فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب وجاء الحق

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: سعيد أيوب تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٩/٢٠ المشاهدات المشاهدات: ٩٩ التعليقات التعليقات: ٠

وجاء الحق

تأليف: سعيد أيوب

فهرس المطالب

كلمة المركز
الفصل الأول: الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب
دعوة أهل الكتاب
أولاً: الدعوة إلى التوحيد الحق
ثانياً: الدعوة إلى إتباع قبلة الرسالة الخاتمة
ثالثاً: إتباع إبراهيم
رابعاً: البيان والإنذار
خامساً: العنكبوت والدعوة
الفصل الثاني: من وصايا الدعوة الخاتمة
أولاً: ظلّ المنزلة الممدود
ثانياً: أضواء على المنزلة العالية
١- مقام التطهير
٢- حكّام العلم
ثالثاً: الترغيب والترهيب
رابعاً: رحيل النبيّ الخاتم

كلمة المركز

هذا الكتاب، في الأصل، فصل من فصول كتاب " ابتلاءات الأمم "، للمغفور له الباحث سعيد أيوب. وقد استللناه من ذلك المؤلف القيم، ووضعناه تحت عنوانه الأصلي: "وجاء الحق".
والمقصود بالحق، هنا، الدعوة الخاتمة، دعوة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، الموجهة إلى البشرية جمعاء، والقائلة لأهل الكتاب: تعالوا إلى كلمة عدل نستوي نحن وأنتم فيها، فنعبد الله وحده، ونتبع تعاليمه.. وهذه دعوة جميع الأنبياء والرسل منذ خلق الله الخلق.
يبحث المؤلف، وهو الباحث الذي نذر حياته من أجل تبيين معالم خط الإسلام الأصيل، المتمثل بمذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، في القسم الأول من بحثه قضية " الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب "، ويخلص - استنادا إلى النصوص التي يستقرئها - إلى القول: إن الدعوة الخاتمة، في الوقت الذي تفتح فيه أبوابها للباحثين عن الحقيقة، تحذر من اتباع أي مشروع يهدف إلى الصد عن سبيل الله..
ويفضي البحث في هذه القضية، إلى بحث القضية الثانية، في القسم الثاني، بالاعتماد على استقراء مجموعة "من وصايا الدعوة الخاتمة". ويفيد هذا الاستقراء أن الأمة الخاتمة لم تستثن من الاختبار بالأنبياء والرسل وبأوصيائهم. فقد قابلت دائرة هارون وبنيه في الشريعة الموسوية دائرة الإمام علي بن أبي طالب وبنيه (عليهم السلام) في الشريعة المحمدية. فقد جاء في الحديث الصحيح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي".
ينطلق المؤلف، في بحثه، من النصوص، فيستقرئها، ويخلص إلى نتائج لا يلبث أن يؤيدها بالشواهد، ورائده في ذلك ما أمر الله تعالى به رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الخلق إلى الله، عز وجل، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبذلك تشرع أبواب الحق أمام الذين يريدون الاستبصار في الدين.
رحم الله المؤلف، وعسى أن نكون قد وفقنا إلى تحقيق الهدف الذي كان يرجوه، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

مركز الغدير للدراسات الإسلامية

الفصل الأول: الدعوة الخاتمة وأهل الكتاب

على أعتاب الدعوة الإلهية الخاتمة كانت الساحة الإنسانية ترتع فيها أعلام المادية، التي لا يريد أصحابها إلا الحياة وزينتها، ولا يرجون بعثا ولا نشورا، ولا يعبأون بشيء من الفضائل المعنوية والروحية، وفي مقابل أصحاب المادة رفع دعاة الروح أعلامهم، وانطلقوا في مسيرة يرفضون فيها الكمالات الجسمية التي أظهرها الله - تعالى - في مظاهر النشأة المادية، لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان. وسارت القافلة البشرية تحت هذه الأعلام التي لا تحقق السعادة في الدنيا، لأن حملة الأعلام المادية أبطلوا النتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليه، وحملة أعلام الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها.
كانت المسيرة البشرية في حاجة وسط يقف بين الطرفين، ويقودهما إلى الهدف الذي من أجله خلق الله الإنسان، وسط لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك، وإنما يقف بين الجانبين، جانب الجسم وجانب الروح، وبه يقاس ويوزن كل من طرفي الإفراط والتفريط، ليكون شهيدا على سائر الناس الواقعة في الأطراف.
ومن لطف الله - تعالى - ورحمته بالعباد، بعث - سبحانه - النبي الخاتم، النبي الأمي العربي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، ليقود أمة تحمل للبشرية دينا يهدي الناس إلى وسط الطرفين، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

دعوة أهل الكتاب

أولا: الدعوة إلى التوحيد الحق
توجهت الدعوة الإلهية الخاتمة إلى البشرية كافة، وإن أهل الكتاب بينهم من يعرف الحق ومعارف الدين، وفيهم رهبان وزهاد يعرفون عظمة ربهم ولا يستكبرون، وفيهم الباحث عن الحقيقة، توجهت الدعوة إليهم من طرق عديدة لتحيطهم بالحجة من كل مكان، وبين الله - تعالى - لهم أن رسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل، قال تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) [المائدة: ١٥ - ١٦]، والمعنى: أن الرسول يبين ما بدلوه وحرفوه وأولوه وافتروا على الله فيه، ويسكت عن كثير مما غيروه ولا فائدة في بيانه، وأن دعوته تدعو إلى الصراط المستقيم المهيمن على الطرق كلها.
ونظرا لأن مسيرة اليهود رشحت عليها عقائد الأمم الوثنية، وحمل التوحيد على امتداد مسيرتهم بصمات الآلهة المتعددة، حتى صار الإله - في نهاية المطاف - إلها خاصا ببني إسرائيل دون غيرهم من الأمم، ونظرا لأن الأحبار والرهبان بدلوا الدين الذي بعث به عيسى (عليه السلام)، ونسبوا إلى المسيح ما لا يجوز وقالوا بألوهيته، وأطاعتهم القافلة النصرانية من غير قيد ولا شرط، فإن الدعوة الخاتمة صححت هذه المفاهيم في أكثر من آية، ومنها قوله تعالى لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) [آل عمران: ٦٤]، والمعنى: تعالوا إلى كلمة عدل نستوي نحن وأنتم فيها، ثم فسر هذه الكلمة بقوله: (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا)، لا وثنا ولا صليبا ولا صنما ولا طاغوتا ولا نارا ولا أي شيء آخر، بل نفرد العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة كل الرسل منذ ذرأ الله ذرية آدم، ثم قال: (ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، أي: لا يسجد بعضنا لبعض، أو يطيع بعضنا بعضا في معصية الله، أو نحرم الحلال ونحل الحرام، فنحن وأنتم ما أمرنا إلا لنعبد الله وحده، الذي إذا حرم شيئا فهو الحرام، وما حلله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ، تعالى الله سبحانه وتقدس وتنزه عن الشركاء، والنظراء، والأعوان، والأضداد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، فإن تولوا عن هذه الدعوة، فاشهدوا أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
ثانيا: الدعوة إلى اتباع قبلة الرسالة الخاتمة
عندما بعث النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان الاختلاف بين اليهود على تحديد القبلة اختلافا ثابتا لا شك فيه، ونسيانهم للجبل المقدس الذي يجب أن يتوجهوا إليه، نسيان مسطور في ما بين أيديهم من كتاب، قال أشعيا وهو يحذرهم بأن الرب قال لهم: "أما أنتم الذين تركوا الرب ونسوا جبلا قدسيا فإني أعينكم للسيف"(١). وهذا النسيان ترى معالمه على التوراتين: السامرية والعبرية، فبينما تقول التوراة السامرية: إن القبلة في اتجاه جبل جرزيم، تقول التوراة العبرانية: إنها في اتجاه جبل عيبال، والمسيح (عليه السلام) شهد بوجود هذا الاختلاف في عهد بعثته، وبشرهم بأن العبادة لن تكون في المستقبل لا في اتجاه هذا الجبل ولا في اتجاه أورشاليم، وذلك لأن الله سينزع من أيديهم القيادة ويسلمها إلى شعب آخر(٢). وما ذكره المسيح (عليه السلام) بخصوص القبلة، جاء عند ما كان متوجها إلى أورشاليم، فقالت له امرأة سامرية: "يا سيدي، أرى أنك نبي، آباؤنا سجدوا في هذا الجبل، وأنتم تقولون: إن في أورشاليم الموضع الذي ينبغي أن يسجد فيه، فأجابها يسوع:
صدقيني يا امرأة ستأتي الساعة التي فيها تعبدون الأب لا في هذا الجبل ولا في أورشاليم(٣). وقبل البعثة الخاتمة، لم يكن في أورشاليم هيكل بعد أن دمر الامبراطور تيطس آخر هيكل عام ٧٠ م، ولم يكن في أورشاليم حاخامية لليهود بعد أن ألغى الامبراطور ثيودوسيوس الحاخامية عام ٤٣٥ م، وترتب على ذلك تفرق اليهود في الأرض.
ولما كانت الدعوة الإلهية المتوجهة إلى بني إسرائيل قد نزل عليها الستار بعد بعثة عيسى (عليه السلام)، لأنه آخر أنبياء بني إسرائيل (عليهم السلام)، ولما كان عيسى (عليه السلام) يسجد لله في اتجاه أورشاليم، ولما كانت الدعوة الإلهية اللاحقة تبدأ من حيث انتهت الدعوة الإلهية التي سبقتها، باعتبار أن الدعوة الإلهية للناس - منذ ذرأ الله ذرية آدم - دعوة واحدة، صراطها واحد، وغاياتها واحدة، فتبدأ دعوة اللاحق من الرسل من حيث انتهت دعوة السابق منهم ثم يفعل الله ما يشاء ويحكم ما يريد، ويكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، لأنه - تعالى - له الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك، ولما كان أهل الكتاب يعلمون من كتب أنبيائهم أن الدعوة الخاتمة لها صفات خاصة بها، وأنها ستبين لهم ولغيرهم الاتجاه الذي يجب أن يسجد الناس نحوه، فإن الله - تعالى - عند ما بعث رسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، أمره بالتوجه إلى قبلة بيت المقدس، والمعنى الذي يستشف من هذا الحدث هو أن الدعوة الإلهية دعوة واحدة، وأن الحلقات فيها ترتبط بعضها ببعض، وتحت هذا السقف تقام الحجة على الذين اختلفوا في الدين والذين جعلوا الدين دينا خاصا بهم، تحت هذا السقف ينظر الله إلى عباده كيف يعملون، ومن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه.
وعند ما كانت القبلة في اتجاه بيت المقدس، تدبر في الأحداث الذين يعرفون الحق ومعارف الدين، والزهاد من أهل الكتاب، وأصغوا لصوت الحق، وتكاتم البعض ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وانطلقوا يصدون عن سبيل الله، وبعد أن أقامت الدعوة حجتها على بني إسرائيل في هذا الأمر، أمر - تعالى - رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام بمكة، وأخبره بأن أهل الكتاب يعلمون أنه الحق من ربهم، قال تعالى: (سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه) إلى قوله تعالى: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغافل عما يعملون، ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض) [البقرة ١٤٢ - ١٤٥]، قال المفسرون: والمعنى: إنما شرعنا لك يا محمد أولا التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرفناك عنه إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك ويستقبل معك حيثما توجهت، ممن ينقلب على عقبيه، وإن كان صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة لأمرا عظيما في النفوس، إلا على الذين هدى الله قلوبهم، فأيقنوا بتصديق الرسول، بأن كل ما جاء به هو الحق الذي لا مرية فيه، وبأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وله - تعالى - أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وهذا بخلاف ما يقوله الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكا، ثم أخبره - تعالى - بأن صلاتهم إلى بيت المقدس لن يضيع ثوابها عند الله، وأمره - تعالى - بأن يولي وجهه شطر المسجد الحرام، وأخبره أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن الله سيوجهه إلى هذه القبلة، مما في كتبهم عن أنبيائهم من النعت والصفة لرسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما خصه الله - تعالى - به وشرفه من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسدا وكفرا وعنادا، وأخبر - تعالى - أن الرسول لو أقام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوا قبلته كفرا وعنادا، وأنه لن يتبع قبلتهم لأن ذلك عن أمر الله تعالى، له الحكمة التامة والحجة البالغة، ثم أشار - تعالى - إلى اختلافهم في ما بينهم في تحديد قبلتهم القديمة، وهو قوله: (وما بعضهم بتابع قبلة بعض)، وأمره - تعالى - أن يستمسك بأمر الله ولا يتبع أهواءهم في جميع أحواله، وقال - جل شأنه -: (ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين، الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) [البقرة ١٤٥ - ١٤٦]، والمعنى: أن علماء أهل الكتاب يعرفون صحة ما جاء به الرسول، ومن ذلك توجهه شطر المسجد الحرام، كما يعرف أحدهم ولده.
وبالجملة، كان التوجه إلى بيت المقدس، ثم صرف عنه إلى الكعبة، امتحانا لأهل الكتاب الذين علموا من أبنائهم أن قيادة الدعوة الإلهية ستنتقل من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، وأن عنوان هذه الدعوة ورسولها هو النبي الخاتم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان امتحانا أيضا للذين اتبعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من العرب وغيرهم، لأن صرف التوجه عن بيت المقدس سيثير شكوك البعض، وسيغذي أهل الكتاب والذين في قلوبهم مرض هذه الشكوك وهم يصدون عن سبيل الله، وتحت سقف هذا الامتحان ينظر الله إلى عباده كيف يعملون.
ثالثا: اتباع إبراهيم (عليه السلام)
بعد عهد السبي تاجر اليهود بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، وانطلقوا في اتجاه هذا الهدف بالعمل على إقامة مملكة داود، وعاصمتها أورشاليم، بعد أن تبنوا عقيدة تقول: إن مملكة داود هي وعاء للعهد الإبراهيمي، وعلى امتداد مسيرتهم وبخهم الأنبياء على هذا الاعتقاد، فقال لهم حزقيال:
تقولون: إن إبراهيم كان واحدا وقد ورث الأرض، ونحن كثيرون لنا أعطيت الأرض ميراثا... تأكلون بالدم، وترفعون أعينكم إلى أصنامكم، وتسفكون الدم. أفترثون الأرض؟ "(٤)، وقال لهم يوحنا (يحيى): تقولون: "لنا إبراهيم أبا، فإني أقول لكم: إن الله قادر أن يطلع من هذه الحجارة أولاد إبراهيم"(٥)، وقال لهم المسيح (عليه السلام): "لو كنتم أولاد إبراهيم لعملتم أعمال إبراهيم"، وقال: "أنتم أولاد أبيكم إبليس،. شهوات أبيكم، ترغبون في أن تعملوا، فهو من البدء كان قاتلا للناس"(٦).
وعندما بعث النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، تحدث أهل الكتاب بعقيدتهم الخاصة بالميراث، وعملوا على نشر الثقافة التي تصب في وعاء هذه العقيدة، واليهود في مصادر الإسلام أعلنوا أنهم في انتظار المسيح الذي يملكون به الأرض، والنصارى تحدثوا بما وضعه بولس في عقولهم، وهو أن الأمم شركاء لليهود في الميراث، ووفقا لهذا الاعتقاد بدأوا بالتحرك لوقف تحرك الدعوة الخاتمة في اتجاه الأمم، وشيد اليهود والنصارى صروحهم على إبراهيم (عليه السلام)، فبينما زعم الحي اليهودي أن إبراهيم كان يهوديا، زعم الحي النصراني أن إبراهيم كان نصرانيا، وفي زحمة هذه الثقافات، قالت اليهود:
ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليست اليهود على شيء، هذه الأقوال والاعتقادات شهد بها القرآن الكريم، ورد عليها، وأقام على هؤلاء وهؤلاء الحجة الدامغة، ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) [المائدة: ١٨]، والمعنى: لو كنتم - كما تدعون - أبناء ه وأحباءه، فلم أعدت لكم نار جهنم على كفركم وكذبكم وافترائكم (بل أنتم بشر ممن خلق)، أي لكم أسوة بأمثالكم من بني آدم، وهو - سبحانه - الحاكم في جميع عباده، فعال لما يريد، لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.
وقال تعالى: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق) [البقرة: ١٣٥ - ١٣٧]، وقبل هذه الآيات بين - تعالى - أن الدين الحق الذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده، كان هو الإسلام الذي كان عليه إبراهيم حنيفا، ويستنتج من ذلك أن أهل الكتاب على عهد البعثة الخاتمة، كانوا قد انتهى بهم المطاف إلى أرضية الاختلافات والانشعابات، التي أفرزتها اختراعاتهم وهوسهم، بعد أن صبغوا دين الله بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، وروي أن اليهودي عبد الله بن صوريا قال للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):
ما الهدى إلا ما نحن عليه، فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى مثل ذلك(٧)، فقال الله لرسوله: (قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، أي: قل بل نتبع ملة إبراهيم حنيفا، فإنها الملة الواحدة التي كان عليها جميع أنبيائكم، وما كان صاحب هذه الملة - وهو إبراهيم - من المشركين.
ثم ذكر لهم أن الدعوة الخاتمة تؤمن بالله وما أنزل إليها، وهو القرآن، وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثم ذكر ما أوتي موسى وعيسى، وخصهما بالذكر، لأن المخاطبة مع اليهود والنصارى، ثم ذكر ما أوتي النبيون من ربهم، لتشمل الشهادة جميع الأنبياء، فيستقيم قوله بعد ذلك: (لا نفرق بين أحد منهم)، ثم قال تعالى: (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا)، أي فإن آمنوا بما آمنتم به من الإيمان بجميع كتب الله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم، فقد أصابوا الحق وأرشدوا إليه.
من الآيات السابقة يمكن أن نستشف الثقافة التي كان اليهود والنصارى يبثونها على عهد الرسالة الخاتمة، فلقد ادعوا بأنهم أبناء الله وأحباؤه، وقالوا: كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، ويبدو أن القرآن عند ما ضرب العمود الفقري لثقافتهم هذه، قرروا بأن يعمل كل حي من أحيائهم على انفراد، ويمكن أن نستشف ذلك من قوله تعالى: (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب) [البقرة: ١١٣]، قال المفسرون: "هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت في ما رمت به الطائفة الأخرى، ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم في ما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك، ولهذا قال تعالى: (وهم يتلون الكتاب)، أي: وهم يعلمون شريعة التوراة والانجيل، كل منهما قد كانت مشروعة في وقت، ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد بالفاسد"(٨)، وبالجملة، قد كان أوائل اليهود والنصارى على شيء، وهذا لا تخلو منه كتبهم لإقامة الحجة عليهم على امتداد المسيرة، ثم ابتدع الذين من بعدهم وتفرقوا، ثم جاء العلماء الذين وضعوا التفسير الشفهي للتوراة (التلمود)، وعندها انقسم اليهود إلى فرق وأحزاب، وانتهى الأمر بأن وقف الحي اليهودي داخل دائرة حددها الأحبار، ووقف الحي النصراني داخل دائرة حددها بولس لخدمة أصحاب الدائرة الأولى، فالثقافة التي تخرج من مدونات خدمة النصارى لليهود تقول بأن اليهود والنصارى أبناء الله وأحباؤه، أما الثقافة التي تدفع أصحابها إلى أن يقول كل منهم أن الآخر ليس على شيء، فهي نتيجة لحجة البعثة الخاتمة ومواجهتها للأطراف مجتمعين، فالدعوة الخاتمة أرشدتهم إلى الحق ليتفكروا ويتدبروا، وبدلا من أن يرجعوا إلى كتبهم التي لا تخلو من حق، ويعرضوها على منهج البعثة الخاتمة، انطلقوا من التفسير الشفهي، وهذا التفسير لا يقيم حقا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، لأنه مقابلة للفاسد بالفاسد.
وفي مجال عمل كل حي منفردا عن الآخر، قام كل منهما بوضع جميع الأنبياء داخل الحي الخاص به، ورد القرآن عليهم قولهم، قال تعالى: (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [البقرة: ١٤٠]، والمعنى: قال كل من الفريقين: إن إبراهيم ومن ذكر من بعده منهم، فقال تعالى: (قل أأنتم أعلم أم الله)، أي: فإن الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أن موسى وعيسى وكتابيهما بعد إبراهيم، فإذا كان تشريع اليهودية أو النصرانية بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فكيف يكون إبراهيم والذين ذكروا معه هودا أو نصارى؟ وقال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والانجيل إلا من بعده أفلا تعقلون، ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون، ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين، ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون، يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون، يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) [آل عمران: ٦٥ - ٧١].
لقد أنكر الله عليهم قولهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها، وشهد - سبحانه - بأن إبراهيم كان متحنفا عن الشرك، قاصدا إلى الإيمان، وما كان من المشركين، وأخبر - سبحانه - بأن أحق الناس بمتابعة إبراهيم، الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي، يعني محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين آمنوا، لأنهم على الإسلام الذي اصطفى الله به إبراهيم، وكذا كل من اتبعه دون أن يكفر بآيات الله ويلبس الحق بالباطل، ثم أخبر - تعالى - بأن طائفة من أهل الكتاب تود أن تضل الذين آمنوا بإلقاء الشبهات بينهم، وأنهم يضلون أنفسهم أولا، لأن الإنسان لا يفعل شيئا - من خير أو شر - إلا لنفسه، كما قال تعالى: (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فلها وما ربك بظلام للعبيد) [فصلت: ٤٦]، ثم قال سبحانه: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) [آل عمران: ٧٠]، وأهل الكتاب لا ينكرون أن للعالم إلها، وإنما ينكرون أمورا من الحقائق بينتها لهم الكتب السماوية المنزلة عليهم وعلى غيرهم، كنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكون عيسى عبد الله ورسوله، وأن إبراهيم ليس بيهودي ولا نصراني، وأن يد الله مبسوطة، وأن الله غني، وأن الدجال فتنة فيه تصب جميع الفتن، إلى غير ذلك. وقوله تعالى: (وأنتم تشهدون)، والشهادة هي الحضور والعلم عن حس، دلالة على أن المراد بكفرهم بآيات الله، إنكارهم كون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هو النبي الموعود الذي بشر به التوراة والانجيل، مع مشاهدتهم انطباق الآيات والعلائم المذكورة فيهما عليه، وأيضا إنكارهم ما يبينه لهم النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) من آيات ربهم التي تنطق بها كتبهم التي بين أيديهم، ويشهد القرآن بها، ثم قال تعالى: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) [آل عمران: ٧١]، والمعنى: لم تظهرون الحق في صورة الباطل؟ وقوله: (وأنتم تعلمون) دلالة أو تلويح على أن المراد باللبس والكتمان ما هو في المعارف الدينية، غير ما يشاهد من الآيات التي حرفوها أو كتموها أو فسروها بغير ما يراد منها.
ولما كان الله - تعالى - قد أنكر عليهم كفرهم بآيات الله وهم يشهدون، فإنه - تعالى - بين في آية أخرى من آيات القرآن الكريم، أن جدالهم في آيات الله بغير سلطان أتاهم، رغبة منهم في إدحاض الحق الصريح بهذا الجدال، قد أوقعهم في فتنة المسيح الدجال، ففي قوله تعالى: (إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير) [غافر: ٥٦]، أخرج ابن أبي حاتم عن كعب، أن هذه الآية نزلت في اليهود في ما ينتظرونه من أمر الدجال، وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج، قال: قال اليهود: يكون منا ملك آخر الزمان، البحر إلى ركبتيه، والسحاب دون رأسه، يأخذ الطير بين السماء والأرض، معه جبل خبز ونهر، وقال أبو العالية: نزلت هذه الآية في اليهود، وذلك أنهم ادعوا أن المسيح (الدجال) منهم، وأنهم يملكون به الأرض، فأمر الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يستعذ من فتنة الدجال(٩).
وبالجملة، بينت الدعوة الإلهية الخاتمة أن الرقعة التي يقف عليها أهل الكتاب ويطالبون من فوقها بالميراث الذي كتبه الله لإبراهيم، رقعة لا علاقة لها بإبراهيم ولا بالأنبياء الذين جاؤوا من بعده، لأنها رقعة أوجدتها الاختلافات والانشعابات، وهذا لا يستقيم مع الدين الإلهي، لأن الدين واحد، كما أن الإله المعبود بالدين واحد، وهو دين إبراهيم (عليه السلام)، وهذا الدين هو الذي تتمسك به الدعوة الإلهية الخاتمة، ولما كان القوم لا علاقة لهم بإبراهيم، وشهد بذلك حزقيال وأشعيا ويوحنا والمسيح (عليه السلام)، وشهد بذلك القرآن الكريم الذي أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فالنتيجة هي أن القوم لا علاقة لهم بميراث إبراهيم في الدنيا والآخرة، ولما كان القوم ما زالوا يعتقدون بأن القدر يخبئ لهم أميرا سيخرج آخر الزمان يمتلكون به الأرض، فإن الدعوة الخاتمة أخبرت بأن المسيح الدجال سيخرج آخر الزمان، وأنه سيرفع شعار أرض الميعاد، وأن أكثر أتباعه من اليهود، ويلحق بهم الذين أخذوا بذيول اليهود، ثم الذين اتبعوا سنن أهل الكتاب شبرا بشبر، وذراعا بذراع..
رابعا: البيان والإنذار
أقامت الدعوة الإلهية الخاتمة حجتها على أهل الكتاب، وبينت لهم أن الله - تعالى - منذ بعث نوحا (عليه السلام) لم يرسل بعده رسولا ولا نبيا إلا من ذريته، وكذلك إبراهيم (عليه السلام) فلم ينزل - سبحانه - على أحد كتابا من السماء، ولا أرسل رسولا ولا أوحى إلى بشر من بعده، إلا وهو من سلالته، قال تعالى: (ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتاب) [الحديد: ٢٦]، وبينت الدعوة الخاتمة أن جميع الأنبياء يدعون إلى عبادة الله وحده لا شريك له، قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [الأنبياء ٢٥]، وأن إبراهيم (عليه السلام) لم يدع مع الله غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، ومن ترك طريقة إبراهيم (عليه السلام) يكون قد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، وبينت الدعوة أن إبراهيم (عليه السلام) وصى بنيه بالإسلام، وبنيه وصوا أبناءهم به من بعدهم، قال تعالى: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) [البقرة: ١٣٢ - ١٣٣].
وبينت الدعوة الخاتمة بأنها تؤمن بكل نبي أرسل، وأخبرت أن كل من سلك طريقا سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، قال تعالى لرسوله: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) [آل عمران: ٨٤ - ٨٥]، وأعلنت الدعوة من يومها الأول أنها على ملة إبراهيم (عليه السلام)، قال تعالى: (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) [النحل ١٢٣]، وقال جل شأنه لرسوله (صلى الله عليه وآله وسلم): (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين، قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣].
لقد بينت الدعوة الإلهية الخاتمة للبشرية العقيدة الحقة، وأقامت الحجة على أهل الكتاب ليتفكروا وليتدبروا، ليعلموا أن دين إبراهيم برئ من جميع العقائد التي عليها بصمات العجول وآلهة الأمم المتعددة، وأن دين إبراهيم لا علاقة له بعقائد التثليث وألوهية المسيح، ولم تكن مهمة إبراهيم (عليه السلام) في يوم من الأيام هي البحث عن الميراث من النيل إلى الفرات، وإنما كان (عليه السلام) إماما للناس، يقتدون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله، وهذه الإمامة لا ينالها ظالم من ولده، لأن الله لا يجعل الظالمين أئمة، ولا يعطي الإمامة لعدوه، لأن هؤلاء يأتون كنتيجة لأعمال الظالمين من الناس، والله - تعالى - رؤوف بالعباد، والناس تحت مظلة الاختبار يمتحنون، فمن سلك طريقا على ذروته إمام للرحمة والعدل، وصل إلى غايته، ومن سلك طريقا على ذروته إمام يدعو إلى النار، دخل فيها.
وعلى امتداد عهد البعثة الخاتمة، بين الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن شريعته تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بالمعروف، وتحذر من البغي والاستكبار والاختلاف، وتنادي بالعدل والإحسان والاستقامة، وتدعو إلى العمل الصالح والتفكر والتدبر والإصلاح والإخلاص، وأن منهج الدعوة عموده الفقري هو التوحيد، وشجرته الأخلاق الفاضلة، إلى غير ذلك من الأوامر والنواهي.
وعلم أهل الكتاب وغيرهم أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، قال تعالى: (إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين) [الأعراف: ١٢٨]، ولقد اختبر الله - تعالى - الفرع الإسرائيلي من الشجرة الإبراهيمية، وبعث فيهم الأنبياء والرسل لينظر - سبحانه - كيف تعمل القافلة، وعلم أهل الكتاب كيف سارت القافلة وبماذا حكم الله عليها، وهذا الحكم يقرأوه في ما بين أيديهم من التوراة الحاضرة، ومنه قول الرب لهم: "ها أنذا أنساكم وأرفضكم من أمام وجهي، أنتم والمدينة التي أعطيتكم وآباءكم إياها، وأجعل عليكم عارا أبديا وخزيا أبديا لا ينسى"(١٠)، وقال: "هو ذا من أجل آثامكم بعتم، ومن أجل ذنوبكم طلقت أمكم"(١١)، وبين هذا الحكم وبين البعثة الخاتمة، قتلوا الأنبياء الذين بعثهم الله لإقامة الحجة على الأجيال المتعاقبة، وعند ما جفت المسيرة من الماء، بعث النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) ليختبر الله - تعالى - بمنهجه أمة جديدة في مقدمة عالم جديد.
وببعثة النبي الخاتم حكمت الدعوة الإلهية حكمها الفصل على قصة الميراث، التي سهر عليها بنو إسرائيل ليلا طويلا، وذلك ببسط الدعوة يدها على المسجد الحرام والمسجد الأقصى في رحلة واحدة في ليلة واحدة، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء: ١]، فالميراث بدأت حدوده من موضع سجود، وانتهت إلى موضع سجود، وهو ممتد إلى كل موضع سجود، وليس معنى هذا أن الدعوة الخاتمة تبحث عن الأرض والطين، وإنما معناه أنها ترعى التقوى في أي مكان، وتعمل من أجل الإصلاح في كل مكان، ترعى التقوى لأن العاقبة للمتقين، وتعمل من أجل الإصلاح حتى يرث الصالحون، قال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
ولأن الدعوة تقوم على التوحيد، ولأن التوحيد هو الحصن الحصين الذي يحفظ الإنسان من الزلل، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار"(١٢) وروي أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذهب إلى يهود، وقال لهم: "يا معشر اليهود، أسلموا تسلموا "، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: "أسلموا تسلموا "، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، فقال: "ذلك أريد "، (أي أريد أن تعرفوا أني بلغت)، ثم قال لهم:
"اعلموا أنما الأرض لله ولرسوله، وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ولرسوله"(١٣)، فالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بلغ بالإسلام، ولكن القوم كانت عيونهم على الأرض والطين، لأنهم من أجل هذا الميراث يعملون، فوقفوا بما يعتقدون أمام القول الفصل وهو: "اعلموا أن الأرض لله ورسوله "، ولم يكن الجلاء من جزيرة العرب عقابا وحيدا للذين يصدون عن سبيل الله وإنما أنذرهم الله بعقاب أليم في الحياة الدنيا والآخرة، قال تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا) [النساء: ٤٧]، قال في الميزان: "دعاهم الله - تعالى - إلى الإيمان بالكتاب الذي نزله مصدقا لما معهم، وأوعدهم بالسخط الذي يلحقهم لو تمردوا واستكبروا من طمس أو لعن يتبعانهم اتباعا لا ريب فيه، وطمس الوجوه: محو هذه الوجوه التي يتوجه بها البشر نحو مقاصدهم الحيوية مما فيه سعادة الإنسان المرتقبة والمرجوة، وهذا المحو ليس هو المحو الذي يوجب فناء الوجوه وزوالها، بل محو يوجب ارتداد تلك الوجوه على أدبارها، فإذا كانت الوجوه تقصد مقاصدها على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإن الوجوه المطموسة لا تقصد إلا ما خلفته وراءها، ولا تمشي إليه إلا القهقرى، وهذا الإنسان الذي يسير في غير اتجاه الفطرة، كلما توجه إلى ما يراه خيرا لنفسه وصلاحا لدينه ودنياه لم ينل إلا شرا وفسادا، وكلما بالغ في التقدم زاد في التأخر، وليس بفالح أبدا، وقوله تعالى: (نطمس وجوها) فيه أنه - تعالى - أتى بالجمع المنكر، ولو كان المراد الجميع لم ينكر، ولتنكير الوجوه وعدم تعيينها هدف من ورائه حكمة، هي أن المقام لما كان مقام الإبعاد والتهديد، وهو إبعاد للجماعة بشر لا يلحق إلا ببعضهم، كان إبهام الأفراد الذين يقع عليهم السخط الإلهي أوقع في الإنذار والتخويف، لأن وصفهم على إبهامه يقبل الانطباق على كل واحد من القوم، فلا يأمن أحدهم أن يمسه هذا العذاب"(١٤).
خامسا: العنكبوت والدعوة
حذرت الدعوة الخاتمة من سلوك سبيل الذين كفروا من أهل الكتاب، لأن الدعوة تقيم وجهها للدين وتتجه بالبشرية إلى الأمام، وتمدها على امتداد الطريق بالزاد الفطري الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، بينما تتقدم قافلة الذين كفروا إلى الخلف بزاد عذاب الطمس الذي ضربه الله عليهم بما كسبت أيديهم، وعلى امتداد هذا الطريق، كلما بالغ أصحابه في التقدم زادوا في التأخر، ولن يحصلوا على السعادة الحقيقية أبدا.
ومن الآيات التي حذر فيها الله من الذين كفروا من أهل الكتاب قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾ [المائدة: ٥١]، قال في الميزان: "نهى عن مودتهم الموجبة إلى تجاذب الأرواح والنفوس، لأن ذلك يقلب حال المجتمع من السيرة الدينية المبنية على سعاة اتباع الحق، إلى سيرة الكفر المبنية على اتباع الهوى وعبادة الشيطان والخروج عن صراط الحياة الفطرية، وقوله تعالى: (بعضهم أولياء بعض)، أي: لتضارب نفوسهم وتجاذب أرواحهم، المستوجب لاجتماع آرائهم على اتباع الهوى والاستكبار عن الحق وقبوله، واتحادهم على إطفاء نور الله سبحانه، وتناصرهم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمسلمين، كأنهم نفس واحدة ذات ملة واحدة، وليسوا على وحدة الملية، لكن يبعث القوم على الاتفاق ويجعلهم يدا واحدة على المسلمين أن الإسلام يدعوهم إلى الحق، ويخالف أعز المقاصد عندهم، وهو اتباع الهوى والاسترسال في مشتهيات النفس وملاذ الدنيا، فهذا هو الذي جعل الطائفتين - اليهود والنصارى -، على ما بينهما من الشقاق والعداوة، مجتمعا واحدا، يقترب بعضه من بعض ويرتد بعضه إلى بعض، يتولى اليهود النصارى وبالعكس، ويتولى بعض اليهود بعضا وبعض النصارى بعضا، وبالجملة، لا تتخذوهم أولياء لأنهم على تفرقهم وشقاقهم فيما بينهم يد واحدة عليكم، لا نفع لكم في الاقتراب منهم بالمودة والمحبة، وربما أمكن أن يستفاد من قوله: (بعضهم أولياء بعض) معنى آخر وهو: أن لا تتخذوهم أولياء لأنكم إنما تتخذونهم أولياء لتنتصروا ببعضهم الذين هم أولياؤكم على البعض الآخر، ولا ينفعكم ذلك، فإن بعضهم أولياء بعض فليسوا ينصرونكم على أنفسهم"(١٥).
ومن آيات التحذير أيضا قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل، والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) [النساء: ٤٤ - ٤٥]، قال في الميزان: "أي أنك ترى اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب، أي حظا منه، لا جميعه، كما يدعون لأنفسهم، يشترون الضلالة ويختارونها على الهدى، ويريدون أن تضلوا السبيل، فإنهم وإن لقوكم ببشر الوجه، وظهروا لكم في زي الصلاح، واتصلوا بكم اتصال الأولياء الناصرين، فذكروا لكم ما ربما استحسنته طباعكم واستصوبته قلوبكم، لكنهم لا يريدون إلا ضلالكم عن السبيل كما اختاروا لأنفسهم الضلالة، والله أعلم منكم بأعدائكم، وهم أعداؤكم، فلا يغرنكم ظاهر ما تشاهدون من حالهم، فإياكم أن تطيعوا أمرهم أو تصغوا إلى أقوالهم المزوقة وإلقاءاتهم المزخرفة وأنتم تقدرون أنهم أولياؤكم وأنصاركم، فأنتم لا تحتاجون إلى ولايتهم الكاذبة ونصرتهم المرجوة، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا، فأي حاجة مع ولايته ونصرته إلى ولايتهم ونصرتهم"(١٦).
ومنها قوله تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) [البقرة: ١٢٠]، قال في الميزان: "أي أن هؤلاء ليسوا براضين عنك حتى تتبع ملتهم التي ابتدعوها بأهوائهم ونظموها بآرائهم، ثم أمر الله رسوله بالرد عليهم بقوله: (قل إن هدى الله هو الهدى)، أي أن الاتباع إنما هو لفرض الهدى، ولا هدى إلا هدى الله، أما غيره، وهو ملتكم، ليس بالهدى، فهي أهواؤكم ألبستموها لباس الدين وسميتموها باسم الملة"(١٧)، وقال ابن كثير: "وقوله تعالى: (ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم... الآية) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة من اتباع طريق اليهود والنصارى، بعد ما علموا من القرآن والسنة، والخطاب مع الرسول والأمر لأمته، وقد استدل كثير من الفقهاء بقوله: (حتى تتبع ملتهم) حيث أفرد الملة على أن الكفر كله ملة واحدة"(١٨).
وبالجملة، حذر الله - تعالى - الأمة من تنظيمات أهل الكتاب، التي لها أهداف قريبة وأهداف بعيدة، والتي يحمل أعلامها الفرق المتعددة والطوائف المختلفة، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [آل عمران: ١٠٠]، قال المفسرون: يحذر - تبارك وتعالى - عباده المؤمنين من أن يطيعوا فريقا من أهل الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، كما قال تعالى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) [البقرة: ١٠٩]، وهكذا قال هاهنا: (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين) [آل عمران: ١٠٠]، وفي آية أخرى قال تعالى: (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم) [آل عمران: ٦٩].
وباختصار، فالقاعدة العريضة منهم ودوا لو يردون الذين آمنوا من بعد إيمانهم كفارا، وهناك فرق حملت أعلام هذه القاعدة وانطلقت رجاء تنفيذ هذا الهدف، وهناك طائفة من أهل الكتاب مهمتها إطفاء الأنوار رغبة منها في أن تضل قافلة الذين آمنوا عن الطريق، والمعنى: أن الطائفة في خدمة الفريق، والفريق في خدمة القاعدة، وليس معنى هذا أن قاعدة أهل الكتاب خالية من العلماء الذين يبحثون عن الحقيقة، فهؤلاء أثر أقدامهم على الطريق، والإسلام لم يغلق أبوابه أمام الذين يريدون الاستبصار منهم في الدين، وقد أمر الله - تعالى - بمجادلتهم بالتي هي أحسن، فقال في آية محكمة: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم) [العنكبوت: ٤٦]، وقوله: (إلا الذين ظلموا منهم) يعني أهل الحرب، وذكر - تعالى - في كتابه أن الذين قالوا إنهم من أتباع عيسى (عليه السلام) وعلى منهاج إنجيله، فيهم مودة للإسلام وأهله، وما ذاك إلا لما في قلوبهم من الرقة والرحمة، ويوجد فيهم قسيسون، وهم خطباؤهم وعلماؤهم، ورهبانا، من صفتهم بأن فيهم العلم والعبادة والتواضع والانقياد للحق واتباعه والإنصاف، وإذا سمعوا ما أنزل الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق، قال تعالى: (لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين، وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين) [المائدة: ٨٢ - ٨٤]، فهذا الصنف من النصارى كان أول ظهوره بالحبشة كالنجاشي وأصحابه، وهم المذكورون في قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله) [آل عمران: ١٩٩]، وهم الذين قال الله فيهم: (الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون، وإذا تتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) [القصص: ٥٢ - ٥٣]، ومنذ أيام النجاشي وعلى امتداد المسيرة الإسلامية، لم تغلق الدعوة أبوابها في وجوه الذين يريدون الاستبصار في الدين، لأن الله - تعالى - أمر رسوله الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، ليحذروا بأس الله تعالى، وأمره - تعالى - أن من احتاج من الناس إلى مناظرة وجدال، فليكن بالأسلوب الحسن برفق ولين وحسن خطاب.
فمن هذه النصوص ومن غيرها نعلم أن الدعوة الإلهية الخاتمة حذرت من اتباع أي مشروع تقدمه الطوائف أو الفرق التي تهدف من وراء برامجها الصد عن سبيل الله، وفي الوقت نفسه فتحت الدعوة أبوابها للباحثين عن الحقيقة من أهل الكتاب لتقيم الحجة عليهم وعلى غيرهم في كل مكان وزمان..

الفصل الثاني: من وصايا الدعوة الخاتمة

أولا: ظل المنزلة الممدود
على امتداد المسيرة الإسرائيلية كان لشجرة الأنبياء فيها علامات وبصمات، وفي التوراة الحاضرة يمكن للباحث أن يتبين نبوة هارون ومنزلته هو وبنيه من موسى (عليه السلام)، فالتوراة تنص على وحي الله - تعالى - لهارون، وهنا تكون النبوة، ولما كان موسى (عليه السلام) هو رسول الله إلى بني إسرائيل وعليه أنزلت التوراة، فإن نبوة هارون أو وحي الله - تعالى - لهارون، كان يتعلق بتفسير الشريعة التي أنزلها الله - تعالى - على موسى (عليه السلام)، بمعنى:
أن التوراة أنزلها الله - تعالى - على موسى، وأن تفسير الشريعة أوحى الله - تعالى - به إلى هارون (عليه السلام)، فكان هارون مشاركا لموسى (عليه السلام) في تفسير الشريعة، وموسى (عليه السلام) منفردا عن هارون بتلقي التوراة من الله سبحانه وتعالى، وهو قول الله - تعالى - في القرآن حاكيا عن موسى قوله:
(واجعل لي وزيرا من أهلي، هارون أخي، اشدد به أزري، وأشركه في أمري) [طه: ٢٩ - ٣٢]، فالنص القرآني يقول: إن موسى (عليه السلام) سأل ربه أن يجعل له وزيرا من أهله، وأن يكون هذا الوزير هارون أخاه، وسأله أن يشركه في أمره، والوزير في لغة العرب: الذي يحمل ثقل الملك، وقيل: هو الذي يلتجئ إليه الملك في آرائه وأحكامه، وقيل: هو الذي يعين الملك ويقويه(١٩)، وفي التوراة الحاضرة: كان هارون الكاهن الأكبر الذي يفسر الشريعة، والكاهن في لسان العرب: هو من يقوم بأمر الرجل ويسعى في حاجته، وقال: والعرب تسمي كل من يتعاطى علما دقيقا كاهنا(٢٠).
وسؤال موسى (عليه السلام) ربه - جل وعلا - أن يشرك هارون في أمره، أي في أمر يخص موسى، وهو تبليغ ما بلغه من ربه، فهذا هو الأمر الذي يخصه، وسأل ربه أن لا يشاركه فيه أحد سوى هارون، وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (واجعل لي وزيرا من أهلي... الآية): "وهذا أيضا سؤال من موسى (عليه السلام) في أمر خارجي عنه، وهو مساعدة أخيه هارون له، وقوله: (اشدد به أزري)، أي: ظهري، وقوله: (وأشركه في أمري)، أي: في مشاورتي"(٢١).
هذا ما يتعلق بوزارة هارون ومساعدته موسى في تبليغ الدين أو شيء من أجزائه، وموسى (عليه السلام) سأل ربه ذلك، لأن الأمر كثير الجوانب، متباعد الأطراف، فهو كان يخاف التكذيب مع ما معه من ضيق الصدر وعدم انطلاق اللسان، وكان على علم بفرعون وقومه وما هم عليه من الشوكة والقوة، وكان على علم بالانحطاط الفكري وبجهل بني إسرائيل وضعفهم، لهذا سأل ربه بعض الأمور التي كان يحتاجها في رسالته لا في نبوته، ومنها طلب الوزير، أما في ما يتعلق بخلافة هارون لموسى (عليه السلام) في قومه، فجاء في قوله تعالى: (وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) [الأعراف: ١٤٢]، قال ابن كثير: "استخلف موسى على بني إسرائيل أخاه هارون، ووصاه بالإصلاح وعدم الافساد، وهذا تنبيه وتذكير، وإلا فهارون (عليه السلام) نبي شريف كريم على الله، له وجاهه وجلاله صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر الأنبياء"(٢٢)، والاستخلاف لا يكون إلا في غيبة، وكانت غيبة موسى عن بني إسرائيل حين كان يفارقهم للميقات، وقوله لأخيه: (ولا تتبع سبيل المفسدين)، فيه أنه كان في قومه يومئذ جمع من المفسدين يفسدون ويقلبون عليه الأمور، ويتربصون به الدوائر، فنهى موسى أخاه أن يتبع سبيلهم فيشوشوا عليه الأمر، ويكيدوا ويمكروا به، فيتفرق جمع بني إسرائيل ويتشتت شملهم، بعد تلك المحن التي كابدها هارون في إحياء كلمة الاتحاد بينهم.
وبالجملة، كان هارون وزيرا لموسى (عليهما السلام)، وكان يساعده في تبليغ الدين أو شيء من أجزائه، وكان يخلف موسى (عليه السلام) في غيبته، ويحافظ على سبيل موسى (عليه السلام) من الذين يتربصون به، ليكون السبيل حجة على بني إسرائيل وهم تحت سقف الامتحان والابتلاء، ويكون شاهدا على المفسدين على امتداد المسيرة كي يتبين الباحث عن الحقيقة خطاهم، وسبيل الأنبياء، فقد ذرأ الله ذرية آدم، لا يضره من خالفه أو من خذله أو من عاداه.
أما في ما يتعلق بأبناء هارون (عليه السلام)، فلقد ذكرت التوراة الحاضرة، أن الله - تعالى - اصطفى أبناء هارون من بعده ليفسروا الشريعة لبني إسرائيل، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية بعث منهم الأنبياء والربانيون، وآخر الأنبياء الذين بعثوا من ذرية هارون، كان المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)، ولقد قلب بنو إسرائيل الأمر على أنبيائهم، وقتلوا بعضهم، وكذبوا البعض الآخر، وعندما جاؤوهم بما لا تهوى أنفسهم.
والدعوة الإلهية الخاتمة - على نبيها الصلاة والسلام - امتد ظلها من حيث انتهت ظلال أنبياء بني إسرائيل، بمعنى: في بداية الدعوة جعل الله قياس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى موسى (عليه السلام)، وجعل قياس أمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى فرعون وقومه، قال تعالى: (إنا أرسلنا إليكم شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا، فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا) [المزمل: ١٥ - ١٦]، فبتدبر الآية، نجد أن دائرة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقابلها دائرة موسى (عليه السلام)، ودائرة الأمة يقابلها دائرة فرعون، والقرآن عبر عن موسى بالرسول، وفي هذا إشارة إلى أن السبب الموجب لأخذ فرعون مخالفته أمر رسالة موسى لا موسى نفسه بما أنه موسى، وإذا كان السبب هو مخالفة الرسالة، فيقابله تحذير الأمة من مخالفة رسالة محمد، لأن المخالفة تؤدي إلى عذاب الأخذ الوبيل، قال ابن كثير في تفسيره: "احذروا أنتم أن تكذبوا هذا الرسول فيصيبكم ما أصاب فرعون حيث أخذه الله أخذا عزيز مقتدر"(٢٣).
كما جعل الله - تعالى - قياس أذى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى أذى موسى (عليه السلام)، قال تعالى: (يا أيها آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا) [الأحزاب: ٦٩]، قال ابن كثير: وفيه نهي للمؤمنين أن ينالوا من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو يوصلوا إليه أذى، وقال تعالى مخبرا عن رسوله موسى (عليه السلام) أنه قال لقوله: (لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) [الصف: ٥]، ولما كانت عقوبة الذين آذوا موسى (عليه السلام) وعدلوا عن الحق مع علمهم به، أن الله أزاغ قلوبهم عن الهدى وأسكنها الشك والحيرة والخذلان، فإن الله - تعالى - توعد الذين يؤذون النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باللعن في الدنيا والآخرة، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) [الأحزاب: ٥٧]، قال ابن كثير: والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشئ، ومن آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.
ولما كان الناس يختبرون على امتداد المسيرة البشرية لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، فإننا نجد موسى (عليه السلام) يبين معالم هذا الاختبار لبني إسرائيل في ما أخبر الله - تعالى - أنه قال لقومه: (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) [الأعراف: ١٢٩]، وهذه المعالم بينها الله - تعالى - لرسوله الخاتم في قوله: (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزي القوم المجرمين، ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) [يونس: ١٣ - ١٤].
فالدعوة الإلهية ظلالها ممتدة، ودوائر الهدى فيها تشبه بعضها بعضا، والعذاب الذي توعد الله به الظالمين هناك من جنس العذاب الذي ينتظر الظالمين هنا، وعلى امتداد الدعوة الإلهية أمر الله عباده بأن لا يزكوا أنفسهم لأنه - سبحانه - أعلم بمن اتقى، وأنه يزكي من يشاء، وتحت سقف التزكية يختبر العباد، قال تعالى: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) [الفرقان: ٢٠]، قال في الميزان: "أي أنا جعلنا بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها فالرسل فتنة لسائر الناس يمتحنون بهم فيتميز بهم أهل الريب من أهل الإيمان، والمتبعون للأهواء من طلاب الحق، وقوله تعالى: (وكان ربك بصيرا) أي: عالما بالصواب في الأمور، فيضع كل أمر في الموضع المناسب له، ويجري بذلك أتم النظام، فهدف النظام الإنساني كمال كل فرد بقطعه طريق السعادة أو الشقاوة على حسب ما يستعد له ويستحقه، ولازم ذلك بسط نظام الامتحان بينهم، ولازمه ارتفاع التمايز بين الرسل وغيرهم"(٢٤)، وقال ابن كثير في تفسيره في معنى الآية: "أي اختبرنا بعضكم ببعض وبلونا بعضكم ببعض لنعلم من يطيع ممن يعصي، ولهذا قال: (أتصبرون وكان ربك بصيرا)، أي: بمن يستحق أن يوحى إليه، كما قال تعالى: (الله أعلم حيث يجعل رسالته) [الأنعام: ١٢٤]، ومن يستحق أن يهديه الله لما أرسلهم به ومن لا يستحق ذلك، وقال ابن إسحاق في قوله: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة)، أي: لو شئت أن أجعل الدنيا مع رسلي فلا يخالفون لفعلت، ولكني قد أردت أن أبتلي العباد بهم وأبتليكم بهم"(٢٥).
ولما كان الناس يختبرون بالأنبياء والرسل، فإنهم يختبرون أيضا بتلاميذ الأنبياء والرسل وحواريهم وأوصيائهم، ولقد تم اختبارهم بأبناء هارون وبتلاميذ المسيح (عليه السلام). ويشهد بذلك كتب التراجم والتواريخ والسير، والأمة الخاتمة لم تستثن من ذلك، ولقد قابلت دائرة هارون وبنيه في الشريعة الموسوية، دائرة علي بن أبي طالب وبنيه في الشريعة المحمدية، ففي الحديث الصحيح روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي بن أبي طالب: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي"(٢٦)، وفي رواية: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنك لست نبيا. إنه لا ينبغي أن أذهب إلا وأنت خليفتي في كل مؤمن من بعدي"(٢٧)، وروي أنه قيل لسفيان الثوري: حدثني بأحسن فضيلة عندك لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: حدثني سلمة بن كهيل عن حجية عن علي بن أبي طالب أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال له:
"أنت مني بمنزلة هارون من موسى"(٢٨)، وعن سعيد بن المسيب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي "، قال سعيد بن المسيب:
فأحببت أن أشافه بها سعد بن أبي وقاص، فلقيت سعدا، فحدثته بما حدثني عامر بن سعد، فقال سعد: أنا سمعته، فقلت: أنت سمعته؟ فوضع إصبعيه على أذنيه فقال: نعم، وإلا فاسكتا (أي اصمتا)(٢٩) وعن موسى الجهني قال: دخلت على فاطمة بنت علي، فقال لها رفيقي أبو سهل: كم لك؟
قالت: ست وثمانون سنة، قال: ما سمعت من أبيك شيئا؟ قالت: حدثتني أسماء بنت عميس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بعدي نبي"(٣٠).
وحديث المنزلة حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والحاكم وأحمد والطبراني وغيرهم، وقال ابن كثير: "تقصى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث في ترجمة علي بن أبي طالب في تاريخه فأجاد وأفاد وبرز على النظراء والأشباه والأنداد"(٣١)، وقال الحافظ الكتاني:
"وحديث: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، حديث متواتر، جاء عن نيف وعشرين صحابيا"(٣٢)، وروى الحديث كل من: أبي سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وجابر بن سمرة، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ومالك بن الحويرث، وسعد بن أبي وقاص، وقيس بن جنادة، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، وأم سلمة، وأسماء بنت عميس، وغيرهم(٣٣).
ولما كانت الدعوة الإلهية لبني إسرائيل جعلت هارون وبنيه مع التوراة على خط واحد، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة جعلت أهل البيت مع القرآن على خط واحد، فعن زيد بن أرقم قال: "قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما فينا خطيبا بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، وأذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي"(٣٤).
وعن زيد بن ثابت قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم خليفتين، كتاب الله حبل ممدود ما بين السماء والأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لا يتفرقا حتى يردا على الحوض"(٣٥)، وعن أبي سعيد قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض"(٣٦)، وعن حبيب بن أبي ثابت عن زيد بن أرقم قالا:
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(٣٧).
والعترة - كما جاء في لسان العرب - هي: ولد الرجل وذريته وعقبه من صلبه، وعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ولد فاطمة البتول (عليها السلام)(٣٨)، وفي قوله: "إني تارك فيكم الثقلين "، قال النووي: "سميا ثقلين لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما"(٣٩).
وحديث الثقلين حديث صحيح، رواه أحمد والطبراني عن زيد بن ثابت والطبراني وأبو نعيم عن حذيفة بن أسيد، وابن أبي عاصم وأحمد والطبراني وأبو يعلى عن أبي سعيد الخدري، والترمذي والنسائي والحاكم عن زيد بن أرقم، وابن أبي شيبة والترمذي والنسائي والخطيب عن جابر، ومسلم عن زيد بن أرقم(٤٠).
فمنذ ذرأ الله ذرية آدم وهو - سبحانه - يزكي من يشاء، ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها، وعلى امتداد المسيرة الإسرائيلية امتحن الله - تعالى - بني إسرائيل امتحانات شتى، ومنها امتحانهم بهارون وبنيه، ولم يكن لموسى (عليه السلام) ولد من صلبه، وشاء الله أن يجعل امتداده في أخيه هارون وبنيه من بعده، وكان هارون وبنوه ذروة سبط لاوي الذي منه موسى وهارون (عليهما السلام). وبهم امتحن الله - تعالى - بقية الأسباط! وعلى امتداد المسيرة سفكت الدماء الزكية عندما جاء الهداة لبني إسرائيل بما لا تهوى أنفسهم.
وعندما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) امتحن الله أمته بامتحانات شتى بعد أن أقام عليهم الحجة، ومنها الامتحان بعترة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وشاء الله أن يجعل امتداد النبي في ابنته فاطمة وعلي بن أبي طالب، ولما كانت منزلة علي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بمنزلة هارون من موسى عدا النبوة فإن الدعوة الخاتمة أقامت الحجة في أكثر من موضع على مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، لتعليم القافلة دوائر التحذير فلا تقترب منها على امتداد المسيرة.
ومن الأحاديث التي تبين مكانة علي بن أبي طالب من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، أن الله - تعالى - جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) خير الناس نفسا، وجعل علي بن أبي طالب كنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إن الله خلق الخلق، فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم فرقتين فجعلني في خيرهم فرقة، ثم جعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، ثم جعلهم بيوتا، فجعلني في خيرهم بيتا، وخيرهم نفسا"(٤١)، وعن جابر بن عبد الله أنه قال في قوله تعالى: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين) [آل عمران: ٦١]:
قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) العاقب والطيب، فدعاهما إلى الملاعنة فواعداه على أن يلاعناه الغداة، فغدا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ بيد علي وفاطمة والحسن والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا وأقرا له بالخراج، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): والذي بعثني بالحق، لو قالوا: لا، لأمطر عليهم الوادي نارا، قال جابر: وفيهم نزل قوله تعالى: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... الآية)، قال جابر: (وأنفسنا وأنفسكم) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي بن أبي طالب، و(أبناءنا) الحسن والحسين، و(نساءنا) فاطمة، قال ابن كثير: رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ورواه أبو داود الطيالسي عن شعبة عن المغيرة(٤٢).
وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب على ذروة العشيرة الأقربين، كما وضع موسى هارون على ذروة الأسباط، وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "لما نزل قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) [الشعراء: ٢١٤] جمع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أهل بيته فاجتمع ثلاثون، فأكلوا وشربوا، فقال لهم: من يضمن عني ديني ومواعيدي ويكون معي في الجنة، ويكون خليفتي في أهلي، قال رجل: يا رسول الله، أنت كنت بحرا! من يقوم بهذا؟ ثم قال الآخر، فعرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا على أهل بيته واحدا واحدا، فقال علي:
أنا "(٤٣)، وفي رواية: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ووارثي، فلم يقم إليه أحد، قال علي: فقمت إليه، وكنت من أصغر القوم، فقال: اجلس، ثم قال مرة أخرى، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس، حتى كان في الثالثة ضرب بيده علي يدي"(٤٤)، وفي رواية: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إني - والله - ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به، إني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على أمري هذا، فقال علي: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، وقال: إن هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا وأطيعوا(٤٥).
وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب على ذروة المهاجرين والأنصار، عن عمر بن عبد الله عن أبيه عن جده: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، آخى بين الناس وترك عليا حتى بقي آخرهم لا يرى له أخا، فقال: يا رسول الله، آخيت بين الناس وتركتني، قال: ولم تراني تركتك؟ تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، فإن ذكرك أحد فقل: أنا عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب(٤٦)، وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي: "أنت أخي في الدنيا والآخرة"(٤٧). قال ابن كثير: "كان المشايخ يعجبهم هذا الحديث لكونه من رواية أهل الشام"(٤٨).
وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيت علي بن أبي طالب ذروة البيوت، فعن زيد بن أرقم قال: "كان لنفر من أصحاب رسول الله أبواب شارعة في المسجد، فقال النبي يوما: سدوا هذه الأبواب إلا باب علي، فتكلم في ذلك الناس، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أمرت بسد هذه الأبواب إلا باب علي، وقد قال فيه قائلكم، وإني - والله - ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكن الله أمر بشيء فاتبعته"(٤٩)، وفي رواية، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "ما أخرجتكم من قبل نفسي، ولا أنا تركته، ولكن الله أخرجكم وتركه، وإنما أنا عبد مأمور، ما أمرت به فعلت، إن أتبع إلا ما يوحى إلي"(٥٠).
وهذا الحديث رواه جمع من الصحابة، منهم: سعد بن أبي وقاص، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وجابر بن سمرة، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وعلي بن أبي طالب، وقال السيوطي:
ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة، بل المتواترة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) منع فتح باب شارع في المسجد ولم يأذن لأحد ولا لعمه العباس ولا لأبي بكر، إلا لعلي، وقال الحافظ الكتاني: "وقد أورد ابن الجوزي في الموضوعات حديث سد الأبواب مختصرا على بعض طرقه، وفي هذا قال الحافظ ابن حجر: وقد أخطأ ابن الجوزي في ذلك شنيعا لرده الأحاديث الصحيحة"(٥١).
وجعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب على ذروة الجنود، عن أبي هريرة قال: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله "، وفي رواية عن مسلم: "رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه "، قال عمر بن الخطاب: "ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها.. وقال امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، وصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟
قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله"(٥٢).
ومن أحاديث الذروة أيضا ما روي عن جابر بن عبد الله قال: "دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا يوم الطائف فانتجاه فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما انتجيته ولكن الله انتجاه"(٥٣)، وفي رواية:
" قال أبو بكر: يا رسول الله: قد طالت مناجاتك عليا، فقال: ما أنا انتجيته ولكن الله انتجاه"(٥٤)، قال في تحفة الأحوازي: "أي أني بلغت عن الله ما أمرني أن أبلغه إياه، فحينئذ انتجاه الله لا انتجيته "، وقال الطيبي: "كان ذلك أسرارا إلهية وأمورا غيبية جعله من خزانها"(٥٥).
ومن أحاديث الذروة، ما روي عن جابر، قال: "لما سأل أهل قباء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يبني لهم مسجدا، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ليقم بعضكم فيركب الناقة، فقام أبو بكر فركبها، فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام عمر فركبها فحركها فلم تنبعث فرجع فقعد، فقام علي، فلما وضع رجله في غرز الركاب وثبت به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي ارخ زمامها، وابنوا على مدارها فإنها مأمورة"(٥٦).
وعلى ضوء ما ذكرنا من الأحاديث الصحيحة، تشرق منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله داخل أحياء قريش، فهو بين العشيرة الأقربين أخو النبي ووصيه وخليفته، وهو بين المهاجرين والأنصار عبد الله وأخو رسول الله لا يدعيها بعد إلا كذاب، وبابه بين الأبواب هو الباب المفتوح، وعلم الجميع أن الله أخرجهم وتركه، وأن النبي في هذا مأمور، وما أمر به فعله إن يتبع إلا ما يوحى إليه، وفي ميادين القتال علم الخاص والعام أن عليا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، وعلموا أن الله انتجاه، ويوم بناء المسجد علموا أن الناقة مأمورة، وعلموا أن الكتاب والعترة لا يفترقا حتى يردا على الحوض، وأن العترة في صلب علي وفاطمة (عليهما السلام)، لقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ".. علي أصلي.."(٥٧).
وبين إشراق منزلة علي من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين منزلة هارون من موسى (عليهما السلام)، يمتد ظلال الدعوة الإلهية، وتحت هذا الظلال تسير الأمة الخاتمة بمنهجها المهيمن على جميع المناهج، وقد حذرهم الله - تعالى - من السلوك في طريق الفراعنة، بعد أن جعل قياس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى موسى، وقياس الأمة إلى فرعون وقومه(٥٨)، وبعد أن حذرهم من أن يكونوا كالذين آذوا موسى(٥٩)، وبعد أن علموا أن الله يزكي من يشاء، ويجعل بعض الناس لبعض فتنة يمتحنون بها.
وعلى طريق المنزلة رويت أحاديث صحيحة، يرى فيها موقع الذروة الذي يستقيم مع موقع المنزلة، وسنذكر بعض هذه الأحاديث في موضعها.
ثانيا: أضواء على المنزلة العالية
قامت الدعوة الإلهية على امتداد المسيرة البشرية، بمخاطبة الإنسان الذي يسلك طريقها، وإرشاده إلى ما فيه سعادته، وحذرت من الذين يتلبسون بالدين، لأن مهمة النفاق في ديار الذين آمنوا لا تنفصل عن مهمة الشيطان الذي اعتمد في برنامجه القعود على الصراط المستقيم: (قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم) [الأعراف: ١٦]، وتيار الصد عن سبيل الله اعتمد على المنافقين في حفر الحفر العديدة، التي على امتداد مسيرة الذين آمنوا، ومن خلال هذا الحفر رفعت الأعلام العديدة، التي تقوم برامجها بالتعتيم على الفطرة، والقافلة الإسرائيلية لم تسقط في مستنقع عبادة العجول نتيجة لغزوها من الخارج، وإنما سقطت أولا من الداخل، على أيدي الذين يجلسون تحت خيامها ويتلبسون بالدين.
والدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن المنافقين يلقون الناس بالأيمان الكاذبة الآثمة، ليصدقوا ما يقولون، فيغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، ويقتدي بهم في ما يفعلون، ويصدقهم في ما يقولون، فيحصل بهذا ضرر كبير وبينت الدعوة أن منهم أصحاب أشكال حسنة وألسنة ذي فصاحة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، ولهذا قال تعالى: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) [المنافقين: ٤]، وقال تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا) [النساء: ١٤٥].
ولقد وصفهم القرآن بأوصاف، منها أنهم رجس، قال تعالى: (إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون) [التوبة: ٩٥]، فهم في دائرة الخبث والتنجس نتيجة لما تحتويه بواطنهم واعتقاداتهم، والذين في قلوبهم مرض ويتلبسون بالدين الخاتم ورثوا قلوب الذين سبقوهم من بني إسرائيل وعقولهم، فإذا كان الذين كفروا من بني إسرائيل لا يقبلون إلا ما يوافق أهواءهم، فإن المنافقين إذا سمعوا آية من كتاب الله زادتهم رجسا إلى رجسهم، قال تعالى: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون، وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥]، قال المفسرون: (زادتهم رجسا إلى رجسهم) أي: زادتهم شكا إلى شكهم وريبا إلى ريبهم، وهذا من جملة شقائهم، أن ما يهدي القلوب يكون سببا لضلالهم ودمارهم، كما أن سيئ المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالا ونقصا.
ولأن تيار النفاق لا يزداد إلا رجسا، ولأنهم أصحاب السنة، وإذا سمعهم السامع أصغى إلى قولهم لبلاغتهم، ولأن برنامج الصد عن سبيل الله إذا تلبس بالدين كان أشد خطرا على الدعوة، فإن الدعوة الخاتمة قامت بعزل هذا التيار عن ساحتها، وأقامت حجتها بطائفة الحق، وتحت سقف الامتحان والابتلاء تسير القافلة، فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا.
وطائفة الحق من خصائصها أن الله أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وبهذه الصفة كانوا مع كتاب الله، ولن ينفصلا حتى يردا على حوض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومعنى أنهم مع كتاب الله أنهم أعلم الناس بكتابه، وهم أمان للأمة من الوقوع في دائرة التأويل الخاطئ له، وخاصة الآيات المتشابهة، وذلك لأن تيار الذين في قلوبهم زيغ يتخذ من المتشابه حقلا له ابتغاء الفتنة، قال تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) [آل عمران: ٧]، قال المفسرون: (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل (فيتبعون ما تشابه منه) أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، لأنه رافع لهم وحجة عليهم، ولهذا قال تعالى: (ابتغاء الفتنة) أي: الإضلال لأتباعهم إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، قوله تعالى: (وابتغاء تأويله) أي: تحريفه على ما يريدون.
ولأن تيار الذين في قلوبهم زيغ والذين في قلوبهم مرض يتلبس بالدين ويجلس في خيام القافلة، أقام الله الحجة بالكتاب وبالعترة التي لا يضرها من عاداها أو من خذلها أو من خالفها، لأنها شعاع يهدي، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون، وتطهير أهل البيت والشهادة لهم بالعلم والعمل، والتحذير من مخالفتهم، وغير ذلك، وردت فيه أحاديث صحيحة، سنقدمها ونقابلها بما في منزلة هارون من موسى (عليهما السلام).
١ - مقام التطهير
قال تعالى: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الأحزاب: ٣٣]، قال ابن عباس: (يذهب عنكم الرجس) أي عمل الشيطان وما ليس لله فيه رضا، وقال الأزهري: الرجس: اسم لكل مستقذر من كل عمل، وقال ابن حجر: والمعنى: التطهير من الأرجاس والأدناس ونجاسة الآثام(٦٠).
وروى مسلم عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) غداة، وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الأحزاب: ٣٣]"(٦١) وروي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: لما نزلت هذه الآية: (إنما يريد الله...) دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاطمة وحسنا وحسينا، فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره فجلله بكساء، ثم قال: "اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة رضي الله عنها:
وأنا معهم يا نبي الله، قال: أنت على مكانك وأنت على خير"(٦٢)، وعن شداد بن عمار قال: "دخلت على واثلة بن الأسقع وعنده قوم فذكروا عليا - رضي الله عنه - فشتموه، فشتمته معهم، فلما قاموا، قال لي: شتمت هذا الرجل؟ قلت: قد شتموه فشتمته معهم، قال: ألا أخبرك بما رأيت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ قلت: بلى، قال: أتيت فاطمة - رضي الله عنها - أسألها عن علي - رضي الله عنه -، فقالت: توجه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجلست أنتظره حتى جاء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومعه علي وحسن وحسين - رضي الله عنهم - آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا وفاطمة - رضي الله عنهما - وأجلسهما بين يديه، وأجلس حسنا وحسينا، كل واحد منهما على فخذه، ثم لف عليهم كساءه، ثم تلا (صلى الله عليه وآله وسلم) هذه الآية: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) [الأحزاب: ٣٣]، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي وأهل بيتي أحور"(٦٣)، وعن أبي الحمراء قال: رابطت المدينة سبعة أشهر على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا طلع الفجر جاء إلى باب علي وفاطمة - رضي الله عنهما - فقال: "الصلاة الصلاة، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"(٦٤)، وعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يمر بباب فاطمة - رضي الله عنها - ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول: "الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا"(٦٥).
وحديث الكساء وردت فيه روايات جمة تزيد على سبعين حديثا رواها:
أم سلمة، وعائشة، وأبو سعيد الخدري، وسعد بن أبي وقاص، وواثلة، وأبو الحمراء، وابن عباس، وثوبان، وعبد الله بن جعفر، وعلي، والحسين بن علي.
والمتدبر في حديث الكساء يجد أن أحداثه وقعت في أكثر من مكان، وقعت في بيت أم سلمة، وفي بيت عائشة، وفي بيت فاطمة، وأمام أكثر من واحد، ويجد أيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان ينادي عند بيت فاطمة وقت صلاة الفجر لمدة ستة أشهر، وفي رواية سبعة أشهر، وتكرار المشهد واستمرار النداء طيلة هذه المدة، يوحي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقيم بهذا الحجة على كل من سمع ورأى وصلى في مسجده، بأن هؤلاء هم أهل البيت، وكان - عليه الصلاة والسلام - إذا أراد أن يثبت أمرا من الأمور في ذاكرة من حوله، يكرر هذا الأمر من ثلاث إلى عشر مرات، ووضح ذلك في روايات عديدة حملت تحذيرات مما يستقبل الناس من أحداث، ينتج عنها ما ليس لله فيه رضا.
وإذا كان دعاء الرسول لمن تحت الكساء وتلاوته (صلى الله عليه وآله وسلم) لآية التطهير، يعطي للناس مفهوم إذهاب الرجس، والتطهير لمن تحت الكساء - (عليهم السلام) - فإن الدعوة الإلهية لبني إسرائيل أعطت لهم المفهوم نفسه، ولكن بطريقة تستقيم مع الشريعة في هذا الوقت، جاء في العهد القديم: "قال الرب لموسى: وتقدم هارون وبنيه إلى باب خيمة الاجتماع، وتغسلهم بماء، وتلبس هارون الثياب المقدسة، وتمسحه وتقدسه ليكهن لي، وتقدم بنيه وتلبسهم أقمصة، وتمسحهم كما مسحت أباهم ليكهنوا لي"(٦٦).
٢ - حكام العلم
إن العلم بالله هو ذروة كل العلوم وهو أشرف العلوم، لأن الله هو أشرف معلوم على الإطلاق، ولأن العلم بالله من أشق العلوم وأبعدها منالا، لطف الله بعباده وباح - سبحانه - بالعلم الشريف لأنبيائه ورسله ومن ارتضاه من عباده، ليسوقوا الناس إلى صراط الله العزيز الحميد، ويقيموا الحجة على كل سمع وكل بصر وكل فؤاد، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة.
روي عن الإمام علي أنه قال: "إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جاؤوا به "، ثم تلا قوله تعالى: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) [آل عمران: ٦٨](٦٧)، وروي عن مكحول، قال: "لما نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله تعالى: (وتعيها أذن واعية) [الحاقة: ١٢]، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "سألت ربي أن يجعلها أذن علي "، فكان علي يقول: ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيئا قط فنسيته"(٦٨)، وعن ابن مرة الأسلمي قال:: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: "إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي، وحق لك أن تعي "، فنزلت هذه الآية: (وتعيها أذن واعية) [الحاقة: ١٢](٦٩)، وعن أبي الطفيل قال: "قال علي: سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار، في سهل أم في جبل"(٧٠)، وعن سليمان الأحمس، قال: "قال علي: إن ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا ناطقا"(٧١).
وفي قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين) [هود: ١٧ - ١٨]، روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفمن كان على بينة من ربه) أنا، (ويتلوه شاهد منه) علي"(٧٢)، وعن علي أنه قال: "ما من رجل من قريش إلا نزلت فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بينة من ربه، وأنا شاهد منه"(٧٣)، وقال صاحب الميزان: والظاهر أن المراد بهذا الشاهد بعض من أيقن بحقية القرآن، وكان على بصيرة إلهية من أمره، فآمن به عن بصيرة، وشهد بأنه حق منزل من عند الله تعالى، كما يشهد بالتوحيد والرسالة، فإن شهادة الموقن البصير على أمر تدفع عن الإنسان مرية الاستيحاش وريب التفرد فإن الإنسان إذا أذعن بأمر وتفرد فيه، ربما أوحش التفرد فيه إذا لم يؤيده أحد في القول به، أما إذا قال به غيره من الناس وأيد نظره في ذلك، زالت عنه الوحشة وقوي قلبه وارتبط جأشه، وقد احتج - تعالى - بما يماثل هذا المعنى في قوله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم) [الأحقاف: ١٠]، وعلى هذا فقوله: (يتلوه) من التلو لا من التلاوة، والضمير فيه راجع إلى (من) أو إلى (بينة) باعتبار أنه نور أو دليل، ومآل الوجهين واحد، فإن الشاهد الذي يلي صاحب البينة يلي بينته كما يلي نفسه، والضمير في قوله (منه) راجع إلى (من) دون قوله:
(ربه) وعدم رجوعه إلى البينة ظاهر، ومحصل المعنى: من كان على بصيرة إلهية من أمر، ولحق به من هو من نفسه، فشهد على صحة أمره واستقامته.
وعلى هذا الوجه ينطبق ما ورد في الروايات أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب، إن أريد به أنه المراد بحسب انطباق المورد، لا بمعنى الإرادة الاستعمالية، وقوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة) راجع إلى الموصول أو إلى البينة على حد ما ذكرناه في ضمير (يتلوه)، والجملة حال بعد حال، أي: أفمن كان على بصيرة إلهية ينكشف له بها أن القرآن حق منزل من عند الله، والحال أن معه شاهدا منه يشهد بذلك عن بصيرة، والحال أن هذا الذي هو على بينة سبقه كتاب موسى إماما ورحمة، فليس ما عنده من البينة ببدع من الأمر غير مسبوق بمثل ونظير، بل هناك طريق مسلوك من قبل يهدي إليه كتاب موسى، وقد ذكر الله - تعالى - كتاب موسى بالإمام والرحمة في موضع آخر، وهو قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين) [الأحقاف: ١٢].
وإذا كان صدر الآية، وهو قوله تعالى: (ويتلوه شاهد منه)، قد ورد في تفسيره أن المراد بالشاهد علي بن أبي طالب، فإن قوله تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما) يرى في ظلاله منزلة هارون من موسى (عليهما السلام)، لأن موسى سأل ربه - جل وعلا - أن يؤيده بهارون ليشهد له شهادة الموقن البصير على أن الذي جاء به هو من عند الله، وهو قوله - تعالى - حاكيا عن موسى قوله: (وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون) [القصص: ٣٤]، قال ابن كثير: "سأل ربه أن يرسل معه هارون وزيرا ومعينا ومقويا لأمره، يصدقه في ما يقول ويخبر به عن الله تعالى، لأن خبر الاثنين أنجح في النفوس من خبر الواحد"(٧٤)، ويمكن القول: إن الآية الكريمة يرى في ظلالها المنزلتان، منزلة علي بن أبي طالب وهو من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنزلة هارون وهو من موسى (عليهما السلام).
ومن الآيات التي تلقي بظلالها على منزلة علي من رسول الله قوله تعالى: (إنما أنت منذر ولكل قوم هاد) [الرعد: ٧]، وروي عن علي أنه قال: "رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المنذر، وأنا الهادي"(٧٥)، وفي لفظ: "والهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه "، وروي لما نزلت الآية، وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يده على صدر علي وقال: "أنا المنذر، وأومأ بيده إلى منكب علي وقال: أنت الهادي يا علي، بك يهتدي المهتدون من بعدي"(٧٦)، وروي عن الجنيد أنه قال: "الهادي هو علي بن أبي طالب"(٧٧).
وبالجملة، روي في حديث صحيح أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة رضي الله عنها: "إني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما"(٧٨)، وروي عن ابن عباس أنه قال: "أقضاكم علي"(٧٩)، وعن ابن مسعود أنه قال: "كنا نتحدث أن أقضى أهل المدينة علي"(٨٠).
بعد وضوح منزلة علي بن أبي طالب من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على امتداد عهد البعثة بدأ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يمهد الساحة لإعلان ولاية علي بن أبي طالب، ومن ذلك قوله لعلي: "أنت ولي في كل مؤمن بعدي"(٨١)، وقوله لبريدة الأسلمي عندما جاءه يشكو عليا: "فإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي، وإنه مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي"(٨٢)، وراوي هذا الحديث هو ابن بريدة، قال في الفتح الرباني: "أقسم ابن بريدة أنه تلقى هذا الحديث من والده بريدة مباشرة ليس بينه وبينه واسطة، وهو يفيد أن والده تلقاه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مباشرة بغير واسطة، يشير بذلك إلى علو السند"(٨٣).
وعندما جاء العام العاشر الهجري، خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى حجة الوداع، روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: "رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجته يوم عرفة، وهو على ناقته القصواء يخطب، فسمعته يقول:
أيها الناس، إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي"(٨٤)، وروي عن يحيى بن آدم، وكان قد شهد حجة الوداع، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "علي مني وأنا منه، ولا يؤدي عني إلا أنا أو علي"(٨٥).
وبعد أن أدى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المناسك، وعند عودته إلى المدينة، وقف في غدير خم، وهو مكان يقع على الطريق بين مكة والمدينة، على بعد ثلاثة أميال من الجحفة، وروي عن زيد بن أرقم أنه قال: "لما رجع سول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حجة الوداع، فنزل غدير خم أمر بدوحات فقممن، ثم قام فقال: كأني قد دعيت فأجيب، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر، تاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يتفرقا حتى يردا على الحوض، ثم قال: إن الله مولاي، وأنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه"، قيل لزيد بن أرقم:
أأنت سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: ما كان في الدوحات أحد إلا قد رآه بعينه وسمعه بأذنه"(٨٦).
وعن عائشة بنت سعد قالت: "سمعت أبي يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد أخذ بيد علي فخطب ثم قال: أيها الناس، إني وليكم، قالوا: صدقت، فرفع يد علي فقال: هذا وليي والمؤدي عني، وإن الله مولى من والاه ومعادي من عاداه"(٨٧).
وعند ما نوزع علي بن أبي طالب أيام خلافته، ذمر الناس بهذا الحديث، فعن أبي الطفيل قال: "جمع علي الناس في الرحبة، ثم قال: أنشد بالله كل امرئ مسلم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول يوم غدير خم ما قال لما قام، فقام إليه ثلاثون من الناس، قال أبو نعيم: فقام إليه ناس كثير، فشهدوا حين أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده فقال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه"(٨٨)، وزاد في رواية: "وأحب من أحبه وأبغض من أبغضه وانصر من نصره واخذل من خذله"(٨٩).
وقال في الفتح الرباني: "قال السيوطي في الأزهار المتناثرة في الأحاديث المتواترة: حديث من كنت مولاه، أخرجه الترمذي عن زيد بن أرقم، والإمام أحمد عن علي وأبي أيوب الأنصاري، والبزار عن عمرو ذي مر، وأبي هريرة، وطلحة، وعمار، وابن عباس، وبريدة، والطبراني عن ابن عمر، ومالك بن الحويرث، وحبشي بن جنادة، وجرير، وسعد بن أبي وقاص، وأبي سعيد الخدري، وأبو نعيم عن جندع الأنصاري، وقد خصص له الهيثمي سبع صفحات"(٩٠).
وقال الحافظ الكتاني: "حديث من كنت مولاه في رواية لأحمد أنه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ثلاثون صحابيا، وشهدوا به لعلي لما نوزع أيام خلافته، وصرح المناوي بتواتره، وقال ابن حجر: حديث من كنت مولاه أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق، وقد استوعبها ابن عقدة في مؤلف مفرد، وأكثر أسانيدها صحيح أو حسن"(٩١).
وقال ابن كثير: "حديث من كنت مولاه رواه الإمام أحمد عن زيد بن أرقم، وقد رواه عن زيد بن أرقم جماعة ورواه معروف بن جرموز عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد، ورواه ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد، ورواه عن عدي بن ثابت بن البراء، وعن أبي إسحاق عن البراء، ورواه عن سعد وطلحة بن عبد الله وجابر بن عبد الله، وله طرق عنه"(٩٢).
وقال الألباني: "حديث من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، حديث صحيح جاء من طرق جماعة من الصحابة، خرجت أحاديث سبعة منهم، ولبعضهم أكثر من طريق واحد، وقد خرجتها كلها، وتكلمت على أسانيدها في سلسلة الأحاديث الصحيحة"(٩٣).
ولما كنا قد قابلنا بعض الأحداث التي جرت في عهد البعثة الخاتمة بمثيلاتها على عهد أنبياء بني إسرائيل، ونحن نرصد منزلة هارون من موسى، فإننا نجد في مقام التطهير والعلم: "وكلم الرب هارون قائلا: خمر ومسكر لا تشرب أنت وبنوك معك.. فرضا دهريا في أجيالكم، وللتمييز بين المقدس والمحلل، وبين النجس والطاهر، ولتعليم بني إسرائيل جميع الفرائض التي كلم الرب بها بيد موسى"(٩٤).
ولقد علمنا أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد أن أدى المناسك، أعلن ولاية علي بن أبي طالب، وفي مقابل هذا الحدث، نجد العهد القديم يذكر أنه في اليوم الثامن من الشهر الذي تؤدى فيه المناسك، أمر موسى هارون أن يأخذ له عجلا ليذبحه في اليوم الذي يفيض الله برحمته على العباد، وفعل هارون ما أمر به موسى، " ثم رفع هارون يده نحو الشعب وباركهم.. ودخل موسى وهارون خيمة الاجتماع ثم خرجا وباركا الشعب"(٩٥).
إن الدعوة الإلهية للناس دعوة واحدة، والتوحيد هو عماد هذه الدعوة، والإخلاص في العبادة يجعل شجرة التوحيد داخل النفس الإنسانية شجرة مورقة، لهذا كان الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية ومن أوجب الواجبات الشرعية، ولكي يتحقق الإخلاص، فلا بد من حفظ الصلة بالله عز وجل، والمدخل إلى حفظ الصلة بالله هو حفظ الصلة بالرسول، لأن النور المحمدي هو البرزخ الذي بين الناس وبين النور الإلهي الذي تندك له الجبال، وحفظ الصلة بالرسول له قواعد وله علامات، وقديما قالت العرب:

إذا لم يكن صدر المجالس سيدا * فلا خير فيمن صدرته المجالس

ثالثا: الترغيب والترهيب
إن حفظ الصلة بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) حثت عليه الدعوة الخاتمة في أكثر من آية منها قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران: ٣١]، والمعنى: إن كنتم تريدون أن تخلصوا لله في عبوديتكم، فاتبعوا هذه الشريعة التي هي مبنية على الحب، والتي ترفع أعلام الإخلاص والإسلام، وتسير بأتباعها نحو صراط الله المستقيم، فإن اتبعتموني في سبيلي أحبكم الله، ومنها قوله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين) [يوسف: ١٠٨]، والآية تشير إلى سبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفيها يأمره - تعالى - أن يخبر الناس أن هذه سبيله، أي طريقته ومسلكه وسنته، وأن هذا السبيل هو الذي يصل بمن يسلكه إلى سعادة الدارين، لأن النبي يدعو إلى الله على بصيرة ويقين وبرهان، وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنها قوله تعالى: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور) [الشورى: ٢٣]، في هذه الآية جعل الله - تعالى - أجر رسالة النبي المودة في القربى، فأي قربى؟ إن مودة الأقرباء على الإطلاق ليست مما يندب إليه في الإسلام، قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) [المجادلة: ٢٢]، والذي يندب إليه الإسلام هو الحب في الله، وبما أن لكل شيء ذروة، فإن الحب في الله ذروته حب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولهذا قيل: إن المراد بالمودة في القربى، هو مودة قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهم عترته من أهل بيته، ومن يتأمل في الروايات المتواترة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، كحديث الثقلين وغيره، يجد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دفع الناس في اتجاه أهل البيت لفهم كتاب الله بما فيه من أصول معارف الدين وفروعها وبيان حقائقه، وهذا لا يدع ريبا في أن إيجاب مودتهم وجعلها أجرا للرسالة، إنما كان ذريعة إلى إرجاع الناس إلى أهل البيت، على اعتبار أن لهم المرجعية العلمية.
وروي عن ابن عباس أنه قال: "لما نزلت هذه الآية: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) [الشورى: ٢٣]، قالوا: يا رسول الله، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت مودتهم؟ قال: علي وفاطمة وولداها"(٩٦)، وعن أبي الديلم قال: "لما جيء بعلي بن الحسين أسيرا، فأقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم، فقال له علي بن الحسين: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، قال: أقرأت آل حم؟ قال: نعم، قال: أما قرأت: (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى)؟
قال: فإنكم لأنتم هم؟ قال: نعم"(٩٧).
ومما يثبت أن المقصود بذي القربى: علي وفاطمة وولداها، تحذير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاقتراب منهم بأذى، لأن من يؤذيهم يكون في الحقيقة قد آذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويقع تحت عقوبة لا يدفعها دافع، قال تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) [الأحزاب: ٥٧]، ومن المعلوم أنه لا يوجد مخلوق يمكن أن يتسبب بأذى الله تعالى، ولكن الآية تتوعد كل من آذى النبي بشيء، لأن من آذاه فقد آذى الله، كما أن من أطاعه فقد أطاع الله.
وتحذيرات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الاقتراب بأي أذى لعترته، وردت في أحاديث كثيرة، منها ما روي عن سعد بن أبي وقاص قال: "كنت جالسا في المسجد أنا ورجلان معي، فنلنا من علي، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضبان يعرف في وجهه الغضب، فتعوذت بالله من غضبه، فقال: ما لكم وما لي؟ من آذى عليا فقد آذاني"(٩٨)، ومنها ما روي عن عمرو بن شاس الأسلمي، قال: "خرجت مع علي إلى اليمن، فجفاني في سفري ذلك، حتى وجدت في نفسي عليه، فلما قدمت أظهرت شكايته في المسجد، حتى بلغ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلما رآني أبدى عينيه (أي: حدد إلي النظر)، حتى إذا جلست قال: يا عمرو، والله لقد آذيتني، قلت: أعوذ بالله أن أؤذيك يا رسول الله، قال: بلى من آذى عليا فقد آذاني"(٩٩)، ومنها ما روي عن المسور بن مخرمة قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها"(١٠٠).
وبالجملة، إن الدعوة الإلهية الخاتمة بينت أن الإخلاص في العبادة أفضل الأمور الدينية، ومن أوجب الواجبات الشرعية، وبينت أن حفظ الصلة بالرسول هو صراط حفظ الصلة بالله فمن آذى الرسول فقد آذى الله، ومن أطاع الرسول فقد أطاع الله.
ولأن المنافقين في كل عصر يعملون من أجل تدمير الدعوة من داخلها، فإن الدعوة الإلهية الخاتمة فتحت بين حركة النفاق وبين حركة الإيمان، لتصحيح الساحة بعد هذا الفتح من طرفين، لكل طرف أعلامه ومذاقه، لتسير القافلة وهي على بينة من أمرها، لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، وهذا الفتح يرى بوضوح إذا تدبر الباحث في الأحاديث المروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنها ما روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "والذي خلق الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلي أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق"(١٠١)، وما روي عن أبي ذر أنه قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي: يا علي من فارقني فارق الله، ومن فارقك يا علي فارقني"(١٠٢)، وما روي عن عبيد الله بن عباس قال: "نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي فقال: يا علي، أنت سيد في الدنيا، وسيد في الآخرة، حبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله، الويل لمن أبغضك بعدي"(١٠٣).
وما روي عن أسرة عمار بن ياسر، فعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه عن جده أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن أبي طالب، فمن تولاه فقد تولاني، ومن تولاني فقد تولى الله، ومن أحبه فقد أحبني ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أبغضه فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله عز وجل"(١٠٤)، وعنه أيضا قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "اللهم من آمن بي وصدقني فليتول علي بن أبي طالب، فإن ولايته ولايتي وولايتي ولاية الله"(١٠٥)، وقيل لسلمان الفارسي: "ما أشد حبك لعلي! قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا فقد أبغضني"(١٠٦)، وقيل لعمار بن ياسر: "ما أشد حبك لعلي! فقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا عمار، إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس واديا غيره، فاسلك مع علي ودع الناس"(١٠٧).
وما روي عن أسرة أبي رافع، فعن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أبا رافع، سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، حق على الله جهادهم، فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه، ومن لم يستطع بلسانه فبقلبه، ليس وراء ذلك شيء"(١٠٨)، وعن عمار بن ياسر قال:
" قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا علي، ستقاتلك الفئة الباغية وأنت على الحق، فمن لم ينصرك يومئذ فليس مني"(١٠٩)، وعمار راوي هذا الحديث، قاتل مع الإمام علي، وقتل في صفين، وكان النبي قد أخبر بقتله وهو يخبر بالغيب عن ربه جل وعلا، روى البخاري أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "ويح عمار، تقتله الفئة الباغية، ويدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"(١١٠).
وبالجملة، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "لا يبغضنا - أهل البيت - أحد إلا أدخله الله النار"(١١١)، وعن أبي هريرة قال: "نظر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى علي وابنيه وفاطمة، وقال: أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم"(١١٢).
ولأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل الكتاب والعترة في حبل واحد، وأخبر بالغيب عن ربه بأنهما لن ينفصلا حتى يردا على الحوض، ولأنه (صلى الله عليه وآله وسلم) حث الأمة في أكثر من مكان بأن تتمسك بهذا الحبل لأنه واق لها من الضلال، وقال:
" فانظروا كيف تخلفوني فيهما "، فإنه أخبر بالغيب عن ربه بأن أهل بيته سيلقون بعده من الأمة قتلا وتشريدا، وكما حذر موسى (عليه السلام) بني إسرائيل من الاختلاف في الوقت الذي خبر فيه بأنهم سيختلفون وهو يخبر بالغيب عن ربه، كذلك فعل النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)، كان يحذر من الاختلاف ويقول: "لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا"(١١٣)، وفي الوقت نفسه يخبر بالغيب عن ربه ويقول: "إن بني إسرائيل تفرقت إحدى وسبعين فرقة فهلك سبعون فرقة، وخلصت فرقة واحدة، وإن أمتي ستفترق على اثنتين وسبعين فرقة، تهلك إحدى وسبعون وتخلص فرقة، قيل: يا رسول الله، من تلك الفرقة؟
قال: الجماعة الجماعة"(١١٤).
لقد كان الإخبار بالغيب في ما يستقبل الناس من أحداث، لطفا من الله، ليعلم - سبحانه - من يخافه بالغيب، فلا يأخذون بالأسباب التي حذر منها، ويأخذون بالأسباب التي فيها لله ولرسوله رضا، والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الأمة بأن تأخذ بطرف الحبل الذي عليه الكتاب والعترة، ثم يخبر بالغيب عن ربه فيقول: "إن أهل بيتي سيلقون بعدي من أمتي قتلا وتشريدا"(١١٥)، وعن علي بن أبي طالب أنه قال: "إن مما عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الأمة ستغدر بك بعدي"(١١٦)، وكل طريق له أسبابه، والله - تعالى - ينظر إلى عباده كيف يعملون.
ولأن الطريق عليه اختلاف وافتراق وغدر ونفي وقتل وتشريد، ظهرت النتيجة عند الحوض في إخبار الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بالغيب عن ربه، فعن سهل قال: "سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم"(١١٧)، وعن عبد الله قال: "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أنا فرطكم على الحوض، ولأنازعن أقواما، ثم لأغلبن عليهم، فأقول: يا رب، أصحابي أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك"(١١٨)، وفي رواية عن أبي هريرة بزيادة: "إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك، إنهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى"(١١٩)، وفي رواية عن ابن عباس: "فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم"(١٢٠)، وفي رواية عن أم سلمة: "فناداني مناد من بعدي، فقال: إنهم قد بدلوا من بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي"(١٢١).
لقد حذر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من النتيجة التي لا تستقيم مع المقدمة، ولم تجامل الدعوة الإلهية الخاتمة أحدا بعد أن أقامت حجتها، يقول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "ليردن على الحوض رجال ممن صحبني ورآني...)"(١٢٢)، ولم تغن عنهم الصحبة من الله شيئا، وقال: "إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أموت أبدا"(١٢٣)، ومعنى أن تعطي النتيجة قطع صلتهم بالنبي في الآخرة، أنهم قطعوا الصلة يوم أن سارت القافلة تحت سقف الامتحان والابتلاء لينظر الله إلى عباده كيف يعملون، قال تعالى: (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) [العنكبوت: ٢ - ٣].
وإذا كانت الدعوة الإلهية الخاتمة قد حذرت كل من يقترب من سبيل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأي أذى، فإن الدعوة الإلهية إلى بني إسرائيل حذرت كل من يقترب من هارون وبنيه بأذى، جاء في العهد القديم أن الله كلم موسى (عليه السلام)، وأمره بأن يقدم سبط لاوي أمام هارون ليخدموه ويحفظوا شعائره، ويخدموا خيمة الاجتماع ويحرسوا أمتعتها، وقال له: "وتوكل هارون وبنيه فيحرسون كهنوتهم والأجنبي الذي يقترب يقتل"(١٢٤).
رابعا: رحيل النبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم)
لقد جاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأدلة المقبولة، والمعجزات التي هي بلسان التواتر منقولة، وقد قال المسيح (عليه السلام): من قبل ثمارهم تعرفونهم، وقد علم المخالف والموالف أن محمدا رسول الله لم تثمر شجرته عبادة غير الله ولم يشرك مع الله غيره، ولا جعل له ندا من خلقه ولا ولدا، ولا قال لأمته:
اعبدوا إلهين اثنين، ولا ثالث ثلاثة، ولا عبد رجلا ولا عجلا ولا كوكبا، بل دعا إلى ملة إبراهيم، إله واحد لا إله إلا هو، وأخلص لله وحده، ونزهه عن النقائص والآفات، وجاء بكتاب من عند الله أمر فيه بطاعة الله، نهى عن معصيته، وزهد في الدنيا ورغب في الآخرة، وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، وأمر ببر الوالدين، وصلة الرحم، وحفظ الجار، وفرض الصدقات، وأمر بالصوم والصلاة، وحث على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، ثم كسر الأصنام وعطل الأوثان، وأخمد النيران، وأعلن الأذان، فهذه هي ثمار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي بعثه الله، والناس في ظلمة الجهل والانحراف، فأنار الطريق وأقام الحجة، وبين منهجه للبشرية الطريق الذي يحقق السعادة في الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، لأنه يمد الإنسان بالوقود الذي يميز به بين الحلال وبين الحرام، وينطلق بالإنسان نحو الأهداف التي من أجلها خلقه الله بالوسائل التي له فيها رضا، ومن خلال المنهج الاسلامي يحفظ الإنسان صلته بالله ورسوله، لأن المنهج يقوم على أوامر الله، فهو - سبحانه - مصدر جميع السلطات، وإليه تنتهي جميع القرارات، لأنه - تعالى - مصدر الخلق والتكوين، وواهب الحياة ومقوماتها، فكما أن له - سبحانه - الخلق والإبداع، كذلك له الأمر والنهي.
وبعد أن أقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الحجة، حانت الساعة التي يدعى فيها فيجيب، وعلى فراش المرض أخذ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالأسباب حتى لا تختلف الأمة من بعده، وهو يعلم أن الاختلاف واقع لا محالة، ونظام العالم هو نظام الأسباب والمسببات، والانسان مطالب بأن يكون اعتماده على الله عند أخذه بالأسباب وفي كل حال، وعلى هذا سار الأنبياء والرسل (عليهم السلام)، كانوا يخبرون بالغيب عن الله بما يستقبل الناس من فتن وأهوال، ثم يأخذون بالأسباب فيحذرون الناس من مخاطر الطريق.
عن ابن عباس قال: "لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الوفاة، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هلم أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قربوا يكتب لكم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كتابا لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قاله عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قوموا! " فكان ابن عباس يقول: "إن الرزية كل الرزية، ما حال بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم!"(١٢٥)، وفي رواية:
قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع"(١٢٦)، وروي عن جابر بن عبد الله: "إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتابا لا يضلون بعده، فخالف عليها عمر بن الخطاب حتى رفضها"(١٢٧)، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! ثم جعل تسيل دموعه، حتى رئيت على خديه كأنها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): "ائتوني بالكتف والدواة - أو اللوح والدواة - أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، فقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يهجر"(١٢٨).
قال ابن الأثير: "القائل هو عمر بن الخطاب"(١٢٩)، ومعنى هجر، قال في لسان العرب: "يهجر هجرا، إذا كثر الكلام في ما لا ينبغي، وهجر يهجر هجرا، بالفتح: إذا خلط في كلامه، وإذا هذى"(١٣٠)، وقال في المختار:
"الهجر: الهذيان"(١٣١)، وقال في المعجم: "هجر المريض هذى"(١٣٢).
لقد اختلفوا وأكثروا اللغط ولا ينبغي عند رسول الله التنازع، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون) [الحجرات: ٢]، وقال جل شأنه: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: ٦٣]، وقال: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون، واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب) [الأنفال: ٢٤ - ٢٥].
ومن يتدبر في أحداث يوم الصحيفة ويمسك بأطرافها، يجد أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد أن يكتب لهم كتابا يكون سببا في الأمن من الضلال، وهذا السبب كان كافيا لتنفيذ الأمر، ولكن بعض الذين حضروا قالوا:
" هجر "، فكانت هذه الكلمة كافية ليمسك الرسول عن كتابة الصحيفة، لأنها ربما تكون مدخلا لتشكيك البعض في كل ما كتب من وصايا وعهود، ويترتب على ذلك فتن عديدة، ويشهد بذلك ما روي عن ابن عباس أنه قال: "قالوا:
إن النبي ليهجر، فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: أو بعد ماذا؟!"(١٣٣)، وأمر الرسول إليهم بأن يأتوه بصحيفة ليكتب لهم الكتاب، هذا الأمر في حد ذاته كاف لإقامة الحجة عليهم، وإن لم يأتوا إليه بالصحيفة، ومن المعلوم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قد أقام الحجة على الأمة بالبلاغ في حجة الوداع، وقبلها، وبعدها في غدير خم.
وقد احتج البعض أن قولهم: "حسبنا كتاب الله "، يستند إلى أن الكتاب جامع لكل شيء، وقولهم هذا ينتج إشكالا، لأن الكتاب الجامع لكل شيء أمر بطاعة الرسول، وعلى الرغم من أن الكتاب جامع إلا أنه ليس في استطاعة كل واحد أن يستخرج منه ما يريده على وجه الصواب، لهذا فوض الله رسوله في أن يبين للناس ما أنزل إليهم من ربهم، ولأن الناس في حاجة إلى السنة مع كون الكتاب جامعا، جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عترته مع الكتاب في حبل واحد ولن يفترقا حتى يردا عليه الحوض.
وبالجملة، لما كان الكتاب فيه آيات متشابهات، وهذه الآيات يتتبعها الذين في قلوبهم زيغ لإثارة الفتن ولتأويل الكتاب، حتى ينتهي تأويلهم إلى تعطيل الحكم به، ولما كان الكتاب مع كونه جامعا لكل شيء لا يحقق دوام الهداية وعدم الاختلاف، بدليل أن الضلال والتفريق وقعا فعلا، فإن الأمن من الضلال لا يكون إلا بالكتاب، ومعه الطاهر الذي يتأوله. ويمكن للباحث أن يستنتج ذلك إذا ربط بين أمر رسول الله وهو على فراش المرض، وبين البلاغ الذي أقام به الحجة قبل ذلك، فيوم الصحيفة قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "آتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا"(١٣٤)، وفي بلاغه، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): "إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما"(١٣٥).


 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) أشعيا: ١١ / ٦٥.
(٢) متى: ٢١ / ٤٢ - ٤٥.
(٣) يوحنا: ٤ / ٢٢.
(٤) حزقيال: ٣٣ / ٢٣ - ٢٥.
(٥) متى: ٣ / ٧ - ١١.
(٦) يوحنا: ٨ / ٣٧.
(٧) تفسير ابن كثير: ١ / ١٨٦.
(٨) تفسير ابن كثير: ١ / ١٥٥.
(٩) أنظر: تفسير ابن كثير: ٤ / ٨٤، تفسير الميزان: ١٧: ٣٤٨.
(١٠) أرميا: ٢٣ / ٤٠.
(١١) المصدر نفسه: ١٧ / ٢ - ٤.
(١٢) رواه مسلم، الصحيح: ١ / ٩٣.
(١٣) المصدر نفسه: ٥ / ١٥٩.
(١٤) الميزان: ٤ / ٣٦٧.
(١٥) الميزان: ٥ / ٣٧٣.
(١٦) الميزان: ٤ / ٣٦٣.
(١٧) المصدر نفسه: ١ / ٢٦٥.
(١٨) تفسير ابن كثير: ١ / ١٦٣.
(١٩) أنظر: لسان العرب: مادة: وزر، ص: ٤٨٢٤.
(٢٠) أنظر: المصدر نفسه، مادة: كهن، ص: ٣٩٥٠.
(٢١) تفسير ابن كثير: ٣ / ١٤٧.
(٢٢) المصدر نفسه: ٢ / ٢٤٣.
(٢٣) تفسير ابن كثير: ٤ / ٤٣٨.
(٢٤) الميزان: ١٥ / ١٩٤.
(٢٥) تفسير ابن كثير: ٣ / ٣١٣.
(٢٦) البخاري، الصحيح: ٢ / ٣٠٠، مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٤، الترمذي، الجامع الصحيح: ٥ / ٦٤٠.
(٢٧) رواه ابن أبي عاصم، وقال الألباني: إسناده حسن، ورجاله ثقات، كتاب السنة: ٢ / ٥٦٥، وأحمد والحاكم، كنز العمال: ١١ / ٦٠٦، مستدرك الحاكم: ٣ / ١٣٣، الفتح الرباني، شرح مسند الإمام أحمد: ٢١ / ٢٠٤.
(٢٨) كنز العمال: ١٣ / ١٥١.
(٢٩) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٤.
(٣٠) أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح، غير فاطمة بنت علي وهي ثقة، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٩.
(٣١) البداية والنهاية، ابن كثير: ٧ / ٣٤٢.
(٣٢) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، الكتاني، ص ١٩٥.
(٣٣) المصدر نفسه.
(٣٤) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٩، أحمد والحاكم، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٠٤.
(٣٥) رواه أحمد، وقال الهيثمي: إسناده جيد، الزوائد: ٩ / ١٩٣، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٠٥. والطبراني، كنز العمال: ١ / ١٨٦.
(٣٦) رواه أحمد والترمذي، وقال: حديث حسن، والطبراني، وقال المناوي: رجاله موثقون، الفتح الرباني: ١ / ١٨٦، كتاب السنة: ٢ / ٦٤٤.
(٣٧) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، الجامع: ٥ / ٦٦٣، وقال في تحفة الأحوازي: رواه مسلم من وجه آخر، التحفة: ١٠ / ٢٩٠.
(٣٨) لسان العرب، ص ٢٧٩٦.
(٣٩) رواه مسلم، شرح النووي: ١٥ / ١٧٩.
(٤٠) أنظر: كنز العمال: ١ / ١٧٢، ١٧٣، ١٨٦، ١٨٧، ٤ / ٤٣٥، ٥ / ٢٩٠، وكتاب السنة: ٢ / ٣٥١، ٦٤٤، والبداية والنهاية: ٥ / ٢٠٩.
(٤١) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح، الجامع: ٥ / ٥٨٤، ورواه أحمد، الفتح الرباني: ٢١ / ٢٦٦.
(٤٢) تفسير ابن كثير: ١ / ٣٧٠.
(٤٣) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٢، ورواه ابن جرير وصححه، والطحاوي والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ١٢٩.
(٤٤) رواه أحمد وابن جرير والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ١٧٥.
(٤٥) رواه ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي، كنز العمال: ١٣ / ١٣٣.
(٤٦) رواه أحمد وأبو يعلى، كنز العمال: ١٣ / ١٤٠، تحفة الأحوازي: ١٠ / ٢٢٢.
(٤٧) رواه الترمذي والحاكم وصححه، كنز العمال: ١١ / ٥٩٨.
(٤٨) البداية والنهاية: ٧ / ٣٣٦.
(٤٩) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١١٤، الفتح الرباني: ٢٣ / ١١٨، والحاكم والضياء بسند صحيح، كنز: ١١ / ٥٩٨.
(٥٠) رواه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١١٥، والطبراني، كنز العمال: ١١ / ٦٠٠.
(٥١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، ص: ١٩٥.
(٥٢) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٧٦، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٢، والبخاري عن سلمة بن الأكوع، الصحيح: ٢ / ١٦٦، والحاكم عن جابر، المستدرك: ٣ / ٣٨.
(٥٣) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٣٩، وابن كثير، البداية والنهاية: ٧ / ٣٥٧.
(٥٤) رواه الطبراني عن جنوب بن ناجية، كنز العمال: ١٣ / ١٣٩.
(٥٥) تحفة الأحوازي: ١٠ / ٢٣١.
(٥٦) رواه الطبراني في الكبير، كنز العمال: ١٣ / ١٣٩.
(٥٧) رواه الطبراني والضياء بسند صحيح، كنز العمال: ١٣ / ٦٠٢.
(٥٨) المزمل: ١٥ - ١٦.
(٥٩) الأحزاب: ١٩.
(٦٠) أنظر: الفتح الرباني: ١٨ / ٢٣٨.
(٦١) رواه مسلم، الصحيح: ١٥ / ١٩٤، والحاكم، المستدرك: ٣ / ١٤٧.
(٦٢) رواه الترمذي، الجامع: ٥ / ٣٥١، وابن جرير والطبراني وابن مردويه، تحفة الأحوازي: ٩ / ٩٧، وابن كثير في التفسير: ٣ / ٤٨٥.
(٦٣) قال ابن كثير: رواه الإمام أحمد وابن جرير، التفسير: ٣ / ٤٨٣.
(٦٤) قال ابن كثير: رواه ابن جرير، المصدر نفسه.
(٦٥) قال ابن كثير: رواه الإمام أحمد، المصدر نفسه.
(٦٦) سفر الخروج: ٤ / ١١ - ١٦.
(٦٧) رواه اللالكائي، كنز العمال: ١ / ٣٧٩.
(٦٨) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، تفسير ابن كثير: ٤ / ٤١٣، ورواه الضياء بسند صحيح وابن مردويه وأبو نعيم، كنز العمال: ١٣ / ١٧٧.
(٦٩) رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، تفسير ابن كثير: ٤ / ٤١٣.
(٧٠) رواه ابن سعد، الطبقات الكبرى: ٢ / ٣٣٨.
(٧١) المصدر نفسه.
(٧٢) رواه ابن مردويه بإسنادين، كنز العمال: ٢ / ٤٣٩.
(٧٣) رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم وأبو نعيم، كنز العمال: ٢ / ٤٣٩.
(٧٤) تفسير ابن كثير: ٣ / ٣٨٨.
(٧٥) رواه ابن أبي حاتم، كنز العمال: ٢ / ٤٤١.
(٧٦) الفتح الرباني: ١٨ / ١٨٥.
(٧٧) المصدر نفسه، تفسير ابن كثير: ٢ / ٥٠١.
(٧٨) رواه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٠١، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٣٣، وابن جرير وصححه عن علي، كنز العمال: ١٣ / ١١٤، والخطيب عن بريدة، كنز العمال: ١٣ / ١٣٥، والطبراني عن معقل بن يسار، كنز العمال: ١١ / ٦٠٥.
(٧٩) رواه البغوي في شرح السنة، والبخاري في التفسير، وأبو نعيم، كشف الخفاء: ١ / ١٨٤.
(٨٠) رواه الحاكم وصححه، كشف الخفاء: ١ / ١٨٤.
(٨١) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير أبي بلج وهو ثقة وفيه لين، الفتح الرباني: ٢٣ / ١١٦، وقال ابن كثير: رواه أبو داود الطيالسي، البداية: ٧ / ٣٤٦، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٢٦٣.
(٨٢) رواه أحمد، وقال في الفتح: رواه الترمذي باختصار والبزار باختصار وفيه الأجلح الكندي وثقه ابن معين وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، الفتح الرباني: ٢١ / ٢١٤.
(٨٣) الفتح الرباني: ٢١ / ٢١٤.
(٨٤) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٦٢، والنسائي، كنز العمال: ١ / ١٧٢.
(٨٥) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢١، والترمذي وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٣٦، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٦٣٢.
(٨٦) رواه ابن جرير عن زيد بن أرقم وعن أبي سعيد الخدري، كنز العمال: ١٣ / ١٠٤، والنسائي، البداية: ٥ / ٢٠٩.
(٨٧) قال ابن كثير: رواه ابن جرير، وقال الذهبي: هذا حديث حسن، وقال: وجدت ذلك في نسخة مكتوبة عن ابن جرير، البداية: ٥ / ٢١٣.
(٨٨) رواه أحمد، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير فطر بن خليفة وهو ثقة، الزوائد: ٩ / ١٠٤.
(٨٩) رواه البزار وابن جرير، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، كنز العمال: ١٣ / ١٥٨، وصححه الألباني، الصحيحة: ٥ / ٣٤٣.
(٩٠) الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٨.
(٩١) نظم المتناثر في الحديث المتواتر، ص: ١٩٥.
(٩٢) البداية والنهاية: ٥ / ٣٥٠.
(٩٣) كتاب السنة، ابن أبي عاصم، تحقيق نصر الدين الألباني: ٢ / ٥٦٦.
(٩٤) سفر اللاويين: ١٠ / ٨ - ١١.
(٩٥) سفر اللاويين: ٩ / ٢٢ - ٢٤.
(٩٦) رواه الطبراني، وقال الهيثمي: فيه جماعة ضعفاء وقد وثقوا، الزوائد: ٩ / ١٦٨، وأخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
(٩٧) أخرجه ابن جرير، والبغوي، تفسير البغوي: ٧ / ٣٦٤، والمقريزي، فضائل أهل البيت، ص: ٧٢.
(٩٨) أخرجه الإمام أحمد، وقال الهيثمي: رجال أحمد ثقات، الزوائد: ٩ / ١٢٩، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٠، ورواه الحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ١٢٢، ورواه البزار، كشف الأستار: ٣ / ٢٠٠، ورواه ابن حبان في صحيحه، الزوائد: ٩ / ١٢٩، وابن كثير، البداية: ٧ / ٣٤٧.
(٩٩) رواه أبو يعلى، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٢٩، وابن كثير، البداية: ٧ / ٣٤٧.
(١٠٠) رواه مسلم، الصحيح: ٣ / ١٦، والبخاري بلفظ: فمن أغضبها أغضبني، الصحيح: ٢ / ٣٠٢.
(١٠١) رواه مسلم، الصحيح: ٢ / ٦٤، والترمذي، الجامع: ٥ / ٦٤٣، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٣ / ١٢٢.
(١٠٢) رواه البزار، وقال الهيثمي: رجاله ثقات، كشف الأستار: ٣ / ٢٠١، الزوائد: ٩ / ١٣٥، والحاكم وصححه، المستدرك: ٣ / ١٢١.
(١٠٣) رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وأبو الأزهر بإجماعهم ثقة، وإذا تفرد الثقة بحديث فهو على أصلهم صحيح، والحديث سمعه يحيى بن معين من أبي الأزهر فصدقه، المستدرك: ٣ / ١٢٨، ورواه ابن كثير، البداية: ٧ / ٣٥٦.
(١٠٤) رواه الطبراني في الكبير، وابن عساكر، كنز العمال: ١١ / ٦١٠.
(١٠٥) رواه الطبراني في الكبير، كنز العمال: ١١ / ٦١١.
(١٠٦) رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، المستدرك: ٣ / ١٣٠.
(١٠٧) رواه الديلمي، كنز العمال: ١١ / ٦١٤.
(١٠٨) رواه الطبراني، كنز العمال: ١١ / ٦١٣، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه محمد بن عبد الله وثقه ابن حبان، ويحيى بن الحسين لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات، الزوائد: ٩ / ١٣٤.
(١٠٩) رواه ابن عساكر، كنز العمال: ١١ / ٦١٣.
(١١٠) رواه البخاري، كتاب الصلاة، باب: التعاون في بناء المساجد، ورواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٢ / ٣٣١.
(١١١) رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، المستدرك: ٣ / ١٥٠.
(١١٢) رواه الحاكم، وقال: حديث صحيح ولم يخرجاه، المستدرك: ٣ / ١٤٩، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٠٦، والترمذي عن زيد بن أرقم، الجامع: ٥ / ٦٩٩، وابن ماجة والحاكم عن زيد، كنز: ١٢ / ٩٦، والطبراني وأحمد والحاكم عن أبي هريرة، كنز: ١٢ / ٩٧، وابن أبي شيبة، وابن حبان في صحيحه، والضياء بسند صحيح عن زيد، كنز: ١٣ / ٦٤٠.
(١١٣) رواه البخاري، كنز العمال: ١ / ١٧٧.
(١١٤) رواه أحمد عن أنس وأبي هريرة، كنز: ١ / ٢١٠، والترمذي وصححه، الجامع: ٤ / ٢٥.
(١١٥) رواه الحاكم ونعيم بن حماد، كنز العمال: ١١ / ١٦٩.
(١١٦) رواه البيهقي، وقال ابن كثير: سنده صحيح، البداية: ٦ / ٢١٨.
(١١٧) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ١٤١، ومسلم، الصحيح: ١٥ / ٥٣، وأحمد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٥.
(١١٨) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ١٤١، ومسلم، الصحيح: ١٥ / ٢٩.
(١١٩) رواه البخاري، الصحيح: ٤ / ١٤٢.
(١٢٠) رواه البخاري، الصحيح: ٣ / ١٦٠، مسلم، الصحيح: ١٧ / ١٩٤.
(١٢١) رواه أحمد، وقال في الفتح: سنده جيد، الفتح الرباني: ١ / ١٩٧.
(١٢٢) رواه مسلم، الصحيح: ١ / ١٩٥.
(١٢٣) رواه الحاكم والإمام أحمد، كنز العمال: ١١ / ١٩٧، وابن عساكر، كنز: ١١ / ٢٧١.
(١٢٤) سفر العدد: ٣ / ٥ - ١٠.
(١٢٥) رواه البخاري، باب: قول المريض: قوموا، الصحيح: ٤ / ٧، ومسلم، باب: ترك الوصية، الصحيح: ٥ / ٧٦، وأحمد، الفتح الرباني: ٢٢ / ١٩١.
(١٢٦) رواه البخاري، كتاب العلم، الصحيح: ١ / ٣١.
(١٢٧) رواه أحمد، الفتح الرباني: ٢٢ / ٢٢٥، وابن سعد، الطبقات: ٢ / ٢٤٣.
(١٢٨) رواه مسلم، باب: ترك الوصية، الصحيح: ٥ / ٧٦.
(١٢٩) لسان العرب، ص: ٤٦١٨.
(١٣٠) المصدر نفسه.
(١٣١) مختار الصحاح، ص: ٦٩٠.
(١٣٢) المعجم الوسيط: ٢ / ٩٧٢.
(١٣٣) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ٢ / ٢٤٢.
(١٣٤) ابن سعد، الطبقات الكبرى: ٢ / ٢٤٢.
(١٣٥) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن، الجامع: ٥ / ٦٦٣.

التقييم التقييم:
  ١ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved