فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » ثوره الموطئين للمهدي (عليه السلام) في ضوء أحاديث أهل السنة
 كتب أخرى

الكتب ثوره الموطئين للمهدي (عليه السلام) في ضوء أحاديث أهل السنة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ مهدي حمد الفتلاوي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٩/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٨٩ التعليقات التعليقات: ٠

ثوره الموطئين للمهدي (عليه السلام) في ضوء أحاديث أهل السنة

المؤلف: الشيخ مهدي حمد الفتلاوي

فهرست الموضوعات

الاهداء
مقدمة الطبعة الثانية
مقدمة الطبعة الاولى
المدخل
تفسير المغيبات القرآنية
قانونان إلهيان
قانون الاستبدال
هل تحقق الاستبدال في التاريخ؟
مبدأ اتباع سنن الماضين
الفصل الأول: الاستبدال الموعود في القرآن
تفسير النص القرآني الأول
الولاية بين اليهود والنصارى
معنى الولاية
رأى العلاّمة الطباطبائي
رأى الفخر الرازي
الرأي الصحيح
بداية الولاء السياسي بين اليهود والنصارى
موالاة مرضى القلوب لليهود والنصارى
من هم مرضى القلوب؟
ولاية اليهود والنصارى على المسلمين
الفتح الإسلامي الموعود
الارتداد والمرتدون
الرأي الصحيح
المجتمعان المستبدل والبديل
رأيان آخران
سؤال وجيه
الولاية في المجتمع الاسلامي
سبب نزول الآية
تفسير الآية
تفسير الآية بالسيرة النبوية
سند حديث المنزلة
بين خطبة الغدير وآية الصدقة بالخاتم
شمول الآية لأهل البيت
مع الفخر الرازي في تفسير الآية
أتباع الولاية هم الغالبون
معارك حزب الله في آخر الزمان
تفسير النص القرآني الثاني
الفصل الثاني: الاستبدال في الاحاديث النبوية والتاريخ الاسلامي
القسم الاول: الاستبدال في الاحاديث النبوية
أهمية السنّة في فهم القرآن
دور السنّة في فهم المغيبات القرآنية
الاستبدال في السنة النبوية
من هو المجتمع المستبدل؟
الصحابة في دائرة المجتمع المستبدل
أولا: موقف الصحابة من الخلافة
الصراع على الخلافة
وصول ائمة الضلال للخلافة
ورثة ائمة الضلال
أصحاب الحق المغتصب
نهاية فتنة الخلافة في الدنيا
نهاية فتنة الخلافة يوم القيامة
ثانيا: موقف الصحابة من تطبيق الاسلام
ثالثا: موقف الصحابة من فريضة الجهاد
المساحة الاجتماعية للاستبدال
ذم المجتمع العربي المستبدل
الوعيد بعقوبة العرب
أوّل العقوبة تحل بقريش
يعاقبهم الله تعالى بالمهدي
مدح المجتمع الفارسي البديل
القسم الثاني: الاستبدال في التاريخ الاسلامي
الاستبدال في التاريخ
الاستبدال في تاريخ المجتمع العربي
عوامل التخاذل عن الجهاد
المجتمع العربي على سنن الماضين
الاستبدال في تاريخ المجتمع الفارسي
اسلام فارس
دور الفرس في النهضة الثقافية
كيف دخل التشيّع بلاد فارس؟
كيف انتشر التشيّع في بلاد فارس؟
فارس على خطى كربلاء
عودة فارس إلى الاسلام
الفصل الثالث: ثورة الموطئين للمهدي الجانب التطبيقي للاستبدال
العلاقة بين الاستبدال والموطئين
الموضوع الاول: ظهور راية الموطئين للمهدي (ع) عرض موضوعي وثائقي لاحاديث ثورة الموطئين للمهدي (ع) منذ انطلاقتها حتى تسليم رايتها له
اخبار ثورة الموطئين
تقسيم أخبار الموطئين
عرض اخبار الموطئين
ظهور راية الموطئين
وجوب نصرة الراية الموطئة
الموطئون مؤيدون بنصر الله وكلمته
الجنان تستقبل شهداء الموطئين
الموطئون وعودة الدين إلى قيادة الحياة
ولاء الموطئين لأهل البيت (ع)
تحرير الموطئين للقدس
معركة الموطئين مع المغربيين
اختلاف الموطئين فيما بينهم
السفياني يخرج الموطئين من فلسطين
السفياني يواصل معاركه ضد الموطئين وانصارهم
انتصار الموطئين على السفياني
مناصرة الموطئين لإخوانهم العراقيين
بيعة الموطئين للإمام المهدي (ع)
احاديث متفرقة حول الموطئين
الموضوع الثاني: الفوارق التاريخية بين ثورة الموطئين والثورة العباسية
الفوارق بين الثورتين
المجموعة الأولى: الاخبار الدالّة على وجود ثورتين
المجموعة الثانية: الأخبار التي تذم الثورة العباسية
المجموعة الثالثة: الأخبار التي تمدح ثورة الموطئين
المجموعة الرابعة: الأخبار الخاصة بوصف قيادات الموطئين
القائد الاكبر السيد الخراساني
شعيب بن صالح
المجموعة الخامسة: الاخبار الخاصة بمعارك الموطئين
معارك الموطئين قبل الظهور
المعركة الاولى
المعركة الثانية
المعركة الثالثة
المعركة الرابعة
المعركة الخامسة
المعركة السادسة
المعركة السابعة
معارك الموطئين بعد الظهور
المجموعة السادسة: الأخبار التي حددت الموقع الجغرافي للموطئين
المجموعة السابعة: بعض الأخبار الخاصة بأهداف الموطئين
الموضوع الثالث: انطباق عوامل الاستبدال الايجابية على مجتمع ثورة الموطئين للمهدي (ع)
تطبيق الاستبدال على الواقع
حركة الاستبدال في تاريخ المجتمع الايراني
البشارة بإسلام الفرس
البشارة بطلبهم للعلم
البشارة بالتزامهم الديني
البشارة بكمال إيمانهم
كلمة حول حديث (المناولة من الثريا)
البشارة بكونهم من الفرقة الناجية
البشارة بتمسكهم بولاية أهل البيت
البشارة بكونهم قاعدة الاسلام الثانية
البشارة بجهادهم لإحياء امر الدين
البشارة بسعادتهم في ظل الاسلام
البشارة بهلاك الملوك بعد ثورتهم
تطبيق الاستبدال على ثورة الموطئين
العامل الاول: تمسكهم بولاية أهل البيت (ع)
العامل الثاني: محاولتهم إعادة الدين إلى قيادة الحياة
العامل الثالث: الجهاد لحماية اهداف الدين
الاستبدال على مستوى النظرية
الاستبدال على مستوى التطبيق
الموضوع الرابع: وقفة مع المعارضين لأخبار الموطئين للمهدي
شبهات على اخبار الموطئين
مع المتهمين بني العباس بوضعها
الجواب على هذا الرأي
علاقة العباسيين باخبار الموطئين
اتهام الامويين بوضعها
اتهام الشيعة بوضعها
اتهام علماء الفرس بوضعها
الادلة على صحة حديث مناولة العلم من الثريا
وجود الحديث في مصادر الشيعة
الادلة المثبتة لقضية الموطئين
الموضوع الخامس: مع الموطئين في تأملات فكرية واعية
في ظلال أحاديث الموطئين للمهدي
التحقوا بالرايات الموطئة للمهدي
الصندوق المقفل ماذا يعني؟
الزحف لتحرير القدس
تناول الايمان من الثريا
اسعد الناس بالإسلام فارس
من ثغور الموطئين الجهادية
يقرأون القرآن ويدعون إلى الجهاد والشهادة
خاتمة الكتاب
مدح الفرس وذم العرب
مصادر الكتاب

بسم الله الرّحمن الرّحيم

* عن جابر أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تلا هذه الآية ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ فسئل: من هم؟ قال: «فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس». رواه السيوطي عن ابن مردويه.
* عن ابي هريرة أنه قال: قال ناس من اصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يا رسول الله من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لم يكنوا أمثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فضرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخذ سلمان وقال: «هذا واصحابه والذى نفسي بيده لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس». رواه الترمذي والحاكم.
* عن عبد الله بن الحارث قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه». رواه ابن ماجة والطبراني في الاوسط.
* عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تخرج من المشرق رايات لبني العباس، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار - تقاتل رجلا من ولد أبي سفيان - واصحابها من قبل المشرق يؤدون الطاعة للمهدى». رواه ابن حماد في الفتن.
* عن محمد بن الحنفية قال «تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء قلانسهم سود وثيابهم بيض - على مقدمتهم رجل يقال له شعيب بن صالح من تميم - يهزمون اصحاب السفياني، حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه».
رواه ابن حماد وابو عمر الداني.

الاهداء

إلى أسد الله الغالب، أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجّلين، الإمام علي بن ابي طالب (عليه السلام).
إلى خليفة خاتم المرسلين، وأخيه، ووصيه، ووارث علمه، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، سيدة نساء العالمين وأبي سبطيه الحسن والحسين صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
﴿يَا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ: مَسَّنَا وأَهْلَنَا اَلضُّرُّ وجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ، وتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ الله يَجْزِي اَلْمُتَصَدِّقِينَ﴾.

المؤلف

مقدمة الطبعة الثانية

أخذ كتابنا هذا طريقه إلى الطبعة الأولى في وقت لم تتكامل لدينا موضوعاته في فصله الثالث، لأنها كانت مسودات ناقصة تفتقر اكثر افكارها ونصوصها ومصادرها إلى التحقيق والتعليق، ولكن صديقنا العزيز الذي تبنى طباعته أصرّ على تقديمه للطبع على ما هو عليه، وقد فوجئنا بطباعته في دار نشر ناشئة لم تكن بمستوى المسؤولية العلمية فأثقلته بالأخطاء المطبعية والفنية بالإضافة إلى انها دمجت فصله الثالث بالثاني، وأهملت طباعة جريدة مصادره، ووضعتها في سلة المهملات من دون أن تفكر في الجهد الكبير والوقت الثمين الذي بذلناه لإعدادها.
ولكن كانت الطبعة الاولى للكتاب تجربة ثرية بالعطاء الفكري والوعي السياسي بما يخص موضوع البحث بالنسبة لنا، حيث ازددنا يقينا بأهمية الدراسات المهدوية، وبدورها الفاعل في حركة الصحوة الاسلامية المعاصرة.
وانطلاقا من الملاحظات القيّمة التي وصلتنا من القراء الاوفياء، أعدنا النظر من جديد في موضوعات الكتاب، فتلافينا جوانب الخطأ والنقص والاشتباه فيه، وحذفنا منه الكلمات الثقيلة التي قد يساء فهمها من قبل مرضى القلوب ممن يقيّمون الفكر الالهي بمقاييس أبي لهب، ويتعاملون مع مفاهيم القرآن بعقلية أبي جهل، الأسيرة للنزعة القومية المقيتة.
واعدنا ايضا صياغة بعض موضوعات الكتاب، التي لم تكن في السابق بدرجة كافية في الوضوح، وقدمنا بعض الاضافات التوضيحية المكملة لموضوعات البحث.
وكل هذه التعديلات والتغييرات حدثت في الفصل الاول والثاني، اما الفصل الثالث فقد أكملنا دراسة موضوعاته بحثا وتحقيقا وتعليقا وتوسعنا به كثيرا لأهمية نصوصه باعتبارها تمثل الجانب التطبيقي لقانون الاستبدال على الصعيد النظري.
وكانت احاديث الموطئين في الطبعة الاولى لا تتجاوز الـ (٤٠) حديثا، في الفصل الثالث، بينما بلغت في هذه الطبعة (١٤٦) حديثا، قدمنا من خلالها صورة متكاملة عن حركة الموطئين السياسية والجهادية منذ انطلاقتها من بلاد المشرق حتى ظهور قائدها المنتظر (عليه السلام) وتسليم رايتها له.
ومن الجدير بالذكر ان الغاية من هذه الدراسة هو تسليط الاضواء على النصوص الغيبية الخاصة بقضية الموطئين، دون السعي لتطبيقها على الواقع تاركا عملية التطبيق للقراء أنفسهم.
اللّهم أجعل عملي هذا خالصا لوجهك الكريم، لا أبتغي منه إلا تبليغ رسالتك، ولا اطلب به إلا نيل رضاك. وان يكون تحت نظر وليك الاعظم صلوات الله عليه وعلى آله الطاهرين.

لبنان - بيروت ٢٣/ربيع الثاني/١٤١٦

مقدمة الطبعة الاولى

هذا هو الكتاب الثاني من مجموعة (دراسات في الثقافة المهدوية) التي وعدت القراء الأعزاء بإخراجها تباعا، وهو يتناول دراسة البشارة القرآنية والنبويّة بقيام ثورة الموطئين للمهدي في بلاد المشرق. والمتأمل في النصوص المبشّرة بهذه الثورة، يتأكد بأنها تتناول أهم الأحداث السياسية والعلائم الغيبيّة التي تسبق الظهور المقدّس على الإطلاق وذلك لأمرين مهمين:
الأول: لقيامها بمهمة التمهيد للثورة الإسلامية العالمية المرتقبة، وهو معنى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهديّ سلطانه»(١).
وكذلك قول الإمام علي (عليه السلام): «وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله»(٢).
الثاني: لأنّها السبب المباشر لعودة الإسلام إلى الحياة السياسية من جديد لمواجهة أعدائه بقيادة المجتمع الاسلامي البديل، بعد غياب طويل كان نتيجة لانحراف أبنائه المستبدلين عن نهجه الأصيل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨).
فإن المروي بأسانيد صحيحة في الصحاح الستة، أن القوم المستبدلين هم العرب والبديل عنهم الفرس. ويتحقق هذا الاستبدال في آخر الزمان عندما تتحقق شروطه السلبية في المجتمع المستبدل، والايجابية في المجتمع البديل.
ومن هذا المنطلق فإن ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) تمثل الجانب التطبيقي الإيجابي لقانون الاستبدال الإلهي في التاريخ السياسي للامة الإسلامية قبل الثورة المهدوية.
إنّ أساس البحث - لإثبات حتمية تحقق ثورة الموطئين - يعتمد على فهم قانون الاستبدال الإلهي ودوره في عملية التغيير الاجتماعي والسياسي وفي نقل مسؤولية حمل الرسالة وقيادة الأمة، من المجتمع الخائن للأمانة الإلهية إلى المجتمع البديل الذي توفّرت فيه المقومات الإيجابية لحملها والإشراف على تجربتها الإيمانية والسياسية والحضارية.
إن أهم عوامل الاستبدال السلبية، هو رفض رموز الخلافة الإلهية التي يجب أن تقود الامة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا العامل كان السبب المباشر لاختلاف الأمة بعد نبيّها وتمزقها وضعفها أمام أعدائها، وهو أيضا السبب الأكبر في انتقاض أحكام الاسلام وتفكك عراه، الأمر الذي أدى أخيرا إلى اقصائه عن التطبيق، وانحراف اكثر المسلمين عنه كما أخبر بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهنّ نقضا الحكم وآخرهن الصلاة»(٣).
ولهذا السبب أولينا قضية الخلافة الإلهية - المرفوضة من قبل المجتمع
المستبدل - اهتماما كبيرا في البحث واسهبنا في إيضاحها ودراسة الظروف التاريخية السلبيّة التي احاطت بها، باعتبارها من أهم عوامل الاستبدال ببعديه السلبي المتمثل في واقع المجتمع المستبدل الرافض لها، والإيجابي المتجسد في حركة المجتمع البديل المتمسك بها.
وحرصا منا على توفر اكبر قدر ممكن من الموضوعية العلمية في بحث قضية الموطئين، التي قد يوحي الموقع الجغرافي والقاعدة الاجتماعية لانطلاقتها بالطابع المذهبي والطائفي الخاص، فقد آثرنا الاقتصار على دراستها في حدود ما روي بشأنها من روايات في مصادر أهل السنة، على أمل العودة لموضوع البحث مرة أخرى ودراسته في كتاب مستقل في ضوء أحاديث مدرسة أهل بيت النبوة إن شاء الله تعالى.
موضوعات الكتاب

يتألف كتاب (ثورة الموطئين) من مدخل وثلاثة فصول وخاتمة.
تعرض المدخل لمنهج البحث مع تقديم فكرة عامة عن قانون الاستبدال ومبدأ اتباع سنن الماضين، وبيان علاقتهما بموضوع البحث.
وتناول الفصل الأوّل تفسير أهم وأطول نصّ قرآني تعرض لقانون الاستبدال وعوامله، وتطرق للمتغيرات السياسية والاجتماعية التي تحتم تحققه في تاريخ الأمة.
وأمّا الفصل الثاني فقد تصدى - في القسم الأوّل منه - لدراسة نصوص الاستبدال في السنّة النبويّة وقدم - في القسم الثاني - تصورا إجماليا لماضي وحاضر المجتمعين المستبدل والبديل لتسليط الأضواء على عوامل الاستبدال في مجالها التطبيقي في التاريخ الإسلامي.
وفي الفصل الثالث تمت مواكبة ثورة الموطئين، في ضوء البشارة النبويّة التي وصفتها بدقة منذ انطلاقتها حتى ظهور قائدها المنتظر (عليه السلام) وتسليم رايتها له، وتناول هذا الفصل أيضا عددا من الأبحاث التي لها علاقة مباشرة بموضوع الكتاب، مثل تقييم اخبار الموطئين من حيث الدلالة والسند، وذكر آراء بعض علماء أهل السنّة ممن تصدوا لدراستها، وعرض بعض الأدلة العقلية المؤيدة لمضمونها، والردّ على الآراء المعارضة لها، ثم انتهى الفصل بوقفة قصيرة في ظلال أحاديث الموطئين للمهدي (عليه السلام)، وبعد ذلك جاءت خاتمة الكتاب.
ومن الجدير بالذكر اننا لم نعالج - في هذا الكتاب - الاحاديث المروية من طرق الامامية، التي يستدل بها البعض على عدم شرعية العمل الجهادي بهدف إقامة مجتمع او دولة اسلامية صالحة قبل دولة المهدي المنتظر (عليه السلام)، لأننا بالأساس اقتصرنا على دراسة هذه القضية الغيبية في اطار ما روي بشأنها في مصادر أهل السنة فحسب.
وأنبه القراء الكرام بأنني هنا لا اطبق قضية الموطئين على الثورة الاسلامية المعاصرة في ايران؛ لأنّ عملية التطبيق تتطلب إحاطة علمية كاملة بجميع المواصفات المنصوص عليها للحدث الغيبي المستقبلي وهي لم تتوفر كلها في هذه الدراسة، بسبب استبعادها احاديث أهل البيت (عليهم السلام) التي تميّزت بإعطاء ادق المواصفات والتفاصيل لحركة الثورة الموطئة للمهدي (عليه السلام) في انتصاراتها وهزائمها، واستقامتها وانحرافاتها، وفي وصف قياداتها منذ انطلاقتها حتى تسليم رايتها للإمام المهدي (عليه السلام).
من أهداف البحث
ليس الهدف من هذه الدراسة أن ألهم العاملين للإسلام روح الاسترخاء والاستسلام لثقافة الغيب، وإنّما غرضي منها أن أضعهم في اطار المخطط الإلهي الغيبي لمستقبل هذا الدين، لينطلقوا في عملهم الرسالي والجهادي من وعي شامل للفكر الاسلامي بكل أبعاده الموضوعية والغيبيّة، فيتميزوا بذلك عن الاحزاب الدينية الضالة والعلمانية المنحرفة، التي تصادر عنصر الغيب في فهم الأحداث السياسية وتفسيرها، وتستبعد تدخل الله تعالى في الصراع بين قوى الكفر والايمان على أرض الواقع.
وفي ضوء الرؤية المستقبلية المستمدة من رسالة المغيبات الإسلامية يصبح المجاهدون في مأمن من خطر الجهل بالمؤامرات الفكرية والسياسية التي تخطط لها دول الكفر وطوابير النفاق وائمة الضلال لمواجهة قواعد الاشعاع الرسالي والجهادي التي تتحقق على الأرض بالإمداد الغيبي والتخطيط الإلهي.
وليعلم القراء الاعزاء ان الثقافة الغيبيّة لم تنزل من السماء إلى الأرض، ولم تصدر من مقام النبوة المقدس، ليهرب المسلم في خيالها البعيد عن واقعة الاجتماعي المليء بالمأساة، والزاخر بالظلم والجور والفساد، ويعيش في ظلالها المستقبل المجهول، ويتخلى عن مسؤولياته الشرعية، بل هي رسالة الهدى الإلهي للمسلم الرسالي الواعي في صراعه مع رموز الكفر والنفاق والضلال، فهي لا تنفصل في اهدافها التربوية وابعادها السياسية عن أهداف الاسلام لأن الدين المحمدي كلّ لا يتجزأ في أهدافه وأبعاده.
وأخيرا لابدّ من الالتفات إلى خطورة البحث في بشائر الإسلام المستقبلية لكثرة ما يلفّها من عوامل الغموض، ويحيط بها من أسباب الإبهام المتعددة نتيجة الطابع الغيبي الذي يكتنف نصوصها وأحداثها وغير ذلك من الأسباب الأخرى، كالوضع والتحريف وغيرهما. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ بحث هذا اللون من الفكر الإسلامي بحثا تحليليا هو في الواقع من الدراسات الإسلامية الجديدة المبتكرة، التي لم تكن معروفة من قبل، ولهذا اختلفت فيه مناهج الباحثين وتعددت آراؤهم وكثرت اخطاؤهم، مما يدل على ابتعاد الجميع عن المنهج العلمي الصحيح في دراسته، وهو امر لا زالت المكتبة الاسلامية تتطلع إلى الأقلام العلمية الموضوعية المبتدعة في مضماره، ومن هذا المنطلق ارجو من القراء الأعزاء أن يواكبوا معي هذه التجربة الفكرية بدقة وتأمل، ويشاركوني آراءهم ويتفضلوا عليّ بكلمة هادية أو ملاحظة مرشدة أو نقد وجيه بنّاء يمكّنني من تلافي النقص وتقويم أسس البحث وإصلاح الخطأ في مادته ومنهجه.
اللّهم ﴿سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ اَلْعَلِيمُ اَلْحَكِيمُ﴾ عليك توكلنا وإليك أنبنا، وآخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين والصّلاة والسلام على محمد خير خلقه وآله ائمة الهدى وصحبه النجباء...

لبنان - بيروت الخميس ٩ شعبان ١٤١٢ ه

المدخل

تفسير المغيبات القرآنية
ذكرنا في بحث سابق أنّ القرآن حصر مبادئ الثقافة الغيبية - الخاصة بالحوادث المستقبلية - في أصول ثمانية، وأوكل مهمّة بيانها وإعطاء التفصيلات اللازمة عنها، إلى السنّة النبويّة فجاء مجموع ما روي حولها، عن النبيّ وأهل بيته، ما يزيد على عشرة آلاف حديث من طريق الفريقين(٤).
وقضية الموطئين للمهدي، من جملة قضايا الغيب المستقبلية التي أولاها القرآن اهتماما كبيرا، وتعرض لها في اكثر من عشر سور قرآنية، وتصدت السنّة المحمديّة لتقديم الإيضاحات والتفاصيل الدقيقة عن احداثها في اكثر من ثلاثمائة نص في مصادر الفريقين.
وقبل الدخول في صلب البحث لابد من التعريف بطريقتنا في تفسير المغيبات القرآنية، لأن تفسير القرآن يعني: إيضاح مراد الله تعالى في كتابه الكريم، وهو غير جائز من دون الاعتماد على منهج علمي معترف به شرعا لقوله تعالى: ﴿ولاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الاسراء: ٣٦) فلا يجوز الاعتماد في التفسير على أيّ دليل لم تثبت حجيته بالنقل - كالرأي والقياس والاستحسان، والظنون الباطلة وغيرها من الحجج الواهية - لحرمة اسناد شيء إلى الله بغير إذنه ﴿قُلْ الله أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩).
ولعلّ أصح المناهج العلمية في التفسير واكثرها دقة وقدرة على إعطاء القرآن حقه من الإيضاح والبيان هو المنهج العلمي الجامع لطريقة التفسير الموضوعي التي تعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، مع الاسترشاد بالثابت والصحيح من السنة النبويّة بالإضافة إلى ضرورة فهم مفردات النصّ القرآني في ضوء علوم العربية وتراثها المتفق عليه. فإذا جمعنا بين هاتين الطريقتين في تفسير القرآن استطعنا أن نفهم فكرته بمنطق الوحي ونوره، وبلغة النبوّة وهديها، لأنّ طريقة التفسير الموضوعي تستجلي الفكرة القرآنية، في ضوء المنطق القرآني الذي نزّله الله تعالى ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وهُدىً ورَحْمَةً وبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩). وأمّا التفسير بالمأثور من السنّة النبويّة فهي الطريقة الشرعية الأصيلة، التي أمرنا الله تعالى بأخذ تعاليم القرآن من خلالها في قوله تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ولَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٤). وطبقا لهذا المنهج العلمي سنحاول - إن شاء الله تعالى - تفسير المغيبات القرآنية الخاصة بموضوع البحث.
قانونان إلهيان
تتوقف معرفة قضية الموطئين ودراستها في القرآن على ايضاح قانونين إلهيين وهما: قانون الاستبدال، وقانون السير على نهج سنن القرون الماضية ولنشرع ببيانهما باختصار:
قانون الاستبدال
الاستبدال، والإبدال، والتبديل، والتبدّل، هو جعل شيء مكان آخر، وهو اعم من العوض الذي بإعطاء الأول يصير لك الثاني، أمّا التبديل، فقد يقال للتغيير مطلقا وإن لم يأت ببدله(٥)، قال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ اَلَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ (البقرة: ٥٩). وقال تعالى: ﴿ولَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور: ٥٥). وقال تعالى: ﴿وإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ (النحل: ١٠١). ومنه تبديل قوم بآخرين افضل منهم، لحمل أعباء الرسالة للعالمين، قال تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد ٣٨).
ولا يتحقق الاستبدال في التاريخ ما لم تتحقق شروطه وهي في المجتمع المستبدل ثلاثة: الأوّل: رفض خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنصوص عليهم من قبل الله تعالى. الثاني: التخاذل عن الجهاد. الثالث: التخلي عن تطبيق دين الله تعالى وهجر مبادئه وقيمه والانحراف عن شريعته.
وأمّا شروطه في المجتمع البديل، فهي أيضا ثلاثة: الأوّل: التمسك بالخلافة الإلهية. الثاني: الجهاد لحماية الأمة وتحقيق أهداف الرسالة الالهية في الحياة. الثالث: السعي لتطبيق الاسلام واعادته لقيادة الحياة من جديد.
وليس من الضروري أن تتوفر - حين تحقق الاستبدال - جميع شروطه في المجتمع البديل، وانما يكفي أن تكون مقوماتها ومؤهلاتها موجودة فعلا في شخصيته الدينية، ثم تتكامل عقائديا وسلوكيا، بمرور الزمن من خلال تجاربه الجهادية وصراعه المرير مع اعدائه من اجل تحقيق اهداف الدين في الحياة.
ولقانون الاستبدال الاجتماعي في القرآن بعدان ربانيان احدهما سلبي، والآخر إيجابي. ففي بعده السلبي هو عقوبة للمجتمع المستبدل، كما قال تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة ٣٩). وأما في بعده الإيجابي فهو تفضيل وتكريم من الله تعالى للمجتمع البديل المختار لحمل الرسالة وقيادة الأمة بعد الغاء دور المجتمع المستبدل كما هو صريح قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
هل تحقق الاستبدال في التاريخ؟
يظهر من النصوص القرآنية ان الاستبدال قد حدث فعلا مرتين في التاريخ وانه سيتحقق مرة ثالثة في المستقبل.
المرّة الأولى: وقع الاستبدال في تاريخ بني اسرائيل. وأول شرط تحقق منه حين تمردوا على خلافة هارون بقيادة السامريّ المنافق بعد ما اغواهم بعبادة العجل وصرفهم عن طاعة خليفة نبيّهم - باسم الدين - مستغلا فترة ذهاب موسى (عليه السلام) إلى ميقات ربّه وتأخره عن الموعد الذي حددّه لهم. وبهذا الموقف الخياني، حقق الإسرائيليون شرطين من شروط الاستبدال، في آن واحد وهما: رفض خليفة موسى (عليه السلام) وهجر تعاليم رسالته. والآيات التالية تصور لنا هذا الموقف التاريخي: ﴿ووَاعَدْنَا مُوسى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وقَالَ مُوسى لِأَخِيهِ هَارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ (الاعراف ١٤٢). ﴿واِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَ لَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ ولاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ (الاعراف: ١٤٨). ﴿ولَمَّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَ عَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وأَلْقَى اَلْأَلْوَاحَ وأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ اَلْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ اَلْأَعْدَاءَ ولاَ تَجْعَلْنِي مَعَ اَلْقَوْمِ اَلظَّالِمِينَ * قَالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي ولِأَخِي وأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وأَنْتَ أَرْحَمُ اَلرَّاحِمِينَ﴾ (الاعراف: ١٥٠ و١٥١).
فالشرط الأول تمثل في المؤامرة على هارون أخي نبيهم وخليفته الشرعي، وفي محاولة قتله.
والشرط الثاني للاستبدال تجسد في انحرافهم عن تعاليم موسى (عليه السلام) ورجوعهم إلى عبادة الاوثان التي تمثلت بعبادة العجل.
أما الشرط الثالث، وهو التثاقل عن الجهاد، فقد تحقق في تاريخهم بعد توبتهم من عبادة العجل بفترة قصيرة جدا! عندما دعاهم موسى (عليه السلام) لتحرير فلسطين من سلطة الجبارين الغاصبين لها، فرفضوا أمره بحجة أن لا قوة لهم على مجابهة عساكر الجبارين. قال تعالى في تصوير هذا الموقف: وإذ قال موسى لقومه ﴿يَا قَوْمِ اُدْخُلُوا اَلْأَرْضَ اَلْمُقَدَّسَةَ اَلَّتِي كَتَبَ الله لَكُمْ ولاَ تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ اَلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ ورَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وبَيْنَ اَلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: ٢٠ - ٢٦).
وبعد أن تحققت جميع شروط الاستبدال في تاريخ بني اسرائيل حلت بهم حينئذ عقوبة الاستبدال التي تمثلت في مأساة التيه أربعين سنة في صحراء سيناء فسلبهم الله تعالى كل النعم التي كان يغدقها عليهم قبل التيه، كالمن والسلوى وتظليلهم بالغمام لتقيهم من حرارة الشمس وتفجير اثنتي عشرة عينا من الماء العذب، لشربهم وأرتواء مواشيهم وسقي مزارعهم، وغير ذلك من النعم الأخرى التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ اَلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى اَلْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: ٤٧). ﴿وظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْغَمَامَ وأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ اَلْمَنَّ واَلسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ومَا ظَلَمُونَا ولَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (البقرة: ٥٧)، ﴿وإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصَاكَ اَلْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا واِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ الله ولاَ تَعْثَوْا فِي اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (البقرة: ٦٠).
فهذه النعم كلها سلبت منهم، عندما حلّت بهم عقوبة الاستبدال التي تمثلت بالتيه، فبدأوا يحفرون الآبار بأيديهم بحثا عن المياه تحت حرارة الشمس المحرقة، وانتشروا في الصحراء الواسعة تلفحهم رياحها الحارة، برمالها الموجعة، وهم يجوبون الأرض بحثا عن مصادر عيشهم وسعيا لتأمين حياتهم. وقد اختصر القرآن هذه الفترة المرهقة من تاريخهم في آيتين وهما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ فِي اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا وكَذَلِكَ نَجْزِي اَلْمُفْتَرِينَ﴾ (الاعراف: ١٥٢)، وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي اَلْأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ﴾ (المائدة: ٢٦).
وفي السنوات الاولى من التيه تبلورت حركة جهادية جديدة في اوساط بني اسرائيل تدعوهم للعودة إلى الدين وتحثهم على الجهاد لتحرير فلسطين من سلطة الجبارين، وكان يتزعم قيادة هذه الحركة اتباع يوشع بن نون، وصي موسى بعد هارون (عليهما السلام)، ومعه الفرقة الناجية - من فتنة السامريّ - وهي المشار اليها بلسان الرجلين الناطقين باسمها في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ اَلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ الله عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ اَلْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وعَلَى الله فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ٢٣).
وتذكر الكتب المعنية بتاريخ بني اسرائيل: أن يوشع استطاع أن يحرر فلسطين من هيمنة الجبارين مع المؤمنين بخلافته خلال حروب دامية، ومعارك جهادية متواصلة، دامت سبع سنوات، وبتحريرها انتهت مأساة التيه المريرة ومعاناته الشاقة، - التي دامت أربعين سنة - ودخلوا فلسطين فاتحين كما اشار القرآن في قوله: ﴿وإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هَذِهِ اَلْقَرْيَةَ وكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ واُدْخُلُوا اَلْبَابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ اَلْمُحْسِنِينَ﴾ (الاعراف: ١٦١).
ووفقا لقانون الاستبدال، تصبح الفرقة الناجية من فتنة السامريّ التي قادها وصي موسى (عليه السلام) في معارك تحرير فلسطين هي القاعدة الاجتماعية البديلة عن الجيل الإسرائيلي الأول الذي اضله السامريّ، وبتحرير فلسطين، وإقامة حكم الله على ارضها، يكون يوشع (عليه السلام) وجماعته المجاهدون الثوار، قد مهدوا للدولة التوراتية، التي وعد الله بتحققها في فلسطين بقيادة نبي الله داوود وولده سليمان (عليهما السلام).
المرة الثانية: التي تحقق الاستبدال فيها، كانت أيضا في تاريخ بني اسرائيل، بعد أن ادخلوا في الدين ما لم ينزل الله به من سلطان، وتمادوا في الانحرافات وفي قتل انبياء الله واوصيائهم وتشريدهم، فباؤوا بغضب من الله تعالى، فاحلّ بهم عقوبة الاستبدال الكبرى، وطردهم من موقع قيادة البشرية وحمل رسالته التي فضلهم بها على العالمين، وكتب عليهم الذلّة بين شعوب العالم في طول التاريخ، واختار بدلا منهم قوما آخرين لحمل رسالته والاشراف على تجربتها السياسية والحضارية، وهم العرب فقال تعالى: ﴿وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ﴾ (الاعراف: ١٦٧)، وقال تعالى: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ اَلذِّلَّةُ واَلْمَسْكَنَةُ وبَاؤُ بِغَضَبٍ مِنَ الله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ الله ويَقْتُلُونَ اَلنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١).
وقال تعالى في حسدهم للعرب الذين اختارهم منطلقا لهداية العالمين برسالة خاتم المرسلين: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ الله بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ الله مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (البقرة: ٩٠) وقال تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ ولاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ واَللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥).
وقال تعالى مخاطبا القيادة والقاعدة الجديدة لرسالته بدلا من بني اسرائيل: ﴿وإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (الزخرف: ٤٤).
المرّة الثالثة: تقع في تاريخ الأمة الاسلامية بعد التآمر على خلفاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من أهل بيته واغتصاب حقهم والتخلي عن جهاد اعداء الله من اليهود والنصارى، وهجر شريعة القرآن، والى هذا الاستبدال اشار القرآن في قوله تعالى: ﴿وقَالَ اَلرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هَذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (الزخرف: ٤٤)، وفي قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (الفرقان: ٣٠) وفي هذه المرة يكون المجتمع المستبدل هم - العرب قوم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمجتمع البديل هم ابناء فارس. وهذا الاستبدال هو موضع دراستنا في هذا الكتاب.
مبدأ اتباع سنن الماضين
قال الجرجاني في التعريفات: السنة في اللغة الطريقة المتبعة مرضية كانت أو غير مرضية. وجمعها سنن ويطلق عليها ايضا المثال المتبع، وقد ورد كلا التعبيرين في القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ الله فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ (الاحزاب: ٦٢) وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (يونس: ١٠٢).
ومن هنا يتضح أن مبدأ اتباع سنن الماضين يستهدف وضع تجارب الرسالات والأمم السابقة - في هداها وضلالها وفي انتصاراتها وهزائمها - بين يدي الامم اللاحقة لتستلهم منها العظات والتجارب والعبر، حتى لا تقع بالأخطاء والانحرافات العقائدية والسياسية والحضارية نفسها التي وقعت بها الأمم السابقة، ويمكن أن يستوحى هذا الهدف الرباني من هذا المبدأ من قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اَلْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وهُدىً ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة: ٢١٤).
وفي ضوء تجارب الماضين تتمكن الطليعة المجاهدة من الأمم اللاحقة من وضع مسار حركتها الرسالية في الخطّ الرباني المستقيم الذي يجنبها السقوط في مهاوي الانحراف وسبل الضلال، فتعمها مبادئ العدل الإلهي سياسيا واجتماعيا في الدنيا وتفوز برضى الله تعالى في الآخرة.
وتشعر النصوص القرآنية والنبوية - التي تعرضت لهذا المبدأ - بحتمية مرور الأمة الاسلامية بنفس التجارب التي مرت بها الامم السابقة، في استقامتها وانحرافها، في الحرب أو في السلم، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ واَلضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ واَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ الله أَلاَ إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤)، وقال تعالى: ﴿أَ حَسِبَ اَلنَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ الله اَلَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ اَلْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ٢ و٣).
وأخرج البخاري، عن ابي سعيد الخدري، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال:
«لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه! قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟»(٦).
وعن المستورد بن شداد أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا تترك هذه الامة شيئا من سنن الأولين حتى تأتيه»(٧).
وعن مسروق قال: كنا جلوسا ليلة عند عبد الله - يعني ابن مسعود - يقرئنا القرآن، فسأله رجل فقال: يا ابا عبد الرحمن! هل سألتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كم يملك هذه الامة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عن هذا احد - منذ قدمت العراق - قبلك، قال [نعم] سألناه فقال: «اثنا عشر عدة نقباء بني اسرائيل»(٨).
وعن ابن عباس قال: قدم يهودي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقال له نعثل فقال له: يا محمد انّي اسألك عن اشياء تلجلج في صدري منذ حين فان اجبتني عنها اسلمت على يدك. قال: سل يا ابا عمارة - والحديث طويل طرح فيه جميع أسألته على النبي - ثم سأله النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائلا: يا ابا عمارة أتعرف الاسباط؟ قال: نعم يا رسول الله! إنهم كانوا اثني عشر اولهم لاوي بن برخيا، وهو الذي غاب عن بني اسرائيل غيبة طويلة ثم عاد فأظهر الله به شريعته بعد دراستها وقاتل قرشطيا الملك حتى قتله. فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إنّه كائن في أمتي ما كان في بني اسرائيل، حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، وأن الثاني عشر من ولدي يغيب، حتى لا يرى، ويأتي على أمتي زمن لا يبقى من الإسلام الاّ اسمه ولا من القرآن الاّ رسمه فحينئذ يأذن الله تعالى له بالخروج فيظهر الإسلام ويجدد الدين»(٩).
وعن ابن عمر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ليأتين على أمتي ما أتى على بني اسرائيل حذو النعل بالنعل حتى أن كان منهم من أتى أمّه علانية لكان في امتي من يصنع ذلك وأن بني اسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملّة كلهم في النار الاّ واحدة! قالوا: من هي يا رسول الله!؟ قال: ما أنا عليه واصحابي»(١٠).
وعن عوف بن مالك، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «افترقت بنو اسرائيل على احدى وسبعين فرقة وتزيد أمتي عليها فرقة ليس فيها فرقة اضر على أمتي من قوم يقيسون الدين برأيهم فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما احل الله»(١١).
ويستفاد من مجموع هذه النصوص القرآنية والاحاديث النبوية، أن الفتن والاختلافات الدينية، والصراعات السياسية والدموية، التي تواجه اتباع الرسالات الالهية متشابهة جدا، في كل الأمم، والى هذه الظاهرة العامة التي تطبع التاريخ الديني للبشرية، اشار بعض المؤرخين بقوله: «أن التاريخ يعيد نفسه»، ووفقا لهذا المبدأ، لا بدّ أن تواجه الامة الإسلامية جميع الفتن الداخلية التي واجهت بني اسرائيل، ابتداء من فتنة الخلافة، مرورا بقضية الاختلاف العقائدي والفرقة المذهبية، والتخاذل عن تحرير فلسطين خوفا من سطوة المستكبرين، انتهاء بحلول عقوبة الاستبدال بالمتمردين على الرموز الشرعية للخلافة الالهية، كما سنقرأ تفاصيل ذلك في الفصول القادمة إن شاء الله تعالى.
وفي ضوء مبدأ اتباع سنن الماضين يجب أن نعي الأبعاد القرآنية التي يستهدفها الوحي من وراء عرض قصص الأمم السابقة، وخاصة ما يرتبط منها بتجربة بني اسرائيل، باعتبارها من أوسع التجارب الدينية عطاء لأنها حظيت بعدد كبير من الأنبياء والمرسلين واحتلت مساحة واسعة من التاريخ بالإضافة إلى انّها أول تجربة دينية ذات أبعاد سياسية وتشريعية شاملة.
ويجسد مبدأ اتباع سنن القرون الماضية الجانب التطبيقي للاستبدال لذلك لا يستغني الباحث في احداث الاستبدال التاريخية عن دراسة تاريخ الرسالات الالهية وتجاربها السياسية والعقائدية في ضلالها وهداها، وفي هزائمها وانتصاراتها.

الفصل الأول: الاستبدال الموعود في القرآن

الاستبدال الموعود
اعتنى القرآن بموضوع الاستبدال الموعود، اكثر من الاستبدالين السابقين، وتعرض له في اكثر من عشر سور، باعتباره يمثل النقلة الالهية السياسية الأخيرة في التاريخ، التي تضع الدين الخالد على ابواب ثورته الاسلامية العالمية المرتقبة بقيادة المهدي المنتظر (عليه السلام).
ولقد أشار القرآن الكريم إلى العوامل السلبية للاستبدال الموعود في تاريخ الامة، بكل صراحة ووضوح في النصوص التالية:
العامل الاول: رفض الولاية الالهية والتمرد على رموز الخلافة الشرعية المتمثلة بالإمام علي والأئمة من أهل بيته، وهو المعني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥١ - ٥٦).
وسيأتي تفسير هذا النص القرآني بكامله بعد قليل ان شاء الله.
العامل الثاني: التثاقل عن جهاد أعداء الله، والركون إلى مسالمتهم، وهو المعني في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اِثَّاقَلْتُمْ إلى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨ و٣٩).
العامل الثالث: التخلي عن مبادئ الدين والتزاماته، والتراجع عن مسؤولية تطبيقه في الأمة، وهو المشار اليه في قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ، ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨).
والآيات القرآنية النازلة بخصوص الاستبدال الموعود كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ، وكَانَ الله عَلى ذَلِكَ قَدِيراً﴾ (النساء: ١٣٣) وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحُكْمَ واَلنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الانعام: ٨٩) وقوله: ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (الجمعة: ٣ - ٤).
وسنقتصر في هذا الكتاب على تفسير نصين من هذه النصوص القرآنية الخاصة بموضوع الاستبدال بشكل مفصل، أما بقية النصوص فسنتناولها بشكل مختصر خلال البحث إن شاء الله تعالى.
تفسير النص القرآني الأول
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ واَلنَّصَارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ * فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ * وَيَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ * يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥١ - ٥٦).
هذه الآيات من أهم النصوص القرآنية الخاصة بالاستبدال الموعود، واكثرها استيعابا لعوامله السلبيّة والإيجابية معا لأنها تعرضت لخصائص المجتمعين - المستبدل والبديل - وفصّلت كل ما اجملته نصوص الاستبدال السابقة، من مفاهيم وأفكار وانحرافات واحداث سياسية وجهادية مستقبلية ترتبط بتاريخ هذين المجتمعين الإسلاميين، ومن هنا كان لا بد لنا من الوقوف معها طويلا. وسنحاول تفسير هذه الآيات في موضوعات نتناول فيها البحث عن المراد من معنى الولاية بين اليهود والنصارى من جهة، وبينهما وبين مرضى القلوب من جهة اخرى، ونبحث ايضا عن هوية مرضى القلوب فهل هم المنافقون أم غيرهم؟ وعن المقصود من الفتح هنا، هل هو فتح مكة أم فتح آخر؟ وعن معنى الارتداد هل المقصود منه الارتداد عن الإسلام إلى الكفر المتحقق زمن ابي بكر كما يقول الرازي؟ أم المقصود منه معنى آخر يقع في حوادث أخرى كما يرى العلامة الطباطبائي؟! وكذلك نثير الكلام - كما أثاره القرآن - هنا حول هوية القوم الموعود بهم، الذين سيبعثهم الله تعالى ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ فهل هم المقاتلون لأهل الردة، في زمن ابي بكر، كما يعتقد الرازي أم هم قوم آخرون؟ كما يقول العلامة الطباطبائي؟ واخيرا نتعرض لتفسير آية إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا لنعرف هل من علاقة وارتباط بينها وبين الآيات التي قبلها، أم لا يوجد اي نحو من الارتباط كما فسرها العلامة الطباطبائي.
الولاية بين اليهود والنصارى
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ واَلنَّصَارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١).
معنى الولاية
الولاية: مصدرها ولي وتطلق في اللغة على ولاية المودة والمحبة والحلف والنصرة وعلى ولاية الدين والاعتقاد، وعلى ولاية الملك والأب، والحاكم(١٢). فما المراد من الولاية التي تقع بين اليهود والنصارى، ومرضى القلوب ولماذا حذر الله تعالى المؤمنين من خطورة التورط بها؟
رأى العلاّمة الطباطبائي
يرى العلامة الطباطبائي ان المراد من الولاية في هذه الآية هي ولاية المودّة والمحبة(١٣).
والظاهر عدم صحة هذا الرأي؛ لأنه لا يتفق مع ما جاء في سورة المائدة نفسها حيث اكدت ان العلاقات الاجتماعية بين افراد المجتمع اليهودي وكذلك بين افراد المجتمع النصراني تقوم دائما على أساس العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ففي وصف المجتمع اليهودي قال تعالى: ﴿وقَالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ الله مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ولَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَاناً وكُفْراً وأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَةَ واَلْبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَاراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله ويَسْعَوْنَ فِي اَلْأَرْضِ فَسَاداً واَللهُ لاَ يُحِبُّ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ (المائدة: ٦٤). وفي وصف المجتمع النصراني قال تعالى: ﴿ومِنَ اَلَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ اَلْعَدَاوَةَ واَلْبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ الله بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (المائدة: ١٤).
والعداوة والبغضاء نقيض المحبّة والمودّة، وهما عقوبة إلهية على اليهود والنصارى ستبقى تتحكم في علاقاتهما الاجتماعية إلى يوم القيام كما هو ظاهر هذه النصوص القرآنية، فاذا نفى القرآن إمكانية تحقق علاقة المودّة والمحبّة بين افراد المجتمع اليهودي، فكيف نتصور تحققها بينهم وبين النصارى الذين يختلفون معهم اختلافا عقائديا كبيرا، ويكنون لهم عداء تاريخيا ودينيا عميقا، ويعتقدون بأنهم وبقية الشعوب الاخرى لا يحق لهم العيش في الحياة الاّ تحت حماية الحراب اليهودية وفي ظل جبروتهم وسلطانهم باعتبارهم شعب الله المختار كما يدعون، وكذلك النصارى فهم من جهة يضمرون مشاعر العداوة والبغضاء لبعضهم، ومن جهة اخرى يكنون في صدورهم نفس المشاعر الحاقدة تجاه اليهود، وكما شهد الله بعداوتهم لبعضهم شهد باختلافهم وعداوتهم لليهود ايضا، موكدا استمرار هذه الحالة بينهم وبين اليهود إلى يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وقَالَتِ اَلْيَهُودُ لَيْسَتِ اَلنَّصَارى عَلى شَيْءٍ وقَالَتِ اَلنَّصَارى لَيْسَتِ اَلْيَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهُمْ يَتْلُونَ اَلْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ اَلَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (البقرة: ١١٣). فهذه النصوص القرآنية تنفي امكانية وقوع ولاية المودة والمحبة بين اليهود والنصارى وهو أمر من المستحيل تحققه بينهم في الحياة الدنيا مما يؤكد معارضة النص القرآني صراحة لما ذهب اليه العلامة الطباطبائي.
اما ولاية المودة والمحبة بين أهل الكتاب والمسلمين فان ذلك يقتضي رضا اليهود والنصارى عن المسلمين، وهو أمر غير متصور الاّ اذا تخلى المسلمون عن دينهم عقائديا لا سلوكيا فحسب، كما أكد القرآن ذلك في قوله تعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اَلْيَهُودُ ولاَ اَلنَّصَارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ اَلْهُدى ولَئِنِ اِتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ اَلَّذِي جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ الله مِنْ وَلِيٍّ ولاَ نَصِيرٍ﴾ (البقرة: ١٢٠).
وبهذا يتّضح: استحالة تحقق ولاية المودّة والمحبّة بين اليهود والنصارى في طول التاريخ نظرا للعقوبة الإلهية التي تقتضي إلقاء العداوة والبغضاء داخل مجتمعاتهم إلى يوم القيامة، وعدم إمكانية تحققها بينهم وبين المسلمين ايضا، كما هو مفاد لن التأبيدية وحتى الشرطية التي علقت تحقق هذا النوع من الولاء على تخلى المسلمين عن عقائدهم والتزاماتهم الدينية.
رأى الفخر الرازي
ذهب الفخر الرازي إلى أن معنى الولاية هنا الحلف والنصرة! والعجيب أنه يحاول أن يضفي على هذا التحالف المزعوم - بين اليهود والنصارى ومرضى القلوب - طابعا واقعيا، في عصر النبوّة، مع أنه لم يوجد للنصارى أي وزن اجتماعي يذكر في الجزيرة العربية حتى يمكن تصور تحالفهم مع اليهود، ونتعقل ضرورة تحذير المؤمنين من التورط في محالفتهم. والمقطوع به تاريخيا أن ولاية الحبة أو الحلف والنصرة لم تكن متحققة بين اليهود والنصارى، منذ محاولة قتل السيد المسيح (عليه السلام) ومنذ ذلك التاريخ إلى يومنا هذا واليهود متهمون بهذه الجريمة من قبل النصارى، ولأجل هذه التهمة شهد التاريخ معارك دينية واختلافات سياسية وحروبا دموية طاحنة بين الطرفين، وكانت الغلبة دائما في جميع تلك المعارك للنصارى، والهزيمة والاضطهاد والقتل الجماعي المروع من نصيب اليهود، وهو ما يؤكد استمرار فاعلية العقوبة الإلهية المكتوبة عليهم في الدنيا إلى يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ﴾ (الاعراف: ١٦٧)، بل أخبر الله في سورة (الصف) صراحة غلبة النصارى على اليهود في طول التاريخ في قوله تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إلى الله قَالَ اَلْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ الله فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا اَلَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ (الصف: ١٤).
والطائفة المؤمنة هي التي تنصّرت، والكافرة هي التي بقيت على يهوديتها فأيد الله النصارى على اليهود وسلّطهم عليهم سياسيا وجعلهم يتحكمون بحياتهم، وبمصيرهم إلى يوم القيامة(١٤).
وهكذا يظهر رأي العلاّمة الرازي، اكثر غرابة من رأي العلاّمة الطباطبائي، لأنه ليس فقط اجتهادا مخالفا للنصّ القرآني المؤكد لاستمرار وديمومة حالة الاختلاف الديني والصراع التاريخي بين اتباع الديانتين اليهودية والنصرانية، بل هو أيضا تزوير للتاريخ وتزييف للواقع الذي شهد عداء مستحكما وحروبا دموية طاحنة بين الطرفين، بدأت منذ محاولة اليهود قتل نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى يومنا هذا، واذا صح تفسير الولاية المنهي عن اقامتها من قبل المسلمين مع أهل الكتاب بالحلف والنصرة - كما يدعي الرازي - فعليه لا يجوز للمسلمين شرعا عقد اتفاقيات دفاعية ومحالفات تجارية وغيرها من عهود الحلف والمناصرة الضرورية لحفظ الدولة الاسلامية ورعاية مصالح المجتمع الاسلامي مع دول أهل الكتاب ودول الكفر والشرك الاخرى، وهذه الفتوى التي تبرع بها الرازي منافية لطبيعة التعايش البشري ولروح الإسلام ومعارضة بالسيرة النبوية الثابتة، حيث عقد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) محالفات دفاع مشتركة بينه وبين يهود بني قريظة والنضير في المدينة وبينه وبين بعض القبائل العربية المشركة المعادية للزعامة القرشية، وكان هدفه من تلك المحالفات حماية الدولة الإسلامية من الاعتداءات الخارجية المحتملة، واستمرت محالفاته مع الجميع حتى اسلمت القبائل العربية المشركة بعد فتح مكة واظهرت القبائل اليهودية خيانتها للدولة الاسلامية فأمر باخراجها من المدينة لأنها اصبحت تهدد أمنها واستقرارها بسبب علاقتها الخفيّة بقوى المشركين خارج المدينة ودعمها لحركة النفاق وطابوره الخطير داخل المجتمع الإسلامي في المدينة.
الرأي الصحيح
في ضوء مناقشة الرأيين السابقين يتضح عدم صحة تفسير الولاية في قوله تعالى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ واَلنَّصَارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ بولاية المودّة والمحبة، ولا بولاية الحلف والنصرة، وعليه يبقى المعنى مجملا في هذه الآية، فلا بد من اللجوء إلى معاجم اللغة والسنّة النبوية لتفسيره.
قال في (النهاية):
والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل. وكل من ولي امرا فهو مولاه ووليه. وقول عمر لعلي: «اصبحت مولى كل مؤمن» أيّ ولي كل مؤمن فحقيقة كلمة المولى من يلي امرا ويقوم به ويتقلده، والمحب والحليف والاب والربّ والمتصرف وغيرها من المعاني هي مصاديق حقيقتها، فيطلق لفظ المولى على العبد لأنه القائم بأمر سيده، وعلى الحليف والنصير لأنه القائم بنصرة صاحبه فيما يحتاجه من نصرة، وهكذا فاللفظ مشترك معنوي، وقد يأتي معنى الولاية في سياق الجملة مبهما لتردده بين معان عديدة، كما هو الحال في قوله تعالى:
﴿لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ واَلنَّصَارى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فلا يعلم هل يريد ولاية المودّة والمحبة، أم الحلف والنصرة، أم التصرف والحاكمية. وفي مثل هذه الحالة لا بد من اللجوء إلى القرائن السياقية والخارجية لتحديد
معناها فنقول:
في ضوء مناقشة رأي العلاّمة الطباطبائي اتضح لنا بما لا يقبل الشك أنه لا يراد من الولاية في هذه الآية المودّة والمحبة. أما ولاية الحلف والنصرة، فواقع العداء التاريخي بين اليهود والنصارى يشهد بعدم تحققها ثم ان الآية تشعر بأن تحققها بينهما لا بد أن يكون متعاصرا من جهة أخرى مع تحققها بينهما وبين مرضى القلوب من المسلمين وهو ما لم يعرفه التاريخ الإسلامي ماضيا وحاضرا اطلاقا، ولا يصح اعتبار العلاقة المعاصرة القائمة بين امريكا النصرانية ودولة اسرائيل اليهودية، على أساس ولاية الحلف والنصرة فأمريكا في غنى عن مناصرة اسرائيل لها، بل اسرائيل تتلقى الدعم الاقتصادي والاسناد العسكري دائما منها.
وكذلك العلاقات القائمة بين الدول اليهودية والنصرانية وبين الحكومات الظالمة في العالم الاسلامي، فإنها تنطلق من تبعية حكام دول العالم الاسلامي الاذلاء لدول الاستكبار المتصرفة بمصير عميلها الحاكم وشعبه المظلوم وفقا لمصالحها السياسية والاقتصادية والعسكرية، بينما ولاية الحلف والنصرة تشعر بلون من المساواة في الحقوق والواجبات بين الحلفاء، وبنوع من الكرامة والحرية، والاستقرار والاستقلال يسود مجتمع الحلفاء في ظل عهود الحلف والمناصرة، ومثل هذا الشعور غير متحقق في ظل حكومات الدول الإسلامية المعاصرة العميلة لدول الاستكبار العالمية ذات النفوذ اليهودي والنصراني.
ولهذا نستبعد إرادة معنى الحلف والنصرة من كلمة الاولياء في هذه الآية، بل المراد منها ولاية التصرف والحاكمية بأبعادها السياسية بالإضافة إلى ذلك فإننا نعتقد أن هذا الولاء السياسي بين الثالوث المشؤوم حدث غيبي، من جملة الاحداث السياسية الخطيرة التي تنبأ القرآن بحدوثها في مستقبل تاريخ الصراع السياسي للأمة الإسلامية مع أعدائها والفترة التاريخية التي تشهد البشرية خلالها ولادة هذا الولاء السياسي العالمي بين طواغيت اليهود والنصارى وحكام العالم الاسلامي العملاء لهم هي فترة آخر الزمان كما اصطلحت على تسميتها أخبار الملاحم، والغاية من هذا الولاء في دوافع طواغيت اهل الكتاب هي محاولة اطفاء نور الإسلام واخماد صوته والحاق الهزيمة باتباعه المخلصين، بعد عودته إلى الحياة السياسية وقيادة الصراع ضد اعدائه من جديد بعد غياب طويل حينما يظهر في حركة التمهيد للدولة الاسلامية العالمية الموعودة، وقد ذكرت سورة التوبة اهداف هذا الولاء السياسي بين اليهود والنصارى وهي في معرض الحديث عن مخططاتهما المعادية للإسلام في آخر الزمان بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ ويَأْبَى الله إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ * هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٢ و٣٣). ولكن هذا الولاء الشيطاني سوف لا يحقق اهدافه السلبية الخطيرة على حركة الصحوة الاسلامية الممهدة للمهدي (عليه السلام) بسبب الوعد الإلهي القاضي بإظهار الاسلام على الاديان كلّها وهزيمتها في الميدان بقيادة المهدي المنتظر (عليه السلام)، كما يفهم صراحة من الآيات السابقة.
بداية الولاء السياسي بين اليهود والنصارى
كان ذلك في مطلع القرن العشرين، عندما أعطت بريطانيا - بالاتفاق مع امريكا - اليهود، وعد بلفور عام ١٩١٧ م القاضي بإنشاء وطن قومي لهم على ارض فلسطين الإسلامية. وفي اعقاب الحرب العالمية الأولى تأسست عصبة الأمم بقيادة الدول النصرانية الكبرى التي خرجت منتصرة في الحرب ومنحت بريطانيا حق الانتداب على فلسطين عام ١٩٢٢ م فقامت الحكومة الانكليزية بالتخطيط لإقامة الدولة الاسرائيلية من خلال سيطرتها اداريا واقتصاديا وعسكريا على فلسطين، فعينت مندوبا يهوديا لها عليها، هو (هربرت صموئيل) الذي استمر في حكمه ست سنوات، يشرع القوانين الادارية والعمرانية، ويصدر التعليمات ويرسم الخطط العسكرية لصالح اليهود، ولضرر المسلمين، مما شجع اليهود في العالم على الهجرة إلى فلسطين، واضطر عددا من المسلمين لمغادرة اراضيهم تحت الضغوط المختلفة الجائرة، التي كانت تمارسها سلطة الانتداب البريطاني اقتصاديا وعسكريا ضدهم، وتحت الإرهاب الوحشي الذي كان يفتعل على شكل مجازر جماعية بحق الفلسطينيين العزّل من السلاح، من قبل الجيش اليهودي الذي شكلته حكومة الانتداب واطلقت عليه اسم (حراس المستعمرات). وبمرور الزمن تعمّق الولاء السياسي بين الدول النصرانية، والدويلة اليهودية اللقيطة، واستمر التعاون بينهما حتى اخذ ابعادا دولية، واصبح امرا قانونيا عندما اصدرت هيئة الأمم المتحدة قرارا بإنشاء دولة لليهود في فلسطين عام ١٩٤٧ م وصوتت عليه الدول النصرانية الكبرى كلها وفي طليعتها الدول الدائمة العضوية في الأمم المتحدة.
وهذا الولاء السياسي الجديد بين الصليبية واليهودية مكّن اليهود في الأرض الاسلامية وسيمهد لإفسادهم وعلوهم المتنبأ به في قوله تعالى:
﴿وَقَضَيْنَا إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي اَلْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي اَلْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ (الاسراء: ٤).
ومن الواضح أنه ليس باستطاعة شراذم اليهود وصعاليكهم طرد المسلمين من بلادهم واحتلال جزء كبير من اراضيهم، وأن يكون لهم موقع سياسي مكين، وعسكري مهيب في قلب العالم الإسلامي، ويمارسون إفسادهم الخلقي وعتوهم السياسي وعلوهم العسكري وهم اقلية فيه، من دون أن يتلقوا الدعم الكامل وبمختلف اشكاله من الصليبية العالمية وخاصة دولها الكبرى التي لها وحدها الهيمنة والجبروت والاستكبار على خارطة العالم السياسية كلها.
وعلى كلّ حال لقد تجذرت الشجرة اليهودية الخبيثة على أرض فلسطين الاسلامية، واصبح من الصعب على حكام العرب اجتثاثها، والعالم النصراني بسلطانه واساطيله يسهر عليها ويرعاها. وبينما كانت حكومات الدول العربية تغط في سبات عميق اذا بها تفاجأ بالعدوان الثلاثي على دولة مصر الإسلامية بقيادة الجيوش البريطانية والفرنسية واليهودية عام ١٩٥٦ م.
وبمباركة الاستكبار الصليبي لأطماع اليهود التوسعية تحولت دويلة إسرائيل بمرور الأيام إلى قوة رهيبة مخيفة لا تقهر بنظر حكام العرب فاستسلموا أمام حروبها وجبروتها ورضخوا لمطاليبها، واعترفوا بشرعية كيانها من دون أن يحصلوا على أي اعتراف منصف بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة لا منها ولا من أوليائها المستكبرين.
وهذا الولاء بين اليهود والنصارى في صورته الجديدة لم يقم على أساس المودة والمحبة كما تصور العلاّمة الطباطبائي ولا على أساس التحالف الديني او التحالف العسكري كما ذهب العلامة الرازي، وانّما يقوم على اساس حفظ المصالح المشتركة من الخطر الاسلامي، فهو ولاء سياسي لا علاقة له بالدين لاعتقاد الطرفين بفصل الدين عن السياسة وفقا لمقولتهم المشهورة:
«ما لله لله وما لقيصر لقيصر»، فلا يتعارض هذا الولاء مع الآيات السابقة التي نصت على اختلافهم الديني وتحكّم عقدة العداوة والبغضاء بينهم إلى يوم القيامة.
نعم لا مانع أن يستخدم السياسيون من الطرفين رجال دينهم لتكريس الولاء السياسي بينهما وتعميقه ودعمه دينيا، ولم يكن بيان البابا في روما، الذي اصدره عام ١٩٧٥ م لتبرئة اليهود من دم المسيح (عليه السلام) الاّ محاولة دينية بدافع دبلوماسي مخطط لها لدعم هذا الولاء ومباركته دينيا لأنه كان وما زال يواجه صعوبات مذهبية وعقبات دينية متعددة بين اتباع الديانتين لشدة العداء التاريخي المستحكم بينهما.
وكذلك لا يتعارض هذا الولاء، مع الوعد الإلهي القاضي بإبقاء اليهود دائما تحت سيطرة النصارى إلى يوم القيامة، لأن الدول المسيحية تمثل الطرف الاقوى فيه، وهي التي تصمم شكله وطبيعته بحكم هيمنتها على العالم، فلها ولاية التصرف والحاكمية على اليهود ومقدراتهم لا في فلسطين فقط وإنما في العالم كله.
ومن هنا يصح القول بأنّ النصارى لا يزالون ظاهرين على اليهود، كما تنبأ القرآن، وان اختلفت طريقة ظهورهم عليهم في ظل الولاء السياسي الجديد، عن الفترات الماضية التي كانوا يمارسون فيها ضدهم مختلف اساليب القهر والاضطهاد والاذلال والظلم بحقهم.
وكذلك لا يتعارض هذا الولاء السياسي بين اليهود والنصارى مع قوله تعالى: ﴿وإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ اَلْعَذَابِ﴾ (الاعراف: ١٦٧) لان مواجهة اليهود للعذاب إلى يوم القيامة، يشعر بوجود جهة تذيقهم سوء العذاب دائما، ولكن لا دليل في الآية على أن هذه الجهة محددة بفئة معينة، أو بالنصارى خاصة، فلئن اطمأنت قلوبهم من جهة النصارى في فترة الولاء السياسي بينهما فإنها سوف لا تطمأن اطلاقا من جانب المسلمين المجاهدين الذين لا يمكن أن يساوموا على قضية فلسطين وينسوا ابناءها المظلومين تحت قبضة اليهود والمشردين منهم وراء الحدود، فلا بد أن يذيقوهم سوء العذاب، بعملياتهم الجهادية والاستشهادية المستمرة حتى يطهّروا الأرض المقدسة من لوثتهم ووجودهم وكان ذلك وعدا مفعولا كما نص عليه في سورة الاسراء، وكل ذلك يكون من مصاديق الوعد القرآني القاضي بديمومة العذاب الدنيوي على اليهود في فترة ولائهم السياسي مع النصارى.
موالاة مرضى القلوب لليهود والنصارى
قال تعالى: ﴿فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: ٥٢).
من هم مرضى القلوب؟
قال الفخر الرازي: هم المنافقون، كعبد الله بن أبي واصحابه تبعا لما جاء في روايات أسباب النزول. وقال العلاّمة الطباطبائي: بل هم جماعة غير المنافقين لأن الله تعالى ذكرهم في آيات، ولم يذكر المنافقين، وذكر المنافقين ولم يذكرهم، وذكرهما معا في قوله تعالى: ﴿وإِذْ يَقُولُ اَلْمُنَافِقُونَ واَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا الله ورَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً﴾ (الاحزاب: ١٢)، وفي قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ اَلْمُنَافِقُونَ واَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاَءِ دِينُهُمْ﴾ (الانفال: ٤٩).
وهذا مما يؤكد ان مرضى القلوب جماعة غير المنافقين والفرق بين الجماعتين، أن المنافقين جماعة آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، ومرضى القلوب جماعة ضعفاء الايمان، يصغون لكل ناعق ويميلون مع كل ريح، فهم نمط وسط بين المنافقين والمؤمنين ولهم قابلية الالتحاق بأحد الفريقين، لأن مرض القلب قابل للزيادة والنقيصة والشفاء والاستفحال، على عكس النفاق، فهو كفر مستبطن، والكفر موت للقلب - ليس مرضا فيه - فلا يصدق وصف مرضى القلوب على المنافقين وانما وصفهم القرآن في سورة البقرة (البقرة: ١٠) بذلك لبيان حال تنقلهم من مرض القلب إلى الزيادة فيه، إلى أن طبع الله تعالى على قلوبهم، وحالة الطبع موت للقلب لا مرضا فيه.
هذا هو رأي العلاّمة الطباطبائي في تحديده لهوية مرضى القلوب، ويعتقد أيضا أن حالة مرض القلب ستعم المجتمع الإسلامي في آخر الزمان بسبب هيمنة سياسة اليهود والنصارى على المسلمين ومخالطتهم لمجتمعاتهم وتأثرهم بأخلاقهم وانحرافاتهم، حينئذ يبعث الله تعالى قوما يحبهم ويحبونه وهم في نظره الإمام المهدي (عليه السلام) وأصحابه.
ومن هذا المنطلق يرى العلاّمة الطباطبائي أن جميع الأحاديث التي تصف فساد المجتمع الإسلامي وانحرافاته في آخر الزمان ما هي الاّ تفصيل وبيان لحالة مرض القلب، التي سيبتلى بها في ذلك العصر القريب من ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) لذا يختم بحثه حول مرضى القلوب ببعض الاحاديث النبوية التي تصف الانحرافات العامة في مجتمع آخر الزمان، بعد أن يحاول أن يثبت صحتها بالدليل الإجمالي العام.
ونحن نتفق معه في أن مرضى القلوب في هذه الآية خاصة بجماعة يظهرون في آخر الزمان وهم غير المنافقين في صدر الاسلام، ونؤيد ذلك بدليلين من مضمون الآية:
الأول: قوله تعالى: ﴿نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ الدال على خشية مرضى القلوب من سطوة اليهود والنصارى، والخوف على مصالحهم ووجودهم من سلطانهم وجبروتهم، مما يدعوهم للمسارعة في موالاتهم حفظا لأنفسهم ورعاية لمصالحهم وهذه الحالة لا تنطبق على وضع المنافقين، ولا على وضع اليهود والنصارى في عصر النبوّة، لأن سورة المائدة نزلت في السنة الأخيرة من حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أن كسر شوكة الكفر، وقضى على زعماء الجاهلية وحطم اصنامهم، وشيّد دولة الاسلام ومكّنها سياسيا واقتصاديا وعسكريا، واضحت قوة عظمى تتحدى الامبراطوريتين الكسروية والقيصرية في معاقلهما. أما اليهود فقد حاصرهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - بعد أن نكثوا عهدهم معه، وتحالفوا مع قريش في معركة الاحزاب - ومزقهم شر ممزق واجلاهم عن ضواحي المدينة ثم كاتب فلولهم على الالتزام بالمحافظة على أمن الدولة الاسلامية، وأن يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وأما نصارى نجران فلم يكن لهم وزن يذكر، ومع ذلك فقد فتح المسلمون نجران سنة عشر هجرية صلحا على الفيء، ثم اخرجوهم من نجران وابعدوهم إلى بلاد الديلم في خلافة عمر(١٥). ومن يتأمل الآية يشعر بأن لليهود والنصارى نفوذا مشتركا وتسلطا عاما على بلاد المسلمين، وهذا هو الذي يجعل مرضى القلوب يراعون جانبهم ويسارعون في موالاتهم، ويخضعون لهم غير مكترثين بالمؤمنين، وكل هذه الاجواء الاجتماعية والسياسية التي تثيرها هذه الآية لا تنطبق على المنافقين ولا على اليهود والنصارى في عصر النبوّة ولا بعده من عصور الخلافة الاسلامية.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: ٥٢). فهذه الآية تدل على أن الهزيمة يوم الفتح ستلحق باليهود والنصارى وأوليائهم من مرضى القلوب، فهي لا تنطبق على فتح مكة لأن الضربة وجهت فيه لكفار قريش فقط. اما المنافقون في المدينة، فكانوا يعملون بالاحتياط والخفاء، تحت الرقابة الأمنية المشددة من قبل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمؤمنين، قبل الفتح، وقد تنفسوا الصعداء بعد الفتح حيث اتصلوا بجماعتهم الطلقاء وابناء الطلقاء وغيرهم من الموتورين بسيف علي (عليه السلام) من بيوتات قريش، ومن ذلك اليوم بدأوا مخططا جديدا لضرب الاسلام بالصميم، من خلال التسلّل للمواقع القيادية في الدولة، والعمل لاستلام الخلافة بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكل هذه الشواهد التاريخية تعزز الطابع الغيبي لهذا النص القرآني وتنفي علاقته بوضع المنافقين في صدر الاسلام.
أمّا روايات أسباب النزول التي استشهد بها الفخر الرازي على نزول هذه الآية بخصوص المنافقين في صدر الاسلام، فليس فيها رواية واحدة مسندة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تؤيد ذلك، بل هي مجرد اجتهادات من بعض الصحابة والتابعين وتطبيقات منهم للآية على حوادث فردية متفرقة وهي كلها اجنبية عن سياقها ومضمونها.
ولاية اليهود والنصارى على المسلمين
بدأت ولاية اليهود والنصارى على المسلمين سياسيا، بعد احداث الغزو الصليبي للوطن الإسلامي، وكانت الحكومات والزعامات العربية الخائنة، أول من سارع في طاعة الغزاة المحتلين، وبعد نجاح عملية الغزو وسيطرة الغزاة على جميع مراكز الثروة ومقاليد الحكم في الاقطار الاسلامية، تطور الولاء السياسي بين المحتلين ووكلائهم الخونة من حكام المجتمعات الاسلامية، وظهرت آثاره السلبية على الامة فكريا وخلقيا وحضاريا، مستهدفة فصلها عن عقيدتها وسلب اصالتها الدينية.
إن نظرة عامة لما يعانيه المسلمون اليوم من ظلم وفقر، ومن مصادرة حرياتهم ونهب ثرواتهم وخيراتهم، وحرمانهم من اقل حقوقهم، في ظل حكوماتهم الجائرة الظالمة المستبدة، يكفي لمعرفة مدى عمق الولاء السياسي ومتانته بين دول الاستكبار اليهودي والنصرانية وعملائهم من حكام وزعماء المسلمين الخونة، وكان من أبرز حلقات التآمر على الاسلام والامة التي افرزتها مسيرة هذا الولاء السياسي بين الاسياد والعبيد في عصرنا الحاضر مبادرة السادات الذليلة، والحرب العراقية المفروضة على الدولة الاسلامية الإيرانية والمجزرة الوحشية بحق الحجاج الذين احرقوا العلم الامريكي والاسرائيلي في مكة وهم يعلنون البراءة من المشركين، وكذلك احتماء حكام العرب بالاحلاف الصليبيين في أزمة الكويت مع العراق، وحرب الحصار الاقتصادي والسياسي على الشعب العراقي والشعب الليبي وغيرهما من الشعوب والحكومات التي لا تحسن تنفيذ شروط الهيمنة الاستكبارية على بلادها.
ومن حلقات هذا التآمر أيضا طبع آل سعود - وكلاء الادارة الامريكية في الحجاز - لآلاف الكتب المليئة بالأكاذيب والدجل، وتوزيعها مجانا سنويا، بهدف تشويه حقيقة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ومحاربة الثورة الاسلامية الخمينية التي اعلنت عدائها الصريح لأمريكا المتغطرسة بكبريائها الشيطاني في عالمنا الاسلامي وعلى اسرائيل المتمادية في افسادها في ارضنا المحتلة وفي لبنان الاسلام والعروبة.
وكان من اخطر حلقات الولاء الشيطاني اليهودي المسيحي محاولة الالتفاف على ثورة الحجارة في الارض المحتلة للقضاء عليها تحت غطاء جهود السلام لحل ما يسمونه بأزمة الشرق الأوسط!! بالتعاون مع مرضى القلوب من الزعماء الفلسطينيين خونة القضية والمتاجرين بدماء شهدائها الأبطال.
وأخيرا وليس آخرا العمل الدولي المشترك لمحاصرة الصحوة الاسلامية في العالم الاسلامي تحت غطاء محاربة الارهاب والوقوف بوجه الاصولية المتشددة! والتآمر على الصيغة السياسية الديمقراطية في الجزائر ومحاولة تصفية المجاهدين في هذا البلد الاسلامي، بعد أن كادوا يستلمون السلطة في بلادهم.
لقد كشفت أحداث الجزائر الاخيرة عن متانة الولاء السياسي بين المستكبرين من أهل الكتاب ووكلائهم في عالمنا الاسلامي، وزيف شعارات الدول الغربية فيما يخص حماية حقوق الانسان والدفاع عن الديمقراطية وحرية الشعوب! وبات واضحا بأن الحرية مطلب مشروع لجميع الشعوب في العالم - وقد استطاعت الحصول عليه حتى تلك التي كانت تعيش تاريخا طويلا وراء القضبان الحمراء والجدران الحديدية - باستثناء الشعوب الاسلامية فإنها يجب أن تعيش دائما تحت رقابة العيون والحراب اليهودية والصليبية، والاّ فالدبابات والمعتقلات والمشانق على موعد معها في أيّ ساحة من ساحات
الحرية التي تحلم بها. وكل هذه الأحداث والقوانين الجائرة، والمواقف الظالمة المستبدة تجاه شعوب العالم الاسلامي، تصور لنا بعدسة الواقع عزم الثالوث الشيطاني(١٦) وجديّته في محاربة الاسلام المحمدي الاصيل حتى النفس الاخير، بهدف إخماد صوته وإطفاء نوره وإلحاق الهزيمة السياسية باتباعه المخلصين، ولكن يأبى الله الاّ أن يتم نوره ولو كره المشركون والظالمون ومرضى القلوب من حكام المسلمين.
الفتح الإسلامي الموعود
قال تعالى: ﴿فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾ (المائدة: ٥٢).
قال الفخر الرازي: ان المراد بهذا الفتح هو فتح مكة! وقال العلاّمة الطباطبائي: بل هو فتح اسلامي آخر لم يتحقق بعد والصحيح هو الرأي الأخير للأدلة التالية:
أولا: من الثابت - باتفاق المفسرين - ان سورة المائدة نزلت في السنة الأخيرة من حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بينما حدث فتح مكّة في سنة ثمان هجرية فالآية لا تنطبق عليه.
ثانيا: إنّ المنافقين لم يتضرروا في فتح مكة، ولم تنكشف نواياهم الخبيثة التي كانوا يسرونها قبل الفتح، بل التاريخ يذكر عكس ذلك تماما، حيث قويت شوكتهم، واتسع نطاق حركتهم ونفاقهم في محاربة الاسلام من الداخل، وفي تمزيق الصف الاسلامي، وخاصة بعد أن التحق بهم زعماء قريش الذين بدلوا الكفر بالنفاق، واسلموا مكرهين تحت سطوة الاسلام، فهذه الآية لا تنطبق لا على فتح مكة ولا على المنافقين ومرضى القلوب المعاصرين له.
ثالثا: ان الضربة العسكرية والهزيمة السياسية كانت موجهة في فتح مكة لكفار قريش ولزعمائهم العتاة، أما في هذا الفتح فهي موجهة للثالوث الشيطاني المتآمر على ضرب الإسلام واخماد صوته واطفاء نوره وهم: اليهود والنصارى وأولياؤهم مرضى القلوب من قادة المسلمين وعلمائهم المنحرفين عن نهج الولاية الإلهية وهو ما يعزز الطابع الغيبي لهذا النص القرآني ويؤكد عدم تحقق هذا الفتح الاسلامي الظافر حتى الآن.
ويستفاد من أخبار الملاحم والفتن أن هذا الفتح الموعود يتم على مرحلتين بقيادة الامام المهدي (عليه السلام) واصحابه وانصاره، يبدأ في المرحلة الاولى من بلاد الحجاز فيطهرها من طواغيت العرب، ثم تزحف جيوشه الفاتحة نحو العراق ثم تركيا وبلاد الشام، ثم كابل وبلاد الهند.
أما المرحلة الثانية من معارك هذا الفتح الاسلامي الأكبر فسوف تكون مع الصليبية العالمية، وفيها ينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء إلى الأرض حكما عادلا بين المسلمين والمسيحيين، وهو الأمر المردد في الآية مع الفتح الذي تعرضت لبيانه المغيبات النبوية في عشرات الأحاديث الواضحة الصريحة وفسرته بنزوله من السماء، وقد روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «لا تبرح عصابة من أمتي يقاتلون على الحق حتى يأتي أمر الله على ذلك»(١٧)، ثم نزع بهذه الآية: ﴿يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ ورَافِعُكَ إِلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وجَاعِلُ اَلَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥)، ففسر أمر الله تعالى بنزول عيسى (عليه السلام) وهو من اكبر انصار المهدي المنتظر (عليه السلام) في معركته الحاسمة مع النصارى عند ظهور الدجال.
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي امر الله وهم ظاهرون على الناس»(١٨). وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحقّ حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي فيقول: تقدم يا نبيّ الله فصلّ بنا فيقول: هذه الأمة امراء بعضهم على بعض»(١٩)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكما عدلا فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية»(٢٠).
وفسرت بعض الروايات (الأمر) بظهور المهدي المنتظر، وبعضها بنزول عيسى (عليهما السلام)، وفي نظري لا فرق بينهما لأن تحقق احدهما ملازم لتحقق الثاني.
والترديد بين الفتح ووقوع الأمر في الآية لا يعني وقوع احد الأمرين دون الآخر، كما في سائر الخطابات البشرية، بل لابد من وقوع الأمرين معا، كما يظهر لمن تتبع موارد الترديدات القرآنية.
والتهديد الموجه لمرضى القلوب وإن جاء بلغة الترجي في قوله تعالى:
﴿فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ إلاّ أنه حقيقة حتمية الوقوع بدلالة حكاية حالة الندم التي تحل بهم والهزيمة التي تلحق بأسيادهم اليهود والنصارى كما هو صريح ذيل الآية في قوله تعالى: ﴿ويَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هَؤُلاَءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾، والذين آمنوا هم الفاتحون والخطاب موجه منهم لمرضى القلوب في ساحة المعركة وهؤلاء إشارة لليهود والنصارى المندحرين، فهم الذين كانوا يقسمون بالله لأوليائهم من قادة المسلمين الخونة بأنهم معهم وانهم مخلصون في ولائهم لهم ولا يتخلون عنهم بل يقفون معهم في الشدّة والرخاء، ولكنهم يوم الفتح الظافر لم يستطيعوا أن يحموا أنفسهم ولم يحافظوا على نجاح مخططاتهم بل حبطت كلها فاصبحوا خاسرين فمن أين لهم القدرة على حفظ غيرهم؟ وقال بعض المفسرين: ان الخطاب موجه من الذين آمنوا لليهود والنصارى، وهؤلاء إشارة لمرضى القلوب وهو غير بعيد، ولكن مضمون النص وسياقه لا يساعدانه لمن تأمله.
الارتداد والمرتدون
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
الارتداد والردّة لغة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه، لكن الردّة تختص بالكفر، والارتداد يستعمل فيه وفيه غيره(٢١)، والمرتد اصطلاحا: هو كل من كفر بالله تعالى بعد الإيمان به والالتزام بدينه. والارتداد على صورتين:
ارتداد كليّ عن الدين، وآخر جزئي عن بعض عقائده أو احكامه. وقد وقع الخلاف بين المفسرين في المقصود من الارتداد في هذه الآية، وفي هوية المرتدين عن الدين، والمبعوثين بدلا منهم لقتال الكافرين، قال الفخر الرازي:
انّ المراد بالارتداد هنا هو الكفر الحقيقي بالدين والتخلي عنه كليا أو جزئيا، وفسر الآية بحوادث الردّة التي وقعت بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وقال العلاّمة الطباطبائي: ان الارتداد في هذه الآية تنزيلي لا حقيقي، ويعني به الانحراف عن الدين سلوكيا دون التخلي عنه عقائديا، وقد نزله الله تعالى منزلة الارتداد الحقيقي في قوله: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ (المائدة: ٥١)، ليؤكد خطورته من جهة سياسية وخلقية على مستقبل الفرد والامة.
والمرتدون في رأى الطباطبائي هم مرضى القلوب من الامة الذين يسارعون في موالاة اليهود والنصارى، ويتخلون عن جهاد اعداء الاسلام، ويقطعون صلتهم بالمؤمنين، مع إيمانهم بالدين والتزامهم ببعض مبادئه، ولكنّهم يحاولون التوفيق بين موالاتهم لأهل الكتاب وبين التزامهم بالدين، بطريقة تحقق رغباتهم الدنيوية المنحرفة، واطماعهم السياسية المريضة، بحيث لا تتعارض بنظر الناس مع سلوكهم السياسي المنحرف، لذلك يسخر الله تعالى منهم ويستهزئ بإيمانهم المشوب برغباتهم المريضة، وبموالاتهم لأعداء الله في قوله تعالى: ﴿ولَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ واَلنَّبِيِّ ومَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ ولَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (المائدة: ٨١).
ويؤكد العلاّمة الطباطبائي ارتباط آية الارتداد بما قبلها من الآيات الناهية عن ولاية اليهود والنصارى، ويقول: «إن هذه الآية وما قبلها هي من ملاحم القرآن ومغيباته المستقبلية»، بعد أن ردّ على العلاّمة الفخر الرازي الذي حاول أن يفصل آية الارتداد عما قبلها(٢٢).
الرأي الصحيح
والصحيح هو رأي العلاّمة الطباطبائي للأسباب التالية:
أولا: إنّ الآية تتنبأ بوقوع الارتداد من المؤمنين، لهذا وجهت الخطاب اليهم وحذرتهم من عواقب مخالفته، واحداث الردّة في عصر ابي بكر لم تقع في مجتمع المؤمنين داخل المدينة بل وقعت في أوساط الاعراب النائين عنها، وهم اكثرهم ممن شهد التنزيل بعدم ايمانهم بقوله: ﴿قَالَتِ اَلْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا ولَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ولَمَّا يَدْخُلِ اَلْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤)، وقال عنهم أيضا: ﴿اَلْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفَاقاً وأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ الله عَلى رَسُولِهِ واَللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة: ٩٧).
فإذا لم تثبت صفة الايمان بالله تعالى للأعراب في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكيف يتعقل تطبيق الخطابات القرآنية الموجهة للمؤمنين عليهم بعد وفاته؟!
ثانيا: ان سياق الآيات يدل على أن الارتداد يقع من المؤمنين لموالاتهم اليهود والنصارى، ولا دلالة فيه على وقوعه منهم بسبب خروجهم عن الدين وكفرهم بمبادئه، وهو ما يؤكد ارادة المفهوم التنزيلي للارتداد كما ذهب اليه العلاّمة الطباطبائي، دون المعنى الحقيقي الذي تصوره الرازي. أما الارتداد الواقع في عصر ابي بكر، فلم يكن لليهود والنصارى أي علاقة واضحة به، والسياق لا يدل عليه.
ثالثا: إنّ غاية ما استدلّ به الفخر الرازي لإثبات رأيه وأقوى ما عنده من أدلة لتفسير الآية بحوادث الردة هي تلك الآراء المنسوبة لبعض الصحابة والتابعين التي طبقت الآية على وقائع الردة، وهي بمجموعها مجرد اجتهادات منهم لم تسند إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإضافة إلى وجود اراء اخرى منهم معارضة لها مما يدعو إلى تهافتها وتساقطها(٢٣).
وعلى اي حال فإن المنهج العلمي الصحيح في تفسير النص القرآني ما اعتمد على سياقه ومضمونه، ثم البحث عن قرائنه الداخلية والخارجية لتوضيح معناه واستجلاء مفاهيمه، فحينئذ لا قيمة للأخبار اذا عارضت مضمونه وان كانت منسوبة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكيف بها اذا كانت مجرد اجتهادات شخصية من هذا وذاك. فإن دين الله لا يصاب بالآراء والاجتهادات الخاصة مما لا مستند له في الكتاب والسنة، وعلى أي حال فانّ مضمون آية الارتداد وسياقها وقرائنها الداخلية والخارجية كلها تتكلم بلغة التأكيد وبلسان الوحي المبين على صحة ما ذهب اليه العلامة الطباطبائي قدس الله روحه الطاهرة.
المجتمعان المستبدل والبديل
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
ذكرنا سابقا: بأن معنى الاستبدال المبحوث عنه هنا هو: تبديل قوم بآخرين افضل منهم لقيادة الامة وحمل الامانة الالهية والاشراف على تجربتها التربوية والسياسية والحضارية، ومواجهة اعدائها وتحقيق اهدافها وهذا هو المعنى المستفاد من الآية السابقة، وهي نظير قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨) لأن معنى التولي الاعراض عن الدين والتخلي عن مسؤولياته وواجباته، وهو مطابق لمعنى الآيات السابقة التي تحدثت عن ارتداد مرضى القلوب عن الدين وتخليهم عن ولاية اولياء الله، واتخاذهم اليهود والنصارى اولياء.
وقد اختلفوا في تشخيص الجماعتين المستبدلة والبديلة في هذه الآية وآيات الاستبدال الأخرى التي لم ترد فيها روايات مسندة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولعلاج هذا الاختلاف نقول: من الواضح أن الاستبدال لا يقع في تاريخ الامة الإسلامية إلاّ مرة واحدة، ويستفاد هذا من صريح الاحاديث الصحيحة التي كان كثيرا ما يتحدث بها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأصحابه في مناسبات عديدة عن هذا الأمر الخطير الذي سيواجه امته في المستقبل فكانوا يسألونه: من هؤلاء الذين اذا تولينا استبدلوا بنا؟ فيقول: هم ابناء فارس أو قوم هذا وهو يشير إلى سلمان الفارسي أو يضرب على منكبه أو على فخذه على اختلاف الروايات(٢٤).
وهناك طائفة من الأحاديث النبوية تبشر بقيام ابناء فارس بثورة اسلامية في آخر الزمان توطئ للمهدي (عليه السلام) سلطانه. وتوجد أيضا مجموعة من الأحاديث الصحيحة، تذم الحكومات العربية الظالمة والخط المنحرف في المجتمع العربي في آخر الزمان، وتمدح ابناء فارس وتذكر بأنهم سوف يقاتلون المنحرفين من العرب على الدين عودا كما قاتلوهم عليه بدء. وفي ضوء هذه المجاميع المختلفة من الأحاديث الكثيرة - التي سنتصدى لدراسة اكثرها في الفصول الآتية ان شاء الله تعالى - يتضح أن القوم المستبدلين هم المنحرفون عن الاسلام من العرب. أما القوم البديل عنهم فهم ابناء فارس وهذا هو مقتضى الجمع بين الروايات، وهو الظاهر أيضا من آيات الاستبدال في كلمات اكثر المفسرين حتى في الآيات التي اختلفوا في تفسيرها، فانهم بالرغم من ذلك كانوا يذكرون الفرس من جملة القوم المبعوثين بدلا من القوم المستبدلين، مع اتفاقهم على أن القوم المستبدلين هم العرب.
ففي تفسير الزمخشري لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحُكْمَ واَلنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الانعام: ٨٩).
وقال مجاهد: هم الفرس، ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها والقيام بحقوقها، كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به ويتعهده ويحافظ عليه(٢٥).
وقال الفخر الرازي في تفسير آية الاستبدال من سورة التوبة(٢٦): «قال سعيد بن جبير هم ابناء فارس». ومن اراد التوسع فليراجع آراء سائر المفسرين آيات الاستبدال حيث لا يسعنا ايرادها كلها في هذا الكتاب المختصر.
عوامل الاستبدال في الآية
ومن جوانب الإعجاز القرآني في آية الارتداد انّها جمعت بين أوصاف المجتمعين المستبدل والبديل، وتضمنت في منطوقها ومفهومها عوامل الاستبدال السلبية والإيجابية معا، وهي تتلخص بما يلي:
أولا: تمسك المجتمع البديل بالولاية الإلهية، واشير اليه في قوله:
﴿أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ﴾، على العكس من مجتمع المستبدلين الذين يسارعون في ولاية اليهود والنصارى.
ثانيا: التزام المجتمع البديل بالعمل الجهادي لمواجهة تحديات اعداء الأمة، وهو المعنى في قوله تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾، على خلاف مرضى القلوب المتخاذلين عن جهاد أعداء الامة بحجج واهية مزيفة، كما برروا ذلك بقولهم: ﴿نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾.
ثالثا: تمسك المجتمع البديل بمبادئ الدين وتطبيقه لقيمه في حياته الفردية والاجتماعية على عكس المجتمع المستبدل الذي ارتد عن مبادئ الدين سلوكيا وان كان متمسكا بها دينيا وعقائديا. واشير إلى هذا العامل في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾.
ويدل الحبّ المتبادل بين الله تعالى والقوم المبعوثين بدلا من المرتدين على البعد الإيجابي للاستبدال في المجتمع البديل، لأن حبه تعالى لهم يكشف عن رضاه عنهم، وهو لا يتحقق ما لم يلتزموا بدينه ويجاهدوا لنصرة رسالته واعلاء كلمته. وفي ظلال اوصاف القوم المبعوثين، تتجلّى اوصاف القوم المرتدين ممن اتخذوا اليهود والنصارى اولياء لحياتهم السياسية وتخلوا عن دورهم الرسالي رغبة في ذلّ الولاية الكافرة، ودنياها الزائلة، ومغرياتها الساقطة، فسارعوا اليها على حساب دينهم وكرامتهم واوطانهم، وتجاهلوا افسادها في بلادهم واذلالها لشعوبهم وتدميرها لأخلاق مجتمعاتهم واغتصابها لثرواتهم وأرضهم وتدنيسها لمقدساتهم.
رأيان آخران
ويوجد أيضا رأيان آخران، في تعيين القوم المبعوثين بدلا من المرتدين ولأهميتهما نذكرهما:
الرأي الأوّل: يذهب إلى أنّ القوم المبعوثين بدلا من المرتدين هم الاشاعرة قوم من اليمن، فقد أخرج (الحاكم) عن عياض الأشعري يقول: لما نزلت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هم قومك يا أبا موسى!» وأومى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيده إلى أبي موسى الاشعري(٢٧).
ونحن لا نريد أن نناقش في صحة سند هذه الرواية وهي كما نرى يرويها عياض الأشعري في مدح قومه الاشاعرة، وانما نحاول إثبات زيفها ووهنها من جهة أخرى فنقول:
ان هذه الرواية ساقطة من الاعتبار بسبب معارضتها للنصوص القرآنية الصريحة، والنبوية الصحيحة، التي نصّت على أن القوم المستبدلين هم العرب، والثابت ان الاشاعرة منهم فلا ينطبق عنوان «المبعوثين بدلا من المستبدلين» عليهم، بالإضافة إلى ذلك فان هذه الرواية معارضة للحديث الصحيح المروي بطرق متواترة، والمصرح بأن القوم البديل هم من أبناء فارس.
الرأي الثاني: يذهب إلى أن القوم المرتدين هم الناكثون والباغون والمارقون في الجمل وصفين والنهروان، وأما القوم المبعوثون لقتالهم فهم الإمام علي (عليه السلام) وأنصاره في المعارك الثلاثة، ومما يؤيد ذلك انطباق أوصاف الآية عليه، فيما وصفه به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم استدعاه لفتح خيبر بعد أن انهزم في المرّة الاولى عن فتحها ابو بكر، وفي المرّة الثانية عمر حينئذ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«لأعطين الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله ويحبّه الله ورسوله كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه» ثم دعاه في اليوم الثاني فأعطاها له ففتح الله تعالى خيبراً على يديه، ورجعت جيوش المسلمين بقيادته ظافرة مجللة بالغنائم الوافرة ترفرف عليها ألوية النصر(٢٨). وقد ذكر المؤرخون ان أشهر صفات علي (عليه السلام) شدته على أهل الشرك والكفر، وإن كانوا قبل الاسلام من أصدقائه وعشيرته، ونكايته فيهم في مقاماته المشهورة أوضح من أن تذكر، ومواقفه معروفة في التاريخ في تشييد أركان الدين والصلابة في كلّ الميادين والرأفة واللين بالمؤمنين. ومما يؤيد انطباق الآية عليه قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لصحابته: «ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله، فقال ابو بكر: انا هو يا رسول الله؟ قال لا، وقال عمر! أنا يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل» وكان اعطى عليّا نعله يخصفها(٢٩).
فيكون المراد من قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ هو علي واصحابه الذين قاتلوا معه الناكثين والباغين والمارقين، بدلالة نزول آية الصدقة بالخاتم بعد آية الارتداد بحق الإمام علي (عليه السلام) وسيتضح فيما بعد أن آية الصدقة بالخاتم نص على خلافته لأنها دعت إلى التمسك بولايته.
ونجيب على هذا الرأي: بأننا لا نمانع من انطباق الآية على الإمام علي (عليه السلام) ومن قاتل معه، ولكننا نحمل الروايات التي طبقتها عليه على نحو المثال والتقريب في ضوء قاعدة الجري والانطباق(٣٠)، التي تعني ان القرآن يجري على آخر الامة كما جرى على أولها، ولكنها لا تنطبق على تلك الحوادث التي عاصرها الامام علي (عليه السلام) في خلافته تمام الانطباق بالمعنى العلمي الحقيقي لتفسيرها وذلك لأسباب ثلاثة:
* ان قوله: فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ يشعر بأن القوم المأتي بهم بدلا من المرتدين لم يكونوا من الموجودين في عصر النزول، فلا تنطبق على الإمام علي (عليه السلام) وانصاره في المعارك الثلاثة لأنهم كانوا من الموجودين في عصر النزول.
* ان تورط المؤمنين بحالة الارتداد عن الولاية الإلهية سببه موالاتهم لليهود والنصارى سياسيا، والثابت تاريخيا أن لا علاقة للفئات الثلاثة التي خاصمت عليا (عليه السلام) ونكثت بيعته باليهود والنصارى.
* ولا ريب بأنّ عليّا (عليه السلام) أفضل مصداق لقوله ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ ولكن الشأن في انطباق الآية على عامة من قاتل معه أهل الجمل وصفين وقد غير وبدل وانحرف بعد ذلك كثير منهم، بينما وقع قوله:
﴿يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ على عمومه بدون استثناء.
سؤال وجيه
قد يقال: كيف إذن ينطبق قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ﴾ على قوم سلمان في مجتمع وزمان تملأ الأرض فيه ظلما وجورا وفسادا وضلالا؟ فهل يوفقون كلّهم للتوبة والعصمة بحيث يكونوا دائما ملازمين لطاعة الله ويكون دائما في محبتهم؟!
والجواب: إن الآية لا تنطبق عليهم كلهم، وانما هي خاصة بوزراء الإمام المهدي (عليه السلام) وأنصاره، وهم اكثرهم من أبناء فارس على ما جاء في الروايات من طريق الفريقين، وهو ما فهمه أيضا أكثر العلماء المحققين في أخبار المهدي المنتظر. قال الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي الطائي: وإن الله يستوزر له - يعني المهدي - طائفة خبأهم له من مكنون غيبه، وهم على اقدام رجال من الصحابة صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الاعاجم ما فيهم عربي، ولكن لا يتكلمون الاّ بالعربية(٣١). وقال الشيخ حسن العدوي المالكي:
إنّ وزراء المهدي من الأعاجم، ثم قال: إن المقصود بالأعاجم هم الفرس، ثم قال: إن الله يبعث جيشا من خراسان برايات سود نصرة له(٣٢).
الولاية في المجتمع الاسلامي
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥٥ و٥٦).
سبب نزول الآية
روى السيوطي في تفسيره (الدر المنثور) عن الخطيب في (المتفق) وعن عبد الرزاق، وعن عبد الله بن حميد، كل واحد منهم بسند خاص، عن ابن عباس، أنّ الآية نزلت في علي حينما تصدق بالخاتم في المسجد وهو راكع.
وروى أيضا عن ابي حاتم، بسنده عن سلمة بن كهل، وعن الطبراني في (الأوسط) بسنده عن عمار بن ياسر، أن الآية نزلت في علي في صدقة الخاتم.
وروى ايضا عن ابي الشيخ بثلاثة أسانيد، عن علي نفسه، وعن ابن عباس، وعن سلمة بن كهل، أن الآية نزلت في صدقة الخاتم بالمسجد.
وروى أيضا عن ابن مردويه بأربعة اسانيد، اثنين عن ابن عباس، وثالث عن علي، ورابع عن عمار، أن الآية نزلت في صدقة عليّ وهو راكع في المسجد.
وروى ايضا عن ابن جرير بأربعة اسانيد، عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن السدّي، وعن عتبة بن حكيم، أن الآية نزلت في علي عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.
وقد ذكر السيوطي لكل واحد من هذه الأسانيد الستة عشر متنا خاصا يروي قصة نزول الآية في صدقة الامام علي (عليه السلام) وهو راكع، ولكنني حذفتها توخيا للاختصار، فمن اراد الاطلاع عليها فليراجعها في تفسيره (الدرّ المنثور)(٣٣). علما بأنه لم يستقص جميع الأسانيد والأحاديث التي اخبرت بنزول الآية في قصة الخاتم، فلم يذكر خبر ابي ذر المروي في تفسير ابي اسحاق الثعلبي، وفي تفسير الفخر الرازي للآية، ولا خبر ابي رافع المرواي في كنز العمال نقلا عن الطبراني وابن مردويه وابي نعيم(٣٤)، ولا ما رواه المحبّ الطبري عن عبد الله بن سلام في (دخائر العقبى)(٣٥)، ولا ما أخرجه الحاكم الحسكاني في (شواهد التنزيل) عن انس بن مالك(٣٦).
وقد روى نزول الآية في علي (عليه السلام) رزين في (الجمع بين الصحاح)، وذكر ذلك النسائي في صحيحه عن ابن سلام، ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي من طرق خمسة، والماوردي، والقشيري، والنيسابوري والقزويني، والفلكي في (الابانة)، والواحدي في (أسباب النزول)، والسمعاني في (فضائل الصحابة)، وابو بكر الرازي في (أحكام القرآن)، وسليمان بن احمد في (المعجم الأوسط)، والبيهقي في (الشعب)، ومحمد بن فتال في (التنزيل)، وابو السعود والبيضاوي في تفسيريهما وجمع آخر من المفسرين(٣٧).
وقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ﴾، وقيل: هو حال - اي لفظ وهم راكعون - من يؤتون الزكاة، بمعنى يؤتونها حال ركوعهم في الصلاة، وانها نزلت في علي حين سأله سائل وهو راكع في صلاته، فطرح له خاتمه، وكأنه كان مرجا في خنصره، فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد بمثله صلاته.
تفسير الآية
قال الزمخشري: (أنّما) بالفتح تفيد الحصر، وعملها كعمل (إنّما) المكسورة، وقد اجتمعتا في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ (الأنبياء: ١٠٨)، فالأولى لقصر الصفة على الموصوف، والثانية بالعكس. وقال ابو حيان: هذا شيء تفرد به الزمخشري، ولا يعرف القول بذلك الاّ في (إنّما) المكسورة. وقال ابن هشام: كلام ابي حيان مردود، بمفهوم الآية السابقة ثم أخذ يفند مذهبه(٣٨).
وعلي اي حال، فالنحاة لا يختلفون على استفادة مفهوم الحصر من لفظة (إنّما) المكسورة، وهي الواردة في آية الصدقة بالخاتم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ الله﴾ (طه: ٩٨)، اراد تعالى إثبات الألوهية لنفسه ونفيها عن غير وكذا: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ (الرعد: ٨): وفهم ابن عباس اختصاص الربا بالنسيّة في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«إنّما الربا في النسيّة، وقال الشاعر:

أنا الذائد الحامي الذمار وإنّما * * * يدافع عن احسابهم أنا أو مثلي

وقال آخر:

ولست بالأكثر منهم حصى * * * وإنّما العزّة للكاثر

إن قيل: إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ ليس فيها حصر لوجود الانذار لغيره. أجبنا:
بلى، اذ التقدير - إنّما أنت منذر لا مجبر - ولم يقل الله تعالى: (إنّما انت المنذر).
والمولى والولي وصفان من الولاية، وحقيقتها الجارية في جميع مشتقاتها - القيام بأمر والتقليد له - كما يستفاد من كتب اللغة. قال في (النهاية):
والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، إلى أن قال: وكل من ولي أمرا فهو مولاه ووليه، إلى أن قال: وقول عمر لعليّ: اصبحت مولى كل مؤمن اي ولي كل مؤمن. وقال في (لسان العرب): قال سيبويه: الولاية بالكسر الاسم، مثل الإمارة والنقابة، لأنه اسم لما توليته وقمت به، واذا أرادوا المصدر فتحوا. إلى أن قال: والولي ولي اليتيم الذي يلي امره ويقوم بكفايته، وولي المرأة الذي يلي عقد النكاح عليها ولاية عنها فهو يستبد بعقد النكاح دونها(٣٩)، وفي الحديث: «ايما امرأة نكحت بغير اذن موليها فنكاحها باطل»(٤٠). وفي رواية وليها اي متولي أمرها انتهى.
فحقيقة كلمة الولي والمولى من يلي امرا ويقوم به ويتقلده، وما عدّوه من المعاني لها أنما هو مصاديق حقيقتها، وقد اطلقت عليها من باب اطلاق اللفظ الموضوع لحقيقة على مصاديقها كاطلاق كلمة الرجل على زيد وعمرو وبكر، فيطلق لفظ المولى أو الولي على الربّ لأنه القائم بأمر المربوبين، وعلى السيّد لأنه القائم بأمر العبد، وعلى العبد لأنه يقوم بحاجة السيّد وهكذا، فاللفظ مشترك معنوي.
اذا اتضح ذلك فاعلم: أنه لما نهى الله تعالى المؤمنين، عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء متصرفين في أمورهم السياسية والتشريعية، وحذرهم من الانصياع اليهم والارتداد عن نهج ولايته فلا بد له من تعيين رموز ولايته الشرعية الذين لهم وحدهم حق الطاعة والحاكمية في المجتمع الاسلامي، وفقا لقاعدة اللطف بعباده فانه لا يتصور بحقه ان ينهاهم عن شيء ثم لا يهديهم إلى بديله.
فاستخدم الله تعالى مفهوم الحصر المستفاد من إنّما لتحديد حقيقة ولايته وحصر رموزها بأهل محبته، فجعل ولايته اصلا تستمد منه ولاية رسوله المعطوفة عليها، واثبت ولاية علي (عليه السلام) خليفة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على امته بعده بالعطف على ولايته أيضا، واشار اليه بلفظ الجمع في قوله: ﴿واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ﴾ تعظيما لمنزلته وتكريما لمقامه في الولاية ليلفت الحاضرين في المسجد اليه ويعرفهم عليه، ويعينه لهم بأوصافه الثلاثة التي اجتمعت فيه وهي: الايمان، والصلاة، وايتاء الزكاة حال الركوع، فلا يشتبه عليهم بغيره، فيكون معنى الآية: إن الذي له حق الطاعة والحاكمية عليكم، ويلي أموركم من هو أولى بها منكم، إنما هو الله سبحانه ورسوله وخليفة رسوله الذي اجتمعت به الصفات الثلاثة ونزلت فيه الآية وهو راكع.
وبهذا يتضح عدم صحة حمل الولي في الآية على النصير أو المحب، أو غيرهما، اذ لا يبقى لهذا الحصر وجه، لأن ولاية النصرة والمحبة والاخوة عامة بين المؤمنين، غير مقصورة على احد، قال تعالى: ﴿واَلْمُؤْمِنُونَ واَلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١).
بالإضافة لمخالفته لروايات اسباب النزول الدالة على اثبات ولاية التصرف والحاكمية بأبعادها التشريعية والسياسية لعليّ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فعن ابي ذر، أنه قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهاتين والاّ صمتا ورأيته بهاتين والاّ عميتا يقول: «عليّ قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله». واني صليت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوما صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه احد، فرفع السائل يده إلى السماء، وقال: اللّهم أشهد اني سألت في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فما اعطاني احد شيئا، وعلي (عليه السلام) كان راكعا فأومأ اليه بخنصره اليمنى - وكان فيها خاتم - فاقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرآى النبي فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اللّهم إنّ اخي موسى (عليه السلام) سألك فقال: رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني، يفقهوا قولي، واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري واشركه في امري، فأنزلت قرآنا ناطقا ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ ونَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَاناً﴾ (القصص: ٣٥)، اللّهم وانا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليّا اشدد به ظهري. قال ابو ذر: فو الله ما اتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال: يا محمد اقرأ: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾(٤١).
وعن عمار بن ياسر قال: وقف بعليّ سائل وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأعلمه ذلك فنزلت على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الآية: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ﴾، فقرأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على اصحابه ثم قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه، اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»(٤٢).
ومعنى قوله هذا (صلّى الله عليه وآله وسلّم): من كنت متقلدا لأمره وقائما به فعليّ متقلد أمره وقائم به، وهذا صريح في زعامة الأمة وإمامتها وولايتها، فإن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زعيم الامة ووليها وسلطانها والقائم بأمرها، فلا بد أن يثبت لخليفته بعده ما ثبت له من الولاية العامة والزعامة التامة، كما هو صريح رواية ابي ذر التي قارن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيها مطلبه بمطلب اخيه موسى (عليه السلام) حينما طلب من الله تعالى، أن يجعل له وزيرا من اهله يشركه في امره.
تفسير الآية بالسيرة النبوية
وسيرة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مع صحابته في امر عليّ (عليه السلام) تدلّ بما لا يقبل الشك أنه قد اختاره بامر الله تعالى وليا وخليفة وإماما ووصيا على أمته بعده ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥).
ففي (صحيح الترمذي) عن عمران بن حصين، قال: بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جيشا واستعمل عليهم عليا، فمضى في السرية، فأصاب جارية فانكروا عليه، وتعاقدوا أربعة من اصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقالوا: اذا لقينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اخبرناه بما صنع عليّ، وكان المسلمون اذا رجعوا من السفر بدأوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسلموا عليه ثم انصرفوا إلى رحالهم، فلما قدمت السرية، سلموا على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقام احد الاربعة فقال: يا رسول الله! ألم تر إلى عليّ بن ابي طالب، صنع كذا وكذا؟ فاعرض عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)! ثم قام الثاني، فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالته، فاعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا! فاقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والغضب يعرف في وجهه فقال: «ما تريدون من عليّ! ما تريدون من علي! ما تريدون من عليّ! إن عليّا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي»(٤٣).
وفي رواية ابن حجر الهيثمي كان خالد بن الوليد هو المحرض على شكوى علي (عليه السلام) عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فبعث اليه بريدة بذلك فقال له رسول الله:
«يا بريدة! أما علمت أن لعليّ اكثر من الجارية التي اخذ، وأنه وليكم بعدي؟ قال فقلت: يا رسول الله! بالصحبة ألا بسطت يدك تبايعني على الإسلام جديدا، قال [بريدة]: فما فارقته حتى بايعته على الإسلام»(٤٤).
وفي رواية الإمام أحمد قال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «دعوا عليّا، دعوا عليّا، دعوا عليّا، إن عليّا مني وأنا منه، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي»(٤٥). وفي حديث ابن الاثير، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لوهب بن حمزة، وكان احد الذين شكوا عليّا له: «لا تقل هذا هو اولى الناس بكم بعدي»(٤٦). فهذه الكلمات النبوية صريحة في ارادة ولاية التصرف والحاكمية، ومن يتأمل قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أما علمت أن لعلي أكثر من الجارية التي اخذ، وإنه وليكم بعدي او هو اولى الناس بكم بعدي». أو قوله: «هو وليّ كل مؤمن بعدي»، يقطع بأنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اراد بهذه التصريحات إثبات ولاية التصرف والحاكمية السياسية لعلي (عليه السلام) على أمته بعده، وهذا هو الذي دفع بريدة لتجديد البيعة مرة ثانية مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ومن السيرة النبوية في إثبات الخلافة الإلهية العلوية حديث المنزلة الصادر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين خروجه لغزوة تبوك وخرج الناس معه، فقال له علي أخرج معك؟ فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا، فبكى علي، فقال له: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، الاّ أنّه ليس بعدى نبي، إنه لا ينبغي أن أذهب الاّ وأنت خليفتي»(٤٧).
ولا يخفى ما في هذا الكلام البليغ من الادلة القاطعة، والبراهين الساطعة، على أن عليّا ولي عهده، وخليفته من بعده الاّ ترى كيف أنزله منه منزلة هارون من موسى، ولم يستثن من جميع المنازل الاّ النبوة، واستثناؤها دليل على العموم. لأنك كما تعلم ان اظهر المنازل التي كانت لهارون من موسى وزارته له وشد أزره به، واشتراكه معه في امره، وخلافته عنه، وفرض طاعته على جميع امته بدليل قوله: ﴿واِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ (طه: ٢٩ - ٣٢)، وقوله: ﴿اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ (الاعراف: ١٤٢)، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسى﴾ (طه: ٣٥).
فعليّ بحكم هذا النص خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قومه، ووزيره في أمته، وشريكه في امره - على سبيل الخلافة والولاية عنه لا على سبيل النبوة - وله عليهم من فرض الطاعة بوزارته مثل الذي كان لهارون على امة موسى، ومن سمع حديث المنزلة فإنما يتبادر إلى ذهنه هذه المنازل كلها، ولا يرتاب في ارادتها منه، وقد اوضح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأمر فجعله جليا بقوله: «انه لا ينبغي أن اذهب الاّ وانت خليفتي»، وهذا نص صريح في كونه خليفته على امته بعده(٤٨).
ومما ينبغي الالتفات اليه أن حديث المنزلة، أول ما صدر من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ على شكل دعاء في المسجد بعد صدقة عليّ بخاتمه، فنزلت الآية ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا﴾ على رواية ابي ذر، وذلك قبل التوجه إلى معركة تبوك.
سند حديث المنزلة
قال الامام شرف الدين: لم يختلج في صحة سنده ريب، ولا سنح في خاطر احد أن يناقش في ثبوته ببنت شفة، حتى أن الذهبي - على تعنته - صرح في (تخليص المستدرك) بصحتة، وابن حجر الهيثمي - على محاربته (بصواعقه) - ذكر الحديث في الشبهة ١٢ من الصواعق، ونقل القول بصحته عن ائمة الحديث، الذين لا معول فيه الاّ عليهم، فراجع، ولو لا أن الحديث بمثابة من الثبوت، ما أخرجه البخاري في كتابه، فإن الرجل يغتصب نفسه عند خصائص عليّ وفضائل أهل البيت (عليهم السلام) اغتصابا.
ومعاوية كان امام الفئة الباغية، ناصب أمير المؤمنين العداء وحاربه، ولعنه على منابر المسلمين، وأمرهم بلعنه، لكنه - بالرغم من وقاحته في عداوته - لم يجحد حديث المنزلة، ولا كابر فيه سعد ابن ابي وقاص حين قال له - فيما أخرجه مسلم - ما منعك أن تسب ابا تراب؟ فقال: اما ما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله فلن اسبه، لان تكون لي واحدة منها احب اليّ من حمر النعم، سمعت رسول الله يقول له وقد خلّفه في بعض مغازيه: «أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الاّ أنه لا نبوة بعدي» الحديث، فأبلس معاوية، وكف عن تكليف سعد. وبالجملة فان حديث المنزلة مما لا ريب في ثبوته بإجماع المسلمين على اختلافهم في المذاهب والمشارب، وقد أخرجه صاحب (الجمع بين الصحاح الستة) في مناقب علي (عليه السلام) وصاحب (الجمع بين الصحيحين) في فضائل علي (عليه السلام) وغزوة تبوك، والبخاري في (غزوة تبوك)، ومسلم في (فضائل علي (عليه السلام))، وابن ماجة في (فضائل الصحابة)، والحاكم في (مناقب علي (عليه السلام))، والامام احمد بن حنبل في (مسنده) بطرق كثيرة، واخرجه البزار في (مسنده)، والترمذي في (صحيحه)، واورده ابن عبد البر في (احوال علي (عليه السلام) من الاستيعاب)، ثم قال ما هذا نصه: وهو من أثبت الآثار واصحها(٤٩).
بين خطبة الغدير وآية الصدقة بالخاتم
وخطاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التاريخي، بعد منصرفه من حجة الوداع اكثر خطاباته وتصريحاته السياسية بيانا ووضوحا وصراحة في تعيين علي (عليه السلام) خليفة على امته بعده، فهذا الخطاب صدر بعد نزول اية الصدقة بالخاتم، بأشهر قلائل، بالإضافة إلى أنه كان آخر خطاباته العامة، التي شهدها المسلمون من كافة الامصار، وبعده بفترة قصيرة توفي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولهذا افتتحه بنعي نفسه فقال: «كأني قد دعيت فأجبت، وإني قد تركت فيكم الثقلين احدهما أكبر من الآخر، كتاب الله تعالى، وعترتي فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»، ثم قال: «إنّ الله (عزَّ وجلَّ) مولاي، وأنا مولى كل مؤمن» ثم أخذ بيد علي فقال: «من كنت مولاه فهذا وليه اللّهم وال من والاه، وعاد من عاداه»(٥٠).
وفي لفظ آخر قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض، فسألت ذلك لهما ربّي فلا تقدموهما فتهلكوا، ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهما فانهم أعلم منكم» ثم اخذ بيد علي فقال: «من كنت أولى به من نفسه فعلي وليّه، اللّهم وال من ولاه وعاد من عاداه»(٥١).
وفي (صحيح الترمذي) قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، احدهما اعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي ولن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما»(٥٢). وفي (صحيح مسلم) عن زيد بن أرقم قال: إن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قام خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة ثم قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ألا يا أيّها الناس فإنّما انا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به وأهل بيتي»(٥٣).
هذه اقباس من أنوار خطاب الغدير ومن الملاحظ أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) افتتحه بنعي نفسه الزكية بقوله: «ايها الناس يوشك أن ادعى فأجيب واني مسؤول» تنبيها إلى أن الوقت قد استوجب تبليغ عهده، واقتضى الاذان بتعيين خليفة من بعده، وأنه لا يسعه تأخير ذلك مخافة أن يدعى فيجيب قبل إحكام هذه المهمة التي لا بد من إحكامها، ولا غنى لامته من إتمامها(٥٤).
والمتأمل في قوله: «ان الله مولاي وأنا ولي كل مؤمن»، - ثم أخذ بيد علي (عليه السلام) - فقال: «من كنت وليه فهذا وليه»، ويقارن بينه وبين قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ﴾ يقطع بان خطاب الغدير ما هو الاّ تفسير وبيان وتفصيل لآية الصدقة بالخاتم بل اجراء سياسي نبوي لتنفيذ مضمونها، لأن الترابط التكويني والترتب الواقعي الموضوعي واضح بين الولايات الثلاثة، ناهيك عما في كلمة الخبير في قوله: «ان اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض فلا تقدموهما فتهلكوا» من معنى عميق كبير في هذا الأمر الخطير.
شمول الآية لأهل البيت
قد يقال: إن دلالة الحصر في الآية يلزم منها سلب الامامة والولاية عن اولاد عليّ وأنتم لا تقولون به، اجبنا: بان السنة مفسرة للقرآن ومبيّنة لمجمله، وقد حدد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في خطاب الغدير - وغيره - مصاديق الذين آمنوا في آية الصدقة بعليّ وأهل بيته (عليهم السلام) فقال: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا»، فالحصر لا يخرجهم لأن الصدقة اذا وقعت من أبيهم جازت نسبتها اليهم مثل قوله تعالى في متأخري اليهود: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ الله﴾ (البقرة: ٩١) والقتل من أسلافهم. قال بعض الادباء:

هذه إنّما وليّكم الله أتت * * * بالولاية من الله فيه
فاذا ما اقتضى من اللفظ معنى * * * فيه كانت من بعده لبنيه

ولئن خصّصنا الخطاب بالحاضرين كما هو ظاهر الآية تم الحصر أيضا ونستفيد إمامتهم من غيرها، وقيام الدليل الخارج على إمامتهم كان كافيا فيهم، وقد وردت كراماتهم وعظيم منزلتهم في آية التطهير في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الاحزاب: ٣٣). وفي آية المودة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى﴾ (الشورى: ٢٣)، وفي آية المباهلة في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَنَا ونِسَاءَكُمْ وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى اَلْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٦١)، وفي آية إطعام المسكين في قوله تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ اَلطَّعَامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً ويَتِيماً وأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً ولاَ شُكُوراً﴾ (الإنسان: ٨ و٩)، بل تكاد تكون سورة الإنسان كلها فيهم باستثناء بضع آيات في مقدمتها وآية في ختامها، فراجع هذه الآيات النازلة بحق أهل البيت (عليهم السلام) في سائر التفاسير وكتب اسباب النزول لتعلم خطير منزلتهم في الأمة بعد خاتم المرسلين. وقد وردت كراماتهم وصفاتهم الحاكية عن إمامتهم المؤكدة لولايتهم في النصوص المتواترة عن جدهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وحسبك منها حديث الثقلين وخطاب الغدير وحديث السفينة الذي قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق»(٥٥) وورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تأكيد الاقتداء بأهل بيته، وأن شفاعته لا تنال المعرضين عن ولايتهم، المنكرين والمكذبين بفضلهم، القاطعين صلتهم فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من سره أن يحيى حياتي ويموت مماتي ويسكن جنة عدن غرسها ربي، فليوال عليّا من بعدي، وليوال وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي خلقوا من طينتي رزقوا فهمي وعلمي، وويل للمكذبين بفضلهم من أمتي القاطعين فيهم صلتي لا أنالهم الله شفاعتي»(٥٦).
والائمة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين حقت لهم الولاية، ووجبت لهم الخلافة والطاعة بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اثنا عشر إماما، وهم المعنيون في حديث البخاري عن جابر يرفعه قال: «يكون بعدي اثنا عشر أميرا» فقال كلمة لم اسمعها، فسألت أبي: ماذا قال؟ قال: «كلهم من قريش»(٥٧). وفي رواية: «انه لا يهلك هذه الأمة حتى يكون فيها اثنا عشر خليفة كلهم يعمل بالهدى ودين الحق»(٥٨)، وفي خبر: «لا تضرهم عداوة من عاداهم»(٥٩)، وفي لفظ: «لا يضرهم من خذلهم كلّهم من قريش»(٦٠) فهذا العدد لا ينطبق على خلفاء بني أمية، لزيادتهم عليه، ولان الله تعالى لعنهم في القرآن ووصفهم بالشجرة المعلونة(٦١)، فلا يصدق عليهم قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كلهم يعمل بالهدى ودين الحقّ».
ولا يمكن تطبيقه على خلفاء بني العباس لزيادتهم عليه أيضا، بالاضافة لفتكهم بأبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعدم رعايتهم لقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى﴾، مع انهم من أرحامهم ومع ذلك تمادوا في تقتيلهم وتشريدهم واضطهادهم حتى فاقوا بني أمية في ظلمهم لهم كما قال الشاعر:

والله ما فعلت أميّة فيهم * * * معشار ما فعلت بنو العباس

وبنو أميّة وبنو العباس هم المعنيون في سورة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله تعالى:
﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي اَلْأَرْضِ وتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ اَلَّذِينَ لَعَنَهُمُ الله فَأَصَمَّهُمْ وأَعْمى أَبْصَارَهُمْ﴾ (محمد: ٢٢ و٢٣)، ولهذا كان الإمام علي وكذلك الامام الصادق (عليهما السلام) يقولان: «سورة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آية فينا وآية في عدونا»(٦٢). فلا بد من حمل الحديث على الائمة الاثني عشر من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وهم كلهم عملوا بالهدى ودين الحق، مع عداوة من عاداهم ومخالفة من خالفهم من قريش والآيات النازلة بحقهم، والاحاديث الواردة بفضلهم شاهدة على ذلك، كما صرح به الامام علي (عليه السلام) في قوله: «إنّ الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم»(٦٣).
مع الفخر الرازي في تفسير الآية
ذكر الفخر الرازي وجوها متعددة، حاول فيها نفي دلالة الآية على لزوم خلافة علي (عليه السلام) وإمامته بعد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مباشرة، اكتفي هنا بعرض أقواها مع مناقشتها.
الوجه الاول: قال: إنّ حمل الوالي - في آية الصدقة بالخاتم – على الناصر والمحب أولى من حمله على المتصرف، لأن الآيات التي قبلها - الناهية عن ولاية اليهود والنصارى - دلت على ذلك، فالولاية المأمور بها هنا هي عين المنهي عنها هناك.
ونجيب: بأننا لم نجد سبيلا لحمل الولاية المنهي عنها مع اليهود والنصارى على النصرة والمحبة، لأن النصوص القرآنية كانت تأبى ذلك، وهي التي دلتنا على المعنى السياسي للولاية المنهي عنها وحددته بولاية الحاكمية والتصرف، ومن هناك اتضح لنا بأن الولاية المنهي عنها في تلك الآيات هي المأمور بها في هذه الآية.
الوجه الثاني: قال: اثبتنا في آية الارتداد، بأنّها تدلّ على امامة أبي بكر فلو دلّت هذه الآية على إمامة عليّ بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للزم التناقض بين الآيتين، وذلك باطل، فوجب القطع بأنّ هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليّا هو الامام بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ونجيب بأنه: لم يثبت انطباق آية الارتداد على حوادث الردّة، في زمن أبي بكر، لأن خطابها ليس موجها للأعراب الذين صدر منهم الارتداد خارج المدينة، بل كان موجها للمؤمنين في داخل مجتمع المدينة وهم واسلافهم المهددون بالاستبدال إن ارتدوا عن نهج الولاية الإلهية وتخلوا عن التمسك برموزها الشرعية واتخذوا اليهود والنصارى أولياء، فلا حجية في الآية على مدّعى الرازي، ولا تناقض بين آية الارتداد التي تهدد المرتدين عن النهج الاصيل للدين، وبين آية الصدقة بالخاتم التي تؤكد وجوب التمسك بولاية عليّ (عليه السلام) وإمامته للمؤمنين.
الوجه الثالث: قال: ان الآية عامة لا خصوصية فيها لشخص معين لأن الصدقة لا تسمى زكاة في الشريعة، واطلاق لفظ الجمع على المفرد، وإن كان جائزا على سبيل التعظيم لكنه مجاز لا حقيقة، والأصل حمل الكلام على الحقيقة أما الركوع فيراد به مطلق الخضوع للّه تعالى، فلا يكون للآية دلالة واضحة على إمامة عليّ وخلافته.
ويرد هذا الوجه: بأنّ العرب كثيرا ما يعبرون عن المفرد بلفظ الجمع لنكتة تستوجب ذلك، فاذا أرادوا تضخيم الشجاع أو مدح الزعيم، أو تبجيل الكريم، خاطبوه وأشاروا إلى افعاله وآثاره بلفظ الجمع إجلالا له، واحتراما لعظيم منزلته عندهم، واذا قصدوا ذم البخيل والحط من سمعة الجبان والنيل من الخبيث اللئيم، حشدوا إلى مناوئته وشهروا به بين الناس بلفظ الجميع، وقد سلك الوحي اثر الكلام العربي ونازله في الإعجاز بأساليبه وكلماته، فأطلق في آية المباهلة لفظ الابناء على الحسن والحسين، والنساء على فاطمة وحدها والأنفس على عليّ وحده تعظيما لشأنهم، وخطير منزلتهم عند الله، حين تحدى بهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصارى نجران في المباهلة من دون أن يشرك احدا من المسلمين معهم، فنزل فيهم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وأَبْنَاءَكُمْ ونِسَاءَنَا ونِسَاءَكُمْ وأَنْفُسَنَا وأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ الله عَلَى اَلْكَاذِبِينَ﴾ (آل عمران: ٦١) مع أن لفظ الأبناء والنساء والأنفس في الجمع وكذلك اطلق القرآن لفظ الجماعة على المفرد في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ وللهِ اَلْعِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ ولَكِنَّ اَلْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: ٨)، وكان القائل عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق وفيه نزلت هذه الآية، كما هو متفق عليه بين المفسرين، ومنهم الفخر الرازي! فهل يصح اطلاق لفظ الجمع وإرادة المفرد في القرآن على المنافقين دون المؤمنين؟!
وعلى أي حال فالسبب في إيراد لفظ الجمع وارادة الفرد في الآية هو لتعظيم الراكع، وتضخيم المتصدق لإعلاء شأنه والالفات إلى خطير منزلته في الامة، ومكانته عند الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الا ترى ان الله تعالى منحه منزلة الولاية السياسية والرئاسة الإلهية التي منحها لمنصب النبوة.
أما قوله: بأنّ الصدقة لا تسمى زكاة، فواه جدا لأن معنى الزكاة في اللغة أعم من معناها الشرعي، لدلالته على مطلق الانفاق، قال تعالى في وصف اسماعيل: ﴿وكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ واَلزَّكَاةِ وكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ (مريم: ٥٥)، مع أنه لم تكن في الاديان السابقة الزكاة المالية المفروضة في الإسلام، وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (الأعلى: ١٤ و١٥). وقال ايضا: ﴿واَلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (المؤمنون: ٤)، وقد نزلت هاتان الآيتان في مكة بإجماع المفسرين، ولم تكن يومئذ فريضة الزكاة مقررة في الشريعة فالمراد منها في الآيتين مطلق الانفاق، وهو المعنى المفهوم من صدقة الخاتم ولهذا ذهب ابو السعود والبيضاوي فقالا: وفيه دلالة على أن صدقة التطوع تسمى زكاة.
وأما حمل الركوع في الآية على الخضوع المعنوي، فلا يصح لأنه لغة يعني: الانحناء، وهو مستعمل في صورتين، في الهيئة الصلاتية المخصوصة، وفي التواضع والتذلل، كما يفعل البعض لملوكهم، ولم يستعمل في الخضوع والتذلل المعنوي، الاّ على نحو المجاز، ومتى ثبت استعمال اللفظ في معناه الحقيقي في الخطاب لا يجوز حمله على المعنى المجازي.
وكل هذه التأويلات القاضية بعدم جواز اطلاق الجمع على المفرد، والزكاة على الصدقة، والركوع على الهيئة الصلاتية المخصوصة، تمرد على الواقع الذي نزلت فيه الآية وهروب صريح من المتواتر في روايات اسباب النزول، وهي وحدها كافية لإثبات اختصاص الآية بعلي (عليه السلام) من دون تكلف فراجعها، وتأمل في خبر عمار وأبي ذر منها، فهما نصان صريحان على إرادة ولاية التصرف والحاكمية، ثم اقض ما أنت قاض.
ولو صحّ الاعراض عن تفسير هذه الآية بأسباب النزول مع تراكمها وكثرتها وتعدد طرقها وصراحة معانيها وتواتر الفاظها لم يصح بعدئذ الوثوق بشيء من اسباب النزول في تفسير القرآن، مع أنهم يثبتون بعض الأمور الدينية ويعتبرونها حقائق واقعية لا تقبل النقاش، اعتمادا على رواية أو روايتين.
الوجه الرابع: قال: ان الخطاب في الآية للمسلمين، لتعريفهم بأن لا حاجة بهم إلى اتخاذ الاحباب والانصار من الكفار، لأنّ من كان الله ورسوله محبا وناصرا له، فلا يحتاج لطلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى، فالمراد بالولي هنا الناصر والمحب لا ولاية التصرف والحاكمية.
ونرد عليه: بأنّ تفسير الولاية بالنصرة والمحبة لارتباط الآية بما قبلها من الآيات الناهية عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، ليس صحيحا، لثبوت ولاية التصرف بأبعادها السياسية فيها، وهو الثابت في المغيبات النبوية التي اخبرت عن تسلط اليهود والنصارى وتحكمهم سياسيا على بلاد المسلمين في آخر الزمان، يضاف اليه أن الخطاب في آية الصدقة بالخاتم، موجّه للأمة وظاهرة أن الولي غير المولى عليه، كما هو مفاد اداة الحصر، فلو كانت ولاية النصرة هي المرادة، فلا وجه لاستخدام اداة الحصر في الآية لأن ولاية النصرة عامة في مجتمع المؤمنين كما شهد التنزيل في قوله تعالى: ﴿اَلْمُؤْمِنُونَ واَلْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ (التوبة: ٧١)، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: ٧)، وقال: ﴿إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ الله إِذْ أَخْرَجَهُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ (التوبة: ٤٠).
ومن الجدير بالذكر أن ولاية النصرة وان ثبتت من المؤمنين لنبيهم فإنها لم تثبت من الرسول لهم، فلا يوجد نص قرآني ولا نبوي واحد، يعتبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ناصرا للمؤمنين. نعم حصر القرآن ولاية النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على المؤمنين في بعدين: أحدهما: تشريعي وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧). وبهذا المعنى من الولاية، عرّف الله تعالى رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه بشير نذير وسراج منير، ومبلغ رسالة ربه بين يدي عذاب شديد. وثانيهما: سياسي وهو المعنى بقوله تعالى: ﴿فَلاَ ورَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥). وبهذا البعد من الولاية عرف الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه قائد وحاكم، وموجه وقاض، يأمر ويوجه ويقضي ويحكم بين المسلمين بالعدل، وبما أراد الله تعالى، ويتصرف بأمورهم كما يشاء لأنه أولى بهم من انفسهم، واعرف منهم بما يصلحهم، وهو معصوم من الخطأ لأنه لا ينطق عن الهوى.
ولا انفكاك بين الولايتين - السياسية والتشريعية - بل هما ولاية واحدة، وهي ولاية التصرف والحاكمية، وهي المرادة في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا﴾، وليس ولاية النصرة لأنها لم تثبت للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تجاه المؤمنين.
وولاية التصرف والحاكمية، ثابتة لله تعالى بالأصالة والاستقلال ولرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالوحي والتبعية، ولخليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنص والتعيين، كما جاء في روايات اسباب النزول التي قرن فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مطلبه بمطلب أخيه موسى (عليه السلام)، حينما طلب من الله تعالى أن يجعل له وزيرا من اهله يشركه في امره فقال: «اللّهم وأنا محمد نبيك وصفيك، فاشرح لي صدري ويسر لي امري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا اشدد به ظهري»، فقال أبو ذر: فو الله ما اتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هذه الكلمة حتى نزل جبرئيل فقال: يا محمد اقرأ ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله ورَسُولُهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاَةَ ويُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾، فقرأها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على اصحابه في المسجد - كما تقول رواية عمار - وقال لهم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه اللّهم وال من والاه وعاد من عاداه».
أتباع الولاية هم الغالبون
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾ (المائدة: ٥٦).
التولي هنا بمعنى: اتخاذ الولي، ومتابعته فيما يأمر وينهى، ووضع الثلاثة - الله تعالى ورسوله والمؤمنين - في ساحة المساواة في الخطاب، لا يدل على أنهم ايضا متساوون في درجة الولاية، بل يدل على وجوب ترتبها وتسلسلها، بأن تستمد ولاية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمته من الله تعالى، صاحب الولاية الاصيلة، العليم الخبير الحكيم بعباده المتصرف بشؤونهم كيفما يشاء. أما ولاية الذين آمنوا وهم عليّ وأهل بيته خلفاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على امته بعده، فيجب أن تستمد شرعيتها من الله تعالى، ويأتي أمر تعيينها بالنّص منه عن طريق رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي لا دخل له فيها الاّ بمقدار تبليغ امرها والانذار من خطر مخالفتها. وقوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾: مسوق مساق النتيجة لمن تولى الثلاثة، من دون تفريق وتفكيك بينهم كل حسب منزلته في مقام الولاية، ومعناه: أن من يتولاهم، فهو من حزب الله ومن عباده الصالحين وكفى بالله القوي العزيز وليا وناصرا وحافظا لحزبه وعباده الصالحين. واطلاق عنوان حزب الله على اتباع الولاية والخلافة الإلهية، يراد منه تحديد هويتهم العقائدية والسياسية، لغرض تعريفهم للأمة بأبرز صفاتهم الدينية - الفكرية والسلوكية - فهم حزب الله لأنهم لم يتمردوا على شريعته وارادته في اختياره لرموز ولايته، كما تمرد بنو اسرائيل على رسالته وخانوا أمره في أهل ولايته هارون واسباط موسى (عليهم السلام)، وهم حزب الله لأنهم يرتبطون به ارتباطا واقعيا صميميا، وينتمون اليه بكلّ منطلقاتهم الحياتية من خلال تمسكهم بكتابه وطاعتهم لرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وامتثالهم لأمر اوليائه لا يفرقون بين أحد منهم.
وتشعر كلمة حزب الله بانقسام الامة بشأن الولاية والخلافة إلى احزاب مختلفة وفرق متعددة، وانما اكتفى الوحي بذكر حزب الله ولم يذكر الأحزاب الأخرى المناوئة له، من باب استحقارها والاستهانة بها، لرفضها ولاية أوليائه الذين افترض طاعتهم بعد رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ويدل مفهوم الغلبة على تورط الأمة بفتنة الصراع على الولاية والاقتتال من اجلها، وتاريخ الامة الاسلامية - منذ وفاة نبيّها إلى يومنا هذا - يصادق على هذه النبوءة القرآنية، فالصراع السياسي والاقتتال في داخل المجتمع الإسلامي، بمعاركه وثوراته - المستقيمة والمنحرفة - كله داخلة في اطار الاختلاف المذهبي على قضية الخلافة والولاية بين المسلمين، واسناد الغلبة لحزب الله لا يعني أنه دائما يخوض معارك الفتنة على الخلافة ويخرج منتصرا عسكريا فيها، فالتاريخ الاسلامي لا يؤيد هذا التصور، وإنما يريد الوحي المبين أن يخبر عن قضية غيبية وهي: أن حزب الله سيكون النصر حليفه دائما في كلّ المعارك التي تفرض عليه أو يدخلها بإرادته، وكذلك في الثورات التي يخوضها من اجل الانتصار لراية الولاية الإلهية. ولكن تختلف أشكال النصر في معارك حزب الله، فتارة يكون نصرا عسكريا واخرى نصرا سياسيا، أو عقائديا حسب أهداف المعارك وظروفها الموضوعية.
وقد تحقق كل ذلك لحزب الله، في طول التاريخ الاسلامي، لأن مفهوم الغلبة لا يقتصر في الآية على البعد العسكري بل يشمل ايضا البعد السياسي والعقائدي الذي تجسد في معارك حزب الله في صفين وكربلاء، وغيرهما من المعارك والثورات العلوية، والانتفاضات الشيعية التي سجلت مواقفا اسلامية عادلة ونصرا سياسيا أو عقائديا أو عسكريا ساحقا على السلطات الاموية والعباسية وغيرها من الحكومات المنحرفة عن الاسلام، وان لم يحقق المجاهدون في اكثر تلك الثورات نصرا عسكريا حاسما.
معارك حزب الله في آخر الزمان
وتدل رسالة المغيبات الاسلامية أن معارك حزب الله في آخر الزمان، تشتعل بوجه اعداء الإسلام في مختلف بقاع العالم تمهيدا للظهور، الاّ أن الاخبار القرآنية والنبوية اهتمت بتسليط الاضواء على معاركه في محورين:
الأول: في بلاد فارس بعد ما تتحول - بفعل ثورة الموطئين - إلى قلعة تحد ايمانية وجهادية صلبة شامخة ضد أعداء الامة الاسلامية في آخر الزمان.
الثاني: في بلاد الشام ضد الوجود اليهودي والصليبي المعتدي على كرامة المسلمين ومقدساتهم في هذه الديار المقدسة.
وسنتطرق لمعارك المحور الاول في الفصل الثالث من هذا الكتاب. اما معارك حزب الله في بلاد الشام فقد تعرضت لها البشائر النبوية التالية: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على ابواب دمشق وما حولها، وعلى ابواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم ظاهرين على الحق إلى أن تقوم الساعة»(٦٤). وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حولها وعلى أبواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحقّ لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه كما أميت من قبل»(٦٥). وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «سيكون بعدي ناس من أمتي يسد الله بهم الثغور يؤخذ منهم الحقوق ولا يعطون حقوقهم اولئك مني وانا منهم»(٦٦).
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على الحق قائمين بأمر الله لا يضرهم خلاف من خالفهم كلما ذهب حزب نشأ آخرون حتى تقوم الساعة»(٦٧).
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي على الدّين ظاهرين لعدوهم لا يضرهم من جابههم - الاّ ما أصابهم من لأواء - حتى يأتيهم امر الله وهم كذلك، قالوا يا رسول الله واين هم؟ قال: ببيت المقدس، واكناف بيت المقدس»(٦٨). وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحق حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس، ينزل على المهدي فيقول: تقدم يا نبي الله فصل بنا فيقول: هذه الامة أمراء بعضهم على بعض»(٦٩). وفي لفظ مسلم: «حتى ينزل عيسى بن مريم فيقول إمامهم: تقدم صلّ بنا، فيقول: أنت احق، بعضكم امراء على بعض، أمر أكرم الله به هذه الامة»(٧٠).
ومن يتدبر في معاني كلمات هذه الأحاديث النبوية، وخاصة في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يضرهم خذلان من خذلهم يؤخذ منهم الحقوق ولا يعطون حقوقهم لا يضرهم خلاف من خالفهم» يعلم بأن جماعة حزب الله التي تخوض معارك جهادية متواصلة ضد الاحتلال اليهودي لفلسطين في آخر الزمان، ستعاني من المؤامرات والطعنات الموجعة من الخلف على يد أحزاب مرضى القلوب وأئمة الضلال من خونة الامة والرسالة، أضعاف ما تعانيه في معاركها ومواجهاتها مع اليهود المجرمين، ومع ذلك ستواصل جهادها بعزم واصرار وثبات حتى ظهور قائدها المهدي (عليه السلام)، بالرغم من قلة ناصريها وكثرة خاذليها وتكالب الاعداء عليها، واتحاد قوى اليهود والنصارى وطابور النفاق ومرضى القلوب على ضربها وتصفيتها والقضاء عليها.
وقد تعرضت سورة الاسراء، وأخبار الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) إلى أهم معارك حزب الله مع اليهود في فلسطين، وتمثل معاركه في بلاد فارس وبلاد الشام الجانب التطبيقي الإيجابي لقانون الاستبدال الإلهي في التاريخ الجهادي للجماعة الاسلامية البديلة، التي تتحمل مسؤولية إعادة الاسلام إلى قيادة الامة في صراعها العقائدي والسياسي مع قوى الكفر والنفاق، وفي معاركها الجهادية المقدسة لتحرير فلسطين من اليهود المغتصبين، بعد خيانة حكومات الدول العربية للأمة والرسالة وتخلّيها عن تحرير فلسطين وموالاتها لليهود والنصارى.
ومن هذا المنطلق ينبغي أن ندرك الابعاد الإلهية، وراء تسليط الاضواء على معارك حزب الله في هذين المحورين - في رسالة المغيبات - اكثر من معاركه الاخرى.
وتحتل معركة (الفتح الأكبر) - وهي آخر وأكبر معارك الإمام المهدي (عليه السلام) - الدرجة الثانية من الأهمية في البشائر القرآنية والنبوية، بعد معارك حزب الله في بلاد فارس وبلاد الشام، وبها يلحق الهزيمة الساحقة باديان الكفر والشرك كلها، ويحقق النصر والغلبة النهائية على جميع اعدائه وتكون له وحدة الحاكمية العامة على ربوع المعمورة قاطبة.
وبهذا البيان يتضح وجه الارتباط في النص القرآني بين تهديد مرضى القلوب والموالين لليهود والنصارى بالفتح الاكبر في قوله تعالى: ﴿فَعَسَى الله أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾، وبين البشرى للمتمسكين برموز الولاية الإلهية بالغلبة على اعدائهم في قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾.
وبهذا البيان يتضح أيضا عدم صحة ما ذهب اليه العلاّمة الطباطبائي في تفسير الغلبة بالفلاح والفوز بالسعادة في الدنيا والنعيم الخالد في الآخرة لأن هذا المعنى للغلبة لا يدل عليه منطوق الآية وسياقها، ولا ينسجم مع مفهوم الغلبة في القرآن المستخدم غالبا في المجال القتالي وليس في المجال المعنوي.
وفي ختام تفسير هذا النص القرآني، الذي بدأنا تفسيره من قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا اَلْيَهُودَ واَلنَّصَارى أَوْلِيَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّ الله ورَسُولَهُ واَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ الله هُمُ اَلْغَالِبُونَ﴾ نتأكد من وحدته الموضوعية التي تجلّت في ترابط سياق آياته ومفاهيمه وأفكاره وجميع موضوعاته، فالذين سارعوا في ولاية اليهود والنصارى هم الذين تخلوا عن رموز الولاية الإلهية، وهم المرتدون عن نهج الدين السياسي والجهادي الاصيل، وهؤلاء هم الذين ستحل بهم عقوبة الاستبدال وان القوم المبعوثين بدلا منهم هم قادة الفتح الإلهي الأكبر الموعود، وهم المتمسكون برموز الولاية المشار اليهم في آية الصدقة بالخاتم، وهم حزب الله الغالبون، انصار المهدي في آخر الزمان والموطئون له سلطانه.
وكل هذه المفاهيم والافكار القرآنية التي أثارها هذا النص القرآني، تؤكد عدم صحة ما ذهب اليه العلامة الطباطبائي في فصله لآية الولاية، وآية حزب الله عن الآيات التي قبلهما، بل جميع هذه الآيات تتحدث عن موضوع واحد وهو الولاية السياسية في خط الهدى، وفي خط الضلال، والنتائج المترتبة على أبعادها السلبية والايجابية في مستقبل الامة الاسلامية.
تفسير النص القرآني الثاني
قال تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (الجمعة: ٢ - ٤).
عن ابي هريرة أنه قال: كنا جلوسا عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين أنزلت سورة الجمعة، فتلاها فلما بلغ: ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال له رجل: يا رسول الله! من هؤلاء الذين لم يلحقوا بنا؟ فوضع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده على رأس سلمان الفارسي وقال: «والذي نفسي بيده لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء»(٧١) وفي لفظ آخر قال: «هذا وقومه والذي نفسي بيده» وذكر الحديث.
وهذا النص القرآني، من أهم نصوص الاستبدال الموعود وان لم يلتفت اليه المفسرون قاطبة، وتتضح أهميته اذا استطعنا أن نفهم المعنى الدقيق لقوله تعالى: ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾.
قال المفسرون: ان المراد من الآخرين هنا كل من اعتنق الاسلام بعد العرب من الأمم الأخرى، وانما أشار النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى سلمان من باب التعريف بالمثال، ليفهم الحاضرون معنى الآية من خلال الإشارة إلى بعض مصاديقها الحاضرة في مجلسه.
وهذا الكلام في غاية الصحة ومنتهى الدقة والصواب إن ثبت عدم وجود القرائن المخصصة للآية بقوم دون آخرين، ولكن الأمر ليس كذلك، لوجود قرينتين تدلان على اختصاصها بقوم سلمان دون غيرهم من الأمم الاخرى، وتؤكدان ورودها بموضوع الاستبدال الموعود.
القرينة الاولى: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾. فلو تتبعنا صيغة فضل بجميع اشتقاقاتها الواردة في القرآن لوجدناها قد وردت فقط بشأن تكريم الله تعالى لأفراد أو قوم وتفضيلهم على آخرين في الدنيا بحمل الرسالة وهداية الناس. مثلا وردت صيغة فضلتكم مرة واحدة بصدد تكريم الله تعالى لبني اسرائيل وتفضيلهم على العالمين بقيادة أول تجربة سياسية للدين الإلهي في التاريخ البشري. واستخدم القرآن مادة فضل بصيغ مختلفة سبع مرات وكلها بصدد تكريم قوم دون آخرين، مع ربط ذلك بالاشاءة الإلهية في مثل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ أو يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾. وهذه الاشاءة مصطلح قرآني، يعبر به دائما عن الحكمة الالهية في الاختيار والتدبير والتغيير الاجتماعي والسياسي والتشريعي، فيما يخص التصرف بشؤون العباد لما يصلحهم في دنياهم وأخراهم.
امّا المرات السبع فقد وردت كالتالي: الاولى: خاصة بتفضيل الله تعالى للمؤمنين به وبرسله يوم القيامة وتكريمهم في جنات النعيم، ودعوة المؤمنين للمسابقة نحو هذا الفضل العظيم. وثلاث مرات جاءت بصدد إخبار المسلمين، بحسد أهل الكتاب من اليهود والنصارى لهم، لما اختصهم الله تعالى من تكريم برسالته الخاتمة وفضلهم بها عليهم فاختارهم قاعدة هداية للعالمين وهي كما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا اِشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ الله بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ الله مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ (البقرة: ٩٠).
٢ - وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَابِ ولاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ واَللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (البقرة: ١٠٥).
٣ - وقوله تعالى: ﴿ولاَ تُؤْمِنُوا إِلاَّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ اَلْهُدى هُدَى الله أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (آل عمران: ٧٣ و٧٤).
المرة الخامسة حث الله تعالى المؤمنين فيها على الالتزام بشروط حمل الأمانة والرسالة الإلهية ليكونوا قادة وهداة للناس، وليعلم أهل الكتاب بانهم ليسوا أهلا لهذه المسؤولية والقيادة الإلهية العظيمة فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا الله وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكُمْ واَللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ اَلْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ الله وأَنَّ اَلْفَضْلَ بِيَدِ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (الحديد: ٢٨ و٢٩).
المرة السادسة وردت بصدد تهديد المجتمع العربي بالاستبدال والطرد من موقع قيادة الامة، والاتيان باخرين لقيادتها بدلا منه، ان اخلّ بشروط حمل الأمانة الإلهية وانحرف عن نهجها السياسي والجهادي وتخلّى عن مبادئها وسارع في ولاية اعدائها من اليهود والنصارى، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
المرة السابعة قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾ (الجمعة: ٢ و٣).
وبهذا يتبيّن أن الفضل الإلهي والتكريم الرباني في هاتين الآيتين من سورة الجمعة يعودان اولا إلى مجتمع الاميين العرب الذين اختارهم الله تعالى بدلا من بني اسرائيل لحمل رسالته، وثانيا للآخرين من بعدهم وهم الفرس الذين يتصدون لحمل الامانة الالهية وقيادة الامة الاسلامية بعد استبدال المجتمع العربي بهم، وحاول بعض المفسرين حمل الفضل في الآية على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو غير صحيح لأنه يستلزم عودة الضمير إلى المتأخر رتبة وهو خلاف القاعدة.
القرينة الثانية: تفسير النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للآية حينما سأله بعض الصحابة عن الآخرين الذين لما يلحقوا بهم، فوضع يده على رأس سلمان الفارسي وقال:
«والذي نفسي بيده لو كان الايمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء»، فلو لم يرد من الآخرين خصوص قوم سلمان لقال: أمم الأعاجم أو قوم هذا الرجل وامثالهم بل قوله: «لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من هؤلاء» دليل على اختصاص الآية بهم لأن هذه الصفات لم تذكر أو تسند في الاحاديث النبوية لغيرهم.
وحديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تفسير معنى الآخرين في هذه الآية نظير حديثه في تفسير قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨)، وحينما قالوا له: «يا رسول الله! من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا امثالنا؟ فضرب على فخذ سلمان وقال: هذا وقومه ولو كان الدين عند الثريا لتناوله رجال من الفرس»(٧٢).
وفي نظرة عامة لسورة الجمعة يلاحظ أنّها تعرضت لثلاثة اقوام تهيأت فيهم المقومات الإيجابية لحمل الامانة الإلهية في ثلاث فترات تاريخية متعاقبة وهم: قوم موسى (عليه السلام) وقوم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقوم سلمان الذين ما زال العالم يتطلع لدورهم القيادي المرتقب. وفي سورة الجمعة توجد معان عميقة وعظيمة، ونكات دقيقة ترتبط بمفهوم الاستبدال ومقوماته السلبية ابتداء بمفهوم: اَلَّذِينَ حُمِّلُوا اَلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا مرورا بمثل الحمار الذي يحمل اسفارا وهو من اكبر اسباب الفرار من الزحف والتثاقل عن الجهاد، ومن اهم عوامل الاستبدال، وانتهاء بموقف الذين تخلوا عن توجيهات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسارعوا إلى اللهو والى التجارة، متمردين على قيادة خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وانك لترى القرآن يخاطب قيادات المجتمع العربي المستبدل في هذه السورة بانحرافات بني اسرائيل بلغة اياك اعني واسمعي يا جارة، انطلاقا من مبدأ اتباع سنن الماضين من اليهود والنصارى.

* * *
الفصل الثاني: دراسة تطبيقية لقانون الاستبدال
القسم الاول: الاستبدال في الاحاديث النبوية

أهمية السنّة في فهم القرآن
تصدّى القرآن لطرح أصول الدين ومبادئه الأساسية وترك ايضاحها وإعطاء التفاصيل الكاملة عنها للسنة النبوية، وهو معنى قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إني أوتيت الكتاب ومثله معه»(٧٣) أي انه ما من آية من آيات القرآن الاّ وقد ذكر لها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في احاديثه ما يفصّل معناها ويبيّنها تصديقا لقوله تعالى: ﴿وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤)، والى ذلك اشار الشاطبي بقوله: ان السنّة راجعة في معناها إلى الكتاب، فهي تفصيل مجمله، وبيان مشكله، وبسط مختصره فلا تجد في السنة امرا الاّ والقرآن قد دلّ على معناه دلالة اجمالية، أو تفصيلية، إنّ السنة إنما جاءت مبيّنة للكتاب وشارحة لمعانيه.
انتهى(٧٤).
وقد نزّل الله تعالى السنّة النبوية الصحيحة منزلة القرآن في العصمة ووجوب الاخذ عنها والتحاكم اليها، وأخبر في محكم كتابه بانها وحي إلهي كالقرآن فقال تعالى في وصف كلام نبيّه: ﴿ومَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى﴾ (النجم: ٣)، وقال تعالى: ﴿ولَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ اَلْأَقَاوِيلِ، * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ اَلْوَتِينَ، * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤ - ٤٧)، وأمر المسلمين بالرجوع إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلاج ما يقع بينهم من اختلافات في فهم الدين، وفي اسلوب تطبيقه لأن الاختلافات تقع في الأعم في تفاصيل الشريعة وتطبيقاتها، ولا تمس اصولها ومبادئها الاّ نادرا، فالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو المتكفل ببيان ذلك وهو معنى قوله تعالى: ﴿فَلاَ ورَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥).
فجعل الله تعالى القبول بتحكيم كلام رسوله والأخذ به شرطا في صحة الإيمان تماما كالقبول بتحكيم القرآن في قوله تعالى: ﴿ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ﴾ (المائدة: ٤٤).
ولأجل هذا الترابط الوثيق بين كلام الله تعالى وكلام رسوله، في بيان وإيضاح مبادئ الدين وتفاصيله، يجب على المسلمين عرض حديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسنته على القرآن - في حالة الشك بصحتهما - فما وافقه يعمل به، وان كان ضعيف السند، وما خالفه فهو زخرف من القول يجب أن يضرب به عرض الجدار، حتى لو كان في اعلى درجات الصحّة والوثاقة في رجاله وأسانيده، والى هذا المرمى اشار الشافعي بقوله: «لا تخالف سنّة رسول الله كتاب الله بحال»(٧٥). وفي ضوء ما تقدم يجب أن نعي المبررات الشرعية التي ترتكز عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في رفضها للاجتهاد بالرأي قبال النصّ الشرعي، وعدم اعتمادها مبدأ القياس والاستحسان وغيرها من المبادئ الذوقيّة، التي لا دليل عليها من القرآن والسنّة، فإنّ هذا اللون من الاجتهاد المزعوم يستبطن القول بنقص الشريعة والاستدراك على الله تعالى وهو على حدّ الشرك به جلّت عظمته.
دور السنّة في فهم المغيبات القرآنية
في ضوء ما أسلفنا يتضح أثر السنّة في بيان المغيبات القرآنية التي غالبا ما تأتي مجملة، بسبب الغموض الذي يحيط بمعانيها الغارقة في المستقبل المجهول، فتأتي الأحاديث النبويّة وتحسر نقاب الإبهام عن مداليلها وتطرح التفاصيل المبيّنة لمصاديقها ومعانيها.
وقد غطت الأحاديث النبوية جميع المغيبات القرآنية وتصدت لإيضاحها وخاصة السياسية منها، وهو ما تدل عليه بوضوح الأخبار التالية:
عن حذيفة قال: «قام فينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مقاما ما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة الاّ حدث به»(٧٦). وقال أيضا: «والله ما أدري أنسي اصحابي أم تناسوا؟ والله ما ترك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدّنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا الاّ وقد سماه لنا باسم أبيه وأسم قبيلته»(٧٧).
وقال الإمام عليّ (عليه السلام): «سلوني قبل أن تفقدوني فو الذي نفسي بيده لا تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة ولا عن فئة تهدي مئة وتضل مئة، الاّ انبأتكم بناعقها وقائدها وسائقها، ومناخ ركابها ومحط رحالها، ومن يقتل من اهلها، ومن يموت منهم موتا(٧٨). ان الذي انبئكم به عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأمي ما كذب المبلغ ولا جهل السامع»(٧٩).
الاستبدال في السنة النبوية
قدمت السنة النبوية عرضا تفصيليا لصورتين اجتماعيتين، تحكي من خلالهما حتمية تحقق الاستبدال في مستقبل تاريخ الامة، وتمثل الصورة الاولى واقع المجتمع المستبدل في انحرافاته العقائدية والاخلاقية والسياسية، بينما تجسد الصورة الثانية سلوكية المجتمع البديل في التزاماته العقائدية والاخلاقية، وفي وعيه الرسالي ونشاطاته الجهادية، التي تؤهله لقيادة الامة في صراعها الحضاري مع ائمة الكفر ومعسكرات الضلال قبل ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام).
وسنكتفي في هذا الفصل باستعراض الصورة الخاصة بالمجتمع المستبدل، كما عرضتها علينا السنة النبوية المباركة، ونؤجل عرض واقع المجتمع البديل في ضوء السنة النبوية إلى الفصل الثالث الخاص بعرض احداث مجتمع الموطئين للمهدي (عليه السلام).
من هو المجتمع المستبدل؟
صرحت الاحاديث النبويّة، أن المجتمع (المستبدل) هو المجتمع العربي، وروي في الصحيح عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه حينما تلا قوله تعالى:
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨) سأله الحاضرون من الصحابة: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا امثالنا، فضرب على فخذ سلمان وقال: «هذا وقومه...»(٨٠) الحديث.
وفي الواقع ان هذه الحقيقة أصبحت واضحة جليّة في ضوء دراستنا لآيات الاستبدال، ولكن السؤال المطروح هنا هو: ما هي حدود المساحة الاجتماعية العربية التي تدخل في دائرة المجتمع المستبدل؟
والجواب: لا يمكننا تحديد الشريحة الاجتماعية المستبدلة في المجتمع العربي كيفما كان، إلا من خلال التأمل في المبررات الموضوعية للاستبدال، المتمثلة في رفض خلافة أهل البيت، والتخلي عن جهاد أعداء الاسلام، والابتعاد عن نهج الشريعة في الادارة والحكم.
فهذه العوامل الثلاثة هي التي تحتم تحقق الاستبدال ووقوعه في تاريخ الأمة، وهي التي ركزت عليها النصوص القرآنية التي واكبنا دراستها في الفصل الأول، فكل شريحة اجتماعية قد تحققت في حياتها هذه العوامل الثلاثة فهي واقعة حتما في دائرة المساحة الاجتماعية العربية المستبدلة، وان كانت هذه الشريحة من صحابة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الصحابة في دائرة المجتمع المستبدل
وهذه الحقيقة نستفيدها من نصوص القرآن بصراحة، لأنه نزل لمخاطبة مجتمع الصحابة، ولما دعاهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للاستنفار والاستعداد لمعركة تبوك، لمواجهة تحركات الجيوش الرومانية، تثاقلوا وتخاذلوا عن تلبية دعوته، فنزل الوحي يندد بموقفهم الجبان المتخاذل، ويهددهم بالاستبدال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اِثَّاقَلْتُمْ إلى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨ و٣٩).
وتوجيه الخطاب القرآني في هذه الآية للمؤمنين خاصة دون غيرهم من المنافقين والذين في قلوبهم مرض، يؤكد ان الصحابة من الموعودين بالاستبدال، وسؤال الصحابة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا امثالنا» يؤكد هذه القضية التاريخية.
والمتأمل في عوامل الاستبدال، يجد الاحاديث النبوية الصحيحة تضع مجتمع الصحابة في دائرة المجتمع المستبدل، بل تعتبره المسؤول الاول عن كل ما وقع في تاريخ الامة من انحرافات عن الاسلام بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولكي نتعرف على هذه الحقيقة علينا ان ننظر إلى موقف الصحابة من قضية الخلافة، والجهاد، والحرص على تطبيق الاسلام، لان هذه المواضيع الثلاثة تمثل المحور الاساسي لحركة الاستبدال الالهية في تاريخ الامة سلبا أو ايجابا.
أولا: موقف الصحابة من الخلافة
لم يهتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقضية من قضايا الاسلام المستقبلية بقدر اهتمامه بموضوع الخلافة، ولم يقتصر اهتمامه بهذه الأمر بحدود تعيين عليا وأهل بيته للخلافة بالنصوص الصريحة الدالة على أحقيتهم بها وأهليتهم لها، والداعية إلى وجوب طاعتهم والتحذير من خطر مخالفتهم، بل أخبر صحابته أيضا بأنهم سوف يتنافسون على الخلافة، ويغدرون بخلفائه من أهل بيته من بعده، ويغتصبون حقهم ويضطهدونهم ويلاحقونهم قتلا وتشريدا وتطريدا، وإليك طائفة من الاحاديث الخاصة بفتنة الخلافة.
الصراع على الخلافة
والاحاديث بخصوص هذا الموضوع كثيرة جدا، نكتفي هنا بذكر اوضحها دلالة واصحها سندا، ففي رواية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إنّكم ستحرصون على الامارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة، وبئست الفاطمة»(٨١)، وفي رواية أخرى قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها»(٨٢)، وفي رواية أخرى أن رجلا من الانصار خلا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال له: ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ فقال له: «انكم ستلقون بعدي اثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»(٨٣).
وعن ابي ذر قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كيف أنتم وائمة من بعدي يستأثرون بهذا الفيء؟ قلت: اذن والذي بعثك بالحق اضع سيفي على عاتقي، ثم اضرب به حتى القاك أو الحقك، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الا ادلّك على خير من ذلك؟ تصبر حتى تلقاني»(٨٤).
ويفهم من هذه الاخبارات النبوية الغيبية ان دوافع الصراع على الخلافة دوافع دنيوية منشؤها الحرص على كرسي الحكم والتنافس على حطام المال الزائل، الامر الذي ينتهي بالمغتصب للخلافة إلى الندامة يوم القيامة.
والصبر على الحق المغتصب، هو التكليف الشرعي الذي عينه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمظلومين المطرودين عن حقهم، كما يفهم من حديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لابي ذر وللصحابة من الانصار، وقد اشار إلى ذلك الامام علي (عليه السلام) في خطبة الشقشقية في قوله: «فرأيت أن الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده...»(٨٥).
وصول ائمة الضلال للخلافة
ومن الطبيعي أن يصل ائمة الضلال إلى كرسي الخلافة والحكم ويتسللوا إلى مواقع السلطة في الدولة الاسلامية بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مادام امر الخلافة أصبح مطمعا للأهواء المريضة، وهدفا من أهداف الدنيا الرخيصة، ومادام الامر أصبح عرضة للآراء المتضاربة، بعيدا عن حكم القرآن وتوجيهات نبي الاسلام، وهذا ما كان يتخوف منه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أمته من بعده، يوم كان يقول لصحابته: «انما اخاف على امتي الائمة المضلين»(٨٦) وفي مرة قال لهم: «غير الدجال أخوف عندي عليكم من الدجال، ائمة مضلون»(٨٧).
والمراد بأئمة الضلال هنا، هم اصحاب المطامع الدنيوية والاهواء السياسية المريضة الذين كانوا يخططون في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للوصول إلى الخلافة من بعده، وهم على علم انهم ليسوا أهلا لها، وقد حدد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رموز ائمة الضلال في دائرة قريش، وفي الصحابة من قريش المتواجدين في المدينة خاصة فقال ذات يوم: «فساد أمتي على يد غلمة سفهاء من قريش»(٨٨).
وفي مرة قال لصحابته: «يهلك من أمتي هذا الحي من قريش»(٨٩). ومرّ ذات يوم على بيت من بيوت ذلك الحي فقال: «إن في هذا البيت من فتنة على امتي اشد من فتنة الدجال»(٩٠)، ووقف ذات مرة خطيبا فأشار نحو مسكن عائشة وقال: «هاهنا الفتنة هاهنا الفتنة هاهنا الفتنة، من حيث يطلع قرن الشيطان»(٩١).
ويظهر من كل هذه الاحاديث ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد حدد لامته القبيلة العربية التي تنتج رموز ائمة الضلال وعين أيضا الحي والبيوت التي ستنطلق منها نيران الفتنة الكبرى والمؤامرة التاريخية الخطيرة على الخلافة من بعده، بل عين لهم اخطر بيت تحاك فيه المؤامرة على الخلافة.
وتدل هذه الاحاديث ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على علم بان هناك مؤامرة سياسية على الخلافة يخطط لها وراء الستار في حياته، كما انه على علم برجالها ورموزها من صحابته، وانه ايضا سعى لفضح رجالها وتسليط الاضواء على بيوتهم وتحركاتهم واشخاصهم، ولكن المؤامرة على الحديث والتاريخ الاسلامي هي التي اسدلت الستار على ذلك كله!
ورثة ائمة الضلال
لم يقف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حدود تعريف امته برموز ائمة الضلال المغتصبين للخلافة، بل امتدت رؤياه المستقبلية إلى أبعد من ذلك، حيث انطلق ليخبرها عن ورثة ائمة الضلال الذين سيستلمون الخلافة بالقهر والقوة وبالنار والحديد بعد قادة فتنة الخلافة ورموزها الاولى، فكان يقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا بلغت بنو أمية أربعين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دخلا وكتاب الله دغلا»(٩٢)، واشار إلى الرمز الاول من بني امية فقال: «ان اوّل من يبدل سنتي رجل من بني أمية»(٩٣)، وقال أيضا: «ألا وان أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني امية»(٩٤).
وبعد ذلك كان يتحدث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن مساحة أخرى من تاريخ الامة، تمتد فيها حركة ائمة الضلال ويكون رجالها ايضا من قريش لكنهم من بني العباس أبناء عم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم المعنيون بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما لي ولبني العباس شيعوا أمتي وسفكوا دماءها والبسوها ثياب السود، البسهم الله ثياب النار»(٩٥).
وهكذا ترى في مجموع هذه الاخبار الغيبية ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يحمل هموم امته ويتحدث عن مأساتها وآلامها المستقبلية وهي تحترق بنيران فتنة ائمة الضلال المتصارعين على الخلافة بعده وتئن تحت وطأة الحكم الاموي الظالم والعباسي المتعسف وكأنه صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله يتحدث عن امر تاريخي قد وقع وانتهى وليس أمرا مستقبليا!
وفي مرة نظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعين الغيب إلى رموز الظلم والضلال في فترة الخلافتين الاموية والعباسية فقال: «ويل لامتي من الشيعتين شيعة بني امية وشيعة بني العباس راية الضلال»(٩٦).
ومما يؤسف له انه مع كل هذه التحذيرات النبوية اختارت الاغلبية الساحقة من الامة السير على طريق الويل تحت سياط الارهاب بالنار والحديد، وفي ظل سياسة الاغراء بالمال والذهب والمناصب، وهكذا اصبح اكثر الناس شيعة لبني امية وبني العباس اي شيعة لائمة الضلال من سفهاء قريش، واصبح شيعة أهل البيت من ابناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) غرباء في الامة لان من يوالي ابناء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تلصق به مئات الاتهامات الباطلة.
وبهذه المسيرة الانحرافية الطويلة الامد التي أصبح فيها الموالي لأبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) زنديقا ورافضيا منحرفا والموالي لشيعة بني امية وبني العباس من أهل الحق والصلاح تحقق ما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم تلا قوله تعالى: ﴿ورَأَيْتَ اَلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾ (النصر: ٢) فقال: «ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا فيه افواجا»(٩٧) لأنه نظر إلى هذه المسيرة الانحرافية التي تظم ثلاثة فترات من حكم ائمة الضلال الذين قادوا الغالبية الساحقة من الامة إلى طريق الانحراف والهاوية بعيدا عن طريق الحق والهدى المتمثل بنهج رسول الله وخلفائه الاثني عشر من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
أصحاب الحق المغتصب
لم يكتف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالحديث عن الجانب السلبي من فتنة الخلافة فحسب، بل سلط الاضواء أيضا على الجانب الايجابي المتمثل بمواقف اصحاب الحق المغتصب، فتعال معي قارئي العزيز لنرى ماذا تحدث عن اصحاب رايات الهدى في محنة الصراع على الخلافة والتنافس على حطام الدنيا الزائلة.
نظر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام) يوما فقال له: «ان الامة ستغدر بك بعدي»(٩٨)، وقال لصحابته مرة: «انكم ستبتلون في أهل بيتي بعدي»(٩٩) وقال لهم مرة: «إن أهل بيتي سيلقون من بعدي من أمتي قتلا وتشريدا وأنّ اشدّ قومنا لنا بغضا بنو أمية وبنو المغيرة وبنو مخزوم»(١٠٠).
ولم يتوقف النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حدود الاخبار عن مؤامرة الغدر بوليه وخليفته الشرعي وما يلاقيه أهل بيته من بعده من طرد وتشريد على أيدي المغتصبين لمنصبهم من ائمة الضلال، بل استمر ليلقي الحجة على الامة من خلال تحديد موقفها الشرعي من فتنة الخلافة فقال لصحابته: «ستكون بعدي فتنة، فاذا كان ذلك فالزموا علي بن أبي طالب، فانه أول من يراني، وأول من يصافحني يوم القيامة، وهو الصديق الأكبر، وهو فاروق هذه الأمة، يفرّق بين الحق والباطل، وهو يعسوب الدين»(١٠١). واشار إلى علي (عليه السلام) يوما فقال:
«تكون بين الناس فرقة واختلاف، فيكون هذا وأصحابه على الحق»(١٠٢) وقال لعمار بن ياسر: «يا عمار بن ياسر إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره فاسلك مع علي فانه لن يدليك في سدى ولن يخرجك من هدى»(١٠٣).
فاذا جمعنا بين مضمون هذه النصوص النبوية، وبين قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في وصف أهل بيته: «اني تارك فيكم الثقلين - أو خليفتين - كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا»(١٠٤). علمنا ان جميع الخلفاء الذين تصدوا لقيادة الامة بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم معتدون على حق أهل البيت ومغتصبون لمنصبهم القيادي الذي اختارهم الله ورسوله له.
نهاية فتنة الخلافة في الدنيا
تقدم المغيبات النبوية صورة واضحة لنهاية فتنة الخلافة في الدنيا، تربط فيها بين مأساة ائمة أهل البيت واتباعهم واضطهادهم وتشريدهم وتقتيلهم، واغتصاب حقهم والحاق التهم الباطلة بهم من قبل اعدائهم المغتصبين لحقهم، وبين ظهور دولة الموطئين للمهدي (عليه السلام) المنتقمة من أعداء أهل البيت، والممهدة لدولتهم العالمية الموعودة التي تضع حدا لجميع معاناتهم ومأساتهم التاريخية.
ففي رواية ابن مسعود قال: أتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخرج الينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء الاّ اخبرنا به، ولا سكتنا الاّ ابتدأنا حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم، وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله! ما نزال نرى في وجهك شيئا تكرّهه فقال: «إنا أهل بيت اختار لنا الله الآخرة على الدنيا وانه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد حتى ترتفع رايات سود من المشرق...
فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي...»(١٠٥).
وفي رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه ذكر بلاء يلقاه أهل بيته، حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء، من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا اسمه كاسمي فيولوه أمرهم فيؤيده الله وينصره(١٠٦).
نهاية فتنة الخلافة يوم القيامة
لا غرابة أن نرى الصحابة في طليعة المتهمين بفتنة الخلافة يوم القيامة، ومن الطبيعي ان نرى ذلك من ابرز مشاهد يوم القيامة لأهمية هذه الفتنة، ولأن مجتمع الصحابة هو المجتمع الاول الذي ورّط الامة بها وبتبعاتها الدموية العقائدية والسياسية، فالخيوط الاولى لهذه الفتنة كلها حيكت في المدينة وبمرأى ومسمع الجميع، فكل واحد منهم له يد فيها بقدر، أما سلبا أو ايجابا، وباختلاف الصحابة وتفرقهم اختلفت الامة ايضا وتمزقت إلى فرق ومذاهب متعددة، فلا غرابة أن يكون اول مشاهد يوم القيامة وقوف رعيل الصحابة بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) موقف المتهم المقاد امام محكمة العدل الالهي، كما جاء في رواية البخاري عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «بينا انا قائم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت أين؟ قال: إلى النار والله! قلت: وما شأنهم؟ قال: إنّهم ارتدوا بعدك على ادبارهم القهقرى، فلا اراه يخلص منهم الاّ مثل همل النعم»(١٠٧).
وقد مرت علينا الاحاديث النبوية الصحيحة التي قال فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لصحابته بشأن الخلافة: «انكم ستلقون بعدي اثره فاصبروا حتى تلقوني على الحوض».
فمحاكمة المتآمرين على الخلافة والمستولين عليها بالقوة ستبدأ يوم القيامة على الحوض، بحضور رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بل الظاهر من حديث ابي هريرة الذي يرويه البخاري ان الرجل الذي يقود الصحابة المتآمرين على الخلافة الذين ارتدوا على ادبارهم القهقرى بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو علي بن ابي طالب صاحب الحق المغتصب، وهذا ما نطقت به بصراحة الاحاديث التالية: «يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها المنافقين عن حوضي»(١٠٨) وقال له مرة: «كأني بك وانت على حوضي تذود عنه الناس»(١٠٩) وفي حديث ابي هريرة وجابر قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «علي بن ابي طالب صاحب حوضي يوم القيامة» وكان علي (عليه السلام) يقول: «انا اذود عن حوض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيدي هاتين القصيرتين الكفار والمنافقين كما تذود السقاة غريبة الابل عن حياضهم»(١١٠).
تذكر عزيزي القارئ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث البخاري «فلا اراه يخلص منهم الاّ مثل همل النعم» وهي نوع من الابل وقارن بينه وبين كلام علي ابن أبي طالب في قوله: «كما تذود السقاة غريبة الابل عن حياضهم» لتعلم بل تقطع أن الرجل المذكور في حديث البخاري هو علي بن أبي طالب الذي يقود الصحابة الذين ارتدوا على اعقابهم القهقرى عن خلافته - وبيعته يوم الغدير - بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثانيا: موقف الصحابة من تطبيق الاسلام
من الاحاديث الصحيحة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهنّ نقضا الحكم وآخرهن الصلاة»(١١١).
وفي هذا الحديث صورة مختصرة لحركة الانحراف عن الاسلام في تاريخ الامة، منذ بدايتها حتى نهايتها، وتظهر قضية الخلافة والحكم في طليعة عرى الاسلام المنتهكة في تاريخ الامة.
وكانت الطريقة الالهية المقررة في «الادارة والحكم» بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ان ترجع الامة في قيادة شؤونها وتنظيم حياتها السياسية والادارية في تطبيق الاسلام إلى الكتاب والعترة كما جاء في الصحيح عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«اني تارك فيكم خليفتين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا» وقد صرح النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا القرار السياسي في خطبة الغدير يوم نصب عليا اول خليفة له من بعده وأخذ البيعة له من الصحابة في ذلك اليوم الخطير، لكن المتآمرون على الخلافة نقضوا هذه البيعة وارتدوا بعد الرسول عنها على أدبارهم القهقرى، ففرقوا بين القرآن والعترة في الخلافة والحكم ونقضوا اول عرى الاسلام، ونصبوا خليفة للامة غير الذي قال عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «علي مع القرآن والقرآن مع علي»(١١٢) فتحقق ما تنبأ به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم قال: «إن السلطان والكتاب سيفترقان»(١١٣) اي سيأتي للخلافة بعدي من لم يكن مع القرآن ولا القرآن معه.
ان نجاح عملية تطبيق الاسلام في الامة بالشكل الذي يجنبها السقوط في مهاوي الانحراف والضلال مشروط بتحكيمها للثقلين في حياتها السياسية والادارية وهما الكتاب والعترة كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا» لكن الامة لم تف بهذا الشرط فلا بد ان تغرق في بحر الضلال وتتورط في انتهاك حرمات الاسلام وانتقاض مبادئه واحكامه.
ولم تكن صورة الانحراف التي بدأت في تاريخ مجتمع الصحابة بالصراع على الخلافة والاقتتال عليها، إلاّ نتيجة طبيعية لعدم تمسكهم بالثقلين وعدم تحكيمهما في حياتهم السياسية مما جرّ الامة إلى محنة التمزق المذهبي التي فرقتها إلى اكثر من سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة كما جاء الخبر متواترا عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ان جميع الانحرافات العقائدية والسياسية والفكرية والاخلاقية التي ابتليت بها الامة بعد وفاة نبيها إلى يومنا هذا هي نتيجة حتمية للتطاول على أقدس عروة من عرى الاسلام والتعدي عليها ومخالفة امر الله فيها وهي قضية «الحكم» التي تعتبر من أهم قضايا الدولة والمجتمع في تطبيق مبادئ النظام الالهي.
لقد صور الوحي جميع هذه الانحرافات التي ذكرها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث انتهاك عرى الاسلام في آية واحدة جاءت على شكل مأساة وزفرات يبثها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يشكو إلى ربه ناظرا بعين المستقبل إلى قومه وصحابته وهم ينتقضون عرى الاسلام عروة عروة ويهجرون شريعة القرآن حكما بعد حكم في قوله تعالى: ﴿وقَالَ اَلرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اِتَّخَذُوا هَذَا اَلْقُرْآنَ مَهْجُوراً﴾ (الفرقان: ٣٠).
لقد أخطأ بعض المفسرين في تفسيرهم لمعنى «القوم» في هذه الاية بالمشركين من قريش في عصر النبوة، لان اولئك لم يتصلوا بالقرآن ولم يؤمنوا به فلا يصدق عليهم عنوان الهجر لمبادئه لان الهجر لغة لا يصح الا بعد الوصال والاتصال!، واي صلة لكفار قريش بالقرآن حتى يشكوهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لربه، فالشكوى النبوية في هذه الآية هي من المغيبات القرآنية التي تحكي قصة انتقاض عرى الاسلام وهجر احكام القرآن حكما بعد حكم في صورة انحراف المجتمع العربي - قوم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - عن شريعته من بعده، ولهذا حينما كان يتلو قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ الله واَلْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ اَلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾ (النصر: ١ - ٢) كان يقول: «ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا فيه افواجا»(١١٤) وكان يقول بقلب حزين: «يوشك الإسلام أن يدرس، فلا يبقى الاّ اسمه، ويدرس القرآن فلا يبقى الاّ رسمه»(١١٥).
أن كل ما اخبر به القرآن والرسول عن المستقبل أصبح واقعا فعليا في الامة(١١٦) وهي تبتعد عن الاسلام خطوة خطوة ابتداء من قضية الخلافة والحكم وانتهاء بقضية الصلاة التي تحولت في سلوك المسلم إلى مجرد حركات عبادية بدون روح ولا مضمون ولا أثر لها في حياته الاجتماعية فلم تنهه عن الفحشاء والمنكر ولم تجعله يلتزم بالإسلام في حياته الفردية والاجتماعية.
ثالثا: موقف الصحابة من فريضة الجهاد
ذكرنا سابقا ان مجتمع الصحابة عامة تثاقل عن اداء فريضة الجهاد يوم دعاهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمواجهة جيوش الروم في معركة تبوك، مما دعا الوحي لذمهم وتوبيخهم وتهديدهم بالطرد من موقع قيادة الامة والاتيان ببديل افضل منهم لقيادتها.
وقد تكرر منهم هذا الموقف الجبان المتخاذل عن الجهاد في بعثة اسامة، حينما عصوا أمر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في تنفيذ هذه البعثة، بالرغم من انه قد لعن المتخلفين عنها.
ومن الطبيعي ان تشكل تلك المواقف التاريخية المتثاقلة عن الجهاد في مجتمع الصحابة منعطفا تاريخيا خطيرا في حركة الامة وفي مستقبلها الجهادي وقد تنبأ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بتعطيل فريضة الجهاد في امته في عدد كبير من الاحاديث الغيبية التي رويت بطرق مستفيضة ومعتبرة. فعن ابي هريرة قال:
سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول لثوبان: «كيف أنت يا ثوبان! اذا تداعت عليكم الامم كما تداعى الأكلة عن قصعتها؟ فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أمن قلة بنا؟ قال: لا، بل أنتم يومئذ كثير ولكن يلقى في قلوبكم الوهن. قال: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبكم الدنيا وكراهيتكم القتال»(١١٧).
وعن ابي امامة، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «كيف بكم اذا طغى نساؤكم وفسق شبابكم وتركتم جهادكم؟ قالوا: وإن ذلك لكائن يا رسول الله!؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده واشد منه»(١١٨).
المساحة الاجتماعية للاستبدال
في ضوء النصوص السابقة، نفهم ان المساحة الاجتماعية للاستبدال الموعود تمتد من مجتمع الصحابة إلى مجتمع عصر الظهور، لتشمل المجتمع العربي المتمسك بمدرسة الصحابة المتآمرين على تحكيم الكتاب والعترة منذ زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يوم الثورة المهدوية.
والسؤال المطروح: هل يشمل الاستبدال بعقوبته افراد المجتمع العربي الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) والمتمسكين بالكتاب والعترة عقيدة وشريعة؟
الجواب: الظاهر ان الاستبدال كعقوبة الهية تخص بالدرجة الاولى الطليعة الحاكمة في المجتمع العربي المستبدل والموالين لنهجها السياسي والعقائدي، سواء كانوا من المقتدين بمنهج مدرسة الصحابة، أو من المحسوبين على مدرسة أهل البيت.
اما ما يقع من ظلم واضطهاد وتقتيل وتشريد على الشريحة الاجتماعية المقتدية بمنهج أهل البيت في المجتمع العربي المستبدل، فانه لا يصلح دليلا على كونها هي أيضا مستبدلة، بل ان ما تعانيه هذه الشريحة الاجتماعية المجاهدة داخل المجتمع العربي المستبدل يكون من مصاديق قوله تعالى:
﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ اَلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الانفال: ٢٥).
فليس من الصحيح اذا ان نعتبر هذه الثلة المجاهدة من المغضوب عليهم أيضا بحجة أنها عربية وان المجتمع البديل ليس عربيا. بل دلت روايات عصر الظهور أن هذه المجموعات العربية سوف تشكل من خلال التزامها بمنهج أهل البيت الجهادي والسياسي القاعدة الثورية للمجتمع البديل لتصدير ثورته في العالم العربي، وهذه الثلة هي المعبر عنها في اخبار الثورة المهدوية بـ (أبدال الشام) و(عصائب العراق) و(نجباء مصر) و(ثوار أهل اليمن).
ذم المجتمع العربي المستبدل
في القرآن آيات كثيرة تمتدح المسلمين وتثني عليهم، وفي طليعتهم المؤمنون العرب، باعتبارهم القاعدة الاجتماعية الاولى، التي تحملت اعباء الرسالة الإلهية، وقامت بتكاليفها الثقيلة فقاتلت من اجلها الآباء والأبناء من كفار قريش، وقطعت صلتها بالأهل والاقرباء ورفعت راية الاسلام عالية خفاقة بعد أن قدمت من اجل المبدأ الغالي والنفيس، وهجرت الاوطان، وتحملت الفقر والجوع، وشتى انواع الاذى والاضطهاد والتنكيل والتشريد، وكانت تتسابق إلى ميدان الجهاد، وتتنافس في الحصول على الشهادة، لأنها اخذت على مسؤوليتها تحرير الشعوب المظلومة من عبودية العباد والاوثان والاصنام، ففتحت بلاد المشركين وحررت بلاد فارس من عبودية الأكاسرة وبلاد الروم من استبداد القياصرة، واستطاعت أن توصل صوت الاسلام إلى قلب العواصم والمجتمعات الشرقية والغربية النائية عن الجزيرة العربية. وكانت الجماعات المؤمنة الاولى في المجتمع العربي تتصف بالخشوع لله تعالى وكثرة عبادته والتقوى في حياتها الاجتماعية والسياسية، وكانت معروفة بالشدة والقساوة في معاملة الكافرين والمشركين والمنافقين، وبالتواضع والعطف والرحمة والمحبة في معاشرة المسلمين ومعاملتهم، وقد وصف الله تعالى هذه الطليعة المؤمنة في المجتمع الإسلامي الاول بأروع الاوصاف في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله واَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى اَلْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ الله ورِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ اَلسُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي اَلتَّوْرَاةِ ومَثَلُهُمْ فِي اَلْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ اَلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اَلْكُفَّارَ وَعَدَ الله اَلَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا اَلصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وأَجْراً عَظِيماً﴾ (الفتح: ٣٩).
وبالمقابل توجد آيات صريحة في ذم جماعات من المنافقين ومرضى القلوب في المجتمع الاسلامي الاول، في مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي عصره خاصة، وهم المعنيون بقوله تعالى: ﴿ومِنْ أَهْلِ اَلْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى اَلنِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ (التوبة: ١٠١)، ويَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ ومَا هُمْ مِنْكُمْ ولَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (التوبة: ٥٦)، ولاَ تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً ولاَ تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ ورَسُولِهِ ومَاتُوا وهُمْ فَاسِقُونَ * وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الله أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي اَلدُّنْيَا وتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وهُمْ كَافِرُونَ﴾ (التوبة: ٨٤ و٨٥)، ﴿وإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا اَلطَّوْلِ مِنْهُمْ وقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ اَلْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ اَلْخَوَالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ﴾ (التوبة: ٨٦ و٨٧)، ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ الله لاَ يَرْضى عَنِ اَلْقَوْمِ اَلْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: ٩٥ و٩٦).
ومن الملاحظ عدم وجود تناسب بين الآية التي تخبر بوجود عدد من المنافقين في المدينة قد تمرسوا على النفاق حتى اصبح حرفة لهم، ومع ذلك كانوا غير معروفين للمؤمنين، وبين الآيات التي تنهى عن قبول اعذارهم والانفتاح عليهم والرضى بأعمالهم والصلاة على جنائزهم، فهذه الآيات صريحة في أنهم كانوا معروفين للمؤمنين تمام المعرفة فكيف نستطيع أن نوفق بينها وبين الآية السابقة؟
الظاهر أن الآية التي تخبر عن عدم معرفة المؤمنين للمنافقين في المدينة، نزلت قبل أن يحدد الوحي القواعد السياسية والايمانية التي تكشف حقيقتهم وتعرف شخصيتهم في قوله تعالى: ﴿ولَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ واَللهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٠). فقد روى السيوطي في تفسير هذه الآية عن ابي سعيد الخدري في قوله: ﴿ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ قال: ببغضهم علي ابن ابي طالب. وعن ابن مسعود، قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الاّ ببغضهم عليّ بن ابي طالب. وفي صحيح مسلم بسنده عن عليّ (عليه السلام) قال: «والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الامي اليّ أن لا يحبني الاّ مؤمن ولا يبغضني الا منافق». وعن ابن عباس قال:
كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببغضهم لعليّ بن ابي طالب. وعن جابر الانصاري قال: ما كنا نعرف المنافقين الاّ ببغض عليّ بن ابي طالب (عليه السلام)(١١٩). وعن أم سلمة قالت: كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا يحب عليّا منافق ولا يبغضه مؤمن»(١٢٠). وأخرج الطحاوي، عن عمران بن حصين، في عيادته لفاطمة (عليها السلام) مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: سمعته قال لها: «لقد زوجتك سيّدا في الدّنيا وسيدا في الآخرة، لا يبغضه الاّ منافق»(١٢١). وعن ابي ذر قال: ما كنا نعرف المنافقين الاّ بتكذيبهم الله ورسوله والتخلف عن الصلوات والبغض لعليّ بن ابي طالب(١٢٢). بهذا المبدأ كان يعرف المؤمن والمنافق من الصحابة في زمن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان حسّاد علي (عليه السلام) ومناوئوه يحتاطون في اظهار بغضهم وحسدهم له في عصر النبوة، وكان المؤمنون يعرفونهم بلحن القول، وهو صرف معنى الخطاب عن ظاهره إلى تعريض وفحوى(١٢٣).
وبما أن الله تعالى كرّم عليّا (عليه السلام) وفضله على عامة الصحابة بمزيد من المديح والثناء في كتابه، وأمر نبيّه أن يتخذه أخا ووزيرا، وينصبه على المسلمين وليا وإماما يقوم مقامه من بعده، ولطالما كان يقول له بمرأى ومسمع منهم: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى»، فكانت كلّ هذه المزايا منبعا لبغضه وحسده في صدور المنافقين والذين في قلوبهم مرض.
وعن ابن عباس في تفسير قوله: ﴿أَمْ حَسِبَ اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ﴾ (محمد: ٢٩). قال: اعمالهم، خبثهم والحسد الذي في قلوبهم(١٢٤). وقد اظهر الله تعالى حسد المنافقين لعليّ (عليه السلام) كما وعد في هذه الآية وكان ذلك بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حينما اعلنوا عداءهم له بشكل مفضوح من دون أن يصدهم احد عن ذلك حتى غاظ هذا الأمر خواص الصحابة الذين لم يغيّروا ولم يبدلوا فكان حذيفة يقول: «إنما كان النفاق على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الايمان»(١٢٥) وقال أيضا: «إن المنافقين اليوم شرّ منهم على عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون»(١٢٦)، فكانوا في عهد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعرفون بلحن القول في عدائهم لعلي إمّا بعد وفاته فقد اخرج الله تعالى اضغانهم والحسد الذي في قلوبهم، وكشفهم للملأ على حقيقتهم، من خلال مواقفهم العدائية من خليفة رسوله وولي الأمة من بعده.
وهناك طائفة كبيرة من النصوص القرآنية والنبوية ايضا تذم جماعة من المسلمين العرب، بسبب رفضهم لولاية اولياء الله تعالى، ومسارعتهم في ولاية اعداء الله تعالى، من اليهود والنصارى، وخضوعهم لسلطانهم وجبروتهم، بعد هجرانهم لشريعة الله وتخاذلهم عن جهاد اعدائهم المغتصبين لأراضيهم المتسلطين على بلادهم وثرواتهم. وعند التأمل في مضمون هذه النصوص نجدها كلها مطبوعة بالطابع الغيبي، وهي معنيّة بفترة آخر الزمان، ولا تشمل في ذمها المجتمع العربي بكل افراده، بل هي خاصة بالمنافقين والذين في قلوبهم مرض، وجميع المنحرفين عن منهج الثقلين الكتاب والعترة. واليك عرضا لبعض المغيبات النبوية الصحيحة التي تذم الخط المنحرف في المجتمع العربي المسلم في آخر الزمان.
الوعيد بعقوبة العرب
عن طلحة بن مالك عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: «إنّ من اقتراب الساعة هلاك العرب»(١٢٧). وعن زينب بنت جحش قالت: «استيقظ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من النوم محمرا وجهه يقول: لا إله الاّ الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه - وعقد سفيان تسعين ومائة - وقيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم اذا كثر الخبث»(١٢٨). وعن أبي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل للعرب من شرّ قد اقترب، موتوا إن استطعتم»(١٢٩) وفي لفظ قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل للعرب من شرّ قد اقترب» وسكت، وفي لفظ ثالث زاد عليه:
«أفلح من كف يده»(١٣٠).
أوّل العقوبة تحل بقريش
عن أيمن بن خزيم الأسدي قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا أيمن إنّ قومك أسرع العرب هلاكا»(١٣١). وعن ابي هريرة، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أسرع قبائل العرب فناء قريش، يوشك أن تمر المرأة بالنعل فتقول: هذه نعل قرشي»(١٣٢). وعن عائشة قالت: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أوّل من يهلك من الناس قومك. قلت: جعلني الله فداك أبنو تيم؟ قال: لا، ولكن هذا الحي من قريش»(١٣٣). وعن ابن عباس قال: «أوّل العرب هلاكا قريش وربيعة، قالوا وكيف؟ قال: أما قريش فيهلكها الملك، وأما ربيعة فتهلكها الحمية»(١٣٤). وربيعة اكبر عشائر العراق والحمية هي العصبية للقومية.
يعاقبهم الله تعالى بالمهدي (عليه السلام)
عن حذيفة قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إنّ هذا الحي من مضر، لا يزال بكل عبد صالح يقتله، ويهلكه، ويفنيه حتى يدركهم الله بجنود من عنده فتقتلهم حتي لا يمنع ذنب تلعة»(١٣٥). وعن حذيفة ايضا قال:
والله لا تدع ظلمة مضر عبدا للّه مؤمنا، الاّ قتلوه، أو فتنوة، حتى يضربهم الله والمؤمنون، حتى لا يمنعوا ذنب تلعة، فقال رجل: أتقول هذا وأنت رجل من مضر؟ قال: لا أقول الاّ ما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٣٦). وعن محمد بن علي بن الحسين، حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لو يعلم الناس ما يصنع المهدي اذا خرج لاحبّ اكثرهم أن لا يروه، مما يقتل من الناس، أما أنه لا يبدأ الاّ بقريش فلا يأخذ منها الاّ السيف ولا يعطيها الاّ السيف، حتى يقول كثير من الناس ما هذا من آل محمد، ولو كان من آل محمد لرحم»(١٣٧). وعن سعيد بن سمعان قال:
سمعت ابا هريرة يخبر ابا قتادة أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «يبايع لرجل بين الركن والمقام، ولن يستحل البيت الاّ أهله فاذا استحلوه فلا تسل عن هلكة العرب»(١٣٨). فهذه الأحاديث كلّها تحكي طبيعة الموقف المنحرف لحكام العرب وللقيادات والجماعات العربية المنحرفة عن ولاية أهل البيت والموالية لليهود والنصارى في آخر الزمان، فهي لا تقصد الجماعات العربية المجاهدة الموالية لأهل البيت (عليهم السلام) لان هذه الجماعات سوف تعيش اشد فترات الظلم والاضطهاد، والتقتيل والتشريد من حكامها الظلمة، وعلمائها الخونة، المتآمرين على الاسلام والامة في الفترة القريبة من ظهور الإمام المهدي (عليه السلام).
مدح المجتمع الفارسي البديل
الأخبار النبوية المروية في مدح أبناء فارس والتي ركزت على دورهم الرسالي والقيادي في آخر الزمان كثيرة جدا وجلها وردت بأسانيد صحيحة شارك في روايتها أئمة الصحاح الستة كلهم في طليعتهم البخاري ومسلم والملفت للنظر انها كلها وردت بلغة المغيبات مما يؤكد اختصاصها بالدور السياسي المستقبلي لأبناء فارس في قيادة الامة.
وسنقرأ هذه المغيبات في الفصل الثالث المخصص لدراسة القاعدة الاجتماعية لثورة الموطئين للمهدي التي ستنطلق من بلاد فارس.

* * *
القسم الثاني: الاستبدال في التاريخ الاسلامي

الاستبدال في التاريخ
انتهينا في البحوث السابقة، من دراسة قانون الاستبدال بأبعاده السلبيّة والايجابية، على الصعيد النظري، أمّا الآن فنريد دراسته، على الصعيد التطبيقي، من خلال مواكبة التاريخ الاسلامي، منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حتى يومنا هذا، وسنكتفي بعرض مختصر جدا، لأهم الوقائع التاريخية، التي لا مجال لإنكارها الاّ من مكابر متعصب عنيد. باعتبارها تحكي الجوانب التطبيقية لقانون الاستبدال في تجربة المجتمعين العربي المستبدل والفارسي البديل.
الاستبدال في تاريخ المجتمع العربي
تجسد التجربة السياسية الاسلامية، التي قادها المجتمع العربي بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الواقع السلبي لقانون الاستبدال نتيجة لابتعادها عن منهج الله تعالى في القيادة والحكم، وفي تطبيق دين الله ومجاهدة اعدائه، ومن هنا لا بد من مواكبتها منذ انطلاقتها، حتى سقوطها وفشلها ونهايتها، ونحن نبحث عن عوامل الاستبدال السلبية في واقعها التاريخي.
العامل الأوّل: رفض رموز الخلافة الالهية في الأمة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقد ظهرت بوادر هذا العامل السلبي في عصر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في لحن القول على ألسنة الصحابة ممن لم يرتاحوا لتفضيل علي (عليه السلام) وتقديمه عليهم، وهم على ثلاث طبقات، طبقة المنافقين والذين في قلوبهم مرض، وطبقة الطلقاء وأبناء الطلقاء من مسلمة الفتح، وطبقة السابقين من كبار الصحابة الطاعنين بالسن، الذين لا يرضون بتقديم علي (عليه السلام) عليهم لصغر سنه، التزاما منهم بالعادات الجاهلية التي تتخذ من كبر السن مبدأ ثابتا في اختيار زعيم القبيلة قبل الاسلام، وقد كشف الجميع اقنعتم، ومدوا اعناقهم واطلقوا السنتهم، يوم اراد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - وهو في مرض موته - أن يكتب لامته كتابا واضحا صريحا في امر الخلافة، ينقذها من الضلال والاختلاف على القيادة بعده، فقالوا: حسبنا كتاب الله، لا نبتغي غيره، ولا تكترثوا لقول رسول الله فإنّ الوجع قد غلبه فهو يهجر من شدته!
وبهذه الاعذار والحجج المزخرفة حالوا بين النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين كتابة وصيته السياسية لامته، ولم يتعبدوا بكلامه، الذي لو امتثلوه لأمنوا من الفتنة والضلال بعده، بل لم يكتفوا بمعصيته وعدم امتثال امره وانما اوجعوا قلبه بقولهم: حسبنا كتاب الله، وكأنه لا يعلم بمكان كتاب الله في امته، أو انهم اعلم منه بذلك، وليتهم اكتفوا بهذا ولم يؤلموه بكلمتهم: إنّه ليهجر. واي كلمة كانت منهم وداعا له، كأنهم لم يسمعوا هتاف الوحي آناء الليل واطراف النهار في انديتهم قائلا: ﴿ومَا آتَاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، وقوله:
﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي اَلْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ * وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (التكوير: ١٩ - ٢٢) وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ اَلْعَالَمِينَ﴾ (الحاقة: ٤٠ - ٤٣)، وقوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ ومَا غَوى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ اَلْهَوى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ اَلْقُوى﴾ (النجم: ٢ - ٥)، إلى كثير من هذه الآيات المحكمة، المنصوص فيها على عصمة قوله من الهجر(١٣٩).
ولنستمع إلى البخاري ومسلم، وهما يرويان قصة هذا الحدث التاريخي الأليم: فقد أخرج مسلم بسنده عن ابن عباس قال: «يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه، حتى رؤيت على خديه، كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ائتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا فقالوا: إنّ رسول الله ليهجر!(١٤٠).
واخرج البخاري بسنده عن ابن عباس ايضا قال: «لما احتضر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال عمر إنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله! فاختلف أهل البيت، فاختصموا منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما اكثروا اللغو والاختلاف عند النبي، قال لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قوموا».
فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم(١٤١).
وأخرج البخاري عن ابن عباس أيضا أنّه قال: «يوم الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله وجعه يوم الخميس، فقال: آتوني بدواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي تنازع فقالوا: هجر رسول الله، قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): دعوني فالذي أنا فيه خير ممّا تدعوني اليه، واوصى عند موته بثلاثة: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، واجيزوا الوفد بنحو ما كنت اجيزهم وقال الراوي؟ ونيست الثالثة»(١٤٢)!
ورزية الخميس من اشهر الأحداث التاريخية، وأكبر الرزايا التي حلّت بالأمة الإسلامية، كما شهد لها أبن عباس حبر الامة رضى الله عنه، وأخرجها عنه ائمة الصحاح والمسانيد والسنن ونقلها أهل السير والتاريخ جميعا، واللفظ الثابت لعمر: «إنّ النبي يهجر»، فاذا ذكروا اسمه لم يذكروا هذا اللفظ، وغيروا العبارة، تهذيبا لها مما لا يناسب مقامه! كما فعل البخاري في روايته الاولى، واذا لم يذكروا اسمه، ذكروا اللفظ الثابت، كما فعل مسلم والبخاري في روايته الثانية.
وشاهد ذلك ما أخرجه ابو بكر الجوهري في كتاب (السقيفة) بالاسناد إلى ابن عباس، حيث ذكر الحديث كلّه وعندما وصل إلى هذه الكلمة قال: فقال عمر كلمة معناها: أن الوجع قد غلب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٤٣)، وتراه صريحا بأنهم إنما نقلوا معارضة عمر بالمعنى لا باللفظ عينه!
والملم بخبر هذه الرزية يعلم أن المعترض الوحيد على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يومئذ هو عمر ثم تابعه الآخرون ممن كانوا على رأيه، ويؤيد ذلك ما اخرجه الطبراني عن عمر نفسه حيث قال: لما مرض النبي قال: «آتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا. فقال النسوة من وراء الستر! الاّ تسمعون ما يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟! قال عمر! فقلت إنكن صويحبات يوسف، اذا مرض رسول الله عصرتنّ اعينكنّ، واذا صح ركبتنّ عنقه! قال: فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): دعوهن فإنّهن خير منكم»(١٤٤).
والثابت ايضا فيما يرويه البخاري أن الحاضرين اختلفوا في تلبية طلب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واكثروا النقاش واللغط وعمت الضوضاء فمنهم من يقول:
قربوا يكتب لكم نبيكم كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، وفي هذا الجو الصاخب وجد خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن وصيته السياسية قد فقدت مصداقيتها، وقيمتها المعنوية لاختلافهم عليها وهو ما زال حيا بينهم، فكيف يقبلونها ويعملون بها بعد وفاته، فعلم - بأبي وأمي - أنها لا تنقذهم من الضلال والفتنة بعده، فأعرض عن كتابتها وقال لهم: «قوموا عني فلا ينبغي الاختلاف عندي». فلما هدأت اصواتهم وجد الفرصة مؤاتية لإلقاء الحجة عليهم، من دون كتابة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (الانفال: ٤٢). ﴿ولِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ اَلرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)، فأوصاهم بثلاث وصايا - حسب رواية البخاري السابقة - وهي اخراج المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد بما كان يجيزهم ويكرمهم وأما الوصية الثالثة فقد ادعى الراوي بأنه نسيها، وليست هي في الواقع الاّ الأمر الذي اراد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يكتبه لامته حفظا لها من الاختلاف والضلال بعده، ولكن السياسة اضطرت المحدّثين إلى نسيانه.
ومع هذا فقد وردت هذه الوصية المنسية في رواية لابن حجر في كتابه (الصواعق المحرقة) الذي صنفه للردّ على الشيعة الذين عبر عنهم: بأهل البدع والزندقة! قال: وفي رواية أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال في مرض موته: «ايّها الناس يوشك أن أقبض قبضا سريعا فينطلق بي، وقد قدمت اليكم القول معذرة لكم، الاّ إني مخلف فيكم كتاب ربي (عزَّ وجلَّ)، وعترتي أهل بيتي، ثم اخذ بيد علي فرفعها فقال: هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع علي لا يفترقان حتى يردا عليّ الحوض فاسألوهما ما خلفت فيهما»(١٤٥).
وباعتبار هذا التصريح صادر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مرض موته، مما يؤكد لنا انه الوصية الثالثة التي اوصى بها أمته قبل موته وهي الوصية المنسية في رواية البخاري.
والمتأمل في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «آتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا». وفي قوله في غدير خم: «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض»، يعلم أن ما اراد أن يكتبه في وصيته السياسية التي اعترضوا عليها واختلفوا فيها، هو النص على خلافة اخيه ووصيه علي بن ابي طالب وأهل بيته (عليهم السلام)، وهم خلفاؤه الاثنا عشر، وهذا هو الذي كشفته واكدته الوصية الثالثة التي نسيها راوية البخاري وذكرها ابن حجر في (صواعقه).
ومن الملفت للانتباه تقديم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للوصيتين العامتين على الوصية الثالثة الخاصة بأمر الخلافة، وكأنه يريد أن يقول للحاضرين: إنه بكامل وعيه، لا كما اتهموه بانه فاقد الوعي قد غلبه الوجع واسلمه للهجر والهذيان، أو كأنه اراد التمهيد بالوصيتين للوصية الثالثة الخطيرة، ولكن دعاة الاجتهاد المخالف للنص النبوي اصروا على رفض الوصية الثالثة، وإنكارها ونسيانها والاستجابة لرغباتهم فيها مع أن عمر نفسه طرد أهل الكتاب من نجران واجلاهم عن جزيرة العرب إلى جبال الديلم وحينما سئل عن ذلك قال: تنفيذا لوصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٤٦).
ويذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب، أعلن للملأ بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه لم يمت، وهدّد بقتل من يدّعي أنه مات، فلما حضر ابو بكر في سقيفة بني ساعدة، تراجع عن رأيه بسرعه واعلن عن موته، ودعا المسلمين لمبايعة ابي بكر(١٤٧)، فحدثت خلافات ونزاعات، بين المهاجرين والانصار، حتى كاد عمر أن يقتل سعدا، وكل ذلك حدث والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مسجى في بيته وعليّ (عليه السلام) مشغول بتجهيزه مع بني هاشم، ونفر من الصحابة الذين قاطعوا مسرحية السقيفة.
ان ايذاء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باتهامه بالهجر لمنعه من كتابة وصيته السياسية لامته وتوعيد القائلين بموته وتهديدهم بالقتل وتأجيل اعلان نبأ موته إلى حين حضور أبي بكر مجتمع السقيفة كلها دلائل واضحة تعزز الاعتقاد بوجود مؤامرة مبيّتة لاغتصاب الخلافة من صاحبها الشرعي، كما عكست ذلك بوضوح الاحداث والمأساة السياسية المريرة التي حلت بعلي وفاطمة (عليهما السلام) بعد عملية تنصيب أبي بكر للخلافة.
فكان من أولى سلبيات هذه الفتنة أن أسرع المغتصبون للخلافة إلى اضطهاد اصحابها الشرعيين من أهل البيت (عليهم السلام)، المعارضين لسياستهم، بعد أن سمعوا بتحصن جمع من الصحابة ممن تخلف عن بيعة ابي بكر، في بيت فاطمة (عليها السلام) بنت محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان منهم خالد بن العباس، والزبير بن العوام، والمقداد بن عمر، وابي بن كعب، وسلمان الفارسي، وابو ذر الغفاري واخرون.
ومن الواضح أن اضطهاد المعارضين للحكم الجديد، سنة متواترة في تاريخ الحكومات المستولية على السلطة بالقوة، فلا غرابة أن يقع مثلها في امة خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد وفاته، ما دامت لم تقبل وصيته السياسية الإلهية في حياته، وهذا هو الذي حدث بالفعل، كما يحدثنا التاريخ، حيث جمع عمر بن الخطاب تسعة من الصحابة وأمرهم باقتحام دار فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأقبل يتقدمهم بمشعل من نار يهدد به المتحصنين من الصحابة باضرام البيت العلوي عليهم إن لم يخرجوا ويبايعوا صاحبه، فلقيته فاطمة (عليها السلام) وقالت له: «يا بن الخطاب اجئت لتحرق دارنا؟ قال: نعم، أو تدخلوا في ما دخلت فيه الأمة» فأتى بجماعته حتى هجموا على الدار، واقتحموا الباب وكسروه، وأخرجوا هارون محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من بيته بالقوة(١٤٨)، بعد أن كسروا جفن سيفه، واقتادوه بحمائل سيفه، حاسر الرأس حافي القدمين، حتى اوقفوه بين يدي ابي بكر وعمر، والى هذا الخطب الجلل اشار عليّ في شقشقيته المتلوعة بقوله:
«وطفقت أرتئي بين أن اصول بيد جذاء، أو اصبر على طخية عمياء، يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه، فرأيت أن الصبر على هاتا احجى، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى، أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده»(١٤٩)، وفي شكوى اخرى كان يقول: «فو الله ما زلت مدفوعا عن حقي مستأثرا علىّ منذ قبض الله نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى يوم الناس هذا»(١٥٠).
وقد حدثت لأهل البيت (عليهم السلام) مأساة وخطوب - بعد الهجوم على الدار - لا يطاوعني القلم على أيرادها، فعلى إثره تمرضت فاطمة بنت المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما لاقته من قساوة المهاجمين وعنفهم بعد أن عصروها وراء الباب واسقطوا جنينها(١٥١)، وادخلوا الرعب على أولادها الحسن والحسين وزينب، وهم يشاهدون أباهم الذي جندل الأبطال، وقتل صناديد المشركين، يقاد بالقوة باسم الإسلام الذي اعزّه بسيفه، ويؤخذ قهرا من بيته، ويسمعون أمهم الزهراء بنت المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تنادي خلف المهاجمين وهي مثقلة بالجراح: خلوا ابن عمي وأخا رسول الله(١٥٢).
وعلى اي حال ليس من غرضي عرض هذه المأساة التي حلت بآل محمد (عليهم السلام) بعد وفاته، وإنما يهمني أن اعرض الوقائع التاريخية الصريحة في الاعتداء على صاحب الحقّ الشرعي، لكي يعلم القراء أن مخطط إبعاد أهل البيت عن الخلافة وقيادة الامة لم يؤخذ فيه بعين الاعتبار مصلحة الاسلام، ولم يكن بدافع الحرص على وحدة الامة والخوف عليها من الفتنة بعد نبيّها، كما حاول ان يبرر ذلك ابو بكر لعليّ، حينما انكر عليه الاستئثار بالخلافة(١٥٣).
ولو كانت الدوافع سليمة كما يدعون فلماذا اخذوها لأنفسهم، ولم يأخذوها لصاحب الحقّ المشغول بتجهيز نبيّهم، الذي طالما سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول له: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» واذا كانت الدوافع بريئة من كل طمع وحقد، فلماذا لم يتركوا عليا وشأنه من دون أن يهتكوا حرمته، ويعتدوا على كرامته، ويروعوا أهل بيته ويهجموا عليهم في عقر دارهم؟ واذا كانت سياسة الوقت تتطلب مزيدا من الصلابة والحزم والقوة في مواجهة المعارضين، فهل تتوقف مصلحة الاسلام والامة على اقصاء عليّ وأهل بيته (عليهم السلام) عن جميع المناصب في الدولة الاسلامية، حتى من الدرجة الثالثة وأن ينصبوا من هم اقل منهم شأنا وعلما ومنزلة عند الله ورسوله، مع اتفاق الجميع على أن عليّا (عليه السلام) كان اعلم الصحابة واشجعهم واعدلهم واقدرهم على القيادة والادارة والحرب، وكذلك بنوه ائمة أهل البيت (عليهم السلام) الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟!
واذا كان المسوغ لعملية اقصاء علي وأهل بيته (عليهم السلام) من الخلافة الالتزام بمبدأ الشورى فكيف تمت الشورى يوم السقيفة وعامة بني هاشم مشغولون بتجهيز سيدهم خاتم المرسلين، وهم ثقل الامة، وكانت معهم شريحة كبيرة من الصحابة، ممن لم يعجبهم الدخول في فتنة الخلافة وترك خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأهل بيته (عليهم السلام) خاصة يجهزونه وحدهم من دون أن يجدوا احدا يعينهم ويقف معهم من الصحابة على تجهيزه، بالإضافة إلى عدد كبير من الانصار الذين انسحبوا من السقيفة بدون بيعة بقيادة سعد بن عبادة وعشيرته؟!
واذا كان مبدأ الشورى هو المقياس، فلماذا نقضه ابو بكر واوصى بالخلافة لحميمه وصديقه عمر، من دون أن يجعلها على طريقة السقيفة ولماذا حصرها عمر في ستة بعده، وأوصى أن تؤخذ لاحدهم قسرا في فترة محدودة والاّ ضربت اعناق الجميع، واين هذا الاسلوب من اسلوب الشورى؟! واين الشورى في الحكم الاموي العائلي، والعباسي الاسروي؟
وعلى اي حال، فقد حقق الموقف المنحرف من وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السياسية في رزية الخميس أول شرط من الشروط السلبية لقانون الاستبدال في تاريخ الامة الاسلامية، ولو لا هذه الرزية التي كانت سببا لإقصاء أهل البيت عن الخلافة الظاهرية، لم يعرف التاريخ الاسلامي بقية الرزايا، ولم تشهد الامة حالة الفرقة والضلال والاقتتال والصراع على الخلافة طوال التاريخ، ولبقيت دائما في خط الهدى والاستقامة والوحدة والخير والصلاح، كما اخبرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقوله: «إني مخلّف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا».
العامل الثاني: الانحراف عن نهج الشريعة، ولهذا العامل السلبي، بدايات كثيرة في تاريخ تجربة الاسلام السياسية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٥٤)، وفي طليعتها التخلي عن النص الإلهي في قضية الخلافة، وكان هذا أول حكم شرعي يعطل وينتقض في تاريخ الاسلام، ثم بدأت بعد ذلك عرى الاسلام وأحكامه تنتقض عروة بعد عروة، وتهزم من التطبيق حكم بعد حكم ابتداء من الاحكام السياسية والاجتماعية، وانتهاء بالأحكام العبادية والتكاليف الفردية، حتى اقصي اخيرا الاسلام كله عن التطبيق، فتحقق ما أخبر عنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: «لتنتقضنّ عرى الاسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها، وأولهنّ نقضا الحكم، وآخرهن الصلاة»(١٥٥).
وقوله أيضا: «ألاّ وإن السلطان والكتاب سيفترقان»(١٥٦). وقوله: «ليخرجن منه أفواجا كما دخلوه افواجا»(١٥٧).
وكان من أخطر الانحرافات والرزايا التي منيت بها الأمة الاسلامية بعد رزية الخميس وصول ابناء الشجرة الملعونة في القرآن إلى الخلافة واستيلاؤهم عليها بالقوة، وهم الذين رآهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في منامه ينزون على منبره كالقردة، فما شوهد مبتسما بعد ذلك. ولم يصل الحزب الاموي، إلى موقع القيادة في الامة الاّ بدعم مباشر من قائد الرزيتين(١٥٨)، عمر بن الخطاب الذي مكّن لسيدهم معاوية في بلاد الشام، وجعلها خالصة له، وتركه واليا عليها طيلة خلافته. ثم اوصى عمر بالخلافة لستة من بعده، وجعلها بطريقة حتمية تنتهي إلى عثمان بن عفان شيخ الأمويين.
ولا يسعنا أن نؤرخ في هذا الكتاب المختصر لحركة الانحراف الخطيرة عن منهج الشرع المبين، التي قادها الحزب الاموي الحاكم تحت عباءة الخليفة الثالث، على الصعيد الإداري والسياسي والمالي والفساد الخلقي، الأمر الذي ادّى في النهاية إلى انفجار شعبي عارم، في كافة الأمصار الاسلامية، وإعلان الثورة المسلحة على شخص الخليفة انتهت بقتله في عقر داره.
ولا نريد هنا أيضا أن نؤرخ للفتنة السياسية الظالمة التي اشعل فتيلها بنو أمية على خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخيه تحت غطاء الطلب بدم عثمان تلك التي راح ضحيتها مئات من الصحابة والتابعين في حرب الجمل وصفين والنهروان(١٥٩)، من غير الغارات الإرهابية التي كان يشنها الجيش الاموي على الامصار الاسلامية الخاضعة للخلافة العلوية، وما عدا الذين قتلهم معاوية بالسم والغدر والاعدام من اصحاب علي وأهل بيته (عليهم السلام) من امثال الإمام الحسن سبط النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومحمد بن ابي بكر، وحجر بن عدي الكندي وغيرهم.
ويذكر التاريخ انه ما ان استتب الحكم لمعاوية بعد صلح الإمام الحسن (عليه السلام) معه حتى اشعل حرائق الفتنة على أهل البيت (عليهم السلام) ورفع على رؤوسهم سوط الظلم، فكتب نسخة واحدة لعماله، بعد عام الجماعة - كما يسمونه وهو عام الفرقة كما نسميه - وذكر لهم في هذه النسخة: أن برئت الذمة ممن يروي شيئا من فضل ابي تراب وأهل بيته، فقام الخطباء في كل بلد، وعلى كلّ منبر يلعنون عليّا ويبرؤون منه ويقعون فيه وفي أهل بيته(١٦٠). وكأنهم لم يسمعوا كتاب الله تعالى وهو يتلى في أنديتهم ويصرخ فيهم: ﴿قُلْ لاَ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ اَلْمَوَدَّةَ فِي اَلْقُرْبى﴾ (الشورى: ٢٣). وبقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ اَلرِّجْسَ أَهْلَ اَلْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الاحزاب: ٣٣). وكأنهم لم يعرفوا منزلة عليّ ومكانته في تشييد أركان الدين والدفاع عن شريعة سيد المرسلين، وكأنهم على جهل بقرابة عليّ وأهل بيته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكأنهم ليسوا من هذه الامة ولا يعلمون من أمرها ورجالها وتاريخها شيئا.
وقد ختم معاوية حياته بارتكاب اكبر جريمة في تاريخ الاسلام السياسي عندما عهد بالخلافة من بعده لولده يزيد الخمار الخليع المتهتك المولع باللعب مع الكلاب والقردة(١٦١)، فنقض عهد الصلح الذي قطعه على نفسه مع سبط النبي الأكبر(١٦٢)، بعد أن دس له السم عن طريق زوجته فقتله.
وبعد ذلك ركب بنو أمية الصعب والذلول، للنيل من أهل البيت (عليهم السلام) والحطّ من منزلتهم في الامة، وامعنوا في تشريدهم وتقتيلهم والتضييق عليهم ومطاردة اتباعهم وكانت على ايديهم مجزرة كربلاء الدامية الحزينة، التي انتهت بقتل سبط النبي الاصغر الإمام الحسين (عليه السلام) مع ثلة من آل محمد (عليهم السلام) وبني أبيه، وكوكبة من الصحابة والتابعين من علماء الامة وصلحائها، وقد مثلوا بجثثهم كلهم، وسحقوها بحوافر خيولهم، وقطعوا رؤوسهم وحملوها هدية لخليفة المسلمين! في بلاد الشام! ناهيك عما ارتكبوه من وحشية لا توصف مع نساء وبنات واطفال الشهداء من آل محمد (عليهم السلام) بعد نهاية المجزرة، فحرقوا خيمهم وتركوهم في العراء، يهيمون على وجوههم بالبيداء، قد قتلهم الظمأ وجيوش السفاكين مسرعة وراءهم تلاحقهم بالسياط حتى انتزعوا حليّهم وسلبوهم كل ما يملكون، ثم اقتادوهم اسرى من العراق إلى الشام في الحر الشديد على الجمال من غير غطاء ولا وطاء، كما تقاد اسرى المشركين، وكان من جملتهم زين العابدين، وزينب بنت فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم اجمعين(١٦٣).
وليس لهذه الثلة المحمدية الكربلائية ذنب يذكر، غير خروجهم للإصلاح في الامة، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ومن هذا المنطق اعلنوا رفضهم لسلطان بني أمية المفارق لكتاب الله، المغير لسنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، المستعبد لعباد الله، العامل فيهم بالظلم والعدوان والفسق والفجور.
كما يفهم من خطاب الإمام الحسين (عليه السلام): «أيّها الناس إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:
من رأى سلطانا جائرا مستحلا لحرام الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنّة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغير ما عليه بفعل ولا قول كان حقا على الله أن يدخله مدخله ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان واظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء واحلوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا احقّ من غيّر»(١٦٤).
ولم تشف الحقد الاموي دماء الأبرياء في كربلاء، حتى عاد مرّة اخرى، ليرتوي منها في مدينة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشكل اكثر وحشية وبشاعة على يد قائد الخلافة الاموية - مسرف بن عقبة - في ذلك الهجوم الوحشي على أهل المدينة في وقعة الحرة، فقتل المئات من الصحابة والتابعين، واغتصب المئات من الفتيات والنساء وسلبهن حليهن، واخذ البيعة منهم ليزيد على أن يكونوا عبيدا له يحكم في دمائهم واموالهم واعراضهم واهليهم كيف يشاء(١٦٥).
وهل بعد هذا الانحراف عن نهج الشريعة انحراف، وهل بعد هذا الظلم ظلم، وهل بعد هذه الجرائم جرائم، وهل بعد هذه الصفحات السوداء في تاريخ الامة الاسلامية ما هو اكثر سوء وفسادا وظلما وضلالا ووحشية مما ارتكبه ابناء الشجرة الملعونة في القرآن؟!
ثم جاء بعد بني امية، بنو العباس، أهل الغش والخداع والالتباس، الذين تسللوا إلى الخلافة باسم أهل البيت، وتحت غطاء الدعوة لأصحابها الشرعيين المظلومين المشردين، فكانت محنة الامة عامة ومحنة ابناء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خاصة، في ظل سلطانهم وجبروتهم اشد عذابا وظلما وانحرافا وفسادا من سلطان بني امية، فملأوا من آل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السجون، وبنوا عليهم الاسطوانات، وهم احياء واحرقوهم فيها كما تحرق المزابل، وشردوهم في البلدان إلى اقاصي آسيا وافريقيا، ففزع ابناء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خوفا ورعبا من ظلمهم وجورهم في البراري والوديان والغابات وكهوف الجبال، يقتاتون من حشائش الارض ونفايات الناس، حتى قال الشاعر في ظلم بني العباس لهم:

والله ما فعلت امية فيهم * * * معشار ما فعلت بنو العباس(١٦٦)

ومما يندي له الجبين أن ترتكب كل هذه الجرائم بحقّ ابناء محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسم الإسلام، وبأمر من يدعي أنه خليفة رسول الله! يباركها علماء البلاط وفقهاء من الامة، يدّعون بأنهم حماة السنة وحملة الكتاب، وتلامذة مدرسة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)! وكان يكفي احدهم لإصدار الفتوى بالحكم المؤبد أو الإعدام على أبناء أهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم ان يقال له بأنهم روافض، أو من شيعة علي وفاطمة!!
ودع عنك ذكر مفاسد بني العباس الخلقية، وإحيائهم لسهرات الغناء والرقص، ومجالس اللهو والخمور الخليعة، في قصر الخلافة في مكة والمدينة، وسائر الأمصار الاسلامية ممّا هو مفصّل في كتاب (الاغاني) لأبي الفرج الاصفهاني(١٦٧).
فاذا كان خليفة المسلمين هو الذي يقود عملية الانحراف عن نهج الشريعة، ويمارس الفسق والفساد في قصر الخلافة ويتصدر مجالس اللهو واللعب، بين جموع المفسدين في الامة، ويخطط للظلم والجور والاعتداء على ابناء صاحب الرسالة، باسم الدين فأي وجود لشريعة الدين يبقى في الحياة؟ وكيف يتوقع من عامة الناس الالتزام الصحيح بأحكام الاسلام؟
العامل الثالث: التخلي عن النهج الجهادي في حماية أهداف الرسالة والأمة، وظهرت بوادر هذه الحالة في المجتمع العربي على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما استنفرهم لمعركة (تبوك) فأنزل الله تعالى قرآنا يندد بموقفهم الجبان المتثاقل عن جهاد اعداء الله، ويهددهم بعقوبة الاستبدال والطرد من موقع قيادة الأمة إن استمروا على هذه الحال، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ الله اِثَّاقَلْتُمْ إلى اَلْأَرْضِ أَ رَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا مِنَ اَلْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ اَلْحَيَاةِ اَلدُّنْيَا فِي اَلْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ * إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٨ و٣٩).
وقد تكررت حالة التخاذل عن الجهاد مرة ثانية منهم، في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أيضا، يوم عبأهم لمواجهة الروم في بعثة أسامة، مما اضطره لترك الفراش مع ما به من شدة الوجع، فخرج اليهم معصب الرأس، يتكئ على علي وعمّه العباس، فخطب بهم وحثهم على اللحوق ببعثة أسامة، وردّ على من طعن منهم بكفاءته وقيادته، ولعن المتخلفين عنه، ومع ذلك لم ينفذوا بعثة أسامة(١٦٨)، وانشغلوا في التخطيط لما بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)! وهذه هي غيرتهم على الاسلام في حياة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما شهد بها الوحي. فكيف نتصور غيرتهم عليه في تاريخهم الجهادي بعد وفاته؟
وهل يعني سقوط الخلافة بيد المنافقين وأئمة الضلال من مسلمة الفتح، وابناء الطلقاء، والشجرة الملعونة في القرآن، الاّ مظهرا من مظاهر التخاذل عن الجهاد الذي شرعه الله تعالى لتطبيق دينه وسيادته في الحياة، وحماية أهدافه واتباعه من الأعداء الداخليين والخارجيين؟ وهل يعني النيل من ابناء صاحب الرسالة، ولعنهم على منابر المسلمين، واضطهادهم وحرمانهم من أقل الحقوق الإنسانية وتقتيلهم وأسرهم وتشريدهم باسم شريعة جدّهم، الاّ كونه من اوضح مظاهر التخاذل عن الجهاد في سبيل الله؟ وهل تساوي الفتوحات الاسلامية في الميزان الجهادي منزلة المجاهدين الذين يقفون بوجه خليفة الفاتحين اذا كان من المفسدين الجائرين؟ ألم يقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «افضل درجات الجهاد عند الله تعالى، كلمة عدل عند سلطان جائر»؟ وهل هناك من قيمة للفتوحات الاسلامية عند الله تعالى، اذا كانت اموالها وثرواتها تصب في قصر الخليفة المترف المفسد العامل في عباد الله بالإثم والعدوان، ثم تتسرب منه إلى عشيرته، فيقضمونها قضم الابل نبتة الربيع؟
عوامل التخاذل عن الجهاد
لابد من البحث عن العوامل الأساسية التي ادّت إلى موت ارادة المجتمع العربي المسلم، وشل الروح الثورية في حياته الدينية، وعدم شعوره بالمسؤولية الرسالية والجهادية. وهي في تصوري ترجع إلى سببين:
الأول: اعتماد الخلفاء لسياسة الإرهاب والتجويع لقمع الثوار المعارضين لسياستهم، وشل الروح الثورية المناهضة لهم في الامة. وبدأت هذه السياسية القمعية من يوم الهجوم على دار فاطمة (عليها السلام)، وتجويع أهل البيت (عليهم السلام) بمصادرة (فدك) منهم، وابعاد ابي ذر الغفاري إلى الشام ثم نفيه إلى الربذة، حتى مات غريبا وحيدا هناك، إلى تصفية الثائرين من الصحابة المجاهدين امثال محمد بن ابي بكر، والإمام الحسن (عليه السلام)، وحجر بن عدي الكندي، إلى مجزرة كربلاء الأليمة، ووقعة الحرة الحزينة... الخ.
الثاني: اعتماد الخلفاء الغطاء الديني لتبرير وصولهم إلى الخلافة والتستر على اخطائهم وانحرافاتهم وممارساتهم الظالمة، واستخدم هذا النهج لتخدير الامة باسم الدين في حياتها السياسية لأول مرة في رزية الخميس، فاتخذوا القرآن غطاء لرفض وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السياسية، وقالوا: «حسبنا كتاب الله»، وكأنما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاهلا - وحاشاه ذلك - بأهمية كتاب الله في أمته!(١٦٩). وبحجة الخوف على الامة من الفتنة بعد نبيها، أخذت الخلافة من اصحابها الشرعيين(١٧٠)، وبحجة أن أنبياء الله لا يورثون صادروا فدكا من فاطمة الزهراء(١٧١). ثم جاء بنو امية وبنو العباس فوجدوا الطريق معبدا أمامهم لاعتماد الدين غطاء لضرب المعارضين لهم، والقضاء على الروح الثورية في الأمة، ولم يكتفوا باختلاق الاحاديث وتحريفها(١٧٢)، بل استطاعوا السيطرة على مراكز العلوم الاسلامية، وتسخير علماء الاسلام لمصالحهم السياسية ومنافعهم الذاتية(١٧٣).
فكانت الأحاديث الموضوعة التي تدعو إلى طاعة الحاكم والأمير برّا كان أم فاجرا، وكانت الأحاديث التي تنهي عن الثورة والخروج على سلطة الحاكم الظالم، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك، فلا عليك الاّ الصبر والطاعة له، فان مت مظلوما خير لك من أن تموت ظالما(١٧٤)!
ومن الطبيعي أن يكون نصيب أهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم من الاحاديث الموضوعة كبيرا جدا(١٧٥)، لأنهم وحدهم يتصدرون جبهة الرفض للظلم في حياة الامة، ويقودون الخط الجهادي الثائر على سياسة الخلفاء المنحرفين عن نهج الشريعة، فمن دون معاداتهم وتشويه حقيقتهم وفصل الامة عن نهجهم؛ لا يمكن أن تنام للظالمين المغتصبين لحقهم عين.
ومن هذا المنطلق كانت تصدر الفتاوى المزيفة من فقهاء البلاط الحاكم، مبررة لهم قتل ابناء الرسول (عليهم السلام) وقمع الثوار الموالين لهم والقضاء على الثورات السائرة على خطاهم، وبطريقة التخدير الديني استطاع الامويون والعباسيون العمل على موت الإرادة الايمانية في ضمير الامة، وشل الحالة الثورية في حياتها السياسية، وخلق جو عام من الاستسلام والطاعة العمياء في قطاع كبير منها.
ومن خلال هذه الممارسات الدينية المنحرفة، ترسخت المفاهيم الدينية الخاطئة في التصور الاسلامي وبمرور الزمن. وولدت فكرة فصل الدين عن السياسة في المجتمع الاسلامي، فاصبح ابتعاد المسلم الملتزم عن العمل السياسي والجهادي يمثل قمة الصلاح والتدين والاستقامة، وتدخله بهما انحراف عن هدي الاسلام وسيرة السلف الصالح من العلماء، الذين لم يخرجوا على طاعة الخليفة - برا كان أم فاجرا - بل عملوا كموظفين في مساجد الدولة، ووعاظ في دوائر السلطة من دون أن يعترضوا على سياستها، وان خرجت عن نهج القرآن والسنة بشكل صريح(١٧٦).
إن ما يعاني منه العالم العربي اليوم من ظلم وجور حكامه، ومن مأساة الفقر والجوع والحرمان، ومن الاعتداء على الحريات والكرامات، ومن تفسخ في الاخلاق والعلاقات في ظل سياستهم المنحرفة الظالمة، ومن اغتصاب اعدائه لأرضه، وهيمنة اعدائه على بلاده، وسيطرتهم سياسيا واقتصاديا وعسكريا على حياته، عن طريق وكلائهم واوليائهم من الحكام الخونة. كل ذلك من النتائج الحتمية للسياسة الاموية والعباسية المنحرفة عن نهج الاسلام المحمدي الاصيل. فهي التي عملت في طول تاريخها على قتل الروح الثورية في الامة، والقضاء على إرادتها الايمانية، ووعيها الديني، وابعادها عن رسالتها الجهادية، وفصلها عن قيادتها الشرعية، التي كانت تدعوها للثورة على الظالمين وعدم الرضوخ لسلطة الجبارين والمفسدين. وما زالت السياسة الحاكمة في العالم العربي اليوم تسير على خطى الامويين والعباسيين في تصفية الثوار ومطاردة المجاهدين، من المؤمنين حيث أضحى الالتزام بالدين تهمة، والحالة الجهادية عمالة، والهداية إلى دين الله جريمة في معظم أرجاء العالم العربي.
ومن منطلق الاقتداء بسيرة السلف الصالح! والاقتداء بالنهج الاموي في مواجهة المجاهدين والثوار من ابناء الامة تقوم دولة آل سعود بطبع كتاب:
(حقائق عن أمير المؤمنين يزيد بن معاوية)، بالإضافة إلى طبعها مئات الكتب وتوزيعها سنويا في العالم الاسلامي، بعد أن تشحنها بالأكاذيب والافكار الدينية المسمومة ضد مذهب أهل البيت (عليهم السلام) لتشويه حقيقته وخلق الحواجز الدينية بين الامة الاسلامية بهدف فصلها عن الثورة الخمينية الموالية لمذهب أهل البيت (عليهم السلام).
المجتمع العربي على سنن الماضين
انتهينا في الموضوع السابق من دراسة تاريخ تجربة الاسلام السياسية الاسلامية، في اطار المجتمع العربي، في ضوء العوامل السلبيّة للاستبدال.
والآن نريد دراستها في ضوء المفهوم القرآني الثاني، وهو: اتباع سنن الماضين، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (يونس: ١٠٢)، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله! اليهود والنصارى قال: فمن؟!»(١٧٧).
فإن هذه النصوص تشعر بحتمية مرور الأمة الاسلامية بنفس التجارب التي مرت بها الأمم السابقة، سواء في هداها وضلالها، أم في انتصاراتها وهزائمها، وان تغير شكلها وطريقة ممارستها. واذا نظرنا إلى تجارب الأمم الماضية، نجد تجربة بني اسرائيل من اثرى التجارب الرسالية دروسا، ولهذا أهتم القرآن بالتركيز عليها أكثر من غيرها.
وطبقا للمبدأ الإلهي في اتباع سنن الماضين، لا بد أن تمر الأمة الإسلامية بمثل الفتن والتجارب السياسية والاجتماعية والفكرية نفسها التي واجهت بني اسرائيل، ابتداء من هارون محمد (عليه السلام) المعتدى على حقه، المظلوم من أمته، وانتهاء بالمواقف الجبانة المتخاذلة عن تحرير فلسطين.
واذا مرّت محنة هارون في بني اسرائيل كسحابة صيف لأن موسى (عليه السلام) بمجرد أن رجع من ميقات ربه وضع لها حدا في أمته، وعاقب الله تعالى على يديه المتآمرين على أخيه والمعتدين على منصبه وخلافته من عبدة العجل واتباع السامري، فانزل عليهم عقوبة الاقتتال، حتى قتل الأخ أخاه والأب ابنه والابن أباه فتاب الله عليهم(١٧٨). فإن محنة هارون محمد (عليه السلام) بقيت تشتعل لوعتها في صدره، وتتسع عليه مأساتها يوما بعد يوم في خلافته، وقد عانى منها ابناؤه واتباعه من مناوئيه واعدائه، من الظلم والتشريد والتقتيل والاتهامات الباطلة، ما تهون أمامه جميع مأساة هارون وموسى (عليه السلام) واسباطه واتباعهم.
ومأساة هارون محمد (عليه السلام) ما زالت باقية مستمرة يشتعل لهيبها كل يوم في الأمة، ما دامت الاقلام المأجورة تكتب والعمائم المتاجرة بالدين تخطب، وستبقى هكذا حتى يأتي الله بالفتح أو أمر من عنده، فيصبح اعداء أهل البيت (عليهم السلام) على ما اسروا في انفسهم نادمين.
وقد لاقى اسباط محمد (عليهم السلام) من الاذى والتشريد والظلم والجور من قوم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اضعاف ما لاقاه أسباط موسى (عليه السلام) من قومه، واذا كان بنو اسرائيل قد قتلوا يحيى ابن النبي زكريا (عليهما السلام)، وقدموا رأسه هدية إلى بغيتهم في ليلة زفافها، فان قوم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قدموا رأس سبطه وابن ابنته مع كوكبة من رؤوس أهل بيته إلى خليفتهم الخليع الخمار المتهتك يزيد بن معاوية أمير الفاسقين.
وكما كان خلفاء موسى (عليه السلام) واسباطه، هم مقياس الهدى والضلال في امته من بعده، فمن تبع هارون كان ناجيا ومن لحق السامري وعجله كان خاسرا، فان هذه الحكاية ذاتها قد تكررت في خلفاء محمد (عليهم السلام) واسباطه من أهل بيته الذين اذهب الله عنهم الرجس وطهرهم من الدنس، وقرنهم بكتابه حيث قال عنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمته: «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا».
وكما افترق بنو اسرائيل بعد نبيهم إلى احدى وسبعين فرقة كلها في ضلال والى النار الاّ واحدة، افترقت ايضا الامة الاسلامية بعد نبيها إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في ضلال والى النار الاّ واحدة، ومن الطبيعي أن تلاقي الفرقة المحمدية الناجية من فتنة الخلافة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الاذى والتكذيب والاضطهاد والتقتيل اضعاف ما لاقته الفرقة الناجية من بني اسرائيل التي لم تعبد العجل ولم تطع السامري، وبقيت متمسكة بخلفاء موسى (عليه السلام) بعد هارون.
واذا اقتصر بنو اسرائيل في عملية التحريف والتزييف لقيم الدين ومبادئه ولنصوص التوراة وآياته على حدود المتاجرة بها لحساب مصالحهم الدنيوية؛ ليشتروا بها ثمنا قليلا، فإن قادة المسلمين من المنافقين ومرضى القلوب وحكامهم الخونة فاقوهم في ذلك فحرّفوا سنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليقتلوا بها أبناءه ويعتدوا عليهم باسم شريعة جدهم.
وكما برّر بنو اسرائيل الجبناء تخاذلهم عن تحرير فلسطين لموسى (عليه السلام) بخشيتهم من قوة الجبارين الذين يفوقونهم عدة وعددا، يتمسك اليوم الحكام الجبناء المتآمرون على الامة الاسلامية لتبرير تخاذلهم عن مواجهة اليهود الغاصبين لفلسطين بقولهم: ﴿نَخْشى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾. فالقوم الذين حلت بهم عقوبة التيه من بني اسرائيل هم الذين رفضوا خلافة هارون، وتمردوا على وزارته، واطاعوا السامري المنافق وعبدوا عجله، ولم يستجيبوا لموسى (عليه السلام) يوم دعاهم لتحرير فلسطين من الجبارين، وهؤلاء هم الذين حلت بهم عقوبة الاستبدال.
وتمثلت الفرقة الناجية في الجماعة البديلة عن المرتدين من بني اسرائيل لأنها لم تطع السامري المنافق ولم تعبد عجله الصنم بل بقيت متمسكة بولاية اوصياء موسى (عليه السلام)، فهذه الجماعة التي كانت تمثل حزب الله في تاريخ بني اسرائيل، هي التي فتح الله تعالى على يديها فلسطين بقيادة (يوشع بن نون) بعد نهاية التيه، وبقيادتها استطاع بنو اسرائيل إقامة الدولة التوراتية الصغيرة الممهدة لدولتهم الكبرى التي أقام صروحها وبنى كيانها داوود وسليمان (عليهم السلام).
وهذه التجارب نفسها ستتكرر في تاريخ الأمة الاسلامية، كما تؤكد انباء الغيب القرآنية والنبوية. فلن يحرر فلسطين من اليهود الغاصبين الاّ المقاومون من اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، من اصحاب الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) وانصارهم في بلاد الشام. فالخطى ذات الخطى، والتجارب عين التجارب، وان تغيرت في شكلها واختلفت في اساليبها، ولقد كان الصحابي الكبير حذيفة بن اليمان ثاقب الرؤية واسع الفهم، حينما فسر بعض الصحابة بمحضره قوله تعالى: ﴿ومَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ اَلْكَافِرُونَ﴾ فقال: إنّ المعنيين بهذه الآية هم بنو اسرائيل فاجابه حذيفة قائلا: «نعم الاخوة بنو اسرائيل إن كان لكم الحلو ولهم المرّ، كلاّ والذي نفسي بيده، حتى تحذوا السنّة بالسنّة والقذّة بالقذّة»(١٧٩).
الاستبدال في تاريخ المجتمع الفارسي
يعمل قانون الاستبدال وفقا لمتغيرات عقائدية وسياسية واجتماعية تظهر تدريجيا في حركتين اجتماعيتين متعاكستين تماما:
الحركة الاولى: يمثلها واقع المجتمع الاسلامي المستبدل، حينما يبدأ يتراجع عن مسؤوليته الرسالية وقيمه الخلقية والتزاماته الدينية، وهو ينحدر ساقطا في مجالات الانحراف المختلفة.
الحركة الثانية: يمثلها واقع المجتمع الاسلامي البديل في حركته التصاعدية المتنامية في وعيها السياسي والتزامها الديني وجهادها المقدس، وهو يحاول أن يتحدى مختلف اجواء الظلم السياسي والفساد الخلقي والانحراف الديني، التي يواجهها في مسيرته الرسالية الواعية. وتحاول أن تضغط عليه وتصده عن نهج الحق في صراعه مع اعداء الاسلام في داخل مجتمعه وخارجه.
وقد تحدّثنا عن الحركة الاولى - في ضوء الكلام عن عوامل الاستبدال السلبية - التي ظهرت تدريجيا في تجربة الإسلام السياسية، والتي قادها المجتمع العربي بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، بعد اقصاء قادتها الشرعيين خلفاء الرسول (عليهم السلام) الاثني عشر من أهل بيته.
أمّا الآن فنريد أن نتحدث عن العوامل الايجابية لقانون الاستبدال في تاريخ المجتمع الفارسي البديل، المختار لقيادة الامة في صراعها العقائدي والسياسي مع اعداء الامة من أهل الكتاب في آخر الزمان، ومع طابور النفاق ومرضى القلوب الموالين لهم في العالم الاسلامي.
اسلام فارس
دخل الإسلام بلاد فارس في عصر الخليفة الثاني، وأكمل تحريرها من الحكم الكسروي في خلافة الثالث، وكان الفرس قبل ذلك يسمعون عن الدين الجديد الذي بزغ نوره في بلاد العرب بأنه دين العدالة والمساواة والأخوة والمحبّة، وأنه جاء لتحرير الإنسان من ظلم الإنسان، ومن عبادة الاصنام والاوثان، وجاء لتحرير الشعوب المستضعفة من حكوماتها الظالمة الجائرة المستبدة. وقد شاع هذا التصور عن الإسلام في بلاد فارس قبل إسلامها عن طريق ابنائها المتواجدين في المستعمرات العربية الخاضعة للأمبراطورية الكسروية في بلاد اليمن، واليمامة والحيرة، والمدائن، والبصرة، والنعمانية، وميسان، وواسط، وغيرها من البلدان العربية التي خضعت للإسلام مع أعوان كسرى ووكلائه من حكامها.
وما ان اعتنق ابناء فارس الإسلام، حتى اكشتفوا المفارقات الكبيرة بين ما سمعوه عنه قبل اسلامهم، وبين ما شاهدوه فعلا على الأرض في ظل دولة الخلافة التي اقصت أهل البيت (عليهم السلام) عن قيادة الأمة.
فبينما سمعوا عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قد ساوى بين المسلمين كافة في الحقوق والمعاملة - حيث لا فضل لعربي على اعجمي الاّ بالتقوى - فلم يقدم جماعة على أخرى، ولا قبيلة على أختها، ولا اسود على ابيض، ولا قوما على آخرين، بل ساوى بين الجميع؛ فإنهم وجدوا الخليفة الثاني قد خرج عن هذا المبدأ العادل في المعاملة والحقوق، ففضل السابقين على غيرهم، وفضل المهاجرين من قريش على غيرهم من المهاجرين، وفضل المهاجرين كافة على الأنصار كافة، وفضل العرب على العجم، وفضل الصريح على الموالي، وفضل مضر على ربيعة، ففرض لمضر ثلاثمائة، ولربيعة مائتين، وفضل الأوس على الخزرج مع أن القبيلتين من الأنصار(١٨٠).
وقد ادرك عمر خطأ هذا النهج الطبقي في العطاء، ولمس آثاره السلبية في المجتمع الاسلامي، واعترف في آخر حياته بوجوب الرجوع للسيرة النبوية العادلة، لكنه قتل قبل ذلك(١٨١)، وسار عثمان الأموي على النهج العمري في العطاء، وزاد عليه انحرافا آخر فمنح اقرباءه امتيازات مالية خاصة، وقدمهم على الصحابة والتابعين وعلى جميع المسلمين، وحينما عاب عليه بعض كبار الصحابة ذلك اجابهم قائلا: لنأخذن حاجتنا من هذا الفيء، وإن رغمت أنوف أقوام(١٨٢).
وأول من تضرر من هذه السياسة المالية الطبقية في المجتمع الاسلامي، هم الفرس والموالي عامة، لأنها لم تضعهم في اسفل الطبقات الاجتماعية في الدولة الاسلامية فحسب؛ وإنما حرمتهم نهائيا من العطاء - في ظل الحكم الاموي - إلاّ الجند منهم فكان عطاؤهم على قدر قوت يومهم.
وقد عانى المسلمون من غير العرب ضغوطات نفسية واجتماعية واقتصادية مؤلمة، وهم يشاهدون ثرواتهم تجبى من بلادهم الغنية وترسل إلى صحراء الجزيرة العربية القاحلة المجدبة، ومع ذلك لا يساوى بين أبنائهم وبين المسلم العربي في المعاملة والعطاء داخل الامصار الاسلامية العربية، ولو لا توفر عاملين مهمين في انفتاح الفرس على الإسلام لحصلت حالة من الارتداد عن الاسلام في مجتمعاتهم لا تحمد عواقبها:
العامل الأول: توفر التجربة النموذجية للإسلام في الإدارة والحكم بقيادة خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخيه، وهي على الرغم من قصرها استطاعت أن تقدم صورة ناصعة عن عدالة الإسلام وعظمة تشريعاته، وتمكنت من إعادة ذكريات القيادة النبوية للأمة، وكان شعار السياسة العلوية وواقعها الموضوعي واحدا، لأنها وضعت المجتمع الاسلامي بجميع طبقاته وفئاته على قدم المساواة، كما عبر عنها الإمام علي (عليه السلام) بقوله: «الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه». وحينما امر كاتبه عبيد الله بن ابي رافع أن يوزع المال على المسلمين قال له: «ابدأ بالمهاجرين فنادهم، واعط كل رجل ممّن حضر ثلاثة دنانير، ثم ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك، ومن حضر من الناس كلهم الأحمر والاسود فاصنع به مثل ذلك». فقال له سهل بن حنيف: يا أمير المؤمنين! هذا غلامي بالأمس وقد اعتقته اليوم، فقال (عليه السلام):
«نعطيه كما نعطيك» فأعطى كلّ واحد منهما ثلاثة دنانير(١٨٣)، مع أن سهل بن حنيف من اصحابه، وخواصه وكان له واليا على البصرة قبل حرب الجمل.
العامل الثاني: نزعة حب العلم والمعرفة، التي جبل عليها ابناء فارس، وقابلية التحمل والصبر المنقطعة النظير، التي يتصفون بها في طلب العلم بين شعوب العالم، ولواقعية هذه الصفة وبروزها فيهم، اتخذها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنوانا للتعريف بهم وتمجيدهم في دلائل نبوته في قوله: «لو كان العلم بالثريا لناله رجال من أبناء فارس».
وكان كثيرا ما يبشر بإسلامهم، ويستوصي اصحابه وأمته بهم خيرا، ويروى عنه انه كان يقول لأصحابه: «يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون فاذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا» فكان الصحابي ابو سعيد الخدري اذا رأى احدهم قادما إلى الدرس، أو جالسا في حلقة شيخه قال له: «مرحبا بوصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٨٤).
واقدم نص يدل على توجه أبناء فارس لطلب العلوم الاسلامية، ما روي بشأن احتشادهم حول منبر أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يخطب في مسجد الكوفة، مما اغضب شيخ المنافقين الاشعث بن قيس فاستنقصهم، وهو يتخطى رقابهم فردّ عليه الإمام علي (عليه السلام) بكلمات موجعة، ووبخه توبيخا عنيفا، دفاعا عنهم.
وسنقرأ هذه الحادثة التاريخية بكاملها بأسانيد صحيحة في الفصل الثالث إن شاء الله تعالى.
وبانفتاح ابناء فارس على اللغة العربية، وطلب العلوم الاسلامية، اكتشفوا حقيقة الأمر، وعلموا أن ما يلاقونه من ممارسات ظالمة بحقهم، في ظل حكومة الخلافة الاسلامية، إنّما هي حالة انحرافية طارئة في المجتمع الاسلامي، لا تمت لمبادئه الالهية الأصيلة بصلة، وهي نتيجة طبيعية لجهل الخلفاء بالإسلام، بعد اقصائهم للخلافة الشرعية الكفوءة عن قيادة الأمة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٨٥).
دور الفرس في النهضة الثقافية
ومنذ عصر الإمام علي (عليه السلام) بدأت الحركة العلمية تنشط في أوساط الفرس، وفي أواخر القرن الأول الهجري تحول اهتمامهم بالمعارف الاسلامية إلى حركة علمية متميزة في الامة، يقودها علماء بارزون منهم، ويتصدى اكثرهم لمقام الإفتاء والقضاء كما يفهم من الحوار الذي جرى بين أبي ليلى وعيسى بن موسى بشأن علماء الإفتاء والقضاء المبرّزين في الامصار الاسلامية.
قال ابو ليلى: سألني عيسى بن موسى - وكان ديّانا شديد العصبية - فقال: من كان فقيه العراق؟ قلت: الحسن بن ابي الحسن. قال: ثمّ من؟ قلت:
محمد بن سيرين. قال: فما هما؟ قلت: موليان. قال: فمن كان فقيه مكّة؟ قلت: عطاء بن رباح، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وسلمان بن يسار. قال: فما هم؟ قلت: موال. قال: فمن فقهاء المدينة؟ قلت: زيد بن أسلم، ومحمد بن المنكدر، ونافع بن نجيح. قال: فمن هؤلاء؟ قلت: موال. فتغير لونه ثم قال:
فمن فقيه أهل قباء؟ قلت: ربيعة الرأى، وابن ابي الزناد. قال: فمن كانا؟ قلت: من الموالي. فاربد وجهه، ثم قال: فمن فقيه اليمن؟ قلت: طاووس وابنه، وابن منبه. قال: فمن هؤلاء؟ قلت: من الموالي! فانتفخت أوداجه وانتصب قائما، وقال: فمن كان فقيه خراسان؟ قلت: عطاء بن عبد الله الخرساني. قال: فمن كان عطاء هذا؟ قلت: مولى! فازداد وجهه تربدا واسود اسودادا، حتى خفته، ثم قال: فمن كان فقيه الشام؟ قلت: مكحول. قال: فما كان مكحول هذا؟ قلت مولى! فتنفس الصعداء، ثم قال: فمن كان فقيه الكوفة؟
فو الله لو لا خوفه، لقلت الحكم بن عتبة، وحماد بن سلمان، ولكن رأيت فيه الشرّ فقلت: ابراهيم النخعي والشعبي. قال: فما كانا؟ قلت: عربيين. فقال: الله اكبر وسكن جأشه(١٨٦).
ومثل هذا الحوار جرى أيضا، بين هشام بن عبد الملك الأموي وعطاء حتى قال هشام في نهايته: كادت تخرج نفسي ولا يقول عربي(١٨٧).
وفي منتصف القرن الثاني الهجري الذي شهد فيه ائمة أهل البيت (عليهم السلام) وتلامذتهم ورواة حديثهم اعنف حملات الاعتقالات والمطاردة والتضييق، من قبل بني العباس، كان لعلماء الفرس مكانة علمية كبيرة في سائر الامصار الإسلامية وخاصة بعد أن تبنت الدولة العباسية آراء كبار ائمتهم وعلمائهم في الفقه والقضاء، امثال الإمام ابي حنيفة، والإمام مالك(١٨٨)، وفي مطلع القرن الثالث الهجري، حيث كان يرقد إمام أهل البيت علي الهادي (عليه السلام) في سجن المعتمد العباسي، ومن بعده ولده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كانت الدولة العباسية قد بثت الجواسيس لمطارد تلامذة أهل البيت ورواة حديثهم، بينما اطلقت العنان لعلماء وفقهاء الفرس ورواة حديثهم، ومنحتهم مطلق الحرية(١٨٩)، حتى احتلوا موقع الصدارة في إمامة الفقه والقضاء والحديث، وامامة المساجد في كافة الامصار الاسلامية.
وكان في طليعة فقهاء وعلماء الفرس الإمامان الشافعي وأحمد بن حنبل(١٩٠)، والإمام البخاري، والإمام مسلم النيسابوري، والإمام الترمذي، والإمام النسائي، والحافظ ابن ماجة القزويني، وابو داوود السجستاني(١٩١).
ومنهم: الحافظ نعيم بن حماد المروزي شيخ الإمام البخاري(١٩٢)، والحاكم ابو عبد الله النيسابوري مصنف (المستدرك على الصحيحين)، والحافظ البيهقي مؤلف (السنن الكبرى)، وابو نعيم الاصفهاني صاحب (حلية الاولياء).
ومنهم أيضا في العصور المتأخرة: ابن حزم الفارسي الملقب بالأندلسي، وابن تيمية وغيرهما. ولم تقتصر إمامة علماء الفرس على الفقه والحديث، بل شملت نواح شتى من العلوم والفنون الإسلامية والإنسانية، وخاصة في علوم اللغة، والطب، والفلسفة، والتاريخ. واليك شريحة ممن اشتهر منهم ويحضرني على هذه العجالة.
فمنهم: الفراء النحوي وهو أول من الّف في (مجازات القرآن)، وسهل السجستاني مؤلف كتاب (اعراب القرآن)، والزمخشري اللغوي والمفسر، والحافظ الطبري مؤلف (جامع البيان في تفسير القرآن)، والفخر الرازي الفيلسوف والمفسر، والنيسابوري مؤلف (غرائب القرآن)، والبيضاوي مؤلف (التفسير) المعروف باسمه، وابو الفرج الاصفهاني مؤلف (الاغاني)، وابن خلكان صاحب (وفيات الاعيان)، واحمد الثعالبي صاحب (التفسير)، والشهرستاني مؤلف (الملل والنحل)، وابن سيناء والفارابي وغيرهم ممن لم اذكرهم اكثر واكثر.
فلو نظرنا إلى أبرز ائمة أهل السنة في الفقه والحديث واشهر علمائهم في التفسير والعلوم الاخرى لوجدناهم كلهم ينحدرون من اصل فارسي، ولهذا كانت بلاد فارس قاطبة تدين بالإسلام على طريقة المذاهب الأربعة حتى نهاية القرن التاسع الهجري(١٩٣). والواقع التاريخي يؤكد بكل وضوح وصراحة أن الفكر الاسلامي في نطاق المذاهب الاربعة بجميع مجالاته عالة على علماء وفقهاء الفرس ومدين لهم. فلهم وحدهم الفضل الأكبر في وضع أسسه وتشييد صروحه عقائديا وفقهيا وسياسيا وثقافيا، على العكس تماما منه في نطاق مذهب أهل البيت (عليهم السلام) حيث بقي يستمد ينابيعه واصوله ومناهجه، من مهبط الوحي العربي المبين، عن طريق ابناء رسول الله (عليهم السلام) الاثني عشر، واستمر على هذه الحالة حتى نهاية القرن الثالث الهجري، حيث بدأت الغيبة التامّة للمهدي المنتظر (عليه السلام) وتصدى لقيادة الامامية علماء وفقهاء من اصل عربي في تلك الفترة حتى مطلع القرن الخامس الهجري حيث توفي الشيخ المفيد عام ٤١٣ هجرية(١٩٤).
كيف دخل التشيّع بلاد فارس؟
من المتفق عليه أن التشيّع دخل بلاد فارس مبكرا عن طريق الدعاة العرب من أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وتلامذتهم، وأول قافلة دخلت بلاد فارس منهم كانت مؤلفة من مجموعة قبائل يمانية، أمر الخليفة الاموي بإجلائها من ضواحي الكوفة إلى خراسان، لأنهم كانوا يشكلون مصدر قلق وخطر دائمين على الخلافة الاموية في بلاد العراق، وقد نفذ عملية الاجلاء والي الأمويين على الكوفة زياد بن ابيه(١٩٥)، ولحقت بها قافلة أخرى صغيرة، كانت تضم جمعا من قبيلة الاشاعرة، انطلقت من العراق أيضا في عصر الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان، ودخلت بلاد فارس من ناحية الاهواز وشقت طريقها على الجمال والخيول، واجتازت المساحات الواسعة والجبال العالية، حتى انتهت إلى منطقة تتوسط الطريق الرابط بين الريّ واصفهان في قلب بلاد فارس، واستقرت فيها وسكنتها وعرفت فيما بعد بمدينة قم، وهي مدينة عربية خالصة لا أثر للأعاجم فيها كما يقول ياقوت الحموي(١٩٦).
وقد عانى أهل قم من ظلم العباسيين ما لم تعرفه بقية المدن الشيعية في الدولة الاسلامية، ولو أراد الباحث المتتبع أن يتطرق لمعاناتهم ويسرد قصص مأساتهم، والمصائب التي حلّت بهم من اعدائهم لاحتاج إلى عشرات المجلدات، ومع ذلك كانوا عنوان الصمود على المبدأ، والثبات على الحق، والولاء لآل محمد (عليهم السلام) وكانت الشهادة على حب أهل البيت (عليهم السلام) عندهم احلى من العسل، فلم يكترثوا لجبروت الظالمين، واستبداد المتسلطين، وقساوة الجلادين.
وقد احرق المعتصم العباسي بيوتهم، وخرّب منازلهم، وألحق بهم وبأموالهم اضرارا كبيرة، وقتل المئات من رجالهم وابنائهم؛ بسبب إخراجهم عامله عليهم علي بن عيسى. وكذلك فعل بهم خلفه المستعين، فأرسل اليهم جيشا بقيادة مفلح التركي فأغار عليهم، وسحق نساءهم وأطفالهم بحوافر الخيول، وغنم أموالا كثيرة منهم، وبقيت قم تعاني من اضطهاد بني العباس وظلمهم وجور الحكام والملوك الذين جاؤوا من بعدهم، حتى بلغت مأساة أهل قم ذروتها على يد قوات الديالمة الحاقدة على مذهب أبناء الرسول (عليهم السلام)، فسحقتهم عن بكرة أبيهم ولم تبق لهم الاّ بيوتا معدودة خاوية على عروشها(١٩٧)، بعد ما فرّ عدد منهم خارجها، مختفين بالجبال والوديان التي تحيط بها، حتى انسحب منها الغزاة النواصب اعداء آل محمد (عليهم السلام).
ولم تكن الجالية العربية الشيعية في خرسان أفضل حالا من اختها في قم، وخاصة انها كانت منذ البداية من الجماعات المغضوب عليها من قبل السلطة، فلم تستقر ركابها وتلق رحالها في بلاد خراسان الاّ بعد أن استلم واليها من مبعوث الخليفة الاموي - المرافق للقافلة - ما يؤكد خطورتها على الدولة الاموية، وضرورة وضعها تحت المراقبة الدائمة، ومع ذلك فما كان يتوقعه ويتوقاه خلفاء بني امية منها قد حدث فعلا، حيث كانت انطلاقة الثورة العباسية للإطاحة بهم من بلاد خراسان.
كيف انتشر التشيع في بلاد فارس؟
يتفق المؤرخون أن بلاد فارس كانت غالبيتها العظمى تدين بالإسلام على طريقة المذاهب الأربعة حتى نهاية القرن التاسع الهجري، ثم بعد ذلك تخلى غالبيتهم عن مذاهبهم السنية واعتنقوا مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بشكل ملحوظ في مطلع القرن العاشر أيام الحكم الصفوي.
والسؤال المطروح: كيف يمكن أن نتعقل هذا التحول العقائدي الساحق الذي نقل غالبية المجتمع الفارسي من مذاهب التسنن إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بفترة قصيرة من الزمن، مع اتفاق علماء النفس والتربية والاجتماع على القول: بأن من أصعب التحولات الاجتماعية في تاريخ الانسان التغيّر والتبدل في المعتقد والانتقال من عقيدة إلى اخرى، وخاصة عندما تترسخ في النفس والمجتمع قرونا طويلة.
ومن هنا تضاربت آراء الباحثين في تحديد الاسباب الموضوعية والدوافع الحقيقية في تفسير هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ التحولات العقائدية في المجتمع البشري، لان علاقة المجتمع الفارسي بالمعتقدات والتشريعات السنية تتجاوز الأيام والأشهر والسنين لتصل إلى تسعة قرون، كان المجتمع الفارسي بحكامه وعلمائه يحارب التشيع خلالها بسيوفه واقلامه بكل قساوة وعنف، كما قرأنا صفحات من تاريخهم ونحن نتحدث عن ظلمهم لشيعة أهل البيت في مدينة قم العربية آنذاك.
ومما يزيدنا غرابة واستعجابا، ويجعل الباحث المتأمل يقف مندهشا حائرا في تفسير هذا التحول التاريخي العقائدي في بلاد فارس، ان جميع فقهاء وعلماء أهل السنة في ذلك العصر كانوا من الفرس، في حين ان ائمة التشيع جميعهم من العرب، وكان المرجع الأعلى للشيعة في فترة اعتناق بلاد فارس للتشيع هو العلاّمة الحلي الأسدي، وبنو أسد قبيلة عربية جنوبية من فرع كهلان بن سبأ، وهذه الأرقام والحقائق يجب الوقوف عندها كثيرا، وخاصة اذا أضفنا اليها رقما صعبا آخر، وهو شدة تعصب ابناء فارس لقوميتهم واقوامهم، وعقائدهم وشدة حقدهم على مذهب أهل البيت آنذاك.
لقد حاول بعض الباحثين - عبثا - أن يفسر التشيع بالنزعة الفارسية الوافدة إلى العالم الاسلامي من بلاد العجم بواسطة الفرس الموالي، وانطلق - ليلبس آراءه مسوح البحث العلمي - يفسر المنعطف التاريخي الكبير في تحول اكثر ابناء فارس من المذاهب الاربعة إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ببعض المعتقدات العقائدية والسياسية الموروثة في المجتمع الفارسي من الحضارة المجوسية، التي يزعم انها تنسجم مع بعض المعتقدات الشيعية.
لقد غفل هذا الباحث ان التشيع هو الذي غزا بلاد فارس عن طريق الدعاة العرب اليمانيين الموالين لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) الذين استوطنوا في مدينة خراسان ومدينة قم في العصر الاموي، وكان الامام الصادق (عليه السلام) على صلة دائمة بهم حيث عين لهم وكلاء من تلامذته لينوبوا عنه في حل خصوماتهم وادارة امورهم وتعليم ابنائهم وعلاج مشاكلهم وهكذا كان يفعل أئمة أهل البيت (عليهم السلام) من بعده، بالإضافة إلى ذلك فان هذا الباحث يجهل حقيقة تاريخية اخرى وهي أن المدن الفارسية التي رفضت التشيع آنذاك وبقيت على مذاهبها السنية حتى يومنا هذا كانت في عصر ازدهار الامبراطورية الفارسية مهد الحضارة والثقافة والمعتقدات المجوسية الوثنية التي تزعم انها تنسجم مع المعتقدات الشيعية فلماذا تعصبت لمذاهبها السنية ولم تقبل بالتشيع وقبلت به المدن الفارسية الأخرى!؟
وفي عقدتي ان السبب الاعمق، وراء هذا المنعطف العقائدي الكبير الذي حدث في تاريخ بلاد فارس يعود في الواقع إلى رغبة أبناء فارس في طلب العلم وطبيعتهم المتميزة - بين الأمم الاخرى - في حب المعرفة ومحاولة الوصول إلى الحقّ، عن طريق الدليل والحجة البرهان القاطع، مهما كانت الصعوبات التي تعترضهم.
وقد تجلت هذه الرغبة بكل وضوح في العصر الأول من تاريخهم الاسلامي، فهاجروا من اجل ذلك من بلادهم الجبليّة الجميلة الخضراء، إلى بلاد الجزيرة الصحراوية القاحلة، فكانوا يتنقلون بين امصارها المتباعدة وفي اجواء مناخها الحار بحثا عن الصحابة والتابعين وتلامذتهم، وتلامذة تلامذتهم، لغرض رواية الحديث عنهم وكتابته والعمل به، بالرغم مما كانوا يلاقونه من مشاق السفر وصعوبة نفقاته وقلة وسائله، بالإضافة إلى عدم احاطتهم باللغة والعادات والتقاليد العربية.
ومع كل هذه المعاناة استطاع تلامذة ابناء فارس أن يتعمقوا في العلوم الاسلامية ويحتلوا موقع الصدارة بين علماء المسلمين من أهل السنة، ويكونوا في الطليعة القيادية في مختلف مجالات الثقافة الاسلامية، وكان لهم الدور الأكبر في ازدهار النهضة الثقافية التي شهدها العالم الاسلامي في العصر العباسي.
وظهرت رغبتهم الصادقة، في البحث عن الحقّ والحقيقة في الخلافات المذهبية التي عمت بلاد فارس عام ٧١٠ هـ أيام الملك المغولي (أولجايتو) وهو يعتبر من كبار المفكرين المبرزين في الاسرة المغولية التي حكمت بلاد فارس، آنذاك لشدة تعمقه وتعلقه بالفلسفة، وعلم الكلام، وسائر الابحاث العقلية والعلمية الدقيقة. وكان يتصف أيضا بالنزعة الحرة في التفكير، والميل الشديد لمطالعة الكتب العلمية لمختلف المذاهب والاديان السماوية. وكان مولعا بحب البحث والمناظرة، وعن هذا الطريق اهتدى إلى الاسلام، وتخلى عن المسيحية واعتنق المذهب الحنفي، وتزوج بفتاة مسلمة، ولقب نفسه (خدا بنده) اي عبد الله.
فتح خدا بنده أبواب بلاطه لاستقبال كبار العلماء والمفكرين من علماء المذاهب الأربعة، وكان له معهم جلسات وسهرات مطولة، يحاورهم في الكثير من المسائل العقائدية والكلامية والفلسفية والفقهية، وكان يعتقد أن الدين الاسلامي عالج جميع مشاكل الحياة بدقة وحكمة متناهية، فكان يطلب من الفقهاء لكل قضية من قضايا الحياة المستجدة ومشاكلها المستعصية حكما شرعيا واضحا بأدلته لعلاجها، وكان يرفض التعصب لمذهب دون آخر، لأنه كان يؤكد كثيرا على حرية التفكير والمعتقدات، فمع أنه كان يعتنق المذهب الحنفي، كان وزيره الخواجة رشيد الدين فضل الله من كبار علماء المذهب الشافعي.
ونتيجة لتعمق خدا بنده في المسائل الخلافية، وقع ذات مرة في حيرة وهو يبحث عن علاج احدى المشاكل الاجتماعية فقهيا، حينما طلق زوجته على طريقة المذهب الحنفي، ثلاثا بكلمة واحدة، فلما جمع القضاة والفقهاء من المذاهب الأربعة يشاورهم في الامر، كان الرأي الفقهي المتفق عليه بينهم ثبوت الطلاق وأن لا يراجعها حتى تنكح زوجا غيره، ثم يطلقها ذلك الزوج باختياره، فاذا انقضت عدتها ترجع إلى زوجها الأول إن وافقت، والتزاما بهذا الرأي اعتزل خدا بنده زوجته، لأنه كان شديد الالتزام بالأحكام الفقهية، ولكن كان لهذا الرأي وقع مزعج على مشاعر الملك، وزوجته، واولاده، وبناته، وافراد عشيرته، ووزرائه، واركان دولته.
حاول بعض العلماء علاج المشكلة ببعض الآراء الفقهية الشاذة، لكنه ردّ بأدلة فقهية قوية من العلماء المعارضين لمذهبه، وانتقل الخلاف المذهبي بين علماء المذاهب الأربعة من البلاط الملكي إلى الشارع الايراني، واصبح مدار بحث ومناظرة في مدارس المشايخ الدينية.
اشتد الخلاف المذهبي بين اتباع المذاهب الاسلامية واخذ يجر الامة الفارسية إلى صراعات وفتن ومعارك فكرية ودموية داخلية، انعكست سلبا على جميع اجهزة الحكم وكبار قادة الدولة المغولية في ايران وجعلت الملك يقع في حيرة مطبقة، لأنه لم يستطع الاهتداء لتشخيص المذهب الحق، واصبح خطر الفتنة يهدد مستقبل الاسلام في بلاد فارس، وخاصة بعد ارتداد عدد من رؤساء المغول وجنودهم عن الاسلام، ورجوعهم للمسيحية، واحتقارهم لعلماء المسلمين. واخذت الفتنة ابعادا كبيرة، بعد أن شاع خبر رسالة خدا بنده التي بعثها لرئيسهم الأكبر في بلاد المغول يخبره بتفاصيل المشكلة، ويعده بعلاجها من اساسها بالرجوع إلى المسيحية، ان لم يهتد إلى علاج صحيح يقنع ضميره أمام الله تعالى، ويرضى افراد اسرته.
فوصل الخبر إلى المرجع الأعلى للشيعة في بلاد العراق وهو العلامة الحلي الاسدي عن طريق وفد من علماء قم اكدوا له بأن الاسلام مهدد بخطر الزوال في بلاد فارس، من قبل زعماء المغول، وحركة التبشير المسيحية التي تقف وراءهم، واخبروه بحجم الخلاف الواقع في داخل اسرة الملك، وبين كبار مستشاريه ووزرائه واركان دولته، وقدموا له صورة كاملة عن حجم الفتنة المذهبية بين علماء المذاهب الأربعة وآخر حلقاتها الخلافية على الصعيد الفقهي والاجتماعي والسياسي.
قيل كان العلامة يستمع لكلامهم ودموعه كاللؤلؤ تجري على وجنتيه وتنساب على لحيته وهو يبث الزفرات تلو الزفرات، والتنهدات تلو التنهدات، وما أن اكملوا كلامهم استأذنهم ودخل إلى مكتبته وبقي فيها اياما ساهرا لا يخرج منها الاّ للوضوء، وقيل كان طيلة نهاره في تلك الايام يردد هذا الدعاء باكيا: «يا من خضع الوجود لسلطان توحيده، اكشف هذه الغمة عن هذه الأمة، ووحد قلوب الموحدين على المشركين، وحصن حوزتهم من المنافقين بحق معاقل عزك وحصون توحيدك محمد وآله الطاهرين».
قرر العلامة التدخل مباشرة لإنقاذ الموقف، فأرسل مبعوثا لوالي المغول في بغداد، يطلب منه اخبار الملك بالبريد السريع بقدومه إلى عاصمة الدولة المغولية في بلاد فارس.
ولما سمع وزير الملك الشيخ رشيد الدين فضل الله الشافعي بوصول مبعوث والي بغداد يحمل رسالة العلامة الحلي للملك - ويطلب منه فيها أن يتحلى بالحكمة والصبر. ويخبره بقدومه إلى ايران، لحسم الخلافات المستشرية في البلاد - اتصل مباشرة بكبار علماء وفقهاء المذاهب الأربعة واخبرهم على عجل بالأمر وحثهم على الاستعداد علميا لمواجهة مرجع الرافضة، ودعاهم للبلاط الملكي لاستقباله في الموعد المقرر، وكان في طليعتهم، اعلم علماء أهل السنة على الاطلاق الإمام المراغي، والمولى قطب الدين الشيرازي، والخواجة عمر الكاتبي القزويني، والشيخ احمد بن الكشي، والفاضل السيد رشيد الدين الهاشمي الموصلي، والقاضي ناصر الدين البيضاوي، والقاضي عقد الدين الايجي، والشيخ محمد بن محمود الآملي، والمولى بدر الدين الشوشتري، والمولى عز الدين الايجي، والسيد برهان الدين العبري.
دخل العلامة الحلي إلى بلاد ايران مع مترجميه في قافلة عليها حراسة مشددة ترفع أعلام الدولة المغولية بأمر من والي المغول في بغداد، لكي لا يتعرض لها احد بسوء. وخاصة أن الامة كانت تعيش في اجواء عواصف الصراعات المذهبية التي اجتاحت المدن والقرى الايرانية قاطبة.
وما أن استقر العلامة الحلي بالمجلس، حتى اظهر الوزير الأول للملك رغبته في تحديد موضوعات البحث المقارن ومنهاجه واوقاته.
وقيل إنّ العلامة شرع في الحوار من أول لحظة من وصوله، وبدأ بمزاح كان يستبطن فيه توجيه الإهانة لمقام الملك وللمجلس بشكل عام! لكي يثير فضول الحاضرين من علماء أهل السنة لينتقدوه، وكان قد اعد مسبقا لكلّ انتقاد متصور منهم جوابا عليه من الكتاب والسنة والتاريخ.
بدأ الحوار بين علماء السنة والعلامة الحلي، في اطار المسائل الخلافية موضع الفتنة، وانتهى الحوار بإعجاب الجميع بآراء العلامة وأدلته على أحقية مذهب أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكان في طليعة المعجبين به والمذعنين لأدلته ومذهبه الإمام المراغي أعلم علماء بلاد فارس آنذاك.
والمتفق عليه بين المؤرخين في رواية هذه القصة ان العلامة كان يعتمد في حواره مع علماء المذاهب الاربعة في هذا اللقاء الفكري، على مرويات الصحاح الستة وعلى البخاري ومسلم خاصة، ولم ينتصر للآراء الفقهية الخاصة بمذهب أهل البيت إلا على كتب أهل السنة، فاذا حاول احد التهرب من الدليل، والتأول على النص والخروج عن الموضوعية في البحث إلى المناقشات الجانبية، ناقشه بالأدلة الصريحة والنصوص الفصيحة، وحاوره بالحجج المنطقية، واوقفه على مداليل الكلمة في المعاجم اللغوية، فيقف إلى جانبه الجميع ويذعنون لأدلته الواضحة القوية.
وبعد نهاية الجلسة الأخيرة، وقف العلامة خطيبا بحضور الملك، وخطب خطبة بليغة برسم الشكر، فحمد الله تعالى واثنى عليه، وصلى على النبي وآله، فلما انتهى اعترض عليه احد علماء أهل السنة، وهو السيد الموصلي الهاشمي النسب، فقال له: ما الدليل على جواز الصلاة على غير الانبياء حتى أنك ذكرت أهل البيت بالصلاة مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فقال العلامة:
الدليل قوله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ اَلْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٦ و١٥٧).
فقال السيد الموصلي: أي مصيبة اصابت عليّا وأولاده ليستوجبوا بها الصلاة مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فذكر العلامة مصائبهم المشهورة، ثم قال له: وأي مصيبة اعظم عليهم من كونك وأنت من ابنائهم تفضل عليهم من لا يستحق التفضيل مع أنهم باب علم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخزان علم الوصي واصحاب آية التطهير وآية المودة والقربى وسفينة النجاة في الامة، فضحك الحاضرون وخجل السيد.
ثم التفت العلامة للجميع واعتذر منهم أن يكون قد جرح مشاعر احدهم، وذكرهم بأنه لم يحد عن الدليل، فاذا قسى على احد منهم فكان ذلك مقتضى الدليل، ثم التفت إلى الملك ليستأذنه بالانصراف، فطلب الملك منه أن يؤلف له كتابا مختصرا جامعا لكل الخلافات الاساسية بين المذاهب الخمسة، مع بيان وجه الصواب بالدليل، فاستجاب العلامة لمطلبه وبعد ثلاثة أيام اكمل كتابه الشهير (نهج الحق وكشف الصدق)(١٩٨)، ووضعه بخدمة الملك وانصرف راجعا إلى العراق.
وقد انتشر صيت هذه المناظرة في شيراز، واصفهان، وكابل، وسمرقند، وبخارى، وبلخ، واشهر مدن العالم السنيّة، بالأخص مدن القفقاز، وتوجه عدد كبير من علماء أهل السنة، لغرض مناقشة العلامة، وهو ما يؤيد الرأي القائل بأن العلامة لم ينصرف إلى العراق بل بقي اشهرا كثيرة بأمر الملك بعد أن وضع بخدمته مدرسة ومكتبة سيارة. مع خدم وحراس يعدون بالعشرات.
وعلى اي حال فإن هذه المناظرة أوجدت هزة عنيفة في تفكير وثقافة المسلمين المذهبية في ذلك التاريخ، فالملك اعلن تشيعه قبل أن يستلم كتاب (نهج الحق وكشف الصدق) وأمر بطبع اسماء خلفاء الرسول الاثني عشر من أهل بيته (عليهم السلام) على السكة الذهبية التي كانت هي العملة المتداولة في بلاد فارس. وبما أن الملك لم يكن متعصبا وكان يؤمن بحرية التفكير والمعتقد لذا لم يفرض مذهبه حتى على افراد اسرته.
وهكذا استطاع العلامة الحلي الاسدي بعلمه وإيمانه وقوة جنانه وصبره واعتصامه بالله تعالى، أن ينقذ الامة الفارسية المسلمة من محنتها، ويحفظ اسرة الملك من الارتداد والتفكك، ويحصن الإسلام من خطر هذه الفتنة، كما استطاع ايضا أن يحطم جدران السجن الحديدية عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) بعد أن حاصرته الحكومات الظالمة في مدينة قم، وحي صغير في خراسان طيلة القرون السابقة إلى عهد خدا بنده(١٩٩).
وفي اجواء الحوار والانفتاح الفكري بين علماء الاسلام على مختلف مذاهبهم، أخذ مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ينتشر بقوة ادلته تدريجيا في بلاد فارس، خلال ثلاثة قرون فلما جاء الشاه اسماعيل الصفوي في مطلع القرن العاشر الهجري وجد الأجواء الاجتماعية والسياسية والدينية ملائمة لإعلان مذهب أهل البيت، مذهبا رسميا للدولة في بلاد فارس.
وهكذا يتضح أن رغبة ابناء فارس في طلب العلم والبحث عن الحقّ بدليله هي التي جعلتهم يهتدون إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ولو لم تتوفر هذه الرغبة الصادقة عند الاكثرية من ابناء فارس، وخاصة عند علمائهم وفقهائهم، لم تستطع اجواء الحوار الفكري الموضوعية، الحرة الهادفة التي اوجدها خدا بنده بينهم، أن تنقذهم من اسر العصبيات المذهبية الموروثة، بل لبقوا على حالهم وصراعاتهم، ولبقي مذهب ابناء الرسول (عليهم السلام) سجينا في خراسان وفي قم، يعاني من ويلات وجنايات التاريخ وظلم سجانيه، وسياط الحكام الجلادين، وأراجيف النواصب الحاقدين على آل محمد (عليهم السلام) وأتباعهم إلى يومنا هذا.
هذا هو التفسير الصحيح لاعتناق ابناء فارس لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وتركهم المذاهب الاخرى التي تعبدوا بها تسعة قرون، وكل تفسير غيره، هو جريمة بحق المسلمين من قوم سلمان المحمدي، وجناية على مذهب آل محمد (عليهم السلام)، وهذا التفسير ليس اجتهادا شخصيا ولا تحليلا تاريخيا، وإنما هو ترجمة أمينة لما جاء في كلمات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو يتحدث عن مستقبل الدين والايمان والعلم في بلاد فارس فيقول: «لو كان العلم بالثريا لناله رجال من فارس» وقوله: «لو كان الدين بالثريا لناله الفرس» وقوله: «لو كان الإيمان بالثريا لتناوله أهل فارس».
وفي تصوري أن كل هذه الالفاظ، قد صدرت عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأنه لا فرق في الواقع بين معانيها، فالدين الحق لا يهتدى اليه الاّ بوسائل العلم والمعرفة الصحيحة، والإيمان الخالص من كل شائبة، لا ينال الاّ عن طريق العلم والمعرفة الالهية المستمدة من منابع الدين الاصيلة، وكل هذه المعاني تجمعت في أهل الولاية من أهل البيت (عليهم السلام) فهم عدلاء القرآن، وتراجمة وحيه، وخزان علمه، وقرنائه في هداية الامة من الضلال، وعصمتها من الانحراف والفساد، لذلك كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يؤكد دائما لأمته أن تتمسك باهل بيته وتتبع هداهم كما تتمسك بالقرآن وتتبع هداه، بقوله: «ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي».
امّا لماذا تأخر ابناء فارس عن الاهتداء إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؟ فهذا ما يكشف عن ضخامة وكثرة وشدة الحواجز والعوائق الموضوعية التي كانت تشكل أمامهم غيوما كثيفة تمنعهم من رؤية نوره والتعرف على حقيقته.
فهناك الحواجز اللغوية، والجغرافية، والقومية، والحضارية. بالإضافة إلى الحواجز المذهبية والسياسية، التي كانت اخطر الحواجز على مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، حيث وصل الأمر في كافة الأمصار الاسلامية إلى اعتبار الشيعي والعلوي كافرا لا يجوز مخالطته والتعامل معه، ومن يسمى ولده باسم علي أو حسن أو حسين فهو زنديق، وكان من الضروري لحفظ السلطة وحكامها الظالمين من خطر السقوط أن تبث هذه الافكار المسمومة ضد اتباع أهل البيت (عليهم السلام)، لأنهم كانوا دائما مصدر خطر وقلق لجميع الحكومات الاموية والعباسية الظالمة، في بلاد فارس طيلة قرون ستة، فكان قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو كان الدين بالثريا لناله ابناء فارس» المروي في الصحيحين أدق تعبير يصور رحلة ابناء فارس الشاقة وهم يبحثون عن المذهب الحق في الاسلام من بين اكثر من سبعين مذهبا في وقت تصدهم عن الوصول اليه مئات الحواجز. ومع ذلك تمكنوا من تحطيمها وتجاوزها والوصول إلى منابع الدين الاصيلة: الكتاب والعترة، اللذين قال فيهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».
فارس على خطى كربلاء
من أهم العوامل التي أدت إلى تعاطف الأمة الاسلامية مع أهل البيت (عليهم السلام) واتباعهم المظلومين، هو تنكيل الامويين بهم وافراطهم في تشريدهم وتقتيلهم. وكان تعاطف قوم سلمان المحمدي معهم كبيرا جدا - وان لم ينفتحوا عقائديا على مذهبهم - وهذا هو السبب الذي جعل بلادهم تتحول إلى منطلق وقاعدة للثورة على الخلافة الاموية تحت شعار: (الرضا من آل محمد). وحينما نريد أن نقيّم هذه الثورة الخراسانية بحساب اهدافها ودوافعها الشعبية الصادقة، فإننا حتما سنضعها في قائمة الثورات الموالية لأهل البيت (عليهم السلام). أمّا إذا أردنا أن نقيّمها بحساب نتائجها النهائية ومكاسبها السياسية المسروقة من قبل بني العباس، فمن الطبيعي أن تختلف النظرة اليها كليا.
وعلى كل حال ان هذه الثورة استطاعت أن تضع ابناء فارس على خطى كربلاء، تحت شعار الانتقام من الحكم الاموي الظالم، والثأر لدماء الحسين وآله واصحابه (عليهم السلام)، وهو ما يؤكد دخولهم في المرحلة الايجابية الاولى من قانون الاستبدال على الصعيد الجهادي.
وقد تعمقت وترسخت الروح الجهادية في قوم سلمان المحمدي، بعد اعتناقهم لمذهب أهل البيت (عليهم السلام)، باعتباره المذهب الوحيد الذي كان يقود المعارضة - داخل الأمة - ضد الحكام المتسلطين عليها بالنار والحديد في طول التاريخ، ولهذا كان الجلادون دائما يعبرون عنه بمذهب الرفض لأنه يرفض التحاكم لغير كتاب الله تعالى وسنّة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يقبل أن يلين أمام قساوة المتجبرين، ولا يعطي اليد الذليلة للمفسدين من حكام الامة الخونة، المنحرفين عن نهج الشرع المبين. بالإضافة إلى أن الزخم الثوري والجهادي المستمد من عطاء كربلاء عند أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، لا يتوفر عند غيرهم ممن خسروا هذا العطاء، لأنهم اعطوا الحاكم الظالم آذانا صاغية، وتعاملوا معه على اساس أنه خليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)! فحصروا كربلاء في قضية فئوية مذهبية ضيقة، مع أن خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يريدها مدرسة لكل الثائرين على الظلم والانحراف في امته، وهذا هو معنى قوله: «حسين مني وانا من حسين»(٢٠٠).
لقد أزاحت كربلاء اللثام عن الوجه القبيح المفسد في الارض، والمتستر بالإسلام وباسم خليفة رسول الله يزيد، العامل في عباد الله بالإثم والعدوان، وانكشف الحكم الاموي للامة على حقيقته بعد أن قتل أسباط رسول الله وابناءه وأهل بيته (عليهم السلام) واقتادهم أسرى لعاصمة الدولة الاموية كما تقاد أسرى المشركين!!
وكان من أهم اهداف الثورة الحسينية في كربلاء هو إيقاظ الامة من غفوتها لتتعامل معها بصفة رسالية لا تنفصل في اهدافها عن اهداف الرسالة المحمدية، ولكن الاحاديث الموضوعة، وفتاوى فقهاء السلاطين الخونة، التي يراد منها حفظ كراسي الخلفاء المفسدين، والحكام الظالمين من غضب الثائرين الاحرار، ونقمة المؤمنين المجاهدين، كان لها السبب الأكبر في حرمان أكثر الامة من عطاء كربلاء.
ومنذ يوم الحسين (عليه السلام) الذي بكت له ملائكة العرش والسماء دما(٢٠١)، ما زالت الدماء المحمدية تصرخ في ضمائر أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وتدعوهم في كل عصر للثورة على الظالمين والمنحرفين، وتمنحهم الحرية والعزة والشعور بالمسؤولية والشموخ أمام كل جبار مترف، وظالم متعسف، وامير مسرف.
والمجتمع الشيعي في بلاد فارس، وان كانت تشاركه المجتمعات الشيعية الاخرى بهذا المخزون الثوري، من عطاء كربلاء الدائم، ولكنه بالتأكيد كان يختلف عنها في التعامل معها، لأنه لم ينفعل بعبراتها ومأساتها بقدر انفعاله بعبرها وعظاتها، ولم يتعامل مع مأساتها بقدر تعالمه مع مبادئها واهدافها، وقد حقق على طريقها خطوات ثورية وجهادية عظيمة جدا، قد لا تجد لها نظيرا في المجتمعات الاسلامية الاخرى، وكان من ابرز خطواته الحسينية التي حققها في القرون الأخيرة من تاريخه، تلك النهضة الاسلامية المعروفة بـ (الثورة الدستورية) بقيادة علمائه ضد الحكام (القاجاريين) وفرض عليهم سنة ١٩٠٦ م مادة تنص على رقابة خمسة من الفقهاء على دستور الدولة، يكون لهم حق نقض القوانين وتعديلها، اذا كانت منافية للشريعة الاسلامية.
وقد تحقق هذا الانجاز في المجتمع الايراني المسلم على يد علمائه الثوار، في عصر كان علماء المسلمين في المجتمعات العربية العوبة بيد حكامهم الظلمة، ويستخدمونهم كموظفين في المساجد والمراكز العلمية، لدعم سياستهم المنحرفة عن القرآن والسنة ولا يحق لهم أن يتكلموا ولو بكلمة واحدة تعارض سياسة الدولة المعادية للإسلام.
وتلت الثورة الدستورية ثورات حسينية عديدة لا تقل عنها أهمية، وكان من أبرزها الثورة الاسلامية الشعبية المسلحة ضد الاحتلال البريطاني للعراق، المعروفة بـ (ثورة العشرين)، والتي قادها المرجع الايراني الكبير الشيخ محمد تقي الشيرازي، بعد أن شكل مجلسا قياديا لها، وعين ممثلين له في كافة مدن العراق وخوزستان وأمرهم أن يقودوا العشائر العربية في العراق وايران لمواجهة الغزاة المحتلين بالرصاص لا بالحوار.
ثم تلتها (ثورة التنباك) التي سببت خسارة فادحة للاقتصاد البريطاني، وأعطت السياسة الغربية درسا بليغا كشفت من خلاله عن دور الدين في قيادة الحياة وموقع العلماء في قيادة الامة.
ومنها ثورة (فدائيو اسلام) بقيادة المجاهد السيد نواب صفوي أحد الثائرين من احفاد الحسين (عليه السلام) وبدأت حركته الجهادية حينما قرر الشاه احياء النزعة الفارسية المجوسية والتراث الكسروي، من خلال تمجيد تقاليده واعادة ذكرياته في المجتمع الايراني حينئذ تخلّى السيد نواب عن درسه في النجف الاشرف، ورجع من العراق إلى ايران، وقام بعمله الجهادي لمقاومة سياسة الشاه المنحرفة. وقد استطاعت هذه الحركة الاسلامية الحسينية المجاهدة أن تشل نشاط حكومة الشاه في هذا الاتجاه. وتمنعها من تنفيذ مشروعها القومي المعادي للإسلام، بعد أن نجحت في تصفية بعض الوزراء وابرز أركان النظام البهلوي المنفذين لمخطط احياء الفكر والنزعة المجوسية الوثنية.
ثم ظهرت بعد ذلك تيارات اسلامية ثورية جديدة على الساحة الايرانية تدعو المسلمين للعودة إلى الإسلام المحمدي الاصيل، وتستنهضهم لقطع دابر القوم المفسدين من ابناء الاسرة الحاكمة. وكان من ابرز رجال هذا التوجه الديني الجديد واكثرهم صلابة وحكمة وشجاعة واصرارا في قيادة الامة الايرانية على خطى كربلاء، الإمام الخميني (قدّس سرّه). ومنذ مطلع الخمسينات اخذ الثائر الايراني الحسيني الجديد ينازل سياسة الشاه بشكل واضح وصريح، ويكشف عيوبها ومساوئها للأمة، في دروسه العلمية، وخطاباته الشعبية، وبياناته السياسية المعلنة والسرية. ويفضح علاقة الشاه الخفية باليهود والنصارى، وبالاستكبار العالمي، ويسلط الاضواء على جرائم حكومته وتلاعبها بثروات الامة ومقدراتها، وممارساتها الظالمة بحق المسلمين، في رسائله التي كان يبعثها لوكلائه واصدقائه، ومقلديه، ومريديه، مما سبب مصادمات دموية متكررة بينه وبين حكومة الشاه، دخل في احداها السجن شامخ الرأس، احد عشر شهرا. ثم ابعدوه إلى تركيا، ومنها إلى العراق، بجوار أبيه الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام). ومع كل ذلك لم يتراجع ولم يترك مسؤوليته الإلهية، بل واصل جهاده ولم يرجع إلى وطنه الاّ بعد أن أخرج منه الطاغوت الذي اضطهده ونكل به ونفاه عن ساحة جهاده.
عودة فارس إلى الاسلام
عاد الإسلام من جديد إلى بلاد فارس بعد أن اقصي عن قيادة الحياة، على يد الغزاة الصليبيين بعد سقوط الدولة العثمانية. عاد الإسلام إلى بلاد فارس في عصر تئن فيه الامة الاسلامية في العالم العربي - بالخصوص - من ظلم وجبروت انظمته العميلة للاستكبار. عاد الإسلام ليحكم بلاد إيران في ظروف تاريخية تواجه فيها الحركات الاسلامية المجاهدة في الدول العربية اعنف أساليب الابادة والتصفية الجماعية، واشد انواع الاضطهاد والظلم السياسي، من حكام العرب الموالين لليهود والنصارى. عاد حكم القرآن والسنة لبلاد فارس ليحكم تحت راية مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، ويعلن حربه على اليهود المغتصبين لفلسطين الاسلامية، من بلاد ايران الشيعية، التي يسميها (احمد امين) وغيره من كتاب المسلمين المأجورين بلاد الشيعة الذين يستمدون مبادئهم ومعتقداتهم من المجوسية واليهودية. نعم عاد الاسلام إلى ايران في عصر يتجاوز التقارب بين السياسة العربية واليهودية من مرحلة العلاقات السرية إلى مرحلة العلاقات الدبلوماسية المكشوفة. فأين الحكومات العربية من الإسلام؟ وأين فارس من اليهودية يا أحمد أمين!
عاد الإسلام بالقبضات الموالية لأهل البيت (عليهم السلام) إلى بلاد ايران. وجاء الثوار من أبنائه إلى مكة ليعلنوا براءتهم من المشركين كما أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل، فحرقوا العلم الامريكي الصليبي والاسرائيلي اليهودي، وقدموا ضحاياهم على الطريقة الابراهيمية من اجل التوحيد الخالص. وسقط ابناؤهم بالرصاص الأمريكي الذي اطلقته عليهم البنادق السعورى، وكان لشهادتهم وقع عظيم في ضمير الأمة يوم الحج الأكبر ومؤتمر الإسلام العالمي. وحسرت دماؤهم المقدسة القناع عن وجه الحقيقة المخفية، واصبح واضحا لدى المسلمين جميعا أن الوهابية هي التي تستمد مبادئها من اليهودية وتناصرها على حساب الإسلام، وليس مذهب أهل البيت (عليهم السلام) كما يدعي كتّاب الحركة الوهابية وعملاء آل سعود.
ومن الطبيعي أن لا نتوقع من عودة الإسلام من جديد إلى بلاد فارس الإسلامية، أن تطبق شريعته بكل حذافيرها، بل لا بد أن تمر تجربته السياسية بمراحل متعددة من الصراع بين القوى السياسية المريضة، والقوى الاسلامية الثورية التي تريد تغيير المجتمع الايراني المسلم نحو الاسلام الصحيح، وتستهدف القضاء على جميع عوامل انحرافه في مختلف مجالاته ومؤسساته، وانهاء تبعيته الذليلة لدول الاستكبار العالمي اليهودية والنصرانية.

* * *
الفصل الثالث: ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) تجسد الجانب التطبيقي للاستبدال

العلاقة بين الاستبدال والموطئين
في ضوء البحوث السابقة، اصبح واضحا أن قضية الاستبدال السياسي الموعودة في تاريخ الامة، هي مجرد فكرة مجملة طرحها القرآن، وترك إيضاحها واعطاء التفاصيل الكاملة عنها للحديث النبوي، باعتباره المتكفل ببيان جوانب الغموض والابهام في كلمات القرآن، وايضاح المتشابه من آياته، وهذه هي مسؤولية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أمته كما حددها الله تعالى له بقوله:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (النحل: ٤٤).
وبالمقارنة بين ما جاء في القرآن وما جاء في السنة بشأن الاستبدال الموعود، نجد القرآن طرح هذه الفكرة على نحو القضية المعلقة التي لا ترى النور في الحياة، ما لم تتحقق جميع مسوغاتها الموضوعية وشروطها - السلبية والايجابية - في واقع المجتمعين المستبدل والبديل، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨). ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٩).
فالاستبدال مشروط بتوليهم عن الشريعة وانحرافهم عن مبادئها وعدم استجابتهم لأوامرها الجهادية.
أما السنة النبوية، فقد تصدت لبيان هذه القضية الغيبية بإسهاب وتفصيل، فأوضحت الكثر من احداثها التاريخية المستقبلية وسلّطت الأضواء على اهدافها السياسية، وملاحمها الجهادية وكأنها تعرض تفاصيل احداث ثورة اسلامية، قد تحققت على ارض الواقع بعد أن توفرت جميع عوامل قيامها وشروط نجاحها.
لقد بذلت قصارى جهدي - بحثا وتحقيقا - لدراسة وتفسير انباء الغيب القرآنية المستقبلية، فلم اجد فيها ما يمثل التفسير الصحيح لآيات الاستبدال غير الاحاديث النبوية الغيبية التي بشرت بثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) في بلاد فارس، وسيكتشف القرّاء الاعزاء هذه الحقيقة بكل وضوح، من خلال مطالعتهم لأخبار الموطئين للمهدي (عليه السلام) في هذا الفصل.

الموضوع الاول: ظهور راية الموطئين للمهدي (عليه السلام) عرض موضوعي وثائقي لاحاديث ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) منذ انطلاقتها حتى تسليم رايتها له

أخبار ثورة الموطئين
يتناول هذا الموضوع كل ما يرتبط بثورة الموطئين من أخبار غيبية، سواء كانت مسندة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو لم تسند اليه، كالمسندة لأهل بيته أو صحابته أو التابعين لهم، لان الأخبار الغيبية كلها بنظرنا صادرة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وان لم تسند اليه في بعض الاحيان، لأنه لا يعلم الغيب الاّ الله تعالى او من ارتضى من رسول: ﴿عَالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧).
نعم ما كان من هذه الأخبار الغيبية معارضا للقرآن، أو للسنة النبوية الصحيحة، أو مخالفا لبعض مفاهيم العقيدة أو احكام الشريعة أو قواعد العقل، فإننا لا نرتضيه ولا ندخله في هذه البحوث، بل نرمي به عرض الجدار، حتى لو كان مسندا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأوثق الرواة، وهذا هو الطريق الصحيح الذي يضمن لنا عدم تسرب الأخبار الموضوعة من الاسرائيليات وغيرها إلى هذه الدراسة.
تقسيم أخبار الموطئين
تقسم اخبار ثورة الموطئين من حيث مصادرها ومنابعها إلى قسمين:
(الاول): ما روي بشأنها في مصادر الحديث عند الشيعة الامامية.
(الثاني): ما روي بشأنها عن طريق أهل السنة.
وسنكتفي في هذا الكتاب بعرض ودراسة أخبار الموطئين المروية عن طريق أهل السنة فحسب، ونؤجل دراسة ما روي بشأنها من طرق الشيعة الامامية إلى حلقة مستقلة من هذه الدراسات المهدوية. ومن هنا لا يحق لعلماء الشيعة ومثقفيهم تضعيف أو انتقاد أو رد اي حديث من هذه الاحاديث بحجة عدم انسجامها مع قواعد علم الحديث الخاصة بمذهبهم.
عرض اخبار الموطئين
اتبعنا هنا طريقة خاصة في عرض ودراسة اخبار ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام)، فبعد أن صنفناها إلى مجموعات متعددة، واعطينا لكل مجموعة منها عنوانا خاصا بها مستمدا من مضمونها، قمنا بعرضها مرقمة مع مراعاة ترتيبها حسب التسلسل الزمني لأحداث الثورة، منذ انطلاقتها حتى تسليم امرها وقيادتها إلى المهدي المنتظر (عليه السلام). وفي الغالب نعقب كل مجموعة من أخبار الثورة بشرح مختصر في المتن او الهامش، يوضح معانيها الخفية ويبيّن علاقتها بموضوع البحث. وكثيرا ما نضطر لتكرار بعض الأخبار في اكثر من موضوع في هذا الفصل، لاحتوائها على موضوعات متعددة، وبما اننا قد رقمنا الاحاديث منذ البداية، فإننا لم نعط المتكرر منها رقما جديدا بل نكتفي بالإشارة إلى رقمه الاول في هامش الكتاب.
وتحتل الأخبار النبوية بثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) في اخر الزمان، مساحة واسعة من مصادر الحديث عند أهل السنة، بالأخص في كتبهم المصنفة في أخبار الملاحم والفتن، وفي الامام المهدي المنتظر (عليه السلام) خاصة.
وسنستعرض اكثرها هنا في ضوء التصنيف الموضوعي لمضامينها.
ظهور راية الموطئين
١ - عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«يخرج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه».
٢ - عن شريح بن عبيد وراشد بن سعد، وضمرة بن حبيب ومشايخهم قالوا: «يبعث السفياني خيله وجنوده، فيبلغ عامة المشرق، من أرض خراسان، وارض فارس فيثور بهم، أهل المشرق فيقاتلونهم ويكون بينهم وقعات في غير موضع(٢٠٢)... ويخرج شعيب بن صالح متخفيا إلى بيت المقدس، يوطئ للمهدي منزله، اذا بلغه خروجه إلى الشام».
٣ - عن محمد بن الحنفية قال: «تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء فلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح - أو صالح بن شعيب - من تميم، يهزمون اصحاب السفياني، حتى تنزل بيت المقدس، توطئ للمهدي سلطانه، يمد اليه ثلاثمائة من الشام».
٤ - عن عباس بن عبد المطلب أنه قال: «اذا اقبلت الرايات السود، من المشرق، يوطئ اصحابها للمهدي سلطانه».
٥ - عن هلال بن عمرو قال: سمعت عليّا يقول: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«يخرج رجل من وراء النهر، يقال له: الحارث بن حراث على مقدمته رجل يقال له: منصور، يوطئ أو يمكّن لآل محمد، كما مكنت قريش لرسوله الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وجب على كل مؤمن نصره، أو قال اجابته».
تحدد هذه الاخبار الموقع الجغرافي لانطلاقة الثورة الموطئة للمهدي في بلاد المشرق، وفي بعضها في بلاد فارس، او من بلاد ما وراء النهر وهي أيضا جزء من بلاد خراسان، على الخارطة القديمة، وبعد حمل العام على الخاص تكون النتيجة انطلاقة الثورة من بلاد ايران.
وجوب نصرة الراية الموطئة
٦ - عن عبد الله بن مسعود قال: بينا نحن عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اذا اقبل فتية من بني هاشم، فلما رآهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اغرورقت عيناه، وتغير لونه، قال:
فقلت له: ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟! قال: إنا أهل بيت أختار لنا الله الآخرة على الدنيا، وإن أهل بيتي سيلقون بعدي بلاء وتشريدا وتطريدا حتى يأتي قوم من قبل المشرق معهم رايات سود يسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه، حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي فيملؤها قسطا كما ملئت جورا، فمن ادرك ذلك منكم فليأتهم ولو حبوا على الثلج».
٧ - عن الحسن ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ذكر بلاء يلقاه أهل بيته حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء، من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا اسمه كاسمي فيولونه أمرهم فيؤيده الله وينصره».
٨ - عن ابن الطفيل ان عليا قال له: «يا عامر اذا سمعت الرايات السود مقبلة من خراسان، فكنت في صندوق مقفل عليك فاكسر ذلك القفل، وذلك الصندوق حتى تقتل تحتها، فان لم تستطع فتدحرج حتى تقتل تحتها».
٩ - عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا رأيتم الرايات السود قد اقبلت من خراسان، فأتوها ولو حبوا على الثلج فان فيها خليفة الله المهدي».
راجع مناقشتنا لكلمة: (فيها خليفة الله المهدي) في حديث رقم ٨١ فقد أثبتنا عدم صحة ورود هذه الكلمة في هذا الحديث.
١٠ - عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تجيء الرايات السود من قبل المشرق، كأن قلوبهم زبر الحديد، فمن سمع بهم فليأتهم فيبايعهم ولو حبوا على الثلج».
* - عن هلال بن عمرو قال: سمعت عليّا يقول: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج رجل من وراء النهر... يوطئ او يمكن لآل محمد، كما مكنت قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجب على كلّ مؤمن نصره، أو قال اجابته»(٢٠٣).
وتوجد احاديث كثيرة نصت على وجوب نصرة الموطئين ستأتي في الموضوعات القادمة ان شاء الله تعالى.
الموطئون مؤيدون بنصر الله وكلمته
١١ - عن معاذ قال: بينما أنا وابو عبيدة الجراح، وسلمان جلوس، ننتظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اذ خرج علينا في الهجير مرعوبا متغير اللون فذكر فتنة السفياني، ثم قال: «... وانما ذلك حمل امرأة ثم يقبل الرجل التميمي شعيب بن صالح، سقى الله بلاد شعيب بالراية السوداء المهدية بنصر الله وكلمته، حتى يبايع المهدي بين الركن والمقام».
١٢ - عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فتنة السفياني:
«... فيبعث جيشا إلى العراق، فيقتل بالزوراء مائة الف، وينحدرون إلى الكوفة، فينهبونها فعند ذلك تخرج راية من المشرق يقودها رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في ايديهم من سبي أهل كوفان ويقتلهم... ثم أن الله (عزَّ وجلَّ) ينزل النصر على أهل المشرق».
١٣ - عن تبيع قال: «تخرج الرايات السود من خراسان معها قوم ضعفاء، يجتمعون فيؤيدهم الله بنصره».
١٤ - عن علي (عليه السلام)، في حديث طويل ذكر فيه معارك الرايات السود مع السفياني فقال: «... فيبعث عليه - اي على السفياني - فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم أصحاب الرايات السود، المستضعفون، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الاّ هزموه... شعارهم أمت، أمت، اكثر قتلاهم فيما يلي المشرق».
١٥ - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي هم اكرم [من] العرب فرسا واجود سلاحا يؤيد الله بهم الدين».
١٦ - عن ابي جعفر قال: «... تقبل الرايات السود من خراسان، على جمع الناس شاب من بني هاشم، بكفه اليمنى خال، يسهل الله أمره وطريقه».
* - عن الحسن ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ذكر بلاء يلقاه أهل بيته، حتى يبعث الله، راية في المشرق سوداء من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا، اسمه كاسمي فيولونه أمرهم فيؤيده الله وينصره»(٢٠٤).
الجنان تستقبل شهداء الموطئين
١٧ - عن ابي ذر قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنّه سيكون في آخر الزمان قوم ينزلون مكانا يقال له: قزوين يكتب لهم فيه قتال في سبيل الله».
١٨ - عن جابر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ما من قوم احب إلى الله تعالى، من قوم حملوا القرآن، وركنوا إلى التجارة التي ذكرها الله: ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الصف: ١٠). قرأوا القرآن وشهروا السيوف، يسكنون بلدة يقال لها: قزوين، يأتون يوم القيامة، واوداجهم تقطر دما، يحبهم الله ويحبونه، تفتح لهم ثمانية ابواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا من ايها شئتم».
١٩ - عن انس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «بابان مفتوحان في الدنيا للجنة: عبادان وقزوين».
٢٠ - عن علي (عليه السلام) قال في خطبة مطولة: «... نعم السكن حينئذ عبادان، النائم فيها كالمجاهد في سبيل الله، وهي أوّل بقعة أمنت بعيسى (عليه السلام) وليأتين على الناس زمان يقول احدهم: يا ليتني كنت تبنة في لبنة، من بيوت عبادان».
٢١ - عن علي (عليه السلام) قال: «أربعة أبواب من أبواب الجنة مفتحة في الدّنيا: الاسكندرية وعسقلان، وقزوين، وعبادان، وفضل جدّة على هؤلاء كفضل بيت الله الحرام على سائر البيوت».
(الاسكندرية)(٢٠٥) مدينة مصرية، وميناء يقع على البحر المتوسط، و(عسقلان)(٢٠٦) مدينة على ساحل فلسطين، وكانت موقعا عسكريا في الحروب الصليبية، و(قزوين)(٢٠٧) مدينة ايرانية تقع بين العاصمة طهران، وجبال الطالقان، و(عبادان) من مدن خوزستان، تقع في غربي ايران على الخليج، وهي اليوم مركز تكرير النفط الايراني ومرفأ تصديره. وأما (جدّة)(٢٠٨) فهي مدينة حجازية، تقع على البحر الأحمر على مقربة من الحدود اليمنية، تدعى لجمالها (عروس البحر) وفيها منازل ممثلي البعثات الدبلوماسية للدول الاجنبية لدى الحكومة السعودية.
وهذه المدن المذكورة في هذه الاحاديث هي المرشحة، لخوض معارك التمهيد للثورة المهدوية، فيفتح الله تعالى لشهدائها ابواب الجنان في آخر الزمان، ولا تعرف منزلة المجاهدين والشهداء فيها عند الله تعالى، الاّ بعد ظهور المهدي وعندما يخبر الامة عن ذلك، وهو معنى قول امير المؤمنين (عليه السلام):
«وليأتين على الناس زمان يقول احدهم: يا ليتني كنت تبنة في لبنة من بيوت عبادان».
وأما مدينة جدّة فإنما يكون لها هذا الفضل الأكبر على سائر هذه المدن لأنها سوف تكون معقلا لجيش اليماني ومنطلقا لتحرك قواته، وانصاره نحو بلاد الحجاز لتطهيرها من العملاء والاجانب، تمهيدا للثورة المهدوية.
الموطئون وعودة الدين إلى قيادة الحياة
٢٢ - عن علي (عليه السلام) قال: «وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء، دعاة حق يقومون بأذن الله فيدعون إلى دين الله».
٢٣ - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حولها، وعلى ابواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق، لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحي بهم دينه كما اميت من قبل».
* - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي... يؤيد الله بهم الدين»(٢٠٩).
٢٤ - عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «... قيل يا رسول الله! ما قزوين؟ قال قوم يكونون بآخر [الزمان] يخرجون من الدنيا زهدا فيها، يرد الله بهم قوما من الكفر إلى الايمان».
٢٥ - عن ابن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «صلاة الله على أهل قزوين فان الله ينظر اليهم في الدنيا فيرحم بهم أهل الارض».
٢٦ - وفي خطبة للإمام علي (عليه السلام) في الملاحم والفتن قال: «... وليكونن من أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله، قوي يحكم بحكم الله، وذلك بعد زمان مكلح مفضح، يشتد فيه البلاء، وينقطع فيه الرجاء ويقبل فيه الرشاء، فعند ذلك يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلا من شاطي دجلة لأمر حزبه، يحمله الحقد على سفك الدماء، قد كان في ستر وغطاء، فيقتل قوما وهو عليهم غضبان، شديد الحقد حران، في سنّة بخت نصر [خ ل يحتضر] يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا، مصيرة [مصبّرة] سوط عذاب وسيف دمار».
والشاهد هنا هو قوله: «وليكونن من أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله، قوي يحكم بحكم الله... فعند ذلك يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلا من شاطئ دجلة لأمر حزبه، يحمله الحقد على سفك الدماء قد كان في ستر وغطاء»(٢١٠).
ولاء الموطئين لأهل البيت
٢٧ - عن عمار بن ياسر، قال: «... ويخرج أهل المغرب، فينحدرون إلى مصر، فاذا دخلوا فتلك امارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمد».
أهل المغرب هم أهل الرايات الصفر، وقبل خروج الرايات المغربية وراية السفياني تخرج الراية الموطئة للمهدي داعية لأمر آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢٨ - عن عمار بن ياسر قال: «إن لأهل بيت نبيكم أمارات... ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه».
في الحديث المروي عن عمار بن ياسر في كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي قال: «إنّ لدولة أهل بيت نبيكم في آخر الزمان إمارات...» وذكر باقي الحديث إلى أن قال: «ثم يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح»(٢١١).
وعلى كل حال أن هذا الخبر ينص على مجموعة من العلامات تسبق قيام دولة الامام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، ومن هذه العلامات خروج أهل خراسان بالدعوة لآل محمد وبشعار النصرة لمهدي آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقيادة شعيب بن صالح التميمي.
* - عن علي (عليه السلام) قال: «... فيبعث عليه فتى من قبل المشرق، يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزهم الله، وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الاّ هزموه...»(٢١٢).
* - عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يخرج رجل من وراء النهر... يوطئ أو يمكن لآل محمد كما مكنت قريش لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)...»(٢١٣).
* - عن علي (عليه السلام) قال: «وان لآل محمد (عليهم السلام) بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء، دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله»(٢١٤).
* - عن عبد الله بن مسعود قال: «اتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخرج الينا مستبشرا، يعرف السرور في وجهه، فما سألناه عن شيء الاّ أخبرنا به، ولا سكتنا الاّ ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟! فقال: إنّا أهل بيت، اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وانه سيلقى أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا في البلاد، حتى ترفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحقّ فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، ثم يسألونه فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون، فمن ادركه منكم أو من اعقابكم، فليأت امام أهل بيتي ولو حبوا على الثلج، فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي، واسم ابيه اسم ابي فيملك الارض، فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما»(٢١٥).
يعرف هذا الحديث عند المحدثين بـ (حديث الرايات)، واكثر الرواة ذكروه مختصرا واسقطوا منه جملة: فيهم الحسن والحسين، ولعل حديث الحاكم أتم لفظا من غيره، ومع ذلك فقد تلوعب بالزيادة والنقيصة والتقديم والتأخير فيه، ومن الزيادات التي ادخلت فيه ولم تكن موجودة في طرقه الاخرى قوله: اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي. والحديث مضطرب في الفاظه، لوقوع التقديم والتأخير فيه من قوله: «فيقاتلون... إلى آخره». ويمكن اعادة ترتيب الفاظه لتصبح مستقيمة المعنى على هذا الشكل: «فيقاتلون فينصرون، فمن ادرك ذلك منكم أو من اعقابكم، فليأتهم ولو حبوا على الثلج فإنها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي، يملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا»(٢١٦).
والمقطوع به ان الحذف والزيادة في حديث الرايات هي من رواة بني العباس لأن عنوان بني هاشم عام ينطبق عليهم وعلى أهل البيت (عليهم السلام)، لذلك حذفوا جملة: (فيهم الحسن والحسين) لأنها تخصص هذا الحديث بأهل البيت دون غيرهم من بني هاشم. واضافوا له جملة: (يواطي اسمه اسمي واسم ابيه أسم ابي) لتنطبق على مهديهم العباسي، واسمه محمد وهو ابن عبد الله ثاني خلفاء الدولة العباسية الملقب بابي جعفر المنصور الدوانيقي.
وهذه الزيادة في الواقع غير موجودة الاّ في حديث الحاكم وإن شئت راجع كتب الحفاظ الذين خرّجوه، بما فيها كتاب (الفتن) للحافظ نعيم بن حماد المروزي شيخ الامام البخاري، فان كتابه اقدم كتاب في موضوعه، وليس لهذه الزيادة من اثر فيه. ولا توجد هذه الزيادة أيضا في مسند أحمد على سعة اطلاعه بالحديث وكثرة تعدد طرق احاديث المهدي في مسنده.
تحرير الموطئين للقدس
٢٩ - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردها شيء حتى تنصب بايلياء».
٣٠ - عن كعب بن علقمة، قال: «يخرج على لواء المهدي غلام حدث السن، خفيف اللحية، اصفر، لو قاتل الجبال لهدها حتى ينزل إيلياء».
* - عن محمد بن الحنفية قال: «تخرج راية سوداء لبني العباس، ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء، قلانسهم سود، وثيابهم بيض على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح من تميم، يهزمون اصحاب السفياني، حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه يمد اليه ثلاثمائة من الشام»(٢١٧).
٣١ - عن علي (عليه السلام) قال: «يخرج رجل قبل المهدي من أهل بيته بالمشرق، يحمل السيف على عاتقه ثمانية اشهر يقتل ويمثل به، ويتوجه إلى بيت المقدس، فلا يبلغه حتى يموت».
* - عن شريح، وراشد، وضمرة قالوا: «يبعث السفياني خيله وجنوده فيبلغ عامة المشرق من ارض خراسان... ويخرج شعيب بن صالح متخفيا إلى بيت المقدس، يوطئ للمهدي منزله اذا بلغه خروجه إلى الشام»(٢١٨).
٣٢ - عن ابي هريرة قال: «بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى عمه العباس، والى علي بن ابي طالب، فأتياه في منزل أم سلمة فقال لهما فيما قال: فاذا غيرت سنتي، يخرج ناصرهم من أرض يقال لها: خراسان برايات سود فلا يلقاهم احد، الا هزموه، وغلبوا على ما في ايديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس».
* - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حولها، وعلى ابواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحق لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحي بهم دينه كما اميت من قبل»(٢١٩).
٣٣ - عن جابر قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي تقاتل على الحقّ حتى ينزل عيسى بن مريم عند طلوع الفجر ببيت المقدس ينزل على المهدي فيقول: تقدم يا نبي الله فصل بنا، فيقول: هذه الامة امراء بعضهم على بعض».
٣٤ - عن مرة البهزي أنه سمع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «لا تزال طائفة [من أمتي] على الحقّ ظاهرين على من ناواهم، وهم كالإناء بين الاكلة، حتى يأتي أمر الله، وهم كذلك، قلنا يا رسول الله! وأين هم؟ قال: بأكناف بيت المقدس».
٣٥ - عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قال: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على ابواب دمشق وما حوله وعلى ابواب بيت المقدس، وما حوله، لا يضرهم خذلان من خذلهم: ظاهرين على الحقّ إلى أن تقوم الساعة».
٣٦ - عن ابي امامة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم، لا يضرهم من جابههم، الاّ ما اصابهم من لأواء، حتى يأتي امر الله وهم كذلك، قالوا يا رسول الله! وأين هم؟ قال: ببيت المقدس، واكناف بيت المقدس».
٣٧ - عن ابي هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على الحقّ قائمين بأمر الله، لا يضرهم خلاف من خالفهم، كلما ذهب حزب نشأ آخرون حتى تقوم الساعة».
ان معارك ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) حول بيت المقدس بهدف تحريرها من اليهود المغتصبين، من العلامات المحتم وقوعها قبل ظهور المهدي المنتظر (عليه السلام) بل هي وعد الهي كما جاء في سورة الاسراء في قوله تعالى: ﴿وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾(٢٢٠).
معركة الموطئين مع المغربيين
٣٨ - عن عبد الله بن عمر قال: «اذا اقبلت الرايات السود من المشرق، والرايات الصفر من المغرب، حتى يلتقوا في سرة الشام - يعني دمشق - فهنالك البلاء هنالك البلاء».
٣٩ - عن كعب قال: «اذا التقت الرايات السود والرايات الصفر في سرة الشام، فبطن الأرض خير من ظهرها».
٤٠ - عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اذا اقبلت فتنة من المشرق وفتنة من المغرب فالتقوا ببطن الشام فبطن الارض يومئذ خير من ظهرها».
٤١ - عن ارطاة قال: «اذا اصطكت الرايات الصفر والسود في سرة الشام، فالويل لساكنها من الجيش المهزوم، ثم الويل لها من الجيش الهازم، ويل لهم من المشوّه الملعون».
الجيش المهزوم هو جيش الرايات السود كما سيأتي في الاخبار القادمة، والجيش الهازم هو جيش السفياني، وهو المشوه الملعون.
٤٢ - عن ابي قبيل قال: «ان صاحب المغرب، وبني مروان وقضاعة تجتمع على الرايات السود في بطن الشام».
صاحب المغرب هو قائد الرايات الصفر، وبنو مروان هم حكام الشام قبل السفياني، وقضاعة هم حلفاء المروانيين والسفيانيين ضد الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام).
وتقع هذه المعركة داخل بلاد الشام، بعد معارك اصحاب الرايات السود مع اليهود، وبعد دخولهم إلى بيت المقدس، اي المسجد الاقصى، فتكون قوات جيوش بلاد المغرب العربي - المعبر عنها في هذه الاحاديث بالرايات الصفر - قوات تدخل سريع لحماية الكيان السياسي لليهود، من خلال محاصرة قوات الموطئين للمهدي، في بلاد الشام. وتوجيه الضربة الموجعة لهم، والضغط عليهم لسحب قواتهم من فلسطين، وعلى اعقاب هذه المعركة يخرج السفياني فينتصر على الجميع.
اختلاف الموطئين فيما بينهم
٤٣ - عن علي (عليه السلام) قال: «اذا اختلفت الرايات السود، خسف بقرية، من قرى إرم ويسقط جانب مسجدها الغربي ثم يخرج بالشام ثلاث رايات، الاصهب، والابقع، والسفياني، يخرج الاصهب في الشام، والابقع من مصر، فيظهر السفياني عليهم».
٤٤ - عن علي (عليه السلام) قال: «اذا اختلفت الرايات السود فيما بينهم، كان خسف قرية بإرم يقال لها حرستا وخروج الرايات الثلاث بالشام عندها».
إرم ذات العماد هي دمشق(٢٢١). وحرستا: قرية من قرى دمشق على طريق حمص(٢٢٢). والرايات الثلاث هي راية المرواني، وراية أهل المغرب، وراية السفياني.
٤٥ - عن الزهري قال: «اذا اختلف [اصحاب] الرايات السود فيما بينهم، أتاهم [اصحاب] الرايات الصفر، فيجتمعون في قنطرة أهل مصر، فيقتتل أهل المشرق وأهل المغرب سبعا، ثم تكون الديرة على أهل المشرق، حتى ينزلوا الرملة(٢٢٣)، فيقع بين أهل الشام وأهل المغرب شيء فيغضب أهل المغرب، فيقولون انا جئنا لننصركم، ثم تفعلون ما تفعلون والله لنخلين بينكم، وبين أهل المشرق، فينهبونكم - لقلة أهل الشام يومئذ في اعينهم - ثم يخرج السفياني، ويتبعه أهل الشام فيقاتل أهل المشرق».
السفياني يخرج الموطئين من فلسطين
٤٦ - عن الزهري قال: «يبايع السفياني أهل الشام، فيقاتل أهل المشرق، فيهزمهم من فلسطين».
٤٧ - عن الزهري قال: «يلتقي اصحاب الرايات السود اصحاب الرايات الصفر، عند القنطرة، فيقتتلون، حتى يأتوا فلسطين فيخرج على أهل المشرق السفياني».
٤٨ - عن كعب قال: «يخرج بفلسطين رجل يظهر على من ناواه، على يديه هلاك أهل المشرق، يملك حمل امرأة».
٤٩ - عن أرطاة بن المنذر قال: «يجيء البربر(٢٢٤) حتى ينزلوا بين فلسطين والاردن، فتسير اليهم جموع المشرق والشام حتى ينزلوا الجابية(٢٢٥)، ويخرج رجل من ولد صخر، في ضعف فيلتقي جيوش المغرب على ثنية بيسان فيردعهم عنها. ثم يعطف إلى جموع المشرق والشام، فيدال عليهم ما بين الجابية والخربة حتى تخوض الخيل في الدماء».
بيسان: مدينة بالأردن بين حوران وفلسطين، كما في معجم البلدان.
الجابية: من قرى دمشق من ناحية الجولان بالقرب من فلسطين ايضا.
٥٠ - عن محمد بن الحنفية قال: «يدخل اوائل أهل المغرب مسجد دمشق بينما ينظرون في اعاجيبه، اذا رجفت الارض فانقعر غربي مسجدها، ويخسف بقرية يقال لها: حرستا، ثم يخرج عند ذلك السفياني فيقتلهم حتى يدخلهم مصر، ثم يرجع فيقاتل أهل المشرق حتى يردهم إلى العراق».
٥١ - عن أرطاة قال: «السفياني الذي يموت [هو] الذي يقاتل أوّل شيء الرايات السود والرايات الصفر في سرة الشام، مخرجه من المندرون شرقي بيسان على جمل أحمر، عليه تاج، يهزم الجماعة مرتين، ثم يهلك، وهو يقبل الجزية، ويسبي الذرية ويبقر بطون الحبالى».
المندرون لم اجد له ذكرا في (معجم البلدان). لكن الرواية حددته في شرقي بيسان، وهي مدينة في الاردن، ولعل المندرون تصحيف المدارة وهو اسم لواد ذكره (ياقوت) في معجمه ولم يحدد مكانه، ولعله الوادي اليابس، المذكور في حديث (٥٤) ومنه يخرج السفياني.
ومعنى قوله: «يهزم الجماعة مرتين»، اشارة إلى هزيمة السفياني للموطئين على مرحلتين، الأولى يخرجهم فيها من فلسطين وبلاد الشام، والثانية يخرجهم فيها من الاراضي العراقية ويرحلهم إلى منطقة اصطخرة من بلاد فارس.
وعلى كل حال، ان هزيمة للموطئين في فلسطين من قبل السفياني امر واضح وصريح في هذه الاحاديث، الدالة - ايضا - على تمكن الموطئين من تحرير فلسطين قبل ظهور السفياني، وهذا هو مقتضى الجمع بين هذه الأخبار والأخبار الاخرى التي ذكرت (تحرير الموطئين للقدس) وقد مرت علينا سابقا.
ومن الجدير بالذكر، اننا لا نعرف الاسباب الموضوعية، أو السياسية وراء انكسار جيوش الموطئين وهزيمتهم امام جيش السفياني في فلسطين ولعل اختلافهم السياسي المشار اليه في الاحاديث السابقة، هو السبب المباشر لضعفهم وهزيمتهم امام اعدائهم بالإضافة إلى تحالف بعض القوات العربية المغربية والمروانية والسفيانية ضدهم، ولا مانع من اجتماع عوامل عديدة لضعفهم وهزيمتهم رغم ايمانهم وشجاعتهم وقوة عتادهم وسلاحهم. بل الاختلاف وحده كاف لهزيمة المؤمنين في القتال مع اعدائهم، كما نص القرآن عليه.
السفياني يواصل معاركه ضد الموطئين وانصارهم
٥٢ - عن ابن مسعود قال: «اذا ظهر الترك والخزر بالجزيرة واذربيجان والروم بالعمق، واطرافها، قاتل الروم رجل من قيس من أهل قنسرين، والسفياني بالعراق، يقاتل أهل المشرق، وقد انشغل كل بناحية حذو الاخرى، فاذا قاتلهم اربعين يوما، ولم يأتيه مدد، صالح الروم، على أن لا يؤدي احد الفريقين إلى صاحبه شيئا».
٥٣ - عن علي (عليه السلام) قال: «يظهر السفياني على الشام، ثم يكون بينهم وقعة بقرقيسيا، حتى تشبع طير السماء أو سباع الأرض من جيفهم، ثم يفتق عليهم فتق من خلفهم فتقبل طائفة منهم حتى يدخلوا ارض خراسان، وتقبل خيل السفياني في طلب أهل خراسان فيقتلون شيعة آل محمد بالكوفة، ثم يخرج أهل خراسان في طلب المهدي».
٥٤ - عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق وأهل المغرب: «... فبينما هم كذلك اذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس من فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشا إلى المشرق وجيشا إلى المدينة».
٥٥ - عن ابي قبيل قال: «يبعث السفياني جيشا إلى المدينة، فيأمر بقتل كل من كان فيها من بني هاشم حتى الحبالى، وذلك لما يصنع الهاشمي الذي يخرج على اصحابه من المشرق».
يقول: - اي السفياني - ما هذا البلاء كله وقتل اصحابي الاّ من قبلهم، فيأمر بقتلهم، فيقتلون حتى لا يعرف منهم بالمدينة احد، ويتفرقوا منها هاربين إلى البوادي والجبال، والى مكة حتى نساؤهم يضع جيشه فيهم السيف اياما، ثم يكف عنهم فلا يظهر منهم الا خائف حتى يظهر امر المهدي بمكة [فاذا ظهر] اجتمع كل من شذ منهم اليه بمكة».
٥٦ - عن ابي قبيل قال: «يملك رجل من بني هاشم، فيقتل بني امية فلا يبقي منهم الا اليسير، لا يقتل غيرهم، ثم يخرج رجل من بني امية فيقتل بكل رجل رجلين، حتى لا يبقى الاّ النساء، ثم يخرج المهدي».
تعكس هذه الاحاديث صورة مجملة عن ثورة السفياني، وطريقته في القضاء على اعدائه داخل بلاد الشام وخارجها، وفي جميع هذه الاحاديث يظهر ان همه الاكبر هو تحجيم تحرك المجاهدين الموطئين للمهدي من اصحاب الرايات السود بعد ان يخرجهم من فلسطين.
انتصار الموطئين على السفياني
٥٧ - عن علي (عليه السلام) قال: «اذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعثت في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي الهاشمي برايات سود، على مقدمته شعيب بن صالح، واصحاب السفياني بباب اصطخرة، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود، وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه».
٥٨ - عن علي (عليه السلام) قال: «يلتقي السفياني والرايات السود - فيهم شاب من بني هاشم في كفه اليسرى خال، وعلى مقدمته رجل من بني تميم يقال له شعيب بن صالح - بباب اصطخرة فتكون بينهم ملحمة فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنى الناس المهدي ويطلبونه».
٥٩ - عن علي (عليه السلام) قال: «تخرج رايات سود تقاتل السفياني فيهم شاب من بني هاشم في كتفه اليسرى خال وعلى مقدمته رجل من بني تميم يدعى شعيب بن صالح، فيهزم اصحابه».
٦٠ - عن علي (عليه السلام) قال: «اذا هزمت الرايات السود - التي فيها شعيب بن صالح - خيل السفياني تمنى الناس المهدي، فيطلبونه، فيخرج من مكة ومعه راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيصلي ركعتين بعد أن ييأس الناس من خروجه لما طال عليهم من البلاء، فاذا فرغ من صلاته انصرف وقال: ايها الناس الح البلاء بأمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأهل بيته خاصة قهرنا وبغي علينا».
الظاهر من هذه الاحاديث، ان بداية انكسار القوات السفيانية في العالم الاسلامي تكون على يد اصحاب الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) وبقيادة شعيب بن صالح التميمي، وعلى اعقاب هذه المعركة المباركة يظهر المهدي المنتظر (عليه السلام) مباشرة.
مناصرة الموطئين لإخوانهم العراقيين
٦١ - عن ابن مسعود قال: «... ثم ان عروة بن محمد السفياني يبعث جيشا إلى الكوفة فيه خمسة عشر الف فارس، فيتغلب عليها ويسبي من كان فيها من النساء والاطفال، ويقتل الرجال، ويأخذ ما يجد فيها من الاموال، ثم يرجع، فتقوم صيحة بالمشرق فيتبعهم امير من امراء بني تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في ايديهم من السبي ويردهم إلى الكوفة».
٦٢ - عن ابن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اذا عبر السفياني الفرات...
يمحو الله الايمان من قلبه، فيقتل بها إلى نهر يقال له الدجيل سبعين الفا... ثم يأتيهم المدد من النصر حتى يستنقذوا ما مع السفياني من الذراري والنساء من بغداد والكوفة».
* - عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فيبعث - يعني السفياني - جيشا إلى العراق، فيقتل بالزوراء مائة الف ويخرجون إلى الكوفة، فينهبونها، فعند ذلك تخرج راية من المشرق يقودها رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في ايديهم من سبي أهل الكوفة، ويقتلهم... ثم ان الله (عزَّ وجلَّ) ينزل النصر على أهل المشرق»(٢٢٦).
٦٣ - عن حذيفة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا خرجت السودان تطلب العرب فينكشفون حتى يلحقوا ببطن الأرض، أو قال ببطن الاردن، فبينما هم كذلك، اذ خرج السفياني بستين وثلاثمائة راكب، حتى يأتي دمشق، فلا يأتي عليهم شهر حتى يبايعه من كلب ثلاثون الفا، فيبعث جيشا إلى العراق، فيقتل بالزوراء مائة الف، ويخرجون إلى الكوفة فينهبونها فعند ذلك تخرج راية من المشرق يقودها رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيستنقذ ما في أيديهم من سبي أهل الكوفة ويقتلهم».
٦٤ - عن جابر قال: قال ابو جعفر يعني الامام محمد الباقر (عليه السلام): «يا جابر الزم الارض ولا تحرك يدا ولا رجلا، حتى ترى علامات اذكرها لك... ويبعث السفياني جيشا إلى الكوفة، وعدتهم سبعون الفا فيصيبون من أهل العراق قتلا وصلبا وسبيا، فبينما هم كذلك اذ اقبلت رايات من ناحية خراسان تطوي المنازل طيا حثيثا وفيهم نفر من اصحاب المهدي».
بيعة الموطئين للإمام المهدي (عليه السلام)
٦٥ - عن محمد بن علي قال: «تنزل الرايات السود - التي تخرج من خراسان - الكوفة، فاذا ظهر المهدي بعثت اليه بالبيعة».
٦٦ - عن ارطاة قال: «يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام ويقتل من اهلها ستين الفا ويظهر بخراسان قوم يدعون إلى المهدي وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي».
٦٧ - عن جابر عن ابي جعفر (محمد بن علي) قال: «ثم يظهر المهدي بمكة بعد العشاء، ومعه راية رسول الله وقميصه وسيفه وعلامات ونور وبيان فيفتح الله للمهدي الحجاز ويستخرج من كان في السجن من بني هاشم، وتنزل الرايات السود الكوفة، فتبعث بالبيعة إلى المهدي، فيبث المهدي جنوده في الآفاق ويميت الجور واهله، وتستقيم له البلدان، ويفتح الله على يديه القسطنطينية».
* - عن الحسن ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ذكر بلاء يلقاه أهل بيته حتى يبعث الله راية من المشرق سوداء، من نصرها نصره الله، ومن خذلها خذله الله، حتى يأتوا رجلا اسمه كاسمي فيولوه أمرهم فيؤيده الله وينصره»(٢٢٧).
٦٨ - عن محمد بن الحنفية قال: «بين خروج الراية السوداء من خراسان، وشعيب بن صالح، وخروج المهدي وبين أن يسلم الامر للمهدي اثنان وسبعون شهرا».
٦٩ - عن سعيد بن المسيب قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): تخرج من المشرق رايات سود لبني العباس ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد ابي سفيان واصحابه من قبل المشرق يؤدون الطاعة إلى المهدي».
٧٠ - عن كعب قال: «اذا ملك رجل الشام، واخر مصر فاقتتل الشامي والمصري، وسبا أهل الشام، قبائل من مصر، واقبل رجل من المشرق، برايات سود صغار قبل صاحب الشام، فهو الذي يؤدي الطاعة إلى المهدي».
٧١ - عن جراح قال: «ان السفياني يدخل الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام ويقتل من اهلها ستين الفا ويقيم فيها ثماني عشرة ليلة يقسم اموالها. ثم ذكر تمام الحديث إلى أن تبعث الرايات السود بالبيعة للمهدي».
٧٢ - عن ابي قبيل، قال: «يكون بافريقية أمير اثنتي عشرة سنة، ويكون بعده فتنة، ثم يملك رجل أسمر يلمؤها عدلا، ثم يسير إلى المهدي فيؤدي اليه الطاعة ويقاتل عنه».
٧٣ - عن علي - في حديث طويل قال: «... ويحا للطالقان فان لله (عزَّ وجلَّ) بها كنوزا ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حقّ معرفته، وهم انصار المهدي في آخر الزمان».
* - عن عمار بن ياسر قال: «... وتقبل خيل السفياني كالليل والسيل، فلا تمر بشيء الاّ اهلكته، وهدمته حتى يدخلون الكوفة، فيقتلون شيعة آل محمد، ثم يطلبون أهل خراسان في كل وجه، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيدعون اليه وينصرونه»(٢٢٨).
٧٤ - عن علي (عليه السلام) في خطبة مطوّلة حول ولده المهدي (عليه السلام) قال: «... ويفتح الله (عزَّ وجلَّ) له خراسان، وتطيعه أهل اليمن».
٧٥ - عن ابن جرير في تهذيب الآثار روى بسنده وقال: «يخرج اليه - اي للمهدي - الابدال من الشام وعصب أهل المشرق، كأن قلوبهم زبر الحديد، رهبان بالليل ليوث في النهار».
ان مبادرة اصحاب الرايات السود لإعلان البيعة للإمام المهدي (عليه السلام) واستباقهم لهذا الامر، قبل جميع الرايات، والجماعات، والحركات، والاحزاب، والتنظيمات الاسلامية المجاهدة في الأمة، هو تعبير آخر عن علاقة ثورتهم الاسلامية وارتباطها العقائدي بالمهدي (عليه السلام) مما يجسد دورها الواقعي في التوطئة سياسيا وعسكريا وعقائديا لثورته.
احاديث متفرقة حول الموطئين
هذه مجموعة من الاحاديث المتفرقة في الموطئين، تتفق على ظهور رايتهم في آخر الزمان بالرغم من اختلاف موضوعاتها وتعدد مصادرها واسانيدها.
٧٦ - عن أرطاة قال: «يدخل السفياني الكوفة فيسبيها ثلاثة أيام، ويقتل من اهلها ستين الفا ثم يمكث فيها ثمانية عشر ليلة يقسم أموالها. ودخوله مكة بعد ما يقاتل الترك والروم، بقرقيسيا، ثم ينفتق عليهم [من] خلفهم فتق، فيرجع طائفة منهم إلى خراسان، ويظهر بخراسان قوم يدعون إلى المهدي، ثم يبعث السفياني إلى المدينة [جيشا] فياخذ قوما من آل محمد، حتى يرد بهم الكوفة، ثم يخرج المهدي ومنصور من الكوفة هاربين، ويبعث السفياني في طلبهما، فاذا بلغ المهدي ومنصور مكة نزل جيش السفياني البيداء، فيخسف بهم.
ثم يخرج المهدي حتى يمر بالمدينة، فيستنقذ من كان فيها من بني هاشم، وتقبل الرايات السود حتى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من اصحاب السفياني نزولهم فيهربون... وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي».
٧٧ - عن علي (عليه السلام) قال: «اذا بعث السفياني إلى المهدي جيشا فخسف بهم البيداء... يسير المهدي حتى ينزل بيت المقدس، وتنقل اليه الخزائن، وتدخل العرب والعجم وأهل الحرب والروم وغيرهم في طاعته...، ويخرج قبله رجل من أهل بيته باهل المشرق، يحمل السيف على عاتقه ثمانية اشهر، ويقتل ويمثل ويتوجه إلى بيت المقدس».
٧٨ - عن علي (عليه السلام) قال: «ستكون فتنة يحصّل الناس فيها، كما يحصّل الذهب في المعدن، فلا تسبوا أهل الشام واسبوا ظلمتهم، فان فيهم الابدال، وسيرسل عليهم الله سيبا [خ ل سيلا] من السماء فيغرقهم حتى لو قاتلهم الثعالب غلبتهم. ثم يبعث الله عند ذلك رجلا من عترة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في اثني عشر الفا ان قلوا وخمسة عشر الفا ان كثروا أمارتهم - اي علامتهم - أمت أمت على ثلاث رايات تقاتلهم أهل سبع رايات ليس من صاحب راية الاّ وهو يطمع بالملك، فيقتلون ويهزمون، ثم يظهر الهاشمي فيرد الله إلى الناس الفتهم ونعمتهم فيكون حتى يخرج الدجال».
الظاهر ان هذا الرجل، وهو السيد الخراساني أحد أبرز قادة الموطئين وشعار جيشه: «أمت»، اي الموت لأعداء الاسلام. ويتألف جيشه من ثلاث رايات سيأتي تفصيل الحديث بشأنها في غير هذا الكتاب. اما الرايات السبع المعادية له، فالمذكور منها في أخبار الملاحم، راية العباسي والمغربي، والراية القرشية المعادية لأهل البيت (عليهم السلام) في بلاد الحجاز وراية الاصهب وراية المرواني وراية السفياني. ولكن من المقطوع به أن الرايات السبع التي تعادي الخراساني وتحاربه وتقف ضد مشاريعه السياسية هي كلها من الدول العربية.
مما يؤكد صحة التصورات التي تثيرها الآيات القرآنية الخاصة بمفهوم الاستبدال الموعود.
والهاشمي مفرج الفتن عن امته - في هذا الحديث - هو المهدي المنتظر (عليه السلام)، ومعنى «ويرد إلى الناس الفتهم ونعمتهم» كناية عن اجواء السلام والخير والعدل التي تعم العالم في ظل دولته.
٧٩ - عن ابن عباس قال: «ان معاوية قال له يوما: هل تكون لكم دولة؟ قال: نعم وذلك في آخر الزمان. قال: فمن انصاركم؟ قال: أهل خراسان، قال: ولبني امية من بني هاشم نطحات، ولبني هاشم من بني امية نطحات، ثم يخرج السفياني».
الدولة التي يسأل عنها معاوية ابن عباس، هي: دولة المهدي المنتظر (عليه السلام) المعبر عنها بدولة أهل البيت في حديث عمار بن ياسر(٢٢٩)، ودولة الموطئين للمهدي (عليه السلام) من العلامات المتصلة بظهورها بل هي جزء منها ومن هذا المنطلق تدخل في صراع سياسي، ومواجهة عقائدية وعسكرية مع النهج الاموي السفياني في بلاد الحجاز والشام والعراق قبل ظهور المهدي (عليه السلام) في العالم الاسلامي.
وقد وقع خطأ من النساخ في هذا الحديث فبدلا أن يكتبوا الحديث هكذا: «ولبني هاشم من بني امية نطحات ثم يخرج المهدي». كتبوا: «ثم يخرج السفياني». لان المعارك المعبر عنها بالنطحات بين بني هاشم وبني أمية في آخر الزمان تجسدها الملاحم الدموية بين الخراساني الهاشمي والسفياني الاموي.
وسميت دولة الموطئين بدولة بني هاشم، أو دولة أهل البيت (عليه السلام) لانتسابها اليهم في العقيدة والمنهج، بالإضافة إلى دورها في التمهيد لدولتهم المرتقبة بقيادة ولدهم المهدي (عليه السلام).
٨٠ - عن كعب قال: «اذا دارت رحى بني العباسي وربط اصحاب الرايات السود خيولهم بزيتون الشام، يهلك الله لهم الاصهب ويقتله وعامة أهل بيته على ايديهم حتى لا يبقى امروء منهم، الاّ هارب أو مختف، ويسقط الشعبتان بنو جعفر وبنو العباس ويجلس ابن آكلة الاكباد على منبر دمشق، ويخرج البربر إلى سرة الشام فهو علامة خروج المهدي».
دارت رحى بني العباس: كناية عن عودة الحكم من جديد اليهم في آخر الزمان، وسيأتي التحقيق الدقيق لهذه الكلمة في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة. وأصحاب الرايات السود: هم الموطئون للإمام المهدي (عليه السلام) الذين يربطون خيولهم بأشجار الزيتون في بلاد الشام كما يدل على ذلك حديث رقم ٨٧ فراجعه. والاصهب: هو حاكم بلاد الشام قبل ظهور السفياني.
والشعبتان: بنو جعفر وبنو العباس، هما كيانان سياسيان يحكمان في آخر الزمان، فأما بنو العباس فهم اصحاب الحكم المتجدد في العراق، واما بنو جعفر فلا اعرفهم، ولعل الكلمة مصحفة من بني الاحمر وهم جماعة الاصهب المرواني، حاكم بلاد الشام قبل السفياني، وهذا التفسير ربما هو الانسب لفهم هذا الحديث، لان بني الاحمر لهم ذكر في احاديث أهل البيت (عليه السلام).
وابن آكلة الاكباد: كناية عن السفياني لانتسابه إلى هند زوجة ابي سفيان، وهي التي اخرجت كبد حمزة عم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واكلت منه بعد شهادته في معركة احد.
واما البربر: فهم أهل المغرب وهم اصحاب الرايات الصفر المعادية لأصحاب الرايات السود، والمصطدمة معها في المعركة الكبرى داخل دمشق المعبر عنها في الحديث «بسرة الشام».
وهذا الحديث يؤيد مضمون حديث ابن عباس في حواره مع معاوية.
٨١ - عن ابن مسعود قال: «اذا أقبلت الرايات السود من خراسان فأتوها فان فيها خليفة الله المهدي».
هذا الحديث ورد بلفظ آخر عن طريق ثوبان خادم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسند صحيح على شرط الشيخين وهو الحديث رقم (٩) من هذا الفصل. والمقطوع به عدم صحة صدور هذه الكلمة (فيها خليفة الله المهدي) من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لما هو ثابت في الاخبار المتواترة عنه ان المهدي (عليه السلام) يخرج من مكة وليس من خراسان، فهذه الكلمة اما مدسوسة من الرواة العباسيين ليطبقوا أخبار الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) على ثورتهم وعلى مهديهم العباسي. أو أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال بالأساس: «فيها خليفة المهدي» يعني السيد الخراساني، ولكن الحاضرون لم يلتفتوا لكلامه فنقلوه خطأ أو انه قال: «فيها انصار خليفة الله المهدي» لان اكثر انصاره من اصحاب الرايات السود، لكن الرواة اسقطوا كلمة «انصاره» سهوا، ومما يؤيد هذا الاحتمال ويقويه، ما جاء في حديث رقم (٦٤) المروي عن الامام محمد الباقر (عليه السلام) في وصفه لأصحاب الرايات السود بقوله: «... وفيهم نفر من اصحاب المهدي». وهو من الاحاديث المروية باسناد صحيح من طرق أهل البيت (عليهم السلام).
٨٢ - عن طاووس قال: «تكون ثلاث رجفات: رجفة باليمن شديدة ورجفة بالشام أشد منها، ورجفة بالمشرق».
الرجفة لغة: الحركة الشديدة، قال الراغب(٢٣٠): الرجف الاضطراب الشديد، ومنه قول تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ اَلرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (الاعراف: ٧٨).
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ اَلْأَرْضُ واَلْجِبَالُ وكَانَتِ اَلْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ (المزمل: ١٤).
والرجفة في هذا الحديث استعملت بمعنى الثورة، والحديث يتنبأ بوقوع ثلاث ثورات كبرى في العالم الاسلامي وهي: الثورة اليمانية، وتقع في بلاد اليمن بقيادة السيد اليماني المناصر للثورة المهدوية. والثورة السفيانية وتقع في بلاد الشام بقيادة السفياني المعادي للثورة المهدوية. والثورة المشرقية وتقع في بلاد ايران بقيادة الموطئين للمهدي (عليه السلام) اصحاب الرايات السود.
وكل هذه الثورات تتحقق في الفترة المقاربة لظهور الامام المهدي (عليه السلام) لكن الحديث لم يراع تسلسلها الزمني أو ان النساخ قدموا الثورة اليمنية على الثورة المشرقية مع أن الثورة المشرقية تحدث قبل الثورة اليمنية، وتكون احداث الثورة السفيانية آخر الثورات الثلاث ثم يخرج المهدي (عليه السلام).
٨٣ - عن الحسن بن محمد بن علي قال: «لا يزال القوم على ثبج من امرهم حتى تنزل بهم احدى اربع خلال، يلقي الله باسهم بينهم، او تجيء الرايات السود من قبل المشرق فتستبيحهم أو تقتل النفس الزاكية في البلد الحرام، فيتخلى الله عنهم، أو يبعثوا جيشا إلى البلد الحرام فيخسف بهم».
المراد بـ (القوم) في هذا الحديث هم أهل الشام، و(الثبج) لغة له اكثر من معنى، لكن المراد منه هنا العظيم الشأن والعالي في امره، لأن الحديث يتعرض لسياسية أهل الشام وأمرهم المعروف في عدائه لأمر أهل البيت (عليه السلام). ويوكد أنهم سوف يبقون على علو من امرهم ولا يتراجعون عن عدائهم لأهل البيت (عليه السلام) واتباعهم إلى آخر الزمان، حتى تنزل بهم احدى اربع علامات:
اولا: ان يلقى الله تعالى بأسهم بينهم في الصراع السياسي الواقع في مجتمعهم بين الاصهب والابقع من جهة، وبين المرواني والسفياني من جهة اخرى، فيسبب ضعفهم ووهن امرهم.
ثانيا: أن تأتي الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) فتستبيحهم وتضعف امرهم بقيادة شعيب بن صالح التميمي.
ثالثا: أن تقتل النفس الزكية في مكة بين الركن والمقام بمؤامرة يشتركون في تنفيذها، فتكون هذه الجريمة سببا لسخط الله وغضبه عليهم، ويكون ذلك قبل ظهور المهدي بخمسة عشر يوما.
رابعا: او يبعثون جيشا إلى البلد الحرام في الشهر الحرام، فيخسف بهم، وهو جيش السفياني ويخسف به في البيداء بين مكة والمدينة.
وتدل الأخبار أن هذه العلامات سوف تقع كلها متعاصرة متقاربة متصلة، ببعضها، فالاختلاف بينهم يتزامن مع دخول الرايات السود الموطئة في بلادهم للمهدي (عليه السلام) وقتل النفس الزكية يقع قبل حدوث الخسف بفترة قصيرة، جدا لا تتجاوز الاسبوعين.
٨٤ - عن علي (عليه السلام) قال: «انتظروا الفرج في ثلاث قلنا: يا أمير المؤمنين وما هي؟ قال: اختلاف أهل الشام بينهم، والرايات السود من خراسان والفزعة في شهر رمضان». فقيل: وما الفزعة في شهر رمضان؟ قال: أو ما سمعتم قول الله (عزَّ وجلَّ) في القرآن: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ اَلسَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤) وهي آية تخرج الفتاة من خدرها، وتوقظ النائم، وتفزع اليقظان».
المراد: بـ (انتظار الفرج) انتظار ظهور المهدي (عليه السلام)، من مكة بدلالة العلامات الدالة على ظهوره وهي ثلاثة:
(الاولى): اختلاف أهل الشام وقد اوضحنا معناها في الحديث السابق.
(الثانية): خروج الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) إلى بلاد الشام على اعقاب الاختلاف بين الاصهب والمرواني والسفياني، ومرت هذه العلامة أيضا في الحديث السابق.
(الثالثة): انبعاث الصحية من السماء مبشرة بظهور الامام المهدي (عليه السلام)، وهي من العلامات الصحيحة المروية من طرق الفريقين.
وهذا الحديث يؤيد مضمون الحديث الذي قبله فتأملهما وطابق بينها بدقه.

* * *
الموضوع الثاني: الفوارق التاريخية بين ثورة الموطئين والثورة العباسية

الفوارق بين الثورتين
من أصعب ما يواجه الباحثين في دراسة أخبار «ثورة الموطئين» اختلاطها وتداخلها مع أخبار الثورة العباسية، لوجود العديد من جوانب التشابه بينهما، فالثورتان تنطلقان من خراسان برايات سود، وكلتاهما ترفعان شعار:
(الدعوة لأهل البيت)، وتقاتلان دولة بني امية في بلاد الشام.
ولهذا قطع مؤلف (موسوعة الامام المهدي) باتحاد أخبار الثورتين، مؤكدا بأن مجموع هذه الاخبار لا تعبر الاّ عن حقيقة واحدة، وهي الأخبار عن قيام الثورة العباسية(٢٣١)، ويذهب مؤلف هذه الموسوعة إلى الاعتقاد بعدم صحة الاخبار المادحة لأصحاب الرايات السود، والمخبرة عن دورهم الجهادي في التوطئة للمهدي، ويعتبرها من الاخبار الموضوعة من قبل رواة بني العباس، لدعم ثورتهم وتمكين سلطانهم واستقطاب جماهير الامة اليهم. ومن هذا المنطلق لقبوا خليفتهم الثالث بالمهدي.
والواقع لا توجد أيّ علاقة بين اخبار الثورتين، باستثناء جوانب التشابه بينهما، وبإمكان الباحث المتتبع والقارئ الفطن، أن يصل إلى هذه الحقيقة، في ضوء مطالعته للأخبار النبوية الكثيرة التي اعتنت بالتفريق بين الثورتين.
ونحن نعتقد ان هذا النوع من الأخبار لم يطّلع عليها مؤلف (موسوعة الامام المهدي) اطلاقا، واليك عرضا مختصرا لبعضها، وقد رتبناها وصنفناها في مجموعات سبعة:
المجموعة الأولى: الاخبار الدالّة على وجود ثورتين
٨٥ - عن ابن عمر قال: «كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالسا في نفر من المهاجرين والانصار، وعلي بن ابي طالب عن يساره، والعباس عن يمينه، اذ تلاحى العباس ورجل من الانصار، فاغلظ الانصاري للعباس، فأخذ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيد العباس، ويد عليّ فقال: «سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الارض جورا وظلما، وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطا وعدلا فاذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فانه يقبل من قبل المشرق، وهو صاحب راية المهدي».
الفارق بين الثورتين، في هذا الحديث أن الفتى الذي يملأ الأرض ظلما وجورا سيخرج من صلب العباس، والفتى الذي يملئها قسطا وعدلا، سيخرج من صلب الامام علي (عليه السلام)، وهو المهدي المنتظر (عليه السلام)، وعلامة خروجه أن يقبل الفتى التميمي شعيب بن صالح، من قبل المشرق براياته السود الموطئة للمهدي سلطانه، لذلك دعى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) امته للالتحاق به ومناصرته. وهذا الفتى التميمي يعرف في أخبار الموطئين باسم شعيب بن صالح وهو لا وجود له في أخبار الثورة العباسية التي قاد جيوشها أبو مسلم الخراساني.
* - عن محمد بن الحنفية قال: «تخرج راية سوداء لبني العباس ثم تخرج من خراسان اخرى سوداء، قلانسهم(٢٣٢) سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح، من تميم، يهزمون اصحاب السفياني، حتى ينزل بيت المقدس يوطئ للمهدي سلطانه، يمد اليه ثلاثمائة من الشام، يكون بين خروجه، وبين أن يسلم الأمر للمهدي اثنان وسبعون شهرا»(٢٣٣).
الفوارق بين الثورتين في هذا الحديث كثيرة:
(اولها): الاخبار عن انطلاقة ثورتين من خراسان، الاولى لبني العباس وراياتها سود، والثانية للموطئين للمهدي وراياتها سود ايضا.
(ثانيها): ان ملابس الموطئين بيض، بينما كانت ملابس جيوش العباسيين وخلفائهم كلها سود، كما نص المؤرخون على ذلك.
(ثالثها): ان هدف ثورة الموطئين في زحفها نحو بلاد الشام هو تحرير بيت المقدس من اليهود المغتصبين، بينما كان هدف الثورة العباسية، الوصول إلى دمشق، والاطاحة بالخلافة الاموية في بلاد الشام.
(رابعها): وجود انصار في بلاد الشام للموطئين، وهم على موعد معهم لمشاركتهم في تحرير بيت المقدس، بينما لم يذكر المؤرخون انصارا للعباسيين، في بلاد الشام، في ثورتهم على الخلافة الاموية.
(خامسها): ان القائد العسكري للثورة العباسية، هو رجل فارسي اسمه عبد الرحمن ويكنى بابي مسلم الخراساني، بينما القائد العسكري لثورة الموطئين المذكور في هذا الحديث، هو رجل عربي الاصل واسمه شعيب بن صالح التميمي.
(سادسها): يذكر التاريخ أن الفترة الزمنية بين انطلاقة الثورة العباسية عام ١٣٢ هـ وبين تسليمها الامر للمهدي العباسي عام ١٥٨ هـ، هي (٢٦) سنة، بينما ينص هذا الحديث بان الفترة بين خروج شعيب بن صالح، وبين تسليمه الأمر للإمام للمهدي (عليه السلام) هي (٦) سنوات.
* - عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «تخرج من المشرق رايات لبني العباس، ثم يمكثون ما شاء الله، ثم تخرج رايات سود صغار تقاتل رجلا من ولد ابي سفيان، واصحابها من قبل المشرق يؤدون الطاعة للمهدي»(٢٣٤).
قوله «يمكثون ما شاء الله»: كناية عن استمرار الخلافة العباسية في الحكم قرونا طويلة من الزمن. وقوله «ثم تخرج رايات سود صغار»: يريد به التفريق بين الثورتين، لما هو ثابت في التاريخ، ان الثورة العباسية كانت راياتها سودا كبارا طوالا، أما الموطئون فراياتهم سود صغار قصار. وأما قوله «تقاتل رجلا من ولد ابي سفيان»: يؤكد أن ثورة الموطئين غير الثورة العباسية التي قاتلت رجلا من ولد آل مروان، وهو الملقب بمروان الحمار آخر خلفاء الامويين في بلاد الشام. فهي لم تصطدم مع بني سفيان، فيكون اصطدام اصحاب الرايات السود الموطئة مع السفياني من العلامات المميزة لدولتهم عن الدولة العباسية.
٨٦ - عن ابن شوذب قال: «كنت عند الحسن، فذكرنا حمص(٢٣٥)، فقال: هم اسعد الناس بالمسودة الاولى، واشقى الناس بالمسودة الثانية، قال: فقلنا وما المسودة الثانية يا ابا سعيد؟
قال: ابو الطهوي(٢٣٦) يخرج من قبل المشرق معه ثمانون الفا محشوة قلوبهم ايمانا حشوة الرمانة من الحب».
٨٧ - عن عمر بن مرّة الجهني صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لتخرجن من خراسان راية سوداء حتى تربط خيولها بهذا الزيتون، الذي بين بيت لها وحرستا(٢٣٧)، فقيل له: ما نرى بين هاتين زيتونة؟ قال: سينصب بينهما زيتون حين ينزلها أهل تلك الراية، فتربط خيولها بها.
وقال عبد الله بن آدم: وحدث بهذا الحديث عبد الرحمن بن سلمان فقال:
انما يربط بها أهل الراية السوداء الثانية».
فهذا الحديث، والذي قبله، يخبران عن وجود رايتين الاولى سوداء لبني العباس، والثانية سوداء ايضا لكنها للموطئين للمهدي (عليه السلام)، وهي المحشوة قلوب اصحابها ايمانا حشوة الرمانة، من الحب، ومن علامتها أنها تربط خيولها بأشجار الزيتون في بلاد الشام، حينما تدخلها لتحرير بيت المقدس، أو لمقاتلة السفياني.
٨٨ - عن ابن عباس قال: «قلت لعلي بن ابي طالب متى دولتنا يا أبا الحسن؟ قال: اذا رأيت فتيان أهل خراسان اصبتم أنتم إثمها واصبنا نحن برها».
٨٩ - عن عائشة قالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اذا ظهر السواد في الارض أنزل الله باهل الارض نائبة! قلت: يا رسول الله وفيهم أهل طاعة الله؟ قال: نعم، ثم يصيرون إلى رحمة الله».
هذان الحديثان، بالرغم من الاختلاف الظاهر في الفاظهما ومعانيهما، فانهما يدلان على معنى واحد، وهو الاخبار عن ظهور رايتين سوداويتين من المشرق، الاولى لبني العباس، والثانية للموطئين للمهدي، ويخبران عن عاقبة ابناء فارس، خلال حكم هاتين الثورتين في بلادهم.
فالثورة العباسية، كانت سببا لسخط الله تعالى وغضبه، على أهل الارض وخاصة في بلاد فارس، لأنها خدعت الامة باسم: (الرضا من آل محمد) واغتصبت الخلافة من أهل البيت تحت هذا الشعار، وما أن استتب الامر لها قضت على ابناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قتلا وسجنا وتطريدا وتشريدا، فنكلت بهم وباتباعهم بقساوة لم تعرف في التاريخ من قبل، لأنها كانت اشد مما مر عليهم من ظلم وعذاب واضطهاد في العصر الاموي. وقد شارك ابناء فارس بالقسط الأكبر من الآثام والجرائم التي ارتكبتها الخلافة العباسية، لانهم أوّل من رفع رايتها وناصرها وجندوا انفسهم لحمايتها، وتمكينها، وتأسيسها. فكانت بلاد فارس قاعدة قوية ومنطلقا حصينا لمواجهة اعداء العباسيين والقضاء عليهم اينما كانوا بعد الخوض في بحار من الدماء.
وقد تصدى علماء الفرس من أهل السنة لإمامة المسلمين فقهيا وثقافيا بعد أن استخدمتهم السلطة العباسية غطاء لمعارضة مدرسة أهل البيت، وصرف انضار الامة عنهم وعن مكانتهم العلمية، فاستلم علماء الفرس من أهل السنة اكثر مناصب القضاء والافتاء وامامة الجماعات والجمعات في البلدان الاسلامية، وشاركوا الخلفاء العباسيين في مؤامرة تمزيق الامة من خلال نشأة المذاهب الفقهية الاربعة التي لم تكن موجودة من قبل بهدف النيل من مذهب أهل البيت والقضاء على اتباعه.
ومع كل ما تورط بها ابناء فارس من جرائم وآثام، في مناصرتهم للخلافة العباسية الظالمة، فانهم لا بد أن يثيبوا إلى رشدهم ويستيقظوا من غفوتهم ويرجعوا عن غيهم، ويهتدوا إلى نهج الحق في نهاية المطاف. وهو معنى قوله: «ثم يصيرون إلى رحمة الله»، اي عندما ينالون الدين من الثريا، وينتهلون من منابعة الالهية الاصيلة المتمثلة بمعارف وعلوم آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويصبحون حملة لمبادئ أهل البيت (عليه السلام) ودعاة لأمرهم وثوارا على نهجهم الجهادي الرافض للظلم والفساد، والاضطهاد في طول التاريخ. ثم يخرجون مرة ثانية براياتهم السود المناصرة لأمر أهل البيت (عليهم السلام)، ويقدمون قوافل الشهداء وهم يوطئون لمهدي آل محمد سلطانه وهو معنى كلام امير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس: «اذا رأيت فتيان أهل خراسان اصبتم اثمها، واصبنا نحن برها»، يشير إلى عاقبة امرها، حينما تخرج مرة ثانية براياتها السود الموطئة لولده المهدي سلطانه، فيصيب بنو العباس آثام الرايات السود الخراسانية لأنها ناصرتهم على ظلمهم وجرائمهم، ويصيب أهل البيت (عليهم السلام) برّها وخيرها وعاقبة أمرها حينما تصير إلى رحمة الله وتهتدي إلى امامتهم وتعتقد بولايتهم، وتخرج مرة اخرى مناصرة لحقهم موطئة لولدهم المهدي سلطانه في آخر الزمان.
المجموعة الثانية: الأخبار التي تذم الثورة العباسية
وهي كثيرة جدا، بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف. جمعنا اكثرها واهمها في الكتاب الخاص «بدولة بني العباس» المتجددة في آخر الزمان في بلاد العراق، فمن اراد التوسع في هذا الموضوع فليراجعها هناك، اما هنا فسنقتصر على ذكر طائفة منها للتذكير بها والتأكيد على وجودها في السنة النبوية(٢٣٨):
* عن سعيد بن المسيب قال: «لمّا فتحت اداني خراسان، بكى عمر بن الخطاب، فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين وقد فتح الله عليك مثل هذا الفتح؟ قال: ما لي لا أبكي لوددت أنّ بيننا وبينهم بحرا من نار، سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: اذا اقبلت رايات ولد بني العباس، من عقبات(٢٣٩) خراسان، جاؤوا بنعي الاسلام، فمن سار تحت لوائهم لم تنله شفاعتي يوم القيامة»(٢٤٠).
* عن علي (عليه السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ما لي ولبني العباس شيعوا امتي، وسفكوا دماءها والبسوها ثياب السواد، البسهم الله ثياب النار»(٢٤١).
* وعن علي (عليه السلام) قال: «اذا رأيتم الرايات السود، فالزموا الأرض ولا تحركوا ايديكم ولا ارجلكم، ثم يظهر قوم ضعفاء لا يؤبه لهم قلوبهم كزبر الحديد، هم اصحاب الدولة، لا يفون بعهد ولا ميثاق، يدعون إلى الحق وليسوا من اهله، اسماؤهم الكنى، وأنسابهم القرى، وشعورهم مرخاة كشعور النساء، حتى يختلفوا فيما بينهم، ثم يؤتي الله الحقّ من يشاء»(٢٤٢).
* عن حذيفة بن اليمان قال: «يخرج رجل من قبل المشرق، يدعو إلى آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو ابعد الناس عنهم، ينصب علامات سوداء أوّلها نصر وآخرها كفر، يتبعه حثالة العرب، وسفلة الموالي، والعبيد الآباق، رقوا من الافاق سيماهم السود، ودينهم الشرك، واكثرهم الخدع. قلت: وما الخدع؟ قال: القلف(٢٤٣).
* عن ابي هريرة قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «اذا خرجت الرايات السود، فانّ أوّلها فتنة، وأوسطها ضلالة، وآخرها كفر»(٢٤٤).
* عن سلمة بن محبوب قال: سمعت ابا هريرة يقول: «كنت في بيت ابن عباس فقال: اغلقوا الباب، ثم قال: هاهنا من غيرنا احد، قالوا: لا. وكنت في ناحية من القوم، فقال ابن عباس: اذا رأيتم الرايات السود تجيء من قبل المشرق فاكرموا الفرس، فانّ دولتنا فيهم».
قال ابو هريرة: فقلت لابن عباس: أفلا احدثك ما سمعت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: ابن عباس وكان اعمى وإنّك لها هنا؟! قلت نعم، قال:
حدث. فقلت: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: اذا خرجت الرايات السود فان أولها فتنة واوسطها ضلالة وآخرها كفر»(٢٤٥).
تصل الاخبار الخاصة بذم الدولة العباسية إلى أكثر من (٤٠) خبرا، وبالمقابل يوجد اكثر من (٣٥٠) خبرا من طريق الفريقين، في مدح أصحاب الرايات السود الموطئة للمهدي، فاذا جمعنا بين هاتين الطائفتين، مع النظر إلى الطائفة الثالثة، التي تخبر عن خروج رايتين سوداوتين من بلاد المشرق، الأولى لبني العباس والثانية للموطئين من قوم سلمان، حينئذ ننتهي إلى القطع واليقين بان الرايات السود الموطئة للمهدي هي غير الرايات السود العباسية.
المجموعة الثالثة: الأخبار التي تمدح ثورة الموطئين
وقد مرت علينا في مطلع هذا الفصل تحت العناوين التالية: (وجوب نصرة الموطئين)، (الموطئون مؤيدون بنصر الله)، (الجنات تستقبل شهداء الموطئين)، (الموطئون يعيدون الدين إلى قيادة الحياة)، (الموطئون دعاة لمذهب أهل البيت). وكذلك مرت طائفة من هذه الأخبار في المجموعة الاولى المميّزة بين الثورتين.
المجموعة الرابعة: الأخبار الخاصة بوصف قيادات الموطئين
نصت أحاديث أهل السنة الخاصة بالموطئين على شخصين بارزين من قياداتهم، وركزت عليهما كثيرا وهما: القائد الأكبر السيد الخراساني وقائد قواته العسكرية شعيب بن صالح التميمي. وقد مرت علينا في الموضوعات السابقة احاديث كثيرة، ذكرت هذين القائدين تصريحا أو تلميحا واليك عرضا لأهم الاحاديث التي اختصت بهما:
القائد الاكبر السيد الخراساني
* - عن علي (عليه السلام) قال: «تخرج الرايات السود، تقاتل السفياني، فيهم شاب من بني هاشم في كتفه اليسرى خال، على مقدمته رجل من تميم يدعى شعيب بن صالح، فيهزم اصحابه(٢٤٦).
٩٠ - عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «يخرج شاب من بني هاشم، بكفه اليمنى خال، من خراسان برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل اصحاب السفياني فيهزمهم».
* - عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «تقبل الرايات السود من خراسان، على جمع الناس شاب من بني هاشم، بكفه اليمنى خال: يسهل الله امره وطريقه»(٢٤٧).
* - عن علي (عليه السلام) قال: «يخرج رجل قبل المهدي، من أهل بيته بالمشرق، يحمل السيف على عاتقه»(٢٤٨).
٩١ - عن عبد الله بن عمر قال: «يخرج رجل من ولد الحسين، من قبل المشرق، لو استقبلته الجبال الرواسي لهدمها واتخذ فيها طرقا».
شعيب بن صالح
٩٢ - عن عمار بن ياسر، قال: «اذا بلغ السفياني الكوفة، وقتل اعوان آل محمد، خرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح».
٩٣ - عن عمار ايضا قال: «المهدي على اوله شعيب بن صالح». وفي رواية قال: «على لوائه شعيب بن صالح».
٩٤ - عن علي (عليه السلام) في خطبة طويلة، قال: «... وتحركت عساكر خراسان، ونبع شعيب بن صالح التميمي من بطن الطالقان، وبويع لسعيد السوسي بخوزستان، وعقدت الراية لعماليق كردان».
* - عن ابن عمر قال: «كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جالسا في نفر من المهاجرين والانصار، وعلي بن ابي طالب عن يساره، والعباس عن يمينه، اذ تلاحى العباس ورجل من الأنصار، فاغلظ الانصاري للعباس، فاخذ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيد العباس ويد علي فقال: سيخرج من صلب هذا فتى يملأ الارض جورا وظلما، وسيخرج من صلب هذا فتى يملأ الارض قسطا وعدلا، فاذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي فانه يقبل من قبل المشرق وهو صاحب راية المهدي»(٢٤٩).
* - عن معاذ قال: «بينما انا وابو عبيدة الجراح، وسلمان جلوس ننتظر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اذ خرج علينا في الهجير مرعوبا متغير اللون، فذكر فتنة السفياني ثم قال: وانما ذلك حمل امرأة، ثم يقبل الرجل التميمي شعيب بن صالح، سقى الله بلاد شعيب بالراية السوداء المهدية بنصر الله وكلمته، حتى يبايع المهدي بين الركن والمقام»(٢٥٠).
* - عن كعب بن علقمة قال: «يخرج على لواء المهدي غلام حديث السن خفيف اللحية، أصفر، لو قاتل الجبال لهزها حتى ينزل ايلياء» اي بيت المقدس(٢٥١).
٩٥ - عن الحسن قال: «يخرج بالري رجل ربعة اسمر، مولى لبني تميم، كوسج يقال له: شعيب بن صالح. في اربعة آلاف ثيابهم بيض وراياتهم سود، يكون على مقدمة المهدي، لا يلقاه احد الا فله» وفي لفظ «الاّ قتله».
* - عن محمد بن الحنفية قال: «بين خروج الراية السوداء من خراسان، وشعيب بن صالح، وخروج المهدي، وبين أن يسلم الامر للمهدي، اثنان وسبعون شهرا»(٢٥٢).
٩٦ - عن عكرمة قال: «حدثني فلان - رجل من اصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - أنه نال من بني تميم عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: لا تقل لبني تميم الاّ خيرا فانهم اطول الناس رماحا على الدجال».
٩٧ - عن ابي هريرة قال: ذكر بني تميم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «هم ضخام الهام، ثبت الاقدام، نصار الحقّ في آخر الزمان، اشد قوما على الدجال».
المجموعة الخامسة: الاخبار الخاصة بمعارك الموطئين
وهي على نحوين، الاخبار الخاصة بمعاركهم قبل ظهور المهدي (عليه السلام) والاخبار المتعلقة بمعاركهم بعد ظهوره.
معارك الموطئين قبل الظهور
وهي كثيرة، والمذكور منها في اخبار أهل السنة سبعة:
المعركة الاولى:
وتقع بين الايرانيين والعراقيين، على جبهة عبادان والبصرة ومرّ معنا ما يشير اليها في الاحاديث النبوية التي اثنت على المجاهدين والمرابطين والشهداء في جبهة عبادان في آخر الزمان(٢٥٣)، وقد تناول الامام علي (عليه السلام)، هذه المعركة في حديث رقم (٢٦) فقال:
«وليكونن من أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله، قوي يحكم بحكم الله، وذلك بعد زمان مكلح مفضح، يشتد فيه البلاء، وينقطع فيه الرجاء ويقبل فيه الرشاء، فعند ذلك يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلا من شاطي دجلة لأمر حزبه، يحمله الحقد على سفك الدماء، قد كان في ستر وغطاء، فيقتل قوما وهو عليهم غضبان، شديد الحقد حران، في سنّة بخت نصر يسومهم خسفا ويسقيهم كأسا، مصيرة سوط عذاب وسيف دمار».
والظاهر من هذه الخطبة، ان المراد بالثائر من أهل البيت، هو قائد ثورة الموطئين، الموصوف بالقوي في ذات الله، والداعية للحكم بشريعة الله، والهادي للناس بما أمر الله تعالى، في عصر يستضعف فيه أنصار الحق، وتشتد الفتن، وينقطع الأمل والرجاء بنصرة المظلومين، وخلاص المعذبين.
ويفهم من ظاهر هذه الخطبة أيضا، انه بعد قيام هذا الثائر العلوي، سوف يخرج عليه طاغية من بلاد العراق، وهو المعبر عنه بـ (رجل من شاطئ دجلة) ويحاربه تنفيذا (لأمر حزبه).
ثم يمضي الامام علي (عليه السلام) يذكر أبرز علامات واوصاف طاغية العراق المعادي للثائر العلوي، فيقول: (كان في ستر وغطاء) اي انه كان يمارس دوره السياسي في بلاد العراق بالخفاء، فلم يكن من الحكام المعروفين، ولا من رجال الدولة المشهورين، ولكن بمجرد أن يقوم ثائر أهل البيت القوي بذات الله، والداعية للحكم بشريعة الله، يعلن هذا الطاغية عن نفسه كحاكم قوي متنفذ، سفاك للدماء حاقد على المسلمين، يقود بحقده بلاد العراق إلى متاهات الفتن، ويسقيهم كؤوس العذاب، ويقتل جماعات منهم، وهو شديد الحقد والغضب عليهم.
والثائر من أهل البيت في هذه الخطبة، وان لم يذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) الموقع الجغرافي لانطلاقة ثورته لكننا نقطع بأنه قائد ثورة الموطئين، وفقا للأدلة الكثيرة الدالة على ذلك، وسوف نتعرض لهذه الأدلة في الحديث عن تمسك مجتمع الموطئين بولاية أهل البيت(٢٥٤).
ومن صور معارك جيوش هذا الطاغية العراقي ضد الثوار الموطئين للمهدي، ما جاء في خطبة للإمام علي (عليه السلام) أيضا يصف فيها جانبا من هذه المعركة على جبهة البصرة فيقول:
٩٨ - «فتن كقطع الليل المظلم، لا تقوم لها قائمة، ولا ترد لها راية، تأتيكم مزمومة مرحولة، يحفزها قائدها، ويجهدها راكبها، اهلها قوم شديد كلبهم، قليل سلبهم يجاهدهم في سبيل الله، قوم اذلة عند المتكبرين، في الارض مجهولون وفي السماء معروفون، فويل لك يا بصرة عند ذلك، من جيش من نقم الله، لا رهج له ولا حس، وسيبتلي اهلك بالموت الأحمر والجوع الأغبر».
وقد حاول بعض شراح هذه الخطبة - عبثا أو جهلا - تطبيقها على ثورة صاحب الزنج، لكن وصف الامام (عليه السلام) جيش الزاحفين لقتال أهل البصرة، بالمجاهدين في سبيل الله، وبالأذلة والمستضعفين بنظر المستكبرين، وبالأولياء المجهولين في الارض والمعروفين عند الله، كل ذلك من الدلائل القطعية التي لا تجيز لعاقل تطبيق هذه المعركة على ثورة صاحب الزنج، بعد ان اجمعت كلمة الباحثين عموما، وكلمة أهل البيت خصوصا، على ذمها.
المعركة الثانية:
وتقع على جبهة قزوين بين الايرانيين والمعتدين على بلادهم من جهة خراسان واذربيجان، وهي المقصودة في الأخبار النبوية التي اثنت على المجاهدين والمرابطين والشهداء في مدينة قزوين في آخر الزمان، وقد تلونا عليك طائفة منها في المواضيع السابقة(٢٥٥)، واليك طائفة اخرى منها، لم نتلوها عليك من قبل.
٩٩ - عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «رحم الله اخواني بقزوين» وروي هذا الحديث عن ابن عباس، وعن ابي هرير.
١٠٠ - عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «رحم الله إخواني بقزوين، قيل يا رسول الله وما قزوين؟ قال: بلدة يقال لها قزوين، الشهداء فيها يعدلون عند الله شهداء بدر».
١٠١ - عن جابر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «إني لأعرف أقواما يكونون في آخر الزمان، قد اختلط الايمان بلحومهم ودمائهم، يقاتلون في بلدة يقال لها قزوين، تشتاق اليهم الجنة، وتحن كما تحن الناقة إلى ولدها».
١٠٢ - عن أنس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ان جبلا من جبال فارس بارض الديلم، يقال له قزوين، نبأني خليلي جبرئيل قال: يحشرون يوم القيامة، فيقومون على ابواب الجنة صفوفا، والخلائق في الحساب، وهم يجدون رائحة الجنة».
١٠٣ - عن ابي هريرة وابن عباس معا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «رحم الله إخواني بقزوين ثلاثا، قالوا: يا رسول الله وما قزوين؟ قال: قزوين ارض من ارض الديلم هي اليوم في يد الديلم، وستفتح على امتي وتكون رباطا لطوائف من أمتي فمن ادرك ذلك فليأخذ بنصيبه من فضل رباط قزوين، فانه يستشهد بها قوم يعدلون شهداء بدر».
١٠٤ - عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «قزوين باب من ابواب الجنة، يحشر من مقبرتها كذا كذا الف شهيد».
١٠٥ - عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قال: «سيكون جهاد ورباط بقزوين يشفع احدهم من مثل ربيعة ومضر».
والاخبار في فضل الرباط والجهاد في مدينة قزوين، في آخر الزمان مروية من طرق الفريقين، وشارك في روايتها عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدد من الصحابة، منهم الامام علي (عليه السلام) وابو ذر، وابن مسعود، وابن عباس، وجابر الانصاري، وانس، وابو الدرداء، وبريدة، وأوس بن عبد الله، وابو هريرة وغيرهم.
وقد اختلفت الاخبار في تحديد هوية المهاجمين والمعتدين على دولة الموطئين في آخر الزمان في جبهة قزوين، ونحن هنا لسنا بصدد تحقيق ذلك.
لكننا نقطع بوقوع معركة جهادية عظيمة ضد المهاجمين لدولة الموطئين من جهة بلاد وجبال قزوين.
المعركة الثالثة:
وتقع على الجبهة العراقية السورية، في منطقة قنّسرين(٢٥٦)، وتعرف هذه المعركة في اخبار الملاحم والفتن، بمعركة قرقيسيا أو معركة الكنز قيل انه من الذهب يكتشف في نهر الفرات قبل ظهور الامام المهدي (عليه السلام) بفترة قصيرة جدا.
ودور المجاهدين الايرانيين في هذه المعركة، ينحصر في التدخل لحسمها ووضع حد لها، بعد الحاق الهزيمة بالجيوش العربية المتقاتلة على الكنز فيها، وهي المقصودة في الحديث التالي:
١٠٦ - عن ثوبان قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا يصير إلى واحد منهم، ثم تطلع الرايات السود من قبل المشرق، فيقتلونكم قتلا لم يقتله قوم - ثم ذكر شيئا لا احفظه - فقال: فاذا رأيتموه فبايعوه، ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله المهدي».
والظاهر أن ما ذكره النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يحفظه الراوي في هذا الحديث هو قوله: «ثم يخرج رجل من أهل بيتي يملأ الارض قسطا وعدلا، فاذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فانه خليفة الله المهدي».
المعركة الرابعة:
معركة تحرير فلسطين، وقد مرت بعض احاديثها في المواضيع السابقة(٢٥٧)، ووردت بشأنها تفاصيل دقيقة في احاديث أهل البيت (عليهم السلام). سوف نذكرها في الكتاب الخاص بحتمية زوال اسرائيل قبل ظهور المهدي (عليه السلام).
المعركة الخامسة:
وتقع في بلاد الشام، بعد معركة تحرير القدس، وتكون بين الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) والرايات الصفر المغربية القادمة من بلدان المغرب العربي وقد مرت بعض تفاصيلها في الموضوعات السابقة(٢٥٨).
المعركة السادسة:
وتقع بين الايرانيين والجيش السفياني، في اكثر من موقع وتبدأ بانكسار الموطئين وأنصارهم في فلسطين، وتنتهي بهزيمة السفياني وانكسار جيشه أمام قوات الموطئين وانصارهم داخل الاراضي العراقية(٢٥٩).
المعركة السابعة:
وتقع بين القوات الايرانية والعراقية العباسية في جولات عديدة من المعارك قبل خروج السفياني وبعد خروجه وقد تناولت تفاصيل هذه المعركة في الكتاب الخاص بعودة الحكم العباسي إلى العراق في آخر الزمان.
معارك الموطئين بعد الظهور

وهي كثيرة جدا واشهرها معركتين:
الاولى: معركة تحرير بلاد الشام من الحكم السفياني، بقيادة الامام المهدي (عليه السلام)، بعد تحالف القوات الايرانية مع القوات اليمانية عسكريا، في الدفاع عن القضية المهدوية. وتعرض الامام علي (عليه السلام) في احدى خطبه لتفاصيل هذه المعركة الحاسمة، واليك مقتطفات من خطابه. قال: «ويعمل عمل الجبابرة الاولى - يعني السفياني - فيغضب الله من السماء لكل عمله، فيبعث عليه فتى من قبل المشرق، يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هم اصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزهم الله وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الا هزموه، ويسير الجيش القحطاني، حتى يستخرجوا الخليفة وهو خائف، فيسير معه تسعة آلاف من الملائكة معه راية النصر، وفتى اليمن. حتى ينزلوا دمشق فيفتحونها اسرع من التماع البرق، ويهدمون سورها، ثم يبنى ويعمر، ويساعدهم عليها رجل من بني هاشم، اسمه اسم نبي، فيفتحونها من الباب الشرقي، قبل أن يمضي من اليوم الثاني اربع ساعات، فيدخلها سبعون الف سيف مسلول بأيدي اصحاب الرايات السود، شعارهم أمت أمت. اكثر قتلاهم فيما يلي المشرق»(٢٦٠).
والفتى في قوله: «فيبعث عليه فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»، هو شعيب بن صالح التميمي، قائد جيش الرايات السود، والجيش القحطاني هو جيش الفتى اليماني، والخليفة الذي يستخرج كارها من قبل هذا الجيش هو خليفة الله المهدي (عليه السلام)، والرجل المسمى باسم نبي حليف القحطاني والمهدي في فتح دمشق هو شعيب بن صالح التميمي، لان هذه العبارة وردت في حديث آخر يقول: «رجل مولى لبني هاشم اسمه اسم نبي» وقوله: «اكثر قتلاهم فيما يلي المشرق» تعريف باهل الرايات السود الذين يقدمون اكثر شهداءهم على جبهة عبادان والبصرة التي مرت الاشارة إلى معاركهم فيها.
الثانية: معركة المواجهة مع الصليبية العالمية، والقضاء على طواغيت العالم المسيحي، وتنتهي هذه المعركة بهزيمة الصليبية دينيا وسياسيا، بعد فتح المدينة المسيحية الكبرى، المسماة بـ (الرومية) ويكون الثقل العسكري الاكبر في جيش الامام المهدي (عليه السلام) في هذه المعركة لأصحاب الرايات السود، المعبر عنهم في الاخبار بـ (بني اسحاق) و(الريح الشرقية) واليهم أشارت الاحاديث التالية.
١٠٧ - فعن ابن عمر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: «أهل فارس هم ولد اسحاق».
١٠٨ - وعن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: «فارس عصبتنا أهل البيت، لان اسماعيل عم ولد اسحاق، واسحاق عم ولد اسماعيل».
١٠٩ - وعن ابن عباس، ايضا عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «من اسلم من فارس فهو من قريش، هم اخواننا وعصبتنا».
١١٠ - وعن ابي هريرة ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «هل سمعتم بمدينة جانب منها في البر، وجانب منها في البحر؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: لا تقوم الساعة حتى يغزوها سبعون الفا من بني اسحاق، فإذا جاءوها نزلوا فلم يقاتلوا بسلاح، ولم يرموا بسهم وانما قالوا: لا اله الاّ الله والله اكبر، فيسقط احد جانبيها».
١١١ - عن كعب الاحبار قال في فتح المدينة الرومية المسيحية: «يخرج جيش من المغرب، بريح شرقية لا ينكسر لهم مقذاف ولا ينقطع لهم حبل، ولا ينخرق لهم قلع ولا تنتقض لهم قرية حتى يرسوا برومية فيفتحونها».
فبنوا اسحاق في خبر ابي هريرة هم قوم سلمان اصحاب الرايات السود وانصار المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، وهم الذين ينطلقون من سواحل بلاد الشام لغزو المدينة الرومية، والمكنى عنهم بـ (الريح الشرقية).
وقد طبق مؤلف كتاب (عصر الظهور) حديث بني اسحاق المروي عن ابي هريرة، على اليهود حال تجمعهم في فلسطين قبل ظهور المهدي (عليه السلام) قبل معركته الحاسمة ضدهم ولكنه حذف قوله: «فلم يقاتلوا بسلاح ولم يرموا بسهم، وانما قالوا: لا اله الاّ الله والله اكبر، فيسقط احد جانبيها» لأنه وجد هذا القسم من الحديث لا ينطبق على واقع اليهود(٢٦١).
هذه هي اهم معارك الموطئين ضد اعدائهم منذ انطلاقة ثورتهم حتى ظهور المهدي (عليه السلام) ومشاركتهم الاساسية في قواته العسكرية لتحرير العالم. ولو تأملنا في الخارطة العسكرية، لمعارك العباسيين منذ بداية ثورتهم حتى سقوط دولتهم، سوف لا نجد لأسماء هذه المعارك وقياداتها واوصافها اثرا يذكر في كتب التاريخ.
المجموعة السادسة: الأخبار التي حددت الموقع الجغرافي للموطئين
فان هذه الأخبار حددت الموقع الجغرافي لانطلاقة الثورة في بلاد فارس وذكرت خراسان والري وقزوين والطالقان وعبادان وغيرها من المدن الايرانية الاخرى.
ولا نجد للثورة الموطئة هيمنة سياسية أو امتدادا جغرافيا خارج حدود البلاد الايرانية، الاّ على مستوى المجابهة مع اعدائها في الاراضي العراقية، وفي بلاد الشام وحتى المعارك التي تخوضها خارج حدود بلادها، نجد الأخبار تعبر عن مجاهديها بـ (أهل المشرق) وبـ (أهل فارس) و(أهل خراسان) و(بني اسحاق) و(الريح الشرقية).
وحينما تتعرض الاخبار لملاحم الموطئين مع السفياني في بلاد الشام تذكر أنه يخرجهم من فلسطين، ويرحلهم إلى العراق ويبقى يلاحقهم إلى بلادهم حتى يصطدم معهم في معركة ضارية في باب اصطخرة من بلاد فارس.
ومجمل هذه الأخبار تدل على أن ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) تبقى محصورة في نفوذها السياسي كدولة داخل بلاد فارس، ولا تخرج عنها الاّ على مستوى الدفاع عن كيانها أو التحرك لمواجهة اعدائها في اطار اهدافها الاسلامية في التوطئة للثورة المهدوية.
وهذا لا يعني أنه لا توجد قواعد جماهيرية مؤيدة وموالية لها في العالم الاسلامي خارج بلاد ايران بل تدل أخبار الظهور أن اقوى انصارها يتواجدون في بلاد باكستان، والشام، والعراق، ومصر، واليمن.
فالثورة الموطئة اذا تختلف تماما عن الثورة العباسية التي لم تبق محصورة في داخل بلاد فارس وانما استطاعت ان تبسط نفوذها السياسي وهيمنتها العسكرية على جميع بقاع العالم الاسلامي باستثناء بلاد الاندلس.
المجموعة السابعة: بعض الأخبار الخاصة بأهداف الموطئين
فقد ذكرت هذه الأخبار ثلاثة اهداف لثورة الموطئين وهي:
(أولا): احياء أمر الدين في ضمير الامة، واعادة حاكميته إلى قيادة الحياة من جديد.
(ثانيا): دعوة الامة إلى قيادتها الشرعية الاصيلة المتمثلة بأئمة أهل البيت (عليهم السلام).
(ثالثا): اعلان الجهاد المسلح ضد اعداء الامة من اليهود والنصارى ووكلائهم والموالين لهم في العالم الاسلامي.
وتمثل الاحاديث التي مرّت علينا في موضوع: (الموطئون يعيدون الدين إلى قيادة الحياة)، وموضوع: (الموطئون دعاة لمذهب أهل البيت) وموضوع: (تحرير الموطئين للقدس) التطبيق النبوي لأهداف ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) بعد الاستبدال.
وهذه الاهداف بمجموعها تشارك في ايجاد الارضية العقائدية والسياسية والجهادية الموطئة للثورة المهدوية العالمية.
وانطلاقا من هذه الاهداف، يفتح الثوار الايرانيون طريق الجهاد والشهادة بدمائهم بعد تفجير ثورتهم العملاقة في بلادهم، فيعيدون إلى وعي الامة مفهوم الشهادة والشهيد والتضحية والجهاد من اجل المبدأ ويربطوا حاضر الامة بماضيها. وانطلاقا من هذه الاهداف تقع المواجهة الجهادية بين الثوار الموطئين وحكام الدول العربية الموالين لليهود والنصارى، وهو معنى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدء»(٢٦٢).
ومن أهم اهداف حركة الموطئين الثورية والجهادية، هو تحرير فلسطين من اليهود الغاصبين، لأن قضية فلسطين من أبرز قضايا الأمة التاريخية التي ساومت عليها القيادات العربية الموالية لليهود والنصارى، وتخلت عن تحريرها، مما اوجب حلول عقوبة الاستبدال بها وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً ويَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ولاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً واَللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (التوبة: ٣٩).
وتخرج القضية الفلسطينية في حركة الموطئين الجهادية من اطار المتاجرة بالشعارات، وتتحول إلى مواقف سياسية وجهادية واعية وأعمال جهادية واستشهادية عظيمة لها دورها الكبير في تغيير مجرى الاحداث السياسية وموازين القوى العسكرية في العالم كله.
ومن خصائص الثورة الموطئة، تبنيها للمفاهيم القرآنية الواعية في مواجهة اعداء الأمة، كمفهوم (المستضعفين) قبال مفهوم (المستكبرين)، وقد ذكر الامام علي هذه المفاهيم القرآنية الخاصة بثورة الموطئين وهو يتحدث عن بعض معاركهم الجهادية في البصرة وبلاد الشام فقال: «هم اصحاب الرايات المستضعفون فيعزهم الله وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الا هزموه.
شعارهم أمت أمت)(٢٦٣). وقال في وصفهم ايضا: «يجاهدون في سبيل الله، قوم اذلة عند المتكبرين في الارض مجهولون وفي السماء معروفون، فويل لك يا بصرة عند ذلك من جيش من نقم الله، لا رهج له ولا حس، وسيتبلى اهلك بالموت الاحمر والجوع الاغبر»(٢٦٤).
وفي ضوء هذه المجموعة من الأخبار الغيبية التي تعرضت لأهداف ثورة الموطئين، وبعض شعاراتها ومفاهيمها يتبين الاختلاف الكبير بينها وبين الثورة العباسية، حيث لا وجود لهذه الاوصاف والخصائص في تاريخ الثورة العباسية.

* * *
الموضوع الثالث: انطباق عوامل الاستبدال الايجابية على مجتمع ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام)

تطبيق الاستبدال على الواقع
في البداية لا بد من التمييز بين قضيتين: (الاولى): تطبيق مفهوم الاستبدال الموعود على البشارة النبوية بثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام). (الثانية):
تطبيق البشارة النبوية بثورة الموطئين للمهدي، على الثورة الايرانية المعاصرة.
فان مقصودنا من (تطبيق الاستبدال الموعود على الواقع)، لا يشمل القضية الثانية لأنها خارجة عن اهداف البحث، كما اشرنا إلى ذلك في مقدمة هذا الكتاب.
اننا نريد أن نكتشف مدى الارتباط بين المغيبات القرآنية التي تنبأت بحدوث تغيرات سياسية في تاريخ الامة، في اطار عملية الاستبدال، وبين المغيبات النبوية التي بشرت بقيام المجتمع الايراني بثورة اسلامية توطئ للمهدي (عليه السلام) سلطانه في آخر الزمان، ولا يهمنا هل تحقق هذا الأمر أم لا.
والسؤال المطروح هو: لماذا نعتبر المجتمع الايراني وحده القاعدة المختارة الهيا لعملية الاستبدال الموعود؟
والجواب: هناك قضيتان سياسيتان كبيرتان توكد أنباء الغيب القرآنية والنبوية على حتمية وقوعهما في مستقبل الامة وهما: (أولا): حتمية وقوع الاستبدال في قيادة الامة وقاعدة الرسالة في المستقبل. (ثانيا): حتمية انطلاقة ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) من بلاد ايران.
وبعد الجمع بين اخبار هاتين القضيتين يتضح أن القيادة والقاعدة الجديدة التي تفرزها عملية الاستبدال الالهية سوف تنبثق من المجتمع الايراني بعد قيامه بثورته الاسلامية الموطئة للمهدي المنتظر (عليه السلام) في آخر الزمان. وقد توصلنا إلى هذه الحقيقة العلمية من خلال منهجين:
المنهج الأول: درسنا من خلاله الاحاديث النبوية المفسرة لآيات الاستبدال، فوجدنا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصحابته والتابعين لهم، قد طبقوها على المجتمعين (العربي والفارسي)، واعتبروا الاول هو المستبدل والثاني هو البديل عنه.
المنهج الثاني: تأملنا في ضوئه أخبار البشارة النبوية بثورة الموطئين منذ انطلاقتها حتى تسليم رايتها للمهدي المنتظر (عليه السلام) فوجدنا العوامل الثلاثة الايجابية للاستبدال كلها متوفرة في حركة الثورة المرتقبة وفي واقع مجتمعها الرسالي المجاهد.
وسنحاول عرض الاحاديث النبوية الخاصة بموضوع البحث في ضوء هذين المنهجين، فقد ورد خبر الاستبدال الموعود كحدث سياسي مستقبلي في القرآن، وتعرضت السنة النبوية لإيضاحه وبيان معانيه، وتطبيقه على الواقع من خلال تحديدها لهوية المجتمعين المستبدل في (العرب) والبديل في (الفرس)، كما جاء في الاخبار النبوية التالية:
١١٢ - عن جابر أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تلا هذه الآية: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: ٣٨) فسئل: من هم؟ قال: فارس لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من فارس».
١١٣ - عن ابي هريرة انه قال: قال ناس من اصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يا رسول الله! من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لم يكونوا امثالنا؟ قال: وكان سلمان بجنب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فضرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخذ سلمان وقال: «هذا واصحابه والذي نفسي بيده، لو كان الايمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس».
وفي رواية عن ابي هريرة ايضا: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «هم الفرس هذا وقومه». وفي رواية ثالثة قال بعد ان ضرب على منكب سلمان: «هذا وقومه، هذا وقومه».
١١٤ - وفي تفسير قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا اَلنَّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ، وكَانَ الله عَلى ذَلِكَ قَدِيراً﴾ (النساء: ١٣٣). قال الزمخشري: «يروى عن ابي هريرة أنها لما نزلت ضرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بيده على ظهر سلمان وقال: انهم قوم هذا يريد ابناء فارس».
١١٥ - وروي مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ اَلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحُكْمَ واَلنُّبُوَّةَ، فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاَءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ (الانعام: ٨٩). قال: هم الفرس.
وقال الزمخشري في معنى توكيلهم بها: «انهم وفقوا للإيمان بها، والقيام بحقوقها، كما يوكل الرجل بالشيء ليقوم به، ويتعهده ويحافظ عليه»(٢٦٥).
١١٦ - وروي عن سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤). قال: هم ابناء فارس.
١١٧ - روى جلال الدين السيوطي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ﴾ قال: هم أهل القادسية، يريد ابناء فارس الذين قاتلوا المسلمين العرب في معركة القادسية.
١١٨ - وروى السيوطي عن ابن جريح في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ﴾، قال: رحماء بينهم. ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ﴾. قال: اشداء عليهم.
وفي قوله: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾ قال: يسارعون في الحرب.
١١٩ - وعن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب، افلح من كف يده، تقربوا يا بني فروخ(٢٦٦) إلى الله، فان العرب قد اعرضت، ووالله ان منكم لرجالا لو كان العلم بالثريا لنالوه».
طرح القرآن الاستبدال الموعود بصيغة القضية المعلقة التي يتوقف تحققها في الواقع على مجموعة شروط موضوعية واوضحنا سابقا أن تحقق الاستبدال غير منحصر بعامل واحد، بل هو يتوقف على تحقق ثلاثة عوامل تشكل بمجموعها الموقف السلبي من الرسول والرسالة في واقع المجتمع المستبدل، لكن القرآن اختصر هذه العوامل السلبية الثلاثة بكلمة واحدة هي (التولي) فقال: ﴿وإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾، وفسرنا التولي - الوارد في الآية - في الفصل الثالث بالإعراض عن امامة أهل البيت (عليهم السلام)، وعدم الالتزام بنهجهم الجهادي في تطبيق الرسالة وحماية اهدافها في الحياة.
وقد عبر القرآن عن المجتمع البديل (بالقوم) واكتفى في الحديث عنهم بالاشارات والاوصاف كقوله ﴿ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. وقوله ﴿يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ وقوله أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ وقوله لاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ﴾.
ويفهم من الاحاديث النبوية السابقة أن الصحابة كانوا على علم بحتمية تحقق الاستبدال في تاريخ الامة لكنهم لم يعرفوا المجتمع البديل، فكانوا دائما يطرحون هذا السؤال على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا رسول الله! من هؤلاء الذين ذكر الله إن تولينا استبدلوا بنا؟ ثم لم يكونوا امثالنا؟ فكان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشير إلى سلمان الفارسي ويقول لهم: قوم هذا الرجل، ولو كان الدين في الثريا لناله رجال من فارس».
ولما كان المجتمع الفارسي مشركا آنذاك فلا يتعقل أحد من الصحابة وصوله إلى موقع قيادة الأمة في ذلك العصر. ومن هذا المنطلق كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دائما يركز على مناولة الفرس للدين والعلم والايمان، ووصولهم إلى منابعه الاصيلة - في المستقبل - ولو كانت في الثريا، ليوكد حتمية توفر المقومات الايجابية في هذا المجتمع الاسلامي المرتقب لحمل الرسالة الالهية وقيادة الامة الاسلامية، بعد تراجع المجتمع العربي عن دوره الرسالي.
حركة الاستبدال في تاريخ المجتمع الايراني
ان فعلية حركة التغيير السياسي التاريخية في اطار الاستبدال، تحتم وجود ظاهرتين اجتماعيتين متضادتين، (الاولى): سلبية انحرافية، يمثلها واقع المجتمع المستبدل. و(الثانية): ايجابية رسالية، يمثلها واقع المجتمع البديل.
لقد بدأت حركة التغيير الايجابية في تاريخ المجتمع الايراني البديل نحو الاسلام منذ انهيار الامبراطورية الكسروية على يد المجاهدين من دعاة الاسلام، ومن ذلك الوقت أخذ الفكر الاسلامي الواعي يترسخ في واقع المجتمع الايراني من خلال رغبته الحثيثة والشديدة في طلب المعارف الالهية والعلوم الدينية، وقد انتهت به هذه الرغبة العلمية إلى اكتشاف الخط الاسلامي الاصيل متمثلا بقيادة أهل البيت (عليهم السلام) الامر الذي دعاه ان يتخلى في اغلبيته عن المذاهب الاسلامية الاربعة التي كان يتعبد بها تسعة قرون من تاريخ اعتناقه للإسلام.
لقد صور رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حركة المجتمع الايراني الايجابية المتطورة نحو الاسلام بأدق تصوير واعتنى بها عناية فائقة لم نجد لها نظير في اخباره الغيبية عن بقية شعوب العالم الاسلامي الاخرى. وها نحن سنواكب تلك الصّور النبوية التي تعكس لنا لقطات من تاريخ المجتمع الايراني في حركته الايجابية الواعية نحو الاسلام منذ بداية انطلاقتها الاولى حتى قيامه بثورته الاسلامية الموطئة للإمام للمهدي المنتظر (عليه السلام) في آخر الزمان.
البشارة بإسلام الفرس
١٢٠ - عن سهل بن سعد قال: «كنت مع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالخندق فأخذ الكرزين(٢٦٧) فحفر به، فصادف حجرا فضحك، فقلنا ما يضحكك؟ قال: «ضحكت من ناس يؤتى بهم من قبل المشرق في النكول(٢٦٨) يساقون إلى الجنّة».
١٢١ - عن ابي الطفيل قال: «ضحك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثم قال: الا تسألون مم ضحكت؟ رأيت ناسا من امتي يساقون إلى الجنة، في السلاسل كرها! قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المجاهدون فيدخلون الاسلام».
١٢٢ - عن عبد الله بن عمر قال: «قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): رأيت غنما كثيرة سوداء دخلت فيها غنم بيض. قالوا: فما اولته يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: العجم يشركونكم في دينكم وانسابكم. قالوا: العجم يا رسول الله؟! قال: نعم لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم، واسعدهم به آل فارس».
ان البشارة بإسلام العجم، التي يبتسم لها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فرحا مستبشرا خاصة بأبناء فارس من عجم المشرق، فهؤلاء وحدهم من بين شعوب العالم سوف يكون لهم شرف مشاركة العرب هموم الاسلام والامة، ويكون لهم الدور الاكبر في احياء امر الدين واعادته إلى قيادة الحياة في اخر الزمان، ولم ترد ترد هذه البشارة النبوية الا لهم. بدليل حديث تناولهم للعلم من الثريا الذي لم يطلق في الأخبار النبوية إلاّ عليهم.
البشارة بطلبهم للعلم
١٢٣ - عن ابي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «يأتيكم رجال من قبل المشرق يتعلمون، فاذا جاؤوكم فاستوصوا بهم خيرا». فكان ابو سعيد اذا رأى جماعة من الموالي او واحدا منهم قال: «مرحبا بوصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
* - عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ويل للعرب من شر قد اقترب افلح من كف يده، تقربوا يا بني فروخ إلى الله، فان العرب قد اعرضت ووالله ان منكم لرجالا لو كان العلم بالثريا لنالوه». وبنو فروخ كناية عن أبناء فارس لأن فروخ جد سلمان الفارسي(٢٦٩).
١٢٤ - عن ابي هريرة قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لو كان العلم بالثريا لتناوله ناس من ابناء فارس».
البشارة بالتزامهم الديني
١٢٥ - عن سفينة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لأبي ايوب الانصاري وكان قد عيّر سلمان بالفارسية: «يا ابا ايوب لا تعيره بالفارسية، فلو ان الدين معلق بالثريا لنالته ابناء فارس».
١٢٦ - عن ابي مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: «لو كان الدين معلقا بالثريا، لتناوله اناس من ابناء فارس».
البشارة بكمال إيمانهم
١٢٧ - عن قيس بن سعد قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من ابناء فارس».
١٢٨ - عن ابي هريرة قال: «كنا جلوسا عند النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اذ نزلت عليه سورة الجمعة فلما قرأ (عليهم السلام) ﴿وآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قال رجل: من هؤلاء يا رسول الله؟ فلم يراجعه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى سأله مرة او مرتين او ثلاثا قال: وفينا سلمان الفارسي. قال: فوضع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يده على سلمان ثم قال: لو كان الايمان عند الثريا لناله رجال من هؤلاء».
كلمة حول حديث (المناولة من الثريا)
اختلفت الاحاديث فيما يتناوله الفرس من الثريا، هل هو العلم أم الدين أم الايمان؟
وفي الواقع يوجد ترابط وثيق بين معاني هذه الحقائق الثلاثة لأن الدين الحقّ لا يمكن الاهتداء اليه الا بوسائل العلم والمعرفة الصحيحة، وكذلك الايمان الصادق الخالص من كل شائبة فانه لا ينال الاّ من منابع الدين الاصيلة، وكل هذه الحقائق الثلاثة الدين والعلم والايمان قد تجمعت في امامة أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، وخزان العلم، وتراجمة الوحي، الذين انتهت إلى ساحل ولايتهم ورست في ميناء علمهم وهدايتهم سفينة أهل فارس بعد رحلة البحث عن الدين الحقّ الشاقة الطويلة التي انقذتهم من نار الشرك إلى جنة التوحيد، ومن المذاهب المختلفة إلى مذهب الجماعة الواحدة المتمسكة بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، الذين جعلهم الله تعالى امانا لأهل الارض من الاختلاف كما جعل النجوم أمانا لأهل السماء من الهلاك والدمار.
ان حديث: مناولة العلم والايمان من الثريا يصور هذه الرحلة الشاقة الطويلة لأبناء فارس وهم يبحثون عن منابع الدين والعلم والايمان الاصيلة، ولهذا نقطع جازمين بصدور جميع هذه الالفاظ الثلاثة من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
و«من» التبعيضية في قوله: «لناله رجال من فارس» فيها دلالة على عدم امكانية وصولهم جميعا إلى الثريا، أي إلى المذهب الحق المتمثل بولاية أهل البيت، فلا بد أن تتخلف عن هذه الرحلة الجهادية المقدسة الشاقة جماعات منهم فتفوتها سفينة النجاة، وتغرق في بحر الهلكات.
البشارة بكونهم من الفرقة الناجية
١٢٩ - عن معاوية قال: «سمعت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وانما انا قاسم والله يعطي ولا تزال من امتي امة قائمة بامر الله، الله، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي امر الله وهم على ذلك».
للفرقة الناجية دلائل وصفات، ومن ابرز دلائلها وصفاتها كونها تبحث عن الدين الحقّ والطريق الموصل اليه، في اجواء الاختلافات الدينية والصراعات المذهبية والفكرية والسياسية. لا يثنيها عن عزمها في البحث عن الحق والهدى لومة لائم، ولا يضرها خذلان الخاذل، ولا قلة الناصر، مهما واجهت من محن وعقبات وحروب واتهامات. ومن ابرز صفاتها أيضا أن تتخذ من العلم ومن التفقه بالدين طريقا ومنهجا واضحا لتهتدي من خلاله إلى معرفة الدين الحقّ في اجواء الاختلافات الدينية. ومن هذا المنطلق لا بد ان تركب في سفينة النجاة المتمثلة بولاية أهل البيت (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن دون ذلك لا يمكنها الوصول إلى منابع الدين والعلم والايمان الاصيلة.
فاذا وفقها الله تعالى للتفقه بالدين، والاهتداء به إلى سفينة الراسخين بالعلم من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا بد حينئذ أن تكتوي بنار العشق الالهي، وتكون من عباد الله المجاهدين، الذين لا يرون الموت الا سعادة والحياة مع الظالمين الا سفها في ساحة المواجهة والقتال على الحقّ ضد المفسدين والظالمين(٢٧٠).
وهذا الحديث: «من اراد الله به خيرا يفقهه في الدين ولا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق...» يذكر صفتين للفرقة الناجية: (التفقه في الدين)، و(القتال على الحقّ) من اجل تحقيق اهداف الدين في الحياة.
ولا يشك احد أن صفة التفقه في الدين من ابرز ما يميّز العلماء من أبناء فارس عن غيرهم، منذ انفتاحهم على الاسلام إلى يومنا هذا، وقد تجسدت هذه الصفة في حياتهم من خلال رغبتهم الشديدة في طلب المعارف الاسلامية، التي اهلتهم لاحتلال موقع الصدارة في مختلف العلوم والمعارف الدينية بين شعوب العالم الاسلامي وبمرور الايام اصبح لعلمائهم الفضل الاكبر في حفظ السنة النبوية من الضياع وخاصة ما يتعلق منها باحاديث الاحكام الشرعية، في المدرستين (السنية والشيعية)، فكان ائمة (الصحاح الستة) وهم:
البخاري، ومسلم النيسابوري، والنسائي، والترمذي، وابن ماجة القزويني، وابو داود السجستاني كلهم من بلاد فارس اما اصلا ونسبا او نشأة وتربية.
وكذلك بالنسبة لائمة (الكتب الاربعة) المعتمدة في فقه الشريعة عند الشيعة الامامية، فانها ايضا من تصنيف الكليني، والصدوق، والطوسي، وهم جميعا من ابناء فارس اما اصلا ونسبا أو نشأة وتربية.
وقد اصبحت على مرور الايام مدونات الحديث في (الصحاح الستة) و(الكتب الاربعة) المرجع الاساسي في فقه الشريعة وفهمها عند المسلمين جميعا على اختلاف مذاهبهم.
ويطالعنا على الصعيد الفقهي ابو حنيفة الفارسي باعتباره اول من وضع اصول الاستنباط في الفقه الاسلامي السني على قاعدة القياس والاستحسان والمصالح المرسلة، كما يطالعنا بالمقابل رتل كبير من علماء الفرس ومراجعهم العظام الذين تصدوا إلى تعميق الفهم الواسع لفقه الشريعة على ضوء منهج أهل البيت (عليهم السلام) في المدرسة الفقهية للشيعة الامامية منذ عصر الطوسي إلى يومنا هذا.
وإذا نظرنا إلى ابرز علماء العلوم الاسلامية والانسانية والعقلية سوف نجد ايضا لعلماء فارس الصدارة والمكانة العلمية المرموقة في اكثرها، ابتداء من علوم اللغة العربية وآدابها، مرورا بالعلوم العقلية، كالمنطق والفلسفة وعلم الكلام والعرفان، وانتهاء بعلم الطب والتفسير وغيرهما(٢٧١).
وعن طريق التفقه في الدين اهتدت الامة الفارسية إلى منابعه الاصيلة المتمثلة بالراسخين في العلم من ائمة أهل البيت (عليهم السلام) وانتهت إلى الاعتقاد بولايتهم رحلتهم الشاقة الطويلة في البحث العلمي عن الحق، المعبر عنها في حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمناولة ابناء فارس للدين والعلم والايمان من الثريا.
اما قتالهم على الحق حتى يأتي امر الله، فهذا واضح في تاريخهم الجهادي مما يكشف عن صحة انطباق هذه الحقيقة الغيبية عليهم.
ولقد برز دورهم الجهادي في التاريخ منذ مشاركتهم الفعالة في اسقاط خلافة ابناء الشجرة الملعونة في القرآن مرورا بثوراتهم الاسلامية ضد الحكام الظالمين الذين تسلطوا على المسلمين بالنار والحديد، وخاصة في ثورات المواجهة ضد الغزو المغولي الكافر، واحتوائه لصالح الاسلام، مما ادى إلى تخلي كبار قادة المغول وزعمائهم عن عقائدهم ودياناتهم الكافرة، فاعلنوا اعتناقهم للإسلام بملء ارادتهم، لانهم كانوا هم حكام البلاد واصحاب السطوة والسلطان فيها، فلا يقال بانهم امنوا بالإسلام مكرهين، بل ان التاريخ يعترف بكل صراحة وتكريم للجهد الكبير الذي بذله العلماء والدعاة المجاهدون من ابناء فارس في هداية زعماء المغول المسيحيين إلى الاسلام.
وكان ايضا للمجاهدين من ابناء فارس دورا عظيما في الثورات الاسلامية التي شاركت في ارساء قواعد الاسلام وترسيخ قيمه ومفاهيمه في المجتمع الايراني مما جعله يصل إلى مستوى التحدي الكبير للسياسات الكافرة والظالمة في بلاده، وكان من أبرز هذه الثورات ثورة التنباك، وثورة المشروطة، وثورة المجاهد نواب صفوي، والثورات المتلاحقة التي قادها في المجتمع الايراني المعاصر الامام الخميني (قدّس سرّه) خلال ثلاثين سنة تمكن بعدها ان يقلع جذور الحكم الاستكباري الكافر من بلاد ايران ويدعو الامة الايرانية للعودة إلى تحكيم مبادئ الاسلام في حياتها السياسية والتشريعية والجهادية.
وتدل الاخبار الغيبية ان المجتمع الايراني سوف يقوم - في ظل ثورته الموطئة للإمام المهدي (عليه السلام) - بملاحم جهادية متعددة ضد المخطط السفياني والرايات المغربية والعباسية وضد الوجود اليهودي في فلسطين.
البشارة بتمسكهم بولاية أهل البيت (عليهم السلام)
والاخبار الخاصة بهذه البشارة، مروية بطرق كثيرة عن ائمة أهل البيت (عليهم السلام) ومن هذه الطرق ما رواه المتقي الهندي في كنز العمال عن الامام علي (عليه السلام) في خطبه مطولة تعرض فيها إلى انحراف غالبية ابناء المجتمع العربي عن قيادة أهل البيت (عليهم السلام) وتمسك الاكثرية من الفرس الموالي بولايتهم وقيامهم بثورة اسلامية مناصرة لهم في آخر الزمان وخروجهم في نصرة المهدي المنتظر (عليه السلام) والخطبة طويلة جدا. سأذكر منها موضع الحاجة فقط:
* ففي خطبة(٢٧٢) للإمام علي (عليه السلام) أنه قال: ايّها الناس ان قريشا ائمة العرب ابرارها لأبرارها، وفجارها لفجارها، الا ولا بد من رحى تطحن على ضلاله... الا واني وابرار عترتي وأهل بيتي اعلم الناس صغارا واحلم الناس كبارا، معنا راية الحق من تقدمها مرق ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق وانا أهل بيت الرحمة بنا فتحت ابواب الحكمة، وبحكم الله حكمنا، وبعلم الله علمنا، ومن صادق سمعنا، فان تتبعونا تنجوا وان تتولوا يعذبكم بأيدينا، بنا فك الله ربق الذل من اعناقكم، وبنا يختم لا بكم، وبنا يلحق التالي والينا يفيء الغالي، فلو لا تستعجلوا، وتستأخروا القدر لأمر قد سبق في البشر لحدثتكم بشباب من الموالي وابناء العرب، ونبذ من الشيوخ كالملح في الزاد، واقل الزاد الملح، فينا معتبر ولشيعتنا منتظر، انا وشيعتنا نمضي إلى الله بالبطن والحمى والسيف وان عدونا يهلك بالداء والدبيلة وبما شاء من البلية والنقمة.
وايم الله الاعز الاكرم ان لو حدثتكم بكل ما أعلم لقالت طائفة ما اكذب وارجم، ولو التقيت منكم مائة قلوبهم كالذهب، ثم انتخبت من المائة عشرة، ثم حدثتهم فينا أهل البيت، حديثا لينا لا اقول فيه الاّ حقا ولا اعتمد فيه الا صدقا لخرجوا وهم يقولون عليّ من اكذب الناس، ولو اخترت من غيركم عشرة فحدثتهم في عدونا، وأهل البغي علينا احاديث كثيرة لخرجوا وهم يقولون: على من اصدق الناس... وبالله لقد علمت تأويل الرسالات وانجاز العدات وتمام الكلمات، وليكونن من يخلفني في أهل بيتي رجل يأمر بأمر الله، قوي يحكم بحكم الله وذلك بعد زمان مكلح مفضح يشتد فيه البلاء وينقطع فيه الرجاء، ويقبل فيه الرشاء، فعند ذلك يبعث الله رجلا من شاطي دجلة لأمر حزبه يحمله الحقد على سفك الدماء قد كان في ستر وغطاء، فيقتل قوما وهو عليهم غضبان شديد الحقد حران في سنة بختنصر [يختضر] يسومهم خسفا ويسقيهم كاسا مصبرة، مصيره سوط عذاب وسيف دمار.
... الا ان منا قائما عفيفة احسابه سادة اصحابه ينادي عند اصطلام اعداء الله باسمه واسم ابيه، في شهر رمضان ثلاثا، بعد هرج وقتال، وضنك وخبال، وقيام من البلاء، ألا واني لا علم إلى من تخرج الارض ودائعها وتسلم اليه خزائنها، ولو شئت ان اضرب برجلي فأقول اخرجي من هنا بيضا ودروعا...».
المحور العام لهذه الخطبة يدور حول الملاحم والفتن التي ستواجه الامة الاسلامية بسبب انحرافها عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وفي مطلعها يذكر الامام (عليه السلام) ان رحى الضلال نتيجة هذه الفتنة لا بد ان تطحن الامة وتمزقها بالانقسامات المذهبية والصراعات والفتن الداخلية بقيادة الزعامات العربية والقرشية، التي اعلنت عدائها لأهل البيت (عليهم السلام) منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واستولت على الخلافة بالقهر والقوة مدعية انتسابها للشجرة النبوية متجاهلة ثمر تلك الشجرة المتمثلة بأبناء رسول الله وخلفائه من أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
ويذكرنا هذا الخطاب العلوي الخاص بتورط الامة بفتن الضلال نتيجة ابتعادها عن تعاليم ائمة اهل البيت (عليهم السلام). لان الابتعاد عن الضلال مشروط بالتمسك بولايتهم كما قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي اهل بيتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا».
ثم يعرج الامام (عليه السلام) معرفا الامة بخطورة انحرافها عن ولاية أهل البيت (عليهم السلام) فيقول:
«الا واني وابرار عترتي وأهل بيتي اعلم الناس صغارا واحلم الناس كبارا، معنا راية الحقّ من تقدمها مرق، ومن تخلف عنها محق، ومن لزمها لحق، وانا أهل الرحمة، بنا فتحت ابواب الحكمة وبحكم الله حكمنا، وبعلم الله علمنا، ومن صادق سمعنا فان تتبعونا تنجوا وان تتولوا يعذبكم بأيدينا...»
وهذا العذاب يقع على اعداء أهل البيت بأيدي الموالين لهم في اخر الزمان وهم اكثرهم من ابناء فارس وقليل منهم من العرب، ويمكن ان نستوحي هذا المعنى من قوله: «فلو لا تستعجلوا وتستأخروا القدر لأمر قد سبق في البشر لحدثتكم بشباب من الموالي وابناء العرب، ونبذ من الشيوخ كالملح في الزاد، واقل الزاد الملح، فينا معتبر ولشيعتنا منتظر، إنا وشيعتنا نمضي إلى الله بالبطن والحمى والسيف وان عدونا يهلك بالداء والدبيلة وبما شاء من البلية والنقمة».
فالإمام يخاطب المجتمعين حول منبره، فيقول: لو لا خشيتي عليكم من استعجالكم للقدر، كما هي حالة سائر البشر، لأخبرتكم بأنصارنا وموالينا الذين ينتقم الله بهم من اعدائنا في آخر الزمان وهم شباب من الموالي وابناء العرب.
فقدم ذكر الموالي على ابناء العرب ليؤكد ان انصار أهل البيت (عليهم السلام) في آخر الزمان من الموالي اكثر من العرب عددا، وهذا الكلام يطابق المغيبات النبوية التي بشرت بقيام الموالي من انصار أهل البيت (عليهم السلام) براياتهم السود من المشرق لنصرة الامام المهدي (عليه السلام). كما يتطابق مع ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) بان اكثر انصار الامام المهدي (عليه السلام) من الاعاجم.
ثم يعرج الامام (عليه السلام) فيخبر عن بعض الملاحم والفتن التي تقع في اخر الزمان بين اتباع أهل البيت (عليهم السلام) واعدائهم من العرب المنحرفين عن ولايتهم، فيصف ثورة ثائر من أهل بيته يخرج بأمر الله قوي يحكم بحكم الله، ثم يخرج عليه حاكم سفاك للدماء من شاطئ دجلة بأمر حزبه، ثم يذكر الامام (عليه السلام) علامات خروج ولده الامام المهدي (عليه السلام).
وهذا الثائر العلوي وان لم يذكر الامام (عليه السلام) الجهة التي ينطلق منها بثورته فإننا مع ذلك نقطع بأنه قائد ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) لوجود العديد من القرائن التي تؤكد ذلك في هذه الخطبة.
منها: اتصال ثورته بالثورة المهدوية، وهذه هي صفة ثورة الموطئين.
ومنها: انه من ذرية أهل البيت وهذه هي صفة قائد الموطئين للمهدي (عليه السلام).
ومنها: ان توجيهاته في حركته الجهادية وثورته الاسلامية تتصف ببعدين:
(الاول): إيماني عرفاني، وهو المشار اليه في قوله: «يأمر بأمر الله».
و(الثاني): سياسي ثوري، وهو المشار اليه بقوله: «قوي يحكم بحكم الله».
وهاتان الصفتان تنطبقان على المجاهدين في ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) التي وصفتهم الروايات بانهم: «رهبان بالليل ليوث بالنهار»، كناية عن البعد العرفاني والجهادي في حركتهم الاسلامية.
ومنها: ان الامام في خطبته هذه بصدد تقرير حوادث الانتقام الالهي التي تحل بأعداء أهل البيت (عليهم السلام) من حكام العرب في آخر الزمان وقد دلت المغيبات النبوية ان هذا الانتقام الالهي لا يقع الاّ على يد ابناء فارس من اتباع آل محمد (عليهم السلام) وانصارهم في اخر الزمان. كما يفهم من قوله «ليقاتلنكم على الدين عودا كما قاتلتموهم عليه بدءا»(٢٧٣).
ومنها: خروج الحاكم العراقي المجرم السفاك للدماء من شاطئ دجلة اي بغداد، لمواجهة ثورة هذا الثائر العلوي، وهذا الحاكم الطاغية هو احد مصاديق الحكام العرب المعادين لأهل البيت (عليهم السلام) الذين ينتقم الله منهم على ايدي قوم سلمان الموالين لآل محمد في آخر الزمان.
وكان من جملة ما قاله الامام (عليه السلام) في هذه الخطبة وهو يتحدث عن ثورة ولده المهدي (عليه السلام) قوله: «الا واني لا علم إلى من تخرج الارض ودائعها وتسلم خزائنها ولو شئت ان اضرب برجلي فأقول اخرجي من هاهنا بيضا ودورعا».
والودائع: هي الكنوز المودعة في باطن الارض والتي لا تعرف ولا تكشف الاّ على يد الامام المهدي (عليه السلام). كما روي من طريق الفريقين. والبيض:
جمع بيضة وهي قبعة يضعها المقاتل على رأسه في المعركة. والدروع: جمع درع وهي ما يحمله المقاتل في المعارك ليقي به نفسه من ضربات سيوف الاعداء.
وقد ورد خبر عن الامام الصادق (عليه السلام) ان هذه البيض والدروع مودعة في الارض من قبل الملائكة وسيخرجها المهدي (عليه السلام) ويوزعها على انصار أهل البيت من ابناء فارس في آخر الزمان(٢٧٤).
البشارة بكونهم قاعدة الاسلام الثانية
١٣٠ - عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «خير الناس العرب، وخير العرب قريش، وخير قريش بنو هاشم، وخير العجم فارس».
١٣١ - عن عبد الله بن رزق المخزومي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ان للّه تعالى خيرتين من خلقه، فخيرته من خلقه من العرب قريش، ومن العجم فارس».
وفي هذين الحديثين اشارة إلى مرحلتين تاريخيتين من مراحل الاستبدال الالهي في تاريخ الامة الاسلامية. مرحلة اختيار المجتمع العربي قاعدة لحمل الامانة الالهية بعد المجتمع الاسرائيلي. ومرحلة اختيار المجتمع الفارسي قاعدة بديلة عن المجتمع العربي بعد انحرافه عن الاسلام، والى هاتين القاعدتين الاجتماعيتين العربية والفارسية المختارتين الهيا لهداية البشرية أشار النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: «ان للّه تعالى خيرتين من خلقه»، وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ان للّه تعالى خيرتين من خلقه، فخيرته من العرب قريش، ومن العجم فارس»، يتطابق مفهوما ومصداقا مع قوله تعالى: ﴿هُوَ اَلَّذِي بَعَثَ فِي اَلْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ اَلْكِتَابَ واَلْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهُوَ اَلْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ، * ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ واَللهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ﴾(٢٧٥).
وفي هذين الحديثين والآيات المباركة من سورة الجمعة اشارات خفية لفلسفة نزول الاسلام في الجزيرة العربية وللأبعاد الربانية وراء اختيار المجتمع العربي قاعدة ومنطلقا للدعوة الاسلامية ثم المجتمع الفارسي من بعده. ومن المؤكد ان المسوغ وراء هذا الاختيار الالهي لهاتين القاعدتين دون غيرهما من القواعد الاجتماعية الاخرى في العالم تكمن ورائه العديد من الاسرار الربانية والغيبية، والمقومات الايجابية والعوامل الحضارية التي لم تتوفر في غيرهما.
ونحن هنا لسنا بصدد الكشف عن هذه المبررات، ولكننا نعتقد - وبشكل جازم - ان اهمها انقياد القاعدتين وطاعتهما للولاية الالهية المتمثلة بالقيادة الهاشمية المحمدية، ولو لا ذلك ما رأت قريش بل ولا البشرية كلها فجر الاسلام الذي بدد جاهليتها وانقذها من الظلمات إلى النور.
وبولاية أهل البيت (عليهم السلام) فضل الله العرب على سائر خلقه، وفضل قريش على سائر العرب، وفضل بني هاشم على سائر الناس، وفضل الفرس على سائر العجم. فالولاية المحمدية هي محور التفاضل الرباني في التعامل مع سائر شعوب العالم، سلبا أو ايجابا، فلو لا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما اختار الله تعالى قريشا لحمل رسالته للعالمين، ولو لم يؤمن ابناء فارس بولاية آل محمد وخلافتهم لما اختارهم الله لحمل رسالته للعالمين في آخر الزمان، ولو لم يتراجع حكام العرب عن الولاء السياسي والعقائدي لأهل البيت لما حلت بهم عقوبة الاستبدال.
١٣٢ - عن ابي هريرة انه قال: «ذكرت الاعاجم عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: لأنا بهم أو ببعضهم اوثق منى بكم او ببعضكم».
والمراد (ببعضهم) هم عجم فارس، بقرينة الاحاديث السابقة التي مدحتهم دون غيرهم بالإضافة إلى الاحاديث التي بشرت بسعادتهم بالإسلام من بين أمم الاعاجم الاخرى.
البشارة بجهادهم لإحياء امر الدين
١٣٣ - عن عباد بن عبد الله قال: «صعد عليّ على المنبر يوم الجمعة فخطب، وقد احدقت به الموالي، فقام الاشعث بن قيس فقال: غلبتنا عليك هذه الحميراء، فقال عليّ: من يعذرني؟ امّا والله لقد سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:
ليضربنكم على الدين عودا، كما ضربتموهم عليه بدء».
١٣٤ - وعن المنهال عن رجل قال: كنت في المسجد يوم الجمعة وعلي بن ابي طالب يخطب في المسجد على منبر من الاجر وخلفي صعصعة بن صوحان، فكلمه رجل بشيء خفي علينا، فعرفنا الغضب في وجهه، فسكت فجاء الاشعث بن قيس فجعل يتخطى رقاب الناس حتى كان قريبا فقال: يا امير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على وجهك! فضرب صعصعة بين كتفيّ بيده وقال: انا للّه وانا اليه راجعون ليبدين اليوم من امر العرب امرا كان يكتمه قال:
فغضب - يعني عليا - غضبا شديدا وقال: من يعذرني من هؤلاء الضياطرة(٢٧٦) يتمرغ احدهم على حشاياه، ويهجر اقواما يذكرون الله فيأمروني ان أطردهم واكون من الظالمين، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت محمدا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «والله ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدء».
١٣٥ - وفي رواية ابن ابي الحديد قال: وجاء الاشعث اليه - يعني إلى امير المؤمنين - فجعل يتخطى الرقاب حتى قرب منه، ثم قال له: يا امير المؤمنين غلبتنا هذه الحمراء على قربك - يعني الاعاجم - فركل المنبر برجله، حتى قال صعصعة بن صوحان ما لنا وللأشعث، ليقولن امير المؤمنين اليوم في العرب قولا لا يزال يذكر. فقال علي (عليه السلام): «من عذيري من هؤلاء الضياطرة يتمرغ احدهم على فراشه تمرغ الحمار، ويهجر قوما [يذكرون الله] أفتأمرني ان اطردهم؟ ما كنت لأطردهم فاكن من الجاهلين، أما والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة ليضربنكم على الدين عودا، كما ضربتموهم عليه بدء».
١٣٦ - عن علي (عليه السلام) قال: خرج عبدان إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم الحديبية، قبل الصلح، فكتب اليه مواليهم قالوا: يا محمد، والله ما خرجوا هربا إلاّ من الرق، فقال ناس [من اصحاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)] صدقوا يا رسول الله ردهم اليهم! فغضب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: «ما اراكم تنتهون يا معشر قريش، حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا [الدين من هؤلاء](٢٧٧) وابى ان يردهم فقال: هم عتقاء الله».
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما اراكم تنتهون يا معشر قريش»، خطاب موجه للصحابة الذين صدقوا دعوى المشركين في مطالبتهم بالعبدين الهاربين من الشرك إلى التوحيد. اما قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا الدين من هؤلاء»، يعني من هؤلاء الموالي، وقد اوضح النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلامه هذا في حديث آخر في قوله: «اذا وقعت الملاحم بعث الله بعثا من الموالي، هم اكرم من العرب فرسا واجود منهم سلاحا يؤيد الله بهم الدين».
وهؤلاء الموالي هم المشار اليهم ايضا في قوله: «وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء، دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله». وفي قوله: «لا تزال طائفة من امتي يقاتلون.. على ابواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحقّ لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان، فيحيي بهم دينه كما اميت من قبل».
ان جميع المعارك والملاحم الجهادية المقدسة التي يخوضها الثوار الموطئون للمهدي (عليه السلام) ضد الرايات العباسية في العراق والسفيانية والمغربية في بلاد الشام، وجميع الرايات العربية الاخرى الموالية لليهود والنصارى تعتبر كلها تطبيقا لقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدء».
١٣٧ - عن الحسن عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لتأمرنّ بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليبعثن الله عليكم [العجم] فليضربن رقابكم، وليكونن اشداء لا يفرون».
١٣٨ - عن عبد الله بن عمر قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يملأ الله ايديكم من العجم فيصيرون اسدا لا يفرون يضربون اعناقكم ويأكلون فيئكم».
١٣٩ - عن ابي هريرة قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يوشك ان يملأ الله (عزَّ وجلَّ) ايديكم من العجم ثم يكونوا اسدا لا يفرون يقتلون مقاتليكم ويأكلون فيئكم».
١٤٠ - عن سمرة قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يوشك ان يملأ الله (عزَّ وجلَّ) ايديكم من العجم ثم يكونوا اسدا لا يفرون يقتلون مقاتليكم ويأكلون فيئكم».
١٤١ - عن ابي العادية قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ان العرب اذا اتبعت اذناب البقر(٢٧٨)، صب [الله] عليهم الذلة، وسلط عليهم ولد فارس فيدعون فلا يستجاب لهم».
هذه الاخبار كلها في صدد الحديث عن عوامل الاستبدال السلبية الموجبة لطرد المجتمع المستبدل من مسؤولية حمل الرسالة وقيادة الامة وقد تمثلت عوامل الطرد كلها في ترك القيادة الحاكمة في المجتمع العربي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتخلي عن مسؤولية الرسالة امام الله والامة.
ونعتقد ان هذه المجموعة من الأحاديث تخبر عن تسلط الفرس على العرب في فترة متقدمة على تاريخهم نحو الاسلام الأصيل، وهي فترة الحكم العباسي الظالم ولكنها تقع أيضا ضمن مخطط عملية الاستبدال التي تبدأ في تاريخ الامة على مراحل وتتكامل مقوماتهم الايجابية بقيام دولة الموطئين ونزولها في ميدان الصراع السياسي مع اعداء الامة.
البشارة بسعادتهم في ظل الاسلام
١٤٢ - عن طلحة الانصاري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اسعد العجم بالإسلام أهل فارس، واشقى العرب به هذا الحي من بهز أو تغلب».
* عن عبد الله بن عمر قال: «قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): رأيت غنما كثيرة سوداء دخلت فيها غنم كثيرة بيض. قالوا: فما أوّلته يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قال: العجم يشركونكم في دينكم وانسابكم. قالوا: العجم يا رسول الله؟! قال: نعم لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من العجم واسعدهم به آل فارس»(٢٧٩).
١٤٣ - عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «اعظم الناس نصيبا في الاسلام أهل فارس».
ان البشارة النبوية بسعادة المجتمع الايراني بالإسلام، لا تنطبق على الفترات التاريخية التي عاشها في ظل الخلافتين الاموية والعباسية، لما عاناه في ظلهما من الظلم والجور، والفقر والحرمان من جراء سياستيهما العنصرية الجائرة المستبدة. ولم يتمكن الامام علي (عليه السلام) ان يجسد المضمون الحقيقي للإسلام في المجتمع الايراني، بسبب ضخامة الانحرافات التي تركتها سياسة الخلفاء الذين كانوا قبله بالأخص سياسة الخليفة الثالث العشائرية المنحرفة عن السيرة النبوية. بالإضافة إلى انشغاله (عليه السلام) بالحروب الداخلية التي اشعلها عليه اعدائه في تلك الفترة القصيرة من خلافته. ولا تنطبق أيضا هذه البشارة النبوية على عهود الحكومات الملكية التي حكمت بلاد فارس بالنار والحديد، بعد سقوط الدولة العباسية حيث لم يبق للإسلام من وجود يحكم المجتمع الايراني الاّ على مستوى الشعارات الفارغة من المضمون الحقيقي للدين.
ان البشارة النبوية بسعادة ابناء فارس بالإسلام، لا يتصور تحققها الاّ في ظل دولة الموطئين للمهدي، عندما يكون لهم شرف هداية الامة وعودتها من جديد إلى قيم الدين ومفاهيمه الاصيلة، ويكون لهم أيضا وحدهم شرف تحرير القدس من اليهود المغتصبين لفلسطين في آخر الزمان.
وفي ذلك العصر سوف تصبح بلاد فارس مصدر اشعاع رباني لرسالة القرآن في العالم، وقدوة للمجتمعات الاسلامية في التضحية والفداء، وفي مواجهة اعداء الاسلام والامة من اليهود والنصارى ومرضى القلوب من المسلمين.
وفي ظلال دولة الموطئين للمهدي (عليه السلام) يعم الاسلام بعدله ومفاهيمه الالهية المجتمع الايراني كله، حينئذ يستشعر ابناؤه وحدهم بالعزة والكرامة والحرية والامان، ويتفهمون معنى هذه البشارة النبوية عندما يحسون بالسعادة الحقيقية للحياة في ظل الاسلام في الوقت الذي سوف يعاني المجاهدون في بقية المجتمعات الاسلامية الاخرى، اشد انواع الظلم، والجور، والاضطهاد، والتنكيل، والقتل، والتشريد، والفقر، والحرمان، من قبل حكوماتهم الظالمة المستبدة الموالية لليهود والنصارى.
البشارة بهلاك الملوك بعد ثورتهم
١٤٤ - عن ابي هريرة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انه قال: «أوّل الناس هلاكا فارس ثم العرب على اثرهم».
١٤٥ - عن عمر بن الخطاب قال: «تهلك العرب حين يبلغ ابناء بنات فارس».
من يتتبع معنى كلمة: (هلاك الفرس وهلاك العرب) في اخبار الغيب النبوية يقطع بأن المراد منها، ملوك العرب، وملوك الفرس خاصة، وليس عموم افراد المجتمعين العربي والفارسي، بقرينة الأحاديث الأخرى كقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ويل لطغاة العرب من شر قد اقترب»(٢٨٠).
ومعنى الحديث الاول: ان اوّل الملوك الظالمين هلاكا في العالم هم ملوك بلاد فارس، ثم ملوك العرب على اثرهم، ثم يهلك بقية ملوك العالم فتتهاوى عروش طواغيت الشرك وائمة الكفر في المعمورة كلها تدريجيا.
والحديث الثاني: يعطي علامة لبداية هلاك الظالمين من ملوك العرب، متثمثلة ببلوغ ابناء فارس درجة الكمال في فهم الاسلام، ولا يتحقق ذلك لهم الاّ بعد استكمالهم المقومات القيادية التي تؤهلهم لحمل الرسالة الالهية للعالمين ولا يتم ذلك ما لم ينالوا الدين والايمان والعلم من الثريا ليصبحوا مؤهلين للقيام بدورهم القيادي والجهادي المرتقب، حينئذ تكون نهاية الظالمين من ملوك العرب على ايديهم ويتحقق مصداق قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدء».
ان هلاك الملوك من بشائر قيام الدولة الاسلامية العالمية، حيث تختفي ببركتها الحكومات الملكية والطاغوتية الظالمة المستبدة في بلاد فارس وبلاد العالم العربي، بل في العالم كله. وتمثل ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) اوّل البشائر الالهية ببزوغ فجر الاسلام في آخر الزمان، وعودته إلى قيادة الحياة من جديد وهزيمة الملوك على يديه، وبفضل هذه الثورة الالهية يتخلص المجتمع الايراني من عهود الظلم والجور والفقر والحرمان التي قضاها في قبضة الملوك الظالمين الذين حكموا حياته بالنار والحديد قرونا طويلة من الزمن.
وعلى اثر القضاء على ملوك الفرس، تظهر بشائر النصر الالهي منذرة بقرب نهاية عصر الحكومات الظالمة المستبدة في العالم العربي، ولكن لا يتحقق ذلك دفعة واحدة، وانما على مرحلتين:
الاولى: على المستوى المعنوي بعد ان يتحول زمام المبادرة لقيادة الامة بيد قادة الموطئين للمهدي (عليه السلام) من ابناء فارس، حينئذ ينتهي عصر الغطرسة والكبرياء لحكام العرب وملوكهم بعد ان تتكشف نواياهم الحقيقية المزيفة وتسقط جميع الاقنعة والشعارات الكاذبة التي كانوا يخدعون الامة بها قبل بزوغ فجر ثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام). وخاصة بعد ان يمدوا يد المصافحة والسلام لإسرائيل المغتصبة لبلادهم. ويعلنوا ولائهم الصادق لليهود والنصارى بدون حياء وخجل.
عند ذلك الزمان يصبح حكام العرب وملوكهم قادة من غير قاعدة لانفصالهم عن شعوبهم دينيا وسياسيا بسبب انحرافهم عن الاسلام ومطاردتهم لأبنائه المجاهدين، وتخاذلهم عن تحرير فلسطين ومولاتهم لليهود والنصارى.
الثانية: ويتم فيها القضاء الحقيقي على حكام العرب وملوكهم من خلال تصفيتهم سياسيا وجسديا على يد الامام المهدي (عليه السلام). وهو معنى الحديث القائل: «اما انه - اي المهدي - لا يبدأ الا بقريش فلا يأخذ منها الاّ السيف ولا يعطيها الاّ السيف، حتى يقول كثير من الناس ما هذا من آل محمد ولو كان من آل محمد لرحم»(٢٨١). والمراد بقريش في هذا الحديث هم ملوك وطواغيت العرب خاصة.
تطبيق الاستبدال على ثورة الموطئين
نعتقد ان العلاقة بين الاستبدال الموعود وثورة الموطئين للمهدي (عليه السلام) هي من نوع العلاقة بين الاطروحة الالهية وتطبيقاتها الاجتماعية وهناك ثلاثة ادلة لإثبات هذه القضية:
الدليل الاول: توفر المقومات القيادية في المجتمع الايراني لحمل الرسالة وقيادة الامة كما يستفاد من البشائر النبوية السابقة(٢٨٢) التي اخبرت عن مستقبله الرسالي. مما يوكد بانه سوف يجسد البعد الايجابي للاستبدال في حياته السياسية والحضارية، ولا يتم ذلك الا من خلال قيامه بثورته الاسلامية الموطئة للمهدي (عليه السلام) في اخر الزمان.
الدليل الثاني: توفر العوامل الايجابية الثلاثة للاستبدال في حركة ثورة الموطئين للمهدي وفي مجتمعها الرسالي. واليك عرضا مختصرا لأهم النصوص المبشرة بثورة الموطئين، والخاصة بعوامل الاستبدال الايجابية في حركة الثورة:
العامل الاول: تمسكهم بولاية أهل البيت (عليهم السلام)
وقد دلت عليه الاخبار التالية المبشرة بثورة الموطئين: «وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء دعاة حق يقومون بإذن الله...»(٢٨٣). «فيبعث الله عليه فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم اصحاب الرايات السود المستضعفون فيعزهم الله وينزل عليهم النصر...»(٢٨٤) «... وانا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وانه سيلقي أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا حتى ترفع رايات سود في المشرق انها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي»(٢٨٥).
العامل الثاني: محاولتهم إعادة الدين إلى قيادة الحياة
وقد دلت على تحقق هذا العامل، في حركة ثورة الموطئين النصوص التالية: «اذا وقعت الملاحم بعث بعثا من الموالي... يؤيد الله بهم الدين»(٢٨٦) «لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على ابواب بيت المقدس وما حولها... وعلى ابواب الطالقان وما حولها ظاهرين على الحقّ لا يبالون من خذلهم ولا من نصرهم حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي به دينه كما اميت من قبل»(٢٨٧).
«دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله»(٢٨٨). «قوم يخرجون من الدنيا زهدا فيها يرد الله بهم قوما من الكفر إلى الايمان»(٢٨٩).
فهذه النصوص كلها تؤكد الدور الرسالي للموطئين في هداية الناس وانقاذهم من الكفر إلى الايمان ومحاولتهم اعادة الدين إلى قيادة الحياة.
العامل الثالث: الجهاد لحماية اهداف الدين
ان المتأمل في الاخبار النبوية الخاصة بحركة الموطئين يلاحظ انها قد شاركت بشكل مباشر بجميع نصوصها في تسليط الاضواء على الجانب الجهادي من ثورتهم انطلاقا من بداية خروجهم براياتهم السود القصار، وهم يطلبون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون فينصرون مرورا بالأخبار التي تحدثنا عن معاركهم في جبهة عبادان والبصرة وقزوين والطالقان، وكذلك ملاحمهم الدامية مع اصحاب الرايات الصفراء المغربية، ودخولهم فلسطين لتحريرها من اليهود المغتصبين انتهاء بمعاركهم وملاحمهم العظيمة ضد القوات السفيانية. فهذه المعارك كلها تجسد البعد الايجابي للجهاد في سبيل الله في حركة الموطئين للمهدي (عليه السلام).
الدليل الثالث: الدراسة المقارنة بين النظرية والتطبيق لمفهوم الاستبدال.
ونعني بهذه الدراسة استيعاب اطروحة الاستبدال القرآنية على الصعيد النظري في ضوء النصوص النبوية التي اوضحتها، ثم المقارنة بينها وبين الواقع التاريخي للامة الاسلامية في ماضيه وحاضره، لنرى مدى التطابق بين اطروحة الاستبدال الموعودة في المغيبات القرآنية والنبوية والواقع الاجتماعي الذي تنبأت به. وانطلاقا من هذه المقارنة يتحتم علينا دراسة مفهوم الاستبدال على مستوى النظرية أولا، وعلى مستوى التطبيق ثانيا، وفي ضوء ذلك سوف ننتهي إلى نتيجتين علميتين:
الاولى: وقوع الاستبدال في التاريخ الاسلامي. الثانية: انطباق الاستبدال بأبعاده الايجابية على ثورة الموطئين التي نترقب انفجار بركانها من بلاد ايران.
الاستبدال على مستوى النظرية
يتلخص الاستبدال نظريا في تخلي مجتمع القاعدة الاولى للإسلام عن دوره الرسالي والحضاري بسبب رفضه للقيادة الالهية المتمثلة بأهل البيت (عليهم السلام) المنصوص على امامتهم وعصمتهم في القرآن والسنة النبوية، بالإضافة إلى تراجعه عن دوره الرسالي في تطبيق الدين وتخاذله عن حماية اهدافه بالأسلوب الجهادي.
فاذا توفرت هذه العوامل السلبية الثلاثة في واقع المجتمع المستبدل حينئذ يختار الله تعالى قاعدة ثانية بدلا منه لنصرة رسالته، تعتقد بقيادة أهل البيت (عليهم السلام) الالهية وبوجوب اعادة الدين إلى الحياة، وحماية اهدافه بالأسلوب الجهادي.
الاستبدال على مستوى التطبيق
تعرضت بعض الاخبار النبوية الغيبية لوصف حركة الاستبدال في تاريخ الامة على مستوى التطبيق ومن هذه الاخبار ما جاء:
١٤٦ - عن معقل بن يسار، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «لا يلبث الجور بعدي الا قليلا حتى يطلع، فكلما طلع من الجور شيء، ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره، ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء، ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره».
ويتضمن هذا الحديث مختصر تاريخ الامة الاسلامية منذ فترة الصراع على الخلافة والانحرافات الكثيرة التي تورط بها المجتمع الاسلامي بسبب خلافاته السياسية بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرورا بسيطرة ائمة الضلال من بني امية وبني العباس و... الخ، وبانتشار الظلم والجور خطوة خطوة على يد الحكام الظلمة الذين ملأوا الارض ظلما وجورا في العالم الاسلامي، انتهاء بعودة الاسلام من جديد إلى قيادة الحياة خطوة خطوة، وامتلاء الارض قسطا وعدلا على يد المهدي المنتظر (عليه السلام).
ويشتمل هذا الحديث على مقطعين:
المقطع الاول: يبدأ من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا يلبث الجور بعدي الاّ قليلا حتى يطلع فكلما طلع من الجور شيء، ذهب من العدل مثله، حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره».
وهذا المقطع خاص بوصف الواقع الانحرافي للمسلمين والذي بدأ تدريجيا من قضية الصراع على الخلافة بعد اغتصابها من اصحابها الشرعيين.
وهذه الفترة الزمنية من تاريخ الامة هي المشار اليها في المغيبات النبوية بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «وإني والله ما اخاف عليكم ان تشركوا بعدي، ولكن اخاف عليكم ان تنافسوا فيها»(٢٩٠). وفي رواية قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «انما اخاف على امتي الائمة المضلين»(٢٩١). وفي رواية قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لتنتقضن عرى الاسلام عروة عروة فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها واولهن نقضا الحكم وآخرهن الصلاة»(٢٩٢).
وتبدأ هذه الفترة الطويلة من الانحراف والابتعاد عن الاسلام، في تاريخ المسلمين، باغتصاب الخلافة - بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - من اصحابها الشرعيين، وهم الامام علي والائمة من أهل بيته (عليهم السلام)، وقد عبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن عملية الاغتصاب هذه بقوله: «واولهن نقضا الحكم»، ثم تتلاحق الانحرافات عن الاسلام في المجتمعات الاسلامية وتزداد الانتهاكات لعرى الدين في مختلف مجالات الحياة، «حتى يولد في الجور من لا يعرف غيره» كناية عن امتلاء الارض ظلما وجورا.
وتجسد هذه الفترة الانحرافية في تاريخ التجربة الاسلامية السياسية بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الجانب التطبيقي للاستبدال في ابعاده السلبية، وتكون الزعامات القرشية والعربية المنحرفة هي المتصدية لقيادة الامة فيها.
اما المقطع الثاني: فيبدأ من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ثم يأتي الله بالعدل، فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله، حتى يولد في العدل من لا يعرف غيره».
ويصف هذا المقطع من الحديث - بشكل مختصر - تاريخ عودة الاسلام إلى قيادة الحياة من جديد وبصورة تدريجية من خلال دخوله في ميدان الصراع السياسي والعقائدي والجهادي والحضاري مع اعدائه التاريخيين من اليهود والنصارى واوليائهم من حكام المسلمين الخونة.
وتبدأ هذه الفترة التاريخية المشرقة للإسلام في حياة الامة من عصر نهوض الحركات والجماعات والاحزاب الاسلامية بالدعوة إلى الاسلام، والمطالبة بعودته إلى قيادة الامة وتحكيمه في حياتها السياسية والاجتماعية والفكرية وتنتهي بقيام دولة الموطئين للمهدي (عليه السلام) في بلاد ايران واندلاع الثورة المهدوية العالمية على اعقابها وانتشار العدل الالهي في ربوع المعمورة تدريجيا حتى «يولد في العدل من لا يعرف غيره» كناية عن امتلاء الارض قسطا وعدلا.
وتمثل هذه الفترة المشرقة من تاريخ الامة الجانب التطبيقي للاستبدال الموعود بأبعاده الايجابية وتكون القيادات الايرانية المجاهدة من ابرز صنّاع القرار السياسي والجهادي في مواجهة اعداء الاسلام فيها.
وقريب من حديث معقل بن يسار في وصفه لواقع الامة الاسلامية وتاريخها السياسي في اطار حركة الاستبدال ببعديها السلبي والايجابي حديث عبد الله بن مسعود عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). قال: «اتينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فخرج الينا مستبشرا يعرف السرور في وجهه فما سألناه عن شيء الاّ اخبرنا به، ولا سكتنا الاّ ابتدأنا، حتى مرت فتية من بني هاشم فيهم الحسن والحسين، فلما رآهم التزمهم وانهملت عيناه، فقلنا: يا رسول الله ما نزال نرى في وجهك شيئا نكرهه؟! فقال: «انا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، وانه سيلقي أهل بيتي من بعدي تطريدا وتشريدا من البلاد، حتى ترفع رايات سود من المشرق، فيسألون الحق فلا يعطونه. فيقاتلون فينصرون... انها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا»(٢٩٣).
فهذا الحديث يمثل الخلاصة التطبيقية النبوية لمفهوم الاستبدال بأبعاده السلبية والايجابية في تاريخ الامة الاسلامية. فالظلم والاضطهاد وكل المأساة التي تصب على أهل البيت (عليهم السلام) تعكس الموقف السلبي من الرسول والرسالة في تجربة الخلافة الاسلامية التي تقودها الزعامات القرشية والقيادات العربية المنحرفة عن نهج الثقلين بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وخروج أهل المشرق بالرايات السود الداعية لأمر أهل البيت (عليهم السلام) والممهدة لولدهم المهدي سلطانه تعكس الموقف الايجابي من الرسول والرسالة في حركة المجتمع الفارسي البديل.
وبعد خروج رايات أهل المشرق يخرج المهدي المنتظر (عليه السلام) فيملأ الارض قسطا وعدلا حيث يلد في العدل من لا يعرف غيره.
وفي ضوء هذه الادلة الثلاثة اتضح لنا بما لا مجال معه للشك اطلاقا، ان ثورة الموطئين الموعودة في السنة النبوية تمثل الجانب التطبيقي لمفهوم الاستبدال الموعود في القرآن مع غض النظر عن دراسة هذه القضية في اطار الموقف السياسي العربي والايراني المعاصر، من ائمة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن قضية الاسلام كنظام سياسي يقود الحياة، ومن الجهاد من اجل تحرير فلسطين وبقية بلاد المسلمين المغتصبة.

* * *
الموضوع الرابع: وقفة مع المعارضين لأخبار الموطئين

شبهات على اخبار الموطئين
تواجه احاديث الموطئين عاصفة شديدة من الاتهامات، تثير عليها العديد من الشبهات وعلامات الاستفهام، فهناك من يتهم العباسيين بوضعها، وربما يوجد من يتهم الامويين في اختلاقها، وقد تذهب جماعة إلى القول بانها من وضع رواة الشيعة، وهناك من يعتقد بانها من وضع علماء أهل السنة الذين ينتمون إلى أصل فارسي.
وساقف هنا مع هذه الاتهامات والشبهات مستوضحا - في البداية - كلمات اصحابها ثم اعرج لمناقشتها بنزاهة وموضوعية، متجردا عن كل عاطفة وهوى، لنرى مدى صحّتها ومتانتها وقابليتها على الصمود امام ادلة الدين والعقل والعلم.
مع المتهمين بني العباس بوضعها
يصنف هؤلاء احاديث الموطئين إلى قسمين:
الاول: الاحاديث النبوية التي تنطبق على الثورة العباسية وهي صحيحة بنظرهم لاعتقادهم بان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اخبر امته بها واعتبرها من احداث الغيب المستقبلية، وقد تحقق ذلك في انطلاقة الرايات السود العباسية من خراسان بقيادة ابي مسلم الخراساني الذي اسقط الدولة الاموية، ومكن الامر لبني العباس، وهم بدورهم وطئوا الخلافة لولدهم المهدي العباسي ثالث خلفاء الدولة العباسية.
الثاني: الاحاديث التي اثنت على اصحاب الرايات السود ووصفتها برايات الهدى، ومدحت قوم سلمان ووصفتهم بالموطئين للمهدي في آخر الزمان، وتعرضت لجهادهم في قتال اعداء الله، ومسارعتهم في تشييد اركان الدين. فهذا القسم من الاحاديث بنظر هؤلاء كلها غير صحيحة، بل هي موضوعة من قبل بني العباس لتمكين سلطانهم ونصرة ثورتهم واستقطاب الامة إلى جانبهم.
وإلى هذا الرأي يذهب مؤلف (موسوعة الامام المهدي)، واكثر المشككين بأخبار الموطئين للمهدي.
الجواب على هذا الرأي
انه مما لا شك فيه توجد هناك جوانب عديدة من الشبه بين الواقع التاريخي للثورة العباسية، وبين الاوصاف المذكورة لثورة الموطئين في الاحاديث النبوية، مما يوهم البعض بالاعتقاد بان الثورة العباسية هي الواقع التطبيقي الحقيقي لاخبار الموطئين للمهدي.
ولكننا قد اثبتا في الموضوع الثاني من هذا الفصل بان ثورة الموطئين غير الثورة العباسية في ضوء الاخبار النبوية التي فرقت بينهما، واصبح هذا الامر واضحا لا مجال للشك والمناقشة فيه.
ومن الجدير بالذكر ان مؤلف (موسوعة الامام المهدي) لم يتعرض في دراسته لهذه الاحاديث التي تفرق بين الثورتين العباسية والموطئة!
والغريب ايضا انه قد استبعد في موسوعته النصوص القرآنية الخاصة بموضوع الاستبدال الموعود، ولم يهتم كثيرا في ادخال عنصر التنبؤات القرآنية لاستجلاء الصورة المستقبلية الخاصة بالقضية المهدوية، وكان ذلك من اكبر الاسباب التي اوقعته في كثير من الاستنتاجات الخاطئة وقللت من القيمة العلمية لموسوعته المهدوية.
علاقة العباسيين باخبار الموطئين
تناولت دراسة تاريخ الثورة العباسية، التي اسقطت الخلافة الاموية في الحلقة الخاصة بعودة العباسيين للحكم في العراق في آخر الزمان، وقد انتهيت في تلك الدراسة إلى حقائق تاريخية جديدة، اتضح لي من خلالها مدى الاطلاع الواسع لقادة الثورة العباسية فيما يخص انباء المستقبل، وكان عندهم كتاب خاص بهذا العلم يسمونه: (كتاب الحدثان)، ويعبرون عنه احيانا بـ (علم البلايا والمنايا)، وعليه اعتمدوا في الفترة التاريخية التي كانوا يضعون فيها الخطط السياسية والعسكرية لإسقاط الخلافة الاموية.
واكتشفت من خلال دراستي لخطط الثورة العباسية ان قادتها قد استخدموا جميع الشعارات الدينية المستفادة من اخبار ثورة الموطئين انطلاقا من الرايات السود التي رفعوها مرورا ببلاد خراسان التي اتخذوها منطلقا لثورتهم وانتهاء بشعارات الموطئين المنادية بالدعوة لأمر أهل البيت (عليهم السلام).
بالإضافة إلى اختيارهم القابا لأنفسهم مستفادة من اخبار الامام المهدي (عليه السلام) الصحيحة، كلقب: (السفاح) و(المنصور)، و(المهدي) وغير ذلك من الالقاب الاخرى.
لقد بذل بنو العباس جهودا كبيرة، من اجل ان يتطابق الواقع السياسي لثورتهم، مع ما جاء عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في احاديثه التي مدح بها ثورة الموطئين، ودعى الامة إلى الالتحاق براياتها والالتفاف حول قيادتها، وكان هدف بني العباس من كل ذلك الوصول إلى الخلافة، واقناع الامة بشرعية ثورتهم وخلافتهم، فلما استقرت لهم الامور انكشفت حقيقتهم واتضح زيفهم لدى المسلمين جميعا، وبائت بالفشل كل محاولاتهم واحتيالاتهم التي بذلوها من أجل اضفاء الطابع الشرعي والديني على خلافتهم. واليك نموذجا من جهودهم الخائبة المفضوحة.

* * *

في بداية ثورتهم رفعوا شعار الرضا من آل محمد واعلنوا الدعوة إلى امامة أهل البيت (عليهم السلام) وهذا الشعار في الواقع لا ينسجم مع اهدافهم السياسية ومطامعهم الخاصة بالخلافة لأنه يفرض عليهم تسليم الخلافة إلى احد ائمة أهل البيت (عليهم السلام) المعاصر لثورتهم، ولكن بما ان هذا الشعار من ابرز اهداف ثورة الموطئين التي بشر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بانطلاقتها من بلاد ايران ودعى إلى مناصرتها والالتفاف حول قيادتها، لذلك تبنوه وتستروا به موقتا بهدف استقطاب الجماهير المسلمة لصالحهم، ولكنهم بمجرد ان استلموا الخلافة فتحوا انيابهم كالكلاب الضارية على ابناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقتلوهم شر تقتيل وفتكوا بهم بأبشع الاساليب التعذيبية حتى وصف ظلمهم لأهل البيت (عليهم السلام) الشاعر المعاصر لثورتهم بقوله:

والله ما فعلت أمية فيهم * * * معشار ما فعلت بنو العباس
* * *

طلب ابو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس من مالك ابن انس احد علماء المدينة ان يؤلف له كتابا جامعا في احاديث الاحكام، ليصبح فيما بعد هذا الكتاب مرجعا للامة في معرفة الشريعة.
ومن العجيب ان الخليفة العباسي هو الذي بادر وسمى كتاب مالك بـ (الموطأ)، وقال له: ان هذا الكتاب يجب ان يوزع في جميع الامصار الاسلامية وتعمل به الامة وترجع اليه في فقه الشريعة قبل ان يستلم ولدي المهدي الخلافة(٢٩٤).
لقد اراد هذا الخليفة ان يحتال على مشاعر المسلمين ويركز في تصوراتهم بأن الثورة العباسية هي المقصودة في الاحاديث النبوية المبشرة بخروج قوم من المشرق يوطئون للمهدي سلطانه.
ومن هذا المنطلق لقب نفسه بـ (المنصور) وهو من القاب شعيب بن صالح التميمي الموطئ للمهدي (عليه السلام). ولقب ولده بـ (المهدي)، وامر مالكا بكتابة (الموطأ) ليكون المنصور العباسي موطئا لولده المهدي سلطانه!
لقد غفل هذا الخليفة العباسي الغارق في حب الرئاسة والدنيا، ان مفهوم التوطئة للمهدي الموعود لا يتجسد في انجاز كتاب يسمى بـ (الموطأ)، وانما يتحقق في حركة سياسية وجهادية وفكرية تغييرية، تقوم بدور رسالي رباني فاعل في الساحة العالمية، يؤدي إلى تغيير الكثير من المعادلات السياسية التي تتحكم في العالم ظلما وعدوانا تمهيدا للثورة المهدوية العالمية.

* * *

حاول خلفاء بني العباس أن يتظاهروا امام المسلمين بسيرة اسلامية مخالفة للسيرة الاموية العدوانية، ومن المعروف ان بني امية منعوا من تدوين الحديث النبوي اقتداء بسيرة الشيخين وضيقوا الخناق على الرواة والعلماء ولم يطلقوا العنان لتشجيع الحركة العلمية في الامة، فجاء بنو العباس وعملوا على خلاف سيرتهم فقربوا الرواة والفقهاء، وفتحوا المدارس والمكاتب العلمية الكبيرة، وشجعوا على طلب العلم وكتابته ورواية الحديث وتدوينه. ولكنهم لم يفعلوا ذلك لدوافع دينية وانما فعلوه بغضا بالسياسة الاموية وخدمة لمصالحهم العائلية ومطامعهم بالخلافة الاسلامية وكانت خدمتهم للسنة النبوية خاصة من باب انتصار الله تعالى لدينه بالرجل الفاجر. ويسجل التاريخ لهم موقفين بارزين يكشفان عن دوافعهم الدنيوية المريضة في مناصرتهم للعلم والعلماء وهما:
اولا: تنكيلهم واضطهادهم وتقتيلهم لائمة أهل البيت (عليهم السلام) وابنائهم وتلامذتهم ومحاربتهم لمدارسهم ومرجعيتهم العلمية في الامة، من خلال تنصيب بعض الفقهاء من مرتزقتهم بهدف صرف وجوه المسلمين عن مرجعية أهل البيت (عليهم السلام)، مع اعترافهم بانهم خزان العلم وتراجمة الوحي وورثة خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا يبلغ احد من فقهاء المسلمين درجتهم في العلم والمعرفة والتقوى لذلك قرنهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمحكم القرآن واوجب على الامة الرجوع اليهم واعتبر المتقدم عليهم زاهقا والمتأخر عن سفينة هداهم وعلمهم غارقا.
ثانيا: صنف الحافظ نعيم بن حماد المروزي كتابا في الفتن، وضمنه اخبارا مختلفة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يفرق فيها بين الثورتين العباسية والموطئة للمهدي الموعود من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويذكر فيه ايضا مجموعة اخرى تذم الراية العباسية وتصفها براية الضلال، وتمدح الراية الموطئة للمهدي (عليه السلام) وتصفها براية الهدى وما ان شاع ذكر كتابه وتداولته مدارس الكتاتيب ورواة الحديث حينئذ، سارع الخليفة المتوكل العباسي لاستدعاء الحافظ بن حماد من مصر إلى سامراء، وامر باعتقاله وتعذيبه بحجة انه من القائلين بخلق القرآن، وهي تهمة مفتعلة من قبل السياسة العباسية لتصفية معارضيها تماما كتهمة العمالة المتداولة بين حكام العالم العربي اليوم والتي طالما استخدموها لتصفية معارضيهم. وبقي شيخ الحفاظ ابن حماد في معتقل سامراء إلى ان توفي في السجن. وما اكثر الرواة والعلماء والفقهاء الذين قتلتهم السلطة العباسية او رمتهم في غياهب السجن واحرقتهم في الاسطوانات ظلما وعدوانا، وخاصة من ابناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممن لم يكونوا على هواهم ولم يناصروا خلافتهم الظالمة.
لقد كشفت هذه المواقف التاريخية العدوانية - في السياسة العباسية ضد العلم ورجالاته المخلصين من ابناء رسول الله وحملة السنة النبوية - عن زيف الثورة العباسية التي خدعت الامة من خلال تقمصها لدور الموطئين للمهدي(٢٩٥).
فالعلاقة بين ثورة العباسيين واخبار الموطئين هي علاقة مكر وخديعة وكذب واحتيال، ومما يؤسف له ان تبقى هذه العلاقة الماكرة في الخطط العباسية المتلبسة بالثورة الموطئة مطلية حتى على بعض الباحثين المعاصرين من ادعياء الاجتهاد والتحقيق العلمي.
اتهام الامويين بوضعها
قد يقال: ان احاديث الموطئين من وضع الامويين واتباعهم من الرواة، لأنها في جانب منها تصور انتصار السفياني على أهل الرايات السود الخراسانية، فهي في هذا الجانب تحقق بعض آمال الاسرة الاموية التي تحلم بعودة الخلافة اليها مرة اخرى.
ويتضح زيف هذه التهمة اذا علمنا ان الاحاديث النبوية التي اخبرت عن انتصار السفياني على الموطئين في فلسطين والعراق قد وصفته بأبشع الاوصاف، وتعرضت اليه كمجرم حرب، سفاك للدماء وهذه الاوصاف لا تخدم مصالح الامويين المتهمين بوضع هذه الاخبار ولا تعود عليهم الاّ بالضرر، وخاصة تلك الاحاديث التي أخبرت عن هزيمة السفياني في نهاية المطاف وهلاكه على يد اصحاب الرايات السود في المعركة الحاسمة التي يقودها الامام المهدي (عليه السلام) بنفسه.
اتهام الشيعة بوضعها
قد يوجد من يتهم رواة الشيعة بوضع هذه الاحاديث بقصد الانتقام من خصومهم التاريخيين من الامويين والعباسيين وقد يستشهد لهذا الرأي بالاحاديث المبشرة بثورة الموطئين التي تظهر في بلاد فارس داعية لأهل البيت (عليهم السلام) ثم تنتصر في نهاية المطاف على اعدائها من قتلة شيعة آل محمد من الامويين في الشام والعباسيين في العراق في آخر الزمان.
وهذا الرأي وجيه ومقبول جدا، لو تفردت مصادر الحديث الشيعية برواية أخبار الموطئين، ولكن الامر ليس كذلك، لاشتراك مصادر الحديث السنيّة بروايتها ايضا، بما يفوق - من حيث العدد - ما جاء بشأنها من طرق الشيعة. وهذا هو الدافع الاساس الذي جعلنا نقدم دراسة ثورة الموطئين في ضوء احاديث أهل السنة على دراستها من خلال أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).
وقد شارك في تخريج اخبار الموطئين جم غفير من حفاظ الحديث وائمتهم من أهل السنة، كالإمام البخاري، ومسلم، والحاكم، والترمذي، وابي داود، وابن ماجة، وابو عمر البيهقي، واحمد بن حنبل، وابن حماد، وابن المنادي، وابي عمر الداني، وابن الشيخ، وابن المنذر، وابي نعيم، والطبراني، وابن حبان، والبغوي، والرافعي، والبغدادي، والذهبي، وابن حجر، والسيوطي، وغيرهم من العلماء والائمة والحفاظ الثقات الاثبات في نظر أهل الجرح والتعديل من علماء أهل السنة.
اتهام علماء الفرس بوضعها
يعتقد البعض ان احاديث الموطئين بجملتها قد اعتنت بمدح الفرس والاشادة بدورهم الرسالي المرتقب، بالإضافة إلى ذم العرب والنيل من مكانتهم القيادية ودورهم الحضاري في بناء الامة وحمل الرسالة، الامر الذي يجعلنا نشك بصحتها، لما تحمل من نزعة قومية وعنصرية مرفوضة، وروح شعوبية واضحة التعصب وصريحة في التحيز للفرس، وكل ذلك مما يترفع عنه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتتنزه عنه الرسالة الاسلامية العادلة الحكيمة.
ويذهب اصحاب هذا الرأي إلى القول بعدم صحة اخبار الموطئين جملة وتفصيلا لاعتقادهم بانها من وضع حفاظ الحديث من أهل السنة لأن اكثرهم بل كلهم من ابناء فارس، اما اصلا ونسبا، أو نشأة وتربية، كالإمام البخاري، ومسلم النيسابوري، وابي داود السجستاني، وابن ماجة القزويني، والترمذي، والنسائي، واحمد بن حنبل الخراساني، والحاكم النيسابوري، ونعيم بن حماد المروزي، وابي نعيم الاصفهاني وغيرهم.
ويقول اصحاب هذا الرأي ان هؤلاء هم الذين دونوا احاديث الصحاح الستة، وعليهم المعول في السنن والمسانيد، والمصنفات الحديثية الاخرى، وكتبهم وحدها هي المختصة بمدح الفرس وذم العرب مما يجعلنا نقطع بانها موضوعة من قبلهم.
ودائما يحاول اصحاب هذا الرأي الاستشهاد بحديث: «لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس» بدعوى عدم وجوده في مرويات الشيعة، ولو كان حقا صادرا عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لروته الشيعة عن طريق أهل البيت (عليهم السلام).
وهذه الشبهة على احاديث الموطئين ليست افتراضية - كما قد يظن البعض - بل تمثل موقفا ثقافيا لعدد من الاشخاص ممن واجهتهم بنفسي، ومن هذا المنطلق لابد من الوقوف معها وقفة علمية تكشف حقيقتها وتوضح دوافعها.
وسنحاول في البداية اثبات خطأ هذه الفكرة السلبية من اخبار الموطئين من خلال اثبات صحة حديث: (مناولة العلم من الثريا) لان الاعتقاد بعدم صحة هذا الحديث يمثل القاعدة الاساسية لهذه الفكرية الموهومة، ثم نتناول بعد ذلك الادلة العلمية على صحة قضية الموطئين بشكل عام:
الادلة على صحة حديث مناولة العلم من الثريا
اما حديث «لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس»، فالأدلة القاطعة على صحته كثيرة جدا، ولا يسعني ذكرها كلها في هذه العجالة، ولكن سأقتصر هنا على ذكر اهمها، مما لا يمكن الطعن فيها الاّ من مكابر عنيد، أو مغرض يتخبط في ضلال، وهي كما يلي:
الدليل القرآني: وهو مستفاد من مفهوم الاستبدال، ومن نصوصه القرآنية والنبوية، وخلاصته: ان المجتمع البديل والمختار من قبل الله تعالى لحمل الامانة الالهية وقيادة الامة الاسلامية في آخر الزمان لا يتصور قيامه بدوره الرسالي والحضاري بصورة ناجحة وصحيحة، اذا لم تتوفر لديه المقومات الذاتية التي تؤهله لهذه المسؤولية الالهية الكبيرة، وهذا الدور السياسي والتاريخي العظيم. ومن الطبيعي ان تمثل المعارف الدينية والعلوم الالهية، من اهم تلك المقومات الذاتية في واقع المجتمع البديل وهو ما يؤكد صحة حديث:
«مناولة الفرس العلم والايمان والدين من الثريا». باعتبارهم المجتمع البديل عن العرب في حركة الاستبدال السياسية التغييرية الالهية الموعودة.
الدليل العقائدي: دلت النصوص القرآنية في آية المباهلة، وآية التطهير، وآية المودة، وآية اكمال الدين، وآية الصدقة بالخاتم، وعشرات الآيات الاخرى النازلة بحق أهل البيت (عليهم السلام) ان الدين والعلم والايمان لا يوجد بصورته المتكاملة الاّ عند أهل البيت (عليهم السلام) ولا يستمد الا من منابع الولاية الالهية المتمثلة بهم. وتصدت لإيضاح هذه النصوص القرآنية مئات الاحاديث النبوية الصحيحة والمتواترة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). وحسبك منها حديث المنزلة، وحديث السفينة، وحديث الطير المشوي، وحديث الثقلين، وغيرها...
وفي ضوء هذه النصوص القرآنية والنبوية الواضحة الصريحة في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، تعتقد الامة على اختلاف مذاهبها، بأفضليتهم دينا، وعلما، وايمانا، على عامة المسلمين، وان الفكر الديني الاصيل لا يستمد الا منهم(٢٩٦).
وهذا هو الذي تنبأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بوصول ابناء فارس اليه، ولو كان في الثريا مع ان غالبية العرب لم تصل اليه مع قربها من أهل البيت (عليهم السلام)، فيكون هذا الحديث من اكبر دلائل نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لصدوره عنه يوم كانت بلاد فارس كلها تدين بالشرك، بل بقيت - تسعة قرون بعد اعتناقها الاسلام - بعيدة عن منابع الدين والعلم والايمان، الاصيلة المتمثلة برموز الولاية الالهية من ائمة أهل البيت (عليهم السلام).
الدليل التاريخي: من الواضح ان المجتمع العربي انشغل بعد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالصراع السياسي على الخلافة والتنافس على حطام الدنيا الزائلة كما اخبرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من قبل بقوله: «واني والله ما اخاف عليكم ان تشركوا بعدي، ولكن اخاف عليكم ان تنافسوا فيها»(٢٩٧). وكانت مأساة السقيفة، والجمل، وصفين، والنهروان، وكذلك المأساة التي لحقتها في كربلاء، ووقعة الحرة، وتهديم الكعبة واحراقها وغيرها، من المآسي الاخرى تجسد الحقيقة التاريخية لما اخبرهم به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وكانت من اكبر المآسي والنتائج الخطيرة لحالة الصراع على السلطة ان أقصي خلفاء الرسول الشرعيين من أهل بيته عن موقع القيادة، وأبعدوا عن مسرح الحياة الاجتماعية في الامة، ولم يعد لهم ذلك التأثير الكبير على الصعيد الفكري، والجهادي، والسياسي في المجتمع الاسلامي، الاّ في حدود مواليهم واتباعهم المخلصين لهم، وهم فئة قليلة مضطهدة من قبل الخلفاء المغتصبين لحقهم.
وكان من اخطر النتائج السلبية لإقصاء أهل البيت (عليهم السلام) والانشغال في فتنة التنافس على الخلافة، ان ظهر في مجتمع دولة الخلافة الغاصبة فراغ فكري وعلمي كبير وخاصة على الصعيد الفقهي. وكان الخليفة الاول والثاني أوّل من أوجدا هذا الفراغ الفكري وساهما في تكريسه وتعميقه في المجتمع الاسلامي، بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما تكاتفا على منع الصحابة من تدوين السنة والنهي عن الاهتمام بها ومنع ابو بكر الصحابة ايضا حتى من التحدث بها لعامة المسلمين فوقف خطيبا بينهم بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقال: «انكم تتحدثون عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) احاديث تختلفون فيها والناس بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شيئا فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه»(٢٩٨).
ويذكرنا موقف ابي بكر هذا بموقف صاحبه عمر يوم بادر وصد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن كتابة وصيته السياسية بشأن الخلافة بحجة ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يهجر قد غلب عليه الوجع فقال لهم: «حسبنا كتاب الله»(٢٩٩).
وكان عمر يضرب الصحابي بالدرة اذا سمعه يتحدث بشيء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣٠٠) وكان يقول للصحابة: «لا تحدثوا الناس باحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتشغلوهم عن القرآن»(٣٠١).
ويذكر التاريخ ان ابا بكر وعمر مع تأكيدهما الشديد على الصحابة، بأن لا يحدثوا الناس باحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فانهما منعا ايضا عددا كبيرا منهم، عن مغادرة المدينة خوفا من ان يذيعوا احاديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الامصار الاسلامية الاخرى(٣٠٢)، فاذا اضطرا إلى تعيين وال من الصحابة على بعض الامصار، اخذا منه العهود والمواثيق الغليظة واكدا عليه ان لا يتحدث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشيء(٣٠٣)!!
وقد اخذ ابو بكر وعمر كلّ الاحتياطات اللازمة لمنع حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الاذاعة والانتشار بين المسلمين في كافة الامصار فاصدرا قرارا بجمع كل الصحف والكتب التي كتبها بعض الصحابة من حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وامرا بإحراقها كلها(٣٠٤).
وعلى هذا النهج سار شيخ الامويين الخليفة الثالث، عثمان بن عفان، وكذلك البقية من خلفاء الاسرة الاموية، وكان من خطاب عثمان للمسلمين في هذا الامر ان قال لهم: «لا يحلّ لاحد ان يروي حديثا عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم اسمع به في عهد ابي بكر وعمر»(٣٠٥)،(٣٠٦).
ولولا العلماء من ابناء فارس لم يبق للحديث النبوي اي اثر في اوساط المسلمين من أهل السنة، فهم الذين تفرغوا لكتابته وتدوينه، بعد ان طلبوه بشق الانفس وبذل المهج، ومفارقة الاهل، وهجران الاوطان، فكانوا يقصدون المدن النائية، ويجوبون بين القرى والارياف، بحثا عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين لعلهم يحصلون على حديث منهم، هذا مع بعد المسافات، وقلة وسائط النقل، وبدائيتها ومع ذلك صبروا على تحمل كلّ تلك المشاق، وطلبوا الحديث برغبة صادقة حتى تمكنوا في مطلع القرن الثالث من جمعه في صحاحهم ومسانيدهم وسننهم وفي مدوناتهم وموسوعاتهم الحديثية الكبرى، وبفترة وجيزة لمع عدد منهم في مختلف فنون المعرفة الاسلامية والانسانية وبمرور الايام اصبحت لهم وحدهم الامامة في الافتاء والقضاء والحديث، في دولة الخلافة العباسية، واصبحت كتبهم ومصنفاتهم الحديثية من اهم مراجع الحديث عند أهل السنة وخاصة صحاحهم الستة.
ولم تقتصر جهود علماء الاسلام من ابناء فارس، لحفظ الحديث النبوي وصيانته من الضياع، بتدوينه في الكتب على المذاهب الاربعة، وانما شملت مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ايضا، فكان لهم وحدهم الفضل الاكبر في تدوين احاديث الاحكام، في الكتب الاربعة، التي تعتبر من اهم الاصول المعتمدة في فقه الشريعة عند الشيعة، وقد كتبت هذه الكتب بأقلام علماء من ابناء فارس، اما اصلا ونسبا أو نشأة وتربية، امثال الشيخ الكليني، والشيخ الطوسي، والشيخ الصدوق، رضوان الله تعالى عليهم جميعا.
وفي ضوء هذه الخدمة العلمية الكبيرة، التي قدمها العلماء الافاضل من ابناء فارس، للامة الاسلامية على اختلاف مذاهبها، فيما يخص صيانة الحديث النبوي من الضياع، نستطيع ان ندرك بكل وعي وعمق معنى الحديث النبوي القائل «لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس». لأن العلم بمعناه الحقيقي لا يوجد الاّ في الاحاديث النبوية حيث يتوقف عليها فهم القرآن، ومعرفة فقه الشريعة، وبقية مفاهيم الاسلام في الحياة التي وردت في الغالب مجملة في القرآن الكريم.
الدليل العلمي: من اقوى الادلة العلمية المثبتة لصحة الاحاديث الغيبية، هو دليل مطابقتها مع الواقع الموضوعي الذي تخبر عنه، وهذا الدليل يلحظ فيه الشواهد التاريخية التي تثبت امكانية المطابقة وعدمها. ونحن لو تتبعنا تاريخ ابناء فارس، منذ انتمائهم للإسلام إلى يومنا هذا، نلاحظ ان اقبالهم على طلب العلوم الدينية، والمعارف الالهية اكثر من غيرهم، وحادثه التفافهم حول منبر امير المؤمنين، في مسجد الكوفة ومزاحمتهم لزعماء العرب في مجلسه، بهدف الانتهال من علومه، وثناء الامام (عليه السلام) عليهم ودفاعه عنهم من اقدم وابرز الشواهد التاريخية المؤكدة لصحة هذه القضية الغيبية.
والوثائق التاريخية المعنية بانطلاقة النهضة العلمية في العالم الاسلامي في العصر العباسي، تضع علماء الفرس في طليعة علماء المسلمين في رواية الحديث وتدوينه، وفي مدرستي علوم العربية والتأليف فيها، وفي علوم الفقه والتفسير، والطب، والفلسفة، وعلم الكلام والعرفان(٣٠٧).
ولو اردنا ان نضع قائمة بأبرز اساطين العلوم الاسلامية والانسانية، منذ بزوغ فجر النهضة العلمية في الامة إلى عصرنا هذا، لوجدنا اكثرهم من ابناء فارس، وهو ما يؤكد صحة حديث: «لو كان العلم في الثريا لناله رجال من فارس»، لأن المدار في صحة انباء الغيب المستقبلية، هو مدى مطابقتها مع الواقع الموضوعي الذي تخبر عنه، ومن هذا المنطلق اعتبرها ائمة الحديث، كالبخاري ومسلم وغيرهما من دلائل النبوة، اي من العلامات التي تكشف عن صدق نبوة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الله تعالى.
وبهذا البيان يتضح ان الفكرة السلبية من الاخبار النبوية التي تمدح قوم سلمان في آخر الزمان، وان تظاهرت بمظهر التحقيق، ولبست مسوح البحث العلمي، الاّ انها في الواقع ما هي الا ثرثرة فارغة لا تستند إلى دليل معتبر من الدين او العلم او العقل.
وجود الحديث في مصادر الشيعة
ان القول بعدم وجود حديث مناولة العلم من الثريا في مصادر الشيعة هو مجرد ادعاء لا يستند إلى دليل علمي معتبر، وقد سمعت هذا الادعاء من بعض المشتغلين فترة من الزمن بأحاديث المهدي (عليه السلام).
وعلى عكس ما يقولون فانّي وجدت الحديث قد رواه المجلسي عن قرب الاسناد بسند موثق عن أبي جعفر (عليه السلام) عن أبيه أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لو كان العلم منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس»(٣٠٨).
الادلة المثبتة لقضية الموطئين
وهي كثيرة ولكن توخيا للاختصار نذكر منها الادلة التالية:
الدليل الاول: نصوص الاستبدال القرآنية، التي اوضحها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطبقها على استبدال العرب بالفرس لحمل الرسالة وقيادة الامة في صراعها العقائدي، والسياسي، والجهادي، والحضاري ضد اعدائها من اليهود والنصارى وعملائهم في آخر الزمان. ولم يعترض عليه أي واحد من الصحابة، مع ان المجتمع الفارسي آنذاك كان يدين بعقيدة الشرك والوثنية.
وفي ضوء هذا التفسير النبوي الخاص بآيات الاستبدال يصبح الشك في اصل قضية الموطئين التي تعتبر تطبيقا لأطروحة الاستبدال غير وارد الاّ من مكابر متعسف وجاهل معاند، ومع ذلك فنحن نصر على مطالبته بالتفسير البديل لآيات الاستبدال: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (النمل: ٦٤).
الدليل الثاني: اخبار الموطئين للمهدي (عليه السلام) المروية من طريق الفريقين في اكثر من (٣٥٠) خبرا بعضها صحيح وبعضها حسن، وبعضها ضعيف منجبر، وفيها الكثير من الاحاديث المتواترة كحديث شعيب بن صالح التميمي، وحديث الرايات السود وقتالها مع السفياني الذي اعترف باستفاضته مؤلف موسوعة (الامام المهدي (عليه السلام))(٣٠٩) وغير ذلك من الاحاديث الاخرى.
وقد بلغ مجموع الاحاديث الخاصة بموضوع (الموطئين) في كتابنا هذا (١٤٦) حديثا، منها (٢٣) حديثا صحيحا وهي المذكورة في الارقام التالية:
(٩، ٣٣، ٣٥، ٣٦، ٧٨، ٨٥، ٩٦، ١٠٦، ١١٠، ١١٣، ١٢٠، ١٢٢، ١٢٤، ١٢٦، ١٢٧، ١٢٨، ١٢٩، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤، ١٣٦، ١٣٩، ١٤٠).
وهذه الاحاديث بعضها اخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وبعضها صحيح على شرط الشيخين، او صحيح على شرط احدهما، كالتي اخرجها ابو عبد الله الحاكم في (مستدرك الصحيحين) ووافقه الذهبي(٣١٠) على صحتها. او كالتي اخرجها الحافظ الهيثمي في (مجمع الزوائد)، وقال: رجاله رجال الصحيح، وبعضها صحيح ورجاله ثقات.
ونحن اثبتنا مصادر هذه الاحاديث، مع كلمات ائمة الحديث القائلين بصحتها في هوامش الكتاب، الا الحديث رقم (٩) فإننا ثبتنا مصادره، وغفلنا عن ذكر آراء ائمة الحديث فيه، وهو مخرج في مستدرك الصحيحين للحاكم على شرط الشيخين ووافقه الذهبي واخرجه الامام احمد في مسنده والبيهقي في دلائل النبوة بسند صحيح(٣١١).
اما بقية احاديث الموطئين في هذا الكتاب فهي تتراوح من جهة السند بين حسنة الاسناد كالتي ذكرناها في الارقام التالية: (٥، ٦، ٩٧، ١٢١، ١٢٤)، وغيرها، او ضعيفة الاسناد لكنها منجبرة بالصحيح او الحسن وهي كثيرة.
وتوجد طائفة اخرى من احاديث الموطئين الصحيحة من طرق أهل السنة، لكننا لم نر من المناسب من جهة منهجية ذكرها ودراستها في هذه الحلقة، وستمر علينا - ان شاء الله - في الحلقات الاخرى من دراستنا المهدوية.
اما اذا اعتبرنا اخبار الموطئين - بشكل عام - شرحا وتفصيلا وتطبيقا لنصوص الاستبدال القرآنية - وهي كذلك -، فحينئذ لا نحتاج إلى النظر والتحقيق في مصادرها واسانيدها ورجالها، بل تصبح مقطوعة الصحة من حيث المضمون - وان كان بعضها واهيا من حيث الاسناد - لاتفاقها وتطابقها مع المفهوم القرآني فتنطبق عليها حينئذ اقوى الادلة العلمية الحاكمة بصحة الحديث النبوي وقبوله، ويسقط منها كل ما يتعارض مع عوامل الاستبدال ومفاهيمه وان كان مرويا بأسانيد صحيحة ومعتبرة.
الدليل الثالث: اتفاق العلماء من أهل السنة الذين تصدوا لدراسة احاديث المهدي (عليه السلام)، على صحة احاديث الموطئين، واليك عرضا مختصرا لكلمات بعضهم، ممن اجد له كتابا في هذا الموضوع في مكتبتي المتواضعة:
اوّلهم الحافظ نعيم بن حماد المروزي المتوفى (٢٢٨ هـ) وهو احد شيوخ الامام البخاري وقيل انه اوّل من جمع المسند في الحديث ذكر اخبار الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) في كتابه (الفتن)، وفرق بينها وبين رايات بني العباس، وذكرها في ابواب مختلفة ومن هذه الابواب باب عنوانه: (الرايات السود للمهدي بعد رايات بني العباس، وما يكون بينها وبين السفياني)(٣١٢).
ومنهم المؤرخ مطهر بن طاهر المقدسي المتوفى (٣٥٥ هـ) ذكر أخبار الرايات السود الموطئة في كتابه: (البدء والتاريخ)(٣١٣)، وقال:
«قال قوم: قد نجزت هذه - يعني الرايات الموطئة للمهدي - بخروج ابي مسلم الخراساني وهو أوّل من عقد الرايات السود وسوّد ثيابه، وخرج من خراسان موطئا لبني هاشم سلطانهم! وقال: آخرون: بل هذه تأتي بعد. وان أوّل الكوائن ملك يخرج من الصين من ناحية يقال لها: ختن(٣١٤) بها طائفة من ولد فاطمة من ظهر الحسين بن علي رضي الله عنهم، ويكون على مقدمته رجل كوسج من تميم يقال له: شعيب بن صالح مولده بالطالقان مع حكايات كثيرة واخبار عجيبة من القتل والاسر والله اعلم».
ومنهم الحافظ يوسف بن يحيى المقدسي الشافعي السلمي، وهو ممن لم يعرف تاريخ وفاته ولكنه ذكر تاريخ تأليف كتابه: (عقد الدرر في أخبار المنتظر) في سنة (٦٥٨ هـ)، وقد ذكر احاديث الموطئين بالإشارة في مقدمة كتابه فقال: «فقد بشرت بظهوره - يعني المهدي (عليه السلام) - احاديث جمة دونتها في كتبهم علماء هذه الامة، وان الله يبعث من يمهد لولايته تمهيدا ينهدم له شوامخ الاطواد»(٣١٥). ثم تناول احاديث الموطئين في الباب الخامس من كتابه وعنوانه: (في ان الله يبعث له من يوطئ له قبل امارته)(٣١٦).
ومنهم الحافظ ابو عبد الله محمد بن يوسف الشافعي النوفلي المتوفى سنة ٦٥٨ هـ ذكر احاديث الموطئين في كتابه: (البيان في أخبار صاحب الزمان) في الباب الخامس وعنوانه: (في ذكر نصرة أهل المشرق للمهدي)(٣١٧).
ومنهم الشيخ محمد بن ابي بكر القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ هـ وقد ذكر اخبار الموطئين في كتابه: (التذكرة) تحت عنوان: (باب فيه آخر في المهدي وذكر من يوطئ له ملكه).
ومنهم الشيخ سراج الدين عمر بن مظفر بن عمر المعروف بالوردي المتوفى سنة ٧٤٩ هجرية، وقد ذكر احاديث الموطئين في كتابه: (خريدة العجائب وفريدة الغرائب) تحت عنوان: (ذكر الهاشمي الذي يخرج من خراسان مع الرايات السود)(٣١٨).
ومنهم اسماعيل بن كثير الدمشقي المعروف بابي الفداء والمتوفى سنة ٧٧٤ هـ ذكر احاديث الموطئين في كتابه: (الفتن والملاحم) وعلق عليها بقوله:
«هذه الرايات السود ليست هي التي اقبل بها ابو مسلم الخراساني فاستلب بها دولة بني امية في سنة ١٣١ هـ، بل رايات سود آخر تأتي بصحبة المهدي وهو محمد بن عبد الله الفاطمي... يصلحه الله في ليلة.. ويؤيده بناس من أهل المشرق ينصرونه ويقيمون سلطانه، ويشيدون اركانه، وتكون راياتهم سودا ايضا لأن راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت سوداء يقال لها: العقاب»(٣١٩).
ومنهم العلامة ابن حجر الهيثمي المتوفى سنة ٩٧٤ هـ، ذكر احاديث الموطئين في الباب الثاني من كتابه: (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) وقال: «الخامسة من علامات ظهوره يخرج جيش من قبل المشرق لو استقبل به الجبال لهدمها واتخذ فيها طرقا»(٣٢٠).
ومنهم العلامة البرزنجي الشافعي المتوفى سنة ١١٠٣ هـ وقد ذكر احاديث الموطئين في كتابه: (الاشاعة في اشراط الساعة). وقال بعد ان سرد جملة منها: «هذه الرايات السود غير الرايات السود التي أتت لنصرة بني العباس، وان كان كل منها من قبل المشرق، ومن أهل خراسان وقاتلت بني امية لأن هؤلاء قلانسهم سود وثيابهم بيض وأولئك كانت ثيابهم سوداء، ولان هذه الرايات صغار، وتلك كانت عظاما ولأن هذه يقدم بها الهاشمي الذي على مقدمته شعيب بن صالح التميمي وتلك قدم بها ابو مسلم الخراساني، ولأن هذه تقاتل بني ابي سفيان وتلك قاتلت بني مروان»(٣٢١).
ومنهم العلامة شمس الدين الحنبلي المعروف بالسفاريني المتوفى سنة ١١٨٨ هـ، ذكر احاديث الموطئين للمهدي في كتابه: (لوائح الانوار الالهية) في الفائدة الثانية وقال: «من علامات ظهوره تأتيه الرايات السود من خراسان فيرسلون اليه بالبيعة»(٣٢٢).
ومنهم الشيخ حسن العدوي المالكي المتوفى سنة ١٣٠٣ هـ ذكر اخبار الموطئين في كتابه: (مشارق الانوار في فوز أهل الاعتبار) وقال: «ان وزراء المهدي من الاعاجم...» ثم قال: «ان المقصود بالأعاجم هم الفرس...» ثم قال:
«ان الله يبعث جيشا من خراسان برايات سود نصرة له»(٣٢٣).
وممن تناول احاديث الموطئين كل من العلامة جلال الدين السيوطي في كتابه: (الحاوي للفتاوي)، والشيخ علي بن سلطان الحنفي في كتابه: (المشرب الرويّ في مذهب المهدي)، والشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي في كتابه: (فرائد الفكر في الامام المهدي المنتظر)، والعلامة المتقي الهندي في كتابه: (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان)، وكذلك في موسوعته الحديثية الكبرى المعروفة بـ (كنز العمال).
واكتفي بهذا القدر القليل من اقوال المحققين من علماء أهل السنة في احاديث الموطئين للمهدي (عليه السلام)، ويظهر من عناوين كتبهم وكلماتهم حولها انهم متفقون على صحتها فلم تر من يطعن منهم بها، بل يرسلونها في كتبهم ومصنفاتهم ارسال المسلمات ويعلقون عليها بما يوضحها ويرفع الابهام والغموض عنها، ويبيّن الفوارق بينها وبين اخبار الرايات السود العباسية.
الدليل الرابع: الدليل العقلي الحاكم بضرورة قيام مجتمع اسلامي يتحمل مسؤولية التمهيد للثورة الاسلامية العالمية قبل ظهور قائدها الامام المهدي (عليه السلام).
فمن الثابت - بالدليل العقائدي - ان الامام المهدي (عليه السلام) لا ينتصر على اعدائه بالمعجزة، والاّ لما كان هناك مبررا لتأخير ظهوره حتى الآن، لأن المعجزة بأمر الله تعالى يجريها على يد انبيائه واوليائه متى اراد، ولا تتوقف اقامتها على ظروف خاصة لأنها خارقة للظروف والاسباب الطبيعية فتأخر ظهوره - مع حاجة البشرية الملحة اليه - يؤكد انه يتوقف على اسباب طبيعية وظروف موضوعية - ايمانية وسياسية وفكرية وجهادية وأمنية - لم تتهيأ في المجتمع الاسلامي حتى الآن، ومتى تهيأت وتحققت على الارض مجتمعة ظهر الامام المهدي (عليه السلام) وقام بثورته العالمية الموعودة.
وهذه الظروف والاسباب الطبيعية تتمثل في الواقع بالشروط الايجابية الخاصة بقانون الاستبدال التي يجب ان تتكامل في المجتمع البديل وتشارك في اعداد الكوادر القيادية والوزراء والانصار الخاصين بالثورة المهدوية العالمية.
ومن الثابت ايضا في الاحاديث النبوية المبشرة بالمهدي (عليه السلام) ان ثورته عالمية الابعاد، تستهدف الاطاحة بأئمة الكفر والشرك ورموز الضلال والنفاق في العالم وترمي إلى قلع جذور الظلم وتطهير المعمورة من جميع مظاهر الانحراف والفساد.
ومن الثابت - عقلا - ان ثورة بهذا البعد العالمي، وبهذا المستوى من التصميم والتحدي لا بدّ ان تعاديها وتتفق علي حربها والقضاء عليها عواصم الكفر ورايات الضلال كلها.
ومن هذا المنطلق نقول: إنه لا يمكن - عقلا - ان نتصور انتصار الثورة المهدوية بعيدا عن التدخل الاعجازي الا اذا توفرت لها قاعدة اجتماعية ذات ابعاد وامكانيات وقدرات دولية تقوم بمهمة التمهيد لها عالميا على الصعيد الفكري، والسياسي، والجهادي من خلال النزول في ميدان الصراع الدولي وارباك المعادلات السياسية والاقتصادية والعسكرية المتحكمة بالعالم ظلما وجورا، كما تقوم هذه القاعدة الممهدة بتوفير الكوادر القيادية الكفوءة واعداد الجيوش العقائدية المجاهدة لكي تكون بمستوى تحقيق الاهداف الكبرى للثورة المهدوية.
وكل ما ذكرناه لا يتحقق الاّ في ظل تجربة اسلامية تقام قبل ظهور الامام المهدي، تؤمن بولايته وامامته، وامامة آبائه صلوات الله عليهم جميعا، وتسعي لتحقيق مبادئهم واهدافهم في الحياة، وهذا هو معنى حتمية قيام دولة الموطئين للمهدي التي بشرت بها النصوص القرآنية في موضوع الاستبدال، وربطت بينها وبين ولاية أهل البيت في آية الصدقة بالخاتم، ثم جاءت النصوص النبوية شارحة لهذه النصوص القرآنية ومؤكدة حتمية قيام هذه الثورة الاسلامية الموالية لأهل البيت والممهدة لمهديهم الموعود وهذا هو معنى قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء، دعاة حق يقومون بأذن الله فيدعون إلى دين الله». وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إن لأهل بيت نبيكم أمارات... ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي فيدعون له وينصرونه».
وقد تبنى هذا الدليل العقلي ابن خلدون في (مقدمته)، حينما تعرض لعوامل انتصار الثورة المهدوية فقال: «والحق الذي ينبغي ان يتقرر لديك، أنه لا يتم دعوة في الدين والملك الا بوجود شوكة عصبية تظهره وتدافع عنه من يدفعه حتى يتم امر الله فيه، وقد قررنا ذلك من قبل بالبراهين القطعية التي اريناك هناك»(٣٢٤).
وايضا المح إلى هذا الدليل الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي الطائي في كتابه: (الفتوحات) وقال ما هذا نصه: «وان الله يستوزر له - يعني للمهدي - طائفة هيأهم له من مكنون غيبه، وهم على اقدام رجال من الصحابة صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وهم من الاعاجم ما فيهم عربي ولكن لا يتكلمون الا بالعربية»(٣٢٥).
وقد اوضح معنى كلام ابن عربي الشيخ حسن العدوي المالكي فقال: «إن وزراء المهدي من الاعاجم...». ثم قال: «إن المقصود بالأعاجم هم الفرس...». ثم قال: «إن الله يبعث جيشا من خراسان برايات سود نصرة له»(٣٢٦).
ان اصحاب المهدي (عليه السلام) ووزرائه الذين وصفهم ابن عربي على صفات رجال من الصحابة صدقوا ما عاهدوا الله عليه، لا يبلغون هذه الدرجة من الكمال بالمعجزة وانما بالتربية الطبيعية، ومن خلال تجربة الموطئين للمهدي التي تقام في بلاد فارس قبل ظهوره، فتخوض معارك فكرية سياسية وجهادية مختلفة مع اعدائها. تؤهل بعض ابنائها إلى مستوى القيادة والوزارة في دولة المهدي العالمية.
ومن الضروري ان ننبه القراء إلى اننا لا ننفي اجراء الله تعالى المعجزة الخارقة للقوانين الطبيعية على يد وليه وخليفته الامام المهدي (عليه السلام) من اجل اثبات صحة دعوته وصدق انتمائها إلى الله تعالى وبهدف ابطال دعوى كل من يدعي المهدوية كذبا من دون ان يقدر على الاتيان بالمعاجز الالهية التي تثبت صحة مدعاه، ولكن على اي حال لا تكون معاجز المهدي (عليه السلام) هي السبب الاكبر لانتصاره على اعدائه.
الدليل الخامس: المطابقة مع الواقع، وهو من اقوى الادلة العلمية التي تثبت صحة اخبار الغيب، وهو ايضا دليل عام لشموله اخبار الغيب الماضية والحاضرة والمستقبلية، سواء وردت بسند صحيح او حسن أو ضعيف ويشمل حتى التي لم تسند لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كالمسندة للصحابة او التابعين او لتابعي التابعين، أو لبعض المتنبئين، لان الحكم النهائي على صحة جميع انباء الغيب، او عدم صحتها هو مدى مطابقتها مع الواقع الموضوعي الذي تخبر عنه.
اما صحة السند او عدمه فلا يلتفت اليه في دراسة اخبار الغيب، الاّ في اطار دراستها قبل تحققها في الخارج وقد توهم العلامة الصدر في (موسوعة الامام المهدي) حينما اعطى دراسة اسانيد المغيبات اهمية كبرى من دون ان ينتبه إلى هذا المقياس العلمي الذي له وحده الحق في اصدار الحكم النهائي سلبا أو ايجابا عليها.
ومن هذا المنطلق جاء التعبير عن انباء الغيب بدلائل النبوة، ولا يصح اطلاق هذا العنوان عليها الاّ بعد تحققها على ارض الواقع، خلافا لما فعله اكثر ائمة الحديث كالإمام البخاري وغيره من علماء أهل السنة، لأن الخبر الذي لم يكشف الواقع الموضوعي عن صحته ولم يتحقق بعد لا معنى لاعتباره من دلائل النبوة أو علاماتها ومعاجزها.
وقد لاحظنا أن علماء الشيعة اكثر دقة في استعمال هذا العنوان معاجز النبوة او الامامة من علماء أهل السنة لانهم لا يطلقونه الاّ على الاخبار الغيبية الصادرة عن النبي او الامام المعصوم (عليه السلام)، بعد تحققها وثبوت صدقها من خلال مطابقتها مع الواقع الذي تخبر عنه، حينئذ يعتبرونها من دلائل النبوة أو الامامة، ومن معاجزها.
ونحن اذا اخضعنا اخبار الموطئين لهذا المقياس فسوف نجدها تفوق جميع المغيبات في مطابقتها الدقيقة للواقع التاريخي في ماضيه وحاضره، مع أنه لم يتحقق من اخبارها في الواقع الموضوعي الاّ الشيء القليل.
فلو تأملنا في العوامل السلبية الثلاثة وهي التخلي عن قيادة أهل البيت (عليهم السلام)، وترك الجهاد من اجل تطبيق الرسالة وحماية اهدافها في الحياة، ثم التنازل عن تطبيق الشريعة واستبدالها بأنظمة وضعية وعشائرية وحزبية وعائلية ظالمة، فسوف نجدها كلها قد تمت وتحققت في واقع المجتمع العربي المستبدل.
وهكذا بالنسبة للعوامل الايجابية الثلاثة التي تؤهل المجتمع الايراني البديل لحمل الرسالة وقيادة الامة في صراعها السياسي والحضاري مع اعدائها في آخر الزمان فان اكثرها ايضا قد تحققت على ارض الواقع.
ومن تلك العوامل الايجابية التي ظهرت في تاريخ المجتمع الايراني واثبت الواقع تحققها قضية مناولتهم للعلم والدين والايمان من الثريا، وهي القضية التي اشبعناها بحثا وتحقيقا في الموضوعات السابقة.
وسنتأكد من مطابقة اخبار الموطئين مع الواقع الموضوعي الذي تخبر عنه، عندما يقومون بثورتهم الاسلامية، ويقاتلون على الحقّ اصحاب الرايات العباسية والمغربية والسفيانية وغيرها من رايات حكام الدول العربية المنحرفة عن الاسلام، حينئذ سنرى مصداق قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ليضربنكم على الدين عودا كما ضربتموهم عليه بدء». وسنزداد اطمئنانا ووثوقا بصحة قضية الموطئين للمهدي، وبدور أبناء فارس الجهادي في آخر الزمان. حينما نشاهد راياتهم السود تنطلق من بلاد خراسان وقم وطهران لتحرير فلسطين من اليهود المغتصبين في الوقت الذي تعلن فيه الحكومات العربية المتخاذلة الخائنة عن ولائها الصريح لليهود والنصارى واعترافها الذليل بدولة اسرائيل دوليا. فهذا الدليل وحده كاف لإثبات صحة قضية الموطئين للمهدي (عليه السلام).
وفي ضوء هذه الادلة العلمية المؤكدة لصحة قضية الموطئين، من خلال شرحها وتوضيحها لمفاهيم الاستبدال وقوانينه الالهية، نجد أصحاب الموقف السلبي من قضية الموطئين، قد تعاملوا معها بعيدا عن العقلانية والموضوعية العلمية بل بوحي من عواطفهم القومية وغيرتهم على العروبة، متسترين بالغطاء الديني وبعض المفاهيم الاسلامية الواعية، بدعوى تنزيه الفكر الاسلامي من الحركات الشعوبية والنزعات العنصرية، ولو طلبنا من هؤلاء الحريصين على الاسلام ان يقدموا لنا فهما واعيا وتفسيرا صحيحا لظاهرة تفضيل الله لبني اسرائيل على العالمين، في القرآن، لولوا على ادبارهم ناكصين او لجاؤونا بأدلة تعزز الاعتقاد بصة قضية الموطئين باعتبارها تجسد ذات الاطروحة الاهلية التي تمثلت في تجربة بني اسرائيل التي فضلهم الله تعالى بها على العالمين في عصرهم.

* * *
الموضوع الخامس: مع الموطئين في تأملات فكرية واعية

في ظلال أحاديث الموطئين للمهدي
«يأتي قوم من المشرق، معهم رايات سود صغار، يخرجون من خراسان، ثيابهم بيض، وقلانسهم سود، كأن قلوبهم زبر الحديد، شعارهم، امت، امت، هم اصحاب الرايات السود المستضعفون، فيعزهم الله، وينزل عليهم النصر، فلا يقاتلهم احد الا هزموه، اكثر قتلاهم مما يلي المشرق، هم اكرم من العرب فرسا واجود منهم سلاحا، يؤيد الله بهم الدين، دعاة حق يقومون بأذن الله فيدعون إلى دين الله، يرد الله بهم قوما من الكفر إلى الايمان، فان الله ينظر اليهم في الدنيا فيرحم به أهل الارض لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يضرهم خلاف من خالفهم محشوة قلوبهم ايمانا حشوة الرمانة من الحب، رهبان بالليل ليوث بالنهار، رجال عرفوا الله حق معرفته، هم انصار المهدي، في آخر الزمان فمن سمعهم فليأتهم ولو حبوا على الثلج، انها رايات هدى يدفعونها إلى رجل من أهل بيتي».
هذه هي حركة الرايات السود الموطئة للمهدي (عليه السلام) كما وصفتها احاديث البشارة النبوية، فعندما نتأملها ونتصفح في كلماتها المتنوعة وكلماتها الجميلة نحس بتلاقي المعاني، واتحاد المفاهيم واتفاقها على مضمون واحد، رغم الاختلاف الظاهر في عباراتها والتنوع في كلماتها، ممّا يؤكد بأن احاديث البشارة كلها تصف ظاهرة واحدة لحدث اسلامي كبير مرتقب.
ونحس خلال مطالعتنا لهذه البشارة بانها تسطع بأنوار الوحي، وتشع باقباس النبوة لتنير الطريق أمام المجاهدين، وتبعث الامل بقرب النصر الالهي الموعود في نفوس اليائسين وتأخذ بأبصار أهل الارض جميعا نحو بلاد فارس لينظروا بإعجاب واكبار واجلال إلى قوم سلمان أنصار آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آخر الزمان.
لنقف وقفة تأملية في ظلال احاديث الموطئين نستلهم من بعض معانيها الزاخرة بالإيمان والجهاد، ونسترشد ببعض اقباسها ونتنور من عطائها ومفاهيمها المعطرة بأنفاس الوحي وهدي النبوة.
التحقوا برايات الموطئين
«اذا رأيتم الرايات السود قد اقبلت من خراسان فأتوها ولو حبوا على الثلج(٣٢٧)... اذا سمعت الرايات السود مقبلة من خراسان، فكنت في صندوق مقفل عليك فاكسر ذلك القفل وذلك الصدوق حتى تقتل تحتها»(٣٢٨).
ماذا يعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذه الكلمات؟! فبلاد الجزيرة العربية ليست بلادا ثلجية ولم تكن في عصر النبوة مغلقة على احد بل كانت مفتوحة للناس جميعا، لا يمنعهم من الدخول اليها ولا يصد الراغبين منهم بالرحيل عنها احد، وهكذا كانت على شاكلتها بلدان العالم كلّه إلى عصر ليس ببعيد، فماذا يريد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المبشر والرسول المنذر بالصندوق المقفل؟!
إنها عين الغيب الالهي، متوجهة نحو الارض لتنظر إلى المستقبل البعيد في بلاد فارس الجبلية المعروفة بكثرة تساقط الثلوج عليها، لتخبرنا على لسان خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن عواصف ثورة الموطئين للمهدي التي يتفجر بركانها على ارض ايران الجبلية وفي فصل تتساقط الثلوج عليها.
ايّها المسلمون! فمن ارض هذه الثورة سوف ينطلق الزحف المقدس لتحرير فلسطين بقيادة اصحاب الرايات السود، ولمواجهة قوات السفياني المناصر لليهود فاذا سمعتم بالزحف الاسلامي الموطئ للمهدي (عليه السلام) متوجها نحو فلسطين من هناك، فبادروا للالتحاق به ولو حبوا على الثلج.
إنّه اسلوب رباني آخر، لتحديد هوية الثورة والدّعوة لنصرتها والالتحاق براياتها من خلال تحديد موقعها الجغرافي واعطاء مواصفات لمناخها الثلجي الذي يختلف عن مناخ الجزيرة العربية.
والصندوق المقفل ماذا يعني؟!
إنها ايضا رؤيا الغيب الالهي التي تنظر إلى مستقبل العالم الاسلامي في آخر الزمان، عندما يتمزق إلى دويلات صغيرة ويصبح نهبا للطامعين الغزاة، ويتحول إلى صناديق مقفلة على اهله، انها صناديق الحدود الجغرافية المصطنعة التي وضعها الكافرون الغزاة المحتلون لبلادنا بعد ما تقاسموا وطننا الاسلامي الكبير إلى دويلات صغيرة متناثرة متصارعة فيما بينها.
وهي كذلك صناديق الحواجز المذهبية التي لم يعرفها المسلمون في عصر النبوة، وصناديق النزاعات القومية المزيفة التي يفتعلها اعداء الاسلام بين الشعوب الاسلامية المختلفة في لغاتها والوانها، وهي ايضا صناديق الحكومات والسياسات الظالمة المفروضة بالقوة على بلاد المسلمين والتي تحكم فيهم بالنار والارهاب والحديد.
فهذه الصناديق كلها من صنع اعداء الاسلام، والاسلام منها براء واقفالها كلها مصممة على يد الكافرين من اليهود والنصارى حكام السياسة العالمية المستكبرة، وهي جميعها تستهدف سلب المسلمين حريتهم في الاختيار وتصدهم من اتخاذ الموقف الشرعي والقرار السياسي الذي تمليه عليهم عقيدتهم ورسالتهم الالهية.
فاذا تحققت البشارة النبوية بثورة الموطئين على ارض ايران، حينئذ يشتد على المسلمين المجاهدين من عشاق الثورة في العالم الاسلامي الحصار وتكثر الأقفال والصناديق التي تمنعهم من السير على نهجها والالتحاق بركبها الجهادي.
فاذا هبت رياح الثورة الموطئة على العالم، وخربت معادلاته السياسية وايقظت الشعوب المستضعفة من غفوتها والمسلمين المظلومين من نومتهم وبدأت تهز كراسي الحكام الظالمين المتسلطين على شعوبهم بالنار والحديد، واخذت تهدد مخططات المستكبرين وتوجه الضربات لمصالحهم، وانطلق عشاق الثورة في تحطيم الصناديق وتكسير اقفالها المحكمة، حينئذ لا بد ان يفكر اعداء الاسلام والثورة باختراع صناديق واقفال جديدة لمحاربة جيل ثورة الموطئين وانصارها في العالم الاسلامي عند ذلك يزداد عدد الصناديق وتكثر اقفالها من خلال الاعلام الكاذب، والدعايات المزيفة، والافكار المضللة، والثقافة الدينية المسمومة التي تستهدف تشويه حقيقة الثورة الموطئة، والنيل من هيبتها والحط من قدسية قيادتها ومكانة شعبها الثائر المؤمن المجاهد.
ان مخطط صناعة الصناديق والاقفال الجديدة التي تصمم على اعين المستكبرين بعد انتصار الثورة يستهدف اخماد صوتها الاسلامي الثوري الاصولي الهادر المنطلق من ايران نحو العالم الاسلامي، ليتحقق لهم فصل المسلمين عنها ومنعهم من التفاعل معها والسير على نهجها.
ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يبشر امته بهذه الثورة الموطئة لولده المهدي (عليه السلام) ويدعوها إلى وجوب الالتحاق بركبها وينذرها ويحذرها من خطورة الصناديق والاقفال التي تصنع في داخل بلادها وخارجها على اعين اعداء الله لضرب هذه الثورة وفصل الامة عنها، ويأمر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المسلمين جميعا بتحطيم هذه الصناديق وتكسير اقفالها مهما كان حجمها وقوتها، لأنها صناديق وهمية ظالمة لا تريد لهم الا البقاء في اغلالهم واصفادهم في قبضة الحكام الظالمين مستعبدين اذلاء تحت سلطة المستكبرين وفي دائرة نفوذهم السياسي.
الزحف لتحرير القدس
«تخرج من خراسان رايات سود، فلا يردها شيء حتى تنصب بإيلياء(٣٢٩)... فلا يلقاهم احد الاّ هزموه، وغلبوا على ما في ايديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس»(٣٣٠).
إيلياء هي القدس المغتصبة التي عجز حكام العرب المستبدلون عن استرجاعها وتحريرها من ايدي اليهود الغاصبين، فاذا قام ابناء فارس بثورتهم الموطئة للمهدي (عليه السلام) عند ذلك تبدأ بشائر تحرير القدس تلوح في الافق الاسلامي، وترفرف اعلام الثورة والنصر على رؤوس اهلها المشردين خارج الحدود، والقاطنين في داخلها تحت قبضة اليهود.
فان حاولت جيوش الضلال والنفاق العربية الموالية لليهود والنصارى المتمثلة بالرايات العباسية، والمروانية(٣٣١)، والسفيانية، والمغربية الصفراء اعتراض طريق الثوار الزاحفين من ابناء فارس نحو القدس سوف يكون مصيرها الانكسار، والهزيمة، والدمار تاركة معداتها العسكرية واسلحتها القتالية غنائم وافرة لأبطال تحرير فلسطين الذين لا يلقاهم احد الاّ هزموه، وغلبوا على ما في ايديهم حتى تقرب راياتهم بيت المقدس.
فالزحف الاسلامي الجهادي الموطئ للمهدي (عليه السلام) القادم من بلاد ايران نحو بيت المقدس يختلف عن كل زحف سابق عليه، لأنه يمتلك عزيمة ثابتة، وتصميما قاطعا، واصرارا كاملا، وايمانا راسخا يتحدى به كل ما يواجهه من مؤامرات، ويذلل كل ما يلاقيه من عقبات تحاول اعتراض طريق جهاده نحو فلسطين باعتباره زحف الهي مقدس صدر الوعد(٣٣٢) به من الله في قوله تعالى:
﴿فَجَاسُوا خِلاَلَ اَلدِّيَارِ وكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ (الإسراء: ٥)، فلا بد من وصول رجاله المجاهدين من الايرانيين وانصارهم إلى بيت المقدس.
ولكن تحرير فلسطين وتحقيق النصر النهائي على اليهود ليس امرا سهلا هيّنا يتم على ايدي ابناء فارس بين عشية وضحاها في معركة خاطفة كما قد يفهم من كلمات البشارة النبوية، بل تدل الاخبار الخاصة به أنه يمرّ بثلاث جولات من المعارك بين الايرانيين وانصارهم من جهة وبين اليهود وعملائهم من جهة اخرى، وهو المستفاد ايضا من آيات سورة الاسراء الخاصة به.
وهذا امر طبيعي جدا. هل قرأت قضية يوشع بن نون (عليه السلام) والعقبات والمعاناة التي واجهتها في طريق تحرير فلسطين من ايدي الجبارين المغتصبين؟ هل عرفت كيف كان المجاهدون من انصاره يتلقون الطعنات والضربات من الخلف من اخوانهم مرضى القلوب الذين خانوا رسالة موسى (عليه السلام) واعلنوا ولاءهم للجبارين الغاصبين لبلادهم، وشكلوا حزاما امنيا وحاجزا دفاعيا خارج فلسطين لحماية دولة الغاصبين، وحاصروا اخوانهم المجاهدين، في الجبال والغابات والوديان، وشاركوا في تأخير النصر عنهم سبع سنوات؟
ومثل تلك المأساة والمؤامرات أيضا سوف تواجه المقاومين الموطئين وانصارهم من الابدال والنجباء والعصائب، وهم في ثغورهم وطريقهم لتحرير فلسطين.
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا اَلْجَنَّةَ ولَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ اَلْبَأْسَاءُ واَلضَّرَّاءُ وزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ اَلرَّسُولُ واَلَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ الله أَلاَ إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ (البقرة: ٢١٤). ﴿سُنَّةَ الله فِي اَلَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً﴾ (الاحزاب: ٦٢).
تناول الايمان من الثريا
«لو كان الايمان معلقا بالثريا لناله رجال من ابناء فارس»(٣٣٣).
الايمان درجة في الدين ارقى من الاسلام، والاسلام قمة والايمان ذروته، فكيف وصل اليه الفرس وتناولوه من الثريا؟ وهاهم اكثر ابنائه الاوائل ما زالوا في السفح ضائعين تلعب بهم الاهواء السياسية الظالمة، وتمزقهم التيارات الفكرية والمذهبية المختلفة، وتتحكم بهم القوى العالمية المتصارعة والمتنافسة على بلادهم.
يعرض هذا الحديث النبوي صورة رائعة مليئة بالحيوية عن معاناة الفرس في هجرتهم الطويلة، وهم يحاولون الوصول إلى منابع الاسلام الاصيلة رغم العقبات الكثيرة التي تعترض طريقهم.
إنها لوحة فنان بارع مبدع، ترسم حركة تاريخية ضخمة لامة كبيرة في مسيرة طويلة الأمد في معاناة مرّة شاقة، انها هجرة قوم سلمان الفارسي، في رحلة الوصول إلى الايمان، التي يجتازون خلالها صخور بلادهم الجبلية والثلجية، والعوائق الطبيعية والحضارية، والحواجز اللغوية والعرقية، والصراعات المذهبية الدينية والسياسية في داخل الامة الاسلامية، ليصلوا إلى الثريا إلى منابع الاسلام الاصيلة - القرآن والعترة - اللذين قال فيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لامته: «ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي ابدا»(٣٣٤)، فضيعهما العرب ووصلت اليهما امة الفرس.
وتذكرنا هجرة ابناء فارس - وهي تبحث عن منابع الاسلام المحمدي الاصيل المتمثل بالقرآن والعترة - بهجرة سيدهم سلمان الفارسي، يوم ارتحل وحيدا من بلاد الشرك والكفر إلى بلاد التوحيد والايمان، متحملا شتى انواع الاذى من الجوع، والتعب، وذل الاسترقاق، والازدراء، والتحقير، حتى وصل إلى معالي اهدافه إلى منابع الدين والعلم والايمان الاصيلة إلى خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتزمه واخذ ذلك كله منه، واتخذ اخاه وخليفته عليا اماما هاديا، ودليلا مرشدا واذا بهذه الهجرة الفردية المخلصة الصادقة تتحول عبر القرون والاجيال إلى هجرة للامة الفارسية بكاملها إلى منابع الاسلام الاصيلة إلى الثريا إلى القرآن والعترة مقتدية بهجرة ذلك الصحابي المجاهد الكبير والعارف العظيم.
أسعد الناس بالإسلام فارس (٣٣٥)
إنّها شهادة من الله تعالى بسعادة الفرس بالإسلام، ادلى بها خاتم الانبياء في هذه الكلمات الاربع. وشهادة من الله عالم الغيب والشهادة، بهذا المستوى من العظمة، لا بدّ ان تكون محسوسة مشهودة يحس بها ابناء فارس كواقع ملموس في حياتهم، ويشهد لهم بها العالم كلّه، يوم يستنشقون وحدهم هواء الحرية ويتذوقون وحدهم طعم الامان ونعمته وحلاوة الجهاد وبركته، وهم يحملون الدعوة لرسالة الله من اجل اعلاء كلمته، في ظلال دولتهم الاسلامية الموطئة للإمام المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان، في عصر يملأ المستكبرون والجبارون الارض ظلما وجورا والبلاد والعباد خوفا ورعبا، واضطهادا وضلالا وفسادا.
وايّ سعادة لأبناء فارس اعظم من ان تصبح بلادهم معقلا للجهاد والشهادة وبابا من ابواب الجنة تستقبل ملائكة السماء من على ارضها قوافل الشهداء الذين يقدمونهم قرابين في سبيل اعلاء كلمة الله واحياء دينه وتشيد اركان رسالته.
وايّ سعادة اعظم من ان ينالوا شرف تحرير القدس السليبة، ويتحملوا الثقل الاكبر في التمهيد للإمام المهدي (عليه السلام) المنتظر الذي ينقذ البشرية كلها من ظلم المستكبرين ويهزم الكفر والشرك كله، ويطهر الارض من الوان الظلم والفساد، ويكون ابناء فارس في طليعة المجاهدين الذين يؤسسون اركان دولته ويشيدون بنيانها.
وايّ سعادة اعظم من بلوغهم درجة الكمال في الايمان بعد تمسكهم بالكتاب وبولاية أهل البيت، اللذين ما ان تمسك بهما مسلم فلن يعرف الضلال والضياع والشقاء في الدنيا ابدا، وهو في يوم القيامة مع محمد وأهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين في النعيم خالدا.
من ثغور الموطئين الجهادية
عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «بابان مفتوحان في الدنيا للجنة، عبادان وقزوين(٣٣٦)، نعم السكن حينئذ عبادان، النائم فيها كالمجاهد في سبيل الله(٣٣٧)...
قزوين الشهداء فيها يعدلون عند الله شهداء بدر»(٣٣٨). «لا تزال طائفة من امتي يقاتلون على ابواب الطالقان وما حولها، ظاهرين على الحق لا يبالون من خذلهم، ولا من نصرهم، حتى يخرج الله كنزه من الطالقان فيحيي بهم دينه كما أميت من قبل»(٣٣٩). «وان لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله اذا شاء، دعاة حق يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله»(٣٤٠).
تذكر هذه الاحاديث ثلاثة ثغور لدولة الموطئين، وهي: قزوين، والطالقان، وعبادان. وستشهد هذه الثغور اعنف المعارك بين المجاهدين الايرانيين واعداء ثورتهم الاسلامية. و(قزوين) مدينة ايرانية شهيرة، بينها وبين (طهران) العاصمة سبعة وعشرون فرسخا، فتحت في خلافة عثمان على يد الصحابي البراء بن عازب سنة (٢٤ هـ)، وكانت في فترة من الزمن عاصمة لبلاد ايران.
والاخبار في فضلها والحث على المرابطة والقتال والشهادة في ثغورها كثيرة. اشترك في روايتها عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عدد كبير من الصحابة، منهم: الامام علي (عليه السلام)، وابو ذر الغفاري، وجابر بن عبد الله الانصاري، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وانس، وابو الدرداء، وبريدة الاسلمي، وأوس بن عبد الله، وابو هريرة، وآخرون.
اما (الطالقان) فهي مجموعة قرى متفرقة تحيط بها جبال واودية كثيرة، متصلة بمدينة قزوين وتأتي بعدها من حيث الفضل واهمية المرابطة والقتال والشهادة على ارضها في روايات أهل السنة. مدينة (قزوين) ثم مدينة (عبادان) بعدهما.
و(عبادان) تعتبر احدى أهم مدن ايران من حيث الثروة النفطية، ففيها اكبر واشهر مرفأ في العالم لتكرير النفط الخام وتصديره، وتقع في جنوب ايران على الحدود العراقية من جهة مدينة البصرة.
ومن الملاحظ ان الاحاديث التي ذكرت فضل المرابطة والشهادة في هذه المدن الثلاثة، خصت ذلك الفضل والمديح والثناء باهل آخر الزمان، مما يؤكد انها معنية بوصف الجانب الجهادي من حركة ثورة الموطئين التي تنطلق من بلاد ايران في آخر الزمان.
والتركيز على هذه المدن الايرانية في الحديث عن معارك الموطئين الجهادية يدل بانها ستشهد اكبر الملاحم القتالية واعنفها خطورة واشدها ضراوة بين الثوار الايرانيين والمعتدين على دولتهم.
ومعارك الايرانيين مع اعدائهم في جبهة عبادان ذكرت بصراحة في عدد من الاحاديث النبوية التي مرت علينا سابقا(٣٤١)، ويقدم الموطئون في هذه الجبهة اكثر شهدائهم. وهو معنى الحديث القائل: «اكثر قتلاهم فيما يلي المشرق»(٣٤٢).
اما معاركهم في جبهة قزوين فلا نعرف عنها شيئا في روايات أهل السنة.
نعم وردت روايات مجملة بشأنها من طرق أهل البيت (عليهم السلام) سنتطرق لها في الحلقة الخاصة باخبار الموطئين المروية من طرق أهل البيت (عليهم السلام) ان شاء الله تعالى.
اما معاركهم في ثغور الطالقان، فإنها ترتبط بالفتنة السياسية الداخلية، التي ستعصف بالمجتمع الايراني نتيجة لمؤامرة داخلية تستهدف اسقاط دولة الموطئين، وحرف مسيرة ثورتهم الاسلامية عن دورها الرسالي والجهادي الممهد لثورة الامام المهدي العالمية.
وعلى اعقاب مؤامرة اسقاط الدولة الموطئة تخرج كنوز الله تعالى من الطالقان، وهي ليست من ذهب ولا فضة، وانما هم دعاة حق ورجال حرب وجهاد، يقومون بإذن الله فيدعون إلى دين الله لإحيائه من جديد في بلادهم، بعد محاولة سحقه واماتته.
ومعارك الموطئين في ثغور الطالقان ضد المتآمرين على ثورتهم ترتبط مباشرة بحركة الثورة المهدوية العالمية، لان قيادتها العسكرية من وزراء المهدي (عليه السلام) ومن اصحابه المقربين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم اجمعين.
يقرأون القرآن ويدعون إلى الجهاد والشهادة
عن جابر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «ما من قوم أحبّ إلى الله تعالى من قوم حملوا القرآن وركبوا إلى التجارة التي ذكرها الله ﴿تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. قرأوا القرآن وشهروا السيوف، يسكنون بلدة يقال لها: (قزوين). يأتون يوم القيامة وأوداجهم تقطر دما، يحبهم الله ويحبونه، تفتح لهم ثمانية ابواب الجنة، فيقال لهم: ادخلوا من ايها شئتم»(٣٤٣).
وصف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا الحديث الثلة المجاهدة في حركة الموطئين، بنفس الاوصاف القرآنية الخاصة بالمجاهدين في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ؟ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ ورَسُولِهِ، وتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِكُمْ وأَنْفُسِكُمْ. ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، ويُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهَارُ، ومَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ، ذَلِكَ اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ * وَأُخْرى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ الله وفَتْحٌ قَرِيبٌ، وبَشِّرِ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الصف: ١٠ - ١٣).
ومما يلفت الانتباه ان هذه الآيات جاءت مباشرة في سورة (الصف) بعد الآيات المبشرة بظهور الامام المهدي (عليه السلام)، وقضائه على الاديان الكافرة والمشركة كلها وانتصار الاسلام على يديه عالميا في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ الله بِأَفْوَاهِهِمْ، واَللهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْكَافِرُونَ * هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: ٨ - ٩).
وقد المحنا إلى بعض المعاني لتفسير هذه الآيات في الفصل الاول عندما تكلمنا عن الولاية السياسية بين اليهود والنصارى التي تستهدف - في آخر الزمان - ضرب الاسلام واطفاء نوره، عندما يعود من جديد لقيادة الحياة في بلاد ايران. وذكرنا هناك ان الله تعالى سيحبط مخطط الكافرين والمشركين على يد وليه الاكبر القائد المهدي المنتظر. وهذا ما صرحت به الاخبار الصحيحة من طريق الفريقين(٣٤٤).
وذكر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث جابر وصفا آخرا للمجاهدين الايرانيين في ثغور قزوين وهو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يحبهم ويحبونه». وهو الوصف المذكور لهم في سورة المائدة التي هددت المجتمع العربي بالطرد والاستبدال من موقع قيادة الامة، والاتيان بقوم أفضل منه لهذه المسؤولية الالهية العظيمة، قوم يحبهم الله ويحبونه، لا تأخذهم لومة لائم في قتال الكافرين والمشركين من اليهود والنصارى.
وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ويُحِبُّونَهُ، أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ، أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكَافِرِينَ، يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ولاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ. ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، واَللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (المائدة: ٥٤).
ومن الاوصاف التي ذكرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حديث جابر الخاصة بالمجاهدين في مجتمع الموطئين، والمرابطين منهم في ثغور قزوين هي: انهم على علاقة دائمة صميمية بكتاب الله، يقرؤونه آناء الليل واطراف النهار، ويرتلونه ترتيلا، ويحملون رسالته للعالمين، في الامن والسلام، وفي جبهات الجهاد وسوح القتال والشهادة. كما وصفهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «قوم حملوا القرآن...
قرأوا القرآن، وشهروا السيوف...». ونظير هذا الوصف قوله: «أهل المشرق كأن قلوبهم زبر الحديد، رهبان في الليل، ليوث في النهار»(٣٤٥).
والاحاديث المروية من طرق الفريقين تؤكد بشكل واضح وصريح بان حملة رسالة القرآن في آخر الزمان هم المجاهدون من قوم سلمان(٣٤٦)، باعتبارهم المجتمع الاسلامي الذي اختاره الله قاعدة لنشر رسالة الاسلام في العالمين، ومواصلة المسيرة النبوية بعد تراجع المجتمع المستبدل عنها.
ومن المحتم ان يواجه الثوار الايرانيون مختلف الصعوبات وهم يحاولون اعادة رسالة القرآن في ابعادها السياسية إلى واقع الامة، التي انحرفت عن الاسلام واصبحت اسيرة بيد اعدائها من اليهود والنصارى ووكلائهم من مرضى القلوب.
ولا بد ان تفرض عليهم تلك الصعوبات، وان يحملوا السلاح بيد ورسالة القرآن باليد الاخرى، ليرعبوا المتآمرين على الاسلام، وينقذوا الامة من اسر اعدائها، ويحطموا الاغلال التي تكبل ايديها، ويحققوا اهداف الدين في الحياة تحت ظل السيف.
ان المجتمع الرسالي المتفاعل مع رسالة القرآن بوعي وصدق واخلاص، ويتفهم اهدافها الالهية، ويسعى لتطبيق تكاليفها الايمانية، والشرعية، والجهادية، والسياسية في واقعه، ويقدم الغالي والنفيس من اجل تحكيم مبادئها، وقيمها، واهدافها في العالمين. أهلا ان تفتح له ابواب الجنة الثمانية، ويقال لأبنائه المجاهدين: ادخلوا من اي باب شئتم.
وهكذا يتضح ان حديث جابر عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في فضل المرابطين من الايرانيين في ثغور قزوين، هو من اكمل الاحاديث الغيبية وأدقها في وصف حركة ثورة الموطئين، ودورهم الجهادي والرسالي في مواجهة اعداء الامة، وتطبيق اهداف الدين في الحياة. لأنه استطاع ان يجمع بين اوصاف المجتمع البديل المذكورة له في آيات الاستبدال، وبين اوصافه المذكورة في الاحاديث المبشرة بثورته الموطئة للمهدي (عليه السلام).
وقد استهدف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في هذا الحديث التأكيد للامة بأن ثورة الموطئين هي التطبيق الواقعي لحركة الاستبدال في آخر الزمان الموعودة في القرآن.

* * *
خاتمة الكتاب

بعد أن اكمل القارئ العزيز مطالعة هذا الكتاب لا شك انه وجد قانون الاستبدال الالهي، بعوامله السلبية والايجابية، وبنصوصه القرآنية والنبوية، هو الأساس المتين لإثبات حتمية قيام ثورة الموطئين، والمنطلق لتكامل صرحها الفكري الشامخ في التصور الاسلامي، وايضاح أهدافها العقائدية والسياسية والجهادية في صراعها مع أئمة الكفر من اليهود والنصارى، ورؤوس الضلال من المنافقين ومرضى القلوب في الامة، وعلاقة ذلك كله بالمؤامرة الدولية على الاسلام المحمدي الاصيل الذي ستنطلق ثورته من بلاد ايران في آخر الزمان.
ولقد بات واضحا من خلال مطاف البحث أن أدلة النصوص القرآنية الصريحة، والنبوية المتواترة والصحيحة، بالإضافة إلى معطيات الواقع التاريخي والموضوعي المعاصر للمجتمعين العربي والفارسي في ماضيه وحاضره، هي التي فرضت علينا الايمان بصحة هذه الحتمية الالهية والبشارة النبوية التي لا بد ان يشهد العالم تفجر بركان ثورتها الاسلامية على ربوع بلاد فارس لتقوم بدور التمهيد سياسيا وفكريا وجهاديا للثورة المهدوية العالمية المرتقبة.
وبات واضحا ايضا انه ليس لكاتب هذا الكتاب من دور هام في اثبات هذه الحقيقة الغيبية الا بقدر الاخذ بالأيدي والابصار والافكار نحو نصوصها القرآنية والنبوية لتكتشفها وتنظر من خلالها إلى صرحها الفكري الشامخ بإكبار واعجاب لأنها من اكبر واوضح دلائل نبوة خاتم المرسلين في آخر الزمان.
مدح الفرس وذم العرب
لعل بعض القراء يستشعرون في كلمات الكتاب واسلوبه، بعض القساوة والتحامل على المجتمع العربي المسلم صاحب الفضل الاول في حمل رسالة الدين إلى العالمين والذي عمل قرونا طويلة على ترسيخ مفاهيمها الالهية وقيمها الدينية، ومبادئها السياسية والتشريعية والجهادية في شرق الارض وغربها، فكان القاعدة الاجتماعية الاولى التي اختارها الله تعالى منطلقا لتجربة الاسلام السياسية بقيادة خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
والانصاف أن المتأمل في معاني تلك الكلمات القاسية وسياقها في البحث سوف يجد لغة النصوص القرآنية والنبوية وأدلتها الواضحة هي التي قست على العرب المستبدلين وتناولتهم بأعنف الكلمات ووصفتهم باهجن الاوصاف، كالنفاق، والارتداد، ومرض القلب، والولاية لليهود والنصارى، والجبن في قتال الكافرين، واستيلاء الوهن على قلوبهم، والافساد في الحكم، وقتل عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد اغتصاب حقوقهم وتشريدهم ومطاردتهم في البلاد، وتهديم بيت الله وتعطيل دوره، وهجر شريعة القرآن، وقطع الارحام، والركون إلى الظالمين... والتاريخ الاسلامي الذي خضع لتجربة الدين السياسية التي أشرف على قيادتها العرب المغتصبون لخلافة أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأيضا الواقع السياسي للمجتمعات العربية المعاصرة يصادق على كل هذه الاوصاف التي وصفهم بها الوحي في مغيباته القرآنية والنبوية.
وكل هذه الاوصاف السلبية انما لحقتهم نتيجة انحرافهم عن مقومات المجتمع الرسالي الثلاثة فهم لم يتسمكوا بالثقلين وهما الكتاب والعترة اللذان قال فيهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا». والتمسك بالثقلين من أهم مقومات المجتمع الرسالي الملتزم بحق الطاعة والعبودية المخلصة والمطلقة للّه تعالى، بالإضافة إلى تخليهم عن نهج الثقلين الجهادي في حماية المجتمع الاسلامي من الكفر والنفاق والضلال.
ان المتأمل في تلك الكلمات القرآنية والنبوية، التي تذم المجتمع العربي، يعلم بل يقطع بأنها لم تقصد منه الا الجماعات المنحرفة عن نهج الاسلام المحمدي الاصيل، المستمد من الثقلين وبالأخص حكام العرب اولياء اليهود والنصارى، والجماعات الاسلامية المزيفة المتاجرة سياسيا بالإسلام والامة، وعلماء الدين المرتزقة المترفين المتخاذلين عن الجهاد، وكل من اقتدى بهؤلاء الثلاثة خونة الامة والرسالة، وسار على نهجهم في المجتمعات العربية.
اما الجماعات الاسلامية المؤمنة المجاهدة، التي لا تركن للظالمين ولا توالي اليهود والنصارى، فهذه خارجة تخصصا عن عموم الخطابات التي تذم المجتمع العربي بسبب انحرافه عن نهج الايمان وابتعاده عن شريعة القرآن.
والكلام نفسه يقال بالنسبة للنصوص التي تمدح قوم سلمان في آخر الزمان، فإنها على اطلاقها وعمومها لا تشمل الا القائد الأعلى لثورتهم الاسلامية والمؤمنين السائرين على نهجه والممتثلين لتوجيهاته المستمدة من الثقلين، وفي طليعتهم كنوز الطالقان والقيادات المخلصة والجماعات المؤمنة المجاهدة التي لا توالي اليهود والنصارى في تجربة الموطئين للمهدي (عليه السلام).
أما الجماعات والقيادات الاسلامية الخائنة من رجال ثورة الموطئين للمهدي والمنحرفة عن نهج الثقلين والمتمردة على قيادة الولاية الالهية التي اختارها الله تعالى من قوم سلمان لقيادة الامة في صراعها مع الكفر والنفاق في آخر الزمان، فهذه خارجة تخصصا عن عموم تلك الخطابات، بل وردت أحاديث صريحة عن أهل البيت (عليهم السلام) بذمهم، بعد أن وصفتهم بالشيعة المتمردين على قيادة وتوجيهات الولاية الالهية.
نعوذ بالله من شرور انفسنا وسيئات اعمالنا، ونسأله العاقبة على الهدى، حين حلول العلامات الاخيرة المتلاحقة المبشرة بظهور الامام المهدي (عليه السلام) التي وصفها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بـ «نظام الخرز» أو «كعقد انقطع سلكه» حيث يصبح المؤمن كافرا والكافر مؤمنا من شدة الفتن، التي تترك الحليم حيران، ومن يشق الشعرة بشعرتين مذهولا على حد تعبير خاتم المرسلين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلا يهتدي إلى الحق فيها الا من اقتبس من نور الامامة والولاية، واغترف من هديها وهداها، وسيغرق في ظلام الضلال اولئك الذين يعتقدون بان علامات الظهور ليس الهدف من ورائها الا بعث الامل في نفوس المسلمين عند حالات اليأس واشتداد الفتن. فلم يلتفتوا إلى هداها ونورها واهدافها الرسالية والسياسية العظيمة، وغابت عليهم كما غابت على بعض الصحابة اهداف وفوائد المغيبات النبوية الخاصة بملاحم امير المؤمنين (عليه السلام) في معارك الجمل، وصفين، والنهروان، وانطلقوا يحاربون رمز العدل وصوت الحق الذي دعاهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمتابعته حتى لو سلك الناس كلهم في واد وسلك هو لوحده في واد آخر. فعميت بصائرهم عن الحق وراية الهدى قبل أن تعمى ابصارهم، وهكذا سيكون الموقف من قضية الموطئين في واقع بعض المسلمين، والتاريخ يعيد نفسه، ولتتبعن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل...
هذا آخر ما خطه القلم، بيد اقل طلبة العلم مهدي الشهير بالفتلاوي، العراقي مولدا ونشأة، اليماني والطائي اصلا ونسبا. والحمد للّه أولا وآخرا والصلاة على محمد وأهل بيته الأطهرين في البداية والنهاية...

* * *
مصادر الكتاب

كتب التفسير
القرآن الكريم
١ - التفسير الكبير للفخر الرازي
٢ - المحجة للعلامة البحراني
٣ - تفسير الميزان للعلامة الطباطبائي
٤ - تفسير البيضاوي
٥ - تفسير الثعلبي
٦ - تفسير الدر المنثور للسيوطي
٧ - تفسير الصافي للفيض الكاشاني
٨ - تفسير الطبري
٩ - تفسير القرطبي
١٠ - تفسير الكشاف للزمخشري
١١ - شواهد التنزيل للحاكم الحسكاني
١٢ - غريب القرآن للراغب الاصفهاني
كتب الحديث
١٣ - التذكرة للقرطبي
١٤ - الجامع الصغير للسيوطي
١٥ - الرياض النضرة للمحب الطبري
١٦ - الفتاوى المدنية لابن حجر
١٧ - المصنف لابن ابي شيبة
١٨ - المصنف للصنعاني
١٩ - المطالب العالية للهيثمي
٢٠ - المعجم الأوسط للطبراني
٢١ - الموطأ للإمام مالك
٢٢ - بحار الانوار للمجلسي
٢٣ - تلخيص مستدرك الصحيحين للذهبي
٢٤ - جامع الاصول لابن الاثير
٢٥ - جمع الجوامع للسيوطي
٢٦ - حلية الاولياء لابي نعيم
٢٧ - خصائص النسائي للنسائي
٢٨ - دلائل النبوة للبيهقي
٢٩ - ذخائر العقبى للطبري
٣٠ - سنن ابن ماجة
٣١ - سنن ابي داود
٣٢ - سنن الدارمي
٣٣ - سنن الداني
٣٤ - سنن النسائي
٣٥ - صحيح البخاري
٣٦ - صحيح الترمذي
٣٧ - صحيح مسلم
٣٨ - فرائد السمطين للحمويني
٣٩ - خريدة العجائب لابن الوردي
٤٠ - كنز العمال للمتقي الهندي
٤١ - كنوز الحقائق للمناوي
٤٢ - مجمع الزوائد للهيثمي
٤٣ - مستدرك الصحيحين للحاكم
٤٤ - مسند احمد بن حنبل
٤٥ - مسند الحميدي للحافظ الحميدي
٤٦ - مشكاة المصابيح للخطيب التبريزي
٤٧ - مشكل الآثار للطحاوي
٤٨ - مصابيح السنة للبغوي
٤٩ - وسائل الشيعة للحر العاملي
كتب التاريخ والسّير
٥٠ - ابو حنيفة تاريخه وعصره أبو زهرة
٥١ - اسد الغابة لابن الاثير
٥٢ - اعيان الشيعة للأميني
٥٣ - الاخبار الطوال للدينوريغ
٥٤ - الاصابة في معرفة الصحابة لابن حجر
٥٥ - الامام الحسين عبد الله العلائلي
٥٦ - الامام الشافعي أبو زهرة
٥٧ - الامامة والسياسة لابن قتيبة
٥٨ - البدء والتاريخ للبلخي
٥٩ - التهذيب لابن عساكر
٦٠ - السيرة الحلبية للشافعي
٦١ - الطبقات الكبرى لابن سعد
٦٢ - العقد الفريد لابن عبد ربه
٦٣ - المسالك والممالك للاصطخري
٦٤ - الملل والنحل للشهرستاني
٦٥ - انساب الاشراف للبلاذري
٦٦ - تاريخ ابي الفداء
٦٧ - تاريخ الاسلام للحافظ الذهبي
٦٨ - تاريخ الطبري
٦٩ - تاريخ الغيبة الصغرى لمحمد الصدر
٧٠ - تاريخ الغيبة الكبرى لمحمد الصدر
٧١ - تاريخ المذاهب الاسلامية محمد أبو زهرة
٧٢ - تاريخ اليعقوبي
٧٣ - تاريخ بغداد للخطيب البغدادي
٧٤ - تاريخ قم للحسين بن علي القمي
٧٥ - تاريخ ما بعد الظهور لمحمد الصدر
٧٦ - تاريخ مذهبي قم (بالفارسية) علي اصغر فقيهي
٧٧ - تذكرة الحفاظ للذهبي
٧٨ - ثورة الحسين محمد لشمس الدين
٧٩ - فدك في التاريخ للشهيد محمد باقر الصدر
٨٠ - كتاب العبر لابن خلدون
٨١ - مروج الذهب للمسعودي
٨٢ - مقاتل الطالبيين للراغب الاصفهاني
٨٣ - مقتل الحسين للخوارزمي
٨٤ - مناقب ابي حنيفة للمكي
٨٥ - مناقب ابي حنيفة للموفق بن أحمد
٨٦ - مناقب الشافعي للرازي
كتب مهدوية
٨٧ - ابراز الوهم المكنون احمد بن الصديق الازهري
٨٨ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان للمتقي الهندي
٨٩ - البيان في اخبار صاحب الزمان للحافظ الكنجي القرشي
٩٠ - الفتن لابن حماد
٩١ - القول المختصر لابن حجر الهيثمي
٩٢ - الملاحم والفتن لابن المنادي
٩٣ - الملاحم والفتن لابن طاووس
٩٤ - شرح القطر الشهدي لمحمد الشافعي
٩٥ - عصر الظهور للشيخ الكوراني
٩٦ - عقد الدرر ليوسف الشافعي
٩٧ - كتاب الغيبة للطوسي
٩٨ - مبادئ الثقافة المهدوية للمؤلف
٩٩ - الاشاعة للبرزنجي
كتب متفرقة
١٠٠ - اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي
١٠١ - اضواء على السنة المحمدية محمد أبو رية
١٠٢ - الحاوي للفتاوى للسيوطي
١٠٣ - الصواعق المحرقة لابن حجر الهيثمي
١٠٤ - الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيثمي
١٠٥ - الفتوح لابن أعثم
١٠٦ - الفتوحات الملكية لابن عربي
١٠٧ - الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي
١٠٨ - الفكر الشيعي والنزعات الصوفية الدكتور الشبيبي
١٠٩ - الفوائد المجموعة في الاحاديث الموضوعة للشوكاني
١١٠ - القول المسدد في الذب عن مسند الامام أحمد
١١١ - الكنى والاسماء
١١٢ - المتفق للخطيب
١١٣ - المراجعات لشرف الدين
١١٤ - المقالات والفرق لسعد بن خلف
١١٥ - الموافقات للشاطبي
١١٦ - النص والاجتهاد لشرف الدين
١١٧ - النهاية في اللغة لابن الاثير
١١٨ - تذكرة الموضوعات
١١٩ - جامع البيان للطبري
١٢٠ - خريدة العجائب لابن الوردي
١٢١ - رجال النجاشي
١٢٢ - سفر التكوين
١٢٣ - شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد
١٢٤ - فتح الباري للعسقلاني
١٢٥ - فيض القدير للمناوي
١٢٦ - لسان العرب لابن منظور
١٢٧ - لسان الميزان لابن حجر العسقلاني
١٢٨ - لوائح الانوار الالهية للسفاريني
١٢٩ - مشارق الانوار للشيخ حسن المصري
١٣٠ - معالم المدرستين مرتضى العسكري
١٣١ - معجم البلدان للحموي
١٣٢ - معجم المؤلفين رضا كحالة
١٣٣ - مغني اللبيب لابن هشام الانصاري
١٣٤ - مقدمة ابن خلدون
١٣٥ - نور الابصار للشلبنجي
١٣٦ - نهاية البداية لابن كثير الحنبلي
١٣٧ - نهج البلاغة تحقيق صبحي الصالح
١٣٨ - نهج الحق وكشف الصدق للعلامة الحلي
١٣٩ - هوية التشيع الدكتور الوائلي
 

مصادر الأحاديث حسب ترقيم الحديث:
ــــــــــــــــــــــ

(١) - سنن ابن ماجة ج ٢ ح ٤٠٨٨، البدء والتاريخ ج ٢ ص ١٧٤، مجمع الزوائد ج ٧ ص ٣١٨، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٠، ونهاية البداية ج ١ ص ٤١، الفتاوى الحديثية ص ٤٠، المنار المنيف ص ١٤٥، البيان ص ١٠٥، فرائد السمطين ج ٢ ص ٣٣٣، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٦٥٧، المعجم الاوسط للطبراني ج ١ ح ٢٨٧.
(٢) - الفتن، لابن حماد ص ٨٨، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧٠، عقد الدر ص ١٢٨، ستأتي تفاصيل معارك الموطئين مع السفياني ابتداء من حديث رقم ٤٣ إلى حديث رقم ٦٤.
(٣) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٧، سنن الداني ص ٩٨، الفتاوي الحديثية ص ٤٢، البرهان باب ٧ ح ١٧.
(٤) - خريدة العجائب ص ٢٥٧.
(٥) - سنن ابي داود ج ٤ ح ٤٢٩٠ مصابيح السنة ج ٣ ص ٤٩٤، الملاحم والفتن لابن المنادي ص ٤٢، جامع الاصول ج ١٢ ح ٨٨٥١.
(٦) - سنن ابن ماجة ج ٢ ص ٤٠٨٢، مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٤٦٤، الفتن، لابن حماد ص ٨٤، نهاية البداية ج ١ ص ٤١، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٠، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٦٧٧، مصنف ابن ابي شيبة ج ١٥ ح ١٩٥٧٣، ذخائر العقبى، ص ١٧، المنار المنيف ص ١٤٩ ح ٣٤١، الدر المنثور ج ٦ ص ٥٨، الكنى والاسماء ج ٢ ص ٢٦، ملاحم ابن المنادي ص ٤٤.
(٧) - الفتن، لابي حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨، عقد الدرر ص ١٣٠، البرهان باب ٧ ح ١٠.
(٨) - كنز العمال ج ١١ ح ٣١٥١٤، جمع الجوامع ج ٢ ص ٢١٢.
(٩) - مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٥٠٢، الفتن، لابن حماد ص ٨٤، مسند الامام احمد ج ٥ ص ٢٧٧، دلائل النبوة ج ٦ ص ٥١٦، الجامع الصغير ج ١ ح ٤٦٨، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٦٥١، سنن الداني ص ٩٣، مشكاة المصابيح ج ٣ ح ٤٦١.
(١٠) - الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٤، عقد الدر ص ١٢٩، البرهان (باب ٧ ح ٥).
(١١) - الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ١٣٧، نقلا عن كتاب فتن السليلي.
(١٢) - سنن الدائي ص ١٠٤، التهذيب لابن عساكر ج ١ ص ١٩٦، مجمع الزوائد ج ٨ ص ٦، رواه ناقصا، جامع البيان للطبري ج ١٥ ص ١٧.
(١٣) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤.
(١٤) - كنز العمال ج ١٤ ح ٣٩٦٨٠.
(١٥) - سنن ابن ماجة ج ٢ ح ٤٠٩، مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٥٤٨، كنز العمال ج ١١ ح ٣١٧٦٦، عقد الدر ص ١٢٢، الفتن بن حماد ص ١٣٢، جمع الجوامع ج ١ ص ٩٤.
تنبيه: كل ما نذكره من كلمات بين المعقوفتين من هذه الاحاديث، فهي من عندنا، حيث لا يستقيم معنى الحديث بدونها في نظرنا.
(١٦) - الفتن، لابن حماد ص ٨٦، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩، البرهان ص ١٢٠.
(١٧) - كنز العمال ج ١٢ ح ٣٥٠٩١.
(١٨) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١٠٥.
(١٩) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١١٤.
(٢٠) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٩٧٠٩.
(٢١) - كنز العمال: ج ١٢ ح ٣٥١١٣.
(٢٢) - شرح نهج البلاغة ج ٧ ص ٤٨، وفي الاصل قال: (دعاؤه حق)، وهو تصحيف.
(٢٣) - كنز العمال ج ١٢ ح ٣٥٠٥٤، عقد الدرر ص ١٢٢.
(٢٤) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٨٨٢٠.
(٢٥) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١٠١.
(٢٦) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٩٦٧٩، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج ١ ص ٢٧٦، الملاحم والفتن لابن المناوي ص ٦٤.
(٢٧) - سنن الداني ص ٧٨، عقد الدرر ص ٤٦.
(٢٨) - الفتن لابي حماد ص ٥٩ وص ٨٢، كنز العمال ح ١١ ح ٣١٤٩٧.
(٢٩) - سنن الترمذي ج ٤ ح ٢٢٦٩، القول المسدد في الذب عن مسند الامام احمد ص ٥٩ ح ١٣، الفتن، لابن حماد ص ٥٦، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٦٥٢.
(٣٠) - الفتن، لابن حماد ص ١٠١، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨، البرهان باب ٢١٧.
(٣١) - الفتن، لابن حماد ص ٨٨، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٩٦٦٩.
(٣٢) - ابراز الوهم المكنون: ص ١٠١ وأيضا ص ١٤٠ ح ٥٩، رواه عن أبي الشيخ في كتاب الفتن.
(٣٣) - سنن الداني ص ١٤٣، صحيح مسلم ج ١ ح ٢٤٧ من كتاب الايمان، لكنه لم يذكر اسم المهدي، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٨٣، عقد الدرر ص ٢٣٠.
(٣٤) - مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٨٨، كنز العمال ج ٢ ح ٣٥٠٥٣.
(٣٥) - مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٦٠، رواه ابو يعلى ورجاله ثقات.
(٣٦) - مجمع الزوائد ج ٧ ص ٢٨٨، رواه عبد الله وجادة عن خط ابيه، والطبراني ورجاله ثقات.
(٣٧) - الفتن، لابن حماد، ص ١٦٨.
(٣٨) - الفتن، لابن حماد، ص ٧٢، كنز العمال ج ١١ ح ٣١٤٢٢.
(٣٩) - الفتن، لابن حماد ص ٧٣.
(٤٠) - الفتن، لابن حماد: ص ٧٣.
(٤١) - الفتن، لابن حماد، ص ٧٣.
(٤٢) - الفتن، لابن حماد ص ٧٠.
(٤٣) - الفتن، لابن حماد ص ٧٧، كنز العمال ج ١١ ح ٣١٥٣٦، ذكر بتفاوت يسير.
(٤٤) - الفتن، لابن حماد ص ٥٧، كنز العمال ج ١١ ح ٣١٥٣١.
(٤٥) - الفتن، لابن حماد ص ٧١ - ٧٢.
(٤٦) - الفتن، لابن حماد ص ٧٩.
(٤٧) - الفتن، لابن حماد ص ٧١.
(٤٨) - الفتن، لابن حماد ص ٧٧.
(٤٩) - الفتن، لابن حماد ص ٧٣، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٤٩.
(٥٠) - الفتن، لابن حماد ص ٧١، عقد الدرر ص ٥٣.
(٥١) - الفتن، لابن حماد ص ٧٤.
(٥٢) - الفتن، لابن حماد ص ٥٩، كنز العمال ج ١١ ص ٣١٤٣٩.
(٥٣) - الفتن، لابن حماد ص ٨٢، مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٥٠١، كنز العمال ج ١١ ح ٣١٥٣٧، عقد الدرر ص ٨٧.
(٥٤) - تفسير الطبري ج ٢٢ ص ٧٢، تفسير القرطبي ج ١٤ ص ٣١٤، التذكرة ج ٢ ص ٦٠٩.
(٥٥) - الفتن، لابن حماد ص ٨٩، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧١، عقد الدرر ص ٥٦، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٥٧، وفيه اختلاف يسير.
(٥٦) - الفتن، لابن حماد ص ٧٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧٥، عقد الدرر ص ٥٦.
(٥٧) - الفتن، لابن حماد ص ٨٦، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٩٦٦٧، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩.
(٥٨) - الفتن، لابن حماد ص ٨٨.
(٥٩) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٩٦٦٦، الفتاوي الحديثية ص ٤٠.
(٦٠) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٩٦٧٣، الفتاوي الحديثية ص ٤١، البرهان باب ٦ ح ١١، والحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧٧، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٦٣.
(٦١) - التذكرة ص ٦١٠.
(٦٢) - الفتن، لابن حماد ص ٨٣.
(٦٣) - التذكرة ج ٢ ص ٦١٢، عقد الدرر ص ٨١ - ٨٤، سنن الداني ص ١٠٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٨٢، البرهان الباب الرابع، حديث ٣٦، الفتاوي الحديثية ص ٣٧. هذا الحديث ربما مصحف من قوله: «اذا خرجت الرايات السود تطلب العرب».
(٦٤) - عقد الدرر ص ٨٧. وقد روي هذا الحديث بسند موثق من طرق أهل البيت (عليهم السلام)، راجع البحار ج ٥٢ ص ٢٣٧ ح ١٠٥.
(٦٥) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩، عقد الدرر ص ١٢٩، البرهان، الباب السابع حديث ١٢، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٥٥.
(٦٦) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٥١، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٧، البرهان باب ٤ حديث ٢٢.
(٦٧) - الفتن، لابن حماد ص ٩٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧١، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٦٤.
(٦٨) - الفتن، لابن حماد ص ٧٤، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٤٩، الا انه قال: «اثنان وسبعون يوما».
(٦٩) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٥٥، وفيه اختلاف يسير، الاشاعة ص ١١٤، عقد الدرر ص ١٢٦، البرهان الباب السابع حديث ١١، كنز العمال ج ١١، ح ٣١٠٣٧.
(٧٠) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٥٤، الفتاوي الحديثية ص ٤٣.
(٧١) - الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٥١ - ٥٢، نقلا عن الفتن، لنعيم بن حماد.
(٧٢) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨، البرهان للمتقي الهندي ص ٧ ح ٩، شرح القطر الشهدي ص ٦٥.
(٧٣) - الفتوح ج ٢ ص ٧٨، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٨٢، كنز العمال ج ١٤ ح ٢٩٦٧٧، ينابيع المودة ص ١١٠، الا أنه قال: «بخ بخ للطالقان...» البيان ص ١٠٦، عقد الدرر ص ١٢٢.
(٧٤) - عقد الدرر ص ٩٠ - ٩٩، البرهان الباب الاول ح ١٥.
(٧٥) - الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٦، البرهان الباب السابع حديث ٦.
(٧٦) - الفتن، لابن حماد ص ٨٣ - ٨٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٧. البرهان للمتقي الهندي ص ١١٨، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٥١.
(٧٧) - الفتن، لابن حماد ص ٩٥، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٩٦٦٩، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٦٥ - ٦٦، الفتاوي الحديثية ص ٤١، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٧٣، البرهان الباب الرابع حديث ٣٣.
(٧٨) - مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٥٥٣، قال: «صحيح الاسناد»، ووافقه الذهبي، مجمع الزوائد ج ٧ ص ٣١٧، قال رواه الطبراني في الاوسط وفيه ابن لهيعة وهو لين الحديث وبقية رجاله ثقات، الاذاعة ص ١٢٧، وعلق عليه بنفس كلام صاحب مجمع الزوائد ثم قال: «رواه الحاكم وليس في طريقه ابن لهيعة وهو كما ذكر اسناد صحيح».
(٧٩) - كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٧٤٣، رواه عن الفتن، لابن حماد.
(٨٠) - الفتن، لابن حماد، ص ٨٥، الحاوي للفتاوي، ج ٢ ص ٦٩، البرهان الفصل الثاني حديث ٢٤.
(٨١) - تذكرة الموضوعات، باب آخر الزمان ص ٢٢٣. الفوائد المجموعة ص ٤١١ ح ١٢٠٥، القول المسدد في الذب عن المسند للإمام احمد ص ٥٩ ح ١٣.
(٨٢) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٩٦٣٢.
(٨٣) - كنز العمال ج ١١ ح ٣١٧٥٨. الفتن، لابن حماد ص ٤٩.
(٨٤) - عقد الدرر، ليوسف الشافعي ص ١٠٤ - ١٠٥.
(٨٥) - مجمع الزوائد، ج ١ ص ٣١٧، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٢.
(٨٦) - الفتن، لابن حماد، ص ٨٥، الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٥٦.
(٨٧) - الفتن، لابن حماد ص ٨٥، الملاحم والفتن، لابن طاووس ص ٣٣.
(٨٨) - الفتن، لابن حماد ص ٥٢، كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٥٨٢.
(٨٩) - كنز العمال ج ١١ ح ٣١٤١٥.
(٩٠) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٢، عقد الدرر ص ١٢٨.
(٩١) - الفتن، لابن حماد ص ١٠٢، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٢، عقد الدرر ص ١٢٧، البيان ص ١٣٤.
(٩٢) - الفتن، لابن حماد، ص ٨٥، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٩، البرهان باب ٧ ح ٢٣.
(٩٣) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨.
(٩٤) - مشارق البرسي ص ١٦٦ - ١٧٠.
(٩٥) - الفتن، لابن حماد ص ٨٤، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٨، الفتاوي الحديثية ص ٤١، عقد الدرر ص ٣٠، البرهان باب ٧ ح ١٨.
(٩٦) - مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٤٨، باب ما جاء في بني تميم قال: «رواه احمد ورجاله، رجال الصحيح».
(٩٧) - مجمع الزوائد، ج ١٠ ص ٤٧ باب ما جاء في بني تميم قال: «رواه البراز من طريق سلام بن منصور بن زادان وقال: سلام هذا احسبه سلام المدائني وهو لين الحديث». اقول:
لين الحديث من مصطلحات الحسن عند العلامة الهيثمي في مجمع الزائد، وسلام المدائني بعضهم يعتبر حديثه صحيحا وبعضهم يعتبره حسنا لاختلافهم فيه ولكن لا ينزلون حديثه عن درجة الحسن.
(٩٨) - نهج البلاغة ص ١٤٨ خطبة ١٠٢، تحقيق صبحي الصالح، نهج البلاغة ص ٩٦ خطبة ٩٨ تحقيق محمد عبده، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج ٧ ص ١٠٢ خطبة ١٠١، وقال معلقا على هذه الخطبة: «هذا انذار بملحمة تجري في آخر الزمان، وقد اخبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بنحو ذلك».
(٩٩) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥٠٨٧.
(١٠٠) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥٠٩٦.
(١٠١) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥٠٩٢.
(١٠٢) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥٠٩٠.
(١٠٣) - كنز العمال، ج ١٢ ص ٣٥٠٩٤.
(١٠٤) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١٠٤.
(١٠٥) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١٠٠.
(١٠٦) - سنن ابن ماجة، ج ٢ ح ٤٠٨٤، وقال محقق الكتاب في الهامش: اسناد صحيح رجاله ثقات. مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٤٦٣، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٦٥٨، دلائل النبوة ج ٦ ص ٥١٥، سنن الداني ص ٩٣، الاشاعة ص ١١٤، التذكرة ص ٦٩٩، الحاوي للفتاوي ج ٢ ص ٦٠، نهاية البداية ج ١ ص ٤٢.
(١٠٧) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٣٨.
(١٠٨) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٥١٢٤.
(١٠٩) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٣٧.
(١١٠) - صحيح مسلم ج ٤، كتاب الفتن ص ٢٢٣٨ ح ٩٢٠، مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٤٧٦، كنز العمال ج ١٤ ح ٣٨٧٧٥، مصابيح السنة ج ٢ ص ١٣٨، عقد الدرر ص ١٧٧، نهاية البداية ج ١ ص ٧٦.
(١١١) - الفتن، لابن حماد ص ١٣٣، عقد الدرر ص ٢١٦.
(١١٢) - الدر المنثور ج ٧ ص ٥٠٦، رواه عن ابن مردوية.
(١١٣) - صحيح الترمذي ج ٥ ح ٣٢٦٠٦، مصابيح السنة، ج ٢ ص ٢١٠، مشكل الآثار، ج ٣ ص ٣١، الدر المنثور ج ٧ ص ٥٠٦، رواه بطرق متعددة وقال: اخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في الاوسط، والبيهقي في دلائل النبوة، واخرجه الحاكم في مستدرك الصحيحين ج ٢ ص ٥٨، وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(١١٤) - الكشاف للزمخشري، ج ١ ص ٥٧٤.
(١١٥) - الكشاف للزمخشري ج ٢ ص ٤٣.
(١١٦) - راجع: تفسير الآية في الكشاف، والتفسير الكبير للرازي.
(١١٧) - الدر المنثور ج ٣ ص ١٠٣.
(١١٨) - المصدر السابق.
(١١٩) - مشكل الآثار، ج ٢ ص ٩٥.
(١٢٠) - مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢٢٣، قال رجاله رجال الصحيح غير محمد بن يحيى الاسلمي وهو ثقة، كنز العمال ج ٤ ح ١٠٥٨٧.
(١٢١) - كنز العمال ج ٤ ح ١٠٦٦٩، وج ١٢ ح ٣٤١٤١، ومجمع الزوائد ج ٥ ص ٣٣٣، ورجاله ثقات الاّ بشر فانهم اختلفوا فيه.
(١٢٢) - مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٣٩٥، وقال: صحيح على شرط البخاري وافقه الذهبي.
(١٢٣) - صحيح الترمذي ج ٤ ح ٢٨٧٩.
(١٢٤) - مجمع الزوائد، ج ١٠ ص ٦٤، وقال: رجاله رجال الصحيح، مشكل الاثار، ج ٣ ص ٩٥، كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٣١، ج ١١ ح ٣٣٣٤٣.
(١٢٥) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٣٣.
(١٢٦) - كنز العمال ج ٢ ص ٣٤١٣٠، اخرجه الطبراني عن ابن مسعود، واخرجه مسلم في صحيحه ج ٤ ص ١٩٧٢ ح ٢٥٤٦، كتاب فضائل الصحابة لكنه رواه عن ابي هريرة.
(١٢٧) - مجمع الزوائد ج ١٠ ص ٦٥، وقال: رواه ابو يعلى والبزار والطبراني ورجالهم رجال الصحيح، مشكل الآثار ج ٣ ص ٩٥.
(١٢٨) - صحيح البخاري كتاب التفسير، صحيح مسلم كتاب فضائل الصحابة، صحيح الترمذي ج ٥ ح ٣٣١٠، الكشاف ج ٤ ص ٥٣٠.
(١٢٩) - صحيح مسلم كتاب الامارة ج ٣ ص ١٥٢٤ ح ١٧٥، صحيح البخاري ج ٩ ص ١٢٥، كتاب الاعتصام بالله والسنة، وكذلك ذكره في ج ١ ص ٢٧، كتاب العلم، مصابيح السنة كتاب العلم رواه في الاحاديث الصحيحة واللفظ المثبت له، وروى هذا الحديث اكثر من عشرين صحابيا لكن اكثرهم اسقطوا مقدمته «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
(١٣٠) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٠٩.
(١٣١) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٣٦.
(١٣٢) - صحيح الترمذي، ج ٥ ص ٣٩٣٢، كتاب المناقب، مصابيح السنة، ج ٢ ص ٢١٠، باب جامع المناقب، واعتبره من الاحاديث الصحيحة، جامع الاصول في احاديث الرسول، ج ٩ ص ٦٨١٦، كنز العمال. ج ١٢، ح ٣٤١٢٨.
(١٣٣) - كنز العمال، ج ٤ ح ١١٧٧٢، قال: رواه ابن جرير وصححه.
(١٣٤) - المطالب العالية ج ٤ ص ٤٢٢٧، وقال سنده صحيح.
(١٣٥) - شرح نهج البلاغة، لابن ابي الحديد، ج ١٩ ص ١٢٤.
(١٣٦) - مستدرك الصحيحين، ج ٢ ص ١٢٥، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(١٣٧) - الفتن، لابن حماد، ص ٦٤، مصنف عبد الرزاق، ج ١١ ح ٢٠٨١١، كنز العمال، ج ٣ ح ٥٥٦٣.
(١٣٨) - مجمع الزوائد، ج ٥ ص ٣٠٤، مصنف عبد الرزاق، ج ١١ ص ٣٨٥.
(١٣٩) - مجمع الزوائد، ج ٧ ص ٣١١، وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
(١٤٠) - مجمع الزوائد، ج ٧ ص ٣١٠، قال: رواه احمد والبزار، والطبراني، ورجال احمد رجال الصحيح. مستدرك الصحيحين، ج ٤ ص ٥١٢، وقال: صحيح ووافقه الذهبي.
(١٤١) - كنز العمال، ج ٤ ح ١٠٧٣٥.
(١٤٢) - مصنف عبد الرزاق، ج ١١ ح ١٩٩٢٥، كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٢٥.
(١٤٣) - كنز العمال، ج ١٢ ح ٣٤١٢٦.
(١٤٤) - كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٨٦١٩، الفتن، لنعيم بن حماد، ص ٦ و٨١، خريدة العجائب، ص ١٩٦.
(١٤٥) - كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٤٨١.
(١٤٦) - كنز العمال، ج ١١ ح ٣١١٧١.
 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) سنن ابن ماجة، ج ٢ ح ٤٠٨٨، مجمع الزوائد، ج ٧ ص ٣١٨ كنز العمال، ج ١٤ ح ٣٨٦٥٧.
(٢) شرح نهج البلاغة، ج ٧ ص ٤٨.
(٣) مجمع الزوائد، ج ٧ ص ٢٨١، وقال: رواه احمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.
(٤) راجع: (مبادئ الثقافة المهدوية) للمؤلف.
(٥) غريب القرآن، حرف الباء.
(٦) صحيح البخاري، ج ٤، ص ٢٠٦، صحيح مسلم، كتاب العلم، ابن ماجة في الفتن.
(٧) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٦١، ورجاله ثقات، كنز العمال، ج ١١، ص ١٣٣، ص ١٧٠.
(٨) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٥٠١، المطالب العالية، ج ٢، ص ١٩٧، رواه بسند حسن، الصواعق المحرقة، ص ٢٠، بسند حسن، مجمع الزوائد، ج ٥، ص ١٩٠، بسند حسن لاختلافهم في مجالد وبقية رجاله ثقات.
(٩) فرائد السمطين، ج ٢، باب ٣١، ص ١٣٢.
(١٠) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٢٠٦، صحيح مسلم، ج ٤، كتاب العلم، سنن ابن ماجة، الفتن ح ٣٩٩٤، كنز العمال، ج ١١، ح ٣٠٩٢٣، شرح النهج، ج ٩، ص ٢٨٦.
(١١) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٣٠، صحيح على شرط الشيخين، وكذلك اخرجه في ج ٣، ص ٥٤٧، مجمع الزوائد، ج ١، ص ١٧٩، باب في القياس والتقليد، وقال: عند ابن ماجة له طرق، ومن أوله رواه الطبراني في (الكبير والبزار) ورجاله رجال الصحيح.
(١٢) غريب القرآن، مادة: ولي.
(١٣) الميزان، ج ٥، ص ٣٦٩.
(١٤) هذا هو مقتضى الاطلاق في الآية، وسيأتي معنى تسلطهم الدائم عليهم في الموضوعات القادمة إن شاء الله تعالى.
(١٥) معجم البلدان، ج ٥، ص ٢٩٦، نجران.
(١٦) الثالوث الشيطاني: هم النصارى واليهود واوليائهم من الحكام الظالمين في العالم الاسلامي.
(١٧) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٣٠٦، قال: رواه ابو يعلى والطبراني في (الأوسط) ورجالهما ثقات.
(١٨) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، مصابيح السنة، ج ١، ص ١٣.
(١٩) سنن الداني، ص ١٤٣، الفتاوى الحديثية، ص ٣٨، الحاوي للفتاوي، ج ٢، ص ٨٣، صحيح مسلم، كتاب الايمان، لكنه بدل كلمة (المهدي) بكلمة: (امامهم)، وهكذا يفعلون.
(٢٠) صحيح البخاري، ج ٤، ص ٢٠٥، باب نزول عيسى، صحيح مسلم، في كتاب الايمان.
(٢١) غريب القرآن، مادة ردّ.
(٢٢) تفسير الميزان، ج ٥، ص ٣٧٩ وما بعدها.
(٢٣) راجع هذه الآراء في تفسير الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠١ - ١٠٦، طبع دار الفكر.
(٢٤) صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٣٨٣، ح ٣٢٦١، مصابيح الستة، ج ٢، ص ٢١٠، وعده من الصحاح، مشكل الآثار، ج ٣، ص ٣١، وايضا ص ٩٥، مستدرك الصحيحين، ج ٢، ص ٤٥٨، وقال:
صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، الكشاف للزمخشري، ج ٤، ص ٣٣٠، الدر المنثور، ج ٧، ص ٥٠٦، في تفسير سورة القتال.
(٢٥) راجع تفسير الآية في تفسير الكشاف للزمخشري.
(٢٦) وهي الآية رقم (٣٩).
(٢٧) مستدرك الصحيحين، ج ٢، ص ٣١٣، مجمع الزوائد، ج ٧، ص ١٦.
(٢٨) صحيح البخاري، في الجهاد والسير، وفي كتاب بدء الخلق، صحيح مسلم: كتاب الجهاد والسير، وفي كتاب فضائل الصحابة.
(٢٩) مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٢٢، وقال: صحيح على شرط الشيخين، مجمع الزوائد، ج ٥، ص ٨٦، رواه ابو يعلى ورجاله رجال الصحيح، مسند الإمام احمد، ج ٣، ص ٣٣، وص ٨٢، خصائص النسائي، ص ٤٠.
(٣٠) وهي من جملة قواعد تفسير القرآن التي وضعها الامام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام).
(٣١) الفتوحات الملكية، ج ٣، باب ٣٦٦.
(٣٢) مشارق الانوار، ص ١١٢ - ١١٥.
(٣٣) الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠٥.
(٣٤) كنز العمال، ج ٦، ص ٣١٩.
(٣٥) ذخائر العقبى، ص ١٠٢.
(٣٦) شواهد التنزيل، ج ١، ص ١٦١.
(٣٧) ومصادر هذا الحديث واسانيده كثيرة لا يسعني ايرادها كلها في هذا الكتاب الخاص بموضوع الموطئين للمهدي (عج).
(٣٨) مغني اللبيب، ص ٥٩، بحث: (أنّ) المفتوحة المشدّدة النون.
(٣٩) النهاية ولسان العرب مادة (ولى).
(٤٠) وسائل الشيعة، ج ٧، ص ٢٠٦.
(٤١) المراجعات، مراجعة نقلا عن تفسير الثعلبي، وذكره الرازي في تفسير الآية لكنه حذف أوله! وهكذا يفعلون.
(٤٢) الدر المنثور، ج ٣، ص ١٠٥.
(٤٣) صحيح الترمذي، ج ٢، ص ٢٩٧، مسند احمد، ج ٤، ص ٤٣٧، مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١١٠، كنز العمال، ج ٦، ص ٣٩٩، طبع حيدر آباد، نقلا عن ابن جرير وصححه، مسند ابي داوود، ج ٣، ص ١١١.
(٤٤) مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٢٨، كنز العمال، ج ٦، ص ١٥٤، طبع حيدرآباد رواه مختصرا.
(٤٥) مسند الإمام أحمد، ج ٤، ص ٤٣٧، حلية الاولياء، ج ٦، ص ٢٩٤، خصائص النسائي، ص ١٩ وص ٢٣، الرياض النضرة، ج ٢، ص ١٧١، مسند احمد، ج ٥، ص ٣٥٦، مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٢٧، كنوز الحقائق للمناوي، ص ١٨٦.
(٤٦) اسد الغابة، ج ٥، ص ٦٤، فيض القدير في الشرح، ص ٣٥٧، مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٠٩، الاصابة في تمييز الصحابة، ج ٦، القسم ١، ص ٣٢٥، كنز العمال، ج ٦، ص ١٥٥.
(٤٧) مسند الإمام احمد، ج ١، ص ٢٣٠، مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١١٩، الرياض النضرة، ج ٢، ص ٢٠٣، خصائص النسائي، ص ٨، واخرج البخاري حديث المنزلة في صحيحه في غزوة تبوك.
(٤٨) المراجعات، مراجعة رقم ٢٥.
(٤٩) المراجعات، مراجعة رقم ٢٨.
(٥٠) مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٠٣، قال صحيح على شرط الشيخين، الخصائص، ص ٢١، كنز العمال، ج ١، ص ٤٨، حيدرآباد، وايضا ذكره في ج ٦، ص ٣٩٠.
(٥١) مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٦٣ - ١٦٤، كنز العمال، ج ١، ص ٤٨، وج ٣، ص ٦١.
(٥٢) صحيح الترمذي، ج ٢، ص ٣٠٨، اسد الغابة، ج ٢، ص ١٢، وذكره السيوطي في الدر المنثور في ذيل آية المودة في سورة الشورى.
(٥٣) صحيح مسلم، في فضائل علي، مسند الإمام احمد، ج ٣، ص ٤٦٦، سنن الدارمي، ج ٢، ص ٤٣١، مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٠٩، وايضا، ج ٣، ص ١٤٨.
(٥٤) المراجعات، مراجعة رقم ٥٤.
(٥٥) مستدرك الصحيحين، ج ٢، ص ٣٤٣، صحيح على شرط مسلم، وأيضا في ح ٣، ص ١٥٠، كنز العمال، ج ٦، ص ٢١٦، وايضا ج ١، ص ٢٥٠، طبع حيدرآباد، ومجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٧٦ - ١٦٨، حلية الأولياء، ج ٤، ص ٣٠٦، ذخائر العقبى، ص ٢٠، كنوز الحقائق، ص ١٣٢، فيض القدير، ج ٤، ص ٣٥٦، الصواعق المحرقة، ص ٧٥.
(٥٦) حلية الاولياء، ج ١، ص ٨٦، كنز العمال، ج ٦، ص ٢١٧.
(٥٧) صحيح البخاري، كتاب الاحكام.
(٥٨) المطالب العالية، ج ٤، ص ٣٤٢، ح ٤٥٥٢.
(٥٩) فتح الباري، ج ١٦، ص ٣٣٨.
(٦٠) كنز العمال، ج ١٣، ص ٢٧.
(٦١) راجع تفسير الآية (٦٠) من سورة الاسراء في الدر المنثور للسيوطي.
(٦٢) تفسير الدر المنثور، ج ٧، ص ٤٥٦، طبع بيروت دار الفكر، تفسير الصافي، ج ٥، ص ٣٢.
(٦٣) نهج البلاغة، خطبة رقم ١٤٢.
(٦٤) مجمع الزوائد، ج ١٠، ص ٦٠، قال: رواه ابو يعلى ورجاله ثقات.
(٦٥) كنز العمال، ج ١٢، ص ٢٨٤، ح ٣٥٠٥٥.
(٦٦) كنز العمال، ج ١٢، ص ١٨٢، ح ٣٤٥٧٦.
(٦٧) الفتن، مخطوط، ص ١٦٨.
(٦٨) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٨٨، قال: رواه عبد الله والطبراني ورجاله ثقات.
(٦٩) الحاوي للفتاوي، ج ٢، ص ٨٣، الفتاوي الحديثة، ص ٣٨، مطلب ظهور المهدي والسفياني وشعيب التميمي، سن الذاتي، ص ١٤٣، البرهان، باب ٩، ح ١٠، عقد الدرر، باب ١٠، ص ٢٣٠.
(٧٠) صحيح مسلم، ج ١، كتاب الإيمان، ح ٢٤٧، وايضا رواه في ج ٣، ص ١٧٣، ح ١٥٢٤.
(٧١) صحيح البخاري، كتاب التفسير، صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، صحيح الترمذي، ج ٥، ح ٣٣١٠، مصابيح السنة، ج ٥، ص ٢٠٧، الكشاف، ج ٤، ص ٥٣٠.
(٧٢) ذكرنا مصادر هذا الحديث في الفصل الاول.
(٧٣) سنن ابي داوود، كتاب السنة باب لزوم السنّة.
(٧٤) الموافقات للشاطبي، نقلا عن اضواء على السنة المحمدية، ص ٤٠ - ٤١.
(٧٥) اضواء على السنة المحمدية، ص ٤٠ - ٤١.
(٧٦) صحيح البخاري، ج ٤، ص ٣٢١٧، كتاب الفتن، مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٧٣.
(٧٧) مصابيح السنة، ج ٣، ص ١٣٥، سنن ابي داوود، ج ٢، ص ٤١١.
(٧٨) نهج البلاغة خطبة رقم ٩٣، تحقيق صبحي الصالح.
(٧٩) نهج البلاغة، خطبة رقم ١٠١، تحقيق صبحي الصالح.
(٨٠) صحيح الترمذي، ج ٥، ص ٢٨٣، مصابيح السنة، ج ٢، ص ٢١٠، رواه في الاحاديث الصحيحة، مستدرك الصحيحين، رواه على شرط مسلم ووافقه الذهبي، ج ٢، ص ٤٥٨، مشكل الآثار، ج ٣، ص ٣١.
(٨١) مصابيح السنة، ج ٢، ص ٥٠، كتاب الامارة والقضاء، رواه في الاحاديث الصحيحة.
(٨٢) صحيح البخاري، ج ٢، ص ١١٤، باب الصلاة على الشهيد، وذكره ايضا في ج ٤، ص ٢٤٠، باب علامات النبوة.
(٨٣) صحيح مسلم، ج ٣، ص ١٤٧٤، كتاب الامارة، صحيح الترمذي، ج ٤، ص ٤٨٢، كتاب الفتن، كنز العمال، ج ٤، ح ١٠٩٧٩.
(٨٤) سنن ابي داوود، ج ٢، ص ٢٤٢، كتاب السنة، كنز العمال، ج ٤، ح ١٠٩٧٩، وح ١٠٩٧٦.
(٨٥) نهج البلاغة خطبة رقم ٢، تحقيق الدكتور صبحي الصالح.
(٨٦) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٣٣٤.
(٨٧) نفس المصدر.
(٨٨) المستدرك، ج ٤، ص ٤٧، صحيح ووافقه الذهبي. صحيح البخاري، الفتن، المناقب.
(٨٩) صحيح البخاري، ج ٥، ص ٢٤٢، باب علامات النبوة، صحيح مسلم، ج ٤ ص ٢٢٣٦.
(٩٠) مجمع الزوائد، ج ٥، ص ٢٤٢.
(٩١) فتح الباري في شرح صحيح البخاري، ج ٦، ح ٣١٠٤، طبع الريان.
(٩٢) كنز العمال، ج ١١، ص ١٦، ح ٣١٠٠٨.
(٩٣) كنز العمال، ج ١١، ص ١٦٧، ح ٣١٠٦٢٩.
(٩٤) كنز العمال، ج ١١، ص ٣٦٥.
(٩٥) كنز العمال، ج ١١، ص ١٦٢، ح ٣١٠٤٢، مجمع الزوائد، ج ٥، ص ٢٤٤، باب ائمة الضلال والجور.
(٩٦) الفتن، للحافظ نعيم بن حماد، ص ٥٣، مخطوط.
(٩٧) تفسير الدر المنثور، رواه في أواخر تفسيره لسورة النصر. عن ابي هريرة وجابر بن عبد الله عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) برواية ابن مردويه والحاكم الذي قال انه صحيح الاسناد.
(٩٨) ابن ابي الحديد، ج ١، ص ٨١٣، البداية والنهاية، ج ٦، ص ٢١٨، والحديث صحيح رواه الحاكم والبيهقي بسند صحيح على ما ذكر ابن كثير في البداية والنهاية.
(٩٩) فيض الغدير للمناوي، ج ٢، ص ٥٥٣، كنز العمال، ج ١١، ح ٣٠٨٧٧.
(١٠٠) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٨٧، الصواعق المحرقة، ص ٢٣٩، كنز العمال، ج ١١، ح ٣١٠٧٤، الفتن، لنعيم بن حماد، ص ٣٠، والحديث صحيح كما أخرجه الحاكم.
(١٠١) أسد الغابة، ج ٥، ص ٢٨٧، الاصابة، ج ٧، ص ١٦٧، الاستيعاب، ج ٢، ص ٦٥٧.
(١٠٢) كنز العمال، ج ٦، ص ١٥٧.
(١٠٣) تاريخ بغداد، ج ١٣، ص ١٨٦، كنز العمال، ج ٦، ص ١٥٥.
(١٠٤) حديث الثقلين مخرج في الصحاح الستة باستثناء البخاري والنسائي وهو متواتر رواه اكثر من عشرين صحابي.
(١٠٥) راجع مصادر هذا الحديث في الفصل الثالث، ح ٦.
(١٠٦) راجع مصادر هذا الحديث في الفصل الثالث، ح ٧.
(١٠٧) صحيح البخاري، باب الصلاة على الشهيد، وباب علامات النبوة.
(١٠٨) مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٧٣.
(١٠٩) مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٧٣.
(١١٠) مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٣٥.
(١١١) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٨١، رواه احمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.
(١١٢) الصواعق المحرقة، ص ٧٥.
(١١٣) المطالب العالية، ج ٤، ح ٤٤٠٨، رواه احمد بن منيع ورواته ثقات.
(١١٤) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٩٦، صحيح الاسناد ووافقه الذهبي.
(١١٥) كنز العمال، ج ١١، ح ٣١١٣٧.
(١١٦) باستثناء احداث آخر الزمان المختصة بظهور المهدي (عليه السلام) وعلامات الساعة.
(١١٧) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٨٧، رواه احمد والطبراني في (الاوسط) وإسناد احمد جيد، سنن ابي داوود، كتاب الملاحم رواه عن ثوبان، مصابيح السنة، ج ٢، ص ١٣٣، نهاية البداية، ج ١، ص ٥٤، كنز العمال، ج ٣، ح ٦٣١٩، وج ١١، ح ٣٠٩١٦.
(١١٨) كنز العمال، ج ٣، ح ٨٤٧٠.
(١١٩) الدر المنثور في ذيل تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبَارِهِمْ وايضا في تفسير قوله تعالى: ولَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِ﴾ من السورة نفسها وفى صحيح مسلم، في كتاب الإيمان، مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٢٩، مجمع الزوائد، ج ٩، ص ١٣٣، مشكل الآثار للطحاوي، ج ١، ص ٥٠، صحيح الترمذي، ج ٢، ص ٢٩٩، وص ٣٠١، مسند الإمام احمد بن حنبل، ج ٦، ص ٢٩٢، وج ١، ص ٨٤، ص ٩٥، ص ١٢٨، صحيح النسائي، ج ٢، ص ٢٧١، حلية الاولياء، ج ٤، ص ١٨٥، بثلاث طرق وقال: «هذا حديث صحيح متفق عليه».
ورواه ابن ماجة في سننه، والمحب الطبري في الرياض النضرة، والخطيب في المتفق، وابن عبد البر في الاستيعاب، والشبلنجي في نور الابصار.
(١٢٠) مسند الإمام احمد بن حنبل، ج ٦، ص ٢٩٢.
(١٢١) مشكل الآثار، ج ١، ص ٥٠.
(١٢٢) مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٢٩.
(١٢٣) المفردات في غريب القرآن: حرف اللام، مادة: لحن.
(١٢٤) الدر المنثور، ج ٧، ص ٥٠٣.
(١٢٥) صحيح البخاري: كتاب الفتن.
(١٢٦) المصدر السابق.
(١٢٧) صحيح الترمذي، كتاب المناقب، مصابيح السنة، ج ٢، ص ١٩٣.
(١٢٨) صحيح البخاري، كتاب الفتن باب ويل العرب، صحيح مسلم كتاب الفتن باب اقتراب الفتن، موطأ مالك، ج ٢، كتاب الكلام، سنن ابن ماجة، ج ٢، كتاب الفتن، منصف عبد الرزاق، ج ١١، ح ٢٠٧٤٩، صحيح الترمذي كتاب الفتن مسند الحميدي، ج ١، ح ٣٠٨.
(١٢٩) مصابيح السنة، ج ٢، ص ١٣٦، رواه في الصحاح، مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٣٩، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٩٠.
(١٣٠) مصابيح السنة، ج ٢، ص ١٣٦، رواه في الصحاح، مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٣٩، وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٩٠.
(١٣١) كنز العمال، ج ١٢، ح ٣٥٥٦٢.
(١٣٢) كنز العمال، ج ١٢، ح ٣٣٧٩٦.
(١٣٣) كنز العمال، ج ١٢، ح ٣٥٤٢٢١.
(١٣٤) كنز العمال، ج ١١، ح ٣١٣٩٥.
(١٣٥) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٧٠، صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، مجمع الزائد، ج ٧، ص ٣١٣، رواه احمد بأسانيد والبزار من طرق والطبراني في (الأوسط) باختصار، واحد اسناد احمد واحد اسناد البزار رجاله رجال الصحيح.
(١٣٦) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٧٠، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(١٣٧) عقد الدرر ليوسف الشافعي، ص ٢٢٧.
(١٣٨) مجمع الزوائد، ج ٣، ص ٢٩٨، قال: قلت في الصحيح مثله، رواه احمد ورجاله ثقات، مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٥٢، كنز العمال، ج ١٤، ح ٣٨٦٩٩.
(١٣٩) الفصول المهمة، ص ١٠٧.
(١٤٠) صحيح مسلم، كتاب الوصية.
(١٤١) صحيح البخاري، كتاب المرضى، وايضا صحيح مسلم في كتابه الوصية.
(١٤٢) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب جوائز الوفد.
(١٤٣) الفصول المهمة، ص ١٠٥، نقلا عن شرح النهج، ج ٢، ص ٢٠.
(١٤٤) المراجعات، مراجعة رقم ٨٦.
(١٤٥) الصواعق المحرقة، ص ٧٥.
(١٤٦) معجم البلدان، ج ٥، ص ٢٦٦، نجران.
(١٤٧) راجع احداث السقيفة في الطبري والكامل وبقية التواريخ، وتاريخ ابي الفداء، ج ١ ص ١٦٤، وطبقات ابن سعد، ج ٢، القسم ٢، ص ٥٧، والسيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣٩٢، وانساب الاشراف، ج ١، ص ٥٦٧.
(١٤٨) العقد الفريد، ج ٥، ص ١٣، الطبري، ج ٣، ص ٦١٩، وذكر قول ابي بكر في مرض موته: «وددت اني لم اكشف عن بيت فاطمة وتركته ولو اغلق على حرب». مروج الذهب، ج ١، ص ٤١٤، الامامة والسياسة، ج ١، ص ١٨، تاريخ الذهبي، ج ١، ص ٣٨٨، شرح نهج البلاغة، ج ٦، ص ٢ وج ١، ص ١٣٠ - ١٣١، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٥ - ١١٥، الملل والنحل، ج ١، ص ٥٨٦.
وقال البلاذري: إن ابا بكر ارسل إلى عليّ يريد البيعة فلم يبايع فجاء عمر معه فتيلة فتلقته فاطمة (عليها السلام) على الباب فقالت: «يا ابن الخطاب أتراك محرقا عليّ بابي؟ قال: نعم وذلك اقوى فيما جاء به أبوك!»
تاريخ ابي الفداء، ج ١، ص ١٥٦، كنز العمال، ج ٣، ص ١٤٠، الرياض النضرة، ج ١، ص ١٦٧، مروج الذهب، ج ٢، ص ١٠٠. عبقرية عمر، للعقاد، ص ١٧٣، معالم المدرستين، ج ١، ص ١٢٤ - ١٣٠.
وفي رواية قالت فاطمة: «يا ابا بكر ما أسرع ما اغرتم على أهل بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والله لا أكلم عمرا حتى القى الله». شرح النهج، ج ١، ص ١٤٣، ج ٦، ص ٢٨٦.
وفي رواية خرجت فاطمة تبكي بعد هجومهم على الدار وهددت المهاجمين بكشف شعرها والتضرع إلى الله تعالى. شرح النهج، ج ١، ص ١٣٤، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٠٥.
(١٤٩) نهج البلاغة خطبة رقم ٣، صبحي الصالح، والجذاء: اليد المقطوعة كناية عن فقدان الناصر، والطخية: الفتنة المظلمة، واحجى: ألزم، والشجا: ما يعترض الحلق من الألم، والتراث: الميراث، وادلى بها: القى بها.
(١٥٠) نهج البلاغة خطبة رقم ٦، صبحي الصالح.
(١٥١) لسان الميزان، ج ١، ص ٦٨، في ترجمة احمد بن حمد السري المحدّث ابي بكر الكوفي، والملل والنحل للشهرستاني، ج ١، ص ٧٥، شرح النهج لابن ابي الحديد، ج ٦، ص ٥٠.
(١٥٢) ولفاطمة وبنيها مأساة وخطوب جمة في هذه الرزية لم يذكرها اكثر المؤرخين، وعلى اثرها تمرضت وماتت بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بستة اشهر ودفنت ليلا بأمر منها، وأمرت أيضا أن يخفى مكان قبرها وحتى اليوم لم يعرف قبرها.
(١٥٣) مروج الذهب، ج ١، ص ٤١٤، الامامة والسياسة، ج ١، ص ١٢.
(١٥٤) للتوسعة راجع كتاب (النص والاجتهاد) للإمام شرف الدين فستجد فيه مجموعة كبيرة من الأحكام الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة قد عطلت بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسم الاجتهاد.
(١٥٥) مجمع الزوائد، ج ٧، ص ٢٨١، ورجاله رجال الصحيح، مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٩٢.
(١٥٦) المطالب العالية، ج ٤، ح ٤٤٠٨، سنده صحيح وقد مر معنا.
(١٥٧) مستدرك الصحيحين، ج ٤، ص ٤٥٦، صحيح الاسناد ووافقه الذهبي.
(١٥٨) اعني رزية الخميس ورزية الهجوم على الدار.
(١٥٩) روى ابن حجر في الاصابة عن عبد بن عبد الرحمن قال: شهدنا مع علي (عليه السلام) ممن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة ثمانمائة نفس في صفين فقتل منا ثلاثمائة وستون. الاصابة، ج ٤، ص ١٤٩، الاستيعاب، ج ٢، ص ٤١٣.
(١٦٠) شرح نهج البلاغة، ج ١١، ص ٤٤.
(١٦١) الإمامة والسياسة، ج ١، ص ٢٠٠، الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٢٥٢.
(١٦٢) وكان من بنود هذا العهد أن تكون الخلافة للإمام الحسن (عليه السلام) بعد معاوية، إن كان حيا ولأخيه الحسين (عليه السلام) إن كان ميتا.
(١٦٣) للتوسعة راجع كتاب ثورة الحسين للشيخ محمد مهدي شمس الدين وكتاب الامام الحسين لعبد الله العلايلي.
(١٦٤) الكامل في التاريخ، ج ٣، ص ٢٨٠، الطبري، ج ٤، ص ٣٠٤.
(١٦٥) راجع احداث هذه الجريمة والوقعة التاريخية الأليمة، في تاريخ الكامل والطبري والمسعودي واليعقوبي وسائر كتب التاريخ وستطلع في هذه الكتب على عدد فتيات الصحابة والتابعين اللاتي اعتدى عليهن جنسيا جيش ابناء الشجرة الملعونة في القرآن في مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وستعرف عدد اللواتي حملن منهم - بأولاد الزنا - في هذه الوقعة.
(١٦٦) يكفيك للاطلاع على كل ما ذكرناه من جرائم العباسيين أن تقرأ كتاب (مقاتل الطالبيين) لأبي الفرج الاصفهاني مؤلف كتاب (الاغاني).
(١٦٧) راجع ايضا الإمام الحسين للعلايلي.
(١٦٨) الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٣ - ص ٤، الكامل في التاريخ، ج ٢، ص ٢١٥، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر، ج ٢، ص ٢٦٥.
(١٦٩) راجع صحيح البخاري، كتاب المرضى، وكتاب الجهاد والسير باب جوائز الوفد، وصحيح مسلم كتاب الوصية.
(١٧٠) مروج الذهب، ج ١، ص ٤١٤، والامامة والسياسية، ج ١، ص ١٢، قال المسعودي: «لما بويع ابو بكر في السقيفة وجددت له البيعة يوم الثلاثاء خرج علي (عليه السلام) فقال: افسدت علينا أمورنا ولم تستشر ولم ترع لنا حقا. فقال ابو بكر: بلى ولكني خشيت الفتنة». وقريب من هذا الكلام ذكره أيضا ابن قتيبة في الإمامة والسياسة.
(١٧١) لسعة الاطلاع يجدر بالباحث المتتبع أن يقرأ كتاب (فدك في التاريخ) للشهيد الإمام محمد باقر الصدر (قدّس سرّه).
(١٧٢) شرح نهج البلاغة، ج ٤، ص ٦١ وص ٦٧ - ٦٩، وج ١١، ص ٤٤، ص ٦٠، ص ٤٦، ذكر أساليبهم في الوضح واستخدام الدين للانتصار على الخصوم.
(١٧٣) شرح نهج البلاغة، ج ٤، ص ٦١، راجع اسماء الصحابة والتابعين الذين حملهم معاوية على رواية احاديث قبيحة في علي (عليه السلام) وقد جعل لهم على ذلك راتبا شهريا.
(١٧٤) راجع هذه الاحاديث في صحيح مسلم، ج ٦، باب الأمر بلزوم الجماعة، وصحيح الترمذي، كتاب الفتن، وكنز العمال، ج ١١، ح ٣١٣٧٠، ورواية الكنز هكذا: «سأل رجل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألون حقّهم؟ فقال: اسمعوا واطيعوا». ورواية مسلم هكذا: «تسمع وتطيع للأمير وان ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع». ورواية الترمذي هكذا: «لو أن الناس إذا ابتلوا من سلطانهم بشيء صبروا ودعوا الله لم يلبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفزعون إلى السيف فيوكلون اليه والله ما جاؤوا بيوم خير قط تم تلا هذه الآية: ﴿وتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ اَلْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾».
(١٧٥) قال ابن ابي الحديد عن شيخه: إن معاوية وضع قوما من الصحابة والتابعين على رواية أخبار قبيحة في علي (عليه السلام) تقتضي الطعن فيه والبراءة منه، وجعل لهم على ذلك جعلا يرغب في مثله، فاختلفوا ما ارضاه، منهم ابو هريرة وعمرو بن العاص، والمغيرة بن شعبة، ومن التابعين عروة ابن الزبير. شرح نهج البلاغة، ج ٤، ص ٦١.
(١٧٦) وهذه الممارسات المنحرفة باسم الدين هي التي ركزت في شعور الامة المفهوم المنحرف عن الدين الداعي إلى فصله عن السياسة، وليس الفكر الشيوعي كما يدعي بعض الكتاب الاسلاميين.
(١٧٧) صحيح الترمذي، ج ٤، ص ٢٠٦، باب ما ذكر عن بني اسرائيل.
(١٧٨) انظر الآية (٥٩) من سورة البقرة.
(١٧٩) مستدرك الصحيحين، ج ٢، ص ٣١٢، صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي.
(١٨٠) ابن ابي الحديد، ج ٨، ص ١١١، تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٠٦، فتوح البلدان، ص ٤٣٧، نقلا عن ثورة الحسين لشمس الدين، ص ٢٨.
(١٨١) تاريخ اليعقوبي، ج ٢، ص ١٠٧، ابن ابي الحديد، ج ٢، ص ١٣١، نقلا عن المصدر السابق.
(١٨٢) ابن ابي الحديد، ج ٣، ص ٤٩، عن المصدر السابق.
(١٨٣) ابن ابي الحديد، ج ٧، ص ٣٧، نقلا عن ثورة الحسين لشمس الدين، ص ٥٩.
(١٨٤) صحيح الترمذي، ج ٤، ح ٢٨٧٩.
(١٨٥) وهذا هو الذي يفسر استنجاد الخلفاء الثلاثة بالإمام علي (عليه السلام) فيما يواجهون من ازمات مستعصية في الإرادة والحكم، فكان دائما يتصدى وحده لحلّها وعلاجها، وإنفاذ الموقف، حتى اشتهرت كلمتهم فيه: «لا ابقاني الله لمعضلة ليس لها ابو الحسن»، واشهر منها كلمة الخليفة الثاني: «لو لا علي لهلك عمر». فيض القدير، ج ٤، ص ٣٥٦، الرياض النضرة، ج ٢، ص ١٩٤، اسد الغابة، ج ٢، ص ٤٦١، كنز العمال، ج ٣، ص ١٧٩ طبع حيدرآباد.
(١٨٦) العقد الفريد، ج ٢، ص ٢٦، الطبعة الازهرية، ابو حنيفة حياته وعصره، ص ١٤، ١٥.
(١٨٧) مناقب ابي حنيفة، للمكي، ص ٦، طبع استانبول.
(١٨٨) نص على فارسية ابي حنيفة كل من ترجم له. راجع ترجمته في (تاريخ المذاهب الاسلامية) محمد ابو زهرة، و(مناقب ابي حنيفة) للموفق بن احمد.
(١٨٩) منح الحرية الفكرية لعلماء الفرس لا يتعارض مع الروح القومية العنصرية التي عرفت بها سياسة الدولة الاموية والعباسية تجاههم، لأنهم لا يمنحون مثل هذه الحرية الاّ للعلماء والفقهاء والرواة الذين يسيرون في ركابهم.
(١٩٠) الشافعي جده شافع طلب من عمر بن الخطاب أن يجعله من موالي قريش فامتنع لموقفه الخاص من الموالي، فطلب بعدها من عثمان ففعل فهو من موالي قريش، ذكر ذلك الرازي في كتابه (مناقب الشافعي) وابو زهرة في كتابه (الإمام الشافعي).
والإمام احمد بن حنبل من اسرة خراسانية كان جده لأمه واليا للأمويين على سرخس، وكان ابوه احد الجنود المقربين للقيادة الاموية في خراسان، ومع أن احمد ولد في بغداد فان الثابت عند المؤرخين أنه كان يجيد اللغة الفارسية بطلاقة وهذا يعني أن اسرته تتكلم الفارسية في البيت لأن الإمام احمد لم يسافر إلى خراسان، ولم ينقل عنه أنه تعلم الفارسية من احد، راجع ترجمته في تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة.
(١٩١) مسلم وابو داوود عربيا الأصل، فارسيا المولد والنشأة تماما.
(١٩٢) كما أن معظم رواة الأحكام والاخبار في الصحاح الستة هم من الفرس ومنهم على سبيل المثال، مجاهد، وعطاء بن ابي رباح، وعكرمة، ومجاهد وعكرمة ممن يعتمد عليهم البخاري ويوثقهم ويأخذ بمروياتهم جملة وتفصيلا، راجع معجم المؤلفين لرضا كحالة ج ١٢، ص ١١٥.
(١٩٣) نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج ٢، ص ٥٤٠، الفكر الشيعي والنزعات الصوفية للدكتور مصطفى الشبيبي، ص ٤١٥.
(١٩٤) راجع موضوع (مبدأ اتباع سنن الماضين).
(١٩٥) تاريخ الطبري، ج ٦، ص ١٢٦، عن هوية التشيع للدكتور الوائلي، ص ١١٤.
(١٩٦) معجم البلدان، مادة «قم»، تاريخ قم، ص ١٤، للحسين بن على القمي، تاريخ مذهبي قم، ص ٤٠، فارسي، رجال النجاشي، ص ٢٢٨، المسالك والممالك للاصطخري، ص ٢٠١، المقالات والفرق، لسعد بن خلف انظر (مقدمة الكتاب).
(١٩٧) تاريخ قم، ص ٤٧ وما بعدها.
(١٩٨) طبع اخيرا ولأول مرة في ايران بمقدمة مختصرة تعرّف بالكتاب وبقصته الشهيرة والمقدمة كتبها العلامة السيد رضا الصدر شقيق الامام موسى الصدر.
(١٩٩) اعتمدت في سرد قصة العلامة الحلي مع الملك خدا بنده على أجزاء متفرقة من كتاب أعيان الشيعة بالأخص المجلد رقم ٥، ترجمة العلامة، ومقدمة العلامة السيد رضا الصدر لكتاب العلامة (نهج الحق وكشف الصدق)، وعلى مطالعاتي العامة المتفرقة لكتب مختلفة وخاصة كتب التراجم، المعنية برجال القصة.
وقد استقصيت بعض جوانب القصة من بعض العلماء والمؤمنين من كبار السن في مدينة الحلة ايام اقامتي في النجف الاشرف.
(٢٠٠) صحيح الترمذي، كتاب المناقب، سنن ابن ماجة باب فضائل الصحابة، مستدرك الصحيحين، ج ٣، ص ١٧٧، مسند الإمام احمد، ج ٤، ص ١٧٢، أسد الغابة، ج ٢، ص ١٩، وج ٥، ص ١٣٠.
(٢٠١) اقرأ مقتل الحسين، للخوارزمي.
(٢٠٢) أي ليس في مكان واحد.
(٢٠٣) راجع: حديث رقم ٥.
(٢٠٤) راجع: حديث رقم ٧.
(٢٠٥) راجع هذه المدن في كتاب معجم البلدان وفي كتاب المنجد قسم الاعلام.
(٢٠٦) راجع هذه المدن في كتاب معجم البلدان وفي كتاب المنجد قسم الاعلام.
(٢٠٧) راجع هذه المدن في كتاب معجم البلدان وفي كتاب المنجد قسم الاعلام.
(٢٠٨) راجع هذه المدن في كتاب معجم البلدان وفي كتاب المنجد قسم الاعلام.
(٢٠٩) راجع: حديث رقم ١٥.
(٢١٠) وسيأتي في الموضوعات القادمة من الفصل الثالث شرح وبيان معاني هذه الخطبة وعلاقتها بموضوع ثورة الموطئين للمهدي في الحديث عن المعركة الاولى من معارك الموطئين في عصر الظهور.
(٢١١) كتاب الغيبة للطوسي، طبع مؤسسة المعارف الاسلامية قم المقدسة ص ٤٦ ح ٤٧٩.
(٢١٢) راجع: مصادره في حديث رقم ١٤، والضمير في (عليه) يعود للسفياني.
(٢١٣) راجع: مصادره في حديث رقم ٥.
(٢١٤) راجع: مصادره في حديث رقم ٢٢.
(٢١٥) راجع: حديث رقم ٦. وهذا اللفظ غير المذكور هناك بل هو لفظ الحاكم في مستدرك الصحيحين ج ٤ ص ٤٦٤.
(٢١٦) هذه الالفاظ التي اعتمدنا عليها في اعادة ترتيب حديث الحاكم ليست من اختراعنا بل هي مستخرجة من الفاظ حديث الرايات الموجودة عند بقية الحفاظ، وان اردت التأكد من ذلك راجع كتابنا: (الصحيح من احاديث المهدي عند أهل السنة)، فإننا أرجعنا هذه الالفاظ إلى مصادرها، بعد أن قمنا بدراسة علمية موسعة لهذا الحديث في اربعين صفحة، وحققنا بمصادره واسانيده ومتونه والفاظه.
(٢١٧) راجع: مصادره في حديث رقم ٣.
(٢١٨) راجع: حديث رقم ٢.
(٢١٩) راجع: حديث رقم ٢٣.
(٢٢٠) الاسراء: الآية ٥. ولما سئل الصادق (عليه السلام) عن تفسير هذه الآية قال ثلاث مرات: «والله هم أهل قم» البحار ج ٥٧، ص ٢١٦ ح ٤٠.
(٢٢١) راجع: معجم البلدان ج ١ ص ١٥٥.
(٢٢٢) راجع: معجم البلدان ج ٢ ص ٢٤١.
(٢٢٣) الرملة: مدينة بفلسطين تقع شمال شرقي بيت المقدس.
(٢٢٤) البربر: قبائل كثيرة متحصنة في جبال بلاد المغرب العربي راجع معج البلدان ج ١ ص ٣٦٨. وهم أهل المغرب أصحاب الرايات الصفر في أحاديث الملاحم.
(٢٢٥) الجابية: قرية من قرى دمشق من ناحية الجولان راجع معجم البلدان ج ٢ ص ٩١.
(٢٢٦) راجع: مصادره في حديث رقم ١٢.
(٢٢٧) راجع: مصادره في حديث رقم ٧.
(٢٢٨) ذكرنا مصادره في حديث رقم ٢٨.
(٢٢٩) مر حديث عمار بن ياسر برقم ٢٧ - ٢٨.
(٢٣٠) المفردات للراغب مادة رجف في حرف الراء.
(٢٣١) تاريخ الغيبة الكبرى، ص ٤٥٥ وما بعدها.
(٢٣٢) قلانس جمع قلنسوة: وهي غطاء يوضع على الرأس.
(٢٣٣) راجع: حديث رقم ٣.
(٢٣٤) راجع: حديث رقم ٦٩.
(٢٣٥) حمص: مدينة سورية.
(٢٣٦) وردت هذه الكلمة هكذا (ابو الطهوي) في مخطوطة ابن حماد، وذكرها ابن طاووس نقلا عن مخطوطة ابن حماد هكذا (اول الظهور) وهي لا تنسجم مع باقي الحديث، إلّا إذا وضعنا كلمة (رجل) بعد قوله: يخرج، فيكون الحديث هكذا: «اوّل الظهور يخرج رجل من قبل المشرق...» وهذا الاحتمال قوي جدا.
(٢٣٧) حرستا: قرية من قرى دمشق مرّ ذكرها، وبيت لها بالقرب منها، والاصح (بيت لهيا)، راجع: معجم البلدان ج ١ ص ٥٢٢.
(٢٣٨) لم نضح رقما لاحاديث هذه المجموعة، لأنها ليست من احاديث الموطئين، والترقيم خاص باحاديث الموطئين في هذا الكتاب فقط.
(٢٣٩) ربما هذه الكلمة تصحيف لكلمة قصبات.
(٢٤٠) كنز العمال ج ١١ ح ٣١٤٨٦.
(٢٤١) كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٠٤٢، مجمع الزوائد ج ٥ ص ٤٤، الفتن، لابن حماد ص ٥٣.
(٢٤٢) كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٥٣٠، الفتن، لابن حماد ص ٥٥.
(٢٤٣) الملاحم والفتن لابن طاووس ص ٣٦، نقلا عن الفتن، لابن حماد.
(٢٤٤) كنز العمال، ج ١١ ح ٣١٤٨٦.
(٢٤٥) كنز العمال ج ١٢ ح ٣٤١٢٤، الفوائد المجموعة ص ٤١١ ح ١٢٠٥، الفتن لابن حماد ص ٥٢.
(٢٤٦) راجع: حديث رقم ٥٩.
(٢٤٧) راجع: حديث رقم ١٦.
(٢٤٨) راجع: حديث رقم ٣١.
(٢٤٩) راجع حديث رقم ٨٥.
(٢٥٠) راجع: حديث رقم ١١.
(٢٥١) راجع: حديث رقم ٣٠.
(٢٥٢) راجع: حديث رقم ٦٨.
(٢٥٣) راجع حديث رقم (١٩) ورقم (٢٠) ورقم (٢١).
(٢٥٤) راجع هذا الموضوع في صفحة ٢٨٧.
(٢٥٥) راجع حديث: (١٩) (٢٠) (٢١).
(٢٥٦) قنسرين: قرية تقع في سوريا بين حلب وانطاكية (المنجد قسم الاعلام).
(٢٥٧) راجع: موضوع (تحرير الموطئين للقدس).
(٢٥٨) راجع: موضوع (المعركة الكبرى بين الرايات السود ورايات أهل المغرب الصفراء).
(٢٥٩) وتبدأ احاديث هذه المعركة من حديث رقم ٤٦ وتنتهي بحديث رقم ٦٤ فراجعها.
(٢٦٠) راجع: حديث رقم ١٤.
(٢٦١) كتاب عصر الظهور للشيخ علي الكوراني ص ٦٧، طبع ايران.
(٢٦٢) سيأتي نص هذا الحديث في الموضوعات القادمة من هذا الفصل.
(٢٦٣) راجع: حديث رقم ١٤.
(٢٦٤) راجع: حديث رقم ٩٨.
(٢٦٥) الكشاف: ج ٢ ص ٤٣.
(٢٦٦) بنو فروخ كناية عن ابناء فارس لأن فروخ جد سلمان الفارسي. راجع: ترجمة سلمان الفارسي في البحار ج ٢٢ ص ٣٦٨ ح ٨.
(٢٦٧) الكرز: هو الفأس لقلع الحجر والشجر.
(٢٦٨) النكول: القيود من الحديد او غيره يكتف بها الاسير.
(٢٦٩) مر في حديث رقم ١١٩. راجع ترجمة سلمان في البحار ج ٢٢ ص ٣٦٨ ح ٨.
(٢٧٠) هذا هو شعار الامام الحسين (عليه السلام) يوم كربلاء، وقد تحول هذا الشعار فيما بعد إلى نهج جهادي بوجه الظلم والظالمين، يميز الجماعات الموالية لاهل البيت (عليهم السلام) عن غيرهم في طول التاريخ.
(٢٧١) راجع: الفصل الثاني، موضوع: (دورهم في النهضة الثقافية).
(٢٧٢) مر مصدر هذه الخطبة في حديث رقم ١٤، لكننا هناك اقتطعنا منها مقطعا قصيرا.
(٢٧٣) وهو من الأحاديث الصحيحة وستأتي مصادره في الموضوعات القادمة.
(٢٧٤) بشارة الاسلام ص ٢٤١ كتاب الغيبة للنعماني ص ٣١٥ ح ٨.
(٢٧٥) الجمعة: ٢ - ٤. راجع تفسيرنا لهذه الاية في الفصل الاول.
(٢٧٦) الضيطر: الرجل الضخم الذي لا خير فيه، وجمعه ضياطرة.
(٢٧٧) هذه الكلمة ساقطة من هذا الحديث، وهو لا يستقيم بدونها، ونحن نعتقد أنها واردة في أصل الحديث بقرينة الاحاديث الاخرى الواردة بنفس الموضوع.
(٢٧٨) أتباع البقر: البقر كناية عن ترك المسؤولية والاقتناع بالتبعية الذليلة للغير، حتى لو كان المتبوع ممن لا يعقلون.
(٢٧٩) مرت مصادره في حديث رقم ١٢٢.
(٢٨٠) روى هذا الحديث النعماني في كتاب الغيبة، ص ٢٦٣ ح ٢٤.
(٢٨١) عقد الدرر ليوسف الشافعي ص ٢٢٧.
(٢٨٢) راجع: البشارة بتمسكهم بولاية أهل البيت (عليهم السلام)، والبشارة بجهادهم لإحياء أمر الدين، والبشارة بكونهم القاعدة الثانية للإسلام.
(٢٨٣) راجع: حديث رقم ٢٢.
(٢٨٤) راجع: حديث رقم ١٤.
(٢٨٥) راجع: حديث رقم ٦. واللفظ هذا للحاكم في مستدرك الصحيحين.
(٢٨٦) راجع: حديث رقم ١٥.
(٢٨٧) راجع: حديث رقم ٢٣.
(٢٨٨) راجع: حديث رقم ٢٢.
(٢٨٩) راجع: حديث رقم ٢٤.
(٢٩٠) صحيح البخاري، ج ٢ ص ١١٤، وج ٤ ص ٢٤٠.
(٢٩١) مجمع الزوائد، ج ٥ ص ٢٣٩، قال رواه احمد ورجاله ثقات.
(٢٩٢) مجمع الزوائد، ج ٧ ص ٢٨١. رواه احمد، والطبراني ورجالهما رجال الصحيح.
(٢٩٣) حديث رقم ٦. واللفظ هذا للحاكم في مستدرك الصحيحين.
(٢٩٤) راجع هذه القضية التاريخية في كتاب: (الامامة والسياسة)، لابن قتيبة، في الاخبار الخاصة بالثورة العباسية.
(٢٩٥) من الاخبار المروية عن طريق أهل البيت (عليهم السلام) الخاصة بثورة الموطئين تلك التي تخبر عن انتشار العلم من بلادهم إلى العالم حتى يصل إلى المخدرات من النساء.
(٢٩٦) هذا الاعتقاد يشترك به أهل السنة مع الشيعة، الا انهم يحصرونه في الاطار العاطفي، ويفسرون جميع الآيات والاحاديث الخاصة بفضل أهل البيت (عليهم السلام) تفسيرا عاطفيا، وكأن للّه تعالى قرابة مع أهل البيت (عليهم السلام) أو ان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انسان عاطفي عشائري يفضل أهل بيته على سائر المسلمين.
(٢٩٧) صحيح البخاري ج ٢ ص ١١٤ وج ٤ ص ٢٤٠.
(٢٩٨) تذكرة الحفاظ، للذهبي، ج ١ ص ٣، ترجمة ابي بكر.
(٢٩٩) صحيح البخاري، كتاب المرضى، صحيح مسلم، كتاب الوصية.
(٣٠٠) تذكرة الحفاظ ج ١ ص ٤، صحيح مسلم كتاب الاداب باب الاستئذان.
(٣٠١) سنن ابن ماجة ج ١ باب التوقي في الحديث، تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ٣ - ٤.
(٣٠٢) كنز العمال، ج ٥ ص ٢٣٩.
(٣٠٣) سنن ابن ماجة، ج ١ باب التوقي في الحديث.
(٣٠٤) تذكرة الحفاظ للذهبي ج ١ ص ٥، الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٥ ص ١٨٨، تقييد العلم للخطيب البغدادي، مسند الصديق لابن كثير، كنز العمال ج ٥ ص ٢٣٧.
(٣٠٥) مسند الامام احمد بن حنبل ج ١ ص ٣٩٣.
(٣٠٦) تنبيه: نعتقد ان الهدف السياسي لمنع تدوين الحديث وروايته وانتشاره بين المسلمين هو المنع من انتشار وصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالخلافة لعلي التي منع من كتابتها في (رزية يوم الخمس).
(٣٠٧) راجع: الفصل الثاني (دور ابناء فارس في النهضة الثقافية).
(٣٠٨) البحار ج ١ ص ١٩٥ ح ١٦. عن «قرب الاسناد».
(٣٠٩) تاريخ الغيبة الكبرى، ص ٤٥٧، وكذلك في تاريخ ما بعد الظهور، ص ٢٣٩.
(٣١٠) الحافظ الذهبي: هو الذي تعقب الحاكم في مستدركه. وعلماء الحديث من أهل السنة لا يحكمون بصحة احاديث الحاكم الا اذا وافقه الذهبي عليها.
(٣١١) ذكرنا مصادره في حديث رقم (٩).
(٣١٢) الفتن، لنعيم بن حماد، ص ٨٤ مخطوط.
(٣١٣) البدء والتاريخ ج ٢ ص ٢٧٥.
(٣١٤) في الهامش قال: وفي نسخة (خنن) وفي نسخة (ختين). اقول: ولعل الكلمة مصحفة من (خمين)، والظاهر ان هذا المؤلف مطلع على بعض الاخبار الخاصة بالرايات السود مما لم نطلع عليه نحن.
(٣١٥) عقد الدرر ص ٥.
(٣١٦) عقد الدرر، ص ١٢١.
(٣١٧) البيان، ص ١٥٠، طبع بيروت، دار التعارف.
(٣١٨) خريدة العجائب، ص ٩٧.
(٣١٩) نهاية البداية، ج ١ ص ٤٢.
(٣٢٠) القول المختصر ص ٤٨، طبع مكتبة القران، القاهرة.
(٣٢١) الاشاعة، ص ١١٤.
(٣٢٢) لوائح الانوار، ج ٢، في الفائدة الثانية من سيرة الامام المهدي (عليه السلام).
(٣٢٣) مشارق الانوار، ص ١١٢ - ١١٥.
(٣٢٤) مقدمة ابن خلدون، ص ٣٢٧.
(٣٢٥) الفتوحات، ج ٣، باب ٣٦٦.
(٣٢٦) مشارق الانوار، ص ١١٢، وص ١١٥.
(٣٢٧) حديث رقم: ٩.
(٣٢٨) حديث رقم: ٨.
(٣٢٩) حديث رقم: ٢٩.
(٣٣٠) حديث رقم: ٣٢.
(٣٣١) الراية المروانية تحكم بلاد دمش قبل الراية السفيانية في آخر الزمان. راجع: حديث رقم: ٤٢.
(٣٣٢) ورد تفسير هذا الوعد الالهي عن الامام الصادق (عليه السلام) وطبقه على الثوار الموطئين.
(٣٣٣) حديث رقم: ١٢٧.
(٣٣٤) حديث الثقلين، ذكرنا مصادره في الفصل الاول والثاني.
(٣٣٥) حديث رقم: ١٤٣.
(٣٣٦) حديث رقم ١٩.
(٣٣٧) حديث رقم ٢٠.
(٣٣٨) حديث رقم ١٠٠.
(٣٣٩) حديث رقم ٢٣.
(٣٤٠) حديث رقم ٢٢.
(٣٤١) راجع حديث رقم: ٩٨.
(٣٤٢) راجع حديث رقم: ١٤.
(٣٤٣) حديث رقم: ١٨.
(٣٤٤) راجع: مقدمة كتابنا (مبادئ الثقافة المهدوية). فقد ذكرنا اخبار الفريقين التي تعرضت لتفسير هذه الآية، ومنها هذا الخبر عن ابن عباس، قال: «لا يكون ذلك حتى لا يبقى يهودي ولا نصراني ولا صاحب ملة الا الاسلام... حتى توضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير، فيتحقق قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ﴾، وذلك عند قيام القائم (عليه السلام). يعني الامام المهدي. كتاب المحجة، ص ٨٦.
(٣٤٥) حديث رقم: ٧٥.
(٣٤٦) ومما جاء في احاديث أهل البيت (عليهم السلام) عن الامام علي (عليه السلام) قال: «كأني بالعجم قد نصبوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، يعلمون الناس القرآن كما نزل...». كتاب الغيبة، للنعماني، ص ٣١٨، حديث ٥. والفسطاط: الخيمة، وجمعها فساطيط.

التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved