الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عدالة منتظرة ومسؤولية حاضرة

 

 

الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) عدالة منتظرة ومسؤولية حاضرة
 

فوزي آل سيف


 

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

أحرر نهاية هذه الصفحات على أعتاب النصف من شعبان ١٤٤١ هـ، ذكرى ميلاد خاتم الأوصياء الحجة المنتظر المهدي بن الحسن (عجل الله فرجه الشريف)..
وقد تبادر إلى ذهني هذا الحوار المتخيل، الذي أحببت إشراككم فيه، وسيكون لسان حالي هو بعنوان: جواب، بينما سؤال السائل بعنوان سؤال:
سؤال: وأنت تريد طباعة هذا الكتاب.. هل جئت فيه بجديد؟ إن لم تأت بجديد فيه فما هي فائدة تكرار المعلومات القديمة؟
جواب: من يقول إنه لا بد أن يأتي الكاتب بجديد في كل ما يكتب؟ ولو التزم كل شخص بهذا هل يستطيع أحد أن يجرد قلمه للكتابة؟ فإنه لكي يعرف أن ما يأتي به هو الجديد لا بد أن يطالع كل الكتب المكتوبة حول هذا الموضوع لكي يجتنب ما هو غير جديد..

(٧)

وهل هذا ممكن؟
على أنه قد يكون الجديد الذي أتى به بعض الأفكار، أو طريقة صياغة أفكار قديمة في عبارات وأسلوب مبتكر! أو ترتيبها بشكل خاص أو الاستدلال عليها بنحو جديد!
ثم إن هناك درجتين في الأفعال الحسنة؛ درجة: حق تقاته! ودرجة: فاتقوا الله ما استطعتم.. فإذا لم يتمكن الشخص من الأولى، فليأت بالثانية.
بل نسأل: هل هذا خاص بالكتابة أو بكل وسائل التبليغ والتوجيه؟ كالخطابة.. فإذا كان عاما لكل الوسائل فمعنى ذلك أن لا يتحدث متحدث في أي موضوع إلا ويكون قد علم بأن ما يأتي به جديد تماما! ومعنى هذا أن يتوقف الخطباء والموجهون بنسبة لا تقل عن ٩٠% منهم، ومن خطبهم! ومن المعلوم أن هذا من التوالي الفاسدة حيث يؤدي إلى خلو الساحة الاجتماعية تماما من التوجيه!
وإن كان خاصا بالكتابة، فما هو وجه الخصوصية؟
سؤال: لكن يتوقع منك ومن أمثالك شيء أكبر من هذا وأعظم!
جواب: لعل حسن ظن الناس يجعلهم يتوقعون ذلك! لكن هذا هو الموجود (هذا جناي وخياره فيه) كما في المثل! ولا يُكتب شيء إلا وكان يتوقع منه أفضل! لا سيما إذا كان حسن الظن به كبيرا! ولعل هذا هو الذي منع بعض الكتاب، من الكتابة. فذهبوا من هذه الدنيا؛ لا هم كتبوا بحسب ما يستطيعون! ولا تيسر لهم

(٨)

الكتابة بحسب ما يتوقع الآخرون منهم! فأفلس المجتمع من الفائدة الممكنة، ولم يحصل على الفائدة المتوقعة، ولا الكاتب حصل على ثواب (ما استطعتم) ولا تمكن من (حق تقاته)! فهل يُراد أن يصنع الجميع كذلك؟
سؤال: لكن إنفاق هذه الجهود، وبتبعها صرف الأموال في مثل هذا قد لا يكون في محله!
جواب: نعم. من كان يعتقد أنها في غير محلها فلا ينبغي له أن ينفق ساعة فيها، ولا يصرف ريالا في موضعها. وأما من كان يعتقد بفائدتها ونفعها فلا بد أن يفعل ذلك! لا سيما وأن لكل كاتب (أو خطيب) محيطه الذي يؤثر فيه، وقد لا يؤثر فيه غيره! لأسباب جغرافية أو بيانية في طريقته أو حتى شخصية حيث يتأثر بعض الناس بشخص أكثر مما يتأثرون بغيره.. وهذه الدائرة والمحيط من التأثير تنتظر إنتاج الشخص من خطاب وكتاب وغير ذلك، فينبغي أن يتحمل مسؤوليته في ذلك.
وبعد هذا الحوار المتخيل:
اعتقد أن من طرق الشيطان في منع الإنسان من العمل، إذا فشل في نهيه عن أصل العمل بشكل مباشر، أنه يطلب منه مواصفات استثنائية أو تعجيزية لا لأجل أن يأتي بها العامل، فلا يهم الشيطان ذلك، وإنما لكي يعجزه عن الإتيان بها.. فإذا كان يريد أن ينفق مقدار بسيطا من المال شكك الشيطان في فائدته! واقترح عليه أن يجمعه عنده حتى يكون (شيئا كثيرا)! فإذا أخره عن الخير

(٩)

ففي التأخير آفات! ولكل حادث حديث! وإذا أراد أن يقوم أول الليل مثلا للعبادة! (أقنعه) الشيطان أن وقت العبادة الأمثل هو قبل الفجر، وتركه لينام إلى أن تطلع الشمس!! وإذا أراد الكتابة وهذا لعله خاص بالكتاب والعلماء ومن يشابههم، (ألقى) الشيطان إليه فكرة (إما أن تكتب شيئا يسوى أو لا تكتب شيئا!!) وهكذا يجعله يلقي القلم من يده، والنتيجة أنه لا يكتب شيئا!
لقد رأينا العلماء الذين خلفوا تراثا من الكتابة والعلم، بدأوا من أوائل حياتهم بما يتيسر لهم، ولذلك اختلفت كتابتهم بين أول كتبهم وآخرها، ولولا أنهم بدأوا لما انتهوا إلى كتاباتهم المعتبرة، ولذلك أنصح اخوتي العلماء والخطباء ومن يشاكلهم إلى المبادرة في أن يخلفوا بعدهم (ورقة علم) تكون نافعة لهم في أخراهم، ومفيدة لمن يقرأها بعدهم.
وهذه الصفحات التي بين يديك أخي القارئ - أختي القارئة هي من نماذج (فاتقوا الله ما استطعتم) ولعلها تأتي بجديد أو لا تأتي، لكني أرجو منها الثواب والأجر، هي بمثابة وسيلة تقرب لمن كتبت حول بعض شؤونه، إمام زماننا وولي عصرنا الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف).. أسأل الله أن يجعل فيها الأجر لمن شارك من الإخوة والأخوات في تحريرها، ولوالدي ولأهلي ولمن يقرأها..

فوزي بن المرحوم محمد تقي آل سيف
١١/ شعبان / ١٤٤١
تاروت - القطيف

(١٠)

الإمام المهدي في سطور تعريفية:
اسمه: الإمام محمد بن الحسن (عليه السلام):
كنيته: أبو القاسم (وهي نفس كنية رسول الله). وفي الذاكرة الشعبية الشيعية (أبو صالح)
والده ونسبه: الإمام الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين الشهيد بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام).

(١١)

جده لأمه: رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حيث أنه من التاسع من ولد الحسين وأمه فاطمة بنت النبي.
والدته: السيدة نرجس من نسل شمعون وصي النبي عيسى (عليه السلام).
تاريخ ولادته: ١٥ شعبان سنة ٢٥٥ هـ
صفاته: ورد في الروايات صفات كثيرة له:
في مصادر مدرسة الخلفاء: (المهدي مني ‏‏أجلى‏ ‏الجبهة‏ ‏أقنى‏ ‏الأنف)(١)، (أنه فتى من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الفتن لنعيم بن حماد ١/‏ ٢٢٥ عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وقد ورد في وصف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه أجلى الجبين (واسع الجبين) سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد ٢/‏٢١ كما ورد أيضا في صفاته (صلَّى الله عليه وآله) أنه أقنى الأنف وأقنى العرنين / التعريف بنبي الرحمة (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ١/‏١٢ وهو طوله ورِقَّة أرنبته، مع حَدَب في وسطه. 

(١٢)

قريش آدم(٢) ضرب من الرجال)، (رجل أبيض اللون، مشرب بالحمرة (٣)، مبدح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي،.. وأن الله قد أعطاه قوة أربعين رجلاً..) (إن المهدي يشبه رسول الله في الخلق والخلق... وأنه سيظهر شاباً دون الأربعين). (وجهه كالقمر الدري، اللون لون عربي، والجسم جسم اسرائيلي(٤)
في مصادر الإمامية: (ذاك المشرب حمرة، الغائر العينين، المشرف الحاجبين، العريض ما بين المنكبين، برأسه حزاز، وبوجهه أثر)(٥). (إنه رجل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) آدم يعني أسمر، وضرب من الرجال خَفِيفُ اللَّحْمِ غَيْرُ غَلِيظٍ ولا ثَقِيلٍ، وبِذَلِكَ يُوصَفُ كُلُّ خَفِيفِ الجِسْمِ ذَكِيِّ القَلْبِ مِنَ الرِّجالِ (تهذيب الآثار مسند ابن عباس ١/‏٤٦٣) وقد يكون معادلا لما يعبر عنه اليوم بالجسم الرياضي ومتوسط الجسم فلا هو لاحم بدين ولا هو هزيل.. وقد وصف نبي الله موسى (عليه السلام) (أنَّه ضَرْبٌ مِنَ الرِّجالِ). وهُوَ (الخَفِيفُ اللَّحْمِ) الممشوقُه المُسْتَدِقّ. كما جاء في تاج العروس ٣/ ٢٤٣
(٣) ليفرقوا بينه وبين الأبيض الخالص تماما مثل اللبن، وبذلك يفترض أنه يتساوى مع ما ورد من أن (لونه عربي) أو أنه (آدم أي أسمر)، إلا أن يقال أن الأدمة لا تجتمع مع البياض.
(٤) الصواعق المحرقة ٢/‏٤٧٥ ناقلا عن الطبراني واعتبره الألباني من الموضوعات في كتابه سلسلة الأحاديث الضعيفة ١٠/ ٢١١
(٥) عن الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام)؛ كتاب الغيبة للنعماني / ٢٢٤

(١٣)

أجلى الجبين، أقنى الأنف ضخم البطن(٦)، أزيل الفخذين(٧)، أفلج الثنايا، بفخذه اليمنى شامة)(٨).
(أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح(٩) البطن عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان، شامة على لون جلده وشامة على شبه شامة النبي (صلَّى الله عليه وآله))(١٠).
(أن المهدي إذا خرج کان في سن الشيوخ ومنظر الشبان، قوياً في بدنه، حتى لو مد يده إلى أعظم شجرة في الأرض لقلعها، ولو صاح

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) هنا يختلف الوصف عما ورد في شأن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من أنه (سواء البطن والصدر) وسيتم التأكيد على هذه الصفة في نص آخر جاء فيه أنه (مبدح البطن).
(٧) أزيل الفخذين: المتباعد بينهما.. غريب الحديث لابن قتيبة ٢/‏١١٧، وقد يكون هذا الوصف قريبا مما يلاحظ في بدن الرياضيين من التباعد على أثر نمو عضلات الفخذين، وبذلك يتناسب مع ما ورد في نص آخر من أنه (عريض الفخذين). وأبلج (أفلج) الثنايا: أبلج يعني براق، وأفلج يعني متفرق الأسنان، وقد ورد كلا الوصفين في شأن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
(٨) الغيبة / للنعماني ٢٢١
(٩) كمال الدين ١/ ٦٨١ إلا أن المحشي قد كتب بانه واسع البطن وعريضه، وهو لا ينسجم مع ما ذكر في أحاديث أخر من أن صدره وبطنه سواء، ولم أعثر على معنى مناسب للكلمة هنا، وهذا التعبير أيضا جاء في رواية نقلها الشيخ الصدوق في كمال الدين ١/ ١٦٤ في صفة النبي صالح وغيبته، وجاء أيضا في نفس الرواية أنه خميص البطن!! وهما كما يظهر لا تنسجمان وبالرغم من محاولة المحشي على الكتاب رفع التنافي بين العبارتين إلا أن المحاولة لم تكن موفقة.
(١٠) كمال الدين / ٦٨١ (.. عن أمير المؤمنين (عليه السلام))..

(١٤)

بين الجبال لتدكدكت صخورها..)(١١) ويظهر في صورة شاب موفق ابن اثنين وثلاثين سنة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) كمال الدين / ٣٨٥؛ عن الامام علي الرضا (عليه السلام)

(١٥)

هكذا تحدث المعصومون عن الامام المهدي (عجل الله فرجه):
إن الأحاديث التي ذُكرت في شأن الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) هي من الكثرة، بحيث تتجاوز التواتر بمختلف معانيه(١٢) - لفظاً في بعضها، ومعنى في القسم الأكبر منها - وإجمالاً من ناحية ثالثة.
وقد ذكر بعض الباحثين عدداً من الروايات ولم يستوعبها كاملة، وممن ذكر قسماً منها: المرجع الديني الشيخ لطف الله الصافي في كتابه (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر). حيث ذكر فيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) صرح به العلامة الشوكاني - في كتابه "التوضيح في تواتر ما جاء في المنتظر والدجال والمسيح "، قال (يعني الشوكاني): "والأحاديث الواردة في المهدي التـي أمكن الوقوف عليها منها: خمسون حديثاً فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترة بلا شك ولا شبهة بل يصدق وصف التواتر على ما هو دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول.. وقد نقله عن كتاب الشوكاني غير واحد من المؤلفين، بل نُقل التواتر عن عدد من أعلام مدرسة الخلفاء، كما في كتاب المهدي المنتظر لعبد الله بن الصديق الحسني الادريسي.

(١٧)

 (١٣٠٠) حديثاً في الإمام الحجة (عجّل الله فرجه) من مصادر مدرسة الخلفاء ومصادر شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، بينما ذكر العلامة المحقق نجم الدين العسكري في كتابه حول المهدي (عجّل الله فرجه) قرابة (٤٠٠) حديث من كتاب مدرسة الخلفاء.
إن هذا المجموع من الأحاديث يبين أموراً مهمة في قضية الإمام المهدي (عجّل الله فرجه):
١- أن عقيدة المهدي ليست عقيدة مقتصرة على الشيعة الإمامية أو عموم الشيعة؛ إنما هي عقيدة إسلامية يؤمن بها كل المسلمين.
٢- إن هذه الروايات بلغت من التواتر والكثرة جداً يستحيل معه التواطؤ على الكذب، فالروايات رواها الإمامي والسني والمدني والمكي والكوفي والبغدادي والمعتزلي والأشعري(١٣) وأهل الحديث... وغيرهم من علماء القرن الاول والثاني والقرون المتأخرة.
٣- يضاف إلى ذلك تعدد مضامين الأحاديث وتكثر معانيها، فبعض هذه الروايات تتحدث عن نسب الإمام المهدي، وبعضها الآخر تتحدث عن صفاته الشخصية، وبعضها عن غيبته، وبعضها عن أيام ظهوره، وبعضها عن خريطة أيام الفتح، وبعضها عن أعدائه، وبعضها عن أنصاره وأعوانه وصفاتهم وأعدادهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣) عد مؤلف كتاب المهدي المنتظر سابق الذكر، ثلاثين صحابيا ممن نقل عنه أحاديث المهدي.. ص ١٢.

(١٨)

فهذا التنوع الكبير يعطي لهذه القضية تأكيداً تاماً في أنها ليست قضية عابرة أو جزئية.
ونحن لا نعرف قضية من قضايا الإسلام غير التوحيد تم فيها هذا المقدار من الأحاديث والاهتمام، ومن تناولها بمختلف أنحاء التناول.
ومما يزيد أهميتها أن هذه الأحاديث جاءت في المصادر الرئيسية والأساسية في مدرسة الخلفاء: كمسند أحمد وسنن أبي داوود وابن ماجه والترمذي والنسائي والبيهقي والطبراني والدارقطني... وغيرهم ممن دوّن أحاديث المهدي(١٤).
ونود أن نشير إلى جوانب منها:
١- ما جاء في سنن أبي داوود(١٥) وابن ماجة (١٦) ومستدرك الحاكم من حديث عن أم المؤمنين سلمة (رضوان الله عليها) عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «المهدي من عترتي من ولد فاطمة».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) الطريف أن عدم ذكر البخاري ومسلم لأحاديث المهدي بدل أن يكون مضعفا لفكرة المهدي والاعتقاد به، أصبح مما يعتذر به لهما من قبل علماء مدرسة الخلفاء، وذلك يدل على قوة الفكرة والتسليم بها، فهم يعتذرون عن ذلك بأن البخاري ومسلما لم يذكرا كل الأحاديث الصحيحة ولم يستوعباها بالكامل!! هذا مع أن البخاري ذكر حديث أم سلمة الآتي في كتابه التاريخ الكبير.
(١٥) ٢/ ٣١٠
(١٦) ٢/ ١٣٦٨

(١٩)

وهذه الإشارة مهمة لكي يقطع النبي (صلَّى الله عليه وآله) الطريق على من ادعى المهدوية من غير ولد فاطمة، ويقطع أيضاً ما ادعاه العباسيون في حديث وضعوه عن لسان النبي (صلَّى الله عليه وآله) بأن المهدي من ولد عمه العباس. وفي ضوئه حاول أبو جعفر المنصور الذي كان اسمه عبد الله، بتسمية ابنه محمد المهدي، وينطبق على ما ورد في الروايات غير الصحيحة التي ذكرت بأن (المهدي اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي) ليحدث تطابق مع ابن المنصور بكونه المهدي.
فالحديث النبوي السابق يقطع هذا الادعاء، الذي تطابق في لقبه؛ ولكن سيرته – أي ابن المنصور - وبداياته اختلفت، بالإضافة إلى إثبات النص أنه لا يمكن أن يكون من المهديين الطاهرين.
٢- عن الإمام أمير المؤمنين (ع) عن النبي (ع) في مسند أحمد بن حنبل(١٧) في حديث: ((المهدي منا أهل البيت يصلحه الله في ليلة)) أي يدبر الله أمره ويرتبه في ليلة.
٣- حديث عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): ((المهدي أجلى الجبهة أقنى الأنف يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)).
فهذا بعض مما جاء في أحاديث مدرسة الخلفاء.
أما ما جاء في مصادر أهل البيت من روايات فكثير جداً، وقد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) مسند أحمد ١/ ٨٤

(٢٠)

أورد الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه كمال الدين وتمام النعمة، أكثر من ١٤٠ حديثا عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) والمعصومين بعده، تعرضت لإثبات عقيدة المهدي كإمام هو الثاني عشر من أهل بيت النبي، وتناولت شيئا من صفاته، وقضايا غيبته، ومواقف الناس منها وغير ذلك من المواضيع المرتبطة به (عليه السلام) هذا بشكل مباشر وأما الأحاديث التي تعرضت له بشكل غير مباشر في سائر الأبواب من الكتاب فهي أضعاف هذا العدد، ونورد حديثا عن كل معصوم مما جاء في ذلك الكتاب:
١- روي عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): «لو لم يبقَ يوم من الدنيا إلا ساعة لطول تلك الساعة حتى يخرج رجل من ذريتي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجوراً»(١٨).
ويلاحظ هنا في الحديث أن الأمر حتمي لا يقبل الترديد والتشكيك إلى حد أنه لو تم تصور نهاية الدنيا، ولم يبق منها غير ساعة لكانت تلك الساعة بعد إطالتها هي مجال ظهوره، ونشر العدل على يده، وأن هذا الرجل ليس أي رجل وإنما هو (من ذريتي) وهذا مهم جدا فإن من الممكن أن يتسمى شخص باسم رسول الله بل ويتكنى بكنيته لكن لا يستطيع كل شخص أن يكون من ذرية رسول الله. فهذا الحديث بطبيعته ينفي كل أدعياء المهدوية ممن لم يكونوا معروفين من ذرية النبي، ولن تكون ذريته إلا في بني فاطمة الزهراء (عليها السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨) ١/ ٣١٥

(٢١)

٢- في حديث عن أمير المؤمنين (ع):
«لِلْغَائِبِ مِنَّا غَيْبَةٌ أَمَدُهَا طَوِيلٌ، كَأَنِّي بِالشِّيعَةِ يَجُولُونَ جَوَلَانَ النّعَمِ فِي غَيْبَتِهِ يَطْلُبُونَ الْمَرْعَى فَلَا يَجِدُونَهُ، أَلَا فَمَنْ ثَبَتَ مِنْهُمْ عَلَى دِينِهِ ولَمْ يَقْسُ قَلْبُهُ لِطُولِ أَمَدِ غَيْبَتِهِ فَهُوَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(١٩).
فلاحظ عبارة: يجولون جولات النعم (الأنعام) في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه...
فهي كناية عن حالة من البحث عن الحقيقة التي هي متلازمة للإنسان أن يتعرف على قيادته وأن يبحث عنه. وأن علاقة هؤلاء بقائدهم وحاجتهم إليه ضرورية كضرورة الطعام للكائن الحي والأنعام.
والملاحظ في هذا الحديث أن فيه تأكيداً على أصل القضية المهدوية وأصل وجوده وغيبته الطويلة وموقف المؤمنين.
وهذا ما يؤكد ما يذهب إليه الإمامية من أن المهدي ولد لابنه الحسن العسكري ثم يغيب غيبة طويلة ولا يصدق على من يولد آخر الزمان، كما يذهب إليه علماء مدرسة الخلفاء.
ولا تصدق الغيبة إلا على من وجد حاضرا ثم غاب لسبب أو آخر، أما من لم يوجد أصلا ثم يوجد فلا يصح أن يقال أنه غاب، فإن الغياب في زمن إنما هو فرع الحضور في زمن قبله.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩) ١ / ٣٣١

(٢٢)

والغيبة الطويلة التي تترافق مع حيرة قسم من الناس هذه لا تنسجم مع النظرية التي يقدمها مدرسة أتباع الخلفاء عن أن الإمام المهدي يولد آخر الزمان من أهل البيت.
فهذا الحديث يتحدث عن غيبة أمدها طويل وعن حالة من التساؤل والتفتيش عن القيادة الربانية. وعن حالة الشيعة حينذاك، فقسم يقسو قلبه على أثر طول الغيبة وعلى أثر التشكيكات وعلى أثر البعد عن قيادته فيتخلى عن هذه القيادة وقسم آخر يثبت قلبه ويستمر على ذلك حتى يلقي ربه.
٣ - لوح فاطمة الزهراء: عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال دخلت على فاطمة عليها السلام، وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر اسما آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي صلوات الله عليهم(٢٠). وفي هذا الحديث الذي يتميز بميزات منها أن عدد الأوصياء معين بـ (١٢ اسما) وهو بذلك يكون بمثابة المفصل والمبين لما أجمل في حديث النبي: الأئمة من بعدي اثنا عشر، وأنهم من قريش.. وأيضا يبين سبعة من أسمائهم، ويبين أيضا أن آخرهم القائم المهدي. وتضاف إليه ميزة هي أن جابر بن عبد الله مقبول عند الفريقين بأعلى درجات الوثاقة والمنزلة.
٤ - في حديث للإمام الحسن يخاطب أصحابه (أما علمتم أنه ما منا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) كمال الدين ١/ ٣٤١

(٢٣)

أحد إلا ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه فإن الله عز وجل يخفي ولادته ويغيب شخصه لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج ذلك التاسع من ولد أخي الحسين ابن سيدة الاماء يطيل الله عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة..)(٢١) وفي هذا الحديث جهات مهمة متعددة، فهناك تعليل للغيبة وهو أن لا يكون خاضعا لحاكم غير شرعي، وهذه ميزة لم تتيسر لأي من الأئمة المعصومين من أجداده، وأيضا فإنه عينه قبل ولادته بأكثر من مائتي سنة أنه التاسع من ولد أخيه الحسين، فأصبحت الدائرة أضيق إذ لا ينطبق هذا الوصف على ولد فاطمة من نسل الحسن المجتبى، فنحن نلاحظ أن دائرة (من قريش) تضيقت إلى أنهم (من ذرية النبي) و(ذرية النبي وهم أبناء فاطمة) تضيقت إلى خصوص (أبناء الحسين) وحتى هؤلاء أيضا ليسوا كلهم داخلين وإنما هو خصوص (التاسع) من ولد الحسين وهو لا ينطبق إلا على محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام). وأيضا فإن ما كان مجملا عند بعضهم - كما في الصحيحين - من القول أن النبي أجمل الإشارة بقوله (كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم) فهنا تعين أنه يصلي المسيح خلف القائم، وأنه يغيب (بعدما كان حاضرا) وأن مشكلة العمر ليست عويصة بعدما كان الله سيطيل عمره في غيبته ثم يظهره بقدرته..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١) كمال الدين ١/ ٣٤٤

(٢٤)

٥ - في حديث عن الإمام الحسين (عليه السلام) أنه قال: (في التاسع من ولدي سُنَّة من يوسف وسُنَّةٌ من موسى بن عمران(٢٢) (عليهما السلام)، وهو قائمنا أهل البيت يصلح الله تبارك وتعالى أمره في ليلة واحدة).
والتأكيد في هذا الحديث عن أن الامام وهو التاسع من ولده وقد سبق منا الإشارة إلى جهة التأكيد على عنوان (التاسع) فيه سُنّتان من سنن الأنبياء لبيان أنه لا ينفرد في هذه الخصائص وأنه لا ينبغي استنكارها أو رفضها فإن لها سابقيات في حياة الأنبياء، وسواء فسرت تلك السنن بخفاء المولد عن طاغية زمانهما أو بالغيبة عن الناس (جغرافية ولو لفترة كما في النبي موسى) أو غيبة عنوانية كما هو الحال في النبي يوسف، أو غير ذلك.
٦ - إن ما يوضح جانبا من تلك السنن التي تشابه فيها المهدي المنتظر مع الأنبياء هو الحديث الذي ينقله سعيد بن جبير عن الامام زين العابدين علي بن الحسين يوضح تلك السنن فعنه صلوات الله عليه: «في القائم منا سنن من الأنبياء: سنة من أبينا آدم وسنة من نوح وسنة من ابراهيم وسنة من موسى وسنة من عيسى وسنة من أيوب وسنة من محمد صلوات الله عليهم، فأما من آدم ونوح فطول العمر، وأما من ابراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس وأما من موسى فالخوف والغيبة وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) في مجموع الأخبار: في القائم سنن من آدم ومن نوح ومن إبراهيم ومن موسى ومن عيسى ومن أيوب ومن محمد أي سبعة من الأنبياء صلوات الله عليهم، بل من أولياء الله غير الأنبياء كذي القرنين، والخضر. 

(٢٥)

وأما من أيوب فالفرَج بعد البلوى وأما من محمد (صلَّى الله عليه وآله) فالخروج بالسيف ".
والحديث واضح المعاني.
٧ - وعن الإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «القائم منا منصور بالرعب مؤيد بالنصر تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز يبلغ سلطانه المشرق والمغرب ويظهر الله عز وجل به دينه على الدين كله ولو كره المشركون فلا يبقى في الأرض خراب إلا قد عمر وينزل روح الله عيسى بن مريم (عليه السلام) فيصلي خلفه"(٢٣).
وقد بيّن الامام أبو جعفر (عليه السلام) بعض صفاته، فهو (مِنّا) وليس من غيرهم! وهو كجده رسول الله منصور بالرعب فلا يحتاج كثيرا إلى القوة النارية المدمرة بعدما دمر الرعب إرادات أعدائه ومراكز قرارهم النفسي.. وهو مؤيد من ربه بالنصر فلا معنى لأن يتساءل أحد كيف ينتصر على هذه الأسلحة النووية والذرية! وتطوى له الأرض سواء كان ذلك بمعنى السرعة في الحركة والانتقال أو هو الطي الحقيقي! ما دام مؤيدا بسلطان الله تعالى، وتظهر له الكنوز كأنها في حالة تناغم مع إرادة مهديّ ربها، ويستفيد الإمام من كل تلك القوى المادية والروحية وينتفع من التسخير الالهي في أنه لا يبقي في الأرض خرابا إلا وقد عمره! ولا يختص هذا بعالم المسلمين في التصنيف الديني المعروف، وإنما يبادر المسيح (وفي بقائه حجة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣) كمال الدين ١/ ٣٥٩

(٢٦)

على إمكان ووقوع بقاء الانسان لآلاف السنين حيا) فينزل إلى الأرض ليشهد هذا النصر الالهي ويصلي خلف المهدي..
٨ - وأما أحاديث الامام جعفر الصادق في شؤون الإمام المهدي، فقد أورد الشيخ الصدوق في نفس الكتاب والأبواب (٥٧) حديثا، نختار منها ما يتعلق بالغيبة العنوانية وتشبيه الامام الصادق (عليه السلام) الامامَ المهدي بيوسف في غَيبته مع أنه كان يتعامل مع الناس ويعيش بينهم، وهذا الحديث يشرح ما ورد في سائر الروايات من تعبير الغيبة وأن له غيبتين احداهما قصيرة والاخرى طويلة، وأنه يغيب عن شيعته وعن الناس: فبعد أن أخبر الامامُ سديراً الصيرفي بأن في القائم سنة من يوسف وهي الغيبة، أقبل عليه يوضح له ما هو المقصود من الغيبة، قال:" إن إخوة يوسف كانوا اسباطاً أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم اخوته وهو أخوهم فلم يعرفوه حتى قال لهم: أنا يوسف فما تنكر هذه الأمة أنه يكون الله (عز وجل) في وقت من الأوقات أن يستر حجته؟"(٢٤)
فالملاحظ أن الإمام الصادق المتوفى مسموما سنة ١٤٨ هـ) يتحدث في هذا الحديث، أي قبل قرن تقريباً من ولادة الحجة؛ ومع ذلك يهيئ من ذلك الوقت ويعطي الثقافة اللازمة لمن سيكون في زمانه وبعد زمانه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) الكليني في الكافي بسند صحيح: عن علي بن ابراهيم، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران، عن فضالة بن أيّوب، عن سدير الصيرفي

(٢٧)

والمعروف أن النبي يوسف غاب عن أهله وبقي حياً بالرغم من المؤامرة عليه، حيث أخفي في البئر ليكون فيه موته، ولكن الله حفظه فيه، فكذلك المهدي.
ويسلك الإمام الصادق بأسلوبه الاستنكاري: لماذا تستنكر الأمة هذا الشبه بين وصي خاتم الأنبياء وبين نبي الله يوسف؟. فإن إخوة يوسف لم يعرفوه بشخصيته، حيث خفي عنهم رغم تعاملهم معه.
حيث يستدل الإمام بذلك ويؤكد: لماذا تنكر هذه الأمة أن يكون أيضاً صاحب الأمر مع الناس ويجلس معهم ويتاجر معهم ويحضر معهم في الحج والمواسم، وربما يكون كتفه بكتفك ولكن لا تعرفه أنه هو.
فالإمام الصادق هو الذي بلور فكرة الغيبة العنوانية للإمام المهدي وأنه لم يكن اختفاءً جغرافياً.
٩ - وأما الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، فقد أشار إلى ما ستذهب إليه مدرسة الخلفاء وأتباعهم من أن المهدي وإن كان عقيدة حقة إلا أنه لم يولد وإنما يولد في آخر الزمان وفي هذا إنكار - بطريق مباشر أو غير مباشر - لكونه التاسع من ولد الحسين، ولقد أشار الامام الكاظم (عليه السلام) في هذا الحديث إلى من سيتبنى هذا القول الخاطئ، فعنه (عليه السلام) أنه قال: صاحب هذا الأمر من يقول الناس: لم يولد بعد!
١٠ - ويظهر من الرواية التي تنقل حادثة استماع الإمام الرضا (عليه السلام)

(٢٨)

لقصيدة دعبل (مدارس آيات) أن فكرة الاعتقاد بالمهدي وأنه من آل محمد، كانت منتشرة وواسعة بين الناس، وقد أمضى الامام ما أنشأه دعبل في قصيدته وأضاف إليها تفاصيل أخرى.. ففي الرواية(٢٥) عن دعبل بن علي الخزاعي أنه قال: أنشدت مولاي الرضا علي بن موسى (عليهما السلام) قصيدتي التي أولها:

مدارس آيات خلت من تلاوة * * * ومنزل وحي مقفر العرصات

فلما انتهيت إلى قولي:

خروج إمام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركات
يميز فينا كل حق وباطل * * * ويجزي على النعماء والنقمات

بكى الرضا (عليه السلام) بكاء شديدا، ثم رفع رأسه إلي فقال لي: يا خزاعي نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم؟
فقلت: لا يا مولاي إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يطهر الأرض من الفساد ويملأها عدلا كما ملئت جورا.
فقال: يا دعبل الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) كمال الدين ٤٠١

(٢٩)

وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله عز وجل ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وأما " متى " فإخبار عن الوقت، فقد حدثني أبي، عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) أن النبي (صلَّى الله عليه وآله) قيل له: يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك؟ فقال (عليه السلام): مثله مثل الساعة التي " لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً (٢٦)".
١١ - وعن الامام محمد بن علي الجواد (عليه السلام) كما نقل عنه السيد عبد العظيم الحسني: إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته، ويطاع في ظهوره، وهو الثالث من ولدي، والذي بعث محمدا (صلَّى الله عليه وآله) بالنبوة وخصنا بالإمامة إنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإن الله تبارك وتعالى ليصلح له أمره في ليلة، كما أصلح أمر كليمه موسى (عليه السلام) إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع وهو رسول نبي، ثم قال (عليه السلام): أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرَج.
وفي هذا الحديث تفصيل إضافي وهو أنه الثالث من ولد الإمام الجواد (عليه السلام)، والتأكيد على أن الله يصلح أمر الإمام ويرتب الأمور لنهضته وإصلاحه، ضمن منطق الأمر الالهي فهو يصلح كل ذلك في ليلة! تماما مثلما جرى لنبي الله موسى، إذ ذهب يقتبس نارا للتدفئة فرجع بالنبوة والرسالة.. كما أنه يعين أهم مسؤوليات المؤمنين بأهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الأعراف / ١٨٧ 

(٣٠)

البيت، وهو انتظار الفرَج، وعدم اليأس لأجل سيطرة الظالمين والانحراف.
١٢ - وحين اشتدت ظروف المراقبة والتتبع من قبل العباسيين على الإمام علي الهادي (عليه السلام) وشيعته وبدأ البحث عن الامام المهدي، باعتبار أن ميلاده لم يبق له سوى واسطة واحدة وهو أبوه العسكري (عليه السلام)، فجُنّ العباسيون في البحث والتحري عن المولود المنتظر، وعادت الأيام تذكر بسيرة فرعون في البحث عن نبي الله موسى، فكان الأئمة بين محذورين: لزوم الإخبار عنه حتى يعرف الناس حجة الله عليهم، ومحذور التخوف من مراقبة العباسيين وعثورهم عليه عند ولادته ومعرفة مكانه، للقضاء عليه، فصدر - لهذا الغرض - توجيه من الأئمة بعدم ذكر اسمه، والتعمية عليه، والحديث عنه بالكناية، وفي هذا السياق يقول أبو هاشم داود الجعفري: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي ابني الحسن فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ فقلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ قال: قولوا: الحجة من آل محمد (صلَّى الله عليه وآله)(٢٧).
١٣ - والإمام الحسن بن علي العسكري والد الحجة المهدي (عليهما السلام)، لا يكتفي بالحديث عن صفاته وإن كانت تعرّف الشخص للناس، وإنما يعرفه إياهم بوجوده الحقيقي بعدما ولد، حتى يبطل ادعاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) كمال الدين ٤٠٩

(٣١)

من يزعم أنه يولد في آخر الزمان، فلا أثر بعد عيان، فعن أحمد ابن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) وأنا أريد أن أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئا: يا أحمد بن إسحاق إن الله تبارك وتعالى لم يُخلِ الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة من حجةٍ لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض.
قال: فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الامام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعا فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كان وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله عز وجل وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما(٢٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) كمال الدين ٤١٢

(٣٢)

عن إمامة المهدي وحياته الشخصية:
عن ام سلمة رضوان الله عليها عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) انه قال: (المهدي حق وهو من ولد فاطمة بنت محمد)
يدفعنا الى الحديث عن حياة الامام الشخصية، محاولة معرفة أكثر وآكد، ذلك أن من الأصول الثابتة عند المسلمين جميعا لزوم معرفة إمام زمانهم، اعتماداً على ما ورد عن النبي من أن (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية).
وقد ذكرنا في موضع آخر جهات في أهمية معرفة إمام الزمان، ونضيف هنا جهة اخرى وهي اننا معشر الامامية نعتقد ان الاعمال يتضاعف أجرها بحسب المعرفة، فربما نقوم أنا وأنت بعملين متساويين من حيث الظاهر إلا ان أحدنا أكثر معرفة من الآخر، أو اوضح بصيرة، فينال بناءً على ذلك أجراً ومثوبة أكثر، وهذا أحد ما جمع به العلماء بين الروايات التي ترتب آثاراً على عمل، وثوابا

(٣٣)

مختلف المقدار فتارة تقول إن من عمله له ألف حسنة وأخرى تقول ألفا حسنة، فقالوا هذا يرتبط بأمور منها زيادة المعرفة في الثاني ونقصها في الأول. وهنا كذلك فالاعتقاد بإمامة الإمام لازم وواجب على المسلمين، ولكن ثواب ذلك يختلف بحسب اختلاف معرفتهم به.
وهذه الصفحات تهدف إلى زيادة معرفتنا بإمام زماننا..
١ - ما يرتبط بميلاده الشريف:
جوهر الخلاف بين المدرستين في عالم المسلمين: مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ومدرسة الخلفاء، يتلخص في أنه هل هو مولود وبالتالي موجود الآن، كما يذهب إليه أتباع أهل البيت؟ أو أنه سيولد ويأتي في آخر الزمان كما يذهب إليه سائر المسلمين من غير أتباع أهل البيت؟
وأما باقي القضايا فيمكن القول بوجود تسالم عليها، مثل أنه من ذرية النبي (صلَّى الله عليه وآله)، من ولد فاطمة، وأنه يصلح الله به الأرض..
ويقيم شيعة اهل البيت علهم السلام عدداً من عناصر الاثبات في ميلاد الامام سلام الله عليه منها ما يلي:
الاول: يتحدثون عن إخبار والده عن مولده، ويقولون إن إخبار والد

(٣٤)

عن ميلاد ولد له هي طريقةٌ عقلائية بين الناس وإسلامية في تثبيت بنوة شخص لشخص، وأبوة الثاني له.. فإذا أراد إنسان أن يثبت ميلاد ابنه ونسبه منه يكفي أن يخبر عن ذلك، ويشهد عليه، ومع إمكان ذلك وانتفاء الموانع يثبت مولده ونسبه.
ليست هذه الطريقة خاصة بالمسلمين وإنما هي طريقة العقلاء في كل مكان! ولاسيما في تلك الازمنة الماضية التي لم تكن قائمة على أساس التسجيل في ادارات والتوقيع في سجلات! بل بما هو دون ذلك، فإنهم كانوا يعرفون ان فلانا هو ابن والده إذا ولد في منزله وأخبر عنه والده ولو بأن يقيم عقيقة على أساس انه ولد له ولد، فيتعامل الناس معه بعد ذلك على هذا الأساس، ما لم يكن له معارض لهذا الإخبار.
وقد نقلت الروايات أن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أخبر مراراً في عملية مقصودة أكثر من أربعين شخصاً في حادثة لا سابقة في حياة الأئمة المعصومين، ووزع من اللحم في عقيقته ما لم نشهده في ميلاد أي واحد من الأئمة (عليهم السلام) قبله(٢٩). حيث قيل إنه وزع عشرة آلاف رطل لحم ومثلها من الخبز على الناس(٣٠)، وفي بعض الروايات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) نعم ذكر بالنسبة للإمام موسى بن جعفر الكاظم أنه أولم على بعض ولده فأطعم أهل المدينة ثلاثة أيام الفالوذجات (لباب القمح بلعاب العسل) في الجفان في المساجد والأزقة.. كما في الكافي ٦/٢٨١
(٣٠) كمال الدين ١/ ٤٥٩ عن أبي جعفر العمريِّ (محمد بن عثمان) قال: لمّا ولد السيّد (المهدي) (عليه السلام) قال أبو محمّد (والده الحسن العسكري) (عليه‌ السلام): ابعثوا إلى أبي عمرو (عثمان بن سعيد العمري)، فبعث إليه فصار إليه فقال له: اشتر عشرة آلاف رطل خبز، وعشرة آلاف رطل لحم وفرِّقه..

(٣٥)

انها كانت ٣٠٠ عقيقة!
وكان من تصل إليه تلك العقائق يعلم أنها بسبب ولادة مولود للإمام العسكري، فقد نقل عبد الله بن جعفر الحميري عن محمد بن ابراهيم الكوفي؛ إن أبا محمد (الحسن العسكري) بعث إلى بعض من سماه لي بشاة مذبوحة وقال: هذه من عقيقة ابني محمد(٣١).
الثاني من تلك العناصر في إثبات ميلاده الشريف إلى ذكر علماء الأنساب له. إذ أن علم الأنساب في تلك الأزمنة يعادل مؤسسات الأحوال المدنية والشخصية في هذه الأزمنة، فمثلما يوجد في الدول المعاصرة إدارات ومؤسسات تعنى بتثبيت وتوثيق نسب العوائل وتصدر لها الوثائق بناء على ذلك، فإن دور النسابين سابقا كان يستهدف هذا الغرض، فيسجلون في كتبهم ان فلانا قد ولد له من الذكور كذا ومن الإناث كذا، وما لم يعارضها شهادة أخرى أو معرفة نساب آخر، فإنه يثبت بها نسبه لوالده.
لقد سجل النسّابة منذ القديم وبعضهم هاشميون على انه ولد للإمام العسكري (عليه السلام) ولد اسمه محمد، وبعض النسابة من غير شيعة أهل البيت يضيف هذه العبارة وهو (الذي تزعم الشيعة انه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١) المصدر / ٤٦٠

(٣٦)

المهدي). وكذلك مؤرخون ذكروا ولادته بهذا العنوان(٣٢).
ثالث عناصر الاثبات: أنهم يعتمدون على قضية عقائدية وهي أنه لو لم يولد الإمام المهدي يلزم كذب عشرات الأحاديث الصحيحة الواردة عن رسول الله وعن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وكذب هذه الأحاديث مستحيل..
بيانه: أن هناك ما يقارب ٨٠ حديثاً عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وأبنائه المعصومين (عليهم السلام) أن المهدي هو التاسع من ولد الحسين، وهذا العنوان "التاسع من ولد الحسين" لا يمكن ان ينطبق إلا على ولد للإمام الحسن العسكري لأن الولد الأول للحسين علي السجاد، والثاني محمد الباقر، والثالث جعفر الصادق والرابع موسى الكاظم، والخامس علي الرضا والسادس محمد الجواد والسابع علي الهادي والثامن الحسن العسكري والتاسع المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) قال ابن الأثير الجزري (ت / ٦٣٠ هـ) في كتابه (الكامل في التاريخ) في حوادث سنة (٢٦٠ هـ): «وفيها توفي أبو محمد العلوي العسكري، وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية، وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر» ومثله ابن خلكان(ت ٦٨١ هـ) حيث قال في كتابه وفيات الأعيان: «أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية المعروف بالحجة...

(٣٧)

لو فرضنا انه لم يولد - كما يقول بذلك أتباع مدرسة الخلفاء - وقلنا انه يأتي في آخر الزمان، فلا يمكن أن يكون التاسع بل يمكن أن يكون رقم ألف أو ألفين.. وقد ثبت في الروايات المعرّفة به أنه التاسع من ولد الحسين.
كذلك يلزم من مقالتهم تلك أن يكون حديث الثقلين الثابت عند المسلمين متخلفا عن معناه، حيث أثبت أن هناك ثقلين هما العترة والكتاب وأنهما متلازمان في الوجود ولن يفترقا حتى يردا الحوض على النبي.. وحين كانا لا يفترقان في الوجود فتصور وجود الكتاب وعدم وجود أحد من العترة وهو الامام يعني الافتراق.. إذا اعتقدنا أن الامام غير مولود وبالتالي غير موجود فمعنى ذلك أنه حصل الافتراق بينهما، وهذا يكذب حديث النبي أنهما لن يفترقا إلى يوم القيامة!
الرابع: ما يذكره الشيخ الصدوق اعلى الله مقامه في الاستدلال: وتوضيحه: إن لدينا من الاحاديث فيما يرتبط بشؤون المهدي أنه يولد وانه يغيب وانه تعتري الناس في وقته شبهات وان له غيبتين وان بعض أقاربه يسعى لأخذ مكانه والسيطرة على ميراث أبيه.. الخ. هذه الاحاديث موجودة قبل ميلاد المهدي بنحو مائتي سنة أو تزيد، وقد دونها الرواة عن الأئمة (عليهم السلام)، ولا يمكن أن تكون نحوا من التكهن ثم يكون الواقع على طبقها تماما، فلم يبق إلا أن تكون

(٣٨)

إخبارات صادقة عن المعصومين من جهة الوحي. (٣٣)
الموضوع الآخر: إمامة الإمام المهدي:
أثارت إمامة الإمام المهدي إشكالاً على الشيعة من قبل مخالفيهم؛ حاصله: أنكم كيف تقبلون إمامة شخص تولى ذلك المنصب وعمره ست سنوات؟ هذا وفيكم العلماء والمفكرون والفلاسفة.. الخ.
وقد ذكر الإمامية عدة أجوبة:
أولاً: بالجواب تنظيراً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) قال في كمال الدين ١/ ١٩ "إنَّ الائمّة عليهم ‌السلام قد أخبروا بغيبته (عليه السلام) ووصفوا كونها لشيعتهم فيما نقل عنهم واستحفظ في الصحّف ودون في الكتب المؤلّفة من قبل أنَّ تقع الغيبة بمائتي سنة أو أقلّ أو أكثر، فليس أحد من أتباع الائمّة عليهم ‌السلام إلّا وقد ذكر ذلك في كثير من كتبه ورواياته ودوّنه في مصنفاته وهي الكتب التي تُعرف بالأصول مدوَّنة مستحفظة عند شيعة آل محمّد عليهم‌ السلام من قبل الغيبة بما ذكرنا من السّنين، وقد أخرجت ما حضرني من الاخبار المسندة في الغيبة في هذا الكتاب في مواضعها، فلا يخلو حال هؤلاء الاتباع المؤلّفين للكتب أن يكونوا علموا الغيب بما وقع الان من الغيبة، فألّفوا ذلك في كتبهم ودوّنوه في مصنّفاتهم من قبل كونها، وهذا محال عند أهل اللّبِّ والتّحصيل، أو أن يكونوا (قد) أسّسوا في كتبهم الكذب فاتّفق الأمر لهم كما ذكروا وتحقّق كما وضعوا من كذبهم على بعد ديارهم واختلاف آرائهم وتباين أقطارهم ومحالهم، وهذا أيضا محالٌ كسبيل الوجه الاول، فلم يبق في ذلك إلّا أنهم حفظوا عن أئمّتهم المستحفظين للوصيّة عليهم‌ السلام عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من ذكر الغيبة وصفة كونها في مقام بعد مقام إلى آخر المقامات ما دوَّنوه في كتبهم وألفوه في أصولهم، وبذلك وشبهه فلج الحقُّ وزهق الباطل. إنَّ الباطل كان زهوقا"ً.

(٣٩)

بما حدث في ايام الإمام محمد الجواد (عليه السلام) وذلك لأن قضية صغر السن أثيرت بدايةً في أيام الإمام الجواد، حيث تولى الامامة وعمره ما بين ٧-٨ سنوات! فقد تم التساؤل حتى في داخل الشيعة أنه كيف يمكن أن يكون إمام بمثل هذا السن؟
وقد تم معالجة الأمرين على مستويين نظري وعملي، فمن جهة قيل للسائلين والمشككين إن قضية الإمامة شأنها كشأن النبوة - في أن التعيين هو من الله سبحانه - وفي النبوة آتى الله عيسى ويحيى الكتاب صبيين(٣٤). هذا وقد كانت نبوة عيسى مستأنفة وهي - في نظر الناس - لا ريب أهم من الامامة، والتي هي امتداد لنبوة!
وكذلك من الناحية العملية، فقد تمت البرهنة أيام الإمام الجواد (عليه السلام)، أن الإمام لا يراد منه الطول والعرض وإنما يراد منه العلم والمعرفة، والتفوق فيهما، فلسنا في حلبة مصارعة حتى يراد جسم كبير وعضلات، وإنما يراد في هذا (أئمة يهدون بأمرنا) وهذا حاصل، وهلم الميدان.. وقد جربوا (امتحان) الامام الجواد من قبل (أكبر) علمائهم(٣٥) فإذا بهذا الأكبر غارق في شبر ماء ألقاه إليه الامام من مسائله ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنَالِكَ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤) في سورة مريم آية ١٢ (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا) وفي آية ٢٩ و٣٠ في شأن عيسى (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا).
(٣٥) مناظرة القاضي يحيى بن أكثم مع الامام الجواد مشهورة ومعروفة.

(٤٠)

وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾(٣٦). هذا ولم يبعد العهد بين الزمانين إذ الفاصلة بين شهادة الامام الجواد وإمامة المهدي لا تتجاوز ٣٥ سنة!
ومن أجل هذا - نعتقد - قال الإمام علي الرضا (عليه السلام) في حق ابنه الإمام الجواد:(ما ولد أعظم منه بركة على شيعتنا)وفي نص آخر (أعظم بركة على الإسلام) ذلك ان وجود الامام الجواد وعلمه وإمامته وكفاءته كل ذلك ثبّت إمامة ابنه الامام علي الهادي الذي سيتولى الإمامة وعمره تسع سنوات إشكالية وسوف يثبت إمامة المهدي (عجل الله فرجه) فيما بعد.. فهي إشكالية وقد رفعت عمليا ووجدانيا!
ثانيا: العمر التكويني والآخر العقلي:
في الإنسان عُمْران؛ عمر تكويني وآخر عقلي. التكويني هو هذا العمر الظاهري الذي يتأثر بالزمان، فهو في البداية طفل ذو مدارك ومعارف محدودة، وبالتدريج يصبح شابا فيكتسب معارف جديدة وعلوما حادثة، وبتبع نظره في ما حوله وتأمله ينمو عقله، حتى يبلغ أشده كما يقول القرآن ببلوغ أربعين سنة.. ثم يميل تدريجيا باتجاه الانحدار في القوى العضلية والعقلية والادراكية، حتى يصل الى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا(٣٧) من الناحية الادراكية، ويحتاج إلى من يتولى له أبسط الأمور من الناحية البدنية!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) الأعراف / ١١٨ - ١١٩
(٣٧) لخصته الآية المباركة ٥ من سورة الحج (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا).

(٤١)

هذا العمر التكويني يمر به غالب البشر، لكن هناك عمرا عقليا للإنسان قد يرتبط بعمره التكويني ويمر بنفس المراحل السابقة التي ذكرت، وقد لا يرتبط، اي من الممكن ان يكون عمر احدهم خمس سنوات ولكن عمره العقلي خمسون سنة وآخر قد يكون عمره التكويني أربعين سنة ولكن عمره العقلي أربع سنوات.
ليس البشر جميعا محكومين دائما بارتباط عمرهم العقلي مقيد بعمرهم التكويني والشاهد على ذلك وجود النوابغ والنوادر من البشر. فقد ذكروا أن أصغر نابغة في العصر الحديث ويسمى (آدم كربي) من بريطانيا كان قادرا وهو في عمر سنتين على تهجئة اكثر من مئة كلمة من أعقد الكلمات في اللغة الانجليزية، هذا لا يمكن تفسير ضمن معادلات العمر التكويني، فمن كان في ذلك السن بالكاد ينطق الكلمات الأولية! يتابع هؤلاء حالة ذلك النابغة ليقولوا إنه لما صار عمره ثلاث سنوات بدأ يقرأ اللغة الفرنسية ويتكلم بها بطلاقة وعندما بلغ ثلاث سنوات ونصف اصبح يقرأ لشكسبير ويأخذ عليه إشكالات في التعبير والإنشاء!
كذلك فإن من كتبوا عن حياة موزارت الموسيقي المعروف قالوا إنه كان عمره ثلاث سنوات حينما بدأ يعزف أول مقطوعاته الموسيقية، ولما اكمل اربع سنوات كان والده يدور به في أوروبا وهو يؤلف المقاطع الموسيقية ويعزفها!!
وفي بلاد المسلمين، وجدنا أشخاصا متعددين، بعضهم كان يحفظ القران الكريم كاملاً بالقراءات العشر، وبعضهم كان يقرؤها مع ترجمتها باللغتين الإنكليزية والفرنسية، ولم يعرف عنه أنه درس أيا

(٤٢)

منهما!
إن هذه النماذج ما هي إلا تقريب لتجلي الله في قدرته ووضعه شيئا من عظمته في بعض عباده، ليتجاوز المألوف والطبيعي بين الناس، ويثبت لهم عيانا ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(٣٨). وإذا كان هذا النبوغ يحصل لشخص عادي بل لمن سيسخره في الموسيقى، فهل يمتنع ذلك على النبي والامام اللذين أعدهما ربهما لهداية البشر إلى منهاجه؟
هل سيقبل الناس بمعلم نابغة سابق لعمره بعشرات السنين ولكنه صغير السن (ابن عشر سنوات) في تدريسه في الجامعة أو أنهم سيرفضونه بدعوى أنه ليس كبير السن ولا عظيم الجسم؟
ننتهي مما سبق إلى نتيجة أن المدار في الاتباع والطاعة ليس السن في صغره أو كبره، وإن كانت العادة أن يكون النبي أو الامام في سن متعارفة، بل النبي يبعث عادة في سن الأربعين. لكن هذا ليس قاعدة نهائية فقد رأينا في يحيى وعيسى خلاف ذلك، وبينّا أن العمر التكويني ليس هو المقياس وإنما العمر العقلي.
وهناك سؤال ثالث يذكره بعض المخالفين وهو: انه كيف تجتمع الإمامة على مسلككم انتم الشيعة مع الغيبة؟
ذلك أن الإمامة عند الشيعة من القضايا الاساسية، فالإمام عندهم هو هادٍ، وقائد، وهو بعد النبي امتداد! فكيف ينسجم هذا مع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨) الطلاق / ١٢

(٤٣)

شخص غائب لا تتصلون به ولا يتصل بكم لا ينفعكم ولا يضركم؟ فكيف تجمعون بين هذين الامرين؟ وبالنسبة للمهدي فهو غائب، والغائب لا يتصرف، لا يفعل، لا يمارس دوراً الحال انكم تعتقدون ان الإمامة كالنبوة في موقعها في الأصول، وبعد النبوة فالإمام له التصرف والأخذ والرد.. فكيف يجتمع ذلك مع غيبته؟
والجواب على ذلك بتوضيح أمور:
الأمر الأول: التفريق بين الامامة الالهية وبين التصرف الظاهري؛ فهما شيئان.. وقد عبر عن هذه الحقيقة الخواجة(٣٩) نصير الدين الطوسي(٤٠)، حيث قال في كتابه (تجريد الاعتقاد)(٤١) في شأن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) نصير الدين محمد بن محمد الطوسي (ت ٦٧٢ هـ) كان رأسا في العلوم العقلية، علامة بالارصاد والمجسطي والرياضيات فيلسوف ومتكلم، وفلكي متمرس أنشأ مرصدا كبيرا في مراغة، وأنشأ مكتبة عظيمة حوت قرابة اربعمائة الف مجلد جمعها من مختلف مكتبات العالم الاسلامي وبذلك صان التراث المسلم من الاندثار، له من الكتب الكثير، من أشهرها: تجريد الكلام (الاعتقاد) الذي شرحه علماء من المدرستين! وعشرات الكتب في العلوم العقلية والرياضية.
(٤٠) تعرض الخواجة نصير الدين الطوسي إلى حملة تشويه كبيرة قادها الطائفيون، زعموا فيها أن النصير الطوسي قد اتفق مع المغول لإسقاط الخلافة العباسية، وطبلوا وزمروا في هذا، ولكنهم لو تخلوا عن عصبية المؤرخين الشاميين، لوصلوا إلى ما وصل إليه الدكتور سعد بن حذيفة الغامدي - من السعودية - في كتابه سقوط الدولة العباسية والذي فند كل تلك الادعاءات وأثبت أن لا أساس تاريخي صحيح لها، وإنما أملتها العداوات المذهبية.. لمراجعة تفصيل دوره وحياته يمكن مراجعة كتابنا: من أعلام الامامية / الفصل الخاص بحياته ودوره.
(٤١) تجريد الاعتقاد ١ / ٢٢١

(٤٤)

الامامة والتصرف الخارجي للإمام، قال (وجود الامام لطف وتصرفه لطف اخر)(٤٢).
وبعبارة أخصر أن نصب الامام لطف الهي وتصرفه الظاهري وقيادته لطف آخر قد يجتمعان وقد ينفصلان، فالإمام امير المؤمنين (عليه السلام) كان اماما بعد رسول الله الى ان استشهد مع ان تصرفه الظاهري كان فترة خمس سنوات من ما مجموعه ثلاثين سنة تقريبا..
ولم يكن ذلك يضر إمامته في شيء، نعم كان حرمان الناس من تصرفه في الفترة الأولى قبل خلافته الظاهرية حرمانا من لطف الله أن يصل لهم، ولكن المسؤول عن ذلك لم يكن الامام وإنما (الناس) ولذلك قال الخواجة في تتمة كلامه (وعدمه منا) أي عدم اللطف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) قال العلامة الحلي في كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد ١/ ٣٦٣، شارحا تلك الفقرة، ومبينا جواب الاعتراض وهو اعتراض على الأئمة (عليه السلام)، الذين منعوا من التصرف بإبعادهم عن مراكز الحكم والقيادة: " قالوا الإمام إنما يكون لطفا إذا كان متصرفا بالأمر والنهي وأنتم لا تقولون بذلك فما تعتقدونه لطفا لا تقولون بوجوبه وما تقولون بوجوبه ليس بلطف (والجواب) أن وجود الإمام نفسه لطف لوجوه: أحدها أنه يحفظ الشرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان.
وثانيها أن اعتقاد المكلفين لوجود الإمام وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كل وقت سبب لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح وهذا معلوم بالضرورة. وثالثها أن تصرفه لا شك أنه لطف ولا يتم إلا بوجوده فيكون وجوده نفسه لطفا وتصرفه لطفا آخر.
والتحقيق أن نقول لطف الإمامة يتم بأمور (منها) ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالقدرة والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله الله تعالى. (ومنها) ما يجب على الإمام وهو تحمله للإمامة وقبوله لها وهذا قد فعله الإمام (ومنها) ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له وقبول أوامره وامتثال قوله وهذا لم تفعله الرعية فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام. "

(٤٥)

راجع في سببه إلينا نحن الناس لا لله ولا للإمام.
والأمر كذلك هو بالنسبة للإمام المهدي (عليه السلام) فإن وجوده وإمامته لطف الهي، وتصرفه المباشر والظاهري لطف آخر، وعدم هذا التصرف هو بسبب الناس!
الثاني: من يقول إنه لا يتصرف، وإنه لا يفعل، من يقول إنه لاتصل خيراته وبركاته الى من يتبعه ويشايعه؟ إن الامام لا يقدم لك تقريرا عما يصنع في كل يوم! لكنه حاضر ناظر! لا سيما على الفكرة الصحيحة من أن غيبته سلام الله عليه ليس غيبة شخص وإنما غيبة عنوان..
أي أنه موجود يشهد الموسم، يعني الحج كما هو مفاد روايات، فقد تكون في الحج ويكون الى جانبك في الطواف، كتفك بكتفه ولكن لا تعرف أن هذ الذي يلامس كتفك كتفه هو حجة الله على الأرض! ويتابع أمور المؤمنين ويعمل في تفريج كروبهم بمقدار ما يوفقه الله، وهذا ما يؤكده بعض ما روي عنه (عليه السلام) (إنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء)(٤٣).. كيف يتم ذلك؟ نحن لا نعلم! وهل هذا هو الشيء الوحيد الذي لا نعلمه؟ بل لا ينبغي أن نعلمه.. ما ينبغي أن نعلمه عنه (عليه السلام) (وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السّماء) ووظيفة المؤمن بعد الايمان بذلك (فأغلقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم، ولا تتكلّفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) الاحتجاج ١/ ٤٩٧ واللأواء تعني الشدة وضيق المعيشة. واصطلم يعني استأصل.

(٤٦)

الدُّعاء بتعجيل الفرج، فإنَّ ذلك فرجكم)(٤٤).
إننا نعتقد أنه لولا رعاية الله سبحانه، لهؤلاء المؤمنين بواسطة وليه وإمامهم، لاصطلمتهم البلايا، كيف لا وهم منذ مئات السنين هدف هجمات أعدائهم على كافة المستويات!! ولكن الله سبحانه وتعالى يدفع عنهم. إن ما ثبت لسيد هذه الأسرة وسيد الخلائق محمد المصطفى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)(٤٥)ليثبت لوارثه وامتداده وسميه الحجة على الخلق محمد بن الحسن العسكري (عجل الله فرجه الشريف).
إننا نرى النتائج والآثار! ولكننا لا نرى المقدمات والأسباب، لا نرى كيف تم دفع البلاء! ولا ينبغي أن نتكلف ذلك، لكن يكفي أن نرى أن غير هذه الطائفة مع أنها لم تتعرض إلى عشر معشار الهجمات التي تعرض لها شيعة أهل البيت ومع ذلك فقد ذهبت تلك الفئات أدراج الرياح وأصبحت أثرا بعد عين، بينما بقي شيعة آل محمد يزدادون كما وكيفا وعطاء وبركة، ولا نفهم سببا واضحا لذلك غير حياطة الله لهم عبر سيدهم وإمامهم الحجة المهدي.
كيف هي حياته الشخصية؟
هل عنده أولاد؟ هل عنده زوجة أو زوجات؟ أين وكيف يعيش؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) كمال الدين / ٤٨٥
(٤٥) الأنفال / ٣٣

(٤٧)

توجد ثلاثة أقوال: في هذا:
الأول: وهو المشهور عند أكثر علماء الإمامية أنه لم يثبت وجود زوجة أو أولاد للإمام المهدي، فمع أن الزواج مستحب وهو سنة رسول الله إلا أنه إذا عارض هذا المستحب أمر أهم فلا يبقى ذلك الاستحباب بفعليته، وفي مقامنا هنا فإن ما تقتضيه طبيعة حياة الإمام (عليه السلام) من حياة سرية، وتنقل فوري وعدم استقرار في مكان، تعارض الزواج فلا يعود الزواج مطلوبا. وليس هذا بدعا فقد كان في حياة الأنبياء والرسل، فهذا نبي الله يحيى بن زكريا (عليه السلام) يصفه القرآن بأنه سيد وحصور(٤٦) وكذلك كان المسيح عيسى بن مريم (عليهما السلام)، فإنه لم يتزوج إلى أن رفعه الله إليه. ولعل سبب ذلك راجع إلى نمط حياته وسياحته في الأرض مبلغا عن الله تعالى.
وإذا لم يكن له زوجة فمن الطبيعي أن لا يكون له أولاد وهذا هو الرأي المشهور بين الإمامية.
القول الآخر: متزوج بلا ذرية: وهو ما ذهب إليه الشهيد السيد محمد صادق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) آل عمران / ٣٩ (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)، قال الراغب في مفرداته (مادة حصر): الحصور الذي لا يأتي النساء إما من العنة وإما من العفة والاجتهاد في إزالة الشهوة والثاني أظهر في الآية لأنه بذلك يستحق المحمدة. 

(٤٨)

الصدر فإنه بعد أن أكد أن نظرية غيبة الشخص تعارض إمكان أن يكون متزوجا " فبقاؤه طيلة غيبته أو في الأعم الأغلب منها بدون زواج، ضروري لحفظه وسلامته إلى يوم ظهوره الموعود، فيكون ذلك متعينا عليه"(٤٧) لكن (غيبة الشخص) في المهدي ليست تامة. وأما بناء على النظرية الثانية (خفاء العنوان)، فهو "وإن كان من المتعذر عليه إيجاد الزواج بصفته الحقيقية، لما قلناه من عدم وجود المرأة الخاصة المأمونة بالنحو المطلوب. ولكن زواجه بصفته فردا عاديا في المجتمع، أو بشخصيته الثانية، ممكن ومن أيسر الأمور، بحيث لا تطلع الزوجة على حقيقته طول عمرها.. "(٤٨).. وأكمل الصدر فكرته السابقة قائلا " وإذا أمكن زواجه، أمكن القول بتحققه، وان الإمام المهدي (عليه السلام) متزوج في غيبته الكبرى بالفعل. وذلك لأن فيه تطبيقا للسنة المؤكدة في الإسلام والأوامر الكثيرة بالزواج والحث العظيم عليه والنهي عن تركه، والمهدي أولى من يتبع السنة الإسلامية. وبخاصة إذا قلنا بأن المعصوم لا يترك المستحب ولا يفعل المكروه مهما أمكن، والتزمنا بعصمة المهدي كما هو الصحيح. فيتعين أن يكون متزوجا، بعد أن توصلنا إلى إمكان زواجه وعدم منافاته مع احتجابه. "
وأما بالنسبة للذرية والأولاد، فإنه يقدم " برهانا على انتفاء الذرية أصلا. وهو: إن وجود الذرية ملازم عادة لانكشاف أمره

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) تاريخ الغيبة ٢/ ٦٢
(٤٨) نفس المصدر

(٤٩)

والاطلاع على حقيقته"(٤٩). وينتهي إلى أن " المتحصل من القواعد العامة، هو أن المظنون أن يكون الإمام المهدي (عليه السلام) متزوجا بدون ذرية. لا لنقص فيه بل ولا في زوجته، بل لإشاءة الله تعالى ذلك ".
الثالث وقد ذهب إليه بعض العلماء وينتهي إلى أن للإمام زوجة وأولادا وانهم يسكنون في مكان قصي، سموه الجزيرة الخضراء (وهي عدة مدن) وقد رد المرحوم السيد جعفر العاملي (رحمه الله) وغيره من العلماء بدراسات محققة فكرة الجزيرة الخضراء من رأس ورأوا انها لا تصح وبالتالي فلا الأصل صحيح ولا البناء عليه.
تنبيه مهم:
ينبغي أن نشير إلى مسألة مهمة وهي أنه حتى لو بنينا على وجود زوجة وأولاد للإمام، وهو ما لا يراه مشهور العلماء عند الامامية، مع ذلك فإنه لا ينفع بعض مدعي المهدوية أو الاتصال بالمهدي باعتبار أنه من أولاده أو غير ذلك. فإن بعض أولئك (وسيأتي الحديث عن الحركات المهدوية الكاذبة) لجذب الناس واستقطابهم ربما ادعوا أنهم من أولاد الامام المهدي أو ما شابه ذلك.. وهذه الفكرة لا تنفعهم، فحتى لو ثبت أن له أولادا، فإن هذا لا يثبت أن فلانا المدعي هو من أولاده إذ على كل من يدعى أمرا أن يقيم بينة عليه.. هذا مثل أن يثبت أن في البنك أموالا، فيدعي شخص أنها له!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) المصدر ٢/ ٦٣

(٥٠)

 معرفة الامام المنتظر (عجل الله فرجه الشريف):
{عن ام سلمة عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنه قال المهدي من عترتي من ولد فاطمة "(٥٠).
لا ريب أن معرفة القائد والإمام لازمةٌ للإنسان التابع والمأموم.. فإن معرفته الشخصية تعينه على أن يعرف صفته وهل هو إمام هدى وقائد حق أو إمام ضلالة؟ وهو أحرى بأن يلتزم بأوامره وأن يزيد في انتمائه إليه ولهذا السبب وجدنا بعض الادعية المستحبة(٥١) في زمان الغيبة يسأل العبد فيها ربه أن يعرفه بإمامه، فإنه لو لم يعرفه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٠) تقدم في الصفحات السابقة ذكر مصادر الحديث.
(٥١) كما ورد باسانيد معتبرة بالدعاء المعروف {اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني} كمال الدين ١/ ٣٤٢

(٥١)

لضل عن دينه.
وسنعرض في هذه الصفحات - ولو باختصار - إلى شيء مما يرتبط بتعريف الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في اسمه وكناه وألقابه:
- الاسم
- الكنية
- اللقب
الاسم: ما يعرف به الشخص أو الشيء ويستدل به عليه، وهو العلامة التي تعينه.
والتسمية للأفراد والأشياء من الامور الضرورية في الحياة الاجتماعية، فتصور لو لم يكن لأفراد هذا الجمع الحاضر أسماء، كيف يمكن الإخبار عنهم والحديث حولهم؟ وهكذا الحال في المعاملات الاقتصادية تصور أنه لو لم يكن اسماء للأشخاص فكيف يمكن تعريف شخص على أنه باع وآخر على أنه اشترى!
لا ريب أنه سيكون الأمر صعبا في الحياة الاجتماعية والسياسية، بل وحتى الثقافية فكيف يمكن التعرف على أحداث التاريخ لولا أسماء أصحاب الأحداث؟ نعم ربما يستفاد في هذه الأزمنة من الصورة للتعريف، إلا أنها لو كانت نافعة فهي في بعض الأزمنة والأمكنة والأحوال، بخلاف الاسم الذي ينفع في كلها أو جلها.
 هذا عن الاسم.
وأما الكنية فهي كما قيل: ما يجعل عَلَمًا على الشَّخص غير الاسم واللقب مما بدأ بأب أو ابن أو أخ أو أخت أو أُم أو بنت مثلاً (أبو عبد الله) وابن رسول الله، وبنت فلان أو أُم فلان، وتستعمل مع الاسم واللقب أو بدونهما؛ تفخيمًا لشأن صَاحبها أن يذكر اسمُهُ مجرَّدًا

(٥٢)

وتكون لأشراف الناس، وقد نقل عن (جار الله الزمخشري)(٥٢) قوله أنه لا يوجد عند غير العرب كنى! وهذا النفي إنما يصح في الجملة فمثلا في البلاد الغربية لا يوجد كنية مثل: ابو جون أو أم جاكلين.. لكن النفي المطلق يبدو أنه محل تأمل، فإن في اللغة الفارسية تراكيب تفيد نفس معنى الكنية في اللغة العربية مثل (زاده بمعنى ابن، وبور أيضا بنفس المعنى) فيقال مثلا محمد زاده يعني ابن محمد، وشاه بور بمعنى ابن الملك، وهكذا الحال في اللغة التركية حيث يوجد لديهم (أوغلو) بمعن ابن فيقال داود أوغلو يعني ابن داود، وهكذا.. والأمر يحتاج إلى تتبع واستقراء أكثر.
وأما اللقب فهو ما يسمى به الإنسان بعد اسمه الأول للمدح أو الذم فيقال فلان العالم أو الطبيب وهذه الألقاب فيها إشعار بالمدح، وقد يلقب بألقاب غير حسنة كفلان الاعرج وهو منهي عنه (ولا تنابزوا بالألقاب).
وكأحكام شرعية يستحب اختيار الاسم المناسب والحسن للمولود كما يستحب تكنيته بكنية جيدة وهكذا الحال لو أريد مناداة أحد بلقبه فإنه ينادى باللقب الذي يحبه ويكون حسنا. ولو سلك المؤمنون هذا السلوك فيما بينهم وعلموا أولادهم عليه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٢) محمود بن عمر الزمخشري، جار الله ت ٥٣٨ هـ‌ من أئمة العلم بالدين والتفسير واللغة والآداب.. أشهر كتبه (الكشاف - ط) في تفسير القرآن، و(أساس البلاغة - ط) وغيرها من الكتب وكان معتزلي المذهب، مجاهرا، شديد الانكار على المتصوفة، أكثر من التشنيع عليهم في الكشاف. / عن الأعلام للزركلي.

(٥٣)

لزالت مظاهر سيئة من قبيل التنابز بالألقاب، وجعل اسماء وكنى غير حسنة عليهم.
ونجد هذا في سيرة المعصومين مع أبنائهم فقد كنى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) سبطه الحسين وهو صغير، كما ورد في الروايات. أنه كان يخاطبه أحيانا بأبي عبد الله. والامام علي الرضا كان يُخاطب ابنه محمدا الجواد (عليهما السلام) بأبي جعفر مع أنه كان في ذلك الوقت دون سبع سنوات.
ومن الآداب الاسلامية أن لا يخاطب الحاضر باسمه المجرد وإنما بكنيته أو لقبه. فتقول له مثلا يا أبا علي افعل كذا.. أو يا أيها المؤمن! أو أيها الطبيب..
وفي ما يرتبط بالإمام المهدي (عجل الله فرجه)، فقد ورد عن النبي (اسمه اسمي) وفي بعضها (وكنيته كنيتي) والنبي وإن كان له اسماء متعددة إلا أن اسمه العلم الواضح هو (محمد) (صلَّى الله عليه وآله). وهو نفس اسم الامام المهدي.
بحث حول ذكر الامام المهدي باسمه الصريح:
١ - يستفاد من عدد غير قليل من الروايات أن ذكر الإمام المهدي باسمه الصريح (محمد) أو (محمد بن الحسن) كانت ممنوعة وغير جائزة على الأقل لفترة من الزمان.
ولم يقتصر الأمر على الروايات بل كان هذه الحكم هو الرأي السائد في تاريخ الفقه الشيعي منذ

(٥٤)

زمان الغيبة الصغرى إلى أيام الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) (ت ٦٧٢ هـ) وفي زمانه ألف الخواجة الطوسي رسالة(٥٣) درس فيها الروايات تلك وعالجها وانتهى إلى أنّ هذا التحريم والمنع كان له ظرفٌ زمانيٌ محدود. وهو (ظرف الاستتار) في زمان الغيبة الصغرى، وبدايات الغيبة الكبرى حيث كان هناك تخوفٌ جدي على اثر طلب السلطات الظالمة الامام المهدي (عجّل الله فرجه) وتتبع أثره وخبره، فكان من الطبيعي ان يصدر توجيه بمنع التعامل مع اسمه الرسمي والواضح. فكان هذا المنع أشبه بالأحكام الولائية التي كان يصدرها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في زمانه لقضية محددة.
وبيان ذلك: أن العلماء يتحدثون عن أن الروايات والأحكام هي على أقسام؛ فمنها ما يكون داخلا تحت عنوان (حلال محمد حلال أبدا إلى يوم القيامة وحرامه حرام أبدا إلى يوم القيامة لا يكون غيره ولا يجيء غيره)(٥٤) وهناك من الأحكام والروايات ما جاء لينظم قضية ذات زمان ومكان وأشخاص محددين مثل ما صنع النبي بالنسبة إلى تحريم الحُمُر (جمع حمار) الأهلية، فإن من المعروف عند المسلمين أن النبي نهى عن أكل هذه الحمر في خيبر، بل وأكفأ بعض القدور التي كانوا يريدون أن يطبخوا فيها تلك الحمر..
وبينما التزم فقهاء مدرسة الخلفاء بحرمة أكل لحم الحمار الأهلي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) تعريب منتهى الآمال ٢ / ٧٠٧
(٥٤) صحيحة زرارة المروية في الكافي ١ / ٥٨

(٥٥)

إلى يومنا هذا(٥٥) فإن فقهاء الإمامية لم يلتزموا بالحرمة، وإنما قالوا بجواز ذلك مع كراهة، والسبب هو ما جاء عن أئمة أهل البيت من أن ذلك المنع إنما كان حكما ولائيا لظرف خاص وهو أن (الحمر الأهلية في خيبر كانت حمولة الناس)(٥٦) للانتقال ولحمل الغنائم. فمنع النبي من ذبحها.
الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) استفاد من هذه الفكرة في التقسيم والتمييز بين أوامر ونواهي المعصومين، وقال إن منع التسمية باسم الامام المهدي هو من هذا القبيل وأنه كان مربوطا بزمان معين، وقد انقضى ذلك الزمان، ولذلك فالرأي السائد بين الإمامية الآن هو جواز التسمية بالاسم الصريح والإشارة الكاملة للإمام (عليه السلام).
الأمر الآخر في موضوع اسم الامام المهدي:
هو أنّه قد ورد في بعض مصادر مدرسة الخلفاء أنّ اسم المهدي هو (محمد بن عبد الله) أو أنّ النبي (صلَّى الله عليه وآله) قال (اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي) ويتمسك بعض المخالفين للإمامية بتلك الروايات ليقولوا أن (مهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) قال ابن قدامة المقدسي في المغني ١١/ ٦٥ " أكثر أهل العلم يرون تحريم الحمر الأهلية، قال أحمد خمسة عشر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كرهوها، قال ابن عبد البر لا خلاف بين علماء المسلمين اليوم في تحريمها.. ".
 (٥٦) سأل زرارة ومحمد بن مسلم أبا جعفر (عليه السلام) عن أكل لحوم الحمر الأهلية، فقال: نهى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) عنها وعن أكلها يوم خيبر وإنما نهى عن أكلها في ذلك الوقت لأنها كانت حمولة الناس، وإنما الحرام ما حرم الله عز وجل في القرآن. الكافي ٦/ ٢٤٦

(٥٦)

الشيعة) يختلف عن (مهدي السنة) فهذا الثاني اسم ابيه عبد الله، والأول اسم ابيه الحسن!
الجواب عن ذلك: اننا نعتقد أن الروايات التي ورد فيها (واسم ابيه اسم ابي) هي نتاج الفترة العباسية وبالتحديد زمان المنصور العباسي، ففيه كان الصراع بين العباسيين والعلويين وبالذات احفاد الامام الحسن المجتبى في ذروته، وكان بين أحفاد الحسن بن علي شخصية بارزة ومهمة لقب (بالنفس الزكية) واسمه محمد بن عبد الله بن الحسن، وقد شاع بين قسم من هؤلاء أنّ هذا هو الذي تحدث عنه النبي (صلَّى الله عليه وآله) لأن النبي يعتبر أن المهدي من نسل فاطمة لأنه من أبناء الحسن ويقول اسمه اسمي واسمه مطابق له واسم أبيه عبد الله وكذلك اسم والد النبي إذاً هذا ينطبق عليه علامات المهدي، فكان من الطبيعي أن يقوم المؤيدون(٥٧) لبني الحسن بنشر هذه الفكرة لاستقطاب الاتباع.
ولا ريب أن هذا كان سلاحا مؤثرا في التحشيد وتعبئة الأنصار لبني الحسن وللنفس الزكية تحديدا.
في مقابل ذلك جاء العباسيون وارادوا أن يستخدموا نفس السلاح، وكان للمنصور العباسي واسمه عبد الله وكنيته أبو جعفر، ولد اسماه محمدا، ولقبه بالمهدي، فصار هذا محمد بن عبد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) قد يكون ذلك بسبب الجهل المركب، وقد يكون مع العلم عند بعضهم بعدم صحة ذلك.

(٥٧)

الله المهدي، أيضا ينطبق عليه (اسمه اسمي واسم ابيه اسم ابي)! وحاولوا أن ينشروا بين اتباعهم وأنصارهم أن هذا هو الذي جاء ذكره في الروايات، مناكفة منهم لأعدائهم بني الحسن!
وكأنه اجتمع في هذه الفترة العباسية الطرفان المتعاديان على نشر فكرة (اسم ابيه اسم أبي) وكل منهم يستفيد منها بحسب تفسيره لها، مع أنها كما يعتقد الباحثون ليست موجودة في أصول هذه الأحاديث، وأن مجموع الروايات في المهدي يمتنع أن ينطبق على أي منهما.
فالمهدي العباسي ليس من ولد فاطمة، وليس من (عترتي) وليس (من ولد الحسين) وليس (التاسع).
وكذلك النفس الزكية فهو وإن كان من ولد فاطمة، ومن (عترتي) و(من ولد الحسنين) إلا أنه ليس (التاسع من ولد الحسين)، ومع انتهائه إلى القتل والشهادة فقد دل ذلك على كونه ليس المهدي المنتظر.
وأما ما يرتبط بكنى الامام (ع):
فله (عليه السلام) كنية نصت عليها الروايات وهي أنه (أبو القاسم) وهي كنية رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حيث ورد عنه أنه قال (اسمه اسمي وكنيته كنيتي)، وفي حديث عن الامام العسكري (عليه السلام) (الامام من بعدي سمي رسول الله وكنيه)(٥٨)، ومن كناه أيضا أنه (ابن الحسن).
وعندما يقال أنه (أبو القاسم) لا يعني بالضرورة أن لديه ولدا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٨) بحار الأنوار؛ العلامة المجلسي ٥١/ ٣٣

(٥٨)

هو الأكبر بهذا الاسم، فقد ذكرنا آنفا بأن الكنية مستحبة حتى للولد الصغير غير المتزوج، واستحبابها لا يرتبط بوجود ولد بالفعل للإنسان.
ومن كناه الشائعة والمنتشرة بين الناس، ولكن لا يوجد في تراث المعصومين ما يؤكد هذه الكنية (ابو صالح)، فهذه الكنية ولا سيما في الثقافة الشعبية الفارسية منتشرة جدا فيتوسل به وينادى بهذه الكنية كثيرا. ونقل أيضا أنها منتشرة بين أهل البوادي والأرياف من شيعة أهل البيت، ولم يعرف لها مصدر!
نعم قد نقل المحدث النوري الطبرسي (رحمه الله) في كتابه (النجم الثاقب) رواية قد يستفاد منها أن هذه كنية للإمام، فقال إذا كنت في الصحراء وأضعت الطريق فالتفت إلى يمينك وقل يا صالح أو يا أبا صالح! وقد نوقش فيها من جهة سندها، وأنها ليست معتبرة، ومن جهة دلالتها ومعناها حيث لا يوجد دليلٌ على أنّ (صالح) أو (أبا صالح) يقصد به الامام المهدي (عجّل الله فرجه) لاسيما كانت في زمان الامام الصادق (ع) فلاهي من الناحية السندية معتبرة ولاهي من الناحية الدلالية واضحة.
نعم لو تم التوجه للإمام قلبيا وتمت مناداته بهذه الكنية فلا مشكلة في ذلك، فإن الكني والأسماء إنما هي طرق لاستحضار المعنى فإن كان المعنى حاضرا في الذهن.. فلا محذور في ذلك.. نعم هي على ما سبق لم يثبت ورودها عن المعصوم.
وأما ألقاب الإمام (عليه السلام): فقد ذكر بعض الباحثين أنها تزيد عن (١٨٠) لقبا، وهي تشير إلى جهات كماله وصفاته..

(٥٩)

وقد لا يكون هذا غريبا فإن ألقاب الشخص تشير إلى جهاته، وبمقدار تعدد هذه الجهات تتكثر الألقاب، فإن العلماء مثلا عندما يذكرون أسماء الله سبحانه، لا يستطيعون إحصاءها، فهل هي ألف أو مليون أو أكثر؟ هي لا عد لها ولا حصر.. إن ما يوجد في دعاء واحد هو دعاء الجوشن الكبير(٥٩) يصل إلى ألف اسم وصفة، مع أنه لا يستقصي كل الأسماء والصفات والألقاب، ولا يستطيع أحد أن يستقصيها، كيف وهي جهات كمال الله عز وجل وجلاله، وهي غير محصورة؟
لذلك فإن وجود ١٨٠ لقبا للإمام المهدي (عجل الله فرجه) ليس شيئا مستغربا ولا عجيبا، ومن تلكم الألقاب، وأكثرها معرفة:
ـ المهدي: وهذا اللقب وارد في أحاديث رسول الله، بل عن الله سبحانه. ولعل قائلا يقول: إن لقب الهادي أقوى وأهم من المهدي، إذ في ذلك اللفظ هو فاعل الهداية، بينما هنا من تقع عليه الهداية، وفي المعنى الظاهري فإن الهادي أقوى من المهدي!
والجواب: أنه تم تفسير المهدي في روايات الامام الصادق إلى أنه (قد هُدي إلى أمر خفي على الخلائق) ولا ريب أن هذا الأمر لا بد أن يكون في غاية الأهمية وإلا فإن ما خفي على الخلائق أشياء كثيرة! وفي بعض الروايات الأخر أنه (هدي إلى كتب الأولين من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) مفاتيح الجنان؛ الشيخ عباس القمي

(٦٠)

صحف ابراهيم وانجيل عيسى وتوراة موسى) في صورها الأصلية كما نزلت على المرسلين أنفسهم. وهذا المعنى يتوافق مع المعنى السابق حيث أن هذه الكتب - في صورتها التي نزلت على الرسل - مما خفي على الخلائق.
ـ القائم: وهو لقب مروي عن المعصومين (عليهم السلام) أيضا، وهو إما لأنه يقوم بالحق، كما ورد في بعض الروايات، أو لأنه يقوم بعد ما مات ذكره(٦٠).
و(بعدما مات ذكره) حالة نراها اليوم، فأنت ترى العالم الإسلامي الآن لا يعيش هاجس الامام المهدي ومعرفته ولا ينتظره، ولو استثنيت قسما من شيعة أهل البيت المتعلقين به (عليه السلام) والذين يتحرقون لظهوره ويعيشون انتظاره، لكانت الصورة سوداء تماما!
وإذا كان هذا حال العالم الاسلامي فما ظنك ببقية العالم؟
إن ذكر الامام ليس حياً في عالم اليوم وإنما ذكرٌ خامد، فهو (يقوم) بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) كمال الدين ١/ ٣٧٨؛ في الرواية عن الإمام أبي جعفر محمد بن علي الجواد عليهما السلام قال: ".. إنَّ من بعد الحسن ابنه القائم بالحقِّ المنتظر. فقلت له: يا ابن رسول الله لم سمّي القائم؟ قال: لأنّه يقوم بعد موت ذكره وارتداد أكثر القائلين بإمامته. فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ قال؟ لأنَّ له غيبة يكثر أيامها ويطول أمدها فينتظر خروجه المخلصون وينكره المرتابون ويستهزيء بذكره الجاحدون، ويكذب فيها الوقّاتون، ويهلك فيها المستعجلون، وينجو فيها المسلّمون".

(٦١)

ما (يموت ذكره).
هل يجب القيام عند ذكر القائم؟
توجد ممارسة في الوسط الشيعي وهي أنهم عندما يذكر لقب (القائم) مقترنا باسم المهدي يقفون على أقدامهم(٦١).. ولا ريب في عدم وجوبه من الناحية الفقهية، وإن كان حسنا باعتباره أنه يعبر عن الاحترام واعلان الولاء والطاعة إلى حد الوقوف لذكر اسمه الشريف أو لقبه.
هل له أثر عن المعصومين؟
نقل عن سبط المحدث الجزائري المتوفى بعد سنة (١١٢٠ هـ)، في كتاب ألفه عن وفاة الامام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال فيه أنه" لما قرأ لما دعبل الخزاعي قصيدته على الامام الرضا ووصل إلى قوله:

خروج إمام لا محالة خـارج * * * يقـوم على اسم الله والبركات)

فقام الامام (عليه السلام) ووضع يده على رأسه(٦٢)، فكان هذه الحادثة صارت منشأ للقول باستحباب هذه الممارسة.

 

(٦١) وفي خصوص بعض المجالس الحسينية إذا أراد الخطيب أن يقف الناس ويتقدموا إلى داخل المجلس يقرأ بيت السيد حيدر الحلي:

لقد وضعت أوزارها حرب هاشم * * * وقالت قيام القائم الطهر موعدي

(٦٢) ذكره العلامة الأميني في الغدير ١/ ٣٦١ ناقلا عن مشكاة الأنوار ومؤجج الأحزان للشيخ محمد بن عبد الجبار البحراني. والشيخ عبد الرضا بن محمد الأوالي البحراني

 

(٦٢)

 بالطبع فإن هذا الكتاب والكاتب حيث أنه من المتأخرين جدا إذ لا يفصلنا عنه سوى ثلاثة قرون، فلا يكون خبره معتبرا لا سيما أنه لم يرد في مصدر آخر. وإن كانت هذه الممارسة بعنوان أنها من مصاديق احترام المعصوم وتوقيره فتدخل ضمن العمومات التي تحث على توقيره وتعظيمه. لكنه غير واجب.
ـ الحجة(٦٣): وهو من أشهر ألقابه (عليه السلام)، ومناسبته واضحة كمعناه، فإن المعصومين (عليهم السلام) جميعا هم حجج الله على خلقه. يحتج الله بهم على العباد.
ـ ومن ألقابه أيضا (صاحب الزمان) وقد خاطبه والده الامام الحسن العسكري بهذا وهو يودعه في آخر أيام حياته كما نقله الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة: "ابشر يا بني فأنت صاحب الزمان، وأنت المهدي، وأنت حجة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيي وأنا ولدتك وأنت محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) الحجة: كما في مفردات الراغب الاصفهاني - "الدلالة المبينة للمحجة أي المقصد المستقيم"، وفي العقائد ما يحتج به الله على العباد، فالأنبياء وبعثتهم حجة لله على الخلق (فلله الحجة البالغة)، والإمام المفروض من قبل الله على الناس أيضا حجة له عليهم.

(٦٣)

علي بن أبي طالب (عليهم السلام)". (٦٤)
ـ كذلك صاحب الغيبة فإنه قد ورد هذا اللقب في أكثر من رواية عن الامام الرضا (عليه السلام) أنه " الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة "(٦٥) ومثلها حين قال: فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا.. قيل له: فمن القائم منكم أهل البيت قال: الرابع من ولدي ابن سيدة الاماء يطهر الله به الأرض من كل جور ويقدسها من كل ظلم وهو الذي يشك الناس في ولادته وهو صاحب الغيبة قبل خروجه ". (٦٦)
ـ بقية الله: أيضا هو من ألقابه، كما ورد في الرواية عن الامام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): «وأوَّل ما ينطق به هذه الآية «بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ»(٦٧) ثمّ يقول: أنا بقية الله في أرضه وخليفته وحجّته عليكم فلا يسلم عليه مسلم إلّا قال: السلام عليك يا بقية الله في أرضه.. (٦٨)".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) الغيبة ١/ ٢٧٣
(٦٥) الوافي ٢/ ٣٨٠
 (٦٦) جامع أحاديث الشيعة ١٤ / ٥٠٦
(٦٧) هود / ٨٦
(٦٨) كمال الدين ١/ ٣٣١

(٦٤)

الغيبة الصغرى للمهدي والسفراء الأربعة:
تتحدث عن غيبتي الإمام المهدي (عجل الله فرجه) رواياتٌ(٦٩) منها:
١ - "للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأخرى طويلة..
٢ - لصاحب هذا الامر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله والأخرى يقال: هلك، في أي واد سلك"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) منها ما نقله ثقة الاسلام الكليني في الكافي ١/ ٣٤٠ بسند معتبر عن اسحاق بن عمار: للقائم غيبتان أحداهما قصيرة والأخرى طويلة؛ الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه..
وفي أخرى في الكافي ١/ ٣٣٩ أيضا عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه.
وفي ثالثة ١/ ٣٤٠ عن مفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لصاحب هذا الامر غيبتان: إحداهما يرجع منها إلى أهله والأخرى يقال: هلك، في أي واد سلك، قلت: كيف نصنع إذا كان كذلك؟ قال: إذا ادعاها مدع فاسألوه عن أشياء يجيب فيها مثله.

(٦٥)

تتناول هذه الصفحات فترة الغيبة الصغرى، وتعريفا مختصرا عن السفراء الأربعة للإمام المهدي (عجل الله فرجه)، خلال تلك الفترة.
ولأن الحديث هو في الدائرة الإمامية الشيعية، لذلك لن نحتاج إلى الاستدلال على ولادة الإمام الحجة وكونها في زمان أبيه الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)، ولا الاستدلال على وجوده وبقائه حياً، لفرض أن ذلك من المسلمات عند الإمامية، وأنها أنهيت من الناحية الاستدلالية وبُرهن عليها في مواضعها من علم الكلام، وسيرة الامام (عليه السلام)(٧٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) ولم تكن هذه العقيدة ولا الاستدلال عليها وليدة هذه الأيام بل قد ذكرها العلماء في مصنفاتهم، وخصوها بمؤلفات بعيد بدء الغيبة الكبرى، فقد خصص الشيخ الكليني المتوفى سنة ٣٢٩ هـ والذي عاصر الغيبة الكبرى فصلين في الكافي خاصين بأحاديث الغيبة وما يرتبط بها أورد فيه ٣١ حديثا، وقد أوردنا آنفا بعضا منها. وعندما يأتي الدور إلى تلميذه محمد بن ابراهيم النعماني يكتب كتابا خاصا مفصلا في الغيبة من ما يقارب ٥٠٠ رواية توزعت على ٢٦ فصلا. وبعده جاء الشيخ الصدوق (رحمه الله) (ت ٣٨١ هـ) ليكتب كمال الدين وتمام النعمة حيث بحث فيه عن " شخصية الامام الغائب (عليه السلام) ووجوده وغيبته وما يؤول إليه أمره، كل ذلك بالأخبار التي وردت عن المعصومين عليهم السلام "، وتصدى بعد ذلك الشيخ المفيد محمد بن النعمان (ت ٤١٣ هـ) فكتب (٤) رسائل في الغيبة، وأعقبه تلميذه الشريف المرتضى علي بن الحسين الموسوي (ت ٤٣٦ هـ) فكتب (المقنع في الغيبة) وتلاه شيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسى (ت ٤٦٠ هـ) ليكتب كتابه المعروف: الغيبة.. وهكذا. ومن أجمل الكتب التي صدرت مؤخرا في شؤون غيبة الامام المهدي (عليه السلام)؛ موسوعة الإمام المهدي للمرحوم الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (ت ١٩٩٩ م) في أربعة أجزاء: تاريخ الغيبة الصغرى، تاريخ الغيبة الكبرى، تاريخ ما بعد الظهور، اليوم الموعود..

(٦٦)

وإنما سيتم تناول هاتين القضيتين (الغَيبة الصغرى وسفراء الإمام (عجل الله فرجه)). ونذكر هنا النقاط التالية:
أولا: يعتقد الإمامية أن الإمام الثاني عشر(٧١) من أئمة أهل البيت محمد بن الحسن العسكري غاب عن الأنظار، في يوم ٨ ربيع الأول سنة ٢٦٠هـ وهو نفس اليوم الذي توفي فيه أبوه الحسن بن علي العسكري (عليه السلام)(٧٢)، ونفس اليوم الذي تصدى فيه بشكل واضح ورسمي وكيل أبيه ووكيله عثمان بن سعيد العمري للسفارة بينه وبين أتباعه، والنيابة الخاصة عنه. واستمرت هذه الغيبة إلى منتصف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧١) يعتقد الامامية أن ما ورد عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) مشهورا، من أن: "الائمة اثنا عشر من قريش " لا تنطبق بنحو صحيح إلا على الأئمة الاثني عشر (علي بن أبي طالب وولده وهم: الحسن والحسين بن علي سبطا النبي، وعلي بن الحسين السجاد، ومحمد بن علي الباقر، وجعفر بن محمد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي بن موسى الرضا، ومحمد بن علي الجواد، وعلي بن محمد الهادي، والحسن بن علي العسكري، والامام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي.. عليهم السلام).
(٧٢) الإمام الحسن بن علي العسكري ولد في ربيع الآخر سنة ٢٣٢ هـ. تولى الإمامة بعد شهادة والده الإمام علي الهادي (عليه السلام) في سنة ٢٤٥ هـ. شهد عصره ألوانا من الكبت السياسي والفكري مارسها الحكام العباسيون ضده وضد أتباعه من شيعة أهل البيت، كان للإمام العسكري دور متميز في حركة الأمة يتمثل في إعداده الأمة لمرحلة الغيبة، وهو في ذلك كان عليه أن يمارس دورا ذا زاويتين حادتين: - التمويه على الجهاز الحاكم وإخفاء ولادة الإمام المهدي - (عجل الله فرجه)، وكانت المهمة عسيرة إذ جندت السلطة كل أعوانها لمراقبة ورصد ذلك الإمام المنتظر للقضاء عليه. ومن جهة أخرى كان لا بد من التصريح بولادته، بل إظهاره للمقربين من أتباع الإمام ووكلائه. وبعد أن سجن عدة مرات استشهد سنة ٢٦٠، مسموما وعمره ٢٨ سنة. ودفن في سامراء.

(٦٧)

شهر شعبان سنة ٣٢٩ هـ وهي أقل من سبعين سنة بأشهر هذه هي فترة الغيبة الصغرى.
وعندما نقول غيبة الامام، فليس المقصود من ذلك هو الاختفاء البدني، بأن ينزل - كما زعموا في سرداب ويختفي فيه! أو يكون في بستان ولا يخرج منه(٧٣) ـ، بل الذي يستفاد من الروايات أنه غيبة عنوان، حتى مع حضور الشخص، بمعنى أن الشخص قد يكون بين الناس يرونه ويراهم ويعاشرهم ويعاملونه، ولكنهم غير مستحضرين لشخصيته وغير عارفين بحقيقته، وهذا ليس خاصا بالإمام المهدي (عجل الله فرجه)، بل حصل لغيره من الأنبياء(٧٤) والأوصياء والأولياء..
فإن النبي ابراهيم (عليه السلام) عاش في بيت عمه صانع الأصنام، ومع رؤية جنود نمرود إياه ذاهباً وجائياً إلا أنهم لم يكونوا يعلمون أنه بطل التوحيد الذي سيحطم أصنامهم! نعم كانت الفترة الأولى من حمل أمه به ورضاعه وصباه فترة غيبة جغرافية وبدنية فكان مغيبا عن أنظار أهل السلطة(٧٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) وأبعد من ذلك ما زعمه بعضهم تارة من أنه في جزيرة بعيدة تسمى الجزيرة الخضراء، وأخرى بأنه في مثلث برمودا!! ولا دليل على ذلك كله.
(٧٤) عرض لبعضها الشيخ محمد بن علي بن بابويه (الصدوق) في كتابه كمال الدين وتمام النعمة ج ١/ ١٥٥؛ فقد ذكر تحت عنوان خاتمة الأبحاث: بابا في غيبة ادريس النبي، وآخر في غيبة النبي صالح، وثالث في غيبة النبي ابراهيم وخامس عقده لغيبة نبي الله يوسف، ثم غيبة موسى النبي ثم غيبة الأوصياء من بعده..
(٧٥) المنتظم في تاريخ الأمم والملوك ١/ ٢٥٩ ابن الجوزي: فلما أراد اللَّه تعالى إظهار إبراهيم قال المنجمون لنمرود: إنّا نجد في علمنا أن غلاما يولد في قريتك هذه يقال له إبراهيم يفارق دينكم ويكسر أوثانكم في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا، فلما دخلت السنة المذكورة بعث نمرود إلى كل امرأة حاملة بقريته فحبسها عنده ولم يعلم بحمل أم إبراهيم، فجعل لا يولد غلام في ذلك الشهر إلا ذبحه. فلما وجدت أم إبراهيم الطّلق خرجت ليلا إلى مغارة ثم ولدت إبراهيم فيها وأصلحت من شأنه ثم سدّت عليه المغارة ثم رجعت إلى بيتها وكانت تطالعه في المغارة لتنظر ما فعل، فتجده يمص إبهامه- قد جعل اللَّه رزقه في ذلك.

(٦٨)

وأوضح من حال النبي إبراهيم، حال نبي الله موسى، فإنه تربى في قصر فرعون زمانه يغاديه ويراوحه في كل يوم، ولا ريب أنه لو كان يعرف شخصيته وما تنطوي عليه نفسه ومستقبل أيامه لكان قد قتله لحينه! فمع كون النبي مع عدوه في مكان واحد، يراه ويحادثه إلا أن عنوانه كان غائبا عن فرعون.
إلى أن صرح برسالته، وطلب منه أن يرسل معه بني اسرائيل وأن لا يضطهدهم! هنا استجمع فرعون كل تاريخه مع موسى، وقال مستغربا: (قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ)(٧٦).
وإن الغيبة العنوانية في قصة نبي الله يوسف قد تحققت حتى بالنسبة لإخوانه العشرة الذين ظلوا يترددون عليه، ويتعاملون معه ويقابلونه، وهم يظنون أنفسهم أمام (عزيز مصر ورئيس وزرائها) بينما هم في الواقع يتعاملون مع أخيهم وابن أبيهم وهو الذي رموه في بئر ليموت! إلى أن أذن الله له بأن يكشف عن شخصيته الحقيقية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) الشعراء ١٨

(٦٩)

ويخرج من العنوان البديل إلى الشخصية الأصيلة، حينها سألوه: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ * قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾(٧٧).
وقد عُدَّ من سنن الأنبياء التي تحققت في المهدي: سُنة الغَيبة.
بل قد وجدنا نحوا من أنحاء الغيبة الاختيارية، والانقطاع عن الناس، وجدناها في حياة الأئمة المتأخرين (والد المهدي: الامام الحسن العسكري وجده الامام علي الهادي) وقد يكون ذلك بغرض تعويد أصحابهم على العمل ضمن إطار البصائر العامة - ولو لفترة مؤقتة - وعدم الاعتماد على الرجوع إلى الإمام الحاضر بشكل مستمر!
ثانياً: إنه يذكر في مبررات تلك الغيبة تاريخيا، وصول العنف العباسي المعادي لأهل البيت عليهم والسلام إلى أقصى درجاته، والتخوف على حياة الامام المهدي من الاستئصال، والانهاء من قبل أعدائه الحاكمين.
ولعل المقياس الذي لا تخطئه العين الناظرة، هو أعمار الأئمة السابقين للإمام (عليه السلام) وسبب شهادتهم، فلو قارنّا بين الامام الحسين (عليه السلام) أو ابنه السجاد، بل حتى مثل الامام الصادق.. وجدنا أعمارهم - مع أنهم قتلوا في ظروف مختلفة من قبل حاكميهم -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) يوسف ٩٠

(٧٠)

تتراوح ما بين الثامنة والخمسين والثانية والستين، وأما عندما نأتي إلى الطرف الأخير من قائمة المعصومين (عليهم السلام)، سوف نجد أن الامام محمدا الجواد اغتيل بالسم وهو ابن ٢٦ سنة!! والامام الحسن العسكري عمره ٢٨ سنة!! وهذا يشير إلى مستوى مرتفع من العنف السلطوي، بحيث أنه لا يتحمل شخصية مسالمة، لم يعرف عنها معارضة سياسية فضلا عن العسكرية كالأئمة المذكورين!! فلم يكتفِ أولئك الحاكمون بالمراقبة، ولا بالعزل الاجتماعي، بل ولا بالسجن بالنسبة لبعض الأئمة وإنما وصلوا إلى إنهاء حياة الأئمة بقتلهم بالسم.
ولذا يعتقد أنه لو سار الإمام المهدي سيرة آبائه من الظهور والتصدي العلني للأمور لكان ينتهي أمره كما انتهت إليه أمورهم! من هنا كانت الغيبة وعدم الظهور أمراً ضروريا ولازما.
ثالثاً: إن الغيبة العنوانية التي تحدثنا عنها، لم تكن تساوي انعدام الدور!! فقد كان الامام المهدي (عجل الله فرجه) قد مكث ما يقارب سبعين سنة في الغيبة الصغرى، وكان فيها يمارس مهام الإمامة وإن كان من وراء حجاب وبغير ظهور مباشر.
وقضية الادارة غير المباشرة بل المحتجبة، أصبحت اليوم مفهومة أكثر من أي وقت مضى، فإن الشركات العملاقة، ودوائر المخابرات العظمى، والحركات السياسية والعسكرية في العالم،

(٧١)

تدار بواسطة رؤساء غير ظاهرين، وتحرك من خلال إدارات غائبة عن الظهور المباشر نعم هي تحتاج إلى بيئة اجتماعية متقدمة لا تربط قبول الشخص وقوة إدارته بكثرة ظهوره العلني! وفي الحالة التي نحن فيها تم تعويد المجتمع الشيعي منذ أيام الامام علي الهادي على قيادة قد تختفي لبعض الوقت وتغيب أو تُغيَّب، ومارس الأئمة (عليهم السلام) في ذلك الوقت عبر وكلائهم ما سيحصل مستقبلا أثناء الغيبة الصغرى بل الكبرى للإمام المهدي.
ولم يتغير على شيعة أهل البيت شيء حتى الخط الذي كان يكتب به الأجوبة في زمان الإمام العسكري كان يخط به أيضا أجوبة الناس في زمان الإمام الحجة المهدي حتى لا يبقى أي نوع من أنواع الشك والترديد.
رابعاً: كان الامام المهدي في فترة الغيبة الصغرى حريصا على إزالة كل منفذ من منافذ الشك والترديد في أمره، فقد كان يخرج على بعض أصحابه في أزمنة ومواضع يختارها، ويظهر لهم شخصيته وربما أخبرهم بسبب زيارته لهم، أو استقباله إياهم، فقد أخرج الحر العاملي (٧٨) بإسناده عن عيسى بن محمّد الجوهري في حديث أنه خرج إلى الحج واعتلّ علّة فاشتهى السمك والتمر، وبلغه أن صاحب الزمان (عليه السلام) ظهر بصاريا، فصار إليها فلما صلّى العشاء قال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٨) إثبات الهداة ٥/ ٣٢٩

(٧٢)

له خادم: ادخل فدخل القصر فإذا مائدة فأجلسه عليها، وقال له: مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت في علتك، فنظر فإذا سمك حار يفور وتمر ولبن، قال: فقلت في نفسي: عليل وسمك وتمر ولبن؟
فصاح بي يا عيسى أ تشكّ في أمرنا أو أنت أعلم بما ينفعك وما يضرك؟ فأكلت من الجميع وكلما رفعت يدي لم يتبيّن موضعها فيه، ووجدت أطيب ما ذقته في الدنيا فأكلت كثيرا حتى استحييت فصاح بي لا تستح يا عيسى فإنه من طعام الجنة، فأكلت فقلت: حسبي فصاح بي أقبل إليّ، فقلت في نفسي: لم أغسل يدي؟ فصاح بي: وهل لما أكلت غمر؟ فشممت يدي فإذا هي أعطر من المسك والكافور، فدنوت منه فبدا لي نور غشى بصري.
ورهبت حتى ظننت أن عقلي قد اختلط، فقال لي: يا عيسى! ما كان لك أن تراني لو لا المكذّبون القائلون أين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج إليكم منه؟ وبأيّ شي‌ء نبأكم؟ وأيّ معجز أتاكم؟ أما واللّه لقد دفعوا أمير المؤمنين مع ما رووه وقدّموا عليه، وكادوه وقتلوه، وكذلك فعلوا بآبائي (عليهم السلام) ولم يصدّقوهم، ونسبوهم الى السحرة والكهنة وخدمة الجنّ إلى ما تبين...
إلى أن قال: يا عيسى فخبّر أولياءنا ما رأيت، وإيّاك أن تخبر عدوّنا فتسلبه فقلت: يا مولاي ادع لي بالثبات، فقال لي: ولو لم يثبّتك اللّه ما رأيتني، فامض بحاجتك راشدا، فخرجت وأنا أكثر حمدا للّه وشكرا.

(٧٣)

وكان هكذا في أيام غيبته الصغرى والأولى، ومثل ذلك كثير في الغيبة الثانية والكبرى.
ولا يتجلى الامام لأفراد معينين، بل يكون في حياة المؤمنين، ناظرا ومراقبا ومتحركا، كما رواه الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كمال الدين بسند معتبر عن محمد بن عثمان العمري، النائب الثاني للإمام المهدي (عليه السلام)،أنه قال: (والله إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه).
الأمر الثاني: ترافق زمان الغيبة الصغرى مع تكامل تنظيم التراث الحديثي المرتبط بالتشريع والعقائد في مدرسة أهل البيت، وذلك بصدور كتاب الكافي(٧٩) لثقة الاسلام الكليني (ت ٣٢٩ هـ).
وبإطلالة سريعة - ولبيان أهمية هذا الأمر - نشير إلى أن مما امتازت به مدرسة أهل البيت أنهم لم يتوقفوا عن تدوين الحديث وكتابته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٩) الكافي: لثقة الاسلام محمد بن يعقوب؛ من أهم الكتب التي يعتمد عليها فقهاء الإمامية ومتكلموهم في الاستدلال، جمع فيه حوالي ١٦ ألف حديث (يختلف الرقم ببعض الاعتبارات التي أشرنا إليها في فصل عن الشيخ الكليني من كتابنا: من أعلام الإمامية) وهو بهذا العدد يكون حوالي أربعة أضعاف صحيح البخاري ومن حيث التقسيم العام فهو ينقسم إلى الأصول؛ وفيه مباحث العلم والجهل، ثم بحوث التوحيد وصفات الله وكيفية معرفته، ثم مباحث الحجة وفيها أحاديث عن مقامات الحجج الالهية وصفاتهم وعلمهم ثم النصوص على الأئمة الاثني عشر وأبواب تواريخهم.. ومن أقسامه: الفروع يشتمل على الأحاديث الواردة في أبواب الفقه من عبادات ومعاملات؛ وثالث الأقسام: الروضة وتشتمل على الخطب والوصايا والمواعظ الأخلاقية الهادفة إلى تزكية النفس..

(٧٤)

منذ أيام النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله)، واستمر ذلك في زمان المعصومين (عليهم السلام)، وعلى خلاف مدرسة الخلفاء التي نقل علماؤها أحاديث تشير إلى التوقف عن كتابة الحديث النبوي والاقتصار على القرآن، وأصبح هذا قرارا رسميا سلطانيا لا يتجاوز إلى زمان الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز أي بعد قريب قرن من هجرة النبي (صلَّى الله عليه وآله)، كان هناك توجيه من النبي وأهل البيت بعده إلى كتابة الحديث والاحتفاظ بالروايات لأنهم سيحتاجونها فيما بعد.
على أثر هذا فقد اجتمع آلاف الأحاديث عند أصحاب الأئمة، وتلامذتهم، بعضها عرف باسم الأصول الأربعمائة، وقد سدت هذه الأحاديث فراغا كبير في ميدان النصوص التي يعتمد عليها الفقهاء في الاستنباط والاستدلال.
إلَّا أنها كانت متوزعة ومتفرقة من الناحية الجغرافية بحسب سكن أصحابها ومعيشتهم، ومتفرقة أيضا بحسب عناوينها حيث أن اهتمامات كل راو ومصنف لا تتفق بالضرورة مع كل اهتمامات غيره من الرواة(٨٠)، فكان جمع هذه الروايات من مصادرها، وتنظيمها في الأبواب الأساسية (أصول العقائد، الفروع الفقهية، الأخلاق والمواعظ (الروضة) عملا في غاية الأهمية.
لا نقول أن ذلك تم بترتيب الإمام (عليه السلام) حتما وإنما نتحدث عن الترافق الزمني وحصول هذا العمل في زمان غيبته الصغرى سلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) يشهد لذلك أننا وجدنا بعض الرواة لديهم أشبه ما يكون بتخصص في أسئلة الحج ورواياته، ولدى آخرين - بحسب الابتلاء - اسئلة كثيرة في المعاملات، وهكذا!

(٧٥)

الله عليه.
الأمر الثالث: أنه تم إرساء نظام السفارة الخاصة خلال الغيبة الصغرى، وهو تطور عن نظام الوكالة الذي كان سائدا في أزمنة المعصومين السابقين على الامام الثاني عشر، ولنظام الوكالة عن الامام الحاضر خصائصه(٨١). ونظام السفارة هذا (النيابة الخاصة) هو مقدمة لنظام النيابة العامة الذي سوف يصبح فيما بعد من أهم مقومات الكيان الشيعي وسيتنظم فيما يعرف بالمرجعية الدينية (بالمعنى الخاص عند الامامية).
ومن الفروق بين النيابة الخاصة في زمان الغيبة الصغرى والأخرى العامة في الغيبة الكبرى، أن نواب الإمام في الصغرى معينون منه بالاسم، ولذا لا يجوز لأحد منافستهم أو مزاحمتهم أو التصدي للمهام العامة للشيعة بدون إجازتهم وفي عَرضهم، مهما كانت مرتبته العلمية أو الاجتماعية عالية(٨٢).
وهذا بخلاف النيابة العامة في زمان الغيبة الكبرى فإن من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) للاطلاع على هذا النظام وخصائصه ووكلاء الأئمة يراجع كتابنا: نظام الادارة الدينية عند الشيعة الامامية
(٨٢) تصرف الحسن بن متيل عندما تم ترشيح الحسين بن روح ولمّا حضرته الوفاة كان جعفر بن أحمد بن متّيل القمي جالساً عند رأسه يسأله ويحدّثه، وأبو القاسم بن روح عند رجليه، وكأنّ جعفر بن متّيل لم يكن قد اطّلع على وصية أبي جعفر إلى أبي القاسم، فالتفت أبو جعفر إليه وقال له: أُمرت أن أُوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح. قال جعفر بن متّيل: فقمت من عند رأسه وأخذت بيد أبي القاسم وأجلسته في مكاني وتحولت إلى عند رجليه‌.

(٧٦)

توفرت فيه العناوين العامة التي عينتها الروايات، فهو أحد من يتم الرجوع إليهم حيث لا تعيين بالاسم وإنما التعيين بالصفة والعنوان مثل (رواة حديثنا)، (الفقهاء)، بصفات (صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا لهواه)
النواب الخاصون:
عين الامام الحجة (عليه السلام) أربعة من النواب والسفراء الخاصين له طول فترة الغيبة الصغرى (أقل من سبعين عاما) وكانوا بهذا الترتيب:
١ - عثمان بن سعيد العَمْري (ت حوالي ٢٦٥ هـ)، وكان عثمان هذا الذي يلقب أحيانا بالسمّان والزيات وكيلا لعدة أئمة، فهو وكيل للإمام علي الهادي ثم لابنه الحسن العسكري وأخيرا لمدة خمس سنوات تقريبا للإمام الحجة (عليهم السلام)، وجاء توثيقه ومعه ابنه السفير الثاني في رواياتهم (عليهم السلام).
أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن - يعني عن الامام الهادي (عليه السلام) - قال: سألته، وقلت: من أعامل؟ وعمّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون»، وعن أحمد بن إسحاق أيضا، أنّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) - يعني الامام العسكري (عليه السلام) - عن مثل ذلك؟ فقال: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي

(٧٧)

يؤدّيان وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان».
٢ - محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري: ويكنى بأبي عمْرو (ت ٣٠٤ هـ) وهو السفير الثاني ويعتبر الأبلغ تأثيراً في إدارة شؤون شيعة أهل البيت فترة الغيبة الصغرى لأن مدة سفارته ونيابته عن الإمام الحجة استمرت قرابة أربعين سنة (من بعد وفاة والده حوالي سنة ٢٦٥ هـ إلى وفاته ٣٠٤ هـ)، وكان من أيام والده في رحاب العمل مع الأئمة ومحل ثقتهم، ولذلك فقد ورد الثناء عليه وتزكيته منذ أيام أبيه في زمان الامام الحسن العسكري (عليه السلام)، كما يظهر في الرواية السابقة التي يرويها أحمد بن اسحاق.
وإنها لنعمة عظيمة أن تكون أسرة حاملة لشرف النيابة الخاصة عن الامام بل عن آبائه في اثنين من رجالها، وفي أعظم وأكبر فتراتها (حوالي ٤٥ سنة فترة الغيبة الصغرى) ويضاف إليها ما قبلها في أيام الإمامين الهادي والعسكري.
وتوسع هذا السفير المكرم في عمله التبليغي والارشادي وإدارة شؤون الشيعة إلى حد أنه كان له في بغداد وحدها عشرة وكلاء. كان منهم من أصبح فيما بعد نائبا خاصا للإمام المهدي وهو الحسين بن روح، وكان فيهم من هو على ذلك المستوى من حيث احتوائه على صفات الوكيل والسفير بدرجة دون ابن روح، وكان - وأمثاله على

(٧٨)

درجة عالية من التحرز للإيمان، والزهد في الدنيا(٨٣).
٣ - الحسين بن روح النوبختي (ت ٣٢٦ هـ): أخبر عن نيابته عن الامام الحجة (عليه السلام)، السفيرُ الثاني مرارا وفي مناسبات مختلفة فمنها: ما أخبر عنه أبو عبد الله جعفر بن محمد المدائني وكان يأتي بالأموال إلى السفير الثاني فأمره بأن يعطيها للحسين بن روح، فتوقّف في ذلك إلى أن رجع إلى الشيخ أبي جعفر الذي قال له وهو مغضب: قُمْ عافاك الله فقد أقمت أبا القاسم حسين بن روح مقامي ونصَّبتُه منصبي، فقلتُ: بأمر الإمام فقال: قُمْ عافاك الله كما أقول لك، فلم يكن عندي غير المبادرة.
ومنها ما كان وهو في آخر ساعات حياته، فإنه قد دعا وكلاءه في بغداد، وكبار شخصيات الشيعة، وبينما هم قد أحدقوا بفراشه، سأله جعفر بن أحمد بن متيل، وكان الكثير من الوكلاء يتوقع أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) الطوسي؛ محمد بن الحسن شيخ الطائفة؛ كتاب الغيبة ٣٦٩: قال (ابو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه القمي): وقال مشايخنا: كنا لا نشك أنه إن كانت كائنة من أمر أبي جعفر (محمد بن عثمان) لا يقوم مقامه إلا جعفر بن أحمد بن متيل أو أبوه لما رأينا من الخصوصية (به) وكثرة كينونته في منزله، حتى بلغ أنه كان في آخر عمره لا يأكل طعاما إلا ما أصلح في منزل جعفر بن أحمد بن متيل وأبيه بسبب وقع له، وكان طعامه الذي يأكله في منزل جعفر وأبيه. وكان أصحابنا لا يشكون إن كانت حادثة لم تكن الوصية إلا إليه من الخصوصية (به) فلما كان عند ذلك وقع الاختيار على أبي القاسم (الحسين بن روح) سلموا ولم ينكروا، وكانوا معه وبين يديه كما كانوا مع أبي جعفر رضي الله عنه، ولم يزل جعفر بن أحمد بن متيل في جملة أبي القاسم رضي الله عنه وبين يديه كتصرفه بين يدي أبي جعفر العمري إلى أن مات رضي الله عنه..

(٧٩)

يكون جعفر هذا هو السفير الثالث: إذا حدث بك أمر الله فلمن الأمر بعدك؟ قال لهم: هذا أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (عليه السلام) والوكيل [له] والثقة الأمين، فارجعوا إليه في أموركم وعوِّلوا عليه في مهمَّاتكم فبذلك أُمِرت وقد بلَّغت.
ويظهر من مجمل ما ذكر عنه أنه كان في غاية الحكمة في ادارة الصراع مع الحاكمين العباسيين بل مع أصحاب الخط المخالف لأهل البيت والذين كانوا في ذلك الوقت على درجة غير عادية من التطرف، فكان لا بد من استعمال التقية بأفضل صورها وهو ما اتقنه الحسين بن روح.
فمع أنه كان سفير الامام (عليه السلام) وعبره تأتي الرسائل للإمام ويتلقى أجوبتها لأصحابها، فإنه كان معظما عند علماء السلطة الرسميين، وكان يدخل عليه عشرة؛ تسعة منهم يعادونه وواحد مشكك، فيسمعون كلامه ويخرجون تسعة منهم يؤيدونه وواحد منهم مشكك!
يضاف إلى ذلك قوة ارادته في التكتم على معلوماته على الامام الحجة ومكانه، مع أنه يلتقيه ويعرف مكانه.. وهذا ما أشار إليه أبو سهل النوبختي وهو عالم متقدم في الشيعة، ومعاصر للحسين، في جواب من سأله عن سر انتخاب الإمام للحسين دون أبي سهل.. فقال أبو سهل النوبختي حين سئل: كيف صار هذا الامر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه كما

(٨٠)

علم أبو القاسم وضغطتني الحجة لعلّي كنت أدُلُّ على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(٨٤).
استمرت مدة سفارته من (٣٠٤ - ٣٢٦ هـ) ويقال إنه تخللها فترة تم فيها احتجازه لنحو ثلاث سنوات.
٤ - علي بن محمد السمري (ت ٣٢٩ هـ) وكانت مدة سفارته قصيرة (٣ سنوات) وهي أشبه بمرحلة انتقالية إلى الغيبة الكبرى، لذلك لم يحصل فيها شيء استثنائي خصوصا وأن الخلافة كانت في سامراء، وهو كان في بغداد إنما هو تمهيد للغيبة الكبرى حيث سيتعامل الناس مع العلماء الفقهاء والمجتهدين، وبعد ثلاث سنوات جاءه الخبر قبل وفاته بستة أيام بواسطة توقيع من الإمام (عليه السلام):" بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم، يا عليَّ بن محمّدٍ السِّمَّريّ أعظمَ اللهُ أجرَ إخوانِكَ فيكَ، فإنّكَ ميِّتٌ ما بينكَ وبينَ ستّةِ أيّامٍ، فاجمع أمرَكَ ولا توصِ إلى أحدٍ يقومُ مقامَكَ بعدَ وفاتكَ، فقدْ وقعتْ الغيبةُ الثّانية، فلا ظهورَ إلّا بعد إذن الله -عزَّ وجلَّ- وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتِي مَنْ يَدَّعي المشاهدةَ، ألا فَمَن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السّفيانيِّ والصّيحة، فهُوَ كذَّابٌ مفترٍ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلّا باللهِ العليِّ العظيمِ".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٤) الغيبة للشيخ الطوسي: ١/٣٩١.

(٨١)

دور الامام المهدي في الغيبة الكبرى:
دور الامام المهدي الغيبة الكبرى؟
ليكون المقال ذا ثمرة، فلا بد أن يتم تحديد الفئة المستهدفة به والتي يوجه إليها، فإن من غير الطبيعي مثلا أن يوجه هذا الحديث لغير المسلم الذي لا يعتقد بنبوة رسول الله فضلا عن إمامة الأئمة، حتى يبحث معه في دور الامام الأخير، وهكذا ليس من الطبيعي أن يتم توجيه هذا الحديث لغير المنتمي إلى مذهب أهل البيت، حيث أنه لا يعتقد بوجود وحياة الامام المهدي، حتى يبحث معه عن دوره في هذه الحياة!!
إنما نحن نتحدث مع الامامي الاثني عشري الذي يعتقد بإمامة الامام المهدي (عجل الله فرجه)، وسائر شؤونه، وأنه مولود منذ سنة ٢٥٥ هـ، وأنه حي لكنه غائب - بصفته - عن مباشرة الناس. والمفروض أنه تمت إقامة الأدلة على تلك الاعتقادات.

(٨٣)

مصطلحات:
سوف يتكرر مصطلح (غيبة الامام المهدي) في هذا المقال، ولذا يحسن توضيحه، (غيبة الإمام المهدي) المقصود بها هنا: ليس غيبة جغرافية أو بدنية، بمعنى أنه لا يستطيع أحد رؤيته لاختفائه مثلا، أو لكون بدنه بنحو خاص، وإنما المقصود هو غيبته العنوانية، واختفاؤه بصفته، فقد يكون انسان حاضرا في مجتمع من الناس ولكنهم لا يعرفون صفته ودوره ومستواه، وهذا يشبه ما ورد من أن الله أخفى ثلاثة في ثلاث:.. وأخفى وليه بين عباده.. فلا يكاد أحد يعرف هذا الشخص بكونه من أولياء الله وإن كان يتعايش معهم. وما ورد من أنه (عليه السلام) يشهد الموسم (الحج) فيراهم ولا يرونه (٨٥) ويعرفهم ولا يعرفونه. وورد التمثيل بقصة نبي الله يوسف، حيث كان يعرف الناس ولا يعرفونه، بل لم يكن يعرفه حتى اخوته مع أنهم يتعاملون معه مباشرة بعدما صار عزيز مصر.
والغيبة الكبرى: هي فترة الاختفاء (بالنحو السابق) التي تبدأ من سنة (٣٢٩ هـ) والمستمرة إلى أيامنا هذه.
والدور: ما يعم الفعل الاختياري للإمام، والنتيجة المترتبة على وجوده، وإن لم تكن باختياره وإنما بالفعل الغيبي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٥) الكافي ١/٣٢٧

(٨٤)

مقدمات:
١ - يظهر أن هذا السؤال، قد أثير في مرحلة مبكرة جدا، تصل إلى قرابة قرنين من الزمان قبل ولادة الامام، فإن هناك رواية عن النبي المصطفى في صورة سؤال عن الفائدة المترتبة على وجود الامام مع غيبته، وأنه كيف يتم الانتفاع به.
ومع التأمل في الرواية، وظلالها، يمكن أن نستفيد فكرة وهي أن الحديث عن الامام، وعن تفاصيل قضيته كان موجودا لدى المسلمين أو بعضهم، لا في أصل إمامته أو إمكان الغيبة، وإنما في تفاصيل ذلك. وفي هذه الرواية وغيرها وهو كثير قد تعرض له العلماء الذين كتبوا في بحث الغيبة.. رد على بعض من قال من المتأخرين من أن العقيدة المهدوية هي رد فعل على الظروف الصعبة التي عاشها الشيعة في أزمنتهم المختلفة فكانوا يحتاجون إلى (أمل) يخرجهم من تلك الظروف ولو لم يكن حقيقيا، فكانت فكرة المهدي وشخصيته.
إنه مع التوجه إلى أن الروايات في المهدي قد صدرت في عصر النبي (صلَّى الله عليه وآله)، وأمير المؤمنين والحسنين (عليهم السلام)، لا يكون هناك من معنى للحديث عن أنها رد فعل حدث في أزمنة متأخرة! أو أن الشيعة على أثر الأوضاع السياسية الضاغطة (ابتكروا) فكرة المهدي وولادته وغيبته!
٢ - ما سيأتي من الحديث سيفترض أنه يناقش القضايا من داخل

(٨٥)

المنظومة العقدية للشيعة الإمامية، وبنفس الأدلة التي تساق فيها، وبالتالي فسيستفيد من الكليات التي تمت مناقشتها والاستدلال عليها في علم الكلام عندهم، كما سيستفيد من الأدلة النقلية - ضمن المنهج المعمول به عندهم.. ولذا قد لا يكون مفيدا لمن لا يعتقد بهذه المنظومة أو لا يصحح هذا المنهج الاستدلالي..
وبعد هذه المقدمات نقول، إنه قد وردت روايات، يتم السؤال فيها عن وجه الانتفاع بالإمام المهدي في غيبته، والسؤال بحد ذاته يقتضي أن تكون أصل قضية الامام المهدي ثم غيبته (ومعنى ذلك كونه مولودا وحيا، ولكنه غائب.. لا أنه سيولد في آخر الزمان كما تذهب إليه مدرسة الخلفاء.. يقتضي التسليم بهذه الأمور والمفروغية من تماميتها.
فقد سئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كيفية الانتفاع بالإمام المهدي (عليه السلام) في غيبته، فقال: (إي والذي بعثني بالنبوة إنهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلّلها السحاب)(٨٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) حدثنا غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا محمد بن همام، عن جعفر بن - محمد بن مالك الفرازي قال: حدثني الحسن بن محمد بن سماعة، عن أحمد بن الحارث قال: حدثني المفضل بن عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر بن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله عز وجل على نبيه محمد (صلَّى الله عليه وآله) " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " قلت " يا رسول الله عرفنا الله ورسوله، فمن أولو الامر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال (عليه السلام): هم خلفائي يا جابر، وأئمة المسلمين (من) بعدي أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن والحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي وكنيي حجة الله في أرضه، وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه.. « إلى أن سأله عن فائدته مع غيبته فأجابه بما ذكر في المتن.. إكمال الدين ١ / ٢٥٣. 

(٨٦)

وعن الصادق (عليه السلام) في حديث.. ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله. قال: سليمان، فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال: كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب(٨٧).
وروي أنه خرج من الناحية المقدسة إلى إسحاق بن يعقوب على يد محمد بن عثمان: (وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي، فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء)(٨٨).
ويلحظ في التوقيع الأخير، أن هناك نهيا عن تكلف معرفة الاسباب الكامنة وراء الغيبة، وأنها لماذا؟ وربما يكون ذلك عائدا إلى عدم الفائدة في التفتيش عن تلك الأسباب، لأنه لا يرتبط أمر الاعتقاد بالقادة الالهيين، بمعرفة تفاصيل أدوارهم الظاهرة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) إكمال الدين ١ / ٢٠٧.
(٨٨) إكمال الدين ٢ / ٤٨٥، الاحتجاج ٢ / ٢٨٤.

(٨٧)

أو الخفية، فهل يلزم أن نعرف ماذا به الخضر مثلا وهو حي، على المعروف عند المسلمين، حتى نعتقد به؟ ولولا أن القرآن نقل عنه بعض القصص مع موسى، لما كان لنا طريق لنعرف ماذا يقوم به؟ وهذه القصص بالنسبة لنا تعتبر من الأمور الماضية.. وأما سائر أموره الحاضرة والفعلية، فلا نعلم عنها شيئاً...
فهذه الروايات الثلاث يلحظ فيها توجه واحد وهو تشبيه فائدة الامام المهدي، مع كونه غائبا، بفائدة الشمس إذا جللها وغطاها السحاب.. وكأن هذه الروايات تريد أن تقول:
إنه لا ربط بين الغيبة وعدم الدور: فمن الممكن أن يكون شخص ظاهر المثال أمام الناس ومع ذلك، غائب الشخصية والعنوان وهو يمارس دوره بكفاءة تامة، وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثالا بالنبي يوسف بن يعقوب (عليه السلام): فإنه كان يدير بلدا بحجم مصر، ويدبر اقتصادا بسعة اقتصادها، وكان الرجل الثاني بعد ملكها، ولكنه لم يكن معروفا لا للملك ولا حتى لإخوته الذين (دخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون)! هذا في القديم.
وأما في العالم المعاصر فقد اتضحت لكل متأمل، فكرة أن الغيبة (لا سيما العنوانية) لا تمنع قيام الشخص بأدواره المختلفة، فإن فكرة الحكومة الخفية في العالم الآن أوضح من الماضي،. (المخابرات / المنظمات العالمية.. الدولة العميقة..)، بل إن الشركات الكبرى تدار من وراء أزرار الكمبيوتر على يد أناس لا يعرفهم أغلب العاملين في نفس هذه الشركات فضلا عن غيرهم!

(٨٨)

والمثال الذي ورد في الروايات الثلاث، وهي صادرة في عصور مختلفة تمتد إلى حوالي قرنين ونصف من الزمان، هو التمثيل بالشمس إذا غيبها السحاب..
١ - لولا الحجة لساخت الأرض:
يستفاد من كثير من الروايات أن هناك ارتباطا بين وجود الحجج الالهيين وبين ثبات الارض واستقامتها، وعدم انهيارها.. ولقد صارت هذه الفكرة من المسلمات عند الإمامية حتى أنها يستدل بها ولا يستدل عليها، واعتمدوا في ذلك على الروايات الكثيرة الواردة عن المعصومين، فمن ذلك "
هل معناها الفساد التشريعي لأهل الأرض أو التكويني لها؟
وقد اختلف العلماء في النظرة إلى مفاد هذه الأحاديث فهل المقصود منها، الفساد التشريعي، واختلال القانون والنظام، وبعد الناس عن شريعة الله عز وجل؟ أو أن المقصود منها هو الفساد التكويني بمعنى أن الكون في وجوده وبقائه مرتبط بوجود الحجة الالهي (وهو في هذا الزمان صاحب العصر الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن)؟، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى جعل ارتباطا بين بقاء الأرض وبين وجود النبي او الامام..
فمما يشير إلى المعنى الأول وهو الفساد التشريعي بعدم وجود الحجة..

(٨٩)

ما رواه في الكافي بسند معتبر (٨٩)عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام، كيما إن زاد المؤمنون شيئا ردهم وإن نقصوا شيئا أتمه لهم.
وهو واضح في أن المقصود من وجود الامام (عليه السلام)، هو أن يرد الإمام المؤمنين عن الزيادة - في الدين - وأن يتمه لهم إن نقصوا منه!
ومنه أيضا ما رواه في نفس الباب بسند معتبر(٩٠) عن أحدهما (عليهما السلام) قال: إن الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يعرف الحق من الباطل.
ومنه الحديث العاشر في الباب بسند فيه محمد بن الفضيل(٩١) قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت. وقد تبنى المولى المازندراني شارح الكافي أن معنى ساخت: أي لغاصت في الماء وغابت، ولعله كناية عن هلاك البشر وفنائهم، غير أن المحشي (الميرزا أبو الحسن الشعراني) قال: أنكر السيد المرتضى (رضي الله عنه) في الشافي أن يكون مذهب الإمامية زوال الأرض وهلاكها تكوينا أما قولهم «لولا الحجة لساخت الأرض»

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٩) علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، وسعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمار.
(٩٠) علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أحدهما (عليهم السلام)
(٩١) بن كثير الأزدي، فيه كلام، فقد ضعفه الشيخ وذكر في المعجم، أنه من رجال كامل الزيارات. 

(٩٠)

فإن ثبت صدوره من الإمام المعصوم كان المراد الفتنة والضلال وهلاك الناس بزوال الأمن والسعادة لأن عدم وجود الإمام العادل المتصرف إما أن يكون بعدم وجود أمير مطلقا وفساد ظاهر، وإما بوجود جائر أو جاهل وهو مثله(٩٢).
ـ والقول الثاني: أن المقصود هو الفساد التكويني، فمثلما الزلازل مثلا تنتهي إلى اعدام اجزاء من الأرض، أو البراكين والسيول، فإن عدم وجود الحجة الالهي أيضا ينتهي إلى هذه النتيجة..
فمما يدل عليه ما رواه الكليني بسند(٩٣) فيه محمد بن الفضيل - وقد تقدم ذكره - عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قلت: فإنا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد فقال: لا، لا تبقى إذا لساخت.
وقد نفى الامام الرضا في هذه الرواية، المعنى الذي كان تبادر إلى ذهن السائل، من أنه يمكن أن تبقى الأرض ولكن يكون أهلها مسخوطا عليهم من قبل الله تعالى، وهو المعنى الأول الذي ذكرناه (الفساد التشريعي، والضياع من جهة الهداية والأحكام) وأوضح أنها لا تبقى أصلا!
ومما تشير إليه الرواية الثانية عشر من الباب نفسه بسند ليس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) شرح أصول الكافي ٥/ ١٢٦
(٩٣) علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل

(٩١)

تاما (٩٤)عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله.
وقد علق عليه المولى المازندراني بقوله: (لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله) ماج البحر يموج موجا اضطربت أمواجه وكذلك الناس يموجون. شبه اضطراب الأرض وأهلها بموج البحر وأهله للإيضاح وكنى به عن زوالها وزوال أهلها لأن الاضطراب المذكور يستلزمها والباء في الموضعين للتعدية أو بمعنى مع.
وقال في موضع آخر(٩٥) في خصوص الامام المهدي (عجل الله فرجه): هو حي موجود قامت السماوات بوجوده ولولا وجوده لساخت الأرض بأهلها طرفة عين.
ومن المعاصرين عبر عن هذه الفكرة المرحوم الشيخ المنتظري: ان الهدف من تعيين الامام لا ينحصر في إدارة الأمور السياسية في المجتمع والحفظ الظاهري للدين وتبيين احكام الشريعة فقط، بل هو مضافا إلى ذلك واسطة الفيض واللطف الإلهي وهو العلة الغائية العظمى في نظام التكوين، وقد ورد في الأخبار انه لو انعدم الامام لساخت الأرض بأهلها، وقد أشار التوقيع المتقدم إلى ذلك بقوله: «واني لأمان لأهل الأرض "، وقال الطوسي (قدس سره): «وجوده لطف " اي ان نفس وجوده لطف الهي على العباد. هذا مضافا إلى أنه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٤) علي عن محمد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن أبي هراسة،
(٩٥) شرح الكافي ١/ ٣٠٢

(٩٢)

وفقا للوقائع الكثيرة والمنقولة في الكتب المعتبرة فان الامام الحجة قد أتى وظهر متنكرا وأعان أصحابه وأنصاره في ساعات العسرة والضنك (٩٦).
كما أشار إليه السيد جعفر مرتضى العاملي بقوله: وقد اتضح أيضا أن وجود الإمام المعصوم في كل عصر وزمان أمر حتمي وضروري حتى ولو كان غائبا ومستورا، لأن هذا الإمام يحفظ ويرعى كثيرا من المواقع والمواضع في هذا الكون المسخر للإنسان، والتي لولا حفظه ورعايته (ع) لها وقعت الكارثة، كما أنه لولاه لساخت الأرض بأهلها، كما ورد في الروايات المعتبرة. وبذلك نعرف السر في أن الروايات قد ذكرت: (أنه لو بقيت الأرض بغير إمام)، أو (لو أن الإمام رفع من الأرض ولو ساعة لساخت بأهلها، وماجت كما يموج البحر بأهله) (٢). وأصبح واضحا معنى الرواية التي تقول: (وأما وجه انتفاع الناس بي في غيبتي فكالشمس إذا جللها عن الأنظار السحاب)(٩٧).
ويمكن لأصحاب هذا الاتجاه أن يقولوا - ردا على استغراب واستنكار الارتباط بين وجود النبي أو الامام وبين ثبات الأرض ـ: بأن عدم معرفتنا بكيفية ذلك لا يعني عدم وجوده، فنحن لا نعرف كيف هي أدوار الملائكة في هذا الكون.. وكيف تتصرف في الطبيعة، مع أن القرآن أثبت ذلك والروايات، وعليه رأي المسلمين وأنهم قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٦) كتاب من المبدأ إلى المعاد / ١٧٠
(٩٧) خلفيات مأساة الزهراء ١/٢١٥

(٩٣)

كلفوا بأدوار مختلفة ومتعددة فيه.. وتفسر الآيات الواردة في سورة الذاريات بهذا: (فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا).
لا سيما وأن هناك أسبابا في الكون لا نعلم حقيقتها كالجاذبية، وخاصية الالتصاق في الاشياء، وحقيقة الماء التي بها يصير كل شيء حي (ولا توجد في غيره من السوائل بالرغم من سيولته) بحيث لو أن شيئا منها انهدم لانهدم الكون، ومثلما أن الروح التي لا نعلم ما هي، لو خرجت من البدن انتهت الحياة، ولا نعرف أيا منها، ولا نعرف كيفية هذا الارتباط وإنما نعرف آثارها. فكذلك لا نعرف كيفية ارتباط النبي والامام بالكون..
 كالشمس إذا جللها السحاب:
يلاحظ أن الروايات التي تم السؤال فيها عن فائدة ومنفعة الامام المهدي حال غيبته، قد شبهت بتشبيه واحد وهو أن فائدته فائدة الشمس وإن تجللها السحاب وغطاها. ويمكن أن يكون هناك عدة أوجه لهذا التشبيه، منها:
١ - الشمس مركز المنظومة الشمسية.. وفيما يرتبط بدوران الكواكب حولها، وارتباطها بالشمس فإن وجود السحاب قد يمنع شيئا من الضوء عن بعض أجزاء الأرض إلا أنه لا يؤثر قطعا على علاقة الكواكب بالشمس، ومركزية الشمس بالنسبة لها.. وكذلك تكون غيبة الامام (عليه السلام). فهي وإن أثرت على ما فيه حاجة الناس للاتصال المباشر كقضايا الأحكام وشبهها، إلا أنها لا تؤثر على بقية أدواره،

(٩٤)

ولا سيما وجوده المبارك في كونه واسطة الفيض الالهي، وثبات الأرض التكويني، بالنحو الذي يذهب إليه الرأي الثاني.
٢ - بل حتى بحسب الارتباط بالأرض فإن هناك آثارا كثيرة لشروق الشمس على الأرض وأهلها، منها ما يتأثر بتغطية السحاب للشمس، كالإضاءة والاستنارة، ومنها ما لا يتأثر.
٢ـ قيام الحجة لله على الخلق:
قضت سنة الله في خلقه أن يبعث لهم الحجج، لهدايتهم لسبيل الحياة الكريمة، والفوز بالنعيم في الآخرة، ولتكون الحجة البالغة لله (عز وجل) على الخلق، لو تخلفوا عن طاعته (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(٩٨)، وقد عبرت الروايات عن ذلك بنصوص كثيرة(٩٩)، كما أقام علماء الكلام أدلتهم العقلية على ذلك.
وفي دعاء الندبة يردد المؤمنون (ولا يقول أحد لولا أرسلت إلينا رسولا منذرا، فنتبع آياتك من قبل ان نذل ونخزى...)(١٠٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) النساء ١٦٦٥
(٩٩) منها ما في الكافي: ما عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: والله ما ترك الله أرضا منذ قبض آدم (عليه السلام) إلا وفيها إمام يهتدي به إلى الله وهو حجته على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجة لله على عباده.. وأنه لو لم يبق في الارض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة.. وقد تقدم بعضها في عنوان (لولا الحجة لساخت الأرض): الفساد التشريعي.
(١٠٠) ابن المشهدي: المزار ٥٧٥

(٩٥)

فإذا كان الأمر كذلك فما هي ميزة سائر الأزمنة على زماننا حتى يكون لهم حجج الهيون ولا يكون لنا ذلك؟
نعم ورد في الروايات أن الضرورة تقتضي أن يكون حجة موجودا، إما ظاهر مشهور أو غائب مستور(١٠١)..
كذلك فإن من مسلمات المسلمين أن (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية..)، وليس هو أي إمام وإنما إمام الزمان.. فهل يتم تخصيص الأكثر بحيث يمر علينا خمسة أضعاف الفترة الاسلامية من غير إمام معروف للناس؟ وكذلك فإنه يلزم أن الروايات التي تشير إلى أن الثقلين لن يفترقا، وإلى أنه في كل خلف عدول من أهل البيت / ومثل ذلك ما ورد من أن النجوم أمان لأهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الارض.. هل هذا كله مختص بما قبل زمن ٢٥٠ هـ؟
بل حتى سؤال الغيبة الوارد في الروايات، من قبل الرواة هو معتمد على هذه الأرضية: فعن سليمان الأعمش عن الإمام الصادق (ع): (لم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة لله فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله، قال سليمان: فقلت للصادق: فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور؟ قال (ع): كما ينتفعون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) في كلام امير المؤمنين (ع) قال: (اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهراً مشهورا أو خائفاً مغمورا لئلا تبطل حجج الله وبيناته)، والملاحظ أنه جعل خلو الأرض من الحجة (حتى المغمور) سببا لبطلان وضياع أحكام الله وبيناته.

(٩٦)

بالشمس إذا سترها السحاب.
٣ - عرض الاعمال على الامام:
ورد في تفسير آية: فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة.. من طريق الإمامية ما قاله الشيخ الطبرسي في مجمع البيان: وقيل: أراد بالرؤية ها هنا العلم الذي هو المعرفة ولذلك عدّاه إلى مفعول واحد أي يعلم الله تعالى ذلك فيجازيكم عليه ويراه رسوله أي يعلمه فيشهد لكم بذلك عند الله تعالى ويراه المؤمنون قيل أراد بالمؤمنين الشهداء. وقيل: أراد بهم الملائكة الذين هم الحفظة الذين يكتبون الأَعمال وروى أصحابنا أن أعمال الأمة تعرض على النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم) في كل اثنين وخميس فيعرفها وكذلك تعرض على أئمة الهدى (عليهم السلام) فيعرفونها وهم المعنيون بقولـه {والمؤمنون}.
وفي البحث الروائي نقل السيد الطباطبائي في الميزان عن بصائر الدرجات بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألت عن الأعمال هل تعرض على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: ما فيه شك. قال: أرأيت قول الله ﴿اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون﴾ فقال: لله شهداء في خلقه.
أقول: وفي معناه روايات متظافرة متكاثرة مروية في جوامع الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، وفي أكثرها: أن {المؤمنون} في الآية هم الأئمة، وانطباقها على ما قدّمناه من التفسير ظاهر.

(٩٧)

وضمن هذا الاطار فإن الإمامية يعتقدون أن أعمالهم تعرض على إمام زمانهم، وهو الحجة المهدي (عجل الله فرجه) في هذا العصر.
وقد يؤيده ما ورد في تفاسير أهل السنة في شرح هذه الآية:
قال مجاهد: هذا وعيد، يعني من الله تعالى للمخالفين أوامره بأن أعمالهم ستعرض عليه تبارك وتعالى، وعلى الرسول، وعلى المؤمنين. وهذا كائن لا محالة يوم القيامة، كما قال: (يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) (الحاقة: ١٨)، وقال تعالى: (يوم تبلى السرائر) (الطارق: ٩)، وقال (وحصل ما في الصدور) (العاديات: ١٠) وقد يظهر ذلك للناس في الدنيا، كما قال الإمام أحمد:
حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، عن رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم) أنه قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة، لأخرج الله عمله للناس كائنا ما كان "..
وقد ورد: أن أعمال الأحياء تعرض على الأموات من الأقرباء والعشائر في البرزخ، كما قال أبو داود الطيالسي: حدثنا الصلت بن دينار، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله (صلى الله عليه [وآله] وسلم): «إن أعمالكم تعرض على أقربائكم وعشائركم في

(٩٨)

قبورهم، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: «اللهم، ألهمهم أن يعملوا بطاعتك ".
وقال الإمام أحمد: أخبرنا عبد الرزاق، عن سفيان، عمن سمع أنسا يقول: قال النبي (صلى الله عليه [وآله] وسلم): «إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم من الأموات، فإن كان خيرا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا: اللهم، لا تمتهم حتى تهديهم كما هديتنا (١٠٢).
وجه التأييد: أنه إذا كان الله سبحانه يطلع عامة المؤمنين وهم في قبورهم على أعمال أقاربهم الأحياء في الدنيا، مع أنه لا يترتب أثر واضح على هذا العرض، فإن عرضها على النبي (صلَّى الله عليه وآله) وهو في قبره - وهو الأولى بالناس من أنفسهم - أولى، من عرضها على الأقارب، وعرضها على الامام الحي الحاضر، وهو إمام العصر كذلك.
ولذا فمن العجيب أنهم يقبلون بأن أعمال الناس تعرض على أقاربهم والأقارب في البرزخ، بينما يستنكرون أن تعرض على إمام العباد وهو حي يرزق!!
وقد عقد الشيخ الكليني في الكافي بابا بعنوان: عرض الأعمال على النبي والائمة وأورد فيه عددا من الروايات في هذا المجال: منها: بسند معتبر عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: مالكم تسوؤن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)؟! فقال رجل: كيف نسوؤه؟ فقال: أما تعلمون أن أعمالكم تعرض عليه، فإذا رأى فيها معصية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٤٠١

(٩٩)

ساءه ذلك، فلا تسوؤا رسول الله وسروه (١٠٣).
ومنها صحيحة يعقوب (١٠٤)قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: «اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون " قال: هم الأئمة.
ومنها ما عن عبد الله بن أبان الزيات وكان مكينا عند الرضا (عليه السلام) قال: قلت للرضا (عليه السلام): ادع الله لي ولأهل بيتي فقال: أو لست أفعل؟ والله إن أعمالكم لتعرض علي في كل يوم وليلة، قال: فاستعظمت ذلك، فقال لي: أما تقرأ كتاب الله عز وجل: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون "؟ قال: هو والله علي بن أبي طالب (عليه السلام).
ولا شك أن الأثر التربوي لهذه الفكرة كبير، فإنه بمقدار ما يحب الناس أن يكون ولاؤهم للنبي والامام عظيما، فإذا ربط هذا بان النبي مراقب، والامام ناظر لأعمال هؤلاء الناس فإن إمكانية التزامهم الديني والاخلاقي تكون أكثر.
وقد ورد في روايات أن أعمال الناس تعرض على الامام ليلة القدر، وربما يكون لهذا الجانب ارتباط بكون أحد أعمال ليلة القدر التوسل بالمعصومين الأربعة عشر إلى الله لقبول الأعمال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٣) علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى،
(١٠٤) - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد الطائي، عن يعقوب بن شعيب

(١٠٠)

٤ - الشهادة على الخلق، والنظر إلى أوضاع الأمة:
من الواضح أن للحجج الالهية مقام الشهادة على الناس، فإنهم القدر المتيقن من (لتكونوا شهداء على الناس)، ولهم مقام التوجيه والارشاد إلى الحق، وقد سبق الحديث أن الغياب العنواني لا يمنع من القيام بهذه الأدوار وغيرها، نعم لو كان غيابا جغرافيا وبدنيا، وغيبة كاملة عن المجتمع والناس، فإنه يؤثر.
وما دمنا قد بينّا أن الغيبة للإمام هي من النوع الأول وكما قال السفير الثاني للإمام (والله إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة فيرى الناس فيعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه)، بل ورد من طرق كثيرة لا يتسع إحصاؤها ذلك:
فمن ذلك ما رواه أبو نعيم الأنصاري الزيدي أنه في عام ٢٩٣ هـ وبعد طوافه حول الكعبة المشرفة جلس في حلقة من المؤمنين عن يمين الكعبة، فبينما هم جلوس إذ خرج عليه الإمام (عليه السلام) وعليه إزاران محرم بهما وفي يده نعلان، فلما رأوه قاموا جميعاً هيبة له فسلم عليهم وجلس متوسطاً بينهم، ثم التفت يميناً وشمالاً ثم قال (ع): (أتدرون ما كان أبو عبد الله (عليه السلام) يقول في دعاء الإلحاح؟ كان يقول: اللهم إني أسألك باسمك الذي تقوم به السماء وبه تقوم الأرض.. إلى آخر ما ذكره(١٠٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) كمال الدين وتمام النعمة ٤٧٠

(١٠١)

وقد ورد في الخبر عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: (ليفقد الناس إمامهم، يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه(١٠٦).
واشتهر في مؤلفات الإمامية، التوقيع الصادر من الامام المهدي (عجل الله فرجه) للشيخ المفيد محمد بن النعمان (١٠٧) وفيه عبارات تشير إلى رعاية الامام لشيعته في زمان غيبته، كما نقله المحدث النوري الطبرسي، في خاتمة المستدرك بطريقه: قال: ورد من الناحية المقدسة في أيام بقيت من صفر سنة عشر وأربعمائة كتاب إلى الشيخ المفيد طاب ثراه، وذكر موصله أنه تحمله من ناحية متصلة بالحجاز. وهذه صورته، نسخة ما ينوب مناب العنوان: للشيخ السديد والمولى الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله إعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد. نسخة ما في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، سلام عليك أيها الولي المخلص في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٦) الكافي ١/٣٣٨
(١٠٧) ترجمه الزركلي في الأعلام ٧/ ٢١ فقال: الشيخ المفيد (٣٣٦ - ٤١٣ ه‍ = ٩٤٧ - ١٠٢٢ م) محمد بن محمد بن النعمان بن عبد السلام العكبري، يرفع نسبه إلى قحطان، أبو عبد الله، المفيد، ويعرف بابن المعلم: محقق إمامي، انتهت إليه رئاسة الشيعة في وقته، كثير التصانيف في الأصول والكلام والفقه. ولد في عكبرا (على عشرة فراسخ من بغداد) ونشأ وتوفي ببغداد. له نحو مئتي مصنف، منها (الاعلام فيما اتفقت الامامية عليه من الاحكام - ط) و(الارشاد - ط) في تاريخ النبي - صلى الله عليه وسلم - والزهراء والأئمة، والرسالة المقنعة - ط) فقه، و(أحكام النساء - خ) و(أوائل المقالات في المذاهب والمختارات - ط) و(الأمالي - ط) مرتب على المجالس، و(نقض فضيلة المعتزلة) و(إيمان أبي طالب - ط) رسالة، و(أصول الفقه) و(الكلام في وجوه إعجاز القرآن) و(تاريخ الشريعة) و(الافصاح)..

(١٠٢)

الدين، المخصوص فينا باليقين، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا ونبينا محمد وآله الطاهرين، ولنعلمك - أدام الله توفيقك لنصرة الحق، وأجزل مثوبثك على نطقك عنا بالصدق - أنه قد أذن لنا في تشريفك بالكتابة، وتكليفك ما تؤديه عنا إلى موالينا قبلك - أعزهم الله تعالى بطاعته، وكفاهم المهم برعايته لهم وحراسته، فقف أيدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه - على ما نذكره، واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه إن شاء الله، نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أرانا الله من الصلاح لنا ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنا شئ من أخباركم، ومعرفتنا بالأذى الذي أصابكم، منذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعا، ونبذوا العهد المأخوذ منهم كأنهم لا يعلمون. وإنا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم البلاء واصطلمكم الأعداء،(١٠٨)... إلى آخر ما ورد في ذلك التوقيع.
ـ هل يتدخل الإمام الحجة في المسائل الشخصية؟
طرحت في الفترة الأخيرة كلمات من البعض، تأخذ منحى التشكيك في أن يكون الامام (عجل الله فرجه) يتدخل في حالات الاضطرار الفردي، كشفاء بعض الأمراض المستعصية أو إرشاد بعض الغرباء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) خاتمة المستدرك ٣/ ٢٢٥

(١٠٣)

والتائهين، وما شابه ذلك.. بالقول بأن نسبة هذا الدور للامام يعني أن الامام مؤسسة خيرية (!!).
والحق أن يقال: أننا بعدما سلمنا بأن له إشرافا، وشهودا، وتدخلا في الأرض وأنه ليس محجوبا عن التأثير، إلا أننا لا نعلم عن طريقة تدخل الامام في القضايا العامة، لأنه لا سبيل إلى الاطلاع على ذلك، ومن يدعي ذلك عليه إثباته، فهل نعلم كيف دفع الضر والبلاء عن شيعته في المكان الفلاني؟ لا سبيل إلى ذلك.
ما يحصل هو أنه في القضايا الشخصية، يتم مساعدة بعض الناس، وإنقاذهم، وإخراجهم من هذا الاضطرار الذي وقعوا فيه، وهم يقومون فيما بعد بالإخبار عن قصصهم وقضاياهم، وربما يكون الامام بنفسه هو المباشر لهذا العمل، أو أحد الموكلين من جهته.. ومع كون الناقلين ثقات في نقلهم، يكون حكم ما يذكرونه من قصص حكم باقي القضايا التي تثبت بنقل الثقة لها، بل أمرها أسهل بكثير مما يقبل فيه إخبار الثقات كالأحكام الشرعية.
لذلك نحن نعتقد أنه لا داعي للتندر بهذا الموضوع، والتعامل معه على أساس أنه نكتة أو طرفة! وكذا لا معنى لتوهين الأمر أيضا، وتقليل قيمته، فإن إنقاذ مؤمن (فرد) مثلا من مرض عضال، أو إعادته إلى دياره، أو تخليصه من سجن طاغية، أو مطاردة حيوان مفترس ليس أمرا قليل القيمة!! ولم يقل أحد أن هذا هو الدور الوحيد للإمام وإنما ما لنا طريق لمعرفته من قِبل صاحب القضية هي هذه المسائل الشخصية، أما المسائل العامة كدفع الحروب أو

(١٠٤)

إنقاذ المجتمعات، أو نصر المذهب الحق في هذا المكان أو ذاك.. فلا سبيل إلى معرفته!

(١٠٥)

مسؤوليتنا في زمان صاحب الزمان:
هناك روايتان حول انتظار الفرَج(١٠٩) إحداهما: عن النبي المصطفى (صلَّى الله عليه وآله): خير أعمال أمتي انتظار الفرَج "(١١٠) والأخرى عن امير المؤمنين سلام الله عليه:" أفضل الأعمال انتظار الفرَج"(١١١).
وهنا يأتي السؤال بعدما كان (انتظار الفرَج) هو خير الأعمال، وأفضل الأعمال.. أي فرج هذا وأي انتظار؟
"انتظار الفرَج" الفرَج تارةً ينظر إليه باعتبار انه اسم جنس وأخرى ينظر إليه بأنه اسم معهود لفرج معين.
فقد يقال إنه لما كان الكلام صادرا عن النبي وأمير المؤمنين (عليهما السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) فرّج الله الغم يعني كشفه وأزاله.
(١١٠) كمال الدين ١/ ٦٧١
(١١١) المصدر وكذلك عن الامام الصادق (عليه السلام) في البحار ٧٥/ ٢٠٨

(١٠٧)

وهما متقدمان جداً عن قضية الانتظار للفرج الخاص المرتبط بالإمام المهدي، فمن ذلك يظهر أن فيه عمومية، يعني ان أفضل الأعمال ان يكون الإنسان منتظراً لفرج الله في كل شيء، فإذا كان الشخص ينظر إلى وضع سياسي متأزم، ويخشى أن تتأزم الأمور بنحو أسوأ، وتضيق الأرض بما رحبت.. يقال له: انتظر فرج الله! ولا تيأس من رَوح الله! ولا تقنط! وكذا على المستوى الشخصي لو كنت في وضع مالي شديد والمستقبل أمامك مجهول فلا تستلم لعوامل السلب وإنما انتظر الفرَج من الله تعالى! تفاءل بأن يأتيك العون والنصر! أحسن الظن بالله سبحانه! وفي أمور صحتك كذلك.. وسائر الأمور.
أفضل الأعمال هو انتظار الفرَج من الله والتيسير في الأمور المختلفة.
هذا كله على المستوى الشخصي والفردي.
إلَّا أن التأويل الأعظم لذلك هو عندما يكون الفرَج على مستوى البشرية، على أثر قدوم قائم آل محمد "عجل الله فرجه " فإذا كان الإنسان في حوائجه الشخصية، صحته وتجارته وتعليمه وأولاده وأسرته مأموراً بإن ينتظر الخير ويترقب الفرَج فهو في أمر يرتبط بمستقبل البشرية كلها، تحررها من سيطرة طواغيت المال والقوة والسياسة، وسيادة عدل الله في أرضه، وتكامل الانسان في طريق انسانيته، ورفع الظلم عن المستضعفين والمضطهدين الذين أكلت أغلال السجون لحوم أبدانهم النحيلة!

(١٠٨)

هذا هو الفرَج الحقيقي في كماله وشموله، الذي يفترض أن الكائنات ستحتفي به بدءا من الأرض التي بعدما أشرقت بظهوره بنور ربها، أخرجت له أثقالها وبركاتها..
ماذا يعني الانتظار؟ وما هي مسؤوليات المنتظِر؟
حيث إن صاحب تفسير الأمثل قد تعرض لهذا المفهوم بنحو مفصل ومشرق فسننقل نص عبارته إكمالا لفائدة القارئ، فقد قال تحت عنوان مفهوم الانتظار!
" الانتظار: يطلق عادةً على من يكون في حالة غير مريحة وهو يسعى لإِيجاد وضع أحسن.
فمثلا المريض ينتظر الشفاء من سقمه، أو الأب ينتظر عودة ولده من السفر، فهما أي المريض والأب مشفقان، هذا من مرضه وذاك من غياب ولده، فينتظران الحال الأحسن ويسعيان من أجل ذلك بما في وسعهما.
وكذلك - مثلا - حال التّاجر الذي يعاني الأزمة السوقية وينتظر النشاط الاقتصادي. فهاتان الحالتان أي: الاحساس بالأزمة، والسعيُ نَحْوَ الأحسن هما من الانتظار.
فبناءً على ذلك، فإنّ مسألة انتظار حكومة الحق والعدل، أي حكومة «المهدي (عليه السلام)» وظهور المصلح العالمي، مركبة في الواقع من عنصرين: عنصر نفي، وعنصر إِثبات، فعنصر النفي هو الإِحساس

(١٠٩)

بغرابة الوضع الذي يعانيه المنتظر، وعنصر الإِثبات هو طلب الحال الأحسن!
وإِذا قُدّر لهذين العنصرين أن يحلاّ في روح الإِنسان فإِنّهما يكونان مدعاة لنوعين من الأعمال وهذان النوعان هما:
١ - ترك كل شكل من أشكال التعاون مع أسباب الظلم والفساد، بل عليه أن يقاومها، هذا من جهة.
٢ - وبناء الشخصية والتحرك الذاتي وتهيئة الاستعدادات الجسمية والروحية والمادية والمعنوية لظهور تلك الحكومة العالمية الإِنسانية، من جهة أُخرى.
ولو أمعنّا النظر لوجدنا أنّ هذين النوعين من الأعمال هما سبب في اليقظة والوعي والبناء الذاتي.
ومع الالتفات إِلى مفهوم الانتظار الأصيل، ندرك بصورة جيدة معنى الرّوايات الواردة في ثواب المنتظرين وعاقبة أمرهم، وعندها نعرف لم سمّت الرّوايات المنتظرين بحقّ بأنّهم بمنزلة من كان مع القائم تحت فسطاطه «عجل الله فرجه» أو أنّهم تحت لوائه، أو أنّهم كمن يقاتل في سبيل الله بين يديه كالمستشهد بين يديه، أو كالمتشحط بدمه!... الخ...
تُرى أليست هذه التعابير تشير إِلى المراحل المختلفة ودرجات الجهاد في سبيل الحق والعدل، التي تتناسب ومقدار الاستعداد ودرجة انتظار الناس؟

(١١٠)

كما أنّ ميزان التضحية ومعيارها ليس في درجة واحدة، إِذا أردنا أن نزن تضحية المجاهدين، في سبيل الله ودرجاتهم وآثار تضحياتهم، فكذلك الانتظار.. "(١١٢).
أقول: لهذا لا غرابة أن عد المعصومون (عليهم السلام)، انتظار الفرَج، وجها من وجوه الفرَج وجانبا منه، فإن محمد بن الفضيل سأل الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) فقال: سألته عن شيء من الفرَج، فقال: أليس انتظار الفرَج من الفرَج؟ إن الله عز وجل يقول: «فانتظروا إني معكم من المنتظرين»(١١٣)، بل هو في حديث الامام زين العابدين (عليه السلام) (من أعظم الفرَج)(١١٤).
إن الانتظار الخاص المرتبط بالإمام الحجة، هو رجاء أمل وهو في نفس الوقت اعتراض على الواقع القائم، كما أنه إحساس برقابة الإمام على المكلف المنتظِر.
وهو بالتالي يحمل المؤمن عدداً من المسؤوليات نشير إليها باختصار:
الأولى: هي مسؤولية المعرفة:
معرفة الإمام جزء من العقائد الدينية الأساسية ذلك أن من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) الأمثل في تفسير الكتاب المنزل؛ ناصر مكارم الشيرازي: ٦/ ٢٤
(١١٣) بحار الأنوار؛ المجلسي محمد باقر:٥٢/ ١٢٨
(١١٤) كمال الدين ١/ ٣٤٨

(١١١)

الإشكاليات الكبيرة في عالم المسلمين اليوم هي: كيف يتعاملون مع الحديث المعروف بين فرق المسلمين جميعاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) القائل: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية»(١١٥) أو من مات ليس في عنقه بيعة لإمام مات ميتةً جاهليةً؟
وبالطبع لا يمكن تطبيق هذا الحديث وأمثاله بنحو صحيح الا على طبق فهم المدرسة الإمامية فإنهم يعرفون إماماً من الله عز وجل منصوصاً عليه وفيه مقاييس الإمامة بصيغتها الكبرى فهم يبايعونه ويدينون بالولاء له.
نعم تبقى إشكالية حياته وطول بقائه لهذه المدة الطويلة، والمفروض أن العلماء قد قدموا البراهين عليها في علم الكلام!
أما غير الإمامية والحديث بل الأحاديث ثابتة عندهم فماذا يصنعون؟! وليس المقصود أن يكون في عنق المسلم بيعة لإمامٍ ما وقائدٍ من أي صفة، فهذا تحصيل للحاصل، إذ ما من شخص لا يكون رئيسا متبوعا إلا كان مرؤوسا تابعا، وإنما المقصود أن يكون إمامٌ عن الله (عزَّ وجلَّ) يهدي إليه، ويؤمر الشخص باتباعه وطاعته طاعة تامة. بمقتضى (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ). و(إمام الحق)، فهل الإمام الحق هو السلطان السياسي؟ أو العالم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٥) الكافي ١ / ٣٧٧ عن الإمام الصادق (عليه السلام) نسبه لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وفي مصادر مدرسة الخلفاء، جاءت الروايات بنفس المعنى ولكن بصياغة مختلفة مثل (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) كما في صحيح مسلم ٦/ ٢٢ وفي المعجم الأوسط (من مات وليس عليه إمام..).

(١١٢)

الديني؟ وأيهما هو صاحب البيعة، وفي حالات الاضطراب والنزاع بين الحكام والولاة ماذا يصنعون؟ يبقون على ولاء الحاكم المخلوع او يبايعون الخالع؟!
إن معرفة الامام والقائد لهي ضرورة دينية قبل أن تكون حاجة دنيوية! وربما لهذا السبب فإن زرارة عندما حدثه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن زمان الغيبة، أخبره بماذا ينبغي فعله وقال: ادعُ بهذا الدعاء (اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم اعرف نبيك، اللهم عرفني نبيك فإنك إن لم تعرفني نبيك لم اعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني) ويلاحظ دقة التسلسل والارتباط الوثيق بين معرفة الله والنبي والامام.
وإذا كانت المشكلة عند غير الامامية في التشخيص الأساسي والعنوان الرئيس، فإنها أيضا موجودة بدرجة من الدرجات في تشخيص الصادق من الكاذب، وقد ذكرنا شيئا من ذلك عند الحديث عن الدعوات المهدوية الكاذبة، وكيفية اكتشاف الكَذَبة فيها. فإن المسار الأصلي لدى الامامية واضح وهو أن الامام محمد بن الحسن المهدي هو صاحب الزمان وهو المهدي التاسع من ولد فاطمة المولود في زمان أبيه العسكري والباقي على قيد الحياة بقدرة ربه. إلا أن المشكلة عندما يأتي قطاع الطرق فينسبون أنفسهم إليه

(١١٣)

(باب المهدي، وابن المهدي، ووكيله، وأحيانا حتى يزعمون؛ نفس المهدي!!) فهنا قد يشتبه الأمر على بعض الناس. ويحتاجون إلى أن يدعوا ربهم (اللهم عرفني حجتك).
الثانية: مسؤولية الارتباط وتوثيق العلاقة مع الإمام المهدي "عجل الله فرجه". ذلك أن إحدى المعضلات في حياة الناس ان تتعامل مع إمام غير حاضر أمامك. وهي المعضلة الأساسية في تعامل البشر مع الغيب، ذلك أن الإنسان يميل عادةً إلى المجسد والحاضر أمامه يتفاعل معه بحواسه، وهذا ما يذكره علماء الاجتماع عند جوابهم على سؤال: مع وجود فطرة في البشر تهديهم لوجود إله للكون إلا أنهم مع ذلك يذهبون ليصنعوا أصناماً وأوثاناً فيظلوا لها عاكفين! مع أنهم هم الذين صنعوها! أجابوا عن ذلك بأن تعامل الإنسان مع الشيء المجسد والخارجي أسهل وأسرع من تعامله مع المجردات والغيب.
ومثل ذلك تعامل الإنسان مع الإمام الحاضر والقائد الموجود معه وأمام عينه، أسهل وأيسر من تعامله مع إمام غائب.. وهذا - لا ريب - أحد امتحانات الإنسان المؤمن.. ولكي يجتازها بسلامة لابد أن يضاعف ارتباطه بإمامه وعلاقته بقائده حتى يتغلب على عناصر الغياب المؤثرة سلبيا.
هذا مع تذكيرنا الدائم والذي تم شرحه في موضوع آخر بمعنى

(١١٤)

الغيبة للإمام المهدي.
ربما من أجل ذلك فقد وضعت مجموعة من البرامج يمكن أن تعوض هذا البعد (المادي) بتقوية العلاقة النفسية والارتباط القلبي والعاطفي من أدعية وزيارات، منها على سبيل المثال (دعاء الندبة) الذي يستحب ان يقرأ في ايام الجمع وايام الأعياد.
وربما يتساءل انه هل لهذا الدعاء سند معتبر(١١٦) ام لا؟!
يرى بعض الباحثين ان هناك عدة طرق يمكن من خلالها تقوية مثل هذا الدعاء:
* الطريق الأول: انه قد اعتمد عليه في الاستدلال الكلامي والفقهي بعض أعيان الطائفة، والاستدلال بنص في العقائد والفقه على أصل عقدي أو حكم شرعي يقتضي أن يكون ثابتا في نظر المستدل، حيث أن المطلوب في الفقه والعقائد من القيود والاشتراطات في الدليل أكثر مما هو مطلوب في الأدعية والمواعظ وقد أشرنا إلى ذلك في شرح دعاء الندبة.
الطريق الثاني: أنه قد رواه - أو بعض فقراته - من يُعد من المتشددين في أمر السند

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٦) تم الحديث بشكل مفصل عن دعاء الندبة؛ سنده ومقاصده ومضامين كلماته بعنوان: تأملات في (دعاء الندبة) لمؤلف هذا الكتاب. وهنا إشارات سريعة ومختصرة له.

(١١٥)

وهو السيد علي بن طاووس(١١٧) (رحمه الله)، فإنه يعتبر أول من خالف طريقة القدماء في تصحيح الأحاديث ونهج منهجا جديدا تبلور فيما بعد بشكل أكبر لدى تلميذه العلامة الحلي واعتبر أن ما يكون سنده إلى المعصوم مشتملا على راوٍ ضعيف أو مجهول، فإنه يصنف باعتباره خبرا ضعيفا لا يمكن الاعتماد عليه.
وما دام الذي نقله في كتابه لديه هذا المنهج فلا بد أن يكون قد لاحظ سند الدعاء ولو لم يره صالحا لما نقله في كتابه، لا سيما وهو المؤسس لهذا المنهج الذي سمي بتربيع الاحاديث..
 الأمر الثالث: أن بعض أعيان الطائفة قد صرح بأن له سندا معتبرا، ومن أولئك العلامة المجلسي وهو الخبير بأحاديث المعصومين (عليهم السلام). فقال في كتابه زاد المعاد: "وَأَمَّا دُعَاءُ النُّدْبَةِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْعَقَائِدِ الْحَقَّةِ والتَّأَسُّفِ عَلَى غَيْبَتِهِ (عجّل الله فرجه) فَمَرْوِيٌّ بِسَنَدٍ مُعْتَبَرٍ عَنِ الْإِمَامِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ (عليه السلام)‌ إِذْ إِنَّ قِرَاءَتَهُ مَسْنُونَةٌ فِي الْأَعْيَادِ الْأَرْبَعَةِ أَيْ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) رضي الدين ابو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن طاووس الحسني (ت ٦٦٤ هـ) أستاذ العلامة الحلي ووالده، وصاحب نقابة الطالبيين في عهده، عرف بالقداسة والكرامات حتى نقل أنه ما اتفقت كلمة الاصحاب على اختلاف مشاربهم وطريقتهم على صدور الكرامات عن احد ممن تقدمه أو تأخر عنه غيره. بل قال المحدث النوري صاحب المستدرك - كما نقله عنه تلميذه القمي - ويظهر من مواضع من كتبه خصوصا كشف المحجة ان باب لقائه الامام الحجة (ع)كان مفتوحا.. له عدد من الكتب المتداولة والمطبوعة.

(١١٦)

يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ عِيدِ الْفِطْرِ وَيَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى وَيَوْمَ عِيدِ الْغَدِيرِ، وَهُوَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَلَهُ الْحَمْدُ رَب الْعَالَمِينَ وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَآلِهِ وسَلَّمَ تَسْلِيماً اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا جَرَى بِهِ قَضَاؤُكَ فِي أَوْلِيَائِكَ... "(١١٨).
الأمر الرابع: بناء الدعاء ككل في معانيه وألفاظه يشير إلى انه صادر من تلك المشكاة المعصومية، ومضامينه موجودة في روايات أخر، فهو يبدأ في تاريخ الأنبياء ورسالتهم، وأهم صفاتهم وأدوارهم، ثم ينتهي بالأمر إلى نبينا المصطفى محمد صلوات الله عليه وسلامه. ويبين شرائف أعماله.
وبعده يذكر الحدث الذي حصل بعد وفاة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) من انقلاب الحزب القرشي على ولاية أمير المؤمنين مع ما كان عليه الإمام من الشأن العظيم والمنزلة الرفيعة التي بينتها الأحاديث النبوية المعتبرة.. وبعد أن يبين الدعاء أن هذا الانقلاب كان فاتحة المظالم وبوابة الأحزان على آل محمد (فقُتل من قُتل وسُبي من سُبي وأُقصي من أقصي).. أخيرا وبعد أن يتفجع ويتوجع من صعوبة الوصول للإمام المهدي (عجل الله فرجه)، يوقد شعلة الأمل ولا يستسلم لظلمات اليأس فيتمثل الداعي مواقف الظهور المهدوي والانتصار الرسالي:" أترانا نحف بك وأنت تؤم الملأ وقد ملئت الأرض عدلاً

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٨) زاد المعاد ١/٣٠٣ الأعلمي بيروت ١٤٢٣

(١١٧)

وأذقت اعدائك عذاباً وهوانا... ".
ولا ينحصر الأمر بهذا الدعاء بل إن الأدعية والزيارات التي تتكفل بتقوية العلاقة بالإمام (عليه السلام) كثيرة، فمنها ما عرف بدعاء العهد والذي يستحب أن يدعو به المؤمن كل يوم بعد صلاة الفجر ولا يخفي ما للتوقيت من مداليل، هذا فضلا عن تعابير الدعاء ومضامينه لمن أراد أن يتدبرها. (اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا وما عشت من أيامي عهدا وعقدا وبيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول عنها أبدا). (١١٩) وأضاف العلامة المجلسي قائلا: قد روي بِسَنَدٍ مُعْتَبَرٍ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ (عليه السلام)‌ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ هَذَا الْعَهْدَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْ أَنْصَارِ الْحُجَّةِ..
المسؤولية الثالثة: السعي لتحقيق المجتمع الذي اراده صاحب العصر والزمان "عجل الله فرجه "..
إن انتظار الفرَج لا يعني التوقف السلبي عن ممارسة مسؤوليات الاصلاح، وإنما هو تهيئة الأمور لقدوم صاحب الفرَج. إن من ينتظر ضيفاً لا يصح له أن يقف على قارعة الطريق واضعا يده على خده، وإنما يهيأ المنزل لقدومه ويرتب أمور الضيافة حتى إذا جاء يكون كل شيء جاهزا، وأما لو ترك ذلك واكتفى بالنظر إلى نهاية الشارع ليرى ضيفه فقط، فهو يكون محط الملامة والعتاب، وينسب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) زاد المعاد ١/ ٣٠٢ وأيضا وصفه العلامة المجلسي بأنه بسند معتبر. 

(١١٨)

إلى التقصير في شأن ضيفه.
والفلاح الذي ينتظر نزول المطر بعد شهرين مثلا، لا يصح منه أن يلاحظ تصرم الليالي والأيام بعنوان أنه منتظر للمطر وإنما يجب أن يهيأ أرضه ويحرثها وينظم سواقيها، ثم يبذر البذور المناسبة حتى إذا جاء المطر المنتظر على أرضه (اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)(١٢٠).
إن المنتظِر الحقيقي هو من يعمل لتهيئة الأرض للإمام الحجة، ويعد العدة لاستقبال هذا المنتظَر العظيم والقادم الكبير. المؤمن يسعى في بناء مجتمع نعت الله أهله في كتابه فقال: صفا كأنهم بنيان مرصوص على طاعة الله وطاعة نبيه وأهل بيته.. ينبغي أن يسأل الانسان نفسه هل ساهم في رص الصفوف المختلفة أو أنه زاد في شقوقها شقا جديدا، وأضاف إلى صدوعها صدعا حديثا؟
هل يسعى لإقالة المؤمنين عثراتهم؟ أو أنه يعمق الحفر التي وقعوا فيها. وهل يستر العائبة ويغطي المثلبة لو سمعها عن مؤمن؟ أو أنه يسارع إلى إشاعة الفاحشة عنه، ونشر البغضاء حوله؟
إن بعض التعبيرات الواردة في ملاحم ما بعد الظهور تحتاج إلى إعادة شرح وتفهيم، ولا ينبغي أن ينظر إليها دائما بعيون غيبية واعجازية ما دام يمكن حملها على المعادلات الطبيعية والعادية العرفية، مثلا ما ورد من أنه (إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) الحج / ٥

(١١٩)

العباد فجمع بها عقولهم وكملت بها أحلامهم)، فقد لا يكون الأمر ضمن الاطار الغيبي البحت، وإنما ربما يكون نتيجة البرامج التي تبث من قبل الامام (عليه السلام) وتوجيهه فيتحول الناس بفضل هذه البرامج إلى أشخاص على مستوى متقدم من الكمال العلمي والمعرفة.
وفي هذا لا شك تحريض على التحرك باتجاه تحصيل العلم ورفع القدرات العقلية وأن الامام (عليه السلام) يريد تحقيق هذا الهدف.
ما لا ينبغي الانشغال به أو تصديقه:
كما أن هناك مسؤوليات لا بد من العمل عليها كما تقدم، فإن في مقابلها أمورا تعتبر مشغلة للناس مع أن لا ينبغي الانشغال بها، وصرف الوقت والجهد فيها:
التفتيش عن رؤية الإمام أو أوامره؟
إننا نلاحظ أن الكثير يفتشون عن إمكانية رؤيتهم للإمام المهدي (عليه السلام)، والبعض يحصل لهم تصور أنهم قد رأوا الإمام مرة أو مرات.
ولا نريد أن نكذب دعوى فلان أو فلانة رؤية الإمام (عليه السلام)، فقد يمن على بعضهم ويرزق (رؤية الطلعة الرشيدة والغرة الحميدة) ولكن من الواضح أن هذا هو أمر غير متاح لكافة الناس! لكن المتاح لكل الناس إن لم يكن الأولى والأكثر أهمية هو معرفة رؤيته وفكرته حول الاصلاح الاجتماعي والالتزام الديني بأوامره وهي نفسها

(١٢٠)

شريعة أجداده الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين.
إذا كانت رؤية (شكل الامام) والالتقاء المباشر به غير متيسر لكل الناس، فإن تطبيق إرادات الإمام وأوامره ممكنة ومتيسرة لكل الناس لو أرادوا. قد تواجه بالتكذيب أو بالتشكيك عندما تتحدث عن رؤية الامام، لكن لا أحد سيخالفك لو طبقت ما كان يؤكد عليه الامام الحجة وآباؤه من صلاة الجماعة مثلا! تحقيقك لها والتزامك بها لا ريب أنه يتوافق مع إرادة الامام الحجة ويفرح قلبه، ويسره ذلك..
روايات الملاحم؟
نعتقد أيضا أن الانشغال الزائد عن الحد في تطبيق الحوادث الواقعة على خريطة الروايات الموجودة في تراثنا الديني ليس مما ينبغي.. هذا إذا سلمت تلك الروايات من حيث الأسانيد ووصلت إلينا بطريق صحيح وهو أمر يصعب التوثق منه!
لقد رأينا من الناحية العملية أن بعض العلماء - تدفعهم الحمية الدينية والثقة التامة بأن ما يجري من الأحداث هو مقدمات متسلسلة لظهور الحق، وفرج الامام (عليه السلام)، إلا أن هذا قد يكون له آثار غير مستحسنة.. قد نشير لها في موضع آخر. ذلك أن ما هو موجود في الروايات ليس دقيقا غاية الدقة، وإنما فيه مجال أن ينطبق على حوادث متعددة مع اختلاف تاريخها وشخصياتها، فبعض تلك الأحداث قد تنطبق على الخلافة العباسية في دروها الثاني أو الأخير.

(١٢١)

ويمكن أيضا أن تنطبق على أحداث تحصل في زماننا الفعلي! كما أنها يمكن أن تنطبق على أحداث ستقع في المستقبل!
هل يشهر المهدي السيف ولا يغمده؟
ومن تلك الأمور ما لا ينبغي تصديقه؟
 من ان الإمام الحجة إذا خرج فإنه يشهر السيف ولا يغمده، يقتل، يسفك الدماء حتى تسيل إلى الركب بل يبقر بطون الحبالى.. ويستشهدون حتى على ذلك ببعض الروايات
ويقول العلماء إنه بالمراجعة إلى أسانيد هذه الروايات نجدها غير معتبرة، إذ تنتهي غالبا إلى شخصين كلاهما مردود الرواية، محمد بن علي الكوفي، وعلي بن أبي حمزة البطائني.
وحتى لو كان لبعضها أسانيد فإنه لا يمكن قبول متونها إذا انتهت إلى أن الامام لا سمح الله يقوم بتلك الأعمال المنافية للعدل والانصاف، بينما غاية مجيئه هو نفي الظلم وتحكيم العدل!
لا سيما وأن بعضها ينص على أنه يسير بالذبح لا بسيرة رسول الله!
وفي المقابل توجد روايات صحيحة(١٢١) تامة سندا ومقبولة متنا تشير إلى أن سيرته هي سيرة رسول الله وجده أمير المؤمنين (عليهما السلام)،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢١) سنتعرض بشكل تفصيلي في موضع آخر لما جاء في الروايات من القول بأنه يسير بسيرة جده وتلك التي تقول بأنه لا يسير فيهم بسيرة النبي، والثالثة التي تشير إلى أنه يسير بسيرة داود في القضاء، وغيرها..

(١٢٢)

وإن كان يشهر السيف على المعاندين والمواجهين لحركته الاصلاحية..

(١٢٣)

الدعوات المهدوية الكاذبة:
﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ (يونس: ٥٩).
وروي عن المفضل بن عمر انه قال (سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: يرجع في أحدهما إلى أهله، والأخرى يقال: هلك في أي واد سلك، قلت: كيف نصنع إذا كان ذلك؟ قال: إن ادعى مدع فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله). (١٢٢)
تتناول هذه الصفحات، الملامح المشتركة في الدعوات المهدوية الكاذبة وكيف يتعرف المؤمن على زيفها، ونقدم لذلك بمقدمتين مهمتين:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) غيبة النعماني ١/ ١٥٧

(١٢٥)

الأولى: أن قضية الاعتقاد بالإمام المهدي (عجل الله فرجه) بصفاته (أنه من أهل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأنه المذخر للبشرية ليملأ أرضها قسطاً وعدلاً) هو محل اتفاق بين المسلمين جُلِّهم لو لم يكن كلهم.
نعم يوجد اختلاف في بعض التفاصيل بين المدرستين الرئيسيتين لدى المسلمين؛ مدرسة أهل البيت الإمامية ومدرسة الخلفاء يتمثل ذلك الاختلاف في أنه هل وُلد وهو حيٌ موجود ويدخل بقاؤه ضمن الإرادة الإلهية كما يذهب إليه الإمامية؟ أو أنه لم يولد بعد وإنما يدبر الله أمره إذا شاء ويولد في آخر الزمان، فهو ليس موجوداً الآن. وأما أصل الاعتقاد به بالمقدار المتقدم فلا خلاف فيه(١٢٣).
 الثانية: أنه وجد الكثير من الدعوات الكاذبة المنتحلة لفكرة المهدوية في العالم الإسلامي وهذه ابتدأت منذ عصور الإسلام الأولى أي من القرن الثاني الهجري واستمرت هذه الادعاءات إلى الأزمنة المتأخرة والمعاصرة، هذا من الناحية التاريخية.
وكذلك من الناحية الجغرافية فقد تعددت أماكن هذه الدعوات في أماكن كثيرة، وتمددت ما بين حجاز الجزيرة العربية وحتى بلاد المغرب العربي مرورا بالعراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) لهذا عندما اصدر أحد القضاة في دولة قطر كتابا بعنوان: لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر، فقد انبعث علماء كثيرون من المؤسسة الدينية في المملكة العربية السعودية وفي مصر وغيرها للانكار عليه.. 

(١٢٦)

ومصر وبلاد الشام والسودان وأفريقيا الجنوبية.
 وربما يتصور البعض أن هذه الدعوات هي من الأدلة على عدم واقعية الاعتقاد بالمهدي(١٢٤) ونقول إن الأمر بالعكس تماما، فما من فكرة من الأفكار العظيمة والعقائد العالية إلا وادعاها بعض الكَذَبة، حتى الاعتقاد بالله الخالق فلقد ادعى نمرود وفرعون ذلك(١٢٥)، وادعى النبوة مدعون كاذبون، فهل تبرر تلك الادعاءات الكاذبة تكذيب الاعتقاد بالله أو بالأنبياء والمرسلين؟ بل إننا نجد أن هذه الادعاءات الكاذبة هي دليل على صدق أصل الدعوى وأن هؤلاء يستغلون ما هو مرتكز من العقائد السلمية في عقول الناس وقلوبهم، ويقدمون مصاديق مزيفة عنها
إن ذلك ليدل على أن الاعتقاد بأمر المهدي هو اعتقاد راسخ وجازم، وعام لدى المسلمين في مختلف أدوار تاريخهم، وما ذاك إلا بسبب ما أخذوه عن أئمتهم في الدين، وعلمائهم في العقيدة جيلا بعد جيل!
نعم يأتي بعض الكاذبين وأصحاب المصالح الشخصية فيستغلون هذا الاعتقاد الراسخ ويقدمون أنفسهم كممثلين لهذه العقيدة!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٤) انطلق البعض في تكذيب هذه العقيدة من النماذج المدعية والكاذبة!
(١٢٥) قال الأول: أنا أحيي وأميت ّ وقال الثاني أنا ربكم الأعلى 

(١٢٧)

الدعوات المهدوية تاريخيا:
يصعب على الباحث أن يقوم بإحصاء جميع الادعاءات الكاذبة في القضية المهدوية، لكثرتها ولأن بعضها يكون في حدود ضيقة ولا يلقى قبولا كثيرا فيموت الادعاء في منطقته الجغرافية فلا يمكن رصد حركة أصحابها، بالإضافة إلى عدم الأهمية في ذلك فإن المشتركات بين هذه الدعوات الكاذبة كثيرة، مما يقلل الحاجة إلى استعراض (كل) هذه الادعاءات.
ولذلك سوف نقتصر على ذكر بعضها، وما الذي ينبغي على المؤمنين عمله عند حصولها.
١ - ربما يكون من أقدم الادعاءات في الموضوع المهدوي ما كان في زمن الإمام الصادق (عليه السلام). والطريف فيه أن الطرفين المتواجهين والمتعاديين قد نسبا إلى المهدي المنتظر، فمن جهة ادعي لمحمد بن عبد الله بن الحسن المثنى بن الحسن السبط أنه المهدي، واستفيد في ذلك مما جاء من الأحاديث من أنه من ولد فاطمة ومن نسل النبي، وهو ينطبق على محمد باعتبار أن جده الحسن المجتبى، كما أن اسمه محمد، واسم أبيه عبد الله (وهو موجود في النسخة الأخرى غير الامامية حيث أنه لا يوجد في روايات الامامية أن اسم ابيه كاسم أبي، بخلاف روايات مدرسة الخلفاء، وضمن هذا الجو قام الحسنيون، وبالذات والد محمد وهو عبد الله بالدعوة إليه، لكي ينهض بالثورة ضد العباسيين الذين

(١٢٨)

(سرقوا)جهود العلويين وتضحياتهم ضد بني أمية بدءا من ثورة الحسين (عليه السلام)، واستفادوا من الشعار الذي كان يستقطب الناس وهو الدعوة إلى (الرضا من آل محمد). وسعى والد محمد إلى عقد مؤتمر قبيل سقوط الدولة الأموية، لتتم مبايعة محمد ابنه إماما وواليا، لكن العباسيين استطاعوا أن يختطفوا الحركة وأن يغيروا مسارها لتصبح عباسية، وعلى هذا الأساس فقد جاء أبو العباس السفاح خليفة، ثم أبو جعفر المنصور!
كان من نقاط قوة محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية، هو أنه قرشي وأنه من نسل النبي وقد نهض يأمر بالمعروف، وينكر المنكر وهذه صفات المهدي، لكن صفة أنه التاسع من ولد الحسين لا تنطبق عليه فلا هو من ولد الحسين ولا هو تاسع! وهذا هو الذي دعا الامام جعفر الصادق إلى أن يخبر المجتمعين من بني هاشم (بفرعيهم العباسي والعلوي) إلى أن محمدا النفس الزكية إن كان غرضه التحرك لمقاومة المنكر فلا بأس به، لكنه إذا كان يتحرك على أساس أنه هو المهدي الذي يظهره الله على أعدائه فهذا لا يصح.
وكانت النتيجة أن ثار محمد النفس الزكية وقد واجهه المنصور العباسي في واقعة معروفة قرب مدينة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، انتهت بمقتل النفس الزكية وعدد غير قليل من أتباعه.
٢ - العجيب أن أبا جعفر المنصور (عبد الله بن مُحمد بن عَلي بن عبد الله بن العباس) هو نفسه حاول أن يتقمص ابنه شخصية المهدي، فسمى ابنه الأكبر (محمدا) ولقبه بـ (المهدي) والمنصور نفسه اسمه

(١٢٩)

عبد الله، فصار بهذا يمتلك الاسم: محمد بن عبد الله.. وطبقا لما هو موجود في أحاديث مدرسة الخلفاء فإن المهدي (اسمه اسم رسول الله واسم أبيه اسم أب رسول الله) فيكون محمد بن عبد الله، وأعطاه لقب (المهدي) وهو من قريش!! وكان ذلك التزوير محاولة لإيهام الناس بأن هذا هو المهدي الموعود المنتظر.
وبالفعل جاء بعد أبيه المنصور وحكم مدة عشر سنوات، كان فيها المثال الأكبر لطغيان القوة والشره إلى الدماء!
٣ - وكانت هناك محاولة فاشلة في إطار بعض وكلاء الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، انتهت بهم إلى تأسيس مذهب جديد هو الواقفية، فإن هؤلاء لما طمعوا في ما تحت أيديهم من الأموال التي اجتمعت لديهم أيام كان الإمام مسجونا فيها، واستشهد الامام الكاظم في ما بعد زعموا أنه لم يمت وأنه القائم الموعود، وإنما غاب عن الناس، وبالتالي فلا يخلفه أحد، ومن ثَمَّ (وقفوا) عليه ولم يسلموا بالإمامة لابنه علي بن موسى الرضا (عليه السلام).
إلا أن هذه الدعوى ماتت في مهدها، حيث أن كبار وكلاء الامام الكاظم فضحوا رؤساءها وبينوا أن مقاصدهم كانت دنيوية بحتة، وأن ما قالوه ليس سوى تمويه على عامة الناس، وكان تصدي الامام الرضا (عليه السلام) لهم، واضطلاعه بشؤون الامامة هو الرصاصة الأخيرة التي أنهت وجودهم في الوسط الشيعي.. هذا في المشرق الاسلامي. وفي القرنين الأول والثاني.

(١٣٠)

٤ - وأما في المغرب الاسلامي، فيذكر المؤرخون أن محمد بن عبد الله بن تومرت (ت حوالي ٥٢٤ هـ) وقد برز في بداية أمره على أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (العملي) ويبدو - إذا صحت نسبة الأفكار إلى كتابه، وصحت نسبة الكتاب إليه - أنه جمع عددا من الأفكار وبالذات في قضايا العقائد من مناهج مختلفة، ففيما كان معروفا عنه النزعة الأشعرية، ومخالفة احتكار المذهب المالكي للتدين في بلاد المغرب،مع ذلك فإنه نسب إلى المنهج المعتزلي فيما يرتبط بصفات الله عز وجل، وكذلك نسب إليه أفكار هي أقرب إلى المذهب الإمامي الاثني عشري، فينقل عنه هذه الفقرات التي قيل إنها في كتابه " أعز ما يطلب " ما يلي:
" لا يصح قيام الحق في الدنيا إلا بوجوب اعتقاد الإمامة في كل زمان من الأزمان إلى أن تقوم الساعة... ولا يكون الإمام إلا معصوما ليهدم الباطل لأن الباطل لا يهدم الباطل... وأن الإيمان بالمهدي واجب، وأن من شك فيه كافر، وإنه معصوم فيما دعا إليه من الحق، وإنه لا يكابر ولا يضاد ولا يدافع ولا يعاند ولا يخالف ولا ينازع، وأنه فرد في زمانه، صادق في قوله، وإنه يقطع الجبابرة والدجاجلة، وإنه يفتح الدنيا شرقها وغربها، وإنه يملأها بالعدل كما ملئت بالجور، وإن أمره قائم إلى أن تقوم الساعة"(١٢٦)..
فمن الواضح أن وجوب اعتقاد الامامة في كل زمان، يساوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٦) السامرائي؛ د عبد الحميد: دولة الموحدين ١٨٢ / دار الكتب العلمية

(١٣١)

أن الأرض لا تخلو من حجة كما عليه الامامية، وكذلك الاعتقاد بأن الإمام لا بد أن يكون معصوما ليهدم الباطل فإن الباطل لا يهدم مثله! وهكذا القول بلزوم الإيمان بالمهدي، وعصمته، وظهوره وانتصاره.
وقد كتب دارسو حياته أنه "بدأ يدعو إلى المهدي ويشوق الناس إليه فلما أدرك أصحابه فضيلة المهدي ادعى ذلك لنفسه وقال: "أنا المهدي المعصوم، أنا أحسن الناس معرفة بالله ورسوله"، وغير نسبه الأمازيغي إلى نسب الحسين بن علي حفيد النبي محمد، وبالتالي فإنه يلزم الاقتداء به في جميع أفعاله وقبول أحكامه الدينية والدنيوية، وتفويض الأمر إليه في كل شيء".
وقد استطاع من خلال تحشيده لاتباعه أن يؤسس له دولة بعدما هزم المرابطين، واستمرت حوالي ١٤٨ سنة.
هذه احدى الحركات التي ادعى أصحابها المهدوية، وابن تومرت ولو كان قد توجه إلى بعض الافكار الصحيحة في مسائل الامامة والعصمة مما أشرنا إليه آنفا، إلا أن دعواه المهدوية وما قيل من العصمة هو ادعاء باطل ولا صحة له، فإن الأئمة (من قريش)، (من ولد الحسين) والمهدي منهم هو التاسع من ولد الحسين (عليه السلام).
لكن اتباع الناس له ومسايرتهم إياه، ونصرهم حركته تشير إلى أن عقيدة المهدي وانتظار الناس له مركوز في وجدان المسلمين، في غرب العالم الاسلامي مثلما هو في شرقه.

(١٣٢)

٥ - وأما السودان فقد شهدت ظهور محمد المهدي بن عبد الله السوداني (ت ١٣٠٢)، وقد كان معروفا بالتصوف ومتأثرا إلى حد كبير برجال التصوف والعرفان، كما ينقل عنه بقاؤه في الخلاوي الصوفية. وكان يتحسس من المنكرات والمخالفات للدين، كما قالوا إلى أن التقى بشخص - سيكون فيما بعد خليفته - واسمه عبد الله التعايشي، الذي قال له بأنه رأى في المنام أن النبي (صلَّى الله عليه وآله) يشير إلى محمد هذا بأنه المهدي (ملاحظة: أن الاعتماد على الرؤى والأحلام عنصر مشترك بين الدعوات المهدوية) وأنه هو الذي ستصلح به الأرض! وقد صدق محمد بن عبد الله (المهدي) هذا، وبدأ يتصرف على هذا الأساس، ولأن الانسان إذا فكر في أمر من الأمور واهتم به، يكون حاضرا في وعيه ولا وعيه، فكثرت أحلامه أيضا بهذا.
كان مما قوى دعوة (المهدي السوداني) من جهة أنه كان يأخذ نفسه بالزهد، والالتزام المشدد بأحكام الدين من جهة، وينسب في ذات الوقت إلى الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب من جهة أخرى.. وبهذا المعنى فقد كان يقنع الناس من خلال سلوكه الشخصي، ومن جهة اخرى بانطباق بعض أوصاف المهدي مثل أنه من ذرية النبي ومن أبناء فاطمة (ما دام من أحفاد الحسن بن علي)، وقد ادعى صراحة أنه المهدي، وأنه يجتمع مع الحضرة النبوية، وما شابه ذلك، وينقل بعض الكتاب ذلك عن وثائق ورسائل تلك الدعوة، فقد جاء فيها: «واعلمني النبي بأني المهدي المنتظر وخلفني بالجلوس على كرسيه مراراً بحضرة الخلفاء والأقطاب والخضر

(١٣٣)

وجمع من الأولياء الميتين وبعض من الفقراء الذين لا يعبأ بهم، وقلدني سيفه وأيدني بالملائكة العشرة الكرام وان يصحبني عزرائيل دائما، ففي ساحة الحرب امام جيشي وفي غيره يكون ورائيا، وأن يصحبني الخضر دايما ويكون أمامنا سيد الوجود وخلفاؤه الأربعة والأقطاب الأربعة وستين ألف ولي من الأموات"(١٢٧) وقد واجه عسكريا الجيش المصري - التركي الذي كان مسيطرا على السودان حينها، ثم اصطدم مع الجيش البريطاني، وبعد حوالي ١٥ سنة من اعلانه حركته ومهدويته توفي واستخلف على الحركة تلك، عبد الله التعايشي الذي كان قد أخبره بأنه رأى النبي يشير إليه بأنه المهدي!
٦ - وفي الحجاز مع بداية القرن الخامس عشر الهجري، شهد العالم حدثا متميزا ارتبط بدعوى المهدوية، حيث قام حوالي ٢٠٠ شخص كما قيل من الجماعة السلفية المحتسبة، بقيادة جهيمان العتيبي بالدخول إلى الحرم المكي، وأعلنوا سيطرتهم عليه بقوة السلاح الذي أدخلوه في توابيت جنائز بزعم أنه يراد الصلاة عليها، وقيل إن جهيمانا قدم زوج أخته محمد بن عبد الله القحطاني باعتبار أنه المهدي الذي تحدثت عنه الروايات، وأن الكثير قد رأوا رؤى وأحلاما تفيد هذا المعنى وأن أشراط الساعة قد حضرت والمنكر فشا، وبعد مواجهات مع الحكومة السعودية، تم القضاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) في مقال ينقل كاتبه عن منشورات المهدية، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، دار الجيل بيروت ١٩٧٩

(١٣٤)

أولا على القحطاني مما كان له أكبر الأثر كما يقول محللون(١٢٨) على تضعضع جماعته، إذ المفروض أن المهدي يبقى على قيد الحياة ويتحقق الانتصار وهو موجود ليقيم العدل.
٧ - وأما في العراق.. فقد صرح أحد العلماء الباحثين في الموضوع المهدوي، بأنه لاحظ أن انبثاق سبع حركات مهدوية كاذبة خلال عشرين سنة!! وهذا يعني أنه بمعدل حركة كاذبة في كل ثلاث سنوات!
لعل أخطرها ما سمي حينها بـ (جند السماء) التي حاولت في سنة ٢٠٠٧ م أن تهاجم مدينة النجف عسكريا في ظل تلك الفوضى الضاربة في العراق، وأن تحتل حرم الامام علي (عليه السلام) وتقضي على المرجعية الدينية! باعتبار أن المرجعية كما يزعمون ضد الامام المهدي! لكن انكشاف أمرهم في وقت مبكر ومباغتة القوى الأمنية لمزرعة جعلوها معسكرا لهم، فوّت عليهم الفرصة، وأنهى أحدوثتهم!
٨ - وتلاهم ما هو قائم ومستمر حتى الآن من ادعاء أحد الأشخاص أنه ابن المهدي تارة أو أنه من جملة المهديين الاثني عشر بعد الإمام محمد بن الحسن العسكري!! أو أنه اليماني الذي هو ممهد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(128) نشر موقع هيئة الإذاعة البريطانية bbc على الانترنت تحقيقا يتضمن مقابلات مع بعض من بقي على قيد الحياة منهم او من المقربين منهم، https://www. bbc. com/arabic/middleeast-40574360

(١٣٥)

للمهدي، وترى لهم في كل يوم حديثا خاصا يسوقونه بحسب حاجة المستمع! ومرة أخرى يعود السلاح المشترك والدائم بين هذه الحركات الكاذبة، وهو الأحلام والرؤى لتكون هي الدليل الوحيد على ما يعتقدونه ويأمرون الناس بتصديقه عنهم
وربما يساعد على انبعاث هذه الحركات وإيمان البعض بها حالةُ الاحباط التي يعيشها قسم من المسلمين، ممن لا يفتح بصره إلا ويرى المآسي والدماء في بلاد المسلمين، والتخلف والظلم الواقع عليهم، ولم يبق إلا أن تنزف شاشات التلفزيون الدم العبيط حتى تعبر بصدق عما يحدث في الساحة الاسلامية.
هنا ومع اشتداد الأحوال يتطلع البعض إلى بارقة فرج، وكوة أمل لتغيير هذا الواقع الذي لا لدين الانسان هو حسن ولا لدنياه.. فإذا ما سمع عن شخص رفع راية، ووعده بالخلاص سارع إليه، وكالغريق المتمسك بكل قش والمعتمد على أي لوح! وفي نفس الوقت فإن أدعياء هذه الحركات - إما لجهل بعضهم وإحسان الظن بأنفسهم، أو لخبث البعض الآخر ومعرفتهم بكذبهم - يستغلون ذلك الاحباط، وجاهزية هؤلاء الناس المحبطين لعمل أي شيء يغير من وضع الأمة دينا ودنيا، فيمتلكون الأتباع ويستقطبن الأنصار، ويكون كل واحد من هؤلاء داعيا لغيره إلى هذه الحركة!
إن هؤلاء يستهدفون في الغالب ضعفاء المعرفة، وقليلي العلم، ويحاولون قطع الناس عن مرجعياتهم الدينية، وعن مفكريهم الذي أنفقوا أعمارهم في نشر العلم. لتجد أن نقطة الاشتراك بين هذه

(١٣٦)

الحركات غالبا هي إيجاد قطيعة بين الناس وبين المراجع الدينية. إلى الحد الذي يروجون فيه أن أعدى أعداء المهدي هم المراجع والحوزات العلمية!! هذا مع أن شغل هؤلاء الشاغل هو تحقيق المطالب والمواضيع المرتبطة بثقافة الانتظار وأحوال الامام المهدي (عليه السلام)؟
نعم ربما يكون بعض أدعياء المهدوية مخدوعين في أنفسهم، بأن أحسنوا الظن بصفاتهم، ورأوا أن ما يقومون به مثلا هو محاربة للشر والفساد، وهذا من عمل الامام المهدي، فإذا ضُم لذلك انطباق بعض العناوين عليهم كأن ينسبوا - بصدق أو غيره - إلى الذرية النبوية! أو إلى قريش وأيضا يقنعهم البعض برؤياهم في عالم الأحلام والمنام بأنه تمت الاشارة إلى هذا الشخص بأنه المهدي! وأمثال ذلك، فيصدقوا (المقلب) في أنفسهم!
كيف نكتشف زيف هذه الحركات؟
هناك مقاييس من الممكن أن تكشف لنا زيف هذه الحركة أو تلك نشير إلى قسم منها:
الأول: موقف قادة هذه الحركات وأتباعها تجاه العلم:
حين نتحدث في الدائرة الشيعية نلاحظ أن هناك تراثا علميا ضخما أنتجته عقول علمائنا الأبرار ودونته أقلامهم، خلال أكثر من ألف سنة من الزمان لو أردنا حساب المدة من زمن الشيخ المفيد (رحمه الله) (ت ٤١٣ هـ) وإلى ايامنا المعاصرة، والملاحظ لهذا التاريخ يجد

(١٣٧)

جهودا عظيمة قد بذلت حتى أنضجت، أساليب متطورة ودقيقة في الفقه الاستدلالي والمقارن، وفي تفسير القرآن - بطرقه المختلفة ـ، وفي علم أصول الفقه وقواعده، وفي علم الرجال، فضلا عن علوم الحديث المختلفة، والاحاطة بالروايات الواردة عن النبي وآله المعصومين..
فإذا جاء شخص يهيمن على العلم الموجود ويفوق ما هو قائم، فهذا أول علامات سلامة المسيرة.. وذلك لأننا نعتقد أن الإمام المهدي يأتي ليكمل ويتمم ما نقص من العلم، ويزيد عليه زيادة عظيمة(١٢٩).
لقد رأينا أن من علامات الفضيحة عند بعض أدعياء المهدوية هو أنهم لا يتقنون من العلم الديني شيئا مهما، ولهذا فإنهم أول ما يأتون يحاولون إقناع الناس أن هذه العلوم علوم ضلالة، فعلم أصول الفقه عندهم جهل، وعلم الرجال باطل، والاستدلال غير صحيح، وما ذاك إلا لأنّ من السهل كشف (أميتهم) في هذه العلوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٩) بحار الأنوار ٥٢/٣٣٦ عن الخرائج والجرائح؛ مفاد روايات أن العلم في زمان المهدي يكون أكبر بكثير مما هو عليه الآن، فعن الامام أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) قال: (العلم سبعة وعشرون حرفاً، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فاذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفا فبثها في الناس وضم اليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفا). وفي بعضها الآخر: عن أبي جعفر الباقر: إذا قام قائمنا وضع يده على رؤوس العباد فجمع به عقولهم وأكمل به أخلاقهم.. 

(١٣٨)

بل كما ذكرنا مفاد حديث المعصومين أن العلم - حتى الطبيعي منه - يكون في زمان الإمام وعلى يده غاية في التطور ويتضاعف أضعافا مضاعفة، بحيث يكون ما قطعته البشرية من مسيرة العلم بالقياس إلى ما سيكون عليه العلم في عهده أشبه ببركة سباحة قياسا إلى البحر المحيط.
الثاني الاعتماد على الأحلام والاستخارات:
وقد لاحظنا عند استعراض بعض الادعاءات الكاذبة كيف أن رجالها كانوا يعتمدون اعتمادا كبيرا على المنام والرؤى والأحلام.. وهذه كما عليه الرأي الصحيح عند المسلمين لا تصلح لتكون دليلا شرعيا على مستحب من المستحبات(١٣٠)، وفي مسألة الأذان وتشريعه مع أنه مستحب من المستحبات، ينفي الامام الصادق (عليه السلام) الرواية التي تنقلها مصادر مدرسة الخلفاء من أن صورة الأذان قد شرعت عبر رؤيا رآها أحد أصحاب النبي، فيقول بشكل جازم "كذبوا " ثم يقرر قاعدة عامة أن الدين لا يمكن أن تكون تشريعاته من خلال المنام والأحلام ويقول " فإنّ دين الله عزّ وجل أعز من أن يرى في النوم". (١٣١)
فإذا كان أمر مستحب لا يتم تشريعه من خلال المنام، أ فهل ترى أن قضية عقدية في الدرجة العليا من الاهمية، وتشابه في ذلك ثبوت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) بالطبع لا بد من استثناء رؤى الأنبياء والمرسلين، كنبي الله ابراهيم، ويوسف،
(١٣١) الكافي ٣/ ٤٨٢

(١٣٩)

نبوة شخص عن الله، أفهل تراها تثبت برؤيا منامية؟
وضمن نفس المسار في إبعاد الحالة العلمية والتعقلية، فإن هؤلاء لا يكتفون بهذا المقدار من تغييب المقاييس الصحيحة في معرفة الأفكار والدعوات، وإنما يضيفون إلى ذلك ممارسة أخرى وهي الاعتماد على الاستخارات لاتخاذ قرار بتصحيح طريقة أصحاب هذه الدعوات والانضمام إليهم!! متجاهلين - مع سبق الاصرار - أنه لو فتح هذا الباب على مستوى العقائد لكان الأمر مشكلا غاية الاشكال، فلو جاء مسيحي في بلاد المسلمين وطلب منهم أن يستخيروا على أن ينضموا إلى المسيحية ويتركوا الاسلام، إذا وافقت الخيرة الايجاب! ويتركوا ذلك لو جاءت بالسلب! هل سيكون هذا صحيحا؟
فإنه لو استخار من هؤلاء الناس ١٠٠ شخص، وجاءت الخيرة موافقة بـ ٣٠، فهو رابح على كل حال. وما نحن فيه هو من هذا القبيل، فإن بعض هذه الحركات تطلب من الشخص أن يفكر في الأمر فإذا رأى أحدا في المنام (يلبس عمامة خضراء وهو من أبناء الأربعين وعليه هالة نور..) يخبره عن المهدي، فهذا علامة صحة دعواهم، وهم هنا يرسمون مسارا في لا وعيه ولوحة يصممونها ويخزنونها لكي تنساب بهدوء عندما يخلد إلى النوم حيث انشغل فكره بها.. فيأتي في اليوم الثاني مصدقا لما قالوه!
وإذا لم ير شيئا أو رأى شيئا مخالفا لذلك، فإنهم يطلبون منه الاستخارة على الانضمام إليهم، وبالفعل يستخير، وهم في الربح

(١٤٠)

 ولن يخسروا شيئا فإن احتمال أن تأتي الاستخارة بالإيجاب مساو لاحتمال السلب، فإن جاء الأول ربحوا عنصرا جديدا وإن كان الثاني فلم يخسروا شيئا!
لقد ذكرنا في موضع آخر أن الثابت من الاستخارة؛ هو ما يرتبط بالأفعال المباحة التي لا يقترن بها حكم الزامي (وجوبا أو تحريما) بل حتى الاستحبابي في بعض وجوهه، فلا يجوز أن يستخير الانسان على أن يصلي أو أن يؤمن بالله أو أن يفعل حراما، أو أن يتبع شخصا على أنه المهدي أو ينتمي إلى فرقة معينة! أو أن يترك الاسلام! وإنما يحكم عقله وضمن المقاييس الشرعية فإن كان الانتماء إليه على وفق هدى الدين والعقائد فهو واجب وإلا فهو حرام!
الثالث: موقفها تجاه المرجعية الدينية:
يعتقد الامامية أن المرجعية الدينية هي الحافظ لحدود المجتمع المؤمن والمراجع هم المرابطون على ثغور المذهب والصائنون لعقائده وفقهه، وهي أعظم نقاط قوة هذا المذهب والطائفة، وسيكونون أول الناصرين للإمام المهدي عند ظهوره، كما سيكون متوجا لأعمالهم حتى تصل إلى كمالها، فإذا جاءت فئة تزعم المهدوية وتعادي المرجعية الدينية الشيعية فلا ريب أنها مشبوهة! إذ هي تسير على خلاف القاعدة المذكورة آنفا.
ومن اللطيف أن كل هذه الحركات المدعية للمهدوية كذبا في المجتمع الشيعي قد بنت كيانها وأسست أساسها، ونظمت ثقافتها

(١٤١)

 على أساس المعاداة للمرجعية الدينية المخلصة، وعملت على فصل الناس عنها! بل وصلت في بعض نسخها المتطرفة كـ (جند السماء) كما سموا أنفسهم إلى التخطيط لقتل مراجع الدين أولا!! ثم التثنية بمدرسي العلم والفقه في الحوزة العلمية في النجف ثانيا!
ولعلك تلاحظ عزيزي القارئ متسائلا: ماذا ينتفع الامام المهدي (عجل الله فرجه) من قتل أعلام الدين الذين انحنت ظهورهم ونحلت قواهم وأنفقوا أعمارهم في تنقيح روايات أجداده وهداية الناس إلى معالم دينهم؟
الرابع: سلوه عن العظائم التي لا يجيب فيها إلا مثله:
نظرا لأن هذا الموقع المهم - على المستوى الديني والدنيوي - هو مطمع للكثير فلذلك تعددت الادعاءات الكاذبة فيه، ولأنه لا بد من بينة وبرهان، ومن البينة ما اشار إليه الامام جعفر الصادق (عليه السلام) عندما سئل: إذا كان ذلك وادعى مدعٍ فماذا نصنع؟ قال: سلوه عن العظائم التي لا يجيب فيها إلا مثله!
والعظائم هذه من الممكن أن تفسر بنحوين: - المسائل العلمية المعضلة التي لا تأتي من أبواب العلم العادي المكتسب، فإن ما يأتي من خلال العلم العادي المكتسب يمكن لأي شخص بمزيد من التحصيل والتعلم الحصول عليه! فالسؤال في المسائل الفقهية العادية يمكن الإجابة عليه من خلال التعلم، وهكذا في مسائل الطب وغير ذلك. غير أن هناك مسائل تشير بوضوح إلى ارتباط من

(١٤٢)

يُسأل فيجيب بالله تعالى من قبيل ما قال عيسى بن مريم (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)(١٣٢).
والثاني: في المسائل العملية التي لا يستطيعها غير المتصل بالله تعالى وإلا المؤيد بقوته، مثل أن يقال لهم وهذا باب تحد مفتوح لهذه الحركات، نريد منك يا من تدعي أنك المهدي أو أنك بابه أن تصنع لنا شيئا في مكان ما.. هذه أحوال المسلمين أمامك في كل مكان، انتخب لنا مكانا منها وقل إنني سأصنع التغيير الكذائي فيه، وهؤلاء أتباع أهل البيت ومعاناتهم في أماكن متعددة من الدنيا، أخبرنا عن عدل ستنشره فيهم! وعن فساد ستقلعه منهم! أنت المدعي أنك المهدي وهو سيملأ الأرض عدلا.. لا نريد منك أن تملأ الأرض كلها! نريدك أن تنشر عدلا في بلد واحد فقط وباختيارك! وبالطبع لن يفعل هؤلاء المدعون شيئا ولو بقوا مئات السنين لأنهم كذبة ولا يتصلون بخالقهم، وحالهم كحال أي واحد من الناس لا حول لهم ولا قوة، بل حالهم أسوأ فإن هذا الانسان المؤمن العادي لا يدعي شيئا أكبر من شخصيته ولا من طاقته وقوته بينما هؤلاء المدعون يزعمون أشياء أكبر!
بعض هؤلاء الكذبة منذ عشرين سنة وهم يزعمون مهدويتهم أو كونهم أبوابا للإمام ولا يقدمون برهانا واحدا ولا بينة على ذلك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) آل عمران / ٤٩

(١٤٣)

لقد أحسن أبو سهل النوبختي وكان صاحب شخصية مهمة عند الشيعة - كما نقل عنه الشيخ الطوسي - عندما سخر بالحلاج عند ادعائه الوكالة لصاحب الزمان، وهو بذلك يقدم لمن بعدهم برنامجا في الاحتجاج واكتشاف الكاذب:
" لما أراد الله تعالى أن يكشف أمر الحلاج ويظهر فضيحته ويخزيه، وقع له أن أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي (رض) ممن تجوز عليه مخرقته وتتم عليه حيلته، فوجه إليه يستدعيه وظن أن أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الامر بفرط جهله، وقدر أن يستجره إليه فيتمخرق (به) ويتسوف بانقياده على غيره، فيستتب له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحله من العلم والأدب أيضا عندهم، ويقول له في مراسلته إياه: إني وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) - وبهذا أولا كان يستجر الجهال ثم يعلو منه إلى غيره - وقد أمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوي نفسك، ولا ترتاب بهذا الامر.
فأرسل إليه أبو سهل رضي الله عنه يقول له: إني أسألك أمرا يسيرا يخف مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أني رجل أحب الجواري وأصبو إليهن(!!)، ولي منهن عدة أتحظاهن والشيب يبعدني عنهن [ويبغضني إليهن] وأحتاج أن أخضبه في كل جمعة، وأتحمل منه مشقة شديدة لأستر عنهن ذلك، وإلا انكشف أمري عندهن، فصار القرب بعدا والوصال هجرا، وأريد أن تغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته،

(١٤٤)

وتجعل لحيتي سوداء، فإني طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداع إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.
فلما سمع ذلك الحلاج من قوله وجوابه علم أنه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يرد إليه جوابا، ولم يرسل إليه رسولا، وصيره أبو سهل رضي الله عنه أحدوثة وضحكة ويطنز به عند كل أحد، وشهر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سببا لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(١٣٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) الغيبة - الشيخ الطوسي - ج ١ - الصفحة ٤٢٣

(١٤٥)

مسائل مهمة في القضية المهدوية:
تتميز قضية الامام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) بأنها ذات أهمية قصوى بالنسبة للإنسان المسلم، لجهات:
أولى هذه الجهات أنها قضية عقدية، ويتعامل الناس مع القضايا العقدية بأهمية فائقة نظراً لأن عقيدة الإنسان تحدد مصيره في الحياة وفي العالم الآخر. ومما يقرب أهمية القضايا العقدية في الحياة الدنيوية أنك ترى الحوار بين الأديان يتناول عادة القضايا العقائدية دون القضايا الفقهية او التاريخية فنادراً يحدث أن يبحث المسلمون مع المسيحيين في حرمة لحم الخنزير او في حرمة شرب الخمر ولكن يتم النقاش في قضايا عقائدية مثل إبطال التثليث في العقيدة المسيحية، بل حتى في داخل الاطار الديني الواحد تحظى القضايا العقائدية بالاهتمام

(١٤٧)

الأكبر، فترى النقاش مثلا بين المسلمين في مسائل العقيدة مثل قضايا الامامة والخلافة أكثر مما يناقشون مسائل الفقه كالقصر والتمام والوقت في الصلاة..
الجهة الاخرى أنها ليست قضية اسلامية فقط بل هي قضية كونية تتجاوز حدود الدين الإسلامي وأتباعه، من السنة والشيعة فاليهود والمسيحيون(١٣٤) يعتقدون بالمهدي ضمن فكرة المنقذ المخلص، بل يتحدث العارفون بالثقافة الزرادشتية عن وجود نصوص في كتابهم تشير إلى مصلح يأتي في آخر الزمان، وهكذا الحال بالنسبة إلى البوذيين فيما نقل عنهم..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٤) العجيب ان بعض الكتاب رأى في هذه الميزة الاستثنائية التي تدل على أن هذه العقيدة هي من نقاط الاشتراك بين الديانات التوحيدية بل غيرها وأنها قضية ينتهي إليها العقل السليم. رأى أن هذا يعني أن الشيعة الاثني عشرية قد (استوردوا) هذه العقيدة من ديانات أخر!! غافلا - أو متغافلا - عن أن الأحاديث في قضية المهدي أكثر من أن ترد، وما فعله بعضهم كابن خلدون من رد أحاديث المهدي بضعفها فقد رد عليه صغروياً بأن قسما منها صحيح، وأن قوله ذلك ناشئ من عدم تخصصه، على أن الأخبار بلغت درجة التواتر ولو - الاجمالي أو المعنوي - ومعه لا معنى للبحث في أسانيد كل خبر بمفرده. وقد كفى المؤونة الشيخ أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند وتعليقه عليه حيث قال: أمّا ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علم واقتحم قحماً لم يكن من رجاله.. وانّه تهافت في الفصل الذي عقده في مقدّمته للمهدي تهافتاً عجيباً وغلط أغلاطاً واضحة... وانّه لم يحسن قول المحدّثين الجرح مقدّم على التعديل ولو اطّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال.

(١٤٨)

جهة ثالثة انها تستتبع عملاً في الحياة ومنهجاً. وليس كل القضايا العقائدية من هذا النوع، فلو فرضنا مثلاً قضية تجسم أعمال الإنسان التي قام بها في الدنيا يوم القيامة وهل تتجسم او لا تتجسم؟ أو أن جزاءها هو الحاضر؟ فهي وإن كانت مسألة محل اختلاف بين العلماء، ناشئ من أن قوله تعالى (وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)(١٣٥) هل المقصود من (ما عملوا) هو نفس الأعمال أي تأتي متجسده بالأبعاد الثلاثية كما يقولون؟ أو أن المقصود هو جزاؤها وثوابها أو عقابها؟
وسواء كان هذا الرأي أو ذاك فإنه لا يغير مسار الإنسان في الحياة بشكل واضح.. لكن قضية الامام المهدي تختلف! فمن لا يعتقد اساساً ان هناك إماماً وهادياً وخليفة لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يختلف في مساره عمن يعتقد بالمهدي وأن الله سينصره الله ويظهره.
بل إن الذي يعتقد أن المهدي لم يولد وإنما يولد في آخر الزمان كما هو عليه غالب مدرسة الخلفاء يختلف عمن يقول بولادته وغيبته وأنه عين نوابا عامين في غيبته الكبرى بمواصفات معينة وأن على الناس ان يتبعوهم وأنه ملزم بتقليد أحدهم.. وهذا بلا شك يختلف في مساره عن ذاك.
فقضية المهدي والاعتقاد به من العقائد التي تستتبع عملا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) الكهف / ٤٩

(١٤٩)

وتحدد مسارا لهذا لا يستطيع شخص أن يقول هذه قضية عفى عليها الزمان! ولا داعي الى إعادتها والبحث عنها من جديد؟ كلا، هي سؤال حاضر لأن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية.
الاعتقاد بالمهدي وأفكار خاطئة:
وكما أن الاعتقاد بالمهدي وشؤونه قضية هامة، فإن من المهم تطهير هذا الاعتقاد عن الشوائب والممارسات التي لا تتناسب معها ومع الايمان بها.
فمن الأفكار الخاطئة:
اتخاذ الاعتقاد بالمهدي بديلاً عن العمل والتحرك للإصلاح. وهذه الفكرة الخاطئة على درجات؛ فإن قسما من الناس يعتقدون ان الأمور ما دامت لا تصلح إلا في زمان الإمام الحجة فلا حاجة لأن يتحرك بأي نحو في الإصلاح لأن الأمور لا تصلح إلا على يد الامام! بل إن بعضهم (يتقدمون) خطوة إلى الأمام قائلين بأنه وفاقا لما ورد من روايات فإن كل راية قبل زمان المهدي هي راية ضلال.. فإن كل عمل اصلاحي، أو حركة باتجاه بناء المجتمع المسلم، فإن ذلك مشمول بتلك الروايات، وقد صنفتها الروايات بأنها راية ضلال! بهذه الرواية وهي تقول أنها راية ضلال..
إن هذه الفكرة الخاطئة تستتبع ممارسة خاطئة وتحول الانتظار الى أمر سلبي غير فاعل، في نشر الخير وإقامة العدل وحل مشاكل

(١٥٠)

المؤمنين؛ وتصور ماذا ستكون الحالة لو أن كل أتباع الإمام المهدي والمؤمنين بهم عطلوا طاقاتهم عن القيام بما هو في صالح المجتمع!
ولا ريب أن كل راية تنصب في مقابل راية الامام المهدي وبموازاتها فإنها تعتبر راية ضلال (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ)،(١٣٦) وأما إذا لم تكن ضمن هذا الاطار، ولم تكن صناعة منهج في مقابل منهج الامام، بل هي امتداد لحركته واستظلال بتوجيهاته وتوصيات آبائه، فما الذي يجعلها راية ضلال؟ إذا كان من يقوم بهذه النشاطات والاعمال هم ممن يؤمنون بالإمام المهدي، ويعتقدون بظهوره، ويتبعون العلماء الذين عينهم بالتعيين العام، وأمر بالرجوع إليهم فليسوا مشمولين لتلك الروايات ولا يدخلون فيها.
الاغراق في علامات الظهور:
ومن الافكار التي قد تستتبع ممارسة خاطئة: الإغراق في الحديث عن علامات ظهور(١٣٧) الإمام الحجة (عجل الله فرجه).. ولا ريب أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٦) يونس / ٣٢
(١٣٧) علامات الظهور هي: عبارة عن إشارات تحدثت عنها روايات المعصومين عليهم السلام، وقد قسمتها إلى ما هو حتمي وما هو غير حتمي، ومن ذلك ما نقله الشيخ الصدوق في كمال الدين / ٦٧٨ مما روي عن الامام الصادق (ع): قبل قيام القائم خمس علامات محتومات اليماني، والسفياني، والصيحة، وقتل النفس الزكية، والخسف بالبيداء.. وقد تكون هذه الرواية أحسن ما في الباب متنا، ولكن في سندها عمر بن حنظلة وفيه نقاش وكلام بين الأعلام بين من يقبل روايته وبين من لا يرى له توثيقا.

(١٥١)

هناك علامات، وارهاصات تشير إلى زمان ظهور الامام (عليه السلام) وخروجه، والاعتقاد بها يشكل جزءا من ثقافة الانتظار والاعتقاد بالمهدي، لكننا نلاحظ أن هناك مبالغة واغراقا من بعض فئات المؤمنين في هذا الأمر ورصده وتوقعه.
ومنذ أربعة عقود من الزمان تقريبا يوجد الكثير من الكتب والمقالات والكلمات والمحاضرات، كلها تدور ضمن هذا الفلك، والغريب أن هذا يحصل في الطائفتين المسلمتين. ففي أفق مدرسة الخلفاء يكثر الحديث عن علامات وأشراط الساعة الكبرى ومنها ظهور المهدي، وقيام الدجال والخسف، وعند الشيعة كتبت كتب متخصصة في هذا وبعضهم حدد وقت الخروج - ولو بشكل تقريبي - فلا يكاد حدث يحصل إلا ووجد له من روايات الملاحم ما يناسبها، فإذا ظهرت داعش فهناك ما يناسبها، وتستدعى روايات السفياني وتطبق على زعماء داعش.. وإذا حصل ما سمي بالربيع العربي فقد (خلعت العرب أزمتها)! وإذا توفي أحد الزعماء ف(من يضمن لي موت فلان أضمن له القائم).
ضمن هذه الموجه صدرت كتب مثل (الجزيرة الخضراء)، (بيان الأئمة) وفي هذا الثاني اعتبر مؤلفه أن من علامات الظهور أن آخر مرجع في النجف هو السيد الخوئي وبعد لا يكون مجتهد مقلد غيره!! ومن الواضح أن الأحداث الحاصلة بعد وفاة المرحوم السيد

(١٥٢)

الخوئي قد كذبت هذا الخبر! وكم في الكتاب من أمثال ذلك!(١٣٨)
- هنا لا بد أن نشير إلى أنه لا يوجد دليل على أن تطبيق هذا العالم، الحديث الفلاني على الحدث الفلاني الذي نشاهده هو صحيح، فما دامت الأحاديث خالية من التواريخ الدقيقة، والاسماء المفصلة فبالإمكان أن يأتي شخص قبل خمسمائة سنة (١٣٩) ويفسر تلك الأحاديث بمقتضى الأحداث التي جرت في زمانه! لا سيما وأن بعضها يشير إلى دولة بني العباس مثلا! وبالإمكان أن يأتي شخص بعده بألف سنة ويفسر تلك الأحاديث ويطبقها على الأحداث المعاصرة له! ما الذي يجعل تفسيري أنا أولى من تفسيره أو تفسيره أولى من تفسيري؟
ثم أن من مشاكل هذه التفاسير إنها ستنتهي إلى نحو من الأنحاء لتوقيت خروج الإمام والذي هو في دائرة المنع والنهي. ومن الثابت عند الشيعة أن التوقيت(١٤٠) التحقيقي، بل حتى التقريبي هو منهي عنه وغير مرغوب فيه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) للتفصيل يمكن مراجعة الكتاب الناقد للكتاب المذكور الذي ألفه المرحوم السيد جعفر مرتضى العاملي بعنوان (بيان الأئمة وخطبة البيان في الميزان). وقد نقل القول المذكور عنه في ص ٣٤
(١٣٩) لقد كتب السيد ابن طاووس الحسني رضوان الله عليه (ت ٦٦٤ هـ) إلى ابنه السيد محمد أنه يتوقع أن يكون مدركا لزمان الامام، باعتبار أن أوان تلك الشموس قد ظهر، فقد جاء في كتابه كشف المحجة لثمرة المهجة ١/ ١٥٤ ما نصه:
(واعلم يا ولدي محمد كمل الله جل جلاله بلقائه سعادتك وشرف ببقائه وحسن إرادته منزلتك وخاتمتك أنني لولا آية في كتاب الله المقدس (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) لكنت قد عرفتك ووثقتك أنني أدرك أيام ظهوره الكامل وأدخل تحت ظله الشامل
فهذا أوان ظهور تلك الشموس وزوال الضر والبؤس إنشاء الله فإن تمم الله جل جلاله لي ما أؤمله من هذه الآمال فقد كمل لي تحف الشرف والاقبال وإن أراد انتقالي فالامر إليه جل جلاله وله جل جلاله في تدبير آمالي)..
(١٤٠) في الكافي ١/ ٣٦٨ روايات متعددة، منها حينما سأل الفضيل بن يسار الامام أبا جعفر الباقر (عليه السلام): لهذا الامر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون!. وعندما سأل مهزم كذلك الإمام أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): جعلت فداك أخبرني عن هذا الامر الذي ننتظر، متى هو؟ فقال: يا مهزم كذب الوقاتون وهلك المستعجلون ونجا المسلّمون.

(١٥٣)

بل إن من الأخطار لتطبيق الأحداث على علامات الظهور، التخوف ان يسري التشكيك إلى أصل القضية المهدوية عند تخلف تلك العلامات او تفسيرها، فإذا قيل ان العالم الفلاني لن يموت حتى يسلم الراية إلى المهدي، أو أن فلانا من لدى القائلين من أخبار بهذا النحو! ربما يسري الاعتقاد عند بعض الأتباع والشباب بخطأ هذه الكلمات إلى تخطئة أصل القضية المهدوية، وأنه ربما تكون قضايا الغيبة والعصمة والظهور.. كلها من هذا القبيل. ولا ريب أن في ذلك خطورة كبيرة على عقيدة الناس!
ومن أخطار تلك التفسيرات التخوف من فسح المجال لأهل الشهوات والأهواء والمتسلقين حتى يستفيدوا من هذه الفرصة. فإن من مصلحة أهل الأهواء وأصحاب الدعوات الكاذبة انشغال الناس بهذه العلامات وتفسيرها على أننا في زمانها فيقوم هؤلاء بادعاء أنهم من شخصيات ذلك الزمان، فهذا يدعي أنه اليماني، وذاك يصر على أنه الحسني وهكذا! وفي ظل وجود الاحباط وتراكم المشاكل قد يصدق بهؤلاء مجاميع من الناس كما نجد في عصرنا الحاضر في بعض المجتمعات الشيعية.
أحد المحققين في شؤون الدعوات المهدوية الكاذبة يقول: إنه خلال عشرين سنة برز في العراق تسع حركات كاذبة، يعني ذلك بمعدل كل سنتين تبرز حركة كاذبة، برجالها وأفكارها وتستقطب قسما من الناس!
لأجل ذلك نقول إننا لا نرى مصلحة في الاغراق في هذا

(١٥٤)

الموضوع، ونلتزم بما ورد عنهم: (يا فضيل اعرف إمامك، فإنك إذا عرفت إمامك لم يضرك، تقدم هذا الامر أو تأخر، ومن عرف إمامه ثم مات قبل ان يقوم صاحب هذا الامر، كان بمنزلة من كان قاعدا في عسكره، لا بل بمنزلة من قعد تحت لوائه)(١٤١) و(ومن مات وهو عارف لإمامه لم يضره، تقدم هذا الامر أو تأخر ومن مات وهو عارف لإمامه، كان كمن هو مع القائم في فسطاطه) كما في رواية عن الامام أبي جعفر الباقر (عليه السلام).
وقد تعرضنا في موضع آخر لبعض الحركات الكاذبة من أدعياء المهدوية وبينّا طريق النجاة منها فليراجع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤١) الكافي ١/ ٣٧١ عن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، وكذلك الرواية التالية عن أبيه الباقر (عليه السلام)

(١٥٥)

الإمام المهدي عدالة منتظرة ومسؤولية حاضرة:
- حدّثنا أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار رضي ‌الله‌ عنه قال: حدّثنا سعد بن - عبد الله، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى الكلابيِّ، عن خالد بن - نجيح، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنَّ للقائم غيبة قبل أن يقوم، قلت له: ولم؟ قال: يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه ـ. ثمّ قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الّذي يشك النّاس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: ولد قبل وفاة أبيه بسنتين. غير أنَّ الله تبارك وتعالى يحب أن يمتحن الشيعة فعند ذلك يرتاب المبطلون.
قال زرارة: فقلت: جعلت فداك فإنْ أدركت ذلك الزَّمان فأيَّ شيء أعمل قال: يا زرارة إن أدركت ذلك الزَّمان فأدم هذا الدُّعاء: «اللّهمّ عرّفني نفسك، فانّك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف

(١٥٧)

نبيّك، اللّهمّ عرّفني رسولك فانّك إن لم تعرِّفني رسولك لم أعرف حجّتك، اللّهمّ عرفني حجّتك فانّك إن لم تعرفني حجّتك ضللت عن ديني»(١٤٢).
لهذا الدعاء أهمية كبيرة، لجهة التأكيد عليه فهو مروي بأسانيد متعددة، وكما أن الامام الصادق (عليه السلام) قد علم زرارة ماذا يصنع لو أدرك زمان الغيبة فإن العمري سفير الامام الحجة الثاني قد علمه بعض أصحابه من شيعة الامام (عليه السلام).
ومنها ما يرتبط بمضمونه حيث التركيز فيه على المعرفة العقدية بالله عز وجل وبالنبي والامام، وهي متقدمة بمراتب على سائر المعارف.. فلو فرضنا أن معرفة اللغة والتفسير مهمة لأنه يتوقف عليها معرفة مرادات الآيات القرآنية الكريمة إلا أنها من حيث رتبتها وأهميتها لا ترقى معرفة الإمام أو معرفة النبي فضلاً عن معرفة الله عز وجل لأن هذه مرتبتها مرتبة الأصول. وخريطة الطريق، البوصلة وهذه مرتبتها مرتبة الفروع وتفاصيل المعرفة.
ولو فرضنا أن شخصا لم يعرف الله أو عرفه بشكل ناقص فإنه لا ينفعه كثيرا ان يتعلم مسألة شرعية، وهكذا لو تعلم تفسير القرآن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) ذكره الشيخ الصدوق في كمال الدين ١/ ٣٤٢ في مواضع متعددة وبأسانيد كذلك، ويلحظ فيه أن أصل الحديث عن الامام الصادق وأنه يتحدث مع أصحابه عن غيبة الامام المهدي، ويعين الوظيفة لمن يدرك ذلك الوقت ماذا يصنع! كما نقله في موضع آخر ١ / ٥١٢ راويا هذا القسم من دعاء طويل عن السفير الثاني للإمام الحجة محمد بن عثمان العمري.

(١٥٨)

أو تجويده ولكنه لم يتعرف على النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) فلن يكون ذلك نافعا له أو شافعأ له، وكذا الحال في عقيدتنا الإمامية معرفة الإمام المعصوم (عليه السلام).
ضمن هذا الإطار وجدنا أحاديث النبي (صلَّى الله عليه وآله) عن قضايا معرفة الإمامة بلغت عدداً كبيراً جداً عند الإمامية وبلغت حداً معقولاً يشكل دليلاً علمياً عند غير الإمامية لمن تدبر وتأمل قضية الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) هي واحدة من هذه القضايا أصل القضية المهدوية ووجود مخلص إلهي يأتي في الزمن الأخير لكي يغير وضع العالم ويقيم العدل ويرفع الظلم ويطهر الأرض هذا الأمر تتفق عليه الديانات السماوية وإن اختلفت آراؤهم حول المخلصين فيها.
أصل القضية وجود المخلص الإلهي الذي يكون دوره هذا الدور، هو أمر مشترك ومتفق عليه بين جميع الديانات في الحالة الإسلامية أصل القضية المهدوية أن هذا المخلص الإلهي اسمه المهدي وأنه من ذرية النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله وسلم) ذا أيضاً من الأمور المتفق عليها بين المسلمين إلا من شذ منهم ولا يعبأ به لخرقه للإجماع بل لمخالفته صريح الروايات الكثيرة. أحدهم كتب كتاب قبل مدة من الزمان بعد النبي خير البشر لا مهدي ينتظر فاستقبل بالاستهجان من المدرسة السلفية التي ينتمي إليها هذا المؤلف بحسب الفرض قبل سائر المسلمين، لماذا؟
لأن الروايات التي تتحدث أن القضية المهدوية، قضية إسلامية وأن الروايات الموجودة فيها صحيحة، صححها كبار أئمتهم السابقين واللاحقين، فإذا جاء أحد وقال لا مهدي ينتظر يكون

(١٥٩)

خرقا للإجماع ودفعا للأحاديث الكثيرة ولا يعبأُ به نعم هناك خلاف بين فريق من اتباع مدرسة الخلافة وبين الإمامية في أن الإمام المهدي الموعود الذي هو من ذرية النبي والذي يهيأ الأرض ويبسط فيها العدل ويدفع عنها الظلم والفساد هل إنه ولد في الزمن السابق أو قبل ظهوره بمدة كافية يولد؟
محل الخلاف هنا.. ويظهر اول من شكك في ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله تعالى فرجه الشريف) حسب ما يظهر كان ابن حزم الظاهري محمد ابن علي ابن حزم الظاهري(١٤٣) المتوفى سنة ٤٥٦ هـ بعد قريب من مئتين سنة، قرنين من الزمان من الولادة الفعلية للإمام حسب رأي الشيعة طول هذه المدة لم يوجد هناك من يشكك في هذا الأمر بل كان يتعامل المؤلفون قبل ابن حزم وبعد ابن حزم على ان القضية ثابتة وكثير من علماء مدرسة الخلفاء ألفوا كتبا في ذلك مثل: مطالب السؤول والبيان لمحمد بن طلحة الشافعي، والكنجي الشافعي، والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي على اختلاف مراحلهم الزمنية صرحوا فيها ان الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) ولد له ولد يقال له محمد ويلقب بالمهدي وهو الذي وردت فيه الروايات عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله).
جاء ابن حزم الظاهري الذي يلقب احياناً باليزيدي أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٣) ابن حزم؛ علي بن أحمد بن حزم الظاهري، أبو محمد: ولد بقرطبة الاندلس ت ٤٥٦ هـ. كان حافظا للأحاديث يستنبط الاحكام منها ومن الكتاب والسنة واجه كثيرا من العلماء والفقهاء، حيث أجمعوا على تضليله فأقصته الملوك وطاردته، فرحل إلى بادية ليلة (من بلاد الأندلس) فتوفي فيها. وكان يقال: لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقان. أشهر مصنفاته " الفصل في الملل والأهواء والنحل، والمحلى وغيرها. 

(١٦٠)

الأموي(١٤٤) نظراً لأن جده الأعلى من موالي يزيد بن ابي سفيان أخ معاوية بن أبي سفيان وكان واليا على الشام من قبل الخليفة الثاني، أسس مذهبا سمي باسم الظاهرية ذكر في كتابه (الفصل في الملل والأهواء والنحل) بأن الإمامية تذهب إلى ان محمد المهدي بن الحسن العسكري الذي لم يولد قط، يقولون انه ولد للحسن العسكري وهو المهدي عندهم.
بالطبع فإن إنكار وجود المهدي وولادته يخلص هؤلاء من متواليات مشكلة عقدية، فلا بد أن يؤمنوا به لو أقروا بوجوده! إذ أن الروايات بشأنه أوضح من الشمس وأبين من الأمس! فربما رأى بعض هؤلاء أن السبيل الأفضل للخروج من هذا المأزق هو إنكار وجوده، بمعنى أنه وإن كان عقيدة ثابتة إلا أنه ليس موجودا ولا مولودا!
العقيدة المهدوية هل هي نتاج الحرمان السياسي؟
هذا وقد زاد أحد الدعاة من مدرسة الخلفاء في طنبور الإنكار نغمة وقال في إحدى الجرائد المحلية؛ بأن الذي دفع الشيعة إلى الإيمان بالمهدي عاملان:
 الأول: أن الشيعة كانوا يعيشون الحرمان السياسي في أغلب فتراتهم،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) فكان جده يَزِيدُ مولى يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي -أَخِ معاوية بن أبي سفيان كما عن الذهبي في سير أعلام النبلاء ١٣/ ٣٧٣.

(١٦١)

وأئمتهم عُزلوا عن إدارة الحياة فأثّر هذا الأمر فيهم نفسياً وجعلهم يتطلعون الى مخلص ومنقذ يغير هذه الأوضاع فكانت فكرة المهدي أحسن طريق لهم. وهي بهذا أشبه بردة فعل على الحالة السياسية المتأزمة، والعزلة السياسية، فهم بهذا يوجدون عزاء لأنفسهم بأن المستقبل معهم وأنهم سينتصرون.
والثاني: - قال - أن قسما من الناس يرغبون بالتغيير الكلي الفوري ولذا لا يعملون على السنن الطبيعية العادية، بل يريدون ان يأتي أحدهم ويضغط زرا هكذا وينقلب الوضع تماما إلى الصلاح والعدل، فرغبة هؤلاء في التغيير الفوري جعلتهم يؤمنون بفكرة المهدي.
وأما الجواب:
عن القسم الأول من كلامه فهو: إذا كان نشوء العقائد هو نتيجة لحالات نفسية عند البشر فهذا الكلام ننقله إلى موضوع الإيمان بالله، وآنئذ سيتم الاتفاق مع الماديين والماركسيين.. فإن هؤلاء
يقولون: إن إيمان البشر بالله قائم على خيال، حيث وجدوا في الطبيعة قوى ضخمة وعاتية، من زلازل، وبراكين، وعواصف وغيرها، ولم يعرفوا تفسيرها العلمي، فنشأ لديهم خوف داخلي دفعهم إلى الاعتقاد بوجود قوة خارقة غير مرئية سموها الله وإلا فلا وجود له!! إنما خلقته - كما زعم الماديون - حاجة الناس للاحتماء بهذه المظاهر الطبيعية الخارقة التي لا يتمكنون من مواجهتها ولا

(١٦٢)

يعرفون تفسيرها العلمي!.
لهذا الداعية نقول: اذا كنت تعتقد ان الماديين خاطئون وأن الإيمان بالله حاجة فطرية موجودة في داخل أعماق الإنسان لا يستطيع التنكر لها وقامت عليها الأدلة والبراهين.. فمثل ما يقال هناك يقال هنا.
نعم يمكن للحاجة النفسية أن تخلق فكرة او عقيدة لشخص أو شخصين، أما ان تتحول الى مسار لدى كل المؤمنين بالله.. في أنهم خافوا من قضايا الطبيعة فخلقوا لهم إلها!! هذا شيء غير معقول!
وهكذا الحال بالنسبة لقضية الإمام المهدي، فإن شيعة أهل البيت في أدوار التاريخ المختلفة وفيهم العباقرة، والعلماء، فيهم الفقهاء، والمحققون المدققون، بل إن أعظم فلاسفة الإسلام هم من شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هؤلاء كلهم حدث لديهم إحباط سياسي وخلقوا لهم قضية المهدي.
لم يقف أحد هؤلاء العلماء والفقهاء والفلاسفة ليتساءل، او ليفكر في الأمر ويرى أن القضية هي عبارة عن انفعال نفسي سلبي بالأوضاع السيئة فخلقوا لهم هذه العقيدة!! لم يلتفت أي من هؤلاء العباقرة والمدققين إلى ما التفت إليه هذا الداعية؟
ثم لنفترض جدلا أن هذا الكلام صحيح في أزمنة الحرمان السياسي، والاحباط!! ماذا عن أزمنة السيطرة والحكم؟

(١٦٣)

في هذا العصر بل في عصور سبقت كان لديهم الحكم وصاروا رؤساء دول! ومع ذلك بقوا متمسكين بقضية الإمام المهدي؟ بل ربما زاد حضور القضية المهدوية في تلك الفترات مثل فترة حكم الدولة الصفوية!
لقد حكم شيعة أهل البيت مناطق كبيرة أو صغيرة من العالم الاسلامي في فترات تاريخية متعددة وامتد بعضها قرونا، فلو راجعت تاريخ الاسلام(١٤٥)، لوجدت فيه الدولة البويهية ودولة الأدارسة والحمدانيين والفاطميين وغيرها إلى زمان الدولة الصفوية.. فلماذا لم يتخل هؤلاء عن الاعتقاد بالإمام المهدي إذا كان ذلك الاعتقاد ناتجا عن الاحباط السياسي؟
وأما القسم الثاني من كلامه: أن الشيعة يرغبون في التغيير الكلي الفوري ولا يتبعون السنن الطبيعية، يريدون بضغطة زر ويتغير العالم... هذا به مجافاة للواقع، وغير صحيح.
بل إن الذين يتحدثون عن النهضة المهدوية يتحدثون عن عمل جاد، عن حركة طويلة تعتمد على ان الخير لا ينتشر إلا من حيث انتشر الشر اي ان الارض كما ملئت، و(كما) فيها إشارة إلى الطريقة كما جاء في احد تفاسيرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٥) حتى ليعد القرن الرابع إلى الخامس هو قرن الدول الشيعية في العالم الاسلامي، وللتفصيل يمكن مراجعة كتاب (دول الشيعة في التاريخ) للمرحوم العلامة الشيخ محمد جواد مغنية.

(١٦٤)

ما هي الطريقة التي ملئت بها الأرض ظلماً وجوراً؟ بوجود طواغيت السياسة والمال والأفكار الفاسدة، والاعلام المضلل، فإذا وجد في مقابل ذلك إعلام نظيف وواع، وصار المال في خدمة الخير والأهداف العالية دون الشهوات والعبث، وصار المتقدمون في المجتمع أهل التقوى والمعرفة والصالحون دون أهل الفساد والقوة العاتية، عندئذ سيتم امتلاء الأرض عدلا وإنصافا، وسيعم الخير.
إن من يراجع الكتب المؤلفة(١٤٦) في يوم الظهور ويقرأ الروايات الواردة في خريطة الحركة المهدوية لا يرى أثرا لما ذكره ذلك الداعية من التغيير اللحظي والفوري الذي يحصل بعد ظهور الامام المهدي، بل يرى استعدادات، وحروبا عسكرية ومقاومة شرسة لخطوط الضلال واستخدام لمعطيات العلم والتقنية حيث يتطور العلم في زمانه تطورا كبيرا، ويكون ما لدى المهدي من العلم عشرات أضعاف ما هو متاح للناس، ولم يقل أحد بأن القضية تغيير فوري بضغطة زر.
إذن.. هذا الكلام بأن إيمان الشيعة بالعقيدة المهدوية ناشئ من الحرمان السياسي أو على أثر رغبة في التغيير الفوري.. لا يعتمد على قاعدة علمية.
فوق هذا نسأله: ما هو منهجك في معالجة قضية الإمام المهدي؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٦) للتفصيل يمكن مراجعة كتاب (ما بعد الظهور) للمرحوم الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر.

(١٦٥)

نحن نعلم أن هذا الداعية ينتمي إلى المدرسة السلفية الخبرية.. وهنا نسأله: إذا كان مسلكك خبريا؟ فماذا تصنع بهذه الأخبار المتضافرة الكثيرة عن النبي (صلَّى الله عليه وآله) في أصل القضية ولزوم الاعتقاد بها؟ يبقى أمر الاعتقاد بولادته ووجوده، وهذه قد أقام الشيعة عليها أدلتهم(١٤٧)، ولك أن تقبلها أو تردها! أما الإحالة إلى مثل الشعور بالإحباط السياسي من الأوضاع القائمة أو ما شابه لتفسير اعتقاد الشيعة بالإمام المهدي، فهذا ليس سليما!
المهدوية بين التواتر وحساب الاحتمالات:
نأتي هنا إلى طريقة أخرى اشار إليها(١٤٨) الشيخ محمد باقر الايرواني حفظه الله وهو من تلاميذ الشهيد السيد محمد باقر الصدر.. وهي طريقة حساب الاحتمال.
الشهيد الصدر لديه نظرية تسمى حساب الاحتمال وتجميع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) ذكرناها في موضوع آخر، وملخص بعضها: أنه بعدما تحدد من خلال مجموع الأحاديث الواردة أن المهدي (من قريش) وأنه (من بني هاشم) و(من ولد الحسين) وأنه (التاسع منهم) فلا بد أن ينتج هذا أنه قد ولد فعلا وإلا فلا يمكن أن يكون التاسع بعد وجوده بآلاف السنين! ومنها أن مقتضى التقارن بين الكتاب والعترة وأن لا يفترقان حتى يردا الحوض؛ هو أن يكون إمام معصوم من العترة موجودا في كل زمان، فلو خلي زماننا منه لافترقا، فيتعين أن يكون موجودا وحيا.. هذا فضلا عن شهادات النسابة وأهل المعرفة بها ممن حكموا بولادته لأبيه العسكري.. وغيرها من الأدلة التي أقيمت.
(١٤٨) في رسالة بعنوان: الامام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال نشرها مركز الأبحاث العقائدية. 

(١٦٦)

القرائن، تحدث عنها في كتابه الأسس المنطقية للاستقراء ونقلها للاستفادة منها إلى أكثر من مجال. فمن ذلك ما صنعه تلميذه الايرواني حيث نقل النظرية إلى بحث قضية الأمام المهدي (عجل الله فرجه) واستفاد منها في الاستدلال. ونشير إليه بشكل مختصر، فهو يقول لإثبات القضايا التاريخية يمكن أن نسلك طريقين: التواتر وحساب الاحتمال.
في التواتر؛ على فرض وجود أخبار متواترة في قضية من القضايا، لا يصح أن يتم المناقشة في سند الأخبار ونقدها باعتبار أن في هذا الخبر مجهولا أو في ذاك ضعيفا، لأن المناقشة تلك إنما تصح فيما إذا لم يكن هناك تواتر، ولا علم بالتالي فنحن نريد أن نتعبد بالخبر وإن لم يكن يحصل لنا علم، فهنا محل النقاش في أخبار الآحاد وشبهها.
وأما مع فرض التواتر فقد حصل العلم، وحينها لا معنى للبحث السندي في كل خبر! ومع النظر إلى كثرة ما جاء من أخبار المهدي من طرق السنة والشيعة لا محيص من الاقرار بالتواتر. وحتى لو اختلفت خصوصيات تلك الأخبار وتفاصيلها فإنها في القدر المشترك بينها تكون يقينية.
والطريق الآخر هو حساب الاحتمال، وهو يصنع لنا يقينا تصاعديا بمقدار ما تتراجع احتمالات الخلاف مثال: ان فلان لو كان مريضاً فأتى شخص وأخبر عن شفائه فهذا يصنع لنا علما مثلا بمقدار ٣٠٪ ويبقى مقدار ٧٠٪ في دائرة الشك والاحتمال المخالف، فإذا علمنا أنه ترك أخذ الدواء فهذا يرفع من احتمال الشفاء بنسبة

(١٦٧)

٧٠% ويبقى مثلا ٣٠% فإذا رأينا جماعة يدخلون بيته لتهنئته بالشفاء فهذا يرفع النسبة إلى ٩٠% وينخفض الاحتمال المخالف إلى ١٠% فإذا رأيناه قد ذهب إلى العمل في اليوم الثاني فإن النسبة الموافقة ترتفع والمخالفة تنخفض إلى أن يحصل اليقين عندنا بشفائه..
وفي قضية الامام المهدي كبحث تاريخي نرى الأمر هكذا، فنلاحظ أن لدينا روايات عن النبي محمد (صلَّى الله عليه وآله)، تتحدث عن الامام المهدي وانه من ولد الحسين ومن قريش، يمكن تشكك في رواية احدهم وفي وضوح اخرى، لكن في الجملة تصنع لدينا احتمال ٣٠ ٪، ثم نأتي ونرى ان هناك مثلا ٢٠٠ حديث عن سائر الأئمة (عليهم السلام) مختلفة التعبيرات، وتتحدث عن تفاصيل متعددة مثل أنه من ولد الحسين، وأن له غيبتين، وأن الناس سيكونون على طوائف في هذه الغيبة، وأن الدعاء بكذا عبارات مستحب في زمان غيبته، وأن فيه من سنن الأنبياء كذا وكذا، ثم نأتي إلى كتب التاريخ ونرى فيها مثلاً أن الحكام العباسيين كانوا يترقبون الإمام المهدي، ولذلك عينوا مراقبين، فتشوا بيت الإمام العسكري، هذه تضيف لنا احتمالات جديدة في اليقين وتقلل نسبة الشك، ثم نذهب ونرى في حياة الامام العسكري أنه (عليه السلام) اطعم الطعام وأراه الى ٤٠ شخصا من اصحابه الخلص.. ثم في حياة المهدي نفسه أنه كتب مكاتيب وتواقيع وعين سفراء جاءت أجوبته منسجمة مع ما عهد في خط الإمامة فبهذه القرائن السابقة يتشكل لدينا يقين تام بأن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) قد ولد بالفعل.

(١٦٨)

هذا لمن لا ينتهج منهج الأخبار والاعتماد عليها.
يبقى ما قاله في موضوع الانتظار: من أن الشيعة لأنهم ينتظرون مهدي اخر الزمان عطلوا الجهاد والحدود وصلوات الجمعة ولا يفعلون شيئا سوى الانتظار.
وجوابنا: هو بسؤال فكل منا ينتظر طلوع الشمس غداً ولكن هل يبقى هذه الليلة في الظلام أو يرتب أوضاعه وأموره؟
لا ريب أنه يضيء بيته لكي يعيش هذه الليلة في الضياء وينجز مهامه ولا يقبل منه أن يقول لأن الشمس غدا سوف تشرق، فأنا أبيت في الظلام الآن ولا أفعل شيئا.. شيعة أهل البيت هكذا، ينتظرون ولكن في نفس الوقت يمارسون حياتهم الطبيعية، يقيمون أعمالهم بالوجه الذي يستطيعونه ويتصرفون على هذا الأساس.
صلاة الجمعة ليست معطلة عندهم، وإنما أمر إقامتها مرتبط برأي فقهي، نظرا لأن فقهاء الامامية لم يغلقوا باب الاجتهاد، وما هو واجبٌ اليومَ قد لا يكون بالضرورة واجبا يوم غد مع اختلاف الظروف، بل مع اختلاف استدلال الفقيه، ليس عند الامامية قوالب اسمنتية في الأحكام الفقهية، وإنما تتغير بحسب ما سبق.
وفي وقت من الأوقات كان الرأي الشائع عند فقهائهم أن الجمعة مشترطة بحضور الامام المعصوم، وبعضهم يرى شرط بسط اليد وإمكان تنفيذ الأوامر وحيث أنه لا ظهور له ولا بسط لليد فلم تكن واجبة، بينما كان في فترات أخر بخلاف ذلك،

(١٦٩)

وفي هذا الزمان ما يقطع حجة المتحجج. فالرأي الشائع الآن في هذا الزمان عند الإمامية هو أن صلاة الجمعة واجبة تخييرا بينها وبين الظهر، والجمعة أفضل بشرط ان تتوفر شرائطها ولم يلتزم الفقهاء المعاصرون بشرط حضور المعصوم، بل ولا حتى شرط بسط اليد فها هي صلوات الجمعة تقام في أغلب - إن لم يكن كل - المناطق الشيعية..
ومنها ما ذكره من أن الشيعة عطلوا الجهاد بسبب فكرة الانتظار!!
وهنا نستذكر المثل (رمتني بدائها وانسلت)(١٤٩) فنسأل هذا القائل: من الذي قام بالجهاد السليم في الأمة في هذا الزمان؟ ومن بيض وجوه المجاهدين في مواجهة العدو الاسرائيلي غير أولئك الذين يهجمون على العدو ويصرخون يا مهدي يا مهدي! من الذي فعل ذلك غير شيعة أهل البيت؟
 وأما مسألة الحدود: فهي كذلك تخضع لرأي فقهي، يقول ان الحد الشرعي يجب ان ينفذه حاكم شرعي وفقيه مبسوط اليد، وفي الأماكن التي بُسطت فيها يد فقهاء اهل البيت نفذوا الاحكام الشرعية بمقدار استطاعتهم حسب ما تقتضيه الأدلة ولم يتوقف شيء من الائتمار بالواجبات والانتهاء عن المحرمات، ولا تم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) يضرب لمن يُعَيِّر صاحبه بعيبٍ هو فيه / مجمع الأمثال١/ ٢٦٨لأبي الفضل الميداني

(١٧٠)

التوقف عن الحركة الاجتماعية، او السياسية والفكرية.
هم يعتقدون بما نقل عن النبي (صلَّى الله عليه وآله): (أفضل الأعمال انتظار الفرَج) الإنسان الراضي بالوضع الفاسد القائم، لا ينتظر شيئا لأنه راض.. وهذا الفساد الحاصل، والطغيان الموجود في العالم، ينسجم معه قسم من الناس ولذلك لا ينتظرون شيئا.
أما الذي ينتظر فهو الذي يعترض ويرفض الواقع الموجود، هو الذي يقول بالإمكان افضل مما كان، ويمكن للبشر ان ينتقلوا الى مرحلة أفضل وعلى الناس ان يعملوا له وان يكون لديهم امل.. ليس الشيعة هم الذين يعيشون الاحباط بل بالعكس هم من يقاومون الإحباط وهم من يشعلون شمعة الأمل.. ويرون أنه مهما اشتدت الأمور سوءاً والمشاكل زادت عنفا ولو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج المهدي من آل محمد!
هنا مصنع الأمل، وهنا مصنع العمل، وهنا مصنع الرفض للأفكار الفاسدة، وهنا عدم القبول بما يكرسه الظالمون الفاسدون والقوى الكبرى، لا نقبل بهذا.. بل نحن ننتظر وضعا أفضل من ذلك يحققه مهدي آخر الزمان (عجل الله تعالى فرجه) وجعلنا اللهم من انصاره وأعوانه.
نحن ننتظره، ونحسب الأيام، ليس انتظارا سلبيا وانما نمارس اعمالنا، ونهيئ لهذا الظهور، نتحرك طبق ارادته ورضاه، نعتقد انه ناظر لنا شاهد علينا، مراقب لنا، عنده حضور في هذه المجتمعات..

(١٧١)

هذا المعنى يجعل الانسان يتحرك باتجاه الفضيلة والتقوى وإشاعة العدل والإنصاف.. ننتظر ذلك اليوم الذي يقول عنه الإمام الباقر (عليه السلام): (كأني به وقف بين الركن والمقام ينادي أيها الناس ألا أن جدي الحسين قتل مظلوماً، ألا ان جدي الحسين قد سحقوه عدوانا)(١٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٠) إلزام الناصب في إثبات الحجة الغائب ٢ / ٢٤٣.

(١٧٢)

المصادر

المصادر بعد القرآن الكريم
الألباني: محمد ناصر الدين؛ سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة دار المعارف، الرياض السعودية
الأصفهاني الراغب: الحسين بن محمد؛ المفردات في غريب القرآن دار القلم، الدار الشامية - دمشق
الايرواني: محمد باقر؛ الامام المهدي بين التواتر وحساب الاحتمال. مركز الأبحاث العقائدية قم.
بابويه: محمد بن علي بن الحسين بن: كمال الدين وتمام النعمة: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين في قم - ايران
البروجردي: حسين الطباطبائي؛ جامع أحاديث الشيعة في

(١٧٣)

أحكام الشريعة مطبعة مهر - قم ١٤١٥
الجزرى: على بن محمد الشيبانى (ابن الأثير)؛ الكامل في التاريخ؛ دار صادر. بيروت
الجوزي: أبو الفرج بن؛ المنتظم في تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية
حنبل مسند الامام أحمد بن. دار صادر بيروت
الدينوري: عبد الله بن مسلم بن قتيبة؛ غريب الحديث؛ مطبعة العاني. بغداد
الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، تاج العروس، دار الهداية
الزركلي: خير الدين؛ الأعلام: دار العلم للملايين - بيروت - لبنان
 السامرائي: د عبد الحميد؛ دولة الموحدين؛ دار الكتب العلمية بيروت
الشيرازي: ناصر مكارم؛ الأمثل في تفسير الكتاب المنزل. مدرسه الامام علي بن ابي طالب. قم
الصالحي الشامي: محمد بن يوسف؛ سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد دار الكتب العلمية بيروت
الصدر: محمد محمد صادق؛ تاريخ ما بعد الظهور. دار

(١٧٤)

التعارف بيروت
الطبرسي: أحمد بن علي بن أبي طالب؛ الاحتجاج: دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف - العراق
الطبرسي: أحمد بن علي بن أبي طالب؛الاحتجاج، مطابع النعمان. النجف الاشرف
الطبري: محمد بن جرير؛ تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله من الأخبار مطبعة المدني - القاهرة
الطوسي: محمد بن الحسن؛ الغيبة. مؤسسة المعارف الاسلامية، قم المقدسة. ١٤١١
الطوسي: نصير الدين محمد بن محمد؛ تجريد الاعتقاد مكتب الاعلام الاسلامي‌، طهران
العاملي: جعفر مرتضى؛ خلفيات مأساة الزهراء. دار السيرة بيروت
العاملى‌: محمد بن الحسن الحر؛ إثبات الهداة. مؤسسة الأعلمي‌ بيروت‌١٤٢٢
فوزي: محمد؛ نظام الادارة الدينية عند الشيعة الامامية؛ دار البيان العربي. بيروت
قدامة: عبد الله بن أحمد بن؛ المغني. دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع بيروت

(١٧٥)

الكاشانى: محمد محسن الفيض؛ الوافي. كتابخانه امام أمير المؤمنين على (عليه السلام)‌ اصفهان‌ ١٤٠٦
كثير ابن: اسماعيل؛ تفسير القرآن العظيم: دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت - لبنان
الكليني: محمد بن يعقوب؛ الكافي: دار الكتب الاسلامية - طهران - ايران
المازندراني: محمد صالح؛ شرح أصول الكافي - دار احياء التراث العربي - بيروت لبنان
المجلسي: المولى محمد باقر؛ زاد المعاد. منشورات الأعلمي. بيروت ١٤٢٣
المروزي أبو عبد الله نعيم بن حماد؛ كتاب الفتن. دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بيروت
المشهدي محمد ابن: المزار - مركز النشر الاسلامي - قم
المنتظري: حسين علي؛ من المبدأ إلى المعاد في حوار طالبين: انتشارات دار الفكر - قم - ايران
النعماني: محمد بن ابراهيم؛ كتاب الغيبة؛ نشر أنوار الهدى قم ايران ١٤٢٢
النوري الطبرسي: حسين؛ خاتمة المستدرك: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث - قم - ايران

(١٧٦)

 الهيتمي: أحمد بن محمد بن علي بن حجر؛ الصواعق المحرقة؛ مؤسسة الرسالة - لبنان
هيئة الإذاعة البريطانية bbc على الانترنت.. مقابلات مع بعض من بقي على قيد الحياة منهم او من المقربين منهم، https://www. bbc. com/arabic/middleeast-40574360

(١٧٧)