النور الغائب
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والادِّعاءات الكاذبة في العصر الحديث
مجتبى السادة
إشراف وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الأولى ١٤٤٧هـ
الفهرس
مقدَّمة المركز...................٣
الإهداء...................٥
المقدَّمة:...................٧
الباب الأوَّل: القول بعدم
ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب...................١١
الفصل الأوَّل: المهدي
(عجَّل الله فرجه) في المصادر السماويَّة...................١٣
القسم الأوَّل: المهدي
(عجَّل الله فرجه) عند أهل الكتاب...................١٥
الاتِّفاق على الفكرة..
اليهود...................٢٠
الاتِّفاق على الفكرة..
النصارى...................٢٣
الاتِّفاق على الفكرة..
المسلمون...................٢٧
القسم الثاني: المهدي
(عجَّل الله فرجه) في المصادر الإسلاميَّة...................٣٠
المبحث الأوَّل: في القرآن
الكريم...................٣٠
أوَّلاً: تحدَّث القرآن
الكريم عن وجود إمام لكلِّ زمان...................٣١
ثانياً: بشَّر القرآن
الكريم بوعد إلهي بنشر العدل والقسط على كافَّة الكرة
الأرضيَّة...................٣٤
ثالثاً: ذكر القرآن الكريم
بعض ملامح عصر ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٣٧
المبحث الثاني: في
السُّنَّة النبويَّة الشريفة...................٤٤
عناية الرسول (صلَّى الله
عليه وآله) بموضوع المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٤٥
عناية أهل البيت (عليهم
السلام) بموضوع المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٤٦
اتِّفاق الطوائف
الإسلاميَّة على الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله فرجه)...................٤٧
مبرِّرات الاقتناع بفكرة
المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٤٨
نظرة حول الأحاديث
المتعلِّقة بالمهدي (عجَّل الله فرجه)...................٤٩
أوَّلاً: مَنْ روى أحاديث
المهدي (عجَّل الله فرجه) من الصحابة...................٤٩
ثانياً: مَنْ أخرج أحاديث
المهدي (عجَّل الله فرجه) من محدِّثي أهل العامَّة...................٥٠
ثالثاً: مَنْ صرَّح بصحَّة
وتواتر أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) من أهل العامَّة...................٥١
نَسَب المهدي (عجَّل الله
فرجه) في الأحاديث عند الجمهور...................٥٣
إحصائيَّة عن عدد الأحاديث
المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)...................٥٨
الفصل الثاني: اليقين
بوجود المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٥٩
القسم الأوَّل: التشكيك
بأصل الفكرة ادِّعاء كاذب...................٦١
المحور الأوَّل: التشكيك
في الفكرة من الأساس...................٦٢
المحور الثاني: أنْ
يُسلَّم بفكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الجملة، ولكن يُدَّعى أنَّ هذه
الفكرة لم تُولَد بعدُ، وإنَّما تُولَد في المستقبل...................٦٢
الإيمان بأصل
الفكرة...................٦٣
ملابسات
المشكِّكين...................٦٧
أوَّلاً: عدم ذكر حديث
صريح بالمهدي (عجَّل الله فرجه) في صحيحي بخاري ومسلم...................٦٧
ثانياً: تضعيف ابن خلدون
لبعض الأحاديث الواردة في المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٦٨
ثالثاً: معارضته مع حديث
منسوب للنبيِّ «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»...................٦٩
القسم الثاني: التشكيك في
ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب...................٧٢
الإيمان بوجود الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٧٢
أوَّلاً: طريق
التواتر...................٧٣
الحديث الأوَّل: حديث
الثقلين...................٧٧
الحديث الثاني: حديث
الأئمَّة الاثني عشر...................٧٩
الحديث الثالث: «مَنْ
مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ»...................٨٣
ثانياً: طريق كثرة
الأدلَّة والبراهين التاريخيَّة...................٨٦
الدليل الأوَّل: قرينة
إخبار الرسول (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) بأنَّه سوف يُولَد
للإمام العسكري (عليه السلام) ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ويغيب، ويلزم على كلِّ
مسلم أنْ يؤمن بذلك...................٨٧
الدليل الثاني: قرينة
شهادة واعتراف والدة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بولادة ابنه الإمام
المنتظَر (عجَّل الله فرجه)...................٨٩
الدليل الثالث: قرينة رؤية
بعض الشيعة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٩١
الدليل الرابع: قرينة
قضيَّة السفراء الأربعة وتواقيع الناحية المقدَّسة...................٩٤
الدليل الخامس: قرينة
تصرُّف السلطة العبَّاسيَّة تجاه ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)...................٩٦
الدليل السادس: قرينة وضوح
فكرة ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بين الشيعة...................٩٧
الدليل السابع: قرينة
اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)...................٩٨
الدليل الثامن: قرينة
اعتراف علماء أهل العامَّة بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)...................١٠٠
الدليل التاسع: دليل عقلي
فلسفي: قرينة نزول عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء واقتدائه بالإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) في الصلاة...................١٠٢
مشكلات جوهريَّة تعترض
المهدويَّة على النظريَّة السُّنّيَّة...................١٠٦
أُناس مطهَّرون ملهَمون
وليسوا أنبياء...................١٠٧
الخلاصة...................١٠٩
بواعث التشكيك
الحقيقيَّة...................١١٠
الباب الثاني: ادِّعاءات
كاذبة حديثاً...................١١٥
الفصل الأوَّل: ادَّعاء
السفارة والمهدويَّة والنبوَّة حديثاً ادِّعاءات كاذبة...................١١٧
ادِّعاءات
كاذبة...................١١٩
القسم الأوَّل: ادِّعاء
السفارة كذباً...................١٢١
جماعة السفارة في
البحرين...................١٢٤
عوامل نشأة بدعة
السفارة...................١٢٥
المؤسِّس...................١٢٩
أفكار جماعة سفارة
البحرين...................١٢٩
مجابهة علماء البحرين
العمليَّة لتلك الحركة...................١٣١
استعادة الظاهرة لأنفاسها
من جديد...................١٣٣
النصُّ
الأوَّل...................١٣٥
النصُّ
الثاني...................١٣٦
النصُّ
الثالث...................١٣٦
بيان علماء
البحرين...................١٣٧
جماعة السفارة في العراق/
أحمد الحسن ابن كاطع...................١٣٩
القصَّة...................١٤٠
المؤسِّس...................١٤٣
عوامل نشأة بدعة السفارة
في العراق...................١٤٤
أفكار جماعة سفارة
العراق...................١٤٤
مجابهة علماء العراق لتلك
الحركة...................١٤٧
فتوى
العلماء...................١٤٨
الخلاصة...................١٥١
القسم الثاني: ادِّعاء
المهدويَّة كذباً...................١٥٣
مدَّعي المهدويَّة في
السعوديَّة (١٩٧٩م)...................١٥٩
مدَّعي المهدويَّة في
الكويت (١٩٩١م - حتَّى الآن)...................١٦٢
ادِّعاءات مهدويَّة بكثرة
في مصر (٢٠٠٠م)...................١٧١
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠١م)...................١٧٢
مدَّعي المهدويَّة في
السعوديَّة (٢٠٠١م)...................١٧٦
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠٢م)...................١٧٦
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠٣م)...................١٧٧
شائعة ميلاد المهدي في مصر
(٢٠٠٣م)...................١٨٣
مدَّعي المهدويَّة في
اليمن (٢٠٠٤م)...................١٨٤
مدَّعي المهدويَّة في
اليمن (٢٠٠٤م)...................١٨٩
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠٤م)...................١٩٠
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠٤م)...................١٩٠
مدَّعي المهدويَّة في
السعوديَّة (٢٠٠٥م)...................١٩١
مدَّعي المهدويَّة في
المغرب (٢٠٠٦م)...................١٩٦
مدَّعي المهدويَّة في مصر
(٢٠٠٦م)...................١٩٨
مدَّعي المهدويَّة في
الحدود السعوديَّة (٢٠٠٦م)...................١٩٩
مدَّعي المهدويَّة في تونس
(٢٠٠٦م)...................١٩٩
مدَّعي المهدويَّة في
فلسطين (٢٠٠٦م)...................٢٠٢
مدَّعي المهدويَّة في
السودان (٢٠٠٦م)...................٢٠٣
مدَّعي المهدويَّة في
العراق (٢٠٠٧م)/ جند السماء جماعة ضياء الكرعاوي...................٢٠٥
الخلاصة...................٢٠٩
القسم الثالث: ادِّعاء
النبوَّة كذباً...................٢١١
قَصَص وطرائف متنبِّئين
قديماً...................٢٢١
ساعة بُعثت وضعتموني في
الحبس...................٢٢١
نبيٌّ
مرسَل...................٢٢١
إنَّا أعطيناك
العمود...................٢٢١
ما علامة
نبوَّتك؟...................٢٢٢
الأنبياء لا تدخل
الحبس...................٢٢٢
الحصاة
وموسى...................٢٢٣
لا نبيَّة
بعدي...................٢٢٣
لستُ
حدَّاداً...................٢٢٣
نبوَّة
الجوع...................٢٢٣
أدعياء النبوَّة في
العصر الحديث...................٢٢٥
مدَّعي النبوَّة صلاح
شعيشع - مصر (١٩٦٠- ١٩٨٥م)...................٢٢٥
مدَّعية النبوَّة الشيخة
منال - مصر (١٩٩٩م)...................٢٣٣
مدَّعي النبوَّة سيِّد
طلبة - مصر (٢٠٠٢م)...................٢٣٨
مدَّعية النبوَّة ثريَّا
منقوش - اليمن (٢٠٠٤م)...................٢٤٣
قَصَص عديدة: أدعياء
النبوَّة...................٢٥٣
١ - رشاد
خليفة...................٢٥٣
٢ - مدَّعي النبوَّة في
مصر...................٢٥٦
٣ - مدَّعي النبوَّة في
مصر...................٢٥٦
٤ - مدَّعي النبوَّة في
اليمن...................٢٥٦
٥ - أتباع الحاخامات في
مصر...................٢٥٧
٦ - مدَّعي النبوَّة في
مصر...................٢٥٧
٧ - ادَّعى شخص النبوَّة
في الجزائر...................٢٦٠
٨ - مدَّعي النبوَّة في
مصر...................٢٦١
٩ - مدَّعي النبوَّة في
الكويت...................٢٦١
١٠ - مدَّعي النبوَّة في
سوريا...................٢٦٣
الخلاصة...................٢٦٥
القسم الرابع: الحقيقة
الناصعة...................٢٦٨
أوَّلاً: تناقض هويَّة
الأدعياء مع هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٢٦٩
ثانياً: لم تظهر علامات
الظهور المحتومة...................٢٧١
ثالثاً: مقام الإمامة لا
ينطبق على هؤلاء المدَّعين...................٢٧٤
رابعاً: لم يرافق هؤلاء
الأدعياء العدل والقسط...................٢٧٥
خامساً: كيف نعرف الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) عند ظهوره المقدَّس؟...................٢٧٧
أسباب ظاهرة الادِّعاءات
الكاذبة ودوافعها...................٢٨٠
أوَّلاً: العوامل
النفسيَّة للمدَّعين...................٢٨٢
ثانياً: الجهل الدِّيني
للأتباع...................٢٨٦
ثالثاً: الحقد على
الإسلام...................٢٨٩
الخلاصة...................٢٩٦
الفتاوى السديدة
للمرجعيَّة (حديثاً)...................٢٩٧
الفصل الثاني: اجتهادات
حديثة...................٣٠٥
القسم الأوَّل: تعيين
سنة ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب...................٣٠٧
أمثلة على التوقيت في
العصر الحديث...................٣٠٧
حُجَج
الموقِّتين...................٣١١
النهي عن التوقيت:
(الروايات والعقل)...................٣١٣
أوَّلاً: تحديد وقت
الظهور منهيٌّ عنه لروايات عديدة وأخبار كثيرة صريحة في ذلك...................٣١٣
ثانياً: تحديد وقت
الظهور يتعارض مع فلسفة الانتظار، ويُؤدِّي إلى يأس وقنوط
الأُمَّة...................٣١٧
ثالثاً: تحديد وقت
الظهور يُؤدِّي إلى فشل حركة الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) في بداية
ظهورها...................٣١٩
رابعاً: تحديد وقت
الظهور يتنافى مع تجارب الأُمَم السابقة (قَصَص الأنبياء)...................٣٢٠
خامساً: تحديد وقت
الظهور يتعارض مع سُنَن الله في مسألة التمحيص والتمهيد...................٣٢٥
درجات المخلصين من أصحاب
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٣٢٨
تعليمات أهل البيت
(عليهم السلام) بالابتعاد عن التوقيت...................٣٢٩
توصيات أهل البيت (عليهم
السلام) لشيعتهم...................٣٣١
أوَّلاً: انتظار
الفرج...................٣٣١
ثانياً: الدعاء بتعجيل
الفرج...................٣٣٤
القسم الثاني: الحصول
على الصورة الفوتوغرافيَّة للإمام ادِّعاء كاذب...................٣٣٧
المصادر
والمراجع...................٣٤١
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدَّمة المركز:
إنَّ الفكرة المهدويَّة تُمثِّل جوهر العهد الإلهي في التاريخ، ومشروعاً حضاريًّا
متكاملاً يتجاوز حدود الزمان والمكان، إذ تستوعب مسيرة الإنسان من بدايته إلى
غايته، لتُبقي وعد الله (عزَّ وجلَّ) الممهور بالعدل والنور.
فهي ليست عقيدةً غيبيةً تُروى، بل وعيٌ متجدِّدٌ بالحقِّ الإلهيِّ في وجه الظلم،
ودعوةٌ دائمةٌ لبناء الإنسان في ضوء الإيمان واليقين.
لقد عانت المهدويَّة في أغلب أوقات مسارها من ازدواجيَّة التلقِّي بين الإيمان
الوجدانيِّ من جهة، والتعريف الثقافيِّ المحدود من جهةٍ أُخرى، فغابت عن كثيرٍ من
الميادين الفكريَّة كمفهومٍ إنسانيٍّ جامعٍ للكرامة والعدالة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراساتٍ علميَّةٍ رصينةٍ تعيد بناء الوعي المهدويِّ،
وتُقدِّمه بلغةٍ عصريَّةٍ تستوعب العقل والروح معاً.
وانطلاقاً من مسؤوليَّته العلميَّة والرساليَّة في ترسيخ الوعي المهدوي الواعي
والمنهجي، سعى ويسعى مركز الدراسات التخصُّصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
إلى أنْ يُقدِّم في هذا الطريق كلَّ جهد علمي وثقافي يقوم بدور التعريف بالمهدويَّة
الحقَّة، ومن بينها هذا الكتاب القيِّم الموسوم بـ(النور الغائب – الإمام المهدي
والادِّعاءات الكاذبة في العصر الحديث)، وهو نتاج جهد مخلصٍ للأُستاذ الباحث مجتبى
السادة، تناول فيه بموضوعيَّة وتحليل ظاهرة
الادِّعاءات المهدويَّة الزائفة في
الواقع المعاصر، فكشف جذورها الفكريَّة والنفسيَّة والاجتماعيَّة، وبيَّن خطورتها
على الوعي الدِّيني ومسار الانتظار الحقِّ.
وقد حرص المركز على التحقيق والإشراف العلمي على هذا العمل، تأكيداً لنهجه في دعم
المشاريع البحثيَّة المتخصِّصة، وإرساء الأُسُس المنهجيَّة لدراسة القضيَّة
المهدويَّة ضمن إطارٍ علميٍّ موثَّقٍ بعيدٍ من الانفعال والعاطفة غير المنضبطة.
فالهدف الأساس هو بناء الوعي في العقيدة المهدويَّة الحقَّة وإقامة البرهان، لتبقى
القضيَّة المهدويَّة حيَّةً في ضمير الأُمَّة، واضحة المعالم، بعيدةً عن التشويه
والتأويل المصلحي.
وإنَّ المركز إذ يُثمِّن جهد المؤلِّف الكريم، فإنَّه يدعو سائر الباحثين
والكُتَّاب والمهتمِّين بالفكر المهدويِّ إلى أنْ يواصلوا مسيرة الكتابة والتحقيق
والتأليف في هذا الميدان الشريف، والمركز على أتمّ الاستعداد لبذل الجهد في سبيل
نشر هذه الكتابات.
نسأله (عزَّ اسمه) ببركة مولانا الحجَّة (عجَّل الله فرجه) الأخذ بيد كلِّ مخلص في
سبيل نشر هذه العقيدة الحقَّة.
مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
السلام عليك يا مولاي..
سلام المخلِص لك في الولاء..
سيِّدي ومولاي أُجدِد العهد والبيعة لك، في يومي هذا وفي كلِّ يوم..
سيِّدي أبثُّ لك شكوى لهف قلبي، الذي شرب كأساً من عين محبَّتكم..
مولاي هل لمحبٍّ مؤمن بكم، أنْ يعرف لذَّة النوم، وهو يعيش لوعة الفراق، وألم
البُعد عن حبيبه إمام الزمان؟! وهل يسكت لسانه دون ذكرك؟! كيف! وهذا الحبيب أحبُّ
الخلق إلى الله؟ كيف! وحبُّكم درجة من الإيمان؟ كيف! وأنتم يوسف الزهراء وبقيَّة
الرحمن؟
فطوبى لمن لقيكم، وطوبى لمن أحبَّكم، وطوبى لمن قال بكم..
طوبى للصابرين في غيبتكم، وطوبى للمقيمين على محبَّتكم..
طوبى لمن أدرك زمانكم، ولحق أوانكم، وشهد أيَّامكم..
فمتى الوصول إلى شخصكم الكريم، والنظر إلى نوركم العظيم؟
عجَّل الله تعالى فرجكم، ووَّفقنا للقيام بطاعتكم، والمثوبة بشرف خدمتكم.. وتقبَّل
منَّا هذا الإهداء..
والسلام..
* * *
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدَّمة:
بدأ المسلمون في العصر الحديث يشرأبُّون لذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وأصبح اسمه وقضيَّته تتداول بكثرة على ألسنة كثيرٍ من الناس، وأصبح موضوعه حديث
كثير من المجالس والديوانيَّات، وأصبح أمره والاهتمام به مشاعاً لدى العامِّ
والخاصِّ.. ومن هنا بدأ الناس يتفاوتون في النظر (إلى القضيَّة المهدويَّة)،
فالمؤمنون أخذوا يتمسَّكون بإمامهم ووليِّ أمرهم أكثر وأكثر، وأصبحوا كثيري
الالتصاق به، وغدت مجالسهم عامرةً بالدعاء له، ومنوهة باسمه المقدَّس، وتعمَّق
لديهم إحساسُ الانتظار لفرجه.. وفي طرفي نقيض من هؤلاء أخذ بعض من المسلمين يُنكِر
أمره ويُشكِّك في وجوده وينفي ولادته.. وعلى النقيض من هذا وذاك مَنْ يدَّعي رؤيته
والتبليغ عنه أو الادِّعاء للمهدويَّة بعينها، بل تجاوز بعضهم كلَّ الحدود والخطوط
الحمراء وادَّعى النبوَّة، وهنا تكمن المصيبة.
وعلى العموم أصبح ذكره (عجَّل الله فرجه) على كثير من ألسنة الناس سواءً المؤمنين
أو المنكرين أو المدَّعين كذباً.. وسنحاول في هذا الكتاب أنْ نُعمِّق يقين
المؤمنين، ونناقش المنكرين ونردَّ عليهم، ونُوضِّح حقائق المدَّعين ونكشف أباطيلهم.
وقبل ذلك لا بدَّ من التعرُّف على الإمام (عجَّل الله فرجه).. قال الرسول (صلَّى
الله عليه وآله): «مَنْ
مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً
جَاهِلِيَّةً»(١).. يُعتبَر هذا الحديث صحيحاً ومتواتراً ومن المسلَّمات بين جميع
الفِرَق الإسلاميَّة.
وفي الدعاء المرويِّ عن الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه): «اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي
نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ،
اَللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَبِيَّكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ
أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اَللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ
تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»(٢).
من هنا نتحسَّس ضرورة التعرُّف على إمام العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)، فالرسول
الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، يحثُّونا في كلِّ
وقتٍ وأوانٍ على ضرورة التعرُّف على إمام الزمان (عجَّل الله فرجه).. وهنا نتساءل:
هل يكفي معرفة اسمه ونَسَبه؟ وهل يكفي معرفة تاريخ ولادته ومكان نشأته؟ و...؟
إذاً حريٌّ بنا أنْ نتلمَّس أهمّيَّة الثقافة المهدويَّة بكلِّ تشعُّباتها، بل
بكلِّ فصولها ودواعيها ومقتضياتها، تاريخها وشجونها، ملامحها وفتنها، وعلى كلِّ
الأصعدة والجوانب، سواءً على الجانب العقائدي والأُصولي، أو الجانب الفكري
والثقافي، أو الجانب السياسي والاجتماعي.. ولذا تأتي ضرورة التزوُّد بالثقافة
الإسلاميَّة الأصيلة، والترصُّد لمعرفة إرهاصات اليوم الموعود، ليتسنَّى للمؤمنين
من خلال ذلك توخِّي الدقَّة والحذر، وهم في خضمِّ أحداث طائشة وفتن مهلكة.
وفي خضمِّ تسارع الأحداث، فقد برزت للثقافة المهدويَّة مكانةٌ مهمَّةٌ في الثقافة
الإسلاميَّة، ولذا قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ قُدَّامَ اَلْقَائِمِ
عَلَامَاتٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩)؛ الغيبة للنعماني (ص ١٢٨ و١٢٩/ باب ٧/ ح ٦)،
وفيه: «مَنْ مات لا يعرف إمامه...».
(٢) كمال الدِّين (ص ٥١٢/ باب ٤٥/ ح ٤٣).
تَكُونُ مِنَ اَلله (عزَّ وجلَّ) لِلْمُؤْمِنِينَ...»(٣)، ومن خلال
التأمُّل والتفكير في الحديث نجد أنَّه يستهدف أمرين:
١ - تحذير المؤمنين وتنبيههم إلى كلِّ ما يواجههم في المستقبل من فتن مهلكة ورايات
ضلال وانحرافات على كلِّ الأصعدة، والحذر من اتِّباعها.
٢ - البشارة للمؤمنين بخروج رايات تدعو إلى الحقِّ وتجاهد في سبيله قبل الظهور، مع
التأكيد على وجوب الالتفاف حولها ونصرتها.
وفي إطار هذين الأمرين.. تمتدُّ الآثار التربويَّة للثقافة المهدويَّة، وهو ما
يُفسِّر لنا سرَّ اهتمام أهل البيت (عليهم السلام) بها وكثرة صدورها عنهم باعتبارها
مَعْلَمٌ فكريٌّ لتحصين الأُمَّة من عوامل الضلال والانحراف وتوجيهها إلى طريق
الحقِّ والهدى.
ظهرت في السنوات الأخيرة، دعوات وشُبُهات حول موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، ولا يزال هذا الموضوع الشغل الشاغل لدى الأوساط الدِّينيَّة والعقائديَّة
والفكريَّة والثقافيَّة، خاصَّةً وقد برز لدى الساحة الفكريَّة في الآونة الأخيرة
أكثر من دعوى في هذه القضيَّة:
الأُولى: انطلقت قبل فترة في العالم الإسلامي من وسط يدَّعي ارتباطه بأهل البيت
(عليهم السلام).. دعوى إنكار ولادة ووجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّ
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تُوفِّي وليس له ولد، وأنَّ النُّوَاب الأربعة
ادَّعوا كذباً له الولد بعد موته (عليه السلام)، وأنَّ غالبيَّة الشيعة في القرن
الثالث الهجري كانوا يشكُّون بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. وسنُخصِّص
الباب الأوَّل لمناقشة هذه الدعوى بالتفصيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الإمامة والتبصرة (ص ١٢٩/ ح ١٣٢).
الثانية: انطلقت من بعض الدول الإسلاميَّة من أوساط أهل العامَّة وقليل من الشيعة
أو غيرها من الفِرَق الإسلاميَّة.. أفراد يدَّعون الصلة بالإمام المهدي المنتظَر
(عجَّل الله فرجه)، ويتجاوزون ذلك إلى التبليغ عنه، بما يتناقض مع بعض ثوابت
الدِّين وضروريَّاته.. بل وإلى ادِّعاء بعض منهم أنَّه الإمام (عجَّل الله فرجه)
بعينه، وتلك هي دعوى البابيَّة والمهدويَّة.. بل ادَّعى بعضهم أنَّه نبيٌّ مرسَل من
الله جاء ليُخلِّص البشريَّة من الظلم والجور.. إضافةً إلى أنَّ البعض حدَّد تاريخ
وقت ظهوره (عجَّل الله فرجه).. وسنُخصِّص الباب الثاني لمناقشة هذه الدعاوى
بالتفصيل.
كلُّ تلك الدعاوى الكاذبة ليست جديدة في التاريخ الإسلامي، بل هي قديمة قِدَم
الزمان.. ولكن الظروف في السنوات الأخيرة أفرزت مناخاً كوَّن أحوالاً نفسيَّة
وفكريَّة ساعدت على انطلاق هذه الدعاوى من جديد وإنِ اختلفت وجوه المدَّعين..
سنحاول قدر الإمكان أنْ نردَّ على الادِّعاءات الكاذبة والشُّبُهات المجحفة،
ونُميِّز الحقَّ من الباطل، ونهدف إلى نشر حقائق الإسلام ومعارفه ومبادئه وعقائده
الأصيلة..
* * *
الفصل الأوَّل: المهدي (عجَّل الله فرجه) في المصادر السماويَّة
القسم الأوَّل: المهدي (عجَّل الله فرجه) عند أهل الكتاب.
القسم الثاني: المهدي (عجَّل الله فرجه) في المصادر الإسلاميَّة.
القسم الأوَّل: المهدي (عجَّل الله فرجه) عند أهل الكتاب:
لله دَرُّ هذا الإنسان الضعيف كم عانى عبر التاريخ من الحروب والاضطهاد والمشاكل
والمصائب.. هذا الإنسان الكريم عند الله.. كم عانى من الآلام والمحن في تاريخه
الطويل.. فحينما نتصفَّح أوراق التاريخ القديم تطالعنا فصوله بمشاهد الظلم والبؤس
والشقاء ونجد المشاهد التالية:
قصَّة أصحاب الأُخدود وفرعون وبني إسرائيل، وكلَّما نتصفَّح الأوراق أكثر نقرأ
المآسي أكثر.. فواقعة كربلاء، ومصائب الحجَّاج وبني أُميَّة وبني العبَّاس.. هذا من
فصول التاريخ القديم.. فماذا عن سجلَّات التاريخ الحديث؟ فلا ننسى الحرب العالميَّة
الأُولى والثانية، وكذلك واقع الإنسان المعاصر.. إنَّه واقع البؤس والحرمان
والاستعمار والتشريد.. إلخ.
فبالله عليكم في ظلِّ هذه الأوضاع.. كيف يمكن للأمل أنْ ينمو وللتفاؤل أنْ يمكث في
النفس؟.. فهل هناك تصوُّر متكامل لتحقيق حلم الإنسانيَّة السعيد ببناء حياة الأمن
والاستقرار والسلام؟! هل توجد فكرة شاملة يمكن للإنسان أنْ يؤمن بأنَّ تطبيقها
سيُوفِّر ما حرمته منه سنون التاريخ المرِّ؟!
إنَّ البشريَّة عبَّرت على مدى تاريخها الطويل عن حاجتها الملحَّة الفطريَّة للمنقذ
الذي يصلح أحوالها، وبخاصَّة عندما يستشري الظلم وتتَّسع دائرة الفساد، وتطول فترة
ترقُّبه وانتظاره.. وبصرف النظر عن إقرار المذاهب الدِّينيَّة والفلسفيَّة بهذا
الإحساس الفطري المتأصِّل في عمق النفس البشريَّة، فإنَّه
إحساس الناس جميعاً..
الأمل بالسعادة وانتظار الغد الأفضل هو حديث النفس، وحاجة مشتركة لكلِّ البشر ولا
تعرف الزمان والمكان، ولا تختصُّ بقوم أو جماعة، إذ يمكن مشاهدتها في كلِّ مكان
وزمان، وعند كلِّ الأُمَم والأقوام.. ولذا يمكن القول بأنَّ أصالة هذا الإحساس
الفطري تدلُّ على تطابق التعاليم الدِّينيَّة واجتهادات العقل البشري (حاجات
الناس).
إذاً.. الحديث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس هو مجرَّد حديث عن شخص يختلف
المسلمون في وجوده أو عدمه، ولا هو مسألة نظريَّة لا ربط لها بالواقع، ولا فكرة من
وهم الخيال يتغنَّى بها المستضعَفون في الأرض.. بل قضيَّة في غاية الأهمّيَّة
وحسَّاسة جدًّا، قضيَّة لها آثارها وانعكاسها على واقع البشريَّة لكونها ترسم
المستقبل وتُبشِّر بالأمل وتُحقِّق القسط والعدل والرخاء لكلِّ البشر.. إنَّها
مسألة جوهريَّة مهمَّة بشَّر بها كلُّ الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام).
إنَّ فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) المنقذ، المصلح، الذي ينشر العدل والقسط
في كافَّة المعمورة، شكَّلت منذ فجر التاريخ الدِّيني، حاجة نفسيَّة واجتماعيَّة
وفطريَّة.. وحتَّى في زمن الأنبياء، وإنَّ هذه الحاجة تزداد إلحاحاً كلَّما زاد
الظلم والاضطهاد.
إذاً.. قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) قضيَّة نفسيَّة روحيَّة عقليَّة اجتماعيَّة
سياسيَّة، وهي في صلب العقيدة الدِّينيَّة السماويَّة.. كلَّما تحسَّس الناس الظلم
وزادت حدَّته، كلَّما حاول الإنسان أنْ يُفتِّش عن إشباع كامل لهذه الحاجة (المنقذ
للبشريَّة) بين حين وآخر، وكان ظهور الأنبياء على امتداد التاريخ الإنساني يُمثِّل
قمَّة الإشباع الإنساني لهذا الشعور النفسي، فكلُّ دعوة نبيٍّ أو رسول تنطوي دائماً
على منهجٍ لإصلاح النفس والمجتمع فما ظهر نبيٌّ إلَّا وطرح فكرة المصلح المنتظَر..
ومن هنا يمكن القول بأنَّ فكرة المنقذ وُجِدَت في خطِّ الأنبياء، فلم يُبعَث نبيٌّ
أو
رسول إلَّا ووُجِدَ مَنْ ينتظره ويسعى إليه، وكلُّ واحدٍ منهم كان مبشَّراً به
من قِبَل السابقين عليه، وليس الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) إلَّا حلقة
في هذا المسلسل.
فموسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، ومحمّد والقرآن.. انطلقوا من زاوية (الله هو
الخالق) وهم الواسطة بين الخلق والخالق، وكلُّهم رُسُل الخير، وكلُّهم يحملون فكرة
الاستقامة والعدل والتوحيد، وكلُّهم ينادي بوجود الجنَّة والنار، وكلُّهم كذلك
بشَّر بفكرة المنقذ المخلِّص.. وبعد أنِ انتهى عصر الأنبياء ظلَّت عقيدة المهدي
(عجَّل الله فرجه) واضحة للعقل البشري، فالمهدي (عجَّل الله فرجه) ليس تجسيداً
لعقيدةٍ إسلاميَّةٍ ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان طموح اتَّجهت إليه البشريَّة
بمختلف أديانها ومذاهبها.
إنَّ فكرة المنقذ تدلُّ على أصالة قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه)، فهي اعتقاد
عالمي بحتميَّة ظهور المخلِّص المنقذ (المهدي).. فجميع الأديان والمِلَل تنتظره،
فقد اتَّفق الجميع على فكرة المهدي (عجَّل الله فرجه) والانتظار لهذا المنقذ الذي
يُخلِّص العالم من الظلم والجور.. واختلفوا في اسمه وفي شخصه وفي نَسَبه، وهذا
الاختلاف لا يضرُّ في أصل الفكرة المترسِّخة الأصيلة، فالكلُّ متَّفق على المبدأ
والمنشأ والمفهوم، وإنِ اختلفوا في صفته ومكان قدومه، فإنَّ ذلك لا ضير فيه، وهو
اختلاف في الشكل لا في المضمون.. إذاً فهذا الاعتقاد (بالمهدي) وهذه المسألة لها
جذورها ومنابعها ولها مصادر دينيَّة وعقليَّة وتاريخيَّة تُؤكِّدها وتُؤيِّدها، فهي
فكرة أصيلة وصحيحة ومتواترة، وهي مرتبطة بالوحي الإلهي.
نحن - المسلمون - نعتقد بالمنقذ المخلِّص للبشريَّة ونُسمِّيه المهدي
المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما بشَّر به
الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، أمَّا غيرنا فيُسمِّيه بأسماء أُخرى:
١ - منقذ البشر (بهرام شاه) لدى الزرادشتيِّين، ويعتقدون أنَّه من نسل زرادشت، وهو
فارسي.
٢ - السيِّد الميكائيلي لدى اليهود، ويعتقدون أنَّه من بني إسرائيل.
٣ - المسيح الموعود لدى النصارى ويعدُّونه مسيحيًّا، كذلك ينتظرون عودة عيسى بن
مريم (عليه السلام).
٤ - بوذا لدى البوذيِّين، وهم ينتظرون ظهور (بوذا).
٥ - مسيحيُّو الأحباش ينتظرون عودة مَلِكهم تيودور.
٦ - الهنود يعتقدون بعودة فيشنو.
٧ - المجوس يعتقدون بحياة أُوشيدر.
٨ - الأسبان ينتظرون مَلِكهم روذريق.
٩ - المغول ينتظرون قائدهم جنكيزخان.
كذلك يعتقد بالفكرة قدامى المصريِّين والصينيِّين، وعندهم أسماء متعدِّدة.
وهنا قد يسأل أحد المشكِّكين: إنَّ ظاهرة المنقذ المصلح قد وُجِدَت لدى الأقوام
والمَلِل السابقة قبل الإسلام، فمن المحتمل جدًّا أنَّها تسرَّبت للفكر الإسلامي
وتأثَّر بها المسلمون، وذلك بواسطة الاختلاط الحضاري والتبادل الثقافي الفكري بين
الحضارات.. ولا يعدو أنْ يكون الموضوع إلَّا أُسطورة، وليس له أصل في الإسلام؟
وهنا يلزم علينا أنْ نقول: صحيح أنَّ الإيمان بظهور مصلح ومنقذ للعالم كان شائعاً
لدى كثير من الأقوام والمعتقَدات، ولكن هذا لا يُعطي دليلاً على أُسطوريَّة هذه
العقيدة، فهل تُعَدُّ مخالفة الإسلام لعقائد الأديان الأُخرى دليلاً على صحَّته
وأصالة معتقَداته؟..
أوَّلاً: أنَّ مَنْ يريد البحث في صحَّة عقيدة ما، عليه أنْ يراجع أدلَّتها
والوثائق التي تُعزِّز صحَّتها.. لا أنْ يراجع كُتُب القدماء وما لدى الأقوام
الأُخرى من عقائد مشابهة ثمّ يقيم الدنيا ولا يُقعِدها باعتبار أنَّه وجد جذور هذه
العقيدة وأنَّها تعود إلى هذه الأقوام أو تلك المذاهب وأنَّ الفكرة مجرَّد أُسطورة
ليس إلَّا..
ثانياً: لقد كان كثير من القدماء وكثير من المعتقَدات يؤمنون بالله ويعدُّون الصدق
خُلُقاً ساميًّا، فهل يحقُّ لنا أنْ نعدَّ الله أُسطورة - أستغفر الله - وننبذ
الصدق بعيداً؟..
لذا فإنَّ إيمان الأقدمين بظهور المصلح لا يُعَدُّ دليلاً ولا مسوِّغاً في
أُسطوريَّة فكرة المهدي، كما لا ينهض برهاناً لإثبات هذه العقيدة.. ولا بدَّ أنْ
نعرف بأنَّ العقائد المشتركة بين المسلمين وسائر الفِرَق الدِّينيَّة في العالم
كثيرة جدًّا ولا يمكن إنكار ذلك، إلَّا أنَّ الاشتراك في العقيدة لا يدلُّ بحال من
الأحوال على بطلان العقائد الإسلاميَّة وانحراف المسلمين.. وعلى ذلك، فاشتراك
المسلمين مع اليهود والنصارى في العقيدة بالمصلح العالميِّ المسمَّى بالمهدي
المنتظَر أو بأيِّ اسم آخر، لا يدلُّ على عدم أصالة العقيدة بالمهدويَّة في
الإسلام، كما أنَّ اشتراك المسلمين مع اليهود والنصارى في الاعتقاد بالله وبمبدأ
الخليقة ومسألة النبوَّة لا يستلزم بطلان هذه العقائد.
فضلاً عن كلِّ ذلك نجد أنَّ كلَّ مَنْ يحمل فكراً وديناً أو حتَّى العقليَّة
الحديثة تتغنَّى بقدوم المنقذ وتُسمِّيه البطل المرتقَب، ولذا نجد مفكِّري وفلاسفة
وعباقرة العالم في انتظار المصلح.. فعلماء الاجتماع مثلاً عندهم أنَّ مسيرة الحياة
الاجتماعيَّة لا بدَّ أنْ تمرَّ بمراحل، مرحلة بعد مرحلة، فهي بين قوَّة وضعف،
ونموٍّ وانهيار، ولقاء واندثار، وأخذ وعطاء، وهكذا تمرُّ البشريَّة بهذه المراحل..
والكلُّ ينتظر ويترقَّب عصر أو مرحلة آخر الزمان، عصر الأمن والرخاء والسعادة
والسلام.
كذلك الفلاسفة والمفكِّرون، فنجد الفيلسوف راسل (الإنجليزي) يقول: (إنَّ العالم في
انتظار مصلح يُوحِّد العالم تحت عَلَمٍ واحدٍ وشعارٍ واحدٍ)(٤).. كذلك العلَّامة
آينشتاين صاحب (النظريَّة النسبيَّة) يقول: (إنَّ اليوم الذي يسود العالم كلَّه
الصلح والصفاء، ويكون الناس متحابِّين متآخين ليس ببعيد)(٥).. كذلك الفيلسوف
برناردشو بشَّر بمجيء المصلح في كتابه (الإنسان والسوبرمان).. وهكذا نلاحظ أنَّ
راسل يُبرِز حاجة العالم للمصلح، وانتظار العالم لذلك المنقذ، بينما يتحدَّث
آينشتاين عن بعض مظاهر عهد ذلك المصلح، وبشرى برناردشو سندها العقل المستند إلى
فكرة عالميَّة موروثة ومتواترة.
إذاً.. ففكرة ظهور المنقذ العظيم الذي سينشر العدل والرخاء بظهوره في آخر الزمان،
ويقضي على الظلم والاضطهاد في أرجاء العالم، ويُحقِّق العدل والمساواة في دولته
الكريمة، يُرسِلها معظم عقلاء وفلاسفة العالم إرسال المسلَّمات.. وفوق ذلك فهي
كعقيدة سماويَّة آمن بها أهل الأديان الثلاثة، واعتنقتها معظم شعوب العالم..
فالجميع متَّفق على أصل الفكرة وإنْ كان هناك اختلاف في التفاصيل.. وهكذا فإنَّ
الأديان تلتقي، كما يلتقي معها العقل والحكمة في ضرورة خلاص البشريَّة، على يد مَنْ
يزيل الجور والظلم ويقيم العدل والقسط للجميع.
الاتِّفاق على الفكرة.. اليهود:
١ - تأكيد الفكرة الرئيسيَّة.
٢ - الإشارة إلى أنَّ أُصول المنقذ (المهدي) من نسل إسماعيل (عليه السلام).
٣ - الاعتقاد بأنَّ الله قد غيَّب المنقذ ليحفظه لليوم الموعود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ٩).
(٥) المصدر السابق.
إنَّ اعتقاد أهل الكتاب بظهور المنقذ في آخر الزمان هو من تبشير أديانهم بمهدي أهل البيت (عليهم السلام) كتبشيرهم بالنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ويدلُّ على ذلك وجود ما يشير في أسفار التوراة إلى ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) في آخر الزمان، كما في بشارات العهد القديم: (ابتهجي كثيراً يا بنت صهيون هو ذا مَلِكها سيأتي إليكِ عادلاً ومنصوراً)(٦).. كذلك جاء النصُّ التالي في أسفار التوراة في إشارة إلى ظهور المهدي في آخر الزمان: (اصعدي أيَّتها الخيل، وهيجي أيَّتها المركبات، ولتخرج الأبطال: كوش وفوط القابضان المجنَّ، واللوديُّون القابضون والمادُّون القوس، فهذا اليوم للسيِّد ربِّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع...، لأنَّ للسيِّد ربِّ الجنود ذبيحةً في أرض الشمال عند نهر الفرات)(٧).. وجاء في التوراة في سفر التكوين، الفصل السابع عشر، الآية العشرين، ما ترجمته بالعربيَّة لخطاب الله تعالى: (يا إبراهيم، إنَّا قد سمعنا دعاءك وتضرُّعك في إسماعيل، فباركتُ لك فيه، وسأرفع له مكاناً رفيعاً ومقاماً عليًّا، وسأُظهِر منه اثني عشر نقيباً، وستكون له أُمَّةٌ عظيمة)(٨).. وجاء في الزبور، السفر الواحد والسبعين ما ترجمته بالعربيَّة: (وسيظهر في دولته حجَّة، ويزيد العدل والقسط، إلى أنْ يزول القمر، ويحكم من البحر إلى البحر ومن الوادي إلى جميع ما على وجه البسيطة، وتنعطف له العالم)(٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) سفر زكريَّا، الأصل العبري العهد القديم (ص ١٣٤)، عن الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) نظرة في التاريخ ورؤية للمستقبل (ص ١١)، وقد أورد النصَّ بالعبري والعربي؛
وعقيدة المسيح الدجَّال في الأديان (ص ٣٠ و٣١)؛ واقرأ تفسيره في التراث الإسرائيلي
في العهد القديم (ص ٢٥٩)، إشارة إلى ملك السلام.
(٧) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١١٥٠/ سفر إرميا/ الإصحاح ٤٦/ النصُّ ٩ و١٠).
(٨) إلزام الناصب (ج ١/ ص ١٠٦)، عن الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/
الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠)، بتفاوت.
(٩) الإمام المنتظَر من ولادته إلى دولته (ص ٣٤)، عن الكتاب المقدَّس، العهد القديم
(ص ٨٨٢/ المزامير/ المزمور ٧٢/ النصُّ ٧ - ٩)، بتفاوت.
إنَّ الإيمان بظهور المنقذ الغائب كان وما يزال شائعاً لدى اليهود.. يعتقد اليهود أنفسهم بوجود عشر بقرات تظهر كلٌّ منها كنبوءة أو مقدَّمة لحدث معيَّن.. البقرة الأُولى ظهرت زمن موسى (عليه السلام)، والثانية عند دخوله أرض كنعان (أو فلسطين)، ثمّ سبع بقرات حمراوات كإشارة لبناء الهيكل الثاني.. ومنذ ذلك الحين واليهود ينتظرون ظهور البقرة الحمراء العاشرة.. وأُسطورة البقرة الحمراء بدأت بنصٍّ ورد في سفر العدد بالتوراة.. فاليهود كانوا وما زالوا ينتظرون ولادة بقرة حمراء إيذاناً ببناء الهيكل الثالث ونزول المسيح المنتظَر، فهم يؤمنون بأنَّ ولادة بقرة بهذا اللون إشارة من الربِّ لإعادة بناء هيكل سليمان (مكان المسجد الأقصى)، ومقدَّمة لنزول المسيح المنتظَر الذي سيسودون به العالم ويحكمون من خلاله الأُمَم.. ويبدو أنَّ تسرُّع اليهود دفعهم لاستعجال ظهور بقرة عاشرة بهذا اللون، رغم اعتراض جماعات كثيرة على محاولة تهجينها عمداً.. وفي عام (١٩٩٧م) تناقلت الصُّحُف(١٠) نبأ ولادة بقرة حمراء في مزرعة بكفر حسيديم رجَّح كبار الحاخامات أنَّها البقرة المنتظرة، وفرضوا عليها حراسة مشدَّدة، ونظَّمت الزيارات للتبرُّك بها، وأطلقت عليها اسم ميلودي.. وفي ذلك الوقت أثارت ولادة هذه البقرة موجة من الحماس الدِّيني في إسرائيل.. اجتذب معه حتَّى العلمانيِّين اليهود.. وكان يُفترَض أنْ يتوافق ذبح (ميلودي) مع بدء الزمن الثالث (زمن بناء الهيكل) قبل أنْ يُسحَب الاعتراف بها لأسباب غير معروفة من مجلس الحاخامات الأعلى.. والآن غُلاة اليهود ينتظرون ولادة البقرة الحمراء كإشارة إلهيَّة عاجلة لتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) جريدة الأخبار المصريَّة (٢٥/٤/١٩٩٧م).
(١١) جريدة الرياض السعوديَّة، العدد ١٣٩١٠، يوم الثلاثاء (٢٩/ جمادى الثاني/
١٤٢٧هـ - ٢٥/٧/٢٠٠٦م).
كذلك اليهود يعتقدون بأنَّ (إلياس) قد رُفِعَ إلى السماء، وأنَّه سيعود في آخر
الزمان لإنقاذ بني إسرائيل، كما أنَّهم يعتقدون بأنَّ (مَلِك صيدق) و(ابن العازار)
ما يزالان في الحياة.. فاليهودي من أيِّ سبط كان ينتظر مجيء المنقذ الذي يُحقِّق
العدل المطلق على وجه الأرض في آخر الزمان.
الاتِّفاق على الفكرة.. النصارى:
١ - تأكيد الفكرة الرئيسيَّة.
٢ - أشارت كُتُبهم إلى عهد الظهور وبعض ملامحه.
٣ - أبرزت ظهور السيِّد المسيح (عليه السلام).
إنَّ جميع أهل الكتاب يعطون حكومة آخر الزمان المنتظرة أهمّيَّتها القصوى، ويعرفون
لوقتها علامات ودلائل هي من صميم ما عندهم من تراث ديني، ومن صميم ما لديهم من
رائحة السماء.. ويدلُّ على ذلك وجود ما يشير في كُتُبهم المقدَّسة إلى المهدي
(عجَّل الله فرجه) (آخر الزمان).. جاء في كتاب (يوحنَّا) بشارة بالإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) والنداء السماوي: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه
بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب،
منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا
لصانع السماء والأرض والبحر وينبايع المياه)(١٢).. وهذه إشارة واضحة إلى الصيحة في
رمضان والنداء السماوي وهو نداء جبرائيل (عليه السلام) باسم المهدي (عجَّل الله
فرجه) كما قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ
مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ
الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢).. كذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٤/ النصُّ ٦ و٧).
ذكرت كُتُب أهل الكتاب (سفر الرؤيا) إلى امرأة يخرج من صلبها اثنا عشر رجلاً، كما جاء في سفر الرؤيا (رؤيا القدِّيس يوحنَّا): (وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً).. ثمّ أشار إلى امرأة أُخرى، أي: التي تلد الرجل الأخير الذي هو من صلب جدَّته، وقال السفر: إنَّ هذه المرأة الأخيرة ستُحيط بها المخاطر، ورمز للمخاطر باسم (التنِّين) وقال: (والتنِّين وقف أمام المرأة العتيدة أنْ تلد حتَّى يبتلع ولدها متَّى ولدت،) أي: إنَّ السلطة كانت تريد قتل هذا الغلام، ولكن بعد ولادة الطفل.. يقول باركلي في تفسيره: (عندما هجمت عليها المخاطر اختطف الله ولدها وحفظه)(١٣)، والنصُّ: (فولدت ابناً ذَكَراً عتيداً أنْ يرعى جميع الأُمَم بعصاً من حديد، واختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه) أي: أن الله غيب هذا الطفل.. وجاء في السفر: (فغضب التنِّين على المرأة، وذهب ليصنع حرباً مع باقي نسلها الذين يحفظون وصايا الله)(١٤).. وفي إشارة إلى الصيحة جاء في إنجيل متَّى: (ويبصرون ابن الإنسان آتياً على سحاب السماء بقوَّة ومجد كثير فيُرسِل ملائكته ببوق عظيم الصوت فيجمعون مختاريه من الأربع الرياح من أقصى السماوات إلى أقصاها... متى رأيتم هذا كلَّه فاعلموا أنَّه قريب على الأبواب)(١٥)، وجاء في سفر إشعياء كما في العهد القديم، وتحت عنوان إشعياء يُبشِّر بالقائم، وفيه إشارة إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) بأحد ألقابه وهو (القائم): (ويكون في ذلك اليوم أنَّ أصل يسي القائم راية للشعوب، إيَّاه تطلب الأُمَم، ويكون محلُّه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) عقيدة المسيح الدجَّال في الأديان (ص ٣٧٩).
(١٤) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٨ و٤٠٩/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٢/
النصُّ ١ - ١٧).
(١٥) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٥/ إنجيل متَّى/ الإصحاح ٢٤/ النصُّ ٣١ -
٣٣).
مجداً)(١٦).. وفي إشارة إلى الوعد الإلهي بنشر القسط
والعدل على كافَّة المعمورة، جاء في سفر دانيال: (يقيم إله السماوات مملكة لن تنقرض
أبداً، ومُلكها لا يُترَك لشعب آخر، وتُسْحَقُّ وتفنى كلُّ هذه الممالك وهي تثبت
إلى الأبد)(١٧)، وهذا إشارة إلى الوعد الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)(١٨).
كذلك بعض المسيحيِّين الجُدُد يتنبَّؤون بعودة السيِّد المسيح (عليه السلام)،
ويُفسِّرونها من وجهة نظرهم.. وفي هذا الصدد يقول الرئيس الأمريكي (رونالد ريغان):
(إنَّ جميع التنبُّؤات التي يجب أنْ تتحقَّق قبل هرمجدون قد مرَّت)(١٩).. وعندما
كان ريغان مرشَّحاً للرئاسة عام (١٩٨٠م)، كان يواصل الحديث عن هرمجدون، ومن أقواله:
(إنَّ نهاية العالم قد تكون في متناول أيدينا.. وإنَّ هذا الجيل بالتحديد هو الجيل
الذي سيشهد هرمجدون).. كذلك فإنَّ قادة اليمين المسيحي الجديد (يعتقدون أنَّ الكتاب
المقدَّس يتنبَّأ بالعودة الحتميَّة الثانية للمسيح بعد مرحلة من الحرب النوويَّة
العالميَّة أو الكوارث الطبيعيَّة والانهيار الاقتصادي والفوضى الاجتماعيَّة)(٢٠)،
ولذا جاء في كتاب (أُسطورة هرمجدون):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥ و١٠٠٦/سفر إشعياء/الإصحاح ١١/النصُّ
١٠).
(١٧) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٦٤/سفر دانيال/ الإصحاح ٢/ النصُّ ٤٤).
(١٨) والوعد الإلهي في آيات أُخرى: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ
مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
(الأنبياء: ١٠٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(التوبة: ٣٣).
(١٩) أُسطورة هرمجدون والصهيونيَّة المسيحيَّة بأقلام عربيَّة (ص ٢٦٧).
(٢٠) المصدر السابق.
(إنَّهم يعتقدون أنَّ هذه الأحداث يجب أنْ تقع
قبل العودة الثانية، كما يعتقدون أنَّها مسجَّلة بوضوح في الكتاب المقدَّس، وقبل
السنوات الأخيرة من التاريخ، فإنَّ المسيحيِّين المخلِصين سوف يُرفَعون مادّيًّا من
فوق الأرض، ويجتمعون بالمسيح في الهواء.. ومن هذه النقطة سوف يراقبون بسلام الحروب
النوويَّة والمشاكل الاقتصاديَّة.. وفي نهاية المحنة سيعود هؤلاء المسيحيُّون
المولودون ثانيةً مع المسيح كقائد عسكري لخوض معركة هرمجدون، لتدمير أعداء الله،
ومن ثَمَّ ليحكموا الأرض لمدَّة ألف سنة)(٢١).. وفي اعتقادهم بخصوص هرمجدون: (أنَّه
ما لم تقع حرب نوويَّة (في هرمجدون) في فلسطين بين (قوى الخير) ممتثلة باليهود
وحلفائهم و(قوى الشرِّ) ممتثلة في العرب والمسلمين أعداء اليهود، فإنَّ المسيح
المنتظَر لن يعود، ولن يكون هناك سلام على الأرض)(٢٢).
حتَّى في الفكر المسيحي الحديث فإنَّهم ينتظرون المسيح، ولذا نجد أنَّ المسيحي من
أيِّ طائفة كان، يعتقد بعودة المسيح المطهَّر، ليُرسي قواعد العدل الإلهي على وجه
المعمورة في آخر الزمان.. يقول الباحث سعيد أيُّوب في كتابه (عقيدة المسيح
الدجَّال): (مكتوب في أسفار الأنبياء: المهدي ما في عمله عيب)، ويُعلِّق: (وأشهد
أنَّني وجدته كذلك في كُتُب أهل الكتاب)، ويضيف: (لقد تتبَّع أهل الكتاب، أخبار
المهدي كما تتبَّعوا أخبار جدِّه (صلَّى الله عليه وآله))(٢٣).. وللاطِّلاع على
نصوص أكثر من كُتُب أهل الكتاب يفضل مراجعة:
١ - كتاب (عقيدة المسيح الدجَّال في الأديان)، للأُستاذ سعيد أيُّوب، القاهرة،
(١٩٨٦م).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) المصدر السابق.
(٢٢) أُسطورة هرمجدون والصهيونيَّة المسيحيَّة بأقلام عربيَّة (ص ٢٦٦).
(٢٣) عقيدة المسيح الدجَّال في الأديان (ص ٣٧٩).
٢ - كتاب (يوم الخلاص في ظلِّ القائم المهدي)، للأُستاذ كامل سليمان، بيروت،
(١٩٩٤م).
٣ - كتاب (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نظرة في التاريخ ورؤية للمستقبل)،
للأُستاذ كمال السيِّد، بيروت، (٢٠٠٢م).
الاتِّفاق على الفكرة.. المسلمون:
١ - تأكيد الفكرة الرئيسيَّة، باتِّفاق جميع المذاهب.
٢ - حدَّدت اسمه وصفته ونَسَبه.
٣ - غطَّت نظرية ظهور المهدي (عجَّل الله فرجه) تغطيه كاملة، وحدَّدت علامات ظهوره
تحديداً دقيقاً.
إنَّنا نجد أنَّ عقيدة المهدي (عجَّل الله فرجه) واضحة لدى المسلمين أكثر من غيرهم،
ومصدر هذه العقيدة النبيُّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، الذي بشَّر وحدَّث أصحابه
بظهور المهدي (عجَّل الله فرجه)، فكان (صلَّى الله عليه وآله) في كلِّ نادٍ ومحفلٍ
ومنتدى ومجمع يُبشِّر أصحابه، بتطهير الأرض من الظلم والفساد، وبنشر العدل والقسط
في آخر الزمان، ومن خلال البحث والتدقيق في كُتُب التاريخ والعقائد الإسلاميَّة،
يتَّضح لكلِّ ذي لُبٍّ أنَّ موضوع المهدي (عجَّل الله فرجه) كان من المسائل
المسلَّم بها في عهد الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وكان المسلمون ينتظرون ظهور
رجل يُقيم العدل ويمحق الظلم ويُصلِح شأن العالم، ولهذا لم يكونوا يتساءلون عن أصل
الموضوع، بقدر ما كانت معظم استفساراتهم تدور حول مسائل فرعيَّة، عن أصله ونَسَبه،
عن اسمه وكنيته، عن صفاته وخصاله، عن سبب غيبته، عن علامات ظهوره... إلى غير ذلك من
الاستفسارات.. وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، لا يفتأ يُردِّد في كلِّ
مناسبة أنَّ المهدي من أهل بيتي، من ولد فاطمة، من نسل الحسين، ويُصرِّح باسمه
وكنيته ويذكر علامات ظهوره.. وعندما انتقل الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى
الرفيق الأعلى، ظلَّت قضيَّة
المهدي أمراً مفروغاً منه بين كبار الصحابة والتابعين
يتحدَّثون عنها، ويُبشِّرون بها.. ومع الأيَّام وتسارع الأحداث تغلغل الاعتقاد
بالمهدي في أذهان المسلمين حتَّى باتوا يعدُّون الأيَّام لظهوره، وكان لا يراودهم
شكٌّ في انتصاره وإقامة دولة الحقِّ، وكان الاعتقاد يترسَّخ كلَّما اشتدَّ الظلم،
والانتظار يشتدُّ كلَّما سادت الفوضى وعمَّ الفساد والانحراف، أملاً في الخلاص.
إنَّ الإسلام بركنيه القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة هما المصدر والمنبع لدى
المسلمين للاعتقاد والإيمان بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وعلى ذلك أجمع
المسلمون.. وقد احتلَّ هذا الاعتقاد مكانة بارزة في الإسلام، وعلى كلِّ الأصعدة
انطلاقاً من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(التوبة: ٣٣)، وقوله (صلَّى الله عليه وآله) في حديث صحيح عند المسلمين كافَة: عَنْ
عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)، عَنْ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه
وآله)، قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدَّهْرِ إِلَّا يَوْمٌ لَبَعَثَ اَللهُ
رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَأُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً»(٢٤)..
بشكلٍ عامٍّ إنَّ مسألة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مقتطفة من جوهر الشريعة
الإسلاميَّة، وهي جزء من عموم المعتقَدات الإسلاميَّة المنبثقة عن القرآن الكريم
والسُّنَّة المطهَّرة، أي إنَّ أصل الفكرة ومصدرها (الوحي الإلهي).. ومن هنا نعرف
أنَّ أيَّ مسلم ومن أيِّ مذهب كان، ينتظر المهدي والمسيح (عليهما السلام) يلتقيان
في دولة حقٍّ وحكومة عدل مُثلى في آخر الزمان.
وهكذا نستنتج أنَّ فكرة المنقذ المنتظَر هي فكرة واقعيَّة، وقبل ذلك فهي حاجة
بشريَّة، بل هي ضرورة إلهيَّة لإقامة الحجَّة على البشر: بإمكانيَّة إقامة دولة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) أخرجه أحمد في مسنده (ج ٢/ ص ١٦٣/ ح ٧٧٣)، وأبو داود في سُنَنه (ج ٢/ ص ٣١٠/ ح ٤٢٨٣)؛ وأشار الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان (ج ٧/ ص ١٢٠) إلى اتِّفاق المسلمين من الشيعة والسُّنَّة على روايته.
العدل والتوحيد، وبالتالي لا عذر لمن رفض إقامتها بعد إمكانيَّتها.. ولقد تبيَّن لنا أنَّ المنقذ المخلِّص للبشريَّة والذي تتحدَّث عنه الأديان، هو المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) الذي يتَّخذ تسمياتٍ رمزيَّة أو حقيقيَّة في الآثار السماويَّة، وكلٌّ حسب اللغة التي يتحدَّث بها.
* * *
القسم الثاني: المهدي (عجَّل الله فرجه) في المصادر الإسلاميَّة
المبحث الأوَّل: في القرآن الكريم:
القرآن الكريم: كتاب الله الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ
وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٢)، وهو آخر الكُتُب السماويَّة، وهو معجزة الرسول
محمّد (صلَّى الله عليه وآله) الخالدة.. وفيه تبيان لكلِّ شيء، قال تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩)، ومن
هنا يأتي السؤال الكبير: تُرى يسكت القرآن الكريم عن حدث جلل يُعتبَر تبدُّلاً
عظيماً في مستقبل البشريَّة والحياة؟.. أم ترى القرآن لا يُخبِر عن ظهور الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) ونشره للعدل على كافَّة المعمورة؟.. وهو الذي أخبر عن
غلبة الروم على الفرس، وعن قيام دولة اليهود، وأخبر عن إمكانيَّة غزو الفضاء، وأخبر
عن يأجوج ومأجوج ومصيرهما.. أم أنَّ مسألة حسَّاسة وهامَّة كموضوع الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) ليس لها جذور في القرآن الكريم، أم أنَّه لا وجود لهذه القضيَّة
سواء بالتصريح أو التلميح في القرآن الكريم.. فإذا كان للإمام (عجَّل الله فرجه)
هذا الشأن العظيم والهامُّ فلا بدَّ أنْ يتعرَّض القرآن للحديث عنه، وإلَّا فسيكون
هناك مجال للتشكيك في أصل الموضوع، ومنبع الفكرة.. علماً بأنَّنا لا نجد اسم المهدي
أبداً في القرآن الكريم.
يمكننا القول بأنَّ هناك إشاراتٍ عديدةٍ وآياتٍ كثيرةٍ تطرَّقت إلى موضوع الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) وبطُرُق وأساليب شتَّى، بل نُؤكِّد بأنَّ فكرة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) قد أيَّدها القرآن الكريم بجملة من الآيات المباركة التي
حملها الكثير من
المفسِّرين على المهدي (عجَّل الله فرجه) المبشَّر في ظهوره آخر
الزمان، علماً بأنَّ مصطلح (المهدي المنتظَر) لم يُذكر في القرآن صراحةً، ولكن
يمكننا أنْ نتلمَّس الآيات الكريمة التي تشير إلى المهدي (عجَّل الله فرجه) في
القرآن.. فالروايات والأحاديث عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وأهل البيت
(عليهم السلام) كثيرة وعديدة التي وردت في تفسير الآيات(٢٥) أو تأويلها(٢٦) أو
تطبيقها أو الاستشهاد بها بحيث ترتبط بقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
بعنوانه الخاصِّ أو بعنوانٍ عامٍّ يشمله.. فمسألة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
مقتطفة من القرآن ومن جوهر الشريعة الإسلاميَّة، وقد تحدَّث الكتاب الحكيم عن
قضيَّة الإمام (عجَّل الله فرجه) بطُرُق وأساليب شتَّى يمكن تلخيصها كالآتي:
أوَّلاً: تحدَّث القرآن الكريم عن وجود إمام لكلِّ زمان:
تطرَّق القرآن الكريم إلى الإمام المهدي بعنوانه العامِّ (الإمامة) وضرورة وجود
إمام لكلِّ عصر وزمان:
١ - قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ
كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) إنَّ المقصود بالآيات المفسَّرة في المهدي (عجَّل الله فرجه) هو ذكر دليل على
ذلك من الروايات التي وردت في تفسير الآيات.
(٢٦) كما للقرآن الكريم معنى ظاهري كذلك له معنى باطني يمكن معرفته بتفسير القرآن
أو بالتدبُّر فيه، أو مَنْ لديه القدرة على تأويل معاني آيات القرآن الكريم..
فالحديث عن المهدي في القرآن هو حديث عن الآيات المؤوَّلة في الإمام (عجَّل الله
فرجه)، ويُقصَد بالتأويل: إرجاع الكلام وصرفه عن معناه الظاهري إلى معنى أخفى منه،
وهكذا تأويل الرؤيا والأحلام، أي الشيء الذي ترجع إليه الرؤيا، فمثلاً قصَّة نبيِّ
الله يوسف (عليه السلام) عندما رأى (عليه السلام) أحد عشر كوكباً والشمس والقمر
رآهم له ساجدين، وبعد سنين طويلة لـمَّا ذهب يعقوب وأولاده إلى مصر، قال يوسف
لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ (يوسف: ١٠٠)، وكذلك
قصَّته مع الشابَّين وتفسير الرؤيا لهما.. قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ
إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (آل عمران: ٧)، فالذي عنده تأويل
القرآن الكريم أي الذي عنده علم المعنى الخفي للآيات القرآنيَّة الكريمة: (وهم
الراسخون في العلم، أهل الذِّكر، عندهم علم الكتاب).
فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ
فَتِيلاً﴾ (الإسراء: ٧١)، فهذه الآية تُوضِّح أنَّ لكلِّ عصر وفترة وزمان إماماً
يجب أنْ يعرفه الناس، قال الصادق (عليه السلام) عن هذه الآية: «إِمَامِهِمُ
اَلَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ وَهُوَ قَائِمُ أَهْلِ زَمَانِهِ»(٢٧)، وما يُؤكِّد
ذلك حديث رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) المتواتر، وهو من المسلَّمات لدى جميع
الفِرَق الإسلاميَّة، قال (صلَّى الله عليه وآله): «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ
إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٢٨).. فالآية الكريمة من أوضح
الواضحات لإثبات ولادة ووجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا.. وإلَّا
فمَنْ هو إمامنا؟!
٢ - قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ
مِنْ رَبِّهِ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ (الرعد: ٧)، جاء عن
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): «أَنَا اَلمُنْذِرُ وَعَلِيٌّ اَلْهَادِي، وَكُلُّ
إِمَامٍ هَادٍ لِلْقَرْنِ اَلَّذِي هُوَ فِيهِ»(٢٩)، وعن الإمام الصادق (عليه
السلام): «اَلمُنْذِرُ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه وآله)، وَاَلْهَادِي أَمِيرُ
اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَبَعْدَهُ اَلْأَئِمَّةُ (عليهم السلام)، وَهُوَ
قَوْلُهُ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، أَيْ فِي كُلِّ زَمَانٍ إِمَامٌ هَادٍ
مُبِينٌ»(٣٠).. وإلَّا فمَنْ هو الإمام الهادي لقومنا الآن أو في عصرنا الحالي إذا
لم نعترف بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونُشكِّك بوجوده؟!
٣ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا
الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، لَـمَّا أَنْزَلَ اَللهُ
(عزَّ وجلَّ) عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ (صلَّى الله عليه وآله) هذه الآية.. قال
جابر بن عبد الله الأنصاري: يَا رَسُولَ اَلله، عَرَفْنَا اَللهَ وَرَسُولَهُ،
فَمَنْ أُولُو اَلْأَمْرِ اَلَّذِينَ قَرَنَ اَللهُ طَاعَتَهُمْ بِطَاعَتِكَ؟ فأجاب
الرسول (صلَّى الله عليه وآله).. وعدَّد أسماء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) الكافي (ج ١/ص ٥٣٦ و٥٣٧/باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر
الله تعالى.../ح ٣).
(٢٨) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(٢٩) تفسير العيَّاشي (ج ٢/ ص ٢٠٤/ ح ٧).
(٣٠) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ٣٥٩).
الأئمَّة الاثني عشر..، ثُمَّ
سَمِيِّي وَكَنِيِّي حُجَّةُ اَلله فِي أَرْضِهِ وَبَقِيَّتُهُ فِي عِبَادِهِ
اِبْنُ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ...، ذَاكَ اَلَّذِي يَغِيبُ عَنْ شِيعَتِهِ
وَأَوْلِيَائِهِ غَيْبَةً لَا يَثْبُتُ فِيهَا عَلَى اَلْقَوْلِ بِإِمَامَتِهِ
إِلَّا مَنِ اِمْتَحَنَ اَللهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ...»(٣١).. كذلك مصداق لهذه
الآية الكريمة حديث الثقلين، قال (صلَّى الله عليه وآله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ
اَلثَّقَلَيْنِ: كِتَابُ اَلله، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ
مِنَ اَلْآخَرِ، وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»(٣٢)، وهذا
الحديث متواتر ومن المسلَّمات بين جميع الفِرَق الإسلاميَّة، وكذلك حديث الأئمَّة
الاثني عشر، وكلُّهم من قريش.
٤ - قال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ
مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ (القدر: ٤)، وباعتبار أنَّ ليلة القدر تتكرَّر كلَّ عام، كذلك
الملائكة والروح تنزل كلَّ عام، ولكن السؤال: الملائكة تنزل على مَنْ كلَّ سنة
حتَّى قيام يوم الدِّين؟! وهذا (الأمر) الذي تنزل به الملائكة مَنْ هم ولاته؟.. قال
الإمام الصادق (عليه السلام): «قَالَ لِي أَبِي مُحَمَّدٌ: قَرَأَ عَلِيُّ بْنُ
أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾
وَعِنْدَهُ اَلْحَسَنُ وَاَلْحُسَيْنُ (عليهما السلام)، فَقَالَ لَهُ اَلْحُسَيْنُ
(عليه السلام): يَا أَبَتَاهْ، كَأَنَّ بِهَا مِنْ فِيكَ حَلَاوَةً، فَقَالَ لَهُ:
يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله وَاِبْنِي، إِنِّي أَعْلَمُ فِيهَا مَا لَا تَعْلَمُ،
إِنَّهَا لَـمَّا نَزَلَتْ بَعَثَ إِلَيَّ جَدُّكَ رَسُولُ اَلله (صلَّى الله عليه
وآله) فَقَرَأَهَا عَلَيَّ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلَى كَتِفِيَ اَلْأَيْمَنِ وَقَالَ: يَا
أَخِي وَوَصِيِّي وَوَلِيَّ أُمَّتِي بَعْدِي، وَحَرْبَ أَعْدَائِي إِلَى يَوْمِ
يُبْعَثُونَ، هَذِهِ اَلسُّورَةُ لَكَ مِنْ بَعْدِي، وَلِوُلْدِكَ مِنْ بَعْدِكَ،
إِنَّ جَبْرَئِيلَ أَخِي مِنَ اَلمَلَائِكَةِ حَدَّثَ إِلَيَّ أَحْدَاثَ أُمَّتِي
فِي سُنَّتِهَا، وَإِنَّهُ لَيُحَدِّثُ ذَلِكَ إِلَيْكَ كَأَحْدَاثِ اَلنُّبُوَّةِ،
وَلَهَا نُورٌ سَاطِعٌ فِي قَلْبِكَ وَقُلُوبِ أَوْصِيَائِكَ إِلَى مَطْلَعِ فَجْرِ
اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»(٣٣).. وجاء في (تفسير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) كمال الدِّين (ص ٢٥٣/ باب ٢٣/ ح ٣).
(٣٢) ذكر هذا الحديث أكثر من (٣٠) صحابيًّا، وسيأتي تخريجه في (ص ٧٧)، فانتظر.
(٣٣) تأويل الآيات الظاهرة (ج ٢/ ص ٨٢٠ و٨٢١/ ح ٩).
القمِّي) في قوله تعالى: ﴿إِنَّا
أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ «فَهُوَ اَلْقُرْآنُ أُنْزِلَ إِلَى
اَلْبَيْتِ اَلمَعْمُورِ فِي لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ...، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا
لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١ و٢]، وَمَعْنَى لَيْلَةِ اَلْقَدْرِ أَنَّ اَللهَ
يُقَدِّرُ فِيهَا اَلْآجَالَ وَاَلْأَرْزَاقَ وَكُلَّ أَمْرٍ يَحْدُثُ مِنْ مَوْتٍ
أَوْ حَيَاةٍ أَوْ خِصْبٍ أَوْ جَدْبٍ أَوْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، كَمَا قَالَ اَللهُ:
﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤] إِلَى سَنَةٍ.. قَوْلُهُ:
﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]»، قَالَ: «تَنَزَّلُ
اَلمَلَائِكَةُ وَرُوحُ اَلْقُدُسِ عَلَى إِمَامِ اَلزَّمَانِ، وَيَدْفَعُونَ
إِلَيْهِ مَا قَدْ كَتَبُوهُ مِنْ هَذِهِ اَلْأُمُورِ»(٣٤).. أمَّا بالنسبة للأمر
وولاته فيمكن الرجوع إلى تفسير آية (٥٩) من سورة النساء.
ومن هنا نعرف أنَّ أُولي (الأمر) ليس المقصود به أمراً سياسيًّا أو قيادةً
دنيويَّةً، بل هو أكبر من ذلك بكثير (آجال وأرزاق وبلايا وأعمار...) بحيث قرن الله
طاعتهم بطاعة رسوله.. ومن هنا نُؤكِّد أنَّ الملائكة تنزل على الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) كلَّ عام ليلة القدر، فهذا شأن الإمام (عجَّل الله فرجه) فلا بدَّ من
وجوده لتنجيز المقدَّرات الإلهيَّة بواسطته، ووصول الفيض إلى خلقه.. فإذا لم يكن
الإمام موجوداً كما يدَّعي المشكِّكون فعلى من تتنزَّل الملائكة في ليلة القدر من
كلِّ عام؟.. هذا سؤال أطرحه على المشكِّكين، وأقول لهم: لماذا كلُّ هذا الإلحاح
والإصرار على إنكار ولادة ووجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ هل لأنَّ الفكرة
أو القضيَّة تنافي العقل أو القرآن أو الشرع أو الفطرة.. أم ماذا؟!
ثانياً: بشَّر القرآن الكريم بوعد إلهي بنشر العدل والقسط على كافَّة
الكرة الأرضيَّة:
هناك آيات قرآنيَّة عديدة تُبشِّر المؤمنين بنصر الله وأنَّه سيحلُّ اليوم الذي
يسود فيه الإسلام ربوع الأرض، وستحلُّ عبادة الله وحده محلَّ الشرك والكفر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٤٣١).
والوثنيَّة، وسينعم العالم بعصر مشرق مفعم بالإيمان والسلام، على يدي منقذ
البشريَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
١ - قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)، هذه الآية
الشريفة مؤوَّلة بالإمام المهدي (عليه السلام) وعصره الذهبي، فالله سبحانه وتعالى
وعد المؤمنين الصالحين من هذه الأُمَّة بمجتمع طاهر من كلِّ رجس وحياة طيِّبة
مقدَّسة فاضلة، وبديهيٌّ أنَّه لم يتحقَّق هذا الوعد الإلهي منذ فجر الإسلام وإلى
يومنا هذا، وكثير من الأحاديث والروايات المتظافرة تُصرِّح بأنَّ هذه الآية الشريفة
تشير إلى عصر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. فالإمام الصادق (عليه السلام)
يُؤكِّد أنَّ الموعودين بالاستخلاف في الأرض هم المهدي (عجَّل الله فرجه) وأصحابه
حيث يشير (عليه السلام) إلى نزول هذه الآية ويقول: «نَزَلَتْ فِي اَلْقَائِمِ
وَأَصْحَابِهِ»(٣٥)، فهذه الآية الكريمة تتضمَّن مسألة الاستخلاف وتحكيم الدِّين
(الإسلام) في الحياة وانتشار الطمأنينة والأمن والسلام والعدل والقسط والرخاء.
٢ - قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)،
هذه الآية الكريمة التي تكرَّرت في القرآن الكريم ثلاث مرَّات: في سورة (التوبة:
٣٣)، وسورة (الفتح: ٢٨) ، وسورة (الصفِّ: ٩)، ممَّا يدلُّ على أهمّيَّة الموضوع..
حتَّى الآن لم يظهر الدِّين الإسلامي على كافَّة الأديان والمِلَل والمعتقَدات،
صحيح أنَّ الإسلام ظاهر على الأديان كلِّها من حيث الحجَّة، لكن الوعد الإلهي يشمل
الإظهار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٧/ باب ١٣/ ح ٣٥).
مطلقاً، وهذا ما لم يحدث حتَّى الآن، وبما أنَّ وعد الله حقٌّ، والله لا
يُخلِف الميعاد.. فلا بدَّ أنْ يأتي زمن تتولَّى القيادة الإسلاميَّة المدعومة
بالتوفيق الإلهي إظهار الإسلام على الدِّين كلِّه، بحيث يكون الإسلام هو الدِّين
الرسمي والوحيد للعالم، ومن المعلوم أنَّ هذه الغلبة لدين الإسلام لن تتحقَّق إلَّا
في عصر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كما أخبرت به الأحاديث المعتبرة.. قال
الإمام الحسين (عليه السلام): «مِنَّا اِثْنَا عَشَرَ مَهْدِيًّا أَوَّلُهُمْ
أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَآخِرُهُمُ اَلتَّاسِعُ مِنْ
وُلْدِي، وَهُوَ اَلْإِمَامُ اَلْقَائِمُ بِالْحَقِّ، يُحْيِي اَللهُ بِهِ
اَلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، وَيُظْهِرُ بِهِ دِيْنَ اَلْحَقِّ عَلَى اَلدِّينِ
كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ اَلمُشْرِكُونَ...»(٣٦).
٣ - قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ
الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، هذه الآية الكريمة
تأويلها لم يأتِ بعدُ، ومصاديقها لم تتحقَّق بعدُ، وهي بشارة إلهيَّة في زبور داود
مؤكَّدة ﴿أَنَّ الأَرْضَ﴾ بـ(أنَّ) التأكيديَّة بأنَّ الكرة الأرضية يرثها عباد
الله (الصالحون).. فالكُتُب السماويَّة كلُّها ومن بينها (الزبور) تحتوي على إشارات
عديدة تُبشِّر بشكل عام بيوم موعود ينتصر فيه عباد الله الصالحون حيث يحكمون الكرة
الأرضيَّة كلَّها ويظهر الدِّين الإسلامي على الدِّين كلِّه.. يقول الإمام الباقر
(عليه السلام): وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ
الذِّكْرِ﴾، قَالَ: «اَلْكُتُبُ كُلُّهَا ذِكْرٌ.. وَ﴿أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾»، قَالَ: «اَلْقَائِمُ (عليه السلام) وَأَصْحَابُهُ»(٣٧).
٤ - قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥)،
فإنَّ المستضعَفين في الأرض في هذه الآية الشريفة مفسَّرة بآل محمّد (سلام الله
عليهم) وجارية فيهم،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) كمال الدِّين (ص ٣١٧/ باب ٣١/ ح ٣).
(٣٧) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٧٧).
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾، قَالَ: «هُمْ آلُ مُحَمَّدٍ، يَبْعَثُ اَللهُ
مَهْدِيَّهُمْ بَعْدَ جَهْدِهِمْ فَيُعِزُّهُمْ وَيُذِلُّ عَدُوَّهُمْ»(٣٨).. وهل
استُضعِفَ أحد أكثر منهم وعبر التاريخ؟! بالرغم من عظمة شأنهم وجلالة قدرتهم
المعنويَّة والربَّانيَّة، وعلى صعيد هذه المظلوميَّة بشَّرهم الله تعالى بأنَّه
سيتفضَّل عليهم ويجعلهم ورثة الأرض يستخلفونها ويحكمونها ويُظهِرون دين الله عليها،
بإقامة دولتهم وسلطانهم العادل في الأرض.
من المعلوم.. أنَّ حكومة الإسلام على الكرة الأرضيَّة لم تتحقَّق بعدُ، وعلوَّ
الدِّين الإسلامي على الأديان كلِّها لم يأتِ زمانه بعدُ.. إذاً: فمتى يتحقَّق
الوعد الإلهي؟ ومتى يحكم الإسلام العالم كلَّه؟ ومتى يرث الأرض عباد الله الصالحون؟
ومتى تتحقَّق البشارة التي في الزبور؟ ومتى يكون حُكَّام الأرض من عباد الله
المستضعَفين؟ كلُّ هذا يتحقَّق بخروج القائم المنتظَر.. فقد شاءت حكمة الله أنْ
يكون المهدي (عجَّل الله فرجه) هو آخر جيل القيادة الإلهيَّة المسمَّاة، وهو الذي
سيتولَّى توحيد العالم دينيًّا وسياسيًّا، ويُترجِم جهد الأنبياء وخاتمهم، ويُحقِّق
هدفهم بنشر التوحيد في العالم ويُطبِّق وحدة العالم الدِّينيَّة والسياسيَّة، بحيث
تكون كلُّ أقاليم الكرة الأرضيَّة ولاياتٍ لدولته، وكلُّ سُكَّان المعمورة رعايا
لتلك الدولة، ويكون عهده الزاهر عهد الرخاء والعدل الذي حلم به النبيُّون وبشَّروا
به.
ثالثاً: ذكر القرآن الكريم بعض ملامح عصر ظهور المهدي (عجَّل الله
فرجه):
تطرَّق القرآن الكريم إلى علامات ظهور الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وأشار
إليها بشيء من التفصيل، وفسَّرها الرسول (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم
السلام) في العديد من أحاديثهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) الغيبة للطوسي (ص ١٨٤/ ح ١٤٣).
التي بلغت حدَّ التواتر، والتي تُعطي صورة واضحة عن
علامات ظهور هذه الشخصيَّة الفريدة في آخر الزمان.. فالآيات القرآنيَّة لا تتحدَّث
بإسهاب عن شخص الإمام (عجَّل الله فرجه) فحسب، بل أيضاً عن علامات ظهوره وبعض ملامح
عصر ذلك اليوم الموعود وبعض الحوادث المرافقة لقيامه، كخسف البيداء والصيحة وغير
ذلك، ولا يسعنا إلَّا أنْ نشير إلى جانب ممَّا جاء في القرآن الكريم بهذا الخصوص
وبشكل مختصر:
١ - قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ
أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤)، إشارات ودلالات عديدة تحدث تُخبِر
العالم والمؤمنين بقرب ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهي بمثابة بشارة
للمؤمنين المنتظرين لخروج القائم المهدي (عجَّل الله فرجه) من قبيل:
* بدن بارز في عين الشمس.
* ركود الشمس عن الحركة لفترة وجيزة.
* الصيحة السماويَّة في رمضان.
* الخسوف والكسوف في غير وقتهما.
كلُّ ذلك آيات من السماء بقرب ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ومصداق لقوله
تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾.. عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا
جَعْفَرٍ (عليه السلام) يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى - وذكر الآية -، قَالَ:
«سَيَفْعَلُ اَللهُ ذَلِكَ بِهِمْ»، قُلْتُ: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «بَنُو أُمَيَّةَ
وَشِيعَتُهُمْ»، قُلْتُ: وَمَا اَلْآيَةُ؟ قَالَ: «رُكُودُ اَلشَّمْسِ مَا بَيْنَ
زَوَالِ اَلشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ اَلْعَصْرِ، وَخُرُوجُ صَدْرٍ وَوَجْهٍ فِي عَيْنِ
اَلشَّمْسِ يُعْرَفُ بِحَسَبِهِ وَنَسَبِهِ، وَذَلِكَ فِي زَمَانِ اَلسُّفْيَانِيِّ،
وَعِنْدَهَا يَكُونُ بَوَارُهُ وَبَوَارُ قَوْمِهِ»(٣٩).. عن الإمام الباقر (عليه
السلام) في تفسير هذه الآية قَالَ: «وَاَلله إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اَلله (عزَّ
وجلَّ) لَبَيِّنٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٣).
حَيْثُ يَقُولُ: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ...﴾ فَلَا يَبْقَى فِي
اَلْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا خَضَعَ وَذَلَّتْ رَقَبَتُهُ لَهَا،
فَيُؤْمِنُ أَهْلُ اَلْأَرْضِ إِذَا سَمِعُوا اَلصَّوْتَ مِنَ اَلسَّمَاءِ: أَلَا
إِنَّ اَلْحَقَّ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَشِيعَتِهِ»،
قَالَ: «فَإِذَا كَانَ مِنَ اَلْغَدِ صَعِدَ إِبْلِيسُ فِي اَلْهَوَاءِ حَتَّى
يَتَوَارَى عَنْ أَهْلِ اَلْأَرْضِ، ثُمَّ يُنَادِي: أَلَا إِنَّ اَلْحَقَّ فِي
عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَشِيعَتِهِ، فَإِنَّهُ قُتِلَ مَظْلُوماً، فَاطْلُبُوا
بِدَمِهِ»، قَالَ: «فَيُثَبِّتُ اَللهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ اَلثَّابِتِ
عَلَى اَلْحَقِّ، وَهُوَ اَلنِّدَاءُ اَلْأَوَّلُ، وَيَرْتَابُ يَوْمَئِذٍ
اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، وَاَلمَرَضُ وَاَلله عَدَاوَتُنَا، فَعِنْدَ
ذَلِكَ يَتَبَرَّءُونَ مِنَّا وَيَتَنَاوَلُونَّا فَيَقُولُونَ: إِنَّ اَلمُنَادِيَ
اَلْأَوَّلَ سِحْرٌ مِنْ سِحْرِ أَهْلِ هَذَا اَلْبَيْتِ»، ثُمَّ تَلَا أَبُو
عَبْدِ اَلله (عليه السلام) قَوْلَ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً
يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]»(٤٠).
٢ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ *
يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢)،
من الآيات الكريمة التي أشار فيها القرآن الكريم عن الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) هو النداء السماوي باسمه (عجَّل الله فرجه) مقارناً لظهوره، روى عليُّ بن
إبراهيم في تفسير الآية الشريفة.. عن الصادق (عليه السلام)، قَالَ: «يُنَادِي
اَلمُنَادِيُ بِاِسْمِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) وَاِسْمِ أَبِيهِ (عليه السلام)،
قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ...﴾ اَلْآيَةَ»، قَالَ: «صَيْحَةُ اَلْقَائِمِ مِنَ
اَلسَّمَاءِ»(٤١)، وفي حديث آخر عن الصادق (عليه السلام) في تفسير هذه الآية، قَالَ
(عليه السلام): «يُنَادِي اَلمُنَادِيُ بِاِسْمِ اَلْقَائِمِ وَاِسْمِ أَبِيهِ
(عليهما السلام)، وَاَلصَّيْحَةُ فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ صَيْحَةٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ،
وَذَلِكَ يَوْمُ خُرُوجِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»(٤٢)، فالنداء يوم الخروج هو
بمنزلة اعتراف السماء بشرعيَّة قيام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهو بمثابة إعلام
مُوسَّع ليطَّلع العالم كلُّه على هذا الحدث العظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٧ و٢٧٨/ باب ١٤/ ح ١٩).
(٤١) تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٣٢٧).
(٤٢) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٢٥١ و٢٥٢/ باب ٧١/ ح ٥٠).
والذي تنتظره البشريَّة منذ
آلاف السنين، وبشارة جميع الأنبياء بهذا اليوم الموعود، فالآية الشريفة أثبتت هذه
الحقيقة التاريخيَّة عندما أشارت إلى يوم الخروج وأصبحت حقيقة قرآنيَّة، ومن غير
الممكن أنْ يتجاهل الآخرون هذا الدليل القرآني الصريح في الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه).
٣ - قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
قَدِيرٌ﴾ (البقرة: ١٤٨)، هذه الآية الكريمة إشارة من القرآن الكريم إلى الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتتحدَّث عنه (عجَّل الله فرجه) وعن أصحابه وأنصاره
والتفافهم حول قائدهم العظيم.. عَنْ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ:
«فَيَبْعَثُ اَللهُ قَوْماً مِنْ أَطْرَافِهَا، [وَ]يَجِيئُونَ قَزَعاً كَقَزَعِ
اَلْخَرِيفِ، وَاَلله إِنِّي لَأَعْرِفُهُمْ وَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ
وَقَبَائِلَهُمْ وَاِسْمَ أَمِيرِهِمْ [وَمُنَاخَ رِكَابِهِمْ]، وَهُمْ قَوْمٌ
يَحْمِلُهُمُ اَللهُ كَيْفَ شَاءَ...، فَيَتَوَافَوْنَ مِنَ اَلْآفَاقِ
ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ [رَجُلاً] عِدَّةَ أَهْلِ بَدْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ
اَلله: ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلَى
كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ حَتَّى إِنَّ اَلرَّجُلَ لَيَحْتَبِي فَلَا يَحُلُّ
حُبْوَتَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ اَللهُ ذَلِكَ»(٤٣).. وعن الإمام السجَّاد (عليه
السلام)، قَالَ: «اَلْفُقَدَاءُ قَوْمٌ يُفْقَدُونَ مِنْ فُرُشِهِمْ فَيُصْبِحُونَ
بِمَكَّةَ، وَهُوَ قَوْلُ اَلله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ
اللهُ جَمِيعاً﴾، وَهُمْ أَصْحَابُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»(٤٤).. وعن الآية
ذاتها قال الإمام الصادق (عليه السلام): «نَزَلَتْ فِي اَلْقَائِمِ (عليه السلام)
وَأَصْحَابِهِ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ»(٤٥).. هذه الآية الشريفة بيان
لأحد المصاديق التي احتواها القرآن الكريم في الإشارة للإمام (عجَّل الله فرجه)
وأصحابه، وهي من الآيات التي تأويلها لم يأتِ بعدُ ومصاديقها لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) الغيبة للطوسي (ص ٤٧٧ و٤٧٨/ ح ٥٠٣).
(٤٤) الغيبة للنعماني (ص ٣٢٧/ باب ٢٠/ ح ٤).
(٤٥) الغيبة للنعماني (ص ٢٤٨/ باب ١٣/ ح ٣٧).
تتحقَّق.. وهي
إشارة من القرآن إلى يوم خروج الإمام (عجَّل الله فرجه) حين يبدأ وزراؤه وأصحابه
(٣١٣ رجلاً) بالتوافد إلى مكَّة، فيجتمعون من آفاق شتَّى على غير ميعاد في ليلة
واحدة.. وهؤلاء هم رهبان الليل وليوث النهار.
٤ - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا
نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً
فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ
السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (النساء: ٤٧)، أشار القرآن الكريم إلى
قضيَّة خسف البيداء، ومنها تحويل وجه شخصين من جيش السفياني إلى القفاء، وهي من
العلامات المحتومة.. وذلك بعد أنْ يسمع السفياني خبر ظهور الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) يبعث بجيش إلى الأماكن المقدَّسة في الحجاز، فإذا توسَّط الجيش البيداء
الواقعة بين مكَّة والمدينة المنوَّرة، يأمر الله تعالى جبرائيل (عليه السلام)
بإنزال غضبه على الجيش، فتخسف الأرض بهم وبقوَّاتهم، ولا يفلت منهم إلَّا بشير
ونذير، يضرب جبرائيل على وجهيهما فتُحوَّل إلى القفاء، فيذهب البشير إلى القائم
(عجَّل الله فرجه) ويُبشِّره بهلاك جيش السفياني بالخسف ويتوب على يديه، ويذهب
الآخر إلى السفياني بالشام ويُخبِره بهلاك جيشه ويموت النذير.. ويؤمئذٍ تأويل هذه
الآية: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾..
عن جابر الجعفي، عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قَالَ: «يَا جَابِرُ، اِلْزَمِ
اَلْأَرْضَ وَلَا تُحَرِّكْ يَداً وَلَا رِجْلاً حَتَّى تَرَى عَلَامَاتٍ
أَذْكُرُهَا لَكَ إِنْ أَدْرَكْتَهَا...، فَيَبْلُغُ أَمِيرَ جَيْشِ
اَلسُّفْيَانِيِّ أَنَّ اَلمَهْدِيَّ قَدْ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَيَبْعَثُ
جَيْشاً عَلَى أَثَرِهِ فَلَا يُدْرِكُهُ حَتَّى يَدْخُلَ مَكَّةَ خَائِفاً
يَتَرَقَّبُ عَلَى سُنَّةِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ (عليه السلام)»، وَقَالَ:
«فَيَنْزِلُ أَمِيرُ جَيْشِ اَلسُّفْيَانِيِّ اَلْبَيْدَاءَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ
مِنَ اَلسَّمَاءِ: يَا بَيْدَاءُ، بِيدِي اَلْقَوْمَ، فَيَخْسِفُ بِهِمْ، فَلَا
يُفْلِتُ مِنْهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يُحَوِّلُ اَللهُ وُجُوهَهُمْ
إِلَى أَقْفِيَتِهِمْ، وَهُمْ مِنْ كَلْبٍ، وَفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ اَلْآيَةُ: ﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ...﴾ اَلْآيَةَ»(٤٦).
تُعتبَر هذه الآيات الكريمة - (١٢آية التي ذُكِرَت في البحث) - أمثلة ونموذج
ليطَّلع عليها القارئ ممَّا ورد في القرآن الكريم حول الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، ومن نافلة القول: فإنَّنا لم نذكر إلَّا القليل الأقلّ من الآيات القرآنيَّة
الكريمة في موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. وإلَّا فإنَّ الآيات المؤوَّلة
والمفسَّرة بالإمام (عجَّل الله فرجه) حسب ما ورد في الأحاديث كثيرة جدًّا، ولو
أردنا استعرض تلك الآيات والأحاديث الواردة في تأويلها وتفسيرها لطال بنا الكلام..
بشكلٍ عامٍّ ما ذكرناه يُعتبَر غيضاً من فيض، ومَنْ أراد التوسعة والاطِّلاع
تفصيليًّا فيمكنه مراجعة الموسوعات والكُتُب التالية:
١ - كتاب (المهدي في القرآن) لآية الله العظمى السيِّد صادق الشيرازي، وقد ذكر (١٠٦
آية شريفة) مؤوَّلة في الإمام (عجَّل الله فرجه)، واعتمد في المصادر على كُتُب أهل
العامَّة فقط.
٢ - كتاب (إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب) للشيخ عليٍّ اليزدي الحائري، وقد
ذكر في الجزء الأوَّل في الغصن الثاني (١٣٣ آية شريفة) مؤوَّلة في الإمام (عجَّل
الله فرجه)، وكلُّها تُثبِت وجود الإمام (عجَّل الله فرجه) وغيبته وعلائم ظهوره
وقيامه في آخر الزمان.
٣ - كتاب (المحجَّة فيما نزل في القائم الحجَّة) للسيِّد هاشم البحراني، وقد ذكر
(١٢٠ آية شريفة) مع الأحاديث الواردة عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته
(عليهم السلام) التي تُفسِّر وتُؤوِّل هذه الآيات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٨ - ٢٩٠/ باب ١٤/ ح ٦٧).
٤ - المجلَّد الخامس من (معجم أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) للهيأة
العلميَّة في مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، حيث ذكر من ثمانين سورة من القرآن حوالي
(٢٢٠ آية شريفة) مع ذكر جميع مصادر تفسير الآيات أو تأويلها من فِرَق المسلمين..
ويمكن للباحث أنْ يعتبر هذا الكتاب أهمّ مصدر للاطِّلاع على ما ورد في القرآن
الكريم بشأن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
احتلَّ الاعتقاد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مكانة بارزة في الإسلام كدين،
وعلى صعيدي القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، والإسلام هو الذي جاء بنظريَّة
المهدي بكلِّ تفاصيلها وكلّيَّاتها.. قد يسأل سائل: لماذا لا نجد اسم المهدي أو
لفظة المهدي (عجَّل الله فرجه) في القرآن الكريم؟.. وهنا نُوضِّح:
أوَّلاً: هناك عقائد وأُمور نؤمن بها وهي صحيحة ومع ذلك ليست مذكورة في القرآن
الكريم، بل ما أكثر تلك المسائل.. كالمعاملات وتفصيل الأحكام العباديَّة كالصلاة
والصوم والحجِّ... إلخ.
ثانياً: قد تحدَّث القرآن الكريم عن الإمام (عجَّل الله فرجه) بطُرُق وأساليب
شتَّى، فمرَّة يذكره على اعتبار لا بدَّ من وجود إمام لكلِّ زمان، ومرَّة ثانية
يذكره ويشير إليه كبشارة إلهيَّة ووعد ربَّاني بنشر القسط والعدل على كافَّة
المعمورة، ومرَّة أُخرى يذكره بالإشارة إلى بعض ملامح عصر ظهوره، وهكذا طُرُق ذكر
المهدي في القرآن الكريم، وهذا ما وضَّحناه في هذا المبحث.
لذا نُؤكِّد بأنَّ مصطلح (المهدي المنتظَر) لم يُذكر في القرآن صراحةً، ولكن يمكننا
أنْ نتلمَّس الآيات الكريمة التي تشير إلى المهدي (عجَّل الله فرجه) في القرآن..
ولا بدَّ أنْ نعرف بأنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الذي سيُطبِّق القرآن الكريم
والشريعة الإسلاميَّة بكلِّ ما فيها من موادٍّ وأحكام وتعليمات وفي جميع أنحاء
الأرض، فلا دين يبقى ولا شريعة يدين بها أحد من الأفراد في الأرض غير الإسلام.
المبحث الثاني: في السُّنَّة النبويَّة الشريفة:
اعتقد المسلمون منذ فجر الرسالة الإسلاميَّة وإلى اليوم بصحَّة ما بشَّر به النبيُّ
الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) سيظهر في آخر الزمان
ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، وهذا ما اتَّفق عليه المسلمون
على اختلاف مذاهبهم وفِرَقهم، ويعتقدون بظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في
المستقبل في آخر الزمان، ولا يختصُّ هذا الاعتقاد بمذهب دون آخر، ولا فرقة
إسلاميَّة دون أُخرى.
إنَّ مسألة المهدويَّة في الإسلام، وموضوع المهدي المنتظَر لها أعمق الجذور في
الإسلام وأعلى درجات الأصالة والصحَّة من جهة الحديث.. باعتبار أنَّ الرسول الأكرم
(صلَّى الله عليه وآله) أوَّل مَنْ طرح موضوع المهدويَّة في الإسلام، واعتنى بها
كمسألة من الإمامة، واهتمَّ بها كلَّ الاهتمام.. فقد كان الرسول (صلَّى الله عليه
وآله) يُبشِّر الأُمَّة الإسلاميَّة بظهوره في كلِّ نادٍ ومحفل ومنتدى ومجمع،
ويتحيَّن الفُرَص للإخبار عنه والتأكيد عليه، ولذا كان موضوع المهدي (عجَّل الله
فرجه) من المسائل المسلَّم بها في عهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، بحيث إنَّ
النصوص والروايات قد تواترت(٤٧) حول شخصيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) وعلامات
ظهوره، حتَّى لم يعد هناك مجالٌ للغموض في ذلك، بل إنَّ الأحاديث الصحيحة الواردة
في المهدي (عجَّل الله فرجه) من الكثرة بحيث لا يستطيع أيُّ محدِّثٍ أو محقِّقٍ
إسلامي - من أيِّ مذهب كان - أنْ يُنكِر تواترها، بل إنَّ أشدَّ الفِرَق
الإسلاميَّة تزمُّتاً وتعصُّباً أذعنت لهذا الأمر ولم تُنكِره.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) يُقصَد بالتواتر: أنْ يُخبِرنا مجموعة كبيرة من الأشخاص بحيث لا نحتمل اجتماعهم واتِّفاقهم وتواطئهم على الكذب، فإذا كان هناك خبر من الأخبار (حديث أو رواية) وجاء مئات من الأشخاص أخبرونا به، وأنَّهم سمعوا أو نقلوا عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وكلُّ واحدٍ نفترضه من مكان آخر، في مثل هذه الحالة لا نحتمل تواطؤ الجميع واتِّفاقهم على الكذب، مثل هذا الخبر (الرواية أو الحديث) يقال له: خبر أو حديث متواتر.
إنَّ الاعتقاد بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو جزء من عموم المعتقَدات
الإسلاميَّة المنبثقة عن القرآن الكريم والسُّنَّة المطهَّرة، وهناك اتِّفاق عند
جميع الفِرَق الإسلاميَّة وعلى اختلاف مذاهبهم، بأنْ صحَّت عندهم كافَّة الأحاديث
النبويَّة التي تُؤكِّد بأنَّ المهدي سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً
وظلماً.. وتواترت هذه التأكيدات، وأرسلها علماء الفِرَق الإسلاميَّة إرسال
المسلَّمات: بأنَّ هذه الأحاديث والروايات قد صدرت بالفعل عن رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله)، وهذا من الأسباب والمبرِّرات الأساسيَّة لظهور هذه العقيدة (مسألة
المهدي المنتظَر) واعتقاد الجميع بها.
عناية الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بموضوع المهدي (عجَّل الله
فرجه):
إنَّ مَنْ يتتبَّع الأحاديث النبويَّة حول موضوع المهدي (عجَّل الله فرجه) وكثرتها
يجد تأكيدَ ومبالغةَ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لهذه المسألة، كقوله (صلَّى
الله عليه وآله): «وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ بَشِيراً...»(٤٨)، «وَاَلَّذِي
نَفْسِي بِيَدِهِ...»(٤٩).
كلُّ ذلك تأكيدٌ لهذه الحقيقة وتثبيتٌ للموضوع، ولا يكتفي الرسول (صلَّى الله عليه
وآله) بهذا حتَّى يقول: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ
وَاحِدٌ... حَتَّى يَخْرُجَ فِيهِ وَلَدِيَ اَلمَهْدِيُّ».. وهذا منتهى المبالغة
والتأكيد.. فبهذا الاهتمام والاعتناء منه (صلَّى الله عليه وآله) شقَّ الاعتقاد
بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) طريقه بيسر وسهولة إلى قلوب كلِّ المسلمين
وعقولهم، واعتبره المسلمون جزءاً من عقيدتهم الإسلاميَّة وحكماً من أحكامها،
وواحداً من تعاليمها.. فكافَّة المسلمين مع اختلاف منابتهم وأُصولهم وثقافاتهم
يعتقدون بحتميَّة ظهور المهدي في آخر الزمان، وأنَّ عهده من أزهى العهود حيث سيملأ
الأرض قسطاً وعدلاً، وسينقذ العالم كلَّه إنقاذاً شاملاً.. ولهذا لم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) كمال الدِّين (ص ٢٨٠/ باب ٢٤/ ح ٢٧).
(٤٩) كمال الدِّين (ص ٢٦٤/ باب ٢٤/ ح ١٠).
يكونوا
يتساءلون عن أصل الموضوع، بل كانت معظم استفساراتهم تدور حول مسائل فرعيَّة، من
قبيل: أصله ونَسَبه، عن اسمه وكنيته، عن صفاته وخصاله، عن علامات ظهوره، عن سبب
غيبته وما ينبغي عمله يومئذٍ... إلى غير ذلك من الاستفسارات.
لقد استمدَّ المسلمون الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله فرجه) واستقوه من المصدر
الأساسي للشريعة (الكتاب والعترة)، وقد أشرنا في المبحث الأوَّل إلى المهدي في
القرآن الكريم.
عناية أهل البيت (عليهم السلام) بموضوع المهدي (عجَّل الله فرجه):
حينما نراجع موسوعات الأحاديث الواردة عن أهل بيت النبوَّة (عليهم السلام) كـ (الكافي،
وكمال الدِّين، وغيبة النعماني، وغيبة الطوسي، وإعلام الورى، والإرشاد، والبحار...)
نجد فيها البشائر الواردة عن جميع المعصومين (عليهم السلام) بالإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه).. وهذا ممَّا يدلُّ على مدى الاهتمام الكبير الذي كان يوليه الأئمَّة
(عليهم السلام) في مهمَّة التبشير والتذكير بقضيَّة المهدي المنتظَر (عجَّل الله
فرجه)، إلى درجة أنَّهم قدَّموا لنا أدقَّ التفاصيل المتعلِّقة به، ابتداءً من
التعريف بنَسَبه وصفاته، وغيبته ومعاناته، وعدد أصحابه وصفاتهم، بالإضافة إلى
علامات ظهوره وملامحه ومعالم دولته.. ولا عجب من هذا الاهتمام وشدَّة العناية
بالموضوع، فالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو خاتم الخلفاء من أهل البيت (عليهم
السلام) والمعوَّل عليه في تحقيق حلم الأنبياء، وآمال جميع الأولياء الصالحين
والمؤمنين، ولا نبالغ إذا قلنا: إنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) تناولوا
قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) من جميع جوانبها، واستعرضوا أدقَّ تفاصيلها، ولم
يتركوا منها إلَّا القليل القليل.
ولا عجب إذا كانت كمّيَّات الأحاديث الواردة عن الأئمَّة (عليهم السلام) حول المهدي
تختلف من حيث القلَّة والكثرة والإجمال والتفصيل من إمام إلى آخر،
فالظروف كانت
تختلف والحرّيَّات كانت تتفاوت حسب تبدُّل الظروف السياسيَّة التي تمرُّ على كلِّ
إمام على حِدَة.. ولكن لا بدَّ أنْ نعرف أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) بالرغم من
ظروفهم الخاصَّة (سياسة التضييق والخناق الأمني والسياسي) كانوا يبذلون ما أمكنهم
من الجهود في تثبيت حقيقة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على الصعيد العقائدي
والفكري وفي شتَّى المناسبات.
تواترت الأحاديث والروايات عن النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وأئمَّة أهل
البيت (عليهم السلام) حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بصورة قطعيَّة، ونقلها
علماء الشيعة وأهل العامَّة في كُتُبهم.. وهذه الأحاديث بكثرة وبتواتر يُقطَع
بصحَّتها، فلا يكاد يخلو منها كتاب في الحديث أو معجم في التراجم والسِّيَر.
اتِّفاق الطوائف الإسلاميَّة على الاعتقاد بالمهدي (عجَّل الله
فرجه):
يتبيَّن لنا بوضوح ساطع أنَّ قضيَّة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) حقيقة من
الحقائق الدِّينيَّة الرئيسيَّة التي أجمع المسلمون على صحَّتها، وتواترت أخبار هذه
الحقيقة بينهم تواتراً لا يقلُّ عن تواتر أركان الإسلام وأساسيَّاته الضروريَّة..
ولذا اتَّفق الجميع على الآتي:
١ - اتَّفق الجميع بأنَّ القرآن الكريم يحتوي على إشارات عديدة بموضوع المهدي
(عجَّل الله فرجه)، وإنْ لم يُذكر هذا المصطلح صراحةً في القرآن.. ولذا كُتِبَت
المؤلَّفات والرسائل من قِبَل الفريقين في هذا الموضوع بالخصوص.
٢ - المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) حقيقة دينيَّة، بشَّر بها الرسول الأكرم
(صلَّى الله عليه وآله)، وذكروا مئات الأحاديث عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)
بهذا الخصوص.
٣ - صحَّة الأحاديث الواردة بخصوص قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) وتواترها، وقد
رواها جمع كبير من الصحابة الكرام وعلماء الحديث، الذين يمتنع عقلاً اجتماعهم على
الكذب.
٤ - اجتمعت الأُمَّة الإسلاميَّة بكون المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من عترة
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، والكلُّ متَّفق على أنَّ المهدي من صلب الإمام
عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، ومن أحفاد فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وقد
تواترت صحَّة الأحاديث النبويَّة الموضِّحة لنَسَبه (عجَّل الله فرجه) عند الجميع،
واسمه كاسم النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، ولقبه عندهم (المهدي).
٥ - إجماع شامل للأُمَّة الإسلاميَّة بمختلف طوائفها ومشاربها الثقافيَّة
والفكريَّة والعقيديَّة على حتميَّة ظهور الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)
في آخر الزمان، وهذه عقيدة دينيَّة وقناعة عامَّة وراسخة في القلوب.
مبرِّرات الاقتناع بفكرة المهدي (عجَّل الله فرجه):
دليل إسلامي: مئات الروايات والأحاديث ذُكِرَت في كُتُب الأحاديث قبل تطبيق الفكرة
على أرض الواقع.
دليل علمي: المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس مجرَّد أُسطورة وافتراض خيالي، بل هو
حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخيَّة، وأكبر مصداق لذلك (الغيبة الصغرى).
لذا نجد أنَّه قد كُتِبَ عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وذُكِرَت الروايات
والأحاديث بهذا الخصوص، حتَّى قبل أنْ يُولَد (عجَّل الله فرجه) وتتحقَّق الفكرة..
مثل كتاب (الفتن) للحافظ نعيم بن حمَّاد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي،
المتوفِّي سنة (٢٢٩هـ). ويُعتبَر ذلك أكبر دليل مادِّي تاريخي بخصوص قضيَّة المهدي
(عجَّل الله فرجه) بأنَّ الأحاديث قد سبقت التسلسل التاريخي للفكرة، وضُبِطَت
الروايات في كُتُب الحديث قبل تكامل الواقع للمهدي (عجَّل الله فرجه).. ممَّا
أمكننا من التأكُّد من أنَّ هذه الأحاديث النبويَّة الشريفة ليست انعكاساً لواقع
فقط، وإنَّما هي تعبير عن حقيقة ربَّانيَّة نطق بها مَنْ لا ينطق عن هوى.. وكذلك
تُعتبَر فترة
الغيبة الصغرى بمثابة تجربة علميَّة لإثبات الواقع الموضوعي للفكرة،
والتسليم بولادة المهدي وحياته وغيبته وإعلانه عن فترة الغيبة الكبرى(٥٠).
نظرة حول الأحاديث المتعلِّقة بالمهدي (عجَّل الله فرجه):
أوَّلاً: مَنْ روى أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) من الصحابة:
لا يخفى أنَّ أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) كلَّها من أنباء الغيب، والصحابة لا
يُوحى إليهم، وهذا يعني أنَّ الأحاديث الموقوفة عند بعض الصحابة قد صدرت بالفعل من
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، ومن المستحيل عقلاً أنْ يتَّفق عدد يربو على
الخمسين صحابيًّا على كذب! خاصَّةً وأنَّه لا مصلحة لهم بالكذب، ولم يُكرِههم أحد
على ذلك. ثمّ إنَّهم لا يعرفون شخص المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) على وجه
اليقين ليكذبوا من أجله.. وهؤلاء الصحابة كلُّهم شهدوا وسمعوا الرسول (صلَّى الله
عليه وآله) يُدلي بأحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومنهم على سبيل المثال:
- أهل بيت النبوَّة وآل محمّد (عليهم السلام): ولو لم يكن للأحاديث المتعلِّقة
بالمهدي غير هؤلاء الرواة لكان فيهم الكفاية ولتحقَّق بهم اليقين.
- من زوجات النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله): أُمَّهات المؤمنين كأُمِّ سَلَمة،
وعائشة، وأُمِّ حبيبة.
- من بني هاشم: كالعبَّاس بن عبد المطَّلب عمِّ النبيِّ، وعبد الله بن العبَّاس،
وعبد الله بن جعفر الطيَّار.
- خلفاء ومرشَّحون للخلافة: كعمر بن الخطَّاب، وعثمان بن عفَّان، وعبد الرحمن بن
عوف، وطلحة بن عبيد الله، وعبد الله بن عمر بن الخطَّاب، وعبد الله ابن عمرو بن
العاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠) راجع: بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه) (ص ١٠٤ - ١١١).
- الصحابة الأبرار: كسلمان الفارسي، وأبي ذرٍّ الغفاري، وعمَّار بن ياسر، وجابر
الأنصاري، وحذيفة بن اليمان.
- طائفة من الصحابة: كأبي أيُّوب الأنصاري، وزيد بن أرقم، وأبي سعيد الخدري، وسهل
بن سعد الساعدي، وحذيفة بن أسيد، ومعاذ بن جبل، و... وغيرهم كثير(٥١).
ولو ثبت النقل عن عُشرهم لثبت التواتر بلا شكٍّ ولا شبهة.
ثانياً: مَنْ أخرج أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) من محدِّثي أهل
العامَّة:
قد أجمع علماء ومحدِّثو أهل العامَّة بأنَّ الأخبار المتعلِّقة بالمهدي (عجَّل الله
فرجه) قد صدرت من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالفعل، وأنَّهم قد حصلوا على
تلك الأخبار بنفس الطُّرُق والوسائل التي حصلوا فيها على أخبار النبيِّ (صلَّى الله
عليه وآله) عن أركان الإسلام وأحكامه، وأنَّه قد ثبت لديهم صحَّتها وتواترها، وعلى
ذلك تسالم جميع علماء أهل العامَّة، نذكر منهم:
- نعيم بن حمَّاد: من شيوخ البخاري (ت ٢٢٩هـ).
- ابن سعد: صاحب الطبقات الكبرى (ت ٢٣٠هـ).
- أحمد بن حنبل: صاحب المسند، ويُنسَب إليه المذهب الحنبلي (ت ٢٤١هـ).
- البخاري: صاحب الصحيح (ت ٢٥٦هـ)، ذكر المهدي بالوصف لا بالاسم، وأخرج بعض
الأحاديث المتعلِّقة بعلامات الظهور، مثل حديث صلاة المسيح خلف المهدي.
- مسلم: صاحب الصحيح (ت ٢٦١هـ)، ذكر المهدي بالوصف لا بالاسم، وأخرج حديث خسف
البيداء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) لمزيد من الاطِّلاع وإحصائيَّات الرواة ارجع إلى: أصالة المهدويَّة في الإسلام للعلَّامة مهدي فقيه إيماني.
- ابن ماجة: من أصحاب الصحاح (ت ٢٧٣هـ).
- أبو داود: من أصحاب الصحاح (ت ٢٧٥هـ).
- الترمذي: من أصحاب الصحاح (ت :٢٧٩هـ)، قال عن ثلاثة أحاديث في المهدي (عجَّل الله
فرجه): (هذا حديث حسن صحيح).
- الطبراني: في معاجمه الثلاثة: الصغير والأوسط والكبير، (ت ٣٦٠هـ).
- الحاكم النيسابوري: صاحب المستدرك (ت ٤٠٥هـ)، وذكر ثمانية أحاديث صحيحة في المهدي
(عجَّل الله فرجه) على شرط الشيخين ولم يُخرِّجاها.
- ابن تيميَّة: صاحب كتاب منهاج السُّنَّة (ت ٧٢٨هـ)، ويُعتبَر من أشدّ المتعصِّبين
ضدَّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام)، ولكنَّه قال: (إنَّ الأحاديث التي يُحتَجُّ
بها على خروج المهدي أحاديثٌ صحيحةٌ)(٥٢).
هؤلاء بعض من علماء الحديث الذين تألَّقوا في سماء تاريخ أهل العامَّة، وكلُّهم قد
أجمعوا على إخراج الأحاديث النبويَّة المتعلِّقة بالمهدي (عجَّل الله فرجه)(٥٣).
ثالثاً: مَنْ صرَّح بصحَّة وتواتر أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)
من أهل العامَّة:
صرَّح جمعٌ من أهل الاختصاص بعلوم الحديث من أهل العامَّة بصحَّة وتواتر الأحاديث
المتعلِّقة بالمهدي.. نذكر منهم:
- الحافظ محمّد يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ)، اُنظر إلى كتابه (البيان في أخبار
صاحب الزمان).
- القرطبي المالكي (ت ٦٧١هـ)، من القائلين بالتواتر في كتابه (التذكرة).
- ابن القيِّم الجوزي (ت ٧٥١هـ)، صرَّح بالتواتر في كتابه (المنار المنيف).
- ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ)، من المصرِّحين بالتواتر، راجع كُتُبه (تهذيب
التهذيب)، (فتح الباري).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) منهاج السُّنَّة (ج ٨/ ص ٢٥٤).
(٥٣) لمزيد من الاطِّلاع ارجع إلى: حقيقة الاعتقاد بالمهدي للمحامي الأُردني أحمد
حسين يعقوب.
- ابن حجر الهيثمي (ت ٩٧٤هـ)، صرَّح بالتواتر في (الصواعق المحرقة).
- سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي (ت ١٢٩٤هـ) في كتابه (ينابيع المودَّة).
ومن العلماء المتأخِّرين: ناصر الدِّين الألباني، عبد المحسن بن حمد عبَّاد، حمُّود
بن عبد الله التويجري، عبد العزيز بن عبد الله بن باز(٥٤).
وقد ذكر الشيخ مهدي فقيه إيماني في كتابه (أصالة المهدويَّة في الإسلام) أكثر من
(٥٩) عالماً من أهل العامَّة صرَّحوا بصحَّة وتواتر أحاديث المهدي المنتظَر (عجَّل
الله فرجه).
إنَّ حركة التدوين والكتابة والرواية التي انتشرت أخيراً في موضوع الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) ما هي إلَّا تأكيد للحقيقة الثابتة: على صحَّة الأخبار والرواية
في موضوع المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه).. لذا نجد أنَّ هناك أكثر من (٢٠٠)
مؤلَّفاً لعلماء أهل العامَّة من كتاب ورسالة وبحث ومقالة في الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه)، ومعظمها تُؤكِّد صحَّة أخبار وأحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبعضها
قويٌّ في الردِّ على المعاندين وحازم في فتواه، نذكر منها مثالاً واحداً: ألَّف
الملَّا عليُّ بن حسام الدِّين المعروف بالمتَّقي الهندي (ت ٩٧٥هـ) (البرهان في
علامات مهدي آخر الزمان)(٥٥)، كتبه ردًّا على مدَّعي المهدويَّة في الهند محمّد
الجونفوري، أورد فيه فتاوى علماء المذاهب الأربعة في زمانهم وهم: ابن حجر الهيثمي
الشافعي، وأحمد أبو السرور بن الصبا الحنفي، ومحمّد بن محمّد الخطَّابي المالكي،
ويحيى بن محمّد الحنبلي، وقال: (إنَّ هؤلاء هم علماء أهل مكَّة، وفقهاء الإسلام على
المذاهب الأربعة، ومَنْ راجع فتاواهم عَلِمَ عِلْمَ اليقين أنَّهم متَّفقون على
تواتر أحاديث المهدي، وأنَّ منكرها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) ولمزيد من الاطِّلاع على أسماء أكثر ومعرفة كُتُبهم ارجع إلى: أصالة
المهدويَّة في الإسلام (ص ٥٧ - ٦٨).
(٥٥) البرهان في علامات مهدي آخر الزمان (ص ١٧٧ - ١٨٣).
يجب أنْ ينال جزاءه، وصرَّحوا: بوجوب ضربه
وتأديبه وإهانته حتَّى يرجع إلى الحقِّ رغم أنفه - على حدِّ تعبيرهم - وإلَّا
فيُهدَر دمه)(٥٦).
نَسَب المهدي (عجَّل الله فرجه) في الأحاديث عند الجمهور:
إنَّ الأحاديث الشريفة المرويَّة حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كثيرةٌ جدًّا
وواضحة، بحيث لا تُعطي مجالاً للشكِّ، بل هي صريحة وواضحة تُبيِّن أصله ونَسَبه،
اسمه وكنيته، صفاته وخصاله.. إلَّا أنَّ هناك اختلافاً بسيطاً لا يكاد يُذكر في
تشخيص نَسَب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الفريقين:
* أهل العامَّة:
يتحدَّثون عن المهدي المنتظَر، ويُشخِّصون نَسَبه بالآتي:
- المهدي: كناني.
- المهدي: قرشي.
- المهدي: هاشمي.
- المهدي: من العترة (عليهم السلام).
- المهدي: من أهل البيت (عليهم السلام).
- المهدي: من أولاد عبد المطَّلب.
- المهدي: من ولد النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
- المهدي: من ولد فاطمة (عليها السلام).
- المهدي: اسمه كاسم النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
- المهدي: كنيته ككنية الرسول (صلَّى الله عليه وآله).
جاء في كتاب (الفتن) لنعيم بن حمَّاد تحت عنوان (نسبة المهدي)، وكذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦) المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ٤١).
في كتاب (عقد
الدُّرَر) ليوسف بن يحيى المقدسي الشافعي في الباب الأوَّل (بيان أنَّه من ذرّيَّة
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وعترته)، الخبر التالي:
عن قتادة، قال: قلت لسعيد بن المسيَّب: المهدي حقٌّ هو؟ قال: حقٌّ، قال: قلت: ممَّن
هو؟ قال: من قريش، قلت: من أيِّ قريش؟ قال: من بني هاشم، قلت: من أيِّ بني هاشم؟
قال: من بني عبد المطَّلب، قلت: من أيِّ عبد المطَّلب؟ قال: من ولد فاطمة(٥٧).
إلَّا أنَّ هناك اختلافاً بسيطاً يُصرِّح به بعض أهل العامَّة حسب تصوُّرهم:
١ - المهدي: سيُولَد آخر الزمان (أي لم يُولَد بعدُ).
٢ - المهدي: من نسل الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام).
٣ - المهدي: اسم أبيه اسم أبي الرسول (صلَّى الله عليه وآله) (أي عبد الله).
ونودُّ الإشارة إلى أنَّ الاختلاف الأوَّل سنبحثه بالتفصيل في الفصل اللَّاحق..
أمَّا النقطة الثانية والثالثة، فقد بحثها شيعة أهل البيت (عليهم السلام) بالتفصيل،
وأوضحت الحقيقة في ذلك.. للفائدة ارجع إلى:
١ - كتاب (المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي)، منشورات مركز الرسالة (ص ٦٢ - ٧٤).
٢ - كتاب (المهدي المنتظَر من ولد الإمام الحسن (عليه السلام) أم الإمام
الحسين (عليه السلام)) للشيخ مهدي حمد الفتلاوي، وهو عبارة عن رسالة علميَّة من (٨٨
صفحة)، إجابةً على سؤال الأُستاذ أحمد عثمان أبي المجد من القاهرة.
٣ - كتاب (أصالة المهدويَّة في الإسلام في نظر أهل السُّنَّة والجماعة)، للشيخ مهدي
فقيه إيماني، وهو بحث رائع لاحتوائه على إحصائيَّات ومصادر لا غنى للباحث عنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٧) الفتن للمروزي (ص ٢٢٨)؛ عقد الدُّرَر (ص ٢٣).
ولا بدَّ أنْ نشير إلى نقاط سريعة وموجزة:
- التصحيف في الاسم من (الحسين) إلى (الحسن).
- التحريف من (ابن الحسن) إلى (نسل الحسن).
- الأحاديث التي يُذكر فيها (واسم أبيه اسم أبي) كلُّها عن طريق عاصم ابن أبي
النجود، وكلُّ محدِّثي أهل العامَّة ضعَّفوا عاصم، وأحاديثه ليست بحجَّة، ممَّا
يوجب وهنها وردَّها.
* شيعة أهل البيت (عليهم السلام):
إنَّ هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بحكم كونه أحد الأئمَّة الاثني عشر،
تتَّصل بالإيمان بالرسالة والإمامة، بوصفها جزءاً أصيلاً منها، وليس فقط من جهة
صحَّة الأخبار وتواترها عنه (عجَّل الله فرجه).. فالحديث عن نَسَب المهدي من
الأهمّيَّة بمكان بحيث يساوي أيَّة مسألة عقائديَّة.. وعليه نُؤكِّد ونؤمن بالآتي:
- المهدي: من عترة الرسول (صلَّى الله عليه وآله).
- المهدي: من أهل البيت (عليهم السلام).
- المهدي: من الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام).
- المهدي: هو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه).
- المهدي: من أولاد الحسين (عليه السلام).
- المهدي: التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).
- المهدي: ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
- المهدي: اسمه اسم الرسول (صلَّى الله عليه وآله).
- المهدي: وُلِدَ يوم (١٥) شعبان عام (٢٥٥هـ).
- المهدي: حيٌّ يُرزَق.
لا بدَّ أنْ نعرف: أنَّ حقيقة الاعتقاد بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) عند
شيعة أهل البيت (عليهم السلام) لها موقع عقائدي، حيث إنَّ الاعتقاد بالإمامة
يُعتبَر أصلاً ثابتاً من
أُصول الإيمان عند الشيعة الإماميَّة، وكلُّ مَنْ يعتقد
بالإمامة لا محيص له إلَّا أنْ يعتقد بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ويُعتبَر
ذلك جزءاً لا يتجزَّأ من العقيدة الإسلاميَّة.. وعليه ينبغي أنْ نُذعِن ونؤمن بأنَّ
هويَّة الإمام (عجَّل الله فرجه) وخصائص شخصيَّته في التصوُّر الإمامي، هي خصائص
أساسيَّة في تكوين قيادته، وتُمكِّنه من تحقيق المجتمع العادل كما أراده الله
تعالى، وكما وعد به.. وعليه نشير إلى أنَّ القائد العظيم المهدي المنتظَر (عجَّل
الله فرجه) لا بدَّ أنْ يتميَّز بخصائص مهمَّة:
١ - الإيمان بعصمة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) باعتباره الإمام الثاني عشر من
الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
٢ - الإيمان بكونه القائد الشرعي الوحيد للعالم عامَّة، ولقواعده الشعبيَّة خاصَّة،
طيلة زمان وجوده، سواءً كان غائباً أو حاضراً.
وعليه نُؤكِّد أنَّ:
- اسمه (م ح م د) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وُلِدَ يوم (١٥) شعبان
عام (٢٥٥هـ).. أُمَّه السيِّدة نرجس (مليكة بنت يشوعا بن قيصر مَلِك الروم).
- لا يزال حيًّا، ويعيش إلى الآن على وجه الأرض، وينتظر الأمر له بالخروج والظهور.
- يعيش وسط الناس، مجهول العنوان، وقد يراه الناس ولا يعرفونه.
- له إشراف على العالم كافَّة، وإحاطته بأخبار العباد والبلاد، مصداقاً لسورة
القدر.
- سيظهر في يوم معلوم عند الله، مجهول عندنا.
- إذا ظهر يحكم الكرة الأرضيَّة كلَّها، وتخضع له جميع الدول والشعوب.
- يُطبِّق الإسلام الصحيح كما جاء به الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وتنقاد
له كافَّة الأديان والمِلَل.
أجمع عمداء أهل بيت النبوَّة، أو الأئمَّة الأطهار، الذين ورثوا علمي النبوَّة والكتاب، والذين اختارهم الله، وأعدَّهم وأهَّلهم لقيادة الأُمَّة ومرجعيَّتها طوال عصر ما بعد النبوَّة، والذين سمَّاهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بأسمائهم قبل أنْ يُولَد تسعة منهم.. على أنَّهم قد سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يُبشِّر بالمهدي المنتظَر ويُسمِّيه باسمه: (م ح م د بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، حفيد النبيِّ الأكرم، وحفيد ابنته الزهراء البتول، ويُكنَّى بأبي القاسم)، وأنَّهم سمعوا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يصفه وصفاً دقيقاً، ويُؤكِّد على حتميَّة ظهوره، مثلما سمعوه (صلَّى الله عليه وآله) وهو يُبيِّن علامات الظهور، ويصف عهده وما فيه من عدل ورخاء، وسيادة على العالم كلِّه، وظهور لدين الإسلام على كلِّ الأديان، وأنَّ هذا المهدي (عجَّل الله فرجه) هو الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، ومَنْ لا يعتقد بذلك فليس من شيعة أهل البيت ولا من مواليهم الخُلَّص.. ثمّ إنَّه ما من إمام من الأئمَّة الأطهار إلَّا وقد بشَّر بالمهدي المنتظَر، وروى عن جدِّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أحاديث تتعلَّق بالمهدي وصفاته وعلامات ظهوره، وهكذا حسم أهل بيت النبوَّة بما ورثوه من علمي النبوَّة والكتاب اسم المهدي المنتظَر، واسم أبيه وجدِّه وكنيته، ونعموا هم ومواليهم بسلامة اليقين وراحته.. ثمّ إنَّ الأحاديث المرويَّة عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) ورواها العلماء الموالون لهم في مدوَّناتهم وكُتُب حديثهم في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من الكثرة بحيث لا يمكن استيعابها في هذا الكتاب، ولا يمكن إيراد حتَّى ما يكفي منها في كلِّ موضوع، فقد أعطى الأئمَّة (عليهم السلام) من أمير المؤمنين (عليه السلام) وإلى الإمام العسكري (عليه السلام) لقضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) موقعاً مركزيًّا في أحاديثهم بحكم ما للقضيَّة من أهمّيَّة.
إحصائيَّة عن عدد الأحاديث المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر (عجَّل الله
فرجه):
بالرجوع إلى (معجم أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) الذي ألَّفته مؤسَّسة
المعارف الإسلاميَّة، والواقع في خمسة مجلَّدات نجد أنَّ:
١ - المجلَّد الأوَّل والثاني قد اشتملا على (٥٦٠) حديثاً من الأحاديث المرويَّة عن
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وبطُرُق الشيعة وأهل العامَّة.
٢ - المجلَّد الثالث والرابع قد اشتملا على (٨٧٦) حديثاً مسنداً إلى أئمَّة أهل
البيت (عليهم السلام)، واشترك أهل العامَّة برواية الكثير منها مع الشيعة
الإماميَّة.
٣ - المجلَّد الخامس فقد اشتمل على (٥٠٥) أحاديث، وكلُّها من الأحاديث المفسِّرة
لآيات قرآنيَّة.. وغطَّت هذه الأحاديث ما أورده المفسِّرون من الشيعة وأهل
العامَّة.
٤ - يتَّضح أنَّ مجموع الأحاديث المسندة إلى النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)
وأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) (١٤٣٦) حديثاً، وإذا أضفنا لها محتويات المجلَّد
الخامس، يكون مجموع الأحاديث المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر (١٩٤١) حديثاً.. مجموع
المعجم(٥٨).
٥ - أحصى آية الله السيِّد صدر الدِّين الصدر في كتابه القيِّم (المهدي) (٤٠٠)
حديثاً عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) رواها أهل العامَّة في كُتُبهم ومصادرهم
توافق الأحاديث التي رواها أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
وهذا رقم إحصائي كبير لا يتوفَّر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهيَّة، والتي
لا يشكُّ فيها المسلم عادةً.. ويمكن القول وبكلِّ ارتياح: إنَّه ما من محدِّث
إسلامي على الإطلاق، إلَّا وقد أخرج الأحاديث المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ١٥٠).
الفصل الثاني: اليقين بوجود المهدي (عجَّل الله فرجه)
القسم الأوَّل: التشكيك بأصل الفكرة ادِّعاء كاذب.
القسم الثاني: التشكيك في ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب.
القسم الأوَّل: التشكيك بأصل الفكرة ادِّعاء كاذب
إنَّ قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) قضيَّة دينيَّة روحيَّة عقليَّة سياسيَّة
فكريَّة، وهي في صلب العقيدة الدِّينيَّة، ومن منطلق الإمامة والخلافة في الأرض،
ولكن تتوقَّف على الوعي والإدراك، من وعاها وعرف أبعادها آمن بها واطمأنَّ لها،
فقضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) ليست قضيَّة معتمدة على الخيالات والأوهام
والقَصَص أو الترف الفكري أو الإخبار المستقبلي الخاضع للكذب والصدق.. بل هي قضيَّة
دينيَّة منطقيَّة يساندها العقل والنقل.. كذلك هي ليست قضيَّة تخصُّ الشيعة دون
غيرهم من فِرَق المسلمين، بل هي أكبر من ذلك وأوسع، ذُكِرَت في جميع كُتُب
المسلمين، بل في الكُتُب الإلهيَّة السماويَّة كافَّة، بل هي قضيَّة الإمامة
والخلافة في الأرض، بل هي مسألة جوهريَّة مهمَّة بشَّر بها القرآن الكريم وتحدَّث
عنها الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله)، بل هي قضيَّة مستقبل البشريَّة وقضيَّة
تحقُّق حلم الأنبياء والرُّسُل بنشر العدل والتوحيد في كافَّة المعمورة.
إنَّ إثارة الشكوك هذه الأيَّام حول هذه القضيَّة وحول ولادة الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) وإثبات وجوده، يناقض الأدلَّة والبراهين العلميَّة والثوابت
الدِّينيَّة، وهذا ما نحاول إثباته وإيضاحه بصورة قاطعة، لعلَّ المشكِّكين
والمدَّعين يعترفون بضحالة تفكيرهم، ويتراجعون عن دعواهم ومزاعمهم ويُسلِّمون
صاغرين للحقِّ وأهله.
إنَّ البحث عن ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبيان ثبوتها شرعاً.. بحث غير
طبيعي باعتباره من الثوابت الدِّينيَّة ومن مسلَّمات العقيدة الإسلاميَّة، لولا
وجود بعض الملابسات التاريخيَّة حول ولادته (عجَّل الله فرجه)، كادِّعاء عمِّه جعفر
الكذَّاب بعدم وجود خلف لأخيه الإمام العسكري (عليه السلام)، وقيام السلطة
العبَّاسيَّة الحاكمة بتسليم تركة الإمام العسكري (عليه السلام) بعد وفاته لأخيه
جعفر الكذَّاب أخذاً بادِّعائه الباطل.
ولأجل هذا نقول: إنَّ التشكيك في فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يمكن إبرازه
في محورين:
المحور الأوَّل: التشكيك في الفكرة من الأساس:
فالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يُولَد ولا يُولَد، ويرفض أنصار هذا القول
بأنَّه سوف يظهر في آخر الزمان رجل يتمُّ إصلاح العالم على يديه، مثل هذا الشخص لم
يُولَد ولا يُولَد ولا تتحقَّق مثل هذه الفكرة.. لذا يرفضون ويُكذِّبون جميع
الأحاديث الصحيحة الصادرة عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وعن أهل البيت (عليهم
السلام) حول موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. هذا بُعد من التشكيك.
المحور الثاني: أنْ يُسلَّم بفكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
في الجملة، ولكن يُدَّعى أنَّ هذه الفكرة لم تُولَد بعدُ، وإنَّما تُولَد في
المستقبل:
فشخص بعنوان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يتحقَّق بعدُ، وإذا كان هناك مصلح
يتحقَّق على يديه إزالة الظلم ونشر العدل، فذلك يتحقَّق ويُولَد في آخر الزمان
(المستقبل).. وهذا البُعد من التشكيك هو المثار حاليًّا، وهو الأهمُّ في البحث
والنقاش.
الإيمان بأصل الفكرة:
لسنا بحاجة إلى الردِّ أو البحث أو نقاش المحور الأوَّل من التشكيك
(رفض فكرة
المهدي من الأساس)، فمن هؤلاء المشكِّكين ابن خلدون (المقدَّمة)، وكذلك أحمد أمين
(ضحى الإسلام)، ورشيد رضا (تفسير المنار).. لولا وجود بعض الملابسات التي يتمسَّك بها المشكِّكون من قبيل:
١ - أنَّ البخاري ومسلم لم يرويا أيَّ حديث صريح بالمهدي المنتظَر.
٢ - أنَّ ابن خلدون ضعَّف الأحاديث الواردة في المهدي.
٣ - أن أحد علماء الحديث (ابن ماجة) في (سُنَنه) روى حديثاً نبويًّا وحيداً يقول:
«لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»(٥٩).
لذا نقول: إنَّ كلمة المسلمين كلِّهم قد اتَّفقت بالإيمان بفكرة الإمام المهدي في
آخر الزمان، وما أكثر المصرِّحين من علماء كلِّ الفِرَق الإسلاميَّة ابتداءً من
القرن الثالث الهجري وإلى يومنا، بأنَّ فكرة الظهور محلُّ اتِّفاقهم، بل ومن
عقيدتهم أجمع..
ولهذا قال ابن خلدون - وهو أحد المشكِّكين بالفكرة - معبِّراً عن عقيدة المسلمين
بظهور المهدي: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممرِّ الأعصار،
أنَّه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجل من أهل البيت يُؤيِّد الدِّين، ويُظهِر
العدل ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلاميَّة، ويُسمَّى المهدي، ويكون
خروج الدجَّال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنَّ عيسى
ينزل من بعده فيقتل الدجَّال أو ينزل معه فيساعده على قتله ويأتمُّ بالمهدي في
صلاته)(٦٠).
وممَّا هو معروف ومشهور أنَّ الإيمان بخروج الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله
فرجه) من آل البيت من عقائد أهل العامَّة، أو ممَّا تواترت به الأخبار، وقد روى تلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩).
(٦٠) تاريخ ابن خلدون (ج ١/ ص ٣١١).
الأخبار عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ما يزيد على خمسين صحابيًّا،
ونصَّ على صحَّتها عدد كبير من علماء أهل العامَّة.. وذكروا أحاديث المهدي ورووها
وقالوا بصحَّة الكثير منها، نذكر منهم:
أصحاب السُّنَن الأربعة (الترمذي والنسائي وابن ماجة وأبو داود)، وأحمد بن حنبل في
المسند، والطبراني في المعجم، وابن حيَّان، والبيهقي في السُّنَن، والحاكم في
المستدرك، وذكر الشيخ مهيب البوريني في مقدَّمته لكتاب عقد الدُّرَر في أخبار
المهدي المنتظَر للسلمي (المتوفَّى سنة ٦٨٥هـ) ممَّن خرج هذه الأحاديث من الأعلام
بدءاً من أوائل القرن الثالث حتَّى منتصف القرن الرابع عشر (٥٢) محدِّثاً مشيراً
إلى كُتُبهم التي خرَّجوها فيها، ومنهم عدا من ذكرناهم آنفاً:
أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد (المتوفَّى سنة ٢٢٩هـ) في الفتن، ويحيى بن عبد الحميد
الحمَّاني (المتوفَّى سنة ٢٢٨هـ) في مسنده، وابن سعد (المتوفَّى سنة ٢٣٠هـ) في
الطبقات، وابن أبي شيبة (المتوفَّى سنة ٢٣٥هـ) في مصنَّفه، والحارث بن أبي أُسامة
(المتوفَّى سنة ٢٨٢هـ) في مسنده، والبزَّار (المتوفَّى سنة ٢٩٢هـ) في مسنده، وأبو
يعلى (المتوفَّى سنة ٣٠٧هـ) في مسنده، والروياني (المتوفَّى سنة ٣٠٧هـ) في مسنده،
وابن جرير الطبري (المتوفَّى سنة ٣١٠هـ) في تهذيب الآثار، وابن المنادي (المتوفَّى
سنة ٣٣٦هـ) في الملاحم، وابن حبَّان (المتوفَّى سنة ٣٥٤هـ) في صحيحه، والدارقطني
(المتوفَّى سنة ٣٨٥هـ) في الأفراد، والخطَّابي (المتوفَّى سنة ٣٨٨هـ) في معالم
السُّنَن، والرازي (المتوفَّى سنة ٤١٤هـ) في الفوائد، وأبو نعيم الأصفهاني
(المتوفَّى سنة ٤٣٠هـ) في حلية الأولياء وكتاب المهدي، وأبو عمر الداني المقرئ
(المتوفَّى سنة ٤٥٨هـ) في سُنَنه، والقاضي عياض (المتوفَّى سنة ٥٤٤هـ) في كتاب
الشفاء، وابن عساكر (المتوفَّى سنة ٥٧١هـ) في تاريخه، وابن الجوزي (المتوفَّى سنة
٥٩٧هـ) في تأريخه، والقرطبي (المتوفَّى سنة ٦٧١هـ) في التذكرة، وابن تيميَّة
(المتوفَّى سنة ٧٢٨هـ) في منهاج السُّنَّة، وأبو الحجَّاج المزِّي (المتوفَّى سنة
٧٤٢هـ) في تهذيب الكمال، والذهبي (المتوفَّى سنة ٧٤٢هـ) في المستدرك، وابن القيِّم
(المتوفَّى سنة ٧٥١هـ) في المنار المنيف، وابن كثير (المتوفَّى سنة ٧٧٤هـ) في
تفسيره وفي الفتن والملاحم، وابن حجر العسقلاني (المتوفَّى سنة ٨٥٢هـ) في فتح
الباري وتهذيب التهذيب، والسخاوي (المتوفَّى سنة ٩٠٢هـ) في فتح المغيث، والسيوطي
(المتوفَّى سنة ٩١١هـ) في جواهر العقدين، والمناوي (المتوفَّى سنة ١٠٣٢هـ) في فيض
القدير، وآخرون كثيرون غيرهم(٦١).
قد علَّق الشيخ عبد العزيز بن باز المفتي العامُّ السابق للسعوديَّة ورئيس هيأة
كبار العلماء وإدارة البحوث العلميَّة والإفتاء بالرياض، على محاضرة للشيخ عبد
المحسن العبَّاد: (... فأمر المهدي أمر معلوم، والأحاديث فيه مستفيضة، بل متواترة
متعاضدة، وقد حكى غير واحد من أهل العلم تواترها، كما حكاه الأُستاذ في هذه
المحاضرة، وهي متواترة تواتراً معنويًّا لكثرة طُرُقها واختلاف مخارجها وصحابتها
ورواتها وألفاظها. فهي بحقٍّ تدلُّ على أنَّ هذا الشخص الموعود به أمره ثابت وخروجه
حقٌّ)(٦٢).. وقال كذلك المحدِّث الشيخ محمّد ناصر الدِّين الألباني: (الأحاديث في
ذلك (في خروج المهدي) كثيرة جدًّا، وأشهرها حديث عبد الله بن مسعود مرفوعاً... وقد
أخطأ ابن خلدون خطأً واضحاً حيث ضعَّف أحاديث المهدي كلَّها، ولا غرابة في ذلك،
فإنَّ الحديث ليس من صناعته، والحقُّ أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح
والحسن وفيها الضعيف والموضوع)(٦٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١) الإمام المهدي وأدعياء البابيَّة (ص ٥٥ - ٥٧).
(٦٢) المهدي المنتظَر (عليه السلام) في ضوء الأحاديث الصحيحة (ص ٥٩).
(٦٣) المصدر السابق.
أمَّا الشيعة الإماميَّة الاثنا عشريَّة فإنَّ القضيَّة لديهم، من حيث الموقع
العقائدي، ومن حيث الأحاديث الواردة فيها، تتجاوز ذلك.. فهي من حيث الموقع تتَّصل
بأصل من أُصول الإيمان لديهم وهو الإمامة.. أمَّا الأحاديث الواردة فيه فتتواصل
رواياتها عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، والأئمَّة (عليهم السلام) عدا ما ورد
عن الصحابة في ما يتَّصل به اسماً وصفةً ودوراً ونَسَباً وعلامات ودلائل حتَّى تصل
إلى الآلاف.
إذاً.. لا فرق بين الشيعة وأهل العامَّة من حيث الإيمان بظهور المنقذ، ما دام أهل
العامَّة قد وجدوا في ذلك أحاديث من طُرُقهم، وعدَّوا ظهور المهدي من أشراط الساعة،
وأثبتوا بطلان كلام كلِّ مَنْ يُشكِّك في أصل الفكرة، وأنَّهم ألَّفوا في الردِّ أو
القول بالتواتر كُتُباً ورسائل، بل لا فرق بين جميع المسلمين وبين غيرهم من أهل
الأديان والشعوب الأُخرى من حيث الإيمان بأصل الفكرة وإنِ اختلفوا في مصداقها، مع
اتِّفاق المسلمين على أنَّ اسمه (م ح م د) كاسم النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه
وآله)، ولقبه عندهم هو (المهدي).. ومن هنا يُعلَم أنَّ اتِّفاق المذاهب الإسلاميَّة
جميعاً على أصل الفكرة، لا يمكن أبداً أنْ يكون بلا مستند لاستحالة تحقُّق مثل هذا
الاتِّفاق جزافاً.
إنَّ النتيجة المنطقيَّة لما تقدَّم تُؤكِّد بتفاهة مزاعم المشكِّكين في أصل الفكرة
(المحور الأوَّل من التشكيك).
أمَّا عن اختلاف المسلمين فيما بينهم من حيث تشخيص اسم المهدي كما هو معلوم بين أهل
العامَّة والشيعة، فليس فيه أدنى حجَّة للمشكِّكين، بل هو - على العكس - من
الأدلَّة القاطعة عليه، لأنَّه من قبيل الاختلاف في تفاصيل شيء متحقِّق الوجود،
كاختلافهم في القرآن الكريم بين القول بقِدَمه وحداثته من الله تعالى، مع اتِّفاقهم
على تكفير منكره.
فالمسلمون بشكلٍ عامٍّ قد سلَّموا بهذه الفكرة (خروج المهدي آخر الزمان) وآمنوا
بالآيات القرآنيَّة والروايات والأحاديث الشريفة(٦٤) على أيَّة حالٍ أصل فكرة
المهدي، وأنَّه سوف يتحقَّق هذا الحلم وتتحقَّق هذه الأُمنية، فكرة مسلَّم بها من
قِبَل عامَّة المسلمين جميعاً إلَّا مَنْ شذَّ وندر.
ملابسات المشكِّكين:
بعد أنْ حصل اليقين بعقيدة المهدي المنتظَر، وبعد أنْ عرف المسلمون إجماع أهل البيت
(عليهم السلام) على صحَّة هذا الاعتقاد، وبعد أنْ أدلى خمسون صحابيًّا بشهادتهم على
أنَّهم سمعوا الرسول (صلَّى الله عليه وآله) يُبشِّر بالمهدي (عجَّل الله فرجه)
ويُحدِّث بأحاديثه.. نردُّ على ملابسات المشكِّكين(٦٥) ونقول:
أوَّلاً: عدم ذكر حديث صريح بالمهدي (عجَّل الله فرجه) في صحيحي
بخاري ومسلم:
نردُّ على هذا الإشكال ونقول:
١ - صحيحا البخاري ومسلم لم يشتملا على كافَّة الأحاديث الصحيحة، بدليل قول البخاري
عن كتابه: (أخرجت هذا الكتاب من مائة ألف حديث صحيح)(٦٦)، فما أعلن البخاري صحَّته
يزيد عمَّا أخرجه في كتابه بمئات الأضعاف.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) يمكن الرجوع إلى كتابنا الفجر المقدَّس والتعرُّف على عدد الآيات ودلالاتها (ص
٢٠ - ٢٦)، وبالنسبة للروايات والأحاديث الشريفة ذكرنا إحصائيَّاتها (ص ٢٧ - ٣٨).
(٦٥) لمزيد من التوسُّع في الردِّ على أسباب المشكِّكين ارجع إلى: حقيقة الاعتقاد
بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) للمستبصر الأُردني المحامي أحمد حسين يعقوب.
(٦٦) راجع: صحيح البخاري (ج ١/ ص ٤٠/ المقدَّمة)؛ وقد جاء فيه عن طبقات الشافعيَّة
(ج ٢/ ص ٢٢١) قول البخاري عن صحيحه: (أخرجت هذا الكتاب من نحو ستّمائة ألف
حديث...).
٢ - أنَّ البخاري ومسلم قد كتبا صحيحيهما في الوقت المتوقَّع لولادة المهدي
المنتظَر (تاريخ ١٥/٨/٢٥٥هـ)، وكان مجرَّد ذكر لفظة المهدي المنتظَر يُثير الرعب في
أركان الدولة العبَّاسيَّة، فكانت مخابرات وعيون السلطة العبَّاسيَّة تتحرَّى عن
كلِّ المواليد في ذلك التاريخ - مثل ظروف ولادة النبيِّ موسى (عليه السلام) -، فمن
غير المعقول بمثل هذه الظروف أنْ يخاطر الشيخان بذكر لفظ المهدي، فلو فعلا ذلك
لواجها دولة لا طاقة لهما بمواجهتها، والأهمُّ أنَّ الدولة يمكن أنْ تُتلِف
صحيحيهما.. علماً بأنَّ البخاري تُوفِّي سنة (٢٥٦هـ) ومسلم تُوفِّي سنة (٢٦١ هـ).
٣ - أنَّ البخاري ومسلم لم يُخرِّجا كلَّ الأحاديث المتَّفقة مع الشروط التي
وضعاها، فطالما كرَّر (الحاكم النيسابوري) جملة: (هذا الحديث صحيح على شروط الشيخين
ولم يُخرِّجاه)، وقد ذكر في (مستدركه) ثمانية أحاديث صحيحة عن المهدي (عجَّل الله
فرجه) على شرط الشيخين ولم يُخرِّجاه.
٤ - تطرَّق الشيخان إلى الأحاديث الواردة بخروج الدجَّال، وأحاديث نزول عيسى،
وإمامة أمير المسلمين لعيسى، ومسلم ذكر حديث عن خليفة يحثي المال حثواً ولا يعدُّه
عدًّا، وذكر حديث الخسف، وهذه أوصاف وأحداث لا تنطبق إلَّا على الإمام المهدي
وعلامات ظهوره.. ولكن بسبب الظروف السياسيَّة والأمنيَّة التي مرَّا بها أثناء
كتابتهما لم يستطيعا التصريح بلفظة المهدي.
ثانياً: تضعيف ابن خلدون لبعض الأحاديث الواردة في المهدي (عجَّل
الله فرجه):
نردُّ على هذا اللبس ونقول:
١ - تناول ابن خلدون (٢٣) حديثاً فقط من الأحاديث الواردة في المهدي المنتظَر،
فأخضع هذه الأحاديث للنقد والدراسة، فضعَّف (١٩) حديثاً، ولم
يحكم بالضعف على
الأربعة المتبقيَّة(٦٧).. فجاء المتشكِّكون وتمسَّكوا بتضعيفات ابن خلدون، وأشاعوا
أنَّ ابن خلدون لا يعتقد بالمهدي المنتظَر، ويُضعِّف على الإطلاق الأحاديث الواردة
فيه مطلقاً، وهكذا تاجروا بشهرة الرجل واستغلُّوها لخدمة أهدافهم.
٢ - لم يذكر ابن خلدون من الذين أخرجوا أحاديث المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)
غير سبعة من علماء أهل العامَّة: (الترمذي، أبو داود، البزَّار، ابن ماجة، الحاكم،
الطبراني، الموصلي).. وهذا يعني أنَّه ترك على الأقلّ (٤٨) عالم حديث من أهل
العامَّة ممَّن أخرجوا أحاديث المهدي، أوَّلهم ابن سعد في طبقاته (ت ٢٣٠هـ) وآخرهم
نور الدِّين الهيثمي (ت ٨٠٧هـ). علماً بأنَّ ابن خلدون تُوفِّي عام (٨٠٨هـ)،
ودُوِّنت أحاديث المهدي قبل سنة (٢٣٠هـ)، بمعنى أنَّه بين تدوينها وتناول ابن خلدون
لها قرابة (٦٠٠) عام، فكيف يتمكَّن من دراستها والحكم عليها وهو يتناول فقط (٧:٥٥)
ممَّن أخرجوها؟!
٣ - ما القيمة العلميَّة لإنكار وتضعيفات ابن خلدون لأحاديث المهدي (عجَّل الله
فرجه)؟ فابن خلدون رجل تاريخ وليس من رجال الحديث، فلا يُعتَدُّ بكلامه في التصحيح
والتضعيف.. ثمّ لنفرض أنَّ ابن خلدون أنكر وضعَّف الـ (٢٣) حديثاً التي تناولها
بالدراسة كلَّها، فما معنى هذا العدد مع وجود (٥٦٠) حديثاً نبويًّا أو (١٩٤١)
حديثاً مسنداً إلى أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)؟ ثمّ ما هي قيمة معارضة ابن
خلدون أمام قول وإجماع أهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)؟
ثالثاً: معارضته مع حديث منسوب للنبيِّ «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى
بْنُ مَرْيَمَ»:
نردُّ على هذا اللبس ونقول:
١ - ذكر ابن ماجة في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧) حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظَر (ص ١٢٠).
حديثاً نبويًّا وحيداً:
حدَّثنا يونس بن عبد الأعلى، ثنا محمّد بن إدريس الشافعي، حدَّثني محمّد بن خالد
الجندي، عن أبان بن صالح، عن الحسن، عن أنس بن مالك أنَّ رسول الله [(صلَّى الله
عليه وآله)] قال: «لا يزداد الأمر إلَّا شدَّةً، ولا الدنيا إلَّا إدباراً، ولا
الناس إلَّا شحًّا، ولا تقوم الساعة إلَّا على شرار الناس، ولا المهدي إلَّا عيسى
بن مريم».. فتمسَّك المتشكِّكون بهذا الحديث الوحيد، ليُشكِّكوا به اعتقاد المسلمين
بالمهدي المنتظَر، وليُكذِّبوا به (١٩٤١) حديثاً واردة بالمهدي (عجَّل الله فرجه).
٢ - إنَّ ابن ماجة الذي روى هذا الحديث الوحيد، قد روى أحاديث عديدة في (سُنَنه) عن
المهدي المنتظَر، منها حديث (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦): «المهدي [حقٌّ وهو] من ولد
فاطمة»(٦٨).. وقد صحَّحه ابن ماجة، وحكم بتواتره جمع من علماء أهل العامَّة،
والسؤال: لماذا يهمل المتشكِّكون حديث المهدي حقٌّ، ويتمسَّكون بحديث «لا مهدي
إلَّا عيسى»؟ ولماذا يتجاهلون كلَّ الأحاديث الصحيحة، ويصبُّون جلَّ اهتمامهم على
حديث واحد ويُصدِّقونه؟.. ألَا يثير ذلك الاستغراب والدهشة؟!
٣ - لقد ضعَّف جمع من علماء أهل العامَّة ومن علماء الحديث هذا الحديث الغريب،
وضعَّفوا سنده، وقالوا عن هذا الحديث كما ذكر القرطبي في (التذكرة): (حديث «لا مهدي
إلَّا عيسى» يعارض أحاديث هذا الباب)(٦٩)، ثمّ نقل كلمات مَنْ طعن بمحمّد بن خالد
وأنكر عليه حديثه.. ووصف أبو نعيم في حلية الأولياء (ج ٩/ ص ٦١) هذا الحديث
بالغرابة(٧٠).. قال ابن تيميَّة: (والحديث الذي فيه: «لا مهدي إلَّا عيسى» والذي
رواه ابن ماجة، هو حديث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦).
(٦٩) التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة (ج ٢/ ص ٣٣٠).
(٧٠) حلية الأولياء (ج ٩/ ص ١٦١).
ضعيف)(٧١).. وقال أبو عبد الله الحاكم عن محمّد بن خالد: (مجهول، وحديث «لا مهدي إلَّا عيسى» خبر منكر أخرجه ابن ماجة)(٧٢).. وقد قدح جمع من علماء الحديث بمحمّد بن خالد منهم: أبو عمرو، وأبو الفتح الأزدي، والبيهقي، والأبري، وقد أنكر الأزدي هذا الحديث(٧٣).. ومن هنا نعرف حرص المشكِّكين للتمسُّك بهذا الحديث الوحيد الغريب الضعيف، وذلك لقلَّة ما بأيدهم من أدلَّة، ثمّ نسألهم: لماذا وُضِعَ علم الرجال؟!
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧١) منهاج السُّنَّة (ج ٤/ ص ١٠١ و١٠٢).
(٧٢) راجع: مستدرك الحاكم (ج ٤/ ص ٤٤١).
(٧٣) راجع: حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظَر (ص ١٢٣ و١٢٤).
القسم الثاني: التشكيك في ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب
الإيمان بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
أمَّا المحور الثاني من التشكيك (تكذيب ونفي خبر ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه))
بمعنى أنْ يقال: نحن نُسلِّم بأصل الفكرة، وأنَّه سيظهر شخص آخر الزمان، ولكن لا
يلزم أنْ يكون هذا الشخص هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كما تُحدِّده الشيعة
الإماميَّة، ولا يلزم أنْ يكون مولوداً الآن، ولا يلزم أنْ يكون قد غاب، ولعلَّه
يُولَد في المستقبل والآن غير موجود، ولا توجد غيبة، يعني.. لماذا لا يكون المهدي
(عجَّل الله فرجه) رجلاً آخر سيُولَد في المستقبل؟
سوف نقف مع هذا المحور وقفة تأمُّل، ونبحث فيه ونناقشه بحيث لا نُعطي أدنى شكٍّ في
مصداقيَّته، أو بمعنى آخر حتَّى نبلغ شاطئ الحقيقة، ونحسَّ ببرد اليقين ونستقرَّ في
ظلال الإيمان.
علماً بأنَّنا نبحث في هذا المطلب ونحن في غاية الحرج والخجل منه (عجَّل الله
فرجه)، فمتى غابت بركات وجوده ومِنَنه السابغة عن هذا العالم، حتَّى نحتاج إلى دليل
يدلُّ على وجوده؟
في البدء نقول: إنَّ الأمر كما شاء الله لا كما يشاء خلقه، و﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ
يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ (الأنعام: ١٢٤)، ولذلك فإنَّ تشخيص المهدي المنتظَر (عجَّل
الله فرجه) بالإمام الثاني عشر بالذات، وأنَّه وُلِدَ يوم (١٥) شعبان من عام
(٢٥٥هـ)، وأبوه
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).. ويتَّضح ذلك أكثر حين نضع
أمامنا المقدَّمات المسلَّمة الآتية:
لإثبات أيِّ مسألة تاريخيَّة هناك طريقان(٧٤):
الطريق الأوَّل: التواتر:
أنْ يُخبِر بالقضيَّة مجموعة كبيرة من الأشخاص بحيث لا نحتمل اجتماعهم واتِّفاقهم
وتواطأهم على الكذب، فإذا كان خبر من الأخبار وجاء ثلاثمائة شخص أو مائتا شخص
وأخبرونا به، وكلُّ واحدٍ نفترضه من مكان غير مكان الآخر، في مثل هذه الحالة لا
نحتمل تواطؤ الجميع واتِّفاقهم على الكذب، مثل هذا الخبر يقال له: الخبر المتواتر.
الطريق الثاني: الأدلَّة والبراهين العلميَّة والتاريخيَّة:
ضمُّ الأدلَّة (أو ضمُّ القرائن)(٧٥) على كثرتها، فإضافة قرينة، إلى دلالة معيَّنة،
إلى عامل مساعد، إلى شاهدة أُخرى، كلُّ ذلك يفيد حصول العلم، ويفيد التواتر، ويفيد
نشوء اليقين بولادة ووجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
بالنسبة لخبر ولادة المهدي المنتظَر الإمام (م ح م د) بن الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) وطرق حصول العلم ونشوء اليقين بولادته (عجَّل الله فرجه):
أوَّلاً: طريق التواتر:
اتَّفق المسلمون جميعاً على اختلاف طوائفهم على الإيمان بظهور المهدي الموعود،
المبشَّر به في الأخبار المتواترة عن النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، وكذلك
الأحاديث الصحيحة الواردة والمتواترة في بيان نَسَب الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، وقد ذكرت هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٤) محاضرة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) للشيخ محمّد باقر الإيرواني.
(٧٥) المصدر السابق.
الروايات أنَّ القائم المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي يُصلِّي
خلفه عيسى بن مريم (عليه السلام) هو الثاني عشر من أهل البيت، وأنَّه كناني وقرشي
وهاشمي، وهو من أولاد عبد المطَّلب، وهو من ولد أبي طالب ومن ولد عليٍّ (عليه
السلام)، وفي بعض الروايات: المهدي من أهل البيت، وفي بعضها الآخر: من ولد فاطمة
الزهراء (عليها السلام)، وهو التاسع من ذرّيَّة الحسين(عليه السلام)، وفي بعضها: هو
السابع من ذرّيَّة الباقر (عليه السلام)، وفي بعضها: هو السادس من ذرّيَّة الصادق
(عليه السلام)، وفي بعض هذه الروايات: هو الخامس من ولد الكاظم، وقد أشرنا إلى كثير
من هذه الروايات وإحصائيَّاتها في كتابنا (الفجر المقدَّس)(٧٦).. هذا مضافاً إلى
روايات كثيرة جدًّا تشير إلى أنَّ القائم (عليه السلام) له غيبة طويلة، وفي روايات
أُخرى أنَّ له غيبتين، إحداهما طويلة يقال له فيها: مات أو هلك، وفي بعضها أنَّه
تُخفى ولادته على الناس، وفي بعضها: هو الذي يقول الناس عنه: لم يُولَد بعدُ.. وليس
بعد هذا التحديد والأوصاف من غموض في النَّسَب والولادة.
ولا بدَّ من إيضاح أنَّ الأحاديث التي تتحدَّث عن ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) كثيره بحيث يصعب إحصاؤها، ويتعسَّر أو يتعذَّر استيعابها، وهذه الأحاديث
مرويَّة ومذكورة في كُتُب الشيعة وأهل العامَّة.. وقد أفادت كثير من الروايات بلغت
حدَّ التواتر(٧٧) بأنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) هو ابن الإمام الحادي عشر الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام)، وهذه أمثلة واضحة على ذلك:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٦) الفجر المقدَّس (ص ٢٧ - ٣٨).
(٧٧) المتواتر كما عرَّفه الدكتور صبحي الصالح في كتابه علوم الحديث ومصطلحه (ص
١٤٦):
(المتواتر: هو الحديث الصحيح الذي يرويه جمع يحيل العقل والعادة تواطئهم على
الكذب...)، وأضاف: أنَّ التواتر ينقسم إلى لفظي ومعنوي:
اللفظي: هو أنْ يتَّفق المخبرون على ألفاظ الحديث في جميع الوسائط.
المعنوي: يرجع إلى اتِّفاقهم على المعنى مع الاختلاف في الألفاظ الحاكية للمعنى.
ولم يستبعد الرأي الذي يُرجِّح كثرة الأحاديث المتواترة لفظاً ومعنًى.
١ - أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) تزوره عمَّته السيِّدة حكيمة في يوم من
الأيَّام، وتبقى عنده إلى المساء، وحين تريد أنْ تنصرف يرجوها الإمام (عليه السلام)
أنْ تبيت في داره هذه الليلة، فإنَّه سيُولَد فيها المولود الكريم على الله (عزَّ
وجلَّ)، حجَّة الله في أرضه.. فتسأله العمَّة: ومَنْ أُمُّه؟.. فيقول الإمام (عليه
السلام): نرجس! فتنفي العمَّة أنْ يكون بنرجس أثر للحمل، فيُؤكِّد لها الإمام (عليه
السلام) ذلك قائلاً: هو ما أقول لكِ، فتفحصها العمَّة جيِّداً وتُقلِّبها ظهراً
لبطن فلا تجد أثر الحمل.. فتعود فتُخبِره تارةً أُخرى.. فيبتسَّم الإمام (عليه
السلام) ويُعطيها الحجَّة الواضحة والمبرِّر الإلهي الصحيح في ذلك، قائلاً: «إِذَا
كَانَ وَقْتُ اَلْفَجْرِ يَظْهَرُ لَكِ بِهَا اَلْحَبَلُ، لِأَنَّ مَثَلَهَا مَثَلُ
أُمِّ مُوسَى (عليه السلام) لَمْ يَظْهَرْ بِهَا اَلْحَبَلُ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا
أَحَدٌ إِلَى وَقْتِ وِلَادَتِهَا، لِأَنَّ فِرْعَوْنَ كَانَ يَشُقُّ بُطُونَ
اَلْحُبَالَى فِي طَلَبِ مُوسَى (عليه السلام)، وَهَذَا نَظِيرُ مُوسَى (عليه
السلام)»(٧٨).
٢ - ولعلَّ أوسع إعلان يقوم به الإمام العسكري (عليه السلام) بين أصحابه عن ولادة
ابنه وإمامته من بعده، ووجوب طاعته عليهم، هو أنَّه (عليه السلام) قبل وفاته
بأيَّام، وقد كان مجلسه غاصًّا بأربعين من أصحابه ومخلصيه، منهم محمّد بن عثمان
العمري، ومعاوية بن حكيم، ومحمّد بن أيُّوب بن نوح.. يعرض عليهم ابنه(عليه السلام)
ويقول: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ وَلَا
تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فَتَهْلِكُوا فِي أَدْيَانِكُمْ»، ويضيف قائلاً: «أَمَا
إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ هَذَا»(٧٩).
٣ - عَنْ عَلِيِّ بْنِ هَمَّامٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ
اَلْعَمْرِيَّ (قَدَّسَ اَللهُ رُوحَهُ) يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سُئِلَ
أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَأَنَا عِنْدَهُ عَنِ
اَلْخَبَرِ اَلَّذِي رُوِيَ عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) «أَنَّ اَلْأَرْضَ لَا
تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِله عَلَى خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، وَ«أَنَّ
مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٨) كمال الدِّين (ص ٤٢٦ - ٤٣٠/ باب ٤٢/ ح ٢).
(٧٩) كمال الدِّين (ص ٤٤، وص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢).
فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ هَذَا حَقٌّ كَمَا أَنَّ اَلنَّهَارَ حَقٌّ»،
فَقِيلَ لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله، فَمَنِ اَلْحُجَّةُ وَاَلْإِمَامُ
بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: «اِبْنِي مُحَمَّدٌ هُوَ اَلْإِمَامُ وَاَلْحُجَّةُ بَعْدِي،
مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْهُ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، أَمَا إِنَّ لَهُ
غَيْبَةً يَحَارُ فِيهَا اَلْجَاهِلُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا اَلمُبْطِلُونَ،
وَيَكْذِبُ فِيهَا اَلْوَقَّاتُونَ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى
اَلْأَعْلَامِ اَلْبِيضِ تَخْفِقُ فَوْقَ رَأْسِهِ بِنَجَفِ اَلْكُوفَةِ»(٨٠).
٤ - عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ
اَلْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْعَسْكَرِيَّ (عليهما السلام) يَقُولُ: «اَلْحَمْدُ
لِله اَلَّذِي لَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ اَلدُّنْيَا حَتَّى أَرَانِي اَلْخَلَفَ مِنْ
بَعْدِي، أَشْبَهَ اَلنَّاسِ بِرَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) خَلْقاً
وَخُلْقاً، يَحْفَظُهُ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي غَيْبَتِهِ، ثُمَّ
يُظْهِرُهُ فَيَمْلَأُ اَلْأَرْضَ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً
وَظُلْماً»(٨١).
ويُستفاد من مجموع هذه الأحاديث وعلى كثرتها وتواترها أنَّه كان للإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) ولد وهو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
وللاطِّلاع على كثير من الأدلَّة والأحاديث والروايات حول ولادة الإمام المنتظَر
(عجَّل الله فرجه) يمكن الرجوع إلى الكُتُب المعتبرة التالية:
١ - كمال الدِّين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: وذكر (١٦) حديثاً في ولادته، وذكر
(٢٦) حديثاً فيمن شاهد القائم (عجَّل الله فرجه).. من (ص ٤٢٤) إلى (ص ٤٧٩).
٢ - كتاب الغيبة لشيخ الطائفة الطوسي: وذكر فصلاً في ولادة صاحب الزمان من (ص ٢٢٩)
إلى (ص ٢٥٢)، وذكر فصلاً في بعض مَنْ رأى الحجَّة (عجَّل الله فرجه) من (ص ٢٥٣) إلى
(ص ٢٨٠).
٣ - إعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي: وذكر مولده واسم أُمِّه،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٠) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(٨١) كمال الدِّين (ص ٤٠٨ و٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٧).
وكذلك ذكر
مَنْ رأى القائم (عجَّل الله فرجه)، وعلَّق في نهاية الفصل الثالث: (ولو ذكرنا جميع
أسماء من رآه (عليه السلام) لطال الكتاب واتَّسع الخطاب، وسيأتي ذكر بعضهم فيما
يأتي من الكتاب، وفيما أوردناه هنا كفاية في الغرض الذي نحوناه).. راجع من (ص ٢١٨)
إلى (ص ٢٢١).
ويُستفاد من مجموع هذه الأحاديث وعلى كثرتها وصحَّتها أنَّ الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) قد وُلِدَ، وهنا يحصل العلم ويثبت التواتر من ناحية المعنى.
بالإضافة إلى بعض الأحاديث الصحيحة والمعتبرة والمتواترة بين الفريقين، ومن الجهل
أنْ يُشكِّك العاقل في سندها لكثرة تخاريج هذه الأحاديث ورواتها، وهي من المسلَّمات
بين الشيعة وأهل العامَّة، والتي تدلُّ على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
وإنْ لم ترد في خصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وبعنوانه:
الحديث الأوَّل: حديث الثقلين:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ اَلثَّقَلَيْنِ:
كِتَابُ اَلله، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ اَلْآخَرِ،
وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»(٨٢).. هذا الحديث متواتر
بين جميع فِرَق المسلمين ولا مجال للمناقشة في سنده، وقد قاله الرسول (صلَّى الله
عليه وآله) في أماكن متعدِّدة: في حجَّة الوداع، في حجرته المباركة، في مرضه،
وفي...، فإذا رأينا اختلافاً في بعض ألفاظ الحديث، فهو ناشئ من اختلاف مواطن تعدُّد
ذكر النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) لهذا الحديث.
وقد روى هذا الحديث أكثر من ثلاثين صحابيًّا، وبلغ عدد رواته عبر القرون المئات،
وقد ذكره علماء العامَّة وروه بطُرُق عديده، نذكر منهم:
الترمذي في سُنَنه (ج ٥/ ص ٣٢٧ و٣٢٨ و٣٢٩/ ح ٣٨٧٤ و٣٨٧٦)، ورواه مسلم في صحيحه
(فضائل الصحابة) بعدَّة أسانيد، وأحمد بن حنبل في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٢) كمال الدِّين (ص ٢٣٤ - ٢٤٠/ باب ٢٢/ ح ٤٤ - ٦٢) بعدَّة طُرُق.
مسنده (ج ١٧/ ص ١٦٩ و١٧٠ و٢١١
و٣٠٨ و٣٠٩/ ح ١١١٠٤ و١١١٣١ و١١٢١١، وج ١٨/ ص ١١٤/ ح ١١٥٦١، وج ٣٥/ ص ٤٥٦/ ح ٢١٥٧٨)، والبيهقي في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٤٨، وج ٧/ ص ٣٠ و٣١، وج ١٠/ ص ١١٤)، وابن الأثير في
أُسد الغابة (ج ٢/ ص ١٢)، والحاكم في (مستدرك الصحيحين) بعدَّة أسانيد، وذُكِرَ في
ذخائر العقبى (ص ١٦)، وفي الفصول المهمَّة (ج ١/ ص ٢٣٧)، وفي البداية والنهاية (ج
٥/ ص ٢٢٨)، وفي كنز العُمَّال (ج ١/ ص ١٧٢ و١٧٣ و١٨٥ - ١٨٩/ ح ٨٧٠ - ٨٧٣ و٩٤٣ - ٩٤٧
و٩٤٩ - ٩٥٣ و٩٥٧ و٩٥٨، وج ٥/ ص ٢٨٩ و٢٩٠/ ح ١٢٩١١، وج ١٣/ ص ١٠٤/ ح ٣٦٣٤٠، وج ١٤/ ص
٤٣٥/ ح ٣٩١٩٢)، وفي نظم دُرَر السمطين (ص ٢٣١ و٢٣٢)، وفي تذكرة خواصِّ الأُمَّة
لسبط ابن الجوزي (ص ٢٩٠)، وذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة (ص ٢٢٨)، وقال: (لهذا
الحديث طُرُق كثيرة عن بضع وعشرين صحابيًّا).
أمَّا طُرُقه لدى الشيعة الإماميَّة فقد بلغت أكثر من (٨٠) طريقاً، والقضيَّة تأخذ
موقع عقائدي لديهم وتتَّصل بأصل من أُصول الإيمان لديهم وهو (الإمامة).. وقد أخرج
الحديث الشيخ الصدوق في كمال الدِّين (ص ٢٣٤ - ٢٤٠/ باب ٢٢/ ح ٤٤ - ٦٢) بعدَّة
طُرُق، والشيخ الطبرسي في إعلام الورى (ج ١/ ص ٢٦٢).. فهذا الحديث صحيح ومتواتر
معاً عند الفريقين.
إذاً.. لاحظ في الحديث «وَلَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»،
يعني أنَّ الكتاب (القرآن الكريم) مع العترة (الأئمَّة الاثني عشر)، من البداية من
زمان الرسول (صلَّى الله عليه وآله) إلى أنْ يردا عليه الحوض.. وهذا يدلُّ على أنَّ
العترة الطاهرة مستمرَّة مع القرآن الكريم، وهذا الاستمرار لا يمكن توجيهه وإثباته
إلَّا بافتراض أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قد وُلِدَ وهو الآن غائب، إذ
لو لم يكن مولوداً
وسوف يُولَد في المستقبل لافترق الكتاب عن العترة الطاهرة، وهذا
تكذيب - أستغفر الله - للرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، فهو يقول: «وَلَنْ
يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ اَلْحَوْضَ»، هذه لازمه أنَّ العترة لها
استمرار وبقاء مع الكتاب إلى أنْ يردا على النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، وهذا لا
يمكن توجيهه إلَّا بالإيمان بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
يُستفاد من هذا الحديث إعطاء الشيعة الإماميَّة ميزة على سائر الفِرَق الإسلاميَّة،
وذلك لامتداد عصر النصِّ - الأحاديث والروايات الشريفة عن أئمَّة أهل البيت - حتَّى
الربع الأوَّل من القرن الرابع من الهجرة النبويَّة وبداية عصر الغيبة الكبرى، وهي
سنة موت النائب الرابع للقائم (عجَّل الله فرجه) (السفير عليٍّ السمري)، وكان ذلك
في سنة (٣٢٩هـ)، وهي نفس السنة التي تُوفِّي فيها ثقة الإسلام الكليني صاحب كتاب
(الكافي)، والفقيه العظيم عليٌّ بن بابويه والد الشيخ الصدوق (قدّس سرّهما).. فمصدر
التشريع والنصِّ: القرآن والعترة الطاهرة، وهذا الحديث شاهد على هذا الامتداد.
هذا حديث واضح الدلالة، يدلُّ على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)، لكن كما هو
معروف هذا الحديث لم يرد ابتداءً في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وإنَّما هو
منصبٌّ على قضيَّة ثانية: (وأنَّهما لن يفترقا)، لكن نستفيد منه ولادة الإمام
بالدلالة الالتزاميَّة.
الحديث الثاني: حديث الأئمَّة الاثني عشر:
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، يَقُولُ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى اَلنَّبِيِّ
(صلَّى الله عليه وآله) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَا
يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمْ اِثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً»، ثُمَّ تَكَلَّمَ
بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: «كُلُّهُمْ مِنْ
قُرَيْشٍ».
هذا الحديث صحيح ومتواتر ومسلَّم به بين الفريقين، وقد رواه البخاري في صحيحه (ج
١١/ ص ٧٠/ ح ٦٤٥٧/ كتاب الأحكام/ باب اثني عشر أميراً)، ورواه مسلم في صحيحه (ج ٦/
ص ٣ و٤/ كتاب الإمارة/ باب الناس
تبع لقريش) وأخرجه من تسعه طُرُق، ورواه أحمد بن
حنبل في مسنده (ج ٣٤/ ص ٣٩٨ فصاعداً/ حديث جابر بن سمرة السوائي).. ورواه كثيرون من
علماء أهل العامَّة بطُرُق مختلفة وبألفاظ أُخرى، وبمواطن متعدِّدة.. لا مجال
لحصرها وسردها.
أمَّا من طريق أهل البيت (عليهم السلام) فهو من المسلَّمات لارتباطه بعقيدة
(الإمامة).. فقد رواه الشيخ الصدوق في كمال الدِّين (ص ٢٧٢ - ٢٧٩/ باب ٢٤/ ح ١٩ -
٢٦)، والشيخ الطوسي في غيبته (ص ١٢٧ - ١٣٣/ ح ٩٠ - ٩٦)، فالنصوص الواردة في سادتنا
الأئمَّة الاثني عشر بلغت في الكثرة حدًّا لا يسعه مثل هذا الكتاب.. وقد ذكر طُرُق
مخارجه آية الله لطف الله الصافي الكلبايكاني في كتابه (منتخب الأثر) بهذا الخصوص
ما يقارب (٩٢٥) حديثاً في ثمانية أبواب (ج ١/ ص ١٠ - ١٤٠).
هذا الحديث متَّفق عليه ومن المسلَّمات أيضاً بين الفريقين، وليس له تطبيق معقول
ومقبول إلَّا الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام).. والحديث يحمل بنفسه شاهداً
مضافاً على صدق وصحَّة ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه لا بدَّ من
استمرار الأئمَّة واتِّصالهم، لأنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ
اَلثُّمَالِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ اَلْبَاقِرِ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ:
«وَاَلله مَا تَرَكَ اَللهُ أَرْضَهُ مُنْذُ قَبَضَ اَللهُ آدَمَ إِلَّا وَفِيهَا
إِمَامٌ يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اَلله، وَهُوَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا
تَبْقَى اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ حُجَّةً لِله عَلَى عِبَادِهِ»(٨٣)، وَعَنْ
أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام): أَتَبْقَى
اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ؟ فَقَالَ: «لَوْ بَقِيَتِ اَلْأَرْضُ بِغَيْرِ إِمَامٍ
لَسَاخَت»(٨٤).. وقد علَّق الشيخ الصدوق على ذلك حيث قال: (فلا يجوز أنْ يكون بين
الإمام والإمام الذي بعده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٣) الغيبة للنعماني (ص ١٣٩/ باب ٨/ ح ٧).
(٨٤) الغيبة للنعماني (ص ١٣٩/ باب ٨/ ح ٨).
فتره، فالفترات جائزة بين الرُّسُل (عليهم السلام) وفي
الإمامة غير جائزة، فلذلك وجب أنَّه لا بدَّ من إمام محجوج به)(٨٥).
علماً بأنَّه لا يوجد في التاريخ الإسلامي لدى أيِّ فئة أو فرقة من الأُمَّة واقعاً
خلفاء وأئمَّة في الهدى والعلم تنطبق عليهم هذه الصفات وبهذا العدد إلَّا الأئمَّة
الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) من الإمام عليٍّ (عليه السلام) وإلى الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه).
أمَّا محاولة تطبيق الحديث على الخلفاء الذين حكموا الأُمَّة وقادوها سياسيًّا
كالخلفاء الأربعة ثمّ الإمام الحسن (عليه السلام) ثمّ خلفاء بني أُميَّة وبني
العبَّاس، تظهر عجزاً واضحاً من حيث العدد، ومن حيث الصفة، ومن حيث الأثر بالنسبة
للدِّين والأُمَّة.. وما تشبيه هؤلاء الخلفاء الاثني عشر بنقباء بني إسرائيل..
﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ
عَشَرَ نَقِيباً﴾ (المائدة: ١٢) إلَّا لوجود الأثر الواقعي لهؤلاء الخلفاء في حياة
الدِّين والأُمَّة.. ففي رواية أوردها مسلم في (صحيحه)(٨٦) قال رسول الله (صلَّى
الله عليه وآله): «لَا يَزَالُ هَذَا اَلدِّينُ عَزِيزاً»، وفي رواية أُخرى: «لَا
يَزَالُ اَلْإِسْلَامُ عَزِيزاً»، وفي رواية ثالثة: «لَا يَزَالُ اَلدِّينُ
قَائِماً»، وفي رابعة وخامسة: «لَا يَزَالُ أَمْرُ اَلنَّاسِ مَاضِياً».. وبالربط
بين ما تشير إليه هذه الروايات وبين واقع الخلفاء السياسيِّين (أُمويِّين
وعبَّاسيِّين) على المستوى الشخصي أو الأمر المتَّصل بالسياسة العامَّة للدولة، من
حيث علاقتها بالقِيَم والأحكام الإسلاميَّة، يبدو لنا بوضوح أنْ لا مجال لانطباق
هذه الأوصاف عليهم.. ومن البيِّن أنَّ هذه الأوصاف تُثبِت أنَّ خلافة هؤلاء
الأئمَّة الاثني عشر، خلافة هدى وعلم قبل كلِّ شيء، وأنَّ عزَّة الدِّين ومضيَّ أمر
الأُمَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٥) كمال الدِّين (ص ٦٥٨).
(٨٦) صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٣ و٤).
- بهؤلاء الأئمَّة - يتَّصل من دون شكٍّ بجانب الهدى والعلم والقدوة
الممثِّلة لهما نظريًّا وعمليًّا بوصفهم امتداداً للرسول (صلَّى الله عليه وآله)،
كامتداد النقباء الاثني عشر عن موسى (عليه السلام).
إذاً.. هذا الحديث بالملازمة يدلُّ على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، إذ
لو لم يكن مولوداً الآن، والمفروض أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) توفَّى، ولم
يحتمل أحد أنَّه موجود، فكيف يُولَد الإمام المهدي من أب هو متوفِّي؟.. فلا بدَّ
وأنْ نفترض وجوده وأنَّ ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) قد تحقَّقت، وإلَّا
هذا الحديث يُعَدُّ تطبيقه غير وجيه.
غير خافٍ على أحدٍ أنَّ أهل العامَّة لم يتَّفقوا قطُّ على تسمية الاثني عشر حتَّى
إنَّ بعضهم اضطرَّ إلى إدخال يزيد بن معاوية ومروان بن عبد المَلِك ونحوهما وصولاً
إلى عمر بن عبد العزيز لأجل اكتمال نصاب الاثني عشر(٨٧).. وهو بلا أدنى شكٍّ تفسير
خاطئ غير منسجم مع نصِّ الحديث، إذ يلزم منه خلوُّ جميع العصور بعد عصر عمر بن عبد
العزيز من الخليفة، بينما المفروض أنَّ الدِّين لا يزال قائماً بوجودهم إلى قيام
الساعة.
إنَّ أحاديث الخلفاء اثنا عشر تبقى بلا تفسير لو تخلَّينا عن حملها على هذا المعنى،
لبداهة أنَّ الخلافة الظاهريَّة قد تولَّاها من قريش أضعاف العدد المنصوص عليه في
هذه الأحاديث فضلاً عن انقراضهم أجمع وعدم النصِّ على أحد منهم - أُمويِّين أو
عبَّاسيِّين أو عثمانيِّين - باتِّفاق المسلمين.. وبهذا فالحديث بالدلالة
الالتزاميَّة يدلُّ على ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهذا هو التطبيق
الوحيد والمعقول والوجيه لهذا الحديث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٧) المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ٩٠).
الحديث الثالث: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفُ إِمَامَ زَمَانِهِ»:
قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ
زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٨٨).
يُعتبَر هذا الحديث الشريف من المسلَّمات بين جميع الفِرَق الإسلاميَّة، وقد سُجِّل
هذا الحديث بألفاظ مختلفة وبعبارات عديدة، وكلُّها ترجع إلى معنى واحد ومقصد واحد..
نذكر منها(٨٩):
١ - مَنْ لم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة.
٢ - مَنْ مات بغير إمام مات ميتة جاهليَّة.
٣ - مَنْ مات ليلة وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهليَّة.
٤ - مَنْ مات ولا إمام له مات ميتة جاهليَّة.
٥ - مَنْ مات ولا بيعة عليه مات ميتة جاهليَّة.
٦ - مَنْ مات ولا طاعة عليه مات ميتة جاهليَّة.
٧ - مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه فليمت إنْ شاء يهوديًّا وإنْ شاء نصرانيًّا.
٨ - مَنْ مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليَّة.
٩ - مَنْ مات وليس عليه إمام جامع فقد مات ميتة جاهليَّة.
١٠ - مَنْ مات وليس عليه إمام فميتته جاهليَّة.
١١ - مَنْ مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهليَّة.
١٢ - مَنْ مات وليس عليه طاعة مات ميتة جاهليَّة.
١٣ - مَنْ مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٨) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(٨٩) أصالة المهدويَّة في الإسلام (ص ٢٩).
١٤ - مَنْ مات وليس لإمام جماعة عليه طاعة مات ميتة جاهليَّة.
١٥ - مَنْ مات وليس له إمام فميتته ميتة جاهليَّة.
قد ذُكِرَ هذا الحديث في أُمَّهات كُتُب الحديث لدى الفِرَق الإسلاميَّة، ويكفي على
ذلك اتِّفاق البخاري ومسلم - من علماء أهل العامَّة - على روايته(٩٠)، وقد ذكر
الشيخ مهدي فقيه إيماني في كتابه (أصالة المهدويَّة في الإسلام) أكثر من سبعين
مصدراً تطرَّقوا إلى سند الحديث ورواته من أهل العامَّة.. وقد روى هذا الحديث بلفظ
«مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفُ...» سبعة من صحابة الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه
وآله)، ويُعَدُّ هؤلاء الصحابة من الثقات لدى أهل العامَّة، وإنَّ أصحاب الصحاح
الستَّة قد رووا مراراً عن كلِّ واحد من هؤلاء السبعة، وأثبتوا علميًّا صدق مقالتهم
وصحَّة رواياتهم، وهم(٩١):
١ - معاذ بن جبل، المتوفَّى سنة (١٨هـ).
٢ - عامر بن ربيعة العنزي، المتوفَّى قبيل قتل عثمان.
٣ - عويمر بن مالك المعروف بأبي الدرداء، المتوفَّى سنة (٣٢هـ).
٤ - عبد الله بن عمر بن الخطَّاب، المتوفَّى سنة (٧٤هـ).
٥ - عبد الله بن عبَّاس، المتوفَّى سنة (٦٨هـ).
٦ - زيد بن أرقم، المتوفَّى سنة (٦٨هـ).
٧ - معاوية بن أبي سفيان، المتوفَّى سنة (٦٠هـ).
أمَّا شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فيكفي اتِّفاق الكليني والصدوق على روايته،
وقد أخرجه كثيرون بطُرُق عديدة، وقد ذكر العلَّامة المجلسي وحده - وهو من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٠) صحيح بخاري (ج ١١/ ص ٨ و٩ و٣٦/ ح ٦٣٠٥ و٦٣٠٦ و٦٣٨٥)، صحيح مسلم (ج ٦/ ص ٢١
و٢٢).
(٩١) أصالة المهدويَّة في الإسلام (ص ٤٩ و٥٠).
كبار
علماء الحديث لدى الشيعة - هذا الحديث نقلاً عن أربعين مصدراً شيعيًّا(٩٢).
إذاً.. الحديث ممَّا لا مجال لأحد أنْ يناقش في سنده، والحديث كما نرى في تخريجه لا
يبعد القول بتواتره، فالحديث لا يحتمل التأويل ولا صرف دلالته الواضحة، والحديث
مصداق لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ
كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ
فَتِيلاً﴾ (الإسراء: ٧١).. فإذا لم يكن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مولوداً
الآن.. (وهذا مخالف للقرآن الكريم والأحاديث النبويَّة)، فهذا معناه نحن لا نعرف
إمام زماننا، فميتتنا ميتة جاهليَّة.
فالحديث يدلُّ على أنَّ كلَّ زمان لا بدَّ فيه من إمام، وكلَّ شخص مكلَّف بمعرفة
ذلك الإمام، ومكلَّف بأنْ لا يموت ميتة جاهليَّة، فلو لم يكن الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) مولوداً.. إذاً فمَنْ هو إمام زماننا؟! أمَّا مَنْ يُفسِّر إمام الزمان
بالقرآن الكريم فهو بعيد عن الحقيقة ومغالط لنفسه، وإلَّا فمفهوم حديث الثقلين واضح
الدلالة، وهناك تمييز ظاهر بين القرآن الكريم وأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
على أيَّة حالٍ.. فالحديث يدلُّ على وجود إمام حقٍّ في كلِّ عصر وجيل، وهذا لا
يتمُّ إلَّا مع القول بوجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وممَّا يُؤيِّده..
حديث: «أنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ قَائِمٍ لِله بِحُجَّةٍ»(٩٣).
في ضوء هذه الأحاديث الثلاثة المتواترة (الثقلين، الأئمَّة الاثني عشر، إمام
الزمان) التي تحمل دليلاً إضافيًّا على صدق وصحَّة صدورها عن رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله)، عدا الحكم بصحَّة أسانيدها من قِبَل جميع علماء الحديث وأنَّه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٢) بحار الأنوار (ج ٢٣/ ص ٧٦ - ٩٥/ باب ٤).
(٩٣) كمال الدِّين (ص ٢٩٤/ باب ٢٦/ ح ٢).
شواهد النبوَّة لأنَّه كان مأثوراً في بعض الصحاح والمسانيد(٩٤) قبل أنْ يكتمل عدد الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) مباشرةً، ولكنَّها بالدلالة الالتزاميَّة تدلُّ على أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) قد وُلِدَ وتحقَّقت ولادته.. ولكن ماذا نقول للمنكرين والجاهلين والمغالطين؟ إلَّا كما قال الشاعر (أبو الطيِّب المتنبِّي):
ليس يصحُّ في الإفهام شيء * * * إذا احتاج النهارُ إلى دليل(٩٥)
ثانياً: طريق كثرة الأدلَّة والبراهين التاريـخيَّة:
فكثرة الأدلَّة والقرائن وضمُّ العوامل المساعدة تفيد حصول العلم واليقين(٩٦).
نفترض أنَّ الخبر ليس متواتراً، كما إذا أخبر به واحد أو اثنان أو ثلاثة من دون
تواتر، ولكن انضمَّت إلى ذلك قرائن وعوامل مساعدة عديدة من هنا وهناك، فيحصل العلم
واليقين بالخبر: (فلنفترض أنَّ هناك شخصاً مصاب بمرض عضال، وجاء شخص وأخبر بأنَّ
فلاناً قد شوفي من مرضه، يحصل احتمال أنَّه شوفي بدرجه ثلاثين بالمائة مثلاً، لكن
إذا انضمَّت إلى ذلك قرائن فسوف ترتفع القيمة الاحتمالية من ثلاثين إلى أربعين وإلى
خمسين وإلى أكثر، حتَّى نصل إلى اليقين من صدق الخبر.. افترض أنَّنا شاهدناه لا
يستعمل الدواء بعد ذلك وكان - سابقاً - حينما يحضر في مكان يستعمل الدواء، فهذا
يقوي احتمال الشفاء، وإذا كانت القيمة الاحتماليَّة للشفاء بدرجة ثلاثين بالمائة،
الآن ومع هذه القرينة ترتفع النسبة وتصير بدرجة أربعين مثلاً، وأيضاً شاهدناه يجلس
في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٤) محاضره للشيخ محمّد باقر الإيرواني تحت عنوان: الإمام المهدي وحسابات
الاحتمال.
(٩٥) ديوان المتنبِّي (ص ٣٤٣).
(٩٦) فكرة ضمِّ القرائن، نقلاً عن محاضره للشيخ محمّد باقر الإيرواني تحت عنوان:
الإمام المهدي وحسابات الاحتمال.
المجلس ضاحكاً مستبشراً، هذه الظاهرة (القرينة) أيضاً تُصعِّد من القيمة
الاحتماليَّة لهذا الخبر، وهكذا حينما تنضم قرائن من هذا القبيل، فسوف ترتفع القيمة
الاحتماليَّة للخبر (الشفاء من المرض) إلى أنْ تصل إلى درجة مائة بالمائة.
هذا الخبر (شفاء المريض) هو في الحقيقة ليس خبراً متواتراً، لكن لانضمام القرائن
حصل العلم، فهنا حصول العلم يتمُّ بتقوية القيمة الاحتماليَّة بسبب انضمام القرائن
والعوامل لمساعدة)(٩٧).
ضمُّ الأدلَّة والقرائن على كثرتها في موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تفيد
حصول العلم وتفيد التواتر وتفيد نشوء اليقين بولادة ووجود (الإمام م ح م د ابن
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام))، وهي كما يلي:
الدليل الأوَّل: قرينة إخبار الرسول (صلَّى الله عليه وآله)
والأئمَّة (عليهم السلام) بأنَّه سوف يُولَد للإمام العسكري (عليه السلام) ولد يملأ
الأرض قسطاً وعدلاً ويغيب، ويلزم على كلِّ مسلم أنْ يؤمن بذلك:
قد ذكرنا في كتابنا (الفجر المقدَّس)(٩٨) أربعة عشر حديثاً للمعصومين جميعهم،
والأحاديث بهذا الخصوص كثيرة ومرويَّة في كُتُب الاختصاص.. فقد ذكر الشيخ الصدوق في
(كمال الدِّين) مجموعة من هذه الروايات وجعلها في أبواب:
- باب ما روي عن النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) في الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، وذكر: خمسة وأربعين حديثاً.
- باب ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: تسعة عشر حديثاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٧) الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال (ص ١٦)، بتصرُّف.
(٩٨) الفجر المقدَّس (ص ٢٩ - ٣٨).
- باب ما روي عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: خمسة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام الحسن (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: حديثين اثنين.
- باب ما روي عن الإمام الحسين (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: خمسة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام السجَّاد (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، وذكر: تسعة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: سبعة عشر حديثاً.
- باب ما روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: سبعة وخمسين حديثاً.
- باب ما روي عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: ستَّة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام الرضا (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: سبعة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام الجواد (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: ثلاثة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام الهادي (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: تسعة أحاديث.
- باب ما روي عن الإمام العسكري (عليه السلام) في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وذكر: حديثاً واحداً.
وقد ذكر الشيخ الصدوق في (كمال الدِّين) ما يقارب خمساً وثمانين ومائة حديث (١٨٥
حديثاً) عن أئمَّة أهل البيت بخصوص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٩٩)، بالإضافة
إلى ما ذُكِرَ في معجم أحاديث المهدي (عجَّل الله فرجه) - خمسة مجلَّدات - ما
مجموعه (١٩٤١) حديثاً، ممَّا رواه الفريقان في المهدي (عجَّل الله فرجه)، ولا أُريد
أنْ أضمَّ ما ذكره الكليني في (الكافي)، والنعماني في (الغيبة)، والشيخ الطوسي في
(الغيبة) - وهي مصادر من الدرجة الأُولى -. وبعد هذه الكثرة من عدد الروايات، فهي
من حيث السند متواترة، لا معنى للمناقشة فيها، وهي واضحة لا تقبل تأويلاً لدلالتها
على شخص الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والإخبار بغيبته قبل وقوعها.. فضلاً عن
أنَّ الأحاديث المرويَّة في المهدي (عجَّل الله فرجه) قد أُخِذَت مباشرةً من
الكُتُب المؤلَّفة قبل ولادته (عجَّل الله فرجه) بعشرات السنين، وقد شهد الشيخ
الصدوق بذلك، وعليه فالضعف الموجود في سند بعضها على الاصطلاح، لا يقدح بصحَّتها،
لكون الأخبار فيها إعجازاً تتحقَّق بعد حين.
الدليل الثاني: قرينة شهادة واعتراف والدة الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) بولادة ابنه الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه):
فرغم الظروف القاسية التي مرَّت على الإمام العسكري (عليه السلام)، وعدم توفُّر
الإمكانيَّات الإعلاميَّة، وكثرة الموانع والعقبات الأمنيَّة والسياسيَّة، إلَّا
أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) اختار الحدَّ الوسط حيال الإعلان عن ولادة ابنه
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فلا إعلام عامٌّ: ممَّا يُشكِّل خطراً على حياة
الإمام القائم (عجَّل الله فرجه).. ولا كتمان وإخفاء مطلق: حفظاً للأُمَّة
الإسلاميَّة من الضياع والضلال.. لذا لم يتهاون في إعلام الشيعة بولادة القائم
المهدي (عجَّل الله فرجه) ولكن بحذر.. فالأحاديث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٩) كمال الدِّين (ص ٢٨٦ - ٤٠٩).
المرويَّة عن الإمام الحسن العسكري
(عليه السلام) في ذلك كثيرة مذكورة في معاجم الحديث، نذكر بعضها للفائدة:
- كتاب الإمام العسكري (عليه السلام) إلى أحمد بن إسحاق: «وُلِدَ لَنَا مَوْلُودٌ،
فَلْيَكُنْ عِنْدَكَ مَسْتُوراً، وَعَنْ جَمِيعِ اَلنَّاسِ مَكْتُوماً، فَإِنَّا
لَمْ نُظْهِرْ عَلَيْهِ إِلَّا اَلْأَقْرَبَ لِقَرَابَتِهِ، وَاَلْوَلِيَّ
لِوَلَايَتِهِ، أَحْبَبْنَا إِعْلَامَكَ لِيَسُرَّكَ اَللهُ بِهِ مِثْلَ مَا
سَرَّنَا بِهِ، وَاَلسَّلَامُ»(١٠٠).
- قوله (عليه السلام).. كما أخبر عثمان العمري: عَنْ أَبِي عَلِيٍّ بْنِ هَمَّامٍ،
قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيَّ (قَدَّسَ اَللهُ رُوحَهُ)
يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ
(عليهما السلام) وَأَنَا عِنْدَهُ عَنِ اَلْخَبَرِ اَلَّذِي رُوِيَ عَنْ
آبَائِهِ (عليهم السلام): «أَنَّ اَلْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ لِله عَلَى
خَلْقِهِ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، وَأَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ
زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، فَقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ هَذَا
حَقٌّ، كَمَا أَنَّ اَلنَّهَارَ حَقٌّ»، فَقِيلَ لَهُ: يَا اِبْنَ رَسُولِ اَلله،
فَمَنِ اَلْحُجَّةُ وَاَلْإِمَامُ بَعْدَكَ؟ فَقَالَ: «اِبْنِي م ح م د، هُوَ
اَلْإِمَامُ وَاَلْحُجَّةُ بَعْدِي...»(١٠١)، وانطلاقاً من هذه الحقيقة، فإنَّ
الإمام العسكري (عليه السلام) عقَّ عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بثلاثمائة
عقيقة(١٠٢).. ولم يكتفِ الإمام العسكري (عليه السلام) بذلك، بل أمر عثمان بن سعيد
بأنْ يشتري عشرة آلاف رطل من الخبز، وعشرة آلاف رطل من اللحم، ويُوزِّعها على بني
هاشم لنفس الغرض(١٠٣).. وقد أرسل الإمام العسكري (عليه السلام) شاةً مذبوحةً إلى
بعض أصحابه، وقال له: «هَذِهِ مِنْ عَقِيقَةِ اِبْنِي م ح م د»(١٠٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٠) كمال الدِّين (ص ٤٣٣ و٤٣٤/ باب ٤٢/ ح ١٦).
(١٠١) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
(١٠٢) الإمام المهدي (عليه السلام) من المهد إلى الظهور (ص ١٤٧ و١٤٨).
(١٠٣) كمال الدِّين (ص ٤٣٠ و٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٦).
(١٠٤) كمال الدِّين (ص ٤٣٢/ باب ٤٢/ ح ١٠).
- حَدَّثَنَا أَبُو اَلْفَضْلِ اَلْحَسَنُ بْنُ اَلْحُسَيْنِ اَلْعَلَوِيُّ، قَالَ:
دَخَلْتُ عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليهما السلام) بِسُرَّ
مَنْ رَأَى، فَهَنَّأْتُهُ بِوِلَادَةِ اِبْنِهِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)»(١٠٥).
إذاً.. الإمام المعصوم الحسن العسكري (عليه السلام) حاول بشتَّى الطُّرُق والوسائل
إعلام جمهور أصحابه بولادة ابنه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، سواءً كان ذلك
مشافهةً أو كتابةً أو بتصرُّفات معيَّنة كالعقيقة، مع مراعاة الظروف الأمنيَّة
والخطر الأكيد المحيط بالإمام (عجَّل الله فرجه).
هذا هو القرينة الثانية من عوامل نشوء اليقين بولادة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل
الله فرجه).
الدليل الثالث: قرينة رؤية بعض الشيعة للإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه):
وقد حدث ذلك مراراً وتكراراً سواءً في حياة أبيه (عليه السلام) أو في زمن الغيبة
الصغرى أو في زمن الغيبة الكبرى:
- في زمن حياة أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) (٢٥٥ - ٢٦٠هـ): من الواضح أنَّ
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كان يعيش في سامرَّاء، تحت رعاية والده الإمام
العسكري (عليه السلام) مشمولاً بعواطفه وعنايته طيلة حياة والده.. وخلال تلك الفترة
كان الإمام العسكري (عليه السلام) يُظهِر ابنه لبعض الثقات من الشيعة، ويُعرِّفه
لهم بأنَّه الإمام الثاني عشر، وأنَّه المهدي الموعود المنتظَر، وسنذكر بعض
الأحاديث المتعلِّقة بذلك:
١ - حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ حُكَيْمٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ
وَمُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيُّ (رضي الله عنه)، قَالُوا: عَرَضَ
عَلَيْنَا أَبُو م ح م د اَلْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليهما السلام) وَنَحْنُ فِي
مَنْزِلِهِ وَكُنَّا أَرْبَعِينَ رَجُلاً، فَقَالَ: «هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ
بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ، أَطِيعُوهُ وَلَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي
فِي أَدْيَانِكُمْ فَتَهْلِكُوا، أَمَا إِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ بَعْدَ يَوْمِكُمْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٥) كمال الدِّين (ص ٤٣٤/ باب ٤٣/ ح ١).
هَذَا»، قَالُوا: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَمَا مَضَتْ إِلَّا أَيَّامٌ
قَلَائِلُ حَتَّى مَضَى أَبُو م ح م د (عليه السلام)»(١٠٦).
٢ - عَنْ أَبِي غَانِمٍ اَلْخَادِمِ، قَالَ: وُلِدَ لِأَبِي مُحَمَّدٍ (عليه
السلام) وَلَدٌ، فَسَمَّاهُ مُحَمَّداً، فَعَرَضَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ يَوْمَ
اَلثَّالِثِ، وَقَالَ: «هَذَا صَاحِبُكُمْ مِنْ بَعْدِي، وَخَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ،
وَهُوَ اَلْقَائِمُ اَلَّذِي تَمْتَدُّ إِلَيْهِ اَلْأَعْنَاقُ بِالْاِنْتِظَارِ،
فَإِذَا اِمْتَلَأَتِ اَلْأَرْضُ جَوْراً وَظُلْماً خَرَجَ فَمَلَأَهَا قِسْطاً
وَعَدْلاً»(١٠٧).
٣ - ومن الذين تشرَّفوا بلقائه (عجَّل الله فرجه) في حياة والده: السيِّدة الجليلة
حكيمة بنت الإمام الجواد (عليه السلام) عمَّة الإمام العسكري (عليه السلام)، وقد
حضرت ولادة الإمام المنتظَر (عليه السلام)، ورأته بعد ذلك مرَّاتٍ عديدةٍ.
٤ - وقد رأته جماعة كثيرة، أو جمع كثير في زمن والده (عليه السلام)، كـ: الشيخ
الجليل أحمد بن إسحاق القمِّي الأشعري، وأبي الأديان خادم الإمام العسكري (عليه
السلام)، والسيِّدة (نسيم) جارية الإمام العسكري (عليه السلام)، والشيخ الجليل
يعقوب بن منقوش...، وغيرهم كثير.
- في أيَّام الغيبة الصغرى (٢٦٠ - ٣٢٩هـ):
الذين فازوا بلقائه بعد وفاة أبيه - الإمام العسكري (عليه السلام) - كثيرون، نذكر
بعضهم للمثال لا للحصر، وهم:
١ - السفراء الأربعة: عثمان بن سعيد العمري، محمّد بن عثمان العمري، أبو القاسم
حسين بن روح النوبختي، عليُّ بن محمّد السمري.
٢ - أبو الأديان، وحاجز بن يزيد الوشَّاء، وقد صار بعد ذلك من وكلاء الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٦) كمال الدِّين (ص ٤٣٥/ باب ٤٣/ ح ٢).
(١٠٧) كمال الدِّين (ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٨).
٣ - جعفر بن عليٍّ - عمُّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - لـمَّا أراد أنْ
يُصلِّي على جثمان الإمام العسكري (عليه السلام) خرج إليه الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) وجذب رداءه وقال: «تَأَخَّرْ يَا عَمِّ، فَأَنَا أَحَقُّ بِالصَّلَاةِ
عَلَى أَبِي»(١٠٨)، ومرَّةً أُخرى حينما نازع الإمام في الميراث، ومرَّةً ثالثة
حينما تُوفّيت والدة الإمام العسكري (عليه السلام) وكانت قد أوصت أنْ تُدفَن في
الدار التي دُفِنَ فيها الإمامان الهادي والعسكري (عليهما السلام)، فنازعهم جعفر
وقال: هِيَ دَارِي، لَا تُدْفَنُ فِيهَا، فَخَرَجَ (عليه السلام)، فَقَالَ: «يَا
جَعْفَرُ، أَدَارُكَ هِيَ؟»(١٠٩).
٤ - الجماهير التي حضرت للصلاة على جثمان الإمام العسكري (عليه السلام) كلُّها
شاهدت الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حين تقدَّم للصلاة على والده في الدار.
٥ - الوفد الثاني من القمِّيِّين الذين تشرَّفوا بلقاء الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) في مدينة سامرَّاء، وأقنعهم بإمامته بعد أنِ التقوا بعمِّه جعفر
الكذَّاب(١١٠).
- في أيَّام الغيبة الكبرى (٣٢٩هـ - حتَّى الآن):
إنَّ الذين تشرَّفوا وفازوا بلقاء صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) في أيَّام الغيبة
الكبرى كثيرون جدًّا، ولا يمكن إحصاؤهم، كما يصعب استيعاب أسماء مَنْ سجَّلتهم
كُتُب التاريخ والحديث في هذا المجال.. وقد ذكر العلَّامة الجليل المجلسي أسماء
جماعة من الذين تشرَّفوا بلقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) في أيَّام الغيبة الكبرى
في كتاب (بحار الأنوار)(١١١)، كما ذكر الشيخ النوري في كتاب (النجم الثاقب) مائة
قصَّة عن الذين ساعدهم الحظُّ ففازوا بلقائه (عجَّل الله فرجه)، ثمّ انتخب منها
ثمان وخمسين قصَّة وحكاية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠٨) كمال الدِّين (ص ٤٧٥/ باب ٤٣/ ح ٢٥).
(١٠٩) كمال الدِّين (ص ٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٥).
(١١٠) كمال الدِّين (ص ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٦).
(١١١) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١ - ٧٧/ باب ١٨).
وذكرها في كتاب (جنَّة المأوى)(١١٢).
وقد ألَّف علماؤنا القدامى والمعاصرون كُتُباً مستقلَّةً في هذا الموضوع، مثل: كتاب
(تبصرة الوليِّ فيمن رأى القائم المهدي) للسيِّد هاشم البحراني، و(تذكرة الطالب
فيمن رأى الإمام الغائب)، و(دار السلام فيمن فاز بسلام الإمام) للشيخ محمود الميثمي
العراقي، و(بدائع الكلام فيمن اجتمع بالإمام) للسيِّد جمال الدِّين محمّد بن الحسين
اليزدي الطباطبائي، و(البهجة فيمن فاز بلقاء الحجَّة) للميرزا محمّد تقي الألماسي
الأصفهاني، و(العبقري الحسان في تواريخ صاحب الزمان) للشيخ عليّ أكبر النهاوندي،
و(لقاءات مع صاحب الزمان) و(الكمالات الروحيَّة عن طريق اللقاء بالإمام صاحب
الزمان) للسيِّد حسن الأبطحي، و(رعاية الإمام المهدي للمراجع والعلماء الأعلام)
للشيخ عليّ كريمي الجهرمي، و(لقاءات النساء مع صاحب الزمان) للسيِّد أحمد بحر
العلوم.
أمَّا قَصَص وحكايات الذين تشرَّفوا بلقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) في زماننا هذا
ممَّن لم يذكر قَصَصهم المحدِّثون، ولم يُسجِّل أسماءهم المؤلِّفون، فكثيرة جدًّا..
فرؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في عصر الغيبة الكبرى هي في الحقيقة قَصَص وحكايات
كثيرة جدًّا تُشكِّل مقدار التواتر.
الدليل الرابع: قرينة قضيَّة السفراء الأربعة وتواقيع الناحية
المقدَّسة:
فخروج التوقيعات المقدَّسة بواسطة السفراء الأربعة، قضيَّة واضحة في تاريخ الشيعة،
ولم يُشكِّك فيها أحد من زمان الكليني الذي عاصر سفراء الغيبة الصغرى ووالد الشيخ
الصدوق عليِّ بن الحسين وإلى يومنا، ولم يشكّ أحد من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٢) لقد طُبِعَ كتاب (جنَّة المأوى) مع الجزء (٥٣) من بحار الأنوار. وطُبِعَ مستقلًّا من قِبَل مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عام (١٤٢٧هـ)، وأُعيد طبعه عام (١٤٤٢هـ).
الشيعة في جلالة هؤلاء السفراء
ولم يحتمل كذبهم.. وكانت مهمَّة السفراء رفع حوائج الناس والسعي في حلِّ مشاكلهم
وكانت الأسئلة تُسجَّل في ورقة فيأتي جوابها بتوقيعه (عجَّل الله فرجه) حتَّى
اصطُلِحَ عليها فيما بعد بالتواقيع الصادرة عن الناحية المقدَّسة.
وقد كانت التواقيع وأجوبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تصدر على يد كلِّ واحدٍ
من السفراء (٢٦٠ - ٣٢٩هـ) من الأوَّل وحتَّى الرابع بالخطِّ نفسه المعروف للإمام
(عجَّل الله فرجه) من دون تغيير وبالدرجة نفسها من حيث الأُسلوب والمضمون طوال (٧٠
سنة).. قال محمّد بن عثمان: (خَرَجَ تَوْقِيعٌ بِخَطٍّ أَعْرِفُهُ...)(١١٣).. وقال
إسحاق بن يعقوب: (سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ اَلْعَمْرِيَّ (رضي الله عنه)
أَنْ يُوصِلَ لِي كِتَاباً قَدْ سَأَلْتُ فِيهِ عَنْ مَسَائِلَ أَشْكَلَتْ عَلَيَّ،
فَوَرَدَتْ فِي اَلتَّوْقِيعِ بِخَطِّ مَوْلَانَا...)(١١٤).. وجاء عن الشيخ الصدوق
بأنَّه يحتفظ بتوقيع صدر لأبيه من صاحب الزمان(١١٥).
فهذه شهادة لطائفة من الثقات حول صدور التواقيع بخطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه)،
بالإضافة إلى الإجماع التامِّ لدى الشيعة على أنَّ التواقيع كانت تصدر عن الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) طيلة الغيبة الصغرى.
إنَّ هذه السفارة والسفراء الذين لا يُحتمَل في حقِّهم الكذب، وخروج هذه التوقيعات
الكثيرة بواسطتهم.. هي نفسها قرينة قويَّة على صحَّة فكرة ولادة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه)، وأنَّه غائب (صلوات الله وسلامه عليه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٣) كمال الدِّين (ص ٤٨٣/ باب ٤٥/ ح ٣).
(١١٤) كمال الدِّين (ص ٤٨٣/ باب ٤٥/ ح ٤).
(١١٥) الأنوار النعمانيَّة (ج ٢/ ص ١٨).
الدليل الخامس: قرينة تصرُّف السلطة العبَّاسيَّة تجاه ولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه):
من الطبيعي أنَّ السلطة العبَّاسيَّة كانت تعتبر وجود الأئمَّة (عليهم السلام)
خطراً عليها، وما كانت تغفل عن وجود هذا الخطر، وعن الخطِّ الشيعي الذي لا يعترف
بخلافة الجالسين على منصَّة الحكم من العبَّاسيِّين.
فهم يُدرِكون أنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي بشَّر به النبيُّ محمّد (صلَّى
الله عليه وآله)، سيكون التاسع من ذرّيَّة الحسين (عليه السلام)، وكان الحاكمون
يتحسَّسون ذلك ويتصوَّرون أنَّ دولتهم ستزول على يديه، ولهذا كانوا متأهِّبين لدفع
الأخطار مهما كان الثمن.. ومن أجل هذا كانت منازل بني هاشم تخضع لمراقبة شديدة
خاصَّةً منزل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فقد كان هناك جواسيس في العلانية
والسرِّ يراقبون ما يجري في بيت الإمام.
فالتاريخ ينقل أنَّ المعتمد الخليفة العبَّاسي عيَّن عدداً من النسوة اللَّاتي
يعملن قابلات، فكنَّ يتردَّدن بين الحين والآخر على منازل وبيوت بني هاشم للتفتيش..
وعندما أُخبر المعتمد بمرض الإمام العسكري (عليه السلام)، أرسل جواسيسه لتكثيف
المراقبة ليلاً ونهاراً.. وفتَّش منزل الإمام (عليه السلام) أكثر من مرَّة، والأنكى
(الأدهى) من هذا كلِّه، أَمَرَ بعض النسوة القابلات بإجراء فحوصات، والتأكيد من
حالات الحمل حتَّى لدى الجواري، وقد أبدت إحدى القابلات شكوكاً حول إحدى الجواري
فتمَّ اعتقالها واحتجازها في القصر، وعيَّن الخليفة (نحرير الخادم) مراقباً عليها،
ولم يُطلِق سراحها إلَّا بعد أنْ تأكَّد لهم عدم حملها.
ولـمَّا توفي الإمام العسكري (عليه السلام) أصدر الخليفة العبَّاسي أمراً يقضي
بتفتيش جميع بيوت سامرَّاء والتحقيق من الصبيِّ الموعود.
ورغم كلِّ الظروف العصيبة والخانقة قدَّر الله سبحانه وتعالى ولادته (عجَّل الله
فرجه)، ولا غالب لأمره.. وهناك مؤشِّرات لليد الغيبيَّة التي أمدَّته بأسباب
البقاء:
١ - لم تظهر على والدته آثار الحمل حتَّى ليلة المخاض.
٢ - لم يذكر الإمام العسكري (عليه السلام) اسم والدته لأحد مبالغة في الاحتياط.
٣ - لم يشهد الولادة أحد سوى عمَّة الإمام العسكري (عليه السلام) السيِّدة حكيمة.
وهكذا تمَّ أمر الله، ففي قلب الظلام من ليلة النصف من شعبان من عام (٢٥٥هـ) وُلِدَ
الأمل الموعود في جوٍّ يسوده الحذر والكتمان.. على العموم فإنَّ تصرُّف السلطة
العبَّاسيَّة قرينة واضحة على أنَّ مسألة الولادة ثابتة، وإلَّا فهذا التصرُّف لا
داعي له.
الدليل السادس: قرينة وضوح فكرة ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) بين الشيعة:
تبنِّي الشيعة واتِّفاقهم من زمان الكليني ووالد الشيخ الصدوق وإلى يومنا هذا، على
الإيمان بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته، وفي كلِّ طبقات الشيعة
وشرائحهم.. فالذي يقرأ التاريخ ويقرأ الروايات يفهم أنَّ الشيعة من الزمان الأوَّل
وحتَّى قبل مولده الشريف (٢٥٥هـ) كانوا يتداولون فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) وأنَّه يغيب، وكانت واضحة فيما بينهم، ولذلك نرى أنَّ الناووسيَّة ادَّعت
أنَّ الإمام الغائب هو الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن بعد وفاته اتَّضح بطلان
هذه العقيدة، والكيسانيَّة ادَّعت أنَّ محمّد بن الحنفيَّة حيٌّ وأنَّه القائم،
والواقفيَّة ادَّعت أنَّ المهدي الذي يبقى هو الإمام موسى الكاظم (عليه
السلام)(١١٦)... إلخ.. من الأفكار والعقائد المنحرفة قبل ولادة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).. وأُلفت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٦) الغيبة للطوسي (ص ٢٣).
النظر إلى أنَّ هذا لا ينبغي أنْ يكون سبباً لتضعيف
فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل العكس: هذا عامل تقوية لأنَّه يدلُّ على
أنَّ هذه الفكرة كانت واضحة بين الأوساط، ولذلك ينسبون إلى بعض الأئمَّة نسبةً غير
صحيحة وأنَّ هذا هو المهدي أو ذاك.
بعد وفاة الإمام العسكري (٢٦٠هـ) ووضوح فكرة الغيبة الصغرى وترسيخ السفارة بين
الأذهان والأجيال.. لذا ادَّعى بعضهم السفارة والوكالة كذباً وزوراً.. وقد ذكر
الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة)(١١٧) عدداً منهم: محمّد بن نصير النميري، أبو محمّد
الحسن الشريعي، أحمد بن هلال العبرتائي، محمّد بن عليِّ بن بلال، الحسين بن منصور
الحلَّاج، محمّد بن عليٍّ الشلمغاني، أبو دُلَف الكاتب، محمّد بن أحمد البغدادي،
ممَّا خرجت عليهم اللعنة وتبرَّأ منهم الشيعة.
وهذا الادِّعاء أيضاً لا يكون سبباً لتضعيف فكرة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
وولادته وغيبته، بل هذا في الحقيقة عامل للتقوية، إذ يدلُّ على أنَّ هذه الفكرة
كانت واضحة وثابتة، لذلك ادَّعى هؤلاء الوكالة كذباً وزوراً، وخرجت البراءة واللعنة
في حقِّهم.
إذاً.. هذه قرينة أُخرى تضاف للقرائن السابقة لحصول اليقين بفكرة ولادة ووجود
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
الدليل السابع: قرينة اعترافات علماء الأنساب بولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)(١١٨):
لا شكَّ في أنَّ الرجوع إلى أصحاب كلِّ فنٍّ أمر ضروري، ولاسيَّما فيما نحن بصدده
من الحديث عن علماء الأنساب، وإليك منهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٧) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٨ - ٤١٤/ ذكر المؤمومين الذين ادَّعوا البابيَّة).
(١١٨) لمزيد من التوسُّع راجع: المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ١٢٠ - ١٢٢).
١ - النسَّابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري، من أعلام
القرن الرابع الهجري، وهو من أشهر علماء الأنساب المعاصرين لغيبة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) الصغرى.. وذكر الإمام المهدي ونَسَبه في كتابه سرِّ السلسلة
العلويَّة (ص ٤٠).
٢ - السيِّد العمري النسَّابة المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري قال: (ومات أبو
م ح م د (عليه السلام) وولده من نرجس (عليها السلام)، معلوم عند خاصَّة أصحابه
وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها في ذلك) في كتابه المجدي في
أنساب الطالبيِّين (ص ١٣٠).
٣ - الفخر الرازي الشافعي (ت ٦٠٦هـ) ذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونَسَبه
في كتابه الشجرة المباركة في أنساب الطالبيَّة (ص ٧٨ و٧٩) تحت عنوان: أولاد الإمام
العسكري (عليه السلام).
٤ - المروزي الأزورقاني (ت بعد سنة ٦١٤هـ) فقد وصف في كتاب (الفخري) جعفر بن الإمام
الهادي (عليه السلام) في محاولته إنكار ولد أخيه بالكذَّاب، وفيه أعظم دليل على
اعتقاده بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
٥ - السيِّد النسَّابة جمال الدِّين أحمد بن عليٍّ الحسيني المعروف بابن عِنَبة (ت
٨٢٨هـ) ذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأُمَّه السيِّدة نرجس في كتابه عمدة
الطالب في أنساب آل أبي طالب (ص ١٩٩).. وذكره كذلك في كتابه الفصول الفخريَّة (ص
١٣٤ و١٣) في ترجمة الإمام العسكري (عليه السلام).
٦ - النسَّابة الزيدي السيِّد أبو الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني من أعيان
القرن الحادي عشر، ذكر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وكتب بإزائه: (منتظَر
الإماميَّة) في كتابه روضة الألباب لمعرفة الأنساب (ص ١٠٥).
٧ - النسَّابة محمّد أمين السويدي (ت ١٢٤٦هـ) قال في سبائك الذهب
في معرفة قبائل
العرب (ص ٣٤٦): (م ح م د المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع
القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة).
٨ - النسَّابة المعاصر محمّد ويس الحيدري السوري في كتابه الدُّرَر البهيَّة في
الأنساب الحيدريَّة والأُويسيَّة (ص ٧٣) ذكر الإمام المهدي وتاريخ ولادته تحت عنوان
(الإمامان م ح م د المهدي والحسن العسكري)، وقال ما نصُّه: (وُلِدَ في النصف من
شعبان سنة ٢٥٥هـ، وأُمُّه نرجس).
٩ - نسَّابة المدينة المنوَّرة المعاصر العلَّامة الشريف أنس الكُتبي الحسني، قال
في كتابه الأُصول في ذرّيَّة البضعة البتول (ص ٩٨ و٩٩): (م ح م د المهدي، وهو م ح م
د المهدي بن الحسن العسكري... فقد وُلِدَ المهدي بسُرَّ من رأى في ليلة النصف من
شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة النبويَّة المباركة، وهو وحيد أبيه، لم
يُعقِّب الحسن غيره، وقد أعقبه في آخر حياته، وأُمُّه أُمُّ ولد يقال لها: نرجس).
وبعد.. فهذه بعض من أقوال علماء الأنساب في ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وفيهم من أهل العامَّة والزيدي إلى جانب الشيعي، وفي المَثَل: أهل مكَّة أعرف
بشعابها.. وهذه الإشارات والأمثلة تُشكِّل قرينة على صحَّة هذه القضيَّة.
الدليل الثامن: قرينة اعتراف علماء أهل العامَّة بولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه):
هناك اعترافات واضحة سجَّلها الكثير من علماء أهل العامَّة بأقلامهم بولادة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه).. وسوف نقتصر على ذكر بعضهم(١١٩):
١ - ابن الأثير الجزري عزُّ الدِّين (ت ٦٣٠هـ)، وذكر ذلك في كتابه الكامل في
التاريخ (ج ٧/ ص ٢٧٤/ في حوادث سنة ٢٦٠هـ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١٩) المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي (ص ١٢٤ - ١٢٨).
٢ - ابن خلِّكان (ت ٦٨١هـ)، وذكر ذلك في كتابه وفيات الأعيان (ج ٤/ ص ١٧٦/ الرقم
٥٦٢).
٣ - الذهبي (ت ٧٤٨هـ)، اعترف بولادة المهدي (عجَّل الله فرجه) في ثلاثة من كُتُبه
العبر في خبر مَنْ غبر (ج ٢/ ص ٢٦)، وتاريخ الإسلام (ج ٢٠/ ص ١٦٠/ الرقم ١٣٤)، وسير
أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١١٩/ الرقم ٦٠).
٤ - ابن الوردي (ت ٧٤٩هـ)، قال في ذيل تتمَّة المختصر المعروف بتاريخ ابن الوردي:
(ولد م ح م د بن الحسن الخالص سنة ٢٥٥هـ)(١٢٠).
٥ - أحمد بن حجر الهيثمي الشافعي (ت ٩٧٤هـ)، وذكر ولادة الإمام المهدي في كتابه
الصواعق المحرقة (ص ٢٠٨).
٦ - الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ) صرَّح في كتابه الإتحاف بحُبِّ الأشراف (ص ٣٦٩)
بولادة الإمام المهدي م ح م د بن الحسن العسكري (عليهما السلام) في ليلة النصف من
شعبان سنة (٢٥٥هـ).
٧ - مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨هـ) اعترف في كتابه نور الأبصار (ص ٣٤٢) باسم
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ونَسَبه الشريف الطاهر وكنيته وألقابه في كلام
طويل.
٨ - خير الدِّين الزركلي (ت ١٣٩٦هـ)، اعترف بولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) في
كتابه الأعلام (ج ٦/ ص ٨٠) عند تطرُّقه إلى ترجمة الإمام المهدي المنتظَر.
ونكتفي بهذا القدر، على أنَّ ما تركناه من أسماء العلماء الذين قالوا بولادة الإمام
م ح م د بن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أو الذين صرَّحوا بكونه هو المهدي
الموعود المنتظَر في آخر الزمان هم أضعاف ما ذكرناه، وقد ذكر الشيخ مهدي فقيه
إيماني في كتابه (أصالة المهدويَّة في الإسلام) أكثر من (١١٢ شخصاً)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٠) تاريخ ابن الوردي (ج ١/ ص ٢٢٣).
تحت عنوان:
(المعترفون من علماء السُّنَّة بأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من ذرّيَّة
فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومن نسل الإمام الحسين بن عليٍّ (عليه السلام)، وأنَّ
ولادته كانت في النصف من شعبان سنة ٢٥٥ هجريَّة)(١٢١).. وكذلك ذكر في نفس الكتاب
تحت عنوان آخر: (شهادة أكثر من مائة وعشرين من علماء السُّنَّة، بصراحة أو بصورة
ضمنيَّة أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ابن للإمام الحسن العسكري (عليه
السلام)، وما يترتَّب على هذه الشهادة)(١٢٢).
هذه الأخبار والاعترافات والشهادات دليل واضح تضاف إلى بقيَّة القرائن، وتفيد نشوء
اليقين بولادة ووجود الإمام المهدي المنتظَر (روحي فداه).
الدليل التاسع: دليل عقلي فلسفي: قرينة نزول عيسى بن مريم (عليه
السلام) من السماء واقتدائه بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الصلاة:
يُعتبَر نزول النبيِّ عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء عند قيام الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) من الحقائق الثابتة عند جميع المسلمين(١٢٣) - على اختلاف
مذاهبهم -، ومن الأُمور التي لا تقبل الشكَّ والجدل.. مصداقاً لقوله تعالى:
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ
وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ
اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا
اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ
وَكَانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ مِنْ أَهْلِ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢١) أصالة المهدويَّة في الإسلام (ص ٨١ - ١٠٠).
(١٢٢) أصالة المهدويَّة في الإسلام (ص ١٠١).
(١٢٣) أحصى الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني في كتابه القيِّم منتخب الأثر ما
مقداره (٢٩) حديثاً في هذا الموضوع (صلاة المسيح خلف المهدي).. وكذلك الشيخ يوسف بن
يحيى الشافعي من علماء أهل العامَّة، القرن السابع الهجري، في كتابه عقد الدُّرَر
في أخبار المنتظَر، أفرد للموضوع فصلاً كاملاً (الفصل العاشر) تحت عنوان: (في أنَّ
عيسى بن مريم (عليه السلام) يُصلِّي خلفه ويبايعه وينزل في نصرته).
الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ
شَهِيداً﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٩)، ومصداقاً لأحاديث نبويَّة عديدة، قال رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله): «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ اِبْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ
وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ»، وقد ذُكِرَ هذا الحديث في صحيح البخاري (ج ٥/ ص ٤٠١/ باب
نزول عيسى بن مريم (عليه السلام)/ ح ٣٠٨٧)، وكذلك في صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٤/ كتاب
الإيمان/ باب نزول عيسى (عليه السلام))، وكذلك في مسند أحمد بن حنبل (ج ١٤/ ص ١٥٢/
ح ٨٤٣١).. وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ عِيسَى يَنْزِلُ قَبْلَ يَوْمِ
اَلْقِيَامَةِ إِلَى اَلدُّنْيَا، فَلَا يَبْقَى أَهْلُ مِلَّةِ يَهُودِيٍّ وَلَا
نَصْرَانِيٍّ إِلَّا آمَنَ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، وَيُصَلِّي خَلْفَ
اَلمَهْدِيِّ»(١٢٤).
يُعتبَر هذا النزول من أعجب الأعاجيب وأهمّ الحوادث، وأعظم الآيات وأكبر الدلالات..
أليس من العجيب أنَّ إنساناً كان يعيش على الأرض ثمّ عُرِجَ به إلى السماء، وعاش
هناك أكثر من ألفي سنة ثمّ يهبط إلى الأرض؟! مع ملاحظة أنَّ هذا الإنسان يمتاز عن
غيره بأنَّه:
أوَّلاً: نبيٌّ من أنبياء الله العظام، ورسول من أُولي العزم، قال تعالى: ﴿مَا
الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾
(المائدة: ٧٥).
ثانياً: أنَّه صاحب شريعة وكتاب سماوي، قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ
آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (مريم: ٣٠).
ثالثاً: أنَّه خُلِقَ من غير أب، قال تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي
وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا
قَضَى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (آل عمران: ٤٧).
رابعاً: أنَّه مؤيَّد إلهيًّا بالمعجزات (إحياء الموتى، شفاء الأبرص والأعمى)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٤) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ١٥٨).
قال
تعالى: ﴿وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ
رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ
فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ
وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ (آل عمران: ٤٩).
خامساً: أنَّ أُمَّته - اليوم - مسيطرة على العالم، وذات قوَّة وشأن، وأتباعه أكثر
عدداً.
سادساً: أنَّ ملايين من صوره وتماثيله منصوبة على الكنائس ومعلَّقة على صدور
أتباعه.
وعلى كلِّ حالٍ.. فالنبيُّ عيسى (عليه السلام) أقدس موجود عند المسيحيِّين، ومن
الطبيعي أنَّ بقيَّة المِلَل والأديان لا تتجاهل هذه الشخصيَّة.. وكذلك المسلمون،
يضعون السيِّد المسيح (عليه السلام) في المكان اللَّائق به، اتِّباعاً للقرآن
الكريم الذي ذكر المسيح بالنزاهة والتبجيل.
عندما يأتي وقت الصلاة بعد لقاء الإمام والنبيِّ.. يدعو الإمام المهدي(عجَّل الله
فرجه) السيِّد المسيح (عليه السلام) احتراماً له، أنْ يكون هو الإمام في صلاة
الجماعة، فيأبى ذلك السيِّد المسيح قائلاً: «لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ
أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اَلله هَذِهِ اَلْأُمَّةَ»(١٢٥)، ويعني بذلك أنَّ الأُمَّة
الإسلاميَّة لا بدَّ أنْ يحكمها شخص منها - باعتباره نبيًّا لدين سابق -، إذاً..
فلا ينبغي له أنْ يحكم المسلمين أو أنْ يؤمَّهم في الصلاة، وبعد هذا الاعتذار
يتقدَّم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إماماً للصلاة ويُصلِّي المسيح (عليه
السلام) خلفه مأموماً.. وتكون الوظيفة الرئيسيَّة الأُولى للمسيح هي تأييد المؤمنين
ويحثُّهم ويُوجِّههم ويُذكِّرهم بدرجاتهم في الجنَّة، والقضاء على الكافرين
والمنحرفين، فيقاتلهم على الإسلام، ويدقُّ الصليب (بمعنى أنْ يقضي على المسيحيَّة
المعروفة المتَّخذة للصليب)، ويقتل الخنزير ويُحرِّم أكله، ويضع الجزية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٥) صحيح مسلم (ج ١/ ص ٩٥).
على مَنْ
بقى على دين اليهوديَّة والنصرانيَّة كما فعل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)،
وكذلك تكون عند السيِّد المسيح (عليه السلام) مهمَّة المساعدة في قتل الدجَّال
والقضاء عليه، ومنازلة الكافرين كيأجوج ومأجوج.
ولعلَّ حكمة الله - في نزول عيسى (عليه السلام) - عند الظهور تقتضي دعماً وتعزيزاً
وتقويةً لجانب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والاعتراف والتصديق بأنَّه حقٌّ لا
ريب فيه، وخاصَّةً بعد الاقتداء بالإمام (عجَّل الله فرجه) في الصلاة.. وعندما يقوم
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بكشف مواريث الأنبياء (عليهم السلام) (تابوت آدم،
عصا موسى، الكُتُب السماويَّة الأصليَّة كالتوراة والزبور والإنجيل...) فإنَّ وجود
المسيح إلى جانب المهدي (عجَّل الله فرجه) يُثبِت لكلِّ المسيحيِّين وشريحة كبيرة
من البشر بالحجَّة الواضحة بأنَّ الإمام المهدي هو الوريث الشرعي لرسالات الأنبياء
ولا بدَّ من الانضواء تحت قيادته الشرعيَّة.. وسوف يمكث السيِّد المسيح (عليه
السلام) في الأرض أربعين سنة، ثمّ يتُوفَّى فيُصلِّي عليه المسلمون(١٢٦).
والسؤال الذي يطرح نفسه: كيف يمكن استيعاب مثل هذه الشخصيَّة بعد نزولها؟.. باعتبار
أنَّ ظهور عيسى (عليه السلام) بحاجة إلى استيعاب علمي وعملي وقيادي من قِبَل المهدي
الموعود باعتباره يقوم شاهداً له وللرسالة (الإسلام) التي يرفع شعارها (الشهادتين)
وكتابها (القرآن الكريم) ومؤيِّداً له.
يحتار الآخرون بالجواب عندما تسألهم: هل بإمكان شخص عادي يُولَد في المستقبل، غير
مؤيَّد بالمعجزات والعصمة والعلم التامِّ - أي بلا تأييد إلهي - أنْ يستوعب شخصيَّة
عظيمة كالسيِّد المسيح (عليه السلام)؟
فالمهدي على تصوُّر أهل العامَّة وبعض المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٦) سُنَن أبي داود (ج ٢/ ص ٣١٩/ ح ٤٣٢٤).
لا تعترف
بولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لن يكون قادراً على استيعاب شخصيَّة
المسيح (عليه السلام)، بل هو غير قادر على استيعاب طوائف المسلمين.
لن يكون قادراً على استيعاب السيِّد المسيح لأنَّ النبيَّ عيسى (عليه السلام) رسول
معصوم ومؤيَّد إلهيًّا بالمعجزات، ومثله لا يمكن أنْ يستوعبه إنسان عادي - سيُولَد
في المستقبل - غير مؤيَّد بالمعجزات والعصمة والعلم التامِّ.. ولن يكون قادراً على
استيعاب الأُمَّة الإسلاميَّة بلا تأييد إلهي بالمعجزة والعصمة والعلم التامِّ،
لوجود مشكلات جوهريَّة تعترضه، منها(١٢٧):
مشكلات جوهريَّة تعترض المهدويَّة على النظريَّة السُّنّيَّة:
١ - مشكلة إثبات كونه المهدي الموعود، فهو من دون التأييد الإلهي الخاصِّ لن يكون
قادراً على كسب القناعة التامَّة من الآخرين.. فكيف يُصدِّقه الناس من غير التأييد
الإلهي، خاصَّةً إذا عرفنا كثرة مدَّعي المهدويَّة في العصر الحديث، وكيف يختلف
عنهم وبالتالي يستطيع كسب قناعة الآخرين؟
٢ - مشكلة إقناع علماء زمانه بالخضوع لآرائه في الجرح والتعديل وتخريج الحديث
والاستنباط منه، فهو على أكثر تقدير مجتهد كباقي المجتهدين، يجوز للعوامِّ أنْ
يُقلِّدوه ويرجعوا إليه ويخضعوا لأفكاره، أمَّا المجتهدون الآخرون فلا يوجد لهم
أيُّ مبرِّر للخضوع لفهمه.
٣ - مشكلة الأنظمة السياسيَّة التي لا تسمح له أنْ يُشكِّل تجمُّعه الحركي، إذ
الأنبياء مع التأييد الإلهي لم يسلموا من الاستضعاف فكيف بالمهدي غير المؤيَّد؟!
٤ - مشكلة الشيعة الذين لن يؤمنوا بمثل مهدي غير معصوم وغير منصوص عليه ولم يكن
ابناً للإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٧) شُبُهات وردود للسيِّد سامي البدري (ص ٤٨٥ - ٤٨٨).
وقد يقول قائل بأنَّنا نفترض أنَّ المهدي بالتصوُّر عند أهل العامَّة أو بعض
المذاهب الإسلاميَّة مؤيَّد بالمعجزة والعلم التامِّ والعصمة.. فيرد على ذلك: أنَّ
هذا الافتراض سيجعل من المهدي بتلك الأُطروحة (نبيًّا)، لأنَّنا افترضنا أنَّ علمه
علم تامٌّ لم يستمد من معلِّم بشري، وليس من شكٍّ أنَّ هذا الفرض سوف يكون خلاف
القرآن الكريم الذي نصَّ على أنَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) خاتم النبيِّين.
وهذا بخلاف المهدي على التصوُّر الشيعي، فهو ليس نبيًّا، بل هو عالم مطهَّر معصوم
وارث لتراث جدِّه عن طريق آبائه ملهم بذلك العلم الموروث معرَّف بالنصِّ عليه من
قِبَل أبيه المعرَّف من قِبَل آبائه المعصومين حتَّى ينتهي الأمر إلى النبيِّ
(صلَّى الله عليه وآله) الذي عرَّف بهم جميعاً.. وقد وُجِدَت مثل هذه الحالة (عالم
مطهَّر وارث للعلم ملهم به وليس بنبيٍّ) في الأُمَم السابقة، وقصَّ القرآن علينا
خبرها:
أُناس مطهَّرون ملهَمون وليسوا أنبياء:
* طالوت وارث لتراث آل هارون: قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ
قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ
قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ
وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
(البقرة: ٢٤٧)، قصَّة طالوت مشهورة، وقتاله مع جالوت، الذي تسلَّط على بني إسرائيل،
وآية مُلك طالوت أنْ يأتي الله تابوت أُمِّ موسى (عليها السلام) بعد أنْ رفعه الله
منهم، فعندما سألوا النبيَّ وبعث الله إليهم طالوت مَلِكاً، ردَّ الله عليهم
التابوت (التابوت يُعتبَر من مواريث الأنبياء).
* آصف بن برخيا وصيُّ النبيِّ سليمان: قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ
هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل:
٤٠)، قصَّة آصف مشهورة، الذي أحضر عرش بلقيس من اليمن إلى فلسطين.
إذاً.. لا بدَّ من مهدي مؤيَّد بالعلم والعصمة والمعجزة وليس بنبيٍّ، وليس هو إلَّا
المهدي على الطرح الشيعي الذي يستوعب ما عجز عنه المهدي بالأُطروحات الأُخرى..
فالمهدي على التصوُّر الشيعي يستوعب ظاهرة المسيح، لأنَّ هذا المهدي كان قد بشَّر
به عيسى (عليه السلام) كما بشَّر بجدِّه المصطفى (صلَّى الله عليه وآله)، وهو معصوم
وارث لتراث النبوَّة الخاتمة، ووارث أيضاً لتراث النبوَّات السابقة، مضافاً إلى ذلك
هو ملهم بهذا العلم كما أُلهم آباؤه من قبل، مضافاً إلى ذلك هو مؤيَّد بالخوارق
التكوينيَّة، كما كان وصيُّ سليمان آصف مؤيَّداً بها، ولم يكن نبيًّا بل كان وصيًّا
وارثاً للعلم، وكذلك الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وإذا كان المهدي على التصوُّر الشيعي قادراً على استيعاب ظاهرة عيسى (عليه السلام)
وهو نبيٌّ ورسول وصار من وزرائه وأنصاره ومؤيِّديه، فهو على استيعاب طوائف أُمَّة
جدِّه أقدر.
وأخيراً لا بدَّ أنْ نعرف أنَّ التصوُّر القرآني الذي يفيد بظهور عيسى (عليه
السلام) في آخر الزمان مؤيِّداً للمهدي، يقتضي أنْ تكون إمامة المهدي مستوعبة لعيسى
النبيِّ الرسول المعصوم المؤيَّد إلهيًّا، ولن تستوعبه هذه الإمامة إذا لم تكن
معصومة.. إلَّا إذا افترضنا أنْ يكون صاحبها نبيًّا أو قبلنا بالتصوُّر الشيعي
للمهدي وأنَّ الله تعالى أطال عمره لاستيعاب ظاهرة عيسى وتحقيق أُمور أُخرى من قبيل
امتحان المؤمنين وتمحيصهم وغير ذلك.
وليس من شكٍّ أنَّ فرضيَّة نبوَّة المهدي الموعود باطلة بالضرورة، فلم يبقَ لنا
إلَّا المهدي على التصوُّر الشيعي، الذي يحفظ لنا أُطروحة النبوَّة الخاتمة
ويفترض
قدراً أدنى من خرق القانون، وهو أنْ يطيل الله تعالى عمر إنسان كما أطال عمر نوح
وعيسى (عليهما السلام) وأصحاب الكهف والخضر وغيرهم.
الخلاصة:
هذه أدلَّة وعوامل مساعدة (قرائن) تسعة تُؤكِّد نشوء اليقين بولادة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه)، ومع كثرة هذه البراهين والقرائن، إلَّا أنَّ المجال لا يتَّسع
لإحصائها كلِّها من قبيل: قرينة شهادة الخدم والجواري والإماء برؤية الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).. وقرينة آثاره وأقواله وكلماته وتعليماته ووصاياه وأدعيته
وصلواته ورسائله وتوجيهاته.. وغير ذلك من القرائن، ومع هذا وذاك نحن أمام أمرين:
أوَّلاً: أنْ نُسلِّم بالتواتر على تقدير التسليم بكثرة الأخبار والأحاديث
والروايات وتواترها ووضوح دلالتها على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه).. ومعه فلا
يمكن لأحد أنْ يجتهد في مقابلها، لأنَّه اجتهاد في مقابل النصِّ.
ثانياً: كثرة ضمِّ الأدلَّة والقرائن والعوامل المساعدة، فإنَّ ولادة أيِّ إنسان في
هذه الحياة تثبت بإقرار أبيه، وشهادة القابلة، وإنْ لم يرَه أحد قطُّ غيرهما، فكيف
لو شهد المئات برؤيته، واعترف المؤرِّخون بولادته وصرَّح علماء الأنساب بنَسَبه،
وظهر على يديه ما عرفه المقرَّبون إليه، وصدرت منه وصايا وتعليمات، ونصائح
وإرشادات، ورسائل وتوجيهات، وأدعية وصلوات، وأقوال مشهورة وكلمات مأثورة، وكان
وكلاؤه معروفين، وسفراؤه معلومين، وأنصاره في كلِّ عصر وجيل بالملايين؟
لعمري.. هل بعد كلِّ هذه الأدلَّة والبراهين، يخالجنا أدنى شكٍّ بولادته ووجوده
(عجَّل الله فرجه)؟! ولكنَّنا لا نرجو هداية مَنْ عرف الحقَّ وتمسَّك بالباطل،
لأنَّ مَنْ لا يقدر على الانتفاع بضياء الشمس، فهو على الانتفاع بنور القمر أعجز،
ولكنَّنا
نطمح إلى إيصال الحقِّ إلى جاهله، وتقوية إيمان مَنْ عنده ضعف في قلبه،
بمنطق العقل ومنطق العلم على حدٍّ سواء.
بواعث التشكيك الحقيقيَّة:
من هنا نسأل عن بواعث الشكِّ وعن السبب الحقيقي للتشكيك سواءً في موضوع الولادة
والوجود أو أصل الفكرة، ولماذا هذا التشكيك في قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)؟
للشكِّ في القضيَّة المهدويَّة دوافع وعوامل وأسباب، وقد أشار إليها الباحثون،
وعالجها علماء الإماميَّة.. ولكن بكلِّ صراحة ووضوح يكمن السبب الحقيقي للتشكيك
وللمشكِّكين: في كراهيتهم المطلقة لولاية آل محمّد ولقيادة أهل بيت النبوَّة! وولاء
المشكِّكين المطلق للواقع التاريخي والخلافة التاريخيَّة، التي فرضت أصلاً بسطوة
القوَّة وبثقافة الغلبة.. ثمّ تحوَّلت هذه الثقافة التاريخيَّة إلى قناعة دينيَّة
قائمة أصلاً على استبعاد أهل بيت النبوَّة استبعاداً كاملاً عن مركز قيادة
الأُمَّة، وتسليم هذه القيادة للبطل الغالب الذي يجبر الأُمَّة على الاستسلام له،
والانقياد لطاعته.. وعلى التقليل من أهمّيَّة أهل بيت النبوَّة، واعتبارهم في أحسن
الظروف مجرَّد أفراد من مجتمع أكثر أفراده صحابة أخيار عدول.
ثمّ إنَّ الأُمَّة قد ترسَّخ لديها طوال تاريخها استبعاد أهل البيت (عليهم السلام)
عن القيادة السياسيَّة.. فعندما يأتي في المستقبل عميد أهل بيت النبوَّة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتنقاد له الأُمَّة، وينقاد له العالم كلُّه، فإنَّه -
حسب اعتقاد المتشكِّكين - سينشر قضيَّة أهل البيت (عليهم السلام) على مستوى العالم،
ويفضح فصول الظلم التي لحقت بالمؤمنين عبر التاريخ.. ومن خلال عدله سيطَّلع العالم
على منهاج أهل بيت النبوَّة بالحكم، وسيبهر العالم بما يفعله ويقوله، وفي ذلك إدانة
للخلافة والثقافة التاريخيَّة، وتُطال إدانة المتشكِّكين أنفسهم، وبالتالي سيُقلَب
التاريخ كلُّه رأساً على عقب.. ومن جهة أُخرى فإنَّ المتشكِّكين والأكثريَّة
الساحقة من العامَّة مسكونة نفسيًّا بهذا الشعور، ويتصرَّفون على هداها، وما
الأسباب الظاهريَّة التي يعلنونها - (ما فائدة إمام غائب، طول العمر خارق للعادة،
عدم ذكر لفظة المهدي في القرآن، عدم إخراج بخاري ومسلم أحاديث صريحة في المهدي،
تشكيك ابن خلدون في أحاديث المهدي، فكرة المهدي يعود أصلها إلى الديانات السابقة...
وهكذا) - إلَّا غطاءً مكشوفاً للدافع والسبب الحقيقي (كراهية قيادة أهل بيت
النبوَّة).. ولذا تراهم يحاولون بشتَّى الطُّرُق صرف شرف المهدويَّة عن أهل البيت
(عليهم السلام)، ولهذا وضعوا خطَّة لخلط الحقِّ بالباطل ولتمييع الأحاديث الصحيحة
والمتواترة المتعلِّقة بالمهدي المنتظَر بأحاديث مزوَّرة في محاولة يائسة لصرف هذا
الشرف الشامخ عن أهل البيت (عليهم السلام)، ولذا ابتدعوا أحاديث تقول:
١ - أنْ «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»(١٢٨).
٢ - إنَّ المهدي رجل من الأُمَّة، فبدلاً «مِنْ عِتْرَتِي» جعلوها (من أُمَّتي).
٣ - الادِّعاء بأنَّ المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) من ولد الإمام الحسن (عليه
السلام) وليس من ولد الإمام الحسين (عليه السلام) كما يجمع أهل البيت (عليهم
السلام).
٤ - المهدي ليس من أهل بيت النبوَّة ولا من ذرّيَّة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه
وآله)، إنَّما هو من ولد العبَّاس.
٥ - غيَّروا «اِسْمُهُ اِسْمِي» إلى (يُواطئ اسمه اسمي) أي قريب من اسمي، لإثارة
نوع من الظنِّ وعدم التأكيد واليقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٨) سُنَن ابن ماجة (ج ٢/ ص ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩).
٦ - أضافوا إلى النصِّ النبوي: (واسم أبيه اسم أبي)، لتحريف هويَّة المهدي الحقيقي.
لقد تولَّى أعداء أهل البيت الذين اشرأبُّوا الثقافة المعادية لأهل بيت النبوَّة،
تحريف البشارة النبويَّة ووضع عدَّة أحاديث الهدف منها: استعداء العبَّاسيِّين على
أهل البيت (عليهم السلام) (المهدي العبَّاسي)، وجعل مهدي الأُمَّة مجهولاً (من
أُمَّتي) بدلاً «مِنْ عِتْرَتِي»، أو نفي فكرة المهدي عن الجميع وقصرها على عيسى بن
مريم.. كلُّ ذلك من أجل صرف شرف المهدويَّة عن أهل البيت (عليهم السلام)، وإنْ كانت
هذه الأحاديث (لا مهدي إلَّا عيسى، المهدي مجرَّد رجل من الأُمَّة، المهدي من ولد
العبَّاس) تتعارض مع الأحاديث الصحيحة والمتواترة، وتتعارض مع إجماع الأُمَّة ومع
إجماع أهل البيت (عليهم السلام)، وإنْ كانت ساقطة بكلِّ موازين علم الحديث ورجاله.
ولذا نجد أنَّ المشكِّكين أو الشاكَّ في قضيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) إمَّا
مصاب في نفسه أو عقله أو جاهل أو متجاهل أو متعصِّب أو هو رهين الثقافة التاريخيَّة
والتقليد الأعمى لا يتحرَّر منه ولو انطلق في الآفاق العلميَّة.
وأفضل ما وجدت من الأقوال الكريمة خاتمةً لهذا الفصل هو كلامه (عجَّل الله
فرجه)(١٢٩):
«بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ
عَافَانَا اَللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ اَلضَّلَالَةِ وَاَلْفِتَنِ، وَوَهَبَ لَنَا
وَلَكُمْ رُوحَ اَلْيَقِينِ، وَأَجَارَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ سُوءِ اَلمُنْقَلَبِ.
إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَيَّ اِرْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي اَلدِّينِ، وَمَا
دَخَلَهُمْ مِنَ اَلشَّكِّ وَاَلْحَيْرَةِ فِي وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، فَغَمَّنَا
ذَلِكَ لَكُمْ لَا لَنَا، وَسَاءَنَا فِيكُمْ لَا فِينَا، لِأَنَّ اَللهَ مَعَنَا،
وَلَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٥ - ٢٨٧/ ح ٢٤٥).
فَاقَةَ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ، وَاَلْحَقُّ مَعَنَا، فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ
قَعَدَ عَنَّا، وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَاَلْخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا.
يَا هَؤُلَاءِ، مَا لَكُمْ فِي اَلرَّيْبِ تَتَرَدَّدُونَ، وَفِي اَلْحَيْرَةِ
تَنْعَكِسُونَ؟ (يقصد بذلك التشكيك بولادته (عجَّل الله فرجه)) أَوَمَا سَمِعْتُمُ
اَللهَ (عزَّ وجلَّ) يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ
وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]؟ أَوَمَا
عَلِمْتُمْ مَا جَاءَتْ بِهِ اَلْآثَارُ مِمَّا يَكُونُ وَيَحْدُثُ فِي
أَئِمَّتِكُمْ عَنِ اَلمَاضِينَ وَاَلْبَاقِينَ مِنْهُمْ (عليهم السلام)؟ أَوَمَا
رَأَيْتُمْ كَيْفَ جَعَلَ اَللهُ لَكُمْ مَعَاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْهَا،
وَأَعْلَاماً تَهْتَدُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ (عليه السلام) إِلَى أَنْ ظَهَرَ
اَلمَاضِي (عليه السلام) (الإمام العسكري (عليه السلام))، كُلَّمَا غَابَ عَلَمٌ
بَدَا عَلَمٌ، وَإِذَا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ؟ فَلَمَّا قَبَضَهُ اَللهُ
إِلَيْهِ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ دِينَهُ (أنَّ سلسلة أوصياء
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد انقطعت)، وَقَطَعَ اَلسَّبَبَ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ خَلْقِهِ، كَلَّا مَا كَانَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ
اَلسَّاعَةُ، وَيَظْهَرَ أَمْرُ اَلله سُبْحَانَهُ وَهُمْ كَارِهُونَ.
وَإِنَّ اَلمَاضِيَ (عليه السلام) مَضَى سَعِيداً فَقِيداً عَلَى مِنْهَاجِ
آبَائِهِ (عليهم السلام) حَذْوَ اَلنَّعْلِ بِالنَّعْلِ، وَفِينَا وَصِيَّتُهُ
وَعِلْمُهُ، وَمَنْ هُوَ خَلَفُهُ، وَمَنْ هُوَ يَسُدُّ مَسَدَّهُ، لَا
يُنَازِعُنَا مَوْضِعَهُ إِلَّا ظَالِمٌ آثِمٌ، وَلَا يَدَّعِيهِ دُونَنَا إِلَّا
جَاحِدٌ كَافِرٌ، وَلَوْلَا أَنَّ أَمْرَ اَلله تَعَالَى لَا يُغْلَبُ، وَسِرَّهُ
لاَ يُظْهَرُ وَلَا يُعْلَنُ، لَظَهَرَ لَكُمْ مِنْ حَقِّنَا مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ
عُقُولُكُمْ، وَيُزِيلُ شُكُوكَكُمْ، لَكِنَّهُ مَا شَاءَ اَللهُ كَانَ، وَلِكُلِّ
أَجَلٍ كِتَابٌ. فَاتَّقُوا اَللهَ وَسَلِّمُوا لَنَا، وَرُدُّوا اَلْأَمْرَ
إِلَيْنَا، فَعَلَيْنَا اَلْإِصْدَارُ كَمَا كَانَ مِنَّا اَلْإِيرَادُ، وَلَا
تُحَاوِلُوا كَشْفَ مَا غُطِّيَ عَنْكُمْ، وَلَا تَمِيلُوا عَنِ اَلْيَمِينِ
وَتَعْدِلُوا إِلَى اَلشِّمَالِ، وَاِجْعَلُوا قَصْدَكُمْ إِلَيْنَا بِالمَوَدَّةِ
عَلَى اَلسُّنَّةِ اَلْوَاضِحَةِ.
فَقَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ، وَاَللهُ شَاهِدٌ عَلَيَّ وَعَلَيْكُمْ، وَلَوْلَا مَا
عِنْدَنَا مِنْ مَحَبَّةِ صَلَاحِكُمْ وَرَحْمَتِكُمْ وَاَلْإِشْفَاقِ عَلَيْكُمْ،
لَكُنَّا عَنْ مُخَاطَبَتِكُمْ فِي شُغُلٍ فِيمَا قَدِ
اُمْتُحِنَّا بِهِ مِنْ
مُنَازَعَةِ اَلظَّالِمِ اَلْعُتُلِّ اَلضَّالِّ اَلمُتَتَابِعِ فِي غَيِّهِ،
اَلمُضَادِّ لِرَبِّهِ، اَلدَّاعِي مَا لَيْسَ لَهُ (يقصد عمَّه جعفر بن الإمام
عليٍّ الهادي (عليه السلام))، اَلْجَاحِدِ حَقَّ مَنِ اِفْتَرَضَ اَللهُ طَاعَتَهُ،
اَلظَّالِمِ اَلْغَاصِبِ. وَفِي اِبْنَةِ رَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) لِي
أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، وَسَيُرْدِي اَلْجَاهِلَ رَدَاءَةُ عَمَلِهِ، وَسَيَعْلَمُ
اَلْكَافِرُ لِمَنْ عُقْبَى اَلدَّارِ.
عَصَمَنَا اَللهُ وَإِيَّاكُمْ مِنَ اَلمَهَالِكِ وَاَلْأَسْوَاءِ وَاَلْآفَاتِ
وَاَلْعَاهَاتِ كُلِّهَا بِرَحْمَتِهِ، فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ، وَاَلْقَادِرُ
عَلَى مَا يَشَاءُ، وَكَانَ لَنَا وَلَكُمْ وَلِيًّا وَحَافِظاً، وَاَلسَّلَامُ
عَلَى جَمِيعِ اَلْأَوْصِيَاءِ وَاَلْأَوْلِيَاءِ وَاَلمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةُ
اَلله وَبَرَكَاتُهُ، وَصَلَّى اَللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ
تَسْلِيماً».
* * *
الفصل الأوَّل: ادَّعاء السفارة والمهدويَّة والنبوَّة حديثاً ادِّعاءات كاذبة
القسم الأوَّل: ادِّعاء السفارة كذباً.
القسم الثاني: ادِّعاء المهدويَّة كذباً.
القسم الثالث: ادِّعاء النبوَّة كذباً.
القسم الرابع: الحقيقة الناصعة.
ادِّعاءات كاذبة:
في الآونة الأخيرة ظهرت حالات (ظاهرة) من بعض أفراد العامَّة من الشيعة، مَنْ
يدَّعي الصلة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والتبليغ عنه، وكذلك في أوساط
العامَّة من أهل السُّنَّة، ومن عدَّة دول إسلاميَّة مَنْ يدَّعي بأنَّه المهدي
نفسه، بل تجاوز البعض كافَّة الحدود والخطوط الحمراء وادَّعى النبوَّة.
هذه الظاهرة ليست جديدة على التاريخ الإنساني، بل هي متكرِّرة على مرِّ العصور
وبالخصوص التاريخ الإسلامي.. فتصرُّفات وسلوكيَّات المدَّعين الجُدُد حاليًّا،
مشهورة ومتعارف عليها وقريبة من تصرُّفات المدَّعين القدماء، ولكن دلالاتها في
الوقت الحالي أشدّ خطورةً وأكثر قسوةً في عصر أذاب الحدود والمسافات بتطوُّره
وتقدُّمه، وفتح الأبواب مشرعة واسعة أمام العقل.
تكمن البواعث والأسباب لهذه الظاهرة (ادِّعاء السفارة والمهدويَّة والنبوَّة) في
السنوات الأخيرة إلى الظروف السياسيَّة والدِّينيَّة والاجتماعيَّة، فقد أفرزت
مناخاً كوَّن أحوالاً نفسيَّة وفكريَّة وثقافيَّة وإعلاميَّة داعمة لهذه المزاعم،
إضافةً إلى الفراغ الدِّيني والخواء العقلي والثقافي وتناقض الأوضاع التربويَّة
والدِّينيَّة التي تُؤدِّي إلى شيوع مثل هذه الادِّعاءات والخزعبلات.
هذه الظاهرة النشاز التي تركت تأثيراً نفسيًّا وفكراً ضارًّا على المجتمع، هي تكرار
حالات الادِّعاء على مرِّ التاريخ الإسلامي، فرغبةً من بعض الأفراد في المجتمع
الإسلامي - ومنذ تاريخ بعيد - في تقمُّص شخصيَّة المهدي (عجَّل الله فرجه) الكريمة
والتشبُّه بالأدوار الجهاديَّة والبطوليَّة التي يُؤدِّيها بعد ظهوره المبارك،
فظلَّت هذه الحالة تظهر وتخبو مع مرور السنين حتَّى برزت كمشكلة تواجه الفكر
الإسلامي إلى يومنا هذا.
إنَّنا نسمع بين وقت وآخر عن أشخاص يزعمون في مجتمعاتهم أنَّهم المهدي المنتظَر، أو
أنَّه قد قام بتكليفهم كسفراء له، أو أنه تجلَّى لهم في عوالم خياليَّة، في عالم
الرؤيا أو في الأحلام... إلخ، أو يزعمون أنَّهم أنبياء مرسَلون من قِبَل الله
سبحانه وتعالى لهداية البشريَّة وإنقاذها من الظلم، ثمّ ما تلبث دعواتهم أنْ تموت
في عقرها وتخبو مكانها.. فبين فترة وأُخرى يظهر في أوساط المجتمع الإسلامي (مهدي
كاذب) أو (مدَّعي نبوَّة) يثير ضجَّة ثمّ تنتهي بفشل ذريع، والواقع أنَّ دوافع هذه
الظاهرة وعواملها يعود بعضها إلى الواقع النفسي السيِّئ (كثرة الإحباطات بشتَّى
أنواعها) للمجتمع، والآخر يعود لشخصيَّة المدَّعي (السيكولوجيَّة) النفسيَّة.. ولكن
تكمن الخطورة في انتشار هذه الظاهرة (الادِّعاء المزيَّف) وتكرارها مرَّات عديدة،
وفشل (المهدي المزيَّف) في تحقيق أهدافه، إلى اقتران هذا الفشل المتكرِّر بكره نفسي
وعقلي للفكرة (المهديَّة الإسلاميَّة الأصيلة التي ستخرج آخر الزمان وتنشر العدل
والقسط).. وليس بمستبعد أبداً أنْ يكون الخائفون من انتشار (عقيدة الفكرة الأصيلة)
هم الذين يدفعون بعض الناس إلى تقمُّص شخصيَّة المهدي الحقيقي واستغلالها، وذلك
لتكوين مواقف عقليَّة واتِّجاهات نفسيَّة مضادَّة لها وتنفير الناس منها.
في بحثنا هذا سوف نتعرَّف على هذه الظاهرة بشيء من التفصيل، ومن ثَمَّ نناقش هذه
الدعاوي (السفارة، المهدويَّة، النبوَّة) كلٌّ على حِدَة لتتَّضح الصورة ونعرف حجم
المشكلة والخطورة.
* * *
القسم الأوَّل: ادِّعاء السفارة كذباً
في السنوات الأخيرة ظهرت في أوساط العامَّة من الشيعة، أفراد يدَّعون الصلة بالإمام
المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، ويتجاوزن ذلك إلى التبليغ عنه، وتلك هي دعوى
البابيَّة نفسها.. فالمقصود من ادِّعاء البابيَّة: أنْ يدَّعي المرء بأنَّه باب إلى
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سواءً كان ذلك على نحو السفارة أو النيابة أو
الوكالة وما شابه، وسواءً كان على نحو ما كان للسفراء الأربعة في الغيبة الصغرى، أو
ما يكون على نحو آخر قريب من المعنى كإمكانيَّة مشاهدته في كلِّ وقت، وإيصال
الرسائل منه وإليه بطريق مباشر أو غيره (أي سفير للإمام وواسطة بينه وبين الناس).
سنتعرَّف على الدعوى التي ظهرت أخيراً في البحرين والعراق بشيء من التفصيل، ولكن
قبل ذلك نُعطي أمثلة من التاريخ ونُوضِّح حقائق الأُمور:
إنَّ مَنْ يدَّعون الصلة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُصرِّحون بأنَّهم الباب
إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)، بمعنى أنَّ مَنْ يريد أمراً ما من الإمام (عجَّل
الله فرجه)، فلا بدَّ أنْ يعود إليهم، وهم بدورهم يُؤدُّون ذلك إلى المهدي (عجَّل
الله فرجه) حتَّى يُبيِّن الحقَّ.
توالى المدَّعون للنيابة الخاصَّة (السفارة) في زمن الغيبة الكبرى بأساليب وأشكال
مختلفة وتسميات متعدِّدة، يموهون بها مختلف أصناف الناس، فتارةً تحت غطاء التشرُّف
والفوز بلقاء الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، وأُخرى التظاهر بالتقى والورع والوصول إلى
مقام الأبدال والأوتاد، وثالثة الرؤيا في المنام والتبليغ عنه، ورابعة
السحر
والشعوذة وإظهاره كمعجزة وكرامة، وخامسة المكاتبة و...، بل وإلى ادِّعاء بعض منهم
أنَّه الإمام عينه.
إنَّ ادعاء السفارة من أكبر الفتن في عصر الغيبة الكبرى، حيث قد يصعب تكذيب هؤلاء
أمام البسطاء والسُّذَّج من الناس الضعفاء، لأنَّ المدَّعين للسفارة يستعملون بعض
المصطلحات الخدَّاعة كادِّعاء التشرُّف بلقاء الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، وادِّعاء
الفوز بعنايته الخاصَّة بهم، ونحو ذلك من الكلمات التي تخدع البسطاء.. وغالباً ما
يظهر مدَّعي السفارة بمظهر المتَّقي والزاهد والعارف وأهل السير والسلوك إلى الله
تعالى، وقد يمارسون أفعال المتصوِّفة بدعوى أنَّها من السُّنَن والمستحبَّات،
ويدَّعون أنَّ الله يُؤيِّدهم بالكرامة وخوارق العادات، ومَنْ يراهم قد يظنُّهم من
الأوتاد والأبدال لكثرة عنايتهم بمظاهر الأولياء والعباد الصالحين، وقد يستعمل
هؤلاء الشعوذة والسحر ليدَّعون المشاهدات والمكاشفات، ويُكثِرون من الحديث عن
الغيبيَّات وطرح المنامات، وقد يسمَّون في نظر بعض البسطاء والسُّذَّج والضعفاء
بالروحانيِّين وما بالقوم من روحانيَّة، ولكن ذلك لا يخفى على مَنْ كان من أهل
العلم والبصيرة.
أغلب الادِّعاءات المزعومة الكاذبة تبدأ بدعوى السفارة (البابيَّة) للإمام (عجَّل
الله فرجه)، فالمهدويَّة، ثمّ بعدئذٍ إلى دعوى النبوَّة، ثمّ تنتهي بدعوى
الربوبيَّة، كما فعل:
- حسين بن منصور الحلَّاج، أوَّلاً ادَّعى البابيَّة، ثمّ المهدويَّة، ثمّ
النبوَّة، ثمّ الربوبيَّة، وقد أُحرق بالنار في آخر سنة (٣٠٩هـ) في زمن الغيبة
الصغرى.
- عليّ محمّد الشيرازي المعروف بالباب، وُلِدَ في شيراز (إيران) سنة (١٢٣٥هـ)،
ادَّعى في البداية أنَّه باب المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، ثمّ استقلَّ في
دعواه
معرِّفاً نفسه بأنَّه المهدي، ولـمَّا رأى كثرة الحمقى حوله عندئذٍ ادَّعى
النبوَّة، وفي النهاية اشتدَّ به الجنون فطمع في الأُلوهيَّة، وجاء كتابه (البيان)
خير دليل على كفره المحض.. وقد أفتى علماء الدِّين بكفره، وحكموا عليه بالقتل،
وتمَّ تنفيذ الحكم فيه رمياً بالرصاص في مدينة تبريز هو وأحد أتباعه، وطُرِحَت
جثَّتاهما على حافَّة خندق، وكان ذلك في صبيحة الاثنين الموافق (٢٧) شعبان سنة
(١٢٦٥هـ).. وبعد إعدامه، عُلِمَ أنَّ عملاء روسيا هم الذين شجَّعوه على خلق أكاذيبه
وساعدوه عليها، كما أفتى العلماء بكفر أتباعه البهائيِّين ونجاستهم وحرمة الزواج
منهم.
ذكر الشيخ الطوسي في كتابه (الغيبة) في باب ذكر المذمومين الذين ادَّعوا البابيَّة(١٣٠)
(النيابة أو السفارة) كذباً وافتراءً وتطرَّق إلى:
١ - الحسن المعروف بالشريعي.
٢ - محمّد بن نصير النميري.
٣ - أحمد بن هلال الكرخي.
٤ - أبي طاهر محمّد بن عليِّ بن بلال.
٥ - الحسين بن منصور الحلَّاج.
٦ - محمّد بن عليٍّ الشلمغاني.
٧ - أبي بكر محمّد بن أحمد بن عثمان البغدادي.
٨ - محمّد بن المظفَّر الكاتب الأزدي أبي دُلَف.
وهؤلاء يُمثِّلون خطَّ الانحراف في زمن الغيبة الصغرى، وحاولوا الوصول إلى تحقيق
أطماعهم الشخصيَّة من خلال الكذب والافتراء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٧ - ٤١٥).
بدأ التزوير وادِّعاء السفارة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في عهد السفير
الثاني(١٣١) الشيخ محمّد بن عثمان العمري في زمن الغيبة الصغرى.. ففي زمن السفير
الأوَّل لم تكن الظروف لتساعد على دعوى السفارة، فإنَّ الغيبة الصغرى لا زالت في
بداية عهدها، وملاحقة السلطات العبَّاسيَّة ومطاردتهم للإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) وكلَّ مَنْ يمتُّ إليه بصلة قويَّة.. وقد كانت السفارة في عهد السفير الأوَّل
جهاداً كبيراً وتضحيةً عظمى، فكيف يمكن انتحال السفارة زوراً وتعريض الشخص نفسه
للمطاردة والخطر تلقائيًّا؟.. بالإضافة إلى أنَّ القواعد الشعبيَّة لم تكن لتعتاد
على السفارة الصادقة في بداية عهدها، بل تحتاج بعض الوقت ليندمج ويتأقلم الناس على
هذا النوع من السفارة.. ولكن مع الدرجة الرفيعة والمنزلة الكبيرة التي حظيت بها
السفارة الصادقة داخل المجتمع الإسلامي ولدى أوساط القواعد الشعبيَّة، ونظراً
لأهمّيَّة هذا الموقع الحسَّاس بما يحمله من إمكانيَّة الاستغلال المادِّي
والمعنوي، برز العديد من الأصوات التي ادَّعت حصولها على شرف السفارة (كذباً
وزوراً).
جماعة السفارة في البحرين:
في الفترة الأخيرة ظهرت جماعة في البحرين أُطلِقَ عليها (جماعة السفارة أو باب
المولى) حيث ادَّعى شخص اسمه عبد الوهَّاب البصري في السجن (البحرين) الاتِّصال
بسفير الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في المنام وأنَّه يتلقَّى الأوامر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣١) السفراء الأربعة هم:
١ - عثمان بن سعيد العمري، السفارة من (٢٦٠ - ٢٦٥هـ).
٢ - ابنه محمّد بن عثمان العمري، (٢٦٥ - ٣٠٥هـ).
٣ - أبو القاسم حسين بن روح النوبختي (٣٠٥ - ٣٢٦هـ).
٤ - عليُّ بن محمّد السمري (٣٢٦ - ٣٢٩هـ).
والنواهي
عنه، وتابعه وآمن به بعض مَنْ كان معه في السجن، وعند خروج هذه الجماعة من السجن في
نهاية الثمانينات، ثار ضدَّهم العلماء في البحرين لبدعيَّة دعوتهم، وتمَّ استفتاء
المراجع، وأجمعوا على بدعيَّة دعواهم وضرورة مقاطعتهم، وعند انشغال الناس بأحداث
التسعينات نشط هؤلاء في تكثير جماعتهم وركَّزوا على النساء وخصوصاً الثريَّات
منهنَّ، ومع الانفتاح الأخير استطاعوا أنْ يحصلوا على ترخيص لجمعيَّة تحت اسم
(جمعيَّة التجديد الثقافيَّة الاجتماعيَّة).
عوامل نشأة بدعة السفارة:
تكمن في أجواء السجن التي ولَّدت إحباطاً نفسيًّا شديداً وتأنيب الضمير والندم على
ما أفضى به البعض من أسرار المؤمنين جرَّاء التعذيب والتحقيق، ممَّا خلق أرضاً
خصبةً لتقبُّل الأفكار الخاطئة تعويضاً عن هذا الإحباط، وتتبُّع هذا التعلُّق
بالأحلام والرؤى والاعتقاد بها.
القصَّة(١٣٢):
كان في السجن (في المنامة ثمّ سجن جو) تيَّاران:
١ - تيَّار السيِّد محمّد الشيرازي، جماعة السيِّد هادي المدرِّسي (الجبهة).
٢ - تيَّار السيِّد محمّد باقر الصدر، جماعة جمعيَّة التوعية (الدعوة).
أخذ السجناء يهتمُّون بالأحلام والرؤى، فلا يصبح الصباح ويلتقون في الساحة، حتَّى
يبدأ الكلُّ يسأل الآخر عمَّا رآه في المنام، ويقومون بتحليلها وتفسيرها وربطها
بالواقع وتدوينها.. وقد ذكر أحدهم أنَّه قد قرأ في كتاب (العروة الوثقى) عن غسل
يمكن لمن يُطبِّقه رؤية المعصوم ومناجاته، فاجتهدوا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٢) مصدر المعلومات: شبكة منتديات قرية شهركان الثقافيَّة، البحرين.. وكان ذلك عبارة عن ندوة في ملتقى شهركان الثقافي (حلقة ١٢).. بعنوان: سفارة البدعة، بمشاركة الشيخ حسن مكّي حسين الغريب المالكي، ليلة السبت الموافق (١٨/١١/٢٠٠٥م) بالمأتم الشمالي.
على إدخال نسخة منه، وفعلاً
استطاعوا إدخالها إلى السجن، فتنافسوا وتواصلوا على تطبيقه والمواظبة عليه، وكان
ذلك في فترة الشتاء والماء شديد البرودة، وكانوا يريدون الاستدلال عليها بصحَّة
الخطِّ الذي ينتمون إليه، فتولَّد نوع من التنافس بين الخطَّين على ممارسة هذا
الغسل.
وادَّعى أحد الشباب (ملَّا عبد الله عبد العزيز المالكي) رؤية الزهراء(عليها
السلام)، فطلب منه البعض أنْ يسألها في حالة تكرار الرؤية عن رضاها عنهم.. وبدأت
بوادر الفتنة، فتكلَّم البعض مع عبد الله عن خطورة الأمر واستغلال البعض لهذه
الرؤية، فغضب عبد الله من ذلك واستدعى (الشيخ إبراهيم الجفيري، وأحمد عبَّاس خميس،
والأُستاذ عيسى الشارقي، والشيخ أحمد العريببي، وحميد مسعود) فنهوه عن ذلك، فبادره
أحمد عبَّاس خميس قائلاً: (هل رأيت الزهراء (عليها السلام) أم لا؟).. فأجاب عبد
الله بلا.. فأجابه: (إنَّك ضعفت عن تحمُّل المسؤوليَّة والأمر العظيم والنعمة التي
خصَّها بنا أهل البيت (عليهم السلام)، لكن الله سيُهيِّئ لهذا الأمر رجلاً قويًّا
في دينه وجسمه وعقله يتحمُّلها)، فوصلت هذه الكلمة إلى عبد الوهَّاب البصري، الذي
التقطها ووجدها مدخلاً له، فبدأ بعد فترة يسرد لهم بعض الأحلام التي تُمجِّد خطَّ
الشهيد الصدر، فجمع له خمس رؤى سرًّا ودوَّنها، فشكَّل له جماعة خاصَّة به، ثمّ
قاموا بجمع السجناء وصرَّحوا لهم بالرؤى وأخذوا يتمسَّكون بها.
وكان فحوى تلك الرؤى أنَّ عبد الوهَّاب البصري كان يرى الإمام الحجَّة (عجَّل الله
فرجه)، وبعد فتره ادَّعى أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أخبره أنَّه لن يأتِ
له في المنام، وإنَّما سيبعث له (السفير الثالث: حسين بن روح النوبختي) ليكون حلقة
وصل بينه، وكان يأتيه - كما يزعم - في هيأة السيِّد هادي المدرِّسي، وكان يهدف من
ذلك أنْ يجمع الخطَّين، وأخذ - كما يزعم - يُدوِّن ما يُمليه عليه حسين بن روح
نقلاً عن الإمام الحجَّة، وكانت الرسالة طويلة وبلغة أدبيَّة معروفة، أي بلغة عاديَّة في بداية الأمر.. رسالة المبتدع عبد الوهَّاب البصري الذي يدَّعي (باب المولى) أو كما يُطلِق عليه أنصاره، والذي يدَّعي فيها أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بلَّغه إيَّاه وأمره أنْ يخاطب بها كلَّ شيعي ومسلم للانضمام إلى حزبه سرًّا، وقد ادَّعاها وهو في السجن، وكانت تحت يديه بعض الكُتُب (مثل كتاب يوم الخلاص وغيرها من كُتُب الشيعة التي فيها روايات الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه)) ليضع العبارات المناسبة حتَّى يوهم المستمع بأنَّ الرسالة صادرة من الإمام، وكان يساعده صديقه جلال القصَّاب على ذلك، وبعد أنْ صدَّقه البعض في السجن أمر بتشكيل لجنة لإدارة السجن في تاريخ (٢٠/٩/١٩٨٦م)، ادَّعى أنَّ الإمام المهدي أمره بذلك، وفي تاريخ (٢٢/١٠/١٩٨٦م)، كانت هذه الرسالة التي ادَّعى أنَّها من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي بمثابة البيعة التي تُلقى على الشخص المختار في غضون ثلاثة أيَّام، وإذا لم يبايع يكن من المعادين للإمام المهدي والمحاربين لأهل البيت (عليهم السلام)، وفي تاريخ (٢٦/١٠/١٩٨٦م) حوَّل اللجنة إلى حزب منظَّم، وممَّا ساعده على الاستمرار في بدعته تصديق السجناء له في كلِّ شيء، حيث كان يُخبِر البعض بما يفعله أو بمعلومات شخصيَّة بحيث يتوهَّم لهم أنَّه فعلاً يتلقَّاها من حسين بن روح في الأحلام.. وبعد أنِ استطاع إقناع البعض بصدق دعواه، جمع السجناء وطلب منهم أنْ يقفوا صفَّين: صفٌّ يُمثِّل أتباع خطَّ السيِّد الشيرازي، والآخر خطَّ الشهيد الصدر، ووضع أمامهم طشتاً أحمر به ماء، وطلب منهم أنْ يضعوا أيديهم فيه ويبايعوا الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وينسوا انتماءاتهم السابقة، وأنَّهم على خطٍّ واحد، وأمرهم أنْ يسجدوا لله شاكرين على نعمة الوحدة، ثمّ طلب منهم أنْ يشربوا من ماء الطشت الآسن من العرق والحرِّ.. ثمّ ادَّعى أنَّ الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) يبعث عصفوراً يراقبهم اسمه (فرقد)، وأنَّه ينقل لهم
ما يحدث، فأخذ البعض يصمت
حينما يرى أيَّ عصفور، وعندما يناقشه أو يعارضه أيُّ شخص يغضب ويدَّعي بأنَّ هذا
الشخص قد أغضب الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وأنَّه يحاربه.. ثمّ وضع لنفسه
ستارة في زنزانته عملها من (إزار)، ثمّ طلب منهم أنْ يُسجِّلوا بشكل مختصر كلَّ ما
يحدث وما يسمعونه، ويكتبونه في قصاصات ورقيَّة ويضعونها تحت وسادته، ثمّ يقرؤها
حسين بن روح ويُجيب أو يُعلِّق عليها.. وقال لجماعته: بما أنَّكم حملة اللواء
الأوَّل لراية الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) فينبغي لكم أنْ تُطهِّروا أنفسكم
وتُزكُّوها.. فوضع لهم:
١ - برنامجاً روحيًّا.
٢ - ممارسة الرياضة الخشنة.
٣ - التعريض للتعذيب.
بعد خروج صديقه جلال القصَّاب من السجن، كانت الرسائل وتعليمات الإمام قد تغيَّرت
صياغتها، وتحوَّلت إلى رسائل قصيرة تتكوَّن من أسطر لا تتعدَّى الخمسة غالباً،
وتحتوي كلمات غريبة غير مستخدمة.. أخذ جلال القصَّاب على عاتقه بعد خروجه من السجن
ضمَّ العديد من الأتباع عن طريق الالتقاء سرًّا بالشخص وقراءة الرسالة (رسالة
المبايعة) وتهيئة الوضع لخروج باقي أفراد المجموعة من السجن، وكان المطلوب احتواء
كلِّ عضوٍ نشط في الحركة الإسلاميَّة في البحرين من أيِّ تيار، حيث إنَّ معظم أفراد
التنظيمين قد كُشِفَت أسماؤهم لدى عبد الوهَّاب البصري وجلال القصَّاب لدخول بعض
أعضاء التنظيمين في البدعة، وعن طريق المكر والخداع الذي تمرَّس فيه عبد الوهَّاب
وصديقه جلال القصَّاب.. وهكذا حصل جلال على المفتاح الرئيس لمخاطبة كلِّ أفراد
التنظيمين خارج السجن بأمر من باب المولى كما يدَّعي.. ولكن حدث ما لم يكن في حسبان
هذه الجماعة المنحرفة، وهو قيام بعض الأفراد داخل
السجن بتسريب أمر البدعة المنحرفة
إلى الشباب المؤمن في البحرين ليحذروا من الفتنة المقبلة، وأخذوا على عاتقهم
اطِّلاع العلماء على أمر هذه الدعوة، وبهذا سُرِّبت الرسائل سرًّا من السجن عن طريق
زيارات الأهل إلى العلماء، فلم يُصدِّقوا ما سمعوا وانتظروا حتَّى خروجهم لتتمَّ
مناقشتهم ومحاورتهم بالتي هي أحسن، فبعضهم اهتدى وعاد إلى رشده والآخرون أصرُّوا
إصراراً عجيباً حتَّى وصل الأمر إلى استفتاء كبار مراجع الشيعة لعلَّهم يرجعون عن
غيِّهم وضلالهم ولكنَّهم أخذوا يعملون بشكل سرِّي ومكثَّف على الرجال والنساء إلى
يومنا هذا.
المؤسِّس:
عبد الوهَّاب حسن أحمد البصري (بحريني).. حفلت حياته بتاريخ متناقض مضطرب مليئ
بالشكوك والشُّبُهات والغموض، فقد رحل في أوَّل عهده إلى إيران لتعلُّم العلوم
الدِّينيَّة، محسوب على التيَّار الشيرازي، وبقى عدَّة أشهر باسم مستعار (تحسين)،
ثمّ رحل منها إلى موسكو، ثمّ توجَّه إلى الهند لتعلُّم السحر وفنون الشعوذة، وبعدها
إلى إحدى الدول الأُوربيَّة لتعلُّم اللغة الإنجليزيَّة، وتوَّج رحلاته تلك في
البحرين بعنوان مناضل تارةً وأُخرى سفير للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
أفكار جماعة سفارة البحرين:
نشأت فكرتهم بسبب أحلام ورديَّة وتطوَّرت إلى ادِّعاء أنَّ الإمام (عجَّل الله
فرجه) قد عيَّن شخصاً منهم باباً له بعد أنْ كان باباً للنائب الثالث (الحسين بن
روح)، وبعد خروجهم من السجن خرَّجوا بدعتهم على مسألة اللطف الإلهي، وأنَّه يقتضي
أنْ يتكامل عباد الله سبحانه ليصلوا إلى الدرجات العالية من الكمال البشري، فلا
بدَّ من أنْ يجعل الله تعالى ما يُقرِّبهم من الوصول إلى ذلك، ولا
يصلون إلى ذلك
إلَّا بأنْ يُعيِّن المولى (عجَّل الله فرجه) باباً له، ليُطلِع الناس على الحقائق
من أجل الإعداد للظهور، وهذا الإعداد يسمُّونه بالظهور الأصغر تمهيداً للظهور
الأكبر، وهذا ما يقتضيه الوصول إلى الكمال، وبالتالي يُستغنى عن الفقهاء، لأنَّ
الفقهاء يعيشون مرحلة الحكم الظاهري، ولكن العيش في فترة الحكم الظاهري قد انتهت
بظهور باب المولى الذي يرجع للإمام مباشرةً، ويكون الإمام حينئذٍ ظاهراً ظهوراً
أصغر، وعليه فلا بدَّ من الرجوع إلى باب المولى المعيَّن فعلاً - كما يزعمون - وإنْ
كان يقبل الانطباق على غيره ممَّن تتوفَّر فيه الصفات باباً للمولى.. وعلى هذه
الفكرة قامت جماعتهم.. ولديهم بعض الأفكار مثل:
١ - فكرة ﴿يَمْحُوا اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾
(الرعد: ٣٩)، لم تكن واضحة عندهم، فعمَّموها على كثيرٍ من القضايا.
٢ - فكرة (الشفاعة) وأنَّها تنال كلَّ مَنْ والى أهل البيت (عليهم السلام) سواء
سرقوا أو زنوا أو عصوا.
٣ - فكرة (أنَّه لا يمكن لأحد أنْ يكذب على النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)، أو أهل
البيت (عليهم السلام) ولا يصيبه شيء في الدنيا)، فاستخدموها كدليل على صدق دعوى عبد
الوهَّاب البصري.
٤ - الإيمان بقضيَّة (الجزيرة الخضراء، مثلَّث برمودا، الأطباق الطائرة)، وأنَّها
إرهاصات لخروج الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه).
٥ - الاعتقاد بأنَّهم الصفوة، وأنَّهم نالوا درجة أو فرصة أرفع ممَّا ناله أنصار
الإمام الحسين (عليه السلام) حيث إنَّهم حملة اللواء الأوَّل لراية الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه).
٦ - الاهتمام بالقرآن والإعجاز (اللفظي والعددي والعلمي) والتاريخ بشكل شاذٍّ،
واللجوء لجمع الكلمات الغريبة ونادرة الاستخدام.
٧ - الغاية تُبرِّر الوسيلة.
٨ - فكرة (الباطل يُفرِّق والحقُّ يجمع)، وبها استدلُّوا على صحَّة تلك الدعاوى حيث
استطاع عبد الوهَّاب البصري جمع التيَّارات الإسلاميَّة الموجودة في السجن.
وفي حوار أجراه الأُستاذ عليّ أحمد الديري يوم (٢٩/٧/٢٠٠١م) مع رابحة عيسى الزيرة،
إحدى العضوات الناشطات في هذه الجماعة، قالت ما نصُّه: (إنَّ الإمام (عليه السلام)
إذا اختصَّ عبد الوهَّاب دون غيره برؤيته، فهذا شأن من شؤونه الخاصَّة وليس لي أنْ
أبتَّ في هذا الموضوع أو أُدلي فيه برأيي.. ماذا لو كان فعلاً مثلما يدَّعي وأنَّه
يُسدَّد بإمام معصوم؟).
مجابهة علماء البحرين العمليَّة لتلك الحركة:
قد نهض فضلاء البحرين ضدَّ هذه الحركة المشؤومة، وتصدَّوا لها بعنف وقوَّة، وهذا ما
يتَّضح جليًّا من استدعائهم المؤسِّس لها في محضر جمع غفير منهم وتحدَّوه، وناقشوه
حتَّى أظهر العجز والتسليم والإذعان ببطلان ما زعمه وروَّج له، ولـمَّا طُلِبَ
الإقرار على ما آل إليه أمره قام بإنشاء اعتراف هذا نصُّه:
بسم الله الرحمن الرحيم
أنا صاحب قضيَّة الادِّعاء بالاتِّصال بالحجَّة (عليه السلام)، أُقِرُّ بأنِّي
ادَّعيت هذه الرؤى التي فيها الإمام (عجَّل الله فرجه) ونُوَّابه الأربعة، وخاصَّةً
سفيره الثالث الحسين بن روح (رضوان الله عليه) الذي أشار عليَّ الإمام (عليه
السلام) من خلال الرؤيا بالالتقاء به عبر المنام عن طريق (إحداث الرؤيا في المنام)
المعروفة في كُتُب الأدعية، ولم أكن حينها أعلم بأنَّ الرؤى والأحلام لا يترتَّب
عليها الأثر الشرعي، ولكن بعد لقائي بالعلماء الأعلام واقتناعي بأنَّ الرؤى
والأحلام لا يترتَّب عليها الأثر الشرعي، ولا يجوز التعويل عليها في دين الله
سبحانه وتعالى، وبعد أنْ ثبت لي
أيضاً بأنَّ السفارة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة الكبرى وقبل خروج السفياني والصيحة لا يمكن أنْ تُقبَل عليه (عجَّل الله فرجه) أو عن نُوَّابه الأربعة (رضوان الله عليهم) لكونهم ليسوا في هذه الحياة، (ولذا فإنِّي) أُعلن بأنِّي قد نفيت عن نفسي كلَّ ذلك في محضر حضرة العلماء الأعلام الأفاضل، وأنا بريء من كلِّ مَنْ يحاول أنْ يعمل بمقتضى هذه الرؤى، ولست مسؤولاً عمَّن خالفني في هذا، بل يقع وزره على عاتقه، وهو يتحمَّل المسؤوليَّة الكاملة بنفسه، لأنِّي أجد نفسي متَّفقاً مع رأي العلماء الأفاضل، وعلى هذا فإنِّي سأضع نفسي في تصرُّف علماء الملَّة الشريفة إذا ما جدَّ أمر يُنبئ عن ضلوعي في هذه القضيَّة وأمثالها ليروا بعدها رأيهم ويحكموا حكمهم، وإنِّي لم أكن مكرهاً على هذا الإقرار، وإنَّما هو لاقتناعي به ومساهمة منِّي لما هو عليَّ من واجب شرعي، وأُعلن أيضاً براءتي من كلِّ التُّهَم والإشاعات الباطلة التي نُسِبَت لي ظلماً وبهتاناً، والله خير شاهد على ما أقول، والحمد لله الذي أبصرنا ديننا، ووقانا الشقاق والخلاف وسوء الفتن والمحن، والسلام.
١٠/شعبان/١٤٠٩هـ
المقرُّ عبد الوهَّاب حسن البصري
وقد ذيَّله الحضور بما صورته:
إنَّ العلماء يعتقدون كذب مثل هذه الدعاوى، ويُحذِّرون المسلمين قاطبةً من الانخداع
بها والاستجابة إليها، وأنَّها من أكثر البِدَع إضراراً بالدِّين وزعزعةً لقِيَمه
الرفيعة في النفوس، وإنَّ مذهب الإماميَّة ليبرأ من هذه البِدَع، وإنَّ المصرَّ
عليها مبدع ضالٌّ مضلٌّ، على المؤمنين أنْ يجتنبوه ويُحذِّر بعضهم بعضاً منه.
وإنَّ عبد الوهَّاب حسن البصري الذي سبق منه الادِّعاء بالنيابة عن
الإمام القائم
(عجَّل الله فرجه) وعن نُوَّابه الأربعة، وخاصَّةً الحسين بن روح (رضي الله عنه) قد
وقَّع بمحضرنا على اعترافه المكتوب بقلمه والمعايَن له في هذه الورقة أعلاه.
استعادة الظاهرة لأنفاسها من جديد:
وعلى الرغم من بلوغ القضيَّة إلى الحدِّ الذي ذكرناه، فإنَّ التاريخ يُعيد نفسه،
فكما حدث سابقاً من سلوكيَّات وتصرُّفات عليّ محمّد الشيرازي في إيران (البابيَّة)
يتكرَّر حاليًّا في البحرين.. فبعد المناظرة بين الباب (الشيرازي) وعلماء وفقهاء
إيران وبمرأى ومسمع من جمع كبير من العلماء وأرباب الدولة (وبمحضر من ناصر الدِّين
شاه) أعلن الباب توبته وكتب بخطِّ يده الوثيقة التي عُرِفَت بـ(توبه نامه)(١٣٣)،
ولكن توبته لم تدم طويلاً ثمّ أُعدِمَ.. ففي البحرين حديثاً عاود عبد الوهَّاب
البصري ممارسة أدواره السابقة، ولكن هذه المرَّة بتحفُّظ شديد وبسرّيَّة تامَّة
وأساليب ماكرة أكثر خبثاً وحيلةً، وعلى الرغم من ذلك تسرَّبت الأخبار بشأن ذلك.
وكانت الخطوة العمليَّة التي طرحت نفسها على مخيَّلة فضلاء البحرين عندها، هي إرسال
استفتاء لمراجع الشيعة في العتبات المقدَّسة في العراق وإيران يُلفِت أنظارهم إلى
الموضوع ويحاول أنْ يحصل منهم على تصريحات تُندِّد بتلك الحركة الضالَّة على وجه
الخصوص وتُحذِّر المؤمنين من الانسياق وراءها، وقد كان لها الأثر على المستوى
العامِّ، وإليك نصَّ الاستفتاء المذكور:
بسم الله الرحمن الرحيم
قد وُجِدَ في وقتنا هذا مَنْ يُطلِق على نفسه ويُطلِق على أتباعه عنوان (نائب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٣) أُودعت النسخة الأصليَّة من الوثيقة في مكتبة مجلس النوَّاب الإيراني، وقد نشرت المجلَّة الإيرانيَّة (نور دانش) صورة هذه الوثيقة سنة (١٣٢٥هـ)، وكذلك نشر صورتها المستشرق البريطاني إدورد براون أُستاذ اللغات الشرقيَّة في جامعة كمبرج في كتابه عن البابيَّة.
باب
المولى) مدَّعياً النيابة عن الحسين بن روح (رضوان الله عليه) السفير الثالث في زمن
الغيبة الصغرى الواقع بينه وبين الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) حاضراً، وهو
يدَّعي رؤية الإمام القائم (عجَّل الله فرجه) في المنام، وأنَّه قطع بأنَّه هو، وقد
أرسله إلى الشيعة يأمرهم وينهاهم في المسائل الخاصَّة والعامَّة، ويأخذ منهم
الخُمُس، وقوله وأمره ونهيه كلُّ ذلك مقدَّم عند أتباعه على ما يأتي من الفقهاء مع
التعارض، وطريقه في هذه التبليغات والأوامر والنواهي رؤيته المناميَّة للإمام
القائم (عجَّل الله فرجه) نفسه أو الحسين بن روح، كما قد تُدَّعى له الملاقاة لهما
في عالم اليقظة.
وقد حدث أنْ أعلن هو نفسه اشتباهه وتخلِّيه عن دعواه أمام جمع من العلماء، وكتب
تقريراً موقَّعاً بذلك ومذيَّلاً بتعليق من العلماء الذين حضروا مجلس الاعتراف
والتخلِّي، إلَّا أنَّ دعوته لا زالت قائمة وتجمع الأتباع، وأنَّ من تابعه من
العلماء من وكلائه لا زال يؤمن بصدق دعوته وحقَّانيَّتها، وإنِ ادَّعى توقُّف
الدعوة إليها، الأمر الذي يشهد الواقع بخلافه.
ويقوم بتسليم هؤلاء ومَنْ قاربهم بهذه الدعوى على ما ينقلونه عنه من إخبارات بأُمور
خفيَّة وما جاء على يده ممَّا ينسبه للإمام القائم (عجَّل الله فرجه) من نصوص
بلفظها يرون أنَّها فوق مستوى الناقل، وأنَّه يمتنع عليه أنْ يأتي بها من نفسه في
ظروف لا يحتمل معها أنَّه يستمدُّها من غيره من دون الإمام (عجَّل الله فرجه)،
ممَّا جعلهم -كما يقولون - يقطعون بصحَّة دعواه والصبغة السائدة في هذه النصوص
استعمالها لغريب اللغة الشاذَّة جدًّا.
أوَّلاً: ما هو الرأي المذهبي في إمكانيَّة هذه الدعوى؟
ثانياً: ما هو توجيهكم (حفظكم الله) لهؤلاء الوكلاء والأتباع ومنهم من كان معروفاً
بالوثاقة والحرص على الدِّين؟
ثالثاً: مَنْ يُصِرُّ من هؤلاء على دعواه بعد الجهد من العلماء معه في بيان
بطلان
الدعوى، هل يجوز الاقتداء بصلاته وحضور محاضراته وجلساته وتدريسه، أو يمتنع عن ذلك
ولو من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإيقاف سريان البدعة؟
ملاحظتان:
١ - تحت يد الرجل منجد لغوي، والنصوص تحمل العيب المذكور من ناحية الفصاحة، وأنَّها
لا ميزة بلاغيَّة لها، والبيان الأوَّل منها - وهو خطاب الشيعة بالاستجابة للدعوى -
وهو منسوب للإمام (عجَّل الله فرجه) لا يخلو من الأخطاء النحويَّة.
٢ - المبتدع في الدِّين مع انتفاء الشبهة هل يبقى عادلاً أم لا؟
أفتونا مأجورين.. علماء البحرين.
وقد حصلت هناك إجابات من جملة من الأعلام من أمثال:
١ - الشيخ محمّد أمين زين الدِّين.
٢ - السيِّد عبد الأعلى السبزواي.
٣ - الشيخ الميرزا عليٍّ الغروي.
وآخرين، ولكن لعدم العثور عليها جميعاً أذكر إليكم ما وصلني منها:
النصُّ الأوَّل:
بسم الله الرحمن الرحيم
دين الإسلام ومذهب أهل البيت (عليهم السلام) على الخصوص أعظم شأناً وأكبر خطراً
وأقوى حجَّةً من أنْ يعتمد في دعوته على مثل هذه الأساليب الملتوية أو يلجأ إلى
حُجَج غير منطقيَّة أو غير شرعيَّة أو على وجوه متناقضة غير صحيحة أو على أطياف أو
ما يشبه ذلك ممَّا ذكرتموه في السؤال، والإمام الحيُّ (عليه وعلى آبائه الطاهرين
أفضل الصلاة والسلام) أسطع نوراً وأجلُّ مقاماً وأجلى حجَّةً من أنْ
يفعل مثل ذلك
أو يوقع شيعته في مثل هذه الأخطاء والأخطار في مثل هذه الظروف، لذلك يجب الابتعاد
جهد المستطاع عن هؤلاء ومقاطعتهم وعدم الحضور مجالسهم وعدم الاستماع إلى دعوتهم
فضلاً عن الصلاة معهم وآل الريب في انتفاء العدالة ممَّن يرتكب ذلك مع انتفاء
الشبهة، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله.
حرَّره الفقير إلى الله تعالى
محمّد أمين زين الدِّين
النصُّ الثاني:
باسمه تعالى
١ - مَنِ اعتقد بهذه الدعوى يكون فاسقاً.
٢ - ظهر الجواب من جواب السؤال السابق، وعلى المؤمنين أيَّدهم الله تعالى أنْ
يتجنَّبوا هذه المخاطر التي تجرُّ إلى الشقاق والاختلاف في الدِّين والانحراف عن
الصراط المستقيم، وفَّقهم الله تعالى لما فيه الخير والصلاح.
السيِّد عبد الأعلى السبزواري
النصُّ الثالث:
بسم الله الرحمن الرحيم
١ - لا إمكان لهذه الدعوى شرعاً بعد انقطاع السفارة عن الناحية المقدَّسة برحلة
رابع السفراء العظام إلى دار البقاء، ولا ريب في تكذيب مدَّعي الرؤية في عصر
الغيبة، (لما روى) كتابي (الغيبة) و(إكمال الدِّين)، والطيف لا يترتَّب عليه أيُّ
أثر، ولا تثبت به أيَّة دعوى في الشريعة المقدَّسة، فضلاً عن السفارة والبابويَّة،
والقطع بأمثال ذلك ممَّا لا اعتبار به، لأنَّه من الجهل المركَّب الذي يُعاقَب فيه
المكلَّف بالتقصير في المقدَّمات، والله العالم.
٢ - يجب على مَنْ ينتمي إلى الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) اليقظة والحراسة على
ودايعهم (عليهم السلام)، وهي الأحكام النبويَّة والشريعة المحمّديَّة الغرَّاء،
والمحافظة عليها بالتجنُّب عن دعوى كلِّ مبدعٍ مضلٍّ وعدم الإصغاء إلى أباطيلهم،
كما يجب الابتعاد عن مجالسهم وحضور محافلهم، بل تجب مقاطعتهم وتشهيرهم بالضلالة
والانحراف لئلَّا يغترَّ الشُّبَّان والبسطاء بأساليبهم وخُدَعهم، فضلاً عن الصلاة
خلفهم، فإنَّ هذا وأمثاله ترويج لأباطيلهم وبالأخصِّ مع تخلِّي المدَّعي عن مدَّعاه
وإبطاله دعواه بنفسه، والله العالم.
٣ - لا تصحُّ الصلاة خلفه، كما لا يجوز الحضور في أنديتهم ومحاضراتهم ونحوها، لأنَّ
ذلك كلَّه ترويج عملي للباطل، وهو محرَّم يوجب الفسق واستحقاق العقوبة عليه، كما لا
يجوز إعطاء الحقوق الشرعيَّة لهم لا تكليفاً ولا وضعاً، والله العالم.
الملاحظتان:
١ - لا يجوز إسناد الغلط للإمام (عجَّل الله فرجه)، لعلوِّ مقامه عن الغلط
والاشتباه، فهذا بنفسه ينادي ببطلان ما يدَّعيه.
٢ - العدالة لا تبقى مع البدعة والضلالة، والله سبحانه العالم بأحكامه، وهو
الموفِّق للصواب.
الفقير إلى الله الغنيِّ
عليٌّ الغروي
بيان علماء البحرين:
وعلى إثر تلك الاستفتاءات فقد عُقِدَت ندوة علميَّة في مسجد مؤمن في وسط العاصمة
انتهت بقراءة وتوزيع صور تلك التصريحات التي تضمَّنتها مجموعة الاستفتاءات مرفقة
بهذا البيان:
باسمه تعالى
يهمُّ العلماء في هذا البلد الكريم أنْ يُوضِّحوا للمؤمنين والمؤمنات أنَّ ما حصل
من دعوى النيابة عن حسين بن روح النائب الثالث من نُوَّاب الغيبة الصغرى وبالتالي
عن الإمام القائم الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وبتنصيب من الإمام نفسه (أرواحنا
فداه)، وذلك ممَّن أطلق على نفسه وأطلق عليه أتباعه عنوان: (نائب باب المولى)،
إنَّما هو أمر باطل، وأنَّ الدعوى المذكورة بدعة صريحة منافية للمذهب الجعفري
ومقرَّراته الثابتة بالنصِّ وإجماع الطائفة كاملاً، منافاة واضحة فاضحة لا يُفرِّق
في كون هذه الدعوى بدعة صريحة إنْ سُمّيت سفارة أو نيابة أو وكالة أو أيِّ اسم آخر.
وعلى المؤمنين أنْ يتوقَّعوا من الوقوع في حبائل هذه البدعة الضالَّة المهلكة، وأنْ
يتجنَّبوا صاحبها وأتباعه أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر وقطعاً لدابر الافتراء
على دين الله ومذهب أهل العصمة.
ومن هذا الباب لا يُحضَر لهؤلاء درس ولا مجلس خطابة ولا محاضرة ولا يؤتمُّ بهم في
صلاة ولا يُؤخَذ منهم رأي، بل يُقاطَعون في هذا كلِّه وأمثاله حتَّى يتوب تائبهم
ويثبت منهم ذلك واضحاً، كما لا يُسلَّم لأيٍّ منهم أيُّ حقٍّ شرعي، فإنَّ ذلك لا
يُسقِط الحقَّ عن المكلَّف ويزيد على ذلك أنَّ فاعله آثم، على أنَّ صرف الحقِّ لا
بدَّ فيه من مراجعة فتوى المقلَّد، وأنَّ فتاوى الفقهاء العظام لتتكفَّل ببيان كلِّ
الأُمور السابقة.
والدعوى الضالَّة المذكورة إمَّا أنْ تدخل في مسائل العقيدة، والعقيدة محسوبة
مذهبيًّا لا تقبل أيَّ زيادة أو نقصان، فمن زاد أو أنقص من المقرَّرات العقيديَّة
للمذهب فقد أبدع وخالف.
وإمَّا أنْ تدخل في المسائل الفرعيَّة التي يرجع البتُّ فيها إلى الفقهاء، وليس
لأيِّ متقوِّل أنْ يُحكِّم فيها هواه.
وإنَّنا لندعو مخلصين كلِّ مَنِ انتمى إلى هذه البدعة أنْ يرجع إلى رشده ويؤوب إلى
الحقِّ مجنِّباً نفسه سخط الله ومغبَّة يوم الحساب يوم يقوم الناس لربِّ العالمين،
وإنَّ التوبة من البدعة مع الندم الصادق والأسف العميق تعني أنْ ينقلب صاحبها
ومتَّبعها من الدعوة إليها إلى الدعوة ضدَّها والتشهير بها وفضح سواءتها وكشف
عوراتها، ليكون ذلك شاهد صدق عند الله والمؤمنين.
ونُنبِّه إخواننا المؤمنين والمؤمنات إلى ضرورة الاحتراس الشديد من مثل هذه الدعوى،
وتنبيه بعضهم البعض على خطورتها على الإسلام العظيم ورسالة سيِّد المرسَلين (صلَّى
الله عليه وآله).
التوقيعات:
الشيخ أحمد آل عصفور، الشيخ منصور الستري، الشيخ عبد الأمير الجمري، الشيخ عيسى
أحمد قاسم، الشيخ عبد الحسين عليّ التستري، الشيخ عبد عليّ حمزة الحواج، الشيخ
سليمان المدني، السيِّد جواد الوداعي، السيِّد علوي، السيِّد أحمد الغريفي، الشيخ
محمّد محسن محمّد العصفور، السيِّد هاشم السيِّد عليّ الطويل الغريفي، الشيخ عبد
الحسن الجد حفصي، الشيخ عليّ عبد النبيِّ مخلوق، الشيخ جعفر الحاجّ حسن الخال
الدرازي، الشيخ عبَّاس الريس، الشيخ منصور حمادة، الشيخ مجيد الحدَّاد.
فلعلماء البحرين الغيارى الثناء على جميل صنيعهم، ولهم من الله تعالى الجزاء
الأوفى.
جماعة السفارة في العراق/ أحمد الحسن ابن كاطع:
يوجد حاليًّا في العراق (البصرة) جماعة أُطلِقَ عليها (أنصار الإمام
المهدي) حيث
ادَّعى شخص اسمه أحمد الحسن الاتِّصال والالتقاء بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)،
وأنه يتلقَّى الأوامر والتعليمات منه مباشرةً.. بل أَمَرَه بالتبليغ عنه، وإعلان
وإظهار علاقته مع الإمام (عجَّل الله فرجه)، وكونه مرسَل من قِبَله ووصيُّه
واليماني الموعود.. وتابعه وآمن به جماعة، ويُدَّعى أنَّ كثيراً منهم من طُلَّاب
الحوزة العلميَّة في النجف، حيث ابتدأت دعوته هناك عام (١٤٢٣هـ).
القصَّة:
كما يحكيها بنفسه في موقعه بالنت - ومن غير أيِّ تعديلات لغويَّة على النصِّ -
ويُوضِّح بها قصَّة لقاءه بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
(في ضريح الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام) كان لقائي الأوَّل مع الإمام
المهدي (عليه السلام) في هذه الحياة الدنيا، وتعرَّفتُ في هذا اللقاء على الإمام
المهدي (عليه السلام)، كان هذا اللقاء منذ سنوات طويلة، وبعد هذا اللقاء توالت
لقاءاتي معه (عليه السلام)، وقد وضَّح لي كثير من الأُمور، ولكنَّه لم يأمرني
بتبليغ شيء لجهة معيَّنة أو لشخص معيَّن، بل كانت توجيهات تخصُّني وتُؤدِّبني وتسلك
بي إلى محاسن الأخلاق الإلهيَّة، وتفضَّل عليَّ ببعض العلم والمعرفة في ذلك الوقت،
وعرَّفني بانحرافات كبيرة موجودة في الحوزة العلميَّة في النجف في ذلك الوقت سواء
كانت انحرافات علميَّة أو عمليَّة اجتماعيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة أو انحرافات
أشخاص يُمثِّلون رموز هذه الحوزة العلميَّة... على كلِّ حالٍ، مرَّت الأيَّام
والأشهر، وشاء لي الله أنْ ألتقي الإمام (عليه السلام)، وأرسلني هذه المرَّة إلى
الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف لأطرح ما أخبرني به على مجموعة من طلبة الحوزة
العلميَّة.. يُمثِّل هذا انعطافة تاريخيَّة في حياتي، لأنَّها المرَّة الأُولى التي
يُوجِّهني فيها الإمام المهدي (عليه السلام) للعمل وبشكل علني وصدامي.
وقصَّة هذا اللقاء هي أنِّي كنت في ليلة من الليالي نائماً، فرأيت رؤيا في المنام
كان الإمام المهدي (عليه السلام) واقفاً بالقرب من ضريح سيِّد محمّد (عليه السلام)
أخو الإمام العسكري (عليه السلام)، وأمرني بالحضور للقاءه (عليه السلام)، وبعد ذلك
استيقظت وكانت الساعة الثانية ليلاً، فصلَّيت أربع ركع من صلاة الليل، ثمّ عدت
للنوم، فرأيت رؤيا ثانية قريبة من هذه الرؤيا، وأيضاً كان فيها الإمام المهدي (عليه
السلام) يُحدِّد لي لقاءً معه (عليه السلام)، واستيقظت وكانت الساعة الرابعة ليلاً،
فأكملت صلاة الليل وصلَّيت الفجر، ثمّ بعد يومين من هذه الرؤي سافرت إلى سامرَّاء
وزرت الإمامين العسكري والهادي (عليهما السلام)، ثمّ عدت إلى بلد وزرت الإمام محمّد
(عليه السلام)، ثمّ إلى بغداد وزرت الإمامين الكاظم والجواد (عليهما السلام)، ثمّ
إلى كربلاء وزرت الإمام الحسين (عليه السلام) والشهداء (عليهم السلام)، والتقيت
بالإمام المهدي (عليه السلام) ليلاً في ضريح الإمام الحسين (عليه السلام)، ثمّ
التقيت به عند الصباح في اليوم التالي في مقام الإمام المهدي (عليه السلام) الموجود
في نهاية شارع السدرة، وجلسنا لوحدنا في المقام الذي كان فارغاً إلَّا من الخادم
الذي كان يقف في مصلَّى النساء، وهو معزول تقريباً عن المكان الذي كان فيه.
على كلِّ حالٍ، كان هذا اليوم هو الثلاثين من شعبان سنة (١٤٢٠هـ)، وعدت بعد هذا
اللقاء إلى المنزل، وصمت شهر رمضان بفضل من الله عليَّ، وشددت الرحال في نهاية شهر
رمضان إلى النجف، وبدأت أطرح ما عرفت من الحقِّ، واحتدَّ النقاش بيني وبين بعض طلبة
الحوزة العلميَّة، وكانت النتيجة مقاطعةً بيني وبين بعضهم، وخلاف تامٌّ مع بعضهم،
ووافقني بعضهم دون أنْ ينصرني.
ومرَّت الأيَّام والأشهر، بل مرَّت ثلاث سنوات تقريباً لا ناصر لي ولا معين من طلبة
الحوزة العلميَّة... وبعد شهور قليلة بدأت عمليَّة إعلان وإظهار علاقتي مع الإمام
المهدي (عليه السلام) وكوني مرسَل من قِبَله (عليه السلام)، ولم تكن هذه
العمليَّة
بإعلان منِّي فقط، بل إنَّ جماعة من طلبة الحوزة العلميَّة سمعوا ورأوا في ملكوت
السماوات ما أكَّد لهم ذلك، منهم مَنْ كان متَّصل بي مباشرةً، ومنهم مَنْ لم تكن لي
به أيُّ علاقة أصلاً، وأصرَّ جمع من هؤلاء الطلبة على مبايعتي مع أنِّي أخبرتهم
بصعوبة هذا الأمر، وأنَّهم سيتركوني في نهاية الأمر كما ترك أهل الكوفة مسلم بن
عقيل (عليه السلام)، ولكنَّهم أتمُّوا البيعة على أنْ يفدوني بالنفس والمال والولد
كما صرَّحوا هم بذلك لا أنِّي طلبت منهم شيء من هذا، كان هذا في شهر جمادى الأُولى
سنة (١٤٢٣هـ)، وبعد ذلك بايع كثير من طلبة الحوزة العلميَّة، ثمّ جاءهم شيء من
الخوف بدأت قوَّات أمن صدَّام الملعون تتحرَّك باتِّجاهي، فتفرَّق القوم ونكثوا
البيعة، وكلُّ واحد أو جماعة بحثوا لهم عن حجَّة لنكث البيعة بتهمة يتَّهمونني بها،
ولكنَّهم في النهاية أجمعوا على أمرين:
الأوَّل: اتِّهامي بأنِّي ساحر عظيم.
الثاني: اتِّهامي بأنِّي أُسيطر على ممالك من الجنِّ أُسخِّرها للسيطرة عليهم.
وعدت إلى داري مرَّةً أُخرى بعد أنْ تفرَّق القوم ولم يبقَ معي إلَّا قلَّةٌ من
طلبة الحوزة العلميَّة وبعض المؤمنين، وفي هذا العام (١٤٢٤هـ) وفي شهر جمادى
الأُولى جاءني جماعة من هؤلاء المؤمنين وجدَّدوا البيعة لي وأخرجوني من داري وبدأت
الدعوة من جديد، وفي آخر يومين من شهر رمضان من هذا العام (١٤٢٤هـ) أمرني الإمام
المهدي (عليه السلام) أنْ أبدأ بمخاطبة أهل الأرض بأجمعهم وكلٌّ بحسبه وبحسب
الأوامر التي تصدر من الإمام المهدي (عليه السلام)، وفي يوم الثالث من شوَّال أمرني
الإمام المهدي (عليه السلام) بإعلان الثورة على الظالمين، وبحثِّ الخطى والعمل
بسرعة.
على كلِّ حالٍ، فيا أهل العراق إنَّ أبي قد أرسلني لأهل الأرض، وبدأ بكم وبأُمِّ
القرى النجف، وإنِّي لمؤيَّد بجبرائيل وميكائيل وإسرافيل وبملكوت
السماوات، وكثيرين
ممَّن قبلوني بقبول الحقِّ كُشِفَ عنهم الغطاء، فبصرهم اليوم حديد، فمنهم يرون ما
لا يرى الناس، ويسمعون ما لا يسمع الناس.. وأمَّا الرؤيات فكلُّ مدَّة من الزمن
يأتيني وفد من محافظات بعضها بعيدة عن النجف، وقد رأى الكثير منهم في منامهم ما
يُؤيِّد هذه الدعوة الحقَّة.. وقد أخبرت كثيرين بأُمور غيبيَّة بعضها حوادث مهمَّة
ومستقبليَّة.. ومَنْ يُكذِّب هذه الدعوة الحقَّة فها أنا ذا بين أيديكم.. أرشدوهم
فيها إلى اتِّباع هذه الدعوة الصادقة، وأنا مستعدٌّ للمباهلة، بل وأتحدَّى علماء
جميع طوائف المسلمين (شيعة وسُنَّة وعلماء النصارى واليهود) بأنِّي مرسَل بالنسبة
للمسلمين من المهدي (عليه السلام)، وبالنسبة للنصارى من عيسى (عليه السلام)،
وبالنسبة لليهود من إيليا (عليه السلام))(١٣٤).
التوقيع: الركن الشديد أحمد الحسن
وصيّ ورسول الإمام المهدي (عليه السلام) واليماني الموعود
النجف الأشرف (٢٨/شوَّال/١٤٢٤هـ)
المؤسِّس:
- أحمد الحسن.
- مولود في البصرة في العراق.
- خرِّيج كلّيَّة الهندسة، قسم الهندسة المدنيَّة.
- درس في الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف.
- يدَّعي أنَّ الإمام أرسله للإصلاح في الحوزة العلميَّة في النجف قبل حوالي أكثر
من خمس سنوات، ليمارس الإصلاح العلمي والعملي والاقتصادي في الحوزة وفي المجتمع
عموماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٤) كما جاء في موقعه في النت، ومن غير أيِّ تصحيح لغوي، ومع حذف بعض الفقرات.
عوامل نشأة بدعة السفارة في العراق:
تكمن في أجواء الظلم والجور الذي عاشه الشعب العراقي أيَّام الطاغية المقبور
صدَّام، والتي ولَّدت ظروف نفسيَّة وفكريَّة وثقافيَّة ودينيَّة داعمة لهذه
المزاعم.. وكذلك الظروف السياسيَّة والعسكريَّة التي تلاحقت من حروب ومعارك ودمار
حتَّى سقوط بغداد يوم (٩/٤/٢٠٠٣م) الموافق (٧/٢/١٤٢٤هـ)، وبقاء العراق تحت سيطرة
الاحتلال الأمريكي، وبالخصوص البصرة التي انطلقت منها دعوة السفارة تحت سيطرة
الاحتلال البريطاني، ذو الباع الطويل والخبيث في الاستغلال والاحتلال ونشر الفتن في
العالم الإسلامي.. فتمَّ استغلال الفكرة المهدويَّة الأصيلة بطريقة مؤسفة منحطَّة،
ودعمت السفارة الكاذبة أو المهدويَّة المزوَّرة في محاولة لتوظيف جوانبها
العقيديَّة والنفسيَّة في العمل السياسي، بل والعسكري أحياناً.. لذا ظهر بيانه
الأوَّل يوم (١/شوَّال/١٤٢٤هـ)، وشعاره أو توقيعه على شكل نجمة سداسيَّة (شعار
اليهود)، ومن هنا نعرف مَنْ يقف خلفه.
أفكار جماعة سفارة العراق:
وفي تلخيص لأهمّ أفكار الجماعة - حسب ما هو منشور في موقعهم في النت - نذكر خلاصةً
لمجمل دعوتهم بشكلٍ عامٍّ، ونذكر مجموعة أدلَّتهم والتي تُؤكِّد في نظرهم على أنَّ
السيِّد أحمد الحسن هو وصيّ ورسول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأنَّه اليماني
الموعود.. كما ذكرها ناظم العقيلي - أحد المؤمنين بدعوة السفارة في العراق - في
مذكَّرة (البلاغ المبين) المؤرَّخة (١٢/٢/١٤٢٥هـ)، حيث نقتطف منها الآتي: (وما
أُريد الإشارة إليه هي قضيَّة رسول الإمام المهدي (عليه السلام) أحمد الحسن الذي
بعثه الإمام المهدي (عليه السلام) قبل سنتين تقريباً إلى الناس كافَّة مبشِّراً
بقرب قيام الإمام (عليه السلام)، ومنذراً لأعدائه، وداعياً إلى لمِّ الشمل والسير
بالأُمَّة
البشريَّة نحو العمل الصالح من أجل تعجيل قيام الإمام (عليه السلام))..
ونتناول هذه القضيَّة من خمسة جوانب:
أوَّلاً: الجانب الروائي.. الإشارة إلى بعض الروايات الدالَّة على إرسال الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) رسولاً أو ممثِّلاً له أو نائباً، ورواية بها أسماء أصحاب
الإمام ومنها شخص اسمه أحمد ومن البصرة!
ثانياً: الجانب الغيبي.. كالإخبارات الغيبيَّة والرؤية في المنام والمكاشفات
بالأئمَّة الأطهار، علماً بأنَّ الرؤيا لا تُعتبَر حجَّةً أو دليلاً على صحَّة أيِّ
دعوة!
ثالثاً: الجانب العلمي.. دعا أحمد الحسن بعض العلماء بأنْ يناظروه، ثمّ تحدَّاهم،
ثمّ دعاهم إلى المباهلة، فامتنعوا - فاعتبر ذلك أكبر دليل على صدق دعواه.. كيف؟!
رابعاً: الجانب النوعي.. نوع ومضمون الدعوة وأساسيَّاتها وأهدافها وما تدعو إليه من
استغلال الفكرة الأصيلة بصورة مؤسفة منحرفة!
خامساً: الجانب الإعجازي.. الادِّعاء بأنَّ لديه معجزات وكرامات كالأنبياء
والأولياء.. وكما يقول أحمد الحسن في بيانه الأوَّل: (وأوَّل معجزة أُظهِرها
للمسلمين هي أنِّي أعرف موضع قبر فاطمة (عليها السلام) بضعة محمّد (صلَّى الله عليه
وآله)، وجميع المسلمين مجمعين على أنَّ قبر فاطمة (عليها السلام) مغيَّب لا يعلم
موضعه إلَّا الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو أخبرني بموضع قبر أُمِّي فاطمة
(عليها السلام)، وموضع قبر فاطمة (عليها السلام) بجانب قبر الإمام الحسن (عليه
السلام) وملاصق له، وكأنَّ الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مدفون في حضن فاطمة
(عليها السلام)).. ما هو صدق دعواه؟ وكيف لنا التأكُّد من صحَّة كلامه؟
ومن أفكار الجماعة ويعتبرونه من الأدلَّة على صدق دعوى أحمد الحسن الآتي:
١ - دعوى بأنَّ أحمد الحسن هو اليماني الموعود.. فقد جاء في بيان له بتاريخ
(٢١/ربيع الثاني/١٤٢٦هـ): (يجب أوَّلاً معرفة أنَّ مكَّة من تهامة، وتهامة من
اليمن، فمحمّد وآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) كلُّهم يمانيَّة.. واليماني يدعو
إلى الإمام المهدي (عليه السلام)، فلا بدَّ أنْ يكون اليماني أوَّل المهديِّين..
ومن هنا ينحصر شخص اليماني بالمهدي الأوَّل من الاثني عشر مهديًّا، والمهدي الأوَّل
بيَّنت روايات أهل البيت (عليهم السلام) اسمه وصفاته ومسكنه بالتفصيل، فاسمه أحمد،
وكنيته عبد الله، أي إسرائيل، أي أنَّ الناس يقولون عنه: إسرائيلي، قهراً عليهم
ورغم أُنوفهم.. وبهذا يكون اليماني اسمه أحمد، ومن البصرة، وفي خدِّه الأيمن أثر،
وفي بداية ظهوره يكون شابًّا، وفي رأسه حزاز.. والله ما أبقى رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) وآبائي الأئمَّة شيء من أمري إلَّا بيَّنوه، فوصفوني بدقَّة، وسمَّوني،
وبيَّنوا مسكني، فلم يبقى لبُس في أمري، ولا شبهة في حالي بعد هذا البيان، وأمري
أبين من شمس في رابعة النهار، وأنِّي أوَّل المهديِّين، واليماني الموعود).
٢ - يقولون: إنَّ زمان الظهور هو هذا الزمان الذي نعيشه، ومن الثابت وجود ممهِّدين
للإمام (عجَّل الله فرجه) متَّصلين به قبل قيامه في زمن الظهور، ولا يوجد مَنْ
يدَّعي اللقاء بالإمام - كما يزعمون -، وبهكذا أدلَّة - واهية غير حقيقيَّة - سوى
أحمد الحسن.
٣ - علم الحروف: يدَّعي أحمد الحسن أنَّه يستطيع أنْ يُثبِت أنَّه مرسَل من الإمام
المهدي عن طريق علم الحروف.
٤ - يعتمدون على الرؤيا والأحلام في إثبات أدلَّتهم، ويقولون: إنَّها حصلت بشكل
متواتر على أرض الواقع من مئات المؤمنين.. بالإضافة إلى الكشف والنقر في القلوب
والقرع في الآذان.
٥ - نجمة داود: حيث يدَّعي أحمد الحسن أنَّه كشف سرَّها ودافع عنها مع أنَّ
المسلمين يُحرِقونها ويدوسوها بالأقدام، ويزعم أنَّ كلمة محمّد واضح فيها.
مجابهة علماء العراق لتلك الحركة:
قد نهض فضلاء العراق ضدَّ هذه الحركة المشبوهة والموجَّهة من قِبَل أعداء الإسلام
والاستخبارات الغربيَّة ضدَّ الإسلام وضدَّ المذهب الشيعي(١٣٥) وبالخصوص ضدَّ أقوى
قلاع المذهب (المرجعيَّة).. وقد انبرى علماء العراق بخطوات عمليَّة لكشف حقيقة هذه
الحركة والحدِّ من انتشارها، ومن تلك الخطوات:
- مناظرة مكتب السيِّد الشهيد محمّد صادق الصدر في البصرة.
- مناظرة مكتب السيِّد الشهيد محمّد صادق الصدر في بغداد.
- تهرُّبهم من مناظرة الشيخ عليٍّ الكوراني.. وقد وصف الشيخ ثقافة أحمد الحسن
بالعاديَّة جدًّا، وقال: (إنَّ أحمد الحسن يهرب من المناظرة، وعندما نسأله عن
المعجزات التي لديه والتي تُؤكِّد أنَّه وصيُّ الإمام المهدي (عليه السلام) يهرب من
الإجابة)(١٣٦).
إلَّا أنَّ خطر هذه الجماعة لا زال قائماً، ويحتاج إلى مزيد من الجهد لإيضاح وكشف
حقيقتها.
وهنا لا يسعنا إلَّا أنْ نشير إلى التوقيع الذي خرج منه (عجَّل الله فرجه) إلى
نائبه السمري كما جاء في (كمال الدِّين):
روى الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنُ بْنُ
أَحْمَدَ اَلمُكَتِّبُ، قَالَ: كُنْتُ بِمَدِينَةِ اَلسَّلَامِ فِي اَلسَّنَةِ
اَلَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا اَلشَّيْخُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيُّ
(قَدَّسَ اَللهُ رُوحَهُ)، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ
إِلَى اَلنَّاسِ تَوْقِيعاً نُسْخَتُهُ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٥) ارجع إلى كتاب: مؤامرة التفريق بين الأديان الإلهيَّة لمؤلِّفه الدكتور مايكل
برانت، وفيه يكشف عن برنامج مدروس للاستخبارات الأمريكيَّة موجَّه ضدَّ مذهب الشيعي
والشيعة، والهدف إضعاف المرجعيَّة بحلول (٢٠١٠م).
(١٣٦) موقع العربيَّة نت يوم الجمعة (١٩/١/٢٠٠٧م) الموافق (٣٠/١٢/١٤٢٧هـ).
«بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيَّ،
أَعْظَمَ اَللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ
وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ
مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلثَّانِيَةُ (وفي
رواية الطوسي: التامَّة)، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَلله (عزَّ وجلَّ)،
وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ اَلْقُلُوبِ، وَاِمْتِلَاءِ
اَلْأَرْضِ جَوْراً، وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا
فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ
فَهُوَ كَاذِبٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله اَلْعَلِيِّ
اَلْعَظِيمِ»(١٣٧).. وقد علَّق الشيخ المجلسي (رحمه الله) بعد نقله هذا التوقيع
وقال: (لعلَّه محمول على مَنْ يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه
(عليه السلام) إلى الشيعة على مثال السفراء)(١٣٨)، وهو ما دلَّل عليه بعض العلماء
بتكذيب المشاهدة في الغيبة الكبرى إذا ادَّعى صاحبها السفارة والتبليغ عن الإمام
(عجَّل الله فرجه)، وهو ما تكاد تجمع على معناه آراء العلماء.
فتوى العلماء:
وقد وُجِّه سؤال في شهر جمادى الثاني من عام (١٤٢٧هـ) إلى مراجعنا العظام وبعض
الأعلام حول دعوى السفارة، وعن أيِّ شخصٍ يقول ذلك، أو يدَّعي الآتي:
١ - رؤية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
٢ - أنَّه بوَّابة بين الناس والإمام (عجَّل الله فرجه) في إيصال رسائلهم إليه
(عجَّل الله فرجه).
٣ - يأمر الناس بتنفيذ أوامر خاصَّة صدرت منه (عجَّل الله فرجه).
٤ - أنَّه مسدَّد من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
فجاء الموقف الشرعي بفتوى مراجعنا العظام كالآتي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٧) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)؛ الغيبة للطوسي (ص ٢٩٥/ ح ٣٦٥).
(١٣٨) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥١/ باب ٢٣/ ذيل الحديث ١).
١ - جواب السيِّد عليٍّ السيستاني: يجب اجتناب مثل هؤلاء ومتاركتهم وحثُّ المؤمنين
على تركهم وعدم استماع مثل هذه الدعاوى الباطلة ولكن من دون إثارة ضوضاء.
٢ - جواب الشيخ الصافي الكلبايكاني: لا يُصدَّق، ولا يجوز قبول كلِّ ما ذُكِرَ من
أحد كائناً هو مَنْ كان.
٣ - جواب الشيخ ميرزا جواد التبريزي: إنَّ أمره مريب، فلا طاعة له، ولا يجوز
الترويج له وتأييده بأيِّ وجه من الوجوه، ويجب الحذر منه ومن دعاوى أمثاله الكثيرة
في هذا الزمان، أجارنا الله وإيَّاكم من مضلَّات الفتن.
٤ - جواب السيِّد صادق الشيرازي: خرج التوقيع الشريف من الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) إلى أبي الحسن السمري «أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ
اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ».
٥ - جواب الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: هذه دعاوى باطلة وخرافيَّة لا يدَّعيها إلَّا
مخبَّط أو كذَّاب، واللَّازم على المؤمنين والمؤمنات أيَّدهم الله تعالى هو
الاجتناب عنه وإرشاده إلى الحقِّ ونهيه عن هذه المنكرات الواضحة.
٦ - جواب السيِّد عبد الكريم الأردبيلي: قد دلَّت الروايات على تكذيب مدَّعي
الرؤية، وعليه فلا يُرتَّب الأثر على دعواه، والله الموفِّق للصواب والسداد.
٧ - جواب السيِّد محمّد صادق الروحاني: كلُّ ما يدَّعيه هذا الشخص لنا روايات تدلُّ
على خلافه، ومع قطع النظر عن ذلك أيُّ عاقل يسمح لنفسه أنْ يقبل ما يدَّعيه أحد
مثله بلا دليل وبرهان؟ فالواجب على كلِّ واحدٍ معارضته وعدم قبول ما يدَّعيه بلا
خشونة ولا إهانة، بل بالسؤال عمَّا يدَّعيه، ودليل ذلك بأيِّ شيء من القرآن أو
الروايات أو العقل.
٨ - جواب السيِّد كاظم الحائري: نحن لا نؤمن بهذه الأُمور حيث إنَّ الإمام (عليه
السلام) ليس له ارتباط بشخص في زمن الغيبة الكبرى.
٩ - جواب السيِّد محمّد الشاهرودي: ورد في الأحاديث أنَّ مَنِ ادَّعى الرؤية في
زمان الغيبة فكذِّبوه، والقدر المتيقَّن هو فيمن ادَّعى الرؤية والنيابة الخاصَّة،
فيجب التحذير الشديد عن أمثال هؤلاء ممَّن يدَّعي الرؤية والنيابة عن الإمام
الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، والإمام (أرواحنا له الفداء) لا يرتبط بالناس في عصر
الغيبة لا مع الواسطة ولا مباشرةً وإنَّما يرعاهم من وراء ستار الغيبة، والمرجع في
حال الغيبة الفقهاء العدول «وَأَمَّا اَلْحَوَادِثُ اَلْوَاقِعَةُ فَارْجِعُوا
فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ، وَأَنَا
حُجَّةُ اَلله»(١٣٩).
١٠ - جواب العلَّامة الشيخ عليٍّ الكوراني: هذه دعوى باطلة ودعوى ضالة، وهذا هو
الحقُّ، وهو موقف كلِّ علمائنا من الدعاوى التي لا تستند إلى دليل إلَّا الهوى
والخيال.. وواجب المؤمنين تجاهها أنْ يطلبوا من المدَّعي لسفارة ونحوها أنْ يُقدِّم
المعجزة البيِّنة للناس، لأنَّ الإمام (صلوات الله عليه) لا يُكلِّف أحداً بتبليغ
شيء عنه للناس إلَّا ويُعطيه ممَّا أعطاه ربُّه علامة وآية تدلُّ على صدقه.. فإنْ
لم يكن عند المدَّعي معجزة فهو كاذب أو مريض بالخيال، عصمنا الله وإيَّاكم من ذلك.
١١ - جواب السيِّد علوي الكركاني: إنَّ الأُمور التي تدعو (الشخص) غير صحيحة، فيجب
أنْ يُكذَّب ولا يُعتنى بأقواله وأوامره، والتابعون له يجب أنْ يحذروا منه، ولذا
فإنَّ علماءنا الكبار الذين يتشرَّفون قطعاً بلقاء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
لم يدَّعوا هذه الأُمور، ولذا فإنَّ تقويته وتأييده بأيِّ نحو كان حرام شرعاً.
إنَّ مدَّعي السفارة أو البابيَّة يستغلُّون حبَّنا للإمام (عجَّل الله فرجه)،
ويعرفون مدى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣٩) كمال الدِّين (ص ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤).
تعلُّقنا بالإمامة، وحينها ينصبون ويحتالون على البسطاء والسُّذَّج
والضعفاء من الناس.. كما نرى ذلك في القصَّة التالية:
- القبض على رجل يزعم ارتباطه بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): فقد قام الإيراني
محمود (٣٧ عاماً) بتأسيس مركز لكتابة الأوراد والأحراز في مدينة زنجان (غرب إيران)
بعد أنْ زعم أنَّه على ارتباط مستمرٍّ بالإمام المهدي المنتظَر، وكان بعض المواطنون
السُّذَّج وطلبة الجامعات والفتيات من أبرز زبائن هذا النصَّاب، الذي جنى خلال فترة
قصيرة أموالاً طائلة زاعماً للأشخاص أنَّ ما يكتبه لهم من أوراد وأدعية هي مرسَلة
من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
لكن عين قوى الأمن الإيرانيَّة كانت له بالمرصاد، فقامت الأجهزة الأمنيَّة ابتداءً
بجمع المعلومات وإجراء التحقيقات الكافية مع ضحايا هذا الدجَّال، ومن ثَمَّ حصلت
على أمر قضائي لتفتيش مركزه والقبض عليه.
وعثر رجال الأمن في مقرِّ هذا الشخص على كمّيَّات من مادَّة الترياق المخدِّرة وسيف
وعصا خضراء وشالات خضراء وقبُّعة خضراء وكُتُب للأوراد والأدعية.
واكتشف المداهمون أنَّ فتاةً طهرانيَّة تبلغ من العمر (٢٠ عاماً) أصبحت من المقيمين
والدائمين في بيت هذا النصَّاب من شدَّة تأثُّرها به وخداعه لها، وأنَّه كان على
وشك أنْ يذهب معها إلى طهران لابتزاز صديقاتها من أجل الحصول على مبلغ من المال
يُقدَّر بنحو (٣٠) ألف دولار(١٤٠).
الخلاصة:
إنَّ دعوى السفارة، هي ادِّعاء الصلة بالإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) في غيبته
الكبرى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٠) الصُّحُف المحلّيَّة السعوديَّة، يوم الأحد (١٢/٦/٢٠٠٥م) الموافق (٥/٥/١٤٢٦هـ).
على نحو يدَّعي أنَّه يتلقَّى منه الأحكام الشرعيَّة والمسائل الفقهيَّة، سواء أوافقت هذه الأحكام والمسائل الحقَّ والصدق والواقع ممَّا يُفتي به الفقهاء العدول الأُمناء على حلال الله وحرامه أم لم توافق.. وتكمن الخطورة في ذلك لاعتقادهم أنَّه يجب الاستغناء عن الفقهاء، لأنَّ الفقهاء يعيشون مرحلة الحكم الظاهري (حسب قواعد الاجتهاد الفقهي)، وهذه المرحلة قد انتهت بظهور السفير (السفارة، البابيَّة) الذي يرجع للإمام (عجَّل الله فرجه) مباشرةً، وبالتالي ينقل الأحكام والمسائل الحقَّ والصدق.. إنَّ موقع الإمامة والاتِّصال بها لها من الأهمّيَّة على الصعيد المالي والاجتماعي، وقد حرَّم العلماء والفقهاء ادِّعاء السفارة (البابيَّة) خصوصاً إذا تبعه نسبة شيء إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)، كما لو تقوَّل مدَّعي السفارة على الإمام (عجَّل الله فرجه) ما لم يقله أو لم يفعله أو لم يُقرِّره، فيكون بذلك يكذب على الإمام (عجَّل الله فرجه)، ولذلك العمل ما له من خطورة وعقوبة.
* * *
القسم الثاني: ادِّعاء المهدويَّة كذباً
إنَّ الواقع النفسي السيِّئ والمرير الذي يواجه الأُمَّة الإسلاميَّة والشعوب
المسلمة يزداد باستمرار بسبب تراكم إحباطات ومعوِّقات الواقع السياسي والاجتماعي
والاقتصادي والفكري للمسلمين، وتزداد قوَّة الضغوط النفسيَّة على المسلمين طالما
أنَّ خطَّ الظلم - الذي يمارسه المستكبرون - ضدَّ الناس لا يتراجع، بل يزداد
قسوةً.. وفي مثل هذه الأجواء النفسيَّة نشأت مجموعة متداخلة من المشكلات النفسيَّة
في البيئة المسلمة، كالحيرة واليأس والتيه، والمواقف الإحباطيَّة ونكوص (وخروج)
الشخصيَّة المسلمة عن استقامتها، والتشكيك في بعض العقائد وتقلُّب المشاعر،
وخاصَّةً إذا ادلهمَّت الخطوب واشتدَّت ضغوط الظالمين.. ممَّا ولَّد لدينا شخصيَّات
يُخيَّم عليها القلق والاضطراب والخلط والتخبُّط في تحديد الرؤيا الواقعيَّة
للحياة، فتسبح في عالم الظلمات في مسيرتها الحياتيَّة وتُحلِّق في عالم الأوهام
والخيالات وتغوص في أوحال التيه والضياع في آمالها وطموحاتها.
ولا يمكننا الجزم بأنَّ واقع المسلمين النفسي عبارة عن الإحباطات والمعوِّقات
المنبثطة، بل يضمُّ كذلك بعض المتغيِّرات الإيجابيَّة كالبشائر النبويَّة بوجود
المنقذ وبخروجه آخر الزمان ممَّا له أثر في النفوس، غير أنَّ أصحاب النفوس المريضة
تُحرِّكهم الآمال النفسيَّة المستوحاة من البشائر وتثير حماسهم لمواجهة الواقع
وتغييرة، فيتعاملون مع هذه الآمال بنظرات خاطئة ومريضة لا تخلو من استغلال،
(فيستغلُّ المدَّعون والمدلِّسون ظواهر نفسيَّة صعبة اكتوت
منها النفوس لمدَّة
طويلة في مختلف البيئات المسلمة، تجعل الأجواء مهيَّأة نفسيًّا لإعلان ظهور مهدي
(مزوَّر) آخر لا تنطبق عليه الأوصاف ولا يقترن ظهوره بعلامات معيَّنة ومحدَّدة..
فاليائس المعذَّب الباحث بقوَّة عن مخرج أو منفذ - لتفريغ شحناته الانفعاليَّة -
يتعلَّق بأيِّ (مهدي) مفتَعل لتخليص نفسه من معاناتها، ومن غوائل يأسها القاتل،
لأنَّ الحماس الذي تثيره بشارة المهدي تقود بعض التائهين إلى الاستعجال في عمليَّات
التغيير لواقعنا المنحرف، وهكذا فإنَّ ظواهر الواقع النفسي الضاغطة على المسلم تجعل
بعضهم يتجاوب مع حالات الادِّعاء بالمهدويَّة، لهذا تتكرَّر بين فترة وأُخرى حالة
(المهدي الكاذب))(١٤١).
وفي ظلِّ غياب التوجيه التربوي السليم لفئات المجتمع المسلم وضعف توعيتها بمفاهيم
الإسلام، وانحراف أفكار وعقائد بعض المذاهب الإسلاميَّة التي تدَّعي بأنَّ المهدي
سيُولَد آخر الزمان وهو من عامَّة الناس، وأنَّه المهدي لا يعرف نفسه مسبقاً،
إنَّما يُلهَم بعد ذلك حقيقة شخصيَّته والدور المطلوب منه، فإنَّ مثل هذه الأفكار
والأُطروحات تدفع إلى إفساح مجال أكبر لادِّعاء المهدويَّة، وتهيئة الأرض الخصبة
لمثل هذه الدعاوى، وإفساح مجال أكبر لظهور حالات معقَّدة من الانحرافات السلوكيَّة.
وبما أنَّ زماننا الحالي زمان الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) المنقذ
للبشريَّة، والأوان أوانه وأنَّه يُترقَّب ظهوره في كلِّ لحظة ويُتوقَّع خروجه
للملأ في كلِّ وقت من زماننا هذا.. ظهر في السنوات الأخيرة في أوساط أهل السُّنَّة
أفراد يدَّعون أنَّهم (المهدي المنتظَر)، وأنَّ الله سبحانه وتعالى بعثهم أو أرسلهم
أو ألهمهم بأنْ ينقذوا البشريَّة من الفساد والظلم.. ولكن الذي يحصل من مدَّعي
المهدويَّة (قديماً أو حديثاً) أنَّهم يستغلُّون البسطاء من الناس، ويعمدون إلى
تسلُّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤١) سيكولوجيَّة الانتظار (ص ٧٩).
مكانة المهدي الموعود، فإذا ما اجتمع الناس حولهم وانخدعوا بأقوالهم كانوا
سبباً في تشتُّت المسلمين وإيجاد جرح جديد في الأُمَّة الإسلاميَّة.
سنتعرَّف على أمثلة ممَّن ادَّعوا المهدويَّة والذين ظهروا حديثاً في أنحاء شتَّى
من العالم الإسلامي، ولكن قبل ذلك نورد أمثلة مختصرة عن الادِّعاءات المهدويَّة
التي حدثت في التاريخ الإسلامي، لتتَّضح حقائق الأُمور:
لقد بدأت المؤامرة على العقيدة (بالإمام المهدي المنتظَر) تاريخيًّا في عصر الخلافة
الأُمويَّة، في محاولة من معاوية نفسه، تطبيق فكرة المهدي على عيسى بن مريم (عليه
السلام)، فقال: (زعمتم أنَّ لكم ملكاً هاشميًّا ومهديًّا قائماً، والمهدي عيسى ابن
مريم، وهذا الأمر في أيدينا حتَّى نُسلِّمه له)(١٤٢)، وواضح أنَّ معاوية يريد أنْ
يقضي على فكرة المهدي المنتظَر في الإسلام، ويجعلها من خصائص الديانة المسيحيَّة..
ثمّ توالت الدعوات المهدويَّة:
١ - ذهبت السبئية إلى مهدويَّة الإمام علي عليه السلام.
٢ - ذهبت الكيسانيَّة إلى مهدويَّة محمّد بن الحنفيَّة وولده أبي هاشم عبد الله بن
محمّد بن الحنفيَّة.
٣ - ادَّعى الحسنيُّون مهدويَّة محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنَّى.
٤ - قال العبَّاسيُّون بمهدويَّة محمّد بن عبد الله العبَّاسي.
٥ - ذهبت الناووسيَّة إلى مهدويَّة الإمام الصادق (عليه السلام).
٦ - ذهبت الإسماعيليَّة إلى مهدويَّة إسماعيل ابن الإمام الصادق (عليه السلام).
٧ - قالت الفطحيَّة بإمامة عبد الله بن الأفطح ومهدويَّة ولده محمّد بن عبد الله
الأفطح.
٨ - قالت الواقفيَّة بإمامة ومهدويَّة الإمام الكاظم (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٢) الملاحم والفتن لابن طاوس (ص ٢٣٨/ ح ٣٤٥).
٩ - قالت المحمّديَّة بمهدويَّة محمّد ابن الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام)،
وهؤلاء رفضوا كالإسماعيليَّة الاعتراف بوفاته في حياة أبيه، وأصرُّوا على حياته
وغيبته ومهدويَّته.
١٠ - قال آخرون بمهدويَّة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وأنَّه غاب ولم
يُخلِّف ولداً، ومنهم من قال بإمامة جعفر ابن الإمام عليٍّ الهادي (عليه السلام).
هذه باختصار أهمّ الادِّعاءات المهدويَّة التي ذُكِرَت في التاريخ الإسلامي
الأوَّل.. أمَّا بعد عصر الغيبة الصغرى فقد خرج أدعياء كثيرون للمهدويَّة الكاذبة،
نذكر منهم(١٤٣):
١ - عبيد الله المهدي: وقد خرج سنة (٢٩٧هـ) من أفريقيا باعتباره المهدي، وأسَّس
الدولة الفاطميَّة، وهو الذي بنى مدينة المهديَّة في أحد سواحل تونس.
٢ - محمّد بن عبد الله بن تومرت العلوي الحسني (٤٨٥ - ٥٢٤هـ)، المعروف بالمهدي
الهرغي: وتسكن قبيلته المصامدة المغرب، وخرج سنة (٤٩٧هـ) باعتباره المهدي، وأسَّس
دولة (الموحِّدين).
٣ - الناصر لدين الله: من الخلفاء العبَّاسيِّين، وُلِدَ سنة (٥٥٠هـ)، مدحه ابن
التعاويذي في البيتين باعتباره المهدي المنتظَر:
أنت الإمام المهدي ليس لنا * * * إمام حقٍّ سواك يُنتظَر
تبدو لأبصارنا خلافاً لمن * * * يزعم أنَّ الإمام منتظَر
٤ - رجل كان يُدعى عبَّاس الفاطمي: خرج في غمازة بين (٦٠٠ - ٧٠٠هـ)، وادَّعى أنَّه الفاطمي المنتظَر، ومال إليه جمع غفير من أهالي غمازة، وقُتِلَ في نهاية الأمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٣) الإمام المهدي واليوم الموعود (ص ١٨٩ - ١٩٤).
٥ - رجل اشتهر بالتويزري: نسبةً إلى تويزر من نِحَل الصوفيَّة، خرج من رباط ماسه،
وادَّعى أنَّه المهدي الفاطمي، ومال إليه عدد كبير من أهالي سوس وغيرها، وقُتِلَ
أخيراً.
٦ - إسحاق السبتي الزوي: الذي خرج في عهد السلطان العثماني محمّد الرابع سنة
(٩٨٦هـ)، مدَّعياً المهدويَّة، وكان تركيًّا ومن أهالي مير.
٧ - رجل خرج سنة (١٢١٩هـ) في مصر مدَّعياً المهدويَّة، وهو من مواليد طرابلس،
وسرعان ما اشتبك في الحرب ضدَّ جيش قادم من فرنسا حيث قُتِلَ مع عدد من أنصاره.
٨ - محمّد أحمد: الذي خرج سنة (١٢٦٠هـ) من السودان، وهو من قبيلة الدناقلة، وُلِدَ
في جزيرة (نبت) مقابل (دنقلا).
٩ - رجل من سلالة الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، خرج في رباط عبادة حيث دعا إلى
مهدويَّة نفسه باعتباره الفاطمي المنتظَر، واجتمع حوله عدد من الناس.
١٠ - أحمد بن أحمد الكيَّال: الذي دعا الناس أوَّلاً إلى إمامته، ثمّ خرج مدَّعياً
المهدويَّة وأسَّس فرقة الكيَّاليَّة.
١١ - مهدي تهامة: ظهر في تهامة باليمن سنة (١١٥٩م)، وادَّعى أنَّه الإمام المنتظَر،
وتبعه فريق من الأعراب، واستطاع القضاء على دولة الحمدانيِّين في (صنعاء) والدولة
النجاحيَّة في (زبيد).
١٢ - أحمد بن محمّد الباريلي: ويُسمَّى بالمهدي الوهَّابي، وُلِدَ سنة (١٢٢٤هـ) في
مدينة (بريلي) بالهند، وعرَّف نفسه باعتباره من أحفاد الإمام الحسن (عليه السلام)،
وأعلن الحرب ضدَّ الهندوس والسيخ في بنجاب الهند وقُتِلَ، وقد مهَّد بأفكاره ودعواه
الطريق لخروج القاديانيَّة.
١٣ - الميرزا غلام أحمد القادياني: خرج سنة (١٨٢٦م) من البنجاب
بالهند، وحارب جماعة
السيخ هناك باعتباره نبيًّا، وأسَّس فرقة القاديانيَّة التي لا يزال لها أتباع
حتَّى الآن في الهند.
١٤ - محمّد مهدي السنوسي ابن الشيخ السنوسي: خرج من بلاد المغرب في أواسط القرن
التاسع عشر الميلادي، وقد قال قبيل موته: إنَّه ليس المهدي المنتظَر.
١٥ - عليّ محمّد الشيرازي المعروف بالباب: وُلِدَ في شيراز (إيران) سنة (١٢٣٥هـ)،
ادَّعى في البداية أنَّه باب المهدي المنتظَر، ثمّ استقلَّ في دعواه معرِّفاً نفسه
بأنَّه المهدي، ولـمَّا رأى كثرة الحمقى حوله عندئذٍ ادَّعى النبوَّة، وفي النهاية
اشتدَّ به الجنون فطمع في الأُلوهيَّة، وأُعدِمَ في سنة (١٢٦٥هـ).
١٦ - مهدي السنغال: ظهر في السنغال سنة (١٨٢٨م)، وادَّعى أنَّه المهدي المنتظَر،
ورفع راية الثورة على الحكم القائم إلَّا أنَّه فشل وقُتِلَ.
١٧ - مهدي الصومال: ادَّعى محمّد بن عبد الله سنة (١٨٩٩م) أنَّه الإمام المنتظَر،
وكان له نفوذ في قبيلته (أُوجادين) مدَّة عشرين عاماً، وحارب البريطانيِّين
والإيطاليِّين والأحباش، وتُوفِّي سنة (١٩٢٠م).
هذه الأسماء هي أهمّ وأبرز الدعوات التي دُوِّنت وكُتِبَت في سجلِّ الادِّعاءات
المهدويَّة المزيَّفة الباطلة.
أمَّا في هذه الأيَّام الأخيرة ظهر أفراد سوَّلت لهم أنفسهم أنْ يدَّعوا المهدويَّة
كذباً وزوراً، فالتقارير الأخباريَّة والصحفيَّة والأمنيَّة تُؤكِّد ظهور عشرات
مدَّعي المهدويَّة في العالم الإسلامي حاليًّا.. فهذه الظاهرة النشاز التي تركت
تأثيراً نفسيًّا وفكراً ضارًّا على الإيمان بعقيدة المهدي المنتظَر (الحقيقي) هي
تكرار حالات الادِّعاء بالمهدي السابقة، فرغبةً من بعض الأفراد في المجتمع الإسلامي
في تقمُّص شخصيَّته الكريمة والتشبُّه بالأدوار الجهاديَّة التي
يُؤدِّيها (عجَّل
الله فرجه) بعد ظهوره المبارك، ظلَّت هذه الحالة النشاز تظهر وتخبو وهكذا، ولا زلنا
نسمع بين الفينة والأُخرى عن أشخاص يزعمون في مجتمعاتهم أنَّهم المهدي المنتظَر..
ومن أسماء الادِّعاءات التي رصدناها في الفترة الأخيرة الآتي:
مدَّعي المهدويَّة في السعوديَّة (١٩٧٩م):
المهدي القحطاني: محمّد بن عبد الله القحطاني، خرج في اليوم الأوَّل من عام
(١٤٠٠هـ)، نوفمبر عام (١٩٧٩م)..
قصَّة المهدي المزعوم واحتلال الحرم المكّي (١٩٧٩م):
احتلَّ جهيمان الحرم المكّي مع مجموعة له بالأسلحة، وحاصروا المصلِّين، وادَّعى
أحدهم بأنَّه المهدي المنتظَر.
مَنْ هو جهيمان؟
الاسم: جهيمان بن محمّد بن سيف العتيبي، عمل موظَّفاً في الحرس الوطني السعودي
لمدَّة ثمانية عشر عاماً.. درس الشريعة الدِّينيَّة في جامعة مكَّة المكرَّمة
الإسلاميَّة.. وانتقل بعدها إلى الجامعة الإسلاميَّة في المدينة المنوَّرة.. وفي
المدينة المنوَّرة التقى جهيمان بشخص يُدعى (محمّد بن عبد الله القحطاني) أحد
تلامذة الشيخ عبد العزيز بن باز.. توطَّدت العلاقة بين الرجلين.. وخاصَّةً أنَّهما
التقيا فكريًّا في العديد من الرؤى الأيديولوجيَّة المتطرِّفة، من حيث تكفير
الدولة، بل وتكفير المجتمع بأكمله، والتزمُّت الشديد، ممَّا أدَّى إلى اعتزالهما
المجتمع ورفض معالمه المدنيَّة من إذاعة وتلفزيون وصحافة.. تزوَّج محمّد القحطاني
بأُخت جهيمان العتيبي، ممَّا زاد التقارب بين الرجلين بشكل أكبر وأخطر.. بدأ جهيمان
وصهره بنشر أفكارهما المتزمِّتة بشكل سرِّي، وعلى نطاق ضيِّق في بعض المساجد
الصغيرة بالمدينة المنوَّرة، لقيت هذه الأفكار صدًى إيجابيًّا عند البعض، وأخذت
الجماعة التي أسَّسها جهيمان تكبر، حتَّى وصل عدد
أفرادها إلى الآلاف.. لم يدَّخر جهيمان وجماعته جهداً في معاداة الأنظمة الحاكمة لأنَّها (من وجهة نظرهم) لا تحكم
بشرع الله، وكان هذا جليًّا في الرسائل التي كتبها بنفسه أو من قِبَل أتباعه، والتي
تبيَّن فيها فكر ونظرة الجماعة فيما يتعلَّق بأُمور الحكم والخلافة.. كما يؤمن
أتباع جهيمان بهجر المجتمع ووسائله المدنيَّة والانعزال عنه نظراً لتفشِّي الفساد
والرذيلة في المجتمع وبُعده عن الصراط المستقيم، هذا من جانب.. ومن جانب آخر يرى
جهيمان وأتباعه بضرورة عدم موالاة الأنظمة التي لا تحكم بشرع الله، ولا تنتهي
بنواهيه.
المهدي المنتظَر:
يؤمن المسلمون من أهل السُّنَّة بقدوم مجدِّد للدِّين كلُّ مائة عام، كما يؤمن
أتباع السُّنَّة بقدوم المهدي المنتظَر والذي يُوصَف بأنَّه من آل بيت الرسول
(صلَّى الله عليه وآله)، واسمه محمّد، كما في الروايات، ويخرج المهدي بالمسجد
الحرام هرباً من (أعداء الله).
في أواخر عام (١٣٩٩هـ) أبلغ محمّد بن عبد الله القحطاني صهره (جهيمان) بأنَّه رأى
في منامه أنَّه هو المهدي المنتظَر! وأنَّه سوف يُحرِّر الجزيرة العربيَّة، والعالم
كلَّه من الظالمين.. وهنا بدأت أطراف المعادلة تكتمل في ذهن جهيمان، باقتراب حلول
القرن الهجري الجديد، وبصهر يُسمَّى (محمّد بن عبد الله) ولم يكن ينقص المعادلة
إلَّا بيت الله الحرام ليلوذ إليه (المهدي المنتظَر)، وهذا ما تمَّ فيما بعد.
دخول الحرم المكّي:
مع بزوغ فجر غرَّة محرَّم من العام (١٤٠٠هـ) الموافق (٢٠/ نوفمبر/ ١٩٧٩م)، دخل
جهيمان وجماعته المسجد الحرام في مكَّة المكرَّمة لأداء صلاة الفجر وهم يحملون
نعوشاً.. وأوهموا حرَّاس المسجد الحرام أنَّها نعوش لموتى،
وسيصلُّون عليها صلاة
الميِّت بعد صلاة الفجر، والحقيقة أنَّ هذه النعوش لم تكن إلَّا مخازن للأسلحة
الناريَّة والذخائر.. وما أنِ انقضت صلاة الفجر، حتَّى قام جهيمان وصهره أمام
المصلِّين في المسجد الحرام ليُعلِنوا للناس نبأ المهدي المنتظَر (الكذَّاب) وفراره
من (أعداء الله) واعتصامه في المسجد الحرام.
قدَّم جهيمان صهره محمّد بن عبد الله القحطاني بأنَّه المهدي المنتظَر، ومجدِّد هذا
الدِّين، في ذاك اليوم من بداية القرن الهجري الجديد!.. قام جهيمان وأتباعه بمبايعة
(المهدي المزعوم)، وطلب من جموع المصلِّين مبايعته، وأوصد أبواب المسجد الحرام،
ووجد المصلُّون أنفسهم محاصرين داخل المسجد الحرام.. في نفس الوقت كانت هناك
مجموعات أُخرى من جماعة جهيمان، تقوم بتوزيع منشورات ورسائل وكتيِّبات كان جهيمان
قد كتبها من قبل في السعوديَّة وبعض دول الخليج.
احتجز جهيمان وجماعته كلَّ مَنْ كان داخل الحرم، بما فيهم النساء والأطفال (٣)
أيَّام، وبعد ذلك أخلى جهيمان سبيل النساء والأطفال فقط.. وبقى عدد لا بأس به من
المحتجزين داخل المسجد.
النهاية:
حاولت الحكومة السعوديَّة منذ اللحظات الأُولى حلَّ هذه المشكلة ودّيًّا مع جهيمان..
بالاستسلام، والخروج من الحرم، وإطلاق سراح الرهائن المحتجزين، إلَّا أنَّه رفض.
عُطِّلت الصلاة والمناسك في البيت الحرام، وتبادل الطرفان إطلاق النيران الكثيف،
وأصاب المسجد الحرام ضرر بالغ جرَّاء هذه الأحداث، وعندما نفد صبر الحكومة
السعوديَّة، تدافعت قوَّاتها معزَّزة بقوَّات الكوماندوز، في هجوم شامل، واستخدمت
فيه تقنيَّات عسكريَّة جديدة، لم يعهدها جهيمان وأتباعه،
فسقط منهم الكثير.. كان
ممَّن سقط قتيلاً صهره محمّد بن عبد الله والذي كانوا يدَّعون أنَّه المهدي
المنتظَر، وبسقوطه قتيلاً، صُدِمَ أتباع جهيمان صدمة كبيرة، فهم كانوا يعتقدون
أنَّه لا يموت، فبدأوا بالانهيار والاستسلام تباعاً، واستسلم جهيمان ومَنْ بقى من
أتباعه.
بعد فترة وجيزة، صدر حكم المحكمة بإعدام (٦١) شخصاً من أفراد الجماعة، وكان جهيمان
من ضمن قائمة المحكومين بالإعدام.. لتنتهي بذلك قصَّة احتلال الحرم المكّي وادِّعاء
المهدويَّة.
مدَّعي المهدويَّة في الكويت (١٩٩١م - حتَّى الآن):
يوجد حاليًّا في الكويت مَنْ يُدعى (المهدي اللحيدي)، وهو يرجع في معتقَده إلى
الأُصول السلفيَّة.. كان بادئ أمره يدَّعي صلاح نفسه، ثمّ تدرَّج به الأمر إلى أنْ
زعم فساد المجتمع بأسره.. الأمر الذي دعاه إلى اعتزال الناس، ثمّ وصل به الحال إلى
أنْ زعم أنَّه هو جدُّ المهدي المنتظَر، ثمّ تطوَّر الأمر بأنْ جعل نفسه هو المهدي
بعينه، ولم يقف به الأمر إلى ذلك، بل زعم أنَّه الرسول المبين.
اسمه:
الحسين بن موسى بن الحسين اللحيدي، ترجع أُصوله إلى قبيلة عنزة، كنيته (أبو عبد
الله)، وهو كويتي الجنسيَّة من منطقة الجهراء، يعيش في عزلة عمَّن حوله، ولا يعترف
بأقرب قريب إلَّا إذا كان ممَّن يواليه، بل إنَّ كثيراً من أقاربه تبرَّأ منه ومن
أفكاره.
قصَّته:
كان في مرحلة شبابه يعيش مرحلة فسق وفجور، كما يصفه أحد أتباعه بذلك، ثمّ توارى عن
الأنظار لمدَّة خمس سنوات، ثمّ ظهر فجأةً وعليه سمات المتديِّنين.. يقول أحد
مؤيِّديه ويُدعى (قديم الأيَّام) في ردٍّ على أحد المتسائلين
بشأن المهدي المزعوم:
إنَّه كان في ألمانيا بغرض السياحة - خمس سنوات سياحة؟ -: (لقد اقتضت حكمة الله
(عزَّ وجلَّ) أنْ لا يكون (لأبي عبد الله اللحيدي المهدي) أيُّ شيخ من المعاصرين
ممَّن أدركهم من الأحياء، ولا يثق بأيِّ أحدٍ منهم على الإطلاق.. وبعد هداية الله
تعالى له وانشراحه الصدر لصافي الدِّين وحقيقته وهو في ألمانيا في ابتدأ سفرة أُولى
سياحيَّة، فكان أنِ اقترن به منادي الحقِّ يتلجلج في جوفه وكأنَّه يسمعه بأُذُنه،
يعظه بالتقوى ويحثُّه على طاعة الله ومراقبته ويُنذِره الموت في ديار الكفر وهو لم
يأخذ نصيبه من التمسُّك بالدِّين وإيثار طاعة سيِّد المرسَلين)(١٤٤).
بعد رجوعه من السفر أخذ في إلقاء الدروس الدِّينيَّة في بيته، ثمّ بدأ بعض الناس
يفدون إليه ليقفوا على ما يقوله واستطلاع أمره.. ويصف مَنْ حضر مجلسه (بأنَّه مجلس
ضلالة لا مجلس هداية، حيث إنَّ هذا المدَّعي لا يُحسِن النطق ببعض الآيات
القرآنيَّة ولا يُخرِجها من مخرجها سليمة، ويُفسِّر الآيات القرآنيَّة كيفما شاء..
ويذكر مَنْ حضر مجلسه أنَّه ذات مرَّة دخل والده علينا في مجلسه، فما كان من
اللحيدي إلَّا أنْ كال عليه بكلام شديد اللهجة، فقال له بعض الحضور: إنَّ فعلك هذا
لا يجوز فبرُّ الوالدين واجب وأنت تكيل عليه بالسباب وتطرده من مجلسه لأنَّه يُحلِق
لحيته، فأيُّ دين تحمله في قلبك؟)(١٤٥).. وهو مع كلِّ هذا لم يكشف عن حقيقة ما
يدَّعيه، وكان هذا قبل أزمة الخليج الثانية عام (١٤١١هـ).
لـمَّا حملت زوجة اللحيدي ادَّعى أنَّه رأى في المنام مَنْ يُخبِره بأنَّ زوجته سوف
تضع مولوداً ذَكَراً، وكان ذلك، وزعم أنَّ في ابنه (عبد الله) صفات الرسول الأكرم
(صلَّى الله عليه وآله).. ولم تكن أحداث أزمة الخليج الثانية لتمرَّ بسلام حتَّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٤) نقلاً عن موقعهم في النت (موقع المهدي).
(١٤٥) نقلاً عن كُتيِّب (التوحيديَّة في كشف اللحيديَّة) لأبي حبيب النجدي، موقع
الصحوة.
أعلن بعدها أنَّه هو جدُّ المهدي، ولذا سمَّى ابنه عبد الله.. ثمّ أخذت أُطروحاته
تتطوَّر شيئاً فشيئاً عندما رأى أنَّ الأمر سوف يطول، فادَّعى حينها أنَّه (المهدي
نفسه)، وأنَّه خليفة الله في أرضه، وأنَّه السفَّاح، وأنَّه مرسَل إلى هذه
الأُمَّة، وأنَّ ابنه من بعده سيكون تابعاً له.
ما برح اللحيدي يُخبِر الناس بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُوحي إليه عن طريق الرؤى،
وأنَّ ذلك إلهام من الله له، وما زال يُخبِر مريديه بأنَّه قد شاهد الله (جلَّت
عظمته وتقدَّست أسماؤه) في المنام، وأنَّه شاهد الرسول (صلَّى الله عليه وآله) كذلك
في المنام، وأنَّه بشَّره بالرسالة والمهدويَّة.. ويزعم اللحيدي بأنَّ غمامةً في
السماء قد أظلَّته من حرارة الشمس، وهذا ما جعل كثيراً من مريديه يطرب به حيث إنَّ
الرسول (صلَّى الله عليه وآله) قد أظلَّته غمامة.
بدأ اللحيدي (المهدي المزعوم) دعوته في الكويت أوَّلاً، ثمّ أخذ يُوسِّع من دعوته
هو ومريدوه لتشمل الجزيرة العربيَّة، وقد قُبِضَ على اللحيدي وأتباعه وأُودعوا
السجن لبضع سنوات في (السعوديَّة)، وهم ما زالوا على أفكارهم متمسِّكين بها، وما
زال اللحيدي يعد أصحابه بالنصر والتمكين - حيث إنَّهم يعيشون في مرحلة استضعاف هو
وأتباعه -، وأنَّ مرحلة النصر لا محالة قادمة.. وبعد أنْ خرج اللحيدي ومَنْ معه من
السجن ورجع إلى بلده (الكويت)، أخذ يُوسِّع من نشاطاته الهدَّامة فيمن حوله، وأسَّس
موقع في النت تحت مسمَّى (موقع خليفة الرحمن المهدي (صلَّى الله عليه وآله))، وأخذ
أتباعه المشاركة في المواقع الحواريَّة في النت لنشر أفكارهم، حتَّى إنَّه اشتهر
بين الناس بـ(مهدي النت)، ولا يتورَّع هو وأعوانه عن نشر أكاذيبهم وأباطيلهم،
ولعلَّ أوضح مثال على ذلك ما أحدثه من بلبلة وهلع للناس حين أورد حديثاً يذكر فيه
بأنَّ صيحة من السماء تأتي في يوم الجمعة في منتصف شهر رمضان (١٤٢٢هـ)، وأنَّها
دليل على خروج المهدي الذي يعني به نفسه، ولا ندري ماذا قال لأتباعه عن عدم
حدوثها؟!
أتباعه:
له أتباع وأنصار قلَّة، صدَّقوا مقولته وبايعوه على ذلك، ولم تقتصر البيعة على
أنفسهم فقط، بل وقعت أيضاً على زوجاتهم وأطفالهم.. ونجد أنَّ أتباعه الذين بايعوه
على نشر دعوته الباطلة قد اغترُّوا به، بما يتمتَّع به اللحيدي من تلاعب في الألفاظ
وتأويل للآيات القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة التي توافق هواه وتُؤيِّد أباطيله،
عند دخولك لموقعهم في النت تجد من حواراتهم ونقاشاتهم بأنَّ اللحيدي وأنصاره
يتَّصفون بصفات الجهل والهمجيَّة في الردِّ، فلا تكاد ترى موضوعاً أو ردًّا إلَّا
واحتوى على كلمات خارجة عن الأدب والتسقيط.. ففي إحدى النقاشات ردَّ أحد المتحاورين
على اللحيدي بالآتي:
(عموماً أتمنى أنْ تستخدم عبارة أنظف..
فسهل علينا أنْ نجاريكم بمثل أُسلوبكم الساقط يا...
آل مهدي آل..
أظنُّكم مدير أعمال رقَّاصة)(١٤٦).
فحاشا أنْ يكون المهدي أو أنصاره بهذه الصفات والأخلاق.. وبالرغم من كلِّ ذلك،
إلَّا أنَّ أتباعه وأنصاره أخذوا في التوسُّع والانتشار، فقد ذكرت جريدة عكاظ
السعوديَّة (١٤/شعبان/١٤٢٧هـ) الخبر الآتي: (ألقت أجهزة الأمن اليمنيَّة بمحافظة
الحديدة القبض على مجموعة من الأشخاص يُعتقَد أنَّهم من أتباع الكويتي حسين بن موسى
اللحيدي، الذي يزعم أنَّه (المهدي المنتظَر)، وقالت مصادر أمنيَّة بالحديدة: إنَّ
رجال الأمن السياسي ضبطوا المجموعة هذا الأُسبوع أثناء قيامهم بتوزيع عدد من
المنشورات وأقراص الحاسوب متضمِّنة أفكار ودعوات اللحيدي وفتاواه.. وكانت الأجهزة
الأمنيَّة اليمنيَّة تمكَّنت مطلع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٦) موقع اللحيدي في النت (منتديات المهدي).
العام الجاري من القبض على عدد من الأشخاص
بمحافظة تعز أثناء توزيعهم لمنشورات مماثلة في مدينة تعز ومنطقتي الصلو والشويفة..
وتُقدِّر مصادر مطَّلعة عدد أتباع اللحيدي في الحديدة فقط بأكثر من مائة شخص،
وبالمئات في عدد من المحافظات اليمنيَّة، وبدأت دعوات وأفكار اللحيدي في الظهور في
اليمن منذ نحو عام، وتقول السلطات المختصَّة بأنَّها مستمرَّة في تحرّياتها لمعرفة
مصادر تمويل هذه الجماعة وكيفيَّة تسلُّل هذا الفكر التكفيري إلى اليمن)(١٤٧).
أهمُّ أفكاره ومعتقداته:
١ - اللحيدي يدَّعي أنَّه هو (المهدي المنتظَر)، وأنَّه خليفة الله في الأرض،
وأنَّه رسول لله، وأنَّه السفَّاح، وأنَّه مهدي هذه الأُمَّة.. وهو يعتقد أنَّ
النبيَّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) آخر الأنبياء، ولكن ليس بآخر الرُّسُل، بل
يدَّعي (اللحيدي) أنَّه رسول مبعَث من الله (عزَّ وجلَّ) ولكن ليس بنبيٍّ، ويعتقد
أنَّه بُعِثَ عام (١٤١٢هـ).. يقول في مذكّرته (رفع الالتباس)(١٤٨): (إذ قدَّر أمري
وأظهر بذلك ما يدلُّ على وصفي وبعثتي، أعمى عليهم اسمي حتَّى لا يكون للمتأوِّلين
بالباطل سبيل عليه فيدَّعونه لأنفسهم).. ويقول في مذكّرته (كشف اللثام)(١٤٩) للردِّ
على أحد مكذِّبيه: (يا أسفي على سلمان العودة قد تسربل بعار الفرية، إذ ظلم نفسه
بجحده للحقِّ الذي بُعِثَ به مهدي الله تعالى، وزاد على ذلك رميه المهدي بالبخل)..
ويقول في رسالته (فتح المنَّان)(١٥٠) في ردِّه على أحد مكذِّبيه: (أمَّا قوله
عنِّي: إنَّه يُوحى إليه وإنَّه رسول، فنعم هذه لي أبا حصان وإنْ رغم أنفك)..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤٧) جريدة عكاظ السعوديَّة (العدد ١٩٠٨/ الخميس ٧ سبتمبر ٢٠٠٦م).
(١٤٨) مذكّرة رفع الالتباس (ص ٢)، موقع اللحيدي.
(١٤٩) مذكّرة كشف اللثام (ص ١)، موقع اللحيدي.
(١٥٠) فتح المنَّان (ص ٤٧)، موقع اللحيدي.
ويقول
في نفس الرسالة: (عجباً لأهل الجزيرة أتيناهم بالمهديَّة الحقَّة فتلقَّونا بماذا،
أمبالغ أنا إذا قلت: عجيبة الدهر؟).
٢ - يعتقد هو وأتباعه أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي (عجَّل الله فرجه) بعضها في
(اللحيدي)، وبعضها المقصود بها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).. كلُّ هذا
ليخرجوا من ورطة اسم (اللحيدي) الذي لا يوافق اسمه اسم المهدي الذي بشَّر به
المصطفى (صلَّى الله عليه وآله).. أمَّا ورطة كون (اللحيدي) من قبيلة عنزة فقد
قالوا بأنَّ الأنساب اختلطت، فلا يُمنَع أنْ يكون من أهل البيت وينتمي إلى قبيلة
عنزة.
٣ - يزعم اللحيدي أنَّه يُوحى إليه عن طريق الرؤى، وما ذاك إلَّا إلهام يسَّره الله
(عزَّ وجلَّ) له.. يقول في رسالته (فتح المنَّان)(١٥١): (والله عليم بالحال سبحانه،
وما كنت وقت ابتداء تحقُّق التأويل بالكشف عن ذاتي مدركاً لكلِّ ما تقرَّر على
لساني فيما بعد ومستدلًّا به، وما كان ممكناً لي بأيِّ حالٍ من الأحوال إحاطتي
بالعلم في ذلك، ومع هذا كان ابتداء الكشف عن ذات المهدي محقَّقاً على الوجه الذي
نقلت تفصيله في ردِّي على منافق الخوالد، وكان الأمر مرهوناً ابتداءً برؤية رسول
الله (صلَّى الله عليه وآله) بالمنام).. ويقول في نفس المذكّرة: (أمَّا قوله عنِّي:
إنَّه يُوحى إليه وإنَّه رسول، فنعم هذه لي).
٤ - يتبنَّى إنكار صلاة الجمعة والجماعة والصلوات الجماعيَّة كصلاة الأعياد
والاستسقاء التي يقول ببطلانها نظراً لأنَّ مَنْ يؤمُّون الناس فيها جهلة وليسوا من
الأئمَّة والأُمراء.. كذلك يقول بعدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل
يدعو إلى وجوب الاعتزال في آخر الزمان إلى أنْ يُمكَّن المهدي (اللحيدي) خليفة
الرحمن.. وقد ألَّف كتاباً بعنوان (بيان وجوب الاعتزال في آخر الزمان)، ويُنعَت هذا
الكتاب عندهم بـ(الكتاب الكبير).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥١) فتح المنَّان (ص ٣٦ و٤٧)، موقع اللحيدي.
٥ - يتبنَّى إنكار الجهاد في سبيل الله، وأنَّ الجهاد في نظرهم باطل حتَّى يُبعَث
اللحيدي، وما قبل هذا البعث المرتقَب فهو قتال في سبيل الطاغوت سواءً أكان جهاد طلب
أم دفعاً.. فكلُّ مَنْ يجاهد ويستشهد في سبيل الله فهو قد مات على الكفر، لأنَّه لم
يقاتل تحت راية اللحيدي المرتقَب.. وهذه هي نفس أفكار القاديانيَّة في نبذ
الجهاد(١٥٢).
٦ - يقول في الدخان الذي يظهر في آخر الزمان والذي يغشى الناس - وهو إحدى علامات
قيام الساعة الكبرى - كما جاء في مذكّرته (وجوب الاعتزال...) بأنَّها قد وقعت، وذلك
في فترة أزمة الخليج الثانية (١٩٩١م)، حيث إنَّ الدخان هو مجموع أدخنة آبار النفط
الكويتيَّة التي أشعلها نظام البعث العراقي إبَّان احتلاله للكويت، واستند اللحيدي
هنا على أقوال الخبراء ولم يستند على قول الله (عزَّ وجلَّ) الذي يزعم أنَّه
يتلقَّى منه الوحي..! وخلاصة قول الخبراء بأنَّ هذه الأدخنة وصلت إلى جبال الهملايا
في الهند وإلى أُوروبا واليمن وأنَّها حجبت الرؤية الأُفُقيَّة، وإنْ قلت لأحد
أتباعه: إنَّ أكثر الناس لم يشاهدوها، فيقول لك: ألم يشاهدوها في التلفاز؟.. فبذلك
فقد غشيتهم، وأنَّ تلك الأدخنة هي بعينها المذكورة في سورة الدخان، قال تعالى:
﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٢) يقول الميرزا غلام في الصفحة العاشرة من كتاب (ملحق شهادة القرآن): (لقد قضيت عمري كلَّه في تأييد الحكومة البريطانيَّة، ولأجل ترسيخ الأهداف الاستعماريَّة لبريطانيا ألَّفت عدَّة كُتُب، نهيت الناس فيها عن جهاد الإنجليز، وبيَّنت لهم بأنَّ عليهم أنْ يعتبروا الحكومة البريطانيَّة وليَّة أمرهم، وقد نُشِرَت هذه الكُتُب في مصر والشام وأفغانستان وبلدان أُخرى).. ويقول كذلك: (لقد أفنيت شبابي في خدمة بريطانيا، والآن وقد أصبحت في الستِّين من عمري، أدعو المسلمين بقلمي ولساني إلى التوجُّه نحو الحكومة البريطانيَّة والإخلاص لها، كما وأرفع صوتي منادياً بإلغاء فكرة الجهاد، وأدعو المسلمين إلى نبذ الجهاد ضدَّ الإنجليز وأمنعهم من ذلك). ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظلِّ إمامة المهدي المنتظَر (عليه السلام) (ص ٣٠٦).
تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ
هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ *
أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا
عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (الدخان: ١٠ - ١٤) حيث أراد اللحيدي تنزيل
آيات الدخان على نفسه، وأنَّه هو الرسول المبين، يقول في مذكّرته رفع الالتباس (ص
٣): (ومن ذكراهم بعثي من بين أظهرهم، وقد جعل الله لهذا البعث أنْ أُظهِر أشراط
الساعة برهاناً، وهو الدخان).. ولذلك هو يفرح عندما يقال له: مجنون حتَّى يُثبِت
لأتباعه أنَّه هو المراد بتلك الآية، لذلك قال: إنَّ الدخان قد ظهر.
ينشر اللحيدي أفكاره وسمومه في موقعه في النت، ولديه عدَّة كُتُب ورسائل قام
بتأليفها، تُعتبَر خلاصة فكر هذه الجماعة المنحرفة، ويرجع إليها أتباعه ويقتبسون
منها ويرشفون من كذبها وضلالها.. ونقلاً من موقعه في النت وهي كالآتي:
١ - بيان وجوب الاعتزال في آخر الزمان إلى أنْ يُمكَّن المهدي خليفة الرحمن
(جزءان)، ويُنعَت هذا الكتاب عندهم بـ(الكتاب الكبير).
٢ - رفع الالتباس في بيان أنَّ المهدي محمّد بن عبد الله هو النبيُّ سيِّد الناس،
ويُنعَت هذا الكتاب عندهم بـ(الكتاب العظيم).
٣ - تعبيد الموارد للوقوف على حقيقة منافق الخوالد، وذلك للردِّ على أحد أتباعه
الذي لازمه فترةً وعايش دعوته وسُجِنَ بسببها ثمّ تركه وأخذ يُحذِّر من أفكاره
ويتبرَّأ منه.
٤ - فتح المنَّان في ردِّ أباطيل أبي حصان، هذا الكتاب ردٌّ على عبد الكريم ابن
صالح الحميد الذي باهل أتباع اللحيدي في مسجده في بريدة (منطقة القصيم -
السعوديَّة) ليلة الجمعة (٩/٢/١٤٢٢هـ).
٥ - القول المبين في الختم بمحمّد المصطفى الأنبياء لا المرسَلين.. ويقول اللحيدي
فيه بأنَّ النبيَّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) آخر الأنبياء لا آخر الرُّسُل،
ويقول: إنَّه (أي اللحيدي) من الرُّسُل.
٦ - من آيات صدق الدعوة المهديَّة.
٧ - حصار العراق من أظهر أمارات بعث المهدي.
٨ - كشف اللثام عن جهل سلمان العودة على أمر مهدي الإسلام.
٩ - المهديَّة في إخساء الخالديَّة.
١٠ - نثر الدُّرَر في جواب إشكالات على أمر المنتظَر.
١١ - عمد النار والدخان من أظهر أمارات بعث المهدي.
١٢ - من كَفَّرَ معتقداً أنَّ المهدي المعلّم رسول الله يكفر.
١٣ - جواب أبي عبد الله المهدي على إشكالات عليٍّ الخضيِّر.
وغيرها من الكُتُب والكراريس والمذكّرات والرسائل، وغير ذلك من الرسائل الصغيرة
لأتباعه حول هذا المعتقَد الباطل.
السؤال الكبير: مَنْ الذي يقف خلفه؟.. علماً بأنَّ موقعه الإلكتروني في النت بما
يحتويه من أفكار وأباطيل وسموم وخزعبلات مفتوح ومتاح للجميع.. ويُستغرَب وجود كتاب
في موقعهم، يدَّعون أنَّه الإنجيل الصحيح، وحثَّ الناس على قراءته، والمبادرة إلى
تنزيله، ومع كلِّ هذا لم يُحجَب الموقع ولم يُغلَق.. وكذلك أتباعه يتحرَّكون
بحرّيَّة ومن غير مضايقات، ويتمُّ توفير الدعم والمساندة لهم، فمثلاً: عندما أخذ
بعض من أعوانه وأصحابه بنشر أفكارهم ومعتقَداتهم الباطلة في الجزيرة العربيَّة،
قُبِضَ عليهم، وحُكِمَ على: سالم حمود الخالدي (من أتباع اللحيدي) بالسجن خمسة عشر
عاماً، وكذلك حُكِمَ على: خالد صالح العقيل (من أتباع اللحيدي) بالسجن عشر سنوات،
وكان ذلك
الحكم صادر من المحكمة الكبرى في الدمَّام بتاريخ (٢١/ربيع الآخر/١٤٢٦هـ)،
فظلُّوا في السجن فترة قليلة فقط، ثمّ أُطلِقَ سراحهم.. كيف؟ الله أعلم!
فلا شكَّ أنَّ هناك من أعداء الإسلام مَنْ ينصره ويُؤيِّده ويُوفِّر الحماية
والأموال له، خصوصاً أنَّه تبنَّى قضيَّة إنكار الجهاد في سبيل الله، وإبطال
الصلوات الجماعيَّة، وإنكار وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. وكلُّنا يعرف:
لماذا هذه الثلاث بالذات، والتي يبرز فيها قوَّة الإسلام وأهله.
ادِّعاءات مهدويَّة بكثرة في مصر (٢٠٠٠م):
- في سيناء زعم محمّد عبد النبيِّ عويس أنَّه (المهدي المنتظَر)، وأخرج كتاباً يشرح
فيه تعاليمه، وكان مصيره الإقامة في مستشفى الأمراض العقليَّة بعد أنِ اتَّهمه
الناس بالجنون.
- وكذلك لقي المصير ذاته أحمد عبد المتجلِّي من أبناء الإسماعيليَّة (مصر) الذي
ادَّعى قدرته على إخراج الجانِّ من الأجساد الممسوسة، فأقبل عليه البعض، ثمّ اعتزل
الناس حيث قرأ الإنجيل والتوراة على يد حاخام يهودي في القاهرة، ثمّ عاد إلى
الاعتكاف ليخرج على الناس مدَّعياً أنَّ الله ضاق بذنوب عباده فاختاره لهدايتهم،
وأنَّ أحد الملائكة هبط عليه بكتاب سماوي يجمع بين الأديان الثلاثة.
- وكذلك سار على الطريق ذاته من بورسعيد (مصر) الشابُّ حنفي محمّد، وشهرته حنفي
البورسعيدي، مدَّعياً أنَّه (المهدي المنتظَر)، واعتقلته الشرطة، لكنَّه استطاع
الهرب، وكان حنفي يريد الذهاب إلى إسرائيل بعد أنْ تقابل مع أحد الحاخامات(١٥٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٣) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ السبت ١٧ محرَّم ١٤٢١هـ، الموافق ٢٢/٤/٢٠٠٠م، ص ٥٩/ دولة الإمارات).
وهناك قَصَص كثيرة ظهرت حديثاً لمدَّعي المهدويَّة، نذكر منها الآتي:
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠١م):
في يوم (١٨/٣/٢٠٠١م) قُدِّم بلاغ إلى مديريَّة أمن القاهرة عن شخص يدَّعي أنَّه
المهدي المنتظَر بين أهالي التبين وحلوان.. وقال صاحب البلاغ (عاكف) لرئيس المباحث:
إنَّ هذا الشخص ادَّعى لي أنَّه المهدي المنتظَر وخاتم الأنبياء، وطلب منِّي أنْ
أُؤمن به وبدعوته الجديدة، وأخبرني بأنَّ الوحي هبط عليه من السماء وهو نائم في
بيته وكلَّفه بالرسالة الجديدة التي ستكون خلاصاً للبشريَّة من كلِّ آثامها
وآلامها!
وأخبرهم عاكف بما دار بينه وبين المدِّعي من حديث:
عاكف: فاجأني بسؤال لم يخطر لي على بال.
المدَّعي: تعرف المهدي المنتظَر؟
عاكف: أعرف أنَّه سوف يظهر من مكَّة، وهو من سلالة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)،
ويدعو إلى الإسلام.
المدَّعي: في آية في القرآن تُؤيِّد كلامك؟
عاكف: لست فقيهاً في الدِّين، ولكن هناك أحاديث كثيرة تقول بأنَّ المهدي المنتظَر
سيظهر مع علامات الساعة الأخيرة.
المدَّعي: أنا المهدي المنتظَر.. تقول: ايه بقى؟!
عاكف: ما هو برهانك؟
المدَّعي: برهاني أنِّي نازل بقول الحقِّ وعلم الساعة.
عاكف: طب.. متى تقوم الساعة؟
المدَّعي: لم يبح لي بها ربِّي بعد، لكنَّها بدأت من (١٠٠) سنة.
عاكف: لو أنت نبيٌّ قل لي كراماتك؟
المدَّعي: أنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسَلين.. أنا النذير البشير.
عاكف: اتَّقِ ربَّك يا فاسد.. سيِّدنا محمّد هو خاتم الأنبياء، وهو أحمد والمحمود
وطه.
المدَّعي: إنَّما هي أسماء سمَّيتموها أنتم وآباؤكم.
عاكف: وما هي رسالتك يا كافر؟
المدَّعي: رسالتي هي تفسير حروف القرآن الكريم، والتي أتت غامضة في أوَّل السور..
مثلاً: (الم) تفسيرها (إنَّه لكتاب مبين).. و(الر) تفسيرها (إنَّه لكتاب ربِّك)..
و(كهيعص) تفسيرها (كانت هبتك يا زكريَّا على صدرك).. و(المص) تفسيرها (إنَّه لكتاب
مبين صادق).
عاكف: وما هي أهداف رسالتك المزعومة؟
المدَّعي: تخليص نفوس الناس من شرورها وتطهير الأرض من آثامها وآلامها.
عاكف: هل صدَّقك أحد يا شيطان؟
المدَّعي: لا كرامة لنبيٍّ في وطنه.. سأظلُّ أُجاهد من أجل رسالتي، ولو أردت نصيحتي
لآمنت بي وقلت لي: سمعاً وطاعةً يا محمّد.
عاكف: هل تُصلِّي وتصوم؟
المدَّعي: صلاتي تختلف عن صلاتكم، وصومي أيضاً.. لأنَّني نبيٌّ، ولكلِّ نبيٍّ صلاة
وصوم خاصٌّ به وحده.
بعد ذلك قالت عنه تحرّيات المباحث: اسمه محمّد عبد الرزَّاق أبو العلا.. عمره (٣٢)
سنة، حاصل على دبلوم صناعيَّة.. عمل في أكثر من مكان منذ حصوله على مؤهَّله
الدراسي، لكنَّه لم يستمرّ في عمل حيث كان يغادره فجأةً وسط اندهاش صاحب العمل
وأُسرته التي كانت تحزن أحياناً لأحواله!
والمقرَّبون من المدَّعي يُؤكِّدون أنَّه
كان يُحِبُّ العزلة ولا يتكلَّم مع أحد حيث كان يقضي معظم وقته في بيته لا يبرحه
أبداً إلَّا للصلاة في المسجد القريب من بيته بحلوان.. لم يجد والده حيلة تُخرِجه
من هذه العزلة سوى أنْ يُزوِّجه.. ولم تمرّ أيَّام على وجودهما في منزل واحد حتَّى
دبَّ بينهما خلاف وهجرت على إثره العروس منزل الزوجيَّة.
وتقول السطور الباقية من تحرّيات المباحث الجنائيَّة: عزل محمّد نفسه داخل حجرته لا
يخرج منها إلَّا لشراء الطعام لنفسه فقط، حتَّى الصلاة لم يكن مواظباً عليها، وظلَّ
على هذا عدَّة أيَّام حتَّى فوجئ الناس به وهو يُردِّد على مسامعهم أنَّه المهدي
المنتظَر، الذي يبحث الناس كافَّة عنه.. وأنَّ الله تعالى قد أرسل إليه بالوحي وهو
نائم يأمره بأنْ يخرج للناس يُبشِّرهم بظهوره وبرسالته الجديدة.. وقد اتَّخذ محمّد
من المسجد القريب لبيته مكاناً لنشر دعوته (مدَّة ثلاثة شهور)، واختار الوقت بعد
العشاء، وعقب صلاة الفجر.. حيث ينهض واقفاً أمام المصلِّين يدعوهم إلى الإيمان به
وأنَّه النبيُّ خاتم المرسَلين الذي أرسله الله للبشريَّة لهدايتهم وتخلُّص الأرض
من الشرور والآثام.. وسرعان ما ينفضُّ الناس من حوله، وهم يضربون كفًّا بكفٍّ.
ومن سجلَّات التحقيق داخل نيابة حوادث جنوب القاهرة، نقرأ الآتي:
المحقِّق: اسمك وسنُّك وعنوانك؟
المتَّهم: اسمي محمّد عبد الرزَّاق أبو العلا.. عمري (٣٢) سنة.. أعمل ترزي في ورشة
واحد اسمه إيهاب، وأُقيم بحلوان، منطقة كفر العلو، شارع سليمان إبراهيم أبو عياد،
رقم (٥).
المحقِّق: ما قولك فيما هو منسوب إليك من أنَّك تدَّعي النبوَّة، وتقوم بنشر ذلك
بين الناس بحلوان والتبين؟
المتَّهم: لم أدَّعِ النبوَّة.. وإنَّما هي التي أتت لي، وعليكم أنْ تُصدِّقوا هذا
وتُصدِّقوني معها.
المحقِّق: ماذا تقصد بكلامك؟
المتَّهم: منذ ثلاثة أشهر تقريباً وأنا نائم وحدي في الغرفة التي أعيش فيها بمفردي،
جاءني صوت من السماء، ففزعت من نومي، وكنت أظنُّ أنَّه كابوس، ولكن ظلَّ الصوت
يرنُّ في أُذُني يقول: إنَّه وحي من السماء جاء يُبلِّغني بحمل الرسالة الجديدة
ويُبشِّرني بأنَّني المهدي المنتظَر والنبيُّ خاتم المرسَلين، وأمرني أنْ أُبلِّغ
هذا إلى أهلي وعشيرتي والناس من حولي حتَّى يُصدِّقوني.. وفعلت ما أُمرت به حتَّى
ألقت الشرطة القبض عليَّ قبل أنْ أُؤدِّي هذه الأمانة التي حملتها.
المحقِّق: وهل صدَّقك أحد من أُسرتك أو عشيرتك أو الناس؟
المتَّهم: للأسف كلُّهم انفضُّوا من حولي معتقدين أنَّني مجنون أو مسَّني جنٌّ رغم
أنَّها الحقيقة.
المحقِّق: وما هي الرسالة التي تزعم أنَّها أتتك من السماء؟
المتَّهم: إنَّها رسالة التفسير.
المحقِّق: اشرح لنا رسالتك هذه.
المتَّهم: رسالتي عبارة عن كتاب جديد ألهمه الله لي، وخصَّني وحدي لتفسير أسرار
القرآن الكريم، وأيضاً كلَّفني الوحي بتخليص البشريَّة من آلامها وتطهير الأرض من
الشرور والآثام التي تمتلئ بها.
أُغلِقَ ملف التحقيق بعد أنِ استمرَّ عدَّة ساعات، لم يُنكِر خلالها المتَّهم دعوته
المزعومة.. ووجَّه له المستشار أُسامة قنديل المحامي العامُّ الأوَّل لنيابات جنوب
القاهرة تهمة استغلال الدِّين في الترويج لأفكار متطرِّفة بقصد إثارة الفتنة(١٥٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٤) مجلَّة أخبار الحوادث المصريَّة (العدد ٤٦٩/ سنة ٩/ الخميس ٢٩/٣/٢٠٠١م، الموافق ٤/١/١٤٢٢هـ).
مدَّعي المهدويَّة في السعوديَّة (٢٠٠١م):
في تصريح لوكالة الأنباء السعوديَّة قال مدير شرطة منطقة الرياض: إنَّه في مساء يوم
الخميس (٢/رمضان/١٤٢٣هـ) لاحظ رجال الأمن القائمون على حراسة وزارة الماليَّة
والاقتصاد الوطني، أنَّ شخصاً مسلَّحاً يحاول الدخول للوزارة، وكان يُطلِق النار
بطريقة عشوائيَّة.. وأثناء التفاوض مع الجاني ناصر بن هايس بن سرور المورقي، سعودي
الجنسيَّة، من مواليد (١٣٩٦هـ)، طلب المذكور مبلغاً ماليًّا والسماح له بالسفر إلى
خارج المملكة، زاعماً أنَّه الخليفة المهدي.. وأثناء تبادل إطلاق النار معه أُصيب
ونُقِلَ إلى المستشفى وتُوفِّي متأثِّراً بإصابته.. ومن ناحية أُخرى عبَّر أخوه
تركي بأنَّ أخاه ناصر كان إماماً لأحد المساجد لأكثر من سبع سنين، ويسكن في قرية
القرارة الواقعة بين الدوادمي والرس(١٥٥).
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠٢م):
أعلن مصدر في الشرطة المصريَّة عن اعتقال محمّد محمود (٣٣ عاماً) في الإسكندريَّة،
ادَّعى أنَّه الإمام المنتظَر، وقال المصدر: إنَّ المدَّعي اعتُقِلَ بعد أنْ طلب من
أئمَّة المساجد في حيِّ العطَّارين (جنوب غرب) إعلان وصول الإمام، وأضاف: إنَّ
عائلة المدَّعي الذي سيُحال إلى المحكمة أوضحت أنَّه يعاني اضطرابات نفسيَّة(١٥٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٥) جريدة الشرق الأوسط (العدد ٨٧٤٧/ السبت ٢٤ رمضان ١٤٢٣هـ، الموافق
٩/١١/٢٠٠٢م)، وكذلك نقلت الخبر جريدة الرياض لنفس اليوم.
(١٥٦) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١٠٧٨٣/ الاثنين ١٩ شوَّال ١٤٢٣هـ، الموافق
٢٣/١٢/٢٠٠٢م).
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠٣م):
خرج شابٌّ (٣٦ سنة) من إحدى حارات منطقة كوم الدكة (الإسكندريَّة) ليُعلِن على
الناس أنَّه المهدي المنتظَر.. أمَّا ما تبقَّى من حكاياته فهي دليل واضح على
اختلال نفسي له جذور في تركيبته الشخصيَّة، فهو وحيد أخواته البنات، وفشل في
دراسته، ولم يستطع حتَّى الآن أنْ يُقيم علاقة ناجحة مع الجنس الآخر أو تقبله إحدى
بنات حوَّاء زوجاً لها.
المهدي المنتظَر الجديد المزعوم يرى أنَّه قادم ليُخلِّص العالم من شرور بوش
وشارون، ويُبيح الزواج العرفي والسرِّي، ولا يتقيَّد بعدد محدَّد من الزيجات..
ويريد أنْ يجلس مع المطرب شعبان عبد الرحيم لينصبه داعياً لأفكاره، ويُحلِّل
المخدَّرات، ويرى أنَّ حجاب المرأة حاجة شخصيَّة، ولا يختلف مع الأئمَّة الكبار
وعلماء الإسلام لأنَّه يرى أنَّ خلافاته معهم حاجة بسيطة لا تستدعي الخصومة.. كما
أنَّه يريد تغيير قبلة الصلاة، ويؤمن أنَّه سيقتل الدجَّال بنفسه، ولكن لا يعرف
بالسيف أم بمدفع رشَّاش!
اسمه عاطف محمّد حسنين، لكن يُطلِق على نفسه (عبد الله) منذ أنْ تفتَّق ذهنه على
الحكاية الغريبة أنَّه (المهدي المنتظَر)! عندما طلبنا الجلوس معه لنحاوره لم يرفض،
بل قال: (أنا عارف أنَّكم جايين وأنتظركم بإذن الله، وكلامي سوف يخرج تلقائيًّا
فأنا لا أتحدَّث بنفسي، ولكن كلَّه مكتوب ومقدَّر!)، يقول عاطف الذي تبدو عليه
علامات النحافة الشديدة: إنَّه كان إنساناً عاديًّا من أُسرة طيِّبة متوسِّطة من
أهالي كوم الدكة، ولم يُكمِل دراسته الثانويَّة في دبلوم التجارة، لرسوبه عدَّة
مرَّات في السنة النهائيَّة للدبلوم، وبعد وفاة والده الذي كان يعمل رئيساً لقسم
التفصيل بإحدى شركات الملابس اضطرَّ عاطف للعمل (استروجي)، وأحياناً كان يُحضِر
بضائع من بورسعيد ويبيعها أو يلتحق بالعمل
مع بعض التجَّار من معارف أُسرته
بالمنطقة.. عاطف حصل على إعفاء نهائي من التجنيد لكونه وحيدَ شقيقاته البنات
الثلاث، وسبق دخوله مستشفى الأمراض النفسيَّة للعلاج، وخرج منها بعد تحسُّن حالته،
إلَّا أنَّه على خلاف مع أزواجهنَّ الذين يتَّهمونه بالتخريف.. يعيش مع أُمِّه،
ولكنَّها هي الأُخرى تركت له منزل كوم الدكة، بعد أنْ لاحظت أطواره الغريبة
وادِّعاءاته بأنَّه المهدي المنتظَر لهذا الزمان، ومحاولته إقناعها بأفكاره
الغريبة، وتدخَّل أهل الحارة لمعاتبتها على ما يُردِّده ابنها من خرافات، ورغبته في
شراء المخدَّرات مجَّاناً!
يقول عاطف (المهدي المزعوم): إنَّ بدايات إحساسه بالوحي جاءت من خلال سماعه لأصوات
متداخلة تناديه أثناء سماعه أشرطة كاسيت على التسجيل فيجدها تقصده هو!.. وبالتدريج
أدرك عاطف أنَّ الكلمات التي يُردِّدها المطربون في بعض الأشرطة المقصود بها رسالة
سماويَّة له، وعليه أنْ يستعدَّ لدور كبير مقدَّر له، وأنَّه المهدي المنتظَر.
طلب عاطف سيجارة لأنَّه كما يقول يُدخِّن بشراهة، لذلك فالتدخين حلال لأنَّه متعة..
وكذلك تعاطي المخدَّرات التي يشعر بعد تعاطيها أحياناً بارتياح كبير وسموٍّ وعلوٍّ
فوق كلِّ المشاكل الأرضيَّة المزمنة.
يقول المهدي المنتظَر المزعوم وهو ينفث دخان سيجارته: (أنا عارف أنَّكم جميعاً سوف
تكونون من أتباعي، وما عليَّ إلَّا الصبر وتحمُّل ما يحدث حولي، فهو مثلما قلت لكم
في البداية قدري ومكتوبي!).. وعن أهمّ محاور الدعوة التي جاء من أجلها يقول: (أنا
مسلم مثلكم، ولكن هناك تعديلات معيَّنة في الشريعة، وتصميمات لا بدَّ من أنْ أقوم
بتصحيحها، وهذا ليس تحريف بل هي أوامر لازم أُنفِّذها وإلَّا فشلت دعوتي).. ويضيف
مدَّعي المهدويَّة: (عندي شوية أفكار.. يعني كوكتيل كده!.. وتعديلات في الصلاة
والقبلة وشوية قوانين جديدة في الزواج والطلاق والخلع والجهاد ضدَّ أعداء أُمَّة
الإسلام.. بوش وشارون!).
وينفعل (المهدي المنتظَر المزعوم) وهو يتحدَّث عن الأحداث الجارية الآن في العالم
قائلاً: (يعني واحد زي بوش ده ما فيش في قلبه رحمة.. عايز يضرب العراق رغم أنَّ
شعبها الغلبان جوعان!.. وسايب إسرائيل تذبح في الفلسطينيِّين، ويساعد السفَّاح
شارون في كلِّ المذابح التي يرتكبها وفي الآخِر يقول: إنَّه زعيم أكبر دولة
متحضِّرة، وإنَّ عمايلة كلَّها علشان خاطر حماية الإنسانيَّة من الإرهاب!).
ويقول عاطف بمنطق مقبول: (أنا سمعت في الراديو أنَّ تكاليف الحرب على العراق ستزيد
عن ١٠ مليارات دولار (عملة صعبة) يعني المبالغ دي لو راحت للشعوب الفقيرة الغلابة
مش أحسن.. لو صرفوها على الشعوب اللي طلع منها إرهابيِّين مش ممكن حيفضل إرهابي
واحد، طالما أنَّه شبعان ومش حاسس الظلم؟).
وينادي مدَّعي المهدويَّة بأنْ تجتمع كلُّ الدُّوَل اللي بتناصر الحقَّ وتضرب
أمريكا قبل ما تضرب هي دولة وراء الأُخرى).. ويُشبِّه بوش وشارون بالفتوَّة اللي
أهل الحارة تركوه يزيد في جبروته، ولا بدَّ حتَّى يقف عند حدِّه أنْ يتجمَّعوا أيدٍ
واحدةٍ ويأخذوا حقَّهم منه، وساعتها حيعرف أنَّ الله حقُّ!.. بمنتهى البساطة وجد
عاطف حلولاً لمشاكل العالم، ولكنَّه في نفس الوقت عبَّر عن إحباط عميق يشعر به
مشتركاً مع رجل الشارع العادي ولا يحتاج الأمر إلى ادِّعاءٍ للمهدويَّة.
ويرى (المهدي المنتظَر المزعوم) أنَّ حجاب المرأة أمر متروك لحرّيَّتها الشخصيَّة
في ارتدائه من عدمه.. وحجَّته في هذا أنَّ شعر المرأة أو قدميها لم تعد
تُمثِّل
إغراء في الوقت الراهن ولا تجذب الرجل.. وهي - أي المرأة - براحتها في لبس الحجاب
أو غيره، المهمُّ أنَّها ما تخونش حبيبها أو زوجها.. واللي تخون زوجها تأخذ تأبيدة!
أمَّا عن الخلع فيقول عاطف: (إنَّ هذا الأمر غريب جدًّا.. فالراجل الجدع لا ينتظر
حتَّى تخلعه زوجته.. والأمر متعلِّق هنا بالكرامة، فكيف يعاشر الزوج امرأة لا تريد
الحياة معه؟).. ويتحدَّث (المهدي المنتظَر المزعوم) عن نفسه قائلاً: (أنا مثل كلِّ
شابٍّ مصري دخلت في علاقات نسائيَّة ولكنَّها لم تكتمل.. طبعاً أحلم بزوجة وأطفال،
ولكن المادّيَّات وقفت دون إتمامي هذا الحلم.. حبَّيت كتير في السرِّ وفي العلن،
وأحياناً حُبٌّ من طرف واحد ولكن نصيبي لم يأتِ بعد مع بنت الحلال، لأنَّني أعيش
بدخل محدود من معاش والدي المتوفَّى، ولا أقدر حتَّى الآن على فتح بيت، لكن لو
ربُّنا يسَّر الأمر سأتزوَّج، ولن أتقيَّد بأربعة زوجات فقط طالما أقدر، أو الزوج
الذي يقدر يتزوَّج براحته.. المهمُّ ما يبقاش في بنت عانس.. حرام).
وعندما سألت مدَّعي المهدويَّة: كيف تنطبق شروط المهدي المنتظَر عليه، وهو مريض
نفسيًّا وسبق دخوله مستشفى الأمراض النفسيَّة والعصبيَّة للعلاج، ويتعاطى
المخدَّرات، وثقافته الدِّينيَّة محدودة للغاية، فلا يحفظ من القرآن الكريم سوى
قصار السور؟ قال: (والله الوحي اختارني، والمهدي المنتظَر إنسان عادي وهنا المعجزة،
فلم يشترط الوحي أنْ يكون المهدي المنتظَر حاصل على الدكتوراه أو يكون وسيماً أو
بلا عيوب).. ويضيف عاطف بحماس: (كلُّ ما يحدث الآن يندرج ضمن علامات الساعة.. فظهور
بوش وشارون بهذا التجبُّر واللَّاإنسانيَّة، وكذلك مسألة الاستنساخ، والتدخُّل في
نظام الكون الذي يُسيِّره الله، فلماذا تستكثرون عليَّ أنْ أكون المهدي المنتظَر؟..
فأنا الذي اختاره الله لكي
يقتل المسيخ الدجَّال، ولا أعرف حتَّى الآن هل سأقتله
بالسيف أم بمدفع رشَّاش، وربَّما بأيِّ نوع من السلاح، حتَّى لو كان لم يظهر بعد
ومش بعيد يكون بأسلحة الدمار الشامل مثلما تقول أمريكا!).
مطرب الدعوة!
الفنُّ له دوره كما يرى عاطف مدَّعي المهدويَّة، ولأنَّه من أهل كوم الدكة مسقط رأس
المطرب سيِّد درويش، فهو يقول: إنَّ الفنَّ ليس حراماً، وهو يُحفِّز الناس على
الإيمان بدعوته واتِّباع أفكاره.. وقد اختار عاطف المطرب شعبان عبد الرحيم ليكون
مطرباً لدعوته، وهو يأمل أنْ يلتقي به ليُقنِعه بأفكاره.. وعندما سألته: لماذا
اختار شعبان عبد الرحيم بالذات؟ قال عاطف: (لأنَّه المطرب الذي غنَّى أنا باكره
إسرائيل، ولأنَّه ينتمي لطبقة العُمَّال والصنايعيَّة التي جئت منها، وكذلك فهو
يتمتَّع بشعبيَّة كبيرة وخفَّة ظلٍّ، ويقدر بطريقته السهلة على توصيل أفكاري!).
المظهر مش مهمّ!
عندما طلب عاطف من المقدَّم محمّد غازي رئيس مباحث العطَّاريِّين ماكينة حلاقة
وأدوات أُخرى ضروريَّة له، سألته: لماذا لا يرتدي ملابس تتناسب مع مظهر المهدي
المنتظَر كما يدَّعي؟ قال عاطف: (المظهر مش مهمّ.. وحلاقة الذقن نظافة، وكذلك فليس
من الضروري أنْ يرتدي المهدي المنتظَر جلباباً أبيض أو عمامة أو زيًّا مميَّزاً،
لأنَّني مهدي منتظَر متطوِّر وعصري، ودعوتي ليست ضدَّ التقدُّم).
أما ظروفه العائلية فقال عاطف: إنَّها متوتِّرة بعض الشيء، لوجود خلافات مع أزواج
شقيقاته، وقطيعة مع بيوت عائلته، فهم جميعاً رفضوا دعوته، وهو يرى أنَّ هذا الأمر
طبيعي لأنَّها مفاجأة، ولكن الحقيقة بسبب
ادِّعائه كما يزعم أنَّ الوحي بدأ في
النزول عليه منذ (٤) سنوات.. وفي الآونة الأخيرة كان لا بدَّ أنْ يخرج للناس
ليدعوهم لأفكاره، وبالفعل ذهب إلى عدَّة مساجد، وطلب من الأئمَّة أنْ يعطوه
الميكروفون بعد صلاة الجمعة لكي يدعو الناس لأفكاره، وبمناقشته اعتبره البعض مجنون،
وسخر منه البعض الآخر.. ويقول عاطف: إنَّه كان يُصلِّي مع الحسن والحسين (رضي الله
عنهما) في مسجد الميناء الشرقي بالمنشية! وأنَّه شاهد جميع الرُّسُل والأنبياء في
أحلامه!
إقناع المباحث!
وكانت قصَّة (المهدي المنتظَر المزعوم) قد بدأت ببلاغ تلقَّاه اللواء سيِّد رضوان
مساعد وزير الداخليَّة من الإسكندريَّة من أئمَّة عدَّة مساجد بمنطقة العطَّارين
وسط المدينة، عن تردُّد شابٍّ نحيف تبدو عليه علامات الارتباك على تلك المساجد،
وطلبه أنْ يمنحوه الفرصة ليخطب في الناس عقب الصلاة، إلَّا أنَّهم بعد أنْ سألوه عن
سبب رغبته في مخاطبة المصلِّين فُوجئوا به يقول: إنَّه المهدي المنتظَر، ويدَّعي
النبوَّة، ويزعم بنزول الوحي عليه.. ونظراً لخطورة ما يُمثِّله البلاغ من حسَّاسية،
وبناءً على الأوصاف التي أدلى بها الأئمَّة، أكَّدت تحرّيات اللواء مجدي أبي قمر
مدير المباحث أنَّ الشخص من سُكَّان منطقة كوم الدكة بالعطَّارين، وبالفعل توصَّلت
خطَّة البحث إلى عنوانه، بعد أنْ تأكَّد للعميدين طارق زمزم رئيس المباحث وعمرو
الجزيري وكيل المباحث، أنَّ المقصود بالبلاغ هو عاطف محمّد حسنين (٣٦ سنة) استروجي
الموبيليَّات المقيم في (١٤) شارع شعبان يوسف بكوم الدكة.. والغريب أنَّ قوَّة
المباحث التي قادها العقيد ناصر العبد مفتِّش المباحث، ومعه المقدَّم محمّد غازي
رئيس مباحث العطَّارين، ومعاونه الرائد وليد فايد، وجدوا عاطف ينتظرهم بمنتهى
الهدوء ويُردِّد مقولته المتكرِّرة: (أنا عارف أنَّكم جايين!)، وفي قسم الشرطة
أثناء تحرير
البلاغ يحاول عاطف أنْ يُقنِع العميد نبيل عيسى مأمور قسم شرطة
العطَّارين ورجال المباحث بأفكاره، ويتحدَّث بمنتهى الثقة أنَّهم سوف يكونون من
مريديه بعد سماع أفكاره.. ولكن الحقائق تتَّضح بالتدريج، حيث تبيَّن من الأوراق
التي قدَّمتها والدته أنَّه مريض نفسيًّا، وسبق دخوله المستشفى للعلاج، وتنتابه
حالات يعتقد فيها أنَّه يسمع ويرى أشياء غير موجودة، وهي ما تُسمَّى بالهلاوس
السمعيَّة والبصريَّة في الطبِّ النفسي.. تأمر النيابة بحبس المتَّهم على ذمَّة
التحقيق(١٥٧).
شائعة ميلاد المهدي في مصر (٢٠٠٣م):
انطلقت شائعة بين أوساط الشعب المصري حتَّى تحوَّلت إلى حقيقة على ألسنة الناس..
وهزَّت الشائعة المصريِّين، وسرت في الشارع المصري كالنار في الهشيم.. تقول
الشائعة: الشيخ الأزهري محمود الحنفي، مفسِّر الأحلام في برنامج رؤى، الخاصِّ
بتفسير الأحلام، والذي يُذاع على الهواء بالقناة الثالثة المحلّيَّة الخاصَّة
بجمهوريَّة مصر.. يتلقَّى البرنامج مكالمة من مشاهِدة تطلب من الشيخ تفسيراً
لرؤيتها: (إنَّها رأت القمر ينزل إليها من السماء، وأنَّها ترضعه كالطفل عندما يرضع
من أُمِّه)، وفجأةً تغيَّرت ملامح الشيخ وطلب منها أنْ تتوضَّأ وتُقسِم بالله أنَّ
ذلك قد حدث، فأقسمت السيِّدة، وكرَّرها عليها أكثر من مرَّة، فأقسمت.. فشرع الشيخ
في تفسير الحلم مؤكِّداً أنَّ ذلك دلالة على ميلاد المهدي المنتظَر، ومن ثَمَّ قال:
إنَّ المهدي المنتظَر قد وُلِدَ في الليلة التي رأت فيها هذه الرؤيا..
هكذا ببساطة متناهية انفجرت قنبلة ميلاد المهدي المنتظَر في الشارع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٧) موقع SuDanTop، بتاريخ (٢٩/١/٢٠٠٣م).
المصري، وتباينت
الاجتهادات وتضخَّمت الواقعة على الألسن، لاسيَّما أنَّ الرواية تقول: إنَّ الشيخ
أكَّد أنَّ الميلاد تمَّ في مصر.
نفى الشيخ محمود الحنفي ذلك في حواره مع مجلَّة الأهرام العربي، ويتحدَّى مَنْ يأتي
له بشريط تلفزيوني يتضمَّن هذا الكلام.. وعندما سُئِلَ مَنْ وراء الإشاعة؟ قال:
بالتأكيد ناس مغرضون، وربَّما يهدف مَنْ أذاع الكذبة إلى إبلاغ الناس بقدوم المهدي
المنتظَر للدفاع عنهم، وهو ما يُعتبَر تثبيطاً للهمَّة والعزيمة، ولكنَّه شديد
الكذب وأفَّاك(١٥٨).
شائعة بخصوص المهدي المنتظَر لم تكن الأُولى ولن تكون الأخيرة، فما زلنا جميعاً
نذكر ما شاع في الأراضي الفلسطينيَّة المحتلَّة منذ عدَّة أسابيع، من أمر الشبَّان
الفلسطينيِّين الثلاثة الذين أكَّدوا أنَّهم سمعوا شجرة تصرخ بأنَّ يهوديًّا يختفي
وراءها.. وقد نشرت صحيفة آفاق عربيَّة أنَّ الشيخ أحمد ياسين الزعيم الروحي لحركة
حماس قال: (إنَّ بشارة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) قد تحقَّقت بنطق الحجر والشجر
في رام الله كما سمعه ثلاثة فلسطينيِّين كصوت غامض دلَّهم على مستوطن اختبأ منهم
خلف شجرة في رام الله إبَّان الهجوم الإسرائيلي)(١٥٩).
مدَّعي المهدويَّة في اليمن (٢٠٠٤م):
خلال السنوات العشر الماضية ظهر بعض من اليمنيِّين المرضى نفسيًّا يدَّعون بأنَّهم
المهدي المنتظَر.. أغلبهم لم يشتهر نتيجة عدم وجود ما يُميِّزهم من الأفعال، أو في
هيأة ملابسهم الخارجيَّة كما هو حال المواطن اليمني محمود
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥٨) مجلَّة الأهرام العربي (العدد ٣١١/ السنة ١٢٣/ السبت ٥ محرَّم ١٤٢٤هـ،
الموافق ٨ مارس ٢٠٠٣م).
(١٥٩) مجلَّة الأهرام العربي (العدد ٢٧٣/ السنة ١٢٣/ السبت ٤ ربيع ثاني ١٤٢٣هـ،
الموافق ١٥ يونيو ٢٠٠٢م).
المفلحي البالغ من العمر
الأربعين عاماً.
وُلِدَ المفلحي في منطقة (قَدَس) قرية حليقان مدينة تعز، ودرس المرحلة الأساسيَّة
في قريته، ثمّ التحق بالثانويَّة الفنّيَّة قسم مكانيك، وكان يحصل دائماً على
المركز الأُولى، كما حصل على المركز الثاني على مستوى اليمن في الشهادة الثانويَّة
في مطلع الثمانينات، أهَّله للحصول على وظيفة في جامعة صنعاء كلّيَّة الهندسة، ثمّ
حصل على منحة دراسيَّة إلى جامعة حلب (سوريا) تخصُّص ميكانيكا، وسافر مصطحباً زوجته
وابنه، واجتهد في دراسته، وكان يتقدَّم زملاءه في الدراسة، لكن نتائج الشهادة
الجامعيَّة التي فاجأته برسوبه في مادَّة واحدة بينما حصل على الدرجات النهائيَّة
في بقيَّة الموادِّ، وعدم قبول تظلُّمه حوَّلت حياته من طالب جامعي إلى رجل آخر
يدَّعي بأنَّه المهدي المنتظَر.. ليتمَّ ترحيله مع زوجته إلى اليمن.
التقت مجلَّة اليمامة السعوديَّة في حوار معه في (العدد ١٨٣١/ السبت ٢٣ رمضان
١٤٢٥هـ، الموافق ٦ نوفمبر ٢٠٠٤م) وكان هذا اللقاء والحوار، وفي إجاباته تناقضات
تدلُّ على مرضه النفسي، وأجرى الحوار طاهر حيدر من اليمن، وهو كالآتي:
- كيف تُعرِّف نفسك للقرَّاء؟
- اسمي محمود بن عبد الله المفلحي المهدي المنتظَر.. محمود بن يسر (اسم أُمِّه)،
ووالدي عبد الله بن فاطمة، أنا الآية الكبرى، أنا محمّد ومحمود وأحمد، أنا كلُّ
الأنبياء، أنا آدم بن حوَّاء وسيِّدها، أنا ابن مَلَكة سبأ وسيِّدها، أنا المهجور
بين قومي، أنا مَنْ يُوحِّد المسلمين بعد تفرُّقهم إلى مذاهب وطوائف، أنا الناصر،
أنا حم، أنا طس، أنا ألم... إلخ.
- يقال: إنَّ المهدي المنتظَر اسمه كاسم الرسول (صلَّى الله عليه وآله)؟
- محمود ومحمّد نفس الاسم.. ووالدي عبد الله.. وأُمِّي يسر.. وجدِّي المفلحي يقابل
المطَّلب.
- متى علمت بأنَّك المهدي المنتظَر؟
- منذ أنْ عرفت العالم من حولي، لكنِّي لم أُظهِر نفسي إلَّا حينما أمرني الله،
حينما كنت في سوريا في شهر (أُغسطس ١٩٩٩م)، حينما حفظت جميع الكُتُب السماويَّة،
وأُسري بي إلى (قَدَس)، وعُرِجَ بي إلى سدرة المنتهى في لحظة.
- هل جاء رسول من الملائكة وأخبرك بذلك وركبت البراق؟
- لم أتحرَّك من مكاني، وإنَّما روحي هي التي انتقلت، ليس ذلك حلماً ولا رؤية
مناميَّة وإنَّما رؤية ربَّانيَّة في عزِّ الظهر.
- ومن أين جئت بملابسك هذه وسيفك؟
- كلُّ ذلك في نفس اللحظة، وجدت نفسي بهذا الشكل وبيدي العصا والسيف.. وكلُّ شيء
بأمره.
- وهل أخبرتنا لمن يعود هذا السيف؟
- إنَّه سيف محمّد بن عبد الله.
- كيف كان ردُّ فعل زملائك في الجامعة حينما خرجت لهم بهذه الهيأة؟
- صدَّقني مَنْ صدَّق واستهزأ بي مَنِ استهزأ، وتمَّ اعتقالي والتحقيق معي وترحيلي
مع زوجتي وابني إلى اليمن.
- تقول: إنَّك أُمِّيٌّ لكنَّك درست حتَّى الجامعة؟
- أُمِّيٌّ عن علم الغيبيَّات وليس عن علم الدنيا.
- يقال: إنَّ المهدي المنتظَر يظهر في مكَّة والمدينة وليس في اليمن أو سوريا؟
- مكَّة ليست فقط التي فيها الكعبة، وإنَّما كلُّ ما حولها تُعتبَر مكَّة من يمن
وشام، وسأنتقل إلى المدينة وجوار الكعبة بعد أنْ تظهر العلامات الكبرى للقيامة.
- هناك الكثير ممَّن يدَّعون بأنَّهم المهدي المنتظَر، وليس لديهم ما يُثبِت
ادِّعاءهم.. فما علامتك وصفاتك التي تُثبِت صدق ما تدَّعيه؟
- حينما ظهرت في سوريا كُسِفَت الشمس، وحينما خرجت من (قَدَس) انشقَّ الجبل وظهرت
النار من أمامي ومن خلفي.. صفاتي أجلى الجبهة، أفرق الثنايا، متوسِّط القامة، طويل
الشعر، ذو الشامتين، اللون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، صاحب السيف والعصا، لا أُريد
سلطةً ولا حكماً ولا إراقة دماء.
- هل لديك أتباع؟
- الكلُّ يعرفني ويؤمن بي، وقد بشَّرت بي جميع الكُتُب السماويَّة، القرآن والإنجيل
والتوراة.
- لكن التوراة والإنجيل قد حُرِّفت؟
- ليس هناك تحريف في النصِّ، وإنَّما في التفسير.
- وما يُدريك أنت والله قد ذكر أنَّها قد حُرِّفت؟
- لا تُكثِر من الأسئلة.. فأنت مع خليفة الله في الأرض كما قلت لك، أنا جميع
الأنبياء وكلامي ليس من عندي.
- كيف تكون أنت جميع الأنبياء وهم قد ماتوا عدا عيسى فقد رُفِعَ؟
- الجسم مات وأمَّا الروح انتقلت حتَّى محمّد ثم إليَّ.
- ما الذي قمت به حتَّى الآن لكي تهدي الناس؟
- الآن أنا في صراع مع كلِّ الدجَّالين وكلِّ أعدائي.
- مَنْ هم أعداؤك؟
- كما كان أعداء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأعداؤه أهل بيته.. وأنا أعدائي أهل
بيتي (أعداء الرجل بيته)، وهم الذين أخرجوني من (قَدَس).
- وهل ظهر المسيح الدجَّال؟
- ظهر ومات بعد مشاهدتي.
- يقال: إنَّه يُقتَل بعد أنْ يُفسِد الناس؟
- أين أنت نائم، المسلمون يحارب بعضهم بعضاً، والمنكرات في كلِّ مكان، مَنْ أفسدهم؟
إنَّه هو، ولم يعلم به إلَّا أنا.. ولذا حينما شاهدني كانت مشاهدتي قاتلة له.
- ما رأيك في بوش وشارون وصدَّام وأُسامة بن لادن؟
- كلُّهم أبنائي، وأنا الأب الروحي، وسأهديهم قريباً.
- حتَّى اليهود والمسيحيِّين أنت أبوهم؟
- ليس هناك مسيحيَّة أو يهوديَّة، فالدِّين الوحيد هو الإسلام، دين جميع الأنبياء.
- حاليًّا لا تعمل ومستأجر دكَّاناً تسكن فيه.. من أين تحصل على المال؟
- الرزق على الله، والدنيا كلُّها ملكي ومسخَّرة لي، ولي راتب أستلمه من جامعة
صنعاء.
- لكن المهدي المنتظَر لا يتناول القات، ولا يشرب السيجارة كما تفعل أنت؟
- قرأ آية ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ (الكهف: ١١٠)، ثمّ قال: أنا آكل
وأشرب، وحينما أخزن القات تفوح من فمي رائحة عطري، وحينما أشرب سيجارة يخرج من فمي
دخان أسود، كلُّ ذلك من علاماتي.
- قبل أربع سنوات حاولت الدخول إلى السفارة الأمريكيَّة، لماذا؟
- حاصرني مجموعة من الناس وحاولوا قتلي، وحينما استطعت الفرار لجأت إلى السفارة
الأمريكيَّة.
- ولماذا لم تلجأ إلى الأمن اليمني؟
- كما قلت لك يا ابني: الكلُّ أبنائي، وكلُّهم يأتمرون بأمري، والسفارة الأمريكيَّة
كانت أكثر تحصيناً.
- وحاليًّا هل تتعرَّض لبعض المضايقات؟
- بعد أنْ علم الناس بي لا يتجرَّأ أحد أنْ يؤذيني أو يضايقني، لأنَّهم يعرفون
أنَّهم سيواجهون عذاباً في الدنيا والآخرة، ثمّ قرأ آية ﴿وَمَا كُنَّا
مُعَذِّبِينَ﴾ (الإسراء: ١٥).
مدَّعي المهدويَّة في اليمن (٢٠٠٤م):
أعلن عضو في المجلس المحلِّي بمديريَّة حيدان باليمن أنَّه المهدي المنتظَر وليس
حسين الحوثي، وقالت المصادر في مديريَّة حيدان: إنَّ المدَّعي أحمد الوائلي في الـ
(٥٠ عاماً) من عمره.. وأشارت إلى أنَّ أجهزة الأمن اعتقلت الوائلي بهدف التحفُّظ
عليه، وأنَّه وُضِعَ رهن التحقيق من قِبَل الأمن في هذه المديريَّة، التي ما تزال
مسرحاً للقتال والمواجهات بين القوَّات الحكوميَّة وأتباع الحوثي الذي تتَّهمه
السلطة بإعلان نفسه المهدي المنتظَر والتمرُّد على السلطة في البلاد، وذكرت المصادر
أنَّ الوائلي طلب من الناس في هذه المنطقة أنْ يبايعوه باعتباره الإمام المهدي
المنتظَر، وبعد القبض عليه من قوَّات وأجهزة الأمن عُثِرَ بحوزته على كمّيَّة من
المنشورات التي تُروِّج لدعوته بين المواطنين(١٦٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٠) جريدة الشرق الأوسط اليوم (١٠/٧/٢٠٠٤م).
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠٤م):
بدأت نيابة القاهرة يوم الأحد (٢١/٣/٢٠٠٤م) تحقيقاتها مع فرَّان بالإسكندريَّة، فقد
عقله بسبب الكوابيس التي كان يراها في منامه، وظنَّ بداية الأمر أنَّه من
المبشَّرين بالجنَّة، وتمادى في خياله معتقداً أنَّه المهدي المنتظَر، وحضر إلى
القاهرة لمقابلة شيخ الأزهر ليُعرِّفه بنفسه.. وقال الفرَّان الذي يُدعى: أشرف عبد
الحميد حسنين (٣٦ سنة): إنَّه رأى في أحلامه أنَّه من المبشَّرين بالجنَّة، وأنَّه
المهدي المنتظَر، وأخذ يهذي بأقوال غير مفهومة.. وكانت سلطات الأمن المصريَّة
تلقَّت بلاغاً من مدير عامّ سكرتاريَّة شيخ الأزهر عبد المنعم كمال زنقلى يفيد
بأنَّ شخصاً حضر إلى مشيخة الأزهر وطلب مقابلة فضيلة الشيخ الدكتور محمّد سيِّد
طنطاوي مدَّعياً أنَّه المهدي المنتظَر، وطلب مناقشة الشيخ لتصحيح أفكاره(١٦١).
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠٤م):
اعتدى شابٌّ على الدكتور عليّ جمعة مفتي الديار المصريَّة بالضرب عقب صلاة العشاء
مساءً أوَّل من أمس الأحد (٢/٥/٢٠٠٤م) داخل الجامع الأزهر.. وتلقَّى المفتي لكمات
عدَّة بينها واحدة في عينه قبل أنْ ينقضَّ حرسه على الشابِّ المعتدي ويحيلوه إلى
الشرطة.. فقد حضر الشابُّ أمير عبد العظيم (٣٠ سنة) صلاة العشاء خلف المفتي، وعقب
الصلاة ألقى المفتي درساً دينيًّا، وإثر انتهائه فوجئ بالشابِّ يتقدَّم نحوه ويعتدي
عليه بالضرب، وظلَّ يُوجِّه له لكمات متتالية ويقول له: (أنا المهدي المنتظَر، ولم
تُكمِل وظيفتك كمفتٍ لمصر)، وأخذ يهذي بكلمات غير مفهومة إلى أنْ حضر حرس المفتي
الشخصي وأمسك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦١) جريدة الشرق الأوسط (الاثنين ١/٢/١٤٢٥هـ، الموافق ٢٢/٣/٢٠٠٤م).
به وأحاله لقسم شرطة الدرب الأحمر لتحرير محضر ضدَّه، لكن المفتي طلب
عدم تحرير أيِّ محضر بالواقعة، إلَّا أنَّ الشرطة أصرَّت على ذلك حرصاً على حقِّه
القانوني، وتبيَّن أنَّ الشابَّ من مدينة المحلَّة الكبرى بمحافظة الغربيَّة، ويقيم
في القاهرة للعمل، وأُحيل المتَّهم لنيابة الدرب الأحمر لبيان مدى سلامة قواه
العقليَّة، ولكشف ملابسات الحادث الغريب(١٦٢).
مدَّعي المهدويَّة في السعوديَّة (٢٠٠٥م):
موظَّف سابق في شركة آرامكو البتروليَّة، يحمل شهادة دكتوراه في جيوفيزياء يدَّعي
أنَّه (المهدي المنتظَر)، وله موقع على النت: (وأنا على يقين أنَّ الكثير من الناس
يسخرون ويُكذِّبون، وإنِّي سوف أُتَّهم بالكفر والجنون. وما عليَّ، فهذا ما أُمرت
به، فليفعلوا ما هم به يُؤمَرون، وإنِّي أُحذِّر من أنَّ مَنْ يُكذِّبني افتراءً
واستكباراً فإنَّه يُكذِّب بآيات الله، وأنَّ مَنْ يسخر منِّي فإنَّه يسخر من آيات
الله، وأنَّ مَنْ يعرض عنِّي فإنَّه يعرض عن آيات الله، فيا أُمَّة محمّد لأنْ
صدَّقتم الآيات فعليكم الشكر لله، ولأنْ كذَّبتم بها فحقٌّ للحقِّ أنْ يحقَّ عليكم
عذاب يوم حقيق، نسأل الله العزيز القدير أنْ يرحمنا ويُنقِذنا من عذاب يوم حقيق)..
وبعد، فما تقدَّم بين الأقواس مأخوذ من مقدَّمة طويلة كتبها مَنْ يزعم أنَّه
(المهدي)، وهو يبني زعمه هذا على مجموعة من رؤى (أحلام) أهله ورؤاه شخصيًّا، ثمّ
على آية من آيات الله يزعم أنَّه اكتشفها، وهي أنَّ الله أبطن اسمه واسم أخيه
أُسامة بن لادن في أكثر القرآن، فهما سرُّه وهما أمره.. والرجل اسمه: نبيل عبد
القادر أكبر، متزوِّج، وله أربعة أولاد، اثنان من أبنائه يدرسون الطبَّ، وهو من
مواليد الطائف عام (١٩٥٨م)، وقد عمل مدرِّساً في التعليم، ثمّ باحثاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٢) جريدة الشرق الأوسط (العدد ٩٢٨٩/ الثلاثاء ١٤/٣/١٤٢٥هـ، الموافق ٤/٥/٢٠٠٤م).
في شركة آرامكو السعوديَّة للبترول، ثمّ رئيس قسم، ثمّ منسِّق اكتشاف وتطوير الحقول، ثمّ
تفرَّغ بعد ذلك لأبحاث الفلك والجيوفيزياء، إذ إنَّه يحمل الدكتوراه في الجيوفيزياء
من جامعة ستانفورد من كاليفورنيا عام (١٩٩٣م)، وقد حصل على البكالوريوس من جامعة
المَلِك سعود بالرياض عام (١٩٨١م)(١٦٣).
وقد اعتمد في دعواه على نقطتين:
الأُولى: قواعد الاستنتاج الحسابي من القرآن الكريم.. وعندما تطرَّق إلى الحديث «يُوَاطِئُ
اِسْمُهُ اِسْمِي»، قال: المواطأة لا تعني المساواة، بل تعني أنَّ هناك موافقة ما
بينهما!.. ويقصد به موافقة الاسمين حسابيًّا، إذ إنَّ الوزن العددي (الجمل) لـ
(محمّد) = الوزن العددي لـ (نبيل) = (٩٢)، ونبيل هو الاسم الأوَّل للمهدي(١٦٤).
الثانية: قَصَص وأحلام ورؤيا، ويدَّعي أنَّها تدلُّ على مهدويَّته، مثل هذه
الأمثلة(١٦٥) من الأحلام، والتعبير عنها من وجهة نظره:
الرؤيا: رأيت أنَّني في مكان مزدحم فيه الرجال والنساء يُصَلُّون معاً، ولكنَّني لم
أرَ الكعبة، وبعد قليل حضر الشيخ وأعلن من الميكرفون أنَّ سيِّدنا الحسين! سوف يأتي
ليؤمَّ المسلمين للصلاة، ففرحت كثيراً لأنَّني سوف أرى ابن بنت رسول الله، وذهبت
إلى الشيخ كي أتأكَّد منه، فأكَّد لي، وفرحت، وعندها أعلن الشيخ أنَّ الذي يؤمُّنا
في الصلاة هو أنس بن مالك، وليس سيِّدنا الحسين.
التعبير: (مكان مزدحم) أي حدث كبير، (الرجال والنساء) شامل،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٣) موقع المدَّعي في النت، بالإضافة إلى كتابه الذي يبدأ به دعوته وبه أحلامه
ورؤاه، والذي يبدأ بكلمة: (بسم الله المجيب الأوَّل الحسيب).
(١٦٤) كتاب المدَّعي (ص ١٣)، من موقعه بالنت.
(١٦٥) المصدر السابق.
(يُصَلُّون معاً) أي
إنَّ الحدث الكبير ذو علاقة بأمر من السماء، (لم أرَ الكعبة) فتنة، (وأعلن من
الميكرفون) الميكرفون وسيلة لتبليغ خبر للجميع أنَّ (سيِّدنا الحسين) كناية عن
المهدي (سوف يأتي ليؤمَّ) ليقود المسلمين، (وذهبت إلى الشيخ كي أتأكَّد منه) أي
مَنْ هو؟ (فأكَّد لي) أنَّه (أنس بن مالك) خادم رسول الله الأمين.
الرؤيا: رأيت فيما يرى النائم أنِّي أنظر إلى التلفاز السعودي، وقد ظهرت عليه صورة
الشيخ محمّد المنجد، وهو يتحدَّث وبقسم يقول: (والله الذي لا إله إلَّا هو في رمضان
هذا الحدث الأكبر)، وقد كرَّر هذا القسم ثلاثاً.
التعبير: وقعت هذه الرؤيا قبيل شهر رمضان (١٤٢٣هـ)، واستبشر بها الناس خيراً،
ولـمَّا انتهى الموعد ولم يحدث ما كانوا يأملون من أحداث أُصيب الكثير منهم بالفتور
والإحباط إلَّا مَنْ أُوتي العلم والصبر منهم.. إلَّا أنَّ الحدث الأكبر قد وقع في
ذلك الشهر وفي ليلة القدر والتي كانت ليلة (٢٩) تحديداً، وهي الليلة التي نزل بها
المطر والبرد في المسجد الحرام، وقد كنت بفضل منه حاضراً وعند الملتزم أدعو بأنْ
يتمَّ الله نعمته ونصره للأُمَّة.. أمَّا (التلفاز السعودي) فلأنَّ الأمر سيظهر من
الحجاز، و(الحدث) أي المحدِّث، و(الأكبر) هو اسم المهدي.. كذلك فهناك إشارة أُخرى
في الرؤيا ذلك أنَّ الشيخ والمهدي كانا من نفس ويقطنان الحيَّ نفسه، (ولا توجد أيُّ
علاقة غير ذلك بينهما من قريب أو بعيد).
الرؤيا: رأيت كأنَّني في آخر ليلة في رمضان، وأنَّه بعد انتهاء السنة الميلاديَّة
الحاليَّة (٢٠٠٤) سيصبح شهر رمضان رمضانين: رمضان بالتقويم القمري، ورمضان بالتقويم
الشمسي العالمي، يعني سيصبح أحد الشهور الشمسيَّة فبراير أو مارس مثلاً هو رمضان،
بالإضافة إلى رمضاننا الكريم بالتقويم القمري..
وأنا في الرؤيا أُدخِلَ في روعي
أنَّ رمضان المقبل بالتقويم الشمسي سيدخل بعد انتهاء السنة (٢٠٠٤م)، ولم أتذكَّر
أيكون شهر يناير هو رمضان أم هو شهر فبراير.
التعبير: وجود شهر رمضان آخر بالتقويم الشمسي يدلُّ على ظهور الإسلام على الدِّين
كلِّه.. وشهر رمضان أُنزل فيه القرآن، والشمس والقمر آيات مرتبطة بعلم الحساب كما
أسلفنا مراراً، فتدلُّ الرؤيا على أنَّ ظهور الإسلام ذو علاقة بالقرآن والحساب، وهو
ما يقوم به المهدي، وأنَّ ذلك سيكون سنة (٢٠٠٥م).
الرؤيا: رأيت أنِّي كنت مع أهل بيتي، فجاء أبي (رحمه الله)، فقال لي: انتظروا حتَّى
تأخذوا معكم جدَّك، ففتحت باب السيَّارة ليركب جدِّي، فإذا هو أصغر من عمره الذي
توفَّاه الله عليه، (حيث كان قد بلغ من العمر عتيًّا إلَّا أنَّه في الرؤيا قويُّ
البنية وشعره أسود)، ثمّ بعد ذلك رأيتني أتمشَّى في شارع في مدينة أمريكيَّة، فلاحت
منِّي التفاتة إلى السماء، فإذا القمر يمرُّ سريعاً في السماء وهو بدر، فيتَّجه من
الشرق إلى الغرب، فظننت أنَّه سيقع زلزال، لكن الذي حدث هو أنَّ الشمس التي كانت في
موقعها من السماء التي تكون عليه وقت العصر انتقلت منه إلى الشرق حيث بقيت لا أدري
هل ستغرب في الشرق أم ستتابع سيرها غرباً كما تفعل كلَّ يوم؟ فدخلت بقالة لأسأل
صاحبها والزبائن لأتأكَّد من وضع الشمس الجديد، فأجابوني أنَّها في الشرق، وأُدخِلَ
في روعي أنَّ اليوم هو يوم السبت، وأُدخِلَ في روعي أنَّني كنت كتبت في منتدى أنَّ
الشمس سيحصل لها هذا يوم السبت الذي يصادف تاريخ اليوم.
التعبير: أخذ الجدِّ شابًّا قويًّا يدلُّ على الأخذ بالحقِّ.. ظهور البدر من الشرق
أي أصل المهدي، والسرعة ترمز للحاسوب.. وأيضاً وكما سبق فالشمس
والقمر آيات مرتبطة
بعلم الحساب كما أسلفنا مراراً، فتدلُّ حركة الشمس والقمر إلى لفت الانتباه للحساب
(لاحظ أنَّك إذا أردت أنْ تُلفِت نظر شخص بعيد عنك إلى شيء ما فإنَّك ترفع يديك إلى
الأعلى وتُلوِّح باليمنى إلى اليسار وباليسرى إلى اليمين).. وليوم السبت هذا نبوءة
واضحة ليوم ظهور المهدي.. فيوم السبت يوافق يوم عاشوراء (١٠/١/١٤٢٦هـ)، والذي به
يُعلِن المهدي عن نفسه، وهناك دلالة أُخرى لهذا، فيوم عاشوراء هو اليوم الذي أنقذ
الله تعالى اليهود، وسيُنقِذ المسلمين هذه المرَّة بإذنه تعالى.
وقد أشار إلى ما توطَّأ أو استنتجه من رؤى وأحلام:
- أنَّ نصر الله وفتحه قريب.
- أنَّ المهدي سيظهر من خلال حدث كبير يعرض من خلال أجهزة الاتِّصالات، وسيكون
بيِّناً للجميع.
- ثمّ تكون فتنة عمياء لاختلاف الناس على المهدي بين مصدِّق ومكذِّب.
- أنَّ بين المهدي والمجاهدين علاقة، وأنَّ كلًّا منهم ينصر الآخر بما أُوتي من
قوَّة.
- أنَّ المهدي هو خادم رسول الله.
- أنَّ القمر يرمز إلى المهدي.
- أنَّ المهدي من الشرق.
- أنَّ آيات المهدي ذو علاقة بالحساب والقرآن والحاسوب.
- أنَّ أُسامة بن لادن سيتمكَّن من بلاد الحرمين بفضل منه تعالى.
- أنَّ سيِّدي المسيح بن مريم سيظهر وسيشهد المهدي على صدقه.
- أنَّ أُمَّة الإسلام مقبورة، وذلك ممَّا يدعو للأسف.
والعجب أنَّ شخصاً مثل (نبيل أكبر) يحمل شهادة أكاديميَّة عليا، من
المفترض به أنْ
يكون أكثر وعياً، وأكثر فهماً وبصيرةً لحقائق الأُمور.. ويجب أنْ يعرف أنَّ الأحلام
لا يُعتَدُّ بها في الأحكام الشرعيَّة، فكيف بدعوى حسَّاسة وخطيرة كقضيَّة ادِّعاء
المهدويَّة؟.. لقد سُئِلَ العلَّامة المجلسي صاحب (بحار الأنوار)(١٦٦): هل يكون
النوم (الأحلام والرؤى) حجَّة في الأحكام الشرعيَّة؟ فأجاب: فيه إشكال، فإنَّه قد
ورد بأسانيد صحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث الأذان: أنَّ دين الله
تبارك وتعالى أعزُّ من أنْ يُرى في النوم. والمراد: أنَّه لا يثبت أصل شرعيَّة
الأحكام بالنوم، إذ مناط الأحكام الشرعيَّة العلوم الظاهرة... علماً بأنَّ ما يُرى
في المنام قد يكون من قبيل الأضغاث.
مدَّعي المهدويَّة في المغرب (٢٠٠٦م):
مغربي يقرأ القرآن مخموراً يزعم أنَّه المهدي المنتظَر، يواجه مغربي متَّهم بالشذوذ
وتلاوة القرآن مخموراً، وادِّعاء النبوَّة، وجمع الأتباع لعبادته من دون الله، جنحة
(دجل وشعوذة) في المحاكم المغربيَّة قد يتعرَّض بموجبها للسجن مدَّةً لا تزيد عن
(٥) سنوات.. الأمر الذي يُثير غضب شرائح في المجتمع المغربي.
تعود وقائع هذه القضيَّة الغريبة، التي كانت مدينة قلعة السراغنة، القريبة من مدينة
مراكش الحمراء (بالمغرب) مسرحاً لها، حين ألقت الشرطة القضائيَّة في بلدة تملالت
القبض على مجموعة من الأشخاص مؤلَّفة من أربعة رجال وامرأتين، كانوا ساجدين
وراكعين، مهلِّلين ومكبِّرين، أمام المسمَّى (محمّد.ك) وهو من جماعة الملتحين
المتطرِّفين بالمغرب، والذي كان يصيح بأعلى صوته (الله أكبر، الله أكبر، أنا المهدي
المنتظَر)، بحسب مجلَّة (المرأة اليوم).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٦) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة (ص ٤٤٦ و٤٤٧).
وعثرت الشرطة بين أمتعة الرجل على بعض الكُتُب المتعلِّقة بالشعوذة والسحر، وبعض
الكُتُب الأُصوليَّة المتطرِّفة، وبعض الكتابات المدوَّنة من قِبَله والمتعلِّقة
بالأشعار والابتهالات والشعوذة.
يقول أحد الشهود: إنَّه صباح عيد الأضحى، ذبح - المدَّعي أنَّه المهدي المنتظَر -
كبشاً في الساعة (٣) صباحاً، واستحم بدم الأُضحية، ثمّ أكل رئتها طريَّة، وأنَّه
كان يحمل (شاقوراً) وعصاً، وظلَّ الليل كلَّه يقوم بطقوس غريبة على جسد (أحمد.ش)
استعداداً لقتله، حيث أشبعه ضرباً قاسياً بالعصا، بدعوى أنَّه يزيل عنه الشياطين
التي تسكنه، وأنَّه بذبحه تنتهي الدنيا، متَّهماً (أحمد.ش) الذي أصدرت المحكمة في
حقِّه ستَّة أشهر حبساً نافذاً، رغم أنَّ الوثائق الطبّيَّة تُثبِت أنَّه مجنون
بأنَّه الدجَّال، ثمّ سيلي ذلك قتل أُخت (أحمد.ش) هذا، المسمَّاة (فوزيَّة.ش) التي
زوَّجها (محمّد.ك) بدون عقد نكاح بأحد أتباعه المسمَّى (عمر.ر)، مبرِّراً أنَّ
قتلها هو قتل لإبليس المجسَّد في صورتها.
وقالت زوجة المدَّعي (المهدي كذباً) المسمَّاة (مليكة.م): إنَّها تعرَّفت عليه
أوَّل الأمر، عند زيارتها له بمقرِّ سكناه، على أساس أنَّه يعالج الأمراض المستعصية
(الصرع خصوصاً)، وبعد عدَّة حُصَص من العلاج، دامت ثلاثة أشهر، أقام خلالها علاقة
معها بطُرُق شاذَّة إلى أنْ تزوَّج بها على سُنَّة الله ورسوله، ومنذ ذلك الوقت وهو
يعاملها معاملة سيِّئة، وأصبح يُرغِمها على الصلاة والذكر له نهاراً وليلاً، وأنَّه
كان يدَّعي أنَّه المهدي المنتظَر، وأنَّه صاحب حكمة، لذا وجب السجود والعبادة له
وحده دون الخالق.
وتضيف (مليكة.م) أنَّه احتجزها مع (٣) رجال والمجنون (أحمد.ش) داخل منزله، مانعاً
إيَّاهم من الخروج والمأكل والمشرب، وحثَّهم على عبادته والسجود له، وكلُّ مَنْ
خالف أوامره فمصيره الاعتداء عليه بواسطة الضرب
والجرح، كما أمرها هي والمسمَّى
(حسن.ك) بالسجود له من الواحدة ليلاً إلى العاشرة صباحاً دون انقطاع، كما قام
بالاعتداء بواسطة الضرب على المسمَّى (أحمد.ش) على مستوى وجهه ورأسه بواسطة عصا،
كما اعترفت بأنَّه منذ زواجها منه قبل ثلاث سنوات، وهو يأمرها بالسجود له وعبادته.
المثير في قضيَّة (المهدي المزعوم) هذا، هو أنَّ المحكمة الابتدائيَّة لن تحكم عليه
بغير السجن (٥) سنوات، وغرامة بسيطة لا تتجاوز ألف درهم مغربي، ممَّا أثار استياء
الرأي العامِّ المحلِّي، خاصَّةً مع تأكيد الشهود أنَّه كان يتلو القرآن مخموراً،
وأنَّه شاذٌّ، وحسب محامي أحد الضحايا فإنَّ المشكلة هي في التكييف القانوني
للواقعة، حيث إنَّ القانون المغربي في أقصى أحكامه لا يحكم سوى بـ(٥) سنوات في
أُمور الدجل والشعوذة، وأنَّ القضيَّة كُيِّفت على أنَّها جنحة شعوذة ودجل(١٦٧).
مدَّعي المهدويَّة في مصر (٢٠٠٦م):
ادَّعى أحد الأشخاص بالشرقيَّة (مصر) أنَّه المهدي المنتظَر، وأرسله الله ليهدي
الناس إلى طريق الحقِّ والرشاد، ثمّ تبيَّن أنَّه مختلٌّ عقليًّا.. كان أهالي قرية
منشأة بشارة التابعة لمركز الحسينيَّة في محافظة الشرقيَّة (٩٠ كيلومتراً شرق
القاهرة) فُوجئوا بشابٍّ يبلغ من العمر (٢٢ عاماً) عقب صلاة الجمعة يُمسِك
بميكروفون المسجد ويخطب فيهم ويعظهم ويُخبِرهم بأنَّه المهدي المنتظَر.
أسرعت مجموعة من شباب القرية بإبلاغ رئيس مباحث المركز مصطفى سليم حيث تمَّ إلقاء
القبض عليه، وقرَّرت النيابة العامَّة عرضه على طبيب نفسي أكَّد تقريره إصابته
بأمراض نفسيَّة وعصبيَّة، فأصدر المستشار عرفة دريع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٧) موقع قناة العربيَّة بالنت الثلاثاء (١٤ فبراير ٢٠٠٦م، الموافق ١٥ محرَّم ١٤٢٧هـ).
المحامي العامُّ لنيابات شمال
الشرقيَّة قراره بإيداعه أحد مستشفيات الأمراض العقليَّة(١٦٨).
مدَّعي المهدويَّة في الحدود السعوديَّة (٢٠٠٦م):
رحَّلت السلطات السعوديَّة مؤخَّراً بالتنسيق مع السفارة التونسيَّة بالرياض
مواطناً تونسيًّا كان قد اعتُقِلَ عند محاولته التسلُّل للمملكة عبر الحدود مع
الأُردنِّ بدون أيَّة وثائق رسميَّة أو جواز سفر، مدَّعياً أنَّه (المهدي المنتظَر)
عند استجوابه.. وكشفت الفحوص الطبّيَّة عن أنَّه مريض نفسيًّا، وغير مسؤول عن
تصرُّفاته.
وكانت (جريدة اليوم السعوديَّة) نشرت في عددها ليوم الخميس، السادس من ذي القعدة
الماضي، خبر اعتقال رجال حرس الحدود بتبوك لشخص يحمل حقيبة كبيرة على ظهره، وعُثِرَ
فيها على منشورات وطلاسم يدَّعي فيها أنَّه المهدي المنتظَر، وأنَّ بإمكانه
التجوُّل في أيِّ دولة يريدها بالعالم، وظلَّ يُتمتِم بكلمات غير مفهومة ويهذي
بصوتٍ عالٍ.. مستنكراً عدم التعرُّف عليه(١٦٩).
مدَّعي المهدويَّة في تونس (٢٠٠٦م):
يزعم أنَّه المهدي المنتظَر، ويعد أتباعه بشاشة إلهيَّة تُظهِره لكلِّ العالم..
(كذَّاب، مشعوذ، مريض) تلك هي التعاليق التي سمعناها (مجلَّة شروق التونسيَّة) في
مدينة مدنين وبعض مناطق الولاية عندما كنَّا نسأل عن حقيقة الرجل الذي ادَّعى أنَّه
المهدي المنتظَر، وسعى إلى جمع أتباع حوله.
إنَّه من مدينة تقع بولاية تطاوين، ويبلغ من العمر (٥٥ عاماً)، تخلَّى عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦٨) الجرائد المحلّيَّة السعوديَّة ليوم الاثنين (١٤/١/١٤٢٧هـ، الموافق
١٣/٢/٢٠٠٦م).
(١٦٩) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١١٩١٥/ السبت ٢٨/١٢/١٤٢٦هـ، الموافق
٢٨/١/٢٠٠٦م).
زوجته
وأبنائه منذ سنة (٢٠٠١م)، وانتقل من مسقط رأسه إلى منطقة قصر الحلوف بمعتمديَّة بني
خداش، حيث أقام لدى إحدى العائلات، وبعد مدَّة انطلق في ترويج ادِّعاءاته زاعماً
أنَّه (المهدي المنتظَر).. ثمّ انتقل إلى مدينة مدنين برفقة ثُلَّة من أتباعه،
وحتَّى يُقنِع الناس بأنَّه المهدي المنتظَر، كان يخاطبهم بفصاحة، وكان يتوخَّى
أساليب استقطاب خاصَّة، ثمّ صار يُنظِّم حلقات دروس يحضرها مَنِ اقتدى به من ضعاف
النفوس، وكان يُحدِّثهم دائماً عن اليوم الذي سيأتي آجلاً أم عاجلاً، والذي سيراه
فيه كلُّ العالم من خلال الشاشة الإلهيَّة، كما يزعم! ولم يغفل المهدي المزعوم عن
إيهام الناس بأنَّه قادر على معالجة الأمراض المستعصية، بالإضافة إلى أنَّه أشاع
ذات مرَّة أنَّ الطوفان قادم، ونصح الجميع بأنْ يتزوَّدوا بكلِّ ما يحتاجونه طوال
عدَّة أشهر من موادٍّ غذائيَّة وماء.. لكن شيئاً لم يحدث، ومرَّ اليوم الذي قال:
إنَّ الطوفان سيحدث فيه دون أنْ تنزل من السماء قطرة ماء واحدة.
ومن الحكايات التي سمعناها ما يُؤكِّد أنَّه مجرَّد دجَّال ومشعوذ، فقد قيل لنا:
إنَّه تسبَّب في طلاق زوجين لهما أبناء، فهدم عشَّهما بعد أنْ كانا يعيشان في
انسجام ووئام.
فقد التقت (مجلَّة الشروق) الزوج المطلِّق، وهو السيِّد (ميلود القاسيم)، المقيم
بمدينة مدنين، والبالغ من العمر (٥٦ عاماً)، فقال بعد أنْ أجهش بالبكاء: إنَّ
الدجَّال قد خرَّب بيته وشتَّت عائلته.. ومضى السيِّد ميلود، وهو عامل يومي، راوياً
ما حدث، فقال: (كنت أعيش حياة هانئة سعيدة مع زوجتي، وهي ابنة عمِّي، ومع أبنائي
الستَّة، وكان الدجَّال يُقيم لدى أصهاري، وقد أثَّر عليهم جميعاً، فآمنوا به
وبدينه.. وبحكم أنَّ زوجتي وأبنائي كانوا يتردَّدون على بيت أصهاري تمكَّن من
التأثير عليهم هم أيضاً، عدا ابني الأكبر الذي لم يقتنع به
وبدينه، فانقطع عن زيارة
بيت جدِّه، وهو يعيش معي الآن.. أمَّا البقيَّة فقد هجروا البيت وأصبحوا من أتباع
الدجَّال، فحاولت إقناعهم بالتراجع عن ذلك، لأنَّه لا نبيَّ بعد محمّد (صلَّى الله
عليه وآله)، ولكن دون جدوى، لأنَّ زوجتي أصرَّت على موالاته، وأكرهتني على الطلاق).
شهادة السيِّد ميلود تكفي وحدها لتُقدِّم الدليل القاطع والبرهان الساطع، على أنَّ
الرجل مشعوذ ودجَّال، وفوق ذلك مخرِّب بيوت، فهل هذه الصفة الأخيرة من صفات
الأنبياء؟.. وشهادة أُخرى هي شهادة التاجر (هـ.ق) (٣٧ عاماً)، وهو الآخر يُقيم
بمدينة مدنين، تُؤكِّد أنَّه دجَّال كذَّاب.. يقول هذا التاجر وفي كلامه استهزاء
بيِّن وواضح: (كنت من أوَّل الذين سمعوا بحكايته بحكم أنَّني كنت أُقيم بجوار
العائلة التي كان يُقيم لديها، وكنت أحضر حلقات الدروس التي كان يُنظِّمها، وكان
يحضرها حوالي (٢٥) شحصاً، وقد لاحظت أنَّه يمتاز بفصاحة لغويَّة رهيبة، ومتمكِّن من
قواعد اللغة، وكان يدَّعي باستمرار أنَّه يُعطي الحكمة إلى الأطفال الصغار، أمَّا
الكبار فيجب عليهم أنْ يسعوا بأنفسهم للوصول إلى درجة الحكمة.. وعندما نُؤدِّي
الصلاة كنَّا نتَّجه نحو الغرب ونعتمد على أذان مكَّة الذي لا يسمعه إلَّا أصحاب
الحكمة، أي الأطفال الصغار كما يزعم.. وأثناء الصلاة كنَّا نسمعه يقول: (اللَّهُمَّ
صلِّ وبارك على سيِّدنا المهدي)، وكان يقول لنا: إنَّ النجوم تُحيِّينا من حين إلى
آخر، وتدنو منَّا، فكنَّا نُمعِن فيها النظر جيِّداً، لأنَّنا كنَّا نعتقد أنَّها
تقترب منَّا فعلاً).
يضيف محدِّثنا بعد ابتسامة سخرية، فيقول: (كان يُحدِّثنا دائماً عن يومٍ سيأتي
وستظهر فيه شاشة إلهيَّة عالميَّة عملاقة يشاهده عليها كلُّ العالم، ولكن حين أيقنت
من أنَّه دجَّال يحاول استغلال بعض البسطاء واجهته أمام الجميع
وكذَّبت ادِّعاءاته،
فكان أنْ رفضني وأمرني بأنْ أنسحب من المجموعة، فانسحبت، وهو ما كنت سأفعله من
تلقاء نفسي، لكوني لم أقتنع به وبدينه).
وهذه شهادة أُخرى تُبرهِن مثلها مثل بقيَّة الشهادات الكثيرة التي سمعناها، ولا
يسمح المجال لاستعراضها كلِّها.. على أنَّ الرجل ليس في واقع الأمر سوى نسخة
مشوَّهة من (مسيلمة الكذَّاب) حتَّى لا نقول: إنَّه مريض.
ويضيف أحد مشائخ مدينة مدنين الذي لعن الشيطان الذي أثَّر على الرجل وزيَّن له أنْ
يدَّعي ما ادَّعاه: إنَّ المسألة كلَّها ليست سوى ضرب من ضروب الشعوذة والتأثير
النفسي، وإنَّه من المحتمل أنْ يكون المهدي المزعوم ومسيلمة الجديد ممَّن يستعينون
بشياطين الجنِّ.
ولا شكَّ أنَّ حكاية الدجَّال وأتباعه ستكون لها في الأيَّام المقبلة تداعيات تقلب
حسابات المجموعة رأساً على عقب، فيرون عندها أيَّ منقلب ينقلبون.. ولعلَّ حكاية هذا
الدجَّال وأتباعه البسطاء السُّذَّج تُذكِّرنا جميعاً بدجَّال ظهر منذ سنتين
تقريباً في ولاية صفاقس، زاعماً أنَّه المهدي المنتظَر، فلمَّا بلغ مراده وجمع حوله
أتباعاً احتال عليهم بمساعدة امرأة، وهما الآن في (جنَّة) أُخرى غير الجنَّة التي
كان يعد بها.. إنَّها خلف أسوار السجن(١٧٠).
مدَّعي المهدويَّة في فلسطين (٢٠٠٦م):
ظهر شخص أمام المصلِّين في المسجد الأقصى المبارك في ليلة القدر (رمضان/ ٢٠٠٦م)
بلباس أخضر، وادَّعى أنَّه هو المهدي المنتظَر.. وقد أثار ظهوره في الأقصى ردود فعل
صاخبة ضدَّه، إلى درجة أنَّ بعض المصلِّين وحرَّاس المسجد منعوه من التحدُّث، ثمّ
ضرب على يد عدد من المصلِّين، ويروي أحد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٠) الشروق التونسيَّة (٢٥/١١/٢٠٠٦م).
شهود العيان تفاصيل ما حدث كما يلي: (عندما
كنَّا نُصلِّي صلاة الوتر ليلة القدر في المسجد الأقصى ظهر شخص يلبس عمامة خضراء
واعتلى إحدى الرافعات التي تُستعمَل في المسجد، وبدأ يتحدَّث وهو يحمل ورقة ويقرأ
منها.. وهنا تجمَّع حوله عدد كبير من المصلِّين الذين أبدوا استياءً لما رأوه،
ولقوله بأنَّه هو المهدي المنتظَر، وسرعان ما حدث في المكان هرج، ثمّ تدافع نحو هذا
الشخص الذي أُبعد من المكان، والذي أعتقد أنَّه ضُرِبَ من قِبَل شهود العيان إلى
أنْ أُغمي عليه كما يبدو).
وذكر شاهد العيان: (إنَّ هذا الشخص قال في بداية حديثه: إنَّه كان في المدينة
المنوَّرة في بداية شهر رمضان المبارك، وإنَّه أُبعد من هناك.. وحسب ما فهمنا
فإنَّه كان على الورقة التي يحملها تفاصيل نَسَب وعائلة الرسول (صلَّى الله عليه
وآله)، منذ فجر الإسلام وحتَّى يومنا هذا)(١٧١).
مدَّعي المهدويَّة في السودان (٢٠٠٦م):
رسالة إلى كافَّة المسلمين من الإمام المهدي المنتظَر بالسودان:
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلَّم..
الحمد لله الملك القوي القادر ذو القوَّة المتين الجبَّار القهَّار.. والصلاة
والسلام على سيِّدنا محمّد خاتم الأنبياء والمرسَلين وصاحب اللُّبِّ السليم الذي
قال له ربُّه: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ
عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحجّ: ٣٩]، صدَّق الله العظيم.
الحمد لله الذي فطر السماوات والأرضين، ودبَّر أُمور الدنيا بحكمته، وما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧١) نقلاً عن صحيفة بانوراما فلسطين، وكذلك موقع دنيا الوطن فلسطين لـ يوم الجمعة (٢٠/ أُكتوبر/ ٢٠٠٦م).
خلق الجنَّ
والإنس إلَّا لعبادته، فطريق الله واضح لكلِّ مَنْ أراد أنْ يعيش في هذه الأرض
ويعمرها.
فأمَّا بعد..
من الإمام المهدي المنتظَر الخير زكريَّا حسين عبد الله تلميذ العارف بالله الشيخ
عبد الرحيم البرعي بن الشيخ محمّد وقيع الله إلى كافَّة مسلمي الأرض، أدعوكم إلى
الدفاع عن هذا الدِّين ومقدَّساته وإيقاف هذا الزحف الأمريكي الجائر الظالم الذي
نسي أنَّ الله هو المهيمن ذو القوَّة المتين، وأدعوكم أيضاً أنْ تقفوا في وجه كلِّ
اليهود وأضغاث أحلامهم التي تُسمَّى ما بين النيل والفرات من بعد ما ضرب الهوان
قلوب سلاطين وحُكَّام المسلمين، وولُّوا أُمورهم لليهود والأمريكان، ونسوا أنَّ
الله يُخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور من بعد ما ظهر الفساد في البرِّ
والبحر وأخرجت الأرض أثقالها، والآن أتى أمر الله لتنزل الملائكة بالروح على مَنْ
أراد لهذا الدِّين أنْ ينتصر، ويجب أنْ لا ننسى بدر وملائكتها، وقال تعالى:
﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥]، والآن أراضينا يكثر
فيها السلاح والعتاد، وعلينا أنْ نتسلَّح بالإيمان، وقال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ
إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]، يجب أنْ لا تخافوا من كلمة
دمار شامل، لأنَّ الأمريكان هم اليهود، وأنَّ الله تعالى لم يعد اليهود بالنصر، بل
حصرهم في علوهم ودخولهم المسجد، ونحن نعدهم بالبأس الشديد والقتال حتَّى النصر.
والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد ناصر الحقِّ بالحقِّ والهادي إلى الصراط
المستقيم.
الإمام المهدي المنتظَر
الخير زكريَّا حسين عبد الله
أُمُّ درمان - السودان
السيرة الذاتيَّة للمهدي المزعوم:
هو الخير زكريَّا حسين عبد الله.
الموطن: إقليم جنوب دارفور بغرب السودان من منطقة فاطمة من قبيلة الكنجارة، نشأ
وترعرع بأُمِّ درمان.. سلك الطريقة القادريَّة الطيِّبيَّة السمانيَّة على يد
الأُستاذ الشيخ محمّد يس بن الشيخ محمّد الصادق الدينكاوي خليفة الأُستاذ محمّد
شريف نور الدائم بخلوته بأُمِّ درمان العبَّاسيَّة عام (١٩٩٣م)، وفي العام (٢٠٠٠م)
تمَّت إجازته في القادريَّة الطيِّبيَّة السمانيَّة على يد الأُستاذ محمّد يس، وفي
نفس عام (١٩٩٣م) سلك الطريقة السمانيَّة تربيةً وإرشاداً على يد خاتم الأولياء
والصالحين عبد الرحيم البرعي بن الشيخ محمّد وقيع الله بكردفان الزريبة(١٧٢).
مدَّعي المهدويَّة في العراق (٢٠٠٧م)/ جند السماء جماعة ضياء
الكرعاوي:
جرت يوم الاثنين (٢٩/١/٢٠٠٧م)، مواجهة عسكريَّة بمدينة النجف بالعراق مع مجموعة
تنظيم (جند السماء)، بمعركة بدأت بسيطة ثمّ تبيَّن أنَّها معركةٌ كبرى.. فقد كشف
مسؤول عراقي معلومات مثيرة عن التنظيم الذي تلقَّى ضربة عسكريَّة من قِبَل القوَّات
العراقيَّة وقوَّات مساندة يوم الاثنين، مشيراً إلى أنَّ زعيم التنظيم يدَّعي أنَّه
المهدي المنتظَر، وأنَّه قد خطَّط لاحتلال مرقد الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه
السلام) بالنجف، وقتل جميع المراجع الشيعيَّة في يوم عاشوراء الذي يصادف ليوم
الثلاثاء (٣٠/١/٢٠٠٧م).
وكشف نائب محافظ النجف عبد الحسين عبطان بينما كان يشرف على نقل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٢) موقع الإسلام اليوم بالنت ليوم (٢/٨/٢٠٠٦م/ سلمان فهد العودة).
جثث قتلى تنظيم جند
السماء، بأنَّ عدد القتلى تجاوز (٣٠٠) شخصاً، مشيراً إلى أنَّ إحصاء عددهم مستمرٌّ
وقد يفوق (٥٠٠) قتيلاً من أصل ألف شخص هو العدد التقريبي لأفراد هذه المجموعة..
وقال قائد قوَّات العقرب التابعة للشرطة العراقيَّة: إنَّ عدد ضحايا جماعة جند
السماء التي يقودها المهدي المزعوم بلغ حوالي (٥٠٠) قتيل والكثير من المعتقلين،
وأكَّد مصدر في لواء (ذو الفقار) أنَّ القتلى أكثر من ذلك بكثير..
وقد أضاف نائب محافظ النجف أنَّ المعلومات التي أمكن الحصول عليها من التحقيق مع
المعتقلين وبناءً على معلومات سابقة فإنَّها تفيد بأنَّ هذه العمليَّة مدبَّرة
وموجَّهة من أشخاص من الخارج، وأنَّهم استخدموا هذا الأُسلوب وتلك الشعارات
المزيَّفة من أجل التغلغل في الأوساط الشيعيَّة ومن أجل الاستيلاء على النجف وقتل
المراجع واستباحة المدينة بشكل أوَّلي والانطلاق بعد ذلك إلى بقيَّة المحافظات..
هكذا أخبرهم زعيمهم المقتول الذي يُسمِّي نفسه المهدي المنتظَر..
وكانت تقارير أمنيَّة قد أفادت أنَّ العمليَّة تمَّ التحضير لها بدقة عبر شراء
أراضٍ محيطة بالنجف، وقاموا بإدخال أسلحة ثقيلة ومتوسِّطة وخفيفة مفكَّكة إلى هذة
الأراضي، وقاموا بحفر الأنفاق تحت الأرض لنقل العتاد إلى قلب المدينة، ودخل
المقاتلون البساتين المحيطة بالمدينة منذ أيَّام ولكنَّهم فُوجئوا بالعمليَّة
العسكريَّة ضدَّهم..
وأوضح نائب المحافظ أنَّ هذه الجماعة التي يراوح عدد أفرادها بين (١٥٠٠) و(٢٠٠٠)
شخص تتَّخذ مزارع منطقة الزركة (شرق النجف) قاعدة لها، وتلتفُّ حول شخص يدَّعي
أنَّه (المهدي)، وأوضح أنَّ زعيمهم يُدعى (ضياء كاظم عبد الزهرة الكرعاوي) وهو من
ضمن القتلى، وقد كان ضابطاً
سابقاً في الاستخبارات البعثيَّة العراقيَّة (فدائيي
صدَّام)، ويدَّعي أنَّه المهدي المنتظَر، وأنَّ لديه ارتباطات بالخارج، ويلقى دعم
من تنظيم القاعدة الإرهابي..
وكان قائد تنظيم جند الإسلام، المهدي المزعوم يسعى إلى تطبيق الرواية القائلة أنَّ
المنتظَر يظهر في العاشر من محرَّم، وستكون معركة يقتل فيها العلماء، وهي من
الدلائل المؤكِّدة لظهور المهدي.
تفيد التقارير الأمنيَّة ووسائل الإعلام أنَّ قائد هذه المجموعة (تنظيم جند السماء)
هو صاحب كتاب (قاضي السماء)، وهو حسب مدَّعاه في الكتاب يقول: إنَّ الإمام المهدي
(م ح م د بن الحسن العسكري (عليه السلام)) خرافة أوجدها الشيعة، وإنَّ الإمام
العسكري (عليه السلام) كان عقيماً..
وقبل عدَّة أسابيع تمَّ نشر كتاب في العراق بعنوان (قاضي السماء) يدَّعي فيه كاتبه
أنَّه الإمام المهدي، واسمه: عليُّ بن عليِّ بن أبي طالب، وأنَّه هو المهدي
المنتظَر، وليس مهدي الشيعة إلَّا خرافة كما يزعم..
أمَّا كيف يكون هو عليُّ بن عليِّ بن أبي طالب؟ فهذا له قصَّة طريفة تفوح منها
رائحة الكذب والدجل وقلَّة احترام العقل والتزوير ومحاولة الضرب على الوتر العاطفي
الشيعي، وهذا يدلُّنا على مدى خبث قيادة (تنظيم جند السماء) ومَنْ يقف خلفهم من
أعداء الإسلام.
تقول القصَّة: إنَّ جبرائيل (عليه السلام) انتظر تلقيح بويضة في رحم فاطمة الزهراء
(عليها السلام) من عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأخذ البويضة الملقَّحة ورفعها
إلى السماء ليحفظها، وقبل أربع وثلاثين سنة جاء عليُّ بن أبي طالب وطلب من أَمَة
سوداء أنْ يضع العلقة الملقَّحة في رحمها، فامتنعت خائفة كما فعلت مريم بنت عمران
(عليها السلام)، ولكن أقنعها عليُّ بن أبي طالب بالأمر الإلهي ووضع العلقة في
رحمها، فحملت بالإمام المهدي الذي هو عليُّ بن الإمام عليِّ بن أبي طالب، ثمّ
شرح
في كتابه قاضي السماء الطُّرُق العلميَّة التي اتَّبعها جبرائيل في التلقيح
الصناعي..
وكلُّ ذلك ليُثبِت معجزته كما يدَّعي، ووصفها بأنَّ معجزة طول عمر البويضة أكثر من
معجزة طول عمر الأنبياء، لأنَّ طول عمرهم أصبح أمراً عاديًّا، بينما البويضة
حُفِظَت في السماء دون أنْ تُتلَف حتَّى استقرَّت في بطن أُمِّه (الأَمَة السوداء)!
ويقول الكاتب: (إنَّ هذا الإمام المولود هو أنا)، وعليه يُقرِّر الكاتب بأنَّ
المهدي سيظهر ومعه كتاب، وهو كتاب (قاضي السماء)، فمَنْ لا يؤمن به فيجب قتلة
فوراً(١٧٣).
إنَّ الأحداث التي وقعت أخيراً في النجف (عاشوراء ١٤٢٨هـ) تُوضِّح لنا بما لا يدع
مجالاً للشكِّ عن مدى خبث أعداء الإسلام وكيفيَّة استغلال تعلُّق وتمسُّك الشيعة
بفكرة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وتوجيهها بما يهدف مصالحهم، واستخدام
الفكرة بأبشع وأقسى الظروف.. فقد بدأ هؤلاء الخبثاء حركتهم بنشر دعاية كبيرة بأنَّ
الإمام المهدي قد ظهر، ومن خلال الهاتف ورسائل الجوَّال والرسائل الإلكترونيَّة،
انتشر الخبر كالنار في الهشيم، فانهالت الاتِّصالات بمكاتب المرجعيَّة تسأل عن
صحَّة خبر ظهور الإمام.
نُعلِّق ونقول: عجيب! أنْ يسأل المؤمن مرجعه عن ظهور الإمام بناءً على مثل هذه
الأخبار والدعايات الكاذبة، من قِبَل مَنْ يُصرِّح كتابه أنَّه معادي للإمام (عجَّل
الله فرجه) والعلماء الأعلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٣) المعلومات والأخبار مقتبسة من المصادر التالية: جريدة الحياة (العدد ١٦٠٠٧/ ليوم ١٢ محرَّم ١٤٢٨هـ)، موقع سي إن إن الأخباري ليوم (٣١/١/٢٠٠٧م)، موقع العربيَّة نت ليوم (٣٠/١/٢٠٠٧م)، وموقع شبكة هجر الثقافيَّة ليوم (٢٩/١/٢٠٠٧م).
إنَّ هذه الحادثة تدقُّ ناقوس الخطر لوجوب أنْ يعرف المؤمنون أنَّه لا يجوز
التسوُّر على مقام الإمامة، ولا نسمح باللعب على وتر السفارة والإمامة لمجرَّد
دعاية كاذبة أو دعوى مضلِّلة.
الخلاصة:
أنْ يدَّعي المرء أنَّه هو الإمام المهدي الموعود المنتظَر (عجَّل الله فرجه) الذي
بشَّر به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، والأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، فيه
ما فيه من الكذب البيِّن، والتكذيب الصريح لآيات الله (عزَّ وجلَّ) في قرآنه
ولأخبار النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، ومعناه ادِّعاء
الإمامة.. وقد قال علماء الإماميَّة (الاثني عشريَّة) قاطبةً بحرمة ادِّعاء
الإمامة..
رُوِيَ عن الإمام الباقر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ
تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠]،
قَالَ: «مَنْ قَالَ: إِنِّي إِمَامٌ، وَلَيْسَ بِإِمَامٍ»(١٧٤).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اَللهُ
يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: مَنِ اِدَّعَى
إِمَامَةً مِنَ اَلله لَيْسَتْ لَهُ، وَمَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اَلله، وَمَنْ
زَعَمَ أَنَّ لَهُمَا فِي اَلْإِسْلَامِ نَصِيباً»(١٧٥).
وعنه (عليه السلام)، قَالَ: «مَنِ اِدَّعَى اَلْإِمَامَةَ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا
فَهُوَ كَافِرٌ»(١٧٦).
فادِّعاء المهدويَّة حرام بدليل مخالفته للنصوص المصرِّحة بصفات الحجَّة القائم
المهدي (عجَّل الله فرجه) والدالَّة على إمامته من الله (عزَّ وجلَّ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٤) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٢/ باب مَنِ ادَّعى الإمامة وليس لها بأهل.../ ح ١).
(١٧٥) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٣/ باب مَنِ ادَّعى الإمامة وليس لها بأهل.../ ح ٤).
(١٧٦) الكافي (ج ١/ ص ٣٧٢/ باب مَنِ ادَّعى الإمامة وليس لها بأهل.../ ح ٢).
قد يخفى على كلِّ ذي بصيرة ما يمكن أنْ تلعبه في زماننا الأيدي الصهيونيَّة وعملائها من مكر وحيل وألاعيب لتشويه العقيدة الإسلاميَّة الأصيلة الحقَّة.. فلا شكَّ أنَّ أعداء الإسلام يقفون وراء بعض مدَّعي المهدويَّة، فإنَّ انتشار ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة المزيَّف وتكرار فشلها لمرَّات عديدة، سوف يُؤدِّي إلى اقتران هذا الفشل في تحقيق أهداف أعداء الإسلام بتكوين كره نفسي وعقلي عند المسلمين للفكرة الأصيلة (التي ستخرج آخر الزمان وتنشر العدل والقسط)، وتدفع كذلك المسلمين لتكوين مواقف مضادَّة لها وتنفير الناس من حولها، وهنا مكمن الخطورة.
* * *
القسم الثالث: ادِّعاء النبوَّة كذباً
ما يحدث في العالم يُثير الامتعاض والشفقة، بل ويُثير الريبة.. أمَّا ما يحدث في
العالم الإسلامي، فيُثير كلَّ ما سبق ومعه الحزن، فما يجري قد يوصل العقلاء إلى
الجنون.. ففي الآونة الأخيرة ظهر في العالم الإسلامي العديد من أدعياء النبوَّة،
منهم دجَّالون وأفَّاقون ومشعوذون ومحتالون أيضاً، زعموا أنَّهم أنبياء وأوهموا
مريديهم وأتباعهم أنَّهم يتلقَّون رسالات سماويَّة عن طريق الوحي، مكلَّفون بنشرها
لهداية البشر.. (فالتقارير الأمنيَّة تُؤكِّد أنَّ مصر شهدت في السنوات الخمس
الأخيرة أكثر من (٥٥) مدَّعياً للنبوَّة، ثلاثون منهم في القاهرة والإسكندريَّة،
وشهد العراق (٢٣) مدَّعياً للنبوَّة و(الإمام الغائب) خلال عشر سنوات، وهي الفترة
بين حربي الخليج الأُولى والثانية، وادَّعى النبوَّة في الطائفة الدرزيَّة ستَّة
أشخاص)(١٧٧).. علماً بأنَّ الإحصائيَّات الأخيرة تذكر عدد المتنبِّئين أكثر من ذلك
بكثير وبالخصوص في مصر(١٧٨).
علماً بأنَّ باب النبوَّة مغلق قرآناً وسُنَّةً وإجماعاً:
القرآن الكريم: قال الله (جلَّ شأنه) في كتابه الكريم: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا
أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾
(الأحزاب: ٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٧) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ يوم السبت ١٧/١/١٤٢١هـ، الموافق ٢٢/٤/٢٠٠٠م،
دولة الإمارات العربيَّة).
(١٧٨) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١١٣٧٩/ الثلاثاء ٢٤/٦/١٤٢٥هـ، الموافق
١٠/٨/٢٠٠٤م)، تذكر أنَّه ظهر خلال السنوات العشر الماضية (٣٥٠٠) مدَّعٍ للنبوَّة.
السُّنَّة الشريفة: روى الصدوق (رحمه الله) في (مَنْ لا يحضره الفقيه): قَالَ
اَلنَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله): «أَيُّهَا اَلنَّاسُ إِنَّهُ لَا نَبِيَّ
بَعْدِي وَلَا سُنَّةَ بَعْدَ سُنَّتِي، فَمَنِ اِدَّعَى بَعْدَ ذَلِكَ فَدَعْوَاهُ
وَبِدْعَتُهُ فِي اَلنَّارِ فَاقْتُلُوهُ، وَمَنِ اِتَّبَعَهُ فَإِنَّهُ فِي
اَلنَّارِ»(١٧٩).
قَالَ أَمِيرُ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): «أَمَّا رَسُولُ اَلله فَخَاتَمُ
اَلنَّبِيِّينَ، لَيْسَ بَعْدَهُ رَسُولٌ وَلَا نَبِيٌّ، خَتَمَ اَلْأَنْبِيَاءَ
بِرَسُولِ اَلله (صلَّى الله عليه وآله) إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، وَخَتَمَ
بِالْقُرْآنِ اَلْكُتُبَ إِلَى يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ»(١٨٠).
ولعلَّ أهمَّ ما يُروى في ذلك حديث المنزلة، وهو معروف لدى الشيعة والسُّنَّة،
نُقِلَ عن النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال للإمام عليٍّ (عليه
السلام): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا
نَبِيَّ بَعْدِي»(١٨١).
الإجماع: وقد أجمع المسلمون كافَّة على خاتميَّة الرسالة المحمّديَّة للرسالات
السماويَّة، وتظافر النقل لديهم على ذلك، فضلاً عن الأدلَّة العقليَّة التي أقاموها
والشواهد الحكيمة التي رصفوها، فنبيُّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) هو آخر
الأنبياء والرُّسُل، وبه ختم سلسلة النبوَّة، وهذا من ضروريَّات الدِّين الإسلامي
ومن الواضحات والمسلَّمات لدى المسلمين.
نحن الآن: أمام ظاهرة خطيرة لقلَّةٍ مشبوهةٍ من مدَّعي النبوَّة، تستهدف النيل من
كتاب الله وسُنَّة رسوله وشقِّ صفِّ المسلمين، والمدهش في الأمر أنْ يكون لهؤلاء
المدَّعين الضالِّين مريدون وتابعون من شرائح اجتماعيَّة وثقافيَّة مختلفة، يمتثلون
لأوامرهم ويحجُّون لمنازلهم ويتعبَّدون بصلاتهم الخاصَّة.. وقبل أنْ نُلقي الضوء
على أخبار المتنبِّئين لا بدَّ أنْ نُوضِّح: أنَّ خروج هؤلاء الأدعياء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧٩) من لا يحضر الفقيه (ج ٤/ ص ١٦٣/ ح ٥٣٧٠).
(١٨٠) كتاب سُلَيم (ج ٢/ ص ٦٥٣/ ضمن الحديث ١١).
(١٨١) حديث متواتر عند الشيعة والسُّنَّة، راجع: كتاب حديث المنزلة للسيِّد عليٍّ
الميلاني.
الكذَّابين،
أحدُ العلامات التي تسبق ظهور صاحب العصر والزمان (روحي فداه)، فقد ورد عن الرسول
الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: «لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى
يَخْرُجَ اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، وَلَا يَخْرُجُ اَلمَهْدِيُّ حَتَّى يَخْرُجَ
سِتُّونَ كَذَّاباً كُلُّهُمْ يَقُولُ: أَنَا نَبِيٌّ»(١٨٢).. وهذا ما دفعنا أنْ
نضيف هذا القسم (أدعاء النبوَّة) باعتباره أحد علامات ظهور المهدي، وكذلك لارتباط
أدعاء النبوَّة والمهدويَّة في العصر الحديث، فكثير مَنْ يدَّعون المهدويَّة
يدَّعون النبوَّة والعكس صحيح.
يكمن الخطر في كشف مَنْ يقف خلف مدَّعي النبوَّة والمهدويَّة حديثاً، ومَنْ يُغذِّي
تلك المؤامرات التي تستهدف النيل من كتاب الله ورسوله.. ولا شكِّ بأنَّ ادِّعاء
النبوَّة بدعة تضرب بجذورها في التاريخ وتُلقي بظلالها في شتَّى الثقافات
والمعتقدات، لأنَّها أُمورٌ لا يُصدِّقها عقل بشر ولا يقرُّها أيُّ منطقٍ، لأنَّها
من فئة ضالَّة دخيلة على الدِّين من ضعاف النفوس، استغلَّتها فئةٌ من أعداء الإسلام
لتشويه صورته.
وباعتبار أنَّ التاريخ يُعيد نفسه، فلا بدَّ أنْ نعرف نبذة عن أخبار المتنبِّئين
قديماً، لنتعرَّف على سلوك وأهداف أدعياء النبوَّة حديثاً:
إنَّ أهل السِّيَر والتاريخ قالوا: إنَّ ثلاثة ارتدُّوا وادَّعوا النبوَّة على عهد
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بعد أنْ آمنوا به:
الأوَّل: الأسود العنسي: تنبَّأ في اليمن، وأخرج عُمَّال رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) منها، ولكنَّه قُتِلَ قبل وفاة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) بيوم
واحد.
الثاني: مسيلمة الكذَّاب: ادَّعى النبوَّة وكتب إلى محمّد (صلَّى الله عليه وآله):
(من مسيلمة رسول الله إلى محمّد رسول الله أمَّا بعد فإنِّي شريك في الأمر، والأرض
بيننا مناصفة)، وقُتِلَ في عهد أبي بكر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧١).
الثالث: سجاح: فقد ادَّعت النبوَّة في عهد أبي بكر وتزوَّجها مسيلمة، وقال أبو العلاء المعرِّي في هذا الزواج:
أمست سجاح ووالاها مسيلمة * * * كذَّابة في بني الدنيا كذَّاب
وحكى العلَّامة المجلسي (رحمه الله) في (البحار): (وفي مدَّة مرضه (صلَّى الله عليه
وآله) جاء الخبر بظهور مسيلمة والعنسي، وكانا يستغويان أهل بلادهما إلَّا أنَّه لم
يظهر أمر هما إلَّا في حال مرض رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وكان (صلَّى الله
عليه وآله) قد لحقه مرض بعيد عوده من الحجِّ (مرض الموت)، قال أبو مويهبة: لـمَّا
رجع رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من حجِّه طارت الأخبار بأنَّه قد اشتكى، فوثب
الأسود باليمن ومسيلمة باليمامة.
* فأمَّا الأسود العنسي فاسمه (عهيلة بن كعب)، وكان كاهناً يشعبذ ويُريهم الأعاجيب
ويُسمِّي منطقه قلب مَنْ يسمعه، وكان أوَّل خروجه بعد حجَّة رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) فسار إلى صنعاء، فأخذها، فكتب فروة بن مسيك إلى رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله) بخبره، وكان عامل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) على مراد، وخرج معاذ
بن جبل هارباً حتَّى مرَّ بأبي موسى الأشعري وهو بمارت فاقتحما حضرموت، ورجع عمرو
بن خالد إلى المدينة، وقتل شهر بن باذام وتزوَّج امرأته، وكانت ابنة عمِّ فيروز،
فأرسل رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى نفر من الأبناء رسولاً، وكتب إليهم أنْ
يحاولوا الأسود إمَّا غيلةً، وإمَّا مصادمةً، وأمرهم أنْ يستنجدوا رجالاً سمَّاهم
لهم ممَّن حولهم من حمير وهمدان، وأرسل إلى أُولئك النفر أنْ ينجدوهم، فدخلوا على
زوجته، فقالوا: هذا قد قتل أباكِ وزوجكِ، فما عندكِ؟ قالت: هو أبغض خلق الله إليَّ،
وهو مجرَّد، والحرس محيطون بقصره إلَّا هذه البيت، فانقبوا عليه، فنقبوا، ودخل
فيروز الديلمي فخالطه فأخذ برأسه فقتله، فخار خوار ثور، فابتدر الحرس الباب،
فقالوا: ما هذا؟ فقالت: النبيُّ يُوحى إليه، ثمّ خمد، وقد كان يجيء إليه شيطان
فيوسوس له فيغطُّ ويعمل بما قاله، فلمَّا طلع الفجر نادوا بشعارهم
الذي بينهم، ثمّ
بالأذان، وقالوا فيه: أشهد أنَّ محمّداً رسول الله، وأنَّ عهيلة كذَّاب، وشنُّوها
غارةً، وتراجع أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) إلى أعمالهم، وكتبوا إلى
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بالخبر، فسبق خبر السماء إليه، فخرج رسول الله
(صلَّى الله عليه وآله) قبل موته بيوم أو بليلة فأخبر الناس بذلك، فقال: «قتل
الأسود البارحة، قتله رجل مبارك من أهل بيت مباركين»، قيل: ومَنْ هو؟ قال: «فيروز،
فاز فيروز»، ووصل الكتاب ورسول الله (صلَّى الله عليه وآله) قد مات إلى أبي بكر،
وكان من أوَّل خروجه إلى أنْ قُتِلَ نحو أربعة أشهر، وفيروز قيل: إنَّه ابن أُخت
النجاشي، وقيل: هو من أبناء فارس.
* وأمَّا مسيلمة بن حبيب الكذَّاب فكان يقال له: رحمان اليمامة، لأنَّه كان يقول:
الذي يأتيني اسمه رحمان، وقَدِمَ على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) فيمن أسلم،
ثمّ ارتدَّ لـمَّا رجع إلى بلده، وكتب إلى رسول الله: (من مسيلمة رسول الله إلى
محمّد رسول الله، أمَّا بعد فإنَّ الأرض لنا نصف، ولقريش نصف، ولكن قريش قوم
يعتدون)، وبعث الكتاب مع رجلين، فقال لهما رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
«أتشهدان أنِّي رسول الله؟»، قالا: نعم، قال: «أتشهدان أنَّ مسيلمة رسول الله؟»،
قالا: نعم، إنَّه قد أُشرك معك، فقال: «لولا أنَّ الرسول لا يُقتَل لضربت
أعناقكما»، ثمّ كتب إليه: «من محمّد رسول الله إلى مسيلمة الكذَّاب، أمَّا بعد فـ
﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وقد أهلكتَ أهل حجر، أبادك الله ومَنْ صوَّب
معك»)(١٨٣).
كان مسيلمة قبل التنبُّؤ يدور في الأسواق... يلتمس تعلُّم الحيل والنيرنجيَّات،
واحتيالات أصحاب الرقى والنجوم، وكان قد أحكم حيل الحواة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٣) بحار الأنوار (ج ٢١/ ص ٤١١ و٤١٢).
وأصحاب الزجر والخطِّ، فمن ذلك أنَّه صبَّ على بيضه من خلٍّ حاذق قاطع فلانت، حتَّى إذا مددتها استطالت واستدقَّت كالعلك، ثمّ أدخلها قارورة ضيِّقة الرأس، وتركها حتَّى انضمَّت واستدارت وعادت كهيأتها الأُولى، فأخرجها إلى قومه - وهم قوم أعراب - وادَّعى النبوَّة، فآمن به جماعة، وقيل فيه:
ببيضة قارور وراية شادن * * * وتوصيل مقصوص من الطير جاذف
يريد براية الشادن الراية التي يعملها الصبيُّ من القرطاس الرقيق ويجعل لها ذنباً
وجناحاً ويرسلها يوم الريح بالخيوط الطوال، كان [مسيلمة] يعمل رايات من هذا الجنس،
ويُعلِّق بها الجلاجل ويُرسِلها في ليلة الريح ويقول: الملائكة تنزل عليَّ، وهذه
خشخشة الملائكة وزجلها(١٨٤).
ومن مزخرفات مسيلمة الكذَّاب في قرآنه قوله: (يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي كم تنقين، لا
الماء تكدرين ولا الشارب تمنعين)، وقوله: (لقد أنعم الله على الحبلى، إذا خرج منها
نسمة تسعى، من بين صفاق وحشا)، وقوله: (الفيل وما أدراك ما الفيل له خرطوم طويل)،
وقوله: (والعاجنات عجناً، والخابزات خبزاً، واللَّاقمات لقماً، إهالةً
وسمناً)(١٨٥).
ومن كلماته أيضاً قوله: (والزارعات زرعاً، والحاصدات حصداً، والذاريات ذرواً،
والطاحنات طحناً، والآكلات أكلاً)... ومن مصحفه أيضاً: (إنَّ الذين يغسلون ثيابهم
ولا يجدون ما يلبسون أُولئك هم المفلسون)، ومنه أيضاً: (وقال الذين أقرضوا للذين
استقرضوا لئن لم توفُّونا حقَّنا لنذيقنَّكم مرارة الإفلاس بما كنتم تزلقون)، ومنه
أيضاً: (وضرب بينهم بسنور له ناب)(١٨٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٤) ربيع الأبرار (ج ٤/ ص ١٩٨ و١٩٩).
(١٨٥) راجع: تفسير ابن كثير (ج ٢/ ص ٤٢٥).
(١٨٦) الكشكول للبحراني (ج ١/ ص ٣٠).
كان أهل اليمامة يأتون مسيلمة بأولادهم ويقولون: إنَّ محمّداً يمسح يده على رأس
صبيان المدينة يتبرَّكون به فامسح أنت على رؤوس صبياننا، فكان كلُّ مَنْ يمسح على
رأسه يصير أقرعاً، وأتاه بعض مَنْ في عينيه رمد يدعو له، فدعا له فصار أعمى، وأتوه
أهل الآبار يشكون قلَّة مائها وقالوا: إنَّ رسول المدينة يمجُّ الماء من فيه في
الآبار فيطغو ماؤها، ففعل مسيلمة فيبست الآبار، فقالوا: كيف هذا؟ فقال: إنَّ
المعجزة خرق العادة، فإمَّا أنْ يكون من هذا الطرف أو من هذا الطرف(١٨٧).
وادَّعى مسيلمة أنَّه قد اشترك مع محمّد (صلَّى الله عليه وآله) في النبوَّة، ووضع
عنهم الصلاة في العشاء الآخر، وأحلَّ لهم الخمر والزنا ونحو ذلك، فاتَّفقت معه بنو
حنيفة إلَّا القليل، وغلب على حجر اليمامة، وأخرج ثمامة بن أثال، وكتب ثمامة إلى
رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) بخبره، وكان عامل رسول الله (صلَّى الله عليه
وآله) على اليمامة، فلمَّا مات رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أرسل أبو بكر خالد
بن الوليد إلى مسيلمة، فلمَّا بلغ اليمامة تقاتلوا، وكان عدد بني حنيفة يومئذٍ
أربعين ألف مقاتل، فقُتِلَ من المسلمين ألف ومائتان، ومن المشركين نحو عشرين ألفاً،
وقالت بنو حنيفة لمسيلمة حين رأت خذلانها: أين ما كنت تعدنا؟ فيقول: قاتلوا عن
أحسابكم، وقتل الله (عزَّ وجلَّ) مسيلمة، اشترك في قتله وحشي وأبو دُجانة، فكان
وحشي يقول: قتلت خير الناس وشرَّ الناس: حمزة ومسيلمة(١٨٨).
* إنَّ سجاح بنت الحارث التميميَّة ادَّعت النبوَّة بعد وفاة رسول الله (صلَّى الله
عليه وآله)، واجتمعت عليها بنو تميم، فكان فيما ادَّعته أنَّه أُنزل عليها: (يا
أيُّها المؤمنون المتَّقون، لنا نصف الأرض، ولقريش نصفها، ولكنَّ قريشاً قوم
يبغون)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٧) المصدر السابق.
(١٨٨) بحار الأنوار (ج ٢١/ ص ٤١٣).
واجتمعت بنو تميم كلُّها إليها لتنصرها...، وكان مؤذِّنها شبث بن ربعي
الرياحي، فعمدت في جيشها إلى مسيلمة الكذَّاب وهو باليمامة، وقالت: يا معشر تميم،
أقصدوا اليمامة، فاضربوا فيها كلَّ هامة، وأضرموا فيها ناراً ملهامة، حتَّى تتركوها
سوداء كالحمامة، وقالت لبني تميم: إنَّ الله لم يجعل هذا الأمر في ربيعة وإنَّما
جعله في مضر، فاقصدوا هذا الجمع، فإذا فضضتموه كررتم على قريش، فسارت في قومها...
وبلغ مسيلمة خبرها، فضاق بها ذرعاً، وتحصَّن في حجر حصن اليمامة، وجاءت في جيوشها
فأحاطت به، فأرسل إلى وجوه قومه وقال: ما ترون؟ قالوا: نرى أنْ نُسلِّم هذا الأمر
إليها وتدعنا، فإنْ لم تفعل فهو البوار، وكان مسيلمة ذا دهاء، فقال: اُنظروا في هذا
الأمر، ثمّ بعث إليها: إنَّ الله تبارك وتعالى أنزل عليكِ وحياً وأنزل عليَّ،
فهلمِّي نجتمع فنتدارس ما أُنزل علينا، فمَنْ عرف الحقَّ تبعه، واجتمعنا فأكلنا
العرب أكلاً بقومي وقومك، فبعثت إليه: أفعل، فأمر بقبَّة آدم، فضُرِبَت، وأمر
بالعود المندليِّ فسُجِّر فيها، وقال: أكثروا من الطيب والمجمر، فإنَّ المرأة إذا
شمَّت رائحة الطيب ذكرت الباه، ففعلوا ذلك، وجاءها رسوله يُخبرها بأمر القبَّة
المضروبة لاجتماعهما، فأتته وبعد أنْ طال اجتماعهم قالت: إنِّي مسلِّمة إليك
النبوَّة، فاخطبني من أوليائي يُزوِّجوك، ثمّ أقود تميماً معك، فخرج وخرجت معه...،
فقالت لهم سجاح: إنَّه قرأ عليَّ ما أُنزل عليه، فوجدته حقًّا فاتَّبعته، ثمّ خطبها
فزوَّجوه إيَّاها، وسألوه عن المهر، فأسقط عنهم صلاة العشاء الآخرة ونادى مناديه
بذلك، فأصبح بنو تميم لا يصلُّونها، ويقولون: هذا حقٌّ لنا، ومهر كريمة منَّا لا
نردُّه(١٨٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨٩) راجع: الأغاني (ج ٢١/ ص ٢٥ - ٢٧).
وبعد ذلك ظهر في العصور الإسلاميَّة المتلاحقة بعض مدَّعي النبوَّة، منهم:
* ظهر في آخر خلافة السفَّاح (العبَّاسي) بأصفهان رجل يُعرَف بإسحاق الأخرس،
فادَّعى النبوَّة وتبعه خلق كثير وملك البصرة وعمان، وفرض على الناس فرائض، وفسَّر
لهم القرآن على ما أراد ثمّ قُتِلَ، وكان حديثه أنَّه نشأ بالمغرب، فتعلَّم القرآن
ثمّ تلا الإنجيل والتوراة والزبور، وجميع الكُتُب المنزلة ثمّ قرأ الشرائع ثمّ حلَّ
الرموز والأقلام، ولم يترك علماً حتَّى أتقنه.
ثمّ ادَّعى أنَّه أخرس وسافر، فنزل بأصفهان وخدم قيِّماً في مدرسة وأقام بها عشر
سنين، وعرف جميع أهلها وكبرائها، ثمّ بعد ذلك أراد الدعوة، فعمل له أدهاناً ودهَّن
بها وجهه حتَّى لا يمكن أحد النظر إليه من شدَّة الأنوار... ثمّ نام في المدرسة
وأُغلق عليه الأبواب...، فلمَّا نام الناس وهدأت الحواسُّ، قام فدهَّن وجهه من ذلك
الدهن ثمّ أوقد شمعتين مصبوغتين لهما أنوار تفوق السرج، ثمّ صرخ صرخة أزعج الناس
ثمّ أتبعها ثانية وثالثة، ثمّ انتصب في المحراب يُصلِّي، ويقرأ القرآن بصوت أطيب ما
يكون وبنغمة أرقّ من النسيم.
فلمَّا سمع الفقهاء تواثبوا وأشرفوا عليه، وهو على تلك الحالة فحارت أفكارهم من
ذلك، ثمّ أعلموا المدرِّس بذلك، فأشرف عليه وهو على تلك الحال فلمَّا رآه خرَّ
مغشيًّا عليه، فلمَّا أفاق عمد إلى باب المدرسة ليفتحه فلم يقدر على ذلك فخرج من
المدرسة، وتبعه الفقهاء حتَّى انتهى إلى دار القاضي والأخبار قد شاعت في المدينة،
فأخبر القاضي بذلك، فخرج القاضي واتَّصل الخبر بالوزير، واجتمع الناس على باب
المدرسة، وهو قد فتح الأقفال وترك الأبواب غير مفتَّحة، فلمَّا صار القاضي والوزير
وكبراء البلد إلى الباب اطَّلع
عليه الفقهاء وقالوا له: بالذي أعطاك هذه الدرجة افتح لنا الباب، فأشار بيده إلى الأبواب، وقال: تفتَّحي أيَّتها الأقفال، فسمعوا وقع الأقفال إلى الأرض، فدخل الناس إليه وسأله القاضي عن ذلك، فقال: إنَّه منذ أربعين يوماً رأى في المكان أثر دليل، واطَّلع على أسرار الخلق ورآها عياناً، فلمَّا كان في هذه الليلة أتاني مَلَكان فأيقظاني وغسَّلاني، ثمّ سلَّما عليَّ بالنبوَّة، فقالا: السلام عليك يا نبيَّ الله، فخفت من ذلك وطلبت أنْ أردَّ عليهم السلام فلم أطق، وجعلت أتململ لردِّ الجواب فلم أقدر على ذلك، فقال أحدهما: افتح فاك بسم الله الأزلي، ففتحت فمي، وأنا أقول في قلبي: بسم الله الأزلي، فجعل في فمي شيئاً أبيض لا أعلم ما هو أبرد من الثلج، وأحلى من الشهد، وأذكى من المسك، فلمَّا حصل في أمعائي نطق لساني، فكان أوَّل ما قلت: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله. فقالا: وأنت رسول الله حقًّا، فقلت: ما هذا الكلام أيُّها السادة؟ فقالا: إنَّ الله قد بعثك نبيًّا، فقلت: وكيف ذلك والله تعالى قد أخبر عن سيِّدنا محمّد أنَّه خاتم النبيِّين؟ فقالا: صدقت ولكن الله أراد بذلك أنَّه خاتم النبيِّين الذين هم على غير ملَّته وشريعته، فقلت: إنِّي لا أدَّعي بذلك ولا أُصدِّق ولا لي معجزات، فقالا: يوقع في قلوب الناس تصديقك الذي أنطقك بعد أنْ كنت أخرساً منذ خُلقت. وأمَّا المعجزات التي أعطاك الله (عزَّ وجلَّ) فهي معرفة كُتُبه المنزلة على أنبيائه ومعرفة شرائعه ومعرفة الألسن والأقدام، ثمّ قالا: اقرأ القرآن، فقرأته كما أُنزل، ثمّ قالا: اقرأ الإنجيل فقرأته، ثمّ قالا: اقرأ التوراة والزبور والصُّحُف، فقرأت الجميع كما أُنزل، ثمّ قالا: قم فأنذر الناس، ثم انصرفا عنِّي، وقمت أنا أُصلِّي، وهذا آخر خبري، فمن آمن بالله وبمحمّد ثمّ بي فقد فاز، ومن كذب فقد عطَّل شريعة محمّد وهو كافر، والسلام.
فعند ذلك سمع له خلق كثير واستقام أمره وملك البصرة وعمان وغيرهما، واستفحل أمره
ولم يزل كذلك حتَّى قُتِلَ(١٩٠).
قَصَص وطرائف متنبِّئين قديماً:
ساعة بُعثت وضعتموني في الحبس:
أُخِذَ رجل ادَّعى النبوَّة أيَّام المهدي العبَّاسي، فأُدخل عليه، فقال له: أنت
نبيٌّ؟ قال: نعم! قال: وإلى مَنْ بُعثت؟ قال: أوَتركتموني أذهب إلى أحد؟ ساعة بُعثت
وضعتموني في الحبس! فضحك منه المهدي وخلَّى سبيله(١٩١).
نبيٌّ مرسَل:
ادَّعى رجل النبوَّة بالبصرة، فأُتي به سليمان بن عليٍّ مقيَّداً، فقال له: أنت
نبيٌّ مرسَل؟ قال: أمَّا الساعة فإنِّي مقيَّد! قال: ويحك! مَنْ بعثك؟ قال: أبهذا
يُخاطَب الأنبياء يا ضعيف؟ والله لولا أنِّي مقيَّد لأمرت جبريل يدمدمها عليكم!
قال: فالمقيَّد لا تُجاب دعوته؟ قال: نعم، الأنبياء خاصَّة إذا قُيِّدت لم يرتفع
دعاؤها! فضحك سليمان، وقال له: أنا أُطلقك وأمر جبريل، فإنْ أطاعك آمنَّا بك
وصدَّقناك. قال: صدق الله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ
الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]! فضحك منه سليمان، وسأل عنه فشُهِدَ عنده أنَّه ممرور،
فخلَّى سبيله(١٩٢).
إنَّا أعطيناك العمود:
ادَّعى رجل النبوَّة في زمن خالد بن عبد الله القسري، وعارض القرآن، فأُتي به خالد،
فقال له: ما تقول؟ عارضت في القرآن ما يقول الله تعالى: ﴿إِنَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٠) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة (ص ٣٦٢ - ٣٦٤).
(١٩١) العقد الفريد (ج ٧/ ص ١٥٧).
(١٩٢) العقد الفريد (ج ٧/ ص ١٥٧ و١٥٨).
أَعْطَيْنَاكَ
الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾
[الكوثر: ١ - ٣]، فقلت أنا ما هو أحسن من هذا: (إنا أعطيناك الجماهر، فصلِّ لربِّك
وجاهر، ولا تطع كلَّ ساحر وكافر)، فأمر به فضُرِبَت عنقه وصُلِبَ على خشبة، فمرَّ
به خلف بن خليفة الشاعر، فلمَّا رآه قال: إنَّا أعطيناك العمود، فصلِّ لربِّك على
عود، وأنا ضامن أنْ لا تعود(١٩٣)!
ما علامة نبوَّتك؟
حُمِلَ إلى المأمون من أذربيجان رجل قد تنبَّأ، فقال: يا ثمامة، ناظره، فقال: ما
أكثر الأنبياء في دولتك يا أمير المؤمنين! ثمّ التفت إلى المتنبِّئ فقال له: ما
شاهدك على النبوَّة؟ قال: تحضر لي يا ثمامة امرأتك أنكحها بين يديك، فتلد غلاماً
ينطق في المهد يُخبرك بأنِّي نبيٌّ! فقال ثمامة: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّك
رسول الله! فقال المأمون: ما أسرع ما آمنت به! قال: وأنت يا أمير المؤمنين ما أهون
عليك أنْ تتناول امرأتي على فراشك، فضحك المأمون وأطلقه(١٩٤).
الأنبياء لا تدخل الحبس:
أُتِيَ المأمون بإنسان متنبِّي، فقال له: ألك علامة؟ قال نعم، علامتي أنِّي أعلم ما
في نفسك! قال: قرَّبت عليَّ، ما في نفسي؟ قال: في نفسك أنِّي كاذب! قال: صدقت! ثمّ
أمر به إلى الحبس فأقام أيَّاماً، ثمّ أخرجه، فقال: أُوحي إليك بشيء؟ قال: لا، قال:
ولِمَ؟ قال: لأنَّ الملائكة لا تدخل الحبس! فضحك المأمون وأطلقه(١٩٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٣) العقد الفريد (ج ٧/ ص ١٥٩).
(١٩٤) العقد الفريد (ج ٧/ ص ١٦٢ و١٦٣).
(١٩٥) العقد الفريد (ج ٧/ ص ١٦٢).
الحصاة وموسى:
تنبَّأ رجل فطالبوه بحضرة المأمون بمعجزة، فقال: أطرح لكم حصاة في الماء فتذوب،
قالوا: رضينا، فأخرج حصاة معه وطرحها في الماء فذابت، فقالوا: هذه حيلة، ولكن نعطيك
حصاة من عندنا ودعها تذوب، قال: لستم أجلّ من فرعون، ولا أنا أعظم من موسى، ولم يقل
فرعون لموسى: لم أرضَ بما تفعله بعصاك حتَّى أعطيك عصا من عندي تجعلها ثعباناً،
فضحك المأمون وأجازه(١٩٦).
لا نبيَّة بعدي:
ادَّعت امراة النبوَّة على عهد المأمون، فأُحضرت إليه، فقال لها: مَنْ أنتِ؟ قالت:
أنا فاطمة النبيَّة! فقال لها المأمون: أتؤمنين بما جاء به محمّد (صلَّى الله عليه
وآله)؟ قالت: نعم، كلُّ ما جاء به فهو الحقُّ! فقال المأمون: فقد قال محمّد (صلَّى
الله عليه وآله): «لا نبيَّ بعدي»، قالت: صدق عليه الصلاة والسلام، فهل قال: لا
نبيَّة بعدي؟ فقال المأمون لمن حضره: أمَّا أنا فقد انقطعت، فمَنْ كانت عنده حجَّة
فليأتِ بها، وضحك حتَّى غطَّى على وجهه(١٩٧).
لستُ حدَّاداً:
تنبَّأ رجل في زمن المأمون، فأحضره، فقال له: ألك المعجزة لنبوَّتك؟ قال: نعم، قال:
ما هي؟ قال: كلَّما شئت، قال له المأمون: افتح هذا القفل بلا مفتاح، قال: إنِّي
نبيٌّ ولست بحدَّاد(١٩٨).
نبوَّة الجوع:
ادَّعى رجل النبوَّة، فأحضره المأمون، فقال له: مَنْ أنت؟ قال: نبيُّ الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٦) المستطرف (ج ٢/ ص ٨١١).
(١٩٧) نهاية الأرب (ج ٤/ ص ١٤ و١٥).
(١٩٨) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة (ص ٣٦٤).
ورسوله،
فقال له: أيُوحى إليك من السماء؟ قال: نعم، نزل إليَّ جبرئيل بالوحي قبل إحضارك
إيَّاي بساعة، وينزل إليَّ الوحي في كلِّ أُسبوع، فظنَّ المأمون بصحَّة دعواه، فأمر
المأمون طبَّاخه أنْ يحترموه في مطبخه أُسبوع حتَّى يحين وقت الوحي، فلمَّا مضى
الأُسبوع أحضره المأمون، فامتنع الرجل، فقال: لا بدَّ للأمير أنْ يزور النبيَّ،
فجاءه المأمون، فقال له: أَنَزَلَ عليك الوحي؟ قال: نعم، فقال المأمون: متى؟ قال:
قبل زيارتك إيَّاي، ولو سعيت إلى زيارتي لكنت تسمع ما يُوحى إليَّ، فقال المأمون:
فماذا نزل إليك؟ قال: نزل إليَّ جبرئيل، وقال: لا تخرج أيُّها النبيُّ من هذا
المطبخ لأنَّك لا تجد موضعاً أحسن منه قطُّ، فعلم المأمون أنَّ الموجب لادِّعائه
النبوَّة هو الجوع(١٩٩).
إنَّ أدعياء النبوَّة حديثاً وعلى اختلاف مصادر هذه النبوَّات، فهم دجَّالون
كذَّابون يستثمرون الفقر الروحي والعلمي لدى الكثيرين، ويستغلُّون ظروفهم القاسية
في مواجهة أعباء الحياة الصعبة، والأمل الذي يراودهم دائماً في كيفيَّة الخلاص من
مشكلاتهم، فيوهمونهم أنَّهم مبعوثون لهداية البشر، والانتقال بهم من حال الظلم
والشقاء والفقر والمرض إلى عالم السعادة والغنى، مستغلِّين ذلك لنشر دعواهم
المتناقضة التي تحمل في مضمونها دلائل كذبها.. فهناك حاليًّا مَنْ ينادي بدين
يُؤلِّف بين الأديان السماويَّة، لأنَّ العصر في حاجة إلى مثل هذا الدِّين.. وهناك
مَنْ يدَّعي أنَّه نبيٌّ، بينما يبيح للرجل الاختلاط بالنساء للمعاشرة والاستمتاع..
وهناك أيضاً مَنْ ينادي باستقلال العقل عن قيود الدِّين والذي هو في نظره (أفيون
الشعوب) وعائق عن التطوُّر والتقدُّم.. وهناك مَنْ يدَّعي أنَّ وصاية السماء قد
انتهت على الأرض ببلوغ البشريَّة رشدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩٩) ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة (ص ٣٦٥).
أدعياء النبوَّة في العصر الحديث:
مدَّعي النبوَّة صلاح شعيشع - مصر (١٩٦٠- ١٩٨٥م):
في هذه السطور نعرض لواحدة من أعجب حكايات مدَّعي النبوَّة(٢٠٠).. فلم يكتفِ بالكذب
والضلال، فأتى الفواحش بعد أنْ تجرَّأ على كلِّ ثوابت العقيدة، أمَّا الأغرب فهو
أنْ يكون الكاذب وأتباعه من خرِّيجي الجامعات وبعضهم يُشغِلون مناصب مرموقة.
وُلِدَ (صلاح شعيشع) بمدينة الإسكندريَّة.. في شهر نوفمبر من عام (١٩٢٢م)، عاش حياة
فقيرة قاسية، بعد أنْ تُوفِّي والده وهو طفل، لكنَّه كافح وعمل حتَّى التحق
بكلّيَّة الطبِّ، تكوينه الجسماني قوي البنية، سليط اللسان.. يميل إلى التندر
والاستهزاء بالآخرين.
بعد أنْ تخرَّج (صلاح) من الجامعة عمل في عيادته الخاصَّة، مارس فيها العمل كطبيب
باطني، ثمّ تحوَّل إلى طبِّ النساء والتوليد.. وبعد مرور عدَّة سنوات، تخصَّص في
عمليَّات الإجهاض.. وأطلق عليه - وقتها - مَلِك الإجهاض.. وبدأت فرصة الثراء تتَّسع
أمامه خلال هذه الفترة.. استطاع أنْ يحفظ القرآن عن ظهر قلب.. وعُرِفَ - في الوسط
المحيط به - بأُسلوبه المحبِّب في تفسيره، تزوَّج جارة له، وأنجب منها ولداً
وبنتاً.
أمَّا نشاطه الدِّيني.. فقد بدأ في أوائل الستّينيَّات بالصدفة البحتة، حيث اهتمَّ
بتحضير الأرواح، والالتقاء بمَنْ يعملون مع الجانِّ.. ثمّ اتَّجه إلى الصوفيَّة
وأنشأ جماعة خاصَّة به، راح - من خلالها - يدعو إلى طريقته ويُروِّج لها، لكن
أنصاره انفضُّوا من حوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٠) جريدة الرياض السعوديَّة (العدد ١٣٠٤١/ الجمعة ١٤ محرَّم ١٤٢٥هـ/ ٥ مارس ٢٠٠٤م). ومصادر أُخرى مختلفة، مثل: مجلَّة عرب تايمز للكاتب أُسامة فوزي.
لم يكن يتردَّد على عيادة (شعيشع) سوى الراغبات في التخلُّص من الحمل - الحلال أو
الحرام - حتَّى أصبح مُعرَّضاً للشبهة كلُّ مَنْ يحاول الاقتراب من عيادته، وكثيراً
ما كانت تشكو السيِّدات من سلوكه اللَّاأخلاقي الذي يتعامل به معهنَّ أثناء
وجودهنَّ للعلاج!
ملوك وصعاليك:
وفكَّر في اقناع زوجته، معتقداً أنَّها ستكون أوَّل مَنْ يُؤيِّد دعواه وتُسلِّم
بأنَّه (نبيٌّ).. لكنَّها كذَّبته، بل حاولت إصلاح أفكاره، وإثناءه عمَّا يدَّعي..
ودنيا (صلاح شعيشع) لا تضمُّ سوى الملوك والصعاليك.. فالمَلِك هو الشخص الذي آمن
إيماناً مطلقاً بأنَّ (الشيخ صلاح) هو (النبيُّ محمّد).. ويرضخ تماماً لكلِّ أقواله
وأفعاله.. ويُذعِن لأوامره وطلباته.. وهؤلاء - في معظمهم - ممَّن دخلوا في نطاق
دعوته منذ سنواتها الأُولى، عام (١٩٦٠م)، ويزعمون - تبعاً لتعاليمه - أنَّهم رأوا
النبيَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) في منامهم، وهم مبشَّرون بالجنَّة، كما
بشَّر النبيُّ العشرة الكرام!
أمَّا الصعلوك.. فهو مَنْ دخل الطريق لكنَّه لم يزل غير مقتنع بنبوَّة (الشيخ
صلاح).. ويستمع إليه أكثر، حتَّى يؤمن به تماماً، فيرقى إلى درجة الملوك، ويحتفل به
جميع الأتباع في حفل يؤمُّه (الشيخ).
والساحة التي يلتقي فيها (شعيشع) بأتباعه، عبارة عن حجرة فسيحة، تتوسَّطها أريكة
وثيرة يجلس عليها (الشيخ) مرتدياً جلبابه الأبيض، وأمامه يجلس حوالي ثلاثين شخصاً
ما بين رجل وامرأة، بعضهم في الصفوف الأُولى على مقاعد مريحة، وهؤلاء هم الملوك،
والبعض الآخر في الصفوف الخلفيَّة يفترشون الأرض.. وهم الصعاليك.
يدخل الرجل جلسة (الخميس) فيُقبِّل يد (شعيشع) ثمّ يُسلِّمه شفتيه
ليُقبِّلها ثلاث
مرَّات.. أمَّا النساء فيحظين برعاية أكبر، وبركات أكثر، فلا يقلُّ نصيب الواحدة من
المريدات عن ثلاث وعشرين قبلة، وأحياناً تتَّصل مجموعة في قبلة واحدة طويلة، تمتدُّ
إلى ثلاث دقائق.. وحين يحملق المريدون لهذا المشهد المثير.. يردُّ عليهم الشيخ بعد
أنْ يفرغ ممَّا بين ذراعيه وهو يبتسم أنَّها القبلة المحمّديَّة!
ولأنَّ (صلاح) شخصيَّة غريبة ومثيرة، فهو من المؤمنين بالعلم الحديث.. وبالتالي فقد
سمح لأتباعه بأنْ يُسجِّلوا بالصوت والصورة ما يدور في ساحتهم بأدقّ التفاصيل، ومن
خلال بعض من مئات الصور، التي سجَّلتها شرائط الفيديو يظهر الشيخ وهو في حجرة نومه:
طويل القامة، أبيض البشرة، يميل وجهه إلى الاحمرار، ممتلئ قليلاً.
الطقوس الصلاحيَّة!
ومن الطقوس التي تمارسها جماعة (شعيشع).. عند زيارة أحد المريدين له.. لا بدَّ أنْ
يعلم أوَّلاً مَنِ القادم، وبعد الإذن له بالدخول يخلع الضيف حذاءه ويقف بالباب
واضعاً يديه فوق بطنه كمَنْ يقف في صلاة.. فيتمتم الشيخ بكلمات غير مسموعة، يقول
بعدها: الله.. فيردُّ الزائر: الله يا سيِّدي.. ثمّ يقدم نحوه، فإذا كان صعلوكاً
يُقبِّل يده مرَّة وفمه ثلاث مرَّات، ثمّ قدمه اليمنى، وإذا كان مَلِكاً يزيد على
الصعلوك بتقبيل ظهر القدم اليسرى وبطنها.. أمَّا إذا كانت سيِّدة، فتُقبِّل يد
(الشيخ) بعدها يأخذها بين ذراعيه ليطبع على شفتيها ثلاثاً وعشرين قبلة.
فتاوي فاجرة!
والشيخ صلاح يحضُّ المريدين على عدم صلاة الجمعة.. فقد أفتى لهم بأنَّ كلَّ مَنْ
يُصلِّي الجمعة بهيم، لأنَّ صلاة الجمعة لا تصلح إلَّا في دولة إسلاميَّة..
وحتَّى
الآن لا توجد على الكرة الأرضيَّة دولة إسلاميَّة.. يبقى ممنوع صلاة الجمعة! ويقول
في فتواه عن الحجِّ: (المعروف لعامَّة الناس.. أنَّ حضرة النبيِّ مات ودُفِنَ في
المدينة.. وهذا ظاهر للجهلاء، أمَّا خواصُّ الناس - وهم أصحاب الطُّرُق - فيعلمون
أنَّ النبيَّ لم يمت، وأحباب حضرة النبيِّ - اللي هم إحنا - عارفين أنَّه عاد في
صورة الدكتور صلاح.. طيِّب ما فائدة الحجِّ وحضرة النبيِّ موجود في جسد الشيخ
بالإسكندريَّة؟! الكلام ده واضح والملوك أسيادي رأوني في المنام، وقالوا: إنِّي
سيِّدنا محمّد.. إذاً بدل ما تروح تُدوِّر على محمّد القديم.. أنا قدَّامك أهو،
اللي عايزين يزوروا حضرة النبيِّ يقعدوا قدَّامي.. الناس اللي بتروح تحجُّ دول
بيزوروا حديد..).
وينهي حديثه متهكِّماً: (قد إيه الناس مضلَّلين!).
ويواصل شعيشع فتاواه الفاجرة، يقول عن الصلاة: (لو كلُّ واحد يتذكَّر شيخه في قلبه
ويُبطِّل صلاة إلى يوم القيامة، فهو داخل الجنَّة بإذن الله وشعيشع.. الناس تعيش في
غباء مستحكم.. الصلاة لا تُقرِّب إلى الله.. لكن الطريق إلى الله هو حُبُّ حضرة
النبيِّ حُبٌّ حقيقي.. حتَّى بدون صلاة أو صيام.. هل سمعتم الحديث القائل: مَنْ
أحبَّ صلاح فهو من الجنَّة.. ومَنْ أحبَّه صلاح فهو منَّا؟
إنَّ الجلوس مع الشيخ ساعة.. أفضل من العبادة عشر سنوات.. وبالنسبة للمعاصي فهي
مشطوبة حتَّى قبل أنْ نرتكبها، هدف الشيطان أنْ يغوي البشر.. أليس كذلك؟ (همهمات
بالموافقة) حتَّى الأنبياء جعلهم الله يخطئون ليريهم البرهان.. لكي لا يخطئوا..
وهذا يغيظ الشيطان.. لأنَّه لم يستطع غواية الأنبياء.. إنَّما إحنا حنغيظه (٢٤)
قيراط.. لأنَّنا حنغلط ونشبع في الغلط.. من غير ما نتحاسب.. فقد صدر منِّي (فرمان)
بشطب كلِّ المعاصي حتَّى أكبر الكبائر.. فأنت ممكن تضرب أُمَّك (بالجزمة) دون أنْ
تُحاسَب.. طالما دخلت الطريق).
ويستشهد صلاح بحكاية الدكتور (إبراهيم) الأُستاذ بكلّيَّة العلوم.. ويقول: (رغم
أنَّه ابن كلب، يُظهِر غير ما يُبطِن، فهو فاسق عاهر، إلَّا أنَّ رؤياه كانت دائماً
تدلُّ على أنَّه من الموعودين المعصومين.. فمهما اقترف من ذنوب.. فهو من أهل البيت
المعفيِّ عنهم)!
ويقول شعيشع: (إنَّ في القرآن ذكره، وإنَّه بالقرآن بدأ عمره، وبصلاح يعيش عصره
فاتَّبعوه، فإنَّه سيكون رحمة يوم لا شفيع لكم عنده إلَّا هو وحده)!
ودائماً ما يُؤكِّد صلاح لأتباعه أنَّه أعلم بالغيب: (لا شيء محجب عنِّي.. إنَّ
بيدي قوَّة الله.. فقوله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾
[الأنفال: ١٧]، مقصود به أنَّ القوَّة في يدي.. يد الله هي يدي، لا أستخدم فيها
السيف ولا البندقيَّة.. فهي قوَّة ربَّانيَّة..).
تنزيل (نشوانا)!
ومن أكثر أحداث جلسات الساحة إثارةً.. تفسير الرؤى.. وهي نوعان: رؤى الحاضرين التي
رأوها في منامهم، ورؤى الأسياد، وتُسمَّى (التنزيلات) وهي تعاليم الجماعة.. يقومون
بتدوينها على (هوامش) المصحف، ويمزجون بينها وبين تلاوة الآيات.. ومغفور للمريدين
عدم حفظ القرآن، لكن غير مغفور لهم عدم حفظ التنزيلات! أمَّا أقوى (التنزيلات)
وأشهرها بينهم، فهو تنزيل (نشوانا)، ونشوانا هي طبيبة الأسنان (نشوى سعيد)، التي
أخبرت الشيخ بأنَّها رأته في رؤيا نورانيَّة.. فأطلق عليها - مكافأةً لها - لقب
(أُمِّ المؤمنين)!
ويشرح الشيخ لأتباعه في إحدى الجلسات كيف وصلت نشوى إلى ما وصلت إليه من منزلة
لديه.. وأصبحت صاحبة (التنزيل) الشهير.. فيقول: (إنَّها لم تستخدم عقلها وإنَّما
استخدمت قلبها، فكانت رؤياها رحمانيَّة حقيقيَّة.. واستحقَّت لقب ملكة.. ثمّ كان
تنزيلها الذي وجب على كلِّ الأتباع حفظه..
جاء في التنزيل: يقول حبيب الله (صلَّى
الله عليه وآله): لأنَّ في قلب نشوانا عقيدة لا تنتهي ولا يمكن، ولأنَّ حُبَّ
نشوانا لنا هو اليقين.. ولأنَّ مَنْ خلق نشوانا لا نأخذ منه إلَّا ما هو ريحان وما
هو ياسمين.. ولأنَّ نشوانا في عطائها لنا لا تبخل علينا.. فإنَّا لنشوانا محبِّين،
وإنَّا لنشوانا لمحافظين، وإنَّها حقًّا لأُمِّ المؤمنين وإمام للمحبِّين، وملكة
على عرش قوي متين، فوَالله إنَّها لمن الصابرين، فوَالله إنَّها لمن الصادقين،
فوَالله إنَّها لمن المتَّقين، فوَالله لبشراي لها إنَّها ستكون يومئذٍ مع
الصالحين، في أعلى عليِّين (صدق رسول الله (ص. ع. س)، ومعنى هذه الحروف في آيات
صلاح صلَّى عليه وآله وسلَّم)!
أمَّا أطرف رؤيا قصَّها الأتباع على الشيخ صلاح.. فكانت هذه الرؤيا التي تفتَّقت
عنها قريحة الشيخ عبد العزيز.. قال: (رأيت حضرة النبيِّ في المنام، وهو حيران في
مشكلة انتقال الشيخ صلاح إلى عالم الآخرة.. لكن الرسول (ص. ع. س) فكَّر قليلاً ثمّ
أنزل مَلَكين ومعهم كبش يفتديان به الشيخ صلاح..).
وجاء تفسير الشيخ صلاح لهذه الرؤيا أكثر طرافةً.. حيث أوجب على كلِّ صعلوك ومَلِك..
دفع جزء من هذه الفدية!
لقد كان شعيشع يفرض على مريديه أتاوات ينفق منها على زوجته ونفسه، وبعض الملوك
والملكات المقرَّبين إليه.. ومن هذه الأتاوات كوَّن ثروة هائلة.. وبتفتيش شقَّته
ليلة القبض عليه، عُثِرَ معه على (شهادات إيداع) قيمتها مليون دولار.
الرؤى والأحلام!
استطاع صلاح أنْ يجذب إليه عدداً كبيراً من الأتباع في بداية دعوته، وكان يُركِّز
في وصاياه لهم، على الإكثار من الحديث عن الرؤى والأحلام.. ممَّا جعلهم
يتخيَّلون
أو يحلمون بالفعل برؤى مع الشيخ نفسه.. اعتقاداً منهم أنَّه النبيُّ محمّد، كما كان
يُردِّد أمامهم.
ومن سلوكه الشاذِّ.. ما كان يُطلِق عليه (النفحات).. ويصفها بأنَّها (مقدَّسة) وقد
قسَّم هذه النفحات إلى نوعين:
نفحات ماليه: عبارة عن تبرُّعات يحصلها من الأتباع ليكافئ بها مَنْ يرى من مريديه.
نفحات أُخرى: عبارة عن قبلات محمّديَّة مقدَّسة كما كان يُسمِّيها.. يمنحها لكلِّ
مَنْ يدخل ساحته أو مجلسه.. أو مَنْ يُجيب عن تساؤل يصعب على الآخرين فهمه!
أمَّا عقاب المذنبين فيتمُّ بدفع الجزية، وهي: خمسمائة جنيه كعقوبة للملوك، ومائة
جنيه عقوبة للصعاليك، ومَنْ لا يستطيع دفع العقوبة يُطرَد من الملكة..
أُلقي القبض عليه في الإسكندريَّة عام (١٩٨٥م).
هذه حالة النبيِّ المزعوم صلاح.. وكيف استطاع استغلال ضعاف النفوس ممَّن ألغوا
عقولهم واتَّبعوه، ومن المؤكَّد أنَّ هناك أُناساً لم يتَّبعوا كذبه ورفضوا
الانصياع إليه ولكنَّهم للأسف لم يتَّخذوا أيَّة إجراءات ضدَّه، ومن المدهش حقًّا
أنَّه استطاع التغلغل في ذاتهم حتَّى إنَّهم كانوا يضعون صوره في منازلهم مذيَّلاً
بها عبارات تُمجِّده، وأشهرها: سيِّدنا صلاح الشاذلي.. (ص. ع. س)، حتَّى أثناء
التحقيق معهم بعد القبض عليهم، كانوا يهتفون عندما يُذكر اسمه.. يقولون (صلَّى الله
على صلاح)!
شهرته:
نبعت شهرة الدكتور شعيشع من أمرين هامين:
١ - أنَّ أتباعه كانوا من الأطبَّاء وأساتذة الجامعات والمهندسين وكبار
رجال
الأعمال في الإسكندريَّة، وقد جاوزوا الخمسين شخصاً قسَّمهم إلى ملوك وصعاليك.
٢ - غرابة الطقوس التي كان يمارسها مع أتباعه والتي تتَّسم بالشذوذ.
بيان الأزهر:
وبعد القبض عليه طلبت النيابة العامَّة تشكيل لجنة برئاسة مدير عامّ البحوث والنشر
بمجمع البحوث الإسلاميَّة بالأزهر لسماع ومشاهدة أشرطة الفيديو والكاسيت والاطِّلاع
على الأوراق المضبوطة، وإبداء الرأي فيما تضمَّنته ممَّا يتعارض مع أحكام الدِّين
الإسلامي.. وبعد الاطِّلاع والمشاهدة من قِبَل لجنة الأزهر أصدرت التقرير التالي:
إنَّ الدكتور صلاح.. قد قام بادِّعاء النبوَّة والتطاول على ربِّ العزَّة (عزَّ
وجلَّ) وتحريف بعض النصوص القرآنيَّة.. وتأويل بعضها تأويلاً فاسداً.. والنيل من
كتاب الله الكريم.. ومحاولة تطويع آياته لأهداف لا تتَّفق ودين الله.. الذي ارتضاه
لعباده.. إضافةً إلى الطعن في الأنبياء ونفي العصمة عنهم.. والقول بكذب بعضهم ونقص
إيمان البعض.. والطعن في صحابة رسول الله.. والتعريض بأُمَّهات المؤمنين في الوقت
الذي يدعو فيه هذا الفكر إلى جعل معتنقيه فوق الأنبياء.. وأنَّ قائدهم الدكتور صلاح
شعيشع على كلِّ شيء قدير، يمنح ويمنع ويحيي ويميت، يحلُّ ويُحرِّم، يغفر الذنوب
ويضاعف الحسنات.. يبيح المعاصي وترك العبادات.. يجعل من نشوى إحدى ملكاته، الجديرة
الوحيدة بلقب أُمِّ المؤمنين.. يُعطي لنفسه حقَّ تقبيل النساء.. بدعوى أنَّها قبلات
محمّديَّة.. مَنْ لم يقبلها ويقبل عليها كفر.. وخلد في النار.. بل إنَّه ليُلقي
بتهمة الكفر على كلِّ مَنْ سواه.. مسفِّهاً آراء أتباعه.. محتقراً لهم.. في الوقت
الذي يُصدِّقهم فيما يرونه من رؤى وأحلام.. يُلقِّنها لهم ويحثُّهم على حفظها،
وترديدها.. إذ يعتبرها وحياً وتنزيلاً كالقرآن الكريم.. والأحاديث النبويَّة
الشريفة.. ناسباً إلى رسول الله كذباً ما لم يقله.. إذ يدَّعي الدكتور صلاح أحاديث
كاذبة.. زاخرة بالأخطاء.. مع ركاكة الأُسلوب.. رفعاً لشأنه وتأكيداً لمكانة (نشواه)
إحدى ملكاته.. وتأسيساً على ذلك.. وإعمالاً للحقِّ.. وإبرازاً للحقيقة.. ترى اللجنة
أنَّ هذه الأفكار باطلة، ضالَّة مضلِّلة، نبتت من بذور الشرِّ التي بذرتها
القاديانيَّة والماسونيَّة والشيوعيَّة.. واقترحت اللجنة مصادرة الأشرطة المضبوطة
وغيرها ممَّا يشتمل على هذه الأفكار.. واستتابة أصحابها مع عقابهم.. فإنْ لم
يتوبوا، وجب أنْ تُوقِع عليهم أشدّ العقوبات وأقساها في إطار دين الدولة الرسمي،
ودستورها الحالي، منعاً للفساد والإفساد، ودرءاً للفتن.
وقال التقرير: واللجنة إذ فزعت ممَّا رأت وسمعت.. لتبدي ألمها وأسفها، لما ردَّدته
في تقريرها هذا من ألفاظ وردت على لسان الدكتور (صلاح شعيشع) وتابعيه، وتبرأ إلى
الله من أفكاره وألفاظه (ولكنَّها الشهادة أمام الله تعالى).
ثمّ لحق تقرير اللجنة بيان من الأزهر الشريف.. جاء فيه: (إذا أصرَّ الطبيب الدجَّال
على ادِّعاء النبوَّة.. كان مرتدًّا عن الإسلام، يحرم التعامل معه أو زيارته بوصفه
طبيباً..)، واختتم البيان بدعوتهم إلى التوبة، ودعوة المجتمع الإسلامي إلى الدفاع
عن الإسلام، باجتناب هؤلاء الذين خرجوا على الدِّين.
مدَّعية النبوَّة الشيخة منال - مصر (١٩٩٩م):
لقد قُبِضَ على الشيخة منال التي ادَّعت النبوَّة علناً وروَّجت لأفكار ومعتقدات
تخالف الدِّين الإسلامي، وبعد أنِ ادَّعت قدرتها على علاج الأمراض المستعصية والسحر
والشعوذة.. حيث زعمت أنَّ بيتها هو مسجد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأنَّ
المدعو عمر أمين حسانين زعيم طريقة صوفيَّة، والذي ادَّعى النبوَّة واعتُقِلَ ومات
في السجن يُؤدِّي مناسك الحجِّ عن أتباعها بالنيابة ولا
داعي لأنْ يحجُّوا، وأنَّ
جبرائيل والرسول وأهل بيته (عليهم السلام) يتجلَّون لها بصحبة عمِّها (حسانين)،
وأنَّ عزرائيل (مَلَك الموت) كان يتسامر مع عمِّها، وأنَّه قد حصل على درجة من
النبوَّة وعلم الغيب، وأنَّه نجح في رفع الصلاة عن بعض أفراد جماعتها.
مَنْ هي الشيخة منال؟
اسمها الكامل: منال وحيد مناع، مصريَّة الجنسيَّة، تبلغ من العمر (٤٢) عاماً،
تلقَّت تعليمها بالمدارس الفرنسيَّة بمصر، وتحمل شهادة ليسانس في الحقوق، متزوِّجة
من (عبد الحميد محمّد كامل) محامٍ معروف، ولديها خمس بنات أكبرهنَّ (ليلى) التي
تعمل موديل في أغاني الفيديو كليب.
قصَّتها: بدأت حكاية منال مناع عندما أُصيبت بمرض لم يكشف الأطبَّاء سرَّه، وأخبرها
البعض أنْ لا علاج لدائها العضال سوى القرآن الكريم.
وبدأت تتردَّد على أماكن الذكر ومجالس مختلفة تتداول فيها شؤون الدِّين، حتَّى
تعرَّفت سنة (١٩٩٠م)، على الشيخ عمر أمين حسانين، زعيم (الطريقة الصوفيَّة
البيوميَّة) آنذاك.. وأصبحت منال من مريدي الشيخ عمر، وأخذت تحضر الجلسات التي كان
يعقدها مرَّتين في الأُسبوع.. وكانت منال امرأة ذكيَّة وجميلة، رومانسيَّة المشاعر،
تعرف كيف تستولي على لُبِّ مَنْ تجالسه، فأصبحت قريبة من الشيخ الذي اختارها لتكون
سكرتيرة للجلسات التي يعقدها.. وتوثَّقت صلتها بأتباع الشيخ عمر الذين انجذبوا
إليها، فلم يكن صعباً أنْ تسيطر عليهم بعد أنْ تُوفِّي زعيم الطريقة، وأصبحت تعقد
الجلسات، بعدما زعمت أنَّه يأتي إليها من العالم الآخر ويُبلِّغها بتعاليمه ورسائله
لأتباعه، بل وأقنعتهم بأنَّها ترى الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأصحابه
وتجالسهم.. اختلفت منال مع زوجة الشيخ المتوفِّي (١٩٩٣م)، فأخبرت رجلَ أعمالٍ
ثريًّا (هشام عابد) يملك
شركة سيَّارات وكان من أتباع الطريقة، بأنَّ الشيخ يطلب
منه أنْ يشتري مقرًّا جديداً للجماعة ويُجهِّزه بأحدث الأثاث وأرقاه، وأنْ يكون
المقرُّ بالقرب من السيِّدة زينب.. واشترى الرجل الشقَّة عام (١٩٩٤م) بربع مليون
جنيه، وسجَّلها باسمها، في (برج اللؤلؤة في شارع بورسعيد في منطقة السيِّدة زينب)
وزوَّد الشقَّة بعدد من أجهزة الكمبيوتر، ونظامين حديثين للإضاءة والسمَّاعات
الداخليَّة، وكانت الجدران الداخليَّة للشقَّة مبطَّنة بمادَّة عازلة للصوت، حتَّى
لا تنتقل الأصوات إلى الخارج.. وصارت منال هي الزعيمة، وتكاثر الأتباع من رجال
أعمال، وأساتذة في الجامعات والأطبَّاء، ووكلاء الوزارات السابقين، وكانت تلتقي بهم
في تلك الشقَّة التي أطلقت عليها اسم (دار السلام العمريَّة) نسبةً إلى مؤسِّس
الجماعة عمر حسانين(٢٠١).
الطقوس:
تبدأ يوم الخميس موعد نزول الوحي.. بعد صلاة العصر، وبعد أنْ يشرب المريدون الشاي
والقهوة واللبن، يقومون بقراءة الأوراد ويبدأ الصوت في الخفوت حتَّى يقول صوت من
المكبِّر: (إنَّني أنا الله لا إله إلَّا أنا)، وهو صوت الشيخ عمر أمين شيخ الطريقة
المتوفِّي، وينطلق الصوت ليهذي بأصوات غير مفهومة وجميع المريدين خافضين رؤوسهم،
بعضهم يبكي وتنطفئ الأنوار مدَّة ربع ساعة ثمّ تُضاء من جديد وتُوزَّع المأكولات
الشهيَّة التي يأتي بها أثرياء المريدون، ويبدأون صلاة المغرب ويؤمُّهم أُستاذ
جامعي وبعد الصلاة تستمرُّ حلقة الطعام حتَّى صلاة العشاء ثمّ تنطفئ الأنوار ثمّ
تظهر الشيخة منال ترتدي جلباباً أبيض وطرحة بيضاء وهي تُدخِّن الشيشة وفوقها ضوء
أبيض يشعُّ عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠١) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ ١٧ محرَّم ١٤٢١هـ، المرافق ٢٢/٤/٢٠٠٠م، دولة الإمارات العربيَّة).
فقط، فتظهر وكأنَّها من الملائكة، وتبدأ حلقات الذكر على ضوء خافت وزغاريد وطبول من بعض النساء بينما تمسك الشيخة منال بورق وتكتب أشياء غريبة وتصمت وتشرد لثوان ثمّ تقول: جاء الوحي، ثمّ تقول: إلهكم عمر، فيردُّ المريدون: عليه السلام.. فتقول: يُوصيكم بعدم صلاة الجمعة غداً ومَنْ يُصلِّيها من الحاضرين هلك، واحترق بأمره.. وتقول: إلهكم عمر أمر بالتخفيف عليكم والصلاة مرَّتين فقط تخفيفاً من رحمته، ثمّ تبدأ موسيقى أُغنية أُمِّ كلثوم (القلب يعشق كلَّ جميل)، ويغنُّون مالناش (عمّ) غيره قبله ولا بعده، وتواصل تحريف الكلمات.. وبعد انتهاء الأغنية تبدأ وعظة الشيخة منال، ثمّ يدخل مساعدها يحمل الشيشة ويقول: (الفاتحة) زيادة في شرف عمِّي عليه السلام، وتقول منال: العمُّ يُوجِّه حديثه لروح من الأرواح، ويقول حضرته وسبحانه لهذه الأرواح: يا ساهر على راحتي يا سبب بسمتي.. جمالك في عيني حنان وحنانك في عيني غرقان.. يا حبيب الرحمن.. سيماهم على وجوههم وسيماهم قدم عمِّهم.. لأنَّ من ملازمي الأثر تأتي إشارتي لك مع كلِّ سحر.. فيردُّ مساعدها ويسألها: مين هو ده؟.. فتختار اسم أحد المريدين.. ويتغيَّر هذا الاسم في كلِّ حضرة.. وخلال حلقة الحضرة أو البرنامج الذي اخترعته وأسمته (مشاهدات) جعلته من نفسها وسيطة بين روح الشيخ المتوفَّى عمر حسنين وبين المريدين، وتقوم بإبلاغهم بالأوامر والطلبات وكيفيَّة تنفيذ هذه الطلبات.. فهو يُكلِّمها بدون حجاب، وتدَّعي أنْ يحضر إليهم في مقرِّ الطريقة، ولكن ليس وحده، بل يأتي ومعه الحاشية والحرس الذين يحملون السيوف.. والأعلام والرايات وعدد كبير من أولياء الله الصالحين منهم: السيِّدة زينب، والسيِّد البدوي، والسيِّدة نفيسة، وإبراهيم الدسوقي، ونور الدِّين عليٌّ البيومي، وعليُّ بن أبي طالب.. وحسب ما جاء في التسجيلات الصوتيَّة تقول: إنَّه - أي عمر أمين حسنين -: يُوحي على
المؤمنين ما يُوحي.. يقول لمن يرضى عنه من المؤمنين به: (ولك
وجهي)، ويطلب من المؤمنين والمؤمنات به أنْ يرفعوا أيديهم بالدعاء له، وأنَّه سوف
يُحقِّق لهم دعواتهم على أكثر ما يأملون.. ويقول للمؤمنين به: (يا مَنْ تذكروني
بكرةً وعشيًّا)(٢٠٢).
أفكار وتعاليم ومزاعم:
كانت تقصُّ على مريديها تعاليم ومطالب (عمِّها) عمر حسانين الذي تدَّعي أنَّه
يُبلِّغها إيَّاها في حضرة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، والصحابة وآل
البيت.. ومن المزاعم التي روتها لهم في تلك (المشاهدات)، أنَّ عمَّها أبلغها أنَّ
أتباعه يأخذون أجر الحجِّ دون أنْ يذهبوا إلى مكَّة أو أنْ يقفوا بعرفة، ويكفيهم
أنْ يتجمَّعوا في هذه الشقَّة، بل قال لها: إنَّ الماء الموجود فيها هو ماء زمزم..
وأمعنت في الهذيان الباطل، بالادِّعاء بأنَّ شقَّتها هذه هي مسجد الرسول (صلَّى
الله عليه وآله)، وقالت لأتباعها: لقد تجلَّى لي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)،
وقال: هذه الدار العمريَّة، هي داري ومستقرِّي، وكلُّ شيء فيها تمَّ على مرادي،
وفيها سرِّي ومسجدي، ومَنْ دخله فقد دخل مسجدي، وزار وحجَّ واعتمر، وقد تركت الأمر
كلَّ الأمر في يد شيخكم، ينفح مَنْ يشاء بما يشاء وكيفما يشاء، وأنا أقوم بالتأمين
على نفحاته لكم، وكفاكم فخراً أنَّكم أولاده، ومن حُسن طالعكم أنَّكم محسوبون عليه.
وبلغت قمَّة الضلال عندما أسبغت جلال النبوَّة على عمِّها الشيخ عمر، مدَّعية أنَّ
الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، هو الذي أخبرها بذلك، فقد خاطب الرسول (صلَّى
الله عليه وآله)، على حدِّ زعمها عمر قائلاً: (باسم نور الذات والصفات وباسم ذات
الذات، أشهد بأنَّ خُلُقك القرآن، وأنَّك على خُلُق عظيم، وإنْ كان الله
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٢) جريدة الرياض (العدد ١٣٠٤٨/ ٢١ محرَّم ١٤٢٥هـ، الموافق ١٢/٣/٢٠٠٤م، السعوديَّة).
وملائكته
يصلُّون عليَّ فإنَّ الله وملائكته وعبده ورسوله محمّد يصلُّون عليك يا من هو
أنا).. وتحاول منال في مشاهدات أُخرى هدم أركان الصلاة، ورفعها عن زبأنها
نهائيًّا.. وزعمت أيضاً - كما أثبتت شرائط فيديو مسجَّلة - أنَّ الشيخ عمر زار
مَلَك الموت عزرائيل قبل أنْ يموت وكان بصحبة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله)
وتسامر معه، وكذلك إبليس.. وقالت: إنَّ بيتها مزار للملائكة وفي مقدَّمتهم سيِّدنا
جبرائيل (عليه السلام)، الذي زعمت أنَّه ظهر لها بملابسه البيضاء، وفرد جناحيه على
المكان، وأخبرها شيخها أنَّ مَنْ أظلَّه جناحاه، فقد ضمن مظلَّة الحساب يوم
القيامة.. وبرَّرت منال لمريديها اختيار الشيخ عمر إيَّاها بالتجلِّي لها دون أفراد
جماعته بالقول الباطل: إنَّها في الباطن (سيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء،
وزوجها عليُّ بن أبي طالب)، وأنَّ زوجها أبعد الأرواح عن الشهوات(٢٠٣).
الأتباع والنهاية:
تمَّ إلقاء القبض عليها يوم (١١/ نوفمبر/ ١٩٩٩م) وعلى بعض أتباعها، والذي يفوق
عددهم (٢٥٠) شخصاً آمنوا برسالتها كلُّهم شخصيَّات في مراكز مرموقة، منهم بعض
تُجَّار الذهب ورجال أعمال وأساتذة في الجامعات وأطبَّاء ووكلاء وزارات سابقون..
وخلال محاكمة الشيخة منال وتنظيمها والتي استغرقت (٤) جلسات يصدر الحكم بحبس منال
وحيد بالسجن خمس سنوات، وسجن (١٦) متَّهماً من أتباعها.
مدَّعي النبوَّة سيِّد طلبة - مصر (٢٠٠٢م):
سيِّد طلبة محمّد أبو عليٍّ، موظَّف في هيأة الطاقة الذرّيَّة، كان يحضر بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٣) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ ١٧ محرَّم ١٤٢١هـ، الموافق ٢٢/٤/٢٠٠٠م، دولة الإمارات العربيَّة).
دروس
الدِّين في مساجد شبرا الخيمة، وسمع ذات مرَّة أنَّه لو أُصيب الإنسان بمرض ما في
جسده فإنَّه يغلق كفَّيه ويقرأ من القرآن سورتي الفلق والناس.. وبعد أنْ يقرأهما
ثلاث مرَّات ينفخ في كفِّ يده ثلاث مرَّات ويمسح بها موقع الألم في جسده وما أنْ
تمرَّ ثوانٍ حتَّى يشفى، وجرَّب طلبة هذه الطريقة أكثر من مرَّة فتحقَّق له الشفاء،
وبدلاً من أنْ يشكر الله ظنَّ أنَّه أُوتي ملكات (كن فيكون).. نسأل الله العفو
والمغفرة.
لمعت الفكرة في رأس طلبة، ولأنَّه كان مهتمًّا بالأُمور الطبّيَّة ببعض الأُمور
الدِّينيَّة، وهو معروف بذلك بين زملائه، بدأ في تحديد نشاطه، وبدأ سرًّا، حيث
انتظم في الصلاة في الجامع كي يقال عنه أوَّلاً: إنَّه رجل صالح وتقي ولا يترك
المساجد، وبعدها بدأ نشاطه على عدد قليل من أقربائه بأنْ يدخل على المريض ويجلس
أمامه ويبدأ في قراءة القرآن وهو مغمض العينين ووجهه للسماء، وبعد قليل ينتفض جسده
وبعدها يضع يده الشافية على موقع الألم عند المريض يمسح عليه بكفِّ يده وهو يتمتم
بعبارات غير مفهومة، وبعد دقائق يهدأ تماماً ويفتح عينيه ويبتسم ابتسامه هادئة
ويقول: مبروك، المرض خرج من الجسد بعون الله تعالى، وهنا تنطلق الزغاريد في البيت،
ولكن يشتكي المريض بأنَّ الوجع ما زال موجوداً فيطمئنه طلبة بأنَّ هذا الوجع خير له
لأنَّه أثر ما بعد الجراحة والتخلُّص من المرض وبعد أيَّام سيختفي تماماً ويُصدِّق
الناس المساكين، وبمجرَّد أنْ عالج طلبة ثلاثة من أقربائه ومنهم أطفال، ذاع صيته في
الحيِّ كلِّه على أنَّه رجل بركة وله قدرات خارقة في شفاء المرضى بالقرآن الكريم
دون اللجوء إلى تعاويذ أو أعشاب لا تفيد، وأُعجب طلبة بالفكرة: لماذا لا يكون
نبيًّا مرسَلاً ويتوسَّع نشاطه؟!
وبدأ طلبة في تنفيذ خطَّته بأنِ استدرج ثلاثةً من المرضى الذين تمَّ شفاؤهم على
يديه، وقال لهم: إنَّ لدي سرًّا لا يعرفه أحد، وهو أنَّني منزل من الله (عزَّ
وجلَّ)،
وأنَّني النبيُّ الجديد على الأرض، ولكي يُثبِت الله أنَّني على حقٍّ
أعطاني معجزة شفاء المرضى بالقرآن، وأعطاني سرَّ كلمة (كن فيكون)، وعندما جادله أحد
الأفراد بأنَّ سيِّدنا محمّد هو آخر الأنبياء، قال له طلبة: نعم هو آخر الأنبياء،
لكنَّني منزل لتثبيت الدِّين ولإدراك المسلمين قبل أنْ يغرقوا في المعصية، وأنا
مؤمن بالقرآن مثلكم لكن كلَّ ما في الأمر أنَّني منزل لتقديم رسالة هداية العالم
والعودة إلى الله من جديد!
وبدأ في مزاولة نشاطه في سرّيَّة، وكلُّ مَنْ يأتي ويعالج عنده ويثق فيه يعرض عليه
رسالته، بعض الناس نهروه، ونفر منهم صدَّقوه، وكان من بين زُوَّاره طبيب بشري
ويُدعى (منصور يوسف أمين قناوي ٣٨ سنة) الذي اقتنع تماماً بقدرة طلبة على شفاء
المرضى، وعندما عرض عليه طلبة أتباعه وافق على الفور (الطبيب) وبايعه على أنَّه
النبيُّ الجديد وأنَّه أحد أتباعه!
وبمجرَّد أنْ تأكَّد طلبة أنَّ الطبيب من أتباعه، راح يتفاخر بين رفاقه بأنَّ
طبيباً بشريًّا هداه الله تعالى لمعرفة الرسالة الجديدة، وبعد أيَّام انضمَّ إلى
الشيخ والطبيب مهندس يُدعى (حلمي السيِّد إبراهيم ٤٦ سنة) وشقيقه (ياسر ٣٥ سنة)
ويعمل موظَّفاً بأحد فنادق القاهرة، وهنا شعر طلبة بأنَّ رسالته صحيحة بدليل أنَّ
الناس تتوافد عليه، وعندما جاءه موظَّف الفندق كان يسأله عن أمواله التي يتقاضاها:
هل هي حلال أم حرام؟ لأنَّ الفندق يبيع الخمور، فأكَّد له الشيخ بأنَّها حرام، لكن
لأنَّه ليس هناك بديل آخر فهي حلال مؤقَّتاً، واقتنع الموظَّف بالردِّ المريح
الممطوط، وبدأ يحضر دروسه الدِّينيَّة بانتظام، وأقنع صديقاً له في نفس عمله ويُدعى
(خالد فتحي محمّد ٣٣ سنة) بأنَّ الشيخ طلبة أبو الكرامات وأنَّه نبيٌّ جديد، وبعد
ذلك انضمَّ للجمع عدد من الأتباع حتَّى وصل أتباعه إلى (٢٩) تابعاً، وكان طلبة يقوم
كلَّ يوم بإعطاء دروس دينيَّة، وتبدأ بأنْ
يجلس طلبة على مقعدٍ عالٍ ويجلس على الأرض الأتباع، ويبدأ هو في قراءة القرآن، ويختار آيات بعينها ليقرأها، وهي التي تختصُّ بأنَّ الله هو الشافي، وآيات تخصُّ سيِّدنا محمّد (صلَّى الله عليه وآله) بإنزال الوحي عليه، وبعد أنْ ينتهي من قراءة القرآن يبدأ في إغماض عينيه لحظات، وبعدها يبدأ في تقسيم الآيات ويُفسِّرها، ويُقنِعهم بأنَّ الآيات تدلُّ على أنَّ لله خلقاً في الدنيا ليُكمِلوا رسالة الإسلام ويهدوا الضالِّين إلى الطريق الصحيح، وبعد أنْ ينتهي من تفسير الآيات على هواه، يبدأ في قراءة الأحاديث النبويَّة ويُفسِّرها التفاسير نفسها التي تُزكِّي كذبه على أنَّه النبيُّ الجديد للناس، وبعدها تبدأ طقوس النبوَّة بأنْ يغمض عينيه ويصمت لمدَّة طويلة وكلُّ الحاضرين صامتون تماماً، وبعد أنْ تمرَّ مدَّة كبيرة من الصمت يفتح عينية ويقول: وعليكم السلام ورحمة الله، ويقول لأتباعه: (تعرفوا أنا أُلقي السلام على مين؟ على أحد الملائكة، كانوا يزورونني ليُعطوني الأوامر الجديدة التي نسير عليها)، وهنا تعلو صيحات الأتباع: الله أكبر الله أكبر، ويطلب منهم طلبة أنْ يهدئوا كي لا يسمعهم أحد، لأنَّ الوحي لم يأذن له بعد بأنْ ينشر الدعوة على الناس كافَّة، بل أمره بالسرّيَّة التامَّة مع الأتباع المقرَّبين الذين اختارهم الله ليكونوا رجال الدعوة والمقرَّبين إلى الله تعالى، لأنَّه اختارهم ليكونوا نوراً للناس يهتدون به، وبالطبع صدَّق الأتباع هذه الأقاويل، وبدأوا في دفع تبرُّعات للشيخ طلبة كهدايا على أعماله الخارقة في شفاء المرضى، وبدأ الناس يتوافدون عليه ليُشفي أمراضهم، وكان أكثر المتردِّدين عليه من الرجال ممَّن يعانون العجز الجنسي، وبعد عدَّة جلسات من قراءة القرآن يبدأ بعض المرضى في الشفاء وبعضهم الآخر يكتشف أنَّه لا فائدة ويبتعد عن جلسات الشيخ، أمَّا مَنْ يقوم بشفائهم فيصبحون من أتباعه على الفور، لأنَّه يُقنِعهم بأنَّه يستدعي الملائكة من السماء ويُسلِّطها على عباده الصالحين ليشفيهم من مرضهم، وبعدها يدعوهم إلى جلساته التي زاد عليها
شيئاً، وهو أنَّ هناك تعاليم
جديدة تمليها الملائكة تنزل من الله (عزَّ وجلَّ)، ويغمض عينيه ويصمت ويقول لأحد
أتباعه: اُكتب.. اُكتب، ويبدأ تابعه في الكتابة، ويكتب تعاليم دينيَّة جديدة
وطُرُقاً جديدةً لعلاج المرضى، وفي أحد الأيَّام أخبر أتباعه بأنَّ هناك مفاجأة
جديدة لا بدَّ أنْ يحضروا لاجتماعه ليعرفوها ويستبشروا بها، وتجمَّع الأتباع حوله،
وقال لهم وهو مبتسم ووجهه مضيء بأنَّ الله أعطاه علماً جديداً، وهو أنَّه أصبح يرجئ
الموت عن أتباعه وعن الناس، هنا هلَّل الأتباع وصاحوا: الله أكبر الله أكبر، وبدأ
يقرأ عليهم بعض ما أُنزل عليه، الذي يدلُّ على أنَّه أصبح منزلاً من السماء بقوَّة
الله وبحجَّة شفاء المرضى وإرجاء الموت!
وتمَّ القبض على السيِّد طلبة في بيته (يناير/ ٢٠٠٢م)، وتمَّ القبض على أتباعه (٢١
متَّهماً)، وتحفَّظت النيابة على (٣٣) رسالة بخطِّ يده، التي يزعم فيها أنَّها
جاءته من السماء، موجَّهة إلى المريدين والأتباع، تطالبهم بطاعته والتمسُّك به
شيخاً وإماماً مبيناً، وتطالبهم بالالتزام بتعليماته والمواظبة على حضور الجلسات
والدروس الدِّينيَّة التي يؤمُّها، والرسائل موقَّعة بتوقيعات الذات الإلهيَّة
والصحابة وتوقيعات أُخرى منسوبة إلى آل البيت، كما ضبطت النيابة شريط فيديو
مسجَّلاً لأحد الدروس وجلسات نزول الملائكة عليه، وكان من ضمن المقبوض عليهم غير
الطبيب والمهندس وموظَّفي فندق الشيراتون: أمين مكتبة، وتاجر أسماك، وصاحب مصنع
ملابس، وطالب بكلّيَّة التجارة، وصاحب محلِّ أدوات كهربائيَّة، وتاجر سيَّارات،
ونجَّار، وسائق تاكسي، وطلبة جامعيُّون.. والخطَّة هي جمع الأموال الكثيرة ومن
ثَمَّ الخروج من البلد إلى مكان آخر.. ولكن انكشف الأمر مصادفةً، وتمَّ حبسه(٢٠٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٤) جريدة الرياض (العدد ١٣٠٤٨/ يوم الجمعة ٢١ محرَّم ١٤٢٥هـ، الموافق ١٢/٣/٢٠٠٤م، السعوديَّة).
وقد أصدرت محكمة جنح أمن الدولة طوارئ (٦/١٢/١٤٢٤هـ، ٢٨/١/٢٠٠٤م) حكمها في قضيَّة
ازدراء الأديان وادِّعاء النبوَّة حيث عاقبت (١٩) متَّهماً بالحبس سنة مع الشغل..
ويعدُّ هذا الحكم هو الثاني للمتَّهمين حيث كانت دائرة أُخرى من دوائر محاكم الجنح
قد سبق لها وأنْ قضت بمعاقبة المتَّهم الأوَّل في القضيَّة سيِّد طلبة مدَّعي
النبوة بالحبس ثلاث سنوات، وبمعاقبة جمالات سليمان (أكبر معاونيه) بالحبس سنة مع
الشغل، ومعاقبة (١٩) متَّهماً آخرين بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ، ثمّ قامت نيابة
أمن الدولة العليا بتقديم التماس لإعادة محاكمة الـ (١٩) متَّهماً الذين حصلوا على
أحكام مع إيقاف التنفيذ، تمَّ على إثره إعادة محاكمتهم(٢٠٥).
وفي حيثيَّات الحكم قال رئيس المحكمة القاضي عصام المنوفي: إنَّه ثبت لدى هيأة
المحكمة أنَّ زعيم التنظيم سيِّد طلبة كان يدَّعي أنَّه نبيُّ الله (محمّد)، وزعم
تلقِّيه رسائل من الله سبحانه وتعالى لإرسالها للبشريَّة، واستطاعته تسخير الملائكة
لحسابه، وإنَّه كان يزعم امتلاكه سرَّ كلمة (كن فيكون).. وأشار رئيس المحكمة إلى
أنَّ المتَّهمين كانوا يلتفُّون حوله ويُحبِّذون هذه الأفكار المنحرفة، وكانوا
يُردِّدون عبارة: (صلَّى الله عليه وسلم)، حين يقول: (أنا النبيُّ لا كذب)(٢٠٦).
مدَّعية النبوَّة ثريَّا منقوش - اليمن (٢٠٠٤م):
تقول مدَّعية النبوَّة اليمنيَّة: إنَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم
النبيِّين، وهي أُولى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٥) جريدة الرياض (العدد ١٣٠٠٥/ الخميس ٧/١٢/١٤٢٤هـ، الموافق ٢٩/١/٢٠٠٤م،
السعوديَّة).
(٢٠٦) الوكالة الشيعيَّة للأنباء ليوم (٣/١٠/٢٠٠٢م)، جريدة الملتقى الدولي - مصر
(العدد ٤٦٨/ يوم الخميس ٢٩/٨/٢٠٠٢م).
النبيَّات، وتزعم أنَّها رسولة بأمر من الله لإبلاغ رسالة
التوحيد للعالم.. ثريَّا منقوش التي تجاوزت الخمسين عاماً، وتحمل شهادة أكاديميَّة
عليا، فهي أُستاذة في التاريخ والفلسفة بجامعة عدن، وتُعَدُّ من الباحثات
اليمنيَّات المميَّزات في التاريخ والفلسفة، وقد اشتهرت بتدوينها لتاريخ سيف بن ذي
يزن (أشهر الملوك اليمنيِّين قبل الإسلام)، ادَّعت منقوش عضوة اللجنة المركزيَّة في
الحزب الاشتراكي اليمني أنَّ الوحي نزل عليها، وهي (في قمَّة الماركسيَّة) حسب
تعبيرها، وقد حدَّدت دعوتها بثلاث قضايا وتعتبرها أساسيَّات الدعوة، وهي:
١ - وحدة البشريَّة وإعادة توحيدها (أُمَّة واحدة).
٢ - إعادة توزيع خيرات الأرض (الخير للجميع).
٣ - الإيمان من قِبَل الناس أنَّ الرسالات القادمة كلَّها في الإناث، كما كانت
الرسالات السابقة في الذكور (النبوَّة للإناث).
وتزعم أنَّ لديها البرهان على دعوتها من القرآن الكريم، وقالت في بيانها الأوَّل:
(ما أحوج الأرض في هذا الزمان إلى رسالة بعد أنْ أثبت الواقع عجز كلِّ ما هو كائن
من قوانين وتشريعات وأفكار وعقائد على إيقاف التدهور في القيم الشخصانيَّة
والجماعيَّة الاجتماعيَّة).. وأضافت: (هنا يأتي تدخُّل ربِّ العباد برسالة توحيد هي
امتداد لكلِّ الرسالات السماويَّة السابقة).. وتابعت: (وما أنا إلَّا رسول قد خلت
من قبلي الرُّسُل أُبلِّغكم رسالات ربِّي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون)..
ودعت المسلمين إلى تجديد الإيمان بالله، عبر تصديق رسالتها.. وقد أجرت مجلَّة
الأهرام العربي المصريَّة(٢٠٧) حواراً معها جاء فيه:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٧) مجلَّة الأهرام المصريَّة (العدد ٣٧٦/ للسنة ١٢٣/ يوم السبت ١٧/٤/١٤٢٤هـ، الموافق ٥/٦/٢٠٠٤م).
* في البداية سألتها عن حقيقة ما نُسِبَ إليها وما نُشِرَ على لسانها من ادِّعاء
للنبوَّة؟
فقالت: هذا الموضوع حقيقي، وجاء الوقت الذي أطرحه على العالم كلِّه.
* ومتى كان ذلك بالتحديد؟
بدأ عام (١٩٨٢م) وأنا في المغرب العربي حصلت معي أحداث ربَّانيَّة عظيمة وكبيرة
ذهبت إلى هناك في ندوة فكريَّة لمنتدى الفكر والحوار، ولا أُخفيك أنَّني كنت
يساريَّة، وخلال ليلتين متتابعتين حصل معي حدث إلهي كبير وعظيم، وهو ما يُسمَّى بعث
الله للنبيِّ، وحينما يقول الله تعالى ذلك فإنَّه لم ينزل الأنبياء من السماء
وإنَّما هم آدميُّون على الأرض أحدث فيهم تغييرات كبيرة من خلال روح القُدُس كما
يُسمِّيها المسيحيُّون أو الروح الأمين كما يُطلِق عليه المسلمون، (هو الذي أنزل
على قلبك الروح الأمين)، وطبعاً أقول: هناك فرق بين الروح والنفس، فالنفس لكلِّ
البشر، ولكنَّ الروح يُعطيها الله سبحانه لمن يصطفيهم من الناس، وهي التي تحرسهم
وتحرس الرسالة حتَّى يُبلِّغوها للناس.. ونتيجةً لوعي وجداني رأيت أنَّ الوقت قد
حان من أجل أنْ أُبلِّغ الناس، إنَّ الإنترنت والاتِّصالات لم تأتِ هباءً، وإنَّما
لحكمة إلهيَّة لو يُدرك الناس ذلك أنَّها ليست مجرَّد شركات يابانيَّة أو فرنسيَّة،
وإنَّما لحكمة.
* وهل تعلمين أنَّ الله أرسل محمّداً خاتماً للأنبياء والمرسَلين؟
تقاطع قائلة: لا ليس خاتم الأنبياء، الله يقول في القرآن الكريم: ﴿خَاتَمَ
النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [الأحزاب: ٤٠]، والنبيُّون
جمع مذكَّر سالم، لأنَّ كلَّ الرسالات السابقة جاءت في ذكور، فختمها الله بالرسول
الكريم محمّد، ويفتح الآن الرسالات للإناث حتَّى قيام الساعة التي لا يعلم بها
إلَّا الله.. وأقول: إنَّه حوَّل الرسالة من الذكور إلى الإناث، ومن المشرق إلى
المغرب، ومن العرب إلى الأعاجم والبربر، ومَنْ معه كلام آخر فليأتني به.
* ولماذا رُفِضَت رسالتكِ من قِبَل مَنْ تدعينهم؟
كلُّ أتباع دين يرفضون الدِّين الذي يأتي بعدهم، وهذه شريعة البشر، كان آخر
الأنبياء محمّد بن عبد الله في الجزيرة العربيَّة، ولهذا فلا أستغرب أنَّ أكثر
الناس الذين سيقاومون رسالتي هم المسلمون أنفسهم للأسف الشديد، ولو يعلمون أنَّه لا
خلاص لهم - والذي نفسي بيده - إلَّا بهذه الرسالة لما عارضوني بهذا الشكل المتعب،
وأنا سوف أذهب إلى الغرب، فيبدو أنَّه لا كرامة لنبيٍّ في أرضه ولا في وطنه.
* هل تعلمين عواقب دعوتكِ؟ وهل أنتِ مستعدَّة لمناظرات مع العلماء بشأنها؟
نعم مستعدَّة للحوار مع أيِّ أحد، ولكن بعقل ورصانة ومسئوليَّة وبدون أحقاد، وأنا
ذهبت منذ أكثر من عام إلى القاهرة على أمل الالتقاء بعلماء الأزهر وغيرهم ولم
تتَّسع الظروف، وإنَّما سوف آتي إلى القاهرة لأنَّ فيها علماء يمكن أنْ يناقشوك وهم
فاهمون بعكس الآخرين الذين هم بقايا الجاهليَّة الأُولى، في القاهرة يعرفني كثيرون،
ومنهم الدكتور حسن حنفي، وهو يعرف آرائي ويعرف هذا الخبر، لأنَّه كان معي عام
(١٩٨٢م) في المغرب، وكان مع الآخرين يلاحظون ما يحدث معي بدهشة لكنَّهم مكابرون،
قلت لهم: المسألة ليست عبقريَّة ولا شيء، وإنَّما هبة وضعها الله في قلبي.
* وهل وجدتِ أتباعاً ومؤمنين لرسالتكِ حتَّى الآن؟
رسالتي مثل القدر وستجد البشريَّة نفسها شاءت أم أبت تسير في طريق الإيمان، وبها
أنَّ خيرات الأرض يجب أنْ تُوزَّع على كلِّ الناس بعدالة سماويَّة، سقطت
الاشتراكيَّة، وسقطت الرأسماليَّة، ولا خيار أو بديل إلَّا ما يريده الله.
* لكنَّ السؤال نفسه ما زال مطروحاً.. هل آمن بكِ أحد؟
دعوتي طرحتها للناس عبر الإنترنت لتصل إلى الجميع بما فيهم الغرب وأمريكا، والناس
يجب أنْ يُفكِّروا فيها، كان هناك أنبياء ذكور، والآن فيه أنبياء إناث، الكلام
منطقي وبديهي جدًّا، غير أنَّ رصيد الثقافة وما يرتبط في وجدان الناس يجعلهم يرفضون
في البداية، هناك متجاوبون معي، ولكن ماذا أُريد أنْ أعمل بهم كأفراد.. المرحلة
الآن تجمُّعات وأحزاب وجمعيَّات ودول وأُمَم متَّحدة، منطق الحياة تغيَّر كلّيَّةً،
وبالمناسبة بعد أنْ جاءني الوحي ذهبت إلى أمريكا وحملت الجنسيَّة الأمريكيَّة على
أساس أنَّها فرصة، وكنت أقول: مَنْ يريد العالم فعليه بأمريكا، والناس هناك لديهم
فراغ وجداني، وحتَّى هنا عندنا فراغ أخلاقي وقيمي ووجداني لكنَّهم يكابرون،
والأُمور تمشي خطوة خطوة.
* هل دعوتكِ دعوة للنبوَّة بشكل صريح؟
نعم دعوة نبوَّة ورسالة سماويَّة، ليس فيها عبقريَّة، وليست على شاكلة أفكار ماركس
أو هيجل، وما في وجداني أفضل ممَّا لديهم، وأفضل من كلِّ عباقرة العالم.
* وما هي الأُسُس التي تعتمد عليها دعوتكِ؟
في رسالتي التي أطلقتها عبر الإنترنت حدَّدت هذه الأُسُس في خمسة: أنْ يؤمنوا بأنَّ
الله واحد للبشر كلِّهم، وأنْ يؤمنوا بأنَّ الكون واحد وكلَّ ما فيه ملك أمره
وطوعه، وأنَّ خيرات الأرض ليست للبشر، وأنْ يؤمنوا أنَّ الناس أُمَّة واحدة، وأنَّ
المرسَلين والمرسَلات أنبياء الله، وأنْ يؤمنوا بأنِّي أُولى المرسَلات الإناث، وهي
خمسة أُسُس وضعتها للناس، ومَنْ شاء فليؤمن ومَنْ كفر فعليها.
* هل لديكِ براهين وأدلَّة على دعوتكِ؟
هناك كتاب كبير وعظيم يتضمَّن تشريعاً لكلِّ الأُمور من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب،
وأنا بصدد تبييضه وماشية فيه، وخلال سنة سيكون جاهزاً.
* هل دعوتكِ للمنطقة العربيَّة أم عالميَّة؟
الدعوة كونيَّة للبشريَّة بأسرها، تشريع ومنهج للعالم، كلِّ العالم.. رسالة محمّد
جاءت إلى كلِّ الناس، ورسالتي جاءت إلى البشريَّة بأسرها، وهناك اختلاف بينهما،
البشريَّة كلُّها ستأخذ منهجها وتشريعاتها بإذن الله من هذا الكتاب.
* ألَا تخشين من تكفيركِ من قِبَل العلماء على اعتبار أنَّ ما تقولينه ردَّة؟
لست أوَّل مَنْ يقولون عنه: مجنون أو ساحر أو شاعر أو كذَّاب، كلُّ الأنبياء قالوا
عنهم هذا الكلام، وأقول: إنَّ الله يحمي رسالاته، لقد تعرَّضت عدَّة مرَّات
لمحاولات عدوان قبل الرسالة وبعدها، لكن لن يمسُّوا شعرة منِّي، لأنَّه يأتيني وحي
قبل أنْ يُدبِّروا شيئاً لي، والله سيُخلِّصني منها.. والذين يقولون: مرتدَّة، أقول
لهم: أتقتلون مَنْ يقول: ربِّي الله؟
* هل تؤمنين برسالة محمّد (عليه السلام)؟
نعم طبعاً مؤمنة برسالة محمّد وكلِّ الأنبياء، وهم إخوتي وأحبَّائي، وأنا أقول:
محمّد رسول الله، وخاتم النبيِّين، وخاتم الرسالات في المشرق.
* بالمناسبة هل لديكِ علاقة مع الحزب الاشتراكي؟
نعم لي علاقة، ودخلت الحزب الاشتراكي الآن عطفاً عليه، شعرت أنَّه يتيم ويحتاجني،
إنَّ قضيتي ليست سياسيَّة وإنَّما دينيَّة وإنسانيَّة عظيمة، ويجب أنْ يُدرك الجميع
أنَّ التطوُّر والتغيُّر والديناميكيَّة هي سُنَّة الحياة.
وفي حوار أجرته مجلَّة الراية القطريَّة(٢٠٨)، مع ثريَّا منقوش تحت عنوان: هذه
براهين نبوَّتي، نقتطف منه الفقرات التالية:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٨) مجلَّة الراية القطريَّة، ليوم الثلاثاء (٢٩/٦/٢٠٠٤م).
* ما حكاية إعلانكِ النبوَّة، هل لديكِ ما يُوضِّح صدق ما تدَّعينه؟
والله يا عزيزي هذه قدرة إلهيَّة.. الآن العالم كلُّه مأزوم ويعيش مشكلات لا حلَّ
لها، كلُّ مشاكل العالم مطروحة الآن، ولا أيُّ مسؤول أو إنسان قادر على حلِّ هذه
المشكلات حتَّى مشكلاته الداخليَّة.. مَنْ يتصوَّر أنَّ الأُمور داخل الولايات
المتَّحدة تصل إلى هذا المستوى، ويتسلَّط عليها واحد (زي بوش)، هناك أزمة كونيَّة،
وأنا لم أختر الزمان للإعلان عن هذه النبوَّة، ولو كان الأمر بيدي لكنت أعلنتها قبل
ثلاث سنوات.
* ما الذي منعكِ من إعلانها قبل الآن؟
النبوَّة التي تلقَّيتها تمَّت في أواخر نوفمبر عام (١٩٨٢م)، وطوال هذه الفترة ومنذ
ذلك الوقت كنت أعيش في معاناة كبيرة، أكثر من عشرين سنة كنت خلالها أطرح نبوَّتي في
إطار المقرَّبين من الأصدقاء وأفراد أُسرتي وعائلتي، وخلال سفري إلى خارج اليمن كنت
أعلن نبوَّتي وأطرحها على مَنْ ألتقي بهم.
* ممَّن عرضتِ عليهم ما تقولين: إنَّه نبوَّة، سواءً من أصدقائكِ داخل وخارج اليمن،
وكذا أفراد أُسرتكِ وعائلتكِ، كيف كانت استجابتهم؟ وهل آمن بدعوتكِ أحد منهم؟
لم يكونوا متجاوبين، بالعكس.. كان هناك منهم مَنْ يسخر ممَّا أقوله - تضحك -، ثمّ
واصلت الحديث قائلة: حتَّى أُسرتي وأفراد عائلتي كانوا يتصوَّرون منذ بداية طرحي
لهذه النبوَّة أنَّ ما أطرحه هو نوع من الجنون، وكنت أردُّ عليهم: هذه حكمة ربِّنا!
* تحديداً ما هي المستندات والأدلَّة التي تعتمدين عليها عند طرحكِ لما تقولين:
إنَّه نبوَّة؟
في القرآن الكريم الشيء الكثير، سورة المرسَلات، وسورة الأحزاب التي
أمرني الله في
ليلة الوحي أنْ أقوم وأقرأها، وهذه السورة تردُّ على كلِّ مَنْ يقول: إنَّ رحمة
الله انقطعت عند الرسول محمّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله)، وأنا أقول لهم:
أستغفر الله العظيم، لأنَّ رحمة الله بالبشريَّة والإنسان ستظلُّ حتَّى قيام
الساعة، والتي لا يعلمها أحد إلَّا الله، فقد يأتي الآن وقد تأتي بعد ملايين
السنين.. أنا أُحاجج مَنْ يُنكِر دعوتي بسورة الأحزاب، وسورة المرسَلات، وسورة
البقرة، وبأحاديث نبويَّة حاولوا أنْ يخفوها.. وأقول لكم: ارجعوا إلى البخاري
ومسلم.
* تحديداً ما هي الآيات التي تقولين: إنَّها تُؤكِّد مصداقيَّة ما تدَّعينه؟
في سورة الأحزاب يقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ
وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً
حَكِيماً﴾ [الأحزاب: ١].. وهذا خطاب بالمطلق ليس للنبيِّ محمّد بن عبد الله (صلَّى
الله عليه وآله)، لا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكَّل على الله وكفى
بالله حسيباً، وسورة الأحزاب هي السورة الوحيدة التي يطرح الله سبحانه فيها
الطرفين: المؤمنين والمؤمنات، والصادقين والصادقات، الصائمين والصائمات، هذه السورة
أمرني الله أنْ أقوم لأقرأها.. كما أدعو مَنْ يُنكِر دعوتي إلى قراءة سورة
المرسَلات بهدوء، ففيها جزء خاصٌّ جدًّا بالرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وهو ما
يتَّصل بزواجه من زينب بنت جحش، وهذا الشيء الخاصُّ بالرسول الموجود في السورة..
وسورة المرسَلات أمرني الله أنْ أقوم من نومي وأقرأها، وليست هذه السورة فقط، فقد
أمرني أنْ أقراء سورة الأحزاب، والله وحده هو الذي يعلم أنَّ سورة الأحزاب ستكون في
مرحلة ستعيش فيها البشريَّة حياة تحزُّب وأحزاب، كما أنَّ هناك أحاديث نبويَّة
كثيرة.
* ما هي هذه الأحاديث؟
حديث التبشير بظهور (١٢) ألفاً من عدن وأبين، وبالنسبة لهذا الحديث فإنَّ الرسول لم
يقل فيه: أنا مَنْ سيظهر في عدن وأبين، هم جنود أو رجال..
فالرسول (صلَّى الله عليه
وآله).. قال في الحديث: يظهر من عدن وأبين (١٢) ألفاً ينصرون الله ورسوله.
* تفسيركِ للحديث يشير إلى أنَّكِ تقصدين جماعة جيش عدن وأبين الإسلامي التي أقدمت
على اختطاف وقتل عدد من السوَّاح الأجانب في اليمن قبل سنوات وأُعدم زعيمها أبو
الحسن المحضار بعد ذلك؟
لا.. لا أقصد هذه الجماعة.. أنا كنت أُردِّد الحديث قبل أنْ تظهر تلك الجماعة،
والتي حاولت بعد ذلك أنْ تُوظِّف هذا الحديث لصالحها، لكنَّها فشلت.. أنا كنت
أستشهد بالحديث للدلالة على دعوتي في أوائل الثمانينات من القرن الماضي.. كما أنَّ
هناك حديثاً آخر للرسول الكريم، وهو: إنِّي لأُشمُّ نفس الرحمن من قِبَل اليمن..
وأقول لكم: يا جماعة الخير، ما هو نفس الرحمن؟ هل هو عصابة الأحزاب التي تاجرت في
كلِّ شيء وبكلِّ القِيَم؟.. نفس الرحمن قضيَّة كبيرة وعظيمة، والرسول (صلَّى الله
عليه وآله) لـمَّا دخل على بني تميم ليُبشِّرهم ويدعوهم للإسلام قال لهم: يا بني
تميم، اقبلوا البشرى.
* خلال حديثي معكِ كنتِ تصلِّين على الرسول الكريم (صلَّى الله عليه وآله)، ألَا
ترين وأنتِ تعرفين أنَّ محمّد بن عبد الله هو آخر الأنبياء والرُّسُل أنَّ ما
تقولينه: إنَّها نبوَّة جاءتكِ بأنَّها لا تُفسَّر سوى نوع من الصيت غير المنطقي
وغير المقبول؟
ليس هناك أيُّ نوع من التناقض أو التعارض.. فأنا مسلمة، على الأقلّ بالوراثة،
ومحمّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله) هو أخي وحبيبي، لكن نبيِّي وأبي هو آدم
(عليه السلام) وبقيَّة الأنبياء والرُّسُل هم إخوتي الذين أُحِبُّهم وأكثرهم حُبًّا
عيسى بن مريم ومحمّد بن عبد الله.
* هل يعني ذلك أنَّكِ غير مؤمنة بالدِّين الإسلامي وبرسالة الرسول محمّد ابن عبد
الله (صلَّى الله عليه وآله)؟!
أنا لست بدعوتي ضدَّ الدِّين الإسلامي والرسالة التي حملها محمّد بن عبد
الله، فهي
رسالة سماويَّة رضيت بها أو لم أرضَ، وأنا متأثِّرة وقابلة لهذه الرسالة، فهي رسالة
التوحيد التي ستسمو بالدِّين الإسلامي ليصبح ديناً كونيًّا مع تعديل الشريعة
والمنهج ليس إلَّا، بما يتلاءم والواقع الذي تعيشه البشريَّة الآن؟
* ما قصدكِ بتعديل الشريعة والمنهج؟
أنا الآن مَنْ يحمل هذه الرسالة للعالم، وليس هؤلاء الأفَّاقون.
* مَنْ تعنين بالأفَّاقين؟
كلُّ الأفَّاقين، ولن أذكر أحداً.
* إذاً دعوتكِ كما تقولين ليست مخالفة لرسالة الإسلام وإنَّما لتجديد رسالته وتجديد
الروح الإنسانيَّة؟
دعوتي ليست مغايرة لرسالة الإسلام.. أنا أقول لكم: أتيت لأبعث الأخلاق من جديد -
ماتت الأخلاق -، الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله) كان يقول: أتيت لأُتمِّم
مكارم الأخلاق، لأنَّه كان حينها عندما جاء بالرسالة أخلاقي، فجاء ليُتمِّم
الأخلاق.. أما أنا فأقول بأنِّي جئت لأبعث الأخلاق من جديد والتي انعدمت في هذا
الزمن، وإنْ شاء الله - وهذه هي إرادته - والله هو الذي تعهَّد في كلِّ كُتُبه
وعداً عليه في التوراة والإنجيل والقرآن وفي الكتاب القادم بإذنه تعالى - هكذا قالت
- لينصرنَّ رسالته.
* أيُّ كتاب قادم تتحدَّثين عنه؟
هو كتاب الجمعان.. الشرق والغرب والذي سيتضمَّن إيضاحاً لكلِّ جوانب الرسالة التي
أحملها في الاقتصاد والأخلاق والقِيَم والعلاقات الاجتماعيَّة وفي العبادات.
* هذه عناوين عريضة لما تقولين بأنَّ الكتاب الذي سيُوضِّح دعوتكِ يتضمَّنها؟
كتاب الجمعان يتضمَّن تشريعاً كاملاً بإذن الله للبشريَّة بأسرها.
الغريب في القصَّة كلِّها أنَّه لم يصدر ردُّ فعل يمني من الجهات المعنيَّة في
وزارة الأوقاف أو هيأة العلماء على ما تطرحه ثريَّا منقوش، وهي القضيَّة التي شغلت
الرأي العامَّ اليمني منذ فترة.. ممَّا يُثير الاستفهام حول مَنْ يقف خلفها!
قَصَص عديدة: أدعياء النبوَّة:
في السنوات الأخيرة ظهرت مجموعات محدودة العدد والقيمة من أدعياء النبوَّة، سقطت
بمجرَّد الخروج إلى أوساط الجماهير، وأُلقي القبض عليهم، واكتشف أتباعهم أنَّهم
ساروا خلف أوهام النصَّابين أو مرضى بعقولهم أو أعداء للإسلام.. ففي دراسة حديثه
أعدَّها الباحث المصري د. محمّد سليمان بالمركز القومي للبحوث الجنائيَّة
والاجتماعيَّة، والذي كشف في دراسته عن تزايد ظاهرة مدَّعي النبوَّة في مصر خلال
السنوات الأخيرة.. وأكَّدت دراسته أنَّ هناك حوالي (٤٠٠٠) مدَّعي نبوَّة ظهر حتَّى
الآن في مصر وحدها.. وكشفت الدراسة أنَّ (٨٠%) مرضى نفسيُّون، تصوَّروا في لحظة يأس
بأنَّهم أنبياء زمن العولمة.. ولكن الأغرب من أدعياء النبوَّة هم المريدون الذين
يقتنعون بهؤلاء الأدعياء.
١ - رشاد خليفة:
وُلِدَ رشاد خليفة في كفر الزيات عام (١٩٣٥م)، لأب اشتهر بأنَّه شيخ طريقة صوفيَّة
اسمه (عبد الحليم محمّد خليفة)، أمَّا أُمُّه فهي (زينب سليمان دويدار)، وعُرِفَ
رشاد في سنواته الأُولى بالورع والتصوُّف قبل أنْ يلتحق بجامعة عين شمس التي تخرَّج
منها بتفوُّق وحصل على بكالوريوس الزراعة قبل أنْ يعمل بوظيفة مهندس بالهيأة
العامَّة للإصلاح الزراعي عام (١٩٥٧م).. وفي عام (١٩٥٩م) حصل على بعثة دراسيَّة
لدراسة الدكتوراه في أمريكا حيث حصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء من جامعة
أريزونا.. وفي عام (١٩٦٦م)
عاد الدكتور رشاد إلى مصر ليعمل مدرِّساً في جامعة
القاهرة ورئيساً لقسم البحوث البستانيَّة في كلّيَّة الزراعة إلَّا أنَّه هرب من
وظيفته عبر الحدود الليبيَّة ومنها إلى الولايات المتَّحدة للعمل كخبير في الأُمَم
المتَّحدة.. قبل أنْ يترك عمله ويعود إلى أريزونا إماماً لمسجد مدينة توسان ورئيساً
للمركز الإسلامي في المدينة.. كان رشاد خليفة معروفاً لدى العرب والمسلمين في
الولاية، وكان رئيساً للمركز الإسلامي في المدينة، وظلَّ زعيماً للمسلمين فيها إلى
أنْ أعلن في مطلع عام (١٩٨٠م) أنَّ جبرائيل (عليه السلام) قد أتاه بالوحي.. وأنَّ
جبرائيل أمره بالإعلان عن رسالته في عام (١٩٨٨م)، وهو تاريخ نشر بيانه في (عرب
تايمز) بأنَّه رسول الله، والذي أعقبه بالكتابة إلينا(٢٠٩) طالباً منِّي شخصيًّا
الدخول في دينه الجديد الذي بدأ يدعو إليه من مسجدٍ خاصٍّ به (مسجد توسان) الذي
يقال: إنَّه قد حصل عليه من إحدى الجمعيَّات اليهوديَّة الخيريَّة دون مقابل.
من أبرز دعاوى رشاد خليفة حضُّ المسلمين على رفض ما جاء في السُّنَّة النبويَّة
والاكتفاء بما ورد في القرآن الكريم.. وهو يقول: إنَّه رسول من عند الله، وإنَّ
القرآن لا ينفي وجود الرُّسُل بعد محمّد، وإنَّما ينفي وجود الأنبياء، وهناك -كما
يقول - فرق بين النبيِّ والرسول.
يقول رشاد خليفة في بياناته: إنَّ معجزة القرآن الكريم لا تكمن بفصاحته كما يشاع،
وإنَّما تكمن في (الرقم ١٩)، وإنَّ القرآن الكريم كلَّه مركب من رقم (١٩)
ومضاعفاته.
بيانات وإعلانات رشاد خليفة مدَّعي النبوَّة أثارت الرأي العامَّ المصري بعد أنْ
نشر الصحافي الكبير أحمد بهاء الدِّين في عام (١٩٨٨م) مقالين في جريدة الأخبار
المصريَّة أشار فيهما إلى خطورة ما ينادي به أُستاذ الكيمياء الدكتور رشاد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠٩) مجلَّة عرب تايمز تابعة للكاتب أُسامة فوزي.
خليفة
وتهجُّمه على الأزهر، وقال: إنَّ نشرات رشاد خليفة التي يُوزِّعها على الصُّحُف
تبدو مموَّلة تمويلاً جيِّداً.
إلى جانب إعجاز الرقم (١٩) للدكتور رشاد خليفة آراء كثيرة مثيرة للجدل، فهو يقول:
- طاعة الرسول محمّد واجبة فقط فيما أتى به من القرآن.
- الصلاة تكون كما صلَّاها إبراهيم وليس كما حدَّدها الرسول.
- كلُّ مَنِ اتَّبع البخاري ليس مسلماً، لأنَّ البخاري لا يتَّبع قول الله سبحانه
وتعالى.
- أنا رسول الله، وقد ورد اسمي رشاد في القرآن (١٩) مرَّة.
- جميع الأنبياء من قبلي لم يُؤتوا معشار ما أتاني ربِّي، والأنبياء ثلاثة فقط هم:
إبراهيم ومحمّد وأنا.
- قال لي جبرائيل: إنَّ كلَّ مَنْ يموت قبل سنِّ الأربعين سوف يذهب إلى الجنَّة.
- لا يوجد للزكاة نصاب.. أيُّ أحد معه يُعطي لمن ليس معه.
- الحجُّ عند المسلمين باطل، لأنَّهم جعلوه ثلاثة أيَّام، أمَّا في القرآن فهو
أربعة أشهر معلومات.
نشرت الصحف الأمريكيَّة خبراً مفاده أنَّ الشرطة وجدت جثَّة رشاد خليفة في (٣١
يناير) عام (١٩٩٠م) مضرَّجة بالدماء في مطبخ منزله، وتبيَّن بعد المعاينة أنَّ
الرجل قُتِلَ ذبحاً وطعناً بالسكاكين، وبعد عامين على مقتله أُعلن عن إلقاء القبض
على بعض أتباعه بتهمة ارتكابهم لجريمة القتل(٢١٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٠) المصدر السابق.
٢ - مدَّعي النبوَّة في مصر:
ومن مدَّعي النبوَّة في التسعينات أيضاً محمّد عبد العظيم الذي زعم قدرته على إحياء
الموتى، وأنَّه صاحب رسالة، ويُوحى إليه من السماء، وكان أتباعه يُطيعونه طاعة
عمياء لدرجة أنَّهم كانوا يدفعون له ثُلُث دخلهم الشهري، فضلاً عن الكفَّارة وهي
عُشر الدخل(٢١١).
٣ - مدَّعي النبوَّة في مصر:
وادَّعى عبَّاس محمود السيِّد الذي تخرَّج من كلّيَّة الصيدلة في الإسكندريَّة عام
(١٩٨٠م) أنَّه آخر المرسَلين، وأنَّ رسالته تتلخَّص في جمع الأديان الثلاثة في دين
واحد(٢١٢).
٤ - مدَّعي النبوَّة في اليمن:
لقى مواطن يمني ادَّعى النبوَّة قبل سبعة أعوام في محافظة إب (جنوب صنعاء) حتفه
أخيراً على يد أحد أتباعه، وكشفت صحيفة الناس المستقلَّة، أنَّ محمّد تباري المعروف
باسم حمدي تباري، من أهالي المدينة القديمة، وُجِدَ مقتولاً وقد صُلِبَت جثَّته على
لوح خشبي بعد أنِ استقرَّت طلقة ناريَّة في رأسه.. وكشفت التحرّيات عن اعتراف أحد
أتباع مدَّعي النبوَّة بقتله بعد أنْ تسبَّب الأخير في خسارته لمنزله وتشريد أفراد
أُسرته، حيث باع المنزل تنفيذاً لأوامره وصرفا ثمنه في ملذَّات الحياة (استباقاً
لقدوم يوم القيامة الوشيك).. وكان الرجل قد وعد الجاني بالحصول على كنز ثمين في
رمضان الماضي، لكن ذلك لم يحدث فتبيَّن بطلان كلِّ الدعاوى، فقام صاحبه بقتله
انتقاماً منه.. وعُرِفَ عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١١) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ السبت ١٧ محرَّم ١٤٢١هـ، ٢٢/٤/٢٠٠٠م، دولة
الإمارات).
(٢١٢) المصدر السابق.
محمّد التباري أنَّه عاش حياة متمرِّدة حافلة بالمشاكل،
وزاول تجارة المخدَّرات والمسكرات، ودخل السجن أكثر من مرَّة، قبل أنْ يلتحق بإحدى
مدارس العلوم الشرعيَّة في محافظة صعدة (شمال اليمن)، ويعود لبلدته مدَّعياً
النبوَّة، ومقدِّماً تفسيراً وفهماً خاصًّا للقرآن الكريم، كما اختصر الصلاة إلى
صلاتين: ركعتان في الظلِّ وركعتان في الشمس، وأحلَّ لأتباعه الخمر، فاتَّبعه عدد من
أصدقائه، دون أنْ يتوقَّع أنَّه سيلقى مصرعه على يد أحدهم(٢١٣).
٥ - أتباع الحاخامات في مصر:
تشير حالة محمّد الههياوي، إلى علاقة بين الحاخامات ومدَّعي النبوة، فقد ادَّعى
الههياوي البالغ من العمر (٤٥ سنة) وهو من أبناء محافظة الشرقيَّة بمصر النبوَّة،
وتبعه ما يقرب من ألفي شخص آمنوا برسالته، مدَّعياً أنَّه سيشفع لهم يوم القيامة..
وكتب الههياوي مجلَّداً كبيراً ضمَّنه رسالته المزعومة، وأربعة فصول عن ضرورة
الدفاع عن الشعب اليهودي في إسرائيل، وزعم أنَّه تلقَّى تعليمات من السماء - من
حاخامات يهوديَّة - بعدم محاربة اليهود، لأنَّهم أبناء الله وشعبه المختار،
ومعاداتهم هي معاداة لله(٢١٤).
٦ - مدَّعي النبوَّة في مصر:
وفي بداية عام (٢٠٠٠م) تابع عشَّاق الصحافة قصَّة تنظيم القرآنيِّين بعد أنْ تمَّ
إلقاء القبض على التنظيم برئاسة (أمين يوسف عليّ حسَّان) يعمل موظَّف في محافظة
القاهرة، ويشاركه في التنظيم (٧) أفراد من بينهم زوجته، وأفكار التنظيم تعتمد على
ازدراء الدِّين الإسلامي ونشر تعاليم خاصَّة بالتنظيم بين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٣) جريدة الشرق الأوسط (العدد ٨٦٥٩/ الثلاثاء ٤/٦/١٤٢٣هـ، الموافق ١٣/٨/٢٠٠٢م).
(٢١٤) مجلَّة زهرة الخليج (العدد ١١٠٠/ السبت ١٧ محرَّم ١٤٢١هـ، ٢٢/٤/٢٠٠٠م، دولة
الإمارات).
أوساط المتردِّدين
عليهم.. منها إلغاء مناسك الحجِّ وصيام شهر شعبان بدلاً من رمضان وعدم قصر الصلاة
على خمس صلوات، بالإضافة إلى أنَّ الرسالة هبطت على سيِّدنا محمّد في مصر وليس
الجزيرة العربيَّة كما تُردِّد، والسطور التالية كانت اعترافات على السيسي المتَّهم
الثاني التي نطق بها أمام وكيل نيابة أمن الدولة العليا.
* ما المقصود بالحجِّ من وجهة نظرك؟ وما هي مناسكه؟
الحجُّ هو عدم إتيان النساء، وتحريم صيد الأنعام في الأشهر الحُرُم، وليس الذهاب
إلى مكَّة والطواف بالكعبة، وهو مفروض كلَّ عام على المسلم، وليس مرَّة واحدة في
العمر كما يقولون.. وهذا الكلام ليس من عندي ولكنَّه من القرآن.
* ماذا عن صيام شهر رمضان؟
الصيام بدأ في شهر شعبان وليس رمضان، والذي ألغى صيام شهر شعبان هو الحاكم بأمر
الله.. وإحنا بنصوم غلط.
* ماذا عن الصلاة؟
الصلاة تعني تنفيذ أوامر الله في الحجِّ والعمرة وقراءة القرآن فقط، ويجب أنْ
يتوضَّأ الإنسان قبل قراءة القرآن، فالصلاة ليست حركيَّة كما يفعل المسلمون لأنَّها
سلوكيَّة بحتة.
* كيف تُؤدِّي الصلاة؟
بأُصلِّي حركيًّا ولكنَّني أقوم بالوضوء وأسمع القرآن.. وأُعامل الناس معاملة
طيِّبة.
* هل أنت مقتنع بهذه الأفكار والمبادئ؟
طبعاً أنا متمسِّك بها، وأُروِّج لها، وأُدافع عنها.
* ولماذا اعترفت بعد إنكارك؟
أنا عاوز أُخلِّص ضميري من الله وأقول كلمة حقٍّ، لأنَّ الإنكار مش طبيعة المؤمنين
بالله، وعاوز أنشر كلامي في كلِّ وسائل الإعلام حتَّى يعلم العالم حقيقة الإسلام.
وقال (أمين يوسف عليّ حسَّان) المتَّهم الأوَّل أمام نيابة أمن الدولة: إنَّه
وزوجته مقتنعان بالأفكار التي روَّجا لها، فهو يرفض السُّنَّة النبويَّة، ويرى أنَّ
أيَّ فرد ينقل حديث عن الرسول فهو كافر، وأنَّ رسالة النبيِّ كانت في مصر وليس
الجزيرة العربيَّة، وأكَّد أنَّه لا يتَّخذ الكعبة قبلةً له.
وعن العمرة وكيف يُؤدِّي فريضتها قال: العمرة تمتدُّ لثمانية أشهر، وهي الأشهر التي
آتي فيها زوجتي وآكل الأنعام، وبذلك أكون قد أدَّيت العمرة، لأنَّ المقصود
بالعمرة.. إعمار الأرض، وعمارة الأرض أساسها النسل..
وعن الإسراء والمعراج قال: هي معروف عنها أنَّها شُرِّعت فيها الصلاة التي كانت
خمسين حتَّى نزلت إلى (٥) صلوات، وظلَّ سيِّدنا محمّد ينزل إلى سيِّدنا موسى بتقليل
الصلاة إلى خمسة.. وأرى أنَّه لا يجوز أنْ تقتصر الصلاة على خمس فروض في اليوم
الواحد، لعدم وجود نصٍّ صريحٍ في القرآن الكريم على ذلك، وحكاية تقليل الصلاة من
(٥٠ إلى ٥) حكاية ابتدعها اليهود حتَّى ينسبوا الفضل لسيِّدنا موسى، ولو فرض ربُّنا
علينا (٥٠) صلاة في اليوم الواحد كانت الصلاة نصف ساعة بين وضوء وأداء لها، فإنَّنا
نحتاج إلى (٢٥) ساعة حتَّى نفرغ من الصلاة.
وعن رسالة الإسراء والمعراج قال: الإسراء يعني مشاهدة الهلال في بداية الأشهر
الحُرُم حتَّى يمنع الرجال من معاشرة النساء، أي يأسرهم عن صيد الأنعام..
وتمَّت محاكمة أفراد التنظيم وأصدرت المحكمة الحكم بحبس المتَّهمين الأوَّل والثاني
(٣ سنوات)، وسنة مع إيقاف التنفيذ لباقي المتَّهمين(٢١٥).
٧ - ادَّعى شخص النبوَّة في الجزائر:
وقال: إنَّ لديه رسالة سماويَّة أسماها (رسالة عيسى المجدِّد)، وحمل (كنان بلقاسم)
البالغ من العمر (٤٣ عاماً) ويقطن في ولاية البويرة (١٢٠ كيلومتراً شرق العاصمة)
الرئيس عبد العزيز بوتفليقة توصيل رسالته إلى كلِّ رؤساء العالم، لكنَّه لم يُحدِّد
الكيفيَّة التي سيُبلِّغ بها الرئيس رسالة هذا النبيِّ المزعوم الذي أثار استهزاء
سُكَّان بلدته.. وقد التقت (العربيَّة نت) مدَّعي النبوَّة الجديد أو (مسيلمة
الجزائر)، وسعت للتعرُّف منه بالضبط على فحوى الرسالة التي يزعم أنَّه جاء بها، بعد
أزيد من (١٤) قرناً على نزول القرآن الكريم على خاتم الأنبياء محمّد (صلَّى الله
عليه وآله)، ويقول بلقاسم كنان الذي وجدناه يرتدي لباساً بدويًّا تفوح منه رائحة
العرق: إنَّ ما جاء به هو (الجملة والنصُّ)، باعتبار أنَّ القرآن كان (الكلمة) التي
نزلت على سيِّدنا محمّد.. وعندما طلبنا منه تفسير الكلام الذي يُردِّده أمامنا
بخصوص (الكلمة والجملة والنصُّ) بادر إلى إخراج بعض من الأوراق المكتوبة بجهاز
الكمبيوتر والتي تتضمَّن حسب ما يزعم (كلام الله الجديد)، ويدَّعي أنَّ هذا الكلام
نزل على ولديه في المنام، وقال: إنَّه لهذا السبب أبى إلَّا أنْ يراسل الرئيس
بوتفليقة ويُسلِّمه النسخة الأصليَّة ممَّا يُسمِّيه (الكتاب السادس والصحيفة
الثانية) اللَّتين نزلتا على ابنيه (محمّد ١٠ سنوات، وعزيز ١٢ سنة) في الصيف
الماضي، بواسطة مَلَكين يُسمَّيان (عزمائيل وعزمها)، وكانا يزوران الصبيَّين في
المنام وفق ما يزعمه كنان.. وقد أحدث انتشار خبر هذا النبيِّ المزعوم استهزاء
غالبيَّة سُكَّان بلدته المسمَّاة بشلول في ولاية البويرة، واستنكروا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٥) دراسة للباحث د. محمّد سليمان، الباحث بالمركز القومي للبحوث الجنائيَّة والاجتماعيَّة، مصر.
منه مثل هذه السلوكات، في الوقت الذي أحال العديد ممَّن سمع هذا الخبر ادِّعاءه النبوَّة إلى
تداعيات الأزمة الدمويَّة التي عصفت بأغلب قِيَم المجتمع الجزائري، رغم أنَّ هذا
(النبيَّ المزعوم) شخص ميسور مادّياً حيث يشتغل في تربية النحل وله أراض ومحلَّات
تجاريَّة وثلاث سيَّارات منها سيارة مرسيدس(٢١٦).
٨ - مدَّعي النبوَّة في مصر:
موظَّف بالمعاش عمره (٦٢ سنة) تُوفّيت زوجته، وتزوَّج أبناؤه.. وعاش بمفرده في
شقَّته في الإسكندريَّة وحيداً.. لم يجد أيَّ شيء يُضيِّع فيه وقته، ادَّعى
النبوَّة وحلَّل شرب الخمر وتعاطي المخدَّرات وطالب بترك السُّنَن والنوافل والوضوء
والصلاة بدونه.. المتَّهم يُدعى (محمّد إبراهيم محفوظ)، وكان يعمل مدير أمن سابق
بإحدى الشركات الملاحيَّة، وتمَّ القبض عليه وعلى أتباعه وعددهم (١٩) متَّهماً،
وإحالتهم للمحاكمة، وعاقبت المتَّهم الأوَّل بالحبس (٥) سنوات، و(٧) من أتباعه
بالحبس (٣) سنوات، و(٦) آخرين بالحبس سنة، وبرَّأت باقي المتَّهمين وعددهم
خمسة(٢١٧).
٩ - مدَّعي النبوَّة في الكويت:
أمَّا النبيُّ الذي ظهر في الكويت وبالتحديد في منطقة حولِّي، فقد أعلن صراحةً
أنَّه نبيُّ هذه الأُمَّة، وقال: (أنا نبيُّ هذه الأُمَّة، بعثني الله لأصلح بين
البشر والشعوب، ولن يستطيع أحد منعي من إكمال رسالتي، حتَّى لو وضعت خلف القضبان).
النبيُّ الجديد كويتي الجنسيَّة، عمره (٣١) عاماً، وقع في قبضة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٦) موقع العربيَّة نت (يوم الجمعة ١٥ شعبان ١٤٢٧هـ، الموافق ٨ سبتمبر ٢٠٠٦م).
(٢١٧) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١١٣٧٩/ يوم الثلاثاء ٢٤/٦/١٤٢٥هـ، الموافق
١٠/٨/٢٠٠٤م).
رجال مباحث حولِّي بعد إلقاء القبض عليه أثناء ممارسته الشعوذة والنصب، وكانت معلومات وردت إلى إدارة مباحث حولِّي تفيد بوجود شخص يمارس الدجل والشعوذة والاحتيال في منطقة الصليبخات، فأمر مدير مباحث حولِّي بمراقبة المشعوذ واصطياده متلبِّساً بالجرم المشهود، وبعد استصدار إذن بالتفتيش من النيابة العامَّة، قام رجال الشرطة بوضع خطَّة لإلقاء القبض على المتَّهم، وكلَّفوا أحد المصادر السرِّيِّين بالاتِّصال بالمشعوذ والذهاب إليه، ويوهمه أنَّه يعاني من مشكلة صحّيَّة ويريد أنْ يعالجه، وفور دخول المصدر منزل المتَّهم قال الأخير: (جاءني الوحي الآن، وأخبرني أنَّك أتيت بسيَّارة من نوع كذا، وتريدني أنْ أُساعدك للشفاء من المرض الذي تعانيه)، وقالت المصادر الأمنيَّة للصُّحُف: (فوجئ المصدر بمعرفة المتَّهم نوع السيَّارة التي كان يستقلُّها، إلَّا أنَّ هذا الاستغراب زال عندما داهمت المجموعة المكلَّفة إلقاء القبض على المتَّهم في المنزل، واكتشفت أنَّ كاميرا سرّيَّة وُضِعَت على باب المنزل لمراقبة الداخلين إليه، وضبطت في المنزل أدوات ممارسة الشعوذة والسحر)، وأضافت المصادر: أنَّ المتَّهم اعترف بممارسته السحر والشعوذة، ويدَّعي النبوَّة منذ العام (١٩٩١م)، ويوهم ضحاياه - وغالبيَّتهم من النساء - بقدرته على حلِّ جميع مشاكلهم العاطفيَّة والزوجيَّة، ويُخضِع بعض زبائنه لجلسات عدَّة، ويرسم خلال هذه الجلسات أشكالاً لحيوانات كالحمير والخراف والبقر على أجسادهنَّ، ويطلب منهنَّ الامتناع عن الاستحمام لمدَّة أُسبوع كي لا يزول مفعول السحر، حسب ادِّعائه. وتضيف المصادر: أنَّ المتَّهم يصرُّ على ادِّعاء النبوَّة، وأنَّه مرسَل من الله إلى الأرض ليصلح بين البشر والشعوب من خلال أدوات الشعوذة كالبخور والودع والشعر والزيت، كما يدَّعي أنَّه يعالج الناس بالقرآن الكريم، لكن عند التحقيق معه اتَّضح أنَّه لا يحفظ سوى سورة الحمد. وتختم المصادر قولها: لم
يتوقَّف المتَّهم عن الادِّعاء الكاذب
بالنبوَّة، بل إنَّه كان يطلب من بعض ضحاياه من النساء شرب دم الدجاج الذي يوهمهنَّ
أنَّه تلا عليه آيات قرآنيَّة، وذلك من أجل إيهامهنَّ بأنَّ أزواجهنَّ سيصبحون كـ
(الخاتم بأصابعهنَّ)(٢١٨).
١٠ - مدَّعي النبوَّة في سوريا:
تعود قصَّة (هيثم النعسان) الذي يبلغ عمره (٣٨ سنة) إلى عام (٢٠٠٢م) عندما عاد من
حوران حيث أدَّى خدمة العلم وعمل هناك لفترة، كان يسافر خارج القطر لفترات
متقطِّعة، وحين استقرَّ في كفر نبل بدأ يعمل في طبِّ الأعشاب لشفاء الأمراض
المستعصية كما كان يدَّعي، وكان مَثَله مَثَل أيِّ مسلم يُؤدِّي الفروض فيصوم
ويُصلِّي ويحضر صلاة الجمعة، ولكن لوحظ بعد فترة من الوقت أنَّه بدأ يجمع من حوله
مجموعة من الشباب من أحياء مختلفة، وهم عبارة عن شباب عاطلين عن العمل ومن مستويات
ثقافيَّة منخفضة، بدأت المشاكل عندما اشترت مجموعته له أرضاً وبدأ العمل بإشادة
بناء له، وفرض على البقيَّة مبلغاً من المال، وهنا بدأت المشاكل بين الشُّبَّان
وآبائهم، وحاول اثنان من الشُّبَّان بالتضحية بآبائهم.. وبعد أنِ اكتمل عمران
المسكن للنعسان أصبح منزله مركزاً له ولمريديه، وكانوا يحرسون الفيلا أربع وعشرين
ساعة لقناعتهم أنَّ خطراً محدقاً يحيط بسيِّدهم..
أمَّا عن كيفيَّة السيطرة على هؤلاء الشباب فلا يوجد شيء مؤكَّد سوى ما يقوله أهالي
القرية: إنَّه عن طريق السحر. وممَّا يُروى عنه، أنَّه يقول مثلاً لأحدهم: سوف ترى
نفسك اليوم في المنام تسبح في اللَّاذقيَّة، وفي صباح اليوم التالي يُؤكِّد المريد
ما بشَّره سيِّده برؤياه. وفي فلسفته أيضاً يُروى أنَّه لا يؤمن أنَّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٨) مجلَّة عرب تايمز للكاتب أُسامة فوزي.
سيِّدنا محمّد
خاتم الأنبياء، ومع ذلك لديه مقرَّبين بمنزلة الصحابة مثل أبي بكر وعمر بن
الخطَّاب، وهم بعد التحاقهم بالنعسان لا يذهبون للصلاة في الجامع أو حتَّى صلاة
الجمعة.. والنساء أمرهنَّ بلبس الأسود الكامل حتَّى على الوجه، ويروي أهالي كفر نبل
قَصَصاً كثيرةً في قدرته السيطرة على الشباب ببراعة يملكها، وبدأت الجهات الرسميَّة
وبالأخصِّ القضاء تسمع بالنعسان عندما بدأ يشتكي الأهالي من تعدّيات أولادهم، وحين
سؤال الشُّبَّان يمتنعون عن الإجابة إلَّا إذا أذن لهم النعسان، وحين حضوره لا يمكن
أنْ يفتحوا فمهم مهما كانت الأسباب.. وقد سُجِنَ بتهمة التحريض على القتل بعد أنْ
قام مريدوه بقتل شخص وقف ضدَّ النعسان، فما كان إلَّا أنْ قام مريدوه بالتضحية بذلك
الشخص عن طريق الذبح بالسكِّين، وما حدث يوم (٥/٧/٢٠٠٥م) حيث قتل مريدوه خمسة أشخاص
(ثلاثة رجال وامرأتين)، فأُوقف بعضهم في السجن.
احتجز موقوفون من جماعته يوم (٦/ يوليو/ ٢٠٠٥م) في سجن محافظة أدلب المركزي العميد
مدير السجن وعدداً من أفراد الشرطة بعد استيلائهم على بعض الأسلحة من الحرس، وقامت
السلطات السوريَّة بقطع الطُّرُق المؤدّية إلى مبنى السجن في المحافظة، وقالت مصادر
مطَّلعة: إنَّ المجموعة التي قامت بذلك من بلدة كفر نبل التابعة لمحافظة أدلب
(منطقة معرة النعمان)، وإنَّ الموقوفين متَّهمون بجرائم جنائيَّة، وقد تمَّ إيقافهم
أمس نتيجة قيامهم بالعديد من المشاكل والصراعات والمشاجرات أسفرت عن (٥) قتلى
والعديد من الجرحى، وأوضحت المصادر أنَّهم أتباع مدَّعي نبوَّة في المنطقة يُدعى
هيثم النعسان، ويُطلَق عليهم في أدلب (أتباع النبيِّ هيثم)، ويُعرَف عن هؤلاء
الأتباع بأنَّهم يلتزمون بتوجيهاته ويقومون بكلِّ ما يأمرهم به إلى درجة القتل.
وأضافت المصادر: أنَّ هيثم مسجون بتهمة التحريض على القتل، لأنَّه دفع أتباعه
مراراً إلى القيام بجرائم مختلفة وكان
معتقلاً في سجن أدلب، ولكن عندما كثرت
المشاكل بسببه بين السجناء والموقوفين تمَّ نقله من سجن أدلب إلى سجن حارم البعيد
عن المدينة. إنَّ قوَّات الشرطة طوَّقت السجن وحفاظاً على حياة رجال الشرطة
والموقوفين قامت باستدعاء مدَّعي النبوَّة هيثم من سجن حارم إلى سجن أدلب واقتحمت
قوَّات الأمن السجن، وتمَّت السيطرة على الوضع، وطلب هيثم من أتباعه ترك العميد
مدير السجن وعناصر الحراسة والعودة إلى السجن، فما كان منهم إلَّا التزموا
بأقواله.. إنَّ حالة مدَّعي النبوَّة تُثير الدهشة والقلق، لأنَّ أتباعه يلتزمون
بما يقوله إلى درجة القتل وارتكاب الجرائم، وله تابعات من النساء أيضاً يلتزمن
بتعليماته(٢١٩).
وهناك قَصَص كثيرة وعديدة لمدَّعي النبوَّة في العصر الحديث، وما ذكرناه كفاية
كمثال يُوضِّح لنا تفشِّي ادِّعاء النبوَّة في الوقت الحالي في مجتمعات مسلمة،
وعميقة الجذور في الإسلام، ومشهورة بعاطفتها الإيمانيَّة القويَّة مثل المجتمع
المصري، وتقاطر أتباع ومصدِّقين للمدَّعين الكذَّابين، رغم أنَّنا في عصر العلم
والنور وسهولة التحقيق والتمحيص، فحتماً إنَّه لأمر خطير.. يدفع إلى تفتيش
مجتمعاتنا الإسلاميَّة لمعرفة إلى أيِّ حدٍّ يمكن أنْ يسوق الدجل والكذب.. ويثير
لدينا تساؤلاً: حول مَنْ يقف خلف هذه الادِّعاءات من أعداء الإسلام؟ وما هي الأسباب
والدوافع؟ وهل من الممكن أنْ يظهر مثيلٌ لمسيلمة الكذَّاب أو سجاح؟ ولِمَ لا مع هذه
الأرضيَّة الخصبة في مجتمعاتنا؟!
الخلاصة:
على مرِّ التاريخ الإسلامي ظهر عدد من الأشخاص الكذَّابين والمشعوذين والنصَّابين
الذين ادَّعوا النبوَّة وزعموا أنَّ الوحي اصطفاهم لكي يهدوا البشريَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١٩) موقع إيلاف.. بقلم بهية مارديني، بتاريخ (٧/٧/٢٠٠٥م).
ويُنقِذوها
من الضلال.. وهؤلاء المدَّعون، والذين كثر عددهم في العصر الحاضر كانت أوضاعهم
تتَّصف بإحدى الحالات التالية:
١ - إمَّا أنْ يكون المدَّعي مريضاً نفسيًّا أو عقليًّا.
٢ - أو أنْ يكون المدَّعي منتمياً إلى طائفة الدجَّالين والنصَّابين الذين يسعون
إلى الثراء والنفوذ.
٣ - أو أنْ يكون المدَّعي مرتبطاً بإحدى الجهات المشبوهة، ويقف خلفه أعداء الإسلام.
علماً بأنَّ المسلمين كافَّةً، أجمعوا على خاتميَّة الرسالة المحمّديَّة للرسالات
السماويَّة، وتظافر النقل لديهم على ذلك، فضلاً عن الأدلَّة العقليَّة التي
أقاموها.. ولمعرفة صدق أو كذب دعوى نبوَّة الأنبياء يمكن الاستعانة بالطُّرُق
التالية:
١ - دراسة حياة مدَّعي النبوَّة قبل دعوته دراسة شاملة لمعرفة أخلاقه وصفاته
ومعتقداته وسيرته السابقة لدعوته.
٢ - دراسة ما يأتي به مدَّعي النبوة من أحكام وشرائع لمعرفة مطابقتها مع النهج
الإلهي الكلِّي ومع الرسالات السماويَّة السابقة، ومدى تطابقها مع العقل والفطرة.
٣ - مطالبة مدَّعي النبوة بإتيان المعجزة التي تخرج عن نطاق مقدرة البشر.. وهذا
يُعتبَر من الدلائل المهمَّة التي تثبت بها نبوَّة النبيِّ، وهي بمثابة أوراق
اعتماده وهويَّته التي تُؤيِّد صدق دعواه وارتباطه بالله تعالى.
إذاً.. فقضيَّة ختم النبوَّة من العقائد الأساسيَّة في دين الإسلام، فالرسول محمّد
(صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، فلا نبيَّ يعقبه ولا رسول يأتي من بعده،
وهذا من (ضروريَّات الدِّين الإسلامي)، ويُؤكِّد هذا قوله تعالى في كتابه الكريم:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ
وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠)،
وقوله (صلَّى الله عليه وآله) في الحديث
المشهور عندما قال للإمام عليٍّ (عليه السلام): «أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ
هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي»(٢٢٠).
إذاً.. فكلُّ دعوى للنبوَّة بعد الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله) هي كذب
وافتراء وكفر، وأيُّ إنسان يلجأ إلى دعوى النبوَّة، هو إنسان مجنون أو سفيه أو
مشبوه، ولا بدَّ أنْ نعرف أنَّ الحكم الشرعي فيمن يدَّعي هذا هو أنْ يصبح مرتدًّا
وخارجاً عن دين الإسلام، وأمره متروك للحاكم الشرعي.
* * *
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٠) حديث متواتر عند الشيعة والسُّنَّة، راجع: كتاب حديث المنزلة للسيِّد عليٍّ الميلاني.
قبل أنْ نناقش دعواهم ونُلقي عليها بعض الضوء لا بدَّ أنْ نُوضِّح: بأنَّ خروج
هؤلاء الأدعياء (المدَّعين للنبوَّة والمهدويَّة) هو أحد العلامات التي تسبق ظهور
صاحب الزمان (عليه السلام)، فقد ورد عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال:
«لَا تَقُومُ اَلسَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ اَلمَهْدِيُّ مِنْ وُلْدِي، وَلَا
يَخْرُجُ اَلمَهْدِيُّ حَتَّى يَخْرُجَ سِتُّونَ كَذَّاباً كُلُّهُمْ يَقُولُ:
أَنَا نَبِيٌّ»(٢٢١)، وعن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لَا يَخْرُجُ
اَلْقَائِمُ حَتَّى يَخْرُجَ اِثْنَا عَشَرَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كُلُّهُمْ يَدْعُو
إِلَى نَفْسِهِ»(٢٢٢).
ولا فرق في أنْ يقول هؤلاء الكذَّابون (بالنبوَّة أو الإمامة).. لأنَّ النبيَّ هو
مَنْ يأتي برسالة جديدة تُنسَب إليه، فتنسخ ما تبقَّى من رسالة النبيِّ السابق،
وهذا ما وقع تاريخيًّا سواءً من المتنبِّئين بصورة صريحة أو من بعض أدعياء
المهدويَّة والبابيَّة، الذين نسخوا أحكام الشريعة الإسلاميَّة أو عطَّلوها في
التاريخ الماضي والحاضر، غير مبالين أنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بوصفه
خليفة للرسول (صلَّى الله عليه وآله) وامتداداً له، لا يملك نسخ الرسالة
الإسلاميَّة، وإلَّا أصبح نبيًّا بالمعنى الاصطلاحي، وهو لا يملك أنْ يكون كذلك
لغلق النبوَّة قرآناً وسُنَّةً، وللنصوص التي تتحدَّث عنه كإمام يفرض الإسلام،
ويلتزم في سلوكه سيرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢١) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧١).
(٢٢٢) الغيبة للطوسي (ص ٤٣٧/ ح ٤٢٨).
النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) والمعصومين من آبائه الكرام
(عليهم السلام).. كيف لا! وهو خاتم الأوصياء، ومنجز حُلم الأنبياء، والشخصيَّة
الربَّانيَّة التي أُوكل إليها وأُلقي على عاتقها أعظم وأقدس مهمَّة على مستوى
التغيير والإصلاح على وجه الأرض (روحي لك الفداء يا مولاي).
أمَّا مَنْ يتعرَّف أو يلتقي أو يقرأ عن الأدعياء الكذَّابين يتَّضح له مدى بُعدهم
عن أخلاق الإسلام وسلوك المعصومين (عليهم السلام) سبيلاً وصفةً وغايةً.. وهنا يلزم
علينا إثارة عدَّة نقاط لإيصال الحقيقة لطالبيها وكشف زيف المبطلين:
أوَّلاً: تناقض هويَّة الأدعياء مع هويَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
تناقض هويَّة هؤلاء الأدعياء مع ما في التراث الإسلامي من آيات وأحاديث وروايات،
والتي تُوضِّح انتهاء النبوَّة بخاتم الأنبياء محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وبقاء
معجزته الخالدة (القرآن الكريم) إلى قيام يوم الدِّين، والتي تُحدِّد كذلك هويَّة
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) اسماً ونَسَباً وصفةً وشخصيَّةً ومميِّزات وقدرات.
لقد تعرَّض النبيُّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) من بعده
إلى ذكر بعض الخصائص والمميِّزات والمواصفات التي تكون حدًّا فاصلاً لتمييز الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) عن غيره، ولو على مستوى الاسم والنَّسَب والشكل والجسم،
ليكون ذلك حاجزاً قويًّا أمام مَنْ سوَّلت له نفسه ادِّعاء ما ليس له، أو أنَّه
صاحب الشرف الرفيع.
فمواصفات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الجسديَّة والخُلُقيَّة وكذلك نَسَبه
الشريف فيها نوع من الإشارة إلى كونها علامات فارقة.. عن الرسول (صلَّى الله عليه
وآله) أنَّه قال: «اَلْقَائِمُ مِنْ وُلْدِي اِسْمُهُ اِسْمِي، وَكُنْيَتُهُ
كُنْيَتِي، وَشَمَائِلُهُ شَمَائِلي، وَسُنَّتُهُ سُنَّتِي، يُقِيمُ اَلنَّاسَ
عَلَى مِلَّتِي وَشَرِيعَتِي، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ رَبِّي (عزَّ
وجلَّ)...»(٢٢٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٣) كمال الدِّين (ص ٤١١/ باب ٣٩/ ح ٦).
فاسمه ونَسَبه الشريف كما دلَّت الروايات الشريفة(٢٢٤) هو الإمام (م ح م د) المهدي المنتظَر، ابن الإمام الحسن العسكري، ابن الإمام عليٍّ الهادي، ابن الإمام محمّد الجواد، ابن الإمام عليٍّ الرضا، ابن الإمام موسى الكاظم، ابن الإمام جعفر الصادق، ابن الإمام محمّد الباقر، ابن الإمام زين العابدين، ابن الإمام الحسين الشهيد، ابن الإمام عليِّ بن أبي طالب، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله (صلوات الله عليهم أجمعين).. وما أجمل قول الشاعر الفرزدق:
أُولئك آبائي فجئني بمثلهم * * * إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
وأُمُّه السيِّدة الجليلة نرجس: (مليكة بنت يشوعا بن قيصر مَلِك الروم، وأُمُّها من
ولد أحد الحواريِّين المنتسب إلى وصيِّ المسيح شمعون).. فهو من أهل البيت من نسل
الرسول (صلَّى الله عليه وآله)، من أولاد أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام)، ومن
ولد سيِّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأنَّه من ولد الحسين
(عليه السلام)، وأنَّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام)، وأنَّ اسم أبيه الحسن،
وأنَّه الثاني عشر من الأئمَّة وخاتمهم (عليهم السلام).
أمَّا صفاته الجسديَّة، فهي كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «يَخْرُجُ رَجُلٌ
مِنْ وُلْدِي فِي آخِرِ اَلزَّمَانِ أَبْيَضُ اَللَّوْنِ، مُشْرَبٌ بِالْحُمْرَةِ،
مُبْدَحُ اَلْبَطْنِ، عَرِيضُ اَلْفَخِذَيْنِ، عَظِيمٌ مُشَاشُ اَلمَنْكِبَيْنِ،
بِظَهْرِهِ شَامَتَانِ: شَامَةٌ عَلَى لَوْنِ جِلْدِهِ، وَشَامَةٌ عَلَى شِبْهِ
شَامَةِ اَلنَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله)»(٢٢٥).. ومن أوصافه (عليه السلام) التي
وردت على لسان الإمام الباقر (عليه السلام): «إنَّه شابٌّ، أكحل العينين، أزجُّ
الحاجبين، أقنى الأنف، كثُّ اللحية، على خدِّه الأيمن خال، وعلى يده اليمنى
خال»(٢٢٦).. وعنه (عليه السلام): «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، بِالْقَائِمِ عَلَامَتَانِ:
شَامَةٌ فِي رَأْسِهِ، وَدَاءُ اَلْحَزَازِ بِرَأْسِهِ، وَشَامَةٌ بَيْنَ
كَتِفَيْهِ مِنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٤) اُنظر: الفجر المقدَّس (ص ٢٧ - ٣٧).
(٢٢٥) كمال الدِّين (ص ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٧).
(٢٢٦) ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٤٣/ باب ٨٥).
جَانِبِهِ اَلْأَيْسَرِ، تَحْتَ كَتِفِهِ اَلْأَيْسَرِ وَرَقَةٌ
مِثْلُ وَرَقَةِ اَلْآسِ»(٢٢٧).. وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «هُوَ رَجُلٌ
أَجْلَى اَلْجَبِينِ، أَقْنَى اَلْأَنْفِ، ضَخْمُ اَلْبَطْنِ، أَزْيَلُ
اَلْفَخِذَيْنِ، بِفَخِذِهِ اَلْيُمْنَى شَامَةٌ، أَفْلَجُ اَلثَّنَايَا»(٢٢٨).
وهنا تنبع الحكمة من ذكر أوصاف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعلامات تعيين
شخصه، لتقطع الطريق أمام مدَّعي المهدويَّة كذباً وبهتاناً، لله دَرُّكم يا أئمَّة
أهل البيت ما أروعكم وأعظمكم، وجزاكم الله عن المؤمنين خيراً.
ثانياً: لم تظهر علامات الظهور المحتومة:
لم تظهر علامات الظهور المحتومة، أو الآيات والخصوصيَّات التي تتَّصل بالإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) من خفاء ولادة، وغيبة صغرى وكبرى وظهور، ممَّا لا يترك
مجالاً للادِّعاء من غير تحقُّقها.
إنَّ الأحاديث المرويَّة عن أهل البيت (عليهم السلام) بصورة متواترة فيه، تُشخِّصه
بكلِّ مفردات تاريخه، من خفاء ولادة وغيبة صغرى وكبرى، وظهورٍ، وما يسبق ذلك من
علامات عامَّة وخاصَّة.. وما يرافقه ويتأخَّر عنه من آيات وخصوصيَّات، زمنه وعالمه
وغير ذلك ممَّا لا يترك مجالاً لادِّعاء موقعه من غيره مطلقاً.
فعلامات ظهوره (عجَّل الله فرجه) تنقسم إلى عامَّة وخاصَّة:
فالعلامات العامَّة: تصف حالة المجتمع من حيث شيوع بعض الظواهر المنافية للدِّين
والعدل والأخلاق، يمكن أنْ نجد شواهد وجودها التاريخي مع اختلاف نسبي بين عصر وآخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٢٤/ باب ١٣/ ح ٥).
(٢٢٨) الغيبة للنعماني (ص ٢٢٢ و٢٢٣/ باب ١٣/ ح ٢).
العلامات الخاصَّة: فهي ظواهر وأحداث كونيَّة أو حضاريَّة أو عسكريَّة، وقد دلَّت
روايات أهل البيت (عليهم السلام) بتفاصيلها ممَّا يجعلها من هذه الناحية هامَّة
وملفتة.. في عددها وزمن حدوثها وترابطها كونيًّا وحضاريًّا يُعطي اليقين بأنَّها
تعلُّم من ذي علم موصول بعالم الغيب (عليهم أفضل الصلاة والسلام).. قال الشيخ
النعماني (رحمه الله) وهو يتحدَّث عن هذه العلامات الخاصَّة: (وهذا من أعدل الشواهد
على بطلان أمر كلِّ مَنِ ادَّعى أو ادُّعي له مرتبة القائم ومنزلته، وظهر قبل مجيء
هذه العلامات)(٢٢٩).
فالعلامات الخاصَّة التي أُطلق عليها في الروايات المأثورة بالعلامات الحتميَّة
التي لا بدَّ منها.. عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لِلْقَائِمِ خَمْسُ
عَلَامَاتٍ: ظُهُورُ اَلسُّفْيَانِيِّ، وَاَلْيَمَانِيِّ، وَاَلصَّيْحَةُ مِنَ
اَلسَّمَاءِ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ اَلزَّكِيَّةِ، وَاَلْخَسْفُ
بِالْبَيْدَاءِ»(٢٣٠).
وهذه العلامات الخاصَّة (العلائم المحتومة)، هي:
الأُولى: خروج رجل يقال له: السفياني (عثمان بن عنبسة من آل أبي سفيان من نسل يزيد
بن معاوية) من ناحية الشام، ويُمثِّل رمزاً للحُكَّام المسلمين المنحرفين المناهضين
للحقِّ وآخرهم، يخرج في شهر رجب، ويفصل بينه وبين ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) في مكَّة المكرَّمة ستَّة أشهر فقط.
الثانية: خروج سيِّد حسيني من نسل زيد بن عليِّ بن الحسين (عليه السلام) من ناحية
اليمن، ولذا أُطلق عليه: اليماني، وتصف الأحاديث الشريفة حركته بأنَّها راية هدى،
يخرج في شهر رجب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢٩) الغيبة للنعماني (ص ٢٩٢).
(٢٣٠) الغيبة للنعماني (ص ٢٦١/ باب ١٤/ ح ٩)؛ ورواه بتفاوت: الكليني (رحمه الله) في
الكافي (ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٣)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٥٠/ باب ٥٧/
ح ٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٦ و٤٣٧/ ح ٤٢٧).
الثالثة: صوت ونداء كالصيحة يُسمَع من السماء (صوت جبرائيل (عليه السلام)) في شهر
رمضان يسمعه أهل الأرض، كلُّ قوم بلغتهم، ويخبر: ألَا إنَّ الحقَّ مع المهدي (عجَّل
الله فرجه) وشيعته.
الرابعة: قتل النفس الزكيَّة، وهو الشابُّ الحسيني الذي يبعثه الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) لأهل مكَّة لتهيئة الأجواء للحركة المباركة، فيُذبَح بين الركن والمقام،
قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بخمس عشرة ليلة.
الخامسة: الخسف الذي يقع بأرض البيداء الواقعة بين مكَّة والمدينة المنوَّرة، تنخسف
الأرض (بصرخة الغضب من جبرائيل (عليه السلام)) بجيش السفياني، القادم من الشام إلى
المدينة المنوَّرة والمتَّجه إلى مكَّة المكرَّمة للقضاء على حركة الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) في بدايات ظهورها.
إنَّ هذه العلامات الخمس الخاصَّة والحتميَّة، لهي نتائج حاسمة وهامَّة من دون شكٍّ
لإبطال دعاوى المدَّعين والمبطلين.. وهذه العلامات بما ينشأ عنها من حيرة وإشكالات،
أخبر بها الرسول (صلَّى الله عليه وآله) والأئمَّة (عليهم السلام) قبل أنْ يُولَد
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأكثر من قرنين، واستمرَّ الإنذار بها حتَّى آخر
إمام سبقه، ثمّ منه (عجَّل الله فرجه).. وباعتبار أنَّ هذه المحتومات الخمس لها
أشدّ الارتباط بالظهور ومقارنة له، فلا بدَّ من وقوعها.. ومن رحمة الله سبحانه
وتعالى وحكمته، أنْ جعل للناس دليلاً واضحاً (سهل وبسيط) لا يحتاج إلى جهد وعناء
يكون المصحِّح لبرنامج أدعياء (شخصيَّات عصر الظهور)، وهو الصيحة السماويَّة،
باعتبار أنَّ هذه الصيحة مؤمَّنة وبعيدة من حيث مدِّ يد التلاعب إليها، فلا يمكن
أنْ نتصوَّر أحداً يتلاعب بالصيحة أو يُفسِّر الصيحة على خلاف ما ورد في الروايات
التي صرَّحت بأنَّها صيحة من السماء.. ومن هنا نستنتج أنَّ الدليل الحقيقي والسهل
لكشف برنامج كلِّ مَنْ يدَّعي المهدويَّة أو الارتباط بها مباشرةً
هو الصيحة
السماويَّة.. وحيث إنَّها لم تتحقَّق بعد، فإنَّ كلَّ مدَّعي للمهدويَّة أو
البابيَّة أو السفارة قبل نفاذ هذه المحتومات فهو كذَّاب أشرّ، قال الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه): «أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ - النيابة أو
السفارة - قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ
مُفْتَرٍ»(٢٣١).
ثالثاً: مقام الإمامة لا ينطبق على هؤلاء المدَّعين:
الإمامة بكلِّ معانيها لا تنطبق على هؤلاء المدَّعين سواءً من ناحية الخُلُق
والسلوك، أو العلم والتديُّن، أو القدرات والكرامات، ممَّا يجعلهم عاجزين عن تلبية
حاجات المجتمع الإسلامي، وقاصرين عن التصدِّي لمكانة ومقام الإمامة وقيادة الناس.
إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ليس رجلاً عاديًّا.. فالأهداف والمهامُّ
الكبرى المنوطة إليه تحقيقها عظيمة.. فهي على مستوى الكرة الأرضيَّة، وعلى مستوى
بني البشر جميعاً، فلا بدَّ أنْ يؤمن سُكَّان الكرة الأرضيَّة في زمن الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه) بالإسلام، ولا بدَّ من أنْ يُكوِّن المهدي (عجَّل الله
فرجه) دولته العالميَّة الشاملة لكلِّ بقاع الأرض، ولا بدَّ من نشر العدالة المطلقة
وتحقيق الرخاء التامِّ المطلق لكلِّ بني البشر، فالمهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)
مكلَّف بأنْ يقطف ثمرة جهد كافَّة الأنبياء والرُّسُل والأوصياء.. ولذا فقد وهبه
الله سبحانه تعالى بحكم مقامه وبحكم دوره قدراتٍ لا توجد لدى غيره من الناس، قال
الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا مِنْ مُعْجِزَةٍ مِنْ مُعْجِزَاتِ
اَلْأَنْبِيَاءِ وَاَلْأَوْصِيَاءِ إِلَّا وَيُظْهِرُ اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى
مِثْلَهَا فِي يَدِ قَائِمِنَا، لِإِتْمَامِ اَلْحُجَّةِ عَلَى
اَلْأَعْدَاءِ»(٢٣٢).. فللمهدي (عجَّل الله فرجه) مكانة خاصَّة ومقام رفيع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣١) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)؛ الغيبة للطوسي (ص ٣٩٥/ ح ٣٦٥).
(٢٣٢) إثبات الهداة (ج ٥/ ص ٣٢٨/ ح ١٣٧).
عند الله
سبحانه وتعالى، فهو أحد سادات أهل الجنَّة.. قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله):
«اَلمَهْدِيُّ طَاوُوسُ أَهْلِ اَلْجَنَّةِ»(٢٣٣). ويكفي المهدي شرفاً وعلوّ مكانة
أنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) يُصلِّي خلفه، ويرتضيه به إماماً له.
أمَّا مدَّعو المهدويَّة فلا علمهم ولا أخلاقهم ولا سلوكهم ينطبق على ما هو معروف
عن أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).. فالأئمَّة (عليهم السلام) هم ملاذ الأُمَّة
في جميع المشاكل.. فالإمام هو الملجأ العلمي للناس، وعليه يجب أنْ يكون على علم
بجميع أُصول وفروع الدِّين، وظاهر وباطن القرآن الكريم، وسُنَّة النبيِّ، وكلِّ ما
يتعلَّق بالإسلام بصورة كاملة، لأنَّه حافظ وحارس الشريعة وقائد ومعلِّم الناس.
إنَّ الأشخاص الذين يعجزون أمام المسائل المعقَّدة، ويطلبون معونة الآخرين، ويقصر
علمهم عن تلبية حاجات المجتمع الإسلامي، لا يستطيعون أبداً أنْ يتصدَّوا لمكانة
ومقام (الإمامة) وقيادة الناس.. وخاصَّةً لمن تبرز عندهم نزعة الادِّعاء والتآمر،
وكثرة الشطط والتناقض، وهذا هو الملاحَظ عند المدَّعين بهتاناً وكذباً.
رابعاً: لم يرافق هؤلاء الأدعياء العدل والقسط:
الوعد الإلهي لم يرافق هؤلاء المدَّعين من انتشار العدل والقسط على كافَّة أرض
المعمورة، وعلوُّ الإسلام على الأديان كلِّها، ويرث الأرض عباد الله الصالحون،
وتحقيق حلم الأنبياء بنشر التوحيد في العالم كافَّة.
إنَّ ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو وعد إلهي للمؤمنين.. قال تعالى:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٣) الفردوس بمأثور الخطاب (ج ٤/ ص ٢٢٢/ ح ٦٦٦٨).
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾
(النور: ٥٥).. ففي عهده الميمون سيشهد العالم انتشار الإسلام دين المحبَّة والسلام،
على يديه وأنصاره من المستضعفين، وعندها تتهاوى قصور الطواغيت والمستبدِّين من
الذين قهروا الشعوب وأذلُّوها واستخفُّوا بكرامتها وإنسانيَّتها، وسيكون عهده
مشرقاً بالسلام والحرّيذَة والأمان، وتسوده الفضيلة والعدالة والأخلاق.
فمن مهامِّه (عجَّل الله فرجه) تشكيل دولة عالميَّة تشمل الشرق والغرب، وأنَّ
الإمام (عجَّل الله فرجه) هو المسؤول الأعلى لإدارتها.. ففي عهده تغمر العدالة كلَّ
الأرض، ويعيش العالم في سلام ومحبَّة، يعطف بعضهم على الآخر، ويعمُّ الأمن والسلام
بأسره، وتزول كلُّ مظاهر العدوان وروح السيطرة، فلا يُفكِّر أحدٌ بالاستيلاء على
ممتلكات الآخرين، ويحدث في عهده انتعاش اقتصادي هائل حتَّى لا يبقى فقير يستحقُّ
الزكاة.. وتزدهر الأرض بالخضرة، وتُنزل السماء الغيث، وتتضاعف بركات الله، ويعود
الخلق إلى بارئهم وهم أكثر إيماناً، فيهجرون الآثام والمعاصي، ويصبح الإسلام ديناً
للجميع، ويرتفع نداء التوحيد في بقاع الدنيا.. وفي عهده (عجَّل الله فرجه) يصل
الإنسان إلى درجة كبيرة من النضج العقلي، ودرجة عالية من الروح الإيمانيَّة.. وعهده
(عجَّل الله فرجه) سيكون تجسيداً لتطبيق دعوة الأنبياء وتحقيقاً لأهدافهم الخالدة،
ويكون الدِّين كلُّه لله.
هذا هو المفترض تحقيقه لدى ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. أمَّا مدَّعو
المهدويَّة كذباً وبهتاناً لم يتحقَّق على أيديهم أيَّ شيء من العدالة وزوال الظلم
والجور، بل على العكس فإنَّ كلَّ واحدٍ من هؤلاء ترك جرحاً جديداً وسبيل فرقة، بل
إنَّ بعضهم ارتكب من المظالم ما استغاثت الأُمَّة الإسلاميَّة منه بالله، واستشفعت
إليه بالإمام (عجَّل الله فرجه) وآبائه المعصومين (عليهم السلام) ليُخلِّصهم من
شروره.
ممَّا يجدر ذكره أنَّنا لا نريد أنْ نُطوِّل البحث في الردِّ على الذين ادَّعوا
باطلاً ما ليس لهم.. لأنَّ الموضوع واضح جلي كوضوح الشمس في رابعة النهار لا يحتاج
إلى كثير من البراهين والأدلَّة.. ثمّ إنَّهم اندثروا واندثر ذكرهم إلَّا بما لا
يُحمَد لهم ذلك.
خامساً: كيف نعرف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند ظهوره المقدَّس(٢٣٤)؟
إنَّ المنهج الصحيح في معرفة الإمام (عجَّل الله فرجه) هو نفس المنهج المتَّبع في
معرفة الأنبياء (عليهم السلام)، فكما أنَّ الأنبياء والرُّسُل يُعرَفون بالآيات
والبيِّنات والمعاجز والكرامات، كذلك يُعرَف الإمام (عجَّل الله فرجه).
فمعرفة صدق مدَّعي النبوَّة من كذبه، هو مدى قدرته على الإتيان بالدليل القاطع من
المعاجز والآيات للدلالة على ارتباطه بالسماء، وكذلك مدَّعي الإمامة، فالذي يدَّعي
أنَّه الإمام من قِبَل الله (عزَّ وجلَّ) لا بدَّ وأنْ يأتي بالبرهان على صحَّة
مقالته، كالمعاجز والقدرات الخارقة للطبيعة، التي يعجز عنها غيره، ليدلَّ على
ارتباطه بخالق الكون وأنَّه الإمام الموصى به من قِبَل الرسول الأكرم (صلَّى الله
عليه وآله).. فإذا أتى بذلك كان هو الإمام الحقُّ كإحياء الموتى وشفاء المرضى الذين
يئس الأطبَّاء من معالجتهم، وإذا لم يستطع القيام بذلك فهو مدَّعٍ كاذبٍ ولا دليل
عنده يُقطَع بصدق مدَّعاه.
وفي هذا الصدد بيَّن القرآن الكريم كيفيَّة التعرُّف على الإمام قال تعالى: ﴿وَمَا
أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: ٤٣ و٤٤)، فالبيِّنات هي المعاجز، والزُّبُر
هي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٤) مقتبس بتصرُّف من كتاب: ذلك يوم الخروج (ص ١٢٣ - ١٤١).
الكُتُب السماويَّة والعلوم الربَّانيَّة، فإذا أتى بالآيات والمعاجز دلَّ على
كونه مرتبطاً بالله (عزَّ وجلَّ)، وأنَّه حقًّا المهدي المعني من قِبَل السماء،
وإذا أتى بما في الكُتُب السماويَّة من أحكام الله وبيِّناته دلَّ على ارتباطه
بالأنبياء والمرسَلين منهجاً وسلوكاً، وقد جاء في الحديث الشريف على ضرورة مطالبة
مدَّعي الإمامة بالآيات والمعاجز.. عَنِ اَلمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ
أَبَا عَبْدِ اَلله (عليه السلام) يَقُولُ: «إِنَّ لِصَاحِبِ هَذَا اَلْأَمْرِ
غَيْبَتَيْنِ، يَرْجِعُ فِي إِحْدَاهُمَا إِلَى أَهْلِهِ، وَاَلْأُخْرَى يُقَالُ:
هَلَكَ، فِي أَيِّ وَادٍ سَلَكَ؟»، قُلْتُ: كَيْفَ نَصْنَعُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟
قَالَ: «إِنِ اِدَّعَى مُدَّعٍ فَاسْأَلُوهُ عَنْ تِلْكَ اَلْعَظَائِمِ اَلَّتِي
يُجِيبُ فِيهَا مِثْلُهُ»(٢٣٥).. فإذا أتى بها فهو الإمام حقًّا وصدقاً بما لا يترك
بعدها لأحدٍ مجالاً للإنكار.
ويبقى السؤال: ما هي معجزة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟.. لا شكَّ أنَّ لكلِّ
نبيٍّ وإمام معجزة للدلالة على مدَّعاه بأنَّه مرسَل من قِبَل الله، فما هي معجزة
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأنَّه هو الإمام حقًّا؟.. إنَّ للإمام معاجز
كثيرة، بل جاء في أحاديث عديدة أنَّه يأتي بمعاجز الأنبياء كلِّها لتثبيت إمامته
ورسالته، وأنَّه الإمام المنتظَر حقًّا في محاولة واضحة لدحض أكاذيب الأعداء
والمنافقين.
أمَّا الأدلَّة والمعاجز التي عنده (عجَّل الله فرجه) والتي لا تدع لأحدٍ من الناس
أيَّ مجالٍ للطعن والتشكيك في إمامته (عجَّل الله فرجه) فهي عديدة، أشارت إليها
أحاديث أهل البيت (عليهم السلام).. عن الإمام الصادق (عليه السلام): «مَا مِنْ
مُعْجِزَةٍ مِنْ مُعْجِزَاتِ اَلْأَنْبِيَاءِ وَاَلْأَوْصِيَاءِ إِلَّا وَيُظْهِرُ
اَللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِثْلَهَا فِي يَدِ قَائِمِنَا، لِإِتْمَامِ
اَلْحُجَّةِ عَلَى اَلْأَعْدَاءِ»(٢٣٦).
ولعلَّ أهمَّ معجزة هي معجزة النداء باسم القائم (عجَّل الله فرجه)، ولكون هذه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٥) الغيبة للنعماني (ص ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩).
(٢٣٦) إثبات الهداة (ج ٥/ ص ٣٢٨/ ح ١٣٧).
العلامة من المعاجز الواضحة التي تُشخِّص بوضوح أنَّ القائم (عجَّل الله فرجه) هو
الإمام المنتظَر حقًّا بشخصه الكريم، لا غيره من الناس أو المدَّعين لهذا الأمر
بحيث يكون النداء حجَّة دامغة على المعاندين المنحرفين وعلى الناس أجمعين.. عَنْ
أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «... إِنَّ قُدَّامَ
هَذَا اَلْأَمْرِ خَمْسَ عَلَامَاتٍ، أُولَاهُنَّ اَلنِّدَاءُ فِي شَهْرِ
رَمَضَانَ...، وَلَا يَخْرُجُ اَلْقَائِمُ حَتَّى يُنَادَى بِاسْمِهِ مِنْ جَوْفِ
اَلسَّمَاءِ فِي لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لَيْلَةِ
جُمُعَةٍ»، قُلْتُ: بِمَ يُنَادَى؟ قَالَ: «بِاسْمِهِ وَاِسْمِ أَبِيهِ: أَلَا
إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ قَائِمُ آلِ مُحَمَّدٍ، فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوهُ،
فَلَا يَبْقَى شَيْءٌ خَلَقَ اَلله فِيهِ اَلرُّوحَ إِلَّا يَسْمَعُ اَلصَّيْحَةَ،
فَتُوقِظُ اَلنَّائِمَ وَيَخْرُجُ إِلَى صَحْنِ دَارِهِ، وَتُخْرِجُ اَلْعَذْرَاءَ
مِنْ خِدْرِهَا، وَيَخْرُجُ اَلْقَائِمُ مِمَّا يَسْمَعُ، وَهِيَ صَيْحَةُ
جَبْرَئِيلَ (عليه السلام)»(٢٣٧).
إذاً المعاجز والآيات التي تكون للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عديدة وكثيرة
وواضحة وبها تتمُّ الحجَّة على الأعداء، وعلى جميع الناس، فمع آية النداء باسمه
الشريف، وإتيانه بالكُتُب المقدَّسة التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء
والرُّسُل، وعلمه الراسخ بها وبأحكامها، وحمله لمواريث الأنبياء والرُّسُل وخاصَّة
رسالة جدِّه المصطفى (صلَّى الله عليه وآله)، بل والمعاجز التي كانت للأنبياء
والأوصياء من قِبَل الله تعالى.. كلُّ هذا وغيره تجعل من القدرات والمؤهَّلات
والعلوم التي يحملها الإمام (عجَّل الله فرجه) شيئاً معجزاً وخارقاً لا يمكن أنْ
يحملها إنسان غيره.
وبالمهدي من آل محمّد والقائم من أهل بيت الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)،
وبالمعاجز التي يُجريها الله (عزَّ وجلَّ) على يديه تتمُّ الحجَّة على الناس، فمَنْ
آمن كان من الآمنين، ومَنْ كفر كان من الهالكين، فلا يبقى لأحدٍ حجَّة بعد هذه
الأدلَّة والمعاجز.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٧) الغيبة للنعماني (ص ٣٠١ و٣٠٢/ باب ١٦/ ح ٦).
أسباب ظاهرة الادِّعاءات الكاذبة ودوافعها:
إنَّ ظاهرة الادِّعاءات الكاذبة (السفارة، المهدويَّة، النبوَّة) لها دوافع وعوامل
وأسباب تساعد على نشوئها واتِّساعها.. يعود بعضها إلى الواقع النفسي السيِّئ
للمجتمع (كثرة الإحباطات بشتَّى أنواعها)، والآخر يعود لشخصيَّة المدَّعي
(السيكولوجيَّة) النفسيَّة، ولا ننسى كذلك أنَّ هناك مَنْ يقف خلف هذه الظاهرة من
أعداء الإسلام ويغذيها ويدعمها.
على كلِّ حالٍ، فإنَّ الواقع النفسي السيِّئ للمجتمع المسلم وتراكم إحباطاته من
أهمّ الأسباب لهذه الظاهرة.. فعندما يتعرَّض الفرد المسلم - على طول التاريخ، وكذلك
في الوقت الحالي - لأساليب شتَّى من الظلم والاضطهاد، وفرض القهر والجور بمختلف
أشكاله الظالمة تقوى شوكة الظالمين وتضعف في الوقت نفسه قدرة المظلومين على الصبر
والمقاومة.
وبسبب هذه العلاقة القهريَّة بين الظالمين والمظلومين نشأ واقع نفسي مرير، وتراكمت
خبراته الإحباطيَّة في حياة المسلم، حتَّى أصبحت الحاجة إلى تغيير الواقع المأساوي
مطلباً جماهيريًّا عامًّا تنشده كلُّ الفئات المضطهدة.. ومن المؤكَّد أنَّ هذا
الواقع النفسي لم يصنعه فقط ظلم المستكبرين وفساد المنحرفين، بل صنعه كذلك سوء
التوجيه التربوي لفئات المجتمع المسلم وضعف توعيتها بمفاهيم الإسلام، إذ تعرَّضت
جماهير المسلمين على طول التاريخ الإسلامي إلى عمليَّة اغتراب عقيدي، وابتعاد عن
الأُصول الثقافيَّة للإسلام، فضعفت النفوس خلال فترة الغيبة الكبرى بغياب القِيَم
الإيجابيَّة للإسلام القادرة وحدها على تحقيق توازن داخلي للشخصيَّة المسلمة حينما
تواجه الأزمات والخطوب.
وفي مثل هذه الأجواء النفسيَّة نشأت مجموعة متداخلة من المشكلات النفسيَّة في
البيئات المسلمة كالحيرة واليأس والتيه، والمواقف الإحباطية، وتراجع
الشخصيَّة
المسلمة عن استقامتها، والتشكيك في بعض العقائد، وتقلُّب المشاعر.. ويُلاحَظ أنَّ
الشعوب المسلمة تواجه هذه الحالات كلَّما اشتدَّت ضغوط الظلم، لكن هذه التجارب
الإحباطيَّة تزداد - فيما يبدو - كلَّما طوت البشريَّة صفحة من تاريخها في اتِّجاه
الاقتراب من حركة الظهور المباركة، وقد تبلغ ذروة معاناتها وقسوتها - مُلِئَت ظلماً
وجوراً - على النفس المسلمة قبل فترة الظهور، وأنَّ المستقبل في ضوء ما أنبأت به
روايات أهل البيت (عليهم السلام) سيشهد استفحالاً أكبر للظلم وتضخيماً لضغوطه،
ممَّا يفسح مجالاً أكبر لظهور حالات معقَّدة من الانحرافات السلوكيَّة.
وبالرغم من ظهور بعض البشائر وتحقُّقها في الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي
للمسلمين، إلَّا أنَّ شدَّة ضغوط هذه الحالات المعبِّرة عن فساد الواقع في العالم
الإسلامي تزداد طالما أنَّ خطَّ الظلم الذي يمارسه المستكبرون ضدَّ الناس لا يتراجع
رغم مقاومته بقوَّة.. فالواقع النفسي المرير الذي يواجه البشريَّة يزداد باستمرار
ممَّا ينتج نظرة سلبيَّة خاطئة عند الفرد المسلم عن نفسه، وعن المنقذ المخلِّص
المنتظَر و(ظهوره) ممزوجة بشيء من اليأس والتشكيك والاستعجال والحيرة.. وليس الواقع
النفسي للمسلم دائماً مجموعة إحباطات معوِّقة لنموِّ قواه وتعطيل حركتها
الطبيعيَّة، بل يضمُّ هذا الواقع كذلك بعض المتغيِّرات الإيجابيَّة، كالبشائر
وأثرها في النفوس، وبالرغم من أنَّ الأدعياء الكذَّابين (المزوِّرين) وأتباعهم
تُحرِّكهم الآمال النفسيَّة المستوحاة من البشائر النبويَّة وتثير حماسهم لمواجهة
الواقع وتغييره، إلَّا أنَّهم يتعاملون مع هذه الآمال بنظرات خاطئة ومريضة لا تخلو
من استغلال، فهم أحاطوا أنفسهم بالتشبُّه بالمهدي (المنقذ، المخلِّص، الأمل) ورغبوا
بطريقة غير سويَّة في حُبِّ الظهور والتمركز حول أنفسهم بعد سلسلة طويلة من المواقف
والخبرات الإحباطيَّة الصعبة،
والاستعجال في تحقيق الأُمور قبل بلوغها بما فيها
مسألة تغيير الواقع الفاسد وتحطيم معاقله على يد القائد المنتظَر(٢٣٨).
أوَّلاً: العوامل النفسيَّة للمدَّعين:
تُعَدُّ ظاهرة الادِّعاءات الكاذبة (السفارة، المهدويَّة، النبوَّة) والتي بدأت
تظهر بشكل متكرِّر، من الظواهر المثيرة للجدل، والتي يقوم بها أشخاص لا يخلون من
عُقَد وأمراض نفسيَّة.. وقد أشار الأُستاذ (يوسف مدن) في دراسة رائعة للأبعاد
النفسيَّة في عقيدة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) تحت عنوان
(سيكولوجيَّة الانتظار)، وتطرَّق إلى العوامل النفسيَّة لظاهرة المهدي المزوَّر
وحدَّدها في:
أوَّلاً: الاستغلال السيِّئ للمهدويَّة.
ثانياً: رغبة التسلُّط وإعجاب الذات.
ثالثاً: الواقع النفسي وتراكم إحباطاته.
وتشمل:
- اليأس والحيرة والتشكيك.
- الاستعجال والقلق النفسي.
- نكوص الشخصيَّة.
رابعاً: الصراع في سيكولوجيَّة أدعياء المهدويَّة.
وقال: (إنَّ ظاهرة (ادِّعاء المهدويَّة) ذات معطيات مرضيَّة، عبَّرت عن نفسها تحت
إلحاح دوافع البحث عن شهرة أو تأكيد ذات، أو قوَّة ضغط قلق نفسي يحاول فيه هؤلاء
المدَّعون تقمُّص دور المهدي الحقيقي.. وينطوي السلوك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٨) للمزيد من التوسُّع في موضوع الواقع النفسي للمجتمع وتأثيره على الأدعياء، راجع كتاب: سيكولوجيَّة الانتظار (ص ٥٩ - ٩٣).
المرضي في شخصيَّة مدَّعي المهدويَّة على عقدة نقص واضحة، وعلى إحساس بأهمّيَّة اكتساب سمة العظمة، والتعبير
عنها بموقف تسلُّطي، وبخاصَّة إذا كانت الظروف مهيَّأة لذلك.. والواقع أنَّ دوافع
هذه الحالة المرضيَّة وعواملها يعود بعضها إلى الواقع النفسي للمسلمين، والآخر
خاصٌّ بالسيكولوجيَّة المريضة لشخصيَّة المدَّعي.
إنَّ الواحد من هؤلاء (المدَّعين) الموهومين نفسيًّا وعقليًّا مارس التسلُّط من
خلال إعجابه بكمال ذاته ومن خلال شعوره بأنَّه (الرجل المنقذ المخلِّص) الذي
استبقاه الله لتصحيح العوج في حياة البشر ونشر الأمان والمحبَّة، وهو بالرغم من ذلك
يطوي في دفائنه النفسيَّة تناقضاً حادًّا مع السمات الإيجابيَّة البارزة في شخصيَّة
المهدي الحقيقي المقصود، إنَّه - كمدَّعي - يدفن - تحت ستار رقيق من التضليل - دجله
وعدوانيَّته وعُقَده المختلفة وبالذات عقدتي الرئاسة والنقص، والدليل على ذلك أنَّ
هذه العقدة تتجسَّد عمليًّا عندما ينجح بعض هؤلاء المدَّعين في بلوغ بعض أهدافهم
السياسيَّة، فيمارسون زعامتهم التسلُّطيَّة بالقهر والغلبة والاستبداد)(٢٣٩).
ومن خلال استقراء أحوال المدَّعين الكاذبين نجد أنَّ أصحابها مضطربين نفسيًّا، ولا
شكَّ أنَّ الانتباه المبكِّر لمثل هذه الحالات - أنَّ المدَّعي للمهدويَّة
والنبوَّة كذباً شخص مريض نفسيًّا - يقي الأُمَّة الإسلاميَّة شرًّا كثيراً، ولعلَّ
أقرب الاضطرابات لمثل هذه الحالات (الاضطراب الضلالي) من النوع المعروف بـ(العظمة
الضلاليَّة) أو (هذاء البارانويا) المسمَّى (جنون العظمة) حيث يحتفظ المريض
بالتفكير المنطقي، وتبقى الشخصيَّة متماسكة، ومنتظمة نسبيًّا، وعلى اتِّصال لا بأس
به بالواقع، ولا يصاحبها اضطرابات عقليَّة أُخرى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣٩) سيكولوجيَّة الانتظار (ص ٦٧ وما بعدها) بتصرُّف.
ولا يحدث تغيير في السلوك العامِّ
إلَّا بقدر ما تُوحي به الأوهام والهذيانات، فالذي يُلفِت النظر هنا: هو أنَّ
المريض قد يبدو سليماً من ناحية قدرته على الاستدلال والمحاجَّة، غير أنَّه يُؤسِّس
استدلالاته على اعتقادات زائفة أو فاسدة، ومقدَّمات باطلة.
من ناحية نفسيَّة، يقول الدكتور فكري عبد العزيز استشاري الطبِّ النفسي (مصر):
(إنَّ مدَّعي النبوَّة مرضى نفسيُّون.. وهذا المرض النفسي هو: مرض (جنون العظمة)
بالإضافة إلى الإحساس بالغرور الشديد منذ الصغر.. ويشعر هذا المريض بأنَّه نبيٌّ أو
رسول أو إله ويُردِّد معظمهم أنَّه المهدي المنتظَر.. وهو شخصيَّة ادِّعائيَّة
ثقافيَّة متوسِّطة غالباً، ولديه القدرة على استخدام الوسائل التبريريَّة النفسيَّة
في الادِّعاء وتوضيح وجهة النظر مع أنصاف المتعلِّمين والجهلاء وفاقدي الثقافة
والوعي والإدراك، فيُؤثِّر عليهم ويتسلَّط ويُعطي لذاته القدرات والإمكانيَّات مع
أنَّه غير سويٍّ فيما يدَّعيه)(٢٤٠).
ويقول الدكتور يسري عبد المحسن أُستاذ الطبِّ النفسي بجامعة القاهرة: (إنَّ الذين
يدَّعون أنَّهم أنبياء مصابون بضلال فكري واضطراب نفسي ممَّا يدفعهم إلى هذا، وإنَّ
بعضهم يحملون الشخصيَّة العدوانيَّة (السيكوباتيَّة)، وهم مرضى مصابون بخلل عقلي
وأفكار ضلاليَّة تعاظميَّة، ويجبرون كثيرين على اتِّباعهم واتِّباع أفكارهم، ومن
الممكن أنْ يستخدموا القوَّة من أجل ذلك)(٢٤١).
ويُؤكِّد استشاري الطبِّ النفسي بكلّيَّة الطبِّ بجامعة فيصل بالدمَّام
(السعوديَّة) الدكتور سعيد وهاس بأنَّ: (ادِّعاء النبوَّة لا يخلو من أمرين: إمَّا
أنْ يكون اضطراباً عقليًّا أو نفسيًّا..)، ويُفصِّل وهاس هذين الأمرين بقوله:
(إمَّا أنْ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٠) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١١٣٧٩/ يوم الثلاثاء ١٠/٨/٢٠٠٤م).
(٢٤١) جريدة اليوم السعوديَّة (العدد ١١٣٧٩/ يوم الثلاثاء ١٠/٨/٢٠٠٤م).
يكون المدَّعي يعلم أنَّه كاذب وأنَّ ما يدَّعيه باطل ولكنَّه يتمادى في
ادِّعائه لمكاسب اجتماعيَّة أو سياسيَّة أو غيرها، وهم يعلمون بادِّعائهم أنَّهم
كاذبون، ومن خلال المنظور النفسي يُصنَّفون بأنَّهم ليسوا أسوياء، وصنف آخر أو فئة
تدَّعي النبوَّة وهم في قرارة أنفسهم يُصدِّقون ادِّعاءهم، وأنَّ لديهم أُناساً
يوحون إليهم، وهم يندرجون تحت فئة الأمراض العقليَّة، ولديهم اضطراب عقلي، وهم في
حاجة إلى معالجة، وهم كذلك مصابون بنوع من الاضطراب يُسمَّى الاضطراب الذهني، وكلا
الفريقين يعانون من اضطراب في التفكير، والاختلاف بينهما أنَّ الصنف الأوَّل في
بداية المرض، والصنف الثاني في نهاية السُّلَّم)(٢٤٢).
ومن وجهة نظر اجتماعيَّة، يرى أُستاذ علم الاجتماع المشارك بكلّيَّة الآداب بجامعة
سعود بالرياض (السعوديَّة) الدكتور عبد الله الفوزان: (أنَّ الإنسان حين يعجز عن
تحقيق رغبات معيَّنة فإنَّه يلجأ إلى الجانب المقدَّس في حياة الناس، ومنها
النبوَّة..)، ويُعلِّق الفوزان: (قضيَّة ادِّعاء النبوَّة تكرَّرت في تاريخ الكثير
من الشعوب، وادِّعاء النبوَّة عبارة عن سلوك فردي يقوم به أحد الأشخاص، حيث يدَّعي
القدسيَّة لنفسه، ويحاول إيهام الآخرين بنبوَّته عبر بعض الطقوس الملفتة للنظر..
وادِّعاء النبوَّة هو نوع من التحايل على البُعد المقدَّس في النفس البشريَّة
والمتمثِّل في الجانب الروحي وعلاقة الإنسان بالإله، لذلك يعمد بعض الأفراد إلى
استغلال هذا الجانب الروحاني في الترويج لنبوَّته، وهناك العديد من التفسيرات
الاقتصاديَّة والنفسيَّة والعقيديَّة والاجتماعيَّة، ولعلِّي أُركِّز على التفسير
الاجتماعي في تفسير قضيَّة ادِّعاء النبوَّة، إذ كثيراً ما تبرز هذه القضيَّة في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٢) جريدة الوطن السعوديَّة (العدد ١٨٠١/ يوم الأحد ٣٠ رجب ١٤٢٦هـ، الموافق ٤ سبتمبر ٢٠٠٥م).
المجتمعات المتخلِّفة والبدائيَّة، حيث تُوفِّر هذه البيئات المناخ الملائم لبروز
أشخاص يدَّعون النبوَّة مستغلِّين بذلك ضعف الوعي الاجتماعي وضحالة التفكير
وسطحيَّة العقول).
ومن الدوافع الاجتماعيَّة لادِّعاء النبوَّة يُؤكِّد الفوزان: (أنَّها لا تخرج بشكل
أساس من إطار البحث عن الحظوة الاجتماعيَّة)، ويُضيف: (تكمن الدوافع الاجتماعيَّة
بشكل أساسي في الرغبة في الحصول على حظوة اجتماعيَّة، أو تقدير اجتماعي، والسيطرة
على بقيَّة أفراد الجماعة أو المجتمع، فعندما يعجز الإنسان عن تحقيق تلك الرغبات في
جماعة أو مجتمع ما، فإنَّه يلجأ إلى الجانب المقدَّس في حياة الناس حتَّى يسهل
انقيادهم لفكرة نبوَّته وتسخيرهم بما يُحقِّق مصالحة، وعادةً ما يمارس مدَّعي
النبوَّة بعض الطقوس الخارقة للعادة والتي تبهر مَنْ حوله بهدف إقناع الناس بصدق
ادِّعاء النبوَّة، وهنا يبرز بعض المروِّجين لنبوَّة هذا الشخص من خلال تضخيم تلك
الشخصيَّة وإبراز ما يقوم به من ممارسات وطقوس خارقة بين نطاق عريض من أفراد
الجماعة أو المجتمع، ممَّا يزيد رصيد مدَّعي النبوَّة من حيث القبول والموافقة
والاتِّباع، وعموماً يظلُّ الوعي الدِّيني هو الأصل في الوقوف دون انتشار مثل هذه
القضيَّة)(٢٤٣).
ثانياً: الجهل الدِّيني للأتباع:
إنَّ الواقع النفسي السيِّئ والمرير للمجتمع الإسلامي يُؤدِّي إلى شعور الجماهير
والشعوب المسلمة بتأخُّر ظهور الفرج واستطالة أمر خروج المنقذ المخلِّص، ممَّا
يُوحي لبعض الأدعياء الكذَّابين باستغلال هذه الحالة النفسيَّة لدى الأفراد الذين
لا تتوفَّر لديهم القدرة على الصبر وتحمُّل الصعاب، والتحرُّك في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٣) جريدة الوطن السعوديَّة (العدد ١٨٠١/ يوم الأحد ٣٠ رجب ١٤٢٦هـ، الموافق ٤ سبتمبر ٢٠٠٥م).
الحياة بمفهوم
إيجابي (للانتظار) أو الذين ليست لديهم حالة كبيرة من الاستعداد النفسي والعقلي
لمقاومة الظلم والأذى، لهذا تكون النفوس مهيَّأة للشكِّ والتيه، وتكون قلوبهم
مستعدَّة رغم الواقع المرِّ للطيش والحماقة مع (مدَّعي مزوَّر) يستعجلهم فينساقون
مع دعواه الباطلة.. يساعد على ذلك أيضاً انتشار الجهل الدِّيني والانحراف الفكري (الاعتقادي)
حيث إنَّ هذه الدعوات الكذَّابة تكثر بين أهل الجهل الدِّيني، وأصحاب الثقافة
السطحيَّة الهشَّة، ويجد هؤلاء المدَّعين متنفَّساً لهم في وسط جاهلي خرافي سطحي،
إضافةً إلى أنَّ الانحراف الفكري من أعظم أسباب ظهور المدَّعين الكذَّابين، ومن
أكبر أسباب أتباعهم، فعندما يكون الإنسان مهيَّئاً فكريًّا وعقائديًّا لإمكانيَّة
ظهور (أنبياء جُدُد أو مهدي منتظَر كفرد من عامَّة الأُمَّة) يكون بالتالي من
اليسير، بل من الواجب عنده، أنْ يتبعهم.. وقد ظهر أثر هذا الانحراف بصورة جليَّة في
بعض الطوائف الإسلاميَّة، إذ إنَّ فساد معتقدات الفريق (المهدي سوف يُولَد في
المستقبل) حملتهم على تخيُّلات وهميَّة وهلوسات ذهنيَّة، فاعتقد بعضهم أنَّهم
(المهدي نفسه) وتابعهم أفراد آخرين.
علماء النفس يُؤكِّدون كما يقول د. هشام بحري أُستاذ الطبِّ النفسي بجامعة الأزهر
(مصر): (طبيعة البناء النفسي الأساسي لأفراد المجتمع.. هي الدافع الأوَّل لاتِّباع
مثل هؤلاء المدَّعين، لأنَّ من وظائف الدِّين التخلُّص والتخفيف من التوتُّر
الحادِّ ومشاعر الذنب ممَّا يُعَدُّ دافعاً قويًّا للانضمام إلى أهل الدعوة الجديدة
معتقدين أنَّ حلَّ مشكلاتهم لن يأتي إلَّا من خلال هذا الانتماء الجديد.. وأضاف
أنَّ الفرد قبل اتِّباعه الأفكار والعقائد الدِّينيَّة الجديدة.. يشعر بأنَّه فاشل
في حياته، محطَّم في آماله.. وهذا التحوُّل يُحقِّق له وظيفة نفسيَّة يمكن تلخيصها
في التنفيس عمَّا يكون بداخله من كراهية وعدوان مكبوت.. ولا يوجد منفذ إلَّا عن
طريق عمليَّتي: التحوُّل والإبدال.. دفاعاً عن الذات.. بهذه
الطريقة يجني الفرد
كسباً لا يختلف عمَّا يجنيه العصبي من سلوكه الشاذِّ.. أي إنَّه يكون قد حقَّق
كسباً وهميًّا ناقصاً).
أمَّا د. فكري عبد العزيز أُستاذ الأمراض النفسيَّة والعصبيَّة (مصر) فيرى: (أنَّ
ادِّعاء النبوَّة ما هو إلَّا حصيلة التفاعل الديناميكي بين الشخصيَّة والظروف
المحيطة بها.. ويتميَّز مدَّعو النبوَّة بقوَّة الشخصيَّة والقدرة على التأثير
وربَّما الإقناع وبهم يستطيعون انتقاء ضحاياهم أوَّلاً.. ثمّ إجراء نوع من أنواع
الإيحاء والسيطرة والإغراء عليهم حتَّى يفقد الضحايا بصيرتهم، وتُسلَب لُبُّ
إرادتهم، وإذا كنَّا ندهش من ظاهرة وجود شباب يتَّبع هؤلاء الدجَّالين على درجة
عالية من التعليم.. بل ومن حملة درجة (الدكتوراه).. فهي دهشة في غير محلِّها، لأنَّ
وصول هؤلاء الأتباع إلى مثل هذا المستوى من التعليم.. لا يعني أنَّهم على وعي أو
دراية بالثقافة الدِّينيَّة، فالثقافة هي التي تُعطي لصاحبها المناعة ضدَّ
التيَّارات الفكريَّة المريضة، ولكنَّنا للأسف نفقد هذه المناعة)(٢٤٤).
وفوق هذا نجد ضعف الرادع أو انعدامه، ففي أكثر حالات الادِّعاءات الكاذبة (المهدويَّة،
النبوَّة) لا يوجد الرادع المناسب، ولا الجزاء الذي يتلاءم وحجم الخطر الناجم عن
هذا الافتراء، ومَنْ يتتبَّع هذه القضايا يجد أنَّ أكثرها قد حُكِمَ فيه بالسجن
سنوات قليلة جدًّا أو شهوراً يسيرة على هؤلاء (الكذَّابين)، في دول ينصُّ دستورها
على أنَّ دينها الرسمي هو الإسلام، ممَّا يُجرِّئ هؤلاء وغيرهم على التمادي في
الكذب والضلال.. فمثلاً في مصر حيث تنتشر ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة والنبوَّة نجد
أنَّ القانون المصري: (عقوبة تهمة استغلال الدِّين في الترويج لأفكار متطرِّفة بغرض
ازدراء أحد الأديان حسب المادَّة ٩٨ من قانون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٤) جريدة الرياض اليوميَّة (العدد ١٣٠٤٨/ يوم الجمعة ٢١ محرَّم ١٤٢٥هـ، الموافق ١٢/٣/٢٠٠٤م، السعوديَّة).
العقوبات تنصُّ على الحبس لمدَّة لا
تقلُّ عن ستَّة أشهر ولا تتجاوز خمس سنوات، أو بغرامة لا تقلُّ عن ٥٠٠ جنيه ولا
تزيد على ألف جنيه، لكلِّ مَنْ يستغلُّ الدِّين بالقول أو بالكتابة أو بأيِّ وسيلة
أُخرى للترويج لأفكار متطرِّفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير الأديان السماويَّة أو
لاضطراب الوحدة الوطنيَّة والسلام الاجتماعي)(٢٤٥).
فلا بدَّ من تغليظ العقوبات في جرائم أدعياء المهدويَّة والنبوَّة حتَّى لا يظلَّ
الباب مفتوحاً أمام السفهاء والنصَّابين.
إنَّ تكرار ظاهرة (ادِّعاء المهدويَّة والنبوَّة الكاذبة) المقترن بالاستجابة
العاطفيَّة، والمندفعة من أتباع مدَّعيها كذباً، يعكس قصوراً وتقصيراً في هؤلاء
الأتباع، حيث لم يحسنوا ميزان النقد والتمحيص الدقيق، قبل التورُّط في هذه
الضلالات، وكما يقول المَثَل: (العاقل ينظر قبل أنْ يمشي، والأحمق يمشي قبل أنْ
ينظر)، كما أنَّ هذا التكرار لظاهرة الادِّعاءات الكاذبة، يعني أنَّ فئات من
المسلمين لا تستنبط دروس وعبر التاريخ، وإنَّما تُلدَغ من نفس الجحر مرَّاتٍ
ومرَّاتٍ.. ولذا نجد أنَّ فكرة (المهدي أو النبوَّة المزوَّرة) لا تستطيع أنْ
تتسلَّل أو تنفذ وتجد لها أتباعاً إلَّا في وسط نفوس مضلَّلة وشخصيَّة تائهة تعيش
في وسط ظلام اليأس وانعدام الرؤية.
ثالثاً: الحقد على الإسلام:
إنَّ الواقع النفسي السيِّئ والمرير للمجتمع الإسلامي، قد أوحى لأعداء الإسلام
باستغلال هذه الحالة النفسيَّة ورأوا جدوى استثمارها وتوظيفها في خدمة أهدافهم
وتحقيق مآربهم.. وتمَّ ذلك بتشويه العقيدة الإسلامي الأصيلة باستخدام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٥) جريدة الرياض اليوميَّة (العدد ١٣٠٤٨/ يوم الجمعة ٢١ محرَّم ١٤٢٥هـ، الموافق ١٢/٣/٢٠٠٤م، السعوديَّة).
فكرة المهدويَّة في المعتقد الإسلامي لدعم ومساندة وتوجيه الادِّعاءات الكاذبة للتوصُّل
إلى مآربهم الخبيثة ومقاصدهم الشرِّيرة بأُمَّة الإسلام.
إنَّ معدِّل عدد المدَّعين (للمهدويَّة والنبوَّة) كذباً في العصر الحديث يظلُّ
مرتفعاً بالنسبة للحالات المتشابهة في التاريخ، وقد بدأت حالات الادِّعاءات
المزوَّرة تزداد فيما يعتبره البعض ظاهرة تستحقُّ الدراسة، ولا بدَّ من معرفة مَنْ
يقف خلفهم.. وقد يكون الأمر مُطَمْئنًّا لو أنَّ معظم الأدعياء المزوَّرين في
الأعوام الأخيرة انتهى بهم الأمر للعلاج في مستشفيات الأمراض العقليَّة والنفسيَّة،
لكن المثير أنَّ بعضهم انتهى به الحال لقضاء فترة عقوبة بالسجن بتهمة ازدراء
الأديان السماويَّة، ما يعني أنَّ هؤلاء - أو بعضهم - ليسوا مجانين، فعندما أصدر
القضاء أحكامه بإدانة هؤلاء المحكومين واعتبرهم مذنبين، يعني أنَّ القضاء تأكَّد من
انتقاء شبهة الخلل العقلي أو الوجداني في تفكيرهم أو خلل في حالتهم النفسيَّة..
وهنا يأتي السؤال: مَنْ يقف خلفهم ويدعمهم؟
قد حمل الحقد على الإسلام كثيراً من أعدائه على الانضواء تحت رايات المتمهدين
والمتنبِّئين لتكثير سوادهم، وتقوية حركاتهم لهدم الإسلام من داخله.. كما أغدقوا
الأموال والمساعدات على هؤلاء الأفَّاكين وأتباعهم ليغروا ضعاف الإيمان بالانضمام
إلى تلك الحركات الهدَّامة، كما فعلت روسيا مع البابيَّة (البهائيَّة) في إيران،
وكما فعلت بريطانيا مع القاديانيَّة(٢٤٦) في الهند.. وإنَّ مَنْ يتتبَّع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٦) نسبةً إلى ميرزا غلام أحمد القادياني، وُلِدَ في منطقة البنجاب بالهند يوم (١٤/١٠/١٢٥٠هـ)، الموافق (١٨٣٥م)، أسَّس المذهب القادياني نسبةً إلى مسقط رأسه مدينة قاديان، وتمَّ تسجيل هذا المذهب كمذهب رسمي معترَف به في سنة (١٩٠٠م)، ادَّعى في البداية أنَّه المجدِّد، ثمّ المهدي، ثمّ المسيح الموعود، ولذا فأتباعه يعتقدون أنَّ المهدي والمسيح صفتان لشخص واحد هو ميرزا غلام أحمد.. وكان للإنجليز دور ضالع في نصرته وتأييد دعوته.. وبعد وفاة مؤسِّسها ميرزا غلام عام (١٩٠٨م)، انقسمت القاديانيَّة إلى فرعين: الحركة الأحمديَّة في لاهور، وجماعة المسلمين الأحمديَّة.
تاريخ تطوُّر الحركة البهائيَّة منذ ظهورها في إيران سنة (١٨٤٤م) وانتشارها في الكثير من بلدان العالم ومنها مصر، يرى أنَّها تتمُّ من خلال فرض حركة تتستَّر بالدِّين، وتحاول اختراق المجتمعات الإسلاميَّة، وتفكيك قِيَمه الدِّينيَّة والأخلاقيَّة، وتعمل لحساب الصهيونيَّة العالميَّة.. ولا بدَّ أنْ نعرف أنَّ البابيَّة(٢٤٧) والبهائيَّة(٢٤٨) (وهما لصيقان) كانتا صنيعة القوى الإمبرياليَّة (الماسونيَّة)، ذلك أنَّ مؤسِّسيهما تعلَّما على أيدي اليهود، وحظيا برعاية خاصَّة من قِبَل روسيا القيصريَّة، وهي ديانة تمَّ اختراعها لتدمير القِيَم النبيلة للدِّين الإسلامي والمعتقدات الإسلاميَّة الأصيلة.. إنَّ اسرائيل قد اعترفت بالديانة البهائيَّة وسمحت بأنْ يكون فيها المحفل العالمي الرئيس (البهجة بمدينة عكَّا الفلسطينيَّة) لهذه الديانة لما قام به البهائيُّون من دور كبير في خدمة الصهيونيَّة العالميَّة، والإسهام في تأمين دولة إسرائيل من خلال العمل مع المخابرات الإسرائيليَّة في أطوارها الأُولى، وإنَّ دهاء البهائيِّين في التخفِّي بين العرب بوصفهم (مسلمين) مع إخفاء هويَّاتهم قد مكَّنهم من خدمة الموساد لمدَّة طويلة.. لقد شرعت إسرائيل ببناء المحفل البهائي الرئيسي بعكَّا، الذي يحوي ضريح (البهاء) والذي ادَّعى النبوَّة والأُلوهيَّة، وقد أنفقت عليه إسرائيل (٢٥٠) مليون دولار، وتمَّ افتتاح حدائقه المتدرِّجة التسع عشرة في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٧) نسبةً إلى ميرزا عليّ محمّد بن الميرزا رضا البزَّاز الشيرازي، وُلِدَ بشيراز
في (١/١/١٢٣٥هـ)، وقُتِلَ في تبريز يوم الاثنين (٢٧/٨/١٢٦٥هـ)، وقد ادَّعى أوَّلاً
البابيَّة، ثمّ المهدويَّة، ثمّ النبوَّة، والأُلوهيَّة.
(٢٤٨) نسبةً إلى ميرزا حسين عليّ بن الميرزا عبَّاس النوري المازنداني، المعروف بـ
(بهاء الله)، وُلِدَ يوم الثلاثاء (٢/١/١٢٣٣هـ)، وتمَّ ترحيله مع رفاقه إلى عكَّا
بفلسطين عام (١٨٦٨م)، من قِبَل السلطات العثمانيَّة، وتحالفوا مع بريطانيا
الاستعماريَّة، وقد ادَّعى إلغاء الأديان، وأنَّه هو مظهر الله الحقيقي، وأنَّ جميع
الأنبياء إنَّما جاؤوا ليُبشِّروا به، وأنَّه هو المسيح.
(٢٢/مايو/٢٠٠١م) بحضور (٤٥٠٠) شخص يُمثِّلون قيادات البهائيَّة في العالم(٢٤٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤٩) حركات للخداع الجماهيري وليست ديانات، ووفقاً لما أجمعت عليه المصادر
التاريخيَّة الموثَّقة علميًّا ظهرت البابيَّة في إيران على يد عليّ محمّد رضا
الشيرازي في سنة (١٨٤٤م)، عندما أعلن أنَّه الباب، وأنَّه رسول كموسى وعيسى ومحمّد
(عليهم الصلاة والسلام)، فانخدع به العامَّة، واختار ثمانية عشر مبشِّراً لدعوته،
إلَّا أنَّه في عام (١٨٤٥م)، قُبِضَ عليه، فأعلن توبته على منبر مسجد، ولكنَّه في
(١٨٥٠م)، ادَّعى حلول الإله في شخصه حلولاً مادّيًّا وجسمانيًّا، وبعد أنْ ناقشه
العلماء حاول التظاهر بالتوبة والرجوع مرَّةً أُخرى ولكنَّه فشل فحُكِمَ عليه
بالإعدام، ونُفِّذ الحكم في (٨/ يوليو) من نفس العام.
ثمّ ظهرت البهائيَّة التي تُمثِّل الطور الثاني لتلك الحركة، ويعتقد البهائيُّون
أنَّ المدعو البهاء حسين عليّ المازنداني هو ربُّهم وأساس عقيدتهم، وأنَّ الله ليس
له وجود الآن إلَّا بظهوره في مظهر البهاء، وكان يظهر من قبل بمظاهر تافهة في
الديانات السابقة، لكنَّه بظهوره في البهاء الأبهى بلغ الكمال الأعلى، والبهائيُّون
منطلقون من هذه العقيدة يضعون في بيوتهم قطعة مكتوب عليها (بهاء الله)، وهم يقولون
بالحلول والاتِّحاد، والتناسخ، وخلود الكائنات، وأنَّ الثواب والعقاب إنَّما يكونان
للأرواح فقط على وجه يشبه الخيال، يُقدِّسون العدد (١٩)، ويجعلون عدد الشهور (١٩)
شهراً، وعدد أيَّام الشهر (١٩) يوماً، وقد تابعهم في هذا البهائي محمّد رشاد خليفة
حين ادَّعى قدسيَّةً خاصَّةً للرقم (١٩)، وحاول إثبات أنَّ القرآن الكريم قائم في
نظمه من حيث عدد الكلمات والحروف على (١٩)، ويقولون بنبوَّة بوذا وكنفوشيوس وبراهما
وزرادشت، وأمثالهم من حكماء الهند والصين والفرس، ويُنكِرون معجزات الأنبياء وحقيقة
الملائكة والجنِّ، كما يُنكِرون الجنَّة والنار، ويُحرِّمون الحجاب على المرأة،
ويُحلِّلون المتعة وشيوعيَّة النساء والأموال، ويُؤوِّلون القيامة بظهور البهاء،
أمَّا قبلتهم فهي إلى البهجة بعكَّا بفلسطين بدلاً من المسجد الحرام.. الصلاة في
البهائيَّة تُؤدَّى في تسع ركعات، ثلاث مرَّات، والوضوء بماء الورد، وإنْ لم يوجد
فالبسملة بسم الله الأطهر الأطهر خمس مرَّات، وليس عندهم صلاة جماعة إلَّا في
الصلاة على الميِّت يقولون في كلِّ تكبيرة: (الله أبهى)، والصيام عندهم في الشهر
التاسع عشر العلا، فيجب فيه الامتناع عن تناول الطعام من الشروق إلى الغروب مدَّة
تسعة عشر يوماً (مدَّة الشهر البهائي)، ويكون آخرها عيد النيروز (٢١/ مارس)،
والصيام يكون لمن بين (١١) إلى (٤٢) سنة فقط، بعدها يُعفى البهائيُّون من الصيام،
وهم يُبطِلون الحجَّ إلى مكَّة، وحجُّهم حيث دُفِنَ بهاء الله في البهجة بعكَّا
بفلسطين، ويُحرِّمون الجهاد وحمل السلاح وإشهاره لو كان ضدَّ الغزاة أو الأعداء.
كشف الدكتور مايكل برانت مؤلِّف كتاب (مؤامرة التفريق بين الأديان الإلهيَّة) عن
برنامج مدروس للاستخبارات الأمريكيَّة وموجَّه ضدَّ المذهب الشيعي (الشيعة)، يقول:
(في إحدى جلسات الاستخبارات وبحضور كبار مسؤوليها وحضور ممثِّل للاستخبارات
البريطانيَّة بسبب تجاربها الطويلة في الدول الإسلاميَّة، توصَّلنا إلى نتيجة: هي
أنَّه لا يمكن بأيِّ حالٍ من الأحوال مواجهة المذهب الشيعي ومحاربته بصورة مباشرة،
وأنَّ هزيمته أمر في غاية الصعوبة، وأنَّه لا بدَّ من العمل خلف الستار، وأنْ
نُطبِّق المَثَل القائل: (فرِّق وأبد) بدلاً من المَثَل الإنجليزي (فرِّق تسد).. من
أجل ذلك خطَّطنا ووضعنا برامج دقيقة وشاملة للمدى البعيد، لذا صمَّمنا على تضعيف
عقائد الشيعة وإفسادها، وأنْ نُحرِّف المفاهيم بحيث يبدو للناظر أنَّ الشيعة ليسوا
سوى طائفة جاهلة تهوى الخرافات، والأمل معقود على سحق الشيعة بحلول عام ٢٠١٠م).
إذاً.. تشير الدلائل إلى أنَّ مدَّعي المهدويَّة والنبوَّة (زوراً)، وكذلك الحركات
الهدَّامة في الإسلام.. المغذِّي الحقيقي لها هو الصهيونيَّة التي تحاول أنْ تُنشئ
أفكاراً تدعو إلى ظهور المخلِّص.. أو المبشِّر بالعدل، منتهزة في ذلك الدوَّامات
التي يحياها الشعب الإسلامي.. من ثقافات حديثة والأزمات التي تجتاحه من جراء تضارب
المذاهب السياسيَّة والاقتصاديَّة.. ومن تلك الجماعات والحركات الهدَّامة.. ما
يُسمَّى بجماعة (برج المراقبة)، واسمها الأساسي في الكتاب المقدَّس هو (شهود
يهوه).. ولها فروع في مختلف أنحاء العالم.. وقد كان لها فرع بالقاهرة.. لكنَّه
أُغلق، فأقام أعضاء الجماعة دعوى - أمام مجلس الدولة - لإعادة نشاطهم.. وهناك
مجلَّة تصدر بستّ وثلاثين لغة باسمهم.. من بينها اللغة العربيَّة.. التي يصل عدد
النُّسَخ المطبوعة منها إلى مليون نسخة.. وجماعة (برج المراقبة) لها كُتُب مطبوعة
منها: كتاب (الحقُّ يُحرِّركم).. (ليكن الله صادقاً).. وكتاب (المصالحة)..
وفي كتابه (المهدي المنتظَر بين الحقيقة والخيال)(٢٥٠) يتناول عبد القادر أحمد عطا
قصَّة هذه الجماعة في محاولة منه لاستكشاف بعض أسرارها.. يقول: (أوَّل ما كان
يواجهك في مقرِّ هذه الجماعة.. في شارع رمسيس بالقاهرة.. عدد من الموظَّفين لا
ينطقون أمامك بكلمة واحدة، بل يطلبون منك عنوانك، على أنْ يُرسِلوا لك من الخبراء
مَنْ يتحدَّث معك.. وقد زارني - في يوم من الأيَّام - رجلان وامرأتان، وأجروا معي
تحقيقاً دقيقاً لمعرفة الدوافع من جانبي للبحث في مذهب (شهود يهوه) لكن نجحت في
الاختبار، وجذبتهم إلى الحديث.. ووجَّهت تساؤلي - أوَّلاً - إلى اسم الجماعة؟ وما
هو المقصود بالمراقبة؟ ومراقبة ماذا؟ وما صلة (يهوه) بمذهب مسيحي.. كما يدَّعي
الخبراء بأنَّهم مسيحيُّون يعملون لخير المسيحيَّة؟
وكانت الإجابة مذهلة.. فالمراقبة هي مراقبة ظهور المسيح.. وصلة (يهوه) بالمذهب أنَّ
الذين اكتشفوا ظهور المسيح.. هم من اليهود الذين اعتنقوا المسيحيَّة، ومن الوفاء
أنْ نُطلِق لفظ (يهوه) العبري على الجماعة!.. ولـمَّا تكرَّرت الزيارات اطَّلعت على
بعض الكُتُب.. وكانت خلاصة ما يدعون إليه:
التعصُّب الشديد جدًّا للمسيحيَّة في أوائل البحث.. وفي منتصف البحث، تبرز تساؤلات
تُشكِّك في المسيحيَّة القائمة، وفي المسيح (عليه السلام) الذي لم يقبل أنْ يكون
مَلِكاً يجلس على كرسي داود.. وقد هرب أتباعه ليلة القبض عليه.. وحاولوا نسج هالة
حول مولده ليخفوا فضيحة خُلُقيَّة ارتكبتها مريم..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٠) لمزيد من التفاصيل عن البهائيَّة حديثاً وبالخصوص في مصر، ارجع إلى الدراسة التي نشرتها مجلَّة المختار الإسلامي يوم (٢٠/٥/٢٠٠٦م)، تحت عنوان: البهائيَّة أنبياء كاذبون وجواسيس.. ويُفضَّل قراءة كتاب البابيَّة والبهائيَّة للشيخ محمّد جواد البلاغي، الذي ألَّفة عام (١٣٣٩هـ)، للردِّ على البابيَّة وتفنيد مزاعمهم ودحض ادِّعاءاتهم.
والكنيسة ليست هي البناء والهيكل
والمذبح.. وإنَّما هي رمز يعيش في القلوب.. واحتكار التعاليم الدِّينيَّة دلالة على
الخوف والجبن.
والمسيح الحقيقي ظهر - بالفعل - في فلسطين، عام (١٩١٩م)، وهو مختفٍ هناك، وقد
تعرَّف إليه مَنْ تلقَّوا تدريباً خاصًّا.. على مواجهته والفهم عنه.. وكلُّ مَنْ
يريد لقاءه فعليه أنْ يتلقَّى تلك التدريبات.
في نهاية كلِّ كتاب.. تجد المرائي المحزنة.. لما لاقاه اليهود في المعتقلات
النازيَّة.. وما عانوه من اضطهاد وتشريد في بقاع الأرض.
وبهذا نستطيع أنْ نقول: إنَّ هذه الجماعة.. هي جماعة يهوديَّة تخدم مصالح
الصهيونيَّة.. باعتبار أنَّ فلسطين مركز من مراكز الدعوة الجديدة.. التي يجب أنْ
يهرع إليها طُلَّاب النجدة).
نخرج من هذا الكلام.. إلى أنَّ فكرة ادِّعاء المهدويَّة والنبوَّة.. ليست إلَّا
مطامع هدَّامة.. في أثواب سياسيَّة واجتماعيَّة.. تحاول بها الصهيونيَّة تفتيت
العالم العربي والإسلامي.. وجهل الكثيرين بالدِّين هو الذي يُمكِّن لهؤلاء الكيد
للإسلام!
ويوجد الآن في إسرائيل مركزٌ لتفريخ أدعياء النبوَّة من (الدعاة العرب)، وذلك بعد
تدريبهم تدريباً خاصًّا.. ثمّ إطلاقهم في العالم العربي لبثِّ سمومهم في المجتمعات
الإسلاميَّة واقتطاع شجرة الإسلام!
إذاً.. فما هو الهدف الحقيقي من وراء استهداف قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) في السنوات الأخيرة بوجوه مختلفة وأساليب متعدِّدة؟.. إنَّ الأهداف المعلنة
لكلِّ ادِّعاء كاذب ومزوَّر هو غير الهدف الحقيقي الذي أُعِدَّ له مسبقاً بتخطيط
وإحكام متقنين.. ونرى أنَّ الهدف الأساس هو تسويف وتفريغ القضيَّة المهدويَّة من
محتواها، ممَّا ينعكس بالتالي سلباً على معتنقي هذه العقيدة، خصوصاً مع ملاحظة
الافتراءات والادِّعاءات الكاذبة التي تُطلَق من هنا وهناك.. وحتماً أنَّ
من
الأهداف الإيحاء للبسطاء والسُّذَّج بوهن هذه العقيدة وضعفها، أو على أقلّ تقدير
عدم صحَّتها في الوقت الحاضر واستبعادها، وأنَّ هذه العقيدة ليست إلَّا فكرة من وهم
الخيال.. (وفي الحقيقة هذه هي الفتنة بعينها).
لا يساورنا أدنى شكٍّ في أنَّ أعداء الإسلام يقفون وراء بعض مدَّعي المهدويَّة
حديثاً.. لأنَّ انتشار ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة الكاذبة وتكرار فشلها سيُؤدِّي إلى
اقتران هذا الفشل المتكرِّر بتكوين كره نفسي وعقلي عند بعض المسلمين للفكرة
الأصليَّة (المهدويَّة الحقَّة) وتدفع بالبعض إلى اتِّخاذ مواقف مضادَّة لها وتنفير
الناس من حولها.. وليس بمستبعَد أبداً أنْ يكون الخائفون من انتشار الفكرة
الأصليَّة، هم الذين يدفعون بعض الناس إلى تقمُّص شخصيَّة المهدي الحقيقي
واستغلالها، فهدفهم من وراء ذلك فصل الجماهير المؤمنة عن هذه العقيدة الأصيلة..
وربَّما يظنُّ هؤلاء - المدَّعون ومَنْ يقف خلفهم من أعداء الإسلام - أنَّ نجاح أحد
المرجفين المزوَّرين في دعواه سيُمهِّد لإقناع الجماهير المسلمة بأنَّ المهدي
المذكور في الأحاديث قد تحقَّقت بشارته، وحينئذٍ فإنَّ فكرة انتظار (المهدي
الحقيقي) لم يعد لها جدوى، فتتضاءل حالة الاستعداد ويفتر حماس الجماهير المسلمة
وكأنَّ الأمر لم يكن، وهكذا تموت العقيدة (المهدويَّة الأصيلة) في النفوس والعقول
وتموت معها فاعليَّة ثقافتها.. لكن يأبى الله إلَّا أنْ يُتِمَّ نوره ولو كره
المشركون.
الخلاصة:
لقد قام أشخاص قديماً وحديثاً باستغلال البسطاء من الناس فعمدوا إلى تسلُّق مقام
الإمامة ومكانة المهدي الموعود بصورة مرحليَّة، فادَّعوا في بداية الأمر البابيَّة
من قِبَل المهدي الحقيقي، حتَّى إذا اجتمع الناس حولهم وانخدعوا بأقوالهم، طرحوا
دعوى المهدويَّة وأذاعوا بها، ثمّ إنَّ بعضهم ادَّعى النبوَّة، فتسبَّب في تشتُّت
المسلمين والابتعاد عن الإسلام، فكانت لهم أيَّام قليلة خدعوا
بها البسطاء
بدعواهم.. بيدَ أنَّ عاقبة هؤلاء انتهت إلى فضيحتهم وكشف خيانتهم وأكاذيبهم
الزائفة، وانتهوا أخيراً إلى مزابل التاريخ وبئس القرار.
الفتاوى السديدة للمرجعيَّة (حديثاً):
وُجِّه استفتاء إلى المرجعيَّة حول الادِّعاءات الكاذبة في العصر الحديث:
سماحة آية الله العظمى السيِّد عليٌّ الحسيني السيستاني (دام ظلُّه):
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
ظهرت في الآونة الأخيرة ادِّعاءات السفارة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل
يدَّعي البعض أنَّه الإمام المنتظَر، وقد استغلَّ هؤلاء انعدام المعايير الصحيحة
لدى البعض، نتيجة الجهل، والتجهيل المتعمَّد من قِبَل الظالمين، والفقر، وانفلات
الوضع الأمني، الذي ابتُليت به أُمَّة المسلمين عموماً وفي العراق بالخصوص.
وقد بان بطلان وفضيحة مَنِ ادَّعى ذلك، في زمن الغيبة الكبرى بعد السفير الرابع أبي
الحسن عليِّ بن محمّد السمري (رضوان الله عليه)، وبقي بعضٌ لم يتبيَّن للناس زيفه،
وقد انهالت على مركزنا الأسئلة حول هذا الموضوع، ولـمَّا كانت المرجعيَّة
الدِّينيَّة هي الحصن الحصين للمذهب ولأبنائه لذا كان من الواجب أنْ نتوجَّه إلى
سماحتكم ممثِّلين عموم الشعب المؤمن الموالي لأهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)،
آملين من سماحتكم بيان الرأي في ردع هذه الدعاوى، وبيان المعايير التي يصحُّ فيها
ادِّعاء مثل هذه المدَّعيات، حتَّى يتبيَّن للمؤمن كيفيَّة التمييز، ومتى يُصدِّق،
ومتى يُكذِّب هذه الدعاوى.
أدام الله ظلَّكم الوارف على رؤوس الأنام، ولا حرمنا من فيوضاتكم المباركة..
مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
أجاب المرجع الدِّيني الأعلى سماحة آية الله العظمى السيِّد عليٌّ الحسيني
السيستاني (دام ظلُّه):
قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له لكميل بن زياد (رضوان الله عليه):
«اَلنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ،
وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ
يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ اَلْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَؤُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ»(٢٥١).
إنَّ من أهمّ الواجبات على المؤمنين في عصر غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) هو أنْ
يتعاملوا بتثبُّت وحذر شديدٍ فيما يتعلَّق به (عجَّل الله فرجه) وبظهوره وسُبُل
الارتباط به، فإنَّ ذلك من أصعب مواطن الابتلاء ومواضع الفتن في طول عصر الغيبة.
فكم من صاحب هوى مبتدع تلبَّس بلباس أهل العلم والدِّين ونَسَب نفسه إليه (عجَّل
الله فرجه)، مستغلًّا طيبة نفوس الناس وحُسن ظنِّهم بأهل العلم وشدَّة تعلُّقهم
بأهل بيت الهدى (عليهم السلام) وانتظارهم لأمرهم، فاستمال بذلك فريقاً من الناس
وصلت به إلى بعض الغايات الباطلة، ثمّ انكشف زيف دعواه وقد هلك وأهلك الكثيرين، وكم
من إنسان استرسل في الاعتماد على مثل هذه الدعاوى الباطلة والرايات الضالَّة، بلا
تثبُّت وحذر، فظنَّ نفسه من المتعلِّمين على سبيل نجاة ولكنَّه كان في واقعه من
الهمج الرعاع، قد تعثَّر بعد الاستقامة وخرج عن الحقِّ بعد الهداية، حتَّى اتَّخذ
إليه (عجَّل الله فرجه) طريقاً موهوماً، بل ربَّما استدرج للإيمان بإمامة غيره من
الأدعياء، فاندرج في الحديث الشريف: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ
مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٢٥٢).
وقد اتَّفق من هذه الحركات منذ الغيبة الصغرى إلى هذا العصر شيء كثير حتَّى إنَّه
ربَّما كان في زمان واحد عدد من أدعياء الإمامة والسفارة، بحيث لو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥١) كمال الدِّين (ص ٢٩٠).
(٢٥٢) كمال الدِّين (ص ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩).
وقف الناظر على
ذلك لكان فيه عبرة وتبصُّر، ولتعجَّب من جرأة أهل الأهواء على الله سبحانه وعلى
أوليائه (عليهم السلام) بالدعاوى الكاذبة التي وصلت إلى شيء من حطام هذه الدنيا،
واستغرب من سرعة تصديق الناس لهم والانسياق وراءهم مع ما أُمروا به من الوقوف عند
الشُّبُهات والتجنُّب عن الاسترسال في أُمور الدِّين فإنَّ سرعة الاسترسال عثرة لا
تُقال.
ألَا وإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) حين يظهر يكون ظهوره مقروناً بالحجَّة البالغة
والمحجَّة الواضحة والأدلَّة الظاهرة، محفوفاً بعنايته سبحانه، مؤيَّداً بنصره
حتَّى لا يخفى على مؤمن حجَّته ولا يضلُّ طالب للحقِّ عن سبيله، فمَنِ استعجل في
ذلك فلا يضلَّنَّ إلَّا نفسه، فإنَّ الله سبحانه لا يعجل بعجلة عباده.
كما أنَّ المرجع في أُمور الدِّين في زمان غيبته (عجَّل الله فرجه) هم العلماء
المتَّقون ممَّن اختُبِرَ أمرهم في العلم والعمل، وعُلِمَ بُعدهم عن الهوى والضلال،
كما جرت عليه هذه الطائفة منذ عصر الغيبة الصغرى إلى عصرنا هذا.
ولا شكَّ في أنَّ السبيل إلى طاعة الإمام (عجَّل الله فرجه) والقرب منه ونيل رضاه
هو الالتزام بأحكام الشريعة المقدَّسة والتحلِّي بالفضائل والابتعاد عن الرذائل
والجري وفق السيرة المعهودة من علماء الدِّين وأساطين المذهب وسائر أهل البصيرة
التي لا يزالون يسيرون عليها منذ زمن الأئمَّة (عليهم السلام)، فمَنْ سلك طريقاً
شاذًّا وسبيلاً مبتدعاً فقد خاض في الشبهة وسقط في الفتنة وضلَّ عن القصد.
وليُعلَم أنَّ الروايات الواردة في تفاصيل علائم الظهور هي كغيرها من الروايات
الواردة عنهم (عليهم السلام) لا بدَّ في البناء عليها من الرجوع إلى أهل الخبرة
والاختصاص لأجل تمحيصها وفرز غثِّها من سمينها ومحكمها من متشابهها والترجيح بين
متعارضاتها، ولا يصحُّ البناء في تحديد مضامينها وتشخيص مواردها على أساس الحدس
والتظنِّي، فإنَّ الظنَّ لا يُغني من الحقِّ شيئاً، وقد أخطأ في أمر هذه الروايات
فئتان:
١ - فئة شرعوا في تطبيقها واستعجلوا في الأخذ بها - على حسن نيَّة - من غير مراعاة
للمنهج الذي تجب رعايته في مثلها، فعثروا في ذلك ومهَّدوا السبيل من حيث لا يريدون
لأصحاب الأغراض الباطلة، وإنَّ الناظر المطَّلع على ما وقع من ذلك يجد أنَّ بعضها
قد طُبِّق أكثر من مرَّة في أزمنة مختلفة، وقد ظهر الخطأ فيه كلُّ مرَّة، ثمّ يُعاد
إلى تطبيقها من جديد.
٢ - وفئة أُخرى من أهل الأهواء، فإنَّه كلَّما أراد أحدهم أنْ يستحدث هوى ويرفع
راية ضلال ليجتذب فريقاً من البسطاء والسُّذَّج اختار جملة من متشابهات هذه
الروايات وضعافها وتكلَّف في تطبيقها على نفسه وحركته، ليُمنِّي الناس بالأماني
الباطلة، ويُغرِّرهم بالدعاوى الباطلة فيُوقِع في قلبهم الشبهة، وقد قال أمير
المؤمنين (عليه السلام): «فَاحْذَرِ اَلشُّبْهَةَ وَاِشْتِمَالَهَا عَلَى
لُبْسَتِهَا، فَإِنَّ اَلْفِتْنَةَ طَالَـمَا أَغْدَفَتْ جَلَابِيبَهَا، وَأَغْشَتِ
اَلْأَبْصَارَ ظُلْمَتُهَا»(٢٥٣)، وقال (عليه السلام): «إِنَّ اَلْفِتَنَ إِذَا
أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ، يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ،
وَيُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ»(٢٥٤).
نسأل الله تعالى أنْ يقي جميع المؤمنين شرَّ الفتن المظلمة والأهواء الباطلة
ويُوفِّقهم لحُسن الانتظار لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، وقد ورد في الحديث
الشريف: «مَنْ مَاتَ مُنْتَظِراً لِأَمْرِنَا كَانَ كَمَنْ كَانَ مَعَ قَائِمِنَا
(عليه السلام)»(٢٥٥).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته(٢٥٦).
تاريخ (١٢/ صفر الخير/١٤٢٨هـ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٣) نهج البلاغة (ص ٤٥٦/ ح ٦٥).
(٢٥٤) نهج البلاغة (ص ١٣٧/ الخطبة ٩٣).
(٢٥٥) الكافي (ج ٥/ ص ٢٢/ باب الجهاد الواجب مع مَنْ يكون/ ح ٢).
(٢٥٦) جريدة الرياض اليوميَّة السعوديَّة (العدد ١٣٠١٣/ يوم الجمعة ١٥/١٢/١٤٢٤هـ،
الموافق ٦/٢/٢٠٠٤م).
سماحة آية الله العظمى السيِّد محمّد سعيد الحكيم (دام ظلُّه):
كثرت في الآونة الأخيرة ادِّعاءات باطلة مستغلَّة مكانة وقدسيَّة الإمام المنتظَر
في نفوس المؤمنين، وقد يحصل ذلك بادِّعاء السفارة أو الوصاية، وقد تعدَّى الأمر إلى
ادِّعاء الإمامة بشكل صريح من قِبَل بعض الأشخاص، كلُّ ذلك من أجل إحداث الفتنة بين
المؤمنين خاصَّة وأنَّ شيعة أهل البيت (صلوات الله عليهم) يمرُّون بظرف حسَّاس
للغاية في هذه الأيَّام.
فالمرجو منكم بيان الحقيقة للمؤمنين ودفع الشبهة عنهم.
فأجاب سماحته:
بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد
كلُّ دعوى لا تستند إلى دليلٍ فلا تُقبَل من مدَّعيها حتَّى لو كان الادِّعاء أمراً
لا أهمّيَّة له، فكيف بمثل هذه الدعاوى الخطيرة التي تكون سبباً للضلال والفرقة،
ولتوضيح الصورة نذكر الأُمور التالية:
الأوَّل: أنَّ مدَّعي رؤية الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) وأخذ المعلومات عنه
لإيصالها إلى الناس مجترئ على الله وعلى رسوله وأوليائه ورادًّا لما أعلنه (عجَّل
الله فرجه) في توقيعه الذي رواه أصحابنا في كُتُبهم واعتمدوا عليه وأذعنوا له، وهو
ما كتبه الإمام المنتظَر إلى النائب الرابع عليِّ بن محمَّد السمري (رضي الله عنه)،
وهو:
«بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيَّ،
أَعْظَمَ اَللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ
وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَى أَحَدٍ يَقُومُ
مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلثَّانِيَةُ، فَلَا
ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَلله (عزَّ وجلَّ)، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ
اَلْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ اَلْقُلُوبِ، وَاِمْتِلَاءِ اَلْأَرْضِ جَوْراً،
وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى
اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ
اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَاذِبٌ
مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله اَلْعَلِيِّ
اَلْعَظِيمِ»(٢٥٧).
وإنَّ من شواهد صدق هذا التوقيع ما حدث من ادِّعاءات كاذبة منذ الغيبة وإلى يومنا
هذا حيث إنَّ ذلك من إخبارات الغيب التي صدَّقتها الأيَّام، وبعد كلِّ هذا فكلُّ
مدَّعٍ للسفارة أو الوصاية كذَّاب ومفتر على الله وأوليائه.
الثاني: أنَّ دعوى الإمامة لا تقلُّ أهمّيَّةً وخطورةً على الدِّين من دعوة
النبوَّة حيث إنَّها تفرض على الآخرين الخضوع والطاعة، ولا يمكن أنْ تكون صادقة
إلَّا ببرهان ساطع لا يقبل الشكَّ والإنكار ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ
وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢]، وقد أذعن أولياء آل محمّد
وشيعتهم للأئمَّة (صلوات الله عليهم) اعتماداً على النصِّ القطعي أو المعجزة
والكرامة الإلهيَّة ولربَّما اجتمعا في أحيان كثيرة، ولا بدَّ أنْ يحصل ذلك في حقِّ
الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) عند ظهوره حيث سيقترن ذلك بمعلومات قطعيَّة
ومعاجز وكرامات جليَّة لا تقبل التأويل أو الإنكار، فعلى كلِّ مَنْ تطرق إلى سمعه
مثل هذه الادِّعاءات الغيبية الحذر والتثبُّت وعدم التسامح والتساهل فإنَّ ذلك
يجرُّ إلى الوبال وعظيم النكال.
ونصيحتنا للباحثين في علائم الظهور الابتعاد عن الظنون والاحتمالات والتخرُّص،
فإنَّ ذلك يُؤدِّي إلى خلق جوٍّ نفسي لرواج الادِّعاءات الكاذبة ولربَّما يتحمَّل
هؤلاء جزءاً من المسؤوليَّة من حيث لا يعلمون.
وعلى المؤمنين كافَّة أنْ يكونوا على يقين من نصر الله سبحانه وتعالى وتأييده لهذه
الثُّلَّة المؤمنة من أتباع آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) ما داموا متمسِّكين
بنهجهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٧) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤).
وسائرين على هديهم في الاعتماد على مَنِ اجتمعت فيه شروط التقليد المعروفة
وخاصَّة صفتي العلم والتقوى، فإنَّ هذا المنهج هو المنهج الأصيل الذي بناه أهل
البيت (عليهم السلام) جيلاً بعد جيل، وإنَّ من أوضح صوره وأجلى مظاهره التوقيع
الشريف المروي عن الإمام المنتظَر: «وَأَمَّا اَلْحَوَادِثُ اَلْوَاقِعَةُ
فَارْجِعُوا فِيهَا إِلَى رُوَاةِ حَدِيثِنَا، فَإِنَّهُمْ حُجَّتِي عَلَيْكُمْ،
وَأَنَا حُجَّةُ اَلله [عَلَيْهِمْ]»(٢٥٨).
ومن الله التوفيق وعليه نتوكَّل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
التوقيع
مكتب السيِّد الحكيم (دام ظلُّه)
بتاريخ (٥/٣/٢٠٠٧م)
وأخيراً.. يمكن النظر إلى موضوع الادِّعاءات الكاذبة في العصر الحديث من ناحيتين:
الناحية السلبيَّة: كذب وأباطيل وخداع وظلم (مدَّعي المهدويَّة) قديماً وحديثاً،
وتصديق بعض البسطاء من الناس لدعواهم.. (خداع وتزوير).
الناحية الإيجابيَّة: إنَّ خروج هؤلاء الأدعياء، هو إحدى العلامات التي تسبق ظهوره
(عجَّل الله فرجه).. وهذا شيء يُسعِدنا ويُدخِل الفرح والسرور إلى قلوبنا، باعتباره
بشارة لقرب ظهور مولانا وسيِّدنا وإمامنا صاحب العصر والزمان (روحي لمقدمه الفداء).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٨) كمال الدِّين (ص ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤).
* * *
القسم الأوَّل: تعيين سنة ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ادِّعاء كاذب
كثر في الآونة الأخيرة من بعض الكُتَّاب تحديد وقت أو زمن أو تعيين العام (السنة)
الذي سيظهر فيه الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهذا يدلُّ على تلهُّف المؤمنين إلى سرعة
تحقُّق البشارة النبويَّة التي ستقلب صفحات التاريخ وتُغيِّر مسار البشريَّة من
الظلم والجور إلى العدل والقسط، وهذا ناشئ إمَّا بسبب حُبِّهم الشديد لبقيَّة الله
(عجَّل الله فرجه)، أو لجهلهم بحقائق الأُمور.
حقيقة لا بدَّ أنْ نعرفها: بأنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) رغم كثرة ما
تحدَّثوا وأخبروا به عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ومميِّزات عصره وعلامات
ظهوره.. إلَّا أنَّهم رفضوا التصريح عن توقيت يوم الظهور، لا بل بالعكس نهوا عن
التوقيت، وأمرونا بتكذيب كلِّ مَنْ يُخبِر بوقت الظهور.. لأنَّ ذلك سرٌّ من أسرار
الله، قد أخفاه (جلَّ وعلا) - لحكمةٍ - عن الناس.
أمثلة على التوقيت في العصر الحديث:
هناك بعض الكُتَّاب في الوقت الحالي مَنْ حدَّد السنة التي يظهر فيها الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) بالضبط، إلَّا أنَّهم تغافلوا عن الحكمة في إخفاء وقت الظهور..
ومن الأمثلة على ذلك:
١ - كتب الأستاذ عبد محمّد حسن كتاباً (ط ١/عام ٢٠٠٦م) بعنوان (اقترب الظهور)،
كدراسة تتناول أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) وأحداث العالم،
وتستدلُّ على قرب
ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وتُؤقِّت له.. وحدَّد فيه تاريخ ظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه) يوم السبت (١٠/محرَّم/١٤٢٩هـ) الموافق (١٩/يناير/٢٠٠٨م).. وحدَّد
في كتابه كثير من الأوقات لعلامات وأحداث لها علاقة بالظهور مثل:
- (١٨/ يونيو) إلى (٢٤/ يوليو/٢٠٠٧م) هطول أمطار شديدة.
- (٢١/يوليو/٢٠٠٧م) يوم جمعة، خروج السفياني.
- (٤/أُكتوبر/٢٠٠٧م) ليلة جمعة في ليلة القدر، الصيحة والنداء من السماء بصوت
جبرائيل (عليه السلام).
- (١٩/ديسمبر/٢٠٠٧م) مجزرة الكوفة على يد السفياني.
- (٣/يناير/٢٠٠٨م) مقتل النفس الزكيَّة في مكَّة.
- (٢٤/يناير/٢٠٠٨) الخسف في البيداء.
- بداية أُكتوبر (٢٠٠٨م) نزول النبيِّ عيسى (عليه السلام).
- (١٧/أُكتوبر/٢٠٠٨م) فتح القدس.
٢ - كتب الأُستاذ جابر البلوشي كتاباً (ط ١/عام ٢٠٠٦م) بعنوان (ظهور الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) عام ٢٠١٥م نبوءة قرآنيَّة).. وحدَّد فيه ظهور الإمام (عجَّل الله
فرجه) يوم السبت العاشر من شهر محرَّم عام (١٤٣٧هـ)، معتمداً في ذلك على علم الحروف
من خلال القرآن الكريم.. وحدَّد في كتابه كثير من الأوقات لعلامات وأحداث لها علاقة
بالظهور مثل:
- (٢٠١٠م) وضع حدود إسرائيل الدائمة، وخروج الأمريكان والبريطانيِّين من العراق.
- (٢٠١٤م) كويكب كبير الحجم يصطدم بالأرض ويُسبِّب أعاصير وزلازل وفيضانات بتاريخ
(٢١/٣/٢٠١٤م).
- (١٤٣٦هـ) خروج السفياني والخراساني واليماني.
- (٢٠١٨م) نزول السيِّد المسيح (عليه السلام).
- (٢٠١٩م) إنَّ الله سيُدمِّر الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بالرياح والأعاصير،
بسبب كويكب قادم باتِّجاه الأرض.
٣ - كتب الأُستاذ فارس فقيه كرَّاساً (ط ١/عام ١٤٢٧هـ) بعنوان (أنت الآن في عصر
الظهور)، وحدَّد فيه أسماء شخصيَّات عصر الظهور كالخراساني واليماني وشعيب بن صالح،
وطبَّق مواصفاتها على شخصيَّات حاليَّة.. كذلك لديه كرَّاس آخر بعنوان (جميع
الأديان تقول: إنَّه عصر الظهور).
٤ - الأُستاذ ماجد المهدي صاحب كتاب (بدء الحرب الأمريكيَّة ضدَّ الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه)) كتب بحثاً عن التوقيت بعنوان (هل التوقيت للظهور المبارك محرَّم
أو منهيٌّ عنه؟ الروايات والعقل ينفي هذا).. وفيه يناقش موضوع التوقيت، وفيه يقول:
(إنَّ عدوَّنا يعرف قرب الظهور، ونحن نريد أنْ ندفن رؤوسنا تحت الرمال بحُجَج هي
أوهن من خيط العنكبوت)(٢٥٩).
٥ - كتب الأُستاذ شادي فقيه كتاباً (ط ١/عام ٢٠٠٦م) بعنوان (أحمدي نجاد والثورة
العالميَّة المقبلة)، وقد كتب على الغلاف ما نصُّه: (بعض قادة الحرس: أحمدي نجاد هو
قائد قوَّات المهدي التي ستُحرِّر القدس.. بعض العلماء قالوا له: إنَّ المشروع
النووي مرتبط بظهور الإمام المهدي، فلا تتهاون فيه).
٦ - ذكر السيِّد محمّد عليّ الطباطبائي في كتابه (ط ١/عام ١٩٩٩م) المعنون (مائتان
وخمسون علامة) بعض الأوقات كتحديد لسنة ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في
الفصل الحادي عشر بعنوان (حسابات الحروف الأبجديَّة ودلالتها على توقيت الظهور)،
وقال: (أُورد ذلك كبقيَّة العلامات إنَّما هو لمجرَّد الاحتمال غير المعتمد)(٢٦٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥٩) مجلَّة الانتظار (العدد التاسع/ السنة الثالثة/ ربيع الثاني ١٤٢٨هـ).
(٢٦٠) مائتان وخمسون علامة (ص ١٨٤).
٧ - كتب السيِّد حسين حجازي كتاباً (ط ١/عام ٢٠٠٦م) بعنوان (استعدُّوا فإنَّ الظهور
قريب)، وقال فيه ما نصُّه: (بدون أنْ نُحدِّد تاريخاً للفرج، فإنَّه بمطالعة هذا
الكتاب وبعد التأمُّل والتريُّث سنشعر بالآتي (الظهور قريب جدًّا)، بعبارة أدقّ:
حتَّى كبار السنِّ يجب أنْ يكونوا على أمل رؤية مولانا في حياتهم)(٢٦١).
لم يقتصر توقيت الظهور أو ما له علاقه بالظهور على أتباع أهل البيت (عليهم السلام)
فقط، بل هناك من أهل العامَّة مَنْ يُوقِّت لظهور المهدي المنتظَر (عجَّل الله
فرجه)، ومن ذلك:
٨ - كتب الأُستاذ أحمد عبد الله زكي عميش(٢٦٢) (مصر) كتاباً بعنوان (إنَّ المهدي
المنتظَر على قيد الحياة/ط ١/عام ٢٠٠٦م)، وفيه يستعرض (١٢) دليلاً يُؤكِّد أنَّ
المهدي على قيد الحياة - أي وُلِدَ في العصر الحالي من وجهة نظره -، وفيه يُحدِّد
سنة (١٤٣٠هـ) عام خروج المهدي، وقد قال ما نصُّه: (أي نهاية عدِّنا حتَّى
١٤٣٠هجريَّة عندها يخرج المهدي الأمين، أي باقي من الزمن ٣ سنوات)(٢٦٣).
٩ - كتب الأُستاذ بسَّام نهاد جرَّار (فلسطين) كتاباً بعنوان (زوال إسرائيل عام
٢٠٢٢م نبوءة أم صِدَف رقميَّة)، وكلُّنا يعرف ارتباط زوال إسرائيل بالإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦١) استعدُّوا فإنَّ الظهور قريب (ص ٨).
(٢٦٢) داعية ومفكِّر مصري، ليسانس في الدراسات الإسلاميَّة واللغة العربيَّة،
كلّيَّة دار العلوم، جامعة القاهرة.
(٢٦٣) إنَّ المهدي المنتظَر على قيد الحياة/ الدليل العاشر.
حُجَج الموقِّتين:
كما يُعبِّر عنها مَنْ لا يرى(٢٦٤) أيَّ إشكال في التوقيت، وليس هناك أيُّ حرمة أو
نهي لتحديد زمن ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
أوَّلاً: أنَّ الأحاديث والروايات الشريفة التي تنهى عن التوقيت مقيَّدة وليست
عامَّة مطلقة، وهي تفيد تكذيب مَنْ ينسب التوقيت إلى أهل البيت (عليهم السلام)،
وذامَّة لخصوص التوقيت المنسوب لهم (عليهم السلام)، أي إنَّ الموقِّتين كاذبون إذا
نسبوا لأهل البيت (عليهم السلام) توقيتاً لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
لأنَّهم (عليهم السلام) لم يُوقِّتوا فيما مضى، ولا يُوقِّتون فيما يستقبل.
ثانياً: هناك رواية تُثبِت أنَّ الأئمَّة من أهل البيت (عليهم السلام) قد وقَّتوا
لشيعتهم في يوم ما، ولكنَّ الله سبحانه وتعالى بدا له الأمر وبدَّل وقت الظهور، كما
في هذه الرواية: عَنْ أَبِي حَمْزَةَ اَلثُّمَالِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي
جَعْفَرٍ (عليه السلام): إِنَّ عَلِيًّا (عليه السلام) كَانَ يَقُولُ: «إِلَى
اَلسَّبْعِينَ بَلَاءٌ»، وَكَانَ يَقُولُ: «بَعْدَ اَلْبَلَاءِ رَخَاءٌ»، وَ قَدْ
مَضَتِ اَلسَّبْعُونَ وَلَمْ نَرَ رَخَاءً، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام):
«يَا ثَابِتُ، إِنَّ اَللهَ تَعَالَى كَانَ وَقَّتَ هَذَا اَلْأَمْرَ فِي
اَلسَّبْعِينَ، فَلَمَّا قُتِلَ اَلْحُسَيْنُ (عليه السلام) اِشْتَدَّ غَضَبُ اَلله
عَلَى أَهْلِ اَلْأَرْضِ، فَأَخَّرَهُ إِلَى أَرْبَعِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ،
فَحَدَّثْنَاكُمْ، فَأَذَعْتُمُ اَلْحَدِيثَ، وَكَشَفْتُمْ قِنَاعَ اَلسِّرِّ،
فَأَخَّرَهُ اَللهُ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَنَا وَقْتاً، وَ﴿يَمْحُوا
اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]»، قَالَ
أَبُو حَمْزَةَ: وَقُلْتُ ذَلِكَ لِأَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، فَقَالَ:
«قَدْ كَانَ ذَاكَ»(٢٦٥)، الرواية واضحة - وكما يقول ماجد المهدي -
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦٤) راجع: كتاب اقترب الظهور لعبد محمّد حسن (ص ١٤)، وكذلك بحث: هل التوقيت
للظهور المبارك محرَّم أو منهيٌّ عنه؟ الروايات والعقل ينفي هذا.. لماجد المهدي،
موقع شبكة هجر الثقافيَّة بتاريخ (١٠/١٢/٢٠٠٦م).
(٢٦٥) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٨/ ح ٤١٧).
فلو كان التوقيت
محرَّماً أو ممنوعاً، فهل من الممكن للمعصوم أنْ يرتكب المحرَّم والممنوع؟!
ثالثاً: هناك روايات لأهل البيت (عليهم السلام) تمنع من التسمية للإمام الحجَّة
(عجَّل الله فرجه)، بل نفهم من روايات عديدة أنَّ ذكر اسم الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) ممنوعٌ ومنهيٌّ عنه، بل ومحرَّم شرعاً، والأكثر من هذا أنَّ هناك رواية
بها لعن كلِّ مَنْ يُسمِّيه في مجمع من الناس.. إذاً فكلُّنا ملعونون ونحن
نُسمِّيه(٢٦٦) باسمه الشريف (عجَّل الله فرجه) ليل نهار، في التجمُّعات وعلى منابر
الجوامع والحسينيَّات وعلى صفحات الإنترنت، ومَنْ منَّا لا يعرف اسمه (عجَّل الله
فرجه)؟!
إذاً.. كيف يستقيم هذا مع ما لدينا من أحاديث وروايات عن أهل البيت (عليهم السلام)
ذكروا فيها اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، بل ويوجد لدينا حديث نُقِلَ عن
أهل البيت (عليهم السلام) عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ذكر أسماء الخلفاء
أو الأئمَّة الاثني عشر الذين سيأتون بعده، كلّاً باسمه، ومَنْ يقرأ هذا الحديث
سيعرف أنَّ اسم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو: (م ح م د) بن الإمام الحسن
العسكري.. ولذا يمكن تطبيق هذا على التوقيت كذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦٦) ذكر السيِّد محمّد الحسيني الشيرازي (قدّس سرّه) في كتابه الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، جاء فيه: (قالوا: لا يجوز ذكر اسمه في زمن الغيبة، لكن هذا الكلام غير متيقَّن، فإنَّ الظروف السياسيَّة في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) وما والاه لم تسمح بذكر اسمه الشريف، باعتبار أنَّ العبَّاسيِّين ومَنْ أشبههم كانوا يسعون بإخماد ذكره (عليه السلام) وقتله، بزعم أنَّهم يتمكَّنون من إطفاء نور الله.. وإلَّا فالظاهر أنَّ ذكر اسمه المبارك في هذا الزمان جائز، وإنْ كان تمام الحكمة في التحريم في ذلك الزمان غير بيِّن لنا.. وقد اختُلِفَ في حرمة التسمية وذكر اسمه المبارك، والمشهور في الأزمنة المتأخِّرة: شرعيَّة ذكر الاسم وجوازه، وإنَّما الحرمة كانت مختصَّة في زمن الغيبة الصغرى لأسباب ذكرناها..)، ورأي الإمام الشيرازي كما جاء في موسوعة الفقه (ج ٩٣/ كتاب المحرَّمات/ ص ١٩٨): (تسمية الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه) باسم (م ح م د): الظاهر أنَّ تسميته (عليه الصلاة والسلام) بهذا الاسم ليس بمحرَّم...، فالقول بالحرمة مشكل، وإنْ كان الاحتياط في الترك).
رابعاً: الشيخ الكليني في (الكافي) عقد ثمانية أبواب لصاحب الزمان (عجَّل الله
فرجه)، سادسها بعنوان (باب كراهية التوقيت)، روى فيه خبرين عن الإمام الباقر (عليه
السلام) وخمسة أخبار عن الإمام الصادق (عليه السلام) في نفي التوقيت لظهوره (عجَّل
الله فرجه)، ويبقى أنَّه لماذا عبَّر عنه بالكراهية دون الحرمة؟.. ويسأل - ماجد
المهدي - عن السبب وراء تسمية الكليني لهذا الباب بـ(كراهية التوقيت) وليس حرمة أو
منع التوقيت؟
النهي عن التوقيت: (الروايات والعقل):
يدَّعي البعض أنَّه بالإمكان التوقيت لظهور الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، ومن
خلال البحث ودراسة الأدلَّة الشرعيَّة والعقليَّة، نجد أنَّ النهي عن التوقيت من
الأُمور التي ورد التأكيد عليها في كثير من الأخبار والروايات، وإحالته إلى الله
سبحانه وتعالى، ويُستفاد من بعض الأخبار أنَّ مَنْ وقَّت له (عجَّل الله فرجه)
وقتاً فقد شارك الله في علمه، والحكمة الإلهيَّة اقتضت أنْ يكون وقت الظهور مجهولاً
ومكتوماً عن الناس، كخفاء الأُمور الأُخرى، مثل ليلة القدر، أو وقت الموت.
إنَّ العلَّة في النهي عن توقيت أو تحديد أو تعيين يوم الظهور يرتبط بالحكمة
الإلهيَّة وبالأسرار الكثيرة التي تكتنف سيرته وحياته (عجَّل الله فرجه) كقضيَّة
الغيبة مثلاً، لذا فالسرُّ الأساس في عدم التوقيت في تقديرنا يرتبط بشؤون علم
الغيب.. لذا سنجتهد في استشفاف جزء من حكمة أو علَّة النهي عن التوقيت، والحكمة من
إخفاء وقت ظهوره (عجَّل الله فرجه)، ويتَّضح لنا ذلك من الآتي:
أوَّلاً: تحديد وقت الظهور منهيٌّ عنه لروايات عديدة وأخبار كثيرة صريحة في ذلك:
قد دلَّت عدَّة من الروايات الشريفة بالنهي عن التوقيت، أو تعيين وقت محدَّد لظهور
الإمام (عجَّل الله فرجه)، وتكذيب مَنْ وَقَّتَ لظهوره وقتاً معيَّناً، لأنَّ ذلك
سرٌّ
من أسرار الله سبحانه وتعالى.. جاء في التوقيع الصادر عن الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) بواسطة النائب الثاني محمّد بن عثمان العمري: «وَأَمَّا ظُهُورُ
اَلْفَرَجِ فَإِنَّهُ إِلَى اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَكَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ»(٢٦٧)..
وجاء في توقيع الناحية المقدَّسة بواسطة النائب الرابع عليِّ بن محمّد السمري: «...
فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلثَّانِيَةُ (وفي رواية الطوسي: التامَّة)، فَلَا
ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَلله (عزَّ وجلَّ)...»(٢٦٨).
ورُوِيَ عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «أَبَى اَللهُ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ
وَقْتَ اَلمُوَقِّتِينَ»(٢٦٩)..
وروى الصدوق (رحمه الله) عَنْ عَبْدِ اَلسَّلَامِ بْنِ صَالِحٍ اَلْهَرَوِيِّ،
قَالَ: سَمِعْتُ دِعْبِلَ بْنَ عَلِيٍّ اَلْخُزَاعِيَّ يَقُولُ: أَنْشَدْتُ
مَوْلاَيَ اَلرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى (عليهما السلام) قَصِيدَتِيَ اَلَّتِي
أَوَّلُهَا:
مَدَارِسُ آيَاتٍ خَلَتْ مِنْ تِلَاوَةٍ * * * وَمَنْزِلُ وَحْيٍ مُقْفِرُ اَلْعَرَصَاتِ
فَلَمَّا اِنْتَهَيْتُ إِلَى قَوْلِي:
خُرُوجُ إِمَامٍ لَا مَحَالَةَ خَارِجٌ * * * يَقُومُ عَلَى اِسْمِ اَلله
وَاَلْبَرَكَاتِ
يُمَيِّزُ فِينَا كُلَّ حَقٍّ وَبَاطِلٍ * * * وَيُجْزِي عَلَى اَلنَّعْمَاءِ
وَاَلنَّقِمَاتِ
بَكَى اَلرِّضَا (عليه السلام) بُكَاءً شَدِيداً، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ لِي: «يَا خُزَاعِيُّ، نَطَقَ رُوحُ اَلْقُدُسِ عَلَى لِسَانِكَ بِهَذَيْنِ اَلْبَيْتَيْنِ، فَهَلْ تَدْرِي مَنْ هَذَا اَلْإِمَامُ وَمَتَى يَقُومُ؟»، فَقُلْتُ: لَا يَا مَوْلَايَ إِلاَّ أَنِّي سَمِعْتُ بِخُرُوجِ إِمَامٍ مِنْكُمْ يُطَهِّرُ اَلْأَرْضَ مِنَ اَلْفَسَادِ وَيَمْلَؤُهَا عَدْلاً [كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً]، فَقَالَ: «يَا دِعْبِلُ، اَلْإِمَامُ بَعْدِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦٧) كمال الدِّين (ص ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤).
(٢٦٨) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤)؛ الغيبة للطوسي (ص ٢٩٥/ ح ٣٦٥).
(٢٦٩) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٤).
مُحَمَّدٌ اِبْنِي،
وَبَعْدَ مُحَمَّدٍ اِبْنُهُ عَلِيٌّ، وَبَعْدَ عَلِيٍّ اِبْنُهُ اَلْحَسَنُ،
وَبَعْدَ اَلْحَسَنِ اِبْنُهُ اَلْحُجَّةُ اَلْقَائِمُ اَلمُنْتَظَرُ فِي
غَيْبَتِهِ، اَلمُطَاعُ فِي ظُهُورِهِ، لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ اَلدُّنْيَا إِلَّا
يَوْمٌ وَاحِدٌ لَطَوَّلَ اَللهُ (عزَّ وجلَّ) ذَلِكَ اَلْيَوْمَ حَتَّى يَخْرُجَ
فَيَمْلَأَ اَلْأَرْضَ عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْراً، وَأَمَّا مَتَى فَإِخْبَارٌ
عَنِ اَلْوَقْتِ، فَقَدْ حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم
السلام) أَنَّ اَلنَّبِيَّ (صلَّى الله عليه وآله) قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اَلله،
مَتَى يَخْرُجُ اَلْقَائِمُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ؟ فَقَالَ (عليه السلام): مَثَلُهُ
مَثَلُ اَلسَّاعَةِ اَلَّتِي ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ
فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف:
١٨٧]»(٢٧٠).
وردت أخبار عديدة عن النبيِّ وأهل بيته (عليهم السلام) تُكذِّب وتُؤكِّد على تكذيب
كلِّ مَنْ يُوقِّت للظهور، وتنفي أنْ يكون أحد المعصومين (عليهم السلام) قد أخبر عن
ذلك، فليس هناك توقيت لظهور الإمام أبداً، بل إنَّ الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)
كذَّبوا كلَّ مَنْ يقول بذلك.. فقد سأل الفضيل الإمام الباقر (عليه السلام): هَلْ
لِهَذَا اَلْأَمْرِ وَقْتٌ؟ فَقَالَ: «كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، كَذَبَ
اَلْوَقَّاتُونَ، كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ»(٢٧١)..
وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله
(عليه السلام) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِهْزَمٌ اَلْأَسَدِيُّ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي
جُعِلْتُ فِدَاكَ مَتَى هَذَا اَلْأَمْرُ اَلَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ فَقَدْ طَالَ؟
فَقَالَ: «يَا مِهْزَمُ، كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، وَهَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ،
وَنَجَا اَلمُسَلِّمُونَ، وَإِلَيْنَا يَصِيرُونَ»(٢٧٢)..
وَعَنْ أَبِي بَصِيرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: سَأَلْتُهُ
عَنِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَقَالَ:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٠) كمال الدِّين (ص ٣٧٢ و٣٧٣/ باب ٣٥/ ح ٦).
(٢٧١) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٥ و٤٢٦/ ح ٤١١).
(٢٧٢) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٦/ ح ٤١٣)؛ وبتفاوت يسير في: الإمامة والتبصرة (ص ٩٥/
ح ٨٧)؛ الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢)؛ الغيبة للنعماني (ص ٣٠٤/ باب
١٦/ ح ١١).
«كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ، إِنَّا أَهْلُ
بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ»، ثُمَّ قَالَ: «أَبَى اَللهُ إِلَّا أَنْ يُخْلِفَ وَقْتَ
اَلمُوَقِّتِينَ»(٢٧٣)..
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ:
«مَنْ وَقَّتَ لَكَ مِنَ اَلنَّاسِ شَيْئاً فَلَا تَهَابَنَّ أَنْ تُكَذِّبَهُ،
فَلَسْنَا نُوَقِّتُ لِأَحَدٍ وَقْتاً»(٢٧٤)..
إذاً المستفاد من مجموع الأحاديث والأخبار بأنَّه لا يجوز (التوقيت) باعتبار النهي
الذي صدر من النبيِّ وأهل بيته (عليهم السلام).
قد يقول قائل: إنَّ هناك فرقاً، بين أنْ يكون التوقيت منسوباً لأهل البيت (عليهم
السلام)، أو منسوباً لغيرهم (أفراد عاديِّين ممَّن ليسوا من أهل العصمة).. وأنَّ
التوقيت المأمورين بتكذيبه في أخبارهم (عليهم السلام)، هو المنسوب لهم فقط..
فيُجاب على هذا القول أو الاحتمال: بعدم ورود شيء من الأدلَّة المشيرة إلى ذلك في
أخبارهم (عليهم السلام)، فتبقى أدلَّة المنع على عمومها في شمولها للمنع من صدور
التوقيت منهم (عليهم السلام) أو من سائر الناس عموماً، وعليه فيكون التوقيت
المأمورين بتكذيبه سواءً نُسِبَ إلى أهل البيت (عليهم السلام) أو إلى سائر الناس
إعمالاً للعموم المستفاد من خبر الفضيل وغيره من الأخبار.
إذاً.. نستنتج من ذلك كلِّه، أنَّ وقت ظهور الإمام (روحي فداه) خاضع للإرادة
الإلهيَّة، وانتظار الإذن من الله (عزَّ وجلَّ) له (عجَّل الله فرجه) بالظهور..
وعليه فإنَّ تحديد أو تعيين أيِّ توقيت يُعتبَر جزافاً ومن غير أيِّ دليلٍ.. كيف
وقد أجمع المؤمنون على أنَّ وقت اليوم الموعود موكول إلى علم الله (عزَّ وجلَّ)، مع
الغموض التامِّ بالنسبة إلى الناس، بل ظاهر بعض الروايات أنَّه خُفِيَ حتَّى على
المعصومين أنفسهم، ومن هنا يكون تحديد أيِّ تاريخٍ معيَّنٍ لظهوره (عجَّل الله
فرجه) جزافاً محضاً وكذباً صريحاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٣) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٤ و٣٠٥/ باب ١٦/ ح ١٢).
(٢٧٤) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٦/ ح ٤١٤).
ثانياً: تحديد وقت الظهور يتعارض مع فلسفة الانتظار، ويُؤدِّي إلى يأس وقنوط
الأُمَّة:
قد أخفى الله تبارك وتعالى وقت ظهور وليِّه الحجَّة بن الحسن (عجَّل الله فرجه)
لأهداف تربويَّة (نفسيَّة وروحيَّة) عظيمة، وليكون المؤمنون منتظرين له (عجَّل الله
فرجه) في جميع أوقاتهم.. ولنفترض أنَّ التوقيت (جائز)، فماذا يترتَّب على تعيين وقت
ظهوره (عجَّل الله فرجه) من نتائج؟ مثلاً: حُدِّد بعد ألف عام.. إنَّ المؤمنين سوف
يفقدون روحيَّة الانتظار، وسيفقدون تبعاً لذلك حالة الارتباط المعنوي والوجداني
بإمامهم الغائب (عجَّل الله فرجه)، وسيكون الأمر أقرب إلى الأُسطورة من الواقع،
وإلى الخيال من الحقيقة، فتموت وتتحلَّل القضيَّة المهدويَّة تدريجيًّا لدى الأجيال
المتلاحقة، وهذا الموت والتحلُّل التدريجي قد حصل على صعيد عقيدة التوحيد عند
الأُمَم السابقة، فما الذي يمنع دون حصوله بصدد القضيَّة المهدويَّة لدى هذه
الأُمَّة؟.. وحينها لا تجد مَنْ يتحمَّس للقضيَّة المهدويَّة، ولا مَنْ ينشدها
بهمَّة عالية، ولـمَّا وُجِدَ المنتظرون الذين يحملون علاقة الحُبِّ والارتباط
بالقضيَّة كما شهدناها في التاريخ ونشهدها اليوم.
إنَّ أهل البيت (عليهم السلام) امتنعوا عن التوقيت لأنَّه بعلمهم اللَّدُنِّي وما
وهبهم الله سبحانه وتعالى من حكمة ومعرفة، فهموا أنَّهم لو أطلعوا شيعتهم على وقت
ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وبالتأكيد سيكون بعد قرون عديدة - كما نحن
متأكِّدون منه الآن - وليس في زمان قريب من وقت إخبارهم بالوقت المعلوم، فهذا لن
يكون في صالح الأُمَّة والموالين، وسيُصاب المؤمنون بيأس من ظهور صاحب الزمان
(عجَّل الله فرجه)، وربَّما أدَّى ذلك إلى فتنة كبيرة تصيب الأُمَّة الإسلاميَّة..
روى عَلِيُّ بْنِ يَقْطِينٍ، قَالَ: قَالَ لِي أَبُو اَلْحَسَنِ مُوسَى بْنِ
جَعْفَرٍ (عليه السلام): «يَا عَلِيُّ، اَلشِّيعَةُ تُرَبَّى بِالْأَمَانِيِّ...»،
لَوْ قِيلَ لَنَا: إِنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ لَا يَكُونُ إِلَّا إِلَى مِائَتَيْ
سَنَةٍ وَثَلَاثِمِائَةِ سَنَةٍ لَقَسَتِ اَلْقُلُوبُ وَلَرَجَعَتْ عَامَّةُ
اَلنَّاسِ عَنِ اَلْإِيمَانِ إِلَى اَلْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ قَالُوا: مَا
أَسْرَعَهُ تَأَلُّفاً لِقُلُوبِ اَلنَّاسِ وَتَقْرِيباً لِلْفَرَجِ»(٢٧٥).
إنَّ النهي عن التوقيت من أهمّ مقوِّمات انتظار الفرج، وأحد أبرز ركائز بنائه،
وعليه فإنَّ البحث أو السؤال عن وقت ظهوره (عجَّل الله فرجه)، خطأ كبير يقع فيه
مَنْ لا يعي فلسفة الانتظار، تلك الفلسفة التي تجعل المؤمن في حالة الترقُّب الدائم
والانتظار المستمرِّ لإمامه المهدي (عجَّل الله فرجه).. ففي حالة تعيين وقت ظهوره
للناس، فإنَّ الإعداد والاستعداد والنفير وغير ذلك ممَّا هو مرتبط بمسألة انتظار
الفرج، سوف لا يكون مبرَّراً، إذ إنَّ هذه الأُمور مرتبطة بعصر قبل ظهوره بقليل.
لعلَّ بعض أسرار الحكمة في إخفاء وقت الظهور، هو أنْ يبقى المؤمنون عبر القرون
ينتظرون الإمام (عجَّل الله فرجه) فيُثابون على هذا الانتظار المرِّ، فالانتظار
يدعو المؤمنين إلى الاستقامة والتقيُّد بأوامر الشريعة الغرَّاء ونواهيها، باعتبار
أنَّ ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) سيكون مباغتاً.. فلو كان وقت ظهوره المبارك
معروفاً ومحدَّداً مسبقاً، لما كان هذا الانتظار، ولكانت الآمال تنقلب إلى اليأس،
ولحُرِمَ المؤمنون ممَّن لم يكونوا قريبي العصر من وقت الظهور ثواب الانتظار..
رُوِيَ عن أبي بصير، عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ
وَمَحَاسِنِ اَلْأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ اَلْقَائِمُ
بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ اَلْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا
وَاِنْتَظِرُوا، هَنِيئاً لَكُمْ أَيَّتُهَا اَلْعِصَابَةُ اَلمَرْحُومَةُ»(٢٧٦).
إذاً.. نستنتج من ذلك كلِّه: أنَّ المؤمنين المخلصين سوف يصابون بإحباط وخيبة أمل،
عندما يعرفون وقت ظهوره (عجَّل الله فرجه) ويكون بعيداً جدًّا عن عصرهم ممَّا
سيُؤدِّي إلى الكسل والخمول وعدم توفُّر الدافعيَّة للإخلاص أكثر وأكثر، وتلاشي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٥) الغيبة للنعماني (ص ٣٠٥ و٣٠٦/ باب ١٦/ ح ١٤).
(٢٧٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).
الطموح بأنْ يصبحوا من أنصاره وأعوانه، وكذلك عدم الدعاء له بتعجيل الفرج.. فمن
رأفة الله ورحمته بهذه الأُمَّة، أنْ جعل وقت الظهور مجهولاً عند الناس، فلا
ينتابها اليأس أو يفتك بها القنوط، بل جعلها في حالة ترقُّب دائم وانتظار للفرج.
ثالثاً: تحديد وقت الظهور يُؤدِّي إلى فشل حركة الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)
في بداية ظهورها:
إنَّ توقيت ظهوره توقيت أكثر من دقيق وأكثر من حكيم، ولهذا يعتبر وحده نصف الخطَّة،
ومن أهمّيَّته فُرِضَ انتظاره مئات السنين.. إنَّ الحكمة الإلهيَّة شاءت أنْ يكون
وقت ظهور الإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه) فجائيًّا من أجل إنجاح اليوم الموعود
(يوم الفتح)، باعتبار أنَّ تاريخ وقت ظهوره لو كان محدَّداً معروفاً مسبقاً، لكان
من أشدّ العوامل على فشل الثورة العالميَّة وفناء الدولة العادلة، فإنَّه يكفي أنْ
يحتمل الأعداء ظهوره في ذلك التاريخ، فيجتمعوا للقضاء عليه في أوَّل أمره وقبل نجاح
ثورته واتِّساع حركته.
إنَّ عنصر المفاجأة في يوم ظهور الإمام ووقته له أثر فعَّال في نصره (عجَّل الله
فرجه) وإنجاح ثورته.. ثمّ إنَّ وقت الظهور وإنْ كان محدَّداً في علم الله الأزلي
المتعلِّق بكلِّ الممكنات أو المخلوقات بأسبابها ومسبَّباتها، إلَّا أنَّه بالنسبة
إلى عِلَله وشرائطه ليس له وقت محدَّد.. ويمكن توضيح ذلك: أنَّ تعيين وقت
ظهوره (عجَّل الله فرجه) للناس سوف يُؤدِّي في نهاية المطاف إلى معرفة أعداء الإمام
(عجَّل الله فرجه) الموعد، فيُهيِّئون الأرضيَّة المناسبة للقضاء عليه وإفشال
مخطَّطه، وذلك بإيجاد أعدائه الاستعداد العسكري والأمني للقضاء عليه.. ومن جهة
أُخرى يعني عدم تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق وعد الله، وذلك خلاف الحكمة وغير جائز
على الله تعالى، لأنَّ الله لا يُخلِف الميعاد.. وهنا نجد أنَّ معنى عدم تهيئة
الظروف، هو عدم إيجاد الرجال الممتحنين الذين هم شرط الظهور، وكذلك فقدان القواعد
الجماهيريَّة التي تكون كذلك بما لديها من إيمان بالعقيدة المهدويَّة.. ولكن مع
وجود الفاصلة الزمانيَّة الكبيرة التي تفصل جيل من الأجيال عن وقت الظهور المحدَّد
مسبقاً (افتراضاً لو كان هناك توقيت)، فهذا سيُؤدِّي إلى انعدام إيجاد بعض الشرائط،
ممَّا يقتضي انعدام الظهور أساساً بحيث لا يُعقَل تحقُّقه، وانعدام بعضها الآخر
يقتضي فشله ومن ثَمَّ عدم إمكان نشر العدل الكامل المستهدف في التخطيط الإلهي
الكبير(٢٧٧).. إذاً فلا بدَّ من تهيئة الظروف، لكي يمكن تحقُّق الظهور ونجاحه، وهذا
لا يتمُّ إلَّا بالامتناع عن التوقيت والنهي عنه.
رابعاً: تحديد وقت الظهور يتنافى مع تجارب الأُمَم السابقة (قَصَص الأنبياء):
إنَّ التوقيت بمعنى تحديد أو تعيين وقت الظهور، فهذا منهيٌّ عنه، لذلك وردت أحاديث
عديدة في عدم التوقيت أو تحديد ظهوره (عجَّل الله فرجه).. لكن إلى جانب ذلك جُعِلَت
له علامات يتمُّ بها معرفة موعد البشارات والفرج.. إذاً فدراسة (علامات الظهور)
ومراقبة الأخبار والأحداث في الأُمَّة الإسلاميَّة، ومراقبة التغيُّرات الدوليَّة
أو الظواهر والأحداث الكونيَّة، نستنتج منها حصول حالة معيَّنة يستشفُّ من خلالها
احتماليَّة قرب الظهور، فالروايات الصادرة عن أهل بيت النبوَّة (عليهم السلام)
تحدَّثت عن زمن الظهور وسمَّت علامات متعارف عليها بعلامات الظهور (منها المحتوم
ومنها العادي)، ولكن من غير تحديد لتاريخ أو سنة معيَّنة، كحصول الصيحة في رمضان
(مثلاً)، فهذا المعنى من الاحتماليَّة ليس منهيٌّ عنه.. بل ورد في الروايات، فعن
الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ قُدَّامَ اَلْقَائِمِ عَلَامَاتٍ تَكُونُ مِنَ
اَلله (عزَّ وجلَّ) لِلْمُؤْمِنِينَ»(٢٧٨)..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٧) موسوعة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تاريخ الغيبة الكبرى (ج ٢/ ص ٣٩٦).
(٢٧٨) كمال الدِّين (ص ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٣).
وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «لِلْقَائِمِ خَمْسُ عَلَامَاتٍ: ظُهُورُ
اَلسُّفْيَانِيِّ، وَاَلْيَمَانِيِّ، وَاَلصَّيْحَةُ مِنَ اَلسَّمَاءِ، وَقَتْلُ
اَلنَّفْسِ اَلزَّكِيَّةِ، وَاَلْخَسْفُ بِالْبَيْدَاءِ»(٢٧٩)..
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: جُعِلْتُ
فِدَاكَ، مَتَى خُرُوجُ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)؟ فَقَالَ: «يَا أَبَا مُحَمَّدٍ،
إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَا نُوَقِّتُ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ (صلَّى الله عليه
وآله): كَذَبَ اَلْوَقَّاتُونَ. يَا أَبَا مُحَمَّدٍ، إِنَّ قُدَّامَ هَذَا
اَلْأَمْرِ خَمْسَ عَلَامَاتٍ: أُولَاهُنَّ اَلنِّدَاءُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ،
وَخُرُوجُ اَلسُّفْيَانِيِّ، وَخُرُوجُ اَلْخُرَاسَانِيِّ، وَقَتْلُ اَلنَّفْسِ
اَلزَّكِيَّةِ، وَخَسْفٌ بِالْبَيْدَاءِ»(٢٨٠)..
وَعَنْ أَمِيرِ اَلمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، قَالَ: «بَيْنَ يَدَيِ اَلْقَائِمِ
مَوْتٌ أَحْمَرُ، وَمَوْتٌ أَبْيَضُ، وَجَرَادٌ فِي حِينِهِ، وَجَرَادٌ فِي غَيْرِ
حِينِهِ، أَحْمَرُ كَالدَّمِ، فَأَمَّا اَلْمَوْتُ اَلْأَحْمَرُ فَبِالسَّيْفِ،
وَأَمَّا اَلمَوْتُ اَلْأَبْيَضُ فَالطَّاعُونُ»(٢٨١)..
وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إِنَّ قُدَّامَ اَلْقَائِمِ (عليه
السلام) لَسَنَةً غَيْدَاقَةً، يَفْسُدُ فِيهَا اَلثِّمَارُ وَاَلتَّمْرُ فِي
اَلنَّخْلِ، فَلَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ»(٢٨٢)..
وروايات عديدة وكثيرة في ذكر العلامات ونستشفُّ من خلالها قرب الظهور.
من خلال استقراء التاريخ، وقراءة تجارب الأُمَم السابقة، نجد أنَّها تعرَّفت على
موعد بعثة الأنبياء والرُّسُل التي تنتظرهم من خلال علامات لديها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧٩) الغيبة للنعماني (ص ٢٦١/ باب ١٤/ ح ٩)؛ ورواه بتفاوت: الكليني (رحمه الله) في
الكافي (ج ٨/ ص ٣١٠/ ح ٤٨٣)، والصدوق (رحمه الله) في كمال الدِّين (ص ٦٥٠/ باب ٥٧/
ح ٧)، والطوسي (رحمه الله) في الغيبة (ص ٤٣٦ و٤٣٧/ ح ٤٢٧).
(٢٨٠) الغيبة للنعماني (ص ٣٠١/ باب ١٦/ ح ٦).
(٢٨١) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦١)؛ وبتفاوت يسير في: الإرشاد (ج ٢/ ص
٣٧٢)؛ الغيبة للطوسي (ص ٤٣٨/ ح ٤٣٠).
(٢٨٢) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٧٧)؛ وبتفاوت يسير في: الغيبة للطوسي (ص ٤٤٩/ ح ٤٥٠).
اكتشفت احتماليَّة
قرب ظهور النبيِّ أو الرسول المنتظَر.. فمثلاً قصَّة نبيِّ الله موسى (عليه
السلام)، فالتاريخ القديم يُحدِّثنا حين كان فرعون يقتل الذكور من بني إسرائيل
ويُبقي على الإناث أحياءً: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ
أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ
وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (القَصَص: ٤).
ففي القرآن الكريم لم يرد أكثر من هذه العبارة، ولكن الروايات شرحت لنا أنَّ هذا
القتل إنَّما قام به جلاوزة فرعون بناءً على علامات حدَّدت زمن ظهور النبيِّ
الموعود لبني إسرائيل، الذي على يديه هلاك فرعون، قال رسول الله (صلَّى الله عليه
وآله): «لَـمَّا حَضَرَتْ يُوسُفَ (عليه السلام) اَلْوَفَاةُ جَمَعَ شِيعَتَهُ
وَأَهْلَ بَيْتِهِ، فَحَمِدَ اَللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ حَدَّثَهُمْ
بِشِدَّةٍ تَنَالُهُمْ، يُقْتَلُ فِيهَا اَلرِّجَالُ، وَتُشَقُّ بُطُونُ
اَلْحَبَالَى، وَتُذْبَحُ اَلْأَطْفَالُ حَتَّى يُظْهِرَ اَللهُ اَلْحَقَّ فِي
اَلْقَائِمِ مِنْ وُلْدِ لَاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، وَهُوَ رَجُلٌ أَسْمَرُ طُوَالُ،
وَنَعَتَهُ لَهُمْ بِنَعْتِهِ، فَتَمَسَّكُوا بِذَلِكَ، وَوَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ
وَاَلشِّدَّةُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ مُنْتَظِرُونَ قِيَامَ اَلْقَائِمِ
أَرْبَعَ مِائَةِ سَنَةٍ حَتَّى إِذَا بُشِّرُوا بِوِلَادَتِهِ وَرَأَوْا
عَلَامَاتِ ظُهُورِهِ وَاِشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ اَلْبَلْوَى...»(٢٨٣)..
فعندما حُدِّد زمن ظهور النبيِّ الموعود موسى (عليه السلام) بناءً على علامات،
قرَّر فرعون عندها التخلُّص من كلِّ المولودين في زمن الظهور، وذلك بقتل كلِّ طفل
يحتمل أنَّه سيُفني حكمه، والعجب العجاب أنَّ الوليد المنتظَر تربَّى في كنف فرعون
نفسه - القصة معروفة ومشهورة -، فكان النبيُّ الموعود.. لم يرد في القرآن ولا
التوراة أنَّ هناك توقيتاً للظهور معروفاً ومحدَّداً، ولكن الروايات تقول: إنَّ
هناك علامات استند عليها فرعون، حيث استطاع تحديد وقت الولادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٣) كمال الدِّين (ص ١٤٥ و١٤٦/ باب ٦/ ح ١٢).
كذلك كلُّنا نعرف قصَّة المجوس الذين جاؤوا من ناحية فارس متَّبعين نجماً في السماء
(علامة ظهور) حتَّى وصلوا إلى بيت لحم ووجدوا مريم (عليها السلام) وقد ولدت النبيَّ
الموعود (عيسى (عليه السلام))، وأيضاً لم يكن هناك توقيت معروف أو محدَّد للظهور،
بل استُشِفَّ من خلال علامات (علامة كونيَّة)..
كما نعلم أيضاً قصَّة لقاء الرهبان للنبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وهو لا
يزال يافعاً حين كان مرافقاً لعمِّه (أبي طالب) في رحلة إلى الشام، وكيف أنَّهم
حدَّدوا فيه صفات النبيِّ العربي الموعود وهو غلام من خلال علامات لديهم (غمامة
بيضاء تُظِلُّه، خاتم النبوَّة بين كتفيه، و...)، ومن ذلك حديث بحيرى الراهب ولقاؤه
بالرسول (صلَّى الله عليه وآله)، وقد عرف النبيَّ بصفته ونعته واسمه ونَسَبه قبل
ظهوره بالنبوَّة، وكان من المنتظِرين لخروجه بناءً على علامات لديه(٢٨٤)..
ومن ذلك حديث سلمان الفارسي فإنَّه لم يزل يهاجر من بلد إلى بلد ومن راهب إلى راهب
ويبحث عن الأسرار ويستكشف الأخبار منتظِراً خروج سيِّد الأنام محمّد (صلَّى الله
عليه وآله)، فلمَّا أيقن بخروج الفرج وبُشِّر بولادته توجَّه نحو مكَّة(٢٨٥)..
وقد حدَّثنا القرآن الكريم عن لسان النبيِّ عيسى (عليه السلام) أنَّه أخبر قومه عن
بشارة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله): ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ
يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصفّ:
٦)..
وغير ذلك من الروايات والقَصَص التاريخيَّة والتي نعرف أنَّ الأُمَم السابقة كانت
لديهم علامات يعرفون من خلالها إرهاصات وقت خروج أو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٤) قصَّة اللقاء بالتفصيل تجدها في: كمال الدِّين (ص ١٨٢ - ١٨٨/ باب ١٤).
(٢٨٥) قصَّة سلمان الفارسي (رضي الله عنه) بالتفصيل تجدها في: كمال الدِّين (ص ١٦١
- ١٦٦/ باب ٩).
ظهور النبيِّ الموعود المنتظَر،
وبناءً على ذلك لم نجد مَنْ حدَّد وقت ظهور نبيٍّ منتظَر وموعود إلَّا باستشفاف
حالة معيَّنة يكتشف من خلالها قرب الظهور، أمَّا كتوقيت فلم يحصل في الأُمَم
السابقة ولا في الأُمَّة الإسلاميَّة كقضيَّة المهدي المنتظَر..
وقد قال السيِّد محمّد صادق الصدر (رحمه الله): (إنَّ العلامات لو وقعت لدلَّت على
قرب الظهور، وهذه قضيَّة صادقة لا تشتمل على التوقيت المنهي عنه على الإطلاق،
وإنَّما هي توقيت إجمالي.. باعتبار أنَّه يبقى مردَّداً بين اليوم والأيَّام، بل
بين العام والأعوام، فإنْ تخلَّل عشرة أعوام ما بين ظهور العلامة القريبة وظهور
المهدي (عليه السلام)، غير ضائر بكونها قريبة، لضآلة هذه الأعوام العشرة تجاه
الزمان الطويل السابق عليها، ومعه فلا تكون تحديداً، ولا تندرج في الأخبار النافية
للتحديد.. وبهذا تكون النتيجة: أنَّ كلَّ تحديد لتاريخ يوم الظهور كذب وواجب الرفض
إلَّا إذا كان مستنداً إلى حدوث علامة من العلامات القريبة، فإنَّه يكون صادقاً
وجائز التلقِّي بالقبول.. مع العلم، أنَّ هذه العلامات لا تدلُّ على أكثر من اقتراب
اليوم الموعود وأمَّا تحديده باليوم والشهر ونحوه، فيبقى سرًّا في علم الله تعالى،
حتَّى يتحقَّق الظهور)(٢٨٦).
ولهذا فالروايات تُؤكِّد على تكذيب مَنْ يدَّعي معرفة وقت الظهور.. وأمَّا حساب
الموقِّتين والمنجِّمين وأصحاب علم الأرقام والحروف والذين يدَّعون الإخبار عن
المغيَّبات والأسرار - في هذا الزمان - فلا يُعتَدُّ بهم ولا يُعتمَد على
توقيتاتهم، خاصَّةً مع الأخبار المسبقة من أهل البيت (عليهم السلام) بتكذيب كلِّ
مَنْ يُخبِر بوقت الظهور، كائناً مَنْ كان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٦) موسوعة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تاريخ ما بعد الظهور (ج ٣/ ص ٥٨ و٥٩)، بتصرُّف.
خامساً: تحديد وقت الظهور يتعارض مع سُنَن الله في مسألة التمحيص والتمهيد:
إنَّ الهدف من خلق الإنسان هو عبادة الله سبحانه وتعالى، الغاية الأساسيَّة من
إيجاد العبادة الكاملة والصحيحة، ونشرها في ربوع الأرض، والمتمثِّلة بتوجيه العقيدة
والعبادة الخالصة إلى الله (عزَّ وجلَّ)، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).. من هنا نعرف أنَّ الهدف الإلهي
المقصود لإيجاد الخليقة هو الحصول على الكمال العظيم المتمثِّل(٢٨٧):
١- إيجاد الفرد الكامل: يعيش الفرد حرّيَّة الاختيار، ويتجرَّد من كلِّ شيء سوى
إخلاص عبادة الله.
٢- إيجاد المجتمع الكامل: مجموعة من الأفراد يعيشون على مستوى العدل الإلهي.
٣- إيجاد الدولة العادلة: تحكم المجتمع بالحقِّ والعدل وبشريعة الله.
ولذا كثر عدد الأنبياء من أجل إعداد البشريَّة وتربيتها للوصول إلى هذا المستوى
اللَّائق، وإفهامها النظريَّة الكاملة للتشريع الإلهي (العدل)، والذي يريد الله
تعالى تطبيقها على وجه الأرض، وبها يتحقَّق الهدف الأساس لإيجاد البشريَّة.
ولعلَّ أعظم أهداف الخلقة استقلال طائفة من البشر بوظائف العبوديَّة من مرشد سماوي
وقائد ربَّاني مع بقاء الدِّين وحفظه من التحريف، ولذا جاءت الأخبار الدالَّة على
أنَّ انتظار الفرج أفضل الأعمال، قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): «أَفْضَلُ
اَلْعِبَادَةِ اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»(٢٨٨).. وقال (صلَّى الله عليه وآله):
«أَفْضَلُ جِهَادِ أُمَّتِي اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»(٢٨٩).. إذاً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨٧) راجع: موسوعة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تاريخ الغيبة الكبرى (ج ٢/ ص
٢٠٢).
(٢٨٨) كمال الدِّين (ص ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٦).
(٢٨٩) تُحَف العقول (ص ٣٧).
عبادة الانتظار هي
الحكمة والمصلحة العظيمة من الغيبة.
اليقين الذي نملكه بأنَّ دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سوف تُطبِّق العدل
الكامل، وهذا وعد إلهي صريح للمؤمنين.. فعندما يتهيَّأ الوقت المناسب في كلِّ
الأُمور، وتصبح الأوضاع مساعدة، فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) سيُظهِر منجي العالم
ولتبدأ عمليَّة إنقاذ البشريَّة من الظلم والجور، ونشر العدل والقسط.. ولكن لا بدَّ
لهذا اليوم الموعود من شروط ومقوِّمات تُحقِّق نجاحه، وإرهاصات تسبقه تُهيِّئ
الأرضيَّة المناسبة للانتصار، ومن هنا نعرف أنَّ اليوم الموعود منوط باجتماع شرائط
الظهور.. ولم يبقَ من شرائط الظهور(٢٩٠) التي لم يتمخَّض التخطيط الإلهي عن إيجاده،
ولم يحدث حتَّى الآن أمران(٢٩١):
الأمر الأوَّل: تربية الأُمَّة ككلٍّ من الناحية الفكريَّة، حتَّى يكون لها
القابليَّة لاستيعاب وفهم وتطبيق القوانين الجديدة التي تُعلَن بعد الظهور.
الأمر الثاني: تربية العدد الكافي للنصر في يوم الظهور من الأفراد المخلصين
الكاملين الممحَّصين، الذين يكونون على مستوى التضحية والفداء لتطبيق الأُطروحة
العادلة الكاملة.
وهذان الأمران يحدثان تدريجاً ونتيجةً للتربية الطويلة والبطيئة للأُمَّة، وتحت
ظروف وخصائص التمحيص والاختبار.. ولولا التخطيط الإلهي لإيجاد شرائط الظهور -
باعتبار استهدافه لليوم الموعود - لأمكن عدم تحقُّق شيء من هذه الشروط في أيِّ وقتٍ
من عمر البشريَّة الطويل، ولكنَّ الله تعالى - وهو اللطيف الخبير بعباده - شاء أنْ
يتفضَّل على البشريَّة باليوم الموعود، وأنْ يُربِّيها
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٠) لمزيد من التوسُّع في موضوع (شروط الظهور) يمكن الرجوع إلى: موسوعة الإمام
المهدي (عجَّل الله فرجه)، تاريخ الغيبة الكبرى، وتاريخ ما بعد الظهور.
(٢٩١) راجع: موسوعة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تاريخ ما بعد الظهور (ج ٣/ ص
٥١ و٥٢).
لأجل أنْ يزرع فيها بذور
المسؤوليَّة تجاهه وإيجاد الشروط التي بها تستطيع تكفُّل مسؤوليَّته.
ليس هذا فقط، بل من عدل الله سبحانه وتعالى ورحمته أنْ جعل الفرصة متاحة لكلِّ
البشر.. فالحكمة والفائدة من فترة الغيبة وطول المدَّة وكلِّ ذلك التأخير هو
التمحيص والاختبار والغربلة حتَّى يتميَّز المؤمن الحقيقي عن غيره، وتظهر كوامن
النفوس وحقيقة المدَّعين بتطبيق الحقِّ والعدل، وتنكشف خبايا المتلبِّسين بلباس
الدِّين وزيِّ الناسكين، وما اشتملت عليه الصدور، قال الله سبحانه وتعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ
* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ
صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: ٢ و٣)..
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «لَا بُدَّ
لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمَحَّصُوا، وَيُمَيَّزُوا، وَيُغَرْبَلُوا، وَيَخْرُجُ مِنَ
اَلْغِرْبَالِ خَلْقٌ كَثِيرٌ»(٢٩٢)..
وعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «وَاَلله لَتُمَيَّزُنَّ، وَاَلله
لَتُمَحَّصُنَّ، وَاَلله لَتُغَرْبَلُنَّ كَمَا يُغَرْبَلُ اَلزُّؤَانُ مِنَ
اَلْقَمْحِ»(٢٩٣)..
فبالتمحيص يعض الزمان، وتنكشف حقائق المدَّعين، وتُكشَف عورات المتستِّرين، وتُعرَف
مضمرات القلوب.. إنَّ استجابة الناس لظروف التمحيص والاختبار والتمهيد تتفاوت من
فرد إلى آخر، فمنهم مَنْ يستثمر ظروف الامتحان والتمحيص ما أمكن في تربية ذاته
وإعدادها بالتوجيه العبادي السليم والمحافظة على الهويَّة العقائديَّة والتمسُّك
بالأهداف والفضيلة (مشاعر الانتظار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٢) الغيبة للنعماني (ص ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٦)؛ ولمزيد من الروايات راجع: الكافي (ج
١/ ص ٣٦٩/ باب التمحيص والامتحان).
(٢٩٣) الغيبة للنعماني (ص ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٨).
الوجدانيَّة تجاه الإمام الغائب والاتِّجاه نحو
الولاء لقياده الإمام، وتحمُّلهم مسؤوليَّة مواجهة الواقع الفاسد بإرادة صلبة،
وتجديد البيعة للإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه)).. وبعض الناس يضعف أو يرسب في
امتحان التمحيص فيجد نفسه كما أنبأت الروايات في براثن انحراف كبير بنفس مستضعفة قد
تكون راغبة في الخلاص من الفساد، لكنَّها بسبب عجزها الداخلي وقبولها المذلِّ
بالطاعة للظالم تبقى أسيرة مستلبة الإرادة.
درجات المخلصين من أصحاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه):
إذاً.. التمحيص ينتج أفراداً يكتسبون درجةً عاليةً من الإيمان وقوَّة الإرادة،
نتيجةً لردود الفعل الصحيحة تجاه ظروف الظلم والطغيان، وهؤلاء المؤمنين المخلصين
تتفاوت درجاتهم:
الدرجة الأُولى: قادة الجيش (أصحاب الإمام (عجَّل الله فرجه) ٣١٣) لهم دور كبير في
قيادة الجيوش وفتح البلاد وإدارة الأُمور، وأثبت التمحيص والاختبار جدارتهم وقدرتهم
وكفاءتهم على التضحية في سبيل الأهداف الإسلاميَّة العليا، وقد اُختيروا بعناية
خاصَّة.
الدرجة الثانية: أفراد الجيش (أنصار الإمام (عجَّل الله فرجه))، وهم المؤمنون
الصالحون الذين يلتحقون بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وينضوون تحت لوائه
ويحاربون أعداءه، وأثبت التمحيص والاختبار أنَّ لهم نصيباً وافراً من الإيمان
الكامل والعقيدة الراسخة، وهم أقلّ امتيازاً من الأصحاب (٣١٣).
إنَّ الاطِّلاع على شرائط وأسباب الظهور وبالخصوص الشرطان (الأمران الأوَّل
والثاني) وما لهما من تأثير واقعي في إيجاد يوم الظهور.. وهل تحقَّقا فعلاً أم
لا؟.. فهو ممَّا لا يمكن أنْ يعرفه الناس إلَّا عند الظهور، فمن المتعذِّر تماماً
التأكُّد
من اجتماع شروط وأسباب الظهور، فمن ذلك حصول العدد الكافي من المخلصين
الممحَّصين في العالم.
وهذا ممَّا لا يكاد يمكن التأكُّد منه لأحدٍ من الناس الاعتياديِّين، لأنَّه لا
يمكن أنْ نعلم في الأشخاص المخلصين أنَّهم وصلوا إلى الدرجة المطلوبة من التمحيص أو
لا.. وبناءً على ذلك: فاليوم الموعود ليس لدينا أيُّ وقت محدَّد له، وإنَّما هو
منوط بحصول شرائطه وعِلَله، ولذا يمكننا أنْ نقول: متى اجتمع العدد الكافي من
المخلصين الممحَّصين للفتح العالمي المهدوي، كان يوم الظهور ناجزاً، سواءً كان زمان
وجودهم والفترة التي تقتضي تحقُّقهم.. طويلة جدًّا أو قصيرة.. وهذا دليل آخر على
أنَّ التوقيت (بمعنى تحديد أو تعيين وقت الظهور) كذب محض وبدون أيِّ دليل، فعلمه
موكَّل إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وغموض تامٌّ بالنسبة إلى الناس.
إنَّ التمحيص والتمهيد هو السرُّ في عدم التوقيت، وذلك لإيجاد وتحقُّق شرائط
الظهور، فلم يحجب وقت الظهور (وتحديد زمانه) سوى خوف الانتشار المؤدِّي إلى عدم
تحقُّق الهدفين المنشودين.. ومن هنا، فكيف يكون اختبار تصديق الناس وتسليمهم لظهور
الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي لم يعرفوا وقته، ولم يعلموا زمانه؟.. وكيف
يكون ثباتهم وصبرهم على أمر لم يطَّلعوا على حين تحقُّقه، فيُمتحَنون به؟..
فيتبيَّن الحال وتظهر حقائق الرجال، ولذا: اقتضت الحكمة الإلهيَّة البارعة إخفاء
زمان الظهور وعدم توقيته.
تعليمات أهل البيت (عليهم السلام) بالابتعاد عن التوقيت:
ثبت تأكيداً النهي عن تعيين أو توقيت موعد محدَّد لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه)، ولكنَّ البعض يقول: إنَّه بالاستعانة بعلم الحروف أو الجمع بين الروايات
أمكنه تحديد وقت ظهور وليِّ الأمر (روحي لمقدمه الفداء).
على كلِّ حالٍ، نحن نُخطِّئ ونُكذِّب كلَّ مَنْ يتكهَّن بوقت الظهور، لأنَّ التوقيت
خلاف للشرع الإسلامي ولتعليمات أهل البيت (عليهم السلام)، ومنهي عنه في عشرات
الأحاديث والروايات الشريفة.. لما له من أضرار على المجتمع الإسلامي وعلى المؤمنين،
فإذا تمَّ تعيين وقت ظهور الإمام (عجَّل الله فرجه) وصدَّق بعض الناس ذلك، إمَّا
بسبب حُبِّهم الشديد للمنتظَر أو لجهلهم بحقائق الأُمور، ولم يحصل الظهور عمليًّا،
فإنَّ اعتقادهم سيتزعزع في هذه الحالة..
يذكر السيِّد حسن الأبطحي في كتابه (المصلح الغيبي) القصَّة التالية: (أذكر قبل
عشرين عاماً - في إيران - أنَّ أحد الناس رغب في البهائيَّة وأحبَّها، فذهبت إليه
أستطلعه عن سبب تغييره الفكري، فنقل لي القضيَّة التالية، فقال: قبل عدَّة سنوات
اعتقدت ووثقت بأحد أولياء الله تعالى إلى درجة أنَّني تصوَّرت أنَّه لم يبلغ أحد
منزلته العلميَّة والفكريَّة. وفي أحد الأيَّام قال لي: في العشرة الأخيرة من شهر
جمادى الآخرة من هذا العام سيظهر صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، وشرح لي أنَّه
بالحساب، وجمع ونقل الروايات والرؤيا الصادقة وغير ذلك، تمكَّن من استنتاج ظهور
الحجَّة (عجَّل الله فرجه) في هذا الوقت. فانقطعت عن العمل مع بعض الإخوة الآخرين
الذين اعتقدوا مثلي بروايته وبقينا قلقين نترقَّب ظهور الحجَّة (عجَّل الله فرجه)
في ذلك اليوم الموعود، ولكن وبعد مرور الموعد المحدَّد وحتَّى بعده بأيَّام وأسابيع
وأشهر لم يظهر صاحب الزمان فأصابني هلع فكري، وبدأ الشكُّ يتسرَّب إلى قلبي وروحي
ونفسي وعقلي بكلِّ شيء، وأخيراً قلت لنفسي: ألَا يجوز أنْ تكون بقيَّة القضايا التي
يطرحها علينا الأولياء ويُريدون منَّا تصديقها، مثل هذه القضيَّة سراب في سراب؟
وبدأ اعتقادي يتزعزع قليلاً قليلاً، فانحرفت إلى مذهب البهائيَّة، ذلك المذهب الذي
لا يتقيَّد بأيِّ شيء على الإطلاق)(٢٩٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٤) المصلح الغيبي (ص ١٦١).
ولهذا فإنَّ النصوص الشرعيَّة حثَّت المؤمنين على ترك الاستعجال في أمر ظهور الإمام
المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، فَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ:
كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام) إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِهْزَمٌ
اَلْأَسَدِيُّ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي جُعِلْتُ فِدَاكَ مَتَى هَذَا اَلْأَمْرُ
اَلَّذِي تَنْتَظِرُونَهُ فَقَدْ طَالَ؟ فَقَالَ: «يَا مِهْزَمُ، كَذَبَ
اَلْوَقَّاتُونَ، وَهَلَكَ اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَنَجَا اَلمُسَلِّمُونَ،
وَإِلَيْنَا يَصِيرُونَ»(٢٩٥)، فالأئمَّة (عليهم السلام) يطلبون من القواعد
الشعبيَّة المؤمنة بالتريُّث وعدم العجلة، وخاصَّةً في حالة ظهور المهدي (عجَّل
الله فرجه).. فالاستعجال تعبير واضح عن قلق النفس واضطرابها، واليأس من تغيير واقع
الظلم السياسي والاجتماعي الموجَّه ضدَّ الجماهير المؤمنة، ولذا فالاستعجال ردَّة
فعل لمن ليست لديهم القدرة على الصبر وتحمُّل الأذى، أو التحرُّك في الحياة بمفهوم
إيجابي للانتظار، وليست لديهم حالة كبيرة من الاستعداد النفسي لتغيير واقعهم
الفاسد.. كذلك يترك (الاستعجال) قلقاً عصابيًّا في النفس إذا طالت فترة الغيبة
الكبرى، ممَّا يُؤدِّي إلى فشل هؤلاء - المستعجلون - في التغيير، حيث يتفجَّر
حقدها، وتيأس، ويذبل الأمل لديها.
توصيات أهل البيت (عليهم السلام) لشيعتهم:
في مثل هذه الظروف (إطالة فترة الغيبة الكبرى) فإنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم
السلام) أخذوا يوصون أولياءهم ومحبِّيهم وشيعتهم بالاهتمام بهذين الأمرين
الأساسيَّين:
أوَّلاً: انتظار الفرج:
والذي عبَّرت عنه الروايات بأنَّه أفضل العبادة، فقد مدحت أخبار أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٥) الغيبة للطوسي (ص ٤٢٦/ ح ٤١٣)؛ وبتفاوت يسير في: الإمامة والتبصرة (ص ٩٥/ ح ٨٧)؛ الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢)؛ الغيبة للنعماني (ص ٣٠٤/ باب ١٦/ ح ١١).
البيت (عليهم
السلام) المنتظِرين لخروجه، كما وضَّحت كيفيَّة هذا الانتظار وشروطه، كما بيَّنت
تكاليف المنتظِرين في زمن الغيبة الكبرى.. عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«اِنْتَظِرُوا اَلْفَرَجَ، وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اَلله، فَإِنَّ أَحَبَّ
اَلْأَعْمَالِ إِلَى اَلله (عزَّ وجلَّ) اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ مَا دَامَ عَلَيْهِ
اَلْعَبْدُ اَلمُؤْمِنُ»(٢٩٦)، و«اَلمُنْتَظِرُ لِأَمْرِنَا كَالمُتَشَحِّطِ
بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اَلله»(٢٩٧)..
ولتوضيح معنى الانتظار جاء في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال:
«مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ اَلْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ
وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَمَحَاسِنِ اَلْأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ
مَاتَ وَقَامَ اَلْقَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ اَلْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ
أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَاِنْتَظِرُوا، هَنِيئاً لَكُمْ أَيَّتُهَا اَلْعِصَابَةُ
اَلمَرْحُومَةُ»(٢٩٨).. ولكنَّ التوقيت والاستعجال وعدم الصبر من الأُمور المنهي
عنها، وتتعارض مع معنى الانتظار الإيجابي، سُئِلَ الإمام الجواد (عليه السلام):
لِمَ سُمِّيَ اَلمُنْتَظَرَ؟ قَالَ: «لِأَنَّ لَهُ غَيْبَةً يَكْثُرُ أَيَّامُهَا،
وَيَطُولُ أَمَدُهَا، فَيَنْتَظِرُ خُرُوجَهُ اَلمُخْلِصُونَ، وَيُنْكِرُهُ
اَلمُرْتَابُونَ، وَيَسْتَهْزِئُ بِذِكْرِهِ اَلْجَاحِدُونَ، وَيَكْذِبُ فِيهَا
اَلْوَقَّاتُونَ، وَيَهْلِكُ فِيهَا اَلمُسْتَعْجِلُونَ، وَيَنْجُو فِيهَا
اَلمُسَلِّمُونَ»(٢٩٩).
والمعروف أنَّ الانتظار هو حالة ترقُّب واستعداد وتهيئة النفس والمساعدة في تهيئة
الظروف والتمهيد لقرب الظهور.. وأجلى مصاديق الانتظار هو الاطِّلاع على (الثقافة
المهدويَّة) والتشبُّع بها، ومتابعة كلِّ ما يرتبط بالإمام الغائب (عجَّل الله
فرجه)، ومعرفة شرائط الظهور وعلاماته، والحرص على متابعة العلامات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩٦) الخصال (ص ٦١٦/ حديث أربعمائة).
(٢٩٧) كمال الدِّين (ص ٦٤٥/ باب ٥٥/ ح ٦).
(٢٩٨) الغيبة للنعماني (ص ٢٠٧/ باب ١١/ ح ١٦).
(٢٩٩) كمال الدِّين (ص ٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٣).
ومطالعة الأحداث
التي تسبق ظهور القائم (عجَّل الله فرجه).. فالمعروف من حالة المنتظِر لقدوم غائب
أو عودة مسافر تكون بتأمُّل الطريق وملاحظة علامات وشروط القدوم، خاصَّةً إذا كان
المنتظَر أكثر محبوبيَّة وأعظم نفعاً، فتزداد حالة الترقُّب والتلهُّف والشوق
والاستعداد لحصول حالة اللقاء.. والأهمُّ من هذا وذاك هو إعداد النفس لتتأهُّل
لنصرة الإمام (عجَّل الله فرجه) والسير في ركبه، فلا يسع المنتظِرون للإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه) والمترِقِّبون للفرج إلَّا المداومة في تعديل السلوك وتصحيح
الأعمال وتطبيقها على ضوء الشريعة الإسلاميَّة تحسُّباً لظهور القائم (عجَّل الله
فرجه)، وذلك باتِّباع الآتي:
١ - أنْ نجعل من أنفسنا شخصيَّات إسلاميَّة واعية، وذلك بتعميق الوعي العقائدي،
والالتزام بالسلوك الإسلامي الصحيح.
٢ - تهيئة النفس وتربيتها على التضحية والبذل والجهاد في سبيل الله والممارسة
الفعليَّة للعطاء والتضحية.
٣ - علينا أنْ نقوم بدور التمهيد لظهوره (عجَّل الله فرجه)، وذلك ببثِّ الوعي
الإسلامي الصحيح على أوسع نطاق في العالم.
وهذا هو المعنى الحقيقي الإيجابي للانتظار.. وهنا يتجلَّى الدليل في تأكيد الأخبار
على أنَّ: «أَفْضَلُ اَلْعِبَادَةِ بَعْدَ اَلمَعْرِفَةِ اِنْتِظَارُ اَلْفَرَجِ»..
كما رُوِيَ عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام)(٣٠٠).
وطالما أنَّ قضيَّة الانتظار ترتبط بالفكر والعقيدة المهدويَّة، فإنَّه يمكن النظر
إلى هذا المفهوم من ثلاثة آثار، وهي:
١ - الأثر المعرفي: ويعني ثقافة الانتظار وأحكامها، ومعتقدات المنتظِرِين وأفكارهم
وما لديهم من أدلَّة وبراهين لتأييد عقيدة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)،
واستشراف حوادث المستقبل وأخذ الموقف الشرعي تجاهها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٠) تُحَف العقول (ص ٤٠٣).
٢ - الأثر الوجداني: ويتمثَّل في المشاعر السيكولوجيَّة المؤثِّرة سلباً وإيجاباً
في المنتظِرِين للمهدي الموعود (عجَّل الله فرجه)، ويشمل كافة الاستعدادات
النفسيَّة والذهنيَّة وقبول تحدّيات ومشاكل عصر الغيبة.
٣ - الأثر السلوكي: توجيه الإنسان المنتظِر.. سلوكيًّا وأخلاقيًّا نحو تطبيق مناهج
الإسلام المختلفة في الحياة، وممارسة المنتظِرين للأحكام الإسلاميَّة والأعمال
العباديَّة حسب الفكر والعقيدة المهدويَّة في عصر الغيبة.
ثانياً: الدعاء بتعجيل الفرج:
إنَّ الدعاء وسيلة حيَّة وفاعلة للتعبير عن هموم المنتظِرين وآمالهم، لما له من
إسهام في تهيئة الظرف المؤهِّل لاستقبال الإمام (عجَّل الله فرجه)، بالإضافة لكونه
دليل صدقٍ للإيمان بالعقيدة المهدويَّة والإيحاء بها ممَّا يُؤدِّي إلى تركيزها في
نفس المؤمن المنتظِر.. فالدعاء بتعجيل فرج الإمام (عجَّل الله فرجه) يُشعِر المؤمن
أنَّه يعيش ذكر إمامه الغائب، فيعمر قلبه دائماً بالشوق والحنين إليه (عجَّل الله
فرجه)، فالدعاء من الروابط العظيمة والحبال المتينة ودليل محبَّة.
إنَّ الأخبار والروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) حثَّت على الدعاء بتعجيل
الفرج، لما فيه من فوائد عظيمة، وقد كتب العلَّامة الحجَّة السيِّد محمّد تقي
الموسوي الأصفهاني في ذلك سِفراً كبيراً أسماه (مكيال المكارم في فوائد الدعاء
للقائم (عجَّل الله فرجه))، ويكفي في ذلك ما جاء عن الإمام المهدي (عجَّل الله
فرجه) حيث قال: «وَأَكْثِرُوا اَلدُّعَاءَ بِتَعْجِيلِ اَلْفَرَجِ فَإِنَّ ذَلِكَ
فَرَجُكُمْ»(٣٠١)..
فمن الآداب العمليَّة في عصر الغيبة الدعاء للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بأنْ
يُعجِّل الله تعالى فرجه، وأنْ يحرسه من كيد الأعداء وينصره عليهم، خاصَّةً وأنَّه
إمام العصر والزمان، أي إمامنا الفعلي، ممَّا يفرض علينا آداباً تجاهه، ولا أبسط من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠١) كمال الدِّين (ص ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤).
ذلك معرفته والدعاء له.. قال زرارة بن أعين للإمام الصادق (عليه السلام): جُعِلْتُ
فِدَاكَ فَإِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ اَلزَّمَانَ - زمن غيبة الإمام المهدي (عجَّل
الله فرجه) - فَأَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ؟ قَالَ: «يَا زُرَارَةُ، إِنْ أَدْرَكْتَ
ذَلِكَ اَلزَّمَانَ فَأَدِمْ هَذَا اَلدُّعَاءَ: اَللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ
فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اَللَّهُمَّ
عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ
حُجَّتَكَ، اَللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي
حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي»(٣٠٢).
أمَّا كيفية الدعاء بتعجيل الفرج فله صور وأشكال عديدة ذُكِرَت في كتاب (مكيال
المكارم)(٣٠٣)، نذكر منها:
١ - أنْ يسأل الله تعالى تعجيل فرج آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله).
٢ - أنْ يسأل الله تهيئة الأسباب التي توجب تعجيل الفرج.
٣ - أنْ يسأل الله رفع ما يمنع من ظهوره (عجَّل الله فرجه).
٤ - أنْ يطلب من الله تعالى هلاك أعدائه.
٥ - أنْ يسأل الله تعجيل الفرج لجميع المؤمنين.
٦ - أنْ يسأل الله بسط العدل والقسط في مشارق الأرض ومغاربها.
٧ - أنْ يسأل الله أنْ يجعل أجر عباداته وأعماله التعجيل في فرج الإمام المهدي
(عجَّل الله فرجه).
٨ - أنْ يسأل الله بأنْ يُظهِر دين الحقِّ على جميع المِلَل والأديان.
٩ - أنْ يسأل الله التعجيل في كشف الكرب عن وجهه (عجَّل الله فرجه) وتفريج الهمِّ
والغمِّ عن قلبه (عجَّل الله فرجه).
١٠ - أنْ يسأل الله التعجيل في طلب ثار أبي عبد الله الحسين (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٢) كمال الدِّين (ص ٣٤٢ و٣٤٣/ باب ٣٣/ ح ٢٤).
(٣٠٣) مكيال المكارم (ج ٢/ ص ٦٣).
ومن هنا نُؤكِّد أنَّه لا يمكن تحديد أو تعيين وقت ظهوره (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ
تحديد الوقت مسبقاً يُفقِد المؤمنين حالة الشوق والاستعداد والترقُّب والانتظار
لظهوره (عجَّل الله فرجه).
وبالتالي سيتركون الأدعية وسائر الأعمال المؤدّية لتهيئة الأجواء والظروف المواكبة
والملائمة لاستقبال اليوم الموعود.
* * *
القسم الثاني: الحصول على الصورة الفوتوغرافيَّة للإمام ادِّعاء كاذب
مهلاً يا سادة.. لماذا التصديق؟! تعليق على الصورة المتداولة والمزعومة أنَّها
تخصُّ صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)(٣٠٤).. فقد تداول في الآونة الأخيرة في
الأوساط الشيعيَّة في منطقة الخليج عبر البريد الإلكتروني والبلوتوث ومواقع النت
لقطة فيديو عبارة عن شخص عادي مشارك في إحدى مسيرات العزاء في كربلاء وقيل بأنَّها
صورة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ممَّا أثار الشكوك حول مصداقيَّة الصورة من
عدمها؟
ومن هنا لا بدَّ من معرفة بعض الحقائق في القضيَّة المهدويَّة، ومن ثَمَّ نستطيع
الحكم على الصورة!
أوَّلاً: هناك العديد من الروايات التي تُحرِّم على المؤمن التلفُّظ باسم الإمام
المهدي الحقيقي وذلك خوفاً عليه، فكيف بنشر صورته.
ثانياً: هناك العديد من الروايات التي تُحرِّم التوقيت وتحديد زمن ظهور الإمام
(عجَّل الله فرجه)، وذلك من أجل إنجاح ثورته أو حركته المباركة في بداية ظهورها..
لأنَّ عند معرفة الأعداء بزمن ظهوره (عجَّل الله فرجه) فإنَّهم سوف يستعدُّون
للقضاء عليه في بداية حركته وقبل أنْ يشتدَّ عوده مع أنصاره وأصحابه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٤) مقال نُشِرَ للمؤلِّف في مجلَّة الانتظار (العدد السابع/ شوَّال ١٤٢٧هـ)، والتي تصدر عن مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
ثالثاً: قدرات الإمام والإمكانيَّات المؤهَّل بها تُمكِّنه من الاختفاء ومن غير
أيِّ نقاط ضعف في ذلك.. وقَصَص اللقاءات معه (عجَّل الله فرجه) أكبر دليل على ذلك.
رابعاً: الروايات التي تُحرِّم وتُكذِّب الرؤية والمشاهدة في زمن الغيبة الكبرى
أكبر دليل على ذلك.. وأكبر مصداق في أنْ ندَّعي رؤيته.. وإنْ كان معنى الروايات
ادِّعاء النيابة أو السفارة.. ومن باب ذلك ينطبق عليها المشاهدة.
خامساً: لا ننسى أنَّ هناك العديد من مدَّعي المهدويَّة في العصر الحديث وقبل ظهوره
المقدَّس كما صرَّحت بذلك الروايات.. فيجب أنْ لا نُؤخَذ على حين غفلة.
لا بدَّ أنْ نعرف أنَّ حبَّنا وشوقنا لصاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) يدفعنا لعدم
تعريضه للخطر.. فكيف بنا إذا كان الأعداء يحاولون القضاء عليه.. ونقوم ببساطتنا أنْ
نساعدهم بذلك؟.. لقد قال الشيخ الكوراني في مقدَّمة كتابه (عصر الظهور)(٣٠٥) بأنَّ
الاستخبارات الأمريكيَّة لديها ملف متكامل عن صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) ولا
ينقصهم إلَّا صورته.. فهل نُعطيهم الصورة على طبق من ذهب وبكلِّ سذاجة أم نتحفَّظ
عليها؟.. إذا افترضنا بأنَّ الصورة صحيحة.. فكيف إذا عرفنا أنَّه لا يمكن الحصول
على الصورة.. لأنَّه سبحانه وتعالى المتكفِّل بحفظه ورعايته في زمن غيبته.
لا بدَّ أنْ نسأل: هل هناك إمكانيَّة لتسريب صورة الإمام (عجَّل الله فرجه)
الحقيقيَّة من غير رضاه أم ماذا؟.. إذا كان الجواب.. لا.. فلماذا انتشرت هذه الصورة
وتحت أيِّ مسمَّى؟.. ولماذا تداول المقطع عند شيعة أهل البيت (عليهم السلام)؟!
ليكن عندنا وعي وإدراك لحقائق الأُمور.. ونُحكِّم العقل قبل العاطفة، فليس من السهل
حقيقة الحصول على صورته (عجَّل الله فرجه).. وإلَّا شككنا في إمكانيَّاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠٥) عصر الظهور (ص ٣).
لكم الآن أنْ تحكموا هل الصورة المنشورة في صفحات الإنترنيت لصاحب العصر والزمان (روحي فداه) أم أنَّ القصَّة من الأساس غير صحيحة؟ مساكين نحن نُضيِّع وقتنا في البحث عن الإمام (عجَّل الله فرجه) في الخارج.. وهو ساكن في قلب كلِّ مؤمن.
* * *
١ - القرآن الكريم.
٢ - إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: الحرُّ العاملي/ ط ١/ ١٤٢٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/
بيروت.
٣ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/
دار المفيد/ بيروت.
٤ - استعدُّوا فإنَّ الظهور قريب: السيِّد حسين حجازي/ ط ١/ ٢٠٠٦م/ دار المحجَّة
البيضاء.
٥ - أصالة المهدويَّة في الإسلام: مهدي الفقيه إيماني/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ مؤسَّسة معارف
إسلامي/ قمّ.
٦ - الأغاني: أبو الفرج الأصفهاني/ دار إحياء التراث العربي.
٧ - إلزام الناصب: الشيخ عليّ اليزدي الحائري/ تحقيق: السيِّد عليّ عاشور.
٨ - الإمام المنتظَر (عليه السلام) من ولادته إلى دولته: السيِّد عليٌّ الحسيني
الصدر/ ط ١/ ١٤٢٤هـ/ قم.
٩ - الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال: الشيخ محمّد باقر
الإيرواني/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ مركز الأبحاث العقائديَّة/ قمّ.
١٠ - الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من المهد إلى الظهور: السيِّد محمّد كاظم
القزويني/ ط ١/ ١٤٢٧هـ/ دار الأنصار/ قمّ.
١١ - الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) نظرة في التاريخ ورؤية للمستقبل: كمال
السيِّد/ ٢٠٠٢م/ الغدير للدراسات والنشر.
١٢ - الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) وأدعياء البابيَّة والمهدويَّة بين
النظريَّة والواقع: السيِّد عدنان البكَّاء/ ط ١/ ١٤٤٤هـ/ مركز الدراسات
التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ النجف الأشرف.
١٣ - الإمام المهدي واليوم الموعود: الشيخ خليل رزق/ ط ٣/ ١٤٢٩هـ/ دار الولاء/
بيروت.
١٤ - الإمامة والتبصرة: ابن بابويه/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ مدرسة الإمام الهادي (عليه
السلام)/ قمّ.
١٥ - إنَّ المهدي المنتظَر على قيد الحياة: أحمد عبد الله زكي عميش/ ط ١/ ٢٠٠٦م.
١٦ - الأنوار النعمانيَّة: السيِّد نعمة الله الجزائري/ قدَّم له وعلَّق عليه:
محمّد عليّ القاضي الطباطبائي/ ط ١/ ١٤٣١هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
١٧ - بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمَّة الأطهار: العلَّامة المجلسي/
تحقيق: يحيى العابدي الزنجاني وعبد الرحيم الربَّاني الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٣هـ/
مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
١٨ - بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه): السيِّد محمّد باقر الصدر/ تحقيق: عبد
الجبَّار شرارة/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
١٩ - البرهان في علامات مهدي آخر الزمان: المتَّقي الهندي/ تحقيق وتعليق: عليّ أكبر
الغفاري/ ١٣٩٩هـ/ مطبعة الخيَّام/ قمّ.
٢٠ - تاريخ ابن الوردي: زين الدِّين ابن الوردي.
٢١ - تاريخ ابن خلدون: ابن خلدون/ ط ٤/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٢٢ - تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة: السيِّد شرف الدِّين عليّ
الحسيني الأسترآبادي/ ط ١/ ١٤٠٧هـ/ مدرسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قمّ.
٢٣ - تُحَف العقول عن آل الرسول: ابن شعبة الحرَّاني/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر
الغفاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم
المشرَّفة.
٢٤ - التذكرة في أحوال الموتى وأُمور الآخرة: محمّد بن أحمد القرطبي/ خرَّج أحاديثه
وعلَّق عليه: الداني بن منير آل زهوي/ ١٤٢٣هـ/ المكتبة العصريَّة/ بيروت.
٢٥ - التراث الإسرائيلي في العهد القديم وموقف القرآن الكريم منه: صابر طعيمة/
١٣٩٩هـ/ دار الجيل/ بيروت.
٢٦ - تفسير ابن كثير: ابن كثير/ تقديم: يوسف المرعشلي/ ١٤١٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
٢٧ - تفسير العيَّاشي: محمّد بن مسعود العيَّاشي/ تحقيق: السيِّد هاشم الرسولي
المحلَّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٢٨ - تفسير القمِّي: عليُّ بن إبراهيم القمِّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب
الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
٢٩ - حقيقة الاعتقاد بالإمام المهدي المنتظَر: أحمد حسين يعقوب/ ط ١/ ٢٠٠٠م/ دار
الملاك.
٣٠ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم الأصفهاني/ ط ١/ دار أُمّ القرى/
القاهرة.
٣١ - الخصال: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٦٢ش/ مؤسَّسة النشر
الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٣٢ - ديوان المتنبِّي: أبو الطيِّب المتنبِّي/ ١٤٠٣هـ/ دار بيروت.
٣٣ - ذلك يوم الخروج (دراسة حول ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)): السيِّد حسين
المدرِّسي/ ط ١/ ١٣٨٤ش/ أنصاريان/ قمّ.
٣٤ - ربيع الأبرار ونصوص الأخبار: محمود بن عمر الزمخشري/ تحقيق: عبد الأمير مهنا/
ط ١/ ١٤١٢هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٣٥ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق
وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
٣٦ - سُنَن أبي داود: أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق وتعليق: سعيد
محمّد اللحَّام/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٧ - سيكولوجيَّة الانتظار (دراسة للأبعاد النفسيَّة في عقيدة المهدي المنتظَر
(عليه السلام)): يوسف مدن/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار الهادي/ بيروت.
٣٨ - شُبُهات وردود: السيِّد سامي البدري/ ط ٢/ ١٤١٧هـ/ نشر حبيب.
٣٩ - صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري الجعفي/ ط ٢/ ١٤١٠هـ/ أوقاف مصر.
٤٠ - صحيح مسلم: مسلم بن الحجَّاج بن مسلم القشيري النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
٤١ - طبقات الشافعيَّة الكبرى: عبد الوهَّاب بن عليٍّ السبكي/ تحقيق: محمود محمّد
الطناحي وعبد الفتَّاح محمّد الحلو/ دار إحياء الكُتُب العربيَّة.
٤٢ - ظاهرة الغيبة ودعوى السفارة في ظلِّ إمامة المهدي المنتظَر (عليه السلام):
ميرزا محسن آل عصفور/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ مجموعة البحوث العلميَّة الشاخورة/ بحرين.
٤٣ - عصر الظهور: عليٌّ الكوراني/ ط١/ ١٤٠٨هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي/ قمّ.
٤٤ - عقد الدُّرَر في أخبار المنتظَر: يوسف بن يحيى المقدسي/ تحقيق: عبد الفتَّاح
محمّد الحلو/ ط ١/ ١٣٩٩هـ/ مكتبة عالم الفكر/ القاهرة.
٤٥ - العقد الفريد: أحمد بن محمّد بن عبد ربِّه الأندلسي/ تحقيق وتصحيح: مفيد محمّد
قميحة/ ط ١/ ١٤٠٤هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٤٦ - عقيدة المسيح الدجَّال في الأديان: سعيد أيُّوب/ ط ٢/ ١٤٢٣هـ/ دار الهادي/
بيروت.
٤٧ - علوم الحديث ومصطلحه (عرض ودراسة): الدكتور صبحي الصالح/ ط ٢/ ١٣٨٣هـ/ مطبعة
جامعة دمشق.
٤٨ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار
الهدى.
٤٩ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/
١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٥٠ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/
١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٥١ - الفجر المقدَّس (المهدي (عليه السلام) إرهاصات اليوم الموعود وأحداث سنة
الظهور): مجتبى السادة/ ط ١/ ١٤٢١هـ/ دار الخليج العربي/ بيروت.
٥٢ - الفردوس بمأثور الخطاب: شيرويه بن شهردار أبو شجاع الديلمي الهمذاني/ تحقيق:
السعيد بن بسيوني زغلول/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٥٣ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/
دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٥٤ - الكتاب المقدَّس، العهد الجديد: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٥٥ - الكتاب المقدَّس، العهد القديم: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٥٦ - كتاب سُلَيم: سُلَيم بن قيس الهلالي الكوفي/ تحقيق: محمّد باقر الأنصاري
الزنجاني/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دليل ما.
٥٧ - الكشكول: الشيخ يوسف البحراني (المحقِّق البحراني)/ ط ١/ ١٩٩٨م/ دار ومكتبة
الهلال/ بيروت.
٥٨ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/
١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٥٩ - مائتان وخمسون علامة حتَّى ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): السيِّد
محمّد عليّ الطباطبائي الحسني/ ط ١/ ١٩٩٩م.
٦٠ - مجمع البيان في تفسير القرآن: أمين الإسلام أبو عليٍّ الفضل بن الحسن الطبرسي/
قدَّم له: السيِّد محسن الأمين العاملي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٦١ - المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله الحاكم النيسابوري/ إشراف: يوسف عبد
الرحمن المرعشلي.
٦٢ - المستطرف في كلِّ فنٍّ مستظرف: شهاب الدِّين محمّد بن أحمد الأبشيهي/ قدَّم له
وضبطه وشرحه: صلاح الدِّين الهواري/ ط ١/ ٢٠٠٠م/ دار ومكتبة الهلال/ بيروت.
٦٣ - مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ تحقيق عدَّة محقِّقين/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة
الرسالة/ بيروت.
٦٤ - مكيال المكارم: ميرزا محمّد تقي الأصفهاني/ تحقيق: عليّ عاشور/ ط ١/ ١٤٢١هـ/
مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٦٥ - الملاحم والفتن: ابن طاوس/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة صاحب الأمر/ أصفهان.
٦٦ - مَنْ لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/
مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٦٧ - منهاج السُّنَّة النبويَّة في نقض كلام الشيعة القدريَّة: أحمد بن عبد الحليم
ابن تيميَّة الحرَّاني الحنبلي الدمشقي/ تحقيق: محمّد رشاد سالم/ ط ١/ ١٤٠٦هـ/
جامعة الإمام محمّد بن سعود الإسلاميَّة.
٦٨ - المهدي المنتظَر (عليه السلام) في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: الدكتور عبد
العليم عبد العظيم البستوي/ ط ١/ ١٤٢٠هـ/ المكتبة المكّيَّة/ مكَّة المكرَّمة.
٦٩ - المهدي المنتظَر بين الحقيقة والخيال: عبد القادر أحمد عطا/ ط ١/ ١٤٠٠هـ/ دار
العلوم للطباعة/ القاهرة.
٧٠ - المهدي المنتظَر في الفكر الإسلامي: مركز الرسالة/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ قمّ.
٧١ - موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام): السيِّد محمّد الصدر/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار
التعارف للمطبوعات/ بيروت.
٧٢ - موسوعة الفقه: السيِّد محمّد الشيرازي/ ط ٢/ ١٤٠٧هـ/ دار العلوم/ بيروت.
٧٣ - نهاية الأرب في فنون الأدب: شهاب الدِّين أحمد بن عبد الوهَّاب النويري/ وزارة
الثقافة والإرشاد القومي/ المؤسَّسة المصريَّة العامَّة للتأليف والترجمة والطباعة
والنشر.
٧٤ - نهج البلاغة: خُطَب أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ما اختاره وجمعه: الشريف
الرضي/ تحقيق: الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ، وبشرح محمّد عبدة/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ دار
الذخائر/ قمّ.
٧٥ - ينابيع المودَّة لذوي القربى: سليمان بن إبراهيم القندوزي الحنفي/ تحقيق:
السيِّد عليّ جمال أشرف الحسيني/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ دار الأُسوة.
* * *
