الفهرس
لتصفح الصحيفة ب Flsh

لتحميل الصحيفة ك Pdf

الصفحة الرئيسية » العدد: ٧٤/ شعبان/ ١٤٣٦هـ » شرح دعاء العهد/ الحلقة الرابعة
العدد: ٧٤/ شعبان/ ١٤٣٦ه

المقالات شرح دعاء العهد/ الحلقة الرابعة

القسم القسم: العدد: ٧٤/ شعبان/ ١٤٣٦هـ التاريخ التاريخ: ٢٠١٥/٠٥/٢٣ المشاهدات المشاهدات: ١٩٠١ التعليقات التعليقات: ٠

شرح دعاء العهد/ الحلقة الرابعة

الشيخ حميد الوائلي

ما زال حديثنا متواصلاً في شرح دعاء العهد المبارك ويصل الحديث فيه إلى:
الفقرة الثانية: (وَرَبَّ الْكُرْسِيِّ الرَّفيعِ ، وَرَبَّ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ).
المدلول اللغوي للمقطع:
(وَرَبَّ): وقد تقدم الحديث عنها في الفقرة الأولى.
(الْكُرْسِيِّ): اسم جمعه (كراسي) ويدل على عدّة معان، أصل الشيء وأساسه، وعلى العلم والعرش والسرير، وقد يطلق على كل شيء مجتمع ومترابط.
(الرَّفيعِ): رفع في البدن نحل وهزل، ورفع الشيء رقّ ودقّ، وارتفع قدره وشأنه.
وعلى هذا يكون المقطع متحدثاً عن المالك والخالق والمدبّر للعلم واصل الأشياء وأسسها، مجتمعة كانت أو منفردة، رقّت ودقّت، أم عظمت وكبرت، رفيعة الشأن ووضيعته.
وكأنّ المقطع يقول انتم تدعون ربّا هو خالق أصول الأشياء كلها.
وهذا المقطع يتضمن حديثاً فكرياً وفلسفياً عن أصول الأشياء ومن أين تنبع، ويتكلم عن حقيقة العلم وماهيته وانه أصل الأشياء وسيأتي الحديث عن ذلك كله وإنْ كان على نحو مجمل.
(الْبَحْرِ): اسم يطلق على واسع العلم من الرجال، ويراد منه الماء الواسع الكثير، والبحر المسجور حديث قرآني وحياني نطقت به سورة الطور والظاهر بضميمة معنى المسجور التي تفيد الصب أو الإرسال أو الامتلاء أنّ المقطع يتحدث عن بحر مغطّى وقد ملئ من العذاب، فهو عذاب مغطى ومؤجل، ولعل مناسبات الحكم والموضوع تقتضي أنْ يكون المعنى الأول وهو حديث العلم الدقيق عن سر الغيبة في الإمام المهدي عليه السلام وكونها من أدق العلوم وارقها وانها من أجلى صور الرحمة بالبشرية، فيما يتحدث مقطع البحر المسجور عن جانب آخر من جوانب هذه القضية (الغيبة) ليعكس لنا أنّ هناك عذاباً مسجوراً مغطّى من قبل الإمام عليه السلام، لانه البحر الذي غطّى ذلك العذاب وإنْ كان هو عذاب يصيب الظلمة إلا أنّ رأفته المنبثقة عن رأفته تعالى اقتضت تغطيته.
بحوث قرآنية وروائية:
هذا المقطعان الشريفان هما بالحقيقة حديثان قرآنيان، فالمقطع الأول تحدثت عن مضمونه آية الكرسي، قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظيمُ).
وفيما يخص المقطع الآخر فقد ورد ذكره في قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ) فيمكن الاستئناس بما ورد في تفسير هاتين الآيتين للوقوف على جرفات بعض معاني هذين المقطعين.
فالمقطع يتحدث عن دعاء باسم اختص به الله سبحانه وتعالى، وقيل أنّ أصله هو أصل ملكه، فقد ورد كما في اعتقادات الشيخ الصدوق أنّ اعتقادنا بالكرسي انه وعاء جميع الخلق من العرش والسماوات والأرض وكل شيء خلق الله تعالى في الكرسي، وهذا المعتقد مضمون رواية عن الإمام الصادق عليه السلام، رواها الكليني في (الكافي) فإذا كان الكرسي هو تلك المرتبة الرفيعة من العلم الذي به خلق الله سبحانه وتعالى واوجد كل شيء خلقه وبه وجد أصل ملكه وبه أحاط بمملكته فلابد أنْ يكون مناسبة مجيء المقطع هنا في هذا الدعاء مع الإمام المهدي عليه السلام أنْ يكون هو  عليه السلام وبمقتضى وراثته للعلم الإلهي هو وجه ذلك العلم في زماننا، وأَرفع ما في معتقدنا تجاهه عليه السلام هو غيبته وتواريه عن الأبصار طيلة هذه الأعصار.
فهذه العقيدة الرفيعة الرشيقة هي من مكنون مخزون ذلك العلم الذي جعله الله تعالى مختصاً به ولم يطلع أحداً عليه إلا برضاه، فصار لنا حق الدعاء بذلك السر المخزون المكنون.
قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام أمتي وخليفتي عليها من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً، والذي بعثني بالحق بشيرا إن الثابتين على القول به في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر، فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله وللقائم من ولدك غيبة؟ قال: إي وربي، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إن هذا الأمر (أمر) من أمر الله وسر من سر الله، مطوي عن عباد الله، فإياك والشك فيه فإن الشك في أمر الله عز وجل كفر).
ولابد أنْ يكون هذا العلم هو سنخ علم ملكوتي الهي نوراني حضوري، وليس من سنخ العلوم التي بأيدينا فإنها كسبية تحصيلية محدودة.
إنّ من يلتمس من ذلك العلم شيئاً يكون قد اغترف من ينبوع الحياة، كما أنّ الخضر عليه السلام دام له البقاء بشربة ماء تنزلت من بحار ذلك العلم، فإنّنا نعتقد أنّ الإمام عليه السلام له النصيب الأوفى والحظ الأوفر من الاطلاعة على ذلك العلم الإلهي، وأنّ أمهات ما ينبغي أنْ نقوم به في هذا الزمان هو الإيمان بهذا المعتقد، كما أشار إليه شيخ المحدثين الصدوق قدس سره في تفسير عقيدتنا في هذه الحقيقة والتي تتجلى في زماننا هذا بالإيمان بتلك الغيبة التي تمثل واحدة من إسرار الله تعالى الكبرى.
امّا فيما يرتبط بالبحر المسجور فجاءت معانيه مختلف فيها كثيراً بين المفسرين خصوصاً أبناء العامة منهم، والذي يمكن أنْ يركن إليه أنّ البحر المسجور هو الموقد ناراً، الذي أعدّه جبار السماوات والأرض ليظهر غضبه ممن عصاه وانحرف عما رسمه طريقاً لهدايته، وهو يشير إلى علاقة مهدوية، فإنّ الذي يظهر رحمة الله وينشر عدله هو المهدي من آل محمد عليه السلام كما هو في ذات الوقت من يقع على عاتقه سجر الظالمين واجتثاث أصولهم بعد أنْ يملؤوا الأرض ظلماً وجوراً.
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لتملأن الأرض ظلما وعدوانا، ثم ليخرجن رجل من أهل بيتي حتى يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً وعدواناً).
بحث معرفي وذوقي:
إنّ أدعية أهل البيت عليهم السلام تمثل لوحة متكاملة، واجتزاء مقطع دون النظر إلى المقاطع الأخرى يسبب خللاً في تناسق ألوان تلك اللوحة، فهو وإنْ كان يؤدي غرضا إلا انّه لا يؤدي كل الغرض.
وهذان المقطعان الشريفان من دعاء العهد المبارك يشيران كما يظهر للمتدبر إلى ارتباط بالعقيدة المهدوية، لذلك جعلا مقدمة من مقدمات الدخول فيها حيث يتحدثان عن انّ تلك القدرة المهدوية والرفعة التي يتمتع بها وما يحمله من علم يظهره للعالم، انّما هو منبثق عن أصل هو خالق لعلم وقدرة وعذاب وانتقام هذه أوصافها _الكرسي الرفيع والبحر المسجور_ فمن يلتفت إلى هذه الحقيقة وانها فرع من ذاك الأصل لابدّ أن يعاهد ويبايع إماماً هكذا صفاته وهذا ما يحمله من أثر، فهو عالم بعلم إلهي مؤثّر في وجود الأشياء وتكوينها وعلى يديه مجريات ومقدرات وجودها.
وروي عنه عليه السلام أنّه قال: (لو بقيت الأرض يوماً واحد بلا إمام لساخت الأرض بأهلها، ولعذّبهم الله بأشدّ عذابه.. إنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لن يزالوا بأمان من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم ولا ينظرهم، ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله تعالى بهم ما شاء وأحبّ).
وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: (لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهر مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً).
ولولا بركات أنفاسه ولحظات وجوده لساخ الكون بكل ما عليه، وهو يحمل القدرة والقوة اللذين استمدا من ذلك الأصل أيضاً ليفتك من خلالهما بالجبارين ويطمئن نفوس المؤمنين.
فالدعاء يقول لك أيها القارئ أنت تعاهد وتبايع وتعاقد شخصاً له الاهلية وله القدر ويحمل بين يديه ما يؤهله لتحقيق رغباتك وأمانيك فبعلمه ورأفته ورحمته المستمدة من ذلك المخزون الرفيع والمكنون العظيم سيوفر لك، وبسطوته وقدرته سيؤمنك وينتقم لك، فبايع هذا الشخص قبل أنْ يفوت الأوان وكن من أنصاره وأعوانه، ولا تقف في صف أعدائه لا تقف بكلمة أو عقيدة أو فعل أو حركة، اجعله من الآن رقيباً عليك لتسعد وتأمن.
هكذا يريد أنْ يحدثنا المقطع جزءاً من لوحة متكاملة نُظمت وأتقنت حركاتها وألوانها بيد إلهية ملكوتية.

التقييم التقييم:
  ٢ / ٥.٠
التعليقات
لا توجد تعليقات

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
التحقق اليدوي: *
إعادة التحميل
 
شبكة المحسن عليه السلام لخدمات التصميم

ما ينشر في صحيفة صدى المهدي عليه السلام لا يعبر بالضرورة عن رأي الصحيفة بل هي آثار الكتّاب والأدباء