المهدوية (جدلية الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني)

 

 

المهدوية
جدلية الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني
 

 

مجتبى السادة
 

 

إشراف وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الطبعة الأولى ١٤٤٧هـ
 

 

الفهرس

مقدَّمة المركز...................٣
الإهداء...................٥
المقدَّمة...................٧
جدليَّة الإيمان والمواجهة.. رؤية استراتيجيَّة...................٩
رسالة الكتاب.. تحرير الإنسان وبناء الحضارة...................١٠
المهدويَّة كمنظومة فكريَّة متكاملة...................١٠
عنوان الكتاب: (المهدويَّة.. جدليَّة الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني)...................١٠
المهدويَّة.. معركة وعي وصراع إرادات...................١٢
هذا الكتاب...................١٢
التمهيد: جدليَّة الإيمان والمواجهة المفتاح المنهجي لفهم المهدويَّة عالميًّا...................١٥
المهدويَّة وميض الأمل في عالم التحدّيات...................١٩
أوَّلاً: المهدويَّة.. جدليَّة الإيمان الفطري مقابل مواجهة الهيمنة البنيويَّة...................٢٠
ثانياً: المهدويَّة.. جدليَّة الوعي المستمرِّ مقابل أسئلة الوجود الكبرى...................٢١
ثالثاً: المهدويَّة.. جدليَّة الحضور الدِّيني مقابل الغياب الفلسفي...................٢٣
رابعاً: المهدويَّة.. جدليَّة نبع الإيمان مقابل متاهات العصر...................٢٤
خامساً: المهدويَّة.. جدليَّة الوعي بالواقع المؤلم مقابل وعد الخلاص المستقبلي...................٢٥
سادساً: المهدويَّة.. جدليَّة العدل والكرامة مقابل الظلم والجور...................٢٧
سابعاً: المهدويَّة.. جدليَّة التسليم للأمل مقابل غياب المسؤوليَّة...................٢٨
ثامناً: المهدويَّة.. جدليَّة الحضور في الوجدان العالمي مقابل الحرب الخفيَّة ضدَّها...................٢٩
الفائدة من الكشف عن الجدليَّة المرتبطة بالمهدويَّة...................٣٢
١ - على المستوى الفكري...................٣٢
٢ - على المستوى الحضاري...................٣٢
٣ - على المستوى الاستراتيجي...................٣٢
المهدويَّة.. إحياء لروح الخلاص وتجاوز للانقسامات...................٣٣
تحرير الوعي وتشكيل رأي عامٍّ عالمي جديد...................٣٤
تفكيك جذور الصراعات وفهم الدوافع الخفيَّة...................٣٥
صياغة لغة إنسانيَّة جديدة جامعة وإعادة تعريف المستقبل...................٣٦
المهدويَّة.. رمز لاستنهاض الضمير الإنساني العالمي...................٣٧
المهدويَّة.. تأسيس لرؤية حضاريَّة عادلة...................٣٨
المهدويَّة جدليَّة رحلة الإنسان نحو العدالة...................٤١
المحور الأوَّل: المهدويَّة والجدليَّة في الضمير الإنساني...................٤٣
المحور الثاني: المهدويَّة وجدليَّة الإيمان والمقاومة في الفكر العالمي...................٤٥
١ - جدليَّة الإيمان في الحضارات.. التوق الإنساني للخلاص...................٤٥
٢ - جدليَّة المقاومة.. أنماط التحدِّي للظلم...................٤٦
٣ - المهدويَّة كرؤية توازن.. الجسر بين الإيمان والمقاومة...................٤٦
٤ - المهدويَّة مشروع الكرامة الإنسانيَّة...................٤٧
المحور الثالث: المهدويَّة مركزيَّة في الصراع العالمي...................٤٨
المحور الرابع: المهدويَّة كدافع وجداني للعدالة...................٥١
المحور الخامس: المهدويَّة والرؤية الشاملة للعدالة...................٥٣
العدالة الشاملة.. جوهر المهدويَّة ومضمونها العميق...................٥٤
الإنسان في المهدويَّة.. محور العدالة وغايتها...................٥٤
المهدويَّة وفلسفة العدل الشامل...................٥٥
العدالة في واقعنا المعاصر.. جدليَّة المهدويَّة والواقع الدولي...................٥٦
العدالة المهدويَّة الشاملة.. نهضة حضاريَّة جديدة للإنسانيَّة...................٥٦
لماذا هذا الكتاب؟...................٥٨
رسالة الكتاب.. تعريف المهدويَّة بصيغة حضاريَّة للبشريَّة...................٦٠
الفصل الأوَّل: المهدويَّة.. جوهر الخلاص الجامع بين الأديان السماويَّة...................٦٣
براهين المهدويَّة من الكُتُب المقدَّسة...................٧٠
التوراة وملحقاتها: العهد القديم (اليهود)...................٧٠
الإنجيل وملحقاته: العهد الجديد (المسيحيُّون)...................٦٩
القرآن الكريم (المسلمون)...................٧١
كُتُب الأديان الأُخرى:...................٧١
تجلّيات المخلِّص في الأديان.. نظرة إحصائيَّة...................٧٤
المخلِّص في ضمير الأُمَم.. رحلة تاريخيَّة...................٧٦
بناء فكرة المخلِّص عبر  الأنبياء والرُّسُل...................٧٧
وحدة المخلِّص أم تعدُّده.. جدليَّة النهاية الكبرى...................٧٩
وحدة المصدر الإلهي...................٧٩
النصوص لا تشير إلى  تعدُّد المخلِّصين...................٨٠
وحدة الهدف والغاية الكونيَّة...................٨٠
اتِّفاق علامات الظهور...................٨٠
انطباق النصوص على  المهدي (عجَّل الله فرجه) وحده...................٨١
بشائر المخلِّص.. تقارب علامات النهاية...................٨٦
النداء والصيحة السماويَّة...................٨٧
في العهد القديم (اليهوديَّة)...................٨٧
في العهد الجديد (المسيحيَّة)...................٨٧
في الإسلام...................٨٨
معركة قرقيسيا.. مائدة الله...................٨٨
في العهد القديم (اليهوديَّة)...................٨٨
في العهد الجديد (المسيحيَّة)...................٨٩
في الإسلام:...................٨٩
الرجعة...................٩٠
في العهد القديم (اليهوديَّة)...................٩٠
في العهد الجديد (المسيحيَّة)...................٩١
في الإسلام:...................٩١
الظواهر الطبيعيَّة (سماويَّة وأرضيَّة)...................٩٢
في العهد القديم (اليهوديَّة)...................٩٢
في العهد الجديد (المسيحيَّة)...................٩٣
في الإسلام...................٩٣
علامات آخر الزمان...................٩٤
يأجوج ومأجوج (Gog and Magog)...................٩٤
الدجَّال (Ad-Dajjal)...................٩٥
دابَّة الأرض (The Earth Creature)...................٩٥
تفعيل التراث الحضاري في بناء صورة المخلِّص...................٩٧
رؤى  الخلاص المنتظَر لدى  أتباع الديانات السماويَّة...................١٠٢
رؤية اليهود...................١٠٢
رؤية المسيحيِّين...................١٠٣
رؤية المسلمين...................١٠٥
الفصل الثاني: الإيمان بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعدمه...................١٠٧
رؤية نهاية التاريخ في الفلسفة الغربيَّة نموذجاً...................١٠٩
لماذا الإيمان بالمخلِّص الإلهي (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه))...................١١٢
أوَّلاً: المخلِّص وبرهان الفطرة...................١١٣
ثانياً: المخلِّص وطريق الاستدلال العقلي...................١١٥
ثالثاً: المخلِّص وطريق الإرشاد السماوي...................١١٦
هل المخلِّص الموعود هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟...................١١٨
البشارات في التراث الدِّيني تنطبق على  المخلِّص المهدي (عجَّل الله فرجه) فقط...................١٢٠
الفرق بين نهاية التاريخ ونهاية الكون...................١٢٣
١ - التعريف...................١٢٤
٢ - المنظور...................١٢٤
٣ - الزمن...................١٢٤
٤ - التأثير...................١٢٥
٥ - الأمثلة...................١٢٥
نهاية التاريخ في الفكر الفلسفي الغربي...................١٢٦
١ - نظريَّة هيجل لنهاية التاريخ...................١٢٧
٢ - نظريَّة ماركس لنهاية التاريخ...................١٢٨
٣ - نظريَّة فوكوياما لنهاية التاريخ...................١٢٩
٤ - نظريَّة هنتنغتون لنهاية التاريخ...................١٣١
أركان نظريَّة هنتنغتون...................١٣١
٥ - نظريَّة ما بعد الحداثة لنهاية التاريخ...................١٣٣
خصائص النظريَّة...................١٣٣
نهاية التاريخ في الرؤى  الدِّينيَّة السماويَّة...................١٣٨
اليهود...................١٣٩
الرؤية الأساسيَّة...................١٣٩
النظرة الدِّينيَّة...................١٣٩
النظرة السياسيَّة...................١٤٠
المسيحيُّون...................١٤١
الرؤيَّة الأساسيَّة...................١٤١
النظرة الدِّينيَّة المسيحيَّة...................١٤٢
النظرة السياسيَّة...................١٤٣
المسلمون...................١٤٣
الرؤية الأساسيَّة:...................١٤٤
الأثر المعنوي للرؤية الإسلاميَّة المتمثِّلة في المهدويَّة على المؤمنين بها من أفراد ومجتمعات...................١٤٦
النظرة الدِّينيَّة...................١٤٦
١ - مبدأ الاستخلاف...................١٤٧
٢ - مبدأ الوعد...................١٤٧
٣ - مبدأ الإرث...................١٤٧
النظرة السياسيَّة...................١٤٨
الثمرة...................١٤٩
أثر الإيمان بالمهدويَّة في رؤية نهاية التاريخ...................١٥٠
النواحي الإيجابيَّة للإيمان بالمهدويَّة...................١٥٠
النواحي السلبيَّة لعدم الإيمان بالمهدويَّة...................١٥٢
لماذا يتجاهل الغرب المهدويَّة كرؤية لنهاية التاريخ؟...................١٥٤
أثر عدم الإيمان بالمخلِّص (المهدي) على  المجتمعات الغربيَّة...................١٥٨
انتشار نبوءات يوم القيامة...................١٦٠
الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل أملاً مشتركاً للبشريَّة كافَّة...................١٦٢
١ - القِيَم الإنسانيَّة المشتركة...................١٦٢
٢ - الأمل في المستقبل...................١٦٣
٣ - التغلُّب على  التحدّيات...................١٦٣
٤ - احترام الأديان السماويَّة:...................١٦٤
الفصل الثالث: المهدويَّة في مرآة الاستشراق قراءة تحليليَّة بين الكلاسيكيَّة والحداثة...................١٦٧
المهدويَّة ومراحل الاستشراق التاريخيَّة...................١٧١
المهدويَّة في قلب الاستشراق.. دوافع وأسرار كامنة عبر التاريخ...................١٧٣
١ - المرحلة الاستكشافيَّة والعلميَّة (القرن ١٨ - ١٩)...................١٧٤
٢ - المرحلة الاستعماريَّة (أواخر القرن ١٩ - منتصف القرن ٢٠)...................١٧٤
٣ - المرحلة الفكريَّة الباردة (بعد الحرب العالميَّة الثانية)...................١٧٥
٤ - المرحلة المعاصرة (أواخر القرن ٢٠ حتَّى الآن)...................١٧٦
الأهداف الكامنة...................١٧٦
المهدويَّة في أدب الاستشراق...................١٧٨
المهدويَّة في أدبيَّات الاستشراق الكلاسيكي.. بين الدِّين والتاريخ...................١٧٨
المهدويَّة في أدبيَّات الاستشراق الحديث.. بين الأمن والسياسيَّة...................١٨٧
تحوُّلات الاستشراق حول المهدويَّة بين الأمس واليوم...................١٩٦
أوَّلاً: الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة حول المهدويَّة...................١٩٦
أ - أبرز السمات...................١٩٦
ب - أبرز الآراء الكلاسيكيَّة حول المهدويَّة...................١٩٨
ثانياً: الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول المهدويَّة...................١٩٩
أ - أبرز السمات...................١٩٩
ب - أبرز الآراء الحديثة حول المهدويَّة...................٢٠١
الدوافع والأهداف التي تقف وراء دراسة الغرب للمهدويَّة...................٢٠٥
دراسة المهدويَّة بين الأيديولوجيا والأهداف الاستعماريَّة...................٢٠٥
مقاصد تناول الاستشراق الكلاسيكي للعقيدة المهدويَّة...................٢٠٧
أ - البواعث...................٢٠٧
ب - الدوافع...................٢٠٨
ج - الأهداف...................٢٠٨
مقاصد تناول الاستشراق الحديث للعقيدة المهدويَّة...................٢٠٩
أ - البواعث...................٢٠٩
ب - الدوافع...................٢١٠
ج - الأهداف...................٢١٠
التحوُّلات في الدوافع والأهداف من الكلاسيكيَّة إلى  الحداثة...................٢١٢
الأهداف الغربيَّة من توظيف الدراسات المهدويَّة...................٢١٢
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة في الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة للمهدويَّة...................٢١٦
١ - الهواجس الأمنيَّة تجاه الحركات المهدويَّة...................٢١٦
٢ - أدوات النفوذ الثقافي والسياسي...................٢١٦
٣ - الخوف من (المهدويَّة) كرمز للمقاومة...................٢١٧
٤ - المهدويَّة كأيديولوجيَّة مضادَّة للعولمة الغربيَّة...................٢١٧
٥ - البُعد النفسي والوجداني للعقيدة المهدويَّة...................٢١٨
٦ - التحليل الاستخباراتي للظاهرة المهدويَّة...................٢١٨
رؤية استراتيجيَّة...................٢١٨
النقد الموجَّه للدراسات الاستشراقيَّة حول العقيدة المهدويَّة...................٢٢٠
نقد النظرة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة...................٢٢٠
١ - المنهجيَّة: القراءة الناقصة والمتجزِّأة...................٢٢١
٢ - الأبعاد الفكريَّة: التحيُّز الثقافي والدِّيني...................٢٢١
٣ - الأبعاد السياسيَّة: القراءة الاستعماريَّة للعقيدة المهدويَّة...................٢٢٢
٤ - الدوافع والأهداف: دعم التبشير والاستعمار...................٢٢٣
٥ - النتائج: إخفاق في فهم حقيقة المهدويَّة...................٢٢٤
خاتمة: العقيدة المهدويَّة بين تشوُّه القراءة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة وسمُوِّ الحقيقة الإسلاميَّة...................٢٢٦
نقد النظرة الاستشراقيَّة الحديثة...................٢٢٦
١ - الإطار المنهجي: هيمنة الأدوات الغربيَّة...................٢٢٧
٢ - النطاق الثقافي والفكري: فقدان العمق والسياق...................٢٢٨
٣ - المبالغة في البُعد السياسي...................٢٣٠
٤ - البُعد الأمني: سيناريوهات مبالغ فيها...................٢٣١
٥ - غياب النظرة التكامليَّة...................٢٣٢
خاتمة: نحو فهم متكامل للعقيدة المهدويَّة...................٢٣٣
الفصل الرابع: الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا...................٢٣٥
الانطلاقة الأخيرة للحرب الخفيَّة...................٢٣٩
مَنْ هم الأعداء؟...................٢٤٢
المسوِّغات الفكريَّة والركائز العقائديَّة لمعاداة المهدي (عجَّل الله فرجه)...................٢٤٧
لماذا يحاربون المهدويَّة؟ الأسباب الحقيقيَّة...................٢٥٥
الأوَّل: الخوف من المهدويَّة مستقبلاً...................٢٥٦
الثاني: الخوف من الديناميكيَّة الكامنة في العقيدة المهدويَّة...................٢٦٠
الثالث: الخوف من انتشار مبادئ وقِيَم المهدويَّة في الغرب...................٢٦٢
الأهداف الاستراتيجيَّة للحرب السرّيَّة...................٢٦٤
أوَّلاً: نسف العقيدة المهدويَّة من الأساس والتشكيك في مصداقيَّتها...................٢٦٥
ثانياً: خلق حالة من الكره النفسي والعقلي للإمام (عجَّل الله فرجه) وللعقيدة المهدويَّة...................٢٦٦
ثالثاً: ضرب المرجعيَّة الدِّينيَّة الشيعيَّة...................٢٦٦
رابعاً: إضعاف القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) ومحاربة الأرضيَّة المؤيِّدة والمعاضدة له قبل خروجه...................٢٦٦
خامساً: تحصين الشعوب الغربيَّة والرأي العامِّ العالمي من التأثُّر بمبادئ وقِيَم المهدويَّة الأصيلة...................٢٦٧
المهدي (عجَّل الله فرجه) كما يُصوِّره الأعداء...................٢٧٠
تشويه الصورة...................٢٧٠
المهدي الدجَّال...................٢٧١
المهدي الإرهابي...................٢٧٢
المهدي صنيعة الاستخبارات...................٢٧٣
ساحات الحرب السرّيَّة وطبيعتها...................٢٧٦
أوَّلاً: ساحة المواجهة مع الإمام شخصيًّا...................٢٧٦
ثانياً: ساحة المواجهة مع قاعدته الشعبيَّة...................٢٧٨
الأوَّل: المرجعيَّة الدِّينيَّة (نُوَّاب الإمام)...................٢٨٠
الثاني: الجماهير المؤمنة (القاعدة الشعبيَّة للإمام)...................٢٨١
ثالثاً: ساحة المواجهة مع الرأي العامِّ الغربي والعالمي...................٢٨٢
آليَّات الحرب السرّيَّة...................٢٨٥
الميدان العملي...................٢٨٦
الميدان الثقافي...................٢٨٧
١ - رجال الصهيونيَّة والمخابرات الدوليَّة...................٢٨٧
٢ - حركات دعاة المهدويَّة في العالم الإسلامي...................٢٨٨
الميدان الإعلامي...................٢٨٨
الميدان الشامل...................٢٩٠
شذرات مهدويَّة في خضمِّ الحرب...................٢٩٣
خلاصة القول والثمرة...................٢٩٦
التوصيات...................٢٩٨
الفصل الخامس: دلائل العصر.. تصاعد الاهتمام المخلِّص الموعود في وجدان شعوب العالم...................٣٠٣
المهدويَّة رسالة ربَّانيَّة خالدة (البشريَّة تنتظر)...................٣٠٧
١ - الإسلام...................٣٠٨
٢ - المسيحيَّة...................٣٠٨
٣ - اليهوديَّة...................٣٠٨
دلائل تشير إلى  صحوة عالميَّة بحثاً عن المخلِّص...................٣١٢
١ - نهاية العالم والمخلِّص الموعود.. نظرة إحصائيَّة عالميَّة...................٣١٣
٢ - كثرة الإصدارات الثقافيَّة...................٣٢٣
٣ - توقيت عودة المسيح...................٣٣٠
الأسباب الكامنة وراء ازدياد البحث عن المخلِّص...................٣٣٥
١ - الأزمات والاضطرابات السياسيَّة...................٣٣٥
٢ - الكوارث العالميَّة الكبرى...................٣٣٦
٣ - البحث عن العدالة...................٣٣٧
٤ - التحوُّلات الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة...................٣٣٨
قراءة فكريَّة واستراتيجيَّة لدلالات تصاعد الاهتمام بالمخلِّص الموعود...................٣٤١
التحليل الاستراتيجي...................٣٤١
١ - مؤشِّر على قلقٍ وجوديٍّ حقيقيٍّ...................٣٤٢
٢ - فقدان الثقة بالنظم والمؤسَّسات الدوليَّة القائمة...................٣٤٢
٣ - مؤشِّر لتحوُّلات كبرى في الرأي العامِّ العالمي...................٣٤٢
٤ - بحث عن قيادة عالميَّة واحدة...................٣٤٣
٥ - تآكل الأيديولوجيَّات والمعتقَدات السائدة...................٣٤٣
٦ - بداية تحوُّل في دورة الحضارات...................٣٤٣
٧ - الانعكاسات على السياسات الدوليَّة...................٣٤٤
استنتاج استراتيجي...................٣٤٥
التحليل الفكري...................٣٤٥
علم النفس...................٣٤٥
علم الاجتماع...................٣٤٦
التخطيط الاستراتيجي المستقبلي...................٣٤٧
استنتاج فكري...................٣٤٧
الرؤية الدِّينيَّة والروحيَّة...................٣٤٨
١ - التطلُّع إلى الخلاص الروحي الشامل...................٣٤٨
٢ - إحياء النبوءات والرموز الدِّينيَّة الكبرى...................٣٤٨
٣ - حاجة البشريَّة إلى مرشد ربَّاني...................٣٤٩
٤ - مؤشِّر على أزمة أخلاقيَّة عالميَّة...................٣٤٩
٥ - انعكاس لمفهوم النهاية والبداية في الأديان...................٣٥٠
سرُّ الانتظار...................٣٥٠
ما الذي يدفع مليَّارات البشر للبحث عن المخلِّص حاليًّا؟...................٣٥٠
استنتاج من منظور أيديولوجي (العودة إلى  الروحانيَّة)...................٣٥١
خلاصة استراتيجيَّة...................٣٥٢
جسر الحضارات فوائد تعزيز الإيمان بالمخلِّص في وجدان الشعوب...................٣٥٣
سُبُل تعزيز عقيدة (المخلِّص الموعود) لدى  الرأي العامِّ العالمي...................٣٥٦
أبرز التحدّيات التي تواجه عقيدة المخلِّص في العالم المعاصر...................٣٥٨
١ - التنوُّع الثقافي والفكري...................٣٥٨
٢ - التحدّيات السياسيَّة...................٣٥٨
٣ - المؤسَّسات الإعلاميَّة...................٣٥٨
٤ - التحدّيات القوميَّة...................٣٥٩
٥ - التطوُّرات الاجتماعيَّة...................٣٥٩
٦ - التحدّيات الشخصيَّة...................٣٥٩
الخاتمة: المهدويَّة.. جدليَّة الخلاص ورهان الإنسانيَّة الأخير...................٣٦١
١ - المهدويَّة.. تجسيد فطري للخلاص والعدالة...................٣٦٤
٢ - المهدويَّة.. جدليَّة وعي عالمي...................٣٦٤
٣ - المهدويَّة.. محفِّز للعمل والمقاومة...................٣٦٤
٤ - المهدويَّة.. أصل فكري عالمي...................٣٦٤
٥ - المهدويَّة.. أرضيَّة استراتيجيَّة للحوار...................٣٦٥
٦ - الرؤى  الغربيَّة لنهاية التاريخ.. هيمنة سياسيَّة تفتقر للإنسانيَّة...................٣٦٥
٧ - المهدويَّة.. رؤية إيجابيَّة لمسيرة التاريخ...................٣٦٥
٨ - الاستشراق وتشويه المهدويَّة.. آليَّة هيمنة...................٣٦٥
٩ - المهدويَّة.. قوَّة تحرُّر تتجاوز الاستشراق...................٣٦٦
١٠ - المهدويَّة تواجه حرباً منظَّمة غير معلنة...................٣٦٦
١١ - استهداف المرجعيَّة الدِّينيَّة الشيعيَّة.. أداة لإضعاف المهدويَّة...................٣٦٦
١٢ - الضرورة الاستراتيجيَّة لمواجهة الحرب السرّيَّة...................٣٦٦
١٣ - الاهتمام العالمي بالمهدويَّة.. تعبير عن أزمة ثقة عميقة...................٣٦٧
١٤ - المهدويَّة وتحوُّلات الوعي العالمي...................٣٦٧
المصادر والمراجع...................٣٧٣

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
لم تكن المهدويَّة في يوم من الأيَّام عقيدة هامشيَّة في الوجدان الإنساني، ولا فكرة طارئة على حركة التاريخ، بل هي محور عميق من محاور الوعي البشري، وسؤالٌ ممتدٌّ في ضمير الحضارات كلِّها.. كيف يتحقَّق العدل؟ ومَنْ يصنع الخلاص؟
ذلكم السؤال الذي تجاوز العصور معبِّراً عن توقٍ فطريٍّ واحدٍ مفاده أنَّ العالم لا يمكن أنْ يُترَك لهذا الاضطراب الوجودي من دون ميزانٍ نهائيٍّ يُعيد للإنسان كرامته، وللبشريَّة معناها.
ومن هنا جاءت المهدويَّة بوصفها رؤية ربَّانيَّة إلهيَّة متكاملة، لا تُختزَل في حَدَثٍ تاريخيٍّ، ولا في رمزٍ روحيٍّ من غير المعصوم (عليه السلام)، بل تُمثِّل جدليَّة الحياة نفسها جدليَّة الإيمان في مواجهة العبث، وجدليَّة الوعي في مواجهة التزييف، وجدليَّة الحقِّ في مواجهة الهيمنة، وجدليَّة الإنسان في مواجهة سوداويَّة المصير.
وقد جاء هذا الكتاب ليقف في قلب هذه الجدليَّات، كدراسة لقراءة مشروع وعي استراتيجي يهدف إلى  تحرير مفهوم المهدويَّة من التوظيف الأيديولوجي الضيِّق.
وإلى إعادة إدراجها في سياقها الإنساني العالمي بوصفها فكرة خلاص مشتركة للبشريَّة جمعاء.

(٣)

وإلى  كشف المسارات الخفيَّة لصراع الإرادات حولها، سواء في الفكر الغربي أو في الاستشراق أو في مراكز القرار الدولي.
وإلى  بناء وعي جديد يجعل من المهدويَّة منظومة حضاريَّة لا مجرَّد معتقَد غيبي.
بهذه الرؤية، يتناول الكتاب جدليَّة الإيمان والمواجهة من زواياها الكبرى  من زاوية الفطرة والعقل إلى  التاريخ والأديان، ومن الفلسفات العالميَّة إلى  الاستشراق الحديث، ومن الحرب السرّيَّة ضدَّ المهدويَّة إلى  التحوُّلات العميقة في وجدان شعوب العالم الباحثة اليوم وأكثر من أيِّ وقتٍ مضى  عن مخلِّص.
ولأنَّ المهدويَّة ليست فكرة تُقرَأ فحسب، بل هي قضيَّة وعي ومسؤوليَّة مستقبل، فقد حرص مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على  تقديم هذا العمل وإسناده علميًّا وفنّيًّا، إيماناً منه بأنَّ مستقبل الوعي المهدوي هو جزء من مستقبل الوعي الإنساني كلِّه.
إنَّ هذا الكتاب وبما يحمله من عمق وتحليل واستقراء تاريخي وفلسفي وحضاري دقيق يأتي ليُؤكِّد أنَّ المهدويَّة ليست نهاية التاريخ فقط، بل بداية إنسان جديد ينهض من بين ركام الظلم ليُؤسِّس لزمن العدالة الكاملة التي وعد الله (عزَّ وجلَّ) بها عباده.
نسأل الله تعالى  أنْ يُوفِّق الأُستاذ مجتبى  السادة لمزيد من العطاء المهدوي، وأنْ يجعل هذا العمل لبنة في مشروع المعرفة المهدويَّة، وجسراً بين الوعي الذي نملكه، والوعي الذي ينتظرنا.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

(٤)

الإهداء

وقفة عرفان لثلاث شموس أشرقت في سماء الوجود، فأنارت للإنسانيَّة درب الخلاص، أُهدي هذا الجهد المتواضع، صدى قلب مفعم بالامتنان، يحمل بين سطوره إجلالاً لا يُقاس، إلَّا بعظمة مَنْ أُهدي إليهنَّ.
إلى السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، سيِّدة نساء العالمين، قلب الرسالة النابض، وأُمِّ الأئمَّة، ومنبع الهدى، وحاضنة سرِّ الإمامة، أُهدي إليكِ كلماتي، متوسِّلاً أنْ تكون لائقة بمقامكِ السامي.
إلى السيِّدة خديجة بنت خويلد (عليها السلام)، أوَّل المؤمنات، ومن أفضل نساء الجنَّة، التي ساندت الرسول حين تخلَّى العالم، وبذلت كلَّ ما تملك فداءً للحقِّ وللإسلام. لعلِّي أفيكِ شيئاً من حقِّكِ العظيم.
إلى السيِّدة آمنة بنت وهب (عليها السلام)، التي احتضنت في رحمها النور الأعظم، ووهبت للعالم نبيَّ الرحمة (صلَّى الله عليه وآله)، لتشرق الإنسانيَّة بنور الرسالة المحمّديَّة. لعلِّي أكون ذاكراً لفضلكِ الجليل.
إليكنَّ أيَّتها السيِّدات الجليلات، اللَّواتي حملن سرَّ الرسالة وامتداد الإمامة، أُهدي لكُنَّ هذا الكتاب الذي يتحدَّث عن حفيدكنَّ المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، راجياً أنْ تجعلنني من همِّكُنَّ في الدنيا، وأنْ أنال شفاعتكنَّ في الآخرة.

ابنكم المحبُّ

(٥)

تتربَّع القضيَّة المهدويَّة على عرش الفكر الإسلامي، لا لكونها عقيدة راسخة في التراث الدِّيني السماوي فقط، بل لعمقها الإنساني الذي يتجسَّد في مفهوم الخلاص وبلوغ العدالة الإلهيَّة المنشودة. إنَّها بمثابة درع في وجه الظلم والجور المتراكم على مرِّ العصور. لقد تراكم حول هذه القضيَّة تراث ضخم ومتنوِّع عبر القرون، لكنَّه غالباً ما انحصر في الأُطُر الدِّينيَّة أو المذهبيَّة، ممَّا يُبرز الحاجة الملحَّة لقراءات معاصرة تستوعب روح العصر وتحدّياته الوجوديَّة، وتُعيد طرح المهدويَّة كفكرة فاعلة ومؤثِّرة في الواقع الإنساني المعاصر، لا مجرَّد أُطروحة مستقبليَّة بعيدة.
جدليَّة الإيمان والمواجهة.. رؤية استراتيجيَّة:
إنَّ العقيدة المهدويَّة، لاسيَّما في المدرسة الإماميَّة، تتجاوز كونها محوراً فكريًّا وعقديًّا إلى كونها مشروعاً إنسانيًّا حضاريًّا يعكس تطلُّعات البشريَّة نحو العدالة والخلاص. ومع تقلُّبات الزمن، لم تفقد هذه العقيدة حيويَّتها، بل ظلَّت محطَّ اهتمام وتجديد.. ورغم حضورها الوجداني الطاغي في الفكر الشيعي، إلَّا أنَّ هذا الحضور لم يقترن دائماً برؤية تحليليَّة نقديَّة تتماشى مع تحوُّلات عالمنا المعاصر، ممَّا يدفعنا اليوم إلى إعادة قراءة هذه العقيدة بوعي منهجي وجريء، فنسبر أغوار المهدويَّة في الفكر العالمي، محلِّلين تحدّياتها وقناعاتها، أو ما يمكن تسميته بـ (جدليَّة الإيمان والمواجهة)، لنصل إلى فهم أعمق للثقافة المهدويَّة ومفهوم الخلاص في عصرنا الراهن.

(٩)

رسالة الكتاب.. تحرير الإنسان وبناء الحضارة:
تكمن أهمّيَّة هذا الكتاب في كونه يُسلِّط الضوء على المهدويَّة من منظور إنساني حضاري، بعيداً عن السجال العقائدي. حيث يفتح آفاقاً جديدةً لرؤيتها كأُفُق للحرّيَّة والكرامة والتحرير الفكري الإنساني، ويُؤكِّد على عالميَّتها كلغة للخلاص تتشاركها الشعوب المعاصرة، بغضِّ النظر عن انتمائها الدِّيني أو الثقافي.. إنَّ الرسالة التي يحملها الكتاب واضحة: المهدويَّة هي المشروع الذي يجمع الإيمان الإنساني بكافَّة أطيافه، وهي وعد الخلاص المشترك في الأديان وضمير الإنسان، ممَّا يُوفِّر له أداة لمواجهة الظلم. إنَّها ليست نهاية التاريخ، بل بداية إدراك البشريَّة لكرامتها.
المهدويَّة كمنظومة فكريَّة متكاملة:
على الرغم من غزارة ما كُتِبَ عن القضيَّة المهدويَّة، لا تزال الكثير من الدراسات تنحصر في الطابع التقليدي الدِّيني، دون أنْ تتناول المهدويَّة كمنظومة فكريَّة متكاملة قابلة للتجديد والتفاعل مع الواقع المعاصر. وفي ظلِّ هذه الحاجة، نقرأ المهدويَّة هنا بلغة الحاضر وأدواته المعرفيَّة، ممَّا يُبرز هذا الكتاب بوصفه محاولة جادَّة لإعادة تقديمها كمشروع إنساني وحضاري شامل. وتكمن إشكاليَّة البحث في تحليل الأُسُس الفكريَّة والمنهجيَّة التي يقوم عليها خطاب العالم الغربي تجاه المهدويَّة، وتحديد مدى الجدليَّة الحاصلة بين مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة ووجدان الشعوب.
عنوان الكتاب: (المهدويَّة.. جدليَّة الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني):
هذا العنوان غنيٌّ بالدلالات الفكريَّة والدِّينيَّة والفلسفيَّة، ويحمل أبعاداً فكريَّة عميقة، يمكن تفكيكها على النحو التالي:

(١٠)

* (المهدويَّة): تشير إلى الإيمان بوجود الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وهي فكرة مشتركة في الديانات السماويَّة (الإسلام، والمسيحيَّة، واليهوديَّة)، وتتمحور حول ظهور مخلِّص في آخر الزمان لإقامة العدل وإنهاء الظلم. وهي الفكرة المركزيَّة التي يتمحور حولها الكتاب.
* (جدليَّة الإيمان والمواجهة):
- الإيمان: هنا يرمز إلى التمسُّك بفكرة المهدويَّة كعقيدة روحيَّة تُعزِّز الأمل والعدل.
- المواجهة: تشير إلى صراع هذه العقيدة مع القوى التي ترفضها وتقمعها أو تحاول استغلالها وتشويهها.
- الجدليَّة: تعني الأفكار المتعارضة أو التفاعل المتناقض بين جهتين متضادَّين حول هذه العقيدة (مع أو ضدَّ).
إذاً، فالعنوان يُوحي بأنَّ هناك توتُّراً ديناميكيًّا وصراعاً محتدماً بين التصديق بوعد الخلاص، وبين القوى التي تسعى لتفريغ هذا التصديق من معناه وتحويله إلى أداة تجهيل أو ترويض.
* (في الفكر العالمي): يشير إلى أنَّ الكتاب لا يقتصر على الرؤية الإسلاميَّة، بل يحاول توسيع دائرة النقاش، ورصد تجلّيات فكرة (المخلِّص) في الحضارات والأديان المختلفة، وكيفيَّة تعامل الفكر العالمي مع فكرة الخلاص والعدل.
* (والضمير الإنساني): يُضيف بُعداً أخلاقيًّا وإنسانيًّا، ويُؤكِّد أنَّ المهدويَّة تعبير عن تطلُّع البشريَّة نحو العدالة، وأنَّها بوصلة أخلاقيَّة تتَّصل بالفطرة الإنسانيَّة، وأنَّ ضمير البشريَّة يتجاوب مع فكرة وجود المصلح الموعود.
وهكذا، يُوحي العنوان بأنَّ الكتاب يتناول المهدويَّة كفكرة إنسانيَّة كونيَّة ذات أبعاد روحيَّة واجتماعيَّة وفكريَّة وسياسيَّة، تتجلَّى في التوتُّر بين الإيمان الداخلي والسعي الواقعي نحو التغيير، في سياق عالمي وإنساني مشترك.

(١١)

المهدويَّة.. معركة وعي وصراع إرادات:
كتاب (المهدويَّة جدليَّة الإيمان والمواجهة) يعني الدخول في تحليل تفاعلات الواقع العالمي مع المهدويَّة، في ظلِّ التحدّيات والإشكاليَّات التي تواجهها، حيث تتحوَّل المهدويَّة إلى فاعليَّة حضاريَّة وإنسانيَّة في الفكر العالمي، والبعض يرى أنَّها صداميَّة. وهكذا تعكس الرؤية للمهدويَّة على أنَّها معركة وعي وصراع إرادات.. وهنا، نغوص في قلب الجدليَّة التي تُشكِّل جوهر التاريخ المهدوي. فالمهدويَّة لا تُفهَم كمجرَّد انتظار سلبي، بل كوعي ثوري يُهدِّد مصالح القوى المهيمنة السياسيَّة، ويُشكِّل تحدّياً صريحاً لمشاريع السيطرة الثقافيَّة والاقتصاديَّة والعسكريَّة. إنَّ هذا الإيمان بمستقبل بديل - بقيادة إمام عادل - ليس شأناً غيبيًّا هامشيًّا، بل موقف إنساني حضاري يرفض الواقع المفروض، ويسعى إلى تغييره جذريًّا.
الكتاب إذاً يقف عند مفترق طُرُق بين الإيمان القويِّ والمواجهة الحتميَّة. إنَّه قراءة لخرائط العقل العالمي من خلال عدسة الفكرة المهدويَّة، في حوار مع الفكر السياسي والتحليل الحضاري، وكشف للاستراتيجيَّات الخفيَّة التي تُدار ضدَّ المهدويَّة وما تُمثِّله من أمل ومقاومة. وهو يبني مساراً يمكن تسميته بـ (التحوُّل من المهدويَّة العقديَّة إلى المهدويَّة الحضاريَّة).
هذا الكتاب:
جاء هذا الكتاب، استجابةً لحاجة معرفيَّة ووجوديَّة متزايدة لإعادة التفكير في مفهوم المهدويَّة، من منظور إنساني شامل يتجاوز الجغرافيا والانتماء، ويغوص في عمق المعنى الذي تحمله هذه العقيدة في وجدان البشريَّة المعذَّبة.. إنَّه بلورة لرؤية فكريَّة تستنطق المهدويَّة كظاهرة عالميَّة تتقاطع فيها الأديان، وتتجاذبها القراءات الفلسفيَّة، وتتصدَّى للفهم الغربي للتاريخ والمستقبل. وهو

(١٢)

 دعوة لإعادة النظر في مفهوم المهدويَّة والجدليَّة حولها، من خلال: مفاتيح منهجيَّة شاملة تُقدَّم في (التمهيد)، لتضع القارئ أمام نسق فكري يربط المهدويَّة بعمق التحوُّلات الراهنة في الوعي الجمعي العالمي، ثمّ تمضي الفصول لتكشف عن نقطة التقاء كبرى بين الرسالات السماويَّة في الإيمان بالمخلِّص.

* * *

(١٣)

إنَّ الكيان الإنساني، في كلِّ مراحل التاريخ البشري، وفي مختلف الحضارات - من الديانات السماويَّة إلى الفلسفات الإنسانيَّة، ومن الكلاسيكيَّة إلى الحداثة وما بعدها - يعيش صراعاً داخليًّا بين الإيمان بالقِيَم الإنسانيَّة العليا الراسخة (كالعدل، والحرّيَّة، والخلاص)، وبين مواجهة قاسية مع واقع معاش تغشى سماءه غيوم الظلم والفساد (السياسي، والاقتصادي، والثقافي)، فضلاً عن ويلات الحروب والاقتتال، وسحق حقوق الإنسان وكرامته في شتَّى بقاع الأرض.
وحين نُعيد تأمُّل صفحات التاريخ الإنساني الطويل، لا بوصفه سرداً للأحداث التي مضت، بل كنصٍّ نابضٍ بالقلق والرجاء، نجد أنَّ أكثر ما وحَّد الإنسان، على اختلاف ثقافاته وأديانه وتجاربه الطويلة، هو ذلك الشعور الدفين الذي يسكن وجدانه بأنَّه في حالة افتقار عميق إلى العدل، ويقين بأنَّ العالم كما هو عليه الآن، ليس كما ينبغي أنْ يكون.
هذا الوجدان العالمي، الذي يسكن أعماق الضمير الإنساني منذ فجر التاريخ وإلى يومنا هذا، يتجلَّى في إيمان صامت لكنَّه قويٌّ، بوجود (مخلِّص) ما، أو زمن قادم تتحقَّق فيه العدالة وتُستعاد فيه الكرامة المسلوبة.. إنَّه إيمان يتنوَّع في صورة: (عودة المسيح) في وجدان المسيحيَّة، (المهدي المنتظَر) في عمق العقيدة الإسلاميَّة، (مايتريا) في آفاق البوذيَّة، عودة (كالكي) في الهندوسيَّة، (الماشيح) في الفكر اليهودي، أو حتَّى مجرَّد لحظة يقظة جماعيَّة للضمير الإنساني في خضمِّ فكر ما بعد الحداثة.

(١٧)

لكن جوهر كلِّ هذه الصور يكمن في شيء أعمق من ظاهرها كعقائد دينيَّة: إنَّها تعبير صريح عن توق داخلي عميق للبشريَّة إلى الخلاص الموعود. ومن هنا، تتجلَّى المهدويَّة كمنظومة فكريَّة روحانيَّة تستوعب هذا الصراع الوجودي وتمنحه أُفُقاً واسعاً من الأمل والغاية.
ومن جهة أُخرى، فإنَّ هذه الرغبة الجامحة للبشريَّة في الخلاص لا تنبثق من فراغ، بل تُولَد دائماً في قلب الصراع المحتدم: بين ما يؤمن به الإنسان من قِيَم ومبادئ عُليا تسمو بالأخلاق والروح، وبين ما يواجهه من واقع مأساوي مظلم. وهذا هو ما نصطلح عليه هنا بـ (جدليَّة الإيمان والمواجهة): ذلك التوتُّر المتجدِّد الأبدي بين حلم الإنسان وقيوده، بين وعود الروح وضغوط الأرض.
لهذا، فإنَّنا لا نكتب عن المهدويَّة، بل نكتب من داخلها: نغوص في أعماقها، ونُدوِّن من داخل وجدان إنساني يتلمس بأنَّ (الخلاص ليس وعداً مؤجَّلاً نرقبه من بعيد، بل هو معركة فكريَّة حضاريَّة تُخاض رحاها يوميًّا على أرض الواقع). ومن هنا، يأتي هذا الكتاب ليطرح سؤالاً يجمع بين الجدّيَّة والعمق في آنٍ معاً، سؤالاً يلامس جوهر الوجود الإنساني: كيف يمكن لنا أنْ نُعيد فهم (المهدويَّة) وتعريفها للآخرين، لا بوصفها عقيدة دينيَّة أو تراثاً غيبيًّا، بل كخيار حضاري بديل يضيء دروب المستقبل، وخطاب إنساني شامل يلامس كلَّ جوانب الحياة، وأداة منهجيَّة ثاقبة لفهم صراع الإنسان الحديث مع ذاته المتلاطمة ومع عالمه المتغيِّر؟
إنَّ المهدويَّة هي المشروع الوحيد الذي لم تستهلكه أسواق المادَّة، ولم تُحوِّله السياسة إلى سلعة تُباع وتُشترى، ولم تُفرِّغه الحداثة من مضمونه الجذري الأصيل. إنَّها، بكلِّ ما تحمله الكلمة من معنى، (الأمل الأخير) للخلاص العادل، في عالم بلغ ذروة عبثيَّته الأخلاقيَّة، وتلاطمت فيه أمواج الظلم والفساد.

* * *

(١٨)

المهدويَّة وميض الأمل في عالم التحدّيات

تُعَدُّ فكرة المهدويَّة أو ظهور المخلِّص المنتظَر، من المفاهيم العميقة التي تتجاوز حدود الأديان والثقافات، تاركة بصمتها على الفكر العالمي والضمير الإنساني. ورغم ما تحمله من آمال وتطلُّعات نحو العدل والسلام، إلَّا أنَّها تُحاط بجملة من التناقضات والجدليَّات التي تُثير تساؤلات عميقة لدى الشعوب والحكومات حول العالم.
فمن جهة، تُمثِّل المهدويَّة بصِيَغها المختلفة (المهدي المنتظَر في الإسلام، المسيح المنتظَر في المسيحيَّة، الماشيح في اليهوديَّة، وغيرها) منارة أمل للضعفاء والمضطهَدين، ورمزاً للعدالة الإلهيَّة التي ستُصلِح ما أفسدته أيدي البشر. هذه الرؤية تُلهِم الشعوب مقاومة الظلم وتُغذِّي الصبر في أوقات الشدائد، وتدفع الأفراد والمجتمعات نحو تحقيق مُثُل عليا.
ومن جهة أُخرى، تصبح هذه الفكرة نفسها مصدراً للخلافات والصراعات والصدامات الجيوسياسيَّة على المستوى الدولي. كما أنَّ بعض الجماعات قد تستغلُّ هذه الفكرة لتبرير العنف أو السعي للسلطة، ممَّا يُشوِّه جوهرها النبيل.
إنَّ التفاعل بين الإيمان العميق بهذه الفكرة وبين الواقع المعقَّد الذي تعيشه البشريَّة يُولِد حالة من الجدل المستمرِّ. فبينما يرى البعض فيها حافزاً للعمل الإيجابي والإصلاح، يراها آخرون خطراً يُؤدِّي إلى الانقسام والنزاع. هذه

(١٩)

الازدواجيَّة في فهم فكرة المهدويَّة هي ما يجعلها واحدة من أكثر القضايا الفكريَّة إثارةً للجدل في تاريخ البشريَّة، وتستدعي نقاشاً معمَّقاً على صعيد الفكر العالمي والضمير الإنساني.
تتجلَّى أبعاد التناقض والجدليَّة التي تكتنف فكرة المهدويَّة في الفكر العالمي والضمير الإنساني في العديد من النقاط، منها الآتي:
أوَّلاً: المهدويَّة.. جدليَّة الإيمان الفطري مقابل مواجهة الهيمنة البنيويَّة(١):
تُجسِّد المهدويَّة في جوهرها تجلّياً للإيمان الفطري الكامن في أعماق الإنسان، ذلك الإيمان الوجداني الذي يُعلِن أنَّ العدل ممكن، وأنَّ للوجود غاية تتجاوز الظلم والفساد. هذا الإيمان ينبع من وجدان الإنسان الذي يُدرك أنَّ الظلم طارئ، وأنَّ الإنصاف هو الأصل. غير أنَّ هذا الوعي الفطري يصطدم اليوم بهيمنة سياسيَّة بنيويَّة تُعيد تشكيل الوعي الإنساني عبر قوى الإعلام والاقتصاد والسياسة، لتُحوِّل الإنسان من كائن مقاوم إلى مستهلِك خانع، وتُسلِّح التاريخ والفكر ضدَّ أيِّ أمل كوني، مدركة أنَّ فكرة (الخلاص الشامل) تُهدِّد أُسُس سلطتها.
إنَّ المهدوية ليست مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل هي أشبه بـ (ذاكرة جينيَّة بشريَّة) تجسَّدت في ثقافات إنسانيَّة متباعدة، حيث اعتقدت كلُّ الحضارات بوجود مخلِّص (موعود) قادم في آخر الزمان. هذا الاعتقاد يُؤكِّد أنَّها حاجة إنسانيَّة تتجاوز الحدود الجغرافيَّة والدِّينيَّة. وهكذا، تظهر المهدويَّة في الوجدان الإنساني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) مواجهة البنيويَّة: أي إنَّها تتحدَّى وتعارض طريقة بناء النظام العالمي نفسه، بما في ذلك أُسُسه وقواعده التي يقوم عليها، وكأنَّها تقول: هذا النظام مبنيٌّ بطريقة خاطئة من الأساس، لا أنَّه مجرَّد تطبيق سيِّئ.

(٢٠)

كقوَّة تحريريَّة، لا تكتفي بتشخيص الظلم فقط، بل تفضح البُنى الخانقة التي تُطوِّق الضمير الإنساني. كما أنَّها تُعيد له الإيمان بإمكانيَّة التحرُّر من الهيمنة ومواجهة الظلم، باعتبارها منهجاً ربَّانيًّا بديلاً يستلهم من الإيمان الفطري مشروعاً عالميًّا للعدل والكرامة الإنسانيَّة.
إنَّ المهدويَّة في الفطرة الإنسانيَّة تُمثِّل ثورة صامتة ضدَّ القواعد الأساسيَّة غير المرئيَّة للهيمنة، فهي تُحيي في الإنسان القدرة على الحلم والفعل معاً، وتُحوِّل أمل انتظار المخلِّص الموعود إلى طاقة وفاعليَّة جديدة. هذه الفاعليَّة تُوظِّف الأزمات لكشف تناقضات النظام العالمي، وتُعيد تعريف الخلاص كـ (مشروع تحرير لوعي الرأي العامِّ العالمي) قبل تحرير الأرض.
بهذا المعنى، تصبح المهدويَّة استراتيجيَّة أخلاقيَّة وفكريَّة تُعيد الاعتبار للإنسان كفاعل في التاريخ، لا كضحيَّة له. إنَّها تُشكِّل مقاومة ناعمة وصوتاً داخليًّا يقول: إنَّ الخلاص يبدأ حين نعيد تعريف العالم بمعايير الفطرة والضمير الإنساني العالمي، لا بمنطق القوَّة.
وهكذا تُختزل الجدليَّة في سؤال مصيري: هل يُسمَح للبشريَّة أنْ تؤمن بمستقبل لا تُخطِّطه مراكز القوى، أم أنَّ الإيمان نفسه أصبح معركة وجود ضدَّ أنظمة تريد سجن الإنسان في أُفُق مصالحها؟
ثانياً: المهدويَّة.. جدليَّة الوعي المستمرِّ مقابل أسئلة الوجود الكبرى:
تتجلَّى المهدويَّة كرحلة فكريَّة وروحيَّة متواصلة في صميم الوعي الإنساني، لا بوصفها عقيدة دينيَّة غيبيَّة أو وعداً مؤجَّلاً، بل كجدليَّة حيَّة تتأرجح بين تطلُّع دائم إلى الخلاص، واستنفارٍ مستمرٍّ للعقل والضمير في مواجهة أسئلة الوجود الكبرى: مَنْ نحن؟ لماذا خُلقنا؟ ما غاية الحياة؟ وإلى أين

(٢١)

يتَّجه هذا التاريخ المثقَّل بالمعاناة؟ إنَّها صيرورة فعلٍ واعٍ يُعيد تشكيل الواقع، ويُحرِّض الفكر العالمي على بناء حضارة فاضلة تتمحور حول التوحيد الخالص، والعدالة المطلقة، والكرامة الإنسانيَّة.
إنَّ المهدوية ليست وعداً معلَّقاً في الأُفُق، بل رحلة روحيَّة تُحفِّز العقل الإنساني على التأمُّل والمساءلة، وتدفع بالضمير العالمي إلى تجاوز الظلم والفساد نحو أُفُق أكثر توازناً وعدلاً. في قلب هذه الجدليَّة، لا تنفي المهدويَّة الواقع السيِّئ المتمثِّل في الانسداد الروحي والتفكُّك الأخلاقي والتيه في الغايات، بل تُضفي عليه بُعداً معنويًّا، لتُحوِّله من معاناة صامتة إلى دافع لصياغة مستقبل يستعيد فيه الإنسان موقعه كفاعل في مسار التاريخ.
من خلال هذا التوتُّر الخلَّاق بين وعي يقظ يتأمَّل الحاضر، ورؤية تتطلَّع إلى فجر العدالة، تبرز المهدويَّة كإطار وعي دائم يُعيد للعقل روحه، وللروح وجهتها. إنَّها تُبقي جذوة البحث عن الخلاص متَّقدة، وتجعل من هذا البحث دافعًا متجدِّداً لإعادة تشكيل الحاضر والمستقبل.
المهدويَّة بهذا المعنى، هي مرآة لرحلة الإنسان الطويلة نحو الكمال. إنَّها تسائل التاريخ وتعيد تشكيله، وتُقدِّم منظوراً أخلاقيًّا واستراتيجيًّا بديلاً لمستقبل البشريَّة، يتجاوز المصالح الضيِّقة ليُبني نظاماً عالميًّا قائماً على القِيَم النبيلة. إنَّها تفتح أُفُقاً جديداً لتحوُّل جذري في الوعي الجمعي، ينشد الكمال الإنساني في ظلِّ قيادة إلهيَّة تُعيد التوازن لهذا الكوكب.
ولأنَّها تلامس القلق الوجودي في أعمق تجلّياته، تبقى المهدويَّة ظاهرة إنسانيَّة شاملة، تُوظِّف الحنين الفطري إلى العدل كقوَّة دافعة للمقاومة، وتُحوِّل الأُمنية الكبرى للبشريَّة إلى مشروع خلاص عالمي. وهكذا، تصبح المهدويَّة ليست فقط رمزاً للأمل، بل مشروعاً أخلاقيًّا وفكريًّا متكاملاً يُعيد تشكيل

(٢٢)

الوعي الجمعي للبشريَّة، ويُقدِّم إجابة كبرى عن سؤال الإنسان الأزلي: هل من خلاص؟
ثالثاً: المهدويَّة.. جدليَّة الحضور الدِّيني مقابل الغياب الفلسفي:
تتآلف الأديان السماويَّة الكبرى، بل والعديد من الفلسفات الإنسانيَّة، على الإيمان المشترك بقدوم المخلِّص في آخر الزمان، ممَّا يُؤكِّد توقاً كونيًّا عميقاً لمستقبل ينتصر فيه العدل وتُستعاد فيه كرامة الإنسان. بيد أنَّ هذا الحضور في الإرشاد الدِّيني يتناقض مع غياب مقلق له في الفكر الفلسفي الغربي المعاصر، الذي يميل إلى تجاهل هذا المشترك الإنساني أو التعامل معه بوصفه غير جدير بالتأمُّل الجادِّ.
ففي حين نجد أنَّ مؤلَّفات فكريَّة شهيرة مثل: (نهاية التاريخ) لفوكوياما، أو (صراع الحضارات) لهنتنغتون، وغيرها تتعامل مع المستقبل البشري بوصفه مساراً تطوُّريًّا للتاريخ السياسي أو الثقافي، فإنَّها تتجاهل أنَّ ما يحكم الإنسان ليس فقط صراعه مع الآخر، بل قلقه الأزلي على المعنى وكرامة الإنسان، وشعوره الدفين بأنَّ نهاية التاريخ والمستقبل البشري لا بدَّ أنْ يكون منصفاً وعادلاً، لا مجرَّد استقرار سياسي أو رخاء اقتصادي.
إنَّ هذا الغياب الفلسفي للمسألة المهدويَّة في نظريَّات النُّخَب الثقافيَّة الغربيَّة لا يعني أنَّها فكرة ضعيفة، بل يعني أنَّها تُشكِّل (حرجاً للفلسفة) التي تخلَّت عن الرؤى الروحانيَّة الربَّانيَّة الأعمق، واختارت أنْ تكون مجرَّد أداة لتحليل الواقع بمعطياته المادّيَّة. فباتت المهدويَّة تكشف هشاشة هذه البنية الفكريَّة للفضاء الثقافي الغربي، وتقول ما لا تستطيع الفلسفة السياسيَّة الغربيَّة أنْ تُصرِّح به: بأنَّ واقع العالم على ما هو عليه الآن غير مقبول.

(٢٣)

إنَّ إدخال المفهوم الحقيقي للمهدويَّة في الخطاب الفلسفي العالمي ليست ترفاً فكريًّا بل ضرورة وجوديَّة، لأنَّها تُعيد بثَّ المفاهيم الكبرى - كالتوحيد والعدل والحقِّ والمستقبل المشرق للبشريَّة - إلى قلب المعادلة الإنسانيَّة. وكذلك فإنَّها تُمثِّل الجسر بين التراث المقدَّس والفكر الإنساني: حضور ديني يمنح البشريَّة أملها والروح إشعاعها، وفلسفة بشريَّة تُحوِّل الإيمان إلى منهج ورؤية قادرة على خوض معركة الوجود في عصر انهيار المبادئ والقِيَم.. بالتأكيد، إنَّ جوهر المهدويَّة يُذكِّرنا بأنَّ الخلاص ليس تعويضاً عن فشل الحضارة الإنسانيَّة، بل محفِّزاً لإعادة بنائها من جديد، باعتبار أنَّ المهدويَّة (مشروع نهضوي حضاري) يربط الحلم بالواقع.
رابعاً: المهدويَّة.. جدليَّة نبع الإيمان مقابل متاهات العصر:
في قلب عالم تتصارع فيه الأهواء والمصالح، وتتشظَّى فيه القِيَم بين ضجيج التقنيَّة وتسليع الإنسان، تقف المهدويَّة كنقطة ارتكاز روحيَّة وفكريَّة، تُمثِّل نبع الإيمان العميق في وعد إلهي لا يخضع لمراوغات الزمن ولا لخيبات الواقع. إنَّها ليست مجرَّد ملاذ نفسي للهروب من متاهات العصر، بل هي بوصلة وجوديَّة تعيد للإنسان توازنه بين المصير والغاية، بين الواقع والحلم، في مواجهة آليَّات السيطرة الخفيَّة، والتهميش المنهجي، والتغريب الوجودي الذي يرزح تحته الضمير الإنساني.
لقد وقع العالم الحديث في أسر مفاهيم المادّيَّة، والجفاف الروحي، والفراغ القيمي، حيث تاه الإنسان في مُدُن بلا روح وأسواق بلا ضمير. وفي المقابل، تُقدِّم المهدويَّة رؤية بديلة تُعيد تعريف الإنسان باعتباره كائناً معنويًّا مكرَّماً، لا يمكن اختزاله في الجسد المادِّي أو اللحظة العابرة، بل هو حامل لأمانة التوحيد وقوانين العدل وراية الانتظار الواعي.

(٢٤)

تكمن جدليَّة المهدويَّة في قدرتها على الصمود أمام تيَّارات الحداثة المتسارعة، لا من خلال رفضها، بل عبر تفكيك عمق أزمتها وطرح المنهج الربَّاني كبديل. فهي تُنبِّه الفكر العالمي والضمير الإنساني إلى أنَّ التقدُّم المادِّي، إذا خلا من مقصد روحي ومعنوي، يتحوَّل إلى تيه وضياع. والإيمان الحقيقي بالمهدويَّة ليس مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل هو طاقة حيَّة وديناميكيَّة فاعلة تدفع نحو التغيير والمقاومة والبناء.
بهذا الأُفُق، تصبح المهدويَّة بوصلةً استراتيجيَّةً وخطاباً حضاريًّا إنسانيًّا يخاطب العالم كلَّه بلغته الأكثر بداهة: البحث عن معنى، واستعادة الإيمان، في وجه عصر مادِّي مُلحِد يكاد ينسى إنسانيَّته ومعنويَّته وروحه. وهكذا، تُجسِّد هذه الجدليَّة معركة الضمير الإنساني: الإصرار على النبع الإيماني وسط عاصفة المتاهات. ليس الهدف رفض العصر، بل ترشيده، فجوهر المهدويَّة الربَّانيَّة يُذكِّرنا بأنَّ الخلاص يبدأ بإصلاح البوصلة الداخليَّة، فالإنسان الذي لا يضيع في المتاهات، هو وحده القادر على شقِّ طريق الفجر.
خامساً: المهدويَّة.. جدليَّة الوعي بالواقع المؤلم مقابل وعد الخلاص المستقبلي:
تتجلَّى المهدويَّة كجدليَّة إنسانيَّة وجوديَّة تنبض بتوتُّر خلَّاق بين وعي مرير بواقع مفعم بالظلم والتفكُّك، وبين وعد مستقبلي بالخلاص، يؤمن بأنَّ للعدالة موعداً، وللإنسان كرامةً لا تُطمَس. فهي ليست مجرَّد عقيدة تنتظر زمناً أفضل، ولا مشروعاً غيبيًّا معلَّقاً في المجهول، بل منظومة فكريَّة وروحيَّة متكاملة تُقيم التوازن بين الاعتراف العميق بمآسي الحاضر، والإيمان بإمكان تغييره.
إنَّ المهدويَّة تتجسَّد في صميم جدليَّة إنسانيَّة عميقة: صراع بين ثقل الواقع المرير وطموح الخلاص المطلق، إنَّها تُشخِّص إخفاق النظام العالمي في

(٢٥)

تحقيق العدالة، وتواجه انحدار القِيَم وتفكُّك المجتمعات، لكنَّها لا تقف عند حدود التشخيص، بل تُحوِّل هذا الوعي إلى (رؤية كونيَّة) تبني من أنقاض الواقع المؤلم مشروعاً أخلاقيًّا ووجوديًّا. يدفع هذا المشروع الإنسان إلى تحويل المآسي إلى وقود لاستشراف غدٍ مغايرٍ، والسعي نحو نظام عالمي أكثر عدالة وإنسانيَّة.
في قلب هذه الجدليَّة يتجلَّى (التوتُّر الخلَّاق) الذي يربط بين وعي عميق بفساد النظام العالمي وما يفرزه من ظلم وتفكُّك، وبين طموح لخلاص مستقبلي يُعيد للإنسان كرامته المهدورة. هذا الوعي ليس مجرَّد إدراك سلبي بمرارة الحاضر، بل هو (قوَّة محرِّكة) تُحوِّل الألم إلى مسؤوليَّة، حيث يصبح التمهيد للمستقبل أداة تغيير تبدأ من السلوك الفردي وتمتدُّ لتتجذَّر في الحضارة.. في هذا الإطار، تُشكِّل ثنائيَّة (اليأس من قسوة الواقع، والأمل بمستقبل مشرق) مفهوم المهدويَّة الحقيقي، كقوَّة تدفع الروح الإنسانيَّة لتحدِّي منطق الظلم القائم.
تُعيد المهدويَّة تعريف الخلاص بوصفه مشروعاً إنسانيًّا يبدأ من الداخل، ويرتقي ليشمل العالم، مقاوماً منطق القوَّة والعجز. إنَّها تجعل من كلِّ لحظة ظلم محفِّزاً للعمل ودافعاً لإصلاح الواقع، ومن كلِّ أزمة مدخلاً لإعادة بناء الإنسان والمجتمع. إنَّها رؤية ربَّانيَّة تتجاوز الزمان والمكان، تدعو إلى بناء نظام عالمي قائم على العدالة والسلام.
المهدويَّة وعد ربَّاني يُولَد من معاناة الإنسان، ويشتقُّ منها أُفُقه الأخلاقي. بهذا الأُفُق، تُعيد صياغة الجدليَّة كوعي دائم، تتحدَّى اليأس بأمل يتجدَّد، وتمنح الفكر العالمي بوصلة روحيَّة لرؤية الخلاص لا كحلم بعيد، بل كاستجابة واعية ومسؤولة لوجع الحاضر، ومسار مفتوح نحو ولادة عالم أكثر عدالة وكرامة.

(٢٦)

سادساً: المهدويَّة.. جدليَّة العدل والكرامة مقابل الظلم والجور:
تُشكِّل المهدويَّة في جوهرها صراعاً وجوديًّا عميقاً بين توق إنساني فطري للعدل والكرامة، وبين واقع عالمي مفعم بالجور المنظَّم والانهيارات الأخلاقيَّة، حيث تُنهَب الثروات، وتُسحَق الشعوب تحت وطأة أنظمة الاستبداد والتمييز، وتُشرعن الهيمنة تحت مسمَّيات دبلوماسيَّة وقانونيَّة زائفة.
في خضمِّ هذا الصراع، تتحوَّل المهدويَّة إلى مشروع حضاري استراتيجي يتجاوز الزمان والمكان، يُعيد الاعتبار للعدالة بوصفها حقًّا وجوديًّا لا امتيازاً سياسيًّا، ويجعل من الكرامة الإنسانيَّة محوراً للتحوُّل التاريخي. وهنا تأتي المهدويَّة كحركة مقاومة رمزيَّة واستراتيجيَّة، تُعيد تعريف الخلاص كاستعادة للحقوق الأرضيَّة قبل السماويَّة، وتجعل من (الانتظار) مقاومة أخلاقيَّة ترفض القبول بالظلم قدراً نهائيًّا.
هذه الجدليَّة العميقة بين المهدويَّة والواقع العالمي تكشف عن أزمة أخلاقيَّة متجذِّرة تعصف بالفكر العالمي والضمير الإنساني، حيث تفرغ العدالة من بُعدها الروحي والإنساني السامي، بينما تُصِرُّ المهدويَّة على الجمع المتناغم بين العدالة والكرامة، وتُقدِّم مشروعاً حضاريًّا متكاملاً لتحرير الإنسان واستعادة كرامته وحقوقه المسلوبة. وهكذا تُذكِّرنا بأنَّ العدل ليس هبةً غيبيَّةً، بل مشروعاً إنسانيًّا يُبنى على أنقاض الجور، وأنَّ الخلاص لا يُقاس بوعود المستقبل، بل بقدرتنا على اقتلاع جذور الظلم اليوم.
وفي هذا السياق الوجودي، تصبح المهدويَّة بحدِّ ذاتها رمزاً وجدانيًّا يناقش أعمق قضايا الوجود البشري، من الظلم المستشري إلى الحاجة الملحَّة للخلاص. فهي تدين الأوضاع القائمة، وتُعلي من شأن الضرورة الحتميَّة لتحقيق عدالة شاملة لا تُميِّز بين فرد وآخر. إنَّها تدعو الفكر الإنساني بمختلف

(٢٧)

مشاربه واتِّجاهاته إلى إعادة التفكير الجادِّ في آليَّات تحقيق العدالة المطلقة، والسُّبُل الكفيلة بإعادة الكرامة الأصيلة لكلِّ فرد، بغضِّ النظر عن انتمائه أو معتقده. وبهذا تتجاوز المهدويَّة حدود الأيديولوجيَّات لتصبح محفِّزاً قويًّا للضمير الإنساني العالمي، تدعوه للوقوف في وجه الظلم والسعي الدؤوب نحو بناء عالم أكثر إنصافاً وإنسانيَّةً، عالم يليق بكرامة الإنسان.
سابعاً: المهدويَّة.. جدليَّة التسليم للأمل مقابل غياب المسؤوليَّة:
تُعَدُّ المهدويَّة من أعمق تجلّيات الأمل في الوعي الدِّيني والإنساني، إذ تُبشِّر بانبثاق العدل وانتصار الحقِّ في آخر الزمان، غير أنَّ هذا الأمل قد يتحوَّل - في غياب الوعي - إلى استقالة داخليَّة من المسؤوليَّة، فينزلق الضمير العالمي إلى نوع من التواكل، ويتنصَّل من الفعل بدعوى انتظار المخلِّص. وهنا تتفجَّر جدليَّة كبرى: هل المهدويَّة دعوة للتسليم والخنوع، أم نداء للنهوض والتحرُّك؟
هنا تدخل المهدويَّة إلى المشهد كفلسفة فعل حقيقيَّة وفاعلة. إنَّها لا تَعِدُ الإنسان بالخلاص المريح فحسب، بل تُحمِّله مسؤوليَّته الكبرى تجاه هذا الخلاص. إنَّها لا تقول له: (انتظر حتَّى يأتي الموعود لينقذك)، بل تقول: (كن أنت الممهِّد للظهور، وكن جزءاً فاعلاً في صنع التغيير). إنَّها مشروع لا يسكن في أعماق الغيب وينتظر معجزة، بل يصنع المستقبل بوعي وعمل دؤوب.
تطفو المهدويَّة على سطح وعي إنساني مُثقَل بجدليَّة حرجة: توتُّر بين حاجة روحيَّة للأمل المطلق، ومخاطر التخلِّي عن المسؤوليَّة التاريخيَّة. إنَّها تعكس اشتياقاً فطريًّا لخلاص كوني، لكنَّها قد تتحوَّل - في سياقات الانهزام الفكري - إلى استراتيجيَّة دفاعيَّة تُبعِد البشر عن مواجهة شرورهم الذاتيَّة. في صلب هذه المعضلة، يبرز تناقض عميق: فالتسليم لوعد الخلاص (كمخرج من ظلم الحضارة المادّيَّة وتفكُّكها الأخلاقي) يُشكِّل حصناً نفسيًّا ضدَّ اليأس، لكن

(٢٨)

الاعتماد الأُحادي عليه يُنشئ ثقافة انتظار سلبيَّة تُعطِّل الإرادة الجماعيَّة، وتُبرِّئ الضمير الإنساني من مسؤوليَّة التغيير الفعلي.
من هنا، تأتي المهدويَّة بوصفها (جدليَّة) عميقة ومتشابكة: جدليَّة بين الإيمان المطلق والقلق الوجودي، وبين الغيب المجهول والمعرفة التي تُنير الدروب، وبين الترقُّب الصابر والفعل الجادِّ الذي يصنع الواقع، وبين التسليم المطلق للأمل والمواجهة الواعية التي تقاوم الظلم. هذه الجدليَّة تحديداً هي التي تُحرِّر فهمنا للمهدويَّة من حدود الخطاب الدِّيني الداخلي، وتجعلها قابلة لأنْ تُترجَم إلى خطاب إنساني عالمي يتَّسع للجميع: خطاب يمكن أنْ يتحاور مع الفيلسوف الذي يُحلِّل المعاني، ومع الناشط الذي يسعى للتغيير، ومع المؤمن الذي يحمل عقيدته، ومع العلماني الذي لا يؤمن بشيء، ومع الشرق بكلِّ ثقافاته، ومع الغرب بكلِّ أفكاره، مع المسلم الذي ينتمي إلى دينه والآخر الذي يختلف عنه.
لقد أنتج العصر الحديث إنساناً مأزوماً، يتأرجح بين الخوف من المستقبل وفقدان البوصلة الأخلاقيَّة، وهنا تبرز المهدويَّة كنداءٍ يُعيد تعريف الأمل: لا كمهرَب من الواقع، بل كتكليف ثقيل يستدعي النهوض الجماعي. فالإيمان الحقيقي بالمهدويَّة ليس استسلاماً، بل التزاماً واعياً ببناء عالم يليق بوعد السماء. بهذا المعنى، تُعيد المهدويَّة وصل الإيمان بالفعل، والأمل بالمسؤوليَّة، وتمنح الفكر العالمي فرصة لتجاوز أزمته الكبرى: التوتُّر بين الحلم والواجب، وبين انتظار الغد وفعل اليوم.
ثامناً: المهدويَّة.. جدليَّة الحضور في الوجدان العالمي مقابل الحرب الخفيَّة ضدَّها:
لقد أثبتت الدراسات السيكولوجيَّة (النفسيَّة) والدِّينيَّة المقارنة أنَّ الإيمان بقدوم المخلِّص الموعود ليس حالة نادرة أو مقتصرة على شعب أو دين بعينه، بل

(٢٩)

هو ظاهرة عالميَّة وإنسانيَّة متكرِّرة. هذا الإيمان يتجلَّى حتَّى في أكثر المجتمعات مادّيَّة، حيث يظلُّ توق الإنسان إلى خلاص ما، وإنقاذ ما، وإلى حَدَث مفصلي يُغيِّر التاريخ، حاضراً في المخيَّلة الشعبيَّة والوجدان العالمي. ومع ذلك، فإنَّ هذا الحضور العميق، الذي يُمثِّل رفضاً جذريًّا للواقع الظالم وتحدّياً بنيويًّا لنظام القوَّة العالمي، يقابل وبشكل متوازٍ بـ (حرب خفيَّة) تُشَنُّ من قِبَل مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة الغربيَّة ضدَّ فكرة الخلاص المنتظَر، خصوصاً في تجلِّيه المهدوي الإسلامي.
هذه الحرب ليست خوفاً من عقيدة دينيَّة أو بشارة سماويَّة بحدِّ ذاتها، بل هي تعبير عن قلق عميق من المصير الأسود الذي ينتظرهم في المستقبل، ومن الديناميكيَّة والفاعليَّة التي تحملها هذه العقيدة. فالوعي والفكر المقاوم الناتجان عن الإيمان بالمهدويَّة ينتجان نمطاً من الأمل غير القابل للاحتواء أو الترويض. ولهذا، تعمل مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة على تجريد المهدويَّة من (المعقوليَّة) في الخطاب الأكاديمي، وشيطنتها في الإعلام، وتوظيفها كفزَّاعة سياسيَّة لتبرير سياسات القمع.
لكن في جوهر الأمر، تُمثِّل المهدويَّة خطاباً يستحيل تدجينه، لأنَّها تُعبِّر عن توق البشريَّة إلى عالمٍ خالٍ من الظلم والجور والفساد. إنَّها دعوة لإعادة بناء الإنسانيَّة على أُسُس العدل المطلق، وتتطلَّب ممَّن يؤمنون بها الدفاع عن مبادئها وقِيَمها النبيلة، وإظهار جوهرها الإنساني المضيء في وجه محاولات التزييف والتقويض.
ومن هذا المنطلق تتجلَّى المهدويَّة كجدليَّة حادَّة تُخاض على أرض الواقع، بين الإيمان الراسخ بها، وبين المواجهة الشرسة ضدَّها. هذا الصراع يُحوِّل المهدويَّة إلى ساحة مواجهة ثقافيَّة وفكريَّة وسياسيَّة معقَّدة، حيث تكشف

(٣٠)

الأحداث المعاصرة أنَّ الخوف الجيوسياسي من المشروع الأخلاقي المهدوي يدفع القوى المهيمنة إلى محاولات تحييده. تُدرك الدول العظمى أنَّ فكرة (الخلاص الشامل والعدل المطلق) تتناقض مع أُسُس هيمنتها، لتصبح المهدويَّة بذلك مرآة كاشفة لانفصام الضمير الإنساني: حضورها في وجدان شعوب العالم يُؤكِّد حاجة البشريَّة للخلاص، بينما الحرب السرّيَّة ضدَّها تفضح خوف الأنظمة المهيمنة من عدالة لا تخضع لسيطرتهم. إنَّها معركة وجوديَّة بين قيمتين متناقضتين: العدل الكوني المنتظَر أم هيمنة القوَّة الراهنة.
إنَّ المهدويَّة - في ضوء هذه الجدليَّات - ليست مجرَّد قضيَّة دينيَّة أو مسألة لاهوتيَّة، بل هي في جوهرها تجسيد لحرّيَّة الإنسان وكرامته المتسامية. إنَّها ثورة هادئة تنبثق من أعماق الضمير الإنساني، وانتفاضة على التغافل المتعمَّد والممنهج الذي تمارسه مؤسَّسات الهيمنة العالميَّة تجاه كرامة الإنسان وحرّيَّته. تُؤكِّد المهدويَّة أنَّ العدالة ليست وهماً، وأنَّ الحرّيَّة حقٌّ أصيل للإنسان يُنتزَع من براثن الظلم، ليصبح واقعاً معاشاً يليق بالإنسان كخليفة في الأرض.
إنَّها دعوة للوعي، وتأكيد على أنَّ المستقبل ليس حكراً على مَنْ يحاولون فرضه بالقوَّة، بل هو ملك لكلِّ مَنْ يؤمن بالعدل ويسعى لتحقيقه.

* * *

(٣١)

الفائدة من الكشف عن الجدليَّة المرتبطة بالمهدويَّة

إنَّ الكشف عن الجدليَّة القائمة حاليًّا في الفكر العالمي والضمير الإنساني حول المهدويَّة - أي صراع الإيمان بها من جهة، والمواجهة لها من جهة أُخرى - يُعَدُّ ضرورة استراتيجيَّة تُعيد صياغة فهمنا للعدالة، والمستقبل، ودور الإنسان في صناعة خلاصه. وإنَّ تتبُّع هذه الجدليَّة وتحليلها يُمثِّل حاجة إنسانيَّة ملحَّة على مستويات عدَّة:
١ - على المستوى الفكري:
* يُعيد الاعتبار لفكرة الخلاص بوصفها مفهوماً وجدانيًّا وعقليًّا لا يقلُّ أهمّيَّةً عن مفاهيم مثل الحرّيَّة والعدالة.
* يُنتِج خطاباً إنسانيًّا حضاريًّا جديداً، ويطرح المهدويَّة بوصفها (رؤية ربَّانيَّة) لمستقبل البشريَّة ونهاية التاريخ.
٢ - على المستوى الحضاري:
* يفتح الباب أمام تلاقي شعوب العالم على قاعدة (الأُمنية الكبرى للبشريَّة) بوصفه شعوراً إنسانيًّا جامعاً، لا مجرَّد معتقَد ديني.
* يكشف أنَّ المهدويَّة حين تُقدَّم حضاريًّا وإنسانيًّا وعالميًّا، تكون مدخلاً لحوار حضاري جديد، يرتكز على القِيَم الكبرى: التوحيد، العدالة، والكرامة.
٣ - على المستوى الاستراتيجي:
* يُنتِج وعياً يقاوم الظلم، ويتجاوز الأفعال السياسيَّة المهيمنة، ويتأسَّس على أُفُق مستقبلي جذري.

(٣٢)

* يُقدِّم للمجتمعات المقهورة (مشروعاً للنجاة) يقوم على الأمل المؤسَّس والانتظار المُلهِم.
بالإضافة إلى ذلك، فإنَّ الفائدة الكبرى من هذا الكشف تلامس جوهر الحاجة الإنسانيَّة إلى الخلاص، وتغيير الواقع المأساوي الراهن الذي تعيشه البشريَّة، في ظلِّ فقدان الإنسان كرامته، وحرّيَّته، وحقوقه، تحت وطأة الهيمنة السياسيَّة والاستكبار العالمي.
ومن هنا، فإنَّ المهدويَّة تُقدِّم حلولاً جوهريَّةً للعديد من الأزمات التي تواجه البشريَّة اليوم، وإنَّ إيضاح جوهرها - بعيداً عن التشويه الإعلامي والتعتيم المنهجي - يفتح آفاقاً جديدةً لإعادة صياغة مستقبل البشريَّة.
المهدويَّة.. إحياء لروح الخلاص وتجاوز للانقسامات:
إنَّ أُولى الثمار اليانعة لكشف هذه الجدليَّة تتمثَّل في إعادة الاعتبار لفكرة الخلاص. ففي ظلِّ سيطرة النماذج الفكريَّة التي فرضت (نهاية التاريخ) كحتميَّة رأسماليَّة، أو اختزلت الشرعيَّة في الدولة الحديثة، تأتي المهدويَّة لتُقدِّم نموذجاً مغايراً، حيث تكون الشرعيَّة قائمة على (العصمة)، والقيادة تحت ظلِّ العدل الإلهي، والمستقبل البشري النابع من وعدٍ سماويٍّ، لا من صراعات أرضيَّة.
هذا الكشف عن الجدليَّة يُولِد خطاباً جديداً يتجاوز الانقسام بين الدِّين والعقل، ويطرح المهدويَّة كـ (وعدٍ إلهيٍّ) يتلاءم مع وجدان الفطرة الإنسانيَّة، ويتوافق مع برهان العقل البشري، ويتعاضد مع البشارات السماويَّة. إنَّ الإيمان بالمخلِّص العادل هو ثابت عالمي يكمن في وجدان الشعوب من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ممَّا يُتيح لها أنْ ترى في المهدويَّة خلاصاً أخلاقيًّا مشتركاً من الظلم المتعدِّد الأشكال، سواء كان سياسيًّا أو اقتصاديًّا أو ثقافيًّا.

(٣٣)

هذه النقلة النوعيَّة - من طرح المهدويَّة (كعقيدة دينيَّة) إلى (رؤية حضاريَّة إنسانيَّة عالميَّة) - يسمح لها بأنْ تصبح صيغة رمزيَّة لإعادة طرح سؤال جوهري: ما هو المصير العادل للبشريَّة؟
تحرير الوعي وتشكيل رأي عامٍّ عالمي جديد:
إنَّ المواجهة الصامتة للمهدويَّة، والتي تتجلَّى في التعتيم المنهجي والتسخيف الثقافي والتشويه السياسي المتعمَّد، هي خير دليل على الخوف العميق الذي ينتاب مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة من أيِّ طرح عالمي بديل، نزيه ومُلهِم.
وعندما تتَّضح هذه الجدليَّة وتُكشَف أبعادها المختلفة، تُدرك البشريَّة أنَّ أنظمتها الحاليَّة لا تقف على الحياد من قِيَم العدالة والكرامة، بل تمارس سياسات إقصائيَّة ضدَّ أيِّ نموذج بديل يُهدِّد تفوُّقها وسلطتها.
هذا الكشف يُحرج النُّخَب التي تحتكر الحديث عن الديمقراطيَّة والحقوق، بينما تُقصي عن المشهد فكرة القائد العادل المنتظَر، ويُمكِّن الرأي العامَّ العالمي من طرح تساؤلات كبرى حول نزاهة المؤسَّسات الدوليَّة (السياسيَّة، والاقتصاديَّة، والفكريَّة) التي تتحكَّم في حياة الإنسان: لماذا تخشى هذه المؤسَّسات الحديث عن العدل العالمي الحقيقي؟ ولماذا يُقصى مفهوم المنقذ العادل من الفضاء العالمي العامِّ؟ ولماذا يُتلاعَب بوجدان الشعوب عبر نماذج خلاص مزيَّفة في الإعلام والأدب والسينما، بينما تُتجاهَل المهدويَّة الأصيلة، القادرة على إحداث تغيير حقيقي ونشر العدل في كافَّة أنحاء العالم؟.. نتيجةً لهذا الكشف عن الجدليَّة، يتشكَّل وعي جماعي جديد، ورأي عامٌّ عالمي يدفع نحو البحث والتعرُّف على حقيقة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) - المخلِّص الموعود - بعيداً عن التزييف الإعلامي.

(٣٤)

هذا يُعيد تمكين الشعوب من التفكير في مصيرها خارج ما يُقدَّم لها كبديهيَّات سياسيَّة أو اقتصاديَّة، ويجعل من المهدويَّة أداة فكريَّة لتحفيز النقاش حول السؤال الكبير: مَنْ يملك الحقَّ في رسم مستقبل البشريَّة؟
تفكيك جذور الصراعات وفهم الدوافع الخفيَّة:
أحد أبرز المكاسب الإنسانيَّة من هذا الكشف هو القدرة على تفكيك جذور بعض الصراعات العميقة والمعقَّدة التي يعاني منها الكثير من أجزاء العالم. فعندما نفهم أنَّ بعض الحركات - سواء كانت مقاومة أو متطرِّفة - تستند إلى فهم معيَّن للمهدويَّة أو تستمدُّ شرعيَّتها بناءً على ذلك، فإنَّنا نبدأ في رؤية ما وراء الشعارات الظاهرة.
وهذا التحليل يساعد على ما يلي:
* فهم دوافع الفاعلين: لماذا يُقدِّم بعض الأفراد والجماعات على تضحيات جسيمة أو ينخرطون في صراعات تبدو غير منطقيَّة للعالم؟ فهم رؤيتهم للمهدويَّة في أيديولوجيَّاتهم يُقدِّم تفسيرات عميقة لدوافعهم، سواء كانت تلك الدوافع بحثاً عن العدل، أو سعياً للخلاص، أو قناعة بقرب (نهاية الزمان).
* تجنُّب التعميمات المضلِّلة: بدلاً من وصم جماعات بأكملها بالتطرُّف أو الجهل، يمكن فهم التباينات داخل تصوُّرهم أو عقيدتهم المهدويَّة، وكيف تُفسَّر بطُرُق مختلفة (انتظار سلبي، انتظار إيجابي، جهاد، إلخ). هذا الفهم الدقيق يُقلِّل من خطر التعميمات الخاطئة ويُعزِّز الحوار المبني على المعرفة بدلاً من الجهل.
* تحديد مناطق التوتُّر المحتملة: من خلال تحليل كيفيَّة تطوُّر مفهومهم للمهدويَّة وتوظيفه في الخطابات السياسيَّة أو الدِّينيَّة، يمكن استشراف مناطق التوتُّر المحتملة، وربَّما العمل على معالجة الأسباب الجذريَّة التي تُغذي هذه التفسيرات المنحرفة.

(٣٥)

صياغة لغة إنسانيَّة جديدة جامعة وإعادة تعريف المستقبل:
التحدِّي الأكبر الذي تواجهه البشريَّة اليوم هو الانقسام القومي وتشرذم الهويَّات. وهنا، تظهر قابليَّة المهدويَّة لأنْ تصبح جسراً جامعاً بين شعوب العالم والحضارات المختلفة والمجتمعات المتضرِّرة من العولمة، تلك التي ترى ظلماً لا خلاص منه إلَّا من خلال تغيير عميق، بل وحتَّى الحركات التحرُّريَّة والبيئيَّة والحقوقيَّة التي تفتقر إلى أُفُق معنوي يمنحها بُعداً روحيًّا ومصيريًّا.
ومن خلال الكشف عن الجدليَّة حول المهدويَّة، تتحوَّل إلى (لغة عالميَّة) تتحدَّث عن العدالة والكرامة والوحدة والانتصار للمستضعَف، كما تصبح (رؤية تحرُّريَّة مشتركة) يمكن دمجها في الخطاب الأُممي للمستقبل، ممَّا يُؤسِّس لرأي عامٍّ عالمي جديد لا يتحدَّث فقط بلغة الصراعات الجيوسياسيَّة، بل بلغة القِيَم الكبرى والمصير المشترك للبشريَّة.
وعلى المستوى الاستراتيجي، يُسهم إيضاح هذه الجدليَّة في إحداث تغيير عميق في طُرُق التفكير حول (مستقبل العالم). فبدلاً من مقاربات تنبُّؤيَّة أُحاديَّة مثل: (نهاية التاريخ) أو (صراع الحضارات) أو (الحتميَّة التكنولوجيَّة)، تأتي المهدويَّة لتطرح الرؤية السماويَّة: المستقبل بوصفه تحوُّلاً أخلاقيًّا حضاريًّا عالميًّا، لا يستند إلى هيمنة غربيَّة أو حتميَّة اقتصاديَّة، بل يُبنى على وعد إلهي بالعدل الشامل، يتحقَّق من خلال وعي الإنسان، ومسؤوليَّته، وإرادته الحرَّة.
هذا التحوُّل الاستراتيجي يدفع شعوب العالم إلى إعادة فحص مفاهيم كبرى مثل: (النظام العالمي)، (العدالة الانتقاليَّة)، (الدولة الإنسانيَّة) وذلك في ضوء المسألة المهدويَّة، ويُؤسِّس لظهور جيل من المفكِّرين العالميِّين الذين يتعاطون مع المهدويَّة كمسألة حضاريَّة إنسانيَّة عالميَّة، لا كعقيدة دينيَّة مذهبيَّة. كما يضع الشعوب والقوى الناهضة - وخاصَّةً الحضارات والثقافات غير

(٣٦)

 الغربيَّة - في موقع القادر على إنتاج رؤية مستقبليَّة للبشريَّة، لا تكون تابعة للنموذج الغربي.
المهدويَّة.. رمز لاستنهاض الضمير الإنساني العالمي:
إنَّ الكشف عن الجدليَّة حول المهدويَّة يسهم في استنهاض الضمير الإنساني العالمي، وذلك من خلال:
* إعادة طرح قضيَّة العدالة الإنسانيَّة الشاملة بوصفها هدفاً وجوديًّا، لا مجرَّد سياسيَّة.
* التأكيد على أنَّ الوجدان الإنساني في جوهره، يتوق إلى (الخلاص)، أي إلى نهاية لا تُبنى على المصالح الخاصَّة، بل على الحقِّ المطلق.
* توجيه الرأي العامَّ العالمي والشعوب المختلفة نحو قراءة المهدويَّة كقيمة إنسانيَّة مشتركة تتجاوز الأديان والأعراق والأوطان.
إنَّ المهدويَّة تُحرِّر الفكر الإنساني من الخطابات المعلَّبة التي تُصوِّر المستقبل وكأنَّه حتميَّة تكنولوجيَّة أو ليبراليَّة، وتُعيد للشعوب حقَّها في التفكير المستقلِّ بمصيرها، بعيداً عن أدوات الهيمنة التي تُدير الإعلام وتُبرمج الوعي الجمعي.
إنَّها تُعري ازدواجيَّة الخطاب الغربي الذي يرفع شعارات الديمقراطيَّة، بينما يُقصي أيَّ فكرة خلاص لا تنسجم مع نموذجه الداخلي المبرمج. فالمهدويَّة ليست لغة خلاص فقط، بل هي (رؤية تحرُّريَّة مشتركة)، يمكن دمجها في الخطابات الأُمميَّة والمواثيق الحقوقيَّة، لتُشكِّل أساساً لرأي عامٍّ عالمي جديد، يتكلَّم بلغة القِيَم والمبادئ والأخلاق، لا بلغة المصالح السياسيَّة الخاصَّة، ويُؤسِّس لحوار حضاري حول المصير المشترك للإنسانيَّة.
المهدويَّة ليست فكرة غيبيَّة جامدة، بل هي مشروع نهضة إنسانيَّة شامل، يُعيد للإنسان حقَّ السؤال، وحقَّ الأمل، وحقَّ المشاركة في رسم مصيره. إنَّها

(٣٧)

دعوة إلى تحرير الوعي، وتطهير الضمير، واستنهاض الإرادة الجماعيَّة نحو مستقبل أكثر عدلاً وكرامةً. إنَّها ليست نهاية التاريخ، بل بداية جديدة للبشريَّة، حين تُقرِّر أنْ تنهض من رماد الظلم، وتُعيد رسم خارطة العدالة بمعايير السماء، لا بمقاييس المصالح.
بوصلة الصراع (المهدويَّة والمنقذ الحقيقي): إنَّ هذه الجدليَّة والتناقض حول المهدويَّة (المخلِّص الموعود) بين شعوب العالم ومؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة العالميَّة تُجبرنا على طرح السؤال الجوهري: لماذا تخشى الأنظمة العالميَّة (الفكريَّة والسياسيَّة) من المهدويَّة؟ ولماذا يسوق لنُسَخ مشوَّهة من (المخلِّص) في الروايات والأفلام والأساطير، بينما يتجاهل المنقذ الحقيقي الذي يحمل مشروعاً متكاملاً للعدالة؟.. بمعنى أوضح: إنَّ كشف هذه الجدليَّة يُعيد ضبط بوصلة الصراع العالمي والضمير الإنساني، إذ لم يعد الأمر صراع أديان أو أيديولوجيَّات، بل صراع بين مشروع عالمي للكرامة الإنسانيَّة والعدالة المطلقة، وبين مشاريع إمبرياليَّة استعماريَّة تسعى لتثبيت سيطرتها عبر تغييب الأمل الحقيقي.
المهدويَّة.. تأسيس لرؤية حضاريَّة عادلة:
عندما نُدرك الجدليَّات المرتبطة المهدويَّة ونعمل على تفكيك مظاهرها، فإنَّنا نكشف عن جملة من الفوائد الحضاريَّة والاستراتيجيَّة، والتي يمكن تلخيصها كما يلي:
١ - إيقاظ الضمير الإنساني: التعرُّف على هذه الجدليَّة يُعيد إلى الضمير العالمي قدرته على التمييز بين الخلاص الحقيقي والوهمي. فالمهدويَّة تُعيد للإنسان ثقته بإمكانيَّة تحقُّق العدالة المطلقة، بعيداً عن مزاعم الليبراليَّة، أو شعارات الرأسماليَّة، أو رؤى ما بعد الحداثة.
٢ - مساءلة مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة: إنَّ المواجهة السرّيَّة ضدَّ المهدويَّة

(٣٨)

تدلُّ على خوف عميق من طرح نموذج عالمي بديل، نزيه ومُلهِم. وبالتالي، فإنَّ كشفها يُحرج النُّخَب التي تحتكر الحديث عن الديمقراطيَّة وحقوق الإنسان، بينما تُقصي من المشهد فكرة القائد العادل المنتظَر.
٣ - إعادة تشكيل الرأي العامِّ العالمي: حين تُدرك شعوب العالم وجود مشروع ربَّاني يحمل خلاصاً حقيقيًّا جامعاً، يتشكَّل وعي جماعي جديد يدفع نحو البحث عن حقيقة هذا المشروع، بعيداً عن التزييف الإعلامي والسياسي. وهذا بحدِّ ذاته فعل تغييري وتمهيدي عميق.
٤ - تعزيز الفهم الحضاري المشترك: إنَّ وجود المهدويَّة كقاسم مشترك بين الديانات السماويَّة يمنحها بُعداً توحيديًّا للشعوب المختلفة، لا إقصائيًّا. وهكذا تُصبح المهدويَّة أُفُقاً للحوار بين الشعوب لا سبباً للتنازع بينها.
٥ - إعادة تعريف مستقبل البشريَّة: الفكرة المهدويَّة لا تنتمي للماضي، بل إلى المستقبل. إنَّها دعوة لإعادة صياغة (نهاية التاريخ)، لا على أساس الهيمنة الغربيَّة أو الحتميَّة الاقتصاديَّة، بل على أساس الوعد الإلهي بالعدل الشامل.
استناداً إلى ما سبق: فإنَّ كشف الجدليَّة حول المهدويَّة في الفكر العالمي لا يعود بالنفع على جماعة أو طائفة بعينها، بل على الإنسانيَّة جمعاء، لأنَّه:
- يُعيد الاعتبار للقِيَم الكبرى.
- يُحرِّر الرأي العامَّ العالمي من الهيمنة المفروضة عليه.
- يفتح أُفُقاً مشتركاً لحوار الحضارات.
- يطرح مشروعاً ربَّانيًّا حضاريًّا لمستقبل الإنسانيَّة، لا يُقاس بالربح المادِّي، بل بالكرامة الإنسانيَّة.
ومن هنا، فإنَّ المهدويَّة ليست فقط وعداً بمجيء مخلِّص موعود في آخر الزمان، بل هي دعوة للبشريَّة إلى التفكير الجادِّ في المعنى الحقيقي للعدالة

(٣٩)

والخلاص، وفي الإمكانات المفتوحة لتحرير الإنسان من الظلم وفقدان الأمل.. وبلا شكٍّ، فإنَّ جدليَّة الإيمان والمواجهة حول المهدويَّة، حين تُفهَم عالميًّا، تُحرج المؤسَّسات السياسيَّة والفكريَّة العالميَّة التي تتغنَّى بالحرّيَّة والعدالة ظاهريًّا، لكنَّها تُخفي في الباطن قلقاً من ظهور قائد عالمي يفضح زيف هذه الادِّعاءات.
ونتيجة ذلك، يصبح الترويج للمهدويَّة في الفضاء العالمي، وتعريفها للحضارات الأُخرى - حتَّى من موقع فكري محض - عملاً يُعيد التوازن للقِيَم، ويُهيِّئ البشريَّة لتقبُّل الحقيقة التي تقول: إنَّ العدالة المطلقة ممكنة، وإنَّ الظلم ليس قدراً محتوماً، وإنَّ التاريخ لم يُكتَب بعد.
إنَّ الجدليَّة حول المهدويَّة تكشف بعمق طبيعة النظام العالمي، وتوجُّهات مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة المعاصرة، وتُظهر مدى صدق الحضارات المختلفة في ادِّعاءاتها بشأن العدالة والكرامة والحرّيَّة.. فالرؤية المهدويَّة - بعد أنْ تتَّضح جدليَّتها مع الفكر العالمي - تُعيد للإنسان المعاصر ثقته بإمكانيَّة النجاة. إنَّها لا تعده فقط بخلاص فردي، بل بمشروع إنقاذ جماعي عادل وشامل للبشريَّة كلِّها.
ولذلك ينبغي القول: إنَّنا هنا نسعى إلى تقديم رؤية عميقة لهذه الجدليَّة بصور شتَّى، من خلال: تفكيك أنساق الفكر العالمي الحديث. ومساءلة المفاهيم الكبرى التي تحكم تصوُّرات الإنسانيَّة عن العدالة والقيادة والكرامة والمستقبل.
كما نسعى إلى تهيئة ذهن القارئ - أيًّا كان انتماؤه الثقافي أو الدِّيني - للدخول في حوارٍ جادٍّ حول المهدويَّة، باعتبارها: مشروعاً عالميًّا للكرامة الإنسانيَّة والعدالة المطلقة، لا أُطروحة دينيَّة مغلقة؛ بل من أجل تمهيد الطريق نحو وعي إنساني عالمي جديد، يجرؤ على أنْ يحلم، ويُصدِّق أنَّ: (العدل) ليس أُمنية خياليَّة، بل قدر آتٍ لا محالة.

* * *

(٤٠)

المهدويَّة (جدليَّة رحلة الإنسان نحو العدالة)

المهدويَّة ليست قضيَّة دينيَّة أو غيبيَّة خاصَّة، بل مسألة إنسانيَّة كونيَّة، تتجاوز الحدود الدِّينيَّة والجغرافيَّة إلى همٍّ إنساني مشترك يتمثَّل في (مشكلة الظلم والرجاء بالخلاص). هذه المكانة تُعيد المهدويَّة إلى قلب النقاش العالمي حول: العدالة، والحقوق، ومستقبل البشريَّة، ومعنى التاريخ. إنَّه سؤال وجودي يُثير الفضول الفكري، ويُعبِّر عن القلق الإنساني العميق عبر العصور، في البحث عن العدالة المطلقة في عالم يعجُّ بالظلم. إنَّ فكرة (المنقذ) أو (المخلِّص) ليست حكراً على دين بعينه، بل هي قاسم مشترك في الوعي الوجداني للبشريَّة، تتجلَّى في صور وأشكال متعدِّدة عبر الأديان والثقافات والفلسفات، تجسيداً لتطلُّع إنساني عميق نحو الخلاص، نحو لحظة يتوقَّف فيها الزمن الحاضر ليبدأ التاريخ الحقيقي: تاريخ العدالة السماويَّة.
حين يشتدُّ الظلم والجور في العالم، ويتكاثف ألم البشريَّة عبر رحلة التاريخ، ينبثق في الضمير الإنساني أملٌ بخلاص جامع يتجاوز الأديان والأعراق، ويرتقي إلى إنسانيَّة واحدة تبحث عن معنى العدالة. وهنا تبرز المهدويَّة كنموذج أوَّلي للأُطروحة الربَّانيَّة للخلاص، والتي تتجلَّى أبرز صورها المعاصرة في التباين بين ملامح الإيمان بها في وجدان شعوب العالم، وبين الصورة النقيضة لها تماماً في منهجيَّة مؤسَّسات الهيمنة العالميَّة. من هنا، تبدأ المهدويَّة

(٤١)

كتعبير حضاري عن حاجة البشر المتواصلة إلى ميزان يُحقِّق التوازن بين الإيمان والمواجهة، بين الرجاء والعمل، بين انتظار الخلاص وصناعته.
في هذا السياق، تبرز فكرة (المنقذ) كعنصر مشترك في جميع الثقافات والفلسفات والأديان: إنسان يُنتظَر ليُقيم ميزان الحقِّ والعدل، ويستنهض في الإنسان قِيَم التوحيد والكرامة والعدالة. ومن هذا المنطلق، عندما نُعيد قراءة المهدويَّة في الأُفُق الإنساني العالمي بهذه الرؤية، فإنَّنا نستلهمها كجدليَّة وجوديَّة عميقة: إيمان بالعدل في وجه اليأس، ومواجهة واعية للظلم في جميع أشكاله. لذا ينبغي قراءة المهدويَّة في الفكر العالمي والضمير الإنساني على أنَّها بداية لصفحة جديدة يُشارك فيها الإنسان فاعلاً في صناعة المصير والمستقبل.
فهل يمكن لفكرة دينيَّة مثل المهدويَّة أنْ تتجاوز إطارها العقدي لتصبح مشروعاً إنسانيًّا حضاريًّا عالميًّا؟ وكيف يتحوَّل هذا الإيمان العميق إلى طاقة مواجهة فاعلة - معرفيَّة وفكريَّة ومقاومة - ضدَّ منطق الاستبداد؟.. إنَّنا هنا لا نطرح إجابات نهائيَّة، بل نفتح الأبواب أمام أسئلة وجوديَّة كبرى، تُعيد ترتيب العلاقة بين الإيمان بالمهدويَّة والواقع المأساوي، وتُؤسِّس لفهم أعمق لمعنى الإيمان الحقيقي بالمهدويَّة. فصرخة المظلومين إلى العدل واحدة، والصوت هو ذاته في كلِّ مكان، نداءٌ يبحث عن مخلِّص.
هذه الرحلة - في جوهرها - ليست غوصاً في العقائد الدِّينيَّة، بل ارتحالاً في أعماق الفكر والضمير والمصير. فلتكن هذه السطور مفتاحاً منهجيًّا لفهم المهدويَّة عالميًّا، بوصفها منظومة ربَّانيَّة متكاملة، تختزن في داخلها طاقة التحرُّر الإنساني والفتح الحضاري، وتجسيداً لذلك التطلُّع الإنساني الأصيل نحو اللحظة الفاصلة: توقُّف الزمن الحاضر، وبدء تاريخ العدالة السماويَّة.
والحديث هنا يتمُّ من خلال محاور:

(٤٢)

المحور الأوَّل: المهدويَّة والجدليَّة في الضمير الإنساني:
إنَّ المهدويَّة في أصلها نداء وجداني تضرب جذوره في أعماق الفطرة الإنسانيَّة، ويتجلَّى في صراعات الإنسان الكبرى. فالجدليَّة الأساسيَّة المرتبطة بها في الضمير الإنساني هي: الصراع بين المُثُل الذي يتوق إليها الإنسان والواقع القاهر الذي يحاصره. في هذا السياق، تتشكَّل (جدليَّة المهدويَّة) لا كفكرة دينيَّة محض، بل كاستجابة وجوديَّة لصراع أبدي بين ما ينبغي أنْ يكون وما هو كائن.
تنبع المهدويَّة من رحم هذا التناقض الجوهري، حيث يصطدم الإنسان، في جميع الحضارات بين إيمانه بالقِيَم العليا كحقٍّ أصيلٍ - العدل الذي يرفع المظالم، الرحمة التي تحفظ الكرامة، والخلاص الذي يداوي الجراح - وبين واقع سياسي استبدادي، واقتصاد يُرسِّخ الفقر، وثقافة تُقصي وتُجهِّل وتُفقِد الهويَّة. هنا، يتحوَّل التوق إلى معنى يتجاوز الألم، إلى أمل يُبرِّر الصمود، ويُعيد تعريف المعاناة كطريق نحو التحوُّل.
لا تُنكِر المهدويَّة هذا الصراع، بل تضعه في لُبِّ رؤيتها، فتُشخِّص الواقع، وتعترف بعمق المأساة، وتُشرعن التوق كحقٍّ لا كضعف، وترفعه إلى مرتبة البصيرة الأخلاقيَّة. هي لا تعد بالخلاص السحري، بل تقترح أُفُقاً مفتوحاً على الفعل والرجاء، وتنفي الحتميَّة السلبيَّة التي تُروِّج للقهر كقدر أبدي. بهذا المعنى، تصبح المهدويَّة وعداً لا بالمعجزة، بل بإمكانيَّة التغيير من داخل التاريخ، من قلب الإنسان، ومن فعل الجماعة الواعية.
الإيمان بالمهدويَّة ليس جموداً بل تحرُّك، ليس استسلاماً بل مقاومة واعية. إنَّه استعداد أخلاقي وسلوكي يتجلَّى في تهذيب النفس، وفي الكفاح ضدَّ الظلم، وفي بناء الأرضيَّة الأخلاقيَّة والسياسيَّة لظهور عالم بديل. إنَّه إيمان يُحوِّل اليأس إلى أمل، والتوجُّس إلى مبادرة، والفرد إلى مسؤول. ومن هنا، تنبع الضرورة

(٤٣)

الاستراتيجيَّة لإعادة تأصيل المهدويَّة كرؤية وعي ومواجهة، وكمنظومة فكريَّة تستنهض البصيرة وتُحفِّز المقاومة. فالمهدويَّة لا تُبرِّر الهزيمة بل تدينها، ولا تُشرعِن السلطة بل تسائلها، ولا تهرب إلى الغيب بل تستدعيه لبناء الواقع.
إنَّ عالميَّة المهدويَّة لا تكمن في تفاصيلها العقديَّة، بل في جوهرها الرمزي كـ (لغة خلاص) مشتركة، تتقاطع فيها النصوص الدِّينيَّة والفلسفات الوجوديَّة وحركات التحرُّر الاجتماعي. من الفطرة الإنسانيَّة يتكرَّر الأمل الوجداني، الذي يرى المهدويَّة من خلال مساحة الإنسانيَّة الجامعة، حيث تصبح رمزاً يُلهِم لا يُقصي، ويجمع لا يُفرِّق.
وفي ضوء ذلك، يبرز التحدِّي المعرفي: تأسيس خطاب مهدوي جديد، يتسلَّح بأدوات الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس والنقد الثقافي؛ ليُعيد قراءة المهدويَّة في سياق تحدّيات العصر. خطاب يتحاور مع الآخر المختلف، ويستنطق التجارب الإنسانيَّة المتقاربة في توقها للخلاص. خطاب يُحرِّر الفكرة من أسر التراث الدِّيني، ويُحوِّلها إلى ديناميكيَّة إنسانيَّة تُربِّي الفرد وتبنِّي المجتمع، وتُقدِّم بديلاً فكريًّا لمستقبل تُوجِّهه القِيَم لا المصالح، وتُحدِّده الكرامة لا الهيمنة.
يُقدِّم هذا الفهم العميق للمهدويَّة - كاستجابة لجدليَّة إنسانيَّة أزليَّة بين التوق إلى المُثُل العليا ومواجهة واقع القهر - أدوات فكريَّة واستراتيجيَّة بالغة الأهمّيَّة تستوعب هذا الصراع وتمنحه أُفُقاً رحباً، لتحقيق أهداف استراتيجيَّة:
* إعادة تأصيل المهدويَّة كنظريَّة (وعي ومواجهة).
* تأكيد عالميَّتها كلغة خلاص مشتركة بين البشر، بغضِّ النظر عن العقيدة.
* التأسيس لمرحلة جديدة من الخطاب المهدوي، يتجاوز الاستهلاك الثقافي نحو التفاعل والتحويل:

(٤٤)

- تحويل الذات: منهج لتربية الفرد على القِيَم والمسؤوليَّة والاستعداد.
- تحويل المجتمع: دافع أخلاقي للإصلاح المجتمع وبناء العدالة في كلِّ مكان.
- تحويل الفكر: تقديم رؤية بديلة لمستقبل البشريَّة قائمة على القِيَم الأخلاقيَّة السماويَّة.
وبهذا، نُعيد صياغة مكانة المهدويَّة من الفكر العقائدي الدِّيني إلى رحاب الفكر العالمي المفتوح، حيث تصبح أُفُقاً للتفكير، ومصدراً للأمل، ودعوة للعمل.
المحور الثاني: المهدويَّة وجدليَّة الإيمان والمقاومة في الفكر العالمي:
في صميم الوجود الإنساني، ينبض توتُّر خلَّاق بين حلم الخلاص وصخب المقاومة؛ جدليَّة شكَّلت مسيرة الفكر البشري عبر العصور. فالإيمان بالمخلِّص انعكاساً لتوق البشريَّة، يُعبِّر عن توق فطري لاستعادة المعنى وتوازن الوجود: رفض الظلم والبحث عن كرامة الإنسان. غير أنَّ هذا الإيمان لم يكن يوماً فكرة جامدة أو رغبة عاطفيَّة فحسب، بل ارتبط دوماً بفعل المقاومة والتمرُّد على الظلم. من هذا المنظور، تتحوَّل المهدويَّة - في قراءة مفهومها العميق - إلى مركز هذه الجدليَّة: بين الإيمان والمقاومة، بين الأمل والغضب، بين السكون والفعل.
١ - جدليَّة الإيمان في الحضارات.. التوق الإنساني للخلاص:
في الديانات الكبرى، نلاحظ تكراراً لنموذج (المخلِّص) الذي يظهر في أوقات الانهيار ليُعيد التوازن إلى العالم. ففي اليهوديَّة يُمثِّله (الماشيح)، وفي المسيحيَّة (عودة المسيح الثانية)، وفي الإسلام (المهدي المنتظَر) الذي يملأ

(٤٥)

الأرض قسطاً وعدلاً. ولا تقتصر رمزيَّة الخلاص على الديانات السماويَّة، بل تشمل تطلُّع البشريَّة كافَّة إلى انبعاث العدالة.
هذه الرموز - رغم اختلاف أسمائها - تتَّحد في دلالتها: تجسيد الحلم الإنساني بعالم منصف، وخلق معنى للمعاناة، وتعويض نفسي وروحي عن قصور الواقع. يتجلَّى هذا الإيمان في أساطير الشعوب وأعماق الأدب وروائع الفنِّ، كمكوِّن أنثروبولوجي(٢) أصيل يُعبِّر عن أمل يتجاوز الأزمنة والثقافات.
٢ - جدليَّة المقاومة.. أنماط التحدِّي للظلم:
الإيمان وحده لم يكن كافياً، فالمقاومة ضرورة روحيَّة وأخلاقيَّة دفاعاً عن الكرامة والحرّيَّة. عبَّرت الحضارات عنها بأنماط متعدِّدة: سياسيَّة وثقافيَّة واقتصاديَّة، تشهد على صراع الإنسان الأبدي من أجل العدالة.
جوهر هذه المقاومات كان صراعاً بين القِيَم والمصالح: بين العدالة والاستعمار، الكرامة والسيطرة، الحرّيَّة والاستبداد، الفقر والثروة. لم تكن مجرَّد صراعات مادّيَّة، بل تحدّيات وجوديَّة تُختبَر فيها كرامة الإنسان.
٣ - المهدويَّة كرؤية توازن.. الجسر بين الإيمان والمقاومة:
في هذا السياق المعقَّد، تُقدِّم المهدويَّة رؤية توازن دقيقة بين الإيمان والمقاومة. فهي تطرح إيماناً واعياً لا يتواكل ولا ييأس، وترفض العنف بقدر ما ترفض الخنوع. فالمهدويَّة - كما تفهمها هذه المقاربة - ليست مبرِّراً للهروب، بل (مقاومة ناعمة) تتجلَّى في:
* المقاومة الداخليَّة: صون الضمير والقِيَم في وجه اليأس.
* المقاومة الثقافيَّة: بناء الوعي وإحياء ذاكرة الكرامة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) (كمكوِّن أنثروبولوجي) تعني: عنصر أصيل في طبيعة الإنسان وثقافته عبر التاريخ، وأنَّه جزء من تركيبة الإنسان النفسيَّة والثقافيَّة.

(٤٦)

* المقاومة الاجتماعيَّة: تشييد نواة عادلة وتضامنيَّة.
* المقاومة السياسيَّة: عبر الوسائل الأخلاقيَّة (الإصلاح، العصيان المدني، النقد).
المهدي في الوجدان الجمعي لا يحلُّ محلَّ الإنسان، بل يستنهض الهِمَم، ويُذكِّر بالمسؤوليَّة الجماعيَّة لتهيئة الأرض للعدل. فانتظاره ليس توقُّعاً لمعجزة، بل ثمرة لتراكم الجهد الإنساني، وتجسيدٌ لإيمان الشعوب بالعدل.
٤ - المهدويَّة مشروع الكرامة الإنسانيَّة:
في قراءتها الإنسانيَّة، تتحوَّل المهدويَّة من عقيدة خاصَّة إلى رؤية كونيَّة للكرامة الإنسانيَّة. إنَّها جسرٌ بين المطلق والتاريخ(٣)، تُوحِّد العمق الروحي بالفاعليَّة الأخلاقيَّة، وتربط الإيمان بفعل الإصلاح. لا تعد بالخلاص فحسب، بل تمنح أدواته، وتجعل الإنسان شريكاً في تحقيقه. فالإيمان بالمهدويَّة رؤية إيجابيَّة ومتفائلة، تؤمن بإمكانيَّة الانتصار، وتشترط الجهد والوعي والنزاهة. ليست

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) تعبير (المهدويَّة جسر بين المطلق والتاريخ) يعني أنَّ فكرة المهدويَّة لا تقتصر على كونها مجرَّد عقيدة دينيَّة غيبيَّة منفصلة عن الواقع، بل إنَّ المفهوم الحقيقي والأصيل لها: يكمن في ربطها بين عالمين يبدوان متباينين:
* المطلق: يشير إلى القِيَم الإلهيَّة الثابتة والسامية، مثل: العدل المطلق، والحقِّ، والكمال، والوعد الإلهي بالخلاص، والغاية الأسمى للوجود الإنساني. هذه القِيَم تتجاوز حدود الزمان والمكان، وتظلُّ ثابتة بغضِّ النظر عن تقلُّبات التاريخ البشري.
* التاريخ: يُمثِّل الواقع الزمني المتغيِّر، بما يحمله من أحداث وصراعات وظلم ومعاناة، ومن تطوُّرات حضاريَّة وتجارب بشريَّة متراكمة. التاريخ هو المجال الذي تتجلَّى فيه هذه القِيَم المطلقة، أو تتناقض معها.
باختصار، المهدويَّة هي الإيمان بأنَّ القِيَم والمبادئ المطلقة ليست مجرَّد أفكاراً مجرَّدة فحسب، بل قوى حيَّة قادرة على إعادة تشكيل التاريخ الإنساني، وأنَّ الإنسان ليس متلقّياً سلبيًّا، بل فاعل وشريك في هذه الرحلة التاريخيَّة نحو تحقيق الوعد الإلهي بالخلاص والعدل المطلق.

(٤٧)

نهاية التاريخ، بل بداية وعي الإنسان بكرامته، وإدراكه أنَّ العدل يُنتزَع لا يُمنَح، وأنَّ الإيمان بالمستقبل أعظم أسلحة التغيير.
هكذا تُقدِّم جدليَّة الإيمان والمقاومة - عبر المهدويَّة - رؤية فريدة تتجاوز الانقسامات العقائديَّة: تجعل من الإيمان حركة، ومن الأمل قوَّة دافعة، ومن المقاومة بوصلة نحو غدٍ يستحقُّ الجهد.
المحور الثالث: المهدويَّة مركزيَّة في الصراع العالمي:
لم تعد المهدويَّة مجرَّد عقيدة دينيَّة أو غيبيَّة أو أمل شخصي، بل تحوَّلت إلى ميدان معركة فكري واستراتيجي في الصراع على رؤية العالم ومستقبله، متجاوزة طرحها كعقيدة دينيَّة إلى الأيديولوجيا والهيمنة الحضاريَّة. إنَّها تُفهَم كمشروع حضاري مقاوم، واستجابة تاريخيَّة لمشاريع الاستكبار التي تسعى لاستدامة هيمنتها من خلال إفقاد الشعوب الأمل وإخضاعها. هنا تتجسَّد جدليَّة الإيمان والمواجهة؛ فالإيمان بالمهدويَّة - العدل الإلهي - هو الوقود الروحي، والمقاومة للظلم المهيمن هي الترجمة العمليَّة، وهذا الثنائي يُشكِّل تهديداً وجوديًّا لمنظومات القهر.
في هذا السياق، تواجه المهدويَّة استراتيجيَّات تقويض ممنهجة من القوى المهيمنة، تتراوح بين التشويه الإعلامي والثقافي (تصويرها كخرافة أو شكل من أشكال التطرُّف) ومحاولات التدجين والاحتواء (من خلال اختزالها في طقوس أو توظيفها سياسيًّا)، وتفريغ محتواها المقاوم عبر تشجيع قراءات سلبيَّة أو صوفيَّة منعزلة.
لذا، تبرز ضرورة المواجهة من قِبَل المؤمنين بالمشروع المهدوي عبر: فضح آليَّات التشويه، والتحلِّي بالوعي والبصيرة لفهم الحروب الناعمة ضدَّها، وصياغة خطاب بديل عالمي يُقدِّمها كرؤية إنسانيَّة لتحقيق العدل الإلهي

(٤٨)

والتحرُّر، مع تأصيلها استراتيجيًّا لفهم ديناميكيَّات الصراع الخفي. هذا النضج والإدراك الحضاري يتطلَّب بنية صلبة من الوعي والتهيُّؤ الفكري والمعرفي، والاستعداد العملي لبناء نماذج مجتمعيَّة عادلة ومقاومة.
فكريًّا: يتطلَّب التصدِّي لهذا الهجوم الخفي إعادة تأسيس جذريَّة: من خلال إيضاح المفهوم الإنساني والحضاري للمهدويَّة، وإعادة صياغتها كمشروع فكري شامل يتجاوز التركيز على شخص المهدي كـ (مُخلِّص فردي)، إلى فهمها كمنظومة فكريَّة، ورؤيتها نسقاً قيميًّا متكاملاً يُجسِّد العدل المطلق والرحمة الكونيَّة والكرامة الإنسانيَّة.. كما يتطلَّب تحويل الإيمان بالمهدويَّة إلى (تمهيد حضاري) عبر إصلاح الذات والمجتمع والمعرفة، والمقاومة الفاعلة، واستشراف المستقبل محرِّكاً للإبداع. فالمهدويَّة رؤية فلسفيَّة لغاية التاريخ لا مساراً عبثيًّا، بل حركة واعية ذات غاية أخلاقيَّة سامية، تستدعي مشاركة إنسانيَّة فاعلة لتحقيق العدالة. كما تُقدِّم نموذجاً للمجتمع الفاضل المنشود، الذي ينبغي تمهيد أركانه منذ اللحظة الراهنة.
ويقوم هذا البناء الفكري على تفكيك (الانتظار السلبي)، ليكشف أنَّ الانتظار الأصيل ذروة الفاعليَّة الواعية العاملة. إنَّه يُبنى عبر السعي الدؤوب لخلق (القابليَّة للعدل) في الفرد والمجتمع. ويتمثَّل ذلك في: إصلاح الباطن بترسيخ القِيَم، وتجديد المعرفة بإنتاج الفكر النقدي الخلَّاق، ومواجهة الظلم بمقاومة سلميَّة. حينها يتحوَّل الأمل من هروب إلى قوَّة دافعة للإبداع في العلوم والفنون والسياسة والاقتصاد، تسخَّر جميعها لخدمة مشروع العدالة الإلهيَّة.
استراتيجيًّا: تستلزم مواجهة الحروب الخفيَّة ضدَّ المهدويَّة وعياً عميقاً بـ (العدوِّ الاستراتيجي وآليَّات المواجهة). هذا العدوُّ ليس ديناً أو عرقاً بعينه، بل هو منظومة الهيمنة السياسيَّة العالميَّة، القائمة على استضعاف الشعوب، وإبقائها

(٤٩)

في حالة تبعيَّة وتخلُّف، ونهب الثروات، وتركيز السلطة والمال، وتجهيل العقول وتضليلها للسيطرة على الضمائر. في نظر هذه المنظومات، تُعَدُّ المهدويَّة عقيدة تهديد وجودي، لأنَّها تُشعِل جذوة الأمل في المستضعَفين، وتدفعهم للمطالبة بحقوقهم، وتُقدِّم بديلاً أخلاقيًّا حضاريًّا ينسف شرعيَّة مؤسَّسات الهيمنة القائمة على الظلم، ويرفع سقف التوقُّعات الإنسانيَّة من العدالة الجزئيَّة إلى الشاملة.
تتبع هذه المنظومة آليَّات ممنهجة لتشويه المهدويَّة وإفراغها من محتواها الحقيقي، من خلال ربطها بالعنف والتطرُّف إعلاميًّا، وتقديم دراسات (استشراقيَّة) تُشوِّه جوهرها أكاديميًّا، ودعم تيَّارات تحرف المفهوم سياسيًّا، وتسطيح رمزها في الثقافة الشعبيَّة. ومن هذا الواقع، تنبثق الحاجة إلى بناء جبهة حضاريَّة تواجه هذا التحدِّي، وتُعيد تقديم وتعريف المهدويَّة بصورتها الحقيقيَّة والأصيلة. وهذا يتطلَّب مشروعاً موازياً وشاملاً لإعادة بناء الإنسان والمجتمع (المهدوي). يشمل ذلك بناء الإنسان المهدوي الواعي بأبعاد الصراع العالمي، المتخلِّق بقِيَم العدل والصدق والرحمة، وصاحب الإرادة القويَّة على المواجهة والبناء. كما يتطلَّب بناء المؤسَّسات الممهِّدة (التعليميَّة، الإعلاميَّة، الاقتصاديَّة، الاجتماعيَّة، السياسيَّة) التي تعمل وفق قِيَم المهدويَّة، لتكون نواة للمجتمع الفاضل المنشود. ويتطلَّب كذلك بناء خطاب حضاري بديل، عالمي وعقلاني وأخلاقي، يُعيد تقديم المهدويَّة كأمل إنساني مشترك واستراتيجيَّة تغيير حضاري، ويردُّ على تشويهات الخصوم بالأدلَّة والرصانة والجاذبيَّة.
النتيجة المحوريَّة: إنَّ المهدويَّة اليوم في قلب العاصفة الفكريَّة العالميَّة؛ وقراءتها كمركز للصراع الوجودي ومشروع تحرُّري حضاري هي القراءة الضروريَّة لفهم تحدّياتها وآفاقها، ولتحرير طاقتها الثوريَّة، وتحقيق دورها

(٥٠)

كبوصلة للأمل والعمل في معركة البشريَّة من أجل العدل والكرامة. وبلا شكٍّ، تستمدُّ المهدويَّة قوَّتها من الفطرة الإنسانيَّة السليمة، ومن العقول الراشدة، ومن وعد السماء، وتتطلَّب من حامليها الشجاعة الفكريَّة والعمل الدؤوب لتحويل هذا الوعد إلى واقع.
المحور الرابع: المهدويَّة كدافع وجداني للعدالة:
منذ فجر التاريخ، حمل الإنسان في أعماقه نداءً صامتاً، يتردَّد كحاجة كونيَّة لا تهدأ: هل ستأتي لحظة يُستعاد فيها ميزان العدل المفقود، ويُرَدُّ الحقُّ إلى أهله؟ لم يكن هذا النداء يوماً نتاج ثقافة أو ديانة بعينها، بل هو حاجة فطريَّة راسخة في الوعي البشري، وسمة روحيَّة ثابتة في الضمير الإنساني. يتجلَّى هذا التوق إلى العدالة المطلقة في نصوص الأديان السماويَّة جميعها، من التوراة والإنجيل إلى القرآن، حيث تتلألأ بشارات المنقذ كخيط ناظم يربط بين الرسالات، ويُعيد الثقة بأنَّ للتاريخ معنى، وللمستقبل أملاً.
تُمثِّل المهدويَّة - كصيغة إسلاميَّة لهذا التوق الأزلي - تعبيراً راقياً عن هذه الحاجة، مُحوِّلة اليأس إلى حافز للأمل، والخمول إلى حركة، والخضوع إلى مقاومة. فهي ليست هروباً من الواقع، بل طاقة ديناميكيَّة توقظ في القلب رغبة التمرُّد على الظلم، وتُلهِم العقل بروح الإصلاح والعمل. إنَّها النداء الفطري في أعماق الوجدان البشري، الذي يرفض الاستسلام للعبث، ويؤمن بأنَّ الأرض لن تبقى حكراً على الأقوياء بالبطش، بل ستؤول في النهاية إلى العدل الموعود.
المهدويَّة.. دمج بين الإيمان والعمل: تمزج المهدويَّة بين الإيمان كقوَّة روحيَّة والمقاومة كفعل واقعي. فالإيمان بالفرج يمنح المعاناة معنًى سامياً، ويُرسي أملاً لا يُقهَر. وهذا اليقين لا ينحصر في الجانب الروحي فقط، بل يتجسَّد عمليًّا عبر مواجهات متعدِّدة المستويات:

(٥١)

* فكريًّا: من خلال نقد الأيديولوجيَّات الزائفة، وبناء رؤى بديلة للعدالة.
* اجتماعيًّا: بمقاومة الفقر والتمييز، وتعزيز شبكات التضامن المجتمعي كنماذج أوَّليَّة للمجتمع العادل.
* سياسيًّا: بالمطالبة بالإصلاح، مع التحذير من الانزلاق نحو تبرير العنف أو الطائفيَّة.
* روحيًّا: عبر تشكيل الذات لتصبح (الإنسان المنتظِر)، القادر على مقاومة اليأس، وبناء إرادة التغيير.
تعتمد المهدويَّة على جدليَّة تربط الإيمان بالعمل، فالإيمان بالفرج يُضفي معنًى على التحدّيات، ويُعزِّز الصمود النفسي، ويجعل من (العدل المهدوي) معياراً نقديًّا لتقييم الأنظمة والقوانين والمعايير الدوليَّة. هذا الإيمان ليس مجرَّد تصوُّر نظري، بل يتحوَّل إلى منهج عملي، يتُرجِم التوق الفطري إلى العدالة إلى سلوك يومي، من خلال ترسيخ قِيَم الصمود الأخلاقي، وتشكيل (المؤمن الفاعل) القادر على المواجهة.
المهدويَّة.. معيار نقدي ومحفِّز للإصلاح: يُشكِّل هذا الإيمان مقياساً يُكشَف من خلاله انحراف الواقع عن المثال، ويدفع الأفراد والمجتمعات إلى حمل مشاعل الإصلاح، وخوض معارك فكريَّة تفضح الظلم، ونضالات اجتماعيَّة تنتصر للمهمَّشين، ومطالبات سياسيَّة تستعيد الكرامة، وتجارب روحيَّة تستأصل اليأس من الجذور.
بهذا، تظهر المهدويَّة كرؤية شاملة تدمج الأمل بالفعل، والغيب بالواقع، والنداء الفطري بالمسؤوليَّة التاريخيَّة. وتُظهر العلاقة الديناميكيَّة التكامليَّة بين الإيمان والمقاومة علاقة تبادليَّة: فتعميق الإيمان يُعزِّز الفعل، ونجاح المقاومة في

(٥٢)

تحقيق إصلاحات جزئيَّة يُعمِّق اليقين بالوعد. وهكذا، كلَّما اشتدَّ الإيمان بالمهدي كرمز للعدل الإلهي، ازدادت فعَّاليَّة مقاومة الظلم، وكلَّما تصاعدت أشكال المقاومة المشروعة، تعزَّز الاعتقاد بقرب تحقُّق الوعد. إنَّها الحلقة الفاعلة التي تربط الإنسان بالمطلق: كلَّما ازداد الظلم اشتدَّ التوقُ للعدل، وكلَّما تعمَّق التوقُ ازداد العمل ضدَّ الظلم.
الفطرة مرشد أخلاقي: في واقع الأمر، يتحوَّل الحنين إلى العدل إلى بوصلة أخلاقيَّة. لذا ينبغي أنْ تخضع أيُّ مواجهة سياسيَّة لمعايير القِيَم المهدويَّة: عدالة لا تُتهاون، ورحمة لا تُتنازل، وكرامة لا تُمَسُّ. وهكذا، تُقدِّم المهدويَّة نفسها كمنهج ربَّاني يخاطب الإنسانيَّة جمعاء، ويُعبِّر عن حاجة وجوديَّة للعدالة، يربط بين الاعتقاد الغيبي والممارسة الواقعيَّة.
بهذه الصورة، تترسَّخ المهدويَّة في الضمير الإنساني كدافع فطري يرفض الظلم، وكعمليَّة ديناميكيَّة تُحوِّل الوجدان إلى فعل، ومسار يبدأ اليوم ببناء الذات العادلة والعلاقات الرحيمة.
إنَّها دعوة مستمرَّة تجعل الإنسان شريكاً في إقامة العدل، لا مجرَّد شاهد عليه. فالإيمان بها إذاً، هو سلاح المظلوم الأقوى، وتحدِّي الظالم الأكبر، وأمل البشريَّة الأعمق في تحقيق العدل الإلهي.
المحور الخامس: المهدويَّة والرؤية الشاملة للعدالة:
حين يُستدعى مفهوم العدالة في الوجدان البشري، يُستدعى معه تاريخ طويل من الخيبات والانكسارات، حيث تحوَّلت العدالة في كثير من الحضارات إلى شعار تتاجر به القوى المستبدَّة وتُخدِّر به الشعوب، بينما يظلُّ المظلومون يبحثون عنها كسراب في صحراء موحشة. من هنا، تبرز (المهدويَّة) كرؤية إنسانيَّة شاملة ومتكاملة للعدالة، تحمل في جوهرها وعداً إلهيًّا بإنقاذ الإنسان من مخالب الظلم،

(٥٣)

ومن انهيار موازين القسط. المهدويَّة في عمقها الفلسفي، أُفُق مفتوح على مشروع إلهي ضخم، تتجلَّى فيه العدالة لا كمفهوم قانوني أو سياسي فحسب، بل كجوهر وجودي يُعيد للإنسان كرامته، وللحياة توازنها، وللتاريخ معناه.
العدالة الشاملة.. جوهر المهدويَّة ومضمونها العميق:
تتجلَّى العدالة في المنهج المهدوي كرؤية تُعلي من شأن العدالة الشاملة، لتكون المحور الذي تدور حوله آمال الإنسانيَّة وتطلُّعاتها نحو عالم أكثر عدلاً وإنصافاً. إنَّها ليست مجرَّد استرجاع للحقوق لأصحابها، بل إعادة بناء شاملة للمنظومة الأخلاقيَّة للإنسانيَّة في شتَّى المجالات. فهي عدالة لا تكتفي بإصلاحات ظاهريَّة، بل تنفذ إلى الجذور لتقلع بذور الظلم من أساسها، وتستبدلها بقِيَم العدل والقسط والحرّيَّة والمساواة. وهي إدراك بأنَّ الخلل الذي يكتنف واقعنا المعاصر لا يُصلَح إلَّا بتحقيق عدالة لا تعرف الحدود، ولا تُفرِّق بين البشر. إنَّ فهم المهدويَّة بهذا العمق يجعل من المهدي رمزاً يُنتظَر، لا كمنقذ سحري، بل كقائد مشروع تحرُّري يقتلع جذور الظلم، ويُؤسِّس لمنظومة حضاريَّة جديدة تُبنى عليها مستقبل البشريَّة.
الإنسان في المهدويَّة.. محور العدالة وغايتها:
تحمل الرؤية المهدويَّة في طيَّاتها إعادة مركزيَّة لكرامة الإنسان، وضمان حقِّه في العيش الكريم والأمن والعدالة والحرّيَّة. فالمهدي ليس مخلِّصاً لفئة دون أُخرى، أو مصلحاً لمجتمع دون سواه، بل هو رمزٌ لتحقُّق العدالة الربَّانيَّة، ووعدٌ إلهي بأنَّ الإنسان لن يُترَك وحيداً في متاهة الظلم والطغيان. بهذا المعنى، تُمثِّل المهدويَّة قفزة نوعيَّة في التفكير الدِّيني والتاريخي، حيث تضع الإنسان في قلب المشروع الإلهي، لا كمتلقٍّ سلبي، بل كمشارك فعَّال في صناعة العدل وبناء مجتمع القسط.

(٥٤)

العدالة هنا لا تأتي من الأعلى إلى الأسفل فقط، بل تُبنى من الداخل إلى الخارج، ومن الذات إلى الجماعة، ومن الوعي إلى الفعل. إنَّها عدالة تقوم على تربية النفوس وتطهير القلوب وتحرير العقول، قبل أنْ تُترجَم إلى قوانين ومؤسَّسات.
المهدويَّة وفلسفة العدل الشامل:
لا تُختزَل المهدويَّة في شخص المنتظَر، بل في رسالته: إقامة دولة العدل الإلهي، التي لا ترتهن لجغرافيا أو عرق أو دين، بل تتَّسع كالأُفُق لتغمر البشريَّة جمعاء. تستند رؤية المهدويَّة للعدل على ركيزتين استراتيجيَّتين متلازمتين:
١- العدل التشريعي: يُؤسِّس لأنظمة حكم رشيدة وسلطة قضائيَّة حازمة، تنبذ الاستبداد والفساد، وتستمدُّ شرعيَّتها من قانون السماء. إنَّها الشريعة الإلهيَّة التي تُحوِّل العدل إلى آليَّات منهجيَّة وعمليَّة ملموسة في حماية الحقوق.
٢- العدل القيمي: يغرس ثقافة العدل في الضمير الجمعي للإنسانيَّة، فيتحوَّل من فرض خارجي إلى قيمة داخليَّة راسخة كالغرائز الأصيلة. وهذه القيمة هي الأعمق والأكثر ديمومة، حيث يصبح الظلم منكراً لا يُطاق، والعدل فضيلة لا تنفصم.
هذه النقلة النوعيَّة في الوعي الإنساني تضمن استدامة العدل، فلا يعود قائماً على رقابة السلطة وحدها، بل على يقظة الضمير ورقابة المجتمع. وما يُميِّز العدالة في المهدويَّة هو تكاملها بين البُعد المؤسِّسي والتشريعي من جهة، والبُعد الوجداني والروحي من جهة أُخرى. فهي تؤمن بأنَّ الأنظمة العادلة لا تكفي ما لم يسكن العدل في ضمير الإنسان، وما لم يتحوَّل إلى جزءٍ من نسيج الثقافة والعلاقات اليوميَّة. فالمهدويَّة تُطرَح العدل لا كإجراء قانوني فحسب، بل كأُفُق حضاري إنساني أصيل.

(٥٥)

العدالة في واقعنا المعاصر.. جدليَّة المهدويَّة والواقع الدولي:
عند إلقاء نظرة فاحصة على واقعنا المعاصر، يبرز التباين الصارخ بين رؤية المهدويَّة للعدالة الشاملة والوضع الدولي الراهن. إنَّها جدليَّة عميقة بين الأمل المهدوي والواقع الأليم؛ فبينما تدعو المهدويَّة إلى نظام عالمي قائم على العدالة المطلقة، نجد الأنظمة القائمة تُرسِّخ الانقسامات وتُعلي من شأن المصالح الضيِّقة. هذه المفارقة القاسية ليست مجرَّد اختلاف في الرؤى، بل صراع بين قيمتين متعارضتين: قيمة القسط والعدل، وقيمة الهيمنة والاستغلال.
وحين ننظر إلى المهدويَّة من زاوية استراتيجيَّة، فإنَّها تبدو مشروعاً حضاريًّا إنسانيًّا متكاملاً، يُقدِّم رؤية شاملة لعالم بديل أكثر توازناً وإنسانيَّةً. إنَّه مشروع يتحدَّى البُنى الظالمة للنظام العالمي، ويُقوِّض الأُسُس التي تُكرِّس الظلم والجور والاستعباد والاستغلال والتمييز.
وفي مقابل هذه الرؤية المهدويَّة، يبدو واقع العدالة في عالمنا المعاصر هشًّا ومتناقضاً ومشوَّهاً. فالمؤسَّسات الدوليَّة رغم ادِّعائها تمثيل القِيَم الإنسانيَّة، كثيراً ما تُدار بمنطق المصالح لا المبادئ، وتستخدم أدوات العدالة الدوليَّة كوسائل للضغط والنفوذ، لا كجسور للإنصاف والسلام. العدالة اليوم - في كثير من بقاع الأرض - تُباع وتُشترى وتُسيَّس، وتخضع لاعتبارات القوَّة والهيمنة، لا لميزان الحقوق والكرامة. هذه هي المرآة المشروخة للعدالة في واقعنا. وفي المقابل، تُقدِّم المهدويَّة تحقيق العدالة الشاملة كضرورة حتميَّة لبقاء البشريَّة وازدهارها، وهو ما يُبيِّن عمقها الفكري وقوَّتها الاستراتيجيَّة، ويجعل منها رؤية إنسانيَّة تُلهِم، وتدفع نحو مستقبل أفضل.
العدالة المهدويَّة الشاملة.. نهضة حضاريَّة جديدة للإنسانيَّة:
تتجاوز العدالة المهدويَّة الشاملة كونها ترفاً فكريًّا، لتغدو ضرورة وجوديَّة

(٥٦)

وطوق نجاة للبشريَّة. إذ تُمثِّل انبعاثاً حضاريًّا جديداً، يُعيد تشكيل الإنسان والعالم معاً. إنَّها مشروع فكري استراتيجي يستنهض الضمير العالمي، ويستهدف تحرير الإنسان من جميع أشكال الظلم، واستعادة كرامته. وفي ظلِّ هذه العدالة، تُبنى البشريَّة على أُسُس أخلاقيَّة كبرى.
والأعمق من ذلك، أنَّها تعيد التوازن إلى العلاقات الإنسانيَّة؛ فلا تكتفي بتحرير المظلوم من قهره، بل تُخلِّص الظالم من سطوة طغيانه، والغني من عبوديَّة المال، لتُعيد صوغ العلاقات الإنسانيَّة على أُسُس التكامل لا الصراع. إنَّها مشروع مقاومة متجدِّد للظلم والشرِّ، تضع العدالة في مركز الصدارة كضرورة وجوديَّة لإنقاذ البشريَّة من التآكل والفناء الداخلي.
وحين يسود العدل في الأرض كافَّة كما في الرؤية المهدويَّة، تتلاشى منابع الصراع، وتنطلق طاقات الإبداع، ويُصان الكوكب وفق معايير أخلاقيَّة ترى في الأرض إرثاً مشتركاً لا غنيمة مفتوحة. وفي هذا التحوُّل الجذري، تتأسَّس حضارة إنسانيَّة جديدة وعالم مختلف، يكون فيه: العدل هو القانون الأعلى، والرحمة هي اللغة المشتركة، والكرامة هي الهويَّة الجامعة. فتصير المجتمعات واحات تزهرُ فيها الإنسانيَّة.

* * *

(٥٧)

لماذا هذا الكتاب؟

يأتي هذا الكتاب كمساهمة فكريَّة استراتيجيَّة ضمن مشروع حضاري أوسع: (تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى) بوصفها جدليَّة عالميَّة بين الإيمان والمواجهة. وهو محاولة جادَّة لإعادة بناء الوعي الإنساني حولها، ليس باعتبارها قضيَّة عقائديَّة محصورة في سرديات دينيَّة، بل بوصفها مشروعاً حضاريًّا إنسانيًّا منفتحاً على الفكر العالمي، وحاضراً بقوَّة في الضمير الجمعي للشعوب الباحثة عن العدالة والخلاص. لا يهدف الكتاب إلى تأكيد صحَّة معتقَد أو ترجيح أُطروحة فكريَّة معيَّنة، بل يسعى إلى مساءلة المفاهيم السائدة حول المهدويَّة عالميًّا، وتفكيك السياجات المعرفيَّة التي حاصرتها في زوايا التراث الدِّيني؛ لتحريرها كرؤية إنسانيَّة شاملة تخاطب الفكر العالمي والضمير الجمعي، وتُقدِّم كأداة لفهم الإنسان وتاريخه وصياغة مستقبله.
ينطلق هذا البحث من قناعة بأنَّ المهدوية تتجاوز الانتماءات المذهبيَّة والطائفيَّة، لتغدو تجلّياً لفكرة العدالة الإلهيَّة المتجذِّرة في وجدان الإنسان، وعلامة على صراعه الوجودي مع الظلم والانكسار. من هذا المنطلق، نُقدِّم المهدويَّة كفكرة حضاريَّة عالميَّة، تُطرَح في هذا الكتاب كـ (خريطة طريق فكريَّة) تتفاعل مع صميم الفكر الإنساني المعاصر وضميره الحيِّ، موجَّهة إلى جمهور متنوِّع: من الفلاسفة والنُّخَب الفكريَّة، إلى الباحثين الأكاديميِّين، والمهتمِّين بالظاهرة الدِّينيَّة، وصولاً إلى القارئ العامِّ الباحث عن العدالة، المتألِّم من فقدان

(٥٨)

المعنى وسط عواصف القهر والعبثيَّة. نحن نخاطب في هذا الكتاب الإنسان قبل أنْ نخاطب المؤمن، والضمير قبل أنْ نخاطب العقيدة.
هذا ليس مجرَّد بحث علمي، بل دعوة لفتح حوار عميق حول المهدويَّة، ليس بوصفها نهاية زمنيَّة، بل كطاقة دافعة ومحرِّكة للتاريخ، تنبع من وجدان الإنسان التوَّاق إلى الخلاص من الظلم واللَّاجدوى. وجوهر الكتاب المساءلة: عبر إيضاح الصورة الحقيقة للمهدويَّة في الفكر العالمي والضمير الإنساني، تلك الصورة التي تهزُّ عروش اليأس في نفوس الشعوب، وتُقلِق مؤسَّسات الهيمنة العالميَّة. هذا البحث لا يُقدِّم إجابات جاهزة، بل يفتح الباب أمام زلزال من الأسئلة الوجوديَّة:
* مساءلة التاريخ: لماذا أخفت أنظمة الهيمنة السياسيَّة فكرة (المهدويَّة) كسلاح للمستضعَفين؟
* مساءلة الضمير: كيف أصبح الرأي العامُّ العالمي شريكاً في صناعة الظلم بصمته أو خضوعه؟
* مساءلة المستقبل: هل تستحقُّ الإنسانيَّة العدل الإلهي الموعود إنْ لم تعمل لتمهيده اليوم؟
في هذا السياق، تتحوَّل المهدويَّة إلى (محكٍّ ومعيار أخلاقي) يُجرِّد الإنسان من أعذار الاستسلام، ويواجهه بالسؤال الأصعب: أأنت جزءٌ من مشكلة الظلم، أم من الممهِّدين للعدل؟
لقد اعتمدنا في هذا المسعى منهجاً فكريًّا نقديًّا شاملاً، يتجاوز السرديات التاريخيَّة والعقائديَّة الكلاسيكيَّة، ليُحلِّل صورة المهدويَّة كجدليَّة بين الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني؛ مركِّزاً على آثارها وتأثيرها في الوعي العالمي المعاصر وتفاعلها مع التحدّيات الراهنة، والمواجهة مع قوى

(٥٩)

الهيمنة العالميَّة التي تخشى هذا الوعد الإلهي وتعمد إلى تشويهه أو طمسه. ونرصد كيف يتحوَّل الإيمان بالمهدويَّة إلى طاقة ديناميكيَّة ومقاومة، تتجلَّى في الوعي والسلوك والمواقف. كما نكشف الأساليب الخبيثة التي يستعملها الأعداء ضدَّها، بصيغ متعدِّدة: فكريَّة، سياسيَّة، إعلاميَّة، وأحياناً ميدانيَّة.
رسالة الكتاب.. تعريف المهدويَّة بصيغة حضاريَّة للبشريَّة:
هذا الكتاب ليس مجرَّد رحلة معرفيَّة في المفهوم الحقيقي للمهدويَّة، بل هو دعوة صريحة لإعادة تشكيل الوعي الإنساني من خلال هذه الفكرة العميقة. إنَّه لحظة نضج في مسار تعريف المهدويَّة عالميًّا، محوِّلاً إيَّاها من خطاب داخلي مغلق إلى حوار عالمي مفتوح، ومن عقيدة خاصَّة إلى مشروع إنساني جامع. إذ يستثمر المفاهيم الفلسفيَّة والسياسيَّة الكبرى كالتاريخ والجدل والوعي ليُعيد صياغة المهدوية كـ (رسالة أخلاقيَّة كونيَّة) تتجاوز كونها حالة دينيَّة مؤجَّلة. إنَّه مساءلة للواقع، ومحاولة لفهم المهدويَّة كجدليَّة قائمة وعميقة بين الإيمان والمواجهة، بين الحلم والواقع، بين الانتظار والفعل، ليسهم في تشكيل وعي جديد يرى المهدويَّة مشروعاً للتحرُّر الإنساني الشامل.
المهدويَّة هنا ليست نهاية للتاريخ، بل بدايته الحقيقيَّة، لأنَّها تُعيد للإنسان ثقته بقدرته على مقاومة الظلم وصناعة العدالة. إنَّها ليست انتظاراً غيبيًّا، بل استدعاءً دائماً لقوَّة الخير الكامنة في الإنسان. ومن هذا المنطلق، يُشكِّل الكتاب مرآةً نقديَّةً يرى فيها القارئ ذاته وأُمَّته ومصير الإنسانيَّة؛ لا لإثبات صحَّة معتقَد، بل لتأكيد الحاجة إلى وعي جديد أكثر إنسانيَّة وشجاعة. فالمهدويَّة - كما يُقدِّمها هذا الكتاب - هي بوصلة أخلاقيَّة في عالم فقد توازنه، وتذكير بأنَّ العدل خيار نصنعه اليوم، وهي الأمل الذي لا يمكن للعالم أنْ يواصل مسيره من دونه.

(٦٠)

وفي زمن الانهيار الأخلاقي الراهن، تُصبح المهدويَّة أملاً إنسانيًّا متجدِّداً، ومشروعاً يؤمن بقدرة الإنسان على بناء عالم لا يُهان فيه أحد. إنَّها استدعاء لقوَّة العدل الكامنة في أعماق البشريَّة، حيث الخلاص ضرورة، والرؤية الحضاريَّة سبيل لتحقيق العدالة والكرامة. إنَّها دعوة فكريَّة لقراءة المهدويَّة برؤية إنسانيَّة وحضاريَّة شاملة، ولأنْ نكون جزءاً فاعلاً في بناء مستقبل يستحقُّ الحياة. فهل أنت مستعدٌّ - أيُّها القارئ الكريم - لخوض هذه الرحلة الفكريَّة العميقة؟ وهل تملك الحماسة لاكتشاف ذاتك من خلالها، والوقوف في وجه الظلم؟
إنَّ رسالة الكتاب الصادقة هي: دعوة لإيصال صوت المهدويَّة وتعريف حقيقتها الناصعة إلى الضمير العالمي، وأداء واجبنا تجاه إمام الزمان والإمامة الخاتمة، والتمهيد لعالم أكثر عدالة وإنسانيَّة.

* * *

(٦١)

الفصل الأوَّل: المهدويَّة.. جوهر الخلاص الجامع بين الأديان السماويَّة(٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) شارك هذا البحث ضمن فعَّاليَّات مؤتمر (أُسبوع الإمامة الدولي الأوَّل) الذي نظَّمته الأمانة العامَّة للعتبة العبَّاسيَّة المقدَّسة في العراق، تحت شعار: (النبوَّة والإمامة صنوان لا يفترقان). وقد جرت أعمال المؤتمر بإشراف علمي مُحكَّم من قِبَل جمعيَّة العميد العلميَّة والفكريَّة.. وقد تضمَّن المؤتمر جلسة بحثيَّة استشرافيَّة بعنوان: (المهدي (عجَّل الله فرجه).. العدالة الإلهيَّة الموعودة)، حيث قُدِّم هذا البحث في اليوم السابع من المؤتمر، المصادف ليوم الخميس (٢٤) من شهر ذي الحجَّة (١٤٤٤هـ)، الموافق (١٣/يوليو/٢٠٢٣م). جاء ذلك في إطار سعي المؤتمر إلى تعميق النقاش حول المهدويَّة بوصفها رؤية كونيَّة ترتبط بجدليَّة العدالة والخلاص في الفكر الإنساني.

(٦٣)

منذ بدايات الوعي الإنساني، ظلَّ السؤال عن العدل والخلاص حاضراً في ضمير البشريَّة. لم يكن هذا البحث عن (المنقذ) نزعة عابرة أو ظاهرة دينيَّة محصورة، بل كان استجابة أصيلة لحالة ممتدَّة من المعاناة التاريخيَّة التي عرفها الإنسان عبر العصور. فكلَّما ازداد الشعور بالظلم والجور، تجدَّدت في وجدان الشعوب الحاجة إلى قائد عادل يقلب موازين الجور، ويُعيد للإنسان كرامته المغتصبة.
لقد رسَّخت الرسالات السماويَّة الكبرى هذه الفكرة في صلب وعيها العقدي، وبشَّرت بقدوم مَنْ سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أنْ مُلِئَت ظلماً وجوراً. غير أنَّ حضور فكرة (الخلاص) لم يكن مقتصراً على النصوص الدِّينيَّة فقط، بل تجاوزه إلى الفطرة الإنسانيَّة، والعقل الذي يتأمَّل حركة التاريخ وصراعاته المتكرِّرة. إنَّ تلاقي العقل السليم مع التجربة التاريخيَّة، وتضافرهما مع البشارات الذي حملته الرسالات السماويَّة، أسفر عن وعي مشترك يؤمن بضرورة حلول مرحلة تنقلب فيها معادلات الاستضعاف، ويقودها إنسان استثنائي يحمل مشروع العدل الشامل.
من هنا، يتجلَّى البُعد الإنساني المشترك لفكرة المخلِّص، حيث يلتقي الموروث الدِّيني مع المنطق العقلي في رسم ملامح الرجاء العالمي بقدوم شخصيَّة تحمل في جوهرها وعد الإنقاذ.
يُعَدُّ الإيمان بحتميَّة ظهور المصلح العالمي وإقامة دولة العدل الإلهي من الحاجات الإنسانيَّة المشتركة، ومن النقاط البارزة بين جميع الأديان السماويَّة.

(٦٥)

وليس الاختلاف بينها إلَّا في تحديد المصداق وهويَّة هذا المخلِّص المنتظَر. إنَّ الإيمان بهذه العقيدة يكشف عن أُسُس قويَّة متجذِّرة في أعماق الفكر الإنساني، وعن حاجة فطريَّة ملحَّة، فضلاً عن استنادها إلى جذور عميقة في التراث الدِّيني السماوي. وهذا ما يُبرز مساحة واسعة من نقاط الالتقاء والاشتراك حول الفكرة لدى الأُمَم والشعوب المختلفة.
ومن المؤكَّد أنَّ فكرة المنجي الموعود متَّفق عليها عند كلِّ الأديان والحضارات؛ لكونها تتلاءم مع وجدان الفطرة الإنسانيَّة، وتتوافق مع برهان العقل البشري، وتتعاضد مع الإرشاد السماوي. كما أجمعت الكُتُب الدِّينيَّة المقدَّسة كلُّها على قدوم المخلِّص أو خروجه آخر الزمان. وليس هذا المخلِّص حكراً على طائفة معيَّنة أو شعب من الشعوب، بل هو أمل البشريَّة جمعاء، والكلُّ يحلم بيومه الموعود.
ومن هذا المنطلق، وفي سبيل تعزيز إمكانيَّة إيضاح المهدويَّة وتعريفها لغير المسلم، لا بدَّ من الاطِّلاع على القاعدة الفكريَّة لمفهوم المخلِّص عند كلِّ كيان وحضارة، ومواكبة البناء العقدي الدِّيني للفكرة لدى الشعوب المختلفة، والبحث عن المشتركات العامَّة لها بين الأديان والحضارات. وذلك كلُّه لتوفير لغة حوار مشتركة، وصياغة منظومة فكريَّة قائمة على نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة حول حقيقة المهدويَّة.

* * *

(٦٦)

براهين المهدويَّة من الكُتُب المقدَّسة

إنَّ الإيمان بفكرة ظهور المخلِّص آخر الزمان (المهدي) متَّفق عليها عند جميع الأديان السماويَّة والفلسفات البشريَّة، ومدوَّن في المصادر الدِّينيَّة المعتبرة للجميع. وإنَّ الينابيع التي تستقي منها الأديان معارفها حول المخلِّص والمنقذ آخر الزمان هو الوحي الإلهي، ممَّا وَحَّدَ أصل الفكرة وجعلها عقيدة ثابتة عند الكلِّ. وقد بشَّرت الأديان منذ بدء الخليقة بالمهدويَّة، وورد ذكرها كثيراً بطُرُق ومناسبات متعدِّدة. ولذا جاءت إشارات وتلميحات كثيرة في الكُتُب السماويَّة والتراث الدِّيني بهذا الخصوص، نذكر شذرات ممَّا ذُكِرَ في القرآن الكريم، والإنجيل، والتوراة (الكتاب المقدَّس)(٥) وبعض الكُتُب الدِّينيَّة الأُخرى:
التوراة وملحقاتها(٦): العهد القديم (اليهود):
١ - جاء في زبور داود ما نصُّه(٧): (اللَّهُمَّ أعطِ شريعتك للمَلِك، وعدلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) الكتاب المقدَّس: يتكوَّن من مجموعة كُتُب تُسمَّى أسفاراً، ويعتقد اليهود والمسيحيُّون أنَّها كُتِبَت بوحي وإلهام.. الكُتُب (٤٦) الأُولى مشتركة بين اليهود والمسيحيِّين، يطلق عليها اليهود اسم التناخ، أمَّا المسيحيُّون فيُسَمُّونها العهد القديم، ليضيفوا إليها (٢٧) كتاباً آخر يُشكِّلون العهد الجديد.

(٦) العهد القديم: الجزء الأكبر من الكتاب المقدَّس، ويحتوي على (٤٦) سفراً، تشمل أسفار موسى الخمسة )التوراة(، والأسفار التاريخيَّة، وأسفار الأنبياء والحكمة كـ (زبور داود).
(٧) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٨٨٢/ المزمور ٧٢، النصُّ ١ - ٨)؛ وفيه: (اللَّهُمَّ أعطِ أحكامك للمَلِك، وبرَّك لابن المَلِك).

(٦٧)

لابن المَلِك، يدين شعبك بالعدل، ومساكينك بالحقِّ، تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبرِّ، يقضي لسماكين الشعب، يُخلِّص بني البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز، ومثل الغيوث الذارفة على الأرض، يشرق في أيَّامه الصديق، وكثرة السلام إلى أنْ يضمحلَّ القمر، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض)(٨).
٢ - جاء في سفر إرميا(٩) ما نصُّه: (اصعدي أيَّتها الخيل، وهيجي أيَّتها المركبات، ولتخرج الأبطال...، فهذا اليوم للسيِّد ربِّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم، لأنَّ للسيِّد ربِّ الجنود ذبيحةً في أرض الشمال عند نهر الفرات)(١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) هذا النصُّ واضح المعالم في ذكر الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله) صاحب شريعة الله إلى الناس كافَّة (شريعتك للمَلِك)، وفقرة (وعدلك لابن المَلِك) إشارة إلى المخلِّص الموعود الذي سيُقيم العدل في الأرض على أساس شريعة أبيه ويحكم العالم.. فسَّر اليهود بأنَّ المقصود بـ (المَلِك) في هذا المزمور هو نفسه نبيُّ الله داود (عليه السلام)، و(ابن المَلِك) ابنه سليمان، ولكن هذا ينافي الحقيقة، فكما هو معروف أنَّ النبيَّ داود لم يكن صاحب شريعة لكي يقول: (اللَّهُمَّ أعطِ شريعتك للمَلِك)، لأنَّه (عليه السلام) لم يأتِ بشريعة مستقلَّة، بل كان خاضعاً لشريعة موسى (عليه السلام).. كذلك ادِّعاء النصارى بأنَّ هذه البشارة قد وردت بحقِّ عيسى (عليه السلام) فإنَّه ادِّعاء باطل أيضاً، لأنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لم يكن صاحب سلطة يحكم بها ولم يحكم ولا يوماً واحداً ولا خاض حرباً، حتَّى يُوصَف بالمَلِك، بالإضافة إلى أنَّه (عليه السلام) لم يكن له ابن، فهو لم يتزوَّج في حياته حتَّى يقال: (وعدلك لابن المَلِك).. وفي الحقيقة فإنَّ جميع الأوصاف الواردة في هذا المزمور (٧٢) تُعَدُّ من أقوى البشارات في حقِّ كلٍّ من رسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله) الذي تمَّ التعبير عنه بالمَلِك، وإلى حفيده الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) المعبَّر عنه بابن المَلِك.
(٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١١٥٠/سفر إرميا/الإصحاح ٤٦/النصُّ ٩ و١٠).
(١٠) يُشير هذا النصُّ إلى واقعة عظيمة عند نهر الفرات، حيث يُذبَح هناك أحد أولياء الله المقرَّبين، لأنَّ النصَّ ينسب هذه الذبيحة إلى (الله) ممَّا يدلُّ على سموِّ مكانته ورفعة مقامه، وسيقوم وليٌّ لله وهو (السيِّد ربُّ الجنود) بالانتقام لذبح هذا الوليِّ المقرَّب والأخذ بثأره، ويقتل مبغضيه بعد معارك عنيفة يخوضها ضدَّهم.. ولم ينقل لنا التاريخ ولا الكُتُب السماويَّة أنَّ هناك وليًّا لله ذُبِحَ عند الفرات غير الإمام الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) والذي يأخذ بثأره هو ولده المهدي (عجَّل الله فرجه)، فشعار المهدي المنتظَر حين خروجه: (يا لثارات الحسين).

(٦٨)

٣ - جاء في سفر إشعياء ما نصُّه: (ويُخرِج قضيب من جذع يسي، وينبت غصن من أُصوله، ويحلُّ عليه روح الربِّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوةَّ، روح المعرفة ومخافة الربِّ، ولذَّته تكون في مخافة الربِّ، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أُذُنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويُميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البِرُّ مِنطقة مَتنيَه، والأمانة منطقة حقوَيه، فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن معاً، وصبيٌّ صغير يسوقها، والبقرة والدبَّة ترعيان، تربض أولادهما معاً، والأسد كالبقر يأكل تبناً، ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمدُّ الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسيئون ولا يفسدون، في كلِّ جبل قدسي؛ لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربِّ كما تُغطِّي المياه البحر، ويكون في ذلك اليوم أنَّ أصل يسي القائم راية للشعوب، إيَّاه تطلب الأُمَم، ويكون محلُّه مجداً)(١١).
الإنجيل وملحقاته(١٢): العهد الجديد (المسيحيُّون):
١ - جاء في سفر رؤيا يوحنَّا(١٣) ما نصُّه: (وظهرت آية عظيمة في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥ و١٠٠٦/ الإصحاح ١١/ النصُّ ١ - ١٠). وصف لبعض معالم دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والرخاء الذي تعيشه جميع الكائنات والمخلوقات في ظلِّ دولته، بالإضافة إلى الإشارة إلى أحد ألقاب الإمام وهو (القائم).
(١٢) العهد الجديد: الجزء الثاني من الكتاب المقدَّس لدى المسيحيِّين، ويحتوي على (٢٧) سفراً، وهي الأناجيل الخمسة، بالإضافة إلى أعمال الرُّسُل والرسائل وسفر الرؤيا.. وأطلقوا عليه العهد الجديد أي العهد الذي يبدأ بظهور النبيِّ عيسى على ساحة الدعوة إلى الله.
(١٣) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٨/ سفر رؤيا يوحنَّا، الإصحاح ١٢، النصُّ ١ - ٦).

(٦٩)

السماء امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصرخ متمخِّضة متوجِّعة لتلد، وظهرت آية أُخرى في السماء، هو ذا تنِّين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذنبه يجرُّ ثُلُث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنِّين وقف أمام المرأة العتيدة أنْ تلد حتَّى يبتلع ولدها متَّى ولدت، فولدت ابناً ذَكَراً عتيداً أنْ يرعى جميع الأُمَم بعصاً من حديد، واختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البريَّة حيث لها موضع معدٌّ من الله)(١٤).
٢ - جاء في سفر رؤيا يوحنَّا ما نصُّه: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينبايع المياه)(١٥).
٣ - جاء في إنجيل متَّى ما نصُّه: (ولكن هذه كلُّها مبتدأ الأوجاع، حينئذٍ يُسلِّمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأُمَم لأجل اسمي، وحينئذٍ يعثر كثيرون ويُسلِّمون بعضهم بعضاً ويبغضون بعضهم بعضاً، ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضِلُّون كثيرين، ولكثرة الإثم تبرد محبَّة الكثيرين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) بعض الإيضاحات لهذا النصِّ: امرأة متسربلة: يُقصَد بها السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، اثني عشر كوكباً: يُقصَد بهم الأئمَّة الاثنا عشر (عليهم السلام)، المرأة الأُخرى العتيدة: يُقصَد بها السيِّدة نرجس (عليها السلام) زوجة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فولدت ابناً ذَكَراً: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واختُطِفَ ولدها إلى الله: الغيبة وأنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته.
(١٥) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٤/ النصُّ ٦ و٧).. إشارة إلى النداء والصيحة السماويَّة، التي هي إحدى العلامات المحتومة لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

(٧٠)

ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص، ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كلِّ المسكونة شهادة لجميع الأُمَم، ثمّ يأتي المنتهى)(١٦).
القرآن الكريم (المسلمون):
١ - قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥).
٢ - قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
٣ - قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).
كُتُب الأديان الأخرى:
- كُتُب الزرادشتيَّة (المجوس): جاء في كتاب (جاماسب) ما نصُّه: (من ذرّيَّة ابنة هذا النبيِّ التي اشتهرت بـ (شمس العالم وملكة الزمان) رجل يصل إلى الخلافة، ويحكم الدنيا بخير، وهو آخر خليفة لهذا النبيِّ، من وسط العالم أي مكَّة، ويدوم مُلكه إلى يوم القيامة)(١٧).
- كُتُب الهنود (الهندوس): جاء في كتاب (ديده) ما نصُّه: (سيظهر آخر الزمان بعد خراب الدنيا مَلِك هو إمام الخلق، واسمه منصور، يستولي على جميع العالم ويُلحِقه بدينه)(١٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٤/ إنجيل متَّى/ الإصحاح ٢٤/ النصُّ ٨ - ١٤).. إشارة إلى الفتن والادِّعاءات الكاذبة للنبوَّة والمهدويَّة التي تكون قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يأتي الإعلان السماوي لكلِّ البشريَّة (النداء والصيحة) بقرب الظهور وبداية عصر جديد.
(١٧) معجم أحاديث الإمام المهدي (ج ١/ ص ٧٥).
(١٨) الحكومة العالميَّة للإمام المهدي (عليه السلام) (ص ٤٧ و٤٨).

(٧١)

- كُتُب الصابئة (المندائيِّين): جاء في كتاب (البروج) ما نصُّه: (إنَّ أعاصير الشيطان الرجيم سوف تُلتهَم بالنار حتَّى أُسُس الجبال... حرب أبناء النور مع أبناء الظلام، وأنَّ الملائكة الصالحين هم مع جيش أبناء الحقِّ... إنَّ الأشرار في الأيَّام الغابرة تجاهلوا تحذير الله، ولذلك هلكوا، والنصر مؤكَّد للنور على الظلام، وسجن الملائكة للأشرار، ثمّ يشرق العدل كالشمس، ويمتلئ العالم بالمعرفة، بينما يهلك الأشرار إلى الأبد).. والجدير ذكره أنَّ الصابئة يعتقدون أنَّنا الآن نعيش في زمن ظهور المنقذ(١٩).
على ضوء ما تقدَّم، فإنَّ هذه الاستشهادات الدِّينيَّة تُمثِّل نموذجاً من البشارات والإشارات داخل دائرة التراث الدِّيني السماوي، وهي تشير بشكل واضح وملموس إلى مكانة (المخلِّص الموعود) في الفضاء الفكري والعقدي المشترك. لكن لا يتَّسع المكان هنا لسرد كافَّة البشارات أو الإشارات في الكُتُب السماويَّة عن (المنقذ/المهدي) آخر الزمان. وإنَّ هذه النصوص تُعبِّر عن صورة المخلِّص من خلال المنظور الدِّيني، وهذا مؤشِّر دقيق إلى القضايا والعقائد المشتركة في التراث الدِّيني المتعلِق بموعود آخر الزمان. إذاً هناك تواتراً عجيباً لفكرة المخلِّص أو المنقذ المنتظَر على امتداد التاريخ الإنساني في العديد من الأديان. وقد تُبنى أتباع الديانات هذه الفكرة انطلاقاً من أدبيَّاتها وكُتُبها المقدَّسة، بل خرَّجت الفكرة من الإطار الدِّيني التقليدي واقتحمت الفكر الفلسفي البشري المادِّي. وهذا ما يُميِّز عقيدة المخلِّص باعتبارها أصبحت من المسلَّمات في الفكر والثقافة العالميَّة، ولها ارتباط برؤية دينيَّة. لكن للأسف، الواقع الفكري والفلسفي المعاش حاليًّا بخصوص المهدي لا يتطابق مع هذا الطموح الواسع والنبيل المشترك في الكُتُب المقدَّسة. لهذا السبب ينبغي أنْ نقارن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) الإمام المهدي في الأديان (ص ١٠٤).

(٧٢)

دائماً بين النصوص الدِّينيَّة من جهة، وبين التفسيرات والتأويلات في الفضاء الثقافي على أرض الواقع من جهة أُخرى، وبالتأكيد سنلاحظ وجود فجوة كبيرة بينهما، ولكن من الضروري أنْ نرسم صورة واضحة عن المخلِّص الموعود آخر الزمان ونُعرِّف العالم بها، اعتماداً على القواسم المشتركة، فهي التي تُحدِّد في نهاية المطاف المصداق الحقيقي والشخصيَّة المنتظَرة التي ترسمها نصوص البشارات بصورة تجريديَّة.
إنَّ الأصل في مسألة المخلِّص أنَّها فكرة دينيَّة، وهي من المبادئ التي جاءت بها الأديان السماويَّة منذ القِدَم. وأنَّ الاعتقاد بهذا المبدأ شائع في الديانات القديمة، وعند الكثير من الأُمَم التي لا ترجع إلى الأديان السماويَّة؛ إذ يؤمن بها كثير من البشر ومنهم الوثنيُّون. وبالرغم من اختلاف الأديان والعقائد، إلَّا أنَّ جميع البشر يأملون بمجيء يوم تتخلَّص فيه البشريَّة من الظلم والفساد والاستبداد، ويحلُّ فيها العدل والأمن والسلام. بشائر وتنبُّؤات كثيرة حول المخلِّص نجدها في التراث الدِّيني غير السماوي وفي آثار الحكماء القدامى، بل حتَّى في الآثار المصريَّة والهنديَّة والصينيَّة القديمة توجد بها دلالات وإشارات حول المنقذ.
في هذا السياق، نلاحظ أنَّ الاستشهادات المذكورة تحصرنا داخل الفضاء التراثي الدِّيني. لكنَّنا نعلم أنَّ العالم الفكري والعقائدي المعاصر أوسع بكثير من هذا الفضاء؛ حيث هناك فلسفات بشريَّة ومدارس فكريَّة تؤمن وتشير إلى نفس الموضوع وبالعنوان نفسه (المخلِّص أو المنقذ أو المنجي أو الموعود آخر الزمان) لم نتطرَّق لها. ولذا، عندما نتكلَّم عن الآخر (أتباع الديانات الأُخرى) في عالمنا المعاصر، فإنَّنا نقصد أيَّ إنسان في كلِّ تعدُّديَّته الاستثنائيَّة (الفكريَّة أو الفلسفيَّة أو العقديَّة)، ممَّا يُشكِّل المجتمع البشري بكافَّة أطيافه في الأرض المعمورة.
ومن هنا ينبغي علينا الاطِّلاع ودراسة التراث الدِّيني والفلسفي المتعلِّق

(٧٣)

بـ (الموعود) والمستخلَص من الفضاء الثقافي التاريخي والبناء الفكري المعاصر لجميع الأديان والحضارات؛ من أجل معرفة الإرث الفكري على أُسُس علميَّة وفلسفيَّة واضحة. ليتسنَّى لنا طرح المسألة المهدويَّة من بابها الواسع وعلى مصراعيها، لكي نُوصِّل ونُعرِّف حقيقتها للآخر؛ حيث هناك ترابطاً وثيقاً بين إيصال مفهوم المهدويَّة للآخر وبين إدراك اعتقاداته ومعطياته الدِّينيَّة والتاريخيَّة حول مفهوم المخلِّص. وبالتأكيد فإنَّ مثل هذه البحوث الاستكشافيَّة الواسعة (سواءً في التراث الدِّيني أو الرؤية المعاصرة) تُمثِّل شرطاً أوَّليًّا لا بدَّ منه لهدف نشر مبادئ وحقائق المهدويَّة الحقَّة للحضارات الأُخرى، لتتوفَّر عوامل التقاء واتِّفاق وتعارف مشتركة بين الأديان والحضارات المختلفة بشأن المصلح العالمي الذي ينتظره الجميع. ففي الأساس، هي أُطروحة إنسانيَّة عالميَّة حضاريَّة يؤمن بها جميع الشرائح الإنسانيَّة بمختلف مشاربهم الدِّينيَّة والعقديَّة، وكذلك غاياتها وأهدافها ومقاصدها الكبرى موجَّهة للبشريَّة كافَّة.
تجلّيات المخلِّص في الأديان.. نظرة إحصائيَّة:
يوجد للبشريَّة تراث حضاري ضخم يتعلَّق بشأن المنقذ والمخلِّص، من كافَّة الحضارات والأديان والمذاهب وغيرها. ويشمل جميع الجوانب الفكريَّة والعقديَّة والفلسفيَّة. وهكذا يتنوَّع التراث الثقافي الإنساني فيما يخصُّ الموعود آخر الزمان، ممَّا يُؤكِّد على أصالة هذا الموضوع وأهمّيَّته للبشريَّة، فهو النهاية الطبيعيَّة لمسار التاريخ ومستقبل الإنسانيَّة. وقد لمسنا مواطن كثيرة في التراث الدِّيني السماوي - مثل (التوراة، والإنجيل، والقرآن) المتداولة بين أيدي الناس - تحتوي على نبوءات وبشارات وإشارات إلى (المخلِّص المرتقَب) كهويَّته وعلامات ظهوره ومعالم دولته وأهدافه وغاياته، والتي لا يمكن الحصول عليها إلَّا عن طريق الوحي، ممَّا جعل أتباع الديانات المختلفة متَّفقين على (أصل الفكرة) وينتظرون زمان خروجه.

(٧٤)

أحصينا بعض البشارات والإشارات عن المخلِّص الموعود في المجلَّد الأوَّل من موسوعة (معجم أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه))، فجاءت الأرقام كالآتي. ولكن في اعتقادنا أنَّ الإشارات في (الكُتُب المقدسة لليهود والنصارى) تحتوي أكثر من ذلك بكثير.
وقد اشتملت الموسوعة آنفة الذكر على التالي(٢٠):
- العهد القديم: أشار إلى المخلِّص في (٥٤) نصٍّ.   
- العهد الجديد: أشار إلى المنقذ في (٤٥) نصٍّ.
- كُتُب الهندوس: أشارت إلى الموعود (٧) مرَّات.
- كتب الزرادشتيَّة: أشارت إلى المنجي (٦) مرَّات.
- بشارات عديدة في كُتُب ديانات أُخرى.
أمَّا ما جاء في القرآن الكريم من الآيات المتعلِّقة بالعقيدة المهدويَّة وبحسب إحصاء مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد بلغت (١٦٨) آية.
وهي إشارات صريحة أو رمزيَّة للمنقذ الموعود وللمستقبل المشرق الذي ينتظر البشريَّة في آخر الزمان على يد قائد واحد، ولكن المفسِّرون والمؤوِّلون لكلِّ ملَّة ومذهب اختلفوا في الاسم والنعت والصفة.. وبالرغم من اختلاف الأديان والمذاهب في تحديد هويَّته، وبغضِّ النظر عن مناقشة صحَّة ما ورد من تفسيرات وتأويلات التراث الدِّيني، إلَّا أنَّ جميع البشر يتَّفق ويأمل بمجيء يوم تتخلَّص فيه البشريَّة من الظلم والفساد والاستبداد وإقامة نظام القسط والمساواة والعدالة.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) معجم أحاديث الإمام المهدي (ج ١/ قسم بشارات الأديان).

(٧٥)

المخلِّص في ضمير الأمَم.. رحلة تاريـخيَّة

بدأت فكرة المخلِّص من أعماق التاريخ، من فجر الإنسان، من زمن أب البشر آدم (عليه السلام) وقصَّته بالتحديد مع إبليس (السجود - الوقت المعلوم)(٢١)، واستمرَّت الفكرة في أُفُق الإنسانيَّة تتَّصل بمحطَّات مختلفة في كلِّ مراحل التاريخ، وبنظرة فاحصة شاملة في تاريخنا البشري، نجد أنَّ هذه الفكرة مفصليَّة ودقيقة تختزل في عقليَّة الإنسان وتتطوَّر مع الزمن.. فمسألة المنقذ والمخلِّص من المواضيع البارزة في المسيرة البشريَّة واهتماماتها المتَّصلة بالعدل، بل هي إحدى الأُمنيات الكبرى عند الأنبياء والرُّسُل والشعوب والأُمَم منذ القِدَم.
لا شكَّ أنَّ الإيمان بحتميَّة ظهور المخلِّص وإقامة الدولة الفاضلة العادلة في كلِّ الأرض من الأُمور المشتركة والمتَّفق عليها عند جميع الأديان السماويَّة، وهو أمر شائع أيضاً عند الأُمَم القديمة والديانات والفلسفات البشريَّة.. وهذه الحقيقة من المسلَّمات لمن درس عقيدة المخلِّص والتاريخ الدِّيني، فلا تخلو ديانة من الديانات من فكرة المنجي، وإنَّ هذه الفكرة ماثلة باطِّراد في التراث الدِّيني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) عندما رفض إبليس اللعين السجود لآدم في الجنَّة، فغضب الله عليه، وقال (جلَّ وعلا): ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨)، الوقت المعلوم: أي وقت ظهور المهدي، قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «... ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، وَهُوَ يَوْمُ خُرُوجِ قَائِمِنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ...». كمال الدِّين (ص ٣٧١ و٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥).. فكان هذا الخطاب يشير للمهدويَّة قبل أنْ تُخلَق البشريَّة من نسل آدم (عليه السلام).

(٧٦)

الإنساني، وهي قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، كونها حاجة إنسانيَّة فطريَّة ومبدأ يُجسِّد في نهاية المطاف إلى السعادة والرفاه، وهذا هو حلم الإنسانيَّة الكبير.
إنَّ فكرة المخلِّص المنتظَر في الأصل: حاجة بشريَّة لما يتطلَّع إليه الإنسان بفطرته من القضاء على الظلم والفساد الذي يراه منافياً لسُنَن الانسجام مع الذات الإنسانيَّة. وهي كذلك ضرورة إلهيَّة أشار إليها التراث الدِّيني السماوي لإقامة الحجَّة على الخلق (البشر) لمحاربة الظلم والجور، وأنَّ إمكانيَّة إقامة الدولة الفاضلة ليست مستحيلة. إضافةً إلى أنَّ العقل يُدرك من خلال التفكير المنطقي إمكانيَّة تطبيق العدل والقسط على كافَّة الأرض بشكل طبيعي، وهذا تفكير واقعي. وهكذا تظافرت عدَّة طُرُق ووسائل واجتمعت في غرس بذرة (المخلِّص) في عالم البشر، منذ فجر التاريخ وحتَّى الآن، حيث يلتقي العقل البشري مع الحاجة الفطريَّة في ضرورة خلاص البشريَّة على يد جهة تُطبِّق ذلك، وتُحقِّق الأُمنية الإنسانيَّة الكبرى وتُقيم أهداف الرسالات السماويَّة.
إنَّ عقيدة المخلِّص عريقة للغاية في التاريخ الدِّيني، فانتشار جذور هذه الفكرة في جميع الأديان السماويَّة يدلُّ على قاعدة مشتركة رسَّخها الوحي الإلهي فيها جميعاً. وإنَّ المسألة المهدويَّة في الأصل فكرة دينيَّة سماويَّة منذ القدم، فالمهدويَّة ليست طيفاً من الخيال أو فكرة طارئة تسرَّبت إلى العقل الإنساني على حين غفلة، إنَّما هي نسق كامل من القِيَم المتأصِّلة في النظام الربَّاني، يستلهم الخطُّ الإنساني الحضاري. غذَّاها ونمَّاها الإرشاد السماوي في التراث الدِّيني، وعبَّرت عنه الأُمَم والشعوب بمفهوم المخلِّص أو الخلاص.
بناء فكرة المخلِّص عبر  الأنبياء والرُّسُل:
إشارات عديدة ودلالات كثيرة ومتلاحقة لفكرة المخلِّص (المهدويَّة) انبعثت على أيدي الأنبياء السابقين. وكان مستوى الطرح يتناسب من حيث

(٧٧)

البساطة والعمق والاتِّساع مع مستوى النضج الفكري للبشريَّة في كلِّ زمن، أو مع الحاجة للتفكير في مستقبل الكون ونهاية العالم.
من المؤكَّد وجود منظومة فكريَّة دقيقة تربط الأديان السماويَّة جميعاً، وهذا يقودنا إلى التأكيد على وحدة جوهر المخلِّص. غاية الأمر أنَّ لكلِّ زمان معلومات وأهدافاً خاصَّة تتطلَّبها الظروف التي بُعِثَ فيها هذا النبيُّ أو ذاك، وكذلك حاجات الناس الآنّيَّة. فبشارات الأنبياء بخصوص (المهدويَّة) أشبه بمراحل دراسيَّة متدرِّجة: تشترك جميع الأديان في أصل الفكرة ومبادئها الأساسيَّة، لكنَّها تختلف في الطرح النظري والعمق الفكري. فعندما يرتقي المجتمع إلى مرحلة أسمى، يُقبل على البرامج المعدَّة للمراحل المتقدِّمة. وهذا ما نجده في أُطروحة المخلِّص عند الأديان، فإنَّ البشارات تأتي متدرِّجة ومتكاملة استجابةً لحاجات البشريَّة. فالتدرُّج في الطرح يكون بتنوُّع المحطَّات التاريخيَّة للأديان السماويَّة، دون اختلاف في أصل الفكرة أو الغاية. ممَّا يُؤكِّد وحدة المصدر ووحدة المخلِّص، فالحقيقة واحدة ولكن سُبُل إيصالها متعدِّدة.
وقد تكامل الطرح مع ظهور الإسلام، حيث تحوَّلت الفكرة من نظريَّة إلى واقع ملموس. حيث ثبتت دعائم العقيدة المهدويَّة فكريًّا وعمليًّا، وتبلورت بشكلها النهائي بتشخيص المصداق: تحديد هويَّة ونَسَب وملامح شخصيَّة المخلِّص المنتظَر (الإمام المهدي) وفق الأُطروحة الإماميَّة. وبدأ التأسيس العملي لمرحلة الطور المهدوي، تجسيداً للأُمنية الكبرى لجميع أُمَم العالم، وبدء الخطوات الأُولى لمرحلة الغيبة وعصر الانتظار.

* * *

(٧٨)

وحدة المخلِّص أم تعدُّده.. جدليَّة النهاية الكبرى

أصل فكرة الخلاص والمخلِّص متَّفق عليها، إلَّا أنَّ الاختلاف قائم بين مختلف الأديان حول شخصيَّة وهويَّة وكيان المخلِّص المنتظَر.. وهنا نطرح سؤالاً: هل المخلِّص المنتظَر هو شخص واحد محدَّد بعينه سيظهر آخر الزمان بصفة المنقذ الموعود، أم هناك أكثر من شخص وبمسمَّيات متعدِّدة؟.. للإجابة على هذا التساؤل الجوهري نشير للنقاط التالية:
وحدة المصدر الإلهي:
إنَّ الينابيع التي تستقي منها الأديان عقائدها ومعارفها وأخبارها المستقبليَّة هو الوحي الإلهي، الذي بشَّر منذ البدء بفكرة المهدويَّة. لذا جاءت البشائر والإشارات العديدة في الكُتُب السماويَّة بهذا الشأن. وحيث إنَّ مصدر هذه الأديان والمعارف الغيبيَّة واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن أنْ تتعارض أو تتناقض فيما بينها في جوهرها ومبادئها، لاسيَّما في ما يتعلَّق بالخلاص الإلهي للبشريَّة. فالأديان كلُّها تُمثِّل حلقات متكاملة في مسيرة الهداية الإلهيَّة التي بشَّر بها الأنبياء، ولهذا تتوحَّد الحقائق والإرشادات السماويَّة في إطار هدفها المشترك، ممَّا يُؤكِّد الأُسُس الدِّينيَّة لفكرة المخلِّص عند مختلف الحضارات والثقافات.

(٧٩)

 النصوص لا تشير إلى تعدُّد المخلِّصين:
لم ترد في التراث الدِّيني السماوي أو في الكُتُب المقدَّسة للأديان المختلفة أيُّ إشارات تفيد بوجود أكثر من مخلِّص في آخر الزمان. فجميع الأديان تتَّفق على أنَّ المخلِّص شخصيَّة واحدة، هو إنسان وقائد عظيم معيَّن من قِبَل السماء. وهذه حقيقة ناصعة لا يشوبها لبس ولا غموض، وتُؤكِّدها نصوص سماويَّة عدَّة، منها قول نبيِّ الله شعيب (عليه السلام): ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (هود: ٨٦).
وحدة الهدف والغاية الكونيَّة:
حين نتأمَّل في تطلُّعات الإنسانيَّة عبر العصور تجاه نهاية التاريخ، نجد أنَّ فكرة المخلِّص تُمثِّل حلماً مشتركاً للبشريَّة. فالبشريَّة - منذ فجر التاريخ - تسير في مسار تكاملي يهدف إلى تحقيق الأفضل. والتكامل في الشرائع السماويَّة خير دليل على ذلك. لذا، تمضي البشريَّة بفطرتها وبإيمانها وأملها نحو المستقبل، حيث يترقَّب الجميع بزوغ عهد سعيد على يد المنقذ الموعود، الذي يُحقِّق آمال الأنبياء والرُّسُل، ويُجسِّد الأُمنية الكبرى للبشريَّة. وتُؤكِّد النصوص الدِّينيَّة هذا الوعد الإلهي(٢٢)، الذي يُعَدُّ خاتمة حتميَّة لمسار التاريخ.
اتِّفاق علامات الظهور:
باستقراء البشارات والأخبار الواردة في التراث الدِّيني للأديان السماويَّة، نجد تشابهاً وتقارباً كبيراً في علامات الظهور الكلّيَّة للمُخلِّص، كما ورد في تراث الديانة اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلاميَّة، وإنْ وُجِدَت بعض الفروقات في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).

(٨٠)

التفاصيل. غير أنَّ ضمَّ الأخبار والعلامات المختلفة معاً ينتج صورة أكثر تكاملاً ووضوحاً للمستقبل المرتقَب. والمقارنة بين ما ورد في الكُتُب المقدَّسة من علامات وقرائن تكشف لنا أنَّ المخلِّص الذي تتحدَّث عنه الأديان جميعها هو شخصيَّة واحدة، يتَّفق الجميع على سماتها وأشراط ظهورها.
انطباق النصوص على المهدي (عجَّل الله فرجه) وحده:
النصوص المقدَّسة والبشارات الغيبيَّة في الكُتُب السماويَّة تتضمَّن إشارات صريحة أو ضمنيَّة إلى المنقذ المنتظَر. ومع ختم النبوَّة وانقطاع الوحي، فإنَّ هذه النصوص تُشكِّل نبوءات سابقة أو دلائل عليها، وعند تأمُّلها بوعي عقلاني وبصيرة منفتحة بعيداً عن التعصُّب الدِّيني والمذهبي، نُدرك أنَّها تشير إلى شخصيَّة واحدة في آخر الزمان. وبما أنَّ الخصائص والمواصفات الواردة في تلك النصوص لم تتحقَّق تاريخيًّا قبل الإسلام، فإنَّها لا تنطبق واقعيًّا إلَّا على مُخلِّص أهل البيت - الإمام (م ح م د) بن الحسن العسكري (عجَّل الله فرجه) -، حيث وردت بعض الجزئيَّات والتفاصيل الدقيقة التي أثبتت الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة صحَّتها وفرادتها. ومهما اختلفت الأسماء والأوصاف والنعوت، فإنَّ الحقيقة الجوهريَّة تبقى واحدة: المخلِّص الموعود هو المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) الذي يُجسِّد الأمل المشترك للبشريَّة جمعاء.
مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الأُمور المتعلِقة بالشخصيَّات المنتظَرة، أي المنهج المعتمد في التعامل مع البشارات، فإنَّه من الضروري التأكُّد من هويَّة الشخصيَّة المستقبليَّة المقصودة في نصوص البشارات عند قراءة الكُتُب المقدَّسة للأديان السماويَّة، ويمكن توضيح ذلك على النحو الآتي:
- إنَّ الكُتُب المقدَّسة لليهود (العهد القديم/التناخ) تشير في أخبارها

(٨١)

ونصوصها إلى ثلاث شخصيَّات منتظَرة: السيِّد المسيح، والنبيِّ الخاتم، والمهدي المخلِّص. لذا يجب الانتباه إلى هذه النقطة عند قراءة أو تفسير أو تأويل نصوص التراث الدِّيني اليهودي.
- أمَّا الكُتُب المقدَّسة للمسيحيِّين (العهد الجديد)، فتُبشِّر في أخبارها المستقبليَّة بشخصيَّتين مرتقبتين: النبيِّ الخاتم، والمهدي المخلِّص، إلى جانب قضيَّة عودة السيِّد المسيح في آخر الزمان. وقد ورد ذكر (ابن الإنسان) في العهد الجديد قرابة ثمانين مرَّة، منها خمسون موضعاً يُقصَد بها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٢٣).
- وفيما يتعلَّق بالتراث الدِّيني للمسلمين (القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة الشريفة)، فقد أشارت النصوص وصرَّحت بوضوح بأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو المخلِّص والشخصيَّة المستقبليَّة الوحيدة الموعودة، مع ما يتَّصل بذلك من قضايا كعلامات الظهور، ووراثة الصالحين للأرض، وعودة السيِّد المسيح، إلى جانب بعض الأخبار الغيبيَّة المستقبليَّة مثل ظهور يأجوج ومأجوج، وخروج الأعور الدجَّال.
وفي هذا السياق ثَمَّة سؤال جوهري يُثار: هل المستقبل الذي ينتظره المسلمون يختلف عن المستقبل الذي يترقبه أتباع الديانات والحضارات الأُخرى؟ وبصيغة أُخرى: هل الخلاص الذي تنتظره البشريَّة واحد أم متعدِّد؟ أليس (دولة العدل الإلهي) التي سيُقيمها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي ذاتها (حكم الله وملكوته في الأرض) الذي سيُقيمه السيِّد المسيح (عليه السلام)؟
الجواب المؤكَّد أنَّ الخلاص كيان واحد، ممَّا يكشف عن حقيقة أنَّ الهدف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) قال الكاتب مستر هاكس الأمريكي في كتابه القاموس المقدَّس (ص ٢١٩): (ذُكِرَ كلمة (ابن الإنسان) ثمانون مرَّة في الإنجيل وملحقاته (العهد الجديد)، فإنَّ ثلاثون منها فقط تنطبق على السيِّد المسيح (عليه السلام)، والباقي الخمسون تتحدَّث عن المخلِّص الذي سيظهر في آخر الزمان).

(٨٢)

مشترك والمستقبل واحد، وأنَّها دولة واحدة تشمل المعمورة بأسرها، وتكون خاتمة المسيرة البشريَّة، وثمرة جهود الأنبياء والرُّسُل وجميع الأديان السماويَّة.
إنَّ الاتِّفاق على حتميَّة ظهور المخلِّص في آخر الزمان، وتطابق النتائج والغايات والأهداف المترتِّبة على هذا الظهور، يُشكِّل دليلاً قويًّا واضحاً ومؤكَّداً على أنَّ المخلِّص المنتظَر هو واحد عند جميع الأديان، وإنِ اختلفت أسماؤه وهويَّته. علماً بأنَّ هذا الاختلاف ناشئ عن تأويل النصوص والبشارات السماويَّة وتفسيرها استناداً إلى عوامل خارجيَّة لا إلى التصريحات أو الإشارات الواردة في النصوص الدِّينيَّة ذاتها. بمعنى أنَّ تحديد هويَّة المخلِّص ومصداقه في الديانات السابقة لا يستند إلى نصوص صريحة (كما هو الحال في الكتاب المقدَّس مثلاً)، بل إلى انتخاب شخصيَّة تنتمي إلى الكيان الدِّيني الخاصِّ ومحاولة إسقاط النصوص عليها، إضافةً إلى العوامل السياسيَّة أو التعصُّب الدِّيني والمذهبي، فضلاً عن الرغبة فوزاً وافتخاراً في الانتماء إلى الجهة التي تحتضن هذا الدور التاريخي العظيم مستقبلاً.
إذاً، فإنَّ البشرية ستتوحَّد في المستقبل في ظلِّ دولة عالميَّة واحدة وعلى يد قائد منتظَر واحد. وما ينتظره اليهود، وما يتوقَّعه المسيحيُّون، وما يترقبه المسلمون، وما تنتظره البشريَّة قاطبةً منذ القِدَم وإلى اليوم، إنَّما هو في الحقيقة شخص مستقبلي واحد محدَّد بعينه، وهو المخلِّص المهدي. مع ضرورة الانتباه إلى أنَّ بشارات الأديان تتناول قضايا وخصوصيَّات في شخصيَّة المصلح العالمي لا تنطبق إلَّا على أبرز ما يُميِّز الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، والواقع التاريخي الذي مرَّت به، مثل: تعرُّض المخلِّص لخطر القتل والتصفية عند ولادته، ممَّا أدَّى إلى غيبته، مع التأكيد على أنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة خلال هذه الغيبة حتَّى موعد ظهوره. وهذه من الخصائص التي تتميَّز بها الرؤية الإماميَّة للمهدويَّة، وقد

(٨٣)

وردت الإشارة إليها بوضوح في نصوص الكُتُب المقدَّسة، مثل ما ورد في سفر رؤيا يوحنَّا(٢٤)، الذي ذكرناه سابقاً.
كما ذُكِرَ في النصوص الدِّينيَّة أنَّه الثاني عشر من سلسلة مباركة متَّصلة، كما ورد في التوراة في سفر التكوين(٢٥)، وقد ثبت ذلك فعليًّا وواقعيًّا في التاريخ الإسلامي. وبناءً عليه يتجلَّى لنا أنَّ هذه البشارات تُرشِد إلى حقيقة مفادها أنَّ المخلِّص المنتظَر هو الإمام المهدي خاتم الأئمَّة الاثني عشر.
كما أنَّ إشارات أُخرى في الكُتُب المقدَّسة تسهم في هذا التحديد، مثل وصفه بـ (القائم) كما ورد في سفر إشعيا(٢٦)، أو بـ (صاحب الدار) كما في إنجيل مرقس(٢٧)، أو وصفه بـ (المنتقم لدم الحسين (عليه السلام)) المستشهد عند نهر الفرات، كما جاء في سفر إرميا(٢٨)، وغيرها من الأمثلة الكثيرة التي لا يتَّسع المقام لذكرها جميعاً.
إذاً، فإنَّ معرفة هذه المواصفات والخصوصيَّات الواردة في بشارات الكُتُب المقدَّسة والتراث الدِّيني السماوي تقودنا إلى إثبات أنَّ المصلح العالمي المنتظَر الذي بشَّرت به جميع الديانات هو الإمام المهدي ابن الإمام الحسن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) النصُّ ذكرناه مسبقاً (سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٢/ النصُّ ١ - ٦).
(٢٥) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠) ما نصُّه: (وأمَّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، وها أنا أُباركه وأثمره وأُكثِّره كثيراً جدًّا، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أُمَّة كبيرة).
(٢٦) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥ و١٠٠٦/ سفر إشعياء/ الإصحاح ١١/ النصُّ ١٠) ما نصُّه: (ويكون في ذلك اليوم أنَّ أصل يسي القائم راية للشعوب، إيَّاه تطلب الأُمَم، ويكون محلُّه مجداً).
(٢٧) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٨٢/ إنجيل مرقس/ الإصحاح ١٣/ النصُّ ٣٥ و٣٦) ما نصُّه: (لأنَّكم لا تعلمون متى يأتي ربُّ البيت... لئلَّا يأتي بغتةً).
(٢٨) النصُّ ذكرناه مسبقاً (سفر إرميا/ الإصحاح ٤٦/ النصُّ ٩ و١٠).

(٨٤)

العسكري (عليه السلام). وتكون المحصَّلة النهائيَّة والخلاصة من مجمل تلك البشارات أنَّ الدلالة ليست على المخلِّص بعنوانه العامِّ فحسب، بل إنَّها شخَّصت هويَّته الحقيقيَّة عبر تحديد صفات وتفصيلات لا تنطبق إلَّا عليه وحده، ولا تتوافق إلَّا مع الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، إيعازاً وتسهيلاً للاهتداء إلى المصداق الحقيقي للمخلِّص الموعود.
إنَّ مَنْ يُمعِن النظر في نصوص التراث الدِّيني السماوي ويتأمَّل البشارات فيها، يرى بوضوح أنَّها تُقدِّم مواصفات دقيقة للمنقذ العالمي لا تنطبق إلَّا على المهدي المنتظَر طبقاً للأُطروحة الشيعيَّة الإماميَّة. ومن المؤكَّد أنَّ مَنْ لم يطَّلع على آراء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في المهدويَّة لن يتمكَّن من التوصُّل إلى المصداق الذي تتحدَّث عنه بشارات الكُتُب السماويَّة والقرآن الكريم.
وهذا يُكسِبنا دفعة فكريَّة حقيقيَّة ومعنويَّة وروحيَّة قويَّة، بأنَّ جميع البشارات والإشارات في الكُتُب المقدَّسة للأديان والحضارات المختلفة ما هي في الواقع إلَّا قواسم فكريَّة وخواصٍّ مشتركة متَّفق عليها، تُكمِّل بعضها البعض، في إطار منظومة معرفيَّة غيبيَّة مستقبليَّة موحَّدة المصدر، تستمدُّ نورها من سراج واحد، وتُبشِّر بالمهدويَّة كخاتمة واعدة للمسيرة الإنسانيَّة.

* * *

(٨٥)

بشائر المخلِّص.. تقارب علامات النهاية

يعيش الإنسان ضمن منظومة كونيَّة متكاملة، مرسومة بإحكام من قِبَل الخالق، وجميع الأديان السماويَّة تُؤكِّد أنَّ لهذا العالم نهاية حتميَّة، سيعقبها ظهور المخلِّص أو المنقذ. وقد ورد ذكر علامات هذا الظهور - بتفاوت - في معظم الديانات السماويَّة، ما يكشف عن حضور راسخ وعميق لهذه العقيدة في ضمير الإنسان الدِّيني والروحي.
إنَّ استقراء هذه العلامات، وملاحظة كثرتها وتشابه أخبارها، فضلاً عن الدلائل الغيبيَّة التي رسَّختها العقائد في نفوس أتباعها، يدلُّ أوَّلاً على أصالة مصدر الفكرة والبشارات، وثانياً يُؤكِّد أنَّ المخلِّص المنتظَر هو شخص واحد محدَّد بعينه.
لقد احتوت أسفار التوراة وملحقاتها، وكتاب الإنجيل وملحقاته (الكتاب المقدَّس بشقَّيه: العهد القديم والجديد)، العديد من النصوص التي تتحدَّث عن المخلِّص، إضافةً إلى الأخبار والعلامات التي تسبق ظهوره، ممَّا يتقاطع ويتشابك مع ما ورد في النصوص الإسلاميَّة. وهذا التلاقي بين الأديان يُمثِّل محطَّة فكريَّة وروحيَّة مهمَّة، تدفعنا إلى التصديق والتسليم المطلق بالعقيدة المهدويَّة كحقيقة إنسانيَّة جامعة، لا مجرَّد خصوصيَّة دينيَّة، لأنَّ الجميع يتَّفق على أنَّ المخلِّص قائد واحد للبشريَّة جمعاء.

(٨٦)

وفيما يلي نشير إلى بعض أمارات وعلامات الظهور في آخر الزمان، مع تحديد أوجه الاتِّفاق في خصائصها لاستخلاص القواسم المشتركة التي وردت في كُتُب وتراث الديانات السماويَّة المختلفة:
النداء والصيحة السماويَّة:
من أبرز العلامات الكبرى والحتميَّة لظهور المخلِّص، وقوع نداء سماوي يسمعه جميع سُكَّان الأرض كلٌّ بلغته، يُبشِّرهم بخروج المهدي المخلِّص. ويُروى أنَّ جبرائيل (عليه السلام) هو من يتولَّى هذا النداء، وقد أشارت إليه (الرؤيا) في النصوص المسيحيَّة بوصفه (الملاك الطائر)، مع التوصية بالسجود شكراً لله لكلِّ مَنْ وُفِّق لنعمة إدراك ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
في العهد القديم (اليهوديَّة):
ورد في سفر يوئيل: (اضربوا بالبوق في صهيون، صوِّتوا في جبل قدسي، ليرتعد جميع سُكَّان الأرض، لأنَّ يوم الربِّ قادم لأنَّه قريب)(٢٩).
وجاء في سفر إشعياء: (اقتربوا أيُّها الأُمَم لتسمعوا وأيُّها الشعوب اصغوا، لتسمع الأرض وملؤها المسكونة وكلُّ نتائجها، لأنَّ للربِّ سخطاً على كلِّ الأُمَم وحموا على كلِّ جيشهم... لأنَّ للربِّ ذبيحة في بُصرَة وذبحاً عظيماً في أرض أدوم... لأنَّ للربِّ يوم انتقام سنة جزاء من أجل دعوى صهيون)(٣٠).
في العهد الجديد (المسيحيَّة):
جاء في رؤيا يوحنَّا: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٩٩/ سفر يوئيل/ الإصحاح ٢/ النصُّ ١).
(٣٠) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٣١/ سفر إشعياء/ الإصحاح ٣٤/ النصُّ ١ - ٨).

(٨٧)

بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(٣١).
في الإسلام:
قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢)..
وجاء في السُّنَّة الشريفة عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «اَلصَّيْحَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرُ اَلله، وَاَلصَّيْحَةُ فِيهِ هِيَ صَيْحَةُ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) إِلَى هَذَا اَلْخَلْقِ»، ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ بِاسْمِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَيَسْمَعُ مَنْ بِالمَشْرِقِ وَمَنْ بِالمَغْرِبِ، لَا يَبْقَى رَاقِدٌ إِلَّا اِسْتَيْقَظَ، وَلَا قَائِمٌ إِلَّا قَعَدَ، وَلَا قَاعِدٌ إِلَّا قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَزِعاً مِنْ ذَلِكَ اَلصَّوْتِ، فَرَحِمَ اَللهُ مَنِ اِعْتَبَرَ بِذَلِكَ اَلصَّوْتِ»(٣٢).
معركة قرقيسيا.. مائدة الله:
تشير النصوص الدِّينيَّة إلى كثرة الحروب والفتن والفوضى في آخر الزمان قُبيل ظهور المخلِّص المهدي، وتُعَدُّ معركة قرقيسيا إحدى معارك السفياني (العدوّ اللدود للإمام المهدي). ففي طريق جيش السفياني إلى العراق، تقع حرب عظيمة في شرق شمال سوريا تُسمَّى: مائدة الله، وهي إحدى علامات ظهور المخلِّص الموعود.
في العهد القديم (اليهوديَّة):
جاء في سفر حزقيال: (هكذا قال السيِّد الربُّ: قل لطائر كلِّ جناح ولكلِّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/سفر رؤيا يوحنَّا/الإصحاح ١٤/النصُّ ٦ و٧).
(٣٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).

(٨٨)

وحوش البرِّ: اجتمعوا وتعالَوا احتشدوا من كلِّ جهة إلى ذبيحتي التي أنا ذابحها لكم ذبيحة عظيمة، على جبال إسرائيل، لتأكلوا لحماً وتشربوا دماً، تأكلون لحم الجبابرة، وتشربون دم رؤساء الأرض، كباش وحملان وأعتدة وثيران كلُّها من مسمنات باشان، وتأكلون الشحم إلى الشبع، وتشربون الدم إلى السكر من ذبيحتي التي ذبحتها لكم، فتشبعون على مائدتي من الخيل والمركبات والجبابرة وكلِّ رجال الحرب، يقول السيِّد الربُّ: وأجعل مجدي في الأُمَم، وجميع الأُمَم يرون حكمي الذي أجريته ويدي التي جعلتها عليهم)(٣٣).
في العهد الجديد (المسيحيَّة):
جاء في رؤيا يوحنَّا: (ورأيت ملاكاً واحداً واقفاً على الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قُوَّاد ولحوم أقوياء ولحوم خيل والجالسين عليها ولحوم الكلِّ حُرًّا وعبداً، صغيراً وكبيراً، ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده، فقبض على الوحش والنبيُّ الكذَّاب معه، الصانع قُدَّامه الآيات التي بها أضلَّ الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته، وطرح الاثنان حيَّين إلى بحيرة النار المتَّقدة بالكبريت، والباقون قُتِلُوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم)(٣٤).
في الإسلام:
جاء في السُّنَّة الشريفة عن الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام): «يظهر السفياني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٤٠/سفر حزقيال/الإصحاح ٣٩/النصُّ ١٧ - ٢١).
(٣٤) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٧ و٤١٨/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٩/ النصُّ ١٧ - ٢١).

(٨٩)

على الشام، ثمّ يكون بينهم وقعة بقرقيسياء حتَّى يشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم»(٣٥).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): «إِنَّ لِله مَائِدَةً - وَفِي غَيْرِ هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ: مَأْدُبَةً - بِقِرْقِيسِيَاءَ يَطْلُعُ مُطْلِعٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَيُنَادِي: يَا طَيْرَ اَلسَّمَاءِ، وَيَا سِبَاعَ اَلْأَرْضِ، هَلُمُّوا إِلَى اَلشِّبَعِ مِنْ لُحُومِ اَلْجَبَّارِينَ»(٣٦).
وعن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ لِوُلْدِ اَلْعَبَّاسِ وَاَلمَرْوَانِيِّ لَوَقْعَةً بِقِرْقِيسَاءَ يَشِيبُ فِيهَا اَلْغُلَامُ اَلْحَزَوَّرُ، وَيَرْفَعُ اَللهُ عَنْهُمُ اَلنَّصْرَ، وَيُوحِي إِلَى طَيْرِ اَلسَّمَاءِ وَسِبَاعِ اَلْأَرْضِ: اِشْبَعِي مِنْ لُحُومِ اَلْجَبَّارِينَ، ثُمَّ يَخْرُجُ اَلسُّفْيَانِيُّ»(٣٧).
الرجعة:
بمعنى رجوع بعض الأموات بإرادة الله تعالى إلى الحياة الدنيا، منهم الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) وثُلَّة من المؤمنين وغيرهم، وذلك بعد قيام دولة المهدي. وفي الاصطلاح: تعني رجوع قسمين من الناس؛ المؤمنون الخُلَّص والكفرة الفجرة(٣٨)، فيرجع المؤمنون للتمتُّع بحكومة العدل الإلهي، وأمَّا الكفرة الظلمة فللقضاء.
في العهد القديم (اليهوديَّة):
جاء في سفر دانيال: (وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك، ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أُمَّة إلى ذلك الوقت، وفي ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الفتن للمروزي (ص ١٨٢).
(٣٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٦٣).
(٣٧) الغيبة للنعماني (ص ٣١٥ و٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٢).
(٣٨) عَنِ اَلمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «... وَلَا يَرْجِعُ إِلَّا مَنْ مَحَضَ اَلْإِيمَانَ مَحْضاً، وَمَنْ مَحَضَ اَلْكُفْرَ مَحْضاً». تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ١٣١).

(٩٠)

الوقت ينجى شعبك كلُّ مَنْ يوجد مكتوباً في السفر، وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبديَّة، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي، والفاهمون (أي شعب الله) يضيئون كضياء الجلد، والذين ردُّوا كثيرين إلى البرِّ كالكواكب إلى أبد الدهور، أمَّا أنت يا دانيال فأخفِ الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية، وكثيرون يتصفَّحونه والمعرفة تزداد... طوبى لمن ينتظر)(٣٩).
في العهد الجديد (المسيحيَّة):
جاء في إنجيل يوحنَّا: (وأعطاه سلطاناً أنْ يدين أيضاً لأنَّه ابن الإنسان، لا تتعجَّبوا من هذا فإنَّه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيِّئات إلى قيامة الدينونة)(٤٠).
في الإسلام:
جاء في القرآن الكريم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (النمل: ٨٣)، فهذه الآية تتحدَّث عن حشرٍ لبعض الناس وليس كلُّهم، خلافاً لحشر يوم القيامة.
عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «مَا يَقُولُ اَلنَّاسُ فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾؟»، قُلْتُ: يَقُولُونَ: إِنَّهَا فِي اَلْقِيَامَةِ، قَالَ: «لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ، إِنَّ ذَلِكَ فِي اَلرَّجْعَةِ، أَيَحْشُرُ اَللهُ فِي اَلْقِيَامَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً وَيَدَعُ اَلْبَاقِينَ؟ إِنَّمَا آيَةُ اَلْقِيَامَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]»(٤١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٨٥/ سفر دانيال/ الإصحاح ١٢/ النصُّ ١ - ١٢).
(٤٠) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ١٥٤/ إنجيل يوحنَّا/ الإصحاح ٥/ النصُّ ٢٧ - ٢٩).
(٤١) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ٢٤).

(٩١)

وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١).
رُوِيَ عن الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) من عدَّة طُرُق أنَّ هذا النصر يكون في الرجعة، ذلك لأنَّ كثيراً من الأنبياء والأوصياء قُتِلُوا وظُلِمُوا ولم يُنصَروا، وأنَّ الله لا يخلف الميعاد(٤٢).
الظواهر الطبيعيَّة (سماويَّة وأرضيَّة):
تشير الكُتُب المقدَّسة للأديان السماويَّة إلى علامات تسبق ظهور الإمام المخلِّص، ومنها ما لا دخل للإنسان فيه، وهي كثيرة ومتنوِّعة. من بين هذه العلامات أمارات سماويَّة تتجلَّى في ظواهر فلكيَّة تتعلَّق بالسماء والشمس والقمر، وأُخرى أرضيَّة مثل الزلازل، والنار، والدخان، والخسف، والفتن. نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الشواهد من هذه النصوص، التي تُمثِّل تقاطعات مشتركة في التراث الدِّيني.
في العهد القديم (اليهوديَّة):
جاء في سفر إشعياء: (أنا أوصيت مقدَّسي ودعوت أبطالي لأجل غضبي، مفتخري عظمتي، صوت جمهور على الجبال شبه قوم كثيرين...، ولولوا لأنَّ يوم الربِّ قريب، قادم كخراب من القادر على كلِّ شيء...، هو ذا يوم الربِّ قادم قاسياً بسخط وحمو غضب... فإنَّ نجوم السماء وجبابرتها لا تُبرِز نورها، تظلم الشمس عند طلوعها والقمر لا يلمع بضوءه...، لذلك أُزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط ربِّ الجنود وفي يوم حمو غضبه)(٤٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) راجع: تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢٥٨ و٢٥٩)، والمسائل العكبريَّة (ص ٧٤).
(٤٣) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٧/ سفر إشعياء/ الإصحاح ١٣/ النصُّ ٣ - ١٣).

(٩٢)

وفي سفر يوئيل جاء: (وأُعطي عجائب في السماء والأرض دماً وناراً وأعمدة دخان، تتحوَّل الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أنْ يجيء يوم الربِّ العظيم المخوف)(٤٤).
في العهد الجديد (المسيحيَّة):
جاء في سفر رؤيا يوحنَّا(٤٥): (ورأيت السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أُعطوا سبعة أبواق) (الإصحاح ٨/ النصُّ ٢).. (ثمّ بوَّق الملاك الرابع، فضرب ثُلُث الشمس وثُلُث القمر وثُلُث النجوم، حتَّى يظلم ثُلُثهنَّ والنهار لا يضيء ثُلُثه والليل كذلك) (الإصحاح ٨/ النصُّ ١٢).. (وفي تلك الأيَّام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه، ويرغبون أنْ يموتوا فيهرب الموت منهم، وشكل الجراد شبه خيل مهيَّاة للحرب) (الإصحاح ٩/ النصُّ ٦ و٧)، (بل في أيَّام صوت الملاك السابع متى أزمع أن يُبوِّق يتمُّ أيضاً سرُّ الله كما بشَّر به عبيده الأنبياء) (الإصحاح ١٠/ النصُّ ٧).
في الإسلام:
قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤).
وفي ضوء النصوص الإسلاميَّة، ثَمَّة إشارات ودلالات متعدِّدة تحدث في السماء تُنذِر بقرب ظهور الإمام المخلِّص، وتُعَدُّ بمثابة بشارة للمنتظِرين، من قبيل: ظهور بدن بارز في عين الشمس، وركود الشمس عن الحركة لفترة وجيزة، والصيحة السماويَّة في شهر رمضان، والخسوف والكسوف في غير وقتهما.
وجاء في السُّنَّة الشريفة عن الإمام الباقر (عليه السلام)، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ نَاراً مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ شِبْهَ اَلْهُرْدِيِّ اَلْعَظِيمِ تَطْلُعُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فَتَوَقَّعُوا فَرَجَ آلِ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٣٠١/ سفر يوئيل/ الإصحاح ٢/ النصُّ ٣٠ و٣١).

(٤٥) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٤ - ٤٠٦/ سفر رؤيا يوحنَّا / الإصحاح ٨ - ١٠).

(٩٣)

مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)...»، وَقَالَ (عليه السلام): «لَا يَقُومُ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنَ اَلنَّاسِ، وَزَلَازِلَ وَفِتْنَةٍ، وَبَلَاءٍ يُصِيبُ اَلنَّاسَ، وَطَاعُونٍ قَبْلَ ذَلِكَ، وَسَيْفٍ قَاطِعٍ بَيْنَ اَلْعَرَبِ، وَاِخْتِلَافٍ شَدِيدٍ فِي اَلنَّاسِ، وَتَشَتُّتٍ فِي دِينِهِمْ، وَتَغَيُّرٍ مِنْ حَالِهِمْ، حَتَّى يَتَمَنَّى اَلمُتَمَنِّي اَلمَوْتَ صَبَاحاً وَمَسَاءً مِنْ عِظَمِ مَا يَرَى مِنْ كَلَبِ اَلنَّاسِ وَأَكْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً»(٤٦).
وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِذَا رَأَيْتُمْ عَلَامَةً فِي اَلسَّمَاءِ نَاراً عَظِيمَةً مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ تَطْلُعُ لَيَالِيَ، فَعِنْدَهَا فَرَجُ اَلنَّاسِ، وَهِيَ قُدَّامَ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) بِقَلِيلٍ»(٤٧).
علامات آخر الزمان:
وردت في التراث الدِّيني السماوي إشارات عديدة وتشابهات كثيرة حول وقائع وأحداث مصاحبة لظهور المهدي في آخر الزمان، وبعضها يُعَدُّ من علامات الساعة الكبرى التي تسبق يوم القيامة. وحرصاً على إيجاز هذا البحث وتجنُّباً للإطالة، نشير إلى بعض القواسم المشتركة التي وردت في التوراة وملحقاتها، أو الإنجيل وملحقاته، أو القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة، ومنها:
يأجوج ومأجوج (Gog and Magog):
- العهد القديم: سفر حزقيال (الإصحاح ٣٨ و٣٩)، تفاصيل عديدة ذُكِرَت في الإصحاحين.
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ٢٠/ النصُّ ٧ - ١٠).
- القرآن الكريم: سورة (الأنبياء: ٩٦)، سورة (الكهف: ٩٣ - ٩٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).
(٤٧) الغيبة للنعماني (ص ٢٧٥ و٢٧٦/ باب ١٤/ ح ٣٧).

(٩٤)

الدجَّال (Ad-Dajjal):
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ١٧/ النصُّ ٨ - ١٧).
- السُّنَّة الشريفة: أحاديث كثيرة والتي تتحدَّث عن علامات الساعة الكبرى وبتفاصيل لم تُذكر في السابق عن الدجَّال وحركته.
دابَّة الأرض (The Earth Creature):
- العهد القديم: سفر حزقيال (الإصحاح ٩ و١٠)، وتفاصيل عن الختم على الجباه.
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ٧/ النصُّ ١ - ٣).
- القرآن الكريم: سورة (النمل: ٨٢).
من المؤكَّد أنَّ المصدر الأساس لهذه الأخبار هو الوحي الإلهي، إلَّا أنَّ الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) لم يُقدِّموا هذه العلامات بعبارات صريحة واضحة للجميع، بل جاءت غالباً بصيغ رمزيَّة وغامضة مقصودة، ليكون فهمها مرهوناً بجمع القرائن واستقراء النصوص المختلفة في ضوء الواقع.
لذلك، كانت الحاجة ماسَّة إلى استقراء الأمارات والعلامات الواردة في الكُتُب السماويَّة المختلفة، ودراسة البشارات وتجميع الأخبار المتناثرة ومعرفة الروابط فيما بينها، حتَّى تتَّضح الرؤية، ويُدرك الباحث ويستنتج الصورة الحقيقيَّة والواقعيَّة لمرحلة قبل وبعد الظهور. وعندما تتكامل هذه البشارات بطريقة تجميعيَّة وتراكميَّة، ويتَّضح القاسم المشترك المؤكَّد بينها، فإنَّها تُشكِّل ثروة فكريَّة وحضاريَّة لا يُستهان بها، قادرة على فتح آفاق جديدة في المعرفة والثقافة الدِّينيَّة.
إنَّها أخبار سماويَّة متعاضدة ومتكاملة، تمضي في نسق واحد يكشف عن قيمة هذه النصوص ومكانتها في وجدان البشريَّة. كما أنَّ المقارنة بين هذه

(٩٥)

العلامات والدلالات الواردة في الكُتُب المقدَّسة تكشف عن بشارة موحَّدة بقائد موعود واحد في آخر الزمان: موسى والتوراة، وعيسى والإنجيل، ومحمّد والقرآن، كلُّهم بشَّروا بفكرة المخلِّص.
لذا، فإنَّ المهدي (عجَّل الله فرجه) أو المنقذ، ليس مجرَّد تجسيد لعقيدة إسلاميَّة دينيَّة، بل هو أُمنية كبرى حلمت بها البشريَّة على اختلاف أديانها ومذاهبها. فقد اتَّفقت جميع الأديان والمِلَل على انتظار هذا المنقذ، وجالت مخيَّلة أتباعها في رسم ملامحه عبر تاريخ الإنسانيَّة الطويل. وهذا التوافق يدلُّ على أنَّ فكرة المهدي تستند إلى قواعد راسخة ومتبنَّيات دينيَّة، تاريخيَّة، وحضاريَّة مقدَّسة، تُهيِّئ الأرضيَّة لثورته الإلهيَّة الكبرى المرتقَبة.

* * *

(٩٦)

تفعيل التراث الحضاري في بناء صورة المخلِّص

تُعَدُّ قراءة قضيَّة المخلِّص في الثقافات والحضارات المختلفة، واستكشاف نقاط الالتقاء والاتِّفاق فيما بينها، من الشروط الضروريَّة لمدِّ جسور الحوار والتعارف بين الشعوب. فالمفهوم الذي لا يتعارض مع فكر الآخر يُمثِّل أرضيَّة خصبة للتواصل الحضاري. ومن الحكمة أنْ نسعى إلى اكتشاف هذه القواسم المشتركة، وأنْ نُؤسِّس عليها العلاقات الثقافيَّة والاجتماعيَّة، مع التمسُّك بها وتعزيزها، تحقيقاً لإثراء التعارف الحضاري الخلَّاق، ودرءاً للمخاطر والسلبيَّات، وتحقيقاً لمسؤوليَّتنا الدِّينيَّة والإنسانيَّة والحضاريَّة.
إنَّ المهدويَّة، بوصفها عقيدة خلاص للبشريَّة، ومفهوماً للمخلِّص، تُعَدُّ قاسماً مشتركاً بين جميع الأديان والفلسفات والحضارات، انطلاقاً من الرؤية الكلّيَّة لجوهر الخلاص. ومهما اختلفت المذاهب الدِّينيَّة والمدارس الفكريَّة، يمكننا أنْ نستكشف الكثير من نقاط الاتِّفاق والتقاطع حول المهدويَّة أو المخلِّص، نُشير إلى أبرزها:
* الاتِّفاق على أصل القضيَّة: فالكلُّ يعترف بالمبدأ والمنشأ والمفهوم، وهذا بمثابة تجسيد لعقيدة ثابتة وفكرة واحدة مشتركة لدى جميع الديانات السماويَّة والفلسفات البشريَّة. فهي موجودة باستمرارٍ ومترسِّخة، وتُعَدُّ من الموضوعات البارزة في مسيرة التشريع الربَّاني.

(٩٧)

* وحدة المصدر: منبع الفكرة ومصدرها هو الوحي الإلهي في كلِّ الأديان السماويَّة، ولذا لا يمكن أنْ تتعارض أو تتناقض القضيَّة فيما بينها.
* وحدة الجوهر: تتشابه النصوص السماويَّة والخطاب الدِّيني فيما يخصُّ المصلح العالمي المنتظَر لدى جميع الأديان من حيث الجوهر والمضمون والمفهوم.
* العموميَّة والورود: ذُكِرَت القضيَّة في جميع الكُتُب المقدَّسة، ودُوِّنَت في معظم التراث الدِّيني السماوي. وجميع الأنبياء والرُّسُل أشاروا إليها، وحلمهم بتحقُّقها وتطبيقها على أرض الواقع.
* وحدة المصير: وحدة المخلِّص في جميع الأديان والحضارات تتأكَّد من خلال اجتماع البشريَّة على خاتمة واحدة للتاريخ، تحمل الغاية ذاتها والهدف المشترك الذي يُنتظَر تحقيقه على يد المنقذ الموعود.
* حاجة فطريَّة: قضيَّة المخلِّص هي حاجة إنسانيَّة عند جميع البشر، كون الفكرة تتلاءم مع وجدان الفطرة، وتنسجم مع برهان العقل، وتتعاضد مع الإرشاد السماوي.
* روح الانتظار: روحيَّة الانتظار للمنقذ الموعود حاضرة في جميع الأُمَم الدِّينيَّة، بل وحتَّى في العديد من المجتمعات العلمانيَّة، ويُمثِّل هذا الانتظار خطوة عمليَّة تُجسِّد الإيمان بعقيدة المخلِّص.
* وحدة العلامات: علامات الظهور ثابتة ومتشابهة في جميع الأديان والمذاهب، وقد ذُكِرَت في معظم الكُتُب المقدَّسة، فلا يمكن تشخيص زمن ظهور المخلِّص إلَّا عبرها، فهي تقع ضمن إطار التخطيط الإلهي وسُنَنه الكونيَّة، وتمنح تصوُّراً استباقيًّا لمعالم المستقبل قبل الظهور.
* تحديد الزمان: وقت خروج المصلح الموعود محدَّد وثابت ومتَّفق عليه بين الأديان والمِلَل، وهو في آخر الزمان، بعد أنْ تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً وفساداً.

(٩٨)

* محور العدل: محور المهدويَّة والخلاص يتمثَّل في أولويَّة القسط والعدل لدى الجميع، نتيجة انحراف المسيرة البشريَّة عن هذا المسار، فحقيقة المهدويَّة تعني الثورة على الفساد بشتَّى أنواعه.
* تحقيق البشارة: ستتحقَّق بشارة الأديان الإلهيَّة والمذاهب الفلسفيَّة البشريَّة في ظلِّ حكومة عالميَّة واحدة يقودها المصلح الأعظم، وهي الأُمنية الكبرى للإنسانيَّة جمعاء عبر التاريخ.
* مُلْك للإنسانيَّة: المهدي المخلِّص مُلْك للبشريَّة كلِّها، وليس حكراً على طائفة دينيَّة أو جماعة بعينها، فدولته أو حضارته ستُبسِط هيمنتها على الأرض كلِّها، وتجمع الأُمَم والشعوب تحت راية حكومته العادلة.
* وحدة الشخصيَّة: ثَمَّة اتِّفاق على أنَّ المخلِّص المستقبلي المرتقَب هو شخص وقائد واحد، ولا توجد في نصوص الإرشاد الإلهي ما يُشير أو يُلمِّح إلى تعدُّد هذه الشخصيَّة؛ فالكل متَّفق على ذلك، وإنِ اختلفوا في تحديد هويَّته.
* اشتراك الأديان: الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، بتفاصيلها الجزئيَّة، وأبرز ما يُميِّزها من الإمامة المبكِّرة، وظروف الولادة الاستثنائيَّة، وطول العمر، والغيبة، تشترك فيها الأديان السماويَّة الأُخرى، وتتقاطع معها بحسب نصوصها الثابتة.
صفحات مشرقة من القواسم المشتركة حول مفهوم (المخلِّص) في التراث الدِّيني السماوي؛ إذ إنَّ قراءة جوانب الالتقاء والتقاطعات بين الأديان تمنحنا صورة إيجابيَّة، وترسم ملامح فكريَّة عن اتِّفاق الأديان والشعوب والحضارات في النظرة إلى جوهر (المهدويَّة). كما تُسهم هذه القراءة في توسيع مساحات التفاهم، وتركيز النظر على المعنى الحقيقي للمهدويَّة وما تنطوي عليه من إيجابيَّات، بما يُعزِّز القِيَم والمفاهيم الإنسانيَّة المشتركة التي تحلم بها البشريَّة،

(٩٩)

ويسهم في تصحيح القناعات السلبيَّة والتفسيرات الخاطئة والأفكار المنحرفة التي يُروِّج لها الأعداء. وبالرغم من تباين تشخيص هويَّة المخلِّص ومصداقيَّته بين الأديان والمذاهب والحضارات، إلَّا أنَّ الاتِّفاق قائم على أصل الفكرة وجوهر القضيَّة، التي استفاضت بها النصوص والأخبار في التراث الدِّيني السماوي على اختلاف مشاربه ونِحَله.
أهمّيَّة الحوار القائم على القواسم المشتركة: حين نتعرَّف على المباني الفكريَّة والتكوين الثقافي للآخر حول مفهوم المخلِّص والخلاص، ونُسلِّط الأضواء على أوجه القواسم المشتركة، عندئذٍ يصبح الحوار إيجابيًّا وبنَّاءً، وتنتشر ثقافة احترام الرأي الآخر وتقبُّله، وتقلُّ أوجه الخلاف والتعارض، وهذا هو المنهج الحضاري والإنساني المنشود. لكنَّ المؤسف أنَّ الواقع المعاصر للكثير من المستشرقين، قديماً وحديثاً، يكشف عن قراءات مغلوطة للعقيدة المهدويَّة، مبنيَّة في الغالب على دوافع وأحكام مسبقة. فهم يسعون للتشكيك فيما هو متَّفق عليه ومشترك بين الأديان والحضارات، ويُصوِّرون المهدويَّة وكأنَّها حكر على المسلمين، أو حتَّى محصورة في الشيعة فقط، مع تشويه متعمَّد أو رؤية قاصرة للفكرة.
ولتجنُّب هذه الإشكاليَّة، تبرز ضرورة استثمار القواسم المهدويَّة المشتركة والعمل على تعزيزها، مع تقديم نقاط الاتِّفاق كأساس لأيِّ حوار، والعمل على إزالة الجفوة وتصحيح الصور السلبيَّة، في سبيل جسر الهوة بين الثقافات والحضارات المختلفة. خلاصة القواسم المشتركة بيننا هو الأمل: الأمل في مستقبل أفضل، وأكثر عدالةً وإنصافاً.
ولا شكَّ أنَّ تفعيل القواسم المشتركة حول (المخلِّص/المهدويَّة) وسيلة إيجابيَّة لتحقيق هدفين رئيسيَّين:
١ - أنْ نُدرك وجود لغة حوار مشتركة حول الخلاص والمخلِّص

(١٠٠)

الموعود، للاستفادة منها في تعريف مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) على حقيقتها ومكانتها العظيمة.
٢ - بناء منهج معرفي سليم قائم على القواسم المشتركة، لوضع خارطة طريق لتعريف المهدويَّة للآخر، وربط جسور التعارف والتحاور وفق أُسُس فكريَّة واستراتيجيَّة واضحة.
ومن المسلَّم به أنَّ كلَّ نقاط الالتقاء والمشتركات العامَّة والقواسم الخاصَّة حول المخلِّص أو المهدويَّة تُثبِت أصالة القضيَّة وعالميَّتها، حيث يجتمع الدافع الدِّيني مع التفكير الإنساني والضرورة الحضاريَّة، وهو ما يفتح المجال لقبولها وانتشارها بين شعوب الحضارات الأُخرى.

* * *

(١٠١)

رؤى الخلاص المنتظَر لدى أتباع الديانات السماويَّة

إنَّ فكرة الخلاص في جوهرها رؤية إنسانيَّة عميقة، أشارت إليها جميع الديانات السماويَّة، وحثَّت عليها المبادئ العقليَّة والمنطقيَّة، ومالت إليها الفطرة السليمة لدى البشر. وهي في حقيقتها، تُعبِّر عن قلق الإنسان العميق حيال ما يحيط به من ظلم وفساد وحروب وقتل، وما تعانيه الشعوب من أوضاع إنسانيَّة مؤلمة، في ظلِّ سعي دائم للخلاص والنجاة من هذا الواقع.
غير أنَّه من الصعب الزعم بوجود اتِّفاق شامل في الرؤية والفلسفة حول الخلاص بين الجميع؛ فحتَّى أتباع الديانات السماويَّة الكبرى والحضارات المختلفة يحملون رؤى متباينة، بل أحياناً متناقضة، في تصوُّرهم لشكل الخلاص ومضمونه.
لقد أصبح الخلاص - كأُمنية كبرى - مفهوماً إنسانيًّا شاملاً، وقاسماً مشتركاً بين الأديان والفلسفات في سياق مشروع آخر الزمان أو نهاية التاريخ. إنَّه يُمثِّل خلاصة مسيرة البشريَّة على الأرض، وتحقيقاً لآمال الأنبياء وطموحاتهم. وهنا يبرز سؤال مركزي حول هذه الفكرة الإلهيَّة، العقليَّة، الفطريَّة، أو كما يُسمِّيها الفلاسفة قديماً بـ (المدينة الفاضلة): ما هي رؤية أتباع الديانات السماويَّة الرئيسة للخلاص؟
رؤية اليهود:
يقوم مفهوم الخلاص في العقيدة اليهوديَّة على أساس أنَّ اليهود هم (شعب الله المختار)، وأنَّ مخلِّصاً مستقبليًّا سيأتي لينتشلهم من الوهدة السياسيَّة

(١٠٢)

التي يعيشونها، ويُعيد بناء مملكة داود وعرش سليمان، ويُؤسِّس لهم دولتهم الكبرى، ويرفع شأنهم ليكونوا سادة العالم، في حين تخضع لهم الشعوب والأُمَم الأُخرى. ففكرة الخلاص والمخلِّص في نظرهم فُصِّلت خصِّيصاً بمقاييس الشعب اليهودي.
يمكن تلخيص أُطروحتهم للخلاص وإيجازها في النقاط التالية:
١ - فكرة الخلاص تقتصر على الشعب اليهودي فقط (العصبيَّة القوميَّة).
٢ - قام الخلاص أساساً ليُنقِذ اليهود من الوهدة السياسيَّة.
٣ - رفع شأن اليهود كسادة للعالم، مع خضوع الشعوب الأُخرى لهم.
٤ - نشر الشريعة الدِّينيَّة اليهوديَّة التي أسَّسها النبيُّ موسى (عليه السلام).
٥ - أنْ يكون المخلِّص (المَلِك أو القائد) من نسل داود (عليه السلام).
٦ - إقامة (دولة الله) في الأرض بقيادة اليهود (الأحياء والراجعين من الموت).
٧ - استحقاق الخلاص: فعل إلهي محض، وما على الناس إلَّا الانتظار.
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ خلاصاً يُلبِّي مصالح فئة محدَّدة كاليهود، ويجعل بقيَّة البشر عبيداً لهم، هو خلاص مرفوض إنسانيًّا، لأنَّه يفتقد أبسط مبادئ العدل والمساواة.
رؤية المسيحيِّين:
تقوم غاية الخلاص في العقيدة المسيحيَّة على أنَّ آدم (عليه السلام) قد أخطأ بأكله من الشجرة في الجنَّة، فانتقلت خطيئته بالوراثة إلى ذرّيَّته، أي إلى الجنس البشري بأسره. والطريق الوحيد للخلاص، وفق هذا التصوُّر، هو أنَّ (ابن الله) يتجسَّد ويفدي البشريَّة بصلبه وتضحيته، ليُكفِّر عن خطايا البشر ويُعيد مصالحتهم مع

(١٠٣)

الله. ويكتمل هذا المسار بعودة المسيح في آخر الزمان لتكفير ذنوب الباقين وإقامة (ملكوت الله) في الأرض.
هذه هي أصل فكرتهم وأُطروحتهم للخلاص، ويمكن تلخيص هذا التصوُّر في النقاط التالية:
١ - قيام فكرة الخلاص على تلبُّس الإنسان بالخطيئة الأصليَّة، وخلاصه بواسطة الله فقط.
٢ - عجز الإنسان عن تحقيق الخلاص بنفسه، بل تحتاج البشريَّة إلى مساعدة إلهيَّة مباشرة.
٣ - الطريق الوحيد للخلاص عبر تجسُّد ابن الله وصلبه فداءً لتكفير خطايا البشر.
٤ - أنْ يكون المخلِّص مركَّباً من اللَّاهوت (ابن الله) والناسوت (ابن مريم العذراء).
٥ - انحصار الخلاص بالإيمان بالمسيح (الإنسان/الإله) واعتناق تعاليم الكنيسة.
٦ - نزول المسيح ثانيةً في آخر الزمان لإقامة ملكوت الله وبسط العدل.
٧ - استحقاق الخلاص: فعل إلهي إعجازي محض، لا يتمُّ إلَّا بإرادة الله.
إلَّا أنَّ هذا الفهم يفتقد - بحسب المنطق العقلي - إلى العدالة والرحمة، إذ من غير المنطقي أنْ يُعاقَب البريء - السيِّد المسيح - عن ذنب لم يقترفه. فالعدالة تقتضي أنْ يتحمَّل الجاني وزر جريمته، لا أنْ يُنزل العقاب بغيره. ولهذا يُثار السؤال المشروع: هل في صلب السيِّد المسيح (عليه السلام) عدالة أو رحمة أو محبَّة حقيقيَّة حتَّى يُطلَب الخلاص وفق هذا التصوُّر؟

(١٠٤)

رؤية المسلمين:
تنطلق الرؤية الإسلاميَّة للخلاص من أنَّ النبيَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) هو خاتم الأنبياء، وأنَّ رسالته موجَّهة للناس كافَّة. تتمثَّل رؤية المسلمين للخلاص في تحقيق النجاة الأُخرويَّة والدنيويَّة معاً، عبر محورين:
- الفردي: بتحمُّل الإنسان مسؤوليَّة أفعاله، والتكفير عن الذنوب بفتح باب التوبة.
- العامّ: بإنقاذ البشريَّة جمعاء من الظلم والجور، من خلال مشروع المهدويَّة المستقبليَّة.
وهذا المفهوم بجناحيه (التوبة - المهدويَّة) يمنح الأفراد والشعوب أملاً متجدِّداً في بناء مستقبل مثالي. ويمكن تلخيص ملامح الأُطروحة الإسلاميَّة للخلاص في النقاط التالية:
١ - قيام فكرة الخلاص على أساس أنَّ الإسلام خاتم الأديان السماويَّة، وحاكميَّة شريعته للبشر جميعاً.
٢ - الخلاص الفردي: أصالة المسؤوليَّة الشخصيَّة وفتح باب التوبة دائماً.
٣ - الخلاص العامُّ: موجَّه لإنقاذ الإنسانيَّة بأسرها دون تمييز أو تفضيل.
٤ - استحالة الخلاص خارج مبدأ الإمامة الذي هو امتداد للنبوَّة الخاتمة.
٥ - تحوُّل فكرة المخلِّص من أُمنية إلى واقع محدِّد هويَّة المخلِّص بوضوح: الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
٦ - إقامة الدولة الفاضلة في آخر الزمان، حيث تتوحَّد فيها الأُمَم والشعوب تحت ظلِّ سيادة واحدة تحكم بالعدل والمساواة.
٧ - استحقاق الخلاص: نتاج جهد بشري مبارك ومؤيَّد بإرادة الله، حيث للإنسان دور فعَّال في تحقيقه.

(١٠٥)

عندما يقوم الخلاص على أُسُس العدل والمساواة ويُسقِط الحواجز القوميَّة والطائفيَّة، ويتوحَّد البشر في إطار الإنسانيَّة الجامعة، يتحقَّق الأمن والسلام والرفاهية للجميع.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أنَّ من أعمق أبعاد المهدويَّة وأكثرها أصالةً هو منظورها الخاصُّ للخلاص. فالمهدويَّة ليست مجرَّد أُطروحة خلاصّيَّة تُروِّج لأهداف دينيَّة بحتة، بل هي إمامة خاتمة تدعو إلى التوحيد وتطبيق العدل، وهو ما يتوافق مع الوجدان الإنساني والبرهان العقلي ويُعزِّزه الإرشاد السماوي.
ولا ريب أنَّ الخلاص في الرؤية الإسلاميَّة، المتمثِّلة في الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، يُجسِّد أسمى تطلُّعات الإنسانيَّة وأكمل صورة لمستقبلها ونهاية مسيرتها التاريخيَّة. لذا، فإنَّ المهدويَّة تُعَدُّ بحقِّ أفضل هديَّة إلهيَّة قُدِّمت للبشريَّة، تنجذب إليها القلوب قبل العقول.

* * *

(١٠٦)

الفصل الثاني: الإيمان بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعدمه(٤٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) نُشِرَ هذا البحث في مجلَّة (الموعود) النصف سنويَّة، العدد (١٧)، محرَّم الحرام (١٤٤٦ هـ/ يوليو ٢٠٢٤م)، الصادرة عن مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - العراق.

(١٠٧)

رؤية نهاية التاريخ في الفلسفة الغربيَّة نموذجاً

الإيمان بالإمام المهدي المنتظَر (المخلِّص) هو جزء من العقيدة الإسلاميَّة حيث يُعتقَد بخروجه في آخر الزمان لإصلاح البشريَّة وإقامة العدل والمساواة على وجه الأرض، وهذا يُمثِّل اصطلاحاً نهاية التاريخ وبداية حقبة جديدة تسودها العدالة وتحكمها قوانين السماء.
وبقراءة سريعة لموقف العالم الغربي(٤٩) تجاه هذا المعتقَد، فإنَّ الإيمان بالمهدي أو بعبارة أُخرى (المخلِّص) ليس جزءاً من العقائد الرئيسيَّة في العالم الغربي العلماني، فالغرب يتميَّز بتنوُّعه الثقافي ويحتوي على مجموعة مختلفة من المعتقَدات والأديان، إلَّا أنَّ فكرة المخلِّص آخر الزمان - مع تعدُّد الهويَّة أو المسمَّى - لم تحظَ بانتشار واسع في الثقافة والرأي العامِّ الغربي وبالخصوص لدى النخبة من المفكِّرين والفلاسفة.
بالتأكيد اعتقاد الشعوب الغربيَّة في (المخلِّص آخر الزمان) يختلف بناءً على الخلفيَّة الدِّينيَّة والثقافيَّة للأفراد، فمثلاً في الديانة المسيحيَّة الاعتقاد بالمخلِّص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) نقصد بمصطلح الغرب أو العالم الغربي الإشارة للمفهوم الأيديولوجي أكثر منه للمعنى الجغرافي، ونقصد به الهويَّة ذات الدلالات الفكريَّة والثقافيَّة والسياسيَّة، وفي المجمل هو يشمل فضاءات الأنظمة الفكريَّة لمجموع الدول الغربيَّة (أُوروبا وأمريكا معاً) وكلِّ منظومة أو سياق يؤمن بأفكار ومعتقَدات المركزيَّة الغربيَّة كأُستراليا مثلاً، ومن جهة أُخرى يرتبط مفهوم الغرب بالجذور الأُسطوريَّة للحضارة الإغريقيَّة والرومانيَّة.

(١٠٩)

يرمز إلى عودة السيِّد المسيح للعالم في النهاية الأخيرة لإقامة الملكوت السماوي والقيام بالحكم العادل، وهذا الاعتقاد مشترك بين المسيحيِّين المتديِّنين في العالم بما في ذلك الشعوب الغربيَّة، بشكل عامٍّ يمكننا القول: إنَّ الاعتقاد بـ (المخلِّص آخر الزمان) ليس منتشراً في الثقافة الغربيَّة العامَّة بنفس المستوى كما هو الحال في بعض التيَّارات المسيحيَّة الأُخرى في العالم(٥٠)، ومع ذلك لا يزال هناك بعض الأفراد والجماعات في الغرب يؤمنون بهذا الاعتقاد ويعتبرونه كجزء من معتقَداتهم الدِّينيَّة.
ولذا نرى أنَّ الإلحاد(٥١) في الغرب ينتشر بين المفكِّرين والفلاسفة والأفراد العاديِّين، وهناك نسبة لا بأس بها لمن يعتنق المواقف الإلحاديَّة الصريحة ويُنكِر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) أظهرت دراسة لمؤسَّسة بيرتلسمان الألمانيَّة عام (٢٠١٦م) أنَّ عدد المتديِّنين من فئة الشباب المسيحي في الدول النامية أكبر مقارنةً بنظرائهم في أُوروبا، فعلى سبيل المثال: أظهرت الدراسة أنَّ (٨٠%) من الشباب البروتستانت خارج أُوروبا متديِّنون بقوَّة مقارنة بـ (٧%) في أُوروبا، والأمر نفسه ينطبق على الشباب الكاثوليك، إذ إنَّ عدد المتديِّنين منهم في أُوروبا يصل إلى (٢٥%)، بينما يبلغ عددهم خارج أُوروبا (٦٨%).
(٥١) الإلحاد: هو مصطلح يُشير إلى نقص الإيمان بالآلهة أو الروحانيَّات والانحياز نحو المواقف العقلانيَّة والعلميَّة في تفسير العالم والحياة، وفي سياق المجتمع الغربي يُعتبَر الإلحاد ظاهرة منتشرة ولها تأثير كبير في الثقافة والرأي العامِّ الغربي، بشكل عامٍّ: يُقدَّر عدد اللَّادينيِّين في أُوروبا بحوالي (١٣٤) مليون نسمة، أي ما يُشكِّل (٢٥%) من سُكَّان أُوروبا، وخلال أواخر القرن العشرين كان هناك اتِّجاه متزايد في الإلحاد، فمثلاً: خلال الفترة بين الأعوام (٢٠٠٧م) و(٢٠٠٨م) طلب استطلاع أجرته مؤسَّسة غالوب في العديد من الدول الأُوروبيَّة الإجابة عن السؤال (هل الدِّين يحتلُّ مكانة هامَّة في حياتك؟)، في استونيا كانت أعلى نسبة لمن أجاب بـ (لا) إذ بلغت النسبة (٨٤%)، جمهوريَّة التشيك بلغت النسبة فيها (٧٤%)، الدول الإسكندنافيَّة أيضاً نسبة عالية أجابوا بـ (لا). كذلك الأمر في ألبانيا حيث النسبة (٦٣%) وهولندا (٦٦%)، وغالبيَّة الدول الأُوروبيَّة تتبنَّى النظام العلماني.

(١١٠)

وجود الإله أو الروحانيَّات بشكل كامل، ولكن لا يمكننا القول بأنَّ الإلحاد هو الاتِّجاه السائد في الغرب مطلقاً، حيث لا يزال الدِّين والمعتقَدات الروحيَّة لها وجود وتأثير في الحياة الثقافيَّة والاجتماعيَّة للأفراد.
إنَّ الهدف الرئيسي لهذا البحث يتجلَّى في استشفاف أثر عدم الإيمان بالمخلِّص الإلهي الموعود آخر الزمان (المهدي المنتظَر) على رؤى وتصوُّرات النُّخَب الفكريَّة الغربيَّة، وسنقتطف في دراستنا هذه رؤية واحدة كمعالجة ومثال لهذا الأثر، وسنختار واحدة من أهمّ الأفكار الفلسفيَّة المتداولة على الساحة الثقافيَّة الغربيَّة، ففي الآونة الأخيرة اكتسبت النظريَّات والفرضيَّات الفلسفيَّة حول نهاية التاريخ أهمّيَّة كبيرة في المناقشات، فنحاول المقارنة بين رؤى الفلاسفة الغربيِّين وبين أُطروحات الديانات السماويَّة لمستقبل البشريَّة.

* * *

(١١١)

لماذا الإيمان بالمخلِّص الإلهي (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه))(٥٢)

الإنسان دائماً يحدق بالمستقبل ويتطلَّع لاستشراف غده، ويندفع إلى معرفة ما يُخبِّئ له الغد من خير أو شرٍّ، وتشتدُّ هذه الحالة في الأزمات الخطيرة والحرجة التي تتعرَّض لها المجتمعات، والتي تُثير أمامهم قلقاً واضطراباً كبيراً، وبشكل عامٍّ هذه إحدى هواجس الإنسان الهامَّة والمنبعثة من روحه الباحثة عن المعرفة والمتعطِّشة لاستكشاف المستقبل والاطِّلاع على حيثيَّات وتفاصيل نهاية التاريخ البشري.
ليس ثَمَّة شكٍّ في أنَّ المجتمع البشري يهدف ويطمح إلى أنْ يعيش في وضع من الهدوء والاستقرار في المستقبل، ويتمتَّع بالرفاهية والرخاء، ويتخلَّص من الظلم والجور وويلات الحروب ومنغِّصات الحياة، ومن المؤكَّد أنَّ البشريَّة لم تُحقِّق هذه الأُمنية عمليًّا حتَّى الآن، ولكن هذا النمط من التفكير العقلي والمنسجم مع الوجدان الإنساني، ومع شموليَّة هذه الأُمنية، واستمرار هذه الغاية عند جميع البشر، وديمومة هذه النزعة لدى الناس على مرِّ التاريخ، يمنحنا بشارة قطعيَّة بأنَّ البشريَّة ينتظرها عصر مثالي يسوده العدل والمساواة والكمال، وتتحقَّق فيه جميع متطلِّبات واحتياجات الإنسانيَّة بنسبة كاملة.
إنَّ التعاليم الربَّانيَّة أرست فكرة نهاية التاريخ عبر عقيدة (المخلِّص)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) لمزيد من التوسُّع في هذا الموضوع ارجع إلى كتابنا: تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى.

(١١٢)

وأكَّدت على ذلك في تراث كلِّ الأديان السماويَّة بصيغة واضحة، وهذا ما يؤمن به الملتزمون بتعاليم المدارس الإلهيَّة، أمَّا الأفراد أو المجتمع ذو النزعة العلمانيَّة والأفكار المادّيَّة فإنَّه ينظر إلى عقيدة المخلِّص أو الأُطروحة في صيغتها النهائيَّة (المهدويَّة) من قبيل نظرته إلى أفكار الشعراء التي تفتقد بنظره لأيَّة قيمة واقعيَّة، علماً بأنَّ فكرة المخلِّص واحدة من سُنَن الله تعالى في الحياة غايتها الهداية والإصلاح.
من المؤكَّد أنَّ ما نحتاج إليه لإدراك أصل مفهوم المخلِّص أو المنقذ الموعود (المهدويَّة) وإثباتها، لا يتسنَّى إلَّا بإحدى الطُّرُق المعرفيَّة والمنطقيَّة التالية - سواء كان عن طريق (الفطرة الإنسانيَّة) أو عن طريق (الاستدلال العقلي) أو عن طريق (الإرشاد السماوي) - وبهذا النوع من التفكير وبهذا المنهج الاستدلالي يمكن العثور على المعارف الغيبيَّة والمعنويَّة بدلائل وحُجَج كافية، وإنَّ الثمرة التي تعود من نهج الطريق العقلي والاستدلال المنطقي تفضي إلى أنْ تكون فكرة المخلِّص آخر الزمان سائغة وقابلة للإحاطة والإدراك لمن يتحلَّى بهذا الأُسلوب من التفكير والتحليل.
أوَّلاً المخلِّص وبرهان الفطرة:
الفطرة: هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها، فجُبِلَ الإنسان على محبَّة الخير وإيثاره، وكراهة الشرِّ ودفعه، وفُطِرَ على حُبِّ الفضائل، فكلُّ إنسانٍ يُولَد بفطرة سليمة صافية كاملة، بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجيَّة (الوراثة والبيئة) سلك طريق الحقِّ، ويكون إدراكه لحقائق الأشياء مستقيماً وبإحساس صادق، بسبب الحواسِّ السليمة وما يتلقَّاه العقل السليم، وهكذا فإنَّ النزوع إلى الله إلى مخزون في الإنسان وفطرته، وكذلك الميل إلى العدل

(١١٣)

والصدق والمكارم مخزون بإحكام في أُصول الفطرة الإنسانيَّة، وهذا الإحساس يجذب الفرد نحو الكمال المعنوي.
إنَّ طريق الفطرة الصافية هو السير في داخل الذات الإنسانيَّة، وتأمل الوصول إلى مطلق الكمال، أمَّا حين يكون العالم الخارجي منسلخاً ومخالفاً لفطرة الإنسان (كانتشار الظلم والفساد مثلاً)، فإنَّ هذا يُعَدُّ زيغاً وانحرافاً عن مقتضى الفطرة نفسها، فتدفعه غريزته وتجبِله على الانجذاب نحو التغيير لما يتوافق مع أصل خلقة الإنسان، وعلى هذا الأساس يصبح كلُّ فردٍ منساقاً إلى العدل والمساواة (مبتغى الفطرة) كمطلب يُحِبُّه الناس في حياتهم وهو من صميم فطرتهم السليمة، وعندما لا يستطيع الفرد تغيير العالم الخارجي الذي يحتوي ما يخالف فطرته، يتحوَّل مبتغى الفطرة إلى أُمنية ينتظر تحقيقها، وهكذا هي فكرة الخلاص عند الإنسان، نابعة من فطرة الإنسان وينتظر تحويلها إلى أمر واقع، وهي تتماشى مع أيِّ فطرة صافية، وتُمثِّل قاسماً مشتركاً عامًّا بين أفراد البشريَّة كافَّة.
إنَّ عقيدة المخلِّص ثابتة في النفس البشريَّة والوجدان الإنساني لا تتغيَّر مهما مضى الزمان أو طرأت تحوُّلات وتطوُّرات تاريخيَّة ما لم تتحقَّق على أرض الواقع، باعتبارها حقيقة مترسِّخة في نفس الإنسان لها جذور ممتزجة بالفطرة والطبيعة البشريَّة.
إنَّ حتميَّة ظهور المخلِّص في الفكر الإنساني عموماً انعكاس لحاجة فطريَّة، وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً كلَّما زاد الظلم واستشرى الفساد، ممَّا يكشف عن صدى للإحساس الغريزي المتأصِّل لهذه الفكرة في عمق النفس البشريَّة، وما الدعوة إلى (المدينة الفاضلة) كما عبَّر عنها الفلاسفة قديماً وحديثاً عبر التاريخ، إلَّا تعبيرٌ عن هذه الحاجة والإحساس، ولذا فإلهام الفطرة الإنسانيَّة

(١١٤)

 بالحاجة الملحَّة إلى المخلِّص أمر مشترك بين كلِّ البشر، ولكن انتظارها وترقُّبها يختلف عند الشعوب والأُمَم ويتفاوت حسب الظروف والواقع النفسي لكلِّ مجتمع.
ثانياً: المخلِّص وطريق الاستدلال العقلي:
العقل: هو مجموعة من القوى الإدراكيَّة التي تتضمَّن الوعي والمعرفة والتفكير والحكم و... وهو غالباً ما يُعرَّف بمَلَكَة الشخص الفكريَّة والإدراكيَّة، وباستخدامه يستطيع الإنسان إثبات الأُمور وبرهنتها، وهذا يتضمَّن التعمُّق في التفكير والتأمُّل، حيث يقوم العقل بتحليل المعلومات والأحداث ودراستها لاستنباط الحقائق والنتائج التي توصل إلى المعرفة.
فالعقل هو مصدر آخر ومهمٌّ من مصادر المعرفة الإنسانيَّة، وعن طريقه يستطيع الفرد إدراك الحقائق وفهم المعاني الكلّيَّة، ولذا فإنَّ القضايا المعنويَّة والغائبة والتي نودُّ إدراكها ومعرفتها بمقدورنا أنْ ننهج طريق الاستدلال العقلي الذي وهبه الله تعالى لنا لنصل إلى ما نريد، وإدراك المفاهيم واستخلاص الحقائق، ومن بين الحقائق التي يُدركها العقل حقيقة (المخلِّص الموعود) كفكرة واقعيَّة، حيث إنَّ العقل السليم يقضي بأنَّ الخير لا بدَّ أنْ ينتصر في نهاية المطاف، ويسود التوحيد والعدل على كافَّة الأرض المعمورة، وهذا ليس نابعاً من الرغبة أو العاطفة عند المستضعفين، بل نتاج لتفكير وتحليل عقلي يُؤكِّد ذلك بناءً على:
* أنَّ الخالق أَمَرَ عباده باتِّباع طريق الخير والحقِّ، ولا بدَّ أنْ يُقيم الحجَّة عليهم بإمكانيَّة قيام (الدولة الفاضلة لكلِّ البشريَّة)، يتجسَّد فيها التوحيد والعدالة والفضيلة كأساس لها، حتَّى لا يتذرَّع أحد بكونها غير ممكنة التطبيق.
* أنَّ البشريَّة لا بدَّ لها أنْ تتحرَّك ضدَّ الظلم والفساد مهما طال الزمن، وفي مسيرتها التاريخيَّة لا بدَّ أنْ تُصحِّح مسارها وتصل إلى إقامة مجتمع العدل

(١١٥)

والرخاء، باعتبار ذلك يُمثِّل الأُمنية الكبرى للبشريَّة والمنبعثة من الفطرة الإنسانيَّة، بضرورة القضاء على الظلم والجور بشكل نهائي وشامل.
وعلى ضوء ذلك، فلا بدَّ أنْ يقود شخص (المخلِّص) عمليَّة التغيير والثورة العالميَّة الشاملة، وهذا ما توصَّل إليه العقل الإنساني عن طريق استقراء أطوار التاريخ ودراسة سُنَنه، وهكذا يلتقي العقل البشري مع الحاجة الفطريَّة الإنسانيَّة في ضرورة خلاص البشريَّة على يد جهة تُطبِّق ذلك، وتُحقِّق الأُمنية الإنسانيَّة الكبرى وتُقيم أهداف الرسالات السماويَّة.
ثالثاً: المخلِّص وطريق الإرشاد السماوي:
الوحي: الوسيلة والصلة بين الخالق والخَلق، ويتمُّ من خلاله تبيان الرسالة الإلهيَّة، وهذا المصدر من المعرفة يُعَدُّ من أهمّ وأغنى وأسمى المصادر التي تلقَّاها الإنسان وهو مرتبط بعالم الغيب، ويُعتبَر إدراكاً خاصًّا متميِّزاً عن سائر الإدراكات.
إنَّ طُرُق وأدوات المعرفة يُستفاد منها في مجالات عديدة ومختلفة، فالحواسُّ تختصُّ في مجال المادّيَّات والمحسوسات، والعقل في مجال معيَّن بناءً على مبادئه وإمكانيَّاته، أمَّا مجال الوحي فهو أوسع نطاقاً وأكثر شموليَّةً، كما أنَّه نافذ في جميع الأصعدة، ولذا توجد حقائق لا يُدركها العقل، ولا تصل إليها الحواسُّ، ويختصُّ بنقلها الوحي، الذي يُزوِّد الإنسان بمعرفة موضوعيَّة ذات حقائق بالوجود، ويقف على مكنونها وماهيَّتها الحقيقيَّة، ولاسيَّما الموضوعات المتعلِّقة بالذات الإلهيَّة والعوالم الأُخرويَّة، فإنَّها تظلُّ خارج دائرة استيعاب العقل والحواسِّ، فالله تعالى وحده هو المحيط بكلِّ شيء وبهذه الموضوعات، ونصيب العباد من العلم الإلهي محدود بقدر إخبار الله تعالى لهم.

(١١٦)

والذي لا شكَّ فيه، أنَّ الكُتُب السماويَّة التي أنزلها الله تعالى على رُسُله وأنبيائه من خلال الوحي تضمَّنت الشرائع والأحكام والمبادئ والقِيَم التي ترشد وتهدي الناس إلى الحقِّ والفضيلة، كما تضمَّنت معارف وحقائق تعجز مدارك الإنسان عن معرفتها أو الإحاطة بها، مثل: الإخبار بالأُمور الغيبيَّة المستقبليَّة، سواء الأُخرويَّة (الموت والقيامة) أو الدنيويَّة (المستقبل ونهاية التاريخ)، علماً بأنَّ هذه المعلومات والمعرفة تُحقِّق التوازن والانسجام للإنسان لصدورها من الخالق.
وقد لمسنا مواطن كثيرة في التراث الدِّيني السماوي مثل (التوراة والإنجيل والقرآن) الموجودة والمتداولة في الأيدي تحتوي على نبوءات وبشارات وإشارات إلى (المخلِّص المرتقَب) كهويَّته وعلامات ظهوره ومعالم دولته وأهدافه وغاياته، والتي لا يمكن الحصول عليها إلَّا عن طريق الوحي، ممَّا جعل أتباع الديانات السماويَّة متَّفقة على (أصل الفكرة) وتنتظر زمانه وخروجه، وعليه فالمؤمنون لا يُسلِّمون بصدق أيَّة أُطروحة للإصلاح أو الخلاص تشمل البشريَّة كلَّها تنبثق من غير طريق الوحي ومنبع النبوَّة.
بالتأكيد هناك حقائق ميتافيزيقيَّة (ما وراء الطبيعة - غيبيَّة مثلاً) لا يمكن للعقل الخوض فيها مستقلّاً، فمن الصعوبة التوصُّل إلى نتائج عقليَّة مجرَّدة في الأُمور المعنويَّة، والتي تقوم خارج المبادئ والإمكانيَّات العقليَّة (المستقبل مثلاً)، وصعوبة تجرُّد العقل البشري تنبع من طبيعة الإنسان وإمكانيَّاته.
إنَّ الثمرة التي نستنتجها من نهج أو اتِّباع الطُّرُق المعرفيَّة السابقة: أنَّ فكرة المخلِّص المنتظَر هي فكرة واقعيَّة (العقل)، وهي حاجة بشريَّة (الفطرة)، وضرورة إلهيَّة (الإرشاد السماوي)، إذن هي حاجة بشريَّة لما يتطلَّع إليه الإنسان بفطرته من القضاء على الظلم والفساد والذي يراه منافياً لسُنَن الانسجام في

(١١٧)

الطبيعة، وهي ضرورة إلهيَّة لإقامة الحجَّة على الخلق (البشر) بأنَّ إمكانيَّة إقامة الدولة الفاضلة ليست مستحيلة، وأنَّ العقل يُدرك من خلال التفكير المنطقي بإمكانيَّة تطبيق ذلك بشكل طبيعي، وهكذا قد تظافرت عدَّة طُرُق ووسائل واجتمعت في غرس بذرة (المخلِّص) في عالم البشر منذ فجر التاريخ وحتَّى الآن.
هل المخلِّص الموعود هو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟
إنَّ دور الفطرة وبرهان العقل يُثبتان أصل فكرة الخلاص ويُبيِّنان الخطوط الكلّيَّة لحقيقة المخلِّص، والتأكيد على ضرورة أصل وجوده، ولكن لا يتعرَّضان إلى تحديد الهويَّة وتعيين الشخصيَّة، إنَّما ذلك يقع على عاتق الإرشاد والبشارات السماويَّة، حيث إنَّ هذا المنصب والمقام جعل إلهي، ليس للبشريَّة نصيب في الاختيار أو الانتخاب مثل تعيين أو تنصيب الأنبياء والرُّسُل، إنَّما يتوفَّر هذا التشخيص والتحديد عن طريق الدليل النقلي القطعي من التراث الدِّيني السماوي.
أصل فكرة الخلاص والمخلِّص متَّفق عليها بين مختلف الأديان السماويَّة، إلَّا أنَّ الاختلاف قائم حول شخصيَّة وهويَّة وكيان المخلِّص المنتظَر، وهنا نطرح سؤالاً: هل المخلِّص المنتظَر هو شخص واحد محدَّد بعينه سيظهر آخر الزمان بصفة المنقذ الموعود، أم هناك أكثر من شخص وبمسمَّيات متعدِّدة؟
للإجابة عن هذا التساؤل الجوهري نشير إلى النقاط التالية:
- الاتِّفاق على أصل القضيَّة (المخلِّص)، والكلُّ يعترف بالمبدأ والمنشأ والمفهوم، وهذا بمثابة تجسيد لعقيدة ثابتة وفكرة واحدة مشتركة عند جميع الديانات السماويَّة، وهي ماثلة باطِّراد ومترسِّخة، ومن المواضيع البارزة في مسيرة التشريع الربَّاني.

(١١٨)

- منبع الفكرة ومصدرها ومنشؤها هو الوحي الإلهي لكلِّ الأديان الإلهيَّة، ولذا لا يمكن أنْ تتعارض أو تتناقض القضيَّة فيما بينهم، أو تصطدم مع بعضها.
- وحدة النصوص السماويَّة، وتشابه الخطاب الدِّيني فيما يخصُّ المصلح العالمي المنتظَر عند جميع الأديان الربَّانيَّة من حيث الجوهر والمضمون والمفهوم.
- ذُكِرَت القضيَّة في جميع الكُتُب المقدَّسة، ودُوِّنت في معظم التراث الدِّيني السماوي، وجميع الأنبياء والرُّسُل قد أشاروا إليها.
- وحدة المخلِّص عند جميع الأديان الإلهيَّة يتأكَّد من خلال اجتماع البشريَّة على خاتمة واحدة للتاريخ، تحمل نفس الغاية والهدف، وما هو مطلوب تحقيقه على يد المنقذ الموعود.
- قضية المخلِّص حاجة إنسانيَّة عند جميع البشر، كون الفكرة تتلاءم مع وجدان الفطرة، وتتوافق مع برهان العقل، وتتعاضد مع الإرشاد السماوي.
- روحيَّة الانتظار للمنقذ الموعود موجودة عند جميع الطوائف الدِّينيَّة والكثير من المجتمعات الإنسانيَّة، وهذا الانتظار يُمثِّل خطوة عمليَّة للإيمان بعقيدة المخلِّص.
- علامات الظهور الكلّيَّة ثابتة ومتشابهة عند جميع الأديان السماويَّة، وقد ذُكِرَت في معظم الكُتُب المقدَّسة، فلا يمكن تشخيص زمن ظهور المخلِّص إلَّا بها، وهي ضمن أطار التخطيط الإلهي وسُنَنه الكونيَّة، وتُعطي صورة لمعالم المستقبل قبل الظهور.
- أنَّ أوان ظهوره عند جميع الأديان والمِلَل سيكون في آخر الزمان، وبعد أنْ تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً وفساداً.
- محور المهدويَّة والخلاص هو أولويَّة التوحيد والعدل عند الجميع،

(١١٩)

وذلك لانحراف المسيرة البشريَّة عن هذا السياق، ولذا فحقيقتها تعني الثورة على الكفر والفساد بشتَّى الأنواع.
- ستتحقَّق بشارة الأديان والمذاهب السماويَّة في ظلِّ حكومة عالميَّة واحدة للمصلح الأعظم، وهذه أُمنية كبرى للإنسانيَّة قاطبة على مدى التاريخ.
- المهدي المخلِّص ليس حكراً على طائفة دينيَّة أو جماعة معيَّنة، ودولته أو حضارته تبسط هيمنتها على الأرض كافَّة، وتدمج الأُمَم والشعوب تحت لواء حكومته العادلة.
- الاتِّفاق على أنَّ المخلِّص المستقبلي (المرتَقَب) هو شخص وقائد واحد، وليس في نصوص الإرشاد الإلهي ما يُشير أو يلمح إلى تعدُّد هذه الشخصيَّة، فالكلُّ يُؤكِّد على ذلك، ولكن الاختلاف بين المتديِّنين قائم حول هويَّته.
- الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة بتفاصيلها الجزئيَّة وأبرز ما يُميِّزها - مثل: الإمامة المبكِّرة وخطر ظروف الولادة وطول العمر والغيبة -، تشترك بها كُتُب الأديان السماويَّة الأُخرى، وتتقاطع بحسب النصوص الثابتة لديها.
البشارات في التراث الدِّيني تنطبق على المخلِّص المهدي (عجَّل الله فرجه) فقط:
فمن غير شكٍّ أنَّ الإرشاد السماوي من خلال النصوص في الكُتُب المقدَّسة، وكذلك الأخبار المستقبليَّة والغيبيَّة التي أشارت إلى قضيَّة الخلاص والمخلِّص، هي عبارة عن نبوءات سابقة أو قرائن عليها، وعند تأمُّلها وقراءتها وتفسيرها بمنطق العقل وبرؤية وبصيرة ثاقبة، وبعيداً عن التعصُّب الدِّيني والمذهبي، نُدرك أنَّها تشير وتُدلِّل على شخصيَّة واحدة يكون المحور عليها آخر الزمان، وبما أنَّ المواصفات والخصائص المذكورة في النصوص الدِّينيَّة لم تتحقَّق تاريخيًّا قبل العهد الإسلامي، ومع ختم النبوَّة وانقطاع الوحي الإلهي، لذا نجد

(١٢٠)

أنَّها لا تنطبق واقعيًّا إلَّا على مخلِّص أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ذُكِرَت بعض الجزئيَّات والتفاصيل المطابقة للوقائع التاريخيَّة التي تميَّزت بها الأُطروحة الإسلاميَّة، فمثلاً: تعرُّض المخلِّص لخطر القتل والتصفية أثناء ولادته والتي أدَّت إلى غيبته، ثمّ التأكيد على أنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته حتَّى موعد ظهوره(٥٣)، وهذا من خصائص المهدويَّة. وكذلك باستقراء البشارات والأخبار في التراث الدِّيني نجد أنَّ هناك الكثير من التشابه والتقارب في علامات الظهور الكلّيَّة (للإمام المهدي) قد ذُكِرَت في تراث الديانة اليهوديَّة والمسيحيَّة متطابقاً مع الديانة الإسلاميَّة، وهناك أمثلة كثيرة لا يتَّسع المجال لذكرها(٥٤).
إذن معرفة هذه المواصفات والخصوصيَّات التي ذُكِرَت في بشارات الكُتُب المقدَّسة يقودنا إلى إثبات أنَّ المصلح العالمي المنتظَر الذي بشَّرت به جميع الديانات هو في الحقيقة الإمام المهدي بن الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، وأنَّ المحصَّلة النهائيَّة لكلِّ تلك البشارات التي تُشير إلى المخلِّص آخر الزمان، ليست دلالة على المخلِّص بعنوانه العامِّ فحسب، بل شخَّصت خصوصيَّات هويَّته الحقيقيَّة، من خلال تحديد صفات وتفصيلات لا تنطبق على غيره، ولا تتوافق إلَّا مع الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة.
وفي هذا السياق ثَمَّة سؤال يُثار: هل المستقبل الذي ينتظره المسلمون يختلف عن المستقبل الذي يترقَّبه أتباع الديانات والحضارات الأُخرى؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) حيث وردت الإشارة إلى ذلك بصراحة ووضوح تامٍّ في: الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٨/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٢/ النصُّ ١ - ٦)؛ وكذلك ذُكِرَ أنَّه الثاني عشر من سلسلة مباركة متَّصلة، نظير ما ورد في: الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠).
(٥٤) لمزيد من التوسُّع في هذا الموضوع ننصح بمراجعة كتابنا تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى (ص ٥٣/ الفصل الثاني: المهدويَّة قاسم مشترك بين الحضارات).

(١٢١)

وبمعنى آخر: هل إنَّ الخلاص الذي تنتظره البشريَّة واحد أم متعدِّد؟
أليس (دولة العدل الإلهي) التي سيُقيمها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على الأرض، هي نفسها (حكم الله وملكوته في الأرض) التي سيُقيمها السيِّد المسيح، أم تختلف؟
بالتأكيد هي كيان واحد، ممَّا يكشف عن حقيقة أنَّ الهدف مشترك والمستقبل واحد، وأنَّها دولة واحدة تشمل المعمورة بأسرها، وأنَّ المخلِّص المنتظَر واحد، وبذلك تتحقَّق ثمرة جهود كلِّ الأنبياء والأديان السماويَّة، وتكون خاتمة المسيرة البشريَّة ونهاية التاريخ.

* * *

(١٢٢)

الفرق بين نهاية التاريخ ونهاية الكون

مسيرة التاريخ البشري تتجسَّد بين خلق الله سبحانه وتعالى للكون من العدم، وخلق الإنسان ليُؤدِّي مهمَّته في إعمار الأرض، ثمّ يموت الإنسان ويُبعَث بعد ذلك ويقف بين يدي الله تعالى ليُحاسبه على أعماله، وهذا يشمل الناس جميعاً من بداية الخلق وحتَّى النهاية، ويكون البعث والجزاء والحساب في يوم القيامة.
في محور حديثنا عن نهاية التاريخ لا نقصد تلك النظريَّات أو الفرضيَّات الفيزيائيَّة حول نهاية الكون (أي يوم القيامة) أو الأفكار التي تتنبَّأ بنهاية العالم أو نهاية الزمن(٥٥)، بل بحثنا يصبُّ اهتمامه وتركيزه حول مفهوم نهاية التاريخ (أي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) علماً أنَّ تصوُّر نهاية الكون عند العلماء الغربيِّين يعتمد على تصوُّرهم لشكل الكون: (يختلف علماء الفلك والفيزياء الغربيُّون في تصوُّرهم لشكل الكون في معطيات ثلاثة: الكثافة الفعليَّة لمادَّة الكون، وكثافة الحدِّ الحرج للكون، وكمّيَّة المادَّة أو الطاقة في الكون)، وأبرز الفرضيَّات العلميَّة الغربيَّة الحديثة التي تُصوِّر نهاية الكون هي: فرضيَّة مفردة الانفجار الكبير، أو فرضيَّة تضخُّم المجال الكمِّي، أو فرضيَّة الارتداد الكبير، أو فرضيَّة الكون الموازي، أو فرضيَّة الكون الدوري المطابق، علماً بأنَّ جميع فرضيَّات الفيزيائيِّين الغربيِّين مخالفة إجمالاً للأُطروحة القرآنيَّة الكونيَّة حول بداية ونهاية الزمان والمكان، حيث الرؤية القرآنيَّة للنهاية تعتمد على مبدأ (المدِّ والتوسعة والطيِّ والنشر)، وهي أُطروحة أكثر تفصيلاً وأعمق مضموناً من كلِّ الفرضيَّات الغربيَّة، لمزيد من التوسُّع في هذا المجال يُنصَح بمراجعة: بداية ونهاية الأكوان بين فرضيَّات العلم وظاهر القرآن للسيِّد حسين الفيَّاض.

(١٢٣)

مستقبل البشريَّة)، والذي يعني معرفة مسار التاريخ البشري ووضع غاية له، والذي يُشير إلى نقطة فاصلة أو محطَّة نهائيَّة لتطوُّر الحضارات البشريَّة، أو حدوث تغيير جذري في المجتمعات الإنسانيَّة يُؤدِّي إلى تحقيق حالة مثاليَّة أو هدف نهائي، ويُسمَّى هذا التغيير الجذري نقطة نهاية التاريخ، (أي نهاية التطوُّر الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للإنسان).
وسنُشير باختصار إلى الفرق بين مفهوم نهاية التاريخ ومفهوم نهاية الكون في النقاط التالية:
١ - التعريف:
- نهاية التاريخ: يُشير إلى نهاية الصراعات والتطوُّرات الحضاريَّة، حيث تصل البشريَّة إلى حالة من الاستقرار والرشد والكمال.
- نهاية الكون: يُشير إلى نهاية الوجود المادِّي للكون، بما في ذلك النجوم والكواكب والمجرَّات.
٢ - المنظور:
- نهاية التاريخ: مفهوم فلسفي وفكري وديني، ويرتبط بأفكار مثل: المهدويَّة، والمخلِّص، وآخر الزمان.
- نهاية الكون: مفهوم ديني وعلمي، ويرتبط بأفكار مثل: يوم القيامة، والانفجار العظيم.
٣ - الزمن:
- نهاية التاريخ: يتحقَّق داخل الزمان الإنساني وعلى الأرض.
- نهاية الكون: نقطة تقع خارج الزمان في الآخرة أي يوم القيامة.

(١٢٤)

٤ - التأثير:
- نهاية التاريخ: تُؤثِّر على الفكر السياسي والاجتماعي، وتُثير نقاشات حول مستقبل الحضارة الإنسانيَّة.
- نهاية الكون: تُؤثِّر على الفكر الدِّيني والفلسفي، وتُثير تساؤلات حول معنى الحياة والموت.
٥ - الأمثلة:
- نهاية التاريخ: يرى بعضٌ أنَّ سقوط الاتِّحاد السوفيتي يُمثِّل نهاية التاريخ، حيث لم يعد هناك صراع بين الأيديولوجيَّات الكبرى.
- نهاية الكون: يرى بعضٌ أنَّ نهاية الكون ستحدث بعد اصطدام مجرَّة درب التبَّانة بمجرَّة أُخرى.

* * *

(١٢٥)

نهاية التاريخ في الفكر الفلسفي الغربي

اهتمَّ الفلاسفة قديماً وحديثاً بالبحث عن مستقبل البشريَّة وفكرة نهاية التاريخ، وشكَّل هذا المفهوم مجالاً واسعاً للدراسة والتقصِّي في الفلسفة الغربيَّة المعاصرة، وهذا المفهوم في الأصل فلسفي وسياسي، وفي ظلِّ الأوضاع العالميَّة الصعبة، وتوتُّر العلاقات بين الشرق والغرب وازديادها تدهوراً، شاعت الدراسات حول نهاية التاريخ في العالم بشكل عامٍّ وفي الدول الغربيَّة زادت بشكل خاصٍّ، فكثرت الفرضيَّات والأفكار التي تتنبَّأ عن مستقبل الإنسان وعلاقة الحضارات مع بعضها البعض، وإلى أين ستصل البشريَّة مستقبلاً، وجاءت كلُّ هذه النظريَّات والأُطروحات في سياق هيمنة الغرب على العالم في العقود الأخيرة.
وفي هذا السياق لا بدَّ أنْ نلاحظ: أنَّ الفلسفة الغربيَّة في العصر الحديث لم تعد تؤمن أو تُبرِّر الرؤية الدِّينيَّة وغايتها، بل أصبحت لها رؤيتها الخاصَّة وأفكارها العلمانيَّة المستقلَّة، ومن هذه الرؤى فكرة (نهاية التاريخ)، إذ يُشير المفهوم في الفكر الفلسفي الغربي إلى توقُّعات فلسفيَّة حول وصول مسار التطوُّر البشري إلى نقطة توقُّف، حيث تنتصر أيديولوجيَّة أو نظام اجتماعي معيَّن بشكل نهائي، ممَّا يضع حدًّا للصراعات التاريخيَّة، وفي هذه السطور سنتعرَّف باختصار شديد على أهمّ النظريَّات والفرضيَّات التي طرحها فلاسفة الغرب والأكثر شهرةً في هذا المجال:

(١٢٦)

١ - نظريَّة هيجل لنهاية التاريخ(٥٦):
تُعَدُّ نظريَّة هيجل(٥٧) لنهاية التاريخ من أهمّ الأفكار التي طُرِحَت في فلسفة التاريخ في الفكر الغربي، ويرى أنَّ التاريخ ليس مجرَّد سلسلة من الأحداث العشوائيَّة، بل هو عمليَّة تطوُّريَّة ذات اتِّجاه محدَّد، حيث تتكشَّف الروح المطلقة عبر الصراعات.
يُقسِّم هيجل التاريخ إلى ثلاث مراحل رئيسيَّة:
المرحلة الأُولى: هي مرحلة الوعي الذاتي، حيث يبدأ الإنسان في إدراك نفسه كموضوع منفصل عن العالم.
المرحلة الثانية: هي مرحلة الموضوعيَّة، حيث يُركِّز الإنسان على العالم الخارجي ويحاول فهمه.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة الروح المطلقة، حيث يتَّحد الإنسان مع العالم الخارجي ويصل إلى فهم كامل للواقع.
نهاية التاريخ: يعتقد هيجل أنَّ التاريخ سينتهي في المرحلة الثالثة عندما تتحقَّق الروح المطلقة، في هذه المرحلة ستصبح الدولة تجسيداً للعقل المطلق، وستختفي جميع الصراعات والتناقضات، ويُعَدُّ مفهوم (الدولة العقلانيَّة) مركزيًّا في نظريَّة هيجل لنهاية التاريخ، ويرى أنَّ الدولة هي تجسيد للعقل المطلق، وأنَّها تُمثِّل أعلى مستوى من التطوُّر البشري.
الخلاصة: اعتبر هيجل أنَّ نهاية التاريخ ستتحقَّق في سيادة (الدولة العقلانيَّة) التي تُجسِّد الحرّيَّة، وأنَّ العقل هو وحده الذي سيُوجِّه العالم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) العقل في التاريخ لجورج هيجل، الجزء الأوَّل من محاضرات في فلسفة التاريخ، ترجمة: د. إمام عبد الفتَّاح إمام (ط ٣/ ٢٠٠٧م/ دار التنوير/ بيروت).
(٥٧) جورج فيلهلم فريدريش هيجل (Friedrich Hegel)، فيلسوف ألماني (١٧٧٠ - ١٨٣١م)، يُعتبَر واحداً من أهمّ الفلاسفة في علم التاريخ، وله تأثير كبير على الفلسفة الغربيَّة.

(١٢٧)

أبرز نقاط النقد للنظريَّة: أنَّ نظريَّة هيجل تُبسِّط مسار التاريخ المعقَّد، وكان تركيزها على أُوروبا والمجتمع الغربي، متجاهلة تنوُّع الثقافات في العالم والصراعات المستمرَّة.
٢ - نظريَّة ماركس(٥٨) لنهاية التاريخ:
طرح كارل ماركس(٥٩)، نظريَّة حول نهاية التاريخ في سياق فلسفته حول الصراع الطبقي والتطوُّر الاجتماعي، وتتضمَّن نظريَّته: أنَّ التاريخ ينقسم إلى مراحل رئيسيَّة هي:
١ - الشيوعيَّة البدائيَّة: مجتمع يسوده المساواة والملكيَّة المشتركة.
٢ - العبوديَّة: سيطرة طبقة على أُخرى واستغلالها.
٣ - الإقطاعيَّة: ملكيَّة الأرض من قِبَل طبقة النبلاء واستئجار الفلَّاحين للعمل فيها.
٤ - الرأسماليَّة: سيطرة رأس المال على وسائل الإنتاج واستغلال الطبقة العاملة.
٥ - المجتمع الشيوعي النهائي: مرحلة تصبح فيها وسائل الإنتاج مملوكة للمجتمع ككلٍّ، وتختفي الطبقات الاجتماعيَّة، وتسود المساواة والعدالة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) نظريَّة ماركس في التاريخ (ويكيبيديا)؛ نهاية التاريخ لهنري لوفيفر، ترجمة: فاطمة الجيوشي (ط ٢٠٠٢م/ وزارة الثقافة السوريَّة)؛ فلسفتنا لمحمّد باقر الصدر (ط ٣/ ٢٠٠٩م/ دار التعارف/ بيروت).
(٥٩) كارل هاينريش ماركس (Karl Heinrich Marx)، فيلسوف ألماني ومفكِّر سياسي واقتصادي وعالم اجتماع، وُلِدَ سنة (١٨١٨م) في ألمانيا لعائلة يهوديَّة وتوفَّى (١٨٨٣م)، مؤسِّس الشيوعيَّة العلميَّة وفلسفة المادّيَّة الجدليَّة، وصاحب النظريَّة الماركسيَّة، ويُنسَب له تأسيس الاشتراكيَّة العلميَّة.

(١٢٨)

نهاية التاريخ: يرى ماركس أنَّ الرأسماليَّة ستُولِد تناقضات داخليَّة تُؤدِّي إلى ثورة الطبقة العاملة ضدَّ الطبقة الرأسماليَّة، ستُؤسِّس هذه الثورة مجتمعات شيوعيَّة بلا طبقات، تصبح فيه وسائل الإنتاج ملكيَّة مشتركة للجميع، وتتحوَّل جميع الدول إلى مجتمعات شيوعيَّة تعيش في سلام ووئام.
الخلاصة: تنبَّأ ماركس بنهاية التاريخ في ظلِّ سيادة النظام الشيوعي، حيث يصبح كلُّ فردٍ قادراً على تحقيق إمكاناته الكاملة.
أبرز نقاط النقد للنظريَّة: أنَّ نظريَّة ماركس تُظهر تفاؤلاً مفرطاً، واعتمد في تفسيره على أنَّ وسائل الإنتاج هي محرِّك التاريخ، ويظهر فشلها في التنبُّؤ بمسار التاريخ، خاصَّةً بعد انهيار الاتِّحاد السوفيتي.
٣ - نظريَّة فوكوياما لنهاية التاريخ:
في عام (١٩٩٢م) نشر فرانسيس فوكوياما(٦٠) كتابه الشهير (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)(٦١) الذي طرح فيه نظريَّة مثيرة للجدل حول نهاية التطوُّر البشري.
مفهومٌ عامٌّ: تزعم النظريَّة أنَّ انهيار الاتِّحاد السوفيتي عام (١٩٩١م) يُمثِّل انتصار الديمقراطيَّة الليبراليَّة كأفضل نظام سياسي واجتماعي واقتصادي (السوق الحرُّ)، وأنَّ التاريخ قد توقَّف عن التطوُّر نحو أنظمة بديلة.
الأُطروحة الأساسيَّة: إنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقِيَمها عن: الحرّيَّة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) فرانسيس فوكوياما (Francis Fukuyama)، وُلِدَ (١٩٥٢م)، هو عالم وفيلسوف واقتصادي سياسي معاصر، وأُستاذ جامعي، كاتب ومفكِّر أميركي الجنسيَّة من أُصول يابانيَّة، يُعَدُّ من أهمّ مفكِّري المحافظين الجُدُد في الولايات المتَّحدة.
(٦١) نهاية التاريخ والإنسان الأخير (The End of History and the Last Man)، ترجمة كلٍّ من: فؤاد شاهين وجميل قاسم ورضا الشايبي (ط ١٩٩٣م/ مركز الإنماء القومي/ بيروت).

(١٢٩)

الفرديَّة، المساواة، السيادة الشعبيَّة، ومبادئ الليبراليَّة الاقتصاديَّة، تُشكِّل مرحلة نهاية التطوُّر الأيديولوجي للإنسان.
جوهر النظريَّة: يفترض فوكوياما أنَّ التاريخ الإنساني هو عمليَّة تطوُّريَّة ذات اتِّجاه محدَّد، حيث تتنافس الأيديولوجيَّات المختلفة على السيادة، ويرى أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة هي الشكل النهائي للحكومة، وأنَّ انتصارها على الأيديولوجيَّات الأُخرى، مثل الشيوعيَّة والفاشيَّة وغيرها، يُمثِّل نهاية التاريخ.
يُعزي فوكوياما أسباب انتصار الديمقراطيَّة الليبراليَّة إلى عدَّة عوامل، أهمّها:
- كفاءتها الاقتصاديَّة: تُعَدُّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة أفضل نظام لتنظيم الاقتصاد وتحقيق النموِّ.
- قدرتها على التكيُّف: تتميَّز الديمقراطيَّة الليبراليَّة بقدرتها على التكيُّف مع التغيُّرات والتحدّيات الجديدة.
- الشرعيَّة: تتمتَّع الديمقراطيَّة الليبراليَّة بشرعيَّة أكبر من الأيديولوجيَّات الأُخرى لأنَّها تستند إلى مبادئ الحرّيَّة والمساواة.
نهاية التاريخ: يعتقد فوكوياما أنَّ انتصار الديمقراطيَّة الليبراليَّة سيُؤدِّي إلى نهاية الصراعات والتناقضات في العالم، حيث ستتَّبع جميع دول العالم منهج الديمقراطيَّة الليبراليَّة وتعيش في سلام ووئام.
الخلاصة: يرى فوكوياما أنَّ الديمقراطيَّة الليبراليَّة والاقتصاد السوقي الحرَّ هما النظام الأمثل، وسينتشران في جميع أنحاء العالم، وسيكونان نهاية التطوُّر البشري، وفي هذه المرحلة سنصل إلى نهاية التاريخ.

(١٣٠)

أبرز نقاط النقد للنظريَّة: تبسيط التاريخ لافتراضها أنَّ التاريخ قد توقَّف عن التطوُّر، وكذلك تجاهلت النظريَّة التحدّيات التي تواجه الديمقراطيَّة الليبراليَّة، مثل: صعود الديكتاتوريَّة والتطرُّف والإرهاب، وعدم المساواة الاقتصاديَّة، والصراعات الجيوسياسيَّة.
٤ - نظريَّة هنتنغتون لنهاية التاريخ:
طرح العالم السياسي الأمريكي صاموئيل هنتنغتون(٦٢) في كتابه(٦٣) (صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي) نظريَّة مثيرة للجدل تدور حول صراعات ما بعد الحرب الباردة، تعارض أفكاره فيها نظريَّة فوكوياما لنهاية التاريخ، بينما لا يتناول هنتنغتون مفهوم نهاية التاريخ بشكل مباشر.
أركان نظريَّة هنتنغتون:
* الصراعات الحضاريَّة: يرى هنتنغتون أنَّ هويَّة الفرد سترتبط بشكل متزايد بحضارته بدلاً عن دولته، وأنَّ الصراعات في المستقبل ستكون صراعاً بين الحضارات المختلفة، وأنَّ النزاعات الأيديولوجيَّة لم تنتهِ.
* الحضارات الرئيسيَّة: يرى هنتنغتون أنَّ العالم ينقسم إلى سبع حضارات رئيسيَّة:
- الحضارة الغربيَّة: تشمل أُوروبا وأمريكا الشماليَّة.
- الحضارة الصينيَّة: تشمل الصين وجنوب شرق آسيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) صاموئيل فيليبس هنتنغتون (Samuel Phillips Huntington) (١٩٢٧ - ٢٠٠٨م)، هو عالم وسياسي أميركي، وبروفسور في جامعة هارفارد.
(٦٣) تمَّ نشر نظريَّة هنتنغتون لأوَّل مرَّة عام (١٩٩٣م) في مقال بعنوان (صراع الحضارات)، تمّ توسيع النظريَّة في كتاب صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي
(The Clash of Civilizations and the Remaking of World Order) عام (١٩٩٦م).

(١٣١)

- الحضارة اليابانيَّة: تشمل اليابان.
- الحضارة الإسلاميَّة: تشمل العالم الإسلامي.
- الحضارة الهنديَّة: تشمل شبه القارَّة الهنديَّة.
- الحضارة الأُرثوذكسيَّة: تشمل روسيا وبلدان شرق أُوروبا.
- الحضارة الأفريقيَّة: تشمل دول إفريقيا جنوب الصحراء.
* حدود الصراعات: تشير نظريَّته إلى أنَّ الصراعات بين الحضارات ستكون نزاعات (مسلَّحة) على طول الحدود الحضاريَّة المشتركة، خاصَّة في المناطق التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي أو الاقتصادي.
* التحدّيات التي تواجه الحضارة الغربيَّة: يواجه الغرب تحدّيات من قبيل صعود الحضارات الأُخرى، خاصَّة الحضارة الإسلاميَّة والصينيَّة.
نهاية التاريخ: يرى أنَّ التاريخ سينتهي بنهاية الصراع بين الحضارات وسيطرة حضارة واحدة على العالم.
الخلاصة: من خلال صراع الحضارات يصبح العالم في ظلِّ سيادة الحضارة الأقوى، وهيمنة محتملة للغرب.
أبرز نقاط النقد للنظريَّة: تبسيط مفرط للواقع الدولي، وتغليب الجانب الثقافي والدِّيني على العوامل الاقتصاديَّة والسياسيَّة، يساهم هذا التصوُّر في تأجيج التوتُّرات بين الحضارات المختلفة وتجاهل إمكانيَّة التعاون والتفاهم، كثير من المنتقدين وصفوا (صراع الحضارات) بأنَّه: (الأساس النظري لشرعنة عدوان الغرب بقيادة الولايات المتَّحدة على الصين والعالم الإسلامي)، تُتَّهم النظريَّة بالتشاؤم وعدم تقديم أيِّ رؤية إيجابيَّة للمستقبل.

(١٣٢)

٥ - نظريَّة ما بعد الحداثة(٦٤) لنهاية التاريخ:
تُقدِّم نظريَّة ما بعد الحداثة(٦٥) حول نهاية التاريخ منظوراً مختلفاً عن النظريَّات التقليديَّة مثل فرضيَّات هيجل أو ماركس أو فوكوياما، تنطلق النظريَّة من تيَّار فكري جديد، ظهر كردِّ فعل لعصر الحداثة، حيث ترفض الروايات والحقائق الكبرى للتاريخ، وتُؤكِّد على فقدان الإيمان بوجود حقيقة واحدة مطلقة أو تفسير واحد للتاريخ، وأشهر منظِّريها هو الفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ليوتار(٦٦).
خصائص النظريَّة:
* رفض فكرة نهاية التاريخ: تعارض النظريَّة فكرة وجود نهاية محدَّدة للتاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) بوجه عامٍّ يُعتبَر كتاب الفيلسوف الفرنسي: جان فرانسوا ليوتار (علم ما بعد الحداثة) من أهمّ الكُتُب البارزة في هذا المجال.
(٦٥) لا يوجد مُنظِّر محدَّد لنظريَّة ما بعد الحداثة حول نهاية التاريخ، نشأت هذه النظريَّة من خلال مساهمات العديد من المفكِّرين والفلاسفة على مرِّ التاريخ، بعض من ساهموا في تطوير هذه النظريَّة:
- فريدريك نيتشه: فيلسوف ألماني عاش في القرن التاسع عشر.
- جان بودريار: فيلسوف فرنسي عاش في القرن العشرين.
- جاك دريدا: فيلسوف فرنسي عاش في القرن العشرين.
- يورجن هابرماس: فيلسوف ألماني معاصر.
بالإضافة إلى العديد من المفكِّرين والفلاسفة الآخرين.
(٦٦) جان فرانسوا ليوتار (Jean - François Lyotard) (١٩٢٤ - ١٩٩٨م) فيلسوف وعالم اجتماع ومنظِّر أدبي فرنسي، اشتهر بأنَّه أوَّل مَنْ أدخل مصطلح ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعيَّة والتاريخ، اشتهر بتحليله لما بعد الحداثة، ونقده للرواية الكبرى (grand narratives) مثل الماركسيَّة والدِّينيَّة، وقد كان لكتابات ليوتار تأثير كبير على الفلسفة، والنقد الأدبي، وعلم الاجتماع، ودراسات التاريخ.

(١٣٣)

* التاريخ عمليَّة مستمرَّة: تشير النظريَّة إلى أنَّ التاريخ عمليَّة مستمرَّة من التغيُّر والتطوُّر، ولا يوجد مسار محدَّد مسبقاً.
* التعدُّديَّة والتنوُّع: تُؤكِّد النظريَّة على التعدُّديَّة والتنوُّع في التاريخ، وتعارض أيَّ نظرة أُحاديَّة للتاريخ.
* نسبيَّة الحقيقة: تشير النظريَّة إلى أنَّ الحقيقة التاريخيَّة نسبيَّة، ولا توجد حقيقة تاريخيَّة مطلقة.
* التركيز على الخطاب: تُركِّز النظريَّة على تحليل الخطابات التاريخيَّة ودراسة كيفيَّة تأثيرها على فهمنا للتاريخ.
* نقد الروايات الكبرى: تنتقد النظريَّة الروايات الكبرى التي تُفسِّر التاريخ بشكل شامل.
نهاية التاريخ: يرى ليوتار أنَّ (نهاية التاريخ) مفهوم خاطئ، وأنَّ ما بعد الحداثة يتميَّز بتعدُّديَّة الأفكار وعدم وجود حقيقة واحدة مطلقة.
الخلاصة: رفض الحتميَّة التاريخيَّة، حيث لا يوجد مسار محدَّد للتاريخ.
أبرز نقاط النقد للنظريَّة: تُتَّهم النظريَّة بتجاهلها للتقدُّم العلمي والتكنولوجي الذي حقَّقته البشريَّة، ويرى منتقدوها أنَّ هذا التصوُّر يُقدِّم رؤية سلبيَّة تُنكِر إنجازات الحضارة الإنسانيَّة، وبشكل عامٍّ يغلب على النظريَّة التشاؤم وعدم تقديم أيِّ رؤية إيجابيَّة للمستقبل.
وبعد هذا العرض الوجيز للنظريَّات الفلسفيَّة الغربيَّة الرئيسيَّة، نأخذ جولة سريعة لنظرة فلاسفة آخرين لمفهوم نهاية التاريخ، حيث نرى الرؤية غالباً تنطبع بصورة تشاؤميَّة وسوداويَّة قاتمة، ففي هذا السياق وضمن محور (النهاية) يعتقد ويتنبَّأ الفيلسوف الفرنسي ميشيل أونفراي(٦٧) في كتابه (انحطاط)، الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) ميشيل أونفراي (Michel Onfray)، فيلسوف فرنسي معاصر من مواليد (١٩٥٩م).

(١٣٤)

رأى فيه أنَّ الغرب يعيش لحظات احتضار قبل انهيار حضارته على نفسها، بسبب مؤشِّرات يراها واضحة، ومنها: العجز في التفكير في القضايا المصيريَّة والجوهريَّة، والتعلُّق بالسلبيَّة في الفكر مع هيمنتها على حقول المعرفة والعمل، وهكذا نجد أنَّ مصطلح (موت الغرب) من الأفكار والعناوين التي طفت على سطح الفكر الغربي المعاصر بسلسلة من المناقشات والمناظرات(٦٨)، فمن نهاية التاريخ عند هيجل(٦٩) الذي اعتقد بنهاية التاريخ بعد انتصار الثورة الفرنسيَّة ومبادئها، إلى نهاية الدِّين بعد موت الإله عند نيتشه(٧٠)، ونهاية الأيديولوجيا عند ستيوارت هيوز(٧١)، ونهاية الحداثة عند فرانسوا ليوتار(٧٢)، وهكذا ساد حديث النهايات التشاؤمي الخطاب النخبوي الغربي لينتهي بتنبُّؤ موت الغرب ونهايته، وإطلاق تحذيرات تسلُّط الضوء على المؤشِّرات التي تُهدِّد هويَّة الغرب، وربَّما وجوده ككيان ثقافي وسياسي.
عندما يعمد الباحث إلى التعمُّق في دراسة المسوِّغات والأهداف وراء طرح هذه الأفكار والفرضيَّات لنهاية التاريخ في الغرب، ويرى محاولة مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة والثقافيَّة الغربيَّة وبشتَّى الطُّرُق إقناع المجتمعات الغربيَّة والشعوب الأُخرى للإيمان بهذه النظريَّات وجعلها رؤية محدَّدة للحياة والمستقبل، بالرغم من أنَّ هذه النظريَّات ليست مبنيَّة على أيِّ دليل علمي، وبعيدة كثيراً عن البشارات الدِّينيَّة والرؤى السماويَّة، نجدهم في الحقيقة وواقع الأمر يُؤسِّسون لمنظومة فكريَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٨) مجلَّة الاستغراب الصادرة من المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة (العدد ٣١/ نهاية الغرب بين فلسفة المابعديَّات وفكر النهايات/ د. مكِّي سعد الله).
(٦٩) جورج فيلهلم فريدريش هيجل (Friedrich Hegel)، فيلسوف ألماني (١٧٧٠ - ١٨٣١م).
(٧٠) فريدريش فيلهيلم نيتشه (Friedrich Nietzsche)، فيلسوف ألماني (١٨٤٤ - ١٩٠٠م).
(٧١) إتش ستيوارت هيوز (H. Stuart Hughes)، مؤرِّخ أمريكي (١٩١٦ - ١٩٩٩م).
(٧٢) جان فرانسوا ليوتار (Jean - Francois Lyotard)، فيلسوف فرنسي (١٩٢٤ - ١٩٩٨م).

(١٣٥)

ورؤية معرفيَّة وغطاء ثقافي، يُبرَّر ويُروَّج من خلاله لخطاب سياسي أيديولوجي، ومنعطف لنظام دولي جديد تتبنَّاه الدول الغربيَّة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وهذا ما يُفسِّر بروز مجموعة من النظريَّات (لمفهوم نهاية التاريخ) التي صاحبت هذا الانهيار، وتتلازم مع بلورة فكر جديد يقوم على الأُحاديَّة القطبيَّة - أي نظام واحد يسير وفقه العالم -، وهكذا تصبح هذه الفرضيَّات مجرَّد أداة وبوق دعاية يستخدمها النظام الجديد في مرحلته التأسيسيَّة، ولم تخرج نظريَّة فوكوياما (انتصار الديمقراطيَّة الليبراليَّة)، ونظريَّة هنتنغتون (صِدام الحضارات وهيمنة الغرب)، ونظريَّة ما بعد الحداثة (التشكيك في الحقائق والروايات التاريخيَّة الكبرى) عن هذا المسار، وتتحوَّل بموجبه هذه النظريَّات من رؤى فلسفيَّة وفكريَّة إلى منهج سياسي وعسكري يُبشِّر بأبديَّة الرأسماليَّة في ثوبها الجديد، وانتفاء إمكانيَّة مناهضتها بسبب هيمنة القِيَم الغربيَّة على العالم وقيادتها لمسيرة البشريَّة، وانصهار جميع شعوب العالم في كيان حضاري واحد وفق النموذج الغربي.
إنَّ أهمَّ الآثار الملفتة للغاية والتي خلَّفتها النظريَّات الغربيَّة لنهاية التاريخ تتمثَّل في التأسيس الفلسفي للمركزيَّة الغربيَّة(٧٣)، لنأخذ مثالاً على ذلك: سيادة الليبراليَّة أو صراع الحضارات، لقد تشكَّلت رؤية الغرب للشعوب الأُخرى على النظر إلى كلِّ تنوُّع حضاري باعتباره اختلافاً جوهريًّا مع ذاته الحضاريَّة، ولم تكن التجربة الاستعماريَّة الغربيَّة المديدة سوى حاصل رؤية فلسفيَّة تُمجِّد ذاتها وتستهتر بالآخر، وما التفكير الاستعماري إلَّا حيِّز معرفي متأصِّل في فلسفة الغرب ومناهج تفكيره، وفي هذا الإطار فإنَّ المركزيَّة الغربيَّة وفق منطقها وتبعاً لرغباتها، ترى نفسها هي المكان الوحيد والمتميِّز والحصري الذي يجب أنْ تنبثق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) مجلَّة الاستغراب الصادرة من المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة (العدد ٢٩/ البهتان الأيديولوجي للتمركز الغربي/ محمود حيدر).

(١٣٦)

منه القِيَم التي تُحدِّد وتُعبِّر عن المرحلة النهائيَّة من التطوُّر البشري، ممَّا أسَّس في الوعي السياسي الغربي نظرة الاستعلاء حيال بقيَّة شعوب العالم.
وفي ذات السياق نجد أنَّ هذه الأفكار والفرضيَّات التي تُطرَح كرؤية للنهاية تلعب دوراً كبيراً في التمهيد للعنصريَّة والعنف والإرهاب على صعيد الدول، ممَّا يستدعي إعادة تقويم ومراجعة لهذه المنتجات الفكريَّة، خاصَّة في هذه اللحظة التاريخيَّة الحرجة التي نشهد فيها انحراف العالم عن مساره الطبيعي، وبروز أزمة فكريَّة وسياسيَّة عميقة في الغرب تجعله فاقداً للبوصلة الإنسانيَّة السليمة في نظرته لبقيَّة الشعوب والحضارات الأُخرى.
وممَّا لا شكَّ فيه، تمَّ تكريس فكرة نهاية التاريخ في مراحل تاريخيَّة سابقة على العقيدة الدِّينيَّة، أمَّا اليوم، فمن المؤكَّد أنَّ مفهوم نهاية التاريخ حسب ما يطرحه مفكِّرو الغرب حاليًّا وبما يحمله من تصوُّر سلبي، بات عبئاً ثقيلاً على العالم وعلى المجتمعات الغربيَّة نفسها في مختلف جوانب الحياة، ممَّا يُثير تساؤلاً عن علاقة هذه الرؤى والأفكار بالواقع السياسي والأيديولوجي والاجتماعي الذي يعيشه الغرب حاليًّا.
نخلص إلى القول وبعيداً عن أهداف الغرب السياسيَّة وأطماعهم الاستعماريَّة: إنَّنا نتأسَّف على مفكِّري الغرب والنُّخَب الثقافيَّة للقراءة السطحيَّة للتاريخ والتي تعتمد على ظاهر الأحداث فقط، وابتعادهم عن قراءة فلسفة التاريخ بعمق وبصورة علميَّة دقيقة تعتمد على التعليل والنظر، وفوق ذلك نجد أنَّ النُّخَب الغربيَّة لم تُكلِّف نفسها عناء الاسترشاد بالكُتُب السماويَّة المقدِّسة، والتي من شأنها أنْ تُوفِّر لهم رؤية حقيقيَّة وواقعيَّة حول نهاية التاريخ ومستقبل البشريَّة حسب إرادة السماء وتدبير الخالق.

* * *

(١٣٧)

نهاية التاريخ في الرؤى الدِّينيَّة السماويَّة

ارتبطت فكرة نهاية التاريخ في الفكر الدِّيني دوماً بانتصار مبدأ الخير على الشرِّ، وقيام مدينة الأخيار (المدينة الفاضلة) على أنقاض مدينة الأشرار، وأنَّ التاريخ سيؤول ويصل إلى مرحلة الخلاص أو العدل والسلام المطلق على يد المخلِّص الموعود (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه))، في فترة ما يُعرَف اصطلاحاً بآخر الزمان أو مرحلة نهاية التاريخ.
يُعَدُّ الإيمان بالخلاص والمخلِّص الموعود آخر الزمان من العقائد الأساسيَّة في العديد من الأديان، ويؤمنون بأنَّ الخالق سبحانه وتعالى قد أكَّد أنَّ للتاريخ مغزى ويتَّجه نحو هدف معيَّن(٧٤)، وسيصل إلى ذروة تطوُّره أو نهايته في مرحلة ما، لكن من الصعب الاعتقاد بأنَّ جميع الأديان على درجة من الاتِّفاق في رؤيتهم للخلاص، بل إنَّ اتِّباع أديان سماويَّة كبرى تحمل رؤى متناقضة طبقاً لشكل الخلاص وتصوُّره لديهم، ومن المؤكَّد أنَّ المفهوم الأساسِ للخلاص قاسمٌ مشتركٌ بين الأديان لمشروع آخر الزمان (نهاية التاريخ)، والتي تُمثِّل خلاصة وجود البشريَّة على الأرض، وهنا نتساءل حول هذا المبدأ الإلهي العقلي الفطري:
ما هي رؤية أتباع الأديان السماويَّة الرئيسيَّة تجاهه؟
ومن جهة أُخرى: كيف ينظرون إلى نهاية التاريخ؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).

(١٣٨)

اليهود:
إنَّ نهاية التاريخ والمستقبل يُمثِّل بالنسبة لليهود أهمّيَّة بالغة جدًّا، وهم مقتنعون أنَّ هناك ارتباطاً وثيقاً بين الحياة التي يعيشونها والتي شكَّلت ظروفهم وأوضاعهم السابقة والحاليَّة، وبين المستقبل والحياة التي تنتظرهم، فنهاية التاريخ مرتبط لديهم بفكرة التفوُّق العرقي، المبنيَّة على قاعدة (الاصطفاء الإلهي) ومن ثَمَّ برزت مقولة (شعب الله المختار)، ومن هذه النظرة يقولون: إنَّ ثَمَّة اختلافاً وتوتُّراً حادًّا بين ما يجب أنْ يكون وبين ما هو كائن فعلاً، وهو ما أعطى لليهود الرؤية والمغزى من التاريخ.
الرؤية الأساسيَّة:
من المعلوم أنَّ المسيح المنتظَر عند اليهود يُشكِّل جوهر نبوءة الخلاص، وأنَّ المسيح ليس هو عيسى بن مريم (عليه السلام)، إنَّما هو مسيح خاصٌّ بهم يأتي لأوَّل مرَّة، ولقد شكَّلت هذه العقيدة إحدى أهمّ الدعائم في نظرتهم للمستقبل ونهاية التاريخ، ويعتقدون أنَّ المسيح (اليهودي) هو مَلِك من نسل داود، سيأتي ليُعدِّل مسار التاريخ اليهودي بل البشري، ويُخلِّص شعب الله المختار من مصائبه وآلامه، ويجعلهم أسياد العالم بلا منازع، فتخضع لهم الشعوب والأُمَم كلُّها، ويُقيم مملكة إسرائيل الكبرى ويتَّخذ القدس عاصمة له، ويُعيد بناء الهيكل ويحكم بشريعة موسى، ثمّ يبدأ عهداً جديداً سعيداً لليهود يدوم ألف عام يُسَمُّونه (أيَّام المشيح).
النظرة الدِّينيَّة:
الاعتقاد بمجيء المسيح المنتظَر هو من العقائد الإيمانيَّة في اليهوديَّة، والذي يُعتبَر من (الأُصول الثلاثة عشر)(٧٥) التي تقوم عليها أركان الديانة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) هي العقائد الثلاثة عشر للإيمان عند اليهود، والتي صاغها موسى بن ميمون في القرن الثاني عشر، وُلِدَ عام (١١٣٨م) في قرطبة بإسبانيا وتوفِّي عام (١٢٠٤م) في الفسطاط بمصر، والتي ذكرها في كتابه (المدخل) والمعروف أيضاً بـ (مقدَّمة في التوراة)، ويهدف الكتاب إلى توضيح العقيدة اليهوديَّة وشرح المفاهيم والمبادئ الأساسيَّة للديانة اليهوديَّة.

(١٣٩)

اليهوديَّة، ويعتبرونه رمزاً للخلاص، وترتيب توالي ظهور الأحداث العقائديَّة المنتظرة في الفكر الدِّيني اليهودي، يمكن تلخيصها كالتالي:
١ - مجيء المسيح المنتظَر: ظهور شخصيَّة دينيَّة استثنائيَّة، ليقود الشعب اليهودي إلى الخلاص ويُقيم مملكة إسرائيل الكبرى.
٢ - إعادة بناء الهيكل في القدس: يُعتبَر حَدَثاً هامًّا للغاية، ويُمثِّل عودة العبادة اليهوديَّة إلى مكانها الأصلي، ورمزاً لتوحيد الشعب اليهودي.
٣ - جمع شتات اليهود: تجميع وتوحيد الشعب اليهودي من شتَّى بقاع العالم وتوطينهم في فلسطين.
٤ - قيام الأموات: سيقوم الموتى اليهود من قبورهم (الرجعة)، ويصبحون أسياداً في العالم.
٥ - العصر الذهبي: إقامة مملكة إسرائيل الكبرى، وتصبح الأرض جنَّة لليهود.
النظرة السياسيَّة:
- انتصار اليهود السياسي على أعدائهم وخلاصهم، وارتفاع شأنهم آخر الزمان إلى موقع ذي أهمّيَّة قصوى في الشؤون العالميَّة.
- لقد استغلَّت الحركة الصهيونيَّة نبوءة قدوم المخلِّص ورؤية نهاية التاريخ لتحقيق أهدافها ومطامعها التوسُّعيَّة في المنطقة العربيَّة والإسلاميَّة، ويرى أتباعها أنَّ هذه هي الخطوة الأُولى نحو تحقيق مملكة إسرائيل الكبرى.
- ثَمَّة مَنْ يستخدم مفهوم نهاية التاريخ حسب الرؤية اليهوديَّة لتبرير

(١٤٠)

مواقف سياسيَّة متشدِّدة، وبعضٌ ينظر إلى الديمقراطيَّة كأداة مؤقَّتة في خدمة تحقيق ملكوت الله تعالى.
المسيحيُّون:
لقد ارتبطت رؤية نهاية التاريخ في الديانة المسيحيَّة بفكرة عودة المسيح إلى الأرض، ويعتقدون أنَّ العودة ستكون حَدَثاً خارقاً للطبيعة، حيث سينزل من السماء ليحكم العالم ويُقيم ملكوت الله تعالى، وتُمثِّل عودته تحقيقاً لوعد الخلاص الذي قدَّمه الله تعالى للبشريَّة، ولذا تجعل المسيحيَّة فكرة العودة والمستقبل مرتبطة بفكرة الخلاص وتطهير الناس من الخطيئة والذنوب.
الرؤيَّة الأساسيَّة:
نقاط جوهريَّة تُشكِّل جزءاً من رؤية المسيحيِّين لمستقبل البشريَّة ونهاية التاريخ:
١ - عودة المسيح: يعتقد المسيحيُّون أنَّ المسيح سيعود في النهاية ليُقيم المملكة السماويَّة على الأرض، وتُعتبَر هذه العودة إحدى الأحداث الرئيسيَّة في المستقبل ونهاية التاريخ.
٢ - الخلاص: يعتقد المسيحيُّون أنَّ غاية الديانة المسيحيَّة هي الخلاص الروحي والأبدي للإنسان من الخطيئة والانفصال عن الله تعالى، فعن طريق إيمانه بالمسيح وموته وقيامته، يتاح لهذا الشخص الغفران والمصالحة مع الله تعالى.
٣ - المملكة السماويَّة: يعتقد المسيحيُّون أنَّ بعد العودة الثانية للمسيح، سيُقيم مملكته السماويَّة على الأرض، وستشهد هذه المملكة حقبة من السلام والعدالة والوحدة تحت حكمه.

(١٤١)

وفي بداية مملكة المسيح التي ستستمرُّ ألف عام، سيحكم المسيح جميع أُمَم العالم، وفي تلك الفترة سيسود العدل وينتهي الظلم، وفيها ستحدث تغييرات في طبيعة الحياة، مثل: لن تفترس الحيوانات بعضها بعضاً، وتشمل كذلك طول عمر الإنسان، فالذي يموت في سنِّ المائة عام يُعتبَر شابًّا صغير السنِّ.
النظرة الدِّينيَّة المسيحيَّة:
تُعَدُّ عودة المسيح إلى الأرض، المعروفة أيضاً باسم (المجيء الثاني)، عقيدة دينيَّة أساسيَّة في المسيحيَّة، وتشير إلى حَدَث خارق للعادة في آخر الزمان، حاملاً معه الخلاص والعدالة الأبديَّة.
يستند الإيمان بعودة المسيح إلى بشارات موجودة في الكتاب المقدَّس، منها:
* العهد القديم: أخبر العديد من الأنبياء مثل دانيال وزكريَّا، بمجيء المسيح وأنَّه سيُقيم مملكة سلام وعدالة على الأرض.
* العهد الجديد: أكَّد المسيح نفسه على عودته في العديد من أقواله(٧٦).
تختلف تفسيرات عودة المسيح وتفاصيلها وأهدافها بين مختلف الطوائف المسيحيَّة، لكن بشكل عامٍّ تشترك معظمها في المعتقدات التالية:
- سيعود المسيح في مجدٍ عظيمٍ، مصحوباً بملائكته.
- سيُقيم حكماً عادلاً على الأرض، ويقضي على الشرِّ والظلم.
- سيجمع المؤمنين به من الأموات (الرجعة)، ويُقيم مملكة الله تعالى الأبديَّة.
- ستكون عودته علامة على نهاية التاريخ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) كما في: الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٥/ إنجيل متَّى/ الإصحاح ٢٤/ النصُّ ٣٠)، والكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٨١/ إنجيل مرقس/ الإصحاح ١٣/ النصُّ ٢٦).

(١٤٢)

تُمثِّل هذه العودة تحقيقاً للخلاص الكامل للبشريَّة وإقامة (ملكوت الله تعالى) على الأرض، وتُعَدُّ مصدراً للأمل والرجاء للمسيحيِّين، ووعداً بانتصار الخير على الشرِّ، وبداية حياة جديدة مليئة بالسلام والفرح.
النظرة السياسيَّة:
تُعَدُّ عودة المسيح إلى الأرض حَدَثاً ذا أهمّيَّة دينيَّة عميقة للمسيحيِّين، لكنَّه يحمل أيضاً دلالات سياسيَّة كبيرة، نذكر منها:
الحركة المسيحيَّة الصهيونيَّة والتي يؤمن أتباعها بأنَّ عودة المسيح مرتبطة بعودة اليهود إلى أرض فلسطين وإقامة دولة إسرائيل، وأنَّ عودة المسيح ستُرسِّخ الهيمنة المسيحيَّة على العالم آخر الزمان، ومن هنا تبدأ الرؤية المسيحيَّة لنهاية التاريخ وتأثيرها على المجتمعات المسيحيَّة:
* التيَّار الأُصولي: يستخدم مفهوم نهاية التاريخ لتبرير الانعزال عن المجتمع والدولة، ويُؤدِّي ذلك إلى موقف سلبي تجاه المشاركة السياسيَّة.
* التيَّار التحريري: يُركِّز على العمل لتحسين العالم الحالي، مع الإيمان بوجود خطَّة إلهيَّة محدَّدة، ويُؤكِّد على أهمّيَّة العدالة الاجتماعيَّة والمساواة.
* التيَّار الليبرالي: ينظر إلى مفهوم نهاية التاريخ بريبة من قِبَل الجماعات التي تؤمن بأهمّيَّة التغيير والتطوُّر المستمرِّ.
المسلمون:
لقد احتلَّت أُطروحة نهاية التاريخ مكاناً لا يُستهان به في الفكر الإسلامي، وتُقدِّم الرؤية الإسلاميَّة منهجاً متكاملاً في التعامل مع التاريخ البشري، وتتميَّز بارتباطها بالله سبحانه وتعالى، فتتحرَّك البشريَّة بأكملها نحو هدفها الأعلى وفردوسها الموعود في زمان الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فيتحقَّق الحلم

(١٤٣)

والأُمنية الكبرى للبشريَّة في إقامة دولة العدل الإلهي، فتكون عندئذٍ الحضارة الإنسانيَّة أرقى حضارة شاملة عرفها البشر في كلِّ أبعاد الحياة المادّيَّة والمعنويَّة والروحيَّة بمقتضى تطبيق أحكام وقوانين الشريعة الإسلاميَّة الحقيقيَّة، وتعلُّم الإنسان المراحل الخمس والعشرين من العلوم الجديدة(٧٧)، فتكون القِيَم الإنسانيَّة والحضاريَّة رفيعة وفي غاية الكمال، علماً بأنَّ التاريخ في الرؤية الإسلاميَّة لا يتوقَّف عن التطوُّر ولا يعرف سكوناً ولا نهايةً، إلَّا بانتهاء الحياة على الأرض.
الرؤية الأساسيَّة:
يؤمن المسلمون بأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) سيخرج آخر الزمان، وسيُحقِّق العدل في العالم بشكل نهائي، وسيكون له دور كبير في تحقيق السلام والأمن والرخاء للبشريَّة، ويعتقدون بأنَّ المهدي سيحكم العالم بشريعة الله تعالى وقوانين الإسلام، وسيقوم بإصلاح كلِّ ما تعاني منه البشريَّة من مشاكل وأزمات، وسيُوفِّر للجميع الحياة الكريمة والسعادة والرفاهية التي يستحقُّونها ويحلمون بها، وسيكون له دور عظيم في تحقيق الهدف النهائي للخلق، وهو عبادة الله (جلَّ وعلا).
ووفق أُطروحة المدرسة الإماميَّة وعلى قاعدة الإيمان بالإمام الثاني عشر وسلسلة الأئمَّة (عليهم السلام) عموماً، فإنَّ المهدويَّة تُشكِّل ركيزة أساسيَّة في الفكر الإسلامي، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بنهاية التاريخ ومستقبل البشريَّة، أمَّا في وقتنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «اَلْعِلْمُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً، فَجَمِيعُ مَا جَاءَتْ بِهِ اَلرُّسُلُ حَرْفَانِ، فَلَمْ يَعْرِفِ اَلنَّاسُ حَتَّى اَلْيَوْمِ غَيْرَ اَلْحَرْفَيْنِ، فَإِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) أَخْرَجَ اَلْخَمْسَةَ وَاَلْعِشْرِينَ حَرْفاً فَبَثَّهَا فِي اَلنَّاسِ، وَضَمَّ إِلَيْهَا اَلْحَرْفَيْنِ حَتَّى يَبُثَّهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفاً». مختصر بصائر الدرجات (ص ١١٧).

(١٤٤)

الحالي فإنَّ غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) تُمثِّل مرحلة انتقاليَّة نحو الخلاص الأكمل، وأنَّ ظهوره في آخر الزمان سيُعلن عن انتصار الخير على الشرِّ وتحقيق المعنى الإنساني للبشريَّة.
وتتلخَّص أبرز المراحل في مسيرة وتاريخ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) باعتباره المخلِّص الإلهي المنتظَر حسب الرؤية الإسلاميَّة في النقاط التالية:
* المخلِّص الموعود: يُؤمن الشيعة الإماميَّة بأنَّ الإمام المهدي هو محمّد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)، وهو الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وُلِدَ عام (٢٥٥) هجري، وهو حيٌّ يُرزَق حتَّى الآن، وهو يعيش معنا في الحياة الدنيا وعلى كوكب الأرض.
* الغيبة الصغرى: غاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عن المجتمع فترة من الزمن استمرَّت ما يقرب من (٧٠) عاماً، ويلتقي فيها بخواصِّ الشيعة والسفراء الأربعة.
* الغيبة الكبرى: غاب الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) منذ عام (٣٢٩هـ) عن المجتمع البشري بشكل تامٍّ (غيبة عنوان).
* الوظائف: الحفاظ على جوهر الإسلام وأصالته، ويمارس الإمام (عجَّل الله فرجه) أثناء الغيبة دوره القيادي، ويتحمَّل أعباء ومسؤوليَّات الإمامة.
* علامات الظهور: حدَّدت الروايات الشريفة علامات وبشارات لتُنذِر باقتراب ظهوره الشريف.
* الظهور: سيظهر الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في آخر الزمان ليُقيم دولة العدل الإلهي وينشر الإسلام في ربوع الأرض.
* الخلاص من الظلم: تُمثِّل المهدويَّة رمزاً للخلاص من الظلم والاستبداد.
* إعادة التوازن: يُمثِّل ظهور المهدي إعادة التوازن للعدالة والسلام في العالم.

(١٤٥)

* تحقيق الغاية الإنسانيَّة: تُمثِّل المهدويَّة تجسيداً للغاية الإنسانيَّة على الأرض.
الأثر المعنوي للرؤية الإسلاميَّة المتمثِّلة في المهدويَّة على المؤمنين بها من أفراد ومجتمعات:
- الأمل: تُمثِّل فكرة الإمام الغائب مصدر أمل وقوَّة للشيعة، وتُحفِّز على التمسُّك بالقِيَم الروحيَّة.
- الدافع: تُمثِّل فكرة الإمام الغائب نموذجاً فريداً للتفكير الدِّيني، والانتظار يُجسِّد القوَّة الدافعة نحو التغيير.
- الهويَّة: للعقيدة المهدويَّة دور في تشكيل الهويَّة الدِّينيَّة والثقافيَّة للشيعة، ودور مهمٌّ في بناء مجتمع متماسك.
- التفاؤل: تُشجِّع هذه الرؤية على التفاؤل بمستقبل البشريَّة، رغم المنغِّصات والمثبِّطات.
- الصبر: تحثُّ على الصبر والمثابرة في مواجهة الظلم والقمع.
- التحرُّك: تُحفِّز على السعي لتحقيق العدالة الاجتماعيَّة ونشر القِيَم الإسلاميَّة.
- المسؤوليَّة: تُؤكِّد على مسؤوليَّة الفرد في الإصلاح والتغيير وبناء مستقبل أفضل.
النظرة الدِّينيَّة:
تُشكِّل رؤية الإسلام لنهاية التاريخ ومستقبل البشريَّة موضوعاً ذا أهمّيَّة دينيَّة وعقائديَّة كبيرة، وأنَّ المنطلق الجوهري للتاريخ حسب الأُطروحة الإسلاميَّة هو الله تعالى، فهو خالق التاريخ والحاضر وهو الذي يُحدِّد نهايته بإرادته، ويرتبط ذلك بالإيمان بوجود خطَّة إلهيَّة محدَّدة تقود البشريَّة نحو تحقيق

(١٤٦)

العدالة والسلام على الأرض مستقبلاً، واستناداً إلى النصوص القرآنيَّة والأحاديث النبويَّة وتعاليم الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، فإنَّ الخطَّة سيتمُّ تنفيذها وتطبيقها على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) آخر الزمان، باعتباره يُمثِّل امتداداً للنبوَّة وتجسيداً للولاية الإلهيَّة على الأرض، وفي ضوء المنظور القرآني ووفق تدبير الخالق سبحانه وتعالى تشير الرؤية إلى:
١ - مبدأ الاستخلاف:
إنَّ غاية الإنسان في الحياة هي تحقيق الخلافة في الأرض، ومنه أصبحت مهمَّة الإنسان واضحة، ويمكن تعريف الاستخلاف الحضاري: بأنَّه تحقيق العبوديَّة لله تعالى، والسيادة في الأرض، والانسجام مع سُنَن الله الكونيَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠).
٢ - مبدأ الوعد:
وَعَدَ الله سبحانه وتعالى عباده الصالحين بالاستخلاف والتمكين في الأرض ونصرة دينهم وتحقيق رسالة السماء بتوحيد الله تعالى وعدم الشرك به، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
٣ - مبدأ الإرث:
أكَّد سبحانه وتعالى على أنَّ الأرض سيرثها عباده الصالحون والمستضعَفون، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).

(١٤٧)

هذا التوريث الإلهي هو تنفيذ لوعد الله تعالى بأنْ يُمكِّن المؤمنين ويستخلفهم في مجتمع لا شرك فيه، وهذا المجتمع الصالح ضرورة تاريخيَّة لا بدَّ منها، فالرؤية القرآنيَّة لنهاية التاريخ ستكون للإنسان الصالح الذي يستخلف الأرض ويرثها.
الرؤية الإسلاميَّة تنفي العبثيَّة للتاريخ الإنساني العامِّ، وأنَّ له حركة وغاية وهدفاً، وهذه الحركة من المسائل التي لها بُعد عقائدي وفلسفي عميق، فالمسار التاريخي يتشكَّل بين فعل البشر الإرادي التابع لاختيارهم، وبين السُّنَن والقواعد الإلهيَّة المنبثقة من إرادة الخالق وتدبيره، وفي هاتين المسألتين لن يكون هناك جبر ولا تفويض، وفي آخر المطاف هناك وعد إلهي في (آخر الزمان) بغلبة وانتصار المؤمنين الصالحين على الظالمين الكافرين.
النظرة السياسيَّة:
رؤية نهاية التاريخ المتمثِّل بالمهدويَّة له أثر كبير على الفكر والمنهج السياسي الإسلامي حاليًّا ويشمل:
* الترابط بين الماضي والحاضر والمستقبل: تربط رؤية المهدويَّة بين الماضي (نبوَّة الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)) والحاضر (انتظار المهدي (عجَّل الله فرجه)) والمستقبل (إقامة دولة العدل الإلهي).
* الدور القيادي للمرجعيَّة الدِّينيَّة: يلعب ممثِّل الإمام المهدي (نيابة عامَّة) دوراً مهمًّا في توجيه الشؤون السياسيَّة والاجتماعيَّة واتِّخاذ القرارات في المجتمع المؤمن، ويحظى بالاحترام والطاعة.
* التطلُّع إلى الخلاص والعدالة: تُشكِّل العقيدة المهدويَّة مصدر أمل للمسلمين الذين يعانون من الظلم والقهر، وتُحفِّزهم على السعي لتغيير الواقع وتأسيس مجتمع عادل.

(١٤٨)

* التحفيز على المقاومة ضدَّ الظلم: تُلهم العقيدة المهدويَّة المسلمين للمقاومة ضدَّ الظلم والاستبداد، سواء من خلال العمل السلمي أو غيره، إيماناً منهم بأنَّ المهدي سيأتي ليُحقِّق النصر النهائي.
* الدعوة إلى الوحدة والتآخي: تُشدِّد العقيدة المهدويَّة على أهمّيَّة الوحدة والتآخي بين المسلمين، باعتبارها شرطاً أساسيًّا لتمكين الأُمَّة ونصرتها.
* الحثُّ على التفاؤل والرجاء: تُحفِّز العقيدة المهدويَّة المسلمين على العمل الجادِّ والسعي لتحقيق الأهداف الكبرى للأُمَّة، وتُلهم التفاؤل بمستقبل أفضل رغم التحدّيات والصعوبات.
الثمرة:
وبعد هذه النظرة السريعة في ما قدَّمته الأُطروحات الدِّينيَّة السماويَّة، يتَّضح لنا أنَّ فكرة الخلاص في الأساس رؤية إنسانيَّة عميقة، أشارت إليها جميع الديانات السماويَّة، وهي في جوهرها تتعلَّق بقضيَّة القلق الإنساني العميق حول الظلم والحروب والقتل والفساد، ووضع الحقوق الإنسانيَّة المريع، والبحث عن الخلاص والإنقاذ من الأوضاع السيِّئة للبشريَّة.
وجوهر القول والحقيقة: إنَّ البشريَّة لن يتحقَّق مستقبلها المشرق والعيش الرغيد والحياة الأفضل من غير مشاركة السماء (الخالق)، فلو ترك الناس يتصرَّفون بمفردهم لاندفعوا لمصالحهم الخاصَّة وتوجَّهوا للفتنة والظلم، وبكلِّ تأكيد أنَّ البشريَّة لا يمكن أنْ تتكامل بعيداً عن السماء.

* * *

(١٤٩)

أثر الإيمان بالمهدويَّة في رؤية نهاية التاريخ

من الطبيعي أنْ يُؤثِّر الاعتقاد بالمهدويَّة (المخلِّص) على نظرة الشخص للمستقبل ونهاية التاريخ، فمن الثابت أنَّ ظهور المهدي سيكون مصحوباً بتحقيق العدل الكامل والسلام الدائم في العالم، ولذا فإنَّ الشخص الذي يؤمن بالمهدويَّة ينظر إلى الحياة والمستقبل الذي ينتظر البشريَّة بتفاؤل وأمل بظهور المنقذ الموعود وإقامة دولة العدل الإلهي على يديه.
ومن جهة أُخرى معاكسة، فإنَّ الشخص أو المجتمعات التي لا تؤمن بالمهدويَّة تنظر إلى نهاية التاريخ البشري من منظور مختلف وفي الغالب متشائم وسوداوي، فمثلاً: قد يُعتقَد أنَّ العالم يتطوَّر تطوُّراً طبيعيًّا بدون تدخُّلات سماويَّة أو رعاية خاصَّة، حيث يرى النهاية كنتيجة للتغيُّرات الاجتماعيَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة التي تحدث على مرِّ الزمن، وبصفة عامَّة فإنَّ الاعتقادات الدِّينيَّة والفلسفيَّة تُؤثِّر في نظرة الأفراد والمجتمعات للمستقبل، وبالخصوص عقيدة (المخلِّص/المهدي).
النواحي الإيجابيَّة للإيمان بالمهدويَّة:
إنَّ الإيمان بالمهدويَّة يُبشِّر الإنسانيَّة بالعديد من الآثار الإيجابيَّة وعلى أكثر من ناحية واتِّجاه، من قبيل:
* تحقيق العدالة والمساواة: تُبشِّر بتطبيق قانون العدل الإلهي بين جميع

(١٥٠)

الناس، فالمهدي سيُقيم دولة العدل التي تسود فيها المساواة لجميع البشر، بغضِّ النظر عن دينهم أو عرقهم أو جنسهم. حاليًّا يُحفِّز هذا الإيمانُ على خلق بيئة إيجابيَّة، والعمل من أجل تحقيق هذه الغاية.
* القضاء على الفقر والجوع: تُبشِّر بعالمٍ خالٍ من العُسْرَة والمجاعة، فالمهدي سيُوزِّع الثروات على جميع الناس بشكل عادل، ولن يبقى فقير أو جائع على وجه الأرض. حاليًّا يُكرِّس هذا الإيمانُ العملَ على تطبيق العدالة الاجتماعيَّة والتعاون والترابط بين أفراد المجتمع ومساعدة الضعفاء.
* تحقيق الأمن والاستقرار: تُبشِّر بعالمٍ خالٍ من الحروب والصراعات السياسيَّة والعسكريَّة، فالمهدي سيُحقِّق الأمن والاستقرار في جميع أنحاء العالم. حاليًّا يُعزِّز هذا الإيمانُ الشعورَ بالإنسانيَّة الواحدة، وتحقيق السلام العالمي، وحماية البشريَّة من المخاطر والكوارث والحروب.
* نشر السلام والوئام: تُبشِّر بعالم يسود فيه المحبَّة والسلام بين جميع الناس، فالمهدي سيُنشر ثقافة التسامح والاحترام بين الجميع، ولن يكون هناك مكان للكراهية أو العنف. حاليًّا يُثبِت هذا الإيمانُ الشعورَ بالأمان والطمأنينة.
* ازدهار العلم والمعرفة: تُبشِّر بعالم يزدهر فيه العلم والمعرفة، فالمهدي سيُشجِّع على العلم والتعلُّم، وسيُوفِّر للناس جميع الوسائل التي تساعدهم على التطوُّر والارتقاء. حاليًّا يُشكِّل هذا الإيمانُ مصدراً للإلهام والتحفيز لطلب العلم والعمل على تحسين النفس والمجتمع.
* تحقيق السعادة والرفاهية: تُبشِّر بعالم يسود فيه السعادة والرخاء للجميع، فالمهدي سيُوفِّر لكافَّة الناس جميع احتياجاتهم المادّيَّة والمعنويَّة، وسيُحقِّق لهم حياة كريمة. حاليًّا يُمثِّل هذا الإيمانُ رمزاً للأمل والتفاؤل بمستقبل أفضل للبشريَّة.

(١٥١)

* عودة الدِّين والقِيَم إلى المجتمع: تُبشِّر بعودة الدِّين والأخلاق إلى المجتمعات، فالمهدي سيُعيد إحياء التوحيد والصلاح في نفوس الناس، وسيُنشئ مجتمعاً فاضلاً يسود فيه الخير والفضيلة. حاليًّا يُرسِّخ هذا الإيمان السعيَ لتحقيق القِيَم الإنسانيَّة العُليا، وتوجيه سلوكيَّات الأفراد.
* إصلاح الفساد في الأرض: تُبشِّر بانتهاء الظلم وإصلاح الفساد في الأرض، فالمهدي سيقضي على الانحراف والخلل بكلِّ أشكاله، وسيُنشئ مجتمعاً عادلاً ونظيفاً. حاليًّا يُقوِّي هذا الإيمانُ الشعورَ بأنَّ الظلم والفساد لن يستمرَّ إلى الأبد، وأنَّ هناك نهاية سعيدة تنتظر البشريَّة.
* تحقيق الوحدة بين الأديان: تُبشِّر بتحقيق الوحدة الدِّينيَّة بين الجميع، فالمهدي سيفرض التعامل الحسن مع أتباع الديانات المختلفة، وسينهي الصراعات الدِّينيَّة والمذهبيَّة. حاليًّا يُساهم هذا الإيمانُ في نشر ثقافة التسامح والاحترام وقبول الآخر بين أتباع مختلف الأديان والطوائف.
يُشكِّل التطلُّع إلى مستقبل سعيد ونهاية تاريخ مشرقة حلماً يراود جميع شعوب العالم، إذ تُعَدُّ هذه الرؤية الإيجابيَّة بمثابة إطار فكري يساعد على فهم الحياة والعالم بشكل أفضل، وتُعَدُّ بمثابة طاقة بنَّاءة تُحرِّك الأفراد والمجتمعات نحو التطوُّر والرقيِّ، وبمثابة بذور طيِّبة تُزرَع في عقول الأفراد، وتثمر مشاعر صالحة وسلوكيَّات فاعلة، ممَّا يُؤثِّر بشكل مباشر على تطوُّر المجتمع وازدهاره.
النواحي السلبيَّة لعدم الإيمان بالمهدويَّة:
بالتأكيد عدم الإيمان بالمهدويَّة أو رفض فكرة المخلِّص الموعود يُؤثِّر بشكل كبير جدًّا على النظرة لخاتمة مسار البشريَّة ومعنى التاريخ وهدفه، وانطلاقاً من المباني والأهداف الأساسيَّة للنظريَّات والفرضيَّات الغربيَّة لنهاية التاريخ، يمكننا تلمُّس بعض النقاط التالية:

(١٥٢)

* يفقد التاريخ معناه الروحي: تُعطي المهدويَّة التاريخ معنًى روحيًّا واجتماعيًّا، عبر تحقيق الخير والعدل في نهايته، وعند عدم الإيمان بها تصبح نهاية التاريخ عشوائيَّة وبلا هدف.
* فقدان الدافع للتقدُّم: في زمن المهدويَّة تُحرِز البشريَّة تقدُّماً هائلاً في جميع المجالات، ممَّا يكون دافعاً قويًّا للرقيِّ بالمجتمع نحو الأفضل، وعندما يختفي هذا الدافع يصبح المجتمع راكداً، ويواجه صعوبة في التطوُّر والنموِّ.
* تفقد الحياة معناها: المهدويَّة أمل المستقبل، ولكن عندما يختفي هذا الأمل يسيطر علينا شعور بأنَّ الحياة لا هدف لها، وأنَّ وجودنا لا معنى له، وأنَّ المستقبل أسوأ من الحاضر.
* يصبح التاريخ دورة متكرِّرة: بدون هدف واضح أو نهاية سعيدة يصبح التاريخ دورة من الشقاء والخير أو الظلم والعدل، وهكذا يتكرَّر المسار دون أيِّ أمل أو تفاؤل أو إيجابيَّة.
* التقبُّل السلبي للظلم: تُمثِّل المهدويَّة آمال الناس في العدالة الإلهيَّة ونهاية التعسُّف والجور، وعدم الإيمان بها يُؤدِّي لتقبُّل الظلم كأمر واقع والرضوخ له، والتعايش معه كجزء من الحياة من دون مقاومة أو اعتراض.
* تفقد القِيَم الأخلاقيَّة روحها ومعناها: تُعزِّز المهدويَّة نموذجاً للخير والعدل والرحمة التي ترشد المجتمعات للتمسُّك بها، وعندما يفقد هذا الدور والقدوة تصبح الأخلاق غير واضحة المعالم، ويقلُّ التركيز عليها.
* فقدان الهدف الأُخروي: عدم الإيمان بالمهدويَّة يُؤدِّي إلى تجاهل إرادة السماء ومشروعها آخر الزمان، والتغافل عن القضايا الروحيَّة والمعنويَّة، فيكون التركيز على الأُمور المادّيَّة والحياة الدنيويَّة، ويصاحبه الشعور بالفراغ والضياع.

* * *

(١٥٣)

لماذا يتجاهل الغرب المهدويَّة كرؤية لنهاية التاريخ؟

منذ انطلاقة الإسلام والأعداء يتَّبعون استراتيجيَّة لتجاهل أو تشويه العقائد الإسلاميَّة، وحظيت العقيدة المهدويَّة بالخصوص بأكبر قدر من المحاربة والتشويه، وعلى ضوء التحوُّلات والتقلُّبات السياسيَّة الكبرى في العالم في العقود الأخيرة، وقع الغرب تحت تأثير عقائد ونبوءات آخر الزمان، واحتلَّت هذه المعتقَدات مكاناً بارزاً في السنوات الأخيرة في فضاء الثقافة الغربيَّة والرأي العامِّ الغربي.
ليس من شكٍّ في أنَّ مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة والفكريَّة الغربيَّة، غايتها عرقلة مقدَّمات إقامة دولة العدل الإلهي، ومناهضة الخلاص الدِّيني آخر الزمان، ولذا فإنَّ جميع خُطَطها الاستراتيجيَّة تستهدف بناء منظومة فكريَّة تتجاهل الرؤى السماويَّة (فكرة المخلِّص والخلاص) بشكل عامٍّ والأُطروحة الإسلاميَّة (المهدويَّة) بشكل خاصٍّ، خشيةً من تأثيرها على الشعوب الغربيَّة، وكلُّ هذا التوجُّس في الغرب من المهدويَّة لما تتَّصف به من مزايا وخصائص، وما تحمله من مبادئ وقِيَم وأهداف عُليا، ما يُؤهِّلها للنهوض بالإنسانيَّة لتصل لمرحلة الكمال والرشد، وممَّا يجعلها سريعة الانتشار والقبول لمن يعرفها ويطَّلع على حقيقتها، ولذا فقد صدرت تقارير عدَّة استخباراتيَّة غربيَّة تُحذِّر من عواقب انتشار المعارف والحقائق عن المهدويَّة الأصليَّة (أُطروحة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام))، لهدف حماية واحتواء الشعوب الغربيَّة من التأثُّر بها، ومن أنْ

(١٥٤)

تتعرَّف على المهدويَّة بكلِّ أبعادها وحقائقها، أو أنْ يُدرك المواطن الغربي أنَّ الخلاص الإنساني الأمثل والأكمل، والذي يتلاءم مع وجدان الفطرة ويتوافق مع برهان العقل ويتعاضد مع الإرشاد السماوي ينطبق عليها فقط، فلا مفرَّ حينها من التصديق بها وتأييدها، وستكون آنذاك في نظر هذه الشعوب الملبّية لطموحات البشريَّة والمحقِّقة لآمال وأُمنيات الإنسانيَّة، ومن أجل القضاء مسبقاً على احترام وتقدير الإنسان الغربي لها، وأنْ لا تصبح أيديولوجيَّة إنسانية جذَّابة ولاسيَّما بين المثقَّفين والنُّخَب الفكريَّة في الغرب إذا توضَّحت أهدافها الكبرى، وهذا في جوهره أحد أهمّ الأسباب لتجاهل وتهميش الغرب للمهدويَّة في الرؤى الفكريَّة والفلسفيَّة حول نهاية التاريخ.
ولذا تتآزر السياسات الاستراتيجيَّة الغربيَّة وعلى كلِّ الأصعدة (السياسيَّة والفكريَّة والإعلاميَّة و...) لمناهضة المهدويَّة، لعلَّ الإجراءات التي اتَّخذتها مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة تكون سدًّا أمام انتشار مبادئ وقِيَم المهدويَّة في فضاء الثقافة الغربيَّة، وباختصار نكتفي بإبراز بعض العوامل التي تكون وراء تجاهل الغرب للأُطروحة الإسلاميَّة كرؤية لنهاية التاريخ:
* قلَّة المعرفة والاهتمام: اختلاف الإطار الدِّيني والثقافي، حيث إنَّ الغرب ينتمي بشكل رئيسي إلى التقاليد المسيحيَّة والعلمانيَّة، بينما الأُطروحة المهدويَّة جزء من العقيدة الإسلاميَّة، وبهذا لا تكون الشعوب الغربيَّة على دراية وافية بتفاصيل وجوهر المهدويَّة، خاصَّةً وأنَّهم لا يشعرون بأثر مباشر لها على حياتهم، وهذا يُشكِّل عائقاً أمام فهمها وإدراك حقيقتها.
* الحفاظ على الهيمنة: تجاهل الأُطروحة المهدويَّة يحافظ على هيمنة التفسيرات الغربيَّة للتاريخ والمجتمع والمستقبل، وهكذا يميل الغرب إلى التركيز على النماذج الخاصَّة به لنهاية التاريخ البشري، مثل: مستقبل الحضارات أو

(١٥٥)

سيناريوهات ما بعد نهاية العالم، ممَّا يجعله ينظر إلى المهدويَّة على أنَّها أُطروحة منافسة غير مرغوب فيها أو بديل غريب عن هذه النماذج.
* التشكيك بالأُسُس: إعطاء اهتمام للمهدويَّة قد يُثير تساؤلات حول أُسُس الهيمنة الغربيَّة والتفسيرات العلمانيَّة للتاريخ، ولذا لا يُعير الغربيُّون اهتماماً كبيراً لفكرة المهدويَّة، لأنَّه ينظر إليها على أنَّها مفهوم غير عملي أو حَدَث بعيد المنال، ويُفضِّلون التركيز على حلِّ المشكلات الحاليَّة مثل: تغيُّر المناخ والفقر والحرب، بدلاً عن التفكير في التفسيرات والأُطروحات الدِّينيَّة.
* دوافع التهميش والمناهضة: تجاهل المهدويَّة كرؤية نابع في الأساس من دوافع سياسيَّة وأيديولوجيَّة أكثر من مجرَّد اختلافات دينيَّة أو ثقافيَّة، حيث ينظر إلى الأُطروحة المهدويَّة من قِبَل المؤسَّسات السياسيَّة الغربيَّة على أنَّها تُمثِّل تهديداً لقِيَمهم وثقافتهم ومصالحهم، وأنَّ جميع المشاعر السلبيَّة تجاه المهدويَّة ما هي إلَّا صدى في أبعادها النفسيَّة والفكريَّة لأزمة الخوف منها مستقبلاً.
* التركيز على الجوانب العلمانيَّة: يُوطِّد الغرب رؤيته دائماً على الجوانب العلميَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة للتاريخ بدلاً عن الجوانب الدِّينيَّة أو الميتافيزيقيَّة (والمهدويَّة من العقائد الدِّينيَّة)، وبما أنَّ الثقافة الغربيَّة تُؤكِّد على العلمانيَّة وفصل الدِّين عن الحياة العامَّة، لذا تُفضِّل النُّخَب الغربيَّة التركيز على حلول علميَّة للمشكلات العالميَّة بدلاً عن طرح رؤى ذات صبغة دينيَّة.
* تأثير الإعلام: الكثير من وسائل الإعلام الغربيَّة تعرض الإسلام بشكل سلبي، وتُركِّز على الصراعات في العالم الإسلامي، وإبراز الحركات الإرهابيَّة (كالقاعدة وداعش)، وتُصوِّر شخصيَّة الإمام المهدي كزعيم إسلامي مستقبلي، وتربطه بالأفعال الوحشيَّة لتلك الحركات، وتُنشِر الأفكار الخاطئة حوله، ممَّا يُؤثِّر على نظرة الشعوب الغربيَّة وتكوين صورة سلبيَّة عنه.

(١٥٦)

* التعصُّب الدِّيني: كثرت الكتابات في السنوات الأخيرة في الأوساط الثقافيَّة والدِّينيَّة الغربيَّة حول (نبوءات نهاية الزمان في الكتاب المقدَّس)، وكان التركيز على فكرة أنَّ الدجَّال المنبوذ في كلِّ الأديان السماويَّة أو الوحش أو التنِّين في التراث الدِّيني لليهود والنصارى يتشابه تماماً مع المهدي الإسلامي، وأنَّ ما ينتظر المسلمون خروجه آخر الزمان هو في الحقيقة المسيح الدجَّال الذي ينتظره المسيحيُّون.

* * *

(١٥٧)

أثر عدم الإيمان بالمخلِّص (المهدي) على المجتمعات الغربيَّة

بما تقدَّم يتبيَّن أنَّ الإيمان بالمخلص يُقدِّم غالباً شعوراً بالأمل والخلاص من خلال وعدٍ بمستقبلٍ أفضل، وفي المقابل يُؤدِّي عدم الإيمان بفكرة أو عقيدة المخلِّص أو الخلاص آخر الزمان إلى تأثير سلبي عميق على الشعوب والمجتمعات وبالخصوص العلمانيَّة منها (المجتمعات الغربيَّة بشكل عامٍّ)، وممَّا يزيد الأمر سوءاً كثرة النظريَّات والفرضيَّات الفلسفيَّة المتشائمة حول نهاية التاريخ في الغرب.
إنَّ جهل الشعوب الغربيَّة بمستقبلها أو المصير الذي يرتقبها، يُشكِّل أهمّ موارد القلق والخوف لديها، فهي لا تعرف: هل ينتظرها السعادة والرخاء، أم ينتظرها الشقاء والمأساة؟ ممَّا يُؤثِّر بقوَّة على نفسيَّات وسلوكيَّات أفراد هذه المجتمعات، ولذا يمكن ملاحظة هذا التأثير في النقاط التالية:
١ - فقدان الشعور بالأمل: يُقدِّم الإيمان بالمخلِّص وعداً بنهاية سعيدة لكلِّ المصاعب والمحن، بينما عدم الإيمان بالمخلِّص والخلاص يُؤدِّي إلى شعور باليأس واللَّامبالاة، ممَّا يُؤدِّي لظهور أفكار مثل (لا يوجد معنى للحياة) أو (نحن في نهاية التاريخ) أو (ماذا ننتظر)، فيصحب ذلك شعور بالإحباط والضياع، ويصبح الأفراد أقلّ اهتماماً بالمشاركة في المجتمع أو العمل على تحسين حياتهم.

(١٥٨)

٢ - غياب العدالة الدوليَّة: يُقدِّم الإيمان بالمخلِّص وعداً بالعدالة والمساواة، بينما عدم الإيمان بالمخلِّص يُؤدِّي لتوجُّه الدول إلى التركيز على القوَّة والنفوذ، ممَّا يُؤدِّي لنشوب الحروب والصراعات وسيطرة الدول القويَّة على الدول الضعيفة من خلال القوَّة (عسكريَّة أو سياسيَّة أو اقتصاديَّة)، واحتلال دولة لأراضي دولة أُخرى، فتُنتهَك حقوق الإنسان وتُنهَب ثروات الدول المحتلَّة، ممَّا يعيق تحقيق السلام والاستقرار في العالم.
٣ - تراجع القِيَم والمبادئ: يساهم الإيمان بالمخلِّص في تعزيز القِيَم الأخلاقيَّة من خلال ربط السلوكيَّات بمسؤوليَّة أخلاقيَّة تهدف إلى نيل رضاه، بينما عدم الإيمان يُؤدِّي إلى تفكُّك في القِيَم الأخلاقيَّة وانعدام الشعور بالمسؤوليَّة، والإحساس بالفراغ والعبثيَّة نفسيًّا، خاصَّةً إذا اعتقد الناس أنَّ نهاية التاريخ سوداء، فيصبحون أقلّ اهتماماً بالتمسُّك بالمبادئ والقِيَم، ويعتقدون أنَّ كلَّ شيء بات مسموحاً به، طالما أنَّهم يستمتعون ويتلذَّذون قبل النهاية المظلمة.
٤ - تفاقم الأزمات الاجتماعيَّة: يُشكِّل الإيمان بالمخلِّص مصدراً للتضامن والتعاون بين أفراد المجتمع، بينما عدم الإيمان يُؤدِّي إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعيَّة والتركيز على الفرديَّة والأنانيَّة، وتُؤدِّي أفكار مثل (لا شيء مهمّ) إلى تفاقم عدم المساواة الاجتماعيَّة، فيصبح الأغنياء أكثر تركيزاً على حماية ثروتهم، بينما يصبح الفقراء أكثر استسلاماً لظروفهم التعيسة، ممَّا يُسبِّب أو يُؤدِّي إلى ضعف الروابط الاجتماعيَّة.
٥ - ازدياد الشعور بالقلق والتوتُّر: يمنح الإيمان بالمخلِّص شعوراً بالأمان والراحة من خلال وعد بحلِّ لمشاكل العالم المستعصية، بينما عدم الإيمان يُؤدِّي إلى شعور بالقلق والتوتُّر من مستقبلٍ غير واضح أو محدَّد، ممَّا تُؤدِّي مشاعر اليأس والقلق إلى زيادة العنف والنزاعات، فيصبح الناس أكثر استعداداً للقتال

(١٥٩)

من أجل ما يعتقدون أنَّه ملكهم، أو يلجؤون إلى العنف كطريقة للتعبير عن غضبهم.
٦ - تغيير في النظرة للعالم: يُوجِد الإيمان بالمخلِّص اهتماماً متزايداً بالعالم ككيان مترابط وأُسرة واحدة، بينما عدم الإيمان يُؤدِّي إلى أنْ يكون الفرد أكثر سلبيَّةً في نظرته للعالم، ممَّا يُؤدِّي إلى زيادة التركيز على الفرديَّة والمادّيَّة على حساب الاهتمام بالمجتمع ككلٍّ، فتقلُّ أهمّيَّة القِيَم الإنسانيَّة مثل الحُبِّ والرحمة، وتزداد مشاعر الكره والعداء تجاه الشعوب الأُخرى، خاصَّةً إذا صاحبها نظرة استعلاء على الآخرين.
٧ - تراجع الابتكار والإبداع: يخلق الإيمان بالمخلِّص الدافع لبناء حياة وعِيْشَة أمْثَل للوصول للمدينة الفاضلة، بينما عدم الإيمان يُؤدِّي إلى شعور بأنْ لا شيء جديداً يمكن تحقيقه وليس هناك دافع للتقدُّم والتطوير، ممَّا يُؤدِّي إلى أنْ يصبح الناس أقلّ اهتماماً بالاختراع والاكتشاف، ويصبحون أكثر تركيزاً على الاستمتاع بالحاضر، بدلاً عن العمل على بناء مستقبل أرقى.
انتشار نبوءات يوم القيامة:
لا شكَّ أنَّ ثَمَّة سلوكيَّات وتصرُّفات ظهرت في المجتمعات الغربيَّة نتجت من التشاؤم التي تركتها نظريَّات وفرضيَّات نهاية التاريخ، وكذلك عدم الإيمان بغاية محدَّدة للتاريخ أو بالمخلِّص والخلاص آخر الزمان ممَّا أدَّى إلى شعور الأفراد بالفراغ الروحي واللَّامعنى للحياة، فساعد ذلك على نشر الجهل والخرافات بنبوءات يوم القيامة، فكانوا يتوقَّعون البلاء والشرَّ ولا يجدون ما يُعلِّقون عليه آمالهم، فالتصرُّفات المنبثقة عن النبوءات الأخيرة أو الكوارث الشاملة ليست جديدة في الغرب، بل هي اجترار لأفكار فلسفيَّة قديمة وحديثة

(١٦٠)

متجذِّرة في عقول ومعتقَدات بعض فئات المجتمعات الغربيَّة، ومتجسِّدة بفكرة الفناء والنهاية المحتومة.
من المهمِّ التأكيد على أنَّ هذه التأثيرات السلبيَّة لعدم الاعتقاد بالمخلِّص والخلاص آخر الزمان ليست حتميَّة أو مطلقة(٧٨)، وأنَّها تعتمد على العديد من العوامل، مثل: السياق الثقافي والدِّيني للمجتمع، وطبيعة المعتقَدات حول المخلِّص، ودوافع الأفراد وأفكارهم حول المستقبل، وغيرها كثير.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) من المهمِّ إجراء المزيد من البحوث والدراسات لفهم تأثير عدم الإيمان بالمخلِّص (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) آخر الزمان على المجتمعات الغربيَّة، والتوسُّع في الدراسات من زوايا أُخرى اجتماعيَّة وسياسيَّة، وكذلك أثرها على نفسيَّات الشعوب.

(١٦١)

الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) يُمثِّل أملاً مشتركاً للبشريَّة كافَّة

بالتأكيد أنَّ الإيمان بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يُعَدُّ أملاً للبشريَّة جمعاء، وثَمَّة بشارات ودلالات عديدة في الفضاء الدِّيني السماوي والنبوءات في الكُتُب المقدَّسة تشير إلى ظهور شخصيَّة منقذة للعالم في آخر الزمان، وفي التراث الإنساني توجد أيضاً إشارات وتوقُّعات لظهور قائد يتحقَّق التغيير والتحرُّر في العالم على يديه، وفي هذا السياق يُعتبَر الإيمان بالمهدي فرصة للتغيير الإيجابي، ويُمثِّل الأمل لحلِّ المشاكل العالميَّة، وإحداث تحوُّل جوهري على مستوى البشريَّة، ويمكن حصر بعض نقاط الأمل المشتركة للإنسانيَّة في الآتي:
١ - القِيَم الإنسانيَّة المشتركة:
* يُجسِّد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) قِيَماً إيجابيَّة مثل: السلام، والعدالة، والحرّيَّة، والمساواة، والكرامة الإنسانيَّة.
* يُمثِّل الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) رمزاً لعالم إنساني يخلو من الظلم والفساد والصراعات والمنغَّصات.
* يُوحِّد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) البشريَّة كافَّة حول هدف مشترك وهو تحقيق السلام والعدالة للجميع.
* يُؤكِّد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) أهمّيَّة القِيَم الأخلاقيَّة مثل: الصدق، والأمانة، والعدل، والإحسان، والتسامح.

(١٦٢)

* يمنح الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) إنشاء قادة مُلهمين يُشجِّعون الناس على العمل معاً لتحقيق غايات إنسانيَّة عليا.
٢ - الأمل في المستقبل:
* يُقدِّم الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) أملاً في مستقبل أفضل للأجيال القادمة، وبناء عالم يسوده السلام والعدالة.
* يُركِّز الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على الشعور بالسعادة والتفاؤل، ويُخفِّف من مشاعر القلق والخوف.
* يدعم الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) السعي لتحقيق التقدُّم في جميع المجالات، مثل العلم والطبِّ والتكنولوجيا.
* يُؤكِّد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على مسؤوليَّة الفرد في الإصلاح والتغيير وتحقيق العدالة الاجتماعيَّة لجميع البشر.
* يُعزِّز الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) الاعتقاد بالخالق سبحانه وتعالى، وبقدرته على تغيير الواقع السيِّئ.
٣ - التغلُّب على التحدّيات:
* يساهم الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) في التغلُّب على التحدّيات العالميَّة مثل: الفقر والحرب والظلم والمرض والجوع.
* يُساعد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على إيجاد حلول فعَّالة للمشكلات المعقَّدة التي تواجهها البشريَّة كالبيئة والمناخ.
* يُعطي الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) البشريَّة دافعاً لتجاوز المخاطر والصعوبات التي تواجهها، والتطلُّع نحو غدٍ أفضل.
* يحثُّ الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على الصبر والمثابرة في مواجهة الظلم والقمع، وخلق نظام عالمي أكثر عدالة.

(١٦٣)

* يُعزِّز الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على السلام والتفاوض، وحلِّ النزاعات الدوليَّة سلميًّا، ونشر ثقافة التسامح.
٤ - احترام الأديان السماويَّة:
* يُشكِّل الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) نقطة مشتركة بين الإسلام والأديان السماويَّة كالمسيحيَّة واليهوديَّة.
* يُحفِّز الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) الحوار بين الأديان المختلفة، ونشر ثقافة التعارف والاحترام والتسامح.
* يُشجِّع الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على التعاون بين أتباع الأديان المختلفة، ومشاركة المعرفة والخبرات.
* يُساعِد الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) على احترام معتقَدات الآخرين حتَّى لو لم نتَّفق معها، ومحاربة التعصُّب والتطرُّف.
* يُلهم الإيمان بالمهدي (عجَّل الله فرجه) البشريَّة إيجاد المعنى والهدف في حياتها، ويُعطيها شعوراً بالانتماء إلى شيء أكبر من نفسها.
تغازل فكرة مستقبل البشريَّة السعيد أو نهاية التاريخ الإيجابي شوقنا وحنيننا إلى العدالة السماويَّة والوحدة الإنسانيَّة، ولكن عندما نتفحَّص بتمعُّن وعمق جميع الفرضيَّات والنظريَّات الفلسفيَّة الغربيَّة عن نهاية التاريخ، أو مفهوم أتباع الأديان السماويَّة عن الخلاص ومستقبل البشريَّة، نجد أنَّ الرؤية الإسلاميَّة (المهدويَّة) أكثر الأُطروحات قرباً من العدالة والقِيَم الإنسانيَّة، فمعها يقوى الأمل لتحقُّق الأُمنية الكبرى للبشريَّة (المدينة الفاضلة)، والتي تنظر لجميع أفراد البشريَّة بمختلف الأعراق والأجناس والأديان على شكل سواء (كأسنان المشط)، وكلُّهم متساوون أمام قانون دولة العدل الإلهي.

(١٦٤)

أمَّا عن كشف غطاء المستقبل الزاهر والدولة المهدويَّة الفاضلة، يتحتَّمُ على البشريَّة اليوم أنْ تصغي لنواميس الحكمة، ليس بنحو أعمى بل بروح العقل والرشاد، وأنْ تكون مستعدَّة لتقبُّل المساواة التامَّة والعدالة المقدَّسة بين جميع شعوب العالم، لقد واصل بعض الناس عيشه طوال القرن العشرين الذي يُعَدُّ أكثر قرون البشريَّة دمويَّة، ولكن إذا أردنا أنْ نجعل تلك الدماء والآلام مجرَّد آلام مخاض ولادة عصر جديد(٧٩)، لا آلام سكرات موت البشريَّة، فعلينا أنْ نصغي بكلِّ صدق إلى الفطرة الصافية والعقل السليم والإرشاد السماوي، الذي يقود الإنسانية ويُوجِّهها نحو الخلاص الحقيقي والعدل الإلهي والمستقبل المشرق، وحينها يكون لتاريخنا مغزى ولحياتنا هدف ومعنى.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) العصر الجديد نقصد به دولة العدل الإلهي آخر الزمان على يد الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وقد جادت قريحة الفلاسفة وتأمُّلاتهم حول هذه الدولة بثيمات عديدة، أشهرها على الإطلاق: (جمهوريَّة أفلاطون) و(المدينة الفاضلة - للفارابي) و(مدينة الله - للقديس أُوغسطين) و(المدينة الخياليَّة - لتوماس مور) و(مدينة الشمس - لدومنيك كامبانيلا) و(أطلنطا الجديدة - لفرنسيس بيكون) وغيرهم كثير.

(١٦٥)

الفصل الثالث: المهدويَّة في مرآة الاستشراق (قراءة تحليليَّة بين الكلاسيكيَّة والحداثة(٨٠))

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) نُشِرَ هذا البحث في مجلَّة دراسات استشراقيَّة الفصليَّة، العدد (٤٢)، لفصل الربيع (٢٠٢٥م/١٤٤٦هـ)، الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة، التابع للعتبة العبَّاسيَّة المقدَّسة - العراق.

(١٦٧)

تُعَدُّ العقيدة المهدويَّة نافذه ثريَّة لفهم تطوُّر النظرة الاستشراقيَّة للعالم الإسلامي، وقد شكَّلت محوراً جدليًّا متشابكاً بين مكتبة الكلاسيكيَّة وأروقة الحداثة، ولا شكَّ أنَّ المهدويَّة لم تكن بمنأى عن أعين المستشرقين، الذين سعوا إلى دراستها واستكشاف أبعادها من زوايا متعدِّدة، مستندين إلى منطلقات فكريَّة متباينة عكست، في كثير من الأحيان، رؤى مشحونة بالخلفيَّات الثقافيَّة والسياسيَّة. وهو ما يدفعنا في هذا البحث للغوص في أعماق النظرة الاستشراقيَّة تجاه المهدويَّة، ورسم صورة تحليليَّة مقارنة بين المستشرقين الكلاسيكيِّين والمستشرقين الجُدَد في هذه العقيدة المحوريَّة. فمن جهة، انصبَّ اهتمام الاستشراق الكلاسيكي على دراسة المهدويَّة بوصفها عقيدة دينيَّة وتاريخيَّة، ومن جهة أُخرى، جاء الاستشراق الحديث ليُعيد رسم ملامح المهدويَّة في سياق سياسي واستراتيجي معاصر، رابطاً إيَّاها بالتحوُّلات الجيوسياسيَّة الكبرى في المنطقة، ومتعاملاً معها كظاهرة تتجاوز البُعد الدِّيني، لتصبح أداةً حيويَّةً في فهم ديناميكيَّات الصراع والتحوُّلات السياسيَّة والاجتماعيَّة.
يطرح هذا البحث سؤالاً جوهريًّا يدور في صميم هذه المقارنة: كيف تغيَّرت نظرة الغرب إلى العقيدة المهدويَّة بين الماضي والحاضر؟ وما هي الدوافع والأهداف التي حثَّت المستشرقين الجُدُد إلى إعادة صياغة رؤيتهم لهذه العقيدة؟ وهل يرتبط هذا التغيُّر بتحوُّلات سياسيَّة كبرى شهدتها المنطقة الإسلاميَّة؟ وكيف انعكست هذه النظرة المتجدِّدة على فهم الغرب للتحوُّلات الثوريَّة والسياسيَّة في المجتمعات الإسلاميَّة؟

(١٦٩)

في إطار الإجابة على هذه التساؤلات، سيستعرض البحث أبرز الآراء والتحليلات التي صاغها المستشرقون حول المهدويَّة، متتبِّعاً تطوُّر هذه الرؤى من القراءة الكلاسيكيَّة التي ركزت على المهدويَّة كجزء من التراث العقدي الإسلامي، إلى القراءة الحديثة التي أوْلَتها بُعداً استراتيجيًّا وسياسيًّا يُظهرها كفاعل مؤثِّر في تشكيل الهويَّات الجماعيَّة وتوجيه الأحداث. كما سيتناول البحث تقويماً نقديًّا لفهم الغرب المعاصر للعقيدة المهدويَّة، مُبرزاً ما إذا كان هذا الفهم قد نجح في استيعاب العمق الحقيقي لهذه العقيدة؟ أم أنَّه ظلَّ محصوراً في إطار التحيُّزات الفكريَّة والأجندات السياسيَّة الخاصَّة؟
لا يهدف هذا البحث إلى استجلاء كيفيَّة نظر الغرب إلى المهدويَّة عبر الحُقَب المختلفة فحسب، بل يسعى - من خلال هذه القراءة والتحليل - إلى إضاءة زوايا جديدة في فهم العلاقة بين العقيدة المهدويَّة والدراسات الاستشراقيَّة. إنَّ هذه العلاقة تُعَدُّ جزءاً من المشهد الأوسع لتصوُّر المهدويَّة في عيون الغرب، بكلِّ ما تحمله من تعقيدات وتناقضات، وتُشكِّل بذلك جدليَّة فكريَّة تستحقُّ التوقُّف والتأمُّل.

* * *

(١٧٠)

المهدويَّة ومراحل الاستشراق التاريـخيَّة

كان الاستشراق الكلاسيكي أداةً لتعزيز الهيمنة الاستعماريَّة وتقديم صورة مشوَّهة عن الثقافات الشرقيَّة والعقائد الإسلاميَّة، بينما سعى الاستشراق الحديث إلى تجاوز هذا الإرث. فبدلاً من النظر إلى الشرق كـ (آخر) غريب، انطلق إلى فهم أعمق للعالم الشرقي والإسلامي، مستخدماً منهجيَّات أكثر انفتاحاً وتنوُّعاً. ورغم هذا التطوُّر، لا يزال الاستشراق موضوعاً مثيراً للجدل، إذ يواجه تحدّيات في تجاوز ميراثه الاستعماري أو خدمة الأجندات الخاصَّة للهيمنة الغربيَّة. فمنذ نشأته كأداة لتبرير الهيمنة الاستعماريَّة، مرَّ الاستشراق بمراحل متعدِّدة(٨١)، كلٌّ منها تحمل بصمات العصر الذي نشأت فيه، وهي مراحل يمكن اختصارها في مرحلتين رئيسيَّتين: الاستشراق الكلاسيكي والاستشراق الحديث.
ازدهر الاستشراق الكلاسيكي في القرنين الثامن والتاسع عشر، وكان مرتبطًا بشكل وثيق بالمشروع الاستعماري الغربي. فقد كان يهدف إلى دراسة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) حول الاستشراق الجديد (ص ١٨ - ٧٨/ المبحث الأوَّل: الاستشراق في المنظور التاريخي)، حيث قسَّم المنظور التاريخي للاستشراق إلى أربعة مراحل:
الأُولى: نشأة الاستشراق القديم وتطوُّره حتَّى نهاية القرن الثامن عشر الميلادي.
الثانية: الاستشراق من القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين.
الثالثة: الاستشراق من بعد منتصف القرن العشرين إلى بدايات القرن الحادي والعشرين.
الرابعة: الاستشراق بعد أحداث (١١/سبتمبر/٢٠٠١م).

(١٧١)

الشرق، وخاصَّة العالم الإسلامي والعربي، من منظور غربي استعلائي، وذلك بهدف فهمه وتسخيره لخدمة الأهداف الاستعماريَّة. وكانت أهدافهم تتجاوز الفهم الأكاديمي البحت، لتشمل التبشير بالمسيحيَّة وتبرير المشاريع الاستعماريَّة.
ومع تلاشي الإمبراطوريَّات الاستعماريَّة وتغيُّر الخارطة السياسيَّة العالميَّة، وتصاعد الشعور بالوطنيَّة في العالم العربي والإسلامي، بدأ الاستشراق يتَّخذ مساراً جديداً. فظهر الاستشراق الحديث الذي سعى إلى فهم الواقع المعاصر في عمقه، متناولاً القضايا الملحَّة والتغيُّرات السياسيَّة والاجتماعيَّة والأمنيَّة التي تشهدها المنطقة، واستعان في هذا المسعى بمنهجيَّات متنوِّعة، كأنثروبولوجيا المجتمعات وتقنيَّات العلوم السياسيَّة والأمنيَّة، ليُقدِّم قراءات أعمق وأشمل للواقع المعاصر.
أحد أبرز الأمثلة على هذا التحوُّل هو الاهتمام المكثَّف بدراسة موضوع المهدويَّة. فبينما ركَّز الاستشراق الكلاسيكي على الجوانب الغريبة والأُسطوريَّة في هذه العقيدة، سعى الاستشراق الحديث إلى فهمها في سياقها التاريخي، وربطها بالتطوُّرات السياسيَّة والاجتماعيَّة في العالم الإسلامي.
كان المستشرقون في الماضي ينظرون إلى المهدويَّة من منظور استعلائي، متأثِّرين بخلفيَّاتهم الثقافيَّة والدِّينيَّة، وكان الهدف هو فهم العقيدة المهدويَّة، ليس من منظور أصحابها، بل من خلال عدسة القِيَم والمعتقَدات الغربيَّة، متجاهلاً عمقها الفكري في الثقافة الإسلاميَّة، ممَّا أثَّر على فهمه للمهدويَّة، لذا غالباً ما كانت الدراسات الكلاسيكيَّة للمهدويَّة مشوَّهة ومحمَّلة بالتحيُّزات.
مع مرور الزمن، اتَّجه الاستشراق الحديث نحو منهجيَّة أكثر علميَّة وموضوعيَّة، وتحوَّل الاهتمام من الجوانب الغريبة في العقيدة المهدويَّة إلى دراسة أُصولها التاريخيَّة والفكريَّة، فدرسوا النصوص والروايات المتعلِّقة بها باستخدام

(١٧٢)

مناهج البحث الحديثة. وتحوَّل الهدف من مجرَّد الاستكشاف إلى محاولة الفهم الدقيق للعقيدة، مع تركيز الاهتمام على البُعد السياسي والاجتماعي والأمني في العقود الأخيرة.
باختصار، يُمثِّل التحوُّل في دراسة المهدويَّة انعكاساً للتطوُّر العامِّ في الاستشراق. فكما تحوَّل الاستشراق من أداة سياسيَّة للسيطرة والاستعمار إلى مشروع معرفي أشمل، كذلك تحوَّلت دراسة المهدويَّة من كونها موضوعاً للانتقاص والتشويه إلى مجال للدراسة المتأنّية ومحاولة جادَّة لفهم أعمق. ومع ذلك، فإنَّ الشكوك لا تزال حاضرة حول مدى حياديَّة الاستشراق الجديد، وما إذا كان قد تجاوز تماماً تحيُّزاته السابقة...؛ لذا يمكن القول: إنَّ دراسة المهدويَّة من خلال عدسة الاستشراق تكشف لنا صورة واضحة حول كيفيَّة تأثُّر المعرفة بالسلطة والسياسة، وكيف يمكن للمعرفة أنْ تكون أداة للبناء أو التدمير، أو سلاحاً ذو حدَّين.
المهدويَّة في قلب الاستشراق.. دوافع وأسرار كامنة عبر التاريخ:
مرَّ تناول المستشرقين للعقيدة المهدويَّة بعدَّة مراحل تاريخيَّة، حيث تطوَّرت دوافعهم وأهدافهم تبعاً للسياقات التاريخيَّة والدِّينيَّة، ووفقاً للظروف السياسيَّة والثقافيَّة، السائدة في كلِّ مرحلة(٨٢)، ونتيجةً لذلك يُمكن تقسيم الدوافع والأهداف إلى عدَّة محاور رئيسيَّة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٢) اُنظر: نقد الخطاب الاستشراقي (ج ١/ ص ٢٨ - ١٦٣/ الفصل الثاني: مراحل الاستشراق)، حيث قسَّم مراحل الاستشراق بشكل عامٍّ إلى أربعة مراحل:
الأُولى: المرحلة الدِّينيَّة (التبشير) - قبل الحروب الصليبيَّة.
الثانية: المرحلة العسكريَّة (الحروب الصليبيَّة) - ظاهرة التبشير.
الثالثة: المرحلة السياسيَّة (الاستعمار): الرحَّالة المستشرقون، آثار الحركة التبشيريَّة، الحملة الفرنسيَّة.
الرابعة: المرحلة الحديثة (العلميَّة) مستمرَّة حتَّى الآن.

(١٧٣)

١ - المرحلة الاستكشافيَّة والعلميَّة (القرن ١٨ - ١٩):
خلال هذه الفترة، كان اهتمام المستشرقين بالمهدويَّة جزءاً من حركة واسعة لدراسة الإسلام، حيث سعى بعض المستشرقين إلى فهم المعتقَدات الدِّينيَّة الإسلاميَّة لمعرفة تأثيرها في حياة المجتمعات الإسلاميَّة وتشكيل ثقافتها. لم يكن لهذه الدراسة أيُّ بُعد استعماري في البداية، بل كانت في الغالب ذات دوافع أكاديميَّة تهدف إلى التوثيق والفهم الثقافي.
في هذه المرحلة، اتَّسمت الكتابات بنظرة استعلائيَّة؛ حيث اعتُبِرَت العقيدة المهدويَّة مجرَّد تعبير عن (خرافات شرقيَّة)، أو وسيلة لإبقاء الشعوب المسلمة في حالة من الترقُّب والانتظار. ونتيجةً لذلك، لم يتمّ التعامل مع هذه العقيدة بجدّيَّة علميَّة أو فكريَّة عميقة، بل كانت تُدرَس باعتبارها ظاهرة غريبة تعكس ضعف البنية الفكريَّة للشرق. وفي الغالب فإنَّ النظرة الاستشراقيَّة للمهدويَّة كانت مشبَّعة بالأحكام المسبقة(٨٣) نتيجة الصراعات الصليبيَّة.
٢ - المرحلة الاستعماريَّة (أواخر القرن ١٩ - منتصف القرن ٢٠):
شهدت هذه الفترة تدخُّل القوى الغربيَّة الاستعماريَّة في العالم الإسلامي. أصبح الاستشراق وسيلة لفهم العقائد التي تُؤثِّر في المجتمعات الإسلاميَّة، ومنها عقيدة المهدويَّة، بهدف إدارة الشعوب واحتواء التطلُّعات المناهضة للاستعمار. وُجِّهت الدراسات لتوضيح دور المهدويَّة في المجتمعات الإسلاميَّة، ولتفسير إمكانيَّة الاستفادة من الأفكار المتعلِّقة بالمهدويَّة لخدمة الأهداف الاستعماريَّة أيضاً.
وتجدر الإشارة في هذه المرحلة والتي قبلها إلى أنَّ الاستشراق يميل إلى دراسة المهدويَّة بناءً على الأُطروحة السُّنّيَّة أكثر من الأُطروحة الشيعيَّة، باعتبار أنَّ المذهب السُّنِّي هو المذهب الأكثر انتشاراً في العالم الإسلامي (مثل: الدولة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) اُنظر: المهدي من أُصول الإسلام إلى الحاضر للمستشرق الفرنسي جيمس دارمستيتير.

(١٧٤)

العثمانيَّة ومصر)، والأكثر تأثيراً سياسيًّا وجغرافيًّا؛ حيث إنَّ غالبيَّة الدول الإسلاميَّة كانت تحت الحكم السُّنِّي، ولذلك كان لدى المستشرقين الكلاسيكيِّين اهتمام أكبر بفهم العقائد والتصوُّرات المتعلِّقة بالمهدويَّة في الفكر السُّنِّي.
وجدير بالذكر في هذه المرحلة، أنَّ العقيدة المهدويَّة تُعتبَر نقطة اختلاف بين السُّنَّة والشيعة في بعض تفاصيلها؛ ولذلك اهتمَّ المستشرقون بدراسة هذه الاختلافات لفهم البنية المذهبيَّة للإسلام وتأثيرها على المجتمع الإسلامي، فركَّزت بعض الدراسات(٨٤) على إبراز هذه التفاصيل والخلافات بين المذاهب الإسلاميَّة فيما يتعلَّق بالمهدويَّة، كجزء من استراتيجيَّة (فرِّق تسد) التي تبنَّتها القوى الاستعماريَّة، أو تفكيك الوحدة الإسلاميَّة.
٣ - المرحلة الفكريَّة الباردة (بعد الحرب العالميَّة الثانية):
في هذا الوقت، انشغل المستشرقون بأبعاد الأيديولوجيَّات الإسلاميَّة التي تحمل تطلُّعات للتغيير الاجتماعي والسياسي، وزاد الاهتمام بالمهدويَّة بعض الشيء في الدراسات الاستشراقيَّة، خاصَّةً في الأوساط الشيعيَّة. وقد اهتمَّت هذه الدراسات بفهم كيفيَّة تأثير العقائد الدِّينيَّة على القوى القوميَّة والشعبيَّة، وكيفيَّة التعامل مع هذه القوى بطريقة تتناسب مع المصالح الغربيَّة.
في هذه المرحلة، تمَّت دراسة العقيدة من منظور استراتيجي: كيف تُؤثِّر على استقرار الدول؟ كيف تُوظِّفها الحركات السياسيَّة لتحقيق أهدافها؟ هنا، تحوَّل المهدي من كونه شخصيَّة منتظَرة إلى رمز حيٍّ في الوعي السياسي والاجتماعي للمسلمين (الشيعة)، وهو ما أثار قلق الأنظمة الغربيَّة التي رأت في هذه العقيدة تحدّياً محتملاً لنفوذها في العالم الإسلامي(٨٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) عقيدة الشيعة (باب ٢١/ ص ٢٣٠ وما بعدها).
(٨٥) التراث المهدوي (ص ٢٠٠).

(١٧٥)

٤ - المرحلة المعاصرة (أواخر القرن ٢٠ حتَّى الآن):
تُركِّز الدراسات الحديثة على فهم أعمق للأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة لعقيدة المهدويَّة، خاصَّةً بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران عام (١٩٧٩م)، حيث عُدَّت المهدويَّة عنصراً رئيسيًّا في الدراسات الاستشراقيَّة، خاصَّةً في الأوساط الشيعيَّة. يهدف هذا الاهتمام إلى فهم تأثيرها في الرأي العامِّ الإسلامي، ودورها في تشكيل الهويَّة الثقافيَّة والسياسيَّة للمجتمعات الإسلاميَّة، والنظر إليها كعامل مؤثِّر في وجدان الشعوب الإسلاميَّة أيضاً. قد يكون هذا التوجُّه جزءاً من سعي الدول الكبرى لفهم التفاعلات الدِّينيَّة والسياسيَّة وكيفيَّة التأثير فيها لخدمة أهدافها الاستراتيجيَّة.. كان اهتمام المستشرقين بالمهدويَّة مدفوعاً بالرغبة في فهم الحركات السياسيَّة والاجتماعيَّة (المقاومة للهيمنة الغربيَّة) التي استلهمت من العقيدة المهدويَّة أيديولوجيَّتها الثوريَّة، باعتبارها تُمثِّل تعبيراً عن الأمل والعدالة في مواجهة قوى الظلم، فاعتبرت مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة أنَّ العقيدة المهدويَّة تُشكِّل تهديداً قويًّا لهذه الهيمنة؛ لذلك تحاول فهمها وتقويضها.
في هذه المرحلة، تزايد اهتمام الدراسات الاستشراقيَّة بالبُعد السياسي والأمني للعقيدة المهدويَّة، وأصبحت تُدرَس كجزء من عقيدة الحركات الإسلاميَّة المقاومة، لاسيَّما الشيعيَّة، ولذلك كان هناك تركيز على التحليل العميق لجذورها الفكريَّة والعقائديَّة، ممَّا جعل بعض الدراسات الاستشراقيَّة تسعى إلى تشويه العقيدة المهدويَّة(٨٦) أو التقليل من أهمّيَّتها، بهدف إضعاف الروح الثوريَّة والإصلاحيَّة التي يمكن أنْ تُولِدها في المجتمعات الإسلاميَّة.
الأهداف الكامنة:
لقد تنوَّعت أهداف الاستشراق في دراسة المهدويَّة بتنوُّع المراحل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) راجع (ص ٢٣٥/ الفصل الرابع: الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا).

(١٧٦)

المذكورة، حيث تراوحت بين الفهم الثقافي، والسيطرة الاستعماريَّة، وصولاً إلى كيفيَّة توظيف المهدويَّة خدمةً لأجندات غربيَّة، وإنَّ الدراسات الاستشراقيَّة حول العقيدة المهدويَّة قد قطعت شوطاً طويلاً من الفهم السطحي إلى تحليل أكثر عمقاً. ومع ذلك، يبقى الطريق طويلاً أمام تحقيق فهم متكامل يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الحقيقيَّة لهذه العقيدة الأصيلة وتجذُّرها في الفكر الإسلامي.
لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ تقسيم الدوافع والأهداف حسب المراحل التاريخيَّة(٨٧)، لم نقصد به استقلال كلِّ مرحلة لوحدها بجميع دوافعها وأهدافها، ولكن هذه المراحل عبارة عن دوائر متداخلة في بعضها، ولا يمكن أنْ تستقلَّ كلُّ مرحلة بخصائص مميَّزة، لأنَّ كلَّ مرحلة تحتوي على خصائص المرحلة التي تسبقها وبعض ملامح المرحلة التالية، بل إنَّ هذا التقسيم من الناحية الواقعيَّة لا يستند إلَّا إلى إظهار دوافع الاستشراق وأهدافه.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) نقد الخطاب الاستشراقي (ج ١/ ص ١٠١).

(١٧٧)

المهدويَّة في أدب الاستشراق

ضمن إطار الدراسات الاستشراقيَّة، حظيت العقيدة المهدويَّة باهتمام واسع من قِبَل الباحثين الغربيِّين، الذين سعوا إلى فهم هذا المفهوم العقائدي العميق في التراث الإسلامي. ولا شكَّ أنَّ تناول المستشرقين للعقيدة المهدويَّة تباين بين اتِّجاهين رئيسيَّين: الأوَّل، يتجسَّد في النظرة الكلاسيكيَّة التي هيمنت عليها الرؤى التقليديَّة، وأغلبها كان محمَّلاً بأحكام مسبقة. أمَّا الاتِّجاه الثاني، فتمثَّل في مقاربات حداثيَّة أكثر تحرُّراً، سعت لفهم الأبعاد الاجتماعيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة المرتبطة بهذا المعتقَد بعيداً عن التصوُّرات النمطيَّة.
وفي هذا القسم، نستعرض نماذج من الأدبيَّات الاستشراقيَّة لدى كلٍّ من الاتِّجاهين، لتسليط الضوء على الفروقات الفكريَّة بينهما، وبيان الكيفيَّة التي عالج بها كلٌّ منهما القضيَّة المهدويَّة.
المهدويَّة في أدبيَّات الاستشراق الكلاسيكي.. بين الدِّين والتاريخ:
طالما شكَّلت العقائد الإسلاميَّة محور اهتمام رئيسي لدى المستشرقين الأُوروبيِّين التقليديِّين، وكانت عقيدة المهدويَّة من أبرز تلك القضايا، حيث رأى فيها كثير من هؤلاء الباحثين نافذة لا غنى عنها لفهم عمق الثقافة الإسلاميَّة ومعتقداتها. ومنذ القرن التاسع عشر، توجَّه العديد منهم إلى دراسة هذه العقيدة بصورة إجماليَّة، متَّخذين من كُتُبهم أدوات لكشف أسرارها وتأويلاتها.

(١٧٨)

برزت أسماء لامعة في عالم الاستشراق في هذا المجال، من أمثال:
- المستشرق الألماني ارنست موللر (١٨٤٨ - ١٩١٦م)، وكتابه (المهدويَّة في الإسلام)(٨٨).
- المستشرق الفرنسي جيمس دارمستيتير (١٨٤٩ - ١٨٩٤م)، وكتابه (المهدي من أُصول الإسلام إلى الحاضر)(٨٩).
- المستشرق المجري إجناس جولدتسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١م)، وكتابيه (دراسات إسلاميَّة) و(العقيدة والشريعة في الإسلام)(٩٠).
- المستشرق الهولندي ج. فان فلوتن (١٨٦٦ - ١٩٠٣م)، وكتابه (السيطرة العربيَّة، والتشيُّع والمعتقَدات المهديَّة في ظلِّ خلافة بني أُميَّة)(٩١).
- المستشرق البريطاني دوايت دونالدسن (١٨٨٤ - ١٩٧٦م)، وكتابه (عقيدة الشيعة: الأئمَّة الاثني عشر، والإمام الغائب، وسامرَّاء مدينة آخر الأئمَّة، والوكلاء الأربعة للإمام الغائب)(٩٢).
وقد ساهم كلٌّ منهم، من خلال أعماله التي تناولت جوانب مختلفة من المهدويَّة، في رسم صورة تفصيليَّة لهذه العقيدة، بدءاً من جذورها التاريخيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) التشيُّع والاستشراق (ص ٢٠٧)؛ المهدي المنتظَر رؤية استشراقيَّة (ص ٣٤).
(٨٩) (Le Mahdi: depuis les origines de l'Islam jusquà nos jours) المهدي من أُصول الإسلام إلى الحاضر للمستشرق اليهودي الفرنسي (James Darmesteter)، صدرت الطبعة الأُولى في (٢٨/فبراير/١٨٨٥م) باللغة الفرنسيَّة، ثمّ ترجمته (آدا ساره بالين) إلى اللغة الإنجليزيَّة في العام نفسه بعنوان (The Mahdi Past and Present).
(٩٠) العقيدة والشريعة في الإسلام لإجناس جولدتسيهر؛ التشيُّع والاستشراق (ص ٢٠٩)؛ المهدي المنتظَر رؤية استشراقيَّة (ص ٣٠).
(٩١) السيطرة العربيَّة: والتشيُّع والمعتقَدات (المهديَّة) في ظلِّ خلافة بني أُميَّة لفلوتن؛ والسيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة له أيضاً.
(٩٢) عقيدة الشيعة لدوايت رونلدسن.

(١٧٩)

وصولاً إلى تأويلاتها وتفسيراتها الدِّينيَّة. رأى هؤلاء المستشرقون في المهدويَّة تعبيراً عن تطلُّعات عميقة لدى المجتمعات الإسلاميَّة نحو العدالة والخلاص، وأشاروا إلى أنَّ فكرة المخلِّص ليست حكراً على الإسلام، بل هي فكرة متجذِّرة في العديد من الديانات والثقافات الأُخرى، ويرون فيها امتداداً لفكرة المنقذ الذي ينتظره الناس في أوقات الشدَّة والأزمات.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل الرؤية الاستشراقيَّة التي طغت على هذه الدراسات(٩٣)، والتي حملت في طيَّاتها بصمات الاستشراق التقليدي بمنهج يُتَّهم بالتحيُّز ولم يخلُ من أجندات استعماريَّة(٩٤)، ممَّا أثَّر على تقويم هذه العقيدة في الغرب. ورغم ذلك، لا شكَّ في الأثر البارز الذي أحدثته هذه الدراسات في تشكيل اللبنة الأُولى لفهم الغرب المبكِّر لأحد أهمّ المفاهيم الجوهريَّة في العقيدة الإسلاميَّة.
النماذج: وبناءً على ذلك نعرض بعض النماذج من أدبيَّات الاستشراق التقليدي حول المهدويَّة:
١ - كتاب بعنوان: (المهدي من أُصول الإسلام إلى الحاضر)(٩٥)، للكاتب المستشرق اليهودي الفرنسي: جيمس دارمستيتير (١٨٤٩ - ١٨٩٤م) أو بعنوان (المهدي: الماضي والحاضر) كما في النسخة الإنجليزيَّة. صدرت الطبعة الأُولى في (٢٨/فبراير/١٨٨٥م) باللغة الفرنسيَّة، ثمّ ترجمته (آدا ساره بالين) إلى اللغة الإنجليزيَّة في العام نفسه، وطُبِعَ في نيويورك(٩٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٣) ما بعد الاستشراق (ص ١٣ - ٢٣).
(٩٤) الإسلام في الفكر الأُوروبي (ص ٢٦).
(٩٥) Darmesteter James, The Mahdi Past and Present, Le Mahdi: depuis les origines de l'Islam jusquà nos jours.
(٩٦) تمَّ إعادة طبع هذا الكتاب في السنوات الأخيرة مرَّات عديدة، وتمَّ اختياره من قِبَل الأكاديميِّين (في داخل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة) باعتباره مهمًّا ثقافيًّا (Scholar Select)، وجزءاً من قاعدة المعرفة للحضارة.. حيث يمكن لأيِّ جهة نسخ الكتاب وتوزيعه بحرّيَّة، باعتبار لا يوجد كيان (فرد أو شركة) لديه حقوق طبع ونشر على نصِّ العمل.

(١٨٠)

يدور الكتاب حول فكرة ظهور (المهدي المنتظَر) في آخر الزمان، وكيف تطوَّرت هذه الفكرة عبر الأديان المختلفة، مع التركيز على الإسلام بشكل خاصٍّ. وأهمّ الأفكار الرئيسيَّة:
* أصل الفكرة: يزعم المؤلِّف أنَّ فكرة المهدي ليست أصليَّة في الإسلام، بل انتقلت من ديانات سابقة مثل اليهوديَّة والمسيحيَّة والزرادشتيَّة. ويقول: إنَّ الإسلام استعار هذه الفكرة ولم يبتكرها، مستنداً في ذلك إلى تشابه بعض المعتقَدات حول ظهور شخصيَّة منقذة في نهاية الزمان.
* تطوُّر الفكرة في الإسلام: يتتبَّع الكتاب تطوُّر هذه الفكرة في العالم الإسلامي منذ العصر الأُموي وحتَّى القرن التاسع عشر، مروراً بالفاطميِّين والعبَّاسيِّين وغيرهم.
* الدوافع السياسيَّة: يربط المؤلِّف بين فكرة المهدي وبين الاضطرابات السياسيَّة والاجتماعيَّة في العالم الإسلامي، ويعتبر العديد من ادِّعاءات المهدويَّة محاولات للاستيلاء على السلطة.
انتقادات الإسلام: يُوجِّه المؤلِّف انتقادات لاذعة للإسلام، مدَّعياً أنَّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله) استعار الكثير من عقائده وأساطيره من الديانات السابقة الأُخرى.
يهدف المؤلِّف إلى نقد فكرة المهدويَّة وإظهارها على أنَّها فكرة مستوردة وليست جزءاً أصيلاً من الإسلام. كما يسعى إلى ربط هذه الفكرة بالاضطرابات السياسيَّة التي شهدها العالم الإسلامي. يُقدِّم الكتاب سرداً تاريخيًّا لفكرة المهدي، مع التركيز على الأُطروحة السُّنّيَّة للفكرة. ومع ذلك، فإنَّ الكثير من

(١٨١)

آراء المؤلِّف مثيرة للجدل وغير مدعومة بأدلَّة قويَّة، وتُعتبَر انتقادات متحيِّزة لا أساس لها.



 غلاف للكتاب في الطبعات الحديثة

٢ - كتاب بعنوان: (عقيدة الشيعة)(٩٧)، للكاتب المستشرق البريطاني: دوايت دونالدسن (١٨٨٤ - ١٩٧٦م) والذي عاش في إيران (١٦) سنة، وصدر الكتاب باللغة الإنجليزيَّة عام (١٩٣٣م)، وطُبِعَ في لندن، وتُرجِم إلى اللغة العربيَّة، وطُبِعَ في القاهرة عام (١٩٤٦م).
الكتاب عبارة عن دراسة استشراقيَّة شاملة عن معتقَدات الشيعة الإماميَّة، ويُعَدُّ من الدراسات الاستشراقيَّة المبكِّرة عن حياة كلِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، والكتاب مكوَّن من (٤١٩) صفحة، ويحتوي على (٣٣) فصلاً، وقد أفرد المؤلِّف ثلاثة فصول (٢١ و٢٢ و٢٣) تكلَّم فيها عن العقيدة المهدويَّة الشيعيَّة، حيث خصَّص عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فصلاً بعنوان (الإمام الغائب)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٧) Dwight M. Donaldson, The Shi'ite [Shiite] Religion: A History of Islam in Persia and Irak (Iraq).

(١٨٢)

وأعقبه بفصل عن (سامرَّاء مدينة آخر الأئمَّة)، كذلك خصَّص فصلاً عن السفارة بعنوان (الوكلاء الأربعة للإمام الغائب)، وتطرَّق المؤلِّف إلى اختلاف المذاهب في المهدي، وأشار إلى ولادة الإمام والغيبة والسرداب والرجعة والدجَّال ونزول المسيح. والمؤلِّف قد عدَّ قسماً من هذه الدراسة في بادئ الأمر كأُطروحة لنيل درجة الدكتوراه؛ لذا نجد أنَّ منهج الكتاب يغلب عليه الطابع الأكاديمي.
* نظرة عامَّة: يسعى الكتاب إلى سدِّ الفجوة في المعرفة الغربيَّة حول الشيعة، ويحاول فهم أُصول معتقَداتهم وأسبابها، ويُقدِّم تحليلاً تفصيليًّا لعقائد الشيعة، مع التركيز بشكل خاصٍّ على عقيدة الإمامة وبالخصوص العقيدة المهدويَّة.
* الدوافع: كتب دونالدسن الكتاب بدافعين رئيسيَّين: الأوَّل هو رغبته في تقديم دراسة علميَّة عن الشيعة للغرب، والثاني هو الأهداف الاستعماريَّة لبريطانيا في المنطقة.
* العقيدة المهدويَّة: يُوجِّه دونالدسن انتقادات عديدة لعقيدة المهدويَّة، بسبب شكوكه في أصل فكرة المهدويَّة، وتفسيره لهذه العقيدة على أنَّها نتيجة لفشل الشيعة واضطهاد الأعداء لهم، كما يحاول المؤلِّف تقديم صورة مشوَّهة لعقيدة الشيعة.
* زمن صدور الكتاب: صدر الكتاب في فترة سيطرة بريطانيا على العراق وإيران، ممَّا يُثير تساؤلات حول الدوافع السياسيَّة وراء نشره.
* الأُسلوب: يتَّبع الكتاب منهجاً علميًّا في عرضه للمعلومات (باعتباره بحثاً أكاديميًّا في الأصل)، ولكنَّه يواجه اتِّهامات بعدم الحياديَّة والأمانة العلميَّة، وفي الواقع يحمل المؤلِّف تحيُّزات واضحة ضدَّ الشيعة.

(١٨٣)

يتعرَّض هذا الكتاب إلى مجموعة من الانتقادات المنهجيَّة: أبرزها اتِّهام المؤلِّف بالتحيُّز الواضح وتفضيله لمصادر معيَّنة لدعم آرائه، ممَّا يُثير تساؤلات حول مدى موضوعيَّة الدراسة. ومن زاوية أُخرى يُرى أنَّ للكتاب دوافع سياسيَّة خفيَّة؛ إذ يخدم مصالح الاستعمار البريطاني في المنطقة، بالإضافة إلى ذلك، يحمل المؤلِّف أحكاماً مسبقة سلبيَّة تجاه العقيدة الشيعيَّة يحاول بثَّها في ثنايا الكتاب، ممَّا ينتقص من حياديَّته ويجعله عرضة للاتِّهام بالتحيُّز.



غلاف الكتاب: النسخة الإنجليزيَّة والعربيَّة

٣ - فصول من كتابين للمستشرق: إجناس جولدتسيهر، الكتاب الأوَّل بعنوان: (العقيدة والشريعة في الإسلام)(٩٨)، والكتاب الآخر بعنوان: (الدراسات الإسلاميَّة - مجلَّدين)(٩٩)، إذ أنجز هذا المستشرق المجري من الجيل الأوَّل إسهامات في ميدان العقيدة المهدويَّة، حيث كتب في التاريخ الإسلامي منذ نهاية القرن التاسع عشر، كمصنَّفه (دراسات إسلاميَّة)، وفي الواقع يمكن اعتبار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) Ignaz Goldziher, Introduction to Islamic Theology and Law.
(٩٩) Ignaz Goldziher, Muslim Studies: volume ١&٢.

(١٨٤)

الكتاب، الذي نُشِرَ في الأصل باللغة الألمانيَّة في (١٨٨٨ - ١٨٩٠م)، والذي أتى فيه على مناقشة موضوع الشيعة الإماميَّة وعقائدهم ومنها العقيدة المهدويَّة، من بين تلك الأعمال التي أرست أُسُس الدراسة الغربيَّة بشكل أساسي، وبمنهج نقدي للأحاديث (النبويَّة) عن القضيَّة المهدويَّة. كذلك ضمَّن كتابه الآخر (العقيدة والشريعة في الإسلام) معلومات عن فلسفة الإمامة عند الشيعة وطبيعة الإمام المهدي.
يُعَدُّ جولدتسيهر من أبرز مَنْ كتبوا عن العقيدة المهدويَّة في القرن التاسع عشر. ففي كتابيه (العقيدة والشريعة في الإسلام) و(الدراسات الإسلاميَّة)، دخل في أعماق الفكر الإسلامي، محاولاً فهم عقيدة المهدي المنتظَر. وقد أظهر اهتماماً خاصًّا بالعناصر الفلسفيَّة والأُسطوريَّة التي تُؤثِّر على العقيدة المهدويَّة من وجهة نظره، إلَّا أنَّه غالباً ما بالغ في التأثير اليهودي على هذه العقيدة، وقد سعى إلى ربط المهدويَّة بالفلسفة الأفلاطونيَّة والأسفار اليهوديَّة، ومحاولاً تفسيرها من منظور غربي، ومتجاهلاً أبعادها الإسلاميَّة الأصيلة. وقد خاض أيضاً في الجدال الشيعي السُّنِّي والاختلاف المتميِّز بين الإمام الصامت والإمام الناطق.
أثار جولدتسيهر جدلاً واسعاً بدراسته النقديَّة للعقيدة المهدويَّة، ففي كتابه (الدراسات الإسلاميَّة)، والذي يُعتبَر من أهمّ الكلاسيكيَّات الاستشراقيَّة التي تناولت الإسلام، قام بتحليل الأحاديث النبويَّة المتعلِّقة بالمهدي، مستخدماً منهجيَّة نقديَّة غربية لا تتناسب مع طبيعة النصوص الدِّينيَّة(١٠٠). وبينما قدَّم آراء تحمل قيمة معرفيَّة كبيرة في الساحة الثقافيَّة الغربيَّة، إلَّا أنَّها تحمل أيضاً بصمات التحيُّز الاستشراقي، وقد أثارت هذه التحليلات انتقادات واسعة من قِبَل الباحثين المسلمين، الذين رأوا فيها تحيُّزاً واستخفافاً بالعقيدة الإسلاميَّة. ومع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) التشيُّع والاستشراق (ص ٢٠٩).

(١٨٥)

ذلك، لا يمكن إنكار أنَّ دراسته للأحاديث المهدويَّة بنظرة غربيَّة أثَّرت بشكل كبير في العديد من الدراسات الاستشراقيَّة اللَّاحقة، حتَّى وإنْ كانت الدراسات الجديدة قد حاولت تجاوز تحيُّزاته.



غلاف الكتابين

في ختام هذا العرض لنماذج من الأدبيَّات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة، نجد أنَّ إسهامات المستشرقين من الجيل الأوَّل قد نقشت بصمات واضحة على فهم العقيدة المهدويَّة في الغرب. فمن خلال عدستها، تمكَّنت من تسليط بعض الضوء على الأبعاد التاريخيَّة والعقائديَّة للمهدويَّة، وكشفت عن تأثيراتها على التاريخ الإسلامي. ومع ذلك، فإنَّ هذه الدراسات تأثَّرت بالنظرة الاستشراقيَّة التقليديَّة التي حملت في طيَّاتها نظرة غربيَّة منحازة ذات أجندة استعماريَّة، إلَّا أنَّها لا تُقلِّل من أهمّيَّتها في إثارة الاهتمام لفهم هذا الجانب المهمِّ من الفكر الإسلامي. وفي هذا الصدد، نُلفِت الانتباه إلى دراستين متخصِّصتين في موضوع الاستشراق وعقيدة المهدويَّة:
الأُولى: كتاب (التشيُّع والاستشراق)(١٠١)، فقد خصَّص المؤلِّف ثلاثة فصول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) التشيُّع والاستشراق (ص ٢٠٣ - ٣٤٣).

(١٨٦)

كاملة لدراسة وتحليل وجهات نظر المستشرقين الأوائل حول عقيدة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه).
الثانية: كتاب (المهدي المنتظَر - رؤية استشراقيَّة)(١٠٢)، يستعرض المؤلِّف بدقَّة آراء المستشرقين في قضيَّة المهدي المنتظَر، ويُقدِّم دراسة نقديَّة موضوعيَّة لها.
بين أروقة المكتبات الغربيَّة، تتراكم الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة عن المهدويَّة، إلَّا أنَّها ظلَّت حبيسة قيود منهجها وتفسيراتها الضيِّقة، ورغم بريقها في الفضاء الثقافي الغربي، فإنَّها لا تكشف عن جوهر هذه العقيدة الأصيل. فبينما حاولت تلك الدراسات أنْ تُفسِّر المهدويَّة من خلال عدسة ثقافاتها وأجنداتها، فقد غفلت عن كونها عقيدة ربَّانيَّة عميقة الجذور في الفكر الإسلامي. إنَّ الغرب بحاجة إلى نظرة جديدة، تتجاوز حدود التفسيرات الاستشراقيَّة، لتكشف عن أبعاد المهدويَّة الحقيقيَّة، وتضعها في سياقها الثقافي والدِّيني الصحيح.
المهدويَّة في أدبيَّات الاستشراق الحديث.. بين الأمن والسياسيَّة:
في العقود الخمسة الأخيرة، ظهرت مجموعة كبيرة من الكُتُب والبحوث في الفضاء الثقافي الغربي تناولت القضيَّة (المهدويَّة) من منظور سياسي وأمني، مسلِّطة الضوء على العلاقة بين المعتقَد الدِّيني والأُمور السياسيَّة والأمنيَّة، والكثير منها للأسف صيغ بأجندة استخباراتيَّة موجَّهة، خاصَّةً فيما يتعلَّق بالساحة الشيعيَّة. عندما نستقرئ الكثير من الأدبيَّات الاستشراقيَّة الجديدة نرى أنَّها تعكس تحوُّلاً في القراءة الغربيَّة للمهدويَّة باعتبارها جزءاً من الديناميَّات الجيوسياسيَّة والأيديولوجيَّة في الشرق الأوسط، إليك بعض النماذج من هذه الأدبيَّات:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٢) المهدي المنتظَر رؤية استشراقيَّة للدكتور رباح صعصع عنان؛ يتكوَّن الكتاب من (٣٧٠) صفحة.

(١٨٧)

١ - كتاب بعنوان: (علم الآخرة الإسلامي: في انتظار المهدي - الإمام الثاني عشر ومستقبل الإسلام)(١٠٣)، للكاتب: إدوارد د. أندروز، نُشِرَ عام (٢٠٢٣م) في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
تغوص هذه الدراسة في الرؤية الإسلاميَّة (الشيعيَّة الإماميَّة) للهيمنة العالميَّة، وتدرس السرديَّات التاريخيَّة والدِّينيَّة والجيوسياسيَّة التي تُشكِّل هذه الرؤية. من خلال خمسة عشر فصلاً، يبحر المؤلِّف في التضاريس المعقَّدة لسيناريوهات نهاية الزمان الإسلامي وأثر العقيدة المهدويَّة على ذلك، ويقارنها بوجهات النظر الأُخرويَّة المسيحيَّة لتقديم منظور متوازن. يُدقِّق الكتاب في رؤية مستقبل الإسلام وآخر الزمان، ويُحلِّل الجذور الأيديولوجيَّة والتأثير العالمي لحركات مثل: القاعدة وداعش وحماس وحزب الله. ويستكشف العلاقة المعقَّدة بين الأيديولوجيَّة الجهاديَّة وأفعالها، ويُحلِّل الاستخدام الإستراتيجي للشريعة الإسلاميَّة، وبالخصوص العقيدة المهدويَّة وانتظار المهدي والآثار الاجتماعيَّة والسياسيَّة داخل المجتمعات الإسلاميَّة.
يقول المؤلَّف: هذا الكتاب مورد أساسي لأيِّ شخص يسعى إلى فهم تعقيدات علم الآخرة الإسلامي، وتقاطعه مع السياسة العالميَّة، إنَّه يُقدِّم نظرة شاملة وعلميَّة لواحدة من أكثر القضايا الدِّينيَّة والجيوسياسيَّة إلحاحاً في عصرنا.
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة: يُشير المؤلِّف كيف تُؤثِّر العقيدة المهدويَّة على الأمن الإقليمي، خاصَّةً فيما يتعلَّق بالصراعات المسلَّحة التي تقودها حركات متطرِّفة (كالقاعدة وداعش) أو الحركات الشيعيَّة (جبهة المقاومة)؛ ممَّا يُؤدِّي إلى استقطاب المجتمعات وتقويض الأمن والاستقرار في مناطق واسعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) Edward D. Andrews, ISLAMIC ESCHATOLOGY: Awaiting Al-Mahdi-The Twelfth Imam and the Future of Islam.

(١٨٨)


غلاف الكتاب

٢ - كتاب بعنوان: (آخر الزمان وأسرار المهدي.. كشف سرِّ الوحي والمسيح الدجَّال)(١٠٤)، للكاتب: مايكل يوسف، نُشِرَ عام (٢٠١٦م) في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
يتحدَّث هذا الكتاب عن علاقة المهدي بالحركات السياسيَّة في العالم الإسلامي، ويقول المؤلِّف: لا ينبغي أنْ يكون ظهور الإسلاميِّين المتطرِّفين مفاجأة لدارسي الكتاب المقدَّس، لقد بدأت أميركا الآن تفهم شغفهم الشديد بالحكم، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل والعالم الغربي أيضاً. ويُشير المؤلِّف إلى بعض نصوص النبوءات الكتابيَّة التي تتحدَّث عن الأشياء الفظيعة القادمة، ويُعلِّق قائلاً: احذروا من سرِّ المهدي!
هذا الكتاب صيغ بنفَسٍ طائفي بغيض من قِبَل قسٍّ أمريكي وُلِدَ في مصر، وهو كتاب ديني ذو منحى سياسي، ويعرض وجهة نظر مسيحيَّة على الأحداث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) Michael Youssef, End Times and the Secrets of the Mahdi - Unlocking the Mystery of Revelation and the Antichrist.

(١٨٩)

التي تقع في الشرق الأوسط، يقول الناشر: إذا كانت لديك رغبة في فهم ما الذي يُغذِّي نار الصراع الحالي والقادم في الشرق الأوسط، والذي سيُؤثِّر بدوره على العالم بأسره، عليك بقراءة هذا الكتاب.
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة: يُظهر المؤلِّف بأنَّ الحركات الإسلاميَّة تلجأ إلى تفسير العقيدة المهدويَّة بشكل متطرِّف لجذب الشباب وتجنيدهم للانضمام إلى صفوفها، وزرع الكراهية والتطرُّف في أذهانهم، وتستغلُّ العقيدة في تبرير العمليَّات العسكريَّة ضدَّ الخصوم السياسيِّين، ممَّا يُعزِّز المخاوف الأمنيَّة الغربيَّة والإقليميَّة.


غلاف الكتاب

٣ - كتاب بعنوان: (عشر سنوات من الأسر مع معسكرات المهدي: مقالات عن علم الآخرة الإسلامي، ٢٠٠٥ - ٢٠١٥م)(١٠٥)، للكاتب: تيموثي ر. فورنيش(١٠٦)، نُشِرَ عام (٢٠١٥م) في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) Timothy R. Furnish, Ten Years' Captivation with the Mahdi's Camps: Essays on Muslim Eschatology ٢٠٠٥-٢٠١٥.

(١٠٦) الدكتور تيموثي فورنيش: حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة ولاية أُوهايو، وكانت أُطروحة الدكتوراه الخاصَّة به عن الحركات المهديَّة السُّنّيَّة (باستخدام المصادر العربيَّة). كاتب وأُستاذ ومستشار سابق للجيش الأمريكي وقدامى المحاربين في الجيش الأمريكي، وقد حاضر في أماكن متنوِّعة مثل: الكلّيَّة الحربيَّة للجيش الأمريكي، ومدرسة كونكورديا، والجامعة العبريَّة في القدس، والمركز الإسلامي في إنجلترا. كما ظهر على العديد من القنوات التلفزيونيَّة. مجال خبرته هو علم الآخرة الإسلامي (معتقَدات آخر الزمان) وخاصَّةً المهدويَّة أو المسيحيَّة الإسلاميَّة. وهو لغوي عربي سابق في الجيش الأمريكي، وقد قدَّم استشارات بشأن قضايا العالم الإسلامي إلى قيادة العمليَّات الخاصَّة الأمريكيَّة، وإلى مجتمع الاستخبارات.

(١٩٠)

يُسلِّط هذا الكتاب على مقدَّمة فظَّة للأُخرويَّات الإسلاميَّة (معتقَدات نهاية التاريخ) من خلال فظائع داعش، والتي تهدف إلى إثارة نهاية العالم وإثارة مجيء المهدي، الشخصيَّة المخلِّصة في الإسلام. لكن مثل هذه المعتقَدات تسبق دولة البغدادي الإرهابيَّة بفترة طويلة، ولها جذور تاريخيَّة ودينيَّة عميقة في الإسلام. الحركات التي يقودها زعيم مسلم يدَّعي أنَّه المهدي هي عنصر أساسي في التاريخ الإسلامي، سواء كجهاد دموي وحده (مثل احتلال جهيمان لمكَّة عام ١٩٧٩م)، أو كحركات متطرِّفة خلقت الدول الإرهابيَّة (كما هو الحال مع داعش). لقد تجلَّت المهدويَّة كعقيدة رئيسيَّة للحركات (المحسوبة على المسلمين)، لا تُظهر أيَّ علامات على الاختفاء في مواجهة الحداثة. ومع اقتراب العام الهجري (١٥٠٠/٢٠٧٦م) أيضاً، ستزداد الحماسة المروَّعة في جميع فروع الإسلام (السُّنّيَّة والشيعيَّة).
يقول المؤلِّف: هذا الكتاب مفيدٌ لأيِّ شخص يرغب في استكشاف هذه الجوانب من الإسلام، وعلى صُنَّاع السياسة في الولايات المتَّحدة أنْ يكونوا مستعدِّين للتعامل مع المظاهر الحديثة للإسلام المروَّع.
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة: يُؤكِّد المؤلِّف بأنَّ الحركات المتطرِّفة كالقاعدة وداعش تُشكِّل تهديداً أمنيًّا عالميًّا متزايداً، مستغلَّةً العقيدة المهدويَّة لتحريض

(١٩١)

أتباعها على العنف وتنفيذ هجمات إرهابيَّة واسعة النطاق، ممَّا يُعزِّز من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.


غلاف الكتاب

٤ - بحث أكاديمي بعنوان: (المهدي وكنوز الطالقان)(١٠٧)، للكاتب: شون دبليو أنتوني، نُشِرَ عام (٢٠١٢م) في مجلَّة علميَّة متخصِّصة بالدراسات الاستشراقيَّة (أرابيكا - Arabica)، الصادرة من مركز بريل (Brill) الهولندي(١٠٨).
يكشف المؤلِّف عن حقيقة من ناحية أمنيَّة، حيث تُسلِّط هذه الدراسة الضوء على جانب خفي من التراث الإسلامي، ذلك الجانب الذي يتحدَّث عن نهاية العالم. في الموروث الشيعي، وفي منطقة تُعرَف باسم الطالقان، ينتظر المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٧) Sean W. Anthony, The Mahdi and the Treasures of al-Talaqan, pages ٤٥٩-٤٨٣.

(١٠٨) مركز بريل للدراسات والنشر، تأسَّس عام (١٦٨٣م)، هي دار نشر ذات تركيز دولي قويٍّ. تشتهر (BRILL) بمنشوراتها في المجالات التالية: الدراسات الآسيويَّة، الشرق الأدنى القديم ومصر، الدراسات التوراتيَّة والدراسات الدِّينيَّة، الدراسات الكلاسيكيَّة، دراسات العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، الشرق الأوسط والدراسات الإسلاميَّة (مركز للدراسات الشرقيَّة - فكري وسياسي)، وقد اندمج مؤخَّراً (٢٠٢٤م) مع (De Gruyter) لتصبح شركة متخصِّصة في النشر باسم: (De Gruyter Brill)، ولديها فروع في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة واليابان.

(١٩٢)

المستقبلي كنزاً ثميناً. كنزٌ هو في الحقيقة جيش عظيم، جيش سيمنحه القوَّة اللَّازمة لمواجهة الأعداء وتحقيق النصر المنشود ضدَّ الشرِّ.
يقول المؤلِّف: نحن نستكشف الآن، ونُعلِّق على الثورة، ونتعرَّف على وظيفة (كنوز الطالقان) في تصوُّر نهاية العالم برؤية الشيعة الإماميَّة.
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة: يربط المؤلِّف بين المهدويَّة وتجنيد الجماعات المسلَّحة، والدور الذي تلعبه في تعزيز الروح المعنويَّة للحركات المسلَّحة، ويُشير إلى دور هذه العقيدة في تحفيز الصراعات المسلَّحة ضدَّ القوى الإقليميَّة والدوليَّة، ممَّا يُعزِّز من حالة عدم الاستقرار في المنطقة.

@١٠
غلاف المجلَّة

٥ - كتاب بعنوان: (أقدس الحروب: المهديُّون الإسلاميُّون وجهادهم)(١٠٩)، للكاتب: تيموثي ر. فورنيش، نُشِرَ عام (٢٠٠٥م) في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة.
يُسلِّط المؤلِّف في هذا الكتاب على أحد العقائد المهمَّة في الإسلام (المهدويَّة)، والذي يُركِّز على شخص المهدي الذي سيعود في مرحلة ما إلى الأرض لحشد المسلمين، وجعل العالم كلَّه بأحسن حال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) Timothy R. Furnish ,Holiest Wars: Islamic Mahdis & Their Jihads.

(١٩٣)

يقول الكاتب: هذا الاعتقاد قويٌّ، ويحتمل أنْ يكون خطيراً، ويستحقُّ الاهتمام. بعد أحداث (١١/سبتمبر/٢٠٠١م) يكاد يكون من المستحيل اليوم تجاهل المهدويَّة، حيث رأينا بأنفسنا الطُّرُق التي يمكن أنْ تُؤدِّي بها هذه المعتقَدات الدِّينيَّة إلى أعمال إرهابيَّة عنيفة. إنَّ هدف الحركة المهديَّة هو إعادة تنظيم المجتمع العالمي إلى مجتمع مسلم، وهي قضيَّة يقاتل من أجلها العديد من المؤمنين الإسلاميِّين بكلِّ سرور، ويتخلَّون عن حياتهم. هذا الكتاب بمثابة دليل لهذا الجانب من الإسلام.
يقول الناشر: هذا الكتاب جذَّاب للغاية ومثالي للأشخاص الذين يرغبون في فهم ما يُؤدِّي إلى الحروب الدِّينيَّة، وفي الواقع لجميع الأمريكيِّين الذين يعيشون في عالم ما بعد (٩/١١).
الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة: المؤلِّف يُشير ضمنيًّا بين سطور الكتاب بأنَّ الحركات المتطرِّفة مثل: (القاعدة وداعش) تستغلُّ تفسيراً متطرِّفاً للعقيدة المهدويَّة لتبرير العنف والإرهاب، ممَّا يُشكِّل تهديداً أمنيًّا عالميًّا خطيراً، ويُؤدِّي إلى زعزعة الاستقرار في العديد من المناطق، واستقطاب المجتمعات، وتجنيد الشباب وتدريبهم على العنف.

@١١
غلاف الكتاب

(١٩٤)

في ختام هذا العرض لنماذج من الأدبيَّات الاستشراقيَّة الحديثة، نجد أنَّ الدراسات الجديدة للعقيدة المهدويَّة شهدت تحوُّلاً جذريًّا في نظر الغرب في العقود الأخيرة، فمن كونها موضوعاً للدراسة الدِّينيَّة والتاريخيَّة، أصبحت اليوم في قلب الصراع الاستراتيجي الإقليمي. هذا التحوُّل يعكس إدراكاً عميقاً لدور المهدويَّة في تشكيل هويَّة الشعوب المسلمة (لاسيَّما الشيعيَّة) وتوجيه دفَّة الأحداث، الأمر الذي دفع بالدراسات الاستشراقيَّة إلى تحليلها بشكل متعمِّق، وكشف عن حقيقة مفادها أنَّها ليست مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل قوَّة سياسيَّة ديناميكيَّة تمتلك القدرة على حشد الجماهير ودفعها للأمل والتغيير. لقد انتقلت المهدويَّة من صفحات التاريخ إلى ساحات الصراع، وتحوَّلت من حلم إلى واقع ملموس. لقد أدرك الغرب أنَّ فهم المهدويَّة ليس خياراً، بل ضرورة ملحَّة لفكِّ شفرة التطوُّرات الجيوسياسيَّة المعقَّدة في المنطقة، وأنَّ تجاهلها يعني تجاهل قوَّة محرِّكة للتاريخ؛ لذا باتت المهدويَّة هدفاً للتحليل الاستراتيجي الغربي ولاهتمامه الدؤوب الذي يسعى جاهداً لاستغلال هذه العقيدة بعد تحريف مفاهيمها، ومن ثَمَّ توجيهها لصالح أجندته.
وانطلاقاً ممَّا سلف، فمهما بلغت الدراسات الاستشراقيَّة من عمق وحاولت تفكيك رموزها واستباق أثرها ودورها، فإنَّ المهدويَّة ستظلُّ قوَّة فعَّالة ومؤثِّرة بشكل كبير في ساحة المؤمنين تتجاوز التحليلات، وستبقى قوَّة دافعة للأجيال القادمة، ورمزاً للثورة والمقاومة، ففي أعماقها يكمن حلم الشعوب المظلومة بتحرُّر عادل، وهو ما يجعلها هدفاً دائماً للاهتمام الغربي، ولكنَّها في الوقت نفسه، ستظلُّ ثورة كامنة تنتظر الانفجار، وسلاحاً يواجه به المستضعَفون طغيان الظالمين، وبوصلة تُوجِّه مسار الأحداث نحو العدالة المطلقة.

* * *

(١٩٥)

تحوُّلات الاستشراق حول المهدويَّة بين الأمس واليوم

يُمثِّل حقل الدراسات الاستشراقيَّة حول المهدويَّة مجالاً واسعاً وشائكاً وساحة متلاطمة الأمواج، تتقاطع فيها الرؤى وتتباين التأويلات، وعلى الرغم من عمق العقيدة المهدويَّة في الوجدان الإسلامي، إلَّا أنَّها شكَّلت تحدّياً فكريًّا للمستشرقين، وظلَّ فهمها متبايناً ومتأثِّراً بالتحوُّلات السياسيَّة في المنطقة، وبالتطوُّرات الفكريَّة والسياسيَّة في الغرب أيضاً. سنسعى في هذه السطور لتسليط الضوء على منهجيَّة تناول المستشرقين للمهدويَّة من منظورين رئيسيَّين: الكلاسيكي والحديث.
أوَّلاً: الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة حول المهدويَّة:
أ - أبرز السمات:
يُركِّز الاستشراق الكلاسيكي في قراءته للمهدويَّة على عدَّة محاور تتعلَّق بالأبعاد التاريخيَّة والعقائديَّة لهذه الفكرة، ويسعى لفهم تأثيراتها على ثقافة الرأي العامِّ في العالم الإسلامي، إضافةً إلى مدى تجذُّرها في الشارع الإسلامي والأوساط الشعبيَّة.
وفيما يلي أبرز النقاط التي ركَّز عليها المستشرقون الأوائل في دراستهم للمهدويَّة:
* الأصل التاريخي للمهدويَّة: بحث الاستشراق الكلاسيكي في جذور

(١٩٦)

فكرة المهدويَّة في الإسلام، مع تتبُّع مدى تأثيرها من القرن الهجري الأوَّل وحتَّى العصور المتأخِّرة. كما حاول المستشرقون تحليل كيف تطوَّرت هذه الفكرة في مختلف الطوائف، وخاصَّةً في المذاهب الرسميَّة للدول الإسلاميَّة، وظلَّ الاهتمام منصبًّا في سياق الطائفة السُّنّيَّة.
* التأثير الاجتماعي والسياسي: اهتمَّ المستشرقون بدراسة المهدويَّة من زاوية تأثيرها على الجماعات الإسلاميَّة ومساهمتها في حركات الاحتجاج والثورات التاريخيَّة. كما سعوا لفهم كيف تُعزِّز المهدويَّة الروح الثوريَّة لمناهضة الخلافة الإسلاميَّة، ودرسوا الحالات التي استخدم فيها القادة الدينيُّون هذه الفكرة لكسب ولاء الناس.
* المفهوم الدِّيني والعقائدي: ركَّزت الدراسات الاستشراقيَّة أيضاً على البنية العقائديَّة والجانب الدِّيني للمهدويَّة، متَّجهين نحو تصنيفها ضمن نطاق الأفكار الطوباويَّة الخياليَّة. كما تمَّ البحث أيضاً في كيفيَّة تأثير العقائد المهدويَّة على تصوُّرات المسلمين عن العدل الإلهي والخلاص.
* النظرة السلبيَّة والتحيُّز الثقافي: غالباً ما كانت تحمل هذه الدراسات نظرة سلبيَّة للعقيدة المهدويَّة، متأثِّرة بالتحيُّزات الثقافيَّة والعرقيَّة، حيث كانت تنظر إلى الثقافة الإسلاميَّة بنظرة دونيَّة واعتبارها عقبة أمام التقدُّم والتطوُّر(١١٠)، حيث إنَّ الإسلام في نظرهم دين تقليدي لا يتجاوز القِيَم الأخلاقيَّة والممارسات العباديَّة.
* المنهجيَّة: اعتمدت على المنهج التاريخي والنقدي، حيث كان الهدف الرئيسي هو تحليل النصوص الدِّينيَّة والتاريخيَّة لفهم العقيدة المهدويَّة، وتفسيرها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) الإسلام في الفكر الأُوروبي (ص ٧٠ - ٧٢).

(١٩٧)

من منظور غربي، ومقارنتها بالعقائد للأديان السابقة كالمسيحيَّة واليهوديَّة والزرادشتيَّة، والدافع وراء الإيمان بهذه الفكرة.
* السياق التاريخي: نشأت هذه الدراسات في سياق الاستعمار الغربي على المنطقة الإسلاميَّة، حيث كان الهدف هو فهم الشعوب المستعمرة وتبرير سياسة الاستعمار، حيث بدأت هذه الدراسات في القرن التاسع عشر واستمرَّت حتَّى منتصف القرن العشرين.
ب - أبرز الآراء الكلاسيكيَّة حول المهدويَّة:
فيما يلي أبرز الآراء التي طرحتها الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة حول العقيدة المهدويَّة، نستعرضها بإيجاز كخلاصة لهذه الدراسات(١١١):
- اعتبار المهدويَّة فكرة مستوردة من الديانات الأُخرى، وليست أصيلة في الإسلام.
- تفسير نشأة الفكرة المهدويَّة كردِّ فعل على الظلم والاضطهاد السياسي في التاريخ الإسلامي.
- ربط فكرة المهدويَّة بالمسيحانيَّة اليهوديَّة والمسيحيَّة، واعتبارها امتداداً لفكرة الخلاص في السياق الإسلامي.
- الإشارة إلى التأثيرات الخارجيَّة للزرادشتيَّة والمسيحيَّة في تشكيل بُعد الانتظار لظهور شخصيَّة المنقذ الموعود.
- عدم وجود الأصل القرآني للعقيدة المهدويَّة، وتمَّ تأويل بعض الآيات لاحقاً لدعم شرعيَّة بعض المذاهب.
- اعتبار الأحاديث النبويَّة المتعلِّقة بالمهدي موضوعة أو ضعيفة، وغير صالحة للاحتجاج(١١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) المهدي المنتظَر رؤية استشراقيَّة، ملخَّص للفصل الثاني (ص ٧٣ - ١٤٦).
(١١٢) انتقادات المستشرقين للحديث الشريف في ضوء الواقع والميزان (ص ٦٤ - ٧٠).

(١٩٨)

- تحليل المهدويَّة كآليَّة للتعبير عن الرغبة في التغيير الاجتماعي والسياسي في المجتمعات الإسلاميَّة.
- النظر إلى الحركات المهدويَّة في التاريخ الإسلامي كثورات سياسيَّة مغلَّفة بغطاء ديني كالمهدي السوداني.
- تفسير الغيبة في العقيدة الشيعيَّة كوسيلة للحفاظ على الأمل السياسي في ظلِّ الظروف الصعبة.
- تصوير العقيدة المهدويَّة ببُعد طوباوي لمجتمع مثالي عادل، تعكس الرؤية الأُخرويَّة في الفكر الإسلامي.
تُظهر هذه الدراسات أنَّ الاستشراق الكلاسيكي ينظر للمهدويَّة برؤية ضيِّقة وبنظرة استعلائيَّة أو تصنيفيَّة تُركِّز على الجوانب السلبيَّة، ويمكن ملاحظة أنَّ العديد من المستشرقين، مثل: دارمستيتير وجولدتسيهر، تعاملوا مع المهدويَّة باعتبارها مجرَّد أُسطورة دينيَّة أو خرافة طوباويَّة، وأنَّها لا تتجاوز حدود الاعتقاد التقليدي، ممَّا أدَّى إلى تحريف فهمها الحقيقي أو النظر إليها كجزء من تطلُّعات الأُمَّة الإسلاميَّة. هذه الآراء تعكس النظرة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة التي تميل غالباً إلى تفسير الظواهر الإسلاميَّة من منظور خارجي، مع التركيز على الجوانب التاريخيَّة والدِّينيَّة المقارنة أكثر من التقدير للسياق الدِّيني والروحاني للعقيدة.
ثانياً: الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول المهدويَّة:
أ - أبرز السمات:
يُركِّز الاستشراق الحديث عند دراسته للمهدويَّة على جوانب جديدة ومختلفة نوعاً ما عن النهج الكلاسيكي، حيث يتناول الفكرة من زوايا متعدِّدة تجمع بين التاريخيَّة، الاجتماعيَّة، الأمنيَّة والسياسيَّة، ويضيف إليها منظوراً معرفيًّا وديناميكيًّا يواكب التغيُّرات الحديثة في ساحة العالم الإسلامي.

(١٩٩)

وفيما يلي أبرز السمات الأساسيَّة للدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول المهدويَّة:
* تأثير المهدويَّة على الهويَّة السياسيَّة: ترى الدراسات الحديثة أنَّ المهدويَّة تلعب دوراً مهمًّا في تشكيل الهويَّة السياسيَّة لبعض الجماعات الإسلاميَّة، خصوصاً في المجتمعات الشيعيَّة. تُعتبَر فكرة الإمام المهدي رمزاً للوحدة والأمل في التغيير، وتعكس تطلُّعات سياسيَّة واجتماعيَّة أكثر عمقاً من مجرَّد الإيمان بنبوءة دينيَّة. الاستشراق الحديث ينظر لهذه الرمزيَّة بوصفها تعبيراً عن مقاومة الظلم، وحركة نحو العدالة، وهو ما قد ينعكس في طروحات بعض الحركات السياسيَّة.
* التوظيف السياسي للفكرة المهدويَّة: تهتمُّ الدراسات الحديثة بكيفيَّة استخدام العقيدة المهدويَّة كأداة في الخطاب السياسي لبعض الدول أو الجماعات. على سبيل المثال، يتمُّ تحليل كيفيَّة استثمار بعض الدول للفكرة المهدويَّة كجزء من تعزيز شرعيَّتها السياسيَّة، وترسيخ مكانتها في العالم الإسلامي. كما تُدرَس تأثيرات هذه الاستخدامات على السياسة الخارجيَّة والعلاقات الدوليَّة للدول التي تؤمن بهذه الفكرة أو تتأثَّر بها.
* التأثيرات على السياسات الأمنيَّة: تُسلِّط بعض الدراسات الضوء على تأثير العقيدة المهدويَّة على السياسات الأمنيَّة للدول، خصوصاً في المناطق التي قد يُشكِّل فيها الفكر المهدوي عاملاً مؤثِّراً في استقرار النظام أو في تحريك بعض الجماعات. يتمُّ فحص الكيفيَّة التي تنعكس فيها التوجُّهات المهدويَّة على سلوك الحركات التي تتبنَّى هذا الفكر في مناطق الأزمات، وتدعو إلى التغيير بوسائل سلميَّة أو عنيفة؛ لذا أصبحت هذه الدراسات تحمل نظرة أمنيَّة للمهدويَّة، حيث يتمُّ ربطها بالإرهاب والتطرُّف.
* التأثيرات النفسيَّة والاجتماعيَّة على المجتمع: تتناول الدراسات الحديثة تأثير العقيدة المهدويَّة على الروح المعنويَّة لدى الأفراد، وكيفيَّة تأثيرها على

(٢٠٠)

التفكير السياسي والاجتماعي في المجتمعات التي تتبنَّاها. تُعتبَر العقيدة المهدويَّة عنصراً محفِّزاً للأمل في التغيير والخلاص، وهو ما قد يُترجَم إلى سلوك جماعي يتَّسم بالصبر أو النشاط السياسي والاجتماعي، بحسب الظروف المحيطة.
* النظرة التحليليَّة المنهجيَّة: حيث يستخدم مجموعة واسعة من المناهج البحثيَّة والجمع بينها، بما في ذلك المنهج السوسيولوجي(١١٣) لدراسة المهدويَّة كحركة اجتماعيَّة، والمنهج السياسي لتحليل المهدويَّة كأيديولوجيا سياسيَّة، والمنهج النفسي لفهم الدوافع النفسيَّة للمؤمنين بالمهدويَّة، والمنهج الثقافي لدراسة المهدويَّة كظاهرة ثقافيَّة، بالإضافة إلى تحليل الخطاب الإعلامي، وكيف يتمُّ تشكيل الرأي العامِّ حول المهدويَّة. ممَّا جعل الدراسات الحديثة أكثر انفتاحاً على فهم المعاني الدِّينيَّة والفلسفيَّة الدقيقة التي تحملها العقيدة المهدويَّة.
* المهدويَّة كأيديولوجيا سياسيَّة: ترى أنَّ المهدويَّة ليست مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل هي أيديولوجيا سياسيَّة كاملة، تحمل في طيَّاتها رؤية مستقبليَّة للدولة والمجتمع، وتدعو إلى تغيير النظام القائم وإقامة دولة عادلة. بالإضافة إلى أنَّ الدراسات تسعى إلى فهم الرابط بين العقيدة المهدويَّة والحركات الإسلاميَّة السياسيَّة، وتُحلِّل كيف يتمُّ استخدامها كأداة لتعبئة الجماهير وتحقيق الأهداف السياسيَّة.
ب - أبرز الآراء الحديثة حول المهدويَّة:
فيما يلي أبرز الآراء الرئيسيَّة من خلال دراسة الرؤية الاستشراقيَّة الحديثة للعقيدة المهدويَّة، نستعرضها بإيجاز كخلاصة لهذه الدراسات(١١٤):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) دراسة المناهج المستخدمة في علم الاجتماع: مثل المنهج الوصفي، المنهج التاريخي، المنهج المقارن، وغيرها.. وبإيجاز: المنهج السوسيولوجي هو الطريقة التي يتَّبعها علماء الاجتماع للوصول إلى فهم أعمق للواقع الاجتماعي.
(١١٤) التشيُّع والاستشراق، ملخَّص للفصول الخامس والسادس والسابع (ص ٢٠٣ - ٣٤٣).

(٢٠١)

- ربط العقيدة المهدويَّة بشكل أساسي بالمذهب الشيعي، وتهميش وجودها في الفكر السُّنِّي (في الوقت الراهن).
- النظر إلى المهدويَّة كظاهرة سياسيَّة واجتماعيَّة وأمنيَّة أكثر من كونها عقيدة دينيَّة أصيلة.
- اعتبار المهدويَّة أداة للتعبير عن الهويَّة الشيعيَّة الجماعيَّة وتمايزها عن السُّنَّة في الصراع السياسي والفكري.
- الاقتناع بتأثير كبير للعقيدة المهدويَّة على الحركات السياسيَّة (المقاومة - الشيعيَّة) في العالم الإسلامي المعاصر.
- رؤية أنَّ ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة نتيجة للظروف الاجتماعيَّة والسياسيَّة، وليس كتعبير عن عقيدة راسخة (في الحقيقة: توظيف سياسي وأمني غربي).
- الإيمان بالمهدي المنتظَر له أثر كبير في الأبعاد النفسيَّة والاجتماعيَّة في المجتمعات الشيعيَّة في الوقت الراهن.
- الخطاب المهدوي المعاصر ودوره في ترسيخ العقيدة السياسيَّة والقتاليَّة لحركات المقاومة الإسلاميَّة الشيعيَّة.
- الدراسات المعاصرة تُحلِّل كيف يُستخدَم الخطاب المهدوي في السياسة والإعلام الرسمي والشعبي، وكيف يُشكِّل الرأي العامَّ وصناعة القرار.
- اعتبار أنَّ الحركات الإسلاميَّة (الشيعيَّة) تستغلُّ العقيدة المهدويَّة كرمز للمقاومة، وتُوظِّفها لتعبئة الجماهير كجزء أساسي من مشروعها التحرُّري المنتظَر.
- الاستمرار في تشويه العقيدة المهدويَّة وربطها غالباً بالحركات الإرهابيَّة ذات الصبغة الإسلاميَّة (كداعش).
- تحليل النصوص المرتبطة بالمهدي بطُرُق تُركِّز على مفاهيم تخدم الجماعات المرتبطة بالاستخبارات الغربيَّة.

(٢٠٢)

- إدراك وقراءة أنَّ المجتمعات الشيعيَّة تُعيد صياغة العقيدة المهدويَّة لتتلاءم مع متطلِّبات العصر مثل العولمة.
هذه خلاصة آراء النظرة الاستشراقيَّة الحديثة التي تميل إلى تبنِّي رؤى أكثر تأثُّراً بالطابع السياسي والأمني، وتأخذ بعين الاعتبار التغيُّرات الديناميكيَّة داخل المجتمعات الإسلاميَّة لاسيَّما الساحة الشيعيَّة وحركات المقاومة الإسلاميَّة، ممَّا يفتح لها الباب أمام توظيف العقيدة المهدويَّة لخدمة الأجندات الخاصَّة لمؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة الغربيَّة.
في المجمل، تهدف الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة إلى كشف حقيقة العقيدة المهدويَّة من كافَّة جوانبها، السياسيَّة، الأمنيَّة، النفسيَّة والاجتماعيَّة، وتُسلِّط الضوء على الدور المحوري القويِّ للمهدويَّة في تشكيل الرأي العامِّ الإسلامي، وتأثيرها على وعيه السياسي والاجتماعي، كما تُركِّز على تحليل الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة المرتبطة بها بدقَّة متناهية وباستخدام أدوات التحليل الاستراتيجي، محاولةً فكَّ شفراتها واستشراف مستقبلها.
واستخلاصاً لما سبق يمكن القول: إنَّ النظرة الاستشراقيَّة لعقيدة المهدويَّة تحوَّلت من محاولة فهم العقيدة إلى محاولة استغلالها لأغراض سياسيَّة وأمنيَّة.
وفيما يلي نشير إلى أهمّ التغيُّرات في النظرة:
* من الدِّيني إلى السياسي: تحوَّل التركيز من الجانب الدِّيني إلى الجانب السياسي، حيث تمَّ ربط العقيدة المهدويَّة بالحركات السياسيَّة المعاصرة.
* من الفهم إلى الاستغلال: لم تعد الدراسات تهدف فقط إلى الفهم، بل أصبحت تُستخدَم لأغراض سياسيَّة، مثل تبرير التدخُّلات الغربيَّة في العالم الإسلامي.

(٢٠٣)

* من الموضوعيَّة إلى التحيُّز: زادت التحيُّزات(١١٥) السياسيَّة والأمنيَّة في الدراسات الحديثة، ممَّا أثَّر على الحياديَّة والموضوعيَّة.
* استخدام أدوات جديدة: استخدمت الدراسات الحديثة أدوات بحثيَّة جديدة، مثل: التحليل النفسي والتحليل الخطابي.
ختاماً: إنَّ تصنيف الدراسات الاستشراقيَّة عن المهدويَّة إلى كلاسيكيَّة وحديثة هو تصنيف عامٌّ وتقريبي، وقد لا ينطبق على جميع الدراسات، حيث هناك العديد من الدراسات التي تقع بين هاتين الفئتين وتجمع بين سمات الطرازين، وهناك أيضاً دراسات لا تنتمي إلى أيٍّ من هذين الطرازين. ومع ذلك، فإنَّ هذا التصنيف يُوفِّر إطاراً مفيداً لفهم تطوُّر الدراسات الاستشراقيَّة المهدويَّة وتأثيرها على فهم الغرب لعقائد العالم الإسلامي.

المقارنة بين سمات الدراسات الكلاسيكيَّة والحديثة
@١٢
الميزة | الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة | الاستشراقيَّة الحديثة
المنهج | تاريخي ومقارن | تاريخي، سوسيولوجي، سياسي
التركيز | الجانب الدِّيني | الجانب السياسي
التحيُّزات | دينيَّة وثقافيَّة | سياسيَّة وأمنيَّة
الهدف الأساسي | التبشير، تبرير الاستعمار | مكافحة المقاومة، التوظيف السياسي
* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) من الاستشراق إلى الدراسات الشرق أوسطيَّة (ص ٥١).

(٢٠٤)

الدوافع والأهداف التي تقف وراء دراسة الغرب للمهدويَّة

لقد كان اهتمام الاستشراق بدراسة المهدويَّة بالغاً، ولطالما كانت هذه العقيدة بمثابة مغناطيس يجذب أنظار الباحثين والمفكِّرين في العالم، ولاسيَّما المستشرقين، الذين وجدوا في هذا المعتقد الإسلامي الأصيل منجماً لا ينضبُّ من الأسئلة والتحليلات. فما الذي يدفع بهؤلاء الباحثين الغربيِّين إلى التعمُّق في دراسة عقيدة ترتكز على أمل مستقبلي ووعد إلهي بظهور قائد عادل؟.. إنَّ الدوافع وراء هذا الاهتمام متشابكة ومتعدِّدة، وتتراوح بين الرغبة الأكاديميَّة في فهم أعماق الفكر الإسلامي، وبين أهداف سياسيَّة واجتماعيَّة وأمنيَّة أكثر إلحاحاً. فهل كان الاستشراق مجرَّد نافذة أطلُّوا منها على العقيدة المهدويَّة الإسلاميَّة، أم كان أداة لتشكيل صورة مخصوصة عنها، تخدم أجندات خاصَّة؟.. وعليه، يحقُّ لنا أنْ نتساءل عن أبعاد هذا الاهتمام: ما هي الدوافع الخفيَّة(١١٦)؟ وما الأهداف المعلنة التي دفعت المستشرقين إلى التوجُّه نحو دراسة العقيدة المهدويَّة؟
دراسة المهدويَّة بين الأيديولوجيا والأهداف الاستعماريَّة:
بالتأكيد لم تكن دراسة الغرب للعقيدة المهدويَّة مجرَّد بحث أكاديمي بحت، بل كانت امتداداً لصراع أيديولوجي طويل. ففي خضمِّ الصراعات السياسيَّة والثقافيَّة التي شهدها التاريخ، بين العالم الغربي والعالم الإسلامي قديماً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٦) من الاستشراق إلى الدراسات الشرق أوسطيَّة (ص ٤٥).

(٢٠٥)

وحديثاً، وجدت العقيدة المهدويَّة مكانة خاصَّة في أيدولوجيَّات هذا الصراع، حيث اعتبرها مفكِّرو الغرب وساسته تهديداً مباشراً لمصالحهم(١١٧)، بينما رأى فيها آخرون أداة للتأثير على مسار الأحداث(١١٨) في الشرق الأوسط. ونتيجة ذلك كانت هذه الدراسات في جوهرها، محاولة لفهم قوَّة فكريَّة وروحيَّة لعقيدة دينيَّة قادرة على تحريك الجماهير الإسلاميَّة وتشكيل مستقبل الأُمَّة.
هذا بالتأكيد ما دفع الكثير من المستشرقين إلى دراستها، فهم يرون فيها نموذجاً فريداً لبداية حضارة إنسانيَّة مستقبليَّة تسعى إلى التكامل: بين الدِّين والسياسة، بين الروح والمادَّة. لكن هذا الاهتمام لم يكن بريئاً، بل كان مدفوعاً برغبة في التعمُّق في دراسة المهدويَّة ليس فقط لفهمها كفكرة دينيَّة، بل لاستكشاف دورها في تشكيل الهويَّة الإسلاميَّة الجماعيَّة، أو كقوَّة روحيَّة مؤثِّرة ومحرِّكة، قادرة على إحداث تغييرات جذريَّة في المجتمعات الإسلاميَّة. ومن هذا المنطلق، فإنَّ الدوافع هنا تتراوح بين: فضول أكاديمي لفهم التحوُّلات الفكريَّة في العالم الإسلامي، وبين رغبة في استيعاب الحركات الاجتماعيَّة والسياسيَّة التي تستلهم من المهدويَّة طاقتها، خاصَّةً في الشارع الإسلامي الشيعي (جبهة المقاومة). بالتأكيد كان هذا الاهتمام هو الدافع الأساس، إضافةً إلى دوافع وأهداف أُخرى، ويأتي في طليعتها فهم كيفيَّة توظيف هذه العقيدة في أجندات خاصَّة، ترتبط بمشاريع استعماريَّة قديماً، أو سياسيَّة وأمنيَّة حديثاً، وتهدف إلى فهم الآخر للسيطرة عليه أو تحجيمه وفق المصالح الغربيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) محاضرة د. جون فولرتون ماك آرثر جونيور (مواليد ١٩/يونيو/١٩٣٩م)، وهو قسٌّ ومؤلِّف أمريكي، راعياً لكنيسة جريس كوميونيتي، في صن فالي، كاليفورنا، منذ (٩/فبراير/١٩٦٩م)، المحاضرة بعنوان: الإسلام والمسيح الدجَّال (John MacArthur Islam and the antichrist)، تجدها في: (https://www.youtube.com/watch?v=2sci_WFp8ec).               

(١١٨) Lindsey Hal, The Late Great Planet Earth, pages ١٦٢-١٧٠.

(٢٠٦)

وبناءً على ذلك، فلقد كان للاستشراق دورٌ في تشكيل النظرة الغربيَّة إلى العقيدة المهدويَّة، هذا التحوُّل في الدراسات الاستشراقيَّة بين المرحلة الكلاسيكيَّة والحديثة يكشف عن فروق جوهريَّة. وهنا سنستعرض البواعث والدوافع التي حفَّزت الاهتمام بالمهدويَّة، والأهداف التي سعوا لتحقيقها من خلال هذه الدراسات:
مقاصد(١١٩) تناول الاستشراق الكلاسيكي للعقيدة المهدويَّة:
أ - البواعث:
البواعث الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة، التي تركَّزت منذ القرون الوسطى حتَّى القرن التاسع عشر، كانت ذات طابع أيديولوجي وسياسي بالأساس. شملت هذه المرحلة محاولات لفهم العالم الإسلامي لأغراض التبشير المسيحي، وتعزيز سيطرة الإمبراطوريَّات الاستعماريَّة.
- البُعد الفكري: رغبة في تعزيز وإثبات تفوُّق الفكر والثقافة الغربيَّة مقابل المعتقَدات الإسلاميَّة.
- البُعد الدِّيني: التشابه بين العقيدة المهدويَّة الإسلاميَّة والعقائد المخلّصيَّة في المسيحيَّة واليهوديَّة.
- البُعد الاستعماري: خدمة الاستعمار عبر فهم ديناميكيَّات المجتمعات الإسلاميَّة للسيطرة عليها.
إجمالاً كانت البواعث في هذه المرحلة ترتكز على أيديولوجيَّات دينيَّة وسياسيَّة صريحة، لدعم المشروع التبشيري والاستعماري الأُوروبي وتبرير الهيمنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) كلمة (المقاصد) تشمل المعاني الثلاثة؛ توضيح: (البواعث): تُمثِّل الشرارة أو المحفِّزات الأوَّليَّة، بينما (الدوافع): هي القوى الداخليَّة التي تستمرُّ في دفع العمل أو التفكير، أمَّا (الأهداف): هي الغايات النهائيَّة التي يسعى لتحقيقها.

(٢٠٧)

الغربيَّة، مع التركيز على تفوُّق المسيحيَّة، ومحاولة تهميش العقائد الإسلاميَّة ومنها العقيدة المهدويَّة.
ب - الدوافع:
الدوافع الكلاسيكيَّة تضمَّنت محاولات للتحكُّم بالرؤية العالميَّة تجاه الإسلام، وتهيئة العقل الغربي لتقبُّل فكرة التفوُّق الأُوروبي في جميع النواحي.
- زعزعة العقيدة: دحض العقائد الإسلاميَّة ومن بينها العقيدة المهدويَّة، وتقديمها كحركة متطرِّفة أو خرافيَّة.
- السيطرة الفكريَّة: اعتبار الاستعمار (مهمَّة حضاريَّة) تحتاج لفهم البنى العقائديَّة للمجتمعات المستعمَرة.
- تبرير الاستعمار: دعم الاستعمار بتقديم المهدويَّة بصبغة مذهبيَّة وتعميق الشقاق المذهبي.
إجمالاً كانت الدوافع في هذه المرحلة تحمل الرغبة في تشويه المعتقَدات الإسلاميَّة وتقديم العقيدة المهدويَّة كحركة مشوَّهة أو غير عقلانيَّة، ممَّا يخدم مصالح المستعمرين في قمع أيِّ حركات مقاومة قد تستند إلى هذه العقيدة.
ج - الأهداف:
الأهداف الكلاسيكيَّة تضمَّنت فهم العقائد الكبرى كالمهدويَّة، ممَّا يتيح للمستعمرين فرض هيمنتهم الثقافيَّة، وتقديم قراءات بديلة عن الإسلام وعقائده، ممَّا قد يزعزع ثقة المسلمين بأنفسهم.
- التبشير والتفوُّق الدِّيني: ترويج الأفكار المسيحيَّة الخلاصيَّة، وزرع الشكوك بأصالة المهدويَّة، من أجل مواجهتها وتقويضها.
- تعزيز الانقسام بين المذاهب الإسلاميَّة: بتسليط الضوء على الاختلافات حول العقيدة المهدويَّة، بهدف إضعاف الوحدة الإسلاميَّة، وتسهيل سيطرة القوى الاستعماريَّة.

(٢٠٨)

- تعزيز النفوذ الاستعماري: تسخير المعرفة بالمعتقَدات المهدويَّة لفهم دوافع التمرُّد والمقاومة، لتسهيل عمليَّة السيطرة عليها.
إجمالاً كانت الأهداف في هذه المرحلة تتركَّز على تعزيز السيطرة الفكريَّة والسياسيَّة على العالم الإسلامي، عبر تقديم صورة سلبيَّة عن الإسلام ومعتقَداته، ولذا قدَّمت صورة مشوَّهة عن العقيدة المهدويَّة، وكان الهدف الأساس تشويه أيِّ حركة إسلاميَّة قد تُهدِّد النظام الاستعماري القائم.
مقاصد تناول الاستشراق الحديث للعقيدة المهدويَّة:
أ - البواعث:
في الدراسات الحديثة، بدأت البواعث تأخذ طابعاً أكاديميًّا وتحليليًّا، مع تراجع الأهداف التبشيريَّة والاستعماريَّة المباشرة، ورغم ذلك لا تزال بعض البواعث مرتبطة بالسياق الجيوسياسي الحديث.
- البُعد الأكاديمي: اهتمام معرفي خالص لفهم العقيدة المهدويَّة كجزء من الدراسات الدِّينيَّة والسياسيَّة والأمنيَّة.
- البُعد السياسي: التحوُّلات الجيوسياسيَّة ودور الإسلام السياسي، وفهم الحركات المهدويَّة المعاصرة.
- البُعد الثقافي: دراسة المهدويَّة لفهم تطوُّر الفكر الدِّيني الإسلامي في مواجهة الحداثة والعولمة.
إجمالاً انتقلت البواعث الحديثة نحو البحث الأكاديمي والتحليل الثقافي. صارت المهدويَّة موضوعاً لدراسة أهمّيَّتها المتزايدة في السياسة والمجتمع، وتحليل الأبعاد المختلفة للعقيدة، بعيداً عن الصراعات الدِّينيَّة المباشرة، ومع بقاء البواعث الجيوسياسيَّة قائمة لفهم الحركات الإسلاميَّة المعاصرة. تحوَّلت

(٢٠٩)

الدراسات إلى فهم الحركات المهدويَّة المعاصرة كجزء من تحليل التهديدات الأمنيَّة والتحدّيات السياسيَّة.
ب - الدوافع:
أمَّا الدوافع الحديثة فهي أكثر تعقيداً وتشعُّباً، ويتميَّز بتداخل الدِّين مع السياسة، خاصَّةً في المناطق التي تشهد اضطرابات أمنيَّة وصراعات سياسيَّة على السلطة.
- فهم البناء الفكري لحركات المقاومة: دراسة المهدويَّة تُعتبَر محوراً رئيسيًّا لفهم منطلقات الحركات الإسلاميَّة.
- الحاجة إلى فهم الأيديولوجيَّات المقاومة: فهم دور العقيدة المهدويَّة في التحوُّلات السياسيَّة في العالم الإسلامي، وفهم تأثيرها كأيديولوجيَّة مقاومة للهيمنة الغربيَّة.
- فهم الديناميكيَّة: داخل الفكر المهدوي الحديث، ونزع الطابع الثوري منها، والعمل على تفكيكها وتقويضها.
تسعى الدراسات الحديثة إجمالاً لفهم الحركات المهدويَّة من منظور تحليل سياسي واجتماعي وأمني، مع تركيز على دورها في التعبئة الجماهيريَّة والتغيُّرات السياسيَّة، وتأثير العقيدة على الساحة الجيوسياسيَّة في المنطقة.
ج - الأهداف:
تسعى الدراسات الحديثة إلى فهم العلاقة بين العقيدة المهدويَّة والأحداث الجارية في العالم الإسلامي، من خلال تحليل المهدويَّة وفهم أبعادها النفسيَّة والاجتماعيَّة، وبهدف فهم الدور الذي تلعبه هذه العقيدة في تشكيل السلوك السياسي وتوجيه حركات المقاومة، وبالتالي التنبُّؤ بالتحوُّلات المستقبليَّة.
- فهم العقيدة المهدويَّة: ودورها في تشكيل الهويَّة الإسلاميَّة (الشيعيَّة)، بهدف فهم تأثيرها على السلوك الجماعي، وتوقُّع تأثيرها في الأزمات المستقبليَّة.

(٢١٠)

- تفكيك الخطاب المهدوي للحركات المقاومة: وتجريده من قوَّته الثوريَّة، والتقليل من أهمّيَّة المهدويَّة كعامل تغيير سياسي أو اجتماعي، وتصويرها كعنصر مثالي أو أُسطوري لا يتناسب مع متطلَّبات الحداثة.
- إدارة الصراع: فهم ديناميكيَّات المجتمعات الإسلاميَّة، والتركيز على فهم الأبعاد الاستراتيجيَّة للحركات المهدويَّة - موالية للمقاومة أو مناوئة لها - في السياق الجيوسياسي.
إجمالاً الهدف الرئيسي يتضمَّن تحقيق فهم أعمق للقوَّة الكامنة في العقيدة المهدويَّة، والتركيز على النواحي السياسيَّة والأمنيَّة من أجل توظيفها كأداة للصراع أو السيطرة، وبهدف استغلال هذه العقيدة لتحقيق مكاسب ملموسة تُعزِّز النفوذ الغربي.

المقارنة بين مقاصد المرحلتين

@١٣
المعيار | المرحلة الكلاسيكيَّة | المرحلة الحديثة
البواعث | دينيَّة وأيديولوجيَّة، استعماريَّة | أكاديميَّة، ثقافيَّة، سياسيَّة
الدوافع | تقويض المهدويَّة، تعزيز السيطرة | تحليل الديناميكيَّة والحركات، استشراف المستقبل
الأهداف | التبشير، الهيمنة، تعزيز الانقسام | البحث العلمي، فهم الحركات المهدويَّة، إدارة الصراع
المنهجيَّات | نصّيَّة استقرائيَّة، تاريخيَّة، مقارنة، متحيِّزة | منهجيَّات متعدِّدة: تاريخيَّة، أنثروبولوجيَّة، سياسيَّة
المخرجات | تبرير الاستعمار، عقائد الإسلام ضعيفة | فهم أعمق للتحوُّلات، تأسيس حركات عميلة

(٢١١)

التحوُّلات في الدوافع والأهداف من الكلاسيكيَّة إلى الحداثة:
تكشف دراسة الدوافع والأهداف الكامنة وراء تناول الاستشراق لعقيدة المهدويَّة عن طبيعة معقَّدة ومتغيِّرة لهذه الدراسات. لقد تأثَّرت هذه الدوافع بالأحداث السياسيَّة العالميَّة والتطوُّرات الفكريَّة، ممَّا أدَّى إلى تغييرات جوهريَّة في طريقة رؤية هذه العقيدة؛ حيث تحوَّلت من التركيز على السيطرة الثقافيَّة والاستعماريَّة وكونها أداة لتشويه المهدويَّة، إلى القراءة متعدِّدة الأبعاد والتوظيف السياسي والأمني في السياقات السياسيَّة والاجتماعيَّة الحديثة.
* من الفهم إلى التوجيه: تحوَّلت الدوافع من مجرَّد الفهم والتفسير إلى الرغبة في توجيه وتشكيل العقيدة المهدويَّة بما يخدم المصالح الغربيَّة.
* من الأكاديميَّة إلى السياسيَّة: أصبحت الدراسات الاستشراقيَّة المتعلِّقة بالمهدويَّة أكثر سياسيَّة، حيث صارت تُستخدَم كأداة في الصراع السياسي.
* من التحيُّز إلى التوظيف: لم تنتهِ التحيُّزات الأيديولوجيَّة والسياسيَّة في الدراسات الحديثة، بل جرى استغلال المعارف المهدويَّة وتوظيفها بما يخدم مصالح الدول الغربيَّة.
وأخيراً، يبقى التحدِّي الحقيقي للدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول العقيدة المهدويَّة رغم الإرث الكلاسيكي، في قدرتها على تجاوز التحيُّزات وتقديم رؤية شاملة تعترف بأهمّيَّة المهدويَّة ودورها في تشكيل الهويَّة الثقافيَّة والسياسيَّة للمجتمع الإسلامي.
الأهداف الغربيَّة من توظيف الدراسات المهدويَّة:
في عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتعقَّد فيه العلاقات، تبرز العقيدة المهدويَّة كهدفٍ استراتيجيٍّ لمؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة. فهم يرون فيها أكثر من مجرَّد معتقَد ديني، بل رؤيةً مستقبليَّةً مبنيَّة على العدالة والمساواة، وتؤمن بانتصار الحقِّ

(٢١٢)

على الباطل. هذه الرؤية تُشكِّل تحدّياً مباشراً للنظام العالمي القائم على الهيمنة والاستبداد، والذي تسعى القوى الغربيَّة إلى حمايته؛ ولذلك فقد استُخدِمَت الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة كأداةٍ لتحليل المهدويَّة وتفكيكها، ضمن مشروعٍ أوسعٍ يهدف إلى السيطرة على العالم الإسلامي.
١ - السيطرة على مراكز النفوذ في العالم الإسلامي: تسعى المؤسَّسات الغربيَّة إلى ضمان السيطرة(١٢٠) على المناطق ذات الأهمّيَّة الاستراتيجيَّة، التي يمكن أنْ تتأثَّر بالحركات المهدويَّة. فهم العقيدة المهدويَّة ودورها وأثرها (ديناميكيَّتها) يُمكِّن الغرب من توجيه الأحداث بما يخدم مصالحه، سواء من خلال التدخُّل المباشر أو عبر الوكلاء المحليِّين.
٢ - إضعاف الحركات الثوريَّة المعادية للغرب: الحركات التي تتبنَّى الفكر المهدوي غالباً ما تحمل طابعاً ثوريًّا يسعى إلى إسقاط الأنظمة الفاسدة وإقامة نظام عادل. تُعتبَر هذه الحركات تهديداً مباشراً للهيمنة الغربيَّة، وبالتالي تُوظَّف الدراسات الاستشراقيَّة لتقديم توصيات حول كيفيَّة إضعافها أو القضاء عليها.
٣ - بناء صورة عدائيَّة للعالم الإسلامي: تُستخدَم الدراسات الاستشراقيَّة الموجَّهة لإبراز المهدويَّة كعقيدة غامضة تحمل طابعاً عنيفاً أو راديكاليًّا، عن طريق تشويه الحقائق. هذه الصورة تُسهم في خلق تصوُّر عالمي يُبرِّر التدخُّلات الغربيَّة، سواء العسكريَّة أو السياسيَّة، تحت ذريعة (حماية الأمن العالمي)، مثل ما حدث مع داعش في العراق وسوريا.
٤ - تفكيك الوحدة الداخليَّة للمجتمع الإسلامي: تسعى القوى الغربيَّة إلى تفكيك المجتمعات الإسلاميَّة من الداخل باستخدام أدوات معرفيَّة ناعمة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) الإسلام شريكاً (ص ٧٨ و٧٩).

(٢١٣)

العقيدة المهدويَّة، التي تتمتَّع بقدرة عالية على تعبئة الجماهير، يتمُّ استهدافها لزرع بذور الفتنة وتصويرها كعقيدة انقساميَّة:
- بين السُّنَّة والشيعة، بالتركيز على الخلافات المذهبيَّة بخصوص العقيدة المهدويَّة وتضخيمها، بهدف تعزيز التفكُّك المذهبي.
- بين الشيعة أنفسهم، بخلق حركات تدَّعي الانتساب للمهدويَّة ومساندتها، وشنِّ العداء على المرجعيَّة الدِّينيَّة وحركات المقاومة.
الهدف هو تعزيز الانقسامات الطائفيَّة، بحيث تنشغل المجتمعات الإسلاميَّة بالصراعات الداخليَّة، ممَّا يُضعِف قدرتها على مواجهة الهيمنة الخارجيَّة.
٥ - استخدام المهدويَّة في الحرب النفسيَّة: تُمثِّل العقيدة المهدويَّة ركيزة أمل وشعور بالتمكين لدى المستضعَفين؛ لذا، فإنَّ إحدى الأهداف الاستراتيجيَّة هي تحويل هذا الأمل إلى مصدر لليأس والشكِّ. عبر الحرب النفسيَّة، تسعى المؤسَّسات الغربيَّة إلى تشكيك الأتباع في رموزهم الدِّينيَّة، وفي مصداقيَّة العقيدة نفسها، ممَّا يُؤدِّي إلى زعزعة الثقة والالتفاف حول الحركات المهدويَّة.
٦ - تعزيز السيطرة الجيوسياسيَّة: الاستشراق الحديث لا يعمل بمعزل عن الاستراتيجيَّات الجيوسياسيَّة الكبرى. العقيدة المهدويَّة تُعتبَر محوراً حسَّاساً في مناطق استراتيجيَّة مثل: العراق، إيران، واليمن. فهم الديناميكيَّات المتعلِّقة بالمهدويَّة يساعد الغرب في وضع سياسات تضمن بقاءه مسيطراً على هذه المناطق الحيويَّة، سواء من خلال دعم الأنظمة الحاكمة، أو عبر التدخُّل المباشر، أو دعم ومساندة الحركات المهدويَّة العميلة.
هذا التوظيف يكشف عن أبعاد أعمق للصراع بين الغرب والإسلام، حيث يتحوَّل الدِّين من فضاء روحاني إلى ساحة معركة أيديولوجيَّة وسياسيَّة؛

(٢١٤)

لذا يجب على العالم الإسلامي أنْ يُعيد النظر في كيفيَّة تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى والتأثير على الرأي العامِّ العالمي، وحماية إرثه من محاولات التشويه والاستغلال.

* * *

(٢١٥)

الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة في الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة للمهدويَّة

تُعَدُّ الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة للمهدويَّة بمثابة لغز محيِّر، تتقاطع فيه الأبعاد الدِّينيَّة والفكريَّة والسياسيَّة والأمنيَّة. وتحتلُّ هذه العقيدة مكانة جوهريَّة في الفكر الإسلامي، فما الذي يجعل الغرب ينظر إليها من منظور سياسي وأمني؟ الجواب يكمن في عمق الدوافع الغربيَّة، حيث تتداخل المصالح الاستراتيجيَّة بالهواجس الأمنيَّة، وتتشابك مع الاعتبارات الثقافيَّة الغربيَّة. ويمكن إجمال هذه الأسباب على النحو التالي:
١ - الهواجس الأمنيَّة تجاه الحركات المهدويَّة:
لطالما ارتبطت الحركات ذات الصبغة المهدويَّة تاريخيًّا بفترات اضطراب سياسي واجتماعي، حيث تُقدِّم هذه الحركات نفسها كقوَّة ثوريَّة، وتسير على منهج المهدويَّة، فتسعى لتغيير الأنظمة الظالمة وإقامة نظام عادل. من هذا المنطلق، ترى مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة في المهدويَّة تهديداً أمنيًّا، خاصَّةً في مناطق تتَّسم بعدم الاستقرار السياسي. ففكرة ظهور الإمام المهدي تُعطي زخماً لحركات دينيَّة تسعى إلى مقاومة الأنظمة الفاسدة أو القوى الخارجيَّة، ممَّا يجعلها في نظر الغرب مصدر قلق أمني دائم.
٢ - أدوات النفوذ الثقافي والسياسي:
المهدويَّة، تلك العقيدة التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، أصبحت بؤرة

(٢١٦)

اهتمام المؤسَّسات الغربيَّة. فهي ترى فيها أكثر من مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل قوَّة سياسيَّة متجدِّدة، قادرة على حشد الجماهير وتحريكها؛ لذا تسعى هذه المؤسَّسات - عبر دراساتها الاستشراقيَّة - إلى فكِّ رموز هذه القوَّة، وكشف أسرار تأثيرها على الديناميكيَّات السياسيَّة في العالم الإسلامي، فهم يُدركون أنَّ فهم المهدويَّة يعني فهماً أعمق لآليَّات المقاومة، وتحديداً أدقّ لنقاط الضعف والقوَّة في المعركة الثقافيَّة.
٣ - الخوف من (المهدويَّة) كرمز للمقاومة:
أحد المخاوف الرئيسيَّة عند الغرب هو إمكانيَّة تحوُّل المهدويَّة إلى حركة عابرة للحدود قادرة على توحيد الطوائف والمذاهب المختلفة تحت راية انتظار الإمام المخلِّص. مثل هذا السيناريو يُمثِّل تهديداً جدّيًّا للمصالح الغربيَّة(١٢١). وفي المقابل أيضاً، شكَّلت المهدويَّة رمزاً للمقاومة والتغيير لدى العديد من المسلمين، خاصَّةً في فترات الاضطراب والاحتلال. هذا الأمر جعلها هدفاً رئيسيًّا للدراسات الاستشراقيَّة، التي سعت إلى تجريدها من معناها الروحي وتحويلها إلى مجرَّد فكرة متطرِّفة.
٤ - المهدويَّة كأيديولوجيَّة مضادَّة للعولمة الغربيَّة:
في عصر العولمة، حيث تحاول القوى الغربيَّة فرض نماذجها السياسيَّة والاقتصاديَّة والثقافيَّة، تُقدِّم المهدويَّة نموذجاً حضاريًّا بديلاً تتبنَّاه حركات المقاومة. إنَّها تخلق الأمل والروح الثوريَّة في مواجهة الأنظمة المحلّيَّة الفاسدة، ولا تقف عند ذلك، بل تتحدَّى أيضاً النظام العالمي القائم على الهيمنة الغربيَّة. هذا التحدِّي الفكري والأيديولوجي والروحي يُعيد صياغة العلاقة بين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢١) الإسلام شريكاً (ص ٨١).

(٢١٧)

الإسلام والغرب، ممَّا يُثير قلقاً عميقاً لدى القوى الغربيَّة المهيمنة التي ترى في المهدويَّة تهديداً طويل الأمد.
٥ - البُعد النفسي والوجداني للعقيدة المهدويَّة:
تتميَّز المهدويَّة بقوَّة رمزيَّة استثنائيَّة، حيث تُمثِّل الأمل في العدالة المطلقة والانتصار النهائي للحقِّ على الباطل. هذه الرؤية من الأمل والتفاؤل تُشكِّل مصدر قوَّة وتعبئة نفسيَّة في وجدان المسلمين، وتُعتبَر عنصراً محوريًّا في ثقافة المقاومة. ولكن من وجهة نظر مغايرة قائمة على المصالح الاستراتيجيَّة الغربيَّة، فإنَّ الدراسات الاستشراقيَّة تسعى إلى تحليل هذا البُعد النفسي من أجل تفكيك الأُسُس العقيديَّة المهدويَّة التي يقوم عليها خطاب المقاومة، ومحاولة تقويضه وتجريده من قوَّته الثوريَّة.
٦ - التحليل الاستخباراتي للظاهرة المهدويَّة:
لم تعد الدراسات الغربيَّة للمهدويَّة تقتصر على الفهم الدِّيني الأكاديمي، بل تحوَّلت إلى منهجيَّة تحليل استخباراتي معمَّق لرصد أنماط التحرُّك السياسي والاجتماعي في البيئات الإسلاميَّة، خصوصاً الشيعيَّة. فالمهدويَّة تُقرَأ اليوم كمنظومة تعبئة جماهيريَّة ذات بُعد استراتيجي، لا كمعتقَد غيبي منعزل. وبذلك، تُوظَّف هذه الدراسات لفكِّ الشيفرة الرمزيَّة لعقيدة الانتظار والتمهيد، وتتبِّع تحوُّلها إلى مشروع سياسي فاعل، في محاولة من قِبَل مؤسَّسات الهيمنة لإنتاج أدوات احتواء طويلة المدى تُفرغها من فعَّاليَّتها وتحول دون تصاعد تأثيرها الجيوسياسي.
رؤية استراتيجيَّة:
لم تعد المهدويَّة في نظر الدراسات الاستشراقيَّة الغربيَّة المعاصرة مجرَّد

(٢١٨)

عقيدة دينيَّة ذات طابع غيبي، بل تحوَّلت إلى عنصر فاعل في معادلات الأمن والسياسة الإقليميَّة. يعكس هذا التحوُّل في الرؤية الاستشراقيَّة إدراكاً عميقاً بأنَّ المهدويَّة باتت تُشكِّل - في لحظات التوتُّر والتحوُّل - مصدر إلهام لقوى اجتماعيَّة وسياسيَّة قادرة على تحدِّي منظومات الهيمنة الغربيَّة. فقد قرأ الغرب البُعدَ الجماهيري والوجداني للمهدويَّة بوصفه طاقة تعبئة كامنة، تتجاوز الانتماء الطائفي لتخاطب الوجدان الإسلامي العامَّ.
من هنا، بدأت مراكز الأبحاث ودوائر القرار الغربي تتعامل مع المهدويَّة كـ (مشروع مقاومة رمزي)، يسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم العدالة والشرعيَّة خارج الأُطُر الليبراليَّة التقليديَّة، ممَّا أثار قلقاً استراتيجيًّا تُرجم إلى محاولات لاحتواء العقيدة أو تشويهها. وهكذا، فإنَّ التحوُّل الاستشراقي من التحليل العلمي الدِّيني إلى التوظيف الأمني ليس انعكاساً لاهتمام أكاديمي محايد، بل مؤشِّر على صراع أعمق بين مشروع الهيمنة ومشروع التحرُّر.
إنَّ فهم المهدويَّة اليوم من قِبَل الباحثين المستشرقين يتطلَّب تحريرها من إسقاطات الرؤية الأمنيَّة، والعودة إلى جوهرها كنداء إنساني لإقامة العدل، لا كأداة اضطراب كما يُراد تصويرها.

* * *

(٢١٩)

النقد الموجَّه للدراسات الاستشراقيَّة حول العقيدة المهدويَّة

تحت ستار البحث العلمي، غالباً ما تختبئ أيديولوجيَّات وأهداف خفّيَّة. وعلى الرغم من أنَّ الدراسات الاستشراقيَّة حول العقيدة المهدويَّة تدَّعي الحياديَّة والموضوعيَّة، إلَّا أنَّها حملت في طيَّاتها تحيُّزات ثقافيَّة وأيديولوجيَّة سعت إلى تشويه صورة هذه العقيدة.
سنقوم في هذه السطور بتحليل نقدي شامل وسريع لهذه الدراسات المختصَّة بالقضيَّة المهدويَّة، وكشف الثغرات والتحيُّزات التي شابت منهجها(١٢٢)، وذلك بهدف إعطائها صورتها الحقيقيَّة، بعيداً عن الأيديولوجيَّات المستوردة.
نقد النظرة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة:
تُمثِّل النظرة الكلاسيكيَّة للعقيدة المهدويَّة مرحلة تأسيسيَّة في سعي الغرب لفهم العقيدة الإسلاميَّة المرتبطة بالإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه). إلَّا أنَّه رغم الطابع الاستكشافي لهذه المرحلة، لم تكن بمنأى عن التحيُّزات الأيديولوجيَّة والمعرفيَّة التي ألقت بظلالها على المنهجيَّة والنتائج. فقد انطلق المستشرقون الكلاسيكيُّون من خلفيَّات دينيَّة وثقافيَّة غربيَّة، وحاولوا مقاربة هذه العقيدة الإسلاميَّة الأصيلة، لكنَّهم غالباً ما وقعوا في شرك الإسقاطات الثقافيَّة والنظرة الأُحاديَّة التي أضعفت قدرتهم على الإحاطة بجوهرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) مشروع القارئ في الفكر النقدي العربي (ص ١٤٠ - ١٧٧).

(٢٢٠)

وفي هذا السياق، يأتي هذا النقد العلمي ليُسلِّط الضوء على الأبعاد المنهجيَّة والفكريَّة والسياسيَّة التي شكَّلت هذه الدراسات(١٢٣)، في محاولة لتفكيك إشكالياتها والكشف عن مواطن القصور فيها:
١ - المنهجيَّة: القراءة الناقصة والمتجزِّأة:
تُعاني الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة للعقيدة المهدويَّة من قصور منهجي(١٢٤) واضح، حيث اتَّسمت بقراءة أجزاء متفرِّقة، متجاهلةً الصورة الكلّيَّة، ممَّا جعلها تفتقر إلى استيعاب السياق الإسلامي الشامل لهذه العقيدة. فقد ركَّزت تلك الدراسات على زوايا محدودة وانتقائيَّة، مستعينة بأدوات تحليليَّة ضيِّقة الأُفُق، ما قادها إلى استنتاجات مشوَّهة ومتحاملة. وبدلاً من التعمُّق في فهم العقيدة ضمن أُطُرها التاريخيَّة والدِّينيَّة الغنيَّة، اختزلتها إلى ظاهرة شاذَّة ترتبط بالصراعات والاضطرابات، متجاهلة بذلك أبعادها الروحيَّة والإنسانيَّة العميقة.
والمعضلة الأكبر تكمن في الإفراط في التركيز على الجوانب السلبيَّة المرتبطة بالعقيدة، حيث أسقط المستشرقون تصوُّرات ومفاهيم غربيَّة عليها، فاختزلوا المهدويَّة إلى عنصر اضطراب، متجاهلين الجوانب المضيئة والإيجابيَّة التي تُشكِّل جوهرها. هذا النهج المنحاز لم يكتفِ بتشويه صورة العقيدة، بل أدَّى إلى تقديمها بوجه مُحرَّف، بعيد كلُّ البُعد عن حقيقتها ومكانتها في الفكر الإسلامي.
٢ - الأبعاد الفكريَّة: التحيُّز الثقافي والدِّيني:
لطالما أُثقلت الدراسات الكلاسيكيَّة حول العقيدة المهدويَّة بأعباء ثقافيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) العقل الاستطلاعي عند محمّد أركون وتطبيقاته في نقد الاستشراق الكلاسيكي (ص ١٥٠ - ١٦٣).
(١٢٤) نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربيَّة المعاصرة (ص ٥٧ - ٥٩).

(٢٢١)

ودينيَّة متجذِّرة، متأثِّرة بمركزيَّتها الثقافيَّة وخلفيَّاتها اللَّاهوتيَّة. ففي سعيهم لفهم المهدويَّة، وقع المستشرقون في فخِّ إسقاط تصوُّراتهم المسيحيَّة عليها، فحوَّلوا نهضة إصلاحيَّة مستقبليَّة ذات أبعاد روحيَّة ودنيويَّة بعيدة إلى مجرَّد انتظار مأساوي لنهاية العالم، وأغفلوا بذلك الجوانب الفكريَّة العميقة التي تُشكِّل جوهر العقيدة، مثل: علاقتها بفكرة الإمامة والخلافة الربَّانيَّة في الأرض، أو الإيمان بالتدخُّل الإلهي في مسار التاريخ البشري؛ ممَّا جعلهم يختزلونها ضمن إطار أيديولوجي ضيِّق يخدم أهدافهم الاستعماريَّة.
أمَّا الخطيئة الأكبر التي ارتكبتها هذه الدراسات، فهي قراءة المهدويَّة بمنظور استعلائي، يُنظَر إليها كنتاج لضعف المجتمعات الإسلاميَّة وأزماتها، متجاهلين الأبعاد المعنويَّة العميقة. لقد صوَّروها كوسيلة للهروب من الواقع، بدلاً من كونها عقيدة تحمل رؤى إصلاحيَّة ومنطلقات معنويَّة سامية. وهكذا فإنَّ هذه الدراسات، بتحيُّزاتها وأخطائها المنهجيَّة، لم تُفلح في استيعاب حقيقة المهدويَّة، بل شوَّهتها عبر تصويرها كعقيدة تتناقض مع العقلانيَّة الغربيَّة، وساهمت في تشويه صورة الإسلام ذاته، بتقديمه كدين يزخر بالخرافات، وتقويض مصداقيَّة معتقداته.
٣ - الأبعاد السياسيَّة: القراءة الاستعماريَّة للعقيدة المهدويَّة:
ارتبطت الدراسات الكلاسيكيَّة حول العقيدة المهدويَّة بوشائج وثيقة بالمشروع الاستعماري الغربي، حيث رأت في المهدويَّة تهديداً صريحاً لمصالحه ونفوذه. منذ البداية، صُوِّر الإيمان بالمهدويَّة كحالة دائمة من الانتظار لمخلِّص سيُحرِّر المؤمنين من الاستعباد، ما جعلها في نظر الغرب الاستعماري عقبة كبرى أمام هيمنته. واستغلَّ المستشرقون الظروف السياسيَّة المصاحبة للاستعمار لتضخيم الطابع الثوري للمهدويَّة، وتشويه الحركات التاريخيَّة المرتبطة بها، مثل:

(٢٢٢)

ثورة المهدي في السودان(١٢٥)، التي وصفوها بأنَّها تمرُّد على (النظام الحضاري)، متجاهلين كونها مقاومة مشروعة ضدَّ الاحتلال. لم تقف تحريفات المستشرقين عند هذا الحدِّ، بل تعاملوا مع المهدويَّة كظاهرة فكريَّة اجتماعيَّة جامدة، خالية من الحيويَّة والتطوُّر، متغاضين عن التحوُّلات الفكريَّة التي أثَّرت فيها هذه العقيدة عبر التاريخ. وبدلاً من دراستها كجزء من ديناميكيَّة الثقافة الإسلاميَّة، أسقطوا عليها صورة نمطيَّة تختزلها كمنبع دائم للصراع والاضطراب وعدم الاستقرار السياسي.
والأكثر إثارةً للسخرية هو إزدواجيَّة المعايير التي طبَّقها المستشرقون في مقارباتهم، ففي الوقت الذي قُبِلَت فيه عقائد مشابهة في الغرب، مثل: عقيدة المخلِّص في المسيحيَّة، كجزء من الثقافة الدِّينيَّة، اعتُبِرَت المهدويَّة الإسلاميَّة عائقاً أمام التقدُّم والحضارة. هذا التناقض الفاضح يُظهر أنَّ الهدف الأساسي لتلك الدراسات لم يكن السعي إلى فهم موضوعي للمهدويَّة، بل كان تقويضها وتشويه صورتها، بهدف تسهيل السيطرة على الشعوب الإسلاميَّة.
٤ - الدوافع والأهداف: دعم التبشير والاستعمار:
خلف واجهة الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة حول العقيدة المهدويَّة، تتجلَّى الأهداف الكامنة وراءها والتي كانت ترمي إلى خدمة أجندة التبشير المسيحي وتعزيز المشروع الاستعماري الأُوروبي، فقد عمد المستشرقون إلى تشويه صورة المهدويَّة، بتصويرها رمزاً للاضطراب والعجز عن مواكبة تحدّيات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٥) انطلقت شرارة الثورة السودانيَّة في عام (١٨٨١م) بقيادة محمّد أحمد المهدي، الذي أعلن نفسه المهدي المنتظَر. بعد صراع مرير لأكثر من أربع سنوات من النضال، تمكَّن الثوَّار من إسقاط الحكم العثماني المصري، وأقاموا دولة إسلاميَّة وطنيَّة، عاصمتها أُمُّ درمان، لتُشكِّل منعطفاً حاسماً في تاريخ السودان.

(٢٢٣)

العصر، واختزال الإيمان بها في كونه وسيلة (خرافيَّة) للهروب من الواقع. هذا التحليل أو الرأي لم يكن بريئاً، بل صبَّ في صالح الخطاب التبشيري الذي يدَّعي تفوُّق المسيحيَّة وسموَّها على الإسلام. كما استُخدِمَت هذه العقيدة كأداة لتبرير التدخُّل العسكري والسيطرة الاستعماريَّة، من خلال تصوير الحركات المهدويَّة التاريخيَّة على أنَّها تمرُّدات فوضويَّة تُهدِّد (الاستقرار) الذي زعم الاستعمار أنَّه يجلبه معه. ولم يكتفِ المستشرقون بذلك، بل سعوا إلى إثارة الخلافات المذهبيَّة بين السُّنَّة والشيعة حول المهدويَّة، مستغلِّين هذا الانقسام لتعميق سياسة (فرِّق تسد)؛ ما أضعف الوحدة الفكريَّة والسياسيَّة للمجتمعات الإسلاميَّة.
ولعلَّ الأدهى من ذلك هو هيمنة الدوافع والأجندات المسبقة على هذه الدراسات، إذ لم يكن الهدف فهم العقيدة بموضوعيَّة، بل توظيفها لتحقيق مصالح استراتيجيَّة. فقد سعت النظرة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة إلى فرض السيطرة الفكريَّة والثقافيَّة على العالم الإسلامي، ودعم المصالح الاستعماريَّة، وتحويل الدِّين الإسلامي إلى أداة للهيمنة. وتجسَّدت هذه الأهداف في تبرير الاحتلال، وتعزيز النفوذ الأُوروبي، كما عملت على تعميق الشروخ بين الطوائف الإسلاميَّة واستخدام المهدويَّة كذريعة للتدخُّل السياسي، ما جعل هذه الدراسات أداة استعماريَّة بامتياز.
٥ - النتائج: إخفاق في فهم حقيقة المهدويَّة:
لقد أخفقت الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة في تحقيق فهم موضوعي وشامل للعقيدة المهدويَّة، إذ شابتها عيوب جوهريَّة حالت دون إدراك عمق هذه العقيدة ومضامينها الفكريَّة والروحيَّة. فقد انحرفت تلك الدراسات عن مسار النزاهة العلميَّة، ومالت إلى تشويه صورة المهدويَّة، سواء بقصد أو عن غير

(٢٢٤)

قصد، من خلال تعميمات مغلوطة (مؤدلجة) أغفلت التنوُّع الكبير داخل المعتقَد الإسلامي، وتجاهل التأثيرات الإيجابيَّة للعقيدة، مثل: دورها الحيوي في تعزيز الهويَّة الجماعيَّة وترسيخ قِيَم العدل والمساواة، واكتفت بالتركيز على الجوانب السلبيَّة، ممَّا أفضى إلى ترسيخ صور نمطيَّة خاطئة تُصوِّر الإسلام كدين يتَّسم بالفوضى واللَّاعقلانيَّة.
ولم يقتصر هذا الإخفاق على التشويه فحسب، بل تجلَّى أيضاً في ضعف التفاعل مع المصادر الإسلاميَّة الأصيلة. فقد اعتمد المستشرقون على مصادر ثانويَّة وتحليلات خارجيَّة، متجاهلين التفسيرات الداخليَّة التي يُقدِّمها الفكر الإسلامي للمهدويَّة، ممَّا أدَّى إلى بناء استنتاجات سطحيَّة ومضلِّلة. كما افتقرت هذه الدراسات إلى المنهجيَّة النقديَّة، فاستندت إلى تعميمات متسرِّعة دون إجراء تحليل معمَّق أو تقديم دلائل علميَّة موثوقة، وقد عكست هذه المقاربة نزعة استعلاء ثقافي وهيمنة فكريَّة، أفرزت فهماً ضيِّقاً ومشوَّهاً، بعيداً عن روح البحث العلمي الرصين.
وكانت لهذه الرؤية المشوَّهة تبعات خطيرة، إذ ساهمت في إضعاف الفهم الصحيح للمهدويَّة لدى الغرب. إنَّ هذا الإخفاق يفرض ضرورة ملحَّة لإعادة النظر في تلك الدراسات، وتفكيك التحيُّزات الثقافيَّة والدِّينيَّة والسياسيَّة التي طغت عليها، كما يستوجب التمييز بين العقيدة المهدويَّة الإسلاميَّة والتصوُّرات اللَّاهوتيَّة الغربيَّة عن المخلِّص، والتركيز على فهمها في سياقها الفكري الإسلامي المتكامل الذي يُعبِّر عن قِيَم العدالة والإصلاح. ولا بدَّ من إماطة اللثام عن العلاقة بين هذه الدراسات والمشاريع التبشيريَّة والاستعماريَّة التي استغلَّتها لترسيخ الهيمنة الغربيَّة، بحيث تقتنع ويصبح واضحاً لديها أنَّ المهدويَّة ليست مجرَّد تصوُّر غيبي، بل هي انعكاس لرسالة سماويَّة تحمل قِيَماً إنسانيَّة سامية.

(٢٢٥)

خاتمة: العقيدة المهدويَّة بين تشوُّه القراءة الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة وسمُوِّ الحقيقة الإسلاميَّة:
لقد انبرت الدراسات الاستشراقيَّة الكلاسيكيَّة، بآليَّاتها ومنطلقاتها، في محاولة حثيثة لتطويق العقيدة المهدويَّة ضمن أُطُرها النظريَّة المسبقة وأهوائها الذاتيَّة، متجاهلة عن عمد عمقها التاريخي الراسخ وأبعادها الروحيَّة المتجذِّرة في صميم الفكر الإسلامي. هذا الانحياز المنهجي، الذي اقترن بغايات تبشيريَّة واضحة وأهداف سياسيَّة استعماريَّة، لم يسفر إلَّا عن رسم صورة مشوَّهة لهذه العقيدة في المخيَّلة الغربيَّة، صيغت بدقَّة لتوافق المنظور الغربي وأجنداته الخاصَّة. لقد أظهرت هذه النظرة، كما بيَّنَّا بالتفصيل، قراءة ناقصة ومُتجزِّئة للمصادر، وتغلغلاً للتحيُّز الثقافي والدِّيني، وتوظيفاً استعماريًّا للأبعاد السياسيَّة، ودوافع ترمي لدعم التبشير والاستعمار، ممَّا أفضى في النهاية إلى إخفاق ذريع في فهم جوهر المهدويَّة. ومع ذلك، تبقى حقيقة المهدويَّة عصيَّة على التشويه والتحريف؛ فهي عقيدة ربَّانيَّة عميقة متجذِّرة تستند إلى نصوص سماويَّة صريحة وإرث إنساني عظيم يتطلَّع إلى العدل والإصلاح الشامل. إنَّها عقيدة تتجاوز محاولات الحصر والتحريف، لتظلَّ شاهدة على رسوخها في وجدان الشعوب الإسلاميَّة، ومحفِّزاً لرؤيتها المستقبليَّة القائمة على العدالة والإنصاف في عالم مضطرب.
نقد النظرة الاستشراقيَّة الحديثة:
تُعَدُّ النظرة الاستشراقيَّة الحديثة محاولة جادَّة لفهم العقيدة المهدويَّة في الإطار الدِّيني والسياسي والأمني. ومع ذلك، فإنَّ هذه الدراسات ليست بمنأى عن النقد(١٢٦)؛ إذ تكتنفها العديد من الإشكاليَّات التي تُثير تساؤلات حول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٦) حول الاستشراق الجديد (ص ١٢٧ - ١٧٢/ المبحث الرابع: في نقد الاستشراق الجديد).

(٢٢٦)

موضوعيَّتها ودقَّتها، فبينما تتجاوز الكثير من هذه الدراسات الحديثة حدود التحليل الدِّيني والثقافي لتغوص في الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة للعقيدة المهدويَّة، مستشرفة تأثيرها العميق على الحركات السياسيَّة الإسلاميَّة، إلَّا أنَّها غالباً ما تُسقِط عليها تصوُّراتها الخاصَّة وتحيُّزاتها الثقافيَّة.
وفي هذا السياق، يأتي هذا النقد العلمي عبر قراءة منهجيَّات تلك الدراسات وأُسُسها الفكريَّة التي شكَّلت منطلقاتها، في محاولة لتقييم توجُّهاتها، وتفكيك بنيتها المعرفيَّة، واستجلاء مواضع الخلل فيها:
١ - الإطار المنهجي: هيمنة الأدوات الغربيَّة:
تواجه الدراسات الحديثة للعقيدة المهدويَّة أزمة منهجيَّة تتمثَّل في هيمنة الأُطُر الفكريَّة الغربيَّة على حساب السياق الإسلامي الأصيل. فبدلاً من الانطلاق من أعماق الفكر الإسلامي وتأمُّلاته المتنوِّعة، تلجأ هذه الدراسات إلى استيراد مفاهيم غربيَّة مسبقة، مثل (المخلِّص في المسيحيَّة) أو (نهاية العالم)، وتُسقِطها بشكل قسري على العقيدة المهدويَّة. هذا النهج يُؤدِّي إلى تشويه حقيقي لجوهر العقيدة، حيث تُختزَل في أبعاد سياسيَّة وأمنيَّة ضيِّقة، ويُتجاهَل بُعدها الروحي، وأثرها العميق في تشكيل الوعي والهويَّة في الفكر الإسلامي. كما يتمُّ التغاضي عن الفروقات الجذريَّة بين المرجعيَّات الدِّينيَّة الإسلاميَّة والغربيَّة، ممَّا يجعل التحليل أقرب إلى التأويل المشوَّه منه إلى الفهم الموضوعي.
وتتفاقم هذه الإشكاليَّة مع النزعة العلمانيَّة والحداثيَّة التي تسود هذه الدراسات، حيث يُنظَر إلى العقيدة المهدويَّة كظاهرة اجتماعيَّة مجرَّدة، متجاهلين أبعادها الروحيَّة والغيبيَّة. إنَّ هذه الدراسات، برغم ادِّعائها الحداثة، لا تزال أسيرة للأُطُر الاستشراقيَّة التقليديَّة التي تضع الإسلام في موضع (الآخر) ويتعامل مع عقائده كظواهر غريبة تحتاج إلى تفسير من منظور خارجي. هذا

(٢٢٧)

النهج يُقصي الفهم الداخلي ويُجرِّد العقيدة من سياقها الفكري الخاصِّ، مانعاً إيَّاها من حقِّها في أنْ تُفسَّر بمفاهيمها الذاتيَّة.
يُضاف إلى ذلك، أنَّ هذه الدراسات كثيراً ما تُعاني من التقطيع المنهجي، إذ يتمُّ التعامل مع العقيدة المهدويَّة كمفهوم منعزل عن المنظومة الفكريَّة والدِّينيَّة الشاملة للإسلام، ويُسقَط عليها نماذج تفسيريَّة جاهزة لا تُراعي خصوصيَّاتها الإسلاميَّة. وتظهر مظاهر التحيُّز بوضوح في تصوير المهدويَّة كتهديد أو مصدر قلق أمني، بدلاً من تناولها كرؤية إصلاحيَّة ذات بُعد إنساني حضاري.
إنَّ هذا القصور المنهجي والاختزال المفاهيمي يحولان دون الوصول إلى فهم شامل ودقيق للعقيدة المهدويَّة، ويُؤدّيان إلى قراءات متحيِّزة ومبسَّطة، تهدف - في كثير من الأحيان - إلى إعادة إنتاج الرؤية الغربيَّة على حساب الحقيقة الإسلاميَّة وعمقها الحضاري.
٢ - النطاق الثقافي والفكري: فقدان العمق والسياق:
تُظهر الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول العقيدة المهدويَّة نزعة واضحة لتجاهل السياقات الثقافيَّة والفكريَّة الإسلاميَّة الأصيلة التي تُشكِّل جوهر هذه العقيدة، ممَّا يُؤدِّي إلى فصلها عن جذورها الدِّينيَّة وتشويه معانيها الحقيقيَّة؛ إذ إنَّها تُغفل القِيَم الإسلاميَّة الكبرى التي تُكوِّن بنيتها الأساسيَّة(١٢٧)، مثل: الخلافة في الأرض، والعدالة الاجتماعيَّة، ومبادئ السماء، ممَّا يُضعِف قدرتها على تقديم رؤية متكاملة. ونتيجةً لذلك، تُقدِّم العقيدة المهدويَّة بصور سطحيَّة وضيِّقة، تُظهرها كفكرة غامضة أو غير عقلانيَّة، بعيدة عن سياقها الروحي والإنساني العميق.
وبالإضافة إلى هذا التجاهل البنيوي، تستغلُّ بعض الدراسات الاستشراقيَّة الخلافات المذهبيَّة بين السُّنَّة والشيعة حول العقيدة المهدويَّة كأداة لتفتيت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) الإسلام شريكاً (ص ٧٤).

(٢٢٨)

الوحدة الفكريَّة الإسلاميَّة، فبدلاً من تقديم رؤية جامعة تعكس التنوُّع داخل الفكر الإسلامي، تُركِّز هذه الدراسات على تضخيم الفجوات والخلافات بين المذاهب، ممَّا يُؤدِّي إلى تأجيج النزاعات السياسيَّة واستغلالها لتبرير التدخُّل الغربي في الشؤون الإسلاميَّة.
كما يلاحظ تركيز مفرط على البُعد الشيعي للعقيدة، بشكل يظهر تحيُّزاً طائفيًّا يُقصي السياقات السُّنّيَّة التي تشارك - بدرجات مختلفة - في الإيمان بفكرة المهدي، وإنِ اختلفت تفاصيلها. هذا النهج يُغفل التنوُّع الفكري الإسلامي، ويفشل في إبراز القواسم المشتركة بين المذاهب، ممَّا يُعمِّق الانقسام ويُقصِر عن تقديم فهم شامل للعقيدة.
علاوةً على ذلك، تُصوَّر العقيدة المهدويَّة - في كثير من الدراسات الاستشراقيَّة - كأداة لإذكاء النزاعات والصراعات الداخليَّة بين الجماعات الإسلاميَّة، بدلاً من إبراز أبعادها الروحيَّة والإصلاحيَّة التي تسعى إلى إرساء العدل والمساواة، وتأسيس مشروع حضاري إنساني جامع.
ولا يغيب عن هذه الدراسات العلاقة مع الغرب، فتُثير المهدويَّة في نظرهم قلقاً كبيراً، لما تحمله من رؤى بديلة يُنظَر إليها كتهديد محتمل للنظام العالمي القائم على المبادئ الليبراليَّة والمصالح الغربيَّة. وبدلاً من النظر إلى العقيدة المهدويَّة كحركة إصلاحيَّة ذات بُعد إنساني، تسعى لتعزيز القِيَم الكونيَّة المشتركة، يُجري تصويرها كأداة للفوضى وعدم الاستقرار.
إنَّ هذا النهج الاستشراقي في تناول العقيدة المهدويَّة، الذي يُقصي السياقات الفكريَّة والدِّينيَّة الإسلاميَّة الأصليَّة، يُفرغها من معانيها الحقيقيَّة، ليُقدِّمها في صورة مشوَّهة تخدم الأُطُر الفكريَّة الغربيَّة على حساب حقيقتها العقديَّة والثقافيَّة الإسلاميَّة.

(٢٢٩)

٣ - المبالغة في البُعد السياسي:
تُعاني الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة حول العقيدة المهدويَّة من ميل واضح نحو المبالغة في إبراز بُعدها السياسي، ممَّا يجعلها تبدو وكأنَّها أداة حصريَّة للتجييش السياسي والمقاومة الإسلاميَّة، متجاهلة بذلك عمقها الروحي وأبعادها الفلسفيَّة التي تتجاوز حدود السياسة الضيِّقة. إنَّ هذا التوجُّه يُفرغ المهدويَّة من جوهرها الدِّيني الأصيل، ويحصرها في إطار التهديد الجيوسياسي، مُقدِّماً إيَّاها كأيديولوجيا صداميَّة تُهدِّد النظام الدولي القائم.
لقد بالغ بعض المستشرقين في تصوير العقيدة المهدويَّة كحركة سياسيَّة محضة، متناسين أنَّها تحمل في طيَّاتها رؤية شاملة تُعزِّز الأمل الإنساني، وتبثُّ الروح الإيجابيَّة في انتظار تحقيق العدالة الإلهيَّة. هذا التركيز المفرط على الجانب السياسي يختزل الديناميَّات الاجتماعيَّة المعقَّدة التي تتفاعل مع العقيدة، ويُحيلها إلى عنصر يُستخدَم في الخطابات السياسيَّة المعاصرة لبعض الحركات الإسلاميَّة المقاومة. علاوةً على ذلك، يُظهر هذا المنظور الاستشراقي الضيِّق العقيدة المهدويَّة كأداة جيوسياسيَّة تستخدمها بعض الدول لتعزيز نفوذها في سياقات المنافسة الإقليميَّة، ممَّا يُهمِل تماماً أبعادها الإنسانيَّة العميقة.
يعكس هذا النهج الاستشراقي تحيُّزاً واضحاً للمصالح الغربيَّة، ويفتقر إلى الحياديَّة العلميَّة، إذ يُصِرُّ على تصوير المهدويَّة كمصدر أيديولوجي للتصعيد العسكري والمقاومة السياسيَّة، بينما يغفل دورها الأصيل في تعزيز قِيَم العدالة والسلام. وهذا التوجُّه لا يُلحِق بالعقيدة المهدويَّة ظلماً فحسب، بل يُشوِّه حقيقتها، ويُعمِّق الخوف منها، ويُقدِّمها كعامل تهديد بدلاً من كونها مصدراً للأمل الإنساني. والأسوأ من ذلك، أنَّ هذا الإصرار على البُعد السياسي يُهمِل الجوانب الإيجابيَّة التي تتَّسم بها العقيدة، ممَّا يُؤدِّي إلى تقديم صورة مشوَّهة

(٢٣٠)

ومتحيِّزة لا تعكس جوهرها الحقيقي. وبدلاً من استكشاف أبعادها الروحيَّة والمعنويَّة، تسعى هذه الدراسات إلى تبرير الرؤى الغربيَّة وتُسخِّرها لخدمة مصالحها الخاصَّة، فارضة صورة أُحاديَّة الجانب تخدم أجندات ضيِّقة، بينما تُهمِل السياقات الأوسع التي تُبرز الثراء الإنساني وعمق هذه العقيدة.
٤ - البُعد الأمني: سيناريوهات مبالغ فيها:
تُظهر الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة نزعة واضحة إلى تضخيم البُعد الأمني في تناول العقيدة المهدويَّة، فتُصوِِّرها كعامل مهدِّد للأمن والسلم العالميَّين، في اتِّجاه يعكس إسقاطات السياسات الغربيَّة. تُعيد هذه المقاربة صياغةَ المفاهيم الإسلاميَّة من منظور أمني ضيِّق، مُنتجة صوراً نمطيَّة تُوظَّف لخدمة أجندات سياسيَّة غربيَّة. ويتمثَّل أبرز مظاهر هذا التشويه في محاولة ربط المهدويَّة بالإرهاب، عبر تعميم مُخِلٍّ يدمج بين جماعات متطرِّفة تدَّعي الانتماء للمهدويَّة، وبين التفسيرات السلميَّة التي يتبنَّاها المسلمون، متجاهلة التنوُّع الفكري والروحي الذي تتميَّز به هذه العقيدة.
ومن الجوانب المثيرة للجدل، ربط العقيدة المهدويَّة بسيناريوهات (نهاية العالم)، حيث يُحرَّف جوهرها لتُقدَّم كتصوُّر متشدِّد لصراع كوني وشيك، ما يُغذِّي خطاب (الخوف من الإسلام) ويُسوِّغ التدخُّلات العسكريَّة. كما تتَّهم المهدويَّة بتهيئة الجماهير للتعبئة أثناء الأزمات، أو بدعم حركات مسلَّحة تتبنَّى تفسيرات عنيفة تُهدِّد الأمن الدولي، ممَّا يعكس قراءة مُسيَّسة تُهمِل أبعادها الروحيَّة والإنسانيَّة العميقة.
ولا يمكن تجاهل التوظيف السياسي لهذه الدراسات، حيث تستغلُّ العقيدة لتبرير الهيمنة الغربيَّة، سواء عبر تصويرها كعنصر تحريضي للثورات، أو بتحويلها إلى أداة استخباراتيَّة تخدم مصالح الأجندات الغربيَّة. وبدلاً من فهم

(٢٣١)

المهدويَّة كرمز للعدل والسلام، تُشوَّه لتصبح أداة للردع والسيطرة. وهذا التركيز الأُحادي يُفقِد العقيدة معناها الأصيل، ويستدعي منهجيَّة أكثر توازناً تدمج الأبعاد الفكريَّة والسياسيَّة لفهم تأثيرها الشامل. ومن هنا، يظلُّ الإعلام الغربي متأثِّراً بهذه القراءات، فَتُصوِّر العقيدة المهدويَّة في الوعي الشعبي الغربي كتهديد، وتذكر غالباً في سياق التحذيرات الأمنيَّة، عوضاً عن تقديمها كرسالة إنسانيَّة سامية تحمل قِيَم العدل والإصلاح.
٥ - غياب النظرة التكامليَّة:
تُعاني الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة المتعلِّقة بالعقيدة المهدويَّة من قصور واضح في تناولها الشامل لهذه العقيدة؛ إذ تُركِّز بشكل مفرط على الأبعاد السياسيَّة والأمنيَّة. وغالباً ما تتأثَّر هذه الدراسات بالمواقف السياسيَّة للدول الغربيَّة تجاه العالم الإسلامي، ممَّا يُؤدِّي إلى تأطير العقيدة ضمن خطاب عدائي يُبرزها كعنصر صراع وتهديد، ويُقصي التفسيرات المعتدلة التي ترى فيها أداة للأمل والاستقرار الاجتماعي.
إنَّ التركيز المفرط على التحوُّلات الجيوسياسيَّة في الشرق الأوسط يُحوِّل المهدويَّة إلى مجرَّد ظاهرة سياسيَّة، متجاهلاً ارتباطها بالدِّين الإسلامي الذي يُبرزها كفكرة شاملة تتعلَّق بالعدل الإلهي والتجديد الروحي. كما أنَّ اختزال العقيدة في إطارها السياسي والأمني يُظهرها كفكرة معزولة عن السياق الدِّيني والثقافي الشامل، ويُقصِّر في فهم ارتباطها بالمبادئ الإسلاميَّة الكبرى كالعدل والمساواة ومبدأ الإمامة، ويُغفِل علاقتها الوثيقة بالقِيَم الإنسانيَّة التي تُلهم الشعوب بثقافاتها المختلفة. إنَّ المهدويَّة ليست مجرَّد رؤية دينيَّة تخصُّ المسلمين، بل تحتوي على رسالة عالميَّة تدعو إلى الإصلاح وتحقيق العدالة الشاملة للبشريَّة جمعاء.

(٢٣٢)

علاوةً على ذلك، تُركِّز الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة على الآثار الآنيَّة للعقيدة، دون استشراف تأثيراتها المستقبليَّة على الديناميكيَّات السياسيَّة والاجتماعيَّة، ممَّا يُفقِدها القدرة على فهم الدور المتنامي للمهدويَّة في تشكيل حركات التغيير وبناء الهويَّة الإسلاميَّة. إنَّ اقتصار الدراسات على الجوانب السياسيَّة والأمنيَّة للحركات المهدويَّة يُقدِّم صورة مشوَّهة وغير مكتملة عن العقيدة؛ فالمهدويَّة ليست حركة سياسيَّة فحسب، بل هي عقيدة ربَّانيَّة متجذِّرة في القِيَم الروحيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة لكلِّ الأديان السماويَّة. ولذلك، من الضروري أنْ تتبنَّى الدراسات الحديثة منهجيَّة شاملة تُبرز الأبعاد المتنوِّعة للمهدويَّة، بما في ذلك أبعادها الروحيَّة والفكريَّة والإنسانيَّة والحضاريَّة، لتقديم فهم عميق ومتكامل يعكس جوهرها الحقيقي.
خاتمة: نحو فهم متكامل للعقيدة المهدويَّة:
إنَّ دراسة العقيدة المهدويَّة في الدراسات الغربيَّة، تتطلَّب اعتماد منهج نقدي متوازن يُعيد تقييم المناهج والأدوات التي اعتمدتها الدراسات الاستشراقيَّة الحديثة. فعلى الرغم من المحاولات الظاهرة لتلك الدراسات في استكشاف الجوانب السياسيَّة والأمنيَّة للعقيدة، إلَّا أنَّها غالباً ما تقع في فخِّ الهيمنة المعرفيَّة الغربيَّة، ممَّا يُفقِدها العمق والسياق الضروريَّين. كما أنَّها تُغفِل في الغالب الأبعاد الروحيَّة والفكريَّة العميقة التي تُشكِّل جوهر العقيدة المهدويَّة.
لقد كشف تحليلنا النقدي عن فقدان العمق والسياق في كثير من هذه الدراسات، بالإضافة إلى المبالغة في البُعد السياسي وتقديم سيناريوهات أمنيَّة مبالغ فيها، ممَّا يُؤكِّد غياب النظرة التكامليَّة التي تستوعب المهدويَّة كرؤية ربَّانيَّة وإنسانيَّة في آنٍ معاً.
ينبغي للدراسات الاستشراقيَّة المستقبليَّة أنْ تستند إلى منهجيَّة بحثيَّة أكثر

(٢٣٣)

شمولاً وتكاملاً، تجمع بين التحليل الثقافي المعمَّق والحياديَّة الفكريَّة الصارمة، مع ضرورة الابتعاد عن الأيديولوجيَّات المسبقة التي تُشوِّه الفهم الحقيقي للعقيدة. ومن الضروري أنْ يكون لدى الباحث المستشرق استعداد للانفتاح على المنظومة الفكريَّة الإسلاميَّة من داخلها، لا من خلال إسقاطات خارجيَّة، مع الاستناد إلى مصادر موثوقة وتحليلات تراعي تعدُّديَّة التفسيرات واختلاف المدارس.
إنَّ تجاوز التحيُّزات والتفسيرات المسبقة، واعتماد الدراسات على تحليل علمي وحيادي شامل يدمج الأبعاد الروحيَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، سيُمكِّن الاستشراق من الوصول إلى فهم أعمق وأكثر إنصافاً للعقيدة المهدويَّة، ممَّا يُعزِّز من مكانتها في عصرنا الراهن كعقيدة حيَّة وملهمة تحمل في طيَّاتها تطلُّعات الشعوب نحو العدل والإنصاف.

* * *

(٢٣٤)

الفصل الرابع: الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا(١٢٨)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٨) نُشِرَ هذا البحث في مجلَّة (الموعود) النصف سنويَّة، العدد (١٣)، جمادى الآخرة (١٤٤٣هـ/ يناير ٢٠٢٢م)، الصادرة عن مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - العراق.

(٢٣٥)

كلُّ البشريَّة تنتظر خروج المخلِّص والمنقذ آخر الزمان وتنتظر نشر القسط والعدل في كافَّة أرجاء المعمورة، وإنَّ معنى الانتظار أمر يرتبط بعمق الفكر الإنساني وبالمبادئ والقِيَم العالية، ولكن المثير حقًّا أنَّ الانتظار يختلف من فرد لآخر ومن جماعة لأُخرى، ويعتمد ذلك بناءً على القِيَم والأهداف والمصالح التي يقرُّها الأفراد والجماعات وينطلقون منها، وهكذا نجد مَنْ ينتظر وكلُّه شوق ولهفة لرؤية الطلعة البهيَّة، والأمل والحلم بالعيش في دولة العدل الإلهي، فيستعدُّ ويُهيِّئ الظروف المؤاتية لإنجاح مقتضيات الظهور وتحقيق شرائط اليوم الموعود، ويعمل ليُمهِّد الأرضيَّة لمقدم المخلِّص آخر الزمان، ومن جهة أُخرى نجد مَنْ تتعارض مصالحه مع هذا الخروج فيضع العقبات ويصنع الحواجز لتأخير الظهور، ويعمل بجدّيَّة وحماس وبشكل خفي لتقويض عقيدة المخلِّص ونسف أصل الفكرة.
الحروب السرّيَّة أمر حقيقي وواقعي في عالمنا المعاصر، وهي عبارة عن تراكم مجموعة من الأفعال والإجراءات الخفيَّة التي يُجرى تطبيقها بشكل مستقلٍّ أو مترابط على مراحل زمنيَّة متعاقبة وفي مواجهة قضيَّة محدَّدة (كالقضيَّة المهدويَّة مثلاً)، رغم أنَّ بعض الأشخاص ربَّما لا يشعر بها، وفي الأساس هي مواجهة أيديولوجيَّة وثقافيَّة وسياسيَّة، وفي بعض الأحيان عسكريَّة غير مباشرة، وفي هذه المواجهة لا يُعلَن فيه النزاع والصراع على الطرف المقابل بشكل رسمي، إنَّما يتمُّ ذلك خلف الكواليس وفي الخفاء، وهي تُركِّز بأساليبها على الاستمالة والتزييف والإغواء والجذب ومن دون أنْ تظهر أهدافها للعيان، علماً بأنَّ

(٢٣٧)

أساليب ووسائل الصراع الخفي تتطوَّر مع مرور الأيَّام حسب المراحل التاريخيَّة المعاصرة والمناخات الثقافيَّة الراهنة، والحرب التي نحن بصددها تتمحور حول الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) مخلِّص آخر الزمان، وبالخصوص الأُطروحة الإماميَّة (الاثني عشريَّة)، والوجه الآخر (الأعداء) عبارة عن النظام السياسي، الذي انهمك في صياغة وتصميم هذه الحرب بناءً على مصالحه، والذي يرى أنَّ المهدويَّة تتعارض مع الأهداف والغايات الكبرى لديه.

* * *

(٢٣٨)

الانطلاقة الأخيرة للحرب الخفيَّة

منذ انطلاقة الإسلام والأعداء يقودون حرباً لتشويه العقائد الإسلاميَّة، ومنها بالخصوص العقيدة المهدويَّة، وقد مارس الأعداء الحرب ضدَّ المهدويَّة منذ تاريخ طويل حتَّى قبل أنْ يُولَد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عام (٢٥٥هـ)، فمارست الدولة الأُمويَّة تشويهاً فكريًّا وثقافيًّا ضدَّ المهدويَّة، وشنَّت السلطات العبَّاسيَّة حملة شعواء فكريَّة وأمنيَّة ضدَّ الإمام المهدي وآبائه (عليهم السلام)، واستمرَّ هذا العداء متواصلاً مع مرور الزمن ولا زال ثابتاً حتَّى يومنا هذا، وهذه المعاداة تأخذ أشكالاٌ مختلفة وبسياسات ومنهجيَّات متنوِّعة حسب ظروف المحطَّات التاريخيَّة المتعاقبة، وهو حلقة من صراع دؤوب بين الخير والشرِّ وبين الحقِّ والباطل.
في المحطَّة الزمنيَّة الأخيرة وعلى ضوء التحوُّلات والتقلُّبات السياسيَّة الكبرى في العالم الإسلامي بعد عام (١٩٧٩م)، وقع الغرب تحت تأثير عقائد ونبوءات آخر الزمان، وترسَّخ أكثر بعد أحداث (٢٠٠١م) ومخاضات (٢٠٠٣م)، فقد شاع في أمريكا بين المسيحيِّين والإنجيليِّين الجُدُد الاعتقاد بنبوءات توراتيَّة، ممَّا خلق مناخاً وظروفاً مؤاتية لظهور شكل جديد من هجوم الغرب على المهدويَّة - وإنْ كانت هناك سوابق تاريخيَّة ولكنَّها أقلّ شراسةً - وهكذا كثَّف الأعداء صراعهم السرِّي ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهم يسعون إلى تقويض العقيدة المهدويَّة المنغرسة في وعي الأُمَّة الإسلاميَّة، وهناك شواهد وإثباتات عديدة ومؤكَّدة تدلُّ على أنَّ الحرب الأخيرة (السرّيَّة) التي يشنُّها

(٢٣٩)

الغرب والاستراتيجيَّات والتكتيكات المستخدمة فيها أكثر شراسةً وأقوى حدّيَّةً من المواجهات التي قبلها.
لقد غزت أمريكا وبريطانيا وبعض دول التحالف العراق عام (٢٠٠٣م)(١٢٩)، ولم يكتفوا بذلك بل حرصوا على تعميق الصراع المذهبي وإثارة الفتنة الطائفيَّة بقوَّة، والذي خَلَّفَ ولا يزال العديد من حركات وتيَّارات ذات طابع ديني ولكلٍّ منها أهداف خاصَّة، وفي خضمِّ هذه الأحداث ظهرت عدَّة جماعات تدَّعي المهدويَّة أو السفارة زوراً أو تزعم أنَّ لها ارتباطاً بشكل من الأشكال بالمهدويَّة، وهذه الحركات وعلى كثرتها في العراق في الآونة المعاصرة، عبارة عن مؤامرة ضدَّ العقيدة المهدويَّة وهدفها الرئيس مناهضة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
إنَّ أحداث الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠١م)، وأحداث غزو العراق (٢٠٠٣م) تُعتبَر تحوُّلاً مفصليًّا في الحرب الخفيَّة ضدَّ المهدويَّة، تغيَّرت معها الأساليب والاستراتيجيَّات وتغوَّل الأعداء على الإمام (عجَّل الله فرجه) تغوُّلاً مضاعفاً عمَّا كانوا عليه منذ عقود، وصاروا يتحرَّكون علناً، ووصل صلفهم وعدوانهم إلى تفجير قبَّة الإمامين العسكريَّين (عليهما السلام) عام (٢٠٠٦م)(١٣٠)، وهدفهم من وراء ذلك عدَّة أُمور، منها:
- تعميق الفتنة الطائفيَّة بين المسلمين كافَّة والعراقيِّين خاصَّة.
- محاربة فكر وعقيدة صاحب المقام الحالي بقيَّة الله (عجَّل الله فرجه).
- الحصول على البصمة الوراثيَّة (DNA) للإمام المنتظَر (عجَّل الله فرجه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٩) غزو العراق (١٩ مارس - ١/مايو/٢٠٠٣م)، ومع إنهاء الاحتلال وبدء سحب القوَّات الأمريكيَّة، إلَّا أنَّ الاضطرابات والصراعات والعمليَّات الإرهابيَّة لا تزال سارية في العراق حتَّى اليوم، وهو ما يعني أنَّ انتهاء الأعمال العسكريَّة لا يعني انتهاء الحرب.

(١٣٠) حدثت عمليَّة التفجير الإرهابيَّة لضريح الإمامين عليٍّ الهادي والحسن العسكري (عليهما السلام) آباء الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في صباح يوم الأربعاء (٢٢/فبراير/٢٠٠٦م)، في مدينة سامرَّاء في العراق.

(٢٤٠)

ومن المؤكَّد أنَّ كلَّ الإجراءات السرّيَّة في الحقبة الأخيرة والموجَّهة ضدَّ المهدويَّة بطريقة غير مباشرة كانت مدبَّرة ومخطَّطاً لها بإحكام، وتديرها أيدٍ خفيَّة تتولَّى رسم السياسات وإشعال المؤامرات من وراء الكواليس وتُوجِّه أذنابهم للتحرُّك هنا وهناك، فهذه الكيانات الغامضة التي يتحدَّث عنها الناس في الكُتُب والبرامج الثقافيَّة باعتبارها شيئاً سرّيًّا شديد الغموض ظهرت على حقيقتها في العراق، وظهر لها أدوات وأساليب خبيثة وعجيبة، عمليًّا لا نراها ولكنَّنا نرى آثارها وأفعالها وكأنَّها شبح مخيف أُوتي قدرات خارقة، ويتَّضح لنا الأمر بجلاء عندما نقرأ كتاب (بروتوكولات حكماء صهيون)(١٣١) أو الكتاب الشهير (أحجار على رقعة الشطرنج)(١٣٢)، ويبقى السؤال قائماً: مَنْ يقف خلف هذا العداء للإمام (عجَّل الله فرجه)، ويدير الحرب السرّيَّة ضدَّه، ويدعم ويساند جماعات ادِّعاء المهدويَّة؟ وما الأهداف الاستراتيجيَّة والمسوِّغات الفكريَّة والأسباب الحقيقية وراء هذا الصراع؟

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣١) بروتوكولات حكماء صهيون: عبارة عن مجموعة من النصوص تتمحور حول خطَّة لسيطرة اليهود على العالم. تمَّ نشر هذه النصوص لأوَّل مرَّة في الإمبراطوريَّة الروسيَّة في جريدة زناميا في مدينة سانت بطرسبرغ عام (١٩٠٣م)، في عام (١٩٢١م) تمَّ طبع النصِّ الكامل للبروتوكولات في الولايات المتَّحدة، وفي عام (١٩٣٤م) قام الطبيب السويسري زاندر (Zander) بنشر سلسلة من المقالات يصف فيه البروتوكولات بأنَّها حقيقة تاريخيَّة ولكنَّه تعرَّض للمحاكمة لنشره تلك المقالات. إنَّ تاريخ الحركة الصهيونيَّة والنفوذ الاقتصادي اليهودي في العالم وإنشاء دولة إسرائيل ونفوذ اليهود على القرار السياسي في عدد من دول العالم ما هي إلَّا تطبيقات عمليَّة بصورة أو بأُخرى لما ورد في تلك البروتوكولات.
(١٣٢) أحجار على رقعة الشطرنج - التطبيق العملي للبروتوكولات: هو كتاب للمؤلِّف الكندي وليام جاي كار (William Guy Carr)‏ صدر عام (١٩٥٥م)، يكشف دور المنظَّمات السرّيَّة العالميَّة في صنع الحروب والثورات التي أحدثت الخراب والدمار على البشريَّة، ويشرح مخطَّطاتهم السرّيَّة للسيطرة على العالم.

(٢٤١)

مَنْ هم الأعداء؟

كلُّ مَنْ تتضارب مصالحه مع مبادئ العدل والقسط الإلهي، وكلُّ من يخاف المنقذ الربَّاني تراه لا يتمنَّى خروجه، وكلُّ مَنْ يحمل مبادئ وسلوكيَّات وأهدافاً تخالف ما يحمله المهدي يكنُّ البغض والكراهية له، وكلُّ مَنْ يعتقد أنَّ زوال سلطته ونفوذه وحكمه على يديه تراه يُعلِن العداء للمهدي قبل ظهوره، ومن هنا يجب أنْ نُدرك حقيقة النوايا وطبيعة الأهداف التي تُميِّز العدوَّ الحقيقي للإمام (عجَّل الله فرجه)، وأنْ نُشخِّص بشكل واضح ودقيق الطبيعة الشرِّيرة للمعسكر المعادي، بالرغم من أنَّ أئمَّتنا الأطهار (عليهم السلام) قد صرَّحوا مراراً بأنَّ أعداءهم قد حاربوهم لأجل الدنيا والمصالح المادّيَّة.
لا يساورنا أدنى شكٍّ في أنَّ أعداء الإسلام يقفون خلف مشاريع مناهضة المهدويَّة، وأنَّ جميع المؤشِّرات والمعطيات في ملف الحرب السرّيَّة تشير إلى أنَّ العدوَّ الحقيقي والذي غايته الكبرى ومصلحته الرئيسيَّة تتمثَّل في تقويض المهدويَّة والقضاء على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هي (الصهيونيَّة)(١٣٣)، حيث جميع أحلامها وآمالها تتحطَّم على يديه، وهذا الذي يُبرِّر وجود خُطَط سرّيَّة يجري رسمها وتحضيرها بين الصهيونيَّة واليمين الإنجيلي الأمريكي، والذي جلُّ أعضائه من (اللجنة الأمريكيَّة الإسرائيليَّة للشؤون العامَّة)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) حركة يهوديَّة تنتشر حول العالم، تأسَّست عام (١٨٩٧م)، ويُعتبَر اليهودي النمساوي ثيودور هرتزل مؤسِّس الصهيونيَّة السياسيَّة.

(٢٤٢)

(الايباك(١٣٤) - AIPAC) كما أنَّهم من مؤيِّدي الكيان الصهيوني، ويعتبرون الدفاع عن وجوده وأمنه رسالة مقدَّسة للمسيحيِّين الأُصوليِّين الأمريكيِّين وواجباً دينيًّا مقدَّساً، ومن أهمّ أهدافها التي صرَّحت بها: (الدفاع عن إسرائيل من أخطار الغد)، وبالتأكيد فإنَّ المهدوية تُشكِّل أكبر تهديد مصيري، وخطر وجودي على دولة إسرائيل في الحاضر والمستقبل، وكذلك مصدر الخطر الحقيقي على الحركة الصهيونيَّة في العالم.
إنَّ الرابط الأساسي لتشكيل الأعداء المناهضين للمهدويَّة بصورته الحاليَّة، هو المتمثِّل بتركيبته المتمثِّلة في الصهيونيَّة (المحرِّك والمنظِّر الأساسي للحرب) وتحالفه مع اليمين المسيحي المتصهين في الغرب (المنفذ لاستراتيجيَّات الحرب السرّيَّة)، فإنَّ هذا الكيان تكوَّن بناءً على تغيُّرات جوهريَّة ومفصليَّة في الرؤية المسيحيَّة لليهود، فوفقاً للعقيدة الكاثوليكيَّة، فإنَّ الكنيسة المسيحيَّة سابقاً (تأخذ بمنهج التفسير اللَّاهوتي المجازي وليس بالتفسير الحرفي للتوراة، وكانت ترى أنَّ عودة اليهود إلى الأراضي المقدَّسة (في فلسطين) لا تنطبق على الفقرات الواردة في التوراة، لكونهم قد اقترفوا إثماً فطردهم الله تعالى من فلسطين إلى منفاهم في بابل، وعندما أنكروا أنَّ يسوع هو المسيح المنتظَر نفاهم الله تعالى ثانيةً، وبذلك انتهى وجود ما يُسمَّى (الأُمَّة اليهوديَّة) إلى الأبد، وعلى أساس ذلك تميل الكنيسة الكاثوليكيَّة إلى الفصل بين اليهود المعاصرين والعبرانيِّين القدامى، واعتبرت فلسطين الوطن المقدَّس الذي أورثه المسيح لأتباعه المسيحيِّين، وأنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٤) الايباك: كانت تُعرَف سابقاً باسم: (اللجنة الصهيونيَّة الأمريكيَّة للشؤون العامَّة)، وقد تمَّ تغيير الاسم عام (١٩٥٣م)، حيث بُدِّلت كلمة الصهيونيَّة إلى الآسرائيلة، وتُعتبَر (ايباك) من أقوى وأقدم اللوبيَّات في أمريكا، وتسيطر تقريباً على القرار السياسي والعسكري الأمريكي وتجنُّده لمصلحة إسرائيل، وتُصرِّح (ايباك) على موقعها الرسمي: أنَّ مقابلاتها مع أعضاء الكونجرس الأمريكي تتجاوز (٢٠٠٠) مقابلة سنويًّا، تُقدِّم لهم خلالها تقارير ودراسات استراتيجيَّة عن الشرق الأوسط والعالم.

(٢٤٣)

القدس هي مدينة العهد الجديد المقدَّسة وليست صهيون اليهوديَّة)(١٣٥)، ولكن ما الذي حَدَث حتَّى وصلنا للوضع الحالي، ووُجِدَت المسيحيَّة الصهيونيَّة؟ وكيف تغيَّرت نظرة ورؤية بعض المسيحيِّين (١٨٠) درجة؟
بعد عقود من جهود الماسونيَّة والصهيونيَّة في أوساط الكنائس المسيحيَّة، وبعد ظهور حركة الإصلاح الدِّيني (المسيحيَّة) في القرن السادس عشر في أُوروبا(١٣٦)، استطاعت الصهيونيَّة تجاوز هذه الإشكاليَّات بتبسيط القضيَّة، وذلك بخلق وصنع نظرة جديدة عن الماضي والحاضر اليهودي، حيث تنكَّرت للاعتقاد الكاثوليكي التقليدي حول اليهود، ونجحت في بعث ونشر فكرة أنَّ اليهود أُمَّة مختارة مفضَّلة في أوساط المسيحيِّين، فأعطت للمسيحيَّة بُعدها السياسي الأيديولوجي، وقد استغلَّت الصهيونيَّة التزاوج بين المصالح الاستراتيجيَّة لليهود وبين التطلُّعات المسيحيَّة المستقبليَّة، فحقَّقت نجاحاً واسعاً جدًّا عندما تسلَّلت إلى عمق التفكير المسيحي البروستانتي(١٣٧)، وأخذته نحو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) الإدارة الأمريكيَّة المحافظة وتسييس نبوءات التوراة لآخر الزمان (ص ١٢٧ و١٢٨) بتصرُّف.
(١٣٦) الإصلاح (الذي يُطلَق عليه اسم الإصلاح البروتستانتي أو الإصلاح الأُوروبي) هو حركة داخل المسيحيَّة الغربيَّة في أُوروبا في القرن السادس عشر شكَّلت تحدّياً دينيًّا وسياسيًّا للكنيسة الكاثوليكيَّة الرومانيَّة والسلطة البابويَّة بشكل خاصٍّ، اعتُبِرَ أنَّه بدأ مع نشر القضايا الخمس والتسعين التي كتبها الراهب الألماني (مارتن لوثر) في عام (١٥١٧م) والذي دعا إلى إصلاح الكنيسة والحدِّ من تجاوزاتها واضطهادها للناس، ولقد كانت المناداة بهذا الإصلاح مقدَّمةً نتج عنها فيما بعد: فصل الدِّين عن ميدان الدولة والسياسة، وإقصاءُ كنيسة (روما) عن المشاركة في حكم أُوروبا والحدِّ من سيطرتها على حياة الإنسان الأُوروبي والتدخُّل في كلِّ تفاصيلها، والذي أوجد أرضاً خصبة لانتشار المسيحيَّة اليهوديَّة، حصل نزاع على نهاية عصر الإصلاح، أو أنَّه لم ينتهِ أبداً بسبب وجود بروتستانيِّين حتَّى اليوم.
(١٣٧) بعد حركة الإصلاح الدِّيني في أُوروبا، أصبح العهد القديم المرجع الأعلى للاعتقاد البروستانتي، ومصدر المسيحيَّة النقيَّة الثابت، وجزءاً من طقوس العبادات والصلوات في الكنائس، والنبوءات المتعلِّقة بنهاية الزمان والعصر الألفي والمجيء الثاني للمسيح.

(٢٤٤)

منحى جديد من خلال تلازم تامٍّ بين قيام إسرائيل الكبرى ومعركة هرمجدون كمقدَّمة وشرط لعودة المسيح، وهذا أكبر وأخطر تأثير قامت به الحركة الصهيونيَّة على الشعوب الغربيَّة وبالخصوص على رجال السياسة منهم، وذلك بالاختراق الصهيوني لعمق معتقَدات المسيحيَّة ومفاهيمها، والأمر الأخطر من ذلك هو تحويلها إلى رسالة عالميَّة، وعلى أُسُس ومبادئ لم يثبت أنَّها آتية من السماء على الوجه القطعي.
وفي ضوء الثقافة الصهيونيَّة المهيمنة اليوم، وانطلاقاً من رواسب النبوءات التوراتيَّة، فإنَّ اليمين المسيحي المتصهين، - وبناءً على مصالح سياسيَّة ودوافع دينيَّة - يقوم بدعم إسرائيل ويدافع عنها بشكل منقطع النظير، ويكنُّ العداء الراسخ للمهدويَّة، ويواصل هجماته المحمومة على الإمام (عجَّل الله فرجه)، وليس غريباً أنْ نجد جميع دعاة النبوءات وحرفيَّة الكتاب المقدَّس من زعماء اليمين المسيحي يربطون النبوءات ربطاً مباشراً بيهود اليوم وبدولة إسرائيل، ثمّ تطبيق هذه النبوءات وخطَّة الله تعالى بأكملها على الأحداث المعاصرة التي تتعلَّق بإسرائيل بالدرجة الأُولى، ونتيجةً لارتباط الأهداف الاستراتيجيَّة أو المسوِّغات والركائز بقيام صهيون الكبرى، يصبح العداء للمهدويَّة صفة ملازمة للصهيونيَّة، وذلك لأنَّ المهدي يُشكِّل عقبة في طريق الأهداف، ولاسيَّما أنَّ تحقيق النبوءات التوراتيَّة لا يعتمد فقط على الرغبة والخطَّة في تنفيذها، بل أيضاً على تجاوز العقبات التي تحيلُ دون تحقيقها، آخذين بعين الاعتبار حقيقة المهدويَّة وأهدافها، وأنَّ بداية ظهوره سيكون من مكَّة المكرَّمة وسينطلق لتحرير المسجد الأقصى في القدس، وهكذا نجد الأعداء ما زالت وستظلُّ لفترة طويلة تضع المهدويَّة محلَّ اهتمامها، وما انتشار هذا الكمِّ الكبير من مظاهر العداء للإمام (عجَّل الله فرجه) والأساليب العديدة ذات المغازي المشبوهة إلَّا دليل على ذلك. ومن جهة أُخرى

(٢٤٥)

نستوعب أيضاً قدرة وسيطرة وتغلغل الماسونيَّة والصهيونيَّة في مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة الغربيَّة، ودفعها بشكل خارق لعداء الإمام (عجَّل الله فرجه).
بعد كلِّ هذه الحقائق الفكريَّة والتاريخيَّة الدامغة، فإنَّ الجهة أو الكيان الذي يحارب الإمام (عجَّل الله فرجه) هي...، بالتأكيد الجواب تجده عند مَنْ له السطوة والتأثير في أروقة المؤسَّسات السياسيَّة الأُوروبيَّة والأمريكيَّة، وتجده أيضاً عند حاخامات ودهاقنة سياسة ومال وإعلام، والذين يديرون الصراعات الدوليَّة والأزمات العالميَّة خُفْيَّةً من وراء الكواليس وفق مصالحهم وأهدافهم.

* * *

(٢٤٦)

المسوِّغات الفكريَّة والركائز العقائديَّة لمعاداة المهدي (عجَّل الله فرجه)

قد يستند الفرد في الإجابة على سؤال: (لماذا يحاربون المهدي؟) إلى مسوِّغات فكريَّة أو دينيَّة أو تاريخيَّة أو سياسيَّة أو فلسفيَّة أو حتَّى سوسيولوجيَّة(١٣٨)، ولا شكَّ أنَّ لكلِّ واحدة منها شطراً من المصداقيَّة في كشف الأسباب، إلَّا أنَّ الأكيد أنَّ تظافرها سينتج إجابات أقرب إلى مطابقة الحقائق وفهم الواقع.
لقد احتلَّت معتقَدات وتنبُّوءات آخر الزمان، والعودة الثانية للمسيح، والمخلِّص المنتظَر مكاناً بارزاً في السنوات الأخيرة في فضاء الثقافة لدى الشعوب الغربيَّة، وقد نشأ عن هذه المعتقَدات ميل مسيحي قويٌّ للاعتقاد بأنَّ قدوم المسيح ينتظر إنشاء دولة إسرائيل الكبرى(١٣٩) وبناء الهيكل ومعركة هرمجدون،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) مصطلح السوسيولوجيا: يعني دراسة المجتمعات الإنسانيَّة وكذلك المجموعات البشريَّة والظواهر الاجتماعيَّة، بالإضافة لدراسة أسباب التغيُّرات في السلوكيَّات وكذلك أُصول الدول من الناحية السياسيَّة والقانونيَّة، والسوسيولوجيا اصطلاحاً هي كلمة نظيرة لعلم الاجتماع الذي يقوم بدراسة التغيُّرات والتطوُّرات التي تُؤثِّر على المجتمع والتنبُّؤ باتِّجاه تلك التغيُّرات.
(١٣٩) إسرائيل الكبرى أو أرض إسرائيل الكاملة، وهي عبارة تشير لحدود الدولة حسب التفسير اليهودي لكتابهم المقدَّس كما في: الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٣/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٥/ النصُّ ١٨ - ٢١) حيث يذكر عهد الله مع إبراهيم: (في ذلك اليوم قطع الربُّ مع إبرام ميثاقاً قائلاً: لنسلك أُعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات...)، هذا الادِّعاء تشمل الحدود الجغرافيَّة من النيل إلى الفرات، وهذا معنى الشرائط الزرقاء في العَلَم الإسرائيلي، التي تُمثِّل نهري النيل والفرات.

(٢٤٧)

ولكنَّ الخطر الأكبر كان في الميل إلى استخدام القوَّة العسكريَّة في سبيل الوصول إلى النهاية، خاصَّةً في تسوية النزاعات الدوليَّة: مثلما منَّى الرئيس الأمريكي (بوش الابن) نفسه (بأنَّ الله هيَّأ له جميع الظروف لمعركة (هرمجدون) وقدوم المسيح)، وكان قد سبقه إلى هذا الحلم بامتياز الرئيس (ريجان) يوم اجتياح إسرائيل للبنان (١٩٨٢م) حيث قال: (إنَّ معركة هرمجدون بدأت علاماتها ليظهر المسيح)(١٤٠)، ولهذا ضاعفت الصهيونيَّة نشاطها، ونجحت إلى مدى بعيد في كسب الأوساط المسيحيَّة، واستطاعت أنْ تُوجِّه الكنائس الغربيَّة بثقافتها التوراتيَّة والتلموديَّة، وأنْ تُحوِّل الرؤية المستقبليَّة المسيحيَّة بشكل جذري إلى اليهوديَّة، وأنْ تتبنَّى الكنائس المسيحيَّة الغربيَّة وجهات النظر الإسرائيليَّة، حتَّى أصبح (العهد القديم)(١٤١) هو المرجع الروحي للمسيحيِّين الغربيِّين بشكل عامٍّ، ولذا يُعزى لقناعات مؤسَّسات السياسيَّة الغربيَّة ومواقفها، تمسُّكهم بالتوراة ونبوءاتها، بالإضافة إلى أنَّ هناك عوامل ومفاهيم عديدة رفدت الفكر اليهودي والمسيحي على مرِّ السنين، وقد استغلَّت الصهيونيَّة هذه المفاهيم استغلالاً خبيثاً في الثقافة الغربيَّة، وتُحاول أنْ تلوي الحقائق لخدمة أهدافها، وسنُشير في هذا الفصل إلى ثلاثة عوامل فقط كمسوِّغ ومرتكز قويٍّ لمعاداة المهدويَّة:
* المفهوم التوراتي لأرض الميعاد: أي إنَّ دولة إسرائيل الحديثة تصبح امتداداً لإسرائيل التوراتيَّة(١٤٢) (الأرض المقدَّسة وأرض الميعاد وصهيون الكبرى).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) الإدارة الأمريكيَّة المحافظة وتسيس نبوءات التوراة لآخر الزمان (ص ١٢٢).
(١٤١) الكتاب المقدَّس لليهود، وهو الجزء الأكبر من الكتاب المقدَّس، ويحتوي على (٤٦) سفراً، وهي عبارة عن جميع كُتُب اليهود، ويُعرَف عندهم باسم التناخ، وهو يحتوي على أسفار موسى الخمسة (التوراة)، والأسفار التاريخيَّة، وأسفار الأنبياء، والحكمة، كزبور داود.
(١٤٢) معلومة تاريخيَّة مثيرة للاهتمام: كان زعماء الصهيونيَّة في (١٩٤٨م) يُفكِّرون بإطلاق اسم (صهيون) على الدولة الجديدة، ولكنَّهم في النهاية قرَّروا تبنِّي اسم (إسرائيل).

(٢٤٨)

* مسألة تزاوج المفاهيم ودمج الأهداف: من خلال عودة اليهود إلى أرض صهيون، وإعادة بناء الهيكل، ومعركة هرمجدون، كمقدَّمة لقدوم المسيح.
* مفهوم الإعداد للأحداث العظيمة المرتقَبة: التعاون لتحقيق النبوءة التي تقول: يتمُّ تأسيس الدولة (إسرائيل الكبرى) بعد سقوط الدجَّال (الذي يُصوِّرنه زوراً بأنَّه المهدي).
أي بمعنى آخر: تدعو للتكاتف لمواجهة كافَّة التحدّيات التي تقف عائقاً أمام قيام دولة اليهود الكبرى، والدعوة إلى إبادة المناهضين لذلك، كشرط من شروط تحقيق النبوءات المقدَّسة في خطَّة الكون.
بيد أنَّ هناك نصوصاً عديدة في الكتاب المقدَّس بشقَّيه (العهد القديم والجديد) تُقوِّض هذه الأكاذيب من أساسها، إلَّا أنَّ الصهيونيَّة تُروِّج لمفهومها وتفسيرها للنبوءات وتُشجِّع على رسم الخُطَط لتحقيق هدفهم الرئيس (تأسيس إسرائيل الكبرى والسيطرة على العالم)، ونتيجةً للتزوير الفكري الصهيوني لتفسير النبوءات، تسلَّل إلى العقليَّة الغربيَّة ربط نزول المسيح بقيام إسرائيل، وربط تأسيس الدولة اليهوديَّة الكبرى بقتل الدجَّال الإسلامي، ولهذا تُروِّج الصهيونيَّة في العقود الأخيرة لاندماج الأهداف وتسلسل خطِّ سير النبوءات، واعتبار أنَّ اليهود الموجودين حاليًّا شركاء لا غنى عنهم في الأحداث العظمى المقبلة قبل مجيء المسيح، وحرَّفت أيضاً في الفكر اليهودي والمسيحي كمسوِّغ أيديولوجي وسياسي، بأنَّه لم يعد المخلِّص مَلِكاً يهوديًّا من نسل داود ننتظره، بل أصبحت إسرائيل الكبرى ننتظرها، كمقدَّمة لانبعاث المسيح المسيحي وليس المسيح اليهودي فقط، وهذا ما نلمسه هذه الأيَّام من الساسة الغربيِّين وسعيهم الدؤوب في تحقيق الخُطَط الصهيونيَّة، والوصول إلى نبوءات توراتيَّة أُسطوريَّة ضمن الخُطَط المرسومة في استراتيجيَّات الصهاينة. علماً بأنَّ الهدف الرئيس والنهائي للماسونيَّة والصهيونيَّة قديماً وحديثاً، والسبب الأساس في

(٢٤٩)

نشأتهما هو: إقامة دولة إسرائيل (مملكة اليهود العظمى) وتتويج مَلِك اليهود في القدس (الذي هو من نسل داود)، ثمّ التحكُّم في العالم، وتسخيره لما يُسَمُّونه (شعب الله المختار)، على أنْ تكون بقيَّة الأُمَم والشعوب الأُخرى خدماً لهم.
بشكل عامٍّ وباختصار شديد، فإنَّ الصهيونيَّة قد أعلنت حرباً أيديولوجيَّة على الغرب، وكان المستهدف هم المسيحيِّين وبشكل خاصٍّ (الإنجيليِّين) وذلك لجعلهم يؤمنون ويتبنَّون أفكارها، وعملوا كثيراً على التحريف في عمق معتقَداتهم وآرائهم، وفي هذا السياق فإنَّنا نُدرك أنَّ اليهود تعتقد: (أنَّ المسيح لم يظهر بعد، وأنَّ ظهوره سيتمُّ في إسرائيل، ويعتقدون كذلك أنَّ من علامات ظهوره وقوع محنة عالميَّة كبيرة، فيأتي المسيح ليُخلِّص الإنسانيَّة ويُجدِّد اليهوديَّة التي تسود العالم)، مقابل ذلك، هناك فئة من المسيحيِّين (الإنجيليِّين) بدأت تؤمن: (بأنَّ للعودة الثانية للمسيح شروطاً، ومن هذه الشروط قيام دولة صهيون وتجمُّع يهود العالم فيها، ثمّ تتعرَّض الدولة اليهوديَّة إلى هجوم من غير المؤمنين وخصوصاً من المسلمين بقيادة الديكتاتور والإرهابي (المهدي))، ثمّ بعد ذلك مباشرةً ينزل المسيح إلى الأرض ليحكم العالم من القدس، بيد أنَّ إيمان المسيحيَّة المتصهينة بهذه الأفكار والمعتقَدات، لا حُبًّا باليهود بالضرورة، ولكن للمساعدة على تحقيق النبوءات التوراتيَّة التي تُمهِّد لعودة المسيح.
وفي هذا الإطار، فإنَّ القسَّ الأمريكي (هال ليندسي) في كتابه واسع الانتشار (آخر أعظم كرة أرضيَّة)(١٤٣) يعرض الأفكار التي تطرحها الحركة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٣) (The Late Great Planet Earth - Hal Lindsey, Zordervan Co ١٩٧٠ st ١)، هو الكتاب الأكثر مبيعاً في الولايات المتَّحدة وأُوروبا لعام (١٩٧٠م)، وقد أعلنت صحيفة نيويورك تايمز (أنَّه أفضل كتاب غير خيالي مبيعاً في السبعينات)، حيث بيع منه أكثر من (٣٥) مليون نسخة بحلول عام (١٩٩٩م)، وتُرجِم إلى أكثر من (٥٠) لغة، وتمَّ إنتاجه كفلم وثائقي عام (١٩٧٨م) مدَّته ساعة ونصف.

(٢٥٠)

الصهيونيَّة المسيحيَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، والمنظَّمات الدِّينيَّة التي تعمل تحت ظلال كنسية للترويج للمنطلقات الفكريَّة للحركة، وتُكوِّن بالتالي ضميراً دينيًّا جماعيًّا بوجوب دعم إسرائيل تحقيقاً لنبوءات مستخرجة من التوراة، بما يتوافق مع الأهداف الاستراتيجيَّة لإسرائيل، وفي كتابه ذائع الصيت يرسم ليندسي سيناريو معركة هرمجدون، وباختصار سنُشير لتسلسل الأحداث كما يفترضها(١٤٤):
١ - قيام الدولة اليهوديَّة الكبرى (صهيون) من النيل إلى الفرات.
٢ - عودة اليهود من الشتات إلى أرض الميعاد.
٣ - إعادة بناء معبد الهيكل في مدينة القدس.
٤ - تعرُّض إسرائيل إلى هجوم كبير من الكُفَّار (المسلمين والحلفاء).
٥ - قيام ديكتاتور إسلامي (الدجَّال: المهدي) بتزعُّم القوَّات المهاجمة ويُحشِّد (٢٠٠) مليون جندي.
٦ - خضوع معظم العالم لسيطرة هذا الديكتاتور لمدَّة سبع سنوات.
٧ - وقوع معركة هرمجدون النوويَّة، ويُقتَل فيها مئات الملايين من البشر (ثُلُث سُكَّان الأرض).
٨ - تشارك قبائل يأجوج (الصين) ومأجوج (روسيا) في المعركة مع المسلمين بقيادة الدجَّال.
٩ - نجاة المؤمنين بالمسيح بمعجزة إلهيَّة، ورفعهم إلى الفضاء فوق أرض المعركة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) (The Late Great Planet Earth - Hal Lindsey)، أي: آخر أعظم كرة أرضيَّة، ملخَّص (ص ١٦٢ - ١٧٠)، ويتحدَّث عن الدمار في كلِّ العالم، ولا يقتصر على ميدان المعركة فقط، ويقول في (ص ١٦٨): (مع بلوغ معركة هرمجدون ذروتها الرهيبة، ويبدو أنَّ كلَّ أشكال الحياة ستُدمَّر على الأرض، في هذه اللحظة بالذات سيعود يسوع المسيح وينقذ الإنسان من الانقراض الذاتي).

(٢٥١)

١٠ - نزول المسيح بعد سبعة أيَّام من انتهاء المعركة إلى الأرض ومعه المؤمنون به.
١١ - سيبقى ثُلُث اليهود فقط على قيد الحياة بعد المعركة، ويبادرون إلى الإيمان بالمسيح.
١٢ - يحكم المسيح العالم من القدس لمدَّة ألف عام بعدل وسلام حتَّى تقوم القيامة.
من هنا نجد أنَّ مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة الغربيَّة تتسابق إلى تثبيت فكرة معركة هرمجدون بتفسيرها اليهودي (الصهيوني) لدى الشعوب الغربيَّة للحصول على مكاسب سياسيَّة، وتنفيذاً لمآرب الصهيونيَّة العالميَّة وإرضاءً لدولة إسرائيل، وفي هذا السياق تقول الكاتبة الأمريكيَّة (جريس هالسل) في كتابها النبوءة والسياسة ما نصُّه: (إنَّ النبوءات التوراتيَّة تحوَّلت في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة إلى مصدر يستمدُّ منه عشرات الملايين من الناس نسق معتقَداتهم، ومن بينهم أُناس يُرشِّحون أنفسهم لانتخابات الرئاسة الأمريكيَّة، وكلُّهم يعتقدون قرب نهاية العالم ووقوع معركة هرمجدون، ولهذا فهم يُشجِّعون التسلُّح النووي ويستعجلون وقوع هذه المعركة باعتبار أنَّ ذلك سيُقرِّب مجيء المسيح)(١٤٥)، وفي هذا الصدد فإنَّ العلاقة بين العمل (السياسي أو العسكري) والإيمان الدِّيني بهذه النبوءات هي علاقة مباشرة، ذلك أنَّ الصهيونيَّة تُروِّج وتنشر أنَّ من واجب الإنسان المؤمن (يهودي أو مسيحي) أنْ يُوظِّف كلَّ إمكاناته وقدراته لتحقيق إرادة الله، وهذا يعني أنَّ الإيمان بـ (هرمجدون) يتطلَّب خلق ظروف مؤاتية لمحاربة الديكتاتور (المعادي للمسيح) قبل ظهوره، والذي يؤمنون بوجوده حاليًّا وهو (المهدي) أي الدجَّال الإسلامي حسب زعمهم وتصوُّرهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٥) النبوءة والسياسة لجريس هالسل.

(٢٥٢)

وما من شكٍّ بعد استعراض كلِّ هذه الحقائق، فإنَّ المتتبِّع للأحداث ولمظاهر العداء للمهدويَّة، يرى أنَّ الصهيونيَّة وزعماءها لهم اليد الطولى والمحرِّض الأساسي لتلك الأحداث، فبعد أنِ استيقنت الصهيونيَّة من وجود وثبات دولة إسرائيل الحاليَّة على أرض الواقع، وأصبحت معترفاً بها في أروقة المنظَّمات الدوليَّة، ولكنَّهم يأسفون بأنَّه تكشَّف وانجلى لهم بكلِّ تأكيد: أنَّ الخطر المحدق بها، وأنَّ زوالها سيتمُّ على يد القائد المسلم (المهدي)، وذلك من خلال التراث الدِّيني (النبوءات التوراتيَّة) والوثائق القديمة لديهم (مثل: كتاب الكابالا وتنبُّؤات نوستر آداموس)، والتي أنبأت بأنَّ حرب المهدي لليهود قادمة لا محالة، وأنَّ مصيراً أسوداً ينتظرهم، وقد أكَّد ذلك القرآن الكريم (في سورة الإسراء)، ممَّا خلق لديهم حالة من الرعب والقلق من كلِّ ما له علاقة بالمهدي (عجَّل الله فرجه)، وهذا ما يُفسِّر مساعيهم الدائمة لمعاداة المهدويَّة، ولذا قاموا بحملة إعلاميَّة واسعة لنشر الفكرة والبدعة التي اختلقتها الصهيونيَّة (محاربة المهدي) في جميع أرجاء الدول الغربيَّة، وانتشرت الفكرة بسرعة وتبنَّتها الأقطار الغربيَّة دون أنْ يحاول أحد مناهضتها، ممَّا أدَّى إلى جعلها محوراً يلتفُّ حوله الساسة في الغرب، وأنْ يبنوا عليها آمالاً لتحقيق النبوءات.
عندما يعمد الباحث إلى التعمُّق في دراسة المسوِّغات والركائز والأهداف التي لا زالت تُؤدِّي إلى معاداة المهدويَّة يقف حائراً للأسباب الواهية التي يتبنَّونها وينطلقون منها، ويجد أنَّها أطماعاً استعماريَّة تحت جلد النبوءات الدِّينيَّة، وبالرغم من أنَّ كثيراً من قادة الدول الغربيَّة يُقدِّمون الدعم والمساندة في هذه الحرب الظالمة ولأسباب لا علاقة لهم بها، ولا يوجد لأيِّ منهم مبرِّر قومي يُجيز له الدخول أو المشاركة فيها، ولكن أملته معتقَدات دينيَّة مبنيَّة على تنبُّوءات توراتيَّة، وبتوجيه وضغط من الحركة الصهيونيَّة والماسونيَّة، وهكذا تهيَّأ ساسة

(٢٥٣)

العالم الغربي لخوض الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والمستفيد الوحيد منها اليهود فقط، وهنا نتساءل: أليس من الغريب من ساسة علمانيِّين توظيف نبوءات توراتيَّة حتَّى تأخذ قراراتهم - ذات مظاهر عدوانيَّة سرّيَّة - الشرعيَّة والمصادقة عليها، والأمر الأعجب في هذه القرارات والإجراءات إضفاء ثقافة دينيَّة عليها وإكسابها تصوُّرات غيبيَّة، بينما ترى الحياة في المجتمعات الغربيَّة قائمة على العلم والموضوعيَّة والمادّيَّة والعلمانيَّة؟

* * *

(٢٥٤)

لماذا يحاربون المهدويَّة؟ (الأسباب الحقيقيَّة)

إنَّ المسألة الحقيقيَّة وراء محاربة الغرب - الروم كما في روايات أهل البيت (عليهم السلام) - للمهدويَّة مختلفة تماماً وأوسع بكثير من المسوِّغات والركائز التي يُصرِّحون بها ويُروِّجونها، والتي هي عبارة عن حُجَج واهية وإثباتات غير مقنعة يتشبَّثون بها كذريعة لتبرير إجراءات العداء للمهدويَّة أمام شعوبهم والرأي العامِّ العالمي، أمَّا الأسباب الحقيقيَّة والدوافع الواقعيَّة ففي الأصل تُمثِّل الخلاصة والجوهر والنهاية للصراع ضدَّ العقيدة الإسلاميَّة، وهذه إحدى جبهات الأعداء المفتوحة، فمناهضة المهدويَّة هو نزاع وتحدٍّ قديم انطلق في الغرب على أساس أيديولوجي وعلى أعلى المستويات السياسيَّة (وهو في نظرنا أكثر خطراً من المجابهة العسكريَّة)، ولكن مع مرور السنين وتراكم خبراتهم أيقنوا اليوم أنَّ المهدويَّة تُمثِّل أكبر عقبة أمام مصالحهم وأهدافهم النهائيَّة سواءً في الغرب أو في الشرق الأوسط، وهذا ما دفعهم في الآونة الأخيرة لتصعيد درجة الحرب في كثير من الجبهات، وإنْ كانت وراء الكواليس، وهو ما يمكن تسميته اختصاراً بـ (الحرب السرّيَّة ضدَّ المهدويَّة).
إنَّ القضيَّة المهدويَّة كانت حاضرة دائماً في الدراسات الاستشرافيَّة ومراكز البحوث الاستراتيجيَّة الغربيَّة، ولكن منذ عام (١٩٧٩م) رجع الصدى لذلك الخوف المغروس في أعماق الذاكرة الغربيَّة، وأصبحت المهدويَّة موضوعاً يتَّسم بأهمّيَّة متزايدة وذا صفة مصيريَّة ووجوديَّة لدى مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة

(٢٥٥)

والعسكريَّة الغربيَّة، ولذا نجد حالات ومظاهر متنامية وبشكل علني لتقويض المهدويَّة في الوسائل الإعلاميَّة والثقافيَّة الغربيَّة، ودائماً يتمُّ ربطها بما يتوافق مع مشاهد العنف والإرهاب، ومع تأمُّل الصهيونيَّة في خلاصة نتائج الكتابات الاستشرافيَّة وتوصيات مراكز البحوث، بدأت الأيدي الخفيَّة الاستخباراتيَّة ترويج (المهدي فوبيا)(١٤٦) في المجتمعات الغربيَّة وعند الرأي العامِّ العالمي، وهنا نأتي للسؤال الذي يُثيرنا: لماذا هذا الخوف والهلع من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ وما هي مبرِّرات العداء له؟ وما هي الدوافع الواقعيَّة والأسباب الحقيقيَّة؟
ما من شكٍّ أنَّ أسباب الخوف والرعب من العقيدة المهدويَّة ومن الإمام المهدي شخصيًّا، له بواعث وحوافز عديدة وأهداف غير معلنة، ولكن أخطر هذه الدوافع والأهداف والتي يتعاظم دورها يوماً بعد يوم وتُمثِّل المنطلق الأساس للحرب السرّيَّة ضدَّه، تدور حول ثلاثة عناصر جوهريَّة، وهي:
الأوَّل: الخوف من المهدويَّة مستقبلاً:
إنَّ المسألة الحقيقيَّة وراء محاربة الأعداء للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، هو تعارض مصالحهم مع منهج الإمام، وتضاربها مع مبادئ العدل والقسط الإلهي الذي سيُطبِّقه المهدي، وفوق ذلك إدراكهم للمصير الأسود الذي ينتظرهم على يد القائد العظيم، هذا هو السبب والدافع الرئيسِ لصراعهم مع المهدويَّة حاليًّا ومستقبلاً. ودون ريب، يشعر الصهاينة بالخطر المحدق عندما يتذكَّرون المشاهد التاريخيَّة: لجلاء الرسول (صلَّى الله عليه وآله) لبني قينقاع وبني النضير من المدينة ومصير بني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٦) مصطلح (المهدي فوبيا): ينطوي على التحامل والكراهية والخوف من الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) أو كلِّ شيء يرتبط به، وبالأخصّ عندما يُنظَر للمهدويَّة كقوَّة جيوسياسيَّة أو كعدوٍّ ومصدرٍ للإرهاب، ممَّا يُؤدِّي إلى النظر لقِيَمها ومبادئها بدونيَّة ومنزلة أقلّ من الثقافة الغربيَّة.

(٢٥٦)

قريظة، وقتال الإمام عليٍّ (عليه السلام) لليهود في خيبر، ولذا يُسيطر عليهم الرعب ويحذرون أنْ تكون لهم نفس العاقبة على يد الحفيد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
وعندما نستقرئ أسباب القلق والرعب لدى الأعداء، نجد أنَّ هناك أدلَّة واستشهادات دينيَّة وإشارات وتلميحات عديدة في الكُتُب السماويَّة جميعها تُؤكِّد على حتميَّة ظهور المخلِّص آخر الزمان، بالإضافة إلى أنَّ هذه النبوءات تُرسِّخ حقيقة أنَّ المخلِّص المنتظَر في جميع التراث الدِّيني السماوي هو شخص واحد، وبالتالي ما ينتظره اليهود وما ينتظره المسيحيُّون وما ينتظره المسلمون وما تنتظره البشريَّة من قديم الزمان وإلى الآن، ليُقيم دولة العدل الإلهي هو في الواقع شخص محدَّد بعينه بحسب نصوص عديدة في الكتاب المقدَّس(١٤٧)، وممَّا يُعزِّز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) مع ملاحظة أنَّ بشارات الأديان تتناول قضايا وخصوصيَّات في المخلِّص الموعود لا تنطبق إلَّا على أبرز ما يُميِّز أُطروحة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والواقع التاريخي الذي مرَّت به، مثل: تعرُّض المخلِّص لخطر القتل والتصفية أثناء ولادته والتي تُؤدِّي إلى غيبته، ثمّ التأكيد على أنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته حتَّى موعد ظهوره، وهذا من خصائص الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، حيث وردت الإشارة إلى ذلك بصراحة ووضوح تامٍّ في الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٨/ سفر رؤيا يوحنَّا، الإصحاح ١٢، النصُّ ١ - ٦) ما نصُّه: (وظهرت آية عظيمة في السماء امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصرخ متمخِّضة متوجِّعة لتلد، وظهرت آية أُخرى في السماء، هو ذا تنِّين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذنبه يجرُّ ثُلُث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنِّين وقف أمام المرأة العتيدة أنْ تلد حتَّى يبتلع ولدها متَّى ولدت، فولدت ابناً ذَكَراً عتيداً أنْ يرعى جميع الأُمَم بعصاً من حديد، واختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البريَّة حيث لها موضع معدٌّ من الله).
وكذلك ذُكِرَ أنَّه الثاني عشر من سلسلة مباركة متَّصلة، نظير ما ورد في الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠) ما نصُّه: (وأمَّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، وها أنا أُباركه وأثمره وأُكثِّره كثيراً جدًّا، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أُمَّة كبيرة)، وقد ثبت ذلك فعليًّا وواقعيًّا في التاريخ الإسلامي، وعليه يتجلَّى لنا أنَّ البشارات تهدي إلى حقيقة هي: أنَّ المخلِّص المنتظَر هو الإمام المهدي خاتم هؤلاء الاثني عشر. بالإضافة إلى وصف المنتقم لدم الحسين (عليه السلام) المستشهد عند نهر الفرات كما ورد في الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١١٥٠/سفر إرميا/الإصحاح ٤٦/النصُّ ٩ و١٠) ما نصُّه: (اصعدي أيَّتها الخيل، وهيجي أيَّتها المركبات، ولتخرج الأبطال...، فهذا اليوم للسيِّد ربِّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم، لأنَّ للسيِّد ربِّ الجنود ذبيحةً في أرض الشمال عند نهر الفرات)، وهناك أمثلة كثيرة لا يتَّسع المجال لذكرها.

(٢٥٧)

الرعب والفزع لدى الصهاينة أيضاً، أنَّ التراث الدِّيني الإسلامي يحتوي على آيات قرآنيَّة وأحاديث شريفة كثيرة يُستدَلُّ بها على نهاية اليهود وسقوط دولتهم (إسرائيل) وزوالها من الوجود على يد خاتم الأوصياء آخر الزمان، وعند تتبُّع هذه النصوص الإسلاميَّة(١٤٨) يمكن تبويبها على النحو التالي:
- الوعد القرآني: فقد ركَّزت بعض آيات سورة الإسراء(١٤٩) على الإفساد الإسرائيلي، وأنَّ عقوبة الإفساد الثاني ستحلُّ باليهود مستقبلاً، بحيث تكون ساحقة ولا تقوم لهم بعدها قائمة، وقد بشَّر القرآن بأنَّ العقاب سيكون بقيادة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه).
- الأحاديث التي دلَّت بمعناها على حتميَّة زوال إسرائيل من الوجود، وبشَّرت بظهور الإسلام عالميًّا على جميع الأديان، وسيادة حكمه على العالم كلِّه في آخر الزمان بقيادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٨) لمزيد من التفاصيل والاطِّلاع على الأحاديث بهذا الخصوص، ارجع إلى: سقوط إسرائيل من العلوِّ والإفساد إلى الزوال (ص ٨٦ - ٩٠) بالإضافة (ص ١٥٨).
(١٤٩) قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً * عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾ (الإسراء: ٤ - ٨).

(٢٥٨)

- الأحاديث التي دلَّت بظاهرها وبشكل صريح على معارك المسلمين مع اليهود، لإزالة الكيان الإسرائيلي من الوجود، وعلى وقوع حروب شرسة آخر الزمان والنصر فيها للمسلمين.
- الأحاديث التي تناولت موقف الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من اليهود، وطلبهم الأمان منه بعد سقوط دولتهم، والاحتجاج عليهم بالتوراة الأصليَّة، فيؤمن عدد كبير منهم بالإسلام على يديه.
- الأحاديث التي أخبرت عن سيطرة الإمام (عجَّل الله فرجه) على مدينة القدس، إلى حين نزول النبيِّ عيسى (عليه السلام) من السماء، ومشاركته مع المهدي في قيادة الحرب العالميَّة ضدَّ الدول الغربيَّة الكبرى (الروم).
بالإضافة إلى ذلك، هناك مجموعة من النصوص والنبوءات في الكتاب المقدَّس (العهد القديم والعهد الجديد) تعضد نفس المفهوم والمعنى، إلَّا أنَّها فُسِّرت بشكل سلبي لمصالح سياسيَّة، فساهمت إلى حدٍّ كبير في صناعة الخوف لدى الصهيونيَّة وداخل الوعي الجمعي للمؤسَّسات السياسيَّة الغربيَّة من المستقبل المظلم، وبدل أنْ يستوعب الأعداء هذه الحقائق، وأنْ تُقنِعهم بعدم جدوى مناهضة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأنَّه في الأصل وعد إلهي، لكنَّنا للأسف نجد أنَّ جميع المشاعر السلبيَّة في الغرب تجاه المهدويَّة ما هي إلَّا صدى في أبعادها النفسيَّة والفكريَّة لأزمة الخوف من المستقبل، بل أزمة فقدان المصالح والقوَّة والسيطرة، وعوضاً عن الانسياق وراء الفطرة والعقل والاستضاءة بالتعاليم السماويَّة، إذ بهم ينجرُّون خلف طائفة من الذرائع الموغلة في معاداة المهدي، واللهث بصورة متسايرة مع الأهداف والمصالح الشيطانيَّة، والاستمرار في حرب سرّيَّة خاسرة مع وليِّ الله الأعظم.

(٢٥٩)

الثاني: الخوف من الديناميكيَّة الكامنة في العقيدة المهدويَّة:
قد توجَّس الأعداء من المهدويَّة قديماً وحديثاً، للفاعليَّة المؤثِّرة التي يلعبها الإيمان بالمهدويَّة، وقد ترسَّخ وتكرَّس هذا الخوف في العقود الأربعة الأخيرة، ففي ضوء التحوُّلات السياسة الكبرى التي عاشها العالم الإسلامي، بدأت المؤسَّسات السياسيَّة الغربيَّة (الاستعمار الجديد) تبحث عن المواطن التي تُشكِّل بؤرة تهديد وخطر عليهم، وتدرس أسباب هذه المخاضات النهضويَّة والثوريَّة في المجتمعات الإسلاميَّة، وبالخصوص في البلاد الشيعيَّة، ومن خلال مراقبة مخاض الأحداث في منطقتنا الإسلاميَّة والتطوُّرات السياسيَّة والفكريَّة فيها، تحفَّزت إلى ضرورة التعرُّف على العقيدة الفكريَّة التي هزَّت المصالح الغربيَّة وسبَّبت هذه التغيُّرات في ثقافة شعوب المنطقة، وبعد التمعُّن والتدقيق توصَّلوا إلى نتيجة جوهريَّة مفادها: قد تولَّد نشاط ثقافي تجديدي في الأوساط المؤمنة، والحوافز الفكريَّة المساعدة والمشجِّعة لمخاض التغيير غذَّته الرؤية الجديدة للقضيَّة المهدويَّة، وقد تأكَّد هذا الانتعاش بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران، فقد أخذ يتكوَّن وينتشر في المجتمعات الشيعيَّة الإيمان والاعتقاد بمشروع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ومنهاج أهل البيت (عليهم السلام) والعمل على تحقُّق مقدَّمات الظهور، وتفعيل هذه العقيدة من خلال الانسجام والتعامل بأنَّ عنده مشروعاً عمليًّا ميدانيًّا اجتماعيًّا سياسيًّا ينتظر إنجازه.
لقد تبيَّن للمؤسَّسات السياسيَّة في الغرب وبشكل قاطع أنَّ خوفهم سببه ينبع من المهدويَّة، حيث وجدوا فيها: عقيدة متجدِّدة فكريًّا وحضاريًّا وفاعليَّة إيجابيَّة ومؤثِّرة على المجتمعات الإسلاميَّة، وبالخصوص أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، فكثير من الدراسات الاستشراقيَّة ومراكز البحوث الاستراتيجيَّة الغربيَّة والتقارير الاستخباراتيَّة تُؤكِّد: (أنَّ الإيمان بالمهدويَّة عقيدة خطرة لأنَّها

(٢٦٠)

تبعث بطاقة إيجابيَّة تُحرِّك الشعوب المستضعفة نحو الثورة والتغيير، فمن الثابت أنَّ المهدويَّة ليست عقيدة فرديَّة يعيشها الفرد في نفسه أو في ظرفه وميدانه الخاصِّ، وإنَّما هي عقيدة تقتضي الارتباط بالمجتمع وحمل المسؤوليَّة بالموقف السياسي والاجتماعي، ولها تداعيات وتوجُّهات وتأثيرات خارجيَّة فعليَّة، بالإضافة أنَّ في هذه العقيدة خصائص وصفات حيث ارتبطت بالواقع (الحياة السياسيَّة والفكريَّة) وبشكل حيوي وفعَّال ومن موقع التأثير عليه)، وقد أكَّد ذلك بعض المستشرقين(١٥٠) وافترضوا أنَّ هذه التحوُّلات الفكريَّة هو عامل مساعد على التطوُّر والتغيير السياسي، وأنَّ العقيدة المهدويَّة المتجذِّرة في نفوس وعقول الشيعة تُلبِّي احتياجات العصر حاضراً ومستقبلاً، وتُعطي المجتمع الشيعي الدافعيَّة للحركة والتغيير والنهوض، فضلاً عن وجود المرجعيَّات الدِّينيَّة الشيعيَّة المتعاقبة الحاملة لهذا الفكر والعاملة به.
لذا مَنْ يتعرَّف على حقيقة المهدويَّة فإنَّه يرى أنَّها منهج فاعل وعقيدة تطبيقيَّة، لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، والتي هي انعكاس مباشر لسبب القلق والخوف لدى الأعداء، وقد زادت حدَّة التوجُّس والحذر في الآونة الأخيرة من التطوُّرات المفصليَّة التي فرضتها نجاحات قوى المقاومة الإسلاميَّة الشيعيَّة في المنطقة، ولهدف القضاء على هذه الإيجابيَّة والفاعليَّة عند المؤمنين بالمهدويَّة، وقتل نفسيَّة الأمل وروحيَّة الانتظار، تتوسَّل مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة بحروب ناعمة (سرّيَّة) لتقويض أمر المهدويَّة ودحض ثقافتها، ولهذا السبب فقد خطَّطوا ومنذ أمد بعيد لمحاربة الإمام (عجَّل الله فرجه) والقضاء عليه، وتدمير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٠) السيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة؛ وكمثال نستشهد بما قاله هذا المستشرق الهولندي في (ص ١٠٩): (أمَّا نحن معشر الغربيِّين فقد استرعت عقيدة المهدي (والمهدي المنتظَر بوجه خاصٍّ) أنظار المستشرقين منَّا، لما كان لها من الأثر في سياسة الشرق حتَّى اليوم).

(٢٦١)

كلِّ ما يمكن أنْ يُشكِّل قوَّة له، ولذا لا نستغرب من منحى التصاعد الحاصل في حجم الهجوم الخفي الذي يشنُّه الأعداء على المهدويَّة في الوقت الحالي.
الثالث: الخوف من انتشار مبادئ وقِيَم المهدويَّة في الغرب:
ممَّا يُؤدِّي لتخلِّي الشعوب الغربيَّة عن الولاء لحكوماتها، بكلِّ تأكيد أنَّ المهدويَّة ليست مجرَّد عقيدة فلسفيَّة في الفكر الإسلامي أو نظريَّة ثقافيَّة جامدة لا تمسُّ هموم وآمال شعوب العالم، ولو كانت كذلك لما خافوا منها، ولكن ما تتَّصف به المهدويَّة من مزايا وخصائص، وما تحمله من مبادئ وقِيَم وأهداف عُليا، وما تمتلكه من مقوِّمات في تقديم ذاتها للآخرين بنجاح، ما يُؤهِّلها للنهوض بالإنسانيَّة لتصل لمرحلة الكمال والرشد، وممَّا يجعلها سريعة الانتشار والقبول لمن يعرفها ويطَّلع على حقيقتها، ولذا فقد صدرت عدَّة دراسات وأبحاث وتقارير استخباراتيَّة تُحذِّر من عواقب انتشار المعارف والحقائق عن المهدويَّة الأصليَّة (كما هي في أُطروحة مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)) في الغرب، وجُلُّ التوصيات تُركِّز على العمل بشكل سريع ومكثَّف لتشويه صورتها وتزييف حقيقتها وبثِّ الشكوك حولها وبمختلف الوسائل والأساليب، لحماية واحتواء الشعوب الغربيَّة وتخويفهم وترهيبهم منها - أي تحصين المجتمع الأُوروبي والأمريكي من وجهة نظرهم -، وكلُّ هذا التوجُّس والفزع على المواطن الغربي من أنْ يتعرَّف على المهدويَّة الأصليَّة بكلِّ أبعادها وحقائقها، ويُدرك أنَّ الخلاص الإنساني الأمثل والأكمل، والذي يتلاءم مع وجدان الفطرة ويتوافق مع برهان العقل ويتعاضد مع الإرشاد السماوي ينطبق عليها فقط، فلا مفرَّ حينها من التصديق بها وتأييدها، وستكون في نظره الملبّية لطموحات البشريَّة والمحقِّقة لآمال وأُمنيات الإنسانيَّة، وهذا في جوهره واحد من ضمن الأسباب والدوافع الحقيقيَّة للخوف والذعر من المهدويَّة.

(٢٦٢)

كلُّ هذه الحقائق والمعطيات جعلت الصهيونيَّة والحكومات الغربيَّة تعتبر المهدويَّة عدوًّا لها، وقد كان بعض المسؤولين السياسيِّين الغربيِّين يتساءل باستغراب: (كيف يمكن لمواطنينا أنْ يكونوا معجبين بالمهدويَّة وليس بنا؟)! ولذلك كان السعي الدائم لمحاربة المهدويَّة من أجل القضاء مسبقاً على حُبّ واحترام الشعوب الغربيَّة لها، ولا أنْ تصبح أيديولوجيَّة إنسانيَّة جذَّابة ولاسيَّما بين المثقَّفين والنُّخَب الفكريَّة في الغرب إذا توضَّحت أهدافها الكبرى، وفي الآونة الأخيرة تلبَّسهم خوف وقلق شديد من أنْ تتعرَّف شعوبهم على المهدويَّة برؤية جديدة وبصبغة إنسانيَّة بعيداً عن الصورة المزيَّفة التي يتمُّ الترويج لها في الغرب، ومن أنْ تتحرَّك ضمائر الرأي العامِّ العالمي ليتَّخذوا موقفاً واضحاً وصريحاً مؤيِّداً لها، ومن هنا فإنَّ أكبر الفزع والهلع عندهم اليوم: أنْ يُدرك أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هذه الحقيقة، ويتمُّ عرض المهدويَّة بصورة ورؤية حضاريَّة، وإشاعة خصائص دولته وماذا سيتحقَّق على يديه في المستقبل، والترويج لها بما يتناسب وعقليَّة المجتمعات الغربيَّة، فالمهدويَّة هي الجوهر الحقيقي للأُمنية الكبرى التي تبحث عنها البشريَّة منذ القِدَم وحتَّى الآن.
وباختصار نكتفي بإبراز هذا المسوِّغ والحافز والتأكيد عليه: أنَّ الغرب عندما يحمل ثقافة الحقد والبغض للمهدويَّة، وتتحوَّل إلى معاداة، وتتطوَّر إلى حرب سرّيَّة، فإنَّما يقتات على مضامين صهيونيَّة وأُطروحات تلموديَّة ونبوءات توراتيَّة، وهذا تجلٍ لمبدأ متجذِّر في عقيدتهم السياسيَّة (بروتوكولات حكماء صهيون)، وجزء رئيسي من الاستراتيجيَّات النهائيَّة والغايات الكبرى للصهيونيَّة ولمؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة الغربيَّة، التي لديها الرغبة في السيطرة على الكثير من القوى في العالم المخالفة لها في الرؤية والهدف.

* * *

(٢٦٣)

الأهداف الاستراتيجيَّة للحرب السرّيَّة

إنَّ استراتيجيَّة الحرب السرّيَّة تُعتبَر أكثر خطورة من استراتيجيَّة الحرب العسكريَّة، ويُعزى ذلك لاستخدامها لأساليب نفسيَّة ووسائل القوَّة الناعمة، ويكون تأثيرها المباشر على عقول الناس وعقائدهم ومعنويَّاتهم ووجدانهم ومستقبلهم، وتكمن خطورتها في خفائها وسرّيَّتها بحيث لا ينتبه الناس إلى أهدافها ولا يحذرون أو يحتاطون منها، فالحرب العسكريَّة تستطيع أنْ تُدمِّر القوَّات والمعدَّات، والحرب الاقتصاديَّة تحرم الخصم من الموارد الماليَّة والحيويَّة، أمَّا الحرب السرّيَّة (وكثير من جوانبها نفسيَّة ودعائيَّة) فهي أخطر وأعمق أثراً، لأنَّها تُجرِّد الفرد من أثمن ما لديه وهو الإيمان والعقيدة، وهي تستهدف عقله وتفكيره وقلبه وعواطفه وتُحطِّم روحه المعنويَّة (بمعنى: السيطرة على العقول قبل الأبدان).
إنَّ الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لا تُوجِّه سهامها إلى المهدي مباشرةً أو قاعدته الشعبيَّة أو المجتمعات المؤمنة به فقط، بل تشمل أيضاً الشعوب الغربيَّة والرأي العامَّ(١٥١)، وهكذا يتبلور الهدف ويختلف باختلاف المجتمع المستهدَف، ففي وضع - كالأُمَّة الإسلاميَّة والمؤمنين به والموالين له - يكون الهدف تغيير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥١) الرأي العامُّ: هو الرأي السائد بين أغلبيَّة الشعب أو وجهة نظر الأكثريَّة تجاه قضيَّة معيَّنة (عامَّة) في زمن معيَّن، والرأي العامُّ الغربي: هو الرأي السائد بين مجموعة من الشعوب الأُوروبيَّة والأمريكيَّة (مسيحيَّة - علمانيَّة).

(٢٦٤)

القناعات الفكريَّة وتحطيم الروح المعنويَّة و...، وفي وضع آخر - كالشعوب الغربيَّة والرأي العامِّ العالمي - يكون الهدف تعزيز الرؤية الحاليَّة (الصورة الكاذبة والمزيَّفة)، وتحصين المجتمع من التأثُّر بقِيَم ومبادئ المهدويَّة، بل خلق رأي عامٍّ مناهض لها.
تنطلق الحرب ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من أهداف أوَّليَّة ونهائيَّة وتكتيكيَّة واستراتيجيَّة، ويتمُّ تنفيذها على خطوات ومراحل، والخطَّة العامَّة الأساسيَّة من المتوقَّع أنْ يستغرق تحقيقها وقتا طويلاً، ولكن وظيفة الأعداء في المرحلة الحاليَّة هي زرع البذرة لخُطَط جديدة والعمل على إكمال المشروع الذي بدأه أسلافهم، وبشكل عامٍّ نتكلَّم عن خطَّة شاملة متكاملة بعيدة المدى وذات أهداف متعدِّدة، يستخدمون فيها أساليب قديمة وحديثة وأدوات ووسائل القوَّة الناعمة لمواجهة حجم القضيَّة التي ينتظرونها، وتكمن أبرز خطوط استراتيجيَّتهم ونقاط ارتكازهم في خمسة محاور رئيسيَّة، وبقيَّة الأساليب والتكتيكات والعناوين المختلفة تندرج أو تنطوي تحت مظلَّة أحد هذه الأُطُر العامَّة:
أوَّلاً: نسف العقيدة المهدويَّة من الأساس والتشكيك في مصداقيَّتها:
وذلك بإيحاء أنَّ أصل الفكرة (المهدويَّة الإسلاميَّة) من وهم الخيال ومقتبسة من الديانات السابقة (المسيحيَّة واليهوديَّة والزرادشتيَّة)، وأنَّها نتاج ظروف سياسيَّة ونفسيَّة تعرَّض له الشيعة طوال التاريخ، وليس للمهدي (إنْ وُجِدَت الفكرة) أيُّ ارتباط بالسماء، وهدفهم الأساس: هدم الأصل الفكري (الغزو الثقافي من الداخل)، وقتل نفسيَّة الأمل والتفاؤل من الإيمان بالمهدويَّة، وإجهاض الإيجابيَّة في روحيَّة الانتظار، بالإضافة إلى تهيئة الأرضيَّة الفكريَّة والثقافيَّة والمناخ الاجتماعي لمدَّعي المهدويَّة كذباً وزوراً.

(٢٦٥)

ثانياً: خلق حالة من الكره النفسي والعقلي للإمام (عجَّل الله فرجه) وللعقيدة المهدويَّة:
وذلك عبر خلق وابتكار جماعات جديدة وعديدة من دعاة المهدويَّة، ودعمهم ومساندتهم، وتكمن الخطورة في أنَّ انتشار ظاهرة ادِّعاء المهدويَّة وبكثرة في الآونة الأخيرة، وتكرار فشلها على أرض الواقع، سيُؤدِّي إلى اقتران الفشل المتكرِّر بتكوين كره نفسي للعقيدة المهدويَّة عند الشعوب الإسلاميَّة، ممَّا تدفعها لاتِّخاذ مواقف مضادَّة ومنفِّرة من الفكرة والعقيدة والمهدويَّة الأصليَّة، وهدفهم الأساس: فصل الجماهير المؤمنة عن العقيدة المهدويَّة الحقَّة وصاحبها.
ثالثاً: ضرب المرجعيَّة الدِّينيَّة الشيعيَّة:
بالإيحاء للجماهير المؤمنة بعدم الحاجة إليها، وبالاستغناء عنها تدريجيًّا، والنيل من استقلالها المالي والسياسي، وذلك عبر دعم ومؤازرة مدَّعي السفارة والبابيَّة، وتكمن الخطورة في إشاعة أنَّ المرجع الدِّيني يعيش مرحلة الحكم الظاهري (أي إنَّ الفتوى تظلُّ حكماً ظاهريًّا ظنّيًّا أقرب منه إلى الواقع)، وهذه المرحلة قد انتهت بظهور السفير (المدَّعي للسفارة والنيابة الخاصَّة) والذي يرجع للإمام الغائب مباشرةً، وبالتالي ينقل الأحكام والمسائل الحقَّة والمطابقة للواقع، وهدفهم الأساس: القضاء على القلعة الحصينة للشيعة، ورأس الحربة في المواجهة، وفصل الجماهير عن نُوَّاب الإمام (عجَّل الله فرجه).
رابعاً: إضعاف القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) ومحاربة الأرضيَّة المؤيِّدة والمعاضدة له قبل خروجه:
وذلك عبر سلسلة من الحروب العسكريَّة والاقتصاديَّة والفكريَّة، وبعناوين ومسمَّيات مختلفة وغير مباشرة، حتَّى لا يجد (عجَّل الله فرجه) إلَّا شعباً أنهكته الحروب والحصار

(٢٦٦)

ولا يستطيع مساعدة إمامه، ويأملون بهذه الإجراءات سهولة القضاء عليه (عجَّل الله فرجه) بداية ظهوره، فالأعداء يعرفون من التراث الدِّيني ومنذ أمد بعيد تفاصيل ساحة الصراع ومراكز القوى، فمن إيران ستخرج الرايات السود وقائدهم الخراساني، ومن اليمن سيخرج اليماني وهم أنصار ومؤيِّدون للمهدي (عجَّل الله فرجه)، وسيتَّخذ من الكوفة في العراق مركزاً لدولته، ومن مكَّة المكرَّمة أوَّل انطلاقته، وسيجعل في مصر منبراً إعلاميًّا، فهذه المعطيات مكشوفة بالنسبة لهم ويُخطِّطون على ضوئها، وهدفهم الأساس: إضعاف شعوب ودول المنطقة، وتدمير كلِّ ما يمكن أنْ يُمثِّل قوَّة قد يستفيد منها ويستغلُّها القائد العظيم (عجَّل الله فرجه) في حربه القادمة ضدَّهم.
خامساً: تحصين الشعوب الغربيَّة والرأي العامِّ العالمي من التأثُّر بمبادئ وقِيَم المهدويَّة الأصيلة:
والعمل على احتواء المجتمعات الغربيَّة وتنفيرها من التعرُّف على المهدويَّة، وينبع القلق والخوف على المواطن الغربي أنْ تعرض عليه الحقائق والمعلومات عن المهدويَّة بكلِّ أمانة وصدق، عرضاً موضوعيًّا ومنطقيًّا وحضاريًّا، فحينها سوف يتقبَّلها ويؤمن بها وسيفتح لها عقله وقلبه، ويجد أنَّها تُحقِّق آماله وأُمنياته الكبرى والنهائيَّة، ولذا تتآزر كتابات المستشرقين وبحوث مراكز الدراسات الاستراتيجيَّة الغربيَّة حول تشويه صورة المهدي (عجَّل الله فرجه) لتكون في مجموعها سدًّا أمام انتشار المعارف المهدويَّة الحقيقيَّة في فضاء الثقافة الغربيَّة، ومبعث خوفهم الحقيقي إدراكهم المصير المجهول الذي ينتظرهم على يد الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهدفهم الأساس: الحصول على تأييد العالم الغربي، أو صمته عن الإجراءات المتَّخذة ضدَّه على الأرض، وأنْ لا تفقد الحكومات الغربيَّة ولاء شعوبها، وتوجيهها نحو الانحياز لمؤسَّسات الكفر العالمي، والعمل على جعل

(٢٦٧)

العالم الغربي عاصٍ ومتمرِّداً على مشروع الإمام (عجَّل الله فرجه)، وحينئذٍ لا يمكن للإمام أنْ ينتصر ويُحقِّق أهدافه.
هذه خمسة عناوين كبيرة للأهداف الاستراتيجيَّة للحرب السرّيَّة، ولا مناص من النظر إليها من زواياها المختلفة والأبعاد المنعكسة وراءها، وكذلك معرفة الأدوات والأسلحة الخفيَّة والأساليب والوسائل التي يتمُّ تنفيذ هذه الخُطَط بها على أرض الواقع.
يجب أنْ نُدرك: أنَّ الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) والعقيدة المهدويَّة وبأساليبها الخبيثة خطيرة على الإطلاق، فالإنسان أو المجتمع لا يكتشف بسرعة ما وراء خُطَطها ودعاياتها، فيتجرَّعها قبل أنْ يكتشف أهدافها، ويتعرَّض لتأثيرها دون أنْ يشعر، لأنَّها تتسلَّل إلى عقله ووجدانه مستترة وراء شيء ظاهري لا غبار عليه، أي إنَّه يتناول السمَّ في العسل، فالحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) أو الناعمة أو الخفيَّة أو الباردة أو الظلُّ أو أيُّ مسمَّى آخر، تستند بالدرجة الأُولى على معطيات علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأديان ووسائلهم، وتحاول الصهيونيَّة من خلال مجمل الآليَّات وأساليب الحرب السرّيَّة والنفسيَّة والتي تُطبِّقها في الميدان تحقيق مجموعة من الأهداف، وتتلخَّص في بعض الركائز النفسيَّة الآتية:
- بثُّ اليأس والقنوط في نفوس أفراد المجتمع المؤمن والموالي للإمام (عجَّل الله فرجه) بسبب طول الغيبة.
- إحداث حالة من فقدان الثقة بين القاعدة الشعبيَّة (المؤمنين) والقائد (الإمام).
- إضعاف الجبهة الداخليَّة للمجتمع المؤمن وذلك بمؤازرة حركات دعاة المهدويَّة والسفارة.

(٢٦٨)

- قتل نفسيَّة الأمل والتفاؤل من الإيمان بالعقيدة المهدويَّة، وإجهاض الإيجابيَّة في روحيَّة الانتظار، وتحطيم الروح المعنويَّة للمجتمع الموالي للإمام (عجَّل الله فرجه).
إنَّ الحرب ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) تُعتبَر بمثابة حرب العصر، لأنَّها حرب تغيير العقائد والقناعات والنفسيَّات، وميدانها وساحتها الأفراد والشعوب، فهي غير محدَّدة بزمان ومكان وتستهدف التأثير على البشريَّة كافَّة، ومحاولة تغيير الرؤية لمستقبل التاريخ الإنساني، وذلك بالمحافظة والبقاء على الظلم والجور والقتل والفساد وجعله مستمرًّا ومتواصلاً وكأنَّه أمر طبيعي، ووضع المعوِّقات والعراقيل أمام نشر القسط والعدل.

* * *

(٢٦٩)

المهدي (عجَّل الله فرجه) كما يُصوِّره الأعداء

يمارس الأعداء سياسة التشويه وطمس الحقائق، ونشر الإشاعات والأراجيف الكاذبة، وبثَّ الخزعبلات والأساطير، وفي ميدان الحرب السرّيَّة يُروِّجون معلومات زائفة عن المهدويَّة ويُكرِّرونها بكثرة للتأثير على الرأي العامِّ الغربي والعالمي، حتَّى تصبح وكأنَّها حقائق ثابتة وجزء من النسيج الثقافي الغربي، ويتمحور ذلك في مسار التثقيف السلبي والتضليل الإعلامي والحرب الناعمة لتشويه الصورة الحقيقيَّة والناصعة للإمام (عجَّل الله فرجه).
لقد وجدت (الصهيونيَّة) في الدراسات الاستشراقيَّة والعقليَّة الاستخباراتيَّة أداة لتكريس نظرتها نحو المهدي المنتظَر وتعزيز الصورة التي يُراد رسمها له، وفي إطار ذلك لجأت إلى مقارنة المهدويَّة مع صورة مقزِّزة ومستفزَّة في الثقافة الغربيَّة ومستندة على التراث الدِّيني (الدجَّال أو معادي المسيح)، ممَّا يُشكِّل أساساً لرسم معطيات الشخصيَّة المستهدفة والتي يُراد منها إسقاط رمزيَّة القائد الإسلامي المنتظَر، بحيث تكون آراء أفراد المجتمع بشكل عامٍّ حاملة طابع العداء والسلبيَّة لها، بالإضافة إلى أنَّ هناك دوافع نفسيَّة وبواعث أيديولوجيَّة وراء ترويج الأكاذيب وتزييف صورة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الواقعيَّة.
تشويه الصورة:
قبل الحديث عن الصورة التي يحاول الأعداء رسمها للمهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا،

(٢٧٠)

نحاول الوقوف على الصورة الأشمل للنبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) في الدعاية الصهيونيَّة وفي عيون الغرب، فمنذ البداية يتمُّ تشويه الإسلام والنبيِّ (صلَّى الله عليه وآله) وكلِّ ما له علاقة بالعقيدة الإسلاميَّة، ومن خلال وسائل عديدة: كالدراسات الاستشراقيَّة والقَصَص الأدبيَّة والبرامج التلفزيونيَّة وغيره، وخير مثال على ذلك نشر كتاب باللغة الإنجليزيَّة: عبارة عن رواية أدبيَّة بعنوان (إمام الزمان: قصَّة من الماضي إلى الحاضر)(١٥٢)، صدر في (يناير/٢٠١٨م) في الولايات المتَّحدة، لكاتب يُدعى إف. دبليو. بورلي (اسم مستعار)، قصَّة خياليَّة مؤسفة تستغلُّ الأحداث السياسيَّة الأخيرة في إيران، وتهدف لتشويه الإسلام وصورة النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وصورة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه).
المهدي الدجَّال:
لقد كثر الحديث ودارت نقاشات حادَّة في السنوات الأخيرة في الأوساط الثقافيَّة في العالم الغربي، حول (نبوءات نهاية الزمان في الكتاب المقدَّس)، وقد كرَّرت الكتابات الغربيَّة كثيراً قاعدة (المهدي - الدجَّال الإسلامي) مقابل (المخلِّص - المسيح وعودته الثانية) أو (المنقذ اليهودي - المسيح المنتظَر)، وأنَّ الدجَّال المنبوذ في كلِّ الأديان السماويَّة أو الوحش أو التنِّين في التراث الدِّيني لليهود والنصارى (الكتاب المقدَّس) يتشابه تماماً مع المهدي (الإسلامي)، وفي هذا الإطار صدرت العديد من الكُتُب مثل: كتاب جويل ريتشاردسون (المسيح الدجَّال الإسلامي - حقائق صادمة)(١٥٣) الذي تصدَّر الكُتُب الأكثر مبيعاً بقائمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٢) The Imam of Time: A Novel of Then and Now, by: F.W. Burleigh, Publisher: Zenga Books - January ٢٠١٨, ٢٩.
(١٥٣) The Islamic Antichrist: The Shocking Truth about the Real Nature of the Beast - Joel Richardson.

(٢٧١)

نيويورك تايمز الأمريكيَّة عام (٢٠١٥م)، هذا الكتاب يتكلَّم عن تنبُّؤات آخر الزمان من وجهة نظر دينيَّة (الكتاب المقدَّس وعقائد المسلمين)، ويتحدَّث عن رؤية غربيَّة حديثة للمهدي الإسلامي، يزعم فيه الكاتب (أنَّ المهدي المنتظَر الذي تنتظر الأُمَّة الإسلاميَّة ظهوره لإنقاذ العالم يتشابه تماماً مع المسيح الدجَّال الذي ينتظر المسيحيُّون ظهوره في آخر الزمان، كما وُصِفَ في سفر الرؤيا، وفي النبوءات اليهوديَّة لحزيقال ودانيال)، وممَّا قاله الكاتب أيضاً: (إنَّ المهدي الإسلامي يلائم الصورة التوراتيَّة للوحش ويلائم المسيح الدجَّال في الكتاب المقدَّس)، ولترسيخ الصورة في الغرب أيضاً صدر كتاب مايكل يوسف(١٥٤) بعنوان (نهاية الزمان وسرُّ المهدي: مفاتيح غموض الوحي والدجَّال)(١٥٥)، نُشِرَ في (٢٠١٦م) في الولايات المتَّحدة، وفيه يدرس المؤلِّف الأحداث الأخيرة وصعود حركة داعش في ضوء نبوءات نهايات التاريخ البشري، وفيه يحاول الكاتب إيجاد التشابه بين الدجَّال ومهدي الإسلام.
المهدي الإرهابي:
في هذا السياق فقد صُوِّرت شخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كزعيم إسلامي مستقبلي وربطها بالأفعال الوحشيَّة لزعماء الحركات الإرهابيَّة (كالقاعدة وداعش) فتأثَّرت الصورة استناداً إلى: (مبدأ السياق) في علم النفس و(نظريَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٤) مايكل يوسف (معاصر): وُلِدَ في مصر وعاش في لبنان وأُستراليا قبل مجيئه إلى الولايات المتَّحدة، في عام (١٩٨٤م) حقَّق حلم الطفولة في أنْ يصبح مواطناً أمريكيًّا، وهو الراعي المؤسِّس لكنيسة الرُّسُل في أتلانتا - جورجيا، أمريكا.

(١٥٥) End Times and the Secret of the Mahdi: Unlocking the Mystery of Revelation and the Antichrist, by: Michael Youssef, Publisher: Worthy Publishing - February ٢٠١٦, ٢٣.

(٢٧٢)

النسق) في علم الاجتماع، حيث استطاعت الإمبراطوريَّة الإعلاميَّة الصهيونيَّة على تسويق صورة المهدي الإرهابي، بهدف إعادة شبح الإرهاب والقتل والوحشية إلى أذهان الشعوب الغربيَّة وإحداث تأثير واسع على الرأي العامِّ، وفي هذا الإطار صدرت العديد من الكُتُب والقَصَص الخياليَّة، مثل: كتاب (في أرض المهدي)(١٥٦) للكاتب الألماني (كارل ماي)، وهو عبارة عن رواية من ثلاثة مجلَّدات، صدرت لأوَّل مرَّة عام (١٨٩٦م) باللغة الألمانيَّة، وأُعيد طبعها في السنوات الأخيرة (٣٥) مرَّة - منها طبعة بتاريخ (٣/فبراير/٢٠٢٠م) -، وهي تحكي عن مغامرة لرجل يُسمَّى (المهدي) في أفريقيا، وتُصوِّره القصَّة بأنَّه شرِّير وشرس أكثر من وحوش الغابة، وأنَّه حليف لتُجَّار الرقيق، وهو يحمل غطرسة الشرِّ على الشعوب الأُخرى، وإمعاناً في إلصاق صورة إرهابيَّة المهدي، وربطها بالصور الحقيقة لزعماء الحركات الإرهابيَّة، فقد صُمِّم الغلاف في الطبعات الأخيرة على شكل رجل عربي قبيح، ويلبس غترةً وعقالاً وذي لحية كثيفة ووجه عابس، وتظهر خلفه منارة مسجد، وهكذا تُروَّج إرهابيَّة ووحشيَّة المهدي في الشارع الأدبي وفضاء الثقافة الغربيَّة، حتَّى تصبح هذه الصفة سائدة في ذهنيَّة الفرد الغربي، لدرجة تصويرها وكأنَّها جين وراثي للمهدي.
المهدي صنيعة الاستخبارات:
في الأدب الثقافي الغربي وبتأثير صهيوني، اتَّسمت صورة المهدي بأنَّه صنيعة الاستخبارات الدوليَّة، وأنَّ فكرة مهدي المسلمين غير حقيقيَّة بل هي مختلقة من الخيال، وإذا خرج المهدي في المستقبل فهو أداة من أدوات المخابرات الأجنبيَّة، ينطلق في مهمَّته بتدبير ودعم ومساندة منهم، مثل الحركة البابيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٦) In het land van de Mahdi , by: Karl May ١٨٤٢-١٩١٢.

(٢٧٣)

والبهائيَّة أو القاديانيَّة والأحمديَّة، وفي هذا المجال نُشِرَت رواية: (المهدي)(١٥٧) للكاتب (ايه. جي. كونيل)، وهذا اسم مستعار لضابط مخابرات، قصَّة أدبيَّة خياليَّة من عالم الجاسوسيَّة، صدرت في (١٩٨٢م) وتكرَّر إعادة طبعها عدَّة مرَّات، حيث تدور أحداث الرواية: في معمعة صراع ومؤامرات بين الاستخبارات الدوليَّة للسيطرة على العالم العربي بأكمله، ثمّ صدر الأمر من جهة استخباراتيَّة مركزيَّة بابتكار واختراع شخصيَّة (المهدي) في منزل قائد إحدى البعثات الاستخباريَّة، قبل خروجه إلى المجتمع والشارع العربي، أُسلوب خبيث وراءه ما خفي من أغراض ودوافع لتشويه صورة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) عند الشعوب الغربيَّة.
تلك هي الصورة التي رسمتها وصنعتها الأقلام والأساطير الغربيَّة بتحريك من الصهيونيَّة، ويمكن اعتبار صناعة صورة المهدي الكاذبة جزءاً من علم النفس السياسي نظراً للدور الذي تلعبه أجهزة الإعلام والاستخبارات بتزييف حقيقة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وفق خطَّة مدروسة، حيث تظافرت عوامل كثيرة ساهمت في صياغة هذه الصورة البشعة والمستهجنة، منها الظروف التاريخيَّة والحروب والإرهاب والتعصُّب الدِّيني، ومنها النفوذ والسيطرة الصهيونيَّة، حيث وظَّفت كثير من العناصر لتبرير عدائهم للدجَّال الإسلامي والزعيم الإرهابي كما يُروِّجون له، ومن أكبر المهمَّات لديهم هو التأثير على الشعوب الغربيَّة (المسيحيَّة والعلمانيَّة) بصورة المهدويَّة التي رسموها، وهنا كانت فرصة لخبراء الحرب النفسيَّة والاستراتيجيَّة لكي يقنعوا الرأي العامَّ الغربي بأنَّ المهدويَّة هي الإرهاب بعينه، وأنَّ داعش والقاعدة صورة مصغَّرة من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٧) The Mahdi, by: A.J. Quinnell, Publisher: William Morrow, Co ١, st U.S. edition - January ١٩٨٢,١.

(٢٧٤)

ذلك، والبدء في خلق حالة من (المهدي فوبيا) في الغرب، وهكذا نجد أنَّ ممارسة كلِّ هذا الخداع بنقل صورة المهدي المزيَّفة إلى العالم وبشكل مغاير للحقيقة والواقع، يصبُّ في عمليَّة تضليلٍ ضخمة للرأي العامِّ الغربي والعالمي وبتأثير ناعم، ومن المؤكَّد أنَّ هذا الخداع والتدليس ضرب من لغة الصراع الخفي، لتحقيق غرض رسم صورة مزوَّرة وكاذبة وغرسها في عقليَّة وثقافة الرأي العامِّ المستهدف بديلاً عن الصورة الحقيقيَّة، وبذلك يتمُّ تحقيق بعض أهداف الحرب السرّيَّة.
وفي ضوء ما سبق، فإنَّ مسؤوليَّة ذلك التشوية والتقبيح لصورة المهدويَّة ليست مختصَّة بالصهيونيَّة والأعداء فقط، وإنَّما جزء منها يقع على أكتاف المؤمنين والموالين: ويدلُّ على قصور المنهج الفكري للثقافة المهدويَّة الحاليَّة عن معالجة تلك الدلالات والتصوُّرات الخاطئة في فضاء الثقافات الأُخرى، وعن ضيق أُفُقنا وضعف رؤيتنا عن تعريف مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) للحضارات غير المسلمة.

* * *

(٢٧٥)

ساحات الحرب السرّيَّة وطبيعتها

تدور رحى الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) في ثلاث ساحات ونطاقات وأماكن، وجميعها تتمحور حول قضيَّة واحدة وهي تقويض القضيَّة المهدويَّة وإضعافها والقضاء عليها قبل موعد ظهورها، وعلى هذا فإنَّ وسائل وأساليب الصراع والمواجهة تختلف في كلِّ ميدان على حسب الظروف والبيئة الخاصَّة، وبما يتناسب مع معطيات المواجهة والسُّبُل الممكنة لكسبها، وهي موجَّهة ومركَّزة في ثلاثة مسارات، تُمثِّل ساحات المواجهة والصراع الحقيقيَّة حاليًّا:
أوَّلاً: ساحة المواجهة مع الإمام شخصيًّا:
وهي أشدُّ الساحات خطورةً وأكثرها صعوبةً، وباعتبار أنَّنا نعيش في عصر الغيبة الكبرى، وقدرة وكفاءة الإمام (عجَّل الله فرجه) على التخفِّي (غيبة عنوان) كبيرة جدًّا، تصبح هذه الجبهة من الصراع أصعب ساحات المواجهة عند الأعداء، وبالتأكيد إنَّ توفُّر المعلومات حول شخص الإمام (عجَّل الله فرجه) وأماكن تواجده تكاد تكون معدومة (صفر أو أقلّ)، فالمخابرات الدوليَّة ومؤسَّسات الكفر العالميَّة جنَّدت الكثير من أجهزتها السرّيَّة وعملائها وباستخدام تقنيَّاتها الحديثة للبحث والتحرِّي عن الإمام (روحي فداه) أو أيِّ معلومات تدلُّ أو توصل إليه، وقد كان أكبر التحدّيات المهمَّة والطموحة والخطيرة لديهم هو الحصول على صورته الشخصيَّة أو بصمته الوراثيَّة، وهذا يُفسِّر حضور فريق عسكري أمريكي مكوَّن

(٢٧٦)

من (٥) ضُبَّاط بينهم نساء بعد تفجير قبَّة العسكريَّين (عليهما السلام) عام (٢٠٠٦م) بساعة واحدة، ودخلوا مع سدنة العتبة العسكريَّة إلى المقبرة الخاصَّة ببيت الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ومهمَّتهم أنْ يأخذوا عينات من (DNA) من رفات عائلة وأقارب الإمام (عجَّل الله فرجه)، لعلَّهم يكتشفون عبر الأقمار الصناعيَّة من تتطابق معه هذه المواصفات للبصمة الوراثيَّة، وربَّما ذلك يوصلهم لشخص الإمام المهدي (روحي فداه)(١٥٨)، إلَّا أنَّ جميع مخطَّطاتهم وتدابيرهم باتت بفشل ذريع في هذا المجال، وهذا العجز والإخفاق متراكم منذ قرون عديدة - منذ زمن السلطات العبَّاسيَّة وحتَّى اليوم - ولم يكن هناك أيُّ تقدُّم يُذكر، ممَّا يجعل خيار التصفية والاغتيال أو المواجهة المباشرة غير واردة على الإطلاق.
لا نُخفي سرًّا إنْ قلنا: إنَّ هناك تقريراً ضخماً لدى المخابرات الأمريكيَّة (CIA) والإسرائيليَّة (الموساد)، به كلُّ المعلومات المتاحة والمتوفِّرة عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، إلَّا أنَّ هذا الملف ينقصه الصورة الشخصيَّة لصاحب البيانات، وفي هذا التقرير يتمُّ رصد كلِّ الأنشطة والتحرُّكات التي لها علاقة بالقضيَّة المهدويَّة، وهناك تركيز واهتمام خاصٌّ بعلامات الظهور، وهنا تكمن حكمة وعبقريَّة أهل البيت (عليهم السلام) لعلمهم المسبق بأنَّ الروايات الشريفة التي تتحدَّث عن أخبار الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وعلامات ظهوره ستكون بمرأى ومسمع من الأعداء، ولا نتصوَّر أنْ يضع الرسول (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أخبار الإمام الشخصيَّة وأسرار الظهور في متناول أجهزة الاستخبارات العالميَّة، ممَّا يُؤدِّي إلى تشكيل خطر على شخص الإمام أو فشل حركته في بداية انطلاقتها، ولذا نفهم سبب صياغة علامات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٨) محاضرة في مهرجان ذكرى ولادة الإمام الحجَّة المنتظَر، الذي أقامته دائرة التعليم الدِّيني والدراسات الإسلاميَّة، العراق - بغداد (١٧ شعبان ١٤٤٢هـ / ٣١ مارس ٢٠٢١م) برعاية رئيس ديوان الوقف الشيعي العراقي.

(٢٧٧)

الظهور بصورة رمزيَّة غامضة وبلغة كلّيَّة عامَّة، وذلك مراعاةً لحسَّاسيَّة هذه الأخبار لدى مؤسَّسات الكفر العالمي وامتداداته.
إنَّ القائمين بالحرب السرّيَّة يُصرِّحون أنَّ هدفهم هو القضاء على الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وقتله وتصفيته، وليس هذا بأمر غريب أو غير متوقَّع على قتلة الأنبياء، ولا هو نتيجة أحداث آنيَّة أو أهواء شخصيَّة، بل هو عداء مغروس في مركز العقيدة التي تؤمن بها الماسونيَّة والصهيونيَّة، وانطلاقاً من قلب أهدافهم، وخوفاً من الدور المرتقَب مستقبلاً للإمام (عجَّل الله فرجه)، وتسنده رواسب الحقد على الإسلام، والكره للرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، ولكن من المؤكَّد اليوم، ليس بيد الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أو الصهيونيَّة ذلك العنفوان والغطرسة المتخيَّلة أو العلوّ والكبرياء المفتعل والذي تُظهره أمام أعدائها وأصدقائها من دول العالم، وجزماً ليس سهل المنال في هذه الساحة من الصراع ولا من اليسير إظهار أدنى درجة من التفوُّق والنجاح للأعداء، بل الواضح هو التصاغر والفشل والخيبة والإخفاق أمام الطرف المقابل (الإمام) الذي يحرز الكثير من التقدُّم والظفر، لأنَّ لديه وافراً من عناصر القوَّة الكامنة والمؤهَّلات الفريدة التي يعجز الأعداء عن إدراكها أو تجاوزها، وهنا ذروة التجلِّي لعظمة هذا القائد المنتظَر (عجَّل الله فرجه).
ثانياً: ساحة المواجهة مع قاعدته الشعبيَّة:
وهي الساحة الأكثر نشاطاً وفاعليَّةً في المواجهة والصراع حاليًّا، وفي السنوات الأخيرة شهدت العديد من التغيُّرات العميقة والتطوُّرات الكبيرة حيث احتدمت جبهة النزاع بظهور العديد من جماعات وحركات دعاة المهدويَّة والسفارة، ويمكن القول: إنَّ هذه الحركات أهمّ أداة من أدوات الحرب السرّيَّة في محاربة أنصار الإمام (عجَّل الله فرجه)، وتأخذ مكانها في الخطوط الأماميَّة في الصراع مع

(٢٧٨)

قاعدته الشعبيَّة، وأنَّ مَنْ يراقب ظهور هذه الجماعات وكثرتها وتتابعها - في العراق مثلاً - منذ عام (٢٠٠٣م) وحتَّى الآن، يُدرك أنَّها تشبه حرب الاستنزاف، وأنَّ الصهيونيَّة والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة تُمثِّل الينبوع الأساسي لهذه الجماعات، وبما تتَّسم به من تطرُّف وعنف وإلغاء للآخر، فحركات مثل: جند السماء واليماني والربَّاني والقحطاني والمولوي والصرخي والجماعات الأُخرى، إنَّما هي في الواقع وجوه لحقيقة واحدة (طابور خامس للعدوِّ الخارجي)، وتتحرَّك بخُطَط وإملاءات صانعي السياسة الصهيونيَّة والأمريكيَّة، أكثر ممَّا تُحرِّكهم معايير مستقلَّة خاصَّة بهم، ورغم تميُّز إحداها عن الأُخرى في بعض الخصوصيَّات، إلَّا أنَّها تلتقي على الكثير من القواسم المشتركة وتنضوي تحت مظلَّة واحدة، وهناك تعاون وتنسيق فيما بينها، ومع توالي ظهور مثل هذه الحركات والجماعات وتكرار الضربات وكثرة السهام الخبيثة تكمن قوَّة هذه المناورات، باعتبارها مشروعَ هدمٍ فكري وسياسي واجتماعي وعلى أعلى وأخطر المستويات، وهذا ما يتوافق مع قواعد وأُسُس الحرب السرّيَّة، وهم يطمحون من وراء ذلك أنْ تهتزَّ صورة المهدويَّة وتضعف عقيدة المؤمنين بها، إضافةً إلى إضعاف القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) وتحطيم معنويَّاتها وإرادتها، وخلق حالة من التناقضات حول المهدويَّة بين فئاتها، ومن المهمِّ أنْ نُدرك التكتيكات الخفيَّة والمسارات الجديدة والأساليب الحديثة، للتأثير على الأفكار والعقائد والتي قد تدفع بعض أفراد المجتمع الشيعي الى حافَّة الكفر بالعقيدة المهدويَّة، بل قد تدفعهم إلى محاربتها، وهذا تحوُّل خطير وتطوُّر مهمٌّ ببلورة استراتيجيَّة جديدة في الصراع مفادها أنَّ رؤية الأعداء (الصهيونيَّة) للمواجهة مع القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) تتركَّز على إنشاء أعداء من الداخل، تقوم بالمهمَّة والدور مثل (حرب بالوكالة).

(٢٧٩)

وبالرغم من اتِّساع نطاق ميدان المواجهة في هذه الساحة، إلَّا أنَّ الأعداء يجابهون محورين أساسيَّين، وهما:
الأوَّل: المرجعيَّة الدِّينيَّة (نُوَّاب الإمام):
القيادة الدِّينيَّة عند الشيعة الإماميَّة في زمن غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فالمرجع الدِّيني (المجتهد) يتصدَّى لرعاية مصالح الناس الدِّينيَّة وغيرها نيابةً عن الإمام المعصوم (الغائب)، لقد قامت المرجعيَّة بدور جوهري في الشؤون السياسيَّة والاجتماعيَّة منذ بداية الغيبة الكبرى وحتَّى الآن، وأنَّ الفتاوي والمواقف السياسيَّة لها، مثل: ثورة التنباك وثورة العشرين والثورة الإيرانيَّة والحشد الشعبي وغيرها، جعلت صُنَّاع القرار الغربي يبحثون عن ماهيَّة المؤسَّسة الدِّينيَّة الشيعيَّة في (النجف وقمّ) وسُبُل اختراقها والتأثير عليها، وصعوبة ذلك تكمن بحكم استقلالها (الإداري والمالي) وعدم تدخُّل أيِّ جهة في تعيينها، ممَّا جعلها تُشكِّل حجر العثرة الرئيسي ورأس الحربة أمام الأعداء في ساحة المواجهة في كثير من القضايا، ومنها مجابهة حركات دعاة المهدويَّة والدفاع عن العقيدة السليمة.
إنَّ الخصم الحقيقي للصهيونيَّة في هذه الساحة لم تكن الجماهير المؤمنة فقط، بل كان الهاجس الأكبر الذي يتملَّكهم هي المرجعية العليا، وكان ذلك هو الجانب القويَّ من الصراع مع قاعدته الشعبيَّة، ولذا كان الطرف المستهدَف هي الحوزة العلميَّة، ممَّا جعل إيجاد مرجع ديني يمكن أنْ ينافس المرجع الأعلى للطائفة مهمَّة ملحَّة عند الأعداء، ولكن الصعوبة تكمن في الحصول على: شخصيَّة دينيَّة ذات مكانة علميَّة رفيعة وله صلة بالاستخبارات الأجنبيَّة وتتقبَّله الجماهير الشيعيَّة المؤمنة، مهمَّة شبه مستحيلة، فحتَّمت ضروريَّات الحرب السرّيَّة اختراع وابتكار مرجعيَّة بديلة وتابعة كـ (الصرخي مثلاً)، لعلَّه يحصل

(٢٨٠)

على موقع مناسب ويُصنَع له دور في المجتمع الشيعي، ويُشجِّع الشيعة على الانفلات من معقل الحوزة العلميَّة والمرجعيَّة الدِّينيَّة.
الثاني: الجماهير المؤمنة (القاعدة الشعبيَّة للإمام):
أفراد الطائفة الشيعيَّة أكثر احتراماً وحُبًّا وتقديساً لأئمَّتهم الاثني عشر (عليهم السلام)، لأنَّهم يعتقدون ويؤمنون أنَّهم مختارون من قِبَل الله تعالى، وأنَّهم الحُجَج على الخلق، وأنَّهم مقدَّسون لاصطفاء الله لهم، وكذلك ينظر جمهور الشيعة إلى مراجعهم الدِّينيِّين (النائب العامِّ عن الإمام الغائب) باحترام وتقدير كبير، وقد لعبت الطائفة الشيعيَّة في العقود الأخيرة دوراً بارزاً على جميع الأصعدة الثقافيَّة والسياسيَّة، وكان لهم الأثر الأكبر في التحوُّلات السياسيَّة التي طالت العالم الإسلامي، فهم يُشكِّلون القوام الرئيسي للمقاومة ضدَّ الكيان الصهيوني، وهم أيضاً الحاضنة الشعبيَّة للعقيدة والثقافة والمبادئ والقِيَم المهدويَّة، وفي الآونة الأخيرة تصاعد الخطُّ البياني للوعي الجماهيري والتوسُّع الأُفُقي للشيعة، وهم في المستقبل سيُشكِّلون القاعدة الشعبيَّة المؤيِّدة والمناصرة للإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) إذا ظهر، وهم اللبنة الأساسيَّة الأُولى لقوام جيشه، وبواسطتها سيتمكَّن من إقامة دولة العدل الإلهي.
كلُّ هذه المعطيات تدفع الأعداء لشنِّ هجوم استباقي شامل ضدَّ قواعد الإمام الشعبيَّة المؤمنة بأُطروحته والمطيعة لقيادته والمستعدَّة للتضحية في سبيله، ويكون التركيز بالدرجة الأُولى على نُوَّابه (المراجع) لأنَّهم يُشكِّلون العقبة الكأداء الكبرى ضدَّ جميع مشاريع الأعداء في ساحة الصراع السرِّي مع المهدويَّة.
من الضروري في هذه الساحة أنْ لا نغفل: أنَّ جوهر خطَّة الأعداء قائمة على استدراجنا لمعارك جانبيَّة عديدة يفتعلونها مع جماعات الادِّعاءات الكاذبة، لإشغالنا واستفراغ طاقاتنا الفكريَّة والنفسيَّة بعمليَّات الدفاع عن العقيدة

(٢٨١)

المهدويَّة، وصرفنا عن مهمَّتنا الرئيسيَّة (التمهيد لظهوره)، وهذه ساحة لا ينبغي أنْ نستدرج إليها أو نعطيهم الفرصة لتشتيت تفكيرنا، فتستمرُّ الغفلة وتُحجَّم المهمَّة وتضيع جهودنا وأوقاتنا في معايشة الأزمات، فمن فتنة إلى أُخرى ومن مشكلة إلى شاكلة، بل علينا أنْ نتجاوز المعارك والفتن الفكريَّة والأمنيَّة المرتبطة بالمهدويَّة والتي يعمل الخصوم والمناوئون على استدراجنا إليها، ونبادر إلى ساحات أُخرى وميادين جديدة ونستبدل الدفاع إلى هجوم، ونُدرك المسار الاستراتيجي لأهدافنا ونمشي بخطى ثابتة في مهمَّتنا الأُولى وهدفنا الرئيسِ.
ثالثاً: ساحة المواجهة مع الرأي العامِّ الغربي والعالمي:
وهي ساحة نشيطة ولكنَّها أقلّ حدَّة في الصراع والمواجهة، وهي إحدى الجبهات السهلة والمكشوفة للأعداء، بحكم المعرفة بخصائص المجتمع الغربي وأبعاده وسمات واقعه الاجتماعي، والتمتُّع فيها بقدر كبير من حرّيَّة الحركة، وعدم وجود أيِّ منافس في هذه الساحة من مناصري ومؤيِّدي الإمام (عجَّل الله فرجه)، وسهولة السيطرة على وسائل القوى الناعمة وتوجيهها لضمان تأثيرها على أفراد المجتمع المستهدَف، والمضي قدماً وبهدوءٍ تامٍّ لاستحداث ثقافة مزيَّفة، ولكنَّها جاذبة ومتناغمة مع عقليَّة الشعوب الغربيَّة، تصبُّ في اتِّجاه تقويض القضيَّة المهدويَّة لدى الرأي العامِّ الغربي، وترويج للصورة الكاذبة التي رسمت عنه في فضاء الثقافة والإعلام، على اعتبار أنَّ المهدي الإسلامي هو الدجَّال في التراث الدِّيني (الكتاب المقدَّس)، وأنَّه إرهابي عدوٌّ للحرّيَّات، وصنيع المخابرات الأجنبيَّة المعادية، وليس له أيُّ ارتباط بالسماء، والبدء في نشر حالة من (المهدي فوبيا) لدى المجتمعات الغربيَّة، وبذلك تحاول (الصهيونيَّة) تحقيق واحد من أهمّ أهداف الحرب السرّيَّة، والمتمثِّل في توحيد وتأييد وتعبئة العالم الغربي ضدَّ

(٢٨٢)

الخصم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتشويه صورته وإضعاف موقفه وتحريك الكراهية ضدَّه والنفور منه.
وفي هذه الساحة من الصراع حقَّق الأعداء بعض النجاحات لعملهم الدؤوب والمستمرِّ منذ فترة طويلة، وتمكَّنوا من تحديد ماهيَّة الوسائل والأساليب المؤثِّرة بشكل فعَّال على الرأي العامِّ الغربي والعالمي، ووضع أُسُس ومعالم المنهج الثقافي الأكثر ملائمةً للمجتمع الغربي، واستخدام معطيات ذلك ونتائج وتوصيات الدراسات والبحوث القديمة والحديثة حول المهدويَّة، في تكريس رؤيتهم للنبوءات الدِّينيَّة وترسيخ نظرتهم الحاليَّة لها، وضمان التأثير على آراء واتِّجاهات وثقافة شعوبها بما يخدم مصالحهم.
ومن جانب الطرف الآخر، فإنَّ من خصائص المهدويَّة: سهولة أو قوَّة نفوذها واستعداد المخالف - غير المسلم - لتقبُّلها، وكذلك تمتلك المقوِّمات الضروريَّة والحضاريَّة في تقديم ذاتها للآخرين بنجاح، وفي هذه الساحة نطمح: أنْ تتحوَّل قِيَم ومبادئ وأهداف المهدويَّة (كالعدل والحرّيَّة والمساواة و...) إلى مكانة راقية ودرجة متقدِّمة بحيث تصبح مرجعيَّة ثقافيَّة لتلك الشعوب وسنداً قانونيًّا تستقي منه الأنظمة والقوانين.
ولكن للأسف نحن (كموالين أو قاعدتها الشعبيَّة) غائبون أو متقاعسون عن هذه الساحة، ويتجلَّى لنا هذا الغياب في: عدم امتلاكنا لمشروع عملي أو استراتيجيَّة فكريَّة لتعريف وإيصال حقيقة المهدويَّة الأصيلة إلى المجتمعات والكيانات الثقافيَّة للأُمَم والحضارات المختلفة، وكذلك يتجلَّى لنا التقاعس في: عدم توفيرنا أيَّ كُتُب مهدويَّة أو مصنَّفات ثقافيَّة تخاطب الرأي العامَّ الغربي والعالمي بالأُسلوب والعقليَّة التي تتناسب معه، وتُقدِّم لهم المهدويَّة برؤية إنسانيَّة وحضاريَّة، وتكشف لهم عن حقيقتها وخصائصها ومزاياها، وتُوضِّح

(٢٨٣)

الأهداف والنتائج التي ستتحقَّق على يديه في المستقبل في ظلِّ دولته العادلة، حتَّى تتعرَّف شعوب العالم على حقيقة الإمام (عجَّل الله فرجه)، ومن ثَمَّ ستؤمن بأهدافه وستشارك في مشروعه وتشتاق ليومه الموعود، فإذا أخذنا على عاتقنا مسؤوليَّة التبشير للمهدويَّة في المجتمعات الغربيَّة، وحقَّقنا ذلك بإيجابيَّة وهدوء وأدَّينا المهمَّة بنجاح، نكون حينها قد ساهمنا في تثبيط وإفشال خُطَط الأعداء في هذه الساحة من الصراع، وانتقلنا إلى ميدان المبادرة، وشاركنا في تهيئة مقتضيات الظهور.

* * *

(٢٨٤)

آليَّات الحرب السرّيَّة

لقد التقت مصالح مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة والأمريكيَّة مع مصالح الصهيونيَّة في تأليب الرأي العامِّ الغربي والعالمي على المهدويَّة، وها هم الآن يُوظِّفون كلَّ إمكاناتهم الماليَّة والإعلاميَّة لوصف المهدي بالإرهابي والدجَّال، وأنَّ هدفهم الأساس هو تقويض المهدويَّة حتَّى يبقى العالم الإسلامي (الشيعة - القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه)) مضطرباً فكريًّا وأمنيًّا.
وما المسوِّغات الكاذبة الكثيرة التي ينشرونها حيال المهدي إلَّا صدى للحرب (السرّيَّة) التي يكنُّونها تجاهه، والتي ما زالت مستمرَّة وتُنفَّذ على أرض الواقع في أكثر من مكان في العالم، والتي أصبح فيها لأساليب ووسائل القوَّة الناعمة الدور البديل لأدوات الردع العسكريَّة، ومن المعلوم أنَّ الحروب الخفيَّة تشتمل على جوانب متعدِّدة وكيانات مختلفة وتنطوي على نزاعات نشطة بصورة غير مباشرة، والتي تعمل كمنظومة متفاعلة تحاول إحداث تأثيرات إجماليَّة تخدم الأهداف، ومعتمدة في الأساس على سياسة النَّفَس الطويل وتراكم النتائج (القوَّة الذكيَّة) ولو استغرق ذلك عشرات السنين، وتُطبَّق كجزء رئيسي من الخُطَط والاستراتيجيَّات التي تصبُّ في تحقيق الغايات الكبرى.
تجدر الإشارة، بأنَّه تتباين الوسائل والآليَّات التي تستخدمها الاستراتيجيَّة النهائيَّة لتحقيق هدفها المرحلي تبعاً للتباين في طبيعة وأهمّيَّة ذلك الهدف، وتبعاً للإمكانات والقدرات المتاحة، وللظروف والأجواء المساندة، والحرص على تحقيق وتأمين التوافق والتلاؤم بين الوسيلة والهدف، وكأمثلة

(٢٨٥)

تطبيقيَّة لآليَّات الحرب السرّيَّة المستخدمة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، نشير إلى بعض الإجراءات كوسائل أو أساليب، وتُمارَس كآليَّات في بعض ميادين الصراع والمواجهة:
الميدان العملي:
إنَّ الأعداء تستهويهم فكرة: هل هناك مَنْ هو أفضل من المسلمين (الشيعة) لمكافحة ومصارعة المهدي؟.. وقد بدأت تلك الفكرة تتجسَّد على أرض الواقع عن طريق تعبئة جماعات وحركات تابعة للمخابرات الدوليَّة تتلبَّس القضيَّة المهدويَّة وتحاربه من داخل البيت الشيعي، وبالفعل تمَّ إنشاء وخلق بعض هذه الحركات المشبوهة في الأوساط الشيعيَّة وفي المجتمعات المؤمنة والموالية للإمام، ويتمُّ دعمهم ومساندتهم ماليًّا وأمنيًّا و...، وهذه استراتيجيَّة يُحقِّق فيها الأعداء بعض النجاحات النسبيَّة، فحركات دعاة المهدويَّة والسفارة في الحقيقة هي أحد الأسلحة الرئيسيَّة في الحرب الخفيَّة في ساحة القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه) ومن أكثر الوسائل إثارةً للسخط، وهو سلاح له نتائج وآثار سلبيَّة في فضاء العقيدة المهدويَّة والروح المعنويَّة للمجتمع المؤمن.
لقد خلق الأعداء ثغرة حقيقيَّة وخطيرة في صراعهم معه (عجَّل الله فرجه) وذلك بمحاولة إيجاد مرجعيَّة دينيَّة (تابع لهم) كواجهة نيابة عامَّة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) ومنافسة للمرجعيَّة العليا، ويكون عبارة عن إضافة رقم صعب في سلاح الأعداء، وهم بذلك يعدوُّن العدَّة لمدى زمني بعيد وبنَفَس طويل، ووظيفتهم الحاليَّة هي زرع وتأسيس الحركات المعادية وإثارة الفتن والإشكالات بالعقيدة المهدويَّة، ولذا نُدرك سبب تركيز جماعات مدَّعي المهدويَّة (كاليماني والصرخي) على الأطفال والأشبال والشباب والتي هي سريعة التأثُّر، وهذه الاستراتيجيَّة بعيدة الرؤية ومحلُّ ارتياب شديد وخطورة مستقبليَّة.

(٢٨٦)

إنَّ مظاهر المواجهة العمليَّة وتنفيذ خطوات الصراع الحالي وتطبيقها على أرض الواقع قد تكون البداية فقط، ممَّا يدفعنا إلى الحذر والترقُّب ممَّا هو أسوأ، علماً بأنَّ العدوَّ لديه تجربة كبيرة في مثل هذه الحروب وتاريخ طويل من محاولاته تقويض الدِّين الإسلامي وتشويهه، وكذلك خبرة الحرب الباردة مع الاتِّحاد السوفيتي، والحرب التجاريَّة (الناعمة) مع الصين كأحد أهمّ الأمثلة في وقتنا الحاضر، مع الأخذ في الاعتبار امتلاكهم للسمات المعاصرة للقوَّة الناعمة، ممَّا يجعل الحرب ضدَّ المهدويَّة حرباً ذات مغازي عميقة، وتحمل في طيَّاتها أبعاداً نفسيَّة وثقافيَّة ذات تأثير بعيد المدى على أفكار وعقول أفراد المجتمعات الشيعيَّة والقاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه).
الميدان الثقافي:
إنَّ مَنْ يتتبَّع النتاج الثقافي الغربي في السنوات الأخيرة، سواء على الصعيد الفكري أو الأدبي أو السينمائي يجد أنَّ الحرب السرّيَّة ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في أوج قمَّتها ونشاطها، فإنَّ الصهيونيَّة والمخابرات الدوليَّة كرَّست موارد واسعة من أجل برنامج سرِّي للدعاية الثقافيَّة المناهضة للمهدويَّة، وأحد الملامح الأساسيَّة لهذا البرنامج هو الحرص الشديد على أنْ يبدو لا وجود له، أمَّا إدارة هذه الجبهة الثقافيَّة السرّيَّة فكان ركيزتها جهتين:
١ - رجال الصهيونيَّة والمخابرات الدوليَّة:
وفي الفترة الحاليَّة فإنَّ الحملة الثقافيَّة في ذروة حيويَّتها وانتعاشها، حيث قامت بتكريس ترسانة من الأسلحة الثقافيَّة (صُحُف، كُتُب، روايات، مؤتمرات، ندوات، أفلام، مسلسلات...) من أجل التأثير على الرأي العامِّ العالمي والاستيلاء على عقول الشعوب الغربيَّة وتحريضهم ضدَّ المهدويَّة أو

(٢٨٧)

الدجَّال الإسلامي كما يُروِّجون، وإملاء الرؤية الصهيونيَّة عليهم حول الخلاص والتنبُّوءات التوراتيَّة المستقبليَّة.
٢ - حركات دعاة المهدويَّة في العالم الإسلامي:
وفي الآونة الأخيرة وسَّعت هذه الجماعات نشاطها، وهي في الأساس مشروع الصهيونيَّة المراوغ والمضلِّل، والمموَّل والمدعوم من المخابرات الأجنبيَّة، وقد أصبحت هذه الحركات أشبه باتِّحاد أو تكتُّل فاسد وخبيث في المجتمع الإسلامي، وأحد مهامِّ هذه الجماعات الموكلة لهم الجانب الثقافي وكسلاح تجهيل وتضليل، فإنَّ لهم نتائج مؤثِّرة في ميدان تقويض الثقافة المهدويَّة الأصيلة وخاصَّة في أوساط الأشبال والشباب الشيعي، عبر نشر الأفكار المشبوهة وفنِّ الكذب والخداع وتشويه الهيبة الثقافيَّة المهدويَّة الحقيقيَّة، وتمهيد الطريق أمام مصالح الصهيونيَّة والترويج لأفكارها، ويظلُّ هذا الدور واحداً من أكثر آثار الحرب السرّيَّة استفزازاً.
بالتأكيد أنَّ الاطِّلاع على خُطَط ومعالم الحرب السرّيَّة للأعداء، يكشف ستر مواقف وتحوُّلات عديدة في ميدان الثقافة والنواحي الفكريَّة المرتبطة بالقضيَّة المهدويَّة، حيث إنَّ كثيراً من المؤمنين يرى هذه التغيُّرات ويرقبها دون أنْ يدري أسبابها ودوافعها والمحرِّك الأساسي لها، ومن دون ريب هناك مجموعة من العملاء تُنفِّذ خُطَط الأعداء الثقافيَّة والفكريَّة، وتُروِّج لرؤيتهم ونظرتهم حول الخلاص والمخلِّص، وتصوُّراتهم حول المهدويَّة، وفي الحقيقة تحاول ضرب المهدويَّة في مقتل بتزييف ثقافتها وتحريف فكرها الأصيل، وسرقة كلِّ النواحي الإيجابيَّة والفاعليَّة المكنونة فيها.
الميدان الإعلامي:
وهو من أبرز وسائل الأعداء، وأهمّ أدوات القوَّة الناعمة في الحروب

(٢٨٨)

النفسيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، والذي يُوظَّف لخدمة الأهداف (وهو صدى فاضح للحرب السرّيَّة)، وأمثلة الوسائل الإعلاميَّة المستخدمة في محاربة القضيَّة المهدويَّة كثيرة، ولكن سنستعرض مثالين فقط للإيضاح:
١ - لقد أسَّست أجهزة المخابرات الأجنبيَّة منصَّة إعلاميَّة (قناة تلفزيونيَّة) تصدر برعايتهم ودعمهم السرِّي، وهو إسهام في ساحة الدعاية والإعلام، ووسيلة لدعم النفوذ الناعم والانتشار الواسع في المحيط الإقليمي، وتمَّ الاتِّفاق على أنْ تتولَّى إحدى جماعات مدَّعي المهدويَّة (اليماني المزعوم - ابن كاطع) إدارة القناة، وأنَّ المصلحة الرئيسيَّة للأعداء من وراء هذا المشروع: سدُّ النقص الإعلامي الموجود في مجال محاربة (المهدويَّة)، وذلك بإيجاد منبر إعلامي في العالم الإسلامي يبثُّ أفكار ومفاهيم العدوِّ، وكان القرار أنْ تكون بصبغة شيعيَّة ليصبح تأثيرها مضاعفاً وإضفاء نوع من المصداقيَّة عليها، حيث إنَّ الجرعة الإعلاميَّة السامَّة لا تُؤتي أُكُلها إلَّا عن طريق الخداع والسرّيَّة، إضافةً لإعطائها فرصة للولوج إلى ساحة النقاش والحوار الثقافي حول المهدويَّة في المجتمعات الموالية، وأنْ تكون متوائمة في ميدان تزريق الأفكار مع احتياجات الأعداء، وتتماهى مع الرؤى الثقافيَّة التي يُطلِقها المستشرقون حول المهدويَّة، وعن طريقها تتيسَّر الفرصة لخداع أكبر شريحة ممكنة، وتكون واجهة لاستقطاب أفراد جُدُد، وتحت مظلَّة عمامة شيعيَّة.
٢ - لقد بثَّت شركة نتفليكس الأمريكيَّة الترفيهيَّة في اليوم الأوَّل من عام (٢٠٢٠م) مسلسلاً تلفزيونيًّا ومترجَماً بعدَّة لغات، بعنوان (المخلِّص)، ويتكوَّن الجزء الأوَّل من (١٠) حلقات، وتدور أحداث القصَّة حول رجل يظهر لأوَّل مرَّة في دمشق بسوريا، ويدَّعي أنَّه (المخلِّص - المسيح)، وأوَّل ما قاله أمام حشد من الجماهير: (الخلاص قريب) وكرَّرها عدَّة مرَّات، ويصنع المعجزات في جميع

(٢٨٩)

أنحاء العالم، ويتكلَّم عدَّة لغات: العربيَّة والعبريَّة والإنجليزيَّة والفارسيَّة، فيصبح محطَّ أنظار العالم ويجذب عقول الناس إليه، ويصبح مقصد المستضعَفين وملاذَّ اليائسين الباحثين عن الخلاص، المسلسل يتقاطع مع إشارات منتظرة لآخر الزمان في العقيدة الإسلاميَّة، وهي (ظهور المهدي المنتظَر، وعودة السيِّد المسيح، وخروج الدجَّال)، وأحداث القصَّة تُركِّز على أنَّ (المخلِّص) لا يمكن له التحرُّك بحرّيَّة في عصرنا الحالي، فالمخابرات الأمريكيَّة والإسرائيليَّة ستلاحقه كما يُصوِّر المسلسل، وثَمَّة أياد خفيَّة تُوجِّهه وتسانده، وأخيراً تكشف تفاصيل مفزعة عن تاريخ الشخص المدعوِّ بالمخلِّص، فهو مجرَّد شابٌّ إيراني يتعاون سرًّا مع المخابرات الروسيَّة، وأنَّه في الأصل مصاب بحالة نفسيَّة يعتقد فيها أنَّه (المسيح - المخلِّص)، أثار المسلسل الكثير من الجدل في الأوساط الدِّينيَّة المختلفة، وهذا النمط من الدراما يشمل أهدافاً تتعدَّى الترفيه، وبالتأكيد يحمل رسالة خبيثة وذات دوافع (ماسونيَّة - صهيونيَّة) وهي: أنَّ المخلِّص الموعود من أيِّ طائفة دينيَّة: سواء كان عربيًّا (مسلماً - المهدي) أو أمريكيًّا (نصرانيًّا - المسيح) فهو حتماً مريض نفسيًّا وتابع للمخابرات، وهذا ما يتماهى مع أهدافهم بترويج ثقافة تُكوِّن رأياً عامًّا عالميًّا ضدَّ المخلِّص القادم.
الميدان الشامل:
إنَّ الحرب السرّيَّة (الناعمة) غير منفصلة عن الحرب العسكريَّة (الصلبة) بل تتناغم معها، وأنَّ المزج والتوازن بينهما هي الحرب الذكيَّة، والتي تنطوي على استخدام أيِّ وسيلة متاحة من شأنها إلحاق الخسائر بالعدوِّ وتحقيق الأهداف، وإحدى الغايات الأساسيَّة للحرب ضدَّ المهدويَّة إضعاف القاعدة الشعبيَّة للإمام (عجَّل الله فرجه)، وهذه مرحلة أوَّليَّة من المخطَّط الاستراتيجي للحرب السرّيَّة،

(٢٩٠)

وسواءً تمَّت العمليَّة بشكل هادئ أو أخذت مساراً مختلفاً، فإنَّ لكلِّ مواجهة ظروفها الخاصَّة ونوعها الملائم، فمن جهة يتمُّ تنفيذ حرب سياسيَّة (كالذي يحدث ضدَّ المقاومة في لبنان)، أو حرب عسكريَّة (كالذي يحدث في سوريا وغيرها)، أو حرب اقتصاديَّة (كالذي يحدث في إيران)، والهدف تدمير مسارح التمهيد، وتدخل ضمن الدائرة الكبيرة لتقويض المهدويَّة، وتتماهى مع مخطَّط إضعاف وتمزيق المجتمعات المؤمنة به والتي تُشكِّل قاعدته الشعبيَّة، والتي ستلتفُّ حوله وتُؤيِّده وتناصره في حال خروجه، بالإضافة لتهيئة البيئة والمناخ المناسب لخروج أعداء الإمام (عجَّل الله فرجه) المباشرين - الذي ذكرتهم الروايات الشريفة - كالشيصباني والسفياني وغيرهما.
ويجب إيضاح أنَّ معتنقي الصهيونيَّة المسيحيَّة يؤمنون بأنَّ العديد من المواقف السياسيَّة والعسكريَّة الأمريكيَّة كالحرب على العراق والمعارك الدبلوماسيَّة التي يشنُّها البيت الأبيض ضدَّ دول المنطقة وبقيَّة أعداء إسرائيل هي (التزام ديني) من شأنها أنْ تُسرِّع عودة المسيح إلى الأرض وإضعاف موقف الديكتاتور العربي والدجَّال الإسلامي القادم، وكذلك يرون في اغتيال قادة المقاومة الإسلاميَّة المناهضين لإسرائيل والصهيونيَّة (انتقاماً إلهيًّا من أعداء إسرائيل).
وفي هذا السياق، فإنَّ بعض الخطوات والتحرُّكات ذات الطابع العسكري في المنطقة والتي يتَّخذها ويُنفِّذها الأعداء حاليًّا، هي بمثابة إجراء ردعي يُثبِت للجماهير المؤمنة أنَّه ليس من الحكمة تحدِّي الغرب وصنيعته إسرائيل، وبتعبير آخر: يُمثِّل ضربة قاصمة للروح المعنويَّة للمؤمنين المنتظِرين، ومن شأنه أنْ يخلق حالة من اليأس لعدم إمكانيَّة حسم المواجهة مع الجبروت الأمريكي والتحالف الغربي، وبالتالي لا فائدة من الاستمرار في المواجهة، وباستثناء الجانب السرِّي للأهداف وغاياتها الأيديولوجيَّة، فإنَّها في أحد جوانبها استمرار للحرب النفسيَّة، والنيَّة أنْ

(٢٩١)

تُحدِث إرباكاً لقاعدته الشعبيَّة، وتخلق شكوكاً في قدرات الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وإمكانيَّاته وتُضعِف الثقة فيه، وتدمير إرادة ومعنويَّات أتباعه وشيعته.
وفي الحرب السرّيَّة تتطوَّر الخُطَط بما يتناسب مع الأحداث الميدانيَّة، وضمن الاستراتيجيَّة الشاملة والغايات النهائيَّة، فتأخذ أشكالاً وأدواراً متنوِّعة بين حرب نفسيَّة وإجراءات عسكريَّة وأساليب ثقافيَّة ووسائل إعلاميَّة، وكلُّها محاولات ممنهجة ومنظَّمة وخفيَّة لمناهضة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وفي ضوء ذلك نرى خيوطاً تتحرَّك في العلن وأُخرى في الخفاء، ومعركة تُدار علانية تارةً ومن خلف الستار تارةً أُخرى، وأيادٍ تُحرِّض في الداخل وأصابع تعبث في الخارج، وقوى أجنبيَّة تتكالب وقوى داخليَّة تفتح لها الطريق، وهكذا تتآزر جهود الأعداء مجتمعة لتقويض المهدويَّة.
وفي إطار الآليَّات التطبيقيَّة ونطاقات الصراع، فإنَّ هناك ميادين أُخرى لم نتطرَّق لها، لحسَّاسيَّة الموضوع وصعوبة الحصول على المعلومة، كالميدان السياسي وفي أعلى المناصب والمستويات، فينصبُّ الجهد على تخويف ساسة الدول على مصالحهم الشخصيَّة، والهدف حشد قواهم ضدَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وخاصَّةً دول المنطقة، ولضمان مشاركتهم في الحرب من وراء الكواليس، وللحصول على الدعم والمساندة في ميادين الصراع، وبشكل عامٍّ فإنَّ هناك أدوات وأسلحة تُنفِّذ الخُطَط والاستراتيجيَّات، وباستخدام مختلف الأساليب الثقافيَّة والدعائيَّة وبمؤازرة وسائل القوَّة الناعمة الموجِّهة للجماهير، فيتمُّ بهدوء تزييف الحقائق، وبطُرُق الكذب والخداع تُشوَّه صورة المهدويَّة وتُوضَع ثقافة بديلة ومزوَّرة، على أنْ تكون جاذبة ومتناغمة مع عواطف شعوب الميادين المختلفة، وبشكل مختصر فإنَّ لكلِّ ميدان وساحة ما يناسبه من آليَّات الصراع.

* * *

(٢٩٢)

شذرات مهدويَّة في خضمِّ الحرب

في ظلِّ طور الغيبة الكبرى ودورها، نجد من مزاياها عدم حاجة الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى أيِّ مظلَّة أمنيَّة أو سياسيَّة، فإنَّه يتمتَّع بقدر أكبر من حرّيَّة الحركة إزاء خُطَط الأعداء وأساليبهم ووسائلهم، بالإضافة للإمكانيَّات والكفاءة الشخصيَّة التي يحوزها القائد الربَّاني (عجَّل الله فرجه)، فضلاً عن الدعم والتوفيق والحفظ الإلهي، فإنَّ كلَّ ذلك يساعده على الالتفاف حول مكائد الأعداء وإفشال خُطَطهم، ويُرسِّخ أساساً قويًّا لمكانة المهدويَّة في المجتمعات المؤمنة وتحصين قاعدته الشعبيَّة.
بالتأكيد للإمام (عجَّل الله فرجه) دور إيجابي وفاعليَّة نشطة لصدِّ هجمات الأعداء، خاصَّةً وإنَّ وظيفته الرئيسيَّة حفظ الدِّين والمذهب، ولكن باعتبارنا نعيش في عصر الغيبة فإنَّه محجوب عنَّا معرفة ماذا يفعل، وما هو المنهج والخُطَط التي يستخدمها حيال ذلك، باعتبار أنَّ نشاطه خفي عن الأصدقاء والأعداء، وهذا هو الطابع والبرنامج العامُّ له، ولكن الأعداء يشعرون بتحرُّكاته ويتلمَّسونها، في أحد دروس(١٥٩) الشيخ السند ينقل عن تقرير موقع ويكيليكس ما خلاصته: (إنَّ القائد الخفيَّ - للشيعة - قابع في العراق وعنده علم من الأسباب الطبيعيَّة تفوق علومنا، ويأخذنا يميناً ويساراً وشمالاً وجنوباً، ويقود المعارك ضدَّنا، ولكن لن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٩) الدرس العقائدي للمرجع الدِّيني الشيخ محمّد السند (١٣/شعبان/١٤٣٩هـ)، شرح دعاء الندبة (الدرس ٥٣)/ العراق - النجف.

(٢٩٣)

نهدأ معه، وأنَّ الدوائر الغربيَّة تُؤكِّد: وجود الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وأنَّه صاحب قدرة، وأنَّهم لكونهم أصحاب قدرة يعرفون مَنْ يصارعهم)، وقد علَّق الشيخ السند على التقرير بقوله: (إنَّ هذا الدليل لا يفهمه إلَّا مَنْ هو جالس في غرفة القيادة والسيطرة، أمَّا مَنْ هو خارج عنها فلا يفهم ذلك أصلاً، وإنَّما يرى مجرَّد أحداث متناثرة من دون أنْ يُدرك أسبابها ومحرِّكاتها).
وفي هذا السياق، يُؤكِّد (فرانسوا تويال)(١٦٠) في كتابه (الشيعة في العالم، صحوة المستبعدين واستراتيجيتهم)(١٦١)؛ إذ يتعرَّض فيه لعقيدة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) ويقول فيه: (إنَّ الشيعة يعيشون في انتظار عودة الإمام الغائب، وهذا باختصار: المنهج الذي تنتهجه هذه الطائفة في مسراها الدنيوي)، وفي جانب آخر من الكتاب يقول أيضاً: (إنَّ عقيدة الإمام المهدي عند الشيعة ليست عقيدة تجريديَّة جموديَّة بل هي عقيدة مشروع دولي عالمي أُمَمي)، ويضيف بالقول: (والمشكلة أنَّ هذا الطموح الخطير لا نجده في أيِّ ملَّة ولا نِحلة ولا جماعة أُخرى)، ويقول في مكان آخر: (إنَّ الغيبة شاءها الله كي يسمح للمهدي بأنْ يقود الناس بطريقة خفيَّة)، ثمّ يُحذِّر بالقول: (فلذلك يجب على المراقبين الدوليين أنْ يلتفتوا إلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٠) (François Thual): معاصر، وُلِدَ في نوفمبر (١٩٤٤م) في فرنسا، الخبير الأمني والاستراتيجي، والمستشار ثمّ نائب الأمين العامِّ للمجموعة الوسطيَّة في مجلس الشيوخ الفرنسي، المتخصِّص في الدراسات الجيوسياسيَّة ومدير الدراسات الأكاديميَّة في المدرسة الحربيَّة العليا للجيوش الفرنسيَّة، عضو في المحفل الماسوني الكبير بفرنسا وغادره في عام (٢٠٠٣م)، وهو مؤسِّس المحفل الكبير للثقافات والروحانيَّات (GLCS) في يونيو (٢٠١١م)، والسيِّد الكبير والفخري للمحفل العالمي الكبير في مصر (GLMM)، مؤلِّف لنحو أربعين كتاباً جيوسياسيًّا، منها: الجغرافيا السياسيَّة للماسونيَّة عام (١٩٩٤م)، وكذلك: الجغرافيا السياسيَّة للشيعة عام (١٩٩٥م)، حصل على جائزة أفضل كتاب جيوسياسي عام (٢٠٠٩م) في فرنسا.
(١٦١) ترجمة كتاب (Géopolitique du chiisme - الجغرافيا السياسيَّة للشيعة)، نقله عن الفرنسيَّة إلى العربيَّة: نسيب عون (ط ١/ ٢٠٠٧م/ نشر دار الفارابي/ بيروت).

(٢٩٤)

خطورة هذه العقيدة فإنَّها ليست عقيدة وحسب، بل هي مشروع عالمي متكامل، لاسيَّما أنَّ هذا المشروع أكبر شعار لكلِّ مؤمن بالعدالة وهو العدالة المطلقة).
هكذا يفهم الأعداء الطرف الآخر من الصراع، ويفهمون كذلك أنَّ القيادة من وراء الستار مصدر قوَّة، وهي التي تتولَّى الاستراتيجيَّة العليا، وتستغلُّ القوَّة المعنويَّة في الأُمَّة باعتبارها المصدر الحقيقي للصمود وإدارة الصراع، ولذا فالمذهب الشيعي بالرغم من كثرة ما تعرَّض له من أزمات ومعارضة وتهميش وإقصاء، وما لاقاه الشيعة من ظلم واضطهاد وقتل على يد مناوئيهم ومن قِبَل الحكومات المتعاقبة على مرِّ التاريخ الإسلامي، وعلى كثرة الضربات القاصمة للظهر، ومع ذلك فإنَّه المذهب الإسلامي الوحيد الذي يزداد نموًّا وتطوُّراً فكريًّا وعدديًّا باستمرار، فضلاً عن الصمود والبقاء، في الوقت الذي يشهد الواقع التاريخي والأحداث المعاصرة كثرة الأخطار المحيطة به، ولو تعرَّض لها أيُّ مذهب إسلامي آخر لانتهى، كما حَدَث مع الكثير من المذاهب المنقرضة، ويرجع الفضل في هذا البقاء والازدهار للمذهب للقائد الغائب الذي يرعاه ويحميه، ونجد أياديه وبصماته واضحة في المفاصل التاريخيَّة للمذهب، وفي عصرنا الحديث لا يختلف الوضع بل يكاد يكون دور الإمام (عجَّل الله فرجه) في المحطَّات الخطيرة واضحاً وبارزاً، وهذا ما يتلمَّسه ويشعر به الأعداء قبل الأصدقاء.
ويبقى السؤال: ما هو طريق إفشال الحرب السرّيَّة القذرة ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه)؟.. وهل نترك الإمام (عجَّل الله فرجه) يواجه هذه الحرب الشرسة بمفرده؟.. أم يكون لنا دور في صدِّ الهجمات وإفشال الخُطَط الخبيثة للأعداء، وتكون لنا يد فاعلة ونشاط إيجابي ومؤثِّر لربح الصراع، أو على الأقلّ التقليل من آثاره؟

* * *

(٢٩٥)

خلاصة القول والثمرة

إنَّه لتحدٍّ كبير أنْ يكتب المرء عن حرب جارية، وهي في غاية السرّيَّة والخفاء (لم يُصرِّح بها أحد رسميًّا)، وفي هذا البحث حاولنا ما أمكن أنْ نصيغه بطابع فكري بعيداً عن صورة التقارير الصحفيَّة لنقل تفاصيل الحروب، فاستعرضنا فتات من المعطيات الفكريَّة والأُصول التاريخيَّة والمعتقَدات الدِّينيَّة للأعداء، والتي تُؤكِّد وتُثبِت أنَّ المهدويَّة تواجه حرباً حقيقيَّة ومنظَّمة، حيث يتمُّ تنفيذها بطُرُق مهنيَّة واحترافيَّة جدًّا.
ليس من شكٍّ في أنَّ الأُمَّة الإسلاميَّة خصوصاً والبشريَّة عموماً تواجه اليوم حرباً خفيَّة طويلة الأمد، غايتها عرقلة مقدَّمات إقامة دولة العدل الإلهي وتأخير تكامل البشريَّة، وخُطَطها الاستراتيجيَّة تستهدف: تدمير الأمل والتفاؤل والإيجابيَّة في أنفسنا وأرواحنا، وسرقة المخلِّص والمنقذ والمهدي من إيماننا وعقولنا، حفاظاً على مصالحهم، ولذا ينبغي أنْ لا نغفل حقيقة هذا الصراع وأنْ نُقلِّل من شأنه، فالقتال العسكري له نهاية يوماً ما، أمَّا الحرب السرّيَّة فليس لها نهاية بل هي مستمرَّة ودائمة في السلم والخصام على حدٍّ سواء، وكلَّما اقتربنا من اليوم الموعود ومن ساعة الفجر المقدَّس، كلَّما ضاق الخناق على الأعداء، وزاد فزعهم وخوفهم أكثر وأكثر، فتزداد معه حدَّة وشراسة الحرب واتِّساع نطاقها.
وبالتفكر والتأمُّل قليلاً سنلاحظ مؤشِّرات وعلائم بارزة عن مدى اتِّساع ساحات المواجهة حيث تشمل البشريَّة كافَّة، ويمكننا أنْ نعتبر خطوات المجابهة والصراع الحاليَّة فصلاً جديداً في حرب مستمرَّة وطويلة، فمعاداة الإمام (عجَّل الله فرجه)

(٢٩٦)

ومناهضته كانت موجودة سابقاً، ولكنَّها تبلورت في الفترة الحاليَّة في صيغة حرب سرّيَّة أكثر شراسةً وأقوى ضراوةً، وقد بدأ الفصل الجديد من هذه الحرب في انطلاقته الأخيرة مع انتصار الثورة في إيران عام (١٩٧٩م)، من قِبَل الأعداء: الصهيونيَّة واليمين المسيحي الإنجيلي الأمريكي (المسيحيَّة المتصهينة)، وزادت حدَّة وشراسة الحرب مع غزو العراق عام (٢٠٠٣م)، فإذا بأحداث المنطقة وبالخصوص الساحة العراقيَّة والشام تُخبِر أنْ لا استقرار ولا سلام في منطق الأعداء المسكون بالأساطير والتنبُّؤات وصراع الآلهة ولعنة الجغرافيا، فمن الثابت أنَّ المواجهة مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حاليًّا تندرج ضمن نطاق الحروب غير المباشرة وغير المتكافئة، ولا يمكن فيها الحصول على انتصار حاسم، حيث أحد أطراف الصراع غائبٌ عن الساحة (بشكل ظاهري)، وبعيدٌ عن الجدال.
يمكن اعتبار أنَّ العدوَّ انتزع مكسباً نسبيًّا من خلال:
* ضمان تحالف الساسة الغربيِّين مع الصهيونيَّة ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) حاليًّا ومستقبلاً.
* إنشاء وتأسيس بعض جماعات وحركات دعاة المهدويَّة في العالم الإسلامي.
* تحييد الشعوب الغربيَّة من التأثُّر بالمهدويَّة نوعاً ما.
ولكن ذلك المكسب غير محسوم وبانتظار تتمَّة الأحداث والنتائج الختاميَّة، ولذا ستبقى الحرب كامنة والنزاع مستمرًّا وطويل الأمد.
لقد أذهلت هذه الحرب بطول مدَّتها، وتعقيداتها وخبث أساليبها، كلَّ من حاول دراستها أو تفهُّم دوافعها، كما كان من المثير للدهشة موقف بعض المسيحيِّين من الصراع، بحيث أصبحوا اليد المنفِّذة بدلاً من اليهود، ومن المعلوم أنَّ الصهيونيَّة قدَّمت عدَّة تبريرات لشنِّ الحرب ضدَّ المهدويَّة، والتي تركَّزت أساساً على: قيام

(٢٩٧)

دولة إسرائيل الكبرى، ووقوع معركة هرمجدون مصداق للنبوءات التوراتيَّة، وهي إشارات يجب أنْ تسبق عودة المسيح، بالتأكيد ليس الأمر إلَّا مجرَّد مناورة كبرى تصيغها الصهيونيَّة لصرف الأنظار عمَّا تفعله من إجراءات مستبدَّة عميقة ضدَّ الفلسطينيِّين وضدَّ المهدويَّة، متَّخذة من المسوِّغات الدِّينيَّة غطاءً لتمرير مشروعها السياسي العالمي الرامي إلى تأسيس دولة صهيون الكبرى.
إنَّ الحرب السرّيَّة (سواء القوَّة الناعمة أو الشاملة) رغم مغريات شعاراتها وجاذبيَّة أداتها، فإنَّ نتائجها لا تقلُّ خطورةً عن النتائج المترتِّبة على استخدام القوَّة العسكريَّة وأدوات الضغط الاقتصاديَّة، وقد قُيِّمت على أنَّها من الحروب الخطيرة، نظراً إلى ما استُخدم فيها من وسائل متنوِّعة وما انتهج من أساليب خبيثة، ومن المؤكَّد أنَّ أحد الخُطَط الرئيسيَّة لاستراتيجيَّة الحرب طويلة المدَّة والتي يهدف القادة (الصهاينة) إلى ممارستها ضدَّ الإمام المهدي (روحي فداه)، هو الاعتماد بشكل رئيسي على حركات دعاة المهدويَّة في مواجهة قاعدته الشعبيَّة، وبناءً على نظرتهم وفهمهم القاصر أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) الآن في طور الغيبة - فقدان المعنى الحقيقي للغيبة(١٦٢) - والمحتمل أنْ تجعله غير قادر أو مقيَّداً عن مواجهة خُطَط وأساليب هذه الحرب، وربَّما أدَّت إلى انهيار العقيدة المهدويَّة من قلوب شيعته تحت ضربات سهام هذه الجماعات.
التوصيات:
وبعد استعراض الكثير من المعطيات والحقائق عن هذا النزاع الخفي طويل الأمد والمستمرِّ، يتسنَّى لنا في نهاية هذا البحث أنْ نسوق بعض من التوصيات وبشكل مجمل:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٢) مع حصول الغيبة الكبرى (غيبة عنوان) فإنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لم يقطع علاقته بقواعده وشيعته ووكلائه العامِّين كلّيًّا، بل كان يُوجِّه ويُرشِد بما يراه مناسباً ومن المصلحة القيام به.

(٢٩٨)

* يجب علينا أنْ لا ننسى أنَّنا أمام قوَّة عالميَّة تستخدم أساليب ووسائل خفيَّة وخبيثة ضدَّ المهدويَّة وقاعدتها الشعبيَّة وضدَّ الرأي العامِّ العالمي كذلك، والأساس الذي يجب أنْ ننطلق منه لمواجهتها: أنْ نعترَّف أوَّلاً بوجود هذه الحرب، وأنَّ هناك مَنْ يُخطِّط ويشرف على تنفيذها، والتي بدأت بشكل جلي وقويٍّ في العقود الأخيرة، وهي لن تتوقَّف عند حدٍّ معيَّن، ولكن السجال يحصل بحسب طريقة أدائنا والجهود التي نبذلها، لذا يجب أنْ نضعها نصب أعيننا، من أجل أنْ نُهيِّئ العدَّة المناسبة للتصدِّي لها وتقليص آثارها، ونتمكَّن في الأخير من ربح المعركة الطويلة.
* لا شكَّ أنَّ الاطِّلاع على دوافع وبواعث الحرب ضدَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) الحاليَّة، يُشكِّل مفصلاً مهمًّا في المشروع المهدوي المستقبلي، وإضافة بناءة للتمهيد لظهوره وإنْ كان بشكل غير مباشر، وأنَّ دراسة الأسباب الحقيقيَّة لهذا الصراع وكذلك تحليل المبرِّرات الظاهرة أمر ضروري، لأنَّ أيَّ نزاع بين طرفين يحتاج إلى تفسير، والحقيقة أنَّنا لو حلَّلنا دلالات ومعطيات هذه الحرب لوجدنا دوافع عميقة للأعداء وراءها، كمنافع اقتصاديَّة ومصالح سياسيَّة كبرى بعيداً عن المبرِّرات الدِّينيَّة أو المسوِّغات الأيديولوجيَّة، وهذا يستدعي التحقُّق من الجذور الحقيقيَّة للحرب وخاصَّة لكيانات ومجتمعات علمانيَّة، لأنَّ ذلك يُشكِّل النظرة العميقة لماهيَّة الأهداف وطبيعة الصراع، وحينها يسهل علينا وضع خارطة طريق للتصدِّي لجوهر الصراع، وعدم الانجرار وراء المعارك الجانبيَّة والمناوشات الثانويَّة.
* لا بدَّ من دراسة وتحليل خُطَط واستراتيجيَّات الأعداء المرحليَّة والنهائيَّة بدقَّة، وفهم الوسائل والأساليب التي يستخدمها، وأنْ نُقيِّم تقنيَّات وآليَّات الحرب من منظور فكري ونفسي وقانوني، فمن خلال نتائج الدراسة

(٢٩٩)

والتحليل نتمكَّن من رصد نقاط القوَّة والضعف لدى العدوِّ، ونُركِّز على محاور القوَّة لديه ونعمل على تفكيكها، ومعرفة المصادر والمنابع التي يعتمدون عليها، ومن جهة أُخرى نُشخِّص مصادر القوَّة عندنا والتي يجب أنْ نتمسَّك بها ونُرسِّخها، ونواحي القصور التي يجب تفاديها والعمل على علاجها وسدّ الثغرات فيها، وهذا أمر في غاية الأهمّيَّة.
* يتحتَّم علينا تكوين رؤية شاملة عن مناهضة المهدويَّة وطبيعة الصراع، وتحديد مستوى خطورة حرب هذه الأيَّام وتقييم عمقها، ورصد الأهداف الاستراتيجيَّة من ورائها، وبناء منظومة فكريَّة شاملة (عقائديَّة وثقافيَّة وأمنيَّة ونفسيَّة واجتماعيَّة وتقنيَّة وإعلاميَّة و...) عن تاريخ معاداة المهدويَّة، بحيث تتراكم لدينا خبرات معرفيَّة، ويسهل وضع أولويَّات للمرحلة الراهنة، فيتسنَّى لنا اتِّخاذ تدابير وقائيَّة غير تقليديَّة وأنْ تكون مؤثِّرة وفاعلة، ولا بدَّ أنْ ننتقل من موقع الاطِّلاع ودور الدفاع إلى دور الهجوم وموقع التأثير.
* لا بدَّ من التعاطي بإيجابيَّة مع فداحة هذه الحرب، وقبل ذلك علينا أنْ نستوعب ونُدرك دورنا المطلوب لتحصين مجتمعاتنا (وبالخصوص جيل الشباب والأشبال) تجاه سهام الأعداء، سواء ضدَّ المرجعية الدِّينيَّة أو ضدَّ القاعدة الشعبيَّة بشكل عامٍّ، وأنْ لا ننخدع بالحرب النفسيَّة ونتأثَّر بها، وأنْ نبادر لدفع السلطات الرسميَّة لاتِّخاذ مواقف أمنيَّة تجاه الجماعات المشبوهة المستغلَّة للقضيَّة المهدويَّة، وأنْ تُحقِّق قانونيًّا في بواعثهم الحقيقيَّة ومدى ارتباطاتهم بالاستخبارات الأجنبيَّة، ويرافق ذلك نشر ثقافة مهدويَّة تُلبِّي احتياجات المرحلة وضروريَّات الصراع.
* إنَّنا بأَمَسّ الحاجة إلى تصحيح الصورة المزيَّفة والمشوَّهة عن الإمام (عجَّل الله فرجه) لدى الرأي العامِّ الغربي والعالمي، والعمل على تفكيك وتقويض الصورة التي

(٣٠٠)

رسمها الأعداء، ولنبادر إلى تعريف مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) إلى الشعوب والحضارات الأُخرى، وبلورة حقيقة المهدويَّة وبما تحتويه من قِيَم راقية ومبادئ إنسانيَّة وحضاريَّة وبشكل يناسب عقليَّة غير المسلم، وإيصالها إلى المنظومة الفكريَّة للشعوب الغربيَّة، والاستفادة من حرّيَّة الرأي والإعلام الحرِّ لديهم، فهذا من أهمّ الأولويَّات الفكريَّة الملحَّة حاليًّا.
* من المهمِّ تصميم منظومة استراتيجيَّة بعيدة المدى (خارطة طريق) شاملة لكلِّ الأبعاد الأمنيَّة والفكريَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، صالحة لتجاوز هذه الحرب وتقليص تأثيرها، ومتابعة آخر المستجدَّات التي وصلت إليها خُطَط الأعداء الميدانيَّة في ظلِّ الأهداف النهائيَّة، وعندما نقوم بهذه الخطوات أو المهمَّات، لا بدَّ أنْ نستوعب: أنَّ هذه مسؤوليَّة دينيَّة قبل أنْ تكون مهمَّة حضاريَّة وإنسانيَّة.
إنَّ الذي يقلق وبشدَّة هو معرفتنا لخطورة الحرب السرّيَّة الحالية، وإدراك فظاعة أساليبها الناعمة التي تتغلغل في أوساط مجتمعنا، ولكن نتساءل: مَنْ جعل الأبواب مشرعة لهم؟!
وفي الختام: لا بدَّ أنْ نُثير سؤالاً مهمًّا: لِمَ كلُّ هذا العداء للمهدويَّة في الغرب؟ ولِمَ زادت حدَّة الصراع في الوقت الراهن؟ وما هي المعطيات والأسباب المستجدَّة؟ واستفهام كبير يشغل بالنا منذ زمن طويل: أنَّها حرب سرّيَّة ضدَّ المهدويَّة وضدَّ الإمامة الخاتمة، فهل نحن (شيعته) على قدر المسؤوليَّة فنواجهها ونتصدَّى لها بشكلٍ كافٍ؟
وعليه: نسوق هذه الحقيقة البديهيَّة: أنَّ الإمام (روحي فداه) خاتم الأوصياء وبقيَّة الله، وبما حباه الله من كفاءة وإمكانيَّات ومقام عظيم جليل، ما يجعله قادراً على أنْ يتحدَّى ويجابه كلَّ قوى الكفر العالمي بما تمتلكه من إمكانيَّات

(٣٠١)

عسكريَّة وتقنيَّة وماليَّة وإعلاميَّة هائلة، ومن المؤكَّد سيتحقَّق قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣)، وفوق ذلك، هذا وعد إلهي: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥).

* * *

(٣٠٢)

الفصل الخامس: دلائل العصر.. تصاعد الاهتمام المخلِّص الموعود في وجدان شعوب العالم(١٦٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٣) نُشِرَ هذا البحث في مجلَّة (الموعود) النصف سنويَّة، العدد (١٨)، ذي الحجَّة (١٤٤٦هـ/ يونيو ٢٠٢٥م)، الصادرة عن مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) - العراق.

(٣٠٣)

في ظلِّ التحدّيات المتزايدة التي تواجه البشريَّة في العصر الحديث، والتي تتجسَّد في الصراعات والحروب والأوبئة والاضطرابات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والأزمات الكبرى، يتجدَّد البحث عن الأمل والخلاص، وتُعتبَر عقيدة المخلِّص من المفاهيم الدِّينيَّة العميقة التي جذبت اهتمام البشر عبر العصور، وفي السنوات الأخيرة لوحظ ازدياد ملحوظ في الاهتمام بهذه العقيدة في شتَّى بقاع العالم، هذا الاهتمام يتجاوز الحدود الدِّينيَّة والمذهبيَّة، ليصبح ظاهرة ثقافيَّة لها منحني متصاعد وتأثير على الرأي العامِّ العالمي، ممَّا يجعلها تستحقُّ الدراسة والتحليل.
وقد تجلَّى هذا البحث بشكل واضح في تسليط الضوء على مدى ازدياد الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود، تلك الفكرة التي رافقت البشريَّة منذ القِدَم، ونهدف من هذا البحث إلى التعرُّف على الدلائل والمؤشِّرات لمكانة المخلِّص الموعود في وجدان شعوب العالم المعاصرة، وتحديد الأسباب والدوافع التي تقف وراء هذا الاهتمام، كما يسعى البحث إلى تحليل الآثار المترتِّبة على انتشار شعبيَّة المخلِّص في الأُمَم ومن منظور فكري واستراتيجي.
سيتمُّ الاعتماد في هذا البحث على مجموعة متنوِّعة من المصادر والمنهجيَّات، بما في ذلك الدراسات الاستطلاعيَّة والإحصائيَّات الأكاديميَّة، ومن المتوقَّع أنْ يساهم هذا البحث في فهم أعمق لطبيعة العلاقة بين قضيَّة هي في الأصل: فطريَّة، عقليَّة، سماويَّة (فكرة المخلِّص) وبين الرأي العامِّ العالمي في العصر الحديث.

(٣٠٥)

تُشكِّل الأزمات العالميَّة المتتالية - كجائحة كورونا والنزاعات المستمرَّة - أرضيَّة خصبة لتجدُّد الحنين الإنساني العميق نحو الخلاص والمخلِّص، وأنَّ هذا الحنين المتجذِّر في أعماق الأديان والثقافات، يعكس حاجة البشريَّة الأساسيَّة إلى الأمل والتغيير الإيجابي في مواجهة الظلم والمعاناة، ففكرة المخلِّص الموعود سواء في الأديان السماويَّة أو في الفلسفات الإنسانيَّة تُجسِّد هذا الحنين وتُقدِّم رؤية لمستقبل أفضل.
اليوم نشهد تجدُّد الاهتمام بهذه الفكرة على نطاق واسع، ممَّا يدلُّ على عمقها في النفس البشريَّة وقدرتها على تجاوز الحواجز الثقافيَّة والدِّينيَّة، وأنَّ هذا التصاعد الملحوظ يُشير إلى أنَّ البحث عن المعنى والخلاص هو سمة جوهريَّة للتجربة الإنسانيَّة.
من الملفت في الآونة الأخيرة أنَّ هناك تحوُّلاً كبيراً واهتماماً متزايداً في الثقافة الإنسانيَّة نحو مستقبل البشريَّة، حيث تجاوزت النقاشات الثقافة في الإطار التقليدي، ودخلت في حوار مع الحضارات الأُخرى، وفي إطارات وعناوين مختلفة كـ (المهدويَّة أو الخلاص أو المخلِّص أو نهاية التاريخ أو أحداث آخر الزمان أو...) وكلُّ هذه الأفكار تتلاءم مع الفطرة الإنسانيَّة والعقل السليم والإرشاد السماوي، وتجد صدًى بارزاً عند جميع شعوب العالم، ممَّا يجعل الموضوع خَلَّاقاً ومهمًّا لدى الرأي العامِّ العالمي.

* * *

(٣٠٦)

المهدويَّة رسالة ربَّانيَّة خالدة (البشريَّة تنتظر)

عقيدة الخلاص عبارة عن مفهوم ديني وفلسفي عميق، له جذور في كلِّ الأديان السماويَّة والعديد من الثقافات الإنسانيَّة حول العالم، وهذا الاعتقاد يعني: أنَّ هناك قوَّة عليا قادرة (الخالق) سيُخلِّص البشريَّة من المعاناة والظلم والشرِّ، وسيأتي بهم إلى حالة مثاليَّة من السعادة والعدل والسلام، أمَّا المخلِّص فهو الشخصيَّة المركزيَّة في هذه الأيديولوجيَّة، الذي سيقود هذا الخلاص.
إنَّ فكرة (المخلِّص الموعود) مترسِّخة في الفكر الإنساني منذ فجر التاريخ، وعلى طول وامتداد المسيرة الإنسانيَّة، وفي السنين الأخيرة، هذا المفهوم أصبح أكثر بروزاً لدى الكثير من شعوب العالم بسبب تزايد الأزمات العالميَّة الكبرى، وعلاوةً على ذلك فإنَّ أصل عقيدة المخلِّص هي: حاجة بشريَّة (الفطرة)، وفكرة واقعيَّة (العقل)، وضرورة إلهيَّة (الإرشاد السماوي)، وهذا يمنحنا بشارة قطعيَّة بأنَّ البشريَّة ينتظرها عصر مثالي يسوده التوحيد والكمال، وتتحقَّق فيه جميع متطلَّبات الفطرة الإنسانيَّة بنسبة كاملة.
إنَّ فكرة الخلاص في الأساس رؤية إنسانيَّة شاملة، وجوهرها يتعلَّق بقضيَّة القلق الإنساني العميق حول الظلم والحروب والقتل والفساد، ومن المؤكَّد أنَّ هناك علاقة ارتباط وثيقة بين فكرة الخلاص والمخلِّص والاعتقاد بنهاية التاريخ وأحداث آخر الزمان لدى شعوب العالم.

(٣٠٧)

ومن المحتَّم كفكرة قديمة وعميقة في التاريخ البشري أنْ نجدها متعدِّدة الأوجه وتختلف تفسيراتها باختلاف السياقات الثقافيَّة والدِّينيَّة والفلسفيَّة، ونتيجةً لذلك من المهمِّ التعرُّف على معنى الخلاص والفلسفة القائمة عليه، وخاصَّةً في سياق الأُطُر الدِّينيَّة، حيث إنَّ جميع الأديان السماويَّة تتشارك في فكرة الخلاص، ولكن تختلف في مفهومه وكيفيَّة تحقيقه، وتصوُّرهم للمخلِّص كالآتي:
١ - الإسلام:
- فكرة الخلاص: على الصعيد الفردي تتعلَّق بالنجاة من عذاب يوم القيامة، وطريقها التوبة الصادقة، أمَّا على صعيد البشريَّة فتتعلَّق بتحرُّر المجتمعات من براثن الظلم، ونشر التوحيد والعدل على كافَّة المعمورة.
- المخلِّص الموعود: يؤمن المسلمون بمجيء الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، الذي يُعَدُّ مخلِّصاً سيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وإقامة دولة السماء في الأرض.
٢ - المسيحيَّة:
- فكرة الخلاص: قائمة على أساس أنَّ الإنسان متلبِّس بالخطيئة (آدم)، وأنَّ الطريق الوحيد للخلاص يتمثَّل في أنَّ ابن الله (المسيح) يتجسَّد ويُصلَب ويُقتَل، ومن ثَمَّ يكون قد أعاد مصالحة الإنسان مع الله.
- المخلِّص الموعود: هو عودة المسيح مرَّة ثانية إلى الأرض في آخر الزمان، وإقامة حكم الله وملكوته في المستقبل، وتحقيق العدالة النهائيَّة للبشريَّة وإسعاد الناس.
٣ - اليهوديَّة:
- فكرة الخلاص: تقتصر على الشعب اليهودي فقط، وتتعلَّق بالتحرُّر من

(٣٠٨)

المعاناة والوهدة السياسيَّة التي يمرُّ بها اليهود، يُنظَر إلى الخلاص على أنَّه تحقيق لرفعة شأن ومجد بني إسرائيل في العالم.
- المخلِّص الموعود: يؤمن اليهود بمجيء مخلِّص (المسيَّا/قائد عسكري ومَلِك مميَّز) والذي سيُعيد بناء الهيكل في القدس ويجمع الشتات اليهودي، ويُقيم مملكة إسرائيل الكبرى ويجعل اليهود أسياداً للعالم.
واستخلاصاً لما سبق نستنتج أنَّ الخلاص الذي يُلبِّي مصالح شريحة معيَّنة من البشر فقط (اليهود)، فمثل هذه الرؤية للخلاص لا تتمنَّاها الإنسانيَّة ولا أحد ينتظر تحقُّقه، لأنَّه يفتقد لأبسط مبادئ العدل والمساواة؛ وكذلك الخلاص القائم على عقاب غير المخطئ (المسيح) والذي يفتقد لأبسط مبادئ العدالة والرحمة والمحبَّة، لا يطلبه الناس ولا ينتظرونه؛ أمَّا حين يكون الخلاص قائماً على ثوابت العدل والمساواة ويتمُّ تطبيقها في المجتمع البشري كافَّة، وينظر للناس جميعاً سواسية من دون تفاضل أو تمايز، فإنَّ هذا الخلاص (المتمثِّل بالمهدويَّة) يرسم أسمى ما تطمح إليه الإنسانيَّة وأكمل صورة للمستقبل ونهاية التاريخ.
العلاقة بين الإيمان بالمخلِّص الموعود والاعتقاد بقرب نهاية العالم تكمن في النبوءات الدِّينيَّة وتفسير البشارات التي تُخبِر بظهور شخصيَّة (المخلِّص) في آخر الزمان لإنقاذ العالم من الظلم والفساد، وهكذا يتبيَّن أنَّ هذه العلاقة تتجلَّى في جوانب عدَّة:
- التفسيرات العقائديَّة: العديد من الأديان تؤمن بأنَّ ظهور المخلِّص هو علامة على قرب نهاية العالم، وهذه الفكرة تُعزِّزها النصوص الدِّينيَّة التي تُشير إلى فترة من الأزمات والمشاكل تسبق ظهور المخلِّص، والتي تعني ضمنيًّا آخر الزمان.
- المفاهيم الحديثة في الثقافة الشعبيَّة: يتمُّ تناول فكرة المخلِّص ونهاية العالم

(٣٠٩)

بشكل متكرِّر في الأفلام والبرامج التلفزيونيَّة والكُتُب، ممَّا يعكس ويُعزِّز هذه المعتقَدات في الوعي الجماعي، وهذه الأعمال غالباً ما تُصوِّر مجيء المخلِّص كَحَلٍّ للأزمات الكبرى التي تواجه البشريَّة، ممَّا يربط بشكل مباشر بين الإيمان بالمخلِّص والاعتقاد بقرب نهاية العالم.
- الأحداث العالميَّة: بعض الناس يُفسِّرون الأحداث العالميَّة - مثل الكوارث الطبيعيَّة والحروب والأزمات الاقتصاديَّة - كعلامات على قرب نهاية العالم وظهور المخلِّص، هذه التفسيرات تتوافق مع النبوءات الدِّينيَّة التي تُشير إلى ظهور المخلِّص في أوقات الأزمات الكبيرة.
- الأمل في المستقبل: الإيمان بقرب نهاية العالم يمنح الإنسانيَّة أملاً في مستقبل أفضل آخر الزمان، حيث يسود السلام والعدل في كافَّة الأرض المعمورة على يد المخلِّص الموعود.
- الارتباط بين الخلاص وقرب نهاية العالم: في السياق الدِّيني السماوي، يُنظَر إلى نهاية العالم كوسيلة لإحداث التغيير والخلاص النهائي، وأنَّ ظهور المخلِّص الموعود هي البوَّابة إلى الخلاص المنشود.
- انتظار المخلِّص وآخر الزمان: هناك الكثير من التنبُّؤات والتوقُّعات الدِّينيَّة بشأن قرب نهاية العالم وظهور المخلِّص الموعود، هذه التوقُّعات زادت في الآونة الأخيرة، خاصَّةً في أوقات الأزمات السياسيَّة والمشكلات البيئة الكبرى في العالم.
الإيمان بحتميَّة ظهور المصلح العالمي وإقامة دولة العدل الإلهي، من الحاجات الإنسانيَّة المشتركة والمتَّفق عليها عند كلِّ الأديان والحضارات، وهذه الحقيقة من المسلَّمات لمن درس عقيدة المخلِّص والتاريخ الدِّيني، ومن ثَمَّ ما ينتظره المسلمون وما ينتظره المسيحيُّون وما ينتظره اليهود وما تنتظره البشريَّة من

(٣١٠)

قديم الزمان وإلى الآن، هو في الحقيقة شخص مستقبلي واحد محدَّد بعينه، وقد تناولت بشارات الأديان السماويَّة أبرز قضايا وخصوصيَّات هذا المصلح العالمي، والتي لا تنطبق إلَّا على ما يُميِّز الأُطروحة الإماميَّة (المهدويَّة) والواقع التاريخي الذي مرَّت به، وعلى أساس أنَّ المخلِّص المرتقَب آخر الزمان شخص واحد فقط لدى جميع الأديان والحضارات، ووحدة الغاية والهدف والمنطلقات، ولذا تُؤكِّد النصوص الدِّينيَّة المختلفة وجود نقاط مشتركة حول شخصيَّة المخلِّص الموعود، ووجود اتِّفاق واسع على أنَّه مبعوث للبشريَّة كافَّة، وفي الحقيقة لا تنطبق هذه النبوءات والبشارات إلَّا على (المهدي المنتظَر)(١٦٤)، ممَّا يُوحي بوجود اعتراف ضمني واسع غير معلن على هذه الحقيقة.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٤) للتوسُّع أكثر في هذا الموضوع، ارجع إلى كتابنا: تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى (ص ٥٣ - ٨٣/ الفصل الثاني: المهدويَّة قاسم مشترك بين الحضارات).

(٣١١)

دلائل تشير  إلى صحوة عالميَّة بحثاً عن المخلِّص

شكَّلت الأحداث الدراماتيكيَّة المتسارعة التي يمرُّ بها العالم حاليًّا صدمةً عميقةً للشعوب، وأعادت إلى الواجهة مخاوف قديمة حول الأوبئة والحروب والكوارث، وتأثيرها على الاستقرار العالمي ومستقبل البشريَّة، وفي واقع الأمر أدَّى فشل القادة السياسيِّين في علاج الأزمات المعاصرة، إلى الكشف عن هشاشة النظام العالمي وتآكل الثقة في المؤسَّسات الدوليَّة، وكان ذلك بمثابة منبِّه قويٍّ دفع الكثير من الناس إلى زيادة البحث عن قيادة بديلة أو كيان آخر أو قوى عليا تُوفِّر الحماية والأمل، وقد بدأت شعوب العالم بالفعل بالتفكير في القِيَم الحقيقيَّة وزيادة الوعي بالقِيَم الإنسانيَّة الأساسيَّة، ممَّا أدَّى إلى تحوُّلات عميقة في نظرة الشعوب للحياة والمستقبل، وزيادة الارتباط بعقيدة الخلاص والمخلِّص.
إنَّ الاهتمام المتزايد بالخلاص والمخلِّص لدى الرأي العامِّ العالمي هو نتيجة لتفاعل معقَّد بين مجموعة من الأزمات: الاضطرابات السياسيَّة، والمشكلات البيئيَّة، والتحوُّلات الاجتماعيَّة، والكوارث الطبيعيَّة، والأوبئة الصناعيَّة، والفراغ الروحي، والانحراف الأخلاقي، والبحث عن الهويَّة، والتحدّيات العالميَّة المعاصرة؛ هذه الأزمات دفعت الأُمَم للبحث عن شخص أو كيان يُنقِذهم من معاناتهم، ممَّا يعكس تحوُّلاً في كيفيَّة فهم الناس وتفكيرهم للبحث عن وسيلة للخروج من هذه الحالة المزرية والتعيسة التي تعيشها البشريَّة الآن.

(٣١٢)

ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ قياس ومعرفة مدى زيادة مشاعر انتظار المخلِّص والبحث عن الخلاص في العالم خلال الفترة الأخيرة تتجلَّى من خلال عدَّة دلائل ومؤشِّرات مختلفة تتداخل فيما بينها، وتعكس رغبة المجتمع البشري في تغيير الواقع الحالي، ومن جهة أُخرى تشير إلى أنَّ هذه القضيَّة والعقيدة متجذِّرة في الفكر الإنساني، ويمكن لمس هذه الزيادة في الاهتمام والاطِّلاع عليها بعوامل عدَّة، منها:
١ - نهاية العالم والمخلِّص الموعود.. نظرة إحصائيَّة عالميَّة:
لقد شهدت السنوات الأخيرة إقبالاً متزايداً على الأفكار المرتبطة بالمخلِّص والخلاص في مختلف أنحاء العالم وبالخصوص في أُوروبا والولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، والكثير من البيانات والإحصائيَّات الدوليَّة تشير إلى أنَّ فكرة انتظار المخلِّص وتوقُّع قرب نهاية العالم أصبحت أكثر انتشاراً وحضوراً في الثقافة الشعبيَّة والرأي العامِّ العالمي، وبالتأكيد فإنَّ الدراسات الأكاديميَّة وبيانات استطلاعات الرأي تساعد في الكشف عن مدى انتشار هذه الأفكار، وتساعد في فهم دورها وتأثيرها على المجتمعات المختلفة، وفي هذا السياق ووفقاً لبيانات ومعلومات استطلاع(١٦٥) رأي قام به (مركز بيو للأبحاث)(١٦٦) في عام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(165)https://www.pewresearch.org/short-reads/2022/12/08/about-four-in-ten-u-s-adults -believe-humanity-is-living-in-the-end-times.

(١٦٦) مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) هو مركز معلومات أمريكي غير تابع لأيِّ حزب سياسي، يجري استطلاعات الرأي العامِّ والبحوث الديموغرافيَّة وأبحاث العلوم الاجتماعيَّة الحاسوبيَّة وغيرها من الأبحاث القائمة على البيانات، لقد تمَّ إنشاؤه في عام (١٩٩٠م) كمشروع بحثي يُسمَّى (مركز تايمز ميرور للناس والصحافة)، وفي عام (٢٠٠٤م) أنشأت صناديق بيو الخيريَّة مركز بيو للأبحاث كشركة تابعة، وهو المموِّل الرئيسي للمركز لدراساته التي تُركِّز على التركيبة السُّكَّانيَّة للأديان في العالم.

(٣١٣)

(٢٠٢٢م)، فإنَّ النتائج تُؤكِّد أنَّ حوالي أربعة من كلِّ عشرة بالغين في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة يعتقدون أنَّ البشريَّة (تعيش في آخر الزمان)، وقد شمل الاستطلاع عيِّنة كبيرة(١٦٧) ممثِّلة للبالغين في الولايات المتَّحدة، بالإضافة لاستطلاعات أُخرى في الكثير من دول العالم، نستخلص من نتائجها الدلائل والمؤشِّرات التالية:
- (٤٠%) من البالغين الأمريكيِّين في عام (٢٠٢٢م) قالوا: إنَّهم يعتقدون أنَّ (نهاية العالم) ستأتي في حياتهم.
- هذه النسبة تُمثِّل ارتفاعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات السابقة، حيث كانت النسبة أقلّ من (٣٠%) في استطلاعات الرأي قبل عام (٢٠٢١م).
- الاعتقاد بقرب نهاية العالم كان أكثر شيوعاً بين الإنجيليِّين المسيحيِّين والجمهوريِّين السياسيِّين.
- العوامل التي ساهمت في هذا الاعتقاد شملت الأزمات السياسيَّة والصحّيَّة والاقتصادية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة.
واستناداً إلى ما سبق فقد قام (مركز بيو) بإجراء استطلاعات مماثلة في عدد من الدول للتعرُّف على مدى انتشار المعتقِد بقرب نهاية العالم على المستوى الدولي، إليكم ملخَّصاً لبعض النتائج المقارنة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٧) هذه الدراسة والتحليل قام به مركز بيو للأبحاث (د. جيف ديامانت Jeff Diamant حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك)، وقد شمل هذا الاستطلاع (١٠١٥٦) شخصاً بالغاً في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة فقط (من خلال أخذ عينات عشوائيَّة وطنيَّة من العناوين السكنيَّة)، بالإضافة للعينات الأُخرى من الدول المختلفة، وأُجريت هذه الدراسة في الفترة من (١١ إلى ١٧/أبريل/٢٠٢٢م). تمّ ترجيح الاستطلاع ليكون ممثِّلاً لمعظم سُكَّان الولايات المتَّحدة البالغين حسب الجنس والعرق والانتماء الحزبي والتعليم والانتماء الدِّيني وفئات أُخرى.

(٣١٤)

١ - استطلاع في المملكة المتَّحدة (٢٠٢٢م):
- (٣٥%) من البالغين في المملكة المتَّحدة قالوا: إنَّهم يعتقدون أنَّ نهاية العالم ستأتي في حياتهم.
- هذه النسبة أقلّ قليلاً من المعدِّل الأمريكي البالغ (٤٠%).
٢ - استطلاع في كندا (٢٠٢١م):
- (٢٨%) من الكنديِّين قالوا: إنَّهم يؤمنون بقرب نهاية العالم.
- النسبة في كندا أقل بشكل ملحوظ مقارنةً بالولايات المتَّحدة وبريطانيا.
٣ - استطلاع في السويد (٢٠٢٠م):
- فقط (١٨%) من السُّكَّان السويديِّين عبَّروا عن اعتقادهم بنهاية العالم القريبة.
- السويد لديها أدنى نسبة من بين الدول المشمولة في هذه الاستطلاعات.

* * *

(٣١٥)

نتائج استطلاع
هل البشريَّة تعيش في آخر الزمان؟
@١٤
* * *

(٣١٦)

نتائج استطلاع
هل المسيح سيعود إلى الأرض خلال حياتنا؟
@١٥
* * *

(٣١٧)

سأل (مركز بيو للأبحاث) الأمريكيِّين عن نهاية العالم أو آخر الزمان كجزء من استطلاع أوسع، وذلك لتقييم ما إذا كانت وجهات النظر حول آخر الزمان مرتبطة بوجهات النظر حول عودة السيِّد المسيح إلى الأرض، وهو مبدأ أساسي في الديانة المسيحيَّة: الاعتقاد بأنَّ المسيح سيعود في آخر الزمان إلى الأرض، فيما يُطلَق عليه غالباً (المجيء الثاني).
وكانت نتائج الاستطلاع كالتالي: عند السؤال عمَّا إذا كان المسيح (سيعود إلى الأرض يوماً ما)، قال أكثر من نصف البالغين في الولايات المتَّحدة (٥٥%) - بما في ذلك ثلاثة أرباع المسيحيِّين -: إنَّ هذا سيحدث.
كما قال أفراد العيِّنة: إنَّهم يعتقدون أنَّ المسيح سيعود إلى الأرض، وعن مدى تأكُّدهم أنَّ هذا سيحدث خلال حياتهم: يقول واحد من كلِّ عشرة أمريكيِّين: إنَّهم يعتقدون أنَّ المجيء الثاني للمسيح سيحدث بالتأكيد وربَّما خلال حياتهم، و(٢٧%) ليسوا متأكِّدين ممَّا إذا كان المسيح سيعود في حياتهم، ويقول (١٩%): إنَّ عودة المسيح ستحدث بالتأكيد، ولكن ربَّما لن تحدث خلال حياتهم.
نسبة الأمريكيِّين الذين يقولون: إنَّهم يعتقدون أنَّ المسيح سيعود بالتأكيد وربَّما خلال حياتهم، أعلى بين البروتستانت (١٦%) وأقل بين الكاثوليك (٧%)، ونسبة الأمريكيِّين السود (١٩%) واللَّاتينيِّين (١٤%) الذين يعتقدون أنَّ المجيء الثاني للمسيح من المحتمل أنْ يحدث خلال حياتهم، وهذه النِّسَب في المقابل أكبر من نسبة الأمريكيِّين البيض غير اللَّاتينيِّين (٨%).
من المرجَّح في الاستطلاع أنْ يُعبِّر الناس عن عدم اليقين بشأن توقيت عودة المسيح، بدلاً من التعبير عن الشعور بأنَّ ذلك سيحدث في حياتهم، فعلى سبيل المثال: يقول حوالي سبعة من كلِّ عشرة إنجيليِّين: إنَّهم غير

(٣١٨)

متأكِّدين من أنَّ المسيح سيعود خلال حياتهم (٥٠%)، وأنَّ (٢١%) يقولون: إنَّ المسيح سيعود بالتأكيد ولكن لن يعود خلال حياتهم؛ وهناك ما يقرب من ثُلُثي أُولئك الذين ينتمون إلى التقاليد البروتستانتيَّة (السود تاريخيًّا) هم إمَّا غير متأكِّدين من التوقيت (٤٧%) أو أنَّه ربَّما لن يحدث خلال حياتهم (١٧%).
بشكل عامٍّ، تُظهر هذه النتائج أنَّ الاعتقاد بقرب نهاية العالم أكثر شيوعاً في الولايات المتَّحدة مقارنةً ببعض الدول الأُوروبيَّة الأُخرى، وأنَّ التباينات الثقافيَّة والسياسيَّة هي التي تُفسِّر هذه الاختلافات بين الدول، إذن هذه النتائج والبيانات تُؤكِّد الارتفاع الملحوظ في نسبة الأمريكيِّين المعتقدين بقرب نهاية العالم.
وفي هذا السياق قامت مؤسَّسة بحثيَّة أُخرى (أمريكيَّة) بإجراء استطلاع رأي متعدِّد على مستوى العالم، للتعرُّف على مدى انتشار الاعتقاد بقرب نهاية العالم وخروج المخلِّص الموعود، وفيما يلي مزيد من البيانات والمقارنات الدوليَّة:
١ - استطلاع عالمي(١٦٨) من مؤسَّسة (غالوب)(١٦٩) (٢٠٢١م):
- في المتوسِّط العالمي: (٢٨%) من البالغين قالوا: إنَّهم يعتقدون أنَّ نهاية العالم ستأتي قريباً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(168) https://www.gallup.com/analytics/318875/global-research.aspx.

(١٦٩) مؤسسة غالوب (Gallup) هي شركة تحليلات واستشارات أمريكيَّة تتَّخذُ من واشنطن العاصمة مقرًّا لها، أسَّسَ المؤسَّسة جورج غالوب عام (١٩٣٥م) وأصبحت الشركة معروفة باستطلاعاتِ الرأي العامِّ التي تُجريها في جميع أنحاء العالم، من الركود الكبير، إلى الانتفاضات العربيَّة، إلى ثورة الميدان الأُوروبي، خروج بريطانيا من الاتِّحاد الأُوروبي، وكوفيد ١٩.

(٣١٩)


- الدول ذات الأغلبيَّة المسيحيَّة الإنجيليَّة سجَّلت أعلى نِسَب، مثل الولايات المتَّحدة (٤٠%) وبولندا (٣٥%).
- الدول الأكثر علمانيَّة سجَّلت أدنى النِّسَب: مثل الصين (١٦%) والدنمارك (١٣%).
٢ - استطلاع في دول أمريكا اللَّاتينيَّة (٢٠٢٢م):
- في المتوسِّط: (٣٢%) من البالغين في أمريكا اللَّاتينيَّة قالوا: إنَّهم يؤمنون بنهاية العالم القريبة.
- البرازيل وكولومبيا سجَّلتا أعلى النِّسَب في المنطقة بـ (٣٨%) و(٣٦%) على التوالي.
٣ - استطلاع في الهند (٢٠٢١م):
- (٢٩%) من الهنود قالوا: إنَّهم يعتقدون أنَّ نهاية العالم ستأتي في حياتهم.
- النسبة في الهند كانت أعلى من المتوسِّط العالمي البالغ (٢٨%).
هذه المقارنات تُؤكِّد أنَّ الاعتقاد بقرب نهاية العالم وقدوم أو خروج المخلِّص له انتشار عالمي ملحوظ، لكن مع اختلافات كبيرة بين الدول وفقاً للخلفيَّات الثقافيَّة والدِّينيَّة والسياسيَّة؛ والولايات المتَّحدة وبعض دول أمريكا اللَّاتينيَّة تأتي في مقدَّمة هذا الاعتقاد.
واستناداً إلى ما سبق نجد تفاصيل أكثر من استطلاعات الرأي الدوليَّة (مؤسَّسة غالوب) المتعلِّقة بالاعتقاد بقرب نهاية العالم، نستخلص منها النتائج التالية:
١ - دراسة مقارنة بين الدول الأُوروبيَّة (٢٠٢٢م):
- في المتوسِّط: (٢٣%) من البالغين في دول الاتِّحاد الأُوروبي قالوا: إنَّهم يؤمنون بنهاية العالم القريبة.

(٣٢٠)

- ولكن هناك تباينات كبيرة بين الدول: فالنسبة في بولندا بلغت (٣٥%)، بينما في السويد لم تتجاوز (١٨%).
- تُشير الدراسة إلى أنَّ الانتماء الدِّيني والسياسي هما من أهمّ العوامل المؤثِّرة على هذا الاعتقاد في أُوروبا.
٢ - استطلاع في دول آسيا والمحيط الهادئ (٢٠٢١م):
- في المتوسِّط: (٢٥%) من البالغين في هذه المنطقة يعتقدون بقرب نهاية العالم.
- أعلى النِّسَب: سُجِّلت في الفلبين (٣٥%) وإندونيسيا (٣٢%).
- أمَّا في اليابان فكانت النسبة أقلّ من (٢٠%).
- هناك ارتباط قويٌّ بين الانتماء الدِّيني والمعتقَدات الإسكاتولوجيَّة (علم الأُخرويَّات أو علم آخر الزمان) في هذه المنطقة.
٣ - دراسة مقارنة بين الدول الأفريقيَّة (٢٠٢٠م):
- في المتوسِّط: (٣٠%) من البالغين في أفريقيا قالوا: إنَّهم يؤمنون بقرب نهاية العالم.
- أعلى النِّسَب كانت: في نيجيريا (٤٢%) وجنوب أفريقيا (٣٦%).
- هناك ارتباط - عند بعض الثقافات - بين ارتفاع مستويات الفقر والبطالة والتعليم وزيادة الاعتقاد بقرب نهاية العالم في بعض الدول الأفريقيَّة.
٤ - الدول العربيَّة والإسلاميَّة:
للأسف لا توجد أيٌّ من الأبحاث والدراسات الموثوقة في هذه البلدان. لذا نحن بحاجة ماسَّة لمزيد من استطلاعات الرأي لفهم هذه الظاهرة بشكل أفضل وبالخصوص في العالم الإسلامي.

(٣٢١)

٥ - تشترك مجتمعات العالم للدول الشرقيَّة والدول الغربيَّة في أنَّ الأزمات الكبرى تزيد من البحث عن معنى وأمل، ولكن الخلفيَّات الدِّينيَّة والثقافيَّة المختلفة لكلِّ مجتمع تُؤدِّي إلى اختلافات في كيفيَّة تأثير هذه الأزمات على الإيمان بفكرة المخلِّص المنتظَر، ففي الغرب: تُفسَّر الأزمات غالباً في سياق العقاب الإلهي والنبوءات الكتابيَّة، بينما في الشرق: التفسيرات ترتبط بصورة أكبر بالنبوءات الروحانيَّة والقيادات الدِّينيَّة المحلّيَّة.
هذه النتائج تُوضِّح أنَّ الاعتقاد بقرب نهاية العالم له انتشار عالمي ملحوظ، ولكن بدرجات متفاوتة بين الدول والقارَّات، وأنَّ العوامل الدِّينيَّة والسياسيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والتعليميَّة تلعب دوراً محوريًّا في تفسير هذه الاختلافات الدوليَّة.
إنَّ ارتفاع نسبة ومعدِّل الذين يعتقدون بقرب نهاية العالم مقارنةً بالسابق(١٧٠)، يعكس شعوراً عامًّا لدى كافَّة الشعوب والأُمَم بعدم الاستقرار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٠) هناك العديد من التقارير والأبحاث الأكاديميَّة المتوفِّرة باللغة الإنجليزيَّة حول الأفكار المتعلِّقة بنهاية العالم، إليك بعض المصادر البارزة:
أ - مجلَّة (Sociology of Religion):
- الموقع الإلكتروني (https://academic.oup.com/socrel).
- هذه المجلَّة المحكَّمة تنشر أبحاثاً دقيقة حول الأبعاد الاجتماعيَّة والثقافيَّة للمعتقدات الدِّينيَّة، بما في ذلك المتعلِّقة بنهاية العالم.
ب - مجلَّة (Journal for the Scientific Study of Religion):
- الموقع الإلكتروني (https://onlinelibrary.wiley.com/journal/14685906).
- هذه المجلَّة الرائدة في مجال علم الاجتماع الدِّيني تنشر أحدث الأبحاث والدراسات في هذا المجال.
يمكنك البحث في هذه المصادر الأكاديميَّة باستخدام كلمات رئيسيَّة مثل: (معتقَدات نهاية العالم)، (توقُّعات الأرض الجديدة) أو (تنبُّؤات نهاية الزمن)، وسوف تجد العديد من الأبحاث والتحليلات المفصَّلة حول هذا الموضوع.

(٣٢٢)

ويدلُّ على إحساس قويٍّ بالخطر والقلق بشأن المستقبل، وهذا يُوحي بتفكير عميق في التحوُّلات الكبرى التي تمرُّ بها الإنسانيَّة الآن، ويمكن تفسير هذا الأمر على أنَّه يشير إلى نقطة تحوُّل محوريَّة في التاريخ البشري، حيث بدأت البشريَّة بتلمُّس حاجتها الملحَّة (للمخلِّص الموعود) ليُنقِذها من الأزمات الكبيرة والكثيرة التي تواجهها على كافَّة الجهات في الوقت الراهن، وحتماً أنَّنا أمام بداية مرحلة جديدة أو بداية حقبة زمنيَّة تحمل في طيَّاتها أملاً وتغييراً إيجابيًّا يشمل جميع البشر دون استثناء، بغضِّ النظر عن العرق أو الدِّين أو الجنس أو أيِّ اختلافات أُخرى.
٢ - كثرة الإصدارات الثقافيَّة:
إنَّ المراقب والمتتبِّع للفضاء الثقافي والفكري العالمي في الآونة الأخيرة يرى بوضوح مدى تزايد عدد المؤلَّفات والمقالات والبحوث حول الخلاص والمخلِّص، سواء في التراث الدِّيني أو الأدبي أو الفلسفي، ممَّا يعكس اهتماماً متزايداً بهذه القضيَّة، كما أنَّنا نشهد ازدياداً في النقاشات اللَّاهوتيَّة (الدِّينيَّة) والمناقشات العامَّة حول معاني الخلاص ودور المخلِّص في حياة الإنسان والمجتمع، وفي السنوات الأخيرة تزايدت الدراسات الفكريَّة والأكاديميَّة التي تتناول هذه القضيَّة، ممَّا يُشير إلى اهتمام أوسع وتركيز أعمق في هذا المجال، ويدلُّ على حرص الباحثين والمفكِّرين لفهم هذه العقيدة وتأثيرها على الرأي العامِّ العالمي، ويعكس أيضاً تحوُّلاً في فضاء الثقافة العالميَّة نحو فهم أوضح وأدقّ للأديان والمعتقَدات، وفي هذا المقام يرى بعض المراقبين والمتخصِّصين أنَّ هذا

(٣٢٣)

الاهتمام المتزايد في الدراسات الأكاديميَّة والإعلام الغربي بفكرة النبوءات - بما في ذلك المهدويَّة والمخلِّص الموعود ونهاية الزمان كجزء من النبوءات الدِّينيَّة (السماويَّة) - مؤشِّرٌ على رغبة بعض الأفراد في فهم وتحليل كيف يمكن أنْ تتفاعل هذه الأفكار مع التحدّيات المعاصرة والأزمات العالميَّة الكبرى.
لا يفوتنا أنْ نُنوِّه بأنَّ هناك أعداداً كبيرة جدًّا من الكُتُب والبحوث والمقالات والدراسات الأكاديميَّة التي تناولت موضوع المهدويَّة والمخلِّص، ولتوضيح ذلك سنُشير إلى إحصائيَّات أكاديميَّة(١٧١) عن الكُتُب والأدبيَّات الثقافيَّة في هذا المجال، التي صدرت في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة (كنموذج فقط) خلال الفترة الأخيرة، بناءً على البيانات المعتمدة في موقع جستور: (مكتبة رقميَّة أمريكيَّة تحت إشراف جامعة ميشيغان):

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧١) جدول الإحصائيَّات من إعدادنا - كاتب هذا البحث - معتمداً على بيانات وأرقام موقع جستور (JSTOR)، وهو عبارة عن موقع مكتبة إلكترونيَّة أمريكيَّة تابعة لجامعة ميشيغان، تساعد الطُّلَّاب والباحثين والمكتبات والناشرين في جعل مجموعة متزايدة من المحتوى الأكاديمي قابلة للاكتشاف ويمكن الوصول إليها مجَّاناً في جميع أنحاء العالم، وهذا يشمل المجلَّات ذات الوصول المفتوح والكُتُب الإلكترونيَّة والصور والوسائط الأُخرى والتقارير البحثيَّة.
مصدر المعلومات والأرقام ورابط البحث لكلِّ عنوان:
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=End+of+world.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=End+of+Time.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=Savior.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=Mahdi.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=End+times+predictions.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=Jesus.
https://www.jstor.org/action/doBasicSearch?Query=Second+Coming.

(٣٢٤)

سجلت البيانات والأرقام بتاريخ (١٥/أُكتوبر/٢٠٢٤م)
كلمة البحث (العنوان) | كتاب | فصل في كتاب | مقال في مجلَّة | تقارير بحثيَّة
نهاية العالم
End of world | ١٠.٤٢١ | ٩٨٤.٣٦٩ | ٢.١٨٩.٣٦٠ | ٤٧.٨٧٨
آخر الزمان
End of Time | ١١.٦٦٥ | ١.١٣٧.٥٥٣ | ٣.٣١٨.٩٢١ | ٥٥.٨٩٨
المخلِّص Savior | ٤٩١ | ٣٥.٥٣٠ | ٣٢.٥٣٠ | ١٧٩
المهدي Mahdi | ٧٨ | ٥.٩٣٣ | ١٤.٧٤٠ | ١.٠٦٥
تنبؤات آخر الزمان
End times Predictions | ٧٦٧ | ٤٥.٠٥٦ | ١٦١.٧٧٨ | ١.٩٨١
المسيح Jesus | ٣.٦٥٧ | ١٨٤.٤٣٥ | ٣٣٥.٦١٣ | ٨٧٩
المجيء الثاني
Second Coming | ٧.٤٨٥ | ٥٥٤.٤٢٥ | ٩٣١.٣٩٣ | ١٦.٦٥٨
@١٦

ولا بدَّ من الإشارة إلى الأعداد الكبيرة والضخمة للإصدارات الأكاديميَّة والثقافيَّة مؤخَّراً في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة متعلِّقة بمواضيع مثل: آخر الزمان ونهاية العالم والمجيء الثاني، ومن جانب آخر إلى أنَّ هذه الكُتُب تُمثِّل

(٣٢٥)

منظوراً حديثاً حول الخلاص وآخر الزمان، وتحاول الجمع بين التحليل العلمي والفكري والاجتماعي وبين الفهم الدِّيني (اللَّاهوتي) للأحداث المستقبليَّة، وهذا من أقوى المؤشِّرات على أنَّ الاهتمام بموضوع المخلِّص الموعود قد ازداد في العالم حاليًّا، علماً أنَّ هذا الاهتمام يعكس (حالة سليمة وصحّيَّة من الناحية الفطريَّة والعقليَّة)، حيث يُوفِّر الأمل والتفاؤل والخلاص من الواقع السيِّئ والتطلُّع إلى مستقبل أفضل.
ومن زاوية أُخرى يلاحظ بصورة جليَّة الاهتمام المتصاعد بقراءة الكتاب المقدَّس في السنوات الأخيرة، وازدياد نشر كُتُب تفسير الأحداث الجارية في ضوء النبوءات الكتابيَّة والبشارات السماويَّة والتركيز على موضوع نهاية الزمان ومستقبل البشريَّة، وفي هذا السياق سنُشير إلى بعض الأمثلة على الكُتُب التي صدرت حديثاً، والتي تُعَدُّ بالمئات إنْ لم نقل بالآلاف، وسنذكر عنوان كتاب واحد فقط من كلِّ سنة من السنوات الخمس الأخيرة اختصاراً للبحث، وجميعها إصدارات غربيَّة:
١ - كتاب (إشعياء: نهاية الزمان والمسيح في اليهوديَّة):
(ISAIAH: End Times and Messiah in Judaism)(١٧٢).
للكاتب: (إسرائيل روزنبرغ)، صدر عام (٢٠٢٠م)، المؤلِّف يستخدم أقساماً مختارة من التوراة ليُقدِّم فهماً جديداً للكتاب المقدَّس من منظور يهودي، حيث يناقش مفهوم المخلِّص في اليهوديَّة وتوقُّعات نهاية الزمان بناءً على سفر إشعياء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٢) ISAIAH: End Times and Messiah in Judaism، by: Israel Rosenberg، Publisher: ‎ Gefen Publishing House / Jerusalem - Palestine، (June ٢٠٢٠, ٢٨) Language: English، Print length: ٢٧٨ pages.

(٣٢٦)

@١٧
غلاف الكتاب

٢ - كتاب (نهاية الزمان وألف عام من السلام):
(End Times and ١٠٠٠ Years of Peac)(١٧٣).
للكاتب: (ردبل ذا وورلد)، صدر عام (٢٠٢١م)، يُقدِّم المؤلِّف كشف عن حقيقة نهاية الزمان وذلك بفهم سفر الرؤيا، ويُؤكِّد أنَّ هذه هي الحقيقة الرائعة، وذلك بعد أنْ نمرَّ بمقدَّمات (نهاية الزمان) الغريبة جدًّا، سندخل حقًّا (١٠٠٠) عام من السلام على الأرض.

@١٨
غلاف الكتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٣) End Times and ١٠٠٠ Years of Peace ، by: Redpill The World، Publisher: Franaga Mk / USA (January ٢٠٢١, ٢٧) ، Language: ‎ English ، Print length: ٢٧٣ pages.

(٣٢٧)

٣ - كتاب (المسيح في نهاية الزمان) (Messiah in the End Times)(١٧٤).
للكاتب: (سام نادلر)، صدر عام (٢٠٢٢م)، الذي يُقدِّم منظوراً مسيحيًّا حول نبوءات نهاية الزمان، يتناول الكتاب دور السيِّد المسيح في الخلاص وما بعده، مع التركيز على أهمّيَّة إسرائيل في الأحداث المستقبليَّة، والكتاب يناقش أيضاً عودة المسيح وملكوته الذي سيستمرُّ لألف عام، والمؤلِّف يُقدِّم رؤية فريدة من نوعها لمعالجة أحداث نهاية الزمان.

@١٩
غلاف الكتاب

٤ - كتاب (نهاية العالم الكبرى من قِبَل الله: الغضب والنعمة والمجد في الأيَّام الأخيرة للأرض):
(God’s Grand Finale: Wrath, Grace, and Glory in Earth’s Last Days)(١٧٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٤) Messiah in the End Times ، by: Sam Nadler ، Publisher: ‎ Word of Messiah Ministries / North Carolina / USA (June ٢٠٢٢, ١٠) ، Language: ‎ English ، Print length: ٢٦٤ pages.
(١٧٥) God’s Grand Finale: Wrath، Grace، and Glory in Earth’s Last Days ، by: Jeff Kinley ، Publisher: Harvest Prophecy / USA - Oregon (June ٢٠٢٣, ٦) ، Language: ‎ English ، Print length: ٢٤٠ pages.

(٣٢٨)

للكاتب: (جيف كينلي)، صدر عام (٢٠٢٣م)، والذي يُركِّز على تفسير سفر الرؤيا في العهد الجديد، الكتاب يناقش أهمّيَّة هذا السفر في الكشف عن خطَّة الله للنهاية، ويهدف إلى مساعدة القراء في فهم الدور المحوري للمسيح في أحداث نهاية العالم، يُولي المؤلِّف اهتماماً خاصًّا بالرسائل السبع المذكورة في سفر الرؤيا والموجَّهة إلى الكنائس، مبيِّناً ارتباطها بالكنائس الحديثة اليوم وتوجيهها نحو التصحيح الروحي.

@٢٠
غلاف الكتاب

٥ - كتاب (نهاية العالم كما تعرفها):
(The End of the World as You Know It)(١٧٦).
للكاتب: (ماثيو هالستد)، صدر عام (٢٠٢٤م)، والذي يُعيد النظر في بعض الافتراضات الشائعة حول نهاية العالم، ويُجيب المؤلِّف عن سؤال: ماذا يقول الكتاب المقدَّس حقًّا عن نهاية الزمان (ولماذا يُعَدُّ هذا خبراً سارًّا)، ويُشير

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٦) The End of the World as You Know It، by: Matthew L. Halsted ،Publisher: Lexham Press / USA - Washington (February ٢٠٢٤, ٧)، Language: ‎ English ، Print length: ٢٧٩ pages.

(٣٢٩)

إلى أنَّ فهم الكتاب المقدَّس بشكل صحيح يساعدنا على فهم حاضرنا ويُغيِّر نظرتنا للأحداث المستقبليَّة.

@٢١
غلاف الكتاب

٣ - توقيت عودة المسيح:
في نفس سياق الفضاء الثقافي الغربي، نجد أنَّ هناك كُتُباً ظهرت أخيراً تتحدَّث عن أحداث آخر الزمان، وتُحدِّد فيه السنة التي سيعود فيها السيِّد المسيح إلى الأرض، وهذا من الأُمور المنهي عنها حسب تعاليم أهل البيت (عليهم السلام)، بل ورد التأكيد على تكذيب كلِّ مَنْ يُوقِّت، قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أَبَى اَللهُ إِلَّا أَنْ يُخَالِفَ وَقْتَ اَلمُوَقِّتِينَ»(١٧٧)، وبغضِّ النظر عن الخطأ في هذا الأمر، إلَّا أنَّه قد يدلُّ على تلهُّف بعضٍ إلى سرعة تحقُّق البشارة السماويَّة التي ستقلب صفحات التاريخ وتُغيِّر مسار البشريَّة من الظلم والجور إلى العدل والقسط، نشير إلى كتابين فقط، تدور معظم أفكارهما حول التوقيت، ويكفي أنْ تشاهد غلاف الكتاب لتعرف ذلك، مثل: الكاتب (إلبيب نيوتن) قد وقَّت وقال بأنَّ المجيء الثاني للمسيح سيكون في عام (٢٠٤٢م)، بينما الدكتور (كريستيان وايدنر) قد وقَّت أيضاً وقال بأنَّ المجيء الثاني للمسيح سيحدث في عام (٢٠٢٧م)، اُنظر إلى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٧) الكافي (ج ١/ ص ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٤).

(٣٣٠)

- كتاب (السنوات الأخيرة للحضارة ٢٠٢٢ إلى ٢٠٤٢):
(Final Years of Civilization ٢٠٢٢ to ٢٠٤٢)(١٧٨).
للكاتب: (إلبيب إي نيوتن)، صدر عام (٢٠٢٣م)، يُقدِّم هذا الكتاب الحسابات لتحديد السنوات المرتبطة بالأحداث الأخيرة لنهاية الزمان أو الفترات السبع الحاسمة فيما يتعلَّق بالهيكل والمسيح والاختطاف، ويقول المؤلِّف: لا أحد يعرف يوم أو ساعة الاختطاف (باستثناء السنة حسب نبوءة دانيال السبعين أُسبوعاً) ويُحدِّدها بعام (٢٠٤٢م)، وهي السنة التي سيأتي فيها السيِّد المسيح ويختطف المسيحيِّين المؤمنين إليه، وفكرة الاختطاف(١٧٩) حقيقة كتابيَّة تؤمن بها كلُّ الطوائف والكنائس المسيحيَّة.

@٢٢
غلاف الكتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٨) Final Years of Civilization ٢٠٢٢ to ٢٠٢٤: Daniel’s ٧٠ - Week Prophecy A ٢٤٨٥- Year Duration، by: Elbib E. Newton ، Published (May ٢٠٢٣, ٣٠)، Language: ‎ English ، Print length: ٢١٦ pages.

(١٧٩) إنَّ أشهر نصٍّ كتابي يتحدَّث عن الاختطاف ‏يقول بولس: (لأنَّ الربَّ نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء والأموات في المسيح سيقومون أوَّلاً. ثمّ نحن الأحياء الباقين سنخطف جميعاً معهم في السُّحُب لملاقاة الربِّ في الهواء، وهكذا نكون كلَّ حين مع الربِّ). الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٣٣٣/ الرسالة الأُولى إلى أهل تسالونيكي/ النصُّ ١٦ و١٧).

(٣٣١)

- كتاب (الشهادة على النهاية - Witnessing the End)(١٨٠):
للكاتب: (د. كريستيان وايدنر)، صدر عام (٢٠٢٢م)، يتحدَّث الكتاب عن نبوءات الكتاب المقدَّس، ويُؤكِّد المؤلِّف أنَّه بعد ألفي عام، فإنَّ الدليل على عودة المسيح قريبة جدًّا ومؤكَّدة، وأنَّ الأفكار الواردة في هذا الكتاب قويَّة وصادمة للكثير من المسيحيِّين، والكتاب عبارة عن مغامرة خاصَّة متجذِّرة في الكتاب المقدَّس يبحث عن فهم العالم وكأنَّنا نشهد النهاية، ويُؤكِّد المؤلِّف أنَّ هناك العشرات من النبوءات لم نكن نعلم أنَّها حدثت بالفعل، وأنَّ إرهاصات رئيسيَّة حدثت أيضاً، والكتاب يحتوي على رسالة عاجلة لكلِّ مؤمن مسيحي لا يمكنه تجاهلها: وهي أنَّ الأُسبوع الأخير من الأسابيع السبعين التي تنبَّأ بها دانيال قد وصل، ممَّا يعني أنَّ الضيق الذي يستمرُّ سبع سنوات قد بدأ بالفعل، وأنَّ عدًّا تنازليًّا جديداً قد بدأ من سبعين أُسبوعاً سينتهي في عام (٢٠٢٧م)، وهي سنة عودة المسيح الموعودة.

@٢٣
غلاف الكتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٠) Witnessing the End: Daniel’s Seventy Sevens and the Final Decree Everyone Missed، by: Christian Widener ، Published (May ٢٠٢٢, ١٣)، Language: ‎English ،Print length: ٤٣٨ pages

(٣٣٢)

بشكل عامٍّ شهدت قضيَّة المخلِّص والخلاص وأحداث آخر الزمان اهتماماً متزايداً على المستوى العالمي، وهذه العيِّنة من الإحصائيَّات والكُتُب تُسلِّط الضوء على التطوُّرات الفكريَّة الحديثة حول الموضوع، وتجمع بين التحليل العلمي المعاصر والنظرة التاريخيَّة الدِّينيَّة وربطها بالأزمات الكبرى والأحداث الجارية حاليًّا في العالم، وفي هذا المجال نُلفِت النظر إلى ملاحظات عدَّة:
- الدراسات الأكاديميَّة: اهتمام متزايد في الأوساط الأكاديميَّة العالميَّة بدراسة الروابط بين المخلِّص المنتظَر والتطوُّرات العلميَّة، وفي الواقع يُعبِّر عن ازدياد الرغبة في التعلُّق بالمفاهيم الدِّينيَّة واستكشاف الروابط بين العلم والدِّين، ممَّا يعكس تحوُّلاً في كيفيَّة فهم الدِّين والعقائد الروحيَّة في سياقات حديثة.
- التأمُّل في المستقبل: هذا الاهتمام المتزايد في الفضاء الثقافي بأفكار آخر الزمان كجزء من النقاشات حول مستقبل البشريَّة، يعكس تحوُّلاً في الثقافة العالميَّة نحو فهم أعمق للبشارات الدِّينيَّة السماويَّة، ويُعتبَر هذا التأمُّل فرصة لاستكشاف كيف يمكن أنْ تتفاعل الأفكار الروحيَّة مع التحدّيات العلميَّة.
- شخصيَّة المخلِّص الموعود: تظهر بشكل متزايد في الأعمال الفنّيَّة والأدبيَّة، ممَّا يدلُّ على قبولها كموضوع للنقاش والحوار والتعبير في ثقافة الشعوب والرأي العامِّ العالمي، وهذا يعكس تحوُّلاً في كيفيَّة رؤية المعتقَدات الدِّينيَّة في السياقات الثقافيَّة المعاصرة.
- البحث عن المعنى الروحي: بعض المفكِّرين يرون أنَّ الاهتمام المتزايد بالخلاص والمخلِّص في العالم العلماني، يعكس رغبة في البحث عن المعنى الروحي في عالم معاصر مليء بالتحدّيات الأخلاقيَّة، هذا الاهتمام قد يُعتبَر مؤشِّراً على تحوُّل ثقافي نحو إعادة تقييم القِيَم الروحيَّة والدِّينيَّة.

(٣٣٣)

فتزايد الأعمال الفكريَّة والثقافيَّة يدلُّ على أنَّ القضيَّة أصبحت محور اهتمام متصاعد من قِبَل النخبة المثقَّفة والرأي العامِّ العالمي بشكل ملحوظ، ويدلُّ من جهة أُخرى على أنَّ الشعوب بدأت تشهد صحوة فكريَّة وروحيَّة متجدِّدة، حيث يتوقُ الناس إلى الاقتراب من الحلول السماويَّة للأزمات العالميَّة الكبرى والتحدّيات المعاصرة، ولهذا نلاحظ ازدياد الوعي في وجدان شعوب العالم بأهمّيَّة البحث عن المخلِّص الحقيقي.
لا بدَّ من التأكيد على أنَّ هناك الكثير من الدلائل والمؤشِّرات التي تُوضِّح حجم إحصاءاتها(١٨١) على مدى تصاعد وتزايد الاهتمام بمسألة المخلِّص الموعود في العالم في الآونة الأخيرة، مثل كثرة: المؤتمرات الأكاديميَّة، والأفلام، والمسلسلات التلفزيونيَّة، والمستندات، والصوتيَّات، والفيديوات، والصور، والعديد من الجوانب الأُخرى، ومجمل هذه الحقائق تدلُّ على أنَّ المخلِّص المنتظَر يُعتبَر رمزاً للأمل والتفاؤل والتغيير الإيجابي لدى شعوب العالم في ظلِّ الأزمات العالميَّة المعاصرة.

* * *

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨١) للاطِّلاع على بعض هذه الإحصائيَّات يمكن زيارة موقع جستور (www.jstor.org)، ولم نُشِر إلى كثرة الإنتاج والإصدار في السنوات الأخيرة مراعاةً لحجم ورقة البحث وعدم الرغبة في الإطالة.

(٣٣٤)

الأسباب الكامنة وراء ازدياد البحث عن المخلِّص

في الآونة الأخيرة شهدت قضيَّة المخلِّص الموعود تصاعداً ملحوظاً في الاهتمام العالمي، ويُعزى ذلك إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:
١ - الأزمات والاضطرابات السياسيَّة:
عندما تتعمَّق التوتُّرات السياسيَّة وتشتدُّ الحروب وتستمرُّ الصراعات في العديد من مناطق العالم، تخلق شعوراً بالخوف وعدم الأمان، وعندما تتلاشى الآمال في تحقيق الاستقرار والعدالة، يشعر الناس باليأس والقلق إزاء المستقبل، وحينها يميل البشر بشكل طبيعي إلى البحث عن حلول جذريَّة ومطلقة لمشاكلهم، هنا تبرز فكرة المخلِّص الموعود كشمعة أمل وسط الظلام، فيتطلَّع الناس إلى شخصيَّة قويَّة وملهمة تُقدِّم لهم الأمل والحلول، وتكون قادرة على إنهاء المعاناة وإعادة بناء العالم من جديد.
تُولِّد الأزمات في الإنسان إرادة صلبة تدفعه للبحث عن أُفُق جديد، أملاً في مستقبل أفضل، انطلاقاً من:
- التطلُّع إلى السلام: في خضمِّ الحروب واليأس، يتطلَّع الناس إلى شخصيَّة قويَّة قادرة على تقديم الأمل والتغيير الإيجابي، فالمخلِّص الموعود يُمثِّل هذا الأمل، لما يقوم به من تحقيق الأمن والسلام وإنهاء القتال.

(٣٣٥)

- الشعور بالظلم والقهر: عندما يشعر الناس بالظلم والقهر، يبحثون عن قوَّة قادرة على إنصافهم، والمخلِّص الموعود يُمثِّل هذه القوَّة العليا الذي يُحرِّر البشريَّة من براثن الظلم والجور وينشر القسط والعدل.
- الرغبة في الهروب من الواقع: عندما يصبح الواقع مؤلماً لدرجة أنَّ الناس يُفضِّلون الهروب منه إلى عالم آخر يُوفِّر لهم الأمان والسعادة، فالمخلِّص الموعود في آمالهم يُمثِّل هذا العالم المثالي في المستقبل.
بالتأكيد أنَّ الأحداث السياسيَّة والاضطرابات الكبرى تلعب دوراً مهمًّا في تشكيل وجدان الشعوب وتأثيرها على معتقداتهم الدِّينيَّة، ممَّا يُؤدِّي إلى تصاعد الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود.
٢ - الكوارث العالميَّة الكبرى:
تُعتبَر الكوارث الطبيعيَّة الكبرى أحد الظواهر التي تهزُّ أُسُس الحياة على الأرض، محمَّلة بتداعيات وخيمة تُطال البيئة والبشريَّة، وهذه الكوارث بشتَّى أشكالها تترك آثاراً وخسائر جسيمة لها أثرٌ طويل الأمد على الإنسانيَّة، وتُعتبَر آثارها تحدِّياً جسيماً للمجتمعات والشعوب.
تبعاً لذلك يندفع الناس للبحث عن الأمل في فكرة المخلِّص الموعود الذي يمكنه إنهاء المعاناة.
الكوارث الكبرى غالباً ما تكون سبباً في زيادة الاهتمام بفكرة المخلِّص، وذلك لأسباب عدَّة، منها:
- التأثير البيئي: تُسبِّب الكوارث الكبرى تدميراً هائلاً للبيئة، مثل: الزلازل والأعاصير وحرائق الغابات والفيضانات، وتستتبع بتهديد الكائنات الحيَّة، ممَّا يُؤدِّي إلى تفكير كثير من الناس في نهاية العالم.

(٣٣٦)

- التأثير الاجتماعي: تُؤثِّر الكوارث على المجتمعات والأفراد، ممَّا يُؤدِّي إلى خسارة المأوى أو فقدان الأرواح، فترتبط مشاعر الخوف والقلق عند الناس مع الأُمنيات والرجاء والبحث عن الراحة والأمل.
- التأثير الاقتصادي: تُسبِّب الكوارث الكبرى خسائر اقتصاديَّة هائلة، سواء على المستوى الشخصي أو الجماعي، ممَّا يجعل الناس تلجأ إلى الفطرة (الدِّين/المخلِّص) كوسيلة للتعامل مع الصدمة والبحث عن الأمل.
إنَّ الأزمات والكوارث تدفع الأفراد للبحث عن معنى أعمق للحياة، ممَّا يجعلهم أكثر تقبُّلاً للأفكار الروحانيَّة والنبوءات الدِّينيَّة، وكنتيجة لذلك فقد فسَّر كثير من الناس (جائحة كوفيد ١٩) كعلامة من علامات نهاية العالم، وأدَّى إلى زيادة قراءة النصوص الدِّينيَّة المتعلِّقة بالأمراض في آخر الزمان، ممَّا جعل فكرة المخلِّص المنتظَر أكثر جاذبيَّةً.
٣ - البحث عن العدالة:
تُعتبَر العدالة والمساواة من المبادئ الأساسيَّة التي تسعى المجتمعات الإنسانيَّة لتحقيقها، حيث تُشكِّل حجر الزاوية لاستقرار الدول والمجتمعات، ومع ذلك يعاني العالم اليوم من تباينات شديدة في أوضاع حقوق الإنسان، ممَّا أدَّى إلى تفشِّي الظلم والجور والإرهاب والفقر والتمييز وعدم المساواة، وتتجلَّى هذه الظواهر بشكل واضح في مختلف الأصعدة وأوجه الحياة، ممَّا يُثير القلق حول مستقبل المجتمعات.
في هذا السياق، تزداد الحاجة إلى رمز للأمل والتغيير، مثل فكرة المخلِّص الموعود، والتي تُعبِّر عن تطلُّعات البشريَّة نحو العدالة والتغيير، إذ يراها الكثيرون رمزاً للإنقاذ من الأوضاع الراهنة، وفي أوقات الشدَّة والمِحَن والواقع الإنساني الرديء يعكس هذا الاهتمام المتزايد للفكرة رغبة الناس في رؤية حلول

(٣٣٧)

جذريَّة لمشاكلهم، وتطلُّعاتهم نحو تحقيق مجتمع أكثر عدلاً ومساواةً، وبكلِّ تأكيد فإنَّ ضعف العدالة والمساواة في العالم ساهم في تعزيز الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود لنواحي عدَّة:
- الحاجة إلى الأمل: عندما يفشل الواقع في توفير العدالة والمساواة في المجتمعات، يتَّجه الناس تلقائيًّا بفطرتهم إلى الأمل والرجاء والبحث عن قوَّة قادرة على تغيير الأُمور.
- الخوف من المستقبل: عندما ترى الشعوب أنَّ العالم مليءٌ بالظلم يتوقون إلى عالم عادل، فيتقصَّون عن ضمانة لمستقبل أفضل، فيجدونها في فكرة المخلِّص الذي سيأتي ويقودهم إلى برِّ الأمان ويُحقِّق الحلم.
- ضعف المؤسَّسات الدوليَّة: عندما تفشل الحكومات والمؤسَّسات الدوليَّة في تحقيق العدالة، تفقد مصداقيَّتها وثقة الناس، فيطلبون حلولاً خارج نطاق الواقع الملموس، مثل فكرة المخلِّص الذي سيأتي لتحقيق العدل والإنصاف.
إنَّ فكرة المخلِّص الموعود هي تعبير عن الأمل الإنساني في عالم أفضل، وهي تتجذَّر في أعماق النفس البشريَّة التي تتوقُ إلى العدل والإنصاف، فعندما تشعر الشعوب والمجتمعات بالظلم والقهر في ظروف غير عادلة مليئة بالأزمات والاضطرابات، يصبح الرأي العامُّ أكثر استعداداً لقبول فكرةٍ تحمل في طيَّاتها أملاً بتحقيق عالم عادل ومتساوٍ، متحرِّر من براثن الظلم، ويعمُّ فيه الخير.
٤ - التحوُّلات الاجتماعيَّة والأخلاقيَّة:
تُعتبَر التحوُّلات الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة المتسارعة التي يشهدها العالم في العصر الحالي أحد العوامل الرئيسة التي تساهم في زيادة الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود، فهذه التحوُّلات الجذريَّة (مثل: الجندر، المثليَّة، الانحراف الأخلاقي

(٣٣٨)

الفظيع، التلاعب بالجينات البشريَّة، العولمة، تغيُّر مفهوم الأُسرة، صعود الفردانيَّة، أخلاقيَّات الذكاء الصناعي، وغيرها) تحدّيات كبيرة تُؤثِّر على هويَّة المجتمعات والقِيَم التقليديَّة والمعتقَدات الدِّينيَّة، ممَّا يخلق فراغاً روحيًّا وأخلاقيًّا يدفع الأفراد إلى البحث عن معانٍ جديدة وأمل في المستقبل.
كلُّ الأديان السماويَّة (الإسلام، المسيحيَّة، اليهوديَّة) ترى: أنَّ هذه التحوُّلات والسلوكيَّات هي انحراف عن القِيَم الأخلاقيَّة والدِّينيَّة السائدة، باعتبارها تُمثِّل انحرافاً عن الفطرة البشريَّة، وعن القِيَم الأخلاقيَّة التي وضعها الله تعالى للإنسان، وتربط هذه الأديان بين هذه التحوُّلات العميقة وبين نهاية العالم، معتبرة إيَّاها من علامات آخر الزمان، وبكلِّ تأكيد فإنَّ اتِّجاه البشريَّة في هذا المنحى الأخلاقي الخطير يساهم في تعزيز الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود لنواحي عدَّة:
- تآكل القِيَم الأخلاقيَّة: تُعتبَر هذه السلوكيَّات طارئة على المجتمع البشري ومنافية للأخلاق السويَّة، ممَّا يدفع المجتمعات إلى البحث عن جهة أو كيان يُوقِف هذا الانحدار الخطير، ويُعيد الأُمور إلى نصابها السليم.
- التحدّيات الاجتماعيَّة: تُؤثِّر على المفاهيم التقليديَّة للأُسرة والزواج، وتخلق مشاكل نفسيَّة واجتماعيَّة عديدة وخاصَّة في المجتمعات المحافظة، ممَّا يجعل الأفراد يشعرون بفقدان الجذور والانتماء وضياع المعنى في الحياة، وهنا تبرز فكرة المخلِّص كرمز للهويَّة والانتماء الروحي.
- الخطر على مستقبل البشريَّة: إنَّ وجود هذه التوجُّهات يُهدِّد الأُسرة التقليديَّة، ويُضعِف الهويَّة الجنسيَّة، ويُشكِّل تهديداً كبيراً تواجهه البشريَّة نتيجةً لهذه التحوُّلات، تستدعي التنقيب عن جهة تُوقِف هذا الانحراف.
إنَّ السقوط الأخلاقي الخطير والتلاعب بالطبيعة البشريَّة والتحوُّلات

(٣٣٩)

الاجتماعيَّة المتسارعة التي يشهدها المجتمع البشري، تُؤدِّي إلى الشعور بالضياع والفراغ، وتُسبِّب حالة من عدم الاستقرار والقلق، ونتيجة ذلك تلعب هذه التحوُّلات دوراً مهمًّا في زيادة الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود، باعتبارها ردُّ فعل طبيعي على التحدّيات التي يواجهها الإنسان المعاصر، وتُوفِّر له الأمل والمعنى في ظلِّ عالم متغيِّر ومتسارع، وتحفظ له شعور بالاستقرار والثبات.

* * *

(٣٤٠)

قراءة فكريَّة واستراتيجيَّة لدلالات تصاعد الاهتمام بالمخلِّص الموعود

فكرة المخلِّص الموعود، رغم أنَّها قد تبدو للوهلة الأُولى مجرَّد رمز ديني أو نبوءة مستقبليَّة، إلَّا أنَّها من منظور استراتيجي وفكري وأيديولوجي تعكس ديناميكيَّات أعمق ترتبط بتغيُّرات جذريَّة في البنية النفسيَّة، السياسيَّة، والاجتماعيَّة للشعوب.
إنَّ تصاعد الاهتمام بالفكرة في السنوات الأخيرة، يُشير إلى أنَّ العالم يمرُّ بمرحلة من التحوُّلات الكبرى، وأنَّ البشريَّة على أعتاب عصر جديد من التحوُّلات والمخاضات الكبرى، وتتَّجه نحو البحث عن قيادات تُلبِّي احتياجاتها العميقة في الاستقرار، والهويَّة، والأمل بالمستقبل.
ومن هنا فإنَّ مراقبة تصاعد هذه الفكرة وتحليل أسبابها وتداعياتها تُعَدُّ خطوة ضروريَّة لفهم التحوُّلات القادمة في مسارات الشعوب ووجهات الرأي العام العالمي، ومن هذا المنطلق أجرينا عصفاً ذهنيًّا لتحليل دقيق وتأمُّل عميق لقراءة هذا الاهتمام بحكمة وبصيرة، وفكِّ شفرة ما تُخفيه لنا دلالات الاهتمام المتزايد بموضوع المخلِّص، وسنُركِّز على بعض النقاط الرئيسة ونتطرَّق إليها باختصار:
التحليل الاستراتيجي:
عندما تُركِّز الشعوب على مسألة (المخلِّص الموعود) أو (المنقذ المنتظَر)

(٣٤١)

بشكل واسع وعامٍّ، فهذا يعكس دلالات استراتيجيَّة عميقة ترتبط بمستويات كونيَّة وحضاريَّة، لتُشير إلى حالة شعور جماعي عالمي بالخطر أو بالتحوُّل الجذري، ويمكن تحليل هذا الاتِّجاه للشعوب والرأي العامِّ العالمي على مستويات استراتيجيَّة عدَّة، منها:
١ - مؤشِّر على قلقٍ وجوديٍّ حقيقيٍّ:
عندما تتَّجه البشريَّة نحو فكرة (المنقذ الموعود)، فقد يكون ذلك ناتجاً عن قلق وجودي عميق، وأنَّ المخاوف من الفناء أو من انهيار الحضارة ربَّما أصبحت واقعاً ملموساً بسبب التهديدات النوويَّة، أو التغيُّرات المناخيَّة المتسارعة، أو الكوارث الطبيعيَّة أو التهديدات المرتبطة بتكنولوجيا المستقبل.
رؤية استراتيجيَّة: يعني أنَّ العالم يرى نفسه على حافَّة الهاوية، وأنَّ الشعوب لم تعد تبحث عن حلول إصلاحيَّة تدريجيَّة، بل تتوقُ إلى (قفزة كبرى) تُنقِذ البشريَّة من أزمة وجوديَّة شاملة.
٢ - فقدان الثقة بالنظم والمؤسَّسات الدوليَّة القائمة:
عندما تتحوَّل فكرة المخلِّص إلى عنصر مركزي في الوعي الجماعي، فذلك يدلُّ على تآكل الثقة بالنُّظُم السياسيَّة الحاليَّة، وهذا يعني أنَّ الشعوب قد فقدت إيمانها بقدرة القادة الحاليِّين أو البنى المؤسَّساتيَّة على تلبية احتياجاتها.
رؤية استراتيجيَّة: تُشير هذه الظاهرة إلى استعداد المجتمعات لتقبُّل أنماط جديدة من القيادة أو التحرُّك باتِّجاه تغييرات جذريَّة، سواء كانت إصلاحيَّة أو ثوريَّة.
٣ - مؤشِّر لتحوُّلات كبرى في الرأي العامِّ العالمي:
من الناحية السياسيَّة، تعكس هذه الظاهرة استعداد المجتمعات الدوليَّة لتقبُّل أفكار أو قيادات جديدة، بل قبول تركيبة سلطويَّة تتمحور حول شخصيَّة (مخلِّص) حقيقي.

(٣٤٢)

رؤية استراتيجيَّة: ظهور مثل هذه الأفكار (تاريخيًّا) كان غالباً يسبق تحوُّلات كبرى، مثل الثورات أو الصعود الحادِّ للحركات الراديكاليَّة أو الحروب الدوليَّة الكبرى.
٤ - بحث عن قيادة عالميَّة واحدة:
الاهتمام بفكرة المخلِّص قد يُشير إلى توقٍ عالمي لظهور قيادة (كونيَّة) أو رمز يُوحِّد البشريَّة في ظلِّ النظام العالمي الحالي المنقسم والمضطرب، ذي الأقطاب المتناحرة.
رؤية استراتيجيَّة: يُشير إلى وجود فراغ قيادي حقيقي، ويعني أنَّ المؤسَّسات الدوليَّة الحاليَّة (مثل: الأُمَم المتَّحدة، ومجلس الأمن) باتت عاجزة عن أداء دورها، وأنَّ البشريَّة تتَّجه نحو فكرة (حكومة عالميَّة واحدة).
٥ - تآكل الأيديولوجيَّات والمعتقَدات السائدة:
البحث عن (المخلِّص) وتصاعد هذه الفكرة في وجدان شعوب العالم يُشير إلى أنَّ الأيديولوجيَّات السياسيَّة والاقتصاديَّة والفلسفيَّة التي حكمت القرن العشرين (كالليبراليَّة، والشيوعيَّة، والرأسماليَّة) قد فقدت قوَّتها التأثيريَّة، وأصبحت غير قادرة على إلهام الشعوب.
رؤية استراتيجيَّة: إنَّ النظام القيمي والأخلاقي الذي تقوم عليه الحضارة الحديثة قد بلغ حدوده القصوى، وأنَّ هناك حاجة ماسَّة لنظام بديل وجديد يتجاوز هذه الأُطُر التقليديَّة.
٦ - بداية تحوُّل في دورة الحضارات:
هذا التصاعد والاهتمام عالميًّا لفكرة (المخلِّص) يُشير إلى أنَّنا نقف عند

(٣٤٣)

نقطة انعطاف في دورة الحضارات الكبرى(١٨٢)، حيث إنَّ الحضارات تمرُّ بمراحل من الصعود والازدهار، يليها الانحدار والبحث عن قوى خارجيَّة تعيد إحياءها.
رؤية استراتيجيَّة: يُشير إلى أنَّ البشريَّة بأكملها تعيش لحظة من التحوُّل الكبير، وأنَّنا نقترب من مرحلة بداية نهاية (العصر الحديث) كما نعرفه، وبداية عصر جديد يتَّسم بتحوُّلات جذريَّة كلّيًّا وعلى كافَّة الأصعدة، وإعادة تشكيل للنظام العالمي الحالي، وأنَّ النظام الدولي القائم على وشك أنْ ينهار ويتغيَّر جذريًّا.
٧ - الانعكاسات على السياسات الدوليَّة:
من منظور السياسة الدوليَّة، تزايد هذا الاتِّجاه يُؤدِّي إلى بروز نماذج جديدة من التحالفات المبنيَّة على (الأيديولوجيا المخلِّصة)، حيث تبدأ الدول أو الحركات السياسيَّة في تشكيل تحالفات عابرة للحدود تقوم على مفهوم (الخلاص والمخلِّص) المشترك، ممَّا يُغيِّر من ديناميكيَّات التحالفات التقليديَّة.
رؤية استراتيجيَّة من الواقع المعاصر: يتجلَّى بشكلٍ خاصٍّ في حالة تحالف: الصهيونيَّة اليهوديَّة والمسيحيِّين الإنجيليِّين، حيث تربطهما (رؤية خلاصيَّة)(١٨٣)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٢) وفقاً لنظريَّة (الدورات الحضاريَّة) للمؤرِّخ (Arnold  J. Toynbee) أرنولد جوزف توينبي: مؤرِّخ بريطاني وُلِدَ في (١٨٨٩م) في لندن وتُوفِّي (١٩٧٥م)، أهمُّ أعماله: موسوعة دراسة للتاريخ، وهو من أشهر المؤرِّخين في القرن العشرين، لمزيد من التفاصيل اُنظر: تفسير تُوينبي لنشوء الحضارة وسقوطها، في: مختصر دراسة التاريخ (٤ أجزاء)، ترجمة: فؤاد شبل.
(١٨٣) الأهداف الأيديولوجيَّة لهذا التحالف نُلخِّصها بالآتي:
- الأهداف الصهيونيَّة اليهوديَّة: إقامة دولة (إسرائيل الكبرى) ذات أغلبيَّة يهوديَّة في أرض فلسطين، التي يعتبرها اليهود أرض الميعاد.
- الأهداف المسيحيَّة الإنجيليَّة: تسريع عودة المسيح الثانية، حيث يعتقد المسيحيُّون الإنجيليُّون، أنَّ قيام دولة إسرائيل وتوحيدها هو شرط أساسي للمجيء الثاني، وأنَّ هذا الحَدَث سيُؤدِّي إلى نهاية العالم وبداية الألفيَّة الجديدة.

(٣٤٤)

ذات أهداف ومصالح متقاربة، تُعادي النظام العالمي، وتسعى لتغييره وفق تصوُّر جديد، زاعمين - لتبرير أفعالهم الإرهابيَّة والمتطرِّفة - أنَّهم يحاربون من أجل تحقيق نبوءة دينيَّة أو تحقيق حلم بشري مشترك.
استنتاج استراتيجي:
إذا زادت الشعوب تركيزها على فكرة (المخلِّص الموعود)، فهذا يعني أنَّ المجتمع العالمي في حالة تحوُّل، وقد يكون في طور البحث عن مخرج من أزمة شاملة.
من الضروري على المهتمِّين والمسؤولين مراقبة هذا الاتِّجاه بعمق لفهم التوجُّهات القادمة، حيث إنَّه إشارة مبكِّرة لتغيُّرات جيوسياسيَّة كبرى.
التحليل الفكري:
تصاعد الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود في السنوات الأخيرة في وجدان الشعوب يُثير العديد من الأسئلة والاستفسارات حول الدوافع وراء هذا الاهتمام، وتأثيره على الأفراد والمجتمعات، وأهمّيَّته الاستراتيجيَّة والفكريَّة، وسنُوضِّح تحليلاً شاملاً من الناحية الفكريَّة على زيادة هذا الاهتمام، ومن زوايا مختلفة عدَّة:
علم النفس:
- الحاجة إلى المعنى والأمل: إنَّ الإنسان يميل للبحث عن معنى للحياة والأمل في المستقبل، خاصَّةً في مواجهة الأزمات والصعوبات، ولذا فإنَّ الإيمان بالمخلِّص يُوفِّر إطاراً تفسيريًّا للأحداث ويمنح الحياة هدفاً.
- الخوف من المجهول: الاعتقاد بفكرة (المخلِّص) وسيلة للتغلُّب على الخوف من المجهول والمستقبل الغامض، ويمكن اعتباره محاولة للعودة إلى الماضي الذهبي أو الهروب من الواقع المؤلم والصعب المعاصر.

(٣٤٥)

- آليَّات الدفاع: هذا الاعتقاد بمثابة آليَّة دفاع نفسيَّة تساعد الأفراد على التعامل مع الشعور بالضعف والعجز أمام الأحداث الكبرى.
رؤية من منظور علم النفس: البشر يميلون إلى البحث عن أمل في الأوقات الصعبة، وأنَّ الإيمان بفكرة المخلِّص يُوفِّر شعوراً بالراحة والأمان النفسي، حيث يتمُّ نقل العبء من الأفراد إلى شخصيَّة قويَّة وقادرة على التغيير، هذا الإحساس بالخلاص الخارجي يساعد في تخفيف القلق الجماعي وتحقيق نوع من الاستقرار النفسي.
علم الاجتماع:
- وظائف الدِّين: يلعب الدِّين دوراً مهمًّا في تلبية الحاجات الاجتماعيَّة والنفسيَّة للأفراد، وعقيدة المخلِّص الموعود هي إحدى هذه الوظائف، وتقوية الروابط بين أفراد الجماعة.
- التغيير الاجتماعي: إنَّ الإيمان بالمخلِّص الموعود محرِّكٌ للتغيير الاجتماعي، حيث إنَّه يدفع الناس إلى العمل من أجل تحقيق رؤية مستقبليَّة أفضل.
- التماسك الاجتماعي: تساهم هذه العقيدة على بناء الهويَّة الجماعيَّة، وتعزيز التماسك الاجتماعي بالانتماء إلى مجموعة إنسانيَّة كبرى، وبناء مجتمع قويٍّ ومتماسك قادر على مواجهة التحدّيات المعاصرة.
رؤية من منظور علم الاجتماع: يُركِّز علماء الاجتماع على العوامل الاجتماعيَّة التي تساهم في انتشار هذا الاعتقاد، فالتغيُّرات السريعة في المجتمع، مثل المادّيَّة والتكنولوجيا والعولمة والعلمانيَّة، قد تزيد من الشعور بالضياع والفراغ، ممَّا يدفع الأفراد إلى البحث عن هويَّة مشتركة ومعتقَدات تُوحِّدهم.

(٣٤٦)

التخطيط الاستراتيجي المستقبلي:
- يساعد فهم (الدوافع وراء الإيمان بالمخلِّص الموعود) على الاستعداد للأزمات والاضطرابات التي قد تنجم عن هذا الاعتقاد.
- استخدام مفهوم المخلِّص الموعود في تطوير خُطَط وسيناريوهات مستقبليَّة مختلفة في المجالات الدِّينيَّة والاجتماعيَّة والثقافيَّة، وتقييم الآثار المحتملة لكلِّ خطَّة.
- يمكن للسياسيِّين والقادة تحليل هذا الاهتمام بالمخلِّص، لتحديد رؤية المجتمعات المستقبليَّة واتِّجاهها، ودراسة استراتيجيَّات للتأثير على هذه الاتِّجاهات وتوجيهها بما يخدم مصالح الشعوب.
رؤية من منظور التخطيط الاستراتيجي: من المهمِّ أنْ تتذكَّر الدول أنَّ التعامل مع هذه القضيَّة يتطلَّب حسَّاسيَّة وفهماً عميقاً للسياق الاجتماعي والثقافي والدِّيني، وأنَّ الحلول الأمنيَّة وحدها لن تكون كافية، بل يجب أنْ تكون جزءاً من مقاربة أكثر شموليَّة تعالج الأسباب الجذريَّة، وتُعزِّز القِيَم الإنسانيَّة المشتركة لمواجهة الصعاب.
استنتاج فكري:
تصاعد الاهتمام بفكرة (المخلِّص الموعود) يعكس شعوراً جماعيًّا بالأزمة وعدم اليقين العالمي، ممَّا يدفع البشر للبحث عن حلول جذريَّة وشخصيَّات قياديَّة استثنائيَّة قادرة على إنقاذ المجتمعات، هذا التوجُّه هو آليَّة دفاعيَّة للتعامل مع القلق والخوف، وحاجة الإنسان الأساسيَّة للمعنى والأمان في ظلِّ الاضطرابات المتزايدة، وينبع هذا التوجُّه من التغيُّرات الاجتماعيَّة السريعة، وضعف المؤسَّسات التقليديَّة، والرغبة في الهويَّة والانتماء، كذلك يعكس أزمة روحيَّة وإحساساً بالعجز أمام التحدّيات الكبرى، بالإضافة إلى أنَّه يُشير إلى استعداد فكري للتحوُّلات التاريخيَّة والاجتماعيَّة الكبرى.

(٣٤٧)

الرؤية الدِّينيَّة والروحيَّة:
تصاعد الاهتمام بفكرة (المخلِّص الموعود) عند البشريَّة، يُشير إلى ظاهرة دينيَّة وروحيَّة عميقة، يمكن تفسيرها على مستويات متعدِّدة تتعلَّق: بالبنية الروحيَّة للإنسانيَّة، أو رؤية الحضارات لمصيرها، أو موقع البشريَّة في المسار التاريخي الممتدِّ من الماضي إلى المستقبل.
هذه الظاهرة تتجاوز التحليل التقليدي للمجتمعات لتلامس الأسئلة الكبرى حول المصير والقِيَم والمآلات النهائيَّة للوجود البشري، ومن هذا المنطلق يمكن قراءتها على النحو التالي:
١ - التطلُّع إلى الخلاص الروحي الشامل:
الاهتمام الشامل بفكرة (المخلِّص) يعكس توقاً جماعيًّا نحو نوع من الخلاص الروحي الذي يتجاوز الحدود القوميَّة أو الثقافيَّة أو حتَّى الدِّينيَّة، هذا التوجُّه يُشير إلى أنَّ البشرية تشعر بأنَّ هناك فراغاً أو انحرافاً عن المسار الروحي والدِّيني الصحيح، وأنَّ هناك حاجة ماسَّة إلى قوَّة خارجيَّة أو شخصيَّة ربَّانيَّة لتُعيد التوازن الروحي للعالم.
رؤية وبصيرة: هذا التوجُّه يدلُّ على اقتراب البشريَّة لنوع من التحوُّل الروحي العالمي، حيث يبدأ الناس بالبحث عن حقيقة وجوديَّة جديدة أو نظام قيمي بديل، يُعيد تعريف معاني الخير والشرِّ، ويطرح منظوراً مختلفاً لغاية الحياة والوجود.
٢ - إحياء النبوءات والرموز الدِّينيَّة الكبرى:
تصاعد الاهتمام بفكرة (المخلِّص الموعود) عبارة عن مؤشِّر على إحياء النبوءات الدِّينيَّة التقليديَّة، فمعظم الأديان الكبرى تتحدَّث عن شخصيَّة المخلِّص في نهاية الزمان، سواء كان (المهدي المنتظَر) في الإسلام، أو (عودة

(٣٤٨)

المسيح الثانية) في المسيحيَّة، أو (المسيَّا) في اليهوديَّة، أو (المايتريا) في البوذيَّة، أو (الكالكي) في الهندوسيَّة.
رؤية وبصيرة: إنَّ ظهور هذه الفكرة بشكل متزامن على مستوى عالمي، يُعطي إشارة إلى أنَّ البشريَّة تعيش لحظة توحُّد روحي نادرة، حيث يشعر أتباع كلِّ دين بأنَّنا نقترب من تحقيق بشارات أو رؤى دينيَّة قديمة تتعلَّق بنهاية الزمان وبداية عصر جديد، من هذا المنطلق فإنَّ هذه الظاهرة قد تكون علامة على اقتراب أحداث كونيَّة يتوقَّعها البشر عبر أجيال طويلة.
٣ - حاجة البشريَّة إلى مرشد ربَّاني:
الاهتمام بفكرة المخلِّص يُشير إلى أنَّ البشريَّة أصبحت تعي بشكل جمعي أنَّها تحتاج إلى (مرشد ربَّاني) يتجاوز الأُطُر الدِّينيَّة التقليديَّة، وهناك شعور بأنَّ الإرشادات الدِّينيَّة القديمة لم تعد كافية لمواجهة تعقيدات العصر الحديث، وأنَّ البشريَّة بحاجة إلى (مخلِّص) يمتلك رؤية وبصيرة شاملة لمستقبل البشريَّة.
رؤية وبصيرة: هذا المخلِّص ليس فقط قائداً روحانيًّا، بل هو أيضاً رمزٌ لوحدة البشريَّة، ومعلِّمٌ لحقائق ربَّانيَّة تتجاوز العقائد والحدود المعروفة، من هذا المنظور فإنَّ زيادة الاهتمام بهذه الشخصيَّة يحمل معنًى عميقاً للتحوُّل الروحي الذي تحتاجه الإنسانيَّة لتجاوز أزماتها.
٤ - مؤشِّر على أزمة أخلاقيَّة عالميَّة:
تصاعد الاهتمام بفكرة المخلِّص يُشير إلى إدراك عميق بأنَّ البشريَّة تعاني من أزمة أخلاقيَّة وروحيَّة، فهناك شعور بأنَّ العالم قد انحرف عن القِيَم الجوهريَّة للإنسانيَّة، مثل: العدالة، والرحمة، والتعاطف، وهذا التوق للمخلِّص بداية المحاولة لاستعادة هذه القِيَم في عالم يبدو أنَّه أصبح مادّيًّا ومعزولاً من الناحية الروحيَّة.

(٣٤٩)

رؤية وبصيرة: هذا الشعور بالأزمة يُؤكِّد على أنَّ النظام القيمي الذي حكم العالم لقرون عدَّة لم يعد قادراً على الصمود، وأنَّ البشريَّة تبحث عن إطار أخلاقي وروحي جديد يُعيد التوازن للمعايير والقِيَم المجتمعيَّة.
٥ - انعكاس لمفهوم النهاية والبداية في الأديان:
من الناحية الدِّينيَّة، كلُّ الأديان الكبرى تتحدَّث عن (نهاية الزمان) التي تترافق مع قدوم (المخلِّص) أو (المنقذ)، فهذا الاهتمام المتصاعد لفكرة المخلِّص يعكس شعوراً جمعيًّا بأنَّ البشريَّة وصلت إلى (المنعطف الأخير) وأنَّ هناك بداية جديدة قادمة.
رؤية وبصيرة: إنَّ شيوع فكرة المخلِّص يُعتبَر انعكاساً لمفهوم (نهاية التاريخ) التي تُشير إلى أنَّ البشريَّة على وشك الدخول في مرحلة جديدة من التاريخ، حيث سيتحوَّل التركيز من الصراع المادِّي إلى نوع من السلام الروحي الجديد، إذاً نحن على أعتاب نقطة تحوُّل كبرى يُعاد فيها تشكيل النظام الروحي للعالم بشكل جذري.
سرُّ الانتظار:
ما الذي يدفع مليَّارات البشر للبحث عن المخلِّص حاليًّا؟
تصاعد الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود في الآونة الأخيرة يعكس توجُّهات عميقة ومتعدِّدة الأبعاد على المستوى الدِّيني، السيَّاسي، الاجتماعي، والنفسي، ويُظهر في الوقت ذاته تحوُّلات ذات طبيعة استراتيجيَّة يمكن أنْ تُؤثِّر على المشهد العالمي، ولذا من الضروري معرفة الدوافع الدِّينيَّة والاستراتيجيَّة لكلِّ طائفة أو جهة لقراءة صورة وإطار هذا الاهتمام الحالي بشكل منطقي وسليم:

(٣٥٠)

- المسلمون: تصاعد الاهتمام بفكرة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) يُعبِّر عن انعكاس لحالة الإحباط من الأنظمة السياسيَّة الراهنة، والشعور بفقدان العدالة الاجتماعيَّة والانحطاط الأخلاقي وانتشار الظلم والجور في كلِّ العالم.
- المسيحيُّون: يعكس الاهتمام المتزايد أملاً في تدخُّل إلهي مباشر لإنهاء معاناة البشريَّة، ويُعبِّر أيضاً عن قلق ديني من تدهور القِيَم الأخلاقيَّة، ممَّا يجعل فكرة العودة الثانية للمسيح تُفهَم على أنَّها إعادة لترتيب القِيَم والعدالة.
- اليهود: الاهتمام المتزايد بفكرة (المسيَّا - المسيح اليهودي) يُشير إلى توتُّر متصاعد داخل المجتمع اليهودي، وإحساس بالخطر على الهويَّة اليهوديَّة، فضلاً عن التوتُّرات السياسيَّة والخطر الوجودي المحيط بمستقبل إسرائيل.
زيادة الاهتمام بفكرة المخلِّص الموعود يعكس إحساساً متنامياً بين أتباع الديانات الكبرى والشعوب العالميَّة بضرورة تغيير الواقع الحالي والبدء في التصحيح في ظلِّ ما تراه البشريَّة من انحرافات أخلاقيَّة وظلم على الساحة الدوليَّة، وربطها أيضاً بالأزمات العالميَّة الكبرى مثل: الحروب والكوارث التي تُعتبَر نُذُراً لنهاية الزمان.
استنتاج من منظور أيديولوجي (العودة إلى الروحانيَّة):
يشهد العالم اليوم نهضة روحيَّة متجدِّدة تتجلَّى في الإيمان المتزايد بالمخلِّص الموعود، ففي ظلِّ تسارع وتيرة الحياة المادّيَّة والنزعة العلمانيَّة في العالم، يشعر كثير من الناس بفراغ روحي يدفعهم للبحث عن معنى أعمق للحياة، وهنا تأتي فكرة أو عقيدة (المخلِّص) لتُلبِّي هذه الحاجة، حيث يُمثِّل رمزاً للأمل والوحدة والخلاص، ويُوفِّر إجابات للأسئلة الوجوديَّة التي تُشغِل بال الإنسان.
إنَّ هذا التوجُّه في وجدان شعوب العالم يعكس رغبة عميقة في العودة إلى الأُصول الروحيَّة والقِيَم العليا، ويُشير إلى تحوُّل البشريَّة نحو نظام قيمي جديد

(٣٥١)

(مبادئ وأخلاق قائمة على التعاليم السماويَّة)، يجمع ويوازن بين الحياة المادّيَّة (التطوُّر العلمي) والجانب الروحي (التوحيد والعدالة)، ممَّا يُوفِّر للإنسان معنى للحياة (عبادة الخالق وعمارة الأرض)، ويُعطيه هدفاً يسعى لتحقيقه، ويمنحه أملاً في مستقبل أفضل.
خلاصة استراتيجيَّة:
باختصار: الاهتمام المتزايد بفكرة المخلِّص الموعود ليس مجرَّد إيمان ديني، بل يُشير إلى تحوُّلات عميقة على المستوى الاستراتيجي العالمي، وهو انعكاس لأزمة عميقة في النظام العالمي، ومؤشِّر على قلق ومخاوف حقيقيَّة لدى الشعوب بشأن مستقبلها، ممَّا يدعو إلى إعادة التفكير في الاستراتيجيَّات السياسيَّة والاجتماعيَّة.
من منظور استراتيجي، هذا يعني أنَّ السنوات القادمة قد تشهد تحوُّلات جذريَّة على كافَّة المستويات، وأنَّ البشريَّة ستدخل مرحلة إعادة صياغة لهويَّتها ومستقبلها، والبحث بجدّيَّة عن (المنقذ المنتظَر) بشكل لم يسبق له مثيل على مرِّ التاريخ الإنساني.

* * *

(٣٥٢)

جسر الحضارات (فوائد تعزيز الإيمان بالمخلِّص في وجدان الشعوب)

تُعتبَر عقيدة المخلِّص الموعود من أقدم وأكثر العقائد الدِّينيَّة تأثيراً على البشريَّة، حيث تتجذَّر في معتقَدات معظم الأديان والثقافات، وتحمل في طيَّاتها الكثير من التعمُّق الدِّيني والفلسفي، وهي تتحدَّث عن شخصيَّة مقدَّسة (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) ستظهر في آخر الزمان لتحقيق العدالة والسلام، وحتماً زيادة الاهتمام بهذه العقيدة في العالم ستُؤدِّي إلى مجموعة من الآثار المتشعِّبة التي تُؤثِّر على الأفراد والمجتمعات على حدٍّ سواء، وإنَّ تعزيز هذه الفكرة أو العقيدة في وجدان شعوب العالم يحمل العديد من الفوائد للبشريَّة، منها:
١ - تعزيز الأمل والتفاؤل: بسبب الرؤية الإنسانيَّة العالميَّة التي تُقدِّمها عقيدة المخلِّص، فتزرع الأمل في النفوس والتفاؤل في المستقبل، ففي أوقات الأزمات والصراعات العالميَّة تلعب دوراً مهمًّا في وجدان الشعوب، والرؤية لتحقيق عالم أفضل، ممَّا يُوجِّه الناس نحو بناء مجتمعات أكثر سلاماً وتعاوناً وعدالةً.
٢ - تحقيق العدالة للجميع: لإيمانها العميق بالعدالة، والذي هو بمثابة البذرة التي تُزرَع في قلوب المجتمعات، وتنمو لتُشكِّل مجتمعاً مزدهراً، فالعدالة هي القاعدة التي يُبنى عليها المجتمع القويُّ المتماسك، وهي التي تضمن استقراره وازدهاره، علماً أنَّ تحقيقه هو تحدٍّ كبير، ولكنَّه ليس مستحيلاً.

(٣٥٣)

٣ - الحرّيَّة والاستقلال: بسبب الرؤية التي تُقدِّمها بأنَّ الإنسانيَّة كيان واحد ومتساوٍ، ممَّا يخلق شعوراً قويًّا بضرورة تحرُّر الإنسان من كلِّ أشكال الاستبداد والاستعباد والاستغلال، وأنَّ استقلال الأوطان حقٌّ مشروع لجميع البشر، ممَّا يُشكِّل حافزاً قويًّا للشعوب للتحرُّر من براثن الظلم والاستعمار والسعي نحو حياة أفضل.
٤ - تعزيز الاستقرار النفسي: تُوفِّر ملاذاً نفسيًّا للأفراد في الأوقات الصعبة، ممَّا يساعد في تقليل القلق والتوتُّر وتخفيف الضغوط النفسيَّة، وتشعر المجتمعات بالأمان والطمأنينة نتيجةً لإيمانها بالحصول على ضمانات وتُوفِّر شعوراً بالأمان بمعيشة أفضل في المستقبل، خاصَّةً في مواجهة المخاطر والمجهول.
٥ - التطلُّع إلى المستقبل: تحمل العقيدة في طيَّاتها رؤية مستقبليَّة للمجتمع البشري، وذلك بإيحاء ورسم صورة عن عالم مثالي خالٍ من الظلم والمعاناة حيث يحكم العدل والمساواة، والوعد بمستقبل أفضل، ممَّا يبعث الأمل في نفوس الناس، ويُلهم الشعوب الطموح والتفاؤل.
٦ - تعزيز القِيَم الروحيَّة والأخلاقيَّة: غالباً ما ترتبط فكرة المخلِّص بالتقوى والأخلاق الفاضلة، وتُوفِّر رؤية لمجتمع مثالي رمزاً للفضيلة والقِيَم الإنسانيَّة الحميدة، وأنَّ الإيمان بقدومه يدفع المؤمنين إلى السعي لتحسين أنفسهم وسلوكهم، والعمل من أجل بناء المجتمع الفاضل.
٧ - تعزيز الوحدة والتضامن الإنساني: تخلق جسراً يجمع بين الناس من مختلف الأديان والثقافات والأعراق، وتُرسِّخ القِيَم الإنسانيَّة المشتركة مثل: الحبِّ والسلام، ممَّا يخلق شعوراً بالهويَّة المشتركة والانتماء إلى جماعة واحدة كبيرة، هذا الشعور يكون حافزاً للتعاون والتضامن، وتجاوز الخلافات والانقسامات.

(٣٥٤)

فتُحفِّز المجتمعات على الاهتمام بمعاناة الآخرين، ممَّا يجعلهم أكثر اهتماماً بالقضايا الإنسانية الكبرى مثل: حقوق الإنسان والفقر والمرض والعدالة، والعمل من أجل تحقيق مستقبل أفضل للجميع.
٩ - توحيد الجهود في مواجهة التحدّيات: تُوفِّر إطاراً مشتركاً يمكن للناس من مختلف الخلفيَّات الثقافيَّة والدِّينيَّة الالتقاء حوله، وتكون دافعاً قويًّا للعمل من أجل مستقبل أفضل للأجيال القادمة، ممَّا يُعزِّز التعاون في مواجهة التحدّيات العالميَّة، ويزيد من الاستعداد لبذل الجهد والتضحية بشكل أكثر فعَّاليَّة.
١٠ - تحقيق السلام الداخلي والخارجي: تُبشِّر بعالم يسود فيه المحبَّة والسلام بين جميع الناس، ويسهم الإيمان بالمخلِّص على خلق بيئة إيجابيَّة بين الأفراد والشعوب، ممَّا يُقلِّل من النزاعات ويُعزِّز من الاستقرار، وتحقيق السلام العالمي، وحماية البشريَّة من مخاطر الكوارث والحروب.
١١ - التحفيز على التغيير وتحمُّل المسؤوليَّة: إيمان الناس بوجود مستقبل أفضل يُحفِّزهم على العمل من أجل تحقيقه، ويجعل الناس يشعرون بالمسؤوليَّة وأنَّ عليهم دوراً من أجل تحسين الظروف وتحقيق هذا المستقبل الأفضل، ففكرة المخلِّص الموعود تُشكِّل دافعاً قويًّا نحو التغيير الإيجابي.
١٢ - تعزيز المساواة والكرامة الإنسانيَّة: ترتبط بقِيَم سامية كالعدل والمساواة والرحمة، ممَّا يُحفِّز الناس على تطبيقها في حياتهم، والعمل على تغيير سلوكيَّاتهم بما يناسب هذه القِيَم، إضافةً إلى تكريس حقوق الإنسان واحترام كرامته باعتباره خليفة الله في الأرض، والتأكيد على أنَّ الناس سواسية كأسنان المشط.
إنَّ عقيدة المخلِّص الموعود أو الأُطروحة في صيغتها النهائيَّة (المهدويَّة)

(٣٥٥)

إحدى الأُمنيات الكبرى في مسيرة التاريخ البشري، وهي تعكس تطلُّعات إنسانيَّة عميقة بمستقبل سعيد ونهاية تاريخ مشرق، ومن هذا المنطلق فهي تمتلك المقوِّمات الضروريَّة للثورة العالميَّة، وتصحيح جميع جوانب الحياة الإنسانيَّة نحو الأمثل والأكمل، فتحمل في طيَّاتها بُعداً استراتيجيًّا، ورؤية واضحة للتغيير الشامل، ونظرة مستقبليَّة لتطوُّر المجتمع البشري، وبناء الدولة الفاضلة لكلِّ البشريَّة.
سُبُل تعزيز عقيدة (المخلِّص الموعود) لدى الرأي العامِّ العالمي:
إنَّ تعزيز عقيدة دينيَّة محدَّدة، كعقيدة المخلِّص الموعود (المهدويَّة المنتظَرة) على مستوى عالمي، هو موضوع حسَّاس ومعقَّد، ويتطلَّب دراسة متأنّية احتراماً للأديان الأُخرى والحضارات المختلفة، ولا بدَّ من اتِّباع استراتيجيَّات مدروسة بطريقة فعَّالة ومقنعة واحترام الآخر، وتجنُّب أيّ شكل من أشكال التطرُّف أو الكراهية، وهنا نذكر بعض السُّبُل التي يمكن اتِّباعها لتعزيز ونشر وتعريف هذه العقيدة للآخرين:
١ - الانفتاح على الآخر: علينا استكشاف عمق تنوُّع الثقافات والشعوب والحضارات الأُخرى، وفهم تاريخها وتطوُّرها الفكري والعلمي في سياق فكرة (المخلِّص)، ومتابعة آخر المستجدَّات التي وصلت إليها الفكرة أو العقيدة في منظومتهم الفكريَّة في العصر الحالي.
٢ - تطوير لغة مشتركة: لتحقيق حوار بنَّاء بين الثقافات، يجب علينا دراسة مفهوم المخلِّص في مختلف الحضارات، وتحديد الجوانب المشتركة والاختلافات بينها، هذا التأسيس المعرفي سيُساعدنا على بناء لغة مشتركة، وذلك بتأطير عقيدة المخلِّص بلمسات من القواسم المشتركة من منظومتهم الفكريَّة.

(٣٥٦)

٣ - رسالة تحمل مضموناً واضحاً: لتحقيق التواصل الفعَّال مع الآخر، يجب علينا تجديد الخطاب المتعلِّق بالمخلِّص الموعود وتقديمه بصورة عصريَّة تتجاوز المفاهيم التقليديَّة، يجب أنْ نُركِّز على القِيَم المشتركة مثل: العدالة والمساواة، ونُقدِّم رؤية شاملة لمفهوم المخلِّص تتناسب مع مجتمع أغلبه علماني النزعة.
٤ - التركيز على الرؤية الحضاريَّة: لتحقيق حوار حضاري بنَّاء، علينا تقديم مفهوم المخلِّص الموعود برؤية حضاريَّة منفتحة، تُركِّز على القِيَم الإنسانيَّة المشتركة مثل: العدل والمساواة، هذه الرؤية يمكن أنْ تُشكِّل أساساً لشراكة حضاريَّة جديدة تساهم في بناء عالم أفضل للجميع.
٥ - تقديم نموذج تاريخي: إنَّ الشعوب الأُخرى تريد أنْ تعرف النموذج الذي يُوضِّح لهم شخصيَّة المخلِّص الموعود، والمثال الذي نحن بصدد طرحه هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) كنموذج إنساني عالمي يجمع بين الحكمة والشجاعة والعدل، هذا القائد العظيم يُقدِّم لنا صورة واضحة عن الحاكم العادل والقائد الرشيد.
إنَّ تعزيز عقيدة المخلِّص الموعود لدى الرأي العامِّ العالمي يتطلَّب حكمةً بالغةً وتعاوناً مثمراً، فنحن بحاجة إلى أنْ نعمل على بناء جسور تفاهم مع الآخرين، وأنْ نُقدِّم رؤيتنا بطريقة حضاريَّة تحترم معتقَدات الجميع، ويكون هدفنا الأساسي هو نشر السلام والمحبَّة، وليس فرض عقيدة معيَّنة، بالتأكيد إنَّ بناء منظومة فكريَّة حضاريَّة حول المخلِّص الموعود، تجمعنا بروابط عقائديَّة مشتركة، هي القوَّة الدافعة التي ستنشر نور هذه العقيدة الربَّانيَّة (المهدويَّة) في أرجاء المعمورة، والتي تُمثِّل الأُمنية الكبرى للإنسانيَّة طوال التاريخ.

(٣٥٧)

أبرز التحدّيات التي تواجه عقيدة المخلِّص في العالم المعاصر:
تواجه عقيدة المخلِّص الموعود في عالمنا المعاصر العديد من التحدّيات في ترسيخها أو نشرها في المجتمعات الدوليَّة المعاصرة، هذه التحدّيات تتباين في طبيعتها وشدَّتها باختلاف الثقافات والديانات والظروف المصاحبة، إليك بعض أهمّ هذه التحدّيات:
١ - التنوُّع الثقافي والفكري:
- تتباين تفسيرات عقيدة المخلِّص بشكل كبير بين الأديان والثقافات، ممَّا يُعقِّد جهود تعزيزها في مجتمعات متنوِّعة، فاختلاف الرؤى حول هويَّة المخلِّص يجعل من الصعب بناء فهم مشترك وتجاوز الحواجز الفكريَّة.
- تتعارض التيَّارات العلمانيَّة مع العقائد الدِّينية عموماً، وتُشكِّك في صحَّة أيِّ معتقَدات لا تستند إلى الأدلَّة المادّيَّة، ومنها فكرة وعقيدة المخلِّص الموعود.
٢ - التحدّيات السياسيَّة:
- تُؤدِّي الصراعات والاضطرابات السياسيَّة إلى تشتيت الجهود وتقويض فرص نشر العقائد الدِّينيَّة، وخاصَّةً التي لها طابع غيبي كفكرة المخلِّص الموعود.
- يستغلُّ بعض السياسيِّين أو الجماعات المتطرِّفة فكرة المخلِّص أو النبوءات، لخدمة أجنداتهم السياسيَّة وتحقيق مآرب خاصَّة، من خلال ادِّعاء أنَّهم يُمثِّلونه أو أنَّهم يعملون على تمهيد الطريق لقدومه.
٣ - المؤسَّسات الإعلاميَّة:
- تقوم المؤسَّسات الإعلاميَّة المسيَّسة أو المؤدلجة بنشر معلومات مضلَّلة عن المخلِّص الموعود، وتحاول تحريف الحقائق خدمةً لأجندة خاصَّة، ممَّا يُؤثِّر على تصوُّرات الناس حول الفكرة بشكل مشوَّه.

(٣٥٨)

- تساهم وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار معلومات متضاربة تتعارض مع العقائد الصحيحة حول المخلِّص، ممَّا يجعل من الصعب على الأفراد تمييز الصحيح من الخطأ وتشكيل قناعات راسخة.
٤ - التحدّيات القوميَّة:
- في ظلِّ الصراعات والانقسامات العالميَّة، يزداد التركيز والتشديد على الهويَّات القوميَّة والعرقيَّة، ممَّا يجعل من الصعب توحيد الناس حول فكرة عالميَّة مثل المخلِّص الموعود.
- بعضٌ يربط فكرة المخلِّص الموعود بالعنف والتطرُّف، وذلك لاستغلال الجماعات المتطرِّفة لهذه الفكرة لترويج أجنداتها، ممَّا أدَّى إلى خوف واسع النطاق لتزايد أعمال العنف والتطرُّف المرتبطة بها.
٥ - التطوُّرات الاجتماعيَّة:
- أدَّت العولمة إلى تزايد الاختلاط بين الثقافات، ممَّا يجعل من الصعب الحفاظ على خصوصيَّة العقائد الدِّينيَّة أو نشر فكرة موحَّدة حول المخلِّص الموعود.
- تُشكِّل العادات والتقاليد الراسخة في بعض المجتمعات عائقاً كبيراً أمام قبول فكرة المخلِّص، حيث تتعارض أحياناً مع المعتقَدات المتوارثة عبر الأجيال، ممَّا يجعل من الصعب تغيير هذه الأفكار المتجذِّرة لدى الكثيرين.
٦ - التحدّيات الشخصيَّة:
- تسيطر الشهوات والمادّيَّات على اهتمامات الكثيرين في عصرنا، ممَّا يدفعهم إلى إهمال الجانب الروحي والتوجُّه نحو الأُمور الملموسة والواقعيَّة، بعيداً عن التفكير في الغيبيَّات.
- تدفع الصعوبات الاقتصاديَّة بالكثيرين إلى التركيز على تأمين متطلَّباتهم

(٣٥٩)

الحياتيَّة الأساسيَّة، ممَّا يُقلِّل من اهتمامهم بالشؤون الدِّينيَّة والروحيَّة، إذ تسيطر عليهم هموم المعيشة اليوميَّة.
هكذا يتبيَّن أنَّ فكرة المخلِّص الموعود في العالم المعاصر تواجه تحدّيات كبيرة ومتشابكة، وتتعلَّق معظمها بالظروف البيئيَّة وزمانها، ومع ذلك تستمرُّ هذه الفكرة في التأثير على حياة الملايين من الناس حول العالم، وتظلُّ موضوعاً مهمًّا مثيراً للجدل والنقاش.

* * *

(٣٦٠)

في خضمِّ التحوُّلات العالميَّة المتسارعة، تبرز العقيدة المهدويَّة كركيزة فكريَّة وحضاريَّة محوريَّة، تتجاوز كونها مجرَّد مفهوم غيبي، لتُمثِّل مشروعاً إنسانيًّا شاملاً للخلاص والعدالة. إنَّها ليست مجرَّد وعد تاريخي، بل هي جزء أصيل من البنية الفطريَّة للضمير الإنساني في سعيه الدائم نحو تحقيق العدل والكرامة. ولذا، فإنَّ المهدويَّة تُمثِّل رهان الإنسانيَّة الأخير في معركتها الطويلة مع الظلم، ومعركة الوعي مع التزييف، والكرامة مع الاستعباد.
يستكشف هذا الكتاب (المهدويَّة.. جدليَّة الإيمان والمواجهة في الفكر العالمي والضمير الإنساني)، المهدويَّة كأُطروحة فكريَّة عميقة ورؤية استراتيجيَّة عالميَّة. وقد سعى إلى تحقيق أهداف أساسيَّة:
* تحليل الأبعاد الفكريَّة والفلسفيَّة للمهدويَّة في سياق الصراع الراهن بين الإيمان والمواجهة ضمن الفضاء الثقافي العالمي.
* تشخيص التحدّيات النظريَّة والعمليَّة التي تواجه المهدويَّة في المشهد الفكري المعاصر، مع الأخذ في الاعتبار التحوُّلات الجيوسياسيَّة والثقافيَّة المتسارعة.
تُؤكِّد هذه الدراسة أنَّ المهدويَّة هي وعد إلهي بانتصار العدالة وتحقيق الأُمنية الكبرى للبشريَّة. لذا، يتطلَّب التعامل معها في ظلِّ عالم متغيِّر ومتناقض، مقاربات إنسانيَّة وحضاريَّة تتجاوز الأُطُر التقليديَّة. لقد اجتهد الكتاب في فهم القاعدة الفكريَّة للآخر العالمي بخصوص المخلِّص الموعود، واستيعاب المباني العقليَّة والفلسفيَّة التي ينطلق منها، والوقوف على التصوُّرات والاختلافات السائدة؛ بهدف بناء أرضيَّة صلبة لمشروع تعريف المهدويَّة للعالم.

(٣٦٣)

ولأجل هذا الغرض، وقفنا في أبحاث هذا الكتاب - بشكل تحليلي عميق - عند: تقاطع القواسم المشتركة في الديانات السماويَّة، وإحدى أهمّ رؤى الفلسفة الغربيَّة حول الخلاص، وما تتعرَّض له المهدويَّة حاليًّا من مؤسَّسات الهيمنة السياسيَّة، وقراءة في وجدان شعوب العالم حول فكرة الخلاص. محاولين رسم خارطة فكريَّة لمفهوم المهدويَّة في الفكر العالمي اليوم.
واستنادًا إلى فصول الكتاب، استخلصنا أهمّ النتائج المحوريَّة التي تُشكِّل حجر الزاوية للرؤى الفكريَّة المطروحة:
١ - المهدويَّة.. تجسيد فطري للخلاص والعدالة:
تُمثِّل المهدويَّة تعبيراً فطريًّا جامعاً ومشتركاً في الضمير الإنساني، الرافض للظلم، والمتوقِّد شوقاً للخلاص والعدل؛ فهي ليست مجرَّد عقيدة دينيَّة، بل ترى في المخلِّص الموعود مشروعاً حضاريًّا شاملاً يُعيد للإنسان وعيه بالعدل والكرامة، في مواجهة أنظمة الهيمنة المادّيَّة الساعية لقمع هذه الجذوة الفطريَّة.
٢ - المهدويَّة.. جدليَّة وعي عالمي:
تكشف جدليَّة الإيمان والمواجهة في المهدويَّة عن صراع وعي عالمي بين: الإيمان بحتميَّة العدل الإلهي ومشروعيَّة التغيير، وبين قوى تُكرِّس الهيمنة وتخشى وعي الشعوب بقِيَم الحرّيَّة والكرامة والتحرُّر.
٣ - المهدويَّة.. محفِّز للعمل والمقاومة:
تُشكِّل المهدويَّة جدليَّة فاعلة تزاوج بين: الإيمان والأمل بالمستقبل، وبين مسؤوليَّة المواجهة والمقاومة الأخلاقيَّة والفكريَّة للظلم القائم. إنَّ الإيمان بها يُعَدُّ قوَّة محفِّزة تدفع الفرد والمجتمع نحو التمهيد للعدالة.
٤ - المهدويَّة.. أصل فكري عالمي:
تُشكِّل فكرة المخلِّص المنتظَر قاسماً فكريًّا مشتركاً وعالميًّا بين الديانات

(٣٦٤)

السماويَّة والفلسفات الإنسانيَّة، ويظهر ذلك في تواتر الإيمان بقدوم مخلِّص في آخر الزمان مع اختلاف المصاديق، ممَّا يُؤكِّد كونها وعداً إلهيًّا شاملاً لا عقيدة محلّيَّة، وأنَّها بوصفها وحدة جوهريَّة ليست حكراً على ثقافة أو دين معيَّن.
٥ - المهدويَّة.. أرضيَّة استراتيجيَّة للحوار:
تكشف القواسم المشتركة حول المهدويَّة (الأصل، وحدة الشخص، الخصائص، العلامات، الغايات) عن أرضيَّة استراتيجيَّة للحوار والتقارب بين الشعوب والحضارات، وتفتح آفاقاً لفهم مشترك للعدالة والكرامة الإنسانيَّة، وتشكيل رأي عامٍّ عالمي يُعزِّز الأمل بمستقبل مشترك.
٦ - الرؤى الغربيَّة لنهاية التاريخ.. هيمنة سياسيَّة تفتقر للإنسانيَّة:
تكشف القراءة النقديَّة للنظريَّات الغربيَّة عن (نهاية التاريخ) أنَّها أدوات للهيمنة السياسيَّة والاستراتيجيَّة، تستند إلى أساطير التفوُّق الذاتي وتُروِّج للنموذج الغربي باعتباره (ختاماً للتطوُّر الإنساني) لتبرير السيطرة بغطاء فلسفي. غير أنَّ هذه النظريَّات، بمركزيَّتها القاصرة وأنانيَّتها الحضاريَّة، تفتقر إلى شموليَّة الروح الإنسانيَّة.
٧ - المهدويَّة.. رؤية إيجابيَّة لمسيرة التاريخ:
تُمثِّل المهدويَّة رؤية شاملة وديناميكيَّة للتاريخ، تُؤكِّد أنَّ البشريَّة تسير نحو غاية إيجابيَّة تتمثَّل في إقامة دولة العدل الإلهي في نهاية المطاف، ممَّا يمنح الوجود الإنساني معنًى وهدفاً سامياً لحركة التاريخ.
٨ - الاستشراق وتشويه المهدويَّة.. آليَّة هيمنة:
انزلق الاستشراق - الكلاسيكي والحديث - إلى اختزال المهدويَّة في أبعاد أيديولوجيَّة وسياسيَّة يهيمن عليها المنظور الأمني، متجاهلاً جوهرها الروحي والإنساني في الوجدان العالمي. ويهدف هذا التحريف إلى استغلال العقيدة المهدويَّة وتوظيفها في خدمة الأجندات الغربيَّة الاستراتيجيَّة وتبرير التدخُّلات.

(٣٦٥)

٩ - المهدويَّة.. قوَّة تحرُّر تتجاوز الاستشراق:
تظلُّ المهدويَّة قوَّة ديناميكيَّة تشحذ هويَّة المقاومة وتُلهم تطلُّعات الشعوب المظلومة نحو العدالة والخلاص في مواجهه الهيمنة الاستعماريَّة. ورغم إدراك الاستشراق الحديث لتأثيرها السياسي، إلَّا أنَّه ظلَّ قاصراً عن فهمها كمشروع سماوي للإنسانيَّة، مكتفياً بتأطيرها ضمن مصالحه السياسيَّة والأمنيَّة.
١٠ - المهدويَّة تواجه حرباً منظَّمة غير معلنة:
تتعرَّض المهدويَّة لحرب استراتيجيَّة منظَّمة وخفيَّة تشنُّها قوى الهيمنة العالميَّة (الصهيونيَّة واليمين الإنجيلي). تهدف هذه المواجهة طويلة الأمد إلى إفراغ العقيدة من مضمونها التحرُّري، والحفاظ على الوضع العالمي القائم. وتُوظِّف في هذا السياق النبوءات التوراتيَّة لخدمة مشاريع السيطرة والهيمنة، ممَّا يُعطِّل قيام العدل الإلهي ويُقوِّض الأمل في مستقبل عادل.
١١ - استهداف المرجعيَّة الدِّينيَّة الشيعيَّة.. أداة لإضعاف المهدويَّة:
تتعرَّض المرجعيَّة الشيعيَّة لحرب استخباراتيَّة ناعمة تستغلُّ مفاهيم المهدويَّة (كالسفارة والنيابة) لخلق حالة من فقدان الثقة بالفقهاء. وتهدف هذه الحرب إلى تفكيك الحصن العقائدي والاجتماعي للطائفة، وإحداث شرخ في قاعدتها الجماهيريَّة، لزعزعة الثقة وإضعاف دورها في الحفاظ على الهويَّة ومقاومة الأجندات الخارجيَّة.
١٢ - الضرورة الاستراتيجيَّة لمواجهة الحرب السرّيَّة:
يستلزم التصدِّي الفاعل للحرب الناعمة ضدَّ المهدويَّة - التي تستهدف اختراق قاعدتها الشعبيَّة وتحييد الرأي العامِّ العالمي - تبنِّي استراتيجيَّة متعدِّدة الأبعاد ترتكز على بناء منظومة دفاعيَّة شاملة (فكريَّة، أمنيَّة، إعلاميَّة) تُعيد صياغة الوعي المهدوي كقوَّة مقاومة نشطة، وتحقيق تحصين مجتمعي فعَّال، وإفشال أساليب الأعداء، إلى جانب نشر الصورة الحقيقيَّة للمهدويَّة عالميًّا.

(٣٦٦)

١٣ - الاهتمام العالمي بالمهدويَّة.. تعبير عن أزمة ثقة عميقة:
يعكس تصاعد الاهتمام العالمي بالمهدويَّة اهتزاز الثقة بالمؤسَّسات الدوليَّة، ووجود أزمة روحيَّة وأخلاقيَّة عميقة، وتُعَدُّ المهدويَّة اليوم تعبيراً عن توق إنساني مشترك لحلول وجوديَّة. وتحوُّلاً عميقاً في الوعي الجمعي للبشريَّة، وبحثاً وجدانيًّا عن العدالة والخلاص وسط المشكلات العالميَّة المتصاعدة.
١٤ - المهدويَّة وتحوُّلات الوعي العالمي:
تُجسِّد المهدويَّة اليوم تحوُّلاً نوعيًّا في الوعي الجمعي الإنساني يتجاوز الحدود الدِّينيَّة والجغرافيَّة، إذ أصبحت رمزاً عالميًّا للأمل والخلاص. ويعكس هذا التحوُّل توق البشريَّة العميق إلى العدالة والكرامة، ويفتح آفاقاً لتحوُّلات حضاريَّة كبرى، ممَّا يُؤشِّر إلى استعداد البشريَّة لعصر جديد من التغيُّرات الجذريَّة.
وفي خضمِّ التحدّيات العميقة التي تواجه البشريَّة اليوم، من انهيارات قيميَّة وأزمات وجوديَّة، يأتي هذا الكتاب ليُعيد تعريف المهدويَّة ليس كعقيدة دينيَّة فحسب، بل كإطار فكري وحضاري شامل، قادر على تقديم رؤية بديلة لمستقبل الإنسانيَّة. إنَّه ليس مجرَّد دراسة علميَّة، بل هو محاولة لقلب التصوُّرات السائدة عن المهدوية وعلاقتها بالوعي الإنساني ومستقبل الحضارات.
* الإنسان: من النظرة المادّيَّة التي تختزل الإنسان في جسده وشهواته، إلى رؤية تعيد له كرامته بوصفه خليفة الله في الأرض، تُفعِّل طاقاته الروحيَّة والعقليَّة، وتُعلي من شأنه ككائن مسؤول عن إعمار الأرض وفق منهج التوحيد والعدالة.. (من التيه والضياع إلى كائن مسؤول وخليفة الله وحامل لرسالة الإصلاح).
* الفرد: من الانغماس في الذاتيَّة والنزعة المادّيَّة، إلى إنسان حامل لرسالة،

(٣٦٧)

يستنير بنور التوحيد والعبوديَّة لله، ويجعل من تزكيه نفسه وبنائه الروحي أولويَّة، فيتحوَّل من كائن استهلاكي إلى عنصر فاعل في بناء الحضارة الإلهيَّة.. (إنسان رسالي يتجاوز المادّيَّة نحو الروحانيَّة والعبوديَّة لله).
* المجتمع: من التفكُّك والأنانيَّة والصراع الطبقي، إلى مجتمع متماسك تشدُّه أواصر الرحمة والتكافل، تحكمه قِيَم الأُخوَّة الإيمانيَّة، ويعمل أفراده بروح التعاون لبناء حضارة قائمة على العدل والمعرفة والفضيلة.. (كيان متكافل تحكمه الأُخوَّة والتعاون والترابط الإنساني).
* القيادة: من الزعامات المصطنعة أو الوراثيَّة أو المنبثقة عن المصالح الحزبيَّة، إلى قيادة ربَّانيَّة معصومة، عارفة بالله وبالخلق، تتجسَّد فيها الحكمة الإلهيَّة، وتكون مرجعيَّة أخلاقيَّة وعلميَّة تُحقِّق تطلُّعات البشريَّة، وتضمن عدم انحراف السلطة.. (مرجعيَّة ربَّانيَّة تُجسِّد الحكمة والعدل وترعى مصالح الإنسانيَّة).
* القانون: من التشريعات الوضعيَّة القاصرة التي تتبدَّل بحسب المصالح، إلى شريعة إلهيَّة شاملة تضمن الحقوق، وتُعلي من شأن القِيَم، وتوازن بين حاجات الفرد والمجتمع، وتُحقِّق الأمن والطمأنينة في ظلِّ حكم قائم على الشريعة الخاتمة المبنيَّة على العدل والقسط.. (شريعة سماويَّة كاملة توازن بين الحقوق والقِيَم).
* السلطة: من تسلُّط النُّخَب واستغلال الشعوب من خلال الظلم والهيمنة، إلى سلطة قائمة على البيعة والرضا والمشروعيَّة الإلهيَّة، تمارس الحكم بميزان العدل والرحمة، وتخضع للمساءلة أمام الله، فيكون الحاكم خادماً لا متسلِّطاً.. (حكم إلهي عادل قائم على المشروعيَّة والكرامة).
* النظام العالمي: من التعدُّديَّة المتصارعة والنُّظُم الوضعيَّة الخاضعة

(٣٦٨)

لموازين القوَّة والمصالح، إلى نظام موحَّد تحت راية العدل الإلهي، تسوده قِيَم السلام والتعاون، ويضمُّ كافَّة الأُمَم والشعوب في إطار وحدة إنسانيَّة تحفظ الخصوصيَّات وتُحقِّق الكرامة للجميع.. (وحدة إنسانيَّة تحت راية العدل الإلهي).
* المعرفة: من الانغلاق في المادّيَّة وتقديس التجربة، إلى منظومة معرفيَّة متكاملة تجمع بين العقل والوحي، وتُعيد للمعرفة قدسيَّتها كوسيلة للهداية، فتصبح العلوم أداة لبناء الإنسان والكون، لا وسيلة للهيمنة والقوَّة.. (توازن بين العقل والوحي لبناء حضارة متكاملة).
* التاريخ: من سرديَّة الصراع والهيمنة والتزوير، إلى وعي تاريخي يُعيد قراءة الماضي بنور العدالة الإلهيَّة، يكشف السُّنَن الإلهيَّة في حركة الأُمَم، ويُبرز دور الأنبياء والأولياء في بناء الحضارة، فتتحوَّل الذاكرة الجماعيَّة إلى مصدر إلهام للمستقبل.. (وعي سُنَني يُبرز دور الأنبياء ويُؤدِّي إلى التكامل الحضاري).
* السياسة: من الصراع الحزبي والمصالح الضيِّقة، إلى سياسة قائمة على الحكمة والرؤية الربَّانيَّة، تُعبِّر عن إرادة الإنسانيَّة جمعاء، وتُدار بروح الخدمة لا التسلُّط، وتُوظَّف لتحقيق كرامة الإنسان وازدهار المجتمع في ضوء الحقِّ والعدل.. (خدمة قائمة على الحكمة والعدل وحكومة عالميَّة واحدة).
* الاقتصاد: من هيمنة رأس المال والربا والاحتكار، إلى اقتصاد قيمي عادل يراعي التوازن بين الإنتاج والتوزيع، ويمنع التكديس والتبذير، ويقوم على التكافل والتراحم، فلا يترك فقيراً ولا يظلم عاملاً، ويُعاد الاعتبار للإنسان كقيمة قبل أنْ يكون أداة.. (نظام قيمي يُحقِّق الاكتفاء والتوزيع العادل).
* المستقبل: من التوجُّس والقلق أمام المجهول ومخاوف الانهيار واستمرار الأزمات، إلى أُفُق مشرق يتحقَّق فيه وعد الله بالاستخلاف، حيث

(٣٦٩)

تُثمِر جهود الأنبياء والأولياء عبر التاريخ، في قيام حضارة مبنيَّة على التوحيد، وتُحقِّق العدالة الإلهيَّة الشاملة، وتُحدِث تحوُّلاً نوعيًّا في مسيرة البشريَّة.. (وعد إلهي بمستقبل مشرق تقوم فيه حضارة العدل).
* الخلاص: من التصوُّرات الفرديَّة التي تنحصر في النجاة الشخصيَّة أو الخلاص الأُخروي، إلى مشروع خلاص جماعي عالمي، يتحقَّق بتحرير الإنسان من كلِّ أشكال الظلم والاستعباد، ويُعيد بناء الحياة على أُسُس العدل الإلهي، ليشمل الروح والواقع، الفرد والمجتمع، ويجعل من الأرض دار عدل وأمان.. (تحرير للبشريَّة من الظلم نحو عدالة إلهيَّة في الأرض).
* الانتظار: من السلبيَّة والانكفاء والتواكل، إلى وعي حضاري فعَّال، يجعل من الانتظار حالة ديناميكيَّة من الاستعداد والبناء، وإصلاح النفس والمجتمع، وتمهيد الأرض لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، ليس تجمُّداً أمام المجهول، بل هو سلوك حضاري واعٍ يُحوِّل الغيبة إلى فرصة للنهوض والتكامل الروحي والاجتماعي.. (حركة إصلاحيَّة واعية لتمهيد الظهور وتحقيق التغيير).
بهذه الرؤية، نتعرَّف على أهمّ ملامح المشروع المهدوي كأُطروحة حضاريَّة متكاملة، تُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والعالم وفق رؤية ربَّانيَّة تُحقِّق التوازن بين الروح والمادَّة، وبين الفرد والمجتمع، وبين العقل والوحي، لتصوغ مستقبلاً إنسانيًّا فاضلاً يليق بخليفة الله في الأرض.
تماشياً مع ما سبق، يمتلك المشروع المهدوي خطَّة ورؤية وقائداً مُعَدًّا. لذا فإنَّ إصلاحه الشامل ليس خيالاً، بل نتيجة حتميَّة لمسار طويل من الظلم؛ سيقود حتماً إلى ميلاد عالم جديد.
تمتلك الأُطروحة الفكريَّة لمهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) الكفاءة والمؤهَّليَّة والعمق ما يجعلها قادرة على التفاعل مع تحوُّلات العصر، شريطة إعادة تقديمها

(٣٧٠)

وتعريفها في إطار استراتيجي حديث. فالتحدّيات الراهنة ليست سبباً لتقويض العقيدة المهدويَّة، بل فرصة لطرحها كمشروع عالمي يُحرِّر البشريَّة من الظلم والجور.
وفي هذا السياق، تأتي أهمّيَّة قراءة رؤى هذا الكتاب وأفكاره بتأنٍّ وعمق واستيعاب؛ باعتبارها محاولة لفتح مسارات جديدة في تعريف المهدويَّة وتصحيح مفهومها ضمن إطار الفضاء الفكري والرأي العامِّ العالمي، مستندين إلى تحليل الواقع المعاصر في الفكر العالمي والضمير الإنساني.
وهكذا نجد أنَّ دراسة مفهوم المهدويَّة في الفضاء الثقافي الدولي، أو لدى الرأي العامِّ العالمي، أو في وجدان الشعوب، ليست ترفاً فكريًّا أو انشغالاً بقضايا نظريَّة أو فلسفيَّة معزولة عن الواقع، بل مساهمة فاعلة في صياغة رؤية جديدة للحضارة البشريَّة؛ رؤية تعانق العدالة الإلهيَّة وتستنهض قوى التغيير الإيجابي على المستويين الفردي والمجتمعي.
وإذ نختتم هذا المصنَّف العلمي الذي استجلى جدليَّة الإيمان والمواجهة في رحاب الفكر العالمي المرتبط بالمهدويَّة، فإنَّ استشراف مسؤوليَّتنا تجاه مصير ومستقبل البشريَّة يغدو ضرورة مُلحَّة. وهذا يتطلَّب: تسلُّحاً بوعي ناقد وبصيرة استراتيجيَّة إزاء التحوُّلات المتسارعة في عالم اليوم. وتفكيراً عمليًّا جادًّا لتوسيع مدارك البشريَّة بحقيقة المهدويَّة الربَّانيَّة. لا بوصفها بشارة سماويَّة ووعداً إلهيًّا فحسب، بل كمشروع إنساني وحضاري شامل يربط الأرض بالسماء.

* * *

(٣٧١)

المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الإدارة الأمريكيَّة المحافظة وتسييس نبوءات التوراة لآخر الزمان: مروان الماضي/ ط ١/ ٢٠٠٥م/ دار الفكر/ دمشق.
٣ - الإسلام شريكاً (دراسات عن الإسلام والمسلمين): فريتس شتيبات/ ترجمة: عبد الغفَّار مكاوي/ ٢٠٢٢م/ مؤسَّسة هنداوي/ المملكة المتَّحدة.
٤ - الإسلام في الفكر الأُوروبي: آلبرت حوراني/ ط ١/ ١٩٩٤م/ الأهليَّة للنشر والتوزيع/ بيروت.
٥ - الإمام المهدي في الأديان: الشيخ مهدي خليل جعفر/ ط ١/ ٢٠٠٨م/ دار المحجَّة البيضاء/ بيروت.
٦ - التراث المهدوي (استقراء التطوُّر الفكري في مسيرة التراث المهدوي الشيعي): مجتبى السادة/ ط ١/ ١٤٤٧هـ/ مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ النجف الأشرف.
٧ - التشيع والاستشراق (عرض نقدي مقارن لدراسات المستشرقين عن العقيدة الشيعيَّة وأئمَّتها): الدكتور عبد الجبَّار ناجي/ ط ١/ ٢٠١١م/ المركز الأكاديمي للأبحاث/ منشورات الجمل/ بغداد وبيروت.
٨ - تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى: مجتبى السادة/ ط ١/ ١٤٤٧هـ/مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/النجف الأشرف.

(٣٧٣)

٩ - تفسير القمِّي: عليُّ بن إبراهيم القمِّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قمّ.
١٠ - حول الاستشراق الجديد مقدَّمات أوَّليَّة: عبد الله بن عبد الرحمن الوهيبي/ ط ١/ ١٤٣٥هـ/ مركز البحوث والدراسات البيان/ الرياض.
١١ - سقوط إسرائيل من العلوِّ والإفساد إلى الزوال: الشيخ مهدي حمد الفتلاوي/ ط ١/ ٢٠٠١م/ الدار الإسلاميَّة/ بيروت.
١٢ - السيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة: فان فلوتن/ ترجمة: الدكتور حسن إبراهيم حسن ومحمّد زكي إبراهيم/ ط ١/ ١٩٣٤م/ مطبعة السعادة/ مصر.
١٣ - العقل الاستطلاعي عند محمّد أركون وتطبيقاته في نقد الاستشراق الكلاسيكي: الحاجّ بن أحمنة دواق/ مجلَّة العلوم الاجتماعيَّة/ جامعة محمّد لمين دباغين سطيف ٢/ العدد ٢٢/ ٢٠١٦م/ الجزائر.
١٤ - العقل في التاريخ: جورج هيجل/ ترجمة: الدكتور إمام عبد الفتَّاح إمام/ ط ٣/ ٢٠٠٧م/ دار التنوير/ بيروت.
١٥ - عقيدة الشيعة: دوايت دونالدسن/ تحقيق وتصحيح: عليّ دهباشي/ ط ٢/ مؤسَّسة المفيد/ بيروت.
١٦ - العقيدة والشريعة في الإسلام: إجناس جولدتسيهر/ ترجمة: محمّد يوسف موسى وآخرون/  ط ١/ ١٩٥٩م/ المركز القومي للترجمة/ القاهرة.
١٧ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
١٨ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.

(٣٧٤)

١٩ - فلسفتنا: محمّد باقر الصدر/ ط ٣/ ٢٠٠٩م/ دار التعارف/ بيروت.
٢٠ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٢١ - الكتاب المقدَّس، العهد الجديد: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٢٢ - الكتاب المقدَّس، العهد القديم: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٢٣ - ما بعد الاستشراق (المعرفة والسلطة في زمن الإرهاب): حميد دباشي/ ترجمة: باسل وطفه/ ط ١/ ٢٠١٥م/ منشورات المتوسِّط/ إيطاليا.
٢٤ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٢٥ - المسائل العكبريَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الإلهي الخراساني/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٦ - مشروع القارئ في الفكر النقدي العربي: عليّ بخوش/ رسالة دكتوراه في الآداب واللغة العربيَّة/ جامعة محمّد خيضر/ بسكرة/ ٢٠١٣ - ٢٠١٤م/ الجزائر.
٢٧ - معجم أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): الشيخ عليٌّ الكوراني/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٢٨ - من الاستشراق إلى الدراسات الشرق أوسطيَّة: عماد بورزوز/ مجلَّة البحثيَّة للعلوم الإنسانيَّة والاجتماعيَّة/ العدد ١٢/ ٢٠١٨م.
٢٩ - المهدي المنتظَر رؤية استشراقيَّة: الدكتور رباح صعصع عنان/

(٣٧٥)

ط ١/ ٢٠١٩م/ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة/ العتبة العبَّاسيَّة/ العراق.
٣٠ - نقد الاستشراق وأزمة الثقافة العربية المعاصرة (دراسة في المنهج): فؤاد زكريَّا/ ط ١/ ٢٠١٩م/ مؤسَّسة هنداوي/ المملكة المتَّحدة.
٣١ - نقد الخطاب الاستشراقي (الظاهرة الاستشراقيَّة وأثرها في الدراسات الإسلاميَّة): الدكتور ساسي سالم الحاجّ/ ط ١/ ٢٠٠٢م/ دار المدار الإسلامي/ بيروت.
٣٢ - نهاية التاريخ والإنسان الأخير: فرانسيس فوكوياما/ ترجمة: فؤاد شاهين وآخرون/ ١٩٩٣م/ مركز الإنماء القومي/ بيروت.
المصادر الأجنبيَّة:

١ - Andrews, Edward D., ISLAMIC ESCHATOLOGY: Awaiting Al-Mahdi-The Twelfth Imam and the Future of Islam, Independently published...................USA (December ٦, ٢٠٢٣).
٢ - Anthony, Sean W., The Mahdi and the Treasures of al-Talaqan, Brill Publishing House - Leiden / The Netherlands, Arabica Scientific Journal. T. ٥٩, Fasc. ٥ (٢٠١٢).
٣ - Darmesteter, James, The Mahdi, Past and Present, Print length: ١٦٠ pages.
٤ - Donaldson, Dwight M., The Shi'ite [Shiite] Religion: A History of Islam in Persia and Irak (Iraq), Luzac & Co.; ١st edition (January ١, ١٩٣٣).
٥ - Furnish, Timothy R., Holiest Wars: Islamic Mahdis & Their Jihads, Praeger; Illustrated edition / USA (June ٣٠, ٢٠٠٥).

(٣٧٦)

٦ - Furnish, Timothy R., Ten Years' Captivation with the Mahdi's Camps: Essays on Muslim Eschatology ٢٠٠٥-٢٠١٥, Praeger / USA (November ٢٢, ٢٠١٥).
٧ - Goldziher, Ignaz, Introduction to Islamic Theology and Law, Princeton University Press; First Edition (April ١, ١٩٨١).
٨ - Goldziher, Ignaz, Muslim Studies: volume ١&٢, Routledge (January ١١, ٢٠٠٥).
٩ - Halsted, Matthew L., The End of the World as You Know It, Lexham Press / USA – Washington (February ٧, ٢٠٢٤).
١٠ - Kinley, Jeff, God's Grand Finale: Wrath, Grace, and Glory in Earth’s Last Days, Harvest Prophecy / USA - Oregon (June ٦, ٢٠٢٣).
١١ - Lindsey, Hal, The Late Great Planet Earth, Zordervan Co, USA, First Edition (May ٢٣, ١٩٧٠).
١٢ - Nadler, Sam, Messiah in the End Times, Word of Messiah Ministries / North Carolina / USA (June ١٠, ٢٠٢٢).
١٣ - Newton, Elbib E., Final Years of Civilization ٢٠٢٢ to ٢٠٤٢: Daniel's ٧٠-Week Prophecy A ٢٤٨٥-Year Duration, Published (May ٣٠, ٢٠٢٣).
١٤ - Redpill The World, End Times and ١٠٠٠ Years of Peace, Franaga Mk / USA (January ٢٧, ٢٠٢١).
١٥ - Rosenberg, Israel, ISAIAH: End Times and Messiah in Judaism, Gefen Publishing House / Jerusalem - Palestine (June ٢٨, ٢٠٢٠).

(٣٧٧)

١٦ - Widener, Christian, Witnessing the End: Daniel's Seventy Sevens and the Final Decree Everyone Missed, Published (May ١٣, ٢٠٢٢).
١٧ - Youssef, Michael, End Times and the Secrets of the Mahdi - Unlocking the Mystery of Revelation and the Antichrist, Worthy Books / USA (February ٢٣, ٢٠١٦).

* * *

(٣٧٨)