فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » رايات الهدى والضلال في عصر الظهور
 كتب أخرى

الكتب رايات الهدى والضلال في عصر الظهور

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ مهدي حمد الفتلاوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٨/٢٦ المشاهدات المشاهدات: ٢٧٥ التعليقات التعليقات: ٠

رايات الهدى والضلال في عصر الظهور

المؤلف: مهدي حمد الفتلاوي

فهرست الموضوعات

دعاء
الإهداء
المقدمة
وقفات تمهيدية
أهداف ثقافة العلامات
خطورة تجاهل العلامات
الانتظار على خطى العلامات
العلامات تهدي إلى الحق
فتنة الخلافة
فتنة الفرقة والاختلاف
فتنة عصر الظهور
كلمة جامعة
عصر الظهور
علامات عصر الظهور
بداية عصر الظهور
دول الكفر في عصر الظهور
دولة إسرائيل في عصر الظهور
اليهود في القرآن
افساد اليهود
نهاية اليهود
العقوبة الاخيرة
اليهود في السنة النبوية
دولة الترك في عصر الظهور
دورهم في عصر الظهور
معاركهم مع الموطئين
معارك الترك في العراق
معركة قرقيسيا
نهاية الترك
دولة الروم في عصر الظهور
الحضارة الاوروبية المعاصرة
دورهم في عصر الظهور
تدخلهم في بلاد الشام
نهاية الدولة المغربية
رايات الهدى في عصر الظهور
راية الموطئين للمهدي
قيادات الموطئين
قائد ثورتهم
القائد الخراساني
السيد الحسني
القائد العسكري للموطئين
مبادئ دولة الموطئين
المبدأ الأول: وحمل رسالة القرآن للعالمين
المبدأ الثاني: الدعوة الى إمامة أهل البيت
المبدأ الثالث: التعبئة الجهادية لتحرير القدس
المبدأ الرابع: التوكل على الله والثقة بالامداد الغيبي والنصر الإلهي
الوعد الإلهي للموطئين
الوعد الاول
الوعد الثاني
عرض روايات أهل قم
عوامل الاستبدال في احاديث قم
قم كل إيران
قم حجة على العالمين
من هو الحجة في قم؟
تصحيح روايات قم
راية المناصرين للمهدي
من هو اليماني؟
نسب القائد اليماني
تاريخ انطلاقة ثورة اليماني
الموقع الجغرافي للثورة
مبادئ ثورة اليماني
تحالف اليماني مع الخراساني
راية اليماني اهدى الرايات
الرأي الصحيح
العصائب والابدال والنجباء
عدد الابدال والنجباء والعصائب
دورهم في عصر الظهور
الابدال من اتباع أهل البيت
بداية ظهور الابدال في الشام
صفات الابدال
مقاومة الابدال لليهود
اوصاف المقاومين الابدال
العلاقة بين المقاومين الابدال والموطئين
رايات الضلال في عصر الظهور
الدولة القرشية في عصر الظهور
نهجها السياسي
نهاية الدولة القرشية
الدولة العباسية في عصر الظهور
رايتان للعباسيين
عودة الحكم العباسي
عودتهم من المحتوم
صفات القادة العباسيين
معاركهم مع الموطئين
حكم العباسيين قبل السفياني
نهاية الدولة العباسية
دولة المغاربة في عصر الظهور
دور المغاربة في معركة تحرير القدس
انها راية ضلال
الدولة السفيانية في عصر الظهور
اسم قائدها ونسبه
صفاته
مركز حركته
دوره السياسي
مؤامراته على الأمة
محاولة سحق الثورة الاسلامية في مصر
محاولة ابادة اتباع أهل البيت
محاولة اسقاط دولة الموطئين
محاولة القضاء على الثورة المهدوية
نهاية حكم السفياني
مصادر الكتاب ومراجعة

الدعاء
بسم الله الرّحمن الرّحيم

اللّهمّ عرّفني نفسك، فإنّك إن لم تعرّفني نفسك، لم أعرف رسولك، أللّهمّ عرّفني رسولك، فإنّك إن لم تعرّفني رسولك، لم أعرف حجتك، أللّهمّ عرّفني حجّتك، فإنّك إن لم تعرّفني حجّتك، ضللت عن ديني، أللّهمّ لا تمتني ميتة جاهلية، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني... أللّهمّ فثبّتني على دينك، واستعملني بطاعتك، ولّين قلبي لوليّ أمرك، وعافني ممّا امتحنت به خلقك...
وثبّتني على طاعة وليّ أمرك، الّذي سترته عن خلقك، فبإذنك غاب عن بريّتك، وأمرك ينتظر، فصبّرني على ذلك، حتىّ لا أحبّ تعجيل ما أخّرت... ولا أقول لم؟، وكيف؟، وما بال وليّ الامر لا يظهر، وقد امتلأت الارض من الجور؟... اللّهمّ عجّل فرجه، وأيّده بالنّصر، وانصر ناصريه، واخذل خاذليه(١).

الإهداء

إلى ثائر أهل البيت الامام الخمينيّ، محطّم اصنام العصر، ومنقذ المسلمين والمستضعفين من الاسر، الّذي اسقط عرش الطّاووس والطّاغوت في ايران، إلى القائد والقدوة، الّذي ارتعدت من صولته فرائص الكفر، واهتزّت هلعا من صرخته، طواغيت الشّرك، وأئمّة الضّلال، ورؤوس النّفاق، حينما أطلقها صرخة مدّوية "إنّ الخمينيّ حتّى ولو بقي وحيدا فريدا، فإنّه سيواصل طريقه، وهو طريق مقارعة الكفر والظّلم والشرك والوثنيّة... وسوف يعمل على سلب النّوم والرّاحة، من عيون جبابرة الأرض، والمأجورين الّذين يصرّون على ظلمهم"(٢).
إلى فقيه آل محمّد، وقائد شيعتهم، وحامل لواء رسالتهم، والمحامي عن ولايتهم، أقدّم هذه الاوراق هدّية متواضعة إليه.
اللهم أكتبنا من الشاهدين والمستشهدين على نهجه.

المؤلف

المقدمة
بسم الله الرّحمن الرّحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين وصحبه المخلصين.
يتميز عصر الظهور بكثرة الفتن وشدتها، وبتلاحق الأحداث الجسام وخطورتها، مما لم تشهده الأمة من قبل، لأنه عصر الخلاص على يد المنقذ المنتظر، من كل ما تعانيه البشرية من آلام ومآس وخطوب، ولهذا استأثر بعدد كبير من الاحاديث الشريفة، التي غطت جميع أحداثه.
وتمثل ثقافة علامات عصر الظهور، أحد أهم مقومات التربية الإيمانية والجهادية، في مراحل الغيبة والانتظار، بما لها من دور فاعل، في حث المنتظرين المخلصين وتحريكهم نحو المزيد من التعبئة الجهادية المسلحة، والتربية الإيمانية الأصيلة، استعدادا لاستقبال ولي الله الاعظم أرواحنا فداه، والالتحاق بجيشه الإلهي المقدس، فمن لم يكن مهيأ روحيا وجهاديا وعقائديا لاستقباله، فإنه لا يملك المقومات الذاتية التي تؤهله للالتحاق برايته والعيش في ظل دولته ورعايته، كما جاء ذلك صريحا في رسالته التي بعثها للشيخ المفيد قدس الله روحه الطاهرة، حيث قال:
"فليعمل كلّ امرئ منكم، بما يقرّبه من محبّتنا، ويتجنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا، فإنّ امرنا بغتة فجاءة، حين لا تنفعه توبة، ولا ينجّيه من عقابه ندم على حوبة".
لقد حاول هذا الكتاب، التركيز على المفاهيم الرسالية والحركية الواعية، التي تثيرها ثقافة العلامات، فقدم تصورات عامة حول رايات الكفر والضلال، مسلطا الأضواء على دورها الخطير في مواجهة الصحوة الإسلامية الأصيلة في عصر الظهور، ليكون المسلمون على بينة من أمرها، وحذر مسبق من فتنها وشراك مؤامراتها. كما تعرض للحديث مفصلا، حول رايات الهدى، ودورها في مواجهة مخططات الكفر، وإحباط مؤامرات أئمة الضلال، بزعامة قياداتها الإلهية، التي جعلها الله حجة على الأمة في عصر الظهور.
اللّهم نسألك وندعوك، أن تظهر كلمتك التامة، ومغيّبك الذي في أرضك، الخائف المرتقب، والمنتظر لأمرك، اللهم انصره نصرا عزيزا، وافتح له فتحا يسيرا، واجعلنا من انصاره والمقاتلين بين يديه، والمستشهدين تحت عينيه، صلواتك عليه وعلى آبائه الطيبين الطاهرين.

لبنان-بيروت
يوم الجمعة ١١ ربيع الأول ١٤٢٠ ه

وقفات تمهيدية

أهداف ثقافة العلامات
إذا كانت الدراسات الاسلامية، تنطلق دائما من منطلقات رسالية، لتربية الفرد والمجتمع، بمفاهيم الاسلام وقيمه، بهدف تحصين الامة بالوعي الديني، لأبعادها عن مخاطر الانحراف، في مختلف ميادين الحياة، فإن ثقافة علامات الظهور تكون في طليعة الفكر الاسلامي التربوي الهادف، باعتبارها تمثل في نصوصها الغيبية لافتات تحذير إلهية، تشير الى مناهج الضلال ورموزه وراياته، كما انها في الوقت ذاته ترسم في كل عصر، معالم الطريق الالهية المؤدية الى خط الهدى، وهذا الدور الإيجابي للعلامات، يؤكده المعنى اللغوي والاصطلاحي لها، فهي في اللغة: الأثر الذي يعلم به الشيء، أو ما ينصب على الطريق من إشارات ليهتدي بها السائرون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلاَمَاتٍ وبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (النحل: ١٦)، وفي الاصطلاح، كل حدث دل الخبر الغيبي على وقوعه في المستقبل، باعتباره من دلائل قرب ظهور الإمام المنتظر (ع).
وفي هذا الاطار، حدد الامام الصادق (ع)، مكانة علامات الظهور في الثقافة الاسلامية، حيث قال: "ان قدام المهدي علامات، تكون من الله عز وجل للمؤمنين"(٣)، فالعلامات دلائل غيبية كلها من الله تعالى، ولم يكن لرسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) دور فيها، الا بمقدار تبليغها للامة، وهي دلائل وضعها الله تعالى لهداية المؤمنين، الى طريق الحق، عبر عصور الانحراف، التي يقصى فيها الدين عن ميادين الحياة، ونلاحظ من خلال التأمل بمضامينها انها تستهدف أمرين:
الاول: تحذير الأمة وتنبيهها، إلى كل ما يواجهها في المستقبل، من رايات ضلال، وانحرافات، عقائدية وسياسية واجتماعية واخلاقية قبل الظهور.
الثاني: البشارة بخروج رايات تدعو الى الحق، وتجاهد في سبيله قبل الظهور، مع التأكيد على وجوب الالتفاف حولها ونصرتها.
وهذا ما يؤكد ان ثقافة العلامات ببعديها التربويين، لا تختلف في اهدافها الالهية، عن أي نوع من انواع الثقافات الاسلامية الاخرى الا في منهجها وميدان عملها.
خطورة تجاهل العلامات
ذكرنا آنفا ان لثقافة العلامات بعدين تربويين، بعد تحذيري يستهدف تسليط الاضواء على رايات الضلال، وجميع الانحرافات والمؤمرات التي تواجه الامة قبل الظهور، ومن امثلة روايات هذا النوع من اخبار العلامات، حديث الامام الباقر (ع) مع بريد قال: "يا بريد اتق جمع الاصهب، قلت: وما الأصهب؟ قال: الأبقع، قلت: وما الأبقع؟ قال: الأبرص، واتق السفياني، واتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة يقسمان بها الاموال، يتشبهان بالقائم، واتق الشذاذ من آل محمد"(٤).
ولثقافة العلامات بعد آخر يبشّر الامة بظهور رايات هدى، تدعو الى الحق والى صراط مستقيم قبل الظهور، ومن امثلة هذا النوع رواية عن الامام الكاظم (ع): "[يخرج] رجل من قم، يدعو الناس الى الحق، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرياح العواصف، لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون، والعاقبة للمتقين"(٥). ورواية عن الامام الصادق (ع) حول اليماني قال: "واذا خرج اليماني فانهض اليه، فإن رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من اهل النار، لأنه يدعو الى الحق، والى طريق مستقيم"(٦).
وفي اطار هذين البعدين، تمتد الآثار التربوية لثقافة العلامات، في تاريخ الامة منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتى ظهور ولده الامام المهدي (ع)، وهو ما يفسر لنا اهتمام اهل البيت بها، وكثرة صدورها واستفاضتها عنهم، باعتبارها معلما فكريا مهما في منهج الاسلام التربوي، لتحصين الامة من عوامل الضلال والانحراف، وتوجيهها الى طريق الحق والهدى، في عصور غياب الاسلام الاصيل عن قيادة الحياة، ولهذا دعا الاسلام الى ضرورة معرفة علامات الظهور، المعنية بوصف احداث المستقبل، قبل أن يتورط المسلم بحوادثها وعواملها الانحرافية على أرض الواقع.
ففي الحديث النبوي: "هذه فتن قد اطلّت كجباه البقر، يهلك فيها اكثر الناس، الا من كان يعرفها قبل ذلك"(٧).
وفي حديث الامام الصادق (ع)، لهشام بن سالم، حول الصيحة من السماء قال: "هما صيحتان[صيحة]في اوّل الليل، وصيحة في آخر الليلة الثانية فقلت: كيف ذلك؟ فقال: واحدة من السماء، وواحدة من ابليس فقلت: كيف نعرف هذه من هذه؟ فقال: يعرفها من كان سمع بها قبل ان تكون"(٨).
وسأل زرارة الامام الصادق (ع) عن الصيحة ومن يعرف الصادق من الكاذب؟ فقال: "يعرفه الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون انه يكون قبل ان يكون، ويعلمون انهم هم المحقّون الصادقون"(٩).
فهذه الاحاديث لا تقتصر على توجيه المسلم، الى ضرورة معرفة ثقافة العلامات قبل زمان وقوعها، بل تؤكد ايضا على العلماء والفقهاء وجوب دراستها دراسة علمية، من خلال التحقيق في أسانيدها ومضامينها، ليكونوا على وضوح ويقين من امرها وحقيقتها، لتحديد الموقف الصحيح للناس منها قبل وقوعها، باعتبارها من الحوادث الطارئة والمستجدة في حياتهم، والتي توجب تكليفا شرعيا مستجدا عليهم، فهي مشمولة بكلام المعصوم "وأمّا الحوادث الواقعة-أي المستجدة عليكم-فارجعوا فيها الى رواة حديثنا فانهم حجّتي عليكم وانا حجّة الله عليهم"(١٠).
لقد استفاضت الاخبار وبطرق عديدة، حول خروج رايات ضلال كثيرة قبل الظهور، ومن هذه الاخبار، ما جاء عن الامام الصادق (ع) انه قال:
"لترفعن اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يعرف أي من أي"(١١) وفي رواية عن الإمام الباقر (ع) قال: "لا يخرج القائم، حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم، كلهم يدعو الى نفسه"(١٢) ومنها رواية الباقر (ع) لتلميذه بريد" يا بريد اتق جمع الاصهب، قلت: وما الاصهب؟، قال الابقع، قلت: وما الابقع؟، قال: الابرص، واتق السفياني، واتق الشريدين من ولد فلان، يأتيان مكة يقسمان بها الاموال، يتشبهان بالقائم، واتق الشذاذ من آل محمد"(١٣).
وهنا نسأل القائلين بعدم جدوى دراسة ومعرفة العلامات قبل وقوعها كيف لنا ان نتجنب السقوط أو الانخراط، في تيارات اصحاب هذه الرايات الضالة والمنحرفة، التي ذكرها الأئمة (عليهم السلام) في هذه الاحاديث وكيف نميّز بينها وبين رايات الهدى المعاصرة لها؟ ومن ثمّ كيف نفرّق بينها وبين راية الامام المنتظر (ع)، اذا لم نستوعب اوصافها ودلائلها واسماء قادتها، والظروف التاريخية لظهورها واهدافها ومبادئها، وغير ذلك من الامور التي تكشف حقيقتها، مما هو من اختصاص ثقافة العلامات.
إنّ تجاهل دور العلامات في تحصين الامة من مخططات الكفر والضلال، يشارك في تمرير ما يواجهها من مؤامرات خطيرة داخلية وخارجية، طالما حذّر اهل البيت من خطورة التورط بها في اخبار العلامات، والواقع أنه لو لا الجهل بهذه العلامات، لم ينجح دعاة المهدويّة المزيفين، وطلاب الرئاسة المتسترين بالدين، في كسب الدعاة والأنصار على امتداد التاريخ.
إن محاولة تجهيل الامة بأهمية ثقافة العلامات، وأثرها في بثّ روح الامل في نفوس المنتظرين، وعدم الالتفات الى دورها في تحصين حركة الانتظار من الانحرافات،، محاولة خطيرة تستهدف نسف مفهوم الانتظار، من خلال الإطاحة بأهم ركائزه ومقوماته الموضوعية المتجسدة بمعرفة العلامات، كما أوضحنا ذلك في ضوء معناها اللغوي والاصطلاحي، فاذا تجاهلنا دور معرفة العلامات في حركة الانتظار التغييرية في الامة، نكون أفرغنا مفهوم الانتظار من معطياته التربوية، واذا لم يكن للعلامات أي دور ايجابي في حياتنا الايمانية والسياسية والجهادية في عصور الانتظار الغيبية، فإن اهداف القرآن وأهداف الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) واهل بيته من طرحها، في آلاف النصوص الغيبية التي تكشف حوادث المستقبل تبقى سؤالا بحاجة إلى جواب.
وبهذا البيان والتساؤلات نختم الكلام عن خطورة تجاهل ثقافة العلامات، وفي ضوئه يسقط من ميزان العلم والاعتبار، الادعاء الذي وصف هذا اللون من الفكر والثقافة الاسلامية، بالعلم الذي لا ينفع من علمه ولا يضر من جهله.
الانتظار على خطى العلامات
الانتظار لغة يعني: الترقب والتوقع، وهذا ما تعنيه-ايضا-الروايات الداعية الى انتظار الامام المهدي (ع)، أي انها تدعو الى ترقب ظهوره في كل وقت، وتوقع حضوره في كل يوم.
والانتظار لأي امر كان، يتطلب استعدادا وتهيؤا عمليا للأمر المنتظر، فقد ينتظر الانسان قدوم اوّل مولود له، بعد عشرين سنة زاوجا، قضاها مع زوجته بين الاطباء والمختبرات والمستشفيات، ساعيا لعلاج الاسباب المانعة من حصول الحمل... وقد تنتظر الزوجة المنكوبة قدوم زوجها الحبيب من السجن، بعد ما عاش-مثلا-ثلاثين سنة، بعيدا عنها بتهمة ملفقة عليه، وهو بريء منها... وقد ينتظر الابن الاكبر قدوم والده من السفر، بعد ما تركه طفلا صغيرا، وهاجر للعمل خارج البلاد، منذ اكثر من عشرين سنة.
وكل نوع من انواع الانتظار، يتطلب استعدادا نفسيا وفكريا وروحيا معينا، وتحضيرا اجتماعيا وعمليا من المنتظرين، بحسب اهمية وخطورة الامر الذي ينتظرون وقوعه وقدومه.
فالانتظار بالرغم من اعتباره حالة نفسية، فإنه بطبيعته لا يمكن أن ينفصل عن الحركة والعمل، والسعي الدائم الدّؤوب لاستقبال الامل المنتظر، ومن هذا المنطلق عبرت بعض الروايات عن انتظار الإمام المهدي (ع) بالعمل، كما في الحديث النبوي: "افضل اعمال امتي انتظار الفرج"(١٤) وفي حديث آخر اعتبر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) العمل في خط الانتظار من افضل انواع العبادات الاسلامية على الاطلاق فقال: "افضل العبادة انتظار الفرج"(١٥).
ولا شك إن الانتظار يتطلب مزيدا من تربية الملكات الاخلاقية والايمانية، والجهادية، التي تؤهل المنتظرين لاستقبال قائدهم المنتظر (ع) مما يجعله أفضل العبادات على الإطلاق، لأنه يدعو إلى الالتزام بجميع التكاليف.
ولقد حاول أهل البيت دائما، التركيز في رواياتهم على المفهوم العملي والحركي والتغييري للانتظار، لتوجيه المؤمنين المنتظرين، نحو ابعاده الايمانية والسياسية والجهادية، في حركة الدعوة الى الله وهداية الناس من الظلمات الى النور، ومواجهة الظالمين والمستكبرين، في خط الانتظار الايجابي المثمر، تمهيدا واستعدادا وتحضيرا لظهور القائد المنتظر (ع).
ولنستضيء بقبسات من انوار اهل البيت في هذا الاتجاه: يقول الامام الصادق (ع): "من سره ان يكون من اصحاب القائم، فلينتظر وليعمل بالورع ومحاسن الاخلاق، وهو منتظر، فان مات وقام القائم بعده، كان له من الاجر مثل اجر من ادركه"(١٦).
وعن الجعفي انه قال: قال لي ابو جعفر محمد بن علي (ع) "كم الرباط عندكم؟ قلت: اربعون، قال (ع): لكن رباطنا رباط الدهر، ومن ارتبط فينا دابّة كان له وزنها، ووزن وزنها ما كانت عنده، ومن ارتبط فينا سلاحا، كان له وزنه ما كان عنده، لا تجزعوا من مرّة ولا من مرتين، ولا من ثلاث ولا من اربع... "(١٧).
ومعنى الحديث: انه اذا كان المقاتل من جنود السلطان الظالم، يرابط في مواجهة الاعداء على الثغور في حدود الدولة، اربعين يوما، فرباطنا -والكلام للإمام- نحن وشيعتنا في مواجهة اعدائنا دائم، لا يتوقف على امتداد حكومات الظلم ودول الجور في التاريخ، حتى يظهر الله ولينا الاعظم الامام المنتظر (ع). فالانتظار حركة تغييرية داخل النفس، نحو العمل بالورع والتقوى ومحاسن الاخلاق، وهو ايضا حركة جهادية في الحياة الاجتماعية والسياسية، على خط المرابطة على ثغور الاعداء، لنيل الشهادة او الانتصار على الظالمين من طواغيت الارض، تمهيدا لظهور المصلح المنتظر.
وبهذه الابعاد التربوية والجهادية في النفس والامة، يرتقي مفهوم الانتظار الى افضل العبادات في الاسلام. كما يشير إلى ذلك حديث الامام زين العابدين (ع)، لابي خالد الكابلي حيث قال له: "يا ابا خالد ان اهل زمان غيبته، القائلين بامامته، والمنتظرين لظهوره، افضل من اهل كل زمان، لان الله اعطاهم من العقول والافهام والمعرفة، ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، اولئك المخلصون حقا، وشيعتنا صدقا، والدعاة الى دين الله عز وجل سرا وجهرا"(١٨).
إن المنتظرين جماعة من المجاهدين، المميزين المقربين عند الله، على امتداد التاريخ فهم "افضل من اهل كل زمان" لأنهم احسنوا قيادة حركة الانتظار التغييرية، بكل ابعادها الايمانية والجهادية، في هداية الناس من الظلمات الى النور، ومواجهة الظالمين واحباط مؤامراتهم على الدين والامة، وبذلك نالوا أعلى درجات العبادة في الاسلام على الاطلاق، وهؤلاء هم المعنيون في الحديث النبوي "انه سيكون في آخر هذه الامة، قوم لهم مثل اجر اولهم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقاتلون اهل الفتن"(١٩).
إن من اهم المعطيات الايجابية للانتظار، ذلك الامل الكبير بقرب ظهور الامام المنتظر (ع)، الذي تفجره في النفس والمجتمع، مفاهيم ثقافة علامات الظهور، وتحوله الى طاقات تغييرية ايمانية وجهادية في حياة الامة، وهي تسعى لتحقيق طموحاتها وتطلعاتها السامية، استعداد لليوم الموعود، وهو ما يؤكد مرة ثانية أهمية ثقافة العلامات، وضرورة الاطلاع عليها قبل وقوعها.
العلامات تهدي إلى الحق
غطى الاسلام في اخباره الغيبية، جميع الاحداث والفتن التي ستواجه الامة، منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتى قيام الساعة، وبهذا الصدد كان الامام علي (ع) يقول "اسألوني قبل أن تفقدوني، فو الّذي نفسي بيده، لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة، ولا عن فئة تهدي مئة وتضلّ مئة، إلاّ أنباتكم بناعقها وقائدها وسائقها ومناخ ركابها ومحطّ رحالها، ومن يقتل من أهلها، ومن يموت منهم موتا"(٢٠) ثم قال: "إنّ الّذي أنبئكم به عن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم) الأميّ، ما كذب المبلّغ ولا جهل السّامع"(٢١).
وروي عن حذيفة بن اليمان انه قال: "والله ما ادري انسي أصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) من قائد فتنة، إلى أن تنقضي الدّنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، الا قد سماه لنا باسم ابيه وأسم قبيلته"(٢٢).
ومن مجموع هذه النصوص، نكتشف ان الاسلام يستهدف من الثقافة الغيبية، محاولة محاصرة رايات الضلال، وتطويق حركة الشيطان وجنوده داخل المجتمع الاسلامي، وتوجيه الامة دائما الى رايات الحق والهدى، في عصور الفتنة ومراحل الانتظار، وهو ما يؤكد ضرورة الانفتاح على ثقافة هذه الاخبار الغيبية، ويكشف عن أهمية دورها التربوي، في تحصين الامة من عوامل الانحراف، واهميتها في القاء الحجة على الناس، ليميزوا الحق من الباطل، والهدى من الضلال، في عصور الغيبية والانتظار "لئلا يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل"(٢٣) وحتى لا يترك لهم مجال للقول، إن الله لم يحذرنا من هذه الفتن الخطيرة، ولم يرسم لنا طريق النجاة منها، ولذلك فإن الله تعالى اكمل حجّته على الناس جميعا، ولم يترك مجالا لهم "ليهلك من هلك عن بيّنة ويحي من حيّ عن بيّنة"(٢٤).
ويلاحظ من خلال الاخبار الغيبية، انها دائما تسلّط الاضواء على راية الحقّ، وتجعلها منطلقا للحكم بالهدى والضلال، على الرايات المعاصرة لها، في كل ما اخبرت به، من فتن واحداث وصراعات سوف تواجه الامة منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حتى قيام الساعة، ولنضرب مثالا على ذلك بثلاث فتن: فتنة الخلافة، وفتنة الفرقة والاختلاف في الامة، وفتنة عصر الظهور.
فتنة الخلافة
في قضية الخلافة، حذّر النبي (صلّى الله عليه وسلّم) اصحابه من التآمر عليها، والغدر بصاحبها الشرعي من بعده فقال: "كيف أنتم وأئمّة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء"(٢٥) وقال "إنّكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة"(٢٦) وقال "إنّي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف أن تنافسوا فيها"(٢٧) وقال: "يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي فيحلّون عن الحوض، فأقول يا ربّ أصحابي فيقال: إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، أنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى"(٢٨)، وفي رواية انه (صلّى الله عليه وآله)، زار شهداء أحد هو وابو بكر ثم قال: "هؤلاء أشهد عليهم" فقال ابو بكر: ألسنا يا رسول الله اخوانهم، اسلمنا كما أسلموا، وجاهدنا كما جاهدوا؟ فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)"بلى ولكن لا أدري ما تحدثون بعدي"(٢٩).
وفي رواية قال: "بينا أنا قائم إذا زمرة، حتّى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ فقلت أين؟ قال: إلى النّار والله! قلت وما شأنهم، قال: إنّهم ارتدّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم، خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلمّ قلت أين؟ قال:
الى النّار والله، قلت وما شأنهم، قال إنّهم ارتدّوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا أراه يخلص منهم الا مثل همل النعم"(٣٠).
وهذا الرجل المذكور في حديث البخاري، الذي يقف على الحوض، ويحول بين النبي (صلّى الله عليه وسلّم) واصحابه يوم القيامة، ويطردهم عن الحوض ويقودهم بنفسه الى النار، فلا يبقي منهم الا مثل همل النعم هو-كما سيرد في الروايات التالية-علي بن ابي طالب (ع) صاحب الحق المغتصب، المغدور به من قبل مجتمع الصحابة، وقد اخبره النبي (صلّى الله عليه وسلّم) مسبقا بغدرهم له واغتصابهم لمنصبه، يوم قال له "إنّ الامّة ستغدر بك بعدي"(٣١) وهمل النعم هنا، هو العدد القليل من الابل، كناية عن العدد القليل من الصحابة، الذين ثبتوا على القول بإمامته واعتصموا في بيته للمطالبة بخلافته.
والاخبار متواترة في ان عليا اوّل من يرد على الحوض يوم القيامة، ويكون بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يسقي المؤمنين منه ويحرسه ويمنع المنافقين والمرتدين من الوصول اليه، وهذه بعضها عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) حيث قال:
"أوّلكم ورودا على الحوض، أوّلكم إسلاما عليّ بن أبي طالب"(٣٢) وقال أيضاً "إنّ أوّل هذه الأمّة ورودا على نبيّها أوّلها اسلاما عليّ بن أبي طالب"(٣٣) وقال أيضاً "يا عليّ معك يوم القيامة عصا من عصيّ الجنّة، تذود بها المنافقين عن حوض"(٣٤) وقال له النبي (صلّى الله عليه وسلّم)" وكأنّي بك وأنت على حوضي تذود عنه النّاس، وانّ عليه الأباريق مثل عدد نجوم السّماء"(٣٥) وقال له أيضاً "انت أمامي يوم القيامة، فيدفع إليّ لواء الحمد، فادفعه إليك، وانت تذود النّاس عن حوضي"(٣٦) وقال أيضاً "عليّ بن أبي طالب (ع) صاحب حوضي يوم القيامة"(٣٧) وروي عن علي (ع) انه قال: "أنا أذود عن حوض رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بيديّ هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين، كما تذود السّقاة غريبة الإبل عن حياضهم"(٣٨).
ان اخبار الحوض الخاصة بعلي (ع)، كلها في مقام الايضاح والبيان، لما جاء مجملا عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في حديث البخاري، حول الرجل الذي يخرج يوم القيامة فيدفع اكثر الصحابة عن الحوض، ولا يسمح الا للقليل منهم في الوصول اليه، وحينما يسأله رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) مستغربا فعله يجيبه:
"إنّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى"(٣٩).
وهل يشك احد في ان هذا الرجل هو صاحب الخلافة المغتصبة، المغدور به من الامة، وهو نفسه حامل لواء الحمد بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وحارس حوضه وحاميه من المنافقين والمرتدين يوم القيامة.
فتنة الفرقة والاختلاف في الامة
لا شك ان فتنة الصراع على الخلافة، هي التي هيأت الارضية الملائمة لتورط الامة، بفتنة الاختلاف السياسي والفرقة المذهبية، ومما لا شك فيه ان رجالا من قريش، وفي طليعتهم بني امية ومن بعدهم بني العباس، هم ابرز أئمة الضلال في الفتنتين، وهؤلاء ومن كان على نهجهم، هم. المعنيون في هذه الاحاديث النبوية "فساد أمتّي على يد غلمة سفهاء من قريش"(٤٠) وفي حديث قال: "يهلك أمّتي هذا الحيّ من قريش"(٤١) ويروى ان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وقف ذات مرة خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة وهو يقول: "ها هنا الفتنة ها هنا الفتنة، من حيث يطلع قرن الشّيطان"(٤٢) وقال ايضا: "اوّل من يبدّل سنّتي رجل من بني أميّة"(٤٣) وقال أيضاً "أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أميّة، ألا إنّها فتنة عمياء مظلمة"(٤٤) وقال في بني العباس "مالي ولبني العبّاس، شيّعوا أمتّي وسفكوا دماءها، وألبسوها ثياب السّواد، ألبسهم الله ثياب النّار"(٤٥) وقال "ويل لأمتّي من الشّيعتين، شيعة بني أميّة، وشيعة بني العبّاس، راية الضلالة"(٤٦).
ولو لا هؤلاء الرهط من ائمة الضلال في قريش، لم تعرف الامة للفرقة والاختلاف من وجود في حياتها ودينها وتاريخها، لكنها مع الاسف منيت بهذه الشرذمة من طلاب الرئاسة وعبيد الدنيا، فمزقوها شر ممزق وتركوها لقمة سائغة للغزاة الطامعين، الذين قطعوا اوصالها وزادوا من تفرقها واختلافاتها، حتى ضاهت اليهود والنصارى في الفرقة والاختلاف، وهذا هو الذي تنبأ به رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) سلفا يوم قال لصحابته "تفترق أمتّي على ثلاث وسبعين فرقة، كلّهنّ في النّار، إلا واحدة قالوا: وما تلك الفرقة ؟قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي"(٤٧).
واذا شئت التعرف إلى الفرقة الناجية وامام الحق فيها، عليك ان تتعرف إلى ما كان عليه رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وصحابته، من دين اصيل يميزون به الخبيث من الطيب، والمؤمن من المنافق في الامة، حينئذ تعلم ان عليا (ع) كان وحده من بين الصحابة في عصر النبوة، نبراسا يهتدي به المسلمون، لمعرفة المؤمن الاصيل من المنافق الدخيل في المجتمع الاسلامي، وقد شهد بهذه الحقيقة التاريخية القرآن الكريم، واستفاضت الروايات بكثرة طرقها عن الصحابة في التأكيد على حقيقتها وواقعيتها:
ففي تفسير الآية الخاصة بالمنافقين في قوله تعالى: "ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم اعمالكم"(٤٨) قال ابو سعيد الخدري: ولتعرفنّهم في لحن القول، ببغضهم عليّ بن أبي طالب(٤٩). وقال ابن مسعود: ما كنّا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، إلاّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب"(٥٠) وقال ابن عباس: كنّا نعرف المنافقين، على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، ببغضهم لعليّ بن أبي طالب(٥١)، وقال جابر الانصاري: ما كنّا نعرف المنافقين، إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب(٥٢)، وقال ابو ذر: "ما كنّا نعرف المنافقين، إلاّ بتكذيبهم الله ورسوله، والتّخلّف عن الصّلوات، والبغض لعليّ بن أبي طالب(٥٣).
وجاء عمران بن حصين يعود فاطمة، وكانت مريضة، فسمع رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول لها "لقد زوّجتك سيّدا في الدّنيا، وسيّدا في الآخرة، لا يبغضه إلاّ منافق"(٥٤) واخرج مسلم في صحيحه عن علي (ع) أنه قال:
"والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة، إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ إليّ، أن لا يحبّني إلاّ مؤمن، ولا يبغضني إلاّ منافق"(٥٥) وعن ام سلمة قالت: كان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: "لا يحبّ عليا منافق ولا يبغضه مؤمن"(٥٦).
وكان حساد علي (ع) ومناوئوه، يحتاطون في اظهار بغضهم وحسدهم له في عصر النبوة، وكان المؤمنون يعرفونهم بلحن القول، وهو صرف معنى الخطاب عن ظاهره الى تعريض وفحوى، ولكنهم بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وسلّم) اعلنوا عداءهم له بشكل مفضوح سافر، من دون خوف او خجل، ومن دون ان يصدهم احد عن ذلك، حتى اغاظت هذه الوقاحة خواص الصحابة، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا امثال حذيفة بن اليمان وهو القائل:
"إنّما كان النّفاق على عهد النّبيّ، فأمّا اليوم فإنّما هو الكفر بعد الإيمان"(٥٧) وقال أيضاً "إنّ المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، كانوا يومئذ يسرّون واليوم يجهرون"(٥٨).
ان مجتمعا لا يحتل علي (ع) صدارته، وليس له فيه مقام القداسة والعظمة، التي يهابها المنافقون ومرضى القلوب في الامة، لا يمكن ان يكون الا لقمة للمنافقين ومرتعا للمتآمرين على الرسالة والامة، وهذا هو الفرق الكبير بين دين محمد (صلّى الله عليه وسلّم) وصحابته، وبين الدين الذي آلت اليه الامة من بعده، حينما تخلت عن سنته وتجاهلت مقام وصيّه وخليفته، الذي كان نبراسا لمعرفة الهدى من الضلال والحق من الباطل والإيمان من النفاق.
كان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) يدرك كل هذه الاحداث المريرة التي ستواجه الامة من بعده، ولكن ليس عليه الا البلاغ المبين، وان يلقي الحجة على الجميع، أليس هو القائل: "تفترق هذه الامّة على ثلاث وسبعين فرقة، شرّها من ينتحل حبّنا ويفارق أمرنا"(٥٩).
ألم يكن هذا الحديث كافيا لوصف الفرق التي تدين بالحب لأهل البيت، ولا ترى لهم حقا في قيادة الامة وامامتها وخلافتها، أو ليس رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هو القائل لعمار بن ياسر "يا عمّار بن ياسر إن رأيت عليّا قد سلك واديا، وسلك النّاس واديا غيره، فاسلك مع عليّ فإنّه لن يدليك في سدى، ولن يخرجك من هدى"(٦٠) ثم توجه الى صحابته كلهم، حتى لا يظنوا ان هذا الخطاب تكليف خاص لعمار، وليس لهم جميعا فقال لهم: "سيكون بعدي فتنة، فإذا كان ذلك فالزموا عليّ بن أبي طالب، فإنّه أوّل من يراني، وأوّل من يصافحني يوم القيامة، وهو الصّديق الاكبر، وهو فاروق هذه الامّة، يفرّق بين الحقّ والباطل، وهو يعسوب الدّين"(٦١) وقال لهم ايضا: "تكون بين النّاس فرقة واختلاف، يكون هذا وأصحابه على الحقّ"(٦٢) واشار الى علي (ع).
ناهيك عن حديث الثقلين الذي قال لهم فيه "إنّي تارك فيكم الثّقلين- أو خليفتين-كتاب الله وعترتي أهل بيتي، ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبدا"(٦٣).
ولم يقف رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) عند هذا الحد، في تحديد هوية راية الحق والهدى، والتعريف بإمامها وقائدها، والثناء على اتباعها، في فتنة الفرقة والاختلاف، بل اعطى اوصافا تفصيلية عن فرق الضلال، تحدد منهجها الفكري في التعامل مع الدين، وطريقة تعاطيها مع فقه الشريعة وامور الحياة، وكل ذلك روي عنه بروايات صحيحة، لم يختلف اثنان في صدورها عنه، منها قوله (صلّى الله عليه وسلّم): "ستفترق أمّتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فرقة، قوم يقيسون الأمور برأيهم، فيحرّمون الحلال ويحلّلون الحرام"(٦٤)، وفي لفظ قال "ليس فيها فرقة أضرّ على امّتي، من قوم يقيسون الدّين برأيهم"(٦٥) وفي رواية قال "أعظمها فتنة على أمّتي، قوم يقيسون الأمور برأيهم"(٦٦).
فتنة عصر الظهور
عصر الظهور هو بداية عصر تحقق العلامات الحتمية الكبرى، ويبدأ بقيام دولة الموطئين للمهدي (ع) في بلاد ايران، وهي المحور الاساس لملاحم وصراعات وفتن عصر الظهور كلها، وعند قيامها سينقسم العالم الاسلامي، بدوله واحزابه وتياراته الدينية والسياسية، وبعلمائه ومفكريه الى اربع جماعات، تجاه هذه الظاهرة السياسية الجديدة في تاريخ الامة:
"الاولى" تعاديها وتحاربها جهرة وعلانية وهم الاكثرية "الثانية" جماعات منافقة تظهر الولاء لها، لكنها في السر حرب لمن والاها، وولاء صادق مخلص لمن عاداها "الثالثة" جماعة مرضى القلوب في الامة، وهم الذين يبحثون عن مواقع لهم هنا وهناك، فتارة يعادونها واخرى يوالونها، انطلاقا من مصالحهم وحساباتهم الشخصية "الرابعة" جماعات مؤمنة مخلصة لها، تواليها وتناصرها سرا وعلانية، بدون حسابات وهم قلة قليلة متفرقة في الامة، ومنهم نجباء مصر، وابدال الشام، وعصائب العراق، وقوم من كنوز اليمن، وقوم من كنوز ايران، ليسوا من ذهب ولا فضة، بل هم رجال ونساء مؤمنون، ودعاة حق يقومون بأمر الله فينصرون دين الله.
وهذه الحقيقة سيكتشفها القراء بأنفسهم في هذا الكتاب، وسيجدون من خلال مطالعته انه ما من راية من رايات الضلال في عصر الظهور، الا وتقف في الخط المعادي لراية الموطئين، على عكس رايات الهدى الممدوحة في عصر الظهور، فإنها كلها تلتقي معها في خط واحد، في مواجهة الطواغيت والانظمة، المتآمرة على الامة والرسالة.
ولا يفوتني ان انبه القراء-قبل مطالعة هذا الكتاب-الى ضرورة مطالعة كتاب ثورة الموطئين للمهدي في طبعته الثانية(٦٧)، لأن اكثر بحوث كتاب "رايات الهدى والضلال" تتطلب احاطة مسبقة بالمفاهيم والافكار، والادلة العلمية التي تناولها كتاب الموطئين.
كلمة جامعة
وهكذا تتجلى لنا مرة اخرى ضرورة الانفتاح على ثقافة المغيبات الاسلامية، بعد التأكد من دورها التربوي والشرعي، في محاولة تحصين الامة من عوامل الضلال في فتنة الخلافة، وفي فتنة الفرقة والاختلاف، وفي فتن عصر الظهور، فهي دائما في كل الفتن، تحاول ان تأخذ بالأيدي المؤمنة لتضعها على نهج الحق بيد امام الهدى، لتركب معه في سفينة النجاة، مع الفرقة الناجية من النار، في جميع مراحل الانحراف والغيبة والانتظار.
عصر الظهور
هو عصر تحقق ووقوع العلامات الحتمية الكبرى الدالة على قرب الظهور، لكن اكثر هذه العلامات لا تتحقق كلها دفعة واحدة على الارض، بل تحدث على مراحل زمنية متقاربة مترابطة، لأن لكل علامة منها دور مميّز في التخطيط الالهي للظهور. وان من اهم صفات علامات هذا العصر هو وقوع احداثه متتابعة متلاحقة متعاصرة، بحيث تكون العلامة المتقدمة عاملا مباشر في تحقق ما بعدها من علامات، ولهذا شبهها اهل البيت بالعقد المنفرط بعد انقطاع سلكه، او بنظام الخرز عند انقطاع خيطه، كناية عن ترابطها واتصالها ببعضها، كما نص على ذلك الامام الباقر (ع) بقوله:
"خروج السفياني واليمانيّ والخراسانيّ في سنة واحدة في شهر واحد، في يوم واحد، ونظام كنظام الخرز، يتبع بعضه بعضا.."(٦٨) وفي سؤال محمد بن الصلت للإمام الصادق (ع) قال: ما من علامات بين يدي هذا الامر؟ فقال له "بلى هلاك العّباسيّ، وخروج السفياني، والخسف بالبيداء" قلت: جعلت فداك اخاف ان يطول هذا الامر؟ قال: "إنّما هو كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا"(٦٩).
علامات عصر الظهور
وهناك سؤال يطرح نفسه: كيف نعرف علامات عصر الظهور، وكيف نفرق بينها وبين العلامات الاخرى؟
والجواب: ان العلماء قسّموا علامات الظهور الى قسمين: بعيدة وقريبة، وهذا التقسيم يلحظ الفاصل الزمني بين وقوع العلامة وتحقق اليوم الموعود، فالعلامات البعيدة تقع قبل الظهور بفاصل زمني طويل جدا، قد يبلغ مئات السنين، وهذا النوع من العلامات كثير، وقد وقع اكثرها ان لم نقل كلها، اما العلامات القريبة، فهي كل علامة متصلة بأحداث الظهور دالة على قرب الظهور، وهي المعروفة بعلامات عصر الظهور، ويستدل عليها بأحد دليلين:
اما بصدور نص قطعي من المعصوم، يثبت انها من العلامات الحتمية، حينئذ نعلم انها من علامات عصر الظهور، لأن العلامات الحتمية تقع اما قبل الظهور بسنوات قليلة، كخروج الخراساني، او خروج العباسي، والمرواني، والاصهب والسفياني... او تقع في سنة الظهور كالخسف بالبيداء، والصيحة من السماء، وقتل النفس الزكية، أو يستدل عليها أيضا من خلال وجود نص قطعي وصريح من المعصوم، على ان هذه العلامة او تلك من العلامات القريبة، كالخبر حول انتقال العلم من الكوفة الى قم، وان تكون قم حجة في العلم والدين على العالمين، كما في الرواية عن الصادق (ع): "فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجّة"، وقد صرح الإمام بوقوع هذه العلامة في عصر الظهور بقوله "وذلك عند قرب ظهور قائمنا"(٧٠).(٧١)
بداية عصر الظهور
يبدأ عصر الظهور بولادة قاعدة ايمانية مجاهدة، تتصدى لحمل الرسالة وقيادة الامة في صراعها الجهادي ضد اعدائها المتآمرين عليها محليا وعالميا، وتكون ولادتها نتيجة طبيعية لحركة الانتظار الجهادية التغييرية، التي وصفها الإمام زين العابدين (ع) لابي خالد الكابلي بقوله:
".. يا أبا خالد.. إنّ أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كلّ زمان.. لأنّ الله تبارك وتعالى.. جعلهم.. بمنزلة المجاهدين بين يديّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بالسّيف، اولئك المخلصون حقّا، وشيعتنا صدقا، والدّعاة إلى دين الله عزّ وجلّ سرّا وجهرا"(٧٢).
إن وجود هذه القاعدة من أهم العوامل الموضوعية والمقدمات السياسية التي تشارك في تعجيل حركة الظهور، فاذا تحققت فعلا على الارض، وشاهدناها بأم اعيننا في ساحة الصراع الحضاري، ضد اعداء الله من الطواغيت والظالمين، حينئذ نقطع بدخولنا في عصر الظهور، لأنها تشكل منعطفا سياسيا وعقائديا وجهاديا وحضاريا كبيرا في تاريخ الاسلام.
وقد بشرت الروايات بولادة هذه القاعدة الجماهيرية الجهادية، ووصفت جيلها بأنه جيل صلب لا يلين، ولا يقبل الذل والهوان والمساومة على الحق، تتوزع اقوى واعتى فصائله الثورية المقاتلة، بين ايران والعراق واليمن والشام ومصر،... وهو جيل منفتح لا يعرف العصبية والانغلاق على الذات، ولا يتعامل مع احداث الواقع وصراعاته من خلال نزعات مذهبية او طائفية او حزبية، او اقليمية ضيقة، بل ينظر اليها بحجم طموحات رسالة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) الذي أرسله الله رحمة للعالمين، وعلى سعة العالم الاسلامي وعلى امتداد صرخات المستضعفين في الارض.. وهو الجيل المنقذ للامة، من كل ما تعانيه من خطوب ومأس، لأنه مصدر عطاء وكرامات وفيوضات للإنسانية كلها. وهذا الجيل هو القاعدة الموعودة المعنية في الحديث النبوي "سيكون في آخر هذه الامّة قوم لهم أجر مثل اجر أوّلهم، يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقاتلون أهل الفتن"(٧٣).
وتذكر الأخبار الغيبية أن الطليعة الأولى لهذه القاعدة الاجتماعية المجاهدة، ستطل على العالم الإسلامي من بلاد إيران، وهي المبشر بها في الحديث النبوي القائل: "يخرج قوم من المشرق، يوطّئون للمهديّ سلطانه"(٧٤) وفي قوله (صلّى الله عليه وسلّم): "وإنّ لآل محمّد بالطالقان لكنزا، سيظهره الله إذا شاء، دعاة حقّ يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله"(٧٥) وهؤلاء هم طليعة حركة الانتظار التغييرية التي بشر بها الامام زين العابدين (ع)
وهذه القاعدة هي المعنية في حديث الإمام علي (ع): "المهديّ...
يكون مبدأه من قبل المشرق، واذا كان ذلك خرج السفياني"(٧٦) لأن الإمام القائم لا يخرج من المشرق بل من مكة، ولا يظهر قبل السفياني، بل بعده بسنة ونصف، مما يؤكد ان هذا الحديث من البشائر الالهية، بولادة القاعدة الجهادية الموطئة للمهدي (ع) من المشرق.
ان ولادة الجيل الممهد لدولة بقية الله الاعظم، بحد ذاتها حدث عالمي كبير، يعبر عن يقظة الامة الاسلامية ووثبتها من جديد، من أجل استعادة حريتها وكرامتها ومجدها ومكانتها ودورها الطليعي بين امم العالم.
ولأهمية هذا الحدث السياسي العالمي في تاريخ الامة، لم يتجاهله الوحي بل سجّله بكل وضوح في العديد من آياته المباركة، منها قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾(٧٧) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اَللهِ اِثَّاقَلْتُمْ إِلَى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا مِنَ اَلْآخِرَةِ، فَمَا مَتَاعُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ، إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً، ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً، واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(٧٨) وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا، مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اَللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اَللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾(٧٩).
انها بشائر الهية مشرقة بالامل الوضّاح الكبير، بولادة الجيل المجاهد الطليعيّ، لقيادة حركة الانتظار التغييرية الممهدة للامام المنتظر، انه الجيل البديل عن الاجيال السابقة التي تعودت حياة الذل والاستسلام لطواغيت الكفر وحكام الامة الخونة، انه الجيل الاسلامي الذي لا تأخذه في قتال اليهود والكافرين لومة لائم وهو الموعود لتغيير العالم كله.
وحينما كانت تنزل الايات السابقة على رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، كان الصحابة ينظرون الى بعضهم متعجبين، وانطلق بعضهم يسألونه عن تفسيرها: "يا رسول الله! من هؤلاء الّذين ذكر الله أن تولّينا استبدلوا بنا، ثم لم يكونوا أمثالنا؟ فاجابهم- وكان سلمان بجنبه فضرب على فخذه-قائلا "هذا وأصحابه والّذي نفسي بيده، لو كان الايمان منوطا بالثّريّا لتناوله رجال من فارس"(٨٠).
وهكذا تلتقي السنة النبوية مع النصوص القرآنية، في البشارة بولادة قاعدة الموطئين لدولة الاسلام العالمية، بدلا من القاعدة المستبدلة المتخاذلة عن نصرة الاسلام وحماية الامة من اعدائها.
وهكذا نتأكد ان بداية تاريخ عصر الظهور، يرتبط ارتباطا وثيقا باليوم الاول من تاريخ ولادة الجيل البديل، من قوم سلمان الموطئين للمهدي (ع) في آخر الزمان، ونزوله في ميدان الصراع السياسي والجهادي مع اعداء الامة لنصرة الدين كما قال خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وسلّم): "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي هم أكرم [من] العرب فرسا وأجود سلاحا يؤيّد الله بهم الدّين"(٨١).

دول الكفر في عصر الظهور

الدول الكبرى البارزة المعروفة في عدائها وحقدها على الاسلام، ومناهضتها لحركة الانتظار الجهادية في عصر الظهور، ثلاثة وهي:
اسرائيل، وأوروبا الغربية، ودولة الاتراك، وقد ذكرت الروايات هذه الدول الكافرة بأسمائها الخاصة، فعبرت عن دولة إسرائيل "باليهود" وعن دول الكفر الشرقية "بالترك" وعن دول الكفر الغربية "بالروم" او "بني الاصفر" الذين يأتون بقيادة اثنتي عشرة راية إلى سواحل بلاد الشام، لمحاربة المسلمين في عصر الظهور.

دولة اسرائيل في عصر الظهور

منذ فترة طويلة، انجزت دراسة شاملة حول مستقبل دولة اليهود في فلسطين المحتلة، في ضوء المغيبات القرآنية والنبوية، وكان المانع من نشرها حتى الآن، عدم الوصول الى قناعات علمية حاسمة، في بعض موضوعات البحث الساخنة، وهنا نقدم ملخصا مقتطفا من تلك الدراسة، مع الامل الكبير في التوفيق لإكمالها، ونشرها في وقت قريب ان شاء الله تعالى.
اليهود في القرآن
تناول القرآن الكريم-في العديد من آياته وسوره-مستقبل الحركة اليهودية، ودورها الاجرامي في اشعال الفتن بين شعوب العالم، وسلّط الاضواء على حقدها التاريخي والعقائدي، وخلافاتها الدينية ومؤامراتها السياسية على اتباع الديانة المسيحية في العالم، واهتم بكشف خططها العدوانية ومؤامراتها الدولية، وجرائمها الافسادية على الامة الاسلامية.
وتعتبر الايات الكريمة في مطلع سورة الاسراء، نموذجا متكاملا عن اهتمام القرآن بكشف جرائم اليهود المستقبلية بحق الامة الاسلامية، في عصر الظهور بشكل خاص.
افساد اليهود
تبدأ قصة الافساد اليهودي في الارض، في غيبيات الاسلام من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ اَلْعِقَابِ، وإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ، وَ قَطَّعْنَاهُمْ فِي اَلْأَرْضِ أُمَماً﴾ (الأعراف: ١٦٧-١٦٨) ففي الحكم الالهي المبرم القديم الصادر بحق اليهود، انه لا بد ان يسلّط الله عليهم من ينكّل بهم، ويذيقهم سوء العذاب، وينغّص عيشهم، ويشتتهم في الأرض، إلى جماعات متفرقة موزعة هنا وهناك.. منذ يوم انحرافهم عن شريعة موسى (ع) وخيانتهم لها الى يوم القيامة. وترافق عقوبة تسليط الاعداء عليهم ليسوموهم سوء العذاب، أن يسلط الله تعالى عليهم-ايضا-عقوبة من انفسهم فيلقي بينهم العداوة والبغضاء من سوء اخلاقهم، فيحسبهم الناس جمعا وقلوبهم شتى، غارقة في الحقد والبغضاء والكراهية تجاه بعضهم بعضا.
وهاتان العقوبتان الالهيتان (الخارجية) من قبل اعدائهم (والداخلية) من قبل انفسهم مستمرتان بحق المجتمع اليهودي الى يوم القيامة ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَةَ واَلْبَغْضَاءَ إِلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اَللهُ ويَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسَاداً، واَللهُ لاَ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة ٦٤).
ان القاء العداوة والبغضاء، داخل المجتمع اليهودي وبين افراده، لا يعبر عن غضب الله تعالى عليهم فقط، وانما يعكس ايضا مخططا ربانيا لحفظ المجتمع البشري من شرهم، ومن مساعيهم العدوانية المتكررة ومؤامراتهم الافسادية المستمرة، من خلال إشغالهم بأنفسهم عن باقي الامم.. إنها محاصرة ربانية لمجتمع المفسدين في الارض، تجسّد رحمة الله ولطفه بالمجتمع البشري، البريء من جرائم اليهود وعدوانيتهم...، تستهدف تحصين الامم الاخرى من مخاطر فتنهم، ونزعاتهم الشيطانية وافسادهم وحروبهم ومؤامراتهم، فكلما اوقدوا نارا للحرب او للفتنة او للفساد او للتآمر على المجتمع البشري، اطفأها الله تعالى بلطفه وعنايته ورحمته، والله لا يحب المفسدين.
ان هذه الآيات وحدها كافية لتصور مدى خطورة المفسدين من اليهود على المجتمع البشري كله، فلا العقوبات المفروضة عليهم من غضب الله، بتسليط المجتمعات المعادية عليهم طول التاريخ لقهرهم واذلالهم، ولا تقطيع اوصالهم الاجتماعية وتشتيتهم في الارض امما صغيرة، مغلوبا على امرها، موزعة هنا وهناك، ولا القاء العداوة والبغضاء والحقد والكراهية فيما بينهم، ولا المحاصرة الالهية لمؤامراتهم ومخططاتهم الافسادية على المجتمع البشري، ولا كل ذلك بكاف للجم نزعة حب الجريمة في نفوسهم، وقتل غريزة الافساد في الارض في طبيعتهم العدوانية الشريرة.
نهاية اليهود
وتنتهي قصة فساد اليهود في الارض، بعد انهيار وسقوط دولتهم اسرائيل، وبعد اطفاء آخر نار حروبهم في فلسطين المحتلة، كما وعدنا الله في قوله تعالى: ﴿وقَضَيْنَا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ، وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ، وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ، وإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ ولِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، ولِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ، وإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ (الأسرار ٤-٨).
وهذان الافسادان مقرونان بعلو واحد، فهما متصلان غير منفصلين، ولا واقعين في حقبتين تاريخيتين متباعدتين، لأنهما كبيران وخطيران جدا، فهما اكبر إفسادين في التاريخ اليهودي على الاطلاق، ولو لا ذلك لما نص القرآن عليهما، مع ان تاريخهم مليء بالفساد، ويضج بالجرائم والافساد، واذا كان هذان الافسادان كبيرين وخطيرين الى هذه الدرجة، فمن غير المتصور تحققهما على الارض من دون هيمنة واستكبار وتسلط سياسي عليها، وعلو مادي وحضاري وعسكري على شعوبها، فمن المستبعد أن يتمكن اليهود من ممارسة هذين الافسادين الخطرين، الا في ظل دولة قوية تمتلك جميع مقومات الحضارة المادية المتطورة، التي تدعوها الى العلو في الارض والاستكبار على شعوبها.
ان الثابت في المأثور المعتبر، من احاديث النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في علامات الامام المنتظر (ع)، ان القوم المبعوثين لمعاقبة اليهود، في هذين الافسادين الكبيرين وانزال العقوبة الساحقة بهم والقضاء عليهم، هم الايرانيون.
وهذا ما دلت عليه روايات كثيرة من طرق اهل السنة ذكرناها في كتاب ثورة الموطئين وهي تتفق مضمونا مع ما جاء عن أهل البيت، ولما سئل الامام الصادق (ع) عن تفسير قوله: "فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد" فقالوا له: جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: "هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم"(٨٢) وظاهر سياق الايات ان المبعوثين لمعاقبة بني اسرائيل على الافساد الثاني، هم من القوم المبعوثين لمعاقبتهم على الافساد الأول، كما يفهم من قوله تعالى "﴿َلِيَدْخُلُوا اَلْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وقد اخطأ التفسير صاحب كتاب عصر الظهور، حينما ذهب الى القول بوقوع العقوبة الاولى على بني اسرائيل على يد المسلمين في صدر الاسلام، في خلافة عمر بن الخطاب، لأن فلسطين لم تكن تحت سلطة اليهود، وإنما كانت خاضعة للحكم الامبراطوري الروماني المسيحي، بالاضافة الى ذلك، فان المسلمين لم يحرروا فلسطين في خلافة عمر بقوة السلاح، بل دخلوها بالصلح بعد المفاوضات مع السلطات الرومية، ولم يستلموها من اليهود، بل من رجال الحكم الروماني، فاين وقع تفسير قوله تعالى ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ﴾ مع العلم ان المسلمين في خلافة عمر، لم يجوسوا خلال الديار فحسب، بل دخلوا كل الديار واستلموا بلاد فلسطين قاطبة.
العقوبة الاخيرة
على اثر المعركة الاولى، التي تحل بإسرائيل وترعبها وتنال من علوها، وتمرغ ببحر من الدماء كبرياءها، حينئذ يشعر اليهود في جميع انحاء العالم بالخطر الحقيقي المحدق بدولتهم، مما يحفزّهم لتجميع قواهم المشتتة في الأرض، وترحيلها الى فلسطين، لدعم دولتهم وتمكينها، بأكبر عدد من الطاقات البشرية والامكانات المادية والعسكرية، وهو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ اَلْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وبَنِينَ وجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾، كما توحي هذه الآية بوقوف دول الكفر العالمية مع إسرائيل ودعمهم لها كما تبيّن ان الافسادين يقعان تحت سقف حضارة واحدة على مرحلتين.
وتحدث القرآن عن تحشيد الطاقات البشرية والمادية لليهود، وتجميعها من كافة اقطار العالم وترحيلها الى فلسطين، تمهيدا للمعركة الاخيرة القاضية عليهم في قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اُسْكُنُوا اَلْأَرْضَ، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ اَلْآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ (الإسراء ١٠٤) ومعنى "وعد الآخرة" اشارة الى عقوبة اليهود الأخيرة على افسادهم الثاني المذكور في الآيات التي تتحدث عن الافسادين في قوله "فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم" ومصطلح "الآخرة" لم يستعمله القرآن الا في موردين فقط وهما: في يوم القيامة، وفي العقوبة الاخيرة القاضية على دولة اسرائيل، وهو تعبير قرآني في منتهى الدقة والبلاغة، للدلالة على نهايتهم في العقوبة الثانية، التي تحل بهم على شكل ضربة عسكرية ساحقة، تقضي على دولتهم وكيانهم السياسي في فلسطين، تماما كما يتم انهاء الوجود البشري المفسد من وجه الأرض، بعد خلّوها من المؤمنين بحلول عقوبة يوم الآخرة بقيام الساعة وأهوالها.
اليهود في السنة النبوية
تطرقت السنة النبوية بصورة مفصلة، لدور الحركة اليهودية في محاربة الاسلام والتآمر عليه، من خلال اغتصاب ارضه، واشعال فتنة الصراع المذهبي والشقاق السياسي داخله، واعلان الحرب عليه، واهلاك الحرث والنسل في بلاده، واشاعة الفساد في مجتمعاته، ويمكن تصنيف الأحاديث الغيبية الخاصة بالحركة اليهودية، ودورها التآمري على الأمة في أربعة محاور:
المحور الاول: الاحاديث الخاصة بوصية رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، التي أمر فيها بإخراج اليهود من بلاد العرب، محذرا من عواقب تعطيل تنفيذ بنود هذه الوصية، واستبدالها بفكرة التعايش السلمي مع اليهود. وقد روي في الاخبار الصحيحة، ان النبي (صلّى الله عليه وسلّم) كان دائما يكرر لأصحابه: "أخرجوا اليهود من جزيرة العرب"(٨٣) وكانت من جملة وصاياه قبل وفاته.
المحور الثاني: الاحاديث النبوية التي وصفت ثورة الموطئين، وجيشها المجاهد حامل الرايات السود، في زحفه الجهادي الحاشد من بلاد ايران نحو بيت القدس، لمواجهة دولة اسرائيل ومعاقبتها على علوها وافسادها في بلاد المسلمين، في اعنف المعارك التاريخية، التي سنتطرق اليها في موضوع الراية الموطئة.
المحور الثالث: الاحاديث التي قدمت وصفا رائعا، لدور الأبدال المقاومين لليهود في بلاد الشام، وقد تعرضنا لدراسة هذه الاحاديث في موضوع "مقاومة الابدال لليهود".
المحور الرابع: الاحاديث التي تناولت آخر معركة يائسة لليهود مع المسلمين، بهدف عودتهم مرة ثانية الى فلسطين، في اطار مشروع تآمري دولي على الامة بالتحالف مع قوى الكفر العالمية الموالية لهم، بقيادة زعيمهم الموعود الاعور الدجال، ولكن تحبط هذه المحاولة بقيادة الإمام المهدي (ع)، في معركة تسحق فيها جميع قوى الكفر العالمية المتحالفة مع الاعور الدجال، وهي المعنية في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ (الإسراء ٨).

دولة الترك في عصر الظهور

تطرقت الروايات للترك، بوصفهم قوة منافسة للروم-أي الدول الاوروبية الغربية-في معارك صراع النفوذ، على العالم الاسلامي في عصر الظهور، وهذا يعني انهم ليسوا من الشعوب المسلمة، وليس ببعيد انهم من شعوب دولة روسيا المعاصرة، ولكن حسب اوصافهم المذكورة في الروايات، يرجح انطباقها على الشعب الصيني.
وقد جاء وصفهم في حوار بين الامام الصادق (ع) مع جماعة من أهل العراق قال لهم "حجّوا قبل أن لا تحجّوا.. فويل لكم يا أهل العراق إذا جاءتكم الرايات من خراسان، وويل لأهل الرّي من الترك، وويل لأهل العراق من أهل الرّي، ثم ويل لهم من الشّطّ" قال سدير الصيرفي-راوي هذا الحديث-فقلت: يا مولاي من الشط؟ قال "قوم آذانهم كآذان الفأر صغر، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشّياطين، صغار الحدق، مرد جرد، استعيذوا بالله من شرّهم، أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين ويكونون سببا لأمرنا"(٨٤).
واكثر هذه الاوصاف، ظاهرة في ابناء الشعب الصيني، المعروفين بصغر العيون، وبالوجه الامرد الاجرد من الشعر، ولعل هناك شعوبا اخرى، تتصف بهذه الصفات غير الشعب الصيني.
دورهم في عصر الظهور
يشترك الاتراك في ثلاث معارك بارزة في عصر الظهور.
"الاولى" يجتاحون فيها الاراضي الايرانية، للضغط على دولة الموطئين لكي تسحب قواتها من فلسطين.
"الثانية" ضد الدولة العباسية التي تحكم العراق في عصر الظهور، ويكون تدخل الأتراك في العراق، في اطار معارك صراع النفوذ بينهم وبين الدول الاوربية الغربية.
"الثالثة" في معركة قرقيسيا للسيطرة على منجم الذهب، المكتشف في مثلث الحدود التركية العراقية السورية، حول نهر الفرات، استكمالا لأهداف معاركهم مع العباسيين وصراعهم مع الدول الغربية.
معاركهم مع الموطئين
تتلخص التصورات العامة، التي تضمنتها الروايات حول معارك الاتراك مع الموطئين، في التأكيد على تزامن هذه المعارك، مع زحف الايرانيين نحو فلسطين عبر الاراضي العراقية، لخوض معركة تحرير القدس مع اليهود.
وعلى اثر زحف الجيوش الايرانية المجاهدة نحو بيت المقدس، ترتعب طواغيت الكفر العالمية، ويفقدون صوابهم ويجمعون امرهم ويعلنون اتحادهم سياسيا وعسكريا لمناصرة اليهود، كما نصت على ذلك رواية عمار بن ياسر التي تقول" ويتخالف التّرك والرّوم، ويكثر الحرب في الارض.. وينزل الترك الحيرة، وينزل الروم فلسطين"(٨٥).
ويظهر من الرواية ان الكفر العالمي، سيشعل الارض حربا اعلامية وسياسية ودموية بوجه المجاهدين الزاحفين لتحرير القدس، ولكن من دون جدوى، لأنها حرب جهادية عقائدية، يقودها رجال إليهون لا يخافون ولا يجبنون وعلى الله يتوكلون، كما وصفهم النبي (صلّى الله عليه وسلّم) بقوله: "تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردّها شيء، حتّى تنصب بإيلياء"(٨٦) "وفي رواية قال: فلا يلقاهم أحد إلاّ هزموه، وغلبوا على ما في ايديهم، حتّى تقرب راياتهم بيت المقدس"(٨٧) وفي رواية تصف قائدهم وجيشهم المجاهد فتقول "لو قاتل الجبال لهدّها حتى ينزل بإيلياء"(٨٨) وايلياء هي بيت المقدس.
ان تحرير القدس، من العلامات الثابتة في هذه المعركة التاريخية العظيمة، المشار اليها في حديث الامام الباقر (ع) "يجيئكم الصّوت من ناحية دمشق بالفتح"(٨٩) حينئذ لا يبقى امام دول الاستكبار العالمية الا خيار واحد، وهو اسقاط دولة الموطئين، وتغيير النظام السياسي الحاكم في سوريا، والاتيان بحاكم بديل وعميل لها، يقوم بدور الشرطي والحليف والمحامي لدولة اسرائيل.
اما محاولة اسقاط دولة الموطئين، فتنفذ على يد القائد الشروسي حاكم دولة الاتراك المعادية للاسلام في شرق ايران، وفق خطة عسكرية يتم خلالها اجتياح الجزء الشمالي من بلاد ايران واحتلاله وتدمير العاصمة "طهران" من اعالي الجبال الشرقية والغربية المحيطة بها، وهو ما اشير اليه في الروايات التي تقول "وويل لأهل الرّيّ من الترك" وروايات الاجتياح التركي في عصر الظهور صريحة وقوية الاسانيد، نذكر منها هذه الرواية "خروج الشّروسي من بلاد أرمينية إلى أذربيجان، تسمّى تبريز الرّيّ، الجبل الاحمر المتلاحم بالجبل ألأسود، لزيق جبال الطّالقان، فتكون بين الشّروسي، وبين المروزي، وقعة صيلمّانية، يشيب فيها الصّغير، ويهرم فيها الكبير.."(٩٠).
ويتزامن هذا الاجتياح المعادي لدولة الموطئين من جهة المشرق، مع انتصاراتهم الظافرة في معارك تحرير القدس، مما يضطرهم لسحب القسم الاكبر منها من فلسطين الى ايران، كما جاء في الرواية "ثم ينفتق عليهم فتق من خلفهم، فتقبل طائفة منهم حتّى يدخلوا أرض خراسان"(٩١).
وتذكر الروايات ان المجاهدين الايرانيين، يخوضون في مواجهة احتلال الجيش الشروسي لبلادهم، اشد المعارك القتالية ضراوة وشراسة في تاريخهم الجهادي، بحيث تفوق قصص بطولاتهم الاسطورية، مستوى ملاحمهم الجهادية التي يسطرونها على حدودهم العراقية، ضد احتلال الجيوش العربية لبلادهم في منطقة عبادان، كما تنص الروايات التالية: " بابان مفتوحان في الدنيا للجنّة: عبادان وقزوين"(٩٢). وهذه هي في الواقع ابواب الشهادة، التي تفتحها الحروب الظالمة المفروضة على المجاهدين الايرانيين فتكون سببا لاستقبال شهدائهم، في ارض البطولات عبادان وقزوين، والاحاديث النبوية حول معاركهم على ثغور قزوين بالخصوص كثيرة، ومما جاء فيها انه "سيكون رباط بقزوين، يشفع احدهم من مثل ربيعة ومضر"(٩٣) وفي حديث آخر "اني لأعرف أقواما يكونون في آخر الزمان، قد اختلط الايمان بلحومهم وبدمائهم، يقاتلون في بلدة يقال لها قزوين، تشتاق إليهم الجنّة وتحنّ، كما تحنّ النّاقة الى ولدها"(٩٤).
ان الآثار السلبية لفتنة الشروسي وملاحمه، على الدولة والمجتمع الايراني في عصر الظهور، لها ابعاد سياسية واسعة، لأنها تأخذ اكثر من اتجاه، ولهذا لم اتناولها بالتفصيل في هذا الكتاب المختصر، ولكني اشير هنا الى المقطوع به منها، واهمها انها من اقرب علامات الظهور، ومن اكبر اسبابه الموضوعية، كما يستفاد من ظاهر رواية الامام الصادق (ع) التي جاء فيها "وويل لأهل الرّيّ من التّرك.. استعيذوا بالله من شرّهم..
أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين ويكونون سببا لأمرنا"(٩٥) ومنها الرواية التي تقول "ومارقة تمرق من ناحية الترك ويعقبها فرج"(٩٦).
ومنها رواية ابي بصير عن الامام الصادق (ع) قال: "لا بدّ لنا من أذربيجان، لا يقوم لها شيء.. فإذا تحرّك متحرّكنا، فأسعوا إليه ولو حبوا، والله لكأنّي أنظر إليه بين الرّكن...(٩٧).
اما مخطط الدول الغربية، لاسقاط النظام الحاكم في سوريا، والاتيان بنظام عميل لها حليف لليهود، فيقوم بتنفيذه السفياني كما تشير الرواية التي تقول "يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا، في عنقه صليب، وهو صاحب القوم"(٩٨).
وهناك رواية مفصلة تناولت احداث فتح فلسطين، متزامنة مع اجتياح الاتراك لايران، في زمن نزول القوات الغربية في فلسطين، وعلى اعقاب ذلك يحدث صراع سياسي على السلطة في بلاد الشام، ويتغلب السفياني على الجميع ويستلم قيادة النظام في دمشق، ثم يبسط سلطته على بلاد الشام كلها بما فيها فلسطين
والرواية طويلة جدا، نختصرها من خلال التركيز على موضع الحاجة منها "ويجيئكم الصّوت من ناحية دمشق بالفتح.. ومارقة تمرق من ناحية التّرك ويعقبها فرج،.. وستقبل مارقة الروم حتّى ينزلوا الرّملة.. فأوّل أرض تخرب أرض الشّام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات، راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، فيلتقي السفياني، بالأبقع فيقتتلون فيقتله السفياني ومن تبعه، ويقتل الأصهب، ثمّ لا يكون له همّة إلاّ الإقبال نحو العراق.."(٩٩).
وسنقرأ تفاصيل هذه الملاحم والاحداث في موضوع السفياني.
معارك الترك في العراق
ظاهر الروايات ان الترك يدخلون ايران، ويحتلون المناطق الشمالية منها، بالتحالف مع الدول الغربية الكبرى، بهدف الضغط على القوات الايرانية، لكي تسحب جيوشها من فلسطين، ولكن حينما يجدون المناخ السياسي والدولي ملائما، لتحقيق مطامعهم السياسية والاقتصادية في المنطقة، وخاصة في ايران والعراق، بعد اكتشاف اكبر منجم للذهب في قرقيسيا، المنطقة السورية الحدودية التي تقع على مقربة من نهر الفرات، في المثلث الواقع بين تركيا والعراق وسوريا، حينئذ يقررون البقاء في الاراضي الايرانية، ويواصلون زحفهم نحو العراق للتمركز في القسم الشمالي منه، على مشارف من منطقة قرقيسيا، ولنبدأ بعرض الروايات التي تسلط الاضواء على الاجتياح التركي للاراضي العراقية في عصر الظهور.
"خروج الشّروسيّ من بلاد أرمينية إلى أذربيجان، تسمّى تبريز الرّيّ، الجبل الأحمر المتلاحم مع الجبل الأسود، لزيق جبال الطّالقان، فتكون بين الشّروسّي وبين المروزي وقعة صيلمانيّة يشيب فيها الصّغير ويهرم فيها الكبير، فتوقّعوا خروجه إلى الزّوراء وهي بغداد، وهي أرض مشؤومة، وهي أرض ملعونة، ويبعث جيشه الى الزّوراء مائة وثلاثين ألفا، يقتل على جسرها إلى مدّة ثلاثة أيّام، سبعون ألف نفس، ويفتضّ أثني عشر ألف بكر، وترى ماء دجلة محمّرا من الدّم ومن نتن الأجساد"(١٠٠).
وفي رواية سدير الصيرفي عن الامام الصادق (ع): "ويل لأهل الرّيّ من التّرك، وويل لأهل العراق من أهل الرّيّ، ثم ويل لهم من الشّطّ" قال سدير فقلت يا مولاي من الشط؟ قال "قوم آذانهم كآذان الفأر صغر، لباسهم الحديد، كلامهم ككلام الشّياطين، صغار الحدق، مرد جرد، استعيذوا بالله من شرّهم، أولئك يفتح الله على أيديهم الدّين، ويكونون سببا لامرنا"(١٠١).
وقوله "ويل لأهل الرّيّ من التّرك" اشارة الى الاجتياح التركي للاراضي الايرانية، وقوله "وويل لأهل العراق من اهل الري" اشارة الى الحرب الواقعة بين الايرانيين ودولة بني العباس المتجددة في عصر الظهور، وسيأتي الكلام بشأنها في الحديث عن الدولة العباسية ودورها في عصر الظهور، وقوله "ثمّ ويل لهم من الشّطّ" أي ويل لأهل العراق من الترك في معارك عصر الظهور ومجازرهم الفتاكة بقيادة الشروسي.
وفي رواية عن الامام زين العابدين (ع): "إذا علا نجفكم السّيل والمطر، وظهرت النّار في الحجاز والمدن وملكت بغداد التّرك، فتوقعوا ظهور القائم المنتظر"(١٠٢).
وتكاد تتفق روايات الفريقين، ان معارك الترك في ايران ومجازرهم في العراق، من ابرز علامات الظهور القريبة، وفي اعقابها مباشرة يخرج السفياني، وتظهر بوادر انهيار الحكم في بلاد الحجاز، بفعل إرهاصات نار الثورة المهدوية.
معركة قرقيسيا
تذكر كتب معاجم البلدان، ان قرقيسيا منطقة سورية تقع على مشارف نهر الفرات بالقرب من الحدود العراقية والتركية(١٠٣)، ولا نعرف هدفا واضحا من وراء معركة قرقيسيا، في الروايات التي وصفتها بالملحمة العظمى، واعتبرتها من اهم علامات الظهور القريبة، نعم هناك مجموعة كبيرة من الروايات لم تذكر قرقيسيا، ولكنها تحدثت عن ظهور كنز من ذهب في آخر الزمان في نهر الفرات، تقتتل عليه الامم ويقتل من كل تسعة سبعة، وقد نهت بعض الروايات المؤمنين من التورط بفتنة هذا الكنز.
والجمع بين روايات اقتتال الملوك للسيطرة على كنز الفرات، وبين روايات ملحمة الجبارين في قرقيسيا الواقعة ايضا على نهر الفرات، وبالنظر الى كثرة قتلى الفريقين في المعركتين، يجعلنا نقطع بوحدة زمان ومكان المعركتين، وانهما معركة واحدة.
وفي الاصحاح التاسع من سفر الرؤيا ما يؤيد ذلك ايضا حيث جاء فيه "صدر الامر للملائكة الكبار عند نهر الفرات العظيم لكي يقتلوا ثلثّي النّاس" واكثر من يتورط ويهلك في معركة قرقيسيا هم حكام العرب من قريش، وهم المعنيون في صحيحة ميسرة عن الامام الباقر (ع) في قوله "ويهلك فيها من قيس ولا يدعى لها داعية"(١٠٤) وفي طليعة قريش حكام الدولة العباسية في العراق والدولة المروانية في سوريا، كما صرحت رواية ابن ابي يعفور عن الامام الباقر (ع) انه قال "ان لولد العباس والمرواني، لوقعة بقرقيسيا، يشيب فيها الغلام الحزور"(١٠٥) ويبقى حكام العرب من اهل اليمن في منأى عنها.
ويظهر من موثقة جابر ان السفياني هو الطرف الاقوى في هذه المعركة وقد جاء فيها "ويمرّ جيشه بقرقيسيا فيقتتلون بها فيقتل بها من الجبّارين مائة الف"(١٠٦). وفي رواية ثوبان عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلّهم أبن خليفة ثمّ لا يصير إلى واحد منهم، ثمّ تطلع الرّايات السّود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم.."(١٠٧) ثم ذكرت خروج الامام المهدي (ع) على اثر ذلك. وظاهرها ان المشتركين في المعركة على الكنز ثلاثة وجميعهم من ابناء الحكام، وهو ما يتطابق مع ما جاء في رواية ابن ابي يعفور السابقة، التي تقول: "إنّ لولد العباس والمروانيّ لوقعة في قرقيسيا يشيب فيها الغلام الحزور"، ويكون الخليفة الثالث هو السفياني، ولكنهم كلهم لا يصلون الى الكنز، حيث تخرج جيوش الخراساني فتحصدهم جميعا، ومما يؤيد رواية ثوبان الروايات التي ذكرت تحالف اليماني مع الخراساني، في معركة فتح دمشق وتحريرها من حكم السفياني، بعد ان يقضي على جميع خصومه في معركة قرقيسيا.
اما دور الدول الغربية والشرقية الكبرى المعبر عنهم "بالروم" و"التّرك" في معركة قرقيسيا فليس واضحا، ولم اقف على رواية صريحة تدل على دخولها كطرف مباشر في هذه المعركة التاريخية. ولكننا نقطع باشتراكهما فيها، في ضوء الروايات التي اخبرت عن اختلافهما في عصر الظهور، وتدخلهما المباشر في المنطقة، كما في الروايات التي ذكرت من علامات عصر الظهور "غلبة التّرك على خراسان، والرّوم على الشّام"(١٠٨) وفي رواية "نزول التّرك الجزيرة، ونزول الرّوم الرمّلة واختلاف كثير عند ذلك في كلّ الأرض.. "(١٠٩) وفي رواية "اذا خالف التّرك الرّوم وكثر الحرب في الأرض.. "(١١٠) وفي رواية ثالثة "إذا ظهر التّرك بالجزيرة وأذربيجان والرّوم بالعمق وأطرافها.."(١١١) وفي رواية رابعة "إذا رأيت الفتنة في بلاد الشام فالموت الموت، حتى يتحرّك بنو الأصفر فيسيرون الى بلاد العرب، فتكون بينهم الوقائع"(١١٢) وفي رواية خامسة" ستقبل إخوان التّرك حتّى ينزلوا الجزيرة، وستقبل مارقة الرّوم حتى ينزلوا الرّملة، فتلك السنّة..
فيها اختلاف كثير في كلّ الأرض"(١١٣).
وهذه الروايات صريحة في دخول القوات الرومية إلى بلاد الشام، ودخول القوات التركية إلى منطقة الجزيرة السورية، وهو الموقع الجغرافي المحدد في الروايات لمعركة قرقيسيا، فاذا جمعنا بين هذه الطائفة من الروايات وبين الروايات الاخرى، التي اخبرت عن اصطدام قوات السفياني مع القوات الرومية والتركية وانتصاره عليهما، نقطع حينئذ باشتراكهما في هذه المعركة، لأن السفياني هو الحاكم الفعلي في سوريا، وهو المعني بالسيطرة على مناجم الذهب المكتشفة في بلاده، كما تعزز ذلك الرواية التالية "إذا ظهر السّفياني على الأبقع والمنصور اليمانيّ، خرج الرّوم والتّرك فيظهر عليهم السّفياني.."(١١٤).
ان المصالح الاقتصادية دائما عند الأوروبيين تقلب معادلات الصراع، فهم في طول التاريخ محكومون لمصالحهم الاقتصادية، في سياساتهم الخارجية وفي تعاملهم مع شعوب ما يسمونه بالعالم الثالث، وهكذا نجدهم يختلفون مع السفياني، حليفهم بالامس متجاهلين دوره الاساسي في حماية اليهود من القوات الايرانية المجاهدة، في معركة تحرير المسجد الاقصى.
نهاية الترك
يظهر الامام المهدي (ع) في مكة، والجيوش التركية لا تزال تحتل القسم الاكبر من شمال ايران، وتحتل أيضا بغداد وشمال العراق، كما تقول الرواية "وملكت بغداد التّرك فتوقعّوا ظهور القائم المنتظر"(١١٥).
ولهذا يقول الامام الصادق (ع) "أوّل لواء يعقده المهديّ، يبعثه إلى التّرك، فيهزمهم ويأخذ ما معهم من السبي والاموال، ثم يسير الى الشام فيفتحها"(١١٦). وفي حديث نبوي قال: "لا تقوم الساعة حتى يملك رجل من اهل بيتي، يفتح القسطنطينية وجبل الديلم"(١١٧).
وقوله "يفتح" يؤكد السيطرة الكاملة للحكم التركي في هذه المناطق قبل الظهور، لذلك يتطلب خوض معارك طاحنة ضدهم لتحريرها من ايديهم، مما يجعل احتمال ان يكون المراد بالترك هم بقايا حلف وارسو، وعلى أيّة حال فالموضوع بمصطلحاته الغامضة قابل لاجتهادات متعددة، وخاصة بعد دخول كلمة "الشروسي" واوصاف الترك المطابقة للشعب الصيني، ودخول جبل الديلم والقسطنطينية في معارك الامام المهدي (ع) مع الترك لتحريرها من سلطتهم.
وليس ببعيد ان يكون المراد بالترك شعوب الإتحاد الروسي من طاجيك وازبك وازريين وارمنيين وكازاخيين وقرغيزيين، وهؤلاء كلهم من الجنس التركي، وإن الأتراك إنحدروا منهم، ولذلك فهم إخوان الترك.

دولة الروم في عصر الظهور

المراد بالروم مجمل الشعوب الاوروبية المسيحية، المشار اليهم في القرآن الكريم في سورة الروم ﴿الم * غُلِبَتِ اَلرُّومُ * فِي أَدْنَى اَلْأَرْضِ وهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ..﴾ (الروم: ١-٤) وتسميهم اخبار الملاحم والفتن "بني الاصفر" بالاضافة الى تسميتهم بالروم، وهم في الواقع المعاصر ورثة الحضارة الرومانية القديمة، التي تزعمت شعوب العالم المسيحي قرونا طويلة، وتتمثل حاليا في شعوب فرنسا والمانيا وامريكا وبريطانيا، وغيرهم من شعوب دول اوربا الغربية المعاصرة.
الحضارة الاوربية المعاصرة
لقد آمنت الحضارة الاوربية المعاصرة بالمادة كقيمة اساسية في الحياة، منذ عصر النهضة العلمية والصناعية، كما آمنت بالتجربة المادية كوسيلة علمية اساسية للوصول الى اسرار الكون والانسان والحياة... وفي اطار هذه الرؤية المادية شق الانسان الاوربي المعاصر طريقه نحو التطور الحضاري وهو يبحث عن عناصر القوة واسباب العيش الرغية والهيمنة السياسية والثقافية والاقتصادية على الشعوب المستضعفة والمتخلفة عن ركب الحضارة المادية.
وقد قامت حضارة الرجل الاوربي المعاصر على حساب الدين والاخلاق، بعد ان كفر برسالات السماء والانبياء، وتخلى عن جميع القيّم الاخلاقية بعد ازمة الصراع الديني بين العلماء الاوربيين ورجال الدين المسيحيين، وكان ذلك من العوامل الرئيسية التي دفعت حكام وطواغيت الدول الاوربية، الى التمادي اكثر فاكثر في فسادهم الاخلاقي وعلوهم على شعوب العالم، وتسلطهم على الدول الفقيرة المستضعفة، لاستغلال ثرواتها ونهب خيراتها، وتركها ترزح تحت كابوس الفقر والتأخر والجمود، مكبلة بأغلال الظلم والقهر والإذلال.
ولن تتراجع الحضارة الاوروبية المعاصرة، عن سياسة الهيمنة والتسلط والاستكبار، ضد شعوب ما يسمونه بالعالم الثالث، خصوصا شعوب العالم الاسلامي، بل ستستمر متمادية في ظلمها واذلالها واضطهادها لهم الى يوم ظهور الامام المنتظر (ع) كما جاء في الاحاديث النبوية "تقوم الساعة والروم اكثر الناس"(١١٨) وفي حديث آخر "اشد الناس عليكم الروم وانما هلكتهم مع الساعة"(١١٩) والساعة هنا كناية عن الامام المهدي (ع) وسنوضح هذا الامر في نهاية هذا البحث.
دورهم في عصر الظهور
للدول الغربية الكبرى دور مميّز، في ملاحم وفتن واحداث الظهور الخطيرة، التي تواجه العالم الاسلامي وبالاخص العالم العربي منه، لكنهم يختلفون عن منافسيهم، من دول اوروبا الشرقية، في طريقة تدخلهم في الاحداث، فاولئك يتدخلون بشكل مباشر وبدون وسيط في مصالح وسياسة واقتصاد المسلمين وفي اضطهادهم، اما هم فغالبا ما يعتمدون اسلوب التدخل الغير مباشر من خلال عملائهم من حكام الانظمة الموالية لهم في عالمنا الاسلامي، فاذا اضطروا للتدخل المباشر، تدخلوا تحت شعارات مزيفة براقة، كالدعوة لاحلال السلام والامن، والمحافظة على توازنات الصراع، وغيرها من العناوين والمبررات الاخرى، التي تمكنهم من التدخل المباشر مع حلفائهم في الاحداث.
تدخلهم في بلاد الشام
يتدخل الغربيون في بلاد الشام، على اثر زحف القوات الايرانية- عبر الاراضي العراقية-نحو فلسطين، لتحريرها من اليهود المغتصبين، فتنزل القوات الغربية على سواحل فلسطين، كقوة اسناد للجيش الاسرائيلي في هذه المعركة، وهو ما اشارت اليه رواية عمار بن ياسر "وتنزل الروم فلسطين"(١٢٠)، ولكن بعد هزيمة الجيش الاسرائيلي، وتحرير القدس ودخول الايرانيين الى فلسطين المحتلة، تبقى القوات الغربية في المنطقة، حيث يتجه حكامها الى تغيير النظام الحاكم في سوريا الحليف للايرانيين، والاتيان بحاكم عربي قوي عميل لهم، يتحالف مع اليهود لاخراج الايرانيين من فلسطين.
ويتم تنفيذ هذا المشروع السياسي الغربي، من خلال ايجاد فتنة داخلية في بلاد الشام، تتصارع فيها اطراف سياسية متعددة على الحكم، وفي اجواء هذا الصراع الدموي يكمل الغرب مخططة لاختيار العميل المناسب، ثم يظهره على مسرح الاحداث، بعد ما يضع بين يديه خطة محكمة للسيطرة على معارضيه، واسلوبا ناجحا لتصفيتهم، وهذا الحاكم العربي العميل للغرب هو السفياني.. ولنقرأ بعض الاحاديث التي تعكس لنا الجوانب الظاهرية من هذا المخطط الغربي في احداث عصر الظهور.
جاء في الحديث: "اذا رأيت الفتنة في بلاد الشام، فالموت الموت حتى يتحرك بنو الاصفر، فيسيرون الى بلاد العرب، فتكون بينهم الوقائع"(١٢١) "فأوّل أرض تخرب الشّام، يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات، راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، ويلتقي السفياني بالأبقع فيقتتلون فيقتله السّفياني ومن تبعه ويقتل الأصهب.."(١٢٢).
وفي حديث ان الرايات التي تختلف على الحكم ثلاثة، فيخرج السفياني فيحصدهم جميعا، وهو حديث سدير الصيرفي عن الصادق (ع) قال: "ثلاث رايات راية حسنّية وراية أمويّة وراية قيسّية فبينما هم كذلك..
اذ يخرج السفياني فيحصدهم حصد الزّرع ما رأيت مثله قط"(١٢٣).
وفي رواية تقول "يقبل السفياني من بلاد الرّوم متنصرا، في عنقه صليب وهو صاحب القوم"(١٢٤). فاذا قضى السفياني على معارضيه بالشام، على حدود دولته الكبرى التي تشمل سوريا والاردن وفلسطين، ولا نستبعد شمول الحكم السفياني بلاد لبنان ايضا، لدخولها تحت عنوان دمشق في جغرافية بلاد الشام القديمة، وفي صحيحة محمد بن مسلم عن الصادق (ع) انه قال "ان السفياني يملك بعد ظهوره على الكور الخمس حمل امرأة"(١٢٥) وفي روايات اخرى ان الكور الخمس دمشق وفلسطين والاردن وحمص وحلب.
وفي رواية عبد الله بن منصور قال سألت ابا عبد الله (ع) عن اسم السفياني فقال: "وما تصنع باسمه؟ اذا ملك كور الشام الخمس، دمشق وحمص وفلسطين والاردن وقنسرين، فتوقعوا عند ذلك الفرج.."(١٢٦).
وأول عمل يقوم به السفياني، بعد تصفية معارضيه، اخراج المقاتلين الايرانيين من فلسطين، كما تقول الرواية "يبايع السفياني أهل الشام، فيقاتل أهل المشرق، فيهزمهم من فلسطين"(١٢٧) وفي رواية "فيقاتل اهل المشرق، حتّى يردّهم إلى العراق"(١٢٨).
وما هي الا ايام معدودة، وينتهي شهر العسل بين السفياني وحلفائه الغربيين، وتتحول ساحة الود والصفاء والولاء الى ساحة حرب ودماء، بعد اكتشاف مناجم الذهب في محافظة الجزيرة السورية من منطقة قرقيسيا، فيصطدم السفياني بالقوات الغربية والشرقية، المتصارعة على الكنز فيقضي عليهم جميعا، كما تقول الرواية "خرج الرّوم والتّرك فيظهر عليهم السفياني"(١٢٩).
نهاية الدولة الغربية
تذكر روايات عصر الظهور، ان الدول الاستكبارية الكبرى، تبقى في أوج عنفوانها وجبروتها وهيمنتها على العالم، سياسيا واقتصاديا وعسكريا، حتى ظهور الامام المهدي (ع) ففي الحديث النبوي "تقوم الساعة والروم اكثر الناس"(١٣٠) وفي حديث آخر "اشد الناس عليكم الروم وانما هلكتهم مع الساعة"(١٣١).
والساعة هنا كناية عن الامام المهدي (ع)، لان هلكة الروم سوف تكون على يديه، ومعنى الحديثين: ان الدول الغربية الكبرى، هي اكثر الامم عددا وعدة، واشدهم تسلطا واستكبارا على المسلمين في عصر الظهور، وان نهايتهم المحتمة سوف تكون على يد الامام المهدي (ع)، كما جاء عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم): "يخرج المهديّ إلى بلاد الرّوم، وجيشه مائة ألف، فيدعو ملك الرّوم إلى الإيمان فيأبى، فيقتتلان شهرين، فينصر الله تعالى المهديّ (ع).. ويقتل من الرّوم خلقا كثيرا، ويسلم على يديه خلق كثير"(١٣٢) وفي رواية: "المهديّ يبعث بقتال الرّوم، يحكم بين أهل التّوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم"(١٣٣) وفي رواية الامام الباقر (ع) قال "تسلم الرّوم على يده، فيبني لهم مسجدا، ويستخلف عليهم رجلا من اصحابه، ثمّ ينصرف"(١٣٤).
والحديث صريح في ان الامام المهدي (ع)، بنفسه يقود المعارك ضد الدول الاوربية الغربية، وانه يدخل بلادها فاتحا، ويشرف على وضع خطة لبناء مسجد لهم، ويستخلف عليهم احد اصحابه ثم ينصرف.

رايات الهدى في عصر الظهور

تذكر الروايات الغيبية، ان الامة ستمر بفترات مظلمة، بسبب تسلط الحكام الظالمين عليها، وستشهد انحرافا خطيرا عن الاسلام، في حياتها الاجتماعية والسياسية والاخلاقية والفكرية.. ثم بعد ذلك وتحديدا في آخر الزمان، تنطلق صيحات للحق من هنا وهناك تقودها جماعات مؤمنة مجاهدة من الامة، مناهضة للظلم والجور والانحراف والفساد، وتكون هذه الصرخات بداية عودة الامة الى الدين، ودخولها في صراع محتدم مع الحكام الجائرين المتسلطين عليها بالقوة.
وقد لخص رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) هاتين المرحلتين الخطيرتين من تاريخ الامة، في حديثه لمعقل بن يسار بقوله (صلّى الله عليه وسلّم): "لا يلبث الجور بعدي إلاّ قليلا حتّى يطلع، فكلّما طلع من الجور شيء يذهب من العدل مثله، حتّى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثمّ يأتي الله بالعدل، فكلّما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتّى يولد في العدل من لا يعرف غيره"(١٣٥).
وتبدأ الفترة المشرقة من تاريخ عودة الدين الى حياة الامة، ووجدانها وفي شعاراتها وطموحاتها ومشاريعها السياسية والاجتماعية، بانطلاقة الحركات والتنظيمات الاسلامية المجاهدة، التي تدعو الامة الى العودة من جديد الى دينها وعقيدتها واخلاقها واصالتها الاسلامية، وتتكلل هذه الفترة المشرقة من تاريخ الإسلام، بالنجاح الظافر في عصر الظهور، بقيام ثورة اسلامية رائدة في بلاد ايران، ثم تخرج بعدها تباعا رايات هدى اخرى، تقتفي اثرها وتقتدي بنهجها، وتوالي اولياءها وتعادي اعداءها، فتكون مجموع رايات الهدى في عصر الظهور خمسة وهي:
(١) راية الموطّئين للمهديّ في إيران.
(٢) راية المناصرين للمهديّ في اليمن.
(٣) راية المقاومين لليهود في بلاد الشام.
(٤) راية العصائب المجاهدين في العراق.
(٥) وراية النّجباء الابطال في مصر.
راية الموطئين للمهدي
وهي اول رايات الهدى في عصر الظهور خروجا، ثم تليها رايات الهدى الاخرى تباعا وتنطلق هذه الراية من بلاد ايران، كما بشر بها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في مئات الاحاديث المروية من طرق الفريقين. منها حديثه الشهير "يخرج قوم من المشرق يوطّئون للمهديّ سلطانه"(١٣٦).
قيادات الموطئين
وهم كلهم من اصل عربي ومن قريش خاصة، والمذكورون في الروايات منهم اربعة: قائد ثورتهم المؤسس لدولتهم، والسيد الخراساني، والسيد الحسني، وشعيب بن صالح التميمي. وكلهم من ذرية أهل البيت، باستثناء شعيب فانه من قبيلة بني تميم القرشية.
وهناك روايات يستفاد من ظاهرها، ان قادة الموطئين البارزين كلهم من بني هاشم، منها رواية الامام الصادق (ع) قال: "إذا ظهرت راية الحق لعنها أهل المشرق والمغرب، أتدري لم ذلك؟ فقال الراوي: لا فأجابه الامام بقوله: "للّذي يلقى النّاس من أهل بيته قبل خروجه"(١٣٧) ومثلها رواية الامام الباقر (ع) قال: "اذا رفعت راية الحق لعنها اهل المشرق والمغرب! فقيل له: ممّ ذلك؟ فقال: ممّا يلقون من بني هاشم [قبله](١٣٨).
ولكن من غير المتصور ان تكون جميع قيادات الموطئين من الدرجة الاولى والثانية والثالثة من بني هاشم، فلا بد من حمل ظاهر الروايات على قياداتهم العليا.
وتعكس لنا هذه الروايات مدى ثبات قادة الموطئين على الحق، واصرارهم في مواجهة طواغيت الارض، مما يجعلهم قادرين على تحويل ليلهم الى نهار، ونهارهم الى ليل دامس مظلم، وتصبح دولتهم الإلهية، مصدر قلق ورعب للكفر العالمي، بما تشكله من تهديد حقيقي لمصالحه الاستراتيجية في العالم، وهو ما يعزز عداءهم وحقدهم على الإمام المنتظر، قبل ظهوره وبعد ظهوره.
ومن المفاهيم السياسية التي اهتم أهل البيت بالتحذير من خطورتها على مسار ثورة الموطئين في هذه الاحاديث، هي موالاة طواغيت دول الاستكبار، والتعاطف مع سياساتهم العالمية الظالمة المنتهكة لحقوق الانسان، لتكون هذه السياسة الإسلامية في المجتمع الايراني، مقياسا لمعرفة قياداته الاصيلة من الدخيلة، والمؤمنة من المنافقة، وهذه الحقيقة السياسية، هي من اهم الدلالات المستفادة من مفهوم هذه الروايات.
قائد ثورتهم
ذكرته عدة روايات، منها رواية ابي بصير عن الصادق (ع) قال: "فإذا انقرض ملكهم، أتاح الله لأمة محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) برجل منّا أهل البيت، يشير بالتّقى ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرّشا، والله إنّي لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثمّ يأتينا.. القائد العادل الحافظ لما استودع، يملأها عدلا وقسطا، كما ملأها الفجار ظلما وجورا"(١٣٩). فالقائد الموطئ من ذرية أهل البيت، يقوم بثورته بعد سقوط دولة بني العباس الاولى وانقراضها، وهو صاحب مدرسة متميزة في الاخلاق والتقوى كما يفهم من قوله "يشير بالتقى"، وهو أيضا صاحب نهج اسلامي اصيل في مبادئه، يتصف بالثبات على دين الله والاستقامة في تطبيق حكم الله، كما هو ظاهر قوله "يعمل بالهدى"، وهو لا يميل الى الشرق ولا الى الغرب، ولا يساوم ولا يحابي في سياسة دولته، كما يفهم من قوله "ولا يأخذ في حكمه الرشا".
وشبيه بهذا الوصف وصف آخر له، جاء ضمن خطاب طويل للامام علي (ع)، نذكر منه موضع الحاجة قال: "وليكوننّ من يخلفني من أهل بيتي، رجل يأمر بأمر الله، قويّ يحكم بحكم الله، وذلك بعد زمان مكلح مفضح، يشتدّ فيه البلاء، وينقطع فيه الرّجاء، ويقبل فيه الرّشاء، فعند ذلك يبعث الله رجلا من شاطئ دجلة، لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدّماء، قد كان في ستر وغطاء"(١٤٠).
وأوصاف قائد الموطئين هذه، لا تختلف عن الاوصاف التي ذكرها الإمام الصادق (ع) له، الا باختلاف التعابير والزيادة في البيان والايضاح لمعالم شخصيته القيادية الفريدة، فهو ايضا من ثوار اهل البيت "يأمر بأمر الله" ثابت على الحق مستقيم في نهجه، لا يحيد عن امر الله ورضاه "قوي يحكم بحكم الله" وقوته مستمدة من شدته على اعداء الله، وصلابته في تطبيق حكم الله، لأنه يحمل امانة الانبياء للعالمين، في مرحلة تاريخية زاخرة بالظلم والفساد، وفي زمن مكلح مفضح يشتد فيه البلاء على العالم الاسلامي، وينقطع فيه الامل-عند عامة الناس-بالنصر على الاعداء.
وفي وصف الامام علي (ع) لثورة القائد الموطئ، ذكر خروج طاغية "من شاطئ دجلة" أي من العراق، معلنا الحرب عليه، وان هذا الطاغية يتصف بسفك الدماء والحقد على الدين والمؤمنين، وانه لم يكن حاكما بارزا في العراق قبل قيام ثائر أهل البيت في ايران، بل كان يعمل بالسر والخفاء، لكنه بعد نجاح الثورة يظهر ليقود الحكم في العراق، ويشن حربا على القائد الموطئ فقال (عليه السلام) "فعند ذلك يبعث الله رجلا من شاطئ دجلة، لامر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء، قد كان في ستر وغطاء... "ثم ذكر الاحداث والفتن الاليمة التي يقودها هذا الطاغية في العراق، وفي النجف الاشرف بشكل خاص، بعد معاركه مع الموطئين، والخطاب طويل لم نذكر منه إلّا موضع الحاجة، وقد ذكرت في نهايته أحداث مدينة النجف الأشرف الأليمة.
ومن اوصاف ثائر أهل البيت، في حديث الامام الصادق (ع) انه "لا يأخذ في حكمه الرشا" بينما تناول الامام علي (ع) وصفا عاما للواقع الاجتماعي الفاسد والمنحرف في عصره بقوله "وذلك في زمان مكلح مفضح، يشتد فيه البلاء وينقطع فيه الرجاء ويقبل فيه الرشاء" وهو دليل على اتحاد معاني الوصفين في الحديثين. وان لم يذكر الامام الصادق (ع) الزيادة التي ذكرها الامام علي (ع) في وصف الطاغية، الذي يعلن من العراق الحرب على ثائر أهل البيت، ولكن عند مراجعتنا لرواية الامام الصادق (ع) في البحار، نرى المجلسي نقلها عن كتاب الاقبال لابن طاووس الذي يرويها بدوره عن كتاب الملاحم للبطائني ناقصا، لانه ختمها بقوله "ثم ذكر تمام الحديث" وليس ببعيد ان يكون تمام الحديث الذي لم يذكره ابن طاووس، يرتبط بخبر طاغية العراق المعادي لثائر أهل البيت، والمعلن الحرب على ثورته.
ومن الاحاديث الخاصة بوصف مفجر ثورة الموطئين في بلاد ايران حديث للامام علي (ع) قال "يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق، يحمل السّيف على عاتقه ثمانية أشهر، يقتل ويمثّل به، ويتوجّه إلى بيت المقدس، فلا يبلغه حتّى يموت"(١٤١). فهو من ذرية اهل البيت يعلن عن ثورته في بلاد المشرق قبل ظهور الامام (ع)، ويقود حربا ضد اعداء الله، يقتلهم فيها قتلا مريعا الى درجة التمثيل باجسادهم، وان من اهم اهداف ثورته، تحرير بيت المقدس من اليهود المغتصبين، لكنه يموت قبل ان يحقق هذا الهدف الجهادي المقدس.
وليس ببعيد ان يكون المراد من هذه الحرب، التي يحمل قائد الموطئين السلاح فيها ثمانية اشهر يقاتل اعداء الله، هي الاشهر الاولى من تاريخ ثورته، وقد يراد منها الحرب التي يقودها ضد طاغية العراق، دفاعا عن مبادئ ثورته وشعبه ودولته، وربما ذكر الامام علي (ع) دوام هذه الحرب ثمانية سنوات، وليس ثمانية اشهر، لكن الراوي الذي لم يألف الحرب الطويلة الأمد، لأنها لم تكن معهودة في عصره، ثبتها ثمانية اشهر معتمدا على فهمه الخاص.
ويبقى في الحديث اشكال واضح، وهو تمثيل هذا الثائر بجثث القتلى من اعدائه، والتمثيل بالقتيل منهي عنه في حروب الاسلام، لقول رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) "ولا تمثّلوا ولو بالكلب العقور" وهذا العمل لا يتطابق مع وصفه بانه يعمل بالهدى ويحكم بحكم الله.
والجواب على هذا الاشكال واضح ايضا، لان الفتك بالقتيل والتمثيل به في حروب عصر الظهور، امر خارج عن ارادة الايمان، في ظل الاسلحة الحديثة الفتاكة، التي يستخدمها الجيش الاسلامي للدفاع عن ارضه وكرامته ودولته، في عمليات الهجوم على الاعداء.
ومنها حديث الامام الكاظم (ع) انه قال: "[يخرج] رجل من قم يدعو النّاس الى الحقّ، يجتمع معه قوم، قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرّياح العواصف، لا يملّون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكّلون، والعاقبة للمتّقين"(١٤٢)، والاوصاف التي ذكرها الامام الكاظم (ع) لهذا الثائر، لا تبتعد عن مضامين حديث الامام علي (ع) حول الثائر المشرقي، وإنما فيها تحديد دقيق لبعض معالم شخصيته، وتفصيل اكثر لمبادئ ثورته، فهو داعية الى الحق، يخرج من مدينة قم الايرانية، وان أصحابه يتصفون بقوة الإيمان، والتوكل على الله، والثبات على الحق في قتال اعداء الله، لا تزلهم الرياح العواصف، وفي الحديث اشارة الى دخولهم مع اعدائهم في حرب طويلة الامد ولكنهم "لا يملّون من الحرب ولا يجبنون" وتنتهي نتيجة الحرب لصالحهم.
وقوله "قلوبهم كزبر الحديد" هو من الاوصاف الخاصة باصحاب الرايات السود، كما في الرواية عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "تجيء الرّايات السّود من قبل المشرق، كأنّ قلوبهم زبر الحديد، فمن سمع بهم فليأتهم فيبايعهم ولو حبوا على الثلج"(١٤٣).
وقد علق المؤرخ المقدسي المتوفى سنة ٣٥٥ هجرية في كتابه" البدء والتاريخ" على احاديث الرايات السود بقوله: "قال قوم قد نجزت بخروج ابي مسلم الخراسانيّ.. وقال آخرون: بل هذه تأتي بعد، وإنّ أوّل الكوائن ملك يخرج من الصّين، من ناحية يقال لها ختن، بها طائفة من ولد فاطمة، من ظهر الحسين بن عليّ رضي الله عنهم، ويكون على مقدّمته رجل كوسج، من تميم يقال له شعيب بن صالح، مولده بالطالقان، مع حكايات كثيرة واخبار عجيبة، من القتل والأسر والله أعلم"(١٤٤).
ومن الواضح ان المقدسي قد لخص اقوال العلماء المعاصرين له، حول ظهور الرايات السود، او عدم ظهورها في التاريخ، فهناك من يطبقها على احداث الثورة العباسية، وهناك من يطبقها على الدولة الموطئة في عصر الظهور، لأن قائدها من نسل الحسين (ع) وليس من بني العباس.
ومن المحتمل ان تكون هناك رواية تذكر الصين منطلقا لثورة الرايات السود، قد اطلع عليها المقدسي، ولكننا لم نقف عليها، فان وجدت مثل هذه الرواية، نقطع على نحو اليقين بعدم صحتها لمعارضتها للصحيح والمتواتر من الروايات المصرحة من طرق الفريقين، بانطلاقة ثورة الموطئين من بلاد ايران، وربما منشأ هذه الرواية الغريبة نقل الراوي لها من المعصوم بالمعنى، وكأنه فهم من كلمة المشرق انه اراد بلاد الصين، ومما يعزز احتمال وجود هذه الرواية في مصادر الحديث النص على اسم المدينة "ختن" التي ينتسب اليها القائد الموطئ، وهي ايضا غير موجودة في روايات الموطئين الشهيرة اطلاقا.
ومن الجدير بالذكر ان محقق كتاب "البدء والتاريخ" ذكر في هامش الكتاب كلمتين مصحفتين لكلمة "ختن" وهما "خنن" و"ختين" واحتمل ان احدهما هي الصحيحة، بدلا من المذكورة في المتن، ونحن أيضا نحتمل انها تصحيف لكلمة "خمين" وهي مدينة ايرانية، قريبة من مدينة قم، وفيها ولد الامام الخميني (قدس الله روحه الطاهرة) قائد الثورة الاسلامية، ومؤسس دولتها المعاصرة في ايران.
اما وصف المؤرخ المقدسي لاحداث الثورة الموطئة بقوله: "إلى غير ذلك من الأخبار العجيبة من القتل والأسر" فلعله يريد الاشارة الى ما سيقع من حرب مدمرة بين دولة ثائر اهل البيت في ايران، وبين طاغية عصره الخارج عليه من شاطئ دجلة "أي بغداد"، معلنا حربه العدوانية على دولته وشعبه، مما يقتضي وقوع عدد كبير من القتلى والاسرى من الطرفين في هذه المعارك.. ومن المؤكد ان المقدسي قد اطلع على اخبار مهمة وخطيرة، حول راية الموطئين، ولكنها لم تصلنا، ومثل هذه الروايات لو وقعت في أيدينا، لعلها تكون من الادلة المرجحة على اعتبار الثورة الخمينية المعاصرة، هي التطبيق الواقعي لثورة الموطئين.
القائد الخراساني
يواجه الباحثون صعوبة في دراسة وتحقيق اخبار الخراساني الموطئ للمهدي (ع)، للتشابه بينها وبين اخبار ابي مسلم الخراساني قائد الثورة العباسية، بالإضافة إلى التداخل والالتباس الواقع بين اخبار السيد الخراساني واخبار الثائر الحسني المناصر له، وسنترك التحقيق في اخبار الخراساني، الى الكتاب الخاص بدراسة ثورة الموطئين، في ضوء أحاديث أهل البيت، ونكتفي هنا بتقديم ملامح عامة حول شخصيته، في ضوء بعض الروايات التي تناولته:
روي عن الامام علي (ع) انه قال: "تخرج الرّايات السّود تقاتل السفياني، فيهم شاب من بني هاشم في كتفه اليسرى خال، على مقدمته رجل من تميم يدعى شعيب بن صالح، فيهزم اصحابه"(١٤٥).
وروي عن الامام ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: "يخرج شابّ من بني هاشم بكفّه اليمنى خال من خراسان برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم"(١٤٦).
وروي عنه ايضا انه قال: "تقبل الرّايات السّود من خراسان، على جمع النّاس شابّ من بني هاشم، بكفّه اليمنى خال، يسّهل الله له أمره وطريقه"(١٤٧).
وروي عن عبد الله بن عمر قال: "يخرج رجل من ولد الحسين، من قبل المشرق، لو استقبلته الجبال الرّواسي لهدمها، واتّخذ فيها طرقا"(١٤٨).
والروايات حول الخراساني من طرق الفريقين كثيرة ثابتة وصحيحة، ويعتبر ما ذكرناه هنا من اوضحها، وهي بمجموعها تلخص صفاته بما يلي:
انه رجل ثائر من احفاد اهل البيت ومن ابناء الامام الحسين (ع)، ينتسب الى خراسان اما مولدا ونشأة او سكنا واقامة، او انتسابه الى خراسان باعتبار انطلاقة ثورته منها. ومن صفاته انه يظهر شابا من دون ان نعلم بانطباق هذا الوصف عليه في بداية ظهوره في مجتمع الثورة الايرانية، او في بداية تسلمه لقيادة الموطئين، او في حال اصطدام جيشه مع جيش السفياني، كما هو ظاهر الروايات السابقة المروية من طرق اهل السنة، ولكن لا وجود لهذا الوصف في روايات اهل البيت.
ومن صفات السيد الخراساني المميزة وجود خال بكفه اليمنى او اليسرى، وللخال معان ثلاثة في معاجم اللغة: وجود علامة بيده كختم النبوة في ظهر النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، او وجود ضعف في اليد، او ان يكون لواء الجيش وقيادة العسكر بيده وتحت أمرته.
وتذكر الروايات ان الخراساني سيواجه عقبات، في طريق قيادته لثورة الموطئين ومجتمعها الايراني، ولكن الله تعالى يتكفل بتذليلها، كما يقول الامام الباقر (ع): "يسهل الله امره وطريقه".
السيد الحسني
القائد الحسني، هو أحد كنوز الطالقان، ومن أبرز أصحاب القائم (ع)، يخرج من منطقة طبرستان، مناصرا للسيد الخراساني، يقود في بلاد إيران ثورة تصحيحية، على أثر الفتنة الداخلية التي يتزعمها جماعة من المنحرفين الإيرانيين، ضد النهج الأصولي لثورة الموطئين، تستهدف الإطاحة بالقائد الخراساني. نذكر هنا جملة من الروايات الخاصة بهذه الثورة التصحيحية، التي يقودها في عصر الموطئين السيد الحسني، ثم نعقبها بالشرح والإيضاح والتحليل.
١ - في الأنوار النعمانية، عن المفضل بن عمر، عن الإمام الصادق (ع) إنه قال: "ثم يخرج الحسنيّ، الفتى الصبيح الّذي من نحو الدّيلم، فيصيح بصوت فصيح: يا آل أحمد أجيبوا الملهوف، والمنادي حول الضّريح، فتجيبه كنوز الله بالطّالقان، كنوز لا من ذهب ولا من فضّة، بل رجال كزبر الحديد، لكأنّي أنظر إليهم على البراذين الشّهب بأيديهم الحراب، يتعاوون شوقا إلى الحرب، كما تتعاوى الذّئاب، أميرهم رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيقبل الحسنيّ فيهم ووجهه كدائرة القمر، فيأتي على الظّلمة فيقتلهم، حتّى يرد الكوفة"(١٤٩).
٢ - وفي البحار، عن المفضل بن عمر، عن الصادق (ع) قال: "ثمّ يخرج الحسنّي الفتى الصّبيح، الذي نحو الدّيلم، يصيح بصوت له فصيح:
يا آل أحمد أجيبوا الملهوف، والمنادي من حول الضّريح، فتجيبه كنوز الطّالقان، كنوز وأيّ كنوز، ليست من فضّة ولا من ذهب، بل هي رجال كزبر الحديد، على البراذين الشّهب بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظّلمة، حتّى يرد الكوفة.. فيتّصل به وبأصحابه خبر المهديّ (ع)، ويقولون: يا ابن رسول الله ما هذا الّذي قد نزل بساحتنا، فيقول: أخرجوا بنا إليه حتّى ننظر من هو وما يريد؟ وهو والله يعلم أنه المهدي، وإنّه ليعرفه، ولم يرد بذلك الأمر إلاّ ليعرّف أصحابه من هو؟
فيخرج الحسنيّ فيقول: إن كنت مهديّ آل محمد، فأين هراوة جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وخاتمه، وبردته، ودرعه الفضال، وعمامته السّحاب، وفرسه اليربوع، وناقته العذباء، وبغلته الدّلول، وحماره اليعفور، ونجيبه البراق، ومصحف أمير المؤمنين (ع)؟
فيخرج له ذلك؟ ثمّ يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصّلد وتورق، ولم يرد ذلك إلاّ أن يري أصحابه فضل المهديّ (ع) حتّى يبايعوه.
فيقول الحسنيّ: الله أكبر، مدّ يدك يا ابن رسول الله حتى نبايعك، فيمدّ يده فيبايعه، ويبايعه سائر العسكر الّذي مع الحسنّي.. "(١٥٠).
٣-و عن أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "وتسير الجيوش-أي جيوش الإمام المهديّ-حتّى تصير بوادي القرى، في هدوء ورفق، ويلحقه هناك ابن عمه الحسنّي في اثني عشر ألف فارس، فيقول له الحسنّي: يا ابن عم أنا أحقّ بهذا الجيش منك، وأنا المهديّ.
فيقول المهدي (ع): بل أنا المهديّ، فيقول الحسنّي: هل لك من آية فنبايعك؟ فيومئ المهدي (ع) إلى الطير فتسقط على يده، ويغرس قضيبا في بقعة من الأرض فيخضرّ ويورق، فيقول له الحسنيّ: يا ابن عم هي لك ويسلّم إليه جيشه، ويكون على مقدّمته واسمه على اسمه"(١٥١).
٤-و في خطبة للإمام علي (ع) في الملاحم خطبها في البصرة بعد وقعة الجمل، وجاء فيها إنه قال: "يخرج الحسنّي صاحب طبرستان، مع جمّ كثير من خيله ورجاله، حتّى يأتي نيسابور، فيفتحها ويقسّم أموالها، ثمّ يأتي أصبهان، ثمّ يأتي إلى قم، فيقع بينه وبين أهل قم وقعة عظيمة، يقتل فيها خلق كثير، فينهزم أهل قم، فينهب الحسنّي أموالهم، ويسبي ذراريهم ونساءهم، ويخرب دورهم، فيفزع أهل قم إلى جبل يقال له: "وراردها" فيقيم الحسنّي ببلدهم أربعين يوما، ويقتل منهم عشرين رجلا، ويصلب منهم رجلين ويرحل عنهم"(١٥٢).
ويظهر من بعض الوثائق التاريخية أن أصحاب الإمام علي (ع) سألوه بعد معركة الجمل: لماذا لا ننهب اموال هؤلاء المقاتلين الخارجين على طاعة إمام الحق والهدى، ولا يحق لنا أسرهم وسبيّ ذراريهم؟ فقال لهم: "ليس ليّ ذلك، وإنما يفعله الإمام المهديّ وأصحابه"، وبهذه المناسبة أخبرهم في خطبته هذه بما يفعله السيد الحسني بالإيرانيين الذين يخونون وينكثون ببيعة القائد الموطئ للمهدي (ع). وهو معنى الحديث السابق "يأتي على الظّلمة فيقتلهم" وقد تطرق الإمام الصادق (ع) في حديث آخر إلى خيانة هؤلاء الظّلمة من رجال قم لمبادئ ثورة الموطئين فقال: "تربة قم مقدسة وأهلها منّا ونحن منهم، لا يريدهم جبّار بسوء إلاّ عجّلت عقوبته، ما لم يخونوا إخوانهم.."(١٥٣).
٥-عن الإمام علي (ع) في وصف قتال جيوش الموطئين، بقيادة السيد الحسني للعباسيين في عصر الظهور فيقول: "إنّ لبني العباس يوما كيوم الطّموح، ولهم فيها صرخة كصرخة الحبلى، الويل لشيعة ولد العباس من الحرب التّي تفتح بين نهاوند والدينور، تلك حرب صعاليك شيعة عليّ، يقدّمهم رجل من همدان اسمه على اسم النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)، منعوت موصوف باعتدال الخلق، وحسن الخلق، ونضارة اللون، له في صوته ضجاج، وفي أشفاره وطف، وفي عنقه سطح، أفرق الشعر، مفلج الثنايا، على فرسه كبدر تمام، إذا تجلى عند الظّلام، يسير بعصابة خير عصابة آوت وتقرّبت ودانت لله بدين تلك الأبطال من العرب، الذّين يلحقون حرب الكريهة، والدّائرة يومئذ على الأعداء، إنّ للعدوّ يوم ذاك الصّليم والإستئصال"(١٥٤).
٦-عن أمير المؤمنين (ع) قال: "تقبل رايات من شرقيّ الأرض غير معلّمة، ليس بقطن ولا كتّان ولا حرير، مختوم في رأس القناة بخاتم السّيدّ الأكبر، يسوقها رجل من آل محمّد، تظهر بالمشرق وتوجد ريحها بالمغرب، كالمسك الأذفر، يسير الرّعب أمامها بشهر، حتّى تنزل الكوفة طالبين بدماء آبائهم، بينما هم على ذلك، إذا اقبلت خيل اليماني والخراساني يستبقان كأنّهما فرسا رهان، شعت غبر جعد.."(١٥٥).
٧-عن أبي جعفر (ع) قال: "يدخل المهديّ الكوفة، وبها ثلاث رايات قد اضطربت بينها، فتصفو له، فيدخل حتى يأتي المنبر فيخطب، ولا يدري النّاس ما يقول من البكاء، وهو قول رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): كأنّي بالحسنّي والحسينّي وقد قاداها فيسلّماها إلى الحسينّي فيبايعونه"(١٥٦).
وظاهر الروايات أن اسم السّيدّ الحسنّي كإسم المهديّ، كما تقول الرواية الثالثة عن أمير المؤمنين (ع): "ويكون على مقدّمته-أي مقدمة جيش المهديّ-و اسمه على اسمه"، ونوه الإمام علي (ع) في الرواية الخامسة بذلك في قوله: "يقدّمهم رجل من همدان إسمه على اسم النّبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)".
وتتفق الروايات أن السيد الحسني شاب من آل محمد، جميل الوجه، حسن المنظر، كما تقول رواية الإمام الصادق (ع) الأولى: "يخرج الحسنيّ، الفتى الصّبيح.. ووجهه كدائرة القمر"، ووصفه الإمام علي (ع) في الرواية الخامسة بقوله: "منعوت، موصوف باعتدال الخلق، وحسن الخلق، ونضارة اللون.. على فرسه كبدر تمام، إذا تجلّى الظّلام".
والروايات صريحة في أن الحسني، هو القائد الأعلى لكنوز الطالقان، وفي طليعتهم شعيب بن صالح التميمي، وتدل مجموع هذه الأخبار أن كنوز الطالقان لا تظهر، إلا على أثر انقلاب دموي، يستهدف القضاء على ثورة الموطئين، وتصفية قياداتها البارزين، والسعي لإماتة الدين، كما في الحديث النبوي: "لا تزال طائفة من أمتّي..، يقاتلون على أبواب الطّالقان، لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم، حتّى يخرج الله كنزه من الطّالقان، فيحيي بهم دينه، كما أميت من قبل"(١٥٧).
إن من أهم أهداف الثورة الحسينية التصحيحية الموطئة للمهدي، هو مناصرة الخط الإسلامي الأصيل في بلاد إيران، والوقوف مع الخراساني، الذي عبرت عنه الروايات بالملهوف، أي المضطهد والمحاصر: "يخرج الحسنّي.. فيصيح بصوت له فصيح: يا آل أحمد أجيبوا الملهوف.. فتجيبه كنوز الطالقان.. بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظّلمة.. ".
ثم يتوجه الثائر الحسني بجيشه نحو المدن الإيرانية المشاغبة، التي تعتبر منطلقا لحركة المتمردين الظلمة من طلاب الزعامات والكراسي، وخاصة في مدينة أصفهان، وقم.. وهاتان المدينتان من أهم المدن الإيرانية التي تنطلق منها حركة الموطئين الجهادية في بلاد إيران، كما تنص الروايات التي تمدح أهل قم.. ولهذا يتخذها أعداء الثورة منطلقا لسحق أهدافها، ومحاربة رموزها، وإعلان الموقف العدائي المتمرد على مبادئها، فيدخل الثائر الحسني إلى هذه المدن المشاغبة المتمردة على دين الله، وخاصة مدينة قم، فيطهرها من الظالمين والمتعسفين والخونة.
وبعد القضاء على المتمردين الخونة والمنافقين، واستتباب الأمن والعدالة والسلام في بلاد إيران كلها، يتحرك السيد الحسني بجيوشه نحو العراق، لتوجيه الضربة الموجعة لدولة بني العباس، آخذا بثأر الشهداء الإيرانيين-الذين سقطوا في الحرب العراقية الإيرانية-على يد أبنائهم، وهو معنى قول الإمام علي (ع) في الحديث السادس: "تقبل رايات من شرقيّ الأرض.. يسوقها رجل من آل محمد، تظهر بالمشرق وتوجد ريحها بالمغرب.. حتى تنزل الكوفة طالبين بدماء آبائهم.. "وتصرح الرواية السادسة، عن الإمام علي (ع)، إن قوات السيد الحسني، تدخل إلى العراق آخذة بالثأر، قبل قوات السيد الخراساني، ولكن في داخل الأرضي العراقية، وبعد أن يهزم السيد الخراساني جيوش السفياني، تتلاحم القوات الإيرانية، بقيادة الرايتين دخل الأراضي العراقية: راية الحسيني الخراساني، والحسني الطالقاني، ويتفقان على تسليم راية الموطئين للإمام المهدي (ع)، وهو معنى الحديث النبوي: "وكأنّي بالحسنيّ والحسينيّ وقد قاداها فيسلّماها إلى الحسيني فيبايعونه".
ويتصور بعض العلماء إن القائد الحسني والحسيني رجل واحد، وهو المعروف في الروايات بالسيد الخراساني، ويعتقدون إنه حسني وليس حسينيا، وإن هذا الخلط وقع من جهة الرواة.
وهذا التصور ليس صحيحا، بل هو مجرد وهم لوجود الروايات التي ذكرتهما معا كالرواية السابقة التي يرويها شيخ الطائفة بسنده عن الإمام الباقر، عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، بالإضافة إلى الروايات التي أخبرت عن كل واحد منهما منفردا، ومن الوثائق التاريخية الغيبية الخاصة بالسيد الحسيني الخراساني ما جاء في كتاب المأمون الذي كتبه للعباسيين، بعد ما اعترضوا على تنصيبه للإمام علي بن موسى الرضا لولاية العهد، مطالبين بعزله وتنصيب ولده العباس لولاية العهد بمكانه، فكتب إليهم المأمون كتابا مطولا جاء فيه: ".. فأما إن أبيتم إلاّ كشف الغطاء وقشر العصا فإنّ الرشيد أخبرني عن آبائه وعما وجد في كتاب الدولة... ما لكم إلا السيف يأتيكم الحسيني الثائر فيحصدكم حصدا، والسفياني المرغم، والقائم المهدي، وعند القائم تحقن دماؤكم إلاّ بحقها"(١٥٨).
وعن ابن عباس في علامات الظهور المروية في حديث المعراج عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إنه قال: "وخروج رجل من ولد الحسين.. وظهور السفياني"(١٥٩).
القائد العسكري للموطئين
شعيب بن صالح التميمي، وهو اسم حقيقي له وليس رمزيا، ويعتبر من ابرز القادة العسكريين للموطئين، وصفته شاب صغير السن، مربوع القامة، كوسج اللحية، او خفيف اللحية، عربي الاصل من قبيلة تميم، اصفر اللون من شدة العبادة، ولكنه قوي صلب عنيد في الحق، شديد على الاعداء، ولو استقبلته الجبال الرواسي لهدها واتخذ منها طرقا، وقد استخلصنا اوصافه من الروايات التي تقول "فعليكم بالفتى التّميمي، فإنّه يقبل من قبل المشرق، وهو صاحب راية المهديّ...(١٦٠) وفي رواية غلام حديث السن، خفيف اللحية أصفر...(١٦١) وفي حديث يخرج بالرّيّ، ربعة أسمر مولى لبني تميم: كوسج، يقال له شعيب بن صالح، لا يلقاه أحد إلاّ قتله(١٦٢) وفي لفظ لو قاتل الجبال لهدّها، حتّى ينزل إيلياء"(١٦٣)، يعني بيت المقدس.
ويظهر شعيب في المجتمع الايراني فجأة، وقبل ذلك لم يكن معروفا بينهم، وقد شبه الامام علي (ع) خروجه في الساحة الإيرانية بالنبع، كناية عن ظهوره المفاجئ، تماما كما يظهر النبع بصورة فجائية فقال: "وتحرّكت عساكر خراسان، ونبع شعيب بن صالح التّميمي من بطن الطّالقان"(١٦٤).
وانتسابه الى بطن الطالقان، يؤكد انه من الكنوز المخفية، التي تظهر في آخر الزمان، وانه لا يمكن ان يكون معروفا في المجتمع الايراني، الا بعد خروج كنوز الطالقان من أصحاب القائم (ع)، كما تنص الرواية: "وإن لآل محمّد بالطالقان لكنزا، سيظهره الله إذا شاء، دعاة حق يقومون بإذن الله، فيدعون إلى دين الله"(١٦٥).
ويسبق خروج رجال الطالقان، فتنة عامة في ايران، واحداث اليمة ومؤامرة داخلية، تستهدف الاطاحة بقيادة الخراساني، والقضاء على خطه الاصيل، حينئذ يخرجون ويقومون بدورهم في تصفية المتآمرين والقضاء على الخونة، واعادة الامور الى نصابها في المجتمع الايراني، وسنتناول هذه الاحداث الاليمة في غير هذا الكتاب إن شاء الله.
وبعد سيطرة رجال الطالقان على زمام الامور في إيران، تتوجه جيوشهم-بأمر القائد الخراساني-بالزحف المقدس نحو فلسطين، لتحريرها من اليهود يتقدمهم شعيب بن صالح التميمي. كما تصفهم هذه الرواية "تخرج من خراسان.. على مقدّمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح من تميم.. حتى ينزل بيت المقدس، يوطّئ للمهديّ سلطانه، يمدّ إليه ثلاثمائة من أهل الشّام"(١٦٦).

مبادئ دولة الموطئين

تحكم ثورة الموطئين، مبادئ عقائدية وسياسية وجهادية ثابتة، تعمّق الروح الايمانية في جماهيرها وجيلها الناشئ، وتتحول يوما بعد يوم الى قناعات راسخة في وجدانه، رغم ما يواجهه من مؤامرات داخلية متتابعة، وتحديات خارجية متعددة، وسنتكلم هنا عن اهم هذه المبادئ:
المبدأ الأول - حمل رسالة القرآن للعالمين:
وشاهد ذلك رواية جابر الانصاري عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "ما من قوم أحبّ إلى الله تعالى، من قوم حملوا القرآن، وركبوا التّجارة الّتي ذكرها الله [تنجيكم من عذاب أليم](١٦٧) وقرأوا القرآن وشهروا السّيوف، يسكنون بلدة يقال لها: قزوين يأتون يوم القيامة، وأوداجهم تقطر دما، يحبّهم الله ويحبّونه، تفتح لهم ثمانية أبواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا من أيّها شئتم"(١٦٨).
وفي ظلال دولة الموطئين، تتلازم التربية القرآنية، مع التربية الجهادية في المجتمع الايراني، سواء في معسكراتهم، او مدارسهم، او مساجدهم، او في بيوتهم، فالجيل الايراني في عصر الموطئين جيل قرآني مجاهد، يحمل رسالة القرآن بيد، ويحمل السلاح لقتال الاعداء باليد الاخرى. يتعلم معارف القرآن، ويتربى بمفاهيمه الايمانية واحكامه الشرعية والجهادية.
وتأخذ التربية القرآنية في عصر الظهور، ابعادا علمية واجتماعية واسعة النطاق في عمق المجتمع الايراني، لترتقي به الى أصول المعرفة التربوية الصحيحة، في تفعيل رسالة القرآن، ونشر مبادئها في العالم، حتى يصبح المجتمع الايراني، المرجع الوحيد للامة في معارف القرآن وعلومه، وهذه حقيقة تاريخية مستقبلية سجلتها اخبار الغيب المروية عن الائمة الاطهار (ع)، يقول الاصبغ بن نبانة سمعت عليا يقول: "كأنّي بالعجم في فساطيطهم، في مسجد الكوفة، يعلّمون النّاس القرآن كما أنزل"(١٦٩).
المبدأ الثاني - الدعوة الى إمامة اهل البيت:
فالثوار الايرانيون يحملون للامة تصورات كاملة عن الاسلام، في ضوء تعاليم مدرسة اهل البيت، وحينما كان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يبشر امته بثورتهم، كان يتحدث عنها بوصفها كيان سياسي مبدئي قويم، يدعو الامة الى إمامة اهل البيت ويعرف الناس بمكانتهم الالهية ومبادئهم ونهجهم الاسلامي الاصيل. وهذا ما تؤكده بوضوح البشارات الغيّبية حول مبادئ ثورتهم فتقول "فتى من قبل المشرق، يدعو إلى أهل بيت النّبيّ(١٧٠).. يوطّئ أو يمكن لآل محمد(١٧١)...
وإنّ لآل محمّد بالطالقان لكنزا، سيظهره الله إذا شاء، دعاة حقّ يقومون بإذن الله، فيدعون إلى دين الله(١٧٢)... هم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمّر الله تعالى ولايتنا في طينتهم.. أما إنهم أنصار قائمنا ودعاة حقّنا"(١٧٣).
المبدأ الثالث - الدعوة الى تحرير القدس:
وهو من اهم مبادئ الموطئين، واكثرها وضوحا في الروايات التي بشرت بثورتهم، لأنه يؤكد دورهم الجهادي، باعتبارهم القاعدة الرسالية البديلة للإسلام في عصر الظهور، بعد استبدال قاعدته الاجتماعية الاولى، الموالية في قياداتها السياسية لطواغيت الكفر ودول الاستكبار، والمتخاذلة عن تحرير فلسطين.
ومما يثير الانتباه ان رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، حينما كان يتحدث عن دور المجاهدين الايرانيين في عصر الظهور وهم يحملون القرآن بيد والسلاح لمجاهدة الاعداء بيد اخرى، وصفهم بقوله: "يحبّهم الله ويحبّونه "وكأنه يريد الاشارة الى الآيات القرآنية، التي بشرت بثورتهم في قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي اَللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ، ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ، ذَلِكَ فَضْلُ اَللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
ويتجلى قمة جهادهم للكافرين، ولعملائهم من حكام العرب المستبدلين، في المعارك التي يخوضونها ضد السفياني والجيوش العربية الحليفة له التي تعترض زحفهم نحو تحرير القدس كما تنص الروايات التالية "تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردّها شيء حتّى تنصب بإيلياء.."(١٧٤).
وفي رواية تصف قائدهم فتقول "لو قاتل الجبال لهدما حتى ينزل إيلياء"(١٧٥) وفي لفظ آخر "حتّى ينزل بيت المقدس، يوطّئ للمهديّ سلطانه"(١٧٦).
وحينما كان الامام الصادق (ع) يقرأ الآيات التي وردت في مطلع سورة الاسراء، حول قتال المجاهدين ومعاقبتهم لبني اسرائيل على افسادهم الاول في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاَهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ، وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ (الإسراء: ٥) فسأله بعض اصحابه عن هؤلاء الذين سيبعثهم الله تعالى لقتال بني اسرائيل، فقال له ثلاث مرات: "هم والله أهل قم، هم والله أهل قم، هم والله أهل قم"(١٧٧).
ويظهر من مجمل الروايات التي اعتنت بوصف ثورة الموطئين، أنّ إعلانهم لمبادئ ثورتهم ولنهجها السياسي والجهادي في عصر الظهور، سوف لا يلقى ترحيبا من حكام العرب، بل سيواجهون مؤامرات وحروب من بعض الانظمة العربية المتحالفة ضدهم منذ اليوم الاول من تاريخ انطلاقة ثورتهم.. مما يفرض عليهم خوض حروب عديدة لحماية اهداف ثورتهم، والدفاع عن كيانها السياسي، ضد الانظمة العربية المتآمرة عليها والمعتدية على ارضها وشعبها.
ولقد تنبأ رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بمعارك الموطئين مع حكام العرب المعادين للاسلام في حديث مستفيض في قوله: "ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا"(١٧٨).
ألم يصف النبي (صلّى الله عليه وسلّم) جيش الموطئين الزاحف نحو القدس بقوله: "لو قاتل الجبال لهدّها، واتّخذ منها طرقا، حتّى ينزل بيت المقدس؟"
فهذه الجبال، هي كناية عن الانظمة العربية الخاضعة لسياسة الكفر العالمي والموالية لليهود، التي تعترض الجيش الإيراني الزاحف نحو فلسطين لتحريرها من اليهود المغتصبين.. وان الحرب التي يعلنها طاغية العراق، من شاطئ دجلة ضد مفجر ثورة الموطئين وقائدهم الاكبر المؤسس لدولتهم. اول التطبيقات التاريخية لهذا الحديث النبوي الخاص بقتال الفرس للعرب على الدين عودا كما قاتلوهم عليه بالأمس بدءا، والمقاتلون من الموطئين على الدين عودا هم المعنيون في الحديث النبوي "إذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي.. يؤيّد الله بهم الدّين"(١٧٩).
وستتلاحق بعد ذلك التطبيقات التاريخية الاخرى، في مسلسل بطولات الموطئين وملاحمهم الجهادية، في حروبهم مع كل من يحاول الاعتداء على دولتهم والنيل من مبادئهم، من حكام العرب الموالين للاستكبار العالمي، وتكون حروب السفياني القائد العربي العميل للاستكبار، آخر معارك العرب المستبدلين ضد الموطئين، في تطبيقات الحديث النبوي.
المبدأ الرّابع - التّوكّل على الله، والثّقة بالإمداد الغيبيّ والنّصر الالهيّ:
وهذا المبدأ من اهم المقومات الإيمانية التي تحكم واقع الثوار الموطئين، وتهيمن على حركتهم الجهادية والتغييرية، في العمل الرسالي لتحقيق اهداف الدين وحماية الامة ومواجهة الاعداء.
ان التوكل على الله درجة عالية من الايمان والتقوى، تعبر عن ثقة مطلقة بالله تعالى وتسليم كامل لأرادته لا ينالها الا ذو حظ عظيم، ممن عاش تجربة شاقة وثقيلة مع نفسه في تربية ذاته ومجاهدة شهواته، فقهر جميع دواعي الإنحراف والضلال، ليس في ممارساته فقط، بل أيضا في فكره ووجدانه وداخل ذاته، واصبح خالصا لله طالبا لرضاه، ان هذا اللون من السمو الروحي، لا يمكن ان يتحول الى ظاهرة اجتماعية في الامة، الا عبر تجربة ايمانية اجتماعية وجهادية طويلة الامد في خط التقوى.
وهذه الظاهرة حقيقة واقعية في مجتمع الموطئين، تحكم حياتهم الاجتماعية ومعاركهم الجهادية وتجربتهم السياسية، منذ انطلاقتها حتى ظهور قائدهم الامام المنتظر (ع)، وقد شهد لهم بها الوحي في قوله تعالى "فَسَوْفَ يَأْتِي اَللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ"(١٨٠) كما شهد بها الامام الكاظم بقوله "[يخرج] رجل من قم يدعو النّاس الى الحقّ، يجتمع معه قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلّهم الرّياح العواصف، لا يملّون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكّلون والعاقبة للمتقين"(١٨١).
ان تمسك جيل الموطئين وقياداتهم بمفهوم التوكل، يؤكد انهم على هدى من ربهم وعلى صراط مستقيم، وانهم على بينة من امرهم ودورهم الالهي التاريخي العظيم، المكلفون بادائه في التمهيد للامام المنتظر (ع) في عصر الظهور، وان لسان حالهم يقول بكل صراحة "وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اَللهِ وقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا"(١٨٢). ومن الطبيعي ان تستلزم صفة التوكل نفسا طويلا في رعاية التجربة الموكلون بقيادتها، وتتطلب ثباتا في مواجهة الاعداء، وصبرا لا يقهر على الاذى، وهذه هي حقيقة المتوكلين المجاهدين، الذين نذروا انفسهم لحمل الامانة كما وصفهم القرآن:
"وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى مَا آذَيْتُمُونَا وعَلَى اَللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ اَلْمُتَوَكِّلُونَ"(١٨٣).
ان المتوكلين على موعد مع نصر الله لهم، وسيجدون الله تعالى معهم في الشدة والرخاء في الحرب والسلم، "وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اَللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ"(١٨٤) إنه "نِعْمَ اَلْمَوْلى ونِعْمَ اَلنَّصِيرُ"(١٨٥) وهذه هي حقيقة المجاهدين الايرانيين في عصر الظهور، كما وصفتهم الروايات، قوم يتوكلون على الله يحبهم ويحبونه، ينقلهم من نصر الى نصر، يحمي كيانهم، يحرس وجودهم، ويحبط المؤامرات التي تحاك ضدهم، تماما كما وصفهم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقوله: "هم أصحاب الرّايات السّود، المستضعفون فيعزّهم الله وينزل عليهم النّصر، فلا يقاتلهم أحد إلاّ هزموه(١٨٦) وفي رواية: "سقى الله بلاد شعيب بالرّاية السوداء المهدية بنصر الله وكلمته، حتّى يبايع المهديّ بين الرّكن والمقام(١٨٧) وفي حديث قال:
"تخرج الرّايات السّود من خراسان معها قوم ضعفاء يجتمعون فيؤيّدهم الله بنصره(١٨٨) وقال أيضا: "يؤّيد الله بهم الدّين"(١٨٩) وفي رواية: "يبعث الله راية سوداء من المشرق، من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتّى يأتوا رجلا اسمه كإسمي، فيولّونه أمرهم، فيؤيّده الله وينصره"(١٩٠) وقال أيضا: "راية تجيء من المشرق، من يهزّها يهزّ ومن شاقها يشقّ"(١٩١).

الوعد الإلهي للموطئين:

ان المتأمل في هذه البشارات النبوية، يجدها تتضمن وعدين إلهيين للمجاهدين الايرانيين، حملة راية الموطئين للمهدي (ع) وهما:
(الوعد الاول): وعد بنصرتهم في جميع المعارك، سواء المفروضة عليهم من قبل اعدائهم، او التي يخوضونها بإرادتهم لتحقيق اهدافهم السياسية والرسالية في الحياة، وقد جاء هذا الوعد صريحا عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في قوله: "هم أصحاب الرّايات السّود المستضعفون، فيعزّهم الله وينزل عليهم النّصر، فلا يقاتلهم أحد إلاّ هزموه.."(١٩٢) وفي حديث آخر قال: " فلا يلقاهم أحد، إلاّ هزموه وغلبوا على ما في أيديهم، حتّى تقرب راياتهم بيت المقدس"(١٩٣). ووفقا لهذا الوعد ستبقى اعلامهم ترفرف بالنصر خفاقة على رؤوسهم، منذ انطلاقة ثورتهم حتّى دخولهم في معركة تحرير فلسطين فاتحين.
(الوعد الثاني): وعد الهي بخذلان جميع الرايات والجماعات التي تحاربهم وتتآمر عليهم، سواء كانت من داخل مجتمعهم او من خارجه، فكل جماعة أو دولة تتورط في مخطط تآمري او مشروع عدواني ضدهم، يخذلها الله تعالى مهما كانت قوتها وعظمتها في الامة، انه وعد الهي لنصرة راية الموطئين التي وصفها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بقوله: "من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا إسمه كإسمي، فيولّونه أمرهم فيؤيدّه الله وينصره"(١٩٤) وفي وصف آخر قال (صلّى الله عليه وسلّم): "من يهزها يهزّ، ومن يشاقها يشقّ"(١٩٥) هذا هو وعد الله لهم، لأنهم منذ البداية توكلوا عليه بصدق واخلاص ووثقوا بنصره وتسديده ﴿ومن يتوكّل على الله فهو حسبه﴾ (الطلاق: ٣).

عرض روايات اهل قم

هناك مجموعة من الروايات خصت مدينة قم بالمديح والثناء، وسلطت الاضواء على دورها العلمي والسياسي والجهادي في أحداث عصر الظهور، ولأهميتها في بحثنا هذا نذكر بعضها ثم نحاول ان نستخلص منها بعض المفاهيم والتصورات الخاصة بوصف حركة الموطئين:
"الحديث الاول": عن الامام الكاظم (ع) انه قال: "[يخرج] رجل من قم يدعو الناس الى الحق يجتمع مع قوم قلوبهم كزبر الحديد، لا تزلهم الرياح العواصف لا يملون من الحرب ولا يجبنون، وعلى الله يتوكلون والعاقبة للمتقين"(١٩٦).
"الحديث الثاني": عن الامام الصادق (ع) قال: "إنّما سمّي قم لأنّ أهله يجتمعون مع قائم آل محمّد (صلوات الله عليه) ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه"(١٩٧).
"الحديث الثالث": عن صفوان بن يحيي قال: كنت يوما عند ابي الحسن (ع) فجرى ذكر اهل قم وميلهم الى المهدي (ع) فترحم عليهم وقال:
"رضي الله عنهم.. إنّ للجنّة ثمانية أبواب واحدة منها لأهل قم، وهم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمر الله تعالى ولايتنا في طينتهم"(١٩٨).
"الحديث الرابع": عن الامام الصادق (ع) في مدح اهل قم قال:
"اما إنهم انصار قائمنا ودعاة حقّنا ثمّ رفع رأسه إلى السّماء وقال: اللّهم اعصمهم من كلّ فتنة، ونجهّم من كلّ هلكة"(١٩٩).
"الحديث الخامس": روي عن الإمام الصادق (ع) أنه قرأ الاية ﴿فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا، أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الدّيار، وكان وعدا مفعولا﴾ (الإسراء: ٥) فقلنا جعلنا فداك من هؤلاء؟ فقال ثلاث مرات: "هم والله أهل قم، هم والله اهل قم، هم والله اهل قم"(٢٠٠).
"الحديث السادس": روي ان جماعة من أهل الري دخلوا على الامام الصادق (ع) وقالوا: نحن من أهل الري فقال: "مرحبا بإخواننا من أهل قم" فقالوا: نحن من أهل الري فقال: "مرحبا بإخواننا من أهل قم" فقالوا: نحن من أهل الري، فأعاد الكلام، قالوا ذلك مرارا واجابهم بمثل ما اجاب به اولا فقال: "إنّ لله حرما وهو مكة، وإنّ للرّسول حرما وهو المدينة، وإنّ لأمير المؤمنين حرما وهو الكوفة، وإنّ لنا حرما وهو بلدة قم"(٢٠١).
"الحديث السابع": عن الامام الصادق (ع): "ستخلو كوفة من المؤمنين، ويأرز عنها العلم كما تأرز الحيّة في جحرها، ثمّ يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدنا للعلم والفضل، حتّى لا يبقى في الأرض مستضعف في الدّين حتّى المخدّرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم وأهله قائمين مقام الحجّة، ولو لا ذلك لساخت الأرض بأهلها، ولم يبق في الأرض حجّة، فيفيض العلم منه إلى سائر البلاد من المشرق والمغرب، فتتمّ حجّة الله على الخلق حتّى لا يبقى أحد لم يبلغ اليه الدّين والعلم، ثمّ يظهر القائم (عليه السلام) ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لأنّ الله لا ينتقم من العباد إلاّ بعد إنكارهم حجّة"(٢٠٢).
"الحديث الثامن": عن الامام الصادق (ع) ايضا انه قال: "إنّ الله احتجّ بالكوفة على سائر البلاد، وبالمؤمنين من أهلها على غيرهم من أهل البلاد، واحتجّ ببلدة قم على سائر البلاد، وبأهلها على جميع اهل المشرق والمغرب من الجنّ والإنس، ولم يدع قم وأهله مستضعفا بل وفقّهم وأيّدهم".
ثم قال: "... وسيأتي زمان تكون بلدة قم وأهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا إلى ظهوره، ولو لا ذلك لساخت الأرض بأهلها، وإنّ الملائكة لتدفع البلايا عن قم وأهله، وما قصده جبّار بسوء إلاّ قصمه قاصم الجبارين، وشغله عنه بداهية ومصيبة أو عدوّ، وينسي الله الجبّارين في دولتهم ذكر قم وأهله، كما نسوا ذكر الله"(٢٠٣).

عوامل الاستبدال في احاديث قم

في كتاب ثورة الموطئين تعرضنا إلى محاولة العباسيين تطبيق احاديث الرايات السود الموطئة للمهدي (ع) على ثورتهم، وحينما اسقطوا الدولة الاموية، طبقوا احاديث المهدي (ع) على ثالث خلفائهم محمد بن عبد الله الذي لقبوه بالمهدي لهذا الغرض.
ومنذ قيام الدولة العباسية في عصر الامام الصادق (ع)، الى عصر الغيبة الصغرى، تغيرت لهجة أهل البيت في البشارة بثورة الموطئين، فبدلا من التركيز على انطلاقتها برايات سود من خراسان، بدأوا بالتركيز على انطلاقتها من قم، ومن مدن ايرانية اخرى من دون ان يذكروا الرايات السود لكي لا يستغلها العباسيون ويطبقونها على ثورتهم. واذا جمعنا روايات البشارة النبوية مع روايات اهل البيت الخاصة بالموطئين فانها ستكون على نحوين:
(الاول): الروايات التي بشرت بانطلاقتهم برايات سود قصار من خراسان، وهذه اكثرها وردت عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) والإمام علي والإمام الباقر (عليهم السلام) جميعا.
(الثاني): الروايات التي بشرت بحركتهم من قم او غيرها من المدن الايرانية، وهذه اكثرها صدرت عن الامام الصادق (ع) ومن بعده من الائمة.
وفي الواقع ان روايات قم تمثل الوجه الآخر والمكمل للبشارة النبوية بثورة الموطئين، لأنها تتضمن نفس المفاهيم والافكار العقائدية والسياسية والجهادية التي تضمنتها. ولنضرب مثالا علميا وتطبيقيا في آن واحد، مستخلصا من دراستنا لعوامل الاستبدال في كتاب ثورة الموطئين.
فقد اثبتنا هناك في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨) ان الاستبدال كحركة تغييرية في الامة، لا يمكن ان ترى النور وتقلب معادلات الصراع وموازين القوى، الا ضمن اسس الهية ثابتة، ومن اهمها ضرورة توفر المقومات والعوامل الايجابية الثلاثة التي تؤهل المجتمع البديل لحمل الرسالة وقيادة الامة بدلا عن المجتمع المتخاذل المستبدل.
وهنا نريد عرض هذه العوامل الثلاثة مع الاستشهاد على توفرها في واقع المجتمع الايراني في عصر الظهور، في ضوء دراسة أحاديث قم، لإثبات تطابقها في مضمونها مع أحاديث البشارة النبوية بثورة الموطئين.
العامل الاول: الاعتقاد بإمامة اهل البيت، وقد دلت احاديث البشارة النبوية على توفر هذا العامل في واقع القاعدة الجماهيرية لثورة الموطئين في عشرات الاحاديث منها قوله "فيبعث عليه-أي إلى السفياني- فتى من المشرق، يدعو إلى أهل بيت النّبيّ، هم أصحاب الرّايات السود المستضعفون، فيعزّهم الله وينزل عليهم النّصر"(٢٠٤) وفي حديث آخر قال "إنّها رايات هدى يدفعونها الى رجل من اهل بيتي"(٢٠٥)، وهذا هو بعينه ايضا ما شهدت به احاديث اهل قم في كلمات الامام الصادق (ع) الذي وصفهم بقوله: "هم خيار شيعتنا من بين سائر البلاد، خمر الله تعالى ولايتنا في طينتهم"(٢٠٦) وقال ايضا: "أما إنّهم أنصار قائمنا ودعاة حقّنا"(٢٠٧).
العامل الثاني: الدعوة الى احياء آمر الدين صرحت بذلك عشرات الاحاديث النبوية المبشرة بثورة الموطئين كقوله (صلّى الله عليه وسلّم): "لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم، حتّى يخرج الله كنزه من الطّالقان، فيحي به دينه كما أميت من قبل"(٢٠٨) وقوله (صلّى الله عليه وسلّم): "دعاة حقّ يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله"(٢٠٩). ويتجلى هذا العامل في حديث الامام الصادق (ع) حول دور قم في عصر الظهور بقوله: "ثمّ يظهر العلم ببلدة يقال لها قم وتصير معدنا للعلم والفضل حتّى لا يبقى في الارض مستضعف في الدّين حتّى المخدّرات في الحجال وذلك قرب ظهور قائمنا"(٢١٠).
العامل الثالث: الجهاد لتحقيق اهداف الدين وحماية الامة من الاعداء، تماما كما وصفهم الله تعالى في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اَللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اَللهِ ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ (المائدة: ٥٤)، وحركة الموطئين الجهادية حول تحرير فلسطين، من مصاديق هذه الآية، وقد تظافرت الروايات عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) في وصف جهادهم وقتالهم للعرب على الدين عودا كما قاتلوهم عليه بدءا.
وقد عكست احاديث أهل قم هذا العامل الجهادي بكل جلاء ووضوح، منذ خروج قائدهم الذي يدعو الناس الى الحق ومعه قوم اشداء اقوياء لا يملون من الحرب ولا يجبنون، مرورا بزحفهم الجهادي نحو فلسطين لتحريرها من اليهود المغتصبين، تحقيقا للوعد الالهي بإنزال العقوبة على بني اسرائيل، حيث يقسم الإمام الصادق (ع) ثلاث مرات بأنهم أهل قم، وانتهاء بنصرتهم للإمام المهدي (ع) التي تحدث عنها الامام الصادق (ع) قائلا: "إنّما سمّي قم لأنّ أهله يجتمعون مع قائم آل محمد صلوات الله عليه، ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه"(٢١١).
وهكذا يتضح ان ثورة الموطئين كلها حاضرة في مضامينها ومفاهيمها وعواملها الثلاثة في احاديث قم، مما يؤكد ان هذه الأحاديث هي في واقعها امتداد لاحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) وايضاح لمصاديقها الخاصة بهذه الثورة الموعودة.
قم كل ايران
وفي احاديث قم دليل آخر، يؤكد ان المراد منها المجتمع الايراني كله لا خصوص أهل قم، تماما كما يستفاد من شمول أحاديث الموطئين المجتمع الإيراني كله، وهكذا فهم منها الشيخ الطوسي والعلامة المجلسي، وابن طاووس، حينما حاولوا تطبيقها خطأ، على الدولة المغولية والدولة الصفويّة اللتين شمل حكمهما بلاد إيران كلها.
وخلاصة هذا الدليل هو ان المواصفات الجهادية للثوار الموطئين، هي ذاتها التي يتصف بها المجاهدون القّميّون في عصر الظهور، وقد اصبح هذا واضحا في ضوء المقارنة الفكرية التي عقدناها بين مضمون احاديث الموطئين واحاديث الثوار القميين، كما إن المحاورة التي جرت بين جماعة من أهل الري وبين الامام الصادق (ع)، دليل صريح على ذلك.
فقد روي ان هؤلاء الجماعة دخلوا عليه وقالوا: نحن من اهل الري فقال: "مرحبا بإخواننا من اهل قم" فقالوا: نحن من اهل الري فقال:
"مرحبا بإخواننا من أهل قم" فقالوا: نحن من اهل الري، فأعاد الكلام مرارا قالوا ذلك مرارا واجابهم بمثل ما اجاب به اولا فقال: "إنّ لله حرما وهو مكة، وان للرسول حرما وهو المدينة، وان لأمير المؤمنين حرما وهو الكوفة، وإنّ لنا حرما وهو بلدة قم"(٢١٢).
وكأن الامام الصادق (ع) يريد ان يقدم لهؤلاء الايرانيين من أهل الري، بعدا جديدا لمكانة قم الاستراتيجية في خارطة إيران السياسية المستقبلية، وإنه يريد ان يقول لهم ان قم هذه المدينة الشيعية الصغيرة والوحيدة في بلاد ايران، والمحاصرة سياسيا وعقائديا واجتماعيا من قبل السلطات الظالمة، سوف يأتي يوم من الايام تمثل الهوية العقائدية والسياسية للمجتمع الايراني كله، ذلك عند ما تحكم بلاد ايران كلها، بفكر اهل البيت وعقيدتهم وخطهم وولايتهم..
انه بعد جديد وتصور بعيد وعميق، لم تستوعبه عقول ذلك الوفد الايراني، الذي كان الامام يخاطبه من وحي علوم الغيب التي ورثها عن اجداده الكرام، لأنه كان يحدثهم عن دور رسالة قم وموقعها القيادي العالمي، بعد ثورة الاستبدال وفي ظل قيادة الموطئين.
قم حجة على العالمين
اهتم الائمة (ع) بالتركيز على قيام أهل قم، بدورين قياديين عالميين في عصر الظهور وهما:
الاول: قيامهم بمسؤولية ايصال صوت الاسلام الى شعوب العالم كله، وهدايتهم الى مبادئه ومنابعه الاصيلة المتمثلة بالثقلين كتاب الله وولاية اهل البيت. يقول الامام الصادق (ع) بهذا الصدد:
"ستخلو كوفة من المؤمنين، ويأرز عنها العلم كما تأرز الحية في جحرها، ثم يظهر العلم ببلدة يقال لها قم، وتصير معدنا للعلم والفضل، حتى لا يبقى في الارض مستضعف في الدين، حتى المخدرات في الحجال، وذلك عند قرب ظهور قائمنا، فيجعل الله قم واهله قائمين مقام الحجة، ولو لا ذلك لساخت الارض بأهلها، ولم يبق في الارض حجة، فيفيض العلم منه الى سائر البلاد من المشرق والمغرب، فتتم حجة الله على الخلق حتى لا يبقى احد لم يبلغ اليه الدين والعلم، ثم يظهر القائم (عليه السلام)، ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لأن الله لا ينتقم من العباد الا بعد انكارهم حجة"(٢١٣).
و الرواية صريحة في ان هذا الدور القيادي التاريخي الموعود للدعاة القميين، لا يكون مشهودا عالميا الا بعد تصفية دور الكوفة العلمي، والقضاء عليه من قبل السلطات الجائرة في العراق، حينئذ تخلو الكوفة من العلماء العالمين، الذين يخشون على أنفسهم من الحكام الظالمين، تماما كما تختفي الحية في جحرها خوفا من هجوم الاعداء عليها، انها كناية ابلغ من التصريح.
ان هذا التحول التاريخي، الذي يحتم نقل مركز العلم من الكوفة الى قم، انما يتحقق في عصر الظهور كما صرح الإمام الصادق (ع):
"وذلك عند قرب ظهور قائمنا".
الثاني: التأكيد على شرعية قيادة قم ومرجعيتها، ووجوب طاعتها، وحرمة مخالفتها، ليس على اتباع اهل البيت فقط، بل على الامة الاسلامية كلها، كما هو صريح قوله (ع) "وسيأتي زمان تكون بلدة قم واهلها حجة على الخلائق، وذلك في زمان غيبة قائمنا الى ظهوره ولو لا ذلك لساخت الارض بأهلها"(٢١٤). وفي حديث آخر قال: "فيجعل الله قم واهله قائمين مقام الحجة ولو لا ذلك لساخت الارض باهلها، ولم يبق في الارض حجة، فيفيض العلم منه.. فتتم حجة الله على الخلق.. ثم يظهر القائم (عليه السلام)، ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد، لأن الله لا ينتقم من العباد الا بعد انكارهم حجة"(٢١٥).
وظاهر هذه الاحاديث انها تحاول حصر الولاية والحجية، في العلم والدين على الامة في عصر الظهور بفقهاء قم، ولا يستبعد انها تريد كذلك حصر النيابة العامة عن المعصوم في عصر الظهور بهم ايضا، وعلى الفقهاء ان يتحققوا من علاقة احاديث قم بآيات الاستبدال ونصوصه النبوية، ليحددوا الموقف الشرعي في ضوئها، حول مستقبل المرجعية في عصر الظهور.
وفي ضوء معادلات الاستبدال السياسية وقوانينه القرآنية، التي بشرت بولادة مجتمع ايماني عقائدي مجاهد، يقود الامة في صراعها الحضاري ضد اعدائها في عصر الظهور، بدلا من القوم المستبدلين الخونة الموالين لليهود وللمستكبرين، يتأكد وجود هذا المنصب القيادي الالهي الحصري لمرجعية وولاية قوم سلمان على الامة في آخر الزمان.
وهذا المعنى كان يتبادر الى فهم الصحابة والتابعين، وحينما كان مجاهد التابعي يقرأ قوله تعالى: "أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحُكْمَ واَلنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ، فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ" (الانعام: ٨٩). كان يسأل في حلقة الدرس عن هؤلاء القوم فكان يقول: هم الفرس، وكان الزمخشري يقول في معنى توكيلهم بها: "انهم وفقوا للإيمان بها، والقيام بحقوقها كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه"(٢١٦).
ان منطق احاديث الموطئين واحاديث قم واضح وصريح، في حصر القيادة الالهية والولاية الشرعية على الامة في العلم والدين بالقيادة الايرانية الموطئة للمهدي في عصر الظهور. وهذا هو المعنى الذي يتبادر لكل ذي عقل سليم من كلام الامام الصادق (ع): "فيجعل الله قم واهله قائمين مقام الحجة، ولو لا ذلك لساخت الارض باهلها ولم يبق في الارض حجة.. ثم يظهر القائم (عليه السلام) ويصير سببا لنقمة الله وسخطه على العباد لان الله لا ينتقم من العباد الا بعد انكارهم حجة"(٢١٧).
فالإمام المهدي (ع) حينما يخرج ينتقم قبل كل شيء، من اولئك الذين شككوا بشرعية مرجعية فقهاء قم، واهليتهم في قيادة الامة، وانكروا ولايتهم وامامتهم الالهية المنصوص عليها في آيات الاستبدال واحاديث الموطئين للمهدي (ع)، التي دعا فيها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الامة، الى وجوب الالتفاف حول رايتهم ونصرتها والسير على نهجها ونهى نهيا شديدا عن محاربتها او مخالفتها او خذلانها فقال "من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا اسمه كإسمي، فيولونه امرهم"(٢١٨) وقال أيضاً "من يهزها يهز ومن يشاقها يشق"(٢١٩).
من هو الحجة في قم؟
ان آيات الاستبدال المحكمة صريحة في اختيار قوم سلمان، لقيادة الامة وامامتها في عصر الظهور، وفقا لقانون الاستبدال الالهي. وهذا ما صرح به الامام الصادق (ع) في حديثه حول اختيار الله تعالى اهل قم، ليقوموا مقام الامام الحجة (عليه السلام)، بمسؤولية النيابة العامة عنه في قيادة الامة وامامتها والولاية الشرعية عليها في عصر الظهور، كما قال (ع):
"وذلك قرب ظهور قائمنا".
والسؤال المطروح: من هو الحجة الواجب الطاعة المعيّن من قبل الله تعالى للامامة والولاية على الامة في عصر الظهور من فقهاء وعلماء اهل قم؟. والواقع ان الاجابة على هذا السؤال تصبح اكثر غموضا وتعقيدا، في ضوء المعنى الواسع الذي اعطيناه لمدلول كلمة "قم"، والتي تعني المجتمع الايراني بأكمله، لأنه يشكل القاعدة الجماهيرية لانطلاقة ثورة الموطئين للمهدي (ع) في عصر الظهور.
والجواب على هذا السؤال قدمه لنا الامام الصادق (ع) في حديثه الذي وصف فيه مكة حرم الله، والمدينة حرم رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، والكوفة حرم أمير المؤمنين (ع)، وقم حرم اهل البيت ويعني (بالحرم) العاصمة التي تعتبر القاعدة والمنطلق لحركة رايات الهدى عبر تاريخ الرسالات الالهية، فكانت "مكة" عاصمة التوحيد والمنطلق لنشر رسالتها بقيادة إمام الانبياء ابراهيم (ع)، وكانت "المدينة" القاعدة الاولى لحركة الرسالة الإسلامية بقيادة خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وسلّم)، ومن بعدها جاءت "الكوفة" التي اختارها الامام علي (ع) عاصمة لخلافته. أما "قم" فهي قلعة أهل البيت وعاصمة دولتهم، التي اختصت باحتضان مبادئهم وحمل رسالتهم للعالمين والتعريف بحقهم وبمكانتهم وولايتهم في ظل راية الموطئين، التي جعلها الله تعالى حجّة على اهل المشرق والمغرب في عصر الظهور.
والولي الشرعي الواجب الطاعة، في هذه العواصم الاربعة، هو حامل الراية في عصره، وهم على التوالي، نبي الله ابراهيم (ع) في مكة، ومحمد (صلّى الله عليه وسلّم) خاتم المرسلين في المدينة، وعلي امير المؤمنين (ع) في الكوفة، وقائد الموطئين الذي يدعو الناس الى الحق في قم، واوصياؤهم وخلفاؤهم المكلفون بقيادة الامة وامامتها، والاشراف على تجربتها السياسية الالهية من بعدهم.
فالولي الشرعي الواجب الطاعة، والحجة الالهية على الامة، بل على العالمين في عصر الظهور، هو مفجّر ثورة الموطئين للمهدي (ع) في بلاد المشرق، وقائدها وحامل رايتها، ثم خليفته حامل الراية الذي يقود الامة من بعده ويقتدي بهداه ويسير على منهاجه ويشرف على تجربة الموطئين السياسية وفقا لتوجيهاته ومبادئه.
تصحيح روايات قم
تبقى الإشارة إلى أن المنهج المعتمد في تصحيح روايات قم ينطلق من دليلين:
(الأول): مطابقتها نصا وروحا مع مضمون آيات الاستبدال المتّفق على اختصاص أحداثها بقوم سلمان قادة الموطئين في عصر الظهور في روايات الفريقين، فيجبر ضعف سندها بصحة مضمونها المدعوم قرآنيا.
(الثاني): أنها مؤيدة بالأخبار المتواترة تواترا معنويا من طرق الفريقين، حول حتمية قيام راية هدى في بلاد إيران، تقوم بمهمة التوطئة للإمام المنتظر في عصر الظهور.
وقد رجّح المرجع الشهيد السيد محمد صادق الصدر، تواتر أو استفاضة أخبار الرايات السود الموطئة للمهدي (ع) في موسوعته المهدوية.

راية المناصرين للمهدي

المناصرون للمهدي (ع) عنوان اطلقته الاحاديث الغيبية، على ثورة اليماني في عصر الظهور، تماما كما اطلقت عنوان الموطئين للمهدي، على ثورة الايرانيين اصحاب الرايات السود في عصر الظهور، وهذا العنوان مستوحى من الدور الموكل لراية اليماني، وهو دور عسكري وجهادي مسلح، صرحت به اكثر الاحاديث المعنية بوصف حركة اليماني وثورته الاسلامية، واشار اليه النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وهو يمدح اهل اليمن بقوله "قوم رقيقة قلوبهم، راسخ ايمانهم، ومنهم المنصور، يخرج في سبعين الف ينصر خلفي وخلف وصيي.."(٢٢٠) أي ينصر الإمام المهدي (ع) خليفة رسول الله وخليفة وصيه.
وجاء ذكر ثورة اليماني على نحو الاشارة، في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لمعاذ بن جبل حينما ارسله الى أهل اليمن واليا فقال له "بعثتك الى قوم رقيقة قلوبهم، يقاتلون على الحق مرتين"(٢٢١) وقد اوضح رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) معنى "قتالهم على الحق مرتين" في حديث آخر فقال "ولله في اليمن كنزان جاء باحدهما يوم تبوك(٢٢٢)، كانت الازد يومئذ ثلث الناس، ويجيء بالآخر يوم الملحمة العظمى، سبعون الفا حمائل سيوفهم المسد"(٢٢٣).
والازد من العشائر اليمانية الشهيرة، وكان لها الثقل الاكبر عدة وعددا، في غزوة تبوك مع الروم بقيادة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، وسيكون لهم ايضا الثقل العسكري الاكبر في معركة الملحمة العظمى، في عمق الجزيرة العربية بقيادة خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) الامام المنتظر (ع)، ضد الاساطيل العسكرية والجيوش الاوربية، أحفاد الروم على اثر تدخلهم لحماية عملائهم من حكام الحجاز بعد اعلان الثورة المهدوية في مكة المكرمة.
فهذه الاحاديث واحاديث اخرى ستأتي فيما بعد، كلها بصدد تحديد حقيقة الدور الالهي الموكل للراية اليمانية في عصر الظهور، وهو كما ترى دور جهادي مسلح يتّسم بالحسم العسكري لصالح الثورة المهدوية ضد اعدائها، ولهذا اطلقنا على الراية اليمانية عنوان "راية المناصرين للمهدي" خلافا لمن صنفها ضمن الرايات الموطئة للمهدي (ع)، في حين لا توجد في أحاديث العلامات إلاّ راية واحدة موطئة للمهدي (ع) وهي الراية الخراسانية.
من هو اليماني؟
قدمت علامات الظهور ملامح عامة غامضة حول شخصية القائد اليماني، وتضاربت الروايات في تحديد اسمه، وتوجد رواية واحدة ذكرت اسمه مرددا بين حسن وحسين فقالت "يخرج ملك من صنعاء اسمه حسين او حسن، فيذهب بخروجه غمر الفتن، يظهر مباركا زاكيا، فيكشف بنوره الظلماء، ويظهر به الحق بعد الخفاء"(٢٢٤). وهناك رواية اخرى قالت اسمه نصر، وهي نفسها سمته "سعيد" وقالت: انما سمي نصر لنصر الله له، والرواية اخرجها ابن عساكر عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "صاحب الاعماق الذي يهزم الله العدو على يديه [اسمه] نصر ثم قال: انما سمي نصر لنصر الله اياه، فأما اسمه فسعيد"(٢٢٥).
ومعركة الاعماق تقع في قلب الجزيرة العربية، بين الجيوش الاوربية والاسلامية على اثر اعلان الثورة المهدوية، وهي المعبر عنها بمعركة الملحمة في اكثر الروايات. وتكاد تتفق روايات اهل البيت على ان اسم القائد اليماني "منصور" وهذا نموذج منها:
روي عن ابي جعفر الباقر (ع) انه قال: "اذا ظهر السفياني على الابقع والمنصور اليماني خرج الترك والروم فيظهر عليهم السفياني"(٢٢٦) وفي رواية اخرى عنه ايضا قال: "اذا ظهر السفياني على الابقع وعلى المنصور الكندي والترك والروم خرج وسار الى العراق"(٢٢٧) وفي رواية ثالثة عن الامام الباقر ايضا في وصف معارك السفياني قال "ثم يسير المنصور اليماني من صنعاء بجنوده.. ثم يظهر الاخوص السفياني عليه"(٢٢٨) ومن المحتمل ان اطلاق اسم "المنصور" على القائد اليماني هو تعبير عن دوره العسكري في نصرة الثورة المهدوية، لا عن اسمه الحقيقي، وسنقرأ في الروايات الآتية ما يؤيد ذلك.
نسب القائد اليماني
لم يتطرق اهل البيت في رواياتهم، الى نسب القائد اليماني المناصر للامام المهدي (ع)، وحينما يعبرون عنه في بعض رواياتهم بالفتى اليماني او الكندي او القحطاني، فلا يعني انهم يريدون تحديد نسبه او تعيين قبيلته، بل قد يقصدون الاشارة الى مكان انطلاقة ثورته، او التعبير عن القبائل اليمانية التي تشكل قاعدته وشعبيته.
اما روايات اهل السنة فقد اختلفت حول نسبه، فهناك روايات تقول انه قحطاني، كما جاء في رواية صحيح البخاري عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه"(٢٢٩) وفي رواية اخرى عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "ما القحطاني بدون المهدي"(٢٣٠).
وهناك روايات اخرى تقول انه قريشي، كما جاء في حوار لعبد الله بن عمرو بن العاص، مع جماعة من أهل اليمن، ذكروا نسب اليماني عنده فقال لهم "يا معشر اليمن، يقولون ان المنصور منكم، والذي نفسي بيده، انه لقريشي ابوه، ولو اشاء ان اسميه الى اقصى جدله لفعلت"(٢٣١) وهذه الرواية قرينة على ان المنصور ليس اسما لليماني وانما كنيته.
والواقع ان روايات الظهور وان لم تنص على نسب اليماني، فاننا مع ذلك نملك ادلة قاطعة ترتكز على تصورات عقائدية وتاريخية وسياسية، تثبت ضرورة ان يكون القائد اليماني المناصر للامام المهدي (ع) من اهل البيت، ومن ذرية الامام الحسين (ع) خاصة، سنتطرّق اليها تفصيليا في الكتاب الخاص بالثورة اليمانية.
تاريخ انطلاقة ثورة اليماني
هناك نوعان من الروايات الخاصة بحركة الثائر اليماني، ينتهي الجمع بينهما الى تحديد تاريخ انطلاقة ثورته قبل ثورة السفياني، اما باشهر قلائل او اسابيع معدودة.
النوع الاول: الروايات التي صرّحت بخروجه قبل السفياني، كرواية الامام الصادق (ع) التي تقول: "يخرج قبل السفياني مصري ويماني"(٢٣٢) وفي رواية اخرى عنه ايضا حينما قيل له ان السفياني قد خرج فقال: " أنّى يخرج ولم يخرج كاسر عينيه بصنعاء"(٢٣٣).
النوع الثاني: الروايات المصرّحة بخروج اليماني مع الامام المهدي (ع)، كالرواية التي تقول: "وما القحطاني بدون المهدي"(٢٣٤) او التي تقول: "وليس في الرايات راية اهدى من راية اليماني هي راية حق لانه يدعو الى صاحبكم"(٢٣٥) وهي رواية صحيحة السند، وفيها دلالة ان اليماني يظهر مع الامام المهدي (ع) ويدعو الناس لنصرته.
وهذا النوع الثاني من الأحاديث يؤكد ما يستفاد من بعض الروايات، ان هناك ظهورين للامام، ظهور خاص وظهور عام، ومنها رسالة الإمام المنتظر (ع) لعلي بن محمد السمري نائبه الرابع حيث جاء فيها: "وسيأتي على شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذاب مفتر"(٢٣٦)، وبما إن الإمام المنتظر يخرج بعد ظهور السفياني بسنة، نعلم حينئذ أن هناك ظهورا خاصا له بين أصحابه وأنصاره والمخلصين من شيعته خلال هذه السنة، كما يعزز هذا النوع الثاني من الروايات الاعتقاد بانطلاقة الثورة اليمانية، يتخطيط واشراف وتوجيه مباشر من الامام (ع) في فترة ظهوره الخاص، قبل ظهور السفياني بفترة قصيرة، وهي الفترة التاريخية المحددة لانطلاقة الثورة اليمانية.
الموقع الجغرافي للثورة
صرّحت الروايات بانطلاقة ثورة اليماني تارة من صنعاء واخرى من عدن، وبعضها ذكرت كندة وبعضها نصت على منطقة ابينّ، ولكن روايات صنعاء مستفيضة ومروية من طرق الفريقين. ومن المحتمل جدا ان هذه الروايات كلها، تريد تحديد عاصمة الثورة بصنعاء لا بداية انطلاقتها، تماما كما في روايات ثورة الموطئين، فانها خصت انطلاقتها بمدينة قم تارة وبخراسان تارة اخرى، مع انها ذكرت ايضا بلدان اخرى مثل قزوين والطالقان، وغيرها من المدن الايرانية الاخرى، مما يكشف ان التركيز في اكثر الروايات على خراسان وقم خاصة، هو في الواقع تركيز على عاصمة دولة الموطئين السياسية والعلمية، لا على بداية انطلاقتها الجهادية، لأن خراسان كانت في حقبة من الزمن عاصمة ايران، وقم هي العاصمة العلمية للشيعة، ويظهر من الروايات إنها القاعدة الأولى لانطلاقة ثورة الموطئين في بلاد إيران.
مبادئ ثورة اليماني
تلخص الروايات اهداف ثورة اليماني في مبادئ ثلاثة:
"الاول": انها تعلن تحالفا عسكريا مع القائد الخراساني سنتكلم حوله بعد قليل.
"الثاني": انها تدعو الى اتباع مذهب اهل البيت كما في الخبر الصحيح عن الامام الصادق (ع) انه قال "واذا خرج اليماني فانهض اليه فإن رايته راية هدى ولا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من اهل النار لأنه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم"(٢٣٧) والدعوة الى الحق تعني في أحاديث أهل البيت الدعوة إلى إمامتهم عقائديا وسياسيا.
وتشترك ثورة اليماني في هذا المبدأ، مع ثورة القائد الخراساني التي وصفها الامام علي (ع) بقوله "وان لآل محمد بالطالقان لكنزا، سيظهره الله اذا شاء، دعاة حق يقومون بإذن الله، فيدعون الى دين الله"(٢٣٨) كما وصفها الامام الكاظم بقوله: "يخرج رجل من قم يدعو الناس الى الحق..."(٢٣٩).
"الثالث": مناصرة ثورة الامام المهدي (ع) والدعوة الى بيعته، كما هو صريح الروايات التي مرت علينا في مطلع البحث، وفي ضوئها أطلقنا على راية اليماني عنوان "راية المناصرين للمهدي".
تحالف اليماني مع الخراساني
على قلة الروايات الخاصة بحركة اليماني، وردت اشارات تدل على تحالفه مع الخراساني، ومناصرته في مواجهة اعدائه، كالرواية التي تقول" ويفتح الله عز وجل له-أي للمهدي-خراسان وتطيعه اهل اليمن"(٢٤٠) فان التحليل السياسي العام، يفترض وجود تحالف متين بين هاتين الرايتين المواليتين لاهل البيت (ع) ولعل الامام الرضا (ع) اراد الاشارة الى تحالفهما حينما سألوه عن علامات الفرج القريبة فقال للسائل: "تريد الاكثار ام اجمل؟ فقال الرجل: بل تجمل، فقال الامام: اذا ادركت رايات قيس بمصر ورايات كندة بخراسان"(٢٤١).
فان هذا الحديث قد يعكس آخر حلقات الصراع التاريخي قبل ظهور الامام المهدي (ع)، بين اكبر حزبين عربيين وهما الحزب القيسي والحزب القحطاني اليماني، ومن علاماته ان ترابط القوات اليمانية الحليفة للخراساني على الحدود الايرانية لمواجهة اعداء الموطئين، والدفاع عن دولتهم ولعلها تقف معهم لصد القوات العربية المعادية لهم، او لصد قوات الكفر التركية التي تدخل بلاد ايران من جهة حدودها الشرقية.
ولكن في خطاب الامام علي (ع) الخاص بوصف مشاركة القائد اليماني مع القائد الخراساني، في معركة فتح دمشق وتحريرها من حكم السفياني، ما يكفي للدلالة على التحالف بين هاتين الرايتين، ومما جاء فيه انه قال: "ويعمل عمل الجبابرة الاولى-يعني السفياني-فيغضب الله من السماء على عمله، فيبعث عليه فتى من المشرق يدعو الى اهل بيت النبي (صلّى الله عليه وسلّم) هم اصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الا هزموه ويسير الجيش القحطاني.. وفتى اليمن في نحر حماز الجزيرة، حتى ينزلوا دمشق فيفتحوها اسرع من التماع البحر"(٢٤٢).
وهذا الحديث اقتطفناه من خطاب طويل للامام علي (ع)، وهو يصف آخر مواجهة عسكرية على الحدود السورية بين الخراساني والسفياني، وبعد ذلك يدخل الجيش القحطاني بقيادة اليماني، في ميدان المعركة لمناصرة جيش الخراساني، ولإبادة جيش السفياني المعبر عنه بحماز الجزيرة، باعتباره اكبر قائد عربي مناهض للثورة المهدوية في جزيرة العرب.
راية اليماني اهدى الرايات
ورد في الاخبار الصحيحة عن الأئمة الاطهار (ع)، ان راية اليماني اهدى الرايات التي تخرج في عصر الظهور على الاطلاق، ومنها حديث الامام الصادق (ع): "خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضا.. ويل لمن ناواهم وليس في الرايات، راية اهدى من راية اليماني، هي راية حق لأنه يدعو الى صاحبكم.."(٢٤٣).
وهنا نواجه ظاهرة تفضيل واضحة، لراية اليماني على راية الخراساني، مع ان الثابت بطرق صحيحة ومستفيضة، ان راية الخراساني تقوم بدور التمهيد للثورة المهدوية، وهي موصوفة بالهدى مؤيدة بنصر الله وكلمته، وقد حذر رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) من خذلانها والانحراف عن نهجها والانشقاق عن خطها وعلى قيادتها، واصفا قتلاها بالشهداء، مؤكدا ان من نصرها نصره الله ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا الامام المهدي (ع) فيولونه امرهم، ويسلمونه رايتهم فيؤيده الله وينصره. فهذه الاوصاف كلها وردت في احاديث المعصومين، وهي تؤكد ان راية الخراساني لا تختلف في شيء عن راية اليماني فلماذا تكون رايته اهدى منها؟
وربما تمتلكنا الحيرة اكثر فاكثر، في محاولة فهم ظاهرة تفضيل راية اليماني على راية الخراساني، حينما نتأمل آيات الاستبدال القرآنية التي تحتم شرعية قيادة قوم سلمان بعد عملية الاستبدال، ليكونوا حجّة على العالمين في العلم والدين، كما يقول الامام الصادق (ع) وليحلّوا قياديا محل القوم المستبدلين.. ناهيك عن دورهم التاريخي المشهود في تحرير القدس، وطرد اليهود المغتصبين من فلسطين، وهو الموقف الجهادي الذي سجله الله تعالى في كتابه الخالد، في سورة الاسراء ونوّه به الامام الصادق (ع) مفتخرا بهم، وهو يردد قوله: "والله هم اهل قم" ثلاث مرات.
ومما يزيد الامر تعقيدا وغموضا في فهم هذا التفضيل، تلك الروايات الكثيرة من طرق الفريقين، المصرحة بأن كنوز الطالقان هم اصحاب المهدي (ع) في آخر الزمان، وانهم من قوم سلمان، وفي طليعتهم السيد الخراساني والسيد الحسني وشعيب بن صالح التميمي، قائد قوات الموطئين قبل الظهور.
اما التقييم السياسي الموضوعي لدور راية الموطئين، فلا يتحمل ولا يتقبل تفضيل راية اليماني على راية الخراساني اطلاقا، وبأي شكل من الاشكال، فالقياس بين الدورين واضح مع الفارق الكبير، فأين دور اليماني من دور مفجّر ثورة الموطئين، وكيف يقاس دور اليماني بمكانة قادة الموطئين الذين نصبّهم الله ائمة للهدى وقادة للمسلمين، بدلا من القوم المستبدلين وجعلهم حجة على العالمين في عصر الظهور، وأوكل إليهم مسؤولية تحرير القدس من اليهود المغتصبين.
وكذلك التقييم الاجتماعي الموضوعي، لواقع المجتمع اليماني يرفض بالدليل العقلي والعقائدي هذا التفضيل للثائر اليماني، الذي ينطلق من قاعدة اجتماعية لا تدين بالولاء العقائدي الاصيل لأهل البيت، وربما يكون هو على شاكلتها، على العكس تماما من القائد الخراساني حفيد أهل البيت والفقيه الاكبر لأتباعهم، في أوسع قاعدة جماهيرية، تدين بالولاء الكامل في عصر الظهور للاسلام المحمدي الاصيل المتمسّك بالثقلين.
الرأي الصحيح
عند التأمل في مجمل الاخبار المعنيّة بوصف هاتين الرايتين، لا نجد أي فارق مهم بينهما على مستوى القيادة او المبادئ الالهية او الاهداف السياسية، فالقائدان للرايتين من احفاد اهل البيت، يعتقدان بإمامتهم وبشرعية ولايتهم وخلافتهم في الامة بعد النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، ويعترفان بمظلوميتهم السياسية، ويدعوان الى حقهم ونصرتهم، كما ان كلا الرايتين موصوفتان بالهدى والدعوة الى الحق والى صراط مستقيم.
ولهذا ورد عن أهل البيت تحذير شديد عن خذلانهما والانشقاق عن نهجهما، فقال النبي (صلّى الله عليه وسلّم) فيما يخص الراية الخراسانية "سيصيب اهل بيتي قتل وتطريد وتشريد في البلاد، حتى يتيح الله لنا راية تجيء من المشرق من يهزها يهز ومن يشاقها يشاق.."(٢٤٤) "وذكر أيضاً "بلاء" يلقاه اهل بيته حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء، من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله.."(٢٤٥).
وقال الامام الصادق (ع) في وصف الراية اليمانية: "واذا خرج اليماني فانهض اليه، فان رايته راية هدى، ولا يحل لمسلم ان يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من اهل النار، لأنه يدعو الى الحق والى صراط مستقيم.."(٢٤٦).
اما القول بان القاعدة الجماهيرية للراية اليمانية، لا تدين بالولاء العقائدي الاصيل لأهل البيت، كما هي الحال بالنسبة لجماهير الراية الخراسانية، فانه لا يشكل فارقا اساسيا وشرعيا للطعن بالراية اليمانية، من خلال الطعن بجماهيرها ما دامت هذه الجماهير تدين بالولاء المطلق لقيادتها الالهية، الداعية الى الحق والى صراط مستقيم.
وقد اسقط الاسلام أهمية هذا الفارق في الحركة السياسية والجهادية للأمة، ما دامت تخوض معارك الصراع ضد الكفر والضلال، برعاية قيادة الهية مؤيدة بنصر الله وبتسديده، ففي الرواية عن الامام الصادق (ع) انه قال: "ان الله لا يستحيي ان يعذب امة دانت بإمام ليس من الله، وان كانت في اعمالها برة تقية، وان الله لا يستحيي ان يعذب امة دانت بإمام من الله، وان كانت في اعمالها ظالمة مسيئة"(٢٤٧).
نعم هناك فارق واحد بين الرايتين، يحدده الدور الالهي الموكل لكل واحدة منهما، فدور الراية الخراسانية هو التوطئة للثورة المهدوية، في مختلف مجالات الحياة، العقائدية والتشريعية والسياسية والادارية والاقتصادية والتربوية والعسكرية...
فعلى الصعيد العقائدي-مثلا-تقع على الراية الخراسانية مسؤولية الدعوة الى مذهب اهل البيت، وطرح الابعاد الالهية للاعتقاد بولايتهم، بكل جوانبها الغيبية التي طالما تخوف من طرحها علماء وفقهاء الشيعة التقليديين.
وعلى الصعيد التشريعي تقع عليها مسؤولية تعريف الامة بعظمة وعمق وتكامل فقه اهل البيت، بصورته الفقهية المستوعبة لتنظيم جميع مجالات الحياة الاجتماعية، كالمجالات التربوية والسياسية والعسكرية، وغيرها من المجالات الاخرى التي طالما اهملها فقهاء الشيعة السابقين، الذين كان جل اهتمامهم منصبا في الفتوى على الفقه الفردي على حساب فقه الدولة والمجتمع.
وهذا الدور الالهي التاريخي العظيم للراية الخراسانية الموطئة للمهدي (ع)، هو الذي يضفي على قيادتها الشرعية المطلقة في عصر الظهور، بحيث تقوم مقام الامام الحجة (ع) الواجب الطاعة في الامة كما قال الامام الصادق (ع): "فيجعل الله قم واهله قائمين مقام الحجة، ولو لا ذلك لساخت الارض بأهلها، ولم يبق في الارض حجة وذلك عند قرب ظهور قائمنا"(٢٤٨).
نعم تواجه الراية الموطئة مشكلة واقعية تاريخية، تتجسد في حتمية دخولها في صراعات داخلية ومحلية وعالمية، فتواجه على الصعيد المحلي فقهاء الضلال، الذين يدعون الناس لانفسهم ومرجعيتهم، كما جاء في روايات اهل البيت، وإنهم يحاولون محاربة الراية الموطئة وتجاهل دورها الالهي في قيادة الامة. وقد افردنا لهذه الفتنة الخاصة التي ستعصف بالمجتمع الشيعي في عصر الظهور كتابا خاصا تحت عنوان "فتنة فقهاء الضلال في عصر الظهور".
وعلى الصعيد المحلي ستصطدم بقوى محلية تعادي نهجها السياسي والعقائدي، وخاصة من الدول العربية، وقد جاء في الروايات عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انها ستقاتل الجيوش العربية على الدين، لأنهم سيعلنون الحرب عليها بهدف اسقاطها او اضعافها، ففي الحديث النبوي الصحيح أنه قال: "ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا"(٢٤٩).
اما على الصعيد العالمي، فانها ستواجه تحالفا دوليا ضدها، تقوده دول الكفر العالمية لمعاداتها ومحاصرتها، واعلان الحرب الاعلامية والفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية عليها.
وهذا الدور التاريخي المميز للراية الموطئة، يحتم ظهورها على مسرح الحياة السياسية ونزولها في مختلف ميادين التغيير والهدم والبناء، والصراع مع اعدائها بفترة طويلة من الزمن نسبيا قبل الظهور، لتقوم بمهمة التوطئة له داخليا ومحليا وعالميا على اكمل وجه.
اما الراية اليمانية فدورها الالهي منحصر في مهمة الاسناد الحربي، والمناصرة العسكرية للثورة المهدوية حال قيامها مباشرة، ومما يدل على ذلك اصدار الامام الصادق (ع) حكما عاما للمنتظرين للمهدي (ع) والمترقبين ظهوره في العالم، بحرمة التفريط بسلاحهم وبيعه، بمجرد ان يسمعوا بخروج اليماني فيقول الإمام "وليس في الرايات راية اهدى من راية اليماني، هي راية حق لأنه يدعو الى صاحبكم، فاذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس، واذا خرج اليماني فانهض اليه"(٢٥٠).
ولم تذكر روايات اهل البيت دورا آخرا بارزا للراية اليمانية، غير الدور العسكري المناصر للثورة المهدوية، والداعي للالتحاق بها كما يفهم من قول الامام الصادق (ع) "انه يدعو الى صاحبكم" وهذا يعني ان الثورة اليمانية لا يفصل بين قيامها وظهور الامام المهدي (ع) الا اشهر معدودة، بل ظاهر الروايات ان المهدي (ع) هو المخطط الحقيقي والقائد بشكل غير مباشر لها، فهو يقف خلف قيادتها ووراء قيامها وانتصارتها، وهذا ما يعنيه بالضبط الحديث النبوي القائل "ما القحطاني بدون المهدي"(٢٥١).
وقد صرح الامام علي (ع) بطاعة اهل اليمن للامام المهدي (ع) قبل ظهوره، وهو يتحدث عن العلامات التي تسبق ظهوره بقوله "ويفتح الله عز وجل له خراسان وتطيعه اهل اليمن"(٢٥٢) أي انهم يمشون بأمره وينفذون توجيهاته.
وهناك رواية تشير الى ان المهدي (ع) حينما يظهر بمكة ينطلق في البداية من قرية من قرى اليمن اسمها "قرعة" او "كرعة"، كما في الحديث النبوي "يخرج المهدي من قرية باليمن يقال لها: كرعة"(٢٥٣)، وفي رواية تقول "ما المهدي الا من قريش وما الخلافة الا فيهم غير ان له اصلا ونسبا في اليمن"(٢٥٤).
ولا نستبعد في ضوء هذه الرواية وروايات اخرى مؤيدة لمضمونها، أن يكون للامام (ع) مصاهرة مع اهل اليمن ومنزلا وزوجة واسرة خلال غيبته. وتدخل في هذا الاتجاه ايضا مجموعة من روايات اهل البيت لتعزز صحة هذا الرأي تنص على وجود ظهورين للامام المهدي (ع) في آخر الزمان ظهور خاص لخاصة اوليائه وظهور عام يكون يوم اعلان ثورته، فتكون مشاركته في وضع خطط الثورة اليمانية وتعيين قيادتها وأركان جيشها خلال الفترة التاريخية المحددة لظهوره الخاص.
ومن هذا المنطلق وصف اهل البيت الراية اليمانية، بأنها اهدى من الراية الخراسانية، لان المهدي (ع) هو الذي يوجهها، اما الراية الخراسانية فتوجه من قبل اصحاب المهدي (ع) ووزرائه، والفرق بين التوجيهين يقتضي التفضيل بين الرايتين.

العصائب والابدال والنجباء

في اخبار العلامات، يتكرر الحديث كثيرا، حول ثلاث حركات اسلامية مجاهدة على خط الهدى في عصر الظهور، وهي كلها من الدول العربية، فالعصائب من العراق، والابدال من الشام، والنجباء من مصر، وهم جميعا من اصحاب الامام المهدي (ع) باتفاق روايات الفريقين، وهذه بعض الاحاديث الخاصة بهم.
عن حذيفة بن اليمان قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: "عند خروج القائم، ينادي مناد من السماء، ايها الناس قطع [الله] عنكم مدة الجبارين، وولي الأمر [عليكم] خير امة محمد (صلّى الله عليه وسلّم) فالحقوه بمكة، فيخرج النجباء من مصر، والابدال من الشام، وعصائب العراق، رهبان بالليل ليوث بالنهار، كأن قلوبهم زبر الحديد، فيبايعونه بين الركن والمقام"(٢٥٥).
وعن امير المؤمنين قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "يا علي عشر خصال قبل يوم القيامة... ورجل منا اهل البيت يبايع له بين زمزم والمقام، يركب اليه عصائب اهل العراق، وابدال [أهل] الشام، ونجباء اهل مصر، ونصير اهل اليمن"(٢٥٦).
وعن الامام الباقر (ع) قال: "يبايع القائم بين الركن والمقام، ثلاثمائة ونيف رجل، عدة اهل بدر، منهم من النجباء من اهل مصر، والابدال من اهل الشام، والاخيار من اهل العراق"(٢٥٧).
وهذه الاخبار مروية في كتب الامامية، ولكنها رويت ايضا من طرق اهل السنة بنفس المضمون والالفاظ، اخرجها الحاكم في مستدرك الصحيحين، وابن ابي شيبة في مصنفه، وعبد الرزاق الصنعاني في مصنفه الكبير وغيرهم(٢٥٨).
عدد الابدال والنجباء والعصائب
اختلفت الروايات في تحديد عدد هذه المجموعات الجهادية، ولكن الارجح ان عدد نجباء مصر ثلاثون رجلا، وأبدال الشام اربعون رجلا، وعصائب العراق خمسون رجلا، ودليل الارجحية لهذا العدد كثرة طرق روايته، مع وجود بعض الاسانيد المعتبرة فيها.
وتحديد عدد الابدال باربعين رجلا يكاد يكون موضع اتفاق روايات الفريقين، واما العصائب فقد جاء النص على عددهم في روايات من طرق أهل البيت، كرواية الامام زين العابدين (ع) التي جاء فيها "ومنهم-يعني اصحاب المهدي (ع) -خمسون من اهل الكوفة، وسائرهم من افناء الناس، لا يعرفون بعضهم بعضا..."(٢٥٩).
دورهم في عصر الظهور
تعتبر مصر والعراق ولبنان، من اكثر البلدان العربية اهمية في العالم العربي، بسبب مواقعها الاستراتيجية على الصعيد الثقافي والسياسي والاقتصادي، ولهذا ستشهد ولادة ثورات اسلامية اصولية مجاهدة، مناهضة للأنظمة الحاكمة المستبدة في عصر الظهور، تستهدف الدعوة الى الحق ورفع الظلم عن شعوبها، وظاهر الروايات أنها ستشكل مصدر قلق وخطر ورعب على السياسة الاسرائيلية، وعلى مصالح الدول الكبرى الحليفة لها في العالم العربي والإسلامي.
وتشير الروايات الى ان حكام الدول العربية، في مصر والعراق ولبنان وحلفائهم من طواغيت العالم سوف لن يبقوا مكتوفي الايدي امام خطر الاصولية الاسلامية الجديدة، التي تهدد كياناتهم ومصالحهم ووجودهم، بقيادة الابدال والعصائب والنجباء، بل سيلجأون الى استخدام كافة اشكال القوة العسكرية والضغوطات السياسية والاقتصادية والارهابية، في محاولات لقهر هذه الجماعات الاسلامية، وتصفيتها واذلال شعوبها واضطهادها ولكن من دون جدوى. ففي الحديث النبوي "منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت الشام مدها ودينارها، ومنعت مصر اردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم..."(٢٦٠).
ويعكس هذا الحديث وأحاديث كثيرة اخرى مؤيدة لمضمونه، جانبا من سياسة الارهاب والتجويع، التي تمارسها دول الكفر العالمية في محاولة لقهر شعوب هؤلاء الثوار المنتفضين ضدها والقضاء عليهم، في هذه الدول الثلاث التي ستواجه ازمة اقتصادية خانقة، نتيجة سقوط القيمة الشرائية لعملتها المحلية، امام غلاء المعيشة والحصار الاقتصادي عليها.
وتعتبر جماعة الابدال المقاومين لليهود في بلاد الشام، اكثر الجماعات الثلاث نشاطا وفعالية في دورها الطليعي في الامة، على الصعيد العقائدي والسياسي والجهادي، ثم تليها ثورة نجباء مصر التي تكاد تنجح في الوصول الى استلام الحكم، ولكنها تسحق على يد القوات العربية والاجنبية الموالية لحكام مصر، ثم تليها في الاثر الجهادي جماعة العصائب المجاهدة في العراق.
وسنتطرق في هذا الكتاب بشيء من التفصيل، الى الابدال المقاومين لليهود في بلاد الشام، ونؤجل البحث حول نجباء مصر(٢٦١) وعصائب العراق الى دراسات اخرى.
الابدال من أتباع أهل البيت
تحدد علامات الظهور تواجد الابدال في بلاد الشام، وهي تشمل في مصطلح جغرافية العالم العربي القديمة، الاردن وسوريا ولبنان وفلسطين، ففي رواية عن الامام علي (ع) انه قال: "ستكون فتنة يحصل الناس فيها كما يحصل الذهب من المعدن، فلا تسبّوا اهل الشام وسبوا ظلمتهم، فان فيهم الابدال..."(٢٦٢) وفي رواية اخرى عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "تكون قبل المهدي فتنة [في الشام] تحصر الناس حصرا، فلا تسبوا اهل الشام بل سبوا ظلمتهم فان فيهم الابدال..."(٢٦٣).
والمشهور ان الابدال من شيعة أهل البيت ومن انصار المهدي (ع)، كما صرّحت بذلك رواية ام سلمة عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، كعدة اهل بدر، فتأتيه عصائب العراق، وابدال الشام..."(٢٦٤).
ولو جمعنا هذه الروايات مع الروايات التي تصف الخط الجهادي لحركة الابدال المقاومين لليهود، نستطيع الحصول على قرائن قطعية تساعدنا على تحديد تواجد حركة الابدال السياسية في لبنان، باعتباره البلد الوحيد من بلدان الشام المعروف بكثرة تواجد الموالين لأهل البيت فيه، هذا مع غض النظر عن الوجود الفعلي المعاصر للمقاومة الشيعية الشرسة، المتواجدة على الاراضي اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي.
بداية ظهور الابدال في الشام
الابدال من عباد الله المقربين، اخفى الله تعالى أمرهم كما اخفى أمر وليّهم الاعظم، وجعلهم اوتاد الارض في بلاد الشام، كما جعل وليهم الاعظم علة الوجود على الارض، وهم موجودون في بلاد الشام منذ عصر الغيبة، وكلما مات رجل منهم ابدله الله برجل آخر مكانه، يتمتع بنفس صفاته الى ان يأذن الله تعالى لهم بالظهور، يوم ظهور وليهم الاعظم. وكما تذكر الروايات فان للامام المهدي (ع) ظهوران: خاص وعام يتحقق الخاص في عصر الظهور بين خاصة اوليائه، والظهور العام للناس كافة، وكذلك بالنسبة للابدال فإن لهم ظهورين خاص وعام، ويتحقق ظهورهم العام عند قيام الثورة المهدوية.
وفي الظهور الخاص يظهرون للناس غير معروفين بانهم من الابدال، ولا يعرّفون انفسهم بذلك كما تقول الروايات، وهم مجهولون في اطار حركة سياسية وجهادية تعمل في بلاد الشام، لنصرة راية الحق وتعريف الامة بمذهب اهل البيت، ومقاتلة اليهود المغتصبين لفلسطين. ويتبلور الخط السياسي للابدال على مسرح الاحداث في ثقله الايماني والجهادي والاخلاقي، بين مختلف القوى والاحزاب السياسية الاخرى، على اعقاب فتنة داخلية تدوم ثماني عشرة سنة في بلاد الشام، عبرت عنها الروايات بفتنة الاحزاب، تكون نهايتها عذابا للكافرين والمشركين ونقمة على المنافقين ورحمة للمؤمنين.
وقد تحدث الامام علي (ع) عن هذه الفتنة حينما سئل عن تفسير قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ اَلْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ، فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (مريم: ٣٧) فقال: "انتظروا الفرج في ثلاث: اختلاف اهل الشام فيما بينهم، والرايات السود من خراسان، والفزعة في شهر رمضان"(٢٦٥).
وهذا الحديث ينص على وقوع ثلاث علامات رئيسية، تبشر بقرب الظهور، اولها فتنة الاحزاب في بلاد الشام، وثانيها خروج اصحاب الرايات السود الموطئين للمهدي من خراسان، واخرها وقوع الصيحة من السماء باسم صاحب الزمان.
وفي رواية "تكون فتنة بالشام كأن أوّلها لّعب الصبيان، ثم لا يستقيم أمرهم على شيء ولا يكون لهم جماعة"(٢٦٦) أي تبدأ هذه الفتنة كأنها لعب ومرح ولهو بين الاطفال، ثم تتطور لتعم البلاد كلها وتدمر نظام الحكم في المجتمع، فلا يستقيم امرهم على شيء ولا يتفقون على حاكم، وجاء في رواية أنه: "اذا اختلف رمحان بالشام.. يجعلها الله رحمة للمؤمنين وعذابا للكافرين"(٢٦٧).
وفي اعقاب هذه الفتنة التي يجعلها الله تعالى رحمة للمؤمنين، فلا يكونون سببا فيها، ولا يشاركون في جرائمها، يتبلور الخط الايماني والجهادي الاصيل للابدال في بلاد الشام، ويبدأ بشق طريقه الى الحياة السياسية شيئا فشيئا، حتى يتجذر فيها ويصبح رقما صعبا في المجتمع والنظام، الى درجة تعجز عن منازلته جميع القوى المحلية، بما فيها قوة السفياني وسطوته المدعومة من الدول الاوربية، فالاحزاب والمنظمات والحركات والكتل السياسية، كلها تخضع في بلاد الشام لسطوة السفياني، باستثناء المجاهدين الابدال المقاومين لليهود في بلاد الشام، كما جاء ذلك صريحا في وصف الامام الصادق (ع) حركة السفياني وسيطرتها على بلاد الشام بقوله: "فينقاد له اهل الشام الا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه"(٢٦٨).
صفات الابدال
وصف النبي واهل بيته-صلوات الله عليهم جميعا-الابدال بصفات عالية كثيرة، ولكنهم كانوا دائما يركزون بشكل خاص على صفتين بارزتين في حياتهم الفردية والاجتماعية، صفة اخلاقية واخرى جهادية، ولنقرأ بعض الروايات الخاصة بهاتين الصفتين ثم نحاول دراستها وتحليلها.
ذكر جماعة اهل الشام عند الامام علي (ع) فقالوا: إلعنهم يا امير المؤمنين قال: لا إني سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) يقول: "الابدال يكونون بالشام، وهم اربعون رجلا، كلما مات رجل ابدل الله مكانه رجلا، يسقي بهم الغيث، وينتصر بهم على الاعداء، ويصرف عن اهل الشام بهم العذاب"(٢٦٩) وفي رواية اخرى عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وهو يعدد دعائم أمته فقال: "...
واربعون رجلا من الابدال بالشام كلما مات رجل منهم ابدل الله مكانه، أما انهم لم يبلغوا ذلك بكثرة صلاة ولا صيام، ولكنه بسخاوة الانفس، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين"(٢٧٠).
وفي رواية وصفهم بانهم "ليسوا بالمتماوتين، ولا المتهالكين، والمتناوشين، لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة صوم ولا صلاة، وانما بلغوا ذلك بالسخاء، وصحة القلوب، والمناصحة لجميع المسلمين"(٢٧١) وفي رواية عن الامام علي (ع) قال: "لا تسبوا اهل الشام... فان فيهم الابدال بهم تنصرون وبهم ترزقون"(٢٧٢) وفي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) أنه قال: "والبدلاء بالشام، وهم اربعون رجلا، كلما مات رجل ابدل الله مكانه، ويستسقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الاعداء، ويصرف عن اهل الشام بهم العذاب"(٢٧٣).
وتدحض هذه الروايات فكرة خاطئة سائدة عند اكثر الناس حول الأبدال، خلاصتها: انهم يعتقدون ان الأبدال جماعة من الزهاد النسّاك العباد، لا عمل لهم في هذه الحياة، ولا دور لهم في المجتمع، الا الصلاة والصيام، وكثرة الاذكار للوصول بها الى معرفة الله ورضوانه، فهم -كما يتصورون-منعزلون عن الحياة الاجتماعية والسياسية كالرهبان، لا علاقة لهم بالأمة، وقد ندد الاسلام بهذه الاعتقادات، لأنها تكرس العزلة عن المجتمع، وتدعوا الى الرهبانية التي حرمها الله تعالى بقوله "ورهبانية ابتدعوها"(٢٧٤) ونهى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) امته عنها بقوله: "لا رهبانية في الاسلام".
وظاهر الروايات ان الأبدال لم يصلوا الى ما وصلوا اليه من الدرجات المقربة عند الله تعالى، والمنازل العظيمة بين أوليائه، بكثرة صلاتهم وصيامهم وعبادتهم واذكارهم، وانما بلغوا ذلك بسخاوة انفسهم وسلامة صدورهم واخلاصهم في النصيحة للمسلمين، فهم إذن أصحاب مشروع اجتماعي وسياسي، لهم ثقلهم في الأمة ودورهم البارز في المجتمع.
ان التعمق بالعرفان وعلم الاخلاق، ومظاهر التقوى والتنسك والزهد والعبادة، ليست من العناوين التي يعرف بها الابدال بلاد الشام، وان كانوا من اهل هذه الصفات، ولكن الأمة لا تعرفهم من خلالها، بقدر ما يعرفون بسخاوة انفسهم وطهارة قلوبهم، والمناصحة لجميع المسلمين، وبالتواضع والاخلاق الحميدة والسعي لقضاء حوائج المؤمنين.
وتدل صفات الأبدال الأخلاقية، بانهم قوم متواضعون، لا يعرفون الكبرياء والتعالي على الناس، ولا تعرف قلوبهم الحسد والاحقاد والضغائن على الاخرين، وان نفوسهم طاهرة مطهرة زكية خالية من حب الدنيا، فهم ليسوا من المتماوتين عليها وعلى شهواتها الساقطة، ولا بالمتهالكين على الزعامة وحب الكرسي، ولا بالمتهاوشين كتهاوش الوحوش وتنافسها على فريستها، للبحث عن المكان والموقع الافضل للنيل منها.
وهذا هو البعد الاجتماعي لصفاتهم الاخلاقية، واما في بعدها الجهادي الثابت والصريح في الروايات، فان الله تعالى ينتصر لأهل الشام بالابدال على اعدائهم، وبهم يدفع عنهم البلاء ويوسع عليهم الرزق وينزل قطر السماء.
وما دام الابدال رجال يختلطون بالناس ويعيشون معهم في حياتهم الاجتماعية العادية ومعاناتهم اليومية، فلا بد ان نبحث عن دورهم الاجتماعي والسياسي، وحياتهم الجهادية في الامة لنعرف معنى الحديث النبوي: "وبهم ترزقون وبهم تنصرون وبهم يدفع الله الاعداء عن اهل الشام".
ان الجنوح الى التفسير الروحي لهذه المعاني، لا يمكن ان يلتقي ومفاهيم الاسلام اطلاقا، ولا مع النصوص النبوية التي سلطت الأضواء على دور الأبدال الأخلاقي، وثقلهم الاجتماعي في الأمة.
وفي تصوري ان للابدال ظهورين خاص وعام، في آخر الزمان، اقتداء بوليهم وامامهم المنتظر (ع)، الذي له ايضا ظهور خاص وعام، وانهم في ظهورهم الخاص في عصر الظهور، يقودون حركة جهادية ذات ثقل سياسي كبير في بلاد الشام، يشكلون عمودها الفقري من دون ان يكونوا معروفين حتى لبعضهم، فلا يعرف بعضهم بعضا ان هذا او ذاك من الابدال، كما جاء صريحا في بعض الروايات، فهم كنز الله الاكبر وسره الأعظم في بلاد الشام، وقد أخذ الله تعالى على نفسه اخفاء اوليائه في عباده، الى يوم ظهور وليّه الاعظم، حينئذ يأمرهم باظهار انفسهم، ليكونوا من أركان دولته وخزان اسرار مملكته.
اما مهمتهم السياسية والجهادية في عصر الظهور فكبيرة جدا، فهم حصن الله الحصين لاهل الشام، جعلهم الله تعالى في مجتمعهم عامل حفظ ورعاية، ومصدر ردع ورعب وخطر على اعدائهم، ليس بالمعجزات والكرامات، وانما بقوة سلاحهم وعظمة شوكتهم بعيون الاعداء، فلا امن ولا امان ولا عيش رغيد ولا رزق وافر لاهل الشام، الا تحت ظلال سيوفهم، وان الله تعالى بما للأبدال من شوكة ورهبة في قلوب الاعداء، يعصم بهم المقيمين على الحق من فتنة السفياني في بلاد الشام.
فالابدال جماعة من الاولياء في السماء معروفون وفي الارض مجهولون، وهم في عصر الظهور يعلمون سياسيا وجهاديا، ضمن حركة مسلحة من أهم أهدافها حفظ بلاد الشام ارضا وشعبا من هجمات الاعداء على أهل الحق، فيصرف الله تعالى بمقاومتهم وجهادهم عن اهل الشام العذاب، وينتصر بهم على الاعداء، ويحقق لهم حياة عزيزة آمنة كريمة، فيشمخ أهل الحق الموالون لاهل البيت، بالعزة والكرامة والمنعة والثبات على المبدأ، في هذه البلاد تحت ظلال سيوفهم، وفي رحاب قوتهم ومنعتهم وشوكتهم.
مقاومة الابدال لليهود
ان طبيعة الحديث حول الابدال الذين ينصر الله تعالى بهم أهل الشام على الاعداء، يفرض علينا ان نتدبر الروايات الخاصة بوصف المجاهدين المقاومين لليهود في عصر الظهور في بلاد الشام وهي كلها مروية عن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم). نعرض هنا طائفة منها فقد قال: "لا تزال عصبة من امتي يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حوله لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق الى ان تقوم الساعة"(٢٧٥) وقال (صلّى الله عليه وسلّم): "لا تزال طائفة من امتي على الدين ظاهرين لعدوهم لا يضرهم من جابههم.. حتى يأتي امر الله وهم كذلك": قالوا: يا رسول الله واين هم؟ قال "ببيت المقدس واكناف بيت المقدس"(٢٧٦) وقال: "لا تزال طائفة من امتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر في بيت المقدس ينزل على المهدي فيقول: تقدم يا نبي الله فصل بنا فيقول: هذه الامة امراء بعضهم على بعض"(٢٧٧).
ان هذه الروايات تلقي باضوائها على روايات الابدال، الذين ينصر الله بهم اهل الشام على اعدائهم، فتحدد لنا هوية المقاومين في بلاد الشام، كما انها تحدد هوية الاعداء باليهود المغتصبين لفلسطين، وان معارك المقاومين لليهود سوف تقع حول محاور بيت المقدس، وفي داخل الاراضي المحتلة من قبل الكيان الاسرائيلي.
أوصاف المقاومين الأبدال
تعرضت الروايات الخاصة بالابدال المقاومين للاحتلال الاسرائيلي في بلاد الشام، الى أوصاف كثيرة ودقيقة حول مبادئهم واهدافهم وثباتهم وشجاعتهم وجهادهم، كما اشارت الى معاناتهم والى المؤامرات التي تحاك ضدهم من قبل اعدائهم في داخل مجتمعهم وخارجه، ومع ذلك فهم يزدادون قوة وصلابة في جهادهم، وثباتا واصرارا على المضي في طريق الحق مهما كبرت الجراح، وتعاظمت الخطوب، وتعددت من حولهم الخيانات، فهم مع كل ذلك لا يزالون يحققون النصر تلو النصر والفوز الساحق على اعدائهم، حتى يخرج وليهم الاعظم الامام المنتظر (ع) ويقيموا الصلاة خلفه في بيت المقدس، وهو الهدف الاستراتيجي لجهادهم وقتالهم وتضحياتهم. وهنا نريد ان نسلط الاضواء على صفاتهم الجهادية وهي ثلاثة:
الصفة الاولى: تتعلق بالمبدأ والنهج السياسي الذي ينتمون اليه كما وصفهم النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، بانهم "يقاتلون على الحق" وهذا يعني انهم ينتمون الى الخط الاسلامي الاصيل، وانهم على عقيدة الهية راسخة ثابتة لا يشكون فيها لحظة واحدة، ولا يبعدهم عن نهجها الجهادي والسياسي جمع الاعداء، انهم فتية آمنوا بربهم فزادهم الله هدى، فلا يطلبون الا رضاه ونيل الشهادة في سبيله، على النهج الحسيني الذي جسده علي الاكبر (ع) في هذه الكلمات الموجزة "يا ابتاه اولسنا على الحق؟...، قال: بلى، قال: اذن لا نبالي اوقع الموت علينا ام وقعنا عليه".
فالمقاومون الأبدال من نسيج القافلة الكربلائية، التي لا تبالي أوقع الموت عليها أم وقعت عليه، لأنها تبحث عن الحق ولا تريد إلا أداء تكليفها الشرعي ونيل رضى الله، فهم لا يبحثون عن مكاسب سياسية أو مواقع دنيوية لا تخدم أهدافهم الرسالية والجهادية.
الصفة الثانية: التي وصفهم بها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "انهم لا يبالون من خالفهم ولا يضرهم خذلان من خذلهم". والمخالفة صفة غالبا ما تقع بين الاعداء والانداد، على العكس من حالة الخذلان فإنها غالبا ما تحصل بين الاخوة والاصدقاء والأحباء، من ابناء العقيدة الواحدة، او الخط السياسي الواحد.
وصفة المخالفة المذكورة في هذه الروايات تشير الى وجود جماعات واحزاب متعددة في مجتمع حركة الابدال المقاومين لليهود، تختلف معهم عقائديا وسياسيا، وتعارضهم في نههجهم الجهادي واسلوبهم القتالي في مواجهة اسرائيل وتحاول القضاء عليهم.
اما صفة الخذلان فتدل على وجود جماعات متعددة داخل الخط العقائدي والسياسي الذي ينتمي اليه المقاومون الابدال، قد يتفقون معهم سياسيا في النهج والاسلوب لكنهم يتخلون عنهم اجتماعيا وجهاديا سواء بالأنفس أو بالأموال.
وتؤكد الروايات ان جهاد الأبدال المقاومين لليهود في بلاد الشام ماض على الحق، لا توقفه مؤامرات المخالفين لهم من الاحزاب والحركات السياسية في مجتمعهم، ولا يثنيه خذلان المتخاذلين لهم من ابناء عقيدتهم ودينهم ومذهبهم، فهم رغم كل المؤامرات التي تحاك للقضاء عليهم، ورغم كل الخطوب والمصاعب التي يواجهونها من اعدائهم في الداخل والخارج، يتعالون على جراحهم ويمضون في نصرة الحق وحماية أهلهم من اعدائهم، لا يضرهم مخالفة من خالفهم مهما كبرت قوته وتعاظمت قدرته، ولا خذلان من خذلهم مهما كان موقعه، الى ان يحقق الله تعالى النصر الحاسم للامة على أيديهم.
الصفة الثالثة: التي وصفهم بها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "انهم ظاهرون على من ناوأهم قاهرين لعدوهم" حتى ظهور امامهم المنتظر (ع). وهذه هي صفة اصحاب الحق، فهم دائما اقوياء على اعدائهم، سواء انتصروا عليهم ام لم ينتصروا، لان قوتهم مستمدة من حقهم الثابت والحق يعلو ولا يعلى عليه، وقهر الاعداء عند ما يتحول الى ظاهرة ثابتة ووسام ابدي على جبين المقاومين لليهود في بلاد الشام، فانه دليل قاطع على اصالتهم وعمق اخلاصهم وارتباطهم بالله تعالى، وثباتهم على نصرة دينه ونصرة قضيته السياسية العادلة في الارض، وقد وعد سبحانه وتعالى المخلصين الثابتين على الحق في قتال اعدائه بالنصر المؤّزر في قوله تعالى ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اَللهَ يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧).
ان ثبات المقاومين للاحتلال الاسرائيلي في بلاد الشام في قتالهم على الحق، بالرغم مما يواجهونه من مؤامرات خارجية كثيرة ضدهم، وخيانات داخلية متكررة لاضعافهم، مع استمرارهم في مواصلة الهجمات الظافرة على معاقل اليهود، وانتقالهم من نصر الى نصر، واصرارهم على ذلك إلى ان يظهر قائدهم المنتظر (ع) كما وصفهم النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، كل ذلك يؤكد حتمية تفوقهم عسكريا على جميع اعدائهم، من خلال حصولهم على المزيد من التجارب الجهادية الناجحة، في معاركهم المستمرة في الدفاع عن ارضهم وشعبهم. ويعني هذا انهم ستكون لهم في عصر الظهور، قوة جهادية وعسكرية ضاربة لا تقهر ولا تهزم ابدا، قوة لها ثقلها السياسي ووزنها العسكري المميز محليا ودوليا، بين جميع القوى والحركات والاحزاب والكيانات السياسية الاخرى المتواجدة على ساحة الصراع السياسي في بلاد الشام، الامر الذي يفسر لنا خضوع جميع هذه الجماعات السياسية في بلاد الشام لسطوة السفياني وجبروته، باستثناء المقاومين على الحق كما يقول الامام الصادق (ع): "فينقاد له أهل الشام الا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه"(٢٧٨).
ان عصمة اتباع أهل البيت في بلاد الشام من فتنة السفياني ليست ذاتية، وانما ينالونها بما لهم من مقومات موضوعية تجعلهم رقما عسكريا صعبا في معادلات الصراع السياسي على ارض الواقع، ومن هذا المنطلق فان اسرائيل مهما تعاظمت قوتها وسطوتها، وتمادت في جبروتها وعلوها وفسادها وهيمنتها على المنطقة، فانها لا يمكنها باي شكل من الاشكال ان تقضي على المجاهدين الابدال المقاومين للاحتلال، والمقيمين على الحق والمقاتلين في سبيله.. وان دولة اسرائيل لا بد ان تزول من الوجود بقبضات هؤلاء المقاومين الابدال، الذين وعد الله تعالى ان ينتصر بهم لاهل الشام على اعدائهم، وبهم يدفع عنهم كل فتنة وبلاء وبحكمة قيادتهم وقوة شوكتهم يحقق لهم الامن والسلام والعيش الهانئ بحرية وعزة وكرامة...
إنه وعد إلهي نطق به رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم)، في الروايات التي وصفت قتال المقاومين على الحق لليهود في بلاد الشام، وانتقالهم من نصر الى نصر حتى يخرج امامهم ويصلي بهم في المسجد الاقصى مع نبي الله عيسى بن مريم (ع)، تلك الصلاة التاريخية التي ستجسد مفهوم الوحدة الإلهية العقائدية والسياسية، وذلك بتأبيد المسيح (ع) للإسلام وانه الدين الحق الذي وعد الله تعالى ان يظهره على الاديان كلها.
العلاقة بين الابدال المقاومين والموطئين
عبرت بعض الروايات عن الموطئين بكنوز الطالقان، وهم المعنيون في حديث الامام علي (ع) "وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون الى دين الله"(٢٧٩) وايضا عبّرت عن انصار الإمام المهدي (ع) من أهل اليمن بالكنوز، ففي الحديث النبوي" ولله في اليمن كنزان جاء بأحدهما يوم تبوك... ويجيء بالآخر يوم الملحمة العظمى"(٢٨٠) وهي الملحمة التي يقودها الامام المهدي (ع) ضد الروم في هذه المعركة.
والكنز هو كل شيء ثمين خطير، كان مخفيا ثم يكتشف ويظهر فجأة، والابدال والنجباء والعصائب كلهم من الكنوز البشرية التي ادخرها الله تعالى ليوم الظهور، وهم يتواجدون في بلاد الشام ومصر والعراق، والعلاقة بين هذه الكنوز الثلاثة وكنوز اليمن والطالقان، هي في الواقع علاقة الهية غيبية، تتمثل بالدور الموكل اليهم، لتنفيد المشروع الالهي السياسي والجهادي الاكبر في عصر الظهور.
ومن هذا المنطلق نعتقد ان هذه الكنوز، من الطاقات الايمانية والقيادية المجاهدة التي ستظهر في عصر الظهور على مرحلتين، مرحلة الظهور الخاص من خلال دورها السياسي والجهادي وهي تنفذ المشروع الالهي، في مواجهة الظلم والطغيان، وقيادة المؤمنين تحت راية الهدى في بلادها، من دون ان تعرّف نفسها للامة ولا حتى للمؤمنين العاملين معها تحت راية وهدف سياسي واحد،... ثم تظهر بعد ذلك في مرحلة الظهور العام، مع قائدها وامامها المنتظر (ع)، بعد ان تستكمل تنفيذ جميع المخططات الالهية لنجاح مشروع الاعداد للثورة الاسلامية العالمية في مرحلة الظهور الخاص.
والقاسم المشترك بين هذه الكنوز المدّخرة في الامة الى عصر الظهور، انها تلتقي على نهج عقائدي وسياسي وبرنامج جهادي واحد، يستهدف الاعداد للثورة المهدوية، تحت راية واحدة، وهي راية الموطئين للمهدي (ع) ومن ثم راية المناصرين له من اهل اليمن.
وقد سلطت بعض روايات عصر الظهور، الاضواء على العلاقة الرسالية الالهية بين فصائل الحركات الجهادية، لهذه الكنوز البشرية المدخرة في الامة، وفي بقاع مختلفة من العالم الاسلامي، وكشفت عن تلاحمها المبدئي في ميادين الصراع السياسي والجهادي ضد اعداء الأمة، ففي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "لا تزال طائفة من امتي، يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حولها، وعلى ابواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحيي به دينه كما اميت من قبل"(٢٨١).
وتذكر بعض الروايات ان هذا التلاحم الجهادي والسياسي، بين كنوز الطالقان وكنوز الابدال بالشام، سيتجلى باعظم صوره البطولية في معارك تحرير القدس، في نهج عقائدي ورسالي واحد وتحت قيادة واحدة في عصر الظهور، كما يعكس ذلك بوضوح الحديث النبوي:
"تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح من تميم، يهزمون اصحاب السفياني، حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه، يمد اليه ثلاثمائة من اهل الشام"(٢٨٢) وفي رواية اخرى "ان شعيب بن صالح يخرج متخفيا الى بيت المقدس موطّئا للمهدي سلطانه"(٢٨٣).
وفي بداية الرواية قدم النبي (صلّى الله عليه وسلّم) مزيدا من الاوصاف لراية الموطئين، ليفرق بينها وبين الراية العباسية، ثم اخبر عن معارك الايرانيين الموطئين مع الجيش السفياني، ودخولهم الى فلسطين.
وتشير الرواية الثانية الى دخول القائد العسكري الايراني شعيب بن صالح الى فلسطين سرا، في ضوء خطة عسكرية وأمنية محكمة، وهذه الخطة حسب الظاهر من تصميم المقاومين الابدال، لأن الايرانيين لا يمتلكون خبرة ميدانية حول طبيعة المنطقة من جهة أمنية وعسكرية، مما يفرض عليهم منطقيا الاعتماد على خبرات حلفائهم الطويلة والعريقة في مقاتلتهم لليهود، وهو ما يفسر دخول ثلاثمائة عنصر من المقاومين الابدال سرا، مع القائد الايراني الى أرض فلسطين المحتلة.

رايات الضلال في عصر الظهور

عصر الظهور هو عصر صحوة الأمة ويقظتها من سباتها العميق، بقيادة رايات الهدى الموطئة والمناصرة للمهدي، وهو عصر عودة المسلمين إلى دينهم وأصالتهم، ووقوفهم على أقدامهم بكل صلابة وشجاعة بوجه أعدائهم من الطواغيت الدوليين وحكامهم العملاء المجرمين، إنه عصر هزيمة الكفر والالحاد، ومقاومة الظلم والعدوان والانحراف والفساد.
وسيشهد العالم الإسلامي بعد هذا المنعطف الجديد من تاريخه الجهادي، ولادة عدد كبير من الرايات والكيانات السياسية المتاجرة بالدين، والمتسترة بمفاهيمه وشعاراته البراقة، مستهدفة الالتفاف على الأمة لإبعادها عن أصالتها، وقتل روح اليقظة والجهاد في وجدانها من خلال إعلان الحرب العقائدية والسياسية والإعلامية، على رموز الإسلام المحمدي الأصيل ونهجه القويم، الذي تجسده رايات الهدى في عصر الظهور.
ويمكن تصنيف رايات الضلال في ضوء أخبار عصر الظهور إلى نوعين.
(الأول) رايات الأحزاب والتنظيمات الإسلامية المزيفة، بزعامة فقهاء الضلال والقيادات الإسلامية الموالية لسياسة الاستكبار.
(الثاني) رايات الدول والكيانات السياسية القائمة على أساس حكم الإسلام، معلنة ولاءها الصريح لسياسة الكفر العالمية، وعداءها المكشوف لرايات الهدى في عصر الظهور. وسنقتصر في هذا الكتاب على دراسة أبرز رايات الضلال في عصر الظهور، تلك التي تشكل دولا إسلامية مزيفة، لها دور خطير في ضرب الصحوة الإسلامية قبل الظهور، وهي أربعة:
(١) الدولة القرشية في الحجاز.
(٢) الدولة العباسية في العراق.
(٣) دولة المغاربة في المغرب العربي.
(٤) الدولة السفيانية في بلاد الشام.

الدولة القرشية في عصر الظهور

تحكم هذه الدولة بلاد الحجاز، وهي ليست من الدول المستحدثة في عصر الظهور، بل هي امتداد لنهج عقائدي وسياسات عربية، تحكم بلاد الحجاز في عصور متعاقبة باسم الاسلام، والسمة البارزة لها حقدها المستحكم على مذهب اهل البيت واتباعهم، وهي اوّل الدول التي سيواجهها الامام المنتظر (ع)، ويصفي قياداتها وحكامها جسديا امام الملأ.
نهجها السياسي
تقوم الدولة القرشية على سياسة الظلم والبطش والاضطهاد، وكم الافواه ومصادرة الحريات العقائدية والسياسية، والتنكيل بكل عبد مؤمن صالح يخالفها، وتصفية كل جماعة اسلامية تعادي نهجها وترفض سياستها، ففي الحديث النبوي "والله لا تدع ظلمة مضر عبدا لله مؤمنا، الا قتلوه، او فتنوه، حتى يضربهم الله والمؤمنون"(٢٨٤). وفي رواية "ان هذا الحي من مضر لا يزال بكل عبد صالح يقتله، ويهلكه ويفنيه، حتى يدركهم الله بجنود من عنده فتقتلهم"(٢٨٥).
وتعتمد الدولة القرشية في مواجهة وتصفية مناوئيها من الجماعات الاسلامية، اسلوب الاغراء بالمال والمناصب، والترهيب بالسجن والقتل والاضطهاد، وهو ما اشار اليه الحديث النبوي بقوله "الا قتلوه او فتنوه". ولسوف يبقى حكّام قريش الظلمة على طبيعتهم العدوانية، في ارهاب المؤمنين والمجاهدين الاحرار في بلاد الحجاز، يسومونهم الذل والهوان ويفتنونهم بمغريات الدنيا من الاموال والشهوات، حتى يدركهم الله تعالى بجنود من عنده، جنود لم تعرفهم آباؤهم ولا عشائرهم، فلا تترك لهم اثرا.
نهاية الدولة القرشية
يتم القضاء على الدولة القرشية الظالمة في ليلة واحدة، في انقلاب ابيض يقوده الإمام المهدي (ع) واصحابه كما يقول الحديث: "يباييع المهدي بين الركن والمقام، لا يوقظ نائما ولا يهريق دما"(٢٨٦) وفي حديث آخر قال "يصلح الله به في ليلة واحدة"(٢٨٧).
وهي ليلة الانقلاب، حيث يتمكن الامام (ع) من السيطرة على مقاليد الحكم في بلاد الجزيرة، في ليلة واحدة بانقلاب ابيض، فلا يهرق دما ولا يوقظ نائما.. وبعد تلك الليلة يتفرغ الامام (ع) لتصفية طواغيت قريش واحدا واحدا، فيقوم اولا بتجريدهم من السلاح ثم قتلهم به، فيقتل منهم دفعة واحدة ثلاثة الاف رجل، حينئذ يضج الاعلام العالمي المعادي له قائلا "لو كان هذا هو المهدي من آل محمد لرحم" ويستهدف هذا الاعلام التشكيك بإمامة المهدي وبشرعية ثورته، والى هذه الحقيقة التاريخية اشار الحديث القائل:
"لو يعلم الناس ما يصنع المهدي اذا خرج، لاحب اكثرهم الا يروه مما يقتل من الناس، اما إنه لا يبدأ الا بقريش فلا يأخذ منها الا السيف، ولا يعطيها الا السيف، حتى يقول كثير من الناس ما هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم"(٢٨٨).
وفي رواية عن الإمام الحسين بن علي (ع) وهو يخاطب بشر بن غالب فيقول له "يا بشر ما بقاء قريش اذا قدم القائم منهم خمسمائة رجل فضرب اعناقهم صبرا، ثم قدم خمسمائة فضرب اعناقهم صبرا، ثم قدم خمسمائة فضرب اعناقهم صبرا"(٢٨٩)، وفي رواية انه يفعل ذلك فيهم ست مرات.
وفي رواية عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت الا أهله، فاذا استحلوه فلا تسل عن هلكة العرب"(٢٩٠).
والروايات من طرق الفريقين كثيرة وصريحة، في ان الامام المهدي (ع) اول ما يبدأ بقتل طواغيت قريش من حكام الحجاز، ففي رواية عائشة قالت: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) "اوّل من يهلك من الناس قومك، قلت: جعلني الله فداك ابنو تيم؟ قال: لا ولكن هذا الحي من قريش"(٢٩١).
وسأل الهروي الامام الرضا (ع): بأي شيء يبدأ القائم منكم اذا قام ؟فقال له الامام: "يبدأ ببني شيبة فيقطع ايديهم، لانهم سراق بيت الله عز وجل"(٢٩٢). وروي عن الامام الصادق (ع) انه قال: "أما إن قائمنا لو قام، اخذ بني شيبة وقطع ايديهم وطاف بهم، وقال: هؤلاء سراق بيت الله"(٢٩٣) وفي رواية ثالثة قال: "وقطع ايدي بني شيبة السراق وعلقها على الكعبة"(٢٩٤).
وقريش في الروايات كناية عن حكام الحجاز في عصر الظهور، وبني شيبة سدنة بيت الله، وهم المعنيون منذ القدم بحراسة خزائن الكعبة، والقيام بشؤون الخدمات العامة وضيافة الحجيج فيها، وظاهر الروايات ان قتل طواغيت الحجاز من علامات الإمام المهدي الخاصة، فكل من يخرج في مكة، مدعيا المهدوية لنفسه، ويلقى حماية او دعما من حكام الحجاز، او يسيطر على مقاليد الحكم فيها، من دون ان يعادي حكامها ولا يقتلهم فمهدويته باطلة مزيفة كاذبة.

الدولة العباسية في عصر الظهور

تحكم الدولة العباسية المجتمع العراقي باسم الاسلام، في دورها التاريخي المتجدد في آخر الزمان، وهي من اخطر دول الضلال وراياته المعادية للاسلام المحمدي الاصيل، لانها ولادة مخطط دولي تآمري على الامة، يراد منه ان تكون الكيان الاسلامي السياسي البديل، عن دولة الموطئين في بلاد ايران. واعتذر سلفا من القراء الكرام عن عدم التفصيل حول هذه الدولة الدينية المزيفة، لأنني افردت لها دراسة مستقلة ومفصلة، وهي في طريق الإعداد والإخراج ان شاء الله تعالى.
رايتان للعباسيين
وردت احاديث نبوية صريحة بظهور رايتين للعباسيين، الاولى تستهدف إسقاط دولة بني اميّة، والثانية في آخر الزمان تستهدف إسقاط دولة الموطئين. والرايتان موصوفتان بالضلال، وهذه بعض الاحاديث الدالة عليهما:
روى ثوبان مولى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "ان لبني العباس رايتين، اعلاها كفر ومركزها ضلالة، فان ادركتها فلا تضل"(٢٩٥).
وعن عبد الله الليثي قال "تخرج لبني العباس رايتان، احداهما اولها نصر واخرها وزر، لا ينصرونها لا نصرها الله، والاخرى اولها وزر واخرها نصر، لا ينصرونها لا نصرها الله"(٢٩٦).
وعن ابي امامة الباهلي قال: "ستخرج رايتان من قبل المشرق لبني العباس، اولها مثبور واخرها مبتور، لا تنصروهم لا نصرهم الله، فمن مشى تحت راية من راياتهم، ادخله الله تعالى يوم القيامة نار جهنم.."(٢٩٧).
وسأل ابن الفضيل الامام الباقر (ع) فقال له: جعلت فداك بلغنا ان لآل جعفر راية، ولآل العباس رايتين، فهل انتهى اليك من علم ذلك شيء ؟فقال له: "اما آل جعفر فليس بشيء ولا الى شيء، واما آل العباس فإن لهم ملكا مبطئا يقربون فيه البعيد ويباعدون فيه القريب، وسلطانهم عسر ليس فيه يسر.."(٢٩٨).
وهذه الاحاديث تنص بصراحة ووضوح على ظهور رايتين للعباسيين، والواقع التاريخي للامة دليل على ظهور رايتهم الاولى التي حكمت العالم الاسلامي بعد اسقاطها للدولة الاموية، اما رايتهم الثانية فتاريخ عصر الظهور كفيل بتحديد زمن ظهورها.
عودة الحكم العباسي
لم تقتصر الاحاديث المروية عن النبي واهل بيته (عليهم السلام)، على ذكر رايتين للعباسيين ستحكمان في التاريخ، بل تعرضت ايضا لتحديد تاريخ ظهور الراية الثانية في آخر الزمان ففي رواية علي بن حمزة عن الامام موسى بن جعفر (ع) قال: "ملك بني العباس مكر وخدع، يذهب حتى لم يبق منه شيء، ثم يتجدد حتى يقال ما مر به شيء"(٢٩٩).
وفي رواية ابن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال لعمه العباس "لن تذهب الدنيا، حتى يملك من ولدك في آخر الزمان، عند انقطاع دولتهم، وهو الثامن عشر، يكون معه فتنة عمياء صماء، يقتل من كل عشرة الاف تسعة الاف وتسعمائة، لا ينجو منها الا اليسير، يكون قتالهم بموضع في العراق" قال: فبكى العباس، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم): "ولا يهتمون للاخرة"(٣٠٠).
وهاتان الروايتان تدلان على نهاية الدولة العباسية وسقوطها بعد دورتها الاولى، ثم عودتها من جديد الى الحكم والتاريخ.. وتختلف الرواية الاولى عن الثانية، في كونها تصرّح بذهاب الحكم العباسي بعد نهاية دورته الاولى، وعودته مرة اخرى من جديد الى الحياة، وكأنه لم يعرف من قبل، بينما الرواية الثانية تحدد تاريخ عودته مرة ثانية الى الحكم في آخر الزمان، بعد نهاية دورته الاولى بفترة طويلة من الزمن، ربما تعد بالقرون كما توحي بذلك الكلمات النبوية "حتى يملك من ولدك في آخر الزمان عند انقطاع دولتهم".
وفي هذه الرواية خمس علامات للدولة العباسية المتجددة في عصر الظهور.
اولا: ان يقودها الثامن عشر من طواغيت بني العباس الكبار البارزين، الذين يحكمون من بداية دولتهم الاولى الى نهاية دولتهم الثانية.
ثانيا: ان تقع في عصره فتنة عمياء صماء تعم الامة كلها.
ثالثا: ان يقتل في هذه الفتنة من كل عشرة تسعة ولا ينجو الا اليسير.
رابعا: ان يكون مكان القتال في هذه الفتنة بموضع في العراق، وهو حسب روايات أهل البيت بين الحيرة والكوفة.
خامسا: ان من صفات بني العباس البارزة في عصر الظهور، انهم لا شأن لهم بالدين والاخلاق ولا يهتمون للآخرة، وان كان حكمهم قائم على اساس ديني باسم الاسلام، وهذه هي صفة مشتركة للحكام العباسيين في دولتهم الاولى والثانية.
عودتهم من المحتوم
المحتوم هو القضاء الالهي المبرم الذي لا يرد ولا يبدّل، قال الله تعالى: "كَانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا"(٣٠١) واستخدمت كلمة المحتوم بكثرة في روايات علامات الظهور، حتى اعتبرت من المصطلحات الخاصة بالثقافة المهدوية.
وقسم العلماء علامات الظهور الى قسمين (العلامات البعيدة) وهي التي تقع قبل اليوم الموعود بسنين طويلة قد تمتد الى مئات القرون (والعلامات القريبة) وهي التي تقع قبل الظهور بفترة قريبة جدا، والمحتوم من العلامات القريبة، بل كل العلامات المحتومة تقع في عصر الظهور، لعدم استخدام الروايات لكلمة المحتوم في العلامات البعيدة اطلاقا.
ومن العلامات المحتومة التي تقع في سنة الظهور، الاختلاف والصراع السياسي والدموي على الحكم بين اركان الدولة العباسية، وهذا ما صرحت به اكثر من خمس عشرة رواية أكتفي هنا بذكر روايتين منها:
عن الحلبي قال: سمعت ابا عبد الله الامام الصادق (ع) يقول: " اختلاف بني العباس من المحتوم، والنداء من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم"(٣٠٢).
وعن ابي حمزة الثمالي قال: قلت لابي عبد الله (ع) ان ابا جعفر (ع) كان يقول: "ان خروج السفياني من الامر المحتوم" فقال لي:
"نعم واختلاف ولد العباس من المحتوم، وقتل النفس الزكية من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم"(٣٠٣).
وسنقف في الموضوعات القادمة على مزيد من الروايات، فيها تفصيل وتوضيح اكثر حول حقيقة الصراع العباسي على الحكم في عصر الظهور، كما تبيّن تدخل القوات السفيانية والخراسانية لحسم الصراع العباسي على السلطة، واصطدام جيوشهما داخل الاراضي العراقية، مما يؤكد ان هذا الاختلاف من علامات سنة الظهور، وهو غير الاختلاف التاريخي الذي وقع بين خلفاء بني العباس في دولتهم الاولى.
صفات القادة العباسيين
نقل عن الامام علي (ع) رواية مفصلة يصف فيها اخلاق قائد الثورة العباسية في عصر الظهور هذا نصها:
"لا تقوم القيامة حتى تفقأ عين الدنيا وتظهر الحمرة في السماء، وتلك دموع حملة العرش على اهل الارض، حتى تظهر فيهم عصابة لا خلاق لهم، تظهر في سواد الكوفة، يقدمهم رجل أسود اللون والقلب، رث الدين لا خلاق له، مهجن زنيم عتلّ تداولته ايدي العواهر من الامهات..."(٣٠٤).
وروي عن الامام الصادق (ع) أنه قال: "كأني بالسفياني او بصاحب السفياني، قد طرح رحله في رحبتكم بالكوفة، فنادى مناديه: من جاء برأس شيعة علي فله الف درهم، فيثب الجار على جاره ويقول: هذا منهم، فيضرب عنقه ويأخذ الف درهم، اما ان امارتكم يومئذ لا تكون الا لأولاد البغايا، كأني انظر الى صاحب البرقع! فقالوا له: ومن صاحب البرقع؟، قال: رجل منكم يقول بقولكم، يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه، فيغمز بكم رجلا رجلا، اما انه لا يكون الا ابن بغي"(٣٠٥).
هذه هي حقيقة العباسيين الاخلاقية، حكام العراق في عصر الظهور، انهم من اصلاب اولاد البغايا، وارحام العواهر من الامهات، لا يتطهر من رذائلهم حتى قائد ثورتهم، الذي يتقدمهم في القيادة والحكم، بل هو قدوتهم في سواد قلبه وعدم اهتمامه بالاخرة، لأنه من اصل خبيث عتل زنيم رث الدين والاخلاق تداولته ايدي العواهر من الأمهات.
ان الحكم الذي تقوده جماعات من أولاد البغايا، من الطبيعي ان يكون قائما على اساس «الغش والالتباس» كما وصفه النبي (صلّى الله عليه وسلّم) وعلى «المكر والكذب والخداع»، كما وصفه الامام موسى بن جعفر (ع)، وليس غريبا عليه ان يقود المجتمع العراقي الى الفتنة الصماء العمياء المطبقة، التي يقتل فيها من كل عشرة تسعة، ما دامت دوافعه عدوانية واهدافه مغرضة شريرة، ومن هذا المنطلق وصف رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) رايتهم ودولتهم بالضلال، محذرا الامة من موالاتهم والسير في ركاب سياساتهم، او التورط في المشاركة بمخططاتهم فقال: "فمن مشى تحت راية من راياتهم، ادخله الله تعالى يوم القيامة نار جهنم".
معاركهم مع الموطئين
من الاحاديث التي يستدل بها على عودة الدولة العباسية الى العراق في آخر الزمان، دخولها في معارك طاحنة ضد دولة الموطئين في ايران، وهو ما يؤكد ايضا دورها السياسي المشبوه الموالي للغرب، وهي تواجه الصحوة الاسلامية في عصر الظهور، وبين ايدينا العديد من الروايات الصريحة بهذا الصدد اذكر هنا جملة منها:
روي عن امير المؤمنين (ع) انه قال: "ملك بني العباس عسر لا يسر فيه، لو اجتمع عليهم الترك والديلم، والسند والهند، والبربر والطيلسان، لن يزيلوه ولا يزالون في غضارة من ملكهم، حتى يشذ عنهم مواليهم واصحاب دولتهم، ويسلط الله عليهم علجا يخرج من حيث بدأ ملكهم، لا يمر بمدينة الا فتحها ولا ترفع له راية الا هدها ولا نعمة الا ازالها الويل لمن ناواه، فلا يزال كذلك حتى يظفر ويدفع بظفره الى رجل من عترتي يقول بالحق ويعمل به"(٣٠٦).
يقرر هذا الحديث صعوبة اسقاط ملك بني العباس والقضاء عليه، حتى لو اجتمعت شعوب العالم برمتها لإزالته فلن يزيلوه، نعم قد يذهب فترة من الزمن، ثم يعود ويتجدد في صورة اكثر حداثة وغضارة من العيش، ولكن لن يزول من الوجود نهائيا، إلا على يد الإيرانيين، الذين على اكتافهم قامت دولتهم الأولى ومنحوهم القوة والعزة والمجد منذ بداية خلافتهم، وان سقوط دولتهم العباسية في آخر الزمان لا بد أن يكون على أيديهم أيضا، بعد أن يمر المجتمع الإيراني عبر مراحل تاريخية ثلاثة:
الأولى: أن يكتشف الإيرانيون الحقيقة بأنفسهم ويتأكدوا أن العباسيين ليسوا أهل البيت، الذين نزلت فيهم آية التطهير، والذين دعا الوحي لمراعاة حقوقهم لقرابتهم من رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) كما يدعون، وهو ما يدفعهم للبحث عن منابع الإيمان والعلم والدين الأصيلة بمعزل عن المذاهب العباسية، الأمر الذي ينتهي بهم إلى التخلي عنهم، واعتناق مذهب أهل البيت، وقد أشار رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) إلى هذا المنعطف التاريخي من حياتهم بقوله: "لو كان العلم منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس"(٣٠٧).
الثانية: أن يقيم الإيرانيون المجاهدون دولة عقائدية في ضوء مبادئ أهل البيت، تحكم بلاد إيران من حيث بدا ملك بني العباس وتكون من أهدافها الدعوة إلى ولاية وإمامة أهل البيت والتمكين لدولة ولدهم المنتظر (ع)، وهي الدولة التي بشر بها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) في أحاديث الموطئين من المشرق.
الثالثة: أن تخوض دولة الموطئين معارك طاحنة، ضد دولة بني العباس المتجددة في عصر الظهور، تنتهي بسقوطها وازالتها من الوجود نهائيا على يد قائد الموطئين الذي يظفر وينتصر على العباسيين ويدفع بظفره ونتائج نصره إلى الإمام المنتظر (ع).
وقد أهتمت روايات عصر الظهور بتسليط الأضواء على المعارك التاريخية الحاسمة بين الموطئين والعباسيين نذكر هنا نموذجا منها:
ففي رواية: "ان القائم من ولد علي (ع)، له غيبة كغيبة يوسف ورجعة كرجعة عيسى بن مريم، ثم يظهر بعد غيبته مع طلوع النجم الاحمر،.. وخروج السفياني وحرب ولد العباس، مع فتيان ارمينية واذربيجان، تلك حرب يقتل فيها الوف والوف، كل يقبض على سيف محلى، تخفق عليه رايات سود، تلك حرب يشوبها الموت الاحمر والطاعون الاغبر"(٣٠٨).
وفي خطبة للامام علي (ع) جاء فيها: "فتن كقطع الليل المظلم، لا
تقوم لها قائمة ولا ترد لها راية.. تأتيكم مزمومة مرحولة، يحفزها قائدها ويجهدها راكبها، اهلها قوم شديد كلبهم قليل سلبهم، يجاهدهم في سبيل الله قوم اذلة عند المتكبرين في الارض مجهولون وفي السماء معروفون، فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله، لا رهج له ولا حس وسيبتلى اهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر"(٣٠٩).
هاتان الروايتان تخبران عن معركة واحدة، ممتدة على طول الحدود العراقية الإيرانية من الشمال إلى الجنوب، وأن هذه الجبهة على طول امتدادها يحكمها قرار عسكري واحد ذات نتائج واحدة سواء في الجنوب أو في الشمال وهو "الموت الأحمر والطاعون الأغبر" الذي يحل بجيوش بني العباس وبئس للظالمين بدلا.
وهناك رواية ثالثة مفصلة تحاول إعطاء المعالم العامة للدولة العباسية المتجددة في عصر الظهور، منذ انطلاقتها من بلاد العراق ودخولها في الحرب العدوانية ضد دولة الموطئين، وحتى سقوطها نهائيا واستئصالها على يد الفوارس الأبطال، من شيعة أهل البيت بقيادة قائد الموطئين للمهدي والرواية عن الإمام علي (ع) حيث قال:
"لا تقوم الساعة حتى تفقأ عين الدنيا وتظهر الحمرة في السماء، وتلك دموع حملة العرش على اهل الارض، حتى تظهر عصابة لا خلاق لهم.. أي يوم للمخبتين بين الانبار وهيت، وذلك يوم فيه صيلم الاكراد والشراة، وخراب دار الفراعنة ومسكن الجبابرة، ومأوى الولاة الظلمة وام البلاء واخت العاد [العار]، تلك ورب علي يا عمر بن سعد بغداد.. ان لبني العباس يوما كيوم الطموح، ولهم فيه صرخة كصرخة الحبلى، الويل لشيعة ولد العباس من الحرب التي تفتح بين نهاوند والدينور، تلك حرب صعاليك شيعة علي، يقدمهم رجل من همدان اسمه على اسم النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، منعوت موصوف باعتدال الخلق وحسن الخلق ونضارة اللون، له في صوته ضجاج وفي اشفاره وطف، وفي عنقه سطح، افرق الشعر مفلج الثنايا على فرسه كبدر تمام اذا تجلى عند الظلام، يسير بعصابة خير عصابة اوت وتقربت ودانت لله بدين تلك الابطال من العرب، الذين يلحقون حرب الكريهة، والديرة يومئذ على الاعداء، ان للعدو يوم ذاك الصيلم والاستئصال"(٣١٠).
وهذا الحديث من اهم الوثائق التاريخية الدالة على عودة الدولة العباسية الى الحكم مجددا في عصر الظهور، وتكون عاصمتها بغداد دار الفراعنة ومسكن الجبابرة...، وان من علاماتها ان تقود حربا عدوانية على دولة الموطئين في إيران بين مدينة نهاوند والدينور، حينما تكون ايران بقيادة رجال من شيعة علي (عليه السلام)، رجال اقوياء اشداء تدين لله تعالى بدين تلك الابطال من العرب الاوائل، يتقدمهم رجل اسمه على اسم النبي (صلّى الله عليه وسلّم) ومن صفاته انه "افرق الشعر مفلج الثنايا على فرسه كبدر تمام اذا تجلى عند الظلام".
وهذا القائد هو الثائر الحسني، المناصر للقائد الخراساني، لأن هذه الاوصاف لم تذكر في روايات الموطئين الا له، وما جاء في نهاية الحديث يؤكد ذلك لأنه قال "والديرة يومئذ على الاعداء، ان للعدو يوم ذاك الصيلم والاستئصال" وهو وصف دقيق لنهاية الدولة العباسية، على يد الثوار الموطئين بأمر القائد الخراساني وبقيادة السيد الحسني، اللذين يدخلان العراق سويا بعد سقوط الدولة العباسية، لمبايعة الامام المهدي (ع) وتسليمه راية الموطئين وقيادتهم، كما جاء النص على ذلك صريحا في الحديث النبوي: "كأني بالحسني والحسيني، وقد قاداها، فيسلماها، الى الحسيني فيبايعونه.."(٣١١) والحسيني الاول هو القائد الخراساني، والحسني هو الثائر المناصر للخراساني، والحسيني الثاني هو الامام المنتظر (ع)، والضمير في قاداها يعود الى الراية الموطئة.
حكم العباسيين قبل السفياني
من الروايات التي يستدل بها على عودة العباسيين للحكم في عصر الظهور قيام حكمهم في العراق قبل ظهور حكم السفياني، وان القوات السفيانية تشارك في اسقاط دولتهم، وقتل قياداتهم مما يؤكد ان المقصود من بني العباس في هذه الروايات، دولتهم الثانية المتجددة في آخر الزمان لا الاولى كما توهم أكثر الباحثين.
ففي سؤال الحسن بن الجهم للامام الرضا (ع) قال: اصلحك الله انهم يتحدثون ان السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس فقال: " كذبوا إنه ليقوم وان سلطانهم لقائم"(٣١٢).
وعن جابر الجعفي قال: سألت ابا جعفر الباقر (ع) عن السفياني فقال: "وانى لكم بالسفياني حتى يخرج قبله الشيصباني، يخرج في ارض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقعوا بعد ذلك السفياني، وخروج القائم"(٣١٣).
والشيصباني في الرواية الثانية كناية عن العباسي، استخدامها الامام الباقر (ع) هنا للتقية، خوفا من بني العباس الذين كانوا يخططون لاسقاط الدولة الاموية في عصره، وينددون بكل معارض لهم، وهاتان الروايتان صريحتان، في وجود الحكم العباسي قبل السفياني ومعاصرته له.
وعن عبد الله بن ابي يعفور قال: قال لي ابو جعفر الباقر (ع): "ان لولد العباس والمرواني لوقعة بقرقيسيا يشيب فيها الغلام الحزور، ويرفع الله عنهم النصر، ويوحي الى طير السماء وسباع الأرض [أن] اشبعي من لحوم الجبارين، ثم يخرج السفياني"(٣١٤).
وقرقيسيا منطقة سورية على مقربة من الحدود العراقية التركية، تقع فيها اكبر ملاحم ومعارك عصر الظهور على الاطلاق، وتكون في البداية بين الدولة العباسية في العراق والدولة المروانية في سوريا، ثم بعد خروج السفياني واسقاطه لدولة المرواني، تستمر هذه المعركة بين قوات السفياني والقوات العباسية، كما تشترك فيها اطراف دولية ومحلية اخرى، حتى تصبح فيها لحوم الجبارين والطواغيت مائدة لسباع الارض وطيور السماء.
نهاية الدولة العباسية
تنتهي دولة العباسيين في عصر الظهور بعاملين اساسيين
(الاول): هلاك اكبر طواغيتهم واقواهم في السلطة واسمه عبد الله، وهلاكه من أهم علامات انهيار دولتهم.
(الثاني): وقوع صراع سياسي على السلطة، بعد موت طاغيتهم عبد الله، ويكون هذا الصراع بقيادة اكبر حزبين اسلاميين مواليين لبني العباس..
ولنقرأ تفاصيل هذه الأحداث، في ضوء الروايات التي دلت على موت ملكهم، ووقوع الصراع على السلطة بين قياداتهم واحزابهم على أثر ذلك.
عن محمد بن الصلت قال قلت لأبي عبد الله (ع) ما من علامة بين يدي هذا الامر؟ فقال: "بلى قلت ما هي: قال: هلاك العباسي، وخروج السفياني، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء، والصوت من السماء.."(٣١٥).
وعن عمرو بن ابي المقدام، عن ابي جعفر (ع) قال: "يموت سفيه من آل العباس بالسرّ، يكون سبب موته أنه ينكح خصيا فيذبحه، ويكتم موته اربعين يوما، فإذا سارت الركبان في طلب الخصيّ، لم يرجع اوّل من يخرج الى آخر من يخرج حتى يذهب ملكهم"(٣١٦).
وعن ابي بصير عن ابي عبد الله (ع) قال: "بينما الناس بعرفات اذا اتاهم راكب على ناقة ذعلبة، يخبرهم بموت خليفة يكون عند موته فرج آل محمد-صلى الله عليه وعليهم-و فرج الناس جميعا..."(٣١٧).
عن ابي بصير أيضا قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: "من يضمن لي موت عبد الله اضمن له القائم ثم قال: اذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على احد، ولم يتناه هذا الامر دون صاحبكم ان شاء الله، ويذهب ملك السنين، ويصير ملك الشهور والايام"(٣١٨).
وقد حاول مؤلف كتاب عصر الظهور، ان يطبق روايات موت عبد الله على ملك الحجاز في احداث الظهور، ولكن ليس في روايات الدولة القرشية في الحجاز ما يدل على ذلك، نعم لعل المؤلف نظر الى الواقع السياسي المعاصر لدولة الحجاز، وجعله قرينة على فهم الروايات، ولكن هذا اجتهاد في تطبيق الروايات وليس في فهمها.
اما روايات اختلاف بني العباس على السلطة فكثيرة جدا وقد ورد بعضها باسانيد صحيحة معتبرة، وهذه جملة منها: عن اسحاق بن عمار عن ابي عبد الله (ع) قال: "لا ترون ما تحبون حتى يختلف بنو فلان فيما بينهم، فإذا اختلفوا طمع الناس فيهم وتفرقت الكلمة وخرج السفياني"(٣١٩).
وعن ابي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) كان ابو جعفر (ع) يقول:
"لقائم آل محمد غيبتان، إحداهما اطول من الاخرى فقال: نعم ولا يكون ذلك حتى يختلف سيف بني فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، يلجأون فيه الى حرم الله وحرم رسوله (صلّى الله عليه وسلّم)"(٣٢٠).
وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبد الله (ع) متى فرج شيعتكم؟ قال: "اذا اختلف ولد العباس، ووهى سلطانهم، وطمح فيهم من لم يكن يطمح فيهم.."(٣٢١) ثم ذكر ظهور السفياني واليماني.
وتذكر بعض الروايات وقوع اختلاف واقتتال بين الحزبين العباسيين على السلطة في عصر الظهور، ويكون محور قتالهم بين الكوفة والحيرة، وقد صرح بذلك الامام الباقر (ع) في حديثه لجابر فقال: "يا جابر لا يظهر القائم حتى يشمل الناس بالشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه، ويكون قتال بين الكوفة والحيرة، قتلاهم على سواء وينادي مناد من السماء"(٣٢٢).
وفتنة الاقتتال بين الحزبين العراقيين الموالين لبني العباس، من اكبر عوامل اضعاف دولتهم بعد موت ملكهم عبد الله، وعلى أعقابها تدخل عليهم جيوش السفياني من المغرب وجيوش الخراساني من المشرق، كل يريد ان يقتل اعداءه ويحمي اولياءه، وحينئذ تصبح العراق مسرحا لحروب طاحنة بين السفياني والموطئين. كما صرحت بذلك رواية ابي بكر الحضرمي عن ابي جعفر الباقر (ع) انه سمعه يقول: "لا بد ان يملك بنو العباس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت امرهم، خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان الى الكوفة كفرسي رهان، هذا من ههنا وهذا من ههنا، حتى يكون هلاكهم على ايديهما، اما انهما لا يبقون منهم احدا ابدا"(٣٢٣).
وفي رواية ابي بصير عن الامام الباقر (ع) قال: "ثم يتملك بنو العباس، فلا يزالون في عنفوان من الملك وغضارة من العيش، حتى يختلفوا فيما بينهم، فاذا اختلفوا ذهب ملكهم، واختلف اهل المشرق واهل المغرب"(٣٢٤).
والمقصود بأهل المشرق جماعة الخراساني، وبأهل المغرب جماعة السفياني، وروايات تسابق الجيوش الخراسانية والسفيانية إلى العراق، وسقوط الدولة العباسية على أيديهما في عصر الظهور، مستفيضة وأسانيدها قوية معتبرة، وهي وحدها كافية لإثبات حتمية تجدد الحكم العباسي في آخر الزمان، وسيطرته على بلاد العراق في عصر الظهور.

الدولة المغربية في عصر الظهور

تظهر الدولة المغربية في المغرب العربي، من دون ان تحدد الروايات موقعها الجغرافي بشكل دقيق، ويكون حكمها في الفترة التاريخية الواقعة بعد قيام ثورة الموطئين وظهور السفياني، كما هو صريح رواية عمار بن ياسر التي تقول: "يخرج اهل المغرب فينحدرون الى مصر، فإذا دخلوا فتلك امارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد"(٣٢٥).
وهدف دخول جيوش المغاربة الى مصر، هو محاولة تصفية رجال الثورة الاسلامية التي تعم مصر في عصر الظهور، والارجح ان مبرر دخولهم نتيجة تحالفات عسكرية بينهم وبين الحكم المصري الظالم. فإذا دخلوا الى مصر خرج السفياني بثورثه في بلاد الشام، ولكن قبل خروجه تكون جيوش الرايات الموطئة للمهدي (ع)، قد انهت معاركها مع اليهود وتمركزت في فلسطين.
وتذكر بعض الروايات أن قائد الدولة المغربية اسمه عبد الله بن عبد الرحمن، يلقب نفسه بأمير المؤمنين، ويحاول اخضاع الدول العربية كلها لنفوذه السياسي، ويرفع جيشه الوية صفراء.
دور المغاربة في معركة تحرير القدس
مر معنا في الكلام حول راية الموطئين، ان من اهم أهدافها الجهادية هو تحرير القدس من اليهود المغتصبين، وانها حتما ستحقق هذا الهدف ويدخل مجاهدوها فلسطين فاتحين، بالرغم مما يواجهونه من تحالفات محلية ودولية ضدهم. وتعتبر دولة المغاربة من الدول العربية المتحالفة ضدهم كما تنص روايات عصر الظهور.
ففي الرواية أنه: "اذا اقبلت الرايات السود من المشرق، والرايات الصفر من المغرب، حتى يلتقوا في سرة الشام-يعني دمشق-فهنالك البلاء، هنالك البلاء"(٣٢٦).
وفي رواية تقول "ان صاحب المغرب وبني مروان، وقضاعة، تجتمع على الرايات السود، في بطن الشام"(٣٢٧).
وفي رواية ثالثة "اذا اقبلت فتنة من المشرق، وفتنة من المغرب، فالتقوا ببطن الشام، فبطن الارض يومئذ خير من ظهرها"(٣٢٨).
وصاحب المغرب في هذا الحديث، هو قائد الرايات الصفر المغربية، وبنو مروان حكام سوريا قبل السفياني، وقضاعة من قبائل عرب الجنوب الكبيرة، واشهر فروعها جهينة وكلب المناصرتان للسفياني، اما الرايات السود المشرقية، فهي رايات الموطئين الزاحفة نحو فلسطين لتحريرها من اليهود المغتصبين وهي المعنية في الحديث النبوي: "إنها رايات هدى... فمن سمع بها فليأتها ولو حبوا على الثلج".
وهذه القوات العربية تجتمع متحالفة في بلاد الشام، لصد القوات الايرانية الزاحفة نحو فلسطين، ولكن قوات المغاربة اكثرها حقدا واشدها شراسة عليهم، كما يوحي بذلك سياق الاحاديث.
وفي رواية عن الإمام علي (ع) أنه قال: ".. فانظروا الى اصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتى تحل بالشام، وعند ذلك الجزع الاكبر والموت الاحمر.. فاذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي"(٣٢٩).
وليس للرايات الصفر المغربية الزاحفة نحو الشام في عصر الظهور، من هدف آخر غير تنفيذ تحالفها مع الدول العربية المعارضة للتدخل الايراني في قضية فلسطين، ولكن كل هذه القوى المحلية والعالمية المتحالفة مع اليهود، مهما تعاظمت قوتها لا تثني عزم المجاهدين الإيرانيين ولا تقف حائلا امام زحفهم نحو القدس، "فلا يلقاهم احد الا هزموه، وغلبوا على ما في ايديهم، حتى تقرب راياتهم بيت المقدس»(٣٣٠) وفي رواية.. «فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء»(٣٣١) إنه جيش الانتقام الإلهي الذي وصفه النبي بقوله: "لو قاتل الجبال لهدها واتخذ منها طرقا حتى ينزل إيلياء"(٣٣٢).
وهناك رواية تشير الى استمرار القتال بين القوات العربية والايرانية سبعة اشهر داخل فلسطين، تنتهي بانكسار القوات الإيرانية، ولكنها لن تنسحب من فلسطين، ثم يقع الاختلاف بين الجيوش العربية، وعلى اثره يظهر السفياني في دمشق ويعلن ثورته ويبسط نفوذه السياسي على بلاد الشام كلها، ويكون همه الأول قتال الإيرانيين وإخراجهم من فلسطين، وهذا هو نص الرواية:
"اذا اختلف اصحاب الرايات السود فيما بينهم، اتاهم اصحاب الرايات الصفر، فيجتمعون في قنطرة اهل مصر، فيقتتل أهل المشرق وأهل المغرب سبعا، ثم تكون الديرة على أهل المشرق، حتى ينزلوا الرملة، فتقع بين أهل الشام وأهل المغرب شيء، [اختلاف] فيغضب أهل المغرب، فيقولون اننا جئنا لننصركم، ثم تفعلون ما تفعلون [بنا]، والله لنخلين بينكم وبين أهل المشرق فينهبونكم-لقلة أهل الشام يومئذ في اعينهم-ثم يخرج السفياني ويتبعه أهل الشام فيقاتل اهل المشرق"(٣٣٣).
ظاهر هذا الحديث ان قوات الايرانيين تحرر فلسطين كلها قبل ظهور السفياني، لأننا نشاهدها-في هذا النص-تارة تقاتل جيوش المغاربة على قناة السويس "قنطرة اهل مصر" وهو الطريق الذي تسلكه قوات المغاربة للدخول الى فلسطين، وتارة اخرى نشاهدها تقاتلهم في عمق فلسطين في منطقة الرملة التي تقع شمال شرقي القدس.
ولا نعلم لماذا تختلف الجيوش العربية الشامية مع جيوش المغاربة الحليفة لها، ومن الملفت للانتباه في هذا الاختلاف، تهديد قادة المغاربة للجيوش العربية بالانسحاب من المعركة والتخلي عن نصرتهم، وتركهم ضعفاء لقلتهم امام حشد القوات الايرانية الكبير، كما تصرح هذه الرواية، وفي ذلك دلالتان:
(الاولى) ان القوات العربية المغربية لها الثقل الاكبر في هذه المعركة ضد الايرانيين، وهذا ما يمكن استظهاره بسهوله من سياق الروايات ومضمونها.
(الثانية) ان الجيوش الايرانية اكثر عددا من القوات العربية الامر الذي يهدد به قادة المغاربة الدول العربية بعد اختلافهم معهم، فيقولون لهم "لنخلين بينكم وبين أهل المشرق فينهبونكم لقلة أهل الشام يومئذ باعينهم".
وكثرة الجيوش الايرانية وتفوقها في العدة والعدد على جيوش الدول العربية في عصر الظهور، وفي معركة تحرير القدس بالخصوص، أمر صرحت به الاحاديث النبوية، ففي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال: "اذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي، هم اكرم [من] العرب فرسا واجود سلاحا، يؤيد الله بهم الدين"(٣٣٤) وفي لفظ آخر قال "اذا وقعت الملاحم خرج بعث من الموالي من دمشق..."(٣٣٥) ثم يتفق مع الحديث السابق في نهاية ألفاظه.
إنها راية ضلال
وضعت المغيبات المعنية بأوصاف أحداث عصر الظهور، مقياسا واحدا لمعرفة رايات الهدى من رايات الضلال في هذا العصر، وهو مدى ولائها والتزامها بالرؤية السياسية والموقف الجهادي الذي تتبناه دولة الموطئين، باعتبارها تمثل خط هدى في عصر الظهور، والحكم على الراية المغربية
بالضلال، ينطلق من هذا المقياس لأنها في الجبهة السياسية المعادية لراية الموطئين في معركة تحرير فلسطين، ولذلك وصفت الروايات حاكمها بانه "شر من ملك"(٣٣٦) وفي رواية "الويل لمن يقتل تحت لوائه مصيره الى النار"(٣٣٧).
والحكم على الراية المغربية بالضلال، يضعها إلى جانب الراية العباسية، التي وصفها رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) أيضا بقوله "انها ستخرج رايتان لبني العباس.. فمن مشى تحت راية من راياتهم ادخله الله تعالى يوم القيامة نار جهنم"(٣٣٨).
انه حكم الهي واحد صادر بحق جميع رايات الضلال في عصر الظهور، سواء أكانت دول اسلامية ام تنظيمات واحزاب دينية، فكل راية تعلن عداءها لولاية الموطئين ومرجعيتهم ونهجهم الالهي فهي راية ضلال، لأن الله تعالى لم يترك الامة في الظروف العصيبة، واجواء الفتنة والبلاء تتقاذفها التيارات والاهواء، من دون ان يحدد تكليفها الشرعي، ويعين لها نهج الحق وراية الهدى، والقائد القدوة الذي تأوي اليه وتهتدي بنهجه.
وقد شكك فضيلة الشيخ علي الكوراني في كتابه عصر الظهور، بمدى صحة اخبار الرايات المغربية العربية، واحتمل انطباقها على دولة بني امية في الاندلس، كما احتمل كونها موضوعة نتيجة المصراع بين الفاطميين والامويين، او بين العباسيين والامويين. وفي الواقع إن هذه الاحتمالات غير صحيحة، لعدم صمودها امام الروايات الكثيرة الدالة على معاصرة الراية المغربية لراية الموطئين وللحكم السفياني، بالإضافة إلى ارتباط احداثها ومعاركها وتحالفاتها بمعارك عصر الظهور وأحداثه.

الدولة السفيانية في عصر الظهور

وعاصمتها دمشق، ولكن يمتد نفوذها السياسي، فتشمل بلاد الشام كلها، أي تحكم سوريا ولبنان، والاردن، وفلسطين، لأن مفهوم بلاد الشام في جغرافية العالم الإسلامي القديمة يشمل هذه البلدان كلها.
اسم قائدها ونسبه
هو رجل اموي النسب، ويسمى السفياني لانتسابه الى ذرية ابي سفيان الاموي، اما اسمه الاصغر، فقد اختلفت الروايات فيه، فقيل اسمه "حرب بن عنبسة"(٣٣٩) وقيل "معاوية بن عتبة"(٣٤٠) وقيل"عروة بن محمد السفياني"(٣٤١) وقيل "عتبة بن هند"(٣٤٢) وقيل "عبد الله بن يزيد"(٣٤٣) وقيل "عثمان وابوه عيينة"(٣٤٤) وفي رواية "عثمان بن عنبسة"(٣٤٥) وهذا الاسم الاخير، هو اشهر اسمائه بين الناس، وليس في الروايات.
صفاته
هو رجل مربوع القامة، دقيق الوجه، جهوري الصوت، طويل الانف، اخوص العين، بعينه اليمنى نكتة بيضاء من يراه يحسبه اعور، ضخم الهامة بوجهه آثار جدري، وهو المشوه الملعون الذي وصفه الامام علي (ع) في رسالة بعثها الى معاوية بقوله:
"وان رجلا من ولدك، مشؤوم ملعون جلف جاف، منكوس القلب فظ غليظ، قد نزع الله من قلبه الرحمة والرأفة، اخواله من كلب، كأني انظر اليه ولو شئت لسميته ووصفته"(٣٤٦).
وتطلق عليه بعض الروايات ابن اكلة الاكباد، نسبة الى جدته هند زوجة ابي سفيان، التي لاكت كبد حمزة عم النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، بعد شهادته في معركة احد.
مركز حركته
تنص اكثر الروايات على خروجه من الوادي اليابس في الاردن، وان دمشق مركز حركته السياسية، ثم يمتد نفوذه الى بلاد الشام كلها، بما فيها الاردن وفلسطين ولبنان، فعن الامام علي (ع) في حديث طويل قال: "فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الاكباد من الوادي اليابس حتى يستوي على منبر دمشق"(٣٤٧) وفي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) انه قال "فبينما هم كذلك اذا خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق.."(٣٤٨).
وقد وصف الامام علي (ع) جانبا من مخطط حركته فقال: "فتجتمع رؤساء الشام وفلسطين فيقولون، اطلبوا ملك الاوّل، فيطلبونه-يعني السفياني-فيوافونه في دمشق بموضع يقال لها حرستا، فاذا احس بهم هرب الى اخواله كلب، وذلك ادعاء منه، ويكون بالوادي اليابس عدة عديدة،..
فما يبرح حتى يجتمع الناس اليه، وتتلاحق به أهل الضغائن فيكون في خمسين الفا، ثم يبعث إلى [قبائل] كلب فيأتيه منهم مثل السيل"(٣٤٩).
وتتفق الروايات على ان اكثر جيوش السفياني تتألف من عشيرة كلب ذات الاصول النصرانية.
دوره السياسي
يقال ان الكتاب يقرأ من عنوانه، واوّل عنوان لانطلاقة حركة السفياني يكشف حقيقة دوره السياسي المشبوه، وقد جاء هذا العنوان في رواية للشيخ الطوسي تقول "يقبل السفياني من بلاد الروم متنصرا، في عنقه صليب وهو صاحب الروم"(٣٥٠).
ويؤكد حقيقة الدور السياسي المشبوه للسفياني، آخر عنوان لحركته وهي في نهايتها، على ما وصفها الامام الباقر (ع) بقوله:
"اذا قام القائم وبعث الى بني امية بالشام هربوا الى الروم، فيقول لهم الروم لا ندخلكم حتى تتنصروا، فيعلقون في اعناقهم الصلبان ويدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم اصحاب القائم، طلبوا الامان والصلح فيقول اصحاب القائم، لا نفعل حتى تدفعوا الينا من هرب قبلكم منا، قال فيدفعونهم اليهم"(٣٥١) ثم يضربون اعناقهم.
وهكذا تبدو الحكاية واضحة جلية بكل حقائقها التاريخية، فمنذ سقوط دولة الخلافة الإسلامية، بدأت صليبية الاستكبار العالمي تسعى للسيطرة على ثروات العالم الإسلامي وتراثه العريق الثمين، واستعباد شعوبه وإقصاء الإسلام من حياتها، وما لم تتمكن من تحقيقه وإنجازه من مؤامرات ضد أمتنا الإسلامية، تسعى لتحقيقه عبر عملائها من حكام العرب والمسلمين الخونة، ولم تكن حركة السفياني إلا حلقة من هذا المسلسل الخياني التآمري الدولي الدامي، من تاريخ أمتنا الإسلامية كما هو واضح الأهداف من العنوان الأول والأخير لحركته ذات الأهداف الصليبية.
مؤامراته على الامة
لا نريد في هذا الكتاب المختصر ان نتناول جميع جرائم السفياني ومؤامراته على الاسلام والامة منذ انطلاق حركته حتى نهايتها. بل غرضنا ان نقدم صورة عامة عنه، نركز فيها على اهم جرائمه ومؤامراته وهي اربعة:
اولا: محاولة سحق الثورة الاسلامية في مصر.
ثانيا: محاولة ابادة اتباع اهل البيت (ع) في العراق خاصة.
ثالثا: محاولة اسقاط دولة الموطئين في إيران.
رابعا: محاولة القضاء على الثورة المهدوية في مكة.
محاولة سحق الثورة الاسلامية في مصر
من يقرأ علامات الظهور بعمق وشمول، يشعر بوجود عاصفة قوية لثورة اسلامية اصولية، تجتاح بلاد مصر كلها في عصر الظهور، وهو امر ليس غريبا على مجتمع حر عظيم معروف بفطرته الاسلامية العريقة، وكان له دور كبير وخطير جدا في نشر معارف الاسلام وثقافته وتعاليمه في جميع شعوب العالم، ولا زال هذا الشعب الواعي الحي حتى اليوم يعطي ويقدم ويضحي من اجل الاسلام، ويمثل احد قلاعه الشامخة في الدعوة الى الله ونشر رسالته، ولا عجب ان يختاره الله تعالى كأحد الحواضر الاسلامية، التي ستشارك في قيادة الدولة الاسلامية العالمية، بثلاثين وزيرا من وزرائها في دولة الامام المهدي العالمية، وهم من نجباء مصر واشرافها كما عبرت عنهم اخبار عصر الظهور.
ومن خلال ما توحي به حركة نجباء مصر الاصولية في عصر الظهور، وفي ضوء الاخبار الغيبية التي تتحدث عن ثائر مصري يخرج قبل السفياني معاصر لثورة اليماني، كالخبر الذي يقول "يخرج قبل السفياني مصري ويماني"(٣٥٢). وبعد مطالعة عدد من الروايات التي تكشف عن احداث ثورة اسلامية اصولية تقع في مصر في عصر الظهور كالرواية التي تقول:
"سيكون في مصر رجل من قريش اخنس يلي سلطانا، ثم يغلب عليه او ينتزع منه، فيفر الى الروم، فيأتي الاسكندرية، فيقاتل اهل الاسلام وذلك اول الملاحم"(٣٥٣).
وبعد جمع كل هذه المعطيات-و هي كثيرة لم نذكرها كلها هنا- يمكن ان نفهم من اخبار عصر الظهور واحداثه الخاصة بمصر، ان هناك بوادر ثورة اسلامية اصولية عظيمة، تبلغ ذورتها في النصر والظفر، حينما تتحول من موقع الدفاع الى موقع الهجوم وتطيح بطاغية مصر، وتحاول اسقاط نظامه السياسي الظالم، وتذكر الروايات ان طاغية مصر المخلوع يلجأ الى اولياء نعمته واسياده من جبابرة الكفر، ويحتمي بهم فيأتي بجيوشهم فيقاتل اهل الاسلام على سواحل الاسكندرية، وهذه هي اول الملاحم الدامية بين اهل الاسلام واهل الكفر في عصر الظهور.
وظاهر الامر ان الجيوش الكافرة على العادة، لا تقوى على الصمود والمقاومة امام قوة اهل التوحيد وشدة بأسهم، وهي حقيقة يعرفها التاريخ وتعيها ذاكرة الاوروبيين جيدا. فلا بد من ايكال مهمة سحق الثورة الاسلامية في مصر، الى عميل خبير في ممارسة البطش والإجرام مع اهل الايمان من حكام العرب الخونة، ليؤدي هذا الدور الخبيث بالوكالة عن اسياده على اكمل وجه على ارض الاسلام في بلاد مصر، وهل في عصر الظهور من هو اكثر حقدا وغيضا على الاسلام، واكثر لؤما واجراما على المسلمين من الطاغية السفياني، لنترك الكلام لحذيفة بن اليمان الصحابي المتخصص في اخبار الملاحم والفتن، ليصف لنا بطش السفياني بأهل مصر وظلمه لهم فيقول:
"اذا دخل السفياني ارض مصر اقام فيها اربعة اشهر، يقتل ويسبي اهلها فيومئذ تقوم النائحات باكية تبكي على استحلال فرجها، وباكية تبكي على قتل اولادها، وباكية تبكي على ذلها بعد عزها، وباكية تبكي شوقا الى قبورها"(٣٥٤).
انها قمة المأساة، لأنها صورة عن ملحمة ومجزرة دموية رهيبة، لا تعرف معاني الرحمة والشفقة، وليس فيها ذرة من الانسانية، فالثائر المجاهد وزوجته وعياله واطفاله، امه ابوه كلهم محكوم عليهم بالفناء والاعدام، وهكذا عودنا العميل الوكيل ان يكون دائما اشد قسوة وبطشأ على ابناء وطنه ودينه من سيده الاصيل.
ويعكس لنا حديث محمد بن الحنفية صورة اخرى عن جرائم السفياني على ارض النيل العزيزة فيقول "اذا ظهر السفياني على الابقع ودخل مصر فعند ذلك خراب مصر"(٣٥٥).
انها كلمات موجزة عن حرب ابادة شاملة لشعب بأكمله، ليس له ذنب سوى انه قال ربنا الله، فيحكم عليه بالاعدام وعلى بلده بالخراب والدمار، وعلى ابنائه بالقتل والسبي كما تسبى امم الكفر، وهذا ما نطقت به احدى الروايات التي تقول "اذا ملك رجل اهل الشام، وآخر مصر، فاقتتل الشامي والمصري، وسبى اهل الشام قبائل من مصر، واقبل رجل من المشرق برايات سود صغار، قبل صاحب الشام، فهو الذي يؤدي الطاعة الى المهدي"(٣٥٦).
فهذه الرواية صريحة على بقاء الثائر المصري حيا على رأس حركته وثورته الاسلامية الاصولية حتى ظهور السفياني، وان القوات الكافرة بأساطيلها وجيوشها لا تتمكن من القضاء عليه واخماد ثورته، حتى يأتي عميلها السفياني فيزحف الى مصر ويدخل مباشرة بجيوشه الغادرة لسحق ثورته ومحاولة القضاء عليها.
وكل هذه الاحداث تزدحم في عصر الظهور، عصر عودة الاسلام الى قيادة الحياة بفضل ثورة الموطئين للمهدي في ايران التي اشار اليها الحديث بقوله "واقبل رجل من المشرق برايات سود صغار، قبل صاحب الشام، فهو الذي يؤدي الطاعة الى المهدي"(٣٥٧). واصحاب هذه الرايات السود المجاهدون الابطال، هم وحدهم الذين يلقنون السفياني درسا بليغا لن تنساه الأمة في تاريخها الجهادي.
محاولة ابادة اتباع اهل البيت
تتفق روايات الفريقين على ان اوسع قاعدة جماهيرية للامام المهدي (ع) هم اتباع اهل البيت في ايران والعراق، وقد جاء الخبر في مصادر الشيعة والسنة ان الكوفة هي عاصمة الدولة المهدوية العالمية، وان اسعد الناس بثورة الامام المهدي هم اهل الكوفة، واذا كان الامر كذلك لا بد ان تأخذ حركة السفياني العملية للكفر بعين الاعتبار بهذه الحقيقة الغيبة، في مخططها السياسي المعادي للثورة المهدوية، المرسوم سلفا من مخابرات الاستكبار العالمية للقضاء عليها، ومن هذا المنطلق تكون من اولويات المهمة السفيانية ابادة اتباع أهل البيت، ليس في العراق فحسب بل اينما وجدوا، لكنه يبدأ اولا بالعراق كما جاءت الرواية "ليس له همة إلا أهل المشرق"(٣٥٨) أي شيعة العراق وايران.
وفي رواية معتبرة عن الامام الصادق (ع) انه قال: "كأني بالسفياني قد طرح رحله في رحبتكم في الكوفة فنادى مناديه من جاء برأس [من] شيعة علي فله الف درهم، فيثب الجار على جاره ويقول هذا منهم فيضرب عنقه ويأخذ الف درهم، اما ان امارتكم يومئذ لا تكون الا لأولاد البغايا..
وكأني انظر الى صاحب البرقع قلت: من صاحب البرقع؟ قال: رجل منكم يقول بقولكم يلبس البرقع فيحوشكم فيعرفكم ولا تعرفونه فيغمز بكم رجلا رجلا.. اما انه لا يكون الا ابن بغي"(٣٥٩).
ثم يشن السفياني حربا من العراق على اتباع اهل البيت في ايران، سنتحدث عنها لاحقا... ومن العراق يبعث-ايضا. جيشا جرارا الى بلاد الحجاز ليس له الا هدف واحد، وهو البحث عن اتباع أهل البيت وشيعتهم في المدينة وغيرها، فاذا استعصى عليه معرفتهم امر جيشه بنصب الحواجز على الطرقات، للنظر في هويات واسماء المارة، فمن كان من الموالين لأهل البيت اخذه وقتله، ذكرا كان او انثى، صغيرا كان او كبيرا.
وروي عن الامام علي (ع) انه قال: "يكتب السفياني الى الذي دخل الكوفة بخيله بعدما يعركها عرك الاديم، يأمره بالسير الى الحجاز فيسير الى المدينة، فيضع السيف في قريش فيقتل منهم ومن الانصار اربع مائة رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان، ويقتل اخوين من قريش رجلا واخته يقال لهما محمد وفاطمة ويصلبهما على باب المسجد بالمدينة"(٣٦٠).
اما في بلاد الشام وفي لبنان خاصة، فتختلف حسابات السفياني مع شيعة اهل البيت عن غيرهم من الشيعة في الدول العربية الاخرى، لأنهم في حصن حصين من فتنته وجبروته، بما لهم من مكانة عسكرية مهيبة، وثقل سياسي مكين، ووزن عالمي رصين بفضل حركة المقاومين الابدال الجهادية، وقد ثبت في الصحيح من الروايات سيطرة السلطة السفيانية على بلاد الشام كلها باستثناء اتباع اهل البيت كما جاء ذلك صريحا عن الامام الصادق (ع) قال: "فينقاد له اهل الشام الا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه"(٣٦١).
وظاهر الروايات المستفيضة ان الشيعة في عصر الظهور على قسمين:
اتباع الحق والهدى، واتباع الزيغ والاهواء والضلال. وان المراد بالمقيمين على الحق في هذه الرواية ليس كل موال لأهل البيت وإنما اتباع رايات الحق فقط، وهم اتباع راية الموطئين الموصوفين بأنهم "دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون الى دين الله"(٣٦٢) واتباع اليماني الذي دعا الامام الصادق (ع) الى الالتفاف حول رايته بقوله: "لا يحل لمسلم ان يلتوي عليه.. لانه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم"(٣٦٣) ويعتبر نجباء مصر وعصائب العراق وابدال الشام من المقيمين على الحق لأنهم من الأتباع المخلصين للخراساني واليماني.
وهناك رواية معتبرة تشير الى وجود راية شيعية في بلاد الشام، تتزعم حركة سياسية منظمة يقودها سيد حسني من احفاد الامام الحسن الكوفة بخيله بعدما يعركها عرك الاديم، يأمره بالسير الى الحجاز فيسير الى المدينة، فيضع السيف في قريش فيقتل منهم ومن الانصار اربع مائة رجل، ويبقر البطون، ويقتل الولدان، ويقتل اخوين من قريش رجلا واخته يقال لهما محمد وفاطمة ويصلبهما على باب المسجد بالمدينة"(٣٦٤).
اما في بلاد الشام وفي لبنان خاصة، فتختلف حسابات السفياني مع شيعة اهل البيت عن غيرهم من الشيعة في الدول العربية الاخرى، لأنهم في حصن حصين من فتنته وجبروته، بما لهم من مكانة عسكرية مهيبة، وثقل سياسي مكين، ووزن عالمي رصين بفضل حركة المقاومين الابدال الجهادية، وقد ثبت في الصحيح من الروايات سيطرة السلطة السفيانية على بلاد الشام كلها باستثناء اتباع اهل البيت كما جاء ذلك صريحا عن الامام الصادق (ع) قال: "فينقاد له اهل الشام الا طوائف من المقيمين على الحق يعصمهم الله من الخروج معه"(٣٦٥).
وظاهر الروايات المستفيضة ان الشيعة في عصر الظهور على قسمين:
اتباع الحق والهدى، واتباع الزيغ والاهواء والضلال. وان المراد بالمقيمين على الحق في هذه الرواية ليس كل موال لأهل البيت وإنما اتباع رايات الحق فقط، وهم اتباع راية الموطئين الموصوفين بأنهم "دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون الى دين الله"(٣٦٦) واتباع اليماني الذي دعا الامام الصادق (ع) الى الالتفاف حول رايته بقوله: "لا يحل لمسلم ان يلتوي عليه.. لانه يدعو الى الحق والى طريق مستقيم"(٣٦٧) ويعتبر نجباء مصر وعصائب العراق وابدال الشام من المقيمين على الحق لأنهم من الأتباع المخلصين للخراساني واليماني.
وهناك رواية معتبرة تشير الى وجود راية شيعية في بلاد الشام، تتزعم حركة سياسية منظمة يقودها سيد حسني من احفاد الامام الحسن هو ما عنيناه من عصمتهم الخارجية ذات المقومات الموضوعية.
وهذا دليل آخر على ان راية القائد الحسني التي يسحقها السفياني في بلاد الشام، راية ضلال لانها لم تتحرك في تجربتها السياسية والعقائدية تحت راية الحق والهدى الواجبة الطاعة، ولهذا لم تحصن بمقومات العصمة الموضوعية التي تؤهلها للصمود والثبات امام طاحونة السفياني ومحدلته، التي لا ترحم كل من يرفع رأسه لمعارضتها وخاصة من يشم منه رائحة التشيع والولاء لأهل البيت.
محاولة اسقاط دولة الموطئين
محاولة اسقاط الكيان السياسي لثورة الموطئين، مطلب دول الكفر العالمية تسعى الى تحقيقه منذ بزوغ فجر الثورة، وستبقى تحلم بتحقيقه باذلة قصارى ما تملك من خبرات وطاقات بشرية ومادية وتكنولوجية متطورة، الى ان يفاجئها الله بظهور الامام المنتظر (ع)، من دون ان تحقق أي شيء يذكر من حلمها الموهوم.
وبعد فشل العباسيين في محاصرة الموطئين، وعدم قدرتهم في الوقوف سدا منيعا بوجه زحفهم الجهادي نحو تحرير فلسطين، تلجأ دول الكفر العالمية لتنفيذ المشروع الصليبي السفياني البديل عن المشروع العباسي، لعلها تحمي الاقلية اليهودية في فلسطين، بعد تحريرها من قبل المجاهدين الايرانيين وحلفائهم المقاومين الابدال، ولهذا فان اول مشروع ينفذه السفياني، هو اخراج المجاهدين الايرانيين من فلسطين كما تقول الرواية "يبايع السفاني اهل الشام، فيقاتل اهل المشرق، فيهزمهم من فلسطين"(٣٦٨).
ان الجيش العربي الوحيد القادر على مواجهة الايرانيين واخراجهم من فلسطين هو جيش السفياني، بما يتمتع به من قوة عسكرية كبيرة وقدرات حربية متطورة، بسبب اشتراك عدد كبير من الجيوش العربية معه بالاضافة الى ما يلاقيه من دعم عالمي مطلق من دول الكفر والشرك.
ان اعلان الحرب العربية على الايرانيين قتلة اليهود وحماة فلسطين بقرار عربي خياني بقيادة السفياني، يعود بنا الى ذكريات الموقف النبوي يوم كان يتحدث مع صحابته حول المستقبل الجهادي لقوم سلمان، في ضوء حركة الاستبدال المشار اليها في القرآن الكريم، فكان مما قال لهم بهذا الشأن "ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدءا"(٣٦٩) وهذا ما سيقع فعلا في هذه المعركة التاريخية الخيانية المشهودة.
ومن الواضح ان سوريا اليوم هي قلعة التحدي العربية بوجه الاطماع الصهيونية، ولكنها في آخر الزمان وفي مخطط عصر الظهور التآمري على الامة، سوف تصبح مركزا لخيانة القضية العربية والاسلامية، تماما كما كانت تركيا عاصمة الخلافة الاسلامية قبل سقوط الدولة العثمانية العجوز، ولكن بمرور الايام حولها المستعمرون الى دولة علمانية لا صلة لقوانينها وانظمتها بالدين، واصبحت قاعدة عسكرية حليفة لدول الكفر ولليهود المغتصبين لفلسطين ضد العالم العربي والاسلامي. وهكذا تتحول سوريا الدولة العربية الحليفة لدولة ايران الاسلامية المعاصرة الى قاعدة عسكرية لاعلان الحرب عليها وشن الغارات وتعبئة الجيوش العربية ضدها في عصر الظهور، كما تقول الروايات "ثم يرجع-أي السفياني-فيقاتل اهل المشرق حتى يردهم الى العراق"(٣٧٠).
وسوف يستمر السفياني في مواصلة الحرب على الايرانيين، بعد اخراجهم من فلسطين الى العراق، حيث تجري بينهما اشهر الملاحم واشدها فتكا بالايرانيين، ثم يبقى يلاحقهم بطائراته ومدافعه الثقيلة وصواريخه بعيدة المدى حتى يرحلهم الى بلادهم، ثم يصطدم معهم في معركة حامية على ابواب مدينة اصطخرة الايرانية كما تقول الروايات"
اذا خرجت خيل السفياني الى الكوفة بعثت في طلب اهل خراسان..
فيلتقي الهاشمي برايات سود على مقدمته شعيب بن صالح، واصحاب السفياني بباب اصطخرة، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه"(٣٧١).
ان هزيمة جيش السفياني داخل الاراضي الايرانية، امام قوات الايرانيين سوف تكون منعطفا تاريخيا كبيرا في احداث عصر الظهور، باعتبارها تشكل اول صدمة لقيادته، وانكسار لجيشه الذي لا يقهر، وهناك اشارات في بعض الروايات بدخول الجيش اليماني لمساندة الايرانيين في هذه المعركة، وهو ما قد توحي به الرواية التي تقول بشأن السفياني "انى يخرج ولم يخرج كاسر عينيه بصنعاء"(٣٧٢) ولعل الرواية التي تدعو الى الالتحاق بجيش اليماني عند بداية الفتنة بالشام، لها ارتباط وثيق بتحالف اليماني مع الخراساني حيث تقول "اذا كانت فتنة المغرب [بالشام] فشد حبال نعالك الى اليمن، فانه لا يحرزكم منها ارض غيرها"(٣٧٣).
محاولة القضاء على الثورة المهدوية
تبدأ بشائر الثورة المهدوية تلوح في الافق، خلال معارك السفياني مع الايرانيين، في ضوء وقوع بعض العلامات الحتمية مثل خروج اليماني وهلاك العباسي، ومنها انتصار الايرانيين على السفياني في باب اصطخرة "فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه" كما تقول الرواية. وظاهر الحال ان البيعة الاولى بين الامام المهدي واصحابه تتحقق في المدينة، والجيش السفياني مشغول في معاركه مع الايرانيين.. حينئذ تستنجد الدولة القرشية الحجازية بالسفياني فيبعث اليها جيشا فيه اكثر من ثلاثين الف جندي، فيدخل بلاد الحجاز دخولا كاسحا لا يقاوم من أيّة جهة، وليس له هدف الا البحث عن شخص الامام واصحابه لاغتيالهم والقضاء على ثورتهم، وقبل دخوله المدينة يخرج الامام واصحابه منها سرا متوجها الى مكة، كما جاء ذلك صريحا في رواية عن الامام علي (ع) انه قال: "يبعث بجيش الى المدينة، فيأخذون من قدروا عليه من آل محمد، ويقتل من بني هاشم رجالا ونساء، فعند ذلك يهرب المهدي ورجل آخر من المدينة إلى مكة، فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وامنه"(٣٧٤).
ولا يستبعد ان يكون الرجل الآخر هو النفس الزكية، الذي يقتل بين الركن والمقام قبل اعلان الثورة المهدوية بخمسة عشر يوما.
ان السفياني يعلم مدى ما للامام المهدي (ع) من قدسية ومكانة كبيرة في عقيدة الامة ووجدانها الديني، ولهذا فهو لا يعلن عن هدفه الحقيقي من دخول جيشه الى الحجاز، وانما يدعي في اعلامه السياسي للامة، انه يريد القضاء على حركة انقلابية في بلاد الحجاز عميلة لإيران، انتقاما من الايرانيين الذين قتلوا ضباط جيشه واركان قواته وابادوهم جميعا في معركة باب اصطخرة وفي داخل الاراضي العراقية.
ولعل اوضح نص تاريخي يعكس هذا الغطاء الاعلامي المزيف لتبرير دخول الجيش السفياني الى الحجاز بهدف اخماد ثورة الامام ما جاء عن بعض الرواة التابعين، يقول:
"يقود السفياني جيشا الى المدينة، فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم حتى الحبالى، وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرج على اصحابه من المشرق، ويقول-أي السفياني-ما هذا البلاء كله وقتل اصحابي الا من قبلهم، فيأمر بقتلهم حتى لا يعرف بالمدينة احد [منهم] ويفترقون منها هاربين الى البوادي والجبال والى مكة حتى نساؤهم، ويضع جيشه السيف فيهم اياما ثم يكف عنهم ولا يظهر منهم الا خائف، حين يظهر امر المهدي بمكة فاذا ظهر اجتمع كل من شذ منهم اليه بمكة"(٣٧٥).
وقد صرحت رواية ابن مسعود بالهدف الحقيقي من دخول جيش السفياني الى بلاد الحجاز فيقول: "يبعث جيشا آخر فيه خمسة عشر الف راكب الى مكة والمدينة لمحاربة المهدي ومن تبعه.. "ثم يصف دخوله الى المدينة فيقول: "يدخلونها عنوة ويسبون ما فيها من الاهل والولد.. "(٣٧٦).
فاذا بلغ الظلم بحكام العرب وطواغيتهم، الى هذا الحد من الكفر والضلال، والإصرار على انكار حجة الله ومحاربة وليّه الاعظم وبقيته في عباده، حينئذ تحل عليهم كلمة العذاب، وخاصة بعد مقتل النفس الزكية في مكة، فاذا تحققت هذه العلامة خسف الله بجيش السفياني، فتبتلع الارض ذلك الجيش الكبير بمعداته الثقيلة وينتهي امره بين مكة والمدينة وكأنه لم يكن على الارض من قبل.
ففي رواية صحيح البخاري "يغزو جيش الكعبة فاذا كانوا ببيداء من الارض خسف بأولهم وآخرهم"(٣٧٧) وفي رواية صحيح مسلم "سيعوذ بهذا البيت-يعني مكة-قوم، ليست لهم منعة ولا عدة، يبعث اليهم جيش، حتى اذا كانوا بالبيداء من الارض خسف بهم"(٣٧٨).

نهاية حكم السفياني

يقول الامام الصادق (ع): "السفياني من المحتوم، وخروجه من اوله الى آخره خمسة عشر شهرا، ستة اشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس، ملك تسعة اشهر ولم يزدد عليها يوما"(٣٧٩).
والواقع انه لم يشهد التاريخ حركة مسلحة تواجه اكبر عدد من الاعداء والمعارضين لها، في فترة قصيرة من الزمن كحركة السفياني، التي تواجه خمسة عشر قوة معارضة لمشروعها السياسي، وهي موزعة بين حركات واحزاب دينية وعلمانية ودول محلية وعالمية، كلها تحارب مشروع السفياني وتقاتله، ومع ذلك لا تتمكن من كسر شوكته وسحق قوته وايقاف مشروعه خلال خمسة عشر شهرا.. ومن الغريب العجيب ان معدل الكيانات السياسية المعادية للسفياني من الاحزاب والدول يساوي عددها عدد الاشهر لعمر حركته منذ بدايتها حتى نهايتها وهي كما يلي: ١-المرواني، ٢- الاصهب، ٣-الابقع، ٤-الراية الحسنية في بلاد الشام، ٥-الراية المغربية، ٦-الراية العباسية، ٧-الراية المصرية، ٨-الراية الرومية، ٩- الراية التركية، ١٠-راية العصائب، ١١-راية المقاومين الابدال في بلاد الشام، ١٢-شيعة الحجاز، ١٣-الراية الخراسانية، ١٥-الراية اليمانية.
ان انتصار السفياني على جميع القوى المحلية والعالمية المعادية له قبل حادثة الخسف، دليل واضح واكيد على قيامه بمشروعه السياسي الدموي الخطير بالوكالة عن دول الكفر العالمية الكبرى، متلقيا منهم الدعم الكامل من الاموال والعتاد، ورجال المخابرات والخبراء العسكريين والاداريين والمهندسين وغيرهم، وان اصطدامه واختلافه مع الراية الرومية والتركية في معركة قرقيسيا، ربما يكون مؤشرا على انهما من غير حلفائه واسياده الاوربيين الاصليين وليس دليلا على اختلافه سياسيا واقتصاديا مع حلفائه.
والنتيجة أنه يظهر الإمام المهدي (ع)، والسفياني يسيطر على بلاد الشام كلها، وقد اضطرب أهلها عليه، وانقسموا بين مؤيدين ومعارضين لسياسته، فأما المعارضون فإنهم يضغطون عليه لمبايعة الإمام، وأما المؤيدون فإنهم يحذرونه الإقدام على البيعة، ويطلبون منه أن يعدّ العدة لقتالهم، ومن ورائهم ضغوطات الدول الاوروبية والعربية تزداد يوما بعد يوم، داعية السفياني لخوض حرب ضد الإمام المهدي (ع)، فيحتار السفياني في أمره ويتذبذب مترددا في مواقفه، مما يضطره أن يسرع في إعلان البيعة للإمام، ثم ينقضها بعد برهة بشكل أسرع تحت ضغوطات أعداء التيار المهدوي من المحليين والعالميين، ففي رواية ان السفياني يعلن بيعته وطاعته للإمام المهدي (ع) بعد حادثة الخسف فيقول:
"... لعمرو الله لقد جعل الله في هذا الرجل عبرة، بعثت إليه ما بعثت فساخوا في الأرض، إنّ هذا لعبرة وبصيرة، ويؤدي إليه السفياني الطاعة، ثمّ يخرج حتى يلقى كلبا، وهم أخواله، فيعيرونه بما صنع ويقولون: كساك الله قميصا فخلعته؟ فيقول: ما ترون أستقيله البيعة؟ فيقولون: نعم،.... ثم يقول-أي الإمام المهدي (ع) -هذا رجل خلع طاعتي فيأمر به عند ذلك فيذبح على بلاطة إيليا، ثم يسير إلى كلب، فالخائب من خاب يوم نهب كلب"(٣٨٠).
ثم يعدّ الإمام المهدي (ع) العدة لتوجيه الضربة القاصمة للقضاء على السفياني، فيتوجه بجيوشه نحو بلاد الشام، وهي مكونة من ثلاثة ألوية:
لواء يتقدمه هو (ع) وموقعه القلب، وآخر يتقدمه اليماني وموقعه الميمنة، وثالث يتقدمه الخراساني وموقعه الميسرة، وتنتهي المعركة بقتل السفياني وتحرير بلاد الشام من حكمه وسلطانه، كما في الرواية عن الامام علي (ع) إنه قال: "ويعمل عمل الجبابرة الاولى-يعني السفياني-فيغضب الله من السماء لكل عمله، فيبعث عليه فتى من قبل المشرق، يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وسلّم)، هم اصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم أحد إلا هزموه، ويسير الجيش القحطاني، حتى يستخرجوا الخليفة وهو خائف، فيسير معه تسعة آلاف من الملائكة معه راية النصر، وفتى اليمن، حتى ينزلوا دمشق فيفتحونها أسرع من التماع البرق، ويهدمون سورها، ثم تبنى ويعمر، ويساعدهم عليها رجل من بني هاشم، اسمه اسم نبي، فيفتحونها من الباب الشرقي، قبل أن يمضي من اليوم الثاني اربع ساعات، فيدخلها سبعون ألف سيف مسلول بايدي اصحاب الرايات السود، شعارهم أمت أمت، أكثر قتلاهم فيما يلي المشرق"(٣٨١).
والفتى في قوله: "فيبعث عليه فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وسلّم)"، هو شعيب بن صالح التميمي، قائد جيش الرايات السود، والجيش القحطاني هو جيش القائد اليماني، والخليفة الذي يستخرجه الجيش اليماني خائفا هو خليفة الله المهدي (ع)، والرجل المسمى باسم نبي هو السيد الحسني حليف القحطاني والمهدي في فتح دمشق، وقوله: "واكثر قتلاهم فيما يلي المشرق" تعريف بأهل الرايات السود الذين يقدمون اكثر شهداءهم على جبهة عبادان والبصرة، التي مرت الإشارة إلى معاركهم فيها.
الحمد لله رب العالمين، بقدر حروف هذا الكتاب، والصلاة والسلام على محمد وآله الكرام الأطياب.

مصادر الكتاب ومراجعه

القرآن الكريم
١-نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح
٢-شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد
٣-مفاتيح الجنان للشيخ عباس للقمي
٤-كمال الدين للشيخ للصدوق
٥-الغيبة لابي زينب للنعماني
٦-عقد الدرر ليوسف الشافعي
٧-الغيبة للشيخ الطوسي
٨-روضة الكافي للكليني
٩-دلائل النبوة للبيهقي
١٠-سنن أبي داود لأبي داود السجستاني
١١-مصابيح السنة للحافظ البغوي
١٢-صحيح للامام البخاري
١٣-صحيح مسلم للامام مسلم النيسابوري
١٤-موطأ مالك للامام مالك
١٥-كنز العمال للمتقي الهندي
١٦-مجمع الزوائد للهيثمي
١٧-مستدرك الصحيحين للحاكم النيسابوري
١٨-فتح الباري في شرح صحيح البخاري للعسقلاني
١٩-الفتن للحافظ نعيم بن حماد
٢٠-تفسير الدر المنثور للعلامة للسيوطي
٢١-مشكل الآثار للطحاوي
٢٢-مسند للإمام أحمد
٢٣-اسد الغابة لابن الأثير
٢٤-تاريخ بغداد للخطيب البغدادي
٢٥-سنن ابن ماجة للحافظ القزويني
٢٦-ثورة الموطئين للشيخ الفتلاوي
٢٧-صحيح الترمذي للحافظ الترمذي
٢٨-امالي الطوسي للشيخ الطوسي
٢٩-ابراز الوهم المكنون لأحمد بن الصديق الأزهري
٣٠-الحاوي للفتاوي للعلامة للسيوطي
٣١-بشارة الإسلام للشيخ للكاظمي
٣٢-معجم البلدان لياقوت الحموي
٣٣-الملاحم والفتن لابن طاووس الحلي
٣٤-الارشاد للشيخ المفيد
٣٥-الفردوس للديلمي
٣٦-مجمع النورين
٣٧-العلل المتناهية للهيثمي
٣٨-البدء والتاريخ للبلخي المقدسي
٣٩-الأنوار النعمانية للشيخ للجزائري
٤٠-البرهان للمتقي الهندي
٤١-مشارق أنوار اليقين للحافظ البرسي
٤٢-الفتاوي الحديثية لابن حجر
٤٣-المطالب العالية للهيثمي
٤٤-دلائل الإمامة للطبري
٤٥-تفسير الكشاف للزمخشري
٤٦-اعلام الورى لابي علي الطبرسي
٤٧-المصنف عبد الرزاق للصنعاني
٤٨-المصنف لابن أبي شيبة
٤٩-المعجم الكبير للطبراني
٥٠-الاذاعة لما كان ويكون بين الساعة لمحمد صديق البخاري
٥١-تفسير العياشي
٥٢-التذكرة للقرطبي للشيخ القرطبي
٥٣-قرب الاسناد للحميري
٥٤-مصباح البلاغة للسيد حسن الطباطبائي
٥٥-فيض القدير للمناوي
٥٦-بحار الأنوار/مجلد ٥١-٥٢-٥٣. للعلامة المجلسي
٥٧-الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر
٥٨-عصر الظهور للشيخ الكوراني


 

 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) من دعاء الغيبة المروي بسند صحيح عن الإمام المنتظر (ع) /مفاتيح الجنان ص ٥٨٧.
(٢) من بيان البراءة الذي وجهه الإمام الخميني للحجاج عام ١٤٠٧ هـ.
(٣) كمال الدين/٦٤٩.
(٤) البحار ٥٢/٢٦٩.
(٥) البحار ٦٠/٢١٦.
(٦) البحار ٥٢/٢٣٠.
(٧) عقد الدرر/٣٣٣.
(٨) الغيبة للنعماني/٢٦٥.
(٩) الغيبة للنعماني/٢٦٤.
(١٠) البحار ٥٣/١٨٠.
(١١) الغيبة للنعماني/١٥١.
(١٢) الغيبة للطوسي ٢٦٧.
(١٣) البحار ٥٢/٢٦٩.
(١٤) كمال الدين/٦٤٤.
(١٥) كمال الدين/٢٨٧.
(١٦) البحار ٥٢/١٤٠.
(١٧) روضة الكافي/٣٨١.
(١٨) كمال الدين/٣٢٠.
(١٩) دلائل النبوة ٦/٥١٣.
(٢٠) نهج البلاغة (صبحي الصالح) ١٣٧ خطبة ٩٣.
(٢١) نهج البلاغة (صبحي الصالح) ١٣٧ خطبة ١٠١.
(٢٢) سنن أبي داود ٢/٤١١.
(٢٣) النساء/١٦٥.
(٢٤) الأنفال/٤٢.
(٢٥) سنن أبي داود ٢/٥٤٢/كتاب السنة.
(٢٦) مصابيح السنة ٢/٥/كتاب الإمارة.
(٢٧) صحيح البخاري ٤/٢٤٠/علامات النبوة.
(٢٨) صحيح البخاري ٨/١٥٠/باب الحوض.
(٢٩) موطأ مالك ١/٣٠٧.
(٣٠) صحيح البخاري ٨/١٥١ باب الحوض.
(٣١) كنز العمال ١١/٢٩٧ طبع حيدر آباد.
(٣٢) مجمع الزوائد ٩/٣٢ وقال رجاله ثقات.
(٣٣) المصدر السابق.
(٣٤) مجمع الزوائد ٩/١٧٣.
(٣٥) المصدر السابق.
(٣٦) كنز العمال ٦/٤٠٠ طبع حيدر آباد.
(٣٧) مجمع الزوائد ١٠/٣٦٧.
(٣٨) مجمع الزوائد ٩/١٣٥.
(٣٩) صحيح البخاري ٨/١٥٠ باب الحوض.
(٤٠) مستدرك الصحيحين ٤/٤٧٠ قال صحيح ووافقه الذهبي.
(٤١) صحيح البخاري ٥/٢٤٢ وكذلك صحيح مسلم ٤/٢٢٣٦.
(٤٢) فتح الباري في شرح صحيح البخاري ٦ حديث ٣١٠٤.
(٤٣) كنز العمال ١١ حديث ٣١٠٦٢٩.
(٤٤) كنز العمال ١١/٣٦٥ طبع حيدر آباد.
(٤٥) مجمع الزوائد ٥/٣٤٤.
(٤٦) الفتن لنعيم بن حماد/١١٨.
(٤٧) كنز العمال ١١ حديث ٣١١٩٠.
(٤٨) محمد/٣٠.
(٤٩) تفسير الدر المنثور ٧/٥٠٤.
(٥٠) المصدر السابق.
(٥١) المصدر السابق.
(٥٢) المصدر السابق.
(٥٣) المصدر السابق.
(٥٤) مستدرك الصحيحين ٣/١٢٩.
(٥٥) صحيح مسلم/كتاب الإمارة.
(٥٦) مسند الامام احمد ٦/٢٩٢.
(٥٧) صحيح البخاري/كتاب الفتن.
(٥٨) المصدر السابق.
(٥٩) كنز العمال ١ حديث ١٦٣٨.
(٦٠) تاريخ بغداد ١٣/١٨٦.
(٦١) أسد الغابة ٥/٢٨٧/الإصابة في معرفة الصحابة ٧/١٦٧/ الاستيعاب ٢/٦٥٧.
(٦٢) كنز العمال ٦/١٥٧ طبع حيدرآباد.
(٦٣) روى حديث الثقلين أكثر من عشرين صحابيا.
(٦٤) مستدرك الصحيحين ٦/٤٣٠ وكذلك ٥٤٧/مجمع الزوائد ١/١٧٩ وقال رجاله رجال الصحيح/كنز العمال ١ حديث ١٠٥٢ وحديث ١٥٠٦ و١٠٥٨.
(٦٥) مستدرك الصحيحين ٦/٤٣٠ وكذلك ٥٤٧/مجمع الزوائد ١/١٧٩ وقال رجاله رجال الصحيح/كنز العمال ١ حديث ١٠٥٢ وحديث ١٥٠٦ و١٠٥٨.
(٦٦) مستدرك الصحيحين ٦/٤٣٠ وكذلك ٥٤٧/مجمع الزوائد ١/١٧٩ وقال رجاله رجال الصحيح/كنز العمال ١ حديث ١٠٥٢ وحديث ١٥٠٦ و١٠٥٨.
(٦٧) طبع دار الوسيلة/بيروت-لبنان/١٤١٨ هـ/١٩٩٧ م.
(٦٨) البحار ٥٢/٢٣٠.
(٦٩) الغيبة للنعماني ٢٦٢.
(٧٠) البحار ٦٠/٢١٣.
(٧١) المصدر السابق.
(٧٢) البحار ٥٢/١٢٢.
(٧٣) دلائل النبوة ٦/٥١٣.
(٧٤) سنن ابن ماجة ٢/حديث ٤٠٨٨ مجمع الزوائد ٧/٣١٨.
(٧٥) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٧٦) الغيبة للنعماني ٣٠٤/١٣.
(٧٧) سورة محمد/٣٨.
(٧٨) التوبة/٣٨-٣٩.
(٧٩) المائدة/٥٤.
(٨٠) صحيح الترمذي ٥/ح ٣٢٦١/مشكل الآثار ٣/حديث ٩٥٠٣١/مستدرك الصحيحين ٢/٤٥٨ وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي/الدر المنثور في تفسير سورة القتال.
(٨١) سنن ابن ماجة ٢/حديث ٤٠٩/مستدرك الصحيحين ٤/٥٤٨/كنز العمال ١١ حديث ٣١٧٦٦.
(٨٢) البحار ٦٠/٢١٦.
(٨٣) مجمع الزوائد ٥/٣٢٥ ورجاله ثقات.
(٨٤) امالي الطوسي/٦٣.
(٨٥) البحار ٥/٢٠٧.
(٨٦) صحيح الترمذي ٤/حديث ٢٢٦٩.
(٨٧) ابراز الوهم المكنون/١٠١.
(٨٨) الحاوي للفتاوي ٢/٦٨.
(٨٩) الغيبة للنعماني/٢٧٩.
(٩٠) مجمع النورين/٩٩.
(٩١) الحاوي للفتاوي ٢/٦٧.
(٩٢) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥١١٤.
(٩٣) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥١٠٠.
(٩٤) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥٠٩٢.
(٩٥) بشارة الإسلام ١٧٣ عن أمالي الطوسي.
(٩٦) الغيبة للنعماني/٢٧٩.
(٩٧) الغيبة للنعماني/١٩٤.
(٩٨) البحار ٥٢/٢١٦.
(٩٩) الغيبة للنعماني ١٩٤.
(١٠٠) مجمع النورين ٢٩٧.
(١٠١) بشارة الإسلام ١٧٣ عن أمالي الطوسي.
(١٠٢) بشارة الإسلام ١٠٢ عن مجمع النورين.
(١٠٣) معجم البلدان ٤/٣٢٨.
(١٠٤) روضة الكافي ٨/٢٩٥/الغيبة للنعماني/٢٧٨.
(١٠٥) الغيبة للنعماني/٣٠٣.
(١٠٦) البحار ٥٢/٢٣٧.
(١٠٧) سنن ابن ماجة ٢/حديث ٤٠٨٤ واسناده صحيح مستدرك الصحيحين ٤/٤٦٣.
(١٠٨) الإرشاد ٢/٣٤٨.
(١٠٩) المصدر السابق.
(١١٠) الغيبة للطوسي ٢٦٨.
(١١١) الفتن لابن حماد/١٢٩ دار الفكر.
(١١٢) الملاحم والفتن لابن طاووس/١٠٧.
(١١٣) الغيبة للنعماني ٢٧٩/الغيبة للطوسي ٢٦٩.
(١١٤) كنز العمال ٦/٦٨ طبع حيدر آباد.
(١١٥) مجمع النورين/٣٠٥.
(١١٦) الحاوي للفتاوى ٢/٧٢.
(١١٧) الفردوس ٣/٣٧٢/سنن ابن ماجة ٢/٩٢٨.
(١١٨) صحيح مسلم ٤/٢٢٢٢.
(١١٩) مجمع الزوائد ٦/٢١٢ وقال فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وبقية رجاله رجال الصحيح.
(١٢٠) الغيبة للطوسي/٢٧٨.
(١٢١) الفتن لابن طاووس ١٠٧.
(١٢٢) البحار ٥٢/٢١٢.
(١٢٣) البحار ٥٢/٢٧٠.
(١٢٤) البحار ٥٢/٢١٧.
(١٢٥) الغيبة للطوسي/٢٧٣.
(١٢٦) كمال الدين/٦٥١.
(١٢٧) الفتن لابن حماد ١٧٦ دار الفكر.
(١٢٨) عقد الدرر ٥٣.
(١٢٩) كنز العمال ١١/حديث ٣١٥٠٩.
(١٣٠) الفتن لابن حماد ١٥٩.
(١٣١) مجمع الزوائد ٦/٢١٢.
(١٣٢) العلل المتناهية ٢/٨٥٥.
(١٣٣) الحاوي للفتاوي ٢/٧٥.
(١٣٤) البحار ٥٢/٣٨٥.
(١٣٥) كنز العمال ١١/حديث ٣١١٧١.
(١٣٦) مجمع الزوائد ٧/٣١٨ سنن ابن ماجة ٢/حديث ٤٠٨٨.
(١٣٧) الغيبة للنعماني/٢٩٩.
(١٣٨) المصدر السابق.
(١٣٩) البحار ٥٢/٢٦٩.
(١٤٠) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٨٠.
(١٤١) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٦٩.
(١٤٢) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٤٣) عقد الدرر/١٢٩ الحاوي للفتاوي ٢/٦٤.
(١٤٤) البدء والتاريخ ٢/٢٧٥.
(١٤٥) كنز العمال ١٤ حديث ٣٩٦٦٦/الحاوي للفتاوي ٢/٦٩.
(١٤٦) عقد الدرر ١٢٨/الحاوي للفتاوي/٦٢.
(١٤٧) الحاوي للفتاوي ٢/٦٩.
(١٤٨) الحاوي للفتاوي ٢/٦٢ عقد الدرر/١٢٧.
(١٤٩) الأنوار النعمانية ٢/٨٧.
(١٥٠) البحار ٥٣/١٥.
(١٥١) عقد الدرر/٩٠.
(١٥٢) البحار ٦٠/٢٢٥.
(١٥٣) البحار ٦٠/٢١٨.
(١٥٤) الغيبة للنعماني ١٤٧.
(١٥٥) البحار ٥٢/٨١.
(١٥٦) الغيبة للطوسي ٢٨٠.
(١٥٧) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥٠٥٥.
(١٥٨) غاية المرام/١٩٩.
(١٥٩) كمال الدين/٢٥٠.
(١٦٠) مجمع الزوائد ١/٣١٧/الحاوي للفتاوي ٢/٦٢.
(١٦١) الحاوي للفتاوي ٢/٦٨.
(١٦٢) الفتاوي الحديثية ٤١/عقد الدرر ٣٠.
(١٦٣) البرهان للمتقي الهندي ٢١٧.
(١٦٤) مشارق البرسي ١٦٦.
(١٦٥) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(١٦٦) الحاوي للفتاوي ٢/٦٧.
(١٦٧) الصف/١٠.
(١٦٨) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥١٠٥.
(١٦٩) الغيبة للنعماني/٣١٨.
(١٧٠) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٨٠.
(١٧١) سنن أبي داود ٤/حديث ٣٢٩٠.
(١٧٢) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(١٧٣) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٧٤) كنز العمال ١٤/حديث ٣٨٦٥٢.
(١٧٥) الحاوي للفتاوي ٢/٦٨.
(١٧٦) الفتاوي الحديثية/٤٢.
(١٧٧) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٧٨) كنز العمال ١٤/حديث ١١٧٧٢ المطالب العالية ٤/٤٢٢٧ رواه المتقي الهندي عن ابن جرير وصححه وقال صاحب المطالب العالية سنده صحيح.
(١٧٩) مستدرك الصحيحين ٤/٥٤٨/عقد الدرر ١٢٢.
(١٨٠) المائدة/٥٤.
(١٨١) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٨٢) ابراهيم/١٢.
(١٨٣) ابراهيم/١٢.
(١٨٤) الطلاق/٣.
(١٨٥) الانفال/٤٠.
(١٨٦) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٨٠.
(١٨٧) الملاحم والفتن لابن طاووس/١٣٧.
(١٨٨) الفتن لابن حماد ١٨٩.
(١٨٩) مستدرك الصحيحين ٤/٥٤٨.
(١٩٠) عقد الدرر/١٣٠.
(١٩١) دلائل الإمامة/٢٣٥.
(١٩٢) كنز العمال ١٤/٣٩٦٨٠.
(١٩٣) ابراز الوهم الكنون/١٠١.
(١٩٤) عقد الدرر/١٣٠.
(١٩٥) دلائل الإمامة/٢٣٥.
(١٩٦) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٩٧) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٩٨) البحار ٦٠/٢١٦.
(١٩٩) البحار ٦٠/٢١٨.
(٢٠٠) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢٠١) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢٠٢) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢٠٣) البحار ٦٠/٢١٣.
(٢٠٤) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٨٠.
(٢٠٥) مستدرك الصحيحين ٤/٤٦٤.
(٢٠٦) البحار ٦٠/٢١٨.
(٢٠٧) البحار ٦٠/٢١٨.
(٢٠٨) عقد الدرر/١٢٢.
(٢٠٩) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٢١٠) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١١) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٢) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٣) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٤) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٥) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٦) راجع الآية في تفسير الكشاف.
(٢١٧) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢١٨) عقد الدرر/١٣٠.
(٢١٩) دلائل الإمامة/٢٣٥.
(٢٢٠) الغيبة للنعماني/٣٩.
(٢٢١) مجمع الزوائد ١٠/٥٥.
(٢٢٢) في الأصل قال اليرموك وهو خطأ من الرواة لأن اليرموك معركة وقعت بين المسلمين والروم على حدود بلاد الشام في أواخر خلافة أبي بكر، اما تبوك فهي آخر غزوات النبي (صلّى الله عليه وسلّم).
(٢٢٣) عقد الدرر/٢١٥.
(٢٢٤) البحار ٥٢/١٦٢.
(٢٢٥) كنز العمال ١١/حديث ٣١٤٤٣ عن ابن عساكر.
(٢٢٦) كنز العمال ١١/حديث ٣١٥٠٩.
(٢٢٧) كنز العمال ١١/حديث ٣١٥١١.
(٢٢٨) الفتن ١٧٤.
(٢٢٩) صحيح البخاري ٤/٢٢٣.
(٢٣٠) الحاوي للفتاوي ٢/٧٩.
(٢٣١) الفتن لابن حماد ٢٣٧.
(٢٣٢) البحار ٥٢/٢١٠.
(٢٣٣) البحار ٥٢/٢٤٥.
(٢٣٤) الحاوي للفتاوي ٢/٧٩.
(٢٣٥) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٢٣٦) كمال الدين/٥١٦.
(٢٣٧) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٢٣٨) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٢٣٩) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢٤٠) عقد الدرر/٩٠.
(٢٤١) اعلام الورى، ٤٢٩.
(٢٤٢) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٨٠.
(٢٤٣) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٢٤٤) دلائل الامامة/٢٣٥.
(٢٤٥) عقد الدرر/١٣٠.
(٢٤٦) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٢٤٧) الغيبة للنعماني/١٣٣.
(٢٤٨) البحار ٦٠/٢١٦.
(٢٤٩) كنز العمال ١٤/حديث ١١٧٧٢.
(٢٥٠) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٢٥١) الحاوي للفتاوي ٢/٧٩.
(٢٥٢) عقد الدرر/٩٩.
(٢٥٣) الحاوي للفتاوي ٢/٦٦.
(٢٥٤) الفتن/٢٣١.
(٢٥٥) الاختصاص/٢٠٨.
(٢٥٦) دلائل الامامة/٢٤٨.
(٢٥٧) البحار ٥٢/٣٣٤.
(٢٥٨) راجع المصنف للصنعاني ١١/٣٧١ والمصنف لابن أبي شيبة ١٥/٤٥ ومستدرك الصحيحين ٤/٥٥٣.
(٢٥٩) البحار ٥٢/٣٠٦.
(٢٦٠) صحيح مسلم ٤/٢٢٢ مسند احمد ٢/٢٦٢.
(٢٦١) تحدثنا بشيء عن الايجاز حول نجباء مصر في حركة السفياني في الفصل الاخير من الكتاب.
(٢٦٢) كنز العمال ١٤/٥٨٦.
(٢٦٣) مستدرك الصحيحين ٢/٥٥٣ مجمع الزوائد ٧/٣١٧ كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٦١.
(٢٦٤) مستدرك الصحيحين ٤/٥٥٣ وقال صحيح الإسناد
(٢٦٥) البحار ٥٢/٢٢٩.
(٢٦٦) الحاوي للفتاوي ٢/٧٥.
(٢٦٧) البحار ٥٢/٢٥٣.
(٢٦٨) البحار ٥٢/٢٥٢.
(٢٦٩) مسند أحمد ١/١١٢.
(٢٧٠) الفردوس للديلمي ٢/٢٢١.
(٢٧١) كنز العمال ١٢/حديث ٣٤٦٠٦.
(٢٧٢) المعجم الكبير للطبراني ١٨/٦٥.
(٢٧٣) مجمع الزورائد ١٠/٦٣ قال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٢٧٤) الحديد/٢٧.
(٢٧٥) مجمع الزوائد ١٠/٦٠ وقال: رجاله ثقات.
(٢٧٦) مجمع الزوائد ٧/٢٨٨ وقال: رجاله ثقات.
(٢٧٧) الحاوي للفتاوي ٢/٨٣ عقد الدرر/٢٢٠ صحيح مسلم ١/١٧٣ لكنه لم يذكر لفظ المهدي وإنما قال: "فيقول إمامهم".
(٢٧٨) البحار ٥٢/٢٥٢.
(٢٧٩) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٢٨٠) عقد الدرر/٢١٥.
(٢٨١) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥٠٥٥.
(٢٨٢) الحاوي للفتاوي ٢/٦٧/الفتاوي الحديثية/٤٢.
(٢٨٣) عقد الدرر/١٢٨ الحاوي للفتاوي ٢/٧٠.
(٢٨٤) مستدرك الصحيحين ٤/٤٧٠ قال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي/ مجمع الزوائد ٧/٣١٣ رجاله رجال الصحيح.
(٢٨٥) مستدرك الصحيحين ٤/٤٧٠ قال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي/ مجمع الزوائد ٧/٣١٣ رجاله رجال الصحيح.
(٢٨٦) عقد الدرر/١٥٦ الحاوي للفتاوي ٢/٧٦.
(٢٨٧) البحار ٥١/١٣٢ كمال الدين/٣١٧ الاذاعة/١١٧.
(٢٨٨) عقد الدرر/٢٢٧.
(٢٨٩) البحار ٥٢/٣٤٩.
(٢٩٠) مجمع الزوائد ٣/٢٩٨ وقال رجاله ثقات/مستدرك الصحيحين ٤/٤٥٢.
(٢٩١) كنز العمال ١٢/حديث ٣٥٤٢٢١.
(٢٩٢) البحار ٥٢/٣١٣.
(٢٩٣) البحار ٥٢/٣١٣.
(٢٩٤) البحار ٥٢/٣٣٢.
(٢٩٥) مجمع الزوائد ٥/٣٤٤ كنز العمال ١١/١٦٠.
(٢٩٦) الفتن/١٢٠.
(٢٩٧) مجمع الزوائد ٥/٤٤ كنز العمال ١١/حديث ٣١٠٣٥
(٢٩٨) تفسير العياشي ٢/١٢١.
(٢٩٩) الغيبة للنعماني ٣٠٢.
(٣٠٠) مجمع الزوائد ٥/١٨٨.
(٣٠١) مريم/٧١.
(٣٠٢) روضة الكافي/٣١ البحار ٥٢/٣٠٥.
(٣٠٣) كمال الدين/٦٥٢.
(٣٠٤) الغيبة للنعماني ١٤٧.
(٣٠٥) الغيبة للطوسي/٢٧٣.
(٣٠٦) الغيبة للنعماني ٢٤٩.
(٣٠٧) البحار ١/١٩٥ حديث ١٦ عن قرب الإسناد.
(٣٠٨) الغيبة للنعماني ١٤٦.
(٣٠٩) نهج البلاغة ١٤٨/خطبة ١٠٢"صبحي الصالح".
(٣١٠) الغيبة للنعماني/١٤٧.
(٣١١) الغيبة للطوسي/٢٨٠.
(٣١٢) الغيبة للنعماني/٣٠٣.
(٣١٣) الغيبة للنعماني/٣٠٢.
(٣١٤) الغيبة للنعماني/٣٠٣.
(٣١٥) الغيبة للنعماني/٢٦٧.
(٣١٦) كمال الدين/٦٥٥.
(٣١٧) الغيبة للنعماني/٢٦٧.
(٣١٨) الغيبة للطوسي/٢٧١.
(٣١٩) روضة الكافي/٢٢٤.
(٣٢٠) الغيبة للنعماني/١٧٢.
(٣٢١) روضة الكافي/٢٤٤.
(٣٢٢) الغيبة للنعماني/٢٧٩.
(٣٢٣) الغيبة للنعماني/٢٥٩.
(٣٢٤) الغيبة للنعماني/٢٦٢-البحار ٥٢/٢٣٥.
(٣٢٥) عقد الدرر/٤٦.
(٣٢٦) كنز العمال ١١/حديث ٣١٤٢٢.
(٣٢٧) الفتن لابن حماد/١٥٨.
(٣٢٨) الفتن لابن حماد ١٦٢.
(٣٢٩) عقد الدرر/٥٣.
(٣٣٠) راجع مصادر هذه الأحاديث في الراية الموطئة.
(٣٣١) راجع مصادر هذه الأحاديث في الراية الموطئة.
(٣٣٢) راجع مصادر هذه الأحاديث في الراية الموطئة.
(٣٣٣) الفتن لابن حماد/١٧٢.
(٣٣٤) سنن ابن ماجة ٢/حديث ٤٠٩٠.
(٣٣٥) مستدرك الصحيحين ٤/٥٤٨.
(٣٣٦) الفتن لابن حماد ١٥٣/دار الفكر.
(٣٣٧) الفتن لابن حماد ١٥٦/دار الفكر.
(٣٣٨) مجمع الزوائد ٥/٢٤٤.
(٣٣٩) عقد الدرر/٩٩.
(٣٤٠) عقد الدرر/٨٩.
(٣٤١) التذكرة/٦١٠.
(٣٤٢) التذكرة/٦١٠.
(٣٤٣) الفتن لابن حماد ١٦٥.
(٣٤٤) البحار ٥٢/٢٠٥.
(٣٤٥) كمال الدين/٦٥١.
(٣٤٦) مصباح البلاغة ٢٣٦/خطبة رقم ٢٢٦.
(٣٤٧) كنز العمال ١١/حديث ٣١٥٣٥ عقد الدرر/٨١.
(٣٤٨) عقد الدرر/٥٣.
(٣٤٩) عقد الدرر/٩٩.
(٣٥٠) الغيبة للطوسي/٢٧٨.
(٣٥١) البحار ٥٢/٣٧٧.
(٣٥٢) البحار ٥٢/٢١٠.
(٣٥٣) فيض القدير للمناوي ٤/١٣١.
(٣٥٤) الملاحم والفتن لابن طاووس/٥٠.
(٣٥٥) الفتن لابن حماد/١٧٤ وكذلك ١٨٤.
(٣٥٦) الحاوي للفتاوى ٢/٦٨ الفتاوي الحديثية/٤٣.
(٣٥٧) البحار ٥٢/٢١٥.
(٣٥٨) الفتن/١٧٦.
(٣٥٩) البحار ٥٢/٢١٥.
(٣٦٠) الفتن لابن حماد/١٩٩.
(٣٦١) البحار ٥٢/٢٥٢.
(٣٦٢) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٣٦٣) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٣٦٤) الفتن لابن حماد/١٩٩.
(٣٦٥) البحار ٥٢/٢٥٢.
(٣٦٦) شرح نهج البلاغة ٧/٤٨.
(٣٦٧) الغيبة للنعماني/٢٥٣.
(٣٦٨) الفتن لنعيم بن حماد/١٧٦-١٧٧.
(٣٦٩) كنز العمال ١٤/حديث ١١٧٧٢.
(٣٧٠) عقد الدرر/٥٢.
(٣٧١) كنز العمال ١٤/حديث ٣٩٦٦٧.
(٣٧٢) الحاوي للفتاوي ٢/٦٩.
(٣٧٣) الفتن لابن حماد ١٤٤/دار الفكر.
(٣٧٤) الحاوي للفتاوي ٢/٧٠ كنز العمال ١٤/حدث ٣٩٦٦٨.
(٣٧٥) عقد الدرر ٦٦.
(٣٧٦) التذكرة ٢/٦١٠.
(٣٧٧) صحيح البخاري ٣/٨٦.
(٣٧٨) صحيح مسلم ٤/٢٢١٠.
(٣٧٩) البحار ٥٢/٢٤٨.
(٣٨٠) الفتن لنعيم بن حماد/٢١٥.
(٣٨١) كنز العمال ١٤ حديث ٣٩٦٨٠.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016