فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » سفراء المهدي (عليه السلام) بين الحقائق والأوهام
 كتب أخرى

الكتب سفراء المهدي (عليه السلام) بين الحقائق والأوهام

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ ضياء الدين الخزرجي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/١١/٢٩ المشاهدات المشاهدات: ٣٠٦ التعليقات التعليقات: ٠

سفراء المهدي (عليه السلام) بين الحقائق والأوهام
ردود على آراء أحمد أمين والمدرسة الاجتماعية حول سفراء المهدي (عليه السلام)

تأليف: ضياء الدين الخزرجي
الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ - ٢٠٠٤م

الفهرس

تقريظ للأستاذ العلامة جعفر سبحاني
مقدمة الكتاب
الفصل الأول: نظرة متكاملة حول سفارة الإمام المهدي (عليه السلام)
المبحث الأول: الأهداف المرتقبة من السفارة المهدوية
المبحث الثاني: مقومات السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام)
المبحث الثالث: الصيغ العملية والايديولوجية الجديدة في عمل السفراء
المبحث الرابع: تساؤلات على طاولة البحث حول السفارة
السؤال الأول: لماذا لم يختر الإمام المهدي (عليه السلام) سفراءه من العلويين؟
السؤال الثاني: لماذا اختار الإمام المهدي (عليه السلام) بغداد لسفارته؟
السؤال الثالث: ما هو الهدف من اختيار الوكلاء في أمر السفارة
الفصل الثاني: دراسة موضوعية للسفارة ودور السفراء في ترسيخ مفهوم الغيبة
المدخل: آراء العلماء حول السفراء
الباب الأول: السفير الأول للإمام المهدي عثمان بن سعيد العمري
المبحث الأول: عثمان بن سعيد العمري في الميزان
المبحث الثاني: وقوع الاشتباه في عثمان بن سعيد من بعض الأعلام
المبحث الثالث: التراث الذي خلفه عثمان بن سعيد العمري للأمة الإسلامية
المبحث الرابع: المعجزات التي ظهرت من الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي عثمان بن سعيد العمري
المبحث الخامس: وفاة عثمان بن سعيد العمري وبرقية الإمام المهدي (عليه السلام) بالمواساة
الباب الثاني: السفير الثاني للإمام المهدي (عليه السلام) محمد بن عثمان العمري
المبحث الأول: محمد بن عثمان العمري في الميزان
المبحث الثاني: محمد بن عثمان العمري والأوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية فترة سفارته
المبحث الثالث: محمد بن عثمان العمري ومدعو السفارة الكاذبة
المبحث الرابع: التراث الذي خلفه محمد بن عثمان العمري للأمة الإسلامية
المبحث الخامس: المعجزات التي ظهرت من الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي محمد بن عثمان العمري
المبحث السادس: وفاة محمد بن عثمان العمري
الباب الثالث: السفير الثالث للإمام المهدي (عليه السلام) الحسين بن روح النوبختي
المبحث الأول: الحسين بن روح النوبختي في الميزان
المبحث الثاني: التحرك الثقافي والسياسي لابن روح النوبختي وأسباب اعتقاله
المبحث الثالث: الحسين بن روح النوبختي ومدعو السفارة الكاذبة عن الإمام المهدي (عليه السلام)
المبحث الرابع: التراث الذي خلفه الحسين بن روح النوبختي للأمة الإسلامية
المبحث الخامس: معجزات الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي الحسين بن روح النوبختي
المبحث السادس: وفاة الحسين بن روح النوبختي
الباب الرابع: السفير الرابع للإمام المهدي (عليه السلام) علي بن محمد السمري
المبحث الأول: علي بن محمد السمري في الميزان
المبحث الثاني: التحركات السياسية والفكرية والاجتماعية للسمري
المبحث الثالث: معجزات الإمام المهدي على يدي السمري
المبحث الرابع: وفاة علي بن محمد السمري
المبحث الخامس: دراسة ونقد لتوقيع الإمام المهدي (عليه السلام) للسمري بانتهاء الغيبة الصغرى

بسم الله الرحمن الرحيم
تقريظ للأستاذ العلامة جعفر السبحاني
بين الحقائق والأوهام

اتّفق المسلمون قاطبة - إلّا من شذّ منهم - على أنه يقوم في برهة من الزمن قائد يعمل على إصلاح المجتمع الإنساني قاطبة، وينشر راية العدل في رُبوع الأرض بعد ما ملئت بالجور والطغيان.
وهذا القائد المثالي العظيم من سلالة النبي الأكرم (ص) وقد جاء نبأه وثورته العارمة على الفساد في الكتب السماوية، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
ومن حسن الحظ أنّ زبور داوود (عليه السلام) الموجود في العهد العتيق يحتوي على مضمون هذه الآية بصراحة(١).
هذا ما اتّفق عليه المسلمون وأهل الكتاب جميعاً، غير أنّ هنا نكتة لا محيص من إلفات نظر القارئ إليها وهي:
أنّ الإمام وإن كان يخرج بالقوة، ويجابه الفساد بمنطق الشدة والعُنف، ولكنها ليست العماد الوحيد لثورته وسلطته، بل هناك عماد آخر وهو بلوغ الإنسان عبر القرون إلى ذروة الكمال من حيث الصناعات والعلوم، وتقدمه في معترك الفنون والثقافة إلى حد يؤمن إيماناً كاملاً بأن الظروف الحاضرة لا تستطيع أن تلبي حاجاته. وتُعطي له حياة طيبة، وأنّ المنظمات البشرية مع دويها وعناوينها الفخمة لا تُسعِده أو تُنقذه من محنته ومشكلته، ولأجل ذلك ظلّ يتربص بصيصاً من الأمل حتى تُمِّده عناية غيبية في إصلاح المجتمع، وإسعاده.
ولأجل هذا الأمل والتفتح العقلي لقبول الدعوة الغيبية، فإنه إذا ظهر القائد - الذي وعد الله به الأُمم - لبّاه كثير من الناس بالإيمان والبيعة، والتضحية والفداء بلا شك وتردد، ويستقبلونه بصدور رحيبة.
إنّ هذا التهيؤ التابع من صميم الإنسان، هو الذي يسهل لقائد الإصلاح أن يصل إلى الغاية التي أُمر بتحقيقها بسرعة. وإلى ذلك العامل المؤثر يشير الإمام أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولَهم وكملت به أحلامهم»(٢).
إنّ الشيعة قاطبة وكثيراً من أهل السنة يرون أنّ ذلك القائد هو الإمام الثاني عشر ومن ذرية الحسين - عليه الصلاة والسلام، ونجل الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) وقد ولد عام ٢٥٥هـ، وظلّ في أحضان والده خمس سنين حتى توفي الإمام العسكري (عليه السلام)، فتعلقت مشيئة الله تعالى بغيبته عن أعين الناس لا عن بيئاتهم، بل يحيى حياة إنسانية كاملة من غير أن يعرفوه إلى أن يأذن له الله تبارك وتعالى بالظهور.
والناظر في حياة الأُمم يقف على أن ذلك ليس بأمر بديع، وبلا مثال متقدم، فقد كانت بين الأمم غيبة للأنبياء والأولياء حتى أنه سبحانه يأتي بأُنموذج واضح من ذلك في سورة الكهف، ويعرف إنساناً كان ولياً راشداً من أوليائه عائشاً بين الناس، حالٍّ لعُقَدِهم إلى حدّ، لم يكن الناس يعرفونه حتى النبي موسى (عليه السلام) قال سبحانه: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥).
غاب الإمام الثاني عشر على إثْر ضغط الحكومة العباسية المصمِّمة على قتله بسبب اطلاعهم على ما شاع بين الناس على أنّ المهدي المصلح نجل الإمام العسكري، وهو الذي يقوِّض عروش الجبابرة والطواغيت، فلأجل ذلك لما انتشر نبأ وفاة أبيه، توالت حملات التفتيش على بيت الإمام العسكري (عليه السلام) لكي يعثروا على الوارث الوحيد لإمامته ولكنهم رجعوا خائبين فقد حالت مشيئة الله تعالى بينهم وبين ما وعد الله به الأُمم في كتب السابقين واللاحقين، فحفظه وصانه عن كيدهم.
ما عشت أراك الدهر عجباً:
إنّ هناك من ينقض ويبرم في أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) وبالأخص فيما يرجع إلى ميلاده وحياته وسفرائه وهو ليس في حل ولا مُرْتحل، مما يرجع إلى علم الحديث وأصوله وأحكامه وأقسامه، فيا ليت شعري ماذا جرى على عالَم الحديث حتى أخذ الصبيان في الكتاتيب يحلون ويعقدون في أمره دون أن يدرسوا عند عالم أو يتفقهوا عند محقق.

إذا ما فصلت عَلْيا قريش * * * فلا في العير أنت ولا النفير

إلى الله المشتكى من أقلام مأجورة، لا تهدف إلّا إلى تكدير الصفو، وتغطية الوقائع المسلّمة وإنكار الأحداث الواضحة: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: ١٤) فسيعلمون ﴿مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى﴾ (طه: ١٣٥).
نعم إنّ هذا النوع من الخصوم اللدّ، يقدِّم لنا أكبر هدية وهي استقطاب نظر المحققين إلى الفحص عن الروايات الواردة حول المهدي بشتى عناوينه فيخرجوا عن الدراسة أكثر صلابة، وأكبر رصيداً، مرفوعي الرأس عند أصحاب التحقيق، وحماة الحقائق.
غاب الإمام الثاني عشر عن أعين الناس ولكن لم تنقطع صلته بهم، وكان بينه وبين شيعته صلة قويمة عن طريق سفرائه طيلة سبعين سنة (٢٦٠ - ٣٢٩)، وكان سفراؤه هم الذين يتصلون بالإمام (عليه السلام)، ويبلغونه رسائل شيعته وحوائجهم، فيجيبهم الإمام (عليه السلام) عن طريقهم ويُرشدهم على القدر المستطاع، وهؤلاء سفراؤه هم أكارم جيله، وأصفياء عصره، قد حَمل كلّ واحد منهم على عاتقه رسالة إرشاد الناس ورفع حوائجهم، ومجابهة الدعايات الضالة حسبَ ما هو مذكور في التاريخ، وستقرأ شيئاً من خدماتهم الجليلة في صيانة التشيع من الزيغ، هم:
١ - عثمان بن سعيد العمري وكانت سفارته ما بين (٢٦٠ - ٢٦٥هـ).
٢ - محمد بن عثمان العمري وكانت سفارته ما بين (٢٦٥ - ٣٠٥هـ).
٣ - الحسين بن روح النوبختي وكانت سفارته بين (٣٠٥ - ٣٢٦هـ).
٤ - علي بن محمد السمري وكانت سفارته بين (٣٢٦ - ٣٢٩هـ).
لقد هيّأت الغيبة الصغرى أرضية صالحة لإيمان الناس بالغيبة الكبرى التي انقطعت فيها الصلة بين الإمام (عليه السلام) والناس، ولولا الغيبة الأولى لكان تحمل الغيبة الثانية أمراً شديداً على المجتمع، إلّا أنّ الله تعالى بلطفه، جعل الغيبة الصغرى طريقاً للغيبة الكبرى، وسبباً لمزيد الإيمان بها.
وهذا الكتاب الذي يُزفُّ إلى الطبع أثر جميل يبحث عن حياة السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام) ويميّز ما هو الواقع عما أُلصِق بها من الأساطير، وقد أفاض الكلام في مقدمة الكتاب حول فكرة الإمام المهدي (عليه السلام)، ونقد ما افتراه بعض الكتّاب في ذلك الطريق، واكتسح الأشواك المطروحة في هذا المقام.
وقد قضيتُ فترة من الوقت في مطالعة هذا الكتاب فوجدته ثمرة ناضجة، وتاريخاً تحليلياً مقروناً بالدليل والبرهان، فأخذَ المؤلف من ضميري ومن جوانحي مأخذاً مهماً، ألا وهو الشيخ الجليل والكاتب القدير ضياء الدين الخزرجي - حفظه الله تعالى ورعاه - فقد خدم الإمام المهدي (عليه السلام) وسفراءه والمجتمع الإسلامي بهذا الكتاب في العصر الذي صارت الفكرة غرضاً لنبال مرشوقة من جانب الأعداء فجزاه الله تعالى خير الجزاء.
الإمام المهدي (عليه السلام) هو شمس الحياة الطالعة التي لا يمكن أن تستر بالأوهام والافتراءات، ولا بالدعايات الفارغة ولا بالتحليلات الخاطئة ولا تجد موضوعاً كهذا الموضوع - موضوع المهدي (عليه السلام) - تواترت فيه الروايات، وألّفت فيه كتب وموسوعات منذ بدء حياته إلى يومنا هذا.
نعم تغمرني من الأحاسيس ما تراه متجلية في الأبيات التالية وهي باقة زهور عطرة أُقدمها إلى القراء جادت بها قريحة بعض المخلصين المجاهرين بولاء أئمة أهل البيت (عليهم السلام) (٣).

لئن غبت عنّا هيكلاً متجسداً * * * فما غاب منك الروح يُشرِقُ والفكرُ

إلى أن قال:

أألتاع بالأشواق جهراً وخفيةً * * * وأنت الذي عني تصدُّ وتزورُّ
أما آن أن ألقاكَ يا حبُّ ساعةً * * * فقد ملّني حتى التجلد والصبرُ
أسير غرام لجَّ في قلبي الهوى * * * طويلاً وهل إلّا الهوى للهوى أجر
لكل أسيرٍ مدّة ثمّ تنقضي * * * ولكن من يهوى يدوم له الأسرُ

قم - مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)
غرّة ذي الحجة الحرام من شهور عام ١٤١٦هـ
جعفر السبحاني

مقدمة الكتاب

تعتبر فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) من القضايا الضرورية في الفكر الإسلامي، وقد ألّف الفريقان كتباً عديدة في الإمام المهدي (عليه السلام)، وحكموا بتواتر الأحاديث الواردة بشأنه(٤)، قال القنوحي: إنه لا معنى للريب في أمر ذلك الفاطمي الموعود المنتظر المدلول عليه بالأدلة، بل إنكار ذلك جرأةً عظيمة في مقابل النصوص المستفيضة المشهورة البالغة حد التواتر(٥)؛ وقال ابن خلدون: اعلمْ أن المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لابد في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت (عليهم السلام) يؤيد هذا الدين(٦).
لكن هناك نوع من الانحراف عن هذا المنهج الصحيح الثابت في البحث التاريخي والعقائدي حول فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) وما يتعلق به من بعض الكتّاب المعاصرين أمثال: أحمد أمين المصري، والدكتور علي سامي النشّار ومحمود صبحي والنشاشيبي وجماعة أخرى من المستشرقين أمثال: فان فلوتن ورونلدسن وغيرهما؛ حيث أصدر هؤلاء أحكاماً متسرعة في مثل هذه القضية الفكرية العالمية مما يجدر بالباحث إلى التوقف والاستغراب في آرائهم الغير مدروسة.
ونستعرض هنا بعض الشبهات المطروحة من قبل بعض المدارس الاجتماعية حول هذه الفكرة، ملتزمين بقواعد البحث المنطقي والعلمي فيها، لنضمن عدم انحرافها عن المسار الصحيح، وذلك من خلال الموضوعية، وتحديد المسلمات الفكرية التي تؤمن بها الأطراف المتخاصمة، مع مراعاة التناسب المنطقي بين المقدسات والأدلة والنتائج.
ونشير قبل كل شيء إلى ظاهرة مشتركة في تطابق الآراء بين المدارس الاجتماعية والغربية معاً، فمثلاً يرى الكاتب المصري أحمد أمين: أن حديث الإمام المهدي (عليه السلام) هو حديث خرافة(٧)، وأسطورة أفسدت عقولاً ساذجة، واعتبارها هدامة في التاريخ الإسلامي(٨)، واعتقد فان فلوتن: أن فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) مجهولة، لا يعرف من وضعها ومتى وضعها(٩)، ويتفق أحمد محمود صبحي وفان فلوتن في القول بأن نشوء هذه الفكرة يعود إلى الظروف السياسية(١٠)، وفي نظر أحمد أمين: أنها نبعت من الشيعة، وأنهم هم البادئون باختراعها(١١)، ثم قال ساخراً: لقد استغل القادة المهرة أفكار الجمهور الساذجة المتحمسة للدين والدعوة الإسلامية، فأتوهم من هذه الناحية الطيبة الطاهرة، ووضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في ذلك، وأحكموا أسانيدها وأذاعوها من طرق مختلفة، فصدقها الجمهور الطيب ببساطة؛ وكان لذلك أثر سيّئ في تضليل عقول الناس(١٢)، ثم أكمل حديثه قائلاً: ووضعت في المهدي الأحاديث المختلفة، ولم يروِ البخاري ومسلم شيئاً عن أحاديث المهدي؛ وهذا مما يدل على عدم صحتها عندهما؛ وإنما ذكرها الترمذي وأبو داوود وابن ماجة وغيرهم، ثم ناقش هذه العقيدة قائلاً: والمفكر يعجب لأمرين: أحدهما تولية الإمامة لطفل في الرابعة أو الخامسة من عمره مع أن الإمامة منصب عظيم يشرف على أمور المسلمين؛ فلابد له من رجل ناضج على تحمّل المسؤولية، عارف بأمور الدين والمشاكل الدنيوية، والطفل الصغير لا يستطيع ذلك مهما أوتي من النبوغ، وهي نظرية تحتاج إلى مناقشة، والأمر الثاني: دعوى الشيعة في هذا الطفل أنه خفيٌّ لا يظهر؛ وإنما يظهر عند حاجة الزمان إليه؛ وقد جرّهم ذلك إلى القول بطول عمر الإمام الغائب؛ مع أن سنّة الله في خلقه تحديد أعمار الإنسان وقد جرى ذلك على الأنبياء أنفسهم؛ فلم يعمّر أحد أبداً»(١٣).
وهذا هو نفس ما توصل إليه الدكتور محمود صبحي قائلاً: لا شك في أن حياة المهدي أكثر من ألف عام موضع الارتياب؛ وكفيل أن يهدم العقيدة من أساسها(١٤)، وهي لا تتفق وسُنّة الله في خلقه، ولا تتفق مع العقل الصحيح(١٥). ثم ختم أحمد أمين بحثه قائلاً:
«إن دعوى الطفل هذه؛ من صنع الوكلاء طمعاً في المال الذي يُجبى من سائر الأقطار الإسلامية لأئمة الشيعة»(١٦).
إننا ومن خلال مراعاتنا للموضوعية في البحث نناقش هذه الافتراءات والدعايات الفارغة لتلك المدرسة؛ ونتناول بالنقد والتحليل تلك الشبهات حول فكرة الإمام المهدي (عليه السلام)، ونؤكد قبل كل شيء إلى حقيقة هامة وهي: أن قادة تلك المدرسة الاجتماعية والغربية لا يتعدى كونهم باحثين اجتماعيين؛ لا تكاد تصل نتائج بحوثهم إلى المستوى العلمي المطلوب؛ لعدم إحاطتهم بالأدلة والأسلوب المنطقي الصحيح؛ الذي سار عليه المسلمون قديماً انطلاقاً من مبادئهم العقائدية؛ فهُم يفقدون إذن شرط توفر مقومات النقاش في المسائل الجوهرية، لأنهم غفلوا أو تغافلوا في مجال إقامة الدليل عن الأحاديث المتواترة، وعن الاستناد وعنصر الإلزام العقائدي فيها؛ فلم يقيموا لها وزناً؛ واعترضوا بأدلة ناقصة تؤيد مقالتهم وتركوا ما تعارف منها؛ ولا أدري كيف منح الفهلوي سمة البعد عن الدجماطيقية لأحمد أمين المصري(١٧)؛ مع جزمه بالرأي قبل البحث والتنقيب وإلّا فكيف سمح لنفسه بأن يعتقد خرافة الإمام المهدي (عليه السلام) مع هذا التواتر الروائي بشأنه، بحيث لم ترد كل تلك النصوص في حق نبي من الأنبياء عدا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، كالتي وردت في حقه (عليه السلام)؛ والتي يعد إنكارها جرأة عظيمة!!. أفلا يسع هذا الكاتب وأمثاله ما وسع الناس على ممر الأعصار والأزمنة!! والذي يعد منهم شذوذ بعد معرفة أن الكافة على خلافهم؟! وهل اتفق هؤلاء كلهم على الخطأ!! وكيف لم تميّز تلك الأحاديث التي وضعها الشيعة - كما ادعى أحمد أمين - دون غيرهم!! وأي مؤامرة تلك التي ادعاها هذا الكاتب، وقد تلاقفت هذه الفكرة معظم أقلام الباحثين وأهل السير بالنقد والتمحيص، حتى أصبحت لديهم من المسلمات الفكرية!! وقبلتها من دون شك وترديد، وقد صرّح بنفسه أنها مروية في صحيح الترمذي وأبي داوود وابن ماجة وغيرهم(١٨).
وكيف لم يرَ تلك الأحاديث في صحيحي البخاري ومسلم؛ قال ابن طاووس نقلاً عن الكشف المخفي في مناقب الإمام المهدي: «ذكر الإمام المهدي في الصحاح الستة وهي صحيح البخاري ومسلم... فمنها من صحيح البخاري ثلاثة أحاديث، ومنها من صحيح مسلم أحد عشر حديثاً»(١٩).
وقال ابن حجر في صواعقه المحرقة: ومما وردت في الأحاديث في حق المهدي (عليه السلام) ما أخرجه مسلم وأبو داوود والنسائي(٢٠). ثم ألا يكون ما ذكره هذا الكاتب الاجتماعي من ذكره الصحاح كأبي داوود وابن ماجة والترمذي وغيرهم وهم أقرب عصراً من غيبته كافياً للوصول إلى الإسلام!! ولماذا كل هذه السخرية بأفكار الجمهور(٢١)؟! ثم هل كان هذا الأمر - الاعتقاد بالمهدي (عليه السلام) - اجتهادياً، فتعالج هذه القضية بمقاييس أهل غير الاختصاص!! أفلا يرى هذا الكاتب وأمثاله بأن الاعتقاد به (عليه السلام) هو أمر غيبي لا يسوغ لأحد إثباته إلّا بالدليل من الكتاب أو السُنّة؛ وأن الدليل معهم وهم أهل الاختصاص(٢٢). ولماذا يسمح المسلون أن يتركوا قضاياهم تحت رحمة هذا الفكر المطعم بشبهات الغرب والمستمد مبادئه من أسس تتغاير جوهرياً مع الأسس الإسلامية!!.
لقد ادعت تلك المدارس الاجتماعية أن فكرة الإمام المهدي (عليه السلام) هي فكرة هدامة للتاريخ الإسلامي، ومفسدة للعقول، وأنها نبعت من الشيعة.. الخ، مع ما يكون لعنصر الانتظار من أهمية خاصة في الإسلام، لكونه من الدوافع التي يُمكن أن يتحلّى بها المسلم لتهيئة الأرضية، فيستغلها في صالح هدفه المنتظر.
إن الإيمان بمخلّص منتظر هو مظهر من مظاهر الثيوقراطية(٢٣) مادام لهذا المخلّص صفته الدينية والسياسية معاً كما اعترف بذلك أحمد أمين(٢٤)، ونحن نرفض رفضاً باتاً أن تختص هذه الفكرة بالشيعة وحدهم، وقد ذكرنا رواية الصحابة وكتب السير والتراجم؛ وقد حاول جولد تسهير أن يربط بينها وبين عقيدة الشيعة قائلاً: إن الفكرة المهدوية إنما جاءت انسجاماً مع معتقداتهم، فإن الإسلام في ثورته الشيعية هو وحده البيئة الملائمة التي يجب أن تنمو بها بذور الأماني المهدوية(٢٥)، ولقد بالغ الكاتب المصري أحمد أمين وغيره في بيان العنصر الاجتماعي، معتمداً على عامل الزمن من ناحية، حيث مرّ أربعة عشر قرناً، وعلى التفكير الوضعي الحديث الذي يُنكر الحكم الثيوقراطي من ناحية أخرى(٢٦)، قرأوا أن هذه النظرية لا تتفق وسُنة الله في خلقه والعقل الصحيح، وما تلك إلّا دعاوى باطلة أظهرت الحقائق زيفها، ولأنهم ناقشوها بحسب مقاييسهم الاجتماعية!! فهل أن بقاء الإنسان طول هذه المدة من المستحيلات العقلية! ولو أردنا اتباع هذا المنهج؛ فهل تبقى لنا قضية من قضايا القرآن الثابتة بالنص القرآني!! إن المتتبع للحوادث العلمية والفلسفية يرى إمكان بقاء الإنسان طويلاً سواء على الصعيد العلمي أو العملي أو الفلسفي(٢٧)؛ مضافاً إلى الشواهد التاريخية(٢٨).
ودعوى تطاول الأعمار في سالف الدهر ثم تناقصها باطلة؛ لأن العاقل يعلم أن الأزمان لا تأثير لها في الأعمار، وأن زيادتها ونقصها من فعل قادر مختار يغيّر ما في الأوقات بحسب ما يراه من الصلاح... ثم نسأل هذا الكاتب: هل أن تكلم الطفل في المهد؛ وتحول عصا موسى (عليه السلام) إلى ثعبان، ونتق الجبل فوق بني إسرائيل كأنه ظلّة، وإحياء الموتى، وشقّ البحر حتى ظهرت الأرض، وبقاء طعام عزير النبي (عليه السلام) لم يتسنّه مائة عام هي أمور تتفق وما جرت عليه سنّة الله تعالى في الأمور العادية؟! أو أنها توافق العقل التجريبي الصحيح؟! فالعقل يحكم في قطعياته وضرورياته، ونحن نؤوّل النصوص، وأمّا ظنياته، فلا قيمة لها أمام النصوص!! إلّا أن تكون اجتهاداً في مقابل النص؛ فالمنهج الصحيح هو ملاحظة حال النسبة إلى الشريعة، فإن تمت لاحظنا الموانع المناسبة مع تلك المسألة، لا أن نخرج جزافاً بمقاييس لا ترتبط بها.
وأمّا دعوى أحمد أمين الأخرى في إبطال إمامة الصغير كالإمام المهدي (عليه السلام) فهي باطلة أيضاً؛ لأن النبوة والإمامة كلاهما تفضّل منه سبحانه وتعالى، وبيده يمنحها لمن يشاء من غير اختيار لأحد فيهما، ويجوز هذا عقلاً ولا مانع منه، مع دلالة الدليل عليه، لأنه سبحانه وتعالى قادر على أن يجمع في الصبي جميع شرائط النبوة والإمامة(٢٩)، فلم يكن الإمام المهدي (عليه السلام) هو الحدث الفريد من نوعه في التاريخ؛ مع ما ورد من تلك النصوص القرآنية في يحيى (عليه السلام) أنه أوتي الحكم صبياً، وعيسى (عليه السلام) بأنه تكلّم في المهد واستلم منصب النبوة وهو صغير(٣٠). ثم روى علماء أهل السُنّة وغيرهم بأن الإمام الجواد (عليه السلام) كان قد بلغ في وقته من الفضل والأدب والحكم مع صغر سنه منزلة لم يساوه فيها من ذوي الأسنان من السادة وغيرهم(٣١)، وأن الإمام الهادي (عليه السلام) حاز على الإمامة وهو ابن ثمان سنوات، وكذا الإمام العسكري (عليه السلام) وهو ابن أحد عشر عاماً(٣٢). ثم إن واقع الأئمة (عليهم السلام) في علمهم بالشريعة وتطبيقهم لأحكامها في سلوكهم وواقعهم تجاه السلطة المنحرفة وخصومهم في الفكر، كان قد حفل به التاريخ، وظهرت نتائج اختباراتهم وتعريفهم لصنوف الإغراءات والمواقف الحرجة؛ فتكون إناطة المسؤولية بهم وإن صِغر سنّهم لا يقف مانعاً أمام تصدي منصب الإمامة وكنموذج عليه؛ ما كان للإمام الجواد (عليه السلام) مع المأمون العباسي(٣٣). ولو افترضنا سكوت التاريخ عن هذه الظاهرة، فإنه من غير الطبيعي أن لا يحدث عنها رغم تكرّرها؛ خاصة وأن المعارضة الشيعية كانت على أشدها في العصور العباسية وكانت طريقة إعلان فضيحة الشيعة الإمامية بإحراج أئمتهم فيما يدعونه من علم واستقامة سلوك، وكذا إبراز سخفهم لاحتضانهم أئمة بهذا السن والعمر، هو أيسر بكثير من تعريض الأمة إلى حروب طاحنة قد يكون الخليفة من ضحاياها، أو تعريض هؤلاء الأئمة إلى السجون والمراقبة أو المجاملة أحياناً(٣٤).
وأمّا دعواه حول السفراء:
وذلك باتهامهم بالكذب والدجل والخيانة، وتزوير الأحاديث، والسرقة لأموال المسلمين بحجة أنهم سفراء عن الإمام المهدي (عليه السلام)، فهو مما لا يليق بهذا الكاتب الاجتماعي (أحمد أمين) التفوّه به، ولا يمكن مسامحته عليه، فكيف يستهين بتلك الشخصيات العظيمة التي وصلت إلى درجة رفيعة حسدهم عليها الملوك، والقضاة(٣٥)!! واعترفت الأمة بجلالتهم وعظمتهم وكمال عقلهم(٣٦)!!، أليس ما ذكره هذا الكاتب إلّا إفساد للحقائق وتمويه للعقول؟!! فكيف تسلّم - كل تلك الأموال الضخمة التي كانت تصلهم من البلاد الإسلامية التي اعترف بها الكاتب المصري نفسه(٣٧) - إليهم دون معرفة بهم، والاطلاع على أحوالهم، والوقوف على أمور غيبية عنهم؟!!. إن وصول كل تلك الأموال إليهم ليصحّح أطروحتهم، ويبين صدق مقالتهم وعظم شأنهم، ومنزلتهم الرفيعة في الأمة ولقد كان حال السفراء واضحاً عند مختلف طبقات الأمة، حيث اختبروا مرات عديدة فبان صدق مقالتهم، وحسن سيرتهم مع ما كانوا عليه من مسلك السرية والكتمان بسبب مراقبة السلطات لتحركاتهم، وبثها الجواسيس حولهم لاقتناص أخبارهم وأخبار من انتسبوا له؛ مع تلك المؤامرات وحالات الشغب التي كانت تحاك ضدهم(٣٨)، والعقائد الفاسدة لبعض العناصر في المجتمع، وقد اندفع السفراء الأربعة لمجابهة التيار المنحرف المتمثل في السلطة والمجتمع، فلم يقلل نشاطهم من شأنهم، أو يحد من سلوكهم وكانت فترة سفارتهم من أشد الفترات وأصعبها.
إننا ومن خلال النقاش العلمي السليم والوصول إلى مستوى الموضوعية في البحث بحاجة إلى الإلمام التام بجميع الأحداث التي أحاطت بهم، والظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي مروا بها، ودراسة تلك المعاناة وتجربتهم في الأمة، ومدى ارتباطهم بالأئمة وتصديق الأمة لهم ليتبين كذب مقالة تلك المدرسة الاجتماعية وافتراءات أحمد أمين حولهم.
وتدور هذه الدراسة حول محورين أساسيين:
المحور الأول:
معرفة حال هؤلاء السفراء والأهداف المرتقبة في إيجاد السفارة المهدوية، واستعراض صفاتهم ومقوماتهم في السفارة وبعض الشبهات حول السفارة.
المحور الثاني:
دراسة موضوعية للأوضاع الاجتماعية والسياسية والفكرية، وذكر بعض تراثهم الثقافي والعلمي، وبيان أطروحتهم وكيفية ارتباطهم بالأمة، وكيفية استلام التوقيعات وخروج المعجزات من قبل الأئمة (عليهم السلام) على أيديهم لبيان صدق مقولتهم، وزيف الافتراءات حولهم، ثم مناقشة التوقيع الصادر من الإمام المهدي (عليه السلام) في إغلاق باب السفارة وإعلانه عن بداية الغيبة الكبرى.

الفصل الأول: نظرة متكاملة حول سفارة الإمام المهدي (عليه السلام)

المبحث الأول: الأهداف المرتقبة من السفارة المهدوية

كان الإمام المهدي (عليه السلام) يهدف في إيعازه لبناء السفارة في الغيبة الصغرى إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: إثبات وجوده وحياته عن طريق سفرائه:
اعتمد الإمام المهدي (عليه السلام) في عمله نظاماً هرمياً خاصاً؛ أمكنه أن يرتبط من خلاله بقواعده الشعبية وفئاته الموالية؛ فكان (عليه السلام) يتصدى قمة هذا النظام ويمارس أعماله بسرية وحذر وكتمان شديد، ويصدر تعليماته وأوامره إلى سفرائه مباشرة، وقد عدّوا ركناً مهماً في هذا النظام وكانوا بمثابة أعضاء الارتباط بينه وبين وكلائه المنتشرين في سائر البلاد الإسلامية؛ ولا نعرف مدى قوة هذا الارتباط لكونه محاطاً بالغموض، ومجهولاً تماماً لدى الجميع سوى السفير نفسه الذي كان يعرف قوة هذا الارتباط وضعفه.
لقد كان تاريخ السفراء حافلاً بالآلام والمتاعب حيث المطاردة الجادة من قِبَل السلطة وجواسيسها الذين بثّتهم في كل مكان لملاحقة فلول الإمام المهدي (عليه السلام) وأتباعه، ومحاولتها القضاء على القيادة المشروعة وكل من يرتبط بها بصلة؛ ويتجلى هذا تماماً في النصوص الواردة عنهم (عليهم السلام) من حُرمة التصريح باسمه، أو الإعلان عن مكانه كما سيأتي؛ فكانت مهمة السفراء اتخاذ ايدلوجية مناسبة من الحذر والكتمان من جهة، وبذل أقصى الجهود لإقناع الرأي العام من خلال قيادتهم الأمة - بوجود الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وكونه مختفياً عن الأنظار؛ وإخراج التوقيعات والبيانات الصادرة منه (عليه السلام) لتذليل العقوبات وحلّ المشاكل الاجتماعية والفكرية والسياسية وغيرها من جهة أخرى، وقد أتاح منهج السرية والكتمان الفرص الكثيرة أمام السفراء من العمل الدقيق والمنظم تحت قيادته (عليه السلام) وهم يلحظون في هذه الايدلوجية عدة أمور هي:
الأول: خوف السلطة من العلويين، وبذلها جهوداً مكثفة لاضطهاد كبار قادتهم، والحد من نشاطهم، وقد ذكرهم أبو الفرج الاصفهاني في مقاتله.
الثاني: زرع جو من القلق والرعب وبث الإشاعات المغرضة والمسمومة من قبل السلطة، وما يترتب عليه من ردود سلبية على الأمة.
الثالث: المطاردة الجادة لفلول وقواعد الإمام (عليه السلام)، وشنّ حملات التفتيش المنتظمة وغير المنظمة لدار الإمام (عليه السلام) من خلال التسعة عشر عاماً من خلافة المعتمد العباسي والمعتضد.
الأمر الثاني: رعاية شؤون الأمة الإسلامية:
إن من أهم الوظائف الملقاة على عاتق السفراء وأخطرها هو رعاية شؤون الأمة الإسلامية من خلال تلك الظروف والعقيدات الاجتماعية والسياسية والفكرية، مع اختفاء الإمام المهدي (عليه السلام) عن المسرح العام وضرورة إقناعها بوجوده؛ وسيتضح ذلك جيداً في هذه الدراسة.
الأمر الثالث: تهيئة الأمة لاستيعاب مفهوم الغيبة الكبرى:
لقد كانت الأمة الإسلامية فترة الغيبة الصغرى بحاجة إلى شحذ للأذهان لتوعيتها مفهوم الغيبة الكبرى، وقد انصبّت استراتيجية الإمامين الهادي والعسكري (عليه السلام) على ذلك، باتباعهما مسلك الاختفاء والاحتجاب عن الأمة بلا مباغتة وسابق مقدمات، إذ لعلّ الأسلوب المفاجئ يؤدي إلى مضاعفات غير محمودة تؤدي بالمجتمع إلى إنكار وجود الإمام الهادي (عليه السلام) مطلقاً؛ وكان على الإمام المهدي أيضاً أن يضاعف في هذا المسلك ويتدرج في عمقه.
إن المتتبع للنصوص والشواهد التاريخية يرى بوضوح مدى التفاوت بين منهجية الإمام العسكري (عليه السلام) وابنه الإمام المهدي (عليه السلام)، فقد كان أصحاب الإمام العسكري أكثر بكثير من أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام)؛ وكانوا يرونه أثناء زيارته للبلاط العباسي؛ ويعرفون هيئة وقسمات وجهه، وكانت الأمة الإسلامية قد شاهدت موته؛ بعد أن ضمن المخطط الإلهي لغيبة ابنه (عليه السلام)؛ بينما لم يكن يرى الإمام المهدي (عليه السلام) سوى القليل من أصحابه، ثم تتابعت الأجيال الإسلامية في غيبته وهي لا تحمل أي فكرة عن شكله وهيئته سوى النصوص الواردة بشأنه، ولم يكن الإمام المهدي (عليه السلام) مع ذلك مختفياً بشخصه، معزولاً عن الأمة، بل كان يراهم ويرونه، ويعرفهم ولا يعرفونه، وإن ما كان واقعاً خارجاً هو: الجهل بعنوانه كإمام مهدي!! لا اختفاء جسمه كما تقول به بعض الأفكار غير المبرهنة.
المبحث الثاني: مقوّمات السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام)
قالوا: إن الرسول دليل عقل المُرسل، يمثله في شخصه وكماله، وذلك من خلال نشر أفكاره الناضجة، ونواياه الحسنة، لأن النفوس لا تتأسى إلّا بالأخلاق المرضية، ولا تتكهرب إلّا بالعلوم الناضجة، ولا تهشّ إلّا بتوطيد السياسة وإقامة العدل والدعوة إلى الدين؛ ثم يكون نبوغ هذا الرسول مجلية لرغبات الأمة، ووقوفاً على غاية المُرسل من إرساله، ولنعم ما قيل:

تخيّر رسولك إن الرسول * * * يدلّ على عقل من أرسله

لقد كان إيعاز الإمام المهدي (عليه السلام) بإيجاد السفارة يدل على الاهتمام الشديد بهذا الأمر وخطورته، ومن وقع عليه الاختيار لا يتحلّى إلّا بالصفات الكريمة المتكاملة، لقد عرف السفراء من خلال تاريخهم وتجربتهم في الأمة الإسلامية وعلى عكس ما ادعاه المفتري أحمد أمين حولهم بعمق الإخلاص وقوة التحمل والصبر على البلاء؛ قال إسماعيل بن علي النوبختي وهو من كبار علماء الكلام - واصفاً أحد السفراء: وأبو القاسم - ابن روح النوبختي - لو كان الحجة تحت ذيله، وقرّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(٣٩). واجتمع فيهم أيضاً العلم والحلم، العقل والحنكة، التجربة والخبرة بأطوار الأمة، المعرفة بطرق المحاورات وفنون الجدل، قوة الإيمان والبصيرة في الدين، وصحة العقيدة، الإحاطة التامة بمؤسسات الدين وقوانين الملّة؛ الكفاءة والدراية السياسية والعلمية فيما ندبوا إليه؛ الفطنة والدراية بمصالح الناس، المعرفة بسياسة كل طبقة على نحو لا تخالف الشريعة، وبهذه الاستراتيجية الواضحة رسم السفراء معالم الإسلام الحضارية، وأقاموا دعائمه وقدّموا الأطروحة المناسبة حول (فكرة الغيبة) ووجود الإمام المهدي (عليه السلام).
المبحث الثالث: الصيغ العملية والايدلوجية الجديدة في عمل السفراء
إن الهدف من وجود الإمامة المتمثلة بأهل البيت (عليهم السلام) هو هداية البشرية إلى السعادة الأبدية؛ فلابد من وجود إمام لكي لا تسيخ الأرض بأهلها، ولكي يحفظ الأئمة (عليهم السلام) هذا القانون الطبيعي، فإن عليهم أن يطبقوه في سلوكهم العملي والاجتماعي في جميع الفترات وعلى مختلف المستويات، حيث وضع الإمامان على - سبيل المثال - الهادي والعسكري (عليهما السلام) نظاماً تكاملياً يحفظ البشر من الضياع والانحطاط، ويؤمن سعادتها وذلك هو (نظام الوكلاء) على أسس حديثة، وكان غرضهما منه التمهيد للإمام المهدي (عليه السلام) لحفظه من الظلمة وتأمين مستلزماته؛ ثم اختاروا لهم أصحاباً كان لهم موقعاً ورصيداً اجتماعياً عالياً في الأمة؛ للقيام بمسؤولية تغيير الانحراف القائم في السلطة والمجتمع، فكان لهم دوراً هاماً في مواجهة تيار الانحراف، ورسموا أُطراً تكاملية للمجتمع، وإليك أهم نشاطاتهم في السفارة المهدوية:
أولاً - إثبات صدق سفارتهم بإقامتهم الدلائل الباهرة:
وردت النصوص والشواهد التاريخية الكثيرة عن الأئمة (عليهم السلام) من أهل البيت (عليهم السلام) بتوثيقهم السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام)، وتسالم عليها المجتمع الإسلامي، حتى بات ذلك مشهوراً عنهم من خلال التجربة التي عاشتها الأمة معهم ومن خلال ارتباطها بهم، فساعدتهم تلك المعرفة على قبول كلامهم ومقولتهم، وصحة ما انتسبوا إليه بادعائهم السفارة، وذلك بإقامتهم الدلائل والبراهين الواضحة لإزالة حالة الشك والريب في المجتمع.
لقد كان ظهور المعجزات والبينات من قبل الأئمة (عليهم السلام) والأعلام من الممكن الذي ليس بواجب عقلاً، ولا ممتنع قياساً، وقد جاءت به الأخبار بكونه منهم على التظاهر والانتشار؛ فقطع على ذلك من جهة السمع وصحيح الآثار وعليه جمهور أهل الإمامة، وأمّا من تأخر من النوبختيين فهم يوافقون في ظهور المعجزات على أيدي الأئمة (عليهم السلام) ومنهم أبو إسحاق إبراهيم بن نوبخت في ياقوته ما لفظه: وظهور المعجزات على أيدي الأئمة (عليهم السلام) جائز، ودليله قصة مريم بنت عمران، وآصف بن برخيا(٤٠). وقال العلامة في شرحه: إنه غير مستحيل ولا قبيح، فجاز إظهاره، أمّا عدم قبحه فلأن جهة القبح هو الكذب وهو منتف هنا، إذ صاحب الكرامة لا يدعي النبوة، فانتفى وجه القبح(٤١)، ومن ذهب إلى جواز صدور الكرامات من الأئمة (عليهم السلام) من مشائخ المعتزلة: أبو الحسن البصري، وابن الإخشيد ومن اتبعه وأصحاب الحديث كلهم يجوّزه لكل صالح من أهل التقوى والإيمان. وأمّا ظهور الكرامات من المنصوبين للسفارة المهدوية فإنه جائز ذلك منهم، ولا يمنع منه عقل ولا سنّة، وهو مذهب جماعة من مشايخ الإمامية؛ وإليه يذهب ابن الإخشيد من المعتزلة وأصحاب الحديث في الصالحين والأبرار، وأبو الحسن البصري ومحققو الأشعرية كالجويني والغزالي والرازي والفلاسفة المسلمين كابن سينا في الشفاء(٤٢).
لقد بذل السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام) فترة الغيبة الصغرى جهوداً مضاعفة ومكثفة لإثبات أحقيتهم في السفارة، فأقاموا الدلائل والبراهين البينة، والمعجزات التي ظهرت على أيديهم بتوجيه منه (عليه السلام) تدلّ على صحة ما انتسبوا إليه، قال النوبختي - السفير الثالث للإمام المهدي (عليه السلام) - لأحمد بن إسحاق الأشعري وهو من كبار علماء الكلام عند الشيعة: لئن أخّر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح من مكان سحيق أحبّ إليّ من أن أقول في دين الله برأيي ومن عند نفسي، بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجة صلوات الله عليه(٤٣).
ثانياً - بذل الجهود في إخفاء أمر الإمام المهدي (عليه السلام):
لقد كانت بداية فترة الغيبة الصغرى مشحونة بالتساؤلات حول وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وما يرتبط به، ومغلفة بالكتمان الشديد، لعدم وجود المصلحة في الدلالة عليه أو على مكانه، فلو كانت مصلحة في لقائه، فليس هناك بدٌّ من لقائه أو الدلالة عليه، ومع ذلك؛ فلم يكن اسم الإمام المهدي (عليه السلام) غامضاً لدى مختلف الفِرق الإسلامية؛ وإذ تطارد السلطات شخصه (عليه السلام) فهي تلحظ جانبين:
الأول: التعرّف على وقت ولادته (عليه السلام)؛ إذ مع الغفلة عن معرفة وقتها لا يمكنها بطبيعة الحال أن تجرد حملاتها ضده.
الثاني: التعرّف على شخصه باسمه، إذ بدونه لا يمكنها أن تواجه الإمام المهدي (عليه السلام) وتقاتله؛ لاحتمال أن يكون المهدي قد وُلِد أو لم يُولد، فوضوح الاسم يكسب شخصية قانونية واجتماعية معاً؛ ومع الجهل به وبشكله يكسبه غموضاً يجعل السلطة تحار في البحث عنه، ويكيّف هذا الغموض برهبة وشعور بالعجز تجاهه، ويحتمل وكما تؤكده الأحداث أن المُراد بكتم الاسم هو كتم الشخص نفسه وإخفاء ولادته عن أعدائه، وعليه فإن هناك تكليفاً واحداً بالكتمان يتعلّق بالولادة والاسم معاً باعتبارهما يعبّران عن معنى أصيل، سأل الحميري والأشعري لمحمد بن عثمان العمري - السفير الثاني للإمام المهدي (عليه السلام) - في أن يخبرهما عن اسم الإمام المهدي (عليه السلام)؛ فقال لهما: نُهيتما عن هذا(٤٤). وقال أيضاً: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك؛ ولا أقول هذا من عندي، وليس أحلل وأحرِّم؛ ولكنه عنه (عليه السلام)؛ فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد العسكري مضى ولم يخلّف ولداً، وقسّم ميراثه وأخذه من لا حقّ له، وصبر على ذلك، وهو ذا عياله يجولون وليس أحد يجسر أن يتعرّف عليهم أو ينيلهم شيئاً؛ وإذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله وأمسكوا(٤٥).
وخرج توقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) لسفيره محمد بن عثمان العمري ابتداءً ومن غير مسألة: ليخبر الذين يسألون عن الاسم إمّا السكوت والجنة، وإمّا الكلام والنار، فإنهم إن وقفوا على المكان دلّوا عليه(٤٦). وقال الإمام الهادي (عليه السلام): إنكم لا ترون شخصه، ولا يحل ذكره باسمه، فقال له الراوي للحديث: فكيف نذكره؟! قال (عليه السلام): قولوا الحجة من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم) (٤٧).
ثالثاً - إخراج التوقيعات عن الإمام المهدي (عليه السلام) في قضايا الأمة:
تناولت التوقيعات الخارجة من الإمام المهدي (عليه السلام) وبنوع من الجدية قضايا الأمة سواء ما يرتبط فيها بمستوى العلاقات الاجتماعية أو القضايا السياسية أو الفكرية، فأمّا على مستوى العلاقات الاجتماعية فقط تناولت النصوص المشاكل العائلية ومحيط الأسرة، كتيسير الشفاء لأمراض مزمنة، وطلب الولد وسؤال الدعاء لأمور هامة، واستئذان بالسفر، أو الخروج إلى الحج، أو التزويد بالأكفان والأحناط وغيرها من الأمور.
وأمّا على الصعيد السياسي، فقد تناولت النصوص تحذير السفراء والوكلاء وأصحاب الأئمة (عليهم السلام) من الوقوع في قبضة السلطات وشراكها، وكيفية استلام الأموال أو إرسالها إلى الإمام (عليه السلام) أو صرفها في مجالات سياسية ومشاريع عامة يعود نفعها على الأمة.
وأمّا على الصعيد الثقافي، فقد وردت النصوص عنه (عليه السلام) في حلّ المشاكل المزمنة المتعلقة بالمذهب، ومواجهة الهجمة الثقافية وتيار الانحراف في السلطة والمجتمع.
وهناك عدة ملاحظات حول التوقيعات:
الأمر الأول - تشابه خط الأئمة (عليهم السلام):
لقد كان معظم أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) يعرفون خطّه وكذا خط الإمام المهدي (عليه السلام)؛ حيث كان هناك تشابهاً في القلم بالغلظة والرقة فقد كتب أحمد بن إسحاق الأشعري القمي رسالة إلى الإمام العسكري (عليه السلام) أعرب فيها عن رغبته في معرفة خطه (عليه السلام) ليأمن التدليس والتزوير من قِبل بعض المشعوذين، فأجابه الإمام (عليه السلام): يا أحمد بن إسحاق، إن الخط سيختلف عليك ما بين القلم الغليظ والقلم الرقيق فلا تشكَّن(٤٨). وقال الطوسي: وهكذا كانت التوقيعات الخارجة من الإمام المهدي (عليه السلام) إلى سفرائه وخواص أبيه بالأمر والنهي والأجوبة عما يُسأل الشيعة عنه إذا احتاجوا إلى السؤال بالخط الذي كان يخرج في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (٤٩).
الأمر الثاني - كيفية استلام التوقيعات:
لم تكن طريقة استلام التوقيعات واضحة، بل وحتى اللقاءات التي دارت بين السفراء والإمام المهدي (عليه السلام)، فقد تطول المدة ثم يحصل اللقاء، روى الطوسي بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رض) فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟! قال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول لي: «اللهم أنجز ما وعدتني»(٥٠) وقال العمري أيضاً: ورأيته صلوات الله عليه متعلقاً بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول: «اللهم انتقم لي من أعدائك»(٥١).
الأمر الثالث - مدة خروج التوقيعات:
اختلفت النصوص حول مدة خروج التوقيعات الصادرة من الإمام المهدي (عليه السلام) إلى سفرائه، وكانت تخرج على أشكال عديدة:
أ - التوقيع الشفوي:
فقد كان يخرج التوقيع أحياناً شفوياً إلى السائل وإفهامه أنه من الإمام المهدي (عليه السلام)، روى الطوسي: أن رجلين دخلا على ابن روح النوبختي - السفير الثالث للإمام المهدي (عليه السلام) - ومعهما أخرس، فطلبوا منه الدعاء بالشفاء للأخرس، فأجابهم ابن روح قائلاً: إنكم أُمرتم بالخروج إلى الحائر؛ فذهبوا إليه وشفي الأخرس بمعجزة الإمام (عليه السلام) (٥٢).
ب - التوقيع بنحو الرسالة المستعجلة:
فقد خرج توقيع منه (عليه السلام) لابن روح النوبختي عام ٣١٢هـ من شهر ذي الحجة وهو في السجن في لعن ابن أبي العزاقر الشلمغاني المدعي للسفارة كذباً عن الإمام المهدي (عليه السلام) بسرعة فائقة لا تتصور والمداد رطب لم يجفّ(٥٣).
ج - التوقيع الغيبي:
ومرة يخرج التوقيع منه (عليه السلام) وقد خطر السؤال في ذهن السائل فيخبره الإمام المهدي (عليه السلام) بما في ضميره ووجدانه، ولم يكن يعرف ذلك أحد غيره، روى الطوسي توقيعاً صادراً من الإمام المهدي (عليه السلام) لسفيره محمد بن عثمان العمري جاء فيه: قال أبو الحسين الأسدي: فوالذي بعث محمداً بالحق بشيراً لقد نظرت في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي(٥٤).
د - التوقيع بعد ساعات:
ومرة كان يخرج التوقيع منه (عليه السلام) بعد ساعات قليلة من تقديم الأسئلة له (عليه السلام)؛ فقد روى الطوسي بإسناده عن الصفواني قال: وحضرت صلاة الظهر فصلينا هناك، ورجع الرسول وهو خادم أسود لمحمد بن الفضل - فقال: قال لي ابن روح النوبختي: امض، فإن الجواب يجيء، وقدمت المائدة، فنحن في الأكل، إذ ورد الجواب في تلك الورقة مكتوب بمداد عن فصل فصل(٥٥).
هـ - التوقيع بعد ثلاثة أيام:
ومرة أيضاً كان يخرج التوقيع منه (عليه السلام) بعد ثلاثة أيام من تقديم الأسئلة له؛ فقد روى الطوسي بإسناده عن علي بن الحسين بن بابويه القمي أنه قال: سألت ابن روح النوبختي بالتوسط عند الإمام (عليه السلام) ليدعو الله تعالى له في أن يرزقني ولداً، فأنهى ذلك إليه، فأخبره بعد ثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين (رحمه الله) فإنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به؛ وبعده أولاد»(٥٦).
و - التوقيع على مجموعة أسئلة:
ومرة يخرج التوقيع منه (عليه السلام) على مجموعة أسئلة عرضت عليه في ورقة واحدة، فقد روى الطوسي بإسناده عن أبي غالب الزراري قال: فحين جلسنا عند أبي جعفر، أخرج الدرج وفيه مسائل كثيرة قد أجيب في تضاعيفها(٥٧).
رابعاً - قبض الأموال وتوزيعها على الأمة:
لقد كانت الأموار الكثيرة تصل السفراء بعد استشهاد الإمام العسكري (عليه السلام) ثم توصل بعدها إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك في بداية الغيبة؛ كالأموال التي أرسلها الوفد القمي ولأول مرة إلى عثمان بن سعيد العمري في بغداد(٥٨). ثم توالت الوفود بعد ذلك وهي تحمل معها الأموال والأسئلة التي كانت تتناول موضوعات مختلفة؛ بعد أن عرفوا تنصيب العمري نائباً في أمر السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) في بغداد؛ فأمروا بحمل ما لديهم إليه وأخذ الأجوبة والتعليمات منه، وكانت الوصولات تسلّم لأرباب الأموال مرفقة بالدعاء في بداية الغيبة، ولكنه انقطع التسليم بعد التسالم على السفارة وصحتها عنهم، وصعوبة الوقت، والسيف يقطر دماً في خلافة المعتضد.
أمّا طريقة التسليم لهذه الأموال إلى السفراء، فقد كان يتم بشكل عادي دون غموض أو شك يتوجههم، حيث كانوا يأمرون أرباب الأموال بالذهاب إلى المكان الفلاني ليسلموا ما عندهم بلا قبوضات تعطى لهم، أو توضع في جراب السمن وزقاقه ويحمله السفراء تغطية لأمرهم وخوفاً(٥٩)، وكان الإمام المهدي (عليه السلام) في كل ذلك جادّاً في مطالبة السفراء بتلك الأموال وغيرها من الأمور، وتوصيتهم بصرفها في وجوهها الصحيحة، وقد بيّن طريقة الصرف لهم لهذه الأموال في النصوص(٦٠)؛ فكان السفير مثلاً يتاجر بها ليفوّت الفرصة على السلطة وجواسيسها.
المبحث الرابع: تساؤلات على طاولة البحث حو السفارة
السؤال الأول: لماذا لم يختر الإمام المهدي (عليه السلام) سُفراءه من العلويين؟
يلحظ من خلال دراسة التاريخ وخاصة تاريخ العلويين أنهم كانوا الصوت المرهب للدولة الأموية والعباسية معاً، وكان شعارهم: الثورة على الظلم والدعوة للرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مما كان سبباً في مواجهتها لهم؛ فعاملتهم الدولتان بأقسى ما يعامل به أعداء الدين، وأوقعت فيهم المجازر البشعة ولا يكاد يجف دم حتى يسيل آخر، وتفننتا في إبادتهم، فقتل وصلب وإحراق وتذرية وإماتة بطيئة وزجّ في زنزانات التعذيب والتشريد الجماعي، وقد ذكر الأصفهاني في مقاتله عن هذا الشيء الكثير.
لقد كان هدف الإمام (عليه السلام) في إيجاد السفارة هو استيفاء أكبر هدف اجتماعي يعود بالنفع على الأمة الإسلامية، ولا يكون تصدي العلويين لهذا المنصب المهم سوى تعطيلاً للحدود الإلهية والمصالح العامة المرتقبة في الغيبة، باعتبار تلك النظرة السلبية من قبل السلطات تجاههم، وهذه النظرة منتفية في غيرهم؛ فهي لا يمكنها أن تشدد الرقابة، وتفرق الجواسيس حول كل فرد من أفراد المجتمع لمعرفة من يعارضها، والسفراء مهما كانوا مقربين من الأئمة وسائرين في خطّهم، فبإمكانهم التغطية على أمرهم، والحذر والكتمان بالقول والفعل حسب ما يرونه مناسباً وموافقاً للظروف والأوضاع السائدة آنذاك؛ فحريّ بنا أن نتساءل: ما هو الدافع الذي يجعل الإمام المهدي يختار السفراء من العلويين دون غيرهم؟! خاصة وأن الإمام كان قد امتلك أصحاباً بلغوا الذروة القصوى في الإيمان وقوة الإرادة والعزيمة والتخصص العالي في مختلف المجالات والعلوم، وهم معروفون بأسمائهم وأنسابهم، وقد تربوا في مدرسة الإمامين العسكريين والإمام المهدي (عليه السلام) وتخرجوا من تلك المدرسة، إن مطالعة تاريخ السفراء الأربعة ودراسة أحوالهم نراهم المُثل الأوفى والأمثل في هذا المجال والأكثر تسلطاً من غيرهم كما مرّ ذكر ذلك، وقد حازوا على جلالة في الأمة لا نظير لها، وكانوا من معتمدي الأئمة (عليهم السلام) ومقربيهم، حيث استطاعوا بلياقتهم إقناع الرأي العام بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) وبيانهم أهداف الغيبة، وهذا ما كان يتوخاه الإمام المهدي (عليه السلام) في أمر السفارة.
السؤال الثاني: لماذا اختار الإمام المهدي (عليه السلام) بغداد لسفارته؟
قبل الخوض في بيان أسباب اختيار الإمام المهدي (عليه السلام) بغداد محلاً لسفارته نشير إلى بعض المشاهد التاريخية حول سامراء محل ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وسبب تركه لها.
أشارت النصوص التاريخية إلى أن سامراء كانت أكثر من نصف قرن عاصمة الخلافة العباسية، وأصبحت زهرة البلدان ودرة التيجان، لا أجمل ولا أعظم ولا آنس ملكاً منها(٦١)، لكنها تحولت إلى خراب بمجرد انتقال الخلافة العباسية عنها إلى بغداد، فغار نبعها دفعة واحدة ولم يبقَ منها سوى موضع غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) وقبر أبيه وجده ومحلّة أخرى بعيدة تسمى كرخ سامراء، وسائر ذلك خراب يستوحش الناظر إليه(٦٢). وتعاقب في تلك الفترة ثمانية من خلفاء بني العباس على سامراء ابتداء بالمعتصم حيث انتقل إليها عام ٢٢٧هـ، وبويع بعده للواثق حتى عام ٢٣٢هـ، ومن ثم المتوكل حتى عام ٢٤٧هـ حيث قتله الأتراك بعد ليلة حمراء زاخرة باللهو والشراب(٦٣)، وبويع للمنتصر وبقي ستة أشهر ويومين في الخلافة(٦٤)؛ ثم جاء بعده المستعين عام ٢٤٨هـ حتى خلع نفسه عام ٢٥٣هـ وجلس مكانه المعتز بالله(٦٥)، ثم خلعه الأتراك عام ٢٥٦هـ وبايعوا المعتمد حتى عام ٢٧٩هـ وبعده نصبوا المعتضد في بغداد وبه كانت نهاية العاصمة سامراء.
اشتهر هؤلاء الخلفاء باللهو والخمر والمنادمة ما عدا المهتدي حيث كان أحسنهم مذهباً وأجملهم طريقة، وقد كان في بني العباس كعمر بن عبد العزيز في بني أمية(٦٦)، ويعود سبب بناء المعتصم مدينة سامراء إلى أنه رأى ازدحام الموالي في جيشه وقواده، وكذا ازدحام الأتراك والمغاربة والفراعنة في العاصمة بغداد، وتعرضهم إلى الأهالي بالأذى وعدم عنايتهم بالسلوك الحميد تجاه الناس، قرر بناء سامراء ثم نقل الخلافة والجيش إليها، وانتقل إليها بالفعل عام ٢٢٠ه(٦٧).
وأمّا الخصوصيات التي اشتهر بها الخلفاء، فقد ذكر أن بعضهم اشتهر بالقوة والبعض الآخر بالضعف؛ فاستقل القواد في العاصمة سامراء، وسيطروا على دفة الحوادث ومجريات الأمور، واستولوا على مركز الخلافة وصاروا يزعجون الخليفة، فمرة يشغبون عليه وأخرى يقتلونه، وثالثة ينصبون غيره، وذاق هؤلاء الخلفاء الثمانية الأمرَّين، حتى خرج المعتمد من سامراء عام ٢٧٩هـ إلى حيث مات(٦٨)، واستهل خلفه المعتضد ببغداد في العام نفسه(٦٩).
وأمّا الحوادث العامة التي شهدتها سامراء منذ بنائها وإلى أفول الخلافة عنها أيام المعتضد سواء على الصعيد السياسي أو الثقافي أو الاجتماعي، منها: استيلاء الأتراك والموالي على دفة الحكم والسياسة العليا في العاصمة سامراء، والعمال والأمراء على الأطراف، وعزل الخليفة جزئياً أو كلياً عن النظر في شؤون الدولة، ومن هؤلاء: بغا الكبير وابنه موسى وأخوه محمد وكيغلغ وبابكيال وأسارتكين وسيماء الطويل وياركوج وطبايغو واذكوتكين وبغا الصغير ووصيف التركي وغيرهم، وهذان الأخيران كانا قد تفردا بالأمور حتى قيل فيهما:

خليفة في قفص * * * بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له * * * كما تقول الببغا(٧٠)

ومنها: الحروب والمناوشات الداخلية في العاصمة سامراء بسبب ضعف الخلافة، وفي أطرافها بين الولاة والأمراء؛ فكانت المدن الإسلامية تستقبل بين فترة وأخرى وجهاً جديداً يحكمها ويدبر أمورها ويجبي خراجها.
ومنها: ظهور الخوارج وصاحب الزنج فترة خلافة المهتدي والمعتمد؛ حيث قتل الآلاف من النفوس البريئة، وهتكت الأعراض وأحرقت عشرات المدن، وصاحب الزنج هو علي بن محمد الثائر في البصرة عام ٢٥٥ه(٧١)، وقد زعم أنه علوي يتصل نسبه بالإمام السجاد (عليه السلام) من ابنه زيد (عليه السلام)، واستمر هذا الرجل يعبث بمقدرات الأمة، ويعيث في الأرض فساداً مدة خمسة عشر عاماً إلى أن قتل ٢٧٠هـ.
ومنها: ظهور ثورات علوية كثيرة في سامراء وأطرافها، وهي تدعو كلها للرضا من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، حتى بلغ عددهم تلك الفترة ما يزيد على ثمانية عشر ثائراً.
وعلى كل حال، فإن استعراض تلك الحوادث واستقصاؤها يدل بوضوح على معرفة سبب اختيار الإمام المهدي (عليه السلام) بغداد عاصمة له فترة الغيبة ونذكر أهمها:
أولاً - البعد عن الرقابة:
استطاع الإمام المهدي (عليه السلام) باختياره بغداد كسر طوق الحصار الذي فرضته السلطات الحاكمة على تحركاته، وضمن وبشكل أفضل ممارسة عمله ولو بحرية نسبية عما كان في سامراء، فهو (عليه السلام) بعيد عن عيون السلطة وجواسيسها وملاحقاتها له ولأصحابه.
ثانياً - إرسال بياناته إلى الأمة الإسلامية:
لم يكن التفاف الأمة يشكّل خطراً على الإمام المهدي (عليه السلام) بقدر ما كان في سامراء، وكان في اختياره بغداد حفاظاً على أصحابه من الوقوع في قبضة السلطات، والدفاع عنهم إن تطلّب ذلك، مضافاً إلى قدرته البالغة في إرسال أكبر عدد من النداءات والبيانات إلى سُفرائه لإيصالها إلى الأمة الإسلامية وحل مشكلاتها.
ثالثاً - تطبيقه مسلك الاحتجاب وتتميمه بأعلى مستواه:
رابعاً - موقع بغداد.. السياسي والجغرافي:
لقد تمتعت بغداد بموقع سياسي وجغرافي لا نظير له آنذاك، حيث صيّرها مرمّى لأنظار المفكرين والفلاسفة والأدباء وغيرهم في مختلف العلوم، وكانت تعقد فيها الندوات الفكرية والثقافية للحوار في أمور العقيدة والحياة، وصارت ملتقى للأفكار الناضجة والمتفتحة في العالم الإسلامي.
ولم تتحدث النصوص الإسلامية عن بقاء السفراء في بغداد مدة سفارتهم، بل كانوا يخرجون بين الحين والآخر منها إلى الأطراف للقيام بعمل تجاري أو إنجاز مشروع عام أو أداء فريضة الحج ثم استلام النداءات من الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد حصلت لقاءات منهم للإمام المهدي (عليه السلام) في بيت الله الحرام لمرات عديدة(٧٢).
وقد كانت بغداد بعيدة عن ساحة الصراع السياسي القائم بين الخلفاء والأمراء، والمناوشات الداخلية بين الطوائف والمذاهب الأخرى، وحتى عن الهجوم الأجنبي الذي كان يهدد العاصمة سامراء بين الحين والآخر.
السؤال الثالث: ما هو الهدف من اختيار الوكلاء في أمر السفارة؟
ذكر المامقاني في تنقيحه أن للحجة (عليه السلام) وكلاء غير السفراء الأربعة، وكان تخصيص هؤلاء الأربعة إمّا لأن غيرهم من الوكلاء يرجعون إليهم فلا يأمرون ولا يؤمرون إلّا بوساطتهم؛ أو لأنهم كانوا وكلاء عموماً وغيرهم في الجزئيات(٧٣)، وكان هؤلاء الوكلاء أقواماً ثقات ترد عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل(٧٤). وانحرف جماعة من هؤلاء الوكلاء بعد أن كانوا صالحين أول أمرهم وسنذكرهم من خلال هذا البحث، وخرجت توقيعات منه (عليه السلام) في لعن هؤلاء الوكلاء والبراءة منهم بعد خدمتهم وطول صحبتهم فأبدلهم الله سبحانه بالإيمان كفراً حين فعلوا ما فعلوا؛ فعاجلهم الله بالنقمة ولم يمهلهم؛ وكان سبب هذا الانحراف والموقف المعادي للإمام (عليه السلام) مع مشاهدتهم المعجزات والكرامات الواضحة والبراهين القوية منه (عليه السلام) هو الحسد والبغض لأهل البيت (عليهم السلام)، وطمعهم في الحصول على الأرباح والرئاسة على الناس.
أمّا الهدف من اختيار الوكلاء في أمر السفارة فملخصه:
أولاً: تسهيل أمر السفراء وتوسعة عملهم:
لقد عاش السفراء في سفارتهم ظروفاً قاسية وصعبة لصعوبة الزمان والسيف يقطر دماً آنذاك، وقد صعب عليهم التحرك والاتصال بالقواعد الشعبية في البلاد الإسلامية؛ ويعود سبب ذلك إلى الحالة التي أوجدتها السلطة من مطاردة قواعد الإمام وملاحقة قادتها، ونشر حالة من الخوف والرعب في صفوف المعارضة، وظهور الفرق المنحرفة التي لعبت دوراً خطيراً في عملية الانحراف، وظهور حركات الزندقة والغلاة بين فصائل الأمة، وضعف الوعي السياسي والفكري في أوساط الأمة.
ثانياً: نظام الوكلاء ساهم في إخفاء عمل السفراء:
إن فكرة اعتماد هذا النظام كان قد ساهم في إضفاء طابع الكتمان والسرية على اسم السفير وشخصه، لأن الفرد المنتمي إلى القواعد الشعبية الموالية للإمام (عليه السلام) غاية ما يمكنه هو الاتصال بأحد الوكلاء دون إرادة معرفة اسم السفير أو نوع عمله ومكانه، وكان هؤلاء يدرجون المسائل الفقهية والعقائدية أو الاجتماعية أو السياسية فيرسلوها إلى السفراء. وقد ذكر الصدوق اثني عشر وكيلاً كانوا قد وقفوا على معجزات الإمام (عليه السلام) (٧٥).
وأسماؤهم هي:
الأول: حاجز الوشاء:
وهو حاجز بن يزيد الوشاء(٧٦)؛ كان وكيلاً عن الإمام المهدي (عليه السلام)؛ يستلم الأموال من أربابها والأسئلة فيوصلها إلى السفراء. سكن بغداد، وأوصل توقيعات الإمام (عليه السلام) لمواليه؛ روى المفيد بإسناده عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز، فجمعت شيئاً ثم صرت إلى العسكر - أي سامراء - فخرج إليّ: ليس فينا شك، ولا فيمن يقوم مقامنا بأمرنا؛ تردّ ما معك إلى حاجز بن يزيد(٧٧). وروى الكليني بإسناده عن محمد بن الحسن الكاتب المروزي قال: وجهت إلى حاجز الوشاء مائتي دينار وكتبت إلى الغريم - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - بذلك، فخرج الوصول، وذكر أنه كان قبلي ألف دينار وأني وجهت إليه مائتي دينار؛ وقال: إن أردت أن تعامل أحداً فعليك بأبي الحسين الأسدي بالري، فورد الخبر بوفاة حاجز (رض) بعد يومين أو ثلاثة، فأعلمته بموته فاغتمّ، فقلت: لا تغتمّ؛ فإن لك في التوقيع إليك دلالتين: إعلامه إيّاك أن المال ألف دينار؛ والثانية: أمره إياك بمعاملة أبي الحسين الأسدي لعلمه بموت حاجز(٧٨). وليس لدينا الكثير من النصوص حول هذا الوكيل وكيفية ارتباطه بالسفراء واستلامه التوقيعات منهم.
الثاني: أبو طاهر محمد بن علي بن بلال:
وكان وكيلاً صالحاً أمره، ثم انحرف وفسد حاله بعد ذلك، فقد عدّه ابن طاووس من الوكلاء المعروفين في الغيبة الصغرى، الذين لا يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن العسكري فيهم، وعبّر عنه الإمام المهدي (عليه السلام) في بعض توقيعاته: بأنه الثقة المأمون العارف بما يجب عليه(٧٩)، وذكره الصدوق في قائمة الوكلاء(٨٠)، لكن الشيخ الطوسي ذكره في عداد المذمومين وروى فيه أحاديث تدلّ على انحرافه آخر عمره(٨١).
الثالث: العطار:
وهذا اللقب مشترك بين جماعة لم يذكر التاريخ عن أحدهم أنه كان موسوماً بالوكالة، وهؤلاء هم: محمد بن يحيى العطار وابنه أحمد، وإبراهيم بن خالد العطار، وعلي بن عبد الله أبو الحسن العطار... وغيرهم، وما ذكره الصدوق بلقب العطار لعلّه واحداً من هؤلاء المذكورين أو غيرهم؛ وقد انفردت بذكره رواية الصدوق وحدها لا غير بلا معارض(٨٢).
الرابع: العاصمي:
وهذا اللقب مشترك أيضاً بين عيسى بن جعفر بن عاصم الذي دعا له الإمام الهادي (عليه السلام) (٨٣)، وأحمد بن محمد بن أحمد بن طلحة أبو عبد الله، يُقال له العاصمي كان ثقة في الحديث، سالماً خيراً، أصله كوفي، وسكن بغداد، روى عن الشيوخ الكوفيين، وله كتب منها: كتاب النجوم ومواليد الأئمة وغيرهما(٨٤) وكلاهما لم يوسم بالوكالة، ولم يعلم معاصرته للغيبة، فتبقى رواية الصدوق وحدها بلا معارض(٨٥).
الخامس: الأهوازي:
وهو محمد بن إبراهيم بن محمد، عدّه ابن طاووس من الوكلاء والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) فيهم، خرج من الإمام المهدي (عليه السلام) توقيعاً جاء فيه: قد أقمناك مقام أبيك؛ فاحمد الله(٨٦)، وقد روى المفيد فيه قوله: فإن وضّح لي شيء كوضوحه في أيام أبي، أنفذته، وإلّا أنفقته في ملاذي وشهواتي(٨٧)، وأضاف الطبرسي قوله: وإلّا قصفت به(٨٨)، وهذا الروايتان تنافيان جلالة قدره وتنصيبه وكيلاً بعد أبيه.
السادس: القمي الأشعري:
وهو أبو علي أحمد بن إسحاق بن سعد، وافد القميين، روى عن الإمامين الجواد والهادي (عليهما السلام)، وكان من خاصة أبي محمد العسكري (عليه السلام) (٨٩)، له كتب منها كتاب (علل الصلاة) كبير، ومسائل الرجال لأبي الحسن الثالث (عليه السلام) (٩٠)، عاش بعد وفاة أبي محمد العسكري (عليه السلام)، روى الطوسي قول الإمام الهادي (عليه السلام) فيه: بأنه ثقة؛ وعرض الإمام العسكري (عليه السلام) ولده الإمام المهدي (عليه السلام) عليه، بعد أن بشّره بالولادة أيضاً، قال (عليه السلام) له: وُلِدَ لنا مولود، فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نظهر عليه إلّا لقرابته، والمولى لولايته، أحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرّنا به والسلام(٩١).
السابع: الهمداني:
وهو محمد بن صالح بن محمد الهمداني الدهقان، كان من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) ووكيلاً عن الإمام المهدي (عليه السلام) (٩٢)، خرج توقيع منه (عليه السلام) لإسحاق بن إسماعيل قائلاً: فإذا وردت بغداد؛ فاقرأه على الدهقان وكيلنا وثقتنا والذي يقبض من موالينا(٩٣). ولكنه غلا في آخر عمره وصار منحرفاً(٩٤)، وخرج توقيع منه (عليه السلام) جاء فيه: وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله، وخدمته وطول صحبته؛ فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله(٩٥)، ويحتمل أن يكون المراد بالدهقان عروة بن يحيى.. والله العالم.
الثامن: الشامي:
وهو غير معروف النسب، كان من أهل الري، ومن وكلاء المهدي (عليه السلام) برواية الصدوق(٩٦)، ولم يرد عنه شيئاً من أمره في النصوص.
التاسع: الرازي الأسدي:
وهو محمد بن جعفر الأسدي الرازي، كنيته: أبو الحسين، له كتاب الرد على أهل الاستطاعة(٩٧)، أصله كوفي وسكن بالري، كان ثقة صحيح الحديث(٩٨)، ذكره الطوسي مع الثقات الذين وردت عليهم التوقيعات من قبل المنصوبين للسفارة من الأصل، روى بإسناده عن صالح بن أبي صالح قال: سألني بعض الناس في سنة تسعين ومائتين قبض شيء فامتنعت من ذلك، وكتبت استطلع الرأي، فأتاني الجواب: بالريّ محمد بن جعفر العربي، فليدفع إليه؛ فإنه من ثقاتنا(٩٩)؛ وقد ذكر تنصيبه (عليهم السلام) له بعد وفاة حاجز بن يزيد الوشاء(١٠٠)؛ وقوله في جواب أبي جعفر محمد بن علي بن نوبخت: الأسدي، نعم العديل فإنه قدم، فلا تختر عليه، قال: فقدم الأسدي، فعادلته(١٠١). مات الأسدي على ظاهر العدالة، لم يتغيّر، ولم يطعن فيه في شهر ربيع الآخر سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة(١٠٢)، وهذا أنسب بحاله مما ذكره النجاشي عنه من كونه يروي عن الضعفاء، وأنه كان يقول بالجبر والتشبيه؛ وما ذكره أنه مات ليلة الخميس لعشر خلون من جمادى الأولى سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة(١٠٣).
العاشر: القاسم بن العلاء:
وهو من آذربيجان، عدّه ابن طاووس من الوكلاء للإمام المهدي (عليه السلام) (١٠٤)، ويكنى بأبي محمد(١٠٥)؛ روي عنه أنه قال: وُلِد لي عدة بنين، فكنت أكتب إلى الناحية المقدسة (عليه السلام) وأسأل الدعاء لهم، فلا يكتب إليّ بشيء من أمرهم فماتوا كلهم: فلما وُلِدَ لي الحسين ابني كتبت أسأل الدعاء وأجبت، وبقي والحمد لله(١٠٦)، عمّر القاسم بن العلاء مائة وسبع عشرة سنة، منها ثلاثون سنة صحيح العينين، لقي الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وأصيب بالعمى بعد الثمانين وكان مقيماً بمدينة الران من أرض آذربيجان، وكان لا تنقطع توقيعات مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) على أيدي أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، وبعده على يدي أبي القاسم بن روح قدس الله روحيهما(١٠٧). وقد أورد الطوسي والراوندي حديثاً طويلاً يشتمل على كرامات الإمام المهدي (عليه السلام) وهي تدل على جلالة هذا الرجل، وخرجت توقيعات منه إلى القاسم بن العلاء في لعن بعض المنحرفين كأحمد بن هلال وغيره(١٠٨).
الحادي عشر: النعيمي النيشابوري:
وهو محمد بن شاذان، عدّه ابن طاووس من وكلاء الناحية، وممن وقف على معجزات صاحب الزمان (عليه السلام) ورآه(١٠٩)، وقد أخرج الصدوق حديثاً طويلاً عن كيفية اجتماعه بالإمام (عليه السلام)، ولكن يظهر من تشويش العبارة أنه ليس محمد بن شاذان، بل غانم أبو سعيد الهندي الذي كان جديد العهد بالإسلام، وباحثاً عن الحقيقة والله العالم. خرج في ابن شاذان توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام) يقول فيه: وأمّا محمد بن شاذان بن نعيم، فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت (عليهم السلام) (١١٠).
هذه مجموعة من أسماء الوكلاء، وهناك آخرون غيرهم أمثال: إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، والبزوفري، والهمداني إبراهيم بن محمد، وابن روح النوبختي، وعثمان بن سعيد وابنه والسمري، وأحمد بن اليسع بن عبد الله القمي، وأيوب بن نوح بن دراج النخعي، والشلمغاني وغيرهم(١١١).
لقد كانت الوكالة نافذة المفعول بداية الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عليه السلام) كما يظهر من بعض الأخبار، وقد صدّ الإمام المهدي (عليه السلام) هجوماً عنيفاً على وكلائه للتعرف عليهم ومن ثم معرفة الإمام (عليه السلام)، حيث احتال الوزير عبد الله بن سليمان وزير المعتضد عام ٣٧٩هـ للقبض على الوكلاء بحيلة اخترعها(١١٢)، وسيأتي في البحث دور بعض الوكلاء الذين ادعوا السفارة أو الوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام)، أو انحرفوا عن الإمام (عليه السلام) ومدى تأثيرهم في المجتمع على بعض النفوس الضعيفة، وكيفية تزييفهم الحقائق.
لقد كان بعض هؤلاء السفراء الأربعة وكلاء عن الإمام المهدي (عليه السلام) بداية أمرهم، ولم ترد نصوص عن بيان كيفية عملهم كوكلاء قبل استلامهم السفارة.

الفصل الثاني: دراسة موضوعية للسفارة ودور السفراء في ترسيخ مفهوم الغيبة
المدخل: آراء العلماء حو السفراء

وإن في الصغرى له نوابا * * * موثقين عنده أبوابا
عدتهم أربعة منصوصة * * * منهم وهم نوابه المخصوصة
ابن سعيد اسمه عثمان * * * عدل زكي ثقة أمان
ثم ابنه من بعده محمد * * * العالم الكامل والمسدد
وبعده ابن روح الحسين * * * شيخ جليل ثقة وعين
وبعده السمري وهو بو الحسن * * * ابن محمد علي المؤتمن
كانوا له وسائط في الشيعة * * * ليوصلوا اليهموا توقيعه(١١٣)

ونكتفي هنا بذكر بعض أقوال العلماء المتقدمين حول السفراء الأربعة للإمام المهدي (عليه السلام)... فقد ذكر المفيد والطوسي بأن جماعة من أصحاب أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) شاهدوا خلفه في حياته، وكانوا أصحابه وخاصته بعد وفاته والوسائط بينه وبين شيعته دهراً طويلاً في استتاره؛ ينقلون إليه معالم دينهم، ويخرجون إليهم أجوبة مسائلهم، ويقبضون منهم حقوقهم لدينهم، وهم جماعة كان الحسن بن علي (عليه السلام) عدلهم في حياته، واختصهم أمناء لهم في وقته، وجعل إليهم النظر في أملاكه والقيام بمآربه، معروفون بأسمائهم وأنسابهم وأمثالهم، كأبي عمرو عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمد بن عثمان وبني نوبخت ببغداد ومنهم الحسين بن روح النوبختي والسمري - وبني مهزيار في الأهواز وجماعة من أهل قزوين وقم وغيرهما من الجبال، وبني الركولي بالكوفة، مشهورون بذلك عند الإمامية والزيدية، معروفون بالإشارة إليه عند كثير من العامة، وكانوا أهل عقل وأمانة وثقة ودراية، وفهم وتحصيل ونباهة، وكان السلطان يعظم أقدارهم بجلالة محلهم في الدنيا، ويكرمهم لظاهر أمانتهم واشتهار عدالتهم، حتى أنه كان يدفع ما يضيفوه إليهم خصومهم من أمر آمرهم ظناً بهم، واعتقاد البطلان من قذفهم، وذلك لما كان من شدة تحرزهم وستر حالهم، واعتقادهم وجودة آرائهم وصواب معتقدهم(١١٤).
أمّا الصدوق فقد وصفهم قائلاً: إن الإمام العسكري (عليه السلام) كان قد خلّف جماعة من ثقاته ممن يؤدي عنه الحلال والحرام، ويؤدي إليه كتب الشيعة وأموالهم، ويخرجون الجوابات، وكانوا بموضع من الستر والعدالة بتعديلهم إياه في حياته، وكانت كتب ابنه الإمام المهدي (عليه السلام) بعده تخرج إلى الشيعة بالأمر والنهي على أيدي رجال أبيه الثقات أكثر من عشرين عاماً، ثم انقطعت الكتابة ومضى أكثر رجال الحسن العسكري (عليه السلام) الذين كانوا شهدوا بأمر الإمام (عليه السلام) بعده، وبقي منهم رجل واحد قد أجمعوا على عدالته وثقته، فأمر الناس بالكتمان وأن لا يذيعوا شيئاً من أمر الإمام (عليه السلام)، وانقطعت المكاتبة(١١٥).
وقال الطبرسي مادحاً لهم بقوله: ولم يقم من السفراء أحد إلّا بنص عليه من قبل صاحب الأمر (عليه السلام) ونصب صاحبه الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل واحد منهم من قبل صاحب الأمر (عليه السلام) تدل على صدق مقالتهم وصحة بابيّتهم(١١٦).
وذكرهم النعماني أيضاً قائلاً: إن الغيبة الأولى هي الغيبة التي كان السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام) وبين الخلق، قياماً منصوبين، ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان يخرج إليهم غوامض العلم، وعويص الحكم والأجوبة عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات، والسفير هو العلم(١١٧).
وأثنى عليهم أبو الصلاح الحلبي قائلاً: إنه معلوم لكل سامع للأخبار تعديل أبي محمد الحسن بن علي (عليه السلام) جماعة من أصحابه، وجعلهم سفراء بينه وبين أوليائهم، والأمناء على قبض الأخماس والأنفال، وشهادته بإيمانهم وصدقهم فيما يؤدونه منه إلى شيعته، وأن هذه الجماعة شهدت بمولد الحجة ابن الحسن (عليه السلام) وأخبرت بالنص عليه من أبيه (عليه السلام)، وقطعت بإمامته وكونه الحجة المأمول للانتصار من الظالمين، فكان ذلك منهم نائباً مناب نص أبيه (عليه السلام) لو كان مفقوداً - والجماعة المذكورة: أبو هاشم داوود بن القاسم الجعفري ومحمد بن بلال وأبو عمر وعثمان بن سعيد السمان وابنه أبو جعفر محمد بن عثمان رضي الله عنهم(١١٨)..
لقد فاق هؤلاء السفراء الأربعة جميع أصحاب الأئمة (عليهم السلام) - كما يظهر من كلمات العلماء - مرتبة وفضلاً، وفازوا بالنيابة عن الإمام (عليه السلام) وسفارته، وكانوا الواسطة بينه وبين الرعية خلال سبعين عاماً، وجرى على أيديهم كرامات كثيرة وخوارق لا تحصى، وغير خفي أنهم في مماتهم أيضاً وسائط(١١٩)، فمن اللازم أن يبلغوا الإمام (عليه السلام) ما يكتب في الحاجات والشدائد من الرقاع عن طريقهم وبوسيلتهم، فإن عظيم فضلهم ومنزلتهم مما لا يحدّه البيان.
وهنا أربعة أبواب:

الباب الأول: السفير الأول للإمام المهدي (عليه السلام) عثمان بن سعيد العمري

المبحث الأول: عثمان بن سعيد العمري في الميزان

عثمان العمري هو الوكيل * * * ابن سعيد ثقة جليل(١٢٠)

وهو عثمان بن سعيد العمري أو المعموري، كنيته: أبو عمرو، وألقابه عديدة منها: السمان، الزيات، العسكري، الأسدي، العمروي، أو العمري، وغيرها؛ وكان العمري أشهرها نسبة إلى جده عمرو، ويلقب أيضاً بالأسدي(١٢١)؛ وإنما سميَ العمري لأن الإمام العسكري (عليه السلام) قال: لا يجمع على امرئ بين عثمان وأبي عمرو، وأمر (عليه السلام) بكسر كنيته فقيل العمري(١٢٢)، وقيل إنه لُقّب به نسبة إلى أُمه التي يعود نسبها إلى عمر الأطراف ابن أمير المؤمنين(١٢٣) (عليه السلام)، وأما السمعاني فقد ضبطه وقال: العمري - بفتح العين وسكون الميم وكسر الراء - نسبة إلى بني عمرو وبن عامر بن ربيعة وعمر بن حريث وغيرهما(١٢٤)، وقبل إنه من ولد عمار بن ياسر(١٢٥).
أما تسميته بالعسكري فلكونه من عسكر سامراء كما ذكره الطوسي(١٢٦)؛ وأما تلقيبه بالسمان والزيات؛ فلأنه كان يتّجر في السمن تغطية على الأمر؛ وكان الشيعة إذا حملوا لأبي محمد العسكري (عليه السلام) ما يجب عليهم حمله من الأموال؛ أنقذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن وزقاقه ويحمله إلى أبي محمد العسكري (عليه السلام) تقية وخوفاً(١٢٧).
ولم تشر النصوص التاريخية إلى أُسرته ووضعه العائلي والاجتماعي سوى أن له ابناً اسمه (محمد) كان قد تصدى لمنصب السفارة بعد أبيه، وأن له ابناً آخر اسمه أحمد، ولا نعرف عنه شيئاً سوى أن لهذا ابناً أيضاً كان اسمه (محمد) وقد انحرف عن مذهب الأئمة (عليه السلام) فترة سفارة عمه أبي جعفر العمري وخرج توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام) في لعنه والبراءة منه(١٢٨).
لقد حظي عثمان بن سعيد العمري بمرتبة عالية ودرجة رفيعة عند الإمام الهادي (عليه السلام) في سامراء؛ قال الطوسي: فأما السفراء الممدوحون في زمان الغيبة فأولهم من نصبه أبو الحسن علي بن محمد الهادي وأبو محمد الحسن بن علي ابنه(١٢٩)، وكان قد خدم الهادي (عليه السلام) وله أحد عشر عاماً؛ وكان له إليه عهد معروف، وقد سلط الإمام (عليه السلام) الأضواء عليه وأوصى الشيعة به في كثير من مجالسه؛ حتى قال (عليه السلام) في يوم للشيعة: ما قاله لكم فعنّي بقوله؛ وما أداه لكم فعنّي يؤديه(١٣٠)؛ حتى كان عموم الناس يقصدونه في حوائجهم من كل بلد(١٣١)، فيخرج لهم ما احتاجوه أن يسألوه من صاحب الأمر بالأمر والنهي(١٣٢).
أثنى عليه علماء الفريقين مع بقية السفراء؛ فقد ذكر ابن طاووس ان نصر بن علي الجهضمي وهو من أبناء العامة - ذكر حال هؤلاء الوكلاء والسفراء وأسماءهم، وأنهم كانوا وكلاء المهدي (عليه السلام) وقال: إن أمرهم أشهر من أن يحتاج إلى الاطالة(١٣٣)، وذكره الكيدري أيضاً في بصائره، وابن الأثير في الكامل(١٣٤)، وأبو الفداء في المختصر(١٣٥)، واليافعي في المرآة(١٣٦)، وابن مسكويه في تجارب الأمم(١٣٧)، ورضا كحالة في معجمه(١٣٨)؛ والذهبي في سير أعلام النبلاء(١٣٩)، والصفدي في الوافي(١٤٠)، وغيرهم(١٤١) حال هذا السفير وحسن سيرته وأثنوا عليه، وهو يكذب ادعاء أحمد أمين المصري حول هؤلاء السفراء والتي تدور هذه الدراسة حول هذا الموضوع.
أما علماء الشيعة فقد أجمعوا عليه قديماً وحديثاً، وقد ذكرنا بعض النصوص الواردة عن قدامى العلماء حولهم، أما المتأخرون منهم، فقد أثنوا عليه قاطبة أيضاً؛ قال السيد الصدر بعد ترجمته، هو الشيخ الرباني الوحيد الذي ليس له ثان في المعارف والأخلاق والفقه والأحكام، شيخ الشريعة على الإطلاق؛ وصاحب الكرامات والدلالات(١٤٢)، وقال القمي، هو أول النواب الأربعة، ورد في شأنه من الجلالة والعدالة والأمانة أكثر من أن يذكر وهو أجل من أن يصفه مثلي(١٤٣)، وقال البهائي: إن عثمان بن سعيد ثقة وجليل القدر(١٤٤).
لقد انفردت الشيعة الإمامية بفكرة السفارة من بين فرق الشيعة كما قال النوبختي في فرقه: وانفردت الإمامية وسلكت وحدها سبيل الإمامة، واتبعوا المنهاج الواضح لاعتراضهم سلسلة بالإمام الغائب(١٤٥)، وكانت بداية الغيبة من أصعب الفترات على الأُمّة بعد أن اعتادت على مشاهدة الأئمة (عليهم السلام) واللقاء بهم، وظهرت الانقسامات والتناحر في صفوفها؛ حتى أن الشيعة انقسمت إلى أربعة عشرة فرقة بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام)(١٤٦)، وهكذا بقية المذاهب الإسلامية. وفي تلك الظروف الصعبة ابتدأ عثمان بن سعيد العمري مهمته في الإعلام عن وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وإخراج التوقيعات والمعجزات عن طريقه من الإمام المهدي (عليه السلام) لبيان صدق دعواه في أمر السفارة مذكراً بأن لهم بالأحاديث المروية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الإمام المهدي الذي تكون له غيبتان إحداهما صغرى والأُخرى كبرى؛ وإقناع الأمة بما امتلكه عثمان من معرفة تامة بطرق المحاورات وفنون الجدل وقوة المحاجة في إثبات المحجة بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) حياً يراهم ولا يرونه ويعرفهم ولا يعرفونه، ومراقبة تحركات السلطات عن كثب للابتعاد عن الضجيج السياسي والإعلامي، وما يمكن أن تخلقه له من مشاكل؛ وتحذيره أصحابه الثقات من الإعلان عن اسم الإمام (عليه السلام) أو الإدلاء على مكانه، وذاع صيته في البلاد الإسلامية وعرفه القاصي والداني من ثقات الأُمة وأصحابهم؛ فقد روى العلامة في خلاصته عن أبي العباس الحميري شيخ القميين قال: كنا كثيراً ما نذكر قول الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) في عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله)، ونتواصف جلالة ومحل أبي عمرو(١٤٧). قول أقل اليمن فيه: ان عثمان ان سعيد العمري لمن خيار الشيعة، وإنهم ازدادوا علماً بوضعه من خدمة الإمام (عليه السلام) وكونه وكيله وثقته على مال الله تعالى(١٤٨). وكذا معرفة أهالي بغداد له؛ فقد ذكر عبد الله بن جعفر الحميري لما رجع من الحج أنه دخل على أحمد بن اسحاق في بغداد فوجد عنده عثمان بن سعيد العمري؛ فأشار إلى أحمد بن اسحاق قائلاً: ان هذا الشيخ - يقصد أحمد بن اسحاق - وهو عندنا الثقة المرضي، حدثنا فيك بكيت وكيت واقتصصت عليه ما ذكرناه عنه من فضل أبي عمر ومحله وقلت: أنت الآن ممن لا يشك في قوله وصدقه؛ ثم سأله قائلاً: أسألك بحق الله وبحق الإمامين اللذين وثقاك؛ هل رأيت ابن أبي محمد (عليه السلام) الذي هو صاحب الزمان (عليه السلام)؛ فبكى ثم قال: على أن لا تخبر بذلك أحداً وأنا حيٌّ؛ فقال له: نعم، قال العمري: قد رأيته (عليه السلام) وعنقه هكذا - يريد أنها أغلط الرقاب حُسناً وتماماً -، ثم سألته عن الاسم، فقال العمري: نهيتم عن هذا(١٤٩)، وبقيت الأمة بأجمعها مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد وثقته وأمانته(١٥٠)، إلى أن توفي رحمه الله(١٥١)، بعد أن كان عموم الناس يقصدونه في حوائجهم من كل بلد(١٥٢) فيخرج لهم الأجوبة والتوقيعات من صاحب الأمر (عجل الله فرجه) بالأمر والنهي عمّا يسألونه إذا احتاجوا إلى السؤال فيه(١٥٣)... هذه هي منزلته عند الأُمة.
أما منزلته عند الإمام الهادي (عليه السلام)
فقد ذكرت النصوص التاريخية أن عثمان بن سعيد العمري كان قد خدم الإمام الهادي (عليه السلام) ول أحد عشر عاماً وكان له عهد معروف(١٥٤). وكان الإمام الهادي (عليه السلام) قد قدم إلى سامراء استجابة للرسالة التي بعثها المتوكل العباسي إليه وهو في المدينة؛ وقد أعرب فيها عن حبّه للإمام (عليه السلام) وإحلاله وإعظامه لمحلّه ومنزلته ظاهراً؛ واعترف فيها ببراءته وصدق نيّته؛ وأنه أوعز بعزل وإليه عبد الله بن محمد في المدينة لإيذائه الإمام (عليه السلام)، ودعاه بالشخوص إلى سامراء مع من اختار من أهل بيته ومواليه سريعاً(١٥٥)، ودخل الإمام (عليه السلام) سامراء عام ٢٣٤ه(١٥٦)، وكانت إقامته فيه عشرين عاماً إلى ان توفي فيها(١٥٧) عام ٢٥٤ه(١٥٨). فكان العمري من مقربي الإمام (عليه السلام) وخواصه في حفظ أسراره، وباباً له مع حداثة سنه وصغره(١٥٩)، ثم عينيه الإمام الهادي (عليه السلام) أميناً على بيت المال واستلام الأموال من الأمة ثم توزيعها على مستحقيها(١٦٠)، وقد كانت الأموال تصله من البلاد الإسلامية كما ذكر ذلك أحمد أمين المصري واعترف بهذه الحقيقة بعد أن أرعبته كثيراً حتى سعى إلى توجيه التهم والافتراءات الشنيعة ضده. لقد جاء في النصوص التاريخية أنه كانت ينفق الأموال الضخمة في مشاريع يعود نفعها على الأمة؛ فقد روى ابن شهرآشوب: أن جماعة من وجهاء الشيعة ومنهم أحمد بن اسحاق الأشعري وافد القميين وشيخهم وعلي بن جعفر الهمداني، دخلوا على ابي الحسن الهادي (عليه السلام) فشكا إليه أحمد بن اسحاق ديناً عليه فقال (عليه السلام) مخاطباً عثمان بن سعيد العمري: يا أبا عمرو - وكان وكيله - ادفع إليه ثلاثين ألف دينار والى علي بن جعفر ثلاثين ألف دينار، وخذ أنت ثلاثين ألف دينار.
ثم قال ابن شهرآشوب معلقاً على هذه الرواية: فهذه معجزة لا يقدر عليها إلا الملوك، وما سمعنا بمثل هذا العطاء(١٦١)، ولعل الذي منع الإمام (عليه السلام) من صرفها على الأمة بنفسه ولو ظاهراً، هو الإقامة الجبرية التي فرضتها السلطات على الإمام والمضايقات المتوالية على تحركاته.
لقد عاصر عثمان بن سعيد العمري فترة وكالته عن الإمام الهادي (عليه السلام) جماعة من الخلفاء كان المتوكل العباسي أشدهم على الإمام وأصحابه وقد حكم أربعة عشر عاماً بالحديد والنار، وكان عاقبة أمر المتوكل قتله على يدي الأتراك عام ٢٧٤هـ شر قتلة، وهو مشغولاً باللهو والشراب، ثم جاء بعده المنتصر والمستعين وقسماً من خلافة المعتز بالله، وقد حاول الإمام الهادي (عليه السلام) في محنته ان يواجه تيار الانحراف القائم في السلطة والأُمة؛ والحفاظ على أصحابه من إرهاب الحكام وحمايتهم من البطش والإيذاء وسعى إلى قضاء حوائجهم وتركيز ثقته المطلقة بهم، وتأمين مستلزمات الأمة؛ وقد حاو الإمام على الموقع القيادي الممتاز في البلاط العباسي فكان لهذا دوراً كبيراً في إبعاد الخطر عنه مرات عديدة، عندما احتجزته السلطات في البلاط، وأخذت تراقب جميع تحركاته، واستدعائها له متى اقتضى الأمر؛ بعد أن كان (عليه السلام) مسؤولاً عن الذهاب إلى بلاط الخليفة كل اثنين وخميس(١٦٢)، وربما شارك موكب السلطان في الخروج إلى الصيد(١٦٣)، وكان موقفه منها مشوباً بالحذر والكتمان؛ وهو مع كل ذلك يستلم الأموال والأسئلة التي تصله من شتى البلاد الإسلامية؛ وصرفها في مواردها والإجابة عن تلك التساؤلات برمزية وخفاء.
إننا ومهما بلغ بنا الخيال، لا نتصور وصول تلك المبالغ التي كانت تصله إلى هذا المستوى كما ورد في رواية ابن شهرآشوب المتقدمة؛ وهي إن صُرفت فهي مصروفة في مشاريع يعود نفعها على الأئمة، لأن الدين لا يمكن وصوله إلى هذا المستوى - كما جاء في الرواية - إلاّ ان يكون ديناً في عمل اجتماعي واسع هو اكبر من المصالح الشخصية والمسؤولية العائلية.
أما على المستوى الثقافي والعلمي؛ فقد افتتح الإمام (عليه السلام) وهو في مسلك الخلفاء والحذر دورات تثقيفية وعقائدية لتدريس مختلف العلوم ومحاججة أصحابه الفرق الاسلامية الأخرى، وفتح روح الحوار السليم؛ ومن بينهم محاججة عثمان بن سعيد العمري لهم بعد أن عرف بنبوغه وقوة استدلاله وسرعة بديهته وقد بلغ مبلغ العصمة في جلالته(١٦٤). روى الطوسي بإسناده عن احمد بن اسحاق القمي قال: دخلت على علي الهادي (عليه السلام) في يوم من الأيام فقلت: يا سيدي أنا أغيب وأشهد ولا يتهيأ لي الوصول إليك اذا شهدت في كل وقت فنقول من نقبل؟! وأمر من نتمثل؟! فقال (عليه السلام) هذا أبو عمرو، الثقة الأمين، ما قاله لمن فعني يقوله، وما أدّاه لكم فعني يؤديه(١٦٥). وقوله (عليه السلام) أيضاً: العمري ثقتي، فما أدى إليك فعني يؤدي، وما قال لك عني فعني يقول، اسمع له وأطع، فغنه الثقة المأمون(١٦٦).
لقد قام الإمام الهادي (عليه السلام) بالتمهيد للغيبة؛ حيث اتخذ استراتيجية واضحة وأسلوباً حديثاً وجديداً منن خلال تطبيقه مسلك الاحتجاب على نفسه عن كثير من مواليه إلاّ عن عدد قليل من خواصه(١٦٧)، وتذكيره الأمة بأحاديث الغيبة المروية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمة المعصومين (عليه السلام) لإشعارهم بقرب الولادة ودنو الأجل؛ وتحضير الذهنية العامة لتقبل هذه الفكرة بعد أن اتخذ نظام الوكلاء؛ وكان عثمان بن سعيد العمري في قمة هذا النظام نظراً لما امتلكه من مؤهلات وإن له شأناً مع الإمام المهدي (عليه السلام) ستعرفها الأمة بعد التفافها حوله.
أما موقف الإمام العسكري (عليه السلام) منه رحمه الله:
فقد ذكرت النصوص التاريخية أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) كان قد قدم برفقة أبيه وله من العمر سنتان؛ وقد عاش فيهما تلك الظروف والملابسات التي مر بها أبوه من قبله، فتلقاها بصمت وضبط وإتقان، استعداداً لتولي منصب الإمامة من بعد أبيه الهادي (عليه السلام) فكان عمره - لما توفي أبوه ٢٥٤ه(١٦٨)؛ أيام خلافة المعتز بالله وقبل خلعه بعام واحد أي عام ٢٥٥ه(١٦٩) - قد بلغ اثنين وعشرين عاماً؛ ثم واكب بقية أيام إمامته خلافة المعتز ثم المهتدي الذي ثار عليه الأتراك وقتلوه عام ٢٥٦ه(١٧٠)، وحل مكانه الخليفة المعتمد؛ فعاصر أربعة أعوام من خلافته حتى توفي عام ٢٦٠ه(١٧١).
إن دراسة مواقف الإمام العسكري (عليه السلام) وسياسته تجاه السلطة والانحراف المتمثل فيها وفي الأمة تشير إلى التشابه الكبير مع سياسة أبيه الإمام علي الهادي (عليه السلام) باعتبارهما يستقيان من معين واحد، وهي امتداد لسياسة آبائه من قبل، بعد أن كانت السياسة الحاكمة مرتكزة على ثلاث ركائز أساسية هي: تقريب الإمام العسكري وأبيه من البلاط العباسي ودمجه بالحاشية؛ ومراقبته والفحص عن أموره جملة وتفصيلاً؛ وكرامه واحترامه ظاهراً لذر الرماد في العيون وإسكات المعارضين، فكان الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) محجوزاً في بلاط سامراء؛ ومسؤولاً عن الذهاب إلى بلاط الخليفة كل اثنين وخميس(١٧٢)، وربما يدعى للحضور في موائد أبناء الخلفاء(١٧٣)، وهكذا خلت مواقف الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من الضجيج الإعلامي والسياسي الذي كان من الممكن أن يثار تجاه أبيه الهادي (عليه السلام) فالحذر الشديد والخفاء كان واضحاً على تحركات الإمام (عليه السلام) من خلال كتاباته وعلاقاته مع أصحابه وغيرهم، فالكتابات مثلاً تعرب عن ألم الإمام (عليه السلام) وضيق صدره بأفعال السلطة وتصرفاتها الطائشة مع ذلك التيار الفكري المنحرف، فمثلاً يرسل الإمام رسالة إلى أحد أصحابه قبل موت المعتز بعشرين يوماً قائلاً: ألزم بيتك حتى يحدث الحادث، فلما قتل بريحة، كتب إلى الإمام (عليه السلام): قد حدث الحادث فما تأمرني؟ فأجابه (عليه السلام) ليس هذا الحادث، الحادث الآخر، فكان من المعتز ما كان(١٧٤)، حيث قتل بيد الأتراك عام ٢٥٥هـ بسبب امتناعه عن دفع الرواتب والأرزاق إلى الجند، وكانت أمه قد امتنعت عن مساعدته بالمال، وزعمت أن ليس عندها شيء، فقتل ابنها شر قتلة(١٧٥)، وبعد قتله وجدوا عندها أموالاً لا تُقدّر بثمن!! ولما حمل إلى صالح بن وصيف؛ سبّها وقال: عرضت ابنها للقتل في خمسين ألف دينار، وعندها هذه الأموال كلها(١٧٦). وقد كان للسلطات محاولات عديدة لإيذاء الإمام (عليه السلام) أو القضاء عليه إن تمكنت؛ بسبب ما أوجده الإمام لها من المتاعب، ومن تلك المحاولات؛ محاولة المعتز الذي أصدر أوامره لسعيد الحاجب - وهو أحد أزلام النظام - ليقتل الإمام (عليه السلام) بعيداً عن عيون الناس، فقال له المعتز: أخرج أبا محمد إلى الكوفة؛ ثم ضرب عنقه في الطريق.
قال الراوي: فجاء توقيعه (عليه السلام) إلينا: الذي سمعتموه تكفونه فخلع المعتز بعد ثلاث وقتل(١٧٧)، وكانت للمهتدي محاولة أخرى حيث أمر بسجن الإمام (عليه السلام) وأخذ يتهدده ويتوعده بالقتل؛ فوقّع (عليه السلام) بخطّه:
ذاك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام، ويقتل في اليوم السادس بعد هوان واستخفاف يمر به(١٧٨).
وأخبر (عليه السلام) بموته في السجن فقال لأحد أصحابه: في هذه الليلة يبتر الله عمره. قال الراوي: فلما أصبحنا شغب الأتراك وقتل المهتدي(١٧٩)، وكان كما قال الإمام(١٨٠)، وكانت أيام الخليفة المهتدي ثقيلة على العامة والخاصة، فاستطالوا خلافته وسئموا أيامه، وعملوا الحيلة عليه حتى قتل(١٨١). وهناك محاولات للمعتمد أيضاً للقضاء على الإمام (عليه السلام) منها: إصداره أوامره بسجن الإمام (عليه السلام) مع مجموعة من أصحابه الطالبيين، فبقوا في السجن أياماً ثم خرجوا منه(١٨٢).
ورافقت وكالة عثمان بن سعيد العمري عن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) حوادث عديدة أهمها: تأسيس دولة أحمد بن طولون في مصر، وسيطرة الحسن بن يزيد العلوي على طبرستان، واستمرار حركة صاحب الزنج التي دامت خمسة عشر عاماً وكانت من أخطر الحركات تهديداً للإسلام، وسيطرة الموالي والأتراك وجماعة آخرين كالموفق طلحة بن المتوكل، مما أدى إلى ضعف الخلافة في هذه الفترة بالذات تماماً، وتصاعد الضغط وحملات التفتيش والعنف ضد الإمام (عليه السلام) وأصحابه؛ وقد استطاع الإمام (عليه السلام) بمعرفته احتواء ذلك الوضع لصالحه واتخاذه استراتيجية واضحة ومتكاملة في أسلوب التعامل مع السلطات والأُمة من جهة وأصحابه من جهة أُخرى.. وإليك أهمها:
أولاً - مسلك الاحتجاب والاختفاء:
لقد استساغ الإمام العسكري (عليه السلام) هذا المنهج الخاص لتهيئة الذهنية العامة لفهم هذا الاسلوب.. قال المسعودي: وحين أفضى الأمر إلى الحسن العسكري (عليه السلام) كان يتكلم من وراء الستار مع الخواص وغيرهم، الا في الأوقات التي يركب فيها إلى دار السلطان(١٨٣).
ثانياً - تجديد نظام المكتبات:
لقد نجح الإمام في صياغة هذا المنهج، وصبغه بلون متناسب معه ليؤتي ثماره؛ وصار الاتصال بالإمام (عليه السلام) لا يتم إلاّ عن طريق هذا الاسلوب، فهذا تختلج مسألتان في صدره فيكتبهما إليه(١٨٤)، وأبو هاشم الجعفري يضيق به الحبس، وكلب الحديد فيكتب له (عليه السلام)(١٨٥)؛ ويكتب لأصحابه أيضاً مبشراً لهم بموت المعتز والمهتدي والزبيري(١٨٦).
ثالثاً - نظام الوكلاء:
لقد اعتادت الأمة هذا النظام ردحاً من الزمن، وكان الارتباط بالبلاد البعيدة إنما يتم من خلال هذا النظام، حيث يتم المكاتبات وقبض الأموال من خلال الوكلاء الذين عينهم الإمام (عليه السلام) ويتصدرهم عثمان بن سعيد العمري. فقد تصدى الإمام العسكري للإمام بعد أبيه ٢٥٤هـ وعمر وكيله عثمان إحدى وثلاثين عاماً.
إن تلك الظروف القاسية هي التي جعلت الإمام يضاعف من مسلك الكتمان والحذر؛ واعتماده على أصحابه وخاصة ممن يكون لهم شأن في حياة ابنه الإمام المهدي (عليه السلام) فأمر أصحابه بالرجوع إلى عثمان في حوائجهم واستلام الأجوبة منه، روى الطوسي بإسناده عن أحمد بن اسحاق القمي الأشعري قال: لما مضى أبو الحسن الهادي (عليه السلام) وصلت إلى أبي محمد العسكري (عليه السلام) ذات يوم فقلت له مثل قولي لأبي؛ وسألته عن عثمان بن سعيد العمري، فقال لي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي، وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعني يقوله؛ وما أداه لكم فعني يؤديه(١٨٧) - وكرّر الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) هذا الثناء على أصحابه والوافدين إليه من الأقطار البعيدة لمرات عديدة وفي محافل أُخرى، فمثلاً لما قدم الوفد اليمني لزيارة الإمام (عليه السلام) وهو يحمل معه الأموال والأسئلة، وقد حضر مع هذا الوفد كبار الشخصيات فأطلعهم الإمام (عليه السلام) على أمور غيبية وأثنى عثمان بن سعيد العمري فيه، روى الطوسي بإسناده عن محمد بن اسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان قالا: دخلنا على أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بِسُرَّ من رأى وبين يديه جماعة من أولياءه وشيعته، حتى دخل بدر خادمه؛ فقال يا مولاي، بالباب قومٌ شعث غبر، فقال لهم: هؤلاء مفر من شيعتنا - في حديث طويل يسوقانه - إلى أن ينتهي - إلى ان قال لبدر: فامض فأتنا بعثمان بن سعيد العمري، فما لبثنا إلاّ يسيراً حتى دخل على عثمان، فقال له سيدنا أبو محمد (عليه السلام) امض يا عثمان، فإنك الوكيل والثقة المأمون على مال الله، واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال -، ثم ساقا الحديث إلى أن قالا: ثم قلنا بأجمعنا يا سيدنا؛ والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ولقد زدتنا علماً بموضعه من خدمتك، وأنه وكيلك وثقتك على مال الله تعالى، فقال (عليه السلام): نعم واشهدوا عليّ: ان عثمان بن سعيد وكيلي، وإن ابنه محمد وكيل ابني مهديكم(١٨٨).
ويتضح عدة أمور من هذه الرواية هي:
أولاً: تصريحه (عليه السلام) بوجود ولد له، وأنه هو المهدي (عليه السلام) الذي بشرت به الروايات عن النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وتبشيرهم بقرب ولادته.
ثانياً: تصريحه بأن له غيبتان.. إحداهما صغرى والأخرى كبرى.
ثالثاً: تصريحه بوجود السفارة والسفراء عنه في غيبته.
رابعاً: تصريحه باسم السفير الثاني للإمام المهدي (عليه السلام) وهو محمد بن عثمان العمري، وكان (عليه السلام) قد صرّح بأسماء الباقين من السفراء في عدة مشاهد أمام الكثيرين من أصحابه وقد بلغوا أربعين رجلاً فقال لهم: فاقبلوا من عثمان ما يقوله؛ وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه(١٨٩)، وقوله (عليه السلام) أمام الوفد القمي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي، وثقتي في المحيا والممات(١٩٠).
خامساً: تسالم الأمة عليه، وقبول سفارته من خلال تجربتها معه ومعرفتها صدقة، وصحة ما انتسب إليه بإظهاره الأجوبة العجيبة والكرامات والمعجزات من إمامه الغائب (عليه السلام).
أما موقف الامام المهدي (عليه السلام) من عثمان بن سعيد العمري:
فقد ذكرت النصوص التاريخية ان الإمام المهدي (عليه السلام) كان قد ولد عام ٢٥٦هـ (١٩١)، وكان عمر أبيه أربعة وعشرين عاماً، وكان قد واكب مسيرة أبيه الجهادية ورأى المجتمع الصاخب، والرقابة الشديدة المفروضة على الإمام العسكري (عليه السلام) باعتباره الرجل المثالي في عبادته وأخلاقه وعلمه ونسبه في نظر الجميع(١٩٢)، فهو قائد المعارضة ضد السلطة الحاكمة، والأهم من هذا: كونه سيولد له ولد اسمه المهدي (عليه السلام) الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلا؛ ولكن الإمام العسكري (عليه السلام) ترك الإعلان عن ولادة ابنه المهدي (عليه السلام) تماماً، وكأن شيئاً لم يحدث، وترك الأحداث تجري في مسيرها الطبيعي دون أي إشارة للسلطات، وساعده على تطبيق هذه الاستراتيجية تطبيقه مسلك الاحتجاب والكتمان عن أصحابه ومواليه.. وهو يهدف إلى أمرين:
تعويد الناس على قبول فكرة الاحتجاب والقيادة الغير المباشرة، واحتواء الوضع لصالحه مستقطباً المهام والحوادث التي يعيشها بعيداً عن الضوضاء وتسليط الأضواء، وقد رافق تطبيقه هذا المنهج حوادث عديدة؛ منها انشغال الدولة والمجتمع في حرب صاحب الزنج حيث بدا أعماله التخريبية في جنوب العراق والأهواز؛ فأوجد الفزع والقلق الشديد في الأمة وفي النظام الحاكم، فكان خير صارف ذهني للفهم العام عن الالتفات لخبر الولادة، واستطاع حماية ولده من متاعب السلطات، فلم يبق أمامه سوى إثبات ولادة ابنه المهدي (عليه السلام) للأُمة الإسلامية والتأريخ.
لقد ذكرت النصوص التاريخية ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) عام ٢٥٦(١٩٣)، وثبتت ولادته بأوكد ما يثبت به أنساب الجمهور من الناس، إذ كان النسب يثبت بقول القابلة ومثلها من النساء اللاتي جرت عادتهن بحضور ولادة النساء وتولي معونتهن عليه، وباعتراف صاحب الفراش وحده بذلك دون من سواه، وبشهادة رجلين من المسلمين على قرار الأب بنسب الابن منه، وقد ثبتت أخبار عن جماعة من أهل الديانة والفضل والورع والزهد والعبادة والفقه عن الحسن العسكري (عليه السلام) انه اعترف بولادة المهدي (عليه السلام) وآذنهم بوجوده، ونص لهم على إمامته من بعده، وبمشاهدة بعضهم له طفلاً وبعضهم له يافعاً وشاباً كاملاً(١٩٤)، عاش الإمام المهدي (عليه السلام) أربع سنوات برفقة أبيه سجيناً تحت الرقابة الشديدة التي فرضتها السلطات الحاكمة على أبيه، دون أن تعثر له على أثر أو تسمع له بخبر!!
وقام الإمام العسكري (عليه السلام) في عمله السياسي بعدّة أمور:
الأول - إعلام أصحابه بولادته:
لقد استطاع الإمام العسكري (عليه السلام) في تلك الظروف الصعبة والمعقدة أن يخص تبليغ ولادة ابنه المهدي لأصحابه؛ وأن يزف لهم هذه البشرى لمن علم فيه قوة الإيمان وصلابة العقيدة ورجاحة العقل؛ فحجب ابنه حجباً تاماً عن الجمهور غير الموالي، بل حتى عن الجمهور الموالي ممن لم يحرز فيه قوة الإرادة والإخلاص، وسيأتي ذكر من رآه من خواصه.
ثانياً - اعتماد الإمام على بعض أصحابه في تبليغ الولادة:
لقد اعتمد الإمام هنا أمرين:
الأول: طلب من بعض أصحابه ممن لهم شأناً مع الإمام المهدي (عليه السلام) ومنهم عثمان وابنه، والنوبختي والسمري وغيرهم بأن يوصلوا خبر الولادة لأصحابه، بعد أن عرف الإمام (عليه السلام) موقعهم السياسي والاجتماعي في الأمّة، فقد روى الصدوق بإسناده عن أبي جعفر - محمد بن عثمان العمري - قال: لما ولد السيد - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - قال أبو محمد: ابعثوا إلى أبي عمرو - عثمان بن سعيد العمري - فبعث اليه، فقال: اشترِ عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم، وفرقّه حسبة، قال علي بن هاشم: وعقّ عنه بكذا وكذا شاة(١٩٥).
الثاني: إرسال برقياته ورسائله إلى أصحابه في البلاد البعيدة لإعلامهم بخبر الولادة، فقد روى الصدوق بإسناده عن أحمد بن اسحاق القمي الأشعري وجه القميين وشيخهم - قال: كتب أبو محمد (عليه السلام) رسالة لي يقول فيها: ولد لنا مولود.. إلى ان قال: أحببنا إعلامك ليسرّك الله به مثل ما سرّنا به والسلام(١٩٦).
وأجاز الإمام العسكري (عليه السلام) لعمته حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام) أن تخبر من تثق به وتطمئن إليه ممن قرب أو بعد بخبر الولادة، وقد روى خبره الكثير من الثقات عنها منهم: عثمان بن سعيد وابنه، وأبو عبد الله المطهري، وموسى بن محمد بن جعفر، ومحمد بن إبراهيم، ومحمد بن علي بن بلال، وجماعة من الشيوخ أمثال: علان الكليني، وموسى بن محمد وأحمد بن جعفر(١٩٧)، وأخبرت خديجة بنت الإمام الجواد، وجماعة أيضاً بخبر الولادة منهم: أبا أحمد المراغي(١٩٨)، وأحمد بن ابراهيم، وكتب الإمام العسكري (عليه السلام) نفسه خبر الولادة إلى أُمه(١٩٩)، ثم مسح الإمام لكثير من جواريه وعبيده الذين أعتقد فيهم قوة العقيدة والإخلاص بمشاهدتهم الإمام (عليه السلام) كنسيم ومارية وأبي نصر الخادم وعقيدة الخادم وجارية لأبي علي الخيزراني القابلة وغيرهم(٢٠٠)، وقد كان جماعة من أصحابه الذين شاهدوا الإمام المهدي (عليه السلام) ممن عدّلهم في حياته، وجعلهم سفراء بينه وبين أوليائهم، والأمناء على قبض الأخماس والأنفال والوقوفات والأمانات وغيرها، وشهد لهم بإيمانهم وصدقهم فيما يؤدونه عنه مواليه، وأن هذه الجماعة التي شاهدت الحجة (عليه السلام) أخبرت بالنص عليه من أبيه (عليه السلام)، وقطعت بإمامته وكونه الحجة المأمول للانتصار من الظالمين، فكان ذلك نائباً مناب نصّ أبيه (عليه السلام) لو كان مفقوداً(٢٠١).
روى الصدوق بإسناده عن محمد بن مالك الفزاري قال: حدثني معاوية بن حكيم ومحمد بن أيوب بن نوح ومحمد بن عثمان العمري وأبيه رضي الله عنهم، قالوا: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ابنه، ونحن في منزله وكنا أربعين رجلاً، فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا(٢٠٢).
وليس لأحد أن يقول: جميع ما ذكرتموه من أخبار الولادة والمعجزات هي أخبار آحاد، وهي مع ذلك مختصة بنقلكم!! وما هذه حاله، لا يلزم الحجة به؟ لأن هذه دعوى مجردة خالية من الاستدلال والبرهان.. ومن تأمل في حال ناقلي هذه الأخبار؛ علمهم متواترين بها على الوجه الذي تواتروا به من نقل النص الجلي، فإذا ثبت تواترها لم يقدح فيه اختصاص نقلها بالفرقة الإمامية دون غيرها، لأن المراعي في صحة النقل وقوعه على وجه لا يجوز على ناقليه الكذب سواء كانوا أبراراً أو فجاراً، متدينين بما نقلوه أو مخالفين له(٢٠٣).
الثالث - كتمان خبر الولادة:
لقد أكد الإمام العسكري على كل من رأى ابنه المهدي (عليه السلام) أمرين لا بد من التزامهما، وهو مكلف تكليفاً إلزامياً بهما وهما: وجوب الكتمان لخبر الولادة، وحرمة الاطلاع على اسمه الشريف. كتب الإمام العسكري (عليه السلام) في رسالة التي بعثها إلى أحمد بن القمي: فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته، والمولى لولايته(٢٠٤).
وسأل أحمد بن إبراهيم خديجة بنت الإمام الجواد (عليه السلام) عن الإمام المهدي (عليه السلام) فقالت: مستور(٢٠٥)، وتباشر اثنان من أصحابه (عليه السلام) بخبر الولادة فقال احدهما للآخر: ولد البارحة في الدار مولود لأبي محمد (عليه السلام) وأمر بكتمانه(٢٠٦)، وروى الصدوق بإسناده عن غياث بن أسيد قال: شهد محمد بن عثمان العمري (قدّس سرّه) يقول: لما ولد الخلف المهدي (عليه السلام) سطع نور من فوق رأسه إلى أعنان السماء(٢٠٧)، فقال عبد الله بن جعفر الحميري له - للعمري - هل رأيته؟ قال: نعم، وله رقبة مثل ذي، وأشار بيده إلى عنقه(٢٠٨).
لقد جاء في النصوص الإسلامية حصول اللقاءات العديدة بين الإمام المهدي (عليه السلام) وسفيره الأول عثمان بن سعيد العمري قبل سفارته - أي في حال حياة أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) - وهي تعرب عن قلق الإمام الشديد حول مستقبل الأمة وحالة الانحراف في المجتمع، ومضايقات السلطات لأنصار الإمام (عليه السلام)، فقد التقى عثمان بن سعيد بالإمام المهدي (عليه السلام) عندما عرضه الإمام العسكري على أربعين رجلاً وكان هو من بينهم؛ حيث قال لهم: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا؛ أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا؛ فقال الراوي: قالوا: فخرجنا من عنده، فما مضت أيام قلائل حتى مضى أبو محمد (عليه السلام)(٢٠٩).
وكان الحسن العسكري (عليه السلام) قد أمر عثمان بن سعيد أن يغسله بعد مماته، ويكفنه ويقوم بباقي شؤونه(٢١٠)؛ مأموراً بذلك كله للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها، ولا دفعها إلاّ بدفع حقائق الأشياء وظواهرها(٢١١)، والوصية إليه بحمل أمتعة وجواريه إلى بغداد، واحتفاظه بودائع الإمام العسكري (عليه السلام).
وهي عبارة درج فيه قنوتات الأئمة (عليه السلام) وحقّهُ خشب مدهونة وعكازة كانت في يده (عليه السلام) يوم توكله عثمان بن سعيد العمري ووصيته اليه(٢١٢).
ثم استلم الإمام المهدي (عليه السلام) الإمامة بعد أبيه ولم يتجاوز عمره الأربع أو الخمس سنين، وكان عمر سفيره الأول لم يتجاوز السبع والثلاثين عاماً، حيث اعن الإمام المهدي عن بداية الغيبة الصغرى، وأمر أصحابه وخواصه بأخبار الناس والوفود التي تقدم لزيارته بالتوجه إلى عثمان بن سعيد العمري في حوائجهم وأخذ الأجوبة والتوقيعات منه؛ وعيّن بغداد عاصمة للسفارة، فقد روى الصدوق بإسناده: أن الوفد القمي جاء لزيارة الإمام العسكري (عليه السلام) ولم يعرفوا وفاته، فالتقوا بالإمام المهدي (عليه السلام) وأمرهم أن لا يحملوا إلى سامراء بعدها شيئاً من المال، وأن ينصب لهم رجلاً يحمل اليه الأموال(٢١٣)، فأخذت الأمة الإسلامية تقصده بأجمعها من كل بلد بقصص وحوائج، وكانت الأجوبة تخرج على يديه، وصار ابن سعيد عالماً في بغداد لا تشك الأمة في أقواله وأفعاله(٢١٤)، فقصدوه في غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) كما قصدوه في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(٢١٥)، واستمرت بعد ذلك اللقاءات بينه وبين الإمام المهدي (عليه السلام) كما يأتي في هذه الدراسة.
المبحث الثاني: وقوع الاشتباه في عثمان بن سعيد من بعض الأعلام
ذكرنا أن عثمان بن سعيد كان قد خدم الإمام المهدي (عليه السلام) وله أحد عشر عاماً وكان إليه عهد معروف. ولكن وقع من بعض الأعلام اشتباهاً في هذه الشخصية العظيمة.. ومخلصه:
الاشتباه الأول - اشتباه العلامة وابن شهرآشوب:
قال العلامة بعد ترجمة عثمان بن سعيد: ويُقال له الزيارات الأسدي، من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي الثاني - الجواد (عليه السلام) - خدمه وله إحدى عشرة سنة، وله اليه عهد معروف، وهو ثقة جليل القدر وكيل أبي محمد العسكري (عليه السلام)(٢١٦).
وقال ابن شهرآشوب: ان عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) كان باباً لأبي جعفر بن علي النقي (عليه السلام)(٢١٧)، والظاهر ان فيه سهواً وقع من العلامة وابن شهرآشوب(٢١٨)، فقد ذكر في ربيع الشيعة: ان أبا عمرو عثمان بن سعيد العمري (قدّس سرّه) كان باباً لأبي الحسن العسكري وجدّه الهادي (عليه السلام) من قبل، وثقة لهما، ثم تولي البابية من قبله وظهرت المعجزات علي يده، وما ذكره هذان الفاضلان لا يجتمع مع ما ذكره الطوسي من أن عثمان بن سعيد خدم الإمام الهادي (عليه السلام) وله إحدى عشر سنة(٢١٩)، والله العالم.
الاشتباه الثاني - اشتباه الطوسي:
ذكر الشيخ الطوسي بعد ترجمة عثمان بن سعيد: بأنه حفص بن عمرو المعروف بالعمري، وأنه كان وكيلاً وسفيراً للإمام المهدي (عليه السلام)؛ واشتبه أيضاً في ترجمة ابنه محمد بن عثمان العمري؛ فأبدله (بمحمد بن حفص العمري)، فقال بعد رواية محمد بن إبراهيم بن مهزيار: وحفص بن عمرو، كان وكيلاً لأبي محمد العسكري (عليه السلام)، وأما أبو جعفر محمد بن حفص بن عمرو فهو ابن العمري وكان وكيل الناحية المقدسة(٢٢٠)، والظاهر أن فيه خطئاً واضحاً، قال التستري: هذا وقلنا في حفص بن عمرو: بان ما في نسخة الكشي بعنوان حفص بن عمرو المعروف بالعمري تحريف، ظاهر، وأن الأصل عثمان بن سعيد بن عمرو وكنيته أبو عمرو، لعدم وجود (حفص عمرو) ولا (محمد بن حفص بن عمرو) بل محمد بن عثمان بن سعيد بن عمرو، وأبيه عثمان بن سعيد(٢٢١)، وأما القهبائي فقد رأى ان العمروي اثنان وكذا ابناهما فقال: ويظهر من هذا ان العمروي اثنان هما: عثمان بن سعيد بن عمرو وحفص وعمرو؟ وكذا ابن العمروي اثنان أيضاً وهما: ومحمد بن عثمان ومحمد بن حفص، ولكن حفص بن عمرو العموري وابنه كانا وكيلان للصاحب ببغداد، وأما عثمان بن سعيد وابنه فإنهما بابان للصحاب (عليه السلام)، ومن قبله لأبيه وجده، ولا يخفى بعد النظر والتأمل(٢٢٢).
أما الخوئي فقد قال: من البعيد جداً وجود رجلين يعرف كل منهما بالعمري، وكان كل منهما وكيل العسكري (عليه السلام)، ويكون لكل منهما ابن يسمى بمحمد ويكنى أبا جعفر وكيل الناحية ويدور عليه الأمر.. على أن المستفاد من التوقيع أن العمري كان شخصاً واحداً يصل إليه كل ما يحمل إلى الإمام (عليه السلام) فيوصله إليه، والله العالم بحقيقة الأمر(٢٢٣)، واستغرب الخوئي مما ذكره الكشي قائلاً: والأغرب من ذلك هو ما صدر من الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) فإنه ذكر في الغيبة كما عرفت: محمد بن عثمان بن سعيد العمري وأباه وذكر وكالتهما، ولم يتعرض لحفص ولا لابنه محمد؛ ومع ذلك كان قد ذكر في رجاله حفص بن عمرو العمري المعروف، ثم قال: والمتحصل مما ذكرنا أنه لم يعلم وجود لحفص بن عمرو، ولا لابنه فضلاً عن أن يكون ا وكيلين، وأما ما في الكشي، فلا بدّ من حمله على غلط النسخة بعد مخالفتها لما تسالم عليه الأصحاب: من أن الوكيل كان عثمان بن سعيد وابنه محمد، وقد ذكر العلامة نفسه في ترجمة محمد بن عبد العزيز الكشي: أن له كتاب الرجال، كثير العلم؛ إلا أن فيه أغلاطاً كثيرة كما ذكر ذلك النجاشي أيضاً(٢٢٤)، أقول: والغريب في ذلك أيضاً ما ذكره السيد محمد الصدر بأنه حفص بن عمرو، كان له نشاط متزايد بهذا الأمر، وكان الأمر يدور عليه(٢٢٥)، ولم يذكر نصاً في نشاطه!! وما قاله التستري والخوئي هو الصحيح والله العالم.

* * *

المبحث الثالث: التراث الذي خلفه عثمان بن سعيد العمري للأمة الإسلامية

لقد خلف عثمان بن سعيد العمري تراثاً خالداً للأجيال والأمة الاسلامية مع تصديه لمهمة السفارة عن الإمام المهدي... ونلخصه بما يلي:
أولاً - ما تركه من روايات وأحاديث عن الأئمة (عليهم السلام):
اتضح من خلال دراسة الأوضاع السياسية للدولتين الأموية والعباسية نجاحهما نوعاً ما في كبت حركة الفكر والتحرر لدى المفكرين، وعرضتهم لصنوف العذاب والسخرية، وألجمتهم عن قول الحقيقة؛ وأثارت الفتن والشحناء بين فصائلها؛ فكان له الأثر السلبي على سير المسلمين وتقدمهم، وظهرت في خضم تلك الأحداث حركات فكرية ونهضة علمية واسعة قوت شوكتها وامتدت معالمها لأبعد البلاد الإسلامية، وكان يقودها رجال الأمة من أهل الخبرة والتخصص في معرفة العلوم ومنها علم الحديث، حيث إنهم بذلوا جهوداً مكثفة في معرفة علم الحديث وجمعه وتفصيل أحكامه وتبيين حلاله من حرامه، فرتبوه على طبقات رجالية لمعرفة أحوال الرواة؛ وحصلت الأمة على أضخم ثروة وتراث في مجال الحديث وتم تمييزها عن الأحاديث السقيمة، وقد نفذت إشاعات تلك النهضة العلمية والفكرية لعواصم عديدة من البلاد الإسلامية كالشام ومكة وقم والكوفة وسامراء واليمن والمغرب العربي وغيرها، أما بغداد عام٢٦٠هـ فقد أصبحت مصدراً للإشعاع الفكري والثقافي لكثير من البلدان، وملتقى لمختلف المذاهب والفرق الإسلامية، حيث عقدت فيها الندوات وتبارى في منتدياتها الأدبية الشعراء والأدباء وروّاد الفكر في مختلف العلوم والفنون؛ وظهر في تلك النهضة رجال في الأمة تخصصوا في الحديث والرواية وفي مقدمتهم عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) حيث روى الحديث فأحسن روايته، والناس يومذاك في أشد الحاجة لسماع الحديث عن الأئمة ولاسيما الإمام الهادي والعسكري والمهدي (عليه السلام)، بسبب مسلكهم الاختفاء والكتمان والحذر من السلطات وجواسيسها، ورغم صعوبة الوقت والسيف يقطر دماً؛ والمحن التي مرت بها الأمة، والأزمات والحروب الطاحنة والتناحر بين المذاهب؛ وقد أدى إلى حرق الكثير من الكتب والطروس، وضياع بعض التراث الذي خلفه المسلمون؛ وبقي البعض الآخر في متناول الأيدي فقد وصلنا من عثمان بن سعيد العمري العداد من الروايات عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمة (عليهم السلام) ونلخص بعضها بما يلي:
رواياته في الوصية(٢٢٦)؛ واللواط(٢٢٧)، والزي والتجميل(٢٢٨)، والمعيشة(٢٢٩)، وفضل الكوفة(٢٣٠)، تسمية من رآه (عليه السلام)(٢٣١)؛ وأخباره في وجود الإمام المهدي (عليه السلام) ووصيته للأمة الإسلامية(٢٣٢)، وحب الدنيا(٢٣٣)، وقصة موسى والعمالقة(٢٣٤)، وفي ودائع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم)(٢٣٥).
ثانياً - تراثه في الأدعية:
أما تراثه من الأدعية التي رواها عن الأئمة (عليهم السلام) فهي كثيرة أيضاً، فمن بينها الدعاء المشهور عنه (رحمه الله) في الغيبة، فقد سأل زرارة الإمام الصادق (عليه السلام) فقال: جعلت فداك؛ إن أدركت ذلك الزمان، أي شيء أفعل؟
قال (عليه السلام): يا زرارة متى أدركت ذلك الزمان فلتدع بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك فإنك ان لم تعرفني نفسك؛ فإن لم تُعرّفني نفسك لم أعرف نبيّك... الخ، وقال ابن طاووس: إذا كان لك عذر عن جميع ما ذكرناه من تعقيب العصر يوم الجمعة فإياك ان تهمل الدعاء به، فإننا عرفنا ذلك من فضل الله جل جلاله الذي اختصّنا به فاعتمد عليه؛ وهذا نصه: عن أبي همام: أن الشيخ عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) أملاه عليه، وأمره أن يدعو به وهو الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام): أَللّهمَّ عرِّفْنِي نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ رَسُولَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، أَللّهمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي... الخ(٢٣٦).
ثالثاً - تراثه في ما خرج عنه من توقيعات:
وخرج من عثمان بن سعيد العمري توقيعات كثيرة من إمامه المهدي (عليه السلام) للأمة الإسلامية في أمُور وقضايا عديدة.. نلخص بعضها:
التوقيع الأول - فيمن أنكر الحجة:
قال الصدوق: توقيع من صاحب الزمان (عليه السلام) كان خرج إلى العمري وابنه - رضي الله عنهما - رواه سعد بن عبد الله، قال الشيخ أبو عبد الله جعفر رضي الله عن: وجدته مثبتاً عنه (رحمه الله) وهو: وفقكما الله لطاعته، وثبتكما على دينه، وأسعدكما لمرضاته، انتهى إلينا ما ذكرتماه أن الميثمي أخبركما عن المختار ومناظراته من لقي؛ واحتجاجه بأنه لا خلف غير جعفر بن علي وتصديقه إياه، وفهمت جميع ما كتبتما به قال أصحابكما عنه، وأنا أعوذ بالله من العمى بعد الجلاء، ومن الضلالة بعدى الهدى، ومن موبقات الأعمال ومرديات الفتن، فإنه عزّ وجل يقول: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(٢٣٧)، كيف يتساقطون في الفتنة ويترددون في الحيرة، ويأخذون يميناً وشمالاً، فارقوا دينهم؟ أم ارتابوا؟! أم عاندوا الحق أم جهلوا ما جاءت به الروايات الصادقة والأخبار الصحيحة؟! أو علموا ذلك فتناسوا ما يعلمون: أن الأرض ما تخلوا من حجة!!! إما ظاهراً وإما مغموراً. أو لم يعلموا انتظام أئمتهم بعد نبيهم (صلّى الله عليه وآله وسلم) واحداً بعد واحد إلى أن أفضى الأمر بأمر الله عزّ وجل إلى الماضي - أي الحسن العسكري (عليه السلام) - فقام مقام أبيه يهدي إلى الحق والى طريق مستقيم، كان نوراً ساطعاً وشهاباً لامعاً وقمراً زاهراً، ثم اختار الله عزّ وجل له لما عنده، فمضى على منهاج آبائه حذو النعل بالنعل، على عهد عهده، ووصية أوصى بها إلى وصي: - يقصده بها نفسه - ستر الله عزّ وجل بأمره إلى غاية، وأخفى مكانه بمشيئته للقضاء السابق والقدر النافذ وفينا موضعه، لنا موضعه، ولو قد أذن الله عزّ وجل فيما قد منعه وأزال عنه ما قد جرى به من حكمه، لأراهم الحق ظاهراً بأحسن حيلة وأبين دلالة وأوضح علامة، ولأبان عن نفسه، وقام بحجته، ولكن أقدار الله عزّ وجل لا تغالب، وإرادته لا ترد، وتوفيقه لا يسبق؛ فليدعوا عنهم أتباع الهوى، وليقيموا على أصلهم الذي كانوا عليه ولا يبحثوا عما ستر عنهم، فيأثموا؛ ولا يكشفوا ستر الله عزّ وجل فيذموا، وليعلموا أن الحق معنا وفينا، لا يقول ذلك سوانا إلاّ كذاب مفتر؛ ولا يدعيه غيرنا إلاّ ضال غوي، فليقتصروا منا على هذه الجملة دون تفسير، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله(٢٣٨).
التوقيع الثاني - فيمن ارتاب في الإمام المهدي (عليه السلام):
روى الطوسي والطبرسي وغيرهما: عن الشيخ الموثوق أبي عمرو العمري (رحمه الله) قال: تشاجر ابن أبي غانم القزويني وجماعة من الشيعة في الخلف (عليه السلام)!!، فذكر ابن أبي غانم أن أبا محمد العسكري (عليه السلام) مضى ولا خلف له، ثم إنهم كتبوا كتاباً وأنفذوه إلى الناحية (عليه السلام) وأعلموا بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابه بخطه صلى الله عليه وعلى آبائه: بسم الله الرحمن الرحيم، عافانا الله وإياكم الفتن، ووهب لنا ولكم روح اليقين، وأجارنا وإياكم من سوء التقلب، إنه أنهي إلي ارتياب جماعة منكم في الدين، وما دخلهم من الشك والحيرة في ولاة أمرهم، فغنمنا ذلك لكم لا لنا، وساءنا فيكم لا فينا، لأن الله معنا فلا فاقة إلى غيره، والحق معنا فلن يوحشنا من قعد عنا... الخ(٢٣٩)، وهو خبر طويل.
التوقيع الثالث - تكذيبه لجعفر في ادعائه الإمامة:
روى الطوسي والطبرسي بإسنادهما عن أحمد بن اسحاق الأشعري (رحمه الله): أنه جاءه بعض أصحابنا يعلمه أن جعفر بن علي (عليه السلام) عم الإمام المهدي (عليه السلام) - كتب إليه كتاباً يعرفه فيه نفسه، ويعلمه أنه القيم بعد أخيه، وأن عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلها.
قال أحمد بن اسحاق فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام) وصيّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إليّ في ذلك عن طريق سفيره عثمان بن سعيد العمري (رحمه الله) بسم الله الرحم الرحيم: أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفدت درجه، وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمنه على اختلاف ألفاظه وتكرر الخطأ فيه، ولو تدبرته لوقفت عليه منه(٢٤٠)... الخ وهو خبر طويل.

* * *

المبحث الرابع: المعجزات التي ظهرت من الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي عثمان بن سعيد العمري

المعجزة هي المعيار الذي يعرف به الصدق، والبرهان الذي يحتج به للحق، والمحك الذي يمتاز به الخالص من المشوب، والأصل الثابت الذي يحق أن يستند إليه لعرفان الحق وإثبات الحقيقة، والوثيقة الوحيدة لمعرفة حقيقة دعوى المدعي، والمعيار المعتمد الدقيق لتمييز النبي من المتنبي، وهو عمل يجري على خلاف مجاري العادة عقيب التحدي، ولا يختص هذا بالأنبياء، فلا يمتنع أن يظهرها الله تعالى على يدي من يدعي الإمامة ليدلّ بها على عصمته ووجوب طاعته، وقد ظن الخصوم أنها مختصة بالأنبياء لأنها تدل على النبوة من جهة الإبانة، فقد استحال ظهورها على من ليس بنبي.... أقول: وليس فيما ذكروه ما يوجب كون المعجزة دالة على الإبانة، وأما وجوب حصولها وظهورها على يد النبي ومخالفتها في ذلك لسائر الأدلّة، فليس بمقتضٍ لما ذكروه، وإذا جاز إظهارها على يد المعصوم، فإنه يجوز إظهارها على يد السفراء والأصحاب لعدم منع العقل والكتاب والسنة من ذلك، وموافقة أكثر الفرق لهذا الاعتقاد(٢٤١)، فقد ذكر الشيخ الطوسي طرفاً من الأخبار الدالة على إمامة ابن الحسن العسكري (عليه السلام) وثبوت غيبته ووجود عينه عن طريق السفراء، وقال: بأنها أخبار تضمنت الإخبار بالغائبات بالشيء قبل كونه على وجه خارق للعادة، لا نعلم ذلك الا من اعلمه الله على لسان نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلم) ووصل إليه من جهة من دل الدليل على صدقه، ولو لا صدقهم لما كان ذلك إليه(٢٤٢)، ثم أضاف: إن ظهور المعجزات على أيديهم دليل واضح على إمامة من انتموا إليه(٢٤٣)، ونلخص بعض ما ظهر من الإمام المهدي (عليه السلام) من المعجزات على يدي سفيره عثمان بن سعيد العمري...
أولاً - الإخبار عن أمور الغيبة:
عن محمد بن علي الأسود (رحمه الله) قال: دفعت إلي امرأة سنة من السنين ثوباً وقالت: أحمله إلى العمري - عثمان بن سعيد - فحملته مع ثياب كثيرة، فلما وافيت بغداد أمرني بتسليم ذلك كله إلى محمد بن العباس القمي، فسلمت ذلك كله ما خلا ثوب المرأة، فوجّه إليّ العمري - رضي الله عنه - ثوب المرأة سلمه إليه، فذكرت بعد ذلك أن المرأة سلمت إليّ ثوباً فطلبته؛ فلم أجده، فقال لي: لا تغتم؛ فإنك ستجده، فوجدته بعد ذلك، ولم يكن مع العمري نسخة ما كان معي(٢٤٤).
ثانياً - علمه بموت المصري في مكة:
عن الحسن بن عيسى قال: لما مضى أبو محمد الحسن بن علي (عليه السلام) ورد رجل من مصر بمال إلى مكة لصاحب الأمر، فاختلف عليه وقال بعض الناس: إن أبا محمد قد مضى من غير خلف، وقال آخرون: الخلف بعده جعفر، وقال آخرون:
الخلف بعده ولده، فبعث رجلاً يكنى أبو طالب، فصار الرجل إلى الباب وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا الموسومين بالسفارة - عثمان بن سعيد العمري - فخرج إليه: آجرك الله في صاحبك فقد مات، وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة يعمل فيه بما يحب، وأجيب عنه كتابة، وكان الأمر كما قيل له(٢٤٥).
ثالثاً - إثبات صحة سفارته عن الإمام المهدي (عليه السلام):
حدّث محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: إن أبي لما حضرته الوفاة دفع اليَّ مالاً وأعطاني علامة، ولم يعلم بتلك العلامة إلاّ الله عزّ وجل وقال: من أتاك بهذه العلامة فأدفع إليه المال، فخرجت إلى بغداد ونزلت خان، فلما كان اليوم الثاني إذ جاء شيخ ودقَّ الباب:... إلى أن قال: فدخل وجلس، فقال: أنا العمري - عثمان بن سعيد - هات المال الذي هو عندك!! وهو كذا وكذا! ومعي المال، فدفعت اليه المال(٢٤٦).
رابعاً - قضية مدهشة للعقول:
وعن اسحاق بن يعقوب قال: سمعت الشيخ العمري - عثمان بن سعيد (رض) - يقول: صبحت رجلاً من أهل السواد ومعه مال للقائم (عليه السلام)، فأنفذه فرده عليه وقيل له: أخرج حق ولدك عمك منه، وهو أربعة مائة درهم، فبقي الرجل متحيراً باهتاً، ونظر في حساب المال وكانت في يده ضيعة لولد عمه قد كان ردّ عليهم بعضها؛ فإذا الذي نضّ لهم من ذلك أربعمائة درهم كما قال (عليه السلام)؛ فأخرجه وأنفذ الباقي، فقبل - العمري وأخذ المال(٢٤٧).
وكذا قصته مع الزهري الذي طلبه هذا الأمر طلباً شديداً وشاقاً حتى ذهب له فيه مال صالح، فوقف إلى عثمان بن سعيد العمري، وخدمه ولزمه وسأله بعد ذلك عن صاحب الزمان (عجل الله فرجه)... الخبر(٢٤٨).

* * *

المبحث الخامس: وفاة عثمان بن سعيد العمري وبرقية الإمام المهدي (عليه السلام) بالمواساة

حظي عثمان بن سعيد العمري بالسفارة العظمى خمس سنوات عن الإمام المهدي (عليه السلام) وقد نهل فيها علومه من معين الإمامة وحجور الولاية وتثق بوارف النبوة واستضاء من نور تلك المشكوات الزاهرات والبحار الزاخرات المتلاطمة أمواجها بالحكميات الربانية والعلوم المقدسة الإلهية: فكان العمري رشحة من رشحات الأئمة (عليهم السلام) وممثلاً لخلافة المهدي (عليه السلام) الظاهرية والباطنية حتى ختم صفحة تاريخه المشرق عام ٢٦٥هـ وبعد خمسة أعوام قضاها في السفارة، ولم يتعد خلافة المعتمد العباسي، وقد بلغ عمره الشريف اثنان وأربعون عاماً؛ وعمر إمامه المهدي (عليه السلام) آنذاك تسع سنوات.
وقام ابنه محمد بن عثمان العمري بتغسيل أبيه وتكفينه والصلاة عليه(٢٤٩)، وشيّع جثمانه بقلوب ملؤها الأسى ثم حُمِل إلى مثواه الأخير حيث دُفِن في الجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف بدرب جبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه، والقبر في نفس قبلة المسجد(٢٥٠)، قال الشيخ الطوسي: رأيت قبره في نفس الموضع الذي ذكره هبة الله، وكان بُني في وجهه حائط، وبه محراب المسجد وإلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت مظلم ضيّق، فكلنا ندخل إليه ونزوره مشاهرة. قال: وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة ثمان وأربعمائة إلى سنة نيّف وثلاثين وأربعمائة، ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو جعفر منصور محمد بن الفرج، وأبرز القبر إلى برّ - أي إلى الخارج - وعمل عليه صندوقاً وهو تحت السقف يدخل إليه من أراده ويزوره، قال الطوسي: ويتبرك جيران المحلة بزيارته ويقولون: وهو رجل صالح، وقالوا: هو ابن داية الحسين (عليه السلام)، ولا يعرفون حقيقة الحال فيه؛ وهو إلى يومنا هذا، وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة على ما هو عليه(٢٥١)، وقبره الآن مشيد ومعروف ببغداد يزار ويتبرك به(٢٥٢)، وقد روى العلامة المجلسي زيارة له فقال: وجدت في بعض النسخ القديمة من مؤلفات أصحابنا زيارة لمولانا أبي محمد عثمان بن سعيد العمري الأسدي وهي: السلام عليك أيها العبد الصالح لله ولرسوله ولأوليائه... الخ(٢٥٣).
وخرجت برقية تعزية من الإمام المهدي (عليه السلام) إلى ابنه محمد بن عثمان يواسيه فيها بابيه، ويعبّر فيها عن حزنه العميق لفقدانه، وكانت إعلاناً له بالسفارة عنه (عليه السلام) بعد أبيه عثمان بن سعيد؛ وكانت برقيته تشتمل على فصلين:
فقد جاء الفصل الأول هذه البرقية:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ إنّا لله وإنا إليه راجعون، تسليماً لأمره ورضاء لقضائه، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (عليهم السلام)، فلم يزل مجتهداً في أمرهم ساعياً فيما يقرّبه إلى الله وإليهم، نضر الله وجهه وأقال عثرته.
وجاء في الفصل الثاني من البرقية:
أجزل الله لك الثواب، وأحسن لك العزاء رزئت ورزئنا؛ وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرّه الله في منقلبه، كان من كمال سعادته أن رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإن الأنفس طيبة بمكانك، وما جعله الله عزّ وجل فيك وعندك أعانك الله وقوّاك عضدك ووفقك، وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً(٢٥٤).

* * *
الباب الثاني: السفير الثاني للإمام المهدي (عليه السلام) محمد بن عثمان العمري

المبحث الأول: محمد بن عثمان العمري في الميزان

ثم ابن عثمان وكيل عمري * * * وفاته قدر صحيح الخبر
وثاني السفراء قد أوصى إلى * * * حسين بن روح حيث ما ابتلا(٢٥٥)

وهو محمد بن عثمان بن سعيد العمري، كنيته أبو جعفر، ويلقّب بالعمري والعسكري والأسدي والسمّان، أثنى عليه المخالف والموافق؛ فقد ذكر الجهضمي برواية رجال المذاهب الأربعة حال السفراء وكذا اسمه وأنه كان وكيلاً للإمام المهدي (عليه السلام) وامره أشهر من أن يحتاج إلى الإطالة(٢٥٦)، وأخرج الكيدري توقيعاً خرج من صاحب الزمان (عليه السلام) للعمري - أبي جعفر - وفيه وصايا أوجبت عليه الثبوت على إمامته(٢٥٧)، وقال ابن الأثير بعد ترجمة: إنه رئيس الإمامية والباب إلى المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن روح(٢٥٨)؛ وقال مثله في المختصر لأبي الفداء(٢٥٩)، والمسعودي في إثبات الوصية، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة.
أما علماء الشيعة فقد أجمعوا عليه، وتقدم ذكر عبارات القدماء في حق السفراء وهو من بينهم؛ قال المفيد: إنه من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)، وممن شاهد الخلف في حياته، وكان من أصحابه وخاصته بعد وفاته؛ وكان أهل عقل وأمانة، وثقة ظاهرة ودراية، وفهم وتحصيل ونباهة، وكانت أخبار المهدي (عليه السلام) واصلة من جهته مدة من الزمن إلى الشيعة، وهو ممن يوثق بقوله ويرجع إليه لدينه وأمانته، وممن اختص به من الدين والنزاهة(٢٦٠) وقال الطوسي: بأنه وكيل من جهة الصاحب؛ وله منزلة جليلة عند الطائفة(٢٦١) وأما الطبرسي فإن عدّه من الأبواب المرضيين والسفراء الممدوحين في زمان الغيبة، فقام مقام أبيه، وناب منابه في جميع ذلك، ولم يقم في أمر السفارة إلاّ بنص من قبل صاحب الزمان (عليه السلام) عليه، ولم تقبل الشيعة قوله الا بعد أن ظهرت آية معجزة على يديه من قبل صاحب الأمر، تدل على صدق مقالته وصحّة بابيّته، وقال الأردبيلي: بأنه مما لا تختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (عليه السلام) فيه، وقال العلامة الحلي: الأسدي ابو جعفر، وكيل في خدمة صاحب الزمان (عليه السلام) وله منزلة جليلة عند هذه الطائفة.
أما علماؤنا المتأخرون فقد أثنوا عليه وبالغوا في مدحه، قال السيد حسن الصدر: إنه من ولد عمار بن ياسر، وإنه من أوليائه الصالحين وعباده المخلصين، عالم بالله وبأحكامه، تشرق عليه أنوار الملكوت، جالس على كرسي الاستقامة، لا نظير له في عصر العلوم والمعارف؛ وإنه حجة المولى على الشيعة، وعلى يده ظهرت الكرامات(٢٦٢)، وقال عنه القمي: إنه باب الهادي (عليه السلام) ووكيل الناحية المقدسة (عليه السلام) في خمسين عاماً؛ الذي ظهر على يده من طرف المأمول المنتظر (عليه السلام) معاجز كثيرة، وفضائله أشهر من أن تذكر(٢٦٣)، أما المامقاني فقد قال: إن جلالة شأن هذا الرجل وعلو قدره ومنزلته في الإمامية أشهر من ان يحتاج إلى بيان وإقامة برهان، وقد مرّ في أبيه ما ينص على وكالته حتى في حياة أبيه عن مولانا العسكري (عليه السلام) وسفارته عن الحجة (عجل الله فرجه): ووثاقته وأمانته وعدالته وإجماع الشيعة على ذلك(٢٦٤)، وقال السيد الخوئي أيضاً: بأن الروايات في جلالة وعظمة مقامه متضافرة(٢٦٥).
أما منزلته في الأمة الإسلامية:
فقد نجح محمد بن عثمان العمري في تحصيل اعتماد الأمة الاسلامية، وحصل على مرتبة جليلة بين علمائنا وفصائلها؛ قال هبة الله نقلاً عن شيوخه وعلماء الأئمة: بأنهم مجتمعون على عدالته ووثائقه وأمانته، لما تقدم من النص عليه بالأمانة والعدالة(٢٦٦)، ولا يعرفون في هذا الأمر غيره، ولا يرجعون إلى أحد سواه(٢٦٧)، بل لا يختلف في عدالته، ولا يرتاب بأمانته(٢٦٨)، وكان هذا السفير يخرج لهم التوقيعات من الإمام (عليه السلام) بنفس الخط الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام) بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة(٢٦٩)، وكان كأبيه يستلم الأموال الضخمة التي تأتيه من الأقطار الإسلامية(٢٧٠)، وهو دليل على تسالم الأمة الإسلامية عليه، وعظمته وجلالته فيها، لا كما تزعم بعض الأفكار المشبوهة، لقد دعاه هذا الأمر وهو وصول تلك الأموال التي لا تحصل إلاّ للملوك والأُمراء إلى أن يُعيّن له عشرة أنفس من ثقاته في بغداد ليسهموا معه في أمر السفارة(٢٧١) وكان من بينهم الحسين بن روح النوبختي الذي عيّنه العمري قائماً على أملاكه وضبطها(٢٧٢)؛ والبلالي وحاجز العطار وغيرهم على قبض الأنفال والأخماس(٢٧٣) والشلمغاني على اخراج التوقيعات من قبله(٢٧٤) والحسين بن علي الأسود على الوقوفات(٢٧٥) كل ذلك ليتم عبر خطة مبرمجة وأسلوب منتظم، وليتم ذلك الأمر في غاية السرية والكتمان؛ والحذر الشديد من مغبة الوقوع في مخالب السلطات.
وقد كانت الأموال تُسلّم إليه بطريق غامض ومغلّف بالسرية، وذلك بدلالة السفير نفسه، فقد روى الطوسي: وصول مبلغ ستة عشر ألف دينار من أهالي دينور، سلّمها الدينوري لوكيل الإمام (عليه السلام) بدلالة الوصف(٢٧٦)، فكان منهم من يطالب بالوصولات من السفير، ومنهم ممن لا يطالبه، ومنهم ممن لا يُسلّمه شيئاً الا بعد معرفة كرامة أو معجزة من الإمام (عليه السلام) تظهر على يديه وكان يتم تسليم الوصولات لأرباب الأموال لفترة قصيرة نسبياً وهي فترة خلافة المعتضد العباسي علم ٣٧٩هـ، أي بعد تسعة عشر عاماً من بدايتها، ثم انقطع التسليم، فقد روى الطوسي بإسناده عن المندائي قال: كلن من رسمي اذا حملت المال في يدي إلى الشيخ محمد بن عثمان العمري أن أقول له ما لم يكن أحد يستقبله بمله: هذا المال ومبلغه كذا وكذا للإمام (عليه السلام)، فيقول لي: نعم دعه فأرجعه، فأقول له مرة أُخرى: تقول لي: إنه الإمام؟! فيقول: نعم للإمام (عليه السلام) فيقبضه(٢٧٧)، ثم يسلم الوصول به(٢٧٨)، وبعد مضي فترة من سفارته طولب وكيله ابن روح النوبختي بدفع الوصولات، فشكا ذلك إلى ابو جعفر العمري، فأمر أصحابه أن لا يطالبوه بالقبوضات، وقال: كل ما وصل إلى ابي القاسم فقد وصل إلى ابي القاسم إلّي، فصارت تحمّل إليه الأموال، ولا يطالب بالقبوض(٢٧٩)، بسبب صعوبة الوقت أيام المعتضد حيث كان السيف يقطر دماً(٢٨٠)، وكانت تلك الفترة مليئة بالظلم وسفك الدماء(٢٨١) كما سيأتي بيانه، فكان أبو جعفر العمري يسافر بين الحين والحين وهو زي التجار للتغطية على أمره، وكان يستلم الأموال بصفته تاجراً لا بصفته سفيراً، ويقول للرجل: امض إلى موضع كذا فسلّم ما معك، من دون أن يشعر بشيء، ولا يدفع إليه كتاباً لئلا تطلع عليه السلطات(٢٨٢)، وكان الإمام المهدي حريصاً على مطالبته بالأموال والأخماس والزكوات والأنفال التي تصل إلى سفيره ووكلائه في الأقطار الاسلامية، ولا يجوز لهم التخلف أو التقصير؛ فقد خرج توقيعاً منه (عليه السلام) ابتداءً من غير مسألة لسفيره، محمد بن عثمان العمري قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من استحل من أموالنا درهماً(٢٨٣)، وجاء في توقيع آخر: وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحل شيئاً فإنما يأكل النيران(٢٨٤).
وفي توقيعٍ ثالث: وأما سُئلت عنه في أمر من يستحيل ما في يده من أموالنا ويتصرف في ماله من أمرنا، فمن فعل ذلك هو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، وقد قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم): المستحيل من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني ولسان كل نبي مجاب، فمن ظلمنا، وكان في جملة الظالمين لنا، وكانت لعنة الله عليه قوله عزّ وجل: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾(٢٨٥).
أما منزلته عد الامام الهادي (عليه السلام):
لق ذكرنا أن الامام الهادي (عليه السلام) كان قد طبق على نفسه سياسة الاحتجاب الا عن عدد يسير من خواصه(٢٨٦)، حتى تألف الأمة الأسلوب لا يتنكر الغيبة، وتجري العادة بالاحتجاب والاستتار(٢٨٧). وكل هذه الأساليب التي استخدمها الامام (عليه السلام) انما كان بسبب المضايقات وحملات التفتيش والملاحقة لأنصار الإمام (عليه السلام) من قبل السلطات الحاكمة التي كانت تستخدم شتى الأساليب كما فعل الخلفاء من قبل السلطات الحاكمة التي كانت تستخدم شتى الأساليب كما فعل الخلفاء من قبل ضد الأئمة وأنصارهم ومؤيديهم.
فقد ذكر الطوسي: بأنه لم تلقَ فرقة وبلي أهل مذهب بما بليت به الشيعة من التتبع والقصد وظهور كلمة اهل الخلاف، حتى أننا لا نكاد نعرف زماناً تقدم سلمت فيه الشيعة من الخوف ولزوم التقية، ولا حالاً عريت فيه من قصد السلطان وعصبيته وميله وانحرافه(٢٨٨). وأكد أحمد أمين المصري هذا المعنى بقوله: إن التقية عند الشيعة جزء مكمل لتعاليمهم تواصوا به، وعدوه مبدءاً أساسياً من حياتهم(٢٨٩)، وكان هذا هو السبب في أن يشكل تاريخ أهل السنة وتراجمهم وأحاديثهم القسم الأعظم من تاريخنا الإسلامي دون التاريخ الشيعي الأمامي؛ الذي كان يعاني من ظلم الحكام وجورهم؛ فحدث لهم مما لم يحدث الا في حروب التتار والمغول والصليبيين ولم ينج من بطش الخلفاء حتى ممن لم يكونوا على مذهب الشيعة بسبب روايتهم حديثاً عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) من الأئمة (عليهم السلام)!! فمثلاً يضرب نصر بن علي الجهضمي ألف سوط لأنه حدّث بحديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الحسن والحسين قوله: (من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة)؛ فكلّم جعفر بن عبد الواحد الخليفة المتوكل العباسي: بأن نصراً لم يكن شيعياً وإنما هو من أهل السنة، فضرب خمسمائة سوط وعفي عن الباقي(٢٩٠).
وهكذا ايضا يضرب مالك - مؤسس المذهب المالكي في عصر الصادق (عليه السلام) - بسياط المنصور بعد معرفة نوايا الخليفة من معارضة مذهب الامامية فقال: لا تفعل اما هذا الصقع فقد كفيته، واما الشام ففيه الرجل الذي علمته - اي الاوزاعي - واما اهل العراق فهم اهل العراق(٢٩١). ولم يستثن اصحاب الائمة عن اساليب الحكام وتعسفهم؛ حتى اخذت تطاردهم، وبثت الجواسيس حولهم لاقتناص اخبارهم؛ وتعذيبهم بألوان العذاب وزجهم في السجون، وبقي الإمام المهدي (عليه السلام) وأصحابه يقفون أمام تيارات الانحراف القائمة في السلطة والأمة؛ ومواجهة الإلحاد.
فقد حدثنا التاريخ أن أصحاب الإمام الهادي (عليه السلام) وهو في سياسة الاحتجاب التي فرضها على نفسه كانوا قد بلغوا المائة والثمانين رجلاً(٢٩٢).
وهذا عدداً ضخماً بالنسبة للأوضاع التي كان يعيشها الإمام الهادي (عليه السلام) آنذاك؛ وقد اعتمد الإمام (عليه السلام) على محمد بن عثمان العمري في أموره ونهضته الإصلاحية؛ فقرّبه إليه وجعله باباً له في علومه وغوامض أسراره(٢٩٣)، وشارك أباه في مواجهة الانحراف(٢٩٤)، وصار وكيلاً خاصاً للإمام الهادي (عليه السلام) لما امتلكه من أمانة ودراية وفهم(٢٩٥).
أما منزلته عند الإمام العسكري (عليه السلام):
لقد أفضى الأمر بالإمام العسكري (عليه السلام) بأن يتكلم من وراء الستار مع الخواص وغيرهم إلّا في الأوقات التي يركب فيها إلى دار السلطان(٢٩٦).
وقد قام الإمام بتقليص عدد أصحابه لخضوعه للرقابة الشديدة من قبل السلطات(٢٩٧).
وأن يكثف في اختفائه عن الساحة السياسية والاجتماعية؛ فقد كان المجتمع خليطاً غير متجانس من الإنسان المتسافل روحياً، والمشدود إلى مصالحه وخدمة ذاته والسير وراء رغباته وميوله؛ والمنحرف عن التعاليم الإسلامية بلا فرق بين طبقة وأخرى ولون وآخر، مستثنين في ذلك قادة الفكر والحركة الإصلاحية والنموذج الرسالي الواعي.
وبدأ محمد بن عثمان العمري تلك النهضة مع إمامه (عليه السلام)؛ فأوكل له (عليه السلام) مهمة البابية عنه(٢٩٨). وجعله مطلعاً على أخباره وأسراره، والقيام بنقل نداءاته وبياناته الصادرة منه إلى الأمة الإسلامية، ثم نصبه وكيلاً عنه في قبض الأموال والوجوه الشرعية، والمشاريع الضخمة(٢٩٩)، وقربه إليه ومنحه ثقته المطلقة به تلويحاً منه للأمة بعظم خطره وأن له شأناً آخر مع الإمام المهدي (عليه السلام) في تخطيطه لأمر الغيبة التي أشرفت على الوقوع والتحقق.
روى الطوسي بإسناده عن أحمد بن إسحاق القمي قال: سألت الحسن العسكري عن مثل ذلك - أي في أبي جعفر العمري كما سأل عن أبيه في حياة الإمام الهادي (عليه السلام) - فقال لي: العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعنّي يؤديان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فإنهما الثقتان المأمونان(٣٠٠)، وغير ذلك من عظيم الإجلال والإكرام(٣٠١).
فإن كلمة (ثقتي) التي كررها الإمام (عليه السلام) في محافل عديدة في حق محمد بن عثمان العمري وأبيه من قبل، لا تكون إلّا لمن أخلص وصفى، وتمخض إيمانه وولاؤه، وهي ليست باللفظة الرخيصة، بل عليها اعتماد الحفاظ وحملة الحديث؛ فإنهم إذا وجدوا حافظاً أو فقيهاً قالوا عنه: محدث ثقة، واتخذوها الحجة القاطعة لأعذار المشككين، فما ظنك بمن يقول الإمام فيه: «ثقتي»، فذاك حجة الحجة، وآية من آيات العصمة، وهذه الكلمة لا تليق إلّا بمحمد بن عثمان العمري وأمثاله، صاحب المقامات العالية، والمناقب السنيّة وآية من آيات العصمة، فالعرق صحيح وهو من ولد عمار بن ياسر(٣٠٢)؛ والمنشأ كريم فأبوه عثمان بن سعيد الذي أكرمه الأئمة (عليهم السلام) وعظموه وعرّفوا فضله وجلالته.
لقد أكد محمد بن عثمان العمري في سياسته على حقيقتين هامتين:
إحداهما: التأكيد على قرب ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) التي ستكون بداية التحول في التاريخ الإسلامي.
وثانيتهما: إخبار أصحابه بأن للإمام المهدي (عليه السلام) غيبتان: إحداهما صغرى والأخرى كبرى، باعتبار أن الغيبة حدث نادر في التاريخ البشري، تحتوي على عنصر غيبي خارج عن الحس، لأن عنصر اختفاء الإمام (عليه السلام) وإن لم يمكن تفسيره طبيعياً، إلّا أن طول عمره كان متمحضاً عن الإرادة الربانية، والعامل الروحي النازل من السماء لتحقيق اليوم الموعود.
ولكي تفهم الأمة هذا المفهوم، فلابد أن يتكرر ويفهم هذا المفهوم للأمة لكي تستسيغه وتعتاد عليه، ولا يحدث فيها هزة عنيفة أو ردة فعل في قبولها هذه الفكرة، خصوصاً وأن هناك إرهاصات مسبقة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمة الطاهرين (عليهم السلام) حول فكرة وجود المهدي (عليه السلام) وغيبته.
إن هذه المسبقات الذهنية والقاعدة الفكرية المشحونة بالاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) وحصول العلم بقرب وقوعها، كان قد هيّأ الأرضية الملائمة لقبولها؛ فلم يبقَ أمام محمد بن عثمان العمري سوى إعلانه عن هذه الفكرة وتطبيقه لها وإشعار الأمة بقرب الولادة التي أوشكت على التحقق والتنفيذ، وبذل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) جهوداً مضاعفة في تقوية الارتباط بين العمري والأمة وتوثيقه في محافل عديدة تمهيداً لأمر الغيبة، كقوله (عليه السلام) للوفد اليمني:
«اشهدوا على أن عثمان بن سعيد العمري وكيلي، وأن ابنه محمداً وكيل ابني مهديكم»(٣٠٣).
وقوله من قبل في أبيه عثمان بن سعيد: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات»(٣٠٤)، وقوله في عرض لأصحابه بلغوا أربعين رجلاً: «فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم والأمر إليه»(٣٠٥).
أما منزلته عند الامام المهدي (عليه السلام):
فالمتتبع للنصوص التاريخية يرى بوضوح وجود اللقاءات العديدة بين الامام المهدي (عليه السلام) وسفيره محمد بن عثمان العمري، وقد تمّ بعضها في حياة الامام الحسن العسكري بحضور ابنه الامام المهدي (عليه السلام). وكان يدور الحوار في تلك اللقاءات حول الاوضاع الاجتماعية السائدة ودراستها وكيفية معالجتها ووضع الحلول لها، وقد كان يحضر في تلك اللقاءات كبار الشخصيات الاسلامية امثال: عثمان بن سعيد وابن روح النوبختي والسمري، وابن متيل وابيه، والحسن بن أيوب بن دراج ومعاوية بن حكيم واحمد بن هلال وعلي بن بلال وغيرهم من بني نوبخت(٣٠٦).
وتعمقت تلك اللقاءات والزيارات بين الامام المهدي (عليه السلام) ومحمد بن عثمان فترة سفارة ابيه عثمان عن الامام المهدي (عليه السلام) وتنصيبه في بغداد، لتعتمد الامة في امورها عليه، لتحمل اليه اموالها وهمومها وآلامها وآمالها، ومن ثم يخرج لهم التوقيعات عن صاحب الأمر (عليه السلام) بشأنها(٣٠٧). وكان المسلمون مع صعوبة الوقت يقصدون أباه في حوائجهم وهو يخرج لهم الاجوبة والتوقيعات منه في حلّ مشاكلهم(٣٠٨)، وكانوا لا يشكون في قوله وفعله وصدقه (٣٠٩)، إلى ان توفي (رحمه الله) في عام ٢٦٥ه(٣١٠)، وكان اول توقيع خرج من الامام المهدي (عليه السلام) لمحمد بن عثمان العمري بعد وفاة ابيه جاء فيه تنصيبه سفيراً جديداً له (عليه السلام) قائلاً: الحمد لله، فإن الأنفس بمكانك، وما جعله الله عز وجل فيك وعندك.. الخ(٣١١)، ثم ارفق صدور الحكم منه (عليه السلام) دعاء له بالسداد والتوفيق في هذه المهمة الصعبة فقال (عليه السلام): أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك، وكان لك ولياً وحافظاً وراعياً وكافياً(٣١٢)، فقام محمد بن عثمان العمري بمهام السفارة بعد تغسيله لأبيه وتكفينه وتجهيزه ودفنه بالجانب الغربي من مدينة السلام(٣١٣) وقال الطوسي: فلما مضى ابو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه ابو جعفر محمد بن عثمان مقامه بنصّ أبي محمد (عليه السلام) عليه، ونص ابيه عثمان عليه بأمر القائم (عليه السلام)(٣١٤).
وقام محمد بن عثمان العمري بعدة امور في سفارته عن الامام المهدي نلخصها بما يلي:
الأول - إعلانه أمر سفارته عن الإمام المهدي للأمة:
لقد أعلن السفير محمد بن عثمان العمري عن بداية سفارته عن الامام المهدي (عليه السلام) لأصحابه ومن يثق به في الامة الاسلامية، وقد كان التوقيع يعدّ عملاً من أعمال السفير في اثبات وجود الامام المهدي (عليه السلام) والتصديق بدعوى السفير في امر سفارته. روى الطوسي بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري انه قال لمحمد بن همام: لمّا مضى أبو عمرو (رضي الله عنه) أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نكاتب به بإمامة أبي جعفر (رضي الله عنه) مقامه(٣١٥). فكانت التوقيعات تخرج على يده من الإمام المهدي (عليه السلام) في المهمات طول حياته(٣١٦).
الثاني - إقامة الدلائل والبراهين على صدقه:
قال الطوسي: وقد نقلت عنه دلائل كثيرة ومعجزات الإمام ظهرت على يده وأمور أخبرهم (عليه السلام) بها عنه؛ زادتهم في هذا الامر بصيرة(٣١٧).
الثالث - إثبات جدارته في أمر السفارة:
لقد ذكرنا النصوص الواردة في توثيقه من الامام الهادي والعسكري ثم الامام المهدي (عليه السلام) حيث قال فيه: لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضّر وجهه - يجري مجراه ويسدّ مسده، وعن امرنا يأمر الابن وبه يعمل(٣١٨). وقد تسالمت عليه الامة ايضا بعد معرفتها له وتعايشها معه، فكانت لا تشك ابداً في اقولاه وافعاله؛ مجتمعة على عدالته ووثاقته(٣١٩).
الرابع - تفوقه على اقرانه في العلوم:
ان استمرار محمد بن عثمان العمري اربعين او خمسين عاماً(٣٢٠) في امر السفارة ومناظرته سائر الفرق والأديان المختلفة؛ وافساد بعض العقائد والمذاهب الباطلة، وسد الشبهات التي اثارتها السلطات ومجابهة بعض الانحرافات في الامة كان دليلاً واضحاً ومتقناً على عظمة هذا السفير وجلالته وعظم المبدأ الذي انتسب له.
الخامس - حل مشاكل الامة وقضاء حوائج اصحابه:
السادس - المساهمة في اخفاء الامام المهدي (عليه السلام):
لقد وردت تصريحات عديدة من الامامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) لاصحابهم بشأن اخفاء امر الامام المهدي (عليه السلام) عن انظار السلطات وخرجت من نفس الامام المهدي (عليه السلام) التصريحات والتوقيعات العديدة بشأن كتم أمره، وعدم التصريح باسمه، فمثلاً يخرج منه توقيع لسفيره محمد بن عثمان العمري ابتداء من غير مسألة: ليخبر الذين يسألون عن الاسم: اما السكوت والجنة، واما الكلام والنار، فانهم ان وقفوا على الاسم اذاعوه، وان وقفوا على المكان دلوا علي(٣٢١).
السابع - قبض الاموال والانفال والزكوات من اربابها وصفها في المشاريع بأمر الامام المهدي (عليه السلام)(٣٢٢).
الثامن - تنصيب الوكلاء من قبله بامر الامام المهدي (عليه السلام):
لقد ذكر الصدوق قائمة باسماء الوكلاء الذين تن تنصيبهم وكلاء عن الامام المهدي (عليه السلام) ليساهموا في امر السفارة، وتسهيل عمل السفير، وايصال بياناته ونداءاته إلى الاقطار الاسلامية، اما في بغداد، فقد كان له من يتصرف في قبضها، وكانوا عشرة أنفس منهم ابو القاسم بن روح النوبختي (رضي الله عنه)(٣٢٣)، وكان كلام محمد بن عثمان العمري نافذاً في الأمة الاسلامية لانه يعبر عن كلام الامام المهدي (عليه السلام) حيث قال فيه (عليه السلام): وعن أمرنا بأمر الابن وبه يعمل، تولاه الله (٣٢٤)؛ وقوله (عليه السلام): وأما محمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه وعن أبيه من قبل - فإنه ثقتي وكتابه كتابي(٣٢٥). ونشير إلى وضعه العائلي والاجتماعي.
أما أسرته:
فلم تشر النصوص الاسلامية إلى اسرته سوى أن له ابنة تدعى أم كلثوم، وكانت راوية للحديث(٣٢٦)؛ عالمة فاضلة تفوقت على اقرانها في شتى العلوم، وشهدت المحافل والأندية العلمية بحقّها، روت كتب أبيها وكثيراً من كراماته وفضائله(٣٢٧)، وروى الصدوق والطوسي وغيرهما احاديثها واخبارها، وكذا اخبار ابي نصر هبة الله بن محمد الكاتب الذي كان ابن بنت ام كلثوم بن ابي جعفر العمري(٣٢٨) - فقد تزوجت من أحمد بن ابراهيم التنوبختي وهو احد الشخصيات الاسلامية المرموقة، وكان متكلماً وفقيهاً ومن خواص محمد بن عثمان العمري، فلما توفي العمري اختص بالحسين بن روح النوبختي، فكان يكتب له الاجوبة عن المسائل التي يخرج جواباتها على يديه، وكثيراً ما يقول اصحابنا في المكاتبات التي خرجت جواباتها على يد الشيخ ابي القاسم بن روح النوبختي (رحمه الله): انها بخط احمد بن ابراهيم بن نوبخت وإملاء الشيخ أبي القاسم الروحي(٣٢٩)؛ وكان احمد بن ابراهيم قد تقدم بطلب إلى محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) لرؤية الإمام المهدي (عليه السلام)(٣٣٠).
المبحث الثاني: محمد بن عثمان العمري والأوضاع السياسية والفكرية والاجتماعية فترة سفارته
بدأت سفارة محمد بن عثمان العمري عام ٢٦٥ه بعد وفاة أبيه، وانتهت عام ٣٠٥ه(٣٣١) على اختلاف في الروايات أن فترة سفارته أربعين أو خمسين عاماً كما سيأتي في البحث. وكان قد عاصر فيها أربعة من الحكام هم: بقية خلافة المعتمد المتوفى عام ٢٧٩ه والمعتضد المتوفى عام ٢٨٩ه، والمكتفي بالله المتوفى عام ٢٩٥ه، وعشر سنوات من خلافة المقتدر التي استمرت إلى عام ٣٢٠ه(٣٣٢).
أمّا الحوادث المهمة التي رافقت فترة سفارته فنلخصها بما يلي:
أولاً - مطاردة قواعد الإمام المهدي (عليه السلام) وملاحقة أصحابه:
دلت النصوص التاريخية على بقاء الإمام المهدي (عليه السلام) فترة من الزمن بداية الغيبة الصغرى في سامراء، حيث كان العمريان فيها يستلمان التوقيعات الصادرة عنه (عليه السلام) وهما في بغداد، ولم يرد في تلك النصوص كيفية توصيلها لهما او استلامها، وبقي ذلك محاطاً بالغموض والكتمان؛ وكان السفيران من جهتهما أيضاً يوصلان الأموال والرسائل التي تصلهما إلى الامام المهدي (عليه السلام) وهو في سامراء(٣٣٣)، حيث يتمّ إخراج التعاليم والارشادات بشأنها منه (عليه السلام) بواسطة بعض الوكلاء الخاصين هناك(٣٣٤)، وقد دلت بعض المقابلات التي كانت تتم بينه (عليه السلام) وبعض الشخصيات الاسلامية على ذلك، كما جاء في خبر حاجظ الوشاء(٣٣٥)، وأبي محمد الرازي وغيرهما(٣٣٦). وفي تلك الفترة، كانت السلطات تطارد الإمام (عليه السلام) مطاردة شديدة وتلاحق أنصاره ومؤيديه، حتى أنها كبست دار الإمام (عليه السلام) عدة مرات بعد وفاة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) من قِبل الخليفتين المعتمد والمعتضد(٣٣٧). فقد روى الراوندي أن المعتضد بعث ثلاثة من قواده لكبس دار الإمام (عليه السلام) وقال لهم: الحقوا واكبسوا دار الحسن بن علي فإنه توفي، ومن رأيتم في داره فأتوني برأسه(٣٣٨). فمن يكون في تلك الدار غير ابنه المهدي (عليه السلام)!!، مما يدل على أنه (عليه السلام) كان في سامراء التسعة عشر عاماً المتبقية من خلافة المعتمد إلى بداية خلافة المعتضد عام ٢٧٩ه. وتشير بعض النصوص إلى أن الإمام المهدي (عليه السلام) كان قد قلص كثيراً من وكلائه في سامراء، بل طلب من أصحابه أن يتركوا سامراء فوراً لكي لا تثار حوله الشكوك، ولفسح المجال لهم ليشاركوا في أمر السفارة كوكلاء له في البلاد الإسلامية، في كانت بغداد اكثر هدوءاً واستقرارا من سامراء، وتمتلك مقومات العمل الاسلامي نظراً لموقعها الجغرافي وارتباطها بسائر العواصم الاسلامية، وقد ساهم هذا الامر في اضفاء طابع الكتمان والسرية في عمل الامام المهديإ وسفارته.
ولكن ومع ذلك كله فلم تنته حملات التفتيش لبيت الإمام المهدي (عليه السلام) من قبل السلطات، التي كانت تحس بالخطر الشديد الذي كان يهددها بين الآونة والأخرى بلا رادع ولا وازع، فمثلاً يقتحم نسيم وهو أحد جلاوزة السلطة وجواسيسها - دار الإمام المهدي (عليه السلام) وكسر بابه، ولكنه سرعان ما فوجئ بوجود الإمام (عليه السلام) واقفاً أمامه متحدياً، وبيده طبرزين قائلاً: ما تصنع في داري؟ فلم يكن أمام نسيم سوى أن تراجع وشعر بالخيبة والانكسار قائلاً: إن جعفرراً زعم أن أباك مضى ولا ولد له(٣٣٩)!! فاوصل خبره بعدها إلى السلطات وحذرها منه؛ وكان من حسن الحظ أن الدولة مشغولة بحرب صاحب الزنج، وبعض الاضطرابات الداخلية التي كانت منعتها من ذلك، وقد باءت جميع محاولات السلطات في القبض على الإمام (عليه السلام) بالفشل الذريع، وبقي كابوس الإمام (عليه السلام) يلاحقها ويرعبها، مضافاً إلى حوادث شغب صاحب الزنج كاد يقطع الشريان الحياتي للنظام الحاكم.
ثانياً - صعوبة تلك الفترة.. والسرية التامة:
إن المتتبع للنصوص التاريخية يشاهد في هذه الفترة من سفارة محمد بن عثمان العمري أمرين هما: قلّة النصوص الخارجة إلى هذا السفير مع طول فترة سفارته(٣٤٠)، فلم ينقل توقيعاً ذا بال بداية سفارته إلا في حدود نسبية والظروف الصعبة والمعقدة التي يعيشها الإمام المهدي (عليه السلام)، فالسيف يقطر دماً في خلافة المعتضد العباسي كما يقال(٣٤١)، وأن سنوات تلك الفترة كانت مليئة بالظلم وسفك الدماء(٣٤٢) كما ذكرنا.
ثالثاً - ظهور المدعين للسفارة كذباً عن الإمام المهدي (عليه السلام):
لقد ابتليت فترة سفارة محمد بن عثمان العمري بظهور السفارات الكاذبة لمدعيها عن الإمام المهدي (عليه السلام)؛ طمعاً في الزعامة على الأمة وابتزاز الأموال؛ مضافاً إلى الأشخاص الذين دستهم السلطات في صفوف الأمة لاقتناص خبر الإمام (عليه السلام) ومعرفة خبر السفارة، فادعوا أنهم وكلاء عنه (عليه السلام) ليعرفوا كل من يصل إلى الإمام (عليه السلام) ويتعرفوا على مكانه(٣٤٣)، وسنفرد لهم باباً في الحديث عنهم.
رابعاً - قساوة الحكام فترة سفارة العمري:
لقد ضاق الإمام المهدي (عليه السلام) بظلم الحكام فترة سفارة محمد بن عثمان العمري؛ فالمعتمد مثلاً يصدر أوامره بالقاء القبض على الإمام المهدي (عليه السلام) بعد أن أمر قبل ذلك بالقبض على الإمام العسكري (عليه السلام) وزجه في السجن(٣٤٤)، فأرسل الخيل والرجال إلى دار الإمام المهدي (عليه السلام) فكبسوه وفحصوا في كل غرفة ودهليز، ثم اشتغلوا بعدها بالنهب والسلب والغارة على ما رأوا من متاع الإمام (عليه السلام) في الدار(٣٤٥)، وكانت فترة سفارة العمري أيام المعتضد عام ١٧٩ه من أصعب الفترات عليه وأقساها؛ قال المسعودي: كان المعتضد قليل الرحمة، كثير الإقدام، سفاكاً للدماء، شديد الرغبة في أن يمثل بمن قتله، وكان إذا غضب على القائد النبيل والذي يختصه من غلمانه، أمر أن تحفر له حفيرة بحضرته ثم يدلّى على رأسه فيها ويطرح التراب عليه ونصفه الأٍفل ظاهر على التراب ويداس التراب، فلا يزال كذلك حتى تخرج روحه من دبره. وروى المسعودي بعض الصور البشعة من تذعبيه قائلاً: كان المعتضد يأخذ الرجل فيُكتّف ويُقيّد فيؤخذ القطن فيحشى في أذنه وخيشومه وفمه، وتوضع المنافخ في دبره حتى ينتفخ ويعظم جسمه، ثم يسد الدبر بشيء من القطن ثم يفصد - وقد صار كالجمل العظيم - من العرقين اللذين فوق الحاجبين، فتخرج النفس من ذلك الموضع، وفعل المعتضد هذا في لص سرق عشر بدر من بيت صاحب عطاء الجيش كان قد أعطاا الخليفة من بيت المال لبعض الرسوم اليه ليدفعها إلى الجند، فسرقت من بيته كلها ليلاً، ولم يشتف بذلك الفعل، بل أمر بعض الأطباء قبل ان يشنق بدن هذا اللص بأن يضربه في العرقين فوق الحاجبين اللذين في الجبين، فأقبلت الريح تخرج منهما مع الدم ولها صوت وصفير إلى ان خمد وتلف، فكان ذلك اعظم منظر رُئِي في ذلك اليوم من العذاب، وربما يقام الرجل في أعلى القصر مجرداً موثقاً فيرمى بالنشاب حتى يموت، واتخذ المطامير رجعل فيها صنوف العذاب(٣٤٦). فمن كان هكذا سريرتهه في لص سرق بعض البدر وقد ذكرت التصوص انه ارسل جماعة من قادته وامرهم بالتوجه إلى سامراء وقال لهم: الحقوا، واكبسوا دار الحسن بن علي فإنه توفي، ومن رأيتم في داره فأتوني برأسه(٣٤٧)، فلما فشلت هذه الهجمة على بيت الإمام (عليه السلام)، قام بهجمة أخرى، فبعث عسكراً أكثر وكان الإمام المهدي (عليه السلام) في الدار، فخرج منها ولم يروه!! بعد أن اجتمعوا على الباب وحفظوه حتى لا يصعد (عليه السلام) ولا يخرج(٣٤٨). أمّا سياسة المعتضد مع أصحاب الإمام (عليه السلام)؛ فقد روى التاريخ عنها الكثير، فمثلاً حمل علي بن عاصم إليه وهو شيخ الشيعة في وقته مع جماعة من أصحابه، فضُرب ثلاثمائة سوط(٣٤٩)! ثم حُبس حتى مات في المطامير، وبعدها رُمي في دجلة(٣٥٠).
خامساً - انتقال الخلاف العباسية من سامراء إلى بغداد:
ذكرت النصوص التاريخية ان المعتضد العباسي بويع له بالخلافة عام ٢٧٩ه، ثم أعرض عن سامراء اعراضاً تاماً، وانتقلت خلافته إلى بغداد، فبقيت سامراء لقمة سائغة للاضمحلال والفناء، وقد حوال المكتفي الرجوع والعودى إلى سامراء عام ٢٩٠ه لكن وزيره صرفه عن ذلك لجسامة الاموال التي يجب صرفها قبل الانتقال.
سادساً - الافول التدريجي للخلافة.. والفوضى في البلاد:
تفاقم اكر الخلافة العباسية فترة سفارة محمد بن عثمان العمري، فسيطرت الموالي والاتراك على دفة الحكم، واصبح تأثيرهم في التاريخ طبيعياً وامراً حتمياً، فهم القواد والمحاربون، وهم المالكون والمتصرفون في شؤون الدولة، فقلمّا يموت الخليفة حتف أنفه!! فالمعمد يكثر في الأكل على الشط ببغداد فيموت مبطوناً(٣٥١)، والمعتضد يموت مسموماً من قِبل إحدى جواريه أو غيرها(٣٥٢)، والمقتدر يموت بشرّ قتلة من قِبل قوم من المغاربة والبربر، وكان منفرداً منقطعاً عن أصحابه فشهروا سيوفهم في وجهه؛ فقال لهم: ويحكم أنا الخليفة!! فقالوا: قد عرفناك يا سفلة!! أنت خليفة إبليس، وقتلوه وأخذوا جميع ما عليه حتى سراويله وتركوه مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة؛ فستره بحشيش ثم حفر له موضعه ودفن وعفى قبره(٣٥٣). والقاهر بالله ثاروا عليه جماعة من القواد الساجية والحجرية واقتحموا عليه قصره، فلما سمع القاهر الأصوات والجلبة، استيقظ مخموراً وطلب باباً يهرب منه، ولا زال يماطلهم منفرداً حتى أدركوه وقتلوه(٣٥٤).
سابعاً - نهاية ثورة صاحب الزنج:
وشهدت فترة سفارة محمد بن عثمان العمري أيضاً نهاية صاحب الزنج بعد أن عاث في الأرض فساداً، وقتل وأحرق واستعبد الكثير من الناس إلى أن قتل عام ٢٧٠ه(٣٥٥)، وقد أدخل خبر قتله السرور والفرح على الأمة، وقيلت في ذلك الأشعار(٣٥٦).
ثامناً - نهاية الدولة الطولونية:
وشهدت فترة سفارته أيضاً نهاية الدولة الطولونية في مصر حيث بدأت عام ٢٥٤ه فترة خلافة المعتز العباسي، ومؤسس هذه الدولة هو أحمد بن طولون التركي الذي ولاه بايكبال التركي من قبل السلطة العباسية على مصر، وبقي حاكماً على مص وسوريا، ومتحدياً العاصمة أحياناً(٣٥٧)، حتى مات مبطوناً عام ٢٧٠ه(٣٥٨) فخلف ابنه خمارويه(٣٥٩)، الذي أصهر إليه المعتضد العباسي(٣٦٠)، وبقي مستمراً على ملك أبيه إلى أن قتله بعض خدمه وهو مخمور، فشرحوا لحمه من أفخاذه وعجيزته، وأكله السودان من مماليكه(٣٦١)، وبقيت الدولة الطولونية حتى عام ٢٩٢ه، حيث استولى الخليفة المكتفي على دولتهم وأموالهم، وولي عيسى النوشيري على مصر (٣٦٢)، وانقرضت بعد ذلك دولتهم، وقد كان لها دوراً هاماً في تغيير عجلة التاريخ ولمدة أربعين عاماً.
تاسعاً - ظهور مهدي جديد في افريقيا:
ومن الطريف في فترة سفارة محمد بن عثمان العمري هو ظهور رجل في افريقيا يدعي انه المهدي!! وأنه من ذرية اسماعيل ابن الإمام الصادق (عليه السلام) وهو جدّ الفاطميين في مصر عام ٢٩٦ه(٣٦٣)، وكان قد ملك قسماً كبيراً من الشمال الافريقي بما يقابل ليبيا وتونس والجزائر، فاستتبت له الأمور وخافته القبائل، وأخرج رجلاً من (سجلماسة) يدعى عبد الله بن الحسن وأعلنه مهدياً!! وتبرع له بكل ملكه، فاستقامت له البلاد ودانت له العباد، وقام بفتوحات كثيرة بعيداً عن العاصمة بغداد؛ وأراد احتلال مصر مرتين فلم يفلح بسبب ما بذلته السلطة العباسية من دفعه، كانت أولاهما عام ٣٠١ه(٣٦٤)، وثانيهما عام ٣٠٧ه(٣٦٥).
عاشراً - ظهور القرامطة:
ورافقت فترة سفارة محمد بن عثمان العمري ظهور القرامطة الذين ابتدأ أمرهم عام ٢٧٨ه(٣٦٦)، أي قبل حكة المهدي الافريقي بثمانية عشر عاماً؛ وكان هؤلاء يتصفون بالصرامة والشدة والاستهانة بالدماء؛ ولا يعتقدون بإمامة المهدي (عليه السلام)، وكانوا يختلفون في تفاصيل مذهبهم مع المذاهب الأخرى فقهاً وعقيدة، واتخذوا اسوأ الأساليب في التنكيل بالمسلمين خصوصاً قوافل الحجاج، والاعتداء على الكعبة الشريفة؛ وقلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى هجر(٣٦٧).
هذه نماذج من التاريخ استعرضناها فترة سفارة محمد بن عثمان العمير حيث يتضح من خلالها صعوبة الوقت وحراجة الموقف وخطر المسؤولية.
المبحث الثالث: محمد بن عثمان العمري ومدعو السفارة الكاذبة
لم يكن ادعاء منصب السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) كذباً وزوراً أمراً غريباً عن الأذهان، لكثرة من ادعى هذا المنصب قبل ذلك في النبوة، أمثال مسيلمة الكذاب وسجاح وغيرهما؛ والإمام أمثال محمد ابن الحنفية وابنه عبد الله وأخيه علي، وعبد الله بن معاوية الخارج بالكوفة وصاحب أصفهان الذي مات بأرض الشراة بالشام ومحمد بن عبد الله بن الحسن (عليه السلام) الخارج بالمدينة، وجعفر الكذاب ابن الإمام الهادي (عليه السلام) وغيرهم(٣٦٨). فقد ادعى أكثر هؤلاء تلك المناصب في أول أمرهم ثم خلطوا فادعوا الالوهية بعد ذلك؛ وأنهم قد عرج بهم إلى السماء، وكلموا المسيح (عليه السلام) إلى غير ذلك من الخرافات الأكاذيب التي اختلقوها لأنفسهم وسموها فضائل لهم ليبتزوا أموال الناس السذج ويتزعموا عليهم، ولكن سرعان ما ظهر أمرهم وبان كذبهم، وباءوا بغضب على غضب وفي الآخرة لهم عذاب عظيم، وصاروا أضحوكة للتاريخ وملعنة للبشرية. وقسم من هؤلاء تاب ورجع عن أمره وندم على ما صدر منه واعتذر من أفعاله للأمة.
أمّا مدّعو السفارة عن الغمام المهدي (عليه السلام) كذباً وزوراً؛ فنلخص منهم:
أولاً - أبو محمد الشريعي:
كان من أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليه السلام)، واسمه الحسن، ثم انحرف وكان أول من ادعى مقاماً لم يجعله الله فيه، ولم يكن له أهلاً، وكذب على الله وحججه (عليهم السلام) ونسب إليهم ما لا يليق بهم وهم منه براء، فلعنته الشيعة وتبرأت منه، وخرج توقيعاً من الإمام المهدي (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه. قال هارون: ثم ظهر القول منه بالكفر والإلحاد؛ وكل هؤلاء المدعين إنما يكون كذبهم أولاً على الإمام، وأنهم وكلاؤه يدعون هذه الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم، ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعاً لعائن الله تترى(٣٦٩).
ثانياً - محمد بن نمير النصري:
كان يلقب بالفهري وهو من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام) فانحرف وافتتن وأصبح يستخدم اسم صحبته للإمام العسكري (عليه السلام) ليستدرّ الأرباح ويتصدر على الناس السذج، فكتب الإمام (عليه السلام) كتاباً شديد اللهجة ضّده وضد الحسن بن محمد المسمى بابن بابا القمي، حيث كشف فيه انحرافهما والبراءة منهما، فقال (عليه السلام) مخاطباً أحد أصحابه: ابرأ إلى الله من الفهري والحسن بن محمد بن بابا القمي، فبرأ منهما، فإني محذرك وجميع موالييّ، وإني ألعنهما عليهما لعنة الله، مستأكلين؛ يأكلان بنا الناس؛ فتّانين مؤذيين؛ آذاهما الله، أرسلهما في اللعنة، وأركسهما في الفتنة(٣٧٠)...الخ.
وقال سعد ببن عبد الله: كان محمد بن نصير النميري يدعي أنه رسول نبي، وأن علي بن محمد (عليه السلام) ارسله؛ وكان يقول بالتناسخ ويغلو في أبي الحسن الهادي (عليه السلام) ويقول في الربوبية، ويقول بالإباحة للمحارم وتحليل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم، ويزعم أن الله عزّ وجلّ لا يحرم شيئاً من ذلك، وأن ذلك من التواضع والإخبات!! والتذلّل في المفعول به!! وأنه من الفاعل إحدى الشهوات والطيبات، وكان محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات - وهو والد علي بن محمد وزير المقتدر عام ٢٩٩ه - يقوّي أسبابه ويعضده. ثم قال سعد: أخبرني بذلك عن محمد بن نصير أبو زكريا يحيى بن عبد الرحمن بن خاقات أنه رآه عياناً وغلام على ظهره؛ قال: فلقيته، فعاتبته على ذلك، فقال: إن هذا من اللذات؛ وهو من التواضع لله وترك التجبّر(٣٧١).
وقال هبة الله أبو نصر: فلما توفي أبو محمد (عليه السلام) ادعى مقام أبي جعفر محمد بن عثمان؛ وأنه صاحب الزمان (عليه السلام)، وادعى له البابية، ففضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد والجهل، ولعن أبي جعفر عن عثمان له وتبريه منه، واحتجاجه عنه.
وادعى ذلك الامر بعد الشريعي، وتبعه جماعة تسموا بالنصيرية كان منهم: محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات(٣٧٢). وقال أبو طالب الأنباري: لما ظهر محمد بن نصير بما ظهر، لعنه أبو جعفر - العمري (رضي الله عنه) وتبرأ منه، فبلغه ذلك، فقصد أبا جعفر (رضي الله عنه) ليعطف بقلبه عليه أو يعتذر إليه، فلم يأذن له وحجبه ورده خائباً(٣٧٣).
ولما اعتلّ العلّة التي توفي فيها؛ قيل له وهو ثقيل اللسان: لمن هذا الأمر من بعدك؟! فقال بلسان ضعيف ملجلج: أحمد!! فلم يدروا من هو؟!! وفرقة قالت: هو أحمد بن موسى بن الفرات، وهو أخو علي بن محمد وزير المقتدر، وفرقة قالت: إنه أحمد بن أبي الحسين بن بشر بن يزيد فتفرقوا، فلا يرجعون إلى شيء(٣٧٤).
ثالثاً - أحمد بن هلال:
ويلقب بالكرخي(٣٧٥)، والعبرتائي(٣٧٦)، ولد عام ١٨٠ه وتوفي عام ٢٦٧ه(٣٧٧)، عاصر فيها الإمام الرضا (عليه السلام) والإمام العسكري (عليه السلام)، وسبع سنين من الغيبة الصغرى منها خمس سنين فترة سفارة عثمان بن سعيد، وسنتين فترة سفارة أبي جعفر العمري.
اتخذ مسلك التصوف، وحج أربعاً وخمسين حجة، عشرون منها على قدميه، لقيه أصحابنا بالعراق وكتبوا عنه(٣٧٨)، ذمّه الإمام العسكري (عليه السلام) على ما روي عنه(٣٧٩)؛ وتبنى بعده الإمام المهدي التحذير منه، فكتب إلى وكلائه بالعراق: احذروا الصوفي المتصنع(٣٨٠)!!. وورد على القاسم بن العلاء نسخة ما كان خرج من لعن ابن هلال، فأنكروا رواة أصحابنا بالعراق ذلك، لما كانوا قد كتبوا من رواياته، فحملوا القاسم بن العلاء في أن يراجع في أمره؛ فخرج إليه الإمام المهدي (عليه السلام) توقيعاً على يد سفيره محمد بن عثمان العمري جاء فيه: قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنع ابن هلال لا رحمه الله بما قد علمت، ولم يزل لا غفر الله ذنبه، ولا أقال عثرته؛ يداخلنا في أمرنا بلا إذن منا، ولا رضاً، يستبد برأيه فيتحامى من ديوننا ولا يمضي من أمرنا إياه إلا بما يهواه ويريده، أراده الله في ذلك في نار جهنم، فصبرنا عليه حتى بتر الله بدعوتنا عمره، وكنا قد عرفنا خبره قوماً من موالينا في أيامه لا رحمه الله، وأمرنا بلقاء ذلك إلى الخاص من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا رحمه الله، ولا ممن لا يبرأ منه.
وأعلم الاسحاقي(٣٨١)؛ سلمه الله وأهل بيته مما أعلمناك من حال هذا الفاجر وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين، ومن كان يستحق أن يطلع على ذلك؛ فانه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما روى عنا ثقاتنا، قد عرفوا بأننا نفاوضهم بسرنا ونحمله إياه إليهم وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى(٣٨٢).
ويظهر من هذا البيان أنه صدر منه (عليه السلام) بعد موت ابن هلال، ولعله مات بعد التوقيع الأول وقبل هذا البيان. وقد اتضح أيضاً من التوقيع أن ابن هلال كان يتلقى الأوامر من الإمام المهدي (عليه السلام) ولو بالواسطة، الا انه كان يستبد برأيه فيها ولا يطيق منها الا ما يريد وكيف ما يريد!! فدعا عليه الإمام المهدي (عليه السلام) فبتر الله عمره، وثبت قوم على انكار ما خرج فيه، ولم ينفعهم هذا القول البليغ، فعاودوا القاسم بن العلاء على ان يراجع فيه؛ فخرج من الإمام المهدي (عليه السلام) على يد سفيره محمد بن عثمان العمري توقيعاً جاء فيه: لا شكر الله قدره، لم يدع المرزئة بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما منّ به عليه مستقراً ولا يجعله مستودعاً؛ وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان لعنه الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على محمد وآله وسلم(٣٨٣).
ويظهر من النصوص التاريخية ان ابن هلال هذا بقي مؤمناً صالحاً فترة سفارة عثمان بن سعيد، ولكنه بدأ بالتشكيك في فترة سفارة أبي جعفر العمري؛ بحجة إنكار النصّ عليه من قبل الإمام العسكري (عليه السلام) ويقول: لم أسمعه ينص بالوكالة، وليس أنكر أباه؛ فأما أن أقطع أن أبا جعفر محم بن عثمان العمري وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) فلا أجسر عليه!!؛ فقالوا له: قد سمعه غيرك!! فقال: أنتم وما سمعتم! ووقف علي أبي جعفر العمري فلعنوه وتبرأوا منه(٣٨٤). وقد ذكره الشيخ الطوسي في قائمة المذمومين والمدعين للسفارة كذباً عن الإمام المهدي (عليه السلام)، وروى توقيعاً للحسين بن روح النوبختي بأنه بقي على ضلالته، فلعنه الإمام المهدي في جملة من لعن(٣٨٥).
رابعاً - أبو طاهر البلالي:
وهو محمد بن علي بن بلال، من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)(٣٨٦)، عدّه ابن طاووس من الوكلاء الموجودين في الغيبة الصغرى، والأبواب المعروفين الذين لا يختلف الإمامية القائلون بإمامة الحسن بن علي (عليه السلام) فيهم(٣٨٧)، وظاهره كونه بمنزلة القاسم بن العلاء والأشعري والأسدي وغيرهم في الوثاقة والجلالة، الا ان الشيخ الطوسي ذكره في المذمومين الذين ادعوا البابية، فتابعناه على ما ذكره، وتوقف العلامة الحلي في ما يرويه من أجل ذلك أيضاً(٣٨٨). قال الشيخ الطوسي: وقصته معروفة فيما جرى بينه وبين أبي جعفر - محمد بن عثمان - نصر الله وجهه، وتمسكه بالأموال التي كانت عنده للإمام المهدي (عليه السلام)؛ وامتناعه من تسليمها، وادعاؤه أنه الوكيل، حتى تبرأت الجماعة منه، ولعنوه؛ وخرج فيه من صاحب الزمان (عليه السلام) ما هو معروف(٣٨٩). ثم ان البلالي هذا كان له جماعة من الأصحاب والمؤيدين منهم: أبو الطيب أخوه، وابن حرز ورجل من أصحابنا، وقد انفصل الاخير عنه، وكان للبلالي دوراً هاماً في عملية الانحراف والتزوير، مما دعا أبي جعفر العمري بأن يتصدى له ويردعه، ثم أخذ الأموال التي كانت تصله بكونه وكيلاً عن الإمام المهدي (عليه السلام) فلم يفلح في ذلك، وبقي ابن بلال على ضلالته وتمسكه بالأموال وغيرها من الضلالات. روى الطوسي بإسناده عن المعاذي قال: قصد أبو جعفر العمري ابن بلال في داره وكان عنده جماعة فيهم؛ أخوه أبو الطيب وابن حرز، فدخل الغلام فقال: أبو جعفر العمري على الباب، ففزعت الجماعة لذلك وأنكرته؛ للحال التي كانت جرت؛ ولم يستطع ابن بلال ان يحجبه فقال: يدخل!!، فدخل أبو جعفر - العمري - فقان له أبو طاهر والجماعة، وجلس في صدر المجلس، وجلس أبو طاهر كالجالس بين يديه فأمهلهم أن يسكتوا، ثم قال العمري: يا أبا طاهر، أنشدك بالله ألم يأمرك صاحب الزمان (عليه السلام) بحمل ما عندك من المال إليّ؟! فقال ابن بلال: اللهم نعم، فنهض أبو جعفر (رضي الله عنه) منصرفاً، ووقعت على القوم سكتة!! فلما تجلت عنهم قال أخوه أبو الطيب: ومن أين رأيت صاحب الزمان؟! قال: قد وقع علي من العيبة له ودخلني من الرعب منه ما علمن أنه صاحب الزمان (عليه السلام)، قال ذلك الرجل من أصحابنا: فكان هذا سبب انقطاعي عنه(٣٩٠).
خامساً - البغدادي:
وهو محمد بن أحمد بن عثمان بن سعيد العمري؛ حفيد السفير الأول وابن اخي السفير الثاني أبي جعفر العمري، كان أمره في قلة العلم والمروءة أشهر من أن يذكر(٣٩١). فقد كان مشهوراً ومعروفاً عند عمه ابي جعفر العمري بالضلال والانحراف، لكنه غير معروف لدى الكثيرين من الاصحاب. روى الطوسي بان جماعة من الاصحاب كانوا في مجلس إقامة أبي جعفر العمري وهم يتذاكرون شيئاً من الروايات وما قاله الصادقون (عليهم السلام) حتى اقبل ابو بكر محمد بن احمد بن عثمان المعروف بالبغدادي وابن اخي ابي جعفر العمري (رضي الله عنه)، فلما بصر أبو جعفر (رضي الله عنه) قال للجماعة: امسكوا، فإن هذا الجائي ليس من اصحابكم(٣٩٢)، وكان هذا قد ادعى السفارة الكاذبة وكان له جماعة من المؤيدين منهم: أبو دلف محمد بن المظفر الكاتب، وقد كان في ابتداء أمره مخمساً(٣٩٣)، مشهوراً بذلك، لأنه كان تربية الكرخيين وتلميذهم وصنيعهم! وكان الكرخيون مخمسة لا يشك في ذلك أحد من الشيعة، وقد كان أبو دلف يقول في ذلك؛ ويعترف به ويقول: نقلني سيدنا الشيخ الصالح - قدس الله روحه ونور ضريحه - عن مذهب أبي جعفر الكرخي إلى المهذب الصحيح، يعني أبا بكر البغدادي(٣٩٤). ثم إن أبا بكر البغدادي حين أرسل اليه وجوه الخاصة وعلماءهم وسألوه عن دعواه السفارة، أنكر ذلك وحلف عليه وقال: ليس إلي من هذا الأمر شيء، وعرض عليه مال لكي يأخذه بالوكالة عن الإمام المهدي (عليه السلام)، وإنما عرض عليه ذلك امتحاناً، فأبى وقال: محرم علي أخذ شيء منه، فإنه ليس إليّ من هذا الأمر شيء، ولا ادعيت من هذا.
قال الراوي: فلما دخل بغداد؛ مال إليه أبو دلف الكاتب وعدل عن الطائفة وأوصى إليه، لم نشك أنه على مذهبه، فلعناه، وبرأنا منه، لأن عندنا: أن كل من ادعى الامر بعد السمري فهو كافر منمس، ضال مضل(٣٩٥). وكان أبو دلف يدافع عن أبي بكر البغدادي ويفضله على أبي القاسم الحسين بن روح وعلى غيره، فلما قيل له في وجه ذلك قال: لأن أبا جعفر محمد بن عثمان قد اسمه على اسمه في وصيته، فقلت له: فالمنصوص أفضل من مولانا أبي الحسن موسى الكاظم (عليه السلام)، فقال لي: أنت تتعصب على سيدنا ومولانا وتعاديه؛ فقلت: والخلق كلهم تعادي أبا بكر البغدادي وتتعصب عليه غيرك وحدك!! وكدنا أن نتقاتل ونأخذ بالأزياق(٣٩٦)!! وحكي أنه توكل لليزيدي بالبصرة، فبقي في خدمته مدة طويلة، وجمع مالاً عظيماً، فسعي به إلى اليزيدي فقبض عليه، وصادره وضربه على أم رأسه حتى نزل الماء من عينيه، فمات أبو بكر ضريراً(٣٩٧)، بعد أن أوصى إلى أبي دلف من بعده، فأصبح هذا أيضاً مدعياً للسفارة.
سادساً - الباقطاني:
 وكان هذا أيضاً مدعياً السفارة عن الامام المهدي (عليه السلام)، وقد وضعه أحمد الدينوري بعد أن حمل اليه ستة عشر الف دينار من أهل دينور ليسلمها إلى السفراء بالوصف، فوصل للباقطاني وقال: بدأت بالباقطاني، وصرت إليه فوجدته شيخاً مهيباً له مروءة ظاهرة، وفرس عربي، وغلمان كثير، ويجتمع الناس يتناظرون عنده، قال: فدخلت إليه وسلمت عليه، فرحّب وقرب وسرّ وبرّ، فأطلت القعود إلى أن خرج الناس فسألني عن ديني، فعرفته أني رجل من أهل الدينور، وافيت ومعي شيئاً من المال أحتاج أن أسلمه وأريد حجة!! فلما أعوزه ذلك، قال: تعود إليّ في الغد، قال: فعدت إليه من الغد، فلم يأتِ بحجة! وافتضحه الله على رؤوس الخلائق(٣٩٨).
سابعاً - إسحاق الأحمر:
وكان هذا قد ادعى السفارة أيضاً من الإمام المهدي (عليه السلام)، وكان شاباً نظيفاً، وقد كان يحضر منزله أكثر مما يحضره الباقطاني، وكان له فرس ولباس ومروة وغلمان كثر؛ قال الدينوري: دخلت عليه وسلمت عليه فرحب وقرب فصبرت إلى أن خف الناس، فسألني عن حاجتي، فقلت له كما قلت للباقطاني، وعدت إليه بعد ثلاثة أيام، فلم يأتِ بحجة، وفضحه الله تعالى في أمره(٣٩٩).
ثامناً - أبو دلف الكاتب:
وهو محمد بن المظفر الكاتب، كان مخمساً مشهوراً، آمن بأبي بكر البغدادي واعتبر مذهبه هو الصحيح (٤٠٠)، وكان يدافع عنه بحرارة، ويقدمه على ابن روح النوبختي (٤٠١)، حتى أوصى له أبو بكر البغدادي بعد وفاته (٤٠٢)، وأمره في الجنون أكثر من أن يحصى(٤٠٣) - ادعى السفارة بعد السمري، فكان هذا علامة كذبه لدى الأصحاب، فأظهر الغلو وجن وسلسل ثم صار مفوضاً.
أقول: لقد كان معظم هؤلاء المنحرفين المذكورين مشتركون في خط الأئمة (عليهم السلام) والسفراء في الأعم الأغلب، بشعورهم بظلم السلطات لهم، وعدم اعترافهم بمشروعيتها، وهذا الشعور نفسه كان قد جعلهم يرهبون أن يبيعوا ضمائرهم للسلطات أو يداهنوا معهم في أمرهم، أو يكرسوا نشاطهم وجهودهم لأجلها، لأنهم يشعرون أنهم لن يحصلوا على المؤيدين والأنصار في الأمة، وأنهم سيفقدونهم إن فعلوا شيئاً ما لصالح السلطات، فاعتبار أن تلك الفصائل كانت تمثل أعلى رصيد للإمام المهدي (عليه السلام)؛ فليس من السهولة أن يقدموا التنازلات للسلطات على صالح حسابهم، وعلى هذا سوف لن يكون الشعور بهذا الاتجاه وهو القرب من السلطات والإدلاء بأسرار الإمام المهدي (عليه السلام) مجدياً لهم، مضافاً إلى معرفتهم التامة بأن الإمام (عليه السلام) على علم كامل وتام بكل ما يصدر منهم من تحركات ونشاط، وبكل الدسائس والمؤامرات التي ربما يحيكونها ضده؛ وأنه بإمكانه أن يفضحهم في عقر دارهم؛ ولا يكون لهم أي قيمة في الأمة، وهذا هو الذي جعلهم طرفاً في عدائهم للسلطات والسفراء على حدٍ سواء، ولم يكن في مستطاعهم وهم يمثلون أضيق الاتجاهات وأضعفها في أن يحاربوا في جهتين ويبذلوا نشاطهم في أكثر من ميدان، مما عجّل في خاتمة أمرهم وإنهاء حسابهم.
المبحث الرابع: التراث الذي خلفه محمد بن عثمان بن سعيد العمري للأمة الإسلامية
لقد خلف محمد بن عثمان العمري تراثاً خالداً للأجيال والأمة الإسلامية مع تصديه لمهمة السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام).. ونلخصه بما يلي:
أولاً - ما تركه من روايات وأحاديث عن الأئمة وكتب ومؤلفات:
لقد كانت بغداد في أواخر القرن الثاني وبداية القرن الثالث مسرحاً عاماً للحوادث السياسية والفكرية؛ وقد خلف محمد بن عثمان العمري تراثاً ضخماً من الروايات والأحاديث عن الأئمة (عليهم السلام) وكتباً صنّفها في مختلف العلوم فقد روى الطوسي بإسناده عن أبي نصر هبة الله قال: كان لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري كتباً مصنّفة في الفقه، مما سمعها من أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) ومن الصاحب (عليه السلام)، ومن أبيه عثمان بن سعيد عن أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام)، وعن أبيه علي بن محمد الهادي (عليه السلام) فيها كتب ترجمتها: كتب الأشربة. وذكرت الكبيرة أم كلثوم بنت أبي جعفر محمد بن عثمان (رضي الله عنه) أنها وصلت إلى ابي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) عند الوصية اليه (٤٠٤).
والغريب من النجاشي والطوسي:
أنهما ذكراه فيمن لم يرو عن الأئمة (عليهم السلام)، مع ما تراه من روايته عن الإمامين الهادي والعسكري (عليه السلام)، قال السيد الخوئي: مقتضى ذلك أن محمد بن عثمان بن سعيد له كتاب وله رواية عن العسكري (عليه السلام) والصاحب (عليه السلام)، فكان على النجاشي والشيخ أن يذكراه في كتابيهما؛ وأنه لا وجه لعدّه فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)، كما صنعه الشيخ (قدّس سرّه). ثم قال: ويمكن الاعتذار عن كلا الأمرين:
أما عن الأول:
فبأن الكتاب على ما يظهر من الرواية كان من الودائع عن السفراء، فلم يره أحد من العلماء والرواة، ولذلك لم يتعرض النجاشي والشيخ له.
وأما عن الثاني:
فبأن رواية محمد بن عثمان عن العسكري (عليه السلام) لم تثبت إلا فيما رواه ابن نوح من رواية محمد بن عثمان عن العسكري (عليه السلام) في الكتاب المزبور، وقد عرفت حال الكتاب. وأما روايته عن الصاحب (عليه السلام) فهو وإن كان أمراً ثابتاً وتقدم بعضها، إلا أن الشيخ الطوسي (رحمه الله) لم يتعرض في رجاله لمن روى عن الصاحب (عليه السلام)، باعتبار أن الرواة عنه (عليه السلام) لم ينحصر في السفراء إلا نادراً، فلأجل ذلك لم يجعل الشيخ لهذا باباً، وأدرج من روى عن الصاحب (عليه السلام) أيضاً فيمن لم يرو عنهم (عليهم السلام)(٤٠٥).
وقال التستري معتذراً للشيخ الطوسي والنجاشي قائلاً: إن عدم عنوان الفهرست له ورجال النجاشي غفلة بعد كونه ذا كتاب(٤٠٦). والله اعلم.
وأما رواياته وأحاديثه عن الأئمة (عليهم السلام):
فقد روى عنهم (عليهم السلام) في مجالات مختلفة وأبواب عديدة من العلوم ونلخص بعضها بما يلي:
رواياته في أن الأرض لا تخلو من حجة(٤٠٧)؛ وأن المهدي (عليه السلام) يحضر كل موسن حج وما قاله (عليه السلام) في الموسم(٤٠٨) ودعاء الفرج الذي قرأه الإمام المهدي (عليه السلام)(٤٠٩)، ومعاجز رآها في ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)(٤١٠)؛ والأموال التي كانت تصل للإمام المهدي (عليه السلام) وقضية التشكيك(٤١١)؛ وزيارة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والصالحين تزيد في الرزق(٤١٢)؛ وروايته عن الإمام المهدي (عليه السلام) في دعاء المؤمن ودعاء الكافر(٤١٣).. الخ.
وأما أدعيته عن الأئمة (عليهم السلام):
فقد قدم محمد بن عثمان العمري تراثاً ضخماً من الأدعية إلى الأمة الإسلامية، فكان منها أدعية ذات مضامين تربوية وعرضه فيها: إنماء الملكات الروحية والنفسية السائرة نحو التكامل؛ وإضعاف الغرائز الجامحة في الإنسان وانتشاله من هوّة الشهوات، وتهذيب طباعه، وتطهيره من الآثام لكي يستخدم قواه ومواهبه في كل خير، وجاءت الأدعية التي رواها محمد بن عثمان عن أئمته (عليهم السلام) أو قالها بنفسه معالجة مشكلة الإنسان وهمومه، وهي تقوم على ناحيتين: الأولى زرع بذور الخير والأمالي وسقيها بماء العقيدة، وتقوية هذا الشعور بتوفير الأجواء الملائمة لاحتضانها لكي تعطي ثماراً صالحة. الثانية: تنمية الرغبة والرهبة من الله تعالى لأنها وحدها التي يتشعب عنها جذور الخير والتآلف وإيجاد الوازع الديني في النفس مرافقاً له في سره وعلانيته ليمنعه عن ارتكاب المعاصي، ويوقفه عن ارتكاب الجرائم. ولقد رسمت تلك الأدعية العلاقات الاجتماعية والعائلية وغرضهم زرع بذور المجتمع الصالح؛ ومنها التام لله سبحانه وتعالى، وهناك نموذجاً آخر من الدعاء يعبّر عنه بالدعاء السياسي، وقد استعمله الأئمة (عليهم السلام) كسلاح وزرع الخوف والرعب في قلوبهم لزعزعة كيانهم وتشتيت كلمتهم، وإيقاد الجذوة في نفوس المؤمنين وشحذها وتقويتها. وإليك ما ورد من أدعية كما أن تراثاً خلّفه محمد بن عثمان العمري عن الأئمة (عليهم السلام) ومنها أدعية مأثورة ومشهورة تقرأ دائماً في مرّ الأيام ولها إشراقات روحية في النفوس.
ومنها:
دعاء الافتتاح:
وهو الدعاء المشهور الذي يقرأ في شهر رمضان المبارك كل ليلة.. قال ابن طاووس نقلاً عن كتاب محمد بن قرة عن أبي عمرو محمد بن نصر السكوني (رضي الله عنه) قال: سألت أبا بكر محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي أن يخرج إليّ أدعية في شهر رمضان التي كان عمه أبو جعفر محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) يدعو بها فأخرج إليّ دفتراً مجلداً بأحمر فنسخت منه أدعية كثيرة، ومن جملتها: وتدعو بهذا الدعاء في كل ليلة من شهر رمضان، فإن الدعاء في هذا الشهر تسمعه الملائكة وتستغفر لصاحبه(٤١٤). وقال النوري في تحية الزائر ما ترجمته: وأسند العلامة المجلسي هذا الدعاء إلى صاحب الأمر (عليه السلام) وكتب للشيعة أن يقرأ كل ليلة من شهر رمضان(٤١٥)، وأوله: بسم الله الرحمن الرحيم: اللهم إني افتتح الثناء بحمدك وأنت مسدد للصواب بمنك.. الخ(٤١٦).
ومنه دعاء السمات:
قال المجلسي: وهذا الدعاء من الأدعية المشهورة التي اشتهرت بين أصحابنا غاية الاشتهار في جميع الأعصار والأمصار، وكانوا يواظبون عليه ويعرف بدعاء «الشبور» و«السماء» بمعنى العلامات، والشبور بمعنى البوق الذي ينفخ فيه. روى المجلسي بإسناد صحيح عن الحسين بن أحمد بن أحمد بن عمر بن الصباح قال: حضرت مجلس الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري (قدّس سرّه) فقال بعضنا له: يا سيدي، ما بالنا نرى كثيراً من الناس يصدقون شبور اليهود على من سرق منهم، وهم ملعونون على لسان عيسى ابن مريم ومحمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: لهذا علّتان، ظاهرة وباطنة، فأما الظاهرة: فإنها أسماء الله ومدائحه، إلا أنها عندهم مبتورة، وعندنا صحيحة موفورة، عن سادتنا أهل الذكر، نقلها لنا خلف عن سلف، حتى وصلت إلينا. وأما الباطنة: فإنا روينا عن العالم - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - أنه قال: إذا دعا المؤمن يقول الله عزَّ وجلَّ دعاؤه شوقاً مني إليه، وإذا دعا الكافر يقول الله عزَّ وجلَّ صوت أكره سماعه؛ اقضوا حاجته وعجلوها له حتى لا أسمع صوته، ويشتغل بما طلبه عن خشوعه - قالوا: فنحن نحب أن تملي علينا دعاء السمات الذي هو للشبور حتى ندعو به على ظالمنا ومضطهدنا والمخاتلين لنا والمتغررين علينا؟! فقال محمد بن عثمان العمري: حدثني أبو عمو عثمان بن سعيد قال: حدثني محمد بن راشد قال: حدثني محمد بن سنان قال: حدثني المفضل بن عمر الجعفي أن خواصاً من الشيعة سألوا عن هذه المسألة بعينها أبا عبد الله - الصادق (عليه السلام) - فأجابهم بمثل الجواب(٤١٧).
وكان يوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) قد دعا بهذا الدعاء وعلّمه خواص بني اسرائيل.. قال الكفعمي: وهو مروي عن الصادق أيضاً بعينه إلا أنه ذكر أن محاربة العماليق كانت مع موسى (عليه السلام)(٤١٨). وقد روي فيه فضائل عديدة في قراءته، فقد روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: لو حلفت أن في هذا الدعاء الاسم الأعظم لبررت، فادعوا به على ظالمنا ومضطهدنا والمتغررين بنا(٤١٩)، وقال (عليه السلام) أيضاً: هذا من مكنون العلم ومخزونه؛ فادعوا به ولا تبذلوه للنساء السفهاء والصبيان والظالمين والمنافقين(٤٢٠)... الخ من الفضائل في قراءته(٤٢١). وقال عثمان بن سعيد العمري: قال محمد بن علي الراشدي: ما دعوت به في مهم ولا ملم الا ورأيت سرعة الإجابة(٤٢٢). وقد ذكر المجلسي أنه يستحب الدعاء به في آخر ساعة من نهار الجمعة، وقد تصدى الكفعمي لشرح هذا الدعاء؛ فأخذت منه بعض الفوائد لبسط الكلام فيه لكونه من الأدعية المشهورة، وقد اشتمل هذا الدعاء على ألفاظ غريبة تحتاج إلى الشرح والبيان(٤٢٣).. وهذا الدعاء هو: قال الشيخ الطوسي في المصباح: دعاء السمات مروي عن العمري محمد بن عثمان العمري وهو: اللهم إني اسألك باسمك العظيم الأعظم - ثلاث مرات - الأعز الأجل الأكرم الذي إذا دعيت به على مغاليق ابواب السماء للفتح بالرحمة انفتحت للفتح بالرحمة انفتحت، واذا دعيت به على مضائق ابواب الارض لفرج انفرجت... إلخ(٤٢٤).
ومنها: دعاء أمير المؤمنين في الاستجارة وهو افضل أدعيته (عليه السلام):
قال ابن طاووس: ومن ذلك الدعاء المفضل على كل دعاء لأمير المؤمنين (عليه السلام) والباقر والصادق عرض على ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس سرّه) فقال: ما مثل هذا الدعاء... وقال: قراءة هذا الدعاء من افضل العبادات وهو: بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم انت ربي وأنا عبدك.. إلخ(٤٢٥).
ومنها: دعاء عبد الفطر المبارك (٤٢٦)، ودعاء رجب في كل يوم، حيث روى الطوسي أنه أخرج هذا التوقيع الشريف من الناحية المقدسة على يدي أبي جعفر محمد بن عثمان العمري وهو: بسم الله الرحمن الرحيم؛ اللهم إني أسألك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة أمرك المأمونون على سرّك المستبشرون بأمرك.. إلخ(٤٢٧).
ومنها: صلاة وزيارة ودعاء للإمام المهدي (عليه السلام):
قال المجلسي: قال مؤلف المزار الكبير: ذكر التوجه إلى الحجة صاحب الزمان (عليه السلام) بعد صلاة اثنتي عشرة ركعة.. الخ (٤٢٨)، والظاهر أن الصلاة قبل الزيارة. روى صاحب المزار وغيره عن أبي الحسين حمزة محمد بن الحسن شبيب قال: عرفنا أبو عبد الله أحمد بن ابراهيم النوبختي قال: شكوت إلى ابي جعفر محمد بن عثمان شوقي إلى رؤية مولانا (عليه السلام) فقال لي: مع الشوق تشتهي أن تراه؟! فقلت: نعم فقال لي: شكر الله شوقك وأراك وجهه في سرّ وعافية، لا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه، فإن أيام الغيبة تشتاق إليه، ولا تسأل الاجتماع معه، إنها عزائم الله والتسليم لها أولى، ولكن توجه إليه بالزيارة بعد صلاة اثنتي عشر ركعة... إلخ (٤٢٩). أقول: قوله: لا تلتمس يا أبا عبد الله أن تراه... إلخ المراد منه رؤيته مطلقاً فهو غير ممنوع أصلاً، ولو كان ممنوع مطلقاً ولو في بعض الاحيان، لم يتفق لاحد من أهل الايمان حتى السفراء انفسهم، وهذا مخالف للعيان، لان الحكايات والروايات بهذا المرام من المؤمنين يوجب اليقين لأهل اليقين.
ومنها أدعية الأئمة (عليهم السلام) وقنوتاتهم في الودائع المستحفظة:
قال ابن طاووس: وجدت في هذا الاصل الذي نقلت منه القنوتات هذه ما هذا لفظه مما يأتي ذكره بغير اسناد؛ ثم وجدت بعد سطر هذه القنوتات اسنادها في كتاب عمل رجب وشعبان ورمضان تأليف احمد بن محمد بن عبد الله بن عباس (رحمه الله) فقال: حدثني ابو الطيب الحسن بن احمد بن محمد بن عمر بن الصباح القزويني، وابو الصباح محمد بن أحمد بن محمد البغدادي الكاتبان قالا: جرى بحضرة شيخنا فقيه العصاية ذكر مولانا أبي محمد الحسن ابن امير المؤمنين (عليه السلام)؛ فقال رجل من الطالبيين: انما ينتقم منه الناس تسليم هذا الامر إلى ابن ابي سفيان! فقال شيخنا: رأيت أيضاً مولانا أبا محمد المجتبى اعظم شأناً وأعلى مكاناً؛ وأوضح برهاناً من أن يقدح في فعل له اعتبار المعتبرين! او يعترضه شك الشاكين وارتياب المرتابين؛ ثم انشأ يحدث فقال: لما مضى سيدنا الشيخ ابو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري - رضي الله عنه وأرضاه وزاده علواً فيما أولاه - وفرغ من أمره، جلس الشيخ ابو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر - زاد الله توفيقه - للناس بقية نهار يومه في الدار الماضي (رضي الله عنه) - أي محمد بن عثمان العمري - فأخرج إليه ذكاء الخادم الأبيض مدرجاً وعكازاً وحقة خشب مدهونة، فأخذ العكاز فجعله في حجزه على فخذيه، واخذ المدرج بيمينه والحقه بشماله، فقال الورثة: في هذا المدرج ذكر ودائع؛ فنشره ابن روح - فاذا هي أدعية وقنوت موالينا الأئمة (عليهم السلام) وفيه قنوت مولانا أبي محمد الحسن ابن امير المؤمنين (عليه السلام) وأملاها علينا من حفظه، فكتبناها على ما سطر في هذه المدرجة وقالوا: احتفظوا بها كما تحتفظون بمهمات الدين، وعزمات رب العالمين جل وعز(٤٣٠)... وهي قنوتات وادعية للائمة (عليهم السلام) إلى الحجة المهدي (عليه السلام) وهي طويلة جداً مذكورة في كتب الادهية فراجعها(٤٣١).
أما تراثه فيما خرج من توقيعات:
وخرج من محمد بن عثمان العمري توقيعات كثيرة من امامه المهدي (عليه السلام) للامة الاسلامية في امور وقضايا عديدة.. تلخص بعضها بما يلي:
التوقيع الاول:
النهي عن ذكر اسم الامام المهدي (عليه السلام) وحكمة النهي عن ذلك:
روى المجلسي بإسناده عن علي بن صدقة القمي قال: خرج الي محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) ابتداء من غير مسألة: ليخبر الذين يسألون عن الاسم اما السكوت والجنة، واما الكلام والنار؛ فانهم ان وقفوا على الاسم اذاعوه، وان وقفوا على المكان دلّو عليه(٤٣٢).
التوقيع الثاني: مسألة كلامية وهي تفويض الخلق والرزق:
ورد عن ابي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه او قال: أبو الحسن علي بن محمد بن احمد الدلال القمي (٤٣٣) قال: اختلف جماعة من الشيعة في ان الله عزّ وجلّ فوّض إلى الائمة (عليهم السلام) ان يخلقوا ويرزقوا؟ فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى، لان الاجسام لا يقدر على خلقها غير الله تعالى؛ وقال اخرون بل الله تعالى اقدر على الائمة على ذلك وفوّضه اليهم فخلقوا ورزقوا.. وتنازعوا في ذلك نزاعاً شديداً، فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى ابي جعفر محمد بن عثمان العمري فتسألونه عن ذلك، فيوضح لكم الحق فيه، فان الطريق إلى صاحب الامر (عليه السلام)، فرضيت الجماعة بأبي جعفر وسلّمت وأجابت إلى قوله؛ فكتبوا المسألة وأنفذوها اليه؛ فخرج اليهم من جهته توقيع نسخته: ان الله تعالى هو الذي خلق الاجسام وقسم الارزاق لأنه ليس بجسم ولا حال في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، واما الائمة (عليهم السلام) فانهم يسألون الله تعالى، فيخلق؛ ويسألونه فيرزق، ايجاباً لمسألتهم، واعظاماً لحقّهم(٤٣٤).
التوقيع الثالث: متى يظهر المهدي (عليه السلام)؟
روى الصدوق بإسناده عن علي بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري (قدّس سرّه) يقول: خرج توقيع بخطه نعرفه: من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله، فقال أبو علي بن همام: وكتبت أسئلة عن الفرج متى يكون؟ فخرج إليّ: كذب الوقاتون(٤٣٥).
التوقيع الرابع: الموسوعة الفقهية للإمام المهدي (عليه السلام):
روى الصدوق بإسناده عن ابي الحسن محمد بن جعفر الاسدي قال: كان فيما ورد عليّ من الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس سرّه) في جواب مسائل صاحب الزمان (عليه السلام): اما ما سألت عنه من الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها: فلئن كان يقول الناس: ان الشمس تطلع بين قرني شيطان وتغرب بين قرني شيطان، فما ارغم أنف الشيطان أفضل من الصلاة، فصلها وارغم أنف الشيطان... الخ(٤٣٦) وهو توقيع طويل جداً وردت فيه مسائل عديدة وفروع فقهية متنوعة في كل الأبواب فراجعها في مظانها.
التوقيع الخامس: معجزات المهدي (عليه السلام):
وروى المجلسي بإسناده عن ابي الحسين الاسدي قال: ورد علي توقيع من الشيخ ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (قدّس سرّه) ابتداء لم يتقدمه سؤال منه نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من استحل من اموالنا درهماً. قال ابو الحسين الاسدي (رحمه الله): فوقع في قلبي ان ذلك فيمن استحل من مال الناحية درهماً دون من أكل منه غير مستحل؛ وقلت في نفسي: ان ذلك في جميع من استحل محرماً!! فأي فضل في ذلك للحجة (عليه السلام) على غيره؟! قال: فوالذي بعث محمداً بالحق بشيراً، لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما كان في نفسي: بسم الله الرحمن الرحيم: لعنة الله والملائكة والناس اجمعين على من أكل من مالنا درهماً حراماً(٤٣٧) قال أبو جعفر محمد بن محمد الخزاعي: أخرج إلينا أبو علي الأسدي هذا التوقيع حتى نظرنا فيه وقرأناه(٤٣٨).
التوقيع السادس: فضيحة المنحرفين.. وأجوبة عامة في الفقه والسياسة:
روى الكليني عن اسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان (عليه السلام): أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك ووقاك من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا فاعلم انه ليس بين الله عزّ وجلّ وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح؛ واما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف (عليه السلام)(٤٣٩)... واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم وانا حجة الله.. واما ظهور الفرج: فانه لله وكذل الوقاتون، واما الفقاع فشربه حرام ولا بأس بالشلماب، وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا فمن شاء فليصل، ومن شاء فليقطع! وأما قول من زعم أن الحسين (عليه السلام) لم يقتل فكفر وتكذيب وضلال؛ وأما محمد بن عثمان العمري، فرضي الله عنه وعن أبيه من قبل، فإنه ثقتي وكتابه كتابي، وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي: فسيصلح الله قلبه ويزيل عنه شكه، وأما ما وصلنا به، فلا قبول عندنا الا لما طب وطهر؛ وثمن المغنية حرام، وأما محمد بن شاذان بن نعيم فإنه رجل من شيعتنا أهل البيت (عليهم السلام)، وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع ملعون وأصحابه ملعونون فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم بريء وآبائي (عليهم السلام) منهم براء، وأما المتلبسون بأموالنا، فمن استحل منها شيئاً فأكله فإنما يأكل النيران، وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا(٤٤٠) وجعلوا منه في حلّ إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث، وأما ندامة قوم شكّوا في دين الله على ما وصلونا به فقد أقلنا من استقال؛ فلا حاجة إلى صلة الشاكين(٤٤١).
التوقيع السابع: فائدة الغيبة وعلتها:
روى الطوسي بإسناده عن اسحاق بن يعقوب قال: انه ورد عليّ من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان العمري: وأما علّة ما وقع من الغيبة؛ فإن الله عزّ وجلّ يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾(٤٤٢)؛ إنه لم يكن أحد من آبائي الا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه؛ واني أخرج من حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي، وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبتها عن الأبصار، وإني أمان لأهل الأرض كما ان النجوم امان لأهل السماء، فاغلقوا ابواب السؤال عما لا يعنيكم ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فإنّ في ذلك فرجكم والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى(٤٤٣).
التوقيع الثامن: في طلب العاقبة:
روى المجلسي بإسناده عن أحمد بن روح قال: خرجت إلى بغداد في مال لأبي الحسن الخضر بن محمد لأوصله، وأمرني أن أدفعه إلى ابي جعفر محمد بن عثمان العمري، فأمرني أن لا أدفعه إلى غيره؛ وأمرني أن اسأل الدعاء للعلّة التي هو فيها، واسأله عن الوبر يحلّ لبسه؟! فدخلت إلى بغداد وصرت إلى العمري، فأبى أن يأخذ المال فقال: صر إلى أبي جعفر محمد بن أحمد، وأدفع إليه فإنه أمره بأن يأخذه، وقد خرج الذي طلبت؛ فجئت إلى أبي جعفر فأوصلته إليه، فأخرج إليّ رقعة فيها بسم الله الرحمن الرحيم سألت الدعاء عن العلة التي تجدها، وهب الله لك العافية ودفع عنك الآفات، وصرف عنك بعضه ما تجده من الحرارة، وعافاك وصح جسمك... إلخ(٤٤٤).
المبحث الخامس: المعجزات التي ظهرت من الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي محمد بن عثمان بن سعيد العمري
ذكرنا ان المعجزة بمفهومها الديني قد اصبحت في ضوء المنطق العلمي الحديث مفهومة بدرجة اكبر مما كانت عليه في ظل وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقة السببية، فقد تحولت تلك العلاقة في المنطق العلمي الحديث إلى قانون الاقتران او التتابع المطرد بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبية؛ فتتحول المعجزة على هذا إلى حالة استثنائية لهذا الاطراد في الاقتران من دون ان تصطدم بضرورة أو تؤدي إلى استحالة، ولكنها بناء على الاسس المنطقية للاستقراء تتفق مع وجهة النظر الحديثة، في ان الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكننا نرى انه يدل على وجود تفسير مشترك لاطراد التقارب او التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك يمكن صياغته على اساس افتراض حكمة دعت منظم الكون إلى ربط ظواهر معينة بظواهر اخرى باستمرار، فتدعو الحكمة بنفسها احياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة(٤٤٥) - لقد صارت معاجز الامام المهدي (عليه السلام) على يدي سفيره محمد بن عثمان العمري وهي تدل على صدق مقالته وصحة بابيته، ودليل واضح على امام من انتموا اليه(٤٤٦).
وقد اعتادت الأمة ان لا تقبل أي ادعاء في امر ما الا بعد ان يقام لها اية معجزة؛ وقد اقام العمري المعاجز الكثيرة التي ظهرت على يديه من امامه المهدي (عليه السلام)(٤٤٧)، فكان ابو جعفر يخبر عن عجائب الامور التي لا يقف عليها الا الله سبحانه وتعالى(٤٤٨)، أو الانبياء والأئمة (عليهم السلام) من قبل الله الذي يعلم السرائر وما تخفي الصدور(٤٤٩). ونلخص بعض ما ظهر من معجزات الامام المهدي (عليه السلام) التي ظهرت على يدي سفيره محمد بن عثمان العمري.
أولاً - الاخبار عن امور غيبية مدهشة:
روى الطوسي بإسناده عن ابي نصر هبة الله قال: حدثني جماعة من بني نوبخت منهم ابو الحسن بن كثير النوبختي (رحمه الله) وحدثني به ام كلثوم بنت ابي جعفر محمد بن عثمان العمري (رضي الله عنه): انه حمل إلى ابي (رضي الله عنه) في وقت من الاوقات ما ينفذه إلى صاحب الامر (عليه السلام) من قم ونواحيها؛ فلما وصل الرسول إلى بغداد ودخل إلى ابي جعفر واوصل اليه ما دفع اليه وودعه، وجاء لينصرف قال له ابو جعفر: قد بقي شيء مما استودعته فأين هو؟ فقال له الرجل: لم يبق شيء يا سيدي؟! وقد سلّمته!! فقال له ابو جعفر: بلى، قد بقي شيء فارجع إلى ما معك وفتشه وتذكر ما دفع اليك؛ فمضى الرجل فبقي اياماً يتذكر ويبحث ويفكر فلم يذكر شيئاً ولا أخبره من كان في جملته! فرجع إلى ابي جعفر فقال له: لم يبق شيء في يدي مما سلم إليّ وقد حملته إلى حضرتك، فقال له ابو جعفر: فإنه يقال لك: الثوبان السردانيان(٤٥٠) اللذان دفعهما اليك فلان بن فلان ما فعلا؟! فقال له الرجل: والله يا سيدي لقد نسيتهما حتى ذهبا عن قلبي، ولست ادري الان اين وضعتهما، فمضى الرجل فلم يبق شيء كان معه الا فتشه وحلّه؛ وسأل من حمل اليه شيئاً من المتاع ان يفتش ذلك، فلم يقف لهما على خبر! فرجع إلى ابي جعفر فاخبره فقال له ابو جعفر: يقال لك: امضِ إلى فلان بن فلان القطان الذي حملت اليه العدلين القطن في دار القطن فافتق احدهما، وهو الذي عليه مكتوب كذا وكذا فانهما في جانبه؛ فتحير الرجل مما اخبر به ابو جعفر، ومضى لوجهه إلى الموضع، ففتق العدل الذي قال له افتقه، فاذا الثوبان في جانبه قد اندسا مع القطن؛ فأخذهما وجاء بهما إلى أبي جعفر فسلمهما اليه وقال: لقد نسيتهما لأني لما شددت المتاع بقيا، فجعلتهما في جانب العدل ليكون ذلك أحفظ لهما، وتحدث الرجل بما رآه وأخبر به ابو جعفر العمري عن عجيب الامر الذي لا يقف اليه إلا نبي أو إمام من قبل الله الذي يعلم السرائر وما تخفي الصدور.
ولم يكن هذا الرجل يعرف ابا جعفر العمري، وإنما أنفذ على يده كما ينفذ التجار إلى اصحابهم على يد من يثقون به؛ ولا كان معه تذكرة سلمها إلى ابي جعفر ولا كتاب؛ لان الامر كان حاد جداً في زمان المعتضد والسيف يقطر دماً كما يقال، وكان سرّاً بين الخاص من أهل هذا الشأن(٤٥١).
ثانياً - معاجز متتابعة:
وروى المجلسي بإسناده عن محمد بن متيل قال: قال عمي جعفر بن متيل: دعاني ابو جعفر محمد بن عثمان المعروف بالبغدادي وأخرج إليّ ثويبات معلمة وصرة دراهم فقال لي: تحتاج أن تصير بنفسك إلى واسط في هذا الوقت وتدفع ما دفعت اليك إلى اول رجل يلقاك عند صعودك من المركب إلى الشط بواسط، قال: فتداخلني من ذلك غم شديد وقلت: مثلي في هذا الامر ويحمل اليه هذا الشيء الوتح - أي القليل التافه - قال: فخرجت إلى واسط وصعدت من المركب فأول رجل تلقاني سألته عن الحسن بن محمد بن قطاة الصيدلاني وكيل الوقف بواسط، فقال: أنا هو؛ من أنت؟ فقلت: أنا جعفر بن محمد بن متيل، قال: فعرفني باسمي وسلّمت عليه، وتعانقنا، فقلت له: أبو جعفر العمري يقرأ عليك السلام، ودفع إليّ الثويبات وهذه الصرة لأسلمها إليك، فقال: الحمد لله، فإن محمد بن عبد الله العامري قد مات!! وخرجت لأصلح كفنه؛ فحلّ الثياب؛ فإذا بها ما يحتاج إليه من حبرة وثياب وكافور، وفي الصرة كرى الحمالين والحفّار!!، قال فشيعنا جنازته وانصرفت(٤٥٢).
ثالثاً - الأموال الناقصة:
روى المفيد بإسناده عن علي بن محمد بن شاذان النيسابوري قال: اجتمع عندي خمسمائة درهم ينقص عشرون درهماً؛ فلم أحب أن أنفذها ناقصة، فوزنت من عندي عشرون درهماً وبعثتها إلى الأسدي - أبي جعفر العمري - ولم أكتب ما لي فيها؛ فورد الجواب: وصلت الخمسمائة درهم؛ لك منها عشرون درهماً(٤٥٣).
رابعاً - قصة الدينوري وما فيها من الأعاجيب:
روى المجلسي بإسناده عن أبي العباس أحمد الدينوري الملقب «بأستارة» قال: انصرفت من أردبيل إلى دينور وأنا أريد أن أحج، وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بسنة أو سنتين - الترديد عن الراوي - فاستبشر أهل دينور بموافاتي، واجتمع الشيعة عندي فقالوا: اجتمع عندنا ستة عشر الف دينار من مال الموالي ونحتاج أن نحملها معك، وتسلمها بحيث يجب تسليمها. قال: فقلت يا قوم هذه حيرة ولا نعرف الباب في هذا الوقت، فقالوا: إنما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك، فاعمل على أن لا تخرجه من يديك إلا بِحُجَّة... إلخ(٤٥٤) والخبر طويل جداً اقتصرنا على هذا فراجعه في مصدر ففيه العجائب المدهشة.
خامساً - قصة صاحب الشهباء:
روى الراوندي بإسناده عن أبي الحسين المسترق الضرير قال: كنت يوماً من الأيام في مجلس الحسن بن عبد الله بن حمدان ناصر الدولة؛ فتذاكرنا أمر الجماعة - أي الشيعة - وكنت أزري عليها إلى أن حضرت مجلس عمي الحسين يوماً فأخذت أتكلم في ذلك، فقال: يا بني قد كنت أقول مقالتك هذه إلى ان ندبت لولاية قم حين استعصيت على السلطان وكان كل من ورد اليها من جهة السلطان يحاربه أهلها، فسلم إليّ جيش وخرجت نحوها، فلما بلغت إلى ناحية «طرز» خرجت إلى الصيد؛ ففاتتني طريدة فاتبعتها وأوغلت في أثرها حتى بلغت النهر فسرت فيه، فكلما أسير يتسع النهر؛ فبينما أنا كذلك إذ طلع فارس تحته شهباء وهو متعمم فعمامة خضراء لا يرى منه سوى عينيه وفي رجليه خفاوان حمراوان.. فقال: يا حسين!! ولم يحترمني ولا كنّاني فقلت: ما تريد؟ قال: كم تزرأ على الناحية(٤٥٥)... إلخ وهو خبر طويل أيضاً فراجعه.
المبحث السادس: وفاة محمد بن عثمان العمري
انطلقت الحركة التغييرية والاصلاحية عند الائمة (عليهم السلام) من منطلقين اساسيين أحدهما: الالتزام بالمبدأ الرسالي حرفيا وعدم التفريط به مطلقاً، وثانيهما: رعاية الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية السائدة في المجتمع والسلطات الحاكمة، ويلتقي هذان الامران في ضرورة العمل الايجابي المحدد الشكل والادوات في ظل تلك الظروف. هذا بالنسبة للمجتمع التطبيقي لعمل الأئمة (عليهم السلام) ونشاطهم الحركي. وأما المنهج العقائدي والفكري فإنهم كانوا يمثلون كل ما تطلبه الشريعة فيترجموها في سلوكهم ترجمة حية وأمينة - ومن خلال نوفر مستلزمات القيادة بأعلى مستواه بسبب التجربة الكاملة مع الأمة؛ فإن السلطات كانت تراقب كل تحركاتهم، وقد حاولت مراراً تمييع أطروحتهم، وصهرها في الجهاز الحاكم، وعزلهم عن الأمة وأصحابهم (عليهم السلام)، والإكثار في معاناتهم، مما كان له أثراً سلبياً في كفكفة نشاطهم؛ ويظهر هذا من خلال سياسة الحذر والكتمان قولاً وفعلاً في سلوكهم، وانتقل الأئمة في تلك الظروف من مرحلة التوسع الأفقي إلى مرحلة الحفاظ على البقاء والاتصال بأصحابهم الذين امتلكوا الكفاءات العظيمة وصلابة العقيدة والمبدأ؛ فاعتمدوا عليهم في أمورهم ووثقوهم للأمة.
ليسهل عملهم؛ وفي الغيبة الصغرى للإمام المهدي (عليه السلام) قام محمد بن عثمان العمري بأمر السفارة خمسين عاماً برواية ابن هبة(٤٥٦).
ونشير هنا إلى مسامحة تاريخية في سفارة العمري:
إن الأولى أن تكون سفارة محمد بن عثمان العمري أربعين عاماً لا خمسين عاماً كما تقدم ذكره عن ابن هبة. لما عرفت من أن ولادة الإمام المهدي كانت عام ٢٥٦ه(٤٥٧)، وفي رواية أخرى أنها عام ٢٥٥ه، وبدأت السفارة عام ٢٦٠ه أي بعد وفاة أبيه (عليه السلام)(٤٥٨)، وكانت وفاة عثمان بن سعيد العمري - السفير الأول عن الإمام المهدي (عليه السلام) - عام ٢٦٥ه(٤٥٩) أي أنها استغرقت خمسة أعوام(٤٦٠)، وكانت وفاة محمد بن عثمان العمري عام ٣٠٥ه؛ فعليه: تكون مدة سفارة محمد بن عثمان العمري أربعين عاماً لا أكثر!. ولو اعتمدنا على رواية هبة الله فإن سفارة محمد بن عثمان ستكون عام ٢٥٥ه، ولم يولد الإمام المهدي على رواية الطوسي بعد!!، ولا تنفعنا أيضاً على الرواية الأخرى، لأن الإمام العسكري (عليه السلام) كان قد توفي عام ٢٦٠ه ثم استغرقت سفارة عثمان بن سعيد العمري خمسة أعوام؛ فلا نتفق مع هبة الله في روايته، وفيها من المسامحة ما لا يخفى.
لقد أمر الإمام المهدي (عليه السلام) لمحمد بن عثمان العمري في أن يوصي لابن روح بعده قبل وفاته بسنوات؛ كما سيأتي ذكره في ترجمة ابن روح.
لقد كان محمد بن عثمان العمري شيخاً متواضعاً عليه مبطنة بيضاء؛ يقعد على لبد في بيت صغير، ليس له غلمان ولا له من المروة والفرس ما وجد لغيره(٤٦١)، وكان قد حفر لنفسه قبراً ينزل فيه كل يوم فيقرأ فيه القرآن جزءاً جزءاً(٤٦٢)، ولم يترك من زخارف الدنيا وزينتها بعد وفاته سوى مدرجاً وعكازاً خشب مدهونة(٤٦٣)؛ مع ما كانت تصله من الأموال العظيمة من الأقطار الإسلامية، فلم يزدد إلا تواضعاً وإجلالاً، وكانت تحدد بحدود المصالح العامة لا بالزخارف والأبهة الظاهرية. لقد كان أبو جعفر العمري حسن السيرة، يرتدي اللباس المتواضع، وفي يده خاتم قد نقش عليه: (لا اله الا الله الحق المبين)؛ وكانت عليه أيضاً نقوش خواتيم الأئمة (عليهم السلام)... روى الطوسي بإسناده عن أبي علي محمد بن همام قال:
وعلى خاتم أبي جعفر محمد بن عثمان العمري السمات (رضي الله عنه) (لا اله الا الله الملك الحق المبين)؛ فسألته عنه فقال؛ حدثني أبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) أنهم قالوا: كان لفاطمة (عليها السلام) خاتم فضة عقيق؛ فلما حضرتها الوفاة دفعته إلى الحسن (عليه السلام)، فلما حضرته الوفاة دفعه إلى الحسين (عليه السلام)، قال الحسين (عليه السلام): فاشتهيت أن أنقش عليه شيئاً، فرأيت في النوم المسيح ابن مريم (عليه السلام) فقلت له: يا روح الله، ما أنقش عليه؟! فقال: انقش عليه: (لا اله الا الله الملك الحق المبين)، فإنه أول التوراة وآخر الإنجيل(٤٦٤). وروي أن محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) كان قد حفر لنفسه قبراً وسواه بالساج؛ فسأله محمد بن علي الأسود القمي عن ذلك؟! فقال: للناس أسباب؛ وسألته عن ذلك؟ فقال: قد أمرت أن أجمع أمري، فمات بعد ذلك بشهرين (رضي الله عنه وأرضاه)(٤٦٥).
ودخل عليه أبو الحسن علي بن أحمد الدلال القمي ليسلم عليه، فوجده وبين يديه ساجة ونقاش ينقش عليها ويكتب آياً من القرآن؛ وأسماء الأئمة (عليهم السلام) على حواشيها، فقال له: يا سيدي؛ ما هذه الساجة؟ فقال: هذه لقبري تكون فيه، أوضع عليها، أو قال أسند عليها، وقد عرفت منه.
قال العمري: وأنا في كل يوم أنزل فيه فاقرأ جزءاً من القرآن فيه، فأصعد قال الراوي: وأظنه قال: فأخذ بيدي وأرانيه؛ فإذا يوم كذا وكذا من شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا صرت إلى الله عزَّ وجلَّ ودفنت فيه وهذه الساجة معي - قال الدلال القمي: فلما خرجت من عنده أثبت ما ذكره ولم أزل مترقباً به ذلك؛ فما تأخر الأمر حتى اعتلّ أبو جعفر؛ فمات في اليوم الذي ذكره من الشهر الذي قاله من السنة التي ذكرها؛ ودفن فيه(٤٦٦). وقد اختلف في تاريخ وفاته؛ فقد ذكر الطوسي بإسناده عن هبة الله قال: وجدت بخط أبي غالب الزراري (رحمه الله) وغفر له؛ أن أبا جعفر محمد بن عثمان العمري (رحمه الله) مات في آخر جمادي الأولى سنة خمسة وثلاثمائة(٤٦٧)، ووافق هذا التاريخ جماعة من مؤرخي أهل السنة(٤٦٨)؛ وفي رواية أخرى عن هبة الله محمد بن محمد قال: إن أبا جعفر العمري (رحمه الله) مات في سنة أربع وثلاثمائة(٤٦٩)؛ والأولى هي الأصح بنظر الاعتبار، بحسب التسلسل التاريخي، وبعد وفاته (رحمه الله) قام ابن روح النوبختي بتغسيله وتكفينه والقيام بأموره(٤٧٠)، ودفنه في دار الماضي أبيه(٤٧١)؛ وقبره عند والدته في شارع باب الكوفة، في الموضع الذي كانت دوره ومنازله فيه، وهو الآن في وسط الصحراء (قدّس سرّه)(٤٧٢).
أقول: وقبره الآن مشيد معروف بالخلاني؛ يزار للذكرى والتبرك (قدّس سرّه)(٤٧٣)، وفيه عمارة مشيدة وحولة بيوت عامرة.

الباب الثالث: السفير الثالث للإمام المهدي (عليه السلام) الحسين بن روح النوبختي

المبحث الأول: الحسين بن روح النوبختي في الميزان

وبعده ابن روح الحسين * * * شيخ جليل ثقة وعين(٤٧٤)

هو الحسين بن روح بن أبي بحر؛ أبو القاسم النوبختي(٤٧٥)؛ أو الروحي(٤٧٦)؛ أو القمي؛ أو القيني أو القسي(٤٧٧)؛ وابن نوبخت(٤٧٨)؛ أو نيبخت(٤٧٩)؛ تصدى أمر السفارة بعد وفاة محمد بن عثمان العمري عام ٣٠٥ه(٤٨٠)، بأمر الإمام المهدي (عليه السلام) أثنى عليه المخالف والمؤالف... قال الذهبي عنه: إنه كان وافر الحرمة وكثرت غاشيته حتى كان الأمراء والوزراء يركبون إليه والأعيان، وتواصف الناس عقله وفهمه، فروى علي بن محمد الأيادي عن أبيه قال: شاهدته يوماً وقد دخل عليه أبو عمر القاضي(٤٨١)؛ فقال له أبو القاسم: صواب الرأي عند المشفق - المشغف - عبرة عند المتورط فلا يفعل القاضي ما عزم عليه؛ فرأيت أبا عمر قد نظر إليه ثم قال: من أين لك هذا؟ فقال: إن كنت قلت لك ما عرفته؛ فمسألتي من أين لك؟! فضول!! وإن كنت لم تعرفه، فقد ظفرت بي؛ قال: فقبض أبو عمر على يديه وقال: لا، بل والله وأؤخرك ليومي أو لغدي!! فلما خرج قال أبو القاسم: ما رأيت محجوجاً قط يلقى البرهان بنفاق مثل هذا؛ لقد كاشفته لما لم أكاشف به غيره (أمثاله أبداً)؛ ولم يزل أبو القاسم وافر الحرمة إلى أن وزرها حامد بن العباس وبقيت حرمته على ما كانت إلى أن مات في سنة ست وعشرين وثلاثمائة؛ وقد كاد أمره أن يظهر ويستفحل(٤٨٢).
وقال أيضاً عنه: وإن الأموال تجبى إليه، وقد تلطف في الذب عن نفسه بعبارات تدل على درايته ووفور عقله ودهائه وعلمه؛ وكان يفتي الشيعة ويفيدهم، وله رتبة عظيمة بينهم(٤٨٣). وقال ابن أبي طي الغساني وقد ذكره بخط مغلق سقيم: أبو القاسم القيني أو القسي، وهو الشيخ الصالح أحد الأبواب لصاحب الأمر؛ نص عليه بالنيابة أبو جعفر محمد بن عثمان العمري عنه وجعله أول من يدخل عليه حين جعل الشيعة طبقات؛ وقد خرج على يديه تواقيع كثيرة(٤٨٤). وجاء مثله في لسان الميزان لان حجر والوافي للصفدي وأضافا: لما مات أبو جعفر، صارت النيابة إلى أبي القاسم، وجلس ببغداد في الدار، وجلس الشيعة حوله وخرج (ذكاء) الخادم ومعه عكازة ومدرج وحقة؛ وقال: إن مولانا قال: إذا دفنني أبو القاسم وجلس، فسلّم إليه هذا؛ وإذا في الحقّ خواتيم الأئمة (عليهم السلام)، ثم قام في آخر اليوم ومعه طائفة، فدخل دار أبي جعفر محمد وكثرت غاشيته حتى كان الأمراء يركبون إليه، والوزراء والمعزولون عن الوزارة، والأعيان، وتواصف الناس عقله؛ ولم يزل ابو القاسم على هذه الحالة حتى ولي حامد بن العباس الوزارة فجرى له معه خطوب وأمور(٤٨٥). وقال ابن حجر عنه: هو أحد الرؤساء؛ وانه كان كثير الجلالة في بغداد(٤٨٦)، وعبر اليافعي عنه: بأنه الزعيم(٤٨٧)، وابن الأثير: بأنه الباب(٤٨٨).
أما المؤالف فقد ذكرنا عباراتهم؛ فقد أثنوا عليه جميعاً، قال المفيد وابن شهرآشوب: كان الحسين بن روح من خواص الإمام العسكري (عليه السلام) والباب له(٤٨٩). وقال الطوسي: هو من رواة الأحاديث عنهم (عليهم السلام)(٤٩٠)؛ ومن الخواص والمعتمدين لأبي جعفر بن عثمان العمري؛ وكان أول من أذن له بالدخول عليه(٤٩١)، وكان ينظر في أملاكه، ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة، وكان خصيصاً به، حتى انه كان يحدثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه وأنسه؛ فعرفته الشيعة - والأمة الإسلامية - لمعرفتهم باختصاصه بأبي جعفر العمري وتوثيقه عندهم، فمهدت له الحال في طول حياته إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه، فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد(٤٩٢). وأثنى عليه متأخرو علماء الإمامية؛ قال فيه الحر العاملي: جليل القدر، عظيم المنزلة، من وكلاء صاحب الزمان (عليه السلام)، رواه الصدوق وغيرهما(٤٩٣)، وقال عنه السيد الصدر: المولى أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي المتقدم ذكره في المتكلمين من آل نوبخت؛ كان أعلم أهل زمانه في كل علوم الإسلام، ولا تعرف الشيعة في الدين والمذهب أفضل منه، كان عالماً ربانياً زاهداً متقشفاً، صاحب الأسرار والكرامات والعلوم والمكاشفات، أوثق أهل زمانه وأعقل كل أقرانه، مقبول عند المواقف والمخالف، لا مغمز لأحد فيه من كل فِرق الإسلام، مقبول القول عند الكل(٤٩٤). وقال السيد الخوئي: هو أحد السفراء والثواب الخاص للإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وشهرة جلالته وعظمته أغنتنا عن الإطالة في شأنه(٤٩٥)؛ وذكر التستري(٤٩٦) والمامقاني مثله(٤٩٧). تولى أمر السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) عام ٣٠٥ه بموت أبي جعفر العمري وبقي فيها إلى أن لحق بالرفيق الأعلى في شعبان عام ست وعشرين وثلاثمائة(٤٩٨)، فتكون مدة سفارته حوالي الواحد والعشرين عاماً.
ينتمي هذا السفير إلى طائفة بني نوبخت.. وهي طائفة كبيرة خرج منها جماعات كثيرة من العلماء والأدباء والمنجمين والفلاسفة والمتكلمين والكتاب والحكام والأمراء، وكانت لهم مكانة وتقدم في دولة بني العباس وأصلهم من الفرس(٤٩٩) قال القطفي: إنهم كلهم فضلاء، لهم فكرة صالحة ومشاركة في العلوم الأوائل(٥٠٠)، وذكر ابن طاووس جماعة منهم كانوا قد برزوا في علم النجوم فألفوا فيها كتباً ذكروا أنها دلالات على الحادثات أمثال: الحسن بن موسى وموسى بن العباس بن اسماعيل والفضل بن أبي سهل وغيرهم(٥٠١).
ويرجع أصل نوبخت إلى جدهم الأول نوبخت، وقد كان منجماً فاضلاً يصحب المنصور العباسي دائماً(٥٠٢)، وكان أول من ساهم في بناء بغداد عام ١٤٤ه؛ فوضع المنصور العباسي أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم(٥٠٣). سكن نوبخت هذا بغداد عام ١٤٥ه، بعد أن أقطعه أبو جعفر المنصور ألفي جريب بنهر جويبر(٥٠٤)، ويقع هذا النهر في الجانب الغربي من شط دجلة(٥٠٥)، فقد بنى نوبخت وأولاده بيوتاً لهم في تلك الأراضي التي وهبها له المنصور، وصارت لهم أملاكاً كثيرة هناك، ولهم دور بنهر طابق وهو من المحلات الواقعة غربي بغداد(٥٠٦)، والنوبختية(٥٠٧)؛ وفي حوالي النعمانية بين بغداد وواسط في الساحل الغربي من دجلة كانت لهم منازل يملكونها(٥٠٨)، وكانت لنوبخت براعة في علم النجوم، وله تأليفات وتراجم فيه(٥٠٩)؛ وخلف ولده الوحيد (الفضل) الذي كان صاحب دار الحكمة للرشيد(٥١٠)، وآل نوبخت كلهم ينتمون لهذا الابن الواحد لنوبخت كما جاء في الكتب والاشعار؛ وكانت للفضل كتب مترجمة عن الفارسية إلى العربية منها كتاب النهمطان في المواليد؛ والفأل النجومي (٥١١)، أما مذهب آل نوبخت وابنه الفضل فهو مذهب السنة؛ وأما أولاد وأحفاد الفضل فقد اشتهروا بالتشيع وولاية علي (عليه السلام) وولده في الظاهر(٥١٢)، وكان بينهم أصحاب الأئمة (عليهم السلام) أمثال: يعقوب بن إسحاق، وإسحاق بن اسماعيل بن أبي سهل، وأبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي وهو شيخ المتكلمين في أصحابنا ببغداد، ومتقدم بني نوبخت في زمانه، وكان له جلالة في الدين والدنيا يجري مجرى الوزراء، وقد صنف في الإمامة والرد على الملاحدة والغلاة وسائر المبطلين وتواريخ الأئمة (عليهم السلام) وغير ذلك ما زيد على ثلاثين مجلداً ذكرها أصحاب الكتب والرجالية(٥١٣)، أخذ عنه عبد الله النعمان المعروف بالمفيد شيخ الشيعة في زمانه وغيره(٥١٤)، وكانت له مباحثات ومناظرات مع أبي علي الجبائي وهو أحد أركان المعتزلة في عدة مجالس بالأهواز وله مناظرات مع الحكيم الرياضي المعروف ثابت بن قرة الصابي، وكلاهما مدوّن في كتاب يذكر في عداد مؤلفاته، كان الشيخ المفيد يعتني بكتبه وكان يقرأها النجاشي عليه ومنها كتاب التنبيه(٥١٥).
وسيأتي بعض الحديث عن هذه الشخصية التي التقت بالإمام المهدي (عليه السلام) ورأته عن قريب.
لقد ذكرنا أن الحسين بن روح النوبختي له قرابة مع آل نوبخت خاصة مع أبي سهل اسماعيل بن علي المتقدم(٥١٦)؛ وأبي عبد الله الحسين بن علي النوبختي الذي كان وزيراً لابن رائق، وكانت له السلطة التامة عليه(٥١٧)؛ قال ابن مسكويه: كان الحسين بن علي النوبختي متفرداً بابن رائق والمدبر للملك، وهو الذي بنى لابن رائق تلك الرتبة العظيمة، وساق إليه تلك النعمة وجمع له تلك الأموال التي كان مستظهراً بها في ضمان واسط والبصرة(٥١٨)، قال ابن رائق يمدحه ويثني عليه: ما كنت لأصرف الحسين بن علي مع نصحه لي وتبركي به، ولو فتح لي فارس وأصبهان وساقهما إليّ خصوصاً، وأهداهما لي دون غيري. قال له ابن مقاتل: أيها الأمير فإن كرهت هذا فضمّنه واسط والبصرة، فقال ابن رائق: هذا لفعلته؛! إن أشار به أبو عبد الله الحسين بن علي النوبختي - بأن تكون له الوزارة بعد عمّه الحسين بن علي النوبختي فقال بعد أن بكى: أعظم الله أجرك أيها الأمير في أبي عبد الله!! عدّه في الأموات، ثم لطم وجهه فقال ابن رائق: لا حول ولا قوة إلا بالله، أعزز عليّ به، ولو فدى حيّ ميتاً لفديته بملكي كلّه (٥١٩)؛ وكانت مدة تدبير الحسين بن علي النوبختي لأمور المملكة ثلاثة أشهر وثمانية أيّام (٥٢٠).
ولا يوجد أي ترديد في لقب الحسين بن روح بأنه النوبختي؛ لأنه كان مخلطاً لآل نوبخت أمثال: أبي سهل اسماعيل بن علي، وأبي عبد الله الحسين بن علي وزير ابن رائق، وأحمد بن ابراهيم الذي كان صهراً للشيخ أبي جعفر العمري على ابنته أم كلثوم الكبيرة رحمهما الله؛ وكان كثيراً ما يقول أصحابنا في المكاتبات التي خرجت جواباتها على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح إنها بخط أحمد بن إبراهيم بن نوبخت وإملاء الشيخ أبي القاسم الروحي(٥٢١)، وكان ابن روح قد دفن في مقابر النوبختيين كما سيأتي؛ فإن كل تلك الشواهد تكفي في صحة انتسابه لآل نوبخت. نعم ذكر الحافظ شمس الدين الذهبي نقلا عن يحيى بن طي المتوفى عام ٦٣٠ه أنه قال: أبو القاسم القيني أو القسي وكذا صورته في تاريخ يحيى بن أبي طي الغساني وخطه مغلق سقيم(٥٢٢)، والظاهر أنه القمي كما جاء عن الكشي(٥٢٣). روى القهبائي بإسناده عن جعفر بن معروف الكشي أنه قال: كتب أبو عبد الله البلخي إليّ يذكر عن الحسين بن روح القميّ؛ أن أحمد بن إسحاق كتب إليه ليستأذنه في الحج فمات بحلوان(٥٢٤)، ويؤيد نسبته تلك معرفته اللسان الآبي القميّ(٥٢٥)؛ وأنه لم يذكر اسمه في الشجرة النوبختية(٥٢٦)؛ ولعله والله والعالم - انتسب لآل نوبخت من أمه مثل أبي محمد الحسن بن موسى ابن أخت أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي؛ لأن آل نوبخت كانوا كلهم من أهل بغداد، وإن كان أصلهم من الفرس كما تقدم.
أما منزلته في الأمة:
فقد جاء في النصوص التاريخية أن ابن روح النوبختي كان قد حصل على رتبة عظيمة في الأمة؛ وخاصة الطائفة الإمامية التي بالغت في اعظامه واجلاله وصار مرجعاً لها في مهامها. قالت أم كلثوم الكبيرة بنت أبي جعفر العمري (رحمه الله): حصل في أنفس الشيعة محصلاً جليلاً لمعرفتهم باختصاص أبي - تقصد العمري - إياه، وتوثيقه عندهم ونشر فضله ودينه وما كان يحتمله من هذا الأمر - أي السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام)(٥٢٧) -، وكان يخرج لهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بالمهمات في أمر الدين والدنيا، وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة رضي الله عنه وأرضاه، فلم يختلف في أمره، ولم يشك فيه الا جاهل بأمر أبي أولاً، وقد سمعت هذا من غير واحد من بني نوبخت - رحمهم الله - مثل أبي الحسن بن كبرياء وغيره(٥٢٨)، فكل من طعن على أبي القاسم بن روح النوبختي فقد طعن على أبي جعفر العمري وطعن على الحجة (عليه السلام)(٥٢٩).
وكان ابن روح أعقل الناس عند المخالف والمؤالف(٥٣٠)، وصارت العامة تعظمه(٥٣١)؛ وترفعه على رؤوسها ويكثر الدعاء له، والطعن على من يرميه بالرفض(٥٣٢)!!. وقد بالغ الذهبي غير مرة في مدحه والثناء عليه؛ فقال عنه مرة: كانت له عبارات تدل على درايته ووفور عقله ودهائه وعلمه وله رتبة عظيمة(٥٣٣)، وفي أخرى: إن له عبارات بليغة تدلّ على فصاحته وكمال عقله وله جلالة عجيبة(٥٣٤)؛ وقال عنه الصفدي: وكثرت غاشيته حتى كان الأمراء يركبون إليه والوزراء والمعزولون عن الوزارة والأعيان وتواصف الناس عقله(٥٣٥)، وروى الطوسي ما يؤكد هذه الحقيقة عدة روايات منها: ما رواه بإسناده عن أبي أحمد درانويه الأبرص الذي كانت داره في درب القراطيس قال: كنت أنا وأخوتي ندخل على أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) نعامله، قال: وكانوا باعة ونحن مثلاً عشرة، تسعة نلعنه وواحد واقف(٥٣٦) - وكان يصل إليه من الوزراء والرؤساء من الشيعة مثل آل الفرات وغيرهم لجاهه وموضعه وجلالة محلّه عندهم(٥٣٧) - وقد كان ابن روح عارفاً بالمذاهب والفِرق الإسلامية الأخرى؛ قال أبو أحمد درانويه الأبرص: إنه كان يجارينا في الصحابة، ما رويناه وما لم نروه فنكتبه لحسنه عنه (رضي الله عنه)(٥٣٨)، وكان قد استعمل التقية في سفارته مع غيره من المذاهب؛ فقد روى الطوسي بإسناده عن أبي الحسن بن كبرياء النوبختي قال: بلغ الشيخ أبا القاسم - النوبختي - أن بواباً كان له على الباب الأول قد لعن معاوية وشتمه، فأمر ابن روح بطرده وصرفه عن خدمته، فبقي أياماً طويلة يسأله في أمره، فلا والله ما رده إلى خدمته - وأخذه بعض الأهل فشغله معه كل ذلك للتقية(٥٣٩).
وحضر ابن روح النوبختي مجلس مناظرة في دار ابن اليسار وقد تناظر اثنان، فزعم واحد أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثم عمر ثم علي، وقال الآخر: بل علي أفضل من عمر، فزاد الكلام بينهما، فقال أبو القاسم: الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصديق ثم بعده الفاروق ثم عثمان (ذو النورين) ثم علي الوصي، وأصحاب الحديث على ذلك وهو الصحيح عندنا؛ فبقي من حضر المجلس متعجباً من هذا القول؛ وكان العامة يرفعونه على رؤوسهم وكثر الدعاء له، والطعن على من يرميه بالفرض. قال أبو عبد الله بن غالب حمو أبي الحسن بن الطيب - راوي هذا الحديث - فوقع علي الضحك، فلم أزل أتصبر وأمنع نفسي، وأدس كمي في فمي، فخشيت أن أفتضح فوثبت عن المجلس ونظر إليّ ففطن بي، فلما حصلت في منزلي؛ فإذا بالباب يطرق، فخرجت مبادراً فإذا بأبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) راكباً على بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيه إلى داره، فقال لي: يا أبا عبد الله - أيدك الله - لم ضحكت؟ فأردت أن تهتف بي كأن الذي قلته ليس بحق!! فقلت: كذاك هو عندي فقال لي: اتقِ الله أيّها الشيخ، فإني لا أجعلك في حلّ، تستعظم هذا القول مني؟! فقلت: يا سيدي، رجل يرى بأنه صاحب الإمام ودليله يقول ذلك القول!! لا تعجب منه!! ويضحك من قوله هذا!! فقال لي: وحياتك لئن عدت لأهجرنك؛ وودعني وأنصرف(٥٤٠).
أما عند محمد بن عثمان العمري:
فقد كانت الأنظار تحوم فترة سفارة العمري حول مجموعة من الشخصيات التي ساهمت في أمر السفارة؛ وربما تكون السفارة من بعد العمري لأحدهم بسبب ما امتلكه كل منهم من كفاءة وقدرة؛ ونشير إلى بعضهم:
أولاً - أبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي:
ذكرنا أن بني نوبخت كانوا من المتقدمين في العلوم؛ وقاموا بخدمات جليلة في الأمة؛ ويمكن تقسيمهم إلى ست طبقات؛ نشير إليهم باختصار:
أ - المترحمون والمنجمون.. أمثال نوبخت وابنه الفضل وبعض أولاده أمثال عبد الله وأبو العباس.
ب - المتكلمون.. أمثال أبو اسحاق ابراهيم صاحب (الياقوت) الذي شرحه العلامة الحلي، وابن أخته السيد عميد الدين، وعلّق عليه ابن ابي الحديد شارح النهج، ومنهم: أبو سهل اسماعيل بن علي المذكور؛ وأبو محمد الحسن بن موسى المتوفى عام ٣٠٠ه إلى ٣١٠ه؛ وهو صاحب كتاب فِرق الشيعة وكتاب الآراء والديانات وأول من صنف في الملل والنحل.
ج - الأدباء ورواة الأشعار... أمثال: اسماعيل بن أبي سهل بت نوبخت، وبعض أخوته، وأبو طالب ومحمد بن روح... إلخ.
د - علماء الحديث والأخبار.. أمثال: أبو الحسن بن كبرياء وأبو محمد الحسن بن الحسين وغيرهم.
ه - الكتاب.. أمثال: أبو الحسين بن علي بن العباس وابنه أبو يعقوب اسحاق وأبو الفضل يعقوب وعلي بن أحمد.
و - أصحاب الأئمة وخواصهم.. أمثال: يعقوب بن اسحاق وأبو القاسم بن روح النوبختي - سفير الإمام المهدي (عليه السلام) - وأبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي.. فهذه الطبقات من آل نوبخت كانت أقوالهم حجة، ففي النجوم أعلم الناس(٥٤١)؛ وفي الكلام عدّ قولهم سنداً وطابق قولهم قول الإمامية(٥٤٢)؛ وفي المقالات والآراء والأديان كتاب أبي محمد النوبختي من الكتب المعتبرة في هذا الفن(٥٤٣)، والمثل الكامل في المعرفة بالملل والنحل(٥٤٤)؛ وفي أخبار الشيعة وتقرير مذهبهم كانوا في رديف الشيخ المفيد وابن بابويه، ويعدون من أركان الدين(٥٤٥)، وفي جمع الأخبار والاشعار كان أبو نؤاس والبحتري وابن الرومي من آل نوبخت من أهم وأوثق المراجع التي يرجع بها إليهم، فخلّفوا فكراً وذوقاً في الأدب العربي، وفي الترجمة كانوا في عداد أكابر المترجمين(٥٤٦).
ترحم عليهم الشيخ المفيد وغيره من كبار العلماء(٥٤٧).
ويستفاد مما تقدم أن السفير الثاني محمد بن عثمان كان ملتفتاً لهذه الطائفة خدمتهم للأمة؛ فكان كثيراً ما يقربهم إليه، ويساهمهم في أمر السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام).. ومنهم أبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي الذي كان يجري مجرى الوزراء في جلالة الكتاب وكان له مقاماً رفيعاً في الدولة العباسية يقرب من مقام الوزارة؛ وله نفوذ تام في الدولة، وكانت الدولة ترسله في مهماتها للربط بين الحكومات ومعاقبة المعتدين والسارقين(٥٤٨).
أما على الصعيد الديني والعقائدي؛ فقد كانت له منزلة رفيعة عند الأئمة (عليهم السلام)؛ وقد أراه الإمام العسكري ابنه المهدي (عليه السلام) في أصعب الفترات(٥٤٩)، فوصف اسماعيل بن علي النوبختي الإمام المهدي (عليه السلام) قائلاً: فلما مثل الصبي بين يديه - أي أبيه العسكري (عليه السلام) - وذا هو دريُّ اللوم وفي شعر رأسه قطط مفلج الأسنان؛ فلما رآه الحسن (عليه السلام) بكى وقال: يا سيد أهل بيته.. أبشر يا بني، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه وأنت ولدي ووصيي(٥٥٠).. إلخ؛ وشاع خبر اسماعيل بن علي النوبختي في الأمة وبين علماء الشيعة بأنه سيكون السفير بعد العمري لما يروه من تقريبه له، وكان جماعة من أهل مصر يذكرون ذلك، فلما قدم اسماعيل بن علي النوبختي عليهم سألوه: كيف صار هذا الامر إلى الشيخ ابي القاسم الحسين بن روح دونك؟! فقال لهم: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل القى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه - يعني الإمام المهدي (عليه السلام) - كما علم ابو القاسم - الحسين بن روح النوبختي - وضغطتني الحجة على مكانه، لعلي كنت ادل على مكانه(٥٥١). وقد استطاع اسماعيل بن علي النوبختي أن يكشف خدع والاعيب الحلاج ويفضحه امام الأمة كما سيأتي.
ثانياً - جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه:
وساهمت هاتان الشخصيتان في امر السفارة فترة العمري وقربهما اليه وبلغ به الامر ان يبقى اياما في بيت جعفر بن احمد بن متيل وابنه، وكان لا يتناول طعاماً الا ما قد طبخ واصبح في بيت جعفر بن احمد(٥٥٢)، وقال مشائخ الامة وأعلامها: كنا لا نشك انه ان كان كائنة من ابي جعفر العمري لا يقوم مقامه الا جعفر بن احمد بن متيل وابوه، لما رأينا من الخصوصية به وكثرة كينونته في منزله، وكان الاصحاب لا يشكون ان كانت حادثة؛ لم تكن الوصية الا اليهما من الخصوصية بهما(٥٥٣)، وكان من شدة قربه لهما: انه لا يجلس مجلساً الا وكانا معه في صدر المجلس وعند رأسه، فكان يسألهما ويحدثهما(٥٥٤).
ثالثاً - الحسين بن روح النوبختي:
وقد بدأ عمله فترة سفارة العمري وكيلا عنه (رضي الله عنه)، وهو أحد الوكلاء العشرة الذين كانت تجبى لهم الاموال إلى بغداد؛ وكان هؤلاء الوكلاء كلهم أخص من الحسين بن روح في أمر السفارة؛ حتى انه اذا كان قد احتاج إلى حاجة او إلى سبب فانه ينجزه على يد غيره، لما لم يكن له تلك الخصوصية(٥٥٥)، كان ابن روح بعيداً عن الاحداث، ولم تسلط عليه الاضواء بداية سفارة العمري، ولم نجد نصاً في توثيقه من الائمة السابقين (عليهم السلام)؛ ولا نعرف سر هذا الاهمال؛ وانما ذكر بانه من اصحاب الامام العسكري وكان باباً له (عليه السلام)، فكان يتلقى الاسرار منه (عليه السلام) ويوصل اخباره إلى الامة بأمره (عليه السلام)(٥٥٦)؛ ولا يهمنا هذا الاهمال منهم (عليهم السلام) ما دمنا نقطع بصحة سفارة العمري عن الإمام المهدي (عليه السلام) وان قوله قول الأئمة وفعله فعلهم(٥٥٧)، وتسالم الأمة أيضاً على صحة أقوال أبي جعفر العمري وأفعاله (رضي الله عنه)(٥٥٨).
واقتضت المشيئة الالهية في ان يكون الحسين بن روح سفيراً عن الإمام المهدي (عليه السلام)؛ فأصدر أوامره لسفيره العمري في أن يمهد له ليتصدى أمر السفارة بعد وفاته، وقد تمّ الإعلان عن سفارته قبل سنتين أو ثلاثة سنوات من وفاة أبي جعفر العمري(٥٥٩)، فلما علمت الأمة ذلك؛ ومما وقع عليه الاختيار على أبي القاسم الحسين بن روح سلّموا له، ولم ينكروا عليه، وكانوا معه كما كانوا مع أبي جعفر العمري(٥٦٠)، قال جعفر بن أحمد بن متيل: فقمت واخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحولت عند رجليه(٥٦١)؛ ولم يزل جعفر بن أحمد في جملة أبي القاسم (رضي الله عنه) وبين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى ان مات (رضي الله عنه)، فكل من طعن على أبي القاسم فقد طعن على أبي جعفر وطعن على الحجة (عليه السلام)(٥٦٢)، فكانت الأموال تحمل اليه وهي التي حصلت في باب الوقف إلى ابي جعفر العمري (رضي الله عنه)(٥٦٣).
أما الأساليب التي اتبعها ابو جعفر تمهيداً لسفارة ابن روح النوبختي فأهمها:
أولاً - تقريبه منه واختصاصه به:
لقد استعمله العمري ابن روح في بداية أمره وكيلاتً خاصاً عنه في املاكه لعدة أعوان، ينظر فيها ويلقي بأسرارها إلى الرؤساء من علماء الامامية؛ وصار خصيصاً به، وجعله اول من يدخل عليه حين جعل الشيعة طبقات (٥٦٤)، وكان يحدثه بما يجري بينه وبين جواريه لقربه منه، وأنسه به (٥٦٥)؛ وجعل له ثلاثين ديناراً ورزقاً له كل شهر؛ غير ما يصل اليه من الوزراء والرؤساء من الشيعة مثل آل الفرات وغيرهم لجاهه ولموضعه وجلالة محلّه عندهم (٥٦٦).
ثانياً - توثيقه وأمر الأمة بمراجعته:
لقد أمر محمد بن عثمان العمري قبل وفاته بسنتين أو ثلاثة أصحابه ووكلاءه بحمل الاموال إلى ابي القاسم الروحي (رضي الله عنه) فأمر (رحمه الله) أبا جعفر محمد بن علي الأسود بحمل ما وصل من الاموال اليه(٥٦٧). وقوله لابن قزدا المدائني الذي حمل معه اربعمائة دينار: امض بها إلى الحسين بن روح(٥٦٨)؛ وكان بعض اصحابه يتوقف مغضباً ويخاطبهم أحياناً؛ إني أقمت أبا القاسم بن روح النوبختي مقامي، ونصبته منصبي(٥٦٩).
ثالثاً - التصريح بسفارته وكونها بأمر المهدي (عليه السلام):
وقد استعمل محمد بن عثمان عبارات واضحة تدل على ان ابن روح النوبختي هو السفير بعده، وانه لا مجال للشك فيه، وكون ذلك بأمر الإمام المهدي (عليه السلام)(٥٧٠)، كقول لجعفر بن أحمد بن متيل: (أمرت) أن أوصي إلى أبي القاسم بن روح(٥٧١)، وقوله لجماعة من وجوه الشيعة وشيوخها: إن حدث عليّ حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد (أمرت) أن أجعله في موضعي بعدي، فارجعوا اليه وعولوا في أموركم عليه(٥٧٢)، وتصريحه أمام كثير من وجوه وعلماء الأمة أمثال: أبي علي بن همام، وأبي عبد الله بن محمد الكاتب، وأبي عبد الله الباقطاني، وأبي سهل بن علي، وأبي عبد الله بن الوجناء، وغيرهم بقوله: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن ابي بحر النوبختي، القائم مقامي، والوكيل والثقة الامين، فارجعوا اليه في اموركم، وعوّلوا عليه في مهماتكم، فبذلك (أمرت) وقد بلّغت(٥٧٣)، فلما علم ابن روح بانه السفير من بعد أبي جعفر العمري وقد كان في دار ضيقة؛ فسرّ به وشكل الله عزَّ وجلَّ(٥٧٤)، وصارت تدفع اليه الاموال التي كانت تصله من اقصى البلاد، والرد على الاسئلة والاحتجاج على أهل الفِرق والمقالات.
أما منزلته من الامام المهدي (عليه السلام):
ذكرنا ان اختيار ابن روح النوبختي لأمر السفارة انما كان بأمر المهدي (عليه السلام)، والوصية اليه من قبل أبي جعفر العمري قبل وفاته بسنتين أو ثلاث(٥٧٥). قالت ام كلثوم بنت أبي جعفر العمري (رضي الله عنه): فمهدّت له الحال طول حياة أبي إلى أن انتهت بالنص عليه(٥٧٦)؛ وكانت هناك مصلحتان في اختيار ابن روح النوبختي لأمر السفارة هما:
أولاً - تكامل الشخصية والإخلاص:
إن منصب السفارة عن الإمام المهدي يستدعي رجالاً يتصفون بالوعي والايمان؛ والقابلية والقدرة على ادارة شؤون الأمة، مضافاً إلى عامل الاخلاص والولاء التام للإمام (عليه السلام)، ويكون بمستوى المسؤولية بحيث يستحيل عليهم بث أخبارهم والإمام المهدي (عليه السلام) إلى السلطات وإن مزق لحمهم ودق عظمهم، فالسفارة لم تكن لإسماعيل بن علي ولا لجعفر بن متيل وأبيه، لعدم توفر المستلزم الآخر لقوام الشخصية المتكاملة وهي الولاء والإخلاص والتضحية للمبدأ؛ أو تعريض النفس للأخطار ومنه القتل إن تطلب ذلك، مع توفر العلم والوعي الثقافي والسياسي؛ وقد أكد إسماعيل بن علي هذه الحقيقة بقوله: وأما أبو القاسم - النوبختي - فلو كان الحجة (عليه السلام) تحت ذيله وقرّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(٥٧٧).
ثانياً - غلق الشبهات أمام المشككين والمرجفين:
لقد كانت فترة سفارة العمري مليئة بالمتاعب والآلام؛ بسبب طولها وظهور الكثير من المدعين للسفارة كذباً وزوراً؛ وصعوبة الزمان؛ وملاحقة السلطان لأنصار الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد وفّق العمري كثيراً في اتباعه أسلوب الحذر والكتمان، والسير على خطة وبرامج منظمة وضعها منهجاً له في عمله وقد تقدّم ذكره. ثم تولى ابن روح السفارة رسمياً عن الإمام المهدي (عليه السلام) عام ٣٠٥ه، أي بعد موت أبي جعفر العمري وكانت مدة سفارة ابن روح حوالي الواحد والعشرين عاماً؛ أي إلى وفاته في ست خلون من شعبان عام ست وعشرين وثلاثمائة(٥٧٨)، فكان أول كتاب ورد عليه من الإمام المهدي (عليه السلام) في تعيينه سفيراً رسمياً عنه (عليه السلام) هو يوم الأحد لست خلون من شوال سنة خمس وثلاثمائة(٥٧٩)، وأمره (عليه السلام) في البدء بمهمته في السفارة، ودعا له بالتوفيق في عمله.. أما نص بيانه (عليه السلام):
روى الطوسي بإسناده عن العباس بن نوح قال: وجدت بخط محمد بن نفيس فيما كتبه بالأهواز أول كتاب ورد من أبي القاسم (رضي الله عنه): (نعرفه عرّفه الله الخير كلّه ورضوانه وأسعده بالتوفيق؛ وقفنا على كتابه؛ وثقتنا بما هو عليه، وأنه عندنا بالمنزلة والمحلّ اللذين يسرانه زاد الله في إحسانه إليه، إنه ولي قدير، والحمد لله لا شريك له وصلى الله على رسول محمد وآله وسلم تسليماً كثيراً) (٥٨٠).
وقد ورد هذا التعيين لابن روح من قبله (عليه السلام) بعد خمسة أشهر من وفاة أبي جعفر العمري (رضي الله عنه) المتوفى في جمادى الأول من نفس العام(٥٨١). فبدأ بأمر السفارة، وقام بها خير قيام، واتبع مذهب التقية في أسلوبه؛ وإظهاره مذهب أهل السنة بنحو ملفت للنظر، مما ساعده هذا المنهج كثيراً في تسهيل عمله في السفارة، ومواجهة تيار الانحراف المتمثل في السلطة والأمة، والقضاء على المدعين للسفارة كذباً ولا سيما الشلمغاني والحلاج اللذان شكلاً خطراً حقيقياً على الإسلام وقواعد الإمام المهدي (عليه السلام)، ودخل البلاط العباسي؛ واستقطب الكثير من الوزراء والأمراء، مما كان له الأثر الايجابي في تخليصه من سجن المقتدر(٥٨٢)، لأجل الاتهامات التي وجهها له أعداؤه، ومنها تهمة تعاونه مع القرامطة ودعوتهم إلى احتلال بغداد(٥٨٣). ولم يكن ابن روح النوبختي يتصرف في أمر سفارته م نقبل نفسه بل يلبي كل ما يملي عليه الإمام المهدي (عليه السلام) حيث قال: لئن أخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق أحبّ إليّ من أقول في دين الله برأيي؛ ومن عند نفسي، بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجة(٥٨٤).
المبحث الثاني: التحرك الثقافي والسياسي لابن روح النوبختي وأسباب اعتقاله
لقد خلف الانحراف القائم مادياً وعقائدياً في أغلب فترات التاريخ بؤساً اقتصادياً، وتخلفاً اجتماعياً مؤسفاً، وابتعاداً عن القيم والمبادئ الأصيلة المتبلورة في الخط الاسلامي الصحيح للأئمة (عليهم السلام)، وربما أنهم كانوا يمثلون المعارضة الاسلامية الحادة لذلك الانحراف بأشكاله وانواعه وأياً وتطبيقاً، لكن هذا التحرك كان قد اوجد حالة عدم الارتياح من قبل السلطات جعلها تسعى في كفكفة نشاطهم بأساليبها المتنوعة، فظهر الانحراف وتفشى في مخالف قطاعات الأمة وكيانها الاسلامي؛ أما ارتباطهم (عليهم السلام) بأصحابهم فقد كان مقتصراً على الدوائر الضيقة التي كانت تتسع حيناً، وتضمر حيناً آخر بسبب الظروف التي يمرّ بها الأئمة (عليهم السلام) وكانت تتناسب تناسباً عكسياً مع ضعف السلطة القائمة آنذاك؛ وقد كان السفراء فترة الغيبة على ارتباط تام بالإمام المهدي (عليه السلام) مع حاجز الخوف الذي فرضته السلطات حينها؛ وعاشوا معمعة التضحيات الكبرى وقدموا تراثاً ضخماً للأجيال؛ وحافظوا فيه على أطروحات الأئمة وما رسموه من مشاريع ضخمة للأمة الإسلامية؛ ولم تكن الثقافة المعطاة منهم (عليهم السلام) دائماً التي تتفق مع خط السفير واعتقاده بل قد يمتزج بها غيرها نظراً لاقتضاء المصلحة الاسلامية العامة.
أما فترة سفارة ابن روح النوبختي:
فقد برز فيها جنبان - كانا فريدان من نوعهما - هما:
أولاً - دمج الأمة بمذاهبها ومعتقداتها:
لقد ربط ابن روح فترة سفارته بين المذاهب والمسلمين؛ ووحد كلمتهم، وآخى بينهم؛ وكان العامة يذكرونه بكل خير تاركاً التعصب المذهبي وكل ما يؤدي إلى الفرقة والتخاصم.
ثانياً - إقحام من ادعى السفارة الكاذبة عن الإمام المهدي (عليه السلام):
وقد سعى ابن روح النوبختي بروح اسلامية عالية، مليئة بالتفاهم لإيجاد شعار الوحدة الذي دعا اليه وسعى لتحقيقه؛ فكان يحضر المجالس العلمية ويدعو لإقامتها؛ كالمجالس التي تعقد في دار ابن مقلة الوزير(٥٨٥)، ودار الخليفة المقتدر العباسي(٥٨٦)، ودار ابن يسار(٥٨٧)، وغيرها؛ فأبدى فيها تفوقاً ونجاحاً باهراً على أقرانه ونظائره؛ ومسكتاً لخصومه(٥٨٨).
وقد كان له في دار الوزير حامد بن العباس أمور وخطوب يطول شرحها(٥٨٩). وكان يخبرهم بما لا يعرفوه، ويروي لهم ما لم يرووه(٥٩٠)، فعظم في أعينهم وكبر في نفوسهم وأبدوا له احتراماً واجلالاً لا نظير له. وكانت له مناظرات كلامية مع علماء الكلام ومنهم ترك الهروي الذي قال عن ابن روح بعد انتهاء المناظرة: فما رأيت أحداً تكلم وأجاب في هذا الباب بأحسن ولا أوجز من جوابه(٥٩١). وله مناظرات مع المفوضة بعد اختلاف الأصحاب في مسألة التفويض(٥٩٢). ونقاشه لمسألة تسليط الله الاعداء على الأولياء كما في قصة الحسين (عليه السلام) وتسليط يزيد عليه لقتله وحلّه هذه الشبهة(٥٩٣).
أما تحركه السياسي:
فقد ذكرنا أن فترة سفارة ابن روح كانت قد بدأت عام ٣٠٥ه وانتهت بوفاته عام ٣٢٦ه، وقد استغرقت حوالي الواحد وعشرين عاماً، وقد عاصر فيها ثلاثة من الخلفاء العباسيين هم:
١ - المقتدر العباسي.. وقد عاصر فيها خمسة عشر عاماً من خلافته التي بدأت عام ٢٩٥ه، وانتهت عام ٣٢٠ه،
٢ - خلافة القاهر.. وعاصر سنتين من خلافته التي بدأت عام ٣٢٠ه، وانتهت عام ٣٢٢ه؛
٣ - خلافة الراضي بالله.. وعاصر أربع سنوات من خلافته التي بدأت عام ٣٢٢ه، وانتهت عام ٣٢٩ه. وقد رافقت فترة سفارة ابن روح بعض الحوادث ونلخصها بما يلي:
أولاً - خلافة المقتدر العباسي:
أما أهم ميزاتها:
أ - الضعف الإداري:
ذكرت النصوص التاريخية بأن دولة المقتدر العباسي كانت ذات تخليط كثير، لصغر سنه، واستيلاء أمه ونسائه وخدمه عليه، فكانت دولة تدور أمورها على تدبير النساء والخدم، وهو مشغول في لذاته، فخربت الدنيا في أيامه؛ وخلت بيوت الأموال، واختلفت الكلمة، فخلع ثم أعيد ثم قتل(٥٩٤).
ب - النقمة العسكري وتدهور الجيش:
وانتشرت الفتن في عهد المقتدر العباسي، فخرج عليه مؤنس الخادم سنة ٣١٧ه، بعد أن بلغه أنه فكر في تولية هارون بن غريب مكانه، وأرسل مؤنس إلى المقتدر ينبؤه بتذمر الجيش من اسراف الحاشية والخدم وضياع الاموال وافساد الحكم بسبب تدخلهم في أمور الدولة ويلح عليهم في اخراجهم من قصره والاستيلاء على ما في أيديهم، فرد المقتدر عليه بكتاب ينفي فيه التهم التي وجهت اليه والى رجال حاشيته، فطلب القواد وعلى رأسهم أبو الهيجاء الحمداني ونازوك.. فثاروا على الخليفة وأخرجوه من داره ونادوا بخلعه وبايعوا محمد بن المعتضد ولقبوه القاهر بالله(٥٩٥).
ج - استنزاف بيت المال وفقدان الرقابة:
وقد استنزف بيت المال في عهد الخليفة المقتدر بين عام ٢٩٥ه إلى ٣٢٠ه لأن المال أخذ منه بزعم اعادته متى تحسن الحال، وفي عام٣١٩ه عرض الوزير على المقتدر ما كان من العجز وهو سبعمائة ألف دينار.. فعظم ذلك على المقتدر(٥٩٦).
د - الاستهتار بالقيم والمبادئ:
ولقد ذكر المؤرخون في حوادث عام ٣١٣ه فترة سفارة ابن روح النوبختي أن الشيعة البغداديين كانوا يجتمعون في مسجد براثا(٥٩٧)، فعلم الخليفة بأن قوماً منهم يجتمعون فيه لسبّ الصحابة، فأمر بكسبه في يوم الجمعة وقت الصلاة، فوجد فيه ثلاثون انساناً يصلون، فقبض عليهم وفتشوا فوجد معهم خواتم من طين أبيض عليها اسم الإمام، كما كان يفعل دعاة الفاطميين مع من ينتسب إليهم، وقد استصدر الخليفة فتوى بهدم المسجد حتى سوّي بالأرض وعفي رسمه ووصل المقبرة التي تليه(٥٩٨).
ثانياً - الخليفة القاهر بالله:
وقد امتازت خلافته بميزات نلخصها:
أ - قبح السريرة والتظاهر بالمحرمات:
وصف الصولي الخليفة القاهر بالله: بأنه كان أهوجَ، سفاكاً للدماء؛ قبيح السريرة، كثير التلوّن والاستحالة، مدمن خمر، ولولا جودة حاجبه (سلامة) لأهلك الحرث والنسل(٥٩٩).
ب - اشاعة الارهاب والاستهانة بالنفوس:
وصف المسعودي الخلفة القاهر: باشتهاره بالقسوة؛ فقد اتخذ حربة يحملها بيده إذا سعى في ذلك، ويطرحها بين يديه حال جلوسه يباشر بتلك الحربة لمن يريد قتله، فسكن من كان قبله من الخلفاء، والشغب والوثب عليهم، وكان مخوف السطوة(٦٠٠).
ج - تناصر الطوائف الإسلامية:
اشتد الخلاف في فترة سفارة ابن روح النوبختي بين الفرق والمذاهب الاسلامية فيما بينها، وقد كان في بغداد آنذاك أكبر الفرق وهما الحنابلة والشيعة(٦٠١)، فكان أنصار الطائفة الشيعية يسكنون بنوع خاص حول سوق الكرخ، ولم يتقدموا الجسر الكبير ويحتلوا باب الطاق إلا في أواخر القرن الرابع الهجري، ولم يستطيعوا التعدي إلى القسم الغربي، لأن الهاشميين كانوا يكونون عصبة قوية هناك لا سيما حول باب البصرة، وكانوا من أشد أعداء الشيعة(٦٠٢)، على أن ياقوت الحموي وجد أن أهل محل باب البصرة بين كرخ بغداد والقبلة وكلهم سنّيون حنابلة، وأن يسار الكرخ وفي جنوبها سنية، أما الكرخ فأهلها كلهم شيعة إمامية، لا يوجد فيها سنّي البتة(٦٠٣).. فمن ذلك التناحر:
١ - ما ذكره ابن كثير في حوادث عام ٣١٧ه من وقوع فتنة ببغداد بين أصحاب أبي بكر المروزي الحنبلي وبين طائفة من العامة، اختلفوا في تفسير قوله تعالى: (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا)(٦٠٤)، فقالت الحنابلة: يجلسه معه على العرش، وقال الآخرون: المراد بذلك الشفاعة العظمى، فاقتتلوا بسبب ذلك، وقتل بينهم قتلى(٦٠٥).
٢ - وما ذكره آدم متز في حوادث عام ٣٢١ه قال: وهم علي بن يلبق وهو من القواد الترك مرة أخرى بأن يلعن معاوية وابنه يزيد على المنابر، فاضطربت العامة، وكان البربهاري رئيس الحنابلة يثير الفتن هو واصحابه(٦٠٦)، فتقدم علي بن يلبق ليقبض على البربهاري هذا فهرب وقبض على جماعة من كبار اصحابه، فجعلوا في زورق مطبق واحدروا إلى البصرة(٦٠٧).
٣ - ما ذكره ادم متز في حوادث عام ٣٢٣ه قال: نودي في جانبي بغداد بان لا يجتمع مع الحنابلة نفسان في موضع واحد، وكان ذلك لكثرة تشرطهم على الناس وايقاعهم الفتن المتصلة فخرج توقيع الخليفة الراضي بكتاب بيّن فيه أخطاء الحنابلة وتوعدهم بالعقاب... الخ(٦٠٨).
د - استنزاف الطاقة وحروب القرامطة:
استغرقت معظم فترة ابن روح النوبختي بحروب القرامطة؛ حيث اتصفوا بالصرامة والشدة والاستهانة بالدماء، فبثوا الرعب وانهارت المبادئ والقيم، وكبدوا سوريا والعراق والبحرين تضحيات جليلة، وقد شهد عام ٣١١ه مأساة البصرة وهاجموا الكوفة عام ٣١٥ه هجوماً مميتاً ونهبوا قوافل الحجاج عام ٣١٢ه، وجبوا ضريبة من الحجاج وكفّوا عنهم عام ٣١٣ه، وعطلوا الحج عام ٣١٧ه إلى عام ٣٢٧ه، وهجموا على مكة عام ٣١٧ه، وسفكت دماء الحجاج في المسجد الحرام وقلعوا الحجر الأسود(٦٠٩)، وأبقوه ثلاثين عاماً عندهم(٦١٠).
ه - الهرج والمرج وتدهور الأوضاع السياسية:
كان الوزراء والوزارة ممن كانوا يتناوبون الحكم سرعان ما يبدو فشلهم في معاملة الناس، وتوزيع الأموال وتدبير الشؤون السياسية؛ فيعزلون وقد يذوقون بعد العزل صنوف العذاب والسجن والنهب مما لا يحصى بحديث.
ولقد ذكر المؤرخون بأن ابن روح النوبختي كان أحد الرؤساء في خلافة المقتدر العباسي وله وقائع في ذلك مع الوزراء(٦١١)، وكان وافر الحرمة..
وجرت له خطوب مع الوزير ابن العباس(٦١٢)، واكتسب له الكثير من الانصار في البلاط العباسي(٦١٣). وحصل له عند المقتدر محل عظيم(٦١٤)؛ وكذا عند الخليفة الراضي بالله(٦١٥)؛ وصار له رزقاً يدفع من خزينة الدولة يقدمه إليه الوزراء والرؤساء مثل آل الفرات وغيرهم، لجاهه وموضعه وجلالة محله عندهم(٦١٦)؛ وكثرت غاشيته حتى ركب إليه الأمراء والوزراء والمعزولون عن الوزارة والأعيان(٦١٧).. ويعود هذا النفوذ في البلاط العباسي إلى ثلاثة أمور رئيسية هي:
أولاً - علومه وسعة اطلاعه:
لقد كان ابن روح النوبختي عارفاً بمجريات الأحداث وقوانين الأمة والدولة.
ثانياً - أسلوبه ومنهجيته المتكاملة في العمل.
ثالثاً - القرابة التي كانت بينه وبين آل نوبخت:
لقد ذكرنا أن ابن روح ينسب إلى بني نوبخت، وخاصة إلى أبي سهل اسماعيل بن علي الذي حصل على مقام رفيع في الدولة العباسية يقرب من مقام الوزارة، وكان له نفوذ تام فيها بحيث تبعه لمحاسبة الوزراء(٦١٨). ولقرابته من أبي عبد الله الحسين بن علي الذي كان وزيراً في حكومة الراضي بالله، والمدبر للملك لابن رائق ومن ساق إليه تلك النعمة(٦١٩). وهناك من الأمراء والكتاب من آل نوبخت تربطه معهم رابطة النسب(٦٢٠). وكانت الدولة تنظر إلى النوبختيين بعين الاحترام والاجلال، وتهابهم وتستشيرهم وتأخذ برأيهم في تنصيب الخلفاء وتجعله فوق الآراء.
قال ابن العبري: لما قتل المقتدر العباسي عام ٣٢٠ه عظم قتله على مؤنس وقال: الرأي أن ننصب ولده أبا العباس، فإنه تربيتي وهو صبي عاقل فيه دين وكرم ووفاء لما يقول؛ فاعترض عليه اسحاق النوبختي وقال: بعد الكدّ استرحنا من خليفة له أم وخدم يدبرونه، فنعود إلى تلك الحالة، لا والله لا نرضى إلا برجل كامل يدبّر نفسه ويدبّرنا وما زال حتى رد مؤنساً عن رأيه، وذكر له أبو منصور محمد بن المعتضد القاهر بالله؛ ليكون خليفة، فأجابه مؤنس عن ذلك، وكان النوبختي في ذلك كالباحث عن حتفه بظلفه، فإن القاهر قتله(٦٢١). ويعلم أن إسحاق بن إسماعيل كان من أهل الحل والعقد يجري مجرى الوزراء(٦٢٢). وقد ذكره الصدوق في قائمة من شاهد المهدي (عليه السلام)(٦٢٣).
وهنا نتساءل:
ما هي طبيعة العمل الذي قام به ابن روح النوبختي في البلاط العباسي؟ وما هي أسباب اعتقاله من قبل السلطة وزجه في السجن مع منزلته الرفيعة عند المقتدر والراضي؟! ومع وجود النوبختيين في الحكم!!
ونجيب عن هذه التساؤلات:
ذكرنا بأن ابن روح النوبختي صارت له المنزلة العظيمة عند المقتدر الذي كانت أنه علوية: بسبب عقله ودرايته التي جعلته لمحل اعتماد المخالف والمؤالف(٦٢٤)، واستطاع أن يكسب كثيراً من الأنصار في البلاط العباسي(٦٢٥) وصارت له وقائع مع الوزراء(٦٢٦)، خاصة مع حامد بن العباس؛ فقد كانت له معه خطوب(٦٢٧).. فما تلك الخطوب يا ترى؟!
روى المؤرخون أن حامد بن العباس هذا كان قد ألقى القبض على ابن روح النوبختي وأودعه السجن الذي في دار المقتدر(٦٢٨)، أو الممطورة(٦٢٩)؛ وذكروا أن مدة حبسه كانت خمس سنوات فقط(٦٣٠). وعرفنا هذه المدة من جهتين:
أولاً: إخبار رجال الإمامية الثقات بسجن ابن روح النوبختي(٦٣١)؛ واستتاره(٦٣٢).
ثانياً: أخبار وتواريخ أهل العامة.. فقد ذكر الحافظ الذهبي في حوادث عام ٣١٧ه: أن المحبوسين في دار الخلافة الذي أخرجهم مؤنس - كما تقدم - الحسين بن روح بن بحر أبا القاسم القيني - أو القمي - المتوفى سنة ٢٢٦ه، وكان قد قبض عليه الوزير حامد بن العباس وسجن خمسة أعوام(٦٣٣)، وأطلق سراحه وقت خلع المقتدر(٦٣٤)، وقد سرد ابن أبي طي المتوفى عام ٦٣٠ه في اوراق حال ابن روح النوبختي وكيفية اعتقاله(٦٣٥)؛ فيكون بناء على هذا فترة اعتقاله في عام ٣١٢ه، وكان معه جماعة في السجن منهم: المقتدر العباسي بعد أن خلعه القادة والموالي وتولى الخلافة عام ٣١٧ه. والطريف في الأمر أن القاهر هذا كان قد ذاق طعم الخلافة لمدة يومين فقط!! في غضون أيام يلفه، ولما رأى القاهر أن المقتدر سيرجع إلى دست الخلافة خاطبه المقتدر قائلاً: يا أخي قد علمت أنك لا ذنب لك وأنك قهرت، ولو لقبوك بالمقهور لكان أولى من القاهر!! فبكى القاهر وقال: يا أمير المؤمنين: نفسي نفسي أذكر الرحم التي بيني وبينك(٦٣٦). وكان في السجن مع ابن روح النوبختي أيضاً أم المقتدر وولده، وعلي بن عيسى الوزير وآخرين؛ وكان مؤنس المظفر وأبو الهيجاء من حمدان قد صمما على ارجاع المقتدر المعزول إلى الخلافة، فدخل مؤنس الدار وسأل بعض الخدم عن المقتدر فأعلموه بمكانه فاحتال في اخراجه واخراج امه وولده، فوجه معهم ثقاته إلى داره ليستتروا فيها، وأخرج علي بن عيسى من المكان الذي كان محبوساً فيه فصرفه إلى منزله، وأخرج الحسين بن روح عام ٣١٧ه معهم ايضاً وأرجعوه إلى بيته(٦٣٧). ودار حوار بين المقتدر ومؤنس المظفر بعد الاخراج حول ابن روح النوبختي فقال المقتدر العباسي دعوه!! فبخطيئته جرى علينا ما جرى(٦٣٨). فما هي خطيئة ابن روح وما الذي جرى حتى أوجب سجنه وسجن الخليفة معه؟!
وأما الإجابة عنها:
أولاً - اتهامه في دسائس القرامطة:
قال الذهبي والصفدي: ومما رموه - أي ابن روح النوبختي - به أنه كان يكاتب القرامطة ليقدموا ويحاصروا بغداد(٦٣٩)، فإنه كان يهيئ لهم الأسباب للاستيلاء على سواحل الخليج والحجاز وزرع الخوف والقلق في بغداد؛ ولكنه بما أوتي من نبوغ ودهاء ووفور عقل حاول دفع ذلك عن نفسه(٦٤٠) - أقول: ولا يتفق هذا مع سياسة ابن روح في كتمان أمره والحذر ومسلك الاحتجاب والتقية التي استعملها في عمله في السفارة، ومع الذكاء والعقل الذي امتلكه ابن روح كما ذكراه، ولا يمكن للإمام المهدي (عليه السلام) تأييد القرامطة الذين اشتهروا بالصرامة والشدة والاستهانة بالدماء، وبث الرعب وقلع الحجر الاسود من المسجد الحرام!!، وهو الذي يدافع عن مصالح الأمة اينما اقتضت؛ بل كان على العكس من ذلك؛ حيث استنكر (عليه السلام) أعمال القرامطة وفضحهم وكشف زيغهم وخدعهم أمام الأمة، وكيف يوافق أفعال القرامطة وقد اشتهر عنه في الحديث النبوي الشريف: بأنه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً.. فما جاء في ذلك ان رجلاً جليلاً من فقهاء أصحابنا - بتعبير الراوي - كتب إلى الإمام المهدي (عليه السلام) رسالة عن طريق بعض سفرائه، فلم يرد فيها الجواب على كثرة ما كان يرد من أجوبة وتوقيعات عنه (عليه السلام).. قال الراوي: فنظرنا فإذا العلّة في ذلك أم الرجل تحول قرمطياً(٦٤١)، ولذلك فإن اعتناق شخص لمذهب القرامطة يعتبر سبباً كافياً لمقاطعته والإعراض عنه مهما بلغ علمه.
ثانياً - اتهامه بكثرة الديون ومطالبات الدولة:
ذكر الطبري في تاريخه كيفية اطلاق سراح ابن روح النوبختي من السجن وأسباب اعتقاله فقال: كان محبوساً بسبب مال طولب به من قبل الديوان(٦٤٢).
أقول: وهذا غير تام أيضاً؛ فلا يعقل من ابن روح أن يسجن خمسة أعوام في السجن لأجل هذا المال مع وجود بني نوبخت وهم أصحاب المراتب والمناصب العالية في الدولة!!؛ وما كانوا يسلمون له من الأموال من الوزراء والأمراء؛ وكان له رزقاً من بيت المال.. إلخ(٦٤٣). ومع أنه كان لا يفعل إلا الصواب بأمر الإمام المهدي (عليه السلام) فكيف يسمح الإمام له بأن يقترض أموالاً من الدولة بحيث يبقى عاجزاً عن تسديدها!! ويبقى بعيداً عن المهمة التي اختير ابن روح لها في أمر السفارة!!.
ثالثاً - كثرة أنصاره وأتباعه:
لقد كانت الدولة تتوجس خفية من نشاط ابن روح؛ حتى انه جمع لنفسه انصاراً واتباعاً له في البلاط العباسي، وكان هذا يثير من تساؤلاتهم نحوه، وقد حصلت الدولة على وقائق دامغة تثبت ارتباطه بالإمام المهدي كالاعتراف الذي حصلت عليه من الشلمغاني بعد تقدميه للمحاكمة قائلاً: بأنه كان وكيلاً عن ابن روح وليس إلهاً(٦٤٤)، لكن الدولة لم تسأل عن معنى هذه الوكالة؟ ولم ترسل خلف ابن روح ليدلي بتوضيحاته حول هذه الوكالة؟ ولمن هي؟..
ولكن عقل ابن روح ودرايته كانت قد نفت عنه كل تلك التهم الموجهة إليه، فمن جهة انه يعلن عن أن مذهبه أهل السنة؛ ودفاعه عن الصحابة والخلفاء أمام الأمة، ومن جهة أخرى ارتباطه بالخليفة الراضي والقاهر وبني نوبخت وآل الفرات وغيرهم؛ وعلاقته القوية بهم كان قد رفع عنه كل تلك التهم الموجهة له؛ قال الذهبي: وكثرت غاشيته حتى كان الأمراء والوزراء يركبون إليه والأعيان، وتواصف الناس عقله وفهمه(٦٤٥) - وقال الصفدي: ولم يزل أبو القاسم - النوبختي - على مثل هذه الحالة حتى ولي حامد بن العباس الوزارة(٦٤٦)، وقد كاد أمره أن يظهر ويستفحل(٦٤٧)، وجرت لحامد مع ابن روح خطوب، وكان جمع الأنصار داخل البلاط سبباً في أن يأمر حامد بن العباس بإيداع ابن روح النوبختي في السجن(٦٤٨).
رابعاً - اعتقاله بسبب ما يصله من أموال:
قال الذهبي: وكانت الإمامية تبذل له الأموال(٦٤٩)، وتجبى من كل البلاد الإسلامية(٦٥٠)؛ وكان يفتي الشيعة ويفيدهم(٦٥١)؛ وكان قدوتهم وله جلالة عجيبة(٦٥٢)، وله رتبة عظيمة بينهم(٦٥٣)؛ ثم قال الذهبي: ومما رموه به أن الأموال تجبى إليه(٦٥٤). ولعل هذا السبب في اعتقاله وما تقدم من الصفدي في الامر الثالث.. لأن الخزينة المالية للدولة كانت تعاني من النقص والحرمان بسبب الحروب التي كانت تهددها وقد صرفت لأجلها الكثير من النفقات.
وعلى كل حال:
أطلق سراح بان روح النوبختي عام ٣١٧ه بعد ان استغرق سجنه خمسة أعوام منذ عام ٣١٢ه، وتابع فيها أعماله ولم يتغير موقعه الاجتماعي في الامة، وبقيت منزلته رفيعة بين الأمراء والوزراء فقد روي ان محمد بن رائق اصدر مرسوماً حكومياً في التصرف في ممتلكات وضياع ابن مقلة وابنه عام ٣٢٤ه، فقام أبو علي بن مقلة بزيارة لأبي عبد الله الحسين بن علي النوبختي وزير ابن رائق لعلّه يرفع ما صدر من المرسوم الحكومي وايقاف ممتلكاته، وفي ضمن تشبثاته ايضاً طلب من ابن روح النوبختي ان يتوسط له ابو عبد الله عند ابن رائق، فكانت نتيجة الوساطة هي: إصدار مرسوم حكومي إلى أبي عبد الله الحسين بن علي من قبل ابن رائق في رفع الحصار عليه ووقف ممتلكات ابن مقلة وفتح ما كان مغلقاً(٦٥٥)، وبما ان وزارة أبي عبد الله الحسين بن علي النوبختي لم تطل اكثر من ثلاثة أشهر وثمانية أيام(٦٥٦)، فيكون تشبث ابن مقلة في ارجاع امواله اليه بابن روح هو عام ٣٢٥ه كما ذكره الصولي(٦٥٧).
ثالثاً - خلافة الراضي بالله:
وقد امتازت خلافته بعدة ميزات نلخصها بما يلي:
حاول ابن روح النوبختي فترة خلافة الراضي بالله ان يحصل على رتبة جليلة في السلطة عند المؤالف والمخالف، وقد كانت تصله الأموال الكثيرة من أقصى البلاد الإسلامية في الوقت الذي كانت فيه الخزينة المالية تعاني من النقص والافلاس، فأثار ذلك العمل السلطة وسعى به جماعة إليها، وصار الخليفة الراضي بالله يتحدث عن ابن روح وما يصله من الأموال.. فقد ذكر الصولي المتوفى عام ٣٣٥ه وقد عاصر ابن روح النوبختي قائلاً: إن الخليفة كان كثيراً ما يقول: إن الإمامية يحملون إليه الأموال فنرد عنه، ونكذب فيقول لنا: وما في هذا!! والله؛ لوددت أن مثله ألفاً!! تحمل إليه أموالها إليه؛ فيفقرهم الله، ولا أكره غنى هؤلاء من أموالهم(٦٥٨).
المبحث الثالث: الحسين بن روح النوبختي ومدعو السفارة الكاذبة عن الإمام المهدي (عليه السلام)
المنحرفون عن الاسلام والتعاليم السماوية والمتاجرون باسمه هم أشد وقعاً وأكثر تأثيراً وخطراً من الكفرة والملحدين؛ فقد ظهر رجال فترة الغيبة الصغرى وهم منحرفون عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ارتبطوا بالعوام ليبعدوهم عن الفكر الأصيل ويشككوا في عقائدهم؛ من خلال تزريقهم الأفكار المسمومة في جسد الأمة والسلطة من ورائهم في ذلك، بعد أن تكون الأمة أحوج إلى التثقيف والتوعية؛ وقد عرف الإمام المهدي (عليه السلام) حيلهم وألاعيبهم ففضحهم وهم في عقر دارهم وقد كلّف هذا الأمر العناء والكثير من الجهود لإقناع الأمة بكذب هؤلاء. ولقد كان بإمكان هؤلاء إخبار السلطات عن الإمام المهدي (عليه السلام) أو أصحابه ولكنهم لم يفعلوا ذلك لأمور:
أولاً: علمهم بأن خط السلطة هو غير مشروع؛ ومن جهة يريدون الارتزاق عن هذا الطريق وبأسهل الوسائل، فالدخول في خط السلطة معناه الابتعاد عن الأمة وفيه نهايتهم المحتومة إن علمت بذلك. ولا تحصل من السلطات على شيء لعلمها بإفلاس الخزينة المالية ونقصانها. وربما لا تتجاوب السلطات معهم، لأنه يسبب لها مشاكل عديدة هي في غنى عن ذلك ومواجهة أكبر تيار يمكن أن تستفيد منه لصالحها في حروبها الخارجية وهي الأمة التي هي رصيد الإمام (عليه السلام)؛ فهي لا تقدر على مواجهتها أبداً، ولا ترى ضرورة في ذلك.
ثانياً: علمهم بأن الإمام المهدي (عليه السلام) سيفضحهم قبل أن يقوموا بأي عمل ومعنى ذلك موتهم التدريجي في ساحة الصراع؛ فعلى هذا ينبغي أن يفكر هؤلاء في طريق يضمن لهم سلامتهم في جانب، وعدم فقدان الأمة في جانب آخر؛ ثم يسيروا في تحصيل رغباتهم لإيذاء الإمام (عليه السلام) تدريجياً.
قال أبو علي بن همام: كل هؤلاء المدعين إنما يكون كذبهم أولاً على الإمام (عليه السلام) وأنهم وكلاؤه، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم، ثم يترقى الأمر بهم إلى قول الحلاجية كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه عليهم جميعاً لعائن الله تترى(٦٥٩).
ونشير هنا إلى شخصيتين فترة سفارة ابن روح النوبختي - كانتا قد ادعيتا السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) كذباً وزوراً؛ وهدداً سفارة ابن روح وكانتا أكثر خطراً من غيرهما... وهما:
أولاً: الحلاج
الصوفي المشهور؛ اجتمع حوله تلاميذه الحلاجية عند عودته إلى بغداد عام ٢٩٦هـ واتهمه المعتزلة بالشعوذة، وأخرج من الطريقة بمقتضى توقيع من الإمامية وفتوى من الظاهرية، وقبض عليه مرتين من قبل رجال الشرطة العباسيين، وأحضر أمام الوزير ابن عيسى وعذب في عام ٣٠١هـ، وأمضى ثماني سنوات في سجن بغداد؛ وكانت رعاية «شغب» أم المقتدر والحاجب نصر سبباً في أن عاداه الوزير حامد بن العباس وزير المقتدر فأمر بقتله بعد محاكمة دامت سبعة أشهر بمقتضى فتوى أقرها القاضي المالكي أبو عمرو، وآل إليه ما آل أمره(٦٦٠)، وقد عمل الشيخ المفيد كتاباً في الرد على الحلاجية، فقال: والحلاجية ضرب من أصحاب التصوف وهم أصحاب الإباحة والقول بالحلول، وكان الحلاج يتخصص بإظهار التشيع، وإن كان ظاهر أمره التصوف، وهم قوم ملاحدة وزنادقة يموهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم ويدعون للحلاج الأباطيل؛ ويجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لرهبانهم الآيات والبينات؛ والمجوس والنصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم وهم أبعد إلى الشرائع والعمل بها من النصارى والمجوس(٦٦١)، عدّه الصدوق: بأنه من الغلاة(٦٦٢)،والطوسي: بأنه من الكذابين والملعونين بلسان الأئمة (عليهم السلام) لادعائه البابية والرؤية للإمام المهدي (عليه السلام)(٦٦٣)، وأمّا المرتضى والطبرسي وابن طاووس والحلي وغيرهم فقد رأوا أنه من المذمومين(٦٦٤).
وقد وافق أبناء العامة هذا الرأي؛ فقال ابن النديم: إنه رجل مختال مشعبذ(٦٦٥)، ورأى الذهبي: أنه المقتول على الزندقة(٦٦٦)؛ ذكر الصولي: أن الحلاج جاهل يتعاقل، وغبي يتبالغ وخبيث مدعٍ، وراغب يتزهد، وتاجر يتعبد(٦٦٧).
واختلفت آراء المفكرين الأوروبيين في الحلاج.. فقد رأى مولر ودربلّو: أن الحلاج كان نصرانياً في سريرة نفسه، واتهمه (ريسكه) بالكفر، ورأى (ثولوك): أنه كان متناقضاً في أقواله؛ وعده «كريمر» من القائلين بوحدة الكون، ورأى «كازنسكي» أنه كان مريضاً بأعصابه؛ وعده «براون» دساساً ماهراً خطراً؛ وأنه كان رائداً للغزالي، لأنه حاول أن يوفق في آرائه بين الدين والفلسفة اليونانية على أساس من التجربة الصوفية، وقد جعل الصوفية من الحلاج أعظم شهدائهم وإن كان قد أنكر تسترهم(٦٦٨)، ولم يبقَ لننا من مؤلفات الحلاج إلّا كتاب الطواسين(٦٦٩).
وقد تناولت ادعاءاته أربعة أمور: المجاهدات، الكشف والحقيقة المدركة من عالم الغيب، التصرفات في العوالم والأكوان بأنواع الكرامات؛ وألفاظ موهمة الظاهر يعبّر عنها بالشطحيات وله آراء أخرى كادعاء الربوبية وقطبية الأرض وعلوم الغيب، ورؤيته للإمام المهدي (عليه السلام) والنيابة والبابية عنه (عليه السلام). وذكر الخطيب البغدادي عنه: أنه استغوى كثيراً من الناس والرؤساء، وكان طمعه في الرافضة أقوى. لدخوله من طريقهم(٦٧٠)، وكان يتقرب إلى الإمامية ليستميل قلوبهم ويحصل على منزلة عندهم، وكان يدعو الناس إلى نصرة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ويبشّرهم بالفرج، وخروج الصاحب (عليه السلام) من أرض طالقان عما قريب(٦٧١).
وقد حاول مراراً التقرب من إسماعيل بن علي النوبختي وعلي بن الحسين بن بابويه القمي (الصدوق)؛ وكان يعتقد أنه بإمكانه إطلاء الخدع والحيل والمخرقة عليهما. روى الطوسي بإسناده عن أبي نصر هبة الله قال: لما أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه، وقع له أن أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي ممن يجوز عليه مخرقته وتتم حيلته، فوجه إليه يستدعيه وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدر أن يستجره إليه فيتمخرق به ويتسوف بانقياده على غيره، فيتسبب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحلّه من العلم والأدب أيضاً عندهم ويقول له في مراسلته إياه: إني وكيل صاحب الزمان (عليه السلام)، وبهذا أولاً كان يستجر الجهال ثم يعلو منه إلى غيره؛ وقد «أمرت» بمراسلتك، وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوى نفسك ولا ترتاب بهذا الأمر، فأرسل إليه أبو سهل (رض)، يقول له: إني أسألك أمراً يسيراً يحق مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين وهو: إني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن، ولي منهن عدة أتخطاهن، والشيب يبعدني عنهن، وأحتاج أن أخضبه في كل جمعة، وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك، وإلّا انكشف أمري عندهن!! فصار القرب بعدًا والوصال هجرًا؛ وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإني طوع يديك وصائر إليك وقائل بقولك وداع إلى مذهبك مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة، فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً!! ولم يرسل إليه رسولًا!! وصيّره أبو سهل (رض) أحدوثة وضحكة ويطنز - يسخر - به عند كل أحد، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(٦٧٢).
وفعل كذلك مع الصدوق بمراسلته له قائلاً: أنا رسول الإمام ووكيله؛ فخرقها وقال: ما أفرغك للجهالات، وضحكوا منه وهزأوا به... وأمر الصدوق غلامه بضربه برجله بقفاه، فخرج عدو الله ورسوله.. ثم قال: أتدعي المعجزات!! عليك لعنة الله؛ فأخرج بقفاه فما رأي بعدها بقم(٦٧٣).
لقد أغضبت تصرفات الحلاج وأفعاله ابن روح النوبختي(٦٧٤)؛ فقال فيه: هذا كفر بالله تعالى وإلحاد قد أحكمه هذا الرجل الملعون - أي الحلاج - في قلوب هؤلاء القوم ليجعله طريقاً، إلى أن يقول لهم: بأن الله تعالى اتحد به وحل فيه كما يقول النصارى في المسيح (عليه السلام)(٦٧٥)، وخرج من الإمام المهدي (عليه السلام) توقيع: يلعن فيه جماعة ممن ادعى البابية والرؤية له كذباً وزوراً كالنميري والهلالي والبلالي والحلاج وغيرهم(٦٧٦)، وقد اتهم فيه الحلاج بالزندقة والخروج من الدين(٦٧٧)، وإدخاله الأباطيل والخرافات(٦٧٨)؛ ودعوته للقرامطة(٦٧٩)؛ وسعي به في وزارة علي بن عيسى الأولى(٦٨٠).
وقد استمال جماعة من الوزراء وطبقات وحواشي السلطات وأمراء الأمصار وملوك العراق والجزيرة وما والاها؛ فأمر المقتدر بتسليمه إلى حامد بن العباس وجرى له معه خطوب(٦٨١)، ومكث الحلاج محبوساً في دار الخلافة ثمانية أعوام موسعاً عليه(٦٨٢)، وحاكمه ابن العباس قائلًا له: ألست تعلم أني قبضت عليك بدور الراسبي وأحضرتك واسط فذكرت في دفعة أنك المهدي(٦٨٣)!! ثم أخرج إلى رحبة المسجد وأمر الجلاد بضربه بالسوط فضرب تمام الألف، ثم قطعت يداه ورجلاه وحزّ رأسه وأحرقت جثته(٦٨٤)، وبقي أربعة آلاف من الحلاجية في العراق ينتظرونه(٦٨٥)؛ إلى عام ٤٤٩هـ، ويقفون بحيث صلب على دجلة يتوقعون ظهوره(٦٨٦).
ثانياً: الشلمغاني
وُلِد في شلمغان وهي من قرى واسط بالعراق(٦٨٧)؛ وانتقل إلى بغداد؛ فكان أحد كُتابها وأحد مؤلفي علماء الشيعة(٦٨٨)؛ والمتقدمين في الأصحاب(٦٨٩). نصّبه ابن روح وكيلاً عنه؛ بعد أن فرغ من دفن أبي جعفر العمري (رض)(٦٩٠)، فقصده الناس في حوائجهم ومهماتهم(٦٩١)، خرجت على يديه توقيعات الإمام المهدي من قبل ابن روح النوبختي(٦٩٢)؛ لما كان شيخاً مستقيم العقيدة والسلوك والصلاح(٦٩٣)، ثم حمله الحسد لأبي القاسم بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الردية(٦٩٤)؛ وظهرت منه مقالات منكرة(٦٩٥)، وأصبح غالياً(٦٩٦)، واعتقد بالتناسخ وحلول الألوهية فيه(٦٩٧).
فظهر توقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) بلعنه والبراءة منه وممن تولاه، وشاع خبره وبلغ الخليفة الراضي بالله فأمر بالقبض عليه؛ وقتله واستراحت الشيعة والأمة الإسلامية منه(٦٩٨)، وكان الشلمغاني يلقب نفسه بالحلاج أيضاً(٦٩٩)؛ وكان يتعاطى الكيمياء(٧٠٠)، وقد ذكرت عقائده في أربعة مصادر مهمة من مصادر التاريخ الإسلامي(٧٠١)، وقد كان للشلمغاني تأليفات كثيرة فترة استقامته وبعضها فترة انحرافه، وقد ذكرها ابن النديم والنجاشي والطوسي وغيرهم(٧٠٢).. ونشير إلى جملة منها لارتباطها بسفارة ابن روح النوبختي..
أولاً - كتاب التكليف:
وقد ألفه الشلمغاني في حال استقامته، فلما حصلت نسخة منه بيد ابن روح النوبختي قال لأصحابه: اطلبوه لأنظره؛ فجاءوا به فقرأه من أوله إلى آخره فقال: ما فيه شيء إلّا وقد روي عن الأئمة إلّا موضعين أو ثلاثة؛ فإنه كذب عليهم في روايتها «لعنه الله»(٧٠٣). قال العلامة الحلي: كتاب التكليف رواه المفيد (رحمه الله) إلّا حديثاً منه في باب الشهادات: أنه يجوز للرجل أن يشهد لأخيه إذا كان له شاهد واحد من غير علم(٧٠٤).
ولكن الصحيح هو ما رواه الطوسي بإسناده عن محمد بن أحمد بن داوود والحسين بن علي بن بابويه أنهما قالا: مما أخطأ محمد بن علي - الشلمغاني - في المذهب في باب الشهادة أنه روى عن العالم أنه قال: إذا كان لأخيك المؤمن على رجل حق فوضعه ولم يكن له البينة عليه إلا شاهد واحد، وكان الشاهد ثقة رجعت إلى الشاهد فسألته عن شهادته؛ فإذا أقامها عندك شهدت معه عند الحاكم على مثل ما يشهده عنده لئلا يتوى - أي يهلك - حق امرئ مسلم - واللفظ لابن بابويه - قال: هذا كذب منه، لسنا نعرف ذلك.
وقال في موضع آخر: كذب فيه؛ نسخة التوقيع الخارج في لعنه(٧٠٥).
وروى الطوسي بإسناده عن محمد بن الفضل بن تمام قال: سمعت أبا جعفر محمد بن أحمد الزكوزكي (رحمه الله) - وقد ذكرنا كتاب التكليف وكان عندنا أنه لا يكون إلّا مع غال، وذلك أنه أول ما كتبنا الحديث فسمعناه يقول: وأيش كان لابن أبي العزاقر - الشلمغاني - في التكليف! إنما كان يصلح الباب ويدخله إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رض) فيعرضه عليه ويحككه، فإذا صح الباب خرج فنقله، وأمرنا بنسخه، قال أبو جعفر: فكتبته في الأدراج بخطي ببغداد، قال ابن تمام: فقلت له: تفضل يا سيدي فادفعه حتى أكتبه من خطِّك، فقال لي: قد خرج من يدي، فقال ابن تمام: فخرجت وأخذت من غيره، وكتبت بعدما سمعت هذه الحكاية(٧٠٦).
ثانياً: كتاب التأديب(٧٠٧).
ثالثاً: رسالة ابن همام(٧٠٨).
رابعاً: كتاب الأوصياء
وقد جاء فيه ولادة القائم (عليه السلام) وكيفية زيارته للإمامين العسكريين (عليهما السلام) وما رآه من معاجز؛ وقد ذكره الطوسي في موضعين؛ فقد روى بإسناده عن محمد بن علي الشلمغاني في كتاب الأوصياء قال: حدثني حمزة بن نصر غلام - الإمام الهادي (عليه السلام) - عن أبيه قال: لما وُلِد السيد - أي الإمام المهدي (عليه السلام) - تباشر أهل الدار بذلك، فلما نشأ خرج إليّ الأمر: أن أبتاع في كل يوم مع اللحم قصب مخ، وقيل: إن هذا لمولانا الصغير(٧٠٩).
وروى بإسناده عن الشلمغاني في كتاب الأوصياء أنه قال: قال أبو جعفر المروزي: خرج جعفر بن محمد بن عمر وجماعة إلى العسكر ورأوا أيام أبي محمد (عليه السلام) في الحياة وفيهم علي بن أحمد بن طنين فقال له علي بن أحمد: لا تكتب اسمي؛ فإني لا أستأذن فلم يكتب اسمه، فخرج إلى جعفر: ادخل أنت وإن لم يستأذن(٧١٠).
خامساً: كتاب الغيبة
قال الطوسي ذكر محمد بن علي بن أبي العزاقر الشلمغاني في أول كتاب الغيبة الذي صنفه: وأما ما بيني وبين الرجل المذكور - زاد الله توفيقه - فلا مدخل لي في ذلك إلا لمن أدخلته فيه لأن الجناية علي فإني وليّها؛ وقال في فصل آخر: ومن عظمت منّته عليه وتضاعفت الحجة عليه ولزمه الصدق فيما ساءه وسره، وليس ينبغي فيما بيني وبين الله إلا الصدق عن أمره، مع عظم جنايته؛ وهذا الرجل منصوب لأمر من الأمور لا يسع العصابة العدول عنه فيه، وحكم الإسلام مع ذلك جار عليه كجريه على غيره من المؤمنين وذكره(٧١١).
ودخلت كتب الشلمغاني البيوت لقربه من ابن روح حال استقامته؛ فسئل ابن روح عن كتبه بعدما ذم وخرجت فيه اللعنة، فقيل له: فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منه ملاء؟! فقال ابن روح: أقول فيها ما قاله أبو محمد العسكري (عليه السلام) وقد سُئل عن كتب بني فضال(٧١٢): فقالوا: كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منهم ملاء؟ فقال (عليه السلام): خذو بما رووا؛ وذروا ما رأوا(٧١٣)، فإن الانحراف في العقيدة لا ينافي إمكان صحة الرواية حال الاستقامة.
لقد كان الشلمغاني وجيهاً عند الناس(٧١٤)، ونال احترام بني بسطام(٧١٥)؛ الذين سكنوا بغداد قديماً فصار منهم كتاباً وعمالاً في الديوان العباسي، ومنهم: أبو العباس أحمد بن محمد بن بسطام وأولاده أبو القاسم علي وأبو الحسين بن محمد الذين ربطتهم صلة القرابة بآل الفرات، فلقد كان محمد هذا صهر حامد بن العباس وزير المقتدر، وكانت هذه الطائفة من المدافعين عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) والإمامية، ولكن بعد إعلان الشلمغاني عن عقيدته، بقوا على اعتقادهم السابق فيه وتابعوه في أفعاله، مما كان سبباً في بث المقتدر جواسيسه حول بيوتهم ليرقبوا تحركاتهم ويقتنصوا أخبارهم، وحصل الشلمغاني على احترام آل الفرات الذين كانوا بداية أمرهم على مذهب الإمامية، وهم رهط الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات الذي كان من وزراء بني العباس، وهو الذي صحح الخطبة الشقشقية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ويحتمل أنهم نزلوا بشط الفرات، وكان منهم أبو الحسن بن الفرات الذي وزر ثلاث مرات للمقتدر كان آخرها عام ٣١١ه(٧١٦)، وكان ولده المحسن هو الغالب على الأمور في هذه الوزارة(٧١٧)؛ حتى عزل عام ٣١٢هـ واختفى ولده المحسن وصودر ابن الفرات على جملة من المال مبلغها ألف ألف دينار(٧١٨). وابن الفرات هذا فرع من أب وأخ منحرفين، كانا قد اتبعا محمد بن نصير النميري الذي ادعى السفارة كذباً عن الإمام المهدي (عليه السلام) فترة سفارة أبي جعفر العمري وقد تقدم ذلك.
وكان المحسن بن علي وقحاً سيء الأدب ظالماً ذا قسوة شديدة، وكان الناس يسمونه: الخبيث بن الطيب(٧١٩)، وروي له شنائع في التعذيب والمصادرة(٧٢٠)، وكان الشلمغاني من أقربائه، وله معه رابطة النسب؛ ومن المقربين إليه(٧٢١).
وأمّا ميزات تلك الفترة:
أولاً:
ما رواه الطوسي بإسناده عن علي بن همام أنه قال: إن محمد بن علي الشلمغاني لم يكن قط باباً إلى أبي القاسم ولا طريقاً له ولا نصبه أبو القاسم لشيء من ذلك على وجه ولا سبب، ومن قال بذلك فقد أبطل؛ وإنما كان فقيهاً من فقهائنا وخلط وظهر عنه ما ظهر، وانتشر عنه الكفر والإلحاد(٧٢٢)، ولا تنافي هذه الرواية ما ذكره أبو غالب الزراري من أن الشيخ الحسين بن روح نصب الشلمغاني وكيلاً عنه حال استقامته(٧٢٣)، خاصة وأن ابن همام نفسه اعترف بأن الشلمغاني كان وكيلاً صالحاً لابن روح حال استتاره عن الخليفة المقتدر(٧٢٤).
ثانياً:
كان تنصيب الشلمغاني وكيلاً لابن روح بعد وفاة العمري ودفنه(٧٢٥)؛ وفي بعض النصوص أنه كان وقت استتاره واختفائه عن الوسط الإسلامي(٧٢٦).
وقد ذكرنا أنه اعتقل عام ٣١٢هـ، فيكون تنصيبه للشلمغاني إذن في بداية وزارة حامد بن العباس أو آخرها حيث كان مستقيم السلوك والعقيدة في تلك الفترة(٧٢٧)، ثم خرج عن المذهب وكذب على ابن روح، وحكى عنه لبني بسطام وآل الفرات كل كذب وبلاء وكفر، وأسنده إلى ابن روح النوبختي، فكانوا يقيلونه منه ويأخذونه عنه(٧٢٨)، وعندما لعنه ابن روح قال الشلمغاني في تأويل كلامه: إن لهذا القول باطناً عظيماً، وهو أن اللعنة هي الإبعاد، فمعنى قوله (لعنه الله) أي باعده الله (عن) العذاب والنار!!، ثم قال: والآن قد عرفت منزلتي، ومرغ خدّه على التراب وقال: عليكم بالكتمان لهذا الأمر، وادعى الشلمغاني: أن روح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انتقلت إلى العمري أبي جعفر؛ وروح أمير المؤمنين (عليه السلام) انتقلت إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، وروح مولاتنا فاطمة (عليها السلام) انتقلت إلى ابنة أبي جعفر العمري(٧٢٩)، وعدّ الشلمغاني إلى قول الحلاج لعنه الله(٧٣٠)، واستهوى قلوب الضعفاء، واستزل خلقاً كثيراً من المسلمين وأشرك طوائف العمهين(٧٣١)، وكان يقول لبني بسطام: إنني أذعت السر وقد أخذ عليّ الكتمان، فعوقبت بالإبعاد بعد الاختصاص، لأن الأمر عظيم لا يحتمله إلّا ملك مقرب أو نبي مرسل أو مؤمن ممتحن، فيؤكد في نفوسهم عظم الأمر وجلالته(٧٣٢)، وكانت له حكاية مع أبي سهل إسماعيل بن علي النوبختي مشابهة لحكاية الحلاج وافتضاحه، حيث راسله الشلمغاني يدعوه فيها إلى الفتنة ويبذل له المعجز وإظهار العجب - كما حكاه ابن النديم - قال: وكان بمقدم رأس أبي سهل جلح - يشبه القرع - فقال للرسول: أنا ما أدري أي شيء هو! ينبت صاحبك - الشلمغاني - بمقدم رأسي الشعر حتى أؤمن به!! فما عاد إليه الرسول(٧٣٣).
وحذر ابن روح النوبختي كل أصحابه من الشلمغاني، وكذا في بني نوبخت، فلم يبقَ أحد إلّا وتقدم إليه الشيخ أبو القاسم وكاتبه بلعن أبي جعفر الشلمغاني والبراءة منه، وممن يتولاه ورضي بقوله أو كلّمه فضلاً عن موالاته(٧٣٤)، وخرج توقيع من ابن روح النوبختي وهو في السجن عام ٣١٢هـ بلعن الشلمغاني، وقد رواه الطوسي بأسانيد مختلفة، قال: خرج التوقيع من الحسين بن روح في الشلمغاني، وأنفذ نسخته إلى أبي علي بن همام في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة(٧٣٥).
وقال محمد بن الحسن الصيمري: أنفذ الشيخ الحسين بن روح (رض) من محبسه في دار المقتدر إلى شيخنا أبي علي بن همام في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وأملاه أبو علي وعرفني: أن أبا القاسم (رض) راجع في ترك إظهاره؛ فإنه في يد القوم وحبسهم، فأمر بإظهاره وأن لا يخشى ويأمن، فتخلص وخرج من الحبس بعد ذلك بمدة يسيرة والحمد لله(٧٣٦).
ويظهر أن التوقيع كان قد شاع وانتشر قبل خروج ابن روح من السجن بقليل أي ما يقرب من عام ٣١٧هـ وإليك نصه:
روى الطوسي والطبرسي بإسنادهما: بسم الله الرحمن الرحيم، اعرف أطال الله بقاك، وعرّفك الخير كله؛ وختم به عملك من تثق بدينه وتسكن إلى نيته من إخواننا أدام الله سعادتهم بأن محمد بن علي المعروف بالشلمغاني - عجل الله له النقمة ولا أمهله - قد ارتد عن الإسلام وفارقه وألحد في دين الله وادعى ما كفر معه بالخالق جل وتعالى، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله، وضلوا ضلالًا بعيدًا وخسروا خسرانًا مبينًا، وإنا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته منه، ولعنّاه؛ عليه لعائن الله تترى في الظاهر منا والباطن والسر والجهر وفي كل وقت؛ وعلى كل حال، وعلى كل من شايعه وبلغه هذا القول منا وأقام على من تولاه بعده.
أعلمهم - تولاك الله - أننا في التوقي والمحاذرة منه على مثل ما كنا عليه ممن تقدمه من نظرائه من السريعي والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم، وعادة الله جل ثناؤه مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة وبه نثق وإياه نستعين وهو حسبنا في أمورنا ونعم الوكيل(٧٣٧).
وقد ترك هذا التوقيع آثارًا بليغة في الحد من نشاط الشلمغاني ولعنه في المحافل العلمية والسياسية والاجتماعية(٧٣٨).
ولم يأبه الشلمغاني بهذا القرار وكان يعلن بين الآونة والأخرى عن رفضه لهذا القرار واستنكاره؛ وصب جام غضبه على أنصار الإمام (عليه السلام)؛ فكتب كتاب الغيبة؛ وادعى فيه منصبًا لم يصنعه الله فيه، وافترى الكثير على الإمام المهدي (عليه السلام)(٧٣٩).
قال الشلمغاني: ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي في هذا الأمر إلّا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنّا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف، ولكن الأمة لم تلتفت إلى هذا القول وأقامت على لعنه والبراءة منه(٧٤٠).
ثم أظهر الشلمغاني أن الأجوبة التي كانت تخرج من الإمام المهدي (عليه السلام) هي له؛ ولا دخل للإمام (عليه السلام) فيها، فخرج توقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) لأهل قم فيه: بسم الله الرحمن الرحيم؛ قد وقفنا على هذه الرقعة وما تضمنته، فجميعه جوابنا، ولا مدخل للمخذول الضال المضل المعروف بالعزاقري - الشلمغاني - لعنه الله في حرف منه؛ وقد كانت أشياء خرجت إليكم على يدي أحمد بن بلال وغيره من نظرائه، وكان من ارتدادهم عن الإسلام مثل ما كان من هذا؛ عليهم لعنة الله(٧٤١).
وأراد الراوي أن يتأكد أن ما خرج من هؤلاء قبل انحرافهم صحيح أم لا؟
قال الراوي: فاستثبتُّ قديمًا في ذلك، فخرج الجواب منه (عليه السلام): على من استثبتّ فإنه لا ضرر في خروج ما خرج على أيديهم وإن ذلك صحيحًا(٧٤٢).
وقد كانت الضربة التي وجهها ابن روح للشلمغاني شديدة كانت قد أنهت بحياته(٧٤٣)، وافتضح على أثرها في آخر وزارة حامد بن العباس حيث أظهر قبائح أفعاله وكفره وإلحاده؛ فنبذته الأمة وطردته من بينها، فلاذ بالبلاط العباسي بعد عزل الوزير حامد بن العباس ومجيء أبي الحسن بن الفرات وللمرة الثالثة عام ٣١١هـ إلى الوزارة، فارتبط مع ابنه المحسن وقرّبه إليه(٧٤٤)، ونصّبه في بعض أعمال الديوان(٧٤٥)، ليخفف عنه وطأة المعارضين ويخفي الأموال التي سرقها من الأمة؛ وحين اضطرب أمر المحسن وأبيه قام باضطهاد المنكوبين، فاستخلف الشلمغاني بالحضرة لجماعة من العمال، وكان للشلمغاني صاحب يعرفه بملازمته مقدام على الدماء من أهل البصرة، فسلم إليه جماعة، فذبحهم كما يذبح الغنم، ثم استخرج أموال جماعة كانوا مستترين وصادر القسم الآخر(٧٤٦).
وبعد أن قتل المحسن وأبوه، حلّ محلّهما في الوزارة أبو القاسم الخاقاني فهرب الشلمغاني إلى الموصل وصار في ضيافة الأمير ناصر الدولة الحمداني؛ روى النجاشي: أن الشلمغاني أخبر بقائمة كتبه عند استتاره بمعلثايا(٧٤٧)، وبعد بقائه مدة من الزمن هناك، رجع إلى بغداد واستتر فيها، وأظهر أنه يدعي لنفسه الربوبية(٧٤٨)!!
فتابعه الكثيرون من وزراء وشعراء(٧٤٩)؛ ولم يكن الإمساك بالشلمغاني يسيرًا، فقد استمرت حملات المطاردة والتفتيش عليه من قبل علي بن مقلة وزير المقتدر عام ٣٢٢هـ، وكان الشلمغاني قد أحس بالخطر ورأى كثرة أنصاره؛ فوجه بخطابه إلى ابن روح يدعوه للمباهلة وقال: أنا صاحب الرجل - يقصد الإمام المهدي (عليه السلام) - قد (أمرت) بإظهار العلم، وقد أظهرته باطنًا وظاهرًا، فباهلني!!
فأنفذ إليه ابن روح جوابًا شفويًا: أيّنا تقدم صاحبه فهو المخصوم، فتقدم العزاقري - الشلمغاني(٧٥٠) -، وأقيم مجلس المباهلة في دار الوزير ابن مقلة وحضره الخاصة والعامة، فلما دخل الشلمغاني المجلس خفية توجهت إليه الأعناق ليسمعوا ما يقوله!! وفوجئ الشلمغاني بتحشد الشيعة الإمامية في هذا المجلس وكل منهم يحكي عن ابن روح لعنه والبراءة منه، فلم يرَ غير أن يقول كلمته الأخيرة ويخرج هاربًا بسرعة قائلًا: اجمعوا بيني وبينه - يقصد ابن روح - حتى آخذ بيده ويأخذ بيدي، فإن لم تنزل عليه نار من السماء تحرقه، وإلّا فجميع ما قاله فيّ حق(٧٥١)، فوصل هذا الخبر إلى أسماع الخليفة الراضي بسرعة عام ٣٢٢هـ فأمر جنوده بإلقاء القبض عليه وكبس داره، فألقي القبض عليه وفتش داره تفتيشًا دقيقًا فوجد فيه عدة رسائل من أتباعه وخطابات مجملة له بأنه الله سبحانه(٧٥٢)!!، وعرضت هذه الرسائل كلها على الخليفة الراضي بالله، فأقرّ بها الشلمغاني كلها واعترف بأنها كانت من أتباعه!! فثبت صحتها، فأحضر الخليفة اثنين من أتباعه، فأمرهما بصفع الشلمغاني فصفعه أحدهما(٧٥٣)؛ وأمّا الثاني فخاطبه: مولاي الكبير!! ثم مدّ يده إلى لحية الشلمغاني على سبيل التوقير والتكريم وقال: مولاي مولاي وإلهي وسيدي ورازقي(٧٥٤)!!
فقال الراضي بالله مخاطبًا الشلمغاني: قد زعمت أنك لا تدعي الألوهية؛ فما هذا؟! فقال: وما عليّ، من قول ابن أبي عون والله يعلم أنني ما قلت له أنني إله قط(٧٥٥).
ثم جرت عدة لقاءات بينه وبين الفقهاء والقضاة(٧٥٦)، فأصدروا حكمًا بإراقة دمه وأتباعه؛ فجلد أمام الناس ثم قتل وأحرق جسده أمام المارة والنظارة.
وقد روى الطوسي له أشعارًا أثناء موته(٧٥٧)؛ واستراحت منه الأمة بأسرها.
المبحث الرابع: التراث الذي خلّفه الحسين بن روح النوبختي للأمة الإسلامية
لقد خلف الحسين بن روح النوبختي تاريخًا وتراثًا ضخمًا للأجيال الإسلامية مع تصديه لمهمة السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام) ونلخصه بما يلي:
أولًا - ما تركه من روايات وأحاديث وكتب:
برع ابن روح النوبختي في ميادين العلم وحاز السبق في حلبات الأدب، وروى عن الأئمة (عليهم السلام) كثيرًا من الروايات؛ وصنف في شتى العلوم ومتنوع الفنون، وزهت صورته العلمية زهو الطاووس في حدائق الكمال؛ ولكن التاريخ لم يمهله حيث امتدت إليه يد الغدر فلم تبق له من كتبه التي ألفها سوى كتابًا واحدًا كما ذكره المؤرخون(٧٥٨)، وهو كتاب التأديب وفيه مسائل فقهية كالصلاة والصيام وأمور أخرى(٧٥٩)، وقد نسخ الشلمغاني نسخة منه وأدخل فيه فرعًا فقهيًا مخالفًا لما عليه مذهب الأصحاب، روى الطوسي بإسناده عن سلامة بن محمد قال: أنفذ الحسين بن روح (رض) كتاب التأديب إلى قُم، وكتب إلى جماعة الفقهاء بها وقال لهم: أنظروا في هذا الكتاب، وانظروا فيه شيء يخالفكم؟! فكتبوا إليه: إنه كله صحيح، وما فيه شيء يخالف إلّا قوله: الصاع في الفطرة نصف صاع من طعام والطعام عندنا مثل الشعير من كل واحد صاع(٧٦٠).
وأمّا كتاب التكليف وقد ذكرناه في عداد مؤلفات الشلمغاني؛ فلعلّه من تعليمات ابن روح أيضًا وهو كتاب في الحديث، وكان الشلمغاني - لعنه الله - قد أدخل فيه أمورًا كثيرة ونسبها إلى الأصحاب ولم يقولوا بها، وكان ابن روح يصلح كل ما يكتبه الشلمغاني(٧٦١).
أما روايته؛ فقد روى ابن روح النوبختي عن الأئمة (عليهم السلام) في شتى العلوم؛ فروى في الإمامة(٧٦٢)؛ وإيمان أبي طالب (عليه السلام)(٧٦٣)، والمتعة(٧٦٤)، وزيارة العسكريين (عليهما السلام)(٧٦٥) وغيرها.
قال التستري: والغريب مما وقع من بعض العلماء ولعله وقع منهم غفلة أن رجال الشيخ الطوسي غفل عن عنوانه مع عموم موضوعه(٧٦٦)، وقد روى عن محمد بن زياد وروى عنه الحسن بن جمهور في باب فضل زيارة الإمامين العسكريين (عليهما السلام) كما تقدمت الرواية عنه(٧٦٧).
وأمّا تراثه في الأدعية:
فقد روى أدعية مشهورة من الأئمة (عليهم السلام) ومنه أيضًا.. ونلخصها بما يلي:
أولًا - الأدعية الرجبية:
قال ابن طاووس: ومن الدعوات كل يوم من رجب ما رويناه عن جدي أبي جعفر الطوسي - قدس الله روحه - فقال: قال ابن عياش: وخرج إلى أهلي على يد الشيخ أبي القاسم (رض) في مقامه عندهم هذا الدعاء في أيام رجب: اللهم إني أسألك بالمولودين في رجب.. إلخ(٧٦٨).
ثانيًا - الزيارة الرجبية:
وروى الطوسي زيارة رواها ابن عياش قال: حدثني خير بن عبد الله عن مولانا أبي القاسم الحسين بن روح (رض) قال: زر أي المشاهد كنت بحضرتها في رجب ثم تقول إذا دخلت: الحمد لله الذي أشهدنا مشهد أوليائه في رجب.. إلخ(٧٦٩).
ثالثًا - دعاء وصلاة يوم المبعث:
وروى ابن طاووس بإسناده إلى جده أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) بإسناده إلى أبي القاسم بن روح (رحمه الله) قال: تصلّي في هذا اليوم اثنتي عشرة ركعة تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وما تيسّر من السور.. إلخ(٧٧٠).
رابعًا - التوسل بالإمام الحسين (عليه السلام):
وهو دعاء خرج منه (عليه السلام) على يد الحسين بن روح إلى القاسم بن العلاء الهمداني جاء فيه: إن مولانا الحسين (عليه السلام) وُلِد يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان، فصمه وادع بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك بحق هذا المولود في هذا اليوم.. إلخ(٧٧١).
خامسًا - دعاء وزيارة الجامعة:
روى الطبرسي عن محمد بن عبد الله الحميري مع مسائله التي بعثها عام ثمان وثلاثمائة إلى ابن روح النوبختي ليوصلها إلى الإمام المهدي (عليه السلام) أنه قال: خرج توقيع من الناحية المقدسة حرسها الله بعد المسائل: بسم الله الرحمن الرحيم، لا لأمره تعقلون، حكمة بالغة، فما تغني النذر عن قوم لا يؤمنون... إلخ(٧٧٢).
سادسًا - زيارة للصادق (عليه السلام):
روى المجلسي عن مجموع الدعوات لأبي محمد هارون بن موسى التلعكبري قال: روى أبو الحسين أحمد بن الحسين بن جابر الصيداوي هذه الزيارة لعثمان بن سعيد ومعه أبو القاسم بن روح قال: عند زيارتهما لمولانا أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وقفا على باب السلام فقالا: السلام عليك يا مولاي وابن مولاي وأبا مولاي ورحمة الله وبركاته؛ السلام عليك يا شهيد دار الفناء، وزعيم دار البقاء.. إلخ(٧٧٣).
أمار تراثه من التوقيعات التي خرجت على يديه من الإمام المهدي (عليه السلام):
لقد خرجت توقيعات منه (عليه السلام) للأوضاع السياسية التي أحاطت تلك الفترة بالأمة؛ كقلع القرامطة للحجر الأسود ونقله إلى هجر، وتحذيره الوكلاء من السلطات وغيرها.. ونلخص بعض توقيعاته (عليه السلام):
التوقيع الأول - في أهل قُم:
ذكر ابن نوح أن هذا الدرج بعينه كتب به أهل قُم إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) وفيه مسائل، فأجابهم على ظهره؛ بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وحصل الدرج عند أبي الحسن بن داوود.. نسخة الدرج: مسائل محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري: بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك وسعادتك وسلامتك وأتم نعمته وزاد في إحسانه إليك وجميل مواهبه لديك وفضله عندك؛ وجعلني من السوء فداك وقدّمني قبلك، الناس يتنافسون في الدرجات، فمن قبلتموه كان مقبولًا، ومن دفعتموه كان وضيعًا، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من ذلك، وببلدنا - أيدك الله - جماعة من الوجوه يتساوون ويتنافسون في المنزلة؛ وورد أيدك الله كتابك إلى جماعة منهم... إلخ(٧٧٤) وهو خبر طويل جدًا وردت فيه المسائل الفقهية والاجتماعية والسياسية فراجعه في مظانه.
التوقيع الثاني - أسئلة الحميري:
وقد روى الطوسي والطبرسي كتاب لمحمد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى الإمام المهدي (عليه السلام) في مثل ذلك جاء فيه: رأيك أدام الله عزك في تأمل رقعتي والتفضل بما يسهل لأضيفه إلى سائر أياديك علي، واحتجت أدام الله عزك أن تسأل لي بعض الفقهاء: عن المصلي إذا قام من التشهد الأول للركعة الثانية هل يجب عليه أن يكبر.. إلخ(٧٧٥) وهو خبر طويل أيضًا كسابقه وقد جاء في آخره: قال ابن نوح: نسخت هذه النسخة من المدرجين القديمين اللذين فيهما الخط والتوقيعات(٧٧٦).
التوقيع الثالث - أسئلة في الحج:
وروى الطبرسي كتابًا آخر لمحمد بن عبد الله الحميري إلى صاحب الزمان (عليه السلام) من جواب مسائله التي سأله عنها في سنة سبع وثلاثمائة - أرسلها لابن روح - يسأل عن المحرم يجوز أن يشد المئزر من خلفه إلى عقبه الطول... إلخ(٧٧٧) وهو طويل أيضًا اشتمل على مسائل عديدة في الحج.
التوقيع الرابع - الأسئلة الفقهية المتنوعة:
وأرسل محمد بن عد الله بن جعفر الحميري أيضًا مسائل عام ثمان وثلاثمائة إلى ابن روح النوبختي ليوصلها إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، جاء فيه: أطال الله بقاك وزاد في إحسانه إليك وجميل مواهبه لديك وفضله عليك وجزيل قسمه لك، وجعلني من السوء كله فداك وقدمني قبلك: إن قبلنا مشايخ وعجائز يصومون رجبًا منذ ثلاثين سنة... إلخ وهو خبر طويل اشتمل على مسائل فقهية عديدة متنوعة(٧٧٨).
التوقيع الخامس - إنزال العقوبة في بعض المشعوذين:
روى الطوسي بإسناده عن جماعة عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داوود القمي قال: وجدت بخط أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح (رض) على ظهر كتاب فيه جوابات ومسائل أنفذت من قُم يسأل عنها، وهي جوابات الفقيه (عليه السلام) أو جوابات محمد بن علي الشملغاني؛ لأنه حكي أنه قال: هذه المسائل أنا أجبت عنها!! فكتب إليهم (عليه السلام) على ظهر كتابهم: بسم الله الرحمن الرحيم، قد وقعنا على هذه الرقعة وما تضمنته، فجميعه جوابنا.. إخ(٧٧٩).
وقال ابن نوح: أول من حدثنا بهذا التوقيع أبو الحسين محمد بن علي بن تمام وذكر أنه كتبه في ظهر الدرج الذي عند أبي الحسن بن داوود، فلما قدم أبو الحسن بن داوود قرأته عليه(٧٨٠).
المبحث الخامس: معجزات الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي الحسين بن روح النوبختي
إن المعجزة تترك آثارًا وتجاوبًا سريعًا في النفوس ما لا يمكن أن تتركه الأنظمة والتشريعات العامة، لأنها فرضتها الضرورات الملحة لإقناع من بهرتهم الحياة ولا يؤمن إلّا بالمحسوس، ولا يهمنا تحديد الشكل الذي كانت تتم فيه المعجزة، فإن المعجزات إنما ظهرت لدعم قولهم وصحة الانتساب، فإن ظهور المعجزات والكرامات على أيدي السفراء الذي هو من الممكن الذي ليس بواجب عقلًا ولا ممتنع قياسًا، قد جاءت الأخبار على التظاهر والانتشار بكونه منهم (عليه السلام)، فقطع عليه من جهة السمع والآثار(٧٨١)، وإنهم (عليهم السلام) إنما جاءوا بخوارق العادات والمعجزات حيث مصلحة الدين التي تفرض عليهم ذلك(٧٨٢)، وظهور المعجزات على المنصوبين من الخاصة والسفراء المنصّبين من قبل صاحب الأمر (عليه السلام) جائز لا يمنع منه عقل ولا سنة ولا كتاب(٧٨٣).
ونذكر ملخصًا عن بعض المعجزات التي ظهرت على يد ابن روح النوبختي من قبل الإمام المهدي (عليه السلام):
أوّلًا - القرامطة والأسرار الغيبية:
روى الطوسي بإسناده عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن بابويه (رحمه الله) قال: حدثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت القرامطة على الحاج وهي سنة تناثر الكواكب أن والدي (رض) كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدس الله) يستأذن في الخروج إلى الحج فخرج الجواب عنه (عليه السلام): لا تخرج في هذه السنة، فأعاد وقال: هو نذر واجب، أفيجوز لي القعود عنه؟ فخرج في الجواب: إن كان لابد، فكن في القافلة الأخيرة؛ وكان في القافلة الأخيرة فسلم بنفسه وقتل من تقدمه في القوافل الأخر(٧٨٤).
ثانيًا - ولادة الصدوق بدعاء المهدي (عليه السلام):
روى الطوسي بإسناده عن أبي جعفر محمد بن علي الأسود (رحمه الله) قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (رض) بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي - قدس الله روحه - أن يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أن يدعو الله أن يرزقه ولدًا ذكرًا، قال: فسألته فأنهى ذلك، ثم أخبرني بعد ثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين (رحمه الله) فإنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد... قال: فولد لعلي بن الحسين (رض) تلك السنة محمد بن علي وبعده أولاد(٧٨٥)... إلخ.
ثالثًا - رسالة تكتب بلا مداد!!
روى الطوسي بإسناده عن الصفواني قال: وافى الحسن بن علي بن الوجناء النصيبي سنة ثلاثمائة، ومعه محمد بن الفضل الموصلي وكان رجلًا شيعيًا غير أنه ينكر وكالة أبي القاسم بن روح (رض) ويقول: إن هذه الأموال تخرج في غير حقوقها!!
فقال الحسن بن علي الوجناء لمحمد بن الفضل: يا ذا الرجل؛ اتقِ الله، فإن صحة وكالة أبي القاسم كصحة وكالة أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، وقد كانا نزلا ببغداد على الزاهر، وكنا حضرنا للسلام عليهما، وكان حضر هناك شيخ لنا يُقال له: أبو الحسن بن ظفر، وأبو القاسم بن الأزهر، فطال الخطاب بين محمد بن الفضل وبين الحسن بن علي، فقال الحسن بن علي الوجناء: أبيّن لك ذلك بدليل يثبت في نفسك، وكان مع محمد بن الفضل دفتر كبير فيه ورق طلحيّ مجلد بأسود، فيه حساباته، فتناول الدفتر الحسن وقطع منه نصف ورقة كان فيه بياض وقال لمحمد بن الفضل: ابروا لي قلمًا!! فبرى قلمًا، واتفقا على شيء بينهما، لم أقف أنا عليه، واطلع عليه أبا الحسن بن ظفر وتناول الحسن بن علي الوجناء القلم، وجعل يكتب ما اتفقنا عليه في تلك الورقة بذلك القلم المبري بلا مداد!! ولا يؤثر فيه، حتى ملأ الورقة ثم ختمه وأعطاه لشيخ كان مع محمد بن الفضل أسود يخدمه، وأنفذ بهما إلى أبي القاسم الحسين بن روح، ومعنا ابن الوجناء لم يبرح، وحضرت صلاة الظهر فصلينا هناك ورجع الرسول فقال: قال لي: امضِ فإن الجواب يجيء!! وقدمت المائدة، فنحن في الأكل إذ ورد الجواب مكتوب بمداد عن فصل فصل!! فلطم محمد بن الفضل وجهه ولم يتهنأ بطعامه، وقال لابن الوجناء: قم معي، فقام معه حتى دخل على أبي القاسم بن روح وبقي يبكي ويقول: يا سيدي أقلني!! أقالك الله؛ فقال أبو القاسم: يغفر الله لنا ولك إن شاء الله(٧٨٦).
أقول:
وهناك معاجز كثيرة للإمام المهدي (عليه السلام) ظهرت على يدي ابن روح النوبختي رواها أهل السير والأخبار؛ ومنها: معجزات ظهرت للقاسم بن العلاء وقد عمّر مائة وسبعة عشر عامًا وصار أعمى لا يبصر فأعاد الله إليه بصره وظهرت له معاجز أخرى من الإمام (عليه السلام)(٧٨٧)؛ ومعجزات ظهرت للزراري وحلّ مشكلاته العائلية(٧٨٨)؛ وشفاء الأخرس على يديه (عليه السلام)(٧٨٩)، وقصة السبائك الذهبية(٧٩٠)؛ وظهور معجزته (عليه السلام) لرجل أنكر ولده(٧٩١)؛ وقصة الحقّة التي ألقتها المرأة في ماء الفرات فرأتها في بيتها بعد رجوعها(٧٩٢)، وكلام ابن روح النوبختي باللسان الآبيّ لأهل قم(٧٩٣)، وقصة رجل شكى قلبه ونصائح الإمام (عليه السلام) له(٧٩٤).
المبحث السادس: وفاة الحسين بن روح النوبختي
ذكرت النصوص التاريخية أن تاريخ وفاة ابن روح النوبختي كان في يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة من شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة(٧٩٥)، وقبره في النوبختية في الدرب الذي كانت فيه دار علي بن أحمد النوبختي النافذ إلى التل وإلى درب الآجر وإلى قنطرة الشوك(٧٩٦) - ويوجد اليوم في الجانب الشرقي من بغداد وهو في آخر زقاق يمرّ في وسط سوق العطارين، يقع في وسط بيت ينبغي الاستيذان والدخول فيه(٧٩٧).
ومع الأسف الشديد لم يتبرع ولحد الآن رجل من أهل الخير لشراء هذا البيت ليُبنى فيه صحن مختصر مع مجموعة من الغُرف والحياض، فإن له منافع خيرية لا تحصى علاوة على تجليل وتعظيم لصاحب هذا القبر الشريف، فإن غالب الزوار في بيع وشراء ومعاملات، وهم يحتاجون إلى مكان للاستراحة فيه بضع ساعات والتطهير والصلاة، ولا يوجد في بغداد محلًّا كهذا لهم في الكاظميين (عليهما السلام)، ولو بُني هذا المقام لصار مقرًّا لآلاف الزوار في كل أسبوع وشهر وسوف يجلب له الإعانات الدينية والدنيوية ويكون حاميًا للنفوس والأعراض. وقد حقق الدكتور مصطفى جواد البغدادي في نشرته مجلة العرفان حول قبر ابن روح النوبختي فقال: إن قبره في الجانب الغربي، وقد درس فيما درس من قبور العظماء والعلماء في ذلك الجانب، واستدل لذلك بقول ابن خلكان في ترجمة الحسن بن محمد المهلبي الوزير: أنه دفن بمقابر قريش في مقبرة النوبختية، فعلم من هذا: أن مقبرة النوبختية كانت في مقابر قريش التي دفن فيها الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) بالجانب الغربي من بغداد(٧٩٨)، فإن أراد الطوسي من النوبختية هي محلة النوبختية لا مقبرتهم فلا يضر، لأن محلّة النوبختية كانت في الجانب الغربي أيضًا، ويدل عليه قول هبة الله الكاتب؛ أن النوبختية في الدرب النافذ إلى درب الآجر(٧٩٩).
قال ياقوت الحموي في كلمة الآجر: إن درب الآجر محلة من محال نهر طابق ببغداد وخربت، وبنهر معلّى درب الآجر بالجعفرية، عامر أهل(٨٠٠)، ونهر طابق كان في الجانب الغربي.
قال ياقوت الحموي: إن نهر طابق محلة كانت ببغداد من الجانب الغربي ونهر معلى كان بالجانب الشرقي(٨٠١).
وأراد هبة الله بدرب الآجر المحلة التي كانت بالجانب الغربي؛ لذكر قنطرة الشوك التي هي في الجانب الغربي.
قال ياقوت الحموي: نهر عيسى كورة كبيرة في غربي بغداد؛ يأخذ الفرات ثم يتفرع منه أنهار تخرق إلى مدينة السلام وتمر بعدّة قناطر؛ وعد منها قنطرة الشوك ثم يصب في دجلة(٨٠٢)، فعلم من ذلك أن النهر الذي على بعضه قنطرة الشوك يأتي من الفرات ويصب في دجلة؛ فتكون قنطرة الشوك غربي دجلة(٨٠٣).
لقد ترك ابن روح النوبختي من الأولاد الذكور ابنًا اسمه (روح) وقد ذكره العلماء وأثنوا عليه، وكان أحد أعلام الشيعة وثقاتهم والمرضيين عندهم، وكان محدثًا فاضلًا ومتكلمًا مناظرًا، روى عنه الحسين بن علي بن موسى بن بابويه وجماعة من كبار الشيعة(٨٠٤)، قال الخوئي: وكان روح ابن أبي روح النوبختي يروي عن أبيه (رض) وغيره من أئمة العلم الكبار في المائة الثالثة(٨٠٥)، وقد روى له الطوسي في كتاب الغيبة: أنه قرأ الحسين بن روح هذا الكتاب من أوله إلى آخره وقال: ما فيه شيء إلّا وقد روي عن الأئمة.. الخبر(٨٠٦).
وطوى ابن روح صفحة مشرقة من حياته بعد تمهيده للسمري في أمر السفارة كما سيأتي؛ وانتقل إلى الرفيق الأعلى ولم يكن عمر الإمام المهدي (عليه السلام) سوى واحد وسبعين عامًا(٨٠٧).

الباب الرابع: السفير الرابع للإمام المهدي (عليه السلام) علي بن محمد السمري

المبحث الأول: علي بن محمد السمري في الميزان

والسمري عادل ذو العزم * * * وقد توفي لسقوط النجم(٨٠٨)
والغيبة الكبرى بموته بدت * * * فنور اللهم عينا كدرت
* * *

وهو أبو الحسن علي بن محمد السمري(٨٠٩)، أو السيمري(٨١٠)، أو الصيمري(٨١١)، والمشهور الأول؛ مضبوطًا بالسين المهملة المفتوحة والميم المضمومة والراء؛ وقيل بالسين المهملة المكسورة والميم المكسورة المشددة والراء(٨١٢).
وسَمَّر: بفتحتين وتشديد الميم موضع في اليمامة فيه نخل كثير(٨١٣)، قال الحموي: وسمر أعتقد بأنه لفظ نبطي وليس عربي، وهي بلد من أعمال (كسكر) وهي داخلة الآن تحت أعمال البصرة وهي واقعة بين البصرة وواسط(٨١٤)، وذكر النهاوندي مثله عن السمعاني(٨١٥).
لم تذكر النصوص تاريخ ومحل ولادته وأسرته؛ وإنما ذكر فيها كواحد من أصحاب العسكري (عليه السلام)، ثم ذكر أنه قام بمهام السفارة عن الإمام المهدي (عليه السلام)(٨١٦).
أثنى عليه العلماء قديمًا وحديثًا، فقد عدّه الطوسي من السفراء الممدوحين بعد أن ذكر طرفًا من أخباره وأحواله(٨١٧)؛ وقال فيه الصدوق:
إنه ممن أجمع الشيعة على عدالته وثقته(٨١٨)؛ ووصفه المفيد: بأنه أهل عقل وأمانة وثقة ودراية وفهم وتحصيل ونباهة(٨١٩)؛ وقال عنه الطبرسي: بأنه صادق اللهجة في مقالته(٨٢٠).
وأثنى عليه متأخرو العلماء أيضًا؛ وأطنبوا في مدحه وتعظيمه؛ قال المامقاني: إنه من السفراء والنواب؛ وهو السفير بعد أبي القاسم بن روح، وكان يكنى بأبي الحسن، وثقته وجلالته أشهر من أن يذكر، وأظهر من أن يحرز، فهو كالشمس لا يحتاج إلى بيان نوره، وقد كانت سفارته عن الحجة المنتظر (عليه السلام) بوصية الشيخ أبي القاسم بن روح إليه عند موته بأمر من الحجة (عليه السلام)(٨٢١).
وقال السيد الصدر عنه: كان حجة المولى على المؤمنين، عالمًا ربانيًا زاهدًا ورعًا، شيخنا في الحديث والفقه، وكان المرجع بعد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رض) وباب الأحكام للطائفة؛ وله حكايات وكرامات ومكاشفات رواها الثقات(٨٢٢).
وجاء في (تعق): علي بن محمد السمري من السفراء والنواب وجلالته تغني عن التعرض بحاله، وفي (النقد) مثله(٨٢٣).
تولى السفارة من حين وفاة أبي القاسم بن روح النوبختي بأمر الإمام المهدي (عليه السلام)(٨٢٤).
وقد تسالمت الأمة عليه وقبولها له، وكان تصديه للسفارة عام ٣٢٦هـ، إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام ٣٢٩هـ في النصف من شعبان(٨٢٥)؛ فتكون مدة سفارته حوالي ثلاثة أعوام كاملة غير أيام(٨٢٦).
وقد وقع توهم في هذه الشخصية:
في أنها نفسها شخصية علي بن زياد الصيمري، أو علي بن محمد بن زياد الصيمري أم هي ثلاث شخصيات؟ ومنشأ هذا التوهم والاختلاف يعود إلى اختلاف الأخبار والروايات..
فقد ذكر الطوسي في رجاله: علي بن محمد السمري - سفير الإمام المهدي (عليه السلام) - بأنه من أصحاب الإمام العسكري تحت عنوان الصيمري لا السمري(٨٢٧)؛ وروى ابن شهرآشوب دخول علي بن محمد بن زياد الصيمري على أحمد بن عبد الله بن طاهر وفيه يديه رقعة أبي محمد.. الخ(٨٢٨)، وهو نفس ما رواه الأربلي ولكنه عن علي بن محمد السمري(٨٢٩).
فنقول في رفع التوهم: أمّا علي بن زياد الصيمري، فقد ذكر الوحيد: بأنه مما لا شاهد عليه، ولا يوجد هذا الاسم في بعض النسخ(٨٣٠)؛ وقال التستري: يمكن الاستشهاد له بأن دلائل الحميري وكذا الاكمال ودلائل الطبري روت في معجزات الحجة (عليه السلام) عن علي بن محمد بن زياد الصيمري: أن علي بن محمد كتب يسأل كفنًا.. الخ؛ ورواه الكافي والغيبة عن علي بن زياد الصيمري.. فلابد أن لفظ الأول و«علي بن زياد الصيمري» نسبة إلى الجد؛ والثاني «علي بن محمد بن زياد الصيمري» نسبة إلى الجدّ، كما أن الغيبة رواه في إسناد آخر عن (محمد بن زياد الصيمري) وهو محرّف عن علي بن زياد الصيمري، هذا والصيمري كما قال السمعاني: نسبة إلى صيمر، نهر من أنهار البصرة عليه عدة قرى، وإلى صيمرة بلد بين ديار الجبل وخوزستان، لكن لا يبعد أن يكون الصيمري في رجال الشيخ والمهج، والخبر محرّف الصهري لقربهما في الخط؛ فكان قول المسعودي: صهر جعفر بن محمود الوزير هو تفسير للقبه، ومن تزوج بنت أحد الأشراف يُعرف به، كالداماد في المتأخرين(٨٣١).
أمّا الخوئي فقد ذكر أنه تقدم عن الشيخ في رجاله عدّ «علي بن زياد الصيمري» من أصحاب الهادي (عليه السلام)، وظاهره مغايرته لعلي بن محمد بن زياد، ولكن الصحيح أنهما واحد، وذلك لما تقدم عن الكافي والإرشاد والغيبة من أن علي بن زياد كتب إليه (عليه السلام) يسأله كفنًا، فكتب إليه.. الخبر، فيعلم من ذلك اتحاد علي بن محمد بن زياد مع علي بن زياد(٨٣٢).
وهما شخصية واحدة لا متعددة. وكان الطوسي قد عدّ علي بن محمد بن زياد الصيمري من أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام)(٨٣٣)، ووثقه ابن طاووس قائلًا: كتاب الأوصياء تأليف السعيد علي بن محمد بن زياد الصيمري؛ كان قد لحق مولانا الهادي والعسكري (عليهما السلام) وخدمهما؛ وكاتباه ودفعا إليه توقيعات كثيرة، وكان رجلًا من وجوه الشيعة وثقاتهم ومقدمًا في الكتابة والعلم والأدب والمعرفة(٨٣٤).
فيتضح أن محمد بن علي بن زياد الصيمري يختلف تمامًا عن علي بن محمد السمري سفير الإمام المهدي (عليه السلام).
إن النصوص التاريخية لم تذكر طبيعة العمل، الذي كان يقوم به السمري فترة إمامة الحسن العسكري (عليه السلام)، سوى أنه كان من أصحابه والمقربين إليه(٨٣٥)، وأمّا فترة إمامة المهدي (عليه السلام) فقد كانت الظروف صعبة للغاية؛ وقد كثر فيها الكذابين والمدعين للسفارة زورًا وكذبًا، وأخذت السلطات تضايق أصحاب الإمام؛ وتحدّ من نشاطهم؛ وهكذا أعلن السفير ابن روح النوبختي للأمة بأن السمري هو السفير بعده بأمر الإمام المهدي (عليه السلام) مراعيًا فيه جانب الحذر والكتمان، ولم نعثر على نصّ تاريخي في تنصيب الإمام المهدي (عليه السلام)(٨٣٦) السمري سفيرًا له بعد ابن روح، ولعلّ ذلك يعود لتسالم الأمة عليه؛ الحاصل من ثقة الأمة المطلقة بابن روح النوبختي والتسليم له؛ وما كان ابن روح يقول ذلك من نفسه في تنصيبه السمري بل ذلك من الأصل ومسموع من الحجة (عليه السلام)(٨٣٧).
ولم يقم أحد من السفراء إلّا بنصّ عليه من قبل الصاحب (عليه السلام) ونصب صاحبه الذي تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قول السمري إلّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يده من قبل صاحب الأمر (عليه السلام) تدل على صدق مقالته وصحة بابيته(٨٣٨)، ثم كانت الأموال تحمل إليه، فيخرج لهم التوقيعات وكان يذكر كمية الأموال جملة وتفصيلًا ويسمي أصحابها بالإعلام من قبل القائم (عليه السلام) له في ذلك(٨٣٩).
وقد امتازت سفارة السمري بميزات.. نلخصها كالتالي:
أولًا - قصر مدة سفارته:
لقد كانت مدة سفارته ثلاث سنوات إلّا أيام؛ ويعود سبب قصرها إلى الجو الخانق الذي كان يعيشه هذا السفير وصعوبة الزمان وكثرة الحوادث؛ وتشتت الأذهان.
ثانيًا - ضآلة النشاط:
وامتازت هذه الفترة بالذات بقلّة نشاط هذا السفير وضآلة عمله بالنسبة إلى أسلافه، لعدم تهيؤ الظروف المناسبة والفرص المؤاتية للعمل؛ وليس كما ذكره بعض المستشرقين من أن السمري ربما أدركته الخيبة فشعر بتفاهة منصبه وعدم حقيقته كوكيل معتمد للإمام المفترض(٨٤٠).
وما دراسة هذا المستشرق لهذا السفير إلّا كونه بمستوى حدّه وضآلة تفكيره وإلّا فأي تفاهة في هذا المنصب الإلهي الخطير وكونه ممثلًا عن الإمام المهدي (عليه السلام) فكرًا وروحًا.
إن الشعور بعدم حقيقة الوكالة أمر لا معنى له على الإطلاق، خاصة في ما يتجلى مع موقفه المباشر من الإمام المهدي (عليه السلام) وتلقيه التوقيعات منه (عليه السلام)، وجلب رضا واعتماد الأمة وتسالمها عليه وقبولها أقواله وأفعاله.
ثالثًا - قلّة التوقيعات الصادرة إليه.
رابعًا - كثرة المدعين للسفارة كذبًا وزورًا عن الإمام المهدي (عليه السلام).
خامسًا - كثرة المنازعات والمناقشات بين الفرق الإسلامية واختلافها.
سادسًا: خروج توقيع من الإمام المهدي (عليه السلام) في إنهاء السفارة بموت السمري.
المبحث الثاني: التحركات السياسية والفكرية والاجتماعية للسمري
إن فترة سفارة السمري كانت قد امتازت بميزات نلخصها فيما يلي:
أولًا - في خدمة الراضي بالله والمتقي:
أ - بغداد.. والفوضى:
شهدت العاصمة بغداد في هذه الفترة بالذات من سفارة السمري فترة خلافة الراضي والمتقي بالله الاضطرابات والفوضى التي عمّت كل قطاعات البلاد، قال الصولي في حوادث عام ٣٢٧هـ: عاثت العامة في الأرض فسادًا، وانقضوا على الحمامات العامة وأخذوا ثياب من فيها، وكثرت المصادرات، وتفاقم شرّ اللصوص الذين تسلّحوا بالعدد لكبس الدور ليلًا، وشكى الناس من غير جدوى إلى (بجكم) ما أحله بهم أصحابه من بلاء، وانتشرت الفوضى والمنازعات وساءت أحوال العراق(٨٤١).
ب - المنازعات الدينية والطائفية ونشاط القرامطة:
ولم تخل فترة سفارة السمري من عبث القرامطة، فقد كانت تلك الفترة آخذة بالمد والجزر، وكان الحج آنذاك معطلًا من عام ٣١٧هـ إلى عام ٣٢٧هـ لاعتراض القرامطة(٨٤٢).
أمّا المنازعات الدينية فقد بقيت بين الطوائف في بغداد عاصمة الخلافة مما زاد الأمر إدبارًا(٨٤٣).
ج - الضعف الإداري.. وتوقف الفتوحات:
وتوقفت الفتوحات الإسلامية في هذه الفترة بالذات لضعف الخلافة والجهاز الإداري للبلاد وتدهور حالها، فإن الخليفة لم يكن له سوى بغداد وأعمالها، والحكم فيها جميعًا لابن رائق وليس للخليفة حكم(٨٤٤)!!
د - الغارات والتقسيمات الطائفية:
لقد كانت البلاد الإسلامية تعاني من الانقسامات الطائفية والعرقية، فالبصرة في يد ابن رائق وخوزستان في يد البريدي، وفارس في يد عماد الدولة بن بويه، وكرمان في يد أبي محمد الياس، والري وأصبهان والجبل في يد ركن الدولة بن بويه، و(يد) و(شكمير) أخي مرداويج يتنازعان عليها؛ والموصل وديار بكر ومضر وربيعة في يد بني حمدان ومصر والشام في يد محمد بن طغج، والمغرب وأفريقيا في يد عبد الرحمن محمد الملقب بالناصر الأموي(٨٤٥)... وكان النزاع قائمًا على قدم وساق بين تلك الأمصار؛ وكان شنّ الغارات والحروب بينها قد هدّ كيان الدولة العباسية(٨٤٦).
هـ - شهوات الخليفة.. واستهتاره بالمبادئ:
لقد عاصر السمري بقية خلافة الراضي بالله المتوفى عام ٣٢٩هـ، وخمسة أشهر وخمسة أيام من خلافة المتقي بالله، وكانت هذه السنوات مليئة بالظلم وسفك الدماء(٨٤٧)، فلما نصب الراضي ابن أخي القاهر خليفة، كان له من العمر خمسة وعشرين عامًا؛ وكان له من العيب أنه يؤثر لذاته وشهواته على رأيه؛ ولم يسلم عهده من سفك الدماء، فقد احتال مثلًا على الوزير (ابن مقلة) بعد تركه الوزارة حتى قبض عليه وسجنه وقبض على جماعة من أهله وأقاربه ممن سعى في تقليد الأمر لنفسه؛ وبايعه الناس عليه، فمنهم من قتله؛ ومنهم من ضربه وسجنه، فمات في سجنه، ومنهم من استتر طول المدة(٨٤٨).
و - الطبقة البرجوازية.. والأوضاع الاقتصادية المتردية:
كان المجتمع يومذاك فترة سفارة السمري قائمًا على أساس الطبقية الملموسة؛ فالأموال مرتكزة بيد الأقوياء والمتنفذين في السلطة ويحظى الأتراك والقواد والموالي بقسط كبير منها؛ على حين يعيش سائر الناس بالمستوى المتوسط أو دونه إلى حدّ الفقر المدقع من دون ضمان عيش أو أمل حياة(٨٤٩).
ز - الانقلابات العسكرية المتوالية.. وحالات الوزارة:
أمّا الإدارة للبلاد فترة سفارة السمري فهو حديث ذو شجون، فقد استعان الراضي والمتقي في إدارة شؤون دولتهما ببعض الوزراء الضعاف الذين بذلوا للخليفة الكثير من الأموال؛ مقابل أن يرفعهم إلى مرتبة الوزراء!!
وليس أدل على ذلك مما بذله أبو علي بن مقلة حينما تقلّد أمر الوزارة للمرة الثالثة في عهد الراضي، فقد دفع للخليفة خمسمائة ألف دينار!! غير أنه لم يتمتع بالوزارة طويلًا إذ ثار عليه الجند؛ وقامت في البلاد فتنة انتهت بعزله، وصرفه الراضي عن الوزارة، واستوزر عبد الرحمن بن عيسى بن داوود الجراح فظهر عجزه في إدارة البلاد، وقلّد الراضي أخاه الوزارة فاختلت أمور الدولة في عهد وزارته، ولم يلبث أن استقال من منصبه، فحلّ محلّه محمد بن القاسم الكرخي، وكان كغيره من الوزراء الذين سبقوه ضعيف الجانب لم يقم بأي عمل في سبيل إصلاح شؤون البلاد وإقالتها من عثرتها، بل قد اشتد ضعف الدولة في عهده واضطر أخيرًا إلى الاختفاء حتى لا يلحق به أذى الأهلين(٨٥٠).
ح - إمرة الأمراء.. والملوك الميروفنجيين:
كان ابن رائق وكاتبه هما اللذان ينظران في كافة شؤون الدولة، وصارت أموال النواحي تحمل إلى خزائن الأمراء(٨٥١)، فكانوا يأمرون وينهون وينفقونها كما يرون، ويطلقون لنفقات السلطان ما يريدون!! وبطلت بيوت الأموال، وأن حالة الخلفاء العباسيين في عهد إمرة الأمراء لتشبه في كثير من الوجوه حالة الملوك الميروفنجيين المتأخرين الذين كانوا أشبه بألاعيب في أيدي نظار السراي «Maires» والذين لم يعد لهم من الأمر شيء إلّا ما كان من ظهورهم في الحفلات الرسمية، وفيما عدا ذلك عاشوا عيشة العزلة في إحدى ضياعهم(٨٥٢).
ط - الجيش والبنية الدفاعية:
لقد بلغت الخلافة العباسية فترة سفارة السمري - من الضعف بحيث لم يتمكن من دفع أرزاق الجيش، وارتفاع النقمة العسكرية وضعف البُنية الدفاعية، فلم يتمكن الخليفة في الحصول على ما يكفيه، وظلت الحالة على ذلك حتى توفي الراضي عام ٣٢٩هـ، بعد أن حكم الدولة العباسية ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، واجتمع كاتب «بجكم» الكوفي مع سليمان بن الحسن وزير الراضي وغيره ممن تقلّد الوزارة وأصحاب الدواوين والعلويين والقضاة وأفراد البيت العباسي وسائر رجالات الدولة وشاورهم فيمن يصلح للخلافة، فرشحوا إبراهيم بن المقتدر لهذا المنصب فأحضر لدار الخلافة وعرضت عليه ألقاب.. فاختار منها لقب المتقي؛ وبويع له في العشرين من شهر ربيع الأول سنة ٣٢٩هـ، وسيّر الخلع واللواء إلى (بجكم) بواسط(٨٥٣).
المبحث الثالث: معجزات الإمام المهدي (عليه السلام) على يدي السمري (رض)
كانت الغيبة الصغرى كافية لإثبات وجود المهدي (عليه السلام) بما يصل إلى الناس عن طريق سفارته من البيّنات والبيانات، كما أوجبت بكل وضوح أن يعتاد الناس على غيبة الإمام (عليه السلام) ويستسيغون فكرة اختفائه بعد أن كانوا يعاصرون عهد ظهور الأئمة (عليهم السلام) وإمكان الوصول إلى مقابلة الإمام (عليه السلام).
لقد كان الإمام المهدي (عليه السلام) متدرجًا في الاحتجاب أول مرة وكلما سار به الزمن زاد احتجابه حتى لا يكاد ينقل عنه المشاهدة فترة سفارة السمري لغير السفير نفسه، وحينما كانت هذه الفترة مشارفة على الانتهاء، فقد كان الجيل المعاصر لزمن ظهور الأئمة (عليهم السلام) قد انتهى وبدأت تظهر أجيالًا جديدة إلى الوجود قد اعتادت غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) وفكرة القيادة وراء الحجاب، وأصبحت معدّة ذهنيًا وبشكل تام لتقبل فكرة انقطاع السفارة أساسًا.
وهكذا استوفت الغيبة أغراضها وانحصرت رؤية الإمام (عليه السلام) في السفير نفسه، ولو طال أمر السفارة لاحتمل انكشاف أمرها لعدم إمكان المحافظة على السرية الملتزمة في خطّها.
أمّا المعجزات التي ظهرت من الإمام المهدي (عليه السلام) على أيدي السمري فنلخصها بما يلي:
أولًا - إخباره بوفاة الصدوق قبل وقوعها:
علي بن بابويه والد الشيخ الصدوق هو من أجلاء الشيعة والأدلاء على الصراط؛ فقد كان شيخ القميين في عصرهم وفقيههم وثقتهم ومتقدمهم(٨٥٤) وهو أول من ابتكر طرح الأسانيد وجمع بين النظائر وأتى بالخبر مع القرينة وكان الأصحاب يأخذون الفتاوى من رسالته إذا أعوزهم النص ثقة واعتمادًا عليه(٨٥٥)، ولقد جمع من غزارة علمه وكمال عقله وجودة فهمه وشدة حفظه وحسن ذكائه وعلو همته، وخاطبه الإمام العسكري (عليه السلام) بقوله: يا شيخي ومعتمدي وفقيهي أبا الحسن علي بن الحسين القمي وفقك الله لمرضاته وجعل من صلبك أولادًا صالحين برحمته بتقوى الله(٨٥٦)، وكانت له مكاتبات مع النوبختي وتوقيعات منه (عليه السلام) إليه ومنها قوله (عليه السلام): قد دعونا الله لك وسترزق ولدين ذكرين خيرين، فولد له أبو جعفر وأبو عبد الله من أم ولد، وكان أبو جعفر - الشيخ الصدوق - يقول: أنا ولدت بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام) ويفتخر بذلك(٨٥٧).
لقد كانت لعلي بن بابويه منزلة خاصة ومقامًا رفيعًا عند السمري الذي كان يسأل عن أخباره كل قريب وقادم إلى بغداد(٨٥٨)، وأخبر بموته زمن وساعة وفاته وهو في قم؛ فأرخوا؛ فأتى الخبر بعد سبعة عشر يومًا أو ثمانية عشر يومًا: أنه قبض في تلك الساعة التي ذكرها - السمري(٨٥٩) -.
فقد روى الطوسي بإسناده عن أبي الحسن صالح بن شعيب الطالقاني (رحمه الله) في ذي القعدة سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم بن مخلّد قال: حضرت بغداد عند المشايخ (رحمهم الله) فقال الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري - قدس سره - ابتداء منه: رحم الله علي بن الحسين بن بابويه القمي، فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم، فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم، ومضى أبو الحسن السمري بعد ذلك في النصف من شعبان سنة تسع وعشرين وثلاثمائة(٨٦٠).
وهناك خبر آخر رواه الطوسي مشابهًا لما ذكر(٨٦١).
أقول: ولم نعثر عن معاجز أخرى للسمري لنذكرها في هذا الباب.
المبحث الرابع: وفاة علي بن محمد السمري (رض)
ذكرنا أن فترة سفارة السمري هي ثلاثة أعوام؛ وقد بدأت من عام ٣٢٦هـ إلى عام ٣٢٩ه(٨٦٢)، ولم ينفتح السمري في سفارته، كما كان لأسلافه السفراء ولم يكتسب ذلك العمق والرسوخ في الأمة كمن كان قبله؛ وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته كالاعتقاد بهم(٨٦٣).
لقد روى السمري أيضًا عن الأئمة (عليهم السلام)؛ روى الطبري بإسناده عن علي بن محمد السمري قال: كتبت إليه أسأله عما عندك من العلوم؟! فوقع؛ علمنا على ثلاثة أوجه ماضٍ وغابر وحادث...(٨٦٤) الخ، وروى الأربلي بإسناده عن محمد بن علي السمري أنه قال: دخلت على أبي أحمد عبيد الله بن عبد الله وبين يديه رقعة أبي محمد العسكري (عليه السلام) - فيها: إني نازلت الله في هذا الطاغي - أي الزبيري - وهو آخذه بعد ثلاث؛ فلما كان في اليوم الثالث، فعل به ما فعل(٨٦٥)، ورواه الحافظ في أماليه(٨٦٦)، وقد وصلت كتب أبي جعفر العمري وفيها أحاديث سمعها من العسكري والمهدي (عليهما السلام) ومن أبيه عثمان بن سعيد إلى علي بن محمد السمري، واحتفظ بها عنده وكان فيها الأسرار كما ذكرنا(٨٦٧)، وقد ألف السمري ديوانًا من الشعر سمّاه: ديوان السمري أو شعره، فقد عده ابن شهرآشوب في شعراء الشيعة(٨٦٨)؛ ولكننا لم نرَ له شعرًا(٨٦٩).
وقبل وفاة السمري بأيام أخرج إلى الناس توقيعًا من الإمام المهدي (عليه السلام) أعلن فيه عن انتهاء الغيبة الصغرى والسفارة، روى الطوسي بإسناده عن الصفواني قال: لما حضرته الوفاة حضرت الشيعة عنده وسألته عن الموكل بعده ولمن يقوم مقامه! فلم يظهر شيئًا من ذلك، وذكر أنه لم يؤمر بأن يوصي إلى أحد بعده في هذا الشأن(٨٧٠)، وقال: لله أمر هو بالغه.. فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمري (رض)(٨٧١).
وقد وردت نصوص عديدة في أنه قدم طلبًا للإمام المهدي (عليه السلام) - بأن يرسل إليه كفنًا فورد منه (عليه السلام): إنك تحتاج إليه سنة ثمانين، فمات في الوقت الذي حدّده وبعث إليه بالكفن قبل موته(٨٧٢)، وقد رواها الطبري في دلائله، والصدوق في إكماله، والحميري في دلائله عن علي بن محمد الصيمري: أن علي بن محمد السمري كتب يسأل كفنًا..(٨٧٣) الخ ولكن الكليني في الكافي والطوسي في الغيبة روياها عن علي بن محمد الصيمري أنه كتب يسأل كفنًا.. فورد فيها أنك تحتاج إليه سنة إحدى وثمانين..(٨٧٤) الخ.. وقد حلّ المجلسي هذا فقال: المقصود من طالب الكفن قبل موته هو الصيمري لا السمري، والمظنون أن المراد بالسنة المحددة هي سنة إحدى وثمانين ومائتين، وإن كان يحتمل أن يُراد به السنة الحادية والثمانين من عمره(٨٧٥).
لقد علمت الأمة بموت السمري، وكان أمرًا واضحًا لديها بأن كل من ادعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمس ضال مضل(٨٧٦)، وعلمت أيضًا بالتوقيع الآخر الذي أخرجه السمري للأمة من الإمام المهدي (عليه السلام) في نهاية الغيبة الصغرى بانتهاء السفارة، وإعلانه (عليه السلام) عن بداية الغيبة الكبرى.. وسنذكره في ختام البحث إن شاء الله تعالى.
لقد ذكر المؤرخون أن وفاة السمري كانت في سنة تناثر النجوم وهي عام ٣٢٩هـ، قال صاحب الروضات: رأى الناس في تلك السنة أي عام ٣٢٩هـ تساقط الشهب الكثيرة من السماء، وفسّر ذلك بموت العلماء، وقد كان ذلك؛ فإنه مات في تلك السنة جملة من العلماء منهم: محمد بن علي السمري؛ وعلي بن بابويه القمي ودفن بقم والكليني وغيرهم، فصارت تلك السنة تاريخًا من هذه الجهة، وقد ذكر في كتاب تاريخ أخبار البشر موت جماعة كثيرة من العلماء ومنهم علي بن محمد السمري(٨٧٧).
وقد اختلف العلماء في سنة تناثر النجوم؛ فقد ذكر البهائي أنها عام ٢٤١ه(٨٧٨)، وأول كلامه صاحب الروضات قائلًا: ولا يبعد كونها بعينها؛ هي سنة تسع وعشرون وثلاثمائة، وذلك كما ذكره غير واحد منهم؛ فيحتمل أن يكون قد وقع للبهائي اشتباه في الضبط أو لأحد النساخ في رموزها الهندسية فلا تغفل(٨٧٩).
وقال التستري: إن العلامة توهم في موت علي بن الحسين بن بابويه سنة تسع وعشرين وثلاثمائة - وهي السنة التي تناثر فيها النجوم؛ فإن سنة التناثر لم تكن في عام ٣٢٩هـ بل كانت سنة ٣١٣هـ، ثم استشهد التستري يقول ابن الأثير في وقائع سنة ٣٢٣هـ أنه قال: وفيها في الليلة الثانية عشرة من ذي القعدة وهي الليلة التي أوقع القرمطي بالحجاج - انقضت الكواكب من أول الليل إلى آخره انقضاضًا دائمًا مسرفًا لم يعهد مثله، وقال المسعودي بعد ذكر انقضاض الكواكب سنة ٢٣٢هـ في عصر المتوكل العباسي: وقد كان في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة انقضاض كوكب عظيم هائل، وهي الليلة التي وقعت فيها القرامطة بحاج العراق(٨٨٠).
ويمكن الجمع بين الأقوال بأن تناثر النجوم وتهافتها لم ينحصر في سنة معينة ومحددة بالذات كما تقدم في أقوال العلماء والمؤرخين، ولعلّ أقربها ما ذكره النجاشي وهو وقوعها عام ٣٢٩هـ؛ لأنه أقرب زمانًا من الغيبة وأعرف بها من غيره. وقد أيّد هذا البحراني(٨٨١)؛ ووافقه بعض مؤرخي الجمهور(٨٨٢).
وانتقل السمري إلى الرفيق الأعلى؛ فأودع الأرض في قبره في الشارع المعروف بشارع الخلنجي من ربع المحول قريب من شاطئ نهر أبي عتاب؛ وهو بقرب الكليني (رحمه الله)(٨٨٣)؛ وله الآن في بغداد مزار معروف(٨٨٤).
المبحث الخامس: دراسة ونقد لتوقيع الإمام المهدي (عليه السلام) للسمري بانتهاء الغيبة الصغرى
أمّا التوقيع الصادر من الإمام المهدي (عليه السلام) في إعلانه لسفيره السمري بانتهاء الغيبة الصغرى والسفارة، وبدء الغيبة الكبرى.. فهو:
روى الطوسي بإسناده عن أبي محمد أحمد بن الحسن المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري - قدس سره - فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعًا نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام؛ فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلّا بعد إذن الله - تعالى ذكره - وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جورًا، وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر؛ ولا حول ولا قوة إلّا بالله العلي العظيم».
قال: فنسخنا هذا التوقيع، وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس؛ عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: «لله أمر هو بالغه» وقضى.. فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه»(٨٨٥).
ويقع الكلام هنا في مقامين:
أولًا: في سند هذا الحديث المشهور المستفيض.
ثانيًا: في دلالته.
أما الكلام في المقام الأول:
فاعلم أن هذا الحديث صحيح عال اصطلاحًا؛ لأنه مروي عن الإمام المهدي (عليه السلام) بواسطة ثلاثة من الرواة هم:
١ - السمري، سفير الإمام المهدي (عليه السلام).
٢ - الشيخ الصدوق محمد بن علي بن بابويه القمي.
٣ - أبو محمد الحسن بن أحمد المكتب.
ونخص الكلام في الشخصية الثالثة لتقدم الكلام في الشخصين الأولين:
قال عناية الله: وقد روى عنه الصدوق مكررًا مترضيًا مترحمًا؛ وهذا من أمارات الصحة والوثاقة، ثم ذكرت شواهد له كثيرة(٨٨٦).
ونشير هنا إلى أمرين:
الأمر الأول: روي في الغيبة هكذا: أخبرنا جماعة عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه قال: حدثني أبو محمد أحمد بن الحسن المكتب قال: كنت بمدينة السلام..(٨٨٧) الخبر، وساق مثله ما نقله ابن بابويه في كمال الدين وتمام النعمة(٨٨٨)، وقد عرفت أن الذي روى عنه ابن بابويه هو الحسن بن أحمد وليس أحمد بن الحسن؛ والظاهر أن السهو في كتاب الشيخ وقع من النساخ ويؤيد هذا السهو ما رواه النوري الطبرسي في جنة المأوى في الفائدة الأولى؛ وعن غيبة الطوسي عن الحسن بن أحمد المكتب(٨٨٩).. والله العالم.
الأمر الثاني: أن صاحب المستدرك مع سعة باعه وكثرة اطلاعه واهتمامه في استقصاء أسماء مشايخ الصدوق، كان قد غفل عن هذه الشخصية العظيمة التي روى عنها الصدوق مكررًا مترضيًا مترحمًا؛ وأمثال هذه الأمور تبعث على الفحص والتتبع، وتوجب الظفر بما غفل عنه من قبله، فقد روى عناية الله في مجمع رجاله هذا الحديث عن كتاب ربيع الشيعة لابن طاووس حاكيًا عن الحسن بن أحمد المكتب فتأمل(٨٩٠).
وقد طعن في سند هذا الحديث...
فقالوا: إنه خبر واحد، مرسل ضعيف لم يعمل به ناقله - وهو الشيخ في الكتاب المذكور - وأعرض عنه الأصحاب، فلا يعارض تلك الوقائع والقصص التي يحصل القطع عن مجموعها بل من بعضها المتضمن لكرامات ومفاخر لا يمكن صدورها عن غيره (عليه السلام)(٨٩١).
ويمكن المناقشة في تلك المطاعن وردها كلّها بأمور:
أولًا: إن كونه خبرًا واحدًا ليس نقصًا فيه، لما ثبت في الأصول من حجية الخبر الواحد الثقة؛ والقول بعدم حجيته هو قول شاذ لا يقول به إلّا النادر من العلماء.
ثانيًا: إن كونه مرسلًا، غير تام؛ إذ قد رواه الطوسي في الغيبة والصدوق في إكماله وغيرهما(٨٩٢)؛ فأين الإرسال؟!
والزمن بحسب العادة مناسبًا مع وجود الواسطة الواحدة، وأمّا ما ذكره الطبرسي هذا الخبر مرسلًا من دون ذكر السند؛ فإنه التزم في أول كتابه «الاحتجاج» بأنه لا يذكر فيه سند الأحاديث، إمّا بسبب موافقتها الإجماع أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف أو موافقتها بحكم العقل(٨٩٣).
فظهر أن الحديث المذكور أيضًا كان غنيًا عن ذكر السند إما لموافقته للإجماع أو لاشتهاره أو كليهما معًا؛ لأن علماءنا ابتداءً من الصدوق إلى زماننا هذا استندوا إليه واعتمدوا عليه ولم يناقش فيه أحد أو يتأمل في اعتباره كما لا يخفى على من له أنس وتتبع في كلماتهم ومصنفاتهم؛ إذن هذه من الروايات القطعية التي لا ريب فيها ولا شبهة تعتريها، قال (عليه السلام): المجمع عليه لا ريب فيه(٨٩٤).
ثالثًا: إن كونه ضعيفًا لا نسلم به، وعلى تقدير التسليم فإنه للإثبات التاريخي وإن لم يكن كافيًا لإثبات الحكم الشرعي.
رابعًا: وأمّا إعراض الأصحاب كالطوسي وغيره؛ فهو تخيّل ووهم، لأن الشيخ وغيره اعتبروا إثبات رؤية المهدي (عليه السلام) في غيبته الكبرى هو مما لا شكّ فيه، إلّا أنه إنما يصلح دليلًا على إعراضهم لو كانت هناك معارضة ومنافاة بين التوقيع وإثبات الرؤية؛ وأمّا عدم المعارضة فيمكن أن يكون الطوسي وغيره قد التزموا بكلا الناحيتين من دون تكاذب بينهما، ومعه لا دليل على هذا الإعراض منهم؛ ولو كان هذا حاصلًا عنهم لما أضرّ بحجية الخبر؛ لما هو الثابت المحقق في علم الأصول بأن إعراض العلماء عن الرواية لا يوجب وهنًا في الرواية لا سندًا ولا دلالة(٨٩٥).
أمّا الكلام في المقام الثاني:
فقد تقدم ذكرنا التوقيع عنه (عليه السلام) وقد جاء فيه: «فقد وقعت الغيبة التامة»؛ وهو تعليل لقوله (عليه السلام): «ولا توص لأحد يقوم مقامك»؛ ويدل هذا على أن الغيبة الكبرى هي التي انقطعت النيابة والسفارة الخاصة فيها.. وأكد ذلك بقوله (عليه السلام): «وسيأتي لشيعتي من يدعي المشاهدة» ولا شبهة في أن المراد بها هو وقوعها على نحو ما وقع للسفراء الأربعة، وقد صرّح بأن كل من ادّعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمس ضال مضلّ(٨٩٦).
فالمشاهدة هنا مقيدة بكونها على نحو البابية والسفارة الخاصة لا مطلق المشاهدة، وهو من باب ذكر المطلق وإرادة المقيد؛ أو ذكر العام وإرادة الخاص، وهذا شائع في العُرف واللغة.
فلا تنافي إذن بين التوقيع الشريف ووقوع المشاهدة زمن الغيبة الكبرى لكثير ممن فاز بشرف رؤيته (عليه السلام)، قال العلماء: إن هذا الوجه قريب جدًّا، وقد نقل عن البحار وغيره(٨٩٧)، هذا وقد قيل في الجمع بين وقوع المشاهدة في الغيبة الكبرى والتوقيع الصادر منه (عليه السلام) وجوه، وهي بعيدة ولا حاجة للتعرض لها هنا، وهي مذكورة في البحار فراجعها(٨٩٨).
وقد أكد الإمام المهدي (عليه السلام) في توقيعه للسمري أمورًا عديدة هي:
أولًا: إخباره بموت السمري في غضون ستة أيام؛ وهو من الإخبار بالغيب الذي يمكن تحققه للإمام (عليه السلام)، ولم يشك أحد يومئذٍ في صدق الخبر؛ فغدا أصحابه بعد ستة أيام؛ فوجدوه يجود بنفسه وتحقق كما أخبر عنه الإمام (عليه السلام)(٨٩٩).
ثانيًا: إيعازه (عليه السلام) بانتهاء السفارة وبداية الغيبة الكبرى بموت السمري وأن لا يوصي بعده لأحد.
ثالثًا: الإغماض عن ذكر تاريخ الظهور، وأن لا ظهور منه (عليه السلام) إلّا بإذنه تعالى.
رابعًا: إعرابه عن أمد الغيبة الكبرى بأنه سيكون طويلًا مديدًا.
خامسًا: إشارته في التوقيع إلى أمور غيبية كقسوة القلوب، وضعف الوازع الإيماني، وعدم الشعور بالمسؤولية، والمشارفة على الانحراف.
سادسًا: إخباره (عليه السلام) عن السفياني والصيحة، وأنه حقّ لا محيص عنه قبل خروجه وظهوره؛ وتصديقه ما جاء عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في الأمور الغيبية.
سابعًا: إخباره (عليه السلام) عن امتلاء الأرض ظلمًا وجورًا، وفقدان العدالة وغلبة الشهوات وسيطرتها على العالم.
ثامنًا: تصريحه (عليه السلام) بأن من ادعى المشاهدة له كرؤية السفراء له، مدعين البابية عنه (عليه السلام) والسفارة قبل خروج السفياني والصيحة فهو مفتر كذاب(٩٠٠).

تمّ الكتاب
والحمد لله ربِّ العالمين

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) مزامير: المزمور السابع والثلاثون، الاصحاح ٢٢، لأن المباركين منه يرثون الأرض، والملعونين منه يقطعون.
(٢) الكليني: الكافي، الجزء١، كتاب العقل والجهل، الحديث ٢١.
(٣) للعلامة المحقق والشاعر المفلق: محمود البغدادي.
(٤) الطرائف لابن طاووس: ١٧٩؛ منتخب الأثر للصافي: ٢٢٢ - ٣٤١.
(٥) الإذاعة لما يكون: ٣٠.
(٦) مقدمة ابن خلدون: ١٣.
(٧) ظهر الإسلام: ٣/٢٤٣.. قال الشيخ العباد في محاضرته: إن بعض الكتّاب في هذا العصر أقدم على الطعم في الأحاديث المروية في المهدي (عليه السلام) بغير علم، بل بجهل أو بتقليد لأحد لم يكن من أهل العناية بالحديث، وقد اطلعت على تعليق لعبد الرحمن محمد بن عثمان على كتاب تحفة الأحوذي قال: يرى الكثيرون من العلماء أن كل ما ورد من أحاديث عن المهدي (عليه السلام) إنما هو موضع شك، وأنها لا تصح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؛ بل تجرأ بعضهم كمحيي بن عبد الحميد في تعليقه على الحاوي للفتاوي في آخر جزء من العرف الوردي فقال: إنّ أحاديث المهدي من الاسرائيليات...» أنظر مجلة الجامعة الإسلامية: ٤٣.
(٨) ضحى الإسلام: ٣/٣٤٦.
(٩) التشيع والشيعة: ٣٥.
(١٠) نظرية الإمامة: ٤٠٥.
(١١) ضحى الإسلام: ٣/٢٤١.
(١٢) ضحى الإسلام: ٣/ ٢٤٣.
(١٣) ظهر الإسلام: ٣/ ١١٧.
(١٤) نظرية الإمامة: ٤٢٠.
(١٥) ضحى الإسلام: ٣/ ٥٢٤.
(١٦) ظهر الإسلام: ٣/ ١٧.
(١٧) أنظر مقدمة الجزء الرابع من ظهر الإسلام للفهلوي: ١١ - ١٥.
(١٨) ضحى الإسلام - أحمد أمين: ٣/ ٢٣٧.
(١٩) الطرائف: ١٧٩؛ أنظر صحيح مسلم: ١/ ٩٤؛ وصحيح البخاري: ٤/ ١٦٨.
(٢٠) الصواعق المحرقة: ٣٠.
(٢١) روى أحاديث المهدي (عليه السلام) معظم الصحابة وقد تجاوز عددهم حد التواتر منهم: ابن عباس، ابن مسعود، أبو هريرة، ابن عمر، عثمان، طلحة، عبد الرحمن بن عوف، الخدري، ابن اليمان، أنس بن مالك وغيرهم. وألف أهل السُنة أكثر من أربعين كتاباً فيه (عليه السلام) منهم: أبو داوود، الترمذي، ابن ماجة، النسائي، أحمد، ابن حبان، الحاكم، ابن أبي شيبة، أبو نعيم، الطبراني، الدارقطني، البارودي، البزاز، الخطيب، ابن عساكر، ابن منده، الحربي، تمام الرازي، ابن جرير وغيره.
وألف كتباً مفصلة جماعة كثيرون منهم: أبو بكر بن خيثمة، الحافظ أبو نعيم، السيوطي، ابن كثير، ابن حجر المكي، علي المتقي الهندي، مرعي بن يوسف الحنبلي، الشوكاني، الصنعاني.. وحكم بتواتر أحاديثه الكثيرون منهم: الحافظ السجزي، ابن القيم، محمد البرزنجي، محمد رضا السفاريني، القاضي الشوكاني، القنوجي، الكنجي الشافعي وغيرهم...
(٢٢) أنظر مجلة الجامعة الإسلامية، وقد ذكرت محاضرة الشيخ محسن العباد إمام ومحاضر في جامع المدينة المنورة، وحضرها ابن الباز وعلق عليها وبثت من الإذاعة.
(٢٣) قيام القائم لمصطفى غالب: ٢٢٥.
(٢٤) ضحى الإسلام: ٣/ ٣٤١.
(٢٥) العقيدة والشريعة: ١٩٦.
(٢٦) نظرية الإمامة لمحمود صبحي: ٤٠٤ - ٤٠٥.
(٢٧) أنظر بحث حول المهدي (عليه السلام) للصدر: ٢٢ - ٣٦، وانتظار الإمام لعبد الهادي الفضلي: ٤٧ - ٥٨، والمهدي لصدر الدين الصدر: ١٣٧ وغيرها.
(٢٨) ذكر الكنجي في البيان: بأن الدلالة على جواز بقاء المهدي في غيبته ولا امتناع في بقائه؛ بدليل بقاء عيسى (عليه السلام) وإلياس والخضر من أولياء الله، وبقاء الدجال وإبليس الملعونين من أعداء الله، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسُنّة، وقد اتفقوا عليه، فلا يسع بعد هذا العاقل إنكار جواز بقاء المهدي (عليه السلام).. أنظر إلزام الناصب للحائري: ١/ ٤١٩.
وقال الكراجكي: إن أهل الملل كلهم متفقون على جواز امتداد الأعمار وطولها، وقد تضمنت التوراة من الأخبار بذلك.. كنز الفوائد: ١/ ٢٤٥، وأنظر المصادر التالية: عدة رسائل للمفيد: ٣٦٦، تاريخ الطبري: ١/ ١٧٤ و١٧٩، الفتوحات المكية لابن عربي في الباب ٧٣ – الجزء الثاني منه، الإصابة لابن حجر: ١/ ٤٢٩، تفسير الثعلبي: ١/ ٤٣٠.
(٢٩) المهدي لصدر الدين الصدر: ٢٤٦.
(٣٠) أنظر انتظار الفرج لعبد الهادي الفضلي: ٢٣، قال تعالى: ﴿يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]، وقوله تعالى: ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: ٢٩ - ٣٠].
(٣١) أنظر دائرة المعارف الإسلامية الشيعية لأحمد أمين: ١/ ٣٠٠.
(٣٢) الفصول المهمة لابن الصباغ المالكي، إثبات الوصية للمسعودي، دلائل الإمامة للطبري وغيرها..
(٣٣) المصدر السابق نفسه.
(٣٤) أنظر تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/ ١٩٠.
(٣٥) أنظر سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/ ٢٢٢؛ لسان الميزان لابن حجر؛ الوافي بالوفيات للصفدي.
(٣٦) المصدر رقم (٣) وتاريخ الطبري، وابن الأثير وغيرهما...
(٣٧) ظهر الإسلام: ٣/ ١١٧.
(٣٨) أنظر كمال الدين للصدوق؛ إعلام الورى للطبرسي: ٤٢١، الغيبة للطوسي وغيرها...
(٣٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٤٠) أوائل المقالات للمفيد: ٨٠.
(٤١) نفس المصدر والصفحة.. أنظر الهامش.
(٤٢) أوائل المقالات للمفيد: ٨٠.
(٤٣) الغيبة للطوسي: ٢١٠.
(٤٤) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(٤٥) الغيبة للطوسي: ٢١٩.
(٤٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٤٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٤٨) المناقب لابن شهرآشوب: ٤/ ٢٥٠.
(٤٩) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(٥٠) الغيبة للطوسي: ٣٢١.
(٥١) الغيبة للطوسي: ١٨٨.
(٥٢) الغيبة للطوسي: ١٨٨.
(٥٣) الغيبة للطوسي: ١٩٥.
(٥٤) الاحتجاج للطبرسي: ٢/ ٤٨٠.
(٥٥) الغيبة للطوسي: ١٩٢.
(٥٦) الغيبة للطوسي: ١٩٥.
(٥٧) الغيبة للطوسي: ١٨٤.
(٥٨) الغيبة للطوسي: ١٨٤.
(٥٩) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(٦٠) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(٦١) تاريخ سامراء للمحلاتي: ٥٦، نقلاً عن الجويني، ومعجم البلدان للحموي.
(٦٢) تاريخ سامراء للمحلاتي: ٩٦.
(٦٣) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٥/ ٣٠٢.
(٦٤) مروج الذهب للمسعودي: ٤/٤٦، الكامل: ٥/٣١٠.
(٦٥) مروج الذهب: ٤/٦٠.
(٦٦) مروج الذهب: ٤/١٠٣؛ تاريخ ابن الوردي: ١/٢٣٤.
(٦٧) الكامل لابن الأثير: ٥/٢٣٦؛ تاريخ سامراء للمحلاتي: ١٠١ نقلاً عن الطبري؛ ومعجم البلدان للحموي: ١٩.
(٦٨) الكامل لابن الأثير: ٦/٧٣؛ العبر للذهبي: ٢/٢٤.
(٦٩) مروج الذهب للمسعودي: ٤/١٤٣؛ تاريخ ابن الوردي: ١/٢٤٢؛ الكامل لابن الأثير: ٦/٧٣.
(٧٠) الكامل لابن الأثير: ٥/٣٤٦؛ وتاريخ ابن الوردي: ١/٢٢٣.
(٧١) الكامل لابن الأثير: ٦/٥١.
(٧٢) من لا يحضره الفقيه – الصدوق: ٧/٣٠٧.
(٧٣) تنقيح المقال: ١/٢٠٠.
(٧٤) الغيبة للطوسي: ٢٥٧.
(٧٥) إكمال الدين: ٣/١١٦.
(٧٦) منتهى المقال للقمي: ١/٢٤١.
(٧٧) الإرشاد للمفيد: ٣٣٣.
(٧٨) الغيبة للطوسي: ٤٨٥.
(٧٩) رجال الكشي للطوسي: ٤٨٥.
(٨٠) إكمال الدين: ٣/١١٦.
(٨١) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٨٢) إكمال الدين للصدوق: ٢/١١٦.
(٨٣) رجال الكشي للطوسي: ٥٠٢.
(٨٤) رجال النجاشي: ٧٣.
(٨٥) إكمال الدين للصدوق: ٢/١١٦.
(٨٦) جامع الرواة للأردبيلي: ١/٤٤.
(٨٧) الإرشاد للمفيد: ٣٣١.
(٨٨) إعلام الورى للطبرسي: ٤١٨.
(٨٩) رجال النجاشي: ٧١.
(٩٠) الفهرست للطوسي: ٥٠.
(٩١) الغيبة للطوسي: ٢٥٨.
(٩٢) جامع الرواة للأردبيلي: ١/١٣١.
(٩٣) رجال الكشي للطوسي: ٤٨٥.
(٩٤) جامع الرواة للأردبيلي: ٢/٤٤٧.
(٩٥) إكمال الدين للصدوق: ٢/١١٦.
(٩٦) إكمال الدين للصدوق: ٢/١١٦.
(٩٧) الفهرست للطوسي: ١٧٩.
(٩٨) رجال النجاشي: ٢٨٩.
(٩٩) الغيبة للطوسي: ٢٥٧.
(١٠٠) الغيبة للطوسي: ٢٥٧.
(١٠١) الغيبة للطوسي: ٢٥٧.
(١٠٢) الغيبة للطوسي: ٢٥٧.
(١٠٣) رجال النجاشي: ٢٨٩.
(١٠٤) جامع الرواة للأردبيلي: ٢/١٩.
(١٠٥) جامع الرواة للأردبيلي: ٢/١٩.
(١٠٦) الإرشاد للمفيد: ٣٣١.
(١٠٧) الغيبة للطوسي: ١٨٨؛ الخرائج للراوندي: ٩٨.
(١٠٨) رجال الكشي للطوسي: ٤٤٩.
(١٠٩) جامع الرواة للأردبيلي: ٢/١٣٠.
(١١٠) إعلام الورى للطبرسي: ٤٢٤.
(١١١) أنظر الغيبة للطوسي؛ والغيبة الصغرى لمحمد الصدر: ٦١١.
(١١٢) إعلام الورى للطبرسي: ٤٢١.
(١١٣) الدرر المكنونة في الإمام والإمامة للسيد حسن الطباطبائي: ١٨٢.
(١١٤) عدة رسائل للمفيد: ٣٦١؛ الغيبة للطوسي: ٧٦.
(١١٥) إكمال الدين للصدوق: ١/١٨٩.
(١١٦) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٨.
(١١٧) الغيبة للنعماني: ١٧٣.
(١١٨) تقريب المعارف في الكلام لأبي الصلاح: ١٨٥.
(١١٩) روى الطوسي وابن طاووس زيارة للسفراء مروية عن الشيخ النوبختي... أنظر مصباح الزائر للكفعمي: ٢٦٤؛ التهذيب للطوسي: ٩/١١٨؛ بحار الأنوار للمجلسي: ١٠٢/٢٩٢...
وذكر الكفعمي كيفية كتابة الرقاع لهم عند اشتداد الأهوال والأحوال.. أنظر مصباح الزائر: ٤٠٥؛ البلد الأمين لابن طاووس: ١٥٧؛ بحار الأنوار للمجلسي: ١٠٢/٢٣٥.
وكذا كيفية الاستغاثة بهم.. أنظر أنيس العابدين للطيب: ٤٠ نقلاً عن كتاب السعادات.
إن من وظيفة الوافدين لزيارة العتبات المقدسة في العراق أثناء إقامتهم في مدينة الكاظمين هو التوجه إلى بغداد لزيارة هؤلاء النواب الأربعة وزيارة قبورهم، لا يطلب من الزائر بذل كثير من الجهد، فهي مجتمعة في بغداد غير بعيدة عن الوافدين؛ وهي لو كانت منتشرة في أقاصي البلاد لكان يحق أن تشد إليها الرحال ويطوى في سبيلها المسافات الشاسعة ويتحمل متاعب السفر وشدائده لنيل ما في زيارة كل منهما من الأجر.
(١٢٠) بجهة الآمال: التبريزي ٥/٢٣٢.
(١٢١) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٢٢) المقصود الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٢٣) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٢٤) المقصود بابن حريث هو الصيرفي الكوفي الأسدي، قال التبريزي في وقائع الأيام ٣٣٩ ما لفظه: ليس المقصود بابن حريث الذي كان من أصحاب أمير المؤمنين ثم صار من أصحاب ابن زياد، وهو الذي قطع لسان ميثم التمار؛ انظره في مجالس المؤمنين للشوشتري: ٤٤١.
(١٢٥) تأسيس الشيعة للصدر: ٤١١.
(١٢٦) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٢٧) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٢٨) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(١٢٩) الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(١٣٠) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(١٣١) سفينة البحار للقمي: ٣/٢٥٩.
(١٣٢) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٣٣) الصراط المستقيم للبياضي (م٨٧٧هـ): ٢/٣٣٤.
(١٣٤) الكامل لابن الأثير: ١/١٨٤ و٢٩٠.
(١٣٥) المختصر: ١/٦٩.
(١٣٦) مرآة الجنان: ٢/٢٨٥.
(١٣٧) تجارب الأُمم: ٥/١٩٥.
(١٣٨) معجم المؤلفين: ٤/٨.
(١٣٩) سير أعلام النبلاء: ١٥/٢٢٢.
(١٤٠) الوافي بالوفيات: ١٣/٢٦٦. وتاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(١٤١) صلة عريب: ١٤١، لسان الميزان لابن حجر؛ دائرة المعارف الإسلامية المعرية:١/١٨١.
(١٤٢) تأسيس الشيعة: ٤١١.
(١٤٣) سفينة البحار: ٢/١٥٨.
(١٤٤) منهاج المقال: ٤١٩، وانظر رجال الطوسي:٤٣٤، الاحتجاج للطبرسي: ١/٤٧٧ وغيرها.
(١٤٥) فرق النوبختي: ١١٢.
(١٤٦) فرق النوبختي:١١٢، فرق الشيعة للأشعري القمي: ١٥، الملل والنحل للشهرستاني: ١/١٣١.
(١٤٧) الخلاصة للعلامة: ١٠٦، الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٤٨) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٤٩) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(١٥٠) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٥١) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٥٢) سفينة البحار للقمي: ٢/١٥٩.
(١٥٣) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٥٤) رجال الطوسي: ٤٢٠.
(١٥٥) الإرشاد للمفيد: ٣١٣.
(١٥٦) الغيبة الصغرى للصدر: ١٠٨.
(١٥٧) المناقب: ابن شهرآشوب: ٣/٥٠٥.
(١٥٨) الإرشاد للمفيد: ٣٠٧ وابن الوردي: ١/٢٣٢، ابن خلكان: ٢/٤٣٥، تاريخ الطبري: ١١/١٥٧.
(١٥٩) الفصول المهمة للمالكي: ٢٧٨ نقالً عن مواليد الأئمة لابن الخشاب.
(١٦٠) المناقب: ابن شهرآشوب: ٤/٤٠٩.   
(١٦١) المناقب: ابن شهرآشوب: ٤٠٩/٤
(١٦٢) المناقب: ابن شهرآشوب: ٤/٥٣٠، الغيبة للطوسي: ١٢٣.
(١٦٣) المناقب: ٤/٥٣٠.
(١٦٤) مفاتيح الجنان للقمي: ٤٩٠.
(١٦٥) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(١٦٦) الغيبة للطوسي ٢١٥، الكافي للكليني: ٦/٢١٢.
(١٦٧) إثبات الوصية: المسعودي: ٢٦٢، منتهى الآمال: القمي: ٥٦٥.
(١٦٨) الإرشاد للمفيد:٣٠٧، ابن الوردي: ١/٢٣٢؛ ابن خلكَان: ٢/٤٣٥ وغيرها.
(١٦٩) الكامل في التاريخ: ابن الأثير ٥/٣٤١.
(١٧٠) الكامل في التاريخ: ٥/٣٥٥.
(١٧١) أعلام الورى، الطبرسي: ٣٤٩، الفصول المهمة: لابن الصباغ المالكي:٣٠٧، ابن الورد: ١/٢٣٢.
(١٧٢) المناقب: ابن شهرآشوب: ٤/٥٣٠، الغيبة للطوسي: ١٢٩.
(١٧٣) المناقب: ابن شهرآشوب: ٣/٥١٧.
(١٧٤) المناقب: ابن شهرآشوب: ٣/٥٣٦.
(١٧٥) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ٥/٢٤١.
(١٧٦) الكامل في التاريخ: ٥/٣٤٤.
(١٧٧) المناقب: ابن شهرآشوب: ٣/٥٣١.
(١٧٨) أعلام الورى: الطبرسي: ٣٢٤.
(١٧٩) المناقب: ٣/٥٣٥.
(١٨٠) الإرشاد: المفيد: ٣٢٤.
(١٨١) مروج الذهب: للمسعودي: ٤/٩٦.
(١٨٢) الغيبة للطوسي: ١٣٦.
(١٨٣) إثبات الوصية: المسعودي: ٢٦٢؛ منتهى الآمال: القمي: ٥٦٥.
(١٨٤) الإرشاد للمفيد: ٣٢٣.
(١٨٥) الإرشاد للمفيد: ٣٢٣.
(١٨٦) كشف الغمة، الاربلي: ٣/٢٠٤ و٢٠٧.
(١٨٧) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(١٨٨) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٨٩) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٩٠) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(١٩١) الغيبة للطوسي: ٢٥٨.
(١٩٢) الإرشاد للمفيد: ٣٤٠، الغيبة للطوسي: ١٢٩.
(١٩٣) الغيبة للطوسي: ٢٥٨.
(١٩٤) عدّة رسائل: المفيد:٢٥، الغيبة للنعماني: ١٢.. قال العلامة المجلسي: وقد ذكر الجهضمي وكلاء المهدي (عليه السلام) وسفراءه وأسمائهم؛ ثم قال: وقد لقي المهدي (عليه السلام) بعد ذلك خلق كثير من الشيعة وغيرهم، وظهر لهم على يده من الدلائل ما ثبت عندهم أنه هو (عليه السلام).. وينتفعون بمكانه وفعاله ويكتمونه.. الخ، بحار الأنوار: ٥١/١٠٨.
(١٩٥) إكمال الدين للصدوق: ٢/١٠٤.
(١٩٦) إكمال الدين: ٢/١٠٨؛ منتخب الأثر للصافي: ٣٤٤.
(١٩٧) الغيبة للطوسي: ١٤١.
(١٩٨) الغيبة للطوسي ١٣٨.
(١٩٩) إكمال الدين للصدوق: ٢/١٧٨.
(٢٠٠) الغيبة للطوسي: ١٤٧ - ١٤٨.
(٢٠١) تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي: ١٨٥.
(٢٠٢) إكمال الدين للصدوق: ٢/٤٣٥.
(٢٠٣) تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي: ١٨٥.
(٢٠٤) كمال الدين للصدوق: ٢/١٠٨، منتخب الأثر: للصافي: ٣٤٤.
(٢٠٥) الغيبة للطوسي: ١٣٨.
(٢٠٦) كمال الدين للصدوق: ٢/١٠٦.
(٢٠٧) كمال الدين للصدوق: ٢/٤٣٢.
(٢٠٨) كمال الدين للصدوق: ٢/٤٢٥.
(٢٠٩) كمال الدين للصدوق: ٢/٤٣٥.
(٢١٠) الغيبة الصغرى: لمحمد الصدر: ٣٩٩.
(٢١١) سفينة البحار للقمي: ١/١٥٩.
(٢١٢) منهج الدعوات لابن طاووس: ٤٥.
(٢١٣) كمال الدين للصدوق: ٢/١٥٢.
(٢١٤) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(٢١٥) الطرائف: ابن طاووس: ١/١٨٤.
(٢١٦) الخلاصة: ١١٦.
(٢١٧) انظر جامع الرواة للأردبيلي: ١/٥٣٣.
(٢١٨) جامع الرواة للأردبيلي: ٥٣٣/١.
(٢١٩) رجال الطوسي: ٤٢٠، معجم رجال الحديث: الخوئي: ١٢/١٢٤.
(٢٢٠) رجال الكشي للطوسي: ٢/٨١٣.
(٢٢١) قاموس الرجال: ٦/٢٤٨.
(٢٢٢) رجال القهبائي: ١/٢٢٠.
(٢٢٣) معجم رجال الحديث: الخوئي ٧/١٥٥.
(٢٢٤) معجم رجال الحديث: ٦/١٤٥.
(٢٢٥) الغيبة الصغرى: محمد الصدر: ٦٢٤.
(٢٢٦) التهذيب للطوسي: ٩/١٨٧، جامع الرواة للأردبيلي: ١/٥٣٣.
(٢٢٧) الكافي الكليني: ٥/٥٤٨، جامع الرواة: ٥٣٣.
(٢٢٨) الكافي الكليني: ٦/٤٥٠، جامع الرواة: ١/٥٣٣. والتهذيب للطوسي: ٦/٨٤.
(٢٢٩) الكافي: ٦/٤٥٠، جامع الرواة: ١/٥٣٣.
(٢٣٠) التهذيب للطوسي: ٦/٣٥، جامع الرواة: ١/٥٣٣.
(٢٣١) الكافي: ٦/٢١٢، الغيبة للطوسي: ٢١٨ - ٢١٩.
(٢٣٢) الكافي: ٦/٢١٢، الغيبة للطوسي: ٢١٨ - ٢١٩.
(٢٣٣) الكافي: ٩/٣٢٦، جامع الرواة: ٥٣٣.
(٢٣٤) بحار الأنوار للمجلسي: ١٣/٥٧١.
(٢٣٥) بحار الأنوار للمجلسي: ٣٦/٣٤٥.
(٢٣٦) جمال الاسبوع: ٧٠، وانظر كمال الدين للصدوق: ٢/١٩٠، مصباح المجتهد للطوسي: ٣٦٩، مفاتيح الجنان للقمي، وغيرها..
(٢٣٧) سورة الروم، الآية/٢.
(٢٣٨) كمال الدين للصدوق: ٢/١٨٩، بحار الأنوار للمجلسي: ٥٣/١٩٠.
(٢٣٩) الغيبة للطوسي: ١٨٤، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٦٧، بحار الأنوار للمجلسي: ٥٣/١٧٨.
(٢٤٠) الغيبة للطوسي: ١٤٧، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٦٨، كمال الدين للصدوق: ٢/٢٠٠.
(٢٤١) تلخيص الشافعي للطوسي: ١/١٤٦، أوائل المقالات: المفيد: ٣٥.
(٢٤٢) الغيبة للطوسي: ١٩٩.
(٢٤٣) الغيبة للطوسي: ٢٠٧.
(٢٤٤) إثبات الهداة للعاملي: ٧/٣٠٢، بحار الانوار للمجلسي: ٥١/٣٢٦.
(٢٤٥) بحار الانوار للمجلسي: ٥١/٢٩٩.
(٢٤٦) رجال الكشي للطوسي: ١/٨١٣، قاموس الرجال: التستري: ٦/٢٤٨.
(٢٤٧) إثبات الهداة للعاملي: ٧/٣٠٢، بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٣٢٦.
(٢٤٨) الغيبة للطوسي: ١٦٤.
(٢٤٩) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(٢٥٠) الغيبة للطوسي: ٢١٧.
(٢٥١) الغيبة للطوسي: ٢١٧.
(٢٥٢) الغيبة الصغرى للصدر: ٦٢٣.
(٢٥٣) بحار الأنوار للمجلسي: ١٠٢/٢٩٣.
(٢٥٤) الغيبة للطوسي: ٢١٩، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨١.
(٢٥٥) بهجة الآمال للتبريزي: ٥/٣٣٢.
(٢٥٦) الطرائف في معرفة الطوائف: ابن طاووس: ١/١٨٤.
(٢٥٧) الصراط المستقيم: البيضاوي: ٢/٢٣٥.
(٢٥٨) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ٨/١٠٩.
(٢٥٩) المختصر في أخبار من غبر: ١/٦٩.
(٢٦٠) عدّة رسائل: المفيد: ٣٦١، والغيبة للطوسي: ٧٦.
(٢٦١) رجال الطوسي: ٥٩.
(٢٦٢) تأسيس الشيعة: ٤١١.
(٢٦٣) سفينة البحار: ١/٣٢٧.
(٢٦٤) تنقيح المقال: ٣/١٤٩.
(٢٦٥) معجم رجال الحديث: ١٦/٢٧٤.
(٢٦٦) الغيبة للطوسي: ٢١٦ و٢٢١.
(٢٦٧) الغيبة للطوسي ٢٢١.
(٢٦٨) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٢٦٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٢٧٠) الغيبة للطوسي: ٢١٨، كمال الدين للصدوق: ٢/١١٦.
(٢٧١) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٢٧٢) الغيبة للطوسي ٢٢٥ و٢٢٧.
(٢٧٣) الغيبة للطوسي ٢٤٨وما بعدها.
(٢٧٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٨.
(٢٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٢٧٦) دلائل الطبري: ٣٥٠.
(٢٧٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٢٧٨) الإرشاد للمفيد: ٣٣٥.
(٢٧٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٦.
(٢٨٠) الغيبة للطوسي: ١٧٩.
(٢٨١) عقيدة الشيعة؛ رونلدسن: ٢٥٧.
(٢٨٢) الغيبة للطوسي: ١٨٠.
(٢٨٣) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٠.
(٢٨٤) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧١.
(٢٨٥) الأعراف ٤٣، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٩.
(٢٨٦) اثبات الوصية: المسعودي: ٢٣١.
(٢٨٧) اثبات الوصية: المسعودي: ٢٣١.
(٢٨٨) تلخيص الشافي، للطوسي: ١/٥٩
(٢٨٩) ضحى الإسلام: ٢/٢٤٧
(٢٩٠) تاريخ بغداد للبغدادي: ٢/٢٨١.
(٢٩١) الإمام الصادق والمذاهب الاربعة: أسد حيدر: ١/٣٢٠.
(٢٩٢) رجال الطوسي باب أصحاب الهادي (عليه السلام)؛ رجال البرقي: ٥٧؛ المناقب لابن شهرآشوب: ٤/٤٠٢.
(٢٩٣) سفينة البحار للقمي: ١/٣٢٧.
(٢٩٤) تنقيح المقال للمامقاني: ٣/١٤٩.
(٢٩٥) رجال الطوسي: ٥٩؛ الخلاصة للعلامة: ٥٧؛ الطرائف لابن طاووس: ١/١٨٤؛ عدة رسائل للمفيد: ٣٦١؛ الغيبة للطوسي:٧٦.
(٢٩٦) إثبات الوصية للمسعودي: ٢٦٢؛ منتهى الآمال للقمي: ٢/٥٦٥.
(٢٩٧) انظر رجال الطوسي؛ ورجال البرقي في أصحاب العسكري (عليه السلام).
(٢٩٨) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٧؛ كمال الدين للصدوق: ١/١٨٩؛ الغيبة للنعماني: ١٧٣؛ مجمع الرجال للقهبائي:٧/١٩١؛ الكامل لابن الأثير: ٨/١٠٩؛ المختصر لأبو الفداء: ١/٦٩.
(٢٩٩) قاموس الرجال للتستري: ٦/٢٤٨؛ معجم رجال الحديث للخوئي: ٦/١٤٥؛ الغيبة للطوسي: ٢١٤.
(٣٠٠) الغيبة للطوسي: ٢١٩ و١٦٦؛ الكافي للكليني: ٦/٣١٢.
(٣٠١) الغيبة للطوسي: ٢٢٠.
(٣٠٢) تأسيس الشيعة للصدر: ٤١١.
(٣٠٣) الغيبة للطوسي: ٢١٦.
(٣٠٤) الغيبة للطوسي؛ والنعماني؛ وكمال الدين للصدوق؛ وإثبات الوصية؛ ومنتخب الأثر وغيرها.
(٣٠٥) الغيبة للطوسي: ٢١٧.
(٣٠٦) كمال الدين للصدوق: ٢/١٠٦، الغيبة للطوسي: ٢٠١٧.
(٣٠٧) سفينة البحار للقمي: ١/١٥٩.
(٣٠٨) سفينة البحار للقمي: ١/١٥٩.
(٣٠٩) الغيبة للطوسي: ٢١٥.
(٣١٠) الغيبة الصغرى – محمد الصدر: ٤٠٤.
(٣١١) الغيبة للطوسي: ٢١٩.
(٣١٢) الغيبة للطوسي: ٢١٩.
(٣١٣) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٣١٤) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٣١٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٠.
(٣١٦) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٣١٧) الغيبة للطوسي: ٢٢١، تأسيس الشيعة للصدر: ٤١١، سفينة البحار: القمي: ١/٣٢٧.
(٣١٨) الغيبة للطوسي: ٢٢٠.
(٣١٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٠و٢٢٢.
(٣٢٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٣، إعلام الورى: الطبرسي: ٤١٦.
(٣٢١) الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٣٢٢) الغيبة للطوسي، وكمال الدين للصدوق.
(٣٢٣) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٣٢٤) الغيبة للطوسي: ٢٢٠.
(٣٢٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٠.
(٣٢٦) الغيبة للطوسي: ٢٢١ و٢٢٧ و٢٤٨.
(٣٢٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٣٢٨) الغيبة للطوسي: ٢٣٨ و٢٢٠.
(٣٢٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٣٣٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٣٣١) الغيبة للطوسي: ٢٣٥، الكامل في التاريخ: ابن الاثير: ٦/١٥٩، ابن الوردي: ١/٢٥٥؛ المختصر لأبي الفداء: ١/٦٩.
(٣٣٢) إثبات الوصية: المسعودي: ٢٦٢.
(٣٣٣) منتهى المقال: المامقاني ١/٢٤١؛ والغيبة الصغرى للصدر: ٤٨٠.
(٣٣٤) بحار الأنوار المجلسي: ٥٢/٣٨٠.
(٣٣٥) الغيبة للطوسي: ٢٥٨.
(٣٣٦) الخرائج والجرائح للراوندي: ١٦٤.
(٣٣٧) الخرائج والجرائح للراوندي: ٦٧.
(٣٣٨) الخرائج والجرائح: ٦٧.
(٣٣٩) الخرائج والجرائح: ٦٧ و١٦٤، الغيبة للطوسي: ١٦٢.
(٣٤٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٣٤١) الغيبة للطوسي: ١٧٩.
(٣٤٢) عقيدة الشيعة، رونلدسن: ٢٥٧.
(٣٤٣) إعلام الورى: الطبرسي: ٤٢١.
(٣٤٤) إعلام الورى: الطبرسي: ٤٢١.
(٣٤٥) الغيبة للطوسي: ١٣٦ و١٣٧؛ تاريخ سامراء: المحلاتي: ٢/٢٥٦.
(٣٤٦) مروج الذهب: المسعودي: ٢٣٢ و٢٥١.
(٣٤٧) الخرائج والجرائح: الراوندي: ٦٧.
(٣٤٨) الخرائج والجرائح: الراوندي: ٦٧.
(٣٤٩) الغيبة للطوسي: ٢١٢ و٢١٣.
(٣٥٠) رسالة أبي غالب الزراري: ١١٥.
(٣٥١) الكامل في التاريخ: ابن الاثير: ٦/٧٣.
(٣٥٢) مروج الذهب: المسعودي: ٤/١٨٤.
(٣٥٣) الكامل في التاريخ: ابن الأثير: ٦/٢٢١.
(٣٥٤) الكامل في التاريخ: ٦/٢٣٧.
(٣٥٥) الكامل في التاريخ: ٦/٥١.
(٣٥٦) الكامل في التاريخ: ٦/٥٣
(٣٥٧) الكامل في التاريخ: ٦/١٣.
(٣٥٨) الكامل في التاريخ: ٦/٥٥.
(٣٥٩) الكامل في التاريخ: ٦/٥٥.
(٣٦٠) مروج الذهب: المسعودي: ٤/١٤٥.
(٣٦١) مروج الذهب: المسعودي: ٤/١٥٨.
(٣٦٢) الكامل في التاريخ: ٦/٢٣٧.
(٣٦٣) الكامل في التاريخ: ٦/٢٣٧.
(٣٦٤) الكامل في التاريخ: ٦/٢٣٧.
(٣٦٥) الكامل في التاريخ: ٦/٢٣٧.
(٣٦٦) الكامل في التاريخ: ٦/٦٧.
(٣٦٧) الكامل في التاريخ: ٦/٢٠٤.
(٣٦٨) انظر الملل والنحل للشهرستاني، فرق الشيعة للنوبختي، الفَرق بين الفِرقَ للبغدادي، الكامل في التاريخ لابن الأثير، تاريخ الطبري، وتاريخ بغداد للبغدادي وغيرها.
(٣٦٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٤.
(٣٧٠) رجال الكشي للطوسي: ٤٣٨.
(٣٧١) الغيبة للطوسي: ٢٤٥، رجال الكشي للطوسي: ٤٣٨، فرق الشيعة: النوبختي: ٩٣.
(٣٧٢) فرق الشيعة للنوبختي: ٩٣
(٣٧٣) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٣٧٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٥، فرق الشيعة للنوبختي: ٩٤، رجال الكشي: ٤٣٨.
(٣٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٣٧٦) رجال النجاشي: ٦٥.
(٣٧٧) رجال النجاشي: ٦٥.
(٣٧٨) رجال الكشي للطوسي: ٤٤٩.
(٣٧٩) رجال النجاشي: ٦٥.
(٣٨٠) رجال الكشي للطوسي: ٤٥٠.
(٣٨١) المظنون أنه أحمد بن إسحاق القمي الأشعري.
(٣٨٢) رجال الكشي للطوسي: ٤٥٠.
(٣٨٣) رجال الكشي: ٤٥٠.
(٣٨٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٣٨٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٣٨٦) جامع الرواة للأردبيلي: ١/١٥٣، الخلاصة للعلامة: ٦٩.
(٣٨٧) جامع الرواة، الاردبيلي: ١/١٥٣.
(٣٨٨) الخلاصة للعلامة: ٦٩.
(٣٨٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٥.
(٣٩٠) الغيبة للطوسي: ٢٤٦.
(٣٩١) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٣٩٢) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٣٩٣) المخمسة من الغلاة يقولون: إن الخمسة، سلمان، أبو ذر؛ المقداد، عمار، عمرو بن أمية الضمري هم الموكلون بمصالح العالم من قبل الرب. هامش الغيبة: ٢٥٦.
(٣٩٤) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٣٩٥) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٣٩٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٣٩٧) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٣٩٨) بحار الأنور، المجلسي: ٥١/٣٣٦.
(٣٩٩) بحار الأنور، المجلسي: ٥١/٣٣٦.
(٤٠٠) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٤٠١) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٤٠٢) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٤٠٣) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٤٠٤) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٤٠٥) معجم رجال الحديث: الخوئي: ١٦/٢٧٦.
(٤٠٦) قاموس الرجال: ٨/٢٦٦.
(٤٠٧) كمال الدين للصدوق: ٢/٨١.
(٤٠٨) من لا يحضره الفقيه للصدوق: ٣/٣٠٧، الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٤٠٩) كمال الدين للصدوق: ١/٤٣٢، بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/١٥.
(٤١٠) كمال الدين: ١/٤٣٣ و٤٢٥، منتخب الأثر للصافي: ٣٤٢.
(٤١١) الغيبة للطوسي: ١٣٠.
(٤١٢) مصباح المتهجد للطوسي: ٢٩٢، البحار: ٩٠/٣٦.
(٤١٣) بحار الأنوار للمجلسي: ٥/١٩٥.
(٤١٤) بحار الأنوار للمجلسي: ٥/١٩٥.
(٤١٥) الاقبال: لابن طاووس: ٥٨.
(٤١٦) تحية الزائر للنوري: ١٣٢؛ زاد المعاد للمجلسي: ١٣٧.
(٤١٧) الاقبال: ٥٨، مفاتيح الجنان للقمي/ ١٧٩ وغيرهما.
(٤١٨) بحار الأنوار للمجلسي: ٩/٩٦.
(٤١٩) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٠٢.
(٤٢٠) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٠١.
(٤٢١) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٠٢.
(٤٢٢) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/٩٦.
(٤٢٣) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٠١.
(٤٢٤) بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٢٦.
(٤٢٥) مصباح المتهجد للطوسي: ٣٧٤؛ بحار الأنوار للمجلسي: ٩٠/١٠٠.
(٤٢٦) مهج الدعوات لابن طاووس: ١١٩، الصحيفة العلوية: ١٩٧.
(٤٢٧) الاقبال لابن طاووس: ٢٧٤.
(٤٢٨) مصباح المتهجد للطوسي: ٧٣٩؛ الاقبال: لابن طاووس: ٦٤٦؛ مفاتيح الجنان للقمي: ١٣٥.
(٤٢٩) بحار الأنوار للمجلسي: ١٠٢/٩٦؛ المزار الكبير للكفعمي: ١٨٨.
(٤٣٠) تحفة الزائر للمجلسي: ٤٢٩، بحار الانوار للمجلسي: ١٠٢/٩٧.
(٤٣١) مهج الدعوات لابن طاووس: ٤٥.
(٤٣٢) بحار الانوار للمجلسي: ٥١/٣٥١.
(٤٣٣) قال المامقاني في تنقيحه ج٣ باب الكنى: أبو الحسن الدلال ليس له ذكر في كلمات أصحابنا الرجاليين وانما الذي عثرنا عليه رواية الكليني في باب تربيع القبر من الكافي عن احمد بن محمد بن ابي نصر.. انظر هامش الاحتجاج للطبرسي.
(٤٣٤) الغيبة للطوسي: ١٧٨، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧١.
(٤٣٥) كمال الدين للصدوق: ٢/١٠٦.
(٤٣٦) كمال الدين للصدوق: ٢/١٩٩، الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٩.
(٤٣٧) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٠.
(٤٣٨) بحار الأنوار للمجلسي: ٥٣/١٨٤.
(٤٣٩) أشار إلى توبة عمه جعفر آخر عمره كما فعل أخوه يوسف (عليه السلام)؛ ويكنى جعفر هذا أبو عبد الله ويلقب (كرين) لأنه أولد مائة وعشرين ولداً؛ أعقب من جماعة انتشر منهم عقب ستة... ويقال لولده الرضويون نسبة إلى جده الرضا (عليه السلام)؛ وكانت وفاته عام ٢١٧ه وله خمس وأربعون سنة وقبره في دار أبيه بسامراء... انظر هامش فرق النوبختي.
(٤٤٠) تحقيق ما أحل من الخمس في زمن الغيبة للشيعة يطلب من كتب الفقه، وفيه روايات وأقوال أشهرها وأظهرها، أن المراد بهذا الخبر وأمثاله: إباحة الخمس في المناكح للشيعة زمن الغيبة لتطيب ولادتهم دون الخمس في غيرها لأنه واجب.
(٤٤١) الغيبة للطوسي: ١٧٦ - ١٧٧، الاحتجاج للطوسي: ٢/٤٦٩ - ٤٧٠.
(٤٤٢) سورة البقرة: الآية ١٠٤.
(٤٤٣) الغيبة للطوسي: ١٧٧؛ الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٠.
(٤٤٤) بحار الأنوار للمجلسي: ٥٣/١٩٧ نقلاً عن خرائج الراوندي، مستدرك الوسائل للنوري: ٢/٥٨٧ و٣/١٩٧.
(٤٤٥) بحث حول المهدي للصدر: ٣٦.
(٤٤٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٤٤٧) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٨.
(٤٤٨) بحار الأنوار للمجلسي: ٥٣/٣٣٦.
(٤٤٩) الغيبة للطوسي: ١٧٩.
(٤٥٠) السردانية: جزيرة كبيرة ببحر المغرب.. قاله في القاموس – ولعل الثوب السرداني منسوب إلى هذه الجزيرة.. هامش الغيبة للطوسي: ١٧٩.
(٤٥١) الغيبة للطوسي: ١٧٨ وما بعدها.
(٤٥٢) بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٢٣٦.
(٤٥٣) الإرشاد للمفيد: ٣٤٢.
(٤٥٤) بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٣٣٠/٣٣٦.
(٤٥٥) الخرائج والجرائح للراوندي: ٧١؛ الصراط المستقيم للبياضي: ٢/٢١٢.
(٤٥٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٣؛ أعلام الورى للطبرسي: ٤١٦.
(٤٥٧) الغيبة للطوسي: ٢٥٨.
(٤٥٨) الإرشاد للمفيد: ٣١٥.
(٤٥٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٣؛ الكامل في التاريخ لابن الاثير:٨/١٠٩، المختصر لأبي الفداء: ١/٦٩؛ تاريخ ابن الوردي ١/٢٥٥.
(٤٦٠) الإمامة للصدوق: ١/٢٥٦؛ سفينة البحار للقمي: ١/١٥٩، كمال الدين: ٢/١٥٢.
(٤٦١) بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٣٣٦.
(٤٦٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٤٦٣) مهج الدعوات لابن طاووس: ٤٥.
(٤٦٤) الغيبة للطوسي: ١٨٠.
(٤٦٥) الغيبة للطوسي: ٣٢٣.
(٤٦٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٢.
(٤٦٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٤٦٨) الكامل في التاريخ: ابن الاثير ٨/١٠٩؛ المختصر لأبي الفداء: ١/٦٩؛ تاريخ ابن الوردي: ١/٢٥٥.
(٤٦٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٤٧٠) مهج الدعوات لابن طاووس: ٤٥.
(٤٧١) مهج الدعوات لابن طاووس: ٤٥.
(٤٧٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٤٧٣) الغيبة الصغرى للصدر: ٤٠٦.
(٤٧٤) الدرر الكامنة للطباطبائي: ١٨٢.
(٤٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٦، الأوراق للصولي: ١٤٧.
(٤٧٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٥ و١٩٥.
(٤٧٧) رجال الكشي للطوسي: ٣٤٥، مجمع الرجال للقهبائي: ١/٩٥.
(٤٧٨) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٨.
(٤٧٩) رجال النجاشي ورجال العلامة.
(٤٨٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٤٨١) وهو محمد بن يوسف قاضي قضاة كان يضرب المثل بعقله وحلمه، توفي عام ٣٢٠ه له ترجمة في تاريخ بغداد ٣/٤٠١ - ٤٠٥.
(٤٨٢) سير أعلام النبلاء: ١٥/٢٢٢.
(٤٨٣) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٤٨٤) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٤٨٥) الوافي بالوفيات: ٢/٢٦٦، لسان الميزان: ٢/٢٨٣، معجم رجال المؤلفين: رضا كحالة: ٤/٨، دائرة المعارف الإسلامية المعربة: ١/١٨١.
(٤٨٦) لسان الميزان: ٢/٢٨٣، صلة عريب: ١٤١، تجارب الأمم لابن مسكويه: ٥/١٩٥ حوادث عام ٣١٧ه.
(٤٨٧) مرآة الجنان: ٢/٢٨٥.
(٤٨٨) الكامل في التاريخ: ٨/٢٩٠.
(٤٨٩) عدة رسائل للمفيد: ٣٦١، المناقب: ٤/٤٦٠.
(٤٩٠) الغيبة للطوسي: ٢٣٨، التهذيب للطوسي: ٦/٩٣، جامع الرواة للأردبيلي: ١/٢٤٠.
(٤٩١) الغيبة للطوسي: ٢٢٧، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٤٩٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٤٩٣) وسائل الشيعة: ٢٠/١٧٤.
(٤٩٤) تأسيس الشيعة: ٤١٢.
(٤٩٥) معجم رجال الحديث: ٥/٢٣٦.
(٤٩٦) قاموس الرجال: ٣/٢٨٤.
(٤٩٧) تنقيح المقال: ١/٣٢٨؛ وبحار الأنوار للمجلسي: ٥٠/٣١٠.
(٤٩٨) الغيبة للطوسي: ٢٣٨، الأوراق للصولي: ١٠٤، الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦، سير أعلام النبلاء للذهبي: ٥/٢٢٢، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠ وغيرهما.
(٤٩٩) الكنى والألقاب للقمي: ١/٩٥.
(٥٠٠) تأسيس الشيعة للصدر: ٣٦٢ نقلاً عن أخبار الحكماء للقطفي.
(٥٠١) فرج المهموم لابن طاووس: ١٢١.
(٥٠٢) تأسيس الشيعة للصدر: ٣٦٢.
(٥٠٣) تاريخ بغداد للبغدادي: ١/٦٧.
(٥٠٤) نهر جويبر هو نهر الحويزة، ذكره ابن الاثير في الكامل: ٥/٥٧٠، وتاريخ الطبري: ٧/٦٤٨.
(٥٠٥) ابن خرداذبه: ٧.
(٥٠٦) الأغاني لأبي الفرج: ٣/١٦١.
(٥٠٧) تجارب الأمم لابن مسكويه: ٥/٢٧١ و٦/١٩٧.
(٥٠٨) تاريخ اليعقوبي: ١/٣٢١.
(٥٠٩) كشف الظنون: حاجي خليفة: ٥/٣٥.
(٥١٠) فرج المهموم لابن طاووس: ١٢١.
(٥١١) الفهرست لابن النديم: ٣٣٣ وتاريخ الحلاج: «ماسينون» في ترجمة الفضل بن نوبخت.
(٥١٢) الفهرست لابن النديم: ٣٣٣ وتاريخ الحلاج: «ماسينون» في ترجمة الفضل بن نوبخت.
(٥١٣) روضات الجنات للخونساري: ١/١١١، رجال النجاشي، خلاصة العلامة، تاريخ ابن خلكان؛ الملل والنحل للشهرستاني، لسان الميزان.. قال الذهبي عنه: كان كاتباً بليغاً وشاعراً،... وغيرها.
(٥١٤) لسان الميزان لابن حجر العسقلاني: ١/٢٥١.
(٥١٥) أعيان الشيعة: محسن الأمين ١٢/٢١.
(٥١٦) خاندان نوبختي (بالفارسية): عباس إقبال: ٢١٢.
(٥١٧) تجارب الأمم: ابن مسكويه: ٥/٣٦٠ حوادث عام ٣٢٥ه.. قال الصولي: مات في هذا الوقت علي بن العباس النوبختي وقد قارب ثمانين عاماً وكان حسن الادب والشعر، وكان الحسين بانه يكتب لابن رائق ويدبر أموره.. الأوراق: ٧٦ و٨٧ و١٠٦...
(٥١٨) تجارب الأمم: ابن مسكويه: ٥/٣٦٢.
(٥١٩) تجارب الأمم: ابن مسكويه: ٥/٣٦٢.
(٥٢٠) تجارب الأمم: ابن مسكويه: ٥/٣٦٣.
(٥٢١) الغيبة للطوسي: ٢٢٨، وتأسيس الشيعة ٣٧٢.
(٥٢٢) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠؛ سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢، وخاندان نوبختي (بالفارسية): عباس إقبال: ٣١٢.
(٥٢٣) رجال الكشي للطوسي: ٣٤٥.
(٥٢٤) مجمع الرجال للقهبائي: ١/٩٥.. و(حلوان) مدينة واقعة على طريق كرمانشاهان وبغداد.. أعيان الشيعة للأمين: ٧/٢٦٣.
(٥٢٥) الغيبة للطوسي: ١٩٥.. و(آية) مدينة قريبة من قم.
(٥٢٦) خاندان نوبختي (بالفارسية) عباس إقبال: ٢١٢.
(٥٢٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٥٢٨) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٥٢٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٣٠) الغيبة للطوسي: ٢٣٦، تأسيس الشيعة للصدر: ٤١٢.
(٥٣١) الغيبة للطوسي: ٢٣٧، صلة عريب: ١٤١، تجارب الأمم لابن مسكويه: ٥/١٩٥، اللسان لابن حجر: ٢/٢٨٣، مرآة الجنان لليافعي: ٢/٢٨٥، الكامل لابن الاثير: ٨/٢٩٠.
(٥٣٢) الغيبة للطوسي: ٢٣٧.
(٥٣٣) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٥٣٤) سيرة أعلام النبلاء: ١٥/٢٢٢.
(٥٣٥) الوافي بالوفيات: ١٢/٣٦٦.
(٥٣٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٧؛ ٢٢٧.
(٥٣٧) الغيبة للطوسي: ٢٣٧؛ ٢٢٧.
(٥٣٨) الغيبة للطوسي: ٢٣٨.
(٥٣٩) الغيبة للطوسي: ٢٣٧.
(٥٤٠) الغيبة للطوسي: ٢٣٧.
(٥٤١) ديوان ابن الرومي: ١٢٢ و١٢٣.
(٥٤٢) بحار الأنوار للمجلسي: ١٤/٣٥٢ - ٣٥٥.
(٥٤٣) شرح نهج البلاغة لان أبي الحديد: ١/٢٩٥، ومروج الذهب للمسعودي: ٧/١٥٧، تلبيس إبليس لان الجوزي.
(٥٤٤) معجم الأدباء للحموي: ٢/٢٧٩.
(٥٤٥) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ٢/٥٩٧.
(٥٤٦) ابن أبي أصبعة: ١/٣٠٩.
(٥٤٧) أوائل المقالات للمفيد: ٤١ وغيرها.
(٥٤٨) أعيان الشيعة للأمين: ١٢/١٢.
(٥٤٩) الغيبة للطوسي: ١٦٥.
(٥٥٠) الغيبة للطوسي: ١٦٠.
(٥٥١) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٥٥٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٥٣) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٥٤) الغيبة للطوسي: ٢٢٦.
(٥٥٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٥٦) بحار الأنوار للمجلسي: ٥٠/٣١٠.
(٥٥٧) الغيبة للطوسي: ٢١٩ و١٤٦ و٢١٥.
(٥٥٨) الغيبة للطوسي: ٢١٦ و٢٢١.
(٥٥٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٦٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٦١) الغيبة للطوسي: ٢٢٦.
(٥٦٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٦٣) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٦٤) تاريخ الاسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، وسير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢، والوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٥٦٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٥٦٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٥٦٧) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٦٨) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٥٦٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٤.
(٥٧٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٥٧١) الغيبة للطوسي: ٢٢٦.
(٥٧٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٦.
(٥٧٣) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٥٧٤) الغيبة للطوسي: ٢٢٤.
(٥٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٢٥.
(٥٧٦) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٣/١٩٠، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٣٢٢.
(٥٧٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٥٧٨) الغيبة للطوسي: ٢٢٣، الكامل لابن الاثير: ٨/١٠٩، المختصر لأبي الفداء: ١/٦٩.
(٥٧٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٧ و٢٢٨.
(٥٨٠) الغيبة للطوسي: ٢٣٧ و٢٣٨.
(٥٨١) الغيبة للطوسي: ٢٢٣.
(٥٨٢) الغيبة للطوسي: ١٨٣، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠؛ سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢؛ الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٥٨٣) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠؛ الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٥٨٤) الغيبة للطوسي: ١٩٩.
(٥٨٥) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٥٨٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٦.
(٥٨٧) الغيبة للطوسي: ٢٣٦.
(٥٨٨) الغيبة للطوسي: ٢٣٧.
(٥٨٩) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٥٩٠) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٥٩١) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٥٩٢) الغيبة للطوسي: ٢٣٨.
(٥٩٣) الغيبة للطوسي: ١٩٨، الاحتجاج للطوسي: ٢/٤٧٢.
(٥٩٤) الفخري: ابن طقطقا: ٢٣٥.
(٥٩٥) تجارب الامم، ابن مسكويه: ٥/١٨٩ - ١٩٢.
(٥٩٦) تجارب الامم، ابن مسكويه: ٥/٣٥١، الكامل لابن الاثير: ٨/١٧٦، الحضارة الاسلامية: آدم متز: ١/١٧٢.
(٥٩٧) قال الشهيد في الذكرى/١٥٥ ما لفظه: (ومن المساجد الشريفة مسجد براثا غربي بغداد وهو باقٍ إلى الآن وفيه فضائل عديدة...)، الحضارة الإسلامية: آدم متز ١/٨٨ نقلاً عن المنتظم: ٢٩.
(٥٩٨) الحضارة الاسلامية: آدم متز ١/٨٨ نقلاً عن المنتظم: ٢٩.
(٥٩٩) تاريخ الاسلام، حسن ابراهيم حسن: ٣/٢٣.
(٦٠٠) مروج الذهب: المسعودي: ٢ و٤ و٥.
(٦٠١) المقدسي: ١٢٦.
(٦٠٢) الكامل في التاريخ، ابن الاثير: ٩/١٤٦.
(٦٠٣) معجم البلدان للحموي: ٤/٢٥٥.
(٦٠٤) سورة الإسراء: الآية ٧٩.
(٦٠٥) البداية والنهاية، ابن كثير: ١١/١٦٢.
(٦٠٦) الحضارة الإسلامية، آدم منز: ١/٨٨.
(٦٠٧) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/٢٦٠.
(٦٠٨) الحضارة الإسلامية: آدم متز: ١/٨٨؛ المختصر لأبي الفداء: ١/٨٣، تجارب الأمم: ابن مسكويه: ٥/٣٢٠.
(٦٠٩) الكامل في التاريخ، ابن الاثير: ٦/٢٠٤.
(٦١٠) تاريخ الشعوبية الاسلامية: ٢/٧٥.
(٦١١) اللسان، ابن حجر: ٢/٣٨٣، معجم المؤلفين، رضا كحالة: ٤/٨.
(٦١٢) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/١٩٥؛ وصلة عريب: ١٤١.
(٦١٣) دائرة المعارف الاسلامية المعربة: ١/١٨١.
(٦١٤) الغيبة للطوسي: ١٨٧ و٢٥٢.
(٦١٥) الغيبة الصغرة للصدر: ٤٤٥.
(٦١٦) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٦١٧) الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦١٨) أعيان الشيعة للأمين: ١٢/٢٢.
(٦١٩) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/٣٦٠.
(٦٢٠) خاندان نوبختي (فارسي) إقبال اشتياقي: ١١٢.
(٦٢١) تأسيس الشيعة: ٣٧١.
(٦٢٢) تأسيس الشيعة: ٣٧١.
(٦٢٣) تأسيس الشيعة: ٣٧١.
(٦٢٤) الغيبة للطوسي: ٢٣٦، تاريخ الاسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، سير اعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٦٢٥) دائرة المعارف الاسلامية المعربة: ١/١٨١.
(٦٢٦) اللسان، ابن حجر: ٢/٢٨٣، الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦٢٧) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/١٩٥.
(٦٢٨) تجارب الأمم لابن مسكويه: ٥/٦٩٥، صلة عريب: ١٤١، الغيبة للطوسي: ١٨٧ و٢٥٢.
(٦٢٩) اللسان لان حجر: ٢/١٨٣.
(٦٣٠) تجارب الأمم: ٥/١٩٥.
(٦٣١) الغيبة للطوسي: ٢٥٢.
(٦٣٢) الغيبة للطوسي: ١٨٣ و٢٥٢.
(٦٣٣) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/١٩٥.
(٦٣٤) تاريخ الاسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، سير اعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢، الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦٣٥) المصدر السابق.
(٦٣٦) الكامل في التاريخ، ابن الاثير: ٦/٢٠٢.
(٦٣٧) تاريخ الطبري: ١١/١٢٢ في حوادث عام ٣١٧ه.
(٦٣٨) تجارب الأمم، ابن مسكويه: ٥/١٩٥، تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، سير أعلام النبلاء: ١٥/٢٢٢، الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦٣٩) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠، الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦٤٠) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٤١) الإرشاد للمفيد: ٣٣٢.
(٦٤٢) تاريخ الطبري: ١١/٣١٧.
(٦٤٣) الغيبة للطوسي: ٢٢٧.
(٦٤٤) الكامل في التاريخ، ابن الاثير: ٦/٢٤١.
(٦٤٥) سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٦٤٦) الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦.
(٦٤٧) سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٦٤٨) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٤٩) سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٦٥٠) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٥١) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٥٢) سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٦٥٣) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٥٤) تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠.
(٦٥٥) الأوراق للصولي: ١٢٢.
(٦٥٦) تجارب الأمم لابن مسكويه: ٥/٣٦٣.
(٦٥٧) الأوراق: ١٢٢.
(٦٥٨) الأوراق للصولي: ١٤٧، خاندان نوبختي (بالفارسي): ٢٢٠.
(٦٥٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٤.
(٦٦٠) روضات الجنات للأصبهاني: ٣/١٤٤.
(٦٦١) أوائل المقالات للمفيد: ٢٤٠.
(٦٦٢) سفينة البحار، القمي: ١/٢٩٦.
(٦٦٣) الغيبة للطوسي: ٢٤٦.
(٦٦٤) روضات الجنات للأصبهاني: ٣/١٤٤.
(٦٦٥) الفهرست: ابن النديم: ٢٤١.
(٦٦٦) ميزان الاعتدال للذهبي: ١/٥٤٨.
(٦٦٧) البداية والنهاية لابن كثير: ١١/١٣٩ نقلاً عن الصولي.
(٦٦٨) دائرة المعارف الإسلامية المعربة: ٨/١٩.
(٦٦٩) الفهرست: ابن النديم: ١٩١.
(٦٧٠) تاريخ بغداد للبغدادي: ٨/١٢٤.
(٦٧١) مجالس المؤمنين للشوشتري: ٢٧١.
(٦٧٢) الغيبة للطوسي: ٢٤٦؛ وفي تاريخ البغدادي ٨/١٢٤، بعد ذكره ما أراده أبو سهل إسماعيل بن علي من وصل شعره ورد لحيته سوداء قال: «آمنت بما يدعوني إليه كائناً ما كان إن شاء قلت أنه باب الإمام ووكيله وإن شئت قلت: الإمام... إلخ».
(٦٧٣) الغيبة للطوسي: ٢٤٧ و٢٤٨.
(٦٧٤) دائرة المعارف الإسلامية المعربة: ١٤/٧٧.
(٦٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٤.
(٦٧٦) الاحتجاج للطبرسي: ٣/٤٧٩.
(٦٧٧) مجالس المؤمنين للشوشتري: ٢٧١.
(٦٧٨) تلبيس إبليس لابن الجوزي: ٢٧١، تاريخ بغداد للبغدادي: ٨/١٢٧ و١٣٥.
(٦٧٩) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ٣٨٠.
(٦٨٠) الحضارة الإسلامية: آدم متز ٢/٤٣.
(٦٨١) تاريخ بغداد للبغدادي: ٨/١٢٧.
(٦٨٢) الحضارة الإسلامية: آدم متز ٢/٤٣.
(٦٨٣) تاريخ بغداد للبغدادي: ٨/١٣٥.
(٦٨٤) تاريخ بغداد للبغدادي: ٨/١٣٥.
(٦٨٥) كشف المحجوب – نيكلسون: ٢٦٠؛ الحضارة الإسلامية – آدم متز: ٢/٤٣.
(٦٨٦) رسالة الغفران للجمعية الآسيوية Jras, ١٩٠٢ - ٩ S.٨٣٣.
(٦٨٧) الكامل في التاريخ – ابن الأثير: ٨/٢٩٠.
(٦٨٨) التنبيه للمسعودي: ٣٩٦ - ٣٩٧.
(٦٨٩) رجال النجاسي: ٢٩٣.
(٦٩٠) خاندان نوبختي (بالفارسي) عباس إقبال: ٢٢٢.
(٦٩١) الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٦٩٢) الغيبة للطوسي: ١٨٤.
(٦٩٣) الفهرست للطوسي: ١٧٣، رجال النجاشي: ٢٩٣، الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٦٩٤) رجال النجاشي: ٢٩٣.
(٦٩٥) الفهرست للطوسي: ٥١٢.
(٦٩٦) رجال الطوسي: ٥١٢.
(٦٩٧) الكامل في التاريخ – ابن الأثير: ٨/٢٩٢.
(٦٩٨) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٦٩٩) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٣٨٧؛ تجارب الأمم – ابن مسكويه: ٨/١٢٣؛ الغيبة للطوسي: ٢٤٩.
(٧٠٠) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٣٦.
(٧٠١) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٣٨؛ الغيبة للطوسي: ٢٥٠ و٢٥١؛ الكامل لابن الأثير: ٨/٢٩٢.
(٧٠٢) الفهرست: ٤٢٥، رجال النجاشي: ٢٩٣؛ الغيبة للطوسي: ٢٤٠ – ٢٤١.
(٧٠٣) الغيبة للطوسي: ٢٥١ - ٢٥٢.
(٧٠٤) الخلاصة للعلامة: ٢٥٤؛ رجال الأسترآبادي: ٢٠٧.
(٧٠٥) الغيبة للطوسي: ٢٥٢.
(٧٠٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٧٠٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٧٠٨) وهو محمد الإسكافي من كبار شيوخ الإمامية، وأجداده من الزرادشتية الفرس، له كتاب في تاريخ الأئمة يسمى الأنوار، وُلِد سنة ٢٥٨هـ وتوفي سنة ٣٢٦هـ، وكان أول من أسلم من أهله وهداه الله إلى الحق.. رجال النجاشي: ٢٩٥.
(٧٠٩) الغيبة للطوسي: ٢٠٨ و٢٠٩.
(٧١٠) الغيبة للطوسي: ٢٠٨ و٢٠٩؛ رجال النجاشي: ٢٩٣.
(٧١١) الغيبة للطوسي: ٢٤٠ - ٢٤١.
(٧١٢) بنو فضال هم ثلاثة أولاد لأبي الحسن بن فضال الكوفي المتوفى عام ٢٢٤هـ، وأولاده الثلاثة هم من الفقهاء الفطحيين وهم أحمد المتوفى عام ٢٦٠هـ، ومحمد، وعلي البالغة كتبه الثلاثون كتاباً وله كتاب في تأييد مذهبه.. رجال الكشي للطوسي: ٣١٩؛ ورجال النجاشي وغيرهما.
(٧١٣) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٧١٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٨.
(٧١٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٨.
(٧١٦) الكامل في التاريخ: ٦/١٧٣.
(٧١٧) الكامل في التاريخ: ٦/١٧٧.
(٧١٨) مروج الذهب للمسعودي: ٤/٢١٤.
(٧١٩) الكامل في التاريخ: ٦/١٧٤.
(٧٢٠) الكامل في التاريخ: ٦/١٧٤.
(٧٢١) الكامل في التاريخ: ٨/٢٩٠.
(٧٢٢) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٧٢٣) الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٧٢٤) الغيبة للطوسي: ١٨٧.
(٧٢٥) مهج الدعوات – ابن طاووس: ٤٥؛ وخاندان نوبختي (فارسي) – إقبال: ٢٢٢.
(٧٢٦) الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٧٢٧) الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٧٢٨) الغيبة للطوسي: ١٨٣.
(٧٢٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٩.
(٧٣٠) الغيبة للطوسي: ٢٤٩.
(٧٣١) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٣٨ – ترجمة ابن أبي عون.
(٧٣٢) الغيبة للطوسي: ٢٤٨.
(٧٣٣) تأسيس الشيعة للصدر: ٣٦٨.
(٧٣٤) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٧٣٥) الغيبة للطوسي: ٢٥٢ - ٢٥٣.
(٧٣٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٣.
(٧٣٧) الاحتجاج – للطبرسي: ٣/٤٧٤ - ٤٧٥؛ الغيبة للطوسي: ٢٥٣.
(٧٣٨) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٧٣٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٧٤٠) الغيبة للطوسي: ٢٤١.
(٧٤١) الغيبة للطوسي: ٢٢٨.
(٧٤٢) الغيبة للطوسي: ٢٢٨.
(٧٤٣) الكامل في التاريخ: ١/٢٩٠؛ الفَرق بين الفِرق للبغدادي: ٢٦٤؛ تاريخ الإسلام للذهبي.
(٧٤٤) الكامل في التاريخ: ٨/٢٩٠.
(٧٤٥) معجم البلدان للحموي: ١/٢٣٥؛ تجارب الأمم – ابن مسكويه: ٥/١٢٣؛ حوادث عام ٣١٢هـ
(٧٤٦) تجارب الأمم – ابن مسكويه: ٥/١٢٣.
(٧٤٧) قرب جزيرة ابن عمر من نواحي الموصل بالعراق.. رجال النجاشي.
(٧٤٨) الفَرق بين الفِرق للبغدادي: ٢٦٤؛ العبر للذهبي: ٣/١٩٠.
(٧٤٩) الكامل في التاريخ: ٨/٢٩٠ وقائع عام ٣٢٢هـ.
(٧٥٠) الغيبة للطوسي: ١٨٦ - ١٨٧.
(٧٥١) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٧٥٢) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٤٨.
(٧٥٣) الكامل في التاريخ: ٨/٢٩١؛ الفَرق بين الفِرق للبغدادي: ٢٦٤؛ العبر للذهبي: ٣/١٩٠.
(٧٥٤) معجم الأدباء للحموي: ١/٢٥١.
(٧٥٥) الفَرق بين الفِرق: ٢٦٤؛ العبر للذهبي: ٢/١٩٠.
(٧٥٦) معجم الأدباء: ١/٢٥٢.
(٧٥٧) الغيبة للطوسي: ٢٥٠.
(٧٥٨) الغيبة للطوسي: ٢٤٠؛ الرقعية للطهراني: ٣/٢١٠؛ معجم المؤلفين – رضا كحالة: ٤/٨.
(٧٥٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٧٦٠) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٧٦١) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٧٦٢) الغيبة للطوسي: ٢٣٩.
(٧٦٣) كمال الدين الصدوق: ٢/١٩٨؛ البحار: ٣٥/٧٩؛ معاني الأخبار للصدوق: ٢٨٦.
(٧٦٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٠.
(٧٦٥) التهذيب للطوسي: ٦/٩٣؛ جامع الرواة للأردبيلي: ١/٢٤٠.
(٧٦٦) قاموس الرجال للتستري: ٣/٢٨٤.
(٧٦٧) معجم رجال الحديث للخوئي: ٥/٢٣٦.
(٧٦٨) مصباح المتهجد للطوسي: ٧٤٣؛ الإقبال: ٦٤٧.
(٧٦٩) مصباح المتهجد للطوسي: ٧٥٥.
(٧٧٠) مصباح المتهجد للطوسي: ٧٥٢؛ الإقبال لابن طاووس: ٦٧٥ - ٦٧٦.
(٧٧١) مفاتيح الجنان للقمي: ١٦٤.
(٧٧٢) الصافات: ١٣٠؛ الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٩٢.
(٧٧٣) مستدرك الوسائل للنوري: ١٠/٣٥١.
(٧٧٤) الغيبة للطوسي: ٢٣٠؛ الاحتجاج للطبرسي: ٣/٤٨١.
(٧٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٣٢؛ الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٣.
(٧٧٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٢؛ الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٣.
(٧٧٧) الاحتجاج للطبرسي: ٣/٤٨٥.
(٧٧٨) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٨٧.
(٧٧٩) الغيبة للطوسي: ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٧٨٠) الغيبة للطوسي: ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٧٨١) أوائل المقالات للمفيد: ٨٠.
(٧٨٢) التصوف والتشيع – هاشم معروف الحسيني: ١٤٦.
(٧٨٣) أوائل المقالات للمفيد: ٨٠.
(٧٨٤) الغيبة للطوسي: ١٩٦؛ بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٢٩٣.
(٧٨٥) الغيبة للطوسي: ١٨٨ و١٩٥.
(٧٨٦) الغيبة للطوسي: ١٩٢.
(٧٨٧) الغيبة للطوسي: ١٨٨ وما بعدها.
(٧٨٨) الغيبة للطوسي: ١٨٤ - ١٨٥؛ مدينة المعاجز للبحراني: ٦١٤، نقلًا عن الراوندي.
(٧٨٩) الغيبة للطوسي: ١٨٨.
(٧٩٠) كمال الدين للصدوق: ٢/١٩٦؛ بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٣٤٢؛ وروى الصدوق قصة مشابهة لها أيضًا في كمال الدين ٢/١٩٣؛ البحار: ٥١/٣٤٠.
(٧٩١) الغيبة للطوسي: ١٨٧.
(٧٩٢) كمال الدين للصدوق: ٢/١٩٦؛ بحار الأنوار للمجلسي: ٥١/٣٤٢.
(٧٩٣) الغيبة للطوسي: ١٩٥.
(٧٩٤) الغيبة للطوسي: ١٩٦.
(٧٩٥) الغيبة للطوسي: ٢٣٨؛ الوافي بالوفيات للصفدي: ١٢/٣٦٦؛ تاريخ الإسلام للذهبي: ٢٤/١٩٠؛ سير أعلام النبلاء للذهبي: ١٥/٢٢٢.
(٧٩٦) الغيبة للطوسي: ٢٣٨.
(٧٩٧) تتمة المنتهى للقمي: ٣/٤٠٣.
(٧٩٨) الغيبة للطوسي: ٢٣٨؛ مجلة العرفان: ٤/٣٧٩؛ أعيان الشيعة للأمين: ٦/٢١.
(٧٩٩) مراصد الاطلاع للحموي باب (آجر).
(٨٠٠) مراصد الاطلاع للحموي باب (آجر).
(٨٠١) مراصد الاطلاع للحموي باب (آجر).
(٨٠٢) مراصد الاطلاع للحموي: ٥/٤٠٣.
(٨٠٣) تاريخ بغداد للبغدادي: ١/٩١؛ مناقب بغداد لابن الجوزي: ١٨؛ مراصد الاطلاع للحموي: ٥/٤٠٣.
(٨٠٤) تأسيس الشيعة للصدر: ٢٧٣.
(٨٠٥) معجم رجال الحديث للخوئي: ٧/٣٠٥؛ وتأسيس الشيعة للصدر: ٢٧٣.
(٨٠٦) الغيبة للطوسي: ٢٦٧.
(٨٠٧) الغيبة الصغرى للصدر: ٥٤٧.
(٨٠٨) الدرر الكامنة للتبريزي: ١٨٢.
(٨٠٩) الغيبة للطوسي: ٢٤١.
(٨١٠) كمال الدين للصدوق: ٢/١٩٣؛ الأنوار النعمانية للجزائري: ٢/ ١٩.
(٨١١) الغيبة الصغرى للصدر: ٤١٢.
(٨١٢) إيضاح الاشتباه للعلامة الحلي: ٢٢١؛ بهجة الآمال للتبريزي: ٥/٥١٧.
(٨١٣) معجم البلدان للحموي.. لفظة «سمر».
(٨١٤) معجم البلدان للحموي.. لفظة «سمر».
(٨١٥) العبقري الحسان: ٢/٢٧.
(٨١٦) الغيبة للطوسي: ٢٤٢ و٧٦.
(٨١٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٢ و٧٦.
(٨١٨) كمال الدين: ١/١٨٩.
(٨١٩) عدة رسائل للمفيد: ٣٦١.
(٨٢٠) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٨.
(٨٢١) تنقيح المقال للمامقاني: ٢/٣٠٥.
(٨٢٢) تأسيس الشيعة للصدر: ٤١٢.
(٨٢٣) بهجة الآمال للتبريزي: ٥/٥١٧.
(٨٢٤) الغيبة للطوسي: ٢٤٢؛ إعلام الورى للطبرسي: ٤١٧.
(٨٢٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٢٦) الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٢٧) رجال الطوسي: ٤٣٢.
(٨٢٨) المناقب لابن شهرآشوب: ٤/٤٣٠.
(٨٢٩) كشف الغمة للأربلي: ٣/٢٠٧.
(٨٣٠) قاموس الرجال للتستري: ٧/٥٠.
(٨٣١) قاموس الرجال: ٧/٥٠.
(٨٣٢) معجم رجال الحديث للخوئي: ١٢/١٤٢.
(٨٣٣) رجال الطوسي: ٤١٩ و٤٣٢.
(٨٣٤) مهج الدعوات: ٢٧٣؛ رسالة النجوم لابن طاووس: ٨٠.
(٨٣٥) رجال الطوسي: ٤٣٢؛ كشف الغمة للأربلي: ٣/٢٠٧.
(٨٣٦) الغيبة للطوسي: ٢٤٢؛ إعلام الورى للطبرسي: ٢٤٢؛ ودائرة المعارف الإسلامية المعربة: ١/١٨١.
(٨٣٧) الغيبة للطوسي: ١٩٩.
(٨٣٨) الاحتجاج للطبرسي: ٢/٤٧٨.
(٨٣٩) الخرائج والجرائح للراوندي: ١٨٦.. المخطوط.
(٨٤٠) عقيدة الشيعة – رونلدسن: ٢٥٧.
(٨٤١) تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم: ٣/٢٨.
(٨٤٢) الحضارة الإسلامية – آدم متز: ١/٢٨.
(٨٤٣) محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية – الخضري: ٢٦٥.
(٨٤٤) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٨/١١٢.
(٨٤٥) الكامل في التاريخ لابن الأثير: ٨/١١٢.
(٨٤٦) حياة الحيوان للدميري: ١/١٣٠.
(٨٤٧) عقيدة الشيعة – رونلدسن: ٢٥٧.
(٨٤٨) الحضارة الإسلامية – آدم متز: ١/١٥؛ العيون: ١٦١؛ الأوراق للصولي: ١٤٨.
(٨٤٩) تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن: ٣/٢٧، الفخري: ٢٥٣.
(٨٥٠) تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن: ٣/٢٧؛ الفخري: ٢٥٣.
(٨٥١) تجارب الأمم لابن مسكويه: ١/١٩٢.
(٨٥٢) تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن: ٣/٢٨.
(٨٥٣) تاريخ الإسلام – حسن إبراهيم حسن: ٣/٢٨.
(٨٥٤) روضات الجنات للأصبهاني: ٤/٢٧٥.
(٨٥٥) رياض العلماء للأفندي: ٤/٦ و٧.
(٨٥٦) روضات الجنات: ٤/٢٧٣.
(٨٥٧) روضات الجنات: ٤/٢٧٥ نقلًا عن الخلاصة والكشي والغيبة للصدوق: ٢٤٣.
(٨٥٨) تنقيح المقال للمامقاني: ٢/٣٠٥.
(٨٥٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٣.
(٨٦٠) الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٦١) الغيبة للطوسي: ٢٤٣.
(٨٦٢) إعلام الورى للطبرسي: ٤١٧؛ الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٦٣) الغيبة الصغرى لمحمد الصدر: ٤١٣.
(٨٦٤) دلائل الإمامة للطبري: ٢٨٦.
(٨٦٥) كشف الغمة للأربلي: ٢/٤١٧.
(٨٦٦) كشف الغمة للأربلي: ٢/٤١٧.
(٨٦٧) الغيبة للطوسي: ٢٢١.
(٨٦٨) معالم العلماء: ١٣٧.
(٨٦٩) الذريعة للطهراني: ٩/٤٧٠.
(٨٧٠) الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٧١) الغيبة للطوسي: ٢٤٢.
(٨٧٢) قاموس الرجال للتستري: ٧/٥٠.
(٨٧٣) قاموس الرجال للتستري: ٧/٥٠؛ دلائل الإمامة للطبري؛ البحار للمجلسي: ٥١/٣٠٦.
(٨٧٤) قاموس الرجال للتستري: ٧/٥٠.
(٨٧٥) البحار للمجلسي: ٥١/٤٠٠؛ الغيبة الصغرى لمحمد الصدر: ٤٧٦.
(٨٧٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٨٧٧) روضات الجنات للأصبهاني: ٤/٢٧٨؛ رياض العلماء للأفندي: ٤/١٣.
(٨٧٨) الكشكول للبهائي: ٢٧١؛ روضات الجنات للأصبهاني: ٤/٢٧٨.
(٨٧٩) روضات الجنات للأصبهاني: ٥/٣٩.
(٨٨٠) قاموس الرجال للتستري: ٦/٤٧٢.
(٨٨١) لؤلؤة البحرين: ٣٨٤.
(٨٨٢) روضات الجنات للأصبهاني: ٤/٢٧٨.
(٨٨٣) سفينة البحار للقمي: ٢/٢٤٨.
(٨٨٤) الغيبة الصغرى لمحمد الصدر: ٤١٦.
(٨٨٥) الغيبة للطوسي: ٢٤٣.
(٨٨٦) مجمع الرجال للقهبائي: ١/٣٢٠.
(٨٨٧) الغيبة للطوسي: ٢٤٣.
(٨٨٨) كمال الدين للصدوق: ٢/٥١٦.
(٨٨٩) جنة المأوى للنوري: ١٨.
(٨٩٠) مجمع الرجال للقهبائي: ١/٣٢٠.
(٨٩١) منتخب الأثر للصافي: ٤٠؛ البحار للمجلسي: ٥٣/٣١٨.
(٨٩٢) الغيبة للطوسي: ٢٤٣؛ كمال الدين للصدوق: ٢/٥١٦؛ منتخب الأثر للصافي: ٤٠؛ البحار للمجلسي: ٥٣/٣١٨.
(٨٩٣) الاحتجاج للطبرسي: ١/٥.
(٨٩٤) الاحتجاج للطبرسي: ١/٤٠.
(٨٩٥) الغيبة الصغرى لمحمد الصدر: ٦٤١ – ٦٤٢.
(٨٩٦) الغيبة للطوسي: ٢٥٥.
(٨٩٧) البحار للمجلسي: ٥٣/٣١٨؛ منتخب الأثر للصافي: ٤٠٠.
(٨٩٨) البحار للمجلسي: ٥٣/٣١٨.
(٨٩٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٣.
(٩٠٠) انظر الغيبة الصغرى – محمد الصدر: ٦٣٤.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016