فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الخامس
 كتب أخرى

الكتب الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الخامس

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٩/٠٣/٠٦ المشاهدات المشاهدات: ٨٧ التعليقات التعليقات: ٠

الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الخامس

تقرير أبحاث سماحة المرجع الديني الشيخ مُحمَّد السند
بقلم جمع من الفضلاء

فهرس الموضوعات

مقدمة
ملاحظة
الفصل العاشر: الرجعة والعرش، الاظلة والأشباح، طبقات الروح
قاعدة فِي تعدد النفخ بتعدد طبقات الرُّوُح
تعدد طبقات الموت والحياة بتعدد النفخ
تعدد طبقات المعاد إنَّ الله رادّ كُلّ طينة إلى معدنها
القيامة درجتها طبقة مِنْ الأجسام دون الجَنّة الأبدية فضلاً عما فوقها
الموت لكلِّ نفس فيها الرُّوُح:
تعدد طبقات المعاد
طبقة روح أئمة الهدى وأئمة الضلال
وحملة السرادقات والكروبيين
تعدد طبقات الموت والمعاد
كيفية وحقيقة الإماتة والإحياء:
تصاعد طبقات الموت الى حملة العرش وسكان سدرة المنتهى وحملة الكرسي وحقيقة النفخ في الصور
طبقات الملائكة والأرواح
الملائكة (الروحانيين):
ملائكة روحانيون فوق إسرافيل
أطوار مِنْ الملائكة:
الملائكة الكروبيون
أقسام للملائكة (الروحانيين - الكروبيين - حملة العرش):
جبرئيل مِنْ الروحانيين:
الملائكة المقربون:
الملائكة (الأنوار - الروحانيين - الأبرار):
حقيقة العقل ملك روحاني وطبقة من الملائكة
اللوح والقلم ملكان
جبل الملائكة عَلَى الطاعة
درجات تولي وتبري الملائكة:
النار وخازنها مالك أعظم الخلائق تبرياً مِنْ أعداء مُحمَّد وآل مُحمَّد:
خلق الله أرواح الملائكة قبل أبدانها
عموم قاعدة خلق الأرواح قبل الأبدان لكل ذي روح
الفصل الحادي عشر: الرجعة ومجموع العوالم
الرجعة ومجموع العوالم مِنْ الأرضين السبع والسماوات السبع وما بينهما وما فوقهما عوالم جسمانية
قائمة بمجموع العوالم
مجموع العوالم الجسمانية:
ما بين السماء السابعة والعرش
خلق نور الْنَّبِيّ قبل الكرسي
نور النبي قبلة وكعبة لطواف انوار الانبياء في عالم الانوار
ما دون البحر المكفوف
أجزاء مجموع العوالم
مواقع الجنّة والنار وشؤونهما فِي أجزاء وعوالم الخلقة
خوف النار مِنْ مالك
طبقات النار
قبلية خلق الجَنّة وَالنَّار عَلَى خلق السماوات والأرض
أرفع وأعلى درجات الجَنّة
القيامة والجَنّة أعظم ملك النبي وآله
كُلّ موجودات الجَنّة حيّة ناطقة مادة وجسم الجنة
نهر الكوثر فِي الرجعة وفي الجَنّة
الصراط
البحر المسجور
البيت المعمور والسقف المرفوع
الفصل الثاني عشر: الرجعة وعظمة معرفة العرش وما فوقه وما تحته
قاعدة: توقيتية المعرفة لما فوق العرش
الظلة الخضراء فوق العرش
العرش والماء
بدء خلق العالم الجسماني
حقيقة حمل العرش والعلم
الهواء عدة عوالم
أربعة أملاك مدبرات هم حملة العرش أو الكرسي:
روح العرش والكرسي من أرواحهم
الأفق المبين بين يدي العرش
خلق البحرين العقل والجهل خلق روحاني من البحرين الأجاج والعذب الفرات وهما خلق روحاني أعظم
أقسام وأنواع العرش
تقدم طبقة من روح النبي على العرش
خلق العرش مِنْ طبقة لروح الْنَّبِيّ
قاعدة اللطافة وإدراك الأجسام
أول ما خلق الله جل جلاله قبل العرش وبعده الهواء ثلاثة عوالم
قاعدة: تعدد معاني الاسم والعنوان الواحد
ما عند العرش ومعه
محدقين بالعرش أمامه
بعد العرش: أول الخلق (الماء) المشيئة
معنى حمل العرش والطواف حوله
حقيقة العرش (العلم) وصفاته والعلاقة بين العرش والمشيئة (الماء)
حمل العرش أو الوحدة معه هوية
حمل العرش وحمل الكرسي
حقيقة حمل العرش
مرتبة العرش صدوراً فِي الخلق (بين العرش والمشيئة)
العرش والحجب
خلق الستر ثم الحجاب ثم العرش
بين العرش والمشيئة
الفصل الثالث عشر: عالم الاسماء الإلهية قبل عالم العرش
﴿فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾
عالم خلق الأسماء والصفات
أجزاء العرش
هيمنة العرش قاعدة أرواحكم فِي الأرواح وأنفسكم فِي النفوس
أحوال العرش
عالم الأظلة بعد المشيئة
الأظلة والماء

مقدمة

ملاحظة:
ربما نورد الرواية الواحدة في عدة مواضع وذلك لتعدد مواضع الاستشهاد فيها، وقد نضطر لإيراد كل الرواية الواحدة لأجل صيرورة القارئ والباحث في جو الرواية ووصوله الى ظاهر موضع ومحل الاستشهاد فيها، وربما نضطر الى تكرار الفقرة الواحدة من الرواية لأجل ذلك أيضا، فليس التكرار لأجل زيادة حجم صفحات الكتاب، بل لما ذكرنا من الحاجة، والحوالة لا تؤدي النقد الماثل امام القارئ.

الفصل العاشر: الرجعة والعرش، الأظلة والأشباح، طبقات الروح

قاعدة فِي تعدد النفخ بتعدد طبقات الرُّوُح:
تعدد طبقات الموت والحياة بتعدد النفخ:
وفي الكافي عَنْ الزيّات والبصائر فِي مرفوعة الزيّات عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ لله نهراً دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور مِنْ نور، وأنَّ عَلَى حافتي النهر روحين مخلوقين: رُوُح القُدُس وروح مِنْ أمره، وإنَّ لله عشر طينات خمسة مِنْ الجَنّة وخمسة مِنْ الأرْض، - ففسّر الجنان وفسّر الأرْض -، ثمَّ قَالَ: ما مِنْ نبي ولا مِنْ ملك مِنْ بَعْدَ خلقه إلَّا نفخ فيه مِنْ إحدى الروحين وجبل الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ إحدى الطينتين» قلتُ لأبي الحسن، ما الجبل؟ قَالَ: «الخلق غيرنا أهل البيت فَإنَّ الله خلقنا مِنْ العشر الطينات جميعاً ونفخ فينا مِنْ الروحين جميعاً فأطيبهما طيباً»(١).
وَرَوُى غيره عَنْ أبي الصامت، قَالَ: «طين الجنان جنّة عدن وجنّة المأوى والنعيم الفردوس والخلد، وطين الأرْض مَكَّة والمدينة والكوفة وبيت المقدس والحائر»(٢).
ويُستفاد مِنْ هَذَا الحديث جملة مِنْ الأُمُور:
١ - تعدّد طبقات أبدان الإنسان وتعدّد طبقات روحه لا سيّما المعصوم مِنْ أهل البيت فَإنَّهُ يصل إلى عشر طبقات، وَلَعَلَّ فِي الحديث إشارة إلى أنَّ أصناف الناس أقلَّ أو مختلفة تعداداً.
٢ - قَدْ مر فِي شأن مسجد الكوفة والسهلة أنَّ فيه طينة قَدْ خلق الله تَعَالَى منها النبيين.
٣ - تعدّد طبقات عالم الأظِلَّة والأشباح بحسب تعدّد الطينات مِنْ العوالم الَّتِي أنشأ منها طبقات روح الإنسان فِي العوالم السابقة.
٤ - إنَّ الإنسان كَمَا تتعدّد طبقات الأرواح لديه تتعدّد طبقات الأبدان الأرضية لديه، وظاهر الروايتين أنَّ طبقات طينة الأرواح خمس وطبقات طينة الأرْض البدنية خمسة.
٥ - إنَّ الظاهر تعدّد النفخ فِي الإنسان بحسب تعدّد الأرواح فيه فَإنَّ كُلّ روح مِنْ طبقة عليا تنفخ فِي طينة سفلى وهلم جرا، ثمَّ تكون الطينة السُّفلى المحياة تنفخ كروح فِي الطينة الَّتِي أسفل.
٦ - إنَّ الرُّوُح الأمرية وإنْ كانت دون رُوُح القُدُس إلَّا أنَّها فِي الإنسان أو الملك أعلى مِنْ طبقات الجنان.
٧ - ظاهر الروايتين تشابه طينة طبقات خلقة الملائكة فِي الأرواح مَعَ خلقة الإنسان.
٨ - الظاهر أنَّ المُراد مِنْ بيت المقدس والحائر لَيْسَ خصوص بيت أو مسجد الصخرة، بَلْ مطلق البيوت الَّتِي أمر الله بتقديسها وتعظيمها ورفعتها فِي قوله تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾(٣)، بل قد مر في المعراج أن بيت المقدس لا يطلق على الذي في فلسطين وإن اشتهر ذلك في لسان النصارى واليهود والعامة، بل يطلق على مراقد اهل البيت والمسجدين وعلى البيت المعمور وكل بيت قدسه الله تعالى في السماوات والأرضين.
وَقَدْ فسَّرت فِي روايات الفريقين بمطلق بيوت الأنبياء وأنَّ مِنْ أفاضلها بيت علي وفاطمة؛ لِأنَّ أعظم بيوت الأنبياء بيوت سَيِّد الأنبياء فتشمل كُلّ بيوت أهل البيت ومراقدهم المطهّرة، وكذلك عنوان الحائر فأنه قَدْ وَرَدَ: أنَّ فوق جهة الرأس مِنْ مرقد كُلّ إمام حائر وروضة مِنْ رياض الجَنّة» أيّ مقدّسة كَمَا وَرَدَ أنَّ أنزل طينة بدنية خلق منها بدن المعصومين هِيَ طينات مواضع قبورهم» وَهُوَ مطابق لهاتين الروايتين.
٩ - إنَّهُ مَعَ تعدّد النفخ تتعدّد طبقات الحياة والموت فَإنَّهُ قَدْ مَرَّ إنَّ كُلّ روح مِنْ عالم أعلى إذَا نفخت فِي طينة العالم الذي دونها تعاقباً، فَإنَّ هَذَا النفخ إحياء لتلك الطينة السفلية ثمَّ تلك الطينة المحياة بمثابة الرُّوُح للطينة الَّتِي أسفل منها فِي عالم لاحق، فإذا نفخت فيه يكون إحياء للطينة الثانية سفلاً وهلم جرا نزولاً، فتتعدد طبقات الإحياء والحياة بمقتضى تعدّد طبقات النفخ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ تعدّد طبقات الموت والإماتة.
تعدد طبقات المعاد إنَّ الله رادّ كُلّ طينة إلى معدنها:
ما رواه فِي بصائر الدرجات بِسَنَدِهِ عَنْ إبراهيم بن سوقة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله خلقنا مِنْ طينة علّيين وخلق قلوبنا مِنْ طينة فوق علّيين، وخلق شيعتنا مِنْ طينة أسفل مِنْ ذَلِكَ، وخلق قلوبهم مِنْ طينة علّيين فصارت قلوبهم تحنّ إلينا لأنَّها منّا، وخلق عدونا مِنْ طينة سجّين، وخلق قلوبهم مِنْ طينة أسفل مِنْ سجّين، وإنَّ الله رادّ كُلّ طينة إلى معدنها، فرادّهم إلى علّيين، ورادهم إلى سجّين»(٤).
والرِّوَايَة دالة على:
١ - الرجعة بالمعنى العام وعودة كُلّ طينة إلى معدنها، وأنَّ هَذِهِ قاعدة عامّة كَمَا هُوَ مفاد قوله (عليه السلام): «وإنَّ الله رادّ كُلّ طينة إلى معدنها» ثمَّ طبقها عَلَى طينة علّيين وطينة سجّين، وَإنَّ القاعدة أعم مِنْ ذَلِكَ فلو قرّر أنَّ هُنَاك طينة أعلى مِنْ علّيين أو أعلى مِنْ أعلى علّيين لإنطبقت عَلَيْهَا هَذِهِ القاعدة، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي روايات الطينة وطينات عالم الأظِلَّة أنَّ بَعْض مراتب طينة أجسام الأظِلَّة فوق ذَلِكَ تحت العرش نظير أظلّتهم الَّتِي حول العرش أو يعرجون بها إليه ليلة الجمعة عِنْدَ قوائم العرش، فَإنَّ مفادها أنَّ هُنَاك عوالم جسمانية فوق الجَنّة الأبدية، كالذي استعرضناه فِي بحث تعداد عوالم ما فوق السماء السَّابِعِة إلى ما دون العرش.
٢ - أن معنى كون الشخص (منّا أهل البيت) كون قلبه وروحه من فاضل طينة أبدانهم.
القيامة درجتها طبقة مِنْ الأجسام دون الجَنّة الأبدية فضلاً عما فوقها:
موثّقة بن فضّال عَنْ أبيه عَنْ أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام)، قَالَ: «... (من) فالميم مُلك الله يَوُم الدِّين يَوُم لا مالك غيره، ويقول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿لِّمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ﴾ ثمَّ تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه، فيقولون: ﴿للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ فيقول جَلَّ جَلالَهُ ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لاَ ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ الله سَرِيعُ الْحِسَاب﴾(٥)»(٦).
وظاهر الرِّوَايَة:
١ - وَمُقْتَضَى مفادها أنَّ الموت والإماتة الأخيرة لأهل السماوات والأرض لَيْسَ شاملاً لِكُلِّ طبقات الأرواح وَهِيَ طبقة الأجسام الَّتِي هِيَ فوق السماوات السَّبع فِي درجة اللّطافة وهي أرواح الأنبياء والرسل والحجج، فَإنَّ القيامة لا تستلزم إماتة تلك الطبقات من الأرواح بتلك الأبدان. كما مر أن الإماتة في النفخ والصعقة غير شاملة للوح والقلم مع أنهما ملكان، وكذلك حال العقل فإنه ملك روحاني.
٢ - وَلَعَلَّ المقصود مِنْ أرواح الأنبياء والأوصياء الحجج هي بتلك الأبدان اللطيفة الَّتِي لهم بطينة علّيين وما فوقها، وَقَدْ تنقح أنَّ عالما من الأظِلَّة والأشباح أوما فوقها مِنْ العرش فوق عالم الجَنّة فضلاً عَنْ عالم القيامة الذي هُوَ دون الجَنّة.
٣ - نظير ما قَدْ مَرَّ فِي بحث الرجعة والمعاد والأجسام والجسم فِي المعاد أنَّ القيامة وأحوالها والحشر والنشر والبعث والصراط، إنَّما هِيَ أحوال ومراحل تجري عَلَى البدن والطبقة النازلة مِنْ الرُّوُح لا الطبقات العليا مِنْ الرُّوُح الَّتِي هي فِي الأصل كينونتها فِي الجَنّة وما فوقها أو فِي النَّار وما ورائها، كَمَا مَرَّ بحث الكينونة السابقة للأرواح فِي الجَنّة.
الموت لكلِّ نفس فيها الرُّوُح:
وفي صحيحة يعقوب الأحمر، قَالَ: دخلنا عَلَى أبي عبد الله (عليه السلام) نُعزّيه بإسماعيل، فترحم عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: «إنَّ الله - (عزَّ وجلَّ) - نعى إلى نبيه (عليه السلام) نفسه، فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون﴾ وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ﴾ ثمَّ أنشا يحدث فَقَالَ: «أنَّهُ يموت أهل الأرْض حَتّى لا يبقى أحد، ثمَّ يموت أهل السَّماء حَتّى لا يبقى أحد إلَّا ملك الموت، وحملة العرش، وجبرئيل وميكائيل (عليه السلام)» قَالَ: فيجيء ملك الموت (عليه السلام) حَتّى يقوم بين يدي الله (عزَّ وجلَّ)، فَيُقَال لَهُ: مَنْ بقي - وَهُوَ أعلم؟ فيقول: يا رب لَمْ يبقَ إلَّا ملك الموت وحملة العرش، وجبرئيل وميكائيل فَيُقَال لَهُ: قل لجبرائيل وميكائيل فليموتا، فتقول الملائكة عِنْدَ ذَلِكَ يا ربّ، رسوليك وأمينيك؟ فيقول: إنِّي قَدْ قضيت عَلَى كُلّ نفسٍ فيها الرُّوُح الموت.
ثمَّ يجيء ملك الموت حَتّى يقف بين يدي الله (عزَّ وجلَّ)، فَيُقَال لَهُ مَنْ بقي؟ وَهُوَ أعلم، فيقول: يا ربّ لَمْ يبقَ إلَّا ملك الموت، وحملة العرش، فيقول: قل لحملة العرش: فليموتوا، قَالَ: ثمَّ يجيء كئيباً حزينا لا يرفع طرفه، فَيُقَال: مَنْ بقي؟ فيقول: يا ربّ، لَمْ يبقَ إلَّا ملك الموت، فَيُقَال لَهُ: مُت يا ملك الموت، فيموت.
ثمَّ يأخذ الأرْض بيمينه والسماوات بيمينه ويقول: أين الَّذِيْنَ كانوا يدعون معي شريكاً؟ أين الَّذِيْنَ كانوا يجعلون معي إلهاً آخر؟»(٧).
ومفاد هَذِهِ الرِّوَايَة دالٌّ عَلَى أُمُور:
الأوَّل: إنَّ مفاد الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ المَوْتِ﴾ ومفاد الرِّوَايَة «إنِّي قَدْ قضيت عَلَى كُلّ نفسٍ فيها الرُّوُح الموت» إنَّ الموت يطرأ عَلَى النفس دون الرُّوُح، أي على كل تعلق للروح بالأبدان يطلق عليه نفس إلى أن ينتفي هذا العنوان والوصف وهو النفس عن تعلقات الروح بتلك الأبدان. فليس كل تعلق للروح بالبدن اللطيف يطلق عليه نفس، بل إذا اشتدت اللطافة للبدن فلا يكون تعلق الروح نفسا.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الموت إنَّما يطرأ عَلَى البدن لا عَلَى الرُّوُح بل على التعلّق الجوهري بين الرُّوُح والبدن المُسمّى ذَلِكَ التعلّق بالنفس، مَعَ أنَّ الرُّوُح جسمٌ رقيق يلج فِي البدن، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ هَذَا الجسم الرقيق كَمَا فِي رواية الاحتجاج ذو طبقات، وَبِهَذَا اللحاظ تكون الأرواح طبقات يلج الأرقّ منها فِي ما دونه مما هُوَ أكثف.
الثاني: الظاهر بحسب الآية وَالرِّوَايَة أنَّ حد عنوان الأنفس يطلق على تعلق الأرواح بطبقات الأجسام الأرضية والسماوية دون ما تصاعد منها عَنْ الجسم السماوي، ولا يطلق عَلَى تعلّقها بتلك الأجسام الفوقية نفس، كما هو الحال في ٍأصل تعلّق النُّور بالروح فِي جسمها العرشي أو ما قرب مِنْهُ كالجسم الظلّي النوري، وَكُلّ ما هُوَ فوق الجسم الذي من طينة الجَنّة، بَلْ جسم الجَنّة هُوَ فوق جسم القيامة وَمِنْ ثمَّ تسمّى تلك الأرواح بالأنوار بالقياس إلى ما دونها، وَقَدْ تسمّى بالحجب، ولعل من ذلك ما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء﴾ فالجنة أرض لما فوقها.
الثَّالث: إنَّهُ قَدْ مر فِي مواضع مِنْ هَذَا الفصل أنَّ المعاد طبقات وَمُقْتَضَى روايات الطينة وَالأظِلَّة والأشباح تقرّر نمط مِنْ المعاد والعود إلى عالم الأظِلَّة والجسم العرشي، كَمَا فِي رواية مُحمَّد بن سوقة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) «... وإنَّ الله رادّ كُلّ طينة إلى معدنها، فرادّهم إلى علّيين، ورادّهم إلى سجّين»(٨).
الرابع: قَدْ تقرّر فِي مباحث هَذَا الفصل بحسب الروايات أنَّ هُنَاك طبقات مِنْ الملائكة بحسب طبقات أرواحهم كالملائكة الروحانيين والكروبيين وحملة العرش والمُقرّبين وحملة الكرسي وغيرهم، وَلَيْسَ يعتور الموت والإماتة فِي صعقة القيامة جميعهم، بَلْ يطرأ عَلَى حملة العرش والمقربين وملائكة السماوات كَمَا هُوَ مفاد هَذِهِ الرِّوَايَة بخلاف من هم أعلى منهم طبقات، كاللوح والقلم حيث قد ورد أنهما ملكان، وكالعقل الذي ورد أنه ملك روحاني، وكروح القدس والروح الأمري الذي هو حقيقة القرآن والذي هو مع العترة الطاهرة، وإليه الإشارة ويبقى وجه ربك وأنهم وجه الرب بحسب أرواحهم العالية، وقد مر في موثق بن فضال أن المجيب ب - ﴿اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار﴾ بعد هلاك الخلائق هو أرواح الأنبياء والرسل والحجج، أي الطبقة العالية منها.
الفوارق بين النفس والروح:
الخامس: المعادلة الكلية التي تبينها الآية والرواية أن كل نفس فيها الروح يقضى عليها بالموت، فذكر الموضوع ههنا النفس وليس البدن ولا الروح وأوقع المغايرة بين النفس والروح، اي فلو كانت روح بلا بدن فلا موت لها كما لو كانت روح بلا نفس فلا موت لها. وإنما الحصر في النفس تموت لا الروح، وكذلك في الآيات ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ﴾ ﴿الله يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.
السادس: أن مقتضى ذلك أن روح القدس لا يموت والروح الأمري لا يموتان لعدم وصفهما بالنفس. ومن ثم قسم الملائكة الى الروحانيين والسماويين والأرضيين)
جزاءان فوق الجنة والنار:
السابع: قد ورد أن الجزاء والكسب والهدى للنفس لا للروح ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾، ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ﴾ ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى الله مَوْلاَهُمُ الحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُون﴾ ﴿لِيَجْزِي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم﴾، وغيرها من الآيات الدالة على ذلك، ومقتضاه أن جزاء الجنة أو النار هو للنفس لا للروح بالدرجات الأعلى من ذلك، وأما الأعلى من ذلك فالجزاء بالرحمة واللعنة بنمط آخر كما ورد في شأن العقل وما فوقه من بحر العذب، والجهل وما وراءه من بحر الأجاج، كما سيأتي.
الثامن: مقتضى بيان الرواية وجملة أخرى من الروايات أن ما دون حجب العرش هو من الأرواح ذات النفوس، بخلاف العرش فما فوقه أو ما قرب منه مما هو دونه وفوق الحجب كروح القدس والروح الأمري، وقد مر أن اللوح والقلم والعقل ونحوهم ملك روحاني، لا يموت بنفخ الصور ولا بالصعقة، وأنه من وجه الرب الذي لا يفنى ولا يهلك، لكنه محل محاسبة وتكليف بالدين كما ورد في محاسبة العقل والجهل بل البحرين العذب والأجاج الذين خلقا منهما مما هما أعظم خلقة منهما، وأن لهما مجازاة بالرحمة واللعنة، وهما جزاءان فوق الجنة والنار.
التاسع: قد اسند النفخ الى الروح لا الى النفس في عملية الإحياء ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا﴾، مما يبين الفرق بينهما وأن النفس هي حالة الاتصال بين الروح والبدن فهي التي يطرأ عليها الموتان.
العاشر: قد يطلق الروح على الملك ذي النفس والروح ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ولعل هذا الاستعمال إضافي بلحاظ أنه ألطف من البدن الأرضي.
الحادي عشر: الإلقاء الملكوتي اسند الى الروح لا الى النفس ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾ وكذلك القيام اسند الى الروح والملائكة معا ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ﴾، ﴿يُنَزِّلُ المَلائِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾، و﴿تَعْرُجُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾ ولعل قراءة الآية ﴿بِالْرُّوحِ﴾ في مقابل تنزلها بالروح فإن المقابلة كذلك في العروج.
الثاني عشر: وصفت الروح أنها من عالم الأمر دون النفس ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ ولا يوصف عالم الأمر بالموت، ولعله بهذا اللحاظ كتب الموت على كل مخلوق هو ما دون العرش، وأن ما هو سماوي فهو نفساني وإذا كانت الجنة مأوى للنفوس فلا محالة يطرأ الموت على الجناوي فضلا عن الناري لاسيما وأن القيامة هي للسماويين وللأرضيين لأنها عالم ما دون الجنة والنار ولا يتناولهما، نعم قد تقدم أن نفخ الصور هو بلحاظ ما دون العرش بما يشمل الجنة والنار.
الثالث عشر: ومفاد هذه الرواية يؤكد ما ذكرناه من معنى حمل العرش وأن حامل العرش دون العرش.
الرابع عشر: أن الموت شامل لكل طبقات الأجسام السماوية بل لما فوقها من عوالم جسمانية مما هو دون حجب العرش من ملائكة حملة العرش. وهل الموت المتصاعد الى ما دون العرش يتناول طبقات الخلائق الباطنة المتصاعدة من أرواحهم الى الأظلة والأشباح، كما يدعمه طيّ السماوات فضلا عمّا فيها من طبقات السماوات، بل ما فوقها مما خلق من طينة الجنة والنار، بعد دخول الجنة والنار في طيّ السماوات. فالبعث سيكون لكل طبقات الأرواح للمخلوق الواحد.
وهو ما يشير اليه قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾
﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِين﴾
تعدد طبقات المعاد:
وَمُقْتَضَى تعدد الموت والإماتة بَعْدَ تعدّد الحياة والإحياء هُوَ تعدّد طبقات المعاد.
وقد مرت رواية البصائر بِسَنَدِهِ عَنْ مُحمَّد بن سوقة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله خلقنا مِنْ طينة... فرادّهم إلى علّيين ورادّهم إلى سجّين»(٩).
طبقة روح أئمة الهدى وأئمة الضلال:
ولا يخفى انه تكرر ان قلوب أئمة الضلالة والشر خلقت من طينة أسفل من سجين (أسافل جهنم) ولعله إشارة الى طينة عالم الجهل الذي هو أسفل من السجين والنار أو لما هو أسفل منه من طينة البحر الأجاج. كما أنه تقدم في أخبار الطينة أن قلوب الأئمة من طينة أعلى من عليين (أعالي الجنة) والظاهر أنه إشارة الى طينة العقل وطينة روح القدس والروح الأمري بل ورد فيما سبق أن روحهم فوق ذلك وفوق روح العرش.
وروى المجلسي أجوبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أسئلة بن سلام:... فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَلَكِ المَوْتِ هَلْ يَذُوقُ المَوْتَ أَمْ لَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا أَمَاتَ الله الخَلَائِقَ وَلَمْ يَبْقَ شَيْء لَهُ رُوحٌ يَقُولُ الله (عزَّ وجلَّ) يَا مَلَكَ المَوْتِ مَنْ أَبْقَيْتَهُ مِنْ خَلْقِي وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ يَا رَبِّ أَنْتَ أَعْلَمُ مِنِّي بِمَا بَقِيَ مِنْ خَلْقِكَ مَا خَلْقٌ إِلَّا وَقَدْ ذَاقَ المَوْتَ إِلَّا عَبْدُكَ الضَّعِيفُ مَلَكُ المَوْتِ فَيَقُولُ الله (عزَّ وجلَّ) يَا مَلَكَ المَوْتِ أَذَقْتَ عِبَادِي وَأَنْبِيَائِي وَأَوْلِيَائِي وَرُسُلِي المَوْتَ وَقَدْ سَبَقَ فِي عِلْمِيَ الْقَدِيمِ وَأَنَا عَلَّامُ الْغُيُوبِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهِي وَهَذِهِ نَوْبَتُكَ فَيَقُولُ إِلَهِي وَسَيِّدِي ارْحَمْ عَبْدَكَ مَلَكَ المَوْتِ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ فَيَقُولُ الله (عزَّ وجلَّ) لَهُ يَا مَلَكَ المَوْتِ ضَعْ يَمِينَكَ تَحْتَ خَدِّكَ الْأَيْمَنِ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ وَمُتْ قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله وَكَمْ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالَ مَسِيرَةُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِ (١٠) الدُّنْيَا فَيَضْطَجِعُ مَلَكُ المَوْتِ عَلَى يَمِينِهِ وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَيَدَهُ الشَّمَالَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَصْرَخُ صَرْخَةً فَلَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَحْيَاءً لَمَاتُوا لِشِدَّةِ صَرْخَتِه... فَأَخْبِرْنِي مَا يَصْنَعُ الله بِالمَوْتِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ إِذَا اسْتَوَى أَهْلُ الجَنَّةِ فِي الجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ أُتِيَ بِالمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ فَيُوقَفُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيُقَالُ لِأَهْلِ الجَنَّةِ يَا أَوْلِيَاءَ الله هَذَا المَوْتُ أَ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَيَقُولُونَ لَهُمْ نَذْبَحُهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّنَا اذْبَحُوهُ حَتَّى لَا يَكُونَ مَوْتٌ أَبَداً فَيَقُولُونَ لِأَهْلِ النَّارِ يَا أَعْدَاءَ الله هَذَا المَوْتُ هَلْ تَعْرِفُونَهُ فَيَقُولُونَ نَعَمْ فَتَقُولُ المَلَائِكَةُ نَذْبَحُهُ فَيَقُولُونَ يَا مَلَائِكَةَ رَبِّنَا لَا تَذْبَحُوهُ وَدَعُوهُ لَعَلَّ الله يَقْضِي عَلَيْنَا بِالمَوْتِ فَنَسْتَرِيحَ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَيُذْبَحُ المَوْتُ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ فَيَيْأَسُ أَهْلُ النَّارِ مِنَ الخُرُوجِ مِنْهَا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُ أَهْلِ الجَنَّةِ لِلْخُلُود(١١).
قال المجلسي في ذيل الرواية: توضيح إنما أوردت هذه الرواية لاشتهارها بين الخاصة والعامة، وذكر الصدوق (رحمه الله) وغيره من أصحابنا أكثر أجزائها بأسانيدهم في مواضع وقد مر بعضها، وإنما أوردتها في هذا المجلد لمناسبة أكثر أجزائها لأبوابه وفي بعضها مخالفة ما لسائر الأخبار فهي، إما محمولة على أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبره موافقا لما في كتبهم ليصير سببا لإسلامه أو غير ذلك من الوجوه والمحامل التي تظهر للناقد البصير وفي بعضها تصحيفات نرجو من الله الظفر بنسخة أخرى لتصحيحها.(١٢)
ومفادها:
١ - أن إماتة الموت في الآخرة الأبدية يغاير إماتة ملك الموت بعد النفخ في الصور، ثم هل حقيقة الموت تغاير ملك الموت كما هو ظاهر العنوان أم متحدة؟.
٢ - يظهر من جملة الروايات السابقة أن نفخ الصور والصعقة بسبب ذلك والنافخ إسرافيل لكن القابض للأرواح عند الصعقة هو عزرائيل.
٣ - ثم مع قبض عزرائيل لها الى اين يودعها، فإن الروح لا تتلاشى كما مر مرارا، وهذا مالم يكشف عنه النقاب بعد في لسان الأدلة، وأن القابض يأخذ الروح المقبوضة الى اي عالم، ولعله يظهر منها أنه يذهب بها الى الصور وهو موجود يختزن فيه الأرواح في سباتها بين النفختين ومدته كما في بعض الروايات أربعمائة سنة، نعم في الإماتة الأولى من دار الدنيا يذهب بها الى البرزخ، وأما في نفخ الصور فتنزع الروح من كل طبقات الأجسام السماوية للإنسان والملائكة فتبقى الروح مخزونة في الأجسام العالية عن السماء السابعة فلعل كينونتها في وعاء هو الصور، أو أن الصور هو حجاب لما فوقه من عالم علوي فيه باب لكل روح في التنزل الى العوالم السماوية والأرضية، المعبر عنه في الروايات أنه فيه ثقوب بعدد الأرواح، أرواح الملائكة والإنس والجن والحيوان وغيرهم من الكائنات ذات الأرواح.
٤ - أن عزرائيل رغم قدرته على قبض الأرواح لكل المخلوقات المتنوعة، إلا أنه يصيبه هول وفزع وكآبة وحزن من كل ذلك، أي أنه لا يستوعب هذا العبء كله، كما مر بكاء جبرئيل وميكائيل عند موتهما، وتهّيب إسرافيل، والظاهر من هذه الرواية والرواية الآتية وغيرهما من الروايات أن صيحة عزرائيل تشير الى مدى المرارة التي يكابدها وأنها بقدر مرارات كل من ذاق الموت على يد ملك الموت.
٥ - أن ماذكر من مقدار البعد بين الجنة والنار من ثلاثين ألف سنة يقابله مقدار العروج خمسين ألف سنة وأنها مقدار عقبات الصراط حسبما ورد في الروايات مما يوضح ما في الآيات.
٦ - أنه مع إماتة الموت بعد دخول أهل الجنة لها إلا أنه ذكر موتان طيور الجنة للأكل وإحيائها مرة أخرى وهو نمط آخر من الإماتة، فضلا عما ورد في غشوته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما رفع الى حجب النور ثم إفاقته منها بل موت سائر الخلائق ثمة كما في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في رواية المعراج.
وحملة السرادقات والكروبيين:
(بستان الواعظين): قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، فإذا غضب الله على أهل الأرض، أمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق، فينفخ على غفلة من الناس، فمن الناس من هو في وطنه، ومنهم من هو في سوقه، ومنهم من هو في حرثه، ومنهم من هو في سفره، ومنهم من يأكل فلا يرفع اللقمة إلى فيه حتى يخمد ويصعق، ومنهم من يحدث صاحبه فلا يتم الكلمة حتى يموت، فتموت الخلائق كلهم عن آخرهم، وإسرافيل لا يقطع صيحته حتى تغور عيون الأرض وأنهارها وبناؤها وأشجارها وجبالها وبحارها، ويدخل الكل بعضهم في بعض في بطن الأرض، والناس خمود وصرعى، فمنهم من هو صريع على وجهه، ومنهم من هو صريع على ظهره، ومنهم من هو صريع على جنبه، ومنهم من هو صريع على خده، ومنهم من تكون اللقمة في فيه فيموت، فما أدرك به أن يبتلعها، وتنقطع السلاسل التي فيها قناديل النجوم، فتسوى بالأرض من شدة الزلزلة، وتموت ملائكة السماوات السبع والحجب والسرادقات والصافون والمسبحون وحملة العرش والكرسي، وأهل سرادقات المجد والكروبيون، ويبقى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
فيقول الجبار جل جلاله: يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم، فيقول ملك الموت: سيدي ومولاي، بقي إسرافيل، وبقي جبرئيل، وبقي ميكائيل، وبقي عبدك الضعيف ملك الموت وهو خاضع خاشع ذليل، قد ذهبت نفسه لعظم ما عاين من الأهوال، فيقول الجبار تبارك وتعالى: انطلق إلى جبرئيل فاقبض روحه؛ فينطلق ملك الموت إلى جبرئيل (عليه السلام)، فيجده ساجدا وراكعا، فيقول له: ما أغفلك عما يراد بك يا مسكين، قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطيور والسباع والهوام وسكان السماوات وحملة العرش والكرسي والسرادقات وسكان سدرة المنتهى، وقد أمرني المولى بقبض روحك. فعند ذلك يبكي جبرئيل (عليه السلام)، ويقول متضرعا إلى الله تعالى: يا الله، هوّن علي سكرات الموت، فيضمه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه، فيخر جبرئيل (عليه السلام) منها ميتا صريعا.
فيقول الجبار جل جلاله: من بقي يا ملك الموت؟ وهو أعلم، فيقول: يا سيدي ومولاي أنت أعلم بمن بقي، بقي ميكائيل وإسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت. فيقول الجبار جل جلاله: انطلق إلى ميكائيل فاقبض روحه؛ فينطلق ملك الموت إلى ميكائيل، كما أمره الله تعالى، فيجده ينظر إلى الماء يكيله على السحاب، فيقول له: ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك، ما بقي لبني آدم رزق ولا للأنعام ولا للوحوش ولا للهوام، قد مات أهل السماوات وأهل الأرض وأهل الحجب والسرادقات وحملة العرش والكرسي وسرادقات المجد والكروبيون والصافون والمسبحون، وقد أمرني ربي بقبض روحك. فعند ذلك يبكي ميكائيل ويتضرع إلى الله تعالى ويسأله أن يهوّن عليه سكرات الموت، فيحتضنه ملك الموت، ويضمه ضمة يقبض فيها روحه، فيخر صريعا ميتا لا روح فيه.
فيقول الجبار عز وجل: من بقي يا ملك الموت؟ وهو أعلم، فيقول: مولاي وسيدي، أنت أعلم بمن بقي، بقي إسرافيل وعبدك الضعيف ملك الموت، فيقول الجبار تبارك وتعالى: انطلق إلى إسرافيل فاقبض روحه، فينطلق ملك الموت إلى إسرافيل، كما أمره الجبار، فيقول له: ما أغفلك يا مسكين عما يراد بك، قد مات الخلائق كلهم، وقد أمرني ربي ومولاي أن أقبض روحك. فيقول إسرافيل: سبحان من قهر العباد بالموت، سبحان من تفرد بالبقاء، ثم يقول: مولاي هوّن علي سكرات الموت، مولاي هوّن علي سكرات الموت، مولاي هوّن علي مرارة الموت، فيضمه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه، فيخر ميتا صريعا.
فيقول الجبار جل جلاله: من بقي يا ملك الموت؟ وهو أعلم، فيقول: أنت أعلم يا سيدي ومولاي بمن بقي، بقي عبدك الضعيف ملك الموت. فيقول الجبار: وعزتي وجلالي لأذيقنك مثل ما أذقت عبادي، انطلق بين الجنة والنار ومت، فينطلق بين الجنة والنار فيصيح صيحة، فلو لا أن الله تبارك وتعالى أمات الخلائق لماتوا عن آخرهم من شدة صيحة ملك الموت، فيموت، فتبقى السماوات خالية من أملاكها، ساكنة أفلاكها، وتبقى الأرض خالية من إنسها وجنها وطيرها وهوامها وسباعها وأنعامها، ويبقي الملك لله الواحد القهار الذي خلق الليل والنهار، فلا يرى أنيس، ولا يحس حسيس (١٣)، قد سكنت الحركات، وخمدت الأصوات، وخلت من سكانها الأرض والسماوات.
ثم يقول الله تبارك وتعالى للدنيا: يا دنيا، أين أنهارك، وأين أشجارك، وأين سكانك، وأين عمارك، وأين الملوك، وأين أبناء الملوك، أين الجبابرة وأبناء الجبابرة، أين الذين أكلوا رزقي وتقلبوا في نعمتي وعبدوا غيري، لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد. فيقول الله تعالى: لله الواحد القهار.
فتبقى الأرضون والسماوات ليس فيهن من ينطق ولا من يتنفس، ما شاء الله من ذلك - وقد قيل: تبقى أربعين يوما - وهو مقدار ما بين النفختين،(١٤) 
وحاصل ما مر:
١ - قد سبقت جملة من الروايات بهذا المضمون من المصادر الأصلية في كتب الحديث وتأتي جملة أخرى أيضا، وهذه الرواية تضمنت موت سكان سدرة المنتهى وربما يراد بهم سكان الجنة، لاسيما أن موت كل الملائكة ظاهره الشمول لرضوان خازن الجنة ومالك خازن النار، فضلا عمن هو دونهما من ملائكة الجنة والنار، لاسيما مع كون الجنة والنار تطويان بطي السماوات والأرضين.
٢ - لم يذكر ضمن من يموت القلم واللوح مع أنهما ملكان كما ورد بيان النص بذلك، وكذلك لم يتناول النص العقل مع كونه ملكا وخلقا روحانيا ملائكيا كما في أحد النصوص، وكذلك المشيئة والحجب وغيرها من المخلوقات ذات الأرواح، والظاهر أنها أرفع من نفخ الصور ومن قبض الروح، والظاهر أن الملائكة أو الأرواح الذين هم محو في الاسم الإلهي أو في الصفة الإلهية لا يعتريهم الموت ولا صعق النفخ ويندرج في بقاء وجه الرب «فكل منها تمحض في الاسم أو الصفة الإلهية لا يتصور له الزوال ولا الفناء ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾.
وفي مجمع البيان روى عن ابن عباس عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: إذا كانت ليلة القدر تنزل الملائكة الذين هم سكان سدرة المنتهى ومنهم جبرئيل (١٥).
قد ورد في بعض روايات المعراج أن الحد الذي يصل اليه جبرئيل هو محل دون سدرة المنتهى، وهو يصدق عليه عنوان عند سدرة المنتهى.
وروى في الامالي بسنده عن شريح القاضي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال:... وَقُرِّبُوا لِلْحِسَابِ فَرْداً فَرْداً، ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، يَسْأَلُهُمْ عَمَّا عَمِلُوا حَرْفاً حَرْفاً، فَجِيء بِهِمْ عُرَاةَ الْأَبْدَانِ، ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾، أَمَامَهُمُ الْحِسَابُ، وَ﴿مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾، يَسْمَعُونَ زَفِيرَهَا، وَيَرَوْنَ سَعِيرَهَا، فَلَمْ يَجِدُوا نَاصِراً وَلَا وَلِيّاً يُجِيرُهُمْ مِنَ الذُّلِّ، فَهُمْ يَعْدُونَ سِرَاعاً إِلَى مَوَاقِفِ الحَشْرِ، يُسَاقُونَ سَوْقاً، فَ ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، وَالْعِبَادُ عَلَى الصِّرَاطِ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ لَا يَسْلَمُونَ، ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ﴾ فَيَتَكَلَّمُونَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ ﴿فَيَعْتَذِرُون﴾، قَدْ خُتِمَ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ، وَاسْتُنْطِقَتْ ﴿أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾. يَا لَهَا مِنْ سَاعَةٍ مَا أَشْجَى مَوَاقِعَهَا مِنَ الْقُلُوبِ حِينَ مِيزَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ! ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير﴾(١٦) 
وظاهر الرواية بل الآية:
١ - أن السماوات تكون مطوية حال عالم يوم القيامة والعباد يكونون حينئذ على الصراط. إلا أن ما في بعض الروايات من طي الجنة والنار بطي السماوات يتنافى بظاهره مع هذا المفاد من ترائي جهنم لأهل القيامة وترصدها لهم، لأن طي السماوات والأرضين ينطوي على طي الجنة والنار أيضا، ويمكن دفع التنافي بأن الطي في بدأ القيامة.
٢ - ويمكن تصوير الحال أن الصراط باب ومحور تطوى حوله السماوات وتقبض إليه الأرض، نعم ما ورد في الآيات ظاهره مغايرة الصراط المستقيم لصراط الجحيم المذكور في سورة الصافات، فهل هما صراطان يسير عليهما الفريقان أم هو صراط يؤدي الى شعبتين.
وفي مرفوعة الديلمي الى سلمان في حديث اسئلة النصراني لأمير المؤمنين (عليه السلام): قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ - ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ جَمِيعاً قبضت [قَبْضَتُهُ] ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون﴾ فَإِذَا طُوِيَتِ السَّمَاءُ وَقُبِضَتِ الْأَرْضُ فَأَيْنَ تَكُونُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ فِيهِمَا قَالَ فَدَعَا بِدَوَاةٍ وَقِرْطَاسٍ ثُمَّ كَتَبَ فِيهِ الجَنَّةَ وَالنَّارَ ثُمَّ دَرَجَ الْقِرْطَاسَ وَدَفَعَهُ إِلَى النَّصْرَانِيِّ وَقَالَ لَهُ أَ لَيْسَ قَدْ طَوَيْتُ هَذَا الْقِرْطَاسَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَافْتَحْهُ قَالَ فَفَتَحْتُهُ قَالَ هَلْ تَرَى آيَةَ النَّارِ وَآيَةَ الجَنَّةِ أَ مَحَاهُمَا طَيُّ الْقِرْطَاسِ قَالَ لَا قَالَ فَهَكَذَا فِي قُدْرَةِ الله إِذْ طُوِيَتِ السَّمَاوَاتُ وَقُبِضَتِ الْأَرْضُ لَمْ تَبْطُلِ الجَنَّةُ وَالنَّارُ كَمَا لَمْ يُبْطِلْ طَيُّ هَذَا الْكِتَابِ آيَةَ الجَنَّةِ وَآيَةَ النَّار(١٧).
وظاهر الرواية أن الجنة والنار حالهما حال السماوات تطوى والأرض مقبوضة بعد موت الخلائق وهذا دال على أن الجنة والنار لهما منتهى كما لهما مبدأ، كما تشير إليه آية سورة الأنبياء المتقدمة، وإن كان ظاهر آية سورة الزمر أن النفخ بعد طيّ السماوات ولعل الترتيب في السورة ليس على التنزيل بل من ترتيب جمع القرآن.
وعَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ سُئِلَ عَنِ النَّفْخَتَيْنِ كَمْ بَيْنَهُمَا قَالَ: مَا شَاءَ الله، فَقِيلَ لَهُ فَأَخْبِرْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ الله كَيْفَ يُنْفَخُ فِيهِ فَقَالَ: أَمَّا النَّفْخَةُ الْأُولَى فَإِنَّ الله يَأْمُرُ إِسْرَافِيلَ فَيَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ وَمَعَهُ الصُّورُ - وَلِلصُّورِ رَأْسٌ وَاحِدٌ وَطَرَفَانِ وَبَيْنَ طَرَفِ كُلِّ رَأْسٍ مِنْهُمَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ - قَالَ: فَإِذَا رَأَتِ المَلَائِكَةُ إِسْرَافِيلَ وَقَدْ هَبَطَ إِلَى الدُّنْيَا وَمَعَهُ الصُّورُ قَالُوا: قَدْ أَذِنَ الله فِي مَوْتِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَفِي مَوْتِ أَهْلِ السَّمَاءِ، قَالَ: فَيَهْبِطُ إِسْرَافِيلُ بِحَظِيرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ وَيَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ فَإِذَا رَأَوْهُ أَهْلُ الْأَرْضِ قَالُوا: قَدْ أَذِنَ الله فِي مَوْتِ أَهْلِ الْأَرْضِ، قَالَ: فَيَنْفُخُ فِيهِ نَفْخَةً - فَيَخْرُجُ الصَّوْتُ مِنَ الطَّرَفِ الَّذِي يَلِي أَهْلَ الْأَرْضِ - فَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ ذُو رُوحٍ إِلَّا صَعِقَ وَمَاتَ، وَيَخْرُجُ الصَّوْتُ مِنَ الطَّرَفِ الَّذِي يَلِي أَهْلَ السَّمَاوَاتِ فَلَا يَبْقَى فِي السَّمَاوَاتِ ذُو رُوحٍ - إِلَّا صَعِقَ وَمَاتَ إِلَّا إِسْرَافِيلُ فَيَمْكُثُونَ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ الله - قَالَ: فَيَقُولُ الله لِإِسْرَافِيلَ: يَا إِسْرَافِيلُ مُتْ فَيَمُوتُ إِسْرَافِيلُ فَيَمْكُثُونَ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ الله - ثُمَّ يَأْمُرُ الله السَّمَاوَاتِ فَتَمُورُ وَيَأْمُرُ الْجِبَالَ فَتَسِيرُ - وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾ يَعْنِي تَبْسُطُ وَتُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ - يَعْنِي بِأَرْضٍ لَمْ تُكْسَبْ عَلَيْهَا الذُّنُوبُ بَارِزَةً - لَيْسَ عَلَيْهَا جِبَالٌ وَلَا نَبَاتٌ كَمَا دَحَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ - وَيُعِيدُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ - كَمَا كَانَ أَوَّلَ مَرَّةٍ مُسْتَقِلًّا بِعَظَمَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ يُنَادِي الجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ بِصَوْتٍ مِنْ قِبَلِهِ جَهُورِيٍّ - يَسْمَعُ أَقْطَارُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ ﴿لِّمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فَلَا يُجِيبُهُ مُجِيبٌ - فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ الجَبَّارُ مُجِيباً لِنَفْسِهِ ﴿اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار﴾ وَأَنَا قَهَرْتُ الخَلَائِقَ كُلَّهُمْ وَأَمَتُّهُمْ - إِنِّي ﴿أَنَا الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي وَلَا وَزِيرَ لِي - وَأَنَا خَلَقْتُ خَلْقِي بِيَدِي وَأَنَا أَمَتُّهُمْ بِمَشِيَّتِي - وَأَنَا أُحْيِيهِمْ بِقُدْرَتِي» قَالَ: فَيَنْفُخُ الجَبَّارُ نَفْخَةً فِي الصُّورِ - فَيَخْرُجُ الصَّوْتُ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ الَّذِي يَلِي السَّمَاوَاتِ - فَلَا يَبْقَى فِي السَّمَاوَاتِ أَحَدٌ إِلَّا حَيِيَ - وَقَامَ كَمَا كَانَ وَيَعُودُ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَتُحْضَرُ الجَنَّةُ وَالنَّارُ وَتُحْشَرُ الخَلَائِقُ لِلْحِسَابِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (عليه السلام) يَبْكِي عِنْدَ ذَلِكَ بُكَاءً شَدِيدا(١٨) 
وظاهر الرواية:
١ - أن آخر من يبقى هو إسرافيل وهو المميت للخلائق ثم يميته الجبار بينما الروايات الأخرى أن المميت للكل هو عزرائيل وهو الذي يميت إسرافيل، نعم في روايات أخرى أن أول من يحييه الجبار هو إسرافيل لا عزرائيل. ويمكن حملها - مضافا الى الاحتمال السابق - على أن إسرافيل يميت الخلائق ثم يبقى طبقات الملائكة العليا من المقربين وحملة العرش وآخر من يبقى هو عزرائيل، ووصف إسرافيل ههنا بأنه آخر من يبقى نسبي بلحاظ السماوات والأرض، ويدل على هذا الحمل عدة روايات أخرى ذكرناها.
٢ - ظاهر الرواية إسناد النفخ الثاني الى اسم الجبار لا الى إسرافيل ولكن في بعض الروايات إسناد النفخ الثاني أيضا الى إسرافيل، ويمكن الجمع بينهما بتقدم إحياء إسرافيل ثم يقوم هو بإحياء الباقي.
٣ - إنه أطلق في الآيات والروايات عنوان (النفخ) على الصعقة الأولى والإماتة لكل الخلائق، كما أطلق عنوان النفخ على الإحياء للخلائق في النفخة الثانية، مع أن ظاهر كثير من استعمال الآيات اطلاق القبض على الإماتة حتى على موطن النفخة الأولى، وان النفخ مختص بالإحياء.
٤ - ظاهر الحديث أن الإماتة أسندت الى المشيئة وكأنه قطع للفيض فأسند الى مجرد المشيئة، والتي هي نظير تقدير وقدر لا قدرة وإيجاد، وأما الإحياء فأسند الى القدرة، بينما ذكر فيها أن الخلق هو بيديه وهو عنوان مستعمل في القدرة.
٥ - لا يخفى أن الإماتة الشاملة لكل أهل السماوات والأرض شاملة للموتى في البرزخ أي إماتة للموتى، وذلك بحسب طبقات الروح وتعدد الأبدان فلأهل الأرض سبع موتات ولأهل السماء ست موتات، وهكذا بلحاظ أهل كل سماء وما فوقهم من أجسامهم السماوية.
تعدد طبقات الموت والمعاد:
رَوُى العلامة فِي كشف اليقين عَنْ تفسير مُحمَّد بن العباس بن ماهيار، وَرَوُى فِي المحتضر هَذِهِ الرِّوَايَة أيضاً بِسَنَدِهِ المُتّصل عَنْ عيسى بن داود النجّار عَنْ أبي الحسن موسى بن جعفر عَنْ أبيه عَنْ جده - فِي حديث المعراج - فِي قوله تَعَالَى ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ فَإنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما أُسري به إلى ربه جَلَّ وَعَزَّ، قَالَ: وقف بي جبرائيل عِنْدَ شجرة عظيمة لَمْ أرَ مثلها عَلَى كُلّ غُصنٍ منها ملك وَعَلَى كل ورقةٍ منها ملك وَعَلَى كُلّ ثمرة منها ملك، وَقَدْ كلّلها نور مِنْ نور الله جَلَّ وَعَزَّ، فَقَالَ جبرئيل: هَذِهِ سدرة المنتهى كَانَ ينتهي الأنبياء مِنْ قبلك إليها، ثمَّ لا ُيجاوزونها وَأَنْتَ تجوزها إنَّ شاء الله ليريك مِنْ آياته الكبرى فاطمئن أيّدك الله بالثبات حَتّى تستكمل كرامات الله وتصير إلى جواره ثمَّ صعد بي حَتّى صرت تحت العرش فدلَّي [فدنى] لي رفرف أخضر ما احسن وصفه فرفعني الرفرف بإذن الله إلى ربي فصرت عنده وانقطع عَنْي أصوات الملائكة ودويّهم، وذهبت عني المخاوف والروعات [النزعات] وهدأت نفسي واستبشرت وظننت أنَّ جميع الخلائق قَدْ ماتوا أجمعين، وَلَمْ أرَ عندي أحداً مِنْ خلقه فتركني ما شاء الله ثمَّ ردّ عليّ روحي فأفقت فَكَانَ توفيقاً مِنْ ربي (عزَّ وجلَّ) أنْ غمضت عيني وَكلّ بصريّ وغُشي عني النظر فجعلت أبصر بقلبي كَمَا أبصر بعيني، بَلْ أبعد وأبلغ فَذَلِكَ قوله جَلَّ وَعَزَّ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾... ثمَّ أمرني ربي بأمور وأشياء أمرني أنْ أكتمها وَلَمْ يؤذن لي فِي إخبار أصحابي بها، ثمَّ هوى بي الرفرف فإذا أنا بجبرئيل [فتناولني] فتناقلني مِنْهُ حَتّى صرت إلى سدرة المنتهى»(١٩) الحديث.
وفي هَذِهِ الرِّوَايَة الشريفة بيان:
١ - أنَّ هُنَاك موضع تحت العرش فوق سدرة المنتهى لا يتمكّن جبرئيل مِنْ تجاوزه، وَإنَّما صُعد بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ ذَلِكَ الموضع بالرفرف، ذَلِكَ الموضع الذي تحت العرش.
٢ - وَذَلِكَ الموضع قَدْ وصفه جبرائيل فِي روايات معراجية أُخرى [بقوله لو اقتربت أنملة لاحترقت] والاحتراق يعطي نفس مفاد الوصف المذكور فِي هَذِهِ الرِّوَايَة، وَهُوَ [أنَّ جميع الخلائق قَدْ ماتوا] ولا يرى أحد مِنْ الخلائق.
٣ - وَهَذَا يعطي أنَّ ذَلِكَ الموطن طبقة عليا مِنْ الموت لا حياة فيها لأي كائن حَتّى الأنبياء والمُرسلين إلَّا سَيِّد الأنبياء.
٤ - ظاهر قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ثم رد علي روحي فأفقت) أن صعوده بالرفرف كان نحو من التوفي نظير قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ لكن مع فارق كبير بين الموطنين كما لا يخفى.
٥ - إنَّ فِي ذَلِكَ الموضع وما فوقه تتجلّى فيه الآيات الكبرى.
٦ - قَدْ وصف ذَلِكَ الموطن فِي بَعْض روايات المعراج، وَهُوَ رواية عبد الله بن عباس عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الَّتِي رواها صاحب كتاب المحتضر عَنْ الصَّدُوق بِسَنَدِهِ إليه عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: - «وتخلّف عنّي جميع مَنْ كَانَ معي مِنْ ملائكة السماوات وجبرائيل (عليه السلام) والملائكة المُقرّبين ووصلتُ إلى حجب ربي دخلتُ سبعين ألف حجاب بين كُلّ حجاب إلى حجاب مِنْ حجب العزة والقدرة والبهاء والكرامة والكبرياء والعظمة وَالنُّور والظلمة والوقار، حَتّى وصلت إلى حجاب الجلال فكشف لي عَنْ حجاب الجلال وناجيت ربي - (عزَّ وجلَّ) - وقمت بين يديه... ثمَّ انصرفت فجعلت لا أخرج مِنْ حجاب مِنْ حجب ربي ذي الجلال والإكرام إلَّا سمعت النداء... فلما وصلت إلى الملائكة جعلوا يهنئوني في السماوات»(٢٠) الحديث.
وإطلاق الحجب عَلَى ذلكَ الموطن أو ما فوقه قَدْ وَرَدَ فِي رواية أُخرى مِنْ روايات المعراج كالذي رواه العلّامة فِي كشف اليقين عَنْ تفسير مُحمَّد بن عباس بن مروان بِسَنَدِهِ عَنْ علي بن أبي طالب (عليه السلام) عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٧ - قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «... ثمَّ قَالَ لي جبرئيل يا مُحمَّد تقرّب إلى ربك فَقَدْ وطئت اليوم مكاناً بكرامتك عَلَى الله (عزَّ وجلَّ) ما وطئته قط ولولا كرامتك لأحرقني هَذَا النُّور الذي بين يدي، قَالَ فتقدّمت فكشف لي عَنْ سبعين حجاباً»(٢١).
وفي رواية توحيد الصَّدُوق بِسَنَدِهِ عَنْ يونس بن عبد الرحمن: قَالَ: قلتُ لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): لأيّ علّة عرج الله (عزَّ وجلَّ) بنبيّه إلى السَّماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النُّور وخاطبه وناجاه هُنَاك والله لا يوصف بمكان؟ الحديث، فأطلق فِي هَذِهِ الرِّوَايَة على ذَلِكَ الموطن حجب النُّور(٢٢)
وقد ورد في بعض الروايات أن الحجب فوق العرش وفوق الحجب - الستر، كما أنه ورد إطلاق الحجب على ما دون العرش، ولا بد من التنبه الى أن الحجب تطلق على طبقات عوالم عديدة.
كيفية وحقيقة الإماتة والإحياء:
إنَّ البُرْهَان العقلي يقتضي أنَّ القابض المباشر المميت لملك الموت فضلاً عَنْ غيره لابُدَّ أنْ يكون لَهُ مُبَاشَرَة جسمانية مَعَ جسم عزرائيل، وَلابُدَّ أنْ يكون جسمه أكثر لطافةً وشفافيةً مِنْ جسم عزرائيل، كَمَا أنَّ جسم عزرائيل هُوَ أكثر شفّافية ولطافة مِنْ جسم إسرافيل وميكائيل وجبرائيل كي يتسنّى لَهُ قبض أرواحهم؛ وَذَلِكَ لِأنَّ قبض الرُّوُح عبارة عَنْ قبض جسماني للروح مِنْ حَيْثُ أنَّها جسم رقيق ونزعها مِنْ الجسم الغليظ، فالقابض للأرواح لابُدَّ أنْ يسانخ جسمه جسم الرُّوُح المقبوضة مِنْ ناحية الجسم الرقيق اللّطيف قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ المَوْتِ وَالمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾.
كَمَا أنَّ النافخ للأرواح فِي الأجسام هُوَ الدافع لذلك الجسم الرقيق للرُّوُح فِي الجسم الغليظ، ولابُدَّ أنْ يكون فِي اللّطافة الجسمانية بدرجة لطافة جسم الرُّوُح الرقيق.
وروى في الإختصاص عن جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِذَا أَرَادَ الله قَبْضَ رُوحِ الْكَافِرِ قَالَ يَا مَلَكَ المَوْتِ انْطَلِقْ أَنْتَ وَأَعْوَانُكَ إِلَى عَدُوِّي فَإِنِّي قَدِ ابْتَلَيْتُهُ فَأَحْسَنْتُ الْبَلَاءَ وَدَعَوْتُهُ إِلَى دَارِ السَّلَامِ فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَشْتِمَنِي وَكَفَرَ بِي وَبِنِعْمَتِي وَشَتَمَنِي عَلَى عَرْشِي فَاقْبِضْ رُوحَهُ حَتَّى تَكُبَّهُ فِي النَّارِ قَالَ فَيَجِيئُهُ مَلَكُ المَوْتِ بِوَجْهٍ كَرِيهٍ كَالِحٍ عَيْنَاهُ كَالْبَرْقِ الخَاطِفِ وَصَوْتُهُ كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ لَوْنُهُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ نَفَسُهُ كَلَهَبِ النَّارِ رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا وَرِجْلٌ فِي المَشْرِقِ وَرِجْلٌ فِي المَغْرِبِ وَقَدَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ مَعَهُ سَفُّودٌ(٢٣) كَثِيرُ الشُّعَبِ مَعَهُ خَمْسُمِائَةِ مَلَكٍ مَعَهُمْ سِيَاطٌ مِنْ قَلْبِ جَهَنَّمَ تَلْتَهِبُ تِلْكَ السِّيَاطُ وَهِيَ مِنْ لَهَبِ جَهَنَّمَ وَمَعَهُمْ مِسْحٌ أَسْوَدُ وَجَمْرَةٌ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ خُزَّانِ جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ سَحْقَطَائِيلُ فَيَسْقِيهِ شَرْبَةً مِنَ النَّارِ لَا يَزَالُ مِنْهَا عَطْشَاناً حَتَّى يَدْخُلَ النَّارَ فَإِذَا نَظَرَ إِلَى مَلَكِ المَوْتِ شَخَصَ بَصَرُهُ وَطَارَ عَقْلُهُ قَالَ يَا مَلَكَ المَوْتِ ارْجِعُونِ قَالَ فَيَقُولُ مَلَكُ المَوْتِ ﴿كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ قَالَ فَيَقُولُ يَا مَلَكَ المَوْتِ فَإِلَى مَنْ أَدَعُ مَالِي وَأَهْلِي وَوُلْدِي وَعَشِيرَتِي وَمَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ الدُّنْيَا فَيَقُولُ دَعْهُمْ لِغَيْرِكَ وَاخْرُجْ إِلَى النَّارِ وَقَالَ فَيَضْرِبُهُ بِالسَّفُّودِ ضَرْبَةً فَلَا يَبْقَى مِنْهُ شُعْبَةٌ إِلَّا أَنْشَبَهَا فِي كُلِّ عِرْقٍ (٢٤) وَمَفْصِلٍ ثُمَّ يَجْذِبُهُ جَذْبَةً فَيَسُلُّ رُوحَهُ مِنْ قَدَمَيْهِ بَسْطاً فَإِذَا بَلَغَتِ الرُّكْبَتَيْنِ أَمَرَ أَعْوَانَهُ فَأَكَبُّوا عَلَيْهِ بِالسِّيَاطِ ضَرْباً ثُمَّ يَرْفَعُهُ عَنْهُ فَيُذِيقُهُ سَكَرَاتِهِ وَغَمَرَاتِهِ قَبْلَ خُرُوجِهَا كَأَنَّمَا ضَرَبَ بِأَلْفِ سَيْفٍ فَلَوْ كَانَ لَهُ قُوَّةُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَاشْتَكَى كُلُّ عِرْقٍ مِنْهُ عَلَى حِيَالِهِ بِمَنْزِلَةِ سَفُّودٍ كَثِيرِ الشُّعَبِ أُلْقِيَ عَلَى صُوفٍ مُبْتَلٍّ ثُمَّ يُطَوِّقُهُ (٢٥) فَلَمْ يَأْتِ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا انْتَزَعَهُ كَذَلِكَ خُرُوجُ نَفْسِ الْكَافِرِ مِنْ عِرْقٍ وَعُضْوٍ وَمَفْصِلٍ وَشَعْرَةٍ فَـ﴿إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُوم﴾ ضَرَبَتِ المَلَائِكَةُ وَجْهَهُ وَدُبُرَهُ وَقِيلَ ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى الله غَيْرَ الحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُون﴾ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾(٢٦) فَيَقُولُونَ حَرَاماً عَلَيْكُمُ الجَنَّةُ مُحَرَّماً وَقَالَ تَخْرُجُ رُوحُهُ فَيَضَعُهَا مَلَكُ المَوْتِ بَيْنَ مِطْرَقَةٍ وَسِنْدَانٍ فَيَفْضَخُ أَطْرَافَ أَنَامِلِهِ وَآخَرُ مَا يُشْدَخُ مِنْهُ الْعَيْنَانِ (٢٧) فَيُسْطَعُ لَهَا رِيحٌ مُنْتِنٌ يَتَأَذَّى مِنْهُ أَهْلُ السَّمَاءِ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ فَيَقُولُونَ لَعْنَةُ الله عَلَيْهَا مِنْ رُوحٍ كَافِرَةٍ مُنْتِنَةٍ خَرَجَتْ مِنَ الدُّنْيَا فَيَلْعَنُهُ الله وَيَلْعَنُهُ اللَّاعِنُونَ فَإِذَا أُتِيَ بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُجْرِمِين﴾ يَقُولُ الله رُدُّوهَا عَلَيْهِ فَمِنْهَا خَلَقْتُهُمْ وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ ﴿تَارَةً أُخْرَى﴾ فَإِذَا حُمِلَ سَرِيرُهُ حَمَلَتْ نَعْشَهُ الشَّيَاطِينُ فَإِذَا انْتَهَوْا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ قَالَتْ كُلُّ بُقْعَةٍ مِنْهَا اللهمَّ لَا تَجْعَلْهُ فِي بَطْنِي حَتَّى يُوضَعَ فِي الحُفْرَةِ الَّتِي قَضَاهَا الله(٢٨) 
ومفادها:
١ - قوله (عليه السلام) (ثم يجذبه جذبة فيسل روحه من قدميه بسطا)
دلالة على أن الروح جسم ألطف من البدن الغليظ يسل من البدن إنسلالاً، ولغة السل: إخراجك الشعر من العجين ونحوه من الأشياء. والانسلال: المضي والخروج من بين مضيق أو زحام. وسللت السيف فانسل من غمده. «رَمَتْني بدائها وانْسَلَّتْ» أي انْفَلَتَتْ واملَصَتْ والسَّلَّةُ: الخُفْيَةُ واسْتَلَّ فلانٌ بكذا: ذَهَبَ به خُفْيَةً.
٢ - قوله (عليه السلام) (كذلك خروج نفس الكافر من عرق وعضو ومفصل وشعرة) أي بسبب إنشاب السفود في كل جسم تكاد روحه تخرج من كل نقطة من جسمه نظير ما في قوله تعالى: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظ﴾.
٣ - قوله تعالى: ﴿أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ﴾ يفيد أن بعد زهوق النفس بدايته بتوسط ملك الموت وأعوانه لكن بعد ذلك خروج الروح يكون اختيارياً بقدرة المحتضر نفسه.
٤ - قوله (عليه السلام): تَخْرُجُ رُوحُهُ فَيَضَعُهَا مَلَكُ المَوْتِ بَيْنَ مِطْرَقَةٍ وَسِنْدَانٍ فَيَفْضَخُ أَطْرَافَ أَنَامِلِهِ وَآخَرُ مَا يُشْدَخُ مِنْهُ الْعَيْنَانِ) دال على أن الروح ذات جسم لطيف فتعالج عذابا أو ثوابا بآليات من نمط لطافة ذلك الجسم البرزخي.
٥ - قوله (عليه السلام): فَإِذَا أُتِيَ بِرُوحِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا أُغْلِقَتْ عَنْهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء﴾ مقتضى المستفيض من الروايات أن روح الميت يعرج بها الى السماء والى السماوات أو ما فوقها كالجنة وما فوقها بحسب رتبته، إلا أن روح الكافر لا تفتح لها أبواب السماء كما هو نص الآية ولا يدخل بها الجنة وأن الآية بلحاظ وقت خروج روح الميت.
٦ - وأن روح الكافر تسجن في الأرض لأن طينتها أرضية من سجين.
٧ - أن حديث الأرض أو بقاعها لروح الكافر مقتضاه أنها ذات روح وإدراك بحسبها، كما أن ما في الرواية من حديث روح الكافر مع ملك الموت هو وجود لغة مشتركة يتم بها الكلام والحوار.
وروى البكري في أنوار مولد النبي في حديث - عن خلقة العوالم - قال علي (عليه السلام):... فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوْحَى إِلَى المَلَائِكَةُ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ قَالَ ثُمَّ إِنْ المَلَائِكَةُ حَمَلُوا جَسَدِ آدَمَ (عليه السلام) وَوَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ وَهُوَ جَسَدِ بِلَا رُوحَ وَالمَلَائِكَةُ يَنْتَظِرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَمَرَ الله تعالى المَلَائِكَةُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحُ وَقَالَ ادْخُلِي فِي هَذَا الجَسَدِ فَرَأَتِ الرُّوحُ مَدْخَلًا ضِيقاً فَوَقَفْتُ فَقَالَ لَهَا ادْخُلِي كَرْهاً وَاخْرُجِي كَرْهاً قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الرُّوحُ فِي الخَيْشُومِ وَالْعَيْنِ فَجَعَلَ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ وَيَسْمَعُ تَسْبِيحِ المَلَائِكَةُ قَالَ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الخَيَاشِيمَ عَطَسَ آدَمَ (عليه السلام) قَالَ فأنطقه الله تَعَالَى بِالحَمْدِ وَقَالَ الحَمْدُ للهِ فَقَالَ له يرحَمُكَ الله يَا آدَمَ فَلِهَذَا خَلَقْتُكَ وَهَذَا لِوُلْدِكَ مِنْ بَعْدَكَ إِنْ قَالُوا مِثْلَمَا قُلْتُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى إِبْلِيسَ أَشَدُّ مِنْ تَسْمِيتِ الْعَاطِسِ قَالَ فَلَمَّا فَتَحَ آدَمَ (عليه السلام) عَيْنَيْهِ رَأَى مَكْتُوباً عَلَى الْعَرْشِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلِيٌّ وَلِيُّ الله قَالَ فَلَمَّا وَصَلَتْ الرُّوحُ إِلَى سَاقَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ أَنْ تُصَلِّ إِلَى قَدَمَيْهِ فَلَمْ يُطِقِ النُّهُوضَ فَلِذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسانُ عَجُولا...(٢٩)
وَقَدْ مرت رواية أنَّ الأرواح - قبل نفخها فِي الأجسام، وقبل الأرحام والأصلاب - تنزّلت مِنْ عالم الأظِلَّة إلى جسم سماوي لها في الهواء مِنْ السَّماء الأولى الدنيا، وَمِنْ ثمَّ تقدرّ فِي الأصلاب والأرحام.(٣٠)
وفي دعاء عرفة قوله (عليه السلام): ابْتَدَأْتَنِي بِنِعْمَتِكَ قَبْلَ أَنْ أَكُونَ شَيْئاً مَذْكُوراً وَخَلَقْتَنِي مِنَ التُّرَابِ ثُمَّ أَسْكَنْتَنِي الْأَصْلَابَ آمِناً لِرَيْبِ المَنُونِ وَاخْتِلَافِ الدُّهُورِ فَلَمْ أَزَلْ ظَاعِناً مِنْ صُلْبٍ إِلَى رَحِمٍ فِي تَقَادُمِ الْأَيَّامِ المَاضِيَةِ وَالْقُرُونِ الخَالِيَةِ(٣١) 
وفيه إشارة الى كون للإنسان وهي الشيئية له، وهي قبل الشيئية المذكورة له، وأن الخلق للإنسان من تراب طور لاحق لذلك، وقبل إسكانه للأصلاب والأرحام، وأن الخلق من تراب عام لكل البشر وليس مختصا بآدم أبي البشر.
ورَوُى فِي عيون المعجزات للحسين بن عبد الوهاب المتوفي فِي القرن الخامس تحت عنوان (دلائل فاطمة (عليه السلام)) بإسناده إلى عمّار فِي حديث رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما دخل العباس (فِي حديث الخلقة النورية للخمسة أصحاب الكساء)، روى بعده بإسناده عَنْ عمّار أيضا قَالَ: نعم شهدت علي بن طالب (عليه السلام) وَقَدْ ولج عَلَى فاطمة (عليها السلام) فلمّا بصرت به نادت «اُدْن لأحدثك بما كَانَ وما هُوَ كائن، وما لَمْ يكن إلى يَوُم القيامة حين تقوم الساعة، قَالَ: فرأيت أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) يرجع القهقري، فرجعت برجوعه إذ دخل عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَقَالَ لَهُ: ادن يا أبا الحسن (عليه السلام) فلما اطمئن به المجلس، قَالَ لَهُ تحدثني أم أحدثك، فَقَالَ الحديث منك يا رَسُوُل الله، فَقَالَ كَأنَّي بك وَقَدْ دخلت عَلَى فاطمة، وقالت كيت وكيت، فرجعت، فَقَالَ علي (عليه السلام): نور فاطمة (عليها السلام) مِنْ نورنا، فَقَالَ: (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو لا تعلم فسجد عليّ شكراً لله تَعَالَى، قَالَ عمّار فخرج أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) وخرجت بخروجه فولج عَلَى فاطمة وولجت معه، وقالت: كَأنَّكَ رجعت إلى أبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأخبرته بما قلته لك، قَالَ كَانَ كَذَلِكَ يا فاطمة (عليها السلام)، فقالت: اعلم يا أبا الحسن إنَّ الله تَعَالَى خلق نوري وَكَانَ يسبّح الله جَلَّ جَلالَهُ ثمَّ أودعه شجرة مِنْ شجر الجَنّة فأضاءت، فلما دخل أبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجَنّة أوحى الله تعالى إليه إلهاما أنْ اقتطف الثمرة مِنْ تلك الشجرة وأدرها فِي لهواتك ففعل فأودعني الله تَعَالَى صلب أبي ثمَّ أودعني خديجة بنت خويلد فوضعتني وأنا مِنْ ذَلِكَ النُّور، اعلم ما كَانَ وما يكون وما لَمْ يكن يا أبا الحسن، المؤمن ينظر بنور الله تعالى»(٣٢).
وظاهر الحديث أنها (عليها السلام) لم تجر في الأصلاب والأرحام بل في خصوص صلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورحم خديجة (عليها السلام)، ولعله لذلك وصفت في لسان الأحاديث أنها حوراء إنسية، أي أصل بدنها طينة الجنة ثم طرأ عليها الطينة الإنسية من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وروى حذيفة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في - حديث عن نفخ إسرافيل - قال:... فإذا نادى إسرافيل في الصور، خرجت الأرواح من أنقاب الصور، فتنتشر بين السماء والأرض كأنها النحل يخرج من كل نقب، ولا يخرج من ذلك النقب غيره، فأرواح المؤمنين تخرج من أنقابها نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة، وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمة الكفر، وإسرافيل يديم الصوت، والأرواح قد انتشرت ما بين السماء والأرض، ثم تدخل الأرواح إلى الأجساد، وتدخل كل روح إلى جسدها الذي فارقته في دار الدنيا، فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا، ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم، فإذا هم قيام ينظرون إلى أهوال القيامة وطوامها، وإسرافيل (عليه السلام) ينادي بهذا النداء، لا يقطع الصوت ويمده مدا، والخلائق يتبعون صوته، والنيران تسوق الخلائق إلى أرض المحشر...(٣٣) 
وظاهرها أن الإحياء هو دخول الجسم اللطيف وهو الروح في الجسم الغليظ وهو البدن الدنيوي.
تصاعد طبقات الموت الى حملة العرش وسكان سدرة المنتهى وحملةالكرسي وحقيقة النفخ في الصور:
١ - هل هو إيقاع صوت متناسب مع لطافة أجساد الأرواح دافع لها تجاه ونحو الأجساد الغليظة، وقد أطلق على حركة الأرواح من الصور من خلال أنقابه أنه خروج لها من الأنقاب التي في الصور.
٢ - وهل كان نزوعها من الأجساد الغليظة دخول في الصور.
٣ - ثم لماذا هي مجتمعة في الصور؟
٤ - وكيفية ذلك؟
٥ - ثم ما الفارق بين هذا الاجتماع لها وبين الاجتماع لها في الأظلة والطين الظلي أو في عالم الأشباح؟
٦ - ثم ما الفارق بين انتشار الأرواح في الذر سواء من صلب آدم أو من الطين مع الانتشار من أنقاب الصور؟ لاسيما وأن بعض عوالم الأظلة هو من دون الجنة ومن الأجسام السماوية أو من سجين، وبعضها من فوق الجنة من عليين. لا سيما وأن بعد النفخ في الصور وهو اجتماع الأرواح في الصور تكون السماوات والأرضون مطويات فاجتماع الأرواح في الصور متناسب مع حالة الطيّ فهي ليست منتشرة بل مطوية في الصور.
طبقات الملائكة والأرواح:
الملائكة (الروحانيين):
ويظهر من جملة من الروايات أن الملائكة الأرضيين فوقهم السماويون وفوقهم الروحانيون وفوقهم الملائكة الأنوار، والروحانيون وصف نسبي لكل طبقة منهم فوق الأخرى تكون مثابة الروح لما دونها.
قصص الراوندي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام): «... ثمَّ خلق الملائكة روحانيين لهم أجنحة يطيرون بها حَيْثُ يشاء الله، فأسكنهم فيما بين أطباق السماوات يقدّسونه في الليل والنهار، واصطفى منهم إسرافيل وميكائيل وجبرئيل، ثمَّ خلق (عزَّ وجلَّ) فِي الأرْض الجنّ روحانيين لهم أجنحة.
فخلقهم دون خلق الملائكة وحفظهم أنْ يبلغوا مبلغ الملائكة فِي الطيران وغير ذَلِكَ فأسكنهم فِي ما بين أطباق الأرضين السَّبع وفوقهنَّ يقدسونه الله الليل والنهار لا يفترون» الحديث(٣٤).
وفي الصحيفة السجادية:
 «... فصل عَلَيْهِم وَعَلَى الروحانيين مِنْ ملائكته وأهل الزلفة عندك، وحُمّال الغيب إلى رسلك، وَالمُؤْتمِنِين عَلَى وحيك، وقبائل الملائكة الَّذِيْنَ اختصصتهم لنفسك، وأغنيتهم عَنْ الطعام والشراب بتقديسك...»(٣٥)، وتوصيفهم بالقبائل دال على أن حياة ونشأة الملائكة اجتماعية بالطبع وإن ارتقوا عن الجن وعن الإنس في جملة من خواص بدنهم.
ملائكة روحانيون فوق إسرافيل:
وروى الصدوق قوله (عليه السلام) «... وَذَلِكَ أنَّ خلق جبرئيل عظيم فَهُوَ مِنْ الروحانيين الَّذِيْنَ لا يدرك خلقهم وصفتهم إلَّا الله رب العالمين... فَقَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَمِنْ أين تأخذ الوحي؟ فَقَالَ: آخذه مِنْ إسرافيل، فَقَالَ: وَمِنْ أين يأخذه إسرافيل؟ قَالَ: يأخذه مِنْ ملك فوقه مِنْ الروحانيين، قَالَ: فَمِنْ أين يأخذه ذَلِكَ الملك؟ قَالَ: يقذف فِي قلبه قذفاً فَهَذَا وحيٌ، وَهُوَ كلام الله (عزَّ وجلَّ)...»(٣٦).
وفي بعض الروايات أن القلم يبلغ الوحي للوح واللوح يبلغه لإسرافيل، وقد ورد أن القلم واللوح ملكان، وفي الرواية إشارة الى طبقات ومراتب من الملائكة روحانيين فوق طبقة الملائكة المقربين، ولا يعمهم نفخ الصور، ولايخفى أن إطلاق الروحانيين عليهم بلحاظ ما دونهم من الملائكة المقربين وحملة العرش أن ما فوقهم بالنسبة إليهم كالروح للجسد، وهذه الطبقة من الملائكة لم يتسموا بأسماء خاصة لهم.
أطوار مِنْ الملائكة:
وفي نهج البلاغة: «... ثمَّ فتق ما بين السماوات العُلا، فملأهنّ أطواراً مِنْ ملائكته منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون، ولا سهو العقول، ولا فترة الأبدان، ولا غفلة النسيان، ومنهم أُمناء عَلَى وحيه، وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضاءه وأمره، وَمِنْهُم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، وَمِنْهُم الثابتة فِي الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة مِنْ السَّماء العليا أعناقهم والخارجة مِنْ الأقطار أركانهم والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم ناكسة دونه أبصارهم متلفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حُجب العِزّة وأستار القدرة لا يتوهّمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عَلَيْهِ صفات المصنوعين ولا يحدّونه بالأماكن ولا يُشيرون إليه بالنظائر...»(٣٧).
فوصف قسما من الملائكة بعدم السؤم وعدم طرو النوم على عيونهم وعدم الغفلة ومنهم الذين استأمنوا على إيصال الوحي، ومنهم المهولة تعاظم أحجامهم أن بينهم وبين من دونهم حجب العزة والقدرة.
وعَنْ الحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) يَقُولُ لَمَّا احْتَفَرَ عَبْدُ المُطَّلِبِ زَمْزَمَ وَانْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا خَرَجَتْ عَلَيْهِ مِنْ إِحْدَى جَوَانِبِ الْبِئْرِ رَائِحَةٌ مُنْتِنَةٌ أَفْظَعَتْهُ فَأَبَى أَنْ يَنْثَنِي... فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْلُ أَتَاهُ فِي مَنَامِهِ بِعِدَّةٍ مِنْ رِجَالٍ وَصِبْيَانٍ فَقَالُوا لَهُ نَحْنُ أَتْبَاعُ وَلَدِكَ وَنَحْنُ مِنْ سُكَّانِ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ السُّيُوفُ لَيْسَتْ لَكَ تَزَوَّجْ فِي مَخْزُومٍ تَقْوَ وَاضْرِبْ بَعْدُ فِي بُطُونِ الْعَرَبِ(٣٨) فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَكَ مَالٌ فَلَكَ حَسَبٌ فَادْفَعْ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ سَيْفاً إِلَى وَلَدِ المَخْزُومِيَّةِ، وَلَا يُبَانُ لَكَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَسَيْفٌ لَكَ مِنْهَا وَاحِدٌ سَيَقَعُ مِنْ يَدِكَ فَلَا تَجِدُ لَهُ أَثَراً إِلَّا أَنْ يَسْتَجِنَّهُ جَبَلُ كَذَا وَكَذَا فَيَكُونُ مِنْ أَشْرَاطِ قَائِمِ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَعَلَيْهِم، فَانْتَبَهَ عَبْدُ المُطَّلِبِ وَانْطَلَقَ وَالسُّيُوفُ عَلَى رَقَبَتِه (٣٩).
ومفاده أن سكان السماوات لا يقتصر على الملائكة بل هناك من جنس غيرهم مخلوقات فيه رجال وصبيان، ثم هم من أتباع سيد الأنبياء، كما أن لديهم وظيفة مرتبطة بالوحي والقضاء والقدر، والظاهر أن من وظائف سكان السماوات والأرضين هو كونهم ضمن طواقم الدولة الإلهية التي يرأسها في الأرض خليفة الله تعالى، كما نص القرآن الكريم على سجود وطاعة الملائكة كلهم أجمعين لخليفة الله تعالى.
وروى فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الله بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَاشِمٍ الدُّورِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ آبَائِهِ [(عليه السلام)] قَالَ: هَبَطَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ فِي بَيْتِ [مَنْزِلِ] أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ مَلَأً مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ يُجَادِلُونَ فِي شَيْءٍ حَتَّى كَثُرَ بَيْنَهُمُ الْجِدَالُ فِيهِ وَهُمْ مِنَ الْجِنِّ مِنْ قَوْمِ إِبْلِيسَ الَّذِينَ قَالَ الله فِي كِتَابِهِ ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ فَأَوْحَى الله [تَعَالَى] إِلَى المَلَائِكَةِ قَدْ كَثُرَ جِدَالُكُمْ فَتَرَاضَوْا بِحَكَمٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ قَالُوا قَدْ رَضِينَا بِحَكَمٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] فَأَوْحَى الله إِلَيْهِمْ بِمَنْ [فَمَنْ] تَرْضَوْنَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ] قَالُوا [قَدْ] رَضِينَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)] فَأَهْبَطَ [فهبط] الله مَلَكاً مِنْ مَلَائِكَةِ سَمَاءِ الدُّنْيَا بِبِسَاطٍ وَأَرِيكَتَيْنِ فَهَبَطَ [فأهبط] عَلَى [إِلَى] النَّبِيِّ [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] فَأَخْبَرَهُ بِالَّذِي جَاءَ فِيهِ فَدَعَا النَّبِيُّ [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)] وَأَقْعَدَهُ عَلَى الْبِسَاطِ وَوَسَّدَهُ [وسداه] بِالْأَرِيكَتَيْنِ ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ ثُمَّ قَالَ يَا عَلِيُّ ثَبَّتَ [ثَبَّتَكَ] الله قَلْبَكَ وَصَيَّرَ حُجَّتَكَ بَيْنَ عَيْنَيْكَ ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ [فَإِذَا نَزَلَ] قَالَ [فَقَالَ] يَا مُحَمَّدُ [إِنَ] الله يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم﴾.(٤٠)
وفي الرواية تصريح مقارب للسابقة:
١ - أن من سكان السماوات كالرابعة منها من الملائكة من جنس الجن وكان إبليس قبل عصيانه في الأصل منهم.
٢ - وأن الله تعالى يوحي إليهم وأنهم اختصموا في أمر من أمورهم ورضوا بأن يكون عليا أمير المؤمنين حكما بينهم ليفصل بينهم، مما يدلل على أن سكان السماوات يضطرون الى من يهديهم الى تدبير شؤونهم لئلا يقع بينهم كقوى في المنظومة الإلهية تدافع، وهذا متطابق مع نص القرآن بسجود وطاعة الملائكة كلهم أجمعين لخليفة الله تعالى.
٣ - وفي الرواية العروج الجسماني لأمير المؤمنين (عليه السلام) وتوسطه في الوحي نظير جبرئيل (عليه السلام) مع كونهما دون مقام النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأنه توسط بالإضافة للمراتب النازلة من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وروى الخصيبي في الهداية:... قَالَ المُفَضَّلُ يَا مَوْلَايَ: أَوَ لَيْسَ يُقَالُ إِنَّ إِبْلِيسَ مِنَ المَلَائِكَةِ، قَالَ بَلَى يَا مُفَضَّلُ هُوَ مِنَ المَلَائِكَةِ، لَا الرُّوحَانِيَّةِ وَلَا النُّورَانِيَّةِ، وَلَا سُكَّانِ السَّمَاوَاتِ، وَمَعْنَى مَلَائِكَةٍ هُوَ اسْمٌ وَاحِدٌ فَيُصْرَفُ فَهُوَ مَلَكٌ وَمَالِكٌ وَمَمْلُوكٌ هَذَا كُلُّهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، وَكَانَ أَمْلَاكَ الْأَرْضِ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وَقَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُوم﴾ وَقَالَ: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان﴾ وَقَوْلَهُ: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾(٤١) 
ومفاده:
١ - تقسيم من في السماء الى ملائكة روحانيين وملائكة نورانيين وسكان للسماوات.
٢ - أن الملائكة قد يطلق ويراد أحد المعاني الثلاثة أحدها المعنى المنسبق المعهود من العباد المكرمون الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بقوله يعملون، والثاني الوارث تكوينا منه تعالى مكانا من العوالم، والثالث المسيطر عليه من المخلوقات.
٣ - وأن المراد من آية الاستخلاف كلا المعاني الثلاثة لا خصوص الاول، وفي عدة من الروايات الواردة في الاستخلاف ما يشير الى عموم من خوطب بالأمر بالسجود.
٤ - استشهد (عليه السلام) لإرادة التعميم بالاستثناء في آية الاستخلاف وأن توصيف إبليس بأنه من الجن ليس حصرا به بل يشير الى ان من خوطب شامل للجن ايضا.
وروى في بصائر الدرجات بسنده عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) انه قال في حديث عن شأن الامام أول تولده - مَنْ عَادَاكَ أَشَدَّ عَذَابِي وَإِنْ أَوْسَعْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ سَعَةِ رِزْقِي فَإِذَا انْقَضَى صَوْتُ المُنَادِي أَجَابَهُ الْوَصِيُ ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيم﴾ إِلَى آخِرِهَا فَإِذَا قَالَهَا أَعْطَاهُ الله عِلْمَ الْأَوَّلِ وَعِلْمَ الْآخِرِ وَاسْتَوْجَبَ زِيَادَةَ الرُّوحِ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَيْسَ الرُّوحُ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحُ خَلْقٌ أَعْظَمُ مِنَ المَلَائِكَةِ أَ لَيْسَ الله يَقُولُ ﴿تَنَزَّلُ المَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ﴾(٤٢) ومفاده التقابل بين عنوان الروح والملائكة، وهذا التقابل وصفي وإضافي نظير التقابل بين القدر والقضاء، وليس علما على مصداقين بعينهما.
وفي البصائر: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الحُسَيْنِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْعَلَاءِ عَنْ سَعْدٍ الْإِسْكَافِ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يَسْأَلُهُ عَنِ الرُّوحِ أَ لَيْسَ هُوَ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) جَبْرَئِيلُ مِنَ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحُ غَيْرُ جَبْرَئِيلَ وَكَرَّرَ ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ فَقَالَ لَهُ لَقَدْ قُلْتَ عَظِيماً مِنَ الْقَوْلِ مَا أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّ الرُّوحَ غَيْرُ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِنَّكَ ضَالٌّ تَرْوِي عَنْ أَهْلِ الضَّلَالِ يَقُولُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿أَتَى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون يُنَزِّلُ المَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ﴾ وَالرُّوحُ غَيْرُ المَلَائِكَةِ)(٤٣). ومفاده مقارب للحديث السابق.
وفي صحيح حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ - وجملة روايات اخرى رواها في البصائر - قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قَالَ مَلَكٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَمْ يَكُنْ مَعَ أَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى غَيْرِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَلَيْسَ كُلَّمَا طُلِبَ وُجِدَ)(٤٤).
ومفاده يؤكد ان عنوان الملك وصفي اضافي.
الملائكة الكروبيون:
روى في البصائر مرفوعاً إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إن الكروبيين قوم مِنْ شيعتنا مِنْ الخلق الأوَّل جعلهم الله خلف العرش، لو قُسّم نور واحد منهم عَلَى أهل الأرْض لكفاهم» ثمَّ قَالَ: «إنَّ موسى (عليه السلام) لما سأل ربّه ما سأل، أمر واحدا مِنْ الكروبيين فتجلّى للجبل فجعله دكاً»(٤٥).
 ومفاده:
١ - وصف الكروبيين بالخلق الأول قد يحمل على نمط من الخلق سابق على النسناس والجن أو على دورات الآدميين السابقة.
٢ - الرواية دالة على أن خلقهم وولايتهم صلوات الله عليهم ليس مختصا بهذه الدورة الآدمية.
وفي رواية المعراج للرواندي:... ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ فَإِذَا فِيهَا خَلَقَ كَثِيرٍ يَمُوجُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ وَفِيهَا الْكَرُوبِيُّونَ قَالَ ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَأَبْصَرْتُ فِيهَا خَلْقاً وَمَلَائِكَةُ(٤٦).
ويظهر من بعض روايات المعراج تواجد خلائق مع الملائكة في كل سماء من السبع.
أقسام للملائكة (الروحانيين - الكروبيين - حملة العرش):
كتاب النوادر: للراوندي عَنْ أبي المحاسن عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي ثواب مِنْ صام السَّابِع والعشرين مِنْ رجب: «... والذي بعثني بالحق إذَا صامه العبد والأمة، وقام ليله غفر الله ذنوبه فيما بينه وبين ربه، وإنْ كَانَ ذنوبه بعدد نجوم السَّماء وقطر المطر، وورق الشجر وأيام الدهر، ويجعل الله لَهُ نصيباً فِي ثواب جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وملك الموت والروحانيين معه والكروبيين، وحملة العرش والذي بعثني بالحق يجعل الله لَهُ نصيباً فِي عبادة ملائكة سبع سماوات..»(٤٧).
ومفاده صريح في مجازاة الملائكة المقربين بل الرواية تشير الى طبقات كثير من الملائكة على أعمالهم وأنهم مكلفون بالدين وإن لم يكلفوا بالشريعة، وهذا المضمون مستفيض وهو مجازاة الملائكة على أعمالهم نظير لسان أن من الملائكة يسبحون أو يذكرون الله ويجعل الله ثوابه لذلك الإنسان الآتي بالفعل الراجح المعين.
جبرئيل مِنْ الروحانيين:
الاحتجاج: فِي خبر الزنديق الذي سأل أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام):
 «... وأمَّا قوله ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ يعني محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حين كَانَ عِنْدَ سدرة المنتهى، حَيْثُ لا يجاوزها خلق مِنْ خلق الله (عزَّ وجلَّ). وقوله فِي آخر الآية ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ رأى جبرئيل (عليه السلام) فِي صورته مرتين: هَذِهِ المرة وَمَرَّة أُخرى، وَذَلِكَ أنَّ خلق جبرئيل عظيم فَهُوَ مِنْ الروحانيين الَّذِيْنَ لا يدرك خلقهم وصورتهم إلَّا رب العالمين»(٤٨). ومفاده أن الجسم اللطيف كلما ازداد لطافة كان روحانيا بالنسبة الى الغليظ ولا تدرك صورته، ومع ذلك يتنزل ويتصور بصور في العوالم الجسمانية النازلة.
الملائكة المقربون:
بصائر الدرجات موثق سدير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «قَالَ: إنَّ أمركم هَذَا عُرض عَلَى الملائكة، فَلَمْ يقرّ به إلَّا المقربون، وعرض عَلَى الأنبياء، فَلَمْ يقرّبه إلَّا المرسلون، وعرض عَلَى المُؤْمِنِين فَلَمْ يقرّبه إلَّا الممتحنون»(٤٩). ومفاد الحديث:
١ - سبب اصطفاء الله تعالى المقربين من بين الملائكة والمرسلين من بين الأنبياء والممتحنين من بين المؤمنين، مع أن كل الملائكة مطهرون مصطفون إلا أن الإيمان والولاية لأهل البيت اصطفاء مضاعف متعالي، كذلك الحال في الأنبياء، وأن السبب هو المسارعة للإقرار والمعرفة بأهل البيت.
٢ - أن الإيمان والولاية لأهل البيت يفضل من جهة النبوة العامة ويفضل من جهة الرتبة العقلية في الملائكة، كما اشير الى ذلك في روايات مستفيضة كما في الخطب الاولى لنهج البلاغة
وهذا مقام عظيم للمعرفة بأهل البيت والإقرار بولايتهم.
 وروى الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ أَمْرَنَا هَذَا لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يُقِرَّ بِهِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُصْطَفًى أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ.(٥٠) 
وروى سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) إِنَّ أَمْرَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَعْرِفُهُ وَلَا يُقِرُّ بِهِ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مُؤْمِنٌ نَجِيبٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلْإِيمَان (٥١) 
وعَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ أَمْرُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا ثَلَاثٌ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ الله قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا حَمْزَةَ أَ لَسْتَ تَعْلَمُ فِي المَلَائِكَةِ مُقَرَّبِينَ وَغَيْرَ مُقَرَّبِينَ وَفِي النَّبِيِّينَ مُرْسَلِينَ وَغَيْرَ مُرْسَلِينَ وَفِي المُؤْمِنِينَ مُمْتَحَنِينَ وَغَيْرَ مُمْتَحَنِينَ قُلْتُ بَلَى قَالَ أَ لَا تَرَى إِلَى صِفَةِ أَمْرِنَا إِنَّ الله اخْتَارَ لَهُ مِنَ المَلَائِكَةَ مُقَرَّبِينَ وَمِنَ النَّبِيِّينَ مُرْسَلِينَ وَمِنَ المُؤْمِنِينَ مُمْتَحَنِينَ.(٥٢) 
الملائكة (الأنوار - الروحانيين - الأبرار):
مروج الذهب للمسعودي عَنْ أبي عبد الله جعفر بن مُحمَّد عَنْ آبائه عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) قَالَ: «فلما خلق الله آدم أبان لَهُ فضله للملائكة، وأراهم ما خصّه به مِنْ سابق العلم، مِنْ حَيْثُ عرّفهم عِنْدَ استنبائه إياه أسماء الأشياء، فجعل الله آدم محراباً وكعبة وقبلة أسجد إليها الأنوار والروحانيين والأبرار...»(٥٣).
ومفادها أن الملائكة الأنوار أعلى طبقة من الملائكة الروحانيين، ووجه التسمية والتوصيف بالنور واضح فأنه أشد لطافة من الروحانيين كما أن الروحانيين أكثر لطافة من سائر طبقات الملائكة.
 وهذا التقسيم ذكر في رواية الحضيني فِي الهداية الكبرى بِسَنَدِهِ المُتّصل عَنْ المفضل بن عمر - فِي حديث طويل عَنْ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - وفيه عِنْدَمَا سأله المفضل، قَالَ المفضل: - يا مولاي أوليس يُقَال أنَّ إبليس كَانَ مِنْ الملائكة؟ قَالَ: بلى يا مفضل هُوَ مِنْ الملائكة لا الروحانية ولا النورانية ولا سكان السماوات، ومعنى ملائكة هُوَ اسم واحد فيصرف، فَهُوَ ملك ومالك ومملوك، هَذَا كله اسم واحد، وَكَانَ أملاك الأرْض أمَّا سمعت قول الله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ وقوله تَعَالَى ﴿وَالجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُوم﴾ وَقَالَ: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَان﴾. وقوله تَعَالَى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾(٥٤)
وفي كشف الغمة عَنْ كتاب كفاية الطالب فِي مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) للكنجي الشافعي: «... وَقَدْ جمع الروحانيين والكروبيين فِي وادٍ يُقَال لَهُ: الأفيح تحت شجرة طوبى...»(٥٥).
قَالَ صاحب المناقب عَنْ أبي جعفر الهنداوني «... قَدْ أقبل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسمعت صهيل الخيل وقعقعة السّلاح مَعَ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل والكروبيين والروحانيين والمُقرّبين...»(٥٦).
حقيقة العقل ملك روحاني وطبقة من الملائكة:
وَرَوُى الصَّدُوق فِي علل الشرائع عَنْ عمر بن علي بن أبي طالب عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): «أنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سئل مما خلق الله جَلَّ جَلالَهُ العقل؟ قَالَ: خلقه ملك لَهُ رؤوس بعدد الخلائق منْ خُلِق وَمِنْ يُخلَق إلى يَوُم القيامة وَلِكُلِّ رأس وجه وَلِكُلِّ آدمي رأس مِنْ رؤوس العقل، واسم ذَلِكَ الإنسان عَلَى وجه ذَلِكَ الرأس مكتوب وعَلَى كل وجه ستر ملقى لا يكشف ذَلِكَ الستر مِنْ ذَلِكَ الوجه حَتّى يولد هَذَا المولود ويبلغ حد الرجال أو حد النساء، فإذا بلغ كشف ذَلِكَ الستر فيقع فِي قلب هَذَا الإنسان نور، فيفهم الفريضة والسنة والجيد والرديء، ألا ومثل العقل فِي القلب كمثل السراج فِي وسط البيت»(٥٧).
وبيان مفاد الرِّوَايَة:
١ - يُحتمل كون أنَّ العقل هو ملك لَهُ رؤوس بعدد رؤوس الخلائق، ويُحتمل أنْ يُراد أنَّ العقل منشأ خلقه مِنْ الملك وأنَّ النُّور هُوَ العقل - فِي كُلّ إنسان بل في كل مخلوق ملكا كان أو جنا أو غيرهم - مِنْ ذَلِكَ الملك.
٢ - ثم إن العقل إذا كان ملكا فماذا عن حقيقة جوهر الجهل وكذلك ما هي حقيقة جوهر البحرين اللذين نشأ منهما العقل والجهل.
وروى بن عباس مسائل بن سلام وأجوبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ تَمُرُّ الخَلَائِقُ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ يَكْسُو الله الخَلَائِقَ نُوراً فَأَمَّا نُورُ المُسْلِمِينَ وَنُورُ المُؤْمِنِينَ فَمِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَنُورُ المَلَائِكَةِ مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَنُورِ الجَنَّةِ فَلَا يُطْفَأُ نُورُهُمْ أَبَداً وَأَمَّا الْكَافِرُونَ فَمِنَ الْأَرْضِ وَالْجِبَالِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَوَّلِ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ قَالَ المُؤْمِنُونَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَصِفْ لِي ذَلِكَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ فِي المُؤْمِنِينَ مَنْ يَجُوزُ عَلَى الصِّرَاطِ عِشْرِينَ عَاماً فَإِذَا بَلَغَ أَوَّلُهُمُ الجَنَّةَ تَرْكَبُ الْكُفَّارُ عَلَى الصِّرَاطِ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوا أَطْفَأَ الله نُورَهُمْ فَيَبْقَوْنَ بِلَا نُورٍ فَيُنَادُونَ بِالمُؤْمِنِينَ ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ فَيُقَالُ لَهُمْ أَ لَيْسَ فِيكُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَصْحَابُ وَالْإِخْوَةُ فَيَقُولُونَ أَ وَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ فِي دَارِ الدُّنْيَا ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ الله وَغَرَّكُم بِالله الْغَرُور فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ المَصِير﴾(٥٨)فَيَأْمُرُ الله (عزَّ وجلَّ) جَهَنَّمَ فَتَصِيحُ بِهِمْ صَيْحَةً عَلَى وُجُوهِهِمْ فَيَقَعُونَ فِي النَّارِ حَيَارَى نَادِمِينَ وَيَنْجُو المُؤْمِنِينَ (٥٩) بِبَرَكَةِ الله وَعَوْنِه (٦٠) 
ومفاده:
١ - أن نور المؤمنين من نور العرش أعلى من نور الملائكة الذين هم من نور الكرسي ومن نور الجنة.
٢ - كما أن نورهم هذا أعلى من النور الذي لهم من العقل لأن العقل خلقته دون العرش بل دون الكرسي.
٣ - نعم نور العقل فوق نور الجنة.
٤ - فللمؤمن نور عرشي وهو أعلى من نوره العقلي، كما أن نور الكرسي أعلى من النور العقلي.
٥ - وبالتالي الأنوار طبقات.
٦ - كما أن النور الأسمائي أعلى من النور العرشي ومن نور الكرسي
فضلا عن النور العقلي، كما هو الحال في نور أهل البيت حيث اشتقوا من نور الأسماء، بل هم الأسماء في طبقات ذواتهم النورية العليا، كما أن نور الأسماء هو على طبقات.
اللوح والقلم ملكان:
وهما أسبق خلقة على العقل حسب جملة من الروايات، بل قد يستظهر من عدة من الروايات أن القلم متقدم خلقة على العرش.
وروى الصدوق بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنِ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ فَقَالَ هُمَا مَلَكَانِ.(٦١)
ومقتضى مفاد الحديث أن حقيقة الملك تطلق على طبقات مختلفة واذا اطلقت على الطبقة النازلة فالطبقة العالية يطلق عليها الأنوار إن كان التفاوت كبيرا، أو يطلق عليها الأرواح الأمرية إن كان التفاوت متوسط.
وروى الديلمي في غرر الأخبار: جابر بن عبد الله، قال: سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أوّل ما خلق الله تعالى، فقال: «يا جابر، أوّل ما خلق الله نور نبيّك، اشتقّه من نوره، فأقبل ذلك النور يتردّد حتّى لحق بالعظمة، فسجد لها، فقسم الله تعالى ذلك النور على أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأوّل العرش، ومن الثاني القلم، وقال للقلم: در حول العرش واكتب؛ قال:
يا ربّ، وما أكتب؟ قال: توحيدي، وفضل نبيّي محمّد، فدار وكتب: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله؛ وخلق من الثالث اللوح، وقال للقلم: أجر في اللوح واكتب، قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي، وما أنا خالقه إلى يوم القيامة؛ فجرى القلم وكتب (ذلك على اللوح)؛ وبقي الجزء الرابع يتردّد حتّى لحق بالعظمة فسجد للعظمة، ولذلك تسجد أمّتي إلى يوم القيامة.(٦٢)
وقد يظهر من الرواية تأخر القلم عن العرش لاسيما وأنه يدور حول العرش، ويظهر منها تأخر اللوح وهيمنة القلم عليه.
وروى في الإختصاص مسائل عبد الله بن سلام وأجوبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ خَلَقَهُنَّ الله بِيَدِهِ قَالَ خَلَقَ الله جَنَّاتِ عَدْنٍ بِيَدِهِ وَنَصَبَ شَجَرَةَ طُوبَى فِي الجَنَّةِ بِيَدِهِ وَخَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) بِيَدِهِ وَكَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا قَالَ جَبْرَئِيلُ قَالَ جَبْرَئِيلُ عَمَّنْ قَالَ عَنْ مِيكَائِيلَ قَالَ مِيكَائِيلُ عَمَّنْ قَالَ عَنْ إِسْرَافِيلَ قَالَ إِسْرَافِيلُ عَمَّنْ قَالَ عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ قَالَ اللَّوْحُ عَمَّنْ قَالَ عَنِ الْقَلَمِ قَالَ الْقَلَمُ عَمَّنْ قَالَ عَنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّد(٦٣)... - وفي - صفة القلم واللوح المحفوظ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا خَلَقَ الله بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قَالَ وَمَا تَفْسِيرُ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ قَالَ النُّونُ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ وَالْقَلَمُ نُورٌ سَاطِعٌ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُون﴾ (٦٤) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي وَمَا طُولُهُ وَمَا عَرْضُهُ وَمَا مِدَادُهُ وَأَيْنَ مَجْرَاهُ قَالَ طُولُ الْقَلَمِ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ وَعَرْضُهُ مَسِيرَةُ ثَمَانِينَ سَنَةً لَهُ ثَمَانُونَ سِنّاً يَخْرُجُ الْمِدَادُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ يَجْرِي فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ بِأَمْرِ الله وَسُلْطَانِهِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِمَّا هُوَ قَالَ مِنْ زُمُرُّدَةٍ خَضْرَاءَ أَجْوَافُهُ اللُّؤْلُؤُ بِطَانَتُهُ الرَّحْمَةُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي كَمْ لَحْظَةً لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لَحْظَةً(٦٥) يُمْضِي وَيَرْفَع (٦٦) 
ومفاد الرواية في مراتب خلقة الملائكة وأن خلق ما بعد ذلك أي ما فوق الملائكة المقربين فالبدء ب - (ن) ثم القلم في السورة هي صعودا ومن ثم القلم بحسب بيان الرواية الشريفة، والظاهر أن جملة من الملائكة - لاسيما ما فوق المقربين - أشكالهم في لطافة الأجسام والمواد كالجمادات، ولعل ذلك إشارة الى تفاني ذواتهم في الحكاية الأسمائية الآيتية، ومن ثم لم يذكر موتان للأرض وللسماوات مع أنها ذوات أرواح، نعم هي تطوى ولعله نحو موتان لها، نحو دكدكة الجبال وتناثرها.
وفي صحيح ضريس عن ابي جعفر (عليه السلام):... قَالَ ثُمَّ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى لِلْمُسَاءَلَةِ الْقَلَمُ قَالَ فَيَتَقَدَّمُ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ الله فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، فَيَقُولُ الله هَلْ سَطَرْتَ فِي اللَّوْحِ مَا أَلْهَمْتُكَ وَأَمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ فَيَقُولُ الْقَلَمُ نَعَمْ - يَا رَبِّ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ سَطَرْتُ فِي اللَّوْحِ مَا أَمَرْتَنِي وَأَلْهَمْتَنِي بِهِ مِنْ وَحْيِكَ فَيَقُولُ الله فَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ - وَهَلِ اطَّلَعَ عَلَى مَكْنُونِ سَرِّكَ خَلْقٌ غَيْرُكَ، قَالَ فَيَقُولُ لَهُ الله أَفْلَحَتْ حُجَّتُكَ، قَالَ ثُمَّ يُدْعَى بِاللَّوْحِ فَيَتَقَدَّمُ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ - حَتَّى يَقِفَ مَعَ الْقَلَمِ، فَيَقُولُ لَهُ هَلْ سَطَرَ فِيكَ الْقَلَمُ مَا أَلْهَمْتُهُ وَأَمَرْتُهُ بِهِ مِنْ وَحْيِي، فَيَقُولُ اللَّوْحُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ إِسْرَافِيلَ، فَيَتَقَدَّمُ مَعَ الْقَلَمِ وَاللَّوْحِ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، فَيَقُولُ الله هَلْ بَلَّغَكَ اللَّوْحُ مَا سَطَرَ فِيهِ الْقَلَمُ مِنْ وَحْيِي فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ جَبْرَئِيلَ فَيُدْعَى بِجَبْرَائِيلَ فَيَتَقَدَّمُ حَتَّى يَقِفَ مَعَ إِسْرَافِيلَ فَيَقُولُ الله هَلْ بَلَّغَكَ إِسْرَافِيلُ مَا بُلِّغَ - فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ جَمِيعَ أَنْبِيَائِكَ - وَأَنْفَذْتُ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ - وَأَدَّيْتُ رِسَالَتَك َ إِلَى نَبِيٍّ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ رَسُول...(٦٧) 
ومفاده:
١ - تمثل الملك الذي هو القلم بصورة الآدميين في عرصة المحشر وكذلك حال الملك الذي هو اللوح، وفي جملة من الروايات والآية تمثل الروح الأمري الأعظم الذي هو القرآن وقيامه مع الملائكة صفاً صفاً يتمثل في صورة الآدميين، بل ظاهر الرواية تمثل إسرافيل وجبرائيل أيضا في صورة الآدميين، كما هو حال تنزل الملائكة في صور الآدميين عند مجيئهم للأنبياء والأصفياء، وهذا التمثل ليس تخييلا للناظرين بصورة في أذهانهم من دون صورة جسمانية خارجية، وهذا نحو تشكل للملائكة في مستوى الأجسام السفلية.
٢ - لا يبعد التلازم بين التمثل بصورة الآدميين ونحوها من صور الأجسام الأرضية وقيام المحاسبة الإلهية، ولعله لأجل ذلك يحاسب القلم واللوح الملكان مع كونهما ممن لا يموت عند النفخ والصعقة، لكنهما مأموران بوظائف إلهية.
٣ - نعم قد ورد الجزاء والثوب يتصاعد الى الدخول في الرحمة والخروج منها في العقل الذي هو ملك وكذلك الجهل، بل البحرين الذين هما فوقهما.
جبل الملائكة عَلَى الطاعة:
روى العيّاشي عَنْ أبي ولّاد، قَالَ: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداك، إنَّ رجلاً مِنْ أصحابنا ورعاً مسلماً كثير الصَّلاة... ثمَّ قَالَ: إنَّ طائفة مِنْ الملائكة عابوا ولد آدم فِي اللّذات والشهوات، أعني لكم الحلال ليس الحرام، قَالَ: فأنف الله للمؤمنين مِنْ ولد آدم من تعيير الملائكة لهم، قَالَ: فألقى الله فِي همم أولئك الملائكة اللّذات والشهوات كي لا يعيبون المُؤْمِنِين، قَالَ: فلمّا أحسّوا ذَلِكَ مِنْ هممهم عجّوا إلى الله مِنْ ذَلِكَ، فقالوا: ربنا عفوك عفوك ردّنا إلى ما خلقتنا لَهُ واخترتنا [أجبرتنا] عَلَيْهِ، فإنّا نخاف أنْ نصير فِي أمر مريج، قَالَ: فنزع الله ذَلِكَ مِنْ هممهم، قَالَ: فإذا كَانَ يَوُم القيامة وصار أهل الجَنّة فِي الجَنّة استأذن أولئك الملائكة عَلَى أهل الجَنّة فيؤذن لهم فيدخلون عَلَيْهِم فيسلمون عَلَيْهِم ويقولون لهم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ فِي الدُّنْيَا عَنْ اللّذات والشهوات الحلال(٦٨)).
ومفاده: إنَّ جبل الملائكة عَلَى الطاعة ليس بمعنى الجبر لكنَّهُ أقل اختياراً مِنْ الفِعْل الاختياري الناشئ مِنْ القدرة الَّتِي تكابد مواجهة قوة الغضب وَالشَّهْوَة. أي أن اختيار الملائكة أقل درجة وقوة مِنْ اختيار بني آدم.
كما فيما رواه فِي العِدد القوّية وفي تحف العقول فِي جواب الإمام الحسن بن علي (عليه السلام) عَنْ سؤال الحسن البصري حول القدر.
قَالَ (عليه السلام): «... فاتبع ما كتبت إليك فِي القدر فَإنَّهُ مَنْ لَمْ يؤمن بالقدر خيره وشرّه فَقَدْ كفر، وَمَنْ حمل المعاصي عَلَى الله فَقَدْ فجر، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يُطاع بإكراه ولا يعصى بغلبة ولا يهمل العباد مِنْ [في] الملكة ولكنَّهُ المالك لما ملكهم والقادر عَلَى ما أقدرهم فإنْ ائتمروا بالطاعة لم يكن عنها صادّاً مثبطاً وإنَّ ائتمروا بالمعصية فشاء أنْ يحول بينهم وبين ما ائتمروا به فعل، وإنْ لَمْ يفعل فَلَيْسَ هُوَ حملهم عَلَيْهَا ولا كلّفهم إياها جبراً، بَلْ تمكينه إياهم وإعذاره إليهم طرقهم ومكّنهم فجعل لهم السبيل إلى أخذ ما أمرهم به وترك ما نهاهم عنه ووضع التكليف عَنْ أهل النقصان والزمانة والسلام»(٦٩).
 وفي صحيح عبد الله بن سنان، قَالَ سألت أبا عبد الله جعفر بن مُحمَّد الصَّادِق (عليهما السلام)، فقلت: الملائكة أفضل أم بني آدم؟ فَقَالَ: «قَالَ أمير المُؤْمِنِين علي بن أبي طالب (عليه السلام): إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) ركَّب فِي الملائكة عقلاً بلا شهوة وركب فِي البهائم شهوة بلا عقل، وركّب فِي بني آدم كليهما فَمَنْ غلب عقله شهوته فَهُوَ خير مِنْ الملائكة وَمَنْ غلبت شهوته عقله فَهُوَ شرّ مِنْ البهائم»(٧٠).
وَرَوُى الاسترابادي فِي تأويل الآيات الظاهرة عَنْ الصَّدُوق بإسناده يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه، قَالَ: «سمعت رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول افتخر إسرافيل عَلَى جبرئيل، فَقَالَ: أنا خير منك، فَقَالَ ولِمَ أَنْتَ خير مِنِّي؟
قَالَ: لأنِّي صاحب الثمانية حملة العرش وأنا صاحب النفخة فِي الصُّور وأنا أقرب الملائكة إلى الله (عزَّ وجلَّ)، فَقَالَ لَهُ جبرئيل: أنا خير منك، فَقَالَ لَهُ إسرافيل: وبماذا أَنْتَ خير مِنِّي؟ قَالَ: لإنِّي أمين الله عَلَى وحيه ورسوله إلى الأنبياء والمرسلين وأنا صاحب الخسوف والقرون وما أهلك الله أُمَّة مِنْ الأمم إلَّا عَلَى يدي.
قَالَ: فاختصما إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فأوحى إليهما: اسكتا فو عزّتي وجلالي لَقَدْ خلقت مَنْ هُوَ خير منكما، قالا: يا ربِّ وتخلق مَنْ هُوَ خير منّا ونحن خلقتنا مِنْ نور؟ فَقَالَ الله: نعم وأوحى إلى حجب القدرة: انكشفي، فانكشفت فإذا عَلَى ساق العرش مكتوب (لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين خير خلق الله) فَقَالَ جبرئيل: يا ربِّ فأسألك بحقّهم عليك أنْ تجعلني خادمهم، فَقَالَ الله تَعَالَى: قَدْ فعلت فجبرئيل مِنْ أهل البيت وَأنَّهُ لخادمنا»(٧١).
ومفاده:
١ - قد ورد في روايات عديدة كون جبرئيل منهم (عليهما السلام)، ولعل تفسيره كون خلقته من طينة النور التي خلقوا منها.
٢ - الاختصام بين الملكين المقربين وإن كان في الخير نظير ما ورد في ليلة المبيت على الفراش بين جبرئيل وميكائيل (عليهما السلام) - يفيد تصاعد التقابل وإن كان بنحو لطيف شفاف بخلاف التقابل بين حقيقة العقل والجهل الذي هو تقابل بين الخير والشر، بل نظير ما هو أعلى لطافة منه وهو التكثر في الأسماء الذي يغاير الوحدة في المسمى.
درجات تولي وتبري الملائكة:
حديث حنين الجذع (العود):
وأمَّا حنين العود إلى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَإنَّ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانَ يخطب بالمدينة إلى جذع نخلة فِي صحن مسجدها، فَقَالَ لَهُ بَعْض أصحابه: يا رَسُوُل الله إنَّ الناس قَدْ كثروا، وَأنَّهُم يحبون النظر إليك إذَا خطبت فلو أذنت فِي أنْ نعمل لك منبراً لَهُ مراق ترقاها فيراك الناس إذَا خطبت، فأذن فِي ذَلِكَ. فلما كَانَ يَوُم الجمعة مَرَّ بالجذع. فتجاوزه إلى المنبر فصعده، فلما استوى عَلَيْهِ حنّ إليه ذَلِكَ الجذع حنين الثكلى، وأنّ أنين الحبلى، فارتفع بكاء الناس وحنينهم وأنينهم وارتفع حنين الجذع وأنينه فِي حنين الناس وأنينهم ارتفاعاً بيّناً، فلما رأى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذَلِكَ نزل عَنْ المنبر وأتى الجذع فاحتضنه ومسح عَلَيْهِ يده، وَقَالَ: اسكن فما تجاوزك رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تهاوناً بك، ولا استخفافاً بحرمتك ولكن ليتمّ لعباد الله مصلحتهم ولك جلالك وفضلك إذْ كُنْت مستند مُحمَّد رَسُوُل الله، فهدأ حنينه وأنينه وعاد رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى المنبر، ثمَّ قَالَ: «معاشر المسلمين هَذَا الجذع يحنّ إلى رَسُوُل ربّ العالمين، ويحزن لبعده عنه وفي عباد الله - الظالمين أنفسهم - مِنْ لا يبالي: قرب مِنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو بَعْدَ. ولولا أنَّي ما احتضنت هَذَا الجذع، ومسحت يدي عَلَيْهِ ما هدأ حنينه (وأنينه) إلى يَوُم القيامة وإنَّ مِنْ عباد الله وإمائه لِمَنْ يحنّ إلى مُحمَّد رَسُوُل الله وَإلى عليّ وليّ الله كحنين هَذَا الجذع، وحسب المؤمن أنْ يكون قلبه عَلَى موالاة مُحمَّد وعلي وآلهما الطَّيْبِين الطَّاهِرين منطوياً، أرأيتم شدّة حنين هَذَا الجذع إلى مُحمَّد رسول الله؟ كيف هدأ لما احتضنه مُحمَّد رَسُوُل الله ومسح يده عَلَيْهِ؟ قالوا بلى يا رَسُوُل الله، قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): والذي بعثني بالحقّ نبياً، إنَّ حنين خزّان الجنان وحور عينها وساير قصورها ومنازلها إلى مَنْ يتولى محمداً وعليّ وآلهما الطَّيْبِين ويبرأ مِنْ أعدائهم لأشدّ مِنْ حنين هَذَا الجذع الذي رأيتموه إلى رَسُوُل الله وإنَّ الذي يسكن حنيهم وأنينهم، ما يردّ عَلَيْهِم مِنْ صلاة أحدكم - معاشر شيعتنا - عَلَى مُحمَّد وآله الطَّيْبِين، أو صلاته لله نافلة، أو صوم أو صدقة، وإنَّ عظيم ما يسكن حنيهم إلى شيعة مُحمَّد وعلي ما يتصل بهم مِنْ إحسانهم إلى إخوانهم المُؤْمِنِين، ومعونتهم لهم عَلَى دهرهم، يقول أهل الجنان بعضهم لبعض: لا تستعجلوا صاحبكم فما يبطي عنكم إلَّا للزيادة فِي الدرجات العاليات فِي هَذِهِ الجنان بإسداء المعروف إلى إخوانه المُؤْمِنِين وأعظم مِنْ ذَلِكَ - مما يسكن حنين سكّان الجنان وحورها إلى شيعتنا - ما يعرفهم الله مِنْ صبر شيعتنا عَلَى التقيّة واستعمالهم التورية ليسلموا بها مِنْ كفرة عباد الله وفسقتهم فحينئذٍ يقول خزّان الجنان وحورها: لنصبرنّ عَلَى شوقنا إليهم (وحنينا) كَمَا يصبرون عَلَى سماع المكروه فِي ساداتهم وأئمتهم، وَكَمَا يتجرّعون الغيظ ويسكتون عَن إظهار الحَقّ لما يشاهدون مِنْ ظلم مَنْ لا يقدرون عَلَى دفع مضرته، فَعِنْدَ ذَلِكَ يناديهم ربنا (عزَّ وجلَّ): يا سكّان جناني ويا خزّان رحمتي ما لبخل أخّرت عنكم أزواجكم وساداتكم، ولكن ليستكملوا نصيبهم مِنْ كرامتي بمواساتهم إخوانهم المُؤْمِنِين، والأخذ بأيدي الملهوفين والتنفيس عَنْ المكروبين، وبالصبر عَلَى التقيّة مِنْ الفاسقين والكافرين، حَتّى إذَا استكملوا أجزل كراماتي نقلتهم إليكم عَلَى أسرّ الأحوال وأغبطها فأبشروا فَعِنْدَ ذَلِكَ يسكن حنينهم وأنينهم»(٧٢).
ومفاده:
١ - كون الجمادات ذات أرواح، وإن كانت أرواحهم ليست مفعلة نشطة كحال الإنس والجن والحيوانات.
٢ - ولا يخفى شهرة حديث حنين الجذع وأقوال علماء الفريقين فيه وتصريح عدة منهم أنها معجزة وأن نقلها بالتواتر وقد عقد عدة من المحدثين والمتكلمين لها بابا وفصلا واشتملت الروايات على فقرات خطيرة تبين خطورة حدث حنين الجذع.
٣ - أن الحنين والشوق المتعلق بالإيمان يستجاب له، وولاء الملك للمؤمن أو المؤمن للمؤمن او للملك أو للحور أو لأهل الجنان يندرج وينبعث من الولاء لله تعالى ورسوله وأهل البيت.
وروى جابر بن يزيد الجعفي عَنْ ابي جعفر (عليه السلام) - حديثا فِي أحوال الكافر مُنْذُ قبض روحه إلى دخوله جهنّم وفيه - ثمَّ يُقَال له: اقرأ كتابك قال: فيقول أيُّهَا الملك كيف أقرأ وجهنّم أمامي، قَالَ فيقول الله: دقّ عنقه وأكسر صلبه وشدّ ناصيته إلى قدميه، ثمَّ يقول خذوه فغلوه، قَالَ فيبتدره لتعظيم قول الله سبعون ألف ملك غلاظ شداد، فمنهم مِنْ ينتف لحيته وَمِنْهُم مِنْ يحطم عظامه، قَالَ فيقول أمَّا ترحموني، قَالَ فيقولون يا شقي كيف نرحمك ولا يرحمك أرحم الراحمين، أفيؤذيك هَذَا قَالَ فيقول: أشدّ الأذى قَالَ فيقولون يا شقي وكيف لو قَدْ طرحناك فِي النَّار، قَالَ فيدفعه الملك فِي صدره دفعة فيهوي سبعين ألف عام، قَالَ فيقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا، قَالَ فيقرن معه حجر عَنْ يمينه وشيطان عَنْ يساره حجر كبريت مِنْ نار يشتعل فِي وجهه ويخلق الله لَهُ سبعين جلداً كُلّ جلد غلظته أربعون ذراعاً بذراع الملك الذي يعذّبه، وبين الجلد إلى الجلد أربعون ذراعاً وبين الجلد إلى الجلد حيّات وعقارب مِنْ نار وديدان مِنْ نار رأسه مثل الجبل العظيم، وفخذاه مثل جبل ورقان وَهُوَ جبل بالمدينة مشفره أطول مِنْ مشفر الفيل فيسحبه سحبا وأذناه عضوضان بينهما سرادق مِنْ نار تشتعل قَدْ اطّلعت النَّار مِنْ دبره عَلَى فؤاده فلا يبلغ درين سامها [دوين بنيانهما] حَتّى يبدل لَهُ سبعون سلسلة للسلسلة سبعون ذراعاً...
(ثمَّ ذكر أنواع وألوان مِنْ العذاب والرواية قَدْ اشتملت عَلَى مقدار ست صفحات مِنْ أنواع العذاب).
فتدخل النَّار أدبارهم فتطلع عَلَى الأفئدة تقلص الشفاه وتطير الجنان وتنضخ الجلود وتذوب الشحوم، ويغضب الحيّ القيّوم، فيقول: يا ملك قل لهم ذوقوا فلن نزيدكم إلَّا عذابا، يا مالك سعّر سعّر قَدْ اشتدّ غضبي عَلَى مَنْ شتمني عَلَى عرشي واستخف بحقي وأنا الملك الجبّار، فينادي مالك: يا أهل الضلال والاستكبار والنعمة فِي دار الدُّنْيَا كيف تجدون مسّ سقر، قَالَ: فيقولون: قَدْ انضجّت قلوبنا وأكلت لحومنا وحطّمت عظامنا، فَلَيْسَ لنا مستغيث ولا لنا معين، قَالَ: فيقول مالك: وعزّة ربي لا أزيدكم إلَّا عذاباً فيقولون إنَّ عذبنا ربّنا لَمْ يظلمنا شيئاً، قَالَ: فيقول مالك فاعترفوا بذنبهم فسحقاً لأصحاب السعير، يعني بُعداً لأصحاب السعير، ثمَّ يغضب الجبّار، فيقول يا مالك سعّر سعّر فيغضب مالك فيبعث عَلَيْهِم سحابة سوداء...
ثمَّ يجعل كُلّ رجل منهم فِي ثلاث توابيت مِنْ حديد النَّار بعضها مِنْ بَعْض فلا يسمع لهم كلاماً أبداً إلَّا أنَّ لهم فيها شهيق كشهيق البغال وزفير مثل نهيق الحمير، وعواء كعواء الكلاب، صم بكم عمي فَلَيْسَ لهم فيها كلام إلَّا أنين فيطبق عَلَيْهِم أبواباً ويسد عَلَيْهِم عمدها فلا يدخل عَلَيْهِم روح أبدا ولا يخرج منهم الغم أبداً، وهي عَلَيْهِم مؤصدة يعني مطبقة لَيْسَ لهم الملائكة شافعون ولا مِنْ أهل الجَنّة صديق حميم وينساهم الرب ويمحو ذكرهم مِنْ قلوب العباد، فلا يذكرون أبدا فنعوذ بالله العظيم الغفور الرَّحمن الرَّحِيم مِنْ النَّار وما فيها وَمِنْ كُلّ عمل يقرّب مِنْ النَّار إنَّهُ غفور رحيم جواد كريم(٧٣).
وفي الرِّوَايَة إشارة إلى:
١ - أنَّ عالم الحجب دون العرش، كَمَا مَرَّتْ الإشارة إليه فِي ترتيب مجموع العوالم، وإنْ كَانَ هُنَاك عالم للحجب أيضاً آخر فوق العرش.
٢ - أن محو ذكر المعذبين من قلوب العباد يشير الى أن الذكر في القلوب والعلقة فيها من أسباب الرحمة وعلائق الأرواح وهو مما يوجب أبواب الرحمة.
٣ - لا يخفى أن شدة العذاب هو في منتهى الحكمة والرحمة وذلك لكون نفوس اولئك العصاة والكفار قد بلغت من العتو والطغيان والعناد واللجاج ما لا تنكسر إلا بهذا القدر من الشدة من العذاب كي ينكسروا بالذل والتذلل لعظمة رب العالمين والخضوع له تعالى هو كمال المخلوق.
النار وخازنها مالك أعظم الخلائق تبرياً مِنْ أعداء مُحمَّد وآل مُحمَّد:
رَوُى فِي البصائر: عَنْ ابي سعيد الخدري، قَالَ كَانَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إذَا سألتم الله فاسألوه الوسيلة لي» قَالَ: فسألنا الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ الوسيلة، فَقَالَ: «هِيَ درجتي فِي الجَنّة وَهِيَ... إِذَا بِمَلَكَيْنِ قَدْ أَقْبَلَا إِلَيَّ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَرِضْوَانُ خَازِنُ الجَنَّةِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَمَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَيَدْنُو إِلَيَّ رِضْوَانُ وَيُسَلِّمُ عَلَيَّ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ الله! فَأَرُدُّ عَلَيْهِ السَّلَامَ فَأَقُولُ: أَيُّهَا المَلَكُ الطَّيِّبُ الرِّيحُ الحَسَنُ الْوَجْهُ الْكَرِيمُ عَلَى رَبِّهِ - مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ: أَنَا رِضْوَانُ خَازِنُ الجَنَّةِ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ آتِيَكَ بِمَفَاتِيحِ الجَنَّةِ فَخُذْهَا يَا مُحَمَّدُ! فَأَقُولُ قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّي - فَلَهُ الحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ، ادْفَعْهَا إِلَى أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَيَدْفَعُهَا إِلَى عَلِيٍّ وَيَرْجِعُ رِضْوَانُ.
ثُمَّ يَدْنُو مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَيُسَلِّمُ عَلَيَّ وَيَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ الله! فَأَقُولُ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ أَيُّهَا المَلَكُ - مَا أَنْكَرَ رُؤْيَتَكَ وَأَقْبَحَ وَجْهَكَ مَنْ أَنْتَ فَيَقُولُ: أَنَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ أَمَرَنِي رَبِّي أَنْ آتِيَكَ بِمَفَاتِيحِ النَّارِ، فَأَقُولُ: قَدْ قَبِلْتُ ذَلِكَ مِنْ رَبِّي - فَلَهُ الحَمْدُ عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيَّ وَفَضَّلَنِي بِهِ - ادْفَعْهَا إِلَى أَخِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، فَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ مَالِكٌ فَيُقْبِلُ عَلِيٌّ (عليه السلام) وَمَعَهُ مَفَاتِيحُ الجَنَّةِ وَمَقَالِيدُ النَّارِ حَتَّى يَقِفَ عَلَى شَفِيرِ جَهَنَّمَ وَيَأْخُذَ زِمَامَهَا بِيَدِهِ وَقَدْ عَلَا زَفِيرُهَا وَاشْتَدَّ حَرُّهَا وَكَثُرَ شَرَرُهَا(٧٤) فتنادي جهنّم:
جزني يا علي فَقَدْ أطفأ نورك لهبي، فيقول لها علي: قرّي يا جهّنم [خذي هذا عدوي واتركي هذا وليي] ذري هَذَا ولييّ وخذي هذا عدوي، قَالَ: فلجهنّم يومئذٍ [أطوع] اشدّ مطاوعة لعلي بن أبي طالب مِنْ غلام أحدكم، فإنْ شاء ذهب بها يمنه وإنْ شاء ذهب بها يسرة، ولجهنّم يومئذٍ أطوع لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فيما يأمرها مِنْ جميع الخلائق»(٧٥).
ومفادها:
١ - وصف جهنم بأنها أشد مطاوعة لعلي (عليه السلام) في أعدائه، وهي أطوع من جميع الخلائق فيما يأمرها في أعدائه، فلا تجد مخلوق أشد على أعداءه تبريا وغيضا منها والعموم شامل، وفي الرواية الآتية أن مالك خازن النار يزداد كل يوم غضبا وغيضا لأعداء الله وأهل جهنم.
٢ - كون - مالك خازن النيران شديد القبح وكريه المنظر وفي بعض روايات المعراج نتن الريح - لا ينافي أنه من ملائكة النور ومن المقربين فظاهره لا يتناقض مع باطنه.
وفي صحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) - في حديث المعراج -... فَمَا لَقِيَنِي مَلَكٌ إِلَّا كَانَ ضَاحِكاً مُسْتَبْشِراً حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ - لَمْ أَرَ أَعْظَمَ خَلْقاً مِنْهُ كَرِيهَ المَنْظَرِ ظَاهِرَ الْغَضَبِ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالُوا مِنَ الدُّعَاءِ - إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ - وَلَمْ أَرَ فِيهِ مِنَ الِاسْتِبْشَارِ وَمَا رَأَيْتُ مِمَّنْ ضَحِكَ مِنَ المَلَائِكَةِ، فَقُلْتُ مَنْ هَذَا يَا جَبْرَئِيلُ فَإِنِّي قَدْ فَزِعْتُ فَقَالَ يَجُوزُ أَنْ تَفْزَعَ مِنْهُ، وَكُلُّنَا نَفْزَعُ مِنْهُ هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ لَمْ يَضْحَكْ قَطُّ - وَلَمْ يَزَلْ مُنْذُ وَلَّاهُ الله جَهَنَّمَ يَزْدَادُ كُلَّ يَوْمٍ غَضَباً وَغَيْظاً - عَلَى أَعْدَاءِ الله وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ - فَيَنْتَقِمُ الله بِهِ مِنْهُمْ - وَلَوْ ضَحِكَ إِلَى أَحَدٍ قَبْلَكَ - أَوْ كَانَ ضَاحِكاً لِأَحَدٍ بَعْدَكَ لَضَحِكَ إِلَيْكَ وَلَكِنَّهُ لَا يَضْحَكُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ وَبَشَّرَنِي بِالجَنَّةِ (٧٦) 
ومفاده:
١ - فوصف مالك خازن النار (ولم يزل منذ ولاه الله جهنم يزداد كل يوم غضبا وغيظا - على أعداء الله وأهل معصيته - فينتقم الله به منهم) فازدياده غضبا وغيضا - على اعداء الله والعاصين - كمال اختص به من بين المخلوقات، وأنه ينتقم الله به منهم.
٢ - أنه تولي مالك للنار حادث بعد خلق النار وبعد مدة، والظاهر أن توليتها كانت بيد غيره، نظير حمل العرش، فإنه يوم القيامة سيحمله بدل ملائكة حملة العرش ثمانية من البشر.
٣ - كما ذكر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثلاث خصال لمالك خازن النار تختلف مع غالب صفات الملائكة منها أنه كريه المنظر ومنها استشعار الغضب والغيض من وجهه ومنها الفزع منه مع أن الوقار والسكينة هي الأثر المستشعر من غالب الملائكة.
وفي نهج البلاغة قوله (عليه السلام): اعلمتم أنَّ مالكاً إذَا غضب عَلَى النار حطّم بعضها بعضا لغضبه وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعاً مِنْ زجرته.(٧٧)
 وفي كلامه (عليه السلام) دلالة على أشدية غضب مالك على غضب النار على أعداء الله. وغضب الله فوق ذلك كما يشير اليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُون﴾ فمقت الله أكبر من مقت الكافرين لأنفسهم، وهذا لا ينافي رحمة الله الواسعة، بل هو لأجل الرحمة لأن غيّ وعتو الكافرين مبعد لهم عن الرحمة فمقت هذا المانع هو لأجل إبعاد المانع لهم عن الرحمة.
خلق الله أرواح الملائكة قبل أبدانها:
عموم قاعدة خلق الأرواح قبل الأبدان لكل ذي روح:
وَيَدُلّ عَلَيْهِ جملة مِنْ الأُمُور:
الأوَّل: إنَّ عموم القاعدة الواردة فِي الأرواح خلق الله الأرواح قبل الأبدان بألفيّ عام، عمومه شامل للملائكة والجنّ ولكل ذي روح وَلَيْسَ خاصّا بالإنس، بَلْ يعمّ الحيوانات، بَلْ شامل لِكُلِّ كائن ذي روح، هَذَا مَعَ تفاوت طبقات الأرواح.
الثَّانِي: ما وَرَدَ فِي روايات المعراج، وَهُوَ ما رواه العلّامة فِي كشف اليقين عَنْ ابن بابويه بِسَنَدِهِ المُتّصل إلى عبد الله بن عباس، وكذلك ما رواه صاحب المُحتضر عَنْ كتاب المعراج عَنْ الصَّدُوق بِسَنَدِهِ أيضاً مِنْ حديث طويل فِي خطبة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حول المعراج والحديث القدسي الذي فيه، وقوله تَعَالَى: «يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّك رسولي إلى جميع خلقي وإنَّ علياً ولييّ وأمير المُؤْمِنِين وَعَلَى ذَلِكَ أخذت ميثاق ملائكتي وأنبيائي وجميع خلقي وَهُمْ أرواح مِنْ قبل أنْ أخلق خلقاً فِي سمائي وأرضي»(٧٨).
وظاهره عود الضمير الى جميع الخلق الشامل للملائكة وهم أرواح قبل أن يخلق لهم أجساد سماوية أو أرضية.
ووَرَدَ فِي دعاء ليلة عرفة: «اللهمَّ يا شاهد كُلّ نجوى... وبحق الملائكة المُقرّبين والروحانيين والكروبيين والمسبّحين لك بالليل والنهار لا يفترون»(٧٩).
وفيه مقابلة بين الروحانيين وبقية أقسام الملائكة وقد ورد ذلك كثيرا في الروايات من الأدعية وبقية المعارف، مما يبين أن نسبة بعض الملائكة الى بقية الأقسام كنسبة الروح الى الجسد ومن ثم كان هذا الوصف نسبي أي أن كل طبقة ألطف من الملائكة بالقياس الى ما دونها هي روحانية، كما أن ما فوقها إليها روحاني وهي جسدانية لطيفة.
٤ - وفي موثّقة سماعة: كُنْت عِنْدَ أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة مِنْ مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فَقَالَ (عليه السلام): «اعرفوا العقل وجنوده تهتدوا» قَالَ سماعة: جُعلتُ فداك، لا نعرف إلَّا ما عرفتنا، فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلق العقل وَهُوَ أوَّل خلق مِنْ الروحانيين عَنْ يمين العرش مِنْ نوره، فَقَالَ: ادبر فأدبر، ثمَّ قَالَ لَهُ: اقبل فأقبل، فَقَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: خلقتك خلقاً عظيماً...»(٨٠).
١ - ومعنى الرِّوَايَة: مُحتمل تفسيره بما تَقَدَّمَ فِي مرسلة جامع الأخبار(٨١) فِي البحار مِنْ المعنيين المتقدّمين، أيّ كون العقل روحانيا أيّ أنَّه من أعلى الأرواح هِيَ روح العقل وألطفها شفافية فِي قوالب الجسم الشفّاف أو أنَّ المُراد أنَّ العقل المُجرّد عَنْ الجسمية مِنْ عالم النُّور أقرب الأجسام متعلّقاً له هِيَ الرُّوُح الأمرية أيّ من نهايات التشفف الجسماني، وإن كان الصحيح أن وصفه بالنور اضافي كما مر في عالم الأمر لا وصف مطلق حقيقي كما في عالم الأسماء.
ملحوظة: قَدْ أدرج المجلسي (رحمه الله) فِي البحار فِي كتاب السَّماء والعالم باب حقيقة النفس والرُّوُح، أخرج هَذِهِ الروايات المُتَقَدِّمَة ثمَّ أردفها بروايات الطّينة وَهُوَ فِي محله؛ لِأنَّ روايات الطّينة كَمَا عرفت هِيَ طينة طبقات الرُّوُح باختلاف طبقات الأجساد غَيْر المرئية المتفاوتة شفّافية ولطافة.
٢ - إنَّ مُقْتَضَى كون العقل أوَّل خلق مِنْ الروحانيين أنَّ طبقات الإيجاد للمُمكنات أوّلها النُّور من عالم الأسماء، ثمَّ عالم الأرواح وأوائل الأرواح العقل أو ما فوقه من عالم العرش وفوقه من الحجب، ثمَّ النفوس ثمَّ الأبدان الأرضية، وَقَدْ مَرَّ أنَّ العرش هُوَ الآخر فوق العقل، وَهُوَ أيضاً روحاني ألطف مِنْ العقل، بل مر وجود أرواح نورية فوق العرش خلق منها العرش.
٣ - المُراد بيمين العرش الجانب العلوي، كَمَا أنَّ المُراد بشماله سفله، مما يشير إلى أنَّ خلق العقل كروح عرشيّة، بَلْ روح علويّة عرشيّة. الرجعة ومقاماتهم عليهم السلام فِي كل العوالم
ظهور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والوصي (عليه السلام) يَوُم القيامة أو فِي الجَنّة أكمل مما كانا عَلَيْهِ بنحو يجهلهما الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، فضلاً عَنْ سائر المُؤْمِنِين، وهَذَا يدلِّل على أنَّ المعرفة الكاملة بهم في العوالم النازلة لَمْ تتم لهم.
روى فِي البصائر عَنْ أبي سعيد الخدري عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كَانَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: إذَا سألتم الله فاسألوه الوسيلة لي... فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أُقبل أنا يومئذٍ مُئتزراً بريطة مِنْ نور عليّ تاج الملك وأكليل الكرامة وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أمامي ولوائي بيده، وَهُوَ لواء الحمد، مكتوب عَلَيْهِ (لا إله إلَّا الله) المفلحون هُمْ الفائزون بالله فإذا مررنا بالنبيين قالوا: هذان ملكان مقرّبان، وإذا مررنا بالملائكة، قالوا: هَذَان [نبيان مرسلان] ملكان لَمْ نعرفهما وَلَمْ نرهما وإذا مررنا بالمؤمنين، قالوا: هَذَا نبيان [لم نرهما ولم نعرفهما] مرسلان حَتّى...»(٨٢).

الفصل الحادي عشر: الرجعة ومجموع العوالم

الرجعة ومجموع العوالم مِنْ الأرضين السبع والسماوات السبع وما بينهما وما فوقهما عوالم جسمانية:
قائمة بمجموع العوالم:
١ - روى فِي المحتضر يرفعه إلى أبي بصير، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عَلَيْهِ المفضل بن عمر، قَالَ: مسألة يا بن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «سَلْ؟» قال: ما منتهى علم العالم؟ قَالَ: «قَدْ سألت جسمياً، ولقد سألت عظيماً، ما فِي السَّماء الدُّنْيَا فِي السَّماء الثانية إلَّا كحلقة درع ملقات فِي أرض فلاة، وكذلك كُلّ سماء عِنْدَ سماء أُخرى، وكذا السَّماء السابعة عِنْدَ الظلمة ولا الظُّلمة عِنْدَ النُّور ولا ذَلِكَ كله فِي الهواء ولا الأرضين بعضها فِي بَعْض، ولا مثل ذَلِكَ كله فِي علم العالم يعني الإمام مثل مد مِنْ خردل دققته دقّاً ثمَّ ضربته بالماء حَتّى إذَا اختلط ورغا أخذت مِنْهُ لعقة بإصبعك، ولا علم العالم فِي علم الله إلَّا مثل مدّ مِنْ خردل دققته دقّاً ثمَّ ضربت بالماء حَتّى إذَا اختلط ورغا انتهزت مِنْهُ برأس ابرة نهزة» ثمَّ قَالَ (عليه السلام) «يكفيك مِنْ هَذَا البيان بأقلّه وَأَنْتَ بأخبار الأُمُور تصيب»(٨٣).
وقد تضمنت الروايات الآتية ما يقرب سبعة وعشرين عالما جسمانيا بضميمة السماوات السبع والأرضين والظلمة والنور والهواء.
مجموع العوالم ستة وعشرين نوعا من العوالم الجسمانية:
٢ - روى فِي الكافي بسنده إلى الحسين بن زيد الهاشمي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «جاءت زينب العطّارة الحولاء إلى نساء الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبناته، وكانت تبيع منهن العطر، فجاء الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهِيَ عندهم، فَقَالَ: إذَا أتيتنا طابت بيوتنا، فقالت: بيوتك بريحك أطيب يا رسول الله، قَالَ: إذَا بعتي فأحسني ولا تغشّي فَإنَّهُ أتقى وأبقى للمال، فقالت يا رسول الله ما أتيت بشيء مِنْ بيعي وَإنَّما أتيت أسألك عَنْ عظمة الله (عزَّ وجلَّ)؟ فَقَالَ: جَلَّ جلال الله سأحدثك عَنْ بَعْض ذَلِكَ، ثمَّ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الأرض بِمَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي تحتها كحلقة ملقاة فِي فلاة قِيٍّ، وهاتان بما فيهما وَمِنْ عليهما عِنْدَ الَّتِي تحتها كحلقة مُلقاة فِي فلاة قي والثالثة حَتّى انتهى إلى السابعة وتلا هَذِهِ الآية ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، والسبع الأرضين بِمَنْ فيهنّ وَمنْ عليهنّ عَلَى ظهر الديك كحلقة فلاة قي والديك لَهُ جناحان؛ جناح فِي المشرق وجناح فِي المغرب ورجلاه فِي التخوم السبع، والديك بِمَنْ فيه وَمَنْ عليه عَلَى الصخرة كحلقة مُلقاة فِي فلاة قي، والصخرة بِمَنْ فيها وَمَنْ عَلَيْهَا عَلَى ظهر الحوت كحلقة مُلقاة فِي فلاة قي والسَّبع والدِّيك والصخرة والحوت بِمَنْ فيه وَمَنْ عَلَيْهِ عَلَى البحر المظلم كحلقة مُلقاة فِي فلاة قِيٍّ والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم عَلَى الهواء الذاهب كحلقة مُلقاة فِي فُلاة قيّ، والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المظلم والهواء عَلَى الثرى كحلقة فِي فلاة قيّ، ثمَّ تلا هذه الآية ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾، ثم انقطع الخبر عَنْد الثرى والسبع والديك والصخرة والحوت والبحر المُظلم والهواء والثرى بِمَنْ فيه وَمَنْ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّماء الأولى كحلقة فِي فلاة قي، وَهَذَا كُلَّهُ وسماء الدُّنْيَا بِمَنْ عَلَيْهَا وَمَنْ فيها عِنْدَ الَّتِي فوقها كحلقة فِي فلاة قي، وهاتان السماءان، وَمَنْ فيهما، وَمَنْ عليهما عِنْدَ الَّتِي فوقهما كحلقة فلاة قي، حَتّى انتهى إلى السابعة، وهنّ وَمَنْ فيهنّ وَمَنْ عليهنَّ عِنْدَ البحر المكفوف عن أهل الأرض كحلقة فِي فلاة قيّ، وهذه السبع والبحر المكفوف عند جبال البرد كحلقة في فلاة قيّ، وتلا هَذِهِ الآية ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾، وَهَذِهِ السبع والبحر المكفوف وجبال البرد عند الهواء(٨٤) الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي، وهذه السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء عِنْدَ حجب النور كحلقة [وفي رواية التوحيد للصدوق زيادة عبارة: وَهِيَ سبعون ألف حجاب يذهب نورها بالأبصار] فِي فلاة قي، وَهَذِهِ السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور عِنْدَ الكرسي كحلقة فِي فلاة قي، ثمَّ تلا هَذِهِ الآية ﴿وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون ﯷ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والْأَرْضَ ولا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ وَهَذِهِ السبع والبحر المكفوف وجبال البرد والهواء وحجب النور والكرسي عِنْدَ العرش كحلقة فِي فلاة قي، وتلا هَذِهِ الآية ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والْأَرْضَ ولا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾». وفي رواية الحسن الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب. اختلفت نسخة الكافي عَنْ كتاب التوحيد بتقدّم الهواء عَلَى حجب النور وتأخُّر حجب النور عَلَى الهواء عكس ما فِي التوحيد وأيضاً فِي التوحيد زيادة الهواء قبل الثرى.
وَعَلَى أيّ تقدير فَكُلّ هَذِهِ عوالم جسمانية تتفاوت فِي اللّطافة والكثافة، ورواية التوحيد الآتية في الحجب والسرادقات والظاهر أنها ما فوق العرش وبمثابة التتميم لما بقي من العوالم، لاسيما وأنها تقرب أن تكون تبيان لعالم الأسماء الإلهية.
٣ - وَروي الصدوق بسنده عن زيد بن وهب قال: سُئِلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) عَنِ الحُجُبِ فَقَالَ أَوَّلُ الحُجُبِ سَبْعَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مِنْهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَالْحِجَابُ الثَّالِثُ (٨٥) سَبْعُونَ حِجَاباً بَيْنَ كُلِّ حِجَابَيْنِ مِنْهَا مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ وَطُولُهُ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ حَجَبَةُ كُلِّ حِجَابٍ مِنْهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قُوَّةُ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ قُوَّةُ الثَّقَلَيْنِ مِنْهَا ظُلْمَةٌ وَمِنْهَا نُورٌ وَمِنْهَا نَارٌ وَمِنْهَا دُخَانٌ وَمِنْهَا سَحَابٌ وَمِنْهَا بَرْقٌ وَمِنْهَا مَطَرٌ وَمِنْهَا رَعْدٌ وَمِنْهَا ضَوْءٌ وَمِنْهَا رَمْلٌ وَمِنْهَا جَبَلٌ وَمِنْهَا عَجَاجٌ وَمِنْهَا مَاءٌ وَمِنْهَا أَنْهَارٌ وَهِيَ حُجُبٌ مُخْتَلِفَةٌ غِلَظُ كُلِّ حِجَابٍ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقَاتُ الجَلَالِ وَهِيَ سَبْعُونَ سُرَادِقاً فِي كُلِّ سُرَادِقٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ بَيْنَ كُلِّ سُرَادِقٍ وَسُرَادِقٍ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ سُرَادِقُ الْعِزِّ ثُمَّ سُرَادِقُ الْكِبْرِيَاءِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْعَظَمَةِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْقُدْسِ ثُمَّ سُرَادِقُ الجَبَرُوتِ ثُمَّ سُرَادِقُ الْفَخْرِ - ثُمَّ النُّورُ الْأَبْيَضُ ثُمَّ سُرَادِقُ الْوَحْدَانِيَّةِ وَهُوَ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ فِي سَبْعِينَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ الْحِجَابُ الْأَعْلَى وَانْقَضَى كَلَامُهُ (عليه السلام) وَسَكَتَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ لَا بَقِيتُ لِيَوْمٍ لَا أَرَاكَ فِيهِ يَا أَبَا الحَسَنِ.(٨٦) 
 ومفاد الرواية في الحجب والسرادقات ثم النور الأبيض ثم سرادق الوحدانية ثم الحجاب الأعلى، وأسماء السرادقات هي العزّ والكبرياء والعظمة والقدس والجبروت والفخر والنور والوحدانية وهي الأسماء العليا ثم الحجاب الأعلى، ولعل بهذا الرواية بناءً على استظهار كون هذه الحجب والسرادقات فوق العرش، ويعضده رواية الصدوق في المعاني(٨٧) الآتية في وجود حجب قبل خلق العرش، نعم الحجب كما مر مرارا عنوان يطلق كوصف على كل عالم فوقي يحجب ما فوقه عما دونه، ومن ثم يطلق على عوالم دون السماء الدنيا وعلى ما فوق السماء السابعة دون العرش، ولعله هذا إطلاق للعنوان على ما فوق العرش، كما أن السرادق كذلك عنوان وصفي يطلق على كل عالم يكون بمثابة بوابه لعالم فوقه، فيطلق على سرادقات العرش، وتتسق منظومة الخلقة لما فوق العرش بناءً على أحد الاحتمالين والرواية السابقة لما دون العرش، نعم بتبيان إجمالي.
٤ - والكليني بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ شَيْخٍ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكَنَّى أَبَا الحَسَنِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ دِيكاً أَبْيَضَ عُنُقُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَرِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ لَهُ جَنَاحٌ فِي المَشْرِقِ وَجَنَاحٌ فِي المَغْرِبِ لَا تَصِيحُ الدُّيُوكُ حَتَّى يَصِيحَ فَإِذَا صَاحَ خَفَقَ بِجَنَاحَيْهِ ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَ الله سُبْحَانَ الله الْعَظِيمِ الَّذِي ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ قَالَ فَيُجِيبُهُ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَيَقُولُ لَا يَحْلِفُ بِي كَاذِباً مَنْ يَعْرِفُ مَا تَقُولُ.(٨٨)
٥ - وعن ابن عبّاس أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال لعليّ (عليه السلام): يا عليّ انّ الله عرض مودّتنا أهل البيت على السّماوات والأرض فأوّل من أجاب منها السّماء السّابعة فزيّنها بالعرش والكرسيّ، ثمّ السّماء الرّابعة فزيّنها بالبيت المعمور، ثمّ سماء الدّنيا فزيّنها بالنّجوم، ثمّ أرض الحجاز(٨٩) فشرّفها بالبيت الحرام، ثمّ أرض الشّام فشرّفها ببيت المقدّس، ثمّ أرض طيبة فشرّفها بقبري، ثمّ أرض كوفان فشرّفها بقبرك يا عليّ فقال: أ قبر بكوفان العراق؟ - فقال له: نعم؛ تقبر بظاهرها فتلا بين الغريّين والذّكوات البيض (٩٠)، يقتلك أشقى هذه الأمّة عبد الرّحمن بن ملجم أدنى أهل النّيران لعنه الله فو الّذي بعثني بالحقّ نبيّا ما عاقر ناقة صالح بأعظم عقابا منه، يا عليّ ينصرك من العراق مائة ألف سيف.(٩١) 
٦ - وفي صحيح الحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الحَسَنِ الرِّضَا (عليه السلام) قَالَ قُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله ﴿وَالسَّمَاء ذَاتِ الحُبُك﴾، فَقَالَ هِيَ: مَحْبُوكَةٌ إِلَى الْأَرْضِ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
فَقُلْتُ: كَيْفَ تَكُونُ مَحْبُوكَةً إِلَى الْأَرْضِ - وَالله يَقُولُ ﴿رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فَقَالَ: سُبْحَانَ الله! أَ لَيْسَ الله يَقُولُ ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ فَقُلْتُ بَلَى - فَقَالَ ثَمَّ عَمَدٌ وَلَكِنْ لَا تَرَوْنَهَا - قُلْتُ كَيْفَ ذَلِكَ جَعَلَنِيَ الله فِدَاكَ - فَبَسَطَ كَفَّهُ الْيُسْرَى ثُمَ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا فَقَالَ: هَذِهِ أَرْضُ الدُّنْيَا وَالسَّمَاءُ الدُّنْيَا عَلَيْهَا فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ الثَّانِيَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا - وَالسَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ الثَّالِثَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَالسَّمَاءُ الثَّالِثَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ الرَّابِعَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ - وَالسَّمَاءُ الرَّابِعَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ الخَامِسَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ - وَالسَّمَاءُ الخَامِسَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ السَّادِسَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الخَامِسَةِ - وَالسَّمَاءُ السَّادِسَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَالْأَرْضُ السَّابِعَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ - وَالسَّمَاءُ السَّابِعَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ - وَعَرْشُ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ الله فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ - وَهُوَ قَوْلُ الله ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾.
فَأَمَّا صَاحِبُ الْأَمْرِ فَهُوَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالْوَصِيُّ بَعْدَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَائِمٌ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ - فَإِنَّمَا يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ إِلَيْهِ مِنْ فَوْقِ السَّمَاءِ - مِنْ بَيْنِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ - قُلْتُ: فَمَا تَحْتَنَا إِلَّا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ - فَقَالَ: مَا تَحْتَنَا إِلَّا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ وَإِنَّ السِّتَّ لَهُنَّ فَوْقَنَا.(٩٢) 
ظاهر الصحيحة تداخل الأرضين الست مع السماوات الست فالمقعر سماء والمحدب فوق أرض، ولعله يحمل في مقابل الروايات الكثيرة - الظاهرة في كون الأرضين السبع كلها دون السماء الدنيا بل دون عوالم هي دون السماء الدنيا - أن المراد هو أن لكل أهل سماء أرض وهم سكان السماوات السبع، وليس المراد الأرضين السبع في مقابل السماوات السبع، أو أن إطلاق الأرضين السبع على نحوين، وأما كون الأرضين الست فوقنا فهو حاصل على كلا المعنيين، وهم عليهم السلام أعلم بذلك، ولابد من التدبر أكثر، لاسيما وأن العوالم التي بين الأرض والسماء الدنيا هي ست فقد تكون أرضين بلحاظ آخر لا سيما أن الأرض مستقرة عليها، ومجال التتبع والتدبر والتحليل واسع.
مجموع العوالم الجسمانية:
بحسب الروايات المتقدمة يتحصل جدولا كالتالي:

١ - ٧

الأرضين السبع

٨

الديك

٩

الصخرة

١٠

الحوت

١١

البحر المظلم

١٢

الهواء الذاهب

١٣

الثرى

١٤ - ٢٠

السماوات السبع

٢١

البحر المكفوف

٢٢

جبال البرد

٢٣

الهواء

٢٤

حجب النور
(فوق الحجب السبعة فوقها سرادقات الجلال)
(ستين سرداقاً كَمَا فِي رواية الخصال(٩٣) أخرها سرادق الوحدانية على أنها دون العرش وإلا فهناك حجب وسرادقات فوق العرش)

٢٥

الكرسي

٢٦

العرش

٢٧ - ٢٨ - ٢٩

الهواء - القلم - النور - الحجب.
(كَمَا فِي رواية القمّي والتوحيد)

٣٠

الحجب
(كَمَا فِي رواية كفاية الأثر للخزّاز)

وفي رواية العلل قوله (عليه السلام):... أَمَّا قَرَارُ هَذِهِ الْأَرْضِ لَا يَكُونُ إِلَّا عَلَى عَاتِقِ مَلَكٍ وَقَدَمَا ذَلِكَ المَلَكِ عَلَى صَخْرَةٍ وَالصَّخْرَةُ عَلَى قَرْنِ ثَوْرٍ وَالثَّوْرُ قَوَائِمُهُ عَلَى ظَهْرِ الحُوتِ فِي الْيَمِّ الْأَسْفَلِ وَالْيَمُّ عَلَى الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةُ عَلَى الْعَقِيمِ وَالْعَقِيمُ عَلَى الثَّرَى وَمَا يَعْلَمُ تَحْتَ الثَّرَى إِلَّا الله عَزَّ وَجَل (٩٤) 
وفي رواية المشارق: ما ورد في كتاب التفسير قوله (عليه السلام):.. ومن ذلك ما ورد في كتاب التفسير أن الله خلق الأرضين السبع وجعل عرش إبليس لعنه الله في الرابعة منها وفيها مسكنه ومسكن جنوده بعد أن كان خازن الجنة وكان في يده ملك السماء الرابعة، وإبليس ابن الجان، والجان هم الذين يصوغون الحلي لأهل الجنّة، والأرض السابعة على ملك يقال له ارياكيل بين مفصل إبهامه وراحته أربعون عاما، وهو في صورة ثور له أربعون ألف قائمة وسبعمائة ألف قرن مشتبكة إلى العرش، وهو على صخرة من زمردة خضراء، والصخرة على جناحي حوت، والحوت في بحر يقال له عقيوس، عمقه عمق السّماوات والأرض، والبحر على الثرى، والثرى على الريح والريح على الهواء، والهواء على الظلمة، والظلمة على جهنم وجهنم على الطمطام، والطمطام تحت الحوت، وما وراء ذلك لا يعلمه إلّا الله، قال: وفي البر ثمانية عشر ألف عالم كأن الله لم يخلق في السّماوات والأرض غيرهم لكثرتهم وخلف البحر السابع قوم يقال لهم الروحانيون في أرض من فضة بيضاء لا تقطعها الشمس إلّا في كل أربعين يوما.(٩٥) 
وفي مصباح الكفعمي الدعاء: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَكُ الْقَائِمُ عَلَى الصَّخْرَةِ تَحْتَ الْأَرَضِينَ السُّفْلَى فَيَثْبُتُ عَلَيْهَا بِذَلِكَ الِاسْمِ فَهُوَ يُسَبِّحُكَ بِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَسْقُطَ مِنْ مَقَامِهِ فَيَهْلِكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ الْأَرَضِينَ عَلَى هَامَّةِ ذَلِكَ المَلَكِ الْقَائِمِ عَلَى الصَّخْرَةِ بِأَمْرِكَ فَهُوَ يُسَبِّحُكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ دَائِماً لَا يَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ لَكَ وَالتَّقْدِيسِ لِيَدُومَ ثُبُوتُهَا وَإِلَّا يَسْقُطُ فِي الْيَمِّ فَيَهْلِكُ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَهْبَطْتَ بِهِ الصَّخْرَةَ مِنْ جَنَّةِ الْفِرْدَوْسِ إِلَى تَحْتِ الْأَرَضِينَ السُّفْلَى كُلِّهَا فَجَعَلْتَهَا أَسَاساً لِقَدَمَيْ ذَلِكَ المَلَكِ يَقِفُ عَلَيْهَا بِقُدْرَتِكَ فَهُوَ يُسَبِّحُ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ وَهِيَ مُسَبِّحَةٌ لَكَ بِهِ لَا تَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ لَكَ لِئَلَّا تَقَعَ فِي الْيَمِّ الْأَكْبَرِ عَلَى الْبَرْدَةِ الْعُظْمَى يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ قَوَائِمَ الثَّوْرِ عَلَى شَوْكَةٍ مِنْ ظَهْرِ الحُوتِ فَثَبَتَتْ عَلَيْهَا قَوَائِمُهُ بِقُدْرَتِكَ يَا الله فَهُوَ يُسَبِّحُ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا يَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ لَحْظَةً خَوْفاً أَنْ يَقَعَ فِي الْيَمِّ فَيَهْلِكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ الْيَمَّ الْأَكْبَرَ عَلَى الْبَرْدَةِ الْعُظْمَى فَهُوَ يُسَبِّحُ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا يَفْتُرُ مِنْهُ أَبَداً يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ الْبَرْدَةَ مُطْبِقَةً عَلَى النَّارِ بِقُدْرَتِكَ فَهِيَ مُسَبِّحَةٌ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا تَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ خَشْيَةَ أَنْ تَذُوبَ مِنْ وَهَجِ النَّارِ الْكُبْرَى يَا الله، وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ جَهَنَّمَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقْتَ فِيهَا عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِقُدْرَتِكَ فَهِيَ مُسَبِّحَةٌ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا تَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ لِئَلَّا تَخْتَرِقَ بِهَا الرِّيحُ فَتَذْرِيهَا يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَقْرَرْتَ بِهِ الرِّيحَ عَلَى السَّمُومِ فَاسْتَقَرَّتْ لِعَظَمَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ فَهِيَ مُسَبِّحَةٌ لَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ لَا تَفْتُرُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ خَشْيَةَ أَنْ تُحْرِقَهَا شَمُّ تِلْكَ السَّمُومِ فَتَهْلِكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَقْرَرْتَ بِهِ السَّمُومَ عَلَى النُّورِ فَاسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ بِأَمْرِكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَثْبَتَّ بِهِ النُّورَ عَلَى الظُّلْمَةِ وَالظُّلْمَةَ عَلَى الْهَوَاءِ فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ عَلَى الثَّرَى بِقُدْرَتِكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي حَمَلْتَ بِهِ الثَّرَى عَلَى حَرْفَيْنِ مِنْ كِتَابِكَ المَخْزُونِ وَلَا يَعْلَمُ مَا تَحْتَ الثَّرَى إِلَّا أَنْتَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ حَوْلَ الْعَرْشِ وَالْأَرَضِينَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنْ ضِيَاءِ ذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ الرَّحْمَةِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ الْعَذَابِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ الْبَرْدِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ لَكَ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ الثَّلْجِ وَالنَّارِ وَأَلَّفْتَ بَيْنَهُمْ بِعَظَمَةِ ذَلِكَ الِاسْمِ لَا تُذِيبُ النَّارُ الثَّلْجَ وَلَا يُطْفِئُ الثَّلْجُ النَّارَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يُسَبِّحُ بِهِ المَلَائِكَةُ الَّذِينَ خَلَقْتَهُمْ مِنَ النُّورِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمُ النُّورُ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَهُ مِنْ تَسْبِيحِ ذَلِكَ الِاسْمِ وَبِهِ يَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ تسبيحا [تَسْبِيحٌ] تَخْلُقُ مِنْهُ مَلَائِكَةً يُسَبِّحُونَكَ وَيُقَدِّسُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مَلَائِكَةً مِنْ رَحْمَتِكَ فَهُمْ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَرْحَمُونَ الضُّعَفَاءَ مِنْ خَلْقِكَ يَا رَحِيمُ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مَلَائِكَةَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ وَزَيَّنْتَهُمْ بِرَأْفَتِكَ فَهُمْ يَتَحَنَّنُونَ بِذَلِكَ الِاسْمِ عَلَى عِبَادِكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مَلَائِكَةً مِنْ غَضَبِكَ وَجَعَلْتَهُمْ بِذَلِكَ الِاسْمِ عَدُوّاً لِمَنْ عَصَاكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مَلَائِكَةً مِنْ سَخَطِكَ وَجَعَلْتَهُمْ يَنْتَقِمُونَ مِمَّنْ تَشَاءُ مِنْ خَلْقِكَ يَا الله (٩٦) 
قال المجلسي في المرآة: أقول: في الأخبار أنها آخر المخلوقات الأرضية ففي بعضها أن الأرضين السبع على الديك، وهو على الصخرة، وهي على الحوت، والحوت في البحر المظلم، والبحر على الهواء، والهواء على الثرى، وفي بعضها: الأرض على عاتق ملك، وقدماه على صخرة، وهي على قرن ثور، والثور قوائمه على ظهر الحوت، والحوت في اليم الأسفل، واليم على الظلمة، والظلمة على العقيم، والعقيم على الثرى، وما يعلم ما تحت الثرى إلا الله تعالى، وفي بعضها بعد ذكر الثرى وعند ذلك انقضى علم العلماء، وفي بعضها عند ذلك فصل علم العلماء، وفي الخبر في وصف الأئمة عليهم السلام، والحجة البالغة على من في الأرض ومن تحت الثرى (٩٧) 
ومفاد الدعاء:
١ - أن دور الأسماء في خلق العوالم عظيم جدا.
٢ - أن الملائكة خلقت من مناشئ شتى فمنها ما خلقت من العذاب ومنها ما خلقت من السخط ومنها ما خلقت من الرحمة ومن الرأفة ومنها ما خلقت من الظلمة ومنها ما خلقت من البرد أو الثلج أو من النار أو منهما، وهذا يحتاج الى مزيد من التدبر، كما هو الحال في خلق النور من الظلمة.
٣ - أن ظاهره أن هناك عذاب فوق النار وهو الريح وفوقها عذاب السموم مع أن السموم خلق من النور، وهو مطابق لما تقدم في جملة من الروايات من خلق النار من البحر الأجاج «كما أن الجهل وهو أعظم من النار خلق من البحر الأجاج.
٤ - أن كل تلك المخلوقات العظيمة تسبح الله تعالى ولا تفتر من التسبيح وإلا لتهاوت، فهي مظاهر عظمته وتنزهه عن صفات المخلوقين.
٥ - أن الثرى وما يحمل من عوالم مخلوقة مستقر على حرفين من كتابه المخزون.
٦ - أن الصخرة وهي أحد العوالم ما دون السماء الدنيا وأعظم من الأرضين، قد أهبطت من جنة الفردوس وهي من أعالي الجنان.
ما بين السماء السابعة والعرش:
قال في البحار: أقول وجدت في بعض الكتب القديمة هذه الرواية فأوردتها بلفظها ووجدتها أيضا في كتاب ذكر الأقاليم والبلدان والجبال والأنهار والأشجار مع اختلاف يسير في المضمون وتباين كثير في الألفاظ أشرت إلى بعضها في سياق الرواية وهي هذه:
مَسَائِلُ عَبْدِ الله بْنِ سَلَامٍ وَكَانَ اسْمُهُ إِسْمَاوِيلَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَبْدَ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: لَمَّا بُعِثَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَمَرَ عَلِيّاً أَنْ يَكْتُبَ كِتَاباً إِلَى الْكُفَّارِ وَإِلَى النَّصَارَى وَإِلَى الْيَهُودِ فَكَتَبَ كِتَاباً أَمْلَاهُ جَبْرَئِيلُ عَلَى النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَكَتَبَ ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ الله إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ أَمَّا بَعْدُ فَـ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ...﴾ ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين﴾ ﴿وَالسَّلاَمُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» ثُمَّ خَتَمَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَهُ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ إِلَيْهِمْ أَتَوْا إِلَى شَيْخِهِمْ ابْنِ سَلَامٍ فَقَالُوا يَا ابْنَ سَلَامٍ هَذَا كِتَابُ مُحَمَّدٍ إِلَيْكَ فَاقْرَأْهُ عَلَيْنَا فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُمْ مَا تُرِيدُونَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ وَقَدْ أَرَى فِيهِ عَلَامَاتٍ وَجَدْنَا فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ هَذَا الَّذِي بَشَّرَنَا بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ فَقَالُوا يَنْسَخُ كِتَابَنَا وَيُحَرِّمُ عَلَيْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا مِنْ قَبْلُ فَقَالَ لَهُمْ ابْنُ سَلَامٍ يَا قَوْمِ اخْتَرْتُمُ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَالْعَذَابَ عَلَى المَغْفِرَةِ فَقَالُوا يَا ابْنَ سَلَامٍ لَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ عَلَى دِينِنِا لَكَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا مِنْ غَيْرِهِ فَقَالَ أَنَا أَرُوحُ إِلَيْهِ وَأَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنَ التَّوْرَاةِ فَإِنْ أَجَابَنِي عَنْهَا دَخَلْتُ فِي دِينِهِ وَخَلَّيْتُ دِيْنَ الْيَهُودِيَّةِ، وَقَامَ وَأَخَذَ التَّوْرَاةَ وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا أَلْفَ مَسْأَلَةٍ وَأَرْبَعَمِائَةِ مَسْأَلَةٍ وَأَرْبَعَ مَسَائِلَ مِنْ غَامِضِ المَسَائِلِ فَأَخَذَهَا وَأَتَى بِهَا إِلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ فِي مَسْجِدِه (٩٨) 
وقال في البحار في ذيل الرواية: توضيح إنما أوردت هذه الرواية لاشتهارها بين الخاصة والعامة وذكر الصدوق ره وغيره من أصحابنا أكثر أجزائها بأسانيدهم في مواضع، وقد مر بعضها وإنما أوردتها في هذا المجلد لمناسبة أكثر أجزائه لأبوابه وفي بعضها مخالفة ما لسائر الأخبار، فهي إما محمولة على أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخبره موافقا لما في كتبهم ليصير سببا لإسلامه أو غير ذلك من الوجوه والمحامل التي تظهر على الناقد البصير وفي بعضها تصحيفات نرجو من الله الظفر بنسخة أخرى لتصحيحها(٩٩) 
وفي الرواية: قال بن سلام للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): فَأَخْبِرْنِي كَمْ طُولُ الْقَلَمِ وَكَمْ عَرْضُهُ وَكَمْ أَسْنَانُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُ الْقَلَمِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَلَهُ ثَلَاثُونَ سِنّاً يَخْرُجُ الْمِدَادُ مِنْ بَيْنِ أَسْنَانِهِ وَيَجْرِي فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مَا يَكُونُ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَمْرِ الله (عزَّ وجلَّ) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ كَمْ لَحْظَةً للهِ (عزَّ وجلَّ) فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ لَحْظَةً يَمْضِي وَيَقْضِي وَيَرْفَعُ وَيَضَعُ وَيُسْعِدُ وَيُشْقِي وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ وَيُعْلِي وَيَقْهَرُ وَيُغْنِي وَيُفْقِرُ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا خَلَقَ الله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ مِمَّا يَلِي الْعَرْشَ وَأَمَرَهَا أَنْ تَرْتَفِعَ إِلَى مَكَانِهَا فَارْتَفَعَتْ ثُمَّ خَلَقَ السِّتَّةَ الْبَاقِيَةَ وَأَمَرَ كُلَّ سَمَاءٍ أَنْ تَسْتَقِرَّ مَكَانَهَا فَاسْتَقَرَّتْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَلِمَ سَمَّاهَا سَمَاءً قَالَ لِارْتِفَاعِهَا قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا بَالُ سَمَاءِ الدُّنْيَا خَضْرَاءُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ اخْضَرَّتْ مِنْ جَبَلِ قَافٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مِمَّ خُلِقَتْ قَالَ خُلِقَتْ مِنْ مَوْجٍ مَكْفُوفٍ قَالَ وَمَا المَوْجُ المَكْفُوفُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ مَاءٌ قَائِمٌ لَا اضْطِرَابَ لَهُ وَكَانَتِ(١٠٠) الْأَصْلُ دُخَاناً قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاوَاتِ أَ لَهَا أَبْوَابٌ قَالَ نَعَمْ لَهَا أَبْوَابٌ وَهِيَ مُغْلَقَةٌ وَلَهَا مَفَاتِيحُ وَهِيَ مَخْزُونَةٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ مَا هِيَ قَالَ ذَهَبٌ قَالَ فَمَا أَقْفَالُهَا قَالَ مِنْ نُورٍ قَالَ فَمَفَاتِيحُهَا قَالَ بِسْمِ الله الْعَظِيمِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ طُولِ كُلِّ سَمَاءٍ وَعَرْضِهَا وَكَمْ ارْتِفَاعُهَا وَمَا سُكَّانُهَا قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ طُولُ كُلِّ سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَعَرْضُهَا كَذَلِكَ وَبَيْنَ كُلِّ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ وَسُكَّانُ كُلِّ سَمَاءٍ جُنْدٌ مِنَ المَلَائِكَةِ لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ إِلَّا الله تَعَالَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ مِمَّا خُلِقَتْ قَالَ مِنَ الْغَمَامِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ مِمَّ خُلِقَتْ قَالَ مِنْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْرَاءَ قَالَ فَالرَّابِعَةُ قَالَ مِنْ ذَهَبٍ أَحْمَرَ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَالخَامِسَةُ قَالَ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ قَالَ فَالسَّادِسَةُ قَالَ مِنْ فِضَّةٍ بَيْضَاءَ قَالَ فَالسَّابِعَةُ قَالَ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ قَالَ بَحْرُ الحَيَوَانِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ بَحْرُ الظُّلْمَةِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ بَحْرُ النُّورِ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ الحُجُبُ قَالَ فَمَا فَوْقَهُ قَالَ سِدْرَةُ المُنْتَهَى قَالَ فَمَا فَوْقَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى قَالَ جَنَّةُ المَأْوَى قَالَ فَمَا فَوْقَ جَنَّةِ المَأْوَى قَالَ حِجَابُ المَجْدِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ المَجْدِ قَالَ حِجَابُ الحَمْدِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الحَمْدِ قَالَ حِجَابُ الجَبَرُوتِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الجَبَرُوتِ قَالَ حِجَابُ الْعِزِّ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْعِزِّ قَالَ حِجَابُ الْعَظَمَةِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْعَظَمَةِ قَالَ حِجَابُ الْكِبْرِيَاءِ قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ قَالَ الْكُرْسِيُّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ عُلُومَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَإِنَّكَ لَتَنْطِقُ بِالحَقِّ الْيَقِينِ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْكُرْسِيِّ قَالَ الْعَرْشُ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْعَرْشِ قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ فَوْقَ الْفَوْقِ وَعِلْمُهُ تَحْتَ التَّحْتِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَسْتَوِي مَخْلُوقٌ عَلَى عَرْشِهِ قَالَ مَعَاذَ الله يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّد(١٠١) قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ قَالَ تَحْتَهَا ثَوْر صِفَتُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةٍ بَيْضَاءَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا صِفَتُهُ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُونَ قَرْناً وَأَرْبَعُونَ سِنّاً رَأْسُهُ بِالمَشْرِقِ وَذَنَبُهُ بِالمَغْرِبِ وَهُوَ سَاجِدٌ للهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَرْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ قَالَ تَحْتَهَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الصُّعُودُ قَالَ وَلِمَنْ ذَلِكَ الجَبَلُ قَالَ لِأَهْلِ النَّارِ يَصْعَدُهُ المُشْرِكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا أَعْلَى ذَلِكَ الجَبَلِ ضُرِبُوا بِمَقَامِعَ فَيَسْقُطُونَ إِلَى أَسْفَلِهِ فَيُسْحَبُونَ (١٠٢) عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ ذَلِكَ الجَبَلِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ جَارِيَةٌ قَالَ وَمَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ سَهَكٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْبَحْرِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ نَاعِمَةُ قَالَ وَمَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ الزَّاخِرُ قَالَ وَمَا تَحْتَهُ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ فَسِيحَةُ قَالَ فَصِفْ لِي هَذِهِ الْأَرْضَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ هِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالشَّمْسِ وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ وَضَوْؤُهَا كَالْقَمَرِ وَنَبَاتُهَا كَالزَّعْفَرَانِ يحشرون (١٠٣) [يُحْشَرُ] عَلَيْهَا المُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَا ابْنَ سَلَامٍ تُبَدَّلُ هَذِهِ الْأَرْضُ غَيْرَهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ تِلْكَ الْأَرْضِ قَالَ الْبَحْرُ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ الْقَمْقَامُ قَالَ وَمَا فِيهِ قَالَ الحُوتُ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ يهموت [بهموت] قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَصِفْ لِيَ الحُوتَ قَالَ يَا ابْنَ سَلَامٍ رَأْسُهُ بِالمَشْرِقِ وَذَنَبُهُ بِالمَغْرِبِ قَالَ فَمَا عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ الْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالظُّلْمَةُ وَالْجِبَالُ قَالَ فَمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَالَ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ فِي كُلِّ بَحْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَدِينَةٍ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ أَلْفُ لِوَاءٍ تَحْتَ كُلِّ لِوَاءٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَالَ فَمَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ ﴿لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ ﴿لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ﴾ ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الخَيْرُ ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الرِّيحِ قَالَ الظُّلْمَةُ قَالَ فَمَا تَحْتَ الظُّلْمَةِ قَالَ الثَّرَى قَالَ فَمَا تَحْتَ الثَّرَى قَالَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا الله (عزَّ وجلَّ) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ(١٠٤).
وَلَوْ أَنَّ طَائِراً يَطِيرُ مِنْ أُذُنِ أَحَدِهِمُ الْيُمْنَى إِلَى الْيُسْرَى أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينَ (١٠٥) الدُّنْيَا لَمْ يَبْلُغْ إِلَى الْأُذُنِ الْآخَرِ حَتَّى يَمُوتَ هَرَماً أَيْ شَيْخا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي عَنْ وَسَطِ الدُّنْيَا فِي أَيِّ مَوْضِعٍ هُوَ قَالَ بَيْتُ المَقْدِسِ قَالَ وَكَيْفَ ذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ فِيهِ المَحْشَرَ وَالمَنْشَرَ وَالصِّرَاطَ وَالْمِيزَان (١٠٦).
ومفاده:
١ - أن أرض القيامة التي للمتقين هي الأرض الرابعة أو ما ورائها من الأرضين هي المسماة بالفسيحة (أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالشَّمْسِ وَرِيحُهَا َالْمِسْكِ وَضَوْؤُهَا كَالْقَمَرِ وَنَبَاتُهَا كَالزَّعْفَرَانِ يحشرون [يُحْشَرُ] عَلَيْهَا المُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
٢ - التعداد بالسنين في آيات وروايات المعارف ليس بسنين الدنيا، كما هو مفاد هذه الرواية وكما هو مقتضى قاعدة اختلاف الزمان بحسب اختلاف الأجسام في الكثافة واللطافة والحجم والسرعة، بل الثابت علميا وعقليا اختلاف زمان الأجسام المتحدة في الرتبة والنشأة وأن لكل جسم زمن وعمر خاص به، فكيف بالأجسام المختلفة في النشأة من جهة الكثافة واللطافة والطاقة والقدرة، كما يشير إليه قوله تعالى:
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾ وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾.
وفي كثير من الروايات إشارة الى ذلك نظير ما روي عن الحسن بن علي (عليه السلام):... وَأَمَّا صَلَاةُ المَغْرِبِ فَهِيَ السَّاعَةُ الَّتِي تَابَ الله (عزَّ وجلَّ) فِيهَا عَلَى آدَمَ (عليه السلام) وَكَانَ بَيْنَ مَا أَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ وَبَيْنَ مَا تَابَ الله (عزَّ وجلَّ) عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةِ سَنَةٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا وَفِي أَيَّامِ الْآخِرَةِ يَوْمٌ ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ﴾ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى الْعِشَاءِ(١٠٧)) قال بعض شراح كتاب الفقيه: الظاهر أن المراد بالعشاء هو المغرب، وقوله «ما بين العصر الى العشاء» بيان لقوله «بين ما أكل من الشجرة وبين ما تاب». وقوله «في أيّام الآخرة يوم كألف سنة» جملة معترضة فائدتها توضيح أن المراد من ثلاثمائة سنة من أيّام الدنيا لا أيّام الآخرة فان يوم الآخرة كألف سنة من أيّام الدنيا، ولهذا كانت ما بين عصره الى المغرب الذي هو قريب الى ثلث اليوم ثلاثمائة سنة التي هي قريب من ثلث الالف. وعلى ضوء ذلك فإن المقادير الزمنية المذكورة للنشآت الأخرى ليس بمعدل زمان دار الدنيا وأجسام الأرض.
٣ - التعبير الوارد في الأرضين أنها تحت بعضها البعض بخلاف السماوات فإن التعبير الوارد هو فوق بعضها البعض، والتحتانية في الأرضين هو تقوم كل بما دونه بخلاف السماوات فإنه هيمنة الأعلى على الأسفل، والأرضين الأسفل منها ألطف وأشف، والعكس في السماوات فإن الأعلى منها ألطف وأقل كثافة وأشد قوة وطاقة.
 ثم إنه لا منافاة بين ما تقدم في جملة من الروايات المستعرضة للعوالم، حيث تجعل الأرض أنزل العوالم ثم تستعرض البقية مما بينها وبين السماء الأولى بينما هذه الرواية تجعل هذه البقية تحت الأرض الأولى، ووجه عدم التنافي هو أن التحتانية ههنا بمعنى التقوم، والمقوّم هو أساس تحتاني بلحاظ التقويم وفوق بلحاظ اللطافة والقوة، وهذان لحاظان متعاكسان لابد من الالتفات إليهما في لسان الأدلة الواردة في تعداد العوالم.
٤ - أن لأهل النار جبل يقال له الصعود يصعدونه الى يوم القيامة، كلما بلغوا قمته ضربوا وأسقطوا الى أسفله مسيرة ألف سنة والظاهر كونه (مَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ قَالَ تَحْتَهَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الصُّعُودُ قَالَ وَلِمَنْ ذَلِكَ الجَبَلُ قَالَ لِأَهْلِ النَّارِ يَصْعَدُهُ المُشْرِكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا أَعْلَى ذَلِكَ الجَبَلِ ضُرِبُوا بِمَقَامِعَ فَيَسْقُطُونَ إِلَى أَسْفَلِهِ فَيُسْحَبُونَ(١٠٨) عَلَى وُجُوهِهِمْ) أي أنه واقع بين الأرض الأولى والثانية. ٥. أن جنة المأوى فوق سدرة المنتهى، ثم إنه توجد حجب ما بين جنة المأوى وبين الكرسي والعرش.
وعن جَابِرٍ قَالَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِنَّ الله خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْأَئِمَّةَ عَلَى خَمْسَةِ أَرْوَاحٍ رُوحِ الْقُوَّةِ وَرُوحِ الْإِيمَانِ وَرُوحِ الحَيَاةِ وَرُوحِ الشَّهْوَةِ وَرُوحِ الْقُدُسِ فَرُوحُ الْقُدُسِ مِنَ الله وَسَائِرُ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ يُصِيبُهَا الحَدَثَانِ فَرُوحُ الْقُدُسِ لَا يَلْهُو وَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَلْعَبُ وَبِرُوحِ الْقُدُسِ عَلِمُوا يَا جَابِرُ مَا دُونَ الْعَرْشِ إِلَى مَا تَحْتَ الثَّرَى.(١٠٩) وهذا لا يحصر علمهم بما دون العرش إلا أنه يبين أن علمهم بما دون العرش هو بتوسط روح القدس.
وفي صحيح عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ قَالَ كُشِطَ لِإِبْرَاهِيمَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَكُشِطَ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى رَأَى مَا فِي الْهَوَاءِ وَفُعِلَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِثْلُ ذَلِكَ وَإِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ فُعِلَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ.(١١٠) ومعنى كشط الأرض لرؤية ما دونها مما تتقوم هي به وهو الهواء الذي هو دون السماء الأولى.
وفي صحيح أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قَالَ كُشِفَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ حَتَّى رَآهَا وَرَأَى مَا فِيهَا وَالْعَرْشَ وَمَنْ عَلَيْهِ قَالَ قُلْتُ فَأُوتِيَ مُحَمَّدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ نَعَمْ وَصَاحِبُكُمْ هَذَا.(١١١) 
وعن المُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) سَأَلْتُهُ عَنْ عِلْمِ الْإِمَامِ بِمَا فِي أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ مُرْخًى عَلَيْهِ سِتْرُهُ فَقَالَ يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ لِلنَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الحَيَاةِ فَبِهِ دَبَّ وَدَرَجَ وَرُوحَ الْقُوَّةِ فَبِهِ نَهَضَ وَجَاهَدَ وَرُوحَ الشَّهْوَةِ فَبِهِ أَكَلَ وَشَرِبَ وَأَتَى النِّسَاءَ مِنَ الحَلَالِ وَرُوحَ الْإِيمَانِ فَبِهِ أَمَرَ وَعَدَلَ وَرُوحَ الْقُدُسِ فَبِهِ حَمَلَ النُّبُوَّةَ، فَإِذَا قُبِضَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انْتَقَلَ رُوحُ الْقُدُسِ فَصَارَ فِي الْإِمَامِ وَرُوحُ الْقُدُسِ لَا يَنَامُ وَلَا يَغْفُلُ وَلَا يَلْهُو وَلَا يَسْهُو وَالْأَرْبَعَةُ الْأَرْوَاحُ تَنَامُ وَتَلْهُو وَتَغْفُلُ وَتَسْهُوَ وَرُوحُ الْقُدُسِ ثَابِتٌ يَرَى بِهِ مَا فِي شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا وَبَرِّهَا وَبَحْرِهَا، قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ يَتَنَاوَلُ الْإِمَامُ مَا بِبَغْدَادَ بِيَدِهِ قَالَ نَعَمْ وَمَا دُونَ الْعَرْشِ.(١١٢)
وعن مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: تَكَلَّمُوا فِي مَا دُونَ الْعَرْشِ وَلَا تَكَلَّمُوا فِي مَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي الله (عزَّ وجلَّ) فَتَاهُوا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يُنَادَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ وَيُنَادَى مِنْ خَلْفِهِ فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.(١١٣) 
وروي في الخصال بسنده عن الْعُبَّادُ بْنُ عَبْدِ الخَالِقِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ للهِ (عزَّ وجلَّ) اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عَالَمٍ كُلُّ عَالَمٍ مِنْهُمْ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ مَا تَرَى عَالَمٌ مِنْهُمْ أَنَّ للهِ (عزَّ وجلَّ) عَالَماً غَيْرَهُمْ وَأَنَا الحُجَّةُ عَلَيْهِمْ.(١١٤) 
وفي صحيح أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ يَا أَخَا أَهْلِ الْيَمَنِ عِنْدَكُمْ عُلَمَاءُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِ عَالِمِكُمْ قَالَ يَسِيرُ فِي لَيْلَةٍ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ يَزْجُرُ الطَّيْرَ وَيَقْفُو الْأَثَرَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) عَالِمُ المَدِينَةِ أَعْلَمُ مِنْ عَالِمِكُمْ قَالَ فَمَا بَلَغَ مِنْ عِلْمِ عَالِمِ المَدِينَةِ قَالَ يَسِيرُ فِي سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ مَسِيرَةَ الشَّمْسِ سَنَةً حَتَّى يَقْطَعَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مِثْلَ عَالَمِكُمْ هَذَا مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آدَمَ وَلَا إِبْلِيسَ قَالَ فَيَعْرِفُونَكُمْ قَالَ نَعَمْ مَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ إِلَّا وَلَايَتَنَا وَالْبَرَاءَةَ مِنْ عَدُوِّنَا.(١١٥) 
وقد ينطبق الاثني عشر ألف عالما على المتقدم في رواية الخصال، وحينئذ فهذا يقرب عروجهم الروحي بتوسط روح القدس الى عوالم أكبر من السماوات والأرض، وينطبق هذا على ما تقرر من علمهم بكل ما دون العرش بتوسط روح القدس، وينطبق على ما استفاض من كون السماء السابعة كحلقة في فلاة بالقياس الى ما فوقها من عالم، وهكذا سلسلة العوالم المتصاعدة تعاظما كل بالقياس الى ما فوقه، فتكون السماوات السبع كقطرة فيما لا يتناهى من العوالم الجسمانية الألطف والأشفف، فلها في عرضها ما لا يحصى من نشأة سموات وأرضين أو عوالم أخرى.
وفي صحيح عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ أَرْبَعِينَ عَيْنَ شَمْسٍ مَا بَيْنَ شَمْسٍ إِلَى شَمْسٍ أَرْبَعُونَ عَاماً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آدَمَ أَوْ لَمْ يَخْلُقْهُ وَإِنَّ مِنْ وَرَاءِ قَمَرِكُمْ هَذَا أَرْبَعِينَ قَمَراً مَا بَيْنَ قَمَرٍ إِلَى قَمَرٍ مَسِيرَةَ أَرْبَعِينَ يَوْماً فِيهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الله خَلَقَ آدَمَ أَوْ لَمْ يَخْلُقْهُ قَدْ أُلْهِمُوا كَمَا أُلْهِمَتِ النَّحْلُ لَعْنَةَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَلَائِكَةٌ مَتَى مَا لَمْ يَلْعَنُوهُمَا عُذِّبُوا.(١١٦) 
 - روي فِي العيون بسنده عَنْ ابن عامر الطائي عَنْ أبيه، عَنْ الرضا عَنْ آبائه، قَالَ: «كَانَ علي (عليه السلام) فِي جامع الكوفة إذْ قام إليه رجل مِنْ أهل الشَّام، فَقَالَ: أخبرني عَنْ أوَّل ما خلق الله. قَالَ خلق النور. قَالَ فممّ خلقت السماوات؟ قَالَ: مِنْ بخار الماء، قَالَ فممّ خلقت الأرض؟ قَالَ: مِنْ زبد الماء، قَالَ: فممّ خلقت الجبال؟ قَالَ مِنْ الأمواج (الخبر)»(١١٧).
وفي البصائر عَنْ جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ سألته عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ قَالَ وكُنتُ مُطرقاً إلى الأرض فرفع يده إلى فوق، ثمَّ قَالَ لي ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرتُ إلى السقف، قَدْ انفرج حَتّى خلص بصري إلى نور ساطع حار بصري دونه، قَالَ: ثمَّ قَالَ لي: رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض هكذا ثمَّ قَالَ لي اطرق، فأطرقت ثمَّ قَالَ لي ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا السقف عَلَى حاله، قَالَ: ثمَّ أخذ بيدي وقام وأخرجني مِنْ البيت الذي كُنْت فيه وأدخلني بيتاً آخر فخلع ثيابه الَّتِي كانت عَلَيْهِ ولبس ثياباً غيرها، ثمَّ قَالَ لي غضّ بصرك فغضضت بصري، وَقَالَ لي: لا تفتح عينك فلبثت ساعة، قَالَ لي أتدري أين أَنْتَ؟ قلت لا؟ جُعلتُ فداك، فَقَالَ لي: أَنْتَ فِي الظُّلمة الَّتِي سلكها ذو القرنين، فقلتُ لَهُ جُعلتُ فداك أتأذن أنْ أفتح عيني؟ فَقَالَ لي: افتح فَإنَّك لا ترى شيئاً، ففتحت عيني فإذا أنا فِي ظُلمة لا أبصر فيها موضع قدمي، ثمَّ سار قليلاً ووقف، فَقَالَ لي هَلْ تدري أين أَنْتَ؟ قلت لا؟ قَالَ: أَنْتَ واقف عَلَى عين الحياة الَّتِي شرب منها الخضر (عليه السلام) فخرجنا مِنْ ذَلِكَ العالم إلى عالم آخر فسلكنا فِيه فرأينا كهيئة عالمنا هَذَا فِي بنائه ومساكنه وأهله، ثمَّ خرجنا إلى عالم ثالث كهيئة الأوَّل والثاني حَتّى وردنا خمسة عوالم، قَالَ: ثمَّ قَالَ لي: هَذِهِ ملكوت الأرض وَلَمْ يرها إبراهيم، وَإنَّما رأى ملكوت السماوات وَهِيَ اثنا عشر عالم كُلّ عالم كهيئة ما رأيت كُلّما مضى منّا إمام سكن أحد هَذِهِ العوالم حَتّى يكون آخرهم القائم فِي عالمنا الذي نحن ساكنوه، قَالَ: ثمَّ قَالَ لي غضّ بصرك فغضضت بصري، ثمَّ أخذ بيدي فإذا نحن فِي البيت الذي خرجنا مِنْهُ فنزع تلك الثياب ولبس الثياب الَّتِي كانت عَلَيْهِ وعدنا إلى مجلسنا، فقلت جعلت فداك كم مضى مِنْ النهار ساعة؟ قَالَ (عليه السلام) ثلاث ساعات» ((١١٨) ظاهر الرواية أن الاثني عشر عالما هي ملكوت للسموات، لكن لم تقدر بفئة الألف ولعلها مغايرة، كما أن مفادها أن سفرة ذي القرنين سماوية الى عالم الظلمة وهو من العوالم التي تقع بين الأرض والسماء الدنيا.
وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): وَأَمَّا الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ فَأَرْبَعَةَ عَشَرَ قِنْدِيلًا مِنَ النُّورِ مُعَلَّقَةً بَيْنَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالحُجُبِ تُسْرَجُ بِنُورِ الله إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(١١٩) 
وروى القمي عَنْ أبي الحسن (عليه السلام): قَالَ:... وَالسَّماء السابعة فوقها قبة، وعرش الرَّحْمَن تبارك الله فوق السَّماء السابعة(١٢٠).
وفي كنز العمّال عَنْ علي (عليه السلام): «فوق السَّماء السابعة حظيرة يُقَال لها: حظيرة القدس»(١٢١).
وفي الدرّ المنثور: عَنْ بن عباس قَالَ: «بين السَّماء السابعة إلى كرسيّه سبعة آلاف نور»(١٢٢).
وروى: إنَّ ما فوق السَّماء السابعة صحارى مِنْ نور ولا يعلم ما فوق ذَلِكَ إلَّا الله(١٢٣).
 وقيل في قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُون﴾ لِأنَّ الجنّة فوق السَّماء السابعة(١٢٤).
قال المجلسي في البحار: وأما مكانهما فقد عرفت أن الأخبار تدل على أن الجنة فوق السماوات السبع والنار في الأرض السابعة وعليه أكثر المسلمين(١٢٥).
 وجاء فِي الزيارة عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «إذَا أردت زيارة قبر الحسين (عليه السلام)... وبكاك مَنْ دون سدرة المنتهى إلى الثرى جزعاً عليك»(١٢٦).
خلق نور الْنَّبِيّ قبل الكرسي:
وروى فِي المعاني: عَنْ الصَّادِق (عليه السلام) عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلق نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم والجنّة والنار، وقبل أنْ يخلق آدم ونوحا وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى وداود وسليمان، وقبل الأنبياء كلّهم بأربعمائة ألف سنة وعشرين ألف سنة، وخلق (عزَّ وجلَّ) معه اثنی عشر حجاباً. حجاب القدرة وحجاب العظمة وحجاب المنّة وحجاب المنّة وحجاب الرحمة وحجاب السعادة. وحجاب الكرامة وحجاب المنزلة وحجاب الهداية. وحجاب النبوة وحجاب الرفعة وحجاب الهيبة. وحجاب الهيبة وحجاب الشفاعة.
ثمَّ سبح نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حجاب القدرة اثنى عشر ألف سنة و... ثمَّ أظهر اسمه عَلَى اللوح فَكَانَ اللوح منوراً أربعة آلاف سنة، ثمَّ أظهره عَلَى العرش فَكَانَ عَلَى ساق العرش مثبتاً سبع آلاف سنة إلى أنْ وضعه فِي صلب آدم ثمَّ نقله...»(١٢٧). وهذه الرواية دالة على أن من العوالم المخلوقة قبل العرش ما يسمى بالحجب الاثني عشر أيضا وأن ما قبلها نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما أن هذه الحجب أطلق عليها البحور بحر العز و...، وقد يستظهر منها تقدم رتبة اللوح على العرش، كما يظهر من روايات اخرى تقدم خلق القلم قبل العرش.
وعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَبْلَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَاللَّوْحَ وَالْقَلَمَ وَالجَنَّةَ وَالنَّارَ وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ آدَمَ وَنُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَكُلَّ مَنْ قَالَ الله (عزَّ وجلَّ) فِي قَوْلِهِ ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِين وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِين وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِين وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾ وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَخَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَحِجَابَ الْعَظَمَةِ وَحِجَابَ الْمِنَّةِ وَحِجَابَ الرَّحْمَةِ وَحِجَابَ السَّعَادَةِ وَحِجَابَ الْكَرَامَةِ وَحِجَابَ المَنْزِلَةِ وَحِجَابَ الْهِدَايَةِ وَحِجَابَ النُّبُوَّةِ وَحِجَابَ الرِّفْعَةِ وَحِجَابَ الْهَيْبَةِ وَحِجَابَ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ حَبَسَ نُورَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَفِي حِجَابِ الْعَظَمَةِ أَحَدَ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ عَالِمِ السِّرِّ وَفِي حِجَابِ الْمِنَّةِ عَشْرَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ لَا يَلْهُو وَفِي حِجَابِ الرَّحْمَةِ تِسْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الرَّفِيعِ الْأَعْلَى وَفِي حِجَابِ السَّعَادَةِ ثَمَانِيَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ قَائِمٌ لَا يَسْهُو وَفِي حِجَابِ الْكَرَامَةِ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِيٌّ لَا يَفْتَقِرُ وَفِي حِجَابِ المَنْزِلَةِ سِتَّةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَلِيِّ الْكَرِيمِ وَفِي حِجَابِ الْهِدَايَةِ خَمْسَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ (١٢٨) وَفِي حِجَابِ النُّبُوَّةِ أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ وَفِي حِجَابِ الرِّفْعَةِ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ ذِي المُلْكِ وَالمَلَكُوتِ وَفِي حِجَابِ الْهَيْبَةِ أَلْفَيْ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ الله وَبِحَمْدِهِ وَفِي حِجَابِ الشَّفَاعَةِ أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثُمَّ أَظْهَرَ (عزَّ وجلَّ) اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ الله (عزَّ وجلَّ) فِي صُلْبِ آدَم... (١٢٩) 
وفي هذه الرواية بيان أن تنزل النور النبوي عبارة عن ظهور اسمه في العوالم النازلة عنه سواء العرش أو اللوح أو غيرهما، وأن التعبير في هذه الرواية وكثير من الروايات بتنزل نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المراد هو مراتب النازلة من النور التي هي عبارة عن ظهوراته، وفي هذه الرواية ايضا قدم اللوح على العرش في ظهور نوره، نعم التقديم ههنا صرح فيه ان اللوح قبل ساق العرش، لا قبل أعاليه.
نور النبي قبلة وكعبة لطواف انوار الانبياء في عالم الانوار:
وروى المجلسي عَنْ كتاب الانوار للشَّيْخ عبد الحسن البكري أنَّهُ روى عَنْ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مثله الا ان في ذيله قَوله: «ثمَّ إنَّ الله تَعَالَى خلق مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشرين بحراً مِنْ نور، فِي كُلّ بحر علوم لا يعلمها إلَّا الله تَعَالَى، ثمَّ قَالَ لنور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): انزل فِي بحر العزّ فنزل، ثمَّ فِي بحر الصبر، ثمَّ في بحر الخشوع، ثمَّ فِي بحر التواضع، ثمَّ فِي بحر الرضا، ثمَّ فِي بحر الوفاء، ثمَّ فِي بحر الحلم، ثمَّ فِي بحر التقى، ثمَّ فِي بحر الخشية ثمَّ فِي بحر الإنابة، ثمَّ فِي بحر العمل، ثمَّ فِي بحر المزيد، ثمَّ فِي بحر الهدى، ثمَّ فِي بحر الصيانة، ثمَّ فِي بحر الحياء، حَتّى تقلّب فِي عشرين بحراً، فلما خرج مِنْ آخر الأبحر، قَالَ الله تَعَالَى يا حبيبي ويا سيد رسلي، ويا أوَّل مخلوقاتي ويا آخر رسلي أَنْتَ الشفيع يَوُم المحشر فخر النور ساجداً، ثمَّ قام فقطرت مِنْهُ قطرات كَانَ عددها مائة ألف وأربعة وعشرين ألف قطرة فخلق الله تَعَالَى مِنْ كُلّ قطرة مِنْ نوره نبياً مِنْ الأنبياء، فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا تطوف الحجّاج حول بيت الله الحرام وَهُمْ يسبحون الله ويحمدونه ويقولون «سُبْحَان مَنْ هُوَ عالم لا يجهل سُبْحَان مِنْ هُوَ حليم لا يعجل، سُبْحَان مَنْ هُوَ غني لا يفتقر» فناداهم الله تَعَالَى: تعرفون مَنْ أنا؟ فسبق نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل الأنوار ونادى: «أَنْتَ الله الذي لا إله إلَّا أَنْتَ وحدك لا شريك لك رب الأرباب وملك الملوك» فإذا بالنداء مِنْ قبل الحَقّ: أَنْتَ صفيّي، وَأَنْتَ حبيبي، وخير خلقي، أمّتك خير أمّة أخرجت للناس، ثمَّ خلق مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جوهرة، وقسّمها قسمين، فنظر إلى القسم الأوَّل بعين الهيبة فصار ماءاً عذباً، ونظر إلى القسم الثَّانِي بعين الشفقة فخلق منها العرش فاستوى عَلَى وجه الماء، فخلق الكرسي مِنْ نور العرش وخلق مِنْ نور الكرسي اللوح، وخلق مِنْ نور اللوح القلم، وَقَالَ لَهُ: اكتب توحيدي، فبقي القلم ألف عام سكران مِنْ كلام الله تَعَالَى، فلما أفاق قَالَ اكتب قَالَ: يا رب وما أكتب؟ قَالَ اكتب «لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله» فلما سمع القلم اسم مُحمَّد خرَّ ساجداً، وَقَالَ سُبْحَان الواحد القهّار، سُبْحَان العظيم الأعظم، ثمَّ رفع رأسه مِنْ السجود وكتب: «لا إله إلَّا الله، مُحمَّد رسول الله» ثمَّ قَالَ يا رب وَمَنْ مُحمَّد الذي قرنت اسمه باسمك وذكره بذكرك، قَالَ الله تَعَالَى لَهُ: يا قلم فلولاه ما خلقتك، ولا خلقت خلقي إلَّا لأجله، فَهُوَ بشير ونذير وسراج منير وشفيع وحبيب، فَعِنْدَ ذَلِكَ انشقّ القلم مِنْ حلاوة ذكر مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ قَالَ القلم: السَّلامُ عليك يا رسول الله، فَقَالَ الله تَعَالَى: وعليك السَّلامُ مني ورحمة الله وبركاته فلأجل هَذَا صار السَّلامُ سنة والردّ فريضة، ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى اكتب قضائي وَقَدري وما أنا خالقه إلى يَوُم القيامة، ثمَّ خلق الله ملائكة يصلّون عَلَى مُحمَّد وآل مُحمَّد، ويستغفرون لأمته إلى يَوُم القيامة، ثمَّ خلق الله تَعَالَى مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الجنّة وزيّنها بأربعة أشياء: التعظيم والجلالة والسخاء والأمانة، وجعلها لأوليائه وأهل طاعته، ثمَّ نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق مِنْ دخانها السماوات، وَمِنْ زبدها الأرضين، فلما خلق الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الأرض تموج بأهلها كالسفينة، فخلق الله الجبال فأرساها بها، ثمَّ خلق ملكاً مِنْ أعظم ما يكون فِي القوة فدخل تحت الأرض، ثمَّ لَمْ يكن لقدمي الملك قرار فخلق الله صخرة عظيمة وجعلها تحت قدمي الملك، ثمَّ لَمْ يكن للصخرة قرار فخلق لها ثوراً عظيماً لَمْ يقدر أحد ينظر إليه لعظم خلقته وبريق عيونه، حَتّى لو وضعت البحار كلها فِي إحدى منخريه ما كانت إلَّا كخردلة مُلقاة فِي أرض فُلاة، فدخل الثور تحت الصخرة وحملها عَلَى ظهره وقرونه، واسم ذَلِكَ الثور لهوتا، ثمَّ لَمْ يكن لذلك الثور قرار فخلق الله لَهُ حوتاً عظيماً، واسم ذَلِكَ الحوت بهموت.
فدخل الحوت تحت قدميّ الثور فاستقر الثور عَلَى ظهر الحوت، فالأرض كلها عَلَى كاهل الملك، والملك عَلَى الصخرة، والصخرة عَلَى الثور، والثور عَلَى الحوت، والحوت عَلَى الماء، والماء عَلَى الهواء، والهواء عَلَى الظلمة، ثمَّ انقطع علم الخلائق عما تحت الظلمة، ثمَّ خلق الله تَعَالَى العرش مِنْ ضياءين: أحدهما الفضل والثاني العدل، ثمَّ أمر الضياءين فانتفسا بنفسين، فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء، ثمَّ خلق مِنْ العقل الخوف، وخلق مِنْ العلم الرضا، وَمِنْ الحلم المودة، وَمِنْ السخاء المحبة، ثمَّ عجن هَذِهِ الأشياء فِي طينة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق مِنْ بعدهم أرواح المؤمنين مِنْ أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمَّ خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلما تكاملت الأنوار سكن نور مُحمَّد تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى الجنّة فبقي سبعين ألف عام، ثمَّ انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى السَّماء السابعة، ثمَّ إلى السَّماء السادسة، ثمَّ إلى السَّماء الخامسة، ثمَّ إلى السَّماء الرابعة، ثمَّ إلى السَّماء الثالثة، ثمَّ إلى السَّماء الثانية، ثمَّ إلى السَّماء الدُّنْيَا، فبقي نوره فِي السَّماء الدُّنْيَا إلى أنْ أراد الله تَعَالَى أنْ يخلق آدم (عليه السلام) فَأَمَرَ جَبْرَئِيلُ أَنْ يَهْبِطُ إِلَى الْأَرْضِ وَيَقْبِضُ مِنْهَا قَبْضَةً فَنَزَلَ فَسَبَقَهُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ الله إِلَى الْأَرْضِ وَقَالَ إِنَّ الله تَعَالَى يُرِيدُ أَنْ يَخْلُقَ مِنْكَ خَلْقاً وَيُعَذِّبْهُ بِالنَّارِ فَإِذَا أَتَاكَ المَلِكِ فَقُولِي أَعُوذُ بِالله مِنْكَ إِنْ أَخَذَتْ مِنِّي شَيْئاً يَكُونُ لِلنَّارِ فِيهِ نَصِيبٌ قَالَ فَلَمَّا أَتَاهَا المَلِكِ جَبْرَئِيلُ قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالله الَّذِي أَرْسَلَكَ بِأَنْ لَا تَأْخُذُ مِنِّي شَيْئاً يَكُونُ فِيهِ نَصِيبٌ لِلنَّارِ قَالَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَقْبِضُ مِنْهَا شَيْئاً وَقَالَ يَا رَبِّ استعاذت بِكَ فَرَحِمْتُهَا فَبَعَثَ مِيكَائِيلَ فأقسمت عَلَيْهِ فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئاً وَقَالَ كَذَلِكَ ثُمَّ بَعَثَ إِسْرَافِيلَ فَرَجَعَ وَلَمْ يَأْخُذْ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ عَزْرَائِيلَ فَقَالَتْ أَعُوذُ بِالله مِنْكَ أَنْ تَأْخُذُ مِنِّي شَيْئاً فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا فَقَبَضَ مِنْهَا قَبْضَةً وَرَجَعَ بِهَا إِلَى الله فَقَالَ الله جَلَّ اسْمُهُ خُذْ مِنْ أَعْلَاهَا وَأَدْنَاهَا وَأبيضها وَأسودها وَأحمرها وَأصفرها وَأَخْشَنِهَا وَأَنْعَمَهَا فَلِذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَلْوَانُهُمْ وَأَخْلَاقَهُمْ فَمِنْهُمْ الْأَبْيَضِ وَالْأَسْوَدِ وَالْأَصْفَرِ وَالْأَحْمَرِ ثُمَّ قَالَ الله تَعَالَى لعزرائيل أَ لَمْ تَتَعَوَّذُ الْأَرْضِ مِنْكَ بِي؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنِّي لَمْ أَلْتَفِتَ إِلَيْهَا لِأَنَّ طَاعَتِكَ أَوْلَى مِنْ رَحْمَتِي لَهَا فَقَالَ الله تَعَالَى اعْلَمْ أَنِّي سأخلق مِنْهَا أَنْبِيَاءِ وَصَالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَجْعَلْكَ تَقْبُضْ أَرْوَاحَهُمْ قَالَ فَبَكَى عَزْرَائِيلَ لِمَا سَمِعَ ذَلِكَ وَقَالَ إِذَا كُنْتَ كَذَلِكَ كرهوني الخَلَائِقِ فَقَالَ الله تَعَالَى لَا تَخَفْ فَإِنِّي أَخْلَقَ لَهُمْ عللا ينسبون المَوْتِ إِلَيْهَا قَالَ ثُمَّ إِنَّ الله أَمَرَ جَبْرَئِيلُ بِأَنْ يَأْتِيهِ بِالْقَبْضَةِ الْبَيْضَاءِ الَّتِي كَانَتْ أَصْلًا فَأَقْبَلَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) وَمَعَهُ الْكَرُوبِيُّونَ مِنْ المَلَائِكَةِ وَالصافون وَالمُسَبِّحُونَ ثُمَّ قَبَضَهَا مِنْ مَوْضِعٍ ضريح النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ الْبُقْعَةِ المُضِيئَةِ المختارة مِنْ بِقَاعِ الْأَرْضِ فَعَرَجَ بِمَاءِ التَّسْنِيمِ وَمَاءٍ التَّعْظِيمِ وَمَاءٍ التكريم وَمَاءٍ الْكَوْثَرِ وَمَاءٍ الرَّحْمَةِ وَمَاءٍ الرِّضَا وَمَاءٍ الْعَفْوِ ثُمَّ خَلَقَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنْ الْهَيْبَةَ رَأْسَهُ وَمِنْ الشَّفَقَةِ قَلْبِهِ وَمِنْ السَّخَاءُ كَفَّيْهِ وَمِنْ الصَّبْرُ فُؤَادِهِ وَمِنْ الْعِفَّةِ فَرْجَهُ وَمِنْ الشَّرَفِ قَدَمَيْهِ وَمِنَ الْيَقِينِ قَلْبِهِ وَمِنْ الطِّيبِ نَفْسِهِ ثُمَّ خَلَطَ ذَلِكَ كُلُّهُ بطينة آدَمَ قَالَ فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ وَحَوَّاءَ أَوْحَى إِلَى المَلَائِكَةُ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ قَالَ ثُمَّ إِنْ المَلَائِكَةُ حَمَلُوا جَسَدِ آدَمَ (عليه السلام) وَوَضَعُوهُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ وَهُوَ جَسَدِ بِلَا رُوحَ وَالمَلَائِكَةُ يَنْتَظِرُونَ مَتَى يُؤْمَرُونَ بِالسُّجُودِ قَالَ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَمَرَ الله تعالى المَلَائِكَةُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ الرُّوحُ وَقَالَ ادْخُلِي فِي هَذَا الجَسَدِ فَرَأَتِ الرُّوحُ مَدْخَلًا ضِيقاً فَوَقَفْتُ فَقَالَ لَهَا ادْخُلِي كَرْهاً وَاخْرُجِي كَرْهاً قَالَ: ثُمَّ دَخَلْتُ الرُّوحُ فِي الخَيْشُومِ وَالْعَيْنِ فَجَعَلَ آدَمَ يَنْظُرُ إِلَى نَفْسِهِ وَيَسْمَعُ تَسْبِيحِ المَلَائِكَةُ قَالَ فَلَمَّا وَصَلَتْ إِلَى الخَيَاشِيمَ عَطَسَ آدَمَ (عليه السلام) قَالَ فأنطقه الله تَعَالَى بِالحَمْدِ وَقَالَ الحَمْدُ للهِ فَقَالَ له يرحَمُكَ الله يَا آدَمَ فَلِهَذَا خَلَقْتُكَ وَهَذَا لِوُلْدِكَ مِنْ بَعْدَكَ إِنْ قَالُوا مِثْلَمَا قُلْتُ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى إِبْلِيسَ أَشَدُّ مِنْ تَسْمِيتِ الْعَاطِسِ قَالَ فَلَمَّا فَتَحَ آدَمَ (عليه السلام) عَيْنَيْهِ رَأَى مَكْتُوباً عَلَى الْعَرْشِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلِيٌّ وَلِيُّ الله قَالَ فَلَمَّا وَصَلَتْ الرُّوحُ إِلَى سَاقَيْهِ أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَبْلَ أَنْ تصَل إِلَى قَدَمَيْهِ فَلَمْ يُطِقِ النُّهُوضَ فَلِذَلِكَ قَالَ الله تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسانُ عَجُولا...)(١٣٠) ورواه في البحار عنه مع اختلاف يسير في الألفاظ»(١٣١).
والحديث يستخلص مِنْهُ أُمُور:
الأوَّل: قوله (عليه السلام): أوَّلاً فخلق مِنْهُ اثني عشر حجاباً في رواية البكري في أنوار مولد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم خلق البحور منه. وفي رواية الخصال: عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن جده أمير المؤمنين (عليه السلام):.. إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَبْلَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَاللَّوْحَ وَالْقَلَمَ وَالجَنَّةَ وَالنَّارَ وَقَبْلَ أَن... وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَخَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَحِجَابَ الْعَظَمَةِ وَحِجَابَ الْمِنَّةِ وَحِجَابَ الرَّحْمَةِ وَحِجَابَ السَّعَادَةِ وَحِجَابَ الْكَرَامَةِ وَحِجَابَ المَنْزِلَةِ وَحِجَابَ الْهِدَايَةِ وَحِجَابَ النُّبُوَّةِ وَحِجَابَ الرِّفْعَةِ وَحِجَابَ الْهَيْبَةِ وَحِجَابَ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ حَبَسَ نُورَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حِجَابِ الْقُدْرَةِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَة... ثم في حجَابِ الشَّفَاعَةِ أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ ثُمَّ أَظْهَرَ (عزَّ وجلَّ) اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ الله (عزَّ وجلَّ) فِي صُلْبِ آدَم...).
ثانياً: ثمَّ أنَّ الله تَعَالَى خلق مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشرين بحراً مِنْ نور فِي كُلّ بحر علوم لا يعملها إلَّا الله تَعَالَى.
ثالثا: يظهر من الرواية أن أنوار الأنبياء خلقت قبل العرش من نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
رابعا: إن طواف أنوار الأنبياء حول نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومرتبة الأنوار فوق العرش وإن لم تتجرد عن أصل الجسمية اللطيفة الشديدة الى درجة اعتبرت مرتبة نورية بالإضافة الى العرش فضلا عما دونه، وقد مر أن كل ألطف بشدة بالقياس الى ما دونه يعد نورا من جهة لطافته وجودا وأثرا كأنه دفعي بالقياس الى الغليظ مما دونه، وعلى أي تقدير فإن طواف الأنوار حول نوره دال على أن أركان الدين من الصلاة والحج وغيره من التكليف قائم ثمة، فضلا عن التكليف بالاعتقادات، وهكذا الحال فيما ذكرت الرواية في شأن القلم وأخذ العهد عليه تجاه التوحيد والنبوة، وقد تعرضنا لرواية أن أول ما يساءل يوم القيامة من الملائكة هو القلم، كما أن سكر القلم من كلام الله تعالى ألف عام دال على جزاء ونعيم لما فوق الجنة، وأن النعيم الروحي أعظم من النعيم الجسماني في الجنة، وإن كان الروح جسم لطيف فيتبين أن نعيم الجسم الألطف أعظم كمالا ولذة من نعيم الجسم الغليظ، وكذلك انشقاق القلم من حلاوة ذكر اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كذلك الحال في انغماس نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في بحور الحجب، فإنه تكامل ونعيم يفوق نعيم الجنان الجسمانية.
خامسا: لا تدافع بين ما ورد في هذه الرواية وروايات عديدة أخرى من خلق بحور الحجب من نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين غمس نوره فيها أو إسكانه في الجنة أو غيرها من العوالم مما دون العرش ليتكامل إذ كيف يتكامل الأصل بما هو فرع له، والوجه في رفع التدافع هو أن المراد تكامل الطبقات النازلة من النور بخلاف النور المبدأ للعرش ولما دونه فإن المراد منه الطبقات الصاعدة من النور، وكذلك الحال فيما ورد من خلق العرش من نوره وعكسه من خلق طينته من تحت العرش.
سادسا: قوله (عليه السلام) ثمَّ خلق الله تَعَالَى العرش مِنْ ضياءين: أحدهما الفضل والثاني العدل... دال على تأخر خلق العرش عن عالم الأسماء والصفات، كما أن خلق العقل والعلم والحلم والسخاء بعد العرش، وأن شأن خلقة الأربعة دون شأن خلق العرش، وتنفس الضيائين لعله إشارة الى رتبة أقل في الإنشاء من فعل الضيائين بخلاف فعلهما في مقام خلق العرش، ثم إن ما ورد من أن العرش خلق من الهواء لا ينافي ما في هذا المضمون من خلقه من الفضل والعدل فإنه يمكن أن يكون الخلق من الهواء كمادة والخلق من الاسمين كجهة فاعلية، نظير ما ورد أن العرش مخلوق بالاسم الكذائي.
سابعا: أن نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انتقل الى تحت العرش ثم الى ما دونه من العوالم الى أن انتقل الى السماء الدنيا وبقي فيها الى أن خلق آدم وأودع في صلبه، إذ الأرواح مخلوقة قبل الأبدان، وقد ورد نزول الأرواح من عالم الأظلة والأشباح الى السماوات والى السماء الدنيا قبل أن تودع في الأصلاب والأرحام ثم تنفخ في الأبدان.
ثامنا: أن أول ما كتب القلم هو التوحيد ثم الإقرار برسالة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثم القضاء والقدر وما هو كائن الى يوم القيامة.
تاسعا: قد سجد القلم عند بدأ خلقته لذكر أسم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تعظيما نظير سجود الملائكة أجمعين لخليفة الله تعالى، والسجود عنوان للخضوع التام، ثم كتب الإقرار به بعد التوحيد، وسلم عليه.
عاشرا: قد صرح في هذا الحديث كالذي ورد في جملة من أحاديث الفريقين أن غاية الخلقة هو النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما ورد في خطاب الله تعالى مع النبي آدم (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام)، إلا أن في هذا الحديث تصريح بغائيته لكل عوالم الخلقة.
حادي عشر: قوله (عليه السلام) أن الله تعالى زين الجنة بالتعظيم والجلالة والسخاء والأمانة، بيان للمعالم التكوينية لعالم الجنة، والصفتان الأولتان مرتبطتان بالمعرفة والأخريتان مرتبطة بالجسم والتكليف والمسؤولية.
ثاني عشر: إن مشاغبة إبليس اللعين لأوامر الله تعالى قبل خلق آدم وقبل عصيانه للسجود لآدم، مما ينبه على طينة التمرد فيه، كما أن سبقه جبرئيل (عليه السلام) للأرض وبخفاء دال على احتياج الملائكة المقربين لإمام ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِين﴾ يهديهم ويعصمهم رغم تمكينهم ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين﴾ ورغم أن الملائكة المقربين معصومون مهتدون مكرمون، إلا أن للعصمة مراتب متفاوتة كما يشير الى ذلك قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ﴿الله يَصْطَفِي مِنَ المَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾.
ثالث عشر: إن الملائكة المقربين الثلاثة رجحوا تعظيم الله بالترحم على الأرض لاستعاذتها بالله على طاعة أمر الله تعالى، بينما رجح عزرائيل طاعة الله على التعظيم لاسمه تعالى بالترحم على الأرض، وبيّن تعالى سداد فعل عزرائيل بتبيان الحكمة في أمره تعالى أنه يخلق منها الأنبياء وصالحين وغيرهم، وأن تخوف الأرض لكذب إبليس عليها، وأن الله كافئ عزرائيل على ذلك بأن جعله قابض الأرواح، ولأن هذا العمل يحتاج الى الانضباط أكثر وعدم التخلف وعدم الانفعال بالرحمة لظاهر أحوال في المخلوقات، ثم قام جبرئيل باقتفاء عزرائيل في ذلك، نعم خولّه الله قبض أرواحهم دون نفخ الأرواح في الأجساد وإحيائها.
رابع عشر: أن عزرائيل خشي من كراهة الخلق منه بسبب قبض أرواحهم، فضمن له تعالى إبعاد ذلك عنه، مما يبين أن المحبة كمال والكراهة في الشيء الذي يكره نقص.
خامس عشر: إن للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طينات متعددة طولا بحسب العوالم التي تنزل إليها وآخرها الأرض، وقد انتخب الله تعالى له أفضل بقاع الأرض إضاءة وطهارة وشرفا، ثم إنه خلطت طينته بطينة آدم، مما يشير الى أن طينة أبناء آدم قد خلطت بطينته قبل تسوية خلقته البدنية، فخلط الطينة الأرضية للكل في عرض زمني واحد.
سادس عشر: قوله (عليه السلام) «قال اكتب توحيدي فبقي القلم ألف عام سكران من كلام الله تعالى فلما أفاق» تصوير سكر القلم مع أنه ملك كما روايات أخرى من عالم فوق الجنة، مقتضاه أن اللذائذ الروحية أعظم شأنا من لذائذ الجنة الجسمانية، وأنها بدرجة من النورية توجب فقد الروح الارتباط بالبدن اللطيف ثم الإفاقة، ونظير ذلك ورد في روايات المعراج كثيرا «فتركني ما شاء الله ثمَّ ردّ عليّ روحي فأفقت» (فَقَالَ جبرئيل: هَذِهِ سدرة المنتهى كَانَ ينتهي الأنبياء مِنْ قبلك إليها، ثمَّ لا ُيجاوزونها وَأَنْتَ تجوزها إنَّ شاء الله ليريك مِنْ آياته الكبرى فاطمئن أيّدك الله بالثبات حَتّى تستكمل كرامات الله وتصير إلى جواره ثمَّ صعد بي حَتّى صرت تحت العرش فدلَّي [فدنى] لي رفرف أخضر ما احسن وصفه فرفعني الرفرف بإذن الله إلى ربي فصرت عنده وانقطع عَنْي أصوات الملائكة ودويّهم، وذهبت عني المخاوف والروعات [النزعات] وهدأت نفسي واستبشرت وظننت أنَّ جميع الخلائق قَدْ ماتوا أجمعين، وَلَمْ أرَ عندي أحداً مِنْ خلقه فتركني ما شاء الله ثمَّ ردّ عليّ روحي فأفقت فَكَانَ توفيقاً مِنْ ربي (عزَّ وجلَّ) أنْ غمضت عيني وَكلّ بصريّ وغُشي عني النظر فجعلت أبصر بقلبي كَمَا أبصر بعيني، بَلْ أبعد وأبلغ فَذَلِكَ قوله جَلَّ وَعَزَّ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾... ثمَّ أمرني ربي بأمور وأشياء أمرني أنْ أكتمها وَلَمْ يؤذن لي فِي إخبار أصحابي بها، ثمَّ هوى بي الرفرف فإذا أنا بجبرئيل [فتناولني] فتناقلني مِنْهُ حَتّى صرت إلى سدرة المنتهى»(١٣٢) الحديث.
سابع عشر: إن ما في الرواية من تأخر العالم الجسماني الأعظم خلقة من الأدنى رتبة لتقويمه - لا يتنافى مع قاعدة تقدم الأشرف على الأدنى، إذ يمكن حمله على التقدير لا التقدم في الخلقة، أو أن ذلك في عوالم الأجسام المتقاربة عرضا في رتبة الجسمانية ولو بلحاظ أن الطبقة النازلة من كل عالم أعلى متقاربة مع الطبقة الصاعدة من الأدنى.
ثامن عشر: إن ظاهر الرواية خلق النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحسب طبقاته النازلة من أنوار الكمال فوق العرش فهي بمثابة الغرائز الروحية له، وبمثابة أرواح له (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا مما يبين مدى عظمة خلقته واختلافها عن خلقة الآخرين.
وعَنْ سعيد بن جبير عَنْ بن عباس، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي: «إنَّهُ لما عرج بي إلى السَّماء السابعة، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور...»(١٣٣)
ومفاده أن فوق سدرة المنتهى حجب النور، والظاهر كما أشرنا في مواضع أن اصطلاح الحجب وكذا النور عنوان عام يطلق على كل موجود فوقي يحجب ما دونه عما فوقه فيقال له حجاب وحجب، ويقال له النور بلحاظ ألطفيته مما دونه، وسيأتي أن الحجب يطلق على ما فوق العرش أيضا، وهو بلحاظ المعنى العام كما يطلق على ما فوق سدرة المنتهى مما هو ما دون العرش ويطلق على مراتب أخرى كثيرة.
وروى فِي كتاب المحتضر للحسن بن سليمان مِنْ كتاب المعراج بإسناد مُتّصل عَنْ سلمان رضوان الله عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما عرج بي إلى السَّماء الدُّنْيَا... فلما صرت إلى السَّماء السابعة... فسرنا فَلَمْ نزل ندفع مِنْ نور إلى ظلمة وَمِنْ ظلمة إلى نور حَتّى وقفت عَلَى سدرة المنتهى، فإذا جبرائيل (عليه السلام) ينصرف... وما زلت واقفاً حَتّى قذفت فِي بحار النور فَلَمْ تزل الأمواج تقذفني مِنْ نور إلى ظلمة وَمِنْ ظلمة إلى نور حَتّى أوقفني ربي الموقف الذي أحب أنْ يقفني عنده مِنْ ملكوت الرَّحْمَن... انصرفت... قذفت فِي بحار النور، فَلَمْ تزل الامواج تقذفني حَتّى تلقاني جبرائيل فِي سدرة المنتهى...»(١٣٤).
وهذه الرواية تبين أن ما قبل وما فوق سدرة المنتهى توجد بحور من نور وبحور من ظلمة طبقات متراكبة متراتبة.
وفِي الخصال عَنْ علي بن أبي طالب (عليه السلام) عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّهُ قَالَ فِي وصيّته لي: «يا علي إنِّي رأيت اسمك مقروناً باسمي فِي أربعة مواطن فأنست بالنظر إليه: إنِّي لما بلغت بيت المقدس فِي معراجي إلى السَّماء وجدت عَلَى صخرتها مكتوباً لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله أيدته بوزير، ونصرته بوزير، فقلت لجبرائيل مَنْ وزيري؟ فَقَالَ علي بن أبي طالب، فلما انتهيت إلى سدرة المنتهى، فلما جاوزت السدرة انتهيت إلى عرش رب العالمين، فلما رفعت رأسي وجدت عَلَى بطنان العرش...»(١٣٥). وظاهر الرواية كظاهر مستفيض الروايات انتهاء المعراج الى بعض مراتب العرش.
وفي صحيحة عاصم عَنْ الصَّادِق (عليه السلام)، قَالَ: «الشمس جزء مِنْ سبعين جزء مِنْ نور الكرسي والكرسي جزء مِنْ سبعين جزء مِنْ نور العرش، والعرش جزء مِنْ سبعين جزء مِنْ نور الحجاب، والحجاب جزء مِنْ سبعين جزء مِنْ نور الستر...»(١٣٦).
وهذه الصحيحة تبين أن فوق الكرسي رتبة العرش، وفوق العرش الحجاب وفوق الحجاب الستر، ولا يخفى أن الحجاب عوالم ومراتب، وكذلك الحال في الستر.
وعَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ جبرائيل فِي ليلة المعراج: إنَّ بين الله وبين خلقه تسعين[سبعين] ألف حجاب وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل وبيننا وبينه أربعة حجب حجاب مِنْ نور وحجاب مِنْ ظلمة، وحجاب مِنْ الغمام، وحجاب مِنْ ماء...»(١٣٧)،(١٣٨). وفي الرواية إشارة الى تكثر عوالم الحجب في سلسلة الخلقة، والظاهر أن عنوان الحجب استعمل في مطلق العالم الفوقي باعتباره حاجب ما دونه عما فوقه.
وعن عَبْدِ الله بْنِ الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: أَعْطَانِي الله (تَبَارَكَ وَتَعَالَى) خَمْساً، وَأَعْطَى عَلِيّاً خَمْساً: أَعْطَانِي جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَأَعْطَى عَلِيّاً جَوَامِعَ الْعِلْمِ، وَجَعَلَنِيَ نَبِيّاً وَجَعَلَهُ وَصِيّاً، وَأَعْطَانِي الْكَوْثَرَ، وَأَعْطَاهُ السَّلْسَبِيلَ، وَأَعْطَانِي الْوَحْيَ، وَأَعْطَاهُ الْإِلْهَامَ، وَأَسْرَى بِي إِلَيْهِ، وَفَتَحَ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَالحُجُبِ حَتَّى نَظَرَ إِلَيَّ فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ[حتي نظر الي ما نظرت اليه]...(١٣٩) وفيه إشارة الى علو الحجب على السماوات، وأن لها أبواب كما لكل سماء أبواب.
روى الصدوق فِي التوحيد بسنده عَنْ يونس بن عبد الرحمن، قَالَ: قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) لأي علّة عرج الله بنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السَّماء، ومنها إلى سدرة المنتهى، ومنها إلى حجب النور، وخاطبه وناجاه هُنَاك والله لا يوصف بمكان؟...)(١٤٠). وفيه تبيان لثلاثية تقسيم العوالم فيما دون العرش، لكن الرواية الآتية دالة على مرحلة رابعة في المعراج وهي من الحجب الى العرش، وأن سدرة المنتهى عالم ذو مراتب، لاسيما وأن السماوات كنقطة في بحور بالقياس لعالم سدرة المنتهى، وهكذا ما بين السدرة وحجب النور.
وروى فِي المحتضر عَنْ كتاب المعارج عَنْ الصدوق عَنْ ابن الوليد عَنْ الصفّار عَنْ البرقي عَنْ أبيه عَنْ أحمد بن النضر عَنْ ابن شمر عَنْ جابر الجعفي عَنْ جابر الأنصاري، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما عرج بي إلى السَّماء السابعة وجدت عَلَى كُلّ باب سماء مكتوباً لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولما صرت إلى حجب النور رأيت عَلَى كُلّ حجاب مكتوباً: لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ولما صرت إلى العرش وجدتُ عَلَى كُلّ ركن مِنْ أركانه مكتوباً: لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين»(١٤١). والرواية مفادها أن منتهى المعراج ولو بلحاظ تعدد مرات ودفعات المعراج هو العرش لا ما يظهر من كثير من الروايات من أن منتهاه حجب النور.
ما دون البحر المكفوف:
١ - الخصال: عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لله (عزَّ وجلَّ) اثني عشر ألف عالم كُلّ عالم منهم أكبر مِنْ سبع سماوات وسبع أرضين ما ترى [يرى] عالم منهم أنَّ لله (عزَّ وجلَّ) عالماً غيرهم وأنا الحجّة عليهم»(١٤٢).
٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ المُتَوَكِّلِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الله الْكُوفِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ جَرِيشٍ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): سَمِعْتُ أَبِي (عليه السلام) يَقُولُ مَا قَرَأَ عَبْدٌ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ أَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ وَأَلْفَ مَرَّةٍ يَوْمَ الخَمِيسِ إِلَّا خَلَقَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهَا مَلَكاً يُدْعَى الْقَوِيَ(١٤٣) رَاحَتُهُ أَكْبَرُ مِنْ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ وَسَبْعِ أَرَضِينَ فِي مَوْضِعِ كُلِّ ذَرَّةٍ مِنْ جَسَدِهِ أَلْفُ شَعْرَةٍ فِي كُلِّ شَعْرَةٍ أَلْفُ لِسَانٍ يَنْطِقُ كُلُّ لِسَانٍ لِقُوَّةِ(١٤٤) أَلْسِنَةِ الثَّقَلَيْنِ يَسْتَغْفِرُ لِقَارِيهَا وَيُضَاعِفُ الرَّبُّ تَعَالَى اسْتِغْفَارَ أَلْفَيْ سَنَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ.(١٤٥) 
ومفاد الرواية أن ثواب عمل أكبر من السماوات فكيف بالفاعل لذلك العمل.
٣ - الخصال والتوحيد: عَنْ جابر بن يزيد، قَالَ سألت أبا جعفر (عليه السلام): عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ) فَقَالَ: ﴿أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد﴾(١٤٦)، فقال: «يا جابر تأويل ذَلِكَ إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) إذَا أفنى هَذَا الخلق وَهَذَا العالم وأسكن أهل الجنّة الجنة وأهل النّار النار جدّد الله (عزَّ وجلَّ) عالماً غَيْر هَذَا... لَعَلَّكَ تَرَى أَنَّ الله إِنَّمَا خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ الْوَاحِدَ وَتَرَى أَنَّ الله لَمْ يخْلُقْ بَشَراً غَيْرَكُم بلى والله لَقَدْ خلق الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ألف ألف عالم وألف ألف آدم وَأَنْتَ فِي آخر تلك العوالم وأولئك الآدمين»(١٤٧).
أجزاء مجموع العوالم:
مواقع الجنّة والنار وشؤونهما فِي أجزاء وعوالم الخلقة:
في رواية مسائل ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (وَأَمَّا السَّبْعَةَ عَشَرَ فَسَبْعَةَ عَشَرَ اسْماً مِنْ أَسْمَاءِ الله مَكْتُوبَةً بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ لَوْ لَا ذَلِكَ لَزفَرَتْ زفْرَةً أَحْرَقَتْ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض(١٤٨)) ومفادها اطلاق الاسم الإلهي على المخلوقات دون العرش الإلهي بل دون الجنة، نعم كتابة الإسم تغاير الإسم نفسه، والمراد بها كما حرر في هذه المباحث تجلي نازل لذلك الإسم.
وفي اليقين بسندين مُتّصلين عَنْ علي بن أبي طالب، وزيد بن علي، قالا: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - فِي حديث المعراج - وصعود بالسلالم إلى كُلّ سماء... ثمَّ ارتفعنا إلى الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة بإذن الله، فإذا بصوت وصيحة شديدة، قَالَ: قلتُ: يا جبرئيل ما هَذَا الصوت؟ فَقَالَ لي: يا مُحمَّد هَذَا صوت طوبى قَدْ اشتاقت إليك قال فقال رسول الله فغشيني عند ذلك مخافة شديدة. قال ثم قال لي جبرئيل يا محمد تقرب الى ربك فقد وطئت اليوم مكانا بكرامتك على الله عز وجل ما وطئته قط ولولا كرامتك لأحرقني هذا النور الذي بين يدي قال فتقدمت فكشف لي عن سبعين حجابا...»(١٤٩). في جملة من الروايات أن هذه الحجب بعد سدرة المنتهى وبعد الجنة، وإن كانت هناك حجب أيضا دون سدرة المنتهى.
خوف النار مِنْ مالك:
وفي نهج البلاغة: - قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «واعلموا أنَّهُ لَيْسَ لهذا الجلد الرقيق صبر عَلَى النّار فارحموا نفوسكم فإنَّكم قَدْ جربتموها فِي مصائب الدُّنْيَا فرأيتم جزع أحدكم مِنْ الشوكة تصيبه والعثرة والرمضاء تحرقه، فكيف إذَا كَانَ بين طابقين مِنْ نار ضجيع حجر وقرين شيطان اعلمتم أنَّ مالكاً إذَا غضب عَلَى النار حطّم بعضها بعضا لغضبه وإذا زجرها توثبت بين أبوابها جزعاً مِنْ زجرته، أيُّهَا الفين الكبير الذي قَدْ لهزه القتير كيف أَنْتَ إذا التحمت أطواق النار بعظام الأعناق ونشبت الجوامع حَتّى أكلت لحوم السواعد، فالله الله معشر العباد وأنتم سالمون فِي الصحّة قبل السقم وفي الفسحة قبل الضيق فاسعوا فِي فكاك رقابكم مِنْ قبل أنْ تغلق رهائنها...»(١٥٠). ومفاده شدة وزيادة قوة مالك على قوة النار، مع أن في بعض الروايات خوف الملائكة المقربين من النار، ولعله بلحاظ سلب قوة الملك المقرب لو قدر دخوله النار، والخوف بلحاظ ذلك التقدير.
طبقات النار:
 وروى الشَّيْخ المفيد فِي الاختصاص: بسنده عَنْ جابر الجعفي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «إذَا أراد الله قبض روح الكافر، قَالَ: يا ملك الموت انطلق أَنْتَ وأعوانك إلى عدوّي فَإنِّي... فإذا بقيت العظام عوارى مِنْ اللحوم اشتدّ غضب الله فيقول يا مالك اسجرها عَلَيْهِم كالحطب فِي النار ثمَّ يضرب أمواجها أرواحهم سبعين خريفاً فِي النار ثمَّ يطبق عَلَيْهِم أبوابها...»(١٥١).
ومفاده:
١ - اشتداد غضب الله على أهل النار أو جماعة منهم بعد حلول أنواع من العذاب عليهم، فغضبه يشتد بعد ذلك بدل أن يتخفف، ولعله لبقاء عنادهم رغم حلول أنماط من العذاب عليهم.
٢ - وأن أمواج جهنم تضرب أرواحهم، ولعله طبقة من النار نظير (نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة إنها عليهم مؤصدة في عمد مددة) مما يشير الى أن النار طبقات بعضها يجانس الأرواح، وهو وصف للحطمة.
٤ - روى الصدوق بسند معتبر عَنْ الإمام الحسن العسكري عَنْ جده الإمام الصَّادِق (عليهما السلام) قِيلَ: صف لنا الموت؟ قال: «للمؤمن كأطيب ريح يشمّه فينعس لطيبه وينقطع التعب والألم كله عنه، وللكافر كلسع الأفاعي ولدغ العقارب وأشدّ.
قِيلَ: فَإنَّ قوماً يقولون: إنَّهُ أشدّ من نشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ورضخ بالأحجار وتدوير قطب الأرحية عَلَى الأحداق؟ قَالَ: كَذَلِكَ هُوَ عَلَى بَعْض الكافرين والفاجرين ألا ترون منهم منْ يعاين تلك الشدائد؟ فذلكم الذي هُوَ أشدّ مِنْ هَذَا الأمر عذاب الآخرة فَإنَّهُ أشدّ مِنْ عذاب الدُّنْيَا.
قِيلَ: فما بالنا نرى كافراً يسهل عَلَيْهِ النزع فينطفي وَهُوَ يحدث ويضحك ويتكلّم، وفي المؤمنين أيضاً من يكون كَذَلِكَ وفي المؤمنين والكافرين مِنْ يقاسي عِنْدَ سكرات الموت هَذِهِ الشدائد، فَقَالَ: ما كَانَ مِنْ راحة للمؤمن هُنَاك فَهُوَ تعجيل ثواب، وما كَانَ من شديد فتمحيصه مِنْ ذنوبه ليرد الآخرة نقيّاً نظيفاً مستحقاً للثواب الأبد لا مانع لَهُ دونه، وما كَانَ مِنْ سهولة هُنَاك عَلَى الكافر فليوفي أجر حسناته فِي الدُّنْيَا ليرد الآخرة وَلَيْسَ لَهُ إلَّا ما يوجب عَلَيْهِ العذاب، وما كَانَ مِنْ شدّة عَلَى الكافر هُنَاك فَهُوَ ابتداء عذاب الله لَهُ ذلكم بأنَّ الله عدل لا يجور، قَالَ: وَقِيلَ للصادق (عليه السلام): أخبرنا عَنْ الطاعون؟ فَقَالَ: عذاب الله لقوم ورحمة لآخرين، قالوا: وكيف تكون الرحمة عذاب، قَالَ: أمَّا تعرفون أنَّ نيران جهنم عذاب عَلَى الكافرين وخزنة جهنم معهم فيها وَهِيَ رحمة عليهم»(١٥٢). وموضع الشاهد في الرواية ذيلها وإنما نقلناها بطولها ليتضح مفاد الذيل أكثر، فرغم كون النيران عذاب شديد على أهل النار، إلا أن النيران نفسها رحمة لخزنة جهنم من الملائكة، نظير ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلاَمًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾، وهذا يفيد طابع آخر للحقائق ومنها النار أنها في عرض واحد ذات حقايق وطبايع فضلا عن طبقاتها نظير قوله: فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذاب».
لطافة عالم الجنّة:
٥ - روى فِي الاحتجاج عَنْ هشام بن الحكم فِي حديث سؤال الزنديق أبا عبد الله (عليه السلام): «... قَالَ أليس يأكلون ويشربون وتزعم أنَّهُ لا تكون لهم الحاجة؟ قَالَ: بلى لِأنَّ غذائهم رقيق لا ثفل لَهُ، بَلْ يخرج مِنْ أجسادهم بالعرق... (وعَنْ الحور العين) فَهِيَ تلبس سبعين حلّة ويرى زوجها مخ ساقها مِنْ وراء حللها وبدنها، قَالَ: نعم كَمَا يرى أحدكم الدراهم إذَا ألقيت فِي ماءٍ صافٍ قدره قدر رمح...»(١٥٣) الحديث. ومفاده لطافة الأكل في الجنة عن الثفل، وهو معنى وصفه بالرقة، وللطافة أنماط ودرجات في الأجسام.
موقع الجنة والنار وشؤونهما:
وروى الشَّيْخ الصدوق بسنده عَنْ الهروي، قَالَ: قلتُ للرضا (عليه السلام):... يا بن رسول الله أخبرني عَنْ الجَنّة وَالنَّار أهما اليوم مخلوقتان؟ فَقَالَ: «نعم، وإنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ دخل الجَنّة ورأى النَّار لما عرج به إلى السَّماء» قَالَ: فقلتُ لَهُ: إنَّ قوماً يقولون أنَّهما اليوم مقدرتان غَيْر مخلوقتين؟ فَقَالَ: «لا [أولئك] هم منّا ولا نحن منهم، مَنْ أنكر خلق الجَنّة وَالنَّار فَقَدْ كذّب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكذّبنا وَلَيْسَ مِنْ ولايتنا على شيء ويخلّد فِي نار جهنّم، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا المُجْرِمُون يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آن﴾، وَقَالَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما عرج بي إلى السَّماء أخذ بيدي جبرائيل (عليه السلام) فأدخلني الجَنّة فناولني مِنْ رطبها فأكلته فتحوّل ذَلِكَ نطفة فِي صلبي، فلما هبطت الى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة (عليها السلام) ففاطمة حوراء أنسية فَكُلّما اشتقت إلى رائحة الجَنّة شممت رائحة ابنتي فاطمة (عليها السلام)»(١٥٤). ومفاده أن إنكار الوجود الفعلي للجنة والنار هو إنكار لهما وموجب للخلود في النار، وإن اعتقد بأنهما سيخلقان عند يوم القيامة، بل الروايات المستفيضة التي استعرضنا عدة منها في بدء الخلقة وخلقة الطينات أنهما مخلوقتان قبل خلق عالم الدنيا.
٦ - الخصال بسنده عَنْ مُحمَّد بن مسلم، قَالَ: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لَقَدْ خلق الله (عزَّ وجلَّ) فِي الأرض منذ خلقها سبعة عالمين لَيْسَ هُمْ ولد آدم خلقهم مِنْ أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بَعْدَ واحد مَعَ عالمه، ثمَّ خلق الله (عزَّ وجلَّ) آدم أبا هَذَا البشر وخلق ذُرَيَّته مِنْهُ ولا والله ما خلت الجَنّة مِنْ أرواح المُؤْمِنِين مُنْذُ خلقها، ولا خلت النَّار مِنْ أرواح الكُفّار وَالعُصَاة مُنْذُ خلقها (عزَّ وجلَّ)، لَعَلَّكُم ترون أنَّهُ كَانَ يَوُم القِيَامَة وَصَيَّر الله أبدان أهل الجَنّة مَعَ أرواحهم فِي الجَنّة وَصَيَّر أبدان أهل النَّار مَعَ أرواحهم فِي النَّار، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يعبد فِي بلاده ولا يخلق خلقاً يعبدونه ويوحِّدونه ويعظمونه؟ بلى والله ليخلقن الله خلقاً مِنْ غَيْر فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحّدونه ويعظمونه ويخلق لهم أرضاً أليس الله عز وجل يقول ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، وقال الله (عز وجل) ﴿أَفَعَيِينَا بِالخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد﴾.»(١٥٥)
ومقتضى مفادها:
١ - أن ألف ألف آدم الذين خلقهم الله قبل آدمنا لم يكونوا على هذه الأرض، بل على أرضين أخرى لا سيما أنه ذكر في تلك الروايات المتضمنة لذلك أنه تعالى خلق ألف ألف عالم يغاير عالمنا هذا.
٢ - قوله (عليه السلام): أن الجنة لم تخل من أرواح المؤمنين، ولم تخل النار من أرواح الكفار منذ خلقهما، فهل هما ظرف للأرواح أم ظرف للأبدان، أم هما طبقات فيكونا ظرفا لكل من الأرواح وللأبدان، ثم ظاهر الرواية أن الأبدان إنما تصير الى الجنة أو الى النار يوم القيامة، وماذا عن الأرواح فهل هي كانت فيهما أم تصير اليهما يوم القيامة كالأبدان وأن الأرواح التي لم تخل الجنة والنار منها هي أرواح لعالمين سابقين علينا، نعم قد مر في روايات الطينة شواهد على الاحتمال الأول.
وفي صحيح عبد الله بن شريك العامري عن أبي عبد الله: سئل رسول الله عن تفسير قوله يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا... - فذكر كرامات حشر المتقين وسبق دخولهم الجنة على سائر الناس وأنهم عندما يدخلون الجنة -... تَسُوقُهُمُ المَلَائِكَةُ إِلَى الجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا إِلَى بَابِ الجَنَّةِ الْأَعْظَمِ - ضَرَبُوا المَلَائِكَةُ الحَلْقَةَ ضَرْبَةً فَتَصِرُّ صَرِيراً فَيَبْلُغُ صَوْتُ صَرِيرِهَا كُلَّ حَوْرَاءَ - خَلَقَهَا الله وَأَعَدَّهَا لِأَوْلِيَائِهِ فَيَتَبَاشَرْنَ إِذَا سَمِعْنَ صَرِيرَ الحَلَقَةِ - وَيَقُولُ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ قَدْ جَاءَنَا أَوْلِيَاءُ الله - فَيُفْتَحُ لَهُمُ الْبَابُ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فَيُشْرِفُ عَلَيْهِمْ أَزْوَاجُهُمْ - مِنَ الحُورِ الْعِينِ وَالْآدَمِيِّينَ فَيَقُلْنَ مَرْحَباً بِكُمْ فَمَا كَانَ أَشَدَّ شَوْقَنَا إِلَيْكُمْ، وَيَقُولُ لَهُنَّ أَوْلِيَاءُ الله مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يَا عَلِيُّ هَؤُلَاءِ شِيعَتُكَ وَشِيعَتُنَا المُخْلِصُونَ [لِوَلَايَتِكَ] وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ - وَهُوَ قَوْلُ الله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا وَنَسُوقُ المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾(١٥٦).
وقد تضمن مفادها انتظار أزواج أصحاب الجنة لهم وأن تلك الأزواج هن من الحور العين ومن الآدميين، وهذا العطف للفظة الآدميين يقتضي سبق الأزواج من الآدميين كالحور استقرارا في الجنة قبل دخول وفد المتقين وأن الأزواج لأصحاب الجنة هم صنفان من الحور العين ومن الآدميين.
قبلية خلق الجَنّة وَالنَّار عَلَى خلق السماوات والأرض:
وورد التعبير فِي القبلية بعين ما وَرَدَ في قبلية خلق الأرواح قبل الأجسام بألفيّ عام.
وروى فِي الخصال بِسَنَدِهِ عَنْ جابر، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مكتوب عَلَى باب الجَنّة لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام»(١٥٧).
ومفاد الحديث خلق الجنة بألفي عام قبل خلق السماوات والأرض، وهذا القدر من القبلية بعينها ورد في تقدم خلق الأرواح قبل الأجساد، مما ينبه على تزامن رتبة خلقة طبقة من طبقات الأرواح مع خلقة الجنة، هذا وقد ورد أن الجنة والنار خلقتا بعد السماوات والأرض، ويمكن حمله على بعض مراتبهما.
وفي الخصال عَنْ عائذ الأحمسي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «أربعة أُتُوا سمع الخلائق الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحور العين وَالجَنّة وَالنَّار فما مِنْ عبدٍ يُصَلِّي عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا بلغه ذَلِكَ وسمعه وما من أحد قال: اللهم زوجني من الحور العين إلا سمعنه وقلن: يا ربنا إن فلانا قد خطبنا إليك فزوجنا منه، وما من أحد يقول اللهم أدخلني الجنة إلا قالت الجنة: اللهم أسكنه فيّ، وما من أحد يستجير بالله من النار إلا قالت النار: يا رب أجره مني.»(١٥٨)، ومفادها ارتباط الجنة والنار والحور العين - رغم كونها من مخلوقات الآخرة - بالبشر في دار الدنيا.
وروى الصدوق فِي الخصال بِسَنَدِهِ إلى ابن عباس، قَالَ: «قدم يهوديان... فسألا أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)... فقالا أين تكون الجَنّة وأين تكون النَّار،... فَقَالَ أمَّا الجَنّة ففي السَّماء وأما النَّار ففي الأرض...»(١٥٩). ولعل المراد بالأرض السابعة كما في بعض الروايات.
وفي مسائل بن سلام للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أَخْبِرْنِي عَنِ الجَنَّةِ وَالنَّارِ أَيَّتَهُمَا خَلَقَ الله قَبْلُ. قَالَ: يَا ابْنَ سَلَامٍ خَلَقَ الله الجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ وَلَوْ خَلَقَ النَّارَ قَبْلَ الجَنَّةِ لَخَلَقَ الْعَذَابَ قَبْلَ الرَّحْمَةِ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الجَنَّةِ أَيْنَ هِيَ قَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَالنَّارُ فِي تُخُومِ الْأَرْضِ السُّفْلَى قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّد(١٦٠)... قَالَ عَبْدُ الله بْنُ سَلَامٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ الله وَكَمْ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ قَالَ مَسِيرَةُ ثَلَاثِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِنْ سِنِينِ (١٦١)،(١٦٢) ومفادها في موقع الجنة والنار مطابق لرواية ابي الجارود عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «السجّين الأرْض السَّابِعِة، وعلّيون السَّماء السَّابِعِة»(١٦٣). وكون الجنة في السماء السابعة إما يحمل على تجاه العلو باعتبار أن سدرة المنتهى عندها جنة المأوى أعلى من السماء السابعة، أو بلحاظ أن الجنان الأخروية طبقات، أو بلحاظ أن في كل سماء جنة برزخية تناسبها كما هو الحال في جنة البرزخ الأرضية وجنة الرجعة.
أرفع وأعلى درجات الجَنّة:
وفي البصائر: عَنْ أبي سعيد الخدري، قَالَ كَانَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «إذَا سألتم الله فاسألوه الوسيلة لي، قَالَ: فسألنا الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ الوسيلة، فَقَالَ: هِيَ درجتي فِي الجَنّة وَهِيَ ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة، إلى مرقاة ياقوتة إلى مرقاة لؤلؤة إلى مرقاة ذهبة، إلى مرقاة فضة فيؤتى بها يَوُم القيامة حَتّى تنصب مَعَ درج النبيين فَهِيَ فِي درج النبيين كالقمر بين الكواكب فلا يبقى يومئذٍ نبي ولا صدّيق ولا شهيد إلَّا قَالَ: طوبى لِمَنْ هَذِهِ الدرجة درجته...»(١٦٤). المجيء بالدرجة التي هي من الجنة في يوم القيامة في عالم القيامة ونصبها هناك إما بمعنى تجليها ونحو ظهور لها ثمة أو لتقرر مثال للجنة والنار فيما دونهما من العوالم كعالم القيامة وعالم كل سماء.
القيامة والجَنّة أعظم ملك النبي وآله:
١ - وفِي الرواية المتقدمة، أنَّهُ قَالَ: كَانَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «... فَقَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أقبل أنا يومئذٍ مُئتزراً بريطة مِنْ نور عليَّ تاج الملك وإكليل الكرامة وعلي بن أبي طالب أمامي ولوائي بيده وَهُوَ لواء الحمدُ...»(١٦٥).
النار أشد الخلائق تبريا وبراءة من أعداء علي (عليه السلام):
٢ - وفِيها أيضا، قَالَ: كَانَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «... فبينا أنا كَذَلِكَ إذْا ملكان قَدْ أقبلا عليَّ؛ أمَّا أحدهما فرضوان خازن الجَنّة، وأمَّا الآخر فمالك خازن النَّار فيدنو رضوان ويسلِّم فيقول: السَّلامُ عليك يا رَسُوُل الله، قَالَ: فأرد عَلَيْهِ السَّلامُ وَأَقُوُل: أيُّهما الملك الطيب الريح الحسن الوجه الكريم عَلَى ربه مَنْ أَنْتَ؟ فيقول: أنا رضوان خازن الجَنّة أمرني ربي أنْ آتيك بمفاتيح الجَنّة فأدفعها إليك فخذها يا أحمد فَأَقُوُل: قَدْ قبلت ذَلِكَ مِنْ ربي فَلَهُ الحمد عَلَى ما أنعم به عليَّ ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب فيدفعها إلى علي فيرجع رضوان ويدنو الملك الآخر فيقول: السَّلامُ عليك يا حبيب الله فَأَقُوُل: عليك السَّلامُ أيُّهَا الملك ما أنكر رؤيتك وأنتن ريحك وأقبح وجهك، فَمَنْ أَنْتَ؟ فيقول: أنا مالك خازن النَّار أمرني ربي أنْ آتيك بمفاتيح النَّار فخذها يا أحمد فَأَقُوُل لَهُ: قَدْ قبلت ذَلِكَ مِنْ ربي فَلَهُ الحمُد عَلَى ما فضّلني، أدفعها إلى أخي علي بن أبي طالب (عليه السلام) فيدفعها إليه، ثمَّ يرجع مالك خازن النَّار فيقبل عليّ وبيده مفاتيح الجَنّة ومقاليد النَّار حتى يقف على عجزة جهنم فيأخذ أزمتها بيده وقد علا زفيرها واشتد حرها... فلجهنم يومئذ اشد مطاوعة لعلي بن أبي طالب من غلام أحدكم فإن شاء ذهب بها يمنة وإن شاء ذهب بها يسرة، ولجهنم يومئذ أطوع لعلي بن أبي طالب فيما يأمرها من جميع الخلائق»(١٦٦).
ومفادها:
١ - تملك أمير المؤمنين (عليه السلام) بتبع ملك النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمفاتيح الجنة والنار وهو تملك وملك تكويني وليس اعتباريا.
٢ - أن مفاتيح النار تغاير أزمة النار.
٣ - أن رضوان خازن الجنان ومالك خازن النار ينتهي ولايتهما أو استقلالهما عليهما.
٤ - أشدية مطاوعة النار لأمير المؤمنين (عليه السلام) هو في التبري من أعدائه، نعم قد ورد في رواية أخرى أن مالك أشد غضبا على الأعداء من النار.
٥ - أن قباحة وجه مالك ونكراء صورته ونتانة رائحته لا تنافي قدسية ملائكيته، بعد كون ذلك مقتضى مأموريته الإلهية، نظير ما مرّ أن نيران النار عذاب على أهل النار ورحمة على الملائكة الموكلين بها.
كُلّ موجودات الجَنّة حيّة ناطقة مادة وجسم الجنة:
١ - تفسير القُمّي: روى فِي ذيل سورة الرَّحْمَن فِي قوله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَان﴾ قَالَ: جواري نابتات عَلَى شطّ الكوثر كُلّما أخذت منها واحدة نبتت مكانها أُخرى(١٦٧)، وقد تكثر مثل هذا المفاد في روايات الجنة مما يدلل على أن مادة الجنة تنشأ منها الحياة لمثل الحور العين، وكما ورد في مستفيض روايات الطينة أن أرواح المؤمنين خلقوا من طينة الجنة.
٢ - كشفُ اليقين: روى عَنْ بكر بن أحمد عَنْ مُحمَّد بن علي عَنْ فاطمة بنت الحسين عَنْ أبيها وعمّها الحسن بن علي قالا: «أخبرنا أمير المُؤْمِنِين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لما دخلت الجَنّة رأيت الشجرة تحمل الحليّ والحلل أسفلها خيل بلق وأوسطها الحور العين وفي أعلاها الرضوان، قلت: يا جبرائيل لِمَنْ هَذِهِ الشجرة؟ قَالَ هَذِهِ لابن عمك أمير المُؤْمِنِين علي بن أبي طالب، فإذَا أمر الله[الخليقة] بدخول الجَنّة يُؤتى بشيعة علي بن أبي طالب حَتّى ينتهي بهم إلى هَذِهِ الشجرة فيلبسون الحلي والحلل ويركبون البلق ويُنادي مُنادٍ هؤلاء شيعة عليّ صبروا فِي الدُّنْيَا عَلَى الأذى فحُبوا هَذَا اليوم»(١٦٨).
٣ - القُمّي: روى فِي قوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد﴾ قَالَ: هُوَ استفهام لِإنَّ الله وعد النَّار أن يملأها فتمتلئ النَّار فيقول لها: هَلْ امتلأتِ؟ وتقول هَلْ مِنْ مزيد، عَلَى حدِّ الاستفهام أيّ لَيْسَ فِيَّ مزيد، قَالَ: فتقول الجَنّة يا رب وعدت النَّار أنْ تملأها ووعدتني أنْ تملأني فبم تملأني وَقَدْ ملأت النَّار؟ قال: فيخلق الله يومئذٍ خلقاً يملأ بهم الجَنّة، فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «طوبى لهم إنهم لَمْ يروا هموم الدُّنْيَا وغمومها»(١٦٩).
٤ - روى ابن شهرآشوب فِي المناقب عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): «إنَّ للجَنّة إحدى وسبعين باباً يدخل مِنْ سبعين منها شيعتي وأهل بيتي وَمِنْ بابٍ واحد سائر الناس»(١٧٠).
ولا يتنافى مَعَ ما دَلَّ مِنْ الآيات والروايات أنَّ للجنة ثمانية أبواب فَإنَّهُ قَدْ يحمل ذَلِكَ عَلَى مراتب الأبواب أو أبواب السماوات.
٥ - فُرات الكوفي: عن إسماعيل بن إبراهيم الفارسي معنعناً عَنْ أبي جعفر مُحمَّد بن علي (عليهما السلام) عَنْ آبائه، قَالَ: «قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما أُسري بي إلى السَّماء فصرتُ فِي السَّماء الدُّنْيَا حَتّى صرت فِي السَّماء السادسة فإذا أنا بشجرة لَمْ أرَ شجرة أحسن منها ولا أكبر منها، فقلتُ لجبرائيل: يا حبيبي ما هَذِهِ الشجرة؟ قَالَ: هذه طوبى يا حبيبي، قَالَ: فقلتُ: ما هَذَا الصوت العالي الجهوري، قَالَ: هَذَا صوت طوبى، قلتُ: أيّ شيء يقول؟ قَالَ: يقول: واشوقاه إليك يا علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(١٧١). وكون طوبى في السماء السادسة إما يحمل على التمثل ومظاهرها فيها، وإما بمعنى الاتجاه أي ما فوقها أو هو وهم من الراوي، وعلى أية حال فإن مفادها حياة تلك الشجرة ونطقها.
٦ - قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أكثر أنهار الجَنّة الكوثر تنبت الكواعب الأتراب عَلَيْهِ يزوره أولياء الله يَوُم القيامة، فَقَالَ (عليه السلام): خطيب أهل الجَنّة أنا مُحمَّد رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٧٢).
٧ - القُمي: قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى﴾ قَالَ: فِي السَّماء السَّابِعِة وأمَّا الرَدّ عَلَى مَنْ أنكر خلق الجَنّة وَالنَّار فقوله ﴿عِندَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَى﴾ أيّ عِنْدَ سدرة المنتهى فسدرة المنتهى فِي السَّماء السَّابِعِة وجنة المأوى عندها(١٧٣)).
ومفادها وإن أوهم كينونة الجنة في السماء السابعة كما ذهب اليه جماعة أخذا بهذا الظاهر، إلا أن الصحيح ما دلت عليه مستفيض روايات المعراج من كون سدرة المنتهى فوق السماء السابعة كما أن الجنة فوقها، والروايات يفسر بعضها بعضا، ولعل التعبير بالعندية للقرب والترتيب الرتبي، أي الذي يأتي بعد سدرة المنتهى هو جنة المأوى، كذلك الذي يأتي بعد السابعة هو سدرة المنتهى، لا بمعنى الكينونة فيها، وهذا اصطلاح في الفاظ الوحي.
٨ - وفي نهج البلاغة قوله (عليه السلام): من يتّق الله يجعل له مخرجا من الفتن، ونورا من الظّلم، ويخلّده فيما اشتهت نفسه، وينزّله منزلة الكرامة عنده في دار اصطنعها لنفسه، ظلّها عرشه، ونورها بهجته، وزوّارها ملائكته، ورفقاءها رسله، فبادروا المعاد، وسابقوا الآجال، فإنّ النّاس يوشك أن ينقطع بهم الأمل، ويرهقهم الأجل، ويسدّ عنهم باب التّوبة(١٧٤). وقوله (عليه السلام) ظلها عرشه مقتضاه تصاعد طبقات الجنة الى العرش، وأن درجاتها متصاعدة الى ذلك، وهذه حقيقة عظيمة في كون ظل أو سقف الجنة هو العرش.
٩ - وروى محمد بن إسحاق المدني عن ابي جعفر (عليه السلام) قَالَ:... وَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ - وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً(١٧٥) يَعْنِي بِذَلِكَ وَلِيَّ الله وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَالنَّعِيمِ وَالمُلْكِ الْعَظِيمِ الْكَبِيرِ إِنَّ المَلَائِكَةَ مِنْ رُسُلِ الله عَزَّ ذِكْرُهُ يَسْتَأْذِنُونَ [فِي الدُّخُولِ] عَلَيْهِ فَلَا يَدْخُلُونَ عَلَيْهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَلِذَلِكَ المُلْكُ الْعَظِيمُ الْكَبِيرُ قَالَ وَالْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِ مَسَاكِنِهِمْ وَذَلِكَ قَوْلُ الله عَزَّ وَجَلَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ(١٧٦) وَالثِّمَارُ دَانِيَةٌ مِنْهُمْ وَهُوَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ) - وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا(١٧٧) مِنْ قُرْبِهَا مِنْهُمْ يَتَنَاوَلُ المُؤْمِنُ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَهِيهِ مِنَ الثِّمَارِ بِفِيهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ وَإِنَّ الْأَنْوَاعَ مِنَ الْفَاكِهَةِ لَيَقُلْنَ لِوَلِيِّ الله يَا وَلِيَّ الله كُلْنِي قَبْلَ أَنْ تَأْكُلَ هَذَا قَبْلِي قَالَ وَلَيْسَ مِنْ مُؤْمِنٍ فِي الجَنَّةِ إِلَّا وَلَهُ جِنَانٌ كَثِيرَةٌ مَعْرُوشَاتٌ وَغَيْرُ مَعْرُوشَات (١٧٨) ومفاده نطق الفاكهة وشوقها بأن تتكون في بدن المؤمن، وهو يعطي احتياج بدن الجنة للمدد والوقود والتكامل، وهو القاعدة العقلية التكوينية العامة في كل الأجسام من احتياجها الى مادة ومدد وقوة تقوى بها مهما فرض لطافتها وشفافيتها لفرض تكونها من المادة والصورة، ومن ثم ورد في شأن العرش كذلك مدده من أنوار فوقه كل حين.
١٠ - وفي نهج البلاغة قوله (عليه السلام): فَلَوْ رَمَيْتَ بِبَصَرِ قَلْبِكَ نَحْوَ مَا يُوصَفُ لَكَ مِنْهَا لَعَزَفَتْ نَفْسُكَ عَنْ بَدَائِعِ مَا أُخْرِجَ إِلَى الدُّنْيَا مِنْ شَهَوَاتِهَا وَلَذَّاتِهَا وَزَخَارِفِ مَنَاظِرِهَا وَلَذَهِلَتْ بِالْفِكْرِ فِي [اصْطِفَافِ] اصْطِفَاقِ أَشْجَارٍ غيِّبَتْ عُرُوقُهَا فِي كُثْبَانِ المسك على سَوَاحِلِ أَنْهَارِهَا وَفِي تَعْلِيقِ كَبَائِسِ اللُّؤْلُؤِ الرَّطْبِ فِي عَسَالِيجِهَا وَأَفْنَانِهَا وَطُلُوعِ تِلْكَ الثِّمَارِ مُخْتَلِفَةً فِي غُلُفِ أَكْمَامِهَا تجنَى مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ فَتَأْتِي عَلَى مُنْيَةِ مُجْتَنِيهَا وَيُطَافُ عَلَى نُزَّالِهَا فِي أَفْنِيَةِ قُصُورِهَا بِالْأَعْسَالِ المُصَفَّقَةِ وَالخُمُورِ المُرَوَّقَةِ قَوْمٌ لَمْ تَزَلِ الْكَرَامَةُ تَتَمَادَى بِهِمْ حَتَّى حَلُّوا دَارَ الْقَرَارِ وَأَمِنُوا نُقْلَةَ الْأَسْفَارِ فَلَوْ شَغَلْتَ قَلْبَكَ أَيُّهَا المُسْتَمِعُ بِالْوُصُولِ إِلَى مَا يَهْجُمُ عَلَيْكَ مِنْ تِلْكَ المَنَاظِرِ المُونِقَةِ لَزَهِقَتْ نَفْسُكَ شَوْقاً إِلَيْهَا وَلَتَحَمَّلْتَ مِنْ مَجْلِسِي هَذَا إِلَى مُجَاوَرَةِ أَهْلِ الْقُبُورِ اسْتِعْجَالًا بِهَا جَعَلَنَا الله وَإِيَّاكُمْ مِمَّنْ يَسْعَى بِقَلْبِهِ إِلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ بِرَحْمَتِه(١٧٩) ومفاده امكانية رؤية الجنة ههنا ببصائر وبصر القلب، وأن السعي الى الأخرة قلبي الى منازلها وهو جسم لطيف، كما في تعريف الروح الذي مر بنا مرارا في الروايات، نعم الأعمال البدنية لازمة ممهدة معدة لحالات الروح والقلب.
١١ - فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي الحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ مُعَنْعَناً عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنْ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب﴾ [قَالَ شَجَرَةٌ فشجرة] فِي الجَنَّةِ غَرَسَهَا الله بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ تُنْبِتُ الحُلِيَّ وَالحُلَلَ وَالثِّمَارَ مُتَدَلِّيَةً عَلَى أَفْوَاهِ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّ أَغْصَانَهَا لَتُرَى مِنْ وَرَاءِ سُورِ الجَنَّةِ وَ[هِيَ] فِي مَنْزِلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) لَنْ يُحْرَمَهَا وَلِيُّهُ وَلَنْ يَنَالَهَا عَدُوُّهُ.(١٨٠)
وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ونفخ فيه من روحه أي هي موجود جسماني حي دبت فيه روح الحيوان الأخروي التي هي أعظم من روح حياة الدنيا، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الحَيَوَانُ﴾.
١٢ - وروى عبد الملك بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام): قال –في حديث مسائل ملك الروم للحسن بن علي (عليه السلام)... ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ أَيْنَ تَكُونُ إِذَا مَاتُوا قَالَ: تَجْتَمِعُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَهُوَ عَرْشُ الله الْأَدْنَى مِنْهَا بَسَطَ الله الْأَرْضَ - وَإِلَيْهَا يَطْوِيهَا وَمِنْهَا المَحْشَرُ - وَمِنْهَا اسْتَوَى رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ - أَيِ اسْتَوْلَى عَلَى السَّمَاءِ وَالمَلَائِكَةِ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَرْوَاحِ الْكُفَّارِ أَيْنَ تَجْتَمِعُ قَالَ: تَجْتَمِعُ فِي وَادِي حَضْرَمَوْتَ وَرَاءِ مَدِينَةِ الْيَمَنِ ثُمَّ يَبْعَثُ الله نَاراً مِنَ المَشْرِقِ - وَنَاراً مِنَ المَغْرِبِ - وَيُتْبِعُهُمَا بِرِيحَيْنِ شَدِيدَتَيْنِ - فَيُحْشَرُ النَّاسُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَيُحْشَرُ أَهْلُ الجَنَّةِ عَنْ يَمِينِ الصَّخْرَةِ وَيُزْلَفُ الْمِيعَادُ وَتَصِيرُ جَهَنَّمُ عَنْ يَسَارِ الصَّخْرَةِ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ - وَفِيهَا الْفَلَقُ وَالسِّجِّينُ فَتَفَرَّقُ الخَلَائِقُ مِنْ عِنْدِ الصَّخْرَةِ - فَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ دَخَلَهَا - وَمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ دَخَلَهَا - وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِير﴾(١٨١).
ومفادها:
١ - أن الصخرة مفصل مهم لأحداث تكوينية هامة فاصلة.
٢ - أن بيت المقدس الذي فيه الصخرة عرش الله الأدنى مما يدلل على وجود مراتب للعرش ومنه ما هو اعلى وعالي واوسط ووسط.
٣ - قد تقدم في بحث المعراج أن بيت المقدس هو البيت المعمور في السماء الرابعة، وهو المسجد الأقصى الذي اليه الإسراء وصلى فيه النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالأنبياء، نعم قد مر ايضا رواية مسجد السهلة أن فيه الصخرة الخضراء وهي الصخرة المعهودة، لكن ما ورد في هذه الرواية من كون يسار الصخرة الأرضين السابعة ويمينها مستقر أهل الجنة في ابتداء المحشر يتبين أن هذه الصخرة تحيط بالأرضين والسماوات، لاسيما وأنه ورد أن البيت المعمور وهو البيت المقدس وهو المسجد الأقصى في السماء السابعة وأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صلى بالأنبياء في السابعة، فعلى هذا يكون البيت المقدس الذي فيه الصخرة محيطا بالسماوات، ويناسبه التفريع أن الاستيلاء على السماوات والملائكة نشأ منها.
٤ - أن بسط الأرض من الصخرة وإليها تطوى الأرض عند طيها وطوي السماوات.
٥ - أن المحشر الى الصخرة كما في روايات كثيرة.
٦ - أنها نهاية دار الدنيا الأولى والآخرة، وبداية القيامة والمعاد بحسب ما فوقها.
٧ - أنها نقطة تحكم في السماوات وفي الملائكة.
٨ - أن الصخرة ورد فيها أن نفخ الصور عندها أيضا.
٩ - الظاهر من الرواية أن بوابة ومبدأ دخول أهل الجنة للجنة هي الصخرة وكذلك دخول أهل النار للنار، ومن ذلك يتبين أن لصخرة بيت المقدس شأن عظيم في عالم القيامة.
١٣ - روى في العلل بسنده عن بن عباس في حديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:... لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَذَّنَ جَبْرَئِيلُ وَأَقَامَ مِيكَائِيلُ ثُمَّ قِيلَ لِي ادْنُ يَا مُحَمَّدُ فَقُلْتُ أَتَقَدَّمُ وَأَنْتَ بِحَضْرَتِي يَا جَبْرَئِيلُ قَالَ نَعَمْ إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) فَضَّلَ أَنْبِيَاءَهُ المُرْسَلِينَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ وَفَضَّلَكَ أَنْتَ خَاصَّةً فَدَنَوْتُ فَصَلَّيْتُ بِأَهْلِ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ثُمَّ الْتَفَتُّ عَنْ يَمِينِي فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ وَقَدِ اكْتَنَفَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ ثُمَّ إِنِّي صِرْتُ إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ وَمِنْهَا إِلَى السَّادِسَةِ فَنُودِيتُ يَا مُحَمَّدُ نِعْمَ الْأَبُ أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ وَنِعْمَ الْأَخُ أَخُوكَ عَلِيٌّ فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الحُجُبِ أَخَذَ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي الجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِشَجَرَةٍ مِنْ نُورٍ أَصْلُهَا مَلَكَانِ يَطْوِيَانِ الحُلَلَ وَالحُلِيَّ فَقُلْتُ حَبِيبِي جَبْرَئِيلُ لِمَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ فَقَالَ هَذِهِ لِأَخِيكَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهَذَانِ المَلَكَانِ يَطْوِيَانِ لَهُ الحُلِيَّ وَالحُلَلَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامِي (١٨٢).
فوصفت الشجرة وهي شجرة طوبى أنها من النور وقد تقدم في الروايات انها نفخ فيها من روحه وأن لها صوت تنادي واشوقاه إليك يا علي بن ابي طالب.
نهر الكوثر فِي الرجعة وفي الجَنّة:
١ - روى فِي جامع الأخبار: قَالَ (عليه السلام): «أكثر أنهار الجَنّة الكوثر تُنبت الكواعب الأتراب عَلَيْهِ يزوره أولياء الله يَوُم القيامة»(١٨٣).
٢ - وفي معتبرة ابن أعيُن أخي مالك بن أعيُن، قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قول الرجل للرجل: جزاك الله خيراً ما يعني به؟ فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «إن خيرا نهر فِي الجَنّة مخرجه مِنْ الكوثر، والكوثر مخرجه مِنْ ساق العرش، عَلَيْهِ منازل الأوصياء وشيعتهم، عَلَى حافتي ذَلِكَ النهر جواري نابتات كُلّما قلعت واحدة نبتت أُخرى سمي بذلك النهر وَذَلِكَ قوله تَعَالَى ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَان﴾ فإذا قَالَ الرجل لصاحبه: جزاك خيراً فَإنَّما يعني بذلك تلك المنازل الَّتِي قَدْ أعدها الله (عزَّ وجلَّ) لصفوته وخيرته مِنْ خلقه»(١٨٤).
٣ - وروى مسمع بن عبد الملك كردين البصري قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «... وإنَّ عَلَى الكوثر أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) وفي يده عصا مِنْ عوسج يحطم بها أعداؤنا...»(١٨٥).
٤ - الخصال: بسنده عن بن عباس قال سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «... وجعلني نبياً وجعله وصيّاً وأعطاني الكوثر وأعطاه السلسبيل وأعطاني الوحي وأعطاه الإلهام...»(١٨٦).
٥ - أمالي الطوسي بسنده عن بن عباس قال: «لما نزل عَلَى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنا أعطيناك الكوثر، قَالَ لَهُ علي بن أبي طالب (عليه السلام): ما هُوَ الكوثر، يا رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ قَالَ: نهر أكرمني الله به، قَالَ علي (عليه السلام) إنَّ هَذَا النهر شريف فانعته لنا يا رَسُوُل الله. قَالَ: نعم يا عليّ الكوثر نهر يجري تحت عرش الله تَعَالَى ماؤه أشدّ بياضاً مِنْ اللبن وأحلى مِنْ العسل وألين مِنْ الزبد حصاه الزبرجد...»(١٨٧).
٦ - الكافي: بِسَنَدِهِ عَنْ علي بن رئاب رفعه إلى أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لله نهراً دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور نوّره وإن في حافتي النهر...»(١٨٨). وروى غيره عَنْ أبي الصامت –تتمة -، قَالَ: «طين الجنان جنّة عدن وجنّة المأوى وجنّة النعيم والفردوس والخُلد وطين الأرْض مَكَّة والمدينة وبيت المقدس والحائر»(١٨٩).
٧ - البحار: بِسَنَدِهِ عَنْ جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الجنان أربع وَذَلِكَ قوله تَعَالَى ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَان﴾ وَهُوَ الرجل يهجم عَلَى شهوة مِنْ شهوات الدُّنْيَا وَهِيَ معصية، فيذكر مقام ربه فيدعها مِنْ مخافته، فَهَذِهِ الآية فيه فهاتان جنّتان للمؤمنين والسابقين.
وأمَّا قوله ﴿مِن دُونِهِمَا جَنَّتَان﴾ مِنْ دونهما فِي الفضل وَلَيْسَ مِنْ دونهما فِي القرب وَهُمَا لأصحاب اليمين وَهِيَ جنّة النعيم وجنّة المأوى، وفي هَذِهِ الجنان الأربع فواكه فِي الكثرة كورق الشجر والنجوم، وَعَلَى هَذِهِ الجنان الأربع حائط محيط...»(١٩٠).
الصراط:
١ - الصراط المستقيم: قَالَ تَعَالَى: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيم صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ﴾(١٩١)
﴿قُل للهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾(١٩٢) 
﴿وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾(١٩٣) 
﴿هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيم﴾(١٩٤) 
﴿وَمَن يَعْتَصِم بِالله فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم﴾(١٩٥) 
٢ - صراط الجحيم: قَالَ تَعَالَى: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِيم﴾(١٩٦).
٣ - الأعراف صراط بين الجَنّة وَالنَّار:
بصائر الدرجات: بِسَنَدِهِ عَنْ بريد العجلي، قَال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ قول الله، ﴿وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ﴾ قَالَ: «أنزلت فِي هَذِهِ الأُمَّة والرجال هُمْ الأئمة مِنْ آل مُحمَّد، قلت: فالأعراف؟ قَالَ: صراط بين الجَنّة وَالنَّار فَمَنْ شفع لَهُ الأئمة منّا فِي المُؤْمِنِين المذنبين نجا وَمَنْ لَمْ يشفعوا لَهُ هوى»(١٩٧).
البحر المسجور:
١ - فِي دعاء العهد رواه فِي مصباح المتهجد عَنْ الناحية المقدسة إلى محمد بن الصلت القمي: «اللهمَّ رب النور العظيم ورب الكرسي الرفيع ورب البحر المسجور ومنزل التوراة والإنجيل ورب الظل والحرور ومنزل الزبور والقرآن العظيم»(١٩٨).
وأورده أيضاً فِي صلاة الحج يَوُم الخميس(١٩٩) مَعَ اختلاف فِي بَعْض الفقرات.
ورواه ابن طاووس فِي إقبال الأعمال فِي أبواب آداب الصائم استحباب الدُّعاء به قبل الإفطار مَعَ اختلاف فِي بَعْض الفقرات(٢٠٠).
٢ - وروى ابن مزاحم فِي كتاب صفين خطبة لأمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) عِنْدَ استقبال أهل الشام فَقَالَ: «اللهمَّ رب السقف المحفوظ المكفوف الذي جعلته مغيظاً [محيطا] لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل الكواكب والنجوم، وجعلت سكانه سبطا مِنْ الملائكة لا يسأمون العبادة... ورب السَّحاب المسخر بين السَّماء والأرض ورب البحر المسجور المحيط بالعالمين»(٢٠١).
وفي نسخة بدل [المحيط بالعالم].
٣ - وروى شاذان بن جبرئيل القُمّي فِي الفضائل، مُفاخرة علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) حَيْثُ قَالَ علي (عليه السلام): «... وأنا الطور، قالت فاطمة: وأنا الكتاب المسطور، قَالَ علي: وأنا الرق المنشور، قالت فاطمة: وأنا البيت المعمور، قَالَ علي: وأنا السقف المرفوع، قالت فاطمة: وأنا البحر المسجور...»(٢٠٢).
ومفاد الرواية كون البحر المسجور فِي قِبال السقف المرفوع دون السَّماء الأُولى الدُّنْيَا، كَمَا أنَّ البيت المعمور فِي قِبال الرقّ المنشور فِي وسط السماوات، كَمَا أنَّ الكتاب المسطور فِي قِبال الطور.
٤ - روى ابن طاووس فِي الإقبال فِي أعمال يَوُم عرفة - دعاء وفي وسطه «... اللهمَّ رب النور العظيم ورب الشفع والوتر ورب البحر المسجور والبيت المعمور ورب التوراة والإنجيل ورب القُرآن العَظِيم...»(٢٠٣).
ورواه أيضاً فِي أعمال يَوُم الغدير، دعاء بِهَذَا اللفظ: «اللهمَّ رب السماوات والأرض وربّ النور العظيم، ورب البحر المسجور، وربّ الشفع الكبير وربّ الوتر الرفيع سبحانك منزِّل التوراة والإنجيل والزبور وَالقُرآن العظيم...»(٢٠٤).
البيت المعمور والسقف المرفوع:
رواية داوود الرقّي، قَالَ: قلت لأبي عبد الله: ما معنى السَّلامُ عَلَى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟ فَقَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لما خلق نبيّه ووصيّه وابنته وابنيه وجميع الأئمة، وخلق شيعتهم أخذ عَلَيْهِم الميثاق وأنْ يصبروا ويصابروا ويرابطوا وأنْ يتّقوا الله ووعدهم أنْ يسلِّم لهم الأرْض المباركة والحرم الآمن، وأنْ ينزل لهم البيت المعمور، ويظهر لهم السقف المرفوع ويريحهم مِنْ عدوّهم والأرض الَّتِي يبدلها الله مِنْ السَّلامُ ويسلم ما فيها لهم لا شيةَ فيها، قَالَ: لا خصومة فيها لعدوهم وأنْ يكون لهم فيها ما يحبّون، وأخذ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى جميع الأئمة وشيعتهم الميثاق بذلك(٢٠٥) وَإنَّما السَّلامُ عَلَيْهِ تذكرة نفس الميثاق وتجديد لَهُ عَلَى الله، لَعَلَّهُ أنْ يعجله (عزَّ وجلَّ) ويعجِّل السَّلامُ لكم بجميع ما فيه»(٢٠٦).
وفي الرواية وعد بنزول البيت المعمور الى الأرض في الرجعة للمؤمنين، ويظهر لهم السقف المرفوع في دولة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الرجعة، والظاهر أنها ممتدة الى السماء الرابعة أو لكل السماوات السبع.
وروى في التهذيب بسنده الى مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بِنْتِ دَاوُدَ الرَّقِّيِّ قَالَ قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام) أَرْبَعَةُ بِقَاعٍ ضَجَّتْ إِلَى الله مِنَ الْغَرَقِ - أَيَّامَ الطُّوفَانِ قَالَ الْبَيْتُ المَعْمُورُ فَرَفَعَهُ الله إِلَيْهِ وَالْغَرِيُّ وَكَرْبَلَاءُ وَطُوس (٢٠٧). ورواه في الغارات وجامع الأخبار(٢٠٨).

الفصل الثاني عشر: الرجعة وعظمة معرفة العرش وما فوقه وما تحته

قاعدة: توقيتية المعرفة لما فوق العرش:
النهي عن التكلم عما فوق العرش (المنتهى):
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «سلوني عمّا دون العرش»(٢٠٩)،(٢١٠) 
وإن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال سلوني عما فوق العرش(٢١١).
وقال: سلوني عما تحت العرش سلوني قبل أن تفقدوني.(٢١٢) 
المُحْتَضَرُ بِإِسْنَادِهِ عن مَوْلَانَا عَلِيٌّ قَالَ: سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي سَلُونِي عَمَّا تَحْتَ الْعَرْش وعما فوقه(٢١٣) 
وقَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ سَلُونِي فَإِنِّي لَا أُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ دُونَ الْعَرْشِ إِلَّا أَجَبْتُ فِيهِ(٢١٤) 
وَفي الفقه الرضوي: أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ (عليه السلام) تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي الله جَلَّ وَعَزَّ فَتَاهُوا(٢١٥).(٢١٦) 
ومفاد هذه الروايات أن التكلم فيما فوق العرش بمثابة التكلم في الله تعالى. ويمكن تفسير النهي عن التكلم بمعنى توقيت وتوقيف القول في المعرفة فيما فوق العرش، كما هو الحال في معرفة الله تعالى بالأسماء، وفي الدعاء المروي أَنْتَ كَمَا وَصَفْتَ نَفْسَكَ فِي كِتَابِكَ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّكَ وَقَوْلُكَ الحَقُّ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ وَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الحَقُّ - الله نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِه(٢١٧).
وروي القمي أما الرد على من وصف الله عز وجل - فقوله ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ المُنتَهَى﴾ (٢١٨)
وفي صحيح جَمِيلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ إِذَا انْتَهَى الْكَلَامُ إِلَى الله فَأَمْسِكُوا - وَتَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَلَا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ، فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَتَاهَتْ عُقُولُهُمْ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُنَادَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ - فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ وَيُنَادَى مِنْ خَلْفِهِ فَيُجِيبُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ.
وَقَوْلُهُ (عليه السلام) إِنَّهُ مَنْ تَعَاطَى مَا ثَمَةً هَلَكَ - فَلَا يُوصَفُ الله (عزَّ وجلَّ) إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ عَزَّ وَجَل (٢١٩) 
ومفاد هذه الرواية ان النهي عن التكلم عما فوق العرش هو بمعني النهي عن التوصيف بغير التوقيت وبغير التوقيف الوارد من الوحي. وانها ملحقة بالساحة الربوبية في كونه من عالم الاسماء الإلهية للصفات الفعلية.
ومصحح محمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ وَلَا تَكَلَّمُوا فِيمَا فَوْقَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي الله فَتَاهُوا حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يُنَادَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ فَيُجِيبُ مِنْ خَلْفِهِ.(٢٢٠) 
وَأَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ (عليه السلام) تَكَلَّمُوا فِيمَا دُونَ الْعَرْشِ فَإِنَّ قَوْماً تَكَلَّمُوا فِي الله جَلَّ وَعَزَّ فَتَاهُوا(٢٢١)،(٢٢٢) 
ويستفاد من هذه الضابطة قواعد معرفية:
١ - أن ما فوق العرش معرفته توقيتية وتوقيفية، وذلك لاستصعاب المعرفة بما ثمة.
٢ - من ثم كانت المخلوقات فيما فوق العرش ليست لها تسمية خلقية بل أسماء إلهية، والأسماء الإلهية معرفتها توقيفية وتوقيتية.
٣ - إن عرشية العرش تأخذ لها معنى آخر بأن يكون منتهى للمخلوقات ذات الطابع الماهوي الخلقي، وبداية للمخلوقات ذات الطابع الماحي للماهية المندك في الإنيات الحاكية لعظمة الفعل الإلهي وهو حقيقة الاسم.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ : لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَئٍ مِنَ المَلَائِكَةِ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اسْمَ عَلِيٍّ أَشْهَرُ فِي السَّمَاءِ مِنِ اسْمِي (٢٢٣) فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّمَاءَ(٢٢٤) الرَّابِعَةَ فَنَظَرْتُ إِلَى مَلَكِ المَوْتِ (عليه السلام) (فَقَالَ لِي)(٢٢٥) يَا مُحَمَّدُ [مَا فَعَلَ عَلِيٌّ قُلْتُ يَا حَبِيبِي وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ عَلِيّاً؟ قَالَ يَا مُحَمَّدُ وَ](٢٢٦) مَا خَلَقَ الله تَعَالَى خَلْقاً إِلَّا وَأَنَا أَقْبِضُ رُوحَهُ بِيَدِي مَا خَلَا أَنْتَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَإِنَّ الله جَلَّ جَلَالُهُ يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمَا بِقُدْرَتِهِ، فَلَمَّا صِرْتُ (٢٢٧) تَحْتَ الْعَرْشِ [نَظَرْتُ](٢٢٨) إِذَا أَنَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَاقِفٌ تَحْتَ عَرْشِ رَبِّي فَقُلْتُ يَا عَلِيُّ سَبَقْتَنِي فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ (٢٢٩) يَا مُحَمَّدُ (مَنِ الَّذِي تُكَلِّمُهُ)(٢٣٠) قُلْتُ هَذَا أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي (٢٣١) يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ هَذَا عَلِيّاً بِنَفْسِهِ (٢٣٢) وَلَكِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ(٢٣٣) خَلَقَهُ الله تَعَالَى عَلَى صُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَنَحْنُ المَلَائِكَةُ المُقَرَّبُونَ كُلَّمَا اشْتَقْنَا إِلَى وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) زُرْنَا هَذَا المَلَكَ لِكَرَامَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَسْتَغْفِرُ الله لِشِيعَتِهِ (٢٣٤)،(٢٣٥).(٢٣٦) 
كينونة كُلّ الأشياء في العرش:
﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾(٢٣٧) 
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾(٢٣٨) 
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾(٢٣٩) 
﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلاَق﴾(٢٤٠) 
﴿وَتَرَى المَلاَئِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالحَقِّ وَقِيلَ الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾(٢٤١) 
﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجَحِيم﴾(٢٤٢).
١ - رَوُى الصَّدُوق فِي معاني الأخبار بِسَنَدِهِ عَنْ المفضل بن عمر قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ العرش والكرسي ما هُما؟ فَقَالَ: «العرش فِي وجه هُوَ جملة الخلق والكرسي وعاؤه، وفي وجه آخر العرش هُوَ العلم الذي أطلع الله عَلَيْهِ أنبيائه ورسله وحججه، والكرسي هُوَ العلم الذي لَمْ يطلع الله عَلَيْهِ احداً مِنْ أنبيائه ورسله وحججه»(٢٤٣).
قَالَ الشَّيْخ الصَّدُوق: اعتقادنا فِي العرش أنَّهُ جملة جميع الخلق والعرش فِي وجه آخر هُوَ العلم(٢٤٤).
قَالَ المجلسي: فاعلم أنَّ العرش قَدْ يطلق عَلَى الجسم العظيم الذي أحاط بسائر الجسمانيات، وَقَدْ يُطلق عَلَى جميع المخلوقات، وَقَدْ يطلق عَلَى العلم أيضاً كَمَا وَرَدَتْ به الأخبار الكثيرة(٢٤٥).
الكينونة لِكُلَّ شيء فِي العرش:
٢ - وَرَوُى ابن فتال فِي روضة الواعظين، قَالَ: رَوُى جعفر بن مُحمَّد عَنْ أبيه عَنْ جدّه أنَّهُ قَالَ: فِي العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر وَهَذَا تأويل قوله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾(٢٤٦) وإنَّ بين القائمة مِنْ قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسيرة ألف عام وَالْعَرْشُ يُكْسَى كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنَ النُّورِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاة...»(٢٤٧)
 ومفاده أنَّ لِكُلِّ شيءٍ كينونة علوية في العرش وهي تمثال له أي وجود روحي ألطف الوجودات الروحية ويمكن انطباقه على الأظلة بناء علي أنها في العرش أي في جوف العرش، بل تأويله بكينونة فوق كينونة الأظلّة، وسيأتي كينونة الكاملين فِي ﴿الأُفُقِ المُبِين﴾ وَهُي كينونة بين يدي العرش دونه كَمَا فِيما وَرَدَ مِنْ (اكتبني فِي عليين) أو (اجعل روحي فِي عليين أو فِي السعداء) وَهَذَا المعنى مِنْ كينونة كُلّ شيء أو تمثال كُلّ شيء فِي العرش يقتضي كون المشيئة دون العرش كَمَا سيأتي.
٣ - ورَوُى فِي تنبيه الخواطر (مجموعة ورّام): فِي ردّ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) عَلَى كلام كعب الأحبار... «وَلَمْ يزل ربنا مُقتدراً عَلَى ما يشاء مُحيط بكُلِّ الأشياء، ثمَّ كوّن ما أراد بلا فكرة حادثة أصاب ولا شبهة دخلت عَلَيْهِ فيما أراد وَإنَّهُ (عزَّ وجلَّ) خلق نوراً ابتدعه مِنْ غَيْر شيء ثمَّ خلق مِنْهُ ظلمة وَكَانَ قديراً أنْ يخلق الظلمة لا مِنْ شيء كَمَا خلق النور مِنْ غَيْر شيء، ثمَّ خلق مِنْ الظلمة نوراً وخلق مِنْ النور ياقوتة غلظها كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ثمَّ زجر الياقوتة فماعت لهيبته فصارت ماء مرتعداً ولا يزال مرتعداً إلى يَوُم القيامة ثمَّ خلق عرشه مِنْ نوره وجعله عَلَى الماء وللعرش عشرة آلاف لسان يسبّح الله كُلّ لسان منها بعشرة آلاف لغة لَيْسَ فيها لغة تشبه الأُخرى، وَكَانَ العرش عَلَى الماء مِنْ دونه حجب الضباب وَذَلِكَ قوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾(٢٤٨). يا كعب ويحك إنْ من كانت البحار تفلته عَلَى قولك كَانَ أعظم مِنْ أنْ تحويه صخرة بيت المقدس أو تحويه الهواء الذي أشرت إليه أنَّهُ حلَّ فيه؟ فضحك عمر بن الخطّاب، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الأمر وهكذا يكون العلم لا يكون كعلمك يا كعب؟ لا عشت إلى زمان لا أرى فيه أبا حسن(٢٤٩).
مفاد هَذِهِ الرواية:
١ - إنَّ العرش جوهر شاعر حيّ، وَلَيْسَ جامدا، لا سيما مَعَ ما فِي رواية الكافي فِي موثّقة سماعة مِنْ أنَّ العقل خلقه بَعْدَ العرش وأنَّ العقل أوَّل خلق الروحانيين «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خلق العقل وَهُوَ أوَّل خلق [خلقه مِنْ الروحانيين] - كَمَا فِي البرقي - مِنْ الروحانيين عَنْ يمين العرش مِنْ نوره»(٢٥٠) الحديث، مما يظهر مِنْهُ إمَّا كون العرش بلحاظ أعلاه هُوَ العقل الكُلّي الروحاني، بل أنَّهُ موجود جوهر أكمل مِنْ العقل كَمَا هُوَ مقتضى قوله (عليه السلام): «مِنْ نوره» أيّ العقل مِنْ نور العرش. وكذلك ما يأتي مِنْ رواية البكري مِنْ كتاب الأنوار أنَّ العقل خلقه مِنْ نور العرش، نعم عَلَى الاحتمال الأوَّل الضمير يرجع إلى الله تَعَالَى. وَقَدْ أشرنا فِي مبحث حقيقة الروح إلى رواية العلل المتضمِّنة لكون العقل مَلَكٌ لَهُ رؤوس بعدد الخلائق، وَلِكُلِّ رأس وجه، وَلِكُلِّ آدمي رأس مِنْ رؤوس العقل، وَأنَّهُ يقع فِي قلب كُلّ إنسان نور مِنْ ذَلِكَ الرأس(٢٥١). وسيأتي أيضاً صحيحة أبي الطفيل المتضمِّنة لتعدد ألسن العرش.
٢ - إن العرش مخلوق روحي ملكي يقوم بالتسبيح والتقديس لرب العالمين.
٣ - إن العرش أعلى رتبة في الخلقة من الماء بمقتضى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾، فهو مستولي ومهيمن على الماء، لكنه دون طبقات العليا من النور ولعله دون الطبقات العليا من الظلمة بحسب هذه الرواية.
تأخر العقل عَنْ خلقة العرش:
٤ - إنَّ التعبير (عَلَى يمين العرش) للعقل فِي موثَّق سماعة دالٌّ عَلَى تأخّر العقل عَنْ العرش، وَمِنْ ثمَّ التعبير بأنه (أوَّل خلق مِنْ الروحانيين) هِيَ أوليّة نسبيّة أيّ بَعْدَ العرش أوَّل خلق الروحانيين، كَمَا أنَّ أوّلية المشيئة كَذَلِكَ بَعْدَمَا سيأتي مِنْ تأخُّر المشيئة عَنْ العرش.
الظلة الخضراء فوق العرش:
في كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي بإسناده مرفوعاً إلى جابر بن يزيد الجعفي، قَالَ: قَالَ أبو جعفر مُحمَّد بن علي الباقر (عليه السلام): «يا جابر كَانَ الله ولا شيء غيره ولا معلوم ولا مجهول، فأوَّل ما ابتدأ مِنْ خلق خلقه أنْ خلق محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلقنا أهل البيت معه مِنْ نوره وعظمته، فأوقفنا أظلة خضراء بين يديه، حَيْثُ لا سماء ولا أرض ولا مكان ولا ليل ولا نهار ولا شمس ولا قمر يفصل نورنا مِنْ نور ربنا كشعاع الشمس مِنْ الشمس، نُسبِّح الله تَعَالَى ونُقدِّسه ونُحمِّده ونُعبِّده حق عبادته، ثمَّ بدا لله تَعَالَى (عزَّ وجلَّ) أنْ يخلق المكان فخلقه، وكتب عَلَى المكان لا إله إلَّا الله، مُحمَّد رَسُوُل الله علي أمير المُؤْمِنِين ووصيّه، به أيّدته ونصرته، ثمَّ خلق الله العرش فكتب عَلَى سرادقات العرش مثل ذَلِكَ، ثمَّ خلق الله السماوات فكتب عَلَى أطرافها مثل ذَلِكَ، ثمَّ خلق الجَنّة وَالنَّار فكتب عَلَيْهَا مثل ذَلِكَ، ثمَّ خلق الملائكة وأسكنهم السَّماء، ثمَّ تراءى لهم الله تَعَالَى وأخذ عَلَيْهِم الميثاق لَهُ بالربوبية ولمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوة ولعليّ (عليه السلام) بالولاية...»(٢٥٢).
والرواية دالة:
١ - على تقدم عالم النور على المكان.
٢ - وتقدم المكان أي منتهى عالم الأجسام على العرش.
٣ - وهو مما يشير الى كون العرش من عالم الروح.
٤ - توصيف النور في الرواية بالأظلة الخضراء هو الآخر يشير الى مرتبة روحانية غير مجردة عن لطافة الجسم هذا بحسب تعريف الأظلة، وإن كان ما مرّ من عالم الأظلة هو دون العرش، إلا أن يراد بالعرش مرتبة أخرى منه، كما مر من تعدد إطلاق العرش على مراتب من العوالم، وإن كان الظاهر منه ههنا هو المرتبة المعهودة
العرش والماء:
﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾(٢٥٣).
﴿وَالمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾(٢٥٤).
وَرَوُى الكُليني بالكافي وَالصَّدُوق بالتوحيد بإسنادهما المُتَّصِل المُعتبر عَنْ داوود الرقّي، قَالَ سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾، فَقَالَ لي: «ما يقولون فِي ذَلِكَ» قلتُ: يقولون إنَّ العرش كَانَ عَلَى الماء والرَّب فوقه، فَقَالَ: «كذبَوا، مَنْ زعم هَذَا، فَقَدْ صيّر الله محمولاً ووصفه بصفة المخلوقين، ولزمه أن الشيء الذي يحمله أقوى مِنْهُ» قُلتُ: بيِّن لي جُعلتُ فداك، قَالَ: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) حمّل دينه وعلمه الماء قبل أنْ يكون أرض أو سماء أو جنّ أو إنس أو شمس أو قمر، فلما أراد الله أنْ يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فَقَالَ لهم مَنْ ربكم [فَكَانَ] فأوَّل مِنْ نطق رَسُوُل الله وأمير المُؤْمِنِين والأئمة، فقالوا: أَنْتَ ربنا، فحمَّلهم العلم والدين...»(٢٥٥).
وَهَذَا الباب عقده الصَّدُوق بعنوان معنى قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ والآية وَالرِّوَايَة دالّتان عَلَى أنَّ العرش مُهيمن عَلَى الماء ومُحيط به نظير المعنى المراد من استعمال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾.
بدء خلق العالم الجسماني:
رَوُى الكليني بسند مُتّصل عَنْ أحمد بن علي الطالبي (مِنْ آل أبي طالب) عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله كَانَ إذْ لا كَانَ فخلق الكان والمكان وخلق نور الأنوار الذي نوّرت مِنْهُ الأنوار وأجرى فيه مِنْ نوره الذي نوّرت مِنْهُ الأنوار وَهُوَ النور الذي خلق مِنْهُ محمداً وعلياً (عليهما السلام) فلم يزالا نورين أولين إذْ لا شيء كُوّن قبلهما...»(٢٥٦) الحديث وقد مر رواية رياض الجنان عن جابر الجعفي عنه (عليه السلام) أن خلق النور قبل خلق المكان.
ومفاد هَذِهِ الرِّوَايَة: فِي صدد بيان بدء خلقة العالم الجسماني، وَيُحمل بعدية الخلقة النورية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى الوجود الروحاني النوري المُجرَّد عَنْ الجسم الغليظ - لو أريدت البعدية من الترتيب الذكري - ولكن أُبهم فِي الرِّوَايَة تسمية أوَّل مخلوقات العالم الجسماني.
حقيقة حمل العرش والعلم:
قوله تَعَالَى ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾(٢٥٧).
رَوُى الصَّدُوق بإسنادٍ مُعْتَبَر عَنْ داود الرقّي، قَالَ سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾،... فَقَالَ (عليه السلام): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) حمَّل علمه ودينه الماء قبل أنْ تكون أرضٌ أو سماءٌ أو جنٌّ أو إنسٌ أو شمسٌ أو قمرٌ، فلما أراد أنْ يخلق الخلق نثرهم بين يديه، فَقَالَ لهم مَنْ ربكم فَكَانَ أوَّل من نطق رَسُوُل الله وأمير المُؤْمِنِين والأئمة صلوات الله عَلَيْهِم، فقالوا: أَنْتَ ربنا فحمَّلهم العلم والدِّين، ثمَّ قَالَ للملائكة: هؤلاء حملة علمي وديني وأمنائي فِي خلقي وَهُمْ المسؤولون...»(٢٥٨). ومفاد الرواية:
أوَّلاً: فِي صدد تفسير وبيان كون العرش عَلَى الماء، وفيها بيان جنبة أُخرى مِنْ معنى الاستعلاء، ففي جملة مِنْ الروايات بُيِّنت الجنبة الأولى للاستعلاء، وَهِيَ إحاطة العرش بالماء وأنَّ فوقيته فوقية قدرة وإحاطة.
وفي هَذِهِ الرِّوَايَة بيان الجنبة الأُخرى مِنْ الاستعلاء، وَهُوَ أنَّ المُستعلى عَلَيْهِ حاملٌ لعلم المُستعلي، فالحمل هُنَا حمل العلم وَلَيْسَ حمل جسمٌ لجسمٍ، كَمَا توهّمه المشبّهة والمُجسّمة، بَلْ الحمل هُنَا المحمول (العلم) يحيط بالحامل (الماء)؛ لِأنَّ الحمل كَمَا ذكرنا فِي حمل الملائكة للعرش حمل للعلم وَهُوَ نظير تأييد رُوُح القُدُس للأنبياء فَإنَّهُ حمل مِنْ الأنبياء لعلم الكتاب. فحقيقة الحمل عكس الاستعلاء.
ثانياً: إنَّ فِي الآية وَالرِّوَايَة أنَّ العرش عَلَى الماء، فالحامل لعلم العرش هُوَ الماء بينما فِي آية أُخرى ﴿يَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾(٢٥٩). فَلَعَلَّ حمل الملائكة لعلم العرش بواسطة الماء لا بدون واسطة كَمَا تُشير هَذِهِ الرِّوَايَة إلى أنَّ الذي يحمل علم العرش أوَّلاً هُوَ الماء ثمَّ مِنْ بعده حمّل ذَلِكَ العلم والدِّين المرتبة النازلة مِنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة.
وكذلك فِي حمل الملائكة لعلم العرش إنَّما هُوَ بتوسّط الماء أيّ علمهم بالماء علم بالعرش.
ثالثاً: لا يخفى أنَّ المُراد بالماء كَمَا تَمَّ بيانه فِي غَيْر موضع منطبق عَلَى المشيئة كَمَا هُوَ مُقْتَضَى أصل الاشتقاق اللغوي مِنْ مَوَه - ومائية - والماهية منطبقة عَلَى شيئية الشيء والأشياء.
رابعاً: مُقْتَضَى ما تَقَدَّمَ مِنْ روحية العرش يتبيَّن أنَّ عالم المشيئة مِنْ الأرواح لِأنَّ المشيئة كَمَا مَرَّ فِي الآية والروايات دون عالم العرش فلا تكون مُجَرَّدا محضاً، وَعَلَى ذَلِكَ فالمشيئة مِنْ الأرواح ذات الأجسام اللطيفة جداً، وكذلك الماء الذي عليه عرش الرحمن.
خامساً: إنَّ مُقْتَضَى ظاهر الرِّوَايَة أنَّ بدء تحميل العلم والدِّين هُوَ الماء فِي عوالم الخلقة وَقَدْ وَرَدَتْ روايات عديدة بِهَذَا المضمون مِنْ أنَّ الله حمّل علمه ودينه الماء.
ومعنى تحميل العلم والدِّين هُوَ وجود التكليف بالعلم وبالدين والمساءلة عَنه كَمَا بيَّن ذَلِكَ ذيل الرِّوَايَة «ثمَّ قَالَ للملائكة هؤلاء حملة علمي وديني وأُمنائي فِي خلقي وَهُمْ المسؤولون».
والتكليف بالعلم وبالدِّين يُغاير التكليف بالشريعة الذي هُوَ مختصٌ بأهل الأرْض وهو دال على عمومية الدِّين لعموم خلقة عوالم الأرواح الَّتِي هِيَ عَلَى طبقات، وَالتي هي مِنْ الأجسام اللّطيفة الرقيقة المختلفة لطافةً ورقّةً وشفافيّةً، بَلْ الصحيح أنَّ الدِّين يصحّ في كُلّ عوالم الخلقة بما فيها عالم الأجسام والأرواح مِنْ عوالم النور؛ لِإنَّهُ ناموس نظام العلاقة بين الخالق والمخلوق.
سادسا: أن الظاهر أن نفس (العلم والدين) - الذي حملهما الباري تعالى الماء ثم أهل البيت - (هما من الأرواح العالية) مما دون العرش لكنهما فوق روح المشيئة والماء وفوق العلم بهما.
وفِي رواية أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي: قَالَ: سأل المأمون أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عَنْ هَذِهِ الآية - ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ -، فَقَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلق العرش والماء والملائكة قبل خلق السماوات والأرض، وكانت الملائكة تستدلّ بأنفسها وبالعرش والماء عَلَى الله (عزَّ وجلَّ)، ثمَّ جعل عرشه عَلَى الماء ليظهر بذلك قدرته للملائكة فيعلموا أنَّهُ عَلَى كُلّ شيءٍ قدير، ثمَّ رفع العرش بقدرته ونقله فجعله فوق السماوات السبع وخلق السماوات والأرض فِي ستة أيام وَهُوَ مُستولٍ عَلَى عرشه، وَكَانَ قادراً عَلَى أنْ يخلقها فِي طرفةِ عينٍ، ولكنَّهُ (عزَّ وجلَّ) خلقها فِي ستةِ أيامٍ لِيُظْهِر للملائكة ما يخلُقهُ منها شيئاً بَعْدَ شيءٍ، وتستدل بحدوث ما يحدثُ عَلَى الله تَعَالَى ذِكرهُ مرةً بَعْدَ مرةٍ، وَلَمْ يخلق الله العرش لحاجةٍ به إليه؛ لِإنَّهُ غنيّ عَنْ العرش وَعَنْ جميع ما خلق...»(٢٦٠).
الهواء عدة عوالم:
يظهر من الروايات الواردة أن الهواء يطلق على عدة عوالم مخلوقة:
١ - منها ما دون السماء الأولى.
٢ - ومنها ما فوق السماء السابعة دون الماء الذي دون العرش.
٣ - ومنها ما هو فوق العرش ولكن دون الظلمة التي فوق العرش.
٤ - ومنها ما هو فوق الظلمة فضلا عن العرش.
وروى الكفعمي: دعاء ليلة الخميس : ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الَّذِي بِكَلِمَتِكَ خَلَقْتَ جَمِيعَ خَلْقِكَ فَكُلُّ مَشِيَّتِكَ أَتَتْكَ بِلَا لُغُوبٍ أَثْبَتَّ مَشِيَّتَكَ وَلَمْ تَأَنَّ فِيهَا لِمَئُونَةٍ وَلَمْ تَنْصَبْ فِيهَا لِمَشَقَّةٍ وَكَانَ عَرْشُكَ عَلَى المَاءِ وَالظُّلْمَةُ عَلَى الْهَوَاءِ وَالمَلَائِكَةُ يَحْمِلُونَ عَرْشَكَ عَرْشَ النُّورِ وَالْكَرَامَةِ وَيُسَبِّحُونَ بِحَمْدِكَ وَالخَلْقُ مُطِيعٌ لَكَ خَاشِعٌ مِنْ خَوْفِكَ لَا يُرَى فِيهِ نُورٌ إِلَّا نُورُكَ وَلَا يُسْمَعُ فِيهِ صَوْتٌ إِلَّا صَوْتُكَ حَقِيقٌ بِمَا لَا يَحِقُّ إِلَّا لَكَ خَالِقُ الخَلْقِ وَمُبْتَدِعُهُ تَوَحَّدْتَ بِأَمْرِكَ وَتَفَرَّدْتَ بِمُلْكِكَ وَتَعَظَّمْتَ بِكِبْرِيَائِكَ وَتَعَزَّزْتَ بِجَبَرُوتِكَ وَتَسَلَّطْتَ بِقُوَّتِكَ وَتَعَالَيْتَ بِقُدْرَتِكَ فَأَنْتَ بِالمَنْظَرِ الْأَعْلَى فَوْقَ السَّمَاوَاتِ الْعُلَى كَيْفَ لَا يَقْصُرُ دُونَكَ عِلْمُ الْعُلَمَاءِ وَلَكَ الْعِزَّةُ أَحْصَيْتَ خَلْقَكَ وَمَقَادِيرَكَ لِمَا جَلَّ مِنْ جَلَالِ مَا جَلَّ مِنْ ذِكْرِكَ وَلِمَا ارْتَفَعَ مِنْ رَفِيعِ مَا ارْتَفَعَ مِنْ كُرْسِيِّكَ عَلَوْتَ عَلَى عُلُوِّ مَا اسْتَعْلَى مِنْ مَكَانِكَ كُنْتَ قَبْلَ جَمِيعِ خَلْقِكَ لَا يَقْدِرُ الْقَادِرُونَ قَدْرَكَ وَلَا يَصِفُ الْوَاصِفُونَ أَمْرَكَ رَفِيعُ الْبُنْيَانِ مُضِيء الْبُرْهَانِ عَظِيمُ الجَلَالِ قَدِيمُ المَجْدِ مُحِيطُ الْعِلْمِ لَطِيفُ الخَيْرِ [الخبر] حَكِيمُ الْأَمْرِ أَحْكَمَ الْأَمْرَ صُنْعُكَ وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ سُلْطَانُكَ وَتَوَلَّيْتَ الْعَظَمَةَ بِعِزَّةِ مُلْكِكَ وَالْكِبْرِيَاءَ بِعِظَمِ جَلَالِكَ ثُمَّ دَبَّرْتَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا بِحُكْمِكَ وَأَحْصَيْتَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ كُلِّهَا بِعِلْم(٢٦١) 
ومفاده:
١ - أن طبقة من الظلمة مستعلية على طبقة من الهواء، كما أن العرش مستعلي على الماء، وفي بعض الروايات الآتية أن عالما من الهواء خلق منه العرش وخلق منه الظلمة.
٢ - أن الاسماء الإلهية طرا فوق عوالم الخلقة العليا.
وفي تفسير القمي: فَلَقِيَ الْأَبْرَشُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام): فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ الله أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ فَبِمَا كَانَ رَتْقُهُمَا وَبِمَا كَانَ فَتْقُهُمَا - فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): يَا أَبْرَشُ هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ وَالمَاءُ عَلَى الْهَوَاءِ - وَالْهَوَاءُ لَا يُحَدُّ وَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ خَلْقٌ غَيْرُهُمَا وَالمَاءُ يَوْمَئِذٍ عَذْبٌ فُرَاتٌ - فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَرْضَ أَمَرَ الرِّيَاحَ - فَضَرَبَتِ المَاءَ حَتَّى صَارَ مَوْجاً -(٢٦٢).
ومفاده:
١ - استعلاء الماء على عالم من عوالم الهواء واستعلاء العرش على الماء.
٢ - تقدم الثلاثة على خلقة بقية الاشياء لكن في روايات أخرى ذكر أمور أخرى مع الثلاثة فلابد من اكتشاف النسق بين الدلالات.
٣ - وأن الماء العذب متقدم على الماء الأجاج، كما أن الجهل مع كونه ضد العقل لكن العقل متقدم خلقة ورتبة على الجهل.
٤ - أن الهواء رغم تأخره عن الماء رتبة في الخلقة إلا أن الريح التي من الهواء تؤثر في الماء، ولعله بلحاظ الطبقة النازلة من الماء.
وفي تفسير القمي: وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ وذلك في مبتدأ الخلق، إن الرب تبارك وتعالى خلق الهواء - ثم خلق القلم فأمره أن يجري - فقال يا رب بما أجري فقال بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهواء وخلق النور من الهواء - وخلق الماء من الهواء - وخلق العرش من الهواء وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد - وخلق النار من الهواء - وخلق الخلق كلهم من هذه الستة - التي خلقت من الهواء - فسلط العقيم على الماء فضربته - فأكثرت الموج والزبد - وجعل يثور دخانه في الهواء - فلما بلغ الوقت الذي أراد قال للزبد اجمد فجمد وقال للموج اجمد فجمد - فجعل الزبد أرضا - وجعل الموج جبالا رواسي للأرض - فلما أجمدها قال للروح والقدرة سويا عرشي إلى السماء - فسويا عرشه إلى السماء - وقال للدخان اجمد فجمد ثم قال له ازفر فزفر(٢٦٣) فناداها والأرض جميعا(٢٦٤) وسيأتي تفسير الحديث.
وفي صحيح هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمُ فَقَالَ لَهُ اكْتُبْ فَكَتَبَ مَا كَانَ - وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(٢٦٥).
وفي كفاية الأثر بسنده عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَقُولُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلِيٍّ (عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) حُجُبُهُ فَكَتَبَ عَلَى أَرْكَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ فَكَتَبَ عَلَى أَرْكَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ الْأَرَضِينَ فَكَتَبَ عَلَى أَطْوَادِهَا لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ فَكَتَبَ عَلَى حُدُودِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّه. الحديث(٢٦٦) 
ومفاد الحديث:
١ - أن من عوالم الحجب فوق العرش وقبله، وإن كان من عوالم الحجب ما هو دون العرش، ومنها ما هو دون سدرة المنتهى فوق السماء السابعة ومنها غيرها فيما دون ذلك.
 ٢ - مر أن عنوان الحجب - كعنوان النور وعنوان الروح وجملة من العناوين الأخرى الواردة في لسان الوحي في باب المعارف - عنوان إضافي وليس اسما لعالم واحد، أي أنه في الأحرى عنوان وصفي لعوالم الخلقة لا علما لعالم واحد. وهو إنما يطلق على عالم بلحاظ حجبه لما فوقه من العوالم عما دونه.
٣ - قد ذكر فيها خلق اللوح متأخرا عن الأرضين مع أن في كثير من الروايات أن خلقه قبلها السماوات والأرضين.
أربعة أملاك مدبرات هم حملة العرش أو الكرسي:
فَقَدْ رَوُى الصَّدُوق فِي الخصال عَنْ الصَّادِق (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ حملة العرش ثمانية أحدهم عَلَى صورة ابن آدم يسترزق الله لولد آدم، والثاني عَلَى صورة الديك يسترزق الله للطير، وَالثَّالِث عَلَى صورة الأسد يسترزق الله للسباع، وَالرَّابِع عَلَى صورة الثور يسترزق الله للبهائم، ونكّس الثور رأسه مُنْذُ عبد بنو إسرائيل العجل، فإذا كَانَ يَوُم القيامة صاروا ثمانية»(٢٦٧) ومفادها أنهم حملة العرش، بَلْ الكرسي، كَمَا هُوَ الأصحّ كَمَا فِي رواية القُمِّي والعيّاشي.
ومفاده:
١ - أن تدبير أرزاق وتنمية المخلوقات يدار من قبل حملة العرش.
٢ - وهذا تدبير يفوق تدبير الملائكة المقربين وفوقه.
٣ - وهذا يبين أن التدبير طبقات ومراتب في الأفعال الإلهية، وهذا أصل عظيم معرفي في باب الأفعال الإلهية.
فقد رَوُى القُمِّي فِي تفسيره عَنْ الأصبغ بن نباتة أنَّ علياً (عليه السلام) سئل عَنْ قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قَالَ: «السماوات والأرض وما فيهما مِنْ مخلوق فِي جوف الكرسي، وَلَهُ أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، فَأمَّا ملك منهم ففِي صورة الآدميين، وَهِيَ أكرم الصور عَلَى الله وَهُوَ يدعو الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم، والملك الثَّانِي فِي صورة الثور وَهُوَ سيّد البهائم وَهُوَ يطلب إلى الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع البهائم، والملك الثَّالِث فِي صورة النسر وَهُوَ سيِّد الطيور، وَهُوَ يطلب إلى الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطير، والملك الرَّابِع فِي صورة الأسد وَهُوَ سَيِّد السُّباع وَهُوَ يرغب إلى الله ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السُّباع»(٢٦٨).
 - وفي التوحيد موثّقة حفص بن غياث عَنْ ابي عبد الله (عليه السلام) قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قَالَ علمه(٢٦٩). ففسَّر الكرسي بالعلم، والعلم - وَكُلّ موجود ملكوتي - هو جوهر حيّ شاعر وَلَيْسَ عرضا جامدا، فحمله كحمل الأصفياء لروح القُدُس.
وروى عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فِي قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ) - ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ فَقَالَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي الْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشُ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ قَدْرَه (٢٧٠) 
وفي تفسير العيّاشي عَنْ الأصبغ، قَالَ: سُئل أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) عَنْ قول الله ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ فَقَالَ: «إنَّ السَّماء والأرض وما فيهما مِنْ خلق مخلوق فِي جوف الكرسي، وَلَهُ أربعة أملاك يحملونه بإذن الله».(٢٧١)
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (عليه السلام) : أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَخاً مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ إِسْرَافِيلُ ثُمَّ مِيكَائِيلُ ثُمَّ جَبْرَئِيلُ وَأَوَّلُ مَنْ أَحَبَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَّ رِضْوَانُ خَازِنُ الجَنَّةِ ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ [وَإِنَّ مَلَكَ المَوْتِ](٢٧٢) يَتَرَحَّمُ عَلَى [مُحِبِّي](٢٧٣) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِب كما يترحم على الأنبياء (عليه السلام).(٢٧٤) 
وفي الرواية التفرقة بين اتخاذ الأخوة والمحبة.
روح العرش والكرسي من أرواحهم:
 - رَوُى فِي الهداية الكُبرى بِسَنَدٍ مُتّصلٍ عَنْ المفضل بن عمر فِي الرِّوَايَة الطويلة المعروفة - حول الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) - عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): - قَالَ: قَالَ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام):.. سيُؤخذ لنا بالقصاص منْ عرف غيبتنا ثمَّ شهدنا نحن القدرة ونحن الجانب، ونحن العروة الوثقى، مُحمَّد العرش عرش الله عَلَى الخلائق، ونحن الكرسي وأصول العلم... أنا باب المقام وحُجّة الخصام ودابة الأرْض وفصل القضاء وصاحب العصا وسدرة المنتهى وسفينة النجاة...»(٢٧٥). والعرش ههنا استعمل بمعنى الأعلى خلقة ورتبة على كل الخلائق، وهذا أحد معاني العديدة للعرش التي يستعمل فيها، ويحتمل أن أحد أرواح النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو العرش بعد كون العرش روحا حيا، وكذلك كونهم الكرسي، فتكون هذه الأرواح لهم أعلى من روح القدس والروح الأمري، كما أن لهم أرواح فوق ذلك وهي التي فوق العرش.
كما فيما رواه عمّار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الواحدة، أنه قال: «يا عمّار باسمي تكوّنت الكائنات والأشياء، وباسمي دعا سائر الأنبياء، وأنا اللوح، وأنا القلم، وأنا العرش، وأنا الكرسي، وأنا السّماوات السبع، وأنا الأسماء الحسنى، والكلمات العليا(٢٧٦)»
ومفاده:
١ - أنه (عليه السلام) كما يحمل الروح الأمري الذي هو حقيقة القرآن فيكون من هويته ومن أرواحه التي تشكل بعض مراتب ذاته كذلك لما يكون حاملا لروح العرش وروح الكرسي وروح اللوح وروح القلم.
٢ - والأعظم أن حقيقة الاسماء المخلوقة والكلمات العليا هي من أعالي مراتب ذاته.
٣ - ثم إنه اشار الى انه باسمه تكونت الكائنات واسمه دون مسماه، بعد كون مسماه اسما لله تعالى، في اشارة للطبقات في الاسماء الالهية، كما سيأتي.
الأفق المبين بين يدي العرش:
رَوُى فِي المعاني والخصال وثواب الأعمال معتبرة مُحمَّد بن حمزة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «منْ قَالَ فِي كُلّ يَوُم مِنْ شعبان سبعين مَرَّة «استغفر الله لا إله إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الحيّ القيّوم وأتوب إليه - كتب فِي الأُفق المُبين، قال قلت: وما الأُفق المبين، قَالَ: قاع بين يدي العرش فيه أنهار تطرد فيه من القِدْحان عدد النجوم»(٢٧٧).
ومفادها:
١ - إنَّ الأفق المُبين دون العرش وكونه (بين يديه) دال على احتواء العرش لَهُ فِي رتبة أمامية.
كتاب الشخص فِي الأُفق المبين أو في عليين:
٢ - تفسير (كُتِب الشخص فِي الأُفق المُبين) أيّ تقرَّر ثواب تكامل للقارئ وكينونة روحية لَهُ فِي مرتبة الأُفق المُبين.
وَلعل هَذَا مقام فوق عليين أو هُوَ نفسه كما وَرَدَ فِي كثير من الأدعية مِنْ طلب الكتابة فِي عليين «اللهمَّ اكتب اسمي فِي عليين» ومحوه من كتاب الأشقياء.
ورَوُى الثقفي الكوفي فِي الغارات، قَالَ: رأيتُ كتاباً عَنْ الحسن بن الحسين بن طحال المقدادي، قَالَ: رَوُى الخلف عَنْ السلف عَنْ ابن عباس أنَّ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ لعليّ: «يا علي إنَّ الله عرضَ مودتنا أهل البيت عَلَى السماوات والأرض فأوَّل مَنْ أجاب منها السَّماء السَّابِعِة فزيّنها بالعرش والكرسي، ثمَّ السَّماء الرَّابعة فزيّنها بالبيت المعمور، ثمَّ سماء الدُّنْيَا فزيّنها بالنجوم»(٢٧٨) الحديث ورواه ابن طاووس فِي الإقبال عن الرضا (عليه السلام) عن كتاب النشر والطي، وفي فرحة الغري أيضاً.
ورواه المجلسي فِي البحار عَنْ كتاب تاريخ قم للحسن بن مُحمَّد بن الحسن القُمِّي المعاصر للصدوق بِسَنَدِهِ عَنْ أنس بن مالك(٢٧٩).
ومفادها:
١ - أنَّ العرش والكرسي بمثابة السَّماء الفوقية والسقف المرفوع فوق السَّماء السَّابِعِة، وجعل زينة لها، نعم يحتمل العكس باعتبار أنَّ النجوم فِي جوف السَّماء الدُّنْيَا.
٢ - وكذلك الحال في البيت المعمور ففي بعض الروايات كينونته في الرابعة وفي بعضها الآخر في السماء السابعة أيضا، أي أنَّ البيت المعمور كالسماء للسماء الرَّابعة أيّ أعلى شيء فيها. والاحتمال الآخر وارد ههنا أيضاً ويهون الحال أنَّ الرِّوَايَة طريقها عامّي.
خلق البحرين العقل والجهل خلق روحاني من البحرين الأجاج والعذب الفرات وهما خلق روحاني أعظم:
تقدم مبحث العرش والماء وأن العرش كان على الماء مستعليا مستوليا مهيمنا، وأن الماء فوق طبقة من الهواء، ثم خلق السماوات والأرض، وأن لله تعالى إثني عشر عالما أكبر من السماوات والأرض كما في رواية الخصال، وأن النار خلقت من الهواء، وأن الماء قبل خلق السماوات والأرض كان عذبا فراتا، أي لم يكن الماء الأجاج، كما في رواية تفسير القمي المتقدمة.
البحور قبل البحرين:
١ - وروى المجلسي عَنْ كتاب الانوار للشَّيْخ عبد الحسن البكري أنَّهُ روى عَنْ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، مثله الا ان في مواضع منه: قَوله:
فتلألأ نُورٍ رَسُولُ الله وَارْتَفَعَ شَأْنِهِ وَشعاعه فَخَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ نُورِهِ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً أَوَّلُهَا حِجَابٌ الْقُدْرَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْعَظَمَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْعِزَّةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْهَيْبَةَ ثُمَّ حِجَابٌ الجَبَرُوتِ ثُمَّ حِجَابٌ الرَّحْمَةِ ثُمَّ حِجَابٌ النُّبُوَّةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْكِبْرِيَاءُ ثُمَّ حِجَابٌ المَنْزِلَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الرِّفْعَةَ ثُمَّ حِجَابٌ السَّعَادَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الشَّفَاعَةِ ثُمَّ أَمَرَ الله تَعَالَى نُورٍ مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنْ يَدْخُلَ فِي حِجَابٌ الْقُدْرَةِ فَدَخَلَ وَهُوَ يَقُول...، ثمَّ إنَّ الله تَعَالَى خلق مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عشرين بحراً مِنْ نور، فِي كُلّ بحر علوم لا يعلمها إلَّا الله تَعَالَى، ثمَّ قَالَ لنور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): انزل فِي بحر العزّ فنزل، ثمَّ فِي بحر الصبر، ثمَّ في بحر الخشوع، ثمَّ فِي بحر التواضع، ثمَّ فِي بحر الرضا، ثمَّ فِي بحر الوفاء، ثمَّ فِي بحر الحلم، ثمَّ فِي بحر التقى، ثمَّ فِي بحر الخشية ثمَّ فِي بحر الإنابة، ثمَّ فِي بحر العمل، ثمَّ فِي بحر المزيد، ثمَّ فِي بحر الهدى، ثمَّ فِي بحر الصيانة، ثمَّ فِي بحر الحياء، حَتّى تقلّب فِي عشرين بحراً، فلما خرج مِنْ آخر الأبحر، قَالَ الله تَعَالَى يا حبيبي ويا سيد رسلي، ويا أوَّل مخلوقاتي ويا آخر رسلي أَنْتَ الشفيع يَوُم المحشر فخر النور ساجداً،...، ثمَّ خلق مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جوهرة، وقسّمها قسمين، فنظر إلى القسم الأوَّل بعين الهيبة فصار ماءاً عذباً، ونظر إلى القسم الثَّانِي بعين الشفقة فخلق منها العرش فاستوى عَلَى وجه الماء، فخلق الكرسي مِنْ نور العرش وخلق مِنْ نور الكرسي اللوح، وخلق مِنْ نور اللوح القلم...، ثمَّ خلق الله ملائكة يصلّون عَلَى مُحمَّد وآل مُحمَّد، ويستغفرون لأمته إلى يَوُم القيامة، ثمَّ خلق الله تَعَالَى مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الجنّة وزيّنها بأربعة أشياء: التعظيم والجلالة والسخاء والأمانة، وجعلها لأوليائه وأهل طاعته، ثمَّ نظر إلى باقي الجوهرة بعين الهيبة فذابت، فخلق مِنْ دخانها السماوات، وَمِنْ زبدها الأرضين، فلما خلق الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى الأرض تموج بأهلها كالسفينة، فخلق الله الجبال فأرساها بها(٢٨٠)).
وفي هذه الرواية يظهر:
١ - أن الماء العذب إما خلق قبل العرش أو معه لكن سيأتي أن العرش متقدم على الماء (المشية).
٢ - كما أن ذيلها دال على خلق ماء آخر قبل خلق السماوات بعد العرش والكرسي والمشيئة والعقل وبعد العوالم دونها، ومن الماء الثاني خلقت السماوات والأرضين، ومفاده يدلل على طبقات في خلق الماء، كما مر طبقات من الهواء ومن الحجب.
٣ - بل خلق البحور - (عشرين بحرا) بعد الحجب - قبل الماء العذب، فهذه البحور قبل بحر الماء العذب الذي هو قبل العرش وقبل الماء الأجاج.
٤ - أن عين الهيبة وعين الشفقة تجلي إلهي قبل العرش والماء، كما هو الحال في الحجب ثم البحور ونور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٥ - أن العقل اذا خلق من نور العرش، والمفروض تقدم الماء على العرش، فيتقدم خلق طبقة من الماء على العقل. وسيأتي أن العرش (العلم) متقدم على الماء (المشية) ثم تأتي نوبة العقل.
٦ - لا يبعد أن البحور مشيئات أسمائية يتقدمها عروش (علوم) أسمائية.
٢ - موثق سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) وَعِنْدَهُ عِدَّةٌ مِنْ مَوَالِيهِ فَجَرَى ذِكْرُ الْعَقْلِ وَالجَهْلِ فَقَالَ (عليه السلام) اعْرِفُوا الْعَقْلَ وَجُنْدَهُ وَاعْرِفُوا الجَهْلَ وَجُنْدَهُ تَهْتَدُوا قَالَ سَمَاعَةُ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ لَا نَعْرِفُ إِلَّا مَا عَرَّفْتَنَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) إِنَّ الله خَلَقَ الْعَقْلَ وَهُوَ أَوَّلُ خَلْقٍ خَلَقَهُ مِنَ الرُّوحَانِيِّينَ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ مِنْ نُورِهِ فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ) لَهُ خَلَقْتُكَ خَلْقاً عَظِيماً وَأَكْرَمْتُكَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِي قَالَ ثُمَّ خَلَقَ الجَهْلَ مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ الظُّلْمَانِيِّ فَقَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَلَمْ يُقْبِلْ فَقَالَ الله لَهُ اسْتَكْبَرْتَ فَلَعَنَه، ثُمَّ جَعَلَ لِلْعَقْلِ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً فَلَمَّا رَأَى الجَهْلُ مَا أَكْرَمَ الله بِهِ الْعَقْلَ وَمَا أَعْطَاهُ أَضْمَرَ لَهُ الْعَدَاوَةَ فَقَالَ الجَهْلُ يَا رَبِّ هَذَا خَلْقٌ مِثْلِي خَلَقْتَهُ وَكَرَّمْتَهُ وَقَوَّيْتَهُ وَأَنَا ضِدُّهُ وَلَا قُوَّةَ لِي بِهِ فَأَعْطِنِي مِنَ الجُنْدِ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَإِنْ عَصَيْتَ بَعْدَ ذَلِكَ أَخْرَجْتُكَ وَجُنْدَكَ مِنْ رَحْمَتِي قَالَ قَدْ رَضِيتُ فَأَعْطَاهُ خَمْسَةً وَسَبْعِينَ جُنْداً فَكَانَ مِمَّا أَعْطَى الْعَقْلَ مِنَ الخَمْسَةِ وَالسَّبْعِينَ الجُنْد(٢٨١)» الحديث.
وَهِيَ دالَّة عَلَى:
١ - انَّ الجهل موجود روحاني ظلماني عظيم، كَمَا أنَّ البحر الأُجاج أيضاً خلق روحاني ألطف أعظم مِنْ الجهل وخلق منه الجهل والنار وأهلها، نعم يبقى الكلام فِي رتبة خلق البحر الأُجاج الظلماني فِي قِبال البحر العذب الفرات، وقد مر أنه متأخر عن البحر العذب.
٢ - ولا يخفى أن الدليل والبرهان على كون الجهل روحانيا هو تركيب الأرواح من جنوده - ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها.
٣ - وفي ذيل حديث جنود العقل والجهل (لا يجمع هذه الخصال كلها التي هي جنود العقل الا نبي أو وصي نبي أو مؤمن قد امتحن الله قلبه للايمان، فأما ساير المؤمنين فلا يخلو أحدهم من بعض هذه الجنود للخير حتى اذا استكمل وصفا من جنود الجهل كان في الدرجة العليا مع الأنبياء. تدرك معرفة العقل وجنوده بمجانبة الجهل وجنوده.(٢٨٢).
٤ - فالتعبير ب - (صفا) هو خروج التعلقات الروحية بجنود الجهل المركبة في الأرواح.
٥ - ومعنى تركب الأرواح منها هو سريانها لطافة في الأرواح، مما يبين أن جنود الجهل جواهر روحانية خمسة وسبعين روحا، فضلا عن نفس الجهل الذي هو بنوبته يسري كجوهر روحاني ألطف في تلك الأرواح فضلا عن نفس البحر الأجاج الذي هو جوهر روحاني ألطف من الجهل يسري في روح الجهل وروح النار وروح أهلها.
٦ - أنه (عليه السلام) ربط الهداية والضلال بمعرفة العقل الذي هو ملك روحاني وبمعرفة جنوده وهي أيضا جواهر روحانية أقل لطافة منه، خمسة وسبعين روحا، وكذلك بمعرفة الجهل والذي هو أيضا جوهر روحاني مظلم وبمعرفة جنوده وهي الأخرى جواهر روحانية مظلمة أقل لطافة منه، وكأن معرفة العقل وجنوده تولي له ولجنوده، ومعرفة الجهل وجنوده تجنب وتبري منه ومن جنوده.
٧ - ما ورد من إختلاط البحرين العذب والأجاج، وكذا إختلاط الطينتين المخلوقتين منهما، يمكن حمله على سريان روح العقل وأرواح جنوده وروح الجهل وأرواح جنوده في الأرواح، ولعله هو مفاد قوله تعالى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، والتصفية التي مرت هي نحو من التمحيص للطينة الطيبة عن الخبيثة الذي ورد حصوله بالإمتحانات.
٨ - العقل كما مر ملك روحاني وكذلك أرواح جنوده لم تسم بإسم ذات، بل بإسم الإفعال فيظن من ذلك أنها أعراض أفعال أو الأحوال أو صفات، والحال أنها أرواح جوهرية روحانية، وإنما وظيفتها الوجودية أداء هذه الأفعال، ومع ذلك قد ورد أن لها نحو من الحساب والجزاء والدخول في الرحمة أو الطرد عن الرحمة والدخول في اللعنة، وهو فوق الجنان والنيران.
٩ - المنازعة بين الجهل وبين العقل وبين جنودهما هو في أرواح المخلوقات النازلة.
١٠ - والظاهر أن دائرة تلك الأرواح لا تقتصر على أرواح الجن والأنس بل شاملة لجملة الملائكة المقربين والكروبين وحملة العرش وسكان سدرة المنتهى، وكل ما هو دون خلق العقل - والذي هو ملك روحاني كما ورد في الروايات - لاسيما وأن الملائكة ممتحنون بالدين وبالطاعة.
غاية الأمر أن الملائكة مركب فيهم بقية جنود الجهل كما ركب فيهم جنود العقل، أي لم يركب فيهم الشهوة والغضب ولكن ركب فيهم غيرهما بنحو ألطف وأخف درجة مما لدى الجن والإنس، كما هو مفاد جملة من الإشارات القرآنية والروائية، كالسخط والتسرع وإن كان بدرجة خفيفة.
كما في اعتراض بعضهم على استخلاف آدم (عليه السلام) وعدم العلم ولو بلحاظ المراتب العالية منه كما يشير إليه قوله تعالى ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الحَكِيم﴾ فاعتراضهم لم يكن صادقا علميا، والطمع والحرص وإن كان بنحو شفيف لا بنحو الشدة التي لدى الجن والأنس، كما ورد في التفاخر بين جبرئيل وإسرافيل، أو التجاذب في البقاء أكثر بين جبرئيل وميكائيل ليلة المبيت على فراش النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ونظير تعيير طائفة من الملائكة لمعاصي بني آدم كما في رواية العياشي المتقدمة في جَبْل الملائكة على الطاعة، ونظير قصة فطرس، وما ورد مستفيضا أن أمرهم لا يحتمله الملائكة غير المقربين، وغيرها من الموارد التي تندرج في ترك الأولى لا المعاصي المنزهون عنها، ولكنها متولدة من سريان جنود الجهل والبحر الأجاج، والظاهر أن اختلاط الطينة لا ينحصر بالإنس والجن بل شامل لكل المخلوقات ذات الأرواح التي تصعق بالنفخ في الصور.
 ١١ - وصف العقل أنه عن يمين العرش أي أعلى مراتبه مقابل الجهل أنه من الشمال أي أدنى وأسفل مراتبه.
١٢ - أنه قد بين في الرواية أن العقل خلق من نور العرش في قبال خلق الجهل من البحر الأجاج، وسيأتي في الرواية اللاحقة خلق العقل من نور مكنون مخزون في العلم السابق، وهو قابل للانطباق على العرش لأنه العلم الإلهي المكنون الباطن فمن ثم يوصف ب - الذي لم يطلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب.
١٣ - إنه رغم كون الجهل من أضداد العقل ورغم إصابته باللعنة الأولى للعصيان الأول، إلا أنه لم يطرد هو وجنده من رحمة الله تعالى استئصالا، وإن انذر بذلك على تقدير عصيانه مرة ثانيا، بل في أول الخلقة لم يلعن باللعنة الأولى أي لم يبعد من الرحمة أصلا، وهذا يعطي أن الجهل وجنوده بالإمكان ترويضه على سنخ الرحمة العالية وإن كانت بدرجة دون العقل وجنوده، وإن اشتهر في الأذهان أن ذات الجهل وجنوده لا كينونة له إلا ملعونة بالبعد عن الرحمة.
١٤ - هذا ونسخة لفظ الحديث في إثبات الوصية فقال له ادبر فلم يدبر ثم قال له اقبل فلم يقبل فلعنه وقال له استكبرت (٢٨٣) أي أنه عصى في كلا الأمرين في الإدبار وفي الإقبال.
١٥ - وهذا مما يسترعي البحث عن الموازين للجزاء في عالم ما فوق الجنة والنار مما دون العرش، كما أنه يقتضي وجود التكليف فيما هو فوق عالم الجنة والنار، بل مقتضى طاعة وعصيان البحرين العذب والأجاج الذين منهما خلق العقل والجهل يبين وجود التكليف فيما هو فوق عالم العقل والجهل، وهذا يفتح بابا الى موازين أعلى من الموازين العقلية في التكليف والحساب والجزاء، لاسيما وقد تقدم في جملة روايات أن خلق البحور (عشرين بحرا) قبل الماء العذب وقبل خلق العرش فضلا عن خلق البحرين.
١٦ - إن التضاد في عالم الخلقة والمخلوقات يتصاعد ويرتقي الى ما فوق عالم الجنة والنار، أي الى عالم العقل والجهل بل لما فوقهما من البحرين العذب والأجاج.
١٧ - بل ممكن تصوير ارتقاء التضاد اللطيف الألطف الى عالم أسماء الجمال والجلال، ومن ثم يأتي دور الشفاعة كضرورة توازن وموازنة بين الأسماء، وتكون الشفاعة تجلي عظيم للتوحيد في عالم الأسماء.
١٨ - نعم هذا التضاد هو نمط يتلطف عن التضاد في العوالم الجسمانية النازلة، كما أن التضاد اذا تلطف الى مطلق الكفؤ والشريك فهو يشمل مطلق الكثرة الموجودة في الأسماء الإلهية من جهة وحيثية الكثرة التي فيها لا من جهة الوحدة في المسمى وهو التوحيد فيها ولو بتوسط الشفاعة، فضلا عن التوحيد أسم المهيمن نظير (الله) أو (هو).
١٩ - إن أول الامتحان الإلهي سواء للعقل أو للجهل ابتدأ بالأمر بالإدبار ثم الأمر بالإقبال، وهذا مما يفيد أن الكينونة الأولى للعقل والجهل سواء هو القرب كل بحسبه، إلا أن الخسران في الامتحان يؤدي الى الابتعاد.
٢ - وروى الصدوق بسنده عن يَزِيدُ بْنُ الحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَ الْعَقْلَ مِنْ نُورٍ مَخْزُونٍ مَكْنُونٍ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ الذي لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ فَجَعَلَ الْعِلْمَ نَفْسَهُ وَالْفَهْمَ رُوحَهُ وَالزُّهْدَ رَأْسَهُ وَالحَيَاءَ عَيْنَيْهِ وَالحِكْمَةَ لِسَانَهُ وَالرَّأْفَةَ هَمَّهُ وَالرَّحْمَةَ قَلْبَهُ ثُمَّ حَشَاهُ وَقَوَّاهُ بِعَشَرَةِ أَشْيَاءَ بِالْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ وَالصِّدْقِ وَالسَّكِينَةِ وَالْإِخْلَاصِ وَالرِّفْقِ وَالْعَطِيَّةِ وَالْقُنُوعِ وَالتَّسْلِيمِ وَالشُّكْرِ ثُمَّ قَالَ (عزَّ وجلَّ) أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ تَكَلَّمْ فَقَالَ الحَمْدُ للهِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ ضِدٌّ وَلَا نِدٌّ وَلَا شَبِيهٌ وَلَا كُفْوٌ وَلَا عَدِيلٌ وَلَا مِثْلٌ الَّذِي كُلُّ شَيْءٍ لِعَظَمَتِهِ خَاضِعٌ ذَلِيلٌ فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً أَحْسَنَ مِنْكَ وَلَا أَطْوَعَ لِي مِنْكَ وَلَا أَرْفَعَ مِنْكَ وَلَا أَشْرَفَ مِنْكَ وَلَا أَعَزَّ مِنْكَ بِكَ أُؤَاخِذُ وَبِكَ أُعْطِي وَبِكَ أُوَحَّدُ وَبِكَ أُعْبَدُ وَبِكَ أُدْعَى وَبِكَ أُرْتَجَى وَبِكَ أُبْتَغَى وَبِكَ أُخَافُ وَبِكَ أُحْذَرُ وَبِكَ الثَّوَابُ وَبِكَ الْعِقَابُ فَخَرَّ الْعَقْلُ عِنْدَ ذَلِكَ سَاجِداً فَكَانَ فِي سُجُودِهِ أَلْفَ عَامٍ فَقَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَرَفَعَ الْعَقْلُ رَأْسَهُ فَقَالَ إِلَهِي أَسْأَلُكَ أَنْ تُشَفِّعَنِي فِيمَنْ خَلَقْتَنِي فِيهِ فَقَالَ الله جَلَّ جَلَالُهُ لِمَلَائِكَتِهِ أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ شَفَّعْتُهُ فِيمَنْ خَلَقْتُهُ فِيهِ.(٢٨٤)
ومفاده:
١ - تطابق صفات العقل مع الصفات للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الواردة مستفيضا في الآيات والروايات، من كونه أحسن الخلق وأطوعهم لله تعالى وأرفعهم وأشرفهم وأعزهم عليه، وأنه ولي الحساب من قبل الله تعالى به يثيب وبه يعاقب، وبه يتوجه ويتوسل الى الله تعالى وبه يهتدى اليه تعالى، وبه يعبد الله وبه يوحد، وأنه الشافع.
٢ - أن مقام الشافع ونحوها من مقامات الكرامة والإكرام الإلهي هو سنخ ونمط الثواب والجزاء الإلهي للملائكة الروحانيين الذين لا يعتريهم الموت ولا يتصفون ولا تتصف أرواحهم بعنوان النفس، وجزاؤهم وثوابهم بهذا النمط هو التحلي والتوصيف بالأسماء الإلهية وأن تتجلى الأوصاف الإلهية فيهم.
٣ - والسبب في كون جزائهم وثوابهم وكمالهم من هذا النمط هو انعدام حد النفس عن ذواتهم ومن ثم لا يطرأ عليهم الموت كما مر، فلا تكون اللذائذ النفسانية كمالا لهم ولا المشتهيات النفسانية مناسبة لذواتهم.
٤ - كما أن عقوبتهم بطردهم عن هذه المقامات والتمكين وهي الرحمة الإلهية، واللعنة ههناك هو بالطرد عن هذه المقامات.
٥ - أن شفاعة العقل فيمن خلق العقل فيه هو نمط الثواب والجزاء للعقل على طاعته لله تعالى كما تقدم.
٦ - فيقع البحث في معنى خلق العقل في المخلوقين الذين هم دونه، إذ لا ريب أن العقل خلق قبل المخلوقات التي دونه، فما الذي يعني خلق العقل فيما دونه فلابد أنه بمعنى تعلق العقل بأرواح وذوات المخلوقات بما فيها الإنس والملائكة والجن وغيرهم من المخلوقات التي لها تعلق بالعقل، وهذا يعطي أحد معاني الزيارة (وأرواحكم في الأرواح)، ومن النفيس في مفاد الحديث أن سؤال العقل وطلبه ودعاؤه هو عين سؤال سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو طلب الشفاعة فيمن خلق فيهم نظير طلب شفاعة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمته، مما ينبه أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الباطن أحد مراتب وجوده هو العقل نفسه، وأنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أرسل في الظاهر للكائنات، كذلك أرسل في بواطن الأرواح اليها، وهو نحو بعثة لسيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الى الأرواح في عالم الميثاق وعالم الأظلة، ومن ثم يتبين أن العقل النظري والعملي في الإنسان نبوة باطنة وإمامة باطنة، وهو مفاد قوله (عليه السلام): إِنَّ للهِ عَلَى النَّاسِ حُجَّتَيْنِ حُجَّةً ظَاهِرَةً وَحُجَّةً بَاطِنَةً فَأَمَّا الظَّاهِرَةُ فَالرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَالْأَئِمَّةُ وَأَمَّا الْبَاطِنَةُ فَالْعُقُولُ)(٢٨٥)
خلق الجنة وأهلها من الماء العذب خلق النار وأهلها من الماء الأجاج:
٣ - صحيح زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتِدَاءُ الخَلْقِ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَأَهْلَ طَاعَتِي وَكُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَأَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ المُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَالْكَافِرُ المُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيد(٢٨٦).
ولا يخفى أنه مع ملاحظة ماورد أن العقل خلق من الماء العذب والجهل بحكم المقابلة خلق من الماء الأجاج كما في تصريح موثقة سماعة المتقدمة في بدء خلقة العقل، والعقل والجهل أسبق خلقة من الجنة والنار فضلا عن أهل كل منهما، وخلق الماء قبل خلق الأشياء فالعرش استوى على الماء، نعم مر أن خلق الماء طبقات فمنه قبل العرش ومنه بعده قبل العقل ومنه بعده، هذا فضلا عن البحور العشرين التي خلقت في ابتداء خلق النور قبل العرش.
امتزاج المائين مصدر للطينة:
ومفاد جملة هذه الروايات أن الماءين هما الطينة الأصلية للأظلة والأشباح ولعوالم الطينة، وأن الطينة طبقات وعوالم، وهو وجه ارتباط عالم الطينة بما فوقها.
٤ - محسنة زُرَارَةَ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى حَيْثُ خَلَقَ الخَلْقَ خَلَقَ مَاءً عَذْباً وَمَاءً مَالِحاً أُجَاجاً فَامْتَزَجَ المَاءَانِ فَأَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَهُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ إِلَى الجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي (٢٨٧) 
ومفاده أن أهل الجنة خلقت طينتهم من الماء العذب، وخلقت طينة أهل النار من الماء الأجاج.
٥ - مصحح عَبْدِ الله بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) قَالَ إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مَا خَلَقَ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا هُوَ قَالَ المَاءُ إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ المَاءَ بَحْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَذْبٌ وَالْآخَرُ مِلْحٌ فَلَمَّا خَلَقَهُمَا نَظَرَ إِلَى الْعَذْبِ فَقَالَ يَا بَحْرُ فَقَالَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ قَالَ فِيكَ بَرَكَتِي وَرَحْمَتِي وَمِنْكَ أَخْلُقُ أَهْلَ طَاعَتِي وَجَنَّتِي ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْآخَرِ فَقَالَ يَا بَحْرُ فَلَمْ يُجِبْ فَأَعَادَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَا بَحْرُ فَلَمْ يُجِبْ فَقَالَ عَلَيْكَ لَعْنَتِي وَمِنْكَ أَخْلُقُ أَهْلَ مَعْصِيَتِي وَمَنْ أَسْكَنْتُهُ نَارِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا قَالَ فَمِنْ ثَمَّ يَخْرُجُ المُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ وَالْكَافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ.(٢٨٨)
ومفاد الحديث:
١ - إن معصية البحر الأجاج متقدمة على معصية الجهل التي مر ذكرها لأن الجهل خلق من البحر الأجاج، كما مر في موثق سماعة فضلا عن سجين والنار وأهلها.
٢ - إن معصية البحر الأجاج - والمسمى ب - (المر) في رواية أخرى، وب - (المالح) في روايات أخرى - تكررت ثلاث مرات، الظاهر أنه إشارة الى معصيته على طبقات أو عوالم ثلاث.
٣ - إن اللعنة سبقت البحر المالح الأجاج المر قبل اللعنة التي نالت الجهل، وهي قبل اللعنة التي في نار جهنم بكل طبقاتها الشديدة، وهذا مما يفتح آفاق من المعرفة حول ما وراء الجنة والنار من عوالم هائلة مهولة، تتضمن جزاء وعقاب أخطر.
٤ - إن هناك هداية وراء الجنة وفوقها وهو العقل، كما أن هناك ضلالة وراء النار وأشد منها وهو الجهل، بل هناك هداية ونور فوق ووراء العقل وهو البحر العذب الفرات، وكذلك ضلالة وظلمة أشد من الجهل وأعظم منها وهو البحر الأجاج، والبحران مرتبطان بخلق (الماء) ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.
٥ - بل وكذلك هناك هداية أعظم من ذلك تتصاعد بحسب تصاعد ورقي مراتب الخلقة في الكمال كالعرش وما فوقه من عوالم النور والبحور العشرين التي غمس الله تعالى فيها نور نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفوقها الحجب الاثنا عشر والتي ادخل فيها نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهلم صعودا بحسب طبقات عالم الأسماء، وما تشتمل عليه مما لا يتناهى من شؤون هيمنة واشتقاق من بعضها البعض، سواء من أسماء الجمال أو أسماء الجلال، إلا أن أسماء الجمال دوما مهيمنة على أسماء الجلال، كسبق الرحمة الإلهية على الغضب الإلهي، فالضلال تجلي للقهر والنقمة من أسماء الجلال، كما أن القهر الإلهي من أسماء الجلال لا يقوم لها مخلوق ولا تقاس بقهر جهنم ولا بقهر مالك المهيمن على قهر جهنم، بل لا تقاس باللعنة التي تصيب الجهل بل ولا التي تصيب البحر الأجاج.
٦ - إن العداوة والتضاد والتنافر والمنافرة بين الماءين قبل ومتقدمة على العداوة والتضاد بين العقل والجهل، كما أن الذي بين العقل والجهل قبل الذي بين الجنة والنار وقبل الذي بين أهلهما.
٧ - إن اللعن واللعنة التي كانت من نصيب الماء الأجاج فوق وقبل التي كانت من نصيب الجهل، والتي كانت من نصيب الجهل فوق وقبل التي من نصيب أهل جهنم.
كما أن الرحمة التي من نصيب الماء العذب الفرات فوق وقبل الرحمة التي من نصيب العقل، والتي من نصيب العقل فوق وقبل التي من نصيب أهل الجنة، هذا فضلا عما فوق ذلك من الجانبين مما لا يتناهى تصاعدا كما تقدم.
٨ - إن عالم الماء بقسميه فوق وقبل عالم العقل والجهل، كما أن عالم العقل والجهل فوق وقبل عالم الأظلة والأشباح، كما أن عالم الأظلة والأشباح فوق وقبل عالم الجنة والنار، هذا فضلا عما تقدم من تعدد طبقات الماء قبل العرش وبعده، وقبل العقل وبعده.
٩ - ورد في رواية الخصال عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لَمَّا خَلَقَ الله عَزَّ وجَلَّ الجَنَّةَ خَلَقَهَا مِنْ نُورِ الْعَرْش (٢٨٩)، ومفادها خلق الجنة من نور العرش مع ماورد أنها خلقت من البحر العذب، وذلك بواسطة خلق الماء العذب من نور العرش كما مر.
رتبة خلق البحر الأجاج والجهل فِي مراتب الخلقة:
ويظهر من الروايات أن خلقتهما قبل الجنة والنار، بل إن الجنة والنار خلقا من البحرين، ولا يخفى أن البحرين موجودان شاعران حيّان أعظم لطافة وروحا من الجنة ومن النار بمقتضى قاعدة الأشرف من أن كل موجود علوي هو أشرف من السفلي، وقد أشارت الروايات الى شعور وحياة البحرين.
 بل مما تقدم من الروايات أن البحرين سابقان على العقل والجهل فضلا عن الجنة والنار، بل إن العقل والجهل سابقان على الجنة والنار وهما ألطف خلقة من الجنة والنار وأعظم حياة وشعورا من الجنة والنار.
٦ - صحيح زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَوْ عَلِمَ النَّاسُ كَيْفَ ابْتِدَاءُ الخَلْقِ مَا اخْتَلَفَ اثْنَانِ إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ قَالَ كُنْ مَاءً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَأَهْلَ طَاعَتِي وَكُنْ مِلْحاً أُجَاجاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَأَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَامْتَزَجَا فَمِنْ ذَلِكَ صَارَ يَلِدُ المُؤْمِنُ الْكَافِرَ وَالْكَافِرُ المُؤْمِنَ ثُمَّ أَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً(٢٩٠) فَإِذَا هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ...(٢٩١)).
٧ - عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أَجْرَى مَاءً فَقَالَ: لَهُ كُنْ بَحْراً عَذْباً أَخْلُقْ مِنْكَ جَنَّتِي وَأَهْلَ طَاعَتِي وَإِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أَجْرَى مَاءً فَقَالَ لَهُ كُنْ بَحْراً مَالِحاً أَخْلُقْ مِنْكَ نَارِي وَأَهْلَ مَعْصِيَتِي ثُمَّ خَلَطَهُمَا جَمِيعاً، فَمِنْ ثَمَّ يَخْرُجُ المُؤْمِنُ مِنَ الْكَافِرِ وَيَخْرُجُ الْكَافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ وَلَوْ لَمْ يَخْلِطْهُمَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلُهُ وَلَا مِنْ هَذَا إِلَّا مِثْلُهُ).(٢٩٢)
٨ - وعن عثمان بن عيسى عن بعض أصحابه عنه قال إن الله قال للماء: كن عذبا فراتا أخلق منك جنتي وأهل طاعتي، وقال للماء كن ملحا أجاجا أخلق منك ناري وأهل معصيتي، فأجرى الماءين على الطين، ثم قبض قبضة بهذه (٢٩٣) وهي يمين، فخلقهم خلقا كالذر، ثم أشهدهم على أنفسهم - ألست بربكم وعليكم طاعتي قالوا بلى - فقال للنار: كوني نارا، فإذا نار تأجج - وقال لهم: قعوا فيها، فمنهم من أسرع ومنهم من أبطأ في السعي، ومنهم من لم يبرح مجلسه، فلما وجدوا حرها رجعوا فلم يدخلها منهم أحد، ثم قبض قبضة بهذه فخلقهم خلقا مثل الذر مثل أولئك - ثم أشهدهم على أنفسهم مثل ما أشهد الآخرين، ثم قال لهم: قعوا في هذه النار، فمنهم من أبطأ [ومنهم من أسرع]، ومنهم من مر بطرف العين، فوقعوا فيها كلهم، فقال: أخرجوا منها سالمين، فخرجوا لم يصبهم شيء - وقال الآخرون: يا ربنا أقلنا نفعل كما فعلوا، قال: قد أقلتكم، فمنهم من أسرع في السعي ومنهم من أبطأ - ومنهم من لم يبرح مجلسه مثل ما صنعوا في المرة الأولى، فذلك قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾(٢٩٤).(٢٩٥) 
٩ - أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ وَأَبِي الرَّبِيعِ يَرْفَعَانِهِ قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَ مَاءً فَجَعَلَهُ عَذْباً فَجَعَلَ مِنْهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَخَلَقَ مَاءً مُرّاً فَجَعَلَ مِنْهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَاخْتَلَطَا وَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا وَلَدَ المُؤْمِنُ إِلَّا مُؤْمِناً وَلَا الْكَافِرُ إِلَّا كَافِراً.(٢٩٦) 
١٠ - الموثق الى الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَ مَاءً عَذْباً فَخَلَقَ مِنْهُ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَجَعَلَ مَاءً مُرّاً فَخَلَقَ مِنْهُ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ ثُمَّ أَمَرَهُمَا فَاخْتَلَطَا فَلَوْ لَا ذَلِكَ مَا وَلَدَ المُؤْمِنُ إِلَّا مُؤْمِناً وَلَا الْكَافِرُ إِلَّا كَافِراً.(٢٩٧) 
١١ - وفي علل الشرايع معتبرة بن سنان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي حديث - «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لما خلق السماوات والأرض خلق بحرين بحرا عذباً وبحراً أُجاجاً، فخلق تربة آدم (عليه السلام) مِنْ البحر العذب وشنّ عَلَيْهَا مِنْ البحر الأُجاج...» الحديث(٢٩٨).
فيظهر منها أنَّ البحر الأُجاج فضلاً عَنْ الجهل خلق سماوي روحاني مظلم وَلَيْسَ فوق السماوات والاعتبار العقلي يعضده، حَيْثُ أنَّ الجهل والبحر الأُجاج الظلماني يُناسب العوالم النازلة، وَهيَ السماوية لا ما فوقها مِنْ العوالم النورانية، وبذلك يظهر فرق المراتب العظيمة بين خلق العقل وخلق الجهل.
ولكن يمكن التوفيق بعدم المنافاة بين كون بحرين آخرين سماويين خلق منهما طينة آدم وبين كون بحرين سابقين على العقل والجهل الروحانيين بعد تعدد البحور وتعدد الطينات التي خلق منها آدم.
١٢ - روى العياشي عن عمار بن أبي الأحوص عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن الله تبارك وتعالى خلق في مبتدإ الخلق بحرين، أحدهما ﴿عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾، والآخر ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾(٢٩٩) ثم خلق تربة آدم من البحر العذب الفرات، ثم أجراه على البحر الأجاج، فجعله حمأ مسنونا(٣٠٠) وهو خلق آدم، ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيمن فذرأها في صلب آدم، فقال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي - ثم قبض قبضة من كتف آدم الأيسر فذرأها في صلب آدم فقال: هؤلاء في النار ولا أبالي - ولا أسأل عما أفعل ولي في هؤلاء البداء بعد - وفي هؤلاء وهؤلاء سيبتلون (٣٠١) قال أبو عبد الله: فاحتج يومئذ أصحاب الشمال - وهم ذر على خالقهم، فقالوا: يا ربنا لم أوجبت لنا النار وأنت الحكم العدل من قبل أن تحتج علينا - وتبلونا بالرسل وتعلم طاعتنا لك ومعصيتنا فقال الله تبارك وتعالى: فأنا أخبركم بالحجة - عليكم الآن في الطاعة والمعصية والإعذار بعد الإخبار.(٣٠٢) 
ومفاده حصول التكليف والطاعة والعصيان في عالم الذر وتمامية الحجة لله تعالى ثمة، غاية الأمر العوالم مراحل لتعدد الامتحانات، وإعطاء لمزيد من الفرصة أكثر للتكامل وللنجاة.
١٣ - روى البكري بأسانيد قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) : كَانَ الله تَعَالَى وَلَا شَيْء مَعَهُ فَأَوَّلُ مَا خَلَقَ نُورٍ حَبِيبِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ المَاءِ وَالْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَاللَّوْحِ وَالْقَلَمُ وَالجَنَّةَ وَالنَّارِ وَالحُجَّابِ وَالسَّحَابِ وَآدَمَ وَحَوَّاءَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ عَام (٣٠٣)... فَخَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ نُورِهِ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً أَوَّلُهَا حِجَابٌ الْقُدْرَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْعَظَمَةِ ثُمَّ حِجَابٌ الْعِزَّةِ(٣٠٤)... وَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) : إِنَّ الله تَعَالَى خَلَقَ مِنْ نُورٍ مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عِشْرِينَ بَحْراً وَبِكُلِّ بَحْرٍ عُلُومِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا الله تَعَالَى (٣٠٥)... قَالَ فَخَرَّ النُّورِ سَاجِداً ثُمَّ قَامَ وَهُوَ عِرْقَانِ فقطرت مِنْهُ قَطَرَاتٌ كَانَ عَدَدَهَا مِائَةَ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرِينَ أَلْفَ فَخَلَقَ الله مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيَائِهِ قَالَ فَلَمَّا كَمَلَتْ صَارَتْ تَطُوفُ حَوْلَ نُورِهِ كَمَا يَطُوفُ الحَاجِّ بِبَيْتِ الله الحَرَامِ وَهُمْ يُسَبِّحُونَ الله وَيُقَدِّسُونَهُ وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ مَنْ هُوَ غَنِي (٣٠٦)... ثُمَّ خَلَقَ مِنْ نُورٍ مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جَوْهَرَةٌ وَقَسَمَهَا نِصْفَيْنِ فَنَظَرَ إِلَى الْقَسْمِ الْأَوَّلِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةَ فَصَارَ مَاءٍ عَذْباً وَنَظَرَ إِلَى الْقَسْمِ الثَّانِي بِعَيْنِ الشَّفَقَةِ فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشِ وَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ الْكُرْسِيِّ وَاللَّوْحِ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ نُورٍ اللَّوْحِ الْقَلَم (٣٠٧).
ومفاده: خلق الكرسي من نور العرش، وكذا خلق اللوح من نوره وخلق القلم من نور اللوح ولعله العكس وقد وهم الراوي.
١٤ - ومثله ما رواه الصدوق بسنده عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ نُورَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَبْلَ أَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ وَاللَّوْحَ وَالْقَلَمَ وَالجَنَّةَ وَالنَّارَ وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ آدَم... وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَخَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَاباً حِجَابَ الْقُدْرَةِ وَحِجَابَ الْعَظَمَة... ثُمَّ أَظْهَرَ (عزَّ وجلَّ) اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ الله (عزَّ وجلَّ) فِي صُلْبِ آدَم (٣٠٨) وروى قريبا منه المعاني(٣٠٩). ومفاد الرواية تقدم نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على نور الأنبياء أربعمائة ألف وأربع وعشرين ألف سنة، مع أن تقدم خلق الأرواح على الأبدان ألفي عام.
أقسام وأنواع العرش:
العرش الأدنى:
روي القمي بسنده عن عبد الملك بن هارون عن ابي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه قال فيما سأل ملك الروم الحسن بن علي... ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ أَرْوَاحِ المُؤْمِنِينَ أَيْنَ تَكُونُ إِذَا مَاتُوا قَالَ: تَجْتَمِعُ عِنْدَ صَخْرَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ فِي كُلِّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ وَهُوَ عَرْشُ الله الْأَدْنَى مِنْهَا بَسَطَ الله الْأَرْضَ - وَإِلَيْهَا يَطْوِيهَا وَمِنْهَا المَحْشَرُ - وَمِنْهَا اسْتَوَى رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ - أَيِ اسْتَوْلَى عَلَى السَّمَاءِ وَالمَلَائِكَةِ»(٣١٠) وقد تقدم تمام الرواية سابقا وشرح بعض مفادها.
وروي فرات الكوفي عن ابي ذر عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: - في حديث المعراج -... أَقْبَلْتُ إِلَى شِرْذِمَةٍ بَعْدَ شِرْذِمَةٍ مِنَ المَلَائِكَةِ فَسَلَّمُوا عَلَيَّ وَقَالُوا يَا مُحَمَّدُ لَنَا إِلَيْكَ حَاجَةٌ هَلْ تَقْضِيهَا يَا رَسُولَ الله فَظَنَنْتُ أَنَّ المَلَائِكَةَ يَسْأَلُونَ الشَّفَاعَةَ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِأَنَّ الله فَضَّلَنِي بِالحَوْضِ وَالشَّفَاعَةِ عَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ قُلْتُ مَا حَاجَتُكُمْ [يَا] مَلَائِكَةَ رَبِّي قَالُوا يَا نَبِيَّ الله إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْأَرْضِ فَأَقْرِئْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مِنَّا السَّلَامَ وَأَعْلِمْهُ بِأَنْ قَدْ طَالَ شَوْقُنَا إِلَيْهِ قُلْتُ [يَا] مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَّا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ الله وَكَيْفَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَأَنْتُمْ أَوَّلُ [مَا] خَلَقَ الله خَلَقَكُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورٍ فِي نُورٍ مِنْ سَنَاءِ عِزِّهِ وَمِنْ سَنَاءِ مُلْكِهِ وَمِنْ نُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَجَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ وَ﴿عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مَبْنِيَّةً وَالْأَرْضُ مَدْحِيَّةً وَهُوَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَفَّاهُ [ينوي فيه بنوا فِيهِ] ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَأَنْتُمْ إِمَامُ عَرْشِهِ تُسَبِّحُونَ وَتُقَدِّسُونَ وَتُكَبِّرُونَ ثُمَّ خَلَقَ المَلَائِكَةَ مِنْ بَدْوِ مَا أَرَادَ مِنْ أَنْوَارٍ شَتَّى وَكُنَّا نَمُرُّ بِكُمْ وَأَنْتُمْ تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُهَلِّلُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتُمَجِّدُونَ وَتُقَدِّسُونَ فَنُسَبِّحُ وَنُقَدِّسُ وَنُمَجِّدُ وَنُكَبِّرُ وَنُهَلِّلُ بِتَسْبِيحِكُمْ وَتَحْمِيدِكُمْ وَتَهْلِيلِكُمْ وَتَكْبِيرِكُمْ وَتَقْدِيسِكُمْ وَتَمْجِيدِكُمْ(٣١١) فَمَا نَزَلَ مِنَ الله فَإِلَيْكُمْ وَمَا صَعِدَ إِلَى الله فَمِنْ عِنْدِكُمْ فَلِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ أَقْرِئْ عَلِيّاً مِنَّا السَّلَامَ وَأَعْلِمْهُ بِأَنَّهُ قَدْ طَالَ شَوْقُنَا إِلَيْهِ(٣١٢) 
سبق عوالم جسمية روحية نورية على العرش:
رَوُى الصدوق فِي الصحيح عَنْ أبي الطفيل عَنْ أبي جعفر - مِنْ أجوبة علي بن الحسين عَنْ أسئلة ابن عباس: «... وأمَّا ما سأل عنه مِنْ العرش ممَّ خلق الله فَإنَّ الله خلقه أرباعاً لَمْ يخلق قبله إلَّا ثلاثة أشياء: الهواء، والقلم والنُّور ثمَّ خلقه مِنْ ألوان أنوار مختلفة ومِنْ ذَلِكَ النور: نور أخضر ومنه أخضرّت الخضرة ونور أصفر مِنْهُ أصفرّت الصفرة ونور أحمر مِنْهُ أحمرّت الحمرة ونور أبيض وَهُوَ نور الأنوار، وَمِنْهُ ضوء النهار، ثمَّ جعله سبعين ألف طبق غلظ كُلّ طبق كأوّل العرش إلى أسفل السافلين ولَيْسَ مِنْ ذَلِكَ طبق إلَّا يسبِّح بحمده ويقدّسه بأصوات مختلفة وألسنة غَيْر مشتبهة، لو أذن للسان [واحد] منها فأسمع شيئاً مما تحته لهدم الجبال والمدائن والحصون ولخسف البحار ولأهلك ما دونه، لَهُ ثمانية أركان [يحمل] على كل ركن كُلّ ركن منها مِنْ الملائكة ما لا يحصي عددهم إلَّا الله يسبّحون بالليل والنهار، لا يفترون، ولو أحس [حس] شيء مما فوقه ما قام لذلك طرفة عين، بينه وبين الإحساس الجبروت والكبرياء والعظمة والقدس والرحمة ثمَّ العلم(٣١٣) وَلَيْسَ وراءه مقال»(٣١٤).
ومفاد هَذَا الصحيح:
١ - إنَّ العرش ليس أوَّل خلق جسماني روحاني لطيف، بَلْ قبله الأنوار ومنها الأربعة والتلوين فيها بالألوان الأربعة وإنْ كانت لطيفة فوق حسّ الكروبيين إلَّا أنَّها مع كون صفتها جسمانية إلا أنَّها غَيْر مرئية للكروبيين، فكيف بما دونهم لكنّها لها درجة من الجسمانية باقية فِي منتهى اللّطافة الروحانية.
وَهَذَا التقدُّم للروحانيات اللطيفة عَلَى العرش مُطابق لما فِي بَعْض الروايات مِنْ خلق العرش مِنْ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنَّ أحد طبقات روحه ونوره قبل العرش، كَمَا فِي رواية البكري فِي كتاب الأنوار، وستأتي رواية جامع كنز الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة أيضاً.
٢ - أن العرش له ثمانية أركان وكل ركن يحمله مالا يحصى من الملائكة وهذا حمل للعرش بنمط يغاير نمط ويحمل عرش ربك يومئذ ثمانية، ولعل الأركان الثمانية هم هؤلاء الملائكة الثمانية، فيكون حمل مترامي طولي للعرش.
٣ - أن العرش طبقات تبلغ سبعين ألف طبقا، وكل طبق مقدار غلظه أول العرش الى أسفل السافلين.
تكامل العرش العظيم وأنه مظهر الاسم الأعلى وخزائن كُلّ شيء:
وروى الصدوق في حديث شرائع الدين: وَيُقَالُ فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ تَعَالَى عَرْشُكَ وَلَا يُقَالُ تَعَالَى جَدُّك (٣١٥) 
وفي روْضَةُ الْوَاعِظِينَ رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: فِي الْعَرْشِ تِمْثَالُ مَا خَلَقَ الله مِنَ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ(٣١٦) قَالَ وَهَذَا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾(٣١٧) وَإِنَّ بَيْنَ الْقَائِمَةِ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ وَالْقَائِمَةِ الثَّانِيَةِ خَفَقَانَ الطَّيْرِ المُسْرِعِ مَسِيرَةَ أَلْفِ عَامٍ وَالْعَرْشُ يُكْسَى كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ لَوْنٍ مِنَ النُّورِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ الله وَالْأَشْيَاءُ كُلُّهَا فِي الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ وَإِنَّ للهِ تَعَالَى مَلَكاً يُقَالُ لَهُ خرقائيل لَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الجَنَاحِ إِلَى الجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ فَخَطَر لَهُ خَاطِرٌ هَلْ فَوْقَ الْعَرْشِ شَيْء فَزَادَهُ الله تَعَالَى مِثْلَهَا أَجْنِحَةً أُخْرَى فَكَانَ لَهُ سِتٌّ وَثَلَاثُونَ أَلْفَ جَنَاحٍ مَا بَيْنَ الجَنَاحِ إِلَى الجَنَاحِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ ثُمَّ أَوْحَى الله إِلَيْهِ أَيُّهَا المَلَكُ طِرْ فَطَارَ مِقْدَارَ عِشْرِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ رَأْسَ (٣١٨) قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ ثُمَّ ضَاعَفَ الله لَهُ فِي الجَنَاحِ وَالْقُوَّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَطِيرَ فَطَارَ مِقْدَارَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ عَامٍ لَمْ يَنَلْ أَيْضاً فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَيُّهَا المَلَكُ لَوْ طِرْتَ إِلَى نَفْخِ الصُّورِ مَعَ أَجْنِحَتِكَ وَقُوَّتِكَ لَمْ تَبْلُغْ إِلَى سَاقِ عَرْشِي (٣١٩) فَقَالَ المَلَكُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى فَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ.(٣٢٠) 
ومفاد الرواية:
١ - إنَّ العرش يتكامل مما فوقه مِنْ عوالم النور ومنها الأربعة أو غيرها من عشرات آلاف الأنوار، فيكسى ويكتسب منها عروجاً ولطافة أكثر.
٢ - إنَّ مقادير العرش - بحسب مدة طيران الملك حزقائيل - تفوق عالم القيامة الذي هُوَ خمسون ألف سنة بأضعاف يكون هَذَا المقدار فيه كقطرة فِي بحار المحيطات. وإنَّ ذَلِكَ لا يُقاس بساق العرش، فكيف بقوائمه فضلاً عَنْ معاقد العزّ مِنْ العرش، وإنَّ عالم القيامة دون العرش، بَلْ الجَنّة دونه بعوالم مخلوقة لا تحصي فكيف بعالم القيامة الذي هو دون الجنة.
فالمسير الي العرش غير متصور للمخلوقات دونه فكيف بالمسير الى ما فوق العرش من عوالم الأنوار فضلا عن البحور والحجب فكيف بعالم الأسماء.
٣ - إنَّ العرش طبقات سرادقات وساق وقوائم وذؤابة ومعاقد عزّ وغيرها مِنْ الطبقات والمراتب المذكورة فِي روايات الوحي الإلهي، وسيأتي تتمة في أقسام العرش.
٤ - إنَّ اسم الربّ الأعلى في ذيل الرواية محتمل انطباقه عَلَى العرش ومحتمل انطباقه عَلَى الاسم الذي خلق مِنْهُ العرش وَعَلَى أيّ تقدير فَإنَّ سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ إشارة إلى عظمة خلقة الله بعظمة خلقة العرش.
وروى الطوسي بسنده الى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... يَا فَاطِمَةُ، أَ مَا تَعْلَمِينَ أَنَّ الْعَرْشَ شَاكٍ رَبَّهُ أَنْ يُزَيِّنَهُ بِزِينَةٍ لَمْ يُزَيِّنْ بِهَا بَشَراً مِنْ خَلْقِهِ، فَزَيَّنَهُ بِالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، بِرُكْنَيْنِ مِنْ أَرْكَانِ الجَنَّةِ وَرُوِيَ: رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الْعَرْشِ.(٣٢١) 
ولا يخفى أن تزيين العرش بهما بلحاظ المراتب النازلة منهما صلوات الله عليهما، واما طبقات أنوارهما العلوية فهي فوق العرش.
وروي في بصائر الدرجات بسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ خَلَقَنَا الله مِنْ نُورِ عَظَمَتِهِ ثُمَّ صَوَّرَ خَلْقَنَا مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَأَسْكَنَ ذَلِكَ النُّورَ فِيهِ فَكُنَّا نَحْنُ خُلِقْنَا(٣٢٢) نُورَانِيِّينَ (٣٢٣) لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ الَّذِي خَلَقَنَا مِنْهُ نَصِيباً وَخَلَقَ أَرْوَاحَ شِيعَتِنَا مِنْ أَبْدَانِنَا(٣٢٤) وَأَبْدَانَهُمْ مِنْ طِينَةٍ مَخْزُونَةٍ مَكْنُونَةٍ(٣٢٥) أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينَةِ وَلَمْ يَجْعَلِ الله لِأَحَدٍ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الَّذِي خَلَقَهُمْ مِنْهُ نَصِيباً إِلَّا الْأَنْبِيَاءَ وَالمُرْسَلِينَ فَلِذَلِكَ صِرْنَا نَحْنُ وَهُمُ النَّاسَ وَصَارَ سَائِرُ النَّاسِ هَجَماً(٣٢٦) [هَمَجاً] فِي النَّارِ وَإِلَى النَّارِ.(٣٢٧)).
 ومفاده مرتبط مع الروايات السابقة الدالة على خلق الاشياء كلها من الماء ومن أوائل المخلوقات كطينة أولية لخلق الأشياء على اختلافها صدورا من الماء والبحر العذب أو الماء والبحر الأجاج.
وفي تعقيب صلاة أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): «وأسألك باسمك الذي خلقت به عرشك الذي لا يعلم ما هُوَ إلَّا أَنْتَ - إلى قوله - وأسألك يا الله باسمك الذي تضعضع به سكان سماواتك وأرضك واستقر به عرشك - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي أقمت به عرشك وكرسيك فِي الهواء - إلى قوله وأسألك باسمك الذي دعاك به حملة عرشك فاستقرت أقدامهم، وحمّلتهم عرشك بذلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلا مِنْ علّمته ذلك»(٣٢٨).
ومفاد الرواية:
١ - إنَّ للكرسي حملة كَمَا للعرش حملة كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ رواية أُخرى للقُمِّي.
٢ - إنَّ حمل العرش كَمَا سيأتي لَيْسَ حملاً جسمانياً كَمَا قَدْ يتوهَّم، كي يكون الحامل فاعل والمحمول مفعول، بَلْ هُوَ بمعنى الحمل العلمي أيّ العلم به، فالمحمول بمعنى المعلوم المعروف لدنيا، والحامل عالم به كحمل روح القدس مِنْ قبل الأنبياء والأوصياء أيّ يؤيد به ويسدِّد ويدرج فيه درجات وأشعة مِنْهُ.
٣ - إن الأسماء أعظم شأنا من العرش والكرسي ومن كل المخلوقات دونها كما سيأتي في مبحث عالم الأسماء.
٤ - إن الهواء كما مر طبقات وعوالم وأن طبقة منه قبل وأعظم من العرش والكرسي.
وفي المناقب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (وَأَمَّا الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ مُعَلَّقَةً بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ لَوْ لَا ذَلِكَ لَذَابَتِ الصُّمُّ الشَّوَامِخُ وَاحْتَرَقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نُورِ الْعَرْش (٣٢٩)) وقد تقدم مرارا أن الحجب معنى عام يوصف به عوالم مختلفة الرتبة وهو أشبه ما يكون عنوان وصفي.
حقيقة العرش (العلم)
١ - وفي تأويل الآيات قال: مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ (رحمه الله) عَنْ رِجَالِهِ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَجْلَانَ السَّكُونِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ بَيْتُ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ مِنْ حُجْرَةِ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَسَقْفُ بَيْتِهِمْ عَرْشُ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَفِي قَعْرِ بُيُوتِهِمْ فُرْجَةٌ مَكْشُوطَةٌ إِلَى الْعَرْشِ مِعْرَاجُ الْوَحْيِ وَالمَلَائِكَةُ تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِالْوَحْيِ صَبَاحاً وَمَسَاءً وَفِي كُلِّ سَاعَةٍ وَطَرْفَةِ عَيْنٍ وَالمَلَائِكَةُ لَا يَنْقَطِعَ فَوْجُهُم فَوْجٌ يَنْزِلُ وَفَوْجٌ يَصْعَدُ وَإِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَشَطَ لِإِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) عَنْ السَّمَاوَاتِ حَتَّى أَبْصَرَ الْعَرْشَ وَزَادَ الله فِي قُوَّةِ نَاظَرِهِ وَإِنَّ الله زَادَ فِي قُوَّةِ نَاظِرٍ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ (عليه السلام) وَكَانُوا يُبْصِرُونَ الْعَرْشَ وَلَا يَجِدُونَ لِبُيُوتِهِمْ سَقْفاً غَيْرَ الْعَرْشِ فَبُيُوتُهُمْ مُسَقَّفَةٌ بَعَرْشِ الرَّحْمَنِ وَمَعَارِجُ مِعْرَاجِ المَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ فَوْجٌ بَعْدَ فَوْجٍ بِلَا انْقِطَاعٍ لَهُمْ وَمَا مِنْ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الْأَئِمَّةِ مِنَّا إِلَّا وَفِيهِ مِعْرَاجُ المَلَائِكَةِ لِقَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ) تَنَزَّلُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بِكُلِّ أَمْرٍ سَلَامٍ قَالَ قُلْتُ ﴿مِّن كُلِّ أَمْر﴾ قَالَ بِكُلِّ أَمْرٍ قُلْتُ هَذَا التَّنْزِيلُ قَالَ نَعَم (٣٣٠) 
مفاد الرواية:
١ - إن العرش روحاني مرتبط ببيوت أهل البيت (بيوت أرواحهم وأن بيوتهم بيوت أرواحهم وطبقاتها من طبقات أبدانهم المختلفة سقفها ومنتهي أرواحهم عرش الرحمن فهم لا يجدون لبيوتهم سقفا غير العرش، وبيوتهم مسقوفة بعرش الرحمن، فليست أرواحهم مقتصرة على روح القدس بل تشمل ما هو أعلى منه من روح العرش والكرسي، وقد تقدم أنهم العرش والكرسي بلحاظ ذلك.
٢ - ومقتضى ذلك اتحاد هويتهم بأنها من نور واحد، كما ورد مستفيضا وأنهم متحدة هويتهم العليا بمحمد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأنهم منه وهو منهم، كما ورد أن العرش رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وورد أنه أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنهم الكرسي وكما ورد أن الكتاب أو أم الكتاب وصف لكل الأئمة وكذلك ورد أنه وصف لفاطمة (عليها السلام) وكذلك وصفهم بالبحر المسجور والبيت المعمور والكتاب المسطور والمكنون والرق المنشور، وغير ذلك من الحقائق الملكوتية وصفوا بها وأنها حقيقة من حقايقهم، وهذا المفاد بعينه ورد في روح القدس أنه أحد أرواحهم وهو القرآن فمن ثم هو معهم وهم معه لا يفترقا، والتفسير العقلي لذلك اجمالا بعيدا عن وهم التناسخ أن أنوارهم مما فوق العرش وإن تعددت بلحاظ واتحدت بلحاظ آخر وهو منشأها الفوقي، فهي ايضا متحدة بلحاظ ثالث وهو اشتمال ذواتهم على العرش كروح من أرواحهم خادمة لذواتهم كالقوة الروحية الغرائزية الخادمة للذات الإنسانية، وعلى الكرسي كذلك وعلى بقية الأرواح والمقامات الملكوتية، نعم قد ورد تفاوت درجات توفرهم على تلك الأرواح بلحاظ نفوسهم النازلة، وهذا أصل عظيم وباب كبير تنحل به عقد الإبهام في معرفتهم.
٢ - وروي عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾(٣٣١) قَالَ كَشَطَ الله لِإِبْرَاهِيمَ السَّمَاوَاتِ حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَكُشِطَتْ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى رَأَى مَا تَحْتَ تُخُومِه وَمَا فَوْقَ (٣٣٢) الْهَوَاءِ وَفَعَلَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِثْلَ ذَلِكَ وَإِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ فَعَلَ بِهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ (٣٣٣).(٣٣٤) 
٣ - وروي عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ (٣٣٥) قَالَ كُشِطَ لَهُ عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى رَآهَا وَمَنْ فِيهَا وَعَنِ السَّمَاءِ حَتَّى رَآهَا وَمَنْ فِيهَا وَالمَلَكُ الَّذِي يَحْمِلُهَا وَالْعَرْشُ وَمَنْ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أُرِيَ صَاحِبُكُمْ.(٣٣٦))
٤ - وروي بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ عَنْ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله يَا عَلِيُّ إِنَّ الله أَشْهَدَكَ مَعِي سَبْعَ مَوَاطِنَ حَتَّى ذَكَرَ المَوْطِنَ الثَّانِيَ أَتَانِي جَبْرَئِيلُ فَأَسْرَى بِي إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ أَيْنَ أَخُوكَ فَقُلْتُ وَدَّعْتُهُ خَلْفِي قَالَ فَقَالَ فَادْعُ الله يَأْتِيكَ بِهِ قَالَ فَدَعَوْتُ فَإِذَا أَنْتَ مَعِي فَكُشِطَ لِي (٣٣٧) عَلَى السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ حَتَّى رَأَيْتُ سُكَّانَهَا وَعُمَّارَهَا وَمَوْضِعَ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهَا فَلَمْ أَرَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً إِلَّا وَقَدْ رَأَيْتَهُ كَمَا رَأَيْتُهُ.(٣٣٨) وقد تقدم في مبحث المعراج تفصيل شرح الرواية، إلا أن في المقام تبيان أن ملكوت السماوات والأرضين هو بالأرواح المدبرة لها المتصاعدة طبقاتا الى روح العرش.
٥ - وروي أَبِو بَصِيرٍ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ لَهُ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ قَالَ كُشِفَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ حَتَّى رَآهَا وَرَأَى مَا فِيهَا وَالْعَرْشَ وَمَنْ عَلَيْهِ قَالَ قُلْتُ فَأُوتِيَ مُحَمَّدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ نَعَمْ وَصَاحِبُكُمْ هَذا(٣٣٩) 
ومفادها كمفاد الرواية الثانية السابقة أن رؤيتهم لما هو فوق العرش، مما يدلل على أن لهم من طبقات من الأرواح مما فوق روح العرش، أما إسناد هذا المقام الى النبي إبراهيم (عليه السلام) إما وهم من الراوي أو كون ما كشف لإبراهيم مما فوق العرش بلحاظ أن العرش آية عظمى يرى بها ما فوقها، وقد ورودت روايات أخرى أن إبراهيم لم يكشف له كل الملكوت.
وعَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْقَصِيرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ قَالَ كُشِطَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ حَتَّى رَآهَا وَمَا فِيهَا وَحَتَّى رَأَى الْعَرْشَ وَمَنْ عَلَيْهَا(٣٤٠) وَفُعِلَ ذَلِكَ بِرَسُولِ الله.) وَرَوَى عَبْدُ الرَّحِيمِ (وَفُعِلَ ذَلِكَ بِصَاحِبِكُمْ).
وَرَوَى أَبُو بَصِيرٍ وَمَنْصُورٌ (وَلَا أَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا وَقَدْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ).
وحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ (وَلَا أَرَى صَاحِبَكُمْ إِلَّا وَقَدْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ.(٣٤١)
تقدم طبقة من روح النبي على العرش:
خلق العرش مِنْ طبقة لروح الْنَّبِيّ:
تأخر خلق العرش والكرسي عَنْ خلق نورهم:
١ - وروي أنه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا عمر بن الخطاب أ تدري من أنا؟! انا الذي خلق الله أول كل شيء نوري، فسجد له فبقي في سجوده سبعمائة عام، فأول كل شيء سجد له نوري ولا فخر. يا عمر أ تدري من أنا؟ أنا الذي خلق الله العرش من نوري والكرسي من نوري واللوح والقلم من نوري، والشمس والقمر من نوري، ونور الأبصار من نوري والعقل الذي في رءوس الخلائق من نوري، ونور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري ولا فخر».(٣٤٢) 
٢ - ورَوُى أبو الحسن البكري فِي كتابه الأنوار، حديثا قال عنه: وهو مشهور بين أهل العلم المقطوع بخبرهم بِحَذْفِ الْأَسَانِيدِ قَالَ عَلِيٌّ(٣٤٣) أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) قَالَ كَانَ الله ولا شيء معه، فأوَّل ما خلق نور حبيبه [مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)] قبل أن يخلق الماء والعرش والكرسي [والسماوات والأرض] واللوح والقلم وَالجَنّة وَالنَّار [والحجاب والسحاب][والملائكة] وآدم وحواء بأربع وعشرين وأربع مائة ألف عام - ثمَّ ذكر (عليه السلام) - خلق الحجب مِنْ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق بحور مِنْ نوره ثمَّ خلق أنوار الأنبياء مِنْ نوره - قَالَ (عليه السلام): «فلما تكاملت الأنوار صارت تطوف حول نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا تطوف الحجاج حول بيت الله الحرام وَهُمْ يسبّحون الله ويحمدونه... ثمَّ خلق مِنْ نور مُحمَّد جوهرةً وقسمها قسمين فنظر إلى القسم الأوَّل بعين الهيبة فصار ماءً عذباً ونظر إلى القسم الثَّانِي بعين الشفقة فخلق مِنْهُ العرش فاستوى عَلَى وجه الماء فخلق الكرسي مِنْ نور العرش وخلق مِنْ نور الكرسي اللوح وخلق مِنْ نور اللوح القلم... ثُمَّ خَلَقَ الله تَعَالَى الْعَرْشِ مِنْ ضياءين أَحَدِهِمَا الْعَدْلِ وَالثَّانِي الْفَضْلِ ثُمَّ أَمَرَ الله تَعَالَى تِلْكَ الضياءين فانقسموا قِسْمَيْنِ فَخَلَقَ الله مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ الْعَقْلِ وَالْعِلْمِ وَالْحِلْمَ وَالسَّخَاءُ ثُمَّ خَلَقَ الله تَعَالَى مِنْ الْعَقْلِ الخَوْفِ وَمِنَ الْعِلْمِ الرِّضَا وَمِنْ الحُلُمَ المَوَدَّةِ وَمِنْ السَّخَاءُ المَحَبَّةَ ثُمَّ عَجَنَهَا كُلِّهَا بطينة مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالمُؤْمِنُونَ ثُمَّ خَلَقَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالضِّيَاءِ وَالظَّلَامُ وَالمَلَائِكَةُ كُلِّ ذَلِكَ مِنْ نُورٍ مُحَمَّدِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (٣٤٤).
ثمَّ ذكر (عليه السلام) خلق عوالم جسمانية عديدة ثمَّ ذكر تنزّل نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ عالم إلى عالم وَمِنْ سماء إلى سماء(٣٤٥).
٣ - وَرَوُى الصَّدُوق بِسَنَدِهِ عَنْ سُفيان الثَّوري عَنْ جعفر بن مُحمَّد الصَّادِق (عليهما السلام) عَنْ آبائه عَنْ علي بن أبي طالب نظير هَذَا الحديث أو قريب مِنْهُ(٣٤٦).
وفي ذيل الحديث برواية البحار: (فالأرض كُلَّهَا عَلَى كاهل الملك والملك عَلَى الصخرة والصخرة عَلَى الثور والثور عَلَى الحوت والحوت عَلَى الماء والماء عَلَى الهواء والهواء عَلَى الظلمة ثمَّ انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة ثمَّ خلق الله تَعَالَى العرش مِنْ ضيائين: أحدهما الفضل والثاني العدل ثمَّ أمر الضيائين فلتنفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء ثمَّ خلق مِنْ العقل الخوف وخلق مِنْ العلم الرضا، وَمِنْ الحلم المودّة وَمِنْ السخاء المحبة، ثمَّ عجن هَذِهِ الأشياء بطينة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق مِنْ بعدهم أرواح المُؤْمِنِين مِنْ أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلَمَّا تكاملت الأنوار سكن نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام ثمَّ...(٣٤٧).
ومفاد الحديث:
١ - خلق العرش من ضيائين هما العدل والفضل وهما اسمان إلهيان، وهذا المفاد مطابق لجملة من الروايات المتقدمة من خلق العرش بالاسم الالهي وأنه خلق من ألوان أنوار مختلفة فوقه متقدمة عليه في الخلق.
٢ - لابد من التدبر في المناسبة بين عين الهيبة والماء، وعين الشفقة وعرشية العرش والكرسي.
٣ - لا يخفى أن الاستعلاء - في ذيل الحديث من كون الأرض على كاهل ملك والملك على كاهل صخرة، والصخرة على الثور وهو على الحوت - هو بمعنى الحمل الجسماني لا الحمل العلمي ولا بمعنى الاستيلاء فيكون الحامل ههنا بمعنى الماسك، فتكون الظلمة ماسكة للهواء، لكن هذه الطبقة من الهواء هي مما دون السماء الدنيا، لا الطبقات العليا منه كالتي فوق العرش.
٤ - وروى الديلمي في غرر الأخبار: عن جابر بن عبد الله قال: سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أوّل ما خلق الله تعالى، فقال:

«يا جابر، أوّل ما خلق الله نور نبيّك، اشتقّه من نوره، فأقبل ذلك النور يتردّد حتّى لحق بالعظمة، فسجد لها، فقسم الله تعالى ذلك النور على أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأوّل العرش، ومن الثاني القلم، وقال للقلم: در حول العرش واكتب؛ قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: توحيدي، وفضل نبيّي محمّد، فدار وكتب: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله؛ وخلق من الثالث اللوح، وقال للقلم: أجر في اللوح واكتب، قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي، وما أنا خالقه إلى يوم القيامة، فجرى القلم وكتب (ذلك على اللوح)(٣٤٨)؛ وبقي الجزء الرابع يتردّد حتّى لحق بالعظمة فسجد للعظمة، ولذلك تسجد أمّتي إلى يوم القيامة.
وما من نبيّ إلّا كانت له سجدة واحدة إلّا نبيّك (فإنّه) سجد سجدتين، وهو نور، فقسم سبحانه النور على أربعة أجزاء، فخلق من الأوّل: الشمس، والقمر، والنجوم، وضوء النهار، والإبصار؛ وخلق من الثاني: العقل، وأسكنه الدماغ؛ وخلق من الثالث: المعرفة، وأسكنها الصدر؛ وبقي الجزء الرابع فقسمه على خمسة أجزاء، فأنا منهم على يمين العرش أسبّحه إلى أن خلق الله تعالى الدنيا وما أسكن فيها من الأمم، وخلق الملائكة، وإنّ إبليس كان من المجتهدين في الأرض، فرفعه الله لعبادته وشدّة اجتهاده، فكان في صفوف الملائكة، وكان يزهو عليهم بعلمه، فامتحنه الله تعالى بآدم، كما امتحن موسى بالخضر، لأنّ موسى زها بالتوراة والألواح، فقال لبني إسرائيل: قد علمت كلّ علم، فلمّا لقي الخضر، هبط الأمين جبرئيل عليه السّلام، فقال: إنّ مثل علمك في الصحف والتوراة والألواح، وما علمت منه كمثل رجل جاء إلى بحر زاخر تتلاطم أمواجه فغمس خنصره فيه، والذي بيدك من العلم كذلك.
ثمّ إنّ الله تعالى قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فقالت الملائكة: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون﴾(٣٤٩)؛ قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لم تقل الملائكة: ما تريد أن تخلق؟ ولكنّها استدلّت بالجنّ، وذلك أنّها كانت في الأرض ذات أجساد، فأفسدت فيها وسفكت الدماء، فأرسل الله عليهم الملائكة فاجتاحوهم عن وجه الأرض، ولقد كان فيهم نبيّ يقال له يوسف، وهو الذي ذكره الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾(٣٥٠) فكان فيهم نبيّا مرسلا فعصوه، فأهلكهم الله تعالى.
ثمّ لمّا خلق الله آدم أشار إلينا ونحن عن يمين عرشه مخاطبة لملائكته: ﴿أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾(٣٥١)، فقال لآدم: ﴿أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾(٣٥٢) فكان الإشارة إلينا، فقال آدم: هذا محمّد، وهذا عليّ، وهذه فاطمة، وهذا الحسن، وهذا الحسين؛ فقال الله: ﴿اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ﴾ لآدم لفضل علمه، فمن هناك فضّله على سائر الأمم ﴿فَسَجَدَ المَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُون(٣٥٣) إلّا إبليس استكبر، وكانت الإشارة الثالثة، قال لإبليس: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِين﴾(٣٥٤)، وكان ينظر إلينا ونحن عن يمين العرش، كما ينظر أحدكم إلى الكوكب الدرّيّ في أفق السماء.
يا جابر، فالعرش من نور نبيّك، والقلم من نور نبيّك، واللوح من نور نبيّك، والشمس والقمر والنجوم وضوء النهار وضوء الإبصار من نور نبيّك، مشتقّ من نور الجبّار سبحانه، فنحن الأوّلون، ونحن السابقون، ونحن الشافعون، ونحن المشفّعون، ونحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد من الأوّلين والآخرين»(٣٥٥).
ومفاده:
١ - قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن نوره لحق بالعظمة وسجد لها مرتين وأنه لذلك اختص بالسجدتين في ركعات الصلاة، والعظمة اسم إلهي وأن الاسم يأخذ حكم المسمى، وهذا شأن عظيم للاسم الالهي.
٢ - إن المخلوق مهما تكامل يبقى الامتحان والتكليف الإلهي ملازم له بل يشتد درجة الى الخواطر والحالات القلبية، وقد مر أن روح العقل وروح الجهل بما لهما من جنود ساريتان في الأرواح، وأن الهداية أو الغواية تتصاعدان الى مراتب ما وراء الجنة والنار، وأن الهداية بالعقل وجنوده أعظم من هداية الجنة وكذلك غواية الجهل وجنوده أشد من النار.
٣ - أنه كما أن العقل خلق روحاني قبل الجهل، فكذلك المعرفة خلق روحاني وقبل الجهل.
٤ - ومن ثم كان الامتحان في القيامة وما فوقها على شؤون القلب ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾ و﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ و﴿وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ و﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، ونظير ما في الرواية من المؤاخذة على الزهو الذي ابتلي به النبي موسى (عليه السلام)، وأنه كما أخذ على إبليس زهوه وامتحن وفشل في الامتحان، كذلك أخذ النبي موسى (عليه السلام) وامتحن بالخضر لكنه نجح في الامتحان.
٥ - وأن ما أمر به موسى من إتباع الخضر هو امتحان لموسى بالخضر.
٦ - أن الامتحان يقع فيما بين الحجج بابتلاء بعضهم بإتباع بعضهم الآخر.
٧ - قد ذكر في الرواية أن السجود والذي يمثل الشريعة يمتد الى يوم وعالم القيامة، أي شامل للبرزخ والرجعة ومع دخول الغاية في المغيى يدخل عالم القيامة، كما هو مفاد قوله ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلاَ يَسْتَطِيعُون خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُون﴾.
٨ - وقوله (عليه السلام): (ولكنّها استدلّت بالجنّ، وذلك أنّها كانت في الأرض ذات أجساد، فأفسدت فيها وسفكت الدماء، فأرسل الله عليهم الملائكة فاجتاحوهم عن وجه الأرض) أن اجتياحهم عن الأرض وإهلاكهم كما في ذيل الفقرة اللاحقة بنزع الجسد الأرضي عنهم فانتقالهم الى البرزخ لم يخرجهم عن الحياة الأرضية فهم موجود البرزخي، لكنه متصرف في الأرض، غاية الأمر أن الحياة الأرضية طبقات ودرجات فالتعلق بالجسد الترابي الطيني حياة على وجه الأرض، واما الحياة البرزخية حياة بطن الأرض، أي فاستجنوا أي استخفوا.
٥ - ورَوُى الديلمي فِي إرشاد القلوب مرفوعاً عَنْ سلمان الفارسي: «عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... إنَّ الله تَبَارَكَ خلقني وخلق علياً ولا سماء ولا أرض ولا جنّة ولا نار ولا لوح ولا قلم ولما أراد الله تَعَالَى بدو خلقنا فتكلّم بكلمة فكانت نوراً ثمَّ تكلم بكلمة ثانية فكانت روحاً فمزج فيما بينهما فاعتدلا فخلقني وعلياً منهما ثمَّ فتق مِنْ نوري نور العرش فأنا أجل مِنْ نور العرش ثمَّ فتق مِنْ نور علي نور السماوات فعلي أجل مِنْ نور السماوات، ثمَّ فتق مِنْ نور الحسن نور الشمس وَمِنْ نور الحسين نور القمر فَهُمَا أجل مِنْ نور الشمس ونور القمر...»(٣٥٦).
ويظهر مِنْ الرواية أنَّ خلق الكلمات قبل عالم العرش فضلاً عَنْ خلق عالم الأسماء وَهُوَ قبل عالم الكلمات.
حقيقة كتابة الاسم على العرش:
٦ - روى الصدوق بسنده عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في حديث عن خلق نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... ثُمَّ أَظْهَرَ (عزَّ وجلَّ) اسْمَهُ عَلَى اللَّوْحِ وَكَانَ عَلَى اللَّوْحِ مُنَوَّراً أَرْبَعَةَ آلَافِ سَنَةٍ ثُمَّ أَظْهَرَهُ عَلَى الْعَرْشِ فَكَانَ عَلَى سَاقِ الْعَرْشِ مُثْبَتاً سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ إِلَى أَنْ وَضَعَهُ الله (عزَّ وجلَّ) فِي صُلْبِ آدَم (٣٥٧) 
٧ - وروى في الهداية الكبرى عن المفضل بن عمر عن الصادق عن ابيه (عليهما السلام) في حديث عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (وَقَدْ علمتم جميعاً خلقتي وأنَّ علياً مِنْ نوري ونوري ونوره واحد، وكنّا كَذَلِكَ نسبّح الله ونقدّسه ونحمّده ونهلّله ونكبره قبل أنْ يخلق الملائكة والسماوات والأرضين والهواء ثمَّ عرّش العرش وكتب أسماؤنا بالنور عَلَيْهِ ثمَّ اسكننا صلب آدم...(٣٥٨))
ومفاد الحديثين وغيرهما من مستفيض الروايات في كتابة اسم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسم أصحاب الكساء على العرش، وأنها بالنور والظاهر من كتابة الاسم هو وجود طبقة منهم هي بمثابة تجلي من طبقتهم العليا، فليس المراد من كتابة الاسم نقش الحروف الكتابية بل تجلي مخلوقي من درجة طبقاتهم وجوداتهم. فكتابة اسمهم على العرش مقتضاها أن أحد شؤون العرش النازلة تنزل لهم.
 ٨ - وَرَوُى فِي تأويل الآيات الظاهرة(٣٥٩) عن الشَّيْخ أَبُي جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ رَحِمَهُ الله فِي كِتَابِهِ مِصْبَاحِ الْأَنْوَارِ قَالَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لِعَمِّهِ الْعَبَّاسِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْقَرَابَةِ وَالصَّحَابَةِ رَوَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ صَلَاةَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ فَقُلْتُ لَهُ يَا رَسُولَ الله إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفَسِّرَ لَنَا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَمَّا النَّبِيُّونَ فَأَنَا وَأَمَّا الصِّدِّيقُونَ فَأَخِي عَلِيٌّ وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ فَعَمِّي حَمْزَةُ وَأَمَّا الصَّالِحُونَ فَابْنَتِي فَاطِمَةُ وَأَوْلَادُهَا الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ قَالَ وَكَانَ الْعَبَّاسُ حَاضِراً فَوَثَبَ وَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَالَ أَ لَسْنَا أَنَا وَأَنْتَ وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالحَسَنُ وَالحُسَيْنُ مِنْ نَبْعَةٍ وَاحِدَةٍ(٣٦٠) قَالَ وَمَا ذَاكَ يَا عَمِّ قَالَ لِأَنَّكَ تُعَرِّفُ بِعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ دُونَنَا قَالَ فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَالَ أَمَّا قَوْلُكَ يَا عَمِّ أَ لَسْنَا مِنْ نَبْعَةٍ وَاحِدَةٍ فَصَدَقْتَ وَلَكِنْ يَا عَمِّ إِنَّ الله خَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الله آدَمَ حِينَ لَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَلَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَلَا ظُلْمَةٌ وَلَا نُورٌ وَلَا شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ وَلَا جَنَّةٌ وَلَا نَارٌ فَقَالَ الْعَبَّاسُ فَكَيْفَ كَانَ بَدْأُ خَلْقِكُمْ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ يَا عَمِّ لَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَنَا تَكَلَّمَ كَلِمَةً خَلَقَ مِنْهَا نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ كَلِمَةً أُخْرَى فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ مَزَجَ النُّورَ بِالرُّوحِ فَخَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ فَكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لَا تَسْبِيحَ وَنُقَدِّسُهُ حِينَ لَا تَقْدِيسَ فَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى أَنْ يُنْشِئَ الصَّنْعَةَ فَتَقَ نُورِي فَخَلَقَ مِنْهُ الْعَرْشَ فَالْعَرْشُ مِنْ نُورِي وَنُورِي مِنْ نُورِ الله وَنُورِي أَفْضَلُ مِنَ الْعَرْشِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ أَخِي عَلِيٍّ فَخَلَقَ مِنْهُ المَلَائِكَةَ فَالمَلَائِكَةُ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ وَنُورُ عَلِيٍّ مِنْ نُورِ الله وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنَ المَلَائِكَةِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ ابْنَتِي فَاطِمَةَ فَخَلَقَ مِنْهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَالسَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنْ نُورِ ابْنَتِي فَاطِمَةَ وَنُورُ ابْنَتِي فَاطِمَةَ مِنْ نُورِ الله وَابْنَتِي فَاطِمَةُ أَفْضَلُ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِي الحَسَنِ وَخَلَقَ مِنْهُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ فَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الحَسَنِ وَنُورُ الحَسَنِ مِنْ نُورِ الله وَالحَسَنُ أَفْضَلُ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ثُمَّ فَتَقَ نُورَ وَلَدِيَ الحُسَيْنِ فَخَلَقَ مِنْهُ الجَنَّةَ وَالحُورَ الْعِينَ فَالجَنَّةُ وَالحُورُ الْعِينُ مِنْ نُورِ وَلَدِيَ الحُسَيْنِ وَنُورُ وَلَدِيَ الحُسَيْنِ مِنْ نُورِ الله وَوَلَدِيَ الحُسَيْنُ أَفْضَلُ مِنَ الجَنَّةِ وَالحُورِ الْعِين...(٣٦١)
ومفاد هَذَا الحديث:
١ - أنَّ طبقة مِنْ أرواح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلقت قبل خلق العرش وأرفع مِنْهُ فضلاً عَنْ طبقات نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، نعم هُنَاك طبقات أُخرى مِنْ نوره وأرواحه بَعْدَ العرش.
٢ - هَذَا التَقَدُّم يعضد ما تَقَدَّمَ أنَّ العرش لَيْسَ أوَّل العوالم الجسمانية اللّطيفة الروحية، بَلْ قبله أيضاً عوالم روحية مُتَقَدِّمَة عَلَيْهِ كالأنوار ذَاتَ الألوان الأربعة الَّتِي خلق منها العرش الواردة في أحاديث أخرى.
٣ - ظاهر مفاد الحديث أن خلقة العرش فما دونه يطلق عليه نشأة الصنعة، بينما ما فوقه مما قبله فيطلق على الخلق التكلم بكلمة وخلق النور منها، وخلق الروح من كلمة أخرى، ولا يخفى أن خلق الصنعة دون خلق التكلم بكلمة لأنه من توابع عالم الأسماء.
٩ - وفِي (دُرِّ بحر المناقب(٣٦٢)، وفي روضة الفضائل (شاذان بن جبرئيل): مما رواه عبد الله ابن مسعود قَالَ: دخلت يوماً عَلَى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلتُ: يا رَسُوُل الله أرني الحَقّ حَتّى اتبعه [لأنظر إليه] - إلى أنْ قَالَ: فَقَالَ لي: «اعلم إنَّ الله خلقني وعلياً مِنْ نور عظيم[قدرته] قبل خلق الخلق بألفي عام، إذْ لا تسبيح ولا تقديس ففتق نوري فخلق مِنْهُ السماوات والأرضين وأنا والله أجلّ مِنْ السماوات والأرضين، وفتق نور علي بن أيّ طالب فخلق مِنْهُ العرش والكرسي وعلي بن أبي طالب [والله] أفضل مِنْ العرش والكرسي وفتق نور الحسن فخلق مِنْهُ اللوح والقلم والحسن والله أجل [أفضل] مِنْ اللوح والقلم وفتق نور الحسين فخلق منه الجنان والحور والحسين والله أجل مِنْ الجنان والحور... فتكلم الله جل جلاله كلمة فخلق منها [روحا ثم تكلم بكلمة فخلق من تلك الكلمة نورا] فأضاف النور الى تلك الروح وأقامها مقام العرش فزهرت المشارق والمغارب فهي فاطمة الزهراء ولذلك سميت الزهراء لأن نورها زهرت به السماوات...»(٣٦٣).
١٠ - وفي رواية مصباح الأنوار للطوسي المتقدمة - المزج بين النور والروح - فَقَالَ الْعَبَّاسُ فَكَيْفَ كَانَ بَدْأُ خَلْقِكُمْ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ يَا عَمِّ لَمَّا أَرَادَ الله أَنْ يَخْلُقَنَا تَكَلَّمَ كَلِمَةً خَلَقَ مِنْهَا نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ كَلِمَةً أُخْرَى فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ مَزَجَ النُّورَ بِالرُّوحِ فَخَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ فَكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لَا تَسْبِيحَ وَنُقَدِّسُهُ حِينَ لَا تَقْدِيسَ(٣٦٤)
وفي مرسل الديلمي مزج ما بين النور والروح، والمزج والإضافة متقاربان، وعلى أية تقدير فإن التعبير ههنا بالإضافة والمزج يختلف عن نفخ الروح في الجسد، ولا يبعد أن يكون من قبيل الجعل نظير ما ورد من قوله تعالى أن نوره في بيوت، وأنه جعلهم في بيوت، والحاصل أن النفخ للروح في الجسد هو الآخر مزج وإضافة وتركيب، إلا تجنب التعبير عن ذلك بالنفخ دال على أن المراتب الألطف لا يكون بل مزج أو إضافة.
١١ - وروى مَرْفُوعاً إِلَى سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رض قَالَ: كُنْتُ جَالِساً عِنْدَ النَّبِيِّ المُكَرَّمِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِذْ دَخَلَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَسَلَّمَ فَرَدَّ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَيْهِ وَرَحَّبَ بِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ الله بِمَ فُضِّلَ عَلَيْنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَهْلَ الْبَيْتِ وَالمَعَادِنُ وَاحِدَةٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ المُكَرَّمُ إِذاً أُخْبِرُكَ يَا عَمِّ أَنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً وَلَا سَمَاءَ وَلَا أَرْضَ وَلَا جَنَّةَ وَلَا نَارَ وَلَا لَوْحَ وَلَا قَلَمَ وَلَمَّا أَرَادَ الله تَعَالَى بَدْوَ خَلْقِنَا فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَكَانَتْ نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ ثَانِيَةٍ فَكَانَتْ رُوحاً فَمَزَجَ فِيمَا بَيْنَهُمَا فَاعْتَدَلَا فَخَلَقَنِي وَعَلِيّاً مِنْهُمَا ثُمَّ فَتَقَ مِنْ نُورِي نُورَ الْعَرْشِ فَأَنَا أَجَلُّ مِنْ نُورِ الْعَرْشِ ثُمَّ فَتَقَ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ نُورَ السَّمَاوَاتِ فَعَلِيٌّ أَجَلُّ مِنْ نُورِ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ فَتَقَ مِنْ نُورِ الحَسَنِ (عليه السلام) نُورَ الشَّمْسِ وَمِنْ نُورِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) نُورَ الْقَمَرِ فَهُمَا أَجَلُّ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَمِنْ نُورِ الْقَمَرِ وَكَانَتِ المَلَائِكَةُ تُسَبِّحُ الله وَتُقَدِّسُهُ وَتَقُولُ فِي تَسْبِيحِهَا سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ مِنْ أَنْوَارٍ مَا أَكْرَمَهَا عَلَى الله تَعَالَى فَلَمَّا أَرَادَ الله جَلَّ جَلَالُهُ أَنْ يَبْلُوَ المَلَائِكَةَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَحَاباً مِنْ ظُلْمَةٍ فَكَانَتِ المَلَائِكَةُ لَا يَنْظُرُ أَوَّلَهَا مِنْ آخِرِهَا وَلَا آخِرَهَا مِنْ أَوَّلِهَا فَقَالَتِ المَلَائِكَةُ إِلَهَنَا وَسَيِّدَنَا مُنْذُ خُلِقْنَا مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا نَحْنُ فِيهِ فَنَسْأَلُكَ بِحَقِّ هَذِهِ الْأَنْوَارِ إِلَّا مَا كَشَفْتَ عَنَّا فَقَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَفْعَلَنَّ فَخَلَقَ نُورَ فَاطِمَةَ (عليها السلام) يَوْمَئِذٍ كَالْقِنْدِيلِ وَعَلَّقَهُ فِي قُرْطِ الْعَرْشِ فَزَهَرَتِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَتْ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءَ وَكَانَتِ المَلَائِكَةُ تُسَبِّحُ الله وَتُقَدِّسُهُ فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ) وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَجْعَلَنَّ ثَوَابَ تَسْبِيحِكُمْ وَتَقْدِيسِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِمُحِبِّي هَذِهِ المَرْأَةِ وَأَبِيهَا وَبَعْلِهَا وَبَنِيهَا قَالَ سَلْمَانُ فَخَرَجَ الْعَبَّاسُ فَلَقِيَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ فَقَبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَ بِأَبِي عِتْرَةُ المُصْطَفَى مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ مَا أَكْرَمَكُمْ عَلَى الله (٣٦٥))
١٢ - وفي رواية الهروي أن أرواحهم نورا واحدا كما في اكمال الدين والعيون والعلل عن الرضا عن آبائه عن علي انه قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما خلق الله خلقا أفضل مني ولا اكرم عليه مني، فقلت يا رسول الله فانت أفضل او جبرئيل؟ فقال يا علي ان الله فضل انبيائه المرسلين على ملائكته المقربين وفضلني على جميع النبيين والمرسلين والفضل من بعدي لك يا علي وللائمة من بعدك وان الملائكة لخدامنا وخدام محبينا، يا علي! الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا بولايتنا يا علي! لو لا نحن ما خلق الله آدم ولا حواء ولا الجنة ولا النار ولا السماء ولا الأرض، فكيف لا نكون أفضل من الملائكة وقد سبقناهم الى معرفة ربّنا وتسبيحه وتقديسه لان اول ما خلق الله خلق ارواحنا فأنطقنا بتوحيده وبتمجيده ثمّ خلق الملائكة فلما شاهدوا ارواحنا نورا واحدا استعظموا امرنا فسبحنا لتعلم الملائكة، فسبحت الملائكة بتسبيحنا.(٣٦٦))
١٣ - وَرَوُى الحسين بن عبد الوهاب(٣٦٧) فِي حديث لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما دخل العباس قَالَ: يا مُحمَّد بما فضّلت علينا أهل بيتك، فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إليك يا عم لا تقل هذا فَإنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلقني وعلياً نوراً ثمَّ فتق مِنْ نورنا سبطين ثمَّ فتق مِنْ نورنا نور العرش وَمِنْ نور سبطيّ نور الشمس والقمر كنّا نعلّم الملائكة التسبيح والتهليل والتمجيد، ثمَّ قَالَ الله تَعَالَى للملائكة وعزّتي وجلالي وجودي وارتفاعي لأفعلنَّ فخلق سُبْحَانَهُ نور فاطمة (عليه السلام) كالقنديل فزهرت به السماوات فسميت الزهراء (عليها السلام) لما استنار بنورها الأُفق...».
خلق الْنَّبِيّ قبل العرش:
١٤ - رَوُى فِي الكافي بِسَنَدِهِ عَنْ مرازم عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: - يا مُحمَّد إنِّي خلقتك وعلي نوراً يعني روحاً بلا بدن قبل أنْ أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري فَلَمْ تزل تهللني وتمجدني ثمَّ جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدّسني وتهللني ثمَّ قسمتها ثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربعة مُحمَّد واحد وعلي واحد والحسن واحد والحسين ثنتان ثمَّ خلقت فاطمة مِنْ نور ابتدأها روحاً بلا بدن ثمَّ مسحنا بيمينه فأفضى[فأضاء] نوره فينا»(٣٦٨).
١٥ - ورَوُى فِي الخصال بِسَنَدِهِ عن سفيان الثوري عَنْ جعفر بن مُحمَّد الصَّادِق عَنْ أبيه عَنْ جدّه عَنْ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلق نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يخلق السماوات والأرض والعرش والكرسي واللوح والقلم وَالجَنّة وَالنَّار، وقبل أنْ يخلق آدم ونوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وعيسى... وَقَبْلَ أَنْ خَلَقَ الْأَنْبِيَاءَ كُلَّهُمْ بِأَرْبَعِمِائَةِ أَلْفٍ وَأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ سَنَةٍ وَخَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) مَعَهُ اثْنَيْ عَشَرَ حِجَابا…»(٣٦٩).
١٦ - ورَوُى فِي الهداية الكبرى بِسَنَدِهِ عَنْ المفضل بن عمر الجعفي عَنْ مولانا الإمام الصَّادِق (عليه السلام) عَنْ أبيه الباقر (عليه السلام) قَالَ: «دخل سلمان والمقداد بن الأسود الكندي وأبو ذر جندب الغفاري وعمّار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وأبو الهيثم مالك بن التيهان وخزيمة بن ثابت وأبو الطفيل عامر عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فجلسوا بين يديه والحزن ظاهر فِي وجوههم، فقالوا لَهُ: فديناك بالآباء والأُمهات يا رَسُوُل الله إنّا نسمع فِي أخيك علي (عليه السلام) ما يحزننا سماعه وإنّا نستأذنك فِي الردّ عَلَيْهِم، فَقَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وما عساهم يقولون فِي أخي علي؟ فقالوا: يا رَسُوُل الله يقولون أيّ فضيلة لَهُ فِي سبقه إلى الإسلام؟ وَإنَّما أدركه الإسلام طفلاً ونحن يحزننا هَذَا، فَقَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هَذَا يحزنكم؟ قالوا: نعم يا رَسُوُل الله؟ فَقَالَ: أسألكم بالله هَلْ علمتم مِنْ الكتب الأولى... وَقَدْ علمتم جميعاً خلقتي وأنَّ علياً مِنْ نوري ونوري ونوره واحد، وكنّا كَذَلِكَ نسبّح الله ونقدّسه ونحمّده ونهلّله ونكبره قبل أنْ يخلق الملائكة والسماوات والأرضين والهواء ثمَّ عرّش العرش وكتب أسماؤنا بالنور عَلَيْهِ ثمَّ اسكننا صلب آدم...»(٣٧٠).
١٧ - قَالَ أبو الحسن البكري فِي كتاب الأنوار: - وَرَوُى عَنْ أمير المُؤْمِنِين أنَّهُ قَالَ: «كَانَ الله ولا شيء معه فأول ما خلق نور حبيبه مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم وَالجَنّة وَالنَّار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربعمائة ألف عام...»(٣٧١).
١٨ - ورَوُى فِي تأويل الآيات الظاهرة عن مصباح الأنوار للطوسي: بإسناده عَنْ أنس عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... إنَّ الله خلقني وخلق علياً وفاطمة والحسن والحسين قبل أنْ يخلق آدم... لما أراد الله أَنْ يَخْلُقَنَا تَكَلَّمَ كَلِمَةً خَلَقَ مِنْهَا نُوراً ثُمَّ تَكَلَّمَ كَلِمَةً أُخْرَى فَخَلَقَ مِنْهَا رُوحاً ثُمَّ مَزَجَ النُّورَ بِالرُّوحِ فَخَلَقَنِي وَخَلَقَ عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ فَكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لَا تَسْبِيحَ وَنُقَدِّسُهُ حِينَ لَا تَقْدِيس(٣٧٢) فلما أراد الله أن ينشأ [الصنعة] خلقه فتق نوري فخلق مِنْهُ العرش فالعرش مِنْ نوري ونوري مِنْ نور الله ونوري أفضل مِنْ العرش ثمَّ فتق نور أخي علي...»(٣٧٣).
١٩ - وفي مدينة المعاجز: عَنْ السِّيّد الرضي فِي كتاب المناقب الفاخرة فِي العترة الطاهرة بطريقه عَنْ عبد بن مسعود عَنْ أبيه، قَالَ: دخلت يوماً عَلَى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلت: يا رَسُوُل الله أرني الحَقّ حَتّى اتّبعه، فَقَالَ: «... يا بن مسعود إنَّ الله تَعَالَى خلقني وعلياً والحسن والحسين مِنْ نور عظمته[قدسه] قبل الخلق بألفي عام حين لا تسبيح ولا تقديس وفتق مِنْ نوري فخلق مِنْهُ السماوات والأرض وأنا أفضل مِنْ السماوات والأرض، وفتق نور علي فخلق مِنْهُ العرش والكرسي وعلي أفضل مِنْ العرش والكرسي وفتق...»(٣٧٤). ورواه بن شاذان القمي في الفضائل.
٢٠ - روى جابر بن عبد الله قَالَ: قلت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أوَّل شيء خلق الله تَعَالَى ما هُوَ؟ فَقَالَ: «نور نبيك يا جابر خلقه الله ثمَّ خلق مِنْهُ كُلّ خير ثمَّ أقامه بين يديه فِي مقام القرب ما شاء الله ثمَّ جعله أقساماً، فخلق العرش مِنْ قسم والكرسي من قسم، وحملة العرش وخزنة الكرسي مِنْ قسم، وأقام القسم الرَّابِع فِي مقام الحب ما شاء الله، ثمَّ جعله أقساماً فخلق القلم مِنْ قسم، واللوح مِنْ قسم والجنة مِنْ قسم، وأقام القسم الرَّابِع فِي مقام الخوف ما شاء الله ثمَّ جعله أجزاءً فخلق الملائكة مِنْ جزء والشمس مِنْ جزء والقمر والكواكب مِنْ جزء، وأقام القسم الرَّابِع فِي مقام الرجاء ما شاء الله، ثمَّ جعله أجزاءً فخلق العقل مِنْ جزء والعلم والحلم مِنْ جزء والعصمة والتوفيق مِنْ جزء وَأَقَامَ الْقِسْمَ الرَّابِعَ فِي مَقَامِ الحَيَاءِ مَا شَاءَ الله ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْهَيْبَةِ فَرَشَحَ ذَلِكَ النُّورُ وَقَطَرَتْ مِنْهُ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ فَخَلَقَ الله مِنْ كُلِّ قَطْرَةٍ رُوحَ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ ثُمَّ تَنَفَّسَتْ أَرْوَاحُ الْأَنْبِيَاءِ فَخَلَقَ الله مِنْ أَنْفَاسِهَا أَرْوَاحَ الْأَوْلِيَاءِ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِين...» الحديث(٣٧٥). وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلق منه كل خير قبل أن يجعله في مقام القرب وقبل أن يخلق منه العرش، يتطابق مع ما مر من الروايات أنه خلق منه حجبا ثم خلق منه بحورا، وكل ذلك قبل خلق العرش والكرسي منه.
٢١ - في جامع الأخبار: رُوِّينَا أَنَّهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) يَا عَلِيُّ خَلَقَ الله نُوراً فَجَزَّأَهُ فَخَلَقَ الْعَرْشَ وَخَلَقَ الْكُرْسِيَّ مِنْ جُزْءٍ وَالجَنَّةَ مِنْ جُزْءٍ وَالْكَوَاكِبَ مِنْ جُزْءٍ وَالمَلَائِكَةَ مِنْ جُزْءٍ وَسِدْرَةَ المُنْتَهَى مِنْ جُزْءٍ وَأَمْسَكَ جُزْءاً مِنْهُ تَحْتَ بُطْنَانِ الْعَرْشِ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) فَأَوْدَعَ الله ذَلِكَ الجُزْءَ فِي جَبِينِهِ فَكَانَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ مِنْ أَبٍ إِلَى أَبٍ إِلَى عَبْدِ المُطَّلِبِ ثُمَّ صَارَ بِنِصْفَيْنِ فَنُقِلَ جُزْءٌ إِلَى عَبْدِ الله وَالِدِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَنِصْفٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَخُلِقْتُ أَنَا مِنْ جُزْءٍ وَأَنْتَ مِنْ جُزْءٍ فَالْأَنْوَارُ كُلُّهَا مِنْ نُورِي وَنُورِكَ يَا عَلِي (٣٧٦) 
 ٢٢ - وفي صحيح عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ قَالَ كُشِطَ لِإِبْرَاهِيمَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَكُشِطَ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى رَأَى مَا فِي الْهَوَاءِ وَفُعِلَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِثْلُ ذَلِكَ وَإِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ فُعِلَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِك (٣٧٧) ومفاده وجود عوالم مخلوقه فوق العرش وقبله متقدمة عليه.
٢٣ - وروى الصدوق في العيون بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... يَا عَلِيُّ لَوْ لَا نَحْنُ مَا خَلَقَ الله آدَمَ (عليه السلام) وَلَا الحَوَّاءَ وَلَا الجَنَّةَ وَلَا النَّارَ وَلَا السَّمَاءَ وَلَا الْأَرْضَ فَكَيْفَ لَا نَكُونُ أَفْضَلَ مِنَ المَلَائِكَةِ وَقَدْ سَبَقْنَاهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَتَسْبِيحِهِ وَتَهْلِيلِهِ وَتَقْدِيسِهِ لِأَنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) أَرْوَاحُنَا فَأَنْطَقَهَا بِتَوْحِيدِهِ وَتَمْجِيدِهِ (٣٧٨) ثُمَّ خَلَقَ المَلَائِكَة(٣٧٩) 
٢٤ - وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِآدَمَ وَإِبْرَاهِيمُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقُهُ وَخُلْقُهُ وَسَمَّانِيَ الله (عزَّ وجلَّ) مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ عَشَرَةَ أَسْمَاءٍ وَبَيَّنَ الله وَصْفِي وَبَشَّرَ بِي عَلَى لِسَانِ كُلِّ رَسُولٍ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ وسَمَّانِي وَنَشَرَ فِي التَّوْرَاةِ اسْمِي)(٣٨٠). وتسميته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من فوق العرش أي اسمه فوق العرش، وهذا فضلا عن مسماه وحقيقته (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢٥ - وعن أبي بصير، عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، عن أبيه الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله عزّ وجلّ: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ (٣٨١) قال (عليه السلام): هو كتاب من نور، كتبه الله قبل العرش بثمانين ألف سنة، كتابته من نور، وسطوره ضياء، ثمّ رفعه في الملكوت الأعلى ثمّ قال: يا محمّد ويا عليّ، أنتم رحمتي، سبقتما غضبي، من عرفكما عرفني، ومن جهلكما جهلني، فلمّا أراد أن يخلق خلقه نسخ منه كتابا سمّاه لوحا محفوظا، وجعله سبعة أسطر ما بين المشرق والمغرب، وكانت السطور اثنا عشر سطرا لكلّ إمام سطر، ثمّ تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾(٣٨٢) ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا﴾(٣٨٣).
وهذه الرواية جوهرة في المعارف وتتضمن فوائد نفيسة:
١ - أن الحروف المقطعة في اوائل السور التي تعقبها ذكر القرآن هي مقامات نبوية تفوق مقام القرآن كما أشار إليه الإمام زين العابدين (عليه السلام) في الصحيفة السجادية في دعاء يوم الفطر(٣٨٤).
فأشار (عليه السلام) الى انواع الوحي التي اوحيت إلى قلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهي اعظم من نفس الفاظ القرآن الكريم، حيث ان في جملة من السور نجد قسم الله تعالى باسم من أسماء النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومقاماته ثم عطفه بالقرآن الكريم، فجعل القرآن تبعاً لمقام للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال (عليه السلام): (وقُلْتَ جَلَّ قَوْلُكَ حِينَ اخْتَصَصْتَهُ بِمَا سَمَّيْتَهُ مِنَ الْأَسْمَاءِ طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى وقُلْتَ عَزَّ قَوْلُكَ يس والْقُرْآنِ الحَكِيمِ وقُلْتَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُكَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
وقُلْتَ عَظُمَتْ آلَاؤُكَ ق والْقُرْآنِ المَجِيدِ فَخَصَصْتَهُ أَنْ جَعَلْتَهُ قَسَمَكَ حِينَ أَسْمَيْتَهُ وقَرَنْتَ الْقُرْآنَ بِهِ فَمَا فِي كِتَابِكَ مِنْ شَاهِدِ قَسَمِ والْقُرْآنُ مُرْدَفٌ بِهِ إِلَّا وهُوَ اسْمُهُ وذَلِكَ شَرَفٌ شَرَّفْتَهُ بِهِ وفَضْلٌ بَعَثْتَهُ إِلَيْهِ... وقُلْتَ تَبَارَكْتَ وتَعَالَيْتَ فِي غَايَةِ [عَامَّةِ] ابْتِدَائِهِ الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ والر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ والر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ المُبِينِ والم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ وفِي أَمْثَالِهَا مِنْ سُوَرِ الطَّوَاسِينِ والحَوَامِيمِ فِي كُلِّ ذَلِكَ بَيَّنْتَ بِالْكِتَابِ مَعَ الْقَسَمِ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَنِ اخْتَصَصْتَهُ لِوَحْيِكَ واسْتَوْدَعْتَهُ سِرَّ غَيْبِكَ وأَوْضَحَ لَنَا مِنْهُ شُرُوطَ فَرَائِضِكَ وأَبَانَ عَنْ وَاضِحِ سُنَّتِكَ وأَفْصَحَ لَنَا عَنِ الحَلَالِ والحَرَامِ وأَنَارَ لَنَا مُدْلَهِمَّاتِ الظَّلَامِ وجَنَّبَنَا رُكُوبَ الْآثَامِ وأَلْزَمَنَا الطَّاعَةَ ووَعَدَنَا مِنْ بَعْدِهَا الشَّفَاعَةَ)(٣٨٥).
فلاحظ بيان هيمنة مقامات النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التي هي اسماء الحروف المقطعة في السور التي أردف القرآن الكريم بها وهيمنتها عليه بكل درجاته الغيبية والمشهودة من التنزيل.
وفي دعاء عرفة لسيد الشهداء (عليه السلام) «يَا إِلَهِي وَإِلَهَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَرَبَّ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَرَبَّ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَآلِهِ المُنْتَجَبِينَ وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ [الحَكِيمِ] وَمُنْزِلَ ﴿كهيعص﴾ وَ﴿طه﴾ وَ﴿يس وَالْقُرْآنِ الحَكِيم﴾»(٣٨٦) 
وفيه إشارة واضحة على تباين الحروف المقطعة وإنزالها وتنزلها عن إنزال وتنزل القرآن العظيم الحكيم، وأنها أعظم شأنا منه.
وكذا قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾
وروى القمي مصحح سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ نَحْنُ المَثَانِي الَّتِي أَعْطَاهَا الله تَعَالَى نَبِيَّنَا وَنَحْنُ وَجْهُ الله الَّذِي نَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ - مَنْ عَرَفَنَا فَإِمَامُهُ الْيَقِينُ وَمَنْ جَهِلَنَا فَإِمَامُهُ السَّعِير.) ورواه فرات الكوفي في تفسيره إلا أن ذيله (من عرفنا فقد عرفنا ومن جهلنا فأمامه اليقين يعني الموت)
وفي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام): وَقَالَ الحَسَنُ [بْنُ عَلِيٍ] (عليه السلام): قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَإِنَ ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ آيَةٌ مِنْ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ تَمَامُهَا ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾. [قَالَ]: سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾(٣٨٧) فَأَفْرَدَ الِامْتِنَانَ [عَلَيَ] بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَجَعَلَهَا بِإِزَاءِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَإِنَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ أَشْرَفُ (٣٨٨) مَا فِي كُنُوزِ الْعَرْشِ.
وروى العياشي عن يونس بن عبد الرحمن عمن ذكره رفعه قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ قال: إن ظاهرها الحمد وباطنها ولد الولد، والسابع منها القائم (عليه السلام).
وقال حسان العامري سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ قال: ليس هكذا تنزيلها، إنما هي ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي﴾ نحن هم ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ ولد الولد.
وعن القاسم بن عروة عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ قال: سبعة أئمة والقائم (عليه السلام). 
عن سماعة قال: قال أبو الحسن (عليه السلام) ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ المَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ قال: لم يعط الأنبياء إلا محمدا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم السبعة الأئمة الذين يدور عليهم الفلك، والقرآن العظيم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (٣٨٩).
وعن الصدوق (رحمه الله): أنه قال: قوله نحن المثاني أي نحن الذين قرننا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى القرآن، وأوصى بالتمسك بالقرآن وبنا. وأخبر أمته أنا لا نفرق حتى نرد حوضه.
وقال الفيض (رحمه الله): لعلهم إنما عدوا سبعاً باعتبار أسمائهم فإنها سبعة وعلى هذا فيجوز أن يجعل المثاني من الثناء، وأن يجعل من التثنية باعتبار تثنيتهم مع القرآن وأن يجعل كناية عن عددهم الأربعة عشر بأن يجعل نفسه واحداً منهم بالتغاير الاعتباري بين المعطي والمعطى له «انتهى».
وقال المحدث الحر العاملي (رحمه الله): هؤلاء السبعة من جملة الاثني عشر، ولعل لهم امتيازاً على الباقي من بعض الجهات والخصوصيات والله أعلم، السبعة منهم غير منصوص على أعيانهم وهم أعلم بما أرادوا «انتهى».
٢ - إن هذه المقامات الغيبية من الحروف المقطعة كتب نورية أعلى من القرآن الكريم لكنها لم تتنزل كلها.
٣ - إن ما قبل العرش هو جملة من المخلوقات والكتب وعوالم من الروح ذات الجسم الألطف بطبقات واسعة قدرهن بثمانين ألف سنة مع أن المقدر في العوالم النازلة لخلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام بينما ههنا بثمانين ألف سنة مما فوق وقبل العرش.
٤ - لا يخفى تفاوت العوالم في التقدير الزماني كما يشير اليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾ فالألف في قبلية خلق الأرواح على الأبدان بألفي عام لعله لا يراد بها الألف في قبلية الكتاب على العرش.
٥ - رغم سبق هذا الكتاب على العرش وفوقيته إلا أن الله رفعه في ملكوت أعلى من ذلك يسمى ب - (الملكوت الأعلى)، وهذا مما يشير الى أن للعرش ملكوت، وهو على طبقات الى أن يصل الى ملكوت أعلى، ويدلل على
٦ - يحتمل تفسير الكتاب لنفس القرآن لا للحروف المقطعة وأن الكتاب الذي يتلو مقام الحرف المقطع هو الذي كتب قبل العرش بثمانين ألف سنة، وهذا شأن عظيم للقرآن على الاحتمال الثاني، وإن كان هذا المقام دون مقام الحروف المقطعة، هذا مع أن في كثير من الآيات والروايات تبيان حقيقة القرآن بروح القدس وسيأتي أنه دون العرش بكثير.
٧ - أن في هذا الحديث الشريف تفسير الحديث القدسي المستفيض بين الفريقين سبقت رحمتي غضبي وأن المراد به محمد وعلي وهذا بيان مقام عظيم للنبي والوصي صلوات الله عليهما وآلهما، وأنهما الرحمة الإلهية التي تعم كل المخلوقات وكل الوجودات وأنهما الرحمة العامة التي وسعت كل شيء.
٨ - أن في هذا المقام للنبي والوصي إشارة الى كون الحروف المقطعة مقامات لكل من النبي والوصي كما جاء ذلك في عدة زيارات لأمير المؤمنين (عليه السلام) وهذا شأن عظيم لتنزيله بمنازل نفس النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٩ - أن ما في ذيل الرواية من استنساخ كتاب أنزل هو (اللوح المحفوظ) من الكتاب الأسبق قد يكون قرينة على إرادة القرآن من اللوح المحفوظ، وأن القرآن مستنسخ من كتاب أعلى من العرش.
١٠ - إن تبيان الرواية أن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والوصي نورهما هو رحمة الله العامة السابقة للغضب مقتضاه أن نورهما من أسماء الجمال الأولى، أي بالمعنى الأعم المحيطة بكل من أسماء الجمال بالمعنى الأخص التي تقابل أسماء الجلال، فهما الأسم الجامع وجمع الجوامع لعالم الأسماء، فيتقرر من ذلك أن نورهما قبل العرش بعوالم عديدة، كيف لا ونوره من عالم الأسماء الأولى بل هما الأسماء الإلهية.
وفي روايات العامة: مستفيضا عن المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال قال رسول الله ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا لا يوشك شبعان على أريكته يقول عليكم بالقرآن فما وجدتم فيه حلالا فأحلوه وما وجدتم فيه حراما فحرموه)(٣٩٠)
٢٦ - روى سلمان وابوذر قوله (عليه السلام):... أنا كتب اسمي على العرش فاستقر، وعلى السّماوات فقامت، وعلى الأرض ففرشت، وعلى الريح فذرت، وعلى البرق فلمع، وعلى الوادي فهمع، وعلى النور فقطع، وعلى السحاب فدمع، وعلى الرعد فخشع، وعلى الليل فدجى وأظلم، وعلى النهار فأنار وتبسّم (٣٩١)،(٣٩٢). وتقريب الدلالة كما مر.
تأخر طبقة من نوره ومن روحه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن العرش:
وروى فرات الكوفي بسنده [عَنِ] ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ الْفِهْرِيُ قَالَ يَا أَحْمَدُ أَمَرْتَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ أَ فَمِنْكَ [كَانَ] هَذَا أَمْ مِنْ رَبِّكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ الْفَرِيضَةُ مِنْ رَبِّي وَأَدَاءُ الرِّسَالَةِ مِنِّي حَتَّى أَقُولَ مَا أَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ إِلَّا مَا أَمَرَنِي رَبِّي [قَالَ] فَأَمَرْتَنَا بِحُبِّ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ زَعَمْتَ أَنَّهُ مِنْكَ كَهَارُونَ مِنْ مُوسَى وَشِيعَتُهُ عَلَى نُوقٍ غُرٍّ مُحَجَّلَةٍ يَرْفُلُونَ فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَأْتِيَ الْكَوْثَرَ فَيَشْرَبَ وَيَسْقِيَ [صح] هَذِهِ الْأُمَّةَ وَيَكُونَ زُمْرَةً فِي عَرْصَةِ الْقِيَامَةِ أَ بِهَذَا الحُبِّ سَبَقَ مِنَ السَّمَاءِ أَمْ كَانَ مِنْكَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ بَلَى سَبَقَ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ كَانَ مِنِّي لَقَدْ خَلَقَنَا الله نُوراً تَحْتَ الْعَرْشِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ سَاحِرُ كَذَّابٌ يَا مُحَمَّدُ أَ لَسْتُمَا مِنْ وُلْدِ آدَمَ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ خَلَقَنَا [خَلَقَنِي] الله نُوراً تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الله آدَمَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمَّا أَنْ خَلَقَ الله آدَمَ أَلْقَى النُّورَ فِي صُلْبِ آدَمَ فَأَقْبَلَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ النُّورُ مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْب(٣٩٣).
وَرَوُى فِي المسائل العكبرية(٣٩٤) عَنْ علي بن الحسين عَنْ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفي المحتضر(٣٩٥) عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «نقل الله تَعَالَى أرواحنا مِنْ ذروة العرش إلى ظهره أو نقل أشباحنا من ذروة العرش الى ظهره، ووقع نور أشباحنا مِنْ ظهر آدم عَلَى ذروة العرش».
قاعدة اللطافة وإدراك الأجسام:
قَدْ تَقَدَّمَ فِي كيفية الروح طائفة مِنْ الروايات(٣٩٦) دالَّة عَلَى عروج الأنبياء والأوصياء والملائكة المقربين إلى العرش ليلة الجمعة وطوافهم به وصلاتهم عِنْدَ قوائمه الأربعة. وَمُقْتَضَى كون الروح ذَاتَ قالب جسماني رقيق لطيف هِيَ جسمانية العرش وَأنَّهُ عرش عالم الجسمانيات، لكن شدة لطافته لا تدرك بل لا يدرك لأجل لطافته، وهذه قاعدة مطردة أخفق فيها البحث العقلي أن اللطيف والألطف لا يدرك من الأقل لطافة أي الأكثر كثافة فيحسب مجردا، فلاحظ قوله (عليه السلام) فِي نهج البلاغة فِي خطبة (خلق الملائكة): «والخارجة مِنْ الأقطار أركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافُهم، ناكسةٌ دونه أبصارهم متلِّفعون تحته بأجنحتهم مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين [المخلوقين] ولا يحدّونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر...»(٣٩٧).
 فبين (عليه السلام):
١ - أنه هذا الصنف من الملائكة الذي هو أعظم من الملائكة المقربين الأربعة، مع كونهم جسمانيين مقاربين للطافة العرش وعظمته، إلا أنه لشدة لطافتهم (عزتهم تكوينا) وعظمتها قدرة فتكون حجابا وستارا عمن دونهم أن يدركوهم.
٢ - وهذه ضابطة عظيمة في عالم الأجسام وادراكها ودرجات لطافتها، وأن الألطف يحتجب عن الأكثف فلا يدركه، وهذا الاحتجاب والعجز عن الإدراك يوهم الأقل لطافة (الأكثر كثافة) أن المحتجب عنه مجرد عن الجسمية مطلقا.
٣ - ولهذا ذهب الفلاسفة وجملة من المتكلمين الى تجرد النفس أو الروح عن الجسم مطلقا، وكذلك تجرد مطلق الملائكة عن الجسم مطلقا فضلا عن العقل فضلا عن الكرسي والعرش ونحوها من العوالم.
٤ - ومُقْتَضَى ما فِي هَذِهِ الطائفة مِنْ الطواف حول العرش هُوَ محدودية مقدار العرش بالقياس إلى الأرواح الطائفة به، مَعَ أنَّ مُقْتَضَى كثير مِنْ الروايات كالرواية السابقة في الملك خرقائيل، وغيرها هُوَ كون العرش أكبر العوالم الجسمانية وأنَّ كُلّ ما دونه كحلقة فِي فلاة (قيّ).
٥ - إلَّا أنْ يحمل الطواف بالعرش ونحوه على العروج إليه.
٦ - وَلَعَلَّ هُنَاك بيتاً فِي العرش بحذاء البيت المعمور أيّ بيتاً عرشياً يطاف حوله ويصلّى عند قوائمه لا أنَّ الطواف بكُلِّ العرش كَمَا أنَّ الطواف فِي البيت المعمور الكائن فِي السَّماء الرَّابعة كَذَلِكَ، ولَعَلَّ المُراد بالطواف بالعرش الطواف فِي عالم العرش (فالباء) بمعنى (فِي).
٧ - وقد ورد معنى للطواف بالعرش فِي الروايات مِنْ حوم وتوجّه القلب وطبقات الروح العالية حول قطب مقام علوي كالروايات الوارَدة فِي قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ - وَمِنْهم سابق بالخيرات، أن السابق بالخيرات هُوَ الإمام يحوم قلبه حول ربّه بخلاف المقتصد فَإنَّهُ يحوم حول نفسه، فالحوم والطواف حول العرش لَيْسَ بمعنى الإحاطة والدوران الجسماني بَلْ بمعنى النظر والبصر والتوجّه مِنْ بعيد نحو شيء ودوام التوجِّه إليه، لكن العروج الروحي لابد أن يكون له معنى زيادة على ذلك، وهو العروج الى مقام يزداد فيه التوجه والنظر الى العرش.
ورَوُى بن بابويه بإسناد مُتّصل إلى الصَّادِق جعفر بن مُحمَّد (عليهما السلام) أنَّهُ سئل عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ فَقَالَ الظالم يحوم حوم نفسه، والمقتصد يحوم حوم قلبه والسابق يحوم حوم ربَّه (عزَّ وجلَّ)(٣٩٨).
وعَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ قَالَ لِيَ الْعَزِيزُ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ قُلْتُ ﴿وَالمُؤْمِنُونَ﴾ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَيْكَ السَّلَامُ مَنْ خَلَّفْتَ لِأُمَّتِكَ مِنْ بَعْدِكَ قُلْتُ خَيْرَهَا لِأَهْلِهَا قَالَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَبِّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي اطَّلَعْتُ عَلَى [إِلَى] الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَاخْتَرْتُكَ مِنْهَا وَاشْتَقَقْتُ لَكَ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي لَا أُذْكَرُ فِي مَكَانٍ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي فَأَنَا مَحْمُودٌ [مَحْمُودٌ أَحْمَدُ] وَأَنْتَ مُحَمَّدٌ ثُمَّ اطَّلَعْتُ الثَّانِيَةَ [ثَانِياً اطِّلَاعَةً] فَاخْتَرْتُ عَلِيّاً وَاشْتَقَقْتُ لَهُ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي فَأَنَا الْأَعْلَى وَهُوَ عَلِيٌّ يَا مُحَمَّدُ [إِنِّي] خَلَقْتُكَ [وخَلَقْتُ] عَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ [والْأَئِمَّةَ مِنْ وُلْدِهِ](٣٩٩) أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورِي وَعَرَضْتُ وَلَايَتَكُمْ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَأَهْلِهَا وَعَلَى الْأَرَضِينَ وَمَنْ فِيهِنَّ فَمَنْ [مَنْ] قَبِلَ وَلَايَتَكُمْ كَانَ عِنْدِي مِنَ المُقَرَّبِينَ وَمَنْ جَحَدَهَا كَانَ عِنْدِي مِنَ الْكُفَّارِ [الضَّالِّينَ] يَا مُحَمَّدُ لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَنِي حَتَّى يَنْقَطِعَ أَوْ يَصِيرَ كَالشَّنِّ الْبَالِي ثُمَّ أَتَانِي جَاحِداً لِوَلَايَتِكُمْ مَا غَفَرْتُ لَهُ حَتَّى يُقِرَّ بِوَلَايَتِكُمْ يَا مُحَمَّدُ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمْ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَبِّ قَالَ الْتَفِتْ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِالْأَشْبَاحِ [بِأَشْبَاحِ] عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ وَالْأَئِمَّةِ كُلِّهِمْ(٤٠٠) حَتَّى بَلَغَ المَهْدِيَّ صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نُورٍ قِيَامٌ يُصَلُّونَ وَالمَهْدِيُّ [فِي] وَسْطِهِمْ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الحُجَجُ وَ[هَذَا] هُوَ الثَّائِرُ مِنْ عِتْرَتِكَ فَوَ عِزَّتِي وَجَلَالِي إِنَّهُ لَحُجَّةٌ [حُجَّةٌ] وَاجِبَةٌ لِأَوْلِيَائِي مُنْتَقِمٌ [مِنْ] أَعْدَائِي.(٤٠١) 
أول ما خلق الله (جلّ جلاله) قبل العرش وبعده الهواء ثلاثة عوالم:
أول ما خلق الله الماء:
روى مُحَمَّدِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) مِنْ أَهْلِ الشَّامِ مِنْ عُلَمَائِهِمْ فَقَالَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا وَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئاً غَيْرَ الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الْآخَرُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا ذَاكَ قَالَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ الله مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ الْقَدَرُ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الْقَلَمُ وَقَالَ بَعْضُهُمُ الرُّوحُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) مَا قَالُوا شَيْئاً - أُخْبِرُكَ أَنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ وَلَا شَيْء غَيْرُهُ وَكَانَ عَزِيزاً وَلَا أَحَدَ كَانَ قَبْلَ عِزِّهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ (٤٠٢) وَكَانَ الخَالِقُ قَبْلَ المَخْلُوقِ وَلَوْ كَانَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ مِنْ خَلْقِهِ الشَّيْءَ مِنَ الشَّيْءِ إِذاً لَمْ يَكُنْ لَهُ انْقِطَاعٌ أَبَداً وَلَمْ يَزَلِ الله إِذاً وَمَعَهُ شَيْءٌ لَيْسَ هُوَ يَتَقَدَّمُهُ وَلَكِنَّهُ كَانَ إِذْ لَا شَيْءَ غَيْرُهُ وَخَلَقَ الشَّيْءَ الَّذِي جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ مِنْهُ وَهُوَ المَاءُ الَّذِي خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْهُ فَجَعَلَ نَسَبَ كُلِّ شَيْءٍ إِلَى المَاءِ وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْمَاءِ نَسَباً يُضَافُ إِلَيْهِ وَخَلَقَ الرِّيحَ مِنَ المَاءِ ثُم...) (٤٠٣).
رتبة العرش فِي المخلوقات:
وفي تعقيب صلاة أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): «وأسألك باسمك الذي خلقت به عرشك الذي لا يعلم ما هُوَ إلَّا أَنْتَ - إلى قوله - وأسألك يا الله باسمك الذي تضعضع به سكان سماواتك وأرضك واستقر به عرشك - إلى قوله - وأسألك باسمك الذي أقمت به عرشك وكرسيك فِي الهواء - إلى قوله وأسألك باسمك الذي دعاك به حملة عرشك فاستقرت أقدامهم، وحمّلتهم عرشك بذلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مقرب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلا مِنْ علّمته ذلك»(٤٠٤).
ومفاد الرواية:
١ - أنَّ الأسماء مُتَقَدِّمَة عَلَى العرش، وَهُوَ مقتضى الأصول والضوابط فِي قواعد المعارف، وَأنَّها ممر ووسائط فيض وإفاضة للعرش، وأنها مما يستقر بها العرش والكرسي.
٢ - يظهر مِنْ هَذِهِ الرواية تَقَدَّمَ الهواء خلقة عَلَى العرش والكرسي حيث جعل استقرارهما في الهواء وأنه ظرف لهما سابق عليهما، وَهُوَ مفاد رواية القُمِّي المُتَقَدِّمَة مِنْ أنَّ قبل العرش ثلاثة عوالم (الهواء والقلم والنور) وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أنَّ الهواء اسم لثلاثة عوالم أحدها ما بين الأرْض السَّابِعِة وَالسَّماء الأولي، والثاني ما بين السَّماء السَّابِعة والعرش، وَالثَّالِث هُوَ ما فوق العرش.
وروى محمد بن صدقة عن سلمان وابي ذر قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أعطانا الله ربّنا من علمه الاسم الأعظم (٤٠٥) الذي لو شئنا خرقنا(٤٠٦) السماوات والأرض والجنّة والنار، ونعرج به إلى السماء ونهبط به إلى (٤٠٧) الأرض، ونغرّب ونشرّق، وننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي الله تعالى فيعطينا كلّ شيء حتّى السماوات والأرضين والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ والبحار والجنّة والنار، أعطانا ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به، ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ونعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وجعلنا معصومين مطهّرين، وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين، فنحن نقول لهذا(٤٠٨): ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾(٤٠٩)، و﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين﴾(٤١٠)، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا الله من الفضل والإحسان.(٤١١) 
ومفاد الرواية:
١ - تقدم عالم الأسماء على العرش ولاسيما الاسم الأعظم وهيمنته على العرش وما دونه.
٢ - الجلوس على العرش كناية عن الهيمنة عليه.
٣ - قد يظهر من الرواية فوقية عالم الأمر على العرش.
٤ - أنهم حقيقة واحدة ممتدة من النشأة الأرضية الى ما فوق العرش.
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ الله عَنْهُ [رَحِمَة الله عَلَيْهِ] قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَنْزِلِ أُمِ سَلَمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا وَرَسُولُ الله يُحَدِّثُنِي وَأَنَا لَهُ مُسْتَمِعٌ إِذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَلَمَّا أَنْ بَصُرَ [أَبْصَرَ] بِهِ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَشْرَقَ وَجْهُهُ نُوراً وَفَرَحاً وَسُرُوراً بِأَخِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ ثُمَّ ضَمَّهُ إِلَى صَدْرِهِ وَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعْرِفُ هَذَا الدَّاخِلَ إِلَيْنَا حَقَّ مَعْرِفَتِهِ قَالَ أَبُو ذَرٍّ يَا رَسُولَ الله هُوَ أَخُوكَ وَابْنُ عَمِّكَ وَزَوْجُ فَاطِمَةَ وَأَبُو الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ [فِي الجَنَّةِ] فَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَا أَبَا ذَرٍّ هَذَا الْإِمَامُ الْأَزْهَرُ وَرُمْحُ الله الْأَطْوَلُ وَبَابُ الله الْأَكْبَرُ فَمَنْ أَرَادَ الله فَلْيَدْخُلْ مِنَ الْبَابِ يَا أَبَا ذَرٍّ هَذَا الْقَائِمُ بِقِسْطِ الله وَالذَّابُّ عَنْ حَرِيمِ الله وَالنَّاصِرُ لِدِينِ الله وَحُجَّةُ الله عَلَى خَلْقِهِ فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا كُلُّ أُمَّةٍ فِيهَا نَبِي... قُلْتُ [يَا] مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَّا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ الله وَكَيْفَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَأَنْتُمْ أَوَّلُ [مَا] خَلَقَ الله خَلَقَكُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورٍ فِي نُورٍ مِنْ سَنَاءِ عِزِّهِ وَمِنْ سَنَاءِ مُلْكِهِ وَمِنْ نُورِ وَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَجَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِ سُلْطَانِهِ وَعَرْشُهُ عَلَى الْماءِ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مَبْنِيَّةً وَالْأَرْضُ مَدْحِيَّةً وَهُوَ فِي المَوْضِعِ الَّذِي يَتَوَفَّاهُ [ينوي فيه بنوا فِيهِ] ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ رَفَعَ الْعَرْشَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَاسْتَوَى عَلَى عَرْشِهِ وَأَنْتُمْ أمَامُ عَرْشِهِ تُسَبِّحُونَ وَتُقَدِّسُونَ وَتُكَبِّرُونَ ثُمَّ خَلَقَ المَلَائِكَةَ مِنْ بَدْوِ مَا أَرَادَ مِنْ أَنْوَارٍ شَتَّى (٤١٢) ….
ومفاد الرواية:
١ - علو عوالم نور على العرش، هذا مع الالتفات الى عنوان النور يطلق بمعنى عام شامل لكل عالم علوي بالإضافة الى عالم سفلي، فيطلق على ما دون العرش مما فوق سدرة المنتهى بالإضافة اليها بلحاظ كونها سفلية الى ما فوقها مما هو دون العرش.
٢ - هذه العوالم من نور تابعة خلقة لعالم الأسماء، ومن ثم هي فوق العرش.
٣ - أن وجهه الكريم يطلق على عوالم الأسماء.
٤ - أن الملكوت يطلق على عوالم ما فوق العرش، لكنه يضاف حينئذ الى الأسماء، كما في الرواية (ملكوت سلطانه).
٥ - عنوان أمام العرش يحتمل كونه بمعنى فوقه أو السابق عليه، كما يحتمل إرادة أعاليه.
وعن جابر بن عبد الله، قال: سألت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أوّل ما خلق الله تعالى، فقال: «يا جابر، أوّل ما خلق الله نور نبيّك، اشتقّه من نوره، فأقبل ذلك النور يتردّد حتّى لحق بالعظمة، فسجد لها، فقسم الله تعالى ذلك النور على أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأوّل العرش، ومن الثاني القلم، وقال للقلم: در حول العرش واكتب؛ قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: توحيدي، وفضل نبيّي محمّد، فدار وكتب: لا إله إلّا الله، محمّد رسول الله، عليّ وليّ الله؛ وخلق من الثالث اللوح، وقال للقلم: أجر في اللوح واكتب، قال: يا ربّ، وما أكتب؟ قال: علمي في خلقي، وما أنا خالقه إلى يوم القيامة؛ فجرى القلم وكتب (ذلك على اللوح)(٤١٣)؛ وبقي الجزء الرابع يتردّد حتّى لحق بالعظمة فسجد للعظمة، ولذلك تسجد أمّتي إلى يوم القيامة.(٤١٤)... يا جابر، فالعرش من نور نبيّك، والقلم من نور نبيّك، واللوح من نور نبيّك، والشمس والقمر والنجوم وضوء النهار وضوء الإبصار من نور نبيّك، مشتقّ من نور الجبّار سبحانه، فنحن الأوّلون، ونحن السابقون، ونحن الشافعون، ونحن المشفّعون، ونحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد من الأوّلين والآخرين»(٤١٥).
ومفاد الرواية:
١ - تقدم عالم الأسماء الإلهية على عالم الخلقة وهو لحوق تلك الطبقة من نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالعظمة.
٢ - أن التعبير باشتقاق نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من نوره تعالى إشارة الى المرتبة الخلقية من النور ما بعد عالم الأسماء.
٣ - إن أول مخلوق بعد عالم الأسماء هو نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مما هو فوق العرش.
٤ - مقتضى مفادها أن القلم متأخر عن العرش واللوح متأخر في رتبة الخلق عن القلم.
وعن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «خلق الله تعالى نور محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان النور يطوف بالقدرة، فإذا وصل إلى العظمة سجد لها تعظيما لله، ففتق النور فتقين، فكان الفتق الأوّل محمّدا، والثاني عليّ، فكان نور محمّد يحيط بالعظمة، ونور عليّ يحيط بالقدرة، ثمّ قسم نور محمّد على أربعة أقسام، فخلق من الجزء الأوّل: العرش، ومن الثاني: الجنان، ومن الثالث: الحجب؛ ثمّ قسم الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الأوّل: العقل، ومن الثاني: الأرواح، ومن الثالث: المعرفة والعلم، والرابع ركّبه في أبصار العباد وأسماعهم وقلوبهم، ومنه ضوء النهار وإشراق الشمس والقمر، وبذلك عرج محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ملكوت السماوات والعرش وأدخله الجنّة في الدنيا وخرق به الحجب المتلألئة، وبه يعقل دين الإسلام ويهتدى للإيمان، وثبّت الأرواح في الأجسام، ومنه تتشعّب معارف ذوي الألباب، وعلوم ذوي الأذكار، وسمعوا الحقّ وفهموه»(٤١٦). فكلّ ذلك نور محمّد وعليّ، أكرمهما وشرّفهما وذكرهما في الكتاب المكتوب الذي كتبه قبل خلق العالم في الذّكر المكتوب والعلم المنصوب.(٤١٧) 
ومفاد الرواية:
١ - أسبقية نورهما صلوات الله عليهما على العرش والعقل وما دونهما، في حين تأخر هذه الرتبة من نورهما عن الأسماء.
٢ - ظاهر مفادها تأخر العقل عن العرش كما هو مفاد روايات اخرى.
٣ - تعليل تمكن عروجه الى السماوات والعرش بكون رتبة نوره أسبق منها.
٤ - أن غاية العروج هو العرش ولو بلحاظ أحد شؤونه أو اجزائه.
٥ - أن الأرواح الأمرية هي دون العقل في رتبة الخلق.
وعن همام، عن كعب، قال: إنّ الله قال لموسى بن عمران: «إنّي خلقت نور محمّد من قبل خلق الأنوار، وجعلته في خزانة قدسي يرتفع في رياض مشيئتي، ويشمّ من روح جبروتي، ويتطلّع على مكنون علمي، ويشاهد أقطار ملكوتي حتّى إذا شئت جعلته بين يدي مشيئتي، يا ابن عمران، تمسّك بذكر محمّد والصلوات عليه وآله فإنّه خزانة علمي، عيبة حكمي، ومعدن نوري ورحمتي»(٤١٨).(٤١٩) ومفادها لعله ناظر الى عالم الأسماء وتعلق نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بذلك العالم قبل بقية الأنوار المخلوقة منه، وأما ارتفاعه في رياض المشيئة والتطلع والمشاهدة فليس بلحاظ عالم الأسماء بل بلحاظ ما دون العرش.
وروي: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا عمر بن الخطاب أ تدري من أنا؟! انا الذي خلق الله أول كل شيء نوري، فسجد له فبقي في سجوده سبعمائة عام، فأول كل شيء سجد له نوري ولا فخر. يا عمر أ تدري من أنا؟ أنا الذي خلق الله العرش من نوري والكرسي من نوري واللوح والقلم من نوري، والشمس والقمر من نوري، ونور الأبصار من نوري والعقل الذي في رءوس الخلائق من نوري، ونور المعرفة في قلوب المؤمنين من نوري ولا فخر»(٤٢٠) ومفاده أن نور الإيمان روح مغاير لروح العقل كما هو مفاد جملة اخرى من الروايات والآيات، كما يظهر منها تأخر روح العقل وروح الإيمان عن العرش والكرسي، وهو من تأخر عالم الأمر والأرواح الأمرية عن عالم العرش.
وفي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ آدَمَ، وَسَوَّاهُ، وَعَلَّمَهُ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ وَ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى المَلاَئِكَةِ﴾، جَعَلَ مُحَمَّداً وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ أَشْبَاحاً خَمْسَةً فِي ظَهْرِ آدَمَ، وَكَانَتْ أَنْوَارُهُمْ تُضِيء فِي الْآفَاقِ - مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالحُجُبِ وَالْجِنَانِ وَالْكُرْسِيِّ وَالْعَرْشِ، فَأَمَرَ الله تَعَالَى المَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، تَعْظِيماً لَهُ أَنَّهُ قَدْ فَضَّلَهُ بِأَنْ جَعَلَهُ وِعَاءً لِتِلْكَ الْأَشْبَاحِ - الَّتِي قَدْ عَمَّ أَنْوَارُهَا الْآفَاق (٤٢١) 
ومفاد الرواية:
١ - أن العرش أفق من الآفاق وكذلك الكرسي وهو يشير الى الجسمانية اللطيفة لهما وإن اشتدت لطافته غايته.
٢ - أن ملكوت الأرواح لبعض أهل الأرض يضاهي ويفوق العرش فضلا عما دونه، ومن ثم رغب جبرئيل (عليه السلام) أن يكون تحت الكساء مع الخمسة لأنه تتنزل عليهم من الرحمة الخاصة التي لا يجدها في مقامه من ملكوت السماوات.
٣ - أن كينونة الأشباح تمتد الى الأصلاب.
وعن أبي مخنف: بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: سألت رسول الله - (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - عن مولد عليّ - (عليه السلام) -، قال: يا جابر، سألت عجيبا عن خير مولود، اعلم أنّ الله تعالى لمّا أراد أن يخلقني ويخلق عليّا - (عليه السلام) -، قبل كلّ شيء خلق درّة عظيمة أكبر من الدنيا عشر مرّات، ثمّ إنّ الله تعالى استودعنا في تلك الدرّة، فمكثنا فيها مائة ألف عام نسبّح الله تعالى ونقدّسه، فلمّا أراد إيجاد الموجودات نظر إلى الدرّة بعين التكوين، فذابت وانفجرت نصفين، فجعلني ربّي في النصف الذي احتوى على النبوّة، وجعل عليّا - (عليه السلام) - في النصف الذي احتوى على الإمامة. ثمّ خلق الله تعالى من تلك الدرّة مائة بحر...(٤٢٢). ثمّ إنّ الله تعالى خلق من نوري السماوات والأرض والجنّة والنار والكوثر والصراط والعرش والكرسيّ والحجب والسحاب، وخلق من نور علي ابن أبي طالب الشمس والقمر والنجوم قبل أن يخلق آدم - (عليه السلام) - بألفي عام.(٤٢٣) 
ومفادها:
١ - أن عين التكوين الإلهية والدرة الإلهية من الماء قبل طبقة من نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقبل العرش والكرسي.
٢ - أن طبقات من الماء سابقة على العرش، لكن هذه البحور منسوبة للأسماء الإلهية، كبحر القدرة ونحوها.
وفي تفسير القمي قوله ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء﴾ وذلك في مبتدأ الخلق، إن الرب تبارك وتعالى خلق الهواء - ثم خلق القلم فأمره أن يجري - فقال يا رب بما أجري فقال بما هو كائن ثم خلق الظلمة من الهواء وخلق النور من الهواء - وخلق الماء من الهواء - وخلق العرش من الهواء وخلق العقيم من الهواء وهو الريح الشديد - وخلق النار من الهواء - وخلق الخلق كلهم من هذه الستة - التي خلقت من الهواء - فسلط العقيم على الماء فضربته - فأكثرت الموج والزبد - وجعل يثور دخانه في الهواء - فلما بلغ الوقت الذي أراد قال للزبد اجمد فجمد وقال للموج اجمد فجمد - فجعل الزبد أرضا - وجعل الموج جبالا رواسي للأرض - فلما أجمدها قال للروح والقدرة سويا عرشي إلى السماء - فسويا عرشه إلى السماء -(٤٢٤).
ومفاد الرواية: ١ - أن هناك طبقة من الروح فوق العرش ومستولية عليه، وإن كانت دون الأسماء.
وصحيح عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: ذَاكَرْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) فِيمَا يَرْوُونَ مِنَ الرُّؤْيَةِ فَقَالَ الشَّمْسُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْكُرْسِيِّ وَالْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَالْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْرِ فَإِنْ كَانُوا صَادِقِينَ فَلْيَمْلَئُوا أَعْيُنَهُمْ مِنَ الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ.(٤٢٥) 
جملة أفعال إلهية قبل العرش ومقارنتها للمراحل السبعة للفعل الإلهي دون العرش
منها تزويج النورين: في حديث - زواج علي وفاطمة (عليهما السلام) -... فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَا تَبْكِيِنَّ فَوَ الله مَا زَوَّجْتُكِ حَتَّى زَوَّجَكِ الله مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكِ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ(٤٢٦) 
وفي رواية شرح الأخبار:... فقال لها النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا فاطمة والذي بعث أباك بالحق واصطفاه بالرسالة ما زوّجتك عليا حتى زوّجك الله إياه من فوق عرش(٤٢٧) 
ومنها النداء: رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيُنَادِي كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ إِلَى آخِرِهِ أَ لَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُونِي (٤٢٨) 
ومنها التزكية: روى يُونُسَ بْنِ ظَبْيَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: مَنْ زَارَ قَبْرَ الحُسَيْنِ (عليه السلام) يَوْمَ عَرَفَةَ كَتَبَ الله له...(٤٢٩) وَقَالَتِ المَلَائِكَةُ فُلَانٌ صِدِّيقٌ زَكَّاهُ الله مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ وَسُمِّيَ فِي الْأَرْضِ كَرُوباً.(٤٣٠) 
ومنها المحبة: روى جابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِعُرْوَةِ الله الْوُثْقَى الَّتِي قَالَ الله تَعَالَى فِي كِتَابِهِ فَلْيُوَالِ [فَلْيَتَوَلَ] عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ (عليه السلام) فَإِنَّ الله يُحِبُّهُمَا مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ.(٤٣١) 
ومنها الإشراف للمحاسبة: روى ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ (عليه السلام) يُحَدِّثُ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ - عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) يُحَدِّثُ النَّاسَ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بَعَثَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى النَّاسَ مِنْ حُفَرِهِمْ عُزْلًا بُهْماً جُرْداً مُرْداً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ(٤٣٢) يَسُوقُهُمُ النُّورُ وَتَجْمَعُهُمُ الظُّلْمَةُ حَتَّى يَقِفُوا عَلَى عَقَبَةِ المَحْشَرِ فَيَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَيَزْدَحِمُونَ دُونَهَا فَيُمْنَعُونَ مِنَ المُضِيِّ فَتَشْتَدُّ أَنْفَاسُهُمْ وَيَكْثُرُ عَرَقُهُمْ وَتَضِيقُ بِهِمْ أُمُورُهُمْ وَيَشْتَدُّ ضَجِيجُهُمْ (٤٣٣) وَتَرْتَفِعُ أَصْوَاتُهُمْ قَالَ وَهُوَ أَوَّلُ هَوْلٍ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ قَالَ فَيُشْرِفُ الجَبَّارُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ فِي ظِلَالٍ مِنَ المَلَائِكَةِ(٤٣٤) فَيَأْمُرُ مَلَكاً مِنَ المَلَائِكَةِ فَيُنَادِي فِيهِم (٤٣٥) 
ومنها الذكر: ففي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام):... ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): طُوبَى لِلْمُوَالِينَ عَلِيّاً إِيمَاناً بِمُحَمَّدٍ وَتَصْدِيقاً لِمَقَالِهِ كَيْفَ يُذَكِّرُهُمُ الله بِأَشْرَفِ الذِّكْرِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ. وَكَيْفَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ مَلَائِكَةُ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالحُجُبِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا تَحْتَهَا إِلَى الثَّرَى (٤٣٦) 
ومنها اللعن: روى في التفسير: وَالْوَيْلُ لِلْمُعَانِدِينَ عَلِيّاً كُفْراً بِمُحَمَّدٍ وَتَكْذِيباً بِمَقَالِهِ كَيْفَ يَلْعَنُهُمُ الله بِأَخْزَى اللَّعْنِ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ. وَكَيْفَ يَلْعَنُهُمْ حَمَلَةُ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ وَالحُجُبِ وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْهَوَاءِ، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَمَا تَحْتَهَا إِلَى الثَّرَى.(٤٣٧) 
ومنها الكلام: روى َفي التفسير: قَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) قَالَ الله (عزَّ وجلَّ) مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ : «يَا عِبَادِي اعْبُدُونِي فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ - وَلَا تُعَلِّمُونِي مَا يُصْلِحُكُمْ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِهِ، وَلَا أَبْخَلُ عَلَيْكُمْ بِمَصَالِحِكُمْ.(٤٣٨) 
ومنها الصلوات والرحمة: في التفسير المنسوب للعسكري: [فَقَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):] فَتَعَجَّبَتْ مَلَائِكَةُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ فِعْلِهِ،(٤٣٩) وَعَجَّتْ (٤٤٠) إِلَى الله تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، فَصَلَوَاتُ الله مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ تَتَوَالَى عَلَيْهِ. قَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): فَأَبْشِرْ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ فَإِنَّكَ أَخُو عَلِيٍّ فِي دِيَانَتِهِ، وَمِنْ أَفَاضِلِ أَهْلِ وَلَايَتِهِ وَمِنَ المَقْتُولِينَ فِي مَحَبَّتِهِ، تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، وَآخِرُ زَادِكَ مِنَ الدُّنْيَا ضَيَاحٌ (٤٤١) مِنْ لَبَن (٤٤٢) 
ومنها الحضور والقرب: روى زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) مَا لِمَنْ زَارَ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ كَمَنْ زَارَ الله (عزَّ وجلَّ) فَوْقَ عَرْشِهِ (٤٤٣) 
ومنها القضاء: روى في الإرشاد: ثُمَّ رُفِعَ إِلَيْهِ (عليه السلام) وَهُوَ بِالْيَمَنِ خَبَرُ زُبْيَةٍ(٤٤٤) حُفِرَتْ لِلْأَسَدِ فَوَقَعَ فِيهَا فَغَدَا النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَوَقَفَ عَلَى شَفِيرِ الزُّبْيَةِ رَجُلٌ فَزَلَّتْ قَدَمُهُ فَتَعَلَّقَ بِآخَرَ وَتَعَلَّقَ الْآخَرُ بِثَالِثٍ وَتَعَلَّقَ الثَّالِثُ بِالرَّابِعِ فَوَقَعُوا فِي الزُّبْيَةِ فَدَقَّهُمُ الْأَسَدُ وَهَلَكُوا جَمِيعاً فَقَضَى (عليه السلام) أَنَّ الْأَوَّلَ فَرِيسَةُ الْأَسَدِ وَعَلَيْهِ ثُلُثُ الدِّيَةِ لِلثَّانِي وَعَلَى الثَّانِي ثُلُثَا الدِّيَةِ لِلثَّالِثِ وَعَلَى الثَّالِثِ الدِّيَةُ كَامِلَةً لِلرَّابِعِ فَانْتَهَى الخَبَرُ بِذَلِكَ إِلَى رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَالَ لَقَدْ قَضَى أَبُو الحَسَنِ فِيهِمْ بِقَضَاءِ الله (عزَّ وجلَّ) فَوْقَ عَرْشِهِ (٤٤٥) 
ولفظ الحديث (قضاء الله تعالى فوق عرشه) مستفيض، ومقتضاه تحقق القضاء الإلهي فوق العرش.
ومنها السمع: روى التهذيب: ﴿سُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَالَمِين﴾ سُبْحَانَ الله السَّمِيعِ الَّذِي لَيْسَ شَيْء أَسْمَعَ مِنْهُ يَسْمَعُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ وَيَسْمَعُ مَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَيَسْمَعُ الْأَنِينَ وَالشَّكْوَى وَيَسْمَعُ ﴿السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ وَيَسْمَعُ وَسَاوِسَ الصُّدُورِ وَلَا يُصِمُّ سَمْعَهُ صَوْتٌ ثَانِيهَا(٤٤٦) 
ومنها التشريف: روى في بشارة المصطفى: فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ حَتَّى عَانَقَهُمَا ثُمَّ بَكَى وَأَخَذَهُمَا ثُمَّ حَمَلَ الحَسَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَالحُسَيْنَ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ قَالَ فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الحَظِيرَةِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ الله أَعْطِنِي أَحَدَ الْغُلَامَيْنِ أَحْمِلُهُ عَنْكَ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ نِعْمَ الحَامِلُ وَنِعْمَ المُحْمُولَانِ وَأَبُوهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ عُمَرُ مِثْلَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِثْلَ مَا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ وَالله لَأُشَرِّفُكُمَا كَمَا شَرَّفَكُمَا الله مِنْ فَوْقِ عَرْشِه (٤٤٧) 
منها الثناء والصلاة: وروى أَنَسٌ قال: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ نَظَرْتُ تَحْتَ الْعَرْشِ أَمَامِي فَإِذَا أَنَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَائِماً أَمَامِي تَحْتَ الْعَرْشِ يُسَبِّحُ الله وَيُقَدِّسُهُ قُلْتُ يَا جَبْرَئِيلُ سَبَقَنِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَا لَكِنِّي أُخْبِرُكَ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُكْثِرُ مِنَ الثَّنَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَوْقَ عَرْشِهِ فَاشْتَاقَ الْعَرْشُ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَخَلَقَ الله تَعَالَى هَذَا المَلَكَ عَلَى صُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) تَحْتَ عَرْشِهِ لِيَنْظُرَ إِلَيْهِ الْعَرْشُ فَيَسْكُنَ شَوْقُهُ وَجَعَلَ تَسْبِيحَ هَذَا المَلَكِ وَتَقْدِيسَهُ وَتَمْجِيدَهُ ثَوَاباً لِشِيعَةِ أَهْلِ بَيْتِكَ يَا مُحَمَّدُ الخَبَرَ.(٤٤٨) 
ومفاده:
١ - أفضلية نور أمير المؤمنين (عليه السلام) على نور العرش، إذ الشوق انما يفرض للكمال وما هو أكمل، فلا يقتصر الشوق لأمير المؤمنين (عليه السلام) على الجنة.
٢ - أن للعرش شوق كما ورد اهتزازه من جملة من معاصي للعباد، كما ورد تنوره بأنوار الخمسة أصحاب الكساء (عليهما السلام) كتنور السماوات، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على روحانيته ولطافة مقاديره وأبعاده.
وروى الصدوق قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... وَاحْمِلُونِي حَتَّى تَضَعُونِي عَلَى شَفِيرِ قَبْرِي فَأَوَّلُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيَّ الجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ ثُمَّ جَبْرَئِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ فِي جُنُودٍ مِنَ المَلَائِكَةِ لَا يُحْصِي عَدَدَهُمْ إِلَّا الله (عزَّ وجلَّ) ثُمَّ الحَافُّونَ بِالْعَرْشِ ثُمَّ سُكَّانُ أَهْلِ سَمَاءٍ فَسَمَاءٍ ثُمَّ جُلُّ أَهْلِ بَيْتِي وَنِسَائِي الْأَقْرَبُونَ فَالْأَقْرَبُونَ يُومُونَ إِيمَاءً وَيُسَلِّمُونَ تَسْلِيماً لَا تُؤْذُونِّي [لَا يُؤْذُونِّي] بِصَوْتِ نَادِيَةٍ وَلَا مزنة [مُرِنَّة](٤٤٩) 
ومنها البصر: روي سُبْحَانَ الله الْبَصِيرِ الَّذِي لَيْسَ شَيْء أَبْصَرَ مِنْهُ يُبْصِرُ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ مَا تَحْتَ سَبْعِ أَرَضِينَ وَيُبْصِرُ مَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الخَبِير﴾ وَلَا تَغْشَى [تُغْشِي] [تُغَشِّي] بَصَرَهُ الظُّلْمَةُ وَلَا يُسْتَتَرُ مِنْهُ بِسِتْرٍ وَلَا يُوَارَى مِنْهُ جِدَارٌ وَلَا يَغِيبُ عَنْهُ [مِنْهُ] بَرٌّ وَلَا بَحْرٌ وَلَا يُكِنُّ مِنْهُ جَبَلٌ مَا فِي أَصْلِهِ وَلَا قَلْبٌ مَا فِيهِ وَلَا جَنْبٌ مَا فِي قَلْبِهِ وَلَا يَسْتَتِرُ مِنْهُ صَغِيرٌ وَلَا كَبِيرٌ وَلَا يَسْتَخْفِي مِنْهُ صَغِيرٌ لِصِغَرِهِ وَ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَىَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء ِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيم﴾ الثَّالِث (٤٥٠) 
ومنها التسمية: جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَنَا أَشْبَهُ النَّاسِ بِآدَمَ وَإِبْرَاهِيمُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِي خَلْقُهُ وَخُلُقُهُ وَسَمَّانِيَ الله مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ عَشَرَةَ أَسْمَاءٍ وَبَيَّنَ الله وَصْفِي وَبَشَّرَ بِي عَلَى لِسَانِ كُلِّ رَسُولٍ بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِه (٤٥١) 
وروى مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سُئِلَ الْعَالِمُ (عليه السلام) كَيْفَ عِلْمُ الله قَالَ عَلِمَ وَشَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ وَقَضَى وَأَمْضَى فَأَمْضَى مَا قَضَى وَقَضَى مَا قَدَّرَ وَقَدَّرَ مَا أَرَادَ فَبِعِلْمِهِ كَانَتِ المَشِيئَةُ وَبِمَشِيئَتِهِ كَانَتِ الْإِرَادَةُ وَبِإِرَادَتِهِ كَانَ التَّقْدِيرُ وَبِتَقْدِيرِهِ كَانَ الْقَضَاءُ وَبِقَضَائِهِ كَانَ الْإِمْضَاءُ وَالْعِلْمُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى المَشِيئَةِ وَالمَشِيئَةُ ثَانِيَةٌ وَالْإِرَادَةُ ثَالِثَةٌ وَالتَّقْدِيرُ وَاقِعٌ عَلَى الْقَضَاءِ بِالْإِمْضَاءِ فللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْبَدَاءُ فِيمَا عَلِمَ مَتَى شَاءَ وَفِيمَا أَرَادَ لِتَقْدِيرِ الْأَشْيَاءِ فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ بِالْإِمْضَاءِ فَلَا بَدَاء(٤٥٢) 
وروى مُوسَى بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ سَمِعْتُ الحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (عليه السلام) يَقُولُ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلِيٍّ (عليه السلام) سَمِعْتُ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ أَوَّلُ مَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) حُجُبُهُ فَكَتَبَ عَلَى أَرْكَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ فَكَتَبَ عَلَى أَرْكَانِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ الْأَرَضِينَ فَكَتَبَ عَلَى أَطْوَادِهَا لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ ثُمَّ خَلَقَ اللَّوْحَ فَكَتَبَ عَلَى حُدُودِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله عَلِيٌّ وَصِيُّهُ(٤٥٣).
ومفاده:
١ - أن قسما من الحجب خلقت قبل العرش وأن المقدار من العوالم المخلوقة بين الحجب الأولى وبين العرش بمقدار العوالم بين العرش والأرضين، بل هي أعظم.
٢ - وعلى هذا التقسيم يكون العرش وسطا بين نمطين من عوالم الخلقة الإلهية، من جهة محو العوالم ما فوق العرش عن بروز إنية وماهية المخلوق بخلاف ما دون العرش.
٣ - كما أن سدرة المنتهى مما دون العرش هي مفصل بين ما فوقها وبين ما دونها.
وفي رواية المفضل الطيويلة عن الصادق (عليه السلام) قوله: يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) أَوَّلُ مَا خَلَقَ، النُّورُ الظِّلِّيُّ، قُلْتُ: وَمِمَّا خَلَقَهُ؟ قَالَ: خَلَقَهُ مِنْ مَشِيئَتِهِ ثُمَّ قَسَمَهُ أَظِلَّةً أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الله (تَعَالَى): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ خَلَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ سَمَاءً وَأَرْضاً وَعَرْشاً وَمَاءً ثُمَّ قَسَّمَهُ أَظِلَّةً فَنَظَرَتِ الْأَظِلَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَرَأَتْ نَفْسَهَا فَعَرَفَتْ أَنَّهُمْ كُوِّنُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَأُلْهِمُوا مِنَ المَعْرِفَةِ هَذَا الْمِقْدَارَ وَلَمْ يُلْهَمُوا مَعْرِفَةَ شَيْءٍ سِوَاهُ مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ ثُمَّ إِنَّ الله أَدَّبَهُمْ، قَالَ: كَيْفَ أَدَّبَهُمْ؟ قَالَ: سَبَّحَ نَفْسَهُ فَسَبَّحُوهُ وَحَمَّدَ نَفْسَهُ فَحَمَّدُوهُ وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَشْكُرُهُ فَلَمْ تَزَلِ الْأَظِلَّةُ تَحْمَدُهُ وَتُهَلِّلُهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ فَشكرُ الله ذَلِكَ لَهُمْ فَخَلَقَ مِنْ تَسْبِيحِهِمُ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ.
ثُمَّ خَلَقَ الْأَظِلَّةَ أَشْبَاحاً وَجَعَلَهَا لِبَاساً لِلْأَظِلَّةِ وَخَلَقَ مِنْ تَسْبِيحِ نَفْسِهِ الْحِجَابَ الْأَعْلَى ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ (٤٥٤) الْوَحْيُ يَعْنِي الْأَظِلَّةَ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يَعْنِي الْأَشْبَاحَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ تَسْبِيحِ الْأَظِلَّةِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُمُ الجَنَّةَ السَّابِعَةَ وَالسَّمَاءَ السَّابِعَةَ وَهِيَ أَعْلَى الْجِنَانِ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ الْأَوَّلَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُم (٤٥٥).
ومفاده:
١ - تقدم خلق أصل طينة عالم الأظلة على العرش، لكن خلق المشيئة تقدم عليه حيث أنه خلق بها، مع أنه قد ورد ما يشعر بتقدم العرش على المشيئة.
٢ - فإما يكون بلحاظ تعدد عالم المشيئة أو تعدد عالم العرش.
٣ - بعد تصريح الروايات بوصف العرش تارة بالأدنى وأخرى بالعرش الأعلى ومقتضى الوصفين أن بينهما عروش عديدة. كما وصف في الحديث الحجاب بالأعلى ايضا.
 ٤ - كما روي عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: دَنَا الْأَجَلُ وَالمُنْقَلَبُ إِلَى الله، وَإِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وَجَنَّةِ المَأْوَى، وَالْعَرْشِ الْأَعْلَى، وَالْكَأْسِ الْأَوْفَى، وَالْعَيْشِ المُنْتَهَى)(٤٥٦).
وروي عن الحسن المجتبى (عليه السلام) قوله (عند صخرة بيت المقدس في كل ليلة جمعة وهي العرش الأدنى ومنها يبسط الله الأرض وإليها يطويها وإليها المحشر)(٤٥٧).
قاعدة: تعدد معاني الاسم والعنوان الواحد:
٥ - لابد من الالتفات الى أن الاسماء والعناوين للعوالم والنشآت في الآيات والروايات من الحجب والبحور والهواء والماء والنور والعرش والكرسي والمشية والأظلة والأشباح والروح وغيرها تطلق على معنيين أحدهما وصفي عام والثاني عَلَم لعالم معين بخصوصه، وبذلك يتقرر ان الاسم والعنوان الواحد يطلق على معاني ومراتب وطبقات من وجود النشآت، بل إن هذا الشأن يستظهر من الآيات والروايات الواردة في الأسماء الالهية وعالم الأسماء أيضا، وعلى ضوء ذلك لابد من التنبه الى المعنى المراد من الاسم والعنوان الواحد في كل موضع بحسب القرائن والشواهد، بل هذا الشأن نجده في اسماء النشآت النازلة ما دون السابقة كالحوض والكوثر ونحوها.
٦ - ومقتضى ذلك أن اسم وعنوان العرش تارة يستعمل بمعنى وصفي عام على درجات ومراتب وأخرى عَلَم خاص ككثير من أسماء وعناوين عوالم الخلقة كاسم وعنوان النور وعنوان الحجاب والحجب وعنوان الروح وعنوان الأظلة والأشباح وغيرها.
وَرُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقَدْرِ حِينَ يَنَامُ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً خَلَقَ الله لَهُ نُوراً سَعَتُهُ سَعَةُ الْهَوَاءِ عَرْضاً وَطُولًا مُمْتَدّاً مِنْ قَرَارِ الْهَوَاءِ إِلَى حُجُبِ النُّورِ فَوْقَ الْعَرْشِ فِي كُلِّ دَرَجَةٍ مِنْهُ أَلْفُ مَلَكٍ لِكُلِّ مَلَكٍ أَلْفُ لِسَانٍ لِكُلِّ لِسَانٍ أَلْفُ لُغَةٍ يَسْتَغْفِرُونَ لِقَارِئِهَا إِلَى زَوَالِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَضَعُ الله ذَلِكَ النُّورَ فِي جَسَدِ قَارِئِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(٤٥٨) ومفاده تقدم وعلو حجب النور على العرش.
وروى بن شاذان: وإن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) قال سلوني عما فوق العرش سلوني عما تحت العرش سلوني قبل أن تفقدوني.(٤٥٩) 
قَالَ فَمَا فَوْقَ حِجَابِ الْكِبْرِيَاءِ قَالَ الْكُرْسِيُّ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ قَدْ أُوتِيتَ عُلُومَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ وَإِنَّكَ لَتَنْطِقُ بِالحَقِّ الْيَقِينِ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْكُرْسِيِّ قَالَ الْعَرْشُ قَالَ فَمَا فَوْقَ الْعَرْشِ قَالَ الله تَعَالَى وَهُوَ فَوْقَ الْفَوْقِ وَعِلْمُهُ تَحْتَ التَّحْتِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي هَلْ يَسْتَوِي مَخْلُوقٌ عَلَى عَرْشِهِ قَالَ مَعَاذَ الله يَا ابْنَ سَلَامٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّد(٤٦٠).
وروى عَبْدِ الرَّحِيمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ (٤٦١) قَالَ كُشِطَ لَهُ عَنِ الْأَرْضِ حَتَّى رَآهَا وَمَنْ فِيهَا وَعَنِ السَّمَاءِ حَتَّى رَآهَا وَمَنْ فِيهَا وَالمَلَكُ الَّذِي يَحْمِلُهَا وَالْعَرْشُ وَمَنْ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ أُرِيَ صَاحِبُكُمْ.(٤٦٢) 
وروى عَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِين﴾ قَالَ كُشِطَ لِإِبْرَاهِيمَ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ حَتَّى نَظَرَ إِلَى مَا فَوْقَ الْعَرْشِ وَكُشِطَ لَهُ الْأَرْضُ حَتَّى رَأَى مَا فِي الْهَوَاءِ وَفُعِلَ بِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِثْلُ ذَلِكَ وَإِنِّي لَأَرَى صَاحِبَكُمْ وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ قَدْ فُعِلَ بِهِمْ مِثْلُ ذَلِك (٤٦٣) 
ما عند العرش ومعه:
وفي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام): فَنَظَرَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ، وَفِيهَا مَا يَتَهَلَّلُ سُرُوراً [بِهِ]وَ تَصْدِيقاً، وَفِيهَا مَا تَعَبَّسَ شَكّاً فِيهِ وَتَكْذِيباً، يُسِرُّ المُنَافِقُونَ إِلَى أَمْثَالِهِمْ: هَذَا قَدْ وَاطَأَهُ مُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ - لِيَخْتَدِعَ بِهِ الضُّعَفَاءَ الجُهَّالَ. فَتَبَسَّمَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَقَالَ: لَئِنْ شَكَكْتُمْ أَنْتُمْ فِيهِ - فَقَدْ تَيَقَّنْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِيَ الْكَائِنُ مَعِي - فِي أَشْرَفِ (٤٦٤) المَحَالِّ مِنْ عَرْشِ المَلِكِ الجَبَّارِ، وَالمَطُوفُ بِهِ مَعِي فِي أَنْهَارِ الحَيَوَانِ مِنْ دَارِ الْقَرَارِ، وَالَّذِي هُوَ تَلْوِي فِي قِيَادَةِ الْأَخْيَارِ، وَالمُتَرَدِّدُ مَعِي فِي الْأَصْلَابِ الزَّاكِيَاتِ، وَالمُتَقَلِّبُ مَعِي فِي الْأَرْحَامِ الطَّاهِرَاتِ، وَالرَّاكِضُ مَعِي فِي مَسَالِكِ الْفَضْلِ، وَالَّذِي كُسِيَ مَا كُسِيتُهُ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحِلْمِ وَالْعَقْلِ وَشَقِيقِيَ الَّذِي انْفَصَلَ مِنِّي عِنْدَ الخُرُوجِ - إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الله وَصُلْبِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَدِيلِي فِي اقْتِنَاءِ المَحَامِدِ وَالمَنَاقِبِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)(٤٦٥) 
وما رواه عمّار عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتاب الواحدة، أنه قال: «يا عمّار باسمي تكوّنت الكائنات والأشياء، وباسمي دعا سائر الأنبياء، وأنا اللوح، وأنا القلم، وأنا العرش، وأنا الكرسي، وأنا السّماوات السبع، وأنا الأسماء الحسنى، والكلمات العليا(٤٦٦)،(٤٦٧) 
ومفاده:
١ - كونه (عليه السلام) العرش والكرسي والسماوات والأسماء الحسنى والكلمات العليا قد ورد هذه النعوت في روايات مستفيضة بهذا المضمون، وهو نظير النعت الوارد «أنا القرآن الناطق».
٢ - ووجهه أن قيام الروح الأمري - الذي هو حقيقة القرآن - في ذواتهم كقوة من قواهم الروحية كبقية القوى في ذواتهم، كما يشير اليه قوله تعالى ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا... وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ و﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾.
٣ - ومن هذا القبيل كونهم الأسماء الحسنى وهي أعلى مرتبة في ذواتهم فضلا عما دونها فهي مراتب نازلة في ذواتهم، وهذه الأسماء مملوكة لله تعالى.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (عليه السلام): حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَسُولِ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) [قَالَ:] قَالَ: يَا عِبَادَ الله إِنَّ آدَمَ لَمَّا رَأَى النُّورَ سَاطِعاً مِنْ صُلْبِهِ، إِذْ كَانَ الله قَدْ نَقَلَ أَشْبَاحَنَا مِنْ ذِرْوَةِ الْعَرْشِ إِلَى ظَهْرِهِ، رَأَى النُّورَ، وَلَمْ يَتَبَيَّنِ الْأَشْبَاحَ.
قال آدم: يا رب ما هذه الأنوار. قَالَ الله (عزَّ وجلَّ): أَنْوَارُ أَشْبَاحٍ - نَقَلْتُهُمْ مِنْ أَشْرَفِ بِقَاعِ عَرْشِي إِلَى ظَهْرِكَ - وَلِذَلِكَ أَمَرْتُ المَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَكَ، إِذْ كُنْتَ وِعَاءً لِتِلْكَ الْأَشْبَاحِ. فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ لَوْ بَيَّنْتَهَا لِي فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): انْظُرْ يَا آدَمُ إِلَى ذِرْوَةِ الْعَرْشِ. فَنَظَرَ آدَمُ، وَوَقَعَ نُورُ أَشْبَاحِنَا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عَلَى ذِرْوَةِ الْعَرْشِ، فَانْطَبَعَ فِيهِ صُوَرُ أَنْوَارِ أَشْبَاحِنَا الَّتِي فِي ظَهْرِهِ - كَمَا يَنْطَبِعُ وَجْهُ الْإِنْسَانِ فِي الْمِرْآةِ الصَّافِيَةِ فَرَأَى أَشْبَاحَنَا.(٤٦٨)
ومفاده:
١ - أن النور الذي رآه آدم (عليه السلام) هو نور منبثق من أشباحهم لا من أظلتهم، فضلا عن أنوارهم التي هي فوق ظلالهم.
٢ - وأن الذي انطبع في ذروة العرش صور منعكسة عن ذلك النور.
٣ - وهذا يبين علو طبقة من أظلتهم وظلالهم على العرش.
٤ - وكما مر أن جملة من أسماء وعناوين النشآت تطلق بمعنيين، أحدهما وصفي عام على درجات ومراتب والآخر علمي خاص، فهكذا الحال في عنوان الأظلة والأشباح.
وفي صحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام): في حديث معراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... قَالَ وَرَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي خَلَقَ الله سُبْحَانَهُ وَسَخَّرَ بِهِ عَلَى مَا أَرَادَهُ دِيكاً - رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ - وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ وَمَلَكاً مِنْ مَلَائِكَةِ الله خَلَقَهُ - كَمَا أَرَادَ رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ مُصْعِداً حَتَّى خَرَجَ فِي الْهَوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ - وَانْتَهَى فِيهَا مُصْعِداً حَتَّى اسْتَقَرَّ قَرْنُهُ إِلَى قُرْبِ الْعَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ: سُبْحَانَ رَبِّي حَيْثُ مَا كُنْتَ - لَا تَدْرِي أَيْنَ رَبُّكَ مِنْ عِظَمِ شَأْنِهِ - وَلَهُ جَنَاحَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ - إِذَا نَشَرَهُمَا جَاوَزَا المَشْرِقَ وَالمَغْرِب (٤٦٩) 
محدقين بالعرش أمامه:
وفي رواية الزيارة الجامعة: وَأَنَّ أَرْوَاحَكُمْ وَنُورَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ ﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ خَلَقَكُمْ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا فَجَعَلَكُمُ الله ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ (٤٧٠).
وفي رواية الكفعمي (أَنَّ أَنْوَارَكُمْ وَأَشْبَاحَكُمْ وَسَنَاءَكُمْ وَظِلَالَكُمْ وَأَرْوَاحَكُمْ وَطِينَتَكُمْ وَاحِدَةٌ جَلَّتْ وَعَظُمَتْ وَبُورِكَتْ وَقُدِّسَتْ وَطَابَتْ وَطَهُرَتْ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ لَمْ تَزَالُوا بِعَيْنِ الله وَعِنْدَهُ فِي مَلَكُوتِهِ أَنْوَاراً تَأْمُرُونَ (٤٧١) وَلَهُ تَخَافُونَ وَإِيَّاهُ تُسَبِّحُونَ وَبِعَرْشِهِ مُحْدِقُونَ وَبِهِ حَافُّونَ حَتَّى مَنَّ بِكُمْ عَلَيْنَا فَجَعَلَكُمْ)(٤٧٢) 
وعن الزجاج جاء في التفسير معنى حافين محدقين، وعن بن الأعرابي ومن كلامهم أتيته فوجدت الناس حوله كالحيلة أي محدقين كإحداق تلك الحجارة بالجبل.
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَنِي وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ الله قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ الله تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ الله (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَخْلُقَ صُوَرَنَا صَيَّرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ قَذَفَنَا فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ أَخْرَجَنَا إِلَى أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَات)(٤٧٣)،(٤٧٤).
وروى بن فتال عنهم (مَنْ صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْماً مِنْ شَعْبَانَ نَادَاهُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) مِنْ قُدَّامِ الْعَرْشِ يَا هَذَا اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ عَمَلًا جَدِيداً فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى وَتَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِكَ وَالجَلِيلُ عَزَّ وَجَلَ)(٤٧٥).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَلَقَ الله تَعَالَى آدَمَ ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾ عَطَسَ فَأَلْهَمَهُ الله أَنْ قَالَ ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ فَقَالَ الله يَرْحَمُكَ رَبُّكَ فَلَمَّا أَسْجَدَ لَهُ المَلَائِكَةَ تَدَاخَلَهُ الْعُجْبُ فَقَالَ يَا رَبِّ خَلَقْتَ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ مِنِّي فَلَمْ يُجِبْ فَقَالَ الثَّانِيَةَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَالَ الثَّالِثَةَ فَلَمْ يُجِبْ ثُمَّ قَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَعَمْ وَلَوْلَاهُمْ مَا خَلَقْتُكَ فَقَالَ يَا رَبِّ فَأَرِنِيهِمْ فَأَوْحَى الله إِلَى مَلَائِكَةِ الحُجُبِ ارْفَعُوا الحُجُبَ فَلَمَّا رُفِعَتْ فَإِذَا بِخَمْسَةِ أَشْبَاحٍ قُدَّامَ الْعَرْشِ فَقَالَ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ يَا آدَمُ هَذَا مُحَمَّدٌ نَبِيِّي وَهَذَا عَلِيٌّ ابْنُ عَمِّهِ وَوَصِيُّهُ وَهَذِهِ فَاطِمَةُ ابْنَةُ نَبِيِّي وَهَذَانِ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ ابْنَاهُمَا وَوَلَدَا نَبِيِّي ثُمَّ قَالَ يَا آدَمُ هُمْ وُلْدُكَ فَفَرِحَ آدَمُ بِذَلِكَ فَلَمَّا اقْتَرَفَ الخَطِيَّةَ قَالَ يَا رَبِّ أَسْأَلُكَ بِمُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ إِلَّا مَا غَفَرْتَ لِي فَغَفَرَ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم﴾ (٤٧٦).(٤٧٧) 
وروى الكليني عنهم (ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُ فِي سُجُودِكَ - اللهمَّ إِنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِنْ لَدُنْ عَرْشِكَ إِلَى قَرَارِ أَرْضِكَ فَهُوَ بَاطِلٌ سِوَاكَ فَإِنَّكَ أَنْتَ الله الحَقُّ المُبِينُ اقْضِ لِي حَاجَةَ كَذَا وَكَذَا السَّاعَةَ السَّاعَةَ وَتُلِحُّ فِيمَا أَرَدْتَ).(٤٧٨) 
وروى الطوسي عنهم (اللهمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَكَفَى بِكَ شَهِيداً وَأُشْهِدُ مَلَائِكَتَكَ وَحَمَلَةَ عَرْشِكَ وَسُكَّانَ سَمَاوَاتِكَ وَأَرْضِكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ الله الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ المَعْبُودُ الَّذِي لَيْسَ مِنْ لَدُنْ عَرْشِكَ إِلَى قَرَارِ أَرْضِكَ مَعْبُودٌ يُعْبَدُ سِوَاكَ إِلَّا بَاطِلٌ مُضْمَحِلٌّ غَيْرُ وَجْهِكَ الْكَرِيمِ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ المَعْبُودُ فَلَا مَعْبُودَ سِوَاكَ تَعَالَيْتَ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوّاً كَبِيراً وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيّاً صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَوَلِيُّهُمْ وَمَوْلَاهُمْ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا بِالنِّدَاءِ وَصَدَّقْنَا المُنَادِيَ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِذَا نَادَى بِنِدَاءٍ عَنْكَ بِالَّذِي أَمَرْتَهُ بِهِ أَنْ يُبَلِّغَ مَا أَنْزَلْتَ إِلَيْهِ مِنْ وَلَايَةِ وَلِيِّ أَمْرِكَ فَحَذَّرْتَهُ وَأَنْذَرْتَهُ إِنْ لَمْ يُبَلِّغْ أَنْ تَسْخَطَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ إِنْ بَلَّغَ رِسَالاتِكَ عَصَمْتَهُ مِنَ النَّاسِ فَنَادَى مُبَلِّغاً وَحْيَكَ وَرِسَالاتِكَ أَلَا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ وَمَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ فَعَلِيٌّ وَلِيُّهُ وَمَنْ كُنْتُ نَبِيَّهُ فَعَلِيٌّ أَمِيرُهُ رَبَّنَا فَقَدْ أَجَبْنَا دَاعِيَكَ)(٤٧٩).
وفي موثق أَبِي حَمْزَةَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) شِيعَتُنَا أَقْرَبُ الخَلْقِ مِنْ عَرْشِ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَنَا(٤٨٠) 
وفي معتبرة يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا أَمَرَ الله (عزَّ وجلَّ) هَذِهِ الْآيَاتِ أَنْ يَهْبِطْنَ إِلَى الْأَرْضِ تَعَلَّقْنَ بِالْعَرْشِ(٤٨١) وَقُلْنَ أَيْ رَبِّ إِلَى أَيْنَ تُهْبِطُنَا إِلَى أَهْلِ الخَطَايَا وَالذُّنُوبِ فَأَوْحَى الله (عزَّ وجلَّ) إِلَيْهِنَّ أَنِ اهْبِطْنَ فَوَ عِزَّتِي وَجَلَالِي لَا يَتْلُوكُنَّ أَحَدٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَشِيعَتِهِمْ فِي دُبُرِ مَا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ مِنَ المَكْتُوبَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَّا نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنِيَ المَكْنُونَةِ(٤٨٢) فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةً أَقْضِي لَهُ فِي كُلِّ نَظْرَةٍ سَبْعِينَ حَاجَةً وَقَبِلْتُهُ عَلَى مَا فِيهِ مِنَ المَعَاصِي وَهِيَ أُمُّ الْكِتَابِ و﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ وَآيَةُ المُلْكِ.(٤٨٣) 
وروى فرات الكوفي في تفسيره (فَقَالَ كَعْبٌ يَا أَبَا الحَسَنِ أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ الله (عزَّ وجلَّ) [تَعَالَى فِي كِتَابِهِ] ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ قَالَ [أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ] عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ] (عليه السلام) نَعَمْ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ حِينَ لَا أَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ وَلَا سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ وَلَا صَوْتٌ يُسْمَعُ وَلَا عَيْنٌ تَنْبُعُ وَلَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَلَا نَجْمٌ يَسْرِي وَلَا قَمَرٌ يَجْرِي وَلَا شَمْسٌ تُضِيء وَعَرْشُهُ عَلَى المَاءِ غَيْرَ مُسْتَوْحِشٍ إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ يُمَجِّدُ نَفْسَهُ وَيُقَدِّسُهَا كَمَا شَاءَ أَنْ يَكُونَ [كَانَ] ثُمَّ بَدَأَ أَنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ فَضَرَبَ بَزَارِخَ الْبُحُور(٤٨٤) 
بعد العرش: أول الخلق (الماء) المشيئة:
وروى الصدوق بسنده عن الهاشمي عن الرضا (عليه السلام) قوله: (... وَاعْلَمْ أَنَ الْإِبْدَاعَ وَالمَشِيَّةَ وَالْإِرَادَةَ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ وَأَسْمَاءَهَا ثَلَاثَةٌ وَكَانَ أَوَّلُ إِبْدَاعِهِ وَإِرَادَتِهِ وَمَشِيَّتِهِ الحُرُوفَ الَّتِي جَعَلَهَا أَصْلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَدَلِيلًا عَلَى كُلِ مُدْرَكٍ وَفَاصِلًا لِكُلِّ مُشْكِلٍ وَتِلْكَ الحُرُوفُ تَفْرِيقُ كُلِّ شَيْءٍ(٤٨٥) مِنِ اسْمِ حَقٍّ وَبَاطِلٍ أَوْ فِعْلٍ أَوْ مَفْعُولٍ أَوْ مَعْنًى أَوْ غَيْرِ مَعْنًى وَعَلَيْهَا اجْتَمَعَتِ الْأُمُورُ كُلُّهَا وَلَمْ يَجْعَلْ لِلْحُرُوفِ فِي إِبْدَاعِهِ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا يَتَنَاهَى وَلَا وُجُودَ(٤٨٦) لِأَنَّهَا مُبْدَعَةٌ بِالْإِبْدَاعِ.
وَالنُّورُ فِي هَذَا المَوْضِعِ أَوَّلُ فِعْلِ الله الَّذِي هُوَ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالحُرُوفُ هِيَ المَفْعُولُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَهِيَ الحُرُوفُ الَّتِي عَلَيْهَا الْكَلَامُ وَالْعِبَارَاتُ كُلُّهَا مِنَ الله (عزَّ وجلَّ) عَلَّمَهَا خَلْقَهُ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ حَرْفاً فَمِنْهَا ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى اللُّغَاتِ الْعَرَبِيَّةِ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ حَرْفاً تَدُلُّ عَلَى اللُّغَاتِ السُّرْيَانِيَّةِ وَالْعِبْرَانِيَّةِ وَمِنْهَا خَمْسَةُ أَحْرُفٍ مُتَحَرِّفَةٍ فِي سَائِرِ اللُّغَاتِ مِنَ الْعَجَمِ لِأَقَالِيمِ اللُّغَاتِ كُلِّهَا وَهِيَ خَمْسَةُ أَحْرُفٍ تَحَرَّفَتْ مِنَ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ الحَرْفَ مِنَ اللُّغَاتِ (٤٨٧) فَصَارَتِ الحُرُوفُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ حَرْفاً فَأَمَّا الخَمْسَةُ المُخْتَلِفَةُ فَبِحُجَجٍ (٤٨٨) لَا يَجُوزُ ذِكْرُهَا أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ جَعَلَ الحُرُوفَ بَعْدَ إِحْصَائِهَا(٤٨٩) وَإِحْكَامِ عِدَّتِهَا فِعْلًا مِنْهُ كَقَوْلِهِ (عزَّ وجلَّ) - كُنْ فَيَكُونُ وَكُنْ مِنْهُ صُنْعٌ وَمَا يَكُونُ بِهِ المَصْنُوعُ.
فَالخَلْقُ الْأَوَّلُ مِنَ الله (عزَّ وجلَّ) الْإِبْدَاعُ لَا وَزْنَ لَهُ وَلَا حَرَكَةَ وَلَا سَمْعَ وَلَا لَوْنَ وَلَا حِسَّ وَالخَلْقُ الثَّانِي الحُرُوفُ لَا وَزْنَ لَهَا وَلَا لَوْنَ وَهِيَ مَسْمُوعَةٌ مَوْصُوفَةٌ غَيْرُ مَنْظُورٍ إِلَيْهَا.
وَالخَلْقُ الثَّالِثُ مَا كَانَ مِنَ الْأَنْوَاعِ كُلِّهَا مَحْسُوساً مَلْمُوساً ذَا ذَوْقِ مَنْظُوراً إِلَيْهِ وَالله تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَابِقٌ لِلْإِبْدَاعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهُ (عزَّ وجلَّ) شَيْءٌ وَلَا كَانَ مَعَهُ شَيْء وَالْإِبْدَاعُ سَابِقٌ لِلْحُرُوفِ وَالحُرُوفُ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ أَنْفُسِهَا.
قَالَ المَأْمُونُ وَكَيْفَ لَا تَدُلُّ عَلَى غَيْرِ أَنْفُسِهَا - قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) لِأَنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يَجْمَعُ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ مَعْنًى أَبَداً فَإِذَا أَلَّفَ مِنْهَا أَحْرُفاً أَرْبَعَةً أَوْ خَمْسَةً أَوْ سِتَّةً أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ لَمْ يُؤَلِّفْهَا لِغَيْرِ مَعْنًى وَلَمْ يَكُ إِلَّا لِمَعْنًى مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْئاً.
قَالَ عِمْرَانُ فَكَيْفَ لَنَا بِمَعْرِفَةِ ذَلِكَ قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) أَمَّا المَعْرِفَةُ فَوَجْهُ ذَلِكَ وَبَيانٌهُ أَنَّكَ تَذْكُرُ الحُرُوفَ (٤٩٠) إِذَا لَمْ تُرِدْ بِهَا غَيْرَ أَنْفُسِهَا ذَكَرْتَهَا فَرْداً فَقُلْتَ أ ب ت ث ج ح خ حَتَّى تَأْتِيَ عَلَى آخِرِهَا فَلَمْ تَجِدْ لَهَا مَعْنًى غَيْرَ أَنْفُسِهَا فَإِذَا أَلَّفْتَهَا وَجَمَعْتَ مِنْهَا أَحْرُفاً وَجَعَلْتَهَا اسْماً وَصِفَةً لِمَعْنَى مَا طَلَبْتَ وَوَجْهِ مَا عَنَيْتَ كَانَتْ دَلِيلَةً عَلَى مَعَانِيهَا دَاعِيَةً إِلَى المَوْصُوفِ بِهَا أَ فَهِمْتَهُ قَالَ نَعَمْ.
قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَكُونُ صِفَةٌ لِغَيْرِ مَوْصُوفٍ وَلَا اسْمٌ لِغَيْرِ مَعْنًى وَلَا حَدٌّ لِغَيْرِ مَحْدُودٍ وَالصِّفَاتُ وَالْأَسْمَاءُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ وَالْوُجُودِ وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْإِحَاطَةِ كَمَا تَدُلُّ عَلَى الحُدُودِ الَّتِي هِيَ التَّرْبِيعُ وَالتَّثْلِيثُ وَالتَّسْدِيسُ لِأَنَّ الله (عزَّ وجلَّ) وَتَقَدَّسَ تُدْرَكُ مَعْرِفَتُهُ بِالصِّفَاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَلَا تُدْرَكُ بِالتَّحْدِيدِ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ وَالْقِلَّةِ وَالْكَثْرَةِ وَاللَّوْنِ وَالْوَزْنِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَيْسَ يَحُلُّ بِالله جَلَّ وَتَقَدَّسَ شَيْء مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَعْرِفَهُ خَلْقُهُ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِالضَّرُورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا(٤٩١).
وَلَكِنْ يُدَلُّ عَلَى الله (عزَّ وجلَّ) بِصِفَاتِهِ وَيُدْرَكُ بِأَسْمَائِهِ وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِخَلْقِهِ حَتَّى لَا يَحْتَاجَ فِي ذَلِكَ الطَّالِبُ المُرْتَادُ إِلَى رُؤْيَةِ عَيْنٍ وَلَا اسْتِمَاعِ أُذُنٍ وَلَا لَمْسِ كَفٍّ وَلَا إِحَاطَةٍ بِقَلْبٍ.
فَلَوْ كَانَتْ صِفَاتُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَسْمَاؤُهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَالمَعْلَمَةُ مِنَ الخَلْقِ لَا تُدْرِكُهُ لِمَعْنَاهُ(٤٩٢) كَانَتِ الْعِبَادَةُ مِنَ الخَلْقِ لِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ دُونَ مَعْنَاهُ فَلَوْ لَا أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَكَانَ المَعْبُودُ المُوَحَّدُ غَيْرَ الله تَعَالَى لِأَنَّ صِفَاتِهِ وَأَسْمَاءَهُ غَيْرُهُ أَ فَهِمْتَ قَالَ نَعَمْ يَا سَيِّدِي زِدْنِي.
قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) إِيَّاكَ وَقَوْلَ الجُهَّالِ أَهْلِ الْعَمَى وَالضَّلَالِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الله (عزَّ وجلَّ) وَتَقَدَّسَ مَوْجُودٌ فِي الْآخِرَةِ لِلْحِسَابِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ وَلَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي الدُّنْيَا لِلطَّاعَةِ وَالرَّجَاءِ وَلَوْ كَانَ فِي الْوُجُودِ للهِ (عزَّ وجلَّ) نَقْصٌ وَاهْتِضَامٌ لَمْ يُوجَدْ فِي الْآخِرَةِ أَبَداً وَلَكِنَّ الْقَوْمَ تَاهُوا وَعَمُوا وَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَذَلِكَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ) - ﴿وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا﴾(٤٩٣) يَعْنِي أَعْمَى عَنِ الحَقَائِقِ المَوْجُودَةِ.
وَقَدْ عَلِمَ ذَوُو الْأَلْبَابِ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَا هُنَاكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَا هَاهُنَا وَمَنْ أَخَذَ عِلْمَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ وَطَلَبَ وُجُودَهُ وَإِدْرَاكَهُ عَنْ نَفْسِهِ دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَزْدَدْ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ إِلَّا بُعْداً لِأَنَّ الله (عزَّ وجلَّ) جَعَلَ عِلْمَ ذَلِكَ خَاصَّةً عِنْدَ قَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَيَعْلَمُونَ وَيَفْهَمُونَ.
قَالَ عِمْرَانُ يَا سَيِّدِي أَ لَا تُخْبِرُنِي عَنِ الْإِبْدَاعِ خَلْقٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ خَلْقٍ قَالَ الرِّضَا (عليه السلام) بَلْ خَلْقٌ سَاكِنٌ لَا يُدْرَكُ بِالسُّكُونِ وَإِنَّمَا صَارَ خَلْقاً لِأَنَّهُ شَيْء مُحْدَثٌ وَالله الَّذِي أَحْدَثَهُ فَصَارَ خَلْقاً لَهُ وَإِنَّمَا هُوَ الله (عزَّ وجلَّ) وَخَلْقُهُ لَا ثَالِثَ بَيْنَهُمَا وَلَا ثَالِثَ غَيْرُهُمَا فَمَا خَلَقَ الله (عزَّ وجلَّ) لَمْ يَعْدُ أَنْ يَكُونَ خَلْقَهُ وَقَدْ يَكُونُ الخَلْقُ سَاكِناً وَمُتَحَرِّكاً وَمُخْتَلِفاً وَمُؤْتَلِفاً وَمَعْلُوماً وَمُتَشَابِهاً وَكُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ حَدٌّ فَهُوَ خَلْقُ الله عَزَّ وَجَل) (٤٩٤).
ومفاده:
١ - وحدة الإرادة والمشية إلا أن مفاد كثير من الروايات أن المشية تغاير الإرادة، ولعله بلحاظ تعدد طبقات الإرادة.
٢ - كما أن تقدم العرش على المشية، هي الأخرى تطلق على مراتب وطبقات عديدة، لكن حيث كان العرش بمعنى العلم والعلم ذو طبقات وهو مقدم على المشية، فلكل مشية عرش فوقها وإن تعددت فالعرش متعدد أيضا، كما أن الكرسي متعدد بتعدد العرش حسبما يظهر من بعض الروايات وبالتالي فالمشية متعددة.
٣ - إطلاق الإبداع على المشية وهو أصل معرفي عظيم.
٤ - وأن الحروف أول مخلوق من بعد الإبداع، وهي أول ما أبدع.
٥ - وأن الكلام والكلمات أنشأت بعد الحروف.
٦ - توصيفه (عليه السلام) الإبداع بأنه ساكن في مقابل المتحرك يشير الى كونه غير مجرد عن المقدار وغير مجرد عن الأبعاد.
٧ - قوله (عليه السلام) (والنور في هذا الموضع) بيان لكون عنوان واسم النور بمعنيين وصفي عام ذو طبقات ومراتب وآخر علم.
وروى سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ سَلْمَانَ وَأَبِي ذَرٍّ وَالْمِقْدَادِ إِنَّ نَفَراً مِنَ المُنَافِقِينَ اجْتَمَعُوا فَقَالُوا إِنَّ مُحَمَّداً لَيُخْبِرُنَا عَنِ الجَنَّةِ وَمَا أَعَدَّ الله فِيهَا مِنَ النَّعِيمِ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ وَعَنِ النَّارِ وَمَا أَعَدَّ الله فِيهَا مِنَ الْأَنْكَالِ وَالْهَوَانِ لِأَعْدَائِهِ وَأَهْلِ مَعْصِيَتِهِ فَلَوْ أَخْبَرَنَا عَنْ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا وَمَقْعَدِنَا فِي الجَنَّةِ وَالنَّارِ(٤٩٥) فَعَرَفْنَا الَّذِي يُبْنَى عَلَيْهِ فِي الْعَاجِلِ وَالْآجِلِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ حَتَّى غَصَّ المَسْجِدُ وَتَضَايَقَ بِأَهْلِهِ فَخَرَجَ مُغْضَباً حَاسِراً عَنْ ذِرَاعَيْهِ وَرُكْبَتِهِ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ ﴿أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أَوْحَى إِلَيَّ رَبِّي فَاخْتَصَّنِي بِرِسَالَتِهِ وَاصْطَفَانِي لِنُبُوَّتِهِ وَفَضَّلَنِي عَلَى جَمِيعِ وُلْدِ آدَمَ وَأَطْلَعَنِي عَلَى مَا شَاءَ مِنْ غَيْبِهِ فَاسْأَلُونِي عَمَّا بَدَا لَكُمْ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَعَنْ مَقْعَدِهِ مِنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ إِلَّا أَخْبَرْتُهُ هَذَا جَبْرَئِيلُ عَنْ يَمِينِي يُخْبِرُنِي عَنْ رَبِّي فَاسْأَلُونِي (٤٩٦) فَقَالَ يَا عَلِيُّ خُلِقْتُ أَنَا وَأَنْتَ مِنْ عَمُودَيْنِ مِنْ نُورٍ مُعَلَّقَيْنِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يُقَدِّسَانِ المَلِكَ (٤٩٧) مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخْلَقَ الخَلْقُ بِأَلْفَيْ عَامٍ ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَيْنِكَ الْعَمُودَيْنِ نُطْفَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مُلْتَوِيَتَيْنِ ثُمَّ نَقَلَ تِلْكَ النُّطْفَتَيْنِ فِي الْأَصْلَابِ الْكَرِيمَةِ إِلَى الْأَرْحَامِ الزَّكِيَّةِ الطَّاهِرَةِ حَتَّى جَعَلَ نِصْفَهَا فِي صُلْبِ عَبْدِ الله وَنِصْفَهَا فِي صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ فَجُزْءٌ أَنَا وَجُزْءٌ أَنْتَ وَهُوَ قَوْلُ الله (عزَّ وجلَّ) - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ المَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾(٤٩٨) 
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَنِي وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالحَسَنَ وَالحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ الله قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ الله تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ الله (عزَّ وجلَّ) أَنْ يَخْلُقَ صُوَرَنَا صَيَّرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ قَذَفَنَا فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ أَخْرَجَنَا إِلَى َصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَلَا يُصِيبُنَا نَجَسُ الشِّرْكِ وَلَا سِفَاحُ الْكُفْر)(٤٩٩).
وروى فرات في تفسيره قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لَقَدْ خَلَقَنَا الله نُوراً تَحْتَ الْعَرْشِ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ الْآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ سَاحِرُ كَذَّابٌ يَا مُحَمَّدُ أَ لَسْتُمَا مِنْ وُلْدِ آدَمَ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ خَلَقَنَا [خَلَقَنِي] الله نُوراً تَحْتَ الْعَرْشِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الله آدَمَ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ سَنَةٍ فَلَمَّا أَنْ خَلَقَ الله آدَمَ أَلْقَى النُّورَ فِي صُلْبِ آدَمَ فَأَقْبَلَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ النُّورُ مِنْ صُلْبٍ إِلَى صُلْبٍ حَتَّى تَفَرَّقْنَا فِي صُلْبِ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وَأَبِي طَالِبٍ فَخَلَقَنَا رَبِّي مِنْ ذَلِكَ النُّورِ لَكِنَّهُ [لَكِنْ] لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (٥٠٠).
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله لِعَلِيٍّ (عليه السلام) يَا عَلِيُّ أَنْتَ إِمَامُ المُسْلِمِينَ وَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَقَائِدُ الْغُرِّ المُحَجَّلِينَ وَحُجَّةُ الله بَعْدِي عَلَى الخَلْقِ أَجْمَعِينَ وَسَيِّدُ الْوَصِيِّينَ وَوَصِيُّ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ يَا عَلِيُّ إِنَّهُ لَمَّا عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَمِنْهَا إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى وَمِنْهَا إِلَى حُجُبِ النُّورِ وَأَكْرَمَنِي رَبِّي جَلَّ جَلَالُهُ بِمُنَاجَاتِهِ قَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ قُلْتُ لَبَّيْكَ رَبِّي وَسَعْدَيْكَ تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ قَالَ إِنَّ عَلِيّاً إِمَامُ أَوْلِيَائِي وَنُورٌ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَهُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا المُتَّقِينَ مَنْ أَطَاعَهُ أَطَاعَنِي وَمَنْ عَصَاهُ عَصَانِي فَبَشِّرْهُ بِذَلِك)(٥٠١).
وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ شَرِيكٍ الْعَامِرِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَقَالَ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ قُبُورِهِمْ وُجُوهُهُمْ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ الْقَمَرِ عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ أَشَدُّ بَيَاضاً مِنَ اللَّبَنِ عَلَيْهِمْ نِعَالٌ مِنْ نُورٍ شُرُكُهَا مِنْ ذَهَبٍ فَيُؤْتَوْنَ بِنَجَائِبَ مِنْ نُورٍ عَلَيْهَا رَحَائِلُ مِنْ نُورٍ أَزِمَّتُهَا سَلَاسِلُ مِنْ ذَهَبٍ وَرُكُبُهَا مِنْ زَبَرْجَدٍ فَيَرْكَبُونَ عَلَيْهَا حَتَّى يَصِيرُوا أَمَامَ الْعَرْشِ وَالنَّاسُ يَهْتَمُّونَ وَيَغْتَمُّونَ وَيَحْزَنُونَ وَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام) مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ الله فَقَالَ أُولَئِكَ شِيعَتُكَ وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ (٥٠٢).(٥٠٣) 
معنى حمل العرش والطواف حوله:
ورُوي فِي التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): قَالَ: «قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لَمَّا خَلَقَ الْعَرْشَ خَلَقَ لَهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ رُكْنٍ، وَخَلَقَ عِنْدَ كُلِّ رُكْنٍ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَوْ أَذِنَ الله تَعَالَى لِأَصْغَرِهِمْ [فَ](٥٠٤) الْتَقَمَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ - مَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ لَهَوَاتِهِ (٥٠٥) إِلَّا كَالرَّمْلَةِ فِي المَفَازَةِ الْفَضْفَاضَةِ. فَقَالَ الله تَعَالَى [لَهُمْ]: يَا عِبَادِي - احْمِلُوا عَرْشِي هَذَا، فَتَعَاطَوْهُ فَلَمْ يُطِيقُوا(٥٠٦) حَمْلَهُ وَلَا تَحْرِيكَهُ. فَخَلَقَ الله تَعَالَى مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاحِداً، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُزَعْزِعُوهُ فَخَلَقَ الله مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرَةً، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُحَرِّكُوهُ فَخَلَقَ [الله تَعَالَى] بِعَدَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، مِثْلَ جَمَاعَتِهِمْ - فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُحَرِّكُوهُ).(٥٠٧)
فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ) لِجَمِيعِهِمْ: خَلُّوهُ عَلَيَّ أُمْسِكْهُ (٥٠٨) بِقُدْرَتِي. فَخَلَّوْهُ، فَأَمْسَكَهُ الله (عزَّ وجلَّ) بِقُدْرَتِهِ. ثُمَّ قَالَ لِثَمَانِيَةٍ مِنْهُمْ: احْمِلُوهُ أَنْتُمْ. فَقَالُوا: [يَا] رَبَّنَا - لَمْ نُطِقْهُ نَحْنُ وَهَذَا الخَلْقُ الْكَثِيرُ وَالجَمُّ الْغَفِيرُ، فَكَيْفَ نُطِيقُهُ الْآنَ دُونَهُمْ فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): إِنِّي (٥٠٩) أَنَا الله المُقَرِّبُ لِلْبَعِيدِ، وَالمُذَلِّلُ لِلْعَنِيدِ(٥١٠) وَالمُخَفِّفُ لِلشَّدِيدِ، وَالمُسَهِّلُ لِلْعَسِيرِ، أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ وَأَحْكُمُ [بِ] مَا أُرِيدُ، أُعَلِّمُكُمْ كَلِمَاتٍ تَقُولُونَهَا يُخَفَّفْ بِهَا عَلَيْكُمْ. قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَبَّنَا قَالَ: تَقُولُونَ: ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ وَصَلَّى الله عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ. فَقَالُوهَا، فَحَمَلُوهُ وَخَفَّ عَلَى كَوَاهِلِهِمْ - كَشَعْرَةٍ نَابِتَةٍ عَلَى كَاهِلِ رَجُلٍ جَلْدٍ(٥١١) قَوِيٍّ. فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ) لِسَائِرِ تِلْكَ الْأَمْلَاكِ: خَلُّوا عَلَى (٥١٢) [كَوَاهِلِ] هَؤُلَاءِ الثَّمَانِيَةِ عَرْشِي لِيَحْمِلُوهُ وَطُوفُوا أَنْتُمْ حَوْلَهُ، وَسَبِّحُونِي وَمَجِّدُونِي وَقَدِّسُونِي، فَإِنِّي أَنَا الله الْقَادِرُ عَلَى مَا رَأَيْتُمْ - وَ[أَنَا] عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(٥١٣).(٥١٤) 
ومفاد هَذِهِ الرواية:
١ - إنَّ الحمل كَمَا مَرَّ لَيْسَ كحمل جسم لجسم، بل هو نظير تحمّل العلم وتحمل الأنبياء والأوصياء لروح القدس وتأييدهم به، بمعنى جعل مرتبة مِنْ مراتبه فِي أرواحهم كغريزة وقوة نفسانية أو روحية خادمة. والتحريك فِي الرواية عَلَى تقدير كونه مِنْ لفظ المعصوم (عليه السلام) لا مِنْ تعبير الراوي فَالمُراد به تفعيله كقوة فِي أرواحهم.
٢ - إنَّ الطواف حول العرش لَيْسَ بمعنى الإحاطة والدوران به كالطواف حول الكعبة مثلاً، بَلْ بمعنى التوجّه القلبي الروحي نحوه، وإن كانت الروح من شؤون الجسم اللطيف الشفيف، نظير ما وَرَدَ مستفيضا فِي ذيل قوله تَعَالَى فِي سورة المطففين ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير﴾ أنَّ السابق بالخيرات يطوف قلبه حول ربه وَهُوَ نحوٌ مِنْ التعلَّق والارتباط الروحي الأدنى بالروح والأرواح العالية الأعظم لطافة ووجوداً.
وروى بن شاذان عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أَوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَخاً مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ إِسْرَافِيلُ ثُمَّ مِيكَائِيلُ ثُمَّ جَبْرَئِيلُ وَأَوَّلُ مَنْ أَحَبَّهُ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ حَمَلَةُ الْعَرْشِ ثُمَ رِضْوَانُ خَازِنُ الجَنَّةِ ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ [وَإِنَّ مَلَكَ المَوْتِ](٥١٥) يَتَرَحَّمُ عَلَى [مُحِبِّي](٥١٦) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) كَمَا يَتَرَحَّمُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ (عليه السلام))(٥١٧)،(٥١٨).
ورَوُى الشَّيْخ البرسي فِي مشارق الأنوار: - عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّهُ قَالَ: «لما خلق الله العرش، خلق سبعين ألف ملك، وَقَالَ لهم: طوفوا بعرش النور وسبحوني واحملوا عرشي، فطافوا وسبّحوا، وأرادوا أنْ يحلموا العرش فما قدروا، فَقَالَ لهم الله: طوفوا بعرش النور، فصلّوا عَلَى نور جلالي، مُحمَّد حبيبي واحملوا عرشي، فطافوا بعرش الجلال، وصلوا عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحملوا العرش فأطاقوا حمله، فقالوا: ربنا أمرتنا بتسبيحك وتقديسك ثم أمرتنا أن نصلي على نور جلالك محمد فتنقص من تسبيحك وتقديسك، فَقَالَ لهم الله: يا ملائكتي، إذَا صلّيتم عَلَى حبيبي مُحمَّد، فَقَدْ سبحتموني وَقدستموني وهللتموني»(٥١٩).
ومفاد الرواية:
١ - بيان الارتباط بين الطواف بالعرش وحمل العرش، وَقَدْ مَرَّ أنَّ حمل العرش لَيْسَ حملاً جسمانياً بَلْ هُوَ بمعنى حمل العلم فكذلك الطواف هُنَا طواف روحي أو قلبي بالعرش وَمِنْ ثمَّ قَدْ قيّد أو وصف العرش بالنور، وَهَذَا ما سيأتي فِي الرواية اللاحقة أنَّ للروح في مرتبة القلب طواف متناسب مَعَ مرتبة الجسم اللطيف لتلك الروح.
٢ - إنَّ العرش فِي بدء خلقه كانت الحملة له سبعين ألف ملك وَلَعَلَّ ذَلِكَ لا يتعارض مَعَ كون حملة العرش ثمانية إمَّا لاختلاف المراحل للنشأة الوجودية أو لكون السبعين ألف لَيْسَوا فِي طبقة واحدة فحملهم لَهُ عَلَى طبقات ومراتب.
٣ - إنَّ أمر الملائكة بالصلاة عَلَى نور الْنَّبِيّ واستعدادهم بذلك لحمل العرش شاهد عَلَى كون العرش درجة وطبقة مِنْ نور الْنَّبِيّ مَعَ أنَّ العرش خلق مِنْ طبقة عليا مِنْ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هذا وَمَعَ أنَّ طبقة ثالثة من نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلقت مِنْ نور العرش.
وروى الصدوق بإسناده إلى أبي عبد الله الكوفي العلوي الفقيه بفرغانة(٥٢٠) بإسناد مُتّصل إلى الصَّادِق جعفر بن مُحمَّد (عليهما السلام) أنَّهُ سئل عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإِذْنِ الله﴾، فَقَالَ: الظالم يحوم حوم نفسه، والمقتصد يحوم حوم قلبه، والسابق يحوم حوم ربّه (عزَّ وجلَّ)(٥٢١).
وفي هَذِهِ الرواية: تصريح بأنَّ الدوران والطواف قَدْ يكون قلبياً ونفسانياً وروحياً ولا يقتصر عَلَى البدن، وإن كانت تلك مراتب مِنْ الأجسام الرقيقة اللطيفة المختلفة لطافة ورقّةً.
وَرَوُى الاستربادي فِي تأويل الآيات الظاهرة عَنْ الصَّدُوق بإسناده يرفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه، قَالَ: «سمعت رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول افتخر إسرافيل عَلَى جبرئيل، فَقَالَ: أنا خير منك، فَقَالَ ولِمَ أَنْتَ خير مِنِّي؟
قَالَ: لأنِّي صاحب الثمانية حملة العرش وأنا صاحب النفخة فِي الصُّور وأنا أقرب الملائكة إلى الله (عزَّ وجلَّ) الحديث)(٥٢٢).
وروى في المزار زيارة لأمير المؤمنين (عليه السلام):... السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ الله المُقَرَّبِينَ، السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ الله المُرْدِفِينَ، السَّلَامُ عَلَى حَمَلَةِ الْعَرْشِ الْكَرُوبِيِّينَ، السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ الله المُنْتَجَبِينَ، السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ الله المُسَوِّمِينَ، السَّلَامُ عَلَى مَلَائِكَةِ الله الَّذِينَ هُمْ فِي هَذَا الحَرَمِ بِإِذْنِ الله مُقِيمُونَ).(٥٢٣)
حقيقة العرش (العلم) وصفاته والعلاقة بين العرش والمشيئة (الماء):
ورَوُى فِي التوحيد بِسَنَدِهِ عَنْ حنان بن سدير، قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ العرش والكرسي، فَقَالَ: «إنَّ للعرش صفات كثيرة مختلفة لَهُ فِي كُلّ سبب وضعٍ فِي القُرآن صفةٌ عَلَى حدةٍ، فقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ يقول الملك العظيم وقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ يقول عَلَى الملك احتوى، وَهَذَا ملك الكيفوفية فِي الأشياء ثمَّ العرش فِي الوصل متفرد مِنْ الكرسي لأنَّهما بابان مِنْ أكبر أبواب الغيوب، وَهُمَا جميعاً غيبان وَهُمَا فِي الغيب مقرونان لِأنَّ الكرسي هُوَ الباب الظاهر مِنْ الغيب الذي مِنْهُ مطلع البدع [البدع وَمِنْهُ الأشياء كُلَّهَا، والعرش هُوَ الباب الباطن الذي يوجد فيه علم الكيف] والكون والقدرة والحدّ والأين والمشيئة وصفة الإرادة وعلم الألفاظ والحركات والترك وعلم العود والبدء [البداء] فَهُمَا فِي العلم بابان مقرونان لِأنَّ ملك العرش سوى ملك الكرسي وعلمه أغيب مِنْ علم الكرسي، فَمِنْ ذَلِكَ قَالَ ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ أيّ صفته أعظم مِنْ صفة الكرسي وَهُمَا فِي ذَلِكَ مقرونان، قلت: جعلت فداك فَلَمْ صار فِي الفضل جار الكرسي؟. قَالَ (عليه السلام): إنَّهُ صار جاره لِأنَّ علم الكيفوفية فيه، وفيه الظاهر مِنْ أبواب البداء وأينيتها وحد رتقها وفتقها فَهَذَا جاران أحدهما حمل [عَلَى] صاحبه فِي الصرف [الظرف] وبمَثَل صرّف العُلَمَاء وليستدلوا عَلَى صدق دعواهما لِإنَّهُ (يختص برحمته مَنْ يشاء وَهُوَ القوي العزيز) فَمِنْ اختلاف صفات العرش أنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ - رب الوحدانية - ﴿عَمَّا يَصِفُون﴾ وهو وصف عرش الوحدانية لأن قوما أشركوا كما قلت لك، قال تبارك وتعالى رب العرش رب الوحدانية عما يصفون، وقوما وصفوه بيدين فقالوا: ﴿يَدُ الله مَغْلُولَةٌ﴾ وقوما وصفوه بالرجلين، فقالوا وضع رجله عَلَى صخرة بيت المقدس فمنها ارتقى إلى السَّماء وقوما وصفوه بالأنامل، فقالوا: «إنِّ مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ إنِّي وجدت برد أنامله عَلَى قلبي» فلمثل هَذِهِ الصفات، قَالَ: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون﴾ يقول: رب المثل الأعلى عمّا به مثلوه ولله المثل الأعلى الذي لا يشبهه شيء ولا يوصف ولا يتوهّم، فَذَلِكَ المثل الأعلى ووصف الَّذِيْنَ لَمْ يؤتوا مِنْ الله فوائد العلم فوصفوا ربهم بأدنى الأمثال وشبّهوه بالمتشابه منهم فيما جهلوا به فلذلك قَالَ ﴿وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلا﴾ فَلَيْسَ لَهُ شبه ولا مثل ولا عدل وَلَهُ الأسماء الحسنى الَّتِي لا يسمى بها غيره وَهِيَ الَّتِي وصفها فِي الكتاب فَقَالَ: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ جهلاً بغير علم فالذي يلحد فِي أسمائه (جهلاً) بغير علم يشرك وَهُوَ لا يعلم ويكفر به وَهُوَ يظن أنَّهُ يحسن، فلذلك قَالَ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُون﴾ فَهُمْ الَّذِيْنَ يلحدون فِي أسمائه بغير علم فيضعونها غَيْر موضعها. يا حنان! إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أمر أنْ يتخذ قوم أولياء فَهُمْ الَّذِيْنَ أعطاهم الله الفضل وخصّهم بما لَمْ يخصّ به غيرهم فأرسل مُحمَّدا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَكَانَ الدَّليل عَلَى الله بإذن الله (عزَّ وجلَّ) حَتّى مضى دليلاً هادياً، فقام مِنْ بعده وصيّه (عليه السلام) دليلاً هادياً عَلَى ما كَانَ هُوَ دلَّ عَلَيْهِ مِنْ أمر ربه مِنْ ظاهر علمه ثمَّ الأئمة الراشدون»(٥٢٤).
وفي مفاد هَذِهِ الرواية جملة أُمُور:
تقدم العرش على المشيئة:
الأوَّل: إحاطة العرش بالمشيئة، بَلْ وبجملة مِنْ أنواع العلم والملكوت، وَهَذَا يطابق ما فِي رواية المعلى، قَالَ سئل العالم (عليه السلام) كيف علم الله؟ قَالَ: «علم وشاء وأراد وقدر وقضى وأمضى، فأمضى ما قضى، وقضى ما قدر، وقدر ما أراد، فبعلمه كانت المشيئة، وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كَانَ التقدير، وبتقديره كَانَ القضاء، وبقضائه كَانَ الإمضاء، فالعلم متقدّم على المشيئة، والمشيئة ثانية، والإرادة ثالثة، والتقدير واقع على القضاء بالإمضاء فلله تبارك وتعالى البداء فيما علم متى شاء... فالعلم في المعلوم قبل كونه، والمشيئة فِي المنشأ قبل عينه، والإرادة فِي المُراد قبل قيامه...
وَالله ﴿يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ فَبِالْعِلْمِ عَلِمَ الْأَشْيَاءَ قَبْلَ كَوْنِهَا وَبِالمَشِيئَةِ عَرَّفَ صِفَاتِهَا وَحُدُودَهَا وَأَنْشَأَهَا قَبْلَ إِظْهَارِهَا وَبِالْإِرَادَةِ مَيَّزَ أَنْفُسَهَا فِي أَلْوَانِهَا وَصِفَاتِهَا وَبِالتَّقْدِيرِ قَدَّرَ أَقْوَاتَهَا وَعَرَّفَ أَوَّلَهَا وَآخِرَهَا وَبِالْقَضَاءِ أَبَانَ لِلنَّاسِ أَمَاكِنَهَا وَدَلَّهُمْ عَلَيْهَا وَبِالْإِمْضَاءِ شَرَحَ عِلَلَهَا وَأَبَانَ أَمْرَهَا وَ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيم﴾.(٥٢٥) الحديث.
حَيْثُ قُدِّم العلم عَلَى المشيئة، وَالمُراد مِنْهُ العلم كصفة فعل، أيّ فِي مقام الفِعْل، والعرش والكرسي قد وصفا بالعلم الغيبي للباري تعالى. نعم يظهر من روايات كثيرة تعدد مراتب المشية وطبقاتها كما هو الحال في تعدد طبقات العرش وغيرها من عناوين وأسماء العوالم كالحجب والنور وغيرها.
معاني العرش:
الثَّانِي: ظاهر الرواية كَمَا تقدم تعدّد معاني العرش حيث يوصف تارة بالعرش الأعلى وأخرى بالعرش الأدنى وهي صخرة بيت المقدس وما بينهما مراتب عديدة أخرى، وقد ذكر المجلسي تعدد معاني العرش أيّ أنَّ العرش يطلق عَلَى معانٍ وحقائق متعدّدة، ويطلق عَلَى أشياء مختلفة، فقوله (عليه السلام): «إنَّ للعرش صفات كثيرة مختلفة» حَمَلَها المجلسي عَلَى أنَّ للعرش معاني شتى وإطلاقات مختلفة.
نعم قوله (عليه السلام): «وَمِنْ اختلاف صفات العرش أنَّهُ قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿رَبِّ الْعَرْشِ﴾ - رب الوحدانية - ﴿عَمَّا يَصِفُون﴾ أنَّ العرش يضافُ إلى حقائق مختلفة فيراد به تلك الحقائق، فَهُنَا أريد به عرش الوحدانية، فصريح هذا المقطع من الرواية كما يستظهر من بعض الروايات الواردة الاخرى أن للأسماء الالهية عرش هو الواحدية أو الاحدية وعلى ضوء ذلك يكون هناك جري للآية ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أي عرش الاسماء، فهو أو الواحد مستعلي على جميع الاسماء واستعلاءه وهيمنته سواء على جميع الاسماء.
وَقَدْ مرّت رواية الصَّدُوق فِي معاني الأخبار عَنْ الصَّادِق (عليه السلام) أنَّهُ يطلق تارةً عَلَى جملة الخلق وَأُخرى يطلق عَلَى العلم.»
الثالث: وبتعدّد حقائق العرش تختلف رتبته مَعَ الكرسي، وفي الرواية الآتية إنَّ الله زيَّن السَّماء السَّابِعِة بالعرش والكرسي، أيّ: أنَّ للسماء السَّابِعِة عرش وكرسي، وَهُوَ دون العرش والكرسي الذي فوق العوالم الأخروية الَّتِي هِيَ فوق السَّماء السَّابِعِة. فَهَذَا إطلاق آخر للعرش والكرسي.
وَهُنَاك أطلاق آخر للعرش عَلَى صخرة بيت المقدس يعبّر عنه العرش الأدنى كَمَا فِي رواية كتاب مشارق أنوار اليقين حَيْثُ رَوُى أجوبة الإمام الحسن (عليه السلام) لملك الروم(٥٢٦).
حَيْثُ سأله عَنْ أرواح المُؤْمِنِين (عليه السلام) أين تكون، فقال تجتمع عِنْدَ صخرة بيت المقدس فِي كُلّ ليلة جمعة وَهُوَ العرش الأدنى، ومنها يبسط الله الأرْض، ويطويها إليها، وإليها المحشر.
نعم، مضمون هَذِهِ الرواية قَدْ يتراءى منه التنافي مع ما ورد فِي الروايات من بسط الأرْض قَدْ تَمَّ تحت الكعبة.
الرابع: أيّ تقدير فالتعبير فيها بالعرش الأدنى يَدُلّ عَلَى مراتب متفاوتة فِي الحقائق الَّتِي يطلق عَلَيْهَا العرش، إذْ الأدنى يستلزم الداني، فضلاً عنْ العالي والأعلى كما مر في الروايات. وما بينهما متوسطات.
كَمَا أنَّ وصفه بالعظيم فِي القرآن هُوَ الآخر دالّ بالفحوى عَلَى وجود العرش غَيْر العظيم بناءً عَلَى كون القيد احترازياً، وَلَيْسَ بيانياً.
العرش محطة معرفية للتنزيه:
الخامس: مفاد الرواية أن صفات العرش آية لتنزيه صفات الباري عن التشبيه والشرك، وأن هذا من أعظم شؤون العرش وصفاته، ومن ثم كان العرش المثل الأعلى لتنزيه الباري تعالى.
وهذا يبين أن تعاظم صفة المخلوق ليس غلوا، بل يوجب تنزيه الباري عن صفات التشبيه بالمخلوقين، والوجه في ذلك أن المخلوق العظيم كالعرش إذا كان كذلك في صفاته العظيمة فكيف بخالقه، وهذا نظير ما يحكى عن بعض الأعاظم أنه استفتي عن تكفير بعض الفرق المتهمة بالغلو فقال: إن هؤلاء الآن عرفوا المعصوم (عليه السلام) والباري فوق ذلك، واما أنتم - وهو يخاطب المستفتين فلم تعرفوا المعصوم فضلا عن خالقه.
حمل العرش أو الوحدة معه هوية:
وفي رواية الحضيني فِي الهداية الكبرى عَنْ المفضل عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «ونحن العروة الوثقى، مُحمَّد العرش، عرش الله عَلَى الخلائق، ونحن الكرسي، وأصول العلم...»(٥٢٧).
ومثل رواية مشكاة أنوار اليقين رواية تفسير فرات الكوفي، جعفر بن مُحمَّد الأحمسي بإسناده عَنْ أبي ذر الغفاري عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي خبر طويل فِي وصف المعراج ساقه إلى أنْ قال: قلتُ: «يا ملائكة ربي هَلْ تعرفونا حق معرفتنا؟ فقالوا: يا نبي الله وكيف لا نعرفكم وأنتم أوَّل ما خلق الله؟ خلقكم أشباح نور مِنْ نوره فِي نور مِنْ سناء عزّه وَمِنْ سناء ملكه وَمِنْ نور وجهه الكريم وجعل لكم مقاعد فِي ملكوت سلطانه وعرشه عَلَى الماء قبل أنْ تكون السَّماء مبنية والأرض مدحيّة ثمَّ خلق السماوات والأرض فِي ستة أيام، ثمَّ رفع العرش إلى السَّماء السَّابِعِة فاستوى عَلَى عرشه وأنتم أمام عرشه تسبّحون وتقدّسون وتكبّرون ثمَّ خلق الملائكة مِنْ بدء ما أراد مِنْ أنوار شتى،...»(٥٢٨).
وعَلَى ضوء ما تَقَدَّمَ فِي الروايات السابقة مِنْ كون العرش موجود حيّ شاعر عالم، وَعَلَى ضوء تعدد حقائق العرش يتبيَّن أنَّ العرش أحد مراتب الحقيقة المحمدية، كما في رواية الحضيني فِي الهداية الكبرى مِنْ أنَّ «مُحمَّد العرش ونحن الكرسي» وتقدم أن كون هذه الحقايق من هويتهم نظير أنهم (عليهما السلام) القرآن الناطق باعتبار أن هذه الأرواح الأمرية أو ما فوقها تكون من قواهم المغروزة في ذواتهم.
حمل العرش وحمل الكرسي:
رَوُى القُمِّي فِي تفسيره بسند مُتّصل مُعتبر عَنْ الأصبغ بن نباتة أنَّ علياً سئل عَنْ قول الله تَعَالَى تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ السماوات والأرض وما فيهما مِنْ مخلوق فِي جوف الكرسي وَلَهُ أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، فَأمَّا ملك منهم فِي صورة الآدميين وَهِيَ أكرم الصور عَلَى الله وَهُوَ يدعو الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لبني آدم، والملك الثَّانِي فِي صورة الثور وَهُوَ سيد البهائم وَهُوَ يطلب إلى الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع البهائم والملك الثَّالِث فِي صورة النسر وَهُوَ سيد الطير وَهُوَ يطلب إلى الله ويتضرّع إليه ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطير، والملك الرَّابِع فِي صورة الأسد وَهُوَ سيد السباع وَهُوَ يرغب إلى الله ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع»(٥٢٩) الحديث.
حقيقة حمل العرش:
قَدْ وَرَدَ فِي قوله تَعَالَى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَة﴾(٥٣٠) وقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾(٥٣١) كَمَا مر فِي رواية الأصبغ بن نباتة من حمل الأملاك الأربعة للكرسي.
ولتوضيح معنى حمل العرش وحمَلَته لابُدَّ مِنْ بيان أُمُور:
الأوَّل: أنَّهُ قَدْ وَرَدَ إطلاق العرش والكرسي عَلَى العلم وتفسيره به، كَمَا فِي صحيحة صفوان عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «والعرش لَيْسَ هُوَ الله والعرش اسم علم وقدرة، وعرشٌ فيه كُلّ شيء ثمَّ أضاف الحمل إلى غيره، خلق مِنْ خلقه، لِإنَّهُ استعبد خلقه بحمل عرشه، وَهُمْ حملة علمه، وخلقاً يسبّحون حول عرشه وَهُمْ يعملون بعلمه، وملائكة يكتبون أعمال عباده، واستعبد أهل الأرْض بالطواف حول بيته، والله عَلَى العرش استوى كَمَا قال والعرش ومنْ يحمله ومنْ حول العرش والله الحامل لهم، الحافظ لهم الممسك القائم عَلَى كُلّ نفس وفوق كُلّ شيء وَعَلَى كُلّ شيء ولا يُقَال محمول ولا أسفل قولاً مفرداً لا يوصل بشيء فيفسد اللفظ والمعنى»(٥٣٢).
وكذا فِي الموثّق عن الصَّادِق (عليه السلام) عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ قَالَ: «علمه»(٥٣٣).
وكذلك فِي رواية جابر عَنْ الباقر (عليه السلام) قَالَ: «الَّذِيْنَ يحملون العرش» يعني الرسول والأوصياء مِنْ بعده يحملون علم الله، ثمَّ قَالَ وَمَنْ حوله يعني الملائكة»(٥٣٤).
وغيرها مِنْ الروايات العديدة المفسرة للعرش والكرسي بالعلم، مثل رواية معاني الأخبار.
الثَّانِي: أنَّهُ قَدْ مَرَّ أنَّ العرش والكرسي موجودان حيّان شاعران عالمان ولا يتنافى ذَلِكَ مَعَ كونهما علمان وَذَلِكَ لِأنَّ الموجودات الملكوتية العليا هِيَ عين العلم كَمَا هُوَ الحال فِي حقيقة القُرآن.
فَإنَّ حقيقته ما أشار إليه القُرآن فِي قوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾(٥٣٥).
وَهُوَ الذي أُشير إليه فِي قوله تَعَالَى أيضاً ﴿يُنَزِّلُ المَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾(٥٣٦).
وقوله تَعَالَى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾(٥٣٧).
مَعَ أنَّهُ قَدْ وصف القُرآن بقوله تَعَالَى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين﴾(٥٣٨). وقوله: ﴿مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾(٥٣٩). وقوله: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾(٥٤٠). وقول تعالى ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾(٥٤١). وقوله: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاء وَالأَرْضِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾(٥٤٢). وقوله ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾(٥٤٣). وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِين﴾(٥٤٤).
إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الأوصاف الَّتِي ذكرت للكتاب المحيط بالسماوات والأرض، وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ فِي الروايات عنهم كَمَا فِي رواية جابر أنهم بروح القدس علموا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى»(٥٤٥).
فرغم أنَّ حقيقة الكتاب جامع لكل علم فهِيَ موجود حيّ شاعر أعظم مِنْ الملائكة كَمَا فِي رواية أبي بصير عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «إنَّ جبرائيل مِنْ الملائكة وأنَّ الروح هُوَ خلق أعظم مِنْ الملائكة»(٥٤٦).
فتوصيف القرآن بالروح الأمري لا يتنافى مع توصيفه بالعلم الجامع ولا يتنافى مَعَ توصيفه بالكتاب المبين، فكذلك الحال فِي العرش والكرسي.
كما ورد عنهم أن اللوح والقلم ملكان من أعاظم الملائكة:
حيث روى الصدوق بسنده عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْكَرْخِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) عَنِ اللَّوْحِ وَالْقَلَمِ فَقَالَ هُمَا مَلَكَان)(٥٤٧)
الثَّالِث: أنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي وصف الأئمة أنَّهم يعلمون الكتاب ويحملون علم الكتاب بتوسّط روح القُدُس والروح الأمري، كَمَا فِي صحيحة أبي بصير قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قَالَ: «خلق أعظم مِنْ جبرئيل وميكائيل لَمْ يكن مَعَ أحد ممن مضى غَيْر مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ مَعَ الأئمة يسددهم، وَلَيْسَ كُلّ ما طلب وجد»(٥٤٨).
وكما روى الصفار بسنده عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يُعَايِنُ مُعَايَنَةً وَإِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَنْقُرُ فِي قَلْبِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ وَإِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَسْمَعُ كَمَا يَقَعُ السِّلْسِلَةُ كُلُّهُ يَقَعُ فِي الطَّسْتِ قَالَ قُلْتُ فَالَّذِينَ يُعَايِنُونَ مَا هُمْ قَالَ خَلْقٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ)(٥٤٩). وفي رواية اخرى (وَإِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَأْتِيهِ صُورَةٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَمِيكَائِيلَ)(٥٥٠).
عَنِ ابْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ إِنَّ مِنَّا لَمَنْ يُنْكَتُ فِي أُذُنِهِ وَإِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَرَى فِي مَنَامِهِ وَإِنَّ مِنَّا لَمَنْ يَسْمَعُ الصَّوْتَ مِثْلَ صَوْتِ السِّلْسِلَةِ الَّتِي تَقَعُ فِي الطَّسْت)(٥٥١).
وما رُوي فِي رواية المفضل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) «... وروح القدس فبه حمل النبوة فإذا قبض الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) انتقل روح القدس فصار إلى الإمام (عليه السلام)...».(٥٥٢)
وما رواه جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «فبروح القدس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى»(٥٥٣)، وبذلك تبيَّن أنَّ حمل العرش وحمل الكرسي هُوَ حمل علمهما، وحمل علمهما عبارةٌ عَنْ كون هَذَا الموجود مِنْ الملكوت الأعلى مَعَ روح الحامل، كَمَا وَرَدَ فِي وصف روح القدس والروح الأمري فِي صحيحة أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «... كَانَ مَعَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ مَعَ الأئمة وَهُوَ مِنْ الملكوت»(٥٥٤).
وفي رواية أسباط بن سالم: فِي ذيل قوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ فَقَالَ (عليه السلام): «مُنْذُ أنزل الله ذَلِكَ الروح عَلَى مُحمَّد ما صعد إلى السَّماء وَإنَّهُ لفينا»(٥٥٥).
وفي رواية أُخرى: «حَتّى بعث الله الروح الَّتِي ذكر فِي الكتاب فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وَهِيَ الروح الَّتِي يعطيها الله مَنْ شاء، فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم»(٥٥٦).
إلى غيرها مِنْ الروايات الدَّالَّة عَلَى أنَّ حمل علم القُرآن عبارة عَنْ نزول هَذَا الروح الأمري إلى الحامل لعلم القُرآن وهو الْنَّبِيّ وأهل بيته، وَقَدْ يعبّر عنه بكون روح القدس معه أو بالإلقاء إليه كَمَا فِي قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾(٥٥٧).
ورابعةً يعبّر عنه بإيحاء هَذَا الروح إلى الحامل، كَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾ وخامساً يعبّر أنَّ روح القدس فيهم.
وسادسة: يعبّر بالتأييد بروح القدس.
وسابعة: يعبّر أنَّها الروح الَّتِي يعطيها الله مَنْ شاء.
وثامنة: يعبّر بالتسديد.
وتاسعة: بالنفخ كَمَا فِي رواية علي بن رئاب الآتية وما عن العباس عَنْ آمنة بنت وهب فِي قصة ولادة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المروية فِي أمالي الصَّدُوق(٥٥٨) وإنْ كانت الرواية طريقها عامي إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ التعابير الواردة فِي الآيات والروايات.
وبذلك يتبيَّن معنى حمل العرش وحمل الكرسي أنَّهُ بنفس النمط والسنخ والوتيرة في حمل الكتاب وعلمه.
فوقية العرش عَلَى روح القدس والروح الأمري:
الرَّابِع: إنَّ روح القدس الأمري دون العرش كَمَا فِي مرفوعة علي بن رئاب المرويّة فِي الكافي والبصائر عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لله نهراً دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور مِنْ نوره، وإنَّ فِي حافتي النهر روحين مخلوقين: روح القدس وروح مِنْ أمره... ما مِنْ نبي ولا ملك مِنْ بعده جبله إلَّا نفخ فيه مِنْ إحدى الروحين...»(٥٥٩).
وَهَذِهِ الرواية دالَّة عَلَى أنَّ روح القدس والروح الأمري أنزل بمراتب كثيرة مِنْ العرش، فضلاً عَنْ الروايات المُسْتَفِيضَة فِي الطّينة الَّتِي استعرضنا نبذة منها الدَّالَّة عَلَى أنَّ طينة الأرواح مِنْ تحت العرش ومقتضاها تأخُّر خلق الأرواح عَنْ خلق العرش.
وَإنَّما قبلية الأرواح عَلَى خلق الأبدان الأرضية.
مرتبة العرش صدوراً فِي الخلق (بين العرش والمشيئة):
قَالَ تَعَالَى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْر﴾.
فوقية العرش عَلَى روح القدس والروح الأمري:
إنَّ رُوُح القُدُس الأمري دون العرش كَمَا فِي مرفوعة علي بن رئاب المروية فِي الكافي والبصائر عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لله نهراً دون عرشه ودون النهر الذي دون عرشه نور مِنْ نوره، وإنَّ فِي حافتي النهر روحين مخلوقين: رُوُح القُدُس وروح مِنْ أمره... ما مِنْ نبي ولا ملك مِنْ بعده جبله إلَّا نفخ فيه مِنْ إحدى الروحين...»(٥٦٠).
وَهَذِهِ الرِّوَايَة دالَّة عَلَى أنَّ رُوُح القُدُس والرُّوُح الأمري أنزل بمراتب كثيرة مِنْ العرش، فضلاً عَنْ الروايات المُسْتَفِيضَة فِي الطِّينة الَّتِي استعرضنا نبذة منها الدَّالَّة عَلَى أنَّ طينة الأرواح مِنْ تحت العرش ومقتضاها تأخُّر الأرواح عَنْ خلق العرش.
وإنَّ قبليّة الأرواح عَلَى خلق الأبدان الأرضية.
وفي معتبرة عمّار بن مروان عَنْ جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: سألته عَنْ علم العالم، فَقَالَ لي: «يا جابر إنَّ فِي الأنبياء والأوصياء خمسة أرواح؛ رُوُح القُدُس وَرُوح الإيمان وَرُوح الحياة وَرُوح القُوّة وَرُوح الشَّهْوَة، فبروح القُدُس يا جابر عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى» ثمَّ قَالَ: «يا جابر إنَّ هَذِهِ الأربعة أرواح يصيبها الحدثان إلَّا رُوُح القُدُس فَإنَّها لا تلهوا ولا تلعب»(٥٦١).
العرش والحجب:
الحُجُب دون وفوق العرش:
لا يخفى أن الحجب يطلق على عوالم عديدة منها ما دون السماء الدنيا ومنها ما فوق السماء السابعة دون سدرة المنتهى ومنها ما فوق السدرة دون العرش ومنها ما هو فوق العرش وتسمى بحجب النور، والمعنى العام للحجب هو اسم ووصف إضافي لكل عالم فوقي بالنسبة الى ما دونه أنه حجاب يتوسط بين التحتاني وما هو فوقه.
رَوُى الخزّاز فِي كفاية الأثر بإسناده عَنْ موسى بن عبد ربّه، قَالَ سمعت الحسين بن علي (عليهما السلام) يقول فِي مسجد الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَذَلِكَ فِي حياة أبيه علي (عليه السلام).
سمعت رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «أوَّل ما خلق الله (عزَّ وجلَّ) حُجُبه فكتب عَلَى أركانه لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله علي وصيّه، ثمَّ خلق العرش فكتب عَلَى أركانه لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله عليّ وصيّه، ثمَّ خلق الأرضين فكتب عَلَى أطوادها لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله عليّ وصيّه، ثمَّ خلق اللوح فكتب عَلَى حدوده لا إله إلَّا الله مُحمَّد رَسُوُل الله عليّ وصيّه»(٥٦٢).
والرواية صريحة في تأخر خلق العرش عن خلق الحجب، وفي صحيح عاصم الآتي نفس المضمون وأن خلق الحجب متأخر عن خلق الستر مع بيان وجه ذلك وهو كون الحجب مخلوقة من نور الستر، والعرش مخلوق من نور الحجب.
وفي تفسير العسكري (عليه السلام) روايتان، (حضر علي (عليه السلام) فوق قِبالة الجنازة، وَقَالَ: «رحمك الله يا براء، فلقد كُنْت صوّاماً [قوّاماً] وَلَقَدْ مُتّ فِي سبيل الله» وَقَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لو كَانَ أحد مِنْ الموتى يستغني عَنْ صلاة رَسُوُل الله لاستغنى صاحبكم هَذَا بدعاء علي (عليه السلام) [لَهُ] ثمَّ قَالَ فصلّى عَلَيْهِ ودفن فلما انصرف وقعد فِي العزاء، قَالَ أنتم يا أولياء البراء بالتهنئة أولى منكم بالتعزية لِأنَّ صاحبكم عقد لَهُ فِي الحجب قباب مِنْ السَّماء الدُّنْيَا إلى السماء السَّابِعِة وبالحجب كُلَّهَا إلى الكرسي إلى ساق العرش لروحه الَّتِي عرج بها فيها ثمَّ ذهب بها إلى روض الجنان وتلقاها كُلّ مَنْ كَانَ [فيها] مِنْ خزّانها واطلع عَلَيْهِ كُلّ مَنْ كَانَ فيها مِنْ حور حسانها»(٥٦٣).
وهي مشتملة على مضمون هام وهي عروج بعض أرواح المؤمنين - عند خروج الروح - الى الكرسي الى ساق العرش وهي مرتبة قد يشار بها الى ما فوق سدرة المنتهى وفوق الجنة، كما أنه استعمال للحجب في مطلق الشيء المحجوب عن إدراك أهل الدنيا.
وروى الشَّيْخ إبراهيم الكفعمي فِي الجَنّة الواقية عَنْ الباقر (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ مَنْ قرئها - أيّ سورة إنّا أنزلناه - حين ينام إحدى عشر مَرَّة خلق الله لَهُ نوراً سعته سعة الهواء عرضاً وطولاً ممتداً مِنْ قرار الهواء إلى حجب النور فوق العرش وفي كُلّ درجة مِنْهُ ألف ملك لِكُلِّ ملك ألف لسان لِكُلِّ لسان ألف لغة يستغفرون لقارئها حين ينام ويستيقظ، ملأ اللوح المحفوظ ثوابه(٥٦٤). وفي ذيلها النسبة بين ساق العرش والكرسي. وأن حجب النور فوق العرش.
وفي البصائر: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الحَسَنِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ جَرِيشٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ نُورٌ كَهَيْئَةِ الْعَيْنِ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَالْأَوْصِيَاءِ لَا يُرِيدُ أَحَدٌ مِنَّا عِلْمَ أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ الْأَرْضِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ إِلَى الحُجُبِ الَّتِي بَيْنَ الله وَبَيْنَ الْعَرْشِ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى ذَلِكَ النُّورِ فَرَأَى تَفْسِيرَ الَّذِي أَرَادَ فِيهِ مَكْتُوباً)(٥٦٥).
ومفاده مضافا الى دلالته على الحجب فوق العرش، دال ايضا على أن الروح الامري يبصر به ما فوق العرش، كما يبصر بالعقل ما فوق العرش من الحضرة الربوبية والأسمائية.
خلق الستر ثم الحجاب ثم العرش:
ورَوُى فِي التوحيد والكافي صحيح عاصم بن حميد (عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)) قَالَ: ذاكرتُ أبا عبد الله (عليه السلام) فيما يروون مِنْ الرِّوَايَة، فَقَالَ: «الشمس جزء مِنْ سبعين جزءاً مِنْ نور الكرسي والكرسي جزء مِنْ سبعين جزءاً مِنْ نور العرش والعرش جزءاً مِنْ سبعين جزء مِنْ نور الحجاب والحجاب جزءاً مِنْ سبعين جزء مِنْ نور الستر، فإنْ كانوا صادقين فليملؤوا أعينهم من الشمس لَيْسَ دونها سحاب»(٥٦٦).
بين العرش والمشيئة:
وفي موثَّق معلى بن مُحمَّد، قَالَ: سئل العالم (عليه السلام): كيف علم الله؟ قَالَ: «علم وشاء وأراد وقدّر وقضى وأمضى فأمضى ما قضى وقضى ما قدر وقدر ما أراد فبعلمه كانت المشيئة وبمشيئته كانت الإرادة، وبإرادته كَانَ التقدير وبتقديره كَانَ القضاء وبقضائه كَانَ الإمضاء والعلم مُتقدِّم عَلَى المشيئة والمشيئة ثانية والإرادة ثالثة والتقدير واقع عَلَى القضاء بالإمضاء فلله تَبَارَكَ وَتَعَالَى البداء فيما علم متى شاء وفيما أراد لتقدير الأشياء، فإذا وقع القضاء بالإمضاء فلا بداء، فالعلم فِي المعلوم قبل كونه والمشيئة فِي المنشأ قبل عينه والإرادة فِي المُراد قبل قيامه والتقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها وتوصيلها عياناً ووقتاً، والقضاء الإمضاء هُوَ المُبرم مِنْ المفعولات ذوات الأجسام المُدركات بالحواس مِنْ ذوي لون وريح ووزن وكيل وما دبَّ ودرج مِنْ إنس وجِنّ وطير وسباع وَغَيْر ذَلِكَ مما يدرك بالحواس، فلله تَبَارَكَ وَتَعَالَى فيه البداء مما لا عين لَهُ فإذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء والله يفعل ما يشاء فبالعلم علم الأشياء قبل كونها وبالمشيئة عرف صفاتها وحدّدها وأنشأها قبل إظهارها وبالإرادة ميّز أنفسها فِي ألوانها وصفاتها وبالتقدير قدّر أقواتها وعرف أوّلها وآخرها وبالقضاء أبان للناس أماكنها ودلّهم عَلَيْهَا وبالإمضاء شرح عللها وأبان أمرها وَذَلِكَ تقدير العزيز العليم»(٥٦٧).
وهذا الترتيب دال على أن عالم العلم قبل المشيئة كما هو كذلك في الاعتبار العقلي، وعالم العلم احد طبقاته ينطبق على العرش والكرسي كما عرفا بذلك في النصوص الواردة.
وروى فِي التوحيد عَنْ بكير بن أعيُن، قَالَ: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): علم الله ومشيئته هُمَا مختلفان أم متفقان؟ فَقَالَ: «العلم لَيْسَ هُوَ المشيئة ألا ترى أنَّكَ تقول: سأفعل كذا إنْ شاء الله ولا تقول سأفعل كذا إنْ علم الله فقولك إنْ شاء الله دليل عَلَى أنَّهُ لَمْ يشأ فإذا شاء كَانَ الذي شاء، كَمَا شاء وعلم الله سابق للمشيئة»(٥٦٨). والفلاسفة وجملة من المتكلمين فسروا المشيئة بل الارادة بالعلم، وهو غير سديد على اطلاقه.
وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله (عزَّ وجلَّ) خَلَقَ الْعَرْشَ أَرْبَاعاً لَمْ يَخْلُقْ قَبْلَهُ إِلَّا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ الْهَوَاءَ وَالْقَلَمَ وَالنُّورَ ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْ أَنْوَارٍ مُخْتَلِفَةٍ فَمِنْ ذَلِكَ النُّورِ نُورٌ أَخْضَرُ اخْضَرَّتْ مِنْهُ الخُضْرَةُ وَنُورٌ أَصْفَرُ اصْفَرَّتْ مِنْهُ الصُّفْرَةُ وَنُورٌ أَحْمَرُ احْمَرَّتْ مِنْهُ الحُمْرَةُ وَنُورٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نُورُ الْأَنْوَارِ وَمِنْهُ ضَوْءُ النَّهَارِ ثُمَّ جَعَلَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ طَبَقٍ غِلَظُ كُلِّ طَبَقٍ كَأَوَّلِ الْعَرْشِ إِلَى أَسْفَلِ السَّافِلِين(٥٦٩).
ومفاد الرواية:
١ - تقدم كل من الهواء والقلم والنور على خلقة العرش.
٢ - ويحتمل أن تقدم الهواء والقلم ليس رتبيا، بخلاف النور.
٣ - حيث جعل خلقته من النور دونهما.
٤ - ولا يخفى أن الهواء يطلق على عوالم مختلفة متعددة، كما مر.

الفصل الثالث عشر: عالم الاسماء الإلهية قبل عالم العرش

﴿فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾:
عالم خلق الأسماء والصفات:
الاسماء أسبق مرتبة على العرش صدورا فِي الخلق:
إنَّ الأسماء فوق العرش فِي رتبة الخلق، وكذلك بعض طبقات عالم النور فوق العرش، وَقَدْ مَرَّت جملة مِنْ الروايات الَّتِي دَلَّتْ عَلَى أنَّ العرش خلق مِنْ الأنوار الأربعة، مع أن عالم الاسماء فوق النور.
الاسماء الأولى مجردة عن مطلق الجسمية:
١ - روى فِي الكافي بإسناد معتبر عَنْ إبراهيم بن عمر عَنْ أبي عبد الله، قَالَ (عليه السلام): «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلق اسماً بالحروف غَيْر متصوّت وباللفظ غَيْر منطق وبالشخص غَيْر مجسّد وبالتشبيه غَيْر موصوف وباللون غَيْر مصبوغ، منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كُلّ متوهم مستتر غَيْر مستور فجعله كلمة تامة عَلَى أربعة أجزاء معاً لَيْسَ منها واحد قبل الآخر فأظهر منها ثلاثة أسماء لفاقة الخلق إليها وحجب منها واحداً وَهُوَ الاسم المكنون المخزون، فَهَذِهِ الأسماء الَّتِي ظهرت فالظاهر هُوَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وسخر سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسم مِنْ هَذِهِ الأسماء أربعة أركان فَذَلِكَ اثنا عشر ركناً ثمَّ خلق لِكُلِّ ركن منها ثلاثين اسماً فعلاً منسوباً إليها فَهُوَ... فَهَذِهِ الأسماء وما كَانَ مِنْ الأسماء الحسنى حَتّى تتم ثلاثمائة وستين اسماً فهِي نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، وَهَذِهِ الأسماء الثلاثة أركان وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة وَذَلِكَ قوله تَعَالَى ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى﴾»(٥٧٠).
وفي رواية الصدوق عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ اسْماً بِالحُرُوفِ [وهُوَ (عزَّ وجلَّ)] بِالحُرُوفِ غَيْرُ مَنْعُوتٍ وَبِاللَّفْظِ غَيْرُ مُنْطَقٍ وَبِالشَّخْصِ غَيْرُ مُجَسَّدٍ وَبِالتَّشْبِيهِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ - وَبِاللَّوْنِ غَيْرُ مَصْبُوغٍ مَنْفِيٌّ عَنْهُ الْأَقْطَارُ مُبَعَّدٌ عَنْهُ الحُدُودُ مَحْجُوبٌ عَنْهُ حِسُّ كُلِّ مُتَوَهِّمٍ مُسْتَتِرٌ غَيْرُ مَسْتُورٍ فَجَعَلَهُ كَلِمَةً تَامَّةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَجْزَاءٍ مَعاً لَيْسَ مِنْهَا وَاحِدٌ قَبْلَ الْآخَرِ فَأَظْهَرَ مِنْهَا ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ لِفَاقَةِ الخَلْقِ إِلَيْهَا وَحَجَبَ وَاحِداً مِنْهَا وَهُوَ الِاسْمُ المَكْنُونُ المَخْزُونُ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي أُظْهِرَتْ فَالظَّاهِرُ هُوَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَسَخَّرَ سُبْحَانَهُ لِكُلِّ اسْمٍ مِنْ هَذِهِ أَرْبَعَةَ أَرْكَانٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رُكْناً ثُمَّ خَلَقَ لِكُلِّ رُكْنٍ مِنْهَا ثَلَاثِينَ اسْماً فِعْلًا مَنْسُوباً إِلَيْهَا(٥٧١) والجملة في صدر الرواية [وهو عز وجل] ليست في كل النسخ كما ذكر المجلسي.
ومفاده:
١ - قد يستظهر من هذه الرواية عند قوله (عليه السلام) إن الله تبارك وتعالى خلق اسما... فجعله كلمة تامة على أربعة أجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر فأظهر ثلاثة.. وحجب منها واحدا وهو الاسم المكنون المخزون..) أن هناك اسمان مستأثران محجوبان في طول بعضهما البعض، الأول هو الكائن على أربعة أجزاء، الثاني هو الجزء الرابع من الأربعة المشتقة من الأول، بناءً على استفادة الهيمنة من لفظة (على) بمعنى الاستعلاء على الاجزاء الاربعة، وأما لو استظهر تقويم الاربعة لكل مجموعي للاسم لكان الاسم متأخرا عن الاربعة، وهذا يخالف كونه مجردا، لاسيما مع عطف النسبة التي بين طبقات الاسماء وهي الاشتقاق كما هو مذكور في بقية الروايات والتسخير المذكور في هذا الصحيح.
٢ - إنَّ عالم الأسماء - الطبقات الأولى منه - هُوَ مِنْ أوائل خلق الله وَهُوَ عالم مجرَّد مِنْ المادّة ومن أبعاد الجسم، وَمجرد مِنْ حدود الروح ومجرّد مِنْ الحدود الخلقية ومن حدود المخلوقات، وَمِنْ ثمَّ وصفه (عليه السلام) بالشخص غَيْر مجسد وبالتشبيه غَيْر موصوف وباللون غَيْر مصبوغ منفي عنه الأقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كُلّ متوهّم مستتر غَيْر مستور.
٣ - إن جميع الأسماء على طبقاتها منسوبة الى الأسماء الثلاثة أي أنها أسماء للأسماء، كما يشير إليه قوله: لكل اسم.. أربع أركان.. ثلاثين اسما فعلا منسوبا إليها... ثلاث مائة وستين اسما، وجميع هذه الأسماء منسوبة نسبة لهذه الأسماء الثلاثة، أي هي اسم الاسم.
٤ - هذه الأسماء الثلاثة أركان وحجب الاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الأسماء الثلاثة، أي أن باطن الثلاثة ذاك الرابع مما يشير الى أن الرابع أعلى رتبة منها، بل قد يستفاد من ذيلها أن مفاد الآية أن الأسماء الثلاثة نسبة ومنسوبة الى الاسم المكنون المخزون المستتر، وإن كان الصدر ظاهره استواء الأربعة، هذا مضافا الى ما مر في النقطة الاولى أنه ذكر فيه أيضا أن أصل الأسماء الأربعة هي خلقة لاسم واحد كلمة تامة جعل على أربعة أجزاء كل منها اسما.
٥ - الملفت للنظر كما مر أن صدر كلامه (عليه السلام) أن الله خلق اسما واحدا، وليس أسماءً أي اسما واحدا في بدء خلقة الأسماء، ثم قال فجعله كلمة وكأن هذا الجعل للاسم الواحد كلمة في المرتبة اللاحقة، وهذه الكلمة على أربعة أجزاء فأظهر ثلاثة وحجب واحدا وهذا كله في المرتبة اللاحقة ايضا.
تقدم رتبة الاسم المستأثر على كل الأسماء:
٢ - وروى في المصباح أيضا: وَأَنَا أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَنْشَأْتَهُ مِنْ كُلِّكَ فَاسْتَقَرَّ فِي غَيْبِكَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى شَيْءٍ سِوَاكَ أَسْأَلُكَ بِهِ هُوَ ثُمَّ لَمْ تَلْفِظْ بِهِ وَلَا يُلْفَظُ بِهِ أَبَداً أَبَداً وَبِهِ وَبِكَ لَا شَيْء غَيْرُ هَذَا(٥٧٢) 
ومفاد الحديث تقدم الاسم المستأثر على كل الأسماء، كما مر وأنه أعظم تجلي للذات بخلاف بقية الأسماء.
٣ - أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي جَعَلْتَهُ فِي مَكْنُونِ غَيْبِكَ وَاسْتَقَرَّ عِنْدَكَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى شَيْءٍ سِوَاكَ أَسْأَلُكَ بِهِ وَبِكَ وَبِكَ وَبِهِ فَإِنَّهُ أَجَلُّ وَأَشْرَفُ أَسْمَائِكَ لَا شَيْء لِي غَيْرُ هَذَا وَلَا أَجِدُ(٥٧٣) أَعُودَ مِنْكَ يَا كَيْنُونُ يَا مُكَوِّن (٥٧٤) 
ومفاد الرواية طبقات المراتب بين الأسماء.
الاسم حقيقة صفة:
٤ - وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الِاسْمِ مَا هُوَ قَالَ صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ.(٥٧٥) 
ومفاد الرواية:
١ - أن الاسم والأسماء صفات فعلية، وأنه دلالة كدلالة الصفة.
٢ - ان التوصيف سنخان توصيف عيني التحقق كما هو الحال في صفات الذات على قول الفلاسفة وغالب المتكلمين، وتوصيف حكائي آيتي وهو توصيف الفعل كما في الصفات الفعلية أو الذاتية على القول بالتجلي في الصفات الذاتية.
٥ - وروى في المصباح: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي شققته مِنْ عَظَمَتِكَ وَأَسْأَلُكَ بِعَظَمَتِكَ الَّتِي شَقَقْتَهَا مِنْ كِبْرِيَائِكَ وَأَسْأَلُكَ بِكِبْرِيَائِكَ الَّتِي شققتها مِنْ كينونتك وَأَسْأَلُكَ بكينونتك الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ جُودِكَ - وَأَسْأَلُكَ بِجُودِكَ الَّذِي شققته مِنْ عِزِّكَ وَأَسْأَلُكَ بِعِزِّكَ الَّذِي شققته مِنْ كَرَمِكَ وَأَسْأَلُكَ بِكَرَمِكَ الَّذِي شققته مِنْ رَحْمَتِكَ وَأَسْأَلُكَ بِرَحْمَتِكَ الَّتِي شَقَقْتَهَا مِنْ رَأْفَتِكَ وَأَسْأَلُكَ برأفتك الَّتِي شققتها مِنْ حِلْمُكَ وَأَسْأَلُكَ بِحِلْمِكَ الَّذِي شققته مِنْ لُطْفِكَ وَأَسْأَلُكَ بِلُطْفِكَ الَّذِي شققته مِنْ قُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ كُلِّهَا وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الْقَدِيرُ عَلَى مَا تَشَاءُ مِنْ أَمَرَك (٥٧٦) 
اشتقاق الأسماء:
ومفاد الرواية:
١ - أن الاسم يشتق من الصفة.
٢ - كما أن الصفة تشتق من الصفة الأخرى.
٣ - أن الصفة إذا أضيفت الى الذات صارت اسماً.
٤ - أن الاسم له صيغتان أي تارة اسم بنفسه وأخرى بإضافة الصفة الى الذات.
٥ - أن في عالم الأسماء وإن ورد فيه أن الله تعالى خلقها، إلا أن فيما بين الأسماء لم يستعمل أنه تعالى خلق اسما باسم آخر بل يشتق بعضها من بعضها، مع أنه ورد أنه تعالى خلق بالاسم مخلوقا ومخلوقات وبالأسماء المخلوقات، وهذا التغاير لأجل أن الأسماء لا يلحظ فيها الجهة الخلقية بل آيتيتها ومرآتيتها وبذلك يتعين جهة الاشتقاق الذي هو أشبه بالمرآتية منها بالذاتية أو الاستقلالية.
٦ - وروى في مصباح المتهجد في تعقيب صلاة أمير المؤمنين (عليه السلام)... واسألك باسمك الذي القيت به عرشك وكرسيك فِي الهواء - إلى قوله - واسألك باسمك الذي دعاكَ به حملة عرشك فاستقرّت أقدامهم، وحمّلتهم عرشك بذلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مُقرّب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلَّا مَنْ علّمته»(٥٧٧).
ومفاد الرواية:
١ - أن الأسماء مهيمنة على العرش والكرسي بل على الهواء الذي هو متقدم خلقة على العرش.
٢ - أن الهواء طبقة منه قبل العرش، كما تقدم في رواية سابقة.
٧ - وروى في مصباح المتهجد: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَطْفَأْتَ بِهِ كُلَّ نُورٍ وَهُوَ حَيٌّ خَلَقْتَهُ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عَرْشَكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْتَ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الْعَظِيمِ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ اسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ نُورَ حِجَابِكَ النُّورِ(٥٧٨) 
ومفاد الرواية:
١ - أن عالم الأسماء قبل العرش وأنه باسم إلهي قد خلق العرش.
٢ - أن (نور الاسم) قد يكون من إضافة الفاعل للمفعول، وقد يكون العكس، ويحتمل ثالثا أن يكون إشارة الى الرتبة العالية من ذات نفس الاسم.
٨ - وروى في المصباح: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خلَقْتَ بِهِ عَرْشَكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْت (٥٧٩) 
٩ - وروى بن طاوس: اسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ، وَاسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي طَوَّقْتَ بِهِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ حِينَ حَمَّلْتَهُمْ(٥٨٠).
 ١٠ - بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَ لَهُ نُورُ حُجُبِك (٥٨١)
ومفاد الرواية خلق الحجب بأحد الأسماء، والحجب كما مر عنوان لما يقرب من عالم العرش وان أطلق على موارد اخرى كثيرة من العوالم.
اصطفاء الاسم وطبقاته وأقسامه:
١١ - وروى أيضا: بِاسْمِكَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَى عَرْشِكَ وَاسْتَقَرَّ بِذَلِكَ الِاسْم وَبِاسْمِكَ الَّذِي هُوَ نُورٌ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَقَمْتَ بِهِ عَرْشَكَ وَكُرْسِيَّكَ فِي الْهَوَاءِ وَبِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ سَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْفِرْدَوْسَ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ وَبِأَنَّكَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ وَبِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي دَارِ السَّلَامِ وَبِاسْمِكَ يَا الله الطَّاهِرُ المُطَهَّرُ الْمِقَدَّسُ النُّورُ المُصْطَفَى الَّذِي اصْطَفَيْتَهُ لِنَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ بِه (٥٨٢) 
ومفاد الرواية:
١ - وجود الإصطفاء فيما بين الإسماء وأنه ليس كل الأسماء مصطفاة بالمعنى الأخص، وإن كانت كلها مصطفاة بالمعنى العام.
٢ - قد أشير في آيات وروايات عديدة إطلاق الاسم على المخلوقات النازلة لا خصوص الصادرة أولا، وبعبارة أخرى إطلاقه على المخلوق ذي الماهية الخلقية، وهذا قسم ونمط ثالث من الأسماء سنخا.
٣ - فلا تنحصر سنخ الأسماء بالقسم الأول وهو الاسم المستأثر، ولا بالقسم الثاني وهي المخلوقات الصادرة أولا والتي هي المحو في الحكاية عن الذات الإلهية.
٤ - ومقتضى وجود المراتب اللامحصورة في الاسماء هو ذلك، لا سيما مع اختلاف المراتب ببون شاسع جدا.
٥ - بل إن المتقاربة ذات اختلاف في الخصائص والخصوصيات فكيف بالمتباعدة رتبة.
٦ - بل إن كثرة الأسماء مقتضاه عقلا محدوديتها بالقياس الى الذات، فكيف لا تتفاوت في الشؤون.
٧ - ومن ثم تتأتى ضرورة الاصطفاء في عالم الأسماء.
٨ - إن اصطفاءه تعالى للاسم تارة لنفسه ومن نفسه والاصطفاء يتم بالاسم ذاته، وهذه ثلاث مراتب يقابلها مراتب كثيرة، ومنه يظهر أن الاصطفاء (للاسم) مراتب عديدة، والاصطفاء في الأسماء معنى غامض لطيف جامع جمعي.
٩ - مر ان كتابة الاسم على شيء يحتمل معان عدة منها تقوّم ذلك الشيء المكتوب عليه الاسم بذلك الاسم، لا العكس، سواء تقوم في أصل وجوده او في كمالاته وهو الغالب بعد فرض كتابة الاسم بعد انوجاده، فارتباط الشيء بالاسم استمدادا للكمال هو نحو كتابة لذلك الاسم في ذلك الشيء ففيه آية لذلك الاسم ودلالة عليه.
لا تناهي الاصطفاء:
١٠ - أن الاصطفاء اذا كان واقع في الأسماء فيما بينها مع كون الأسماء عالية الوجود والكمال فكيف بمن دونها، وهذا يبين أن الاصطفاء ذو درجات وطبقات لا متناهية، وهو بتبع تفاوت درجات الكمال اللامتناهية.
١٢ - وروى في المصباح أيضا: وَبِالاسْمِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَبِأَسْمَائِكَ المُكَرَّمَاتِ المُقَدَّسَاتِ المَكْنُونَاتِ المَخْزُونَاتِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَك (٥٨٣) 
ومفاد الرواية:
١ - تقوم العرش والكرسي باسم إلهي وقد تكرر ورود ذلك في الروايات كما تقدم، والظاهر إفادة ذلك كون خلقهما بذلك الاسم، فهو تعبير آخر عن ذلك.
٢ - إن الاسم مع كونه اسماً ودلالة وعلامة وآية على شؤون الذات الإلهية إلا أنها مع ذلك محجوبة عما دونها من جملة من عوالم الخلقة وذلك لتفاوت درجات الخلقة، فهي وإن كانت آية وعلامة ودلالة لما يقرب رتبة منها من المخلوقات إلا أنها محجوبة ومكنونة عما يبعد دونها رتبة عنها من المخلوقات، فمع كونه اسماً إلا أنه محجوب فتكون إسميته بلحاظ عوالم علوية.
١٣ - وروى بن طاووس: وَبِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَكْرَمِ الْوُجُوهِ وَبِمَا تَوَارَتْ بِهِ الحُجُبُ مِنْ نُورِكَ وَبِمَا اسْتَقَلَّ بِهِ الْعَرْشُ مِنْ بَهَائِك(٥٨٤).
ومفاد الرواية:
١ - تنزل الأسماء الى المراتب النازلة كبهائه تعالى.
٢ - أن تنزل الأسماء هو بمعنى أن لها تجليات ولتجلياتها تجليات مترامية تنزلا.
١٤ - وروى بن طاووس: اللهمَّ بِمَا وَارَتِ الحُجُبُ مِنْ جَلَالِكَ وَجَمَالِكَ وَبِمَا أَطَافَ بِهِ الْعَرْشُ مِنْ بَهَاءِ كَمَالِكَ وَبِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَبِمَا تُحِيطُ بِهِ قُدْرَتُكَ مِنْ مَلَكُوتِ سُلْطَانِك (٥٨٥) 
ومفاد الرواية:
١ - أن العرش يطوف حول بهاء من الكمال الإلهي، فكما يطاف حول العرش، فإن العرش هو بنوبته يطوف حول ما هو أعلى منه من بهاء الكمال.
٢ - أن العرش مراتب كما ورد في كثير من البيانات في الروايات يمين العرش وشماله وساق العرش وسرادقاته مقابل معاقد العز منه، كما تمت الإشارة مجملا لذلك في مبحث أجزاء العرش.
١٥ - وروى الكفعمي: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي مَلَأْتَ بِهِ قُدْسَكَ بِعَظِيمِ التَّقْدِيسِ يَا قُدُّوسُ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي اسْتَعَانَ بِهِ حَمَلَةُ عَرْشِكَ فَأَعَنْتَهُمْ وَطَوَّقْتَهُمُ احْتِمَالَهُ فَحَمَلُوهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْكُرْسِيَّ سَعَةَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ الْكَرِيمَ وَعَظَّمْتَ خَلْقَهُ فَكَانَ كَمَا شِئْتَ أَنْ يَكُونَ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا عَظِيمُ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي طَوَّقْتَ بِهِ الْعَرْشَ بِهَيْبَةِ الْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ يَا الله (٥٨٦) 
ومفاد الرواية: أن العرش مظهر وتجلي للاسم العظيم كما مر أن بالاسم العظيم خلق العرش العظيم.
١٦ - وروى الكفعمي: وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الشَّامِخِ الْقُدُّوسِ الْبُرْهَانِ المُبِينِ الَّذِي هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ وَنُورٌ فَوْقَ نُورٍ وَنُورٌ يُضِيء بِهِ كُلُّ نُورٍ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي إِذَا بَلَغَ الْأَرْضَ انْشَقَّتْ وَإِذَا بَلَغَ السَّمَاوَاتِ تَفَتَّحَتْ وَإِذَا بَلَغَ الْكُرْسِيَّ تَخَشَّعَ وَإِذَا بَلَغَ الْعَرْشَ اهْتَزَّ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي اسْتَوَيْتَ بِهِ عَلَى عَرْشِكَ وَعَلَوْتَ بِهِ عَلَى كُرْسِيِّكَ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ عَرْشُكَ وَارْتَعَدَتْ مِنْهُ حَمَلَتُهُ فَثَبَّتَّهم بِهِ وَثَبَّتَّ بِهِ حَمَلَةَ كُرْسِيِّك (٥٨٧) 
ومفاد الرواية:
١ - بلوغ الاسم الى الأرض أو الى السماوات أو الى موضع آخر من المخلوقات كناية عن بلوغ تأثيره ذلك المكان.
٢ - قد تكرر في الروايات إسناد الاهتزاز الى العرش بينما ههنا إسناد التخشع للكرسي في مقابل اهتزاز العرش.
٣ - قد أسند الاستواء على العرش إليه تعالى بينما في مقابل ذلك ههنا أسند العلو على الكرسي إليه تعالى.
١٧ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَخْزُونِ المَكْنُونِ المَحْجُوبِ المَرْفُوعِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرَضُونَ وَثَبَتَتْ بِهِ الْجِبَالُ الرَّاسِيَاتُ وَجَرَتْ بِهِ الْبِحَارُ الزَّاخِرَاتُ وَبِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ تُعِزُّ وَتُذِلُّ وَبِاسْمِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ بِهِ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ بِهِ الْفُرْقَانَ وَالزَّبُورَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي تُحْيِي بِهِ المَوْتَى وَتُمِيتُ بِهِ الْأَحْيَاءَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَنَّتَكَ وَنَارَك (٥٨٨) 
ومفاد الرواية:
١ - أن خلق ما دون العرش من الجنة والنار وإنزال الكتب السماوية تم بالأسماء الإلهية.
٢ - وهذا يغاير حيثية ما مر من أن خلق الجنة من البحر العذب الذي خلق منه العقل، وخلق النار من البحر الأجاج الذي خلق منه الجهل، لكن يوفق بينهما بأن المعنى الثاني يشير الى المادة والطينة المخلوق منها، بينما المعنى الأول يشير الى الجهة الفاعلية والإفاضة، كما سيأتي في خلق جبرئيل باسم ومن مادة روح القدس.
٣ - انه كما أن الملائكة كلها تتنزل بالروح الأمري والذي هو حقيقة القرآن، فكذلك يتنزل الروح الأمري باسم إلهي.
٤ - وهذا يقتضي ان التنزل درجات متفاوتة جدا بحسب علو النازل ودرجات تعاليه.
٥ - ثم إن حقيقة التنزل كما مر هو تجلي العالي فيما دون بارتباط قوي خاص يختلف عن مطلق التجلي.
٦ - ومقتضى كون التنزل باسم او بشيء عالي كون التجلي من العالي فيما دون هو باستعانة من العالي بما هو أعلى منه، لأن تجليه ولو فيما دون كمال له.
١٨ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ النِّيرَانَ بِجَمِيعِ مَا خَلَقْتَ فِيهَا بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ رِضْوَانَ خَازِنَ الْجِنَانِ مِنْ نُورِ الْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مَالِكاً خَازِنَ النِّيرَانِ مِنَ الْغَضَبِ وَالِانْتِقَامِ يَا الله (٥٨٩) 
ومفاد الرواية: يقارب الرواية السابقة:
١ - أن رضوان مظهر وتجلي وخلق من أسماء العزة والسلطان ومن اسماء الجمال ولعله مركب من أسماء الجلال أيضا.
٢ - أن مالك مظهر وتجلي وخلق أسماء الجلال.
١٩ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَبْرَئِيلَ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَجَعَلْتَهُ سَفِيراً بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِكَ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ مِيكَائِيلَ مِنْ نُورِ الْبَهَاءِ وَجَعَلْتَهُ بِكَيْلِ المَطَرِ عَالِماً وَكُلَّ ذَلِكَ عِنْدَكَ مَعْلُوماً وَعَدَدَ كُلِّ قَطْرَةٍ مَفْهُوماً بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ إِسْرَافِيلَ وَعَظَّمْتَ خِلْقَتَهُ بِذَلِكَ الِاسْمِ فَهُوَ يُسَبِّحُكَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عِزْرَائِيلَ مَلَكَ المَوْتِ فَظَلَّ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الِاسْمِ وَكِيلًا عَلَى قَبْضِ الْأَرْوَاحِ وَهِيَ لَهُ سَامِعَةٌ مُطِيعَةٌ لِأَمْرِهِ بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ إِسْرَافِيلُ فَأَجَبْتَهُ وَالْعَرْشُ عَلَى كَاهِلِهِ وَهُوَ فَارِشٌ أَجْنِحَتَهُ لَمْ يَضْطَجِعْ وَلَمْ يَنَمْ وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَغْفُلْ مُنْذُ خَلَقْتَهُ وَلَمْ يَشْتَغِلْ عَنْ عِبَادَتِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ هَيْبَةً لَكَ وَخَوْفاً بِذَلِكَ الِاسْمِ يَا الله (٥٩٠) 
ومفاد الرواية:
١ - أن جبرئيل خلق من روح القدس من الجهة المادية وخلق بالاسم من الجهة الفاعلية، وروح القدس هو الذي في عدة روايات حقيقة القرآن أو الاسم الأكبر الذي يكون مع الائمة، ثم إن ذكر الاسم الذي خلق به غير الشيء الذي خلق منه، كما مر في مفاد الرواية قبل السابقة.
٢ - لم يذكر لخلق عزرائيل وإسرافيل ما خلقا منه وإن ذكر ما خلق به من الاسمين.
٣ - أن الأرواح الأمرية يخلق منها أعاظم الملائكة.
٢٠ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ وَأَحْيَيْتَ جَمِيعَ خَلْقِكَ بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَمْوَاتاً بِذَلِكَ الِاسْمِ إِذْ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ ﴿كُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُمِيتُ بِهِ جَمِيعَ خَلْقِكَ عِنْدَ فَنَاءِ آجَالِهِمْ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تُحْيِي بِهِ جَمِيعَ خَلْقِكَ لِلْقِيَامِ بَيْنَ يَدَيْكَ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تَحْشُرُ بِهِ جَمِيعَ خَلْقِكَ يَخْرُجُونَ بِهِم ﴿مِنَ الأَجْدَاثِ سِرَاعًا﴾ يَا الله وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي يَنْفُخُ بِهِ إِسْرَافِيلُ فَتَخْرُجُ بِهِ الْأَرْوَاحُ مِنَ الْقُبُورِ وَتَنْشَقُّ عَنْ أَهْلِهَا فَتَدْخُلُ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا لَا تَتَشَابَهُ عَلَى الْأَرْوَاحِ أَجْسَادُهَا بِذَلِكَ الِاسْمِ فَيَخْرُجُ بِهِ ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُون﴾ (٥٩١) 
ومفاد الرواية:
١ - أن قدرة إسرافيل في نفخ الأرواح في الأجساد إنما هو بتوسط الاسم الإلهي.
 ٢ - أن الإحياء والإماتة بطبقاتهما المختلفة تتم بتوسط الأسماء.
٣ - الظاهر من خروج الأرواح خروجها بجسدها الترابي بقرينة نهاية الرواية، وخروج الأرواح من القبور وانشقاقها هو القبر البرزخي ومن ثم تدخل الروح في الجسد الترابي، فالقبر البرزخي حاجز بين الروح والجسد الطيني الترابي مع أنه غير مرئي أيضاً.
٤ - وأن لكل روح باب الى البرزخ وهو قبرها البرزخي كما انها منه تخرج ايضا تارة اخرى، وقد ورد في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) نظير ذلك:
لَائِذٌ بِبَابِكَ الَّذِي فِيهِ غِبْتَ وَمِنْهُ تَظْهَرُ، حَتَّى تُمَكِّنَ دِينَهُ الَّذِي ارْتَضَى، وَتُبَدِّلَ بَعْدَ الخَوْفِ أَمْناً، وَتَعْبُدَ المَوْلَى حَقّاً، وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً، وَيَصِيرَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ، ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾، ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾. فَعِنْدَهَا يَفُوزُ الْفَائِزُونَ بِمَحَبَّتِكَ(٥٩٢).
٢١ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي تَنْفُخُ بِهِ الْأَرْوَاحَ فِي الْأَجْسَادِ فَيَدْخُلُ بِعَظِيمِ ذَلِكَ الِاسْمِ كُلُّ رُوحٍ إِلَى جَسَدِهَا وَلَا يَعْلَمُ بِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ الَّتِي صَوَّرْتَ فِي جَسَدِهَا المُسَمَّى فِي ظُلُمَاتِ الْأَحْشَاءِ إِلَّا أَنْت (٥٩٣) 
ومفادها مضافا الى ما تقدم دال على أن الأرواح بدخولها الأجساد تتصور فتأخذ صورة الجسد أي تتعلق به، ويحتمل أن هذه الصورة هي غير مرئية منطبعة في الروح بسبب تعلقها بالجسد فتكون الصورة هي الجسد البرزخي.
٢٢ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي كَتَبْتَهُ عَلَى قَلْبِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَعَرَفَ مَا أَوْجَبْتَهُ إِلَيْهِ مِنْ وَحْيِك (٥٩٤) 
ومفاد الرواية أن قلب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم من الاسم المكتوب، نظير كتابة الأسماء على العرش ويحتمل أن الاسم المكتوب أعظم من الشيء المكتوب عليه، وأن كتابة الاسم على الشيء استعلائه على الشيء، أي كتب استعلائه وعلوه على الشيء، ويعضد المعنى الثاني أن معرفة الوحي تمت بالاسم.
٢٣ - وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ وَالْكُرْسِيَّ. وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الرُّوحَانِيِّينَ. وفي نسخة للرواية في كتب أخرى (خلقت به الأرواح)(٥٩٥) وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ. وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ وَجَمِيعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ شَيْءٍ. وَبِالاسْمِ الَّذِي قَدَرْتَ بِهِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.(٥٩٦) 
والرواية تشير الى أن كل المخلوقات هي دون الأسماء الإلهية وأنها مخلوقة بتوسطها.
٢٤ - عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ المَجْدِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْبَهَاءِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الجَلَالِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعِزَّةِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْقُدْرَةِ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ السَّرَائِرِ السَّابِقِ الْفَائِقِ الحَسَنِ النَّضِرِ رَبِّ المَلَائِكَةِ الثَّمَانِيَةِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَبِالْعَيْنِ الَّتِي لَا تَنَامُ وَبِالاسْمِ الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ وَبِالاسْمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ المُحِيطِ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَبِالاسْمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَبِالاسْمِ الَّذِي أَشْرَقَتْ بِهِ الشَّمْسُ وَأَضَاءَ بِهِ الْقَمَرُ وَسُجِّرَتْ بِهِ الْبِحَارُ وَنُصِبَتْ بِهِ الْجِبَالُ وَبِالاسْمِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَبِأَسْمَائِكَ المُكَرَّمَاتِ المُقَدَّسَاتِ المَكْنُونَاتِ المَخْزُونَاتِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَسْأَلُكَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَتَدْعُو بِمَا أَحْبَبْت (٥٩٧) 
والرواية دالة:
١ - على أن الاسم المكتوب في سرادق السرائر موصوف بأنه رب الملائكة الثمانية ورب العرش العظيم، وهذا الوصف نظير ما مر من أنه تعالى خلق العرش باسم من أسمائه، فخلقه تعالى العرش بتوسيط اسمه نحو من تدبير للاسم لما خلق به.
٢ - أن لكل اسم ربوبية لما دونه يدبر شؤونه، فيكون تقييد عنوان الرب بمخلوق إشارة الى اسم إلهي وكل الاسماء مربوبة له تعالى ومشيرة الى ربوبيته تعالى، فهو رب الاسماء.
٣ - عالم الأسماء محجوب عما دونه من المخلوقات غيب مكنون.
٢٥ - وَبِالاسْمِ المَخْزُونِ المَكْنُونِ فِي عِلْمِهِ المُحِيطِ بِعَرْشِهِ الطَّاهِرِ المُطَهَّرِ المُبَارَكِ الْقُدُّوسِ السَّلَامِ المُؤْمِنِ المُهَيْمِنِ الْعَزِيزِ الجَبَّارِ المُتَكَبِّرِ الخَالِقِ الْبَارِئِ المُصَوِّرِ الْأَوَّلِ الْآخِرِ الظَّاهِرِ الْبَاطِنِ الْكَائِنِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَالمُكَوِّنِ لِكُلِّ شَيْءٍ وَالْكَائِنِ بَعْدَ فَنَاءِ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَزَلْ وَلَا يَزَالُ وَلَا يَفْنَى وَلَا يَتَغَيَّرُ نُورٌ فِي نُورٍ وَنُورٌ عَلَى نُورٍ وَنُورٌ فَوْقَ كُلِّ نُورٍ وَنُورٌ يُضِيء بِهِ كُلُّ نُورٍ وَبِالاسْمِ الَّذِي سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ وَاسْتَوَى بِهِ عَلَى الْعَرْشِ فَاسْتَقَرَّ بِهِ عَلَى كُرْسِيِّهِ وَخَلَقَ بِهِ مَلَائِكَتَهُ وَسَمَاوَاتِهِ وَأَرْضَهُ وَجَنَّتَهُ وَنَارَهُ وَابْتَدَعَ بِهِ خَلْقَهُ وَاحِداً أَحَداً فَرْداً صَمَداً كَبِيراً مُتَكَبِّراً عَظِيماً مُتَعَظِّماً عَزِيزاً مَلِيكاً مُقْتَدِراً قُدُّوساً مُتَقَدِّساً - ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَد﴾ وَبِالاسْمِ الَّذِي لَمْ يَكْتُبْهُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ صَدَقَ الصَّادِقُونَ وَكَذَبَ الْكَاذِبُونَ وَبِالاسْمِ الَّذِي هُوَ مَكْتُوبٌ فِي رَاحَةِ مَلَكِ المَوْتِ الَّذِي إِذَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ تَطَايَرَتْ وَبِالاسْمِ الَّذِي هُوَ مَكْتُوبٌ عَلَى سُرَادِقِ عَرْشِهِ مِنْ نُورِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ المَجْدِ وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْبَهَاءِ وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعَظَمَةِ وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الجَلَالِ وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الْعِزِّ وَبِالاسْمِ المَكْتُوبِ فِي سُرَادِقِ الجَمَالِ الخَالِقِ الْبَاعِثِ النَّصِيرِ رَبِّ المَلَائِكَةِ الثَّمَانِيَةِ وَرَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَبِالاسْمِ الْأَكْبَرِ الْأَكْبَرِ وَبِالاسْمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ المُحِيطِ بِمَلَكُوتِ السَّمَاوَات (٥٩٨) وَبِأَسْمَائِهِ الَّتِي لَا تَنْسَى وَبِوَجْهِهِ الَّذِي لَا يَبْلَى وَبِنُورِهِ الَّذِي لَا يُطْفَى وَبِعِزَّتِهِ الَّتِي لَا تُرَامُ وَبِقُدْرَتِهِ الَّتِي لَا تُضَامُ وَبِمُلْكِهِ الَّذِي لَا يَزُولُ وَبِسُلْطَانِهِ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ وَبِالْعَرْشِ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ وَبِالْكُرْسِيِّ الَّذِي لَا يَزُولُ وَبِالْعَيْنِ الَّتِي لَا تَنَامُ وَبِالْيَقْظَانِ الَّذِي لَا يَسْهُو وَبِالحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَبِالْقَيُّومِ الَّذِي ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ (٥٩٩)

ومفاد الرواية:
١ - أن الرتبة الثانية من الأسماء الواردة في أواخر سورة الحشر هي أسماء وأوصاف لاسم إلهي وهذا مقتضى المراتب في الأسماء ومقتضى أن كل طبقة ورتبة مشتقة من التي فوقها. وقد مر أن في عالم الأسماء لا يستعمل خلق اسم من اسم بل يستعمل الاشتقاق وذلك لانعدام الاستقلالية والذاتية فيها وتمحضها في المرآتية والآيتية، ثم إن احد الأسماء اسم محيط بالعرش.
فناء ما دون عالم الأسماء:
٢ - ربما يستفاد أن الفناء والتغير يطال كلما هو دون عالم الأسماء، وأن ذلك الأسم لايفنى ويوصف بأنه لايزل ولايزال، ويشير الى هذا المعنى كثير مما ورد عنهم كدعاء العهد (يا حيا قبل كل حي ويا حيا بعد كل حي ويا حيا حين لا حي) ونظيره ما ورد في روايات المعراج حين فارقه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جبرئيل وخفي عنه اصوات الملائكة (فَرَفَعَنِي الرَّفْرَفُ بِإِذْنِ الله إِلَى رَبِّي فَصِرْتُ عِنْدَهُ وَانْقَطَعَ عَنِّي أَصْوَاتُ المَلَائِكَةِ وَدَوِيُّهُمْ وَذَهَبَتْ عَنِّي المَخَاوِفُ وَالرَّوْعَاتُ (٦٠٠) وَهَدَأَتْ نَفْسِي وَاسْتَبْشَرْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّ جَمِيعَ الخَلَائِقِ قَدْ مَاتُوا أَجْمَعِينَ وَلَمْ أَرَ عِنْدِي أَحَداً مِنْ خَلْقِهِ فَتَرَكَنِي مَا شَاءَ الله ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ رُوحِي فَأَفَقْتُ فَكَانَ تَوْفِيقاً مِنْ رَبِّي (عزَّ وجلَّ) أَنْ غَمَّضْتُ عَيْنِي وَكَلَّ بَصَرِي وَغَشِيَ عَنِّي النَّظَرُ فَجَعَلْتُ أُبْصِرُ بِقَلْبِي كَمَا أُبْصِرُ بِعَيْنِي بَلْ أَبْعُدُ وَأَبْلُغُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ وَعَزَّ ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ولكن المعنى في هذه الروايات يحتمل كونه رتبيا للفناء.
٣ - أن استوائه تعالى على العرش هو بتوسط أحد الأسماء العظيمة وكذلك استقراره على الكرسي.
الاستواء على العرش والاستقلال على الكرسي:
٤ - مر في بعض الأدعية كما في هذا الدعاء أن الاستواء على العرش في مقابل الاستقرار أو الاستقلال - كما في بعض ما يأتي - على الكرسي وأن الثاني متفرع على الأول، وهو استواء هيمنة وقدرة وعلم وسلطان على جميع الأشياء لا الاستعلاء الجسماني والثبات في الهيمنة على الأشياء لا الاستقرار المادي.
٥ - أن بذلك الاسم الآخر الذي استوى به على العرش واستقر به على الكرسي خلق به كل ما هو دون العرش والكرسي.
٦ - قوله (عليه السلام): ابتدع به خلقه واحدا أحدا فردا صمدا... لم يلد ولم يولد... إما أن يكون وصفا لفاعل ابتدع وهو الله تعالى أو وصفا للاسم الذي به ابتدع وفعل الإبداع بتوسطه، كما مر توصيف الاسم بالأسماء بالرتبة الثانية من أسماء آخر سورة الحشر وسيأتي نظيره في توصيف الاسم بالأحد الصمد الفرد.
٧ - أن الأسماء منها ما لا يكتبه لخلقه أي محجوبا عنهم ومنه ما يكتبه لغيره والنمط الأول أعلى واختصاصي، ومنه يظهر أن احتجاب الأسماء مراتب ودرجات وبذلك تتفاوت معرفة المخلوقات به بتفاوت معرفتهم للأسماء الإلهية.
للصفات والأسماء سرادقات:
٨ - أنه كما للعرش سرادقات كذلك للأسماء وللصفات سرادقات وهي أعلى من سرادقات العرش.
٩ - أن الأسماء تكتب في سرادقات أسماء أعلى منها.
١٠ - أن من الأسماء ما يخلق من نور أسم الله وأسم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهو يعزز علو نور الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على جملة من الأسماء فضلا عن العرش.
١١ - قد ورد في الدعاء السابق أن الاسم المكتوب في سرادق السرائر الموصوف ببقية الأسماء، بينما في هذا الدعاء أنه الاسم المكتوب في سرادق الجمال، ولعله باعتبارين.
١٢ - أن الاسم الأعظم الأعظم له أسماء ووجه لا يبلى ونور لا يطفى...
١٣ - أن العرش لا يتحرك والكرسي لا يزول رغم كونهما من الأرواح كما مر استفادة ذلك من جملة من الأدلة، وهذا نمط منها يختص بمثل هذا الحكم تكوينا ولعل لكونهما من أوائل مراتب الأرواح كما يشير إليه تسميتهما، ثم بعدهما أسماء أخرى كالحفيظ والعليم والقائم والحي والقيوم.
وحدة تنزلات واشتقاقات الاسم الواحد:
١٤ - أن جملة من الأسماء والصفات لها تعدد مراتب الاسم الواحد وطبقاته وحجبه مع تنزله وكون اشتقاقاته بنفس الاسم والصفة والتسمية كاسم العليم والحفيظ والقيوم والحي والأول والآخر، وهو مضمون دعاء البهاء في سحر شهر رمضان.
٢٦ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْعَيْنِ الَّتِي لَا تَنَامُ وَبِالْعِزِّ الَّذِي لَا يُرَامُ وَبِالمُلْكِ الَّذِي لَا يُضَامُ وَبِالنُّورِ الَّذِي لَا يُطْفَأُ وَبِالْوَجْهِ الَّذِي لَا يَبْلَى وَبِالحَيَاةِ الَّذِي لَا تَمُوتُ وَبِالصَمَدِيَّةِ الَّتِي لَا تُقْهَرُ وَبِالدَّيْمُومِيَّةِ الَّتِي لَا تَفْنَى وَبِالاسْمِ الَّذِي لَا يُرَدُّ وَبِالرُّبُوبِيَّةِ الَّتِي لَا تُسْتَذَلُّ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد(٦٠١) 
وجملة المعاني في هذا الدعاء متقاربة مع ذيل الدعاء السابق.
٢٧ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ الْعِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَمُسْتَقَرِّ الرَّحْمَةِ وَمُنْتَهَاهَا مِنْ كِتَابِكَ اللهمَّ وَإِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ وَجَلَالِكَ الْأَعْلَى وَجَدِّكَ الْأَكْرَمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد(٦٠٢) 
وهذا الدعاء هو الآخر:
١ - يؤكد مراتب الاسم الواحد والصفة الواحدة.
٢ - وأن العرش ذو مراتب والكتاب كذلك.
٣ - والظاهر أن الكتاب والكتب والكلمات التامات كلها دون العرش، بخلاف الأسماء والصفات فإن منها ما هو فوق العرش وهو جملة عواليها ومنها ما هو دون العرش من الصفات الفعلية.
تعدد اسماء الاسم:
 ٢٨ - بِالاسْمِ الَّذِي بِهِ أَمَتَّ وَأَحْيَيْتَ وَأَفْقَرْتَ وَأَغْنَيْتَ وَعَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَيْت (٦٠٣) 
لا يخفى أن الاسم الأعلى يتسمى بكل الأسماء التي دونه وتتعدد بذلك أسمائه.
٢٩ - وَبِالاسْمِ الَّذِي قَرَّبَ بِهِ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتَّى جَاوَزَ سِدْرَةَ المُنْتَهَى فَكَانَ مِنْهُ كَقَابِ ﴿قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾(٦٠٤) وَبِالاسْمِ الَّذِي يُحِقُّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِه (٦٠٥) 
ومفاد الدعاء أن اقترابه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان من اسم وأن أكثر الأسماء والصفات المذكورة في الكتاب هي أسماء وصفات لأسماء عليا، وهذا ما تقدم بيانه في أوائل الأحاديث التي مرت في عالم الأسماء.
٣٠ - وَأَعُوذُ بِالاسْمِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام) عَلَى النَّبِيِّ الصَّادِقِ الْأَمِينِ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي يَوْمِ الْإِثْنَيْنِ وَبِمَا وَارَتِ الحُجُبُ مِنْ جَلَالِ جَمَالِكَ وَبِمَا طَافَ بِهِ الْعَرْشُ مِنْ بَهَاءِ كَمَالِكَ وَبِمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِك (٦٠٦) 
وهذا الدعاء يفيد:
١ - أن المخلوقات العالية من أوائل العوالم تلحظ كأسماء وصفات وآيات إلهية لمن دونها، كما يشير إليه تسمية الروح الأمري الذي يتنزل به جبرئيل بأنه اسم نزل به.
٢ - أن للجمال جلال، كما أن للجلال جمال كما يشير إليه هذا الدعاء وكذلك سورة الرحمن من عد آلاء الرحمن والرحمانية النار وعذابها.
طواف العرش بالأسماء:
 ٣ - كما مر أن العرش يطوف بالأسماء، فكما أن الأشياء تطوف بالعرش، فالعرش يطوف بالأسماء أيضا، مع أنه مر بنا في الأدعية السابقة أن العرش لا يتحرك بما هو روح من الأرواح المهيمنة، لكن التوجه المعنوي نحو طواف أعلى.
الاسماء حجج إلهية:
٣١ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْكُبْرَى وَبِالمُحَمَّدِيَّةِ الْبَيْضَاءِ وَالْعَلَوِيَّةِ الْعُلْيَا وَبِجَمِيعِ مَا احْتَجَجْتَ بِهِ عَلَى عِبَادِكَ وَبِالاسْمِ الَّذِي [حججته على] حَجَبْتَهُ عَنْ خَلْقِكَ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ(٦٠٧)
ومفاده أن الأسماء كما هي آيات كذلك هي حجج إلهية وهذا نظير ما مر من أن للجمال جلال وللجلال جمال، فإن الآية حيثية جمالية والحجية حيثية جلالية، كما يشير الى مراتب الاسم الواحد.
٣٢ - وَبِالاسْمِ الَّذِي قَامَ بِهِ الْعَرْشُ وَالْكُرْسِيُّ وَبِأَسْمَائِكَ المُكَرَّمَاتِ المُقَدَّسَاتِ المَكْنُونَاتِ المَخْزُونَاتِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَسْأَلُكَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ(٦٠٨)
القيام بالاسم يتحد مع معنى خلق الشيء به.
٣٣ - اسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ الْعَظِيمَ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ، وَاسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي طَوَّقْتَ بِهِ حَمَلَةَ الْعَرْشِ حِينَ حَمَّلْتَهُمْ، وَاسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي بِهِ احَطْتَ الارْضَ فَإِنَّهُ اسْمُكَ، يا الله يا رَبِّ يا رَبِّ يا رَبِّ، اسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ المَلائِكَةَ الْخارِجِينَ مِنَ الأَقْطارِ، فَإِنَّكَ خَلَقْتَهُمْ بِاسْمِكَ الْعَزِيزِ،(٦٠٩)
ومفاده:
١ - تطويق الحملة بالاسم لعله بمعنى إسنادهم به.
٢ - ظاهر مفاده أن اسم (العظيم) به خلق العرش العظيم، ويحتمل أن العظيم صفة لذلك الاسم الذي خلق به العرش العظيم.
٣٤ - وَبِاسْمِكَ الَّذِي إِذا دُعِيتَ بِهِ اجَبْتَ وَإِذا سُئِلْتَ بِهِ اعْطَيْتَ، وَبِالتَّوْراةِ وَالانْجِيلِ (٦١٠) وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، رَبَّ جَبْرَئِيلَ وَمِيكائِيلَ وَإِسْرافِيل (٦١١) 
والظاهر أن جملة «رب جبرئيل و...» وصف للقرآن العظيم والذي حقيقته الروح الأمري، كما مر في وصف أحد الأسماء بأنه رب العرش العظيم.
٣٥ - وَبِاسْمِكَ الَّذِي فِي الْحِجَابِ عِنْدَكَ لَا يُضَامُ الْحِجَابُ عَرْشَكَ وَبِاسْمِكَ الَّذِي تَطْوِي بِهِ السَّمَاوَاتِ ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ وَبِاسْمِكَ الَّذِي تَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِكَ وَتَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَبِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ أَكْرَمِ الْوُجُوهِ وَبِمَا تَوَارَتْ بِهِ الحُجُبُ مِنْ نُورِكَ وَبِمَا اسْتَقَلَّ بِهِ الْعَرْشُ مِنْ بَهَائِك (٦١٢) وَبِاسْمِكَ المَكْتُوبِ عَلَى أَجْنِحَةِ الْكَرُوبِيِّينَ وَبِأَسْمَائِكَ الَّتِي تُحْيِي بِهَا ﴿الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيم﴾ وَبِاسْمِكَ الَّذِي دَعَاكَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَبِأَسْمَائِكَ المَكْتُوبَاتِ عَلَى عَصَا مُوسَى وَبِاسْمِكَ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ مُوسَى (عليه السلام) عَلَى سَحَرَةِ مِصْرَ فَأَوْحَيْتَ إِلَيْهِ ﴿لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأَعْلَى﴾ وَبِأَسْمَائِكَ المَنْقُوشَات عَلَى خَاتَمِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ (عليه السلام) الَّتِي مَلَكَ بِهَا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَأَذَلَّ بِهَا إِبْلِيسَ وَجُنُودَه (٦١٣) 
وفي الرواية دلالة على:
١ - أن كتابة الاسم على شيء هو استعلاء الاسم عليه، وأن المكتوب يستمد المدد من الاسم المكتوب.
٢ - وأن اسم البهاء فوق العرش ومر أن العرش يطوف به.
٣ - أن القدرة التكوينية في العوالم بتوسط الأسماء.
٤ - أن جملة أحوال القيامة والمعاد تتحقق بالأسماء.
٥ - أن الحجاب عالم فوق العرش وبما مر كثيرا يظهر أن الحجاب وصف لعوالم كثيرة المراتب وأنه وصف لكل عالم يحجب ما دونه عما فوقه.
٦ - يظهر أنه لولا الاسم في الحجاب الذي فوق العرش لما تحمل العرش ضيم عظمة الحجاب فوقه.
٣٦ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الرُّوحِ المَكْنُونِ الحَيِّ الحَيِّ الحَيِّ وَبِهِ وَبِهِ وَبِهِ وَبِك (٦١٤) 
ومفاده:
١ - أن الأرواح العالية المكنونة عمن دونها هي كما مر هي أسماء لمن دونها.
٢ - أن الأسماء حية بحياة أعظم من حياة من دونها من الأرواح علما وقدرة وسلطانا.
٣٧ - يَا مَنِ الْعِزُّ وَالجَلَالُ وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ وَالْقُوَّةُ وَالْعِلْمُ وَالْقُدْرَةُ وَالنُّورُ وَالرُّوحُ وَالمَشِيَّةُ وَالحَنَانُ وَالرَّحْمَةُ وَالمُلْكُ لِرُبُوبِيَّتِهِ نُورُكَ أَشْرَقَ لَهُ كُلُّ نُورٍ وَخَمَدَ لَهُ كُلُّ نَارٍ وَانْحَصَرَ لَهُ كُلُّ الظُّلُمَاتِ أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي اشْتَقَقْتَهُ مِنْ قِدَمِكَ وَأَزَلِكَ وَنُورِكَ وَبِالاسْمِ الْأَعْظَمِ الَّذِي اشْتَقَقْتَهُ مِنْ كِبْرِيَائِكَ وَجَبَرُوتِكَ وَعَظَمَتِكَ وَعِزِّكَ وَبِجُودِكَ الَّذِي اشْتَقَقْتَهُ [أشفقته] مِنْ رَحْمَتِكَ وَبِرَحْمَتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ رَأْفَتِكَ وَبِرَأْفَتِكَ الَّتِي اشْتَقَقْتَهَا مِنْ جُودِكَ وَبِجُودِكَ الَّذِي اشْتَقَقْتَهُ مِنْ غَيْبِكَ وَبِغَيْبِكَ وَإِحَاطَتِكَ وَقِيَامِكَ وَدَوَامِكَ وَقِدَمِكَ وَأَسْأَلُكَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِكَ الحُسْنَى (٦١٥) 
ومفاده:
١ - بيان مراتب الأسماء وطبقاتها.
٢ - وأن الربوبية طبقات في الأسماء فالربوبية المضافة لاسم (هو) مالك للأسماء الثلاثة عشر.
٣ - أن الاسم الأعظم نعت إضافي لما دونه فهو مراتب وطبقات وليس مرتبة واحدة.
اسم (هو) و(الله) مراتب:
٣٨ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الله الله الله الله الله ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾(٦١٦) ﴿الحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ﴿فَتَعَالَى الله المَلِكُ الحَقُّ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم﴾ ﴿الله لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ الله رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُون﴾
ومفاده:
١ - أن اسم (الله) مراتب ومن تلك المراتب موصوف بتهليل التوحيد فضلا عن المسمى.
٢ - أن اسم (هو) مراتب وليس مرتبة واحدة.
٣ - أن ربوبية العرش وصف لاسم (الله). وقد مر أن اسم (العظيم) خلق به العرش العظيم.
توسيط (الباء) أعظم من (من):
٣٩ - وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عِيسَى مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ وَبِالاسْمِ الَّذِي تُبْتَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ وَبِالاسْمِ الَّذِي وَهَبْتَ بِهِ لِزَكَرِيَّا يَحْيَى وَبِالاسْمِ الَّذِي كَشَفْتَ بِهِ عَنْ أَيُّوبَ الضُّرَّ وَتُبْتَ بِهِ عَلَى دَاوُدَ وَسَخَّرْتَ بِهِ لِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ وَالشَّيَاطِينَ وَعَلَّمْتَهُ مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْعَرْشَ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْكُرْسِيَّ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الرُّوحَانِيِّينَ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ الخَلْقِ وَبِالاسْمِ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ جَمِيعَ مَا أَرَدْتَ مِنْ شَيْءٍ وَبِالاسْمِ الَّذِي قَدَرْتَ بِهِ عَلَى كُلِّ شَيْء(٦١٧).
ومفاده:
١ - أن الخلق بالأسماء وإن كان المنشئ من روح.
٢ - أن (الباء) توسيط أعظم في الخلق من (من) عكس ما افترضه الفلاسفة، وهو مطابق لما في قوله تعالى: وجعلنا من الماء كل شيء حي. وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ مِنَ المَاء بَشَرًا﴾.
العرش ثم الماء (المشية) ثم العقل:
٤٠ - أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي قَامَ بِهِ عَرْشُكَ عَلَى المَاءِ(٦١٨):
ومفاده أن مرتبة عالم الأسماء فوق العرش ومرتبة العرش فوق مرتبة الماء الذي خلق منه كل شيء ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ وقد مر احتمال انطباق الماء على المشيئة، وقد مر أن العقل والجهل خلقا من البحرين من الماء، وأن المشية أيضا خلقت مما دون العرش، كما مر أن العرش والمشية تطلق على طبقات ومراتب وعوالم، ولعل كل عرش يستلزم ويستعقب مشية.
٤١ - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْعَظِيمِ الْعَظِيمِ دَيَّانِ الدِّينِ مُحْيِي الْعِظَامِ ﴿وَهِيَ رَمِيم﴾ (٦١٩):
ومفاده كما مر أن جملة أحوال القيامة والمعاد من شؤون الأسماء الإلهية.
٤٢ - بِاسْمِكَ الَّذِي أَشْرَقَ بِنُورِهِ حُجُبَك (٦٢٠):
وقد مر أن الحجب تطلق على مراتب.
٤٣ - وَرَوُى الطوسي فِي مصباح المُتهجّد فِي تعقيب صلاة أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): «... - إلى قوله - وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عَرْشَكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْتَ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الْعَظِيمِ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ اسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ نُورَ حِجَابِكَ النُّورِ وَأَسْأَلُكَ يَا الله بِاسْمِكَ الَّذِي تَضَعْضَعَ بِهِ سُكَّانُ سَمَاوَاتِكَ وَأَرْضِكَ وَاسْتَقَرَّ بِهِ عَرْشُكَ وَتَطْوِي بِهِ سَمَاءَكَ وَتُبَدِّلُ بِهِ أَرْضَكَ وَتُقِيمُ بِهِ الْقِيَامَة - إلى قوله - واسألك باسمك الذي ألقيت به عرشك وكرسيك فِي الهواء - إلى قوله - واسألك باسمك الذي دعاكَ به حملة عرشك فاستقرّت أقدامهم، وحمّلتهم عرشك بذلك الاسم يا الله الذي لا يعلمه ملك مُقرّب ولا حامل عرشك ولا كرسيك إلَّا مَنْ علّمته»(٦٢١).
ومفادها:
١ - أن جملة الأسماء خفية عما دون من المخلوقات ونظيره ورد في دعاء السمات: اللهمَّ بِحَقِّ هَذَا الدُّعَاءِ وَبِحَقِّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ تَفْسِيرَهَا وَلَا يَعْلَمُ بَاطِنَهَا غَيْرُك (٦٢٢)، وإذا كان العرش لا يخطر على بال فكر وصفه فكيف بالإسم الذي خلق به العرش.
٢ - ظاهر الدعاء تغاير الاسم الذي خلق به العرش مع الاسم الذي استقر به العرش.
٣ - أن هذا الاسم هو الذي تطوى به السماوات والأرضين وتقام به القيامة.
٤ - كما مر أن العرش يطوف حول اسم البهاء كذلك في هذا الدعاء يبين أن للعرش استقرار.
اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي أَطْفَيْتَ بِهِ كُلَّ نُورٍ وَهُوَ حَيٌّ خَلَقْتَهُ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ عَرْشَكَ الَّذِي لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا أَنْتَ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ وَجْهِكَ الْعَظِيمِ وَأَسْأَلُكَ بِنُورِ اسْمِكَ الَّذِي خَلَقْتَ بِهِ نُورَ حِجَابِكَ النُّورِ وَأَسْأَلُكَ يَا الله بِاسْمِكَ الَّذِي تَضَعْضَعَ بِهِ سُكَّانُ سَمَاوَاتِكَ وَأَرْضِكَ وَاسْتَقَرَّ بِهِ عَرْشُكَ وَتَطْوِي بِهِ سَمَاءَكَ وَتُبَدِّلُ بِهِ أَرْضَكَ وَتُقِيمُ بِهِ الْقِيَامَة(٦٢٣) 
مفاده:
١ - قد تقدم أن نور الاسم يحتمل أنه من إضافة المسبب للسبب أو يراد المرتبة العليا من الاسم، كما هو في نور حجابك النور.
٢ - وقد مر أن اسم (الله) هو رب العرش العظيم، وكذلك مر أن اسم (العظيم) خلق به العرش العظيم.
٣ - وفيه تصريح أن إقامة القيامة هو بالاسم الإلهي.
٤ - وفيه توصيف الاسم بالحي كما في أدعية أخرى، وأن الاسم والأسماء مخلوقات أولى في سلسلة المخلوقات وهي حية بحياة أعظم من بقية المخلوقات.
٤٤ - وَبِاسْمِكَ المَكْنُونِ الْأَكْبَرِ الْأَعَزِّ الْأَجَلِّ الْأَعْظَمِ الْأَكْرَمِ الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَهْوَاهُ وَتَرْضَى [بِهِ] عَمَّنْ دَعَاكَ بِهِ فَاسْتَجَبْتَ لَهُ دُعَاءَهُ وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَحْرِمَ سَائِلَكَ وَلَا تَرُدَّهُ وَبِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ وَبِكُلِّ اسْمٍ دَعَاكَ بِهِ حَمَلَةُ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتُكَ وَأَنْبِيَاؤُكَ وَرُسُلُكَ وَأَهْلُ طَاعَتِكَ مِنْ خَلْقِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ(٦٢٤) 
ومفاده:
١ - وقوع الاصطفاء في الأسماء ولعله بمعنى امتياز كل اسم بخواص وإعطاء كل اسم تلك الخواص، وقد مر التصريح بوقوع الاصطفاء في الأسماء.
٢ - وأن توجه الملائكة العاليين الى الحضرة الإلهية إنما يتم بالأسماء الإلهية.
٤٥ - وَبِاسْمِكَ الْأَكْبَرِ الَّذِي سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَاسْتَوَيْتَ بِهِ عَلَى عَرْشِكَ وَاسْتَقْرَرْتَ بِهِ عَلَى كُرْسِيِّكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّد(٦٢٥) 
الظاهر أن الأكبر صفة للاسم، إذ قد تقدم عدة صفات أو تسميات للاسم الذي استوى به تعالى على العرش.
 ٤٦ - وَأَسْأَلُكَ بِالاسْمِ الَّذِي اسْتَقَلَّ بِهِ عَرْشُك (٦٢٦).
الظاهر أن الاستقلال به بمعنى قام به.
٤٧ - وَمِمَّا خَرَجَ عَنْ صَاحِبِ الزَّمَانِ (عليه السلام) زِيَادَةٌ فِي هَذَا الدُّعَاءِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الصَّلْتِ الْقُمِّيِ - اللهمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ وَرَبَ ﴿الْبَحْرِ المَسْجُور﴾ وَمُنْزِلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَرَبِّ الظِّلِّ وَالحَرُورِ وَمُنْزِلِ الزَّبُورِ وَالْقُرْآنِ (٦٢٧) الْعَظِيمِ وَرَبِّ المَلَائِكَةِ المُقَرَّبِينَ وَالْأَنْبِيَاءِ المُرْسَلِينَ أَنْتَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُك (٦٢٨) 
اللهمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الْوَاسِعِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَرَبَ ﴿الْبَحْرِ المَسْجُور﴾ وَرَبَ ﴿الشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾(٦٢٩) وَرَبَ ﴿التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل﴾ وَرَبَّ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ.
اللهمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ، وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفِيعِ، وَرَبَّ ﴿الْبَحْرِ المَسْجُور﴾(٦٣٠)، وَرَبَّ الشَّفْعِ الْكَبِيرِ، وَالنُّورِ الْعَزِيزِ، وَرَبَّ ﴿التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل﴾ وَالزَّبُورِ، وَالْفُرْقانِ الْعَظِيمِ. أَنْتَ إِلهُ مَنْ فِي السماوات وَإِلهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لا إِلهَ فِيهِما غَيْرُك (٦٣١).
اللهمَّ رَبَ النُّورِ الْعَظِيمِ وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الْوَاسِعِ وَرَبِ ﴿الْعَرْشِ الْعَظِيم﴾ وَرَبَ ﴿الْبَحْرِ المَسْجُور﴾ وَرَبَ ﴿الشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾ وَرَبَ ﴿التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل﴾ وَرَبَّ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ وَرَبَّ الظِّلِّ وَالحَرُورِ وَرَبَّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنْتَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُك (٦٣٢) وَرَبَّ الظِّلِّ وَالحَرُورِ وَرَبَّ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنْتَ إِلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ (٦٣٣) وَإِلَهُ مَنْ فِي الْأَرْضِ لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُك (٦٣٤) 
اللهمَّ رَبَّ النُّورِ الْعَظِيمِ وَرَبَ ﴿الشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾ وَرَبَ ﴿الْبَحْرِ المَسْجُور﴾ وَ﴿الْبَيْتِ المَعْمُور﴾ وَرَبَّ ﴿التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل﴾ وَالزَّبُورِ وَرَبَّ ﴿الْفُرْقَانَ﴾ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ أَنْتَ الله لَا إِلَهَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ لَا إِلَهَ فِيهِمَا غَيْرُكَ وَلَا مَعْبُودَ سِوَاك(٦٣٥).
ومفاده:
١ - أن النور العظيم ويحتمل أن يراد به العرش العظيم فوق مرتبة الكرسي الرفيع، ووصف الكرسي بالرفيع في قبال وصف العرش أو النور بالعظيم، وقد وصف بالواسع، والمقابلة بين العرش والنور.
٢ - وفيه إشارة الى طبقات النور وأن منه النور العظيم ومنه العزيز ومنه ما يقابل الظلمات ومنه ظل وحرور.
٣ - لعل الترتيب بين النور العظيم ثم الكرسي الرفيع ثم العرش العظيم يشير الى الترتيب من جهة التصاعد لا التنزل، لكن الرواية اللاحقة دالة على أن النور العظيم لا يحتمله نور العرش العظيم، مما يدلل على فوقيته رتبة، وأنه فوق العرش العظيم، ولو بلحاظ نور الحجب الذي هو فوق العرش ونور الستر فوق نور الحجب.
٤٨ - قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَرَأَيْتُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بِحَاراً مِنْ نُورٍ يَتَلَأْلَأُ(٦٣٦) تَلَأْلُؤُهَا يَخْطَفُ بِالْأَبْصَارِ وَفِيهَا بِحَارٌ مُظْلِمَةٌ(٦٣٧) وَبِحَارٌ مِنْ ثَلْجٍ(٦٣٨) تَرْعُدُ فَكُلَّمَا فَزِعْتُ(٦٣٩) وَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ سَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا مُحَمَّدُ وَاشْكُرْ كَرَامَةَ رَبِّكَ وَاشْكُرِ الله بِمَا صَنَعَ إِلَيْكَ قَالَ فَثَبَّتَنِيَ الله بِقُوَّتِهِ وَعَوْنِهِ حَتَّى كَثُرَ قَوْلِي لِجَبْرَئِيلَ وَتَعَجُّبِي فَقَالَ جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ تُعَظِّمُ مَا تَرَى إِنَّمَا هَذَا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ فَكَيْفَ بِالخَالِقِ الَّذِي خَلَقَ مَا تَرَى وَمَا لَا تَرَى أَعْظَمُ مِنْ هَذَا مِنْ خَلْقِ رَبِّكَ أَنَّ بَيْنَ الله وَبَيْنَ خَلْقِهِ تِسْعِينَ(٦٤٠) أَلْفَ حِجَابٍ وَأَقْرَبُ الخَلْقِ إِلَى الله أَنَا وَإِسْرَافِيلُ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهُ أَرْبَعَةُ حُجُبٍ حِجَابٌ مِنْ نُورٍ وَحِجَابٌ مِنْ ظُلْمَةِ وَحِجَابٌ مِنَ الْغَمَامِ وَحِجَابٌ مِنَ المَاءِ قَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَرَأَيْتُ مِنَ الْعَجَائِبِ الَّتِي خَلَقَ الله وَسَخَّرَ عَلَى مَا أَرَادَهُ دِيكاً رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ وَرَأْسُهُ عِنْدَ الْعَرْشِ وَهُوَ مَلَكٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الله تَعَالَى(٦٤١) خَلَقَهُ الله كَمَا أَرَادَ رِجْلَاهُ فِي تُخُومِ الْأَرَضِينَ السَّابِعَةِ ثُمَّ أَقْبَلَ مُصْعِداً حَتَّى خَرَجَ فِي الْهَوَاءِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَانْتَهَى فِيهَا مُصْعِداً حَتَّى انْتَهَى قَرْنُهُ إِلَى قُرْبِ الْعَرْشِ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَ رَبِّي حَيْثُ مَا كُنْتُ لَا تَدْرِي أَيْنَ رَبُّكَ مِنْ عِظَمِ شَأْنِهِ وَلَهُ جَنَاحَانِ فِي مَنْكِبَيْهِ إِذَا نَشَرَهُمَا جَاوَزَ المَشْرِقَ وَالمَغْرِب(٦٤٢)... قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَلَمَّا دَخَلْتُ الجَنَّةَ رَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي فَسَأَلْتُ جَبْرَئِيلَ عَنْ تِلْكَ الْبِحَارِ وَهَوْلِهَا وَأَعَاجِيبِهَا فَقَالَ هِيَ سُرَادِقَاتُ الحُجُبِ الَّتِي احْتَجَبَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَا وَلَوْ لَا تِلْكَ الحُجُبُ لَتَهَتَّكَ نُورُ الْعَرْشِ (٦٤٣) وَكُلُّ شَيْءٍ فِيهِ وَانْتَهَيْتُ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى فَإِذَا الْوَرَقَةُ مِنْهَا تُظِلُّ أُمَّةً مِنَ الْأُمَم (٦٤٤).
قال المجلسي: قوله (عليه السلام) لتهتك نور العرش وكل شيء فيه أي لو لا تلك الحجب لأحرق وهتك النور العظيم الذي خلقه الله وراء الحجب نور العرش وما دونه وفي بعض النسخ لهتك نور العرش كل شيء فيه فالمراد بها الحجب التي تحت العرش وأنه لولاها لأحرق وحرق نور العرش ما دونه وفي التفسير الصغير للمصنف لهتك نور الله العرش وما دونه وهو يرجع إلى المعنى الأول (٦٤٥).
وفي تفسير القمي صحيح هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام):... وَلَوْ لَا تِلْكَ الحُجُبُ لَهَتَكَ نُورُ الْعَرْشِ كُلَّ شَيْءٍ فِيهِ،(٦٤٦) 
وروى في المناقب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) جوابه عن أسئلة اليهوديين:... أَمَّا الثَّمَانِيَةَ عَشَرَ فَثَمَانِيَةَ عَشَرَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ مُعَلَّقَةً بَيْنَ الْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ لَوْ لَا ذَلِكَ لَذَابَتِ الصُّمُّ الشَّوَامِخُ وَاحْتَرَقَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنْ نُورِ الْعَرْشِ (٦٤٧).
وفي صحيح عاصم بن حميد عن ابي عبد الله (عليه السلام):... الْكُرْسِيُّ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْعَرْشِ وَالْعَرْشُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ الْحِجَابِ وَالْحِجَابُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءاً مِنْ نُورِ السِّتْر(٦٤٨) 
وهو يشهد لكون احد طبقات ومراتب اطلاق الحجب فوق العرش أيضا، وإن كانت الحجب تطلق على مراتب عديدة منها ما دون العرش بل ما دون بعض السماوات.
اسم الأحد الصمد الفرد مراتب:
٤٩ - أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الْأَجَلِّ الْأَعَزِّ الْأَكْرَمِ، الظَّاهِرِ الْباطِنِ الطَّاهِرِ المُطَهَّرِ المُقَدَّسِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الْفَرْدِ، الَّذِي مَلأَ الْأَرْكانَ كُلَّها، الَّذِي إِذا دُعِيتَ بِهِ أَجَبْتَ، وَإِذا سُئِلْتَ بِهِ أَعْطَيْتَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ(٦٤٩) 
ومفاده:
١ - كما مر أن الأحد الصمد الفرد وصف لاسم، ويبين أن الأحدية والصمدية وغيرهما كاسم ذات درجات وطبقات كما مر.
٢ - وملؤه للأركان كلها تقومها به واشتقاقها منه.
٥٠ - اللّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ وَاشْهِدُ مَلائِكَتَكَ وَكَفى بِكَ شَهِيداً، أَنَّكَ أَنْتَ الله لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَخِيَرَتُكَ مِنْ خَلْقِكَ، وَأَنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِنْ دُونِ عَرْشِكَ إِلى قَرارِ أَرْضِكَ السَّابِعَةِ باطِلٌ ما خَلا وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، الدّائِم الَّذِي لا يَزُولُ، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلى آلِ مُحَمَّدٍ،(٦٥٠) وَبِحَقِّ الرُّوحانِيِّينَ الَّذِينَ لا يَفْتُرُونَ إِلَّا بِتَعْظِيمِ عِزِّ جَلالِكَ، وَبِالثَّناءِ عَلَيْكَ، وَلا يَبْلُغُونَ ما أَنْتَ مُسْتَحِقُّهُ مِنْ عَظِيمِ عِزِّكَ وَعُلُوِّ شَأْنِكَ.(٦٥١) يَا خَفِيَّ اللُّطْفِ يَا خَازِنَ النُّورِ فِي السَّمَاء(٦٥٢) 
ومفاده:
١ - أن التفصيل بين ما دون العرش وما بين فوق العرش ليس على نحو الاستثناء المتصل، بل لإن ما فوق العرش الغالب عليه الجهة الإسمية له تعالى فالعبادة له عبادة مرآة وطريق له تعالى نظير قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الحُسْنَى﴾ وقوله تعالى ﴿وَللهِ الأَسْمَاء الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُون﴾.
٢ - قد استثني من عبادة ما دون العرش خلا وجهه الكريم وهو الحيثية الإسمية فيما دون العرش من الأشياء فإن حكم عبادتها طريق لعبادته تعالى، وهذا اختلاف شأن ما فوق العرش من المخلوقات عما هو دون العرش من المخلوقات، فالأولى متمحضة في الإسمية.
٣ - أن الروحانيين بحكم شفافيتهم أعلى تنزيها وتحميدا ومعرفة به تعالى من بقية المخلوقات الأكثف جسمانية.
٤ - خزن النور في السماء باعتبار السمو علو يشير الى علو خلقة النور ولطافته.
٥١ - وروى الكفعمي عَنِ الْقَائِمِ (عليه السلام) ﴿بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي عَزَمْتَ بِهِ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَقُلْتَ لَهُمَا ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِين﴾ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي عَزَمْتَ بِهِ عَلَى عَصَا مُوسَى ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُون﴾ وَأَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي صَرَفْتَ بِهِ قُلُوبَ السَّحَرَةِ إِلَيْكَ حَتَّى ﴿قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِين﴾ (٦٥٣) 
ومفاده:
١ - تبيان شأن آخر للأسماء علاوة على الخلق بها، وهو الأفعال الخارقة للأسباب في التصريف والتغيير في أحوال المخلوقات فبالاسم يعزم على ذلك في مخلوق ما.
٢ - وأن هداية الأسماء لما دونها حتم مبرم وإن لم يخرج ذلك عن الاختيار لذلك المخلوق بل من قبيل قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ أي مزيد من اللطف منه تعالى.
اسم القيوم مراتب:
٥٢ - وروى الكفعمي: وَبِاسْمِكَ المَكْنُونِ المَخْزُونِ الحَيِّ الْقَيُّومِ الْأَكْبَرِ الْأَجَلِّ الَّذِي تُحِبُّهُ وَتَهْوَاهُ وَتَرْضَى عَمَّنْ. دَعَاكَ بِهِ وَتَسْتَجِيبُ لَهُ دُعَاءَهُ وَحَقٌّ عَلَيْكَ أَنْ لَا تُخَيِّبَ سَائِلَك (٦٥٤) 
ومفاده:
١ - أن القيومية كاسم وصفة ذات درجات كما مر في بقية الأسماء والصفات الكبرى.
٢ - الاصطفاء واقع في الأسماء وهو معنى غامض في الاصطفاء كما مر.
إطلاق الأسماء على الأرواح العظيمة تحت العرش:
٥٣ - روى أَبِو حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: لَمَّا قَضَى رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبُوَّتَهُ وَاسْتُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ أَوْحَى الله إِلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ قَضَيْتَ نُبُوَّتَكَ وَاسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ فَاجْعَلِ الْعِلْمَ الَّذِي عِنْدَكَ وَالْآثَارَ وَالِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ النُّبُوَّةِ فِي أَهْلِ بَيْتِكَ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَإِنِّي لَمْ أَقْطَعْ عِلْمَ النُّبُوَّةِ مِنَ الْعَقِبِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ كَمَا لَمْ أَقْطَعْهَا مِنْ بُيُوتَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَبِيكَ آدَمَ صَلَوَاتُ الله عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.(٦٥٥)
والمراد بالاسم الاكبر اما روح القدس او الروح الامري الذي أوحي اليه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كما اشارت اليه آيات وروايات عديدة.
وعَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ أَبِي الدَّيْلَمِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: أَوْصَى مُوسَى إِلَى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَأَوْصَى يُوشَعُ بْنُ نُونٍ إِلَى وَلَدِ هَارُونَ وَلَمْ يُوصِ إِلَى وَلَدِ مُوسَى لِأَنَّ الله لَهُ الْخِيَرَةُ يَخْتَارُ مَنْ يَشَاءُ مِمَّنْ يَشَاءُ وَبَشَّرَ مُوسَى يُوشَعَ بْنَ نُونٍ بِالمَسِيحِ فَلَمَّا أَنْ بَعَثَ الله المَسِيحَ قَالَ لَهُمْ إِنَّهُ سَيَأْتِي رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ يُصَدِّقُنِي وَيُصَدِّقُكُمْ وَجَرَتْ بَيْنَ الحَوَارِيِّينَ فِي المُسْتَحْفَظِينَ وَإِنَّمَا سَمَّاهُمُ الله المُسْتَحْفَظِينَ لِأَنَّهُمُ اسْتُحْفِظُوا الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَهُوَ الْكِتَابُ الَّذِي يُعْلَمُ بِهِ كُلُّ شَيْءٍ الَّذِي كَانَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ يَقُولُ الله تَعَالَى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ الْكِتَابُ الِاسْمُ الْأَكْبَرُ وَإِنَّمَا عُرِفَ مِمَّا يُدْعَى الْعِلْمَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْفُرْقَانُ فَمَا كَانَ كُتُبُ نُوحٍ وَمَا كِتَابُ صَالِحٍ وَشُعَيْبٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَقَدْ أَخْبَرَ الله ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾(٦٥٦) فَأَيْنَ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَمَّا صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فَالاسْمُ الْأَكْبَرُ وَصُحُفُ مُوسَى الِاسْمُ الْأَكْبَرُ فَلَمْ تَزَلِ الْوَصِيَّةُ يُوصِيهَا عَالِمٌ بَعْدَ عَالِمٍ حَتَّى دَفَعُوهَا إِلَى مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُمَّ أَتَاهُ جَبْرَئِيلُ فَقَالَ لَهُ إِنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ نُبُوَّتَكَ وَاسْتَكْمَلْتَ أَيَّامَكَ فَاجْعَلِ الِاسْمَ الْأَكْبَرَ وَمِيرَاثَ الْعِلْمِ وَآثَارَ النُّبُوَّةِ عِنْدَ عَلِيٍّ (عليه السلام) فَإِنِّي لَا أَتْرُكُ الْأَرْضَ إِلَّا وَلِي فِيهَا عَالِمٌ يُعْرَفُ بِهِ طَاعَتِي وَيُعْرَفُ بِهِ وَلَايَتِي فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَنْ وُلِدَ بَيْنَ قَبْضِ نَبِيٍّ إِلَى خُرُوجِ (٦٥٧) آخَرَ فَأَوْحَى بِالاسْمِ الْأَكْبَرِ وَمِيرَاثِ الْعِلْمِ وَآثَارِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).(٦٥٨) 
ومفاده:
١ - والاسم الأكبر قد استظهر من جملة من الروايات إطلاقه على روح القدس الروح الأمري كما صرح بذلك في هذه الرواية، وقد ورد أنه مخلوق مما دون العرش.
٢ - أن جعل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ما عنده من أرواح هو بالإيحاء من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الى عليّ (عليه السلام)، فالتوريث ههنا اطلق عليه جعل تكويني وإيحاء وليس نقلا ماديا، كما اطلق عليه الجعل في الرواية السابقة.
٥٤ - وروى في إثبات الوصية: ثم أحضر علي بن الحسين (عليه السلام) وكان عليلا فأوصى إليه بالاسم الأعظم ومواريث الأنبياء وعرّفه ان قد دفع العلوم والصحف والمصاحف والسلاح الى أم سلمة - رضي الله عنها - وأسرّها أن تدفع جميع ذلك إليه). وفي هذه الرواية اطلق على الوحي والتوريث وصية وإيصاء.
وروي انّه (عليه السلام) دعا ذلك اليوم ابنته الكبرى فاطمة فدفع إليها كتابا ملفوفا وأمرها أن تسلّمه الى أخيها علي بن الحسين (عليه السلام). فسئل العالم (عليه السلام): أي شيء كان في الكتاب؟
فقال: فيه - والله - جميع ما يحتاج إليه ولد آدم الى فناء الدّنيا وقيام الساعة.(٦٥٩)
ومفاده:
١ - أن الاسم الأعظم هو الاسم الأكبر، وقد تقدم أن الاسم الأعظم يطلق على مراتب عديدة من الأسماء، والظاهر أن الاسم الأكبر كذلك.
٢ - أن في الرواية دلالة على أن الكتاب العزيز ليس مختصا بالمعرفة الدينية والتكليف في عالم الدنيا بل يمتد للبرزخ وللرجعة ولعالم القيامة، مع أن الغاية ليست ذات مفهوم فإن هناك من الدلالات على ارتباط القرآن والكتاب العزيز بالجنة ودرجاتها.
٥٥ - وروى العلوي في المناقب: قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أعطانا الله ربّنا من علمه الاسم الأعظم (٦٦٠) الذي لو شئنا خرقنا(٦٦١) السماوات والأرض والجنّة والنار، ونعرج به إلى السماء ونهبط به إلى (٦٦٢) الأرض، ونغرّب ونشرّق، وننتهي به إلى العرش فنجلس عليه بين يدي الله تعالى فيعطينا كلّ شيء حتّى السماوات والأرضين والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدوابّ والبحار والجنّة والنار، أعطانا ذلك كلّه بالاسم الأعظم الذي علّمنا وخصّنا به، ومع هذا كلّه نأكل ونشرب ونمشي في الأسواق ونعمل هذه الأشياء بأمر ربّنا ونحن عباد الله المكرمون الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وجعلنا معصومين مطهّرين، وفضّلنا على كثير من عباده المؤمنين، فنحن نقول لهذا(٦٦٣): ﴿الحَمْدُ للهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللهُ﴾(٦٦٤)، و﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِين﴾ (٦٦٥)، أعني الجاحدين بكلّ ما أعطانا الله من الفضل والإحسان.(٦٦٦) 
ومفاد الحديث:
١ - يحتمل أن يراد من الاسم الأعظم ما تقدم من الاسم الأكبر ويحتمل وهو أظهر أن يراد مرتبة أخرى من اسم أعظم فوق العرش لما مر من أن الاسم الأكبر والاسم الأعظم إذا أريد به الروح الأمري وروح القدس فهو دون العرش، بينما مفاد هذا الحديث اسم أعظم فوق العرش كما يأتي، يتمكن به على العرش علما وقدرة، فضلا عما هو دون العرش من العوالم.
مرتبتهم الأسمائية فوق العرش:
٢ - أن بهذا الاسم الأعظم يستوون على العرش قدرة وعلما وسلطانا وهم بين يدي تصرف الله تعالى فوقهم، كما مر أنه تعالى فوقيته على العرش بتوسط عالم الاسماء، أي بينه وبين العرش عالم الأسماء، فكونهم في مرتبة الأسماء فوق العرش ومن فوقهم الله تعالى، فمرتبتهم الأسمائية فوق العرش، وفي هذه المرتبة هم أولياء عرش الرحمن فضلا عما دون العرش من الجنة والنار والسماوات والأرضين ومن فوقهم الله تعالى ولي عليهم.
عروجهم مراتبا لما فوق العرش:
٣ - أنهم لهم العروج بالاسم الأعظم الى قرب العرش بل الى ما فوق العرش مع اختلاف مراتب المعراج الجسماني والمعراج الروحاني وكل منهما على مراتب وطبقات.
أقسام طي العوالم:
٤ - أن طي الأرض يقابل طي السماوات ويقابلهما طي الجنة وطي النار.
عالم الأمر مراتب لما فوق العرش ودونه:
٥ - أن كل ذلك لهم بأمر الله تعالى هذا اذا جعل الجار والمجرور متعلقا بكل ما سبق لا بخصوص عملهم في النشأة الجسمانية، مما يشير على الاحتمال الاول أن عالم الأمر ليس يقتصر على ما في السماوات العليا، ولا يقتصر على ما فوق السماوات من عالم الآخرة، ولا يقتصر على ما فوق عالم الجنة والنار من عالم أرواح الأمر مماهي دون العرش قربا، بل يطلق على مرتبة رابعة روحية أيضا وهي ما فوق العرش، واذا لاحظنا العرش فستكون مراتب عالم الأمر خمسة وكلها روحية، وقد تقدم أن عالم الوحي يمتد لما فوق العرش، لكن دون عالم الأسماء المجردة عن الجسمية مهما تصاعدت في اللطافة درجة أي مجردة عن الروح بكل طبقاتها ودرجاتها في اللطافة، بعد كون عالم الأمر خلق تدريجي بلطافة لا تدرك ﴿كُن فَيَكُون﴾ لكن التدريجية دفعية بالقياس الى ما دونه من عالم الأجسام الكثيفة من عالم الخلق.
المشيئة قبل وبعد العرش:
وفي الحقيقة أن العالم الروحي مادام روحيا فإن صدور الفعل منه بالعلم (عرش اسبق كما مر) والمشية والإرادة والتقدير والقضاء إلا أن هذه المراتب تختلف في المراتب الخمسة من عالم الأمر، فضلا عن عالم الخلق الذي ورد أنه لا يصدر فيه شيء إلّا بسبعة، إلا أنه من الواضح أن هذه المراحل السبعة ليست كلها جسمانية كثيفة خلقية بل جملة منها أو كلها مراحل روحية، فتعم كل عوالم الروح، مع اختلافها في اللطافة. فيعم ما في نظير صحيح حَرِيزِ بْنِ عَبْدِ الله وَعَبْدِ الله بْنِ مُسْكَانَ جَمِيعاً عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ شَيْء فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ إِلَّا بِهَذِهِ الْخِصَالِ السَّبْعِ بِمَشِيئَةٍ وَإِرَادَةٍ وَقَدَرٍ وَقَضَاءٍ وَإِذْنٍ وَكِتَابٍ وَأَجَلٍ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى نَقْضِ وَاحِدَةٍ فَقَدْ كَفَرَ.(٦٦٧) - يعم جملة من مراحله عوالم الأمر من مختلف مراتبه، لاسيما مع قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُون﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الحَقُّ وَلَهُ المُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ﴾
ويشير الى إطراد تلك المراحل إجمالا ما ورد في دعاء الجوشن الكبير العظيم «يَا نُورَ النُّورِ يَا مُنَوِّرَ النُّورِ يَا خَالِقَ النُّورِ يَا مُدَبِّرَ النُّورِ يَا مُقَدِّرَ النُّورِ يَا نُورَ كُلِّ نُورٍ يَا نُوراً قَبْلَ كُلِّ نُورٍ يَا نُوراً بَعْدَ كُلِّ نُورٍ يَا نُوراً فَوْقَ كُلِّ نُورٍ يَا نُوراً لَيْسَ كَمِثْلِهِ نُور»(٦٦٨) اي أن لعالم النور تدبير وتقدير وبالتالي فله علم (عرش) ومشيئة وإرادة، ولاريب في إرادة عالم الأرواح من عالم الأمر من عالم النور في الدعاء، ويبعد إرادة عالم النور المجرد من الروح ومن الجسمية اللطيفة أو بضرب من التأويل غير المنافي للمعنى السابق الشامل لعالم الأمر. فيتبين أن لعالم الأمر تدبير وتقدير وعلم ومشيئة غاية الأمر بدرجة من اللطافة العالية الغامضة، وقد يطلق على تلك المراحل أسماء أخرى نظير ﴿حَقَّتْ كَلِمَتُ﴾ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ﴾.
ويشير الى مراتب العلم (العرش) والمشيئة ما في رواية الْفَتْحِ بْنِ يَزِيدَ الجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي الحَسَنِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ للهِ إِرَادَتَيْنِ وَمَشِيئَتَيْنِ إِرَادَةَ حَتْمٍ وَإِرَادَةَ عَزْمٍ يَنْهَى وَهُوَ يَشَاءُ وَيَأْمُرُ وَهُوَ لَا يَشَاءُ أَ وَمَا رَأَيْتَ أَنَّهُ نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ أَنْ يَأْكُلَا مِنَ الشَّجَرَةِ وَشَاءَ ذَلِكَ وَلَوْ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَأْكُلَا لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَتُهُمَا مَشِيئَةَ الله تَعَالَى وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ يَذْبَحَ إِسْحَاقَ وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يَذْبَحَهُ وَلَوْ شَاءَ لَمَا غَلَبَتْ مَشِيئَةُ إِبْرَاهِيمَ مَشِيئَةَ الله تَعَالَى.(٦٦٩) وهي وإن كانت في المشيئة المتعلقة بما دون العرش، إلا أنه يفتح المجال الى تعدد مراتب التقدير والتدبير والمشيئة فضلا عن العلم فبعضها دون العرش كما وردت الروايات في المباحث السابقة، إلا أن بعض مراتب هذه الحقائق فوق العرش.
وكما في موثق أَبِي بَصِيرٍ وَوُهَيْبِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ للهِ عِلْمَيْنِ عِلْمٌ مَكْنُونٌ مَخْزُونٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا هُوَ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ الْبَدَاءُ - وَعِلْمٌ عَلَّمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَرُسُلَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ.(٦٧٠) وهو إشارة الى بديهة تعدد مراتب العلم الإلهي.
٦ - إطلاق الاسم الأعظم على روح القدس، مما ينبه على أن الأسماء الإلهية لا تختص في إطلاقها على المخلوقات النورية المجردة عن الجسمية مما هي كائنة من عالم النور مما هي فوق العرش، بل يطلق على الأرواح العظيمة القريبة من العرش تحته كروح القدس والروح الأمري فضلا عما هو فوق العرش من الأرواح المتعاظمة.
إطلاق أسماء الأفعال على الأرواح العظيمة:
٧ - والأرواح العظيمة هي دون الأرواح المتعاظمة نظير العرش والكرسي واللوح والقلم وأم الكتاب والأفق المبين والبحران والعقل والجهل والمشيئة ونحوها وهي تسمية لكل من تلك الأرواح بلحاظ الفعل الإلهي.
٥٦ - وفِي صحيحة معاوية بن عمّار عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «... اللهمَّ أنَّي اسألك باسمك العظيم الأعظم الأجل الأكرم المخزون المكنون النور الحق البُرْهَان المُبين الذي هُوَ نور مَعَ نور ونور من نور ونور في نور... وَهُوَ اسمك الأعظم الأعظم الأجل الأجل النور الأكبر الذي سميت به نفسك واستويت به عَلَى عرشك واتوجّه إليك بمُحمَّدٍ وأهل بيته...»(٦٧١).
وَرَوُى السِّيّد ابن طاووس فِي الإقبال بلفظ «الذي استويت به عَلَى عرشك، واستقللت به عَلَى كرسيك»(٦٧٢).
ومفاده تأكيد على خفاء الأسماء سواء من جهة عظمتها أو من جهة خلوصها عن شائبة الأغيار وتمحضها في الآيتية والطريقية.
٥٧ - رَوُى بن طاووس فِي الإقبال عَنْ التلعكبري بإسناده عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي دعاء يَوُم عرفة: «وأسألك بكُلِّ اسم هُوَ لك، وَكُلّ مسألة حَتّى ينتهي إلى اسمك الأعظم الأعظم الأكبر الأكبر العلي الأعلى الذي استويت به عَلَى عرشك واستقللت به عَلَى كرسيك»(٦٧٣).
وهذا الحديث دال على أن ما دون العرش من المخلوقات العظيمة من الأرواح قد تلحظ أنها أسماء إلهية أيضا.
٥٨ - اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي إِذَا ذُكِرَ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُكَ وَتَهَلَّلَ لَهُ نُورُكَ وَاسْتَبْشَرَتْ لَهُ مَلَائِكَتُك (٦٧٤) 
أجزاء العرش:
أظلة العرش - قوائم العرش - سرادقات العرش - ذؤابة العرش - ذروة العرش - جوف العرش - ساق العرش:
١ - وَرَدَ فِي الزيارة للحسين (عليه السلام) فِي معتبرة الحسين بن ثوير: «السَّلامُ عليك يا ثار الله فِي الأرْض وابن ثاره، السَّلامُ عليك يا وتر الله الموتور فِي السماوات والأرض، أشهد أنَّ دمك سكن فِي الخُلد واقشعرت لَهُ أظلّة العرش، وبكى لَهُ جميع الخلائق وبكت لَهُ السماوات السَّبع والأرضون وما فيهنَّ وما بينهنَّ»(٦٧٥).
وكذلك فِي موضع آخر «وباسمك السبّوح القُدّوس البُرْهَان الذي هُوَ نور عَلَى كُلّ نور مِنْ نور يُضيءُ مِنْهُ كُلّ نور إذَا بلغ الأرْض انشقت، وإذا بلغ السماوات فتحت وإذا بلغ العرش اهتزَّ» وستأتي زيارة أُخرى للحسين (عليه السلام) «السَّلامُ عليك يا وتر الله الموتور فِي السماوات والأرض، أشهد أنَّ دمك سكن الخلد واقشعرت لَهُ أظلّة العرش»(٦٧٦).
وقال المجلسي الأول في روضة المتقين كشرح لزيارة أبي عبد الله (عليه السلام) «واقشعرت لَهُ اظلّة العرش» أيّ ما فوق العرش أو الروحانيين المطيفين به والحاملين لَهُ - وفي بَعْض النسخ مَعَ أظلّة الخلائق - أيّ السماوات السَّبع والكرسي والحجب إنْ كانت تحت العرش وإنْ كانت فوقه، فَهِيَ أظلّة العرش (أو) المُراد بهم جميع المجردات فإنَّهم عالون عَلَى الجسمانيات فكأنَّهم أظلّتها أو النفس المُتعلّقة به وبها عَلَى القول بها وَكَأنَ القشعريرة معنوية باعتبار التحسّر والغَمّ الذي يحصل لهم عَلَى بني آدم](٦٧٧).
وفي ملاذ الأخيار علّق على ما ذكره والده: وفي بعض كتب الزيارات «مع أظلة الخلائق» أي: السماوات السبع والكرسي والحجب إن كانت تحت العرش، وإن كانت فوق العرش فهي أظلة العرش، أو المراد بهم جميع المجردات، فإنهم عالون على الجسمانيات فكأنهم أظلتها. وقيل: النفوس المتعلقة بها ولا نقول بها. انتهى. وقال في القاموس: الظل من كل شيء شخصه أو كنه (٦٧٨). انتهى. أقول: ويمكن أن يكون المراد الأشخاص الساكنين في العرش من الأرواح المقدسة والملائكة، لأنه قد يطلق الظلال على الأشخاص والأجسام اللطيفة وعالم الأرواح، ولعل هذا مراد الوالد العلامة تغمده الله برحمته من الاحتمال الثاني.
أو المراد ما فوق العرش أو أطباقه وبطونه، فإن كل طبقة وبطن منه ظل لطائفة. أو المراد أجزاء العرش، فإن كل جزء منه ظل لمن يسكن تحته.
وفي بعض النسخ «ظلة العرش» فالإضافة بيانية وقال الكفعمي (رحمه الله): الأظلة جمع ظلال كالأهلة جمع هلال، وقوله تعالى ﴿فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾(٦٧٩) هو جمع ظلة، وهو ما غطى وستر، وقوله تعالى ﴿مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾(٦٨٠) فالظلل التي فوقهم لهم، والظلل التي تحتهم لغيرهم، لأن الظلل إنما يكون من فوق. وقوله تعالى ﴿فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ﴾(٦٨١) هو جمع ظلة، ومن قرأ ظلال فهو جمع ظل. وقوله تعالى ﴿غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ أي: علاهم موج يتعالى كتعالي الظلة. وقوله تعالى ﴿ظِلاًّ ظَلِيلا﴾ أي: دائما طيبا، وقيل: أي يظل من الريح والحر، وعيش ظليل أي: طيب. وقوله تعالى ﴿لاَ ظَلِيلٍ وَلاَ يُغْنِي مِنَ اللهب﴾(٦٨٢) أي: لا يستطاب ولا يظل. وقوله تعالى ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَال﴾(٦٨٣) أي: ويسجد ظلالهم. قيل: وهو جمع الظل، وقيل شخوصهم. وظل الجنة سترها والكينونة في ذراها، وأنا في ظل فلان، أي: في ناحيته وستره.
وقوله تعالى ﴿عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾(٦٨٤) وهي سحابة أظلتهم فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من حر ذلك اليوم، ثم أطبقت عليهم فكان من أعظم أيام الدنيا عذابا. وفي الحديث أنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكر فتنا كالظليل، قيل: هي كالجبال وهي السحاب أيضا، وأظل يومنا إذا كان ذا سحاب، والشمس مستظلة إذا احتجبت (٦٨٥) انتهى. واحتمال المجلسيين كون أظلة العرش فوقه نظير أظلة الخلائق فإن مرتبتها الروحية العالية على نفوسهم، وعلى أي تقدير إن تحديد معنى أظلة العرش بالغ الأهمية في بحوث المعرفة.
وفي النهج: وَأَوْصَاكُمْ بِالتَّقْوَى وَجَعَلَهَا مُنْتَهَى رِضَاهُ وَحَاجَتَهُ مِنْ خَلْقِهِ فَاتَّقُوا الله الَّذِي أَنْتُمْ بِعَيْنِهِ وَنَوَاصِيكُمْ بِيَدِهِ وَتَقَلُّبُكُمْ فِي قَبْضَتِهِ إِنْ أَسْرَرْتُمْ عَلِمَهُ وَإِنْ أَعْلَنْتُمْ كَتَبَهُ قَدْ وَكَّلَ بِذَلِكَ حَفَظَةً كِرَاماً لَا يُسْقِطُونَ حَقّاً وَلَا يُثْبِتُونَ بَاطِلًا وَاعْلَمُوا أَنَّهُ ﴿مَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾ مِنَ الْفِتَنِ وَنُوراً مِنَ الظُّلَمِ وَيُخَلِّدْهُ فِيمَا اشْتَهَتْ نَفْسُهُ وَيُنْزِلْهُ مَنْزِلَ الْكَرَامَةِ عِنْدَهُ فِي دَارٍ اصْطَنَعَهَا لِنَفْسِهِ ظِلُّهَا عَرْشُهُ وَنُورُهَا بَهْجَتُهُ وَزُوَّارُهَا مَلَائِكَتُهُ وَرُفَقَاؤُهَا رُسُلُهُ فَبَادِرُوا المَعَادَ وَسَابِقُوا الْآجَال(٦٨٦).
٢ - رُوي فِي دعاء سَيِّد الشهداء (عليه السلام) فِي يَوُم عرفة فِي ذيله «يا مَنْ احتجب فِي سرادقات عرشه عَنْ أنْ تدركه الأبصار».
وفي دعاء ليلة عرفة أيضاً:
«اللهمَّ يا شاهد كُلّ نجوى... وبحق الاسم الذي كتبته عَلَى سرادقات العرش قبل خلقك الخلق وَالدُّنْيَا والشمس والقمر بألفي عام»(٦٨٧).
وَهَذَا التقديم للقبليّة يفسِّر معنى سرادق العرش، حَيْثُ أنَّهُ ينطبق عَلَى العوالم المُتوسطة بين العرش وَالسَّماء الدُّنْيَا أو السماوات؛ لِأنَّ قبليّة العرش قدّرت فِي روايات أُخرى بآلاف كثيرة مِنْ الأعوام.
٣ - ورُوي فِي دعاء ليلة عرفة: «أسألك بمعاقد العزِّ مِنْ عرشك ومُنتهى الرحمة مِنْ كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامّات العلى»(٦٨٨).
٤ - قَدْ وَرَدَ فِي زيارة الحسين (عليه السلام) فِي أوَّل ليلة مِنْ شهر رجب، كَمَا رواها الكفعمي فِي البلد الأمين: «بأبي أنتم وأُمي ونفسي يا ابا عبد الله أشهد لَقَدْ اقشعرت لدمائكم أظلّة العرش مَعَ أظلّة الخلائق»(٦٨٩).
٥ - مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام): قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنَّ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ قَوْماً وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ فَقَالُوا يَا نَبِيَّ الله وَمَا ازْدَادُوا هَؤُلَاءِ مِنَ الله إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ إِلَّا قُرْباً مِنَ الله قَالَ أُولَئِكَ شِيعَةُ عَلِيٍّ وَعَلِيٌّ إِمَامُهُمْ.(٦٩٠)
واليمين يراد به العلو وبركة الكمال، في ابواب المعارف لا الجهة الجغرافية.
٦ - وفي موثق أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام): شِيعَتُنَا أَقْرَبُ الخَلْقِ مِنْ عَرْشِ الله يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَعْدَنَا(٦٩١).
المسجد الأقصى بداية القيامة ونهاية رجعة الدنيا:
٧ - وروى في الاحتجاج احتجاجه (عليه السلام) على اليهودي:... قَالَ لَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) لَقَدْ كَانَ كَذَلِكَ وَمُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُعْطِيَ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا إِنَّهُ سُرِيَ بِهِ ﴿مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَعُرِجَ بِهِ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ عَامٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثُلُثِ لَيْلَةٍ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَاقِ الْعَرْشِ فَ ﴿دَنَا﴾ بِالْعِلْمِ ﴿فَتَدَلَّى﴾ مِنَ الجَنَّةِ رَفْرَفٌ أَخْضَرُ وَغَشِيَ النُّورُ بَصَرَهُ فَرَأَى عَظَمَةَ رَبِّهِ (عزَّ وجلَّ) بِفُؤَادِهِ وَلَمْ يَرَهَا بِعَيْنِهِ ﴿فَكَانَ﴾ كَقَابِ ﴿قَوْسَيْنِ﴾ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ﴿أَوْ أَدْنَى﴾ - ﴿فَأَوْحَى﴾ الله ﴿إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ (٦٩٢) 
وفي الرواية دلالة:
١ - على أن ساق العرش هو جنة الخلد الأبدية أو سدرة المنتهى أو شجرة طوبى.
٢ - كما أن في الرواية إشارة الى أن القيامة نشأتها دون الجنة الأبدية في ملكوت السماوات وبمقدار خمسين ألف عام بدءا من المسجد الأقصى وهو البيت المعمور في السماء الرابعة أو السابعة كما في روايات اخرى، بينما الرجعة وطبقاتها الى المسجد الأقصى، وهو البيت المعمور في السماء الرابعة، وكأن تسميته بالأقصى إشارة الى أنه أقصى عالم الرجعة التي هي آخرة الدنيا.
قوائم العرش:
٨ - عَنْ أَبِي يَحْيَى الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ: يَا أَبَا يَحْيَى إِنَّ لَنَا فِي لَيَالِي الجُمُعَةِ لَشَأْناً مِنَ الشَّأْنِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَمَا ذَلِكَ الشَّأْنُ قَالَ يُؤْذَنُ لِأَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ المَوْتَى وَأَرْوَاحِ الْأَوْصِيَاءِ المَوْتَى وَرُوحِ الْوَصِيِّ الَّذِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى تُوَافِيَ عَرْشَ رَبِّهَا فَتَطُوفَ بِهَا أُسْبُوعاً وَيُصَلِّي عِنْدَ كُلِّ قَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ الْعَرْشِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تُرَدُّ إِلَى الْأَبْدَانِ الَّتِي كَانَتْ فِيهَا فَتُصْبِحُ الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ قَدْ مُلِئُوا وَأُعْطُوا سُرُوراً وَيُصْبِحُ الْوَصِيُّ الَّذِي بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ وَقَدْ زِيدَ فِي عِلْمِهِ مِثْلُ جَمِّ الْغَفِيرِ.(٦٩٣) ورواه في الكافي(٦٩٤) 
بطنان العرش وسرادقاته:
٩ - رَوُى القُمِّي فِي الصحيح الأعلائي عَنْ هشام بن سالم عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) - فِي حديث المعراج - «ورأيتُ فِي السَّماء السَّابِعِة بحاراً مِنْ نور تتلألأ يكاد تلألؤها يخطف الأبصار، وفيها بحار مُظلمة، وبحار [مِنْ] ثلج ترعد، فكلّما فزعت ورأيت هولا سألت جبرئيل، فَقَالَ: أبشر يا مُحمَّد واشكر كرامة ربك، واشكر الله بما صنع إليك، قال فثبّتني الله بقوته وعونه حَتّى كثر قولي لجبرئيل وتعجبي، فقال جبرئيل: يا مُحمَّد تعظم ما ترى؟ إنَّما هَذَا خلق مِنْ خلق ربك، فكيف بالخالق الذي خلق ما ترى؟ وما لا ترى أعظم مِنْ هَذَا مِنْ خلق ربك، إنَّ بين الله وبين خلقه تسعين ألف حجاب وأقرب الخلق إلى الله أنا وإسرافيل وبيننا وبينه أربعة حجب، حجاب مِنْ نور وحجاب مِنْ ظلمة، وحجاب مِنْ الغمام، وحجاب مِنْ الماء قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورأيت من العجائب التي خلق الله سبحانه وسخرها على ما أراده ديكا رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ورأسه عند العرش وهو ملك من ملائكة الله تعالى خلقه الله كما أراد رجلاه في تخوم الأرضين السابعة ثم أقبل مصعدا حتى خرج في الهواء الى السماء السابعة وانتهى فيها مصعدا حتى استقر قرنه الى قرب العرش... فلما دخلت الجَنّة رجعت إليَّ نفسي، فسألت جبرئيل عَنْ تلك البحار وهولها وأعاجيبها، فقالك هِيَ سرادقات الحجب الَّتِي احتجب الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بها، ولولا تلك الحجب لهتك نور العرش كُلّ شيء فيه، وانتهيت إلى سدرة المنتهى...»(٦٩٥) الحديث.
ومفاد الرِّوَايَة:
١ - أنَّ الحجب يطلق عَلَى درجات عديدة مِنْ المخلوقات فَكُلّ مخلوق حجاب لما فوقه عَنْ ما دونه لا سيّما المخلوقات الفوقية.
٢ - إنَّ هَذِهِ الحجب فِي السَّماء السَّابِعِة دون سدرة المنتهى حجاب لنور العرش وعلومه عما دونه مِنْ المخلوقات.
 وفي الخصال بِسَنَدِهِ عَنْ بن عباس قال: قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما فِي القيامة راكبٌ غيرنا.. فيقول الخلائق ما هَذَا إلَّا نبي مرسل أو ملك مُقرّب فينادي مُنادٍ مِنْ بطنان العرش: لَيْسَ هَذَا ملك مُقرّب ولا نبي مُرسل ولا حامل عرش، هَذَا علي بن أبي طالب وصيّ رَسُوُل ربّ العالمين وإمام المتقين وقائد الغرّ المُحجلين»(٦٩٦).
وروى بن شاذان عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِ قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ [بِالْبَيْتِ] فَاسْتَقْبَلَنِي فِي الطَّوَافِ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فَقَالَ لِي... إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ مِنْ بُطْنَانِ الْعَرْشِ أَيْنَ مُحَمَّدٌ وَعَلِيٌّ فَيُرْفَعُ بِكُمَا إِلَى السَّمَاءِ [السَّابِعَةِ] حَتَّى تُوقَفَا بَيْنَ يَدَيِ الله فَيَقُولُ [الله] لِنَبِيِّهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَوْرِدْ عَلِيّاً الحَوْضَ وَهَذَا الْكَأْسَ أَعْطِهِ حَتَّى يَسْقِيَ مُحِبِّيهِ وَشِيعَتَهُ وَلَا يَسْقِي أَحَداً مِنْ مُبْغِضِيهِ وَيَأْمُرُ (لِمُحِبِّيهِ أَنْ يُحَاسَبُوا ﴿حِسَابًا يَسِيرًا﴾ وَيَأْمُرُ بِهِمْ إِلَى الجَنَّةِ.(٦٩٧)
رُوِّينَا أَنَّهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) يَا عَلِيُّ خَلَقَ الله نُوراً فَجَزَّأَهُ فَخَلَقَ الْعَرْشَ وَخَلَقَ الْكُرْسِيَّ مِنْ جُزْءٍ وَالجَنَّةَ مِنْ جُزْءٍ وَالْكَوَاكِبَ مِنْ جُزْءٍ وَالمَلَائِكَةَ مِنْ جُزْءٍ وَسِدْرَةَ المُنْتَهَى مِنْ جُزْءٍ وَأَمْسَكَ جُزْءاً مِنْهُ تَحْتَ بُطْنَانِ الْعَرْشِ حَتَّى خَلَقَ آدَمَ (عليه السلام) فَأَوْدَعَ الله ذَلِكَ الجُزْءَ فِي جَبِينِهِ فَكَانَ يَنْتَقِلُ ذَلِكَ مِنْ أَبٍ إِلَى أَبٍ إِلَى عَبْدِ المُطَّلِبِ ثُمَّ صَارَ بِنِصْفَيْنِ فَنُقِلَ جُزْءٌ إِلَى عَبْدِ الله وَالِدِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَنِصْفٌ علَى أَبِي طَالِبٍ فَخُلِقْتُ أَنَا مِنْ جُزْءٍ وَأَنْتَ مِنْ جُزْءٍ فَالْأَنْوَارُ كُلُّهَا مِنْ نُورِي وَنُورِكَ يَا عَلِيُّ.(٦٩٨) 
ذروة العرش وبقاعه:
١٠ - وفي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام): قَالَ الله (عزَّ وجلَّ): أَنْوَارُ أَشْبَاحٍ - نَقَلْتُهُمْ مِنْ أَشْرَفِ بِقَاعِ عَرْشِي إِلَى ظَهْرِكَ - وَلِذَلِكَ أَمَرْتُ المَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لَكَ، إِذْ كُنْتَ وِعَاءً لِتِلْكَ الْأَشْبَاحِ.
فَقَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ لَوْ بَيَّنْتَهَا لِي فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): انْظُرْ يَا آدَمُ إِلَى ذِرْوَةِ الْعَرْشِ. فَنَظَرَ آدَمُ، وَوَقَعَ نُورُ أَشْبَاحِنَا مِنْ ظَهْرِ آدَمَ عَلَى ذِرْوَةِ الْعَرْشِ، فَانْطَبَعَ فِيهِ صُوَرُ أَنْوَارِ أَشْبَاحِنَا الَّتِي فِي ظَهْرِهِ - كَمَا يَنْطَبِعُ وَجْهُ الْإِنْسَانِ فِي الْمِرْآةِ الصَّافِيَةِ فَرَأَى أَشْبَاحَنَا.(٦٩٩) 
ومفاده مقتضاه ان انوارهم التي في صلب آدم (عليه السلام) هي في اللطافة بدرجة ذروة العرش، مع كونها في صلب آدم (عليه السلام).
ورَوُى الشَّيْخ المُفيد عَنْ علي بن الحسين (عليه السلام) عَنْ جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «... فَقَالَ الله (عزَّ وجلَّ): انظر يا آدم إلى ذروة العرش فنظر آدم ووقع نور أشباحنا مِنْ ظهر آدم عَلَى ذروة العرش فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا الَّتِي فِي ظهره...».
وفي نفس الرِّوَايَة: - قَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا عبد الله إنَّ آدم لما رأى النور السَّاطع مِنْ صلبه إذْ نقل الله تَعَالَى أرواحنا مِنْ ذروة العرش إلى صلبه رأى النور وَلَمْ يتبيّن الأشباح، فَقَالَ: يا ربّ ما هَذِهِ الأنوار؟ قَالَ (عزَّ وجلَّ): أنوار أشباح نقلتها من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذْ كُنْت وعاء لتلك الأشباح، فَقَالَ - تَعَالَى -...»(٧٠٠).
وفي رواية المحتضر: «إنَّ آدم لما رأى نوراً ساطعاً مِنْ صلبه إذْ نقل الله تَعَالَى أرواحنا مِنْ ذروة العرش إلى صلبه رأى النور وَلَمْ يتبن الأشباح، فَقَالَ يا ربّ: ما هَذِهِ الأنوار، قَالَ (عزَّ وجلَّ): أنوار أشباح نقلتها مِنْ أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك؛ ولذلك أمرت الملائكة بالسجود لك؛ إذْ كُنْت وعاء لتلك الأشباح، فَقَالَ آدم: يا رب لو بيّنتها لي، فَقَالَ تعالى انظر يا آدم إلى ذروة العرش، فَقَالَ (عليه السلام): فانطبعت فيه صور أشباحنا الَّتِي فِي ظهره...»(٧٠١).
ومفاد الرواية:
١ - إنَّ هَذِهِ مرتبة مِنْ مراتب أنوارهم وَهِيَ مرتبة نورية روحية(٧٠٢) واطلق عليها أنها أشباح لهم، لا أوَّل مرتبة من ذواتهم.
٢ - كَمَا أنَّ مُقْتَضَى ظرفيّة ذروة العرش لهذه الطبقة مِنْ أرواحهم كون العرش موجودا مخلوقا نوريّا روحيّا كَمَا مرّت الإشارة إليه، ومن ثم انعكست أنوار أشباحهم في ذروة العرش الدال على مسانخة بين الطرفين.
٣ - قَدْ تَقَدَّمَ أنَّ أحد مراتب أرواح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل العرش وأنَّ مِنْ نوره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلق العرش والكرسي.
٤ - مقتضى مفاد هذه الروايات المستفيضة ان انوارهم كلما تنقلت في صلب فصاحبه خليفة الله في ارضه والملائكة له مطيعون منقادون، مما يشير الى اصطفاء آباء واجداد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الدائرة الاصطفائية الثانية لأهل البيت، ومدى عظمة نور النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته مما يقتضي الاصلاب الشامخة وارحام مطهرة من الرجس والذنوب.
١١ - وفي تفسير فرات الكوفي رواية المعراج:... ثُمَّ عُرِجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ فَتَلَقَّتْنِي المَلَائِكَةُ وَسَلَّمُوا [فَسَلَّمُوا] عَلَيَّ فَقَالُوا لِي مِثْلَ مَقَالَةِ أَصْحَابِهِمْ فَقُلْتُ لَهُمْ [يَا] مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَّا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا نَبِيَّ الله لِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَنَحْنُ نَغْدُو وَنَرُوحُ عَلَى الْعَرْشِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فَنَنْظُرُ إِلَى [عَلَى] سَاقِ الْعَرْش (٧٠٣) 
أركان العرش وقوائم عزه:
١٢ - وروى في مصباح المتهجد: اللهمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِمَعَاقِدِ عِزِّكَ عَلَى أَرْكَانِ عَرْشِكَ (٧٠٤) وَمُنْتَهَى الرَّحْمَةِ مِنْ كِتَابِكَ وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ وَذِكْرِكَ الْأَعْلَى الْأَعْلَى الْأَعْلَى وَبِكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ(٧٠٥) 
هيمنة العرش قاعدة أرواحكم فِي الأرواح وأنفسكم فِي النفوس:
وبيانها بجملة مِنْ الأُمُور:
الأوَّل: إنَّ الأرواح عَلَى طبقات كَمَا تقرَّر مراراً فِي بحوث هَذَا الباب، وَهِيَ تختلف شفافيّةً ولطافةً بدرجات كبيرة جداً شديدة التفاوت إلى حدّ أنَّ بَعْض الطبقات بالنسبة إلى ما دونه قَدْ يتخيّل إنَّهُ مُجَرَّد مطلق عَنْ الجسمانية تماماً، كَمَا هُوَ الحال فِي تفاوت المواد لتلك الأجسام اللّطيفة فإن المواد الغليظة إذَا قِيست إليها المواد اللّطيفة فتحسب أنَّها بلا مواد.
الثَّانِي: مُقْتَضَى لطافة الأرواح بعضها عَنْ بَعْض أنَّ تدبير ما دون يَتِمُّ بالأرواح الفوقية ذَاتَ اللّطافة الشديدة؛ إذْ مُقْتَضَى لطافتها نفوذ اللّطيف فِي الكثيف والشفّاف فِي الغليظ، وَهَذَا يطابق معنى حمل العرش فَإنَّهُ كَمَا قرّرنا فِي غَيْر موضع فِي هَذَا الباب أنَّهُ بمعنى حمل العلم وحمل رُوُح القُدُس وحمل الكتاب وَالقُرآن، وَهُوَ بمعنى تأثير وتأييد المحمول للحامل نظير ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾(٧٠٦) الآية. ونظير ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾(٧٠٧).
الثَّالِث: قَدْ تبيَّن مِنْ مواضع مِنْ هَذَه المباحث أنَّ العرش نور روحاني أو روح نوراني أيضاً هائل الخلقة يُهيمن عَلَى كُلّ شيء دونه مِنْ العوالم، فَهُوَ مُهيمن عَلَى كُلّ شيء، كما قَدْ تبيَّن أنَّ العقل الذي هُوَ موجود نوري روحاني هُوَ دون العرش، وخلق مما دون العرش كَمَا قَدْ تبيَّن فِي جملة مِنْ الروايات أنَّ روح الأمر وَرُوُح القُدُس روحان خُلقا مِما دون العرش، كما أن المشيئة خلق روحاني نوري مما دون العرش أيضا، وَقَدْ اشتملت الروايات على أوصاف مهولة للعرش، فالعرش مركز وجودي يتحكَّم فِي كُلّ ما دونه، وروح والجة فِي كُلّ الأرواح.
الرَّابِع: إنَّه قَدْ تكرَّر فِي روايات العرش وروايات الطّينة وروايات طبقات الأرواح تنشئة وإنشاء الأرواح النازلة الأكثف مِنْ الأرواح الألطف نشأة، وَهَذِهِ التنشئة والمنشأية هِيَ الأُخرى مطابقة لهيمنة الأرواح العالية عَلَى الأرواح الدانية.
الخامسة: ومما تَقَدَّمَ يتبيَّن أنَّ أحد تفاسير العرش هِيَ العرشية الروحية للأرواح والأجسام، وأن معنى العرش هو أرواحكم فِي الأرواح.
أحوال العرش:
اهتزاز العرش:
١ - وَرَوُى الفضل الطبرسي فِي مكارم الأخلاق، قَالَ: قَالَ (عليه السلام) «تزوّجوا ولا تطلّقوا فَإنَّ الطلاق يهتزّ مِنْهُ العرش»(٧٠٨).
٢ - وفي الكافي عَنْ صفوان عَنْ صحيحة ابن عمّار عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): يقول فِي الطواف: «وأسألك باسمك الذي يهتزّ لَهُ عرشك»(٧٠٩).
٣ - وَقَدْ فِي الكافي (فيما ناجى الله (عزَّ وجلَّ) عيسى بن مريم (عليه السلام)) «يا عيسى لا تحلف بي كاذباً فيهتزّ عرشي غضباً»(٧١٠)
٤ - ما رواه المشهدي فِي مزاره لزيارة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): وصلّى الله عليك صلاة يهتزّ لها عرش الرَّحْمَن(٧١١).
٥ - ما وَرَدَ فِي كتاب إقبال الأعمال مِنْ أعمال ليلة عرفة «وباسمك القُدُّوس البُرْهَان، الذي هُوَ نور عَلَى كُلّ نور، ونور مِنْ نور يضيء مِنْهُ كُلّ نور إذَا بلغ الأرْض انشقت وإذا بلغ السماوات فتحت، وإذا بلغ العرش اهتزّ»(٧١٢).
٦ - روي عَنْ العالم (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: «إذَا بكى اليتيم اهتزَّ لَهُ العرش»(٧١٣).
٧ - عَنْ وهب بن حفص عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «مَنْ قَالَ (علم الله ما لم يعلم اهتزَّ العرش إعظاماً له»(٧١٤).
٨ - وفِي (التوحيد)، وَبِهَذَا الإسناد قَالَ: قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «فإذا قَالَ العبد: لا إله إلَّا الله اهتزَّ العرش»(٧١٥).
قشعريرة أظلة العرش:
٩ - وَرَدَ فِي الزيارة للحسين (عليه السلام) فِي معتبرة الحسين بن ثوير: «السَّلامُ عليك يا ثار الله فِي الأرْض وابن ثاره، السَّلامُ عليك يا وتر الله الموتور فِي السماوات والأرض، أشهد أنَّ دمك سكن فِي الخُلد واقشعرت لَهُ أظلّة العرش...»(٧١٦).
١٠ - وفي الإقبال: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي وَنَفْسِي يَا أَبَا عَبْدِ الله أَشْهَدُ لَقَدِ اقْشَعَرَّتْ لِدِمَائِكُمْ أَظِلَّةُ الْعَرْشِ مَعَ أَظِلَّةِ الخَلَائِقِ وَبَكَتْكُمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَسُكَّانُ الْجِنَانِ وَالْبَرِّ وَالْبَحْر(٧١٧) 
١١ - وَأَنَّ لَنَا أَعْدَاءً مِنَ الْجِنِّ يُخْرِجُونَ حَدِيثَنَا إِلَى أَعْدَائِنَا مِنَ الْإِنْسِ وَأَنَّ الْحِيطَانَ لَهَا آذَانٌ كَآذَانِ النَّاسِ قَالَ قُلْتُ قَدْ سَأَلْتُ [سُئِلْتُ] عَنْ ذَلِكَ قَالَ يَا قَبِيصَةُ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ حَوْلَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ الله قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ عَامٍ فَلَمَّا خَلَقَ الله آدَم (٧١٨) 
عَنْ حَبِيبِ بْنِ مُظَاهِرٍ الْأَسَدِيِّ بَيَّضَ الله وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ لِلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بِنْ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) أَيَّ شَيْءٍ كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الله (عزَّ وجلَّ) آدَمَ (عليه السلام) قَالَ كُنَّا أَشْبَاحَ نُورٍ نَدُورُ حَوْلَ عَرْشِ الرَّحْمَنِ فَنُعَلِّمُ المَلَائِكَةَ التَّسْبِيحَ وَالتَّهْلِيلَ وَالتَّحْمِيد(٧١٩) 
عالم الأظلة بعد المشيئة:
وفي الهداية الكبرى رواية المفضل الطويلة:... قَالَ المُفَضَّلُ: نَعَمْ يَا سَيِّدِي عَلِمْتُ وَفَهِمْتُ، فَكَيْفَ كَانَتِ الْأَظِلَّةُ قَالَ: أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾(٧٢٠) يَا مُفَضَّلُ إِنَّ الله (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى) أَوَّلُ مَا خَلَقَ، النُّورُ الظِّلِّيُّ، قُلْتُ: وَمِمَّا خَلَقَهُ؟ قَالَ: خَلَقَهُ مِنْ مَشِيئَتِهِ ثُمَّ قَسَمَهُ أَظِلَّةً أَ لَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ الله (تَعَالَى): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ خَلَقَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ سَمَاءً وَأَرْضاً وَعَرْشاً وَمَاءً ثُمَّ قَسَّمَهُ أَظِلَّةً فَنَظَرَتِ الْأَظِلَّةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَرَأَتْ نَفْسَهَا فَعَرَفَتْ أَنَّهُمْ كُوِّنُوا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُونُوا وَأُلْهِمُوا مِنَ المَعْرِفَةِ هَذَا الْمِقْدَارَ وَلَمْ يُلْهَمُوا مَعْرِفَةَ شَيْءٍ سِوَاهُ مِنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ ثُمَّ إِنَّ الله أَدَّبَهُمْ، قَالَ: كَيْفَ أَدَّبَهُمْ؟ قَالَ: سَبَّحَ نَفْسَهُ فَسَبَّحُوهُ وَحَمَّدَ نَفْسَهُ فَحَمَّدُوهُ وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ وَلَا يَدْرِي كَيْفَ يُثْنِي عَلَيْهِ وَيَشْكُرُهُ فَلَمْ تَزَلِ الْأَظِلَّةُ تَحْمَدُهُ وَتُهَلِّلُهُ، فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ سَبْعَةَ آلَافِ سَنَةٍ فَشكُرُ الله ذَلِكَ لَهُمْ فَخَلَقَ مِنْ تَسْبِيحِهِمُ السَّمَاءَ السَّابِعَةَ.
ثُمَّ خَلَقَ الْأَظِلَّةَ أَشْبَاحاً وَجَعَلَهَا لِبَاساً لِلْأَظِلَّةِ وَخَلَقَ مِنْ تَسْبِيحِ نَفْسِهِ الْحِجَابَ الْأَعْلَى ثُمَّ تَلَا ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ﴾ (٧٢١) الْوَحْيُ يَعْنِي الْأَظِلَّةَ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ يَعْنِي الْأَشْبَاحَ الَّتِي خُلِقَتْ مِنْ تَسْبِيحِ الْأَظِلَّةِ ثُمَّ خَلَقَ لَهُمُ الجَنَّةَ السَّابِعَةَ وَالسَّمَاءَ السَّابِعَةَ وَهِيَ أَعْلَى الْجِنَانِ ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ الْأَوَّلَ وَأَخَذَ عَلَيْهِ الْمِيثَاقَ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ، فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ رَبُّكُمْ ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾(٧٢٢) فَقَالَ: لِلْحِجَابِ الَّذِي خَلَقَهُ مِنْ تَسْبِيحِ نَفْسِهِ ﴿أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ﴾ وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خُلِقُوا فَأَنْبَأَهُمُ الْحِجَابُ فِي ذَلِكَ فَكَانَ الْحِجَابُ الْأَوَّلُ يُعْلِمُهُمْ فَمِنْ هُنَاكَ وَجَبَتِ الحُجَّةُ عَلَى الخَلْق (٧٢٣) 
الأظلة والماء:
عن جَابِرٌ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَ ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ يَعْنِي لَوْ أَنَّهُمُ اسْتَقَامُوا عَلَى الْوَلَايَةِ فِي الْأَصْلِ تَحْتَ الْأَظِلَّةِ حِينَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ ﴿لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ يَعْنِي لَأَسْقَيْنَاهُمْ أَظِلَّتَهُمُ المَاءَ الْعَذْبَ (٧٢٤) الْفُرَاتَ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (٧٢٥) يَعْنِي عَلِيّاً، وَفِتْنَتُهُمْ فِيهِ كُفْرُهُمْ بِوَلَايَتِهِ.(٧٢٦) والرواية اللاحقة تفسر معني سقيهم الماء العذب.
عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَ ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (٧٢٧) قَالَ: قَالَ الله لَجَعَلْنَا أَظِلَّتَهُمْ فِي المَاءِ الْعَذْبِ ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ وَفَتَنَهُمْ فِي عَلِيٍّ (عليه السلام) وَمَا فَتَنُوا فِيهِ وَكَفَرُوا إِلَّا بِمَا أَنْزَلَ فِي وَلَايَتِهِ (٧٢٨).(٧٢٩) 
وفي معتبرة جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ يَعْنِي مَنْ جَرَى فِيهِ شَيْء مِنْ شِرْكِ الشَّيْطَانِ، ﴿عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ يَعْنِي عَلَى الْوَلَايَةِ - فِي الْأَصْلِ عِنْدَ الْأَظِلَّةِ حِينَ أَخَذَ الله مِيثَاقَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ، أَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً - لَكِنَّا وَضَعْنَا أَظَلَّتَهُمْ فِي مَاءِ الْفُرَاتِ الْعَذْبِ (٧٣٠)،(٧٣١).

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) بصائر الدرجات: ج١، ص٥٥، ب١٣ ح٨٠/١؛ الكافي: ج١، ص٣٨٩/ خلق أبدان الأئمة/ ح٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) سورة النُّور: الآية ٣٦.
(٤) بصائر الدرجات: ج١، ب١٣/ ح (٧٩ - ١٨)
(٥) سورة الزمر: الآية ٦٨ لها صلة.
(٦) توحيد الصَّدُوق، ص٢٣٢، باب ٢٢ باب تفسير حروف المعجم.
(٧) الكافي: ج٣، ص٢٥٦، ح٢٥؛ كتاب الجنائز، باب النوادر. الكوفى الاهوازى، حسين بن سعيد، الزهد - ص. ٨٠ - ٨١.
(٨) بصائر الدرجات: باب ١٢، ح١٨.
(٩) البصائر: ج١، ب١٣/ ح (٧٩ - ١٨) ص٥٤.
(١٠) سنى (خ).
(١١) بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٥٨.
(١٢) بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٦٢.
(١٣) الحسيس: الصوت الخفي. «أقرب الموارد - حسس - ١: ١٩١».
(١٤) البحرانى، السيد هاشم بن سليمان، البرهان في تفسير القرآن - سورة الزمر الآية ٦٨.
(١٥) مجمع البيان سورة القدر - تأويل الآيات الظاهرة سورة القدر ص ٧٩٠.
(١٦) الأمالي (للطوسي) - ص ٦٥٣.
(١٧) الديلمى، حسن بن محمد، إرشاد القلوب إلى الصواب (للديلمي) - ج ٢ ص ٣١٠.
(١٨) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - سورة الزمر الآية ٦٧. ج٢ ص ٢٥٢.
(١٩) كشف اليقين فِي إمرة أمير المُؤْمِنِين: ص٨٩؛ البحار: ج١٨، ص٣٩٥، إلى ص٣٩٧. اليقين باختصاص مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ص٢٩٨. تأويل الآيات الظاهرة ص ٦٠٦.
(٢٠) كشف اليقين للعلّامة؛ البحار: ج١٨، ص٤٠٠.
(٢١) كشف اليقين فِي أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام): ص٨٣ - ٨٩؛ البحار ج١٨، ص٣٩١؛ المحتضر: ص٢٥٣ ح٣٤١.
(٢٢) التوحيد: ص١٧٥/ ح٥، باب معنى أنا عبد مِنْ عبيد مُحمَّد: ص٧١.
(٢٣) السفود - بالفتح وتشديد الفاء -: حديدة يشوى بها اللحم.
(٢٤) أنشب في كذا أي علقه وأعلقه، ومنه أنشب البازى مخاليبه.
(٢٥) لعل الصحيح «يدار فيه».
(٢٦) الفرقان: ٢٤.
(٢٧) الفضخ والشدخ: الكسر.
(٢٨) مفيد، محمد بن محمد، الإختصاص - ايران؛ قم، چاپ: اول، ١٤١٣ ق.
(٢٩) أنوار مولد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للبكري ص ١٦.
(٣٠) أنوار مولد النبي للبكري المتوفي القرن ٦ / ص ١٤ - ١٦.
(٣١) ابن طاووس، إقبال الأعمال (ط - القديمة) - ج ١ ص ٣٤٠.
(٣٢) عيون المعجزات للحسين بن عبد الوهاب: ص٤٧، المتوفي فِي القرن الخامس.
(٣٣) تفسير البرهان للسيد هاشم البحراني عن بستان الواعظين في ذيل سورة الزمر الآية ٦٧.
(٣٤) قصص الأنبياء ف١ - ص ٣٥، البحار: ج٥٤، ص٣٢٢، ح٥.
(٣٥) الصحيفة السجادية، دعاؤه (عليه السلام) فِي الصَّلاة عَلَى حملة العرش وَكُلّ ملك مُقرّب.
(٣٦) توحيد الصَّدُوق: باب الردّ عَلَى الثنوية والزنادقة: ح٥؛ البحار ج١٨، ص٢٥٧، ح٨.
(٣٧) نهج البلاغة: الخطبة الأولى.
(٣٨) أي تزوج في أي بطن منهم شئت والحاصل أنك لا بدّ لك أن تتزوج من بنى مخزوم ليحصل والد النبيّ والأوصياء صلوات الله عليهم ويرثوا السيوف واما سائر القبائل فالامر إليك، ويحتمل أن يكون المراد جاهد بطون العرب وقاتلهم والأول أظهر. (مرآت العقول)
(٣٩) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي ج٤ ص ٢٢٠.
(٤٠) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - سورة يوسف الآية ٧٦ - ص ١٩٩.
(٤١) الخصيبى، حسين بن حمدان، الهداية الكبرى - ص ٤٣٧.
(٤٢) بصائر الدرجات ج١ ص ٤٤٢.
(٤٣) بصائر الدرجات ج١ ص ٤٦٤، الكافي ج١ ص ٢٧٤.
(٤٤) بصائر الدرجات ج ١ ص ٤٦١.
(٤٥) بصائر الدرجات: ج١، ص١٤٥، باب نادر - ح٢.
(٤٦) قصص الأنبياء للراوندي ص ٣٢٥، بحار الأنوار (١٨/ ٣٧٥ - ٣٧٦)، برقم: (٨١) وروي صدره (أعني حديث المعراج) عن العيّاشي مرسلا عن أبي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) في ص (٤٠٣ - ٤٠٤)، برقم: (١٠٧) وأيضا عنه عنه (عليه السلام) في ص (٣٨٥ - ٣٨٦) ورواه مسندا عنه عنه (عليه السلام) في ص (٣٨٨) عن أمالي الشّيخ الطوسيّ ولا يبعد إرجاع مراسيله عن أبي بصير إلى هذا المسند بسبك فنّي يعرفه أهله، قصص العلماء للراوندي ص ٣٢٦.
(٤٧) البحار: ج٩٤، ص٥١، ح٤٠.
(٤٨) البحار: ج٤، ص٣٣، ح٩.
(٤٩) بصائر الدرجات: ص١٤١، ح٤ (٢٧٩) باب ٧، ما خصّ الله به الأئمة مِنْ آل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولاية الملائكة.
(٥٠) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج ١ ص ٢٧.
(٥١) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج ١ ص ٢٧.
(٥٢) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج ١ ص ٢٨.
(٥٣) مروج الذهب: ج١، ص١٧ - ١٨؛ البحار: ج٥٤، ص٢١٢، ح١٨٣.
(٥٤) الهداية الكبرى، الباب الرَّابِع عشر: ص٤٣٧.
(٥٥) البحار: ج٤٣، ص١٣٩، ح٣٥.
(٥٦) البحار: ج٤٥، ص١٢٦.
(٥٧) علل الشرائع، الشَّيْخ الصَّدُوق: باب ٨٣، ص١٥٩.
(٥٨) الحديد: ١٤ - ١٥.
(٥٩) كذا، في جميع النسخ، والصواب «وينجو المؤمنون» أو «وينجى المؤمنين».
(٦٠) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٦١.
(٦١) ابن بابويه، محمد بن على، معاني الأخبار - ص ٣٠.
(٦٢) غرر الأخبار، ص: ١٩٦.
(٦٣) مفيد، محمد بن محمد، الاختصاص - ص ٤٥.
(٦٤) القلم: ٢.
(٦٥) نقل المجلسيّ (رحمه الله) في المجلد الرابع عشر من البحار ص ٩٠ هذه القطعة من الكتاب أعنى من قوله: «قال: فاخبرنى ما خلق الله بعد ذلك؟ قال ن والقلم» إلى هنا.
(٦٦) المفيد، محمد بن محمد، الإختصاص - ص ٤٩.
(٦٧) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي سورة المائدة الآية ١٠٩ - ١١٩، ج ١ ص ١٩١.
(٦٨) العيّاشي، سورة الرعد ج٢، ص٢١١، ح٤٣.
(٦٩) العدد القوية ص ٣٤. البحار: ١٠، ص١٣٩.
(٧٠) الخصال: المجلد الأوَّل: ص٤، باب ٦، ح١.
(٧١) تأويل الآيات الظاهرة، الاسترابادي، ص٨٠٣.
(٧٢) تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ص١٨٨، حديث حنين العود.
(٧٣) الاختصاص: ص٣٥٩.
(٧٤) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - ج٢ ص ٣٢٥، سورة ق الآية ٢١ - ٢٤.
(٧٥) بصائر الدرجات: الجلد الثاني جزء ٨، ب١٨، ح١٤٤٨ / ١٠/ ص٧٥٤.
(٧٦) تفسير القمي - ج ٢ ص ٥، سورة الإسراء الآية ١.
(٧٧) نهج البلاغة الخطبة ١٨٣.
(٧٨) البحار: ج١٨، كشف اليقين فِي إمرة أمير المؤمنين: ص١٥٧ - ١٦٠؛ المحتضر: ص٢٥٤، ح٣٤١؛ حديث الْنَّبِيّ: (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ المعراج.
(٧٩) إقبال الأعمال ج ٢ ص ٥٠.
(٨٠) الكافي: ج١، كتاب العقل والجهل: ح١٤.
(٨١) البحار: ج٥٨، باب حقيقة النفس والرُّوُح: ح١٨، ص٤٣.
(٨٢) البصائر: المجلد الثاني ص٧٥٢، ح١٤٤٨ - ١٠/ جزء٨، ح١٢.
(٨٣) المحتضر من نوادر الحكمة للشيخ حسن بن سليمان الحلي ص ١٤٧ الحديث ١٥٧، البحار: ج٢٥/ ب١٣؛ غرائب أفعالهم: ص٣٨٥/ ح٤٣.
(٨٤) اختلفت نسخة الكافي عن التوحيد بتقديم الهواء على حجب النور وتأخر حجب النور على الهواء عكس ما في التوحيد، وايضا في التوحيد زيادة الهواء قبل الثرى.
(٨٥) هكذا في النسخ الا في نسخة (و) ففيه: «والحجاب الثاني - الخ».
(٨٦) ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد (للصدوق) - ص ٢٧٨.
(٨٧) معاني الصدوق: معنى الأشياء الَّتِي أكرم بها نبيه: ص٣٠٧/ ح١.
(٨٨) الكافي ج ٧ ص ٤٣٧ - المحاسن ص ١١٨ - ثواب الأعمال ص٢٢٧ - تفسير القمي سوره الاسراء١٧ -
(٨٩) قال المجلسي (رحمه الله) في سابع البحار في باب «ما أقر من الجمادات بولايتهم» بعد نقل مثله عن مناقب ابن المغازلي ما نصه «أقول: هذه الاخبار وأمثالها من المتشابهات التي لا يعلم تأويلها الا الله والراسخون في العلم ولا بد في مثلها من التسليم وتأويلها اليهم، ويمكن ان يقال (فخاض في بيان له طويل، فمن أراده فليراجع سابع البحار؛ ص ٤١٩ - ٤٢٠».
(٩٠) قال المجلسي (رحمه الله) في مزار البحار في بيان له (ص ٣٨): «الذكوة في اللغة الجمرة الملتهبة فيمكن أن يكون المراد بالذكوات التلال الصغيرة المحيطة بقبره (عليه السلام) شبها لضيائها وتوقدها عند شروق الشمس عليها لما فيها من الدراري المضيئة بالجمرة الملتهبة، ولا يبعد أن يكون تصحيف «دكاوات» جمع دكاء وهو التل الصغير، وفي بعض النسخ «الركوات» بالراء المهملة فيحتمل أن يكون المراد بها غدرانا وحياضا كانت حوله» وفي النسخة المطبوعة من فرحة الغري بالنجف (ص ٥١): «تكررت الذكوات واحتملها المجلسي جمع ذكاة بمعنى الجمرة، واحتملها أيضا دكاوات جمع دكاء وكلاهما بعيد، والّذي يقرب «ذكوات» تصحيف «ربوات» كما في الخطوط القديمة».
(٩١) الغارات (ط - الحديثة) ج٢ ص٨٤٤ - فرحه الغري ص ٢٧‏
(٩٢) تفسير القمي سوره الذاريات الايه ٥١ ج٢ ص ٣٢٨
(٩٣) الخصال للصدوق الحديث ١٠٩ ُص ٤٠١
(٩٤) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع ج‏١؛ ص٢..
(٩٥) مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ ص٦٥.
(٩٦) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١٣.
(٩٧) مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٢ ص ٢٨٠.
(٩٨) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٤١ باب ٣٧ (نادر).
(٩٩) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) –ج ٥٧ ص ٢٦١.
(١٠٠) كذا والظاهر «وكان في الأصل».
(١٠١) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٤٧.
(١٠٢) في أكثر النسخ «فيسبحون» والصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة.
(١٠٣) كذا والظاهر «يحشر».
(١٠٤) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٥١.
(١٠٥) سنى (خ).
(١٠٦) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٤٩.
(١٠٧) ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه - ج١ ص ٢١٣.
(١٠٨) في أكثر النسخ «فيسبحون» والصواب ما في المتن موافقا لنسخة مخطوطة.
(١٠٩) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ص ٤٥٤.
(١١٠) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص ١٠٧.
(١١١) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص ١٠٨.
(١١٢) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص٤٥٤.
(١١٣) التوحيد (للصدوق) - ص ٤٥٥.
(١١٤) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج١ ص ٦٣٩.
(١١٥) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص ٤٠١.
(١١٦) بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص ٤٩٣ ب١٤ ح٩ وح٣.
(١١٧) العيون: ج١، ص٢٤٠؛ البحار: ج٥٤ ص٧٣، باب حدوث العالم وبدء الخلقة.
(١١٨) البصائر: ب١٢/ ج٨، ح١٤٠٩ - ٤.
(١١٩) مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب) - ج ٢ ص ٣٨٤.
(١٢٠) البحار: ج٥٧، ب٣١، ح١، ص٧٥.
(١٢١) كنز العمّال: ج٨، ص٤١٠، ح٣٤٧٩.
(١٢٢) البحار: ج٥٥، ب٥، ح٨.
(١٢٣) الدرّ المنثور: ج١، ص٤٤؛ بحار الأنوار: ج٥٥، ح٣٠، ص١٠٤.
(١٢٤) الخصال للصدوق: ج٢، ص١٩٢.
(١٢٥) بحار الأنوار ٨/ ٢٠٥.
(١٢٦) كامل الزيارات: ب٧٩/ ح [٦٣٩] ٢٣/ ص٤٠٩.
(١٢٧) معاني الصدوق: معنى الأشياء الَّتِي أكرم بها نبيه: ص٣٠٧/ ح١.
(١٢٨) في بعض النسخ «سبحان ذى العرش العظيم».
(١٢٩) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال: ج٢ ص ٤٨٢.
(١٣٠) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتوفى ق ٦ –ص ١١ - ١٦.
(١٣١) البحار: ج١٥، ص٢٦؛ تاريخ نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم): باب بدء خلقه وما يتعلّق به: ح٤٨.
(١٣٢) كشف اليقين فِي إمرة أمير المُؤْمِنِين: ص٨٩؛ البحار: ج١٨، ص٣٩٥، إلى ص٣٩٧. اليقين بإختصاص مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) ص٢٩٨. تأويل الآيات الظاهرة ص ٦٠٦.
(١٣٣) أمالي الصدوق ص ٣٠٠. المحتضر: ١٤٨ - ١٥٠.
(١٣٤) المحتضر ص ١٣٥. بحار الانوار ج١٣ ص ٣١٣ ب٣.
(١٣٥) الأمالي، الشَّيْخ الصدوق: ٣٧٦.
(١٣٦) الكافي ج ١ - ص ٩٨. الخصال، الشَّيْخ الصدوق: ٢٠٧.
(١٣٧) التوحيد الصدوق: ٦٤.
(١٣٨) تفسير القمي لعلي بن إبراهيم سورة الاسراء الاية ١٧: ٣٧٣.
(١٣٩) الخصال للصدوق ص ١٩٣، الأمالي (للطوسي) ص١٠٥ المجلس ٤ ح ١٦١\١٥.
(١٤٠) توحيد الصدوق: ص١٧٥.
(١٤١) المحتضر: ص١٤٢؛ البحار: ج١٨، ص٣٠٤.
(١٤٢) الخصال: ج٢، ب: ما روي أنَّ لله عَزَّ وَجَلَّ اثني عشر ألف عالم: ح١٤/ص٦٣٩.
(١٤٣) في نسخة مكتبة كاشف الغطاء: يدعى الكلوسي العرى.
(١٤٤) في نسخة مكتبة كاشف الغطاء: بقوة.
(١٤٥) ابن بابويه، محمد بن على، فضائل الأشهر الثلاثة - ص ١١٧.
(١٤٦) ق: ١٥.
(١٤٧) البحار: ج٥٤/ ص٣٢١/ ح٣.
(١٤٨) ابن شهر آشوب مازندرانى، محمد بن على، مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب) - ج ٢ ص٣٨٤.
(١٤٩) بحار الأنوارج ١٨ص ٣٩١، اليقين بإختصاص مولانا علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين ص ٢٩٠.
(١٥٠) البحار: ج٨/ ص٣٠٨/ ح٦٨/ كتاب العدل والمعاد، نهج البلاغة خطبة ١٨٣/ ج٢/ ص١١٢.
(١٥١) الاختصاص: ص٣٦٤، باب صفات النار - أعاذنا الله منها -
(١٥٢) عيون الأخبار: ج١، ح٩، ص٢٤٩، باب كيفية الاحتضار.
(١٥٣) الاحتجاج: ج٢، ص٩٩/ احتجاج الصَّادِق عَلَى الزنديق.
(١٥٤) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج١/ ص١٠٦/ ج٣؛ تفسير النظر إلى وجه الله تَعَالَى..
(١٥٥) الخصال، كبر الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى النجاشي: ح٤٥/ ص٣٥٩.
(١٥٦) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - ج٢ ص٥٤ سورة مريم الآية ٨٥.
(١٥٧) الخصال للصَّدوق: ج٢، ص١٤٧.
(١٥٨) الخصال: ما وجد فِي ساق العرش، ح١١، ص٦٣٨.
(١٥٩) الخصال: ص٢٠٢، ح١٧، أربع أشياء أُعطيت سمع الخلائق.
(١٦٠) المجلسي، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٥٧.
(١٦١) سنى (خ).
(١٦٢) المجلسي، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٥٨.
(١٦٣) تفسير القمي ج٢ ص ٤٧ الحديث ٦٦/٥، سورة المطففين الآية ١٨.
(١٦٤) البصائر: ح١٤٤٨ / ١٠ - جزء ٨ ص ٧٥١ - ب ١٨.
(١٦٥) البصائر: ج٨، ح١٤٤٨ - ١٠، ص٧٥٤/ ب١٨.
(١٦٦) البصائر: ج٨، ح١٤٤٨ - ١٠/ ص٧٥٢/ ب١٨.
(١٦٧) القُمّي: ص٣٤٦، ج٢، سورة الرحمن الآية ٧٢.
(١٦٨) البحار: ج٢، باب الجَنّة ونعيمها، ص١٣٩، ح٥١. كشف اليقين ص ٢٥١، ح١٤.
(١٦٩) القُمّي: ج٢/ ص ٣٤٦؛ البحار: ج٥٤، ص٣٤٦، ح٣٧.
(١٧٠) المناقب لابن شهر آشوب ج ٢ ص ١٥٥. بحار الأنوار: ج٨، ص١٣٩.
(١٧١) تفسير فرات الكوفي سورة الرعد الآية ٢٩ الحديث ٢٨٤. البحار: ج٨، ح٨٨، ص١٥١.
(١٧٢) جامع الأخبار ص ١٢٦. البحار: ج٨، ح٧٢، ص١٤٧.
(١٧٣) القُمّي: ج٢، ص٣٣٥، سورة النجم الآية ١٥.
(١٧٤) نهج البلاغة الخطبة: الوصية بالتقوى.
(١٧٥) الإنسان: ٢٠.
(١٧٦) الكهف: ٣١.
(١٧٧) الإنسان: ١٤.
(١٧٨) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي ٨/ ٩٩.
(١٧٩) الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (للصبحي صالح) - الخطبة ١٦٥.
(١٨٠) فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي، سورة الرعد الآية ٢٩.
(١٨١) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي سورة الشورى الآية ٥ - ٧.
(١٨٢) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج ١/ص ١٨٤ الحديث ٢.
(١٨٣) جامع الأخبار: ص١٢٦.
(١٨٤) الكافي: ج٨، ص٢٣١، ح٢٩٨.
(١٨٥) كامل الزيارات: باب ٣٢، ص٢٠٥، ح٦.
(١٨٦) الخصال: ص٢٩٣، ح٥٧.
(١٨٧) أمالي الطوسي: ص٦٩، ح١٠٢.
(١٨٨) الكافي
(١٨٩) الكافي: ج١، ح٣، ص٣٩٠، باب التسليم وفضل المسلمين.
(١٩٠) البحار: ج٨، ح٨، ص٢٢٠، باب أنَّ أهل الجَنّة يحيون...
(١٩١) سورة الحمد: الآية ٧.
(١٩٢) سورة البقرة: الآية ١٤٢.
(١٩٣) سورة البقرة: الآية ٢١٣.
(١٩٤) سورة آل عمران: الآية ٥١.
(١٩٥) سورة آل عمران: الآية ١٠١.
(١٩٦) سورة الصافات: الآية ٢٣.
(١٩٧) البصائر: ب١٦، ج٩، ح٥، باب أنَّ الأئمة يعرفون أهل الجَنّة وَالنَّار، ص٥١٦.
(١٩٨) مصباح المتهجّد: ج٧٤/٣٣٦. ورواه المشهدي فِي المزار - القسم ٨ الباب الخامس: ص٦٦٣.
(١٩٩) مصباح المتهجّد: ١١/٣٧٤.
(٢٠٠) إقبال الأعمال: ج١ص٢٣٩، الباب السَّادِس - الفصل الخامس.
(٢٠١) كتاب صفّين - لابن مزاحم: ص٢٣٢.
(٢٠٢) الفضائل - شاذان بن جبرئيل القُمّي: ص٦٦٣.
(٢٠٣) إقبال الأعمال - ابن طاووس - ج٢، ص٢١٦.
(٢٠٤) إقبال الأعمال - أبن طاووس: ج٢، ص٢٨٩.
(٢٠٥) وفي نسخة (على جميع الأُمَّة وشيعتنا الميثاق بذلك).
(٢٠٦) الكافي: ج١، أبواب التاريخ: ب١ ص٤٥١.
(٢٠٧) الطوسى، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام ج٦ ص ١١٠، الحديث ١٩٦/١٢.
(٢٠٨) الغارات ج٢ ص ٨٥٣. جامع الأخبار ص ٢٤.
(٢٠٩) بصائر الدرجات: ٢٨٦ - باب ٢.
(٢١٠) ابن حمزه طوسى، محمد بن على، الثاقب في المناقب - ص١٢٠.
(٢١١) الفضائل لابن شاذان ص١٣٧.
(٢١٢) ابن شاذان قمى، أبو الفضل شاذان بن جبرئيل، الفضائل (لابن شاذان القمي) –ص١٣٨.
(٢١٣) ابن شاذان قمى، أبو الفضل شاذان بن جبرئيل، الروضة في فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (لابن شاذان القمي) - ص ٢٣٦.
(٢١٤) المحتضر ص ١٥٨ الحديث ١٦٨ عن كتاب الخطب لعبد العزيز الجلودي. بحار الأنوار.
(٢١٥) التوحيد: ٤٥٥/ ٧، المحاسن: ٢٣٨/ ٢١١، تفسير القمي ٢: ٣٣٨.
(٢١٦) الفقه الرضوي - ص ٣٨٤.
(٢١٧) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج١ ص ٣٣٦.
(٢١٨) النجم ٤٢
(٢١٩) تفسير القمي - مقدمه المصنف ج١ ص ٢٦.
(٢٢٠) البرقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن - ج١ ص ٢٣٨ٍ. التوحيد للصدوق ص ٤٥٥.
(٢٢١) التوحيد: ٤٥٥/ ٧، المحاسن: ٢٣٨/ ٢١١، تفسير القمي ٢: ٣٣٨.
(٢٢٢) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام) - ص ٣٨٤.
(٢٢٣) أضاف في نسخة «أ»: فى الأرض.
(٢٢٤) في نسخة «ب»: بلغت الى السماء.
(٢٢٥) في نسخة «ب»: قال لي، وفي الكنز: فقال.
(٢٢٦) ليس في نسخة «ب» والمطبوع.
(٢٢٧) في نسخة «أ»: حضرت.
(٢٢٨) من المطبوع والكنز والبحار.
(٢٢٩) في نسخة «أ»: صلصائيل.
(٢٣٠) في نسخة «ب» والمطبوع والكنز والبحار: من هذا الذي يكلمك؟ وفي خ ل: من هذا يكلمك؟.
(٢٣١) أضاف في نسخة «أ» جبرئيل.
(٢٣٢) من نسخة «أ».
(٢٣٣) في نسخة «ب» والمطبوع والكنز والبحار: ملائكة الرحمن.
(٢٣٤) من نسخة «أ».
(٢٣٥) عنه مدينة المعاجز: ١٤٣ ح ٤٠٤، و: ١٧٥ ح ٤٨٩.
ورواه الكراجكيّ في كنزه: ٢٥٩ عن ابن شاذان، عنه البحار: ١٨/ ٣٠٠ ح ٣.
(٢٣٦) ابن شاذان، محمد بن احمد، مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة –ص ٣٣.
(٢٣٧) سورة طه: الآية ٥.
(٢٣٨) سورة الفرقان: الآية ٥٩.
(٢٣٩) سورة هود: الآية ٧.
(٢٤٠) سورة غافر: الآية ١٥.
(٢٤١) سورة الزمر: الآية ٧٥.
(٢٤٢) سورة غافر: الآية ٧.
(٢٤٣) معاني الأخبار: ص٢٩، باب معنى العرش والكرسي.
(٢٤٤) الاعتقادات، الاعتقاد بالكرسي/ ب١٤، ص٤٥.
(٢٤٥) البحار: ج٣، ب١٤، ص٣٣٨.
(٢٤٦) سورة الحجر: الآية ٢١.
(٢٤٧) روضة الواعظين: ص٤٦.
(٢٤٨) سورة هود: الآية ٧.
(٢٤٩) تنبيه الخواطر: ح٢، ص٣٢٤ - ٣٢٥. البحار: ج٣٠، ب١٨/ ح٦/ص١٠٣ وج٥٤ ص٩٠
(٢٥٠) الكافي: باب العقل والجهل: ح١٤/ج١؛ والخصال: ص٥٨٩ ح١٣، ب٧٠؛ والمحاسن: باب العقل حديث ٢٢، ص١٩٦؛ وعلل الشرايع: ب٩٦/ح١٠.
(٢٥١) علل الشرايع: ص١٥٩، باب ٨٦.
(٢٥٢) بحار الأنوار: ج٢٥، ص١٧؛ كتاب الإمامة، باب بدء خلقهم وطينتهم وأرواحهم: ح٣١.
(٢٥٣) سورة هود: الآية ٧.
(٢٥٤) سورة الحاقّة: الآية ١٧.
(٢٥٥) الكافي: ج١، ح١٦/ ص١٤٨، باب البداء؛ التوحيد: ب٥٤/ ح٩.
(٢٥٦) الكافي: ج١، ص٤٤١.
(٢٥٧) سورة هود: الآية ٧.
(٢٥٨) التوحيد: ب٤٩، ح١؛ الكافي: ب١ العرش والكرسي.
(٢٥٩) سورة الحاقّة: الآية ١٧.
(٢٦٠) التوحيد: ب٤٩/ ح٢.
(٢٦١) البلد الأمين والدرع الحصين - ص ١٣٣.
(٢٦٢) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي –ج ٢ ص ٦٩، سورة الإنبياء الآية ٣٠.
(٢٦٣) زفر زفيراً: أخرج نفسه والمراد هنا إخراج الصوت من أعماق النفس. ج. ز
(٢٦٤) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - ج ١ ص ٣٢١، سورة هود الآية ٧.
(٢٦٥) تفسير القمي سور سبأ الآية ١ - ١٠ / ج ٢ ص ١٩٨.
(٢٦٦) كفاية الأثر ص ١٧١.
(٢٦٧) الخصال للصَّدوق: ص٤٠٧.
(٢٦٨) تفسير القُمِّي: ح١ ص٨٥؛ بحار الأنوار: ح٥٥ ص٢١.
(٢٦٩) التوحيد: ص٣٢٧، ب٥٢.
(٢٧٠) ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد (للصدوق) - ص ٣٢٧.
(٢٧١) تفسير العياشي، سورة البقرة، الآية ٢٥٥.
(٢٧٢) ليس في نسخة «أ».
(٢٧٣) ليس في نسخة «ب».
(٢٧٤) ابن شاذان، محمد بن احمد، مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة - منقبة ٦٤ ص ١٣٣.
(٢٧٥) معاني الأخبار: ص٢٢٩.
(٢٧٦) جامع الأسرار: ٢٠٥ ح ٣٩٤. مشارق أنوار اليقين ص ٢٥٣.
(٢٧٧) الهداية الكبرى: ب١٤/ ص٥٤٢/ ح٦٦.
(٢٧٨) الغارات: ج٢ ص٨٤٤؛ فرحة الغري: ص٥٦؛ بحار الأنوار: ج٢٧، ص٢٨١، وح٤٢، ص١٩٧.
(٢٧٩) بحار الأنوار: ج٥٧، ص٢١٢؛ مُستدرك الوسائل: ج١٠، ص٢٠٤.
(٢٨٠) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتوفى ق ٦ –ص ١١ - ١٦. البحار: ج١٥، ص٢٦؛ تاريخ نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم): باب بدء خلقه وما يتعلّق به: ح٤٨.
(٢٨١) البرقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن - ج١ ص ١٩٦.
(٢٨٢) المسعودى، على بن حسين، اثبات الوصية -.
(٢٨٣) المسعودى، على بن حسين، اثبات الوصية - ايران؛ قم، چاپ: سوم، ١٣٨٤ / ١٤٢٦.
(٢٨٤) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج ٢ ص ٤٢٧ -. امالي الطوسي الحديث ١١٦٤ /٣، ص ٥٤٢.
(٢٨٥) الكافي ج ١ ص ١٦.
(٢٨٦) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج٢ص٦.
(٢٨٧) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج٢ ص ٨.
(٢٨٨) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ب ٧٧ ح ٦، ج ١ ص ٨٤.
(٢٨٩) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج ١ ص ١٨٨.
(٢٩٠) اديم الأرض، ظاهره وكذا السماء. والعرك: الدلك.
(٢٩١) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي ج٢ ص٦، المحاسن للبرقي ج١ ص٢٨٢، تفسير العياشي سورة الأنعام الآية ٢٧.
(٢٩٢) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج ١ ص ٨٣.
(٢٩٣) وفي نسخة البرهان «بيده» مكان «بهذه» في هذا الموضع وكذا فيما يأتي.
(٢٩٤) البرهان ج ١: ٥٢٢. البحار ج ٣: ٧١.
(٢٩٥) العياشى، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي - ج ١ ص ٣٥٨.
(٢٩٦) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج ١ ص ٨٤.
(٢٩٧) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج ١ ص ٨٢.
(٢٩٨) علل الشرايع: ج٢، ب١٦١ ص٤٢٥.
(٢٩٩) الفرات: أعذب العذوبة. والأجاج: المالح المر الشديد الملوحة.
(٣٠٠) الحمأ جمع حمائة وهو الطين الأسود المتغير والمسنون: المصور وقيل: المصبوب المفرغ كأنه أفرغ حتى صار صورة.
(٣٠١) وفي نسخة البرهان «سيسألون».
(٣٠٢) العياشى، محمد بن مسعود، تفسير العيّاشي - سورة آل عمران الآية ٨٣، ج ١ ص ١٨٢، الحديث ٧٨.
(٣٠٣) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ص٨.
(٣٠٤) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ص ٩.
(٣٠٥) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ص١٠.
(٣٠٦) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) –ص١٠.
(٣٠٧) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ص١٠.
(٣٠٨) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج ٢ ص ٤٨٢.
(٣٠٩) الخصال ج ٢ ص ٤٨٢. ومعاني الأخبار ٣٠٦.
(٣١٠) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - ج١ ص٢٧١.
(٣١١) كذا في ر. وفي أ: وأنتم تقدسون وتهللون وتكبرون وتسبحون وتمجدون فنسبح ونقدس ونمجد ونهلل بتسبيحكم وتقديسكم وتهليلكم فما. وفي ب: وأنتم تكبرون وتقدسون وتهللون وتسبحون وتمجدون فنكبر ونقدس ونهلل ونسبح ونمجد بتكبيركم وتقديسكم وتهليلكم وتسبيحكم وتمجيدكم فما.
(٣١٢) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي –ص ٣٧٢.
(٣١٣) الليل، القلم: ص٢٥، ج٥٥، كتاب السَّماء والعالم؛ بحار الأنوار، مُحمَّد باقر المجلسي.
(٣١٤) التوحيد للصدوق، باب معنى الرَّحْمَن استوى عَلَى العرش: ص٣٢٤. الإختصاص للمفيد ص ٧١. اختيار معرفة الرجال للكشي الحديث ١٠٣.
(٣١٥) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج ٢ ص ٦٠٤.
(٣١٦) في المصدر: فى البر والبحر.
(٣١٧) الحجر: ٢١.
(٣١٨) راسه (خ).
(٣١٩) في المصدر: إلى ساق العرش.
(٣٢٠) روضة الواعظين لابن فتال: ص٤٦. المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج٥٥ ص ٣٤.
(٣٢١) الطوسى، محمد بن الحسن، الأمالي (للطوسي) - ص ٤٠٦، المجلس ١٤، الحديث ٩١٠/٥٨.
(٣٢٢) خلقا وبشرا، هكذا في نسخة البحار.
(٣٢٣) وفي نسخة نيرا.
(٣٢٤) طينتنا، في نسخة البحار.
(٣٢٥) هكذا في البحار، من العرش اسفل ذلك الطينة.
(٣٢٦) وفي نسخة همجا.
(٣٢٧) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) ج١ ص ٢٠.
(٣٢٨) مصباح المُتهجِّد - للشيخ الطوسي: ص٢٩٦، صلاة أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ بحار الأنوار: ج٥٥، ص٣٦، ح٥٩.
(٣٢٩) ابن شهر آشوب المازندرانى، محمد بن على، مناقب آل أبي طالب، ج‏٢، ص: ٣٨٥
(٣٣٠) الاسترآبادى، على، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ص ٧٩٢.
(٣٣١) سورة الأنعام: ٧٥.
(٣٣٢) «رأى ما هو في» م.
(٣٣٣) عنه مختصر البصائر: ١٢٠. ورواه في بصائر الدرجات: ١٠٧ ح ٢ بهذا الاسناد، وص ١٠٨ ح ١٠ بإسناده الى أبي عبد الله (عليه السلام)، عنه البحار: ١٢/ ٧٢ ح ١٨، وج ١٧/ ١٤٦ ح ٣٨، وج ٢٦/ ١١٤ ح ١٥، وص ١١٦ ذ ح ٢١.
(٣٣٤) قطب الدين الراوندى، سعيد بن هبة الله، الخرائج والجرائح –ج٢ ص٨٦٦ الحديث ٨١. بصائر الدرجات ج٢ ص ٢٠٧ الحديث ٤١٤.
(٣٣٥) الآية (٧٥) الأنعام.
(٣٣٦) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) –ج٢ ص ٢٠٧ الحديث ٤١٣.
(٣٣٧) وفي نسخة بدله، عن.
(٣٣٨) صفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج٢ ص ٢٠٧ الحديث ٤١٥.
(٣٣٩) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج٢ ص٢٠٧ الحديث ٤١٧.
(٣٤٠) - عليه في نسخة البحار.
(٣٤١) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج١ ص ١٠٨.
(٣٤٢) شرح الشمائل المحمدية: ١/ ٤٩، ولوامع أنوار الكوكب الدري: ١/ ١٣.
(٣٤٣) البكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ط. قم، ١٤١١ ق.
(٣٤٤) بكرى، احمد بن عبد الله، الأنوار في مولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - ص١٠.
(٣٤٥) البحار: ج١٥/ ص٢٧، إلى ص٣١.
(٣٤٦) الخصال ج ٢ ص ٤٨٢. ومعاني الأخبار ٣٠٦.
(٣٤٧) البحار: ج١٥/ ح١١، ص٢٧ - ٣١.
(٣٤٨) ما بين القوسين من «س».
(٣٤٩) البقرة (٢): ٣٠.
(٣٥٠) غافر (٤٠): ٣٤.
(٣٥١) البقرة (٢): ٣١ - ٣٢.
(٣٥٢) البقرة (٢): ٣٣.
(٣٥٣) الحجر (١٥): ٣٠، ص (٣٨): ٧٣.
(٣٥٤) ص (٣٨): ٧٥.
(٣٥٥) غرر الأخبار ص ١٩٣ - ١٩٩.
(٣٥٦) إرشاد القلوب، الديلمي: ج٢، ص٤٠٣.
(٣٥٧) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج٢ ص ٤٨٢.
(٣٥٨) الهداية الكبرى الباب ٢ ص ١٠٠.
(٣٥٩) الفضائل لابن شاذان القمي ص ٢٩، البحار: ج١٥/ ص٢٦ - ٣١.
تأويل الآيات الظاهرة للسيد شرف الدِّين الحسيني، ص١٤٣ - ١٤٥.
(٣٦٠) يقال: هو من نبعة كريمة أي من أصل كريم.
(٣٦١) الاسترآبادى، على، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - ص ١٤٤.
(٣٦٢) ص ٦٩ المخطوط.
(٣٦٣) الروضة فِي فضائل أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، شاذان بن جبرئيل القُمِّي: ص١١٢، الفضائل له أيضا ص١٢٩.
(٣٦٤) تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة ص ١٤٤.
(٣٦٥) الديلمى، حسن بن محمد، إرشاد القلوب إلى الصواب (للديلمي) - ج٢ ص ٤٠٣.
(٣٦٦) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج ١ ص ٢٦٢ ب٢٦، كمال الدين للصدوق ج١ ص ٢٥٥ ب ٢٣، علل الشرايع ج١ ص ٥ ب٧.
(٣٦٧) المُتوفّى فِي القرن الخامس فِي كتابه عيون المعجزات ص ٥٣، تحت عنوان دلائل فاطمة (عليها السلام).
(٣٦٨) الكافي: ج ص٤٤، باب مولد الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ح٣.
(٣٦٩) الخصال حديث اثنا عشر حجابا: ص٤٨٢ ح٥٥.
(٣٧٠) الهداية الكبرى: ص١٠٠، الباب الثَّانِي باب أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام).
(٣٧١) البحار: ج٥٤/ ح١٤٥، باب أوَّ ما خلق الله.
(٣٧٢) استرآبادى، على، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - ايران؛ قم، چاپ: اول، ١٤٠٩ق.
(٣٧٣) تأويل الآيات الظاهرة ص ١٤٣، البحار: ج٥٤/ ح١٣٩، خلق الأشياء مِنْ الأنوار الخمسة.
(٣٧٤) مدينة المعاجز: ج٣ ح (٨٣٩ - ١) ص٢٢٠؛ حلية الأبرار: ب١ ح٢ ص١٤؛ الروضة فِي فضائل أمير المُؤْمِنِين، الفضل بن شاذان: ص١١٢، ح١٠٠، حديث فضيلة علي.
(٣٧٥) البحار: ج٢٥، ص٢٢، أبواب خلقتهم وطينتهم وأرواحهم صلوات الله عَلَيْهِم/١، عن كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي.
(٣٧٦) الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار (للشعيري) - ص ١٦.
(٣٧٧) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج ١ ص١٠٧.
(٣٧٨) **(٧). خ ل «تحميده».
(٣٧٩) ابن بابويه، محمد بن على، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - ج ١ ص ٢٦٢.
(٣٨٠) ابن بابويه، محمد بن على، الخصال - ج ٢ ص ٤٢٥.
(٣٨١) سورة البقرة، الآيتان ١ و٢.
(٣٨٢) سورة الإسراء، الآية ٧١.
(٣٨٣) العلوي، محمد بن على بن الحسين، المناقب (للعلوي) / الكتاب العتيق - الحديث ٤١ ص ١٤٨.
(٣٨٤) المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية)، ص: ٦٥١
(٣٨٥) المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية)، ص: ٦٥١.
(٣٨٦) إقبال الأعمال فصل دعاء يوم عرفة ج١ ص ٣٥٠.
(٣٨٧) الحجر: ٨٧.
(٣٨٨) «أعظم وأشرف ممّا» ب، ط.
(٣٨٩) تفسير العياشي ج ٢ ص ٢٥١. البرهان ج ٢: ٣٥٤. البحار ج ٧: ١١٥. إثبات الهداة ج ٣: ٥٢
(٣٩٠) رواه أبو داود: رقم (٤٦٠٤) في كتاب السنة: باب في لزوم السنة واللفظ له، والترمذي رقم (٢٦٦٣) كتاب العلم: باب ما نهي عنه أن يقال عند حديث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وابن ماجه رقم (١٢، ١٣) المقدمة، وأحمد (٤ / ١٣١، ١٣٢) والحاكم وصححه (١ / ١٠٨ - ١٠٩) والسنن الكبرى للبيهقي (رقم الحديث ١٩٩٤٩) واللفظ فيه (اوتيت الكتاب ومايعدله) والسنة للمروزي (١/٧١) وغيرهم.
(٣٩١) باختصار في عيون الحكم والمواعظ: ١٦٧.
(٣٩٢) الحافظ البرسى، رجب بن محمد، مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) - ص ٢٥٨، مجمع النورين ص ٢١٥، عيون الحكم والمواعظ ص ١٦٧.
(٣٩٣) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ٥٠٤ سورة المعارج الآية ١.
(٣٩٤) المسائل العكبرية ج١ ص ٢٨.
(٣٩٥) المحتضر ح ٣٦٥ ص ٢٧٥. التفسير المنسوب للعسكري ص ٢٢٠.
(٣٩٦) البصائر: ج٣/ ب٨/ ح١ ص١٨٣، البصائر: ج٣/ ب٨/ ح٢، ص١٨٣- البصائر: ج٣/ ب٨/ ح٤/ ص١٨٤.
(٣٩٧) نهج البلاغة - تحقيق صبح الصالح: ص٤١، خلق الملائكة.
(٣٩٨) البُرهان فِي تفسير القُرآن: السِّيّد هاشم البحراني: ج٤ ص٥٤٨.
(٣٩٩) زيادة يقتضيها السياق كما سيأتي وهي موجودة في الفرائد.
(٤٠٠) الأسماء مذكورة بالتفصيل في رواية الفرائد وغيرها.
(٤٠١) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ٧٤ سورة البقرة الآية ٢٨٥.
(٤٠٢) الصافّات: ١٨٠.
(٤٠٣) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج ٨ ص ٩٤.
(٤٠٤) مصباح المُتهجِّد - للشيخ الطوسي: ص٢٩٦، صلاة أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) علي بن أبي طالب (عليه السلام)؛ بحار الأنوار: ج٥٥، ص٣٦، ح٥٩.
(٤٠٥) في بحار الأنوار: (قد أعطانا الله ربّنا عزّ وجلّ علمنا للاسم الأعظم).
(٤٠٦) في «م»: (لخرجنا) وفي بحار الأنوار: (خرقت).
(٤٠٧) لم ترد (إلى) في بحار الأنوار.
(٤٠٨) لم ترد (لهذا) في بحار الأنوار.
(٤٠٩) سورة الأعراف، الآية ٤٣.
(٤١٠) سورة الزمر، الآية ٧١.
(٤١١) العلوى، محمد بن على بن الحسين، المناقب (للعلوي) / الكتاب العتيق - ص ٧٦.
(٤١٢) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ٣٧١ - ٣٧٢ سورة الزمر الآية ٧٤.
(٤١٣) ما بين القوسين من «س».
(٤١٤) الديلمى، حسن بن محمد، غرر الأخبار - ص ١٩٥ - ١٩٧.
(٤١٥) روي هذا الخبر بطوله متفرّقا في كثير من الكتب، وجميع المصادر ترجع أصله إلى مصنّف عبد الرزّاق، لكنّي لم أجد فيه شيئا ممّا ذكر.
(٤١٦) انظر: مشارق أنوار اليقين: ٥٦ - ٥٨.
(٤١٧) غرر الأخبار للحسن بن محمد الديلمي ص ١٩٨.
(٤١٨) انظر: مقتضب الأثر: ٤٠، وفيه: عن همام بن الحرث، عن وهب بن منبّه.
(٤١٩) الديلمى، حسن بن محمد، غرر الأخبار - ص ١٩٩.
(٤٢٠) (شرح الشمائل المحمدية: ١/ ٤٩، ولوامع أنوار الكوكب الدري: ١/ ١٣)
(٤٢١) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٢١٩.
(٤٢٢) البحرانى، سيد هاشم بن سليمان، مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر - طبع: قم، ١٤١٣ ق.
(٤٢٣) البحرانى، سيد هاشم بن سليمان، مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر - ج ٢ ص ٣٦٨.
(٤٢٤) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي –سورة هود الآية ١ - ١١، ج ١ ص ٣٢٢.
(٤٢٥) الكافي (ط - الإسلامية) –ج ١ ص ٩٨، التوحيد للصدوق ص ١٠٨.
(٤٢٦) الأمالي (للصدوق) - ص ٤٣٩.
(٤٢٧) ابن حيون، نعمان بن محمد مغربى، شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار - ج ٢ ص ٣٧٦.
(٤٢٨) ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه - ج ١ ص ٤٢٠.
(٤٢٩) ابن قولويه، كامل الزيارات - ج ١ ص ١٧٢.
(٤٣٠) ابن قولويه، كامل الزيارات - ص ١٧٢.
(٤٣١) ابن قولويه، كامل الزيارات - ص ٥١.
(٤٣٢) عزلا: لا سلاح لهم - بضم العين وسكون الزاى - جمع أعزل وكذلك أخواته، «بهما» أي ليس معهم شي‏ء وقيل: يعنى أصحاء لا آفة بهم ولا عاهة وليس بشي‏ء، «جردا» لا ثياب لهم، «مردا» ليس لهم لحية وهذه كلها كناية عن تجردهم عما يباينهم ويغطيهم ويخفى حقائقهم ممّا كان معهم في الدنيا، «يسوقهم النور» أي نور الايمان والشرع فانه سبب ترقيهم طورا بعد طور وفي بعض النسخ‏[بالنار] أى نار التكاليف فان التكليف بالنسبة إلى بعض المكلفين نار وبالإضافة إلى آخرين نور «يجمعهم الظلمة» أي ما يمنعهم من تمام النور والايقان فانه سبب تباينهم الموجب لكثرتهم التي يتفرع عليها الجمعية ويحتمل أن يكون المراد كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا والمعنيان متقاربان. وهذا كلام الفيض - رحمه الله - في الوافي.
(٤٣٣) أي صياحهم واصواتهم.
(٤٣٤) يمكن أن يكون إشراف الله تعالى كناية عن توجهه إلى محاسبتهم فالاشراف في حقه مجاز وفي الملائكة حقيقة. (مرآت العقول للمجلسي)
(٤٣٥) الكلينى، الكافي (ط - الإسلامية) - ج ٨ ص ١٠٤.
(٤٣٦) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٦١٦.
(٤٣٧) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٦١٦.
(٤٣٨) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٣٢٧.
(٤٣٩) «قبله» البحار: ٢٢. «قيله» أ، ص «قلبه» ب، ط.
(٤٤٠) صاح ورفع صوته.
(٤٤١) «صياع» أ. «صاع» البحار. والضّياح: اللّبن الرّقيق الكثير الماء.
(٤٤٢) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٨٥.
(٤٤٣) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي ج ٤ ص ٥٨٥. كامل الزيارات ب ٢ ح٤٣٨ ص ٢٧٨. التهذيب ج ٦ ص ٤٦.
(٤٤٤) الزبية: حفرة يحفرونها في مكان عال ليصطادوا بها الأسد. «الصحاح - زبى - ٦: ٢٣٦٦».
(٤٤٥) الكافي ٧: ٢٨٦/ ٣، الفقيه ٤: ٨٦/ ٢٧٨، تهذيب الأحكام ١٠: ٢٣٩/ ٩٥١، المقنعة: ٧٥٠، مصباح الأنوار: ١٨٢، مناقب آل أبي طالب ٢: ٣٥٤، و٣٧٨، باختلاف يسير. الإرشاد ج ١ ص ١٩٦.
(٤٤٦) الطوسى، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام (تحقيق خرسان) - ج ٣ ص ١١٦.
(٤٤٧) الطبرى الآملى، عماد الدين أبي جعفر محمد بن أبي القاسم، بشارة المصطفى لشيعة المرتضى (ط - القديمة) ص ١١٤.
(٤٤٨) ابن شهر آشوب المازندرانى، مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب) - ج ٢ ص ٢٣٣.
(٤٤٩) ابن بابويه، محمد بن على، الأمالي (للصدوق) - ص ٦٣٤.
(٤٥٠) ابن طاووس، على بن موسى، إقبال الأعمال (ط - القديمة) - ج ١ ص ٩٤.
(٤٥١) ابن بابويه، محمد بن على، معاني الأخبار - ص ٥١.
(٤٥٢) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ١٤٩.
(٤٥٣) الخزاز الرازى، على بن محمد، كفاية الأثر في النصّ على الأئمة الإثني عشر - ص ١٧١.
(٤٥٤) سورة الشورى: ٥١.
(٤٥٥) الخصيبى، حسين بن حمدان، الهداية الكبرى - ب ١٤ ح ٦٦ ص ٤٣٨.
(٤٥٦) أمالي الطوسي ص ٢٠٨.
(٤٥٧) مشارق آنوار اليقين ص ١٣٦.
(٤٥٨) مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٨٩ ص ٣٣٢.
(٤٥٩) ابن شاذان قمى، أبو الفضل شاذان بن جبرئيل، الفضائل (لابن شاذان القمي) - ص ٣٧ - ٣٨.
(٤٦٠) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ٥٧ ص ٢٤٨.
(٤٦١) الآية (٧٥) الأنعام.
(٤٦٢) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ايران؛ قم، ج١ ص ١٠٦.
(٤٦٣) الصفار، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ج ١ ص ١٠٧.
(٤٦٤) «أشراف» أ.
(٤٦٥) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ١٨٣.
(٤٦٦) جامع الأسرار: ٢٠٥ ح ٣٩٤.
(٤٦٧) الحافظ البرسى، رجب بن محمد، مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين (عليه السلام) - ص ٢٥٣، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ج ١٩ ص ٣٢٤.
(٤٦٨) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ص ٢١٩.
(٤٦٩) القمى، على بن ابراهيم، تفسير القمي - سورة الإسراء الآية ١، ج ١ ص ١٠، محاسن البرقي ج١ ص١١٨ الحديث ١٢٨ ب ٦١ (عقاب من حلف بالله كاذبا).
(٤٧٠) ابن بابويه، محمد بن على، عيون أخبار الرضا (عليه السلام) - ج ٢ ص ٢٧٥، التهذيب ٦ ص ٩٨ ب ٤٦، من لا يحضره الفقيه ج ٢ ص ٦٠٩.
(٤٧١)**(٦) في هامش الطبعة الحجرية «الظاهر: بأمره تأتمرون».
(٤٧٢) مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج‏١٠، ص: ٤٢١
(٤٧٣) علل الشرائع؛ ج‏١؛ ص
(٤٧٤) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج١ ص ٢٠٩ ب ١٥٦ الحديث ١١. دلائل الإمامة ص ١٥٧، الحديث ٧٠/١.
(٤٧٥) روضة الواعظين وبصيرة المتعظين (ط - القديمة)؛ ج‏٢؛ ص٤٠٤
(٤٧٦) البحار: ج ٢٦ ص ٣٢٥ عن كشف اليقين: ص ٣٠.
(٤٧٧) استرآبادى، على، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - ص ٥٢، ٥٣.
(٤٧٨) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج٣ ص ٤٧٧.
(٤٧٩) تهذيب الأحكام (تحقيق خرسان)؛ ج‏٣؛ ص١٤٤
(٤٨٠) برقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن –ج ١ ص ١٨٢. ومثله بتفصيل تفسير فرات الكوفي سورة الغاشية الآية ٢ - ٥. الكافي ج ٨ ص ٢١٤.
(٤٨١) «تعلقن بالعرش» هذا اما كناية عن تقدسهن وبعدهن عن دنس الخطايا أو المراد تعلق الملائكة الموكلين بهن او أرواح الحروف كما أثبتها جماعة والحق أن تلك الأمور من اسرار علومهم وغوامض حكمهم ونحن مكلفون بالتصديق بها إجمالا وعدم التفتيش عن تفصيلها والله يعلم (آت).
(٤٨٢) أي الالطاف الخاصّة كذا افيد (آت).
(٤٨٣) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ٦٢٠.
(٤٨٤) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ١٨٤.
(٤٨٥) في البحار وفي نسخة (و) «وبتلك الحروف تفريق كل شي‏ء» وفي نسخة (ج) «وتلك الحروف تفرق كل معنى» وفي نسخة (ط) «وتلك الحروف تفريق كل معين» وفي نسخة (ه) «وتلك الحروف تعريف كل شي‏ء» وفي هامشه: «تعرف كل شي‏ء».
(٤٨٦) قوله: «يتناهى» صفة لمعنى، وقوله: «ولا وجود» عطف على معنى، وفي البحار: «ولا وجود لها لأنها - الخ».
(٤٨٧) في نسخة (ج) «من الثمانية والعشرين حرفا».
(٤٨٨) في البحار وفي نسخة (و) «فحجج».
(٤٨٩) في نسخة (د) وحاشية نسخة (ب) «بعد اختصاصها».
(٤٩٠) في البحار وفي نسخة (ج) و(ه) «وبيانه أنك تذكر الحروف».
(٤٩١) في نسخة (ج) «بالصورة التي ذكرنا».
(٤٩٢) في نسخة (و) «لا تذكر بمعناه».
(٤٩٣) الإسراء: ٧٢.
(٤٩٤) ابن بابويه، محمد بن على، التوحيد (للصدوق) - ص ٤٣٥. عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ج ١ ص ٤٧٣.
(٤٩٥) «الف» خ ل: فلو أخبرنا بآبائنا وامّهاتنا ومقعدنا من الجنّة والنار.
(٤٩٦) كتاب سليم بن قيس الهلالي - ايران؛ قم، ج٢ ص ٨٥٣.
(٤٩٧) أي الله تعالى.
(٤٩٨) هلالى، سليم بن قيس، كتاب سليم بن قيس الهلالي - ايران؛ قم، ج٢ ص ٨٥٤.
(٤٩٩) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج١ ص ٢٠٩.
(٥٠٠) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ٥٠٤.
(٥٠١) ابن بابويه، محمد بن على، الأمالي (للصدوق) - ص ٣٠٠.
(٥٠٢) ج ٣، «باب أحوال المتقين والمجرمين في القيامة» (ص ٢٤٥، س ٢٠ و٢٥ و٢٨) قائلا بعد الحديث الأخير: «بيان - «الشرك» ككتب جمع الشراك بالكسر، وهو سير النعل، وكذا الركب بضمتين جمع الركاب، وهو ما يوضع فيه الرجل عند الركوب».
(٥٠٣) البرقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن - ج ١ ص ١٧٩.
(٥٠٤) من البحار، وفي ص: ل.
(٥٠٥) «لهاته» ب، س، ط. قال الجزريّ في النّهاية: ٤ - ٣٨٤: وفي حديث الشّاة المسمومة «فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» جمع لهاة، وهي اللّحمات في سقف أقصى الفم.
(٥٠٦) «يستطيعوا» ب، س، ط.
(٥٠٧) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ط ايران؛ قم، ١٤٠٩ ق ص ١٤٦.
(٥٠٨) «حتّى أمسكه» ط.
(٥٠٩) «لإني» المصادر.
(٥١٠) «للعبد» أ. «للعبيد» البحار.
(٥١١) من الجلادة والصّلابة.
(٥١٢) «عن» التّأويل، خلّى الأمر وتخلّى منه وعنه: تركه. يقال: خلا وأخلى وقيل: يخلو: يعتمد.
(٥١٣) عنه تأويل الآيات: ٢ - ٤٦٢ ح ٣٢، والبحار: ٢٧ - ٩٧ صدر ح ٦٠، وج ٥٨ - ٣٣ ح ٥٣، وج ٨٣ - ١٩١ ح ٣٢ قطعة.
(٥١٤) حسن بن على، امام يازدهم (عليه السلام)، التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - ايران؛ قم، ط: اول، ١٤٠٩ ق - ص ١٤٨.
(٥١٥) ليس في نسخة «أ».
(٥١٦) ليس في نسخة «ب».
(٥١٧) رواه الخوازمى في المناقب: ٣١، وفي المقتل: ١/ ٣٩ بإسناده الى ابن شاذان، عنه مناقب ابن شهر اشوب: ٢/ ٣٢، وينابيع المودة: ١٣٣، وكشف الغمّة: ١/ ١٠٣، وغاية المرام: ٥٨٠ ح ٢٦، ومصباح الأنوار: ٦١ (مخطوط). وأخرجه في البحار: ٣٨/ ٣٣٥ ضمن ح ١٠ عن مناقب ابن شهر اشوب. وفي ج ٣٩/ ١١٠ ح ١٧ عن كشف الغمّة. وأخرجه في غاية المرام: ٦٦٢ ح ٤ عن كتاب فتح المبين في كشف اليقين في شرح دوحة المعارف. وأخرجه في إحقاق الحقّ: ٦/ ١١١ عن أرجح المطالب للامر تسرى: ٥٢٦. سند هذه المنقبة متحد مع سند المنقبة الأولى في الكتاب باختلاف.
(٥١٨) ابن شاذان، محمد بن احمد، مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة - ايران؛ قم، ط: اول، ١٤٠٧ق - ص ١٣٢.
(٥١٩) مشارق أنوار اليقين: للشيخ رجب حافظ البرسي، مستدرك الوسائل، باب استحباب الإكثار مِنْ الصَّلاة عَلَى مُحمَّد وآل مُحمَّد ص٢٤١.
(٥٢٠) فرغانة: بفتح ثمَّ السكون وعين معجمة، وَبَعْدَ الألف نون: مدينة وكورة واسعة بما وراء النهر متاخمة لبلاد تركستان.
(٥٢١) معاني الأخبار، للشيخ الصَّدُوق: باب معاني الظالم لنفسه والمقصد والسابق: ص١٠٤.
(٥٢٢) تأويل الآيات للإسترابادي سورة البينة الآية ١ - ٨.
(٥٢٣) المزار الكبير (لابن المشهدي) - ص ٢٢٧، الزيارة السادسة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في رجب.
(٥٢٤) التوحيد للصدوق: ب٥٠ ح١، ص ٣٢١. البحار ٥٥ ص ٣٠ الحديث ٥١.
(٥٢٥) الكافي: ج١، ص ١٤٨، رقم ١٦؛ التوحيد للصَّدوق: ص٣٣٤ باب ٥٤، ح٩.
(٥٢٦) مشارق أنوار اليقين، الفصل الرَّابِع: ص١٢٩.
(٥٢٧) الهداية الكبرى: ص٥٢٣، وفي طبعة أُخرى ص٤٣٥، باب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
(٥٢٨) تفسير فرات الكوفي سورة الزمر الآية ٧٤، بحار الأنوار: ج١٥، ص١٥.
(٥٢٩) تفسير القمي سورة البقرة الآية ٢٥٥ - ٢٥٧.
(٥٣٠) سورة الحاقّة: الآية ١٧.
(٥٣١) سورة غافر: الآية ٧.
(٥٣٢) التوحيد: ص٣٢٧، باب ٥٢، حديث ١.
(٥٣٣) التوحيد للصدوق ص ٣٢٧.
(٥٣٤) تفسير القُمِّي: ص٧٥، ذيل الآية.
(٥٣٥) سورة الشورى: الآية ٥٢.
(٥٣٦) سورة النحل: الآية ٢.
(٥٣٧) سورة غافر: الآية ١٥.
(٥٣٨) سورة النحل: الآية ٨٩.
(٥٣٩) سورة الأنعام: الآية ٣٨.
(٥٤٠) سورة الأنعام: الآية ٥٩.
(٥٤١) سورة يونس: الآية ٦١.
(٥٤٢) سورة النمل: الآية ٧٥.
(٥٤٣) سورة سبأ: الآية ٣.
(٥٤٤) سورة هود: الآية ٦.
(٥٤٥) بصائر الدرجات: ص٤٦٧.
(٥٤٦) الكافي: ج١ ص٢٨٦؛ بصائر الدرجات: ص٤٦٢؛ المحاسن: ج٢ ص٣١٥.
(٥٤٧) معاني الأخبار ص ٣٠.
(٥٤٨) الكافي: ج١ ص٢٧٣ رقم٤.
(٥٤٩) بصائر الدرجات ج١ ص ٢٣٢ - ب٧ حديث ١.
(٥٥٠) بصائر الدرجات ج١ ص ٢٣٣ –ب٧ حديث ٤.
(٥٥١) بصائر الدرجات ج١ ص ٢٣٢ - ب٧ حديث ٦.
(٥٥٢) الكافي ج ١ ص ٢٧١.
(٥٥٣) الكافي: ج١ ص٢٧٢ رقم ٣.
(٥٥٤) الكافي: ج١ ص٢٧٢ رقم ٢.
(٥٥٥) الكافي: ج١ ص٢٧٣.
(٥٥٦) الكافي: ج١، ص٢٧٤.
(٥٥٧) سورة غافر: الآية ١٥.
(٥٥٨) أمالي الصدوق ص ٣٣٥ الحديث ٣٩٢/٢، المجلس ٤٥.
(٥٥٩) الكافي: ج١ ص٣٨٩؛ وبصائر الدرجات: ج١ ص٥٤ ب نادر.
(٥٦٠) الكافي: ج١ ص٣٨٩؛ بصائر الدرجات: ج١، ص٥٤.
(٥٦١) الكافي: ج١، ص٢٨٣.
(٥٦٢) كفاية الأثر للخزّاز: ص١٧١.
(٥٦٣) التفسير للإمام العسكري (عليه السلام): ص١٨٠.
(٥٦٤) جامع أحاديث الشيعة: ج١٥، ص١٤٩؛ الجَنّة الواقية (المصباح): ص٤٦.
(٥٦٥) بصائر الدرجات ج١ ص ٤٤٢، ب ١٢ - الحديث ٥.
(٥٦٦) الكافي ج ١ ص ٩٨. التوحيد ص ١٠٨، ب ٨ ح ٣.
(٥٦٧) الكافي: ج١، ص ١٤٨ الحديث ١٤؛ التوحيد: ص١٠٨.
(٥٦٨) التوحيد: ب١١، ح١٦، ص١٤٦.
(٥٦٩) التوحيد (للصدوق) - ب ٥١ ح ١، ص ٣٢٥. تفسير القمي سورة الإسراء الأية ٧٢ ج ٢ ص ٢٣.
(٥٧٠) أصول الكافي: ج١، باب حدوث الأسماء - وكتاب التوحيد: ص٨٧/ ح١.
(٥٧١) التوحيد للصدوق ص ١٩٠.
(٥٧٢) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٤٢١. ابن طاووس، على بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع - ص ١٦١.
(٥٧٣) أحد: ب وهامش ج.
(٥٧٤) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ص ٢٩٣.
(٥٧٥) الكلينى، محمد بن يعقوب، الكافي (ط - الإسلامية) - ج١ ص ١١٣.
(٥٧٦) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٣٠٧.
(٥٧٧) مصباح المُتهجِّد: ص٢٩٤، وما بَعْدَ؛ بحار الأنوار: ج٥٥ ص٣٦.
(٥٧٨) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٢٩٤.
(٥٧٩) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٢.
(٥٨٠) ابن طاووس، على بن موسى، الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج٢ ص ٢١٢.
(٥٨١) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج١ ص ٢٦٣.
(٥٨٢) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٢٩٥.
(٥٨٣) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ٢ ص ٥٦٧.
(٥٨٤) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٨٧.
(٥٨٥) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٢٩٦.
(٥٨٦) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١٢.
(٥٨٧) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ٣٥٤.
(٥٨٨) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٣٥٣.
(٥٨٩) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١٦.
(٥٩٠) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١٧.
(٥٩١) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١٧.
(٥٩٢) المزار الكبير (لابن المشهدي) - ص ٣٠٨.
(٥٩٣) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤١١.
(٥٩٤) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤٢١.
(٥٩٥) تفسير العاملي ج ١ ص ٣٩ سورة البقرة الآية ٣١.
(٥٩٦) الطبرى الآملى الصغير، محمد بن جرير بن رستم، دلائل الإمامة (ط - الحديثة) - ص ٧٤.
(٥٩٧) الطوسى، محمد بن الحسن، تهذيب الأحكام (تحقيق خرسان) ج ٣ ص ٩١ - مصباح المتهجد فصل في نوافل شهر رمضان ج ٢ ص ٥٦٧.
(٥٩٨) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٨٥.
(٥٩٩) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٨٦.
(٦٠٠) في المصدر: والنزعات. ولعلها مصحفة.
(٦٠١) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٢٤٨.
(٦٠٢) الحلى، رضى الدين على بن يوسف بن المطهر (برادر علامه حلى)، العدد القويّة لدفع المخاوف اليومية - ص ٣٠٦.
(٦٠٣) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٣٦٧.
(٦٠٤) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤٢٧.
(٦٠٥) كفعمى، ابراهيم بن على عاملى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤٢٨.
(٦٠٦) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٢٢٦.
(٦٠٧) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٢٩٢.
(٦٠٨) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٥٧٤.
(٦٠٩) ابن طاووس، على بن موسى، الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ٢ ص ٢١٢.
(٦١٠) في البحار زيادة: والزبور.
(٦١١) ابن طاووس، على بن موسى، الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ٢ ص ٢٢١.
(٦١٢) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٨٧.
(٦١٣) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٨٨.
(٦١٤) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ١٣٢.
(٦١٥) ابن طاووس، على بن موسى، إقبال الأعمال (ط - القديمة) - ج ٢ ص ٦٣٨.
(٦١٦) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات - ص ٣١٩.
(٦١٧) ابن طاووس، على بن موسى، مهج الدعوات ومنهج العبادات –ص ١٤١، دلائل الإمامة للطبري ص ٧٤ الحديث ١٢/١٢.
(٦١٨) الطبرسى، حسن بن فضل، مكارم الأخلاق - ص ٤٠٤.
(٦١٩) ابن طاووس، على بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع - ص ١٠٨.
(٦٢٠) ابن طاووس، على بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع - ص ١٢٣.
(٦٢١) مصباح المُتهجِّد: ص٢٩٤، وما بَعْدَ؛ بحار الأنوار: ج٥٥ ص٣٦.
(٦٢٢) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٤٢٠.
(٦٢٣) ابن طاووس، على بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع - ص ٢٥١.
(٦٢٤) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٥١.
(٦٢٥) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ١٠١.
(٦٢٦) كفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ١٩٨.
(٦٢٧) والفرقان: ب وهامش ج.
(٦٢٨) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ٢ ص ٢٢٧.
(٦٢٩) والوتر: ب وج.
(٦٣٠) سجر البحر: هاج وارتفعت أمواجه.
(٦٣١) ابن طاووس، على بن موسى، الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ١ ص ٢٣٩.
(٦٣٢) ابن طاووس، على بن موسى، جمال الأسبوع بكمال العمل المشروع - ص ١٢٢.
(٦٣٣) السّماء: ب وهامش ج وكذلك في.
(٦٣٤) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ١ ص ٢٦٣.
(٦٣٥) إقبال الأعمال (ط - القديمة) - ج١ ص ٤٣٨.
(٦٣٦) في المصدر: يكاد تلالؤها. وهو كذلك أيضا في نسخة.
(٦٣٧) في نسخة: وفيها بحار من ظلمة.
(٦٣٨) في المصدر: وبحار ثلج ترعد.
(٦٣٩) في المصدر: فلما فزعت.
(٦٤٠) في نسخة: سبعين.
(٦٤١) في نسخة: ملكا من ملائكة الله. وفي المصدر وملك من ملائكة الله.
(٦٤٢) تفسير القمي سورة الإسراء الآية ١ - ٣، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ١٨ ص ٣٢٦.
(٦٤٣) في نسخة امين الضرب: لتهتك عن نور العرش.
(٦٤٤) مجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ١٨ ص ٣٢٨.
(٦٤٥) بحار الأنوار (ط - بيروت) - ج ١٨ ص ٣٣٢.
(٦٤٦) تفسير القمي - سورة الإسراء الآية ١ - ٣.
(٦٤٧) مناقب آل أبي طالب (لابن شهرآشوب) - ج ٢ ص ٣٨٤.
(٦٤٨) الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ٩٨. التوحيد ص ١٠٨.
(٦٤٩) الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ٢ ص ٢٩٦.
(٦٥٠) الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ٢ ص ٣٠١.
(٦٥١) الإقبال بالأعمال الحسنة (ط - الحديثة) - ج ٢ ص ٣٠١
(٦٥٢) كفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٣٥٢.
(٦٥٣) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٣٩٥.
(٦٥٤) الكفعمى، ابراهيم بن على عاملى، المصباح للكفعمي (جنة الأمان الواقية) - ص ٦٣٧.
(٦٥٥) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) –ج ١ ص ٤٦٨.
(٦٥٦) - الآية (١٨ و١٩) الأعلى.
(٦٥٧) - هذه الزيادة في البحار، نبى آخر.
(٦٥٨) صفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ايران؛ قم، چاپ: دوم، ١٤٠٤ ق.
(٦٥٩) المسعودى، على بن حسين، اثبات الوصية - ص١٦٧.
(٦٦٠) في بحار الأنوار: (قد أعطانا الله ربّنا عزّ وجلّ علمنا للاسم الأعظم).
(٦٦١) في «م»: (لخرجنا) وفي بحار الأنوار: (خرقت).
(٦٦٢) لم ترد (إلى) في بحار الأنوار.
(٦٦٣) لم ترد (لهذا) في بحار الأنوار.
(٦٦٤) سورة الأعراف، الآية ٤٣.
(٦٦٥) سورة الزمر، الآية ٧١.
(٦٦٦) العلوى، محمد بن على بن الحسين، المناقب (للعلوي) / الكتاب العتيق - ص ٧٦.
(٦٦٧) الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ١٤٩.
(٦٦٨) الكفعمى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ٤٠٦. المصباح للكفعمي ص ٢٥٣.
(٦٦٩) الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ١٥١.
(٦٧٠) الكافي (ط - الإسلامية) - ج ١ ص ١٤٧.
(٦٧١) الكافي: ج٢، ص٥٨٢ - ٥٨٣.
(٦٧٢) إقبال الأعمال: ج٢ ص١٢٤.
(٦٧٣) الهداية الكبرى: باب الرَّابِع عشر: ح٦٦/ ص٥٣٢.
(٦٧٤) الكفعمى، البلد الأمين والدرع الحصين - ص ١٣٤.
(٦٧٥) الكافي: ٤/٥٧٥/٢/١؛ مَنْ لا يحضره الفقيه، الشَّيْخ الصَّدُوق: ج٢، ص٥٩٥.
(٦٧٦) كامل الزيارات ب ٧٩ ح ٦١٨ ص ٣٦٤.
(٦٧٧) روضة المُتّقين للمجلسي الأوَّل: ج٥، ص٤٢٩.
(٦٧٨) القاموس المحيط ٤/ ١٠.
(٦٧٩) سورة البقرة: ٢١٠.
(٦٨٠) سورة الزمر: ١٦.
(٦٨١) سورة يس: ٥٦.
(٦٨٢) سورة المرسلات: ٣١.
(٦٨٣) سورة الرعد: ١٥.
(٦٨٤) سورة الشعراء: ١٨٩.
(٦٨٥) المجلسى، محمد باقر بن محمد تقى، ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار - ج ١ ص ١٣٥.
(٦٨٦) الشريف الرضي، محمد بن حسين، نهج البلاغة (للصبحي صالح) - الخطبة ١٨٣.
(٦٨٧) إقبال الأعمال ج ١ ص ٣٥٠، دعاء ليلة عرفة.
(٦٨٨) الكافي للكليني، ج ٣ ص ٤٦٦ باب صلاة التسبيح.
(٦٨٩) البلد الأمين للشَّيْخ إبراهيم الكفعمي، زيارة الحسين (عليه السلام) فِي رجب: ص٢٨٢؛ إقبال الأعمال، السِّيّد بن طاووس: ج٣، فصل ٥٣، فيما نذكر مِنْ لفظ زيارة الحسين (عليه السلام) فِي نصف شعبان؛ المزار للشهيد الأوَّل: ص١٤٤، زيارة أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) المخصوصة بالأيام والشهور.
(٦٩٠) البرقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن ج ١ ص١٨١.
(٦٩١) البرقى، احمد بن محمد بن خالد، المحاسن –ج ١ ص ١٨٢.
(٦٩٢) الطبرسى، احمد بن على، الإحتجاج على أهل اللجاج (للطبرسي) - ج ١ ص ٢٢٠.
(٦٩٣) الصفار، محمد بن حسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمّد (صلّى الله عليهم) - ب ١٢ الحديث ٤٩٦/ ٤، ج ١ص ٢٤٧.
(٦٩٤) الكافي ج ١ ص ٢٥٤، باب ان الأئمة يزدادون ليلة الجمعة.
(٦٩٥) تفسر القُمِّي سورة الإسراء ١ - ١١.
(٦٩٦) الخصال: ص٢٠٤، باب الركبان يَوُم القيامة: ح١٩. والبصائر: ب٣/ ج٥، ح١٣/ ص٢٤٣؛ البصائر: ج٩/ ب١٢/ ح٤/ ص٤٦١؛ البصائر: ج٩، ب١٢، ح٦/ ص٤٦٢. والكافي: ج١، باب مواليد الأئمة: ج١، ص٣٨٦ - ج٤؛ الكافي: باب الفطرة: ح٣، ص١٧٠؛ الكافي: ج٨، نهي أبي جعفر (عليه السلام) جابر الجعفي: ح١٤٨، ص١٥٧) كامل الزيارات: ب٧٤، ثواب زيارة الإمام الحسين/ ح[٥٧٦] ٦ - ص٣٠٤١. أمالي الصَّدُوق بَقيَّة مقتل الحسين (عليه السلام): ح[٢٤٤ - ٥] ص٢٣٢/ مجلس ٣١. والخصال، الركبان يَوُم القيامة/ ح١٩/ ص٢٠٤. والقُمِّي فِي التفسير: ج١/ ص١٢٨ فِي مواساة رجل مِنْ الأنصار؛ الخصال للصدور: ٢٠٧.
(٦٩٧) ابن شاذان، محمد بن احمد، مائة منقبة من مناقب أمير المؤمنين والأئمة –ص ١٤٨. عنه البحار: ٢٧/ ١١٧ ح ٩٧، وغاية المرام: ٥٨٦ ح ٥٦.
(٦٩٨) الشعيري، محمد بن محمد، جامع الأخبار (للشعيري) - ص ١٦.
(٦٩٩) التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري عليه السلام - ص ٢٢٠.
(٧٠٠) المسائل العكبرية ص ٢٨ الحديث ٥.
(٧٠١) المسائل العكبرية: ص٢٨/ ح٥.
(٧٠٢) المحتضر: ص٢٧٥/ ح (٣٦٥) فصل أنَّهم أفضل الخلق أجمعين.
(٧٠٣) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي –ص ٣٧٤.
(٧٠٤) بمعاقد العزّ من عرشك: هامش ب.
(٧٠٥) الطوسى، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد - ج ٢ ص ٨١٤.
(٧٠٦) سورة البقرة الآية ٨٧.
(٧٠٧) سورة الشورى الآية ٥٢.
(٧٠٨) مكارم الأخلاق: ص١٩٧، ط الأعلمي، بيروت؛ الوسائل: ج١٥، ص٢٦٨، ب١، ح ٧ و٨.
(٧٠٩) مصباح المتهجِّد: ص٦٨١؛ الكافي: ٤/٦.
(٧١٠) الكافي: ج٨/ ص١٣٨.
(٧١١) المزار الكبير: ص٥٨ - ٦٠، الأيام الشريفة الَّتِي يستحب فيها زيارة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(٧١٢) إقبال الأعمال لابن طاووس ج ٢ ص ٥٠.
(٧١٣) فقه الرضا: علي بن بابويه: باب غسل الميّت: ص١٧٣؛ منتهى المطلب: ج٧، ص٤١٨.
(٧١٤) الكافي: ج٧، باب اليمين الكاذبة: ص٤٣٧؛ الأمالي - للشيخ الصَّدُوق: ص٤٣٩.
(٧١٥) التوحيد للشيخ الصَّدُوق: ص٢٣/ الوسائل، باب استحباب التهليل: ص٢١٣.
(٧١٦) الكافي: ٤/٥٧٦/٢/١؛ مَنْ لا يحضره الفقيه للشيخ الصَّدُوق: ج٢، ص٥٩٥.
(٧١٧) ابن طاووس، على بن موسى، إقبال الأعمال ج ٣ ص ٣٤٢.
(٧١٨) الكوفى، فرات بن ابراهيم، تفسير فرات الكوفي - ص ٥٥٢.
(٧١٩) ابن بابويه، محمد بن على، علل الشرائع - ج ١ ص ٢٣.
(٧٢٠) سورة الفرقان: ٤٥/ ٤٦.
(٧٢١) سورة الشورى: ٥١.
(٧٢٢) سورة البقرة: ٣٢.
(٧٢٣) الخصيبى، حسين بن حمدان، الهداية الكبرى –ص ٤٣٨ باب ١٤ ح ٦٦.
(٧٢٤) أيّ صببنا على طينتهم الماء العذب الفرات، لا الماء الملح الأجاج كما مرّ في أخبار الطّينة (بحار الأنوار: ٢٤/ ٢٨/ ٥).
(٧٢٥) الجنّ (٧٢): ١٧.
(٧٢٦) الأصول الستة عشر (ط - دار الحديث) - ص ٢١٩.
(٧٢٧) الجن ٧٢: ١٦.
(٧٢٨) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٧٢٨/ ٤.
(٧٢٩) العريضى، على بن جعفر، مسائل عليّ بن جعفر ومستدركاتها - ص ٣٣٠.
(٧٣٠) كَذَا فِي ط وك وفِي الصَّافِي عَنِ الْبَاقِرِ (عليه السلام): يَعْنِي لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى وَلَايَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ والْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهِ (عليه السلام) وقَبِلُوا طَاعَتَهُمْ فِي أَمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً ج. ز
(٧٣١) تفسير القمي - سورة الجن الآية ٦ - ٢٨ ج ٢ ص ٣٩١، تفسير فرات الكوفي سورة الجن الآية ١٤ - ٢٨.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016