فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب المركز

الكتب شروط النهضة المهدوية

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الأستاذ جابر الناصري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٩/٠٨/١٣ المشاهدات المشاهدات: ٢٨ التعليقات التعليقات: ٠

شروط النهضة المهدوية

الأستاذ جابر الناصري
تقديم ومراجعة: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)

الفهرست

مقدّمة المركز
الإهداء
مقدّمة المؤلِّف
الفصل الأول: التوزيع الجغرافي للظهور المقدس
أسعد الناس به أهل الكوفة
مجابهة عقائدية بين خط الأنبياء وخط الأشقياء
الفصل الثاني: الشرط المفقود
الفصل الثالث: قانون الابتلاء - قانون التمحيص
الفصل الرابع: الانتظار سلاحُ الأمَّة
مفهوم آخر للانتظار وهو اجتماعي
الفصل الخامس: شخصية القائد
هل غيبة الإمام.. تعني غياب النصّ؟
الفصل السادس: شروط أخرى أو كشوف
الفصل السابع: لماذا الغيبة؟
الفصل الثامن: التوقيت وساعة الصفر
الخاتمة
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز

تتحكم في هذا الكون قوانين ثابتة شاملة، وهي في حقيقتها قوانين موضوعية تسري في كل موضع كانت فيه. وكما أن للكون قوانين ثابتة فإن للتاريخ والإنسان قوانين كذلك.
فمن القوانين الموضوعية والسنن الإلهية الشاملة والعامة هو قانون: أن للانتصار في المعركة أسباباً موضوعية لابد أن تتوفر عند الجيش المنتصر. وإلّا فإن الهزيمة هي حصتهم إلّا أن تتدخل المعجزة وتقلب الموازين، وهذا لا يحدث ضمن الظروف الطبيعية.
الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رغم وضوح كونه على الحق - لكن بعض أصحابه لمّا لم يلتزموا بالخطة الموضوعية المرسومة للنصر - كانت الهزيمة العسكرية من نصيبهم يوم أُحُد.
لذا كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يوبخ أصحابه بتخاذلهم عند نصرته رغم أنه على حق، ويدعوهم ليكونوا كأصحاب معاوية الذين اتحدوا - رغم باطلهم - فكتب لهم قانون الحياة بعض الانتصارات في الميدان.
من هنا، فإن العقل والنقل والتجربة أجمعوا على ضرورة توفير العناصر الضرورية الموضوعية للانتصار، لا تشذّ عن هذا الإجماع معركة إلّا أن يتدخل عنصر الإعجاز كما تقدم.
الثورة المهدوية المقدسة، هي معركة ضد قوى الشر ونوازع الفساد على مختلف المستويات، فهي ثورة ضد النفس الأمّارة بالسوء كونها تمثل أعدى أعداء الإنسان، وإن لم تتم محاربتها بتكتيك ممنهج وفق شروط الانتصار، فإن الغلبة ستكون لها. وسيضحى العقل جندياً من جنودها يخطط لها منكراتها ليغلّفها بما تراه النفس حسناً، فيقع الإنسان في مصيدة خداع النفس.
وهي ثورة أيضاً ضد المضادّات النوعية البشرية التي تسعى إلى السيطرة على الآخر واضطهاده واستعماله بلا حدود، تسعى إلى جعل عباد الله عباداً لها، يخنعون لها خنوع الإبل لقائدها أو السائمة لعالفها. وما لم تتوفر الأركان الأساسية التي تمهّد الطريق للتحرر عن ربقة الجهل والخنوع والخضوع اللامبرر، ما لم تتوفر شروط الانتصار على تلك القوى الاستعمارية والاستهلاكية فإن الوصول إلى الثريا أهون وأسهل من الانتصار وقتذاك، ونحن نعلم أن الوجه العام لحركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الوجه الطبيعي الخاضع للسنن الإلهية، وإن كنّا لا نعدم المعجزة في بعض مفرداتها.
لذا، كان من المهم أن يتعرض المنتظِر على تلك العناصر الدخيلة في الانتصار ليضمن المعرفة الضرورية في هذا الجانب، وليعمل على توفير ما يمكنه منها ولو على نحو جزء العلة فيها.
وهذا ما رمى المؤلف إلى بيانه في هذا الكتاب، في محاولة جادة لوضع النقاط على الحروف في ما قد يخفى على الكثير من الناس، مستعرضاً ضمناً الأسباب التي أدّت إلى تراجع الأمة وربط جذورها بالانحرافات التي حصلت في صدر الإسلام، مروراً بما وصل إليه الحال من انتكاسة المسلمين في مستنقع التفرق والضعف والتشتت الفكري والعملي، انتهاءً بوضع الخطوط العامة للانتصار المهدوي الشامل.
علماً أن هذا الكتاب هو الثاني للمؤلف مما حققه وراجعه وطبعه المركز، وقد سبقه كتابه (شاهد العصور).
ندعو الله (عزَّ وجلَّ) أن يوفقه لكل خير وأن يجعل ما كتب موضع قبوله.

مدير المركز
السيِّد محمّد القبانجي

الإهداء

إلى الحبيب الغائب عن الأبصار.
إلى الحبيب الحاضر في القلوب.
إلى الحبيب الذي نتطلع إليه بعيون دامعة.
إلى الحبيب الذي أحبته القلوب الطاهرة قبل ولادته وبعد ولادته.
سيدي أضع هذا البحث الضئيل جداً بين يديك.
وأضع نفسي عبداً لديك، فهل تقبلني عبداً حقيراً؟

عبدك الحقير

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المؤلِّف

رأينا عزيزي - القارئ الكريم - في كتابنا (شاهد العصور) ما جرى من أحداث خطيرة ومروعة بتلك الفترة الحرجة الواقعة بين منتصف القرن الثالث والربع الأول من القرن الرابع الهجريين، وما تخلل ذلك من مطاردة ومتابعة وتنكيل بشيعة أهل البيت (عليهم السلام) ومحبيهم من قبل السلطات العباسية التي قامت بقتل الإمام العسكري والد الإمام المهدي (عليهما السلام) بالسم كعادة بني العباس مع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ابتداء من تسميم الإمام الصادق (عليه السلام) على يد طاغية عصره المنصور الدوانيقي.
وبالرغم من كون السلطة العباسية في عصر الإمام العسكري (عليه السلام) ضعيفة إلّا أنَّها كانت تراقب بهوس الإمام (عليه السلام) وشيعته وتحسب لذلك ألف حساب، فكانت تضعه في السجن بين الحين والحين حتّى أجهز المعتمد العباسي على الإمام (عليه السلام) بالسم وقتله.
لقد كانت السلطة العباسية متخوِّفة من الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) المبشَّر به قبل ولادته بأكثر من قرنين من الزمن، وهي ليست بعيدة عن الأحاديث المروية بشأنه من كونه هو الذي يقوّض دول الجبابرة والظلمة، فضيّقوا على الإمام العسكري (عليه السلام) حتّى في حياته الشخصية لمنع ولادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد دسّوا عيونهم من النساء في بيته للتجسُّس على نسائه لمعرفة من هي التي تحمل الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) ليقوموا بتصفيتها وتصفيته (عجّل الله فرجه).
ومع ذلك وفي تلك الظروف القاسية فقد ولد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الوصي الثاني عشر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان حدثاً خطيراً جدّاً وردّاً إلهياً على مكر وزيغ بني العباس.
وقد فصَّلنا في كتابنا (شاهد العصور) حدث ولادة الإمام (عجّل الله فرجه) وتحدّي السلطة القائمة.
لقد اتَّفقت عدة أطراف على تصفية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من السلطة العباسية إلى عم الإمام المدعو جعفر بن علي والملقَّب ب(الكذاب)، الذي حاول الحلول محل أخيه الإمام العسكري (عليه السلام) بعد استشهاده كإمام للشيعة، فأغرى السلطة العباسية وقاد زمر استخباراتها لإلقاء القبض على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أو قتله، ثم قام بالاستيلاء على إرثه بدعوى أن أخاه الحسن مات بدون فرع وارث وشرَّد عائلة ابن أخيه، ومنهم الجدَّة التي هي أُم الإمام العسكري وجدة الإمام المهدي (عليهما السلام).
وقد استلم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مسؤولية الإمامة بعد استشهاد أبيه الحسن الزكي العسكري (عليه السلام)، وبالرغم من صغر سنه (خمس سنين) إلّا أنه اتَّخذ إجراءات فعّالة للمحافظة على كيان الشيعة من الانهيار أمام ضربات أعدائهم من السلطة العباسية ومن خصومهم من المدارس الأخرى وحتّى من بعض المحسوبين على الصف الشيعي أمثال الحلاج وابن أبي العزاقر ومحمد بن نصير النميري وغيرهم، حيث أمسك بدفة سفينة شيعته في بحار الفتن المتلاطمة وقيادتها وإيصالها إلى برِّ النجاة.
وكان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قد خطط لما سيحصل في المستقبل من حصول غيبته الكاملة، فكان ما كان من احتجابه عن شيعته جزئياً، ولذا وضع نظام الوكالة الخاصة بينه وبين شيعته وعيَّن الوكلاء الأربعة المعروفين ليكونوا حلقة الوصل بينه وبين قواعده الشعبية، وهذه الفترة امتدت إلى ما يقرب من سبعين عاماً وانتهت بوفاة السفير الرابع علي بن محمد السمري (رحمه الله) والتي على إثرها أعلن بدء الغيبة الكبرى.
وقد كانت هذه الفترة مرحلة تحضيرية للغيبة الكبرى بما سمي بالغيبة الصغرى، لأن وقوع الغيبة الكبرى بدون تحضير الأذهان والقلوب يؤدي إلى صدمة عنيفة قد تطيح بكيان الشيعة.
وحينما استوعبت قواعده الشيعية ذلك واعتادت على غيابه نصب العلماء الأعلام الجامعين لشرائط المرجعية من علم وتقوى وورع نوّاباً عامّين عنه لقيادة الشيعة ببيانه الشهير المرسل إلى وكيله الرابع، ومنذ ذلك الحين قاموا بما توجَّب عليهم ولا زالوا كذلك حتّى الظهور المقدس، فقادوا الشيعة خلال الحقب المتعاقبة وحافظوا على كيان الشيعة بالرغم من الكوارث والخطوب والمآسي التي تعرضوا لها.
وقد التفت أعداء الشيعة قديماً وحديثاً إلى خطورة المرجعية ودورها الفاعل بمقاومة الطواغيت والعقائد الفاسدة والتي أمسكت دفَّة سفينة التشيع بقوة، فأخذ أولئك يشنّون هجماتهم عليها عن طريق التشكيك بجدوى قيادتها ومرجعيتها للشيعة تارة، وتارة بمحاولة تسفيه التقليد من جهة وإلصاق التهم المعلَّبة بالمراجع الكرام، بل ومن جهة أخرى بالتصفية الجسدية كما فعل ذلك فرعون العراق المقبور.
وفي هذا الإطار وبين الحين والحين تظهر دعوات من بعض المتنطعين وذوي الأردية القصيرة الوهابية يتبعهم بعض ضعاف النفوس والعقول من الشيعة بعدم ضرورة الرجوع إلى المراجع وبإمكان المكلَّف الرجوع إلى القرآن الكريم والسنة لمعرفة الحكم الشرعي، وكأنَّ ذلك ميسور لكل أحد، كأنما هو قصة أو قصيدة شعر، ونسي أولئك أنه ليس بإمكان أي إنسان الوصول إلى ذلك بكل بساطة وإنما عليه أن يدأب على دراسة القرآن الكريم وتفاسيره ومعرفة الناسخ والمنسوخ والعام والخاص والمطلق والمقيَّد، ودراسة الأحاديث المطهرة من حيث التواتر والاستفاضة وأحاديث الآحاد من حيث الصحة والضعف والمسند والمرسل والمنقطع إلخ، وكذلك علوم العربية من نحو وصرف وبلاغة وعلوم عقلية كالمنطق وأصول الفقه لكي يصل إلى مكنة الاجتهاد أو الاحتياط، وكل ذلك دونه خرط القتاد إلّا لبعض الناس الذين فرَّغوا أنفسهم لذلك، وعكفوا عشرات السنين على الدرس والقراءة.
ولا أدري إذا مرض أحد هؤلاء العباقرة أَ يُعالج نفسه بنفسه؟
أم يجلس منتظراً أن يمنّ عليه الله بالشفاء بدون أن يسعى لذلك؟
أم يهرع إلى الطبيب صاغراً ذليلاً؟
إنَّ الحياة قائمة على التخصص، فالمريض يراجع طبيباً للحصول على العلاج، والذي يعاني من مشكلة قانونية يلجأ إلى محامٍ، والذي يريد أن يبني له بيتاً يذهب إلى مهندس معماري.
كل ذلك من بديهيَّات الحياة، ولكن حينما يصل الدور للفقيه تنقلب الصور والموازين ويصبح غير ذي أهمية ويصبح العوام في غنى عن علمه.
إن الفقيه رجل متخصص بالأحكام الشرعية مثل غيره من المتخصصين بشتّى مناحي الحياة، فلماذا لا يلجأ إليه المكلَّف لمعرفة تكليفه الشرعي للعمل به ولإبراء ذمَّته أمام ربه؟
والمعروف أنَّ المرء حين يراجع الطبيب أو المحامي أو المهندس فإنه يدفع أموالاً لقاء خدماتهم، في حين أنَّه حين يراجع الفقيه لا يدفع شيئاً ويحصل على استشارته مجاناً والتي فيها نجاته في الدنيا والآخرة.
وعوداً على بدء..
ومع حصول الغيبة الكبرى فإن الإمام (عجّل الله فرجه) لم يقطع علاقته بقواعده وشيعته ووكلائه العامّين كلياً، بل كان يوجِّه ويُرشد ويقوم هو بنفسه أو بواسطة جهازه الغيبي - الأبدال - بما يراه من المصلحة.
وقد حفلت الكثير من الكتب قديماً وحديثاً بذكر لقاءات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالكثير من قواعده ومواليه في شتّى الأمكنة والأزمنة، والمُلفِت للنظر أنَّ تلك اللقاءات تتم بطريقة لا يعرف الإمام (عجّل الله فرجه) فيها مباشرة، وكان من أبرز من التقى به قديماً الشيخ المفيد (رحمه الله) مرجع الشيعة آنذاك، وفي الأزمنة المتأخرة السيد مهدي بحر العلوم (رحمه الله).
بل إنَّه يلتقي ببسطاء الشيعة ويحلّ مشاكلهم ويساعد من هو بحاجة ماسَّة للمساعدة.
وفي ذلك دلالة على أنَّه ليس بمعزل عن الأحداث التي تجري في طول العالم وعرضه، وقد يساهِم بصورة مباشرة ببعض الأحداث، وما حادثة بناء مسجد جمكران في إيران إلّا واحدة من تلكم.
وقد يلتقي ببعض الشخصيات وجهاً لوجه مباشرة كما حصل أن التقى بالشاعر المعروف السيد حيدر الحلي (رحمه الله) الذي طلب منه إنشاده قصيدته العينية الشهيرة برثاء سيد الشهداء (عليه السلام) حيث ذكر السيد أنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) جلس على الأرض وأخذ يبكي بشدَّة على جدِّه الحسين (عليه السلام).
وقد جرت أحداث كبيرة وخطيرة منذ وفاة آخر سفير علي بن محمد السمري (رحمه الله) لعلَّ من أخطرها حركة (الزط) التي زعم قائدها انتسابه للعترة النبوية، والحركة (القرمطية) كأحد الحركات الهدّامة التي أثَّرت بالمسلمين وخصوصاً في عهد زعيمها أبي سعيد الجنابي وابنه، وقد شنُّوا هجمات وحشية على بعض المدن، ومن جملتها مكة المكرمة أثناء موسم الحج، فقتلوا آلاف الحجاج وأخذوا الحجر الأسود إلى عاصمتهم (هجر).
وأيضاً نشوء الدولة الفاطمية - التي رفعت لواء التشيع - في شمال إفريقية وامتدادها إلى مصر وبعض أجزاء الشام والجزيرة العربية واليمن، وما رافق ذلك من ظهور مدن جديدة ذات ثقل تاريخي وثقافي كالمهدية بشمال إفريقية والقاهرة بمصر، حيث برزت مؤسسات ثقافية ذات طابع شيعي إسماعيلي كالجامع الأزهر في القاهرة.
وشهدت هذه الفترة الضعف الشديد للخلافة العباسية ووقوعها تحت سطوة وسيطرة العناصر المملوكية وغيرهم بحيث لم يبقَ للخليفة العباسي إلّا الاسم حتّى قال الشاعر:

خليفة في قفص * * * بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له * * * كما تقول الببغا

وقد خلَّف الأتراك المماليك أسرة ديلمية من بلاد فارس هي أسرة (آل بويه) ذات الميول الشيعية الإمامية والتي رفعت بعض الحيف الواقع منذ قرون على الشيعة، وكانت أسرة مثقفة تشجع العلم والعلماء، فأطلقت للشيعة ولغيرهم الحرية وشجَّعت العلماء والشعراء فازدهرت العلوم والثقافة وكان عصرها بحق أعظم عصور الدولة العباسية، حتّى جاءت موجة الأتراك السلاجقة بقيادة (طغرل بك) الذين دخلوا بغداد خلفاً لآل بويه ودخل معهم التعصُّب الأعمى والحقد الطائفي وضيق الأفق والجهل المطبق، وتمزيق المجتمع وتشجيع ومساندة المتطرفين من المدارس الأخرى وخصوصاً الحنابلة الذين لم يسلم من شرِّهم كل شيء وبالذات أحياء الشيعة فأحرقوا البيوت والمكتبات، حتّى أن مكتبة الشيخ الطوسي (رحمه الله) أُحرقت ومعها مؤلفات نفيسة من مؤلفاته ومؤلفات آخرين مما اضطرَّه للهجرة إلى النجف الأشرف حيث تأسست الحوزة العلمية مذ ذاك الحين، ومع ذلك فلم تخل هذه الفترة من إضاءات، وكانت بعهد الملك السلجوقي (ملك شاه) ووزيره المثقف (نظام الملك) اللَذَيْن قُتلا في ظروف غامضة لاعتناقهما التشيُّع بعد مناظرات مطوَّلة بين علماء الشيعة وعلماء المدارس الأخرى برعاية الملك المذكور ووزيره في مؤتمر بغداد(١).
وفي هذه الفترة أي القرون الثلاثة الأولى التي أعقبت إعلان الغيبة الكبرى اندلعت الحروب الصليبية التي دامت قرنَيْن تقريباً، فقد اندفعت أوروبا بهجمة شرسة على العالم الإسلامي وخصوصاً الشام ومصر تدفعها الأطماع والتعصُّب الديني وبموجات بشرية كبيرة بتحريض من بابا روما والقساوسة والرهبان، فارتكبت مجازر فضيعة بحق الناس الأبرياء مشابهة لمجازر التتر وخصوصاً بقيادة الملك الإنجليزي (ريتشارد) قلب الأسد.
هذا من جهة الغرب، أمّا من جهة الشرق فقد اندفعت موجة المغول المجنونة التي خرجت من هضبة ال(تبت) في آسيا الوسطى، فاجتاحت العالم الإسلامي لتدمِّر معالم الحضارة والمدنية والثقافة بقيادة (جنگيز خان) وحفيده هولاكو، وكان أكثر البلدان تأثراً بها بلاد فارس وبلاد العراق وبعض أطراف الشام(٢).
واستمرَّت الموجات والفتن تضرب هذه الأُمَّة من هذه الجهة أو تلك من الهجمة (التيمورية) إلى الهجمة (العثمانية) التي كانت أشد بلاء على شيعة أهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً أبان صراعها مع الصفويين، فقد قتل آلاف الأبرياء من الشيعة في بلاد الأناضول بفتوى أحد شيوخ البلاط العثماني (نوح الحنفي) طبقاً لما أراده السلطان العثماني (سليم ياووز)، وكان العثمانيون يبنون منارات من رؤوس ضحاياهم المتمرِّدين، وما حادثة الحلة أثناء الحرب العالمية الأولى والتي نفَّذها (عاكف باشا) إلّا مثل قريب من عصرنا.
وأخيراً الموجة الصليبية الجديدة التي جاءت بها أوروبا إلى بلاد المسلمين التي هي ألعن وأخبث هجمة رآها المسلمون، فقد مزَّقت العالم الإسلامي وجعلت منه شعوباً وقبائل للتنازع والخصام لا للتعارف والوئام، ولعلَّ أشنع ما طبخته أوروبا لنا من طعام مسموم هو هذه المنظمة الماسونية المسماة بالوهابية التي حاربت المسلمين باسم الإسلام(٣).
وتوَّجت أوروبا إجرامها بتأسيس هذه الدويلة المسخ (إسرائيل) بقلب العالم الإسلامي تعيث في الأرض فساداً.
لقد كانت الخارطة السياسية والديموغرافية للعالم بتغير مستمر وصيرورة دائبة، تنشأ دول وتزول دول، تولد أُمم وتنقرض أُمم، تأتي حضارة على أنقاض حضارة.
هذه المعايشة الطويلة لذلك الكم الهائل من الأحداث لولي الله الأعظم (عجّل الله فرجه) لها ما لها من الاعتبارات لعلَّ أبرزها أنه (عجّل الله فرجه) الشهيد على الأُمة خلال الحُقب الطويلة تلك:
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (النساء: ٤١).
ولأنَّه الثقل الثاني الذي لن يفترق عن القرآن الكريم لا عقائدياً ولا زمانياً، فإنَّه لا ولن تخلو الأرض منه لأنه حجة لله على خلقه وإلّا ساخت بأهلها.
وهناك أمور كثيرة لا تتَّسع هذه المقدمة لذكرها.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكم الهائل الذي رأته وستراه الأُمة وخصوصاً شيعة أهل البيت (عليهم السلام) من كوارث ومآسٍ جعلتها أصلب عوداً وأقوى شكيمة، بحيث صارت تتطلَّع ليوم إعلان المهدي (عجّل الله فرجه) لثورته العالمية حتّى تنصره وتضحّي من أجله، ويرافق ذلك تصاعد الخط البياني لحالة الوعي الجماهيري والتوسع الأفقي للقاعدة الشيعية الشعبية، فالإمام بحاجة إلى الكمية إضافة إلى النوعية، لأنَّه سيدخل بمواجهة قاسية مع الأعور الدجال وقوى النفاق العربية.
إنه لابد من إدخال الأُمم بتجارب مُرَّة حتّى تعرف مغبَّة اختياراتها الخاطئة لتصل إلى قناعة أنَّ خلاصها لا يكون إلّا بالمنهج القرآني وولاية أهل البيت (عليهم السلام)، وخصوصاً بما يتعلق بباقي الأُمَّة الإسلامية من غير الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) والمتَّبعين للسقيفة ورجالاتها الذين قاموا بأكبر عملية انقلاب في تاريخ النبوَّات والرسالات فأدخلوا الأُمَّة بالتفرق والتشرذم وسفك الدماء وتعطيل الشريعة.
قد يرى - القارئ الكريم - أني أسهبت في هذه المقدمة، ولذلك سبب وجيه وهو أني لا أريد مفاجأته بالدخول في الموضوع المطروق مغايراً لما اعتاده في مطالعاته عن حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والتي قصرها الكثير من الباحثين على علامات الظهور، فموضوعنا في هذا الكتاب مقتصر على الشروط اللازمة لتحققه.
لقد قسَّمنا الكتاب إلى عدَّة فصول، وهنا نجد أنه لا بأس بإلقاء نظرة سريعة على بعضها، ولكي يكون بحثنا غنياً فقد خصصنا:
الفصل الأول: للتوزيع الجغرافي للظهور المقدس، لما في ذلك من أثر بتكوين الأحداث، وعلاقتها التبادلية مع العالم كله، فانبثاق الثورة المهدوية العظيمة من مكة المكرمة فيه دلالة على أنَّها فرع من الثورة المحمدية العظمى التي فجَّرها وقادها الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طيلة ثلاث وعشرين سنة، فالثورة المهدوية ستبدأ في مكة المكرمة وتنمو وتترعرع وتثمر وتتحول إلى ثورة عالمية في الكوفة - أي العراق -، أمّا محاولة البعض القفز على النصوص المتواترة بهذا الشأن وصرف الأذهان إلى أماكن أخرى غير مكة المكرمة فهي بائسةٌ يائسة، فخروج المهدي (عجّل الله فرجه) في مكة المكرمة متَّفق عليه بين المسلمين وهو من المحتوم.
أمّا الفصل الثاني: فقد خصصناه للشرط المفقود باعتبار أن شرطَي النهضة المتمثلين بالأطروحة الإلهية القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والقيادة المعصومة متوفِّران، في حين أنَّ القاعدة المؤمنة ذات الامتداد الأفقي الكبير غير متوفرة أو لم تتوفَّر بعد، بدليل أن عدم الظهور كاشف عن عدم الوجود.
أمّا الفصل الثالث: فقد خصَّصناه لقانونَي الابتلاء والتمحيص حيث إنَّ سُنة الله في خلقه أنه يبتليهم بأنواع البلاء لكي يتوبوا من معاصيهم ويرجعوا إلى ربِّهم، أمَّا قانون التمحيص فهو ابتلاء خاص بالمؤمنين فقط.
أمّا الفصل الرابع: فقد تكلَّمنا فيه عن الانتظار الذي أشارت إليه أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) باعتباره سلاحاً للأُمة أمام هزائمها وإخفاقاتها وتمزُّقها وهو أشبه باستراحة المحارب.
وفي الفصل الخامس: تكلَّمنا عن شخصية القائد باعتباره إنساناً منتخباً ومنتجباً من الله لمهمة قيادة البشرية وإيصالها لحالة التكامل.
نترك الحديث عن الفصول الأخرى لكي لا نسلب القرّاء الأعزّاء عنصر المفاجأة بعدما تكلَّمنا بصورة مختصرة جدّاً عن بعض فصول هذا الكتاب.
أخي القارئ الكريم..
قد تطرَّقنا في هذه المقدمة لأحداث كانت في الماضي وخصوصاً في القرون القليلة التي أعقبت وقوع الغيبة الكبرى والتي ألقينا بعض الضوء فيها على بعض الأحداث القريبة والبعيدة فنرجو أن يكون حديثنا مفيداً، سائلين المولى (عزَّ وجلَّ) أن يرحمنا بإظهار المنقذ الأعظم للبشريَّة من غيلان الظلم والفساد والله ولي التوفيق.
﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (البقرة: ٢٨٦).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين وصلّى الله على سيدنا ونبينا وقائدنا وشفيعنا ومولانا محمد وآله الطيبين الطاهرين.

العراق - الديوانية

الفصل الأول: التوزيع الجغرافي للظهور المقدس

الأرض مسرح كبير تعرض عليه مسرحيات حياة بني آدم منذ هبوط أبيهم إلى الأرض وحتّى تقوم الساعة.
والمسرحية أي مسرحية هي مجموعة أحداث مترابطة فيما بينها.
إنَّ تحليل أي حدث يفضي إلى نتيجة أنه هو في الحقيقة متصل زمكاني - بالتعبير الرياضي - أي أنه ذو بُعدين زماني ومكاني.
إنَّ الأحداث تترا باستمرار على هذا المسرح منذ هبوط آدم أبي البشرية إلى الأرض مستمرة إلى يوم القيامة، متصلة الحلقات، متعددة الاتجاهات يرتفع فيها بشر، ويسقط فيها بشر آخرون.
لقد بدأ التاريخ بآدم المقدس وسيختتم بابن آدم المقدس، وهو نهر جار ذو اتجاه واحد لا يلتوي إلى الوراء أبداً، ولا يمكن تمييز قطراته إلّا إذا كانت ذات ألوان تتحرك من هذا الموقع إلى ذاك الموقع.
تتوزع الأحداث ما بين التافه الحقير وما بين الجسيم الخطير، بين ما هو مقدّس وبين ما هو مدنّس، بيد أنه لا يمكن الحكم بالتفاهة أو الجسامة إلّا من خلال أثرها، أي أن أي حدث يجب أن يرتبط بسواه فيؤثر ويتأثر من حيث التكوين والتبديل والتغيير وبعلاقة العلة بالمعلول، فاختطاف امرأة - أي امرأة - ليس ذا بال ويحدث كل يوم، بيد أن اختطاف أو بالأحرى إغواء امرأة مثل (هيلين) زوجة (أغا ممنون) أحد ملوك الإغريق من قبل الأمير باريس ابن ملك طروادة أدّى إلى نشوب حرب ضروس استمرت سنوات طوال والتي أسفرت عن نهاية شعب طروادة وتدمير مدينته، ثم ظهور شعب آخر من البقايا الباقية من الطرواديين هو شعب الرومان.
ولولا هجرة المهلهل بن ربيعة التغلبي إلى اليمن بعد حرب البسوس وإلقاء اللوم عليه بالتسبب بها من قبل أقاربه، لَما ظهر فخذ كبير من شمر عبدة يقال له الضياغم وهم أولاد ضيغم بن عبدة بنت المهلهل من زوجها معاوية بن الحارث ملك مدينة جنب في جنوب اليمن.
وهنا قد يطرح بعض هواة الفلسفة المغرمين بالدراما والأكشن تصوراً مفاده أنه من الممكن أن تولد الأحداث صدفة، أو تأتي بلا مقدمات أو من غير شيء.
ومثل هذا التصور لا يستحق الرد عليه لأنه القول بالمحال كمن يحاول القول بإمكانية اجتماع النقيضين في زمن واحد وفي مكان واحد، وذلك لكون الترابطية هي القانون الصارم في الوجود فالزمن باعتباره العنصر الأول، والمكان باعتباره العنصر الثاني لا يتحدان ليكوّنا حدثاً ما إلّا من خلال سلسلة أحداث سبقتهما، فلا يوجد اعتباط أو عبث أو صدفة في حركة التاريخ والوجود فعصر التعليل بالصدفة ولّى بلا رجعة، وإنِّما كل شيء خاضع لقانون صارم هو قانون العليَّة أحد قوانين الترابطية، فالحدث يولد من رحم حدث آخر ويولد حدثاً آخراً، وهكذا دواليك بسلسلة متصلة لا تنتهي إلّا بيوم القيامة الذي له قوانينه المختلفة الخاصة.
قلنا إن الأرض مسرح للأحداث، فإذا اجتمع الزمان والمكان معاً كان الحدث.
والحدث الذي هو موضوع بحثنا يقع في المستقبل والمستقبل مجهول لعدم تحديد ساعة الصفر، وبذا لا يمكن تحديد متّصله الزماني بصورة قطعية لأنه من الغيب المحجوب عن عيون وعقول الخلق، ولكن يمكن تحديد متّصله المكاني على ضوء الأحاديث الواردة عن أُناس نقلوا لنا ذلك من خالق الأشياء والأحداث، نقصد بهم محمداً وآل محمد (عليهم السلام)، فلندع الزمن الغائب جانباً.
ولنأتي إلى المكان، فكل مكان، وكل بقعة في الأرض هي مسرح وهي صالحة لأي حدث، وربما مرَّت فيها أحداث، حتّى التي لم يتكلم التاريخ عنها، فما كل حدث سُجِّل، وإنما سُجِّل الحدث من قِبَل من كان متواجداً فيه، وغالباً ما يكون من ذوي المكانة أو المعرفة أو من أتباع السلطة القائمة.
علينا أن نعلم أنَّه ليست كل بقاع الأرض متشابهة من حيث كونها مسرحاً لأحداث كبيرة وإنِّما تقاس بعض الأماكن من حيث الخطورة والأهمية بجسامة الحدث وخطورته والذي سيقع فيها، فهناك بقاع في الأرض لها خصوصية تختلف عن غيرها بسبب ضخامة وخطورة ما حدث وسيحدث فيها، وهي بالقول الصريح مختارة من الله سبحانه بصورة خاصة لأحداث خطط الخالق لوقوعها فيها، أي بتعبير آخر هي أراض مقدَّسة ومباركة، ولا ينكر ذلك إلّا معاند ومكابر، وفي نفس السياق هناك في الأرض بقاع أخرى ليست ذات خطورة أو أنها بقاع ملعونة لأنها كانت وستكون مسرحاً لأحداث ملعونة مثل وادي برهوت في اليمن.
قد يقول البعض ممن أغرموا بالمنهج المادي التجريبي: إن بعض الأماكن ذات خصوصية بسبب موقعها الاستراتيجي كمنطقة الهلال الخصيب مثلاً لكونها تتوسط القارات الثلاثة القديمة، بيد أن هذا التعليل ذو طابع مادي ينظر بعين عوراء وبما قرَّ في عقله من مفاهيم مسبقة منقاداً إلى نسبيته الذاتية.
في حين أن أغلب الأحداث الخطيرة التي وقعت وسجَّلها التاريخ ذات طابع غيبي غائي وخصوصاً النبوّات وحركة الأنبياء (عليهم السلام) والتي وقعت في منطقة معروفة، وبذا يتَّضح أن هذه الخصوصية هي من اختيار الله سبحانه، فكما أن الله اختار من بين الأشهر - على سبيل المثال لا الحصر - شهر رمضان للصيام وقدَّسه وجعل فيه ليلة القدر التي هي خيرٌ من ألف شهر، وكما أن الله اختار من بين بني آدم رسلاً وأنبياء وأولياء وأوصياء وهم بالنسبة للبشرية بعدد الأصابع، فكذلك اختار الله بقاعاً أو أماكن خاصة لأحداث خاصة، فالله هو المالك، والله هو الخالق وهو المتصرِّف بملكه بما يريد ويشاء.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (القصص: ٦٨).
والغريب أن بعض الجهلة وأنصاف المتعلِّمين ومثقفي الجرائد، أولعوا بطرح الأسئلة عن هذه الأمور من قبيل:
لماذا اختار الله مكة المكرمة قِبلة لكل مسلمي العالم وبتلك الصحراء الجرداء القاسية، ولم يختر بقعة ذات أشجار وأنهار في بلاد السواد أو بلاد الشام أو حتّى في أوروبا؟
ولماذا اختار القدس قِبلة أولى للمسلمين قبل مكة المكرمة وهي مقدسة عند دينين منسوخين اليهودية والنصرانية؟
ولماذا كان العراق مهد أغلب الأنبياء والمرسلين؟
وهذه الأسئلة ليست جديدة وإنما هي قديمة، وقد أجاب أئمة أهل البيت (عليهم السلام) عليها ورَدُّوها، ولذا فلا حاجة للدخول مع هؤلاء لأن أسئلتهم تَنُم عن جهلهم وعدم فهمهم وإيمانهم، وإلّا فإن المسلم يسلِّم بكل ما يصدر من الشارع المقدس ويقول: سمعنا وأطعنا مستنداً للآية الكريمة التي ذكرناها آنفاً.
لو نظرنا في طول العالم وعرضه وقلَّبنا صفحات التاريخ والكتب المقدسة لرأينا أن أغلب الأنبياء (عليهم السلام) - إلّا ما ندر وخصوصاً الكبار منهم - وُلدوا وظهروا وخرجوا وماتوا ودُفنوا في منطقة معروفة عند جميع أهل العالم هي منطقة الهلال الخصيب، وهي تضم العراق والشام والطرف الشمالي الشرقي من مصر أي سيناء، وفي هذه المنطقة بالذات يوجد جزء له خصوصية على جميع أجزائها، هذا الجزء هو العراق.
ولا يجادل اثنان في كون العراق هو منطقة الأنبياء والأولياء والمصلحين من جهة، والطغاة والجبارين من جهة أخرى، وهو كذلك مهد الحضارات، فهو الأصل والمنبع.
آدم (عليه السلام) أبو البشرية عاش في العراق ومات في العراق ودفن في العراق وأسس مجتمعه الأول في العراق، وكان مجتمعاً قائماً على أُسس من التقوى والمحبة، وآدم (عليه السلام) أول متلقِّ للوحي وكان نبياً بعث لبنيه هادياً مرشداً.
ومن بعده ولده شيث هبة الله المدفون في الموصل شمال العراق، ومقابل مجتمع آدم المقدس كان مجتمع الشر والفجور الذي أسسه قابيل أول قاتل في التاريخ والذي هو من افتتح سجل سفك الدماء في البشرية، وذلك المجتمع تسوده الرذيلة وضرب الصنوج وعبادة غير الله تعالى، وبالأخير استطاع أن يحطم مجتمع آدم البسيط البريء ويحوله إلى مجتمع منحرف ذهب إلى الرذيلة وعبادة الأصنام والأوثان، حتّى انتهى بحادثة الطوفان.
النبي نوح (عليه السلام) الأب الثاني للبشرية.
أول نبي عذب قومه بدعوته.
كان في العراق، وعاش في العراق ودعا قومه إلى التوحيد والاستقامة، وكان يسكن في هذه البقعة المقدسة المحصورة بين دجلة والفرات جنوب العراق المسماة في التوراة (سهل شنعار)(٤)، وفي العراق اجتاح الطوفان العظيم قومه جزاءً وفاقاً لكفرهم وتمردهم، وحينما خرج من السفينة بعد انتهاء الطوفان حطَّ رحاله في العراق مع أولاده وأحفاده وأصحابه المؤمنين ليؤسس مجتمعاً جديداً قائماً على الإيمان والتقوى، وقد مات في العراق ودفن فيه، ومن بعده تكاثر أولاده وأحفاده وانتشروا شرقاً وغرباً لتتكوَّن منهم أُمَم وشعوب.
ومن المؤكد أن المجتمع الذي أنشأه نوح (عليه السلام) وأولاده من بعده وخصوصاً وَلَده (سام) كان مجتمعاً موحِّداً وقد خرجت منه - بعد أن تكاثر أفراده - جماعات شرقاً وغرباً حاملةً معها عقيدة التوحيد، إلّا أنَّ تقادُم الزمن والتحريف والتقديس غير الواعي المشوب بالغلو لبعض الشخصيات المقدسة حوَّل أديان هؤلاء إلى أديان آلهة متعددة، ولا يستبعد أن يكون (رام) و(كوتاما بوذا) و(لاوتسي) و(كونفوشيوس) وغيرهم من أنبياء الهند والصين وقد قدَّسهم أتباعهم فعبدوهم من دون الله، ولذا لم تخلُ أُمة من نبي مرسل.
﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤).
وبعد نوح توالت سلسلة الأنبياء في بقاع أخرى وبعضهم هاجر إلى العراق وعاش ومات فيه مثل هود وصالح ويونس، وغيرهم (عليهم السلام) لا يقعون تحت الحصر والإحصاء.
إنَّ العراق منذ القِدَم أولد وما زال يولِد الحضارات والثقافات والرجال الأفذاذ، وهو أشبه بمغناطيس قوي يجذب الأنفس والقلوب ويجعلها تتوقُ إليه، فأول دعاة التوحيد هم من العراق.
(فكوثى)(٥) جنوب بابل بفراسخ وليست (أور) شهدت مولد إبراهيم الخليل (عليه السلام) - نبي التوحيد في العالم القديم - والذي دخل بصراع عقائدي وبمفرده مع مجتمع وثني مدجَّج - آنذاك - بكل أساليب القوة المادية والإعلامية، ووقف أمام طاغوت عصره (النمرود)، فأفحمه وسفَّه آراءه وحطَّم كبرياءه وكسَّر أصنامه وأصنام قومه وسَخِر منهم حتّى ضاقوا به ذرعاً فرموه في النار، فنجَّاه الله منها بمعجزة عظيمة، فما كان منه بعد ذلك إلّا أن هاجر أو أُرغِم على الهجرة إلى الشام مع زوجه سارة وابن أخيه لوط بن هاران بن تارخ.
إنَّ العراق - بلا مغالاة - هو مركز الثقل الروحي العالمي، وهو المصدر الذي استقت منه كافة الحضارات والأديان، ولذا فإنه سيكون المنطلق للثورة المهدوية.
وهكذا تتوزَّع الحركة المهدوية على تلك البقاع طِبقاً للنضج الإيماني والحضاري لشعوبها.
ولأجل ذلك اهتم أهل البيت (عليهم السلام) بالعراق منذ عهد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فأكَّدوا على محوريته في جميع الأحداث التي وقعت والتي ستقع بعدهم، وخصوصاً في عصر الظهور، فقد أشاروا ولو من باب بعيد إلى الزحف المليوني لأهل العراق لاستقبال قائدهم القادم من الحجاز بسبع قبابٍ من نور(٦)، ومن هذا الزحف سيختار الإمام (عجّل الله فرجه) الألوف للانضمام إلى جيشه، ولخطورة هذا البلد فإن جزءاً كبيراً من أصحاب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الخُلَّص منهم، فالأخيار من العراق، والأبدال من الشام والنجباء من مصر(٧).
إنَّ الناظر بتعمُّق في حركة التاريخ يتوصَّل إلى أنَّ حادثة الطوفان كانت حدّاً فاصلاً بين مرحلتين، إذ جرف الطوفان ما قبله من بشر وحضارة ومدنيَّة، وأقام بعدها حضارة أخرى مغايرة تقريباً لِما سبق، ولذا فإنَّنا نقول إنها أنشأت الدورة الحضارية الوسطى على أنقاض الدورة الحضارية الصغرى، حضارة مجتمع آدم (عليه السلام) وقابيل(٨)، ومِن المعتقَد أنَّ الطوفان حدث قبل ميلاد المسيح (عليه السلام) بعشرة آلاف سنة، أي بنهاية العصر الجليدي الحديث، وقد يقول البعض إن هذا التحديد الزمني - يعني العصر الحجري الحديث - حيث كان الناس يعيشون في الكهوف والغابات والبراري ويستعملون الأدوات الحجرية بشؤونهم اليومية ولم يكونوا قد تحوَّلوا إلى نظام المدن والتجمعات البشرية، بيد أن العصر الحجري بهذا التحديد ليس مطلقاً في كل بقاع الأرض، بل إنه نسبي، ففي منطقة يكون عصر حجري وفي منطقة مجاورة عصر معدني وتكون حضارة ومدنية متقدمتين بجانب همجية وبدائية.
فتقسيم مراحل التاريخ أي ما قبل التاريخ وإلى ما بعد التاريخ استناداً إلى الكتابة والتدوين، غير صحيح، وحتّى تقسيم عصور ما قبل التاريخ إلى عصور حجرية وعصور معدنية باعتبار ما كان يستعمله البشر بتلك الفترة مجاف للحقيقة ففي عصرنا هذا اكتشفت مجتمعات بحالة بدائية كما في جزر الأوقيانوس وجزر الاندمان وبعض مجاهل أفريقية، بل وجد أقوام لا يرتدون ثياباً على الإطلاق، فهل يسوغ لنا أن نقول إن البشرية مازالت في العصور البدائية والبربرية؟
وحتّى مصطلح ما قبل التاريخ الذي حُدِّد على أساس الفترة التي لا يوجد فيها التدوين والكتابة وحُدِّدَت بالألف الخامس قبل الميلاد، غير صحيح، لأنَّه تم اكتشاف لوحة قديمة في بقايا سفينة نوح (عليه السلام) مكتوبة باللغة السامانية وهي لغة نوح (عليه السلام) وأتباعه، اللغة الأم التي منها تفرَّعت لغات العالم كلها، علماً أنَّ حادثة الطوفان حُدِّدَت بفترة زمنية أكثر بكثير بناءً على الحفريات واستعمال التكنولوجيا المتطورة، أي قبل الكتابة التصويرية في العراق والهيروغليفية في مصر بأكثر من خمسة آلاف سنة.
وهنا قد يرد سؤال: أترى أن آدم (عليه السلام) حينما هبط إلى الأرض كان وزوجه حواء يرتديان جلود الحيوانات ويسكنان الكهوف أو الغابات كما زعمت كتب اليهود والنصارى المقدسة وبعض كتب الحضارات؟ أم أن ذلك غير صحيح؟ وإنما هو قياس على ما اكتشف من وجود أقوام بحالة بدائية، وهو قياس مع وجود الفارق، فإن آدم وحواء كانا يعيشان في حضارة الجنّة وهي حضارة متقدمة جدّاً، ومن المستبعد أن يتم إخراجهما مما كانا فيه إلى أدنى بسبب هفوة صغيرة، فيعيشان حالة الهمجية والوحشية والعري وذلك لأن الله سبحانه يقول:
﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ...﴾ (الأعراف: ٢٦).
وماذا نقول بقوله تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ (البقرة: ٣١).
أفكان جاهلاً أُميّاً لا يقرأ ولا يكتب؟
فكما أن اللغة ذات مصدر إلهي فكذلك القراءة والكتابة.
لقد أَسس آدم (عليه السلام) بوحيٍ من الله مجتمعاً قريباً من مجتمع الجنة من حيث الحضارة والمدنية، وكان مكانه في سهل شنعار قرب ملتقى دجلة والفرات، أي قرب القرنة في العراق، وكانت فترته الدورة الحضارية الصغرى والتي انتهت بحادثة الطوفان.
وبعد نوح (عليه السلام) جاء حفيده إبراهيم خليل الله (عليه السلام) الذي يعتبر أعظم الأنبياء بعد نبينا محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان في العراق وحدث له ما حدث مما يطول بيانه ويخرج بنا عن صلب موضوعنا.
ومع أن إبراهيم (عليه السلام) هاجر إلى الشام(٩)، فإنَّ أُسرته لم تقطع صلتها بالعراق، فحفيده يعقوب (عليه السلام) رجع إلى العراق وتزوَّج في العراق وولد أبناؤه الاثنا عشر في العراق وعاش في مدينة فدان قرب بابل.
ومع أن أبناء إبراهيم (عليه السلام) من الأنبياء، كانوا في الشام من ذرية ابنه إسحاق (عليه السلام) إلّا أنّه ترك ابنه البكر إسماعيل (عليه السلام) في منطقة جبال فاران، أي مكة المكرمة ليخرج من صلبه شعب بدوي هم العرب، وكان منهم محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام).
إنَّ العدد الأكبر من الأنبياء بعد إبراهيم (عليه السلام) هم من ذرية يعقوب بن إسحاق (عليهما السلام) الملقَّب بإسرائيل أي عبد الله، ومنهم يوسف الصديق (عليه السلام) عزيز مصر المولود في فدان في العراق، أمّا الأسباط المذكورون في القرآن الكريم أنهم أنبياء فليسوا أولاد يعقوب الصلبيين وإنما هم أحفاده وأولاد أحفاده، فما فعله أولئك الأخوة بأخيهم يوسف وبأبيهم يعقوب من أفعال شنيعة كالتآمر ومحاولة القتل والكذب على أبيهم وعلى الآخرين لا يستقيم مع مقام النبوة المقدس.
نعم لقد تاب أولئك الإخوة من ذنوبهم واعترفوا بها في آخر المطاف وعفا عنهم أبوهم يعقوب وأخوهم يوسف لكن التوبة لا تعطي حسن السلوك للعاصي حتّى يصير نبياً.
إنَّ الأحاديث التي تكلَّمت عن أحداث الظهور المقدس كانت تقريباً عن نفس الأماكن التي خرجت منها النبوّات وخرج منها الأنبياء، وفي ذلك إشارة جلية إلى أن حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي الوريث الشرعي الوحيد لكل دعوات الأنبياء والأوصياء (عليهم السلام) وكل المظلومين على مرِّ التاريخ وفي كل العالم، بيد أن لها شعاراً خاصاً ترفعه أمام الطواغيت ألا وهو طلب الثأر لدم الحسين (عليه السلام) سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي مثَّلت مأساته أبشع أنواع الظلم والعدوان(١٠).
إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) سيعلن عن ثورته العالمية في العاشر من محرم الحرام، أي في اليوم الذي استشهد فيه الحسين (عليه السلام) سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، في سنة وتر(١١) وفي المسجد الحرام، ومن هناك يذاع البيان الأول، وقرب مكة المكرمة يكون الخسف في البيداء بجيش السفياني الناصبي الصليبي(١٢).
ومن مكة تنطلق كتائب جيش الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) التي تتراوح أعدادها بين عشرة آلاف وخمسة عشر ألفاً من المقاتلين المؤمنين العقائديين(١٣)، يقودهم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر ربّانيّاً، متوجهاً إلى المدينة المنورة، فيتمّ تصفيتها من النواصب والمنحرفين، ومن ثمَّ يتوجَّه بجيشه إلى الكوفة في العراق والتي سيتَّخذها مقرّاً ومسكناً وعاصمةً لدولته العالمية(١٤)، وبعدها يتم تصفية العراق من الأحزاب المتنافرة ثم القضاء على الفئات المنحرفة من بترية وناصبية(١٥).
أسعد الناس به أهل الكوفة:
ومن العراق تخرج ألوف الألوف مشياً على الأقدام لاستقبال قائدها العظيم، الذي سينزل في ظهر الكوفة بسبع قباب من نور، ومن تلك الجموع الكبيرة المحبة لإمامها يقع الاختيار على الكثير منهم لينضَمُّوا لجيشه القادم من الحجاز.
وفي نفس الوقت ستكون هناك حركات موالية للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في إيران وتتمثَّل بحركة الخراساني الذي سيدخل بنزاع ضد القوميين الفرس الذين يرفضون تسليم إيران للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وللخط الموالي له، ويكون ذلك بدعم من أذربيجان حيث يتغلَّب عليهم ويوطِّد الأمر لخط الإمام (عجّل الله فرجه)، ثم يرسل جيشاً إلى العراق على رأسه ذلك الشاب المصفر من العبادة شعيب بن صالح التميمي(١٦) الذي سيختاره الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قائداً لجيشه.
وهناك حركة أخرى في اليمن السعيد وهي حركة اليماني ورايته أهدى الرايات(١٧)، والذي سيستولي على اليمن ويقيم حكومة موالية للإمام (عجّل الله فرجه)، وربما يزحف إلى مكة المكرمة لمساندة الإمام بعد ظهوره المقدس.
وحينما تكتمل عدة جيش الإمام (عجّل الله فرجه) في العراق، وبعد إقرار الأمن وإنهاء النزاعات فيه، يتوجَّه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وجيشه إلى الشام للقضاء على رأس النواصب وعميل الصليبية العالمية والماسونية اليهودية عثمان بن عنبسة السفياني.
وتندلع معركة قاسية قرب بحيرة طبرية يتم القضاء فيها عليه وعلى دويلة اليهود، فيما إذا كانت موجودة في فلسطين آنذاك، فيدخل القدس، وعندها يصاب الغرب بصدمة عنيفة ورعب فضيع فيهرع القساوسة والحاخامات لتحشيد وتعبئة الأوربيين لحرب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فتندلع معركة رهيبة قاسية في سهل مجدو بفلسطين هي ملحمة الهرمجدون(١٨).
حيث تنتصر قوات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فيرفع الأوربيون راية الهدنة والصلح، وبوساطة المسيح (عليه السلام) الذي سيهبط من السماء مؤيداً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه)(١٩).
إنَّ أوروبا لم تنسَ جراحاتها التي أصابتها من المسلمين في العصور الوسطى، وما زالت أحقادها تغلي في قلوبها كغلي المرجل، فحكايات حرّاس الهيكل وفرسان الصليب والغزوات التي غزاها المسلمون لها بما يسمّى بالفتوح وخصوصاً في العصر الأموي، وما هي بفتوح وإنما غزوات استعمارية خسيسة تحكى باستمرار، وهي جزء من فولكلورها الشعبي، فلم تنسَ ولن تنسى كلّ ذلك، وكذلك لم تنسَ هزيمتها المدوية في الشرق الإسلامي بعد مئتي سنة من الحروب الصليبية وتأسيس الممالك المسيحية في الرها وأنطاكية وفي القدس وغيرها، وقد عادت تلملم جراحاتها وتجاربها المرة التي جلبتها معها.
لقد أعادت أوروبا حساباتها بعد عصر الحروب الدينية بين الكاثوليك والهوكنوت وأبرزها مذبحة (سان بارتيلمي) في باريس مرة والحروب القومية بين الإنجليز والفرنسيين مرة أخرى في حرب الوردتين، فرَأَتْ أن تخلع رداء الدين ظاهرياً وتجعله معلقاً في الكنائس والأديِرَة، ومن ثمَّ توجَّهت إلى التراث اليوناني والروماني وما حصلت عليه من علوم المسلمين من الشرق الإسلامي في الحروب الصليبية ومن بلاد الأندلس لتقوم بحركة علمية واسعة ذات طابع حضاري مادي وهي ما يطلق عليها بعصر النهضة.
وقد ازداد ثراء أوروبا باكتشاف الأمريكيتين وما رافق ذلك من هجرة واسعة لإنشاء مستعمرات على حساب شعوبها الأصليين وخصوصاً الهنود الحمر الذين تعرَّضوا إلى شبه إبادة جماعية.
هذه المستعمرات التي ضمَّت مزارع كبيرة كانت بحاجة ماسَّة لأيدي عاملة رخيصة، فاندفعت أوروبا ومستعمرو الأمريكيتين الجدد بغزوات وحشية لإفريقيا السوداء لاستعمار أراضيها الخصبة ونهب ثرواتها الضخمة وأخذ الملايين من أبنائها عبيداً يعملون في مزارع الرجل الأبيض في العالم الجديد.
وقد كان الحدث الأكبر الذي قَلَبَ الأمور رأساً على عَقِب، هو الثورة الصناعية الكبرى ودخول الآلة بمجال الإنتاج الواسع، مما جعلها بحاجة ماسَّة لأسواق وخامات، فكانت الهجمات الأوروبية البربرية على البلدان الضعيفة المتخلِّفة في آسيا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية.
وكانت البلدان الإسلامية حُصَّة أوروبا الكبرى والتي كانت تمزِّقها الخلافات المذهبية والمحكومة من قبل حُكَّام جهلة، أغبياء، فسقة، بعيدين عن العلم والحضارة والسياسة الناجحة.
لا يمكن إعطاء التحديد القطعي لساحة الصراع بين المسلمين بقيادة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وبين قوى النفاق المتسترة بثوب الإسلام وقوى الاستكبار العالمي الصليبي واليهودي إلّا بما وصلنا من بعض أحاديث المعصومين (عليهم السلام) وبما يمكن تحديدها تقريباً بنهر (آموداريا) على تخوم خراسان القديمة وجبال (تورا بورا) في أفغانستان شرقاً، وبنهر النيل الخالد الممتد من منابعه قرب بحيرة (فكتوريا) في كينيا صعوداً إلى مصبِّه في البحر الأبيض المتوسط بفرعيه دمياط ورشيد غرباً.
أمّا من الناحية الشمالية فيمكن تحديدها بمدينة اسطنبول الواقعة على ضفاف مضيق البسفور مروراً بديار بكر ومنتهية بمدينة باكو الآذرية.
وأخيراً فإن هذه المنطقة محدودة من الجنوب بالبحر العربي والمحيط الهندي.
وتضم هذه المنطقة مساحات كبيرة من آسيا وإفريقيا وهي تطل من زاويتها الشمالية الغربية على أوروبا (القارة العجوز)، وفيها أجزاء من أفغانستان وتركستان وأذربيجان وإيران والعراق وبعض أجزاء تركيا والشام بأقاليمه الأربعة والجزيرة العربية ومن ضمنها اليمن وبلاد مصر وبعض أجزاء من شمال إفريقيا.
وهذا لا يعني أن المناطق الأخرى - خارج هذه المنطقة - لا دور لها في حركة الثورة المهدوية العالمية، وإنما نعني أن هذه المنطقة هي ساحة المواجهة المباشرة التي تمد الثورة بالرجال والسلاح.
هذه المنطقة هي قلب العالم النابض من حيث موقعها الاستراتيجي لأنها تتوسَّط قارّاته القديمة الثلاثة (آسيا - إفريقيا - أوروبا) وفي باطنها ثلثا احتياطي الطاقة في العالم أعني به النفط والغاز، وفيها معادن أخرى لا تقل خطورة عن النفط والغاز وهي الكبريت والفوسفات وحتّى اليورانيوم، كما أن لديها ثروة بشرية شابة ضخمة ذات تنوُّع ثقافي وحضاري بعكس أوروبا فإنها في مرحلة الشيخوخة، إذ تمتنع النساء هناك عن إنجاب العديد من الأولاد إلّا قليلاً.
ولكن منطقة الظهور المقدس الأساس هي:
بلاد الحجاز (مكة المكرمة والمدينة المنورة).
العراق (الكوفة).
الشام (دمشق والقدس) حيث حركة السفياني.
أمّا باقي البلدان فهي مساعدة أو ثانوية.
وحقيقة الثورة المهدوية أنَّها صراع بين الاستقامة والانحراف، بين الاستضعاف والاستكبار، بين الإيمان والكفر.
وكان هذا الصراع في القديم في زمن الأنبياء القدماء (عليهم السلام) بين المنهج الرباني الذي يحملونه وبين المنهج الدنيوي القائم على التقليد للآباء والأجداد والاستغلال البشع للطبقات الدنيا في المجتمع، فغالباً ما كان المعارضون للأنبياء (عليهم السلام) هم ما يقال عنهم الصفوة أو بالمصطلح القرآني الملأ.
ولو نظرنا إلى ما حصل بين الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقريش لرأينا كيف أنَّه انقلب بين ليلة وضحاها من الصادق الأمين إلى كذّاب ساحر مجنون في نظرهم.
لماذا؟
لأنَّه عندما تتعرض مصالح البعض للخطر وامتيازاتهم للزوال فإنهم لن يقفوا مكتوفي الأيدي وإنما يشهرون أسلحتهم المادية والمعنوية للدفاع عنها ناسين أو متناسين أنَّ أولئك الأنبياء (عليهم السلام) هم صادقون ومخلصون بدعواتهم الإصلاحية بيد أنْ المنفعة والمكانة الدنيوية تطغى على كل شيء.
ولذا فإنَّ كثيراً من الأنبياء دفعوا حياتهم ثمناً لدعواتهم الإصلاحية كنبي الله زكريا وولده يوحنا المعمدان وقبلهما أرميا (عليهم السلام).
ولم تسلم هذه الأُمة ممّا حصل في الأُمَم التي سبقتها، فكان أنْ انحرف بعض من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجرد أن أغمض عينيه عن الدنيا فهرولوا إلى سقيفة الضلالة وقاموا بانقلابهم المشؤوم وهم يعلمون أنهم يسيرون في الطريق الخطأ، ولكن شهوة السلطة أعمَتْ أبصارهم وبصائرهم فتسبَّبوا بأكبر انتكاسة للإسلام جعلت الأُمَّة تدفع ثمنها من دمائها ودموعها منذ ذاك الحين(٢٠).
وفي هذا العصر وفي عصر الظهور سيكون الصراع قوياً وعنيفاً وواسعاً بين الإسلام المحمدي الأصيل الذي يمثله الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وبين عدَّة جبهات داخلية وخارجية.
الداخلية تتمثَّل بخطَيْ النصب والبتر وما يمتلكانه من أدوات إعلامية وحتّى فقهية، وحينها تتطاير فتاوى فقهاء الضلالة ضد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فإذا بنا أمام ستة عشر ألف من البترية والنواصب يخرجون في رميلة الدسكرة (شهربان) هاتفين بصوت واحد: (ارجع من حيث أتيت فلسنا بحاجة لبني فاطمة).
ومن جهة أخرى يظهر أعتى مجرم في الشام يرفع لواء النصب والعداء لأهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم وهو السفياني المتحدر من الشجرة الملعونة يحمل أحقاد أبي سفيان ومكر معاوية وفتك يزيد مُلاعِب القرود.
ولكن أولئك النواصب هم لا شيء أمام مستكبر عات يمثِّل خلاصة الاستكبار منذ هبوط آدم وحتّى يوم القيامة وهو أوروبا وبنو الأصفر الذين لديهم قابلية تحريك السفياني والبترية وغيرهم كما يحركون أحجار الشطرنج.
يقبل السفياني من الروم متنصراً في عنقه صليب(٢١).
فالصراع القادم سوف يكون بين الإسلام المحمدي وبين أوروبا المادية الصليبية.
ومن المعروف أن أوروبا لا تدخل بمواجهة مباشرة ضد أعدائها إذا كان لديها عملاء ينفذون أعمالها ويقاتلون ويقتلون دونها، ولكنها تدخل المواجهة فيما إذا عجز عملاؤها أو تم القضاء عليهم من قبل الخصوم والأعداء.
فحين ترى أنَّ عميلها السفياني الذي تعبت بإعداده قُضي عليه فإنَّها تهب بقضِّها وقضيضها مدفوعة بحقدها الصليبي ونظرتها الاستعلائية للمؤمنين، فتأتي بجيش جرار للقضاء على حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
ولذلك يهبط المسيح (عليه السلام) من السماء لمساندة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وليعلن بصريح العبارة أنه على دين المهدي وجد المهدي، مسقطاً حجج القساوسة والرهبان.
مجابهة عقائدية بين خط الأنبياء وخط الأشقياء:
إنَّ الحركة المهدوية هي وريثة كل الأنبياء والمصلحين، والنزعة الطاغوتية وريثة كل الانحرافات.
وبنو إسرائيل أولعوا منذ أن وُجِدوا بالتآمر والغدر والكذب والتحريف والفتك بالأنبياء والمصلحين، وما تشهده البشرية من فتن وصراعات ودعوات هدّامة ونشر الفساد والخلاعة والإباحية والتحلل الخلقي يقف وراءه هؤلاء، بل إنَّهم بالأخير سوف يكونون من أتباع الدجال لحرب الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالرغم مما سيشهدونه من عظمة الإسلام وسماحته وعدالة قائده المهدي (عجّل الله فرجه)(٢٢).
أمّا تحريفهم للكتب المقدسة المنزلة على أنبيائهم فحدِّث ولا حرج، وهذه التوراة الموجودة تشي بفضاعات التجسيم وشناعات أخلاقية نسبوها للأنبياء (عليهم السلام) لا يفعلها أرذل الناس، وبتعاليم وحشية في حروبهم ضد خصومهم وأعدائهم.
والنصرانية ليست بأفضل حال من اليهودية، فهذا كتابها المقدس الذي يضم أناجيل بأسماء أشخاص لم يكونوا من تلامذة المسيح الاثني عشر، وهي مشحونة بالتحريفات والعقائد الفاسدة، وقد اعترف الكثير من اللاهوتيين النصارى أنَّ المسيحية الموجودة من صناعة الحاخام الفريسي اليهودي شاؤول الملقَّب ببولص الرسول الذي ادخل عقيدة التثليث والصلب والفداء من الأُمم الوثنية كالمصريين والآراميين والفرس والإغريق والهنود.
أمّا الإسلام فقد ابتُلي بالمنافقين والمشركين ومردة أهل الكتاب، فحصل تحريف واسع فيه ولكن ليس بالقرآن العظيم وإنَّما بأحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسيرته الطاهرة، وأشنع ما حصل أنَّ منافقي السقيفة منعوا التحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسمحوا لحاخامات اليهود وقساوسة النصارى بالتحديث في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمثال كعب الأحبار وتميم بن أوس الداري، فتحوَّل مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى منتدى لأهل الكتاب.
والغريب أن الحظر استمر قرناً من الزمان بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقلبت السُنة مثل الفرو وأدخل فيها ما أدخل من الإسرائيليات والنصرانيات والخرافات والأساطير والأكاذيب حتّى جاء (عمر بن عبد العزيز) فرفع الحضار عن تدوين السُنَّة(٢٣).
وأنت ترى - عزيزي القارئ الكريم - مدى خطورة هذه المنطقة في عصر الظهور وهي: (مكة المكرمة - المدينة المنورة - الكوفة - دمشق - القدس).
إلّا أن أعظمها شأناً هي الكوفة - العراق - لما فيه من خزين هائل من البشر المستعدين للتضحية والقتال تحت راية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بعدما ذاقوا الويلات من حكومات الجور طوال الحقب الطويلة المتعاقبة.
(فالأخيار من العراق - والأبدال من الشام - والنجباء من مصر - والكنوز من طالقان فارس).
أمّا من يحاول إعطاء بعض البلدان الأخرى أدواراً أكبر من حجمها في حركة الظهور فلا كلام لنا معه لأن النصوص ما زالت تقرع الأسماع عبر القرون:
«أسعد الناس به أهل الكوفة»(٢٤).
«لا بد لنا من أذربيجان لا يقوم لها شيء»(٢٥).

* * *
الفصل الثاني: الشرط المفقود

برز في أحاديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) مفهوم الأشراط في الإخبار عن أحداث آخر الزمان، من حيث أماكنها وأبطالها وفحواها، ولكن يوجد مفهوم آخر يسير معه، يشار إليه إشارات بعيدة أو مبهمة هو (الشروط اللازمة لتحقق الظهور) وهو موضوع كتابنا هذا.
إنَّ الأشراط هي العلامات التي تسبق أو تعاصر أو تواكب الظهور المقدس حيث بتحققها - كُلّاً أو بعضاً - يقطع المسلم المراقب أو المؤمن المنتظر أنَّه فعلاً أمام حدث الظهور المقدس من غير اشتباه أو توهُّم.
إنَّ قسماً من هذه الأشراط محتوم، وقسماً آخر هو مشروط أو موقوف.
الأشراط الموقوفة أو المشروطة هي تلك العلامات التي يمكن أن تقع أو لا تقع، تبعاً للظروف التي تواكب عصر الظهور أو قبله، أي إنَّها تخضع لقاعدة المحو والإثبات (البداء)، مثل بعض الأحداث الاجتماعية أو الكونية.
أمّا الأشراط المحتومة فهي التي تقع حتماً وجزماً كما ذُكرت في الأحاديث الواردة عن طريق المعصومين (عليهم السلام)، بيد أنَّ بعض أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) أفادت بأنَّ حتّى الأحداث المحتومة يمكن أن يحصل بها ما يغيِّرُها أو يلغيها فتقع تحت قانون المحو والإثبات، فالدعاء يردُّ القضاء ولو كان مبرماً وقد ورد عنهم:
«ما عُبِدَ اللهَ بمثل البداء»(٢٦).
ويعني ذلك أنَّ قاعدة المحو والإثبات حاكمة في عالم الإمكان وأنَّ كل شيء خاضع لها إلّا ما خرج بدليل قاطع.
وقد وضع أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قاعدة: أنْ لو جاءت بعض الأحداث مخالفة لما حدَّثوا به فلا يستغرب شيعتهم من ذلك، بل عليهم أنْ يقولوا: صدقوا، يؤجروا مرَّتين، لأنَّ قاعدة المحو والإثبات حاكمة في عالم الإمكان.
وقد يتنطَّع بعض المتفلسفين من أتباع ابن عبد الوهاب النجدي الذين يبغضون أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم وخصوصاً الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فيُشْكِلون بأنَّكم أيُّها الرافضة تحكمون على مذهبكم بالتهافت، لأنَّ إمامكم المهدي قد يكون وقع أو سيقع فيه بداء، وبذا فإنه لا يظهر لإقامة دولتكم المزعومة التي يخضع لها العالم كله، وهذا الإشكال ليس جديداً، وقد طُرح على أحد المعصومين (عليهم السلام)، وقد أجيب عليه في حينه، بأنَّ حركة المهدي (عجّل الله فرجه) ليست من المحتوم ولا المشروط وإنما هي وعد إلهي والله لا يخلف وعده أبداً.
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).
وفي الغيبة للنعماني: ص٣١٥، باب١٨، ح١٠، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم». قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: «إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد».
وفي كمال الدين للصدوق (ص ٢٨٠/ ح ٢٧): «والذي بعثني بالحق نبيّاً، لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليوم حتّى يخرج فيه ولدي المهدي فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه وتشرق الأرض بنوره ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب».
نعم هناك - كما ذكرنا - علامات يتعلَّق قسم منها بأحداث كونية طبيعية كالكسوف والخسوف في شهر رمضان على خلاف النواميس الطبيعية، والصيحة السماوية في شهر رمضان، والمذنَّب الذي يكاد أنْ يلتقي طرفاه وهو يضيء لأهل الأرض كما يضيء القمر.
وعلامات لأحداث اجتماعية بشرية كخروج اليماني والخراساني والسفياني في سنةٍ واحدةٍ(٢٧)، وموت (عبد الله)(٢٨)، ومعركة قرقيسيا، وقتل النفس الزكية بين الركن والمقام قبل ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بخمس عشرة ليلة، وخلع العرب أعنَّتها وخروجها على سلطان العجم، وحرب عالمية مدمِّرة تُهلك ثُلُثَيْ سُكّان العالم، وظهور الأدعياء والدجّالين والشُذّاذ من آل أبي طالب وادِّعائهم المهدوية، وغلبة الفساد في كل نواحي الحياة، وفشو الزنا وكثرة أولاد السفاح، وخروج النساء من بيوتهن ومشاركتهن الرجال بكل شيء وخلعهن لقناع الحياء(٢٩).
وهناك علامات أخرى لا يمكن تعدادها في هذا الفصل لكثرتها، بيد أنَّه لا بأس بإيراد ملاحظة سريعة مفادها:
إنَّ الكثير من أحاديث الملاحم والفتن غير موثَّقة بالتوثيق المعروف في علم الحديث، فهي ما بين ضعيفة أو مرسلة أو مروية عن أشخاص مجهولين أو مطعون بصدقهم وإيمانهم وعدم ولائهم للإسلام، أمثال كعب الأحبار اليهودي وتميم الداري النصراني ووهب بن منبه وغيرهم من الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم أمثال أبي هريرة الدوسي وسمرة بن جندب وعمرو بن العاص، ومسوّق الخرافات من الزاملتين عبد الله بن عمرو بن العاص(٣٠).

* * *

وبعد هذه الجولة علينا العروج على المفهوم الآخر الذي ذكرناه في مستهل هذا الفصل وهو مفهوم الشروط، ونعني بذلك الشروط المطلوبة واللازمة لكي يتحقق الظهور المقدس.
إنَّه لابُدَّ بل ويجب أنْ يظهر أو يخرج الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ذلك بأنَّ خروجه وعدٌ إلهي، وعلى ما هو المعروف من أنَّ مقدمة الواجب واجبة فإنَّ توفير ظروف الظهور المقدَّس هي واجبة، وهنا نجد أنَّ الشروط هي من النسيج الداخلي للحركة المهدوية بحيث إذا انخرم أو فُقِد أو عُدم أحد هذه الشروط لم يتحقق الظهور المقدس إطلاقاً، وبعكس الأشراط فإنَّه لا ملازمة بينها وبين الظهور المقدس(٣١).
ويمكن القول: إنَّ علاقة الحركة المهدوية بالشروط علاقة المعلول بالعلة وجوداً وعدماً، إذ لا وجود للمعلول بدون وجود العلة، ولما لهذه الشروط من موقع أساس فيما نحن بصدده فإنَّنا في هذا الفصل نلقي الضوء عليها، فنحاول تحديدها، كما أنَّه يجب علينا أنْ نقوم بفكّ الاشتباك بينها وبين الأشراط التي أشرنا إليها آنفاً، لأن هناك اشتباكاً بين هذين المفهومين أوقع البعض من الكُتّاب والقُرّاء في اشتباه وغلط، فحسبوا أنَّ الشروط مرادفة للأشراط، والذي جرَّ إلى ذلك هو تشابه اللفظتين من حيث المبنى.
هناك أمر مهم يجدر بنا الإشارة إليه، وهو: أنَّ أغلب الذين كتبوا في الحركة المهدوية لم يتطرَّقوا إلى شروطها، وإنَّما اقتصرت بحوثهم على أشراطها فجاء الكثير منها ناقصاً، في حين أنَّ الشروط أهم بكثير من الأشراط، فالأشراط كاشفة والشروط مكوّنة.
وبالرجوع إلى التاريخ والواقع من حيث ظهور الحركات التغييرية والإصلاحية فإنَّ علينا رؤيتها بصورة دقيقة وبتجرُّد، ومن جملة ذلك شروط وجودها ونجاحها.
ومن القطعي أنَّ أيّ حركة غايتها إحداث تغيير في بنية المجتمع العقائدية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وحتّى الفردية، فإنَّه لابد من توفُّر شروط ثلاثة، أي إنَّها ثلاثية الأبعاد:
١ - الأطروحة الفكرية أو العقائدية التي تقدم منهاج تغيير، غايته بناء مجتمع سعيد ذي رفاهية، أي إيجاد المدينة الفاضلة.
٢ - القيادة المثقَّفة المخلِصة المتشبِّعة بالأُطروحة والمؤمنة إيماناً كلياً بضرورة تطبيقها كاملة من غير انتقائية، ويجب أن تمتاز بالحنكة السياسية وسرعة اتخاذ القرارات المناسبة والمتوافقة مع الظرف التي هي فيه وأنْ تتمتع بالشجاعة لمواجهة الأصدقاء والأعداء، مع التحلّي بالصبر وطول الأناة.
٣ - وأخيراً القاعدة الشعبية الواسعة الواعية المؤمنة بالأُطروحة والمطيعة للقيادة والمستعدة للتضحية في سبيل ذلك.
ولو نظرنا إلى التوزيع الجغرافي والتاريخي للحركات الثورية أو الانقلابية فإننا نجدها لم تخرج عن هذا الإطار بغض النظر إنْ كانت أُطروحتها إيمانية أو إلحادية، فإنَّ الثورة البلشفية - على سبيل المثال - التي حدثت في روسيا في الربع الأول من القرن العشرين قد نجحت لأنَّها ثلاثية الأبعاد أو ثلاثية الشروط، وإن كان فيها الكثير الكثير من العنف والظلم وسلب الحقوق وانتهاك للإنسانية.
إلّا أنَّ الملاحظ: أنَّ هذه الثورات التي أحدثت تغييرات شاملة في مجتمعاتها لا يعود الفضل فيها وفي نجاحها إلى صحة أُطروحتها التي أثبتَت التجارب فشلها وسقوطها كما حصل في الاتِّحاد السوفيتي مؤخراً، وإنَّما يرجع ذلك إلى حنكة قادتها ومنظِّريها أمثال (لينين) و(ماو) و(كاسترو) و(كيم ايل سونغ) وخضوع القاعدة الجماهيرية لها خضوعاً كبيراً طوعاً أو جبراً.
ومن واقعنا الإسلامي، فإنَّنا لو رجعنا إلى الوراء ألفاً وأربعمائة سنة لوجدنا أنَّ الانقلاب أو تغيير الواقع الجاهلي لحدٍّ كبير لم يتم إلّا بتوفُّر الشروط الثلاثة:
١ - أُطروحة إلهية شاملة كاملة متمثلة بالقرآن الكريم والسُنَّة النبوية المطهرة.
٢ - قيادة عظيمة معصومة مسدَّدة من الله سبحانه متمثِّلة برسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٣ - قاعدة مؤمنة واعية مطيعة وهي الرعيل الأول من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المهاجرين والأنصار، وعندها تحوَّل المجتمع إلى مرحلة جديدة - لحدٍّ ما - تختلف مفاهيمها وسلوكياتها عمَّا سبق من مجتمع بربري جاهلي إلى مجتمع متحضر ذي قيم أخلاقية سامية تسوده روح المحبة والتعاون والذي استطاع أنْ يوصل رسالة الإسلام العظيمة إلى الشعوب والأُمم الأخرى.
لا نقول بأنَّ كل ذلك المجتمع كان صالحاً، فهو خليط غير متجانس، فهناك المنافقون الذين هم أخطر على الإسلام من المشركين وأهل الكتاب، وهناك الانتهازيون الذين يبحثون عن الامتيازات والمناصب العليا، وهؤلاء لا يقلُّون خطراً عن المنافقين، وهناك مرضى القلوب الذين يسارعون في الفتنة، وهناك ضعفاء الإيمان الذين يعبدون الله على حرف ويمنُّون على الله بإسلامهم، وهناك القبليون، وهناك المؤمنون الصالحون المجاهدون وهم القلة في ذلك المجتمع، ومع كل ذلك فقد استطاع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يُكوِّن أُمَّة جديدة من ذلك الركام البائس ويغيِّر من الحياة النمطية التي كان عليها العرب من غزوات واقتتال فيما بينهم.
وفي نفس الحين كانت العقلية القرشية القبلية الجاهلية تجهل الأُطروحة الإلهية وأنَّها جاءت لإسعاد البشرية وكانت تنظر إلى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على أنَّه مَلِكٌ أَسَّس مُلكاً، ينبغي أنْ يكون لبُطون قريش، فكانت تنتظر وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لكي تنقضّ على خلافته، فقامت بانقلاب ضدَّ الدين الجديد - وإنْ كان لابساً ثوب الإسلام - لإعادة الامتيازات القديمة التي سلبها بنو هاشم من بطون قريش حسب تصوُّرِهم، فحسبُ بني هاشم النبوَّة، أمّا الإمامة أو تاج المُلك فهو من حصة قريش يدور في أحيائها.
وكان هناك من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) القدماء من هو مستعد لتنفيذ ذلك المخطط الرهيب الذي وضعه طلقاء قريش بالتعاون مع اليهود الموتورين من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه الخُلَّص مدفوعين بالحسد والنزعة القبلية، فتآمروا على إبعاد القيادة المعصومة الشرعية عن الحكم مستغلِّين وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصدمة المسلمين به، فكان ما كان من أحداث مروِّعة دخلت فيها السلطة الجديدة بنزاع قاسٍ مع الشرعية، فلم تتورَّع عن ضرب أي مناوئ أو أي معارض، بل وقتله إذا اقتضى الأمر ذلك، فقُتِلتْ فاطمة الزهراء (عليها السلام) بنت نبي الإسلام وهي سيدة نساء أهل الجنة بطريقة بربرية بشعة تكشف عن مدى حقد السلطة الجديدة على محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام).
ونتيجة لذلك، فقد تمّ تعطيل الأطروحة الإلهية بصورة شبه تامَّة، وحوربت مفاهيم الإسلام الحقّة من قبيل منع التحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتعطيل الحدود، وقد قامت سلطات السقيفة بوضع لَبِنات دين مقابل دين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) آخذة منه الأذان والشهادتين وبعض الطقوس البسيطة والشكلية.
لقد وضع حُكّام قريش الجدد تقليداً صار معمولاً به من بعدهم وهو: إبعاد أهل البيت (عليهم السلام) ومحاربتهم والتقليل من شأنهم، ومهَّدوا لصعود بني أمية لمنبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد ثلاثين سنة من وفاته وهم الأعداء التقليديون لبني هاشم وللدين الجديد في الجاهلية والإسلام.
يجب أنْ يكون الدارس للتاريخ الإسلامي مُدركاً أنَّ ما حصل بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن عفوياً وإنَّما هو مخطط وضعتْ خطوطه العريضة في حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد بيعة الغدير(٣٢).
ولذا أصبح من الواجب على الله سبحانه طِبقاً لقاعدة اللطف الإلهي أنْ يتم إعادة الإسلام الأول إلى مساره الصحيح عن طريق حفيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وابنه الذي هو صورة كاملة عنه من حيث العصمة والقداسة والخُلق والعلم والارتباط بالغيب وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
إنَّ تطبيق الأطروحة الإلهية هي هدف الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهي الإسلام الذي توارثه من آبائه المعصومين (عليهم السلام) ابتداءً من جَدِّه أمير المؤمنين (عليه السلام) وانتهاء به (عجّل الله فرجه) والذي غُيِّب من يوم السقيفة إلى يوم ظهوره المقدس.
إنَّ قوام الدين الحق هو الولاية التي يفتقدها الإسلام السقيفي الآخر، والولاية تعني الاختيار الإلهي للولي أي الشرعية، ولأنّه افتقر وما يزال يفتقر إلى الشرعية فإنَّه سار باتجاهات متعددة لتلافي ذلك، لعلَّ أبرزها إيجاد مجموعة من الرواة الذين صنعوا هالات مزيَّفة لأولئك الانقلابيين المزوِّرين، فأحلُّوا ما حرَّم الله وحرَّموا ما أحلَّ الله، وتماشياً مع رفع سيف الإرهاب على رؤوس المعارضين.
والذي يتمعَّن جيِّداً بالفكر السياسي لمدرسة الصحابة يجد أنَّه فُصِّل على مقاس الحُكَّام، فالحاكم أو الخليفة لا يخطئ أبداً، بل إن من يعارضه ممن يقع ظلمه عليه يكون مبتدعاً قد أحدث في الدين.
(اسمع للأمير وأطع ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك)(٣٣).
وهكذا ضاعت الأصوات الحرة بدخان التبديع والتفسيق.
ومن حين السقيفة وضعت الأطروحة الإلهية على الرَّف يعلوها غُبار النسيان والإهمال، وعُزِلَت القيادة المعصومة وحوربت وقتلت بسموم وسيوف ورثة السقيفة.
وهنا يتَّضح لنا أنَّ شرطين من شروط النهضة متوفِّران وهما: الأطروحة الإلهية الكاملة الشاملة المتمثِّلة بالقرآن الكريم وسُنَّة المعصوم، والقيادة العظيمة المعصومة المتمثلة بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقد بقي الشرط الثالث وهو: القاعدة المؤمنة الواعية المطيعة المستعدَّة للتضحية بكل شيء في سبيل المبدأ والعقيدة والقيادة، والتي تتحمل أعباء التغيير الشامل وتطبيق شرع الله تعالى في كل بقاع العالم، وفي ذلك ما يجعلها بمواجهة قوى الكفر العالمي بما تمتلكه تلك القوى من إمكانات تقنية ومالية وإعلامية ضخمة، فالإمام (عجّل الله فرجه) وقاعدته لا يواجهان قوى الانحراف الداخلي التي هي أحقر وأقل من الاستكبار العالمي فقط، وإنَّما قوى الاستكبار العالمي المدجَّجة بكل شيء لكي يسود الإسلام كل الأرض فيتحقَّق قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
فمنذ وقوع الغيبة الكبرى لم تتوفَّر هذه القاعدة بالرغم من مرور حقبة طويلة على ذلك، أمَّا ما ورد في بعض الأخبار من وجود أصحاب المهدي (عجّل الله فرجه) الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً منذ قرون كما في حكاية علي بن فاضل المازندراني والجزيرة الخضراء التي يسكن فيها أولاد المهدي (عجّل الله فرجه) وهي في البحر الغربي فأقلّ ما يقال عنها: إنَّها حكاية من حكايات العجائز في ليالي الشتاء الباردة(٣٤).
ولا أدري كيف تفكِّر تلك العقول بأنَّ مجموعة صغيرة فوق الثلاثمائة بقليل بإمكانها مقاومة قوى غيلان آخر الزمان المدجَّجة بكل شيء، والحقيقة أنَّ هؤلاء هم مِن صفوة أتباع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهم قادة الجيوش وحُكّام البلدان الذين يحكمون تحت حكم الإمام (عجّل الله فرجه) المباشر، أمّا جيش الإمام (عجّل الله فرجه) فإنَّه سيكون من الآلاف المؤلفة إنْ لم يكن من الملايين من المؤمنين المجاهدين المضحِّين.
وقد يطرح البعض سؤالاً مفاده:
بما أنَّ ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) وإقامة دولة العدل الإلهي وعدٌ إلهي، ألا يمكن توفير القاعدة المؤمنة ولو بالمعجزة وتخليص الإنسانية المعذَّبة من عذاباتها المستمرة؟
وهذا السؤال يشي بالجبرية التي أخذت بها بعض المدارس الإسلامية، التي هي عكس حكمة الله تعالى وعدله، إذ أتاح للإنسان حرية الاختيار وربط الأسباب بمسبِّباتها، ضمن قوانين طبيعية واجتماعية، فلو كان كما يقترح أولئك لما كان لقانون الابتلاء من أثر:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ١).
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
فالتغيير نحو الأحسن أو الأسوأ بيد الإنسان ضمن مساحة الاختيار المتاحة له، أمّا المعجزة أو التدخُّل الإلهي المباشر فهي الحالة الخارجة عن القاعدة العامَّة لحركة المجتمع البشري والحكمة الإلهية، ولا تقع إلّا في معرض التحدِّي من قبل القوى المناهضة للمنهج الإلهي ورُسُل الله، كمعجزة عصا موسى وناقة صالح (عليهما السلام)، وانشقاق القمر لسيدنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أو في حالة تعرُّض الأُطروحة الإلهية أو القيادة المعصومة لتحدٍّ أو خطرٍ وليس ذلك بكل موقف، فقد تعرَّضت التوراة والإنجيل للتحريف ولم تحدث معجزة لمنع ذلك، وتعرَّض الكثير من الأنبياء (عليهم السلام) للقتل مثل أرميا وزكريا وابنه يحيى (عليهم السلام).
نعم سيستخدم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المعجزة أو الولاية التكوينية في صراعه ضد أعدائه من النواصب والأوربيين، ولكن ما فحوى تلك المعجزة؟ فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلّا الله تعالى وهي بحدود ضيِّقة.
وقد يطرح البعض الآخر سؤالاً مفاده أيضاً:
أَلَيس بإمكان شَرْطَيْ الظهور المقدَّس أو عنصرَيْه: الأُطروحة والقيادة، توفير أو صنع الشرط أو العنصر الثالث وهو القاعدة المؤمنة ولو بالولاية التكوينية؟
وهو سؤال مشابه للسؤال السابق باستثناء أنَّه في هذه المرة أَوْكَلَ توفير القاعدة المؤمنة للأطروحة الإلهية والقيادة المعصومة.
إنَّ توفير القاعدة المؤمنة ليس من مهام الأطروحة الإلهية والقيادة المعصومة بصورة منفردة خارجة عن اختيار الناس، وإنَّما يكون ذلك تبعاً لحركة المجتمع نحو التغيير والانقلاب على مفاهيمه الباطلة وتطلُّعه للعقيدة الحقَّة واعتناقه لمفرداتها بدون انتقائية واتِّخاذ السلوك العملي المتوائم معها:
﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩).
﴿إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (الغاشية: ٢١-٢٢).
إنَّ الأطروحة الإلهية كأيِّ عقيدة من العقائد تطرح أمام الناس، وتقدِّم حلولها ومفاهيمها وتجربتها الناجحة وبراهينها وحججها، ثمَّ يبقى الاختيار للناس فما من جبر وإكراه:
﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
أمّا القيادة المعصومة فلها التوجيه والإرشاد والتربية والتقويم وتوضيح مفاهيم العقيدة وتطبيق مفرداتها إذا سنح الظرف وبسطت لها اليد بذلك، فحالة المجتمع انعكاس لاستبطانه الداخلي، فإنْ كان وصل إلى العقيدة الحقَّة وآمَنَ بها واستعَدَّ لتطبيقها على نفسه انعكس ذلك بحياته والعكس بالعكس: «كما تكونوا يولى عليكم»(٣٥).
فوجود الحاكم المستبد المستهتر انعكاس لحالة المجتمع المتردية الخانعة المستسلمة للظلم والانحراف، فالشعوب هي التي تصنع الطواغيت وليس العكس.
فلو أنَّ المسلمين أو الصحابة استجابوا لمناشدات علي وفاطمة (عليهما السلام) بعد أحداث السقيفة لما حدَّثنا التاريخ عن عصر ما يدعى بعصر الخلفاء الراشدين ولحدَّثنا عن زُمرة مرتدَّة نفَّذ بها حكم الله، ولما حصل ما حصل من مآس وكوارث للأُمَّة الإسلامية.
وفي هذا تنفتح مساحة واسعة للإنسان أن يختار، وحينما يختار ويؤمن بعقيدة ما فإنَّه يقوم بتغيير نفسه أولاً ثم ينطلق إلى تغيير الآخرين ثانياً، فالجبر والإكراه ضدّان لطبيعة الإنسان ومحاولة إجبار الناس على اعتناق عقيدة ما، ولو كانت صحيحة تؤدي إلى فعل معاكس وهو العِداء والكيد لها.
نعم، هناك لله إرادة توفيقية وهي الأخذ بيد العبد فيما إذا استقام وسار في الطريق الصحيح وتعثَّر فإنَّ الله يساعده ويوفقه ويسدده.
وعليه فإنَّ الشرط الثالث الذي هو القاعدة الإيمانية التي تأخذ على عاتقها مهمَّة مواجهة قوى الاستكبار المحلّي والعالمي وتحت لواء القيادة المعصومة معدوم، ويؤيِّد ذلك منطق الأحداث الجارية منذ إعلان الغيبة الكبرى وحتّى اليوم، وإلّا فإنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) إذا توفَّرت قاعدته المجاهدة لما وسعه إلّا أنْ يقوم بثورته العالمية.
إنَّ الأمر متوقِّف على الأُمَّة منذ قرون عديدة، لأنَّها ما زالت بحالة التشرذم والتمزق والانحراف العقائدي والسلوكي من جراء سيطرة إسلام السقيفة وأهل الكتاب على قطاعات واسعة منها.
فالإمام المهدي مُنْتَظِرٌ (بكسر الظاء) أيضاً.
وعندما نرجع إلى أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) فإنَّنا نجدها تؤكِّد باستمرار على توفير قاعدة جماهيرية واسعة ذات مواصفات إيمانية خاصَّة، وقد حدَّدَتْ وبيَّنَت هذه المواصفات وفرضتها الظروف والأحداث، فلو توفَّر للإمام علي (عليه السلام) أربعون شخصاً يعيرون الله جماجمهم كما أشار الإمام نفسه لقضى على انقلاب السقيفة الجاهلي وحسب تعبيره «لخلع ابن آكلة الذباب»(٣٦).
ولكي تكون الصورة واضحة أمامنا أكثر، فأمامنا كمثال الثورة العباسية التي أطاحت بالحكم الأموي وموقف الإمام الصادق (عليه السلام) منها ومن قادتها الذين عرضوا على الإمام (عليه السلام) تسلُّم الخلافة فرفض ذلك بشدَّة، بل إنَّه لم يقرأ رسالة أبي سلمة الخلال(٣٧) وأحرقها، وذلك لأنَّ قادة الثورة وقاعدتها لا علاقة لهم بالأطروحة الإلهية ولا بالإمام المعصوم إطلاقاً، فالقبول بذلك الرداء القبيح - أعني الخلافة - هو انتحار عقائدي وأخلاقي وسياسي، لأنَّ في ذلك إضفاء الشرعية على ثورة دموية ارتكبت مجازر وفضائع وقتلاً للأبرياء إضافة إلى احتمال وقوع الإمام (عليه السلام) تحت إملاءات قادتها.
فما كان الفرس الغاضبون على الحكم الأموي العنصري الظالم من الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) القيادة المعصومة، وإنَّما كانوا يعيشون بحالة من الضبابية والتعمية الإعلامية التي فرضها بنو أمية أثناء حكمهم الطويل وبنو العباس أثناء بثِّهم لدعاتهم في الأمصار، حيث إنَّهم جعلوا أنفسهم من أهل البيت (عليهم السلام) المطلوب من الأُمة محبتهم ومودَّتهم وموالاتهم، وقد استغلَّ بنو العباس انتماءهم لبني هاشم وأنَّهم من أقارب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنَّهم أخوة آل أبي طالب المقتولين بسيوف وسموم بني أمية وأنَّهم ثاروا لطلب الثأر للحسين (عليه السلام) شهيد كربلاء ودم حفيديه زيد بن علي ويحيى بن زيد المستشهدين قبل الثورة بسنوات قليلة، فرفعوا شعار الرضا من آل محمد (عليهم السلام).
فلو طرحت على طاولة التشريح والنقد البَنَّاء لوجدنا أنَّنا أمام ثورة شعبية ضد حكم ظالم، ولكنها في نفس الوقت ليست عقائدية تستلهم مفرداتها من العقيدة الحقَّة، وهي كما يقال فورة في فنجان، فالثوار يريدون التخلُّص من بني أُميَّة حتّى لو تحالفوا مع الشيطان، وبالفعل فقد تحالفوا مع الشيطان الأكبر بني العباس، فليس بالإمكان بناء مجتمع فاضل يحكم بالقرآن الكريم وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو بذلك الوضع البائس الذي تسبَّبت به السقيفة ورواتها ومن بعدهم بنو أُميَّة وبنو العباس، فالمسخ العقائدي والأخلاقي قد وقع في هذه الأُمَّة، إلى درجة أنَّه قد وجدت فئات مستعدة لسل السيوف لقتل أبناء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ببرودة أعصاب، وهذا ما حصل فعلاً، فبعد أنْ كان المنصور العباسي يتجوّل في القرى والبوادي يُحَدِّث بفضائل أهل البيت (عليهم السلام) ويتكسَّب بهم، وإذا يده تقطر من دماء أهل البيت (عليهم السلام) بعد ما لبس جُبَّة الخلافة، حتّى إنَّه صرح بأنَّه قتل ألفاً من بني فاطمة وبقي سيدهم ويقصد به الإمام الصادق (عليه السلام)، وبالفعل فقد قتل الإمام الصادق (عليه السلام) بالسم وهو أوَّل إمام صرع بسموم بني عمِّه لأجل المُلك وحطام الدنيا، والذي أَسَّس كل ذلك أقطاب السقيفة الذين لم يرعوا لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حرمة، فهاجموا بيت ابنته وأحرقوا بابها وضربوها بالسياط وأقربة السيوف ثم أسقطوا جنينها وكسروا أضلاعها وماتت شهيدة بعد أبيها بأربعين يوماً على رواية، فكان نتاج هذا الغرس الجمل وواقعته التي كانت قائدتها زوج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عائشة وهي التي تعرف منزلة من تقاتله فضربت تحذير رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لها من أنْ تكون صاحبة الحوأب راكبة الجمل الأدبب ووصفها بالحميراء، عرض الجدار، فهذه زوج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتفعل ذلك الفعل الشنيع متقلدة دماء أكثر من عشرين ألفاً من بنيها، فكيف بالأباعد الذين لم تصلهم أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأهل بيته (عليهم السلام)؟

جاءت مع الأشقين في هودج * * * تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنَّها في فعلها هرة * * * تريد أن تأكل أولادها(٣٨)

بل إنَّ كل ما حصل لهذه الأُمَّة من مآس يقع على عواتق أولئك المنافقين.
وإلّا من الذي جرّأ معاوية على الوقوف بوجه أخي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووصيه وحامل رايته في الدنيا والآخرة ثم يتربَّع على منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الملعون على لسان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مراراً وتكراراً، بل إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمر بقتله إذا ارتقى منبره.
ويكفيه عاراً أنَّه من الشجرة الملعونة في القرآن(٣٩).
ولا أدري هل إنَّ أصحاب هذه المدرسة لم يسمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مراراً وتكراراً يقول مخاطباً علياً (عليه السلام) بمحضرهم: «يا علي حربك حربي وسلمك سلمي»(٤٠).
فالذين حاربوا علياً (عليه السلام) في معارك الجمل وصفين والنهروان هم في حقيقة الأمر، محاربون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والحكم للقارئ الحصيف.
وبذلك تتَّضح الصورة الحقيقية الواقعية من خلال طرح المعصومين (عليهم السلام) المحدِّد لمواصفات القاعدة الإيمانية.
فهدف المعصوم (عليه السلام) في كل زمان هو الإنسان، أي بناء الشخصية الإسلامية القوية الواعية، وهذا البناء لا يتم بضربة لازب، وإنَّما يحتاج لفترة طويلة من التجارب القاسية المريرة حتّى يصل إلى حالة التولِّي والتبرِّي.
ويدخل ذلك ضمن تركيبة الشخصية الإسلامية التي تكون متفاعلة مع القطبين سلباً وإيجاباً.
وللشخصية الإسلامية هذه، مواصفات محدَّدة:
منها ما هو داخلي استبطاني.
ومنها ما هو خارجي سلوكي.
ونقصد بالداخلي الاستبطاني هي حالة وصول المؤمن بالأطروحة الإلهية إلى أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، أي التسليم أمام رب العالمين، فيكون عنده الموت والحياة سيان، وهذه شبيهة لحدٍّ ما بقول إبراهيم الخليل (عليه السلام): ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (البقرة: ١٣١)، وذلك عندما تنتزع الرواسب العالقة في قلبه من حُبِّ الدنيا والمال والولد والجاه.
وقد يقول البعض: هذه مثالية لا توجد إلّا في أفكار وعقول بعض المتصوِّفة الذين يشطحون كشطحات الحلّاج وابن عربي، فنرد: بأنَّه ألا يوجد في تاريخنا نماذج كانت هكذا؟
ماذا نقول بأبي ذر وسلمان والمقداد وحذيفة ومالك الأشتر ومحمد بن أبي بكر وأصحاب الحسين (عليه السلام) في كربلاء وغيرهم من أصحاب الأئمة (عليهم السلام)؟
ولو أنَّنا استخدمنا التحليل البنيوي لذلك لوجدنا أنَّ الإيمان يأتي في المقدمة، فما هو بطنطنة لسان ولا بكثرة صلاة وقيام وصيام، وإنَّما هي حالة أشرنا إليها آنفاً وهي التسليم والقبول بكل ما يترتَّب عليه في مواجهة الآخرين سواء أكانوا أصدقاء أو أعداء، ويكون مسلِّماً أمام قائده المعصوم فيقوم بممارسة ذلك عملياً حتّى يصبح ذلك من نسيجه الداخلي، أو بالتعبير العرفاني حالة التخلية والتحلية.
وعندما نستقرئ الأطروحة الإلهية نفسها لتفسير كل ذلك فإنَّه يبرز أمامنا مفهومان:
(الإسلام - الإيمان).
إنَّ مفهوم الإسلام هو النطق بالشهادتين وهو جواز الدخول في الأُمَّة، فيحرم دم المسلم وعرضه وماله، ولا يجوز بأيِّ حالٍ الاعتداء عليه إلّا بنصٍّ شرعيٍ خاص يتعلَّق ببعض الموارد الجنائية، كالقتل العمد للنفس المحترمة أو الزنا بعد إحصان أو الحرابة والإفساد في الأرض أو الارتداد عن الدين عن فطرة - بعد الاستتابة - وهي موارد قليلة جداً للغاية، وقد شدَّد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) النكير على أُمَّته بهذا الصدد:
- «من كفّر مسلماً فقد كفر»(٤١).
- «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»(٤٢).
- «لا ألفينكم ترتدّون من بعدي يضرب بعضكم رقاب بعض»(٤٣).
ولكن هل التزم المسلمون بما قاله نبيهم؟
ويسير مع هذا المفهوم مفهوم آخر هو الإيمان، فهما يلتقيان بنقطة واحدة هي الشهادتان بيد أنَّهما مختلفان فالإيمان شيء والإسلام شيء آخر، الإيمان إقرار باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان(٤٤).
فالتشهد بالنسبة للإيمان هو بوابة تفتح على عالم كبير هو الإسلام الحق، فليس المناط هو لقلقة باللسان وإنَّما يجب أن ينزل التشهد من اللسان إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك الخارجي للمؤمن، ولعلَّ أول خطوة في الاتجاه الصحيح: «المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه»(٤٥).
ومن أجل ذلك فقد وضع القرآن الكريم حدّاً فاصلاً بين الإيمان والإسلام: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
وعليه فليس كل مسلمٍ مؤمناً، ولكن كل مؤمن مسلم.
فمناط التفريق بينهما الاعتقاد القلبي والسلوك المتوافق مع الأطروحة الإلهية، ولذا فإنَّه من الصعب معرفة ذلك، فالمطَّلِع على السرائر هو خالق السرائر، وبالنسبة للسلوك فإنَّ من طبيعة المؤمن الابتعاد عن كل ما قد يؤدّي إلى الرياء والتظاهر بالصلاح أمام الآخرين فتخلو الساحة للمرائين والمنافقين فترتفع أصواتهم وحسب وصف علي بن أبي طالب (عليه السلام) لطريقة عبد الله بن عمرو بن العاص: «ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا»(٤٦).
ولأجل ذلك اكتفى الشرع بظاهر الناطق بالشهادتين وأوكل باطنه لله تعالى.
ولكن هؤلاء ذوي الأردية القصيرة نسخوا شريعة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فصاروا يفتشون في قلوب المسلمين ويقتلونهم بدعاوى الشرك بالرغم من أنّ المغدورين ينادون بالشهادتين ليلاً ونهاراً ويصلّون باتجاه القبلة ويصومون شهر رمضان ويحجّون إلى البيت، ويجاهدون في سبيل الله تعالى، ولكن هؤلاء يبرِّرون ذلك بتبريرات سخيفة تدلُّ على سخافة عقولهم وجهلهم المطبق واندفاعهم الأهوج وراء اليهود المتسترين بالإسلام.
إذن فإنَّ أول مواصفات الإنسان المرجو لمجابهة قوى الكفر العالمي هو الإيمان، ولكن إيمان الذي يقاتل تحت راية المهدي (عجّل الله فرجه) ليس كأيِّ إيمان.
إنَّ الإيمان درجات أدناها القيام بالواجبات والابتعاد عن المحرَّمات أمّا أعلاها فلا يعلمه إلّا الله تعالى.
فالمؤمن إنسان إيجابي متفاعل مع الأحداث يؤثِّر بها وتؤثِّر به، لم يكن في يومٍ منعزلاً عن مجتمعه كالرهبان في الأديرة والصوامع، وهو يعيش على سجيَّته من غير تصنُّع أو تكلُّف أو تمثيل، فسلوكه الخارج انعكاس لما في باطنه لا يزيد ولا ينقص.
إنَّ حمل الأطروحة الإلهية والعمل على تطبيقها والتضحية في سبيلها مهما كانت الظروف والطاعة المطلقة للمعصوم (عليه السلام) من غير أن تتردد كلمة (لماذا) في قلب المؤمن ظاهراً وباطناً؛ لهو إيمان من نوع خاص.
إيمان سلمان المحمدي، إيمان أبي ذر الغفاري، إيمان أويس القرني، إيمان أصحاب الحسين (عليه السلام)، والقائمة طويلة.
ولعلَّ رجعة بعض هؤلاء الأبرار مع الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي نتيجة لإيمانهم القوي العالي ولكون وجودهم مع أنصاره آخر الزمان مما يقوِّي من إيمان الآخرين ويجعلهم أشدّ بصيرة(٤٧).
فالموت قنطرة يعبرها المؤمن إلى الراحة الأبدية والكافر إلى العذاب الأبدي، وهي منصوبة بين عالم الدنيا وعالم البرزخ وسيعبرها بالاتجاه المعاكس كل من محض الإيمان محضاً وكل من محض الكفر محضاً.
هذا الإيمان يعني إلغاء الذات أمام القائد.
فالمؤمن ينطلق من قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (النساء: ٦٥).
ولذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتأوَّه شوقاً إلى مؤمني آخر الزمان ويصفهم بأنَّهم إخوانه، حتّى قال أصحابه: ألسنا إخوانك؟
فيقول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لا، أنتم أصحابي»(٤٨).
فيتجلّى الفرق بين الأخ والصاحب، فكيف بمن هو ولده؟ أَيُقاس الصاحب به؟
فأي منزلة يتمتع بها أولئك الأنصار والموالون؟
إنَّ حقيقة منزلتهم أنَّهم آمنوا بسوادٍ على بياض، أي إنَّ غيبة الولي بالنسبة لهم هي شهود.
وقد يتبادر سؤال: لماذا تاريخنا يقدم الصاحب على الأخ ويجعل له منزلة فوق أهل بيت الرجل؟
أليست تلك معادلة مقلوبة؟
ألا يجدر بنا أنْ نسمّي تاريخنا بالأعور الدجال؟
ولا أدري كيف يُترضّى على معاوية مع الترضّي على علي (عليه السلام) وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخيه؟
وحقيقة الأمر أنَّ تاريخنا مسخرة وتخاريف لمجموعة من الرواة قبضوا أثمان أكاذيبهم من حُكّام الجور.
وليس ذلك بغريب، فشخصية هؤلاء التي شكَّلتها قساوة الصحراء ورواسبه الجاهلية والقبلية تجعله أعمى أمام الأنوار الإلهية، فلا يرى أمامه إلّا أنَّ بني هاشم سبقوه وعليه اللحاق بهم أو سبقهم لتوزيع المغانم - بتصوره - فحسبُ بني هاشم النبوّة، أمّا الرئاسة والسلطنة فلقبائل قريش.
وهؤلاء الذين قاموا بانقلاب السقيفة ارتضوا أن يكونوا رأس الحربة بتلك المواجهة ولهم بوادر قبل ذلك، فكثيراً ما وضعوا أنفسهم بمقامات ليست لهم كما حصل أثناء وفد تميم حتّى عَلَت أصواتهم في حضرة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنزلت بحقهم سورة الحجرات، وكما جذب أحدهم رداء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشدَّة وقال بكلِّ صلافة: ألم يأمرك ربُّك ألّا تصلّي على المنافقين(٤٩)؟
فماذا يقول المفتونون به إلّا أنْ يقولوا إنَّه من شدَّة حرصه على الإسلام وكأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس حريصاً على الإسلام.
ولهذا البطل السقيفي موقف أشدُّ شناعة حينما وصم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالهجر(٥٠) ومنعه من كتابة ما يعصم الأُمَّة من الضلال إلى يوم القيامة، فما ندَّد به المؤرِّخون ولا الكَتَبَة الفريسيون وما قالوا إنَّه ممَّن مرد على النفاق.
لقد كانت قريش متربِّصة بالإسلام ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) فدسَّت بعض عملائها ممَّن أظهر الإسلام لكي يقوم بعمله التخريبي، فقريش ذات عقل استراتيجي لا تضع بيضها بسلَّة واحدة وهي تحارب من جهة ومن جهة أخرى تخرِّب بالتعاون مع اليهود الموتورين من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه الخُلَّص وخصوصاً بعد فتح مكة وإنثيال الطلقاء على المدينة بدون موانع.
وقد اتَّخذ التآمر القرشي وجوهاً عدَّة:
منها المباشر كمحاولة اغتيال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في غزوة تبوك، وكان أبرز المشاركين فيها أبطال السقيفة.
أمّا غير المباشِر فهو بمنهج الاجتهاد مقابل النص وهو منهج مأخوذ من اليهود.
وهكذا اشتغلت ماكنة الدعاية القرشية فخلطت الباطل بالحق وضاعت معالم الطريق على الملايين من المسلمين منذ قرون، ولأجل أن ترجع الأُمَّة إلى جادَّة السواء فعلى المفكِّرين الانطلاق من قاعدة عظيمة وضعها الوصي الأول (عليه السلام) فحواها:
«اعرف الحق تعرف أهله»(٥١).
هذه القاعدة العظيمة تتضمن أموراً خطيرة:
اعرف الحق أين هو وأين مصدره وآمن به.
اعرف أهل الحق وأهل الباطل وفرّق بينهما.
تولَّ أهل الحق وناصرهم بيدك ولسانك.
تبرَّأ من أهل الباطل وأبغِضْهُم واكشف سوءاتهم وحاربهم باليد واللسان.
من كل ذلك فقد قام المعصومون (عليهم السلام) ببذل جهود واسعة لبناء قاعدة إيمانية موالية في ذلك المجتمع الذي ربّاه رواة بني أمية وبني العباس على الإعراض إنْ لم يكن البغض لأهل البيت (عليهم السلام)، حتّى أنَّ أحد المعصومين (عليهم السلام) ذكر أنَّه لا يوجد مُحب لهم إلّا بعدد الأصابع، وكان المقصود بهم أبو خالد الكابلي ويحيى بن أم الطويل في عهد الإمام السجاد (عليه السلام) وجابر بن يزيد الجعفي وثابت بن دينار في عهد الإمام الباقر (عليه السلام) والمفضل بن عمر وأبو بصير ومؤمن الطاق في عهد الإمام الصادق (عليه السلام).
وقد وضع المعصومون (عليهم السلام) قواعد مَنْ سار عليها فهو رافضي وأبرزها البراءة من السقيفة ومفرداتها ورجالاتها، فالرافضي هو الشيعي الحق، وتاريخ الرافضة قديم لعلَّ أبرزهم حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار مؤمن ياسين.
فالرفض منهج ربَّاني قائم على رفض الباطل والانحراف حتّى أنَّ أحد شعراء الرافضة هتف:

ونحن على رغمك الرافضون * * * لأهل الضلالة والمنكر

وهؤلاء الذين ينبزون الشيعة بالرفض إنَّما يمدحونهم من شدَّة جهلهم.
وقد يقول البعض: إنَّ من تصمهم هكذا قلة، فنقول: ولو، فإنَّ القلَّة ممدوحة عند الله إلّا أنَّها غير مجدية في المواجهة الكبرى بين المؤمنين وقوى الاستكبار العالمي، وإنَّما يجب أنْ يسير بجنب النوعية الكمية، أي يجب أنْ تكون القاعدة المؤمنة ذات امتداد أفقي واسع، فلو توفَّر للوريث الشرعي لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أربعون على شاكلة أبي ذر وعمار والمقداد وسلمان لقام بالأمر.
فكل معصوم في عصره صاحب السيف الذي لو توفَّرت له قاعدته لخرج وأقام دولة العدل الإلهي، فالمعصومون (عليهم السلام) قبل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هم مهديون لكن الظروف لم تكن لصالحهم لكي يملؤوا الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً.
وقد يسأل البعض: إذن لماذا نهض الإمام الحسين (عليه السلام) بذلك العدد القليل لمواجهة دولة مترامية الأطراف تمتلك إمكانيات مادية وإعلامية ضخمة؟
والجواب: أنَّ حركة الإمام الحسين (عليه السلام)حالة خاصة لظرف خاص لأنَّه يجب القيام بذلك وتقديم ذلك القربان العظيم لإيقاظ الأُمَّة التي نامت عقوداً على هدهدات رواة محدثي السقيفة الذين أضفوا على حُكّام الجور هالات قدسية.
وبالفعل فقد استيقظت الأُمَّة وراحت ثوراتها تتوالى وما زالت تستلهم من الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته الخالدة معاني الصمود والجهاد.
وخلاصة القول: إنَّه لم تتوفَّر لكل إمام قبل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) قاعدته التي بواسطتها يتمكَّن من إقامة دولة العدل، ولذلك أصبح الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الذي يقوم بهذه المهمة الخطيرة وهو الوصي الثاني عشر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخاتم الوصيين (عليهم السلام)، حيث لا يوجد معصوم بعده، ولذا فإنَّ من أهم أسباب عدم ظهوره منذ قرون هو عدم توفُّر الشرط الثالث. فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) يعلم منذ ولادته وحتّى إعلان غيبته الكبرى أنَّ ذلك الزمان ليس زمان ظهوره، فالمجتمع ما زال منحرفاً وقاعدته الموالية ضعيفة وقليلة العدد، ولذا وضع نظام النيابة الخاصة لفترة الغيبة الصغرى حيث نوابه الأربعة، وبعد ذلك وضع نظام النيابة العامة بعد إعلان الغيبة الكبرى.
هذا النظام هو الذي حفظ الشيعة والتشيع خلال العصور المتعاقبة بالرغم مما عاناه الشيعة من أعدائهم وخصومهم وما زالوا هكذا وقوامه باب الاجتهاد المفتوح لإيجاد الحلول للمسائل المستجدة في كل عصر والذي يستند فيه إلى القرآن الكريم وسنة المعصوم (عليه السلام) ويلحق بهما العقل والإجماع بما فيهم المعصوم، ولكن العقل لا يعني استقلاله باستنباط الحكم الشرعي كما في المدارس الأخرى كالقياس والمصالح المرسلة وسد الذرائع وأقوال الصحابة، الخ.
وإنَّما في القواعد العملية الكلية المستندة إلى الشرع كالبراءة والاستصحاب ولا ضرر ولا ضرار وهكذا.
وقد يسأل بعض الجهلة والمغرضون:
كيف لم تتوفَّر القاعدة الإيمانية خلال أحد عشر قرناً مضت؟
وهو سؤال ينم عن جهل بحقيقة الأمور، فظهور الإمام (عجّل الله فرجه) ليس خاضعاً لأمزجة الناس، وإنَّما هو ضمن منظومة إلهية خطّطت منذ الأزل حركة التاريخ والمجتمعات وجعلت عملية انطلاق الثورة العالمية مرهونة بحالة التغيير التي ستحصل بما يجعل من حالة وعي المجتمعات تصل إلى الحد المناسب الذي تكون فيه ساعة الصفر، فالزمن مكوَّن أساساً بتكوين الحدث، لكنه بالنسبة للحركات الإصلاحية يختفي نوعاً ما، فإدريس (عليه السلام) غاب عن قومه عشرات السنين بعدما عصوه ولم يتبعوا منهجه الإلهي، فكان أن سلّط الله تعالى عليهم الجبابرة والجدب والمجاعة، وكان ذلك العصا التي أدَّبت قومه، فأخذوا يتضرَّعون إلى الله ليكشف عنهم البلاء وأظهروا الإنابة والتوبة فأعاد الله لهم نبيَّهم، وغيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا تخرج عن هذا الإطار.
إنَّ مخاض الأحداث في عصرنا يشير إلى أنَّ الظهور المقدس يمكن أنْ يكون قريباً لتحقق بعض العلامات ولأن ملامح القاعدة المؤمنة ذات الامتداد الأفقي بدأت بالوضوح في بعض البلدان مثل إيران والعراق ولبنان وهي البلدان التي ستنصر الإمام (عجّل الله فرجه) عند الظهور، وخصوصاً العراق فإنَّه قاعدته التي يرتكز عليها حكمه للعالم، فإنَّه - أي العراق - بدأ السير الحثيث للقاء قائده الحبيب من خلال ما قدَّمه ويُقدِّمه من دماء وتضحيات، فالشهادة في سبيل المبدأ والعقيدة أصبحت ممارسة يومية وتوقاً وطريقاً، وأمامنا أبطال فتوى الدفاع المقدس.
وإنّ المراقب للزحف المليوني من شتّى بقاع العراق وخصوصاً من أقصى جنوبه إلى كربلاء الشهادة في زيارة الأربعين أن هذه الممارسة تبهر وتدهش العالم بأسره، فخلال عشرين يوماً ينقلب كل شيء.
الكل يسير على قدميه: المرأة، الشيخ الكبير، الطفل الصغير، الشاب الغرير، والجميع يأكل ويشرب وينام ويعالَج إِنْ مَرِض بدون مقابل، دعم لوجستي لا تَقْدِر أكبر الدول على تقديمه، فبيوت العراقيين في كلِّ مدينة أو ناحية أو قرية مفتوحة يدخل من يشاء فيها مع توسُّل واستعطاء من صاحب المنزل لتشريفه بالحلول ضيفاً عليه، فالجميع من الزاحفين على الأقدام إلى القائمين تحوَّل إلى مجتمع ملائكة.
حب.. تضحية.. إيثار.. الشعار واحد والهتاف واحد:
 لبيك يا حسين، لبيك يا حسين، لبيك يا حسين.
ولا يدرى هل بيد الإمام الحسين (عليه السلام) هراوة تسوق هؤلاء إلى قبره المنيف؟
نعم بيد الإمام الحسين (عليه السلام) هراوة عظيمة هي هراوة الحب.
ما أحب بشر في العالم مثلما أحب الشيعة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ذابوا بالحسين (عليه السلام) كما يذوب السُكَّر في الماء، عبَّروا عن ذلك بأشعارهم، بخطبهم، بقصصهم، ببكائهم، بحزنهم.
وهنا تتجلّى بعض ملامح اختيار العراق عاصمة ومقرّاً ومسكناً للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) فإنَّ أهل العراق سيجعلون من أجسادهم وأجساد أطفالهم ونسائهم دروعاً للإمام (عجّل الله فرجه).
وقد يقول البعض: أنت تبالغ بوصف أهل العراق لأنَّهم أهلك.
فأقول: تعالوا أيّام الزحف المليوني إلى كربلاء وستجدون مصداق ما قلته وأقوله، بل لو شاهدتم أبطال فتوى الدفاع المقدس لقلتم: إنَّك قصرت كثيراً بوصفهم.
فالقضية ليست بسيطة أو تقليدية وإنَّما هو الحب.
وهل الدين إلّا الحب كما قال أحد المعصومين (عليهم السلام)؟
نعم، إنَّ العراق حجر الرحى في عصر الظهور وبأهله سيطحن الإمام (عجّل الله فرجه) المستكبرين.

* * *
الفصل الثالث: قانون الابتلاء - قانون التمحيص

لله سبحانه قوانين ونواميس وسُنن في الكون وفي خلقه.
منها ما هو جبري، ومنها ما هو اختياري.
القوانين الجبرية على نوعين:
النوع الأول: يتعلَّق بالإنسان نفسه باعتباره حجر الزاوية في الكون، طوله، لون بشرته، وشعره، لون عينيه، انحداره من أبويه... إلخ، فليس له يد فيها أو التدخُّل بها أو لديه قدرة التحكُّم بعملها أو القيام بتغييرها حسب مشيئته، فلم ينقل لنا قديماً أو حديثاً أنَّ أحداً من بني آدم قام بذلك أو استطاع تغيير مسارها.
هذه القوانين حادَّة كالسيف، مطردة لا تغيير فيها، ومنها قانون الموت الذي لا يمكن الفرار منه أبداً، فكل مخلوق لابد أنْ يدركه الموت وما من فردٍ كُتِب له الخلود في الحياة الدنيا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥ / الأنبياء: ٣٥ / العنكبوت: ٥٧).
النوع الثاني: طبيعية خارجية خارجة عن قدرة الإنسان وإنْ كانت تعمل لمصلحته.
حركة الكواكب في السماء ضمن أفلاك ومسارات محدَّدة بدقَّة عظيمة.
طلوع الشمس من المشرق وغروبها من المغرب.
هطول المطر من السماء.
خروج النباتات من الأرض بمختلف ألوانها وأشكالها وأغراضها.
المعادن، العناصر، المركَّبات.
التراب، الماء، الهواء، النار.
لقد وضع الله قوانينه الجبرية بشقَّيْها الحيوي والطبيعي لصالح ومنفعة وتيسير حياة الإنسان، فوجود الهواء بنسَبِه التي اكتشفها العلماء يدل على أنَّ خالقها جعلها هكذا لضمان حياة البشر، فلو زادت أو قلَّت نسبها لما كان بإمكان الإنسان أنْ يستمر بالحياة ولأدَّت إلى هلاكه وانقراضه، وها هي ظاهرة (النينو) الاحتباس الحراري صارت تقرع ناقوس الخطر للبشرية، ومن المحتمل أنَّ الأرض بعد قرن ستكون غير صالحة للسكن بسبب تزايد نسبة ثاني أوكسيد الكاربون في الهواء وذلك بما تقذفه مصانع الدول الصناعية من غازات ضارة.
فكم عبث الإنسان بالطبيعة نتيجة طمعه وحرصه على استجلاب أقصى ما يمكن من المنفعة لنفسه.
ولو أنَّه أبطأ من وتيرة طمعه لأعادت الطبيعة توازنها.
فالكل موظف لخدمة الإنسان.
﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرضِ جَمِيعاً﴾ (البقرة: ٢٩).
النباتات غذاء، دواء، زينة، جمال، بهجة للنفس، حفظ للبيئة وتوازنها الحيوي.
الحيوانات مسخَّرة ومنقادة له تماماً، فبإمكان الطفل الصغير أنْ يقود أكبر حيوان بلا أدنى معارضة، فهو يتغذّى بلحومها وألبانها ونتاجها ويستفيد من أصوافها وأوبارها وشعرها، ويمتطي ظهورها لنقله من بلد إلى بلد، في حين أنَّ بعضها أقوى منه عشرات المرات كالإبل والبقر.
وحتّى في بدن الإنسان فإنَّ هناك أجهزة تعمل خارج إرادته ورغبته: القلب، الكبد، الأمعاء، وحتّى الكائنات المجهرية داخله كالكريات البيض والكريات الحمر.
وهذه القوانين تتحرك ضمن معادلات رياضية إلهية كتخلخل الضغط بين منطقة وأخرى ممّا يؤدي إلى هبوب الرياح والعواصف، وكارتفاع درجة الحرارة أو انخفاضها ممّا يؤدّي إلى سقوط الأمطار.
وقد يرى الإنسان كل ذلك شرّاً إلّا أنَّها بحقيقتها ليست كذلك، فهي تعمل لصالحه على المدى القريب والبعيد.
ويلاحظ أنَّ القوانين الطبيعية بصورة عامة مرتبطة بسلوك الإنسان سلباً أو إيجاباً، وتتأثَّر بمدى قربه أو بعده من الله من حيث الطاعة والمعصية.
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
أمّا عن كيفية ذلك فهي من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلّا الله.
وعندما نأتي إلى القوانين الاختيارية فإنَّنا نجدها مرتبطة بالإنسان مباشرة وبمساحة اختياره وحركته على صعيد الحياة، وهي لا تعمل إلّا عندما تتوفَّر شروط عملها، كقوانين الهداية والإضلال والاستئصال والاستدراج والمكر الإلهي والإملاء وهلمَّ جرَّا.
فقانون الهداية أو التوفيق للهداية لا يعمل إلّا إذا تحرك الإنسان طلبا لها.
﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ (العنكبوت: ٦٩).
فالإنسان الذي يتحرَّك بطريق الرب سيجد منه العون والتسديد والتيسير، فمن جاهد نفسه وقومه يلمس ولو بطرف خفي اليد الإلهية تمتد لمعونته وتسديده.
ومن القوانين ما كان ليجعل الإنسان تحت التجربة لمعرفة مدى إيمانه وقوة صبره، فالدنيا قاعة امتحان كبرى والإنسان يدخل فيها ليؤدي امتحانه، إنّه قانون التمحيص ويرافقه قانون آخر لا يقل عنه خطورة هو قانون الابتلاء.
قد يقول البعض: كيف تعمل هذه القوانين ضمن مساحة اختيار الإنسان؟
والجواب: مَن مِنَّا مَن لَمْ يذهب إلى طبيب أسنان في حالة حصول أَلَمْ جَرَّاء وجود أسنان تالفة أو مسوَّسة؟
أغلبنا يفعل ذلك لأخذ العلاج للتخلُّص من الألم، وقد ينصح الطبيب بخلع الضرس التالف أو المسوَّس، فيوافق البعض ويرفض البعض الآخر، فالذي يوافق يواجه ألماً آنيّاً ينتهي بعد ساعات، والذي يخاف ويرفض فإنَّه يبقى يعاني من الألم مادام ذلك الضرس موجوداً، فقانون الاستئصال وهو أحد القوانين الطبيعية التي لها ارتباط مباشر بالإنسان أشبه بذلك لحدٍ ما، وقد عمل عمله في الأُمم السابقة كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط ومدين وأصحاب الرس.
فهذه الأقوام وصَلَت بعصيانها إلى حالة الضرس المسوس الذي لا يرجى شفاؤه وكان بقاؤها ضرراً على البشرية كلها، ولذا فقد تحرَّكت القوانين الطبيعية بأمر خالقها، فدمَّرت قوم نوح بالطوفان، وعاداً بالريح العقيم، وثمود بالصاعقة، وقوم لوط بالزلزال، ومدين بالصيحة، وأصحاب الرس بالحرارة الشديدة التي أذابت أبدانهم، فلو أنَّ جميع أولئك أطاعوا أنبياءهم وأخيارهم واتَّبعوا السبيل السوي الذي خطَّه اللهُ لهم لما حصل ما حصل لهم.
﴿فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الزخرف: ٥٥).
وهكذا الحال بالنسبة لقانون الاستدراج(٥٢) حيث يستدرج الله العاصين بزيادة الأموال والأولاد وبسط الأمور لهم، حتّى يصلوا إلى مرحلة الغرور والاستكبار فيتصوَّرون أنَّهم أعلى من باقي البشر وأنَّهم من ذوي الدماء الزرقاء وثم يصلون إلى حالة طاغوتية فرعونية فيستكبرون ويتمرَّدون على أوامر الله ونواهيه ويعتبرون أنفسهم أنداداً لله أو أرباباً من دونه، فعندها يأخذهم الله أخذ عزيزٍ مقتدرٍ كما حصل لطاغوت العراق صدام حديثاً ولفرعون مصر قديماً.
وحينما نأتي إلى قانون الابتلاء الذي هو موضوع فصلنا هذا، فإنَّنا نراه قانوناً متحركاً، يتحرَّك باستمرار مع الفرد والمجتمع طوال الوقت، فالإنسان منذ ولادته وحتّى وفاته يمرُّ بحالات ابتلاء لا فرق في ذلك أكان مؤمناً أو غير مؤمن، مثل ابتلائه بزوج سليطة اللسان، أو ولد عاق أو جار سوء، أو سلطان جور، أو شحة بالرزق، أو عدو لاج في عداوته، أو مرض ببدنه أو ببعض أفراد عائلته.
لكن ابتلاء المؤمن غير ابتلاء الكافر، لماذا؟
إنَّ المؤمن شخص إيجابي واقعي صادق شريف، لا يتحرَّك ولا يتصرَّف إلّا ضمن منظومة الأوامر والنواهي الإلهية، فهو يؤمن بأنَّ هناك عالَماً آخر وراء عالَم الدنيا، فيه حساب وفيه ثواب وفيه عقاب، ويؤمِن بأنَّه بعين الله وتحت رقابته يحصي عليه كل شيء، لذا فإنَّه يخرج من حيِّز الانحراف إلى حيِّز الاستقامة، والاستقامة بحاجة ماسَّة إلى ما يسندها حتّى تقوى وتشتدَّ ويشتدَّ عودها مثل سند الشجرة الضعيفة حتّى تنمو وتقوى، وهذا السند هو العون الإلهي.
وفي كل ذلك فإنِّه لا يمرُّ عليه حينٌ إلّا وهو بامتحانٍ رباني وابتلاءٍ إلهي، وما ذلك عن عقوبة لذنب ارتكبه، بل إنَّ خالقه يحب إدخاله في تلك التجربة.
ولهذا فإنَّ أشد الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأوصياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل(٥٣)، فهؤلاء يعيشون حالة الغربة في مجتمعاتهم، ذلك لأنَّ النمط العام في مجتمعاتهم هو نمط ضحالة العقل أو سذاجته، وهو ما يُدعى (العقل الجمعي) الذي يُعرف بالانفعال والتأثر بالإشاعة والدعاية وتقليد الآباء والأجداد والإيمان بالخرافة والأسطورة والوثنية أغلب الأحيان.
إنَّ المؤمن إنسان عادي كغيره من البشر يُخطئ ويذنب وينقاد إلى الهوى أحياناً وقد يظلم غيره، ولا يوجد مَن ليس فيه ذلك إلّا المعصومون من البشر، ولكنَّه لا يصرُّ على الذنب، فقد يسارع إلى التوبة والاستغفار ويعيد الحق إلى أهله ويقرِّر الإقلاع عن الذنب، ومع ذلك فإنَّ المؤمنين ليسوا سواء، فمنهم من يظهر أثر الذنب عليه مباشرة فلا يملك إلّا البكاء والتوسُّل بالله للإقالة ومنهم من يستغفر بعد حين ومنهم من يسوف إمّا عجزاً أو سهواً.
وحتّى الاستغفار والإقالة فإنّه لا توجد ضمانة أنْ يحصل المذنب المستغفر على المغفرة فيمحى ذنبه من سجل الذنوب، ولذا يبقى خائفاً من ذنبه راجياً لرَبِّه، والمؤمن الحق متعلِّقٌ بالله وظنّه بالله حسن ويأمل أنْ يرحمه في الدنيا والآخرة من جهة ومن جهةٍ أخرى لا يغتَرَّ بعفوِ الله ومسامحته وفي هذه المساحة تكون نجاته حتّى لو كانت ذنوبه مثل الجبال.
والمؤمن على درجات لا يعرف مداها إلّا الله سبحانه المطَّلع على السرائر، فباطنه مجهول من الآخرين، أمّا الذين يظهرون أو يوحون للآخرين بمدى إيمانهم فهم إمّا مراؤون أو ضعيفو الإيمان.
ومع ذلك فإنَّه يعلم أنَّه أمام عقوبتين: عقوبة معجَّلة وعقوبة مؤجَّلة، فالعقوبة المعجَّلة قد تكون بالابتلاء بأمر يكرهه أو يؤذيه أو يُلحِق به ضرراً أو بعائلته فتكون ماسحة لذنوبه، وعندما ينتقل إلى رحمة ربِّه، فإنَّ موقفه بحسب ظنِّه بربِّه.
العقوبة المؤجَّلة هي التي توقع على المؤمن إمّا في البرزخ أو في يوم القيامة، وقد تجمع له العقوبتان لعظم ذنبه، فالزاني - على سبيل المثال - يعاقَب بالفقر في الحياة الدنيا ويعاقب في الحياة الأخرى.
لكن هناك مساحات واسعة للرحمة الإلهية قد يُدخَل فيها المؤمن كشفاعة نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) وعفو الله (عزَّ وجلَّ) وهو فوق كل شيء.
﴿عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ (الأعراف: ١٥٦).
إنَّ أسرع الذنوب عقوبة هي البغي، أي الاعتداء على الناس وعقوق الوالدين، فالذي يبغي على الناس ويظلمهم لا يموت حتّى يرى عقوبة الله (عزَّ وجلَّ) له، وخصوصاً الحُكّام الظلمة الذين ما ذكر التاريخ لنا أنَّه أفلت أحدٌ منهم من العقوبة، أمّا الذي يَعقُّ الوالدين أو أحدهما فإنَّه لا يموت حتّى يذوق وبال العقوق من أبنائه(٥٤).
وحتّى الذنوب فليست سواء، وليست كلها قابلة للعفو والمغفرة، فمنها ما لا يُغفر أبداً ومصيرها إلى النار وهي النفاق والشرك والكفر بالله، ومنها ما لا يمكن تركه وهي الذنوب التي تقع بين الناس كالذنوب المعنوية مثل الغيبة والنميمة والحسد والغِل، والذنوب المادية كالاعتداء بالضرب على الغير ظلماً وعدواناً أو قتل نفسٍ دون حق، أو الاحتيال على الناس بالسرقة والتدليس لأخذ أموالهم بالباطل، وأكل الربا، وارتكاب الزنا واللواط، فهذه جميعاً تُعرَض أمام محكمة العدل الإلهي حيث يحضر الخصوم في أمد لا يعلمه إلّا الله فيؤخذ من الظالم حق المظلوم.
ومن الذنوب ما تقع بين العبد وربه، إن شاء عاقب، وإن شاء غفر وهو أولى بالعفو والمغفرة.
فالابتلاء سُنَّة إلهية منها ما هو رد على ارتكاب بعض الذنوب، فأيّ مجتمع يمارس الفواحش ويُعلِن بها إلّا سلَّط الله عليه السنين والأمراض التي لم تكن في أسلافه، إلّا أنَّ الملاحظ أنَّ الابتلاءات لا تطال المنحرف فقط وإنِّما تطال المستقيم لأنَّه يعيش في المجتمع أو لأنَّه يداهن في الحق ولا ينكر المنكر.
هذا القانون يكون أسرع إلى المؤمن أكثر من غيره، لماذا؟
قلنا: إنَّ الدنيا قاعة امتحان كبيرة والبشر فيها طلبة يدخلون من باب ويخرجون من باب آخر بعد انتهاء الامتحان، وأمامهم أوراقهم الامتحانية، فمنهم من يجيب إجابات صحيحة فينجح ومنهم من يجيب إجابات خاطئة أو لا يجيب فيفشل، والمؤمن في كل ذلك مبتلى لذنوب سَلَفَت منه قديمة، أو ليس لذنوب وإنَّما للتمحيص لكي يصبر على ما يحب وعلى ما يكره.
﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
والابتلاءات ليست واحدة فمنها ما هي فردية ومنها ما هي جماعية:
فالفردية هي التي تصيب الأفراد كُلًّا على حِدَة، من مرضٍ، فقرٍ، زوجَ سوءٍ، ولدَ عاقٍ، جارَ سوءٍ، زميلَ سوءٍ، وأكثر ما يضرب بها المؤمن وخصوصاً في هذه الأزمنة فهو بحالة صراع رهيب بين ما تقدمه هذه المدنية من إغراءات وبين إيمانه والتزامه بالشرع.
لكن الابتلاءات الجماعية هي الأشد والأقوى نكالاً.
﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥).
فالفتن التي تصيب الأُمَم هي من الابتلاءات الجماعية كالحروب والمجاعات والأوبئة والبدع المضلَّة، فما من أُمَّة سَلَمَت من ذلك قديماً وحديثاً، فمرجل التاريخ يغلي ويفور باستمرار، وحركة التاريخ دائبة كالنهر الجاري ذي الاتجاه الواحد، والإنسان فيها قطب الرحى يدور حوله كل شيء، وكل أُمَّة مبتلاة ومعرَّضة للكوارث والمحن والفتن، إلّا أنَّ أشدَّ الأُمَم إصابة بالابتلاءات والفتن هي هذه الأُمَّة.
قد يقول القائل: لماذا هذه الأُمَّة أشدُّ فتنةً وابتلاء من باقي الأمم؟
وللإجابة على هذا السؤال عدَّة وجوه:
هناك علاقة طردية بين الأُطروحة الإلهية المنزَّلة لأيِّ أُمَّة وبين الابتلاءات التي تصيبها، فكلَّما كانت الأُطروحة كاملة شاملة واسعة دائمة كان تحمُّلُ أعبائها أعظم وأكبر، وبذا تكون الابتلاءات أكبر وأوسع وأوجع وأشد إيلاماً.
لقد ابتليت أُمَمٌ قبل هذه الأُمَّة كاليهود والنصارى وحصل ما حصل لهم بقدرِ ما كان في أيديهم من أُطروحات إلهية والتي لم تكن شاملة وكاملة ودائمة وإنما هي مرحلية، قومية، إقليمية، تصحيحية أو تكميلية لما قبلها ولعلاج مشاكل آنيَّة، وقد زاد الطين بِلَّة أنَّه إضافة لذلك فإنَّ كتبها المقدَّسة التي هي عماد عقيدتها قد تعرَّضت لتحريفات واسعة بحيث لم يبقَ من الموحاة إلّا نتفٌ صغيرة هنا أو هناك كأنَّها شعرة بيضاء بجلد ثور أسود.
فتلك الأُمَم عاشت وما زالت بانحرافاتها التي صنعتها لنفسها فتعمل وتطبق ما عندها لحدٍ ما، فاليهود يحافظون على عيد الفصح وعيد المظال والصلاة والصيام بأوقاتٍ معروفة ويذهبون إلى حائط البراق الذي يسمّونه حائط المبكى ليبكوا ويصلّوا عنده.
والنصارى يذهبون في أيّام الآحاد إلى الكنائس ليؤدّوا صلواتهم بالموسيقى والتراتيل الكَنَسيَّة وليسمعوا عِظَة القِسّيس، وقد يذهب البعض إلى كرسي الاعتراف ليعترف بذنوبه ويظهر ندمه فيحلّه راعي الكنيسة منها.
وحقيقة ما حصل لها أنّ تلك الشرائع تحوَّلت وتغيَّرت بمرور الزمن وبظهور طبقة (إكليروس) في مجتمعاتها وهي التي عملت وماتزال تعمل لمنافعها ومصالحها، ولذا فقد دافعت وماتزال تدافع عنها بضراوة من ينتقدها، وقد وظَّفت ثقافتها وخصوصاً في تلك الأُمَم الأُمِيَّة لأجل ذلك، حتّى أخذت تحجر على العقول وتصمُّ المعارضين بالإلحاد والهرطقة، فدفع الكثيرون حياتهم ثمناً لذلك.
وقد التفت الكثير من النصارى أنَّه ليس كل ما عندهم صحيحاً بالكامل وخصوصاً بعد الحروب الصليبية واحتكاكهم بأهل الشرق وأهل الأندلس المسلمين، ورأوا فداحة سطوة الكنيسة واضطهادها للفلاسفة والمفكِّرين والعلماء ومحاولتها الدائبة لوضع الكمامات على أفواه الناس وإرهابهم باسم الدين، فرأوا أنْ يعزلوا الكنيسة عن تنظيم المجتمع سياسياً واقتصادياً وإدارياً، فكانت العلمانية التي نجحت عندهم نجاحاً باهراً.
وعوداً على بدء فإنَّ ابتلاءات هذه الأُمَّة تختلف عن ابتلاءات الأُمَم الأخرى - كما أشرنا فيما سبق - لأن هذه الأُمَّة تمتلك أطروحة كاملة شاملة دائمة مازالت غير محرَّفة وهي بيد الرافضة وتتمثَّل بالقرآن الكريم وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المنقولة إلينا عن طريق أبنائه وأحفاده المعصومين (عليهم السلام).
ومن جهة أخرى فإنَّ قِسْماً كبيراً من هذه الأُمَّة أعرَضَ عن ورثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واتَّخَذَ له أئمةً غيرهم من أقطاب السقيفة وطلقاء قريش ومن تبعهم من بني أمية وبني العباس ووعّاظهم، فأوجدوا أطروحة مهلهلة فُصِّلَت على أمزجة حُكَّام الجور، وقد خلطت حقّاً بباطل وصحيحاً بسقيم وغثّاً بسمين فانعدمت الرؤية وأنتجت لنا إسلاماً مشوَّهاً أولَدَ الإرهاب والوحشية والقتل والتخريب.
ومع ذلك فلا يختلف اثنان من المسلمين بكتاب الله القرآن الكريم بأنَّه العمود الفقري للأطروحة، ففيه الأصول العامة للعقائد والشرائع والأخلاق، بيد أنَّ فيه عامّاً وخاصّاً، ومطلقاً ومقيَّداً، وناسخاً ومنسوخاً، ومحكماً ومتشابَهاً، وهي أمور لا يُدركها أيُّ عقلٍ مهما كان عظيماً ورفيعاً، بل إنَّ فهمه - أي القرآن الكريم - وتأويله محصورٌ بفئةٍ خاصةٍ من الناس الذين حُدِّدوا بهذه الآية: ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: ٧).
فاستعمال أداة النفي (ما) وأداة الإثبات (إلّا) هو للحصر كما يعرف ذلك الأصوليون.
إنَّ المفسِّر والمبيِّن الأول لكتاب الله هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (النحل: ٦٤).
وهو الراسخ في العلم يتلوه من يحلَّ محلَّه عند ارتحاله عن هذه الدنيا.
فمن هم الراسخون في العلم بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
هل هم الصحابة الذين لا يعرف بعضهم معنى كلمة (أبّاً) الواردة في القرآن الكريم وهو النازل بلغتهم؟
هل هو ابن عباس، عكرمة البربري، وهب بن منبه، مقاتل بن سليمان المجسم المرجئ؟
لا يزعم أحد من المسلمين أنَّ هناك راسخين في العلم يستطيعون تأويل القرآن الكريم كما يريده الله سبحانه من الصحابة أو التابعين أو تابعي التابعين، وجُلَّ ما يقولونه بتفسير آيات الكتاب (والله أعلم)، وأغلبهم من يحتطب بليل وقد ورد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: «من قال بالقرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار»(٥٥).
إنَّ الله سبحانه حينما ذكر الراسخين في العلم بصيغة الجمع فإنَّه يقصد جماعة لهم القابلية على ذلك، وهم ليسوا مجهولين، بل هم موجودون يعيشون بين الناس، فهؤلاء يعرفون القرآن العظيم كما أنزل، وهم بمصاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معصومون كعصمته إلّا أنَّهم ليسوا أنبياء، فالنبوَّة ختمت بمحمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فمن هم هؤلاء؟
لنستقرئ القرآن الكريم عنهم أولاً، فهو الذي عرَّفهم للناس: ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٤٣).
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ (هود: ١٧).
﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧).
فالذي عنده علم الكتاب وهو على بيِّنة من ربِّه وهو الهادي بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والشاهد منه، إنسانٌ معروف، مُحدَّد، يمشي على الأرض، يأكل الطعام وينكح النساء ويكلِّم الناس.
هذا الإنسان كان يقول مراراً وتكراراً: «سلوني قبل أن تفقدوني»(٥٦).
ما قالها غيره إلّا افتضح، وهو باب مدينة علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، سيِّد العترة وأبوها وأولاده الأحد عشر مثله في العلم والقداسة، فهم أبواب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأعدال القرآن الكريم:
«إنّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض»(٥٧).
فالراسخون في العلم هم العترة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهم أهل البيت (عليهم السلام) المذكورون بآية التطهير وآية الولاية وآية المودَّة وغيرها وهم الثقل الثاني الذي يسير مع القرآن الكريم جنباً إلى جنب إلى يوم القيامة.
وهنا تصل الأُمَّة إلى مفترق طرق، وتقف أمام طريقين لا ثالث لهما:
إمّا سلوك طريق العترة أَشِقَّاء الكتاب.
وإمّا سلوك الطريق الآخر البعيد عن العترة.
بالطبع فإنَّ سلوك غير طريق العترة يفضي إلى الضلال والانحراف.
«ألا إنّي سألت الله لهما فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصرّوا عنهما فتهلكوا ولا تعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم»(٥٨).
ومن الطبيعي أنْ تَتيه الأُمَّة كما تاهت بنو إسرائيل إذْ تَبِعَت سامريها وعجله، وفي ذلك التيه تكون الابتلاءات.
فالله يعاقب الأُمَم العاصية بأنواع العقوبات، وهذه الأُمَّة ليست بدعاً من الأُمَم الأخرى، فقد عَصَت واتَّبَعَت مناهج الأمم.
وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً شبراً وذراعاً بذراع، حتّى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم»(٥٩).
فيجب أن تعاقَب حسب قانون الابتلاء وهو أحد قوانين العقوبات الإلهية.
قد يقول البعض من المدارس الأخرى:
هذه مصادرة، فكيف جَزَمْتَ أنّ الرافضة أو الموالين لأهل البيت (عليهم السلام) هم أهل الحق، وجميع الأُمَّة يشهد الشهادتين ويؤدِّي الفرائض اليومية ويتجنَّب النواهي والكبائر ويحب أهل البيت (عليهم السلام)؟
وهو سؤال طالما اعتدنا عليه من مدرسة الصحابة وفيه تدليس ما مثله تدليس، فَمَن أحبَّ قوماً تَبِعَهم، ومن أحبَّ قوماً لم يُحِبَّ أعداءهم، ومن أحبَّ قوماً تبرَّأ ممن ناوأهم، وذلك ما لا نلمسه عندها.
وهنا نطرح بعض الأسئلة:
من الذين اتَّبعوا العترة (عليهم السلام) في الأصول والفروع؟
أين فقه أهل البيت (عليهم السلام) عند مدرسة الصحابة؟
أين أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) قياساً لما رواه أبو هريرة وعائشة وعبد الله بن عمر وأنس بن مالك والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص وابنه عبد الله وهلُمَّ جرّا؟
مَن قام مِن خطبائهم على المنابر وذكر فضائل أهل البيت (عليهم السلام)؟
مَن حدَّث بحديث الثقلين بدلاً من التحديث بحديث الكتاب والسُنَّة الموضوع أو الضعيف(٦٠)؟
نعم لقد كفَّ هؤلاء عن سَبِّ أهل البيت (عليهم السلام) علناً، ولكنَّهم يسبّونهم سرّاً، ومن خلال سبِّ أتباعهم ومواليهم وتكفيرهم وقتلهم بكلِّ وسيلة.
فالذي لا يطيق سماع ذكر أهل البيت (عليهم السلام) لا يكون محبّاً لهم.
وفي الجانب الآخر فإنَّ الرافضة يمتلكون ما لا يمتلكه غيرهم من قبيل:
«يا علي! ألم تسمع قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيِّنة: ٧]، هم شيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا اجتمعت الأمم للحساب، يدعون غرا محجلين»(٦١).
«يا علي إنك ستقدم على الله وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضابا مقمحين»(٦٢).
«يا علي إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على الصراط، فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك»(٦٣).
فليس في دين الله مزاجية أو انتقائية، فالحق واحد والطريق إليه واحد.
فعلى الأُمَّة العاصية أنْ تنال عقوبتها وتذوق مغبَّة اختياراتها الخاطئة، وعليه فبدلاً من عقوبة الاستئصال التي طُبِّقت على الأُمم السابقة مثل قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وأهل مَدْيَن وأهل الرَّسِّ، فقد طُبِّق على هذه الأُمَّة قوانين أشدّ نكالاً مثل قوانين الابتلاء والاستدراج والإملاء والإضلال والتمحيص.
لكن أبرزها قانونا الابتلاء والتمحيص.
وحقيقة الحال أنَّ قانون التمحيص هو قانون خاص، كيف؟
إن قانون الابتلاء قانون عام بالمعنى القانوني، وهو يعمّ الجميع، المؤمن، المنافق، المسلم، المذنب، غير المذنب: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (الأنفال: ٢٥).
في حين أنَّ قانون التمحيص خاص بالمؤمنين، فالله يبتليهم بشتّى الفتن والمصائب حتّى يثبت من يثبت إيمانه وحتّى يقع من يهوي إيمانه: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت: ٢).
فمن خلال واقع هذه الأُمَّة منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهي بفتن متعاقبة سُفِكَت فيها الدماء وانتهكت فيها الأعراض ونُهِبَت فيها الأموال ولازالت هكذا حتّى تثوب إلى رشدها فترجع إلى جادة الصواب وهي عترة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إنَّ الابتلاء للجميع أكانوا منحرفين أو غير منحرفين، والتمحيص خاص بالمؤمنين أفراداً أو جماعات: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥).
الخوف: من الطواغيت ومردة أهل الكتاب وعبيد الجبت والطاغوت، الخوف من الكوارث الطبيعية، الخوف من انعدام الأمن وإغارة البعض على البعض.
الجوع: المادي والجوع المعنوي، جوع لقلَّة ما يحتاجه المرء من غذاء وكساء ودواء ومأوى، جوع روحي تشكو منه روحه بعد إزوائه عن أنوار الهدى.
نقص الأموال: كساد التجارة، استئثار الحُكّام والنُخَب والمتسلِّطين بالأموال والثروات وحرمان السواد الأعظم منها.
نقص الأنفس: بكثرة الحروب وسفك الدماء وتفرُّق الأُمَّة شِيَعاً وأحزاباً تتقاتل فيما بينها على حطام الدنيا الخسيس أو على مفاهيم صنعها الحُكام ووعّاظ الحُكام، ليكون الناس حطبها الجزل.
نقص الأنفس بالأوبئة والأمراض التي لم تكن بأسلافها، وهذا ما شهدناه وما نشهده من أمراض وأوبئة فتاكة كأمراض السرطان وانفلونزا الخنازير وانفلونزا الطيور وهلمَّ جرّا.
نقص الثمرات: قلَّة رَيْع ما يزرعه الإنسان، ذهاب البركة، إمساك السماء قطرها والأرض نباتها وحلول الجفاف والقحط وهو ما نراه هذه الأيام بحيث جفَّ نهرا الفرات ودجلة الخالدان، أمّا عقوبة من الله أو بفعل الإنسان نفسه بما أنزله بالبيئة من كوارث: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: ٤١).
كل هذه المقارع الإلهية تريد من الأُمَّة أن تبدأ رحلة العودة إلى الحق وأهل الحق.
وقد يتصوَّر البعض أنّ هناك حدوداً فاصلة بين قانون الابتلاء وقانون التمحيص، وهذا غير صحيح فهما متداخلان، فقد يضرب المؤمن بالبلاء عقوبة على ذنوب سَلَفَت منه بموازاة ضربه بالتمحيص، فمن جهة يدفع فاتورة ذنوبه لأنَّ الله سبحانه يحبُّ أنْ يستوفي من عبده في الحياة الدنيا حتّى يأتي يوم القيامة خالياً أو شبه خالٍ من الذنوب وتبعاتها، وفي نفس الوقت يمحصِّه ليرى مدى صبره فيكون ممَّن ينطبق عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (الزمر: ١٠).
وقد قلنا فيما سبق إنَّ قانون التمحيص خاصٌّ وقانون الابتلاء عام، أي بمعنى أوضح أنّ قانون التمحيص فرعٌ من قانون الابتلاء.
فقانون التمحيص للمؤمنين فقط، الأفراد فقط، فالمؤمن مبتلى بكلِّ شيء في الحياة الدنيا وهو أشبه ما يكون بإدخال جنود بدورات قتالية عنيفة عديدة ليزدادوا صلابةً وقوة شكيمة، وخصوصاً في بعض البلدان كالعراق فإنّه من أشدِّ البلدان الإسلامية ابتلاءً وذلك لكي يكون المؤمنون مستعدين للمنازلة الكبرى ضد قوى الكفر والاستكبار العالمي وليمارسوا واجبهم تجاه قائدهم الموعود.
وكلّ ذلك له علاقة مباشرة بحركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) المباركة التي هي أمل الأنبياء والمصلحين، فهو بحاجة إلى أناس دخلوا تلك التجارب القاسية والامتحانات العسيرة والدورات المميتة حتّى يقع عبء حركته على أكتافهم وليكونوا على استعدادٍ تامٍّ لمواجهة الطواغيت والشياطين والمردة وكذلك إيصال رسالة الإسلام والأطروحة الإلهية إلى كافة بقاع العالم.
فقوانين الله (عزَّ وجلَّ) هي لتربية عباده المؤمنين ولتأديب العصاة ومن هو بحاجة لذلك.

* * *
الفصل الرابع: الانتظار سلاحُ الأمَّة

أشرنا فيما سبق أنَّه لكي يتحقق الظهور المقدس فإنَّه لابد من توفر الشرط الثالث وهو القاعدة الإيمانية الواسعة باعتبار أنَّ الشرطين الآخرين الأُطروحة والقيادة متوفِّران، وأشرنا أيضاً أنَّه يجب أن تكون القاعدة إضافة لماهيَّتها الإيمانية ذات امتداد جماهيري واسع أي أنَّها ذات بُعدين كيفي وكمّي، وذلك لأنَّها ستدخل بمواجهات كبيرة ضد قوى النفاق والانحراف بشَقَّيْه البتري والناصبي داخل الأُمَّة، وضد قوى الاستكبار العالمي المدجج بأفتك الأسلحة والأموال الطائلة والتكنولوجيا المتطورة والإعلام الموجَّه والعقول الماكرة الخبيثة.
إنَّ الظهور المقدس حتمي لا تبديل فيه إطلاقاً باعتباره وعداً إلهيّاً، ويجب أن يتحقق، طال الزمن أو قَصُر:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).
فتشكيل وبناء وظهور القاعدة الإيمانية هو الآخر حتمٌ ووعدٌ مقضي به، لا انخرام به، إذ أنَّ مقدَّمة الواجب واجبة، بيد أنَّه يجب الالتفاف إلى أنَّ القول بحتمية الظهور المقدس والتفاف الأُمَّة حول قائدها وحتمية توفُّر القاعدة الجماهيرية المؤمنة بأنَّها مشيئة إلهية، اقتضت ذلك، فإنَّنا لا نعني بذلك الحتمية أو الجبرية التي تؤمن بها بعض مدارس المسلمين باعتبار أنَّ مشيئة الله اقتضت ذلك وأنّ الله فاعل لأفعال عباده، وليس كما تذهب إليه بعض المدارس المادية الإلحادية التي طرحت نظرية المادية التاريخية وفصلت مراحل التاريخ حسب مزاجها وتصوُّرها وأنَّ الانتقال من مرحلة إلى أخرى يكون من خلال التناقض ما بين قوى الإنتاج المتنامية وبين وسائل الإنتاج التقليدية، وإنَّما نعني أنَّه يتم ذلك نتيجة لوصول الأُمَّة إلى حالة الوعي الكامل وعودتها إلى أُطروحتها الحقَّة ومن ثمَّ استعدادها لتحمُّل مسؤوليتها وذلك بعد مرورها بتجارب مريرة وفتن قاسية وأيديولوجيات فاشلة.
لكن اللطف الإلهي، والرحمة الإلهية، والحكمة الإلهية اقتضوا إعطاء البشر المساحة الكافية للاختيار، فقد خلق الله الجَنَّة لمن أطاعه وخلق النار لمن عصاه: ﴿فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (الكهف: ٢٩).
ومِن المؤكَّد أنَّ هذه القاعدة لا تتكوَّن بين ليلةٍ وضحاها ولا بضربة لازب وإنَّما عبر مخاضٍ قاسٍ طويل قد يكون لحقب، وذلك لأسباب لعلَّ أبرزها حصاد اختيارات الأُمَّة الخاطئة وابتعادها عن أنوار الهدى المتمثلة بآل محمد (عليهم السلام)، واتِّخاذها مناهج مشوَّهة للإسلام من صنع الطواغيت والمنحرفين والمنافقين وبعض أهل الكتاب الذين اندسوا بصفوف المسلمين وخصوصاً في القرن الأول الهجري.
وحين تصل الأُمَّة إلى مرحلة القناعة أنَّ تلك المناهج مُفلِسة لا تقدِّم لها الحلول اللازمة لمشاكلها وأنَّ خلاصها بالرجوع إلى القرآن والعترة فتقوم بمراجعة نفسها ومراجعة المناهج الخاطئة فعندها تقوم بعملية انقلاب واسعة ضدها فتنبذها وراء ظهرها.
إنَّ السنن الإلهية جارية في جميع الأُمَم سواء، من تمحيص وابتلاء واستدراج وإملاء واستئصال ومسخ وقذف بالحجارة أو رجز من السماء، فمنها من يسقط أثناء المسيرة فيتفكك ويندثر ويصبح أثراً بعد عين، كما حدث لشعوب وأُمَم كثيرة مثل الكنعانيين والآراميين والأكديين والسومريين وعاد وثمود وقوم لوط ومَدْيَن، وأهل طروادة، وشعوب الجات، والمايا والأنكا وهلُمَّ جَرّا، ومنها من يجتاز فيبقى في الساحة، أو يخرج من بقايا شعب آخر.
لقد أشار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلفاؤه حقّاً (عليهم السلام)، بكثير من أحاديثهم وأخبارهم في الملاحم والفتن إلى انحراف هذه الأُمَّة ومشابهتها إلى حَدٍّ التطابق للأُمَم الأخرى، فالانحراف والضلال والزيغ عن الحق واتِّخاذ عجول من لحمٍ ودمٍ وعبادتها ومحاربة المصلحين واحد، سواءً بسواء أكان ذلك في اليهود والنصارى أو في هذه الأُمَّة، فكما أنَّ بعض الأُمَم السابقة قد طالتها قوانين الابتلاء والإملاء والاستدراج وهي أشد من قانون الاستئصال، فإنَّ هذه الأُمَّة نالت وما تزال تنال من ذلك الكثير، بيد أنَّ قانون الاستئصال لم يطل بني إسرائيل وهذه الأُمَّة، لأنَّ الحكمة الإلهية اقتَضَت بقاء بني إسرائيل كبقاء إبليس باعتبارهم محرِّك الشَّر والفساد والإفساد في الأرض وحركة التاريخ، وأنَّ هذه الأُمَّة ستؤوب إلى رشدها بعد تيهها الطويل وترجع للتمسك بأطروحتها الإلهية وقيادتها المعصومة وحينها يتم تطبيق ما شرَّعه الله (عزَّ وجلَّ) بالكامل بدون انتقائية ويتم إنهاء حقب الشَّر والجور والفساد، فترى الإنسانية جمال الحكومة الإلهية التي ستستمر إلى يوم القيامة.
لقد حدَّدت أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المستفيضة أوجُه التشابه بين أُمَّته وبين الأُمَم الأخرى وخصوصاً بني إسرائيل مُحرِّك الشَّر.
«يكون في هذه الأمة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة»(٦٤).
فكما حرَّف الحاخامات والرهبان كتبهم المقدسة أو أتلفوها وقدَّموا ديناً غير الدِّين الذي جاء به أنبياؤهم، فكذلك أغلب هذه الأُمَّة حرَّف وبدَّل وغيَّر وصنع ديناً غير دين محمَّد إلّا بالاسم والأذان والشهادتين وهو دين السقيفة.
وكما قتل بنوا إسرائيل أنبياءهم وصالحيهم فإنَّ هذه الأُمَّة قتلت أبناء رسول الله وورثته وأئمة الحق وعترة نبيها (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وكما تفرَّق بنو إسرائيل إلى إحدى وسبعين فرقة فإنَّ هذه الأُمَّة تفرَّقت إلى ثلاث وسبعين فرقة(٦٥).
وكما امتاز دين بني إسرائيل بالوحشية والقسوة التي لم ترحم الطفل الصغير ولا الشيخ الكبير بل تعدَّتها إلى حرق المدن وقتل الحيوانات، فإنَّ دين السقيفة أَسَّس لكل ذلك، من حرق الناس ودفنهم أحياءً، وأكل القلوب وتفجير الأسواق، وسبي النساء والاعتداء عليهِنَّ وبيع المسلمات بسوق النخاسة ورفع الشعار الجهنَّمي المكذوب: (جئتكم بشريعة الذبح).
وكما أنَّ بني إسرائيل يَسعَوْن في الأرض فساداً ويفتعلون الحروب وسفك الدِّماء، فإنَّ من هذه الأُمَّة من يفعل ذلك وهم الوهابيون والسلفيون الذين ما تركوا من بدعة إلّا ابتدعوها.
ولذا فإنَّنا نجد التطابق بين أفعال هذه الأُمَّة وبين أفعال الأُمَم الأخرى، بيد أنَّ هذه الأُمَّة اختلفت عن الأُمَم الأخرى بأمرين:
الأوَّل: أنَّ كتابها المقدس القرآن الكريم ما زال محفوظاً لم تطله يد التحريف كما فعل اليهود والنصارى بكتبهم المقدسة.
الثاني: أنَّه لا تزال طائفة منها على الدِّين القويم، دين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أنزله الله (عزَّ وجلَّ) متمسِّكين به إلى حدٍّ ما.
ولكن سُنَّة الله في خلقه جرت فيها من حصول صراع بين المؤمنين وبين المندسين والمتطفلين أي أنَّه قد اندلع بين دين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأصيل وبين مولود مسخ جديد يحمل اسم الإسلام زوراً، وذلك بمجرد أنْ أغمض رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عينيه وانتقل إلى الرفيق الأعلى، وكان ذلك المسخ من إنتاج طلقاء قريش وبعض أهل الكتاب ومنافقي وإنتهازيي الصحابة وحسب الناموس الاجتماعي: «ما اختلفت أُمَّة بعد نبيها إلّا غلب أهل باطلها على أهل حقها»(٦٦).
ومن ذلك اليوم الأسود في السقيفة والأُمَّة بفتن عاصفة متلاحقة تضربها يميناً وشمالاً، فهي كأنَّها بمركب في وسط بحرٍ هائج من غير قبطان حاذق ودفَّةٍ توجِّهَه.
إنَّ الباب ما زال مفتوحاً لها، فبإمكانها الولوج إلى حضيرة الإيمان الحق شريطة أنْ تضع تراثها تحت مجهر الفحص وأنْ تخلع رداء التعصب والقدسية الزائفة للأقدمين، فتقرأه بوعي وإدراك وتجرُّد، حتّى تتخلَّص من الرموز الشيطانية التي سيطرت على العقول والنفوس منذ قرون عديدة فأنتجت لنا القاعدة ونظائرها.
قد يقول البعض: أنت تُكرِّر كثيراً المقارنة بين هذه الأُمَّة وبين الأُمَم الأخرى وخصوصاً بني إسرائيل، وهذا صحيح ولكن ليس كثيراً فما أذكره ما هو إلّا قطرة في بحر، بل أجد نفسي مقصِّراً، فما كتبته وما سأكتبه بهذا الصدد قليل أمام ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ذلك، فالمطابقة تكاد تكون كاملة، فما من جائحة ارتكبها بنو إسرائيل بالخصوص إلّا وعملتها هذه الأُمَّة، من تحريف، من تشويه، من تغيير، من تبديل، من قتل لأولاد نبيها وللمصلحين، من تسليط الجبابرة والظالمين وخلع أردية التقوى والقداسة عليهم، إلّا أنَّ أبرز الفوارق بين هذه الأُمَّة وبين بني إسرائيل أنَّه كان لبني إسرائيل فرعون واحد أهلكه الله (عزَّ وجلَّ) في اليم، في حين أنَّ لهذه الأُمَّة فراعنة متمرِّدين منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى يوم الناس هذا، كُلَّما قُبِر فرعون انبعث من رماده فرعون آخر مثل طائر العنقاء الأسطوري، هؤلاء الفراعنة من إنتاج السقيفة بامتياز وهم مدجَّجون بالأحاديث الموضوعة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتعبَّد بها المسلمون ويرونها ديناً لا يحلُّ لمسلم مخالفتها، حتّى لو أنَّ فرعونها المسمّى ب(أمير المؤمنين) شَرِبَ الخمر وَزَنَا وقَتَل وسَبى، لأنَّ من فارق جماعة المسلمين ولو شبراً فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، ومن مات وليس في عنقه بيعة لإمامٍ فقد مات ميتة جاهلية.
لقد كان بنو إسرائيل في مصر بعد يوسف الصديق (عليه السلام) في ضنك وضيق وهوان وذلَّة وسبي وقتل وسخرة من فراعنة مصر وأقباطها، ولعلَّ أشدَّهم نكالاً فرعون موسى (عليه السلام) المسمّى تاريخياً (رعمسيس الثاني). وقد صبروا على كل ذلك انتظاراً للمخلِّص الموعود وهو مهديهم وقائدهم الذي بشّر به يعقوب ويوسف (عليهما السلام) قبل ولادته بقرون.
وكان المخلِّص موسى بن عمران بن يصهر بن قحات بن لاوي بن يعقوب (عليهم السلام).
وبالفعل جاء المخلِّص، وبعد صراع كبير ومخاض عسير مع فرعون وقومه استطاعوا الخروج من مصر بقيادة موسى وأخيه هارون (عليهما السلام) ومن ثمَّ تخليصهم من الذُّل والهوان إلى حيث الحريَّة والعزَّة، وبعد حصول الدعم الإلهي لقائدهم ولهم بإغراق فرعون وقومه في اليم.
لقد خرج بنو إسرائيل من مصر برواسب الوثنية ونزعة الصغار التي تربَّوا عليها طيلة قرون، وكانت راسخة بوجدانهم، فذكريات العِجل المقدَّس (أبيس) الذي كان يعبده المصريون وعبده بنو إسرائيل أيضاً هو نفسه عِجل السامري، ما خلا أنَّ عجل السامري كان من ذهب و(أبيس) كان من حجر، والمفارقة المثيرة للدهشة والإنكار أنَّ هؤلاء طلبوا من موسى (عليه السلام) أن ينصب لهم صنماً لعبادته كصنم الأدوميين الذين مرّوا بهم ورأوهم يعبدونه بعد خروجهم من البحر وأرجلهم ما زالت مبللة: ﴿قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٨).
ونفس الشيء حدث لهذه الأُمَّة حينما مرَّ المسلمون في أحد غزواتهم، حيث روي (أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم قالوا: يا رسول الله لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه [وآله]: «سبحان الله، هذا كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة من كان قبلكم»)(٦٧).
والمطابقة واضحة بين الحادثتين إذ طلب بنو إسرائيل من موسى (عليه السلام) أن ينصب لهم صنماً ليعكفوا على عبادته كأولئك القوم، وبين طلب أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثل ذلك إذ كان المشركون يأتون إلى سدرة يعلقون عليها أسلحتهم ويقيمون عندها ويذبحون لها ويعتقدون بقدسيتها ويعبدونها مثل أصنامهم الأخرى ك(هبل واللّات والعُزّى وأساف ونائلة ومناف).
وقد حاولت الوهابية إيجاد مخرج لفعل الصحابة الذين يقدِّسونهم فقالوا:
(إنَّ عرب الجاهلية لم يكونوا يعبدون ذات أنواط وإنَّما يذبحون لها لا غير)، وهو تبرير سخيف بدلالة استنكار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لطلبهم بقوله: «الله أكبر»، ثم قسمه بنفسه المقدسة وتشبيه ذلك بقول بني إسرائيل وإخبارهم بسلوك سبل الأُمَم السابقة، وهل أفعال تلك الأُمَم إلّا الشرك والضلال والانحراف؟
ولكن هل ترك بنو إسرائيل نوازعهم لعبادة الأصنام؟
ما حادثة العِجل الذهبي الذي صنعه لهم السامري وعبدوه في غياب موسى (عليه السلام) إلّا واحدة من عشرات وعشرات، وهذه توراتهم فضحت أفعالهم وضلالاتهم طيلة قرون، وبالمقابل ماذا فعلت هذه الأُمَّة؟
لقد عَبَدَتْ وما تزال تَعبُد عُجولاً من نوع آخر، ليست من ذهب وإنَّما من دمٍ ولحمٍ وهي عُجول السقيفة، وقد ورد في الأثر:
«لو أن رجلاً أطاع رجلاً في معصية الله فقد عبده»(٦٨).
وقد أطاع بعض هذه الأُمَّة رجالاً أعلنوا صراحة أنَّهم مخالِفون لله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولعلَّ صلاة التراويح أحد الأمثلة البارزة، فالذي ابتدعها كان يقول: (نِعْمَ البدعة هذه)(٦٩).
وقد يقول البعض: إنَّك متَّخذٌ موقفاً مسبقاً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فتحاول تفصيل الأحداث حسب ذلك، وفي ذلك محاولة منهم للهروب من الأدلة الدامغة التي وضعت أولئك المتقدسين بحجمهم الحق، فهم أُناس عاديون يخطئون ويصيبون، يتأثَّرون بموروثهم الاجتماعي وبيئتهم ونوازعهم النفسية وقناعاتهم العقلية، وما التفت محبوهم إلى آيات الذكر الحكيم وأحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنهم وقد قيل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة * * * ولكن عين السخط تبدي المساويا

وقد أولع بنو إسرائيل بالتمرُّد والعصيان لأنبيائهم، وها هم يخاطبون نبيهم موسى بن عمران (عليهما السلام) بكل صلافة ووقاحة: ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (المائدة: ٢٤).
وفعلت هذه الأُمَّة نفس الشيء إذ استنصرها علي وفاطمة (عليهما السلام) على انقلابيي السقيفة لأربعين صباحاً فلم يجبهما إلّا أربعة، وكانا يرجوان أربعين مجاهداً يعيرون الله جماجمهم.
وقد عاقب الله بني إسرائيل بعقوبة التيه أربعين سنة بصحراء سيناء حيث الأرض الجرداء، وعاقب الله هذه الأُمَّة بالتيه منذ أن خذلت علياً وفاطمة (عليهما السلام)، بل إنَّها كانت تنظر إلى ما فعل بفاطمة (عليها السلام) من غصبٍ لحقها وكسرٍ لجنبها وإسقاطٍ لجنينها بلا مبالاة، وما زالت صرختها تقرع الأجيال إلى يوم القيامة:
«أَمَا لَعَمْرُ إِلَهِكَ لَقَدْ لَقِحَتْ فَنَظِرَةٌ رَيْثَمَا تُنْتَجُ ثُمَّ احْتَلَبُوا طِلَاعَ القَعْبِ دَماً عَبِيطاً وَزُعَافاً مُمْقِراً، هُنَالِكَ‏ يَخْسَرُ المُبْطِلُونَ‏ وَيَعْرِفُ التَّالُونَ غِبَّ مَا أَسَّسَ الْأَوَّلُونَ، ثُمَّ طِيبُوا عَنْ أَنْفُسِكُمْ أَنْفُساً وَاطْمَئِنُّوا لِلْفِتْنَةِ جَأْشاً وَأَبْشِرُوا بِسَيْفٍ صَارِمٍ وَهَرْجٍ شَامِلٍ وَاسْتِبْدَادٍ مِنَ الظَّالِمِينَ يَدَعُ فَيْئَكُمْ زَهِيداً وَزَرْعَكُمْ حَصِيداً، فَيَا حَسْرَتَي لَكُمْ وَأَنَّى بِكُمْ وَقَدْ عُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ‏ ﴿... أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]»(٧٠).
لقد صنع بنو إسرائيل ديناً مفصلاً على أمزجتهم وأهوائهم، ولم يبقوا من دين موسى والأنبياء من بعده إلّا بعض الوصايا والتوجيهات العامة ومن جملتها الوصايا العشر، وصنع بعض هذه الأُمَّة ديناً على أمزجتهم وأهوائهم واتَّخذوا المنهج الانتقائي، فما وافق أهواءهم أخذوا به وما لم يوافق أهواءهم تركوه، وقد لفق هذا الدين من الإسرائيليات والنصرانيات وخرافات وأحكام الجاهلية وبعض أحكام الدين الحق، فكان ديناً مسخاً أنتج الطواغيت والظلمة والقتلة وسفّاكي الدِّماء حتّى لقد بيَّضوا وجه دين (كالي) الهندي الدموي، فقدَّموه للعالم بتلك الصورة المقزّزة وكانت ردَّة فعل من بعض المسلمين عنيفة فحدثت موجات ارتداد جماعات كبيرة منهم إلى أديان أخرى(٧١).
وأساس كل انحراف في كلِّ أُمَّة هو الشخصانية.
فالشخصانية هي أُسُّ البلاء وهي رأسُ الفتنة وهي التي تقف حاجزاً بين الإنسان وبين الحق واتِّباع الحق، ولم تقتصر على أُمَّة دون أخرى، فقد ابتليت بها كُلَّ أُمَّة، فبوذا - على سبيل المثال - رجل هجر الدنيا واتَّخذ منهج الزهد ولم يكن يدعو لعبادته، ولكن أتباعه قدَّسوه جيلاً بعد جيل حتّى نصبوا له تماثيل وعبدوه من دون الله، وهكذا وقعت هذه الأُمَّة بهذا الفخ المهلك، فقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعلم بما سيحصل لأُمَّته في قابل الأيام:
«ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان»(٧٢).
وحينما يقول وقوله الحق إنَّها ستعبد الأصنام فإنَّها فعلاً عبدت الأصنام وها هي الأُمَّة تعبد أصناماً غير مرئية اِتِّباعاً للسلف الصالح، والسلف الصالح هو الذي أعاد عبادة الأصنام بصورة مغايرة لما سبق لهم في الجاهلية وتتمثَّل بعصيان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واجتهاد الآراء مقابل أوامره ونواهيه.
وإلّا ماذا نفسِّر موقف بعض أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أوامره ونواهيه، ألم يبلغهم قوله: «يا علي حربك حربي وسلمك سلمي»(٧٣).
فهبُّوا يحاربون عليّاً (عليه السلام) عياناً بلا خوف من الله (عزَّ وجلَّ) ولا حياءً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وجاءت معهم تلك المرأة التي حذَّرها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بقول يفلق الصخر: «إياكِ أنْ تكونيها يا حميراء»(٧٤).
فهي صاحبة ماء الحوأب وراكبة الجمل الأدبب والمتقلِّدة بدماء آلاف من المسلمين الذين قتلتهم بدمٍ باردٍ في وقعتَي الجمل الأصغر والجمل الأكبر، بل كانت تحرِّض أتباعها على قتل علي والحسن والحسين (عليهم السلام).
ولا يناقش اثنان في أنَّ من حارب ويحارب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو كافر، ولكن لم يكفر عباد الشخصانية أصحاب الجمل وصفين الذين سلُّوا وصوَّبوا السيوف والنبال والرماح بوجه علي (عليه السلام) الذي حربه حرب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وحين رأى هؤلاء أنَّهم حصروا بزاوية ضيِّقة لجأوا لفرية الاجتهاد باعتبار أنَّ أولئك النفر من الصحابة اجتهدوا فأخطأوا ولهم بذلك أجرٌ واحدٌ وأنَّهم أرادوا الإصلاح بين المسلمين.
ولا ندري أَهي مزحة أم ضحك على الذقون؟
فبأيِ شرعٍ يسوغ الاجتهاد بوجود النص؟
لقد ضاعت النصوص في زحام التبريرات والتأويلات والتفسيرات، وبرز قرن الشيطان من خلال ذلك الاجتهاد، فأصبح شمّاعة الشخصانيين لتبرئة المنحرفين والمارقين.
«ستكون بعدي فتن منها فتنة الإجلاء، يكون فيها حروب وهرب ثم فتن بعدهن أشدُّ منهنّ، ثم تكون فتنة كلَّما قيل انقطعت من جانب تمادت من جانب حتّى لا يبقى بيت إلّا دخلته ولا مسلم إلّا صكته»(٧٥).
«إنّما أخشى على أُمَّتي الأئمة المضلِّين، وإذا وقع السيف في أُمَّتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة»(٧٦).
«ليغشِيَنَّ أُمَّتي فتن يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه»(٧٧).
هذه التحذيرات من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شفقةً منه على أُمَّته، ما سمعها المسلمون، وها هم يقتلون بعضهم بعضاً ويتركون أعداءهم من المشركين والكفار واليهود، بل إنَّهم يقتلون إخوتهم لصالح أعدائهم.
ولقد أصمّوا آذانهم عن صرخته المدوية:
«إنَّ من أصحابي اثني عشر منافقاً منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتّى يلج الجمل في سمِّ الخياط»، فلم يسألوا مَن أولئك المنافقون.
ولا أدري ماذا يقول أولئك بما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«ليردنَّ عليَّ الحوض أقوام حتّى إذا عرفتهم وعرفوني اختلجوا دوني، فأقول: يا رب أصحابي أصحابي، فيقول إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك»(٧٨).
هذه النواقيس العالية الصوت كنواقيس الكنائس لم توقظ الأُمَّة النائمة.
والمسؤولية تقع على عاتق علمائها الذين ما زال بعضهم يُدلِّس ويكذب ويخفي ويطمس الحقائق لأغراض دنيوية خسيسة، وكانوا السبب الأول بسفك دماء المسلمين، وليس ذلك بغريب فقد ورثوا أحبار اليهود وقساوسة النصارى بالكذب والتلفيق والتحريف والتدليس والخداع.
ومن مهام الدين المقدَّسة إرشاد وتوجيه الناس بالرغم من إغلاق القلوب والآذان، وبخضم الظلمات التي صنعتها الأُمَّة لنفسها فإنَّه وضع مشاعل عظيمة على مسالك طرقها مثلما توضع المصابيح القوية على مدارج الطائرات، هذه المشاعل هي نصوص قرآنية ونبوية من استنار بها سَلِم ومن لم يستنِر بها عطب:
فمن القرآن العظيم:
﴿يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: ١١٩).
﴿يا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ (المائدة: ٣٥).
﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥).
﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (الأحزاب: ٣٣).
﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧).
﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ﴾ (هود: ١٧).
ومِن فمِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
«إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنَّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض».
«عليٌ مع القرآن والقرآن مع علي، لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض»(٧٩).
«ألا إنَّ مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلَّف عنها هلك»(٨٠).
فمن جانب تحذير من الانزلاق بالفتن وألاعيب الشيطان، ومن جانب إرشاد إلى السبيل السوي للنجاة.
فهل أدركَتْ هذه الأُمَّة عمق الهاوية التي وقعت فيها فتداركت نفسها وأمسكت بحبل النجاة الذي ألقاه لها القرآن الكريم والرسول العظيم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
وقد يطرح سؤال آخر فحواه.
هل إنَّ جميع الأُمَّة تاه عن الطريق(٨١)؟
بالطبع لا، فهناك من سمع ووعى ولم يَتِه عن الطريق، بل تعلَّقت يداه بحبل الله (عزَّ وجلَّ) وهو ولاء أهل البيت (عليهم السلام)، فاسترشد بتلك المشاعل والأنوار وركب سفينة النجاة، وأزوى بعينيه عن عُجول هذه الأُمَّة، بل حاربها ورفضها فاستحق أعظم وسام يتقلَّده المؤمن هو وسام الرفض.
«لا تزال طائفة من أُمَّتي على الحق ظاهرين حتّى تقوم الساعة».
هذه الطائفة، هذه الرافضة هي القاعدة الإيمانية التي ستكون تحت راية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومن قبله كانت تحت راية آبائه الطاهرين (عليهم السلام)، وهي بتوسُّع وامتداد أفقي يوماً بعد يوم حتّى تشكِّل مئات الملايين في عصر الظهور المقدس. هي التي سيقع عبء الثورة المهدوية العالمية على عاتقها، فهي المقاتلة، وهي المجاهدة، وهي المضحِّية، وهي المعين الذي يمد جيوش الزحف المهدوي بالرجال الأشدَّاء، لذا اهتم الأئمة المعصومون (عليهم السلام) بها وببنائها، فمرَّت بمراحل متعدِّدة خلال الحقَب الزمنية المتعاقبة، حتّى وصلت إلى عصر الغيبة الكبرى التي غاب فيها القائد المعصوم بأمر من الله ورسوله منتظرة الوقت المعلوم ساعة الصفر.
إنَّ بناء هذه القاعدة ليس أمراً سهلاً وهيِّناً، وإنَّما يتم عن طريق مخاضٍ قاسٍ وبتخطيط من عقول جبَّارة طاهرة لم تدنَّس بأدناس الذنوب والموبقات، منطلقة من طروحات عقائدية وأخلاقية عملاقة تخرج من إطار الأسطورة والخرافة إلى إطار الواقعية والعقلانية بربط الأسباب بمسبِّباتها ولا تتَّكئ على المعجزة كملاذ تداوي به ضعف جبهة المجاهدين.
هذه العملية الطويلة الشاقة أطلق عليها المعصومون (عليهم السلام) (انتظار الفرج).
إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو المخلِّص والمنقِذ والمعلِّم والمربّي والرحمة للبشرية، فخروجه هو الفرج كلُّه.
قد يقول البعض بالانتظار السلبي، وهو مقاطعة كل ما هو منحرف واعتزال الناس والالتجاء إلى العبادة بحالة من الرهبانية.
وقد يقول البعض الآخر بالانتظار الإيجابي، أي التفاعل مع المجتمع والتحرُّك لإيجاد الظروف المناسبة للقيام بحركات قد تكون مسلَّحة لتقويم اعوجاج المجتمع تمهيداً للظهور المقدس.
وبين هذا وذاك ضاعت مفاهيم أخرى للانتظار.
«أفضل أعمال أمتي انتظار الفرج»(٨٢).
ولكن ألا يجدر بنا معرفة مفاهيم الانتظار المتعدِّدة ولاسيما أنَّ حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عام لم يخصَّص بمفهوم واحد؟
وأوَّل هذه المفاهيم هي بناء شخصية المؤمن على أُسُس قويمة من تهذيب للنفس وتقوية العلاقة مع الرَّب ثُمَّ الأهل والمجتمع بهجر الشهوات والذنوب، أي أنَّه يتحرَّك بين قطبي (التخلية والتحلية) كما يقول العرفانيون، هذا المفهوم قويٌ صاخب، وهو الأساس المتين الذي ترتكز فوقه القاعدة الجماهيرية الإيمانية، فالمؤمن يناطح يومياً كل شيء ولعلَّ أشدَّها مناطحة النفس، التي سُمِّيَت بالجهاد الأكبر، فحركة المؤمن تنطلق من داخل النفس إلى خارجها، بعكس المنافق فإنَّ حركته من الخارج إلى الداخل لأنَّه يهتم بالمنفعة أولاً، ومن ثُمَّ أنَّه - أي المؤمن - يكون إيجابياً مع الأهل، مع المجتمع، مع مشقة كل ذلك فكأنَّه بحقل ألغام متفجر، لا يدري أي لُغم سينفجر عليه، لذا عليه السير فيما بينها بدقة وصبر وأناة.
فهو الصابر على ما يحب، وهو الصابر على ما يكره.
فأيُّ شيءٍ أحبُّ إلى نفسه من حلول السلام والعدل والإنصاف بين جميع البشر.
وأيُّ شيءٍ أكرهُ لنفسهِ من الاحتراب وسفك الدماء وسطوة الجبابرة والظلمة.
بل أيُّ شيءٍ أكرهُ وأبغضُ لنفسه من البقاء في هذه الدنيا ومجاورة الأشرار واللئام.
«الدنيا سجن المؤمن... وجنة الكافر»(٨٣)، فهو سجين فيها مهما طال الزمن، منتظراً قرار إطلاق سراحه.
مفهوم آخر للانتظار وهو اجتماعي:
فالأُمَّة يجب أنْ تبدأ رحلتها إلى الحق وإلى الالتحاق بأهل الحق، فالجلوس على مصاطب الاحتياط أو التوسُّل بطلب الفرج بدون الدخول بمعمعة المواجهة، هو الموت بعينه، ويندمج بهذا المفهوم مفهوم آخر لا يقل خطورة عنه، وهو أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نفسه بانتظار الأُمَّة، أيْ أنَّه منتظِرٌ (بكسر الظاء)، فهو ينتظِر جهوزيَّتها كما ينتظِر القائد العسكري اكتمال تدريب جنوده للدخول بمعركة ضدَّ أعدائه.
وقد قلنا فيما سبق إنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) رأَتْ من المآسي والتنكيل والاضطهاد من الخط الناصبي طيلة قرون من القتل والموت المجاني بحيث وصلت إلى مرحلة لا تبالي معها إن وقعت على الموت أو وقع الموت عليها، وهي بحالة توسُّع أفقي تستقطب بمظلوميتها وبطروحاتها العقلانية الألوف بانتظار الإعلان العالمي للثورة من مكة المكرمة الذي سيعلنه الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
وهذه فترة طويلة وقد تطول أكثر وهي منذ استشهاد أبيه الحسن الزكي العسكري (عليه السلام)، وفيها ما آلم قلبه المقدَّس من انحرافات الأُمَّة وتسلُّط الظلمة وبؤس المظلومين، فهو رأى ويرى بحار الدم الجارية منذ حادثة السقيفة المشؤومة.
فكم أوجع قلبه كل ذلك وهو يمتلك قلب جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي يفيض عطفاً ورحمةً؟
وكم رأى كثرة الدجالين من بني فاطمة ومن غير بني فاطمة ممن يدَّعون المهدوية، وكل حين ترفع منهم راية ضلالة تسوق الناس زمراً إلى الجحيم في الدنيا والآخرة؟
وكم رأى الحاكمين الذين يتمرَّغون على فرشهم كما تتمرَّغ الحمر، يأكلون أموال الناس بالباطل ويضربون أعناق الناس، ويهتكون أعراض الناس، ويضلّون الناس بواسطة وعاظهم؟
إنَّه ليس بمعزل عن الأحداث، فإنَّه يرى من مكانه القريب والبعيد دناسة المجتمعات والحضارات، فالأرض بين يديه يراها كما يرى الشعرة في كفه.
إنَّ مفهوم انتظار الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لقاعدته الإيمانية يتضمَّن كل تلك المفاهيم وأكثر، وكما يقول المثل: (كل الصيد في جوف الفرا).
وكما قلنا: إنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) منتظِر لقاعدته الإيمانية، فعلى الأفراد والجماعات التحرُّك للقائه من خلال الوعي والتفاعل العقائدي والروحي والأخلاقي إلى درجة فناء الذات أمامه، واندكاك شخصية المؤمن عنده، فيكون الإمام (عجّل الله فرجه) عينه التي يبصر بها وسمعه الذي يسمع به، ويده التي يبطش بها، أي يصل إلى ما وصل إليه أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمثال أبي ذر والمقداد وسلمان وعمار وأصحاب الإمام الحسين (عليه السلام) ولو بنحوٍ ما، وعندها يكون المؤمن ومجتمعه جديرين بما يوكل إليهما من مهام إلهية عظيمة.
لقد أشرنا فيما سبق ونشير هنا للفائدة أيضاً إلى أنَّ كل أطروحة سواءً كانت إلهية أو مادية، لنْ يكتب لها النجاح والاستقرار على أرض الواقع ما لم يتوفَّر الشرطان الآخران معها: القيادة الواعية والقاعدة المطيعة، وحيث إنّ الشرطين: الأطروحة والقيادة متوفِّران، فإنَّه يبقى الشرط الثالث مفقوداً وهو القاعدة.
هناك قانون رياضي بالأصل، وتاريخي بالوصف، وهو قانون النسبة والتناسب الطردي.
إنَّ عبء حمل الأطروحة بالنسبة للقائد والقاعدة يتناسب طردياً مع قوة الأطروحة وسعتها وشمولها وعالميتها وأبديَّتها ودوامها، وبما أنَّ الأطروحة الإسلامية ذات مواصفات مطلقة من حيث السعة والشمول والعالمية والدوام، فإنَّه يجب أن يكون القائد على مستوى الأطروحة، وهنا يبرز أمامنا حديث الثقلين الذي ساوى بين الكتاب والعترة وقرَّر عدم افتراقهما إلى يوم القيامة، ويستتبِع ذلك أنْ تكون القاعدة ذات مواصفات عالية لكي تتحمَّل أعباءها الثقيلة بحيث إنَّ من أفرادها من يكون مكروراً من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الخُلَّص أمثال سلمان وأبي ذر والمقداد ومالك الأشتر لتتَعدَّاهُم إلى أصحاب الكهف السبعة واثني عشر من بني إسرائيل(٨٤).
وعلى ذلك نتلمَّس عظمة نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي أنزل عليه القرآن العظيم بحيث أصبح آخر الأنبياء وأعظمهم، لأن الله (عزَّ وجلَّ) به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأهل بيته (عليهم السلام) فتح، وبه وبأهل بيته يختم.
فالقاعدة الإيمانية في عهد موسى بقدر أطروحة موسى الموحاة إليه بالتوراة وهي قومية مرحلية.
وقد تميَّزت بالضعف والركاكة والهشاشة وسرعة العودة إلى الوثنية بحيث إنَّها طلبت من موسى (عليه السلام) تارةً أنْ ينصب لها صنماً لتعبُّده حينما رأت قوماً يعبدون صنماً، وتارةً طلبت أنْ ترى الله جهرةً، وتارةً عبدَتْ عِجلاً ذهبيّاً، وتارةً، وتارةً، وهلُمَّ جرّا، حتّى أنَّ موسى (عليه السلام) دعا الله قائلاً: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (المائدة: ٢٥).
والحال لا يختلف مع المسيح (عليه السلام) وأطروحته وأتباعه، والذي أراد من تلامذته الدفاع عنه وعن دينهم فخذلوه: (من كان عنده رداء فليبعه وليشتر به سيفاً).
بل إنَّهم لم يسهروا معه بتلك الليلة الموعودة وناموا جميعاً وكان حزيناً يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يجنِّبه كأس الموت، والأنكى من كل ذلك أنَّ أحدهم أنكره ثلاث مرات قبل صياح الديك، والآخر هرب ممَّن جاء للقبض على معلِّمه بعد إنكاره له بل فرَّ عارياً تاركاً رداءه.
فشريعة موسى (عليه السلام) متناسبة مع عصرها وعقلية عصرها، علماً أنَّ المسيح (عليه السلام) وأتباعه تابعون لشريعة موسى (عليه السلام)، بل كل الأنبياء والمرسلين بعد موسى تابعون لها.
ولكن حينما نأتي إلى القاعدة الإيمانية التي هي من أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإنَّنا نجدها مختلفة كليّاً عن الأُخريات، ففي عصر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت قوية مجاهدة مطيعة بالرغم من وجود منافقين ومرضى قلوب مندسين فيها، وقد خاضت ما يقارب ثمانين معركة وغزوة وانتصرت فيها.
بيد أنَّ هذه القاعدة حصلَتْ لها انتكاسة عظمى بعد أحداث السقيفة لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، حتّى إنّها خذلت وصي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وابنته سيدة النساء (عليها السلام) ولم تنصرهما، فكان ما كان من أحداث مروعة مذ ذاك اليوم وحتّى يومنا هذا.
إنَّ شريعة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أطروحة الإسلام الخالدة وهي متناسبة مع كل زمان ومكان، مستوعبة لكل شيء، متَّسقة مع كل عقل، فهي تخاطب البدوي في الصحراء كما تخاطب المتمدِّن الذي يعيش في مدن ناطحات السحاب، وهي ذات ديناميكية متطوِّرة، وصيرورة دائبة من غير أنْ تخسر خطوطها العامة بطريقة تجعل العقول حائرة عاجزة أمامها، علماً أنَّه لا نبي ولا مشرع ولا مجدد لها بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إطلاقاً.
فتطبيق هذه الأُطروحة الواسعة الشاملة الكاملة الدائمة يحتاج لعقلية قيادية علمية ذات مواصفات روحية عظيمة، لا تتوفَّر في الناس العاديين الذين يخضعون للأهواء، وإنَّما بنخبة مخصوصة مختارة من الله سبحانه المطَّلِع على النفوس والسرائر.
وهذه النخبة صناعة ربانية خاصة: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤).
فالجسد ترابي والروح ملكوتي، متَّصلة بالله على الدوام يفيض عليها بفيوضه الواسعة، مخلوقة قَبْل الخَلق، هذه الشخصية هي الإمام المهدي - الوريث الثاني عشر لسيد الأنبياء - وسنتحدث عنه في فصل لاحق.
وعوداً على بدء فإنَّه يجب على القاعدة المطلوبة أن تكون مؤمنة بالله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبورثة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي تؤمن بإمامة وقيادة أهل البيت (عليهم السلام) وترفض رفضاً قاطعاً كل قيادة تطرح نفسها بديلة عنهم.
وهنا نسأل هذا السؤال: هل توجد هذه القاعدة ولو بنحوٍ ما؟
والجواب: نعم توجد وهي الشيعة الإمامية الاثنا عشرية.
ويتبادر سؤال آخر من المدارس الأخرى: من أين حصلَتْ هذه الطائفة على صك انتدابها؟
والجواب: أنَّها حصلت على صك انتدابها من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسه:
«والذي نفسي بيده أنَّ هذا - مشيراً لعلي (عليه السلام) - وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة»(٨٥).
«هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين»(٨٦).
«يا علي أنت وشيعتك خير البرية»(٨٧).
ولا ينكر ذلك ذو مسكة أو منصف ما أوردناه وإنْ كان نُزراً قليلاً، ولذا يجدر بالمسلم الالتحاق بهذه الطائفة تَبَعاً لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ (آل عمران: ٣١).
ولكن هل كل الشيعة على الاستقامة؟
بالطبع لا، فكثيراً ما خرج منهم منحرفون قديماً وحديثاً، وحتّى من البيت العلوي، بيد أنَّ الميزة التي عُرفوا بها تتمثَّل برفع لواء المعارضة والثورة في كل عصرٍ على الظلمة والمنحرفين، فهم رافضون لكل انحراف وقع بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخصوصاً انقلاب السقيفة حتّى نُبزوا بنبز الرافضة، وقد قال أحد شعرائهم:

ونحن على رغمك الرافضون * * * لأهل الضلالة والمنكر

إنَّ هذه القاعدة بحاجة إلى الصقل والتهذيب، إلى الوعي والمعرفة، إلى التفاعل الواعي مع الواقع والأحداث، وهذه مهمَّة جسيمة وتقع على عاتق العلماء والمبلِّغين.
وعوداً على بدء فإنَّ الأُمَّة - بمنطق التاريخ المعاصر - بحركة حثيثة نحو النور المحمدي الذي هو في آخر النفق بعدما ذاقت مغبَّة اختياراتها للمناهج المنحرفة وخصوصاً في فترة الانتظار والتأهُّب للقاء قائدها العظيم.
إنَّ التشيُّع يطرق الأبواب بقوة، والبلدان التي كانت مقفلة بوجهه فَتحت أبوابها فدخلها بقوة، شاء ذلك الأُمراء وعلماء السوء أم لم يشاؤوا، أحرقوا كتب الرافضة في الساحات العامة أم لم يحرقوها.
فمصر الكنانة أخذت تحثُّ الخطى للالتحاق بالتشيُّع وراح الخط البياني بالتصاعد.
شمال إفريقيا: تونس - الجزائر - المغرب - موريتانيا - وحتّى جنوب الصحراء الكبرى والتي لم تكن تسمع بالتشيُّع، أخذت تلتحق به، بل إنَّه دخل عاصمة النصب والعداء لأهل البيت (عليهم السلام) الرياض.
﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (التوبة: ٣٢).
والعراق ثم العراق:
إنَّ الملاحظ أنَّ أكثر شعب تعرَّض للويلات والمآسي هو شعب العراق.
ولعلَّ السِّر الربَّاني بذلك أنَّ الله سبحانه شاء لهذا البلد ذلك وكأنَّما يتمثَّل كدورات عسكرية يدخل فيها الجنود لزيادة قدراتهم القتالية، وجعلهم بحالة إنذار قصوى للدخول في المعركة في أيِّ وقتٍ يكون للظهور المقدس.
فالعراق هو الأول والآخر في حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
لعلَّ البعض يسأل: لماذا لا يتَّخذ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أرض الحجاز قاعدة وعاصمة له ولاسيما أنَّ إعلان الثورة العالمية يتم من مكة المكرمة؟
ومن استقراء الواقع التاريخي فإنَّ بعض الجزيرة العربية منذ انقلاب السقيفة انحرفت عن خط أهل البيت (عليهم السلام) وأصبحت قاعدة لأعدائهم من النواصب إضافة لكونها ذات طابع أعرابي بدوي جاهل، فمثل الحركة المهدوية العالمية تحتاج لبيئة موالية وإلى أناس مخلصين موالين، وحتّى لو سقطت دولة الوهابية الناصبية فإنَّ منهجها العقائدي القائم على النصب والعداء لأهل البيت (عليهم السلام) يبقى قائماً لأجيال وأجيال، حتّى يتم تأهيلهم وتنظيف أدمغتهم وقلوبهم من تلك العقيدة الفاسدة.
وككل فإنَّ أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمخاض عسير جداً، وكلَّما اقترب وقت الظهور ازدادت وتيرة ذلك المخاض، فهي خلال الحقب المتلاحقة بغربال كبير يخرج منه من هو صغير وفارغ:
«لَتُبَلْبَلُنَّ بَلْبَلَةً ولَتُغَرْبَلُنَّ غَرْبَلَةً حَتَّى يَعُودَ أَسْفَلُكُمْ أَعْلَاكُمْ وأَعْلَاكُمْ أَسْفَلَكُمْ»(٨٨).
وخلاصة القول إنَّ فترة الانتظار هي استراحة المحارب ليعيد لملمة نفسه وشحذ أسلحته استعداداً للمعركة القادمة.

* * *
الفصل الخامس: شخصية القائد

«أوَّلنا محمد وآخرنا محمد وأوسطنا محمد، وكلنا محمد»(٨٩).
ماذا يقال؟
ماذا يمكن أن يسطر على القراطيس؟
أنّى لأمثالنا من الناس العاديين المغلَّفين بحجب الطين والذنوب أنْ تدرك عقولنا ماهية أُناس غير عاديين؟
لا الشاعر بشاعريته، لا الأديب ببيانه وخياله، لا الخطيب بخطبه المصقعة، لا الفيلسوف بعمق عقله الذي يجوس الماديات وما وراء الماديات، حيرة في حيرة، دوامة في دوامة، الدوامة تقود وتقود إلى الابتعاد عن وميض ضوء في آخر نفق الإنسانية.
الغالي والقالي تاها عن الطريق.
الغالي يؤدّي به الغلو إلى الخروج عن الصراط المستقيم ومن ثم الوقوع بهوَّة الإشراك السحيقة.
القالي يوصله الإنكار والبغض إلى المروق من الدين والدخول بحيز المجوس والمشركين.
غلب الجريض القريض.
القلم عاجز، العقل يخلط، الأنامل مرتجفة مشلولة.
الكلمات مهما كانت فهي محبوسة في الصدور كأنَّها في طامورة من طوامير بني العباس.
وإذا أراد القلم أن يسطر ولو بعض الحروف اليتيمة سطرته يد العظمة فجعلته يترنَّح كالمخمور يميناً وشمالاً.
وحين تنظر إلى العقل فإنَّك تجده يتسكَّع كالمتبطل على بوابات معرفتهم المغلقة بأقفال ربانية.
أسرار ما مثلها أسرار.
أليس لله الخالق المبدع أسرار في السماوات والأرض لا يعلمها إلّا هو؟
هذا الإنسان بما هو إنسان أحد أسرار الله المغلقة، كيان مدلهم، طلسم مغلق، ما استطاع ولن يستطيع فك رموزه أحد من الخلق مهما عظمت معرفته وكبر عقله إلّا من أعطاه الله علم الكتاب، فالإنسان عالَم في عالَم ووجود في وجود.

أتزعم أنك جرم صغير * * * وفيك انطوى العالم الأكبر

وفوق قمَّة سر الله (الإنسان العادي) تقف مجموعة من بني الإنسان هم سرُّ الأسرار.
فبهؤلاء تمثَّلت بعض أسرار الله، تجلَّت بهم بعض صفات الله، أشخاص لا كأيِّ أشخاص، نفوس لا كأيِّ نفوس، من هم؟ ما كُنهِهم؟
ليسوا من غير تراب الأرض وأديمها هذا.
مخلوقون، مرزوقون، فانون.
كل ما في الوجود ممكن الوجود، خرج من العدم بكلمة (كن) من واجب الوجود.
إنَّهم حملوا في الأصلاب وقرارات الأرحام، جاؤوا إلى الدنيا أطفالاً صغاراً، وخرجوا من الدنيا كباراً.
رضعوا من الصدور، ووضعوا في الحجور، يمرضون ويموتون، يفرحون ويحزنون، يضحكون ويبكون، يأكلون ويشربون، يمشون في الطرقات والأسواق وتراهم العيون.
هم من التراب وإلى التراب يصيرون.
لكن هل هم فعلاً من هذا التراب الذي منه أبداننا؟
قد يتصوَّر البعض أنَّ التراب واحد، ولكن التراب ليس واحداً ففيه الحصى والرمال، فيه السخام والحمأة، فيه الفضة والذهب، فيه الجواهر والدرر، فهو غير واحد.
فالذي يريد صياغة قلادة فإنَّه لا يصيغها من الرمل أو الزجاج وإنَّما من الذهب أو الفضة مرصعة بالجواهر.
والله خلق هؤلاء من التراب ولكن أي تراب؟
هم صفوة التراب، خلاصة التراب.
أرأيت أن فاطمة الزهراء (عليها السلام) كمثال خلقت من ترابنا هذا؟
لا وعمر أبيك، فقد خلقت من ثمار الجنة، وهكذا الباقون.
إنَّ هؤلاء لا ظل لهم في الشمس كباقي البشر فهم مثل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأبدانهم شفافة، نورانية، ملكوتية، صاغها الله بما يحب.
تقول عائشة: (كنّا نخيط ونغزل وننظم الإبرة بالليل في ضوء وجه فاطمة)(٩٠).
لذا ما عرفهم العلماء، فكيف بسوقة الناس؟ ما أدركهم الحكماء، فكيف بالسفهاء؟ ما وصل إلى بعض ما لهم الشعراء، فكيف بالدهماء؟
الجميع يحوم ويحوم حولهم كما يحوم الفراش حول شعلة شمعة لا يعلم أنَّ الهلاك في الاقتراب منها.
ما يقال عنهم إلّا شطحات غال أو تخرُّصات قال.
فهم معروفون مجهولون، حاضرون غائبون، شموس لا تبصرها البصائر المغلقة.
صغيرهم مثل كبيرهم، وكبيرهم مثل صغيرهم، قد توقف الزمن عند أعتابهم، ينطقون بالحكمة صغاراً ويفيضون بالعلم كباراً، ليس فيهم ما في بني آدم (سهو، غفلة، هوى، بغض، حسد، غِل، حمية، رياء، كبرياء)، محيطون بكل شيء، فعندهم علم الكتاب كله، ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٤٣)، ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: ١٢).
ما عرفهم إلّا الله والذي ولدهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي ما عرف الله إلّا أنا وأنت، وما عرفني إلّا الله وأنت، وما عرفك إلّا الله وأنا»(٩١).
سلالة زكية، ذرية بعضها من بعض، طابت أرومتها، وزكت فروعها، وبسقت أغصانها، وفاح طيبها، يرث صاغرهم كابرهم، ويعلم كابرهم صاغرهم، سلسلة ممتدة من محمد سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومنتهية بمحمد خاتم الأوصياء (عجّل الله فرجه)، كل واحد منهم صورة طبق الأصل عن محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا تمييز بينهم إلّا الاسم والصفة، فهم جميعاً محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هم جميعاً.
لم يتعلَّموا من أحد إلّا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومن يليه من آبائهم، وأنّى لهم التعلُّم من هذا البشر المنكوس ذي الأهواء والظنون والتخريصات، أنّى لهم الجلوس إلى مشايخ السوء الذين جعلوا أقلامهم في مزاد الحاكمين.
أَوَلَيس أولهم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي لم يكن معلِّمه إلّا ملك كريم؟
أَوَلَيس أوَّل الأوصياء (عليه السلام) هو ربيب محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حبيبه، أخوه، وزيره، منزلته منه منزلة هارون من موسى.
«ولقد قرن الله به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من لدن إن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت اَتَّبعه اتِّباع الفصيل أثر أُمِّه يرفع لي كل يوم علماً من أعلامه من أخلاقه ويأمرني بالاقتداء به»(٩٢) فمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تعلم من الله (عزَّ وجلَّ).
وعلي (عليه السلام) تعلَّم من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وفاطمة (عليها السلام) تعلَّمت من محمد وعلي (عليهما السلام)، والحسن والحسين (عليهما السلام) تعلَّما من محمد وعلي وفاطمة (عليهم السلام).
والتسعة الآخرون (عليهم السلام) تعلَّموا من أبيهم الحسين (عليه السلام)، ثم ممن جاء بعد الحسين واحداً تلو الآخر إلى خاتمهم المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه).
ولكن هل انحصر علمهم بهذا الطريق فقط؟
كلّا، بل لديهم طرق أخرى لا يعلمها إلّا الله، لعلَّ من جملتها العلم اللدني وهو باب غير محدود وينفتح كلّما شاءوا، فباب الغيب مفتوح لهم، وما هو بغيب بالنسبة لهم، فالكل شهادة إلّا ما استأثر الله به لنفسه، والغيب يكون لنا نحن ذوو البصائر المغلقة بأقفال الذنوب والشهوات.
فعلمهم من كل المصادر ليس كعلم الناس ظني، تخريصي، حدسي، إنَّما يقيني قطعي لا يفارق العقل والواقع ولا الظاهر والباطن، فهو حضوري بتعبير المناطقة وليس حصولياً، وإن حصل من ذلك فمن بعضهم البعض.
إنَّ الصورة القياسية لهم هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فهو الشمس وهم الأقمار وأنوارهم انعكاس كامل منه بهم، فكما أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جمع العلم كله، فهم (عليهم السلام) جمعوا العلم كله، وكما أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) امتطى صهوة العصمة والقداسة فهم كذلك أيضاً.
فهم العقل الكلي الذي هو مصدر كل العقول في عالم الإمكان.
وهم رحمة الله للعالمين كما أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحمة للعالمين.
سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) فقلت: أتخلو الأرض من حجة؟
فقال: «لو خلت من حجة طرفة عين لساخت بأهلها»(٩٣).
ولا أدل من دليل على مكانتهم الربانية من الإمام التاسع محمد الجواد (عليه السلام) الذي استلم الإمامة من أبيه الرضا (عليه السلام) في الثامنة من عمره، حيث أعجز العلماء، وحيَّر الفقهاء، وأخرس الأدباء، وبز الحكماء، صبي يجيب عن ثلاثين ألف مسألة، ويفرع عن سؤال عشرات الأسئلة(٩٤).
في أي جامعة درس وفي أي حوزة تعلم؟
وهو المقيم في مدينة جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) منذ ولادته إلى حين أشخصه المأمون إلى بغداد وهو صبي.
إنَّ الإمام محمد الجواد (عليه السلام) وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التاسع، وهو الصورة الانعكاسية منه، فمن يقف بحضرته يقف بحضرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والفارق بينهما أنَّ محمداً الأول هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخاتم النبيين وخير الخلق أجمعين، أمّا محمد الآخر فهو الوريث والوصي والخليفة التاسع لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والحال نفسه بالنسبة لولده علي الهادي (عليه السلام) الذي تسلَّم الإمامة وعمره مقارب لعمر أبيه حينما تسلَّمها من أبيه الراحل العظيم الرضا (عليه السلام) قريباً من الثامنة، إلّا أنَّ الأعجب منهما حفيدهما الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذي تسلَّم الإمامة بعمر خمس سنين في وقت حاولت الدولة العباسية القضاء عليه بكل إمكانياتها وأجهزتها العسكرية والمخابراتية.
عترته خير العتر، وأسرته خير الأسر، نبتت في حرم وبسقت في كرم، وفيه تشعَّبت، وعزَّت وامتنعت، فسمت به وشمخت، لها فروع طوال وثمر لا ينال(٩٥) هؤلاء عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أولاده، أسباطه، أحفاده، امتداده الرسالي: «كل بني أم عصبتهم لأبيهم إلّا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم».
وكانت قنطرة الفيض الإلهي سيدة بنات آدم إلى يوم القيامة فاطمة الزهراء (عليها السلام): «هم فاطمة وأبوها وبعلها وبنوها».
وفاطمة (عليها السلام) ليست بإمام لأنَّ الإمامة للرجال فقط، ولكنها حجة الله على أولادها وعلى الخلق كلِّه وهي مقاربة لدرجة بعلها علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وحين نقلب صفحات التاريخ فإنَّنا نحصل على بعض ومضات عنهم أفلتت من مقص طواغيت قريش الذين كانوا معادين لأهل هذا البيت، ولعلَّ ما رشح عنهم هو معجزة كبرى كما أنَّهم معاجز الله الكبرى، فقد رشح منهم ما رشح وما خفي كان أعظم وأعظم، فإذا بنا أمام أنوار ساطعة تأخذ بالأبصار وتطيح بالعقول:
(ألا فاشهدوا شهادة سألكم بها عند الحاجة إليها، إن عليا نور مخلوق، وعبد مرزوق)(٩٦) فما أحلى وأعظم وأسمى من العبودية لله.
فهؤلاء النفر عبيد لله مرزوقون، أنوار من الملكوت مخلوقون، معجزات، وأي معجزات هم؟
كل معجزة دونهم وكل عظيم صغير أمامهم، ما عصا موسى (عليه السلام)؟ ما ولادة عيسى (عليه السلام) دون أب؟ ما؟ وما؟
أرأيت - عزيزي القارئ - أنَّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قَبِل بيعة صبيين من صبيان المسلمين غير الحسن والحسين (عليهما السلام)، والبيعة عقد لازم؟
أرأيت أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد قَبِل يوم الدار النصرة والوزارة والإخاء والوراثة من صبي في العاشرة من عمره غير علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وفي المجلس شيوخ وكهول وشباب بني هاشم الذين كانوا ينيفون على الأربعين فأحجموا عن ذلك فأوجبها له إلى يوم القيامة(٩٧)؟
قد يقول البعض: إذا كنتم لا تعرفون ولا تدركون ماهية هؤلاء، فلماذا أمسكتم القلم للحديث عنهم؟
وهو سؤال فيه مغالطة، فما ادَّعينا أنَّنا نعرفهم بعقولنا الكليلة القاصرة هذه، ولا عرفهم من هو أعظم منّا علماً، فما نحن أمامهم إلّا أقزام أمام عمالقة ولكننا عرفناهم بما حدَّثونا به عنهم، بيد أنَّهم ما حدَّثونا بكل ما يعرفونه عن أنفسهم خوفاً علينا من الانحراف إلى التأليه، أو الجحود والنصب وهو المروق من الدين.
لقد قطع حديث المعرفة - الذي ذكرناه آنفاً - طريق كل متكلِّم أو متقوِّل أو متخرِّص، وحصر كل ذلك بأداتي الحصر (ما النافية) و(إلّا المثبتة أو المؤكدة).
فمحمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يعرف ماهية علي وأولاد على المعصومين (عليهم السلام)، وعلي وأولاد علي يعرفون ماهية محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والكل نور ملكوتي والكل من مصدر واحد، فبهم عماد الوجود، وبهم قام الوجود، ولأجلهم خلق الوجود.
أوّل الأنوار محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي أول ما خلق الله الخلق قبل الملائكة والجن وآدم بآلاف من سنين لا يعلمها إلّا الله.
وثاني الأنوار علي ولي الله (عليه السلام) الذي خلق من نور محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن نور محمد ونور علي (عليهما السلام) خلقت فاطمة الحوراء الإنسية (عليها السلام)، ومن نور محمد وعلي وفاطمة (عليهم السلام) خلق الحسن والحسين (عليهما السلام)، ومن أنوار الخمسة أصحاب الكساء خلق الأئمة التسعة الباقون (عليهم السلام)، معادلة ربَّانية متقنة ليس فيها خلل أو عطل، كل من كل، وبعض من العباد: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧).
فعليّ بن موسى الرضا الوصي الثامن في عصره هو محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء في عصره وله نفس المواصفات ونفس الصفات، وله نفس الحقوق على الأُمَّة، وللأُمَّة نفس الحقوق عليه، التربية، التوعية، التعليم الإرشاد، الإنذار، التبشير، الهداية، إقامة حكم الله في الأرض، تطبيق حدود الله، توزيع الثروات على الناس بالعدل.
كم أضاعت هذه الأُمَّة الجاهلة الموغلة بالعناد واللداد فرصاً عظيمة كان من الممكن أنْ تصل إلى مجتمع الفردوس الأرضي منذ قرون.
إنَّ محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو خاتم النبيين ولا أنبياء بعده إلى يوم القيامة، لكن لا يمنع عقل وشرع أنْ يكون له امتداد رسالي، بل يجب أنْ يكون له امتداد رسالي طبقاً لقاعدة اللطف الإلهي، وهم أوصياؤه الاثنا عشر الذين طالما ذكر الأُمَّة بهم ودعاها للتمسك والأخذ منهم، ولعلَّ أحاديث العترة والسفينة وباب حطَّة والكساء وغيرها أعظم أوصاف لهم، فهم بقداسته وعصمته، وهم بمثابة أنبياء وليسوا بأنبياء، بل إنَّهم أعلى شأناً من الأنبياء عدا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكما منع تقدُّم أي نبي على نبيِّنا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولو كان من أولي العزم كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، فإنَّه يمتنع تقدُّم أي منهم على أي وصي من أوصيائه من بعده، فعظمة الوصي من عظمة النبي، ونور القمر من ضوء الشمس.
وأقرب مصداق على ذلك ما تواتر بالنقل عن الطرفين العامة والخاصة أن عيسى بن مريم (عليه السلام) وهو من أنبياء أولي العزم يصلّي خلف الوصي الثاني عشر لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ومن المقطوع به أنَّ الإمام أفضل من المأموم(٩٨).
وهنا تقفز أمامنا مصطلحات قرآنية ونبوية من قبيل: (أهل البيت، آل ياسين، آل محمد، أهل الكساء، العترة) الواردة بآيات وأحاديث كثيرة وكلها تشير إلى جماعة خاصة ذات مواصفات خاصة، وهم آل محمد (عليهم السلام).
إنَّ آل محمد (عليهم السلام) نسيج خاص، صناعة إلهية خاصة، اختيار إلهي خاص، والله يفعل ما يشاء.
أُسرة خاصة لا تدانيها أي أسرة من أُسَر الأنبياء والأولياء، فلهم قانونهم الخاص، أسلوبهم الخاص، طرحهم الفكري الخاص، حياتهم الخاصة، أبدانهم الخاصة، وعلى يدهم ستتحقق كل أحلام الأنبياء والأولياء والمصلحين والفقراء والمساكين والمستضعفين، بتحقيق العدل وإزالة الظلم وإنهاء حكومات الجور وتحويل المجتمع البشري القائم على الاحتراب والاستلاب والتنافس والتحاسد والاقتتال وسفك الدماء إلى مجتمع صالح نظيف طاهر كمجتمع الملائكة أو أفضل، أي إنشاء الفردوس الأرضي والمدينة الفاضلة الذي سيستمر إلى يوم القيامة تقريباً على يد المصلح العالمي الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ومن بعده على يد آبائه وأجداده في الكرة.
والإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو خاتم الأوصياء والخليفة الثاني عشر وعلى يده يتحقق الوعد الإلهي بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
فعظمته مستمدَّة من اثنين:
إنَّه ابن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المتفرع منه ووصيه وخليفته والقائم بحجته، وإنّه من الأطروحة الإلهية المتمثلة بالقرآن العظيم وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو الثقل الثاني الملازم لكتاب الله.
فعظمة موسى (عليه السلام) من عظمة التوراة التي أنزلت عليه، وعظمة عيسى (عليه السلام) من عظمة الإنجيل الذي أنزل عليه، ولكن هل تقاس التوراة بالقرآن العظيم؟ وهل يقاس الإنجيل بالقرآن العظيم؟ وحتّى لو وجدت التوراة الصحيحة والإنجيل الصحيح، فهل هما بمستوى القرآن؟ أين التوراة؟ أين الإنجيل؟
لقد قضى الحاخامات والقساوسة والرهبان والسلطات الرومانية على هذين الكتابين المقدسين بالإلغاء والإخفاء والتبديل والتحريف، ولم يبق من آياتهما إلّا البعض المتناثر في هذا الإصحاح أو ذاك.
وفي الجانب الآخر فإنَّ حاخامات وقساوسة وفريسي هذه الأُمَّة لم يستطيعوا مدَّ مخالبهم السوداء للقرآن الكريم بالتحريف لأنّه محفوظ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
لكنها امتدَّت لسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلعبوا بها وحرَّفوها وأحرقوها وأتلفوها ومنعوها، طيلة قرن بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأطلقوا شعارهم المشؤوم حسبنا كتاب الله.
لقد كانت قريش تعلم وأتباعها ووعّاظها وكتبتها الفريسيون ما فعله فريسيوا اليهود والنصارى من العبث بالدين وتشويه صورته، فترسمت خطاهم لإنتاج دين آخر مقابل دين محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكان دين السقيفة الذي دفعت الأُمَّة وما تزال تدفع من دموعها ودمائها وأموالها بسببه.
وإلّا فمن الذي جعل الشجرة الملعونة في القرآن الكريم وهم بنو أُمية يصلون إلى منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصولجان حكمه بعد استشهاده بثلاثين سنة؟
بل ما الذي أصاب الأُمَّة من وبال حينما وقف الطليق ابن الطليق معاوية مقابل علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخي رسول ووصيه وجهاً لوجه بكل صلافة؟
لقد فعل بنو أُميَّة الأفاعيل بالأُمَّة من قتل وسلب وإذلال وإهانة وإبعاد لها عن أنوار البيت المحمدي الطاهر، حتّى لقد قُتل أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في محراب صلاته، وسُمَّم سبط رسول الله الحسن (عليه السلام)، وذُبح سبطه الآخر الحسين (عليه السلام) في كربلاء بطريقة لا يقدم عليها مشركوا الهند والصين، بل توَّجوا ذلك بسبي بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من بلد إلى بلد ليوقفن في مجلس يزيد الماجن الخمّار حفيد هند آكلة الأكباد.
لقد كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واضحاً من التحذير من بني أمية: «لكل دين آفة، وآفة هذا الدين بنو أمية»(٩٩).
فالمعصومون الأربعة عشر (عليهم السلام) كيان واحد، خط واحد، نسق واحد، ولولا اختلاف عصورهم لكانوا واحداً، فلكل واحد منهم دوره في عصره.
ثم فاطمة الزهراء (عليها السلام) تلك المرأة العظيمة بنت صاحب الرسالة التي أثبتت كفر ظالميها ونفاقهم بإثبات غضبها عليهم، لأنّ رضا الله من رضا فاطمة وسخط الله من سخط فاطمة، وقد ماتت ساخطة واجدة عليهم داعية الله عليهم في كل صلاة تصلّيها، وقس - عزيزي القارئ - ماذا يكون مصير من تدعو عليه فاطمة سيدة نساء العالمين (عليها السلام)؟
بل إنَّها أبقت مظلوميتها شاهدة عليهم إلى يوم القامة بإخفاء قبرها ومجهوليته للأجيال، في حين أنَّ لأمَّهات المؤمنين قبوراً ما زالت شاهدة إلى يومنا هذا.
والسبط الأكبر (عليه السلام) الذي أثبت خيانات رجالات المسلمين ونكث معاوية لعهوده، بل التصريح بأنَّه ما قاتل للصلاة والصيام وإنَّما قاتل ليتأمَّر على المسلمين وليؤسِّس مملكة هرقلية(١٠٠).
والسبط الآخر الحسين (عليه السلام) الذي فجر ثورة عارمة بوجه فرعون بني أمية وسكّيرها وجعل الأُمَّة تلتفت إلى واقعها المزري الذي أدخلها فيه معاوية من الخضوع والاستكانة والانحراف ضارباً - أي الحسين (عليه السلام) - قاعدة السقيفة القائلة بالخضوع للحاكم الجائر، وذارياً لها في الهواء كعجل بني إسرائيل، فبدأت مرحلة جديدة بتبلور جبهة المقاومة التي تزعمها الرافضة الأبرار.
الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) وضع منهج التربية الروحية للأُمَّة بعدما أغرقت في الشهوات والملاهي الإبليسية والنزعات المادية من خلال أدعية الصحيفة السجادية التي يطلق عليها زبور آل محمد وغيرها، بل أرسى دعائم دستور إسلامي من خلال رسالة الحقوق.
الإمامان الباقران الصادقان (عليهما السلام) اللَّذان نشرا بعض علوم آل محمد (عليهم السلام) بعدما أتيحت لهما الفرصة، فعرف الكثيرون كم أنّ الأُمَّة فقدت الكثير من فرص التقدم بإعراضهم طيلة عقود عن تلك الأنوار المحمدية الساطعة.
وهكذا الحال لباقي المعصومين (عليهم السلام) إلى الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
فعلى يده سيتحقق وعد الله بإظهار هذا الدين على الدين كله في مشارق الأرض ومغاربها وإقامة دولة العدل الإلهي العالمية التي سيصطلح فيها كل شيء حتّى السباع والوحوش، ويعود البشر جميعاً مجتمعاً واحداً، إخوة متحابّين، وتنتهي العقائد المنحرفة والمضلَّة حيث لا أصنام من حجر أو بشر، وتختفي الحدود المصطنعة التي صنعها الأوربيون بين الشعوب والأُمم لمصالحهم ولإيقاد الفتن والحروب، فتعطي السماء قطرها وتعطي الأرض نباتها، وتخرج الثروات من باطن الأرض فتكون أكواماً ينادى عليها لأخذها.
تنتهي الفروق الطبقية، تنتهي النزاعات العنصرية.
فالجميع سواء إذ لا توجد دماء زرقاء أو سوداء أو حمراء، فالكل ذوو دماء حمراء، لا يوجد شعب مختار من الله وإنَّما جميع ولد آدم هم شعب الله المختار.
سوف يحصل تقدم عظيم في كل شيء وتنفتح أبواب العلم على مصارعها إذ سيضم الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) باقي حروف العلم إلى الحرفين المنتشرين بين الناس(١٠١). فتتطور البشرية في النواحي الروحية والأخلاقية والحضارية والمدنية، وتجوب مركباتها مجاهل الكون، بل سيحصل انفتاح بين عالمي الغيب والشهادة، ويخرج الإنسان من قمقم الأبعاد الأربعة أي متصلة الزمكاني إلى أبعاد أكثر وأكثر، فالغيب يصبح شهادة والشهادة تصبح شهادة أكبر.
وسيأتي أُناس أموات من عالم البرزخ والذين قُبروا من سنين ليتعارفوا مع الأحياء، وعند النداء السماوي سيخرج الأبرار مؤتزرين أكفانهم يتخلَّلون السكك ليضربوا قحف الأشرار الخاوية ومناديهم ينادي: اضرب، اضرب، اضرب.
قد يقول البعض ممَّن يسمّي نفسه مسلماً والذي غرق ببحر النزعة المادية واليهودية: ما تقوله أشبه بقصص الخيال وأنت كاتب قصصي بارع ولكن ما ذكرته لا أساس له من الواقع، فما رأينا بشراً عاد من الموت إلّا ما ندر.
بيد أنَّ المعترض ينسى ما حدث ويحدث في كل عصر وزمان، فكثير من الأموات عادوا إلى الحياة وتحدثوا عمّا حصل لهم في عالم البرزخ، ولو أغفلنا كل ذلك فقد حدثنا كتاب الله وما سطر في بطون الكتب عن ألوف ماتوا ثم أحياهم الله كما أخبر القرآن، وعن ملائكة وأموات مثلوا في عالم الشهادة كما حصل من جبريل (عليه السلام) أمين وحي الله مع مريم (عليها السلام) حيث تمثَّل لها بشراً سوياً وكلَّمها كما يكلِّم البشر، ونسي هؤلاء أنّ جبريل (عليه السلام) كان يتمثَّل بعض الأحيان بصورة الصحابي دحية الكلبي.
هل ينكر هؤلاء نزول الملائكة في معركة بدر على هيئة رجال بيض على جياد بيض فقاتلوا المشركين فقتلوا مع المسلمين نصف القتلى وقتل النصف الآخر علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟
فجبريل (عليه السلام) والملائكة ليسوا أفضل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، فمجيء الأولياء من عالم الغيب ليس محالاً لأن عالم الغيب بالنسبة لهم هو عالم شهادة:
«أيها الناس خذوها عن خاتم النبيين (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، يموت الميت منّا وليس بميت، ويبلى من بلي منّا وليس ببال، فلا تقولوا بما لا تعرفون فإنّ أكثر الحق فيما تنكرون»(١٠٢).
فعالما الغيب والشهادة طوع أمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، بما لديهم من الولاية التكوينية، فظهور بعضهم بأبدان بشرية في بعض المواقف لبعض الناس تفضُّلاً منهم عليه ومصلحة له، كما حدث في قصة زيد النساج الكوفي مع أمير المؤمنين (عليه السلام).
وجزء من ذلك هو الكرَّة، والكرَّة لا تخرج عن إطار الولاية التكوينية لأهل البيت (عليهم السلام) وبعض الأولياء، وحتّى أنّ بعض المجرمين سيعودون إلى الدنيا للاقتصاص منهم على ما سلف من جرائمهم.

* * *

وعوداً على بدء فإنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو الوريث الشرعي لجدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآبائه (عليهم السلام)، له كلُّ ما لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلّا منزلة النبوة فإنَّها ختمت به فلا نبي بعده.
يعتقد البعض أنّ مقياس الأفضلية والقرب والعصمة والقداسة إنما هو للأنبياء فقط، ترجيحاً من غير مرجّح، فينفي عمَّن سواهم ذلك ناسياً أو متناسياً أنَّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه، وخصوصاً بما يتعلق بأهل البيت (عليهم السلام)، وقد حدَّثنا القرآن عن علاقة موسى كليم الله (عليه السلام) وهو من أنبياء أولي العزم بالعبد الصالح الخضر (عليه السلام) - وهو لم يكن نبياً- وكيف أنّه رافقه ليتعلَّم منه بعض ما عنده من العلم اللَّدنّي فلم يطق موسى (عليه السلام) من بعض أفعال الخضر صبراً.
وهنا نقف أمام معادلة هي كون أحد الأنبياء العظام تلميذاً لأحد الصالحين يتعلَّم منه بعض الأمور ولم يستمر معه.
وحينما نحاول تطبيق ذلك على أهل البيت (عليهم السلام) يصاب البعض بالهستيرية - وخصوصاً من مدرسة الصحابة - فيعتبر أنَّ القول بأنَّ علياً (عليه السلام) ينظر في ملكوت الله مثل إبراهيم الخليل (عليه السلام) - على سبيل المثال - غلوٌّ بل كفرٌ، ولكنَّه يؤمن بأنَّ ابن تيمية الحراني الصابي الخفي ينظر في اللوح المحفوظ، وهذا المنهج ليس جديداً فهو متوارث من أسلافه الذين تآمروا على الشرعية.
(تلك شنشنة أعرفها من أخزم).
لقد ضاعت بوصلة هذه الأُمَّة منذ أن ضيعت أهل البيت (عليهم السلام)، وانساقت خلف طلقاء قريش والمنافقين وأهل الكتاب المندسّين بصفوف المسلمين، وإلّا ماذا نقول بمن يطلق على يزيد لقب أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو الخمّار السكّير الفاجر الفاسق الذي يعلن كراراً ومراراً كفره وإلحاده؟
والحال نفسه بالنسبة لمروان الوزغ ابن الوزغ طريد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
وكيف يمكن تفسير الترضّي على معاوية وقد لعنه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مراراً هو وأباه وأخاه(١٠٣)؟
لقد كانت السقيفة أشنع انقلاب على الشرعية في تاريخ النبوّات والتي أبعدت أصحاب الشرعية بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وبما أنَّه حصل فراغ بمنصب القيادة والتوجيه ظاهراً فقد حاولت ملأه بقيادة الصحابة كبديل لأهل البيت (عليهم السلام)، فأضفَتْ عليهم لباس العصمة بدون التصريح بها وشنَّعت على الرافضة لعقيدتهم بأهل البيت (عليهم السلام) أنَّهم معصومون كجدهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وطريقة الحساب في هذه المدرسة - أي مدرسة الصحابة - غريبة، لم توجد ولا توجد عند أي مدرسة، وهي القول بالعصمة لكل أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهم بالألوف، واستنكار عصمة اثني عشر رجلاً من عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
لقد اتَّهموا وما زالوا يتَّهمون غيرهم بالغلوِّ وقد سقطوا بغلوٍّ أشنع، فهؤلاء عند التعارض بين أقوال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبين أقوال أو أفعال بعض الصحابة، فإنَّهم يقدِّمون أقوال وأفعال الصحابي، بل لكي ينزِّهوه فإنَّهم يلصقون تلك الأفعال برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وحين تأتي إلى رواة المسانيد والصحاح، فإنَّك تصاب بالعجب، فأغلبهم من المنحرفين والشذّاذ والمرتزقة وبقايا أهل الكتاب الذين اندسُّوا بصفوف المسلمين لكي يلبسوا عليهم دينهم، أمّا جواز دخولهم إلى مجال الرواية والتعديل فهو نصبهم وعداؤهم لأهل البيت (عليهم السلام) أمثال عمران بن حطان الخارجي وعكرمة البربري الناصبي، وعروة بن الزبير وابنه هشام، ومحمد بن شهاب الزهري وعامر الشعبي ووهب بن منبه، ومقاتل بن سليمان المرجئ المجسِّم وغيرهم من التابعين وتابعي التابعين، ومن جاء بعدهم، أمّا الرواة من الصحابة فحدِّث ولا حرج، فسيد الرواة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبو هريرة الدوسي الذي لم يصحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلّا بما يقارب ثلاث سنين، وكان من فقراء الصُفة، والذي اتَّهمه عمر بن الخطاب بالكذب على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأوجع ظهره(١٠٤).
إنَّ تاريخنا الإسلامي مملوء بالخرافات والأساطير والأكاذيب والعقائد الفاسدة، والفتاوى الوحشية والدموية، وقد تمَّ تسطيره من وعّاظ السلاطين وعملاء طلقاء قريش وأهل الكتاب والمنافقين، وهو أسود مدلهم وسخ، فيه أكوام من الحصى والرمال والرماد وبضعة درر وجواهر.
في خضم ذلك فإنَّه من الصعب الوصول إلى الحقيقة، فالتاريخ ينظر بعيون المنحرفين ويتكلّم بلسان القالين، ويعتقد اعتقاد الحاكمين، قد سيطرت الشخصانية عليه فقادته من أذنيه فنسي المسلمون قاعدة عقلانية شرعية هي التي تنجيهم مما هم فيه: «اعرف الحق تعرف أهله»(١٠٥).
وتركوها في زاوية مظلمة، فأصبح النقد البنَّاء لبعض الشخصيات مُروقاً من الدين، أو ابتداعاً في الملَّة، ولو أنَّ هذه الأُمَّة هجرت الشخصانية ونظرت بعين العقل والإنصاف لتراثها لما كان حالها كهذا الحال، فلقد وضع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لها منارين متلازمين غير مفترقين إلى يوم القيامة هما: الكتاب والعترة.
ولا يختلف اثنان من المسلمين بالقرآن الكريم، ولكن الاختلاف وقع بالعترة، فمدرسة الصحابة ترى الأحاديث الواردة بهم شرفية أو أنَّها تحثُّ على حبهم واحترامهم فقط لا غير، فالحسن والحسين (عليهما السلام) - على سبيل المثال – إذا عنَّ لخطباء هذه المدرسة ذكرهما فهما لا يخرجان عن كونهما طفلين يتعثران فيهرع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهما، ولا يذكرون دورهما في قيادة الأُمَّة وأنَّهما جاهدا واستشهدا بصورة تدمي القلوب. في حين أنَّ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) يرون ضرورة التمسك بالعترة في كل شيء، وأدلَّتهم على ذلك من القرآن الكريم وسُنَّة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كثيرة تأخذ بالأعناق، والعترة متمثلة بالمعصومين الأربع عشر (عليهم السلام)، مضى الثالث عشر منهم شهيداً بالسُّم بمنتصف القرن الثالث الهجري تقريباً وبقي الرابع عشر على قيد الحياة من ذلك الحين.
ومنذ ذلك الوقت وإلى يومنا هذا يتصدّى ذوو الجماجم الفارغة لمسألة طول عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) باعتبار استحالة بقاء الإنسان حيّاً طول هذه الحقب الطويلة، ومج الناس هذه الأسطوانة المشروخة التي تعزف منذ قرون ومع ذلك فإننا نرد ونقول:
لا توجد ملازمة أو مشابهة بين أهل البيت (عليهم السلام) وباقي الناس إلّا بكونهم من البشر، حُملوا في الأصلاب والأرحام، ومع ذلك فإنَّ بعض قوانين حركة البشر التي وضعها الله تقف عندهم لأن إرادة الله شاءت ذلك والله يقول: ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ﴾ (الأنبياء: ٢٣).
وقد يردّون بأنَّك تشير إلى معجزة.
فنقول: وما الذي يمنع من ذلك؟
فإنَّه إذا اقتضت ضرورة بقاء الدين وبقاء قادة الدين وجماعة المؤمنين ذلك كانت المعجزة، فقد جعل الله النار برداً وسلاماً على إبراهيم (عليه السلام)، وقد حوَّل عصا موسى (عليه السلام) إلى ثعبانٍ مبين، وفرق البحر لبني إسرائيل، وأولد عيسى بن مريم (عليهما السلام) من غير أب، وأنزل من السماء ملائكة لنصرة المسلمين في معركة بدر(١٠٦)، وجعل الحصى يسبح بيد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمطر من السماء دماً يوم مقتل الحسين(١٠٧) (عليه السلام)، فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وارث كل الأنبياء والأولياء (عليهم السلام)، فمَن مِنّا مَن لم يقرأ زيارة وارث المروية عن إمام معصوم.
إنَّ عائق العُمْر ليس بمشكلة، فالحياة بيد الله (عزَّ وجلَّ) وهو الذي يعطيها ويسلبها، وقد ثبت عند هؤلاء المتنطعين من مدرسة الصحابة بقاء الخضر وإدريس وإلياس والمسيح (عليهم السلام) وهم من الأنبياء وحتّى الخضر وهو عبد صالح، وبقاء إبليس والدجال والسامري أحياءً إلى يومنا هذا، علماً أنَّ إدريس رُفِعَ قبل نوح النبي (عليهما السلام) بمئات السنين، ونوح (عليه السلام) على أقل تقدير أنَّه كان موجوداً حوالي الألف الثامنة قبل ميلاد المسيح (عليه السلام)، والخضر التقى بموسى بن عمران (عليهما السلام) الذي كان موجوداً في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، ولو فرضنا أنّ الخضر كان بعمر موسى آنذاك لكان عمره الآن أكثر من ثلاثة آلاف وأربعمائة سنة تقريباً.
فأين عمر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) من أعمار أولئك، وهو المولود في منتصف القرن الثالث الهجري؟
إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لم ينزل القرآن العظيم للتبرك والقراءة على الأموات، وإنّما هو أطروحة إلهية ومشروع حضاري غايته إنشاء المدينة الفاضلة، ويجب أن يطبَّق، وقد طبَّق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعضاً منه إلّا أنَّ قريشاً وحلفاءها من الأعراب ومنافقي المدينة وأهل الكتاب عرقلوا ذلك، لكي يستولوا على كرسي الحكم فأجهضوا كل ذلك(١٠٨).
لقد عزلوا وريث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الشرعي وحبسوه بقعر داره قرابة ربع قرن، ثم قتلوه في محراب صلاته.
وقريش بقيت تناصب العداء للبيت النبوي المقدس، فقتلت أولاد علي وأحفاده (عليهم السلام) بالسيف وبالسم إلى الإمام الحادي عشر الحسن الزكي العسكري والد الإمام المهدي (عليهم السلام)، ثم آلت الإمامة للمهدي (عجّل الله فرجه) فاقتضت الحكمة الإلهية أنْ يبقى حيّاً رغم أنف الدولة العباسية المستكبرة.
لقد ربط الله سبحانه مصير الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بالأطروحة الإلهية والعكس بالعكس فصار تطبيقها رهناً بظهوره ووجوده وصار هو رهناً بها بوحدة واحدة لا تفكيك بها، ولعلَّ هذا المعنى أحد مصاديق حديث الثقلين، فالله أنزلها لتطبَّق لا لتوضَع على الرف.
وبما أنَّ الظهور المقدس مرهون بوصول المجتمع إلى حالة النضج والوعي وتقبل الأطروحة بدون انتقائية بعد مخاضات وتجارب مريرة، فإنَّه أصبح من الواجب طبقاً لقاعدة اللطف الإلهي بقاء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) طيلة هذه العصور ليكون شاهداً على الأُمم والتاريخ أوّلاً، وليكون قائداً للأُمَّة للسير بها في طريق التكامل والبعد بها عن انحرافات السقيفة وآثارها المدمِّرة على الإسلام والمسلمين.
إنَّ حقيقة المدارس الأخرى من غير الشيعة الإمامية أنَّها لا تؤمن بأهل البيت (عليهم السلام) قادة وهداة، وإنْ أوردت أحاديث كثيرة عنهم في مجاميعها الحديثية مع تحفُّظنا الكبير عليها، فالمعتدلون منهم يؤمنون أنَّهم رهط النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقاربه فيجب محبتهم وإجلالهم لأجله، أمّا المتطرِّفون من الحشوية والنواصب بقايا حنابلة بغداد أتباع ابن كرام المجسِّم مروراً بابن تيمية الحراني المجهول الأصل وانتهاءً بمحمد بن عبد الوهاب بن شولمان قرقوزي من يهود الدونمة فهم يبغضون أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم ولا يقيمون وزناً لهم وينكرون فضائلهم مهما كانت صحيحة ومقطوع بصحَّتها، تجد ذلك بكتب وموسوعات علمائهم، ولعلَّ أبرزهم موسوعة بن تيمية منهاج السنة النبوية.
فالموازين مقلوبة عندهم، وليس ذلك بغريب فقد أسَّس لكل ذلك فراعنة قريش.
فالبغض القرشي، والحسد القرشي، والغرور القرشي، والغدر القرشي تسلَّل لكتابات المسلمين وراثةً كابراً عن كابر، فمن يتجوَّل بأروقة كتب هؤلاء يجد أنفاس الطلقاء أمثال أبي سفيان وولده معاوية وعمرو بن النابغة، وعكرمة بن أبي جهل، وخالد بن الوليد والمغيرة بن شعبة وغيرهم تكتم الأنفاس بعفونتها وقذارتها.
فقد حوَّلوا التاريخ إلى ساحة تقديس لمن لا يستحق التقديس.
معادلة فرضت في السقيفة وبقيت تعمل عملها الهدّام بجسد الأُمَّة فأنتجت الفِرَق الضالّة والعقائد الفاسدة وأورثت كل ذلك لهذه العصابات المسعورة الموتورة.
لقد سلَّت السقيفة سيفاً على المسلمين ما زال يقطر دماً عبيطاً، وما زال يقطف الرؤوس ويشرب من الدماء الزاكية كأنَّه هامة عرب الجاهلية التي هي أشبه بطير تخرج من رأس القتيل منادية أسقوني أسقوني طلباً لثارات بدر وأُحُد والخندق وحنين وخيبر ويوم تمريغ أنوف قريش بوحل الهزيمة وحصولها على الوسام التاريخي «أنتم الطلقاء».

يا عمرو إنْ لم تدع ذَمّي ومنقصتي * * * أرميك حتّى تقول الهامة اسقوني

فقريش ومن ورائها الموتورون من أهل الكتاب عصبوا كل الدماء التي أريقت في معارك الإسلام برأس علي وأولاد علي (عليهم السلام) فظلموهم ظلماً ما مثله ظلم منذ هبوط آدم (عليه السلام) وحتّى قيام الساعة.
ولذا فإنَّ علياً (عليه السلام) أول جاثٍ يوم القيامة للخصومة بين يدي الجبّار، مطالباً بدم زوجه الزهراء (عليها السلام) التي قُتلت بالضرب والرفس وتكسير الأضلاع، وبدم ابنه الشهيد الموؤد المحسن (عليه السلام)، وولديه الحسن والحسين (عليهما السلام) وأولادهما الذين ملئت أجسادهم البوادي والفيافي، وبقتله بمحراب صلاته في شهر الصيام.
فالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) كما أنَّه وارث الأنبياء (عليهم السلام) وظلاماتهم فإنّه وارث ظلامات آبائه (عليهم السلام) الذين قُتلوا بسيوف وسموم قريش.
إنّه الثائر العظيم.
إنّه الثائر بظلامة جدَّته فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي قضت بعمر الشباب وفي قلبها لوعة وضرام.
ثائر لجده أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي صبغ دمه الزكي محراب الكوفة وهو يهتف «فزت ورب الكعبة» لعظم الظلامة التي رآها من أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثائر باسم جدَّه الحسين (عليه السلام) الذي قُتل وأولاده وأصحابه عطاشى إلى جنب الفرات في كربلاء.
ثائر لآبائه (عليهم السلام) الذين قُتلوا بسموم خلفاء قريش المخمورين.
ثائر لعمَّته الحوراء زينب (عليها السلام) عقيلة آل أبي طالب وهي سبيَّةٌ بيد أرذل الخلق لتدخل على أشرِّ الخلق وأحقرهم يزيد الخمّار وعامله ابن الفاجرة ابن زياد.
ثائر لشيعة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام) الذين قُتلوا تحت كل حَجَرٍ ومَدَرٍ بسيف السقيفة وبفتوى النيل من السلف الصالح وأُمَّهات المؤمنين.
كم ثأر وثأر للمهدي (عجّل الله فرجه)؟
لو لم يكن إلّا ثأر كربلاء لكفى.
لك الله يا مولاي على تلك المصائب والرزايا التي لا تحتملها الجبال.
لك الله يا مولاي على فجيعتك بأبيك الحسن الزكي (عليه السلام) الذي قُتل بالسم برَيْعان الشباب وفاضت نفسه بحجرك وأنت صغير بعمر الخمس.
لك الله يا مولاي يوم فقدت والدتك الكريمة سيدة الإماء سليلة الملوك والأُمراء التي لم تتحمَّل ما سيحصل بعد شهادة زوجها فطلبت منه الدعاء حتّى تموت قبله(١٠٩).
لك الله يا مولاي حين داهمت جنود بني العباس دارك يقودها عمّك للقضاء عليك واستلاب رداء الإمامة منك.
لك الله يا مولاي وأنت ترى جدَّتك أم الحسن وعمّك جعفر يضطهدها ويستلب منها ميراثها ويشردها.
لك الله يا مولاي وأنت ترى شيعتك وشيعة آبائك (عليهم السلام) تتناوب عليهم الذئاب من كل صوب وأوب.
أي قلب كبير يخفق بين أضلاعك؟
أي روحٍ قدسية عظيمة لديك؟
أنت الواحد الذي يمثل الكل، وأنت الكل الذي يمثل الواحد.[يمثل الواحد يعني منو؟ الله؟]
فأنت أنت المهدي.
ليس فوق ذلك من قول.
فمن هو المهدي (عجّل الله فرجه)؟
إنَّ خير مَن عرَّفه للناس ونسبه وحدد ماهيته لهو أبوه الذي ولده، فقد قال له أبو محمد (عليه السلام):
«أبشر يا بني فأنت صاحب الزمان وأنت المهدي وأنت حجة الله على أرضه وأنت ولدي وأنا ولدتك وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
ولدك رسول الله وأنت خاتم الأئمة الطاهرين وبشر بك رسول الله وسمّاك وكنّاك، بذلك عهد إليّ أبي عن آبائه الطاهرين، صلى الله على أهل البيت إنه حميد مجيد»(١١٠).
أُمُّه سيدة الإماء مليكة (عليها السلام) بنت يشوع بن قيصر الروم وقعت أسيرة بأيدي طلائع المسلمين في شرق أوروبا في قصة طويلة فصَّلناها في كتابنا شاهد العصور، وأُمُّها من نسل الحواري شمعون الصفا.
لقد ذُكرت على لسان أكثر من معصوم قبل ولادتها بقرنين من الزمن تقريباً، وأعطيت ذلك اللقب السامي (خيرة وسيدة الإماء)(١١١) ابتداءً من (شهربانو) أُم الإمام السجاد (عليه السلام) و(حميدة المصفاة) أُم الإمام الكاظم (عليه السلام) و(سمانة) و(حديث) و(سوسن) وكلهن من الإماء وكُلُّهن من الفضليات، ولكن مليكة سيِّدَتهن بلا منازع، فما أعظمها منزلة لتضحيتها وإيمانها بحيث هجرت قصر جَدِّها القيصر وحياة العزِّ والرفاهية وارتضت أنْ تصبح أَمَةً حتّى تصل إلى سيِّدها إمام الزمان الحسن الزكي (عليه السلام).
قال الحسن الزكي سبط رسول الله وسيد شباب أهل الجنة:
«ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل شيء قدير»(١١٢).
إنَّه الغصن المورق من قضيب يسي أبي داوود في نبوءة أشعيا، ولد في النصف من شعبان من سنة خمس وخمسين ومئتين من الهجرة بعد استشهاد جدِّه علي الهادي (عليه السلام) بسنة واحدة، وبقي مع أبيه الحسن الزكي العسكري (عليه السلام) قريباً من ست سنين، وبعد ذلك حدثت حوادث رهيبة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وأخطرها محاولات الدولة العباسية بكل إمكاناتها العسكرية والمخابراتية للوصول إليه أو القضاء عليه فلم تفلح بذلك بمعجزة دونها معاجز الأنبياء، إذ كان بعمر خمس سنين حين المواجهة تلك.
وقد غاب عن شيعته غيبة صغرى كان يلتقي ببعض من يراه مناسباً أو عن طريق وكلائه الأربعة المعروفين، تمهيداً لغيبته الكبرى، وقد انتهت السفارة لنوّابه الخاصين، وابتدأت الغيبة الكبرى التي نحن فيها الآن ولا يعلم مدَّتها إلّا ربُّ العالمين والإمام نفسه (عجّل الله فرجه).
هل غيبة الإمام.. تعني غياب النصّ؟
قد يقول أهل الخلاف: إنَّ بغيبة إمامكم المهدي الكبرى غاب النص الذي تتعبَّدون به أيها الشيعة.
وهو اعتراض مطروح قديماً وحديثاً.
وهذا الاعتراض لا قيمة علمية ولا شرعية له لأنَّه يحاول حصر النص بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في حين أنَّ أحاديث آبائه المعصومين (عليهم السلام) غطَّت كل مناحي الحياة إلّا من بعض الأمور التي تستجد في قابل الأيام والتي تركت لتحكيم الأصول العملية المعروفة كأصل البراءة والاستصحاب وقاعدة لا ضرر ولا ضرار وغيرها، والأئمة المعصومون (عليهم السلام) لم يتركوا فراغاً كما عند المدارس الأخرى التي حاولت ملأه بالقياس والاستحسان وسدِّ الذرائع وسُنَّة الصحابة وشرعة من قبلنا وهَلُمَّ جرّا.
وحين تطالع الموسوعات عند الشيعة فإنَّك تجد أنّ غالبية الأحاديث المروية فيها كانت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) من بعده اعتباراً من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن الزكي العسكري (عليه السلام).
لقد أوكلت مهمَّة الفتيا والقيادة للأعلام من علماء الشيعة ذوي العلم والتقوى بإعلان الإمام (عجّل الله فرجه) المرسل إلى سفيره الأخير علي بن محمد السمري (رحمه الله) فتحوَّلت النيابة الخاصة إلى نيابة عامة.
ولم يقصِّر علماء الشيعة مذ ذاك الحين بواجبهم، فقد أمسكوا بدفَّة السفينة بقوة وسط لُجَج الفتن التي تعصف في كل عصر، فحافظوا عليهم حتّى يومنا هذا، وقد عرف عن الشيعة أنَّهم حزب المعارضة لكل أصناف الانحراف من الحكام والمحكومين، فاستحقوا الذم والقدح والمطاردة والتشريد والقتل ولم يتعرَّض غيرهم لعُشر ما تعرَّضوا له، وقد استوت سفينة التشيُّع على جودي الشعوب صامدة قوية، ولذا التفَّت أعداء التشيع لمعرفة سر هذه القوة، فشخَّصوها بوجود المرجعية، فبدأوا بشن حملات التشهير والتضعيف والتشكيك.
فلولا السيد السيستاني (دام ظلّه) وموقفه الحسيني العظيم لنجحت مخابرات الدول الصليبية المعادية بإشعال حرب إسلامية إسلامية، ولكان العراق والمنطقة كلها بمهب الريح وفتنة لا تبقي ولا تذر.
«فرحم الله من قال خيراً أو سكت».
لم يكن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بمعزل عن الأحداث خلال العصور المتعاقبة، فله في كل عصر مجموعة من المريدين والأصحاب هم الأبدال الذين لا يقلّون عن ثلاثين(١١٣)، وهؤلاء لهم مهام غيبية مكلَّفون بها من قبل إمامهم والمتعلقة بالبشر حتّى من غير المسلمين إذا اقتضت المصلحة ذلك، ولا يتحرَّكون إلّا بتخطيط محكم، فيحرِّكون بعض الأحداث من وراء الستار.
ما من أحد من البشر يعرفهم، فهم ليسوا من محبي الشهرة وزخارف الحياة ولا ممن يراؤون الناس ولا يكذبون في قول أو عمل وما عندهم خطل في قول أو عمل، ألسنتهم وقلوبهم واحدة، قد جعلوا الآخرة نصب أعينهم والدنيا تحت أقدامهم، فهم في الناس وليسوا مع الناس، ثيابهم بسيطة، مشيهم الهوينا، معيشتهم الاقتصاد، مخلصون في العبادة، مجتهدون في الطاعة، مجتنبون للمحرَّمات، معرضون عن السفاسف، مثل الغيب أمامهم كأنَّه شهادة، فكأنَّ الجنَّة أمامهم فهم لها مشتاقون، ومثلت النار لأعينهم فهم منها خائفون، صفرت وجوههم من العبادة، وذبلت أفواههم من الصيام، لا تحدهم الحدود ولا توقفهم السدود، مساكنهم أطراف المدن، تكفيهم خرائب المساكين لا زرائب المستكبرين، لا يحملون جوازات سفر فالأرض كلّها وطنهم.
هؤلاء أصحابه في غيبته فكيف بأصحابه في ظهوره؟
وكيف به هو بأبي وأمي؟
إنَّ أباه أمير المؤمنين (عليه السلام) يصفه بمعرض كلامه عن الحسين (عليه السلام):
«إن ابني هذا سيد كما سماه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سيداً، وسيخرج الله من صلبه رجلاً باسم نبيكم يشبهه في الخلق والخلق... ويملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(١١٤).
فمن كانت كل صفاته هذه فماذا يقال عنه؟
إنْ كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رحمةً للعالمين فهو أيضاً رحمةً للعالمين، لذا ادَّخره الله ليوم ينهي فيه ظلم الظالمين وسغب المظلومين وآهات المعذبين.
فهو الوارث لجميع الأنبياء والمرسلين بكل قداساتهم ومظلومياتهم.
وهو الطالب بدم المظلوم بكربلاء.
وهو المطبِّق لحكم الله الذي ركنه الظالمون من حكام السقيفة والشجرة الملعونة بني أمية وراية الضلالة بني العباس.
فالمهمة الملقاة على عاتقه ثقيلة جسيمة، لا تحتملها السماوات والأرض، ولا الملائكة المقرَّبون، ولا الأنبياء والمرسلون، مهمة مناوئة الذؤبان، وأولياء الشيطان، ومقارعة كل دجال، وقتل إبليس الملعون.
فهو القائم بدين الله، وهو القائم بثأر الله، وهو القائم بحكم الله، مَن مثل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ينعته: «القائم من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي وشمائله شمائلي وسنته سنتي، يقيم الناس على ملَّتي وشريعتي، ويدعوهم إلى كتاب الله (عزَّ وجلَّ)، من أطاعه أطاعني، ومن عصاه عصاني ومن أنكره في غيبته فقد أنكرني ومن كذَّبه فقد كذَّبني ومن صدَّقه فقد صدَّقني، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره والجاحدين لقولي في شأنه والمضلّين لأُمَّتي عن طريقه، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]»(١١٥).
فماذا يقول المتهوكون بهذا النص الصارخ؟
إنَّ المتمعِّن ذا البصيرة لَيقف خائفاً مرعوباً ممّا سيلقاه في حالة انحرافه عمّا أراده الله بشأن ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحبيب قلبه المهدي (عجّل الله فرجه)، فعصيان وتكذيب المهدي (عجّل الله فرجه) هو عصيان وتكذيب لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي مآله المُروق من الدين، وفي النص عبارة خطيرة جداً جداً وهي: «وسُنته سنَّتي».
وتعني أنَّ كل ما أوحى الله به لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو عند المهدي (عجّل الله فرجه) ولا يناقش اثنان أنَّ سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي وحي آخر غير وحي القرآن، فكيف وصلت إليه؟ لقد وصلت إليه عن طريق آبائه المعصومين (عليهم السلام) ممّا يعني أنَّ الأئمة قبل المهدي (عليهم السلام) هم امتداد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو القول الفصل، لا يداهن، لا يخاتل، لا يحابي، لا يظلم، لا يميل مع الهوى.
«يعطف الهوى على الهدى إذا عطفوا الهدى على الهوى، ويعطف الرأي على القرآن إذا عطفوا القرآن على الرأي»(١١٦).
إنَّه الآية الكبرى، إنَّه المعجزة العظمى، إنَّه القرآن الناطق شقيق القرآن الصامت، من يترجم القرآن سواه، من يحمل سُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلّاه، باب مدينة علم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كأبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو العالم بالتنزيل والتأويل، وهو الوارث للتوراة والزبور والإنجيل، وهو العالم ببني آدم وهم بأصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم في كل العصور والأزمنة.
ما نكون نحن، ما مدى علمنا، نحن جهلة جهلاً مطبقاً، ونحن كمن يريد وصف أعماق البحر وهو واقف على الساحل.
إنَّ ما قلناه وما نقوله هو منقول عن آبائه الطاهرين (عليهم السلام).
فما يعرف أي أمرئٍ كُنههم إلّا هم أنفسهم.
(عليه جلابيب النور تتوقَّد من شعاع القدس)(١١٧).
يقول أحد آبائه يصفه: «هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه ونور وجهه يعلو سواد لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء»(١١٨).
وحقيقةً أنَّ كل من التقى به انبهر وحار به، ووقف مذهولاً، بل مشلولاً فينعقد لسانه فلا يستطيع النطق بحضرته.
لندع أحد الذين التقوا به وجهاً لوجه ورأوه يصفه وهو العالم الكبير علي بن مهزيار الأهوازي: (فإذا أنا به جالس قد اتشح ببردة واتزر بأخرى، وقد كسر بردته على عاتقه، وهو كأقحوانة أرجوان قد تكاثف عليها الندى، وأصابها ألم الهوى، وإذا هو كغصن بان أو قضيب ريحان، سمح سخي تقي نقي، ليس بالطويل الشامخ، ولا بالقصير اللازق، بل مربوع القامة، مدور الهامة، صلت الجبين، أزج الحاجبين، أقنى الانف، سهل الخدين، على خده الأيمن خال كأنه فتات مسك على رضراضة عنبر)(١١٩).
فهو الإنسان الكامل، بل هو الكمال البشري الذي لن تدركه العقول، وأنّى لها أن تدركه وقد وضعت حجباً سميكة من الذنوب، كمن يضع نظارة سوداء معتمة على عينيه ويحاول أن يرى ما حوله بألوانه الطبيعية.
إنَّ الله خاطب موسى بن عمران (عليه السلام) كليمه: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ (طه: ٣٩).
فموسى بن عمران (عليه السلام) صناعة ربّانية من نوع خاص، ولكن هذه الصناعة ليست منحصرة به وقد قيل: إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.
ومع ذلك فإنَّ موسى بن عمران (عليه السلام) نفسه كان تلميذاً للعبد الصالح الخضر، ولا ينفي ذلك أحدٌ من المسلمين، لأنَّ حادثته ذكرت في القرآن الكريم.
وحين نطالع أحاديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام) نجد أنَّ الخضر (عليه السلام) نفسه أحد أعوان الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذين يأتمرون بأمره، أي أنّه تلميذ من تلامذة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، لقد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في معرض ردِّه على المتهوكين من أصحابه اللاهثين وراء اليهود وأساطيرهم: «والذي نفسي بيده لو نشر موسى بن عمران لما وسعه إلّا أن يتبعني».
أي إنَّه يجب أنْ يكون من أُمَّة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والمهدي (عجّل الله فرجه) ابن محمد وقائد أُمَّة محمد العظيم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إنَّ خلافة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عالمية عامَّة تعم الأرض كلها فهو حاكمها وسيِّدها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها والتي ستنعم بعدله ويتم فيها القضاء على الأصنام الحيَّة والميتة، بل إنَّ حاكمية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ستخرج من حاكمية الأرض إلى حاكمية الأرضين الأخرى، التي منها خمس معمورات وثنتان خرابان بل وأكثر من ذلك وأعظم فإنَّه سيحصل انفتاح ما بين عالم الغيب والشهادة فيتم التزاور بينهما.
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ * إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥ - ١٠٦).
لكن أتباع السقيفة ابتلوا بعمى الألوان وطمس البصائر، وقد تربُّوا على أيدي بني أُميَّة وبني العباس، فهم لا يطيقون سماع أي فضيلة لآل محمد (عليهم السلام)، حتّى لو كان فيها رفع شأن هذه الأُمَّة، على طريقة ابن الزبير: (أقتلوني ومالكاً واقتلوا مالكاً معي)(١٢٠).

* * *
الفصل السادس: شروط أخرى أو كشوف

«لو لم يبق من الدنيا إلّا يومٌ واحدٌ لطوَّل اللهُ ذلك اليومَ حتّى يخرج رجل من ولدي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(١٢١).
أسهبنا القول - فيما سبق - عن شروط النهضة المهدوية المقدَّسة وحدَّدناها بثلاثة هي: (الأطروحة - القيادة - القاعدة)، وقلنا في حينها: إنّه لو توفَّرت جميعها لتحقَّق الظهور المقدَّس، لكنَّنا سنرى في مطاوي هذا الفصل إنْ كانت هناك شروط أخرى إضافية للنهضة أم أنَّها كشوف لحالة المجتمع البشري آنذاك؟
كثيراً ما قرأنا أو سمعنا أحاديث واردة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) - سواء أكانت أخبار آحاد أو متواترة - أنَّ الأرض ستمتلئ ظلماً وجوراً آخر الزمان، وأنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لا يخرج إلّا لإزالة ذلك، وكلمة الأرض المعرَّفة بالألف واللام للعموم والاستغراق، ومعنى ذلك أنَّ عموم الأرض بجهاتها الأربعة سيحل بها الظلم والجور.
قد يرى البعض أنَّ كلمتي الظلم والجور مترادفتان، وهذا خطأ، لأنَّ المعصوم لا يورد كلمات مترادفة للإخبار عن حالة إلّا ما ندر وللتأكيد، وفي حالة الإخبار عن مستقبل البشريَّة وما سينالها من عذابات وآلام فلا يورِد المعصوم مترادفات وإنَّما يتكلَّم عن خاص وعام لحالة معينة.
وهذا يعني أنَّ البشرية ستعاني من حالتين مأساويتين هما حالة الجور وحالة الظلم.
فكلمة الظلم لها معنى وكلمة الجور لها معنى آخر.
إنَّ أعظم ظلم ترتكبه البشرية هو الانحراف عن العقيدة الصحيحة إلى العقائد الفاسدة، وأشنعها هو الانحراف عن توحيد الله إلى الإلحاد أو الإشراك به واتِّخاذ الأنداد والشركاء والأوثان والأصنام مع الله أو دونه.
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: ١٣).
ويبتني على هذا الظلم أنواع أخرى لا تقل عنه خطورة وهي تضم كل الانحرافات في المجالات الاجتماعية والأُسرية والأخلاقية والاقتصادية والسياسية.
فالجرائم الاجتماعية كقتل النفس المحترمة والزنا وارتكاب الفواحش الأخرى هي من الظلم.
وسرقة أموال الناس مباشرة أو غير مباشرة والاحتيال عليهم وتطفيف الموازين هي من الظلم.
وعدم الاهتمام بالزوج والأولاد والوالدين والأهل والأقارب وقطيعة الرحم هي من الظلم.
واستلاب الحكم من أهله الشرعيين وصعود أُناس غير مؤهَّلين لإدارة شؤون المجتمع وما يستتبع ذلك من إيقاع الضرر بالناس من خلال الاستبداد والاستئثار واحتكار الأموال هي أيضاً من الظلم.
فالبشرية في الواقع تسير وسط حقول ألغام متفجرة.
وهذه الأرض بطولها وعرضها، ماذا حصل ويحصل بها؟
إنَّ أوَّل ما نشاهده أنَّ أعظم الظلم يسود أغلب بقاعها وأعني به الشرك والكفر بالله.
فبلدان الهند والصين والهند الصينية واليابان وغالب أقطار جنوب شرق آسيا مشرِكة تعبد الأصنام والأوثان، وحتّى البلدان التي اتَّخذت النصرانية ديناً لها كأوروبا والأمريكيتين وبعض أجزاء آسيا وإفريقيا هي في حقيقتها مشركة، وذلك لكون عقيدتها مبنية على الأقانيم الثلاثة (الأب - الابن - الروح القدس)، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة: ٧٣).
ويستتبع عقيدة الإشراك اتِّخاذ مناهج من وضع الأهواء والرغبات الفردية والفئوية فيتحكَّم واضعوها بالناس بما يهوون ويحبّون من حيث الإثرة والاستئثار واحتكار الثروة والسلطة، وكل ذلك يتجمع ككُرَة الثلج وفيها ما فيها من ظلم وإهدار لحقوق الكثير من البشر.
قد يقول البعض: لماذا لمْ يحرِّم الإسلام اليهودية والنصرانية عندما أصبحت له دولة عظيمة مادام القرآن حكم عليهما بالشرك والضلال؟
والإجابة على ذلك: أنَّ هناك حكماً ومصالح معروفة وغير معروفة ولأسباب يمكن استشفاف بعضها، لعلَّ أهمّها أنَّ الإسلام لم يعم الأرض كلّها حتّى تكون له السطوة في ذلك، فتحريم ذلك في الأقطار التي تقع تحت حكمه قد يدفع الأقطار الأخرى التي تدين بالنصرانية إلى خوض حروب دينية مع المسلمين لا نهاية لها، وقد حصل ذلك بالفعل بالحروب الصليبية بالرغم من أنّ الإسلام قد أعطى النصارى الذين هم تحت حكمه حرية الاعتقاد والعبادة وكافة الحقوق المدنية وحتّى بنى بعض حُكّام المسلمين كنائس لرعاياهم.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ الإسلام أعطى للإنسان حرية الاختيار، لأنَّ العقيدة بالوجدان وليس باللسان، ولا تفرض بالسيف وإنَّما بالعقل والمنطق، ومن يحاول فرض عقيدته - حتّى لو كانت صحيحة - بالسيف والقوة فإنَّه يفشل حتماً وتكون هناك ردَّة فعل مضادَّة قد توقع أفدح الضرر بعقيدته وبنيته الاجتماعية.
وأخيراً فإنَّ هذين الدينين اليهودية والنصرانية لهما نقاط مشتركة مع الإسلام من حيث كونهما من الموحى بهما ولديهما كتابان مقدَّسان هما التوراة والإنجيل.
ونقاط الاشتراك قد تدفع الأطراف كافة إلى الجلوس إلى طاولة الحوار لتبيان الحق الصريح بالعقل والمنطق، وقد حصلت حوارات كثيرة على طول التاريخ وعرضه وما زالت مستمرة.
وأمّا معنى الجور فيمكن أن يقال فيه إنه:
خلاف الاستقامة في الحكم، وفي السيرة السلطانية تقول: جار الحاكم في حكمه، والسلطان في سيرته، إذا فارق الاستقامة في ذلك.
والظلم ضرر لا يستحق ولا يعقب عوضاً، سواء كان من سلطان، أو حاكم، أو غيرهما، ألا ترى أنَّ خيانة الدانق والدرهم تسمَّى ظلماً، ولا تسمى جوراً، فإن أخذ ذلك على وجه القهر أو الميل سمِّي جوراً وهذا واضح.
وأصل الظلم نقصان الحق.
والجور العدول عن الحق.
من قولنا: جار عن الطريق. إذا عدل عنه، وخلف بين النقيضين، فقيل في نقيض الظلم الإنصاف، وهو إعطاء الحق على التمام، وفي نقيض الجور العدل، وهو العدول بالفعل إلى الحق.
وهنا يبقى سؤالٌ وهو:
هل إنَّ عموم الظلم والجور في الأرض شرط آخر للظهور المقدَّس؟ أم أنَّه كاشف عن حالة المجتمعات آنذاك؟
قال البعض: إنَّه لا يمكن للظهور أنْ يتحقق إلّا بامتلاء الأرض ظلماً وجوراً وهو شرط يضاف إلى الشروط الأخرى، أي إنَّه إذا لم يوجد ظلم وجور عامّان فإنَّه لا يمكن للظهور المقدس أن يتحقق، فالظهور المقدس متوقِّف على تحقُّق هذه الحالة، وهو تفسير أو تعليل فج، فإنَّه منذ بداية غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في القرن الثالث الهجري، والأرض مملوءة ظلماً وجوراً، فحُكّام بني العباس كانوا يحكمون نصف العالم آنذاك تقريباً.
وسيرة بني العباس معروفة من شرب الخمور والفسق والفجور واعتداء على دماء وأموال وأعراض الناس، وهذا تاريخهم غير خاف مع ما أخفى وعّاظهم الكثير من مخازيهم.
وحتّى البلدان التي هي خارج سيطرة بني العباس كالصين واليابان وجنوب شرق آسيا فإنَّها تعاني من ظلم الإشراك والتخلُّف والفقر والجهل، وحُكّامها لا يختلفون عن بني العباس إلّا أنَّ الناس تقدِّسهم على أنَّهم آلهة أو أبناء آلهة.
أمّا أوروبا فإنَّها تعيش بإقطاعيات مريعة وحروب متواصلة وغزوات متبادلة كقبائل الهون والسكسون والنورمان والفايكنغ، ما عدا إيطاليا فإنَّها كانت خاضعة للإمبراطورية الرومانية الغربية ذات الحضارة العريقة.
والحال بالنسبة لإفريقيا، فلا يختلف عن غيرها وخصوصاً في البلدان التي تقع جنوب الصحراء العربية الكبرى والتي كانت تعيش بحالة بدائية استمرت لعصرنا هذا.
لقد وقع البعض النادر جداً بوهم امتلاء الأرض ظلماً كشرط، فتصوَّروا أنَّه بزيادة وتيرة الفساد والانحطاط في المجتمع يُعجَّل ذلك بالظهور المقدَّس، وهو اتِّجاه فاسد شاذ، لعلَّ وراءه أصابع غربية، وقد انتهى وذهب إلى مزبلة التاريخ.
فالظلم والجور موجودان في كل عصر وفي كل أرض، إلّا أنَّه يصل إلى أعلى مداه في عصر الظهور من حيث الاستخفاف والتهاون بالدماء والأموال والأعراض بحالة لم تكن من قبل، فالظهور المقدَّس رد على كل ذلك، لأنَّ غايته إزالته، وخصوصاً في بلدان العالم الإسلامي، فحالة الانحراف أشدّ مضاضة مما مضى، لأنَّها تستخدم ما لم يستخدمه المنحرفون السابقون، من حيث استخدام تقنيات متطورة وإعلاماً موجَّهاً تقف وراءه عقول جبارة.
إنَّ الانحراف في هذه الأُمَّة لهو أشدّ من انحراف اليهود والنصارى، لأنَّ أولئك منحرفون بالأصل، وقد عدمت كتبهم المقدسة الأصلية، فهم يعملون بما يعرفونه من قواعد، لكن هذه الأُمَّة عندها كتاب الله المنزل السالم من التحريف، ولهذا فقد كانت لوعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عظيمة لأنَّه يرى أنَّ أُمَّته تُعرِض عن الأنوار التي وضعها على حافتي الطريق، حتّى أنَّها وصلت أو ستصل إلى حالة الانسلاخ من الدِّين.
«ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان»(١٢٢).
لننظر إلى هذا النص الوارد عن الوصي السادس لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أبي عبد الله جعفر الصادق (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْأَفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصّلت: ٥٣) قال: «خسف ومسخ وقذف»(١٢٣).
وهذا الحديث خطير جدّاً وهو يشير إلى حدوث ثلاثة أمور للأُمَّة.
خسف وهو ما يطلق عليه بالاصطلاح الجيولوجي زلزال، وهو حدثٌ طبيعي لحركة قشرة الأرض والطبقات التكتونية والصفائح القارية وتصادمها فيما بينها، وكذلك من جرّاء انفجار البراكين، ولكنَّه سوط من سياط الله يضرب به عباده العصاة، وقد حدث ذلك لقوم لوط الذين كانوا يمارسون أشد أنواع الفواحش دناءة: اللواط، ونساؤهم تمارس السحاق.
وقد أشار أئمة أهل البيت (عليهم السلام) إلى أنّ بعض هذه الزلازل هي علامات قريبة للظهور المقدَّس مثل خسف بجزيرة العرب وخسف بقرية حرستا أو الجابية في الشام وخسف بمغرب الأرض(١٢٤).
ولكن قد يطرح هذا السؤال: ما هي علاقة الخسف بأفعال البشر؟
يقول من تسيطر عليه الفلسفة والمناهج المادية: إنّ الزلازل حالة طبيعية تخضع لقوانين القشرة الأرضية من خلال حركة الصفائح القارية وتصادمها فيما بينها، أو انفجار براكين محدثة هزات.
وجوابنا على شقَّين:
الشق الأول: هو نتاج فعل الإنسان المباشر الذي يتسبب بذلك، فتفجير القنابل النووية والهيدروجينية بأعماق سحيقة من الأرض يؤدي إلى حصول تشققات في القشرة الأرضية أو تحريك الصفائح وتصادمها فيما بينها ممّا يؤدي إلى زيادة وتيرة الزلازل والبراكين.
والشق الثاني: أنّه بفعل الإنسان غير المباشر بعصيانه ومروقه وانحرافه، فالأرض مُلك لله، وقد خلقها لخدمة الإنسان وجعل من ثمارها ومنافعها وعطائها له، شريطة الطاعة والاستقامة، فإذا عصى وانحرف عمّا شرَّعه الله كان لله أنْ يعاجله بالعقوبة أو يؤجِّلها إلى حين، وقد حدَّثنا الله في كتابه المنزل - القرآن العظيم - عن أقوام عوقبوا بعقوبة الاستئصال مثل قوم نوح بالطوفان وقوم عاد بالريح العقيم وثمود بالصاعقة وقوم لوط بزلزال مدمر فجعل مدائنهم عاليها سافلها وهكذا.
مسخ، إنه الأمر الثاني الذي حدث وسيحدث.
المسخ نوعان، مادي أو معنوي.
لقد وقع المسخ المادي لبعض الأُمم مثل بني إسرائيل الذين جاهروا الله بالعصيان:
﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (البقرة: ٦٥).
ولم يكن ذلك إلّا لذنب اصطياد الحيتان - أي الأسماك - في يوم السبت المحرَّم عليهم فيه كل ذلك.
وحسب القاعدة المعروفة: إنّ خصوص المورد لا يخصص الوارد، فإنَّه سيقع في هذه الأُمَّة ما وقع في الأُمَم الأخرى، وخصوصاً أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قرَّر حقيقة تاريخية واقعية بأنَّ هذه الأُمَّة ستحذو حذو الأُمَم الأخرى من حيث الانحراف والعصيان.
وهنا قد يُطرح هذا السؤال: هل سيقع مسخ في هذه الأُمَّة؟
الجواب: نعم، ولكن بأي نحو من الأنحاء؟
قلنا: إنَّ المسخ نوعان، مسخ مادي، ومسخ معنوي.
المسخ المادي وهو تحول صورة الإنسان من صورته الإنسانية إلى صورة حيوانية مطابقة لفعله ونيَّته.
ويعني ذلك أنَّه يتحوَّل إلى صورة قرد أو صورة كلب أو صورة خنزير أو صورة أي حيوان تكون صفته مطابقة لأفعال الممسوخ.
لقد ذكرت الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الأُمَّة ستلاقي بلاءً شديداً فتفزع لبعض علمائها فتراهم مُسخو قردة وخنازير، وهي حالة خاصَّة لا تعم الأُمَّة كُلّها وإنَّما هي لعلماء السوء الذين يفتون بما لا يرضي الله ورسوله طبقاً لأهواء الحُكّام والمتنفذين.
إلّا أنَّ المسخ العام الذي وقع وسيقع في الأُمَّة على نطاق عام هو المسخ المعنوي.
فما هو المسخ المعنوي؟
يمكن إجماله بأنَّه الانحراف الأخلاقي والعقائدي.
فسلوك الإنسان وأخلاقه يحددان ماهيته.
فالذي يهر على الناس هو بحقيقته كلب.
والذي يتبع شهواته ولا يبالي ولا يغار على عرضه فهو خنزير.
والذي يتملَّق ما فوقه ويظلم ما دونه هو قرد.
والذي.. والذي.. والذي... إلى أخر القائمة.
والسبب بوقوع هذا المسخ يكمن بخلو القلوب من الإيمان بالله واليوم الآخر وانعدام الورع عمّا حرَّم الله (عزَّ وجلَّ).
لقد سادت نزعة المنافسة المستوردة من الثقافة الغربية مجتمعاتنا فأصبح الكذب ظرفاً، والاحتيال على الآخرين شطارةً وذكاءً.
وهكذا انعدم الوازع الديني في القلوب فأخذ المسلم يرتكب جميع ما حرَّم الله وصارت قاعدته التي يسير على ضوئها (الغاية تبرر الوسيلة).
لقد ذهبت القواعد الأخلاقية القرآنية النبوية التي تعصم الأُمَّة من الانزلاق في هكذا حمأة أدراج الرياح.
فالمؤمن يتحرَّز من كل شيء، يسارع في الطاعات ويهرب من المعاصي ويتجنَّب المكروهات، والمرء لا يكون مؤمناً حتّى يستوي قلبه ولسانه، ولذا فإنَّ المؤمن يعيش في حالة غربة في كل مجتمع منحرف، بل قد يكون هدفاً لسهام المنافقين والمنحرفين.
«إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء»، قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ فقال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»(١٢٥).
فالمعصية هي السرطان الوبيل الذي يأكل الإيمان أكلا.
فمن يعتقد الاعتقاد الحق بأنَّ الله واحد لا شريك له وأنَّ الحاكمية المطلقة له، وأنَّ محمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عبد الله المرسل ونبيّه الخاتم وأنَّه جاء بالحق من عند ربِّه بالقرآن الناطق والنور الساطع ليخرج بني آدم من ظلمات الجهل والظلم، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث من في القبور للحساب، فإنَّه لا يكذب، لأنَّ الكذب رأس كل خطيئة وينبني على ذلك عدم المعصية والخوف من الله والسعي للإصلاح بين الناس وإفشاء السلام بينهم.
فإذا تكوَّنت مثل هذه الشخصية الإيجابية، فالمجتمع يتحرك نحو السعادة، أمّا كيفية بناء هذه الشخصية فتقع المسؤولية على عاتق العلماء الربّانيين، فلو خرج هؤلاء من أبراجهم العاجية وقدَّموا النموذج الأمثل للمسلم الرباني لكان تأثيرهم أكبر وأعظم ليس كتأثير الخطب الرنَّانة.
لقد التفت أعداء التشيع لخطورة علاقة الشيعة بمراجعهم وعلمائهم فاتَّبعوا طريقين لتفكيك العلاقة هذه، فكان الطريق الأول بالتشكيك بأهمية العلماء وجدوى التقليد ولم ينجحوا.
ولعلَّ من أشدِّ أنواع المسخ الذي وقع في هذه الأُمَّة أنَّها عافت دينها القويم وراحت تهرول وراء كل مبدأ برّاق خدّاع، وأخذت تلوك مصطلحات مستوردة من ثقافة الغرب (تقدمية، ثورية، تحررية، امبريالية، اشتراكية، ديمقراطية، حركة العمال، الخ).
وانقادت لمفاهيم لفظها الآخرون ورموها بسلَّة المهملات (اشتراكية، قومية، شعبية).
إنّ مثل هذه الأُمَّة مثل مائدة كبيرة عليها كل ما لذَّ وطاب أمام أُناس جِياع إلّا أنَّهم يتركونها ويذهبون إلى أكوام قمامة يأكلون منها، فالمائدة الكبيرة التي فيها كل ما لذَّ وطاب هي الإسلام، وأكوام القمامة هذه المبادئ والعقائد الفاسدة التي كانت وما زالت تتغذّى عليها الأُمَّة.
إنَّ المؤسس لكل ذلك تلك البيعة ال(فلتة)(١٢٦) التي ذبحت الإسلام من الوريد إلى المريد.
فما يحصل اليوم هو حصاد ما زرع بالأمس، فمن يزرع الريح يحصد العاصفة.
بأبي أنت وأمي يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لقد ذكرت كل ذلك قبل أربعة عشر قرناً:
«كَيْفَ بِكُمْ إِذَا فَسَدَتْ نِسَاؤُكُمْ وفَسَقَ شَبَابُكُمْ ولَمْ تَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ ولَمْ تَنْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ. فَقِيلَ لَه: ويَكُونُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ: نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا أَمَرْتُمْ بِالمُنْكَرِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المَعْرُوفِ. فَقِيلَ لَه: يَا رَسُولَ الله ويَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وشَرٌّ مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ بِكُمْ إِذَا رَأَيْتُمُ المَعْرُوفَ مُنْكَراً والمُنْكَرَ مَعْرُوفاً»(١٢٧).
لقد وصلت الأُمَّة فعلاً إلى حالة المسخ العام وهي حالة رؤية المعروف منكراً والمنكر معروفاً.
فالزنا جائز إذا كان برضا الطرفين وهو من حرية الإنسان، وسرقة أموال الناس والاحتيال عليهم شطارة وذكاء، وظلم عباد الله والاعتداء عليهم وسلبهم حقوقهم سياسة، وأكل الربا وفرضه على المحتاجين المعوزين في المصارف الحكومية والأهلية سياسة اقتصادية، وقتل الناس وكل من هبَّ ودبَّ جهاد في سبيل الله.

* * *

وعوداً على بدء فإنَّ حالة الظلم والجور التي تسبق الظهور المقدَّس بأعلى درجاتها ليست شرطاً آخر للظهور وإنَّما هي كشف عن حالة مرضية تعيشها الأرض كلها.
إنَّ الأُمَّة مريضة - والأرض مريضة بمرضها - منذ وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَداؤها معروف وطبيبها معروف.
داؤها الانحراف والإعراض عمّا أمر الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من اتِّباع العترة الطاهرة.
طبيبها هو أهل البيت (عليهم السلام) وآخرهم المهدي (عجّل الله فرجه) الذي سيعالجها ويعطيها الترياق الشافي، وهي التي افتعلت فيما بينها حروباً وتركت أعداءها يسرحون ويمرحون.
إذن المسخ واقع في هذه الأُمَّة كما أخبر الإمام الصادق (عليه السلام) أكان مادياً أو معنوياً، بل وقع المسخ المعنوي منذ قرون وبقي المسخ المادي، فلينتظر فقهاء الدولار ذلك.
قد يقول البعض إنّ ذلك مخالف لتكريم بني آدم يشهد على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٠).
والله سبحانه لا يقول إلّا الحق، وهذه مغالطة، فالمسخ المادي لا يقع إلّا على نطاق ضيِّق جدّاً وهو على علماء السوء وليس على الأُمَّة عكس ما وقع على عموم بني إسرائيل الذين انتهكوا حرمة يوم السبت فاصطادوا الحيتان فيه فعاقبهم الله تعالى.
وحتّى عصيان الأُمَّة له عقوبة، كالفتن التي تجتاحها وسفك الدماء فيما بينها وإمساك السماء قطرها والأرض نباتها، وتسليط أحقر البشر عليها كاليهود، وانشغالها بالحروب والفرقة الداخلية.

* * *
الفصل السابع: لماذا الغيبة؟

كثيراً ما يطرح الخصوم والمتشكِّكون هذا السؤال:
ما الفائدة من إمام غائب لا يمارس مهامه بين الناس؟
في منتصف القرن الثالث الهجري تقريباً وُلِد أعظم وأكبر وأخطر مولود في البشرية كلّها منذ هبوط آدم وحتّى يوم القيامة، وكان من البيت العلوي الحسيني، وهو البيت الذي ناصبته السلطات القائمة آنذاك العداء، فقتل منه الكثير بالسم والسيف، ووضع الباقون تحت الإقامة الجبرية وتحت أبصارها، وكان أوَّل من وضع بدعة جلب أقطاب هذا البيت من مسكنهم الدائم المدينة المنورة إلى عاصمة الدولة هو المأمون العباسي الذي ابتدعها بمشورة من وزيره الماكر الفضل بن سهل، حينما جلب الإمام الرضا (عليه السلام) إلى مدينة مرو بمسرحية ولاية العهد المفضوحة، واستمرت حتّى استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) في مدينة سامراء، وكان كل واحد من أئمة هذا البيت (عليهم السلام) يطلق عليه لقب ابن الرضا، بعد الرضا (عليه السلام)، وكما يقال ضرب عصفورين بحجر فكانت الغاية من كلِّ ذلك مراقبة الإمام - أي إمامٍ منهم - رقابة شديدة وعزله عن قواعده الشعبية ولاسيما أنَّه بعد مجيء الرضا (عليه السلام) إلى مرو حدثت موجة مد كبيرة نحو أهل البيت (عليهم السلام) وتوسَّع بقاعدتهم الشعبية إضافة إلى الثورات العديدة التي اندلعت من قبل بعض أبناء هذا البيت ضد السلطات العباسية.
كانت الولادة المباركة للإمام الثاني عشر في مدينة سرَّ من رأى عاصمة بني العباس التي بناها المعتصم بن هارون لجنده الأتراك الذين ضاق بهم البغداديون ذرعاً، وكانت سريَّة ما اطَّلع عليها إلّا المقربون للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وعمَّته السيدة الفاضلة حكيمة (عليها السلام) بنت الإمام الجواد (عليه السلام)، ثم أطلع الإمام العسكري فيما بعد بعض قيادات الشيعة الخُلَّص على المولود الجديد ورأوه بالرغم ممّا كانت السلطات العباسية تتربَّص بالإمام العسكري (عليه السلام) وعائلته لمعرفة ما إذا كان المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) الذي تخاف منه قد وُلد حتّى تجهز عليه(١٢٨).
كان تصوُّر السلطات العباسية أنَّ أهل هذا البيت (عليهم السلام) يشكِّلون خطراً على مُلكهم الذي انتزعوه من بني مروان وأتى بمساعدة الفرس الناقمين على العرب والحكم العربي لجورهم وعنجهيتهم الفارغة، وقد أجروا بحاراً من الدماء.
إنَّ المؤسس الحق لدولة بني العباس هو أبو جعفر الدوانيقي الملَّقب بالمنصور، وكان شحّاذا يستعطي ويستعطف الناس باسم أهل البيت (عليهم السلام) في العصر الأموي، وكان كتلة من الحقارة والقذارة والدناءة والشح لم تكن في غيره من الخلفاء الذين سبقوه ولا في الذين أتوا من بعده، وقد سلَّ سيفه على خصومه يضرب بعنف كل من يشم منه رائحة المنافسة حتّى أنّه لم يبقِ على عمِّه عبد الله بن علي قاتل مروان الحمار ولا على أبي مسلم المروزي مقوض دولة بني مروان، فالبداية كانت مع بني أمية والنهاية مع أهل البيت (عليهم السلام) وذراريهم وأتباعهم، وقد قَتل خلال فترة حكمه المئات من بني فاطمة الزهراء (عليها السلام) - باعترافه هو - وأتمَّ جرائمه باغتيال إمام عصره سيِّد السادات وصي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) السادس جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) بالسّم وهي وسيلة الحُكّام القذرة للتخلُّص من الخصوم والمنافسين، ولعلَّ آل مديتشي وآل بورجيا تعلَّموا منه ومن ورثته ومن حُكّام العرب هذه الوسائل الخسيسة فابتدعوا القتل بالسموم البطيئة.
كان الإمام الصادق (عليه السلام) ممثِّلاً للإسلام الحقيق الذي أراد دثره حُكّام السقيفة وبنو أمية ومن بعدهم بنو العباس وقد أتيح له المجال وضعف الرقابة عليه وعلى والده الباقر (عليه السلام) لتضعضع دولة الأمويين وانشغال الدولة الجديدة بتوطيد أركانها فراح ينشر علوم آل محمد (عليهم السلام) وخصوصاً في مسجد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فحضر دروسه ومحاضراته جمع كبير من العلماء والرواة والمحدِّثين حتّى بلغ عدد تلامذته أربعة آلاف، وقد ألَّف البعض منهم الأصول الأربعمائة كتابةً مباشرةً من لسانه وروايته عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآبائه المعصومين (عليهم السلام)، وقد تصدّى من بعدهم من جمعها في الكتب الأربعة الكافي للكليني وما لا يحضره الفقيه للصدوق والتهذيب والاستبصار للطوسي.
وكان من جملة من حضر مجالس الإمام الصادق (عليه السلام) أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي الفارسي ومالك بن أنس المولى الأصبحي وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري وغيرهم.
ولكن لم يشفع علم وتقوى وابتعاد جعفر بن محمد (عليه السلام) عن السياسة عند أبي جعفر ذاك، فالمُلك عقيم وخصوصاً حين يتربَّع على دسته شحّاذ دنيء قميء قضى عمره في الشحاذة والاستعطاء مثله.
ومن زاوية أخرى فإنَّ أبا جعفر المنصور هو المؤسس الحق للمذاهب الإسلامية من مدرسة الصحابة والتي تحمل اسم أهل السنة(١٢٩)، وذلك لأنَّه رأى التفاف الجماهير حول أهل البيت (عليهم السلام) وخصوصاً الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فخاف على مُلكه وكان رجلاً ماكراً فوجد أنَّ خير وسيلة للتخلُّص منهم بعد قتلهم هي بصرف الناس عنهم إلى أُناس اشتهروا بالعلم، فحرَّكهم ليكونوا البديل عن أهل البيت (عليهم السلام)، فأوحى لمالك بن أنس بكتابة كتابه الموطأ وكان يجلس في مجلسه عند ذهابه للحج وقد أطلق عبارته الشهيرة:
(لا يفتين أحد ومالك في المدينة)(١٣٠).
ومعنى ذلك تهديد خفي للإمام الصادق (عليه السلام) الذي كان متصدِّياً للإفتاء حينها.
لقد انفتحت شهية بني العباس لقتل آل أبي طالب وخصوصاً العلويين، ولم تمنعهم القرابة وصلة الرحم من الفتك بهم بمذابح جماعية مروَّعة، وقد تفنَّن بنو العباس بأساليب القتل من قتل بالسيوف والرماح واغتيال بالسم ودفن للأحياء والبناء عليهم بأسطوانات بغداد، فشرد من آل أبي طالب من شرد حتّى بلغ البعض منهم الصين شرقاً وإلى المغرب والأندلس غرباً.
لقد انفجر العلويون بثورات عارمة نتيجة الظلم الذي لحق بهم وبالمسلمين من قبل بني عمومتهم فكانت ثورة الأخوين محمد وإبراهيم ولدي عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط (عليه السلام) حيث قُتل أولهما بأحجار الزيت قرب المدينة والثاني بناحية باخمرا قرب الكوفة.
لكن أعظم ثورة عقائدية بعد ثورة الحسين الشهيد (عليه السلام) سبط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي ثورة الحسين بن علي الخير بن الحسن المثلث بن الحسن المثنى بن الحسن السبط (عليه السلام) الذي رفع شعار الرضا من آل محمد وإلى العودة لحُكم القرآن وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكان هذا السيد عابداً زاهداً وَرِعاً تقيّاً غضب لله واستشهد في سبيل الله حتّى أبَّنه إمام عصره موسى بن جعفر (عليه السلام) حيث قال: «ما كان لنا مصرع بعد الطف أعظم من فخ»(١٣١).
وفخ هي المعركة التي استشهد فيها هذا البطل الفاطمي، وهو واد قرب مكة المكرمة في يوم التروية أي الثامن من ذي الحجة، والمصادفة العجيبة بين وقعتي الطف وفخ أنَّ كِلا الثائرين اسمه الحسين بن علي وكلِا الناطقين بلسان الثورة اسمه زينب بنت علي، وزينب بنت علي الثانية هي شقيقة الحسين بن علي الخير وقد أخذت سبيَّة إلى جبّار بني العباس موسى الهادي.
لقد قطعت رؤوس العلويين ورفعت فوق أسنَّة الرماح وسيقت نساؤهم سبايا وعلى رأسهم تلك العلوية الفاضلة سيدة نساء عصرها زينب بنت علي الخير إلى ذلك العتل الذي لم يطل مكثه في السلطة إلّا قليلاً حيث تمَّ الإجهاز عليه من قبل أُمِّه الخيزران وأخيه هارون.
وحين آلَ الحكم إلى مثقَّف بني العباس المأمون بن هارون الرشيد تفتقت قريحته عن تدبير شيطاني لم يعرف سابقاً من آبائه الطواغيت، وهو إشخاص الإمام المعصوم من موطنه وموطن آبائه ومدينة جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجعله على مقربة منه حتّى تسهل مراقبته ومراقبة قواعده الشعبية، ومن ثم قطع علاقته بالناس، فأشخص الإمام الرضا (عليه السلام) من المدينة المنورة إلى مقرِّ حكمه مرو في خراسان وقام بتأليف مسرحية قذرة أسماها ولاية العهد وأجبر الإمام الرضا (عليه السلام) على قبولها لكي يمتص الغضب الشعبي على حكم بني العباس ولتجريد العلويين الثائرين على حكمه من سلاحهم عبر قبول إمامهم أن يكون ضمن منظومة الحكم العباسي باعتباره وليّاً للعهد، وقد عرف الإمام (عليه السلام) ذلك فجرَّد المأمون من سلاحه هذا برفضه القيام بأي نشاط حكومي أو إداري بحكم منصبه ولاية العهد.
لقد ثار العلويون في العراق والحجاز واليمن وسيطروا على مساحات شاسعة، وثار العباسيون أيضاً على المأمون في بغداد خالعين المأمون مبايعين الخليفة المغني إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة وهي أَمَة سوداء وكان أسوداً مثلها، وحين استطاع المأمون إخماد تلك الثورات بوسائل بني العباس المعروفة وأخطرها ثورة أبي السرايا الشيباني في العراق التفت للإمام الرضا (عليه السلام) فقتله بالسم كعادة آبائه الغابرين وزحف على بغداد واستولى عليها، ثم جلب الإمام الجواد (عليه السلام) إلى بغداد وزوَّجه بابنته الخبيثة (أُم الفضل) التي هي الأخرى أجهزت على زوجها بالسم بالاتفاق مع عمِّها المعتصم بن هارون.
والحقيقة التاريخية المؤلمة أنَّ جميع المعصومين (عليهم السلام) في الفترة العباسية قُتلوا بالسم حتّى ورد عن الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّه قال في مرضه الذي توفّي فيه: «... والله إنَّه لعهد عهده إلينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنَّ هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً من ولد عليٍّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، ما منّا إلَّا مسموم أو مقتول...»(١٣٢).
وكانت السلطات العباسية بأشد حالات الخوف من الإمام الثاني عشر وهو المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) لأنَّها تعلم جيِّداً أنَّه الذي سيقضي على دول الطغاة، ولا توجد دولة أطغى من دولتهم، ولم يأت ذلك عن تخمين أو ظن وإنَّما كان ذلك عن يقين لأنَّها على علم بالأحاديث الواردة بشأنه قبل ولادته بقرون لذلك زادت وتيرة ضغطهم على الإمام العسكري (عليه السلام) وإحصاء أنفاسه عليه، وذلك بدسِّ جواسيسها من النساء في بيته، ورغم ذلك فقد ولد الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وترعرع مع علم السلطات العباسية ذلك، فحاولت قتله وهو في حياة أبيه فردَّ الله كيدها بنحرها بمعجزة ربانية ذكرناها في كتابنا شاهد العصور.
وقد حاولت السلطات تلك القضاء على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) بعد استشهاد أبيه العسكري (عليه السلام) واستعانت حتّى بعمِّه المسمّى جعفر الكذّاب، وكان جعفر هذا معروفاً بالانحراف حتّى إنّ أباه الهادي حذَّر منه، وقد فعل الأفاعيل من الاستيلاء على أموال وتركة ابن أخيه وأُم أخيه المعروفة بالجَدَّة، بل قام بتشريدهم وملاحقتهم وبأفعال لا يقوم بها علوي.
وحالة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مشابهة لحالة نبي الله موسى بن عمران (عليه السلام)، فكلاهما تعرَّضا للملاحقة منذ ولادتهما من طواغيت عصريهما، وقد ردَّ الله على تحدِّيهم بتحدٍّ أكبر ومكرٍ أعظم، فجعل فرعون مربِّياً لموسى (عليه السلام) وراعياً له...
وكانت المواجهة بين ذلك الصبي ذي السنوات الخمس المفجوع بأبويه وبين السلطات الحاكمة كبيرة وبتحدٍّ لها بحيث أنّه نصب نوّابه الأربعة في عاصمتها بغداد.
واستمرَّ عمل هؤلاء لسبعين سنة تقريباً أي بين القرنين الثالث والرابع الهجريين وهي الفترة المسمّاة بالغيبة الصغرى حيث أرسى قواعد الوكالة العامة عنه والتي أصبحت من مهام العلماء الربانيين:
«وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله عليهم»(١٣٣).
وقد يتصوَّر البعض أنَّ النيابة العامة ابتدأت بمنشور الإمام (عجّل الله فرجه) المذكور، وهذا خطأ، لأنَّ أبا الإمام وهو الإمام الحسن الزكي العسكري (عليه السلام) قال: «فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه»(١٣٤).
وقبل ذلك كان جدُّه الإمام الصادق (عليه السلام) قد وضع حجر الأساس للمرجعية: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فلترضوا به حكما، فإني قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنما بحكم الله استخف، وعلينا رد والراد علينا كالراد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله»(١٣٥).
وقد قلنا في أماكن عديدة: إنّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لم يكن منفصلاً عن قواعده في الغيبة الكبرى، وقد حفلت كتب كثيرة بلقاءاته بقواعده الشيعية بمختلف العصور(١٣٦).
وهنا يتَّضح لنا بعض أسرار الغيبة الكبرى، وبمعنى أوضح كانت الغيبة وسيلة ربانية لحماية وليِّه من الطغاة ولاسيما أنَّه خاتم الأوصياء إذ لا وصي بعده من جهة، ومن جهة أخرى ما حصل لآبائه (عليهم السلام) من قتل بالسيف أو بالسم، فالطغاة لا يترددون لحظة واحدة بتصفيته.
قلنا فيما سبق: إنَّ المعجزة الإلهية لا تتدخل إلّا في حالات الحفاظ على الشريعة أو على القائمين عليها من المنتجبين من الله، وهكذا تحرَّك النصر والتأييد الإلهي فحفظ وليَّه.
ومع ذلك فإنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) في غير ذلك يعيش حياة طبيعية يختلط بالناس ويلتقي بهم ولكن لا يكشف هويته ولا يدع أحداً أن يعرفه.
وقد يقول البعض: إنَّ الإمام (عجّل الله فرجه) قد يكون انعزل عن الناس ومفاسدهم في مكان قصي، معتكفاً على العبادة هاجراً للحضارة والمدنية والمجتمعات وشرورها وانحرافاتها وخصوصاً في عصرنا هذا، بيد أنَّ واقع الأحداث التي مرَّت ينفي ذلك، فالإمام يتحرك باستمرار بكل بقاع الأرض، فقد يقيم في هذا البلد أو ذاك لفترة زمنية أو يكون له عدَّة أماكن يقيم فيها، على هيئة تاجر أو بزاز أو حرفي.
ولكن هل إنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) غاب بمحض إرادته؟
إنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هو عبد الله وخليفة الله وخليفة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا يقول ولا يفعل شيئاً إلّا بإذن الله وإذن رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فعمله وسلوكه وقوله نص شرعي حاله حال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فغيابه إذن بأمر الله وأمر رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
«والذي بعثني بالحق بشيراً ليغيبن القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي حتّى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجة، ويشك آخرون في ولادته، فمن أدرك زمانه فليتمسك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلاً بشكّه فيزيله عن ملّتي ويخرجه من ديني، فقد أخرج أبويكم من الجنة من قبل، وإن الله (عزَّ وجلَّ) جعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون»(١٣٧).
إنَّ المتمعِّن في هذا النص ليجده خطيراً جدّاً ومخيفاً في نفس الوقت ويجد فيه أموراً:
منها: أنَّ غيبة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي بأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاءه عن طريق آبائه المعصومين (عليهم السلام) وهي طويلة بحيث يتقوَّل أغلب الناس بأنَّه انتفت الحاجة لآل محمد (عليهم السلام).
ومنها: أنَّه يشك آخرون بولادته فينفون أنَّه وُلِد ويزعمون بأنّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مات عقيماً.
ومنها: حثّ المؤمنين على التمسك بدينهم وأن لا يشكّوا بالإمام المهدي (عجّل الله فرجه) لأنَّ الشك من الشيطان وأنَّه يزيلهم عن ملَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويخرجهم من دينه، ومثلما أخرج آدم وحواء من الجنة فإنَّ الشيطان يريد أن يخرج المؤمنين من ولاية آل محمد (عليهم السلام) إلى ولايته وولاية أشياعه الذين هم أولياء للذين لا يؤمنون.
وقد يسأل البعض عن علَّة غيبة الإمام (عجّل الله فرجه).
وللإجابة على ذلك فإنَّ هناك عللاً ظاهرية وأخرى باطنية، قد انكشف بعض العلل الظاهرية وبقي الأكثر إلى حين ظهوره.
عن جدِّه الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلَّا أن تجري فيه سنن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وإنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم»، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي سنن من كان قبلكم»(١٣٨).
وهذه ثانية من العلل الظاهرية، وعن موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام): «فُقِدَ الْخَامِسُ مِنْ وُلْدِ السَّابِعِ فَالله الله فِي أَدْيَانِكُمْ لَا يُزِيلُكُمْ عَنْهَا أَحَدٌ يَا بُنَيَّ إِنَّه لَا بُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ حَتَّى يَرْجِعَ عَنْ هَذَا الأَمْرِ مَنْ كَانَ يَقُولُ بِه إِنَّمَا هِيَ مِحْنَةٌ مِنَ الله (عزَّ وجلَّ) امْتَحَنَ بِهَا خَلْقَه لَوْ عَلِمَ آبَاؤُكُمْ وأَجْدَادُكُمْ دِيناً أَصَحَّ مِنْ هَذَا لَاتَّبَعُوه»(١٣٩).
وبيَّن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) علَّةً أخرى: «أنا القائم بالحق ولكن القائم الذي يطهِّر الأرض من أعداء الله ويملأها عدلاً كما ملئت جوراً، هو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفاً على نفسه، يرتد فيها أقوام ويثبت فيها آخرون»(١٤٠).
وهنا تتَّضح الصورة بعض الشيء، فإنَّ للغيبة عللاً ذكر الأئمة المعصومون (عليهم السلام) بعضها وأغفلوا أكثرها لحكمة رأوها.
والآن علينا الإجابة على السؤال الذي تصدَّر هذا الفصل فنقول بعون الله وتسديده:
إنَّ وجود الإمام ضرورة كونية لابد منها لأنَّه العلة الغائية للوجود، فلولا وجوده لانتثر نظام الكون وتدمَّر كل شيء فيه ولقامت القيامة ولوضع الميزان لحساب الخلق، ولكن التخطيط الإلهي أنَّه يجب قبل القيامة أن يتحقق الفردوس الأرضي وذلك عن طريق تطبيق ما شرَّعه الله بيد رجل إلهي منتخب من الله فأصبح وجوده واجباً وظهوره واجباً وتمكينه في الأرض واجباً، وبما أنَّ مقدمة الواجب واجبة فإنَّ بقاءه واجب، من باب قاعدة اللطف الإلهي، لذا فهو علة غائية لوجود الوجود وقد أوكلت مهمة تطبيق الأطروحة الإلهية للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ولإنشاء المدينة الفاضلة التي ستكون قريبة من جنَّة آدم وحوّاء وتم تحديد ساعة الصفر لظهوره في غيب الله لا يعلمها حتّى الملائكة المقرَّبون، وجعلها الله مرادفة ليوم القيامة ومقدِّمة له، ولذا مدَّ الله في عمره إلى ما يشاء، لأنَّ الله ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ (الأنبياء: ٢٣)، ويسبق حركته أن تصل البشرية في مستقبلها إلى حالة ضيق شديدة بحيث تتطلَّع إلى منقذ ومخلِّص.
فحينما بدأ تاريخ البشرية بآدم (عليه السلام) وما حصل له من حسد وعداء إبليس كان الله قد رسم الخطوط العريضة لمسيرة التاريخ بقوله:
﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠).
صحيح أنَّ آدم (عليه السلام) كان خليفة الله في الأرض ولكن حسب قاعدة خصوص المورد لا يخصّص الوارد، ويعني أنَّ المقصود بكلمة خليفة بالتنكير دلالة على أنَّ المقصود بذلك هو شخص يتحقَّق على يده البرنامج الإلهي الكامل لتكامل الإنسانية، وقد ورد في أحداث آدم (عليه السلام) وإبليس وما حصل عليه إبليس النظرة من الله ولكن لم يعطه ذلك إلى يوم القيامة وإنَّما إلى عصر ظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الذي سيأمر بإلقاء القبض عليه وضرب عنقه ثم إرسال روحه النجسة إلى سقر(١٤١).
قد يقول البعض: إنَّ ما ذكرته هو ترجيح من غير مرجح، وذلك أنَّ الآيات كانت بمعرض خلق آدم (عليه السلام) وكشف زيف وعصيان إبليس، وكل ذلك صحيح، ولكن القاعدة المزبورة حاكمة في موارد كثيرة لا مجال لذكرها ومن جملتها هذا المورد.
وبما أنَّ الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وارث لكل الأنبياء والمرسلين (عليهم السلام) بآمالهم وعذاباتهم وظلاماتهم، فلابد أنْ يرث غيباتهم، ولابد من إعطاء كل فئة ترفع شعار تحقيق العدالة المجال لتحكم وتطبِّق مناهجها حتّى تثبت بالدليل العملي إفلاسها، فهو الثائر باسم الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) وباسم جدِّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وباسم دم أبيه المظلوم الحسين (عليه السلام).
لقد ذكرنا من قبل أنَّه عندما تتوفَّر الشروط الثلاثة فإنَّه يتحقق الظهور المقدَّس ومن خلال وصول البشرية إلى حالة اليأس من كل المناهج المطروحة المطبقة وهي عملية طويلة شاقة مؤلمة.
فالغاية من غيبة الإمام هو تطبيق شرع الله الذي عطَّله انقلاب السقيفة المشؤوم.
وهنا أختم هذا الفصل بهذا الحديث النوراني الوارد عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنّه سأل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته؟
فقال: «أي والذي بعثني بالنبوة إنَّهم لينتفعون به ويستضيئون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإنْ جلَّلها سحاب»(١٤٢).

* * *
الفصل الثامن: التوقيت وساعة الصفر

من طبيعة الإنسان التوجُّس والتخوُّف ممّا قد يحدث له في المستقبل، ولأنَّ لديه توقعاً للعيش أقصى ما يمكن من السنين وبراحة فإنَّه يتطلَّع لمعرفة ما هو مخبوء له في المستقبل، وقد استغلَّ الدجَّالون والنصَّابون والمحتالون والكذَّابون والعرَّافون ومن يدّعون القدرة على التنبؤ بالمستقبل ذلك، للحصول على منافع مادية ومعنوية، وقد أصَّل ذلك بعضهم بما يسمى بعلم الباراسيكولوجي، ودخل على الخط بعض من يدَّعي علم الرمل والجفر وعلم الحروف قديماً وحديثاً.
وقد ازدهرت هذه السوق في كل مصر وعصر، فكان الخلفاء والملوك الغابرون لا يتحرَّكون إلّا بمشورة العرَّافين والمنجِّمين، وحتّى في عصرنا هذا فقد ذكر أنَّه كان لهتلر عرَّاف يستشيره وكذلك الحال بالنسبة لصدّام طاغوت العراق الذاهب.
وأشدّ ما يخاف منه المرء أنْ تكون حياته ومصالحه ومكانته في معرض الخطر، فيدور في خُلده أنَّه بمجرد أنْ يعرف ما يهدِّده في المستقبل فإنَّه يستطيع تغيير ذلك أو تلافيه ببعض التدابير.
ولقد استخدم الطواغيت والحُكّام قديماً وحديثاً العرّافين والمنجِّمين والسَّحَرة لمعرفة ما يخبِّئه الزمن لهم في المستقبل فيأخذون حذرهم، ولعلَّ قصة إبراهيم الخليل (عليه السلام) مع طاغية عصره النمرود وقصة موسى بن عمران (عليه السلام) مع فرعون، أبرز أمثلة على ذلك وخصوصاً موسى (عليه السلام) وما جرى من أحداث قتل المواليد من بني إسرائيل في سَنة ولادته، وكان هدف فرعون التخلُّص من المولود المرتقب الخطر على حياته وسلطته.
والطواغيت والحُكّام الظلمة جهلة وأغبياء وذلك بسبب تصوُّراتهم عن إمكانية تغيير مصائرهم فيما إذا عرفوا ما سيحدث لهم في المستقبل فيحاولون القيام ببعض التدابير للتخلُّص من قدرهم المحتوم، وهم بذلك يقفون أمام الإرادة الإلهية التي اقتضت ما سيكون ويحدث لهم، ولم يعلموا أنَّ مكر الله أقوى وأشد من مكرهم: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (الأنفال: ٣٠).
وحين فعل ما فعل فرعون من قتل الأطفال والمواليد الجدد بحثاً عن موسى (عليه السلام) فإنَّ الله قال لفرعون بلسان الحال:
بما أنَّك قتلت الكثير من المواليد الأبرياء للتخلُّص من موسى، فإنّي سأجعله يعيش في قصرك ويدرج في حجرك ويعبث بلحيتك.
كما قلنا: إنّ الطواغيت زمر من الأغبياء ساعدتهم الظروف للوصول إلى سدَّة الحكم، وإلّا ما قيمة بعض الأشخاص حتّى يصبحوا خلفاء للمسلمين، من حيث العلم والفهم والأخلاق والمكانة الاجتماعية، وإنَّما الغدر والخيانة وانعدام الإيمان هو من أوصله إلى ما يريد.
لا نريد الإسهاب عن مثل هذه الشخصية التي كانت السبب الأساس بتدهور الإسلام وتمزُّق المسلمين إلى فِرَق وأحزاب فلنا وقفة طويلة معه إنْ وفَّقنا الله تعالى، فهؤلاء الحُكام يصابون بأشبه حالة سعار اتِّجاه من ينتقدهم فيحسبون كل شخص يبين أخطاءهم يريد أنْ يستلب صولجان الحكم منهم فيقتلون ويسجنون ويشرِّدون من يخافون منه، وهذه الحالة واضحة عند حُكام العرب قديماً وحديثاً، ولهذا طوى الله سجلّ الغيب عن جميع خلقه ماعدا المقربين لكي لا تمتد أيادي الظلمة لأوليائه.
وقد كان القرآن الكريم حازماً بموضوع الغيب ومعرفة المستقبل فالغيب كلُّه لله ولا قابلية لأي بشر على معرفة الغيب استقلالاً عن الله وإنَّما يكون ذلك بإذنه لمن ارتضى من عباده: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ﴾ (الجن: ٢٦ - ٢٧).
وينتظم بمساحة الغيب الإلهي ما سيحدث بالحركة المهدوية المقدسة.
إنَّ من أعظم الأحداث المستقبلية وأخطرها التي أخبر عنها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعترته الطاهرة (عليهم السلام) فيما أخبر هو عن الحركة المهدوية وثورة حفيده المهدي (عجّل الله فرجه) في آخر الزمان، فقد تمَّ الإخبار عن اسمه واسم أبيه واسم أُمِّه وصفاته الخَلقية والخُلقية قبل ولادته الميمونة بنحو قرنين ونصف من الزمان وحتّى عن المكان الذي يخرج فيه ويعلن عن ثورته العالمية، وفي ذلك من أعظم الدلائل على صدق نبوة محمد بن عبد الله سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فليس بإمكان أي شخص عدا المعصوم الإخبار عمّا سيحصل في المستقبل بثوان، وقد وردت في المهدي أحاديث كثيرة عند كافة المسلمين أكانوا من الشيعة أو المذاهب الأشعرية أو الخوارج وحتّى النواصب وهو محل إجماع لم يحصل على غيره واتَّفق الجميع على أنَّه سيخرج آخر الزمان رجل من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من ولد علي وفاطمة (عليهما السلام) وأنَّه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملأت ظلماً وجوراً، بل لقد وصل الأمر عند مدرسة الصحابة إلى تكفير المنكر للمهدي (عجّل الله فرجه).
«من أنكر المهدي فقد كفر»(١٤٣).
وذلك لأنَّ الإخبار عن وجود الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وحركته فوق التواتر فإنكار الحديث المتواتر هو إنكار لضرورة من ضرورات الدين وهو كفر ومروق بين.
لهذا فقد انصبَّ اهتمام الموالين والمعادين على محاولة معرفة تاريخ ظهوره - أي توقيت الحركة أو ساعة الصفر - وحاول الكثير وخصوصاً الصوفية والعرفانيين الذين يدّعون الكشف والعرفان ذلك أمثال محي الدين بن عربي الصوفي المشهور حيث قال:

إذا دار الزمان على حروف * * * ببسم الله فالمهدي قاما

وكان يقصد بذلك حساب أحد الآيات القرآنية بالأبجد واستخراج قيمتها العددية والتي تشير إلى تاريخ الظهور، وهي تخرُّصات لا قيمة لها.
إنَّ الخطر على الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وحركته يكون في الكشف عن تاريخ أو توقيت ذلك وحتّى على المؤمنين الموالين للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ومن أنصاره الخُلَّص ومن جنوده الأبرار، لأنَّ انكشاف موعد أو وقت الظهور - أي ساعة الصفر - بمكان معروف يؤدِّي إلى قيام قوى الكفر العالمي والنفاق العربي وطواغيت الأُمَّة إلى الاتِّحاد بينهم وتشكيل حلف عريض ومن ثم القيام بحركة استباقية إجهاضية تقضي على الحركة وقائدها قبل أو أثناء أو بعد تحرك الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وأنصاره.
ولا يقتصر ذلك على الحركة ذاتها وإنَّما تتعدّاها إلى تدمير الأماكن التي تنطلق منها أو تكون قاعدة لها بإدخالها بحروب متكرِّرة وأزمات مستمرة تستنزف مواردها المالية والبشرية، وحتّى القيام باحتلال بلد محدد بشتّى الذرائع والبركة بالخونة من هذه الأُمَّة الذين يساعدون أعداءها في ذلك.
إنَّ جميع المؤمنين منذ حصول الغيبة الكبرى وهم بحالة إنذار قصوى يترقَّبون ساعة الصفر، وكل مؤمن في كل عصر قد أعدَّ نفسه للمواجهة القادمة مع قوى الكفر والنفاق، فالمؤمن في القرن الرابع الهجري مثل المؤمن في القرن الخامس عشر الهجري كلاهما في ترقُّب وانتظار، وفي ذلك ربط عقائدي وروحي بقائده الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، ولذا حثَّ الأئمة (عليهم السلام) على هذه الحالة الجهادية، فهذا الإمام الصادق (عليه السلام) كان يقول: «ليعدنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً، فإنَّ الله تعالى إذا علم ذلك من نيَّته رجوت لأن ينسئ في عمره حتَّى يُدرِكه، فيكون من أعوانه وأنصاره»(١٤٤).
فلو حصل وانكشف موعد الظهور للمؤمنين، فما الذي سيحصل؟
سيصاب المؤمن البعيد عن عصر الظهور باليأس والإحباط ممّا يؤدّي إلى حصول حالة خلل ببُنيتِه الإيمانية فيتجرّأ البعض على الانحراف والمعاصي، وقد يرتد البعض الآخر عن عقيدته المهدوية أو دينه.
وأمّا من هو في عصر الظهور فقد يصاب بالهوس والاندفاع ومحاولة الخروج والثورة قبل الأوان واستعجال الأمر، فيترك التقيَّة ويكون مكشوفاً أمام الأعداء فيكون صيداً سهلاً لهم.
ولهذا يجب أنْ يكون موعد الظهور مجهولاً لا يتاح لأيِّ أحدٍ معرفته خلا المعصوم، أمّا محاولة بعض العرّافين والدجّالين وحتّى بعض المؤمنين تحديد ساعة الصفر فهي محاولة بائسة وكذب وافتراء وتخريف، على ان الله تعالى - وحسب ما روي عن بعض المعصومين (عليهم السلام) أبى إلّا أن يُخطّئ توقيت المؤقتين(١٤٥).
نعم، لقد بيَّن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعترته الطاهرة المعصومة (عليهم السلام) صفات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) الخَلقية والخُلقية وعلامات ظهوره البعيدة والقريبة لئلّا تشتبه الأمور على المؤمنين الموالين فينحرفون مع التيارات المنحرفة التي ستظهر هنا أو هناك رافعة لواء الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فقد ورد أنَّه سيخرج قبل الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) نحو اثني عشر دجّالاً من آل أبي طالب كل يدَّعي أنَّه المهدي الموعود أو أنَّه نائبه(١٤٦).
فحين تتحقَّق بعض العلامات القريبة من الظهور كالصيحة السماوية وخسف بقرية حرستا في سورية ومعركة قرقيسياء فإنَّه تتكون في قلب المؤمن الثقة بأنَّه أمام الثورة المهدوية العالمية المبشر بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام).
ومع ذلك فإنَّه على المؤمن أنْ يؤمن بقاعدة المحو والإثبات الإلهية (البداء) فإنَّ الله يقول: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٣٩).
هذه القاعدة تشمل كل شيء.
المحتوم وغير المحتوم، ولا تشمل الموعود به لأنَّه خارج عنها، وحتّى حركة السفياني التي استفاضت الأخبار بحتميتها فإنَّها خاضعة للقاعدة المذكورة:
إذا كانت في الشام هدَّة فلا سفياني ولا بيداء(١٤٧).
فما يحصل في الشام في العصور هذه لم يكن مثله سابقاً.
إنَّ الحركة المهدوية المقدَّسة هي أمل كل الأنبياء والأولياء والمصلحين والبشرية كلها.
أمل الفقراء والمساكين والمظلومين في كل أنحاء الأرض.
وهي من الضخامة والخطورة بحيث تعد من أيام الله، وما أدراك ما أيام الله؟
أيام الله التي وردت بقوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ﴾ (إبراهيم: ٥).
عن مثنّى الحناط أحد أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) عن الإمام الباقر (عليه السلام): «أيام الله ثلاثة، يوم يقوم القائم ويوم الكرَّة، ويوم القيامة»(١٤٨).
إنَّ يوم القائم يمتد إلى يوم الكرَّة - أي الرجعة - ويوم الكرَّة يمتد إلى يوم القيامة بسلسلة أحداث كبرى وفي فترات زمانية لا يعلمها إلّا الله تعالى ولخطورة هذا اليوم فإنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: «لا تذهب الدنيا حتّى يقوم بأمر أُمَّتي رجل من ولد الحسين يملأها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(١٤٩).
لذا فإنَّه غيبٌ في غيب، وما كان الله ليُطلِعَ على غيبه أحداً من خلقه إلّا من ارتضى من رسول، فالمهدي خليفة الله في أرضه وحجة الله على خلقه وصراط الله الذي يسلكه المؤمنون، وهو الغصن المتفرع من دوحة سيد المرسلين، وعلى يده سيتحقَّق أمل الماضين والحاضرين، فيبني دولة العدل الإلهي الحقة، قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يقتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة، ثم لا تصير إلى واحد منهم، ثم تجيء الرايات السود فيقتلونهم قتلاً لم يقتله قوم، ثم يجيء خليفة الله المهدي، فإذا سمعتم به فأتوه وبايعوه فإنَّه خليفة الله المهدي»(١٥٠).
وفي هذا الحديث الشريف ذكر الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مرَّتين بأنَّه خليفة الله ممّا يعطي دلالة كم أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مهتم أشدَّ الاهتمام بولده وقرَّة عينه المهدي (عجّل الله فرجه).
وهنا تصبح الصورة أكثر وضوحاً بالنسبة لمسألة التوقيت، فقد كان المعصومون (عليهم السلام) حازمين اتجاهه ابتداءً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وانتهاء بالمهدي (عجّل الله فرجه) نفسه باعتباره غيباً، بل اتَّهموا من يوقِّت بالشرك بالله كما مرَّ، فخروج الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) مسألة خطيرة وسرٌّ من أسرار الله، والله لا يفشي أسراره إلّا لمن يحب وليس هناك من هو أحب إلى الله من محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته الأطهار (عليهم السلام).
عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «يَا ثَابِتُ إِنَّ اللَه تَبَارَكَ وتَعَالَى قَدْ كَانَ وَقَّتَ هَذَا الأَمْرَ في السَّبْعِينَ فَلَمَّا أَنْ قُتِلَ الْحُسَيْنُ (صَلَوَاتُ اللَه عَلَيْه) اشْتَدَّ غَضَبُ اللَه تَعَالَى عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَأَخَّرَه إِلَى أَرْبَعِينَ ومائَةٍ، فَحَدَّثْنَاكُمْ فَأَذَعْتُمُ الْحَدِيثَ فَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ السّتْرِ ولَمْ يَجْعَلِ اللَه لَه بَعْدَ ذَلِكَ وَقْتاً عِنْدَنَا و﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]»(١٥١).
وهذا الحديث يبيِّن بأنَّ الحسين (عليه السلام) كان هو القائم الذي على يديه تقام دولة العدل الإلهي، ولكن تغيَّر ذلك لأنَّ الأُمَّة غدرت به وقتلته ظلماً وعدواناً فأخَّر إلى حفيده الصادق (عليه السلام) الذي كان معاصراً لأربعين ومائة من الهجرة، وحينما حصل انفتاح ومجال لأهل البيت (عليهم السلام) لنشر العلوم الحقَّة، وفيها بعض الأسرار التي أُسِرَّت لبعض الشيعة والتلامذة، لم يتحمَّلوا ذلك فأذاعوها وحدَّثوا بها، وبذلك أثبتوا أنَّهم غير أهلٍ لحمل أعباء الثورة المهدوية العالمية، فأُخِّرت إلى أجل لا يعلمه إلّا الله تعالى.
قد يقول البعض: إنَّه قد جاء النص على المهدي الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو المهدي والقائم، فكيف يكون الحسين (عليه السلام) قائماً يتم على يديه كل ذلك؟
وحقيقة هذا السؤال تنمّ عن غفلة السائل، فالمعصومون (عليهم السلام) مهديون بأجمعهم وقائمون بالحق، ولدى كل واحد منهم إمكانية إقامة دولة العدل الإلهي ابتداءً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مهدي وقائم بالحق، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) مهدي وقائم بالحق وهكذا إلى الإمام الأخير (عجّل الله فرجه)، فلو أُتيح لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المجال وبسطت له الأمور ولم تعجل عليه قريش بقتله بالسم لأقام الدولة الإلهية، وكذلك الحال بالنسبة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي لم تمهله قريش ومنافقو العرب لحظة واحدة وإنَّما أشغلوه بحروبهم الثلاثة وأنهو صراعهم معه بقتله بمحراب صلاته.
عن الإمام الحسين بن علي (عليه السلام) قال: «منا اثنا عشر مهدياً، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم التاسع من ولدي، وهو القائم بالحق»(١٥٢).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «منا اثنا عشر مهديا مضى ستة وبقى ستة، يصنع الله بالسادس ما أحب»(١٥٣).
لقد كان مقدَّراً أنْ ينهض الإمام الصادق (عليه السلام) بالمهمة الإلهية، بيد أنَّ بعض شيعته وبعض تلامذته أفشو أسراراً وأحاديث لا ينبغي أنْ تُفشى وتُذاع وتصل إلى أسماع الآخرين وخصوصاً السلطة العباسية الناشئة توّاً على أنقاض دولة بني مروان، فأثبتوا عدم جهوزيَّتهم وأهليَّتهم إضافةً إلى قلَّة عددهم في ذلك المجتمع المطبق على الانحراف، فبدأتْ قاعدة المحو والإثبات بالعمل فأخَّر تطبيق الأُطروحة الإلهية إلى أجل لا يعلمه إلّا الله وأوكلت المهمة للإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وهو الوصي الثاني عشر لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولو قُدِّر للإمام الحسين أو الإمام الصادق (عليهما السلام) أن يقوم كل واحد منهما بثورته وينجح بإقامة دولة وبسطت له اليد لقام بتطبيق شرع الله، ومن ثم سلَّمها لمهدي آخر يأتي بعده وهكذا.
نعم، إنّه في علم الله تعالى أنَّ الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً هو الإمام الثاني عشر (عجّل الله فرجه) لأنَّ الله يعلم أنَّ هذه الأُمَّة ستبقى على عصيانها وانحرافها عن جادَّة الصواب منذ استشهاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فالانحراف بدأ بعد يوم الغدير حينما اجتمعت بطون قريش ووضعت معاهدة لانتزاع السلطة من بني هاشم.
فقريش على طريقة بني إسرائيل فتحت باباً كبيراً للفتنة والانحراف مازال إلى يومنا هذا هو باب (جواز الاجتهاد مقابل النص) وتغليب المصلحة على النص أيضاً فيما إذا رأى الحاكم ووعّاظه الفائدة بذلك.
وقد مرَّ بنا كيف أنَّ طواغيت الأُمَّة وورثة قريش ناصبوا أهل البيت (عليهم السلام) العداء فقتلوهم وشرَّدوهم وعذَّبوهم لمجرد أنَّهم ادَّعوا وراثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فكيف إذا استفاضت الأخبار عن رجلٍ منهم على يده يكون بوار الظالمين؟
وكيف إذا عرفوا ساعة الصفر - أي التوقيت -؟
لقد سأل أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) عن موعد الظهور فردَّ بقوة: «يا مهزم، كذب الوقَّاتون، وهلك المستعجلون ونجا المسلِّمون»(١٥٤).
ونختم هذا الفصل بما ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فعن الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) أنه قال: «والله لا يخرج أحد منّا قبل خروج القائم إلّا كان مثله كمثل فرخ طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه، فأخذه الصبيان فعبثوا به»(١٥٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «خَمْسُ عَلَامَاتٍ قَبْلَ قِيَامِ الْقَائِمِ الصَّيْحَةُ والسُّفْيَانِيُّ والْخَسْفُ وقَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ والْيَمَانِيُّ. فَقُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ قَبْلَ هَذِه الْعَلَامَاتِ أنَخْرُجُ مَعَه؟ قَالَ: لَا»(١٥٦).
وعليه فإنَّ وقت الظهور أو ساعة الصفر هو الغيب بعينه وهو محظور على المؤمنين، فالمؤمن الحق من يؤمن بالغيب ككل ويعلم أنَّ قائده خارج لا محالة إنْ كان في عصره أو عصر غيره، فقلبه معلَّق بهذا الأمل الكبير، أمل الخلاص للبشرية كلها.

* * *
الخاتمة

وصلنا - عزيزي القارئ الكريم - إلى مسك الختام.
آملين أنَّنا قد أوفينا هذا البحث حقَّه ولو إلى حدٍّ ما، فالبحث معقد وكبير ويحتاج إلى تعميق وتفريع.
لقد تناول الكثير من الكُتّاب والباحثين قديماً وحديثاً حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وغالباً ما انصبَّ اهتمامهم على النصوص الواردة بالمعنى الحرفي من غير بحث ودراسة معمَّقة، فالبعض اكتفى بإيراد النصوص كما هي وبقي يحوم حولها من الخارج لا يدخل في صميمها، وخصوصاً أنَّ أغلب تلك النصوص جاءت بعبارات وجيزة ذات معانٍ دقيقة تحتاج لتدبُّرٍ مليٍ بها.
والبعض يتكلَّم كمن هو في الحجاز عمّا يجب أنْ يكون في الصين، والبعض الآخر أدخل قراءه في دهاليز حلزونية وملتوية أضاعوا فيها طريق العودة.
ويؤاخذ على من تطرَّقوا لحركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) أنَّ أغلبهم لم يكلِّفوا أنفسهم عناء البحث في إسناد أحاديث الملاحم وإنَّما قبلوها على عِلّاتها، في حين أنَّ أغلب تلك الأحاديث مرسلة أو مقطوعة السند أو فيها رواة مجهولون أو كذّابون أو أنَّها ضعيفة.
ولم يلتفت هؤلاء إلى خطورة أحاديث الملاحم وخصوصاً في عصرنا هذا، فقد تحوَّلت إلى مناهج عمل للجماعات المتطرِّفة تطبِّق ما ورد فيها على أرض الواقع، فقتلت المسلمين على اعتبار أنَّ ذلك تحصيل حاصل وتصديق لتلك بطريقة فَجَّة وفَضَّة.
لقد قلنا في الفصول السابقة: إنه يجب دراسة حركة الظهور من حيث توفُّر عناصرها الأساس وسد هذه الثغرة التي تركها بعض المتصدّين لحركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) واقتصروا على علامات أو أشراط الظهور وكأنَّما حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي العلامات لا غير، في حين أنَّ علامات الظهور كاشفة وليست مكونة.
صحيح أنَّ للعلامات أهمية كبيرة ولكنها لا ترقى للعناصر التي تكون من صميم الحركة المهدوية، ولعلنا نوفَّق لدراسة العلامات أو الأشراط في كتاب مستقل إن شاء الله تعالى.
لقد ذُكرت العلامات كدلالات للمؤمنين حتّى يتعرَّفوا على قائدهم وحركته فيما إذا تحقَّقت كُلّاً أو بعضاً منها، ويكون عقبها أو معها الظهور المقدَّس بلا أدنى ريب. بيد أنَّ العلامات ليست سواء، فهناك ما هي بعيدة عن عصرنا أو العصور التي تلينا وإن كانت قريبة بالنسبة للمعصوم الذي ذكرها وأشار إليها كحركة الزنج وحركة القرامطة والحروب الصليبية وخروج التتر بني قنطورا الذين وجوههم كالمجان المطرقة وسقوط دولة بني العباس.
وهناك علامات قريبة أو متزامنة مع الظهور المقدَّس وهي على قسمين حتمي أو مشروط، فالحتمي حسب ما ذكره العلماء هو الذي سيقع حتماً مثل الصيحة في رمضان وخروج السفياني في الشام، واليماني في اليمن، وقتل النفس الزكية وهو غلام علوي بين الركن والمقام قبل الظهور المقدس بخمسة عشر ليلة، إلخ.
ولكن مع تأكيد العلماء على عدم التغيير في العلامات الحتمية فإنَّ قانون المحو والإثبات جارٍ في عالم الإمكان إلّا ما أخرجه الدليل وهو الحدث الذي يأتي عن وعد إلهي لأنَّ الله لا يخلف وعده، وقد قلنا من قبل: إنَّ حركة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) وعد إلهي وما عداها هي علامات، سواءً كانت حتمية أو مشروطة فالبداء يلحقها، ومع ذلك فإنَّ ذلك لا يعني أنَّ كل العلامات الحتمية يلحقها البداء، بل قد تتحقق كلّها أو بعضها حسب ما تقتضيه الإرادة الإلهية.
أمّا العلامات المشروطة فهي مرتبطة بظروف قد تحققها أو تلغيها ارتباط العلَّة بالمعلول.
وقد يقول القارئ الكريم: كثيراً ما ذكرتم السقيفة وانقلابها المشؤوم وفي كل فصل من فصول هذا الكتاب، فنقول: هذا صحيح، ومن وراء ذلك هدف هو إيقاظ الأُمَّة من غفوتها وغفلتها وتبصيرها بعمق الكارثة التي لحقت بها من جرَّاء فعل أولئك المنافقين، فلولاها لما كان حال الأُمَّة هكذا، ولما تمزَّقت وتفرَّقت إلى ثلاث وسبعين فِرقة.
لا نريد الإطالة في هذه الخاتمة بمواضيع قد نتطرق إليها فيما بعد إنْ سنحت لنا الفرصة، ومع ذلك فإنَّنا ندعو كافة إخواننا من الكُتّاب والمؤلِّفين والباحثين إلى أنْ يدرسوا أحاديث الملاحم والفتن دراسة معمَّقة، فقد أصبحت تلك كما أسلفت مناهج لجماعات متطرِّفة أو منحرفة أو مندَسَّة تقتل وتدمِّر وتفسد في بلاد المسلمين باعتبار أنَّ وجودها هو تحقيق لتلك الروايات.
أستميح العذر من عزيزي القارئ الكريم وأرجو المعذرة على كل خطأ أو خطل وقع منّي، فلستُ من المعصومين ولا من العلماء، وإنَّما أنا طالب علم، وقد أردت إيصال ما وصلت إليه لعلَّ في ذلك الصلاح والفائدة، فيجب أن يكون رائدنا الحق وأهل الحق، فالحق أحق أن يتبع، وأمامنا منار عظيم يدلّنا على الصراط المستقيم وهو حديث الثقلين، وأمَّا مخالفونا فليس لهم إلّا التخبُّط في الدياجي.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وسلام على المرسلين وصلّى الله على سيِّد النبيين وحبيب ربِّ العالمين محمَّد النبي المصطفى الأمين وعلى آله الغرِّ الميامين.

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - تمام نهج البلاغة - الإمام علي (عليه السلام) - تحقيق وتتميم وتنسيق السيد صادق الموسوي - مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت / لبنان - ١٤٣٤هـ - الطبعة الأولى.
٣ - نهج البلاغة - الإمام علي (عليه السلام) - شرح الشيخ محمد عبدة - دار ذوي القربى للنشر - النجف الأشرف / العراق - بدون سنة طبع - الطبعة الأولى.
٤ - الملاحم والفتن للسيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس الحسني الحسيني – نشر طليعة النور / مطبعة ثامن الحجج / إيران - ١٤٢٥هـ - الطبعة الأولى.
٥ - الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة- السيد محمد صديق بن حسن القنوجي البخاري - دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان - ١٤٢٠هـ - الطبعة الأولى.
٦ - الفتن - للإمام نعيم بن حماد الخزاعي المروزي - تحقيق - أبوعبد الله أيمن محمد محمد عرفة - المكتبة الحيدرية / مطبعة شريعت / إيران -بدون سنة طبع - الطبعة الأولى.
٧ - كمال الدين وتمام النعمة - للشيخ الصدوق محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي - تحقيق علي أكبر غفاري / مؤسسة النشر الإسلامي - إيران - ١٤٢٢ هـ - الطبعة الرابعة.
٨ - الغيبة - للشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي / دار الكتب الإسلامية - مطبعة گوهر انديشه - طهران / إيران - بدون سنة طبع - الطبعة الأولى.
١٠ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) في بحار الأنوار - العلامة محمد باقر المجلسي / إعداد الشيخ ياسر الصالحي - مؤسسة الأعلمي- بيروت / لبنان.
١١- بشارة الإسلام -السيد مصطفى الكاظمي - بدون تاريخ ومكان الطبع.
١٢ - أصول الكافي - ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني - منشورات الفجر - بيروت / لبنان - ٢٠٠٧م - الطبعة الأولى.
١٣ - بيان الأئمة (عليهم السلام) للوقائع الغريبة والأسرار العجيبة - تأليف وتحقيق الشيخ محمد مهدي حفيد آية الله العظمى زين الدين النجفي - دار المحجة البيضاء - بيروت / لبنان - الطبعة الثانية.
١٤ - الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) ومفهوم الانتظار - الشيخ كاظم جعفر المصباح - مؤسسة التاريخ العربي للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت / لبنان - ١٤٢٥ هـ - الطيعة الأولى.
١٥ - الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة - المحدث أحمد بن حجر الهيتمي المكي / توفي سنة (٩٧٤هـ) بدون تاريخ ومكان الطبع.
١٦ - ينابيع المودَّة لذوي القربى - سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي المتوفى (١٢٩٤ هـ) - تحقيق سيد علي جمال أشرف الحسيني - المطبعة - أسوة - ١٤٣٠ هـ الطبعة الثالثة مج١.
١٧ - الدر المنثور في التفسير المأثور - الإمام عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي (م ٩١١ هـ) - دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع / بيروت - لبنان / ١٤٣٣-١٤٣٤ هـ / ٢٠١١م.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) لمعرفة المزيد عن ذلك ينبغي مراجعة كتاب مؤتمر بغداد لمقاتل بن عطية صهر الوزير نظام الملك.
(٢) ينصح بقراءة كتاب العراق بين احتلالين لعباس العزاوي وكتاب (كلشن خلفاء) أو (روضة الخلفاء) لمرتضى نظمي زاده.
(٣) أنصح القارئ الكريم بقراءة مذكرات (مستر همفر) الجاسوس الانجليزي الذي جنَّد محمد بن عبد الوهاب لصالح شركة الهند الشرقية التابعة لوزارة المستعمرات الإنجليزية حيث تمَّ الإيحاء له بعقيدته الوهابية.
(٤) قاموس الكتاب المقدس- مجمع الكنائس الشرقية: ص١٥٦.
(٥) بحار الأنوار: ج١٢، ص٤٧.
(٦) عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) في قول الله تعالى: ﴿فِي ظُلَل مِّنَ الغَمَامِ وَالمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمرُ﴾ (البقرة: ٢١٠) قال: «ينزل في سبع قباب من نور لا يعلم في أيُّها هو حين ينزل في ظهر الكوفة فهذا حين ينزل» [تفسير العياشي: ج١، ص١٠٣].
(٧) الاختصاص للشيخ المفيد: ص٢٠٨.
(٨) سوف نتكلم إن وفَّقنا الله تعالى عن نظرية الدورات الحضارية بكتاب مستقل، وسوف ندعم ذلك بالأدلة التاريخية والعلمية والأركيولوجية الحديثة، وخصوصاً الاكتشافات الحديثة عن وجود حضارات قديمة كانت ذات تقنيّات متطوّرة لم نتوصَّل إليها لحد اليوم، ومن جملتها حضارة الأطلنطيك الغارقة وغيرها.
(٩) سعد السعود للسيد ابن طاووس: ص٢٠٣.
(١٠) أمالي الشيخ الصدوق: ص١٩٢؛ وبحار الأنوار - للمجلسي: ج٥٢، ص٣٠٨.
(١١) الغيبة للنعماني: ص٢٧٠، باب ١٤، ح٢٢.
(١٢) الغيبة للنعماني: ص٢٩٠، باب١٤، ح٦٧.
(١٣) عن الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «يخرج المهدي في اثني عشر ألفاً إن قلّوا، وخمسة عشر ألفاً إن كثروا، ويسير الرعب بين يديه، لا يلقاه عدو إلّا هزمهم بإذن الله، شعارهم (أمت أمت)» [الملاحم والفتن للسيد ابن طاووس: ص١٣٨، ب١٣١، ح١٥٨- وعلى منواله حديث آخر في: ب١٣٢، ح١٥٩].
(١٤) بحار الأنوار: ج٥٣، ص١١.
(١٥) الإرشاد للشيخ المفيد: ص٣٨٤.
(١٦) الفتن للمروزي: ١٨٩.
(١٧) الغيبة للنعماني: ص٢٦٤، باب١٤، ح١٣.
(١٨) معركة هرمجدون هي المعركة التي ستقع في سهل مجدو بفلسطين بين قوات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) والجيوش الغربية حيث تنتصر قوات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) انتصاراً عظيماً فيهرع الغربيون إلى المسيح (عليه السلام) الذي سيهبط آنذاك للتوسط بينهم وبين الإمام (عجّل الله فرجه)، وهذه المعركة تسمّى عند المسلمين بالملحمة الكبرى.
(١٩) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٣٤٥ - ٣٤٦، الباب٣٣، الحديث٣١.
(٢٠) في مسند ابن حنبل: ج٢، ص٣٠٠، عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ألا ليذادن رجال منكم عن حوضي كما يذاد البعير الضال، أناديهم ألا هلم، فيقال إنهم بدلوا بعدك، فأقول سحقاً سحقاً...».
(٢١) الغيبة للطوسي: ص٤٦٣، ح٤٧٨.
(٢٢) لقد عرف عن اليهود أنهم يتآمرون على كل شعب يحلّون فيه، وقد اعترفوا بذلك في كتبهم وأدبياتهم، ولعلَّ أبرزها محاضر جلسة سرية لمنظمة يهودية عقدت بمدينة بازل بسويسرا نهاية القرن التاسع عشر وهي ما تسمّى ببروتوكولات حكماء صهيون، والتي وقعت بيد الكاتب الروسي (سيرجي نيلوس) فنشرها وتنبأ بسقوط إمبراطوريات ونشوب حروب عالمية، فمن أراد المزيد فليراجع كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون) لمحمد خليفة التونسي ونفس العنوان لعجاج نويهض.
(٢٣) صحيح البخاري: ج١، ص٣٣، كتاب العلم.
(٢٤) ينابيع المودة للقندوزي: ج٣، ص١٧٢، باب ٦٥.
(٢٥) إلزام الناصب للحائري: ج٢، ص١١١.
(٢٦) في الكافي للكليني: بَابُ الْبَدَاءِ، ح١، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَحَدِهِمَا (عليهما السلام) قَالَ: «مَا عُبِدَ الله بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ».
(٢٧) عن الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً...» [الغيبة للنعماني: ص٢٦٤/ باب١٤/ ح١٣].
(٢٨) عن أبي بصير: قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من يضمن لي موت عبد الله أضمن له القائم»، ثم قال: «إذا مات عبد الله لم يجتمع الناس بعده على أحد، ولم يتناه هذا الأمر دون صاحبكم إن شاء الله، ويذهب ملك السنين ويصير ملك الشهور والأيام»، فقلت: يطول ذلك؟ قال: «لا». [الغيبة للشيخ الطوسي: ص٢٧١].
(٢٩) انظر: الإرشاد للمفيد: ج٢، ص٣٦٨ - ٣٦٩.
(٣٠) ذكر المؤرخون أن عبد الله بن عمرو بن العاص عثر على (زاملتين) أي حقيبتين من كتب الروم أثناء الفتح الإسلامي للشام، فكان يحدث منهما وينسبه لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أي كان يدلِّس.
(٣١) صحيح أن الأشراط ليست علة للظهور، ولكن يمكن القول بضرورة وقوعها من باب إخبار أهل البيت (عليهم السلام) بضرورة وقوعها.
(٣٢) فصَّلْنا تلك الأحداث في كتابنا المخطوط فاطمة الزهراء (عليها السلام) والغضب الأبدي الذي نأمل أن نوفَّق لطبعه.
(٣٣) فقد رووا أنه قال حذيفة بن اليمان: (قلت: يا رسول الله، إنّا كنّا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال: نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنّون بسنّتي وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال: قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع...) [صحيح مسلم النيسابوري: ج٦، ص٢٠].
(٣٤) قال العلامة المجلسي: (وجدت رسالة مشتهرة بقصة الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض أحببت ايرادها لاشتمالها على ذكر من رآه، ولما فيه من الغرائب. وإنما أفردت لها باباً لأني لم أظفر به في الأصول المعتبرة) [بحار الأنوار: ج٥٢، ص١٥٩].
(٣٥) تخريج الأحاديث والآثار: ج١، ص١٨٣.
(٣٦) الاحتجاج: ج١، ص١١٢.
(٣٧) قدم محمد بن عبد الرحمن المدينة علي أبي عبد الله جعفر بن محمد فلقيه ليلاً، فلمّا وصل إليه أعلمه أنه رسول أبي سَلَمة، ودفع إليه كتابه، فقال له أبو عبد الله: وما أنا وأبو سلمة؟ وأبو سلمة شيعة لغيري، قال: إنّي رسول، فتقرأ كتابه وتجيبه بما رأيت، فدعا أبو عبد الله بسراج ثم أخذ كتاب أبي سلمة فوضعه على السراج حتّى احترق، وقال للرسول: عرِّف صاحبك بما رأيت... [مروج الذهب للمسعودي: ج٣، ص٢٥٤].
(٣٨) البيتان للحميري كما في مناقب آل أبي طالب لابن شهراشوب: ج٢، ص٣٣٥.
(٣٩) ما اختلف المسلمون بجميع طوائفهم بأن المقصود بالشجرة الملعونة في القرآن الكريم هم بنو أمية، وقد أضاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ذلك أحاديث تذمُّهم وتحذِّر أُمَّته منهم، بل لعن البعض منهم كمروان بن الحكم وأباه وسمّاه الوزغ بن الوزغ، ولعن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاوية بأحاديث تصل إلى خمسة عشر.
(٤٠) أمالي الشيخ الصدوق: ص١٥٦.
(٤١) لم يرد هذا الحديث بهذا اللفظ، والوارد في كتب العامة هو: عن عبد الله بن عمر... أن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: «أيّما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما». [صحيح البخاري: ج٧، ص٩٧].
(٤٢) أمالي الطوسي: ص٥٣٧.
(٤٣) روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه خطب الناس يوم النحر بمنى فقال: «أيها الناس، لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض» [دعائم الإسلام للقاضي النعمان المغربي: ج٢، ص٤٠٢، ح١٤٠٩].
(٤٤) الخصال للشيخ الصدوق: ص ١٧٨، ح٢٣٩.
(٤٥) الكافي للكليني: ج٢، ص٢٣٤، باب المؤمن وعلاماته وصفاته: ح١٢.
(٤٦) بحار الأنوار: ج٤١، ص٣٥١.
(٤٧) روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يخرج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكاماً» [الإرشاد للمفيد: ج٢، ص٣٨٦].
(٤٨) سنن النسائي: ج١، ص٩٤.
(٤٩) في صحيح البخاري: ج٥، ص٢٠٦، كتاب تفسير القرآن: عن ابن عمر... قال: لمّا توفي عبد الله بن أُبَي جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه، ثم سأله أن يصلّي عليه، فقام رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] ليصلّي، فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] فقال: يا رسول الله، تصلّي عليه وقد نهاك ربك أن تصلّي عليه؟ فقال رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]: إنما خيرني الله فقال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة، وسأزيده على السبعين، قال: إنه منافق، قال فصلّى عليه رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] فأنزل الله تعالى ولا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره.
(٥٠) صحيح البخاري: ج٧، ص٩: عن ابن عباس قال: لمّا حضر رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال النبي [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]: هلّم أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال عمر: إنّ النبي [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت فاختصموا، منهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم النبي [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلّما أكثروا اللغو والاختلاف عند النبي [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] قال رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)]: قوموا، قال عبيد الله وكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله [(صلّى الله عليه وآله وسلّم)] وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.
(٥١) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٣١.
(٥٢) روي أنه سُئِلَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام) عَنِ الِاسْتِدْرَاجِ فَقَالَ: «هُوَ الْعَبْدُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُمْلَى لَه، وتُجَدَّدُ لَه عِنْدَهَا النِّعَمُ فَتُلْهِيه عَنِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الذُّنُوبِ، فَهُوَ مُسْتَدْرَجٌ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ». [الكافي للكليني: ج٢، ص٤٥٢، باب الاستدراج: ح٢].
(٥٣) الكافي للكليني: ج٢، ص٢٥٩، باب شدة ابتلاء المؤمن: ح٢٩.
(٥٤) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ثلاثة من الذنوب تُعجَّل عقوبتها ولا تُؤخَّر إلى الآخرة: عقوق الوالدين، والبغي على الناس، وكفر الإحسان» [أمالي المفيد: ٢٣٧/ ح١].
(٥٥) قال وهب بن وهب القرشي: وحدثني الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه الباقر عن أبيه (عليهم السلام) أن أهل البصرة كتبوا إلى الحسين بن علي (عليهما السلام)، يسألونه عن الصمد فكتب إليهم: «بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد فلا تخوضوا في القرآن، ولا تجادلوا فيه، ولا تتكلموا فيه بغير علم، فقد سمعت جدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: من قال في القرآن بغير علم فليتبوء مقعده من النار...» [التوحيد للشيخ الصدوق: ص٩١].
(٥٦) نهج البلاغة: ج٢، ص١٣٠.
(٥٧) ينابيع المودة: مج١، ص١١٣.
(٥٨) الصواعق المحرقة: ص١٨.
(٥٩) صحيح البخاري: ج٨ ص١٥١.
(٦٠) فصَّلنا كل ذلك في كتابنا المخطوط: إشكالية النص في مدرسة الصحابة.
(٦١) تفسير مجمع البيان للطبرسي: ج١٠، ص٤١٥.
(٦٢) الصواعق المحرقة: ص١٥٤.
(٦٣) الاعتقادات في دين الإمامية للشيخ الصدوق: ص٧٠، باب الاعتقاد في الصراط: ح٢٦.
(٦٤) عيون أخبار الرضا (عليه السلام): ج٢، ص٢١٨.
(٦٥) انظر الكافي للكليني: ج٨، ص٢٢٤، ح٢٨٣.
(٦٦) انظر أمالي المفيد: ص٢٣٥.
(٦٧) سنن الترمذي: ج٣، ص٣٢٢.
(٦٨) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «مَنْ أَصْغَى إِلَى نَاطِقٍ فَقَدْ عَبَدَه، فَإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الله (عزَّ وجلَّ) فَقَدْ عَبَدَ الله، وإِنْ كَانَ النَّاطِقُ يُؤَدِّي عَنِ الشَّيْطَانِ فَقَدْ عَبَدَ الشَّيْطَانَ» [الكافي للكليني: ج٦، ص٤٣٤، باب الغناء، ح٢٤].
(٦٩) صحيح البخاري: ج٢، ص٢٥٢، كتاب صلاة التراويح.
(٧٠) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ص١٢٨ – ١٢٩، ح٣٨/من خطبة لفاطمة الزهراء (عليها السلام) بنساء الأنصار حين جِئْنَ لعيادتها في بيتها.
(٧١) ذكرت الأنباء مُؤَخَّراً أن أكثر من (١٠٠٠) مسلم كردي في شمال العراق ارتدُّوا عن الإسلام واعتنقوا المسيحية.
(٧٢) سنن أبي داود: ج٢، ص٣٠٢، باب ذكر الفتن ودلائلها: ح٤٢٥٢.
(٧٣) أمالي الشيخ الصدوق: ص١٥٦، ح١٥٠، ١.
(٧٤) شرح نهج البلاغة لابن ميثم البحراني: ج٣، ص٣٣٣.
(٧٥) الملاحم والفتن لابن طاووس: ص٢.
(٧٦) الإذاعة لما بين يدي الساعة: ص٢٥.
(٧٧) الفتن: ص٥٨.
(٧٨) م. ن: ص٧٧.
(٧٩) الصواعق المحرقة: ص١٥٠، ح٦.
(٨٠) ينابيع المودة: مج١، ص٩٤، ح١.
(٨١) فَصَّلنا ذلك في كتابنا المخطوط: إشكالية النص في مدرسة الصحابة، حيث أثبتْنا أنَّ الشيعة هم الفرقة الناجية بأحاديث من كتب مدرسة الصحابة.
(٨٢) كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٦٤٤، ب٥٥، ح٣.
(٨٣) فقه الرضا لابن بابويه القمي: ص٣٣٩، باب حق النفوس.
(٨٤) في إرشاد الشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨٦: روى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يخرج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحُكّاماً».
(٨٥) الدر المنثور: ج٨، ص٥٨٩.
(٨٦) م. ن: ج٨، ص٥٨٩.
(٨٧) م. ن: ج٨، ص٥٨٩، بنفس المعنى وألفاظ متعددة في معرض الآية (٧) من سورة البيِّنة، وقد ورد هذا الحديث بهذا اللفظ في مصادر أخرى.
(٨٨) الكافي للكليني: ج١، ص٣٦٩، باب التمحيص والامتحان، ح١.
(٨٩) بحار الأنوار: ج٢٦، ص٦.
(٩٠) شرح إحقاق الحق للسيد المرعشي: ج١٠، ص٢٤٤، عن العلامة المؤرخ الشيخ أحمد بن يوسف بن أحمد الدمشقي الشهير بالقرماني في كتابه (أخبار الدول وآثار الملل): ص٨٧، ط بغداد.
(٩١) مختصر بصائر الدرجات للحلي: ص١٢٥.
(٩٢) تمام نهج البلاغة: الخطبة١١، ص١٣١.
(٩٣) كمال الدين للشيخ الصدوق: باب٢١، ص٢٠٤، ح١٥.
(٩٤) انظر: روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٢٣٩.
(٩٥) تمام نهج البلاغة: ص٥٥.
(٩٦) مشارق أنوار اليقين للحافظ البرسي: ص٢٦٧، من الخطبة التطنجية.
(٩٧) أمالي الشيخ الطوسي: ص٥٨٣، ح١٢٠٦، ١١.
(٩٨) عن كعب، قال: ينزل عيسى بن مريم عند المنارة (التي) عند باب دمشق الشرقي وهو شاب أحمر معه ملكان قد لزم مناكبهما، لا يجد نفسه ولا ريحه كافر إلّا مات، وذلك أن نفسه يبلغ مدّ بصره فيدرك نفسه الدجال، فيذوب ذوبان الشمع فيموت، ويسير ابن مريم إلى من في بيت المقدس من المسلمين فيخبرهم بقتله، ويصلي وراء أميرهم صلاة واحدة، ثم يصلّي لهم ابن مريم، وهي الملحمة، ويسلم بقية النصارى، ويقيم عيسى ويبشرهم بدرجاتهم في الجنة [الملاحم والفتن - السيد ابن طاووس - ص٢٠٢، الباب ٢٠٤، نزول عيسى (عليه السلام) وصلاته خلف المهدي (عجّل الله فرجه) الحديث ٢٩٠].
وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «... ثم يظهره الله (عزَّ وجلَّ) فيفتح الله على يده مشارق الأرض ومغاربها، وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلّي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربّها، ولا تبقى في الأرض بقعة عبد فيها غير الله (عزَّ وجلَّ) إلّا عبد الله فيها، ويكون الدين كله لله ولو كره المشركون» [كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق: ص٣٤٥ - ٣٤٦، الباب ٣٣، الحديث ٣١].
(٩٩) شرح الأخبار للقاضي المغربي: ج٢، ص٥٢٩.
(١٠٠) في مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصفهاني: ص٤٥، عن سعيد بن سويد قال: صلّى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة في الصحن ثم خطبنا فقال: إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا، إنكم لتفعلون ذلك. وإنما قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وقد أعطاني الله ذلك وأنتم كارهون.
(١٠١) في الخرائج والجرائح: ٢ - ٨٤١، ح٥٩؛ بحار الأنوار: ٥٢-٣٣٦، ح٧٣، عن أبان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «العلم سبعة وعشرون جزءاً (حرفاً)، فجميع ما جاءت به الرسل جزءان، فلم يعرف الناس حتَّى اليوم غير الجزئين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين جزءاً فبثَّها في الناس، وضمَّ إليها الجزئين، حتَّى يبثّها سبعة وعشرين جزءاً».
(١٠٢) نهج البلاغة: خطبة ٨٦، ص١٨٢.
(١٠٣) بحار الأنوار: ج٣٣، ص٢١٦.
(١٠٤) في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج١٢، ص٤٢، كان عمر يصادر خونة العمال، فصادر أبا موسى الأشعري وكان عامله على البصرة وقال له: بلغني أن لك جاريتين وأنك تطعم الناس من جفنتين وأعاده بعد المصادرة إلى عمله. وصادر أبا هريرة وأغلظ عليه وكان عامله على البحرين فقال له: ألا تعلم أنّي استعملتك على البحرين، وأنت حاف لا نعل في رجلك؟ وقد بلغني أنّك بعت أفراساً بألف وستمائة دينار، قال أبو هريرة: كانت لنا أفراس فتناتجت فقال: قد حبست لك رزقك ومؤنتك وهذا فضل، قال أبو هريرة: ليس ذلك لك قال: بلى والله وأوجع ظهرك! ثم قام إليه بالدرة فضرب ظهره حتّى أدماه، ثم قال: ائت بها، فلّما أحضرها، قال أبو هريرة: سوف أحتسبها عند الله، قال عمر: ذاك لو أخذتها من حلٍّ وأديتها طائعاً، أما والله ما رجت فيك أميمة أن تجبى أموال هجر واليمامة وأقصى البحرين لنفسك، لا لله ولا للمسلمين، ولم ترجَ فيك أكثر من رعية الحمر وعزله.
(١٠٥) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٣١، عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
(١٠٦) مدينة المعاجز للسيد هاشم البحراني: ج٢، ص٣٤٦.
(١٠٧) كامل الزيارات لابن قولويه: ص١٨٨، باب ٢٨، ح٢٦٥، ٢٥.
(١٠٨) تكلَّمنا عن مؤامرة قريش بالتفصيل وبالأدلة القانونية لاغتيال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في كتابنا المخطوط فاطمة الزهراء (عليها السلام) والغضب الأبدي.
(١٠٩) روى الشيخ الصدوق: (... وأن اسم أُم السيد: صقيل، وأن أبا محمد (عليه السلام) حدّثها بما يجري على عياله، فسألتْه أن يدعو الله (عزَّ وجلَّ) لها أن يجعل منيتها قبله، فماتت في حياة أبي محمد (عليه السلام)...) [كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٤٣١، ب٤٢، ح٧].
(١١٠) الغيبة للطوسي: ص٢٧٣، ح٢٣٧.
(١١١) الكافي للكليني: ج١، ص٢٣٢، بَابُ الإِشَارَةِ والنَّصِّ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ الثَّانِي (عليه السلام)، ح١٤.
(١١٢) كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٣١٦، ب٢٩، ح٢.
(١١٣) في الكافي للكليني: ج١، ص٣٤٠، باب في الغيبة، ح١٦، عن أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) قَالَ: «لَابُدَّ لِصَاحِبِ هَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْبَةٍ ولَابُدَّ لَه فِي غَيْبَتِه مِنْ عُزْلَةٍ، ونِعْمَ المَنْزِلُ طَيْبَةُ، ومَا بِثَلَاثِينَ مِنْ وَحْشَةٍ».
(١١٤) الغيبة للنعماني: ص٢٢٢ -٢٢٣، ب١٣، ح٢.
(١١٥) كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٤١١، ب٣٩، ح٦.
(١١٦) نهج البلاغة: ج٢، ص٢١.
(١١٧) من حديث للإمام الرضا (عليه السلام) - مختصر بصائر الدرجات للحسن بن سليمان الحلي: ص٢١٤.
(١١٨) الغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٧١، ح٤٨٧، والحديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام).
(١١٩) الغيبة للطوسي: ٢٦٥، ح٢٢٨.
(١٢٠) مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب: ج٢، ص٣٤٤.
(١٢١) في كمال الدين للصدوق: ص٢٨٠، ح٢٧.
(١٢٢) سنن أبي داود: ج٢، ص٣٠٢، باب ذكر الفتن ودلائلها، ح٤٢٥٢.
(١٢٣) الكافي للكليني: ج٨، ص١٦٦، ح١٨١.
(١٢٤) انظر: كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٢٥١، ب٢٣، ح١؛ والغيبة للشيخ الطوسي: ص٤٦١، ح٤٧٧؛ والغيبة للنعماني: ص٢٨٨-٢٨٩، ب١٤، ح٦٧.
(١٢٥) النوادر للراوندي: ص١٠٣.
(١٢٦) مسند أحمد: ج١، ص٥٥.
(١٢٧) الكافي للكليني: ج٥، ص٥٩، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ح١٤.
(١٢٨) فصَّلنا ذلك في كتابنا شاهد العصور - تحقيق ومراجعة ونشر مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، فليراجعه القارئ الكريم إن أراد الزيادة.
(١٢٩) راجع: الإمام الكاظم (عليه السلام) سيد بغداد - للكوراني العاملي: ص٦١.
(١٣٠) جواهر التاريخ للكوراني العاملي: ج١، ص٦٦.
(١٣١) نقل أبو نصر البخاري عن محمد الجواد بن علي الرضا (عليه السلام) أنه قال: «لم يكن لنا بعد الطف مصرع أعظم من فخ» [عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب لابن عنبة: ص١٨٣].
(١٣٢) كفاية الأثر للخزّاز القمّي: ٢٢٦ و٢٢٧.
(١٣٣) كمال الدين وتمام النعمة: ص٤٨٤، باب٤٥، ح٤.
(١٣٤) الاحتجاج للطبرسي: ج٢، ص٢٦٣.
(١٣٥) السرائر لابن إدريس الحلي: ج٣، ص٥٤٠.
(١٣٦) لا بأس من مراجعة كتاب إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب (عجّل الله فرجه) للشيخ علي اليزدي الحائري - الجزء الأول، ففيه الكثير من حكايات لقاءات الإمام المهدي (عجّل الله فرجه).
(١٣٧) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٥١.
(١٣٨) كمال الدين: ٤٨٠ و٤٨١، باب ٤٤، ح٦.
(١٣٩) أصول الكافي: ج١، ص٣٣٦، باب في الغيبة، ح٢.
(١٤٠) كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ص٣٦١، باب ٣٤، ح٥.
(١٤١) ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرنِي إِلَى يَومِ يُبعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * إِلَى يَومِ الوَقتِ المَعلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨)، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتَّى يجثو على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم منتهى أجله» [بحار الأنوار ٥٢: ٣٧٦ و٣٧٧/ ح١٧٨].
(١٤٢) بحار الأنوار: ج٣٦، ص٢٥٠.
(١٤٣) في ينابيع المودة للقندوزي: ج٣، ص٢٩٥، باب٧٨، ح١: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من أنكر خروج المهدي فقد كفر بما أنزل على محمد، ومن أنكر نزول عيسى فقد كفر، ومن أنكر خروج الدجال فقد كفر».
(١٤٤) الغيبة للنعماني: ٣٣٥، باب ٢١، ح١٠.
(١٤٥) في الغيبة للنعماني: ص٣٠٥، باب ١٦، ح١٢: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن القائم (عليه السلام)، فقال: «كذب الوقّاتون، إنا أهل بيت لا نوقِّت»، ثم قال: «أبى الله إلّا أن يخلف وقت الموقتين».
(١٤٦) في الإرشاد للشيخ المفيد: ج٢، ص٣٧٢، وقال [الإمام الصادق] (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتّى يخرج اثنا عشر رجلاً من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه».
(١٤٧) في الملاحم والفتن لابن طاووس: ص١١٣، الباب ٨٦، فيما ذكره نعيم: إذا كانت هدّة بالشام قبل البيداء فلا سفياني ولا بيداء، ح١٠٠، حدثنا نعيم، حدثنا رشدين عن ليث عمن حدثه عن تبيع، قال: إذا كانت هدّة بالشام قبل البيداء فلا بيداء ولا سفياني.
(١٤٨) روضة الواعظين للفتال النيسابوري: ص٣٩٢.
(١٤٩) دلائل الإمامة للطبري الشيعي: ص٤٥٣، ح ٤٢٩، ٣٣.
(١٥٠) بحار الأنوار: ج٥١، ص٨٣.
(١٥١) أصول الكافي: ج١، ص٣٦٨، باب كراهية التوقيت، ح١.
(١٥٢) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) للشيخ الصدوق: ج١، ص٦٩، ب٦، ح٣٦.
(١٥٣) كمال الدين للشيخ الصدوق: ص٣٣٨، باب ٣٣، ح١٣.
(١٥٤) أصول الكافي: ج١، ص٣٦٨، باب كراهية التوقيت، ح٢.
(١٥٥) الوسائل ١٥ / ٥١، الباب ١٣، باب حكم الخروج بالسيف قبل قيام القائم (عليه السلام) من أبواب جهاد العدو، ح٢.
(١٥٦) الكافي للكليني: ج٨، ص٣١٠، من علامات القائم (عليه السلام)، ح٤٨٣.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016