاموا بشن حرب شاملة ضد العراق وإيران، حتى عندما يظهر المهدي (عليه السلام) لا يجد إلا شعباً أنهكته الحروب والحصار ولا يستطيع مساعدة إمامة، ومن ثم سهولة القضاء عليه.. ومن هنا نعرف الحقيقة وتتضح لنا الإجابة على: لماذا هذا الهجوم الشرس على المنطقة وبالخصوص أتباع أهل البيت (عليهم السلام)؟. ولماذا حصلت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت ثمان سنوات وقتل فيها أعداد كبيرة من الشعبين (موالين لأهل البيت)؟. ثم بعد انتهاء الحرب بفترة قصيرة، تجددت الحرب في المنطقة وتكررت (غزو الكويت – احتلال العراق).
والعجيب كأن هناك من لا يريد للمنطقة أن تخلو من الحروب، والأهم في نظرهم هو جعل العراق ساحة حرب لمدة طويلة وبلداً غير آمن، وإيجاد المبررات لبقاء القوات الغربية فيه، ويزول العجب فيما إذا علمنا أنهم يمهدون للمعركة الكبرى (هرمجدون) والتي يتوقعون أن تكون حرباً نووية واسعة النطاق، يتم القضاء فيها على المؤيدين للقائد العظيم (روحي فداه).
لابد أن نعرف أن الواقع الخطير الذي تعيشه أمتنا ومنطقتنا اليوم وبتخطيط صهيوني يهودي وتنفيذ أمريكي غربي، جوهر أسبابه وأهدافه هو:
* انتظار القائد العظيم (الإمام المهدي) ومحاولة القضاء عليه في بداية ظهوره، لأن المصادر التنبؤية اليهودية قد أعلنت عن قرب ظهوره خلال سنوات قادمة.
* السيطرة والاستيلاء على كنز الفرات من الذهب والذي يتزايد وجوده مع قرب ظهور المهدي، كما في الروايات.
* وضع أيديهم على منابع النفط في المنطقة والسيطرة على اقتصادياتها وإضعافها سياسياً وعسكرياً.
وقبل ذلك نؤكد أن الذي يقوم به الغرب (الروم) حالياً في المنطقة وتحت مظلة أمريكية صهيونية إنما هو لتهيئة المناخ الملائم لخروج السفياني.
خلاصة القول:
إن أعداء الإمام (عجّل الله فرجه) يدركون أنه قادم لا محالة ويعلمون أنه مذيلهم لا محالة، ولكنهم بالمقابل أعلنوا الحرب ضده قبل ظهوره وتمهيداً لمعركتهم المصيرية ضده، ومن خلال النظر إلى قصص وتجارب التاريخ، ومجريات الأمور والأحداث الحالية، نستطيع التأكيد بأن هناك مخططاً استراتيجياً مدروساً ومعداً مسبقاً وينفذ حالياً، وله أبعاد متعددة (سياسية، عسكرية، نفسية، فكرية،......) من أجل محاربة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قبل وبعد ظهوره.. وحتماً لا يخلو احتلال العراق حالياً، وما وصل إليه من أوضاع ومن فوضى أمنية وفكرية، وظهور بعض الحركات المشبوهة مثل (جند السماء، جماعة اليماني الموعود،.....) بواحدة من هذه الأبعاد.
وهنا يتضح لكل ذي بصيرة وبشكل جلي، أن كل ما يجري في المنطقة من مؤامرات ودسائس تحاك من قبل الأعداء، إنما هو تنفيذ لأهداف مسبقة وبدافع الوقوف بوجه القضية المهدوية ومؤيديها، سيما القائد العظيم (عجّل الله فرجه) والذي يقيم دولة العدل الإلهي، وينشر القسط والعدل في كافة المعمورة – روحي لمقدمه الفداء.
وفي الختام نؤكد أن هذا مكرهم، ولكن مكر الله غالب ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾(١٧٨).. ووعد الله حق ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾(١٧٩).

الفصل الثالث: قراءة استراتيجية في مسيرة التمهيد المهدوي

منذ مئات السنين والمؤمنون المنتظرون للإمام (عجّل الله فرجه) ما زالوا يراوحون في مكانهم في المراحل الأولى في مسائل الترويج والتمهيد المهدوي، فبنظرة استراتيجية ورؤية كلية شاملة نجد أنّ مسيرتنا في طريق التمهيد تحفل بالآتي:
أولاً: الاستمرار في عرض المسائل الفكرية والعقائدية المهدوية الأصيلة:
فمنذ بداية الغيبة الكبرى (عام ٣٢٩ هـ) وحتى أيامنا هذه، ونحن نتكلم ونكتب ونبحث في بعض القضايا الفكرية العقائدية ذات الخصوصية المهدوية ونغذّيها باستمرار، وهي في الأساس مسائل مهمّة وجوهرية وضرورية، ولكنّ بعضا منها تمّ تكراره وبكثرة، مثل: استمرار الإمامة وبقائها حتى يرث الله الأرض ومن عليها، ووجود وولادة الإمام (عجّل الله فرجه)، ومسائل الغيبة، الانتظار والفهم الإيجابي والسلبي، وعلامات الظهور، و... إلى غيرها من المسائل التقليدية، وهي مهمة وأساسية ولابدّ من معرفتها والإلمام بها، ولكنّنا أشبعناها بحثاً ونقاشاً ودراسةً، قديماً وحديثاً.
إنّه من المفترض أنْ تصبح هذه المسائل من البديهيات والمسلَّمات عند كل المؤمنين، ويجب أن تكون المعلومات حولها متوفّرة ومتاحة للجميع عند أي استفسار أو تساؤل.. ولكن لابدّ من تجاوز مثل تلك المسائل، والانطلاق والبحث في مسائل حديثة وجديدة، يجب أنْ نتطرق إليها ونكتب فيها كي تساعد على التمهيد والترويج للقضية المهدوية عند كل أفراد البشر، والبحث في مسائل تهم الشعوب كافةً ومن زوايا القضية المهدوية.
ثانيا: التصدي إلى أعداء الإسلام في محاربتهم للقضية المهدوية وكشف أساليبهم وخدعهم الخبيثة:
وفيما يخصّ هذا المجال فإنّ هناك قفزات ممتازة لبعض الباحثين للخروج من المربّع الأول، وذلك بكشف الخطط القذرة للأعداء، وذلك باستغلالهم بعض مسائل العقيدة المهدوية بهدف القضاء عليها. وقد رأينا وبشكل جلّي هذه الأيام كيف أنّ الأيدي الخفيّة تستغل المنحرفين من الناس، والسذّج من الأفراد لتشويه عقيدة المؤمنين بالقضية المهدوية، أيضاً رأينا وبشكل ملفت للنظر كيف أن أعداء الإسلام في دولة العراق وحدها فقط، وجهت وحركت المدعو ضياء الكرعاوي (من حركة جند السماء) في النجف الأشرف للقضاء على المرجعية، وعند فشل حركته وانتهائها، دعمت ودفعت بالمدعو أحمد كاطع (اليماني المزعوم) في البصرة لخرق الرايات الممهدة للإمام (عليه السلام)، وعند كشف أمره وخروجه، حرّكت ووجّهت المدعو محمود الصرخي (نائب الإمام المزعوم) في كربلاء وعند افتضاح أمره وهروبه، دعمت وحرّكت المدعو فاضل المرسومي (الإمام الرّباني المزعوم) في ديالي وبغداد.. وكلّ هذه الحركات المنحرفة والمشبوهة حاولت وبشتى الطرق تشويه العقيدة المهدوية والقضاء عليها.
هكذا هم الأعداء يتحرّكون وبكل جدية ومثابرة لمحاربة القضية المهدوية، ونحن للأسف ما نزال نتحرك وببطء شديد لكشفهم والتصدّي لادّعاءاتهم، ولكن بنشاط خجول، وحركة بسيطة، نتحرك في هذا المربع، وبأسلوب الدفاع فقط، وليس الوقاية والتحصين ثم الهجوم.
ثالثا: التبشير للقضية المهدوية لدى غير المسلمين:
إننا مقصرون جدا بالتبشير بالقضية المهدوية عند الشعوب غير المؤمنة بدين الإسلام (الشعوب الغربية والشرقية)، والتي لم تسمع باسم الإمام المهدي (عليه السلام) ولا تعرف شيئا عنه، واذا حان موعد ظهوره لا تعرف ماذا سيفعل وماذا سيحقق وماذا سينشر، فكيف إذاً لمثل هذه الشعوب أن تؤمن به حين ظهوره وكيف ستؤيده وتؤازره وهي لا تعرف أدنى معلومات أو حقائق عن قضيته وأهدافه.
فهل أخذنا على عاتقنا التبشير والتمهيد للقضية المهدوية وبشكل إيجابي وصحيح وبأساليب محببه لدى الغير، خاصة وأن الأعداء يحاولون أن يشوهوا وجه الإسلام الناصع فيضخموا إعلاميا جرائم داعش والأفعال الوحشية للحركات والجماعات المشبوهة والمحسوبة على المسلمين.. وفوق كل ذلك للأسف نحن غافلون ومقصرون جداً عن إظهار الوجه المشرق الأصيل للقضية المهدوية ونشر ثقافتها وأفكارها والتعريف بالمستقبل الزاهر الذي ينتظر العالم حين يتم تطبيقها وتنفيذها.
يجب علينا أن نستفيد من القضايا التي تهم الفرد الغربي والشرقي ويشعر بها ويميل إليها كقضايا الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، والقضايا الاقتصادية كالتوزيع العادل للدخل والمحافظة على الموارد الطبيعة الناضبة والاستخدام الأمثل للطاقة، وقضايا البيئة وحمايتها من التلوث، وقضايا الاجتماع السياسي و... الخ، كذلك يجب علينا أن نستفيد من المؤسسات الأكاديمية والتعليمة والإعلامية الغربية لطرح القضية المهدوية ونخاطبهم باللغة التي يفهمونها وتؤثر فيهم، وبشكل علمي ونفسي وتدريجي سليم لننجح في ترويج فكرة وعقيدة منقذ البشرية الأصيلة.
من المؤسف له أنه ليس بأيدينا حالياً أي فيلم سينمائي يتحدث عن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سواءً كان تمثيلياً او وثائقياً يساعدنا في تعريفه (عليه السلام) لدى الآخر غير المسلم، كذلك من المخجل أيضا أنه لا يوجد عندنا أي كتاب خاص عن الإمام (عليه السلام) مكتوب بلغة تناسب العقلية الغربية والشرقية يساعدنا للتمهيد لقضيته.. نحن وحتى هذه اللحظة لم ننتقل للمربع الثالث وإلى مرحلة التبشير به في مسيرة التمهيد والاعداد لقدومه الشريف، فيثار لدينا تساؤل كبير ومهم: متى سيتحقق ذلك؟ ومن سيأخذ هذا الواجب من المسئولية على عاتقه؟.
رابعا: الاستفادة من أساليب ومناهج الدولة المهدوية الفاضلة:
مما أثبتته الكتب الحديثية برواياتها المتواترة أنّه إذا ظهر الإمام روحي فداه سينشر العدل والقسط على أرجاء المعمورة كافة، وسيظهر خيرات الأرض وستنعم البشرية بالرخاء والرفاهية، هذا ما نظهره وما نؤكّد عليه في أبحاثنا وفيما ننشره ونقوله.. ونحن حالياً بعيدون كل البعد عن أساليب الحكم والإدارة والتطور العلمي والتقني الذي سيطبقها الإمام (عليه السلام) في دولته، بل نحن لم نتعرف عليها او حتى نفكر بها، فكيف بدراستها.. نحن أبعد من ذلك بكثير، فحتى الآن لم ننقل القضية المهدوية الى مؤسساتنا الأكاديمية والتعليمية، وللأسف لا يوجد عندنا من الرسائل الجامعية (ماجستير ودكتوراه) حول القضية المهدوية إلا أعداد بسيطة تعد على أصابع اليد، وأغلبها تصبّ في جوانب العقيدة أي في خانة المربع الأول.
والسؤال المهم في مسيرة التمهيد هو: متى تصبح القضية المهدوية موضوعاً مهماً وجوهرياً في الدراسات الجامعية والأكاديمية لدينا؟.. متى تحين الفرصة وننتقل إلى دراسة جميع أبعادها وجوانبها، فمثلاً: هل عرفنا وبحثنا ما سبب أنّ الإمام (عجّل الله فرجه) يحثي المال حثياً ولا يعدّه، وكذلك لا يجد المزكّي - في زمان ظهوره - من يأخذ منه الزكاة؟ هل درسنا كيف يُظهِر (عليه السلام) خيرات الأرض، وكيف يجعل الموارد الطبيعية الناضبة تكفي حاجة البشرية؟ وكيف يعيد صياغة أخلاق وسلوكيات كل البشر؟ هل تأملنا الأساليب الإدارية والسياسية لحكومة مركزية واحدة تسيطر على الأرض كافة، ومع ذلك فإنّها تنشر التوحيد والعدل والقسط.
إنّ نواحي عديدة في القضية المهدوية تحتاج من المؤمنين الممّهدين الى دراستها والتأمل فيها، ولكن للأسف نحن غافلون ومقصرون عن ذلك.. فكيف إذاً نمهّد للإمام (عليه السلام) ونساعده في بناء دولته الفاضلة، ونحن لم نفكر حتى في أساليب إدارته ومنهج حكمه، ولم نحاول تطبيق ابسط معالم دولته ومناهجها.. حقّاً نحن مقصّرون جداً في مسيرة التمهيد والتوطئة المهدوية.


www.m-mahdi.net

خلاصة القول:

انّ المؤمنين الممهدين لظهور الإمام (عجّل الله فرجه) ومنذ مئات السنين مازالوا في المراحل الأولى في مسيرة التمهيد للطور المهدوي، فكان وما زال شغلهم الشاغل الأمور الفكرية والثقافية للعقيدة المهدوية.. فحتى الآن لم يتقدّم المؤمنون خطوات وقائية وتحصينية، غناك عن الهجومية في مواجهة خطط الأعداء الشرسة، بل ما زالوا متخذين موقف الدفاع، وليس التصدّي لتلك الخطط.. فهل يحق لنا أنْ نسمّى ممهدين، ونحن للأسف لم نسجّل أية خطوات تذكر للدعوة والتبشير لمنقذ البشرية لدى الشعوب غير المسلمة، حيث لا يوجد لدينا أي كتاب متخصّص أو فيلم سينمائي معدّ للترويج والتبشير بالقضية المهدوية.. وهل نمتلك القدرة والكفاءة للاستفادة من أساليب ومناهج الدولة المهدوية الفاضلة، وتطبيق بعض منها في وقتنا الحالي، أم نحن غافلون عن كل ذلك.
نحن مازلنا نزحف وببطء شديد في مراحل التمهيد، وأمامنا طريق طويل غير ممهّد حتى نصل الى أعتاب عصر الظهور، نعم قد نكون ركزّنا على أنفسنا ونسينا الآخرين، حاولنا أنْ نربّي أنفسنا على الاستعداد والتهيئة، وغفلنا عن المجتمع والعالم، علماً بأنّ الإمام المهدي (عليه السلام) مبعوث لكل البشرية.
نسأل الله أنْ يساعدنا ويوفّقنا في مسيرة التمهيد المهدوي، وأنْ يجعلنا من الممهّدين للظهور الشريف، وأنْ نكون واعين لحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا وأهلاً لها، وأنْ نحظى بخدمته (عليه السلام) والعيش تحت ظل رايته الهادية، عجل الله تعالى فرجه وسهل مخرجه.

الباب الثالث: رؤى مهدوية في علامات الظهور
الفصل الأول: منهج قراءة علامات الظهور

في خضم الأخبار السياسية والعسكرية المتسارعة التي تمر على العالم الإسلامي، يتساءل كثير من المؤمنين عن علاقة هذا الحدث أو ذاك الخبر بعلامات ظهور الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، فقد مل الناس من الظلم وضجروا من الجور فكثر تطلعهم للبحث عن المنقذ والمخلص وزاد اهتمامهم بالقضية المهدوية وصب تركيزهم للبحث عن إرهاصات اليوم الموعود لعلهم يجدون إشارة أو بصيص أمل لقرب الفرج.. مما يتطلب من المؤمنين التحلي بمزيد من الوعي الثقافي والفكري ليساعدهم على فهم واستيعاب الروايات الشريفة الخاصة بالملاحم والفتن، بالإضافة للتأكيد على مجموعة من الثوابت التي يجب مراعاتها عند قراءة علامات الظهور وملامح الفرج، وهي كالتالي:
أولاً: معرفة العلامات وتقسيماتها: لابد من معرفة أن علامات الظهور تعني تلك الأخبار أو الحوادث التي ستقع في المستقبل وتكون مؤشرة على الظهور وقد أخبر بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام).. إذاً نحن نتعامل مع روايات صادرة عن المعصومين (عليهم السلام)، فيجب ان يكون التعامل ذات صفة شرعية وعلمية ونبتعد عن الهوى والمزاجية والسطحية.
عند قراءتنا لروايات الملاحم والفتن يجب مراعاة التقسيمات التالية:
لابد أن نفرق بين علامات قيام الساعة وهي عشرة: «ظهور المهدي، نزول عيسى، الدجال، يأجوج ومأجوج، الدابة،....... " وبين علامات ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، حتى لا يلتبس علينا الأمر ونصاب بسوء فهم عند قراءتنا أو اطلاعنا على الروايات الشريفة التي تتحدث عن أخبار المستقبل وآخر الزمان.
لابد من معرفة علامات الظهور (المحتومة) والتي لابد وأن تقع والتي لا يتدخل البداء في كلياتها ولها الكثير من الارتباط بالظهور وتكون مقارنة له، وهي خمس علامات "اليماني، السفياني، الصيحة، قتل النفس الزكية، خسف البيداء" وبين علامات الظهور (غير المحتومة) وهي كثيرة والتي لا يمكن الجزم واليقين بأنها ستقع.
ثانياً: إدراك الأبعاد التربوية للعلامات: ليس المطلوب من المعصومين (عليهم السلام) أن يذكروا كل خبر سيحدث في المستقبل ويشيرون إليه في رواياتهم الشريفة أو ربطه بالقضية المهدوية، بل نجدهم (عليهم السلام) يختارون من الأحداث والأخبار المستقبلية ما فيه مصلحة من إذاعته والإفصاح عنه، وهنا لابد من معرفة الأهداف التربوية والعقائدية من وراء ذكر هذه العلامة أو تلك، حيث أن معرفة العلامات تعتبر حالة تعبئة (تثقيفية) تحصن المؤمن من مخاطر المتاهات الفكرية، علماً بأن الهدف الأساسٍ من ذكر العلامات هو:
بعث الأمل وزرع التفاؤل في النفوس عبر مختلف القرون والأجيال.
الإيعاز للمؤمنين بقرب الظهور والتنبيه إليه.
خلق حالة إيجابية في روحية الانتظار والاستعداد النفسي للظهور.
تحصين الأمة من الرايات الضالة والمنحرفة.
من هنا نعرف أن علامات الظهور بشكل عام تجعل العلاقة بين الأمة وإمام زمانها (عجّل الله فرجه) علاقة دافئة متقدة وذات ارتباط مستمر ومخزون روحي كبير تغذيه الروايات الشريفة الخاصة بالعلامات، ولذا صيغت الروايات بلغة كلية عمومية مقصودة، يمكن أن تنطبق على قرون مختلفة.
ثالثاً: المحافظة على سرية حركة الظهور: إن علامات الظهور هي أشبه برسائل خاصة من المعصومين (عليهم السلام) إلى شيعتهم ومحبيهم بمرأى ومسمع من الأعداء، لذا لا نتصور ان يضع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) أسرار الظهور في متناول أجهزة الاستخبارات العالمية مما يؤدي إلى فشل الحركة في بداية انطلاقتها، ولذا نفهم سبب صياغة أخبار وعلامات الظهور بصورة رمزية خاصة وبغموض مقصود وبلغة كلية عامة مراعاة لحساسية هذه الأخبار لدى مؤسسات الكفر العالمي وامتداداته، وهذا ما يؤكد اعتماد لغة الترميز باعتباره جزء من مهمة المحافظة على السرية التامة وعدم الحاق الضرر بحركة اليوم الموعود.
من هنا نلاحظ أن روايات علامات الظهور تعتمد طريقة خاصة في الصياغة لا تدع مجالاً للأعداء وكذلك المؤمنين من الجزم بتحليل محدد أو تشخيص دقيق يرسم لنا معالم الخارطة العسكرية للظهور، وبالتالي لابد أن نعرف أن الروايات الشريفة لا تمكننا إلا من الوصول إلى قرائن قوية تبعث على الأمل ولكنها لا تذيع أسرار أهل البيت (عليهم السلام).
رابعاً: قراءة علامات الظهور بصورة شاملة: يتطلب من المؤمنين والباحثين أن يقرؤوا علامات الظهور كلها وبصورة دقيقة وشاملة، وليس كل علامة أو خبر مستقل عن بقية العلامات والأحداث، فلا بد من ربط العلامة الواحدة بجميع العلامات والأحداث الأخرى المرتبطة بها، ناظمين كل الأحداث في سلك تاريخي واحد لنستطيع ونتمكن من إيجاد وتحديد القرائن القوية لكل علامة ومدى تحققها، أما الاستغراق في كل حادثة أو علامة بمفردها سيؤدي إلى حالة من التيه والضبابية وتكون حينها كل علامة منعزلة عن الأخرى ليس بينهما ضابط ولا رابط، فضلا عن تشتيت الأفكار وبعثرة الجهود.
إن دراسة علامات الظهور جميعها، والاطلاع على روايات أهل البيت (عليهم السلام) كلها في هذا الخصوص، تعتبر مقدمة ضرورية لرؤية شاملة عن إرهاصات الظهور، فبتحليل منطقي جيد ونظرة كلية مستمدة من بصيرة نافذة ووجدان عميق يتسنى لنا تحديد القرائن القوية لكل علامة، وبضم القرائن مع بعضها البعض نستطيع الإلمام بالصورة الشاملة لوقائع وأحداث وملامح اليوم الموعود.
خامساً: استيضاح مصدر الخبر أو العلامة: لابد من التفريق بين الخبر والتحليل فيما يتعلق بأحداث وعلامات عصر الظهور لنعرف مصدر المعلومة ودقة صدقها.
الخبر (علامة): حدث سيقع في المستقبل وأشار إليه أهل البيت (عليهم السلام) في رواياتهم الشريفة وله انعكاساته القريبة أو البعيدة على الظهور، وهو عبارة عن علامة من علامات الظهور.
التحليل (ليس علامة): ذكر الخبر مع التطرق إلى التفاصيل والأسباب والمسببات والانعكاسات المنجرة على هذا الحدث، وهو عبارة عن رأي واجتهاد واستنباط الكاتب أو الباحث أو الخطيب يوضح به فهمه للعلامة أو الرواية الشريفة.
فمثال على ذلك عندما يقول الإمام علي (عليه السلام) "ثم رجفة تكون بالشام، يهلك فيها مائة ألف يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذاباً على الكافرين" (غيبة الطوسي ص ٢٧٨)، فكلمة رجفة (الخبر) مصدرها أمير المؤمنين (عليه السلام) أما تفسيرها أو تحليلها فآراء مختلفة: أحدهم يقول زلزال أرضي، وآخر يقول انفجار نووي، وثالث يقول اضطراب أمني وسياسي وهكذا، فعندما نسمع بزلزال سيكون بالشام أو بانفجار سيقع بالشام أو باضطراب أمني سيحدث في الشام، فلا بد أن نعرف أن هذا الكلام عبارة عن تحليل وفهم للرواية وليس خبر يقين صادر عن معصوم، لذا لا بد أن نعرف مصدر المعلومة. الخبر الذي هو عبارة عن علامة من علامات الظهور إذا كان مصدرها المعصومين (عليهم السلام) فهذا صدق ويقين - بعيداً عن موضوع البداء - أما المعلومة التي مصدرها التفسير والتحليل والفهم فقد تصيب الحقيقة وقد تخطئ، ولا يصح أن نطلق عليها علامة.
ليتسنى للمؤمنين الحصول على ملكة وإمكانية التفريق بين الخبر والتحليل لابد من الاطلاع على مجمل روايات أهل البيت (عليهم السلام) الخاصة بعلامات الظهور واستيعاب ألفاظها بدقة، فضلاً عن دراسة صحة الرواية من عدمها.
خلاصة القول: عند الحديث عن علامات الظهور لابد من التأكيد على ثوابت أساسية وجوهرية تكون واضحة للجميع ومن المسلمات: إن قراءة العلامات يجب ان لا تشغلنا عن معرفة الأبعاد الأخرى للقضية المهدوية مثل الجوانب العقائدية وشرائط الظهور وواجبات الانتظار وتهيئة النفس. الابتعاد عن التوقيت المنهي عنه وعدم تصديق من يحدد سنة الظهور. اجتناب إسقاط الروايات الشريفة أو تطبيق شخصيات عصر الظهور على واقعنا الحالي أو على أشخاص بعينهم وعدم الجزم عند تحديد القرائن للعلامات. كذلك في هذا السياق التأكيد على أن يكون الحديث عن ملامح يوم الظهور مقدمة لتقوية وزيادة ارتباط المؤمنين العاطفي بإمام زمانهم (عليه السلام)، حيث أن من واجبنا في عصر الغيبة أن نعد أنفسنا لنكون من جنده لاحتمال إدراك زمن خروجه (عجّل الله فرجه)، نسأل الله أن يوفقنا لذلك، فكم نحن تواقون لرؤية الإمام روحي فداه، وحريصون على الانضمام إلى حركة الفتح التاريخية الفريدة.

الفصل الثاني: الحجاز قبل عصر الظهور (١٨٠)

السؤال الأول: ما هي مكانة الحجاز وشبه الجزيرة العربية في أحداث آخر الزمان وعصر ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)؟
الجواب: تكمن أهمية منطقة الحجاز بوجود الكعبة المشرفة (قبلة المسلمين)، ومثوى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيها، ومن هنا يظهر لنا سبب اختيارها منطلقاً لحركة ونهضة الإمام (عجّل الله فرجه) وبدء ظهورها ونشأتها من مكة المكرمة (البيت الحرام) ومن ثم توجهها إلى المدينة المنورة، وذلك للاستفادة من هدفين:
الأول: إيصال رسالة إلى كافة شعوب العالم بأن منطلقات حركة الإمام (عجّل الله فرجه) دينية وأهدافها إسلامية وأن (الإسلام) هو الأيدولوجية والدستور لحركته، وأنه (عليه السلام) تابع ومجدد لشريعة جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كذلك يستوعب العالم من شعاره "يا لثارات الحسين" عند ظهوره المقدس معالم مدرسته الفكرية.. ومن هنا كان الظهور من قلب العالم الإسلامي ومن قبلة المسلمين ليحظى الإمام (عجّل الله فرجه) بفرصة إيضاح رسالته وأهدافه للعالم كافة من بداية انطلاق حركته.
الثاني: الاستفادة من مكانة الكعبة المشرفة عند المسلمين، فعندما تكون بداية حركته (عليه السلام) من أقدس وأطهر بقعه لديهم، فإن هذه الحركة تحظى باهتمام ومتابعة مستمرة من جميع المسلمين وبمذاهبهم وأطيافهم كافة، لمكانة مكة المكرمة (القبلة) لديهم، وهنا يضمن الإمام (عجّل الله فرجه) استماع المسلمين على الأقل لبياناته وخطبه، وحينها يصل صوته وأطروحته لجميع المسلمين.
من هذه النقاط وغيرها يتضح لنا عبقرية القائد ونجاح استراتيجية حركته، بعكس لو كانت بداية انطلاقها من أية مدينة إسلامية أخرى، أو من أية عاصمة سياسية أخرى، قد لا تحظى حركة الإمام (عليه السلام) حينها من المتابعة الإعلامية والسياسية والجماهيرية، وخاصة في بداية ظهورها ولم تكتمل بعد أسباب قوتها، ولم تتشكل هيكليتها.
السؤال الثاني: هل يمكن أن تحدثنا بإيجاز عن الوضع السياسي في منطقة الحجاز قبل الظهور؟ وهل الأجواء العامة مؤيدة للإمام (عليه السلام) أم معادية له؟
الجواب: إن تسلسل الأحداث التي هي مقدمة الظهور في منطقة الحجاز تبدأ بتهيئة الظروف والمناخ المناسب لإنجاح حركة الإمام (عجّل الله فرجه)، ومن هنا نستوعب ونفهم الروايات الشريفة التي تتحدث عن الفراغ السياسي والضعف العسكري والأمني في تلك المنطقة قبل الظهور.. تبدأ الأحداث في الحجاز بموت الحاكم (عبد الله) فيكون آخر ملوك الحجاز كما في الرواية: «من يضمن لي موت عبدا لله أضمن له القائم "، ويختلف (آل فلان) في تعيين الخليفة له، ويستمر اختلافهم حتى ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كما في رواية أبو بصير: «أما إنه أذا مات عبدا لله لم يجتمع الناس بعده على أحد، ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله، ويذهب ملك السنين ويكون ملك الشهور والأيام.. قال أبو بصير فقلت: يطول ذلك؟ قال: كلا».
ويتحول الخلاف بعد موت (الحاكم عبدا لله) إلى صراع داخلي على السلطة والحكم، ويبدأ الاقتتال الداخلي بين أجنحة العائلة الحاكمة، كما في الرواية: «إن من علامات الفرج حدثاً يكون بين الحرمين، قلت وأي شيء يكون الحدث؟ فقال عصبية تكون بين الحرمين، ويقتل فلان من ولد فلان خمسة عشر كبشا " أي بين الحرم المكي والحرم المدني، والقتل قد يكون في مدينة الطائف.. وبسبب هذا الصراع الداخلي على السلطة تضعف حكومة الحجاز ويحدث الفراغ السياسي ولا يستقر الوضع الأمني.. بغياب السلطة السياسية وضعفها وانشغالها بالصراع والاقتتال الداخلي على الحكم، فتنشط الفئات والمجموعات الناصبية المعادية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام).
وهنا نتفهم الروايات التي تتحدث عن اضطراب يقع بين الحجاج في منى أثناء موسم الحج من ذاك العام حتى أن جمرة العقبة تتلطخ بالدماء، وذلك امتداد للخلاف بين أهل الحجاز على السلطة، بالإضافة للمناخ الأمني العام المعادي للشيعة، فيكثر حينها إيداعهم في السجون، وتختتم هذه الإحداث في الـ ٢٥ من ذي الحجة بقتل سفير الإمام (عجّل الله فرجه) (ذو النفس الزكية) في الحرم المكي بين الركن والمقام.
الأمر المهم في الحجاز في تلك الفترة (أي قبيل الظهور) أن أنظار المسلمين تتوجه نحو المهدي (عليه السلام) وتنتظر ظهوره، وينتشر حينها بين الناس أنه (عليه السلام) يسكن المدينة المنورة، وأن انطلاق حركته ستكون من مكة المكرمة.. وفي هذه الفترة ينشط الإمام (عجّل الله فرجه) بالاتصال بأنصاره في المدينة المنورة ومن ثم في مكة المكرمة، ويمارس (عليه السلام) دوره القيادي بشكل شبه كامل ويصدر توجيهاته في تلك الظروف الحساسة إلى أتباعه وأعوانه، ويتصل بأنصاره بشكل مباشر في شتى بلاد المسلمين باعتبار (بعد النداء السماوي وخروج السفياني) بداية النهاية للغيبة الكبرى التامة، وابتدأ مرحلة الظهور الخفي (الأصغر).
السؤال الثالث: كيف سيكون رد فعل ساكني مكة والمدينة بالنسبة لظهور الإمام (عجّل الله فرجه) ودعوته؟ ما هو موقفهم لهذا الأمر؟
الجواب: بسبب الفراغ السياسي والصراع الداخلي على السلطة في منطقة الحجاز في فترة قبيل الظهور، تنشط القوى المعادية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) لعدم وجود منافس قوي لهم في المنطقة.. فتقوم هذه القوى بعدة أعمال بمساعدة بقايا شرطة النظام الحاكم آنذاك، وتبين لنا هذه الأعمال مدى كرههم وعدائهم للإمام (عجّل الله فرجه) وأتباعه، فمن تلك التصرفات في تلك الفترة:
بعد النداء السماوي في رمضان وخروج السفياني في رجب قبل الظهور بعدة أشهر، يقوم المؤمنون بالتوافد إلى مكة رغبة واشتياقا في مناصرة الإمام (عجّل الله فرجه)، فيدخل أهل مكة الشك والريبة من هؤلاء المؤمنين والأنصار، فيهمون بالقضاء عليهم ويتآمرون عليهم، كما توضح لنا رواية أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام)(١٨١) وحينها يتم القبض على كثير من المؤمنين وإيداعهم السجون.
ارتكاب بقايا النظام الحاكم آنذاك والجماعات التكفيرية جريمة بشعة في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذلك بقتل فتى هاشمي وشقيقته (محمد وأخته فاطمة) وصلبهما على باب مسجد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).. وكل ذلك إظهارا لحقدهم على أتباع وأعوان الإمام المنتظر (عليه السلام).
في الخامس والعشرين من ذي الحجة، قبل الظهور بـ ١٥ يوما يقوم الإمام (عليه السلام) بإرسال رجل هاشمي مندوب عنه للناس في مكة المكرمة في عملية اختبار وجس نبض وتهيئة للثورة المباركة، فيدخل سفير الإمام محمد بن الحسن (ذو النفس الزكية) الحرم المكي ويقف بين الركن والمقام، ويبلّغ الناس المتواجدين في الحرم المكي رسالة شفوية من الإمام (عجّل الله فرجه)، فيقوم بقايا شرطة النظام الحاكم في الحجاز بارتكاب جريمة شنعاء لا تقل عن سابقتها، وذلك بقتل رسول الإمام (عليه السلام) في الحال بين الركن والمقام في المسجد الحرام في يوم حرام.
من هذه الإحداث وغيرها نجد أن أهل الحجاز في تلك الفترة لا يرغبون في ظهور الإمام (عليه السلام)، ولا تخفى تلك الرغبة على القائد العظيم، ولذا نجده يعبر عن ذلك بصراحة، كما صرحت به الرواية عن الإمام الباقر (عليه السلام): في حديث طويل.... " يقول القائم لأصحابه: يا قوم، إن أهل مكة لا يريدونني، ولكنني مرسل إليهم لأحتج عليهم.. بما ينبغي لمثلي أن يحتج عليهم"... إلى بقية أحداث قتل ذو النفس الزكية.
السؤال الرابع: من علامات الظهور بعض الأحداث السياسية تقع في العالم الإسلامي وتؤثر على منطقة الحجاز، ما هي أبرز تلك الأحداث؟ وهل وقع أي حدث منها أو اتضحت إرهاصاته؟
الجواب: بشكل عام إن الأمة الإسلامية تعيش قبيل الظهور حالة من الضعف السياسي الشديد بسبب الحروب والفتن والاقتتال الداخلي، وكذلك تدخل القوى الأجنبية (الروم) في المنطقة، ونتيجة لذلك تظهر وتبرز على الساحة تيارات سياسية متصارعة ومتنافسة مثل:
خروج السفياني من الشام (وهو من المحتوم)، وهو من أبرز أعداء الإمام ومدعوم من قوى الغرب (الروم).
خروج اليماني من اليمن (وهو من المحتوم ايضا)، وهو من مؤيدي ومناصري الإمام (عليه السلام) ورايته أهدى الرايات.
خروج الخراساني من إيران، وهو كذلك من مؤيدي ومناصري الإمام (عليه السلام).
هذه القوى الثلاث تمثل مراكز الثقل السياسي والعسكري في المنطقة حينها، وبتحركاتها وصراعاتها وتحالفاتها تشكل الجو والمناخ السياسي العام للمنطقة قبل الظهور بفترة وجيزة.
في الوقت الحالي، عندما نقرأ أحداث منطقة الشرق الأوسط، ونراقب الأوضاع السياسية والعسكرية فيها، نستشف من قراءتنا بأن إرهاصات أحداث الظهور بدأت تظهر للعيان، وبوادر نشوء نواة للقوى السياسية المتوقعة في تلك الفترة قد تشكلت، وبدأنا نتحسس كذلك معالم للتيارات المتنافسة والتي لها علاقة بأحداث الظهور وعلاماته.. فمن ذلك إرهاصات لبروز عدة تيارات:
التيار الأول: أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهم اليماني والخراساني، فكثير من المؤمنين يعتقد بأن أحداث اليمن الأخيرة والحرب مع الحوثيين ما هو إلا بداية وإرهاصات لخروج اليماني.. وما تدخل الحكومة السعودية في الحرب، إلا بداية لخلق وتهيئة المناخ لسير الأحداث في المستقبل كما نقرأها في علامات الظهور وكما رسمتها لنا الروايات الشريفة.
التيار الثاني: أعداء الإمام المهدي (عليه السلام) بقيادة السفياني حليف اليهود والغرب والحاقد على أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، ولهذا نجد حاليا بعد أحداث العراق (سقوط صدام) وجود تحالف بين البعثتين والتكفيريين في المنطقة ضد الشيعة، شاهداً لبداية إرهاصات وتهيئة المناخ المناسب لخروج السفياني ونشوء تياره، ورسم معالم الأحداث المستقبلية كما توضح لنا روايات وعلامات وأخبار الظهور في الشام والعراق والحجاز.
من هنا نلمس أن ساحة المنطقة في الروايات ميداناً لمعارك متعددة وهامة، ومجرى الأمور والأحداث الحالية ما هو إلا مقدمة لعدم الاستقرار السياسي كما وضحته الأحاديث الشريفة.
كذلك نجد من ناحية أخرى أن بعض المؤمنين والمتابعين لأحداث الملف النووي الإيراني وسير الأمور فيه واستغلال القوى الاستكبارية لذلك، يعتقدون بربط ذلك بأجواء رواية الإمام الباقر (عليه السلام) حيث قال: «كأني بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحق فلا يعطونه، ثم يطلبونه فلا يعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتى يقوموا، ولا يدفعونها إلا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أما إني لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر".
السؤال الخامس: من العلامات الحتمية للظهور خسف البيداء، رجاء تحدثوا قليلا عن هذا الموضوع وعن هجمة جيش السفياني على مدينة الرسول، وكذلك حدثونا عن المنطقة التي سيقع فيها الخسف عند قيام الإمام (عجّل الله فرجه)؟
الجواب: في سنة الظهور يسيطر على منطقة الشام شخص يمثل رمزاً للحكام المسلمين المنحرفين الموالين للغرب والمناهضين للحق وآخرهم، يسمى (السفياني بناء على نسبه) هذا الشخص المنحرف يحقد على أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم.. ويقوم بعدة أعمال إجرامية وشنعاء في العالم الإسلامي من قبيل احتلال العراق ومهاجمة إيران، كذلك يطمع في غزو الأراضي المقدسة في الحجاز، فعندما يصل إلى مسامعه خروج الإمام المهدي (عليه السلام) في مكة وضعف حكومة الحجاز وعجزها السياسي والعسكري، يرسل السفياني جيشا ضخما (لا يكون هو فيه) إلى المدينة المنورة لاحتلالها، فيعيث الجيش بمدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خرابا ودمارا، وينهبها لمدة ثلاثة أيام، ويرتكب جنوده فيها المجازر بأمر منه، فيكسرون منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويهدمون القبر الشريف.. ثم يخرج الجيش من المدينة قاصدا غزو مكة المكرمة للقضاء على حركة الإمام المهدي (عليه السلام) في بداية ظهورها، فإذا توسط الجيش البيداء وهي منطقة واقعة بين مكة والمدينة بعد انتهاء الجبال وبداية الأرض المستوية للمسافر من المدينة إلى مكة وعلى بعد اثني عشر ميلا من منطقة (ذات الجيش)، وهي أرض بيضاء مسطحة قرب بدر الكبرى، حيث يصل الجيش منطقة البيداء وقت الليل، فيبيت الجيش فيها (ليلة مقمرة - ١٤/١٥ محرم) فيأمر الله تعالى جبرائيل (عليه السلام) فيصرخ فيهم صرخة الغضب وينادي يا بيداء أبيدي القوم الظالمين، فتنخسف الأرض بهم وبقواتهم المسلحة، ولا يفلت منهم إلا رجلان (بشير ونذير) يضرب الملَك على وجهيهما فتحول إلى القفا مصداق لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾(١٨٢)، فيذهب (البشير) إلى القائم (عليه السلام) ويبشره بهلاك جيش السفياني بالخسف ويتوب على يدي الإمام (عجّل الله فرجه)، والثاني (النذير) يذهب للسفياني بالشام ليحذره ويخبره بهلاك جيشه، ويموت نذير في الحال.
وعند مسير المهدي (عجّل الله فرجه) من مكة متوجها إلى المدينة المنورة يمر جيشه على موقع الخسف، فيخبر الإمام (عليه السلام) أنصاره وأعوانه بمكان الخسف.
يعتبر هذا الحدث (الخسف) من المحتومات، ولا يقع في مكة لأن مكة المكرمة حرم آمن لا يمكن أن يخاف فيه المستجير، كما أن الإمام المهدي (عليه السلام) قائد مذخور لليوم الموعود وهداية العالم، لا يمكن أن يقتل ولا بد من حمايته، ومن هنا تقتضي الضرورة والمصلحة إفناء هذا الجيش والقضاء عليه بفعل إعجازي إلهي.. وتصبح مكة بعد هذا الخسف منطقة الأمان، لا يجرؤ أحد من القادة العسكريين أو الحكام السياسيين أن يذهب إليها لمحاربة المهدي (عليه السلام)، فكل قائد أو ظالم يطلب منه ويكلف بالذهاب إلى مكة وغزوها للقضاء على المهدي يتراجع ويستقيل ولا يقبل خوفا من وقوع الخسف به، فيبقى حرم الله آمنا ويستقر الأمر للمهدي (عليه السلام).
السؤال السادس: حدثونا عن خريطة سير الإمام (عجّل الله فرجه) من المسجد الحرام، بالترتيب من بداية النداء السماوي والى خروج الإمام (عليه السلام) إلى المدينة، وأهم الأحداث التي تقع في تلك المرحلة الزمنية؟
الجواب: إن توقيت يوم الظهور هو توقيت أكثر من حكيم وأكثر من دقيق، ولهذا يعتبر وحده نصف الخطة، ومن أهميته فرض انتظاره مئات السنين، فإن عنصر المفاجأة في يوم الظهور ووقته له أثر فعال في نصرته (عليه السلام) وإنجاح حركته.. فعندما يسمع محبو وأتباع الإمام (عليه السلام) النداء السماوي في رمضان، وهم في الأساس يراقبون الأحداث ويتابعون تفاصيلها فسيجدون أن الساعة قد حانت وقد اقترب وقت الفرج، ولذا كما تخبرنا الروايات فإن سبعة من العلماء من بلدان شتى يبحثون عن الإمام (عليه السلام) بعد سماعهم للنداء، فيلتقون في مكة على غير ميعاد، ويكون كل واحد منهم قد أخذ البيعة من ٣١٣ شخصاً متدين في بلده، وجاء ليبحث عن الإمام في مكة ليبايعه عن نفسه ونيابة عن جماعته.. وتبدأ حينها كذلك توافد الجموع المؤمنة على مكة انتظارا وترقبا لرؤية الإمام (عجّل الله فرجه).. فبعد خروج السفياني والنداء السماوي تبدأ نهاية عصر الغيبة الكبرى، ويبدأ الإمام (عجّل الله فرجه) بالاتصال ببعض المؤمنين المخلصين، ويضع الخطط المباشرة والتوجيه الدقيق والحكيم لبدء التحرك في اليوم الموعود، وما إرسال الإمام (عليه السلام) لشخص (ذو النفس الزكية) إلى مكة إلا حركة ذكية منه (عليه السلام) لاختبار الناس وجس نبضهم لمعرفة قوة وحجم مناوئيه، وبعد ذلك يأخذ الأنصار الحيطة والحذر في بحثهم عن الإمام (عليه السلام) بين مكة والمدينة.. ففي ظل الظروف الأمنية المشددة والإرهابية يصمم أتباع الإمام على ملاقاته، فيعرفون أو يصل إلى مسامعهم أن الإمام (عليه السلام) موجود في مكة فيذهبون إلى مكة، بعد ذلك يسمعون أو يعرفون بأن الأمام قد ذهب لزيارة أجداده (عليه السلام) في المدينة المنورة، فيذهبون للمدينة طلباً للإمام (عليه السلام)، فيرجع الإمام إلى مكة فيلتحقون به.. وبعد حادثة قتل ذو النفس الزكية في مكة (٢٥ ذي الحجة) ينشط الإمام في الالتقاء بأصحابه وأنصاره وبالخصوص الفئة المخلصة (٣١٣) ويمهد السبل والطرق للظهور وللتحرك بعد ذلك، فيعقد لقاء تلو الآخر معهم، وفي يوم (السبت ١٠ محرم) عند الفجر يعلن الإمام (عليه السلام) نهاية الغيبة الكبرى وبداية الظهور، فيقف روحي فداه قريباً من الكعبة الشريفة مستدبراً لها بين الركن والمقام ومواجها للجماهير ليقول كلمته الأولى.. وما أن يكمل الإمام (عليه السلام) كلامه حتى يحاول شرطة الحرم أو المتنفذين من الإرهابيين أن يعتقلوه أو يقتلوه كما فعلوا قبل ١٥ يوما بقتل ذي النفس الزكية بنفس المكان، فيتقدم في الحال أنصاره ٣١٣ وأصحابه ويدافعون عنه ويحموه ويبايعونه، فيعقد الإمام (عليه السلام) لقاءً معهم على جبل الصفا ويضع الإمام الخطوط العامة لجيشه ويوضح الشروط الخاصة على القادة، ومن ثم يبدأ تحرير الحرم المكي من فلول الظالمين، فيقوم الإمام (عجّل الله فرجه) بدوره القيادي وبشكل كامل ويصدر توجيهاته وتعليماته في تلك الظروف الحساسة لأنصاره وأتباعه، ووضع الخطط للسيطرة على مكة، فيبدأ بإخراج المؤمنين من السجون، ويبقى في مكة حتى يتشكل نواة جيشه (عشرة آلاف رجل) وفي هذه الأثناء يوجه الإمام (عجّل الله فرجه) بعض الخطب والبيانات للجماهير وللعالم وتبث مباشرة عبر الفضائيات مع ترجمتها بلغات شتى.
يبقى الإمام (عليه السلام) في مكة حتى تحدث معجزة الخسف بالبيداء التي بشر بها جده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفي هذه الأثناء يقوم الإمام بعدة أعمال في مكة فيبدأ بتشكيل نواة جيشه، ويعين الإمام (عليه السلام) حاكم أو والي من قبله على مكة.. ويتوجه الإمام من مكة بجيشه المكون من بضعة عشر ألفاً إلى المدينة المنورة، فيمر جيش الإمام (عليه السلام) على موضع الخسف، فيخبرهم بمكان الخسف، فيصل روحي فداه مدينة المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يلقى بداية دخوله المدينة أي اعتراض أو مواجهة تذكر من قبل أهلها، فيبدأ بترميم مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن خربه جيش السفياني، أثناء ذلك يصل إلى سمع الإمام بان الوالي المعين من قبله على مكة قد قتل، فيذهب الإمام (عليه السلام) إلى مكة ويقتل القاتل، ويعين والياً آخر على مكة.. فيعود الإمام (عليه السلام) إلى المدينة المنورة ويقوم بعمل استراتيجي مهم ومؤثر على كافة المسلمين في العالم الإسلامي، بأن يعيد بناء وترتيب بيت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والروضة الشريفة، ويهدف (عليه السلام) من وراء ذلك إلى إيضاح الحقائق للعالم الإسلامي بالرغم من محاولة المناوئين طمسها على مر التاريخ، فيبدأ أهل المدينة بتشكيل جماعة مناوئة للإمام (عليه السلام)، إلا أن محاولتهم تبوء بالفشل ولا يستطيعون أن يواجهوا الإمام (عليه السلام)، فيعين (عليه السلام) والياً من قبله على المدينة المنورة، ويتوجه بجيشه نحو (إيران/ العراق)، وما أن يخرج الإمام وجيشه من المدينة حتى يسمع بأن الوالي قد قتل فيرجع الإمام (عليه السلام) وتتم معركة صغيرة مع المناوئين وعدد القتلى فيها من الأعداء كما تذكر الروايات تفوق عدد شهداء معركة فخ، لا يكون بعدها للمناوئين دور يذكر في المدينة.
بتحرير المدينة المنورة والسيطرة عليها، ومن قبلها السيطرة على مكة المكرمة يتم للإمام (عليه السلام) السيطرة على منطقة الحجاز بسهولة ويسر وذلك للفراغ السياسي فيها وللضعف العسكري المتواجد في المنطقة بعد واقعة الخسف بالبيداء.
السؤال السابع: ما هي مكانة انتظار الإمام (عجّل الله فرجه) بين سكان الجزيرة العربية خاصة الشيعة، وما هي مشاعرهم تجاه الإمام (عليه السلام)؟ وما هي ثقافة الانتظار والثقافة المهدوية في الجزيرة العربية؟
الجواب: إنّ الانتظار الإيجابي للإمام (عجّل الله فرجه) يبعث الأمل والتفاؤل في النفس، ويخلق لدى الإنسان الاستعداد النفسي للقاء الإمام وتحمّل الصعاب في سبيل ذلك، ولهذا نجد أن شيعة الجزيرة العربية حاليا وبمذاهبهم كافة (اثني عشرية - إسماعيلية - زيدية) وبالخصوص الشيعة الاثنا عشرية منهم يتحمّلون مرارة الوضع القائم والظلم السائد عليهم، ومغذّي الصبر لديهم في ذلك هو إدراكهم حقيقة المستقبل وقرب الفرج القادم.. فترتفع لديهم روحيّة الإيمان بالقضية المهدوية، ويرتفع لديهم كذلك مستوى الثقافة المهدوية وانتشارها بين أطياف المجتمع الشيعي، وتتميّز ثقافتهم بأصالتها وخلّوها من الشوائب المعكّرة.
إنّ جل اهتمام شيعة المنطقة حالياً يتمثل في حفظ العقيدة (التمسك بأهل البيت (عليهم السلام)) بين أفراد المجتمع الشيعي ومجابهة محاولات الأعداء النيل منها في نفوسهم ومعتقداتهم.. وبسبب الوعي الثقافي الأصيل والمنبع الفكري السليم وجهد المؤمنين، فإنّنا لا نجد أحداً من شيعة المنطقة يتخلّى عن مذهبه وعقيدته - والعكس صحيح - بالرغم من هجمات الأعداء المكثّفة والمستمرة وعلى كافة الأصعدة.
من جانب آخر نجد ان ارتفاع مستوى الوعي الثقافي لدى أفراد المجتمع الشيعي (الاثني عشري) في المنطقة وانطلاقاً من معرفة علامات الظهور يبعث لديهم حسّ مراقبة ومتابعة الأحداث، مما يخلق لديهم معرفة برايات الحق والهدى، ومعرفة برايات الضلال والانحراف في عصور الفتنة ومراحل الانتظار، وشاهدنا على ذلك أنّه لم نجد أحداً من شيعة المنطقة قد تورّط مع جهيمان العتيبي (مثلاً في حركته وادّعائه للمهدوية في مكة عام ١٤٠٠ هـ) وذلك لمعرفتهم بحقائق الأمور وتحصنهم من أحداث المستقبل قبل أن يتورطوا بالحوادث والعوامل الانحرافية على أرض الواقع.
إضافة إلى ذلك فإنّ تطلّعهم للأمور ومراقبتهم للأحداث السياسية الجارية في المنطقة حاليا وبشكل قوي يبعث لديهم الأمل في ما يواجههم في المستقبل من أحداث ومشاكل، فمن جهة يتحذّر الشيعة من رايات الضلال والانحرافات العقائدية قبل الظهور، ومن جهة أخرى تستبشر الطائفة خيراً بخروج رايات تدعو إلى الهدى والحق، وهنا تتجسد لديهم أهداف الثقافة المهدوية بأبعادها التربوية.

الفصل الثالث: الاكتشافات العلمية تترجم علامات الظهور الغيبية

لا شك أن كل يوم يمضى أو كل سنة تنتهي نقترب أكثر وأكثر من الفجر المقدس، ولاشك ان أحداث العصر الحالي بكل ما فيه من إرهاصات وعلامات وفتن واضطرابات قد ترجح فكرة اننا نقترب من مرحلة حساسة من تاريخ البشرية، بل نقترب أكثر من دلالات مرحلة ما قبل عصر ظهوره (عليه السلام).. بل نجد أن المثقف الواعي الذي يتابع أحداث الفترة الزمنية الحالية ويراقبها بدقة، ويترصدها باهتمام يرى أن أموراً كونية وأحداثاً بشرية لها علاقة بعلامات الظهور (غير الحتمية) قد وقعت أو أشرفت على الوقوع، مما يجعل المنتظرين يعيشون حالة كبيرة من الأمل والتفاؤل والترقب لليوم الموعود.. كذلك نجد أن البشرية بدأت تتململ من شيوع الظلم والاستبداد والجور والفساد، مما أوصل المجتمع الإنساني إلى حالة من اليأس والقنوط من تحقق الإصلاح والعلاج، وفشل كل التجارب الإنسانية السابقة.. وقد بدأ العالم يتجه ويتطلع بشكل جدي وأكثر من ذي قبل إلى الرغبة في تطبيق وتحقيق العدالة السماوية، وهكذا نجد يوما بعد يوم إشارات جديدة تطفو على السطح يعرفها من يراقب ويهتم ويتتبع علامات الظهور مما تعطينا دلالات تمهيدية للطور المهدوي.. ومن هنا لابد أن نشير إلى أن العلم الحديث والجهود البحثية والاكتشافات الأخيرة بدأت تترجم علامات الظهور الغيبية، بمعنى ان بعض العلامات الكونية، والتي كنا نعتبرها من الغيبيات والمعجزات لعدم معرفتنا بطبيعتها وكنهها وكيفية وقوعها.. جاء الوقت الذي بدأت المراكز العلمية تُعّرف طبيعة هذه العلامات (الكونية - الغيبية) وتوجد التفسير العلمي والمنطقي لها وكيفية وقوعها، كالصيحة السماوية، كف بارزة من السماء، خروج صورة إنسان في عين الشمس،.... الخ. وغير ذلك من كلمات ومصطلحات كثيرة اعتدنا عليها في الأحاديث والروايات، وكنا نحفظها على أنها تاريخ مستقبلي بعيد، لقد جاء اليوم لتترجم فيه بعض هذه الملامح وتفسر لنا كيفية حدوثها، مما يقربنا أكثر وأكثر من استيعاب أمر اليوم الموعود بكل ملامحه.
سنتطرق في هذه السطور الى بعض هذه العلامات وكيفية احتمالية وقوعها ومنها:
أولاً: الصوت السماوي (الهدّة أو الفزعة) في رمضان:
إنه الصوت السماوي المدوي (الصيحة) التي توقظ النائم وتقعد القائم وتخرج الفتاة من خدرها، ويقع في النصف من شهر رمضان وهو من غير المحتوم، وهو غير الصيحة السماوية (من المحتوم) والتي هي عبارة عن نداء جبرائيل (عليه السلام) فزمنه في فجر الثالث والعشرين من شهر رمضان.. إذاً نحن نشير إلى إحدى العلامات غير المحتومة، والتي كنا نعتبرها ذات عنصر إعجازي أو غيبي وهي الفزعة أو الهدة أو الرجفة في رمضان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (... وفزعة في شهر رمضان توقظ النائم وتفزع اليقظان وتخرج الفتاة من خدرها(١٨٣)).. إنه حدث كوني كبير غير معهود، يسبب فزعاً ورعبا ًفي قلوب الناس، فيحسب كل قوم أن (الفزعة) وقعت في ناحيتهم.. وقد جاءت الاكتشافات الحديثة والجهود البحثية في الفضاء وأوضحت أن هذه العلامة ما هي إلا صوت مدويّ يحدث بسبب تماس الغلاف الغازي لأحد الكواكب مع الغلاف الجوي للأرض، حيث أن الصحف العلمية الأمريكية نقلت خبراً عن وكالة الفضاء (ناسا) بأنها سربت في السنوات الأخيرة معلومات(١٨٤) عن كوكب اسمه (نيبرو) ونشرت صوراً له، وأكدت بأنه سوف يعترض مسار الأرض (شكل -١) وسوف يحدث هذا التماس في ٢١/١٢/٢٠١٢م، وأن قوة الاحتكاك والتماس (شكل -٢) سوف تصدر صوتاً شديداً (هدّة أو فزعة) تكون مؤثرة تأثيرا سلبياً على الأرض وستحدث خللاً مادياً ودماراً في المباني والمنشآت وتراكيب الأذن، وقد دلّ أحد النصوص(١٨٥) على ضرورة الاحتياط من الفزعة والصوت بالتدثر وسد الأذنين والمنافذ.. وبعيداً عن مصداقية خبر (ناسا) من عدمها وتوقيتها، فإن العلم الحديث ترجم لنا هذه العلامة وفسر لنا كيفية وقوعها، بعد أن كنّا ننظر اليها على أنها من الغيبيات، فأصبحت بالنسبة لنا الآن واضحة المعالم ومنطقية الحدوث.


www.m-mahdi.net
شكل (١)
www.m-mahdi.net
شكل (٢)

ثانياً: كف تطلع من السماء:
علامة أخرى كنا نعتبرها من المعجزات أو الغيبيات هي أن يداً كونية كبيرة تظهر في السماء، جاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: (..... وكف تطلع من السماء من المحتوم(١٨٦)) عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إمارة ذلك اليوم، أن كفا من السماء مدلاة ينظر إليها الناس(١٨٧)).. إنه حدث كوني كبير غير مسبوق يبهر العقول ويجلب الأنظار، وقد أثبتت الجهود البحثية الأخيرة وفسرت لنا هذه العلامة وكيفية تكوينها، وذلك عن طريق سديم (طاقة أو غازات) تشكل هذه اليد الكونية الكبيرة.. فقد نشرت موسوعة (ويكيبيديا) الانجليزية في الفترة الأخيرة خبراً يتحدث عن التقاط التلسكوب الفضائي (مرصد أشعة شاندرا السينية) التابع لوكالة الفضاء الأمريكية (ناسا) لسديم يبدو على شكل يد سماوية ضخمة في الفضاء - وقد دعمت الخبر بنشر صورته (شكل-٣)، كذلك نشرت لقطات فيديو للسديم – ويعزو العلماء هذا التشكل النادر والتراكيب المثيرة إلى نجم نيوتروني (بولسار) والذي يبعد عنا ١٧٠٠٠ سنة ضوئية تقريباً، وهو يدور حول نفسه بسرعة كبيرة ويقذف طاقة ضخمة في الفضاء مما سبب ظهور صورة هذه اليد الكونية الكبيرة، علماً بأن هذه الصورة مشهورة جداً عند أنصار الرحلات عبر النجوم..


www.m-mahdi.net
شكل (٣)

إذن: وبعيداً عن مصداقية الخبر وتوقيته، فإن العلم الحديث ترجم لنا هذه العلامة وفسر لنا كيفية وقوعها أيضاً، فبعد أن كنا ننظر إليها على أنها من الغيبيات، أصبحت بالنسبة لنا الآن واضحة ومنطقية الحدوث.. علماً بأننا لا نعتبر هذه العلامة قد تحققت حالياً، لأن علامات الظهور الكونية تأتي أهميتها من ارتباطها دلالة وإعلاماً وكشفاً وتنبيهاً لكل الناس وليس للمختصين في مجال الفلك فقط، حيث يحتاج إلى رؤيتها والتعرف عليها إلى بعض الإمكانيات المادية (كتلسكوب فضائي خاص جداً) وهو غير متوفر لمعظم الناس، كذلك إن حدوثها في مكان بعيد جداً جداً عنا، بحيث لا يرى من قبل عموم الناس بالعين المجردة كما أشارت إليه الرواية الشريفة (ينظر إليها الناس)، وبالتالي لا يصح أن يطلق على هذا الخبر بأنه تحقق إحدى علامات الظهور، ولكننا نستفيد تفسيره لنا كيفية حدوث وتشكل هذه اليد الكونية الضخمة، والطريق المنطقي الطبيعي لتحقق إحدى علامات الظهور الغيبية، في حال ظهرت للعيان أمام الجميع وهو المقصود.
ثالثاً: علامات ظهور عديدة لها علاقة بالشمس (وجه وصدر إنسان - توقف الشمس عن الحركة - كسوف وخسوف في غير وقتهما):
علامات وأخبار ذكرتها الروايات الشريفة لها علاقة بالشمس وكنا نعتبرها من الغيبيات ولا نعرف كيفية حدوثها، عن أبي بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في قوله تعالى:
﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾(١٨٨) قال (عليه السلام): سيفعل الله ذلك بهم، قلت: من هم؟ قال: بنو أُمية وشيعتهم، قلت: وما الآية؟ قال (ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه، وذلك في زمان السفياني وعندها يكون بواره وبوار قومه(١٨٩)).. وعلامة أخرى لها علاقة بالشمس، عن ثعلبة الأزدي قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): (آيتان تكونان قبل قيام القائم: كسوف الشمس في النصف من رمضان وخسوف القمر في آخره، قال: فقلت: يا ابن رسول الله ينكسف القمر في النصف من الشهر، والشمس في آخر الشهر؟ فقال (عليه السلام) أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم(١٩٠)) وفي رواية أخرى إشارة للعلامات التي من الشمس كما في غيبة الطوسي: (لا يخرج المهدي حتى تطلع مع الشمس آية(١٩١))..
علامات وأخبار وإشارات كثيرة لها ارتباط بالشمس غير معهودة من قبل تحير العقول وتلفت الأنظار، كنا نعتبرها من الغيبيات والمعجزات لعدم معرفتنا التفسير العلمي والمنطقي لكيفية حدوثها أو طبيعة وقوعها.
جاءت الاكتشافات العلمية الأخيرة وشرحت لنا طبيعة التفاعلات الكيميائية والتغيرات الفيزيائية في الشمس، وأشارت التقارير العلمية المتخصصة بأبحاث الشمس والفضاء بأن هناك خمول غير معهود في نشاط الشمس، وتقول العالمة الفلكية الأمريكية أنجيلا سبيك من جامعة ميسوري(١٩٢): (تمر الشمس في مراحل نشاط متفاوتة كل ١١ عاماً، وتشهد الدورات تذبذباً طويل الأمد قد يدوم قرناً) وكانت الأوساط العلمية قد رصدت تراجعا دورياً للنشاط الشمسي، تمثل بخلو الشمس من البقع لفترة ٢٦٦ يوماً في عام ٢٠٠٨م وحده، وهو مالم يحدث منذ عام ١٩١٣م، وإن عام ٢٠٠٩ م كان أكثر خمولا.. وظاهرة البقع الشمسية (الكلف السوداء) أبرز معالم النشاط الشمسي العالي، فالبقع الشمسية(١٩٣) (شكل – ٤) هي في الواقع مساحة من الغاز تكون ابرد من المساحة المحيطة بها من السطح المرئي للشمس، وهي ناتجة عن حقول مغناطيسية قوية تسد التدفق الخارجي للحرارة إلى سطح الشمس من داخلها، وتعرف هذه البقع أو الكلف السوداء بأنها عبارة عن سحابات غازية مظلمة مكونة أساساً من الهيدروجين وتقع فوق السطح المرئي للشمس قليلاً، وهذه البقع مكونة من منطقتين: موضع ظلمة مركزي التي هي منطقة من الظلال المظلمة كليا وحرارتها تصل الى ٣٧٠٠ درجة مئوية، ومنطقة شبه مظلمة وحرارتها تصل إلى ٥٢٠٠ درجة مئوية.. وهذه البقع لها ارتباط وثيق بعلامات الظهور الكونية المرتبطة بالشمس وتفسرها لنا مثل:


www.m-mahdi.net
شكل (٤)

* ظهور وجه وصدر إنسان في الشمس: لهذه البقع الشمسية أو الكلف السوداء التي تقع على سطح الشمس أشكال متنوعة، فمن الممكن أن تحتوي الشمس على مئات البقع الشمسية في فترات، ومن الممكن ألا تحتوي على أي منها خلال فترات أخرى وهذا ناتج عن النشاط المتواصل للشمس، ويتراوح قطر هذه البقع بين ٩٦٠ كلم إذا كانت منفردة و٩٦ الف كلم إذا كانت عبارة عن مجموعة بقع، وأكبر مجموعة من البقع الشمسية تم تسجيل وجودها حتى اليوم كان في أبريل ١٩٤٧م وكان قطرها حوالي ١٣٠ ألف كلم.
ستكون البشرية جمعاء على موعد مع حدث تاريخي لم يسبق له أن حدث من قبل، وهي أن هذه البقع أو الكلف السوداء (بمناطق الظلمة المختلفة) ستتشكل أو ستتجسد في صورة وجه وصدر إنسان تكون على شكل ملامح شخصية معروفة للبشرية مما سيذهل الكثيرين.
* ركود الشمس عن الحركة لعدة ساعات: يستخدم العلماء المراقبون للشمس عادة عدد البقع الشمسية على سطح الشمس لتقدير نشاطها، ويصل عدد البقع إلى الكثرة القصوى خلال ما يوصف بالذروة الشمسية ثم تتراجع لتصل الى أدنى حد خلال أي دورة، وخلال الذروة تحدث الانفجارات الشمسية والعواصف الجيومغناطيسية بكميات كبيرة.
ستشهد البشرية في المستقبل حدوث انفجارات هائلة في الشمس لم تحدث بتلك الضخامة من قبل في وقت من فترات الذروة العظمى (القصوى) فتؤدي الى توقف الشمس عن التحرك أو حركة عكسية بطيئة كردة فعل على الانفجار وذلك لمدة ساعتين أو ثلاث(١٩٤)، فيشعر الناس بتوقف الشمس لزيادة طول النهار فجأة من جهة، ولأن حرارتها تنصب على الأرض أكثر من المألوف من جهة أخرى.
* الكسوف والخسوف في غير وقتهما: إن فترة النشاط الشمسي المرتفع عندما تبلغ الذروة القصوى تحدث انفجارات هائلة في الشمس وتقوى الحقول المغناطيسية التي تولد البقع الشمسية، وبقوة الانفجارات ونشاط الحقول المغناطيسية تكثر البقع الشمسية مما يؤدي إلى إعتام سطح الشمس.
سنشهد في المستقبل حدوث (انفجاران متتاليان - قطبان مغناطيسيان قويان) مما سيؤدي إلى إعتام الشمس مرتين في الشهر نفسه (رمضان) ولا ترسل الشمس أي أشعة، أحدهما يسبب الكسوف وسط الشهر، والآخر يسبب الخسوف آخر الشهر والقمر هلال.. ويكون الكسوف والخسوف بغير سببهما العادي وفي غير وقتهما الاعتيادي، وهذا إحدى علامات الظهور وقبل قيام القائم كما أكدت رواية الإمام الباقر (عليه السلام)، وبسبب تحولات فيزيائية معينة في الشمس(١٩٥)، وليس بسبب اقتراب مذنب إلى الأرض كما أشار إلى ذلك (النيلي) في كتابه الطور المهدوي(١٩٦) مما يحول واقع الأرض إلى محور مختلف بزاوية ميل جديدة ومشرق ومغرب جديدين سيؤدي إلى ظهور الشمس من مغربها (غلق باب التوبة) والذي هو إحدى علامات الساعة وليس علامة لقيام المهدي.. إذاً الكسوف والخسوف في غير وقتهما بسبب الشمس ومما يؤكد ذلك حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) عند ذكر الصيحة والنداء في رمضان (٢٣ منه): (ومن الغد عند الظهر تتلون الشمس وتصير سوداء مظلمة(١٩٧)) وهذا دليل واضح على وقوع الخسف للقمر يوم(٢٥ من رمضان) بسبب ظلمة الشمس.
فالدراسات البحثية الحديثة حول الشمس والتقارير العلمية الفضائية في السنوات الأخيرة أزاحت النقاب والغموض عن كثير من علامات الظهور المرتبطة بالشمس، حيث كنا في السابق لا نجد تفسير علمي وتطبيق منطقي لها، مما دفعنا لاعتبارها من الغيبيات، أما الآن فقد ترجمت لنا الدراسات الحديثة كيفية حدوثها وأصبحنا ندرك طبيعتها ومنطقية وقوعها.
رابعاً: اكتشافات علمية تؤكد أخباراً غيبية لها علاقة بظهور المهدي (عجّل الله فرجه):
من الأمور التي أصبحت مألوفة لنا هذه الأيام تطور العلم وتقدم التكنولوجيا، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة منجزات علمية عظيمة واكتشافات هائلة، بل إن ما حققه الإنسان في السنوات العشر الأخيرة من اختراعات في وسائل الاتصالات والإعلام والانترنت وأبحاث الفضاء والتقنية التكنولوجية، لا يمكن مقارنتها بجميع اكتشافاته وانتاجاته خلال عمر الحضارة كلها.
وتأسيا بهذا، فإن مثل هذه المكتشفات العلمية تمكن البشرية من استيعاب وإدراك بعض الأخبار المستقبلية (الغيبية) التي ذكرت في الروايات الشريفة والمتعلقة بزمن ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والتي كانت غير مألوفة للأجيال السابقة، حيث كانوا يعتبرونها من المعجزات والكرامات الخاصة بصاحب الزمان (عليه السلام).. ومن هذه الأخبار والغيبيات على كثرتها سنذكر بعض هذه الروايات للفائدة:
* قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض، في كل إقليم رجلاً، يقول: عهدك في كفك، فإذا ورد عليك أمر لا تفهمه ولا تعرف القضاء فيه، فانظر إلى كفك واعمل بما فيه(١٩٨)).. وفي هذه الأيام عصر تطور وتقدم وسائل الاتصالات فإن ذلك من الأمور الطبيعية والمتوافقة حالياً مع الهاتف النقال أو النت أو غيره من وسائل الاتصال الأخرى المتوفرة حاليا.
* قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إن قائمنا إذا قام مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لا يكون بينهم وبينه بريد، يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه(١٩٩)).. وفي هذه الأيام عصر التلفزيون والبث الفضائي المباشر أصبح هذا الأمر من الأمور الطبيعية والمألوفة ايضا وليس من الغيبيات أو الإعجاز.
* قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إذا تناهت الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كل منخفض من الأرض، وخفض له كل مرتفع، حتى تكون الدنيا عنده بمنزلة راحته، فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها(٢٠٠)).. وفي هذه الأيام عصر الفضاء والتكنولوجيا أصبح بمقدور أي واحد منا ان يشاهد أية بقعة في الأرض من الأعلى (تصوير فضائي مباشر) عبر النت بواسطة برنامج معروف اسمه (قوقل ايرث) وهو أمر عادي وطبيعي وفي متناول الجميع.
* قال الإمام الباقر (عليه السلام): (إن المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق(٢٠١)).. وفي هذه الأيام عصر التطور التقني وتقدم وسائل الاتصال أصبح ذلك مألوفاً ومتاحاً لكل البشرية.
* بالإضافة لكثير من الأخبار اليقينية والتي كنا ولا نزال نعتبرها من المجاهيل ويدور حولها الغموض مثل قوم يأجوج ومأجوج، فقد جاءت في الفترة الأخيرة بعض من النظريات والأفكار والآراء لتفسر لنا هذه المجاهيل وتزيل الغموض عنها وتخرج لنا بنظريات، وحسب المعطيات العلمية هي أقرب إلى المنطق وإلى الواقع، مثل آراء النيلي المذكورة في كتابه الطور المهدوي وتحليله وتفسيره لآيات القرآن الكريم وقوله تعالى:﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾(٢٠٢) وبقية الآيات المختصة بذلك، واستنتاجاته لنظرية منطقية لمكان تواجدهم وإثباتاته العلمية والمنطقية بناءً على المنهج القصدي لتفسير كلمات وآيات القرآن الكريم، وطرحة نظرية متكاملة بأن قوم يأجوج ومأجوج يعيشون في كوكب آخر قريب من الأرض.. وإلا لأمكننا رؤيتهم ومشاهدتهم لو كانوا على الكرة الأرضية.
إن تطور التكنولوجيا أضاف الشيء الكثير في مجال الاكتشافات الفضائية للبحث عن حياة ذكية خارج الأرض، واحتمال العثور عليها اليوم بات أفضل من أي وقت مضى، مما يساعدنا لاستيعاب وفهم الروايات الشريفة التي تتكلم عن ذلك، والرحلات بين الكواكب والعوالم الأخرى، عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: (أما إن ذا القرنين قد خير الساحبين فاختار الذلول وذخر لصاحبكم الصعب)، قال: قلت: وما الصعب؟ قال:)ما كان من سحاب فيه رعد وصاعقة أو برق فصاحبكم يركبه، أما إنه سيركب السحاب، ويرقى في الأسباب أسباب السماوات السبع، والارضين السبع، خمس عوامر واثنتان خرابان(٢٠٣)).
إن مجمل الروايات الشريفة السابقة قد ذكرت علامات لظهور الإمام المهدي (عليه السلام) وهي أخبار عن مستقبل وعن غيب، ولذا نجد أن لغة تلك الروايات جاءت رمزية تستخدم التشبيه إشارة إلى بعض الحقائق الغيبية والتي يصعب إدراكها في زمن الأئمة (عليهم السلام)، ونجد أن التلميحات تشير إلى ارتفاع بعض حجب الغيب أو معجزات وكرامات لتناسب عقلية الناس في تلك الفترة، لأنها تشير إلى بعض الحقائق التي كان يصعب إدراكها من قبلهم في زمن الائمة (عليهم السلام).. ولكننا حالياً يجدر بنا أن نقول: أن مثل هذه الأخبار يجب أن تكتب بماء الذهب، وأن تنقش على صفحات القلوب كمفاخر تنطق بعظمة قائليها (عليهم السلام)، ووالله إن العاقل ليقف خاشعاً أمام هذه الأخبار التي قيلت قبل ثلاثة عشر قرنا، ويفخر بمثل هذه الشخصيات الفذة، حيث تشعر بأن أهل البيت (عليهم السلام) كأنهم قد عايشونا وعاشرونا فوصفوا حياتنا أدق وصف، فلله در من يقتدي بهم ويواليهم.
خلاصة القول:
إن الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية الحديثة والتطور الهائل في العقلية البشرية، وبلوغها درجة من النضج الفكري والثقافي وترجمتها وتفسيرها للأحداث الكونية والعلامات الغيبية، ما هي إلا مقدمة لظهور الحجة (عليه السلام)، بحيث تستطيع الشعوب أن تستوعب وتتفهم القوانين والأساليب الجديدة التي يتخذها القائد المهدي (عجّل الله فرجه) في دولة العدل الإلهي.
الجدير بالذكر أن هناك مؤشرات أخرى عديدة وقوية بدأت تطفو على السطح وتشير الى اقترابنا أكثر وأكثر من عصر الظهور، أهمها الواقع السياسي الحالي وبالخصوص في منطقة الشرق الأوسط، فإنه يشكل المناخ الملائم لأجواء الظهور، ولا ننسى كذلك الأزمة المالية العالمية والبحث عن بديل أو مخرج منها، بالإضافة للمشاكل الاجتماعية والفكرية والبيئية و......الخ، والكل يبحث عن الحل مما يجعل ظاهرة اليأس والقنوط بارزة بشكل عام وهي من الحالات المرافقة للانتظار، مما سيكون له بالغ الأثر في تهيئة الأرضية لتقبل اليوم الموعود بأبعاده الحضارية كلها.
وهنا يأتي السؤال الكبير والذي من المهم أن نعرف الإجابة عليه: ما هو دورنا ومسئوليتنا تجاه قضية إمامنا (عجل الله تعالى فرجه) وقد بدأ يلوح في الأفق إرهاصات اليوم الموعود؟.. وهل نحن على مستوى نصرة إمام زماننا (روحي فداه) وقد بدأ العالم يشرئبون ذكره؟.
وفي الختام نؤكد أن العالم يستعد وبسرعة نحو استقبال الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).. وما نأمله هو أن نكون من المدركين لظهوره الشريف وكما قال تعالى: ﴿فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾(٢٠٤).

الخاتمة: ولاء عاشق للمهدي (عجل الله فرجه)

السلام عليك يا سيدي ومولاي، السلام عليك يا صاحب الأمر والزمان، السلام عليك يا خليفة الرحمن، السلام عليك يا إمامي يا (م ح م د) بن الحسن العسكري وعلى روحك الطاهرة ورحمة الله وبركاته.
في البدء أقول: إنّ الروح إلى من تهوى تحنّ، والكلمة التي تخرج من القلب تصل، ولكن يا مولاي لا أعرف أنْ اصف ما يعتريني من أحاسيس تجاهك، فلهفة روحي وحرقة الشوق بقلبي لا تكفيها كل لغات العالم للتعبير عنها، ولذا يا سيدي لا أستطيع أنْ اكفّ عن التفكير بك وفيك.
يا ولي الله سوف أبوح لك عمّا يختلجني من مشاعر لا تخفى عليك، فمن الطفولة وأنا أعشق اسمك، ومن الصغر وأنا أتلهف لسماع قصصك، ومن بداية مشوار حياتي وأنا أقرأ كل ما يكتب عنك:
* حفظت جميع أسمائك وألقابك (يا ماشع وفيذموا) في التوراة، و(مهميد الآخر) في الإنجيل، و(بقية الله) في القرآن، وحجّة الله وبقية الأنبياء ونور الأصفياء وغوث الفقراء وخاتم الأوصياء ونور الأتقياء والقائم الموعود عند الناس.
* نقشت في مخيلتي جميع أوصافك، فعرفتك (أبيض مُشَرّبُ حمرة)، ورسمت في ملامحك شامتين واحدة تحت كتفك الأيسر مثل ورقة الآس والأخرى مثل شامة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ورسمت على خدك الأيمن (خال) وعلى يدك اليمنى (خال).
* وثقت جميع علامات ظهورك، فمن لهفتي وشوقي ليوم خروجك، درست كل التفاصيل عن اليماني والسفياني والخراساني والصيحة في رمضان، وقتل النفس الزكية، والخسف في البيداء، وبقية العلامات راجعتها وحفظتها، الخاصة منها والعامة، والمحتوم وغيره.
* عرفتك حق المعرفة، فعرفت هويتك اسماً ونسباً، وصفة وشخصية، ومميزات وقدرات، وعرفتك إماماً بكل ما لهذه الكلمة من معنى، وعرفت أنّ وعد الله لا يتحقق إلاّ على يديك، وعرفت مكانتك الخاصة ومقامك الرفيع عند الله فأنت طاووس أهل الجنة، يا من معرفته نعمة ربانية تفوق جميع النعم.
يا مولاي، من كمال سعادة المرء مخاطبة إمام زمانه: فهل نحن بانتظارك يا مولاي أمْ أنت بانتظارنا؟ فنحن كما تعرف مقصّرون عاجزون مذنبون لا تنطبق علينا شروط الظهور ولا نحقّق أبسط مطالبها، فالعذر لله ولك يا سيدي على سوء أعمالنا وما نقترفه من اثم وظلم يوميا.. سيدي تقبّلني واعف عنّي وسل الله لي العفو، تقبّلني يا قرة عين الزهراء، تقبلني يا خليفة الله، تقبلني يا باب الله، تقبلني يا برهان الله، تقبلني يا جنب الله ﴿يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾، أعتذر إليك سيدي على تقصيري وتفريطي وإسرافي فسامحني، ولتعلم يا إمامي بأنني لن أترك حلقة بابك حتى أسمع الجواب، فقد تعلقت آمالي بحبل أنوارك المشعة وأنت وسيلتي إلى الله.
يا مولاي، من كمال الولاية أداء حق الإمام، فتعلم دون غيرك ما بداخل قلبي من عشق، فقد طال الصبر وطال الانتظار، فمتى تمن علينا بلقائك وتسعدنا بمشاهدتك والسلام عليك، فكم وكم وكم سالت دموعي يا سيدي عند ذكراك، ومع ذلك سأظل دوماً على الثبات واليقين لمحبتك والاستعداد لنصرتك، وأجدد البيعة لك في يومي هذا وفي كل يوم.

السلام على من معرفته تمام ديننا، السلام على من انتظار فرجه أفضل أعمالنا، السلام على من زيارته ولقاؤه غاية آمالنا، السلام عليك يا قائم آل محمد ورحمة الله وبركاته.

اللهم عجل فرجه وسهل مخرجه
المصادر

١- القرآن الكريم.
٢- اُعلام الورى بأعلام الهدى – الفضل بن الحسن الطبرسي، تحقيق علي الغفاري.
٣- الاحتجاج – أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي (مجلدان).
٤- أقترب خروج المسيح الدجال – هشام كمال عبد الحميد.
٥- أشراط الساعة النص والتاريخ – خالد مبارك الوهيبي.
٦- الشيعة في الإسلام – السيد محمد حسين الطباطبائي.
٧- الشيعة في التاريخ – السيد عبد الرسول الموسوي.
٨- الشيعة رواد العدل والسلام – الشيخ مجيد الصائغ.
٩- إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب – للشيخ علي اليزدي الحائري (مجلدان).
١٠- الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ – زكريا خليفة المحرمي.
١١- الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد – الشيخ المفيد.
١٢- الإمامة في الفقه الإسلامي – علي بن هلال العبري – رسالة ماجستير.
١٣- أصالة المهدوية في الإسلام – للشيخ مهدي فقيه إيماني.
١٤- أجوية ابن خلفون – د. عمرو خليفة النامي.
١٥- أسئلة وحوارات حول المهدي المنتظر – يحيى طالب مشاري الشريف.
١٦- أصل الشيعة وأصولها – الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء.
١٧- أضواء على دولة الإمام المهدي – السيد ياسين الموسوي.
١٨- أمل الإنسان، الإمام المهدي في الفكر الإسلامي الأصيل – مركز نون للتأليف.
١٩- الأمل الموعود حروف أدبية وبحوث من أرض القطيف – لؤي آل سنبل (٣ مجلدات).
٢٠- بشارة الإسلام في ظهور صاحب الزمان – مصطفى آل السيد حيدر الكاظمي.
٢١- بحار الأنوار – للشيخ محمد باقر المجلسي (المجلدات: ٥١ – ٥٢ – ٥٣).
٢٢- بحث حول المهدي – السيد محمد باقر الصدر.
٢٣- بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام) – مركز نون للتأليف والترجمة.
٢٤- بحوث في الملل والنحل – الشيخ جعفر السبحاني (ستة مجلدات).
٢٥- البرهان على وجود صاحب الزمان – السيد محسن الامين الحسيني العاملي.
٢٦- البرهان في علامات مهدي آخر الزمان – علي بن حسام الدين المتقي الهندي.
٢٧- البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام) - محمد بن يوسف الكنجي الشافعي.
٢٨- البابية والبهائية أو نصائح الهدى والدين – للشيخ محمد جواد البلاغي.
٢٩- بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر – الشيخ محمود الغرباوي.
٣٠- تاريخ الغيبة الصغرى – السيد محمد صادق الصدر.
٣١- تاريخ الغيبة الكبرى – السيد محمد صادق الصدر.
٣٢- تاريخ ما بعد الظهور – السيد محمد صادق الصدر.
٣٣- تجربتي مع الإمام م ح م د بن الحسن العسكري – د. عصام العماد.
٣٤- ترجمة الإمام المهدي في اعيان الشيعة – السيد محسن الأمين العاملي.
٣٥- جنة المأوى في ذكر من فاز بلقاء الحجة (عليه السلام) - الحاج ميرزا حسين النوري.
٣٦- جولة في حكومة الإمام المهدي – الشيخ نجم الدين الطبسي.
٣٧- حوارات حول المنقذ – الشيخ إبراهيم الأميني.
٣٨- حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظر – للمحامي أحمد حسين يعقوب.
٣٩- الحكومة العالمية للإمام المهدي في القرآن والسنة – الشيخ محمود شريعة زاده الخراساني.
٤٠- حياة الإمام الباقر (عليه السلام) دراسة وتحليل – الشيخ باقر شريف القرشي.
٤١- حياة الإمام المنتظر المصلح الأعظم – الشيخ باقر شريف القرشي.
٤٢- خاتم الأوصياء – محمد مهدي المؤمن – الجزء الثاني.
٤٣- خلاصة المقال في المسيح الدجال – محمود الغرباوي.
٤٤- الخوارج والحقيقة الغائبة – ناصر بن سليمان السابعي.
٤٥- دائرة المعارف الإسلامية الشيعية – حسن الامين – المجلد الأول.
٤٦- دروس في العقيدة الإسلامية – محمد تقي المصباح اليزدي.
٤٧- دولة الإمام المهدي – السيد مرتضى المجتهدي السيستاني.
٤٨- ذلك يوم الخروج – دراسة عن نهضة الإمام المهدي – للسيد حسين المدرسي.
٤٩- رايات الهدى والضلال في عصر الظهور – الشيخ مهدي الفتلاوي.
٥٠- الرشد والهداية – لابن حوشب منصور اليمن.
٥١- السفياني وعلامات الظهور – محمد فقيه.
٥٢- سيكولوجية الانتظار – دراسة للأبعاد النفسية في عقيدة الإمام المهدي المنتظر.
٥٣- شبهات وردود حول إمامة أهل البيت ووجود المهدي المنتظر – للسيد سامي البدري.
٥٤- شمس خلف السحاب، بحث في غيبة الإمام المهدي – السيد ماهر آل شبر.
٥٥- صحيفة صدى المهدي – مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي – عدد ٧٩.
٥٦- الطور المهدوي – عالم سبيط النيلي.
٥٧- طريق الوصال، تكاليف المؤمنين في عصر الغيبة – السيد محمد رضا الحسيني المطلق.
٥٨- ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة للشيخ/ محسن آل عصفور.
٥٩- علامات المهدي في خطب الإمام علي ورسائله وأحاديثه –مهدي حمد الفتلاوي.
٦٠- عقد الدرر في أخبار المنتظر – ليوسف بن يحيى المقدسي الشافعي السلمى.
٦١- العد التنازلي في علائم ظهور المهدي – عباس تبريزيان.
٦٢- عصر الظهور – الشيخ علي الكوراني العاملي ٢٠٠٤م.
٦٣- العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات – السيد احمد الإشكوري.
٦٤- عقيدة المسيح الدجال في الأديان – سعيد أيوب.
٦٥- علامات الظهور – السيد أسعد ترحيني.
٦٦- العرف الوردي في أخبار المهدي – جلال الدين السيوطي.
٦٧- عمر أمة الإسلام وقرب ظهور المهدي – أمين محمد جمال الدين.
٦٨- عيون أخبار الرضا (عليه السلام) – للشيخ محمد بن بابوية القمي المعروف بالصدوق.
٦٩- كتاب الغيبة – للشيخ محمد بن إبراهيم بن جعفر النعماني المعروف بابن أبي زينب.
٧٠- كتاب الغيبة – للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي.
٧١- الفجر المقدس إرهاصات اليوم الموعود وأحداث سنة الظهور - مجتبى الساده.
٧٢- الفتن – نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروذي متوفي سنة ٢٢٩هـ.
٧٣- فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر - مرعي بن يوسف المقدسي الحنبلي.
٧٤- فقه علائم الظهور – الشيخ محمد السند.
٧٥- القول المختصر في علامات المهدي المنتظر – أحمد بن محمد بن حجر المكي الهيتمي.
٧٦- قراءة في الإشكاليات – السيد عبدالله الغريفي (٥ مجلدات).
٧٧- الكشف - جعفر من منصور اليمن.
٧٨- كمال الدين وتمام النعمة - للشيخ بن بابويه القمي (الصدوق).
٧٩- كلمة الإمام المهدي – للسيد حسن الشيرازي.
٨٠- لماذا الغيبة – السيد محمد رضا الشيرازي.
٨١- مأثر الكبراء في تاريخ سامراء – الشيخ ذبيح الله المحلاتي.
٨٢- مجلة الانتظار – مركز الدراسات التخصصية في الامام المهدي - عدد ٦ و١٦.
٨٣- مجلة جنة الحسين – مجلة حسينية متخصصة، العراق – العدد الثاني، محرم ١٤٣٢ هـ.
٨٤- مجلة موعود (الشهرية - الايرانية) باللغة الفارسية – عدد ٩٦ و١٠٨.
٨٥- محكمات السنن في الرد على شبهات أهل اليمن – السيد محمد علي الحلو.
٨٦- مقدمة ابن خلدون – تحقيق عبدالله محمد الدرويش.
٨٧- معالم دولة الإمام المهدي – السيد صدر الدين القبانجي.
٨٨- المراجعات – للسيد عبد الحسين شرف الدين.
٨٩- مسائل خلافية حار فيها أهل السنة - الشيخ علي آل محسن.
٩٠- منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر – لطف الله الصافي الكلبايكاني.
٩١- المهدوية عند أهل البيت (عليهم السلام) – علي إسلامي.
٩٢- المهدي – السيد صدر الدين الصدر.
٩٣- المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية – جواد علي (رسالة دكتوراه)، ترجمة عن الألمانية د. أبو العيد دودو.
٩٤- المهدي المنتظر – ابراهيم المشوخي.
٩٥- المهدي المنتظر بين الدين والفكر البشري – د. محمد طي.
٩٦- المهدي المنتظر فلسفة الغيبة وحتمية الظهور – هاني إدريس.
٩٧- المهدي في القرآن والسنة – السيد صادق الحسيني الشيرازي.
٩٨- الإمام الثاني عشر – هنري كوربان، ترجمة نواف محمود الموسوي.
٩٩- الإمام المهدي من المهد إلى الظهور – السيد محمد كاظم القزويني.
١٠٠- الإمام المهدي بين التصور والتصديق – الشيخ محمد حسن آل ياسين.
١٠١- المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي – إصدار مركز الرسالة.
١٠٢- مع المهدي المنتظر في دراسة منهجية مقارنة – الشيخ مهدي حمد الفتلاوي.
١٠٣- مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم – محمد تقي الموسوي الاصفهاني (مجلدان).
١٠٤- المنتظرون زمن الغيبة – الشيخ جعفر عتريسي.
١٠٥- الإمام المهدي وادعياء البابية والمهدوية بين النظرية والواقع – للسيد عدنان البكاء.
١٠٦- المعجم الموضوعي لأحاديث الإمام المهدي – للشيخ علي الكوراني العاملي.
١٠٧- معجم الملاحم والفتن – محمود السيد مهدي الموسوي الاصفهاني (٤ مجلدات).
١٠٨- الإمام المنتظر من ولادته إلى دولته – للسيد علي الحسيني الصدر.
١٠٩- معجم أحاديث الإمام المهدي – مؤسسة المعارف الإسلامية (خمسة مجلدات).
١١٠- الإمام المهدي واليوم الموعود – للشيخ خليل رزق.
١١١- الإمام المهدي والإيمان بالغيب –السيد محمد تقي المدرسي.
١١٢- مناهج البحث في قضية الإمام المهدي – د. عبدالجبار شرارة.
١١٣- المهدي المنتظر في حديث السنة المعتبر – للشيخ عادل الحريري.
١١٤- ما قبل نهاية التاريخ ظهور قائم آل محمد المهدي المنتظر – جعفر حسن عتريسي.
١١٥- المهدي المنتظر وأحداث الظهور – إبراهيم حسين سرور.
١١٦- الإمام المهدي – السيد علي الحسيني الميلاني.
١١٧- الإمام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال – الشيخ محمد باقر الإيرواني.
١١٨- الملاحم والفتن في ظهور الغائب المنتظر – راضي الدين ابن طاووس.
١١٩- الإمام المهدي نظرة في التاريخ ورؤية للمستقبل – كمال السيد.
١٢٠- الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) – الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي.
١٢١- ماذا نستفيد من الإمام المهدي وهو غائب؟ - الشيخ مهدي علاء الدين.
١٢٢- مسؤوليات المؤمن تجاه إمام الزمان – الشيخ مهدي علاء الدين.
١٢٣- الإمام المهدي من الشك إلى اليقين – نعمة هادي الساعدي.
١٢٤- المهدي المنتظر والعقل – محمد جواد مغنية.
١٢٥- مسيرة الزمان حتى صاحب الزمان - الدكتور بلال نعيم.
١٢٦- المهدي المنتظر على الأبواب - محمد عيسى داود.
١٢٧- المهدي - د. محمد أحمد إسماعيل المقدم.
١٢٨- الأحاديث الواردة في المهدي في ميزان الجرح والتعديل - د. عبد العليم البستوي (مجلدان) – رسالة ماجستير.
١٢٩- المهدي المنتظر - منصور عبدالحكيم.
١٣٠- المسيخ الدجال حقيقة لا خيال - عبد اللطيف عشور.
١٣١- الموسوعة الشعرية المهدوية – عبد القادر ابو المكارم (١٠ مجلدات)
١٣٢- النجم الثاقب في أحوال الحجة الغائب - الميرزا حسين النوري الطبرسي (مجلدان).
١٣٣- نظرة شمولية في مهدي الأمم – حسن حبيب سرور.
١٣٤- النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ – الأسعد بن علي قيدارة.
١٣٥- النور الغائب، الإمام المهدي والادعاءات الكاذبة في العصر الحديث – مجتبى الساده
١٣٦- نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ – مرتضى المطهري.
١٣٧- نهاية أمة الإسلام بين النبوة والسياسة – د. أحمد حجازي السقا.
١٣٨- هرمجدون، آخر بيان يا أمة الإسلام – أمين محمد جمال الدين.
١٣٩- وظيفة الأنام في زمن غيبة الإمام – الميرزا محمد تقي الموسوي الأصفهاني.
١٤٠- ولادة القائم المهدي بالروايات الصحيحة الصريحة – الشيخ أحمد الماحوزي.
١٤١- ينابيع المودة – سليمان بن ابراهيم القندوزي الحنفي.
١٤٢- يوم الخلاص في ظل القائم المهدي – الأستاذ كامل سليمان.


 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) سورة الكافرون – آية ٦.
(٢) كتب الشيخ مهدي حمد الفتلاوي بحث بعنوان (مع المهدي المنتظر في دراسة منهجية مقارنة بين الفكر الإسلامي الشيعي والسني) بتاريخ ١٢/٦/١٤١٦ هـ، وهي عبارة عن بحوث فكرية تتناول موارد الاتفاق والاختلاف العقائدي والتاريخي بين الشيعة والسنة في موضوع المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
(٣) للمقارنة مدرستان:
المدرسة الغربية: الفكر والمنهج الغربي في المقارنة بين الأديان، يريد فقط التعرف على الأديان المختلفة ووصفها، والغرض منه التسوية بين الأديان كلها، وهذا فيه الخبث والخطورة.
المدرسة الإسلامية: الفكر والمنهج الإسلامي في المقارنة بين الأديان والمذاهب، يريد الوصول إلى نتيجة كتفضيل دين أو فكرة على أخرى كنتيجة من نتائج المقارنة.
(٤) كتاب: الخوارج والحقيقة الغائبة ص١٧٢، للكاتب الإباضي: ناصر بن سليمان السابعي ط الأولى عام ١٩٩٩م.
(٥) كتاب الخوارج والحقيقة الغائبة ص١٧٧.
(٦) وقد أكد الشيخ جعفر السبحاني في موسوعته الملل والنحل ج ٥ ص٢٣٣، عندما تطرق إلى حجج الإباضية ونفيهم أنهم فرقة من الخوارج قال الشيخ السبحاني: كل ما ذكروه أشبه بالخطابة، وذلك: إن تخصيص اسم الخوارج بالمتطرفين منهم كالأزارقة والنجدات وتخصيص بلا وجه، فقد أطلق هذا اللفظ في عصر الإمام علي (عليه السلام) على من خرجوا عليه.. وان تسميتهم بها كان رائجاً في عصر معاوية، أي قبل عام الستين (هجرية) وقبل إن يتسنم الازارقة والنجدات منصة القيادة.. ويستنتج من ذلك: إن الخوارج أطلق يوم أطلق على من خرج عن طاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأنكروا التحكيم عليه من غير فرق بين اولهم او من أتى بعدهم.
(٧) الدكتور عمرو خليفة النامي في مقدمة تحقيقه لكتاب أجوبة ابن خلفون.
(٨) ولكن في زمن الإمام علي (عليه السلام) اشترك في معركة النهروان في صف الخوارج.
(٩) الإمامة في الفقه الإسلامي، ص٢٢ للأستاذ علي بن هلال العبري، رسالة ماجستير عام ١٩٩١م بكلية الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية.
(١٠) المصدر السابق ص٢٣.
(١١) كتاب الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ – زكريا خليفة المحرمي – عمان مكتبة الغبيراء ط الأولى ٢٠٠٥م.
(١٢) محاضرة بعنوان من أشراط الساعة، يوليو ١٩٩٨م، الرستاق، سلطنة عمان نقلا عن كتاب اشراط الساعة للوهيبي ص٢٠٨.
(١٣) في ظلال السنة، تسجيلات مشارق الأنوار سلطنة عمان، نقلا عن كتاب اشراط الساعة للوهيبي ص٢١٠.
(١٤) محاضرة الدعوة والتعليم عند الإباضية، احمد بن سعود السيابي، بهلا، سلطنة عمان ٢٠٠٣م.
(١٥) سورة المائدة أيه ٣.
(١٦) نشر مكتبة الغبيراء – سلطنة عمان – الطبعة الأولى ٢٠٠٤م.
(١٧) الإمامة في الفقه الإسلامي – رسالة ماجستير عام ١٩٩١م، بكلية الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية، للشيخ العماني الإباضي علي بن هلال بن محمد العبري.
(١٨) كتاب الإباضية تاريخ ومنهج ومبادئ، الناشر مكتبة الغبيراء، الطبعة الأولى ٢٠٠٥م، سلطنة عمان.
(١٩) كتاب أشراط الساعة، الناشر مكتبة الغبيراء، الطبعة الأولى ٢٠٠٤م، سلطنة عمان.
(٢٠) رواية الحديث عند الإباضية ص١١١، صالح بن أحمد البور سعيدي، أشراط الساعة للوهيبي ص١٠٨.
(٢١) روى الربيع بن حبيب في مسنده حديث رقم (٤٥): أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا يزال الأمر – يعنى الولاية – في قريش مادام فيهم رجلان – وأشار بإصبعيه – ولكن الويل لمن افتتن بالملك).
(٢٢) اشراط الساعة للوهيبي ص ١٩٣.
(٢٣) ص٢٠٦ المصدر السابق.
(٢٤) كما في سورة البقرة آية ٢ و٣.
(٢٥) كما في صحيح مسلم: (لا يزال هذا الدين قائماً حتى تقوم الساعة، ويكون عليهم اثنا عشر خليفة.. كلهم من قريش) وفي صحيح البخاري: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا... وقال كلهم من قريش).
(٢٦) سورة الأنبياء آية ١٠٥.
(٢٧) سورة يونس آية ٣٥.
(٢٨) الإسماعيلية القرامطة: كان ظهورهم في بلاد البحرين قديما، ويعتبر الحسن بن بهرام (ابو سعيد الجنابي) مؤسس دولة القرامطة وقد ادعى أنه المهدي المنتظر، وحكم بعده ابنه سليمان لمدة ٣٠ سنة، وقد هاجم الكعبة المشرفة سنة ٣١٩هـ واستولى على الحجر الأسود ونقله وابقاه عنده في منطقة القطيف لأكثر من عشرين سنة.
(٢٩) كريم شاه أغاخان الحسيني هو الإمام التاسع والأربعون للإسماعيليين النزاريين (الفرقة القاسمية)، وحصل على لقب الإمامة بالوراثة حيث هو ابن الأمير علي خان والأميرة تاج الدولة علي خان، ولد عام ١٩٣٦م في جنيف، وقضى طفولته المبكرة في نيروبي بكينيا، درس لمدة تسع سنوات في مدرسة لي روزي في سويسرا، وقد تخرج عام ١٩٥٩م من جامعة هارفارد بأمريكا في تخصص التاريخ الإسلامي.. عندما كان في العشرين من عمره تولى الإمامة للفرقة القاسمية في ١١ يوليو ١٩٥٧م خلفاً لجده السلطان محمد شاه أغاخان.
(٣٠) كما يصرحون هم بذلك وحسب إحصائياتهم الخاصة.
(٣١) انظر كتاب الكشف لجعفر بن منصور اليمن ص ٩٧، ١٠٢.
(٣٢) بداية من شهر مايو ٢٠١٠ م.
(٣٣) سورة الجن آية ١٩.
(٣٤) كتاب الفترات والقرانات: للداعي جعفر بن الحسن بن فرج بن حوشب والمشهور بـ (جعفر بن منصور اليمن) توفى سنة ٣٨٠هـ، والكتاب يبحث في تاريخ الدعوة أثناء فترة استتارها.
(٣٥) سورة البقرة آية ٣٠.
(٣٦) انظر كتاب الكشف لجعفر بن منصور اليمن ص ٦٢، ٧٧، ١٠٣، ١١٠، ١٣٥، ١٦٠، ١٩٠ – وكذلك كتاب الرشد والهداية لابن حوشب منصور اليمن تحقيق محمد كامل حسن ص ١٩٨.
(٣٧) مسائل خلافية حار فيها أهل السنة، الشيخ علي آل محسن ص ١١٨.
(٣٨) مثلاً: بحوث في الملل والنحل للشيخ جعفر السبحاني.
(٣٩) سنن ابن ماجه ٢: ٤٠٨٥، الحاوي للفتاوي ٢: ٧٨
لكن غاب عنهم أن معنى (يصلح امره في ليلة) المراد منه تمكينه قبضة الحكم والسيطرة على أجهزة الدولة في بلاد الحجاز في ليلة واحدة.
(٤٠) العقد يساوي عشر سنين.
(٤١) استناداً إلى ما جاء في سنن أبي داود (اسمه اسمي واسم ابيه اسم أبي).
(٤٢) جاء في الحديث عن جابر بن سمرة قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: " لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا...... فقال، كلهم من قريش ". ذكره البخاري في صحيحه (٣/٣١١)، صحيح مسلم (٣/١٤٥٢، ١٤٥٣، ١٤٥٤)، سنن أبي داود (٤/١٠٦)، جامع الترمزي (٥/٥٠١)، مسند احمد (٥/٨٦ -١٠٨).
(٤٣) كتاب المهدي المنتظر، ابراهيم المشوخي ص ٣٥، مكتبة المنار الاردن – ط ٢ / ١٤٠٦ هـ.
(٤٤) التواتر المعنوي: هو الذي يكتفي فيه بأداء المعنى، ولو اختلفت رواياته عن الجمع الذين تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.. فالأحاديث تكون مختلفة لكنها تتفق على المعنى الذي نريده، ومثاله هو ما بين أيدينا، وهو حديث خروج المهدي آخر الزمان.
(٤٥) رسالة ماجستير – جامعة الملك عبدالعزيز- قسم الدراسات العليا – مكة المكرمة – ١٣٩٨ هـ. طبعت في مجلدين:
المجلد الأول بعنوان: المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة.
المجلد الثاني بعنوان: الموسوعة في أحاديث المهدي الضعيفة والموضوعة.
(٤٦) المصدر السابق، البستوي، المكتبة المكية ١٤٢٠هـ [١/٣٥٦].
(٤٧) سنن أبي داود (٤/١٠٦)، جامع الترمذي (٤/٥٠٥)، مسند احمد (١/٤٤٨) و(١/٣٧٦)، المعجم الكبير (١٠/١٦٤ – ١٦٧).
(٤٨) سنن أبي داود (٤/١٠٦)، المستدرك (٤/٥٥٧)، الفتن - بن حماد (ص ٩٩ و١٠٠).
(٤٩) سنن أبي داود (٤/١٠٧)، سنن ابن ماجه (٢/١٣٦٨ ح ٤٠٨٦)، المستدرك (٤/٥٥٧).
(٥٠) سنن أبي داود (٤/١٠٧)، مسند احمد (١/٩٩)، مصنف ابن أبي شيبة (٣٢١ / ب).
(٥١) لمزيد من التفاصيل والبحث والدراسة، ولمعرفة الكثير عن علامات الظهور عند أهل العامة، ننصح بالرجوع الى الكتب الأربعة المذكورة، والاطلاع على كل علامة والحديث الشريف الدال عليها، إضافة للأحاديث والروايات في هذا الباب.
(٥٢) من خلال الحوارات والنقاشات في القضية المهدوية مع جمهور أهل العامة، للتصور الشيعي الاثني عشري للمهدوية، دائما يبدؤون من الذيول التاريخية للقضية، فيكون محور حديثهم (الولادة – اسم الأم – السرداب – طول العمر – الغيبة – الإمامة المبكرة.... الخ) ولا يتطرقون إلى المباني الأساسية للأطروحة الشيعية بالبتة.
(٥٣) ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) عشرات الأدلة الشرعية والعقلية والتاريخية التي تثبت ولادة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام).
(٥٤) ومثال على ذلك: ارجع إلى الحديث في بداية البحث عن الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام) وفيه (لبعث الله رجلا من أهل بيتي).
كذلك عن ابن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي" أخرج في: سنن ابن داود [٢:١٠٦ ح ٤٢٨٢] ومستدرك الحاكم وقال: صحيح ووافقه الذهبي.
كذلك عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " لتملأن الأرض جوراً وظلما، فإذا ملئت جوراً وظلما، بعث الله رجلاً مني اسمه اسمي" أخرجه البزار، والحاكم، وابن عدي، وأبو نعيم، وأحمد في مسنده.
(٥٥) حديث " الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش " و" لايزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر كلهم من قريش ".. هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعددة وإن اختلف في متنه قليلا، راجع. صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف [٩: ١٠١] – كذلك راجع صحيح مسلم / كتاب الإمارة باب الاستخلاف [٦:٤] – كذلك راجع مسند أحمد [٥: ٩٠، ٩٣، ٩٧] – كذلك أخرج ابو داود في سننه [٢: ٢٠٧] في كتاب المهدي بلفظ " لا يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة.....". نعم فأهل العامة قد اختلفوا في تأويله واضطربوا.
(٥٦) ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) اكثر من ٢٠ قصة إدعاء كاذب للمهدوية وجميعها وقائع معاصرة حديثة.
(٥٧) عن الإمام الباقر (عليه السلام): " ان عيسى (عليه السلام) ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا، فلا يبقى أهل ملة يهودي ولا غيره إلا آمنوا به قبل موتهم، ويصلي عيسى خلف المهدي (عليهما السلام) " منتخب الاثر ص ٤٧٩.
(٥٨) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): " كيف انتم اذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم " صحيح البخاري باب نزول عيسى [ص ١٥٨]، صحيح مسلم باب الايمان في باب نزول عيسى [ج ٢: ص ٥٠٠]، مسند احمد [ج٢: ص ٣٣٦].
(٥٩) هذا التعريف: ذكره القرطبي في كتاب التذكرة لمعنى الدجال، شرح نجم الدين محمد امين الكردي (للنهاية المكمل لكتاب البداية والنهاية) لابن كثير – وذكر هذا التعريف ايضا في كتاب: خلاصة المقال في المسيح الدجال، لمحمود الغرباوي ص ١٣ – وكذلك ذكر في كتاب: بشرى البشر في حقيقة المهدي المنتظر ص ١٢٧.
(٦٠) قال الالباني: حديث الجساسة حديث صحيح، وليس فيه ما يخالف الأحاديث الصحيحة إطلاقا، وإنما فيه تفاصيل ستقع يوما ما مما لم يرد ذكره في بعض الأحاديث الصحيحة، موسوعة الالباني في العقيدة، باب حول حديث الجساسة [١٥٩٣].
(٦١) تخريج حديث الجساسة: عن فاطمة بنت قيس، وأبي هريره، وعائشة، وجابر بن عبد الله:
١ - صحيح مسلم، باب الفتن واشراط الساعة [ح ٢٩٤٢].
٢ - سنن الترمذي، باب الفتن [٢٢٥٣].
٣ - سنن أبي داود، باب الملاحم [٤٣٢٥].
٤ - مسند احمد، باقي مسند الانصار والقبائل [ج ٦ / ص ٣٧٣ – ٣٧٤ – ٤١١ – ٤١٦ – ٤١٨].
(٦٢) اخرج الطبراني حديث يثبت ذلك، في فتح الباري [ج١٣، ص١٩].
(٦٣) لمعرفة المزيد عن خوارق الدجال عند أهل العامة، ومعرفة الاحاديث التي صرحت بذلك راجع:-
١ - كتاب: اقترب خروج المسيح الدجال، لـ هشام كمال عبدالحميد ٢٠٠٦م القاهرة.
٢ - كتاب: خلاصة المقال في المسيح الدجال، لـ محمود الغرباوي ٢٠٠٤م القاهرة.
(٦٤) اخرجه صحيح بخاري [٥: ١٣] باب الفتن، صحيح مسلم [٦: ٢١ – ٢٢]، المستدرك للحاكم على شرط الشيخين [١ – ٧٧].
(٦٥) ذكرنا في كتابنا (النور الغائب والادعاءات الكاذبة) أكثر من ٢٠ قصة ادعاء كاذب للمهدوية وجميعها وقائع معاصرة حديثة، واوضحنا الاسباب والنتائج لذلك.
(٦٦) الشيعة في التاريخ، للسيد عبد الرسول الموسوي ص ١٢.
(٦٧) الصواعق المحرقة: ٩٢.
(٦٨) الدر المنثور ٨: ٥٨٩.
(٦٩) سورة البينة: ٧.
(٧٠) الطبري في تفسيره، والحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل ج ٢ ص ٣٥٦.
(٧١) الشيعة رواد العدل والسلام – الشيخ مجيد الصائغ ص ٣٢ وص ٨١.
(٧٢) كتاب: حياة الإمام الباقر (عليه السلام) دراسة وتحليل للشيخ باقر شريف القرشي ج ٢، ص ٩٦ - ١٠٢
(٧٣) كتاب المراجعات، المراجعة الرابعة.
(٧٤) صحيح مسلم ح ٤٤٢٥، بحار الانوار ٢: ٩٩. وقد صححه الالباني في سلسلة الاحاديث الصحيحة ٤/٣٥٥ حديث ١٧٦١ وذكر مجموعة من طرقه.
(٧٥) الشيخ جعفر السبحاني، بحوث في الملل والنحل ج ٦ ص ٧٥٣.
(٧٦) سورة فصلت: آية ٤٢
(٧٧) عيون أخبار الرضا ٢: ١٢١ – ١٢٢.
(٧٨) الإمامة هي الأصل الثالث عند الشيعة الإمامية.. ومن أعتقد بالإمامة فهو عند الشيعة الإمامية: مؤمن بالمعنى الاخص، وإذا اقتصر على الاركان الأربعة ولم يؤمن بالإمامة، فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الاعم.. ولكن لو أنكر الرجل واحداً من (التوحيد – النبوة – المعاد) فليس بمسلم ولا مؤمن، وإذا دان بتوحيد الله، ونبوة محمد، واعتقد بيوم الجزاء، فهو مسلم حقاً، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم: دمه وماله وعرضه حرام.. المصدر: أصل الشيعة وأصولها للشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ص ١٣٣ و١٣٤.
(٧٩) قال تعالى ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ تفسير الفخر الرازي-الجزءالرابع-ص٤٦.. المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أم لا؟ واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين. الأول: ما بينا أن قوله: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ جواب لقوله: ﴿وَمِن ذُرّيَتِي﴾ وقوله: ﴿وَمِن ذُرّيَتِي﴾ طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك.
(٨٠) شرح دليل اللطف بشكل اكثر سهولة ووضوح: إن أي بلد يقوم بتصنيع آلة كبيرة ومعقدة، لابد له عندما يقوم ببيعها أو تصديرها من إرسال خبير متخصص يشرح ويعلم كيفية عمل الآلة والاشراف على صيانتها، أما الاشياء البسيطة والصغيرة لسنا بحاجة إلى خبير بها.. وعليه فالدين الإسلامي لابد من وجود شخص خبير بأحكامه وتعاليمه، ولا يمكن أن يقع في الخطأ (العصمة)، يتحمل مهمة بيان هذا الدين وتوضيحه للناس، وهذا الشخص هو الإمام (في كل عصر وزمان) حسب اعتقاد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
(٨١) «حكم العقل بوجوب اللطف على الله تعالى، وهو فعل ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية، ويوجب إزاحة العلة وقطع المعذرة بدون أن يصل إلى حد الإجبار لئلا يكون لله على الناس حجة وتكون له الحجة البالغة، فالعقل حاكم بوجوب إرسال الرسل وبعثة الأنبياء ليبينوا للناس ما أراد الله منهم من التكاليف المقربة من الخير والمبعدة عن الشر ويحكموا بينهم بالعدل، وأن يكونوا معصومين من الذنوب منزهين عن القبائح والعيوب لتقبل أقوالهم ويؤمن منهم الكذب والتحريف، وكما يجب إرسال الرسل من قبل الله تعالى يجب نصب أوصياء لهم يقومون مقامهم في حفظ الشريعة وتأديتها إلى الناس ونفي التحريف والتبديل عنها، والحكم بين الناس بالعدل وإنصاف المظلوم من الظالم، ويجب عصمتهم عما عصم منه الأنبياء» - المصدر كتاب: ترجمة الإمام المهدي في أعيان الشيعة للسيد محسن الامين ص ٥٠.
(٨٢) سورة البقرة: آية ٣٠.
(٨٣) سورة البقرة: آية ١٢٤.
(٨٤) سورة المائدة: آية ٥٥.
(٨٥) سورة النساء: آية ٥٩.
(٨٦) غاية المرام ص ٢٦٧ج١٠(ط قديمة(، وإثبات الهداة ج٣ ص١٢٣، وينابيع المودة ص ٤٩٤.
(٨٧) من مقامات الامام أيضاً: شهادة الاعمال (أمة وسطاً)، والهداية (يهدون بأمرنا)، وواسطة الفيض (في ليلة القدر)، والخلافة (جاعل في الارض خليفة).
(٨٨) العصمة: ملكة نفسانية راسخة في النفس، تعصم الإنسان عن ارتكاب الذنب بصورة مطلقة فلا يرتكب المعاصي مطلقاً، بل لا يفكر فيها أبداً ولا يحوم حولها.. بمعنى آخر: الدرجة القصوى من التقوى.
(٨٩) عالم الاجتماع والتاريخ ابن خلدون استطاع أن يبين حقيقة النظريتين الشيعية والسنية في خصوص الإمامة، أنظر مقدمة بن خلدون ج١ فصل ٢٧ ص٣٧٣، وبعبارة مختصرة عرف الإمامة عند أتباع مدرسة الخلفاء بقوله: (الإمامة: من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعيّن القائم لها بتعيينهم) ثم قال: الإمامة لدى الشيعة: هي ركن الدين وقاعدة الإسلام، ولا يجوز لنبي إغفاله ولا تفويضه إلى الأمة، بل يجب عليه تعيين الإمام لهم ويكون معصوماً من الكبائر والصغائر).
وبعبارة مختصرة نوضح: أن الإمامة عند الشيعة: هي استمرار للقيام بوظائف الرسالة وهي منصب إلهي، وأن الإمام يتولّى جميع وظائف الرسول، وعند السنة: حصرت الإمامة في مجال السلطة والسياسة فقط وتفوض للأمة.
(٩٠) سورة المائدة: آية ٣.
(٩١) النتيجة هي الابتعاد عن الضلالة.. ائْتُونِي اَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لاَ تَضِلُّوا بَعْدِي = لا ضلال اي هداية.. التمسك بالكتاب والعترة = الهداية.
(٩٢) بحث: المهدوية في موقعها الطليعي والطبيعي، للسيد جعفر مرتضى العاملي، موقع موعود الالكتروني.
(٩٣) من أراد التوسع في هذا الموضوع، فليرجع لكتابنا (النور الغائب)، الباب الأول – القسم الثاني: المهدي (عليه السلام) في المصادر الإسلامية.
(٩٤) سورة الإسراء: آية ٧١.
(٩٥) سورة الرعد: آية ٧.
(٩٦) سورة النساء: آية ٥٩.
(٩٧) سورة النور: آية ٥٥.
(٩٨) سورة الأنبياء: آية ١٠٥.
(٩٩) سورة القصص: آية ٥.
(١٠٠) سورة ق: آية ٤١-٤٢.
(١٠١) سورة الشعراء: آية ٤.
(١٠٢) سورة النساء: آية ٤٧.
(١٠٣) مصدر سابق.
(١٠٤) مصدر سابق.
(١٠٥) مصدر سابق.
(١٠٦) ولمزيد من الاطلاع على أسماء العلماء ومعرفة كتبهم ارجع إلى كتاب أصالة المهدوية في الإسلام ص٥٧-٦٨.
(١٠٧) مصداق لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتواتر والمعروف بالثقلين - مصدر سابق.
(١٠٨) بعض العلماء يقولون: أن الغيبة الصغرى بدأت منذ ولادته (عجّل الله فرجه) وحتى عام ٣٢٩ هـ.
(١٠٩) لا يوجد نائب خاص، من زمن انتهاء الغيبة الصغرى إلى صدور الصيحة في السماء.
(١١٠) ملكة يحصل عليها الإنسان بعد دراسات مطؤَّلة ومعمَّقة في الفقه والأصول واللغة والمنطق والتفسير وغيرها من علوم، قد تستغرق ٤٠ عاما من الدراسة المستمرة والمثابرة التامة، فإذا حصل على هذه الملكة وباقي الصفات المذكورة في محلها من العدالة وغيرها، أصبح مؤهلاً لأن يتصدى لبيان شرائع الدين، ويتصدى ليكون نائباً عاماً عن الإمام (عجّل الله فرجه) - المصدر: صحيفة صدى المهدي، عدد ٧٩، محرم ١٤٣٧ هـ.
(١١١) مصداق لحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتواتر والمعروف " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية" – مصدر سابق.
(١١٢) كمال الدين ص٥٩٢، منتخب الأثر ص١٨٦، الزام الناصب ج١ ص٤٧٥، بحار الأنوار ج٥١ ص٣٥.
(١١٣) منتخب الأثر ص١٨٧، الزام الناصب ج١ ص٤٧٥.
(١١٤) غيبة النعماني ص١٤٥، بحار الأنوار ج٥١ ص٤١.
(١١٥) غيبة النعماني ص١٤٤
(١١٦) السنة والعام الذي سيظهر فيه الإمام مجهول عند الناس.
(١١٧) من أراد التوسع في هذا الموضوع، فليرجع لكتابنا (الفجر المقدس)، الفصل الثالث: به أحداث سنة الظهور بالتفصيل والأدلة وحسب التسلسل الزمني.
(١١٨) الإرشاد للمفيد ج٢ ص٣٧٩، كمال الدين ص٥٩٠، غيبة النعماني ص١٦٩، غيبة الطوسي ص٢٦٧، أعلام الورى ص٤٢٦.
(١١٩) سورة ق: آية ٤١ - ٤٢.
(١٢٠) بعض العلماء يضيف الى الشروط: شرط الإذن الإلهي، وشرط: القدرة على مواجهة الاعداء بشكل طبيعي وليس إعجازي.
(١٢١) ارجع الى الكتب التالية: كتاب الفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكاياما (نهاية التاريخ والانسان الاخير) وغيره من الكتب الغربية في هذا المجال.. كتاب: نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ لمرتضى مطهري، وكتاب: النظرية المهدوية في فلسفة التاريخ لأسعد قيدارة.
(١٢٢) قام علماء الإمامية بالرد على هذه الشبهات والإجابة عليها في مؤلفات مستقلة، ومن أراد التوسع والاستفاضة نحيله إلى المصادر المؤلفة في هذا المجال مثل: موسوعة الإمام المنتظر (عليه السلام) قراءة في الإشكاليات (٥ مجلدات) للسيد عبدالله الغريفي، وكتاب العقيدة المهدوية إشكاليات ومعالجات للسيد احمد الإشكوري.. والعديد من الكتب في هذا المجال.
(١٢٣) نقل وبتصرف كبير من كتاب: بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت (عليهم السلام)، مركز نون للتأليف والترجمة – أدلة وجود وإمامة المهدي ص ٣١٦ – ٣٢١.
(١٢٤) سورة الانفال، آية ٣٣.
(١٢٥) مختصر بصائر الدرجات ص ٢٢٨.
(١٢٦) موسوعة بحار الأنوار، مجلد ٥١، الباب الأول: باب ولادته وأحوال أمه، ص ٢ - ٢٨.
(١٢٧) كتابنا النور الغائب، الباب الأول: الفصل الثاني، بعنوان (اليقين بوجود المهدي) من ص ٦٥ – ١٢٥.
(١٢٨) آيات عديدة تؤكد على ضرورة وجود امام في كل زمان مثل:
﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ الرعد: ٧، ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ القصص: ٥١ وإيصال القول أي تبليغهم بآيات الله وأحكامه وهذه لا يقوم بها إلاّ الإمام الرباني وفي زماننا الحاضر هو الإمام المهدي، ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ البقرة:٣٠، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ﴾ الصف:٨، سورة القدر، وكلها أدلة قرآنية قبل الحدوث أي قبل ولادة المهدي (عليه السلام).
(١٢٩) أرجع إلى عنوان: جذور الأطروحة المهدوية، أمثلة لكتب الإمامية في هذا المجال.
(١٣٠) موسوعة معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ذكرت ٥٦٠ حديثاً مروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في المهدي، راجع عنوان إحصائيات.
(١٣١) راجع الإحصاء الذي ذكره الشيخ لطف الله الصافي في منتخب الأثر، والذي يتضمن عدد ومجموع الروايات التي رواها الشيعة والسنة حول الإمام المهدي (عليه السلام).. كذلك الإحصائيات التي ذكرت في فقرة جذور الأطروحة.
(١٣٢) سورة مريم: آية ٢٩ - ٣٠.
(١٣٣) سورة مريم: آية ١٢.
(١٣٤) مناظرة مشهورة في التاريخ في مسألة مُحرم قتل صيداً، ذكرت في كتاب الاحتجاج للطبرسي ج ٢ ص ٤٤٤، وهناك مناظرات عديدة غيرها.
(١٣٥) سورة العنكبوت: آية ١٤.
(١٣٦) سورة الصافات: آية ١٤٤.
(١٣٧) سورة النساء: آية ١٥٨.
(١٣٨) سورة الكهف: آية ٢٥.
(١٣٩) سورة الحجر: آية ٣٦-٣٨.
(١٤٠) كتاب المعمّرون لأبي حاتم السجستاني، وكتاب مروج الذهب للمسعودي ذكر عدداً من المعمرين.. وقد ذكر العشرات من المعمرين في كتب التاريخ.
(١٤١) قصص عديدة ذكرت في: بحار الانوار ج ٥٢ للمجلسي، وجنة المأوى للشيخ النوري، وتبصرة الولي فيمن رأى القائم المهدي للبحراني.
(١٤٢) سورة الكهف: آية ٦٥.
(١٤٣) سورة البقرة: آية ٣٠.
(١٤٤) سورة النور: آية ٥٥.
(١٤٥) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، باب ٤٤ ص ٤٣٨.
(١٤٦) مستدرك الصحيحين ٣/٤٥٨، كنز العمال ٦/١١٦.
(١٤٧) سورة الانفال، آية ٣٣.
(١٤٨) سورة القدر: آية ٤.
(١٤٩) سورة البقرة: آية ١٤٣.
(١٥٠) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق، باب ٤٥ ص ٤٤١.
(١٥١) بحار الانوار، ج ٥٢ ص ١١٣.
(١٥٢) السرداب: عبارة عن بناء في المنزل تحت الأرض، ينتشر في الأماكن الحارة، عادة يكون بعيداً عن الشمس وقريبا من الرطوبة ويكون بارداً، وهو ما يعرف اليوم باسم (القبو).
(١٥٣) للتوسع عن تاريخ سرداب الغيبة، أرجع لكتاب: مأثر الكبراء في تاريخ سامراء للشيخ ذبيح الله المحلاتي، ج ١ ص ٢٩٢ وما بعدها، فقد أستوفى الموضوع بحثاً وبين الحقيقة على نحو صحيح وسليم.
(١٥٤) قصيدة (أتى سائلاً) جاءت في ٣٠٩ بيت وهي عبارة عن قصيدة جوابية لقصيدة وردت من بغداد في ٢٥ بيت لناظم لم يسم اسمه – المصدر: كتاب البرهان على وجود صاحب الزمان للسيد محسن الامين القصيدة مع شروحها – وكذلك مجلدات: الموسوعة الشعرية المهدوية، عبد القادر ابو المكارم، ج ٦ ص ٨٨.
(١٥٥) الموسوعة الشعرية المهدوية، عبد القادر ابو المكارم، ج ٦ ص ٨٩.
(١٥٦) الامام المهدي من المهد إلى الظهور ص ٢٠٢.
(١٥٧) الموسوعة الشعرية المهدوية، عبد القادر ابو المكارم، ج ٦ ص ٩٠.
(١٥٨) أصول الدين عند الشيعة الإمامية خمسة وهي: التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد.
(١٥٩) السيد محمد باقر الصدر (١٩٣٥م – ١٩٨٠م) مرجع ديني شيعي عراقي، مفكر وفيلسوف إسلامي، ولد بالكاظمية / بغداد ٢٥/١١/١٣٥٣ هـ.
(١٦٠) بحث حول المهدي، للسيد محمد باقر الصدر، ص ١٠.
(١٦١) بحث حول المهدي للسيد محمد باقر الصدر، ص ٨.
(١٦٢) هنري كوربان (١٩٠٣ – ١٩٧٨): فيلسوف ومستشرق فرنسي، صب اهتمامه على الاسلام في ايران وبشكل خاص الشيعة، من أهم كتبه الإمام الثاني عشر في الإسلام الإيراني – مشاهد روحية وفلسفيه للإسلام.. المصدر: موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
(١٦٣) تاريخ الفلسفة الإسلامية، السيد جواد الطباطبائي، ص ١٠٥.
(١٦٤) كتاب: الإمام الثاني عشر، لهنري كوربان، ترجمة نواف محمود الموسوي، ص ٥٣ و٥٤.
(١٦٥) يوشيهيرو فرانسيس فوكاياما: عالم سياسة واقتصاد سياسي ومؤلف وأستاذ جامعي امريكي، ولد بمدينة شيكاغو في ٢٧ اكتوبر ١٩٥٢م، حصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة هارفارد، أمريكي من أصول يابانية، أشتهر بكتابه: نهاية التاريخ والإنسان الاخير الصادر عام ١٩٩٢م، والذي يقول فيه: ان المذهب السياسي المخلّص الذي سيكون في النهاية مذهب كل البشرية، هو نظام الديمقراطية الليبرالية الغربية على أنها النظام الأكمل الذي ينبغي أن تبلغه كل البشرية على حد قوله.. المصدر: موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة.
(١٦٦) قال فوكاياما هذا الكلام: في مؤتمر بالقدس عام ١٩٨٦م عنوانه: معرفة جديدة عن الشيعة، رسم الفكر السياسي للشيعة.
(١٦٧) كتاب: أمل الإنسان، الإمام المهدي في الفكر الإسلامي الاصيل، ص ٦٢.
(١٦٨) سورة النور: آية ٥٥.
(١٦٩) الشهيد مرتضى مطهري (١٩١٩م – ١٩٧٩م) عالم دين شيعي ايراني، مفكر وفيلسوف إسلامي، ولد في محافظة خراسان ٣١/١/١٩١٩ م.
(١٧٠) كتاب: نهضة المهدي في ضوء فلسفة التاريخ، للشهيد مرتضى مطهري، ص ٦٢.
(١٧١) دراسة للمؤلف نشرت في كل من:
مجلة الانتظار – العدد السادس / شهر رجب ١٤٢٧ هـ – تصدر من مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) – العراق النجف الاشرف.
مجلة جنة الحسين (عليه السلام) – العدد الثاني / محرم ١٤٣٢هـ – مجلة حسينية تخصصية تعني بنشر الفكر الحسيني – العراق.
(١٧٢) سورة النصر.
(١٧٣) سورة الأحزاب آية ٦.
(١٧٤) سورة المائدة ٤٨.
(١٧٥) سورة النساء ١٠٥.
(١٧٦) سورة النساء ٥٩.
(١٧٧) دراسة للمؤلف نشرت في كل من:
مجلة الانتظار – تصدر من مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) – العراق النجف الاشرف – العدد السادس عشر، شهر محرم ١٤٣٠ هـ.
مجلة (موعود) الشهرية الايرانية - نشرت باللغة الفارسية في عدد ٩٦، شهر بهمن ١٣٨٧ هـ ش الموافق يناير ٢٠٠٩ م، بعنوان " استراتزى دشمنان در جنگ عليه امام مهدي (عليه السلام) " ترجمة: سيد شاهبور حسيني.
(١٧٨) سورة الأنفال آية ٣٠.
(١٧٩) سورة الصافات آية ١٧٣.
(١٨٠) مقابلة أجرتها مجلة (موعود) الشهرية الإيرانية مع المؤلف، ونشرت باللغة الفارسية في عدد ١٠٨، شهر بهمن ١٣٨٨ هـ ش الموافق فبراير ٢٠١٠ م، بعنوان "نقش حجاز در عصر ظهور" ترجمة: سيد شاهبور حسيني.
(١٨١) بشارة الإسلام ص ٢١٠.
(١٨٢) سورة النساء آية ٤٧.
(١٨٣) غيبة النعماني ص١٦٩، بحار الانوار ج٥٢ ص٢٣٣.
(١٨٤) أكدت الخبر كلية العلوم بجامعة بغداد في دراسة حديثة أجراها عدد من المتخصصين.
(١٨٥) الملاحم والفتن – بن طاووس ص٤٢.
(١٨٦) غيبة النعماني ص١٧٢.
(١٨٧) بحار الأنوار ج٥٢ ص٢٣٣.
(١٨٨) سورة الشعراء – آية ٤.
(١٨٩) الإرشاد للمفيد ج٢ ص٣٧٣، أعلام الورى ٤٢٨، بحار الأنوار ج٥٢ ص٢٢١.
(١٩٠) الإرشاد للمفيد ج٢ ص٣٧٤، غيبة النعماني ص ١٨١، غيبة الطوسي ص٢٧٠، أعلام الورى ص٤٢٩، بحار الأنوار ج٥٢ ص٢٢٠.
(١٩١) غيبة الطوسي ص٤٦٦، بحار الأنوار ج٥٢ ص٢١٧.
(١٩٢) مجلة (نيو ساينتيست) الأسبوعية المتخصصة في العلوم والتكنولوجيا.
(١٩٣) كتاب الكون: تأليف كولين رونان – إصدار المؤسسة الأهلية للنشر والتوزيع بيروت.
(١٩٤) كتاب الفجر المقدس ص١٠٣.
(١٩٥) كتاب الفجر المقدس ص١٠٣.
(١٩٦) كتاب الطور المهدوي ص٢٣٠.
(١٩٧) بحار الأنوار ج٥٢ ص٢٧٥، بشارة الإسلام ص٥٩ و٧٠.
(١٩٨) غيبة النعماني ص٣١٩.
(١٩٩) بحار الانوارج٥٢ ص٣٣٦.
(٢٠٠) بحار الأنوار ج٥٢ ص٣٢٨.
(٢٠١) بحار الأنوار ج٥٢ ص٣٢٩.
(٢٠٢) سورة الكهف آية ٩٤.
(٢٠٣) بحار الأنوار ج٥٢ ص٣٢١.
(٢٠٤) سورة الأعراف آية ٧١.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٧ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016