تعريف المهدوية للحضارات الأخرى

 

تعريف المهدوية للحضارات الأخرى
 

مجتبى السادة
 

 

إشراف وتقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
الأولى ١٤٤٧هـ
 

 

الفهرس

مقدَّمة المركز...................٣
الإهداء...................٧
المقدَّمة...................٩
توطئة: مشروع تعريف المهدويَّة...................١٥
إطلالة في أُفُق الثقافة المهدويَّة...................١٧
المنطلق في صياغة (تعريف المهدويَّة)...................١٨
تفعيل مسؤوليَّة (التعريف) الفكري والحضاري...................١٩
النسق الحضاري للمهدويَّة...................٢٠
علاقة الهويَّة الثقافيَّة بالكيان الحضاري...................٢٢
ثمرة...................٢٣
الفصل الأوَّل: تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى...................٢٥
تعريف المهدويَّة للآخر ضرورة حضاريَّة...................٢٧
التعريف المطلوب...................٣١
الهدف والرؤية من التعريف...................٣٢
المرتكزات الأساسيَّة للتعريف بالمهدويَّة...................٣٤
أوَّلاً: الحاجة الفطريَّة للمخلِّص...................٣٥
ثانياً: جميع الديانات السماويَّة بشَّرت بالمخلِّص...................٣٥
ثالثاً: عالميَّة النهضة المهدويَّة...................٣٦
رابعاً: معالم الدولة المهدويَّة الفاضلة...................٣٧
خامساً: مستقبل التاريخ البشري...................٣٨
الآليَّة الاستراتيجيَّة للتعريف...................٣٩
المهدويَّة هي مخلِّص الحضارات...................٤٤
أُطروحة المخلِّص عند المسلمين...................٤٧
عوائق تعريف المهدويَّة للحضارات...................٤٨
١ - عدم إدراك أهمّيَّة مشروع التعريف...................٤٩
٢ - عدم فهم الحضارات الأُخرى...................٥٠
٣ - محاربة أعداء الإسلام للمهدويَّة...................٥١
الفصل الثاني: المهدويَّة قاسم مشترك بين الحضارات...................٥٣
نماذج من استشهادات التراث الدِّيني بخصوص المهدويَّة...................٥٦
التوراة وملحقاته: العهد القديم - اليهود...................٥٦
الإنجيل وملحقاته: العهد الجديد - المسيحيُّون...................٥٨
القرآن الكريم - المسلمون...................٦٠
كُتُب الأديان الأُخرى...................٦٠
إحصائيَّات عن المخلِّص في التراث الدِّيني...................٦٣
تكامل فكرة المخلِّص عبر مسيرة التاريخ البشري...................٦٤
هل المخلِّص آخر الزمان واحد أم متعدِّد؟...................٦٥
مصدر الفكرة ومنبعها واحد...................٦٥
الأخبار والبشارات السماويَّة لا تشير إلى أكثر من مخلِّص...................٦٦
تطابق الغايات والأهداف والنتائج التي تحلم بها البشريَّة على يد المخلِّص...................٦٦
علامات ظهور (المخلِّص، المنقذ، المهدي) واحدة عند جميع الأديان...................٦٦
النصوص السماويَّة المقدَّسة تنطبق على المخلِّص المهدي فقط...................٦٧
علامات الظهور تتشابه عند جميع الديانات السماويَّة...................٧٠
* النداء والصيحة السماويَّة...................٧١
* معركة قرقيسيا - مائدة الله...................٧٢
* الرجعة...................٧٤
* الظواهر الطبيعيَّة (سماويَّة وأرضيَّة)...................٧٦
* علامات آخر الزمان...................٧٨
* يأجوج ومأجوج (Gog and Magog)...................٧٨
* الدجَّال (Ad-Dajjal)...................٧٨
* دابَّة الأرض (The Earth Creature)...................٧٨
تفعيل القواسم المشتركة لفكرة المخلِّص بين الحضارات...................٧٩
الفصل الثالث: المهدويَّة في الرؤية الاستشراقيَّة...................٨٥
الاستشراق ما له وما عليه (موجزاً)...................٨٨
لماذا القضيَّة المهدويَّة؟...................٨٩
دراسات المستشرقين للعقيدة المهدويَّة...................٩٣
بعض من دراسات المستشرقين الأُوربيِّين...................٩٤
بعض من دراسات المستشرقين الأمريكان...................٩٨
بعض من دراسات المستشرقين الإسرائيليِّين...................١٠٤
مواقف ورؤى المستشرقين عن المهدويَّة...................١١٠
شُبُهات وردود...................١١١
الشبهة (١): إنَّ فكرة المنقذ والمخلِّص موجودة قبل الإسلام عند ديانات سابقة...................١١١
* الشبهة (٢): التشكيك بأنَّ المهدي (المنقذ والمخلِّص) آخر الزمان من المسلمين...................١١٢
* الشبهة (٣): مُدَّعو المهدويَّة في كلِّ البلاد الإسلاميَّة...................١١٣
* الشبهة (٤): التشكيك في العقيدة المهدويَّة من الأساس...................١١٤
* الشبهة (٥): تزييف حقيقة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)...................١١٦
* الشبهة (٦): الزعم أنَّ فكرة مهدي المسلمين ليست سماويَّة...................١١٧
* الشبهة (٧): إنَّ فكرة مهدي المسلمين مختلَقة من الخيال...................١١٨
* الشبهة (٨): مهدي المسلمين هو الذي يُشكِّل الكثير من المشاكل والمتاعب للعالم...................١٢٠
لمحة تفصيليَّة عن نماذج من دراسات المستشرقين عن المهدويَّة...................١٢٢
كيف نستفيد من كتابات المستشرقين عن المهدويَّة؟...................١٣٨
الفصل الرابع: المهدويَّة برؤية حضاريَّة...................١٤١
أهمّيَّة طرح المهدويَّة برؤية حضاريَّة...................١٤٤
السبيل لإدراك أصل الفكرة...................١٤٦
أوَّلاً: المخلِّص وبرهان الفطرة...................١٤٧
ثانياً: المخلِّص وطريق الاستدلال العقلي...................١٤٩
ثالثاً: المخلِّص وطريق الإرشاد السماوي...................١٥٠
الثمرة...................١٥١
المهدويَّة كفلسفة للخلاص...................١٥٣
الخلاص عند اليهود...................١٥٤
الخلاص عند المسيحيِّين...................١٥٧
الخلاص عند المسلمين (المهدويَّة)...................١٥٩
ثمرة مفهوم الخلاص...................١٦٢
المهدويَّة خطُّ هداية متَّصل بالسماء...................١٦٣
فكرة المخلِّص تتجسَّد على أرض الواقع...................١٦٨
المهدويَّة والحضارة الإنسانيَّة...................١٧٤
الحضارة الإنسانيَّة الواحدة...................١٧٦
زرع الأمل في نفوس المستضعَفين...................١٧٨
الطاقة المعنويَّة للبشريَّة...................١٧٩
مسير الحضارة الإنسانيَّة...................١٨٠
ما تنهض به المهدويَّة مستقبلاً...................١٨٢
ثمرة البحث...................١٨٧
الخاتمة: رسالة للبشريَّة بخصوص المهدويَّة...................١٩٣
المصادر والمراجع...................١٩٧

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدَّمة المركز:
الحمد لله ربِّ العالمين الذي جعل في مسيرة التاريخ عبرة وبشائر للأمل، وفي غيبه (عزَّ وجلَّ) وعداً بالاستخلاف، وفي وجدان الإنسان ومكنون فطرتهم توقاً إلى الكمال الفريد المتمثِّل بوعد الخلاص وانتشار العدل.
والصلاة والسلام على سيِّدنا محمّد وآله الطاهرين، سيَّما بقيَّة الله في الأرضين، الحجَّة بن الحسن المهدي (عجَّل الله فرجه)، الذي به يتمُّ نور الرسالة، وتختَتم رحلة الإنسان إلى الله (عزَّ وجلَّ) بتمامها وكمالها.
إنَّ المشروع المهدوي ليس وعداً وحَدَثاً مستقبليًّا وحسب، بل هو منظومة فكريَّة وحضاريَّة متكاملة تمتدُّ جذورها إلى الفطرة الإنسانيَّة، وتجري في الوعي الدِّيني البشري كجدول منسجم مع النبوَّات والشرائع والرسالات السماويَّة.
ومن هنا، فإنَّ التعريف بالمهدويَّة لا يُراد به مجرَّد البيان النظري لمعنى المخلِّص المنتظِر، بل يُراد به تفعيل حضور الفكرة في الوعي الإنساني العامِّ، وبيان موقعها من الخارطة الحضاريَّة للبشريَّة، وكيف يمكن لها أنْ تُشكِّل جسراً جامعاً بين العقائد السماويَّة، بل بين الشعور الفطري الجمعي للإنسان الباحث عن العدالة والطمأنينة والمصير الكامل.
إنَّ هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ الكريم يسعى إلى صياغة تعريف شامل للمهدويَّة، يُخرجها من دائرة التناول التجريدي إلى ساحة الفعل الثقافي، ويُقدِّمها كمشروع حضاري عالمي، يخاطب به الإنسان في كلِّ زمان ومكان، ويدعوه إلى المشاركة الواعية في بناء الوعي المهدوي الأصيل.

(٣)

وقد جاءت فصول هذا الكتاب مترابطة البناء، متكاملة الغايات، لتُؤسِّس لمعالم الهويَّة المهدويَّة في الفكر، والوجدان، والكيان الحضاري العامِّ.
يبدأ الكتاب بتحديد المنطلق المفهومي للتعريف بالمهدويَّة، محاولاً قراءة المفردة ضمن نسقها التاريخي والحضاري، ثمّ يُبيِّن كيف أنَّ مشروع التعريف ليس عملاً معرفيًّا محضاً، بل رسالة فكريَّة وإنسانيَّة تتطلَّب تفعيلاً لحركة الوعي في جسد الأُمَّة.
ثمّ يعرض إلى الإطار العامِّ للمهدويَّة في ضوء حاجات الإنسان الفطريَّة، واتِّساع ونظر الرسالات السماويَّة لفكرة المخلِّص، وصولاً إلى بيان عالميَّة النهضة المهدويَّة ومعالم دولتها الفاضلة، ليُؤكِّد أنَّ المهدويَّة ليست فكرة طائفيَّة ولا محلّيَّة، بل وعدٌ إلهي شامل للبشريَّة جمعاء.
ثمّ ينتقل البحث إلى تحليل المهدويَّة كقاسم مشترك بين الحضارات والأديان، عبر استقراء نصوصها المقدَّسة من التوراة والإنجيل والقرآن وسائر الكُتُب السماويَّة، ليكشف عن خيوط الفكرة الواحدة الممتدَّة في الجوهر والضمير الدِّيني الإنساني، وعن التكامل التاريخي لفكرة الخلاص عبر العصور.
ومن هناك يتَّجه إلى دراسة الرؤية الاستشراقيَّة للمهدويَّة، محاولاً قراءة المواقف المختلفة بين التفسير المنصف والموقف العدائي، وبين الاستفادة المنهجيَّة من بعض الدراسات الأكاديميَّة الغربية في تطوير الفهم الحضاري للقضيَّة.
وفي القسم الرابع، تتبلور رؤية الكتاب النهائيَّة التي تسعى إلى تأصيل المهدويَّة كفلسفة للخلاص الإنساني، إذ لا يمكن فصلها عن المسار الكوني للعدل والحقِّ، وعن طموح الحضارات في تجاوز أزماتها، وبلوغ إنسانيَّة متصالحة مع فطرتها. فالمهدويَّة، بحسب المنظور القرآني والعقائدي، هي ذروة التاريخ الإلهي للإنسان، ونقطة التوازن الكبرى بين السماء والأرض، بين الغيب والشهود، بين الوعد الإلهي والجهد البشري.

(٤)

إنَّ من أهمّ أهداف هذا المشروع أنْ يُقدِّم للعالم صورةً علميَّةً ناضجةً عن العقيدة المهدويَّة، تُعرِّفها كحضارة قائمة على العدل والكرامة والإنسانيَّة، لا كفكرة غيبيَّة مغلقة، وأنْ يُبرز طاقتها المعنويَّة في بناء الأمل في نفوس المستضعفين، وإحياء روح المسؤوليَّة في الأُمَّة، وتوجيه وعيها نحو المستقبل الذي رسمته السماء للإنسان.
ولعلَّ ثمرة هذا الجهد تكمن في الدعوة إلى إعادة بناء الوعي المهدوي المعاصر، وعي يتجاوز حدود التلقِّي السلبي إلى الفعل الحضاري الإيجابي، ويُحوِّل الانتظار من حالة انكفاء إلى حالة بناء، ومن شعور غيبي إلى حضورٍ حيٍّ في الفكر، والعقيدة، والروح، والواقع.
وبذلك، يكون هذا الكتاب مساهمة في مشروع أوسع، يروم أنْ يجعل من المهدويَّة لغة جامعة بين الأديان، وجسراً حضاريًّا بين الشعوب، وأُفُقاً إنسانيًّا يطلُّ على مستقبلٍ واعدٍ بالعدل والنور.
ونحن في مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعد تبنِّي تحقيق الكتاب والإشراف عليه، اللهَ نسأل أنْ يبارك هذا الجهد وأنْ يفتح على المؤلِّف القدير الأُستاذ مجتبى السادة أبواب الخير، وأنْ يجعل كتابه هذا كما غيره خطوةً في طريق التمهيد لظهور وليِّه الأعظم، وأنْ يرزقنا البصيرة في معرفته، والصدق في نصرته.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة
في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

(٥)

الإهداء

السلام عليك: يا مَنْ هو أوَّل وليد من دوحة النبوَّة والإمامة.
السلام عليك: يا مَنْ أفاض عليه الرسول (صلَّى الله عليه وآله) من حنانه وعطفه، وأفرغ عليه أشعَّة من سموِّ نفسه وروحه.
السلام عليك: يا مَنْ هو صورة مصغَّرة عن جدِّه (صلَّى الله عليه وآله)، يضارعه في أخلاقه ويحاكيه في ملامحه.
السلام عليك: يا مَنْ غذَّاه الأمير بالحكمة والشجاعة، وغرست البتول في نفسه الكمال والفضيلة.
السلام عليك: يا مَنْ نشأ في بيت الوحي، وتربَّى في مدرسة التوحيد.
السلام عليك: يا مَنْ علَّمنا الرسول بولادته مراسيم وسُنَن إسلاميَّة جديدة.
السلام عليك: يا مَنْ هو السبط والزكيُّ والمجتبى والتقيُّ وكريم أهل البيت.
إليك يا مولاي أُهدي هذه الأوراق البسيطة والمتواضعة عن بقيَّة الله وخاتم الأوصياء.. عسى أنْ تقع لدى مقامكم الرفيع موقع القبول، وأنْ تتلطَّف عليَّ بالرضا، فهو غاية النجاح ومنتهى الأمل.
عذراً سيِّدي، إنَّ مقامي هو مقام مَنْ أسرف وأخطأ واستكان، وأقرَّ بما جنى، يرجو بمقامه الخلاص، وأنْ يستنقذه بكم مستنقذ الهلكى، فكونوا لي شفعاء، فقد وفدت إليكم.. فاجعلوني من همِّكم، وصيِّروني في حزبكم، وأدخلوني في شفاعتكم، واذكروني عند ربِّكم.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* * *

(٧)

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدَّمة:
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه أجمعين محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.
أمَّا بعد..
الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) هو المخلِّص الذي تتحدَّث عنه الأديان، والذي تتوق البشريَّة إلى خروجه ليُحقِّق خلاص الإنسانيَّة من الظلم والفساد وإقامة دولة العدل والرخاء، إلَّا أنَّ ما نطمح إليه هو أنْ نُوفَّق في أداء جزء من مسؤوليَّاتنا تجاه الإمام (عجَّل الله فرجه)، فنُقدِّم ونُوضِّح ونُوصِّل ونُعرِّف حقيقة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) الربَّانيَّة كما هي في الأُطروحة الإماميَّة إلى كلِّ الأُمَم والشعوب وكلِّ الكيانات الاجتماعيَّة والحضاريَّة في العالم.. وللأسف الشديد وباستقراء واقعنا الثقافي الإسلامي يتجلَّى لنا غياب هذه المهمَّة والمسؤوليَّة عن تفعيلها وتنفيذها، أو حتَّى التهيئة والتأسيس لمنظومة فكريَّة تتناغم مع هذا السياق، أو تحفيز الأُمَّة لامتلاك مسلك عملي يتلاءم مع ممهِّدات اليوم الموعود.
إنَّ البحث عن إنسانيَّتنا وهويَّتنا وحضارتنا أمر مشروع ومطلوب، لإيجاد ما هو أمثل وأفضل من داخل نسق حياتنا وثقافتنا.. لكن هذا لن يحلَّ مشكلة الظلم والجور والفساد في أرجاء المعمورة، وقد يرى البعض أنَّنا بطرح فكرة أو مهمَّة أو مشروع تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى أنَّنا نحلم، لكن حلمنا

(٩)

هو واقع مؤجَّل، ويملك من الكفاءات والإمكانيَّات ما يُؤهِّله لتقديم المهدويَّة بنجاحٍ تامٍّ للعالم أجمع.
لا مناص من الاعتراف أنَّنا نعيش مأزقاً فكريًّا في مسار الثقافة المهدويَّة، يترك آثاره السلبيَّة على مسيرة التمهيد، وكذلك يُؤثِّر بوضوح في تعاملنا المنهجي مع الآخر بصورة سلبيَّة فيما يتعلَّق بالمهدويَّة ومفهوم المخلِّص والخلاص ونهاية التاريخ ومستقبل البشريَّة.. حيث يفتقد الطرف الآخر لأبسط الحقائق والمفاهيم عن المهدويَّة وأهدافها، وماذا سيتحقَّق من نتائج على يديها في المستقبل، وهذا هو موضوع الكتاب الذي يطرح فكرة موسَّعة ذات قابليَّة عالية لتتحوَّل إلى مشروع، إذا اتُّخِذَ القرار ووُجِدَت العزيمة لتنفيذها.
إنَّ رؤيتنا القاصرة للمهدويَّة لا زالت تُشكِّل أضراراً جسيمة على الإنسانيَّة، وفي طليعتها غياب القضيَّة المهدويَّة عن حياة معظم أفراد البشريَّة.. ففي هذا الكتاب يتجلَّى أمامنا أبعاداً فكريَّة عديدة للمهدويَّة مسكوت عنها، ومنها إطلالة معرفيَّة دقيقة وعميقة لرؤيتها بمنظور حضاري، والبحث عن مطالبها ومقاصدها الكبرى وبرؤية إنسانيَّة وعالميَّة شاملة.
ثَمَّة في هذه الدراسة الكثير من النقاط التي تستحقُّ أنْ نتوقَّف عندها طويلاً؛ من ذلك النظر للمهدويَّة وموقعها ودورها في الحياة البشريَّة، فليست المهدويَّة طيفاً من الخيال أو فكرة طارئة تسرَّبت للعقل الإنساني على حين غفلة، إنَّما هي نسق ربَّاني كامل يستلهم الخطَّ الحضاري، وتُعبِّر عنه الأُمَم والشعوب بمفهوم المخلِّص أو الخلاص.
وعلى هذا الأساس؛ فقد استطردنا في بحوث هذا الكتاب إلى إضاءات منهجيَّة، وإثارة أُطروحة جديدة في الثقافة المهدويَّة، وذلك بالتأصيل الفكري لمشروع التعريف من خلال محتوى ومضمون البحث الذي حاولنا قدر الإمكان

(١٠)

أنْ يكون التصوُّر والرؤية للمشروع شاملاً وكاملاً، ومن خلال منهج وكيان فعَّال في الإطار المعرفي والثقافي:
* اجتهدنا في بحوث الفصل الأوَّل (تعريف المهدويَّة) في التأكيد على أهمّيَّة ولوج القضيَّة المهدويَّة إلى الفضاء الثقافي العالمي، فحاولنا تلمُّس معالم الطريق وتكوين منهجيَّة علميَّة، تتمثَّل في بلورة مشروع تعريف المهدويَّة بمكوِّناتها الجوهريَّة وحسب الأُطروحة الإماميَّة، وبصورة تناسب عقليَّة غير المسلم، حيث انبثقت الحاجة إلى تأسيس وبناء منظومة فكريَّة تعريفيَّة، ممَّا يساعد على بلوغ الهدف الذي ننشده.. وبشكلٍ عامٍّ يُعتبَر هذا الفصل مقصد هذه الدراسة، وركن الكتاب الأساسي.
لا شكَّ أنَّ المحكَّ هو إيضاح وإيصال حقيقة المهدويَّة وأهدافها إلى الكيانات الثقافيَّة لدى الأُمَم والشعوب المختلفة، وترسيخ الفكرة الأصليَّة لدى الرأي العامِّ العالمي.. علماً بأنَّنا طبَّقنا منهج البحث العقلي، ولبلورة مفهوم التعريف وظفنا منهج التحليل المنطقي والترابط العلمي، لنخرج برؤية وتصوُّر شامل ومتكامل لمهمَّة التعريف وأهمّيَّة الرؤية الحضاريَّة.
* سعينا في بحوث الفصل الثاني (القواسم المشتركة) إلى التطرُّق لحقيقة المخلِّص في التراث الدِّيني، وذكرنا بعض الشواهد من إشارات ونصوص القرآن الكريم والعهدين (الكتاب المقدَّس) ممَّا يُؤكِّد أنَّ الكُتُب السماويَّة أجمعت على مجيء المخلِّص آخر الزمان، وأنَّ البشريَّة على اختلاف آرائها في الهويَّة والمصداق، وتشتُّتها في مفهوم فلسفة الخلاص، إلَّا أنَّ أصل ومضمون الفكرة تجمعها وتتَّفق عليها.
ولا شكَّ أنَّ المحكَّ هو التعرُّف على القاعدة الدِّينيَّة والأُسُس الفكريَّة التي تنبني عليها فكرة المخلِّص عند الآخر، وبيَّنَّا شيئاً من القواسم المشتركة

(١١)

ونقاط الالتقاء حول أصل الفكرة وبعض التفاصيل الجزئيَّة، وأثبتنا أنَّها تشير إلى المهدويَّة بشكل واضح وصريح.. علماً بأنَّنا طبَّقنا منهج البحث الموضوعي المقارن بين التراث الإسلامي ونصوص كُتُب العهدين، والجمع بين المشتركات فيما يخصُّ تلك المباحث.
* بذلنا جهداً في بحوث الفصل الثالث في دراسة نقديَّة موضوعيَّة لآراء المستشرقين في القضيَّة المهدويَّة، وفي تفكيك وتحليل المنهج العلمي الذي يُغلِّف كتاباتهم، وما آل إليه العالم الغربي من خسائر فكريَّة ومعرفيَّة فادحة نتيجة التشويه المتعمد للمهدويَّة الإسلاميَّة، وقد وقفنا على رؤيتهم وأثبتنا مدى ابتعادهم عن الحقيقة ومجانبتهم للواقع بسبب دوافعهم وأغراضهم المسبقة.. ممَّا يُثبِت ويُؤكِّد أنَّنا بحاجة إلى إيضاح جوهر المهدويَّة لكلِّ العالم.
لا شكَّ أنَّ المحكَّ هو التعرُّف على رؤية الآخرين المعاصرة للمهدويَّة، وإلى أين وصل مفهوم الفكرة لديهم، وماذا يُنشَر ويُروَّج في أوساط الرأي العامِّ حولها ودوافعه وغاياته في ذلك.. علماً بأنَّنا طبَّقنا المنهج الاستقرائي التتبُّعي، وبعد الاطِّلاع على نتاجهم وظَّفنا المنهج التحليلي، ولا يخفى بأنَّ المنهج النقدي كان حاضراً أكثر من غيره.
* ثابرنا في بحوث الفصل الرابع (الرؤية الحضاريَّة) في دراسة عقليَّة مقارنة، لطرح المهدويَّة بمنظور حضاري، فتطرَّقنا لبعض الأمثلة والنماذج التوضيحيَّة (مثل فلسفة الخلاص)، وبيَّنَّا الصورة الحضاريَّة الحقيقيَّة، وخاطبنا الآخر بأُسلوب منطقي وعقلي يناسب الرأي العامَّ غير المسلم.. وهنا نُسجِّل أنَّ مواضيع هذا الفصل تحتاج إلى المزيد من التمعُّن والاستكشاف في آفاق نظرتنا وقراءتنا للمهدويَّة، ومدى قدرتها على مواكبة الحياة المعاصرة والتقدُّم عليها.
لا شكَّ أنَّ المحكَّ هو عرض مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) على الآخر وإبراز

(١٢)

الجوانب الحضاريَّة فيها، فقد اعتمدنا الاستدلال العقلي باعتباره ضرورة منهجيَّة ينسجم مع المجتمعات ذات النزعة العلمانيَّة (غير الدِّينيَّة).. علماً بأنَّنا طبَّقنا المنهج الوصفي المقارن، وكذلك وظَّفنا المنهج التحليلي والنقدي بشكل كبير.
هذا الكتاب يحمل هَمَّ زرع (رؤية المهدويَّة بمنظور حضاري) في تفكير الأُمَّة، كي تصبح قادرة على التخاطب والتحاور مع الآخر من موقع الاعتزاز بالذات، وكذلك يسعى للإقدام على تعريف المهدويَّة الربَّانيَّة للمجتمعات الأُخرى ووضعها في مدار اهتمامات الإنسانيَّة في العالم.. ويُعَدُّ هذا كخطوة أوَّليَّة على الطريق، تُغذِّي تطلُّعات البشريَّة وطموحها إلى حياة سعيدة ومستقبل مشرق. إنَّ المسؤولية الملقاة على عاتقنا تدعونا إلى أنْ نلج هذا الطريق الذي يتَّسم بالحكمة والواقعيَّة، بل الواجب يُحتِّم علينا أنْ نتَّخذه منهجاً عامًّا في مسار الثقافة المهدويَّة.

* * *

(١٣)

إطلالة في أُفُق الثقافة المهدويَّة:
لا أعتقد أنَّ هناك ركوداً أدبيًّا أو معرفيًّا في الثقافة المهدويَّة، بل هناك أزمة وعي وفهم لأبعاد القضيَّة المهدويَّة ومقاصدها الكبرى (إنسانيَّة، حضاريَّة، عالميَّة، شاملة...)، ولا يكفي الاقتصار على البُعد العقدي (مبدأ الإمامة - وهو مهمٌّ جدًّا) أو التركيز على جانب علائم الظهور في القضيَّة فقط، بل يتحتَّم على الثقافة والرؤى المهدويَّة التي تُطرَح حاليًّا، أنْ تواكب حركة المجتمعات البشريَّة والعصر وتطوُّره، وحركة الأولويَّات والاحتياجات والرغبات الراهنة التي يفترض أنْ تُلبِّيها وتُغذِّي بها الفضاء الثقافي العالمي، وقبل ذلك متطلَّبات مسيرة التمهيد لظهوره (عجَّل الله فرجه).. إنَّ الروح الإنسانيَّة والحضاريَّة في الفكر والثقافة المهدويَّة التي نحاول إبرازها في هذه الدراسة لتبحث عن الينبوع الحقيقي وأهداف وغايات صاحبها (عجَّل الله فرجه)، وانبعاثاً من حقيقة هامَّة لافتة للنظر: إنَّ شروط الحياة ستتحسَّن والمستقبل سيصبح أفضل، وهناك أمل يعيش بين جملة الآمال البكر، ولذا فإنَّ مهمَّة تعريف المهدويَّة للأُمَم والشعوب ضروريَّة في هذه المرحلة التاريخيَّة الراهنة، وتنطلق من المسئوليَّة الملقاة على عاتقنا للتمهيد وتهيئة البشريَّة لاستقبال عهده الميمون.
الواقع أنَّنا اليوم، بعد أنْ تقاربت المسافات بين الشعوب وأصبحت الأُمَم تعرف بعضها البعض أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، ينبغي علينا تعريف العالم كلَّه بالمنقذ الحقيقي وأمل البشريَّة والذي تنتظره الإنسانيَّة منذ آلاف السنين، ونطمح بأمل توحيد فكرة المخلِّص ومفهوم الخلاص في بوتقة واحدة، فنُوصِّل ونُوضِّح

(١٧)

ونُعرِّف بمكانة وحقيقة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) وعلى أساس القواسم والخواصِّ المشتركة بين الجميع، ونطرحها بنسق حضاري.
المنطلق في صياغة (تعريف المهدويَّة):
إنَّ تعريف المهدويَّة للآخر وعرضها برؤية حضاريَّة يدخل ضمن سياق الدراسات المقارنة، والموضوعات الفكريَّة العليا والتي تتضمَّن أبعاداً متنوِّعة؛ أحدها أنماط العلاقة التفاعليَّة بين المنتمين لتلك الحضارات عبر التاريخ، والعوامل المؤثِّرة فيها، ولكن يظلُّ المحكُّ في نظرنا: كيف يمكن توظيف الاتِّفاق على أصل فكرة المخلِّص والقواسم المشتركة في ترسيخ مفهوم وجوهر المهدويَّة عند الجميع؟.. فكان هدفنا هو الإجابة عن السؤال التالي: ما الذي يُميِّز رؤيتنا لموضوع المخلِّص (الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)) عن غيرنا من الحضارات الأُخرى، وكيف نُوصِل الصورة الحقيقيَّة للآخر(١)؟ حين نتمكَّن من ضبط آليَّات توجُّهنا الفكري والثقافي في ظلِّ متطلَّبات مسيرة التمهيد المهدوي وأولويَّات المرحلة المعاصرة، وحين نُصحِّح مسارنا الثقافي والمعرفي المهدوي الذي يحتاج إلى إعادة صياغة بشكل يُوطِّد لتأسيس منهج جديد ذي أُطروحة فكريَّة حضاريَّة منفتحة، تستلهم المقاصد الكبرى للمهدويَّة، حينئذٍ فقط نستطيع أنْ نتحدَّث عن مشروع تعريف المهدويَّة للآخر، ونضمن التفاعل الفكري والحضاري منه.. وعليه فإنَّ برنامج ومهمَّة تعريف المهدويَّة ينطلق من قواعد أساسيَّة:
الأُولى: الاعتراف بالاختلاف والتنوُّع الفكري والرؤى والتصوُّرات، واحترام وجهات النظر المتباينة، مع مراعاة عدم تحويل الاختلاف إلى خلاف، وعدم الاقتداء بالدراسات الاستشراقيَّة غير الموضوعيَّة حول المهدويَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) الآخر: لا يُقصَد به الضدّيَّة، إنَّما يُراد منه كيان مختلف أو شيء ثاني.. ويرتبط هنا بمفهوم الهويَّة الجمعيَّة، أي خارج ثقافتنا.

(١٨)

الثانية: الاستفادة من نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة ومدُّ جسور التعارف والحوارات الفكريَّة المتكافئة بين الشعوب، بناءً على الحقائق المتَّفق عليها حول مفهوم المخلِّص الموعود.
الثالثة: طرح مفهومنا ورؤيتنا في قضيَّة المخلِّص الربَّاني الموعود بكلِّ صراحة ووضوح، وألَّا تغيب هويَّتنا الإسلاميَّة، والتمسُّك بالذاتيَّة والخصوصيَّة الفكريَّة، وإيصال ذلك برؤية حضاريَّة.
إنَّ هذه النقاط تفضي إلى المنهجيَّة العامَّة لبرنامج التعريف، وتأكيد الرابطة بين (البُعد النظري) منهج البحث والدراسة لأغراض معرفيَّة فكريَّة، وبين (البُعد العملي) أنماط انتقال المعارف والأفكار بين الكيانات الحضاريَّة والثقافيَّة.
تفعيل مسؤوليَّة (التعريف) الفكري والحضاري:
يستلزم إطلاق برنامج أو مشروع أو مهمَّة (التعريف) استيعاب قضيَّة المخلِّص بشكلٍ عامٍّ، والإحاطة في سبر فلسفته عند الآخر (التأصيل النظري)، وكذلك القدرة العمليَّة والتقنيَّة على إيصال رؤيتنا وحقيقة المهدويَّة للآخر (التأصيل العملي).. من هنا يتعيَّن علينا مبدئيًّا استعراض شروط تحقُّق التعريف كما يلي:
* مشروع (التعريف) رهن بمعرفة القاعدة الفكريَّة واستيعاب المباني العقديَّة لمفهوم المخلِّص عند الآخر بشكلٍ عامٍّ، والوقوف على التصوُّرات والاختلافات التي يعتقدون بها، ومن ثَمَّ استخلاص القواسم المشتركة ونقاط الاتِّفاق والالتقاء، وتكوين أرضيَّة للانطلاق بعد ذلك.
* إنَّ سبر (التعريف) بحاجة إلى القدرة على الاهتمام بالرؤى الفكريَّة المعاصرة للآخر، وتناول رؤيته للمهدويَّة ولمفهوم المخلِّص حاليًّا، على ألَّا يكون منهج التعريف وبرامجه وغاياته وأهدافه ردَّة فعل على (الرؤية الاستشرقيَّة للمهدويَّة).

(١٩)

* لا يخفى أنَّ للآخر وأتباع الأديان والحضارات المختلفة فلسفة خاصَّة حول الخلاص ومفهوم المخلِّص، وأنَّ المعرفة العميقة بها وإدراك أبعادها تخلق حالة من تمهيد الطريق للدخول لجوهر ومفهوم المهدويَّة وتسهيل مهمَّة التعريف.
* طرح المهدويَّة برؤية حضاريَّة ووفق معايير رائدة تكون مقبولة عند الكلِّ، ممَّا يُشكِّل في الحقيقة إشعاعاً ينبثق لينير الطريق أمام الرأي العامِّ العالمي لفهمها على حقيقتها ومكانتها الراقية في فضاء الفكر الإنساني.
وفي هذا السياق، فإنَّ هذا البحث يرمي لإيضاح الآليَّة الاستراتيجيَّة لتعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى، وإلى عالم المستقبل الغاصِّ بالرؤى والآفاق والأحلام التي تراود كلَّ مؤمن ومثقَّف واعٍ يأخذ نفسه بمهمَّة كبيرة ومسؤوليَّة حسَّاسة ليفي بمتطلَّبات وأولويَّات الحقبة التاريخيَّة الحاليَّة، والذي يسند واجبنا ومسئوليَّتنا في التمهيد لظهور الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهو أيضاً مستوحى من الحاجة الفكريَّة والثقافيَّة التي تلحُّ علينا في هذه المرحلة من تاريخ البشريَّة، وليُلبِّي النقص الحاصل في مسارات واتِّجاهات الثقافة المهدويَّة.. إنَّ مثل هذه الدراسة تُوفِّر المبادئ والأُسُس المطلوبة لبرنامج ومهمَّة (التعريف)، وطرح رؤية أوَّليَّة بشأن هذا المشروع الطموح ودوافعه وأهدافه ومرتكزاته وآليَّاته وعوائقه، باعتباره أحد المناهج والأساليب الذي يتَّصف بنوع من التحاور والتفاعل والتواصل، خاصَّةً في ظلِّ مقولة (حوار/ تكامل/ تعارف الحضارات)، وما تستدعيه من قضايا وأفكار ومفاهيم تتعلَّق بالقضيَّة المهدويَّة وبأبعادها المتنوِّعة.
النسق الحضاري للمهدويَّة:
إنَّ التحدِّي الذي يواجهنا ليس هو اعتماد أو توثيق للرؤية الحضاريَّة في حقل الثقافة المهدويَّة، ولكن تطوير منظور الرؤية واكتشاف جوانبها المختلفة انطلاقاً من أهمّيَّة البُعد الحضاري، وهذا يرتبط بمراجعة التراث الدِّيني السماوي

(٢٠)

المتعلِّق (بالمخلِّص - الخلاص) ومن منظور وحسٍّ حضاري.. إذن لدينا أُسُس نبني عليها، وهي أُسُس أصيلة، وكذلك عند دراسة (المخلِّص/ المهدويَّة) لدينا أُصول للرؤية والمنهاجيَّة، ولكن لينصبَّ اهتمامنا ليس لتلمُّس البُعد الحضاري في النظر للمهدويَّة، بل لتطوير منظورنا المهدوي الحضاري وإبرازه.
لا بدَّ أنْ يكون عندنا وعي بالبُعد الحضاري في القضيَّة المهدويَّة، وأنْ نُعطي أهمّيَّة للتأصيل لمنظور حضاري، وهو ليس تأصيلاً للمهدويَّة ولكنَّه موجَّه للأُمَم والشعوب والحضارات الأُخرى، وهذا منعكس من النقاط التالية:
- إنَّ الغاية من التأصيل النظري الحضاري في القضيَّة المهدويَّة على نحو يخدم مشروع (التعريف)، حيث تتداخل المفاهيم ولا تتَّضح الرؤية عند الآخر إلَّا من هذا المدخل.
- إنَّ الاهتمام بالبُعد الحضاري في القضيَّة المهدويَّة سيكون من منظور مقارن مع رؤية الآخرين للمخلِّص والخلاص، ممَّا يخلق ساحة أساسيَّة لبلورة مفهوم وحقيقة المهدويَّة عند الآخر.
- الاجتهاد لتأسيس مجال دراسات حضاريَّة في نطاق القضيَّة المهدويَّة، وهو مجال خاصٌّ في حدِّ ذاته وله مداخل مختلفة، يمكن تأسيسه من تقاطعات علوم متعدِّدة، ويجمع بين منظورات متنوِّعة.
هذا النسق والبُعد الحضاري في القضيَّة المهدويَّة يُظهِر في الأساس مكانة وعظمة (المهدويَّة)، ومن جهة أُخرى يخدم ويساعد مهمَّة وبرنامج (التعريف)، وإنَّ اكتشاف القواسم المشتركة والتقاطعات الفكريَّة لمسألة المخلِّص بين المنتمين للأديان والحضارات المختلفة، تُبيِّن مدى قرب رؤيتهم أو بُعدها عن النسق الحضاري، ممَّا يساعد على تفكيك فلسفة الخلاص والأنماط الفكريَّة للمخلِّص عندهم، وإحلال البديل.

(٢١)

إنَّ الثقافة المهدويَّة المطلوبة في الوقت الراهن يجب أنْ تتجاوز الإطار التقليدي والكلاسيكي كمبدأ وعقيدة دينيَّة، وأنْ ترتبط بنسقها الحضاري الشامل الذي تُعزِّزه أهدافها وغاياتها ومقاصدها العليا.. إنَّ المهدويَّة ليست مجرَّد قيمة عقائديَّة أو مبدأ ديني من قِيَم الدِّين الإسلامي، بل هي أساساً قيمة جوهريَّة لا يمكن تقليصها إلى أيٍّ من مكوِّناتها أو أبعادها، إنَّها (إنسانيَّة، حضاريَّة، عالميَّة، فطريَّة، عقلائيَّة، اقتصاديَّة، اجتماعيَّة، شاملة...)، نسق كامل من القِيَم المتأصِّلة في النظام الربَّاني.. إنَّ مثل هذه النظرة للمهدويَّة تُقدِّم الشيء الكثير، لأنَّها تقوم بإعادة تشكيل أُسُس كثيرة في مجالات الثقافة والمعارف المهدويَّة، وتُغذِّي مسارها بالمفهوم والمعنى والغاية التي تفتقر إليها حاليًّا، وتضعها على المسار الصحيح اللَّائق بها.
علاقة الهويَّة الثقافيَّة بالكيان الحضاري:
إنَّ القراءة الواعية للأحداث في واقع البشريَّة المعاصر يجعلنا نُدرِك بوضوح أنَّ الذي يفصل ما بين الشعوب ليس المسافات الجغرافيَّة، وإنَّما هي المسافات المعنويَّة، والرؤى الفكريَّة أهمُّ معالمها.. وينطبق هذا المعنى بوضوح على الوضع الحضاري الحالي السيِّئ والمليئ بالظلم والجور والفساد الذي تعيشه البشريَّة، ولعلَّ من أخطر ميادين التدافع الحضاري، مشكلة وفلسفة ومفهوم (نهاية التاريخ وصراع الحضارات)، وإنَّ من ضمن خصائص ومفهوم (المخلِّص المهدي) استمراريَّة الأمل بحياة مشرقة وسعيدة آخر الزمان.
وإذا كان التقدُّم الحضاري يبدأ من خلال الأفكار، فإنَّ حركة التاريخ لا تُؤتي ثمارها وفعَّاليَّتها إلَّا في إطار النسق والرؤى الفكريَّة، ومسار انتقال الأفكار بين المجتمعات والكيانات الحضاريَّة.. وفي هذا الصدد فإنَّنا نأمل ونطمح بأنْ يصبح حضور المهدويَّة كمفهوم للمخلِّص ورؤية للخلاص في الواقع الثقافي

(٢٢)

للرأي العامِّ العالمي، من الأُسُس الفكريَّة الثابتة والبديهيَّات والمسلَّمات، وكظاهرة لا تخفى على أيِّ راصدٍ ومتابعٍ لحركة انتقال الأفكار بين المجتمعات والحضارات.
وفي الواقع إنَّ هذا النشاط الحضاري (تعريف المهدويَّة للآخر) لا يمكن تطبيقه إلَّا من خلال خطَّة تتضمَّن: عنصراً فكريًّا وطُرُقاً تنفيذيَّة.. وفي هذا السياق نُدرِك بأنَّ المهدويَّة تمتلك المقوِّمات الذاتيَّة والإمكانيَّات الإنسانيَّة والمؤهِّلات الفريدة والكافية للقبول لدى الآخر إذا طُرِحَت بمفهوم ورؤية حضاريَّة، وفي الوقت ذاته يجب أنْ تكون الأداة في إيصال المفهوم والرؤية والحقيقة ذات فعَّاليَّة عالية وقدرة كبيرة على التغلغل والتأثير في الكيانات الثقافيَّة العالميَّة.
إنَّ مَنْ يعرف المهدويَّة على حقيقتها يُدرِك أنَّ من خصائصها: سهولة انتشارها وقوَّة نفوذها واستعداد الغير لتقبُّلها، وهذه بعض مزاياها باعتبارها كيان إنساني حضاري منفتح، ممَّا يعني أنَّ التفاعل مع مفهوم المهدويَّة ومضمونها حقيقة ثابتة ومؤكَّدة، تبرزها الدراسات الحضاريَّة المقارنة، وحتماً سيُؤدِّي هذا التفاعل إلى التمازج والتلاقح في ميدان الأفكار والثقافات، ويستدعي تشكيل نتائج إيجابيَّة ومفاصل فاعلة تنطلق من خلال مرتكزات جوهريَّة تُعبِّر عن الخصوصيَّة الذاتيَّة للمهدويَّة، ومنهج يُشكِّل ويُوضِّح حقيقة الهويَّة والمصداق، وبصورة لا تستعصي على الفهم والإدراك.
ثمرة:
هذه التوطئة تضعنا في قلب القضيَّة والمشروع الذي نسعى إلى بلورته في هذا البحث، والمتعلِّق بكيفيَّة طرح وإيصال وتعريف حقيقة المهدويَّة الأصيلة إلى المجتمعات والكيانات الثقافيَّة للحضارات الأُخرى، والشروط والمرتكزات

(٢٣)

المطلوب توفُّرها في سبيل ذلك.. وفي هذا السياق تُثار تساؤلات جوهريَّة: هل نمتلك استراتيجيَّة فكريَّة وعمليَّة لتعريف مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) للآخر؟.. وهل حُدِّدت معالم المنهج أو خارطة الطريق لمشروع التعريف بشكل يتناسب مع المهدويَّة والإمامة الخاتمة؟.. وهل أسَّسنا لبناءات فكريَّة وتراكمات معرفيَّة تساهم في هذه المهمَّة؟

* * *

(٢٤)

الفصل الأوَّل: تعريف المهدويَّة للحضارات الأخرى(٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) نُشِرَ هذا البحث في كلٍّ من:
- مجلَّة العقيدة، العدد ١٦، لشهر ربيع الأوَّل (١٤٤٠هـ/٢٠١٨م)، الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة، العراق.
- مجلَّة الموعود، العدد ٧، لشهر جمادى الآخر (١٤٤٠هـ/فبراير ٢٠١٩م)، الصادرة عن مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي، العراق.

(٢٥)

إنَّنا نعيش فترة أيَّام حاسمة في تاريخ البشريَّة الفكري، بما تنطوي عليه من تحوُّلات ثقافيَّة ومخاضات فكريَّة كبرى من قبيل صراع الحضارات أو حوار الحضارات أو تكامل الحضارات أو... وانطلاقاً من القرآن الكريم الذي أسَّس لمبدأ (تعارف الحضارات) بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).. فالأُمَم والشعوب والحضارات(٣) مهمَّا تنوَّعت وتوزَّعت على مساحات الأرض إلَّا أنَّها مطالَبة بالتعارف، وهذا ما يريده سبحانه وتعالى للإنسانيَّة، وهو مستوى رفيع وراقٍ من العلاقات، وهذا يستتبع معه الانفتاح والتواصل والحوار، الذي من أبعاده أنْ تتعرَّف كلُّ أُمَّة وكلُّ حضارة على أفكار وثقافات وعقائد الأُمَم والحضارات الأُخرى، ومن هذه الأُمور المتَّفق عليها والمشتركة فكرة المخلِّص الموعود، ممَّا يتطلَّب منَّا مهمَّة ومسؤوليَّة تعريف وإيضاح حقيقة المهدويَّة للأُمَم والشعوب الأُخرى.
تعريف المهدويَّة للآخر ضرورة حضاريَّة:
التطلُّع إلى قراءة العقيدة المهدويَّة من منحى عقلي وعلى ضوء فلسفة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) تُعرَّف الحضارة بأنَّها: (نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، فهي تتكوَّن من أربعة عناصر: الموادُّ الاقتصاديَّة، والنُّظُم السياسيَّة، والتقاليد الأخلاقيَّة، ومتابعة العلوم والفنون). موسوعة قصَّة الحضارة (ج ١/ ص ٣/ باب ١).
يمكن الإشارة إلى تعريف دقيق شامل لمعنى الحضارة: (أنَّ الحضارة تعني الحصيلة الشاملة للمدنيَّة والثقافيَّة، فهي مجموع الحياة في صورها وأنماطها المادّيَّة والمعنويَّة). قِيَم حضاريَّة في القرآن الكريم (ج ١/ ص ٣١).

(٢٧)

التاريخ، يتطلَّب منَّا أنْ ندرسها برؤية حضاريَّة باعتبارها قيمة إنسانيَّة عُليا ومسألة مصيريَّة متعلِّقة بمستقبل البشريَّة.
كثيرون بحثوا القضيَّة المهدويَّة من ناحية النصوص والروايات، وكثيرون دخلوا في مسائل كلاميَّة ومناظرات بهذا الخصوص، غير أنَّ الدراسات الفكريَّة والتي تبحث هذه المسألة برؤية حضاريَّة قليلة جدًّا، ولا نبالغ إنْ قلنا: ابتعادنا عن دراسة المهدويَّة من منظار حضاري، يوقعنا في نزاعات كلاميَّة وطائفيَّة هي بعيدة كلُّ البُعد عن مقاصد الشريعة الإسلاميَّة وأهداف الأُطروحة المهدويَّة.
إذا تأمَّلنا في مفهوم(٤) أو مصطلح (تعريف المهدويَّة للآخر) أو الحضارات المختلفة، يمكننا أنْ نكتشف قيمته الفكريَّة والعمليَّة وأهمّيَّته الحضاريَّة، من خلال الآتي:
١ - الخروج من الإطار الضيِّق للقضيَّة المهدويَّة، ونحن الذين حصرناها كأنَّها مسألة مذهبيَّة خاصَّة بأتباع أهل البيت (عليهم السلام) فقط، وإنْ توسَّعت فتُحصَر كعقيدة إسلاميَّة تهمُّ المسلمين وحدهم، وهذه تورث السجال الطائفي.. ممَّا يحتاج أنْ ننظر لها بمنظار أوسع وننطلق من أرضيَّة أنَّ المهدويَّة لكلِّ البشريَّة.
٢ - تجاوز إشكاليَّة تأطيرها في الجانب العقدي فقط، كأصل من أُصول الدِّين ومن مبدأ الإمامة، ونقتصر بالنظر لها على هذا الأساس.. وهذه الإشكاليَّة تُضيِّق عمليَّة الفهم للمهدويَّة وفهم المبادئ والقِيَم المرتبطة بها كالعدالة والعالميَّة وتطوُّر العلم و...، ممَّا يجعل رؤيتنا قاصرة على الاستفادة فكريًّا وحضاريًّا وعلميًّا من خصائصها ومميِّزاتها العديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤) طرحت هذا المفهوم أو المصطلح لأوَّل مرَّة في عام (١٤٣٦هـ/٢٠١٥م)، في صحيفة (صدى المهدي - عدد ٧٦)، ولقى اهتماماً وتقبُّلاً في أوساط المؤمنين وفضلاء الحوزة العلميَّة في النجف الأشرف.

(٢٨)

٣ - فكرة ومبدأ المخلِّص الموعود موجودة عند كلِّ الأُمَم والشعوب والأديان، ولكن عندما لا يوجد تعارف بين الحضارات بخصوص هذه الفكرة، فإنَّ هذا الانقطاع عن تكوين المعرفة وسيادة الجهل بالمهدويَّة لدى الآخر، سيُولِّد نوعاً من سوء الفهم، ويخلق مشكلات فكريَّة وثقافيَّة مع الحضارات الأُخرى انطلاقاً من مبدأ ومفهوم صراع الحضارات.
ولا شكَّ في أنَّ مفهوم أو مصطلح (تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى) عند بلورته وطرحه على أرض الواقع كمنظومة معرفيَّة متكاملة، سيتيح للأُمَم والشعوب المختلفة التعرُّف على واقع وحقيقة المخلِّص الإسلامي (الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة) بمنظور شامل ومتكامل ومتَّزن، وبناءً على القواسم المشتركة لمبدأ وفكرة المخلِّص عند الحضارات، وسواءً نظرنا إلى أصل الفكرة برؤى دينيَّة أو بنظرة فلسفيَّة، فالمهمُّ أنْ نُرسِّخ حقيقة أنَّ نهاية العالم تقترن مع نشر التوحيد وتحقيق العدالة وسعادة البشريَّة، وهذه هي الرسالة التي نودُّ إيصالها للآخر عند الحديث عن المهدويَّة.
من هنا نأمل أنْ يكون هذا البحث دافعاً لدراسة المفاهيم المهدويَّة برؤية فكريَّة حضاريَّة تتعالى على النظرات الثقافيَّة الضيِّقة، وتفتح مجال التفكير في الثقافة المهدويَّة بمنهج ومنظور معرفي حضاري يتطابق مع أهداف وغايات الإمامة الخاتمة..
إذاً حاجتنا إلى رؤية حضاريَّة في قراءتنا للمهدويَّة هو للخروج من أَسْر الماضي وضيقه إلى أُفُق المستقبل ورحابته، وما إيضاح حقائق المهدويَّة للأُمَم والحضارات المختلفة إلَّا جانب واحد من هذه الرؤية الحضاريَّة، وقبل ذلك نطمح لبناء المنظومة الفكريَّة التعريفيَّة للمهدويَّة على قاعدة القواسم المشتركة لمفهوم (المخلِّص)، وبما يخدم الإنسانيَّة ويُحقِّق بعض الأهداف المهدويَّة.

(٢٩)

وعلينا أنْ نعلم أيضاً أنَّ الإيمان بالإمامة الخاتمة (المهدويَّة) ومعرفة مكانتها وخصائصها الفريدة، يزيد إحاطة الناس بحقيقتها، فنقل (منظومة البناء المعرفي(٥) للأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة) للآخرين وإيضاحها لهم، له أثر عميق وشفَّاف لدى الشعوب الأُخرى، ولاسيَّما أهدافها العظمى ومقاصدها الحضاريَّة، إضافةً لدورها الوثيق في النظرة التفاؤليَّة والإيجابيَّة للمستقبل ونهاية العالم، فضلاً عن دورها النفسي الهامِّ عند المستضعفين والمحرومين من هذه الشعوب.
يجب الإدراك بأنَّ المهدويَّة تمتلك المقوِّمات الضروريَّة في تقديم ذاتها للآخرين بنجاح، فلم يعد ممكناً لكثير من المفكِّرين الغربيِّين تصوُّر خيارات أُخرى لمستقبل البشريَّة سوى الصورة (القريبة والمشابهة) للحضارة المهدويَّة.. وبسهولة يُدرِك مَنْ لديه الحدَّ الأدنى من الاطِّلاع والمعرفة على أفكار وثقافة الشعوب الغربيَّة وأُطروحات فلاسفتهم، والمستوى الذي وصل إليه وضعهم النفسي، سبب شغفهم التامِّ لفكرة (المخلِّص)، فالحاضر غالباً ما ينساق وراء رؤية المستقبل.
وفي هذا السياق هناك حاجة ملحَّة وأهمّيَّة خاصَّة لتعريف الآخرين بمبدأ الإمامة الخاتمة (المهدويَّة) والمستقبل المشرق للإنسانيَّة الذي سيتحقَّق على يديها، فهذا من أهمّ الأولويَّات الفكريَّة الحاليَّة، وأحد مجالات الدراسات الاستراتيجيَّة والمستقبليَّة المطروحة على طاولة البحث والتي تهتمُّ بها مراكز البحوث العالميَّة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥) منظومة البناء المعرفي هي: (حصيلة المعرفة الإنسانيَّة عبر مسيرتها التاريخيَّة، وتقوم على أساس من التنظيم والتصنيف والتراكم وفق معايير موضوعيَّة، وتتكوَّن عناصرها من: معلومات وحقائق ومفاهيم وتعليمات ومبادئ وقِيَم ونظريَّات واتِّجاهات ومهارات). بحث للدكتور محمّد الخوالدة، بعنوان (منظومة البناء المعرفي وطرائق تدريسها)، قُدِّم في المؤتمر العربي الثالث حول المدخل المنظومي في التدريس والتعلُّم، جامعة عين شمس، القاهرة، أبريل (٢٠٠٣م).

(٣٠)

فضلًا على أنَّ كلَّ الديانات السماويَّة والفلسفات البشريَّة بشَّرت بالمخلِّص، وهذه الفكرة أمر مشترك بين الأُمَم والحضارات المختلفة، وتُعتبَر رمزاً لنشر العدل والسلام.
في هذا البحث نحاول تلمُّس معالم طريق التعريف الفكري، فعمليَّة إحاطة الآخر (غير المسلم) بمفهوم المهدويَّة ليست عمليَّة عفويَّة وعابرة يمكن أنْ تتحقَّق ببساطة ومن دون بصيرة وهداية، فلا بدَّ أنْ نعي بوضوح مواقع أقدامنا في ساحة بناء المنظومة الفكريَّة التعريفيَّة والعمل الميداني الإيضاحي حتَّى تفلح جهودنا وتتحقَّق تطلُّعاتنا.. وقبل ذلك تحمُّل مسؤوليَّة نشر العدالة على وجه البسيطة كلِّها وهداية البشريَّة جمعاء إلى الطريق السويِّ، وأنْ تتحوَّل الأهداف المهدويَّة الكبرى إلى حاجة نفسيَّة عميقة وهدف حضاري واضح عند المؤمنين المنتظِرين، فنحث الخطى بثبات في طريق عمارة الأرض وبناء حضارة آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) المنشودة.
التعريف المطلوب:
لا نقصد بالتعريف أنْ يقتصر على: (تقديم معلومات كافية وشاملة عن المهدويَّة للأُمَم والشعوب المختلفة، والكشف لهم عن حقيقتها وخصائصها ومميِّزاتها، وإيضاح أهدافها والنتائج التي ستتحقَّق على يديها).. فإنَّ هذا تعريف شكلي وهو مقبول نوعاً ما، أمَّا من حيث المضمون والأساس فإنَّ التعريف المطلوب هو: (القدرة على إدخال مفهوم المهدويَّة - بما يحتويه من قِيَم ومبادئ إنسانيَّة - إلى المنظومة الفكريَّة للحضارات الأُخرى، وترسيخ الفكرة لدى الرأي العامِّ، بحيث يصبح هذا المفهوم من الأُسُس الثقافيَّة الثابتة والبديهة عندهم).

(٣١)

فالتعريف الذي نطمح إليه لا يُولَد بكتابة مقالة أو بحث حول المخلِّص أو المنقذ الموعود أو الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ هذا لا يُحقِّق الشرط الأساس من التعريف، فقد نكتب مئات المقالات حول (المهدويَّة) من وجهة نظرنا وندعمها بالأدلَّة الإسلاميَّة، ونُترجمها بعدَّة لغات مختلفة وننشرها هنا وهناك، ويُعتبَر ذلك مهمًّا بحدِّ ذاته ولكنَّه غير كافٍ ولا يُحقِّق ما نهدف إليه، لأنَّه يعكس تفكيرنا ومعتقدنا الذي لا يؤمن به الآخرون.. فيجب أنْ نتجاوز الحدود السطحيَّة (للتعريف) إلى ما هو أعمق من ذلك، بحيث يكون للمهدويَّة حضور وفاعليَّة استثنائيَّة في رسم الرؤى الأساسيَّة للحضارة الإنسانيَّة ومستقبلها.
الهدف والرؤية من التعريف:
إنَّ الانفتاح الواعي على الأبعاد الفكريَّة للانتظار، ومعرفة الأهداف الكبرى للمهدويَّة ومتطلَّبات المسيرة التمهيديَّة وأولويَّات المرحلة المعاصرة، كلُّ ذلك يدفعنا لامتلاك منهج فكري وعملي يتناغم مع تحقيق ممهِّدات وشرائط اليوم الموعود.. ومن هذا المنهج تنبعث ركيزة تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى، فتتجلَّى لنا بوضوح بعض الأهداف والرؤى من وراء ذلك:
١ - إنَّ الهدف الأساسي للمهدويَّة هو نشر التوحيد والعدل في كافَّة العالم، وكذلك التغيير الشامل لأنظمة الظلم والجور في كلِّ أقطاب الأرض المعمورة، وفي سياق تحقيق هذا الهدف الكبير وجب علينا نقل الأُطروحة المهدويَّة بحقيقتها للأُمَم الأُخرى، وإيصال رسالتها وأهدافها، وتوضيح ضرورتها الحضاريَّة وفوائدها على الناس جميعاً.. لكي يتسنَّى لهذه الشعوب العارفة والمطَّلعة على حقيقة المهدويَّة أنْ تعيش حالة الانشداد الفطري للمخلِّص الموعود، وأنْ تؤمن به حين ظهوره فتُؤيِّده وتُؤازِره.

(٣٢)

٢ - إنَّ إيمان الشعوب المختلفة بالمهدويَّة ومشروعها العالمي وأهدافها الربَّانيَّة من أبرز مظاهر التمهيد للظهور، فبقدر ما ينتشر نطاق معرفته، وتتنوَّع أطياف المؤمنين به، وتتوسَّع قاعدته الشعبيَّة في كلِّ الأُمَم والحضارات، ويزداد عدد الأتباع والمريدين، بقدر ما نكون قطعنا شوطاً عمليًّا للتوطيد الفعلي لليوم الموعود، ونكسب رصيداً جماهيريًّا للإمام (عجَّل الله فرجه) حين خروجه.
٣ - شرائط الظهور ذات أبعاد ومقدَّمات استراتيجيَّة هامَّة يتحتَّم توفُّرها في بداية نشوء حركة (الفتح المهدوي العالمي) ليكون الظهور ناجز الوعد، ومن أبرز هذه الشروط ومقوِّمات النجاح، هو يأس شعوب العالم من الأنظمة والقوانين الوضعيَّة التي لم تُحقِّق طموحها وفشل الحلول التي طرحتها.. فعندما تتعرَّف هذه الشعوب على الأُطروحة المهدويَّة بأهدافها وأساليبها ونتائجها، يجعل أملهم ينحصر في نهضته وحضارته، ممَّا يُهيِّئ أفضل الأرضيَّات لتقبُّل اليوم الموعود وتعليماته.
٤ - إنَّ رؤية واضحة للأهداف المهدويَّة والتغيير الجذري والشامل الذي سيُحقِّقه الإمام (عجَّل الله فرجه) في مسار تاريخ البشريَّة، يتطلَّب بصيرة ثاقبة ونظرة مستقبليَّة لتطوُّر المجتمع البشري، وقبل ذلك تهيئة الظروف العالميَّة المناسبة وعلى كافَّة الأصعدة ومنها الناحية الفكريَّة والثقافيَّة للأُمَم والشعوب المختلفة لتقبُّل نهضته، ممَّا يضمن ويُؤكِّد نجاح حضارة آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وتحقيق أهدافها المنشودة.
٥ - من مظاهر الارتباط الحقيقي بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الاقتداء به واتِّخاذه أُسوةً ونموذجاً يُحتذى به، فأهداف الإمام (عجَّل الله فرجه) عظيمة وغاياته كبيرة، ممَّا يستوجب لبلوغ هذه الأهداف بذل جهود بحجمها، ولا شكَّ فإنَّ قيام دولة العدل الإلهي وبسط هيمنتها على العالم أجمع، وإيصال البشريَّة إلى ذروة تطوُّرها وكمالها يتطلَّب جهوداً لا حدَّ لها وبرؤية حضاريَّة.. ومن أبجديَّات هذه الجهود

(٣٣)

وأبسطها تعريف شعوب العالم بهويَّة المخلِّص الموعود وأُطروحته وحقائق عن نهضته، وذلك للمشاركة والتمهيد لتحقيق أهدافه (عجَّل الله فرجه).
٦ - الواقع العالمي الراهن لا يخلو من وجود حركات تآمريَّة خبيثة ضدَّ المهدويَّة، تتَّخذ تارةً طابعاً سياسيًّا وأُخرى طابعاً فكريًّا، وتعمل للقضاء عليها في وجدان الأُمَّة الإسلاميَّة، وتحاول تحجيمها في إطار مذهبي خاصٍّ واعتبارها من العقائد الخرافيَّة.. ويقف وراءها مخابرات دوليَّة معادية للإسلام وللمخلِّص الموعود، وتطمح إلى تفريغ المهدويَّة من محتواها الحقيقي، وتشويه مكانتها عند المؤمنين بها، فتتضاءل حالة الاستعداد ويَفْتُر حماس الشعوب والجماهير لها، وهكذا تموت فاعليَّة ثقافتها وتُقتَل روحيَّتها الإيجابيَّة والتفاؤليَّة في المجتمعات.. وعلى العكس من ذلك فإنَّ تحمُّل مسؤوليَّتنا الحضاريَّة ونشر الحقائق الأصيلة عن المهدويَّة وتعريف الآخرين بها وترويج المنظومة المعرفيَّة بخصوصها على الأُمَم والحضارات، سيُصيب مآرب الأعداء في المقتل، فتتحصَّن الشعوب المطَّلعة على حقيقتها، وتنشأ ثقافة لدى الرأي العامِّ العالمي بعدم الاصطفاف مع أعدائها، وقد يكونون من أشدّ المناهضين لمؤامراتهم الخبيثة.
لو استطعنا أنْ نُوصِل (حقيقة المهدويَّة الأصليَّة) إلى نخبة الشعوب ومثقَّفيها برؤية تناسب عقليَّتهم وبلغتهم ليدرسوها ويتأمَّلوا فيها، لأدَّينا جانباً وقسطاً من المسؤوليَّة الملقاة على عاتقنا في تعريف الأُمَم والشعوب بآخر أنوار آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) والذي به تتحقَّق سعادة البشريَّة جمعاء.
المرتكزات الأساسيَّة للتعريف بالمهدويَّة:
تتأثَّر الأُمَم والشعوب سلوكيًّا وذهنيًّا بفكرة المخلِّص وذلك لعدَّة من العوامل، ويكون تأثيرها الثقافي والفكري متفاوتاً بناءً على اختلاف درجات وعيهم الدِّيني والفلسفي، ومستوى حماسهم النفسي الذي تُقرِّره ظروف واقعهم

(٣٤)

المعاش.. ومن هذه العوامل والمرتكزات التي يمكننا اعتبارها قاعدة رئيسيَّة للانطلاق منها في تعريف المهدويَّة للحضارات المختلفة الآتي:
أوَّلاً: الحاجة الفطريَّة للمخلِّص:
منذ فجر التاريخ وفكرة المنقذ والمخلِّص الموعود أصبحت كحاجة نفسيَّة واجتماعيَّة، وتتناسب وتتطابق مع طبيعة وفطرة الإنسان، وقد غذَّى التراث الدِّيني بشتَّى أنواعه هذه الفكرة ونمَّاها..
إنَّ حتمية ظهور المخلِّص في الفكر الإنساني عموماً يُجسِّد حاجة فطريَّة، وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً كلَّما زاد الظلم والجور واستشرى الفساد، ممَّا يكشف عن وجود أُسُس متينة قويَّة تستند إليها، وتُعبِّر عن تطلُّع البشريَّة المستمرِّ للكمال والفضيلة.
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الفكرة قد رسخت في العقل البشري والنفس الإنسانيَّة على مدى التاريخ الطويل، وما الدعوة إلى (المدينة الفاضلة) كما عبَّر عنها الفلاسفة قديماً وحديثاً، إلَّا صدًى للإحساس الغريزي المتأصِّل لهذه الفكرة في عمق النفس البشريَّة.. فالبشريَّة اليوم مهيَّأة لانتظار المخلِّص الموعود مهما اختلفت الأسماء والعناوين، ولذا فالإلهام والإحساس والحاجة إلى المخلِّص (المهدويَّة) أمر مشترك بين البشر، ولا يختصُّ بقوم أو جماعة، بل يمكن مشاهدة صور هذه الحاجة وانتظارها تتنوَّع وتختلف عند الأُمَم والحضارات، وتتفاوت حسب الظروف والواقع النفسي.
ثانياً: جميع الديانات السماويَّة بشَّرت بالمخلِّص:
بدأت الفكرة منذ فجر الإنسان، واستمرَّت في أُفُق الإنسانيَّة في كلِّ مراحل التاريخ، فالمسألة من المواضيع البارزة في المسيرة البشريَّة واهتماماتها المتَّصلة بالعدل، ولا شكَّ أنَّ الإيمان بحتميَّة ظهور المخلِّص من الأُمور المتَّفق

(٣٥)

عليها عند جميع الأديان السماويَّة والمذاهب الوضعيَّة، وأنَّ هذه الفكرة ماثلة باطِّراد في التراث الدِّيني الإنساني، وهي قاسم مشترك بين كلِّ الحضارات، كون فكرة المنجي حاجة إنسانيَّة فطريَّة.. فجميع الأُمَم والشعوب تأمل بمجيء يوم تتخلَّص فيه الإنسانيَّة من الظلم والفساد والاستبداد ويحلُّ فيها العدل والأمن والسلام.
من هنا نجد أنَّ الكُتُب والتراث الدِّيني السماوي قد أجمعت على مجيء المخلِّص، وأنَّ جميع الأنبياء والرُّسُل قد أشاروا إليه وحلموا بيومه الموعود، وهكذا نجد أنَّ منقذ العالم ليس ملكاً لطائفة دينيَّة معيَّنة، وليس ملكاً لشعب من الشعوب أو أُمَّة من الأُمَم، بل هو أمل الإنسانيَّة ومنقذ البشريَّة، وأنَّ الكلَّ ينتظره ويتوق إلى عهده الميمون.. فقد اتَّفق الجميع على فكرة (المهدي) والانتظار لهذا المنقذ، واختلفوا في اسمه وهويَّته، وهذا الاختلاف لا يضرُّ في أصل الفكرة المترسِّخة الأصيلة، فالكلُّ متَّفق على المبدأ والمنشأ والمفهوم، وإنِ اختلفوا في صفته وشخصيَّته والكيان الذي ينتمي إليه.
ثالثاً: عالميَّة النهضة المهدويَّة:
حضارة آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) هي دولة عالميَّة تبسط هيمنتها وسيطرتها على جميع أنحاء العالم بشكل لا توجد معها أيَّة حكومة أُخرى في أيِّ بقعة من بقاع الأرض، حيث إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) سيُغيِّر جميع الحكومات الموجودة آنذاك (مع تفاوت القدرات البشريَّة والاقتصاديَّة بين الدول) ويدمجها تحت لواء حكومته العادلة، فيُشكِّل الدولة العالميَّة الواحدة، التي ستجعل شعوب العالم ينظرون لأنفسهم على أنَّهم أُسرة إنسانيَّة واحدة على هذه الأرض، وليس أُمَماً وشعوباً مختلفة.
إنَّ قدرة المهدويَّة على الانتشار إلى أصقاع العالم، وقدرته (عجَّل الله فرجه) على تحريك

(٣٦)

المشاعر وتأجيج الهِمَم واستحضار ولاء الشعوب في مشارق الأرض ومغاربها والتأليف بين قلوبهم، لا يمكن فهمه إلَّا من خلال فهم الخصائص المميَّزة للأيديولوجيَّة الشامخة المنبثقة منها، فإنَّ قِيَم ومبادئ الإسلام (الدِّين الخاتم) تتوافق مع الفطرة ومع الصالح العامِّ والخاصِّ، وكذلك فهم الثقافة(٦) الإنسانيَّة الشاملة التي تجلَّت في الأُطروحة المهدويَّة، والتي ستُوفِّر لجميع المنتسبين إليها من كافَّة الأُمَم والشعوب والأديان فرصة المشاركة في بناء الحضارة الفاضلة وترسيخها.. فعالميَّة الدولة المهدويَّة تُبرِز لنا القواسم المشتركة لكلِّ الأديان والحضارات المختلفة، والتي تؤمن بفكرة المخلِّص الموعود، والذي سينشر الأُخوَّة بين الشعوب ويُوحِّد البشريَّة تحت ظلِّ سيادة واحدة.
رابعاً: معالم الدولة المهدويَّة الفاضلة:
عندما تتعرَّف الشعوب والحضارات على خصائص ومميِّزات الدولة المهدويَّة، والأهداف والنتائج والواقع الذي سيتحقَّق على يد القائد والمنقذ والمخلِّص الموعود، حينها فإنَّ هذه الشعوب ستكون في قمَّة اللهفة والشوق والانتظار لذلك العهد الميمون والحضارة الموعودة.. فأيُّ إنسان عندما يحيط علماً بحقيقة دولة العدل الإلهي، ويجد أنَّ خصائصها تدور حول محورين (التوحيد - العدل)، فبوساطة المحور الأوَّل (التوحيد): يظهر معنى العبوديَّة التامَّة والحقيقة لخالق البشريَّة والكون، والتحرُّر من جميع العبوديَّات الأُخرى المادّيَّة والمعنويَّة وعلى اختلاف أشكالها، وهذه أسمى شكل للحرّيَّة ممَّا يليق بالإنسان..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦) أظهرت الدراسات الاجتماعيَّة الحديثة أنَّ القِيَم والمعتقَدات الدِّينيَّة تُشكِّل العنصر الأساسي في البناء الثقافي للمجتمع.. وكذلك فإنَّ ارتقاء المجتمعات يرتبط بظهور القيادة الملهمة التي تمتلك رؤية متميِّزة، تُؤدِّي إلى تحفيز الهِمَم والأفعال وتوليد زخم نفسي وروحي، فتُخرِج المجتمع من ركوده، وتدفعه للمضيِّ في عمليَّة بناء نفسه وإظهار قدراته العلميَّة.

(٣٧)

ومن خلال المحور الثاني (العدل): يُعطى الإنسان قيمته وكرامته بما هو إنسان، فتقوم الدولة بسياساتها وقوانينها ومناهجها لحفظ كرامة الإنسان وهو مقصد عالٍ لديها، ولا مجال لبروز أيِّ شكل أو مظهر للظلم الفردي أو الاجتماعي.. وبعد ذلك تبرز الخصائص الأُخرى ومعالم حضارة آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله) كالتطوُّر العلمي، وتكامل الوعي البشري، والرفاه الاقتصادي، و... والتي هي آثار ونتائج لجهود القيادة العظيمة المتمثِّلة في المنقذ الموعود.
وعندها ستُدرِك الأُمَم والشعوب أنَّ واقع البشريَّة الحالي هو أسوأ من المستقبل المشرق للبشريَّة، الذي سيتحقَّق على يد المخلِّص (المهدي (عجَّل الله فرجه))، حينها ستتقلَّص صعوبة المهمَّة وستنفتح الآفاق الذهنيَّة للأُمَم والشعوب للتعرُّف والإحاطة والبحث عن شخصيَّة قائد تلك الحضارة ومنفِّذها على أرض الواقع.
خامساً: مستقبل التاريخ البشري:
قضيَّة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه) ترتبط بأكثر الأُمور إلحاحاً وحسَّاسيَّةً في الفكر البشري، ترتبط بمستقبل الإنسانيَّة ومسيرتها نحو التكامل أو نحو السقوط، ممَّا ينعكس على واقعنا العملي والنفسي وعلى طريقة تفكيرنا ونظرتنا إلى الأُمور.. فمسألة النهاية لتاريخ البشريَّة هي من أشدّ الأُمور إثارةً في ساحة الفكر العالمي المعاصر، حيث تشهد الظروف العالميَّة انتكاسة فظيعة في القِيَم الإنسانيَّة، وتراجعاً شديداً في حقوق وكرامة الإنسان، وبدون إيمان بالمهدويَّة تبدو كلُّ مكتسبات البشريَّة في تاريخها الطويل من أجل حياة أفضل في مهبِّ الريح، كما يصبح الحديث عن استئناف مسيرة الحضارة الإسلاميَّة غير ذي جدوى إطلاقاً.
وبنظرة كلّيَّة عن مكانة المهدويَّة عند الإنسانيَّة وأهمّيَّتها الاستراتيجيَّة، وفهماً للسُّنَن الإلهيَّة في التاريخ، نجد أنَّ المسيرة الأساسيَّة والخطَّ العريض في حياة ومستقبل البشريَّة تتَّجه نحو (الحضارة المهدويَّة)، فمنذ البدء والإنسانيَّة

(٣٨)

تتكامل وتتقدَّم نحو الأفضل، وأصدق مثال على ذلك التكامل في الشرائع السماويَّة والعلوم الإنسانيَّة، ولذا فالبشريَّة تتحرَّك بأمل وبفطرة سليمة نحو المستقبل.. وهذا ما تُؤكِّده الأُطروحة المهدويَّة التي تُثبِت بأنَّ الفساد والظلم شيء مؤقَّت، وأنَّ هناك حياةً سعيدةً وعصراً متألِّقاً ينتظر البشريَّة في المستقبل على يد المنقذ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
المهدويَّة منفتحة على أبعاد الإنسانيَّة والحياة كلِّها، وفي ثقافتها الفكريَّة والروحيَّة تحثُّنا أنْ ننفتح على الآخر، فحقيقة المهدويَّة ومضمونها وأهدافها تأخذنا لفهم أسباب الحضارة، بيد أنَّ الدارس للمرتكزات الأساسيَّة للمهدويَّة وبحث تعريفها للآخر - إضافةً للنقاط سالفة الذكر - يلحظ وجود حركة مدٍّ وجذرٍ بين خاصَّتين أو نسقين أساسيَّين:
يرتبط الأوَّل بالأصالة: المهدويَّة كعقيدةً هي حقيقة منبثقة من الوحي الإلهي، وتأصَّلت في الفكر الإسلامي من ركنَي الإسلام: الكتاب والعترة.
ويتعلَّق الآخر بالنهوض: حيث إنَّ التراث المهدوي يختزن إمكانات النهوض والإبداع في حياة البشريَّة، حتَّى تصل الإنسانيَّة إلى مرحلة الكمال والنضج والرشد، وتُؤسِّس الحضارة الفاضلة.
كلُّ هذه المرتكزات والخصائص الأساسيَّة تدلُّ على حيويَّة وديناميكيَّة الثقافة والفكر المهدوي، حيث يلتقي الدافع الدِّيني مع الضرورات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة ويحصل انسجام كبير بينهما، ممَّا يفتح المجال أمامها واسعاً للقبول والانتشار عند مجتمعات الأُمَم والشعوب غير المسلمة.
الآليَّة الاستراتيجيَّة للتعريف:
في الحضارات المختلفة تتنوَّع الفوارق وتختلف المشكلات تبعاً لهويَّة وخصوصيَّة كلِّ أُمَّة ومجتمع، ممَّا ينتج عن ذلك احتياجات وهموم متغايرة، ولاسيَّما

(٣٩)

المُثُل والأهداف والرؤى والقِيَم الخاصَّة بكلِّ مجتمع.. ولذا فمسار التعارف الثقافي والفكري يتمايز بين أُمَّة وأُخرى، وعلى هذا الأساس يحتاج (التعريف بالمهدويَّة) قبل كلِّ شيء إلى دراسات مستمرَّة في شأن الهويَّة التاريخيَّة والفكريَّة (للمخلِّص عند الأُمَم)، والاطِّلاع على اختلاف تشخيص هويَّته عند كلِّ أُمَّة وكيان.
وعند فهم الهويَّة والأبعاد المتنوِّعة الخاصَّة بالمخلِّص عند كلِّ حضارة، سوف تُتاح إمكانيَّة إيضاح مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) بعدِّها إطاراً أصليًّا وبرنامجاً عمليًّا ومدعماً بالتراث الدِّيني لكلِّ الأديان السماويَّة المختلفة.. ممَّا يُحتِّم علينا أنْ نُوفِّر الإجابة على الأسئلة التالية، لنسلك سبيل التعريف بيسر وسهولة:
- ما هي الرسالة المراد توجيهها، ويجب التأكيد عليها دائماً عند الحديث مع الآخر عن المهدويَّة؟
- ما هي الرؤية والهدف من تعريف المهدويَّة لدى الحضارات المختلفة؟
- ما هو الخطاب السليم والأنسب عند الحديث عن المهدويَّة مع شعوب الحضارات الأُخرى؟
- ما هي القِيَم المشتركة بخصوص المهدويَّة التي تقوم على ردم الهوة بين الثقافات والحضارات المختلفة؟
- ما هو النموذج الذي نحن بصدد طرحه لتقريب الصورة عن مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام)؟
بكلِّ تأكيد إنَّ قراءة شاملة تراثنا المهدوي، ونظرة فاحصة وعميقة لثقافتنا الحاليَّة، واستقراء واقعنا الإسلامي الحالي، تُجلي لنا غياب ملامح أيِّ استراتيجيَّة لتعريف المهدويَّة للآخر (غير المسلم)، ولم نتمكَّن حتَّى الآن من رسم خارطة طريق التعريف.. فمن أين يمكننا أنْ نُدرِك ما يجب أنْ نتطرَّق إليه، وأيَّ جانب يُفضَّل أنْ نخوض فيه عند الحديث عن المهدويَّة مع الآخر؟..

(٤٠)

ونحن لم نُحدِّد أو نُوفِّر بعد طبيعة الخطاب التعريفي والرسالة المراد إيصالها للآخر، ممَّا يُحتِّم علينا أنْ نتجاوز بناء المفهوم وندخل حيِّز المشاركة والتنفيذ والتداول، فنمدُّ جسور التعارف بناءً على أُسُس استراتيجيَّة واضحة ومنهج معرفي سليم، وحينها نتخلَّص من الرواسب الفكريَّة المتراكمة عبر التاريخ، ونساير الأولويَّات الراهنة وخصوصيَّات المرحلة المعاصرة، ونواكب متطلَّبات التعريف.
لا بدَّ من إطلاق مشروع (تعريف المهدويَّة للآخر)، وقبل ذلك دراسة واستيعاب فكرة المخلِّص عند الحضارات الأُخرى بشكلٍ عامٍّ، والتأمُّل في الفكرة من خلال وعي المجتمع الآخر بها (الرأي العامُّ العالمي) أو بما له علاقة بها، لاسيَّما النظرة الفلسفيَّة إلى نهاية العالم، فهي النقطة الرئيسيَّة لتعريف المهدويَّة ومفتاحها.. كذلك هناك عدَّة خطوات منهجيَّة وعمليَّة في غاية الأهمّيَّة يستلزم القيام بها وتنفيذها على أرض الواقع في سبيل التمهيد للتعريف لتسير الأُمور بسلاسة ويسر، وهي الآتي:
التعرُّف على الآخر: التعرُّف عن قرب على مجتمعات الأُمَم والشعوب المختلفة كما هي في الواقع، وذلك من خلال مواكبة تطوُّرها العلمي والفكري والثقافي في سياق فكرة (المخلِّص)، وعبر ما تُقدِّمه النُّخَب من معارف وأفكار فلسفيَّة أو تاريخيَّة بهذا الخصوص، ومتابعة آخر المستجدَّات التي وصلت إليها الفكرة في منظومتهم الفكريَّة في العصر الحالي.
لغة خطاب مشتركة: إنَّنا بحاجة إلى عمل بحوث ودراسات (تحقيقيَّة) معمَّقة، عن فكرة المنقذ والمخلِّص لدى الحضارات المختلفة، وإدراك قاعدتهم الفكريَّة وحدود المعرفة (التاريخيَّة والدِّينيَّة) لديهم، ما يُمهِّد الطريق لننطلق في إيجاد لغة فكريَّة مشتركة، وذلك بتأطير العقيدة المهدويَّة الأصليَّة بلمسات من

(٤١)

منظومتهم الفكريَّة، والوصول لصياغة خطاب تعريفي مناسب ومقبول لدى الآخر.
رسالة واضحة تُوجَّه للآخر: صياغة تعريف لمضمون (المهدويَّة) على شكل رسالة فكريَّة ومعلومات ثقافيَّة تحتوي على المبادئ والقِيَم المشتركة والمقبولة لدى الآخر.. رسالة نودُّ إيصالها وترويجها لدى الرأي العامِّ للآخر، وتكون لها القابليَّة والنجاح للتوسُّع والانتشار والتغلغل في منظومتهم الفكريَّة، حتماً لا يكفي الحديث عن العدالة والقضاء على الظلم فقط للترويج للمهدويَّة، بل يتحتَّم علينا تجديد خطاب وابتكار رسالة يكون لها صدى في مجتمع أغلبه علماني النزعة.
طرح المهدويَّة بشكل حضاري يواكب العصر: من خصوصيَّات الفكر والثقافة المهدويَّة أنْ ترفع مستوى وعي الأُمَّة في مجال الرؤية الحضاريَّة والكونيَّة، وتُعمِّق أُفُقنا لفهم أفكار وفلسفات الحضارات المختلفة بعيداً عن التعصُّب الدِّيني والمذهبي.. ممَّا يُوطِّد لتأسيس أُطروحة جديدة ذات طابع فكري وثقافي وبرؤية حضاريَّة منفتحة، تُقدَّم للأُمَم الأُخرى على قاعدة الشراكة الحضاريَّة، تُعرِّفهم بمشروع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لإنقاذ العالم وقيادة البشريَّة نحو طور مستقبلي جديد، وحياة قائمة على العدل وحفظ كرامة الإنسان، وتُوفِّر السعادة والرفاه والحياة الكريمة للجميع.
طرح نموذج تاريخي (واقعي) يُقرِّب الصورة: إنَّ الشعوب الأُخرى تريد أنْ تسمع وتعرف النموذج الذي نحن بصدد طرحه، وما يحمله من قواسم مشتركة معهم.. وفي تاريخنا الإسلامي أفضل نموذج يمكن طرحه هو الإمام عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام)، هذا النموذج الإنساني في الأخلاق والزهد والعدل والاستقامة والشجاعة، هذا العظيم الذي تدفَّقت منه الحكمة والفلسفة والعلم،

(٤٢)

وترجم ذلك عمليًّا في أفعاله وأقواله، وقدَّم لنا وللتاريخ البشري أفضل نموذج للحاكم والمسؤول العادل.. فعندما نقرأ عهده(٧) إلى مالك الأشتر عام (٣٩هـ) (أي قبل ١٤٠٠ سنة) نجد هذه الوثيقة معجزة إنسانيَّة، فهي جامعة مانعة تطرح منظومة قِيَم متكاملة في القانون والسياسة وعلم الاجتماع، وتهدف إلى تأسيس نظام إداري وحقوقي في الحكم يُكرِّس المبادئ والقِيَم الإنسانيَّة.
لا بدَّ لنا أنْ نحمل مشعل المبادرة، فعلى مسار التاريخ الطويل ظلَّت المبادرة بيد الآخر، فهو يسأل ونحن نجيب، بل نتناوب على الإجابة، وهو يبادر ويفعل وتأتي ردَّة الفعل من طرفنا.. ومن هنا فإنَّ أولويَّات المرحلة الراهنة ومتطلَّبات مسيرة التمهيد تُحتِّم علينا أنْ نبادر وننطلق في إيجاد أو ابتكار منظومة معرفيَّة تربطنا مع الآخر (غير المسلم)، تُؤطِّر لمساحة فكريَّة جاذبة تتداول فيها نُخَب المجتمعات المختلفة الأفكار والمعارف المهدويَّة، وتتوافر عبرها سُبُل الحوار والتعارف والتواصل بخصوص القواسم المشتركة المتعلِّقة بالمهدويَّة أو المخلِّص الموعود.
وليس من شكٍّ، فإنَّ توفير الشروط اللَّازمة لتعريف المهدويَّة، يوجب تنفيذ منهج التعريف والآليَّات الضروريَّة وتحقيقها على أرض الواقع، وحينها يمكننا القول: إنَّنا وضعنا الأساسات الأوَّليَّة لعمليَّة إيضاح وتقديم المهدويَّة للحضارات المختلفة، وبدأنا نفهم المهدويَّة برؤية حضاريَّة بعيداً عن منغِّصات السياسيَّة وصِدام الحضارات والنزاعات الدِّينيَّة والمذهبيَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) دستور رائع في إدارة الدولة وسياسة الحكومة ومراعاة حقوق الشعب.. وقد اعتُمِدَت هذه الرسالة في الأُمَم المتَّحدة كونها من أوائل الرسائل الحقوقيَّة، التي تُحدِّد الحقوق والواجبات بين الحكومة والشعب، واعتُبِرَت كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وقد دعت الأُمَم المتَّحدة لاتِّخاذ أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) مثالاً للحاكم الصالح. راجع: بحوث معاصرة في الساحة الدوليَّة (ص ٢٦٤ و٣٦٥).

(٤٣)

المهدويَّة هي مخلِّص الحضارات:
البحث والنقاش عن المخلِّص في الحضارات المختلفة يُعَدُّ من أعمق النقاشات وأكثرها جدّيَّة ومنهجيَّة، لأنَّه يرتبط بمستقبل البشريَّة في هذا العالم والرؤية الكونيَّة إلى الوجود الإنساني.. وحيث إنَّ شخصيَّة هذا المخلِّص لم تتبلور له هويَّة واضحة عند أتباع الأديان السابقة للإسلام والحضارات المختلفة، ولتجريد هذه القضيَّة من حسابات المصالح المذهبيَّة الضيِّقة أو المنافع السياسيَّة والدِّينيَّة المحدودة، ولرفع مستوى التفكير وتوسيع الأُفُق حول هذه القضيَّة، لذا ينبغي أنْ تشمل البحوث وتتعمَّق الدراسات حول المنظورات الدِّينيَّة والفلسفيَّة لفكرة المخلِّص عند جميع الحضارات المختلفة.
من خلال بحثنا لفكرة المخلِّص الموعود في الفكر الدِّيني المقارن(٨) يتَّضح لنا وجود قواسم مشتركة كثيرة بين كلِّ الأديان والحضارات، تتمثَّل في الأساس بالاتِّفاق على أصل الفكرة ومن ثَمَّ على نقاط عديدة، منها:
١ - اتَّفقت كلُّ الأديان على أنَّ القوَّة التي خلقت الحياة على الأرض سوف تنهي هذه الحياة في يوم من الأيَّام، كما أكَّدت (الأديان) على وجود علامات معيَّنة سيكون ظهورها نذيراً بنهاية العالم.
٢ - في الحقبة الأخيرة من المسيرة التاريخيَّة البشريَّة، سوف يتغيَّر الخطُّ الموضوعي لمسار التاريخ، فتتدخَّل العناية الإلهيَّة باختيار (المنقذ المنتظَر) ليُخلِّص البشريَّة من الظلم والجور وينشر العدل والسلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨) دراسة فكرة المخلِّص بشكل مقارن بين ثماني ديانات هي: المصريَّة القديمة، والهندوسيَّة، والبوذيَّة، والجينيَّة، والزرادشتيَّة، واليهوديَّة، والمسيحيَّة، والإسلاميَّة. للتوسُّع في هذا المجال ارجع إلى كتاب: البحث عن منقذ لفالح مهدي.. ودراسة فكرة المهدي المنتظَر بين أربع مذاهب إسلاميَّة هي: الإباضيَّة، والإسماعيليَّة، وأهل السُّنَّة، والشيعة الإماميَّة، ارجع إلى كتابنا: رؤى مهدويَّة.

(٤٤)

٣ - طبيعة (المخلِّص الموعود) إنسانيَّة (من بني آدم)، ولكنَّه يتمتَّع بصفات خارقة لا يتمتَّع بها غيره من البشر، وتستمدُّ وجودها من قوَّة غيبيَّة فيما وراء الطبيعة (شخصيَّة قدسيَّة ترتبط بالغيب).
٤ - إنَّ حركة التغيير الشامل العالميَّة ليتسنَّى لها النجاح، يستلزم أنْ تكون الظروف البيئيَّة (كافَّة الجوانب) ملائمة، وتتوفَّر عوامل مناسبه للنهضة، وأنَّ البشريَّة متقبِّلة ومهيَّئة لتحقيق الأهداف الكبرى.
٥ - إنَّ ظهور (المنجي المرتقَب) يسهم في إحداث تحوُّلات تاريخيَّة في المسيرة الإنسانيَّة، وإحداث تغيُّرات جذريَّة في نهاية العالم، حيث يتكامل الناس ويصبح واقع الحياة مزدهراً.
من هنا نُؤكِّد أنَّ بداية مشروع التعريف بالمهدويَّة يتمُّ عن طريق البحث عن المشتركات العامَّة لفكرة المخلِّص بين الحضارات، وكذلك الاطِّلاع على المبادئ والقِيَم المتعلِّقة بها كالتوحيد والعدالة والحرّيَّة والمساواة وتطوُّر العلم وتكامل الوعي البشري والرفاه الاقتصادي و...، وليس الهدف من وراء ذلك الوصول إلى أُحادية الرؤية أو نمط تفكير واحد، إنَّما القصد إظهار اتِّفاق البشريَّة كافَّة وبكلِّ أطيافها وحضاراتها على أصل الفكرة (المخلِّص الموعود)، ولترسيخ هذا الاتِّفاق على المبدأ جاء التراث الدِّيني السماوي وكتابات الفلسفات البشريَّة ببشارات عديدة وإشارات صريحة بتأكيد اتِّحاد الفكرة وتعزيز المنحى القيمي لها كالعدالة والتوحيد.. وباعتبار أنَّ أصل الفكرة ومنشأها الوحي الإلهي، وتتوافق مع الفطرة الإنسانيَّة وحاجات المجتمع البشري، فقد شكَّلت كمبدأ صورة حلم الإنسانيَّة والأُمنية الكبرى للشعوب، فجميع البشر يأمل بمجيء قائد - أتباع الديانات السماويَّة يعدُّونه ربَّانيًّا - يُخلِّص البشريَّة من الظلم والفساد وينشر العدل والسلام في كافَّة الأرض المعمورة.

(٤٥)

يجب أنْ نعرف بأنَّ الخلفيَّات الدِّينيَّة للشعوب ليست على درجة واحدة في جميع الحضارات، وليست على وتيرة واحدة أيضاً في نطاق الحضارة الواحدة، فهناك شعوب تُعطي أهمّيَّة ومكانة للمبادئ والتعاليم الدِّينيَّة، وهناك أُمَم لا تُمثِّل الخلفيَّات الدِّينيَّة أيَّ مكانةٍ لديها أو تُشغِل حدود ضيِّقة.. ومن هنا نُؤكِّد أنَّ الهويَّة الدِّينيَّة أو الخلفيَّات العقديَّة هي أحد المداخل الحيويَّة في سبيل إحراز تقدُّم فاعل وحقيقي في مشروع التعريف بالمهدويَّة وليس المدخل الوحيد، بل إنَّ القواسم المشتركة والهموم الإنسانيَّة الكبرى والرؤية الحضاريَّة للمستقبل المشرق للبشريَّة هي أكثر المداخل حيويَّة وفاعليَّة في مشروع التعريف.
بكلِّ تأكيد هناك اختلاف أو تعدُّد في وجهات نظر الأُمَم والشعوب وأتباع الأديان حول تشخيص هويَّة (المخلِّص)، لكن ثَمَّة اتِّفاقاً بين الجميع على المبدأ وأصل الفكرة.. عموماً ينبغي التمييز بين ما يطرحه التراث والكُتُب للأديان السماويَّة وبين ما يطرحه أتباع هذه الأديان ومفسِّروها، فإنَّ اختلاف الأتباع في تشخيص هويَّة المخلِّص الموعود على الرغم اتِّفاقهم على حتميَّة ظهوره، ناشئ من تفسير النصوص والبشارات السماويَّة وتأويلها استناداً إلى عوامل خارجة عنها وليس إلى تصريحات أو إشارات في النصوص نفسها، بمعنى أنَّ تحديد هويَّته لا ينطلق من النصوص والبشارات في التراث الدِّيني السماوي، بل ينطلق من انتخاب شخصيَّة (من الكيان الدِّيني الخاصِّ) ومحاولة تطبيق النصوص عليها، كلُّ ذلك لرغبة أو فوز بافتخار أنَّ صاحب هذا الدور التاريخي المهمِّ شخصيَّة تنتمي لكيانهم، إضافةً للعوامل السياسيَّة أو التعصُّب الدِّيني.
في التراث الثقافي لبعض الأديان والمذاهب المختلفة ذُكِرَت أسماء عديدة ومختلفة للمخلِّص الموعود، كلٌّ حسب رؤيته وتفسيره لهذه الشخصيَّة المهمَّة

(٤٦)

والتي تنتظرها البشريَّة منذ القِدَم.. ومن هنا لا بدَّ من إدراك ما يمكن أنْ يعتري هذه القضيَّة من سهولة وهي الحديث عن أصل الفكرة والمبدأ، وما يعتريها أيضاً من صعوبة وهي الحديث عن التشخيص والهويَّة.. فعندما نمتلك معرفة واسعة عن مخلِّص الطرف الآخر، ونستوعب القواسم المشتركة مع أُطروحته، ونتَّبع آليَّات التعريف الضروريَّة، سوف تسهل علينا مهمَّة تقديم المهدويَّة للطرف الآخر، عندها بكلِّ تأكيد سيعرف الجميع على وجه الدقَّة حقيقة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام)، باعتبارها تُمثِّل منهجاً ذا رؤية حضاريَّة وبرنامجاً عمليًّا يشمل كلَّ الإنسانيَّة ومدعماً بالتراث لكلِّ الأديان السماويَّة.
أُطروحة المخلِّص عند المسلمين:
من خصائص الأُطروحة المهدويَّة عند الشيعة الإماميَّة تجسيد الأُمنية الكبرى للبشريَّة (فكرة المخلِّص) إلى حالة واقعيَّة موجودة، فبلورت الفكرة بشكلها النهائي، فوضَّحت معالمها وبلغت أرقى صور نضجها، فبدَّلت حالة الأُمنية والأمر النظري إلى واقع ملموس، فشخَّصت للعالم أنَّها تنتظر مخلِّصاً محدَّداً، شخصاً يعيش بين الناس ويشعر بآلامهم وأسقامهم، ويتلمَّس مشاكلهم وأتعابهم، وهو من نسل فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وأبوه الإمام العسكري (عليه السلام) (قرشي)، وأُمُّه السيِّدة نرجس (عليها السلام) (روميَّة)، يقول السيِّد محمّد باقر الصدر: (إنَّ الإسلام حوَّل فكرة المخلِّص من غيب إلى واقع، ومن مستقبل إلى حاضر، ومن فكرة ننتظر ولادتها ونبوءة نتطلَّع إلى مصداقها، إلى واقعٍ قائمٍ تنتظر فاعليَّته وإنسانٍ معيَّنٍ يعيش بيننا بلحمه ودمه، نراه ويرانا ويعيش مع آمالنا وآلامنا ويشاركنا أحزاننا وأفراحنا، ويترقَّب مع الآخرين اللحظة الموعودة)(٩)..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) بحث حول المهدي (ص ٥٥)، بتصرُّف.

(٤٧)

إنَّ أُطروحة المخلِّص أو المنقذ عند المسلمين والمتجسِّدة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) تُعطي مسيرة الصلاح والإصلاح في البشريَّة عامل استمرار بقوَّة وفاعليَّة أكثر، ومن جهة أُخرى الحفاظ على منجزات الرسالات السماويَّة والتي هي ثمرة جهود الأنبياء (عليهم السلام) عبر التاريخ البشري.
ينطلق الشيعة في نظرتهم إلى المهدويَّة من معتقَد الإمامة، فهي الإمامة الباقية والتي تتفرَّع من النبوَّة، والإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو ذلك الإنسان الحاضر والناظر والراصد لمستوى العدالة في البشريَّة ومدى استعداد الناس لتقبُّل نهضته، ممَّا يُؤكِّد أنَّ وجود الإمام في كلِّ عصر وزمان ضرورة لا غنى عنها، وذلك لتحقيق الأهداف الإلهيَّة، وضمن دائرة السُّنَن الجارية وبالطُّرُق الطبيعيَّة.. ومن هذا المنطلق، فقد وُلِدَ الإمام الأخير عام (٢٥٥هـ/٨٦٩م) ولا زال يعيش في دار الدنيا، وقد اقتضت الحكمة الإلهيَّة أنْ يطول عمره الشريف، وأنْ يغيب عن الناس (غيبة عنوان)(١٠) في هذه الحقبة الزمنيَّة من تاريخ البشريَّة، بانتظار أنْ يأذن الله له بالظهور، وتسنح له الفرصة للقيام بالحركة الإصلاحيَّة الشاملة على مستوى العالم بأسره.
عوائق تعريف المهدويَّة للحضارات:
الحديث عن تعارف الحضارات وإيضاح مفهوم المهدويَّة للأُمَم والشعوب المختلفة لا يمكن أنْ يتمَّ بدون إرساء أُسُس استراتيجيَّة واضحة للبناء، وفي نفس الوقت تجاوز المعوِّقات والصعوبات التي تقف حجر عثرة أمام جهود التعريف، وهنا لا بدَّ من إلقاء الضوء على العقبات الرئيسيَّة لتجاوزها

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠) غيبة عنوان: وهي أنَّ الناس يرون الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بشخصه، دون أنْ يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقة أنَّه المهدي المنتظَر.

(٤٨)

وتفكيكها من أجل دعم مفهوم التعريف وتيسير مهمَّته، بصفته خياراً استراتيجيًّا ومفهوماً حضاريًّا ومنهجاً يمكن من خلاله مناقشة كافَّة الهموم المشتركة والقضايا المصيريَّة، ومنها المسائل المتعلِّقة بمستقبل البشريَّة والرؤية الحضاريَّة لفكرة المخلِّص.. ومن هذه المعوِّقات التي تحول دون تنفيذ المهمَّة الآتي:
١ - عدم إدراك أهمّيَّة مشروع التعريف:
إنَّ عدم العناية بمفهوم تعريف المهدويَّة للحضارات المختلفة يعود بشكل أساس إلى عدم إدراك أهمّيَّة هذا المشروع أو المصطلح، بالإضافة إلى اللَّبس المسيطر على بعض المؤمنين في إدراك الأبعاد المختلفة للثقافة المهدويَّة، ولا يعود ذلك إلى عدم وضوح الرؤية أو سعة الأُفُق فحسب، بل قد يعكس ما نحمل من قصور تجاه الإمامة الخاتمة والتفاعل مع همومها، إضافةً إلى ذلك فقدان الهمِّ العلمي الذي هو شرط أساس وضروري لتشكيل رؤية استراتيجيَّة لمفهوم التعريف.
لا شكَّ في أنَّ الثقافة المهدويَّة قد فقدت الكثير من منهجها الفكري، عند اقتصار مخاطبتها للمسلمين فقط، وعدم إدراك أهمّيَّة مخاطبة الآخر أو كلِّ الأُمَم والشعوب، ولذا نشهد انحسار الرؤية الحضاريَّة في الكتابات المهدويَّة، ممَّا حال دون توسيع آفاقنا وتطوُّر أفكارنا ومعارفنا المهدويَّة، ولا يرجع السبب إلى فقر العقيدة المهدويَّة ومبادئها، إنَّما السبب في عجزنا عن حسن التعامل مع منظومة القِيَم والمعارف المرتبطة بها، وعدم الاستفادة من رؤيتها الحضاريَّة ذات العطاء المتجدِّد والمتقدِّم والمجرَّد عن حدود الزمان والمكان.. فالانحسار الذي نعاني منه ناتج عن أزمة فكر بالأساس، ولذا نشهد في السياق التاريخي للتراث والمعارف المهدويَّة بُطئاً في التطوُّر الفكري لا يتناسب مع متطلَّبات مسيرة

(٤٩)

التمهيد، وإلَّا فإنَّ أحد المصاديق البارزة لمعنى الانتظار والاستعداد لظهوره هو تعريف العالم بمنقذه (إمام الزمان) وتهيئة البيئة المناسبة لإنجاز مهمَّته الإصلاحيَّة الكبرى.
٢ - عدم فهم الحضارات الأُخرى:
إنَّ عدم التعرُّف على مجتمعات الحضارات المختلفة كما هي في الواقع، وعدم الاطِّلاع على تطوُّراتها العلميَّة والفكريَّة والثقافيَّة والدِّينيَّة والسياسيَّة والفلسفيَّة الحديثة، وعدم الإحاطة بنظرتها للمستقبل ورؤيتها لنهاية التاريخ وفكرتها للمخلِّص الموعود، كلُّ ذلك يخلق لنا إشكاليَّة عدم الرؤية الصحيحة والواعية لهذه الحضارات.. ومن غير تجاوز هذه الإشكاليَّة فسوف يتقلَّص تشكيل فضاء فكري خلَّاق يفضي إلى التواصل والتعارف المتكافئ حضاريًّا بيننا وبين النُّخَب الفكريَّة لتلك الحضارات.
مشروع التعريف ينبغي أنْ يشمل كلَّ الحضارات الفاعلة والمتجدِّدة، فلا يصحُّ أنْ ننظر لمفهوم أو مصطلح التعريف على أنَّه حوار أو تعارف بين الإسلام والغرب فقط، ممَّا يجعلنا نفقد التواصل مع الحضارات الأُخرى كالصينيَّة أو الهنديَّة مثلاً.. لذا ينقصنا تكوين المعرفة بالمناهج والأبنية الفكريَّة والأيديولوجيَّة والنظريَّات الثقافيَّة للحضارات الغائبة تماماً عن مداركنا ودراساتنا وبحوثنا، وهذا يعني أنَّنا لا نملك معرفة حقيقيَّة عن بعض الحضارات الحيويَّة والمعاصرة.. وبنظرة إلى الأهداف الكبرى للمهدويَّة ومشروعها الحضاري العالمي، نجد أنَّ أبسط مسؤوليَّتنا تعريفها لكلِّ شعوب العالم، وللأسف فإنَّنا حاليًّا نعاني غياب المختصِّين والباحثين، الذين يمكن أنْ يُقدِّموا لنا معرفة واسعة بتاريخ تلك الحضارات الغائبة عنَّا، ويُعزِّزوا هذه الدراية بنظرة شاملة معاصرة عنها، لنتجاوز أزمة الثقة وسوء الفهم المتبادل بين الطرفين.

(٥٠)

٣ - محاربة أعداء الإسلام للمهدويَّة:
في قبال النزعة المتأصِّلة بالفطرة والمؤيَّدة ببشارات الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام) وإيمان البشريَّة بفكرة المخلِّص، فإنَّ ثَمَّة موجة تشكيك وتشويه ومحاربة للقضيَّة المهدويَّة، تقف وراءها جهات خبيثة معادية للإسلام وللمؤمنين، وتنتهج سبيل خلق ظروف وبيئة تفرز مناخاً يساعد على تقويض أمر المهدويَّة، وتكوين حالة من العداء النفسي والفكري للإمام (عجَّل الله فرجه) في أوساط المؤمنين ودحض الثقافة المهدويَّة.. لا محيص من المواجهة لكلِّ ما يستهدف النيل من العقيدة المهدويَّة والزود عنها وكشف خُطَط الأعداء وخبثهم.
وفي الحقيقة جوهر خطَّة الأعداء قائم على استدراجنا لمعارك جانبيَّة عديدة يفتعلونها، لإشغالنا واستفراغ طاقاتنا الفكريَّة والنفسيَّة بعمليَّات الدفاع عن العقيدة المهدويَّة، وصرفنا عن مهمَّتنا الرئيسيَّة (التمهيد لظهوره).. وهذه ساحة لا ينبغي أنْ نُستدرَج إليها أو نُعطيهم الفرصة لتشتيت عقولنا، فتستمرُّ الغفلة وتُحجَّم المهمة وتضيع جهودنا وأوقاتنا في معايشة الأزمات، فمن فتنة إلى أُخرى ومن مشكلة إلى شاكلة.
علينا أنْ نتجاوز المعارك والفتن الفكريَّة المرتبطة بالمهدويَّة والتي يعمل الخصوم والمناؤون على استدراجنا إليها، فنُوضِّح حقيقتها ونُفسِّر للأُمَّة دوافعها، فيبطل مفعولها ومن غير أنْ ننغمس فيها، ونستبدل الدفاع بمزيد من التوضيح والترسيخ للمهدويَّة، والتناول الإيجابي لرؤاها، وإدراك المسار الاستراتيجي لأهدافنا والمشي بخطى ثابتة في مهمَّتنا الأُولى وهدفنا الرئيسِ.
إنَّ رصدنا للمعوِّقات الفكريَّة والعقبات العمليَّة التي تواجه (مفهوم التعريف) ووعينا بها، يساعد على تحويلها إلى إمكانات قد تُستثمَر كآليَّات إضافيَّة متاحة في الساحة الفكريَّة في سبيل إنجاح مشروع التعريف.

* * *

(٥١)

تبحث البشريَّة ومنذ فجر التاريخ وبشكل دائم ومستمرٍّ عن المنقذ، ليُخلِّصها من الظلم والجور وينشر القسط والعدل، وقد سادت هذه الفكرة لدى كلِّ الأديان والأُمَم والشعوب نتيجةً لإخبار الرسالات السماويَّة، وحفل التراث الدِّيني بالإشارة لها بشكل واسع، وقد توصَّل إلى الفكرة نفسها العقل الإنساني بما يحمل من فطرة سليمة، بالإضافة إلى معاينة أطوار التاريخ ودراسة سُنَنه.. وهكذا يلتقي الفكر الدِّيني مع العقل البشري بضرورة خلاص البشريَّة على يد (قائد بشري) ينسف المظالم ويقيم الحقَّ.
الإيمان بحتميَّة ظهور المصلح العالمي وإقامة دولة العدل الإلهي، من الحاجات الإنسانيَّة المشتركة، ومن النقاط البارزة بين جميع الأديان السماويَّة، وليس الاختلاف فيما بينها إلَّا في تحديد المصداق وهويَّة هذا المخلِّص المنتظَر.. إنَّ الإيمان بهذه العقيدة أو هذه الفكرة يكشف عن وجود أُسُس قويَّة متجذِّرة في أعماق الفكر الإنساني وبالأحرى عن حاجة فطريَّة إنسانيَّة، بالإضافة إلى الاستناد إلى جذور عميقة في التراث الدِّيني السماوي، ممَّا يُبرز مساحة من نقاط الالتقاء والاشتراك حول الفكرة عند الأُمَم والشعوب المختلفة.. ومن المؤكَّد أنَّ فكرة المنجي الموعود متَّفق عليها عند كلِّ الأديان والحضارات، لكونها تتلاءم مع وجدان الفطرة الإنسانيَّة وتتوافق مع برهان العقل البشري وتتعاضد مع الإرشاد السماوي، وقد أجمعت كلُّ الكُتُب الدِّينيَّة المقدَّسة على قدوم أو خروج المخلِّص آخر الزمان، وهو ليس حكراً لطائفة معيَّنة أو لشعب من الشعوب، بل هو أمل البشريَّة كلِّها، والكلُّ يحلم بيومه الموعود.
ومن هذا المنطلق والمنحى وتعزيزاً لإمكانيَّة إيضاح وتعريف المهدويَّة للآخر غير المسلم، لا بدَّ من الاطِّلاع والتعرُّف على القاعدة الفكريَّة لمفهوم

(٥٥)

المخلِّص عند كلِّ كيان وحضارة، ومواكبة البناء العقدي الدِّيني للفكرة عند الشعوب المختلفة، والبحث عن المشتركات العامَّة للفكرة بين الحضارات، حتَّى تتوفَّر لغة حوار مشتركة وتُؤطِّر بمنظومة فكريَّة قائمة على نقاط الالتقاء والقواسم المشتركة حول حقيقة المهدويَّة.
نماذج من استشهادات التراث الدِّيني بخصوص المهدويَّة:
إنَّ الإيمان بفكرة ظهور المخلِّص آخر الزمان (المهدي) متَّفق عليها عند جميع الأديان السماويَّة والفلسفات البشريَّة، ومدوَّنة في المصادر الدِّينيَّة المعتبرة للجميع.. وإنَّ الينابيع التي تستقي منها الأديان معارفها حول المخلِّص والمنقذ آخر الزمان هو الوحي الإلهي، ممَّا وحَّد أصل الفكرة وجعلها عقيدة ثابتة عند الكلِّ، وقد بشَّرت الأديان منذ بدء الخليقة بالمهدويَّة وورد ذكرها كثيراً بطُرُق ومناسبات متعدِّدة، ولذا جاءت إشارات وتلميحات كثيرة في الكُتُب السماويَّة والتراث الدِّيني بهذا الخصوص، نذكر شذرات ممَّا ذُكِرَ في القرآن الكريم، والإنجيل والتوراة (الكتاب المقدَّس)(١١)، وبعض الكُتُب الدِّينيَّة الأُخرى:
التوراة وملحقاته(١٢): العهد القديم - اليهود:
١ - جاء في زبور داود ما نصُّه(١٣): (اللَّهُمَّ أعطِ شريعتك للمَلِك، وعدلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) الكتاب المقدَّس: يتكوَّن من مجموعة كُتُب تُسمَّى أسفاراً، ويعتقد اليهود والمسيحيُّون أنَّها كُتِبَت بوحي وإلهام.. الكُتُب (٤٦) الأُولى مشتركة بين اليهود والمسيحيِّين، يطلق عليها اليهود اسم التناخ، أمَّا المسيحيُّون فيُسَمُّونها العهد القديم، ليضيفوا إليها (٢٧) كتاباً آخر يُشكِّلون العهد الجديد.
(١٢) العهد القديم: الجزء الأكبر من الكتاب المقدَّس، ويحتوي على (٤٦) سفراً، وهي عبارة عن جميع كُتُب اليهود، ويُعرَف عندهم باسم التناخ، وهو يحتوي على أسفار موسى الخمسة )التوراة(، والأسفار التاريخيَّة، وأسفار الأنبياء والحكمة، كزبور داود.
(١٣) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٨٨٢/ المزمور ٧٢، النصُّ ١ - ٨)؛ وفيه: (اللَّهُمَّ أعطِ أحكامك للمَلِك، وبرَّك لابن المَلِك).

(٥٦)

لابن المَلِك، يدين شعبك بالعدل، ومساكينك بالحقِّ، تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبرِّ، يقضي لسماكين الشعب، يُخلِّص بني البائسين ويسحق الظالم، يخشونك ما دامت الشمس وقدام القمر إلى دور فدور، ينزل مثل المطر على الجزاز، ومثل الغيوث الذارفة على الأرض، يشرق في أيَّامه الصديق، وكثرة السلام إلى أنْ يضمحلَّ القمر، ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض)(١٤).
٢ - جاء في سفر إرميا(١٥) ما نصُّه: (اصعدي أيَّتها الخيل، وهيجي أيَّتها المركبات، ولتخرج الأبطال...، فهذا اليوم للسيِّد ربِّ الجنود يوم نقمة للانتقام من مبغضيه، فيأكل السيف ويشبع ويرتوي من دمهم، لأنَّ للسيِّد ربِّ الجنود ذبيحةً في أرض الشمال عند نهر الفرات)(١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) هذا النصُّ واضح المعالم في ذكر الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله) صاحب شريعة الله إلى الناس كافَّة (شريعتك للمَلِك)، وفقرة (وعدلك لابن المَلِك) إشارة إلى المخلِّص الموعود الذي سيُقيم العدل في الأرض على أساس شريعة أبيه ويحكم العالم.. فسَّر اليهود بأنَّ المقصود بـ (المَلِك) في هذا المزمور هو نفسه نبيُّ الله داود (عليه السلام)، و(ابن المَلِك) ابنه سليمان، ولكن هذا ينافي الحقيقة، فكما هو معروف أنَّ النبيَّ داود لم يكن صاحب شريعة لكي يقول: (اللَّهُمَّ أعطِ شريعتك للمَلِك)، لأنَّه (عليه السلام) لم يأتِ بشريعة مستقلَّة، بل كان خاضعاً لشريعة موسى (عليه السلام).. كذلك ادِّعاء النصارى بأنَّ هذه البشارة قد وردت بحقِّ عيسى (عليه السلام) فإنَّه ادِّعاء باطل أيضاً، لأنَّ عيسى بن مريم (عليه السلام) لم يكن صاحب سلطة يحكم بها ولم يحكم ولا يوماً واحداً ولا خاض حرباً، حتَّى يُوصَف بالمَلِك، بالإضافة إلى أنَّه (عليه السلام) لم يكن له ابن، فهو لم يتزوَّج في حياته حتَّى يقال: (وعدلك لابن المَلِك).. وفي الحقيقة فإنَّ جميع الأوصاف الواردة في هذا المزمور (٧٢) تُعَدُّ من أقوى البشارات في حقِّ كلٍّ من رسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله) الذي تمَّ التعبير عنه بالمَلِك، وإلى حفيده الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) المعبَّر عنه بابن المَلِك.
(١٥) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١١٥٠/ سفر إرميا/ الإصحاح ٤٦/ النصُّ ٩ و١٠).
(١٦) يُشير هذا النصُّ إلى واقعة عظيمة عند نهر الفرات، حيث يُذبَح هناك أحد أولياء الله المقرَّبين، لأنَّ النصَّ ينسب هذه الذبيحة إلى (الله) ممَّا يدلُّ على سموِّ مكانته ورفعة مقامه، وسيقوم وليٌّ لله وهو (السيِّد ربُّ الجنود) بالانتقام لذبح هذا الوليِّ المقرَّب والأخذ بثاره، ويقتل مبغضيه بعد معارك عنيفة يخوضها ضدَّهم.. ولم ينقل لنا التاريخ ولا الكُتُب السماويَّة أنَّ هناك وليًّا لله ذُبِحَ عند الفرات غير الإمام الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهما السلام) والذي يأخذ بثأره هو ولده المهدي (عجَّل الله فرجه)، فشعار المهدي المنتظَر حين خروجه: (يا لثارات الحسين).

(٥٧)

٣ - جاء في سفر إشعياء ما نصُّه: (ويُخرِج قضيب من جذع يسي، وينبت غصن من أُصوله، ويحلُّ عليه روح الربِّ، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوةَّ، روح المعرفة ومخافة الربِّ، ولذَّته تكون في مخافة الربِّ، فلا يقضي بحسب نظر عينيه، ولا يحكم بحسب سمع أُذُنيه، بل يقضي بالعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف لبائسي الأرض، ويضرب الأرض بقضيب فمه، ويُميت المنافق بنفخة شفتيه، ويكون البِرُّ مِنطقة مَتنيَه، والأمانة منطقة حقوَيه، فيسكن الذئب مع الخروف، ويربض النمر مع الجدي، والعجل والشبل والمسمن معاً، وصبيٌّ صغير يسوقها، والبقرة والدبَّة ترعيان، تربض أولادهما معاً، والأسد كالبقر يأكل تبناً، ويلعب الرضيع على سرب الصل، ويمدُّ الفطيم يده على جحر الأفعوان، لا يسيئون ولا يفسدون، في كلِّ جبل قدسي؛ لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربِّ كما تُغطِّي المياه البحر، ويكون في ذلك اليوم أنَّ أصل يسي القائم راية للشعوب، إيَّاه تطلب الأُمَم، ويكون محلُّه مجداً)(١٧).
الإنجيل وملحقاته(١٨): العهد الجديد - المسيحيُّون:
١ - جاء في سفر رؤيا يوحنَّا(١٩) ما نصُّه: (وظهرت آية عظيمة في السماء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥ و١٠٠٦/ الإصحاح ١١/ النصُّ ١ - ١٠). وصف لبعض معالم دولة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، والرخاء الذي تعيشه جميع الكائنات والمخلوقات في ظلِّ دولته، بالإضافة إلى الإشارة إلى أحد ألقاب الإمام وهو (القائم).
(١٨) العهد الجديد: الجزء الثاني من الكتاب المقدَّس لدى المسيحيِّين، ويحتوي على (٢٧) سفراً، وهي الأناجيل الخمسة، بالإضافة إلى أعمال الرُّسُل والرسائل وسفر الرؤيا.. وأطلقوا عليه العهد الجديد أي العهد الذي يبدأ بظهور النبيِّ عيسى على ساحة الدعوة إلى الله.
(١٩) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٨/ سفر رؤيا يوحنَّا، الإصحاح ١٢، النصُّ ١ - ٦).

(٥٨)

امرأة متسربلة بالشمس، والقمر تحت رجليها، وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، وهي حبلى تصرخ متمخِّضة متوجِّعة لتلد، وظهرت آية أُخرى في السماء، هو ذا تنِّين عظيم أحمر له سبعة رؤوس وعشرة قرون، وعلى رؤوسه سبعة تيجان، وذنبه يجرُّ ثُلُث نجوم السماء، فطرحها إلى الأرض، والتنِّين وقف أمام المرأة العتيدة أنْ تلد حتَّى يبتلع ولدها متَّى ولدت، فولدت ابناً ذَكَراً عتيداً أنْ يرعى جميع الأُمَم بعصاً من حديد، واختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه، والمرأة هربت إلى البريَّة حيث لها موضع معدٌّ من الله)(٢٠).
٢ - جاء في سفر رؤيا يوحنَّا ما نصُّه: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينبايع المياه)(٢١).
٣ - جاء في إنجيل متَّى ما نصُّه: (ولكن هذه كلُّها مبتدأ الأوجاع، حينئذٍ يُسلِّمونكم إلى ضيق ويقتلونكم وتكونون مبغضين من جميع الأُمَم لأجل اسمي، وحينئذٍ يعثر كثيرون ويُسلِّمون بعضهم بعضاً ويبغضون بعضهم بعضاً، ويقوم أنبياء كذبة كثيرون ويُضِلُّون كثيرين، ولكثرة الإثم تبرد محبَّة الكثيرين، ولكن الذي يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص، ويكرز ببشارة الملكوت هذه في كلِّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) بعض الإيضاحات لهذا النصِّ: امرأة متسربلة: يُقصَد بها السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، اثني عشر كوكباً: يُقصَد بهم الأئمَّة الاثنا عشر (عليهم السلام)، المرأة الأُخرى العتيدة: يُقصَد بها السيِّدة نرجس (عليها السلام) زوجة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فولدت ابناً ذَكَراً: الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، واختُطِفَ ولدها إلى الله: الغيبة وأنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته.
(٢١) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٤/ النصُّ ٦ و٧).. إشارة إلى النداء والصيحة السماويَّة، التي هي إحدى العلامات المحتومة لظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).

(٥٩)

المسكونة شهادة لجميع الأُمَم، ثمّ يأتي المنتهى)(٢٢).
القرآن الكريم - المسلمون:
١ - قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥).
٢ - قال الله تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥).
٣ - قال الله تعالى في محكم كتابه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القَصَص: ٥).
كُتُب الأديان الأُخرى:
- كُتُب الزرادشتيَّة (المجوس): جاء في كتاب (جاماسب) ما نصُّه: (من ذرّيَّة ابنة هذا النبيِّ التي اشتهرت بـ (شمس العالم وملكة الزمان) رجل يصل إلى الخلافة، ويحكم الدنيا بخير، وهو آخر خليفة لهذا النبيِّ، من وسط العالم أي مكَّة، ويدوم مُلكه إلى يوم القيامة)(٢٣).
- كُتُب الهنود (الهندوس): جاء في كتاب (ديده) ما نصُّه: (سيظهر آخر الزمان بعد خراب الدنيا مَلِك هو إمام الخلق، واسمه منصور، يستولي على جميع العالم ويُلحِقه بدينه)(٢٤).
- كُتُب الصابئة (المندائيِّين): جاء في كتاب (البروج) ما نصُّه: (إنَّ أعاصير الشيطان الرجيم سوف تُلتهَم بالنار حتَّى أُسُس الجبال... حرب أبناء النور مع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٤/ إنجيل متَّى/ الإصحاح ٢٤/ النصُّ ٨ - ١٤).. إشارة إلى الفتن والادِّعاءات الكاذبة للنبوَّة والمهدويَّة التي تكون قبل ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، ثمّ يأتي الإعلان السماوي لكلِّ البشريَّة (النداء والصيحة) بقرب الظهور وبداية عصر جديد.
(٢٣) معجم أحاديث الإمام المهدي (ج ١/ ص ٧٥).
(٢٤) الحكومة العالميَّة للإمام المهدي (عليه السلام) (ص ٤٧ و٤٨).

(٦٠)

أبناء الظلام، وأنَّ الملائكة الصالحين هم مع جيش أبناء الحقِّ... إنَّ الأشرار في الأيَّام الغابرة تجاهلوا تحذير الله، ولذلك هلكوا، والنصر مؤكَّد للنور على الظلام، وسجن الملائكة للأشرار، ثمّ يشرق العدل كالشمس، ويمتلئ العالم بالمعرفة، بينما يهلك الأشرار إلى الأبد).. والجدير ذكره أنَّ الصابئة يعتقدون أنَّنا الآن نعيش في زمن ظهور المنقذ(٢٥).
على ضوء ما تقدَّم، فإنَّ هذه الاستشهادات الدِّينيَّة تُمثِّل نموذجاً من البشارات والإشارات داخل دائرة التراث الدِّيني السماوي، وهي تشير بشكل واضح وملموس عن مكانة (المخلِّص الموعود) في الفضاء الفكري والعقدي المشترك، ولكن لا يتَّسع المكان هنا لسرد كافَّة البشارات أو الإشارات في الكُتُب السماويَّة عن (المنقذ/ المهدي) آخر الزمان.. وإنَّ هذه النصوص تُعبِّر عن صورة المخلِّص من خلال المنظورين الدِّيني والفلسفي، وهذا مؤشِّر دقيق إلى القضايا والعقائد المشتركة في التراث الدِّيني المتعلِّق بموعود آخر الزمان.. لكن للأسف الواقع الفكري والفلسفي المعاش حاليًّا بخصوص المهدي لا يتطابق مع هذا الطموح الواسع والنبيل المشترك في الكُتُب المقدَّسة.. لهذا السبب ينبغي أنْ نقارن دائماً بين النصوص الدِّينيَّة من جهة، وبين التفسيرات والتأويلات في الفضاء الثقافي على أرض الواقع من جهة أُخرى، وبالتأكيد سنلاحظ هناك فجوة كبيرة بينهما، ولكن من الضروري أنْ نرسم صورة واضحة عن المخلِّص الموعود آخر الزمان ونُعرِّف العالم بها، اعتماداً على القواسم المشتركة، فهي التي تُحدِّد في نهاية المطاف المصداق الحقيقي والشخصيَّة المنتظَرة التي ترسمها نصوص البشارات بصورة تجريديَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥) الإمام المهدي في الأديان (ص ١٠٤).

(٦١)

إنَّ القارئ يلاحظ أنَّ الاستشهادات المذكورة تحصرنا داخل الفضاء الدِّيني، لكنَّنا نعلم أنَّ العالم الفكري والعقائدي المعاصر أوسع بكثير من هذا الفضاء، حيث هناك فلسفات بشريَّة ومدارس فكريَّة تؤمن وتشير إلى نفس الموضوع وبالعنوان نفسه (المخلِّص، أو المنقذ، أو المنجي، أو الموعود آخر الزمان) لم نتطرَّق لها - مراعاةً لحجم البحث -، ولذا عندما نتكلَّم عن الآخر (غير المسلم) في عالمنا المعاصر، فإنَّنا نقصد أيَّ إنسان في كلِّ تعدُّديَّته الاستثنائيَّة (الفكريَّة، أو الفلسفيَّة، أو العقديَّة) ممَّا يُشكِّل المجتمع البشري بكافَّة أطيافه في الأرض المعمورة.
ومن هنا ينبغي علينا الاطِّلاع ودراسة التراث الدِّيني والفلسفي المتعلِّق (بالموعود) والمستخلَص في الفضاء الثقافي التاريخي والبناء الفكري المعاصر لجميع الحضارات، من أجل معرفة الإرث الفكري وعلى أُسُس علميَّة وفلسفيَّة واضحة، ليتسنَّى لنا طرح المسألة المهدويَّة من بابها الواسع وعلى مصراعيها لكي نُوصِّل ونُعرِّف حقيقتها للآخر، حيث هناك ترابطاً وثيقاً بين مشروع تعريف المهدويَّة للآخر وبين إدراك اعتقاداته ومعطياته الدِّينيَّة والتاريخيَّة حول مفهوم المخلِّص.. وبالتأكيد فإنَّ مثل هذه البحوث الاستكشافيَّة الواسعة (سواءً في التراث الدِّيني أو الرؤية المعاصرة) تُمثِّل شرطاً أوَّليًّا لا بدَّ منه في مشروع تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى، لتتوفَّر عوامل التقاء واتِّفاق وتعارف مشتركة بين الأديان والحضارات المختلفة بشأن المصلح العالمي الذي ينتظره الجميع، ففي الأساس هي أُطروحة إنسانيَّة عالميَّة حضاريَّة يؤمن بها جميع الشرائح الإنسانيَّة بمختلف مشاربهم الدِّينيَّة والعقديَّة، وكذلك غاياتها وأهدافها ومقاصدها الكبرى موجَّهة للبشريَّة كافَّة.

(٦٢)

إحصائيَّات عن المخلِّص في التراث الدِّيني:
يوجد للبشريَّة تراث حضاري ضخم وكبير يتعلَّق بشأن المنقذ والمخلِّص، ومن كافَّة الحضارات والأديان والمذاهب وغيرها، ويشمل جميع الجوانب الفكريَّة والعقديَّة والفلسفيَّة، وهكذا يتنوَّع التراث الإنساني فيما يخصُّ الموعود آخر الزمان، ممَّا يُؤكِّد على أصالة هذا الموضوع وأهمّيَّته للبشريَّة، فهو النهاية الطبيعيَّة لمسار التاريخ ومستقبل الإنسانيَّة:
أحصينا بعض البشارات والإشارات عن المخلِّص الموعود في موسوعة (معجم أحاديث الإمام المهدي - المجلد الأوَّل) فجاءت هذه الأرقام، ولكن في اعتقادنا أنَّ الإشارات في (الكُتُب المقدَّسة لليهود والنصارى) تحتوي أكثر من ذلك بكثير، أمَّا الموسوعة آنفة الذكر فاشتملت على الآتي(٢٦):
- العهد القديم: أشار إلى المخلِّص في (٥٤) نصٍّ.
- العهد الجديد: أشار إلى المنقذ في (٤٥) نصٍّ.
- كُتُب الهندوس: أشارت إلى الموعود (٧) مرَّات.
- كتب الزرادشتيَّة: أشارت إلى المنجي (٦) مرَّات.
- بشارات عديدة في كُتُب ديانات أُخرى.
أمَّا ما جاء في القرآن الكريم من الآيات المتعلِّقة بالعقيدة المهدويَّة وبحسب إحصاء مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، فقد بلغت (١٦٨) آية.
وهي إشارات صريحة أو رمزيَّة للمنقذ الموعود وللمستقبل المشرق الذي ينتظر البشريَّة في آخر الزمان على يد قائد واحد، ولكن المفسِّرون والمؤوِّلون لكلِّ ملَّة ومذهب اختلفوا في الاسم والنعت والصفة.. وبالرغم من اختلاف الأديان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) معجم أحاديث الإمام المهدي (ج ١/ قسم بشارات الأديان).

(٦٣)

والمذاهب في تحديد هويَّته، وبغضِّ النظر عن مناقشة صحَّة ما ورد من تفسيرات وتأويلات التراث الدِّيني، إلَّا أنَّ جميع البشر يتَّفق ويأمل بمجيء يوم تتخلَّص فيه البشريَّة من الظلم والفساد والاستبداد وإقامة نظام القسط والمساواة والعدالة.
تكامل فكرة المخلِّص عبر مسيرة التاريخ البشري:
بدأت فكرة المخلِّص من أعماق التاريخ، من فجر الإنسان، من زمن أب البشر آدم (عليه السلام) وقصَّته بالتحديد مع إبليس (السجود - الوقت المعلوم)(٢٧)، واستمرَّت الفكرة في أُفُق الإنسانيَّة تتَّصل بمحطَّات مختلفة في كلِّ مراحل التاريخ، وبنظرة فاحصة شاملة في تاريخنا البشري، نجد أنَّ هذه الفكرة مفصليَّة ودقيقة تختزل في عقليَّة الإنسان وتتطوَّر مع الزمن.. فمسألة المنقذ والمخلِّص من المواضيع البارزة في المسيرة البشريَّة واهتماماتها المتَّصلة بالعدل، بل هي إحدى الأُمنيات الكبرى عند الأنبياء والرُّسُل والشعوب والأُمَم منذ القِدَم.
لا شكَّ أنَّ الإيمان بحتميَّة ظهور المخلِّص وإقامة الدولة الفاضلة العادلة في كلِّ الأرض من الأُمور المشتركة والمتَّفق عليها عند جميع الأديان السماويَّة، وهو أمر شائع أيضاً عند الأُمَم القديمة والديانات والفلسفات البشريَّة.. وهذه الحقيقة من المسلَّمات لمن درس عقيدة المخلِّص والتاريخ الدِّيني، فلا تخلو ديانة من الديانات من فكرة المنجي، وإنَّ هذه الفكرة ماثلة باطِّراد في التراث الدِّيني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧) عندما رفض إبليس اللعين السجود لآدم في الجنَّة، فغضب الله عليه، وقال (جلَّ وعلا): ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٣٨)، الوقت المعلوم: أي وقت ظهور المهدي، قَالَ اَلرِّضَا (عليه السلام): «... ﴿إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، وَهُوَ يَوْمُ خُرُوجِ قَائِمِنَا أَهْلَ اَلْبَيْتِ...». كمال الدِّين (ص ٣٧١ و٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥).. فكان هذا الخطاب يشير للمهدويَّة قبل أنْ تُخلَق البشريَّة من نسل آدم (عليه السلام).

(٦٤)

الإنساني، وهي قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، كونها حاجة إنسانيَّة فطريَّة ومبدأ يُجسِّد في نهاية المطاف إلى السعادة والرفاه، وهذا هو حلم الإنسانيَّة الكبير.
إنَّ عقيدة المخلِّص عريقة للغاية في التاريخ الدِّيني، فانتشار جذور هذه الفكرة في جميع الأديان السماويَّة يدلُّ على قاعدة مشتركة رسَّخها الوحي الإلهي فيها جميعاً، وأنَّ المسألة المهدويَّة في الأصل فكرة دينيَّة سماويَّة منذ القِدَم.
هل المخلِّص آخر الزمان واحد أم متعدِّد؟
أصل فكرة الخلاص والمخلِّص متَّفق عليها، إلَّا أنَّ الاختلاف قائم بين مختلف الأديان حول شخصيَّة وهويَّة وكيان المخلِّص المنتظَر.. وهنا نطرح سؤالاً: هل المخلِّص المنتظَر هو شخص واحد محدَّد بعينه سيظهر آخر الزمان بصفة المنقذ الموعود، أم هناك أكثر من شخص وبمسمَّيات متعدِّدة؟.. للإجابة على هذا التساؤل الجوهري نشير للنقاط التالية:
مصدر الفكرة ومنبعها واحد:
إنَّ الينابيع التي تستقي منها الأديان عقائدها ومعارفها وأخبارها المستقبليَّة هو الوحي الإلهي، الذي بشَّر منذ البدء بالمهدويَّة، ولذا جاءت بشائر وإشارات عديدة في الكُتُب السماويَّة بهذا الخصوص، وحيث إنَّ مصدر هذه الأديان والمعارف الغيبيَّة واحد (سبحانه وتعالى)، وبالتالي تتطابق البشارات والعلامات وأخبار المستقبل تبعاً لذلك، وباعتبار المنبع والمنشأ واحد فلا يمكن أنْ تتعارض أو تتناقض مع بعضها، فجوهر الأديان كلِّها إتمام المسيرة الدِّينيَّة التي بشَّر بها الأنبياء، فالحقائق والإرشادات السماويَّة واحدة، ممَّا يُؤكِّد على التأصيل الدِّيني لأُطروحة المخلِّص عند الحضارات المختلفة.

(٦٥)

الأخبار والبشارات السماويَّة لا تشير إلى أكثر من مخلِّص:
لم تكن هناك أيَّة إشارة في التراث الدِّيني السماوي أو في جميع الكُتُب المقدَّسة للأديان المختلفة تُلمِّح إلى أنَّ المخلِّص في آخر الزمان أكثر من واحد أو شخصيَّات متعدِّدة.. فجميع الأديان متَّفقة على أنَّ المخلِّص هو شخص واحد (إنسان وقائد عظيم معيَّن من قِبَل السماء)، وهذه حقيقة ناصعة لا لبس فيها ولا غموض ولا تشوبها شائبة، وتُكرِّسها وتُؤكِّد عليها نصوص دينيَّة سماويَّة عديدة، منها ما جاء على لسان نبيِّ الله شعيب (عليه السلام): ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (هود: ٨٦).
تطابق الغايات والأهداف والنتائج التي تحلم بها البشريَّة على يد المخلِّص:
بتطلُّع الإنسانيَّة إلى نهاية التاريخ، ومن رؤية الجميع لقضيَّة المخلِّص آخر الزمان، نُدرِك أنَّ البشريَّة منذ البدء كانت تتكامل وتتقدَّم نحو الأفضل، وما التطوُّر والتكامل في الشرائع السماويَّة إلَّا أصدق مثال على ذلك، ولذا فالبشريَّة تتحرَّك بأمل وبفطرة وبإيمان نحو المستقبل، حيث هناك حياة سعيدة وعصر متألِّق ينتظرها على يد (المنقذ الموعود) فيُحقِّق آمال الأنبياء والرُّسُل ويُطبِّق الأُمنية الكبرى للبشريَّة، وهذه الخاتمة المتَّفق عليها تُؤكِّدها النصوص الدِّينيَّة وتُبشِّر بها وتعتبرها كوعد إلهي(٢٨) لا بدَّ من تحقيقه.. وهذه رؤية ثابتة ومترسِّخة عند أتباع جميع الأديان.
علامات ظهور (المخلِّص، المنقذ، المهدي) واحدة عند جميع الأديان:
باستقراء البشارات والأخبار في التراث الدِّيني نجد أنَّ هناك الكثير من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨) قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥).

(٦٦)

التشابه والتقارب في علامات الظهور الكلّيَّة (للمهدي المخلِّص) التي ذُكِرَت في تراث الديانة اليهوديَّة والمسيحيَّة مع الديانة الإسلاميَّة، وإنْ كان هناك بعض الاختلاف في الجزئيَّات، وإذا ما ضُمَّت الأخبار والعلامات جميعها مع بعضها البعض، فإنَّها تتكامل وتُعطي صورة أقرب للواقع (المستقبل).. وإذا ما قارنا ما ورد في الكُتُب المقدَّسة السماويَّة من علامات ودلالات وقرائن، يتبيَّن لنا أنَّ المخلِّص الذي تتحدَّث عنه الأديان هو شخص واحد لاتِّفاق وتطابق الكثير من دلائل الظهور آخر الزمان في بشائر الأديان والنصوص السماويَّة.
النصوص السماويَّة المقدَّسة تنطبق على المخلِّص المهدي فقط:
إنَّ الإرشاد السماوي من خلال النصوص في الكُتُب المقدَّسة، وكذلك البشارات والأخبار المستقبليَّة والغيبيَّة التي ذُكِرَت فيها هي حقائق ثابتة.. ومع ختم النبوَّة وانقطاع الوحي الإلهي، فإنَّ التراث الدِّيني السماوي بخصوص المنقذ المنتظَر، هو عبارة عن نبوءات سابقة أو قرائن عليها، وبالتأكيد عند تأمُّلها وقراءتها وتفسيرها بمنطق العقل وبرؤية وبصيرة ثاقبة، وبعيداً عن التعصُّب الدِّيني والمذهبي، نُدرِك أنَّها تشير وتُدلِّل على شخصيَّة واحدة آخر الزمان، وبما أنَّ المواصفات والخصائص المذكورة في النصوص لم تتحقَّق تاريخيًّا قبل العهد الإسلامي، لذا نجد أنَّها لا تنطبق واقعيًّا إلَّا على مخلِّص أهل البيت (عليهم السلام)، حيث ذُكِرَت بعض الجزئيَّات والتفاصيل التي تميَّزت بها الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، ممَّا يُثبِت صحَّة حقيقة (المهدي المخلِّص الموعود)، مهما اختلفت الأسماء والنعوت.
مع الأخذ بعين الاعتبار بعض الأُمور المتعلِّقة بالشخصيَّات المنتظَرة، أي (المنهج) للبشارات، والتأكُّد من معرفة الشخص (المستقبلي) المقصود في نصِّ البشارة عند قراءة الكُتُب المقدَّسة للأديان الإبراهيميَّة:

(٦٧)

- إنَّ الكُتُب المقدَّسة لليهود (العهد القديم/ التناخ) يُشير في أخباره ونصوصه إلى ثلاث شخصيَّات منتظَرة (السيِّد المسيح، والنبيُّ الخاتم، والمهدي المخلِّص)، ولذا يجب الانتباه إلى هذه النقطة عند قراءة أو تفسير أو تأويل كُتُب التراث الدِّيني اليهودي.
- إنَّ الكُتُب المقدَّسة للمسيحيِّين (العهد الجديد) تُبشِّر في أخبارها المستقبليَّة إلى شخصيَّتين مرتقَّبة (النبيُّ الخاتم، والمهدي المخلِّص)، بالإضافة إلى قضيَّة عودة السيِّد المسيح مرَّة ثانية.. لذا ذُكِرَت كلمة (ابن الإنسان) ثمانون مرَّة، منها خمسون مرَّة يُقصَد بها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(٢٩).
- إنَّ التراث الدِّيني للمسلمين (القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة) أشارت وصرَّحت بأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) هو المخلِّص والشخصيَّة المستقبليَّة الوحيدة الموعودة، وما يتبع ذلك من أُمور كعلامات الظهور ووراثة الصالحين للأرض، وقضيَّة عودة السيِّد المسيح وبعض الأخبار الغيبيَّة المستقبليَّة كظهور يأجوج ومأجوج والأعور الدجَّال.
إنَّ الاتِّفاق على حتميَّة ظهور المخلِّص آخر الزمان وتطابق النتائج والغايات والأهداف، دليل قويٌّ وواضح ومؤكَّد على أنَّ المخلِّص المنتظَر واحد عند جميع الأديان، وإنِ اختلفت أسماء وهويَّة هذا المخلِّص، علماً بأنَّ هذا الاختلاف ناشئ من تفسير النصوص والبشارات السماويَّة وتأويلها استناداً إلى عوامل خارجة عنها، وليس إلى تصريحات أو إشارات في النصوص الدِّينيَّة نفسها، بمعنى أنَّ تحديد هويَّته ومصداق المخلِّص في الديانات السابقة لا ينطلق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) قال الكاتب مستر هاكس الأمريكي في كتابه القاموس المقدَّس (ص ٢١٩): (ذُكِرَ كلمة (ابن الإنسان) ثمانون مرَّة في الإنجيل وملحقاته (العهد الجديد)، فإنَّ ثلاثون منها فقط تنطبق على السيِّد المسيح (عليه السلام)، والباقي الخمسون تتحدَّث عن المخلِّص الذي سيظهر في آخر الزمان).

(٦٨)

من النصوص (كما في الكتاب المقدَّس مثلاً)، بل ينطلق من انتخاب شخصيَّة (من الكيان الدِّيني الخاصِّ) ومحاولة تطبيق النصوص عليها، بالإضافة للعوامل السياسيَّة أو التعصُّب الدِّيني والمذهبي، فضلاً عن الرغبة في الفوز بافتخار أنَّ صاحب هذا الدور التاريخي المهمِّ مستقبلاً شخصيَّة تنتمي لكيانهم.
إذاً ستتوحَّد البشريَّة مستقبلاً في دولة عالميَّة واحدة وعلى يد قائد منتظَر واحد، وبالتالي ما ينتظره اليهود وما ينتظره المسيحيُّون وما ينتظره المسلمون وما تنتظره البشريَّة من قديم الزمان وإلى الآن هو في الحقيقة شخص مستقبلي واحد محدَّد بعينه وهو المخلِّص المهدي.. مع الانتباه إلى أنَّ بشارات الأديان تتناول قضايا وخصوصيَّات في المصلح العالمي لا تنطبق إلَّا على أبرز ما يُميِّز الأُطروحة الإماميَّة والواقع التاريخي الذي مرَّت به، مثل: تعرُّض المخلِّص لخطر القتل والتصفية أثناء ولادته والتي أدَّت إلى غيبته، ثمّ التأكيد على أنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته حتَّى موعد ظهوره، وهذا من خصائص الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، حيث وردت الإشارة إلى ذلك بصراحة ووضوح تامٍّ(٣٠)، وكذلك ذُكِرَ أنَّه الثاني عشر من سلسلة مباركة متَّصلة، نظير ما ورد في (التوراة، سفر التكوين)(٣١)، وقد ثبت ذلك فعليًّا وواقعيًّا في التاريخ الإسلامي، وعليه يتجلَّى لنا أنَّ البشارات تهدي إلى حقيقة هي: أنَّ المخلِّص المنتظَر هو الإمام المهدي خاتم هؤلاء الاثني عشر، بالإضافة إلى إشارات مثل وصفه بكلمة (القائم) كما ورد في (سفر إشعياء)(٣٢)، أو مثل وصف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠) النصُّ ذكرناه مسبقاً (سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٢/ النصُّ ١ - ٦).
(٣١) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ٢٥/ سفر التكوين/ الإصحاح ١٧/ النصُّ ٢٠) ما نصُّه: (وأمَّا إسماعيل فقد سمعت لك فيه، وها أنا أُباركه وأثمره وأُكثِّره كثيراً جدًّا، اثني عشر رئيساً يلد، وأجعله أُمَّة كبيرة).
(٣٢) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٥ و١٠٠٦/ سفر إشعياء/ الإصحاح ١١/ النصُّ ١٠) ما نصُّه: (ويكون في ذلك اليوم أنَّ أصل يسي القائم راية للشعوب، إيَّاه تطلب الأُمَم، ويكون محلُّه مجداً).

(٦٩)

(صاحب الدار) كما ورد في (إنجيل مرقس)(٣٣)، أو مثل وصف المنتقم لدم الحسين (عليه السلام) المستشهد عند نهر الفرات(٣٤)، وهناك أمثلة كثيرة لا يتَّسع المجال لذكرها.. إذاً معرفة هذه المواصفات والخصوصيَّات التي ذُكِرَت في بشارات الكُتُب المقدَّسة وفي التراث الدِّيني السماوي يقودنا إلى إثبات أنَّ المصلح العالمي المنتظَر الذي بشَّرت به جميع الديانات هو في الحقيقة الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فتكون المحصَّلة النهائيَّة وخلاصة كلِّ تلك البشارات التي تشير إلى المخلِّص آخر الزمان، ليس دلالة على المخلِّص بعنوانه العامِّ فحسب، بل شخَّصت خصوصيَّات هويَّته الحقيقيَّة، من خلال تحديد صفات وتفصيلات لا تنطبق على غيره، ولا تتوافق إلَّا مع الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، وذلك إيعازاً وتسهيلاً للاهتداء إلى المصداق الحقيقي للمخلِّص الموعود.. وهذا يُعطينا دفعة فكريَّة حقيقيَّة ومعنويَّة وروحيَّة قويَّة بأنَّ جميع البشارات والإشارات في الكُتُب المقدَّسة للأديان والحضارات المختلفة هي في الواقع عبارة عن قواسم فكريَّة وخواصّ مشتركة متَّفق عليها وتُكمِّل بعضها، في ظلِّ منظومة معرفيَّة غيبيَّة مستقبليَّة مصدرها سراج واحد، وتُبشِّر للمهدويَّة.
علامات الظهور تتشابه عند جميع الديانات السماويَّة:
الإنسان يعيش ضمن منظومة كونيَّة متكاملة مرسومة من قِبَل الخالق، وجميع الأديان تُؤكِّد أنَّ للعالم نهاية، وسوف تصاحب هذه النهاية ظهور المخلِّص أو المنقذ، ولهذا المخلِّص علامات قبل ظهوره، ورد ذكرها بتفاوت في كلِّ الأديان السماويَّة تقريباً.. المهمُّ في ذلك أنَّ استقراء هذه العلامات، وملاحظة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٨٢/ إنجيل مرقس/ الإصحاح ١٣/ النصُّ ٣٥ و٣٦) ما نصُّه: (لأنَّكم لا تعلمون متى يأتي ربُّ البيت... لئلَّا يأتي بغتةً).
(٣٤) النصُّ ذكرناه مسبقاً (سفر إرميا/ الإصحاح ٤٦/ النصُّ ٩ و١٠).

(٧٠)

كثرة ذكرها وتشابه أخبارها، والدلائل الغيبيَّة المستقبليَّة التي رسمتها عقائد الأديان في نفوس أتباعها، تدلُّ أوَّلاً على أصالة مصدر الفكرة والبشارات، وثانياً التأكيد بأنَّ المخلِّص المنتظَر شخص واحد محدَّد بعينه.
لقد احتوى كتاب التوراة وملحقاته وكتاب الإنجيل وملحقاته (الكتاب المقدَّس بشقَّيه: العهد القديم والجديد) على الكثير من النصوص الخاصَّة بالمخلِّص، والعديد من الأخبار والدلالات قبل ظهوره، تشترك وتتوافق مع ما ورد في النصوص الإسلاميَّة، ممَّا يجعل هذه المشتركات محطَّة مهمَّة في عقيدة (المخلِّص) تدفعنا إلى التصديق والتسليم المطلق بالعقيدة المهدويَّة، باعتبار اتِّفاق الجميع على أنَّ المخلِّص أو القائد شخص واحد.. وسنشير في هذه العجالة إلى بعض أمارات وعلامات الظهور آخر الزمان وتحديد أوجه الاتِّفاق في خصائصها لاستخلاص بعض القواسم المشتركة التي ذُكِرَت في كُتُب وتراث الديانات السماويَّة المختلفة:
* النداء والصيحة السماويَّة:
أهم علامات الظهور الكبرى والمحتومة، وهو نداء من السماء وصوت يسمعه كلُّ سُكَّان الأرض وكلٌّ بحسب لغته، يُبشِّرهم بخروج (المهدي المخلِّص)، والذي ينادي هو جبرائيل (عليه السلام) وقد عبَّرت عنه الرؤيا بـ (الملاك الطائر)، والتوصية بالسجود شكراً لله لكلِّ مَنْ وُفِّق لنعمة إدراك ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).
- جاء في سفر يوئيل (العهد القديم - اليهود) ما نصُّه: (اضربوا بالبوق في صهيون، صوِّتوا في جبل قدسي، ليرتعد جميع سُكَّان الأرض، لأنَّ يوم الربِّ قادم لأنَّه قريب)(٣٥).. وجاء في سفر إشعياء ما نصُّه: (اقتربوا أيُّها الأُمَم لتسمعوا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٩٩/ سفر يوئيل/ الإصحاح ٢/ النصُّ ١).

(٧١)

وأيُّها الشعوب اصغوا، لتسمع الأرض وملؤها المسكونة وكلُّ نتائجها، لأنَّ للربِّ سخطاً على كلِّ الأُمَم وحموا على كلِّ جيشهم... لأنَّ للربِّ ذبيحة في بُصرَة وذبحاً عظيماً في أرض أدوم... لأنَّ للربِّ يوم انتقام سنة جزاء من أجل دعوى صهيون)(٣٦).
- جاء في رؤيا يوحنَّا (العهد الجديد - المسيحيِّين) ما نصُّه: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(٣٧).
- جاء في القرآن الكريم (المسلمين) قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢).. وجاء في السُّنَّة الشريفة: عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «اَلصَّيْحَةُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، لِأَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرُ اَلله، وَاَلصَّيْحَةُ فِيهِ هِيَ صَيْحَةُ جَبْرَئِيلَ (عليه السلام) إِلَى هَذَا اَلْخَلْقِ»، ثُمَّ قَالَ: «يُنَادِي مُنَادٍ مِنَ اَلسَّمَاءِ بِاسْمِ اَلْقَائِمِ (عليه السلام)، فَيَسْمَعُ مَنْ بِالمَشْرِقِ وَمَنْ بِالمَغْرِبِ، لَا يَبْقَى رَاقِدٌ إِلَّا اِسْتَيْقَظَ، وَلَا قَائِمٌ إِلَّا قَعَدَ، وَلَا قَاعِدٌ إِلَّا قَامَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَزِعاً مِنْ ذَلِكَ اَلصَّوْتِ، فَرَحِمَ اَللهُ مَنِ اِعْتَبَرَ بِذَلِكَ اَلصَّوْتِ»(٣٨).
* معركة قرقيسيا - مائدة الله:
تشير النصوص الدِّينيَّة على كثرة الحروب والفتن والفوضى في آخر الزمان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٣١/ سفر إشعياء/ الإصحاح ٣٤/ النصُّ ١ - ٨).
(٣٧) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/سفر رؤيا يوحنَّا/الإصحاح ١٤/النصُّ ٦ و٧).
(٣٨) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).

(٧٢)

وقُبيل ظهور (المخلِّص المهدي)، ومعركة قرقيسيا هي إحدى معارك السفياني (العدوُّ اللدود للإمام المهدي)، ففي طريق جيش السفياني إلى العراق تقع حرب عظيمة في شرق شمال سوريا، تُسمَّى مائدة الله، وهي إحدى علامات ظهور المخلِّص الموعود:
- جاء في سفر حزقيال (العهد القديم - اليهود) ما نصُّه: (هكذا قال السيِّد الربُّ: قل لطائر كلِّ جناح ولكلِّ وحوش البر: اجتمعوا وتعالَوا احتشدوا من كلِّ جهة إلى ذبيحتي التي أنا ذابحها لكم ذبيحة عظيمة، على جبال إسرائيل، لتأكلوا لحماً وتشربوا دماً، تأكلون لحم الجبابرة، وتشربون دم رؤساء الأرض، كباش وحملان وأعتدة وثيران كلُّها من مسمنات باشان، وتأكلون الشحم إلى الشبع، وتشربون الدم إلى السكر من ذبيحتي التي ذبحتها لكم، فتشبعون على مائدتي من الخيل والمركبات والجبابرة وكلِّ رجال الحرب، يقول السيِّد الربُّ: وأجعل مجدي في الأُمَم، وجميع الأُمَم يرون حكمي الذي أجريته ويدي التي جعلتها عليهم)(٣٩).
- جاء في رؤيا يوحنَّا (العهد الجديد - المسيحيِّين) ما نصَّه: (ورأيت ملاكاً واحداً واقفاً على الشمس، فصرخ بصوت عظيم قائلاً لجميع الطيور الطائرة في وسط السماء: هلمَّ اجتمعي إلى عشاء الإله العظيم، لكي تأكلي لحوم ملوك ولحوم قُوَّاد ولحوم أقوياء ولحوم خيل والجالسين عليها ولحوم الكلِّ حُرًّا وعبداً، صغيراً وكبيراً، ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حرباً مع الجالس على الفرس ومع جنده، فقبض على الوحش والنبيُّ الكذَّاب معه، الصانع قُدَّامه الآيات التي بها أضلَّ الذين قبلوا سمة الوحش والذين سجدوا لصورته، وطرح الاثنان حيَّين إلى بحيرة النار المتَّقدة بالكبريت،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٤٠/سفر حزقيال/الإصحاح ٣٩/النصُّ ١٧ - ٢١).

(٧٣)

والباقون قُتِلُوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه، وجميع الطيور شبعت من لحومهم)(٤٠).
- جاء في السُّنَّة الشريفة (المسلمين) ما نصُّه: عن الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّه قال: «يظهر السفياني على الشام، ثمّ يكون بينهم وقعة بقرقيسياء حتَّى يشبع طير السماء وسباع الأرض من جيفهم»(٤١).. وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إِنَّ لِله مَائِدَةً - وَفِي غَيْرِ هَذِهِ اَلرِّوَايَةِ: مَأْدُبَةً - بِقِرْقِيسِيَاءَ يَطْلُعُ مُطْلِعٌ مِنَ اَلسَّمَاءِ فَيُنَادِي: يَا طَيْرَ اَلسَّمَاءِ، وَيَا سِبَاعَ اَلْأَرْضِ، هَلُمُّوا إِلَى اَلشِّبَعِ مِنْ لُحُومِ اَلْجَبَّارِينَ»(٤٢).. وجاء عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِنَّ لِوُلْدِ اَلْعَبَّاسِ وَاَلمَرْوَانِيِّ لَوَقْعَةً بِقِرْقِيسَاءَ يَشِيبُ فِيهَا اَلْغُلَامُ اَلْحَزَوَّرُ، وَيَرْفَعُ اَللهُ عَنْهُمُ اَلنَّصْرَ، وَيُوحِي إِلَى طَيْرِ اَلسَّمَاءِ وَسِبَاعِ اَلْأَرْضِ: اِشْبَعِي مِنْ لُحُومِ اَلْجَبَّارِينَ، ثُمَّ يَخْرُجُ اَلسُّفْيَانِيُّ»(٤٣).
* الرجعة:
بمعنى رجوع بعض الأموات بإرادة الله تعالى إلى الحياة الدنيا، منهم الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام) وثُلَّة من المؤمنين وغيرهم، وذلك بعد قيام دولة المهدي.. وفي الاصطلاح: تعني رجوع قسمين من الناس وهم: المؤمنون الخُلَّص، والكفرة الفجرة(٤٤)، فيرجع المؤمنون للتمتُّع بحكومة العدل الإلهي، وأمَّا الكفرة الظلمة فللقضاء:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٧ و٤١٨/ سفر رؤيا يوحنَّا/ الإصحاح ١٩/ النصُّ ١٧ - ٢١).
(٤١) الفتن للمروزي (ص ١٨٢).
(٤٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٦٣).
(٤٣) الغيبة للنعماني (ص ٣١٥ و٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٢).
(٤٤) عَنِ اَلمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «... وَلَا يَرْجِعُ إِلَّا مَنْ مَحَضَ اَلْإِيمَانَ مَحْضاً، وَمَنْ مَحَضَ اَلْكُفْرَ مَحْضاً». تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ١٣١).

(٧٤)

- جاء في سفر دانيال (العهد القديم - اليهود) ما نصُّه: (وفي ذلك الوقت يقوم ميخائيل الرئيس العظيم القائم لبني شعبك، ويكون زمان ضيق لم يكن منذ كانت أُمَّة إلى ذلك الوقت، وفي ذلك الوقت ينجى شعبك كلُّ مَنْ يوجد مكتوباً في السفر، وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبديَّة، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي، والفاهمون (أي شعب الله) يضيئون كضياء الجلد، والذين ردُّوا كثيرين إلى البرِّ كالكواكب إلى أبد الدهور، أمَّا أنت يا دانيال فأخفِ الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية، وكثيرون يتصفَّحونه والمعرفة تزداد... طوبى لمن ينتظر)(٤٥).
- جاء في إنجيل يوحنَّا (العهد الجديد - المسيحيِّين) ما نصُّه: (وأعطاه سلطاناً أنْ يدين أيضاً لأنَّه ابن الإنسان، لا تتعجَّبوا من هذا فإنَّه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيِّئات إلى قيامة الدينونة)(٤٦).
- جاء في القرآن الكريم (المسلمين) قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (النمل: ٨٣)، فهذه الآية تتحدَّث عن حشر سوف يكون لبعض الناس، وليس كلُّ الناس كما هو الحشر في يوم القيامة.. عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «مَا يَقُولُ اَلنَّاسُ فِي هَذِهِ اَلْآيَةِ: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾؟»، قُلْتُ: يَقُولُونَ: إِنَّهَا فِي اَلْقِيَامَةِ، قَالَ: «لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ، إِنَّ ذَلِكَ فِي اَلرَّجْعَةِ، أَيَحْشُرُ اَللهُ فِي اَلْقِيَامَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً وَيَدَعُ اَلْبَاقِينَ؟ إِنَّمَا آيَةُ اَلْقِيَامَةِ قَوْلُهُ: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ [الكهف: ٤٧]»(٤٧).. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٥) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٨٥/ سفر دانيال/ الإصحاح ١٢/ النصُّ ١ - ١٢).
(٤٦) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ١٥٤/ إنجيل يوحنَّا/ الإصحاح ٥/ النصُّ ٢٧ - ٢٩).
(٤٧) تفسير القمِّي (ج ١/ ص ٢٤).

(٧٥)

وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (غافر: ٥١)، رُوِيَ عن الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) من عدَّة طُرُق أنَّ هذا النصر يكون في الرجعة، ذلك لأنَّ كثيراً من الأنبياء والأوصياء قُتِلُوا وظُلِمُوا ولم يُنصَروا، وأنَّ الله لا يخلف الميعاد(٤٨).
* الظواهر الطبيعيَّة (سماويَّة وأرضيَّة):
تشير الكُتُب المقدَّسة للأديان السماويَّة إلى علامات تسبق ظهور الإمام المخلِّص، ومنها علامات ليس للإنسان شأن بها، وهي كثيرة ومتنوِّعة، منها إمارات سماويَّة تتمثَّل في ظواهر في السماء وفي الشمس والقمر، ومنها دلائل أرضيَّة تتمثَّل في زلازل ونار ودخان وخسف وفتن، نذكر على سبيل المثال لا الحصر بعض الشواهد من هذه النصوص، وهي من التقاطعات المشتركة في التراث الدِّيني:
- جاء في (العهد القديم - اليهود) سفر إشعياء ما نصُّه: (أنا أوصيت مقدَّسي ودعوت أبطالي لأجل غضبي، مفتخري عظمتي، صوت جمهور على الجبال شبه قوم كثيرين...، ولولوا لأنَّ يوم الربِّ قريب، قادم كخراب من القادر على كلِّ شيء...، هو ذا يوم الربِّ قادم قاسياً بسخط وحمو غضب... فإنَّ نجوم السماء وجبابرتها لا تُبرِز نورها، تظلم الشمس عند طلوعها والقمر لا يلمع بضوءه...، لذلك أُزلزل السماوات وتتزعزع الأرض من مكانها في سخط ربِّ الجنود وفي يوم حمو غضبه)(٤٩).. وجاء في سفر يوئيل ما نصُّه: (وأُعطي عجائب في السماء والأرض دماً وناراً وأعمدة دخان، تتحوَّل الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أنْ يجيء يوم الربِّ العظيم المخوف)(٥٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) راجع: تفسير القمِّي (ج ٢/ ص ٢٥٨ و٢٥٩)، والمسائل العكبريَّة (ص ٧٤).
(٤٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٠٠٧/ سفر إشعياء/ الإصحاح ١٣/ النصُّ ٣ - ١٣).
(٥٠) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٣٠١/ سفر يوئيل/ الإصحاح ٢/ النصُّ ٣٠ و٣١).

(٧٦)

- جاء في (العهد الجديد - المسيحيِّين) في سفر رؤيا يوحنَّا(٥١) ما نصُّه: (ورأيت السبعة الملائكة الذين يقفون أمام الله وقد أُعطوا سبعة أبواق) (الإصحاح ٨/ النصُّ ٢).. (ثمّ بوَّق الملاك الرابع، فضرب ثُلُث الشمس وثُلُث القمر وثُلُث النجوم، حتَّى يظلم ثُلُثهنَّ والنهار لا يضيء ثُلُثه والليل كذلك) (الإصحاح ٨/ النصُّ ١٢).. (وفي تلك الأيَّام سيطلب الناس الموت ولا يجدونه، ويرغبون أنْ يموتوا فيهرب الموت منهم، وشكل الجراد شبه خيل مهيَّاة للحرب) (الإصحاح ٩/ النصُّ ٦ و٧)، (بل في أيَّام صوت الملاك السابع متى أزمع أن يُبوِّق يتمُّ أيضاً سرُّ الله كما بشَّر به عبيده الأنبياء) (الإصحاح ١٠/ النصُّ ٧).
- جاء في القرآن الكريم (المسلمين) قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (الشعراء: ٤)، إشارات ودلالات عديدة تحدث في السماء تُخبِر العالم بقرب ظهور الإمام المخلِّص، وهي بمثابة بشارة للمنتظِرين، من قبيل: بدن بارز في عين الشمس، وركود الشمس عن الحركة لفترة وجيزة، والصيحة السماويَّة في شهر رمضان، والخسوف والكسوف في غير وقتهما.. وجاء في السُّنَّة الشريفة ما نصُّه: عن الإمام الباقر (عليه السلام): «إِذَا رَأَيْتُمْ نَاراً مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ شِبْهَ اَلْهُرْدِيِّ اَلْعَظِيمِ تَطْلُعُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً فَتَوَقَّعُوا فَرَجَ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)...»، وَقَالَ (عليه السلام): «لَا يَقُومُ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) إِلَّا عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ مِنَ اَلنَّاسِ، وَزَلَازِلَ وَفِتْنَةٍ، وَبَلَاءٍ يُصِيبُ اَلنَّاسَ، وَطَاعُونٍ قَبْلَ ذَلِكَ، وَسَيْفٍ قَاطِعٍ بَيْنَ اَلْعَرَبِ، وَاِخْتِلَافٍ شَدِيدٍ فِي اَلنَّاسِ، وَتَشَتُّتٍ فِي دِينِهِمْ، وَتَغَيُّرٍ مِنْ حَالِهِمْ، حَتَّى يَتَمَنَّى اَلمُتَمَنِّي اَلمَوْتَ صَبَاحاً وَمَسَاءً مِنْ عِظَمِ مَا يَرَى مِنْ كَلَبِ اَلنَّاسِ وَأَكْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً»(٥٢).. وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: «إِذَا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥١) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤٠٤ - ٤٠٦/ سفر رؤيا يوحنَّا / الإصحاح ٨ - ١٠).
(٥٢) الغيبة للنعماني (ص ٢٦٢ و٢٦٣/ باب ١٤/ ح ١٣).

(٧٧)

رَأَيْتُمْ عَلَامَةً فِي اَلسَّمَاءِ نَاراً عَظِيمَةً مِنْ قِبَلِ اَلمَشْرِقِ تَطْلُعُ لَيَالِيَ، فَعِنْدَهَا فَرَجُ اَلنَّاسِ، وَهِيَ قُدَّامَ اَلْقَائِمِ (عليه السلام) بِقَلِيلٍ»(٥٣).
* علامات آخر الزمان:
إشارات عديدة ومتشابهات كثيرة ذُكِرَت في التراث الدِّيني السماوي عن وقائع وأحداث مصاحبة لظهور المهدي آخر الزمان، وبعضها يُعتبَر من علامات الساعة الكبرى التي تخرج قبل يوم القيامة.. وحرصاً على حجم هذا البحث وابتعاداً عن الإطالة، سنشير لمواقع ذكر بعض القواسم المشتركة في التوراة وملحقاتها أو الإنجيل وملحقاته أو القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة، مثل:
* يأجوج ومأجوج (Gog and Magog):
- العهد القديم: سفر حزقيال (الإصحاح ٣٨ و٣٩)، تفاصيل عديدة ذُكِرَت في الإصحاحين.
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ٢٠/ النصُّ ٧ - ١٠).
- القرآن الكريم: سورة (الأنبياء: ٩٦)، سورة (الكهف: ٩٣ - ٩٩).
* الدجَّال (Ad-Dajjal):
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ١٧/ النصُّ ٨ - ١٧).
- السُّنَّة الشريفة: أحاديث كثيرة والتي تتحدَّث عن علامات الساعة الكبرى وبتفاصيل لم تُذكر في السابق عن الدجَّال وحركته.
* دابَّة الأرض (The Earth Creature):
- العهد القديم: سفر حزقيال (الإصحاح ٩ و١٠)، وتفاصيل عن الختم على الجباه.
- العهد الجديد: سفر رؤيا يوحنَّا (الإصحاح ٧/ النصُّ ١ - ٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٣) الغيبة للنعماني (ص ٢٧٥ و٢٧٦/ باب ١٤/ ح ٣٧).

(٧٨)

- القرآن الكريم: سورة (النمل: ٨٢).
بالتأكيد إنَّ المصدر الأساس لهذه الأخبار هو الوحي الإلهي، وواضح أنَّ الأئمَّة والأنبياء لم يذكروا العلامات في صِيَغ وعبارات واضحة للجميع (إنَّما بصورة رمزيَّة غامضة، وهي مقصودة)، ولكن الواقع والمفهوم يتَّضح في المجموع الكلِّي للنصوص والقرائن المرافقة لها.. ومن هنا كانت الحاجة لاستقراء الأمارات والعلامات في الكُتُب السماويَّة المختلفة، ودراسة البشارات وتجميع الأخبار ومعرفة الروابط بينها، حتَّى تتَّضح الرؤية، ويُدرِك الباحث ويستنتج الصورة الحقيقيَّة والواقعيَّة لمرحلة قبل وبعد الظهور.. وبالتأكيد عندما تتكامل البشارات (بشكل تجميعي وتراكمي) ونستقرئ القواسم المشتركة والمؤكَّدة بينها، حينها ستتبلور العلامات والقرائن وتُشكِّل ثروة فكريَّة غنيَّة للحضارة الإنسانيَّة لا يُستهان بها، إلى درجة يمكن معها فتح آفاق جديدة في المعرفة والثقافة الدِّينيَّة، باعتبارها أخبار سماويَّة صادقة متراكمة ومتعاضدة وتكميليَّة وتسير في الاتِّجاه الصحيح، ممَّا يُعطي لهذه الأخبار قيمتها ومكانتها عند الناس.
وإنَّ نظرة مقارنة إلى هذه العلامات والدلالات المشتركة والتي ذُكِرَت في الكُتُب الدِّينيَّة المقدَّسة تُظهِر أنَّها تشير وتُبشِّر بشخص قائد واحد في آخر الزمان، وأنَّ أتباع كلِّ الأديان والحضارات جالت في انتظاره على مدى تاريخ الإنسانيَّة الطويل، ممَّا يُدلِّل على أنَّه يملك قواعد ومتبنَّيات راسخة، ويستند إلى مبادئ وأُسُس دينيَّة وتاريخيَّة وحضاريَّة مقدَّسة لثورته الإلهيَّة الكبرى.
تفعيل القواسم المشتركة لفكرة المخلِّص بين الحضارات:
إنَّ أهمّيَّة قراءة قضيَّة المخلِّص عند الأُمَم المختلفة وإيجاد نقاط الالتقاء والاتِّفاق عند الجميع، بصفتها تُعبِّر عن المفهوم الذي لا يتعارض مع فكر الآخر، أحد الشروط الضروريَّة للحوار والتعارف بين الشعوب.. فمن الحكمة

(٧٩)

أنْ يتمَّ التعرُّف على نقاط مشتركة يمكن أنْ يجتمع الناس حولها وتنبني العلاقات الثقافيَّة والاجتماعيَّة عليها، ومن الحكمة التمسُّك بتلك القواسم والتوافقات وإبرازها تحقيقاً لإثراء التعارف الحضاري الخلَّاق، ودرءاً للمخاطر والسلبيَّات، وتحمُّلاً لمسؤوليَّتنا الدِّينيَّة والحضاريَّة.
إنَّ المهدويَّة كعقيدة لخلاص البشريَّة وكمفهوم للمخلِّص تُعتبَر قاسم مشترك بين كلِّ الأديان والفلسفات والحضارات، وذلك انطلاقاً من الرؤية الكلّيَّة لجوهر الخلاص.. ومهما اختلفت المذاهب الدِّينيَّة والمدارس الفكريَّة يمكننا أنْ نُدرِك أنَّ هناك الكثير من نقاط الاتِّفاق والتقاطعات المشتركة حول (المهدويَّة أو المخلِّص) نشير إلى بعض منها:
- الاتِّفاق على أصل القضيَّة والكلُّ يعترف بالمبدأ والمنشأ والمفهوم، وهذا بمثابة تجسيد لعقيدة ثابتة وفكرة واحدة مشتركة عند جميع الديانات السماويَّة والفلسفات البشريَّة، وهي ماثلة باطِّراد ومترسِّخة، ومن المواضيع البارزة في مسيرة التشريع الربَّاني.
- منبع الفكرة ومصدرها ومنشأها هو الوحي الإلهي لكلِّ الأديان السماويَّة، ولذا لا يمكن أنْ تتعارض أو تتناقض القضيَّة فيما بينهم، أو تصطدم مع بعضها.
- وحدة النصوص السماويَّة، وتشابه الخطاب الدِّيني فيما يخصُّ المصلح العالمي المنتظَر عند جميع الأديان من حيث الجوهر والمضمون والمفهوم.
- ذُكِرَت القضيَّة في جميع الكُتُب المقدَّسة ودُوِّنت في معظم التراث الدِّيني السماوي، وجميع الأنبياء والرُّسُل قد أشاروا إليها، وحلموا بيوم تطبيقها على أرض الواقع.
- وحدة المخلِّص عند جميع الأديان والحضارات يتأكَّد من خلال اجتماع

(٨٠)

البشريَّة على خاتمة واحدة للتاريخ، تحمل نفس الغاية والهدف والمطلوب تحقيقه على يد المنقذ الموعود.
- قضيَّة المخلِّص حاجة إنسانيَّة عند جميع البشر، كون الفكرة تتلاءم مع وجدان الفطرة، وتتوافق مع برهان العقل، وتتعاضد مع الإرشاد السماوي.
- روحيَّة الانتظار للمنقذ الموعود موجودة عند جميع الأُمَم الدِّينيَّة والكثير من المجتمعات العلمانيَّة، وهذا الانتظار يُمثِّل خطوة عمليَّة للإيمان بعقيدة المخلِّص.
- علامات الظهور ثابتة ومتشابهة عند جميع الأديان والمذاهب، وقد ذُكِرَت في معظم الكُتُب المقدَّسة، فلا يمكن تشخيص زمن ظهور المخلِّص إلَّا بها، وهي ضمن إطار التخطيط الإلهي وسُنَنه الكونيَّة، وتُعطي صورة لمعالم المستقبل قبل الظهور.
- وقت خروج المصلح الموعود محدَّد وثابت ومتَّفق عليه عند جميع الأديان والمِلَل وذلك في آخر الزمان، وبعد أنْ تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً وفساداً.
- محور المهدويَّة والخلاص هو أولويَّة القسط والعدل عند الجميع، وذلك لانحراف المسيرة البشريَّة عن هذا السياق، ولذا فحقيقتها تعني الثورة على الفساد بشتَّى أنواعه.
- ستتحقَّق بشارة الأديان الإلهيَّة والمذاهب الفلسفيَّة البشريَّة في ظلِّ حكومة عالميَّة واحدة للمصلح الأعظم، وهذه أُمنية كبرى للإنسانيَّة قاطبة على مدى التاريخ.
- المهدي المخلِّص مِلك للبشريَّة جميعاً وليس حكراً على طائفة دينيَّة أو جماعة معيَّنة، ودولته أو حضارته تبسط هيمنتها على الأرض كافَّة، وتدمج الأُمَم والشعوب تحت لواء حكومته العادلة.

(٨١)

- الاتِّفاق على أنَّ المخلِّص المستقبلي (المرتقَب) هو شخص وقائد واحد، وليس في نصوص الإرشاد الإلهي ما يشير أو يلمح إلى تعدُّد هذه الشخصيَّة، فالكلُّ يُؤكِّد على ذلك، ولكن الاختلاف قائم حول هويَّته.
- الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة بتفاصيلها الجزئيَّة وأبرز ما يُميِّزها مثل: الإمامة المبكَّرة، وخطر ظروف الولادة، وطول العمر، والغيبة، تشترك بها الأديان السماويَّة الأُخرى وتتقاطع بحسب النصوص الثابتة لديها.
صفحات مشرقة من القواسم المشتركة حول مفهوم (المخلِّص) في التراث الدِّيني السماوي، وإنَّ قراءة جزء من نقاط الالتقاء والتقاطعات تُعطي صورة إيجابيَّة، وترسم حالة فكريَّة عن اتِّفاق الأديان والشعوب والحضارات في النظر إلى جوهر (المهدويَّة)، وتوسيع مساحات التفاهم والتركيز على المعنى الحقيقي لها والإيجابيَّات من وراء ذلك، ممَّا يُعزِّز القِيَم والمفاهيم العالميَّة الحقيقيَّة المشتركة التي تحلم بها البشريَّة، ويُغيِّر القناعات السلبيَّة والتفسيرات الخاطئة والأفكار المنحرفة التي ينشرها ويُروِّجها الأعداء.. وبالرغم من أنَّ تشخيص هويَّة المخلِّص والمصداق متباينة عند الأديان والمذاهب والحضارات، إلَّا أنَّ الاتِّفاق حاصل على أصل القضيَّة وحقيقة الفكرة، والتي استفاضت أخبارها في التراث الدِّيني السماوي بكافَّة مشاربه ونِحَله.
عندما نتعرَّف على المباني الفكريَّة والتكوين الثقافي للآخر حول مفهوم المخلِّص والخلاص، وتُسَلَّط الأضواء على أوجه القواسم المشتركة، حينها سيكون الحوار إيجابيًّا وبنَّاءً، وتُشاع ثقافة احترام وتقبُّل رأي الآخر، وتُقلَّل أوجه الخلاف والتعارض، وهذا منهج حضاري وإنساني.. ولكن للأسف نجد الواقع المعاصر للكثير من المستشرقين (قديماً وحديثاً) يقوم بقراءة خاطئة للعقيدة المهدويَّة - بناءً على دوافع مسبقة - فيحاول التشكيك بما هو متَّفق عليه

(٨٢)

ومشترك بين جميع الأديان والحضارات، ويُصوِّر بأنَّ المهدويَّة خاصَّة بالمسلمين (أو الشيعة فقط) ويُشوِّه صورتها، أو النظر لها برؤية قاصرة.. وتفادياً لذلك يتطلَّب منَّا استثمار القواسم المهدويَّة المشتركة والعمل على تقويتها، وضرورة تقديم المتَّفق عليه عند الحوار، وإزالة الجفوة والصورة السلبيَّة، في سبيل جسر الهوة بين الثقافات والحضارات المختلفة.. زبدة ما لدينا من القواسم المشتركة هو الأمل: الأمل في مستقبل أفضل وأكثر عدالةً.
بكلِّ تأكيد إنَّ تفعيل القواسم المشتركة حول (المخلِّص/ المهدويَّة) وسيلة إيجابيَّة لتحقيق هدفين:
١ - أنْ نتعلَّم: أنَّ هناك لغة حوار مشتركة حول الخلاص والمخلِّص الموعود يمكن الاستفادة منها في سبيل تعريف مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) على حقيقتها ومكانتها العظيمة.
٢ - أنْ نمتلك: منهجاً معرفيًّا سليماً بناءً على القواسم المشتركة، فنرسم خارطة طريق تعريف المهدويَّة للآخر، ونمدُّ جسور التعارف والتحاور وفق أُسُس استراتيجيَّة فكريَّة واضحة.
من المسلَّمات أنَّ كلَّ نقاط الالتقاء والمشتركات العامَّة والقواسم الخاصَّة حول المخلِّص أو المهدويَّة تدلُّ على أصالة القضيَّة وعالميَّتها، حيث يلتقي الدافع الدِّيني مع التفكير الإنساني والضرورة الحضاريَّة، ممَّا يفتح المجال أمامها واسعاً للقبول والانتشار عند شعوب الحضارات الأُخرى.

* * *

(٨٣)

إنَّ الاعتقاد بظهور المنقذ في آخر الزمان من المسلَّمات لدى المسلمين وكافَّة أتباع الديانات الأُخرى، إلَّا أنَّ مذهب الشيعة الاثني عشري ينفرد بأنَّه جسَّد الأُمنية الكبرى لجميع الأُمَم والأديان عبر أُطروحة المنقذ والمخلِّص الإسلامي (الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه))، وتميَّز بأنَّه بدَّل حالة الأُمنية والأمر النظري إلى حالة واقعيَّة موجودة بين الناس، وأنَّه رسم نهاية سعيدة ومشرقة لتاريخ البشريَّة.
إنَّ القضيَّة المهدويَّة من المواضيع التي أخضعها الاستشراق للدراسة والبحث، وأصبحت عنصراً رئيسيًّا من عناصر التعاطي والتحليل في الميدان الفكري.. وقد سلك المستشرقون الذين بحثوا في القضيَّة المهدويَّة، منهجاً يكاد لا يختلف عن دراستهم لعقائد وشخصيَّات إسلاميَّة أُخرى، من حيث الاهتمام بجوانب عدَّة تمحورت حول المهدويَّة، مثل: أصل الفكرة، الولادة، الإمامة، الغيبة، الانتظار، الظهور، دولته، مستقبل البشريَّة، وغير ذلك من الأُمور، ويأتي في مقدَّمة الجوانب التي ركَّزوا عليها في كتاباتهم أصل الفكرة.
إنَّ الغاية من بحثنا هذا إلقاء نظرة موجزة على رؤية المستشرقين بكافَّة أطيافهم وتوجُّهاتهم حول المهدويَّة الإسلاميَّة وبالأخصّ مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والتي تُمثِّلها الأُطروحة المهدويَّة الاثني عشريَّة، فضلاً عن معرفة المنهج الذي استخدمه المستشرقون في بحثهم لها، والآراء والمواقف الاستشراقيَّة حولها.

(٨٧)

الاستشراق ما له وما عليه (موجزاً):
إنَّ بداية الاستشراق الجماعي كانت في القرن السادس عشر الميلادي، حيث أقبلت جموع من الغربيِّين على الدراسات الإسلاميَّة، وفي القرنين السابع عشر والثامن عشر أخذ الاستشراق بالانتشار، وأصبحت بعض المُدُن الأُوربيَّة مثل لندن وباريس من المراكز الرئيسيَّة في تدريس الاستشراق، ثمّ توسَّع حتَّى أصبحت أكثر البلدان الأُوربيَّة في الوقت الراهن لديها مراكز ومعاهد خاصَّة بتدريس الاستشراق بكافَّة توجُّهاته وأقسامه، فتُكتَب سنويًّا مئات الأبحاث والدراسات عن العالم الإسلامي بشكلٍ عامٍّ والعقائد الشيعيَّة بشكلٍ خاصٍّ.
* تعريف الاستشراق(٥٤): هو دراسة كافَّة البنى الثقافيَّة للشرق من وجهة نظر غربيَّة، أو بمعنى آخر: معرفة الإسلام وقضاياه من قِبَل غير المسلمين، منطلقاً من أهداف وأغراض دينيَّة أو سياسيَّة أو علميَّة.
* دوافعه: يهتمُّ بالبحث والدراسة عن الإسلام وقضاياه المختلفة، وله دوافع عديدة، مثل: الدافع الدِّيني (التبشير)، وكذلك الدافع السياسي أو الاقتصادي (الاستعمار)، والبعض له دوافع علميَّة بحتة.. حيث يمكن اعتبار

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) التعريف الجامع والعامُّ: (الاستشراق عبارة عن الجهود العلميَّة التي قام بها الغربيُّون من أجل التعرُّف والتعريف بالبلدان الشرقيَّة وظروفها الجغرافيَّة، ومصادرها وثرواتها، التي تشمل الشرق الأقصى إلى الشرق الأدنى، وشرق البحر الأبيض المتوسِّط، وحتَّى البلدان الإسلاميَّة الأُخرى في شمال أفريقية وسائر نقاط العالم، من أجل معرفة معانيها وتاريخها وشعوبها ولغاتها وأدبيَّاتها وفنونها وآدابها وسُنَنها وعاداتها وتقاليدها وثقافاتها ومعتقداتها وأديانها وحضاراتها وخصائصها النفسيَّة وحسَّاسيَّاتها الروحيَّة وأبعادها الخطيرة ومواطن سُكَّانها والقاطنين فيها.. بغية اكتشاف ثرواتها المادّيَّة المعنويَّة، وتسخيرها لصالح الغربيِّين). مجلَّة دراسات استشراقيَّة، العدد الأوَّل، صيف ٢٠١٤م، (ص ١٨٣)، الدكتور محمّد حسن زماني، الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.

(٨٨)

أنَّ الاستشراق هو الجناح العلمي للاستعمار الغربي، يُوظِّفه لخدمة أهدافه وتحقيق أغراضه.
إنَّ هدف الاستشراق من البحث والدراسة في القضيَّة المهدويَّة هو أنْ يتعرَّف بدقَّة على مكامن الضعف والقوَّة في الثقافة المهدويَّة الإسلاميَّة لكي يستغلَّ استنتاجاته ويستفيد منها، ويُحقِّق دوافعه (التبشيريَّة أو الاستعماريَّة) عن طريق البحث في التناقضات والاختلافات بين أُطروحات المذاهب المختلفة، وكذلك التشكيك في المهدويَّة للقضاء على الجوانب الإيجابيَّة فيها.
* مراحله: يمكننا القول بأنَّ الاستشراق مرَّ بعدَّة محطَّات ومراحل، أوَّلها فترة التبشير (الدِّيني)، ثمّ انتقل إلى فترة الاستعمار (السياسي)، والآن في فترة العولمة (المراكز البحثيَّة بشتَّى توجُّهاتها وأهدافها)، فأصبح لا يعتمد على الأشخاص فقط، وإنَّما على مجموعة من المؤسَّسات ومراكز الأبحاث والدراسات، التي لها امتداد وتأثير مباشر على الإعلام والمؤسَّسات الأكاديميَّة وجميع مفاصل المجتمع الغربي.
* الاستشراق الجديد والمعاصر: لم يعد هذا النمط من الاستشراق مقتصراً على عرضه في بطون الكُتُب؛ بل تعدَّاه ليأخذ طابعاً مختلفاً بأيِّ شكلٍ كان، كالأفلام والصحافة والمؤتمرات وإصدار تقارير وغيرها من وسائل التطوُّر حديثاً. حتَّى غدا ذا طابع مؤسَّسي، ولكي يضفي شرعيَّته ويكون أقرب للقبول قام بدراسة أفكار المسلمين وبأقلام أبناء الإسلام أنفسهم والمتعاونين بشكل أو بآخر مع الغرب.
لماذا القضيَّة المهدويَّة؟
إنَّ الأحداث السياسيَّة المهمَّة التي شهدتها دول العالم الإسلامي في القرن الأخير، أدَّت إلى إثارة اهتمام مؤسَّسات الهيمنة في الغرب، فسلَّطت الأضواء على

(٨٩)

عقائد الشيعة، فزاد اهتمام المستشرقين إلى التركيز على العقيدة المهدويَّة بشكلٍ خاصٍّ، وتمثَّل ذلك بشكل بحوث ودراسات أو مؤتمرات وندوات، خصوصاً في فترة الثورة الإسلاميَّة في إيران.. وسبب إقدامهم على دراسة المهدويَّة بهذه الكثافة الكمّيَّة والنوعيَّة، يرجع إلى أنَّهم وجدوا فيها: حركة متجدِّدة فكريًّا وحضاريًّا، وفاعليَّة إيجابيَّة مؤثِّرة على المجتمعات الإسلاميَّة، وبالخصوص أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
إنَّ المؤسَّسات السياسيَّة للاستعمار الجديد بشتَّى أشكاله، قد توجَّست من التحوُّلات السياسيَّة الكبرى في العالم الإسلامي، فدفعت بعدد من المستشرقين إلى بحث ودراسة الجوانب الفقهيَّة والفلسفيَّة والفكريَّة (للمدرسة الإماميَّة)، وبعد التمعُّن والتدقيق في دراسة المجتمع الإسلامي، وجدوا أنَّ هناك نشاطاً ثقافيًّا تجديديًّا في الأوساط الشيعيَّة، وانتعاشاً فكريًّا في القضيَّة المهدويَّة، وتأكَّدت هذه التحوُّلات الفكريَّة بعد انتصار الثورة الإسلاميَّة في إيران، حيث ارتبطت الثقافة المهدويَّة بالواقع (المرتبط بالحياة السياسيَّة والفكريَّة) وبشكل حيوي وفعَّال، ومن موقع التأثير عليه، ممَّا أدَّى إلى انتشار المعارف المهدويَّة في المجتمعات الإسلاميَّة كمًّا وكيفاً بشكل لم يسبق له مثيل.. وفي الواقع فإنَّ هذه الخصوصيَّة للثقافة المهدويَّة قد أكَّد عليها بعض المستشرقين وافترضوا أنَّ هذه التحوُّلات الفكريَّة هي عامل مساعد على التطوُّر والتغيير السياسي، وأنَّ العقيدة المهدويَّة المتجذِّرة في نفوس وعقول الشيعة تُلبِّي احتياجات العصر حاضراً ومستقبلاً، وتُعطي المجتمع الشيعي الدافعيَّة للتغيير والنهوض.. يقول الهولندي فان فلوتن: (أمَّا نحن معشر الغربيِّين فقد استرعت عقيدة المهدي - والمهدي المنتظَر بوجه خاصٍّ - أنظار المستشرقين منَّا، لما كان لها من الأثر في سياسة الشرق حتَّى اليوم)(٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) السيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة (ص ١٠٩).

(٩٠)

إنَّ كثيراً من التحوُّلات التي حدثت في العالم الإسلامي (الشيعي) مرتبط برجال دين (نُوَّاب للإمام الغائب)، ممَّا دفع الكثير من المستشرقين إلى القول بأنَّ تاريخ الحركة الشيعيَّة قد مرَّ بمرحلتين(٥٦):
المرحلة الأُولى: منذ استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وامتدَّت إلى بعد عصر الغيبة الكبرى للإمام المهدي.. وشخَّصوا الحركة الشيعيَّة فيها بالمسالمة والمهادنة أو السلبيَّة في موقفها - وهو تشخيص غير دقيق، ولا يقترب من الواقع -.
المرحلة الثانية: يشير المستشرقون فيها إلى ما حقَّقته الثورة الإسلاميَّة في إيران من رسم خطِّ فاصل في الحركة الشيعيَّة بين حال الهدوء واللَّافعَّاليَّة والمعارضة السلميَّة إلى حال الثورة المسلَّحة والإطاحة بالسلطة المستبدَّة.
نستطيع القول: إنَّ المؤسَّسات السياسيَّة في الغرب ومن خلال مراقبة المجتمعات الإسلاميَّة والتحوُّلات والتطوُّرات الفكريَّة فيها تحفَّزت إلى ضرورة التعرُّف على العقيدة التي هزَّت وسبَّبت هذه التغيُّرات السياسيَّة في المنطقة.. فنهضت هِمَم المستشرقين إلى إجراء دراسات حول العقائد الشيعيَّة كافَّة، والتركيز بشكلٍ خاصٍّ على العقيدة المهدويَّة، ورافق نشاط الباحثين جهوداً مساندةً كبيرةً هدفها مواصلة هذا النشاط والإبقاء عليه فاعلاً، طالما ظلَّت المؤسَّسة السياسيَّة محتاجة إليه وإلى ما تتوصَّل إليه من نتائج.
وفي المرحلة التاريخيَّة الحاليَّة، تولَّدت حاجة ملحَّة لدراسة المهدويَّة، التي هي انعكاس مباشر للقلق والخوف لديهم، والتي زادت حدَّتها في الآونة الأخيرة من التطوُّرات المفصليَّة التي فرضتها التغيُّرات السياسيَّة وعلى ضوء التحوُّلات الفكريَّة والثقافيَّة الجديدة.. وهذه الأسباب وغيرها تُفسِّر منحى التصاعد الحاصل في الدراسات الاستشراقيَّة حول المهدويَّة وقضاياها، فازدياد الاهتمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٦) التشيُّع والاستشراق (ص ١٩).

(٩١)

بدراستها على مستوى الكمِّ والنوع تعبير عن مدى الحيِّز الذي أخذت تُشغِله في مجال الدراسات الاستراتيجيَّة أو العلوم الاجتماعيَّة السياسيَّة، نتيجةً للتحوُّلات الفكريَّة والسياسيَّة في العالم الإسلامي وبواعث هذه التغيُّرات.
لقد أخذ المستشرقون المواجهة مع المهدويَّة إلى ساحة جديدة (الحرب الثقافيَّة والفكريَّة)، وهي من أخطر الميادين التي ولجوها قديماً وحديثاً، والتي عملت على تزييف الحقائق وتشويهها.. وبدأت كتابات المستشرقين تتآزر لتكون في مجموعها سدًّا أمام انتشار المعارف المهدويَّة الحقيقيَّة، فدراسات كثيرة كُتِبَت ومقالات عديدة انتشرت جلُّها يُركِّز على تشويه وتقويض المهدويَّة بمختلف الأساليب، وقد حاول المستشرقون ضرب العقيدة المهدويَّة وبثَّ الشكوك حولها، والزعم بأنَّها ليست إسلاميَّة أصيلة بل مقتبسة من ديانات سابقة وغيرها من الافتراءات، وتكمن خطورة هذه الدراسات في أنَّها أضحت المرجع لكثير من وسائل الإعلام ومراكز البحوث والطلبة في الجامعات الغربيَّة، ممَّا يُشكِّل رأياً عامًّا في الغرب كاره ومبغض للمهدويَّة، نتيجةً للصورة المشوَّهة والمستفزَّة.
ولا شكَّ أنَّ هناك أسباباً حقيقيَّة ورئيسيَّة وراء هذا الاهتمام المتزايد بالقضيَّة المهدويَّة في العصر الحديث من قِبَل مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة تتمثَّل في:
١ - المزايا العديدة التي تتحلَّى بها العقيدة المهدويَّة وخاصَّة من الجانب الفكري والحركي (الديناميكيَّة)، وهذه المزايا فاعلة ومؤثِّرة على الواقع الإنساني.. ولهدف القضاء على هذه الإيجابيَّة والفاعليَّة عند المؤمنين بالمهدويَّة، وقتل نفسيَّة الأمل وروحيَّة الانتظار، تتوسَّل مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة بحروب ناعمة (فكريَّة وثقافيَّة) لتقويض أمر المهدويَّة ودحض ثقافتها، وتغليف دوافعها وأهدافها التبشيريَّة والاستعماريَّة بدراسات وبحوث على أساس أنَّها علميَّة.
٢ - احتواء الشعوب الغربيَّة وتنفيرها من التأثر بالمهدويَّة - من وجهة

(٩٢)

نظرهم تحصين المجتمع الغربي -، وخوفاً على الإنسان الغربي عندما تعرض عليه حقيقة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) عرضاً موضوعيًّا ومنطقيًّا وحضاريًّا، فإنَّه سوف يتقبَّلها ويؤمن بها وسيفتح لها عقله وقلبه، ويجد أنَّها تُحقِّق آماله وأُمنياته الكبرى.. وما تزايد انتشار الكتابات الموجَّهة للمجتمع الغربي والمشوِّهة لصورة المهدويَّة إلَّا دليلاً على ذلك.
٣ - خوفهم من المهدويَّة مستقبلاً، وإدراكهم للمصير الأسود الذي ينتظرهم، حيث إنَّ مصالحهم تتضارب مع مبادئ العدل والقسط الإلهي الذي سيُطبِّقها الإمام (عجَّل الله فرجه).. هذا العامل والسبب يُثير كافَّة الإشكالات ويُمثِّل أهمّ التحدّيات، فمؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة تمارس دور صراع الحضارات ومعارضة الثقافات، وهذه مشكلة قديمة أزليَّة حيث الصراع بين الحقِّ والباطل أو الخير والشرِّ.
إنَّ المسألة الحقيقيَّة وراء محاربتهم وتشويههم للمهدويَّة أوسع بكثير، إنَّه صراع ضدَّ العقيدة الإسلاميَّة، وهو إحدى جبهات المستعمر المفتوحة، وهو تحدِّي فكري وثقافي وأيديولوجي في كثير من جوانبه، وهو أكثر خطراً من التحدِّي السياسي والعسكري.. وللأسف قد تأثَّر بدراساتهم وآرائهم بعض الباحثين المسلمين، لذلك يحقُّ لنا التساؤل عن أسباب اهتمامهم المتزايد لدراسة العقيدة المهدويَّة، هل دراساتهم قصدوا بها العلم والمعرفة، أم كانت لهم أهداف وأغراض أُخرى؟!
دراسات المستشرقين للعقيدة المهدويَّة:
إنَّ دراسة الإسلام وسيرة الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله) والقرآن الكريم وأهل البيت (عليهم السلام) كان جزءاً من اهتمامات المستشرقين بشكلٍ عامٍّ، إلَّا أنَّ جمعاً كبيراً منهم قد ركَّزوا أبحاثهم ودراساتهم على معرفة العقيدة المهدويَّة ونقاط القوَّة

(٩٣)

والضعف فيها، وبحثوا عن المواطن التي تُشكِّل بؤرة تهديد أو خطر عليهم، وتناولوا جميع جوانبها بالدراسة والنقد والتحليل وتوصَّلوا لنتائج بشأنها.. وسنستعرض بعضاً(٥٧) من هذه الدراسات لنتعرَّف على مدى جدّيَّتهم واهتمامهم بهذه القضيَّة، من خلال استقراء جزئي لكتابات المستشرقين.. علماً بأنَّ بعض الكُتُب انفردت للحديث والبحث عن المهدويَّة بشكلٍ خاصٍّ، والبعض الآخر كان الحديث عن المهدويَّة يُشكِّل جزءاً من كتاب يتناول العقائد الإسلاميَّة بشكلٍ عامٍّ أو عقائد الشيعة والتشيُّع بشكلٍ خاصٍّ:
بعض من دراسات المستشرقين الأُوربيِّين:
* كتاب (السيطرة العربيَّة، والتشيُّع والمعتقدات (المهديَّة) في ظلِّ خلافة بني أُميَّة)(٥٨) للمستشرق الهولندي ج. فان فلوتن (١٨٦٦ - ١٩٠٣م)، صدر الكتاب باللغة الفرنسيَّة عام (١٨٩٤م) وطُبِعَ في أمستردام، وتُرجِم مرَّتين إلى اللغة العربيَّة، فكانت الترجمة الأُولى لـ (د. حسن إبراهيم حسن ومحمّد زكي إبراهيم)، وطُبِعَ في القاهرة عام (١٩٣٤م)، وهو بعنوان (السيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة)، فيما كانت الترجمة الثانية لـ (د. إبراهيم بيضون)، وطُبِعَ في بيروت عام (١٩٩٦م)، وهو بعنوان (السيطرة العربيَّة و...). ويتكلَّم الكتاب عن الشيعة والتاريخ السياسي في عهد الدولة الأُمويَّة، وقد أفرد المؤلِّف باباً مطوَّلاً عن عقائد الشيعة (الباب الثاني)، وأفرد باباً (الثالث) للعقائد غير الإسلاميَّة التي أخذها المسلمون عن المسيحيَّة واليهوديَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) سنشير إلى خمسة دراسات من كلِّ قسم وذلك للاستشهاد فقط، ومراعاة لحجم ورقة البحث.
(٥٨) Recherches sur la domination arabe, le chiitisme et les croyances messianiques sous le khalifat des Omayades, By: Gerolf Van Vloten , Amsterdam, J. Müller, ١٨٩٤.

(٩٤)

والفارسيَّة القديمة تحت عنوان الإسرائيليَّات(٥٩)، وأفاض المؤلِّف في هذا الباب بالحديث عن عقيدة المهدي وأثرها في سقوط الدولة الأُمويَّة، واعتبر عقيدة (انتظار المخلِّص) أحد أسرار انتصار العبَّاسيِّين على الأُمويِّين.
* كتاب: (عقيدة الشيعة)(٦٠) للمستشرق البريطاني دوايت دونالدسن (١٨٨٤ - ١٩٧٦م) والذي عاش في إيران (١٦) سنة، وصدر الكتاب باللغة الانجليزيَّة عام (١٩٣٣م) وطُبِعَ في لندن، وتُرجِم إلى اللغة العربيَّة وطُبِعَ في القاهرة عام (١٩٤٦م)، وهو يُعَدُّ من الدراسات الاستشراقيَّة المبكَّرة الشاملة عن كلِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام)، والكتاب مكوَّن من (٤١٩) صفحة، ويحتوي على (٣٣) باباً، والمؤلِّف قد عدَّ قسماً من هذه الدراسة في بادئ الأمر كأُطروحة لنيل درجة الدكتوراه، ولذا نجد منهج الكتاب يغلب عليه الطابع العلمي، وقد كُتِبَ البحث هذا لسدِّ فراغ كان يراه المؤلِّف في معلومات الغرب والغربيِّين تجاه الشيعة والتشيُّع، كما صرَّح بذلك في مقدَّمة الكتاب، وقد صدر الكتاب في نفس الفترة الزمنيَّة التي كانت بريطانيا قد بسطت سلطتها الاستعماريَّة على العراق وإيران، ممَّا يعني أنَّ هناك دوافع سياسيَّة وعلميَّة وراءه، حتَّى يتسنَّى لبريطانيا التعامل مع المشرب الفكري لهذه الطائفة الإسلاميَّة.. وقد أفرد المؤلِّف ثلاثة أبواب (٢١ و٢٢ و٢٣) تكلَّم فيها عن العقيدة المهدويَّة الشيعيَّة، حيث خصَّص عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فصلاً بعنوان (الإمام الغائب)، وأعقبه بفصل عن (سامرَّاء مدينة آخر الأئمَّة)، كذلك خصَّص فصلاً عن السفارة بعنوان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٩) يُطلِق علماء المسلمين كلمة (الإسرائيليَّات) على جميع العقائد غير الإسلاميَّة، ولاسيَّما تلك الأخبار والأساطير التي دسَّها اليهود والنصارى في الدِّين الإسلامي منذ صدر الإسلام.
(٦٠) The Shi’ite Religion: a history of Islam and Persia and Irak - By: Dwight Martin Donaldson , Ann Arbor, Mich. :University Microfilms International, ١٩٨٤.

(٩٥)

(الوكلاء الأربعة للإمام الغائب)، وتطرَّق المؤلِّف إلى اختلاف المذاهب في المهدي وأشار إلى ولادة الإمام والغيبة والسرداب والرجعة والدجَّال ونزول المسيح.. ومَنْ يقرأ الكتاب يجد به مزاعم وأخطاء كثيرة، حيث يُشكِّك بأصل فكرة المهدويَّة الإسلاميَّة، وكذلك يقدح في الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة حيث أوعز فكرة المهدويَّة إلى فشل الشيعة واضطهاد الأعداء لهم(٦١)، وصاغ كلَّ ذلك بأُسلوب مغلَّف بقالب البحث العلمي المحايد، ممَّا يُثبِت أنَّ هناك خللاً في الأمانة العلميَّة.
* كتاب (المهدويَّة في الإسلام)(٦٢) للمستشرق الألماني ارنست موللر (١٨٤٨ - ١٩١٦م) والذي طُبِعَ عام (١٩٠١م)، وقبل ذلك أنجز موللر عملاً رائداً وذلك بترجمته وطبعه كتاباً مهدويًّا مهمًّا إلى اللغة الألمانيَّة، والذي يُعَدُّ من أُمَّهات الكُتُب الشيعيَّة في القضيَّة المهدويَّة، وهو الكتاب الذي صنَّفه ابن بابويه القمِّي المعروف بالصدوق (٣٨١هـ/٩٩١م) وعنوانه (كمال الدِّين وتمام النعمة)(٦٣)، واختار عنواناً للكتاب يتضمَّن (كتاب حول نظريَّة الإمام المهدي)، ومن هذا المنطلق تُعَدُّ هذه الترجمة عملاً مهمًّا من الناحية التاريخيَّة للدراسات الاستشراقيَّة اللَّاحقة.
* كتاب (دراسات إسلاميَّة) للمستشرق اليهودي إجناس جولدتسيهر(٦٤) (١٨٥٠ - ١٩٢١م) المَجَرِي الذي دأب على الكتابة باللغة الألمانيَّة، ومن محرِّري دائرة المعارف الإسلاميَّة، يقع الكتاب في مجلَّدين، وقد تم نشرهما في الأصل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦١) عقيدة الشيعة (ص ٢٣١).
(٦٢) التشيُّع والاستشراق (ص ٢٠٧ و٢٣٧).
(٦٣) Beitrage zur Mahdilehre des Islams. Muh ammad ibn Ali Ibn Babawayh al-Qummi; .Möller , Heidelberg: C. Winter, ١٩٠١.
(٦٤) Ignaz Goldzehir , Muslim Studies , ١٩٦٧.

(٩٦)

باللغة الألمانيَّة في (١٨٨٩ - ١٨٩٠م)، ومن المواضيع التي ناقشها (الشيعة الإماميَّة وعقائدهم)، وتطرَّق فيه إلى الجدل الشيعي السُّنِّي، وصارت هذه الدراسة معتمدة من المستشرقين الآخرين، وقد كتب فيها بحثاً عن الأثر الفارسي القديم على العقائد الشيعيَّة ومنها عقيدة المهدي المنتظَر.. وكذلك لهذا المستشرق كتاب حول الفقه الشيعي ضمَّنه معلومات عن فلسفة الإمام عند الشيعة وطبيعة الإمام المهدي، وقد تُرجِم هذا الكتاب إلى اللغة الإنجليزيَّة عام (١٩٨٠م) بعنوان (مدخل إلى الفقه والشريعة الإسلاميَّة)، وتُرجِم إلى العربيَّة بعنوان (العقيدة والشريعة في الإسلام)(٦٥)، وبالإضافة إلى تلك الدراسات فقد كتب بحثاً آخر عن العناصر الأفلاطونيَّة المحدَثة، وتطرَّق فيه إلى الأحاديث المتعلِّقة بظهور الإمام المهدي، وذلك بهدف إظهار أثر الأسفار اليهوديَّة في القضيَّة المهدويَّة.
* كتاب (السفراء الأربعة للإمام الثاني عشر في الفترة التكوينيَّة للشيعة الاثني عشريَّة)(٦٦) للمستشرقة الألمانيَّة فيرينا كليم (معاصرة، مواليد ١٩٥٦م)، وهو من الدراسات الاستشراقيَّة المهمَّة، وقد نُشِرَ عام (١٩٨٤م) باللغة الألمانيَّة، وهو بحث في موضوع الإمام المهدي، وتطرَّقت المؤلِّفة فيه حول نشاطات السفراء الأربعة، ووقفت على تفسير معنى النائب والسفير، واعتبرت أنَّه يعكس أمراً في فترة الغيبة الكبرى: وهو وقوع أزمة أو حدوث اضطراب (بمعنى حيرة)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٥) وقد علَّق الشيخ محمّد الغزالي على هذا الكتاب بقوله: (والحقُّ أنَّ الكتاب من شرِّ ما أُلِّف عن الإسلام، وأسوء ما وُجِّه إليه من طعنات). الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري (ص ١٠٠ و١٠١).
(٦٦) Verena Klemm , The Four Sufara of the Twelfth Imam: on Formative Period of the Twelver Shia , ١٩٨٤.

(٩٧)

بين صفوف الشيعة الإماميَّة بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام).. ثمّ أثارت الشكوك حول ولادة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) عن طريق طرح الأسئلة - وهو الأمر الذي يتكرَّر في كتابات المستشرقين دائماً -، واستمرَّ البحث حول سيرة وحياة السفراء الأربعة، وفي ختام البحث أثارت الكاتبة عدَّة أسئلة عن الغيبة وأمدها، وهل أنَّ الإمامة مستمرَّة دون انقطاع أو أنَّ الإمام المهدي بن الحسن العسكري هو الأخير؟.. وقد قام المستشرق الإسرائيلي كوهلبرغ بترجمة الدراسة إلى اللغة الإنجليزيَّة، وطبعها في إنجلترا عام (٢٠٠٣م).
* هناك دراسة لمؤلِّف مسلم: د. جواد عليّ (١٩٠٧ - ١٩٨٧م) من الكاظميَّة - العراق، بعنوان (المهدي المنتظَر عند الشيعة الاثني عشريَّة)(٦٧)، وهي عبارة عن أُطروحته للدكتوراه عام (١٩٣٩م) والتي قدَّمها باللغة الألمانيَّة لجامعة هامبورغ بألمانيا، وقد تُرجِمَت رسالة الدكتوراه إلى العربيَّة عام (٢٠٠٥م).. علماً بأنَّ د. جواد عليّ الكاظمي غير مستشرق، ولكنَّنا حبَّذنا ذكرها هنا في إشارة إلى تأثير الفكر الاستشراقي على طلبة الشرق المبتعثين في الغرب(٦٨) لمتابعة هذا الموضوع المهمِّ عند الشيعة.
بعض من دراسات المستشرقين الأمريكان:
ونحن في صدد الحديث عن الاستشراق الأمريكي لا بدَّ أنْ نعرف: أنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٧) المهدي المنتظَر عند الشيعة الاثني عشريَّة، ترجمه عن الألمانيَّة د. أبو العيد دودو، منشورات الجمل، ألمانيا، الطبعة الأُولى، عام ٢٠٠٥م.
(٦٨) يقول المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون (١٨٨٣ - ١٩٦٢م): (ضرورة تشجيع الشرقيِّين للدراسة في أُوروبا وأمريكا، وذلك للتأثير عليهم عن طريق ضخِّهم في أجواء وأساليب الحياة الأُوربيَّة في التفكير والعلم والسلوك، ليُكوِّن ذلك أرضيَّة مناسبة لتطويعهم للفكر الاستعماري).

(٩٨)

الاستشراق في الولايات المتَّحدة يُعَدُّ أصغر عمراً من الاستشراق الأُوربي، ولكن الحركة الاستشراقيَّة الأمريكيَّة تختلف في طبيعتها وفلسفتها عن المدارس الأُوربيَّة باختلاف أدواتها وتوسُّع وتعدُّد أهدافها السياسيَّة والاقتصاديَّة، تبعاً لتوجُّهات وسياسات دولتها، علماً بأنَّ الاستشراق الأمريكي معتمد بشكل أساسي على مساعدة المستشرقين الأُوربيِّين الذين وفدوا على القارَّة الجديدة.. والواقع أنَّ الأبحاث الأمريكيَّة بخصوص المهدويَّة تعتمد بشكل كبير على أفكار ورؤى جيل المستشرقين القدامى، ولذا نلاحظ عند المستشرقين الأمريكان الأوائل تكرار آراء الاستشراق الأُوربي وإعادتها باستمرار ومن دون أيِّ تجديد أو تطوير، أمَّا في السنوات الأخيرة فتغيَّرت الأدوات والأساليب، ويمكن ملاحظة ذلك من الآتي:
* كتاب (بدون نسيان الإمام)(٦٩) للكاتبة الأمريكيَّة لندا وولبردج (معاصرة، مواليد ١٩٤٦م)، من الدراسات الاستشراقيَّة ذائعة الصيت، نُشِرَ عام (١٩٩٦م) في أمريكا، وقد تكرَّر إعادة طبعة (١٢) مرَّة بين عامي (١٩٩٦ - ١٩٩٧م)، وتُرجِم إلى اللغة التركيَّة، وصدر للكتاب عدَّة طبعات لاحقة.. وقد تطرَّقت المؤلِّفة في الكتاب إلى غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وتقول: إنَّها لا تمتلك معلومات عن حياته، وما هو موجود فعلاً من معلومات غير مفهومة تماماً بالنسبة إليها، وتشير إلى أنَّ بعض الباحثين قد شكَّك في ولادته، لكنَّها عقَّبت على ذلك بقولها: إنَّ المؤلِّفين الشيعة متَّفقون على ولادته وغيبته وأنَّه سيظهر في اليوم الموعود، وأشارت إلى سفراء الإمام الغائب، واستنتجت بعد ذلك أنَّ غيبة الإمام قد جعلت زعماء الدِّين الشيعة في الغالب في صراع مباشر مع السلطة التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) Linda S. Walbridge , Without Forgetting the Imam , Wayne State University Press , August ٢٠٠١.

(٩٩)

يرونها مغتصبة، واستولت على الحقِّ الشرعي(٧٠).
كذلك حقَّقت المستشرقة لندا وولبردج سنة (٢٠٠١م) كتاباً جامعاً بعنوان (علماء الشيعة الأكثر تعليماً: مؤسَّسة مرجع التقليد)(٧١).. بُحِثَ في هذا الكتاب عن طبيعة القيادة السياسيَّة والدِّينيَّة للشيعة، وقُسِّم فصول الكتاب إلى مجموعة متنوِّعة من الفترات التاريخية الحساسة بالنسبة للشيعة - من العصور الوسطى إلى الحديثة - وذلك للكشف عن العوامل الاجتماعيَّة والسياسيَّة والعقائديَّة التي كان لها تأثير في تطوير القيادة الشيعيَّة، طُبِعَ الكتاب في مطبعة جامعة أكسفورد، ويحتوي على أربعة عشر فصلاً، أحدها بقلم: شاهزاد بشير بعنوان: (عودة الإمام الغائب: والقيادة المهدويَّة عند الشيعة في العصور الوسطى المتأخِّرة)(٧٢).
* كان للموسوعات الأكاديميَّة العامَّة ودوائر المعارف الأمريكيَّة اهتمام كثير بالمهدويَّة، تمثَّلت بكونها تضمُّ بحوثاً ومقالات لعدد من المستشرقين تناولوا فيها مواضيع تتعلَّق بالقضيَّة المهدويَّة، ومن أهمّ هذه الموسوعات: الموسوعة الأمريكيَّة (The Encyclopedia Americana)، الموسوعة الكاثوليكيَّة الأمريكيَّة (The New Catholic Encyclopedia)، دائرة المعارف الإسلاميَّة (New Edition Encyclopedia of Islam)، وتحتوي هذه الموسوعات على مقالات عديدة ومواضيع مختلفة عن (المهدويَّة)، أسفل كلَّ عنوان أو فقرة أو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٠) Without Forgetting the Imam , Pages: ٣٢ , ٣٣ &٣٤.
(٧١) Linda S. Walbridge , The Most Learned of the Shia: The Institution of the Marja Taqlid , Published to Oxford Scholarship Online: October ٢٠١١.
(٧٢) Shahzad Bashir: The Imam's Return: Messianic Leadership in Late Medieval Shi-ism.

(١٠٠)

لفظة مثل: المهدي (Al-Mahdi)، الغيبة (Ghayba)، الشيعة (Shiites)، الجفر (Djafr)، المخلِّص (Messianism)، التشيُّع (Shiism)، الفِرَق الإسلاميَّة (Moslem Sects)، وغيرها.. وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ المستشرقين الأمريكان اهتمُّوا بالمهدويَّة كتابةً وبحثاً وترجمةً ونشراً منذ جيل المستشرقين القدامى.
* تقارير متنوِّعة وندوات متخصِّصة في إطار المهدويَّة، وبطلب وتنسيق من دوائر في الشأن السياسي الأمريكي، فقد أُصدرت جملة من التقارير وأُقيمت مجموعة من الندوات بهذا الخصوص، فمثلاً:
- في عام (٢٠٠٠م) قُدِّم تقرير إلى وزارتي الخارجيَّة والدفاع بعنوان (الإسلام السُّنِّي والإسلام الشيعي)، يشمل التقرير على التوزيع الديموغرافي للشيعة والسُّنَّة وإحصاء لنِسَبهم، والاختلافات العقائديَّة بينهم، ووقف التقرير على عقيدة المهدي المنتظَر كعنصر من عناصر الاختلاف بين المذهبين، وكانت الفترة التي قُدِّم فيها التقرير مهمَّة للغاية، خلال أزمة الخليج الثانية وبعد الانتفاضة الشيعيَّة في العراق.
- إنَّ مركز الدراسات في جامعة كولومبيا الأمريكيَّة أقام مؤتمراً عام (١٩٩١م) لأيَّام عديدة بعنوان (المخلِّص والألفية في الإسلام)(٧٣)، واشتمل المؤتمر على بحث ودراسة: صعود الحركات الإسلاميَّة السياسيَّة في النصف الثاني من القرن العشرين، وتطرَّق إلى أهمّيَّة (مفهوم المهدي في الإسلام) بشكلٍ عامٍّ وعند الشيعة بشكلٍ خاصٍّ، وأنَّ المهدويَّة تحتاج إلى دراسة وبحث من أجل إيضاح العقائد الأساسيَّة للحركات الإسلاميَّة المسلَّحة سواء السُّنّيَّة أوالشيعيَّة، وتمَّت مناقشة قضايا عديدة في المؤتمر، مثل: المعنى العامّ للمهدي في الإسلام، والمهدي في الإسلام السُّنِّي، والمهدي عند الشيعة، وغيبة المهدي، سفراء المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) Messianism and Millenarianism in Islam.

(١٠١)

ونُوَّابه، وغير ذلك من قضايا.. وهذا المؤتمر مؤشِّر واضح للأهمّيَّة التي توليها الجهات الأكاديميَّة والسياسيَّة الأمريكيَّة للعقيدة المهدويَّة.
* تطوُّر جديد وخطير في الدراسات الاستشراقيَّة، حيث بدأت تظهر في السنوات الأخيرة بعض من الروايات والقَصَص الأدبيَّة الأمريكيَّة، وأخذت تشقُّ طريقها إلى الساحة الثقافيَّة (الغربيَّة) متَّخذة من المهدويَّة عنوان وموضوع لها وبأُسلوب قَصَصي، فتسهل حينها عمليَّة تمرير الأفكار عبر هذه الأعمال الروائيَّة، حيث يستطيع الكاتب التحكُّم في شخصيَّات وأحداث روايته، فيعمد إلى تشويه صورة المهدويَّة عبر خلق عناصر قبول الأفكار وترويجها، وذلك بإيجاد الشخصيَّات الملائمة والأحداث المناسبة، وصناعة بيئة صالحة للتأثير على القارئ.. وهذا تحوير جذري في الكتابات الاستشراقيَّة لمحاربة المهدويَّة وبأُسلوب خبيث ومؤثِّر على الشعوب الغربيَّة، نشير إلى نموذجين فقط من هذه الروايات:
- رواية (المهدي)(٧٤)، قصَّة أدبيَّة من عالم الجاسوسيَّة والمخابرات، صدرت الطبعة الأُولى في يناير (١٩٨٢م) وتكرَّر إعادة طبع الرواية عدَّة مرَّات، وهي تتكوَّن من (٢٩٧) صفحة، للكاتب ايه. جي. كونيل، وهذا اسم مستعار لعميل مخابرات حقيقي اسمه: فيليب نيكلسون (Philip Nicholson)، قصَّة مخابرات خياليَّة تستغلُّ وتتلاعب بالاعتقاد الإسلامي (المهدويَّة)، حيث تدور أحداث الرواية: في معمعة صراع ومؤامرات بين الاستخبارات الدوليَّة للسيطرة على العالم العربي بأكمله، ثمّ صدر الأمر من الجهات الاستخباريَّة العليا بابتكار واختراع شخصيَّة (المهدي) في منزل قائد إحدى البعثات الاستخباريَّة، قبل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) The Mahdi, by: A.J. Quinnell, Publisher: William Morrow & Co; ١st U.S. edition (Jan- uary ١, ١٩٨٢).

(١٠٢)

خروجه إلى المجتمع والشارع العربي.. أُسلوب جدلي وخبيث لتشويه صورة المهدويَّة عند الشعوب الغربيَّة، وهي فكرة كُتِبَت بأيدٍ مخابراتيَّة بحتة.
- رواية (إمام الزمان: قصَّة من الماضي إلى الحاضر)(٧٥)، صدرت الطبعة الأُولى للرواية في يناير (٢٠١٨م)، وهي تتكوَّن من (٣٧٤) صفحة، للكاتب إف. دبليو. بورلي(٧٦) (اسم مستعار - معاصر)، تدور أحداث الرواية: مظاهرات في شوارع طهران، وبطل القصَّة (أحمد) جزء من القوَّة العسكريَّة المرسَلة لسحق المتظاهرين، يتعرَّض الناس للضرب الوحشي، وامرأة قريبة منه تموت على الرصيف، يترك الساحة وهو يصرخ (أين إمام الزمان؟)، ويتمنَّى أنْ يتعرَّف على الإسلام الأصيل، يذهب إلى منزله وفي المنام يتخيَّل أنَّه في مكَّة في القرن السابع الميلادي، فيشاهد الفظائع تُرتكب بالسيف، ينهار إيمان أحمد، وعندما يستيقظ يتحدَّث إلى أصدقائه بما رأى، فيجلب له غضب حُكَّام إيران من رجال الدِّين، فيتخيَّل الأحداث المروَّعة التي ستحدث بعد ظهور المهدي.. قصَّة خياليَّة مؤسفة تستغلُّ الأحداث السياسيَّة الحاليَّة، وتهدف لتشويه الإسلام وصورة النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وصورة إمام الزمان (عجَّل الله فرجه).
هناك العديد من الروايات في هذا الشأن صدرت حديثاً، ترسم المهدويَّة بصورة مشوَّهة، وتستغلُّ حُبَّ الشعوب الغربيَّة لقراءة الروايات في الأماكن العامَّة والاستفادة من أوقات الفراغ للترويج لأفكارهم ورؤاهم حول المهدويَّة.. وللأسف الشديد لقد سبقنا الأعداء في هذا المضمار، فنحن لا يوجد لدينا حاليًّا في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٥) The Imam of Time: A Novel of Then and Now, by: F.W. Burleigh, Publisher: Zenga Books (January ٢٩, ٢٠١٨).
(٧٦) الكاتب وبنفس الاسم المستعار، هو مؤلِّف كتاب (كلُّ شيء عن محمّد: سيرة النبيِّ الأكثر شهرةً في العالم)..
It's All About Muhammad: A Biography of the World's Most Notorious Prophet.

(١٠٣)

المكتبة العربيَّة والإسلاميَّة ولا رواية أدبيَّة واحدة تتحدَّث عن الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، تُحبِّبه إلى الناس، وتزرع الشوق في نفوسهم، وتُشجِّعهم على الولاء له.
* كتاب (نهاية الزمان وسرُّ المهدي: مفاتيح غموض الوحي والدجَّال)(٧٧)، للكاتب مايكل يوسف(٧٨) (معاصر)، نُشِرَ في فبراير (٢٠١٦م) في الولايات المتَّحدة، وفيه يدرس الأحداث الحاليَّة في ضوء نبوءات نهايات التاريخ البشري، وفي الكتاب يحاول المؤلِّف إيجاد التشابه بين الدجَّال ومهدي الإسلام، ويتطرَّق إلى كثير من الأحداث التي تُؤدِّي إلى نهاية الزمان، مثل: التحرُّك نحو حكومة عالميَّة واحدة، وصعود حركة داعش، ورؤى ومواقف حول أحداث تقع قبل القيامة العظيمة.. وبالرغم من أنَّ الكتاب يتعامل مع الأحداث المستقبليَّة، إلَّا أنَّه يتعلَّق بالحاضر ويُشجِّع القُرَّاء على اتِّخاذ موقف محدَّد تجاه ذلك.
بعض من دراسات المستشرقين الإسرائيليِّين:
ونحن في صدد الحديث عن الاستشراق الإسرائيلي لا بدَّ أنْ نتذكَّر بأنَّه يُمثِّل المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل تطوُّر (المدرسة اليهوديَّة في الاستشراق)(٧٩)، والتي تبدأ بالاستشراق اليهودي العامِّ، ثمّ الاستشراق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٧) End Times and the Secret of the Mahdi: Unlocking the Mystery of Revelation and the Antichrist, by: Michael Youssef, Publisher: Worthy Publishing (February ٢٣, ٢٠١٦).
(٧٨) مايكل يوسف (معاصر): وُلِدَ في مصر، وعاش في لبنان وأستراليا قبل مجيئه إلى الولايات المتَّحدة. في عام (١٩٨٤م)، حقَّق حلم الطفولة في أنْ يصبح مواطناً أمريكيًّا، وهو الراعي المؤسِّس لكنيسة الرُّسُل في أتلانتا - جورجيا، أمريكا.. وصدر له أخيراً (مارس ٢٠١٨م) كتاب بعنوان: (العدوُّ الخفي: العلمانيَّة العدوانيَّة، الإسلام الراديكالي، والقتال من أجل مستقبلنا).
(٧٩) الاستشراق اليهودي: يُمثِّل جزءاً من الحركة الاستشراقيَّة في الغرب، أمَّا الاستشراق الصهيوني: فقد ارتبط بالحركة الصهيونيَّة التي ظهرت في أُوربا عام (١٨٨١م)، أمَّا الاستشراق الإسرائيلي: بدأ مع قيام دولة الاحتلال عام (١٩٤٨م) ويُمثِّل امتداداً للاستشراق (اليهودي) و(الصهيوني).

(١٠٤)

الصهيوني، وأخيراً الاستشراق الإسرائيلي(٨٠).. علماً بأنَّ المستشرقين الإسرائيليِّين لا يتَّفقون في آرائهم ومواقفهم من الإسلام والحضارة الإسلاميَّة مع المستشرقين اليهود القدامى، حيث تتطلَّع سياسة الاستشراق الإسرائيلي إلى إظهار الدِّين الإسلامي والمسلمين بالتعسُّف ضدَّ أتباع الديانات الأُخرى، وأنَّهم مارسوا عمليَّة اضطهاد ضدَّ اليهود على مرِّ التاريخ الإسلامي.
بشكلٍ عامٍّ إنَّ معظم توجُّهات وأهداف الدراسات الاستشراقيَّة الإسرائيليَّة تصبُّ لصالح السياسات الحكوميَّة الإسرائيليَّة، حيث يحاول أنْ يُقدِّم كمًّا معرفيًّا ومعلوماتيًّا هائلاً عن المسلمين والشيعة.. وقد تميَّز الاستشراق الإسرائيلي عن غيره في اهتماماته، حيث يشير إيتان كوهلبرغ إلى: (أنَّ الدراسات عن التشيُّع الاثني عشري ظلَّت بطيئة ومحدودة عند المستشرقين حتَّى نهاية السبعينات، فلم يحتلّ حيِّزاً مركزيًّا ومهمًّا في الدراسات الإسلاميَّة عامَّة، حتَّى الثورة الإسلاميَّة في إيران، عندها بدأ الاهتمام - بشكل ملحوظ - بالدراسات عن التشيُّع الإمامي الاثني عشري)(٨١)، وهي ملاحظة حقيقيَّة تنطبق بصورة واضحة على توجُّه الدراسات في الاستشراق الإسرائيلي.
* المستشرق الإسرائيلي إيتان كوهلبرغ(٨٢) (معاصر) كتب عدَّة بحوث عن التشيُّع وعقائد الإماميَّة، وفي عام (١٩٨٠م) نشر بحثاً يتناول فيه موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعنوان (بعض وجهات النظر الشيعيَّة في مسألة سرمديَّة أو أسبقيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٠) مجلَّة دراسات استشراقيَّة، العدد ٢، خريف ٢٠١٤م، الأُستاذ أحمد البهنسي، (ص ٢٩)، الصادرة عن المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.
(٨١) التشيُّع والاستشراق (ص ٣٢٨).
(٨٢) إيتان كوهلبرغ (Etan Kohlberg) وُلِدَ في تل أبيب عام (١٩٤٣م)، حائز على عدَّة جوائز عالميَّة، وذلك لتميُّز إسهاماته في تاريخ الشيعة الإماميَّة الاثني عشريَّة، يشغل مرتبة أُستاذ الأدب العربي في الجامعة العبريَّة، وعضواً في الأكاديميَّة الإسرائيليَّة للعلوم.

(١٠٥)

العالم)، ونشط أيضاً في نهاية التسعينات في دراسة أُمور تتعلَّق بالغيبة وبالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، منها بحثه (الإمام والمجتمع في فترة ما قبل الغيبة) نشره عام (١٩٨٨م)، وفي عام (١٩٩١م) نشر كتاب (عقائد وفقه الشيعة الإماميَّة)(٨٣) يشمل على معظم أبحاثه التي كتبها منذ عام (١٩٧٥م) وحتَّى عام (١٩٨٨م)، درس فيه بأُسلوب تحليلي مناهج البحث العلمي للرواية الشيعيَّة وروايات غيبة الإمام(عجَّل الله فرجه).. هذا المستشرق يستخدم أُسلوباً مثيراً للجدل في تعامله مع التراث الشيعي، ولاسيَّما عند تعاطيه مع المعتقدات الأساسيَّة للشيعة، من قبيل الإمامة وعدد الأئمَّة وعصر الغيبة، ففي المقدَّمة التي دوَّنها في كتاب (التشيُّع) ادَّعى أنَّ مسألتي الإمامة وغيبة الإمام الثاني عشر مقتبستان من أفكار أُخرى مخالفة للتشيُّع كالكيسانيَّة، وبالتالي قام بدراسة وتحليل روايات الشيعة على هذا الأساس، وقال: (استناداً إلى ذلك فإنَّ أوَّل عقيدة للفرقة الكيسانيَّة تُؤكِّد على أنَّ الإمام هو ابن الحنفيَّة وأنَّه لم يمت، بل هو غائب وسيظهر مرَّةً أُخرى باسم المهدي، ونلاحظ أنَّ الشيعة قد طبَّقوا هذه العقيدة فيما بعد على الإمام الثاني عشر)(٨٤)، إذن يرى هذا المستشرق أنَّ منشأ الفكرة المهدويَّة في التشيُّع مقتبسة ويرجع إلى عوامل عديدة، ويزعم بأنَّ معتقدات الإماميَّة مبتدعة ولاسيَّما في مجال الإمام الثاني عشر.
* المستشرق الإسرائيلي مارتن كريمر(٨٥) (معاصر)، يُعَدُّ من الكُتَّاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) Belief and Law in Imami Shiism (Collected Studies Series) by Etan Kohlberg , Pub- lisher: Variorum (August ١, ١٩٩١) , Language: English.
(٨٤) المستشرق المعاصر إيتان كوهلبرغ وحديث الإماميَّة (ص ١٥٠).
(٨٥) مارتن كريمر (Martin Seth Karmer) وُلِدَ في واشنطن عام (١٩٥٤م)، وهو باحث أمريكي إسرائيلي والرئيس المؤسِّس لكلّيَّة شاليم في القدس، وأمضى (٢٥) عاماً في جامعة تل أبيب في تدريس التاريخ الحديث للشرق الأوسط، تخرَّج من جامعة تل أبيب سنة (١٩٧٣م)، وشغل منصب مدير مركز موشي ديان للدراسات الشرق أوسطيَّة والأفريقيَّة.

(١٠٦)

المعروفين في مجال الدراسات الإسلاميَّة ومتخصِّص في التاريخ السياسي للإسلام، له دراسات عديدة، منها: كتاب بعنوان (الإسلام السياسي) طُبِعَ عام (١٩٨٠م)، وبحث بعنوان (المذهب الشيعي: مقاومة وثورة) طُبِعَ في تل أبيب عام (١٩٨٧م)،، وكتاب آخر (اليقظة العربيَّة والبعث الإسلامي) المطبوع عام (١٩٩٦م)، وكتاب (الحرب الخاطئة: إسرائيل والإسلام والشرق الأوسط) طُبِعَ عام (٢٠١٦م)، وفي معظم دراساته يتطرَّق للعقيدة المهدويَّة كإحدى المعتقدات المهمَّة عند الشيعة الإماميَّة، ويحاول دائماً التأكيد على البُعد اليهودي للمهدويَّة.
* المستشرق اليهودي البروفسور برنارد لويس (١٩١٦ - ٢٠١٨م) وُلِدَ في لندن، وهو أمريكي من أصل يهودي إنجليزي، قال عنه المؤرِّخ الأمريكي جول بنين من جامعة ستانفورد والمختصُّ بدراسات الشرق الأوسط بأنَّه (لربَّما أكثر مناصري الصهيونيَّة المتعلِّمين ذوي اللسان المبين في الأوساط الأكاديميَّة المعنيَّة بالدراسات الشرق الأوسطيَّة على قارَّة أمريكا الشماليَّة)(٨٦)، له دراسات عديدة، منها بحث بعنوان (الشيعة في التاريخ الإسلامي) طُبِعَ عام (١٩٨٥م)، يدرس فيه الحركة الشيعيَّة في فترة نموِّها وظهورها، وتطرَّق فيه إلى القضيَّة المهدويَّة وأهمّيَّتها عند الشيعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) Beinin Joel (July ١٩٨٧) “Review of Semites and Anti-Semites: An inquiry into Con-...flict and Prejudice” by Bernard Lewis , MERIP Middle East Report: (١٤٧) ٤٢-٤٥.
لقد حظي برنارد لويس بتكريم ورفقة كبار الشخصيَّات في إسرائيل، منهم غولدا مائير رئيسة الوزراء التي استقبلته وأثنت على دعمه الكبير لإسرائيل، وقد قال رئيس الوزراء نتنياهو في بيان التعزية بعد وفاته: (برنارد لويس أحد أعظم مؤرِّخي الشرق الأوسط في هذا العصر، وكان أحد كبار علماء الإسلام والشرق الأوسط في عصرنا).. وقال: (سنبقى ممتنين إلى الأبد لدفاعه القويِّ عن إسرائيل). نقلاً عن صحيفة: (The Time of Israel on ٢٠ May ٢٠١٨).

(١٠٧)

* المستشرق الإسرائيلي جوزيف ألياش(٨٧)، كتب بحوثاً عديدة عن عقائد الشيعة، وأُطروحته لنيل درجة الدكتوراه بعنوان (عليُّ بن أبي طالب في العقيدة الاثني عشريَّة)(٨٨)، وفي عام (١٩٦٩م) نشر بحثاً يتناول فيه موضوع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) بعنوان (نظريَّة الفقه عند الاثني عشريَّة والولاية السياسيَّة والشرعيَّة)(٨٩)، وهي دراسة عن دور المجتهد عند الشيعة الإماميَّة، وفيها يقول: (إنَّ الشيعة بعد الغيبة لا يُجوِّزون تمثيل الولاية والسلطة إلى الفقهاء، وأنَّهم ينظرون إلى المجتهد بدرجة أكبر من مجرَّد كونه مكلَّف في الأحكام الشرعيَّة وتطبيقاتها، كذلك فإنَّهم لا يميلون إلى الاعتقاد بأنَّ المجتهد له الصلاحيَّة المطلقة في تمثيل مهامِّ الإمام بعد الغيبة الكبرى، وهناك ما يُعرَف بالمجتهد المطلق، ويُنظَر إليه كأنَّه متحدِّث باسم الإمام الغائب.. ويحتلُّ الفقهاء الشيعة مكانة تختلف كثيراً عن مكانة الفقهاء عند السُّنَّة، حيث إنَّ الفقهاء (المجتهدين) في الفكر الشيعي هم حفظة العقيدة خلال مدَّة غياب الإمام المهدي، في حين يُعتبَر العلماء عند السُّنَّة شخصيَّات تابعة للسلطة)(٩٠).. ويُعَدُّ هذا البحث من الدراسات التي اعتمد عليها المستشرقون في أُوربا وأمريكا كثيراً.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) جوزيف ألياش (Joseph Eliash) (١٩٣١ - ١٩٨١م)، وُلِدَ في القدس، وتلقَّى شهادة الماجستير من الجامعة العبريَّة بالقدس، وحصل على الدكتوراه من جامعة لندن (١٩٦٦م)، عمل (٤) سنوات كأُستاذ مساعد في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وكان يشغل منصب مدير الدراسات اليهوديَّة والشرقيَّة في كلّيَّة أُوبرلين قبل وفاته، وقد زار إيران عدَّة مرَّات بين أوائل الستِّينات و(١٩٧٧م).
(٨٨) Ali b. Abi Talib in Ithna Ashari Shii belief, by :Joseph Eliash.
(٨٩) The Ithna ashari-Shia Juristic Theory of Political and Legal Authority , by: Joseph Eliash , Studia Islamica , No. ٢٩ (١٩٦٩), pp. ١٧-٣٠.
(٩٠) التشيُّع والاستشراق (ص ٣٣١).

(١٠٨)

* كتاب (الإمام المهدي وريث المَلِك داود (مَلِك إسرائيل): عصر المخلِّص)(٩١)، المؤلِّف: كاتب إسرائيلي يُلقِّب نفسه: (إبراهيم الوحش علامة الساعة)، ولعلَّها جهة استخباراتيَّة، نُشِرَ الكتاب في أُغسطس (٢٠١٧م)، ويتكوَّن من (١٨٢) صفحة، وهو باللغة الإنجليزيَّة، وغلاف الكتاب عبارة عن نجمة سداسيَّة كبيرة وباللون الأحمر (فقط).. وفيه يُعلِن المؤلِّف: أنَّه الإمام المنتظَر (الإمام المهدي)، ويُؤكِّد أنَّه (مؤمن آل ياسين)، ويقول: عندما أتيت إلى العالم، وجدت أنَّ الكثير من النزاعات والمذاهب والادِّعاءات قد انتشرت في الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد استفاد الكثير من أصحاب الادِّعاءات من الوضع الراهن؛ حيث إنَّ الحُكَّام يظلمون الناس، أو الاضطراب السياسي أو تناقض الأفكار أو الانحلال الدِّيني والروحاني السائد في المجتمع الإسلامي).. ويقول: (إنَّ الإمام المهدي (المرشد) هو رجل من آل ياسين، الذي كان قد ظنَّ العلماء أنَّه حبيب النجَّار.. على الرغم من أنَّ الحقيقة أنَّ الرجل من آل ياسين (المهدي وريث المَلِك داود) هو فقط الرجل الذي أمره الله بالتحدُّث إلى الناس، (رجل) ليس نبيًّا على الإطلاق، وسوف يأتي بعد النبيِّ محمّد، لذلك: كانت الإشارة إلى حبيب النجَّار مفهوماً خاطئاً قصير النظر، وبالمثل، فقد ادَّعى الكثير أنَّهم المهدي، ممَّا يُضلِّل الناس إلى سوء فهم دين الإسلام).. واضح أنَّ الكتاب تشويش على عقائد المسلمين، ونَسَب المهدويَّة إلى اليهود.
اعترت الدراسات الإسرائيليَّة المتعدِّدة حول العقيدة المهدويَّة كثيراً من الإشكالات والأزمات، والتي كان على رأسها الزعم (بأنَّ المهدويَّة الإسلاميَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩١) Imam Mahdi: Heir of HRH King David [as], the King of Israel: Messianic Age : By Ibrahim the Beast a Sign of the Hour (Author) , Publication Date: August ٨, ٢٠١٧ , Language: English.

(١٠٩)

خرافة، وأنَّ أصلها ومنبعها التراث الدِّيني اليهودي)، وذلك لخضوع الكتابات الإسرائيليَّة لأفكار وأيديولوجيَّات تحمل آراء فكريَّة مسبقة، يتمُّ فرضها على البحث لتطويعه خدمةً لأهداف سياسيَّة، ممَّا جعل الدراسات الإسرائيليَّة بعيدة عن الموضوعيَّة العلميَّة والحياديَّة الفكريَّة.
وكما ظهر في إسهامات المستشرقين بشكلٍ عامٍّ بميدان التشيُّع قديماً، فإنَّ هناك استمراريَّة وتواصلاً في الاهتمام بالكتابة عن عقيدة صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)، ولعلَّنا لا نكون مبالغين إذا قلنا بأنَّ المستشرقين من الجيل الجديد والمراكز العلميَّة الغربيَّة قد كثَّفوا من اهتماماتهم ودراساتهم عن المهدويَّة في الوقت الراهن أكثر من السابق، وذلك نتيجةً للتحوُّلات الفكريَّة والسياسيَّة الكبيرة التي حدثت في العالم الإسلامي.
مواقف ورؤى المستشرقين عن المهدويَّة:
عند استقراء وتتبُّع دراسات وبحوث المستشرقين بصورة شاملة، نجد أنَّ كتاباتهم الموضوعيَّة والمنصفة تتركَّز في تاريخ العلوم التجريبيَّة عند المسلمين وتاريخهم الحضاري، أمَّا العلوم الدِّينيَّة فلا نكاد نجد لها منصفاً في دراساتهم إلَّا قليلاً جدًّا جدًّا، لأنَّها مرتبطة بالإسلام والدعوة إليه.. وباعتبار أنَّ القضيَّة المهدويَّة من أعمق العقائد الإسلاميَّة، وخاصَّة دورها في الوقت الحاضر والمتوقَّع في المستقبل، لذا نجد الاتِّجاه العامَّ للمستشرقين غير منصف للمهدويَّة ومزيِّف لحقائقها، ومن جهة أُخرى نجد القليل جدًّا جدًّا من اتَّسمت بحوثهم بالموضوعيَّة والأمانة، وخلت أعمالهم من آثار التعصُّب، ومع ذلك لا يعني خلوُّ كتاباتهم من الزلَّات والأخطاء.
تُعَدُّ أزمة (المزاعم والشُّبُهات التي يُثيرها المستشرقون) من الأزمات التي تعتري معظم الكتابات الاستشراقيَّة الدِّينيَّة بصورة عامَّة وبالخصوص حول

(١١٠)

العقيدة المهدويَّة، وسوف نشير إلى بعض تلك المزاعم المختلقة والتخرُّصات المبتدَعة التي ذُكِرَت في دراسات المستشرقين، وبالتأكيد فإنَّه يقف خلف هذه الشُّبُهات والإشكالات دوافع دينيَّة (التبشير) أو دوافع سياسيَّة (الاستعمار).. علماً بأنَّ مَنْ يلمُّ بأبسط معارف الدِّين الإسلامي، ويطَّلع على أُطروحة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) يجد أنَّ هذه المزاعم هشَّة، ولا تصمد على طاولة البحث العلمي والدراسة والنقاش، وتفتقر للأدلَّة والبراهين العقليَّة والنقليَّة التي تُثبِتها أو تُؤكِّدها.
إنَّ رؤية الاستشراق للمهدويَّة تعكس اهتمامات الغرب ودوافعه التي لا تتطابق مع الحقائق والواقع، وهذه الأفكار عرضة للنقد، ومن هذه الرؤى والمواقف التي تناقلها المستشرقون واحداً تلو الآخر، ولاقت رواجاً بينهم بمرور الوقت (الافتراءات والمزاعم التي سنشير لها)، وسنحاول مناقشتها بشكل سريع وموجز - لأنَّ سياق بحثنا ليس لردِّ شُبُهات المستشرقين - ولكن للوقوف على رؤيتهم ومدى ابتعادهم عن الحقيقة، ومجانبتهم لقواعد البحث العلمي:
شُبُهات وردود:
* الشبهة (١): إنَّ فكرة المنقذ والمخلِّص موجودة قبل الإسلام عند ديانات سابقة، فأخذ المسلمون الفكرة من الديانات الثلاث (اليهوديَّة، والمسيحيَّة، والزرادشتيَّة)، كما ذكر ذلك المستشرق جيمس دارمستيتير في كتابه (المهدي الماضي والحاضر)(٩٢)، بمعنى أنَّ عقيدة المسلمين في المهدويَّة غير أصيلة، وقد أكَّد هذا الزعم أيضاً المستشرق فيليب هيتي في بحثه عن (المهدي) الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٢) The Mahdi Past and Present , ١st Edition, ١st Chapter, Pages ١١-١٥ , ١٨٨٥, NY- USA.

(١١١)

كتبه في دائرة المعارف الكاثوليكيَّة الأمريكيَّة حيث يقول: (إنَّ المهدي عند الشيعة ما هو إلَّا انعكاس للمعتقَد اليهودي والمسيحي)(٩٣).
* ج (١): إنَّ الأسباب والدوافع لمثل هذا الزعم واضحة جدًّا، بالإضافة لما يشعرون به من خطر إزاء العقيدة المهدويَّة مستقبلاً، فعملوا كلَّ ما في وسعهم من أجل تشويه صورتها أمام شعوبهم وأمام كلِّ مَنْ يؤمن بها.. ولذا نقول ونُؤكِّد: إنَّ العقل السليم والمنطق العلمي قد يسمح ويقبل بهذا التوهُّم والافتراء لو كانت أُطروحات المخلِّص للديانات السابقة أغنى وأقدر من الأُطروحة المهدويَّة الإسلاميَّة، لكن إذا كانت المهدويَّة التي انبثقت على يد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) أوسع وأكمل وأحكم وأرحب آفاقاً ممَّا سبقه، فكيف يُتصوَّر أنْ يأخذ الغني من الفقير، وأنْ يستعين العالم بالبسيط، ولكن الحقيقة أنَّه التعصُّب الدِّيني والعداء التاريخي للإسلام.
* الشبهة (٢): التشكيك بأنَّ المهدي (المنقذ والمخلِّص) آخر الزمان من المسلمين أو من أحفاد محمّد - الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) - أو كما يدَّعي المسلمون بأنَّ المهدي من ولد محمّد، ولكن التاريخ يُثبِت أنَّه قد مات ولم يترك أحد من الأبناء الذكور، إذن فكرة المهدي الإسلامي مشكوك بها.. وقد صرَّح بهذه الفكرة كثير من المستشرقين ومنهم المستشرق جيمس دارمستيتير في كتابه (المهدي الماضي والحاضر)(٩٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٣) See (al-Mahdi) in New Catholic Encyclopedia, Second Edition, Volume ٩ ٢٠٠٢, USA.
دائرة المعارف الكاثوليكيَّة الأمريكيَّة - لفظة (المهدي) (ج ٩/ ص ٤٨).. كُتِبَ بواسطة: فيليب هيتي.
(٩٤) The Mahdi Past and Present , ١st Edition, ٢nd Chapter, Page ١٦ , ١٨٨٥, NY- USA.

(١١٢)

* ج (٢): طرح غريب يتجاوز ظاهرة (حكايات العجائز)، فمن المؤكَّد دخول ولد البنات في ذرّيَّة الرجل(٩٥)، وأنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) من نسل النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من أولاد ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام) كما هو متَّفق عليه عند جميع المسلمين، فهو من صلب الإمام الحسين (عليه السلام) كما تُؤكِّد الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، أو من نسل الإمام الحسن (عليه السلام) كما يقول أهل السُّنَّة، ففي كلتا الأُطروحتين هو من نسل النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، هذا هو الحقُّ الذي عمي عنه المستشرقون أو أغمضت عيونهم عنه.. أمَّا إذا قلنا: إنَّ المهدي ليس من أحفاد الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله) لأنَّه ليس من ولد أحد الذكور، فعلى هذا الأساس بحسب قول أو زعم المستشرقين أنفسهم يكون النبيُّ عيسى (عليه السلام) ليس من ولد النبيِّ إبراهيم، ولا معنى لأنْ يتشبَّث المسيحيون بأنَّه من نسل يعقوب (عليه السلام)، فإنَّ عيسى إنَّما يُنسَب إلى بني إسرائيل بأُمِّه مريم، فإنَّه لا أب له، ولكن (جدُّه والد مريم) من ولد سليمان بن داود (عليه السلام).
لقد تجرَّأ المستشرقون على هذا الغمز والطعن في المهدويَّة، لأنَّهم وجدوا جذور هذه المطاعن والمزاعم في تراث المسلمين، وأرادوا بذلك تشويه وتقويض المهدويَّة من محتواها، وسلخها من محوريَّتها الإسلاميَّة، فليس هناك أيُّ مسوِّغٍ للشبهة أو مبرِّر لهذا الافتراء، ولكن الحقيقة هي ادِّعاءات لا تستند إلَّا لرغبتهم في فرضها.
* الشبهة (٣): مُدَّعو المهدويَّة في كلِّ البلاد الإسلاميَّة إذا نجح أحد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ٨٤ - ٨٦).

(١١٣)

منهم، فهذا يعني أنَّ تنبُّؤات محمّد صادقة، ولكن إلى الآن لم يبرهن أحد على نجاح مهمَّته السماويَّة، ممَّا يدعونا للتشكيك في صدق محمّد(٩٦).
* ج (٣): كيف استدلَّ المستشرقون على هذا الزعم والافتراء؟ ومن أين فُهِمَ أنَّ الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) كان يقصد وقتنا الحالي، وليس آخر الزمان؟ ومن أين عُرِفَ أنَّنا في آخر الزمان كما كان يقصده (صلَّى الله عليه وآله)؟ وهل تحقَّقت شروط ومسوِّغات خروج المهدويَّة؟ ومَنْ قال: إنَّ هؤلاء المدَّعين للمهدويَّة في التاريخ والحاضر، هم مَنْ كان يقصدهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حتَّى نُطالَب بتحقيق كلامه (صلَّى الله عليه وآله)؟ علماً بأنَّ أيًّا من العلامات المحتومة التي قالها (صلَّى الله عليه وآله) لخروج المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يتحقَّق منها شيء، أي حسب منطق وأخبار رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يحن موعد خروجه، فكيف نُشكِّك في صدقه؟! أم هي إرادة الطعن في النبيِّ الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وتشويه صورة المهدويَّة الحقَّة؟!
* الشبهة (٤): التشكيك في العقيدة المهدويَّة من الأساس، واستغلال الكثير من الملابسات والفجوات الفكريَّة الموجودة في تراث المسلمين للتشكيك في مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) ونسفها من الأصل، كما ذكر ذلك المستشرق فيليب هيتي في بحثه عن (المهدي) حيث يقول: (إنَّ هناك رواية تشير إلى كون عيسى هو المهدي نفسه)(٩٧)، أو الاستهزاء بالمهدويَّة وذكر فرية السرداب كما ذكر ذلك المستشرق رونلدسن في كتابه (عقيدة الشيعة)(٩٨) والاستشهاد بكلام ابن بطوطة وأهل العامَّة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٦) The Mahdi Past and Present: Translator’s Preface Ada S. Ballin , Page ٤.
(٩٧) دائرة المعارف الكاثوليكيَّة الأمريكيَّة - لفظة (المهدي) (ج ٩/ ص ٤٨).. كُتِبَ بواسطة: فيليب هيتي.

(٩٨) عقيدة الشيعة (ص ٢٤٧ و٢٤٨).

(١١٤)

* ج (٤): إنَّ خبر «لَا مَهْدِيَّ إِلَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ»(٩٩) خبر أحاد، ويعدُّه المحدِّثون من الأخبار الضعيفة.. ولـمَّا كان الخبر ضعيفاً لا يمكن تقديمه وحتَّى لو كان صحيحاً على الأخبار المتواترة، حيث استفاضت الأخبار بكثرة رواتها في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وأنَّه من عترة النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) من ولد فاطمة (عليها السلام)، وأنَّه ينزل في زمنه عيسى بن مريم (عليه السلام) فيُصلِّي خلفه ويساعده على قتل الدجَّال، هذا مضافاً إلى تواتر الأخبار بأنَّ اسمه (م ح م د)، فلا يصحُّ حينئذٍ تقديم الخبر الواحد الثقة - عدا عن الضعيف - على الأخبار المتواترة.. بكلِّ تأكيد إنَّ أصحاب هذه الشبهة لم يُحكِموا المعايير العلميَّة في نقد الحديث، ولو طبَّقوا المنهج العلمي لبدا لهم هذا الحديث الغريب اليتيم (متهافتاً جدًّا)، ووضح لهم أنَّ التناقض والتعارض لا يكون قويًّا ومستحكماً إلَّا إذا تكافأت الروايات المتعارضة، وأين هذا التكافؤ بين الأحاديث المتواترة الواردة في الإمام المهدي وحديث واحد ضعيف تفرَّد بروايته شخص مجهول؟!.. فلا ندري! هل المستشرق فيليب هيتي يعلم بطُرُق الحديث ومتونه أم يجهلها؟ حتَّى يستشهد بهذا الحديث الوحيد الغريب الضعيف في نفيه للمهدويَّة الإسلاميَّة، ومن هنا نعرف حرص المشكِّكين للتمسُّك بهذا الخبر، وذلك لقلَّة ما بأيديهم من أدلَّة.
إنَّ هذا الكلام والزعم والافتراء وراءه ما خفي من أغراض ودوافع، فالتركيز على القول (بمهدويَّة عيسى) يدلُّ على أنَّ هناك طريقة انتقائيَّة مغرضة (في منهجيَّة البحث) تهدف إلى إفراغ المهدويَّة من أُصولها ونسبتها إلى مصادر أُخرى، وزعزعة مكانتها العالية في نفوس المؤمنين.. وكذلك هناك خطأ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) ذكر الحديث ابن ماجة في سُنَنه (ج ٢/ ص ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩)؛ ولقد ضعَّف جمع من علماء أهل العامَّة هذا الحديث الغريب، وقد قدحوا بمحمّد بن خالد الجندي من سلسلة سند الرواة، وقالوا عنه: مجهول.

(١١٥)

(منهجي كبير)، حيث الاعتماد في المصادر على مدرسة واحدة من المسلمين، دون معرفة الفروق المذهبيَّة أو إدراك الدوافع والأهداف.
* الشبهة (٥): تزييف حقيقة المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، وذلك بالادِّعاء أنَّه الدجَّال المنبوذ في كلِّ الأديان السماويَّة، كما يقول الكاتب الأمريكي المعاصر جويل ريتشاردسون في كتابه (المسيح الدجَّال الإسلامي حقائق صادمة) حيث ذكر: (إنَّ المسلمين ينتظرون المسيح الدجَّال لا ليرفضوه بل ليقبلوه)، وزعم أيضاً (إنَّ المهدي يتشابه تماماً مع المسيح الدجَّال)(١٠٠).. وقد أكَّد هذه الافتراءات أيضاً المستشرق (جون ولفوورد) في كتابه (المسيح الدجَّال) بقوله: (إنَّ المسيح الدجَّال هو نفسه المهدي الذي ينتظره المسلمون).. وأكَّد هذا الزعم أيضاً الكاتب الأمريكي المعاصر مايكل يوسف في كتابه (نهاية الزمان وسرُّ المهدي).. ودائماً وتكراراً يتمُّ ربط المهدويَّة بالدجَّال أو بالنبيِّ الكاذب في كتابات المستشرقين المتأخِّرين.
* ج (٥): هذا الزعم والادِّعاء محض افتراء، وليس هناك أيُّ دليل من مصدر إسلامي يُؤكِّد هذا التخرُّص، والغريب جدًّا أنْ يتَّهم هؤلاء نبيَّ الإسلام (صلَّى الله عليه وآله) بأنَّ الدجَّال من ذرّيَّته، في حين أنَّ المصادر الإسلاميَّة تُؤكِّد أنَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله) حذَّر أُمَّته من فتنة الدجَّال، وفي الوقت نفسه مدح المهدي وحثَّ المسلمين على اتِّباعه، فلا ندري لماذا المستشرقون لم يتطرَّقوا إلى أحاديث الرسول (صلَّى الله عليه وآله) حول حقيقة المهدي وحقيقة الدجَّال إجمالاً لإيضاح الرؤية.. ولكن موقف المستشرقين خاضع لافتراضات لا تقوم على دليل، ومحاولة جعلها في مستوى الحقائق، ممَّا يعكس صورة للقارئ أنَّ المهدويَّة (منبع للشرِّ)، وهذا منهج خطير في إطار قلب الحقيقة والواقع.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٠) The Islamic Antichrist- Joel Richardson , ٢٠٠٩ , Pages ٨٠ , ٩٤ & ١٨٧.

(١١٦)

* الشبهة (٦): الزعم أنَّ فكرة مهدي المسلمين ليست سماويَّة أو من قِبَل الوحي، بل هي نفسيَّة اجتماعيَّة بسبب الظلم الذي تعرَّض له الشيعة في التاريخ، حيث يقول المستشرق (دوايت رونلدسن) في كتابه (عقيدة الشيعة): (الإخفاق الذي أصاب الحكومة الأُمويَّة في توطيد أركان العدل هو المنشأ لظهور فكرة المهدي)(١٠١)، وأكَّد على الفكرة نفسها المستشرق (جولدتسيهر) في كتابه (العقيدة والشريعة في الإسلام) حيث يقول: (لا بدَّ من تأسيس فكرة الآمال الصامتة لتهدئة روع الناس، ومن أجلى مظاهر فكرة الآمال الصامتة مسألة المهدي)(١٠٢)، وكذلك المستشرق (فان فلوتن) في كتابه (السيادة العربيَّة) حيث قال: (ولا يفوتنا أنْ نذكر أوَّلاً أنَّ ذلك المثل الأعلى للعدالة والمساواة قد ظلَّ وهماً من الأوهام، حتَّى إنَّ حاجة الشرقيِّين اليوم إلى مهدي يملأ الأرض عدلاً لم تكن أقلّ منها في عهد بني أُميَّة.. ولم يكن جور النظام العبَّاسي وعسفه منذ قيام الدولة العبَّاسيَّة بأقلّ من النظام الأُموي المختلِّ حفزاً للنفوس إلى التمسُّك بعقيدة المهدي والتطلُّع إلى ظهوره لتخليصها من قسوة ذلك النظام الجديد وجوره)(١٠٣).
* ج (٦): إنَّ العقيدة المهدويَّة أصلها وجذورها انبثقت من ركنيّ الإسلام (القرآن الكريم والسُّنَّة الشريفة)، ومنبع الفكرة عند المسلمين هي المصادر الرئيسيَّة للشريعة الإسلاميَّة، فالفكرة ليست شيعيَّة وليس لها علاقة باضطهاد الشيعة، فأكابر علماء العامَّة أخرجوا أحاديث المهدي حيث بلغت فوق الأربعمائة خبر وبطُرُق متعدِّدة. إضافةً إلى ذلك قام الإجماع بين المسلمين وتصافقت عليه الأخبار المتواترة والتي بلغت المئات، وكلُّها دلَّت على أنَّ خروج

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) عقيدة الشيعة (ص ٢٣١).
(١٠٢) العقيدة والشريعة في الإسلام (ص ٨٥).
(١٠٣) السيادة العربيَّة (ص ١٣٢)، وكذلك السيطرة العربيَّة (ص ١١٨).

(١١٧)

المهدي من المحتوم، وأنَّ تاريخ صدور هذه الأخبار كان قبل نشوء الدولة الأُمويَّة عام (٤١هـ).. فلا ندري من أيِّ عباءة أخرج رونلدسن وغيره من المستشرقين هذا التوهُّم، وبكلِّ تأكيد يهدفون من هذا الموقف والتحليل والاستنتاج إضعاف البُعد الغيبي للمهدويَّة، وإحالة الفكرة إلى أسباب من صنع البشر، وهذا فيه إسقاط متعمِّد للجانب العقائدي والبُعد الروحي فيها.
* الشبهة (٧): إنَّ فكرة مهدي المسلمين مختلَقة من الخيال، وليست هناك أدلَّة تُثبِت المهدي لا من القرآن ولا من السُّنَّة، حيث يقول المستشرق (دوايت رونلدسن) في كتابه (عقيدة الشيعة): (إنَّ روايات المهدي موضوعة في عصر ما قبل تدوين السُّنَّة النبويَّة، وإنَّ الكُتُب الروائيَّة السُّنّيَّة قد خلت من هذه الروايات).. وقال أيضاً: (إنَّ سرَّ وضع الحديث عند الشيعة هو أنَّ القرآن لم يذكر الإمام فاستغلُّوا السُّنَّة لذلك)(١٠٤).
* ج (٧): نُؤكِّد ونقول: لا تقتصر البشارة بالإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على القرآن الكريم والأحاديث الشريفة فقط، بل إنَّ الأديان والكُتُب السماويَّة التي سبقت الإسلام قد بشَّرت به أيضاً، ولإيضاح منبع فكرة المهدويَّة بالنسبة للمسلمين نذكر:
- بالنسبة للقرآن الكريم: مَنْ قال: كلُّ ما لم يُذكر في القرآن ليس له وجود؟ ثمّ مَنْ قال: إنَّ الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) لم يرد له ذكر في القرآن؟ فإنَّ هناك آيات وإشارات عديدة (بالعشرات) فسَّرتها الأحاديث الشريفة في المهدي المنتظَر.. وإنَّ مَنْ يطَّلع على المعارف القرآنيَّة يُدرِك أنَّ كتاب الله قد تطرَّق إلى القضيَّة المهدويَّة بطُرُق وأساليب شتَّى، ويمكن تلخيص منهج القرآن الكريم بالآتي:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٤) عقيدة الشيعة (ص ٢٣١).

(١١٨)

أوَّلاً: تحدَّث القرآن عن وجود إمام لكلِّ زمان وبعنوان (الإمامة)، والمهدي إمام الزمان الحالي(١٠٥).
ثانياً: بشَّر القرآن بوعد إلهي بنشر العدل في كافَّة بقاع الأرض، على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(١٠٦).
ثالثاً: ذكر القرآن بعض الحوادث المرافقة لقيام الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)(١٠٧).
من هنا نُؤكِّد أنَّ لفظة أو مصطلح (المهدي) لم يُذكر في القرآن صراحةً، ولكن هناك بعض الآيات الكريمة مفسَّرة ومؤوَّلة في المهدي المنتظَر.. ويمتلك التراث الشيعي الاثني عشري مجموعة كبيرة من الكُتُب والأبحاث التي تتحدَّث عن الإمام المهدي في القرآن الكريم، فنجد مثلاً في كتاب (المحجَّة فيما نزل في القائم الحجَّة) لهاشم البحراني، حيث ذكر (١٢٠) آية كريمة فُسِّرت أو أُوِّلت في المهدي.
- بالنسبة للسُّنَّة الشريفة(١٠٨): قد تحدَّث الرسول (صلَّى الله عليه وآله) بما لا يدع مجالاً للشكِّ من أنَّ وجود المهدي في الأُمَّة ثابت، فقد وردت أحاديث الإمام المهدي في العديد من الكُتُب المعتبرة عند أهل السُّنَّة، منها على سبيل المثال: مسند أحمد، وسُنَن ابن ماجة، وسُنَن أبي داود، وسُنَن الترمذي. أمَّا بالنسبة للشيعة الإماميَّة فقد اتَّفقت كلمتهم وتوحَّدت كُتُبهم في ذكر أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. إنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١).
(١٠٦) قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ﴾ (النور: ٥٥).
(١٠٧) قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢)؛ مصداق لعلامة الصيحة السماويَّة.
(١٠٨) الأحاديث الشريف هي وحي يوحى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (النجم: ٣ و٤).. وقد قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ (النساء: ٨٠).

(١١٩)

النصوص والروايات الشريفة قد تواترت حول المهدي وأخباره وعلامات ظهوره، ويمكن القول: إنَّ موضوع المهدي قد احتلَّ مساحة واسعة من الحديث والرواية، فنجد مثلاً في (معجم أحاديث الإمام المهدي) ما مجموعه (١٨٦١) حديثاً متعلِّقاً بالمهدي، استُخرِجَت من مصادر مختلفة.
فهذه الإحصائيَّات تُعطي فكرة عامَّة عن مكانة المهدويَّة عند المسلمين، ومصدر انبثاق وجذور الفكرة لديهم.
* الشبهة (٨): مهدي المسلمين هو الذي يُشكِّل الكثير من المشاكل والمتاعب للعالم، فمغامرات مدَّعي المهدويَّة في التاريخ الماضي والحاضر خير دليل، وكذلك المستقبل المنظور والمحتمل للمهدي لن يختلف عن الوضع الحالي.. وقد صرَّح بهذه الفكرة بعض من المستشرقين، ولعلَّ أوَّلهم جيمس دارمستيتير في مقدَّمة كتابه (المهدي الماضي والحاضر)(١٠٩).
* ج (٨): إنَّ رؤية معظم المستشرقين للمهدويَّة من الناحية الفلسفيَّة تقوم على أساس صراع الحضارات ومعارضة الثقافات، وهذه الرؤية تأصَّلت في إطار فكري لا ينسجم مع روح ومبادئ وأهداف المهدويَّة، المبنيَّة على أُسُس نشر القسط والعدل لكلِّ البشريَّة، ومصداقيَّتها أنَّها من وحي السماء وليس من صنع البشر.. ولكن الكتابات والأبحاث الاستعماريَّة لا تقبل هذا الكلام، لأنَّ المهدويَّة تتعارض مع مصالحهم ولا بدَّ من محاربتها والقضاء عليها.. علماً بأنَّ الكثير من مدَّعي المهدويَّة انطلقوا في مهمَّتهم بتدبير ودعم ومساندة من المخابرات الأجنبيَّة، وأوضح مثال على ذلك: البهائيَّة، والقاديانيَّة، والبابيَّة.
سلك المستشرقون الذين تناولوا العقيدة المهدويَّة منهجاً واحداً يكاد لا يختلف، وما ذكرنا لمثل هذه المزاعم والاختلاقات التي اقتبسناها من بعض كُتُب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٩) The Mahdi Past and Present , ١st Edition, Page ٥ , ١٨٨٥, NY- USA.

(١٢٠)

المستشرقين إلَّا عرض صورة توضيحيَّة لمواقفهم ونظرتهم ورؤيتهم للمهدويَّة الإسلاميَّة.. وليس هناك شكٌّ من أنَّهم قد غالوا في آرائهم وبالغوا في إظهار الشُّبُهات إلى حدٍّ كبير بهدف التقليل من أصالة العقيدة المهدويَّة، وتقويض مبادئها، والقضاء عليها من الأساس.
وبعد أنْ أشرنا بشكل موجز إلى رؤية المستشرقين للمهدويَّة، يمكننا الخروج بالنقاط التالية:
- إنَّ معظم الآراء والاستنتاجات الاستشراقيَّة التي صدرت بحقِّ المهدويَّة، تدلُّ على أنَّها كانت أحكاماً مبنيَّة على أفكار مسبقة.
- أطلق المستشرقون مصطلحات كـ (الخرافة، والأُسطورة، وبلغة الاستهزاء) بحقِّ المهدويَّة، وهذا لا يمتُّ إلى منهج البحث العلمي بأيَّة صلة، ولكنَّه دلالة واضحة على الأهداف والدوافع التي ينطلقون منها.
- ركَّز المستشرقون على بعض الروايات والأخبار الضعيفة عند المسلمين، وكان الهدف منها النيل من أصالة المهدويَّة ومكانتها والتشكيك فيها.
- إشكالات وأخطاء منهجيَّة عديدة في بحوثهم عن المهدويَّة - مقصودة -، أبعدتهم عن الموضوعيَّة العلميَّة والمنطق العقلي، ولكنَّها في الأساس تخدم أغراضهم.
- التشكيك في أصالة المهدويَّة الإسلاميَّة وإضفاء صفة التبعيَّة، أو أنَّها مقتبسة من ديانات سابقة، أو أنَّ الفكرة ليست سماويَّة (من قِبَل الوحي)، بل نتيجة لظلم واضطهاد سياسي.
- إلصاق الفكرة بالطائفة الشيعيَّة فقط، وأخذ ما كُتِبَ من طعن وتشويه بالمهدويَّة في كُتُب وتراث المدارس الإسلاميَّة الأُخرى أخذ المسلَّمات بلا أدنى تحليل أو نقاش.

(١٢١)

بنظرة كلّيَّة شاملة وبتتبُّع دقيق نلحظ أنَّ المستشرقين لهم مواقف ورؤى ثابتة من المهدويَّة، فتكرار المزاعم والشُّبُهات واجترارها باستمرار، ومن دون أيِّ تجديد أو تطوير فيها، يدلُّ على عدم علميَّة أو منطقيَّة هذه الإشكالات، إنَّما للتشكيك والتشويه والرغبة في فرض الافتراءات.
إنَّنا مطالبون بتصحيح الرؤية عن مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) لدى الشعوب والرأي العامِّ (الآخر)، وطرحها بصورتها الحقيقيَّة وشكلها الحضاري، وإيضاح المستقبل المتألِّق الذي ينتظر البشريَّة على يد الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. فلو أحسنا عرض المهدويَّة وأوضحنا أهدافها، وعملنا على الترويج لها، وكان ذلك بحكمة وبأساليب علميَّة وحضاريَّة، فسيتمُّ حينها دحض كلِّ الشُّبُهات والمزاعم التي ينشرها المستشرقون بيسر وسهولة.
لمحة تفصيليَّة عن نماذج من دراسات المستشرقين عن المهدويَّة:
المهدويَّة واحدة من أكثر الدراسات المثيرة للاهتمام في الغرب حاليًّا، ويمنحوها أهمّيَّة كبيرة للغاية، وتأسيساً عليه سنستعرض في بحثنا إلى لمحة بسيطة وموجزة عن نماذج من كتابات المستشرقين حول المهدويَّة قديماً وحديثاً، وكيف أنَّ المجتمعات الغربيَّة لا زالت تتغذَّى على النتاج الفكري للمستشرقين، ومدى تأثير كتاباتهم على الرأي العامِّ لديهم حاليًّا، حيث يتمُّ إعادة تداول الكُتُب القديمة وطبعها من جديد، أو إعادة صياغة أفكارها وبثُّها وسط المجتمعات الغربيَّة.
إنَّ انتقاءنا لنماذج من كتابات المستشرقين سيكون منسجماً مع هدفنا في تشخيص وتقييم منهج الدراسات الاستشراقيَّة للمهدويَّة، كما أنَّ الأساس الذي اعتمدناه في هذا الانتقاء يتبع مراحل زمنيَّة مختلفة، وبها اتِّجاهات فكريَّة متباينة، ولكنَّها تكشف لنا بصورة جليَّة الاتِّجاه العامَّ لكتابات المستشرقين.

(١٢٢)

* كتاب (المهدي من أُصول الإسلام إلى الحاضر) للمستشرق اليهودي الفرنسي جيمس دارمستيتير (James Darmesteter) (١٨٤٩ - ١٨٩٤م) أو بعنوان (المهدي الماضي والحاضر) كما في النسخة باللغة الإنجليزيَّة.


غلاف الطبعة الإنجليزيَّة

غلاف الطبعة الفرنسيَّة

صدرت الطبعة الأُولى في (٢٨/فبراير/١٨٨٥م) باللغة الفرنسيَّة:
Le Mahdi: depuis les origines de l’Islam jusquà nos jours.
ثمّ ترجمته آدا ساره بالين(١١٠) إلى اللغة الإنجليزيَّة في العامِّ نفسه بعنوان: (The Mahdi Past and Present)، وطُبِعَ في نيويورك - أمريكا.
في الوقت المعاصر تمَّ إعادة طبع الكتاب ونشره من جديد عدَّة مرَّات، فقد صدرت طبعة باللغة الفرنسيَّة في (٦/أبريل/٢٠١٠م)، ثمّ طُبِعَ في (١٤/ يناير/٢٠١٥م) بباريس، وأُعيد طبعه كذلك في (١/يناير/٢٠١٧م)، وطُبِعَ من جديد في (٢١/أُكتوبر/٢٠١٨م).. أمَّا باللغة الإنجليزيَّة فأُعيد طبعه عدَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٠) الكاتبة الأمريكيَّة آدا ساره بالين (Ada Sarah Ballin) (١٨٦٣ - ١٩٠٦م).

(١٢٣)

مرات، فصدرت طبعة في مارس (٢٠٠٩م) في أمريكا، وصدرت طبعة في (يونيو/٢٠١١م) في فرنسا، وصدرت طبعة جديدة في (سبتمبر/٢٠١٥م) في أُستراليا.
الكتاب يتحدَّث عن فكرة ظهور المنقذ في آخر الزمان وكيف تناولته أديان مختلفة، ثمّ ينتقل إلى شرح مفصَّل وموسَّع عن المهدي وعقيدة المسلمين به، حيث يعتبرونه رجل من عائلة محمّد - الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) - سوف يظهر بالضرورة في آخر الزمان من أجل دعم الدِّين وتحقيق العدالة ويجعل نفسه سيِّداً للمسلمين، وما رُوِيَ عنه من أحاديث تاريخيَّة متضاربة ومختلفة، بالإضافة لتبشيرات الأديان الثلاثة (اليهوديَّة، والمسيحيَّة، والزرادشتيَّة) بكُتُبها المقدَّسة حيث تتعارض الأخبار بخصوص اسمه وصفاته وشخصيَّته وما سيفعله حال خروجه، ولكن تتَّفق جميعها على أصل الفكرة ووجودها..
والكاتب يزعم أنَّ عقيدة المسلمين في المهدويَّة غير أصليَّة، بل مأخوذة من ديانات سابقة.. وأنَّ فكرة المهدي شكَّلت في وقت واحد وعُمِّمت في جميع أنحاء العالم الإسلامي، وتتبَّع المؤلِّف مسار مَنْ تبنَّى ادِّعاء المهدويَّة بشكل موجز في عدَّة بلدان إسلاميَّة.
الكتاب مكوَّن من (١٦٠) صفحة، ويحتوي على مقدَّمة وتسعة فصول وخاتمة وملاحق بالإضافة لمقدَّمات المترجمين والناشرين.. تتحدَّث فصول الكتاب إجمالاً عن:
جاء في مقدَّمة المؤلِّف: (عندما ظهر محمّد - الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) - في الجزيرة العربيَّة كان هناك بجانب الوثنيَّة الوطنيَّة القديمة ثلاث ديانات أجنبيَّة: اليهوديَّة والمسيحيَّة ودين زرادشت (في بلاد فارس). لم يكن محمّد نفسه مسؤولاً عن الأصالة، فقد أخذ عقائده من اليهود والمسيحيِّين، وأخذ أساطيره من اليهود والمسيحيِّين والفرس، ولم يكن هناك دين جديد أبداً..

(١٢٤)

كانت إحدى السمات المشتركة لهذه الديانات الثلاث هي الاعتقاد في وجود كائن خارق للطبيعة سيخرج في نهاية المطاف، ويُعيد النظام والعدالة المفقودَين إلى العالم، وذلك تمهيداً لعهد عالم الخلود والنعمة اللَّانهائيَّة).
- الفصل الأوَّل: فكرة المهدي، الديانات السابقة للإسلام، معنى اسم المهدي.
- الفصل الثاني: تشكيل فكرة المهدي عند المسلمين، خلفاء دمشق الأُمويُّون، العرب في بلاد فارس، الفرس مع عليٍّ، الحقُّ الإلهي، الفتوحات.
- الفصل الثالث: المهدي في بلاد فارس (الفترة الأُولى)، محمّد بن الحنفيَّة موته وأساطير، محمّد ووادي رضوى، اضطهاد أحفاد عليٍّ.
- الفصل الرابع: المهدي في بلاد فارس (الفترة الثانية)، سقوط الدولة الأُمويَّة، العبَّاسيُّون، أبو مسلم، النبيُّ الغائب، الخليفة المنصور، عليٌّ الرضا والخليفة المأمون، سيِّد الساعة، الصوفيَّة.
- الفصل الخامس: المهدي في أفريقا، الفاطميُّون، عبيد الله، اغتيال أبي عبد الله، مدينة المهدي، الحكيم، الدروز، الموحِّدون.
- الفصل السادس: المهدي في تركيا، السلطان وكردستان، المسيح الدجَّال، المهدي لعام (١٦٦٦م).
- الفصل السابع: المهدي في مصر، المهدي من طرابلس، معجزاته.
- الفصل الثامن: المهدي في السودان، الأُبوَّة والشباب من المهدي، المهدي يُعلِن نفسه، ثورة ضدَّ المصريِّين.
- الفصل التاسع: محمّد أحمد وخصومه، آداب المهدي وعاداته وتخطيطاته، المدنيَّة في السودان، فكرة اليهودي والمسيحي، عندما يلتقي المهدي مع المهدي، تنازع ادِّعاءات المهدي، كما المسيح الدجَّال.

(١٢٥)

- الاستنتاجات والخاتمة: النظام في السودان، خطأ إنجلترا، حضارة المستقبل.
- ملاحق: المهدي السوداني من (١٨٨٤م)، حصار الخرطوم.
لقد كتبت المترجمة بالين في مقدَّمة النسخة الإنجليزيَّة: (إنَّني بنشري لهذا الكتاب أقوم بواجب لطيف لجمهور القُرَّاء الإنجليزي، ويجوز لي أنْ أقول: إنَّ الكتاب ليس مثيراً للاهتمام فحسب، بل مفيد أيضاً.. فالمؤلِّف في كتابه (المهدي الماضي والحاضر) يتتبَّع تاريخ المهدي من السنة الأُولى من عصر محمّد (٦٢٢م) إلى العام الحالي (١٨٨٥م/١٣٠٢هـ)، وقد أشار المؤلِّف إلى مختلف مَنْ قالوا بالمهديَّة التي قد ظهرت في التاريخ.. كمترجِم: أُلاحظ في مقدَّمة الكتاب، المعنى الحرفي للكلمة (مهدي) ومعناها (مَنْ يقود)، وقد تمَّ تطبيق هذا المصطلح على العديد من الرجال.. يرسم الكاتب وكما يفعل بإيضاح أصل الاعتقاد في المهدي، وكذلك يشير إلى نقطة ذات أهمّيَّة كبيرة فيما يتعلَّق بجنودنا في مصر.. التاريخ يُعيد نفسه بشكل وثيق للغاية بين المسلمين، وأنَّ إعادة سرد مغامرات المهديَّة السابقة هو أنْ يقول: إنَّ الماضي والحاضر والتاريخ المستقبلي المحتمل للمهدي، سوف يُعطينا الكثير من المتاعب في وقت متأخِّر..
هو ليس الأوَّل ولا الأخير، من فجر الإسلام كان من المتوقَّع دائماً أنْ يخرج المهدي، وسوف يتمُّ البحث عنه طالما بقي مسلم واحد، لأنَّه لم يستطع أحد (أي مهدي) أنْ يبرهن بنجاح مهمَّته السماويَّة، وكانت دائماً تتبع كلَّ (حركة مهدويَّة) انتفاضة أُخرى ضدَّها)..
وتُواصِل المترجمة في مقدَّمتها بالقول: (من الضروري تكييف سياستنا الخارجيَّة لتُلائِم خصوصيَّات الشعوب التي نتَّصل بها، وينبغي أنْ نسترشد بالمعرفة، فالأمانة تُحتِّم أنْ نأخذ بعين الاعتبار العادات والأحكام المسبقة، وجذور المعتقَدات، وذكاء وخيانة إخوتنا في الشرق، إذا كان في الواقع يمكننا أنْ

(١٢٦)

نُسمِّيهم (إخوة) حيث تختلف طبيعتهم وثقافتهم وعلى نطاق واسع عن منطقتنا، هذا الجهل بالقاعدة الفكريَّة لأُولئك الذين نتواصل معهم يمكن أنْ يكون كارثيًّا، وعاملاً قويًّا في إنتاج أهوال التمرُّد الهندي، وربَّما لم تكن الخرطوم قد سقطت). المترجمة (٤/مايو/١٨٨٥م) - واشنطن.
بالطبع الكتاب يحتوي على افتراءات ومغالطات كثيرة جدًّا عن النبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) والإسلام والمهدويَّة، والمؤلِّف ينطلق في كتابة هذه الأفكار (المختلقة وغير الصحيحة) لأنَّه لا يعتقد بأنَّ الإسلام دين سماوي، ولا يؤمن بنبوَّة الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، بالإضافة لأهداف دينيَّة وسياسيَّة واضحة وراء ذلك.. هذا الكتاب يُمثِّل نموذجاً من دراسات المستشرقين الخالية من أدنى درجات الموضوعيَّة، ويُعتبَر قاصراً بالمعايير العلميَّة، وهذا ما نراه منطبقاً على عدد كبير من كتابات المستشرقين الذين تصدَّوا للبحث في المهدويَّة.
* كتاب (الإمام الغائب في العقيدة الشيعيَّة) للمستشرق والفيلسوف الفرنسي هنري كوربان (Henry Corbin) (١٩٠٣ - ١٩٧٨م)، وُلِدَ من أُسرة مسيحيَّة في فرنسا، ودرس الفلسفة في جامعة السوربون:


غلاف الطبعة الإسبانيَّة

غلاف الطبعة الفرنسيَّة

(١٢٧)

صدرت الطبعة الأُولى للكتاب باللغة الفرنسيَّة في (١٩٦٠م):
L›Imâm caché et la rénovation del l›homme en théologie shi›ite.
ونُشِرَ في زيورخ، وطُبِعَ من جديد في باريس عام (٢٠٠٣م) باللغة الفرنسيَّة.. وكذلك نُشِرَ في عام (٢٠٠٣م) باللغة الإسبانيَّة بعنوان (الإمام الغائب).


غلاف الطبعة العربيَّة

غلاف الطبعة الإيطاليَّة

وفي (٢٥/مايو/٢٠٠٧م) ترجمه الأُستاذ: نواف محمود الموسوي إلى اللغة العربيَّة بعنوان (الإمام الثاني عشر)، وطُبِعَ في لبنان.. وفي عام (٢٠٠٨م) نُشِرَ باللغة الإيطاليَّة بعنوان (الإمام الغائب).. وتكرَّر إعادة طبع الكتاب مرَّات عديدة.
هذا المصنَّف يبحث عن (الإمام المهدي)، وهو الكتاب السابع المندرج في المجلَّد الرابع من موسوعة المؤلِّف الشهيرة (مشاهد روحيَّة وفلسفيَّة للإسلام في الإطار الإيراني)، وهو يُمثِّل نموذجاً للدراسات الاستشراقيَّة التي خلت من الدوافع والأغراض أو آثار التعصُّب، ويتَّصف إجمالاً بالأمانة والموضوعيَّة.. الكتاب(١١١) مكوَّن من (٢٥٠) صفحة، وهو بعنوان (الإمام الثاني عشر) يحتوي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١١) النسخة العربيَّة لكتاب (الإمام الثاني عشر).

(١٢٨)

على مقدَّمة للمترجِم، وعرض موجز من المترجِم للمجلَّد الرابع (عن الإسلام في إيران، مشاهد روحيَّة وفلسفيَّة)، وأقسام الكتاب:
الفصل الأوَّل: سيرة الإمام الثاني عشر.
الفصل الثاني: في زمان الغيبة الكبرى.
الفصل الثالث: الفروسيَّة الروحيَّة.
وخاتمة وملاحق.
ملخَّص الكتاب بشكل موجز: (التركيز على شخص الإمام الثاني عشر (الإمام المستتر عن الأبصار والحاضر في قلوب الأخيار)، وهو رمز رائع يجمع كلَّ فضائل، ويُهيمن على القوى الكامنة في الوعي الشيعي، الوشيك الظهور، ظاهراً منذ أكثر من عشرة قرون، فإنَّ سيرة الإمام الثاني عشر وظهوراته هي تاريخ الوعي الشيعي، أو بالأحرى تاريخه القدسي.. تبدأ هذه السيرة بولادة الإمام، مقطع الخطوبة الروحيَّة لأُمِّه (الأميرة البيزنطيَّة نرجس) على الإمام الحادي عشر، علامة على الانتباه الذي يوليه التشيُّع للمسيحيَّة الذي لم يظهر بهذه الطريقة لدى أيِّ فئة إسلاميَّة أُخرى، وبالإمام الثاني عشر تتمُّ (عدَّة الاثني عشر إماماً) حاضراً في الماضي وفي المستقبل في آنٍ معاً، فهو خاتم دائرة الهداية التي تخلف دائرة النبوَّة، وهو كذلك خاتم الفلسفة النبويَّة وفلسفة التاريخ الشيعيَّة، الزمان الحاضر لغيبته هو زمان (ما بين الأزمان) الذي سيدوم حتَّى خروجه الذي يُؤشِّر إلى نفاد دهرنا، وشخص الإمام الثاني عشر ودوره هما في تناسب مع فكرة المخلِّص أو المغيِّر النهائي لصورة العالم (الشوشيانت) لدى فارس الزرادشتيَّة، وقد أمكن القول: إنَّ الأخلاقيَّات الزرادشتيَّة عبَّرت عن نفسها بنوع من جماعة فروسيَّة، وكذلك تحلَّقت حول شخص الإمام الثاني عشر فكرة فروسيَّة روحيَّة، وصلت من جهة بين أخلاقيَّات إيران القديمة الزرادشتيَّة

(١٢٩)

وأخلاق إيران الشيعيَّة، وأقامت من جهة أُخرى صلة بين فروسيَّة إيران الإسلاميَّة والفروسيَّة الغربيَّة، كان قد جرى التمهيد لفكرتها منذ القرن الثاني عشر، وكما أنَّ مفكِّري شيعة يماهون اسميًّا الإمام الثاني عشر بالمجدِّد عند الزرادشتيَّة، فإنَّ مرويَّات شيعيَّة أُخرى تماهي الإمام الثاني عشر بالبرقليط المبشَّر به في إنجيل يوحنَّا)(١١٢).. هاتان الواقعتان (خاتم أولياء الله، وخاتم الفروسيَّة الروحيَّة) تهيمنان على كلِّ محتوى هذا الكتاب، ويقوم المؤلِّف بإحاطة روحيَّة لولاية الإمام (عجَّل الله فرجه) إلى عصر الروح (البرقليط)، وهي التحرُّر من كلِّ عبوديَّة وعذاب، ولذا أشار المؤلِّف إلى الجزيرة الخضراء، واستخدم مصطلحات مسبوقة بظاهرة الكنيسة (فكرة عصر البرقليط)، وهي فكرة مخلِّصيَّة اجتماعيَّة.
لقد رفض كوربان منذ البداية الانقياد والجري وراء منطق اللَّاعلميَّة والتعصُّب الذي تميَّزت به الرؤية الاستشراقيَّة فيما يتعلَّق بالكثير من القضايا الإسلاميَّة الحسَّاسة، وبشكلٍ خاصٍّ قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه).. هذا الموقف من قِبَل كوربان القائم على المنطقيَّة والموضوعيَّة في معالجة الأُمور وتحليلها، أسفر عن نتيجة حاسمة ونهائيَّة توَّجت أبحاثه حيث يقول: (في عقيدتي أنَّ التشيُّع هو المذهب الوحيد الذي حفظ بشكلٍ مستمرٍّ رابطة الهداية بين الله والخلق، وعُلقة الولاية حيَّة إلى الأبد، فاليهوديَّة أنهت العلاقة الواقعيَّة بين الله والعالم الإنساني في شخص النبيِّ موسى (عليه السلام)، ثمّ لم تُذعِن بعدئذٍ بنبوَّة السيِّد المسيح والنبيِّ محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)]، فقطعت الرابطة المذكورة، والمسيحيَّة توقَّفت بالعلاقة عند المسيح (عليه السلام)، أمَّا أهل السُّنَّة من المسلمين فقد توقَّفوا بالعلاقة المذكورة عند النبيِّ محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)]، وباختتام النبوَّة به لم يعد ثَمَّة استمرار في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٢) عرض موجز للكتاب مقتبص بتصرُّف من مقدَّمة المترجم للنسخة العربيَّة (ص ٤٣ - ٤٦).

(١٣٠)

رابطة العلاقة [في مستوى الولاية] بين الخالق والخلق، التشيُّع يبقى هو المذهب الوحيد الذي آمن بختم نبوَّة محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)] وآمن في الوقت نفسه بالولاية - وهي العلاقة التي تستكمل خطَّ الهداية، وتسير به بعد النبيِّ - وأبقى عليها حيَّة إلى الأبد)(١١٣)، هذا المستشرق القادم لنا من فرنسا يجد أنَّ قضيَّة المهدي والولاية بشكلٍ عامٍّ هي التي أبقت التشيُّع حيًّا، وأهَّلته إلى دور إنساني شامل في حياة البشر.
إنَّ معارضة كوربان للرؤية التي ينقلها المستشرقون عن المهدويَّة إلى أبناء الغرب، جعلت منه باحثاً متفرِّداً، وعالماً متميِّزاً في طريقة البحث والدراسة، ولهذا نجد أثراً مباشراً لأُسلوبه في البحث والتنقيب عن المهدويَّة يتجلَّى في:
١ - تغيَّير النظرة المشوَّهة في العالم الغربي للصورة التي رسمها المستشرقون عن حقيقة المهدويَّة، وأكَّد على أنَّها عقيدة سماويَّة أصيلة، وحاول أنْ يقلب المفاهيم الخاطئة تماماً بعد أنْ سادت فترة طويلة من الزمن.
٢ - تأثير مباشر وشخصي يعكس فهمه للأبعاد الروحيَّة للدِّين الإسلامي، فشهر إسلامه واختار المذهب الشيعي الإمامي كمدرسة ومنهج له، وقد كان شديد الإيمان بالإمام المهدي الغائب (عجَّل الله فرجه).
إنَّ الكتاب ينمُّ عن عمق دراسي ومنهجيَّة علميَّة في البحث، على الرغم من وقوعه تحت تأثير الأجواء الصوفيَّة، ولكن لا يعني خلوُّه من الهفوات والأخطاء، ولا بدَّ من التأكيد أنَّ هذا الكتاب (الاستشراقي الجليل) يحتوي على أفكار ورؤى في الثقافة المهدويَّة تقبل النقد العلمي وتستحقُّ النقاش العادل، ولا بدَّ أنْ نذكر ملاحظاتنا عليه:
- دور الإمام الغائب الذي اعتبره المؤلِّف: أنَّ رأي الصوفيَّة في القطب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) الشيعة (نصُّ الحوار مع المستشرق كوربان) (ص ٤٩).

(١٣١)

تطاول عليه، خاصَّةً وأنَّه ربط بين الإمام وبين باطنيَّة الشيعة، وأنَّهم ينتظرون كشف الحقيقة لا ظهور نبيٍّ جديدٍ، أي ظهور وليٍّ يكشف جميع حقائق الأحكام.. والأنسب توضيح مفهوم الإمام الغائب في الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة، ودور صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه) في أيَّام الغيبة، لكي يتَّضح مدى صحَّة استنتاجات المؤلِّف ومدى الفرق بين الفكرة عند الإماميَّة وعند الإسماعيليِّين، وكذلك مدى الفرق بينها وبين فكرة القطب الصوفي.
- الإمام الغائب عند الشيعة هو أحد الأئمَّة الاثني عشر، وهو الحلقة الأخيرة منهم، شخص معيَّن ومحدَّد الهويَّة والنَّسَب، فلا ينطبق على قطب في كلِّ زمانٍ، ولا علاقة له بالدور الذي يقوم به القطب ولا بانتظار كشف الحقائق وبواطن الأحكام بواسطته، وإنَّما يتمُّ تنفيذ الأحكام الإسلاميَّة على يديه حال ظهوره، والاستخلاف في الأرض.
- ما أشار إليه المؤلِّف حول الجزيرة الخضراء ونقله الخبر عن بعض مصادر التراث الشيعي، نقول ونُؤكِّد: إنَّ حديث أو خبر الجزيرة الخضراء لا يصحُّ سنداً ولا متناً، ولا مجال للقبول به، ولا الاعتماد عليه بوجه، وهو أقرب للوضع والاختلاق منه إلى الحقيقة والواقع، وما ذكره المؤلِّف للخبر من وجود أنصاره وقرب ظهوره (عجَّل الله فرجه) في تلك الفترة غير صحيح، وقاصر عن مستوى القبول والاعتبار.
لا بدَّ من الإشارة بأنَّ هذا الكتاب قد فتح أمام الفكر الغربي باباً جديداً للثقافة والمعارف المهدويَّة، وهو يقود خُطَى الإمام الغائب في دائرة الاستثارة في الساحة الثقافة والفكريَّة الغربيَّة، وفي الوقت نفسه لا يُقلِّل من المعرفة والعلم والحقيقة، إنَّه بحقٍّ عمل يتجاوز جهود كثير من الباحثين والمستشرقين، وخدمة يُقدِّمها المؤلِّف للثقافة العالميَّة.

(١٣٢)

لقد كان لكوربان تأثير كبير على تلميذه (فرانسوا توال)(١١٤)، حيث يقول توال مؤكِّداً تأثره بمعلِّمه: (منذ وقت طويل انصبَّ اهتمامي على التشيُّع بعد أنِ اطَّلعت على مؤلِّفات هنري كوربان التي التهمتها كلَّها)، ومن أشهر كُتُب المستشرق الفرنسي توال (الجغرافيا السياسيَّة للشيعة)(١١٥)، والذي تمَّت ترجمته إلى العربيَّة بعنوان (الشيعة في العالم، صحوة المستبعَدين واستراتيجيَّتهم)، حيث ينظر المؤلِّف للمهدويَّة بوعي متقدِّم، ويُفسِّرها بعقليَّة سياسيَّة تتلمس الواقع الشيعي، وقد اعتبر العقيدة المهدويَّة حجر أساس في عقائد الشيعة، حيث يقول: (إنَّ الشيعة يعيشون في انتظار عودة الإمام الغائب، فيما هم يناضلون من أجل العدالة على الأرض، ذلك هو - باختصار - المنهج الذي تنتهجه هذه الطائفة في مسراها الدنيوي)(١١٦)، ويقول في جانب آخر من الكتاب: (إنَّ المهدي غاب عن البشر ليقودهم على وجه أفضل، تاركاً وراءه الشيعة الاثني عشريَّة.. هذه الفكرة عصيَّة على الفهم، فالأمر ليس (صعوداً إلى السماء) كما في الدِّين المسيحي، بل غيبة شاءها الله كي يسمح لمحمّد المهدي بأنْ يقود الناس بطريقة خفيَّة، وفكرة غيبة الإمام هذه لها لدى الشيعة تأثير مهمٌّ على محتوى هذا الإيمان ونتائجه، لأنَّها تُفسِّر طابعه النهاية: فالشيعة ينتظرون نهاية العالم وعودة الإمام، باعتبار أنَّ هذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٤) فرانسوا توال: معاصر وُلِدَ في نوفمبر (١٩٤٤م) في فرنسا، الخبير الأمني والاستراتيجي، والمستشار ثمّ نائب الأمين العامِّ للمجموعة الوسطيَّة في مجلس الشيوخ الفرنسي، ومدرِّس مادَّة الاستراتيجيَّة في جامعة السوربون.
(١١٥) صدر الكتاب باللغة الفرنسيَّة عام (١٩٩٢م)، وأعاد المؤلِّف طباعته مرَّة ثانية عام (٢٠٠١م) بتنقيح وإضافات جديدة، نُشِرَ الكتاب (١١) طبعة بين عامي (١٩٩٥ - ٢٠٠٤م).
Géopoli-de François Thual , ١٩٩٢-tique du chiisme.
(١١٦) الشيعة في العالم (ص ٣٢).

(١٣٣)

العودة هي بشكل أو بآخر، نهاية التاريخ وانتصار الله في مصائر البشر)(١١٧)، ويُؤكِّد أيضاً: (إنَّ الشيعة مذهب ذو رؤية تتمحور رسالتها الروحيَّة حول الإمام الغائب، وتفترض تالياً عدم نهائيَّة التاريخ ما دام الإمام غائباً ولم يعد ليحكم بالعدل...، هذه الرؤية النهائيَّة التي تستشرف نهايات التاريخ، لها مستلزماتها السياسيَّة الثوريَّة، ممَّا جعل الشيعة ينتظمون حول كبار رجال الدِّين، وتبقى الطائفة الشيعيَّة محكومة في مبادئها وانتظاراتها، بأنْ تبقى في حال غليان سياسي دائم)(١١٨).. والواضح أنَّ (توال) يتحدَّث عن القوَّة المختزنة في عقيدة الانتظار، والتي تجعل من حركة الأقلّيَّة حركة قادرة على إحداث تحوُّل هائل في تاريخ البشريَّة، والقدرة على التماسك والاستمرار في الوجود.
* كتاب (المسيح الدجَّال الإسلامي حقائق صادمة): للكاتب المسيحي الأمريكي جويل ريتشاردسون (Joel Richardson) (معاصر):


غلاف الكتاب

غلاف آخر للكتاب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٧) الشيعة في العالم (ص ٣٩ و٤٠).
(١١٨) الشيعة في العالم (ص ١٦٤).

(١٣٤)

صدرت الطبعة الأُولى للكتاب في عام (٢٠٠٦م):
The Islamic Antichrist: The Shocking Truth about the Real Nature of the Beast.
ثمّ التقطته صحيفة (Word Net Daily) الأمريكيَّة وأعادت نشره عام (٢٠٠٩م) بعنوان (الدجَّال الإسلامي)، وروَّجت للكتاب بقوَّة من ذلك الحين.
كثر الحديث عن المهدويَّة في السنوات الأخيرة في الأوساط الثقافيَّة في العالم الغربي، وعبر وسائل مختلفة، مثل: الندوات الدوريَّة والمؤتمرات السنويَّة والدراسات والبحوث، ودارت نقاشات حادَّة حول (نبوءة نهاية الزمان في الكتاب المقدَّس)، وتناول الجدل نكهة جديدة من قِبَل البعض، حيث ابتكروا تفسيراً وطوَّروا مخطَّطاً جديداً تماماً للأحداث التي ستقع في آخر الزمان، والتي من أبرز ملامحها هو المسيح الدجَّال الإسلامي (المهدي) كما يُصوِّرونه، ومن بين الإصدارات الحديثة كتاب ريتشاردسون (المسيح الدجَّال) الذي تصدَّر الكُتُب الأكثر مبيعاً بقائمة نيويورك تايمز الأمريكيَّة عام (٢٠١٥م).. هذا الكتاب يتكلَّم عن تنبُّؤات آخر الزمان من وجهة نظر دينيَّة (الكتاب المقدَّس وعقائد المسلمين)، ويتحدَّث عن رؤية غربيَّة حديثة للمهدي الإسلامي، ويحتوي الكتاب على (٢٧٦) صفحة.
يزعم الكاتب الأمريكي (أنَّ المهدي المنتظر الذي تنتظر الأُمَّة الإسلاميَّة ظهوره لإنقاذ العالم يتشابه تماماً مع المسيح الدجَّال الذي ينتظر المسيحيُّون ظهوره في آخر الزمان، كما وُصِفَ في سفر الرؤيا، وفي النبوءات اليهوديَّة لحزقيال ودانيال).. وممَّا قاله الكاتب: (إنَّ المهدي الإسلامي يلائم الصورة التوراتيَّة للوحش ويلائم المسيح الدجَّال في الكتاب المقدَّس)(١١٩).. ويزعم المؤلِّف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٩) The Islamic Antichrist-Joel Richardson , Pages ٨٠ , ٩٤ & ١٨٧.

(١٣٥)

أنَّ الكتاب المقدَّس ينصُّ على حقيقة أنَّ المسيح الدجَّال الإسلامي سوف يكون الزعيم الروحي الذي سيتمُّ الاعتراف بسلطته في جميع أنحاء العالم ويُؤسِّس (حركة للعبادة) في جميع أنحاء العالم. وادَّعى الكاتب أنَّ المهدي المنتظَر أو المسيح الدجَّال سيعمل على ذلك بمساعدة رجل مسلم يدَّعي أنَّه (المسيح الحقيقي)، للقضاء على أيِّ شخصٍ يعتنق أيَّ دين آخر غير الإسلام، وسيجبر الناس على التخلِّي عن دينهم، وعبادة (إله المسلمين) فقط.. وفي فصل كامل يستشهد ريتشاردسون بقول الكتاب المقدَّس: إنَّ المسيح الدجَّال سيقطع رؤوس الذين يقاومونه، ويُؤكِّد المؤلَّف أنَّ الإعدام بقطع الرأس هو من الخصائص الأساسيَّة للإسلام(١٢٠).
ويضيف الكاتب: وإنَّ المهدي سيُجدِّد الإمبراطوريَّة العثمانيَّة(١٢١) التي بُنيت أساساً على أُسُس الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة المسيحيَّة، وهكذا نرى أنَّ المهدي هو زعيم الثورة العالميَّة التي سيكون عليها (النظام العالمي الجديد) والذي سيكون أساسها دين الإسلام، وهذا هو إنكار مباشر لإله الكتاب المقدَّس وابنه يسوع المسيح، موضِّحاً هذا هو السبب في أنَّ بعض المسلمين يشعرون بقوَّة إلى حدِّ القول بأنَّ المهدي سوف يقضي على المسيحيِّين واليهود الذين يرفضون اعتناق الإسلام.
ويتوقَّع جويل أنْ تكون نهاية العالم قريبة، مؤكِّداً أنَّها الفكرة التي جعلته يؤمن بأنَّ المهدي المنتظَر هو نفسه المسيح الدجَّال، فلو كان المسيح الدجَّال في المسيحيَّة سيأتي بالشرِّ فإنَّ المهدي المنتظَر سيأتي للقضاء على كلِّ أصحاب الديانات الأُخرى، وبالتالي فهما شخص واحداً، كما قام الكاتب بتخصيص جزء من كتابه لتعاليم الإسلام التي وصفها بـ (التقاليد).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) The Islamic Antichrist-Joel Richardson , Pages ١٣٦-١٥٤.
(١٢١) The Islamic Antichrist-Joel Richardson , Pages ١١٠-١١٤.

(١٣٦)

وتلقَّى أبحاث ودراسات ريتشاردسون التي ألَّف كتابه على أساسها الضوء على العلاقة بين نبوءة نهاية العالم في المسيحيَّة والتوقُّعات الإسلاميَّة للهيمنة على العالم، ويقول: (إنَّ معظم الناس في الغرب لا يعرفون ما يقوله القرآن عن المسيح، ولا يعرفون أنَّ قاعدة معتقَدات المسلمين لا ترتكز فقط على القرآن، ولكنَّها ترتكز أيضاً على أقوال محمّد - الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) - التي تُفسِّر القرآن، زاعماً أنَّه بدون هذه الأقوال لا يمكن أنْ يكون القرآن مفهوماً بشكل صحيح، ومعظم المعتقَدات الإسلاميَّة حول نهاية العالم تستند إلى أحاديث محمّد)(١٢٢).
ويقول جويل: هناك تسليم عند المسلمين بظهور المهدي، وإنَّه سوف ينحدر من عائلة محّمد، وسوف يحمل اسم نبيِّ المسلمين (محمّد)، وهم يعتقدون أنَّ القدس ستكون بمثابة عاصمة حكم المهدي على الأرض، ويُصوِّر التراث الإسلامي بأنَّ المهدي سيكون شابًّا عاديًّا ينضمُّ إلى جيش من المحاربين المسلمين يحملون الأعلام السوداء، ثمّ سيرتقي المهدي لقيادة هذا الجيش وينطلق بهم إلى القدس لاسترداد الأرض من اليهود وذبحهم، والمهدي رجل عادي وليس كائناً خارقاً للطبيعة، ومن المتوقَّع له أنْ يحكم لمدَّة سبع سنوات ثمّ يموت.. ويزعم الكاتب بهتاناً هذه هي حقيقة المهدي عند المسلمين، ويُوصِف المسيح الدجَّال وصفاً قويًّا والذي عرَّفه بالمهدي الإسلامي.
وفي الجزء الأخير للكتاب وبعنوان (هكذا يجب أنْ نردَّ)(١٢٣) يقول فيه: (ينطلق شعور من الخوف والعجز بهذا الكتاب، يتعلَّق بالمستقبل الذي ينتظرنا كمسيحيِّين)، ويخاطب القارئ الغربي قائلاً: (يجب أنْ تكون مستعدًّا عقليًّا وروحيًّا إلى المشقَّة المرتقَبة الحاسمة التي تنتظرنا).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٢) The Islamic Antichrist-Joel Richardson , Pages ٦٧.
(١٢٣) The Islamic Antichrist-Joel Richardson , Pages ٢٥٤-٢٦٠.

(١٣٧)

هذا الكتاب يُمثِّل نموذجاً واضحاً من دراسات المستشرقين (المتعصِّبة) وغير الموضوعيَّة والفاقدة للأمانة العلميَّة، وبنظرة شاملة ودقيقة للكتاب نجد من الأخطاء المنهجيَّة العلميَّة التي اعتمدها ريتشاردسون في بحثه: أنَّه بدأ في مقدَّمة الكتاب بفرضيَّة (أنَّ المهدي الإسلامي يلائم ويتشابه مع صورة الوحش والمسيح الدجَّال في الكتاب المقدَّس)، وهي فرضيَّة لا تستند على أيِّ أساس علمي أو منطقي، إلَّا أنَّه مع صفحات الكتاب تعامل مع هذه الفرضيَّة على أنَّها حقيقة واقعيَّة، وتُبنى استنتاجاته عليها، على الرغم من عدم قيامه بإثبات صحَّة هذه الفرضيَّة أو تأكيدها بالأدلَّة والبراهين.. وهذا كلام في قمَّة التجنِّي، وهو بهذا يستخفُّ بعقول القُرَّاء، الذين يعتقدون أنَّه ربَّما أثبت فرضيَّته في مواضع أو كتابات أُخرى، وهذا تلبيس الحقائق وتضليل القارئ الغربي، فيصل إلى هدفه بتشويه صورة المهدويَّة في إطار مغلَّف بثوب من البحث العلمي..
وهكذا دراسات تفوح منها أحوال العصبيَّة، ولذا خرجت من تحت عباءتهم مثل هذه المزاعم والافتراءات، وهي تعكس الدوافع والأغراض التي وراءها.
كيف نستفيد من كتابات المستشرقين عن المهدويَّة؟
لا شكَّ أنَّ قراءة رؤية الاستشراق وتحليل دراساته عن المهدويَّة الإسلاميَّة، يُشكِّل مفصلاً مهمًّا من مفاصل مشروع (تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى)، وإنْ كان بشكل غير مباشر، حيث يمكننا النظر إلى نمط السلوك الثقافي الاستشراقي، وإعداده للكتابات والبحوث عن تراثنا ومعارفنا المهدويَّة، إنَّها رؤية من خلال منظور بيئة وفضاء مختلفَين، ورؤية من خارج الصندوق.. وهذا أمر في غاية الأهمّيَّة، نرصد من خلاله نقاط القوَّة والضعف في تراثنا وثقافتنا المهدويَّة، ربَّما لا ننتبه له عندما ننظر له من داخل الصندوق.

(١٣٨)

لا بدَّ من الاطِّلاع على كتابات المستشرقين عن المهدويَّة ودراستها بدقَّة، حتَّى وإنْ كانت لا تروق لنا أو اعتبرناها كُتُب هشَّة ومغرضة، فلا بدَّ من التعرُّف على الآخر وأخذ رؤاه عن المهدويَّة على محمل الجدِّ، وأنْ نمتلك صورة أكثر وضوحاً عن حقيقة المنهج الاستشراقي في دراستها، وإدراك أهدافها وأبعادها.. وتزداد أهمّيَّة قراءتها من قِبَل رجال العلم والفكر المسلمين ودراستها من قِبَل المتخصِّصين، وذلك للتعرُّف على مستواها العلمي ودقَّة المعارف المهدويَّة فيها، ومدى خطورة الشُّبُهات المثارة، بالإضافة إلى اعتماد طريقة التحليل في دراسة مناهجهم البحثيَّة في هذه الكتابات مستنداً إلى المناهج العلميَّة والموضوعيَّة، والتركيز على الافتراءات والنتائج وتفكيكها، ومعرفة الأسباب والدوافع التي ينطلقون منها.
في هذا السياق يحتم علينا تكوين بناءات فكريَّة وتراكمات معرفيَّة عن الرؤية الاستشراقيَّة للمهدويَّة، ولا بدَّ أيضاً من رصد الأهداف الاستراتيجيَّة من وراء كتاباتهم وبحوثهم، وبعد ذلك تقييم عمق الافتراءات والتخرُّصات التي تحتويها، وتحديد مستوى خطورتها وأهمّيَّتها.. وبدون الاطِّلاع على رؤيتهم لن يتسنَّى لنا الاستعداد لردِّ الشُّبُهات، أو التعرُّف على الثقافة المهدويَّة السائدة لدى الرأي العام الغربي، أو التي يتمُّ ترويجها (بدوافع دينيَّة أو سياسيَّة)، وحينها نستطيع أنْ نضع أيدينا على الخطوات الأُولى في سبيل التعريف للمهدويَّة الحقَّة من خلال فهم الآخر، ممَّا يسهل مهمَّة الدخول للمجتمعات الأُخرى وتعبيد الطريق لإنجاح المهمَّة الملقاة على عاتقنا.
إنَّ ما يُشغِلنا هو التعرُّف على هذا النوع من الاستشراق الخاصِّ، وهنا لا بدَّ أنْ نُثير سؤالاً كبيراً ومهمًّا: لِمَ كلُّ هذا الاهتمام بحثاً ودراسةً وتحليلاً في القضيَّة المهدويَّة لدى المستشرقين في الوقت الراهن؟.. وقبل ذلك علينا أنْ نستوعب

(١٣٩)

ونُدرِك دورنا المطلوب لتصحيح الصورة المزيَّفة عن المهدويَّة، والتي يحاول الاستشراق نشرها وترويجها لدى الرأي العامِّ الغربي.
إنَّ فهم المنابع الفكريَّة والأسباب الجذريَّة أو مصادر المزاعم والافتراءات حول المهدويَّة عند الآخر، هو في غاية الأهمّيَّة، وذلك لتصميم استراتيجيَّة قابلة لتجاوز هذه الشُّبُهات، وبالتالي تسهيل مهمَّة نشر المعارف المهدويَّة الأصيلة.. لا بدَّ أنْ نأخذ المبادرة ونقوم بمهمَّة تعريف وإيصال حقيقة المهدويَّة الأصلية - مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام) - للحضارات المختلفة (الشعوب غير المسلمة - الآخر) وبشكل يناسب عقليَّتهم، ولكي يتمَّ ذلك بشكل سليم وصحيح يجب معرفة المباني الفكريَّة والإحاطة بالمعارف المهدويَّة عند الآخر، ومتابعة آخر المستجدَّات التي وصلت إليها الرؤية في منظومتهم الفكريَّة.. من هنا وجب دراسة ما كُتِبَ عن المهدويَّة في دراسات وكتابات المستشرقين، وعندما نقوم بهذه الخطوة أو المهمَّة، حينها نستطيع وبجهد علمي وأساليب حضاريَّة وبعيداً عن هواجس المؤامرة أنْ نتعرَّف على شخصيَّة الآخر (الغربيَّة مثلاً) من حيث مكوِّناتها الفكريَّة والثقافيَّة، وأنْ ننتقل من موقع النقد والدفاع إلى موقع التوجيه والتأثير، وهذه هي المهمَّة والمسؤوليَّة الواجبة علينا.
في الحقيقة يجب علينا أنْ نستوعب ونُدرِك: أنَّ تعريف المهدويَّة للآخر مهمَّة حضاريَّة وقبل ذلك مسؤوليَّة دينيَّة، وأنَّ النقد لوحده لا يكفي.

* * *

(١٤٠)

الفصل الرابع: المهدويَّة برؤية حضاريَّة(١٢٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٤) فصل: المهدويَّة برؤية حضاريَّة، بحث مشارك في مهرجان السفير الثقافي التاسع (١٤٤٠هـ/٢٠١٩م)، وأُلقي في مؤتمر البحوث المهدويَّة بتاريخ (٦/شوَّال/١٤٤٠هـ) في مسجد الكوفة المعظَّم - العراق.

(١٤١)

شكَّلت فكرة الخلاص من الظلم والجور والبحث عن العدالة هاجساً للبشريَّة منذ أقدم العصور وحتَّى اليوم، فمسألة وجود (المخلِّص) الذي يُصلِح الدنيا قبل فنائها، ويعمرها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، هي فكرة انطلقت من أعماق التاريخ، فما من أُمَّة من الأُمَم السابقة إلَّا وبشَّرها أنبياؤها بمخلِّص سيأتي آخر الزمان يُنشئ حكم الله في الأرض (الدولة الفاضلة)، وهذه الفكرة لا تقتصر على الديانات السماويَّة فحسب، بل عُرِفَت حتَّى في الأديان الوضعيَّة والفلسفات البشريَّة، ممَّا أدَّى إلى اتِّفاق الجميع على المبدأ وأصل الفكرة، وحتميَّة هذه الشخصيَّة (المخلِّص الموعود) في الفكر الدِّيني والبشري، وأنَّه سيُقيم مجتمع العدالة والفضيلة لكلِّ البشر، وهكذا التقى العقل الإنساني مع وعد الله للبشريَّة.. إلَّا أنَّ هناك خلافاً يُثار باستمرار حول تحديد هويَّة هذا المخلِّص، ويصبح الموضوع من المسائل الشائكة للغاية عند الحديث عن المخلِّص الإسلامي (المهدي المنتظَر) قياساً للثقافة السائدة عند الآخر (غير المسلم) حاليًّا، ممَّا يُحتِّم علينا عرض وإيضاح حقيقة المهدويَّة بصورة ناصعة، وطرحها بأُسلوب يتوافق مع عقليَّة الطرف الآخر.
إنَّ معرفة الأهداف المهدويَّة الكبرى ومتطلَّبات مسيرة التمهيد، يدفعنا للتعالي على النظرات الضيِّقة في الثقافة المهدويَّة، والتي فرضها علينا الواقع النفسي والسياسي والفكري للمسلمين، والبحث عن سُبُل للخروج من أسر الماضي وضيقه إلى أُفُق المستقبل ورحابته، فنفتح المجال للتفكير في المعارف المهدويَّة بمنهج ومنظور يتطابق مع أهداف وغايات الإمامة الخاتمة الشاملة لكلِّ

(١٤٣)

البشريَّة، ممَّا يُوطِّد لتأسيس منظومة فكريَّة معرفيَّة مهدويَّة برؤية حضاريَّة، وتكون لها القابليَّة لإدخال وترسيخ حقيقتها لدى الرأي العامِّ للأُمَم والشعوب الأُخرى.
أهمّيَّة طرح المهدويَّة برؤية حضاريَّة:
إنَّ ثقافة الخلاص إحدى المسارات الفكريَّة الإنسانيَّة المشتركة، وإنَّ الخلاص الإسلامي المتمثِّل في المهدويَّة حظي باهتمام بالغ وكُتِبَت فيه عدد كبير من البحوث والدراسات، ولكن معظمها موجَّه لمخاطبة المسلمين.. وعند التتبُّع والتدقيق ومراجعة التراث الثقافي المهدوي يتجلَّى لنا غياب ملامح أيِّ مصنَّفات تخاطب الآخر وبالأُسلوب والعقليَّة التي تتناسب مع الرأي العامِّ للحضارات الأُخرى، ممَّا يُحتِّم علينا أنْ نُجدِّد في خطابنا المهدوي، ونواكب خصوصيَّات ومتطلَّبات المرحلة المعاصرة وفقاً لأسباب جوهريَّة عديدة، منها:
١ - استقراء التطوُّر الفكري والمعرفي في التراث المهدوي: يشير إلى أنَّنا بحاجة إلى حالة من التطوير والتجديد، وإعادة صياغة طرح المهدويَّة برؤية حضاريَّة عالميَّة، على أنْ يصل مفهومها وحقيقتها ورؤاها لكلِّ البشريَّة.
٢ - دراسة أولويَّات المرحلة التاريخيَّة ومعرفة متطلَّباتها: ففي المرحلة الزمنيَّة الحاليَّة، وعلى ضوء التحوُّلات الفكريَّة والسياسيَّة الجديدة، تولَّدت حاجة ملحَّة لعرض المهدويَّة على الآخر بأُسلوب يتناسب مع عقليَّته وبرؤى حضاريَّة.
٣ - تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى: فمن المهمِّ أنْ تتعرَّف الأُمَم والشعوب غير المسلمة على حقيقة مهدويَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وبناءً على القواسم المشتركة لمبدأ الخلاص وفكرة المخلِّص، وأنْ تُدرَك أهدافها ومقاصدها الإنسانيَّة العالميَّة.

(١٤٤)

٤ - محاربة الأعداء للمهدويَّة: فقد تحفَّزت مؤسَّسات الهيمنة الغربيَّة في الآونة الأخيرة على دراسة المهدويَّة بشكل مكثَّف، وسعت إلى تزييف الحقائق وتشويه وتقويض صورتها بمختلف الأساليب، ممَّا يُحتِّم علينا التحرُّك لإيضاح الحقيقة.
٥ - الحقيقة الناصعة للمهدويَّة: بكلِّ تأكيد أنَّ الإمامة الخاتمة تمتلك المقوِّمات الضروريَّة في تقديم ذاتها للآخرين بنجاح، حيث إنَّ خصائصها ومرتكزاتها تُؤهِّل للنهوض بالإنسانيَّة حتَّى تصل لمرحلة الكمال والرشد ممَّا يتطلَّب إيضاح ذلك للآخر.
يجب أنْ نعي ونُدرِك قبل أنْ نُعرِّف ونعرض المهدويَّة ونُبيِّن ونشرح معالمها وتفاصيلها، أنَّ من خصوصيات الآخر (غير المسلم) عندما يُراد إيصال الحقيقة له، لا معنى لأنْ يقال: (هذا ما ورد في القرآن، أو ما رُوِيَ عن الرسول، أو ما جاء عن أهل البيت)، لأنَّه لم يؤمن بالنبيِّ الأكرم محمّد (صلَّى الله عليه وآله) وكتابه الكريم.. وتأسيساً على ذلك، وفي سبيل تقديم المهدويَّة للأُمَم والشعوب المختلفة برؤية حضاريَّة، والكشف لهم عن حقيقتها وخصائصها ومزاياها، وإيضاح أهدافها والنتائج التي ستتحقَّق على يديها.. نحن مضطرُّون للاستدلال والمحاكمة بالمنهج العقلي والذي يتناغم مع المجتمعات علمانيَّة النزعة، والممعنة في الاتِّجاهات الفلسفيَّة المادّيَّة، والتي تنظر إلى الدِّين كظاهرة اجتماعيَّة لها بواعثها في التبلور والظهور، وهذا من الضرورات المنهجيَّة عند الحوار أو النقاش مع الآخر (العلماني أو أتباع الديانات الأُخرى)، وبحيث يكون المعنى الذي يفهمه أو يُدرِكه بالعقل، قد سبق وفهمه المسلم من القرآن الكريم أو من الروايات الشريفة، وهكذا يحدث التوافق بين منطق العقل ومنطق الدِّين.

(١٤٥)

السبيل لإدراك أصل الفكرة:
إنَّ التعاليم الربَّانيَّة أرست فكرة المخلِّص والمنقذ في تراث كلِّ الأديان السماويَّة بصيغة قابلة للهضم بالنسبة للملتزمين بتعاليم المدرسة الإلهيَّة والمؤمنين بها، أمَّا الفرد أو المجتمع ذو النزعة العلمانيَّة والأفكار المادّيَّة، فإنَّه ينظر إلى عقيدة المخلِّص أو الأُطروحة في صيغتها النهائيَّة (المهدويَّة) من قبيل نظرته إلى أفكار الشعراء التي تفتقد بنظره لأيَّة قيمة واقعيَّة، وهي نفس النظرة للأُمور المعنويَّة(١٢٥) والمعارف الدِّينيَّة، ولذا نأمل من هؤلاء الأفراد طريقة أفضل وأعمق في التأمُّل والتفكير في أصل المسألة (المخلِّص الموعود).. فسُنَن الله في الكون صيغت بطريقة لا تتبدَّل ولا تتأخَّر وتجري بثبات واطِّراد في حياة البشر، وأنَّ هناك سُنَناً في الأفراد وسُنَناً في الأُمَم وسُنَناً في الحياة وغير ذلك، وهي لا تتغيَّر ويخضع لحكمها جميع البشر، وفكرة المخلِّص واحدة من سُنَن الله في الحياة (الهداية والإصلاح).. وما نحتاج إليه لإدراك مفهوم المخلِّص أو المنجي الموعود (المهدويَّة) وإثباتها وإقناع الآخرين بها، لا يتسنَّى إلَّا بإحدى الطُّرُق المعرفيَّة(١٢٦)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٥) الأُمور المعنويَّة: هي مجموعة من الحقائق والوقائع التي تقع خارج العالم المادِّي (الطبيعي)، وإنَّ العالم المعنوي (عالم الباطن) هو أكثر أصالةً وواقعيَّةً وسعةً من عالم المادَّة والحسِّ.. ونضرب مثالاً تقريبيًّا لتوضيح ذلك: فالإنسان أو الشخص الذي امتلك ثروة طائلة وأصبح غنيًّا جدًّا وحصل على ألقاب ومراكز اجتماعيَّة كثيرة، فيُعَدُّ ذلك أمراً اعتباريًّا إضافيًّا تابعاً لوضع هذا الشخص، أمَّا الإنسان أو الشخص الذي تحصَّل على قدراً وافياً من العلم، وأصبح مفكِّراً ومبدعاً في الجوانب العلميَّة والفكريَّة والثقافيَّة، فإنَّ ذلك يُعَدُّ أمراً معنويًّا واقعيًّا أصيلاً في هذا الشخص.. وهكذا فإنَّ الحياة المعنويَّة حيث تنكشف الحقائق وتُدرَك على ما هي عليه (بأيِّ شكلٍ كانت) وعلى أساس أصالة عالم المعنى، تُؤكِّد أنَّها من الموجودات الأصليَّة الواقعيَّة، والخارجة عن سلطة المادَّة والطبيعة.
(١٢٦) مصادر المعرفة: الإنسان يتحصَّل على معارفه من أدوات فكريَّة عديدة ومتنوِّعة، ولكلِّ نوع أو مصدر من هذه الأدوات مجالاً يختصُّ به.. وهنا لا بدَّ من البحث عن الطُّرُق أو المصادر التي تلائم سياق الموضوع.. فمثلاً: طريق (الحسِّ والتجربة) من أوَّل مصادر المعرفة عند الإنسان ويتحصَّل عن طريقها المعارف المحسوسة والمادّيَّة.. إلَّا أنَّ ذلك لا يتناسب مع إدراك المعاني المجرَّدة أو المفاهيم الكلّيَّة، سواء كان لها وجود موضوعي أو معنوي، مثل موضوع بحثنا (المخلِّص الموعود).

(١٤٦)

التالية، وهي: عن طريق (الفطرة الإنسانيَّة)، أو عن طريق (الاستدلال العقلي والمنطقي)، أو عن طريق (الإرشاد السماوي).
الإنسان واقعي بطبيعته التي أودعها الله فيه، ولكن ممَّا لا شكَّ فيه أنَّه يستطيع بهذه الطُّرُق المعرفيَّة الثلاث الإدراك والتعلُّم وخاصَّةً في الأُمور والمقامات المعنويَّة.. وبهذا النمط من التفكير وبهذا المنهج الاستدلالي والأُسلوب العقلي يمكن العثور على المعارف الغيبيَّة والمعنويَّة بدلائل وحُجَج كافية.. وفي ضوء ذلك فإنَّ طُرُق الإثبات والبرهان على (المخلِّص المنتظَر) تنسجم مع هذا المنهج في إحراز الإدراك والمعرفة والحصول على العلم واليقين وبالسُّبُل الثلاثة جميعها.. وإنَّ الثمرة التي تعود من نهج الطريق العقلي والاستدلال المنطقي، تفضي إلى أنْ تكون فكرة المخلِّص سائغة، وأنَّ حقائقها الناصعة قابلة للإحاطة والإدراك لمن يتحلَّى بهذا الأُسلوب من التفكير والتحليل.
أوَّلاً: المخلِّص وبرهان الفطرة:
الفطرة: هي الخلقة التي خلق الله عباده عليها، فجُبِلَ الإنسان على محبَّة الخير وإيثاره، وكراهة الشرِّ ودفعه، وفُطِرَ على حُبِّ الفضائل، فكلُّ إنسان يُولَد بفطرة سليمة صافية كاملة، بحيث إذا بقي بعيداً عن تأثير العوامل الخارجيَّة (الوراثة والبيئة) سلك طريق الحقِّ، ويكون إدراكه لحقائق الأشياء مستقيماً وبإحساس صادق، بسبب الحواسِّ السليمة وما يتلقَّاه العقل السليم.. وهكذا

(١٤٧)

فإنَّ النزوع إلى الله مخزون في الإنسان وفطرته، وكذلك الميل إلى العدل والصدق والمكارم مخزون بإحكام في أُصول الفطرة الإنسانيَّة، وهذا الإحساس يجذب الفرد نحو الكمال المعنوي.
إنَّ طريق الفطرة الصافية هو السير في داخل الذات الإنسانيَّة، وتأمُّل الوصول إلى مطلق الكمال، أمَّا حين يكون العالم الخارجي منسلخاً ومخالفاً لفطرة الإنسان (كانتشار الظلم والفساد مثلاً)، فإنَّ هذا يُعَدُّ زيغاً وانحرافاً عن مقتضى الفطرة نفسها، فتدفعه غريزته وتجبِله على الانجذاب نحو التغيير لما يتوافق مع أصل خلقة الإنسان، وعلى هذا الأساس يصبح كلُّ فردٍ منساقاً إلى العدل والتوحيد (مبتغى الفطرة) كمطلب يُحِبُّه الناس في حياتهم وهو من صميم فطرتهم السليمة.. وعندما لا يستطيع الفرد تغيير العالم الخارجي الذي يحتوي لما يخالف فطرته، يتحوَّل مبتغى الفطرة إلى أُمنية ينتظر تحقيقها، وهكذا هي فكرة الخلاص عند الإنسان، نابعة من فطرة الإنسان وينتظر تحويلها إلى أمر واقع، وهي تتماشى مع أيِّ فطرة صافية أي مع الحقِّ الطبيعي، والتي تُمثِّل المشترك البشري العامَّ.. إنَّ عقيدة المخلِّص ثابتة في النفس البشريَّة والوجدان الإنساني لا تتغيَّر مهما مضى الزمان أو طرأت تحوُّلات وتطوُّرات تاريخيَّة ما لم تتحقَّق على أرض الواقع بعد، باعتبارها حقيقة خالدة لها جذور ممتزجة بالفطرة والطبيعة البشريَّة.
إنَّ حتميَّة ظهور المخلِّص في الفكر الإنساني عموماً انعكاس لحاجة فطريَّة، وتزداد هذه الحاجة إلحاحاً كلَّما زاد الظلم واستشرى الفساد، ممَّا يكشف عن صدى للإحساس الغريزي المتأصِّل لهذه الفكرة في عمق النفس البشريَّة، وما الدعوة إلى (المدينة الفاضلة) كما عبَّر عنها الفلاسفة قديماً وحديثاً عبر التاريخ، إلَّا تعبيراً عن هذه الحاجة والإحساس، ولذا فإلهام الفطرة الإنسانيَّة

(١٤٨)

بالحاجة الملحَّة إلى المخلِّص أمر مشترك بين كلِّ البشر، ولكن انتظارها وترقُّبها يختلف عند الشعوب والأُمَم ويتفاوت حسب الظروف والواقع النفسي لكلِّ مجتمع.
ثانياً: المخلِّص وطريق الاستدلال العقلي:
العقل: هو مجموعة من القوى الإدراكيَّة التي تتضمَّن الوعي والمعرفة والتفكير والحكم و... وهو غالباً ما يُعرَّف بملكة الشخص الفكريَّة والإدراكيَّة.. وباستخدامه يستطيع الإنسان إثبات الأُمور وبرهنتها، وهذا يتضمَّن التعمُّق في التفكير والتأمُّل، حيث يقوم العقل بتحليل المعلومات والأحداث ودراستها لاستنباط الحقائق والنتائج التي تُوصِل إلى المعرفة.
فالعقل هو مصدر آخر ومهمٌّ من مصادر المعرفة الإنسانيَّة، وعن طريقه يستطيع الفرد إدراك الحقائق وفهم المعاني الكلّيَّة، ولذا فإنَّ القضايا المعنويَّة والغائبة والتي نودُّ إدراكها ومعرفتها بمقدورنا أنْ ننهج طريق الاستدلال العقلي الذي وهبه الله لنا لنصل إلى ما نريد، وإدراك المفاهيم واستخلاص الحقائق.
ومن بين الحقائق التي يُدرِكها العقل حقيقةً (المخلِّص الموعود) كفكرة واقعيَّة، حيث إنَّ العقل السليم يقضي بأنَّ الخير لا بدَّ أنْ ينتصر في نهاية المطاف، ويسود التوحيد والعدل على كافَّة المعمورة، وهذا ليس نابعاً من الرغبة أو العاطفة عند المستضعَفين، بل نتاج لتفكير وتحليل واستخلاص عقلي يُؤكِّد ذلك بناءً على:
- أنَّ الخالق أمر عباده باتِّباع طريق الخير والحقِّ، ولا بدَّ أنْ يُقيم الحجَّة عليهم بإمكانيَّة قيام (الدولة الفاضلة لكلِّ البشريَّة) يتجسَّد فيها التوحيد والعدالة والفضيلة كأساس لها، حتَّى لا يتذرَّع أحد بكونها غير ممكنة التطبيق.
- أنَّ البشريَّة لا بدَّ لها أنْ تتحرَّك ضدَّ الظلم والفساد مهما طال الزمن،

(١٤٩)

وفي مسيرتها التاريخيَّة لا بدَّ أنْ تُصحِّح مسارها وتصل إلى إقامة مجتمع العدل والرخاء، باعتبار أنَّ ذلك يُمثِّل الأُمنية الكبرى للبشريَّة والمنبعثة من الفطرة الإنسانيَّة، بضرورة القضاء على الظلم والجور بشكل نهائي وشامل.
وعلى ضوء ذلك، فلا بدَّ أنْ يقود شخص (المخلِّص) عمليَّة التغيير والثورة العالميَّة الشاملة، وهذا ما توصَّل إليه العقل الإنساني عن طريق استقراء أطوار التاريخ ودراسة سُنَنه.. وهكذا يلتقي العقل البشري مع الحاجة الفطريَّة الإنسانيَّة في ضرورة خلاص البشريَّة على يد جهة تُطبِّق ذلك، وتُحقِّق الأُمنية الإنسانيَّة الكبرى وتُقيم أهداف الرسالات السماويَّة.
ثالثاً: المخلِّص وطريق الإرشاد السماوي:
الوحي: الوسيلة والصلة بين الخالق والخَلق، وهو مختصٌّ بالأنبياء والرُّسُل، ويتمُّ من خلاله تبيان الرسالة الإلهيَّة، ويحتاج الوحي إلى واسطة (الملائكة).. وهذا المصدر من المعرفة يُعَدُّ من أهمّ وأغنى وأسمى المصادر التي تلقَّاها الإنسان، وهو مرتبط بعالم الغيب، ويُعتبَر إدراكاً خاصًّا متميِّزاً عن سائر الإدراكات.
إنَّ طُرُق وأدوات المعرفة يُستفاد منها في مجالات عديدة ومختلفة، فالحواسُّ تختصُّ في مجال المادّيَّات والمحسوسات، والعقل في مجال معيَّن بناءً على مبادئه وإمكانيَّاته، أمَّا مجال الوحي فهو أوسع نطاقاً وأكثر شموليَّةً، كما أنَّه نافذ في جميع الأصعدة.. ولذا تُوجَد حقائق لا يُدرِكها العقل، ولا تصل لها الحواسُّ، ويختصُّ بنقلها الوحي، الذي يُزوِّد الإنسان بمعرفة موضوعيَّة ذات حقائق بالوجود، ويقف على مكنونها وماهيَّتها الحقيقيَّة، ولاسيَّما الموضوعات المتعلِّقة بالذات الإلهيَّة والعوالم الأُخرويَّة، فإنَّها تظلُّ خارج دائرة استيعاب العقل والحواسِّ.. فالله وحده هو المحيط بكلِّ شيء وبهذه الموضوعات، ونصيب العباد من العلم الإلهي بقدر إخبار الله لهم.

(١٥٠)

والذي لا شكَّ فيه، أنَّ الكُتُب السماويَّة التي أنزلها الله تعالى على رُسُله وأنبيائه من خلال الوحي تضمَّنت الشرائع والأحكام والمبادئ والقِيَم التي تُرشِد وتهدي الناس إلى الحقِّ والفضيلة، كما تضمَّنت معارف وحقائق تعجز مدارك الإنسان عن معرفتها أو الإحاطة بها، مثل: الإخبار بالأُمور الغيبيَّة المستقبليَّة، سواء الأُخرويَّة (الموت والقيامة) أو الدنيويَّة (المستقبل ونهاية التاريخ)، علماً بأنَّ هذه المعلومات والمعرفة تُحقِّق التوازن والانسجام للإنسان لصدورها من الخالق.
وقد لمسنا مواطن كثيرة في التراث الدِّيني السماوي مثل (التوراة والإنجيل والقرآن) الموجودة والمتداولة في الأيدي تحتوي على نبوءات وبشارات وإشارات إلى (المخلِّص المرتقَب) كهويَّته وعلامات ظهوره ومعالم دولته وأهدافه وغاياته، والتي لا يمكن الحصول عليها إلَّا عن طريق الوحي، ممَّا جعل أتباع الديانات المختلفة متَّفقة على (أصل الفكرة) وتنتظر زمانه وخروجه.. وعليه فالمؤمنون لا يُسلِّمون بصدق أيَّة أُطروحة للإصلاح أو الخلاص تشمل البشريَّة كلَّها تنبثق من غير طريق الوحي ومنبع النبوَّة.
الثمرة:
بالتأكيد هناك حقائق ميتافيزيقيَّة (ما وراء الطبيعة - غيبيَّة مثلاً) لا يمكن للعقل الخوض فيها مستقلًّا، فمن الصعوبة التوصُّل إلى نتائج عقليَّة مجرَّدة في الأُمور المعنويَّة، والتي تقوم خارج المبادئ والإمكانيَّات العقليَّة (المستقبل مثلاً)، وصعوبة تجرُّد العقل البشري تنبع من طبيعة الإنسان، فالتداخل بين العقل والنفس هو جوهر الإنسان منذ بدء خلقه.
إذاً فإنَّ دور العقل وبرهان الفطرة يُثبِتان أصل فكرة الخلاص ويُبيِّنان الخطوط الكلّيَّة لحقيقة المخلِّص، والتأكيد على ضرورة أصل وجوده، وعلى

(١٥١)

شرائط وأوصاف وخصائص هذا المنقذ الموعود، ولكن لا يتعرَّضان إلى تحديد الهويَّة وتعيين الشخصيَّة، إنَّما ذلك يقع على عاتق الإرشاد والبشارات السماويَّة، حيث إنَّ هذا المنصب والمقام جعل إلهي، ليس للبشريَّة نصيب في الاختيار أو الانتخاب مثل تعيين أو تنصيب الأنبياء والرُّسُل.. إنَّما يتوفَّر هذا التشخيص والتحديد عن طريق الدليل النقلي القطعي من التراث الدِّيني السماوي، باعتبار أنَّ هناك مخلِّصاً مستقبليًّا واحداً فقط.
إنَّ الثمرة التي نستنتجها من نهج أو اتِّباع الطُّرُق المعرفيَّة السابقة: أنَّ فكرة المخلِّص المنتظَر هي فكرة واقعيَّة (العقل)، وهي حاجة بشريَّة (الفطرة)، وضرورة إلهيَّة (الإرشاد السماوي).. إذن هي حاجة بشريَّة لما يتطلَّع إليه الإنسان بفطرته من القضاء على الظلم والفساد والذي يراه منافياً لسُنَن الانسجام في الطبيعة، وهي ضرورة إلهيَّة لإقامة الحجَّة على الخلق (البشر) بأنَّ إمكانيَّة إقامة الدولة الفاضلة ليست مستحيلة، وأنَّ العقل يُدرِك من خلال التفكير المنطقي بإمكانيَّة تطبيق ذلك بشكل طبيعي.. وهكذا قد تظافرت عدَّة طُرُق ووسائل واجتمعت في غرس بذرة (المخلِّص) في عالم البشر، وهذه العوامل استحكمت ورعت هذه الشجرة المعنويَّة المباركة منذ فجر التاريخ وحتَّى الآن.
ليس ثَمَّة شكٍّ في أنَّ المجتمع البشري يهدف ويطمح أنْ يعيش في وضع من الهدوء والاستقرار، ويتمتَّع بالرفاهية والرخاء، ويتخلَّص من الظلم والجور وويلات الحروب ومنغِّصات الحياة، ومن الواضح أنَّ البشريَّة لم تُحقِّق هذه الأُمنية عمليًّا حتَّى الآن.. ولكن هذا النمط من التفكير العقلي والمعتضد بالتراث الدِّيني السماوي والمنسجم مع الوجدان الإنساني، يمنحنا بشارة قطعيَّة بأنَّ البشريَّة ينتظرها عصر مثالي يسوده التوحيد والكمال، وتتحقَّق فيه جميع متطلَّبات الفطرة الإنسانيَّة بنسبة كاملة.

(١٥٢)

المهدويَّة كفلسفة للخلاص:
إنَّ الإنسان يتوق منذ القِدَم إلى الخلاص، هذا ما تشهد له مختلف الأديان السماويَّة والفلسفات البشريَّة والتي تُركِّز جهودها للبحث عن الخلاص، وعن السبيل التي تُؤمِّن الحصول عليه، والذي يعني كمفهوم عامٍّ: تخليص أو إنقاذ البشريَّة بصورة أساسيَّة من الظروف السلبيَّة أو المعاناة إلى وضع أو حالة أرقى وأعلى يملؤها الرخاء والفضيلة.. والخلاص بشكله النهائي يكمن في إحلال الخير والعدل والإيمان بدلاً من الشرِّ والظلم والإلحاد، ويُشير ضمناً وبصورة منطقيَّة إلى عصر ذهبي ومثالي يحفُّه الكمال المعنوي والتقدُّم المادِّي ويشمل البشريَّة كافَّة.
إنَّ فكرة الخلاص في الأساس رؤية إنسانيَّة عميقة، أشارت إليها جميع الديانات السماويَّة، وحثَّت عليها المبادئ العقليَّة والمنطقيَّة للأفراد، ومالت إليها الفطرة الطبيعيَّة للبشر، وهي في جوهرها تتعلَّق بقضيَّة القلق الإنساني العميق حول الظلم والحروب والقتل والفساد، ووضع الإنسانيَّة المريع، والبحث عن الخلاص والإنقاذ منه.. من المهمِّ إيضاح معنى الخلاص والفلسفة القائمة عليه، وقبل ذلك إيجاد أجوبة منطقيَّة مقنعة لأسئلة عديدة تتعلَّق برؤية كلِّ حضارة أو أُمَّة أو شعب لمفهوم الخلاص.
من الصعب الاعتقاد بأنَّ الجميع على درجة من الاتِّفاق في رؤيتهم للخلاص، بل إنَّ أتباع أديان سماويَّة كبرى وحضارات متنوِّعة تحمل مواقع متناقضة ورؤى متفاوتة طبقاً لشكل الخلاص وتصوُّره لديهم.. لقد أصبح الخلاص (كأُمنية) مفهوم إنساني شامل، وقاسماً مشتركاً بين الأديان والفلسفات لمشروع آخر الزمان (نهاية التاريخ)، وهي خلاصة وجود البشريَّة على الأرض، وهي التي تُحقِّق آمال وطموحات الأنبياء.. وهنا نتساءل حول هذه الفكرة

(١٥٣)

الإلهيَّة العقليَّة الفطريَّة: ما هي رؤية أتباع الأديان السماويَّة الرئيسيَّة لها؟ وعلى يد مَنْ ينجز هذا الخلاص؟ وكيفيَّة تطبيقه.
الخلاص عند اليهود:
إنَّ فكرة المخلِّص برزت في الفكر اليهودي كخطوة ناشئة عن خطوات وعوامل سبقتها، وأهمُّ تلك العوامل هي الاعتقاد بأنَّ الشعب اليهودي أرقى الجنس البشري، وشعب مميَّز اختاره الربُّ ليكون شعبه المقدَّس.. لقد بدأت فكرة الخلاص اليهودي في الأصل بناءً على ما أصاب اليهود من نكسات وهزائم وإذلال وشتات لفترة طويلة(١٢٧)، بدءاً بالآشوريِّين فالبابليِّين فالفرس فالإغريق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) بعد أنْ مات النبيُّ سليمان (عليه السلام) في سنة (٩٣٥ق.م)، انقسمت مملكة اليهود (٩٣٥ - ٥٨٦ق.م) إلى قسمين:
- المملكة الجنوبيَّة: تحت رئاسة قبيلة (يهودا)، وعاصمتها القدس، ولقد حكمها (٢٠) مَلِكاً، كلُّهم من نسل داود.
- المملكة الشماليَّة: تحت رئاسة قبيلة (إفرايم)، وعاصمتها السامرة، وأوَّل مَلِك بعد الانقسام هو يربعام.
اتَّسعت الفجوة بين الشعبين، وأصبحا كفريستين بين مخالب الأُمَم التي تحيط بهما، واستمرَّ الانقسام والانشقاق مائتي عام (٩٣٥ - ٧٢١ق.م).. ثمّ تعرَّضت المملكتين إلى كوارث السبي والاضطهاد:
مَلِك آشور (تغلث فلاسر) هجم على إسرائيل وسبى عدداً كبيراً منهم، وكذلك المَلِك الآشوري سرجون الثاني حاصر السامرة (٧٢١ق.م) وسبى أعداداً غفيرة من اليهود.
فرعون مصر (نخاو) احتلَّ مملكة يهوذا سنة (٦٠٨ق.م)، ثمّ احتلَّ مملكة إسرائيل.
مَلِك بابل (نبوخذ نصر) احتلَّ المملكتين وطرد فرعون مصر وسبى أكثر السُّكَّان إلى بابل.
سلطان فارس الساساني (كورش) سنة (٥٣٨ق.م) هجم على المملكتين وطرد البابليِّين وسيطر على البلاد اليهوديَّة.
تعرَّض اليهود إلى المزيد من السبي والاضطهاد على يد الإسكندر الأكبر، وكذلك السلوقيِّين، والتشريد خارج بلادهم.
راجع: الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه (ص ٦٠ - ٦٧).

(١٥٤)

ثمّ في النهاية الرومان، الأمر الذي جعلهم يتمنَّون أنْ يُرسِل الله إليهم مخلِّصاً يُنقِذهم من أيدي الأعداء، ويُعيد إليهم مُلكهم (مملكة داود وعرش سليمان) وبنحو مثالي وكامل، ويسيطرون على كلِّ شعوب العالم.
وهكذا أصبح الخلاص اليهودي يقوم على أساس أنَّ هناك مخلِّصاً منتظَراً سيأتي لينتشلهم من الوهدة السياسيَّة، وفي مفهومهم واعتقادهم فإنَّ المخلِّص إمَّا قائد عسكري أو مَلِك مميَّز، ويجب أنْ يكون إنساناً ومولوداً بطريقة طبيعيَّة، ولم يُفكِّروا بأنَّ المخلِّص كائن سماوي أو قادم من عالم آخر، بل الأمر المهمُّ لكلِّ اليهود أنْ يكون من نسل وسلالة داود (عليه السلام)، وأنْ يُحرِّرهم من الاستعباد ويجلس على كرسي أبيه.
إنَّ التاريخ اليهودي يُثبِت أنَّ الشعب اليهودي على عكس الشعوب القديمة والحضارات الأُخرى التي كانت تصنع عصرها الذهبي في الماضي المتوغِّل في القِدَم، ولذا كان اليهود ينتظرون المخلِّص في المستقبل في آخر الزمان ينشئ لهم دولتهم الكبرى، ويُعيد بناء هيكل سليمان، ويجعل العالم متملِّقاً إليهم، ويُعيد قضيب المُلك إلى بني إسرائيل، فتخدمهم الشعوب وتخضع لهم الممالك.. ففكرة الخلاص والمخلِّص في نظرهم فُصِّلت خصِّيصاً بمقاييس الشعب اليهودي، ولذا رفض اليهود الدعوة الجديدة (النبيُّ عيسى (عليه السلام)) حيث تعارضت تماماً مع آمالهم وأحلامهم: فلم تُحقِّق لهم المُلك المادِّي الذي كانوا يحلمون به، وثانياً لم يُخلِّصهم من الاحتلال الروماني والذلِّ والاستعباد وغير ذلك، ومن أجل هذا ومطالب أُخرى دخل اليهود في صراع مع عيسى (عليه السلام).
المسيح المنتظَر أو المخلِّص عند اليهود ستكون مهمَّته الرئيسيَّة مركَّزة على رفع شأن اليهود، ومن ثَمَّ يحكم العالم بشريعة النبيِّ موسى (عليه السلام)، فيتحقَّق مجد بني إسرائيل، ويكون هو مَلِكاً عليهم، ويبلغ سلطانه البرَّ والبحر، ويجعل من

(١٥٥)

الأقلّيَّة اليهوديَّة النخبة التي ترث العالم وتسوده وتحكمه.. ويعتقدون كذلك أنَّ المخلِّص عندما يخرج يجمع شمل اليهود من كلِّ أنحاء العالم، ويُكوِّن منهم جيشاً عظيماً، ويكون اجتماعهم في القدس، وهذا الاجتماع ليس مقصوراً على الأحياء فقط، بل حتَّى الأموات من اليهود يُحييهم الله ويُخرجهم من قبورهم لينضمُّوا إلى جيش اليهود الذي يقوده المسيح(١٢٨)، وسيقتل ثُلُثي أهل الأرض(١٢٩) في معركة شهيرة (هرمجدون)، وبعد ذلك يقوم بجمع الأُمَم الأُخرى الذين ظلموا اليهود ويحاكمهم ويقتصُّ منهم، وكذلك تتغيَّر أجسام اليهود (تصل قامة اليهودي في ذلك الوقت إلى مائتي ذراع)، وتطول أعمارهم (يُعمَّر اليهودي قروناً كثيرةً)، والطفل يموت في سنِّ المائة.
ويمكننا تلخيص أُطروحة الخلاص عند اليهود ونوجزها في النقاط التالية:
١ - فكرة الخلاص تقتصر على الشعب اليهودي فقط، أي على العصبيَّة القوميَّة.
٢ - قام الخلاص أساساً ليُنقِذ اليهود من الوهدة السياسيَّة.
٣ - رفع شأن اليهود كأسياد للعالم، وأنَّ الشعوب والممالك الأُخرى تخدمهم.
٤ - نشر الشريعة الدِّينيَّة (اليهوديَّة) التي أسَّسها النبيُّ موسى (عليه السلام).
٥ - يجب أنْ يكون هذا المخلِّص (المَلِك أو القائد) من نسل داود (عليه السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٨) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٢٣٥ و١٢٣٦/ سفر حزقيال/ الإصحاح ٣٧/ النصُّ ١ - ١٤)؛ ولمزيد من تفاصيل المحاكمة اُنظر الإصحاح (٩).
(١٢٩) الكتاب المقدَّس، العهد القديم (ص ١٣٥٢/ سفر زكريَّا/ الإصحاح ١٣)؛ ولمزيد من التفاصيل اُنظر: مفهوم الخلاص في الديانة اليهوديَّة (ص ١٢٥ - ١٢٩).

(١٥٦)

٦ - إقامة دولة الله في الأرض ويكون سادتها اليهود، من الأحياء والأموات بعد رجعتهم.
٧ - استحقاق الخلاص: فعل إلهي محض، وما على الناس إلَّا الانتظار.
الخلاص عند المسيحيِّين:
يعتقد المسيحيُّون أنَّ غاية الديانة المسيحيَّة خلاص الإنسان من سلطة الخطيئة، والتي تقوم على أساس أنَّ آدم (عليه السلام) أخطأ (أكله من الشجرة في الجنَّة)، وأنَّه بخطيئته بَعُدَ عن الله سبحانه وتعالى وأحدث عداوة بينهما، ثمّ إنَّ هذه الخطيئة - كما يدَّعون - لم تختصّ به وحده، بل انتقلت بالوراثة إلى جميع أبنائه (الجنس البشري)، فجميعهم مخطئون بالطبيعة الموروثة من آدم، وهؤلاء (البشر) لا يستطيعون التخلُّص من هذه الخطيئة بأنفسهم، ولـمَّا كان الله متَّصفاً بالمحبَّة والرحمة، وهب المسيح (ابنه كما يعتقدون) ليُصلَب فداءً عن البشريَّة، فالمسيح بموته على الصليب حلَّ محلَّ الإنسانيَّة وحمل عقاب الخطيئة وهو الموت، وأعاد مصالحة الإنسان مع الله، ولم ينتهِ الأمر عند هذا الحدِّ، بل بعد دفنه قام من القبر بعد ثلاثة أيَّام.
يرون أنَّ المخلِّص (المسيح) لا بدَّ وأنْ يتحمَّل الآلام ويُصلَب من أجل البشريَّة، ولكن هذه الآلام لم تُعْطِ فائدتها إلَّا بعد الانتصار على الألم والموت بعد الصلب.. القيام من الموت (قيامة المسيح) هي أساس عمل الخلاص، فعلى ضوء القيامة، قبل الربُّ الصليب، وقبل الربُّ الموت، فالقيامة هي جوهر الكفَّارة وهي شرط الفداء، وبهذا يكتمل عمل المسيح الكفَّاري وخلاص البشريَّة به.
بالتأكيد أنَّ الخلاص المسيحي قائم على خطيئة آدم التي انتقلت بالوراثة إلى جميع الجنس البشري، وأنَّ الطريق الوحيد للخلاص يتمثَّل في أنَّ (ابن الله) نزل وتجسَّد في صورة بشريَّة (المسيح) - مشتركاً في اللَّاهوت والناسوت - ليُصلَب ويُقتَل ويتغلَّب على الموت فيقوم، وبهذا ينال الناس الخلاص.

(١٥٧)

وبعد أنْ تمَّ ذلك، يعيش المسيحيُّون الانتظار لعودة المسيح الثانية في المستقبل، ويرتكز هذا الإيمان على الاعتقاد بأنَّ الله كان قد أرسل المسيح لإنقاذ البشر، وقد رفضه اليهود في ذلك الوقت، وخطَّة الله تتضمَّن العودة الثانية للمسيح.. إنَّ قيامة (المسيح) التي حدثت في الماضي، وعودته التي ستحدث في المستقبل (آخر الزمان)، لا بدَّ أنْ يكون لها هدف كبير وجليل يتناسب مع هذه العمليَّة الربَّانيَّة الفريدة، والتي تتلخَّص في إقامة حكم الله وملكوته في الأرض، عند نهاية الزمن، ونهاية العذاب الإنساني، ونهاية المخطَّط الإلهي على الأرض، فيملأها عدلاً وصلاحاً، وأنَّ علامة نزوله اجتماع اليهود في آخر الزمان في أرض فلسطين، وبناء الهيكل.
هذه هي أصل فكرة وأُطروحة ومفهوم المسيحيِّين للخلاص، ونوجزها في النقاط التالية:
١ - فكرة الخلاص قائمة على أساس أنَّ الإنسان متلبِّس بالخطيئة، ولن يُخلِّصه منها إلَّا الله.
٢ - لا يمكن للإنسان أنْ يقوم بالخلاص بنفسه، بل تحتاج البشريَّة إلى مساعدة قدسيَّة وإلهيَّة مباشرة.
٣ - الطريق الوحيد للخلاص يتمثَّل في أنَّ (ابن الله) يتجسَّد ويدفع الفداء ويُصلَب من أجل التكفير عن خطايا البشر.
٤ - يجب أنْ يكون هذا المخلِّص مركَّباً من اللَّاهوتيَّة (ابن الله) والناسوتيَّة (ابن مريم العذراء).
٥ - انحصار خلاص الإنسان بإيمانه بالمسيح (الإنسان/الإله) واعتناقه تعاليم الكنيسة (لا خلاص خارج الكنيسة)(١٣٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٠) مقولة القدِّيس كبريانوس الشهيرة.

(١٥٨)

٦ - المسيح سينزل مرَّة ثانية (آخر الزمان) ويُقيم ملكوت الله في الأرض ويملأها عدلاً وصلاحاً لإسعاد البشريَّة.
٧ - استحقاق الخلاص: فعل إلهي محض (إعجازي)، ولا يتمُّ إلَّا عبر إرادة إلهيَّة.
الخلاص عند المسلمين (المهدويَّة):
إنَّ رؤية المسلمين للخلاص يتمثَّل في التخلُّص من نقص أساسي أو جوهري في الطبيعة الإنسانيَّة أو التاريخ البشري أو كليهما معاً في الحياة الدنيا أو الآخرة، وهذا المفهوم يُلبِّي الحاجات النفسيَّة الفرديَّة والجماعيَّة باختلافها، ويُشعِر الأفراد والشعوب بوجود فُرَص جديدة لبناء مستقبل فردي أو جماعي مثالي، وهكذا يتمحور الخلاص الإسلامي في صعيدين:
* على الصعيد الشخصي: أكَّد الإسلام أصالة المسؤوليَّة الفرديَّة، فكلُّ إنسان مسؤول عن عمله، وهو قادر بعمله الصالح التقرُّب من الله تعالى، وتحقيق النجاة الأُخرويَّة والدنيويَّة معاً، وإنِ ارتكب خطيئة أو معصية فإنَّ باب (التوبة) مفتوح في كلِّ زمان ومكان، والله واسع المغفرة.
* على صعيد الأُمَّة أو البشريَّة: فإنَّ البشارات القرآنيَّة والنبويَّة تُؤكِّد بأنَّ البشريَّة مقبلة على عصر مشرق ونهاية سعيدة، على يد (المهدي المنتظَر) الخليفة الثاني عشر للرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، فيُخلِّص البشريَّة من الظلم والجور وينشر التوحيد والعدل على كافَّة المعمورة.
ولذا يمكن تشبيه الخلاص الإسلامي بطائر يُحلِّق بجناحين: أحدهما التوبة، والآخر المهدويَّة.
إنَّ الخلاص الإسلامي للبشريَّة ككلٍّ وللتاريخ الإنساني أجمع يتمثَّل في (المهدويَّة)، والتي لا يمكن النظر أو التعامل معها كحالة مستقلَّة ومنعزلة عن

(١٥٩)

مناخها الطبيعي، فلا يمكن انتزاعها من أرضيَّة التعاليم الدِّينيَّة.. فمن معتقَد الإمامة التي تتفرَّع من النبوَّة تنطلق الإمامة الخاتمة، وعلى هذا المبدأ فالمهدويَّة كإمامة للزمان الحاضر تتمتَّع بموقع فذٍّ ودور مميَّز داخل النظام الدِّيني الإسلامي وهيكله العامِّ.. إنَّ النظر إلى المهدويَّة أو المخلِّص الإسلامي بهذه الرؤية يُعتبَر أهمّ ركن وعنصر من ركائزها الأساسيَّة، والتي تلعب دوراً أساسيًّا في إبقاء الإسلام حيًّا متحرِّكاً فاعلاً.
ومن منطلق أنَّ النبيَّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء والرُّسُل، وأنَّه بُعِثَ للناس كافَّة، وأنَّ الدِّين الإسلامي خاتم الأديان السماويَّة، ويبسط حاكميَّته على جميع شؤون البشر، فإنَّ الحاجة ضروريَّة لوجود إمام هادٍ ومرشدٍ في كلِّ زمان (القائد الربَّاني للبشريَّة حاليًّا).. فكما كان الأسباط اثني عشر للنبيِّ موسى (عليه السلام)، وسُمِّي رُسُل النبيِّ عيسى (عليه السلام) الاثنا عشر بالحواريِّين، كذلك هناك اثنا عشر وصيًّا وخليفةً للنبيِّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، وآخرهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) الذي هو الحجَّة في هذا الزمان.. فاللطف(١٣١) من الله تامٌّ، ولكن النقص من الناس وخذلانهم، والذي أدَّى إلى غياب الإمام الأخير.
ولا يمكن فهم الخلاص الإسلامي العامِّ إلَّا من خلال فهم الغيبة وموجباتها، ومدى تأثيرها في إيجاد محفِّزات لدى المجتمع الإنساني في السعي نحو الخلاص، فعندما يعرف الفرد أو المجتمع أسباب الغيبة ودوافعها، يُدرِك حينها مسؤوليَّته في تحقُّق هذه الغيبة واستمرارها، ويُدرِك أيضاً دوره في تحقُّق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣١) قاعدة اللطف الإلهي: هي من أهمّ الأدلَّة العقليَّة التي استند عليها المسلمون (الإماميَّة) لإثبات أصل الإمامة وكذلك إمامة الإمام المهدي المنتظَر (عجَّل الله فرجه)، والتي تُؤكِّد على وجود شخص خبير بأحكام الدِّين الإسلامي وتعاليمه، ولا يمكن أنْ يقع في الخطأ (العصمة)، يتحمَّل مهمَّة بيانه وتوضيحه للناس، وهذا الشخص هو الإمام (في كلِّ عصر وزمان) حسب اعتقاد مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).. والمعنى: ما يُقرِّب العبد من الطاعة ويُبعِده عن المعصية.

(١٦٠)

الخلاص.. لقد اقتضت الإرادة الإلهيَّة والحكمة الربَّانيَّة في ظلِّ خذلان الناس وتقاعسهم، أنْ يغيب آخر إمام (المهدي المنتظَر) عن الناس غيبة عنوان(١٣٢)، وأنْ يطول عمره الشريف، بانتظار أنْ تتهيَّأ الظروف وأنْ تسنح الفرصة له للقيام بالحركة الإصلاحيَّة الشاملة على مستوى العالم بأسره، وتنال البشريَّة الخلاص وتنال العدل الإلهي، ويتمُّ بناء الدولة الفاضلة، وتحقيق حلم كلِّ الأنبياء.
هذا هو مفهوم فكرة الخلاص وأُطروحة المخلِّص الإسلامي بإيجاز، ونُلخِّصها في النقاط التالية:
١ - فكرة الخلاص قائمة على أساس أنَّ الدِّين الإسلامي خاتم الأديان السماويَّة، وشريعته تبسط حاكميَّتها على جميع البشر.
٢ - الخلاص الفردي: أصالة المسؤولية الفرديَّة لكلِّ شخص، وأنَّ باب التوبة مفتوح.
٣ - الخلاص العامُّ: يهدف لإنقاذ الإنسانيَّة وإصلاح البشريَّة كلِّها وليس محدَّد لطائفة أو جماعة معيَّنة.
٤ - أنَّه لا خلاص خارج فكرة المهدويَّة، يعني لا يمكن أنْ يتمَّ خارج مبدأ الإمامة، التي هي استمرار للنبوَّة الخاتمة.
٥ - المخلِّص الموعود كفكرة تحوَّلت من أُمنية إلى واقع قائم، فشخَّصت الهويَّة وحدَّدت الشخص، فهو (الإمام المهدي ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)).
٦ - إقامة الدولة الفاضلة آخر الزمان، وفيها تتوحَّد كلُّ الأُمَم والشعوب تحت ظلِّ سيادة واحدة، فتتحقَّق أحلام الإنسانيَّة في حياة قائمة على العدل والمساواة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) خفاء العنوان: وهو أنَّ الناس يرون الإمام المهدي بشخصه، دون أنْ يكونوا عارفين أو ملتفتين إلى حقيقة أنَّه المهدي المنتظَر.

(١٦١)

٧ - استحقاق الخلاص: فعل بشري مبارك ومؤيَّد من الله سبحانه وتعالى، وللإنسان دور في تحقُّقه.
ثمرة مفهوم الخلاص:
لقد أصبح مبحث الخلاص الذي يمسُّ كلَّ البشريَّة ومستقبل التاريخ الإنساني من المباحث المركزيَّة في الفكر العالمي المعاصر وفي الدراسات الدِّينيَّة، فتوالت الدراسات والبحوث المؤصِّلة لهذا المفهوم، وحدَّدت الدوافع والأسباب لتبنِّي هذه المواقف أو تلك الرؤى، وبالتأكيد فإنَّ مفهوم الخلاص عند الحضارات وأتباع الديانات المختلفة تنطلق من رؤيتهم وفلسفتهم للحياة.
إنَّنا نُركِّز هنا على فهم الخلاص بالمعنى العامِّ الشامل وليس حسب رؤية واحدة محدَّدة، وليس كما يُفهَم عند اليهود بالخلاص من الوهدة السياسيَّة، أو كما يُعبَّر عنه في المسيحيَّة بفكرة الخلاص من الخطيئة، أو كما ينظر إليه المسلمون عند الحديث عن المغفرة والتوبة.. ولكنَّنا نتحدَّث عن الخلاص الشامل العامِّ، الذي تطمح إليه الإنسانيَّة وتتمنَّاه كلُّ البشريَّة، وهو الذي ينسجم مع الحاجات الفطريَّة للإنسان ويتلاءم مع المبادئ العقليَّة السليمة ويعضده الإرشاد السماوي، فعندما تتظافر هذه المواصفات والمؤهِّلات في مفهوم الخلاص فإنَّ البشريَّة تظلُّ تبحث عنه وتنتظره لسنين وقرون عديدة.
بكلِّ تأكيد أنَّ الخلاص الذي يُلبِّي مصالح فئة أو طائفة أو شريحة معيَّنة من البشر (كاليهود مثلاً)، ويجعل الغالبيَّة العظمى من الناس عبيداً وخدماً لهم، فمثل هذا الخلاص لا تتمنَّاه الإنسانيَّة ولا أحد ينتظر تحقُّقه، لأنَّه يفتقد لأبسط مبادئ العدل والمساواة.. وكذلك الخلاص القائم على عقاب غير المخطئ (السيِّد المسيح)، والذي يفتقد للعدالة والرحمة، باعتبار أنَّ ألف باء العدالة تقتضي أنْ يتحمَّل الجاني مسؤوليَّة جنايته ولا ينزل العقاب بغيره، وهل في صلب

(١٦٢)

المسيح عدالة أو رحمة أو محبَّة؟ فمثل هذا الخلاص لا يطلبه الناس ولا ينتظرونه.. أمَّا حين يكون الخلاص قائم على ثوابت العدل والمساواة ويسعى إلى تطبيقها وترسيخها في المجتمع البشري، وينظر للناس جميعاً سواسية بدون تفاضل أو تمايز، وتسقط الحواجز القوميَّة، وتتوحَّد المِلَل البشريَّة، وتملأ الأرض عدلًا وقسطاً، فالكلُّ في هذا المفهوم يشعر بالسكينة والأمان، وينعم الجميع في ظلِّ ذلك بالسعادة والأمان.
لا ريب أنَّ إدراك أهداف وأغراض المهدويَّة الإنسانيَّة العالميَّة والحضاريَّة، والمهمَّة الإصلاحيَّة الكبرى التي ستقوم بها، يساهم في إثبات عجز وفشل أُطروحات المدارس الأُخرى عن تلبية ما يطمح إليه العقل البشري والفطرة الإنسانيَّة، من حيث تحقيق السعادة والعدل والكمال المنشود للمجتمع البشري.. وبكلِّ تأكيد أنَّ الخلاص في مثل هذه الرؤية المهدويَّة يرسم أسمى ما تطمح إليه الإنسانيَّة وأكمل صورة للمستقبل ونهاية التاريخ، ولذا عُدَّت المهدويَّة كأفضل هديَّة قُدِّمت للبشريَّة تنجذب لها القلوب قبل العقول.
المهدويَّة خطُّ هداية متَّصل بالسماء:
حقيقة كبرى ولطف إلهي: إنَّ الإنسان بفطرته وبمنطق عقله توصَّل أنَّ لهذا الكون إلهاً خلقه بعلمه وقدرته، وله الأمر والخلق وهو المبدأ والمنتهى، وحيث إنَّ الإنسان خُلِقَ ليكون خليفة الله في أرضه، فإنَّ له حاجات معنويَّة ومادّيَّة، ومن أهمّ هذه الحاجات نيل السعادة والخلاص في الدنيا والآخرة، ولا ريب فإنَّ الدِّين والشرع الإلهي هو السبيل الوحيد لإيصال الإنسان إلى سعادته في الدارين، وليس هناك من شكٍّ بأنَّ الطريق الوحيد لسعادة الإنسان هو تطبيق البرنامج الإلهي العامِّ (الدِّين) أي رسالة السماء إلى الأرض، وهدى الله سبحانه إلى البشر، وبالتأكيد لقد أراد الخالق من الإنسان الطاعة والانقياد لأوامره واتِّباع

(١٦٣)

شرعه (التكليف).. ومن هذا المنطلق تقتضي قاعدة اللطف الإلهي: وجود أشخاص يصطفيهم تعالى، يتولَّون مهمَّة إيضاح معالم الدِّين وإقامة حدوده، على أنْ يمتاز مَنْ يتولَّى هذا المنصب الإلهي بصفات خاصَّة منها (العلم والعصمة)، وهذا لا يكون إلَّا لنبيٍّ أو وصيٍّ، ومن حكمة الله تعالى فقد تمَّ بعث الأنبياء والرُّسُل وصدرت الشرائع السماويَّة لإرشاد الناس وهدايتهم للطريق القويم طبقاً للُّطف والرحمة الإلهيَّة.
ومن الثوابت والسُّنَن الإلهيَّة أنَّ قاعدة اللُّطف لا تنحصر بزمان أو وقت دون آخر، بل هي عامَّة وشاملة وأبديَّة ما دامت الخليقة على الأرض، فمن حكمة الخالق في هداية الإنسان، أنْ يدلَّه باستمرار على قواعد البرنامج الربَّاني (أحكام الدِّين السماوي) مع القيام بشرحه وتأويله وبسطه بحسب المستحدَثات في كلِّ عصر وزمان، مع مراعاة نقصان الإنسان من الاتِّصال بعالم الغيب والشهادة، وهو قصور مستمرٌّ لا يلتئم مهما تقدَّمت العلوم والمعارف.. ولذا فالحاجة والضرورة حتَّمت وجود شخص كامل (إمام غنيٍّ عن رعاياه في الأحكام والعلوم) في كلِّ زمان، ليكون الناس بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وكذلك يصون جوهر الدِّين وأحكامه عن التشويه والتحريف.. وهكذا نجد أنَّ قاعدة اللطف الإلهي من أفضل وأوضح الطُّرُق في إثبات النبوَّة والإمامة عموماً، وإثبات إمامة ووجود صاحب العصر والزمان (الإمام المهدي المنتظَر)، إذ إنَّ إمامته متفرِّعة من أصل النبوَّة والإمامة، وللزوم استمرار لطف الله تعالى في كلِّ الأزمان.
إنَّ قاعدة اللطف الإلهي: هي أساس الدليل العقلي على الإمامة، وإنَّ الإمامة لطف واجب من قِبَل الله سبحانه كالنبوَّة، وإنَّ الإمام والنبيَّ لا بدَّ أنْ يكونا معصومين ومُعَيَّنين من الله ولا دخل للناس في اختيارهما، باعتباره جعل

(١٦٤)

إلهي، غاية الأمر أنَّ طريق معرفة الناس للنبيِّ يكون عبر المعجزة والآيات الإلهيَّة، وأمَّا طريق تعيين الإمام فهو يتمُّ من خلال النصِّ من قِبَل النبيِّ، أو الإمام الذي قبله.
إنَّ الخلاف بين الأديان والمذاهب المختلفة لا ينصبُّ في مسألة أصل فكرة المخلِّص الموعود آخر الزمان، فهي مسألة اتِّفاقيَّة بين الأديان ككلٍّ ومنها السماوية الثلاثة (الإسلام، والمسيحيَّة، واليهوديَّة)، إنَّما يقع الخلاف حول المصداق لهذا المخلِّص، علماً بأنَّ لكلِّ دين أدلَّة خاصَّة يسوقها لإثبات وتشخيص مخلِّصه وتعيين المصداق.
إنَّ النظرة السائدة للخلاص ولمصداق المخلِّص في المدارس الدِّينيَّة والتي هي مسألة خلافيَّة، تنبع من نظرة الأُطروحة نفسها للأهداف والأغراض التي تتوخَّاها.. أمَّا إذا أردنا أنْ نُقيِّمها ونصيغها برؤية حضاريَّة واقعيَّة فيجب الأخذ بالنقاط الجوهريَّة التالية:
* أنَّ البرنامج الإلهي (الدِّين) يشمل جميع شؤون الحياة البشريَّة، فما من واقعة إلَّا ولله فيها حكم، حتَّى مع القضايا المستجدَّة والتطوُّرات المستقبليَّة.
* أنَّ المسيرة الإنسانيَّة تكامليَّة متصاعدة على طول التاريخ، وهي سُنَّة وقانون إلهي يفرض النموَّ والتطوُّر المستمرَّ للبشريَّة في جميع المجالات المادّيَّة والمعنويَّة.
* أنَّ الأديان والشرائع السماويَّة مرَّت بمرحلة تكامل على طول التاريخ الإنساني وحسب حاجات البشر، حتَّى وصلت إلى الدِّين الخاتم (الإسلام).
* أنَّ الفرصة لم تتوفَّر لخاتم الأنبياء خلال مدَّة رسالته، كي يُعلِّم الناس الإسلام كاملاً بكلِّ ما ينطوي عليه، وإنْ كان (صلَّى الله عليه وآله) قد قام ببيان كلِّ ما أمكنه من أحكام وتعاليم، والتي يستوعبها المسلمون في تلك الفترة.

(١٦٥)

* أنَّ الفطرة والعقل لا يقبل أنْ يكون الدِّين الخاتم (الإسلام) قد تُرِكَ بيانه ناقصاً، ولذا لا بدَّ من وجود شخص (وصيٍّ) أو مجموعة أوصياء تلقَّت الإسلام كاملاً واستوعبته، ليكون من وظيفتها بيان الدِّين بعد وفاة النبيِّ (صلَّى الله عليه وآله).
* أنَّ مثل هذا الشخص (الوصيِّ أو إمام الزمان) موجود فقط عند مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، أمَّا أتباع الأديان والمدارس الأُخرى فلا يؤمنون بذلك، ممَّا جعلهم قاصرين على التعامل مع برنامج الله والأحكام السماويَّة، ويعدُّونها كشريعة ناقصة.
والنتيجة التي نصل إليها: أنَّ قاعدة اللطف الإلهي تقتضي أنَّ خاتم الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله) يُحدِّد أشخاصاً بعينهم، لهم جنبة قدسيَّة وارتباط مستمرٌّ ومتواصل بالسماء ليكونوا خلفاء وأوصياء من بعده، ولا بدَّ أنْ يتواجد على الأقلّ شخص واحد منهم على طول التاريخ والزمان، يعيش بين الناس ويتحسَّس مشاكلهم وهمومهم واحتياجاتهم، والمتمثِّل في زماننا الحالي (بالإمام المهدي).. والدليل على ذلك هو نفس الضرورة التي دعت إلى إرسال الأنبياء والرُّسُل حتَّى لا يُترَك الناس هملاً، ولذا فالمنهج الصواب لتصوُّر الصلة والعلاقة بين الله والإنسان حاليًّا يتجلَّى في المهدويَّة، والتي تُعَدُّ واسطة الهداية، وواسطة إيصال الفيوضات الإلهيَّة إلى سائر المخلوقات.. وهذه ميزة جوهريَّة عظيمة وركيزة روحيَّة عميقة تتمتَّع بها مهدويَّة أهل البيت (المخلِّص الإسلامي)، غير متوفِّرة في أيِّ نظريَّة أو فلسفة أو أُطروحة أُخرى تتكلَّم عن الخلاص أو المخلِّص الموعود.
هذه هي حقيقة المهدويَّة ومقامها العالي التي تنفرد بها المدرسة الإماميَّة عن بقيَّة الأُطروحات الأُخرى للمخلِّص والخلاص.. لقد تنبَّه إلى هذه الحقيقة

(١٦٦)

والميزة الفيلسوف والمستشرق الفرنسي هنري كوربان(١٣٣) حيث يقول: (في عقيدتي أنَّ التشيُّع هو المذهب الوحيد الذي حفظ بشكلٍ مستمرٍّ رابطة الهداية بين الله والخلق، وعُلقة الولاية حيَّة إلى الأبد، فاليهوديَّة أنهت العلاقة الواقعيَّة بين الله والعالم الإنساني في شخص النبيِّ موسى (عليه السلام)، ثمّ لم تُذعِن بعدئذٍ بنبوَّة السيِّد المسيح والنبيِّ محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)]، فقطعت الرابطة المذكورة، والمسيحيَّة توقَّفت بالعلاقة عند المسيح (عليه السلام)، أمَّا أهل السُّنَّة من المسلمين فقد توقَّفوا بالعلاقة المذكورة عند النبيِّ محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)]، وباختتام النبوَّة به لم يعد ثَمَّة استمرار في رابطة العلاقة [في مستوى الولاية] بين الخالق والخلق، التشيُّع يبقى هو المذهب الوحيد الذي آمن بختم نبوَّة محمّد [(صلَّى الله عليه وآله)] وآمن في الوقت نفسه بالولاية - وهي العلاقة التي تستكمل خطَّ الهداية، وتسير به بعد النبيِّ - وأبقى عليها حيَّة إلى الأبد)(١٣٤).. هذه الملاحظة في غاية الأهمّيَّة من قِبَل مستشرق يجد أنَّ المهدويَّة هي التي أبقت التشيُّع حيًّا، وأهَّلته إلى دور إنساني شامل في حياة البشر.
من جهة أُخرى فإنَّ مستشرقاً آخر فرانسوا توال ينظر للمهدويَّة بوعي متقدِّم في كتابه (الجغرافيا السياسيَّة للشيعة)، ويُفسِّرها بعقليَّة سياسيَّة تتلمَّس الواقع الشيعي، وقد اعتبر العقيدة المهدويَّة حجر أساس في عقائد الشيعة، حيث يقول: (إنَّ الشيعة يعيشون في انتظار عودة الإمام الغائب، فيما هم يناضلون من أجل العدالة على الأرض، ذلك هو - باختصار - المنهج الذي تنتهجه هذه الطائفة في مسراها الدنيوي)(١٣٥)، ويقول في جانب آخر من الكتاب: (إنَّ المهدي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٣) هنري كوربان (١٩٠٣ - ١٩٧٨م): فيلسوف ومستشرق فرنسي، مدرِّس في جامعة السوربون، صاحب الموسوعة الشهيرة: (المشاهد الروحيَّة والفلسفيَّة للإسلام في الإطار الإيراني).
(١٣٤) الشيعة (نصُّ الحوار مع المستشرق كوربان) (ص ٤٩).
(١٣٥) الشيعة في العالم (ص ٣٢).

(١٦٧)

غاب عن البشر ليقودهم على وجه أفضل، تاركاً وراءه الشيعة الاثني عشريَّة.. هذه الفكرة عصيَّة على الفهم، فالأمر ليس (صعوداً إلى السماء) كما في الدِّين المسيحي، بل غيبة شاءها الله كي يسمح لمحمّد المهدي بأنْ يقود الناس بطريقة خفيَّة، وفكرة غيبة الإمام هذه لها لدى الشيعة تأثير مهمٌّ على محتوى هذا الإيمان ونتائجه، لأنَّها تُفسِّر طابعه النهاية: فالشيعة ينتظرون نهاية العالم وعودة الإمام، باعتبار أنَّ هذه العودة هي بشكل أو بآخر، نهاية التاريخ وانتصار الله في مصائر البشر)(١٣٦)، ويُؤكِّد أيضاً: (إنَّ الشيعة مذهب ذو رؤية تتمحور رسالتها الروحيَّة حول الإمام الغائب، وتفترض تالياً عدم نهائيَّة التاريخ ما دام الإمام غائباً ولم يعد ليحكم بالعدل...، هذه الرؤية النهائيَّة التي تستشرف نهايات التاريخ، لها مستلزماتها السياسيَّة الثوريَّة، ممَّا جعل الشيعة ينتظمون حول كبار رجال الدِّين، وتبقى الطائفة الشيعيَّة محكومة في مبادئها وانتظاراتها، بأنْ تبقى في حال غليان سياسي دائم)(١٣٧).. والواضح أنَّ (توال) يتحدَّث عن القوَّة المختزنة في عقيدة الانتظار، والتي تجعل من حركة الأقلّيَّة حركة قادرة على إحداث تحوُّل هائل في تاريخ البشريَّة، والقدرة على التماسك والاستمرار في الوجود.. وهنا نُؤكِّد بأنَّ المهدويَّة تستلهم المنهج الربَّاني الأصيل وتُعبِّر عنه، وتحافظ على نقائه من أيِّ تجاوزات أو تحريفات أو تشوُّهات.
فكرة المخلِّص تتجسَّد على أرض الواقع:
بدأت فكرة المخلِّص من أعماق التاريخ، واستمرَّت الفكرة في أُفُق الإنسانيَّة تتَّصل بمحطَّات مختلفة في كلِّ مراحل التاريخ، فمسألة المنقذ الموعود

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٦) الشيعة في العالم (ص ٣٩ و٤٠).
(١٣٧) الشيعة في العالم (ص ١٦٤).

(١٦٨)

من المواضيع البارزة في المسيرة البشريَّة واهتماماتها المتَّصلة بالعدل، وهي قاسم مشترك بين أكثر الحضارات، بل هي إحدى الأُمنيات الكبرى عند الأنبياء والرُّسُل والشعوب والأُمَم منذ القِدَم.
مسألة المخلِّص أصبحت جزءاً من المنظومة الفكريَّة عند جميع الأديان والحضارات، فإشارات عديدة انبعثت على أيدي الأنبياء والرُّسُل تُبشِّر بالمنجي، وأخذ الطرح يتدرَّج ويتطوَّر في مسار تاريخ الرسالات السماويَّة حتَّى تتكامل الفكرة في الذهن البشري، وبشكل يتناسب من حيث العمق والاتِّساع مع مستوى النضج الفكري الذي تكون عليه البشريَّة في ذلك الزمن، وكان يغلب على البشارات والإشارات أُسلوب الأُمنية والحلم.
جاء الإسلام وذكر حقائق معرفيَّة وإيضاحات جديدة عن المخلِّص أكثر من بقيَّة الأديان الأُخرى، وذلك لغزارة ما ورد عن الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) عن خصائص المنقذ وصفاته وعلامات ظهوره وكثير من الأُمور التي تتعلَّق بقضيَّته.. وقد اختصَّت مدرسة أهل البيت ببعض التفاصيل لا نجدها في أيِّ مدرسة أو مذهب أو دين، فحدَّدت هويَّة وشخصيَّة المخلِّص بشكل دقيق جدًّا، ممَّا ميَّز أُطروحة (الإماميَّة) عن غيرها بخصوصيَّة أنَّها بدَّلت حالة الأُمنية والحلم إلى حالة واقعيَّة موجودة، ومن مستقبل نتمنَّاه إلى واقع ننتظر فاعليَّته.
لقد بنى الإسلام دعائم فكرة المخلِّص أو المهدويَّة على أساس الوحي الإلهي، باعتبارها إحدى القضايا الأساسيَّة في العقيدة الإسلاميَّة، واستناداً على النصوص الشرعيَّة المتواترة (الوحي)، وبما يتوافق مع برهان العقل (قاعدة اللطف).. وانطلاقاً من مبدأ الإمامة الإلهيَّة، ارتبطت العقيدة المهدويَّة بالخلاص الإنساني، فتبلورت فكرة المخلِّص بشكلها النهائي.
المهدويَّة: تجسَّدت فكرة المخلِّص الموعود أو الإمامة الخاتمة أو المهدويَّة في

(١٦٩)

التاريخ وعلى أرض الواقع عند ولادة الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهو ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ومن نسل رسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله)، ووالدته السيِّدة (مليكة/نرجس) من نسل شمعون الصفا وصيِّ النبيِّ عيسى بن مريم (عليه السلام)، وهي ابنة قيصر الروم.. والإمام المهدي يعيش بين الناس حاليًّا، ولكن لا يُعرَف مكانه (غائب) أو مُغيَّب بأمر الله تعالى، وسيظهر في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
وُلِدَ الإمام المهدي (المخلِّص الموعود) في مدينة سامرَّاء (العراق) سنة (٢٥٥هـ/٨٦٩م).. لقد كان قرار الحكومة العبَّاسيَّة في ذلك الوقت القضاء على المولود الجديد وتصفيته جسديًّا حتَّى قبل ولادته، حيث كانوا يعتقدون أنَّ زوال دولتهم ستتمُّ على يديه، مثلما فعل فرعون مع النبيِّ موسى (عليه السلام)، لذلك حرص والده أنْ تبقى ولادة ابنه الوحيد خفيَّة، وإبقاء وجوده بعيداً عن الأعين إلَّا لخواصِّ الشيعة المقرَّبين منه، خوفاً من سطوة وتنكيل السلطة العبَّاسيَّة التي تهدف لقتله.. أمضى الإمام المهدي ما يقارب الخمس سنوات من حياته على هذه الحالة متخفّياً، حتَّى مضى والده إلى جوار ربِّه سنة (٢٦٠هـ/٨٧٤م)، فانتقلت الإمامة إليه وهو طفل، كما جعل الله المسيح نبيًّا وهو رضيع، بيد أنَّ تسنُّمه لمقام الإمامة لم يُؤثِّر على منهج التخفِّي الذي التزم به، وإنَّما بقي مستمرًّا، وكان يمارس دوره ومهامَّه بين قاعدته الشعبيَّة من خلال نُوَّاب أو سفراء بعيداً عن أعين الناس والسلطة.
تُقسَّم فترة اختفاء الإمام المهدي إلى مرحلتين يُطلَق عليها مصطلح الغيبة:
* الغيبة الصغرى: بدأت سنة (٢٦٠هـ) بعد شهادة والده مباشرةً، واستمرَّت لمدَّة (٧٠) سنة تقريباً، بدأت ترتيبات عصر إمامته وقيادته للمجتمع بتعيين سفراء له، وكان الإمام طوال هذه الفترة غائباً عن الأعين وأنظار السلطة

(١٧٠)

العبَّاسيَّة، وكان السفراء الأربعة(١٣٨) (النيابة الخاصَّة) جسر الاتِّصال بين الإمام وقواعده، يأخذون منه التوجيهات موقَّعة، ويضعون بين يديه ما يصلهم من الأسئلة والمشكلات، وكانوا يعيشون في بغداد يديرون شؤون الشيعة.. هناك أهداف أساسيَّة من وراء الغيبة الصغرى تتمثَّل في:
١ - كانت ضروريَّة لإيجاد الارتباط بين الإمام وبين شيعته، ولإثبات وجوده، وترسيخ ثقافة الغيبة عند الناس.
٢ - تهيئة الأُمَّة وخاصَّة القواعد الشعبيَّة الموالية للإمام لاستيعاب مفهوم الغيبة الكبرى.
٣ - قيام السفارة بمصالح المجتمع وشؤون الأُمَّة، وتعويد الناس على الارتباط بالعلماء أثناء غيبة الإمام.
* الغيبة الكبرى: كانت وفاة السفير الرابع عام (٣٢٩هـ/٩٤١م) إيذاناً بابتداء عصر الغيبة الكبرى، ففي هذه الفترة والمرحلة من الغيبة يكون احتجاب الإمام عن الناس شبه تامٍّ وكامل، وانقطعت السفارة والنيابة الخاصَّة، وبدأت مرحلة جديدة هي مرحلة (النيابة العامَّة)، فالنائب العامُّ لم يُشخَّص بالاسم، وإنَّما شُخِّص بالصفة (ملكة الفقاهة)، وفي هذه المرحلة تتحوَّل علاقة الناس بالإمام إلى الفقهاء والمحدِّثين، وذلك بأمر من الإمام نفسه الذي أناط الدور لهم، ولا تزال هذه المرحلة مستمرَّة حتَّى يومنا هذا.
عصر الظهور: بعد انقضاء الغيبة الكبرى بإذن الله تعالى، يظهر الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٨) السفير الأوَّل: عثمان بن سعيد العمري، بداية عام (٢٦٠هـ)، ولمدَّة (٥) سنوات.
السفير الثاني: ابنه محمّد بن عثمان العمري، ولمدَّة (٤٠) سنة.
السفير الثالث: أبو القاسم حسين بن روح النوبختي، ولمدَّة (٢١) سنة.
السفير الرابع: عليُّ بن محمّد السمري، ولمدَّة (٣) سنين، حتَّى عام (٣٢٩هـ).

(١٧١)

ويمسك بزمام الأُمور، ويسيطر على العالم وينشر التوحيد ويُرسي قواعد العدل والإصلاح في كافَّة أطرافه.. ولكن قبل ذلك يتحتَّم توفُّر بعض المتطلَّبات الاستراتيجيَّة والشرائط الضروريَّة، التي يكون وجودها أساسي قبل عمليَّة التغيير الجذري والإصلاح الشامل، وهذه المتطلَّبات قائمة على وجود: قيادة حكيمة، وأيديولوجيَّة متكاملة، ورؤية استراتيجيَّة مستقبليَّة ثاقبة، وقبول شعبي عالمي، وتوفُّر الوسائل التقنيَّة المساعدة، ليتسنَّى للدولة الفاضلة النجاح.
أبرز علامة للظهور: من فضل الله ورحمته وكرمه لم يجعل أمر ظهور المخلِّص سرًّا ومبهماً وغامضاً على البشريَّة، بل أشار التراث الدِّيني السماوي إلى علامات ظهور كثيرة وعديدة تُوضِّح للناس اليوم الموعود، الذي تنتظره الإنسانيَّة منذ آلاف السنين، وإنَّ أبرز علامة وإشارة لقرب ظهور المخلِّص أو المنقذ أو المنجي أو المهدي هي (الصيحة والنداء من السماء)، وهي عبارة عن حدث كوني غريب من عالم الملكوت، وهو صوت ونداء من السماء (صوت جبرائيل) يسمعه أهل الأرض جميعاً، كلُّ قوم بلغتهم، يحدث هذا الصوت في شهر رمضان، وهو بيان مختصر موجَّه من الله سبحانه وتعالى إلى كلِّ الناس يشير إلى قرب ظهور الموعود، وهذه العلامة إعجاز سماوي وعلامة هامَّة جدًّا لا يمكن التلاعب بها، وهي أوضح وأصدق علامة، وقد أشار لها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤١ و٤٢)، وأشار لها الكتاب المقدَّس: (ثمّ رأيت مَلاكاً طائراً في وسط السماء معه بشارة أبديَّة، ليُبشِّر الساكنين على الأرض وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة دينونته، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه)(١٣٩).. إنَّ علامات الظهور

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٩) الكتاب المقدَّس، العهد الجديد (ص ٤١٠ و٤١٢/ سفر رؤيا يوحنَّا، الإصحاح ١٤، النصُّ ٦ و٧).

(١٧٢)

نجدها متقاربة جدًّا بين النصوص الدِّينيَّة السماويَّة، ممَّا يُؤكِّد على وحدة اليوم الموعود ووحدة الأمل بالخلاص، بالإضافة لذلك نجد ميزة للعلامة المشتركة (النداء/الصيحة) أنَّها ترسم للبشريَّة منهجاً يُفهَم منه بشارات وتحذيرات مسبقة:
* بشارة: تزرع في نفوس الناس الأمل والتفاؤل بقرب زوال الظلم والجور وانتشار العدل والسلام.
* تحذير: لعدم الانخداع بالمدَّعين زوراً أنَّهم المخلِّص أو المهدي، قبل أنْ تقع هذه العلامة.
الثمرة: بهذه اللمحة المختصرة عن حياة وسيرة الإمام الغائب (المخلِّص الموعود) يتَّضح لنا: أنَّ مخلِّص الشيعة عقيدة واقعيَّة جسَّدها التاريخ، بوصفه شخصيَّة تاريخيَّة بسنة ميلاد معيَّنة، وبسنة اختفاء تاريخيَّة معيَّنة، وكان بعد اختفائه على صلة بشيعته خلال الغيبة الصغرى عن طريق سفرائه، فهو إذن شخصيَّة محدَّدة عاشت حياتها في الماضي، فارتبطت عودته بأتباعه الشيعة ارتباطاً وثيقاً، فالمهدي وإنْ ظلَّ محتجباً عن الناس في هذا العالم إلَّا أنَّه يظلُّ حاضراً في قلب شيعته.
وهكذا نجد أنَّ فكرة المخلِّص تجسَّدت بشخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهذه خصوصيَّة المدرسة الإماميَّة في قضيَّة المخلِّص، حيث إنَّها بدَّلت حالة الأُمنية والأمر النظري إلى حالة واقعيَّة موجودة، فوضَّحت للعالم أنَّها تنتظر شخصاً واحداً محدَّداً معروف الهويَّة والنَّسَب، يعيش بيننا ويتحسَّس مشاكلنا وهمومنا، وله حضور فعَّال في حياة البشريَّة.. بعكس المنجي الموعود عند المدارس الفكريَّة والحضارات الأُخرى، فهو شخصيَّة موجودة ذهنيَّة واعتقاديَّة ونظريَّة فقط، لكنَّه في الواقع ليس شخصاً محدَّداً موجوداً يعيش بين الناس

(١٧٣)

ويرتبط بظروفهم وأحوالهم، وليس له دور يُذكر.. ممَّا يجعل الأُطروحة والرؤية المهدويَّة للخلاص سائدة ومتفوِّقة على كلِّ النظريَّات المطروحة من قِبَل المدارس الفكريَّة والدِّينيَّة الأُخرى.
ومن هنا نُؤكِّد أنَّه يتحتَّم النظر للمهدويَّة بصورة شاملة وكوحدة متكاملة غير مجزَّأة، فمثلاً عند إدراك حقيقة الإمامة الربَّانيَّة فمن السهل استيعاب قضيَّة الغيبة وأبعادها، وهكذا بقيَّة المسائل، ممَّا يساعدنا للتوصُّل إلى معرفة حقيقة المهدويَّة ونُدرِك جوهرها، وهي حقائق أساسيَّة وثابتة، مستمدَّة ومنبثقة من التراث الدِّيني السماوي وتتوافق مع البرهان العقلي والفطرة السليمة.
المهدويَّة والحضارة الإنسانيَّة:
قراءة المهدويَّة برؤية حضاريَّة سواءً من المؤمنين بها أو من خارج محيطها، يتطلَّب إدراك حقيقتها ومكانتها، أبعادها ورؤاها، أهدافها ومقاصدها.. إنَّنا بحاجة أنْ ننطلق في نظرتنا لها من قراءة سطحيَّة تعتمد على الرواية التاريخيَّة وأحداثها أو الدخول في المحاججات والمناظرات العقديَّة، إلى مستوى أعمق نغوص في بحر المهدويَّة إلى اللُّبِّ والجوهر، فنتعرَّف على القِيَم الكامنة فيها والأبعاد المعنويَّة لها، إلى العالميَّة والشموليَّة في رؤاها، وإلى الإنسانيَّة والحضاريَّة في قلبها، حتَّى نصل إلى الحقيقة الشامخة التي تتمثَّل في أنَّها مشروع الله الأخير لعمارة الأرض.
وهناك استفسارات عصريَّة هامَّة تُثار في أروقة القضيَّة المهدويَّة في سبيل الدخول إلى مكوِّنات الرؤية الحضاريَّة لها، ومعرفة معالمها الإنسانيَّة، علماً بأنَّ الاطِّلاع على الأبعاد الرئيسيَّة للمهدويَّة وفهمها بصورة كلّيَّة شاملة، هي التي تُوضِّح لنا مغزى البشارات في الكُتُب السماويَّة وأهمّيَّتها كمشروع ربَّاني ذي صبغة إنسانيَّة وحضاريَّة لمستقبل البشريَّة ونهاية التاريخ.. ويمكن إيضاح بعض

(١٧٤)

من هذه الرؤى الحضاريَّة للمهدويَّة عن طريق طرحها في قالب سؤال، لنتعرَّف على خصائصها ومزاياها، ونرتقي بتفكيرنا إلى مستوى مقامها العالي:
* ما هي العوامل والأُسُس والمزايا الحضاريَّة التي تنهض بها المهدويَّة وتُقدِّمها للبشريَّة حاليًّا ومستقبلاً؟
* ما هو الطرح الذي تنطوي عليه المهدويَّة وتضمنه، بحيث تلتفُّ حولها جميع أُمَم وشعوب العالم على اختلافها؟
وقبل الاستدلال على هذه الاستفسارات وغيرها، التي تحاول استكشاف الخصائص الإنسانيَّة والحضاريَّة في الأُطروحة المهدويَّة، نُمهِّد بالتوضيح الآتي:
- إنَّ الله جعل الإنسان خليفةً له في الأرض وأوكل إليه مهمَّة إعمارها، ومطلوب منه أنْ يشيع فيها الأمن والسلام والعدل، ويُحقِّق نماء الإنسان ورفاهيته، وفق مبدأ التوحيد وضوابط الشريعة السماويَّة.. وهكذا تكون الحضارة بمفهومها الأساسي هو طريق الإنسانيَّة إلى الله، وسعادة الإنسان في الدارين، وذلك لا يتمُّ إلَّا عبر أقصر الطُّرُق والوسائل إلى الله وأصدقها، وهو التمسُّك واتِّباع الشخص المعيَّن من قِبَله سبحانه وتعالى.. فالحضارات والعقائد والأخلاق لا معنى لها إنْ لم تتمحور حول الهداية برعاية الله تعالى، فمعراج الحضارة الحقيقي هو الطريق الموصل إلى الله.
- إنَّ الحديث عن المهدويَّة يُقصَد به الإمام المعيَّن والمنتخَب من قِبَل الله، والذي يضطلع بمسؤوليَّة إرشاد وهداية الناس، ويُعرِّف شرع الله ويُبيِّنه للناس على وجهٍ تامٍّ.. فمنصب الإمام: (مرجع إلهي متخصِّص في أُمور الدِّين، وهو خبير حقيقي به بحيث لا يداخل معرفته الخطأ ولا يلابسها الاشتباه، وقد عيَّن النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله) للأُمَّة مثل هذا المرجع المتخصِّص)(١٤٠)، ونستنتج من تاريخ الأنبياء أنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٠) الإمامة للمطهَّري (ص ٩٩).

(١٧٥)

وجود الشرائع السماويَّة (الكُتُب المقدَّسة) لا تُغني عن الإمامة الإلهيَّة، فمع وجود الصُّحُف كان النبيُّ إبراهيم (عليه السلام) إماماً لعصره وزمانه، وعدم التعارض بينهما، ممَّا يُؤكِّد على ثَمَّة حاجة لإمامة شخص مجعولة ومنتخبه من قِبَل الله تعالى.
- إنَّ الشرائع السماويَّة لتوضيح مقاصدها وتفصيل الأحكام الشرعيَّة بحاجة إلى بيان الأنبياء عموماً، وإيضاح كلِّ ما يتعلَّق بأجزاء هذه الواجبات وشرائطها وسُنَنها، فهداية الأنبياء متمِّمة لهداية الكُتُب المقدَّسة ومكمِّلة لبيانها.. ومع ختم النبوَّة بمحمّد (صلَّى الله عليه وآله) جعل أهل بيته (عليهم السلام) أئمَّة بأمر الله سبحانه وتعالى، وجعلهم عِدل القرآن وقرينه الذي لا يفترق عنه، والإمام المهدي آخرهم، وحثَّ على التمسُّك بهم حتَّى لا ينحرف الناس عن طريق الهدى.
بعد هذا الإيضاح نورد الاستدلال على الاستفسار الذي يتحرَّك باتِّجاه هدف واحد، ألَا وهو بعض مظاهر الرؤية الحضاريَّة للمهدويَّة.. ولا بدَّ من العلم والتأكيد على أنَّ: وظيفة الإمام لا تقتصر على القيادة والزعامة السياسيَّة فحسب، بل هناك مهامٌّ ومسؤوليَّات تقوم بها المهدويَّة لتسنُّمها منصب الإمامة الخاتمة (مثل: حماية وصون الشريعة، مقام الشاهديَّة على الخلق، واسطة الفيض الإلهي، إتمام الحجَّة، وجوده أمان لأهل الأرض، و...) والتي لا نعرف الكثير من جوانبها ومعرفتنا بها نسبيَّة، وبالتأكيد أنَّ ذلك لا يتعارض مع كونها حاضرة أو غائبة عن الناس.. إضافةً إلى أنَّها تتمتَّع بخصائص فريدة ومرتكزات عديدة وذات آفاق متنوِّعة، نذكر بعض من هذه الرؤى الحضاريَّة الإنسانيَّة العالميَّة:
الحضارة الإنسانيَّة الواحدة:
إذا نظرنا إلى التاريخ نجد أنَّ المجتمعات والشعوب والأُمَم الإنسانيَّة من حيث طبائعها وخصائصها واحدة، ولديها من المنجزات التاريخيَّة والحضاريَّة ما يُؤهِّلها لتشكيل وحدة إنسانيَّة حقيقيَّة، ولكن هذه الوحدة لم تتحقَّق على أرض

(١٧٦)

الواقع وعلى طول المسيرة التاريخيَّة للإنسان، فالمجتمعات البشريَّة وإلى الآن لم تشعر أنَّها تُؤلِّف كياناً واحداً ذا أهداف وغايات واحدة.. ولا تزال الأُمَم والحضارات المختلفة تنطلق لأهداف مختلفة وغايات متباعدة، ولا تزال قوى التباعد والتفرُّق أقوى نفوذاً وأثراً من قوى التقارب والاتِّحاد، ولا يزال إحساس الفرد بجنسيَّته وبقوميَّته أشدّ من إحساسه تجاه الآخرين بالهويَّة الواحدة (الإنسانيَّة)، وعلى هذا فالقيمة الإنسانيَّة بشكلٍ عامٍّ لم توجد فعلاً بشكلها الواقعي وقيمتها المعنويَّة، ممَّا أدَّى لتنازع الأُمَم والحضارات، ونشوب الحروب والاستعمار والاحتلال و...، أمَّا الوجود المثالي للإنسانيَّة فإنَّه يتكوَّن عندما تتَّحد البشريَّة وتتقارب المجتمعات ويتغذَّى الشعور لديها بالمكانة الإنسانيَّة الواحدة (قيمة الإنسان)، فتُهدَم الحواجز العصبيَّة والقوميَّة وتنتهي دوافع الاستعمار والاحتلال، ولن تشهد البشريَّة أيَّ نوع من أنواع الحروب، وسوف يعيش المجتمع الإنساني في صلح وسلام شامل.. أمَّا في تاريخ البشريَّة (الماضي والحاضر) فنستطيع القول بعدم وجود فعلي لحضارة إنسانيَّة واحدة(١٤١) (على الرغم من انبثاق الإنسان من طبيعة واحدة، وخُلِقَ لهدف واحد).
إنَّ العالم المعاصر يشهد إمكانات ومقوِّمات عديدة تُؤهِّل لتحقيق المجتمع الإنساني الواحد والحضارة العالميَّة الواحدة، نشير إلى اثنين منها: (الاتِّفاق على أصل ومبدأ فكرة المخلِّص)، و(التقدُّم العلمي وثورة الاتِّصالات)، فهذه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤١) إنَّنا لا نقصد بالحضارة الإنسانيَّة الواحدة القضاء على كلِّ تعدُّد وتنوُّع وتمايز بين الأُمَم والشعوب، بل المقصود أنْ يكون ثَمَّة انسجام وتعارف وتكامل بين الحضارات المختلفة، فكما أنَّ أيَّ حضارة عندما تكون فاعلة ونشيطة تتميَّز بتنوُّع إنجازاتها، كذلك الأمر في الحضارة الإنسانيَّة الشاملة فإنَّ وحدتها إنَّما تكون في تكامل الإنجازات، بالإضافة للمحافظة على خصائص كلٍّ منها، فلا يأتي التنوُّع معطِّلاً للوحدة إنَّما مقويًّا لها.

(١٧٧)

المقوِّمات تخلق إحساساً وشعوراً لدى البشريَّة بترابطها الوثيق وبوحدة المصير، ممَّا يُشكِّل دافعاً لتكوين دولة عالميَّة واحدة.. علماً بأنَّ البشريَّة لم تستطع حتَّى الآن من إنشاء كيان إنساني واحد ولم تتوحَّد فعلاً، ممَّا أضرَّ بقيمة الإنسان المعنويَّة.. ومن هنا يبقى الأمل في تكوين حضارة إنسانيَّة موحَّدة تُعطي الإنسان قيمته ومكانته المعتبرة على يد مخلِّص الأُمَم، تتجاوز كافَّة أشكال الطائفيَّة والعرقيَّة والعنصريَّة، وكلِّ رواسب التخلُّف، وستتحقَّق بإذن الله تعالى هذه الحضارة العالميَّة الفريدة على يد مهدي آل محمّد (عجَّل الله فرجه)، فتنقلب موازين الأولويَّات عند الناس (السياسيَّة والاقتصاديَّة)، وتتغيَّر الأهداف والتطلُّعات عند الأُمَم والشعوب عندما يصبح العالم دولة وحضارة واحدة، وتشعر البشريَّة أنَّها عائلة إنسانيَّة واحدة، وهذا التغيير من مبادئ ومناهج الثورة المهدويَّة الشاملة.
زرع الأمل في نفوس المستضعَفين:
إنَّ الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) وضع ذخيرة معنويَّة في نفوس عموم المسلمين، يمكن أنْ تتجلَّى في كيان المؤمن الواقعي نتيجة اعتقاده بأُطروحة الخلاص آخر الزمان، وبعبارة أُخرى منهج وضعه الإسلام لأتباعه من أجل بلوغ السعادة الواقعيَّة وتأمينها، ولا تظهر آثارها كاملة إلَّا بالاعتقاد بظهور المهدي، وهو تصوُّر رديف للإيمان بيوم القيامة كصمَّام داخلي يدفع للخير وينهي عن الشرِّ، كذلك الإيمان بوجود الإمام الغائب هو بمثابة صمَّام آخر لأجل الحفاظ على الحياة النفسيَّة والداخليَّة للمسلمين.
ففي زمن الغيبة وعندما تمرُّ ظروف المصاعب والمحن، وحيث يكون الواقع السياسي سيِّئاً للمسلمين من قبيل تسلُّط الاستعمار والتدخُّل الأجنبي

(١٧٨)

السافر، وحيث يكون الوضع النفسي مرير ومحبط للمجتمع المسلم نتيجة ظلم وجور الحُكَّام وانتشار الفساد والفقر وتدهور الحالة الاقتصاديَّة و...، فإنَّه ليس أمام المستضعَفين إلَّا اتِّجاه واحد يتطلَّعون إليه (التفاؤل والأمل)، وهو أنَّ ظروف الحياة يمكنها أنْ تتحسَّن على يد المنقذ الموعود، وبعث الأمل في أفئدة المؤمنين فيما يتعلَّق بمستقبل البشريَّة، علماً بأنَّ الأمل يجد استجابة أكثر في قلب الإنسان عندما يتحوَّل إلى شيء ملموس ومحسوس.. ومن حسن الحظِّ أنَّ بعض البشائر وعلامات الظهور تتحقَّق على مسار التاريخ، فتُحدِث توازناً داخليًّا في بعض النفوس المؤمنة خلال فترات متباعدة من زمن الغيبة الكبرى، فتراود المستضعَفين حلم تغيير الواقع وتُحدِث تفاؤلاً أفضل.. لذا تشخص وتتَّجه أنظار وآمال الإنسانيَّة نحو الإمام الغائب وترتبط الأُمنية الكبرى به، وهذه بعض الآثار والفوائد المعنويَّة التي نجنيها من الإيمان بوجود إمام الزمان والاعتقاد بالمهدويَّة.
الطاقة المعنويَّة للبشريَّة:
ليس ثَمَّة شكٍّ في أنَّ المجتمعات البشريَّة تصبو لأنْ تعيش في وضع من الهدوء والاستقرار، وينتفع الإنسان من وجوده في الحياة ويبلغ مرحلة الكمال، ومن الواضح أنَّ البشريَّة لم تُحقِّق حتَّى الآن هذه الأُمنية عمليًّا.. علماً بأنَّ هذا النوع من النظر العقلي وهذه الأُمنية الوجدانيَّة تمنحنا بشارة بأنَّ العالم ينتظره مرحلة مثاليَّة وعصر مشرق مملوء بالسعادة والرفاه والعدل والمساواة، وتتحقَّق فيه جميع متطلَّبات الإنسانيَّة وتبلغ البشريَّة سعادتها الواقعيَّة.. وقد عضد التراث الدِّيني السماوي هذه النظرة العقليَّة والفطرة الإنسانيَّة وساق بشارات عديدة بأنَّ الأرض لله يرثها عباده الصالحون، وأنَّ العاقبة للمتَّقين.
هذه الحقيقة وهذا الهدف يجب على كلِّ إنسان أنْ يضعه نصب عينيه وأنْ

(١٧٩)

يراه واضحاً أمامه، وعندما ينطوي الإيمان على مثل هذه الحقيقة، فمن المحال أنْ يتصوَّر الفرد الخسارة وضياع الجهود، فإمَّا أنْ يُدرِك ذلك اليوم وينال مراده ويغرق في السعادة، وإذا لم يُدرِكه فإنَّ مجتمعه (المجتمع الإنساني) - ومن زاوية تفكير عقليَّة واجتماعيَّة - سينال شرف إدراك ذلك اليوم، وحينها يعدُّ الفرد نفسه أحد السعاة المضحِّين في طريق تحقيق هذا الهدف، ولن يضيع جزاء عمله عند خالقه.. ومثل هذا الإيمان والاعتقاد يمنح الإنسان طاقة معنويَّة عالية، ويرى نفسه سعيداً وموفَّقاً دائماً، وهكذا نجد أنَّ كثيراً من البواعث النفسيَّة الإيجابيَّة كالأمل والتفاؤل في سلوك المؤمنين أُستلهمت من العقيدة المهدويَّة وتجسُّدها على أرض الواقع تاريخيًّا.
وبكلِّ تأكيد أنَّ ما تستطيع أنْ تُقدِّمه المهدويَّة للبشريَّة هو نفسه ما تستطيع أنْ تُقدِّمه الأديان السماويَّة، ومردُّ ذلك أنَّ المهدويَّة ما هي إلَّا خلاصة البرنامج الإلهي الدِّيني.. وليس ثَمَّة شكٍّ في أنَّ المهدويَّة بمقدورها أنْ تكون غذاءً روحيًّا تمنح العالم المعاصر حياة معنويَّة موفَّقة، وتضمن المصالح الإنسانيَّة للمسيرة البشريَّة.
مسير الحضارة الإنسانيَّة:
إنَّ استقراء تاريخ البشريَّة وتتبُّع مجرى الأحداث السابقة، يبعث بانطباع سيِّئ وسلبي عن مستقبل البشريَّة ونهاية التاريخ.. ممَّا يدفعنا لطرح سؤال جوهري: ما مصير البشريَّة؟ هل تنفجر الحروب العالميَّة ويزداد الظلم والجور أم ماذا؟.. علماً بأنَّ السوابق التاريخيَّة لا تُبشِّر بخير، فهل مصير الإنسانيَّة إلى الانتحار أم مصيرها إلى الرفاهية والرخاء؟..
سؤال يحتاج إلى رؤية ثاقبة وبصيرة نافذة للإجابة عليه، وقبل ذلك معرفة بالنفس البشريَّة (الفطرة و العقل) والاطِّلاع على التراث السماوي.

(١٨٠)

إنَّ بعض الفلاسفة والمستشرقين البعيدين عن الثقافة الدِّينيَّة وعن تطلُّعات الإنسانيَّة وفكرة المخلِّص، والذين يحملون في نفوسهم نظرة تشاؤميَّة ويقرؤون مستقبل البشريَّة بعيون سوداء يقولون ويُؤكِّدون: (أنَّ الشرَّ والفساد والتعاسة صفات ملازمة للحياة البشريَّة، وعليه فإنَّ أفضل ما يمكن أنْ يقوم به الإنسان هو أنْ يضع نهاية لهذه الحياة... وأنَّ البشريَّة وبفعل تطوُّرها وتقدُّمها في صنع وسائل الدمار والخراب، تحفر قبرها بيدها، وهي على شفا السقوط والانهيار)(١٤٢)، فنظريَّة نهاية التاريخ القاتمة تُعبِّر عن رؤية الحضارة المادّيَّة لذاتها، ولكن غفل هؤلاء بأنَّ هذه الزلَّات والسقطات في السير الأساسي والخطِّ العريض في حياة وتاريخ البشريَّة، هي أُمور جزئيَّة، فالإنسانيَّة منذ البدء كانت تتكامل وتتقدَّم نحو الأفضل، وما التجديد والتكامل في الشرائع السماويَّة إلَّا أصدق مثال على ذلك، ولذا فالإنسانيَّة تتحرَّك بأمل وبفطرة وبإيمان نحو المستقبل.. وهذا ما تُؤكِّده أُطروحة المخلِّص الإسلامي التي تُثبِت بأنَّ الفساد الموجود شيء مؤقَّت، وأنَّ هناك حياة سعيدة وعصراً متألِّقاً ينتظر البشريَّة في المستقبل على يد المنقذ (الإمام المهدي)، وهذا ما يُؤكِّده القرآن الكريم ويُبشِّر به ويعتبره وعداً إلهيًّا: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ (النور: ٥٥) ولا بدَّ من تحقيقه.. فالاعتقاد بالمهدويَّة يُعطي وضوحاً في الرؤية لمستقبل التاريخ الإنساني وفهماً للسُّنَن الإلهيَّة، فالمستقبل الذي ينبغي أنْ تُعقَد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهيَّة أنْ يسير نظام العالم تجاهه هو الطور المهدوي، حيث يلغي الإمام (عجَّل الله فرجه) الصراع بين البشر ويزيل أسبابه المادّيَّة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) نهضة المهدي (عجَّل الله فرجه) في ضوء فلسفة التاريخ (ص ٦٠ و٦١).

(١٨١)

والمعنويَّة، يقول المطهَّري: (لا الشرُّ والفساد والتعاسة صفات تلازم البشريَّة، ولا التطوُّر المدني المادِّي بقادر على إبادة البشريَّة، بل إنَّ البشريَّة تتَّجه نحو مستقبل مشرق سعيد، تنقلع فيه جذور الظلم والفساد.. وهذه النظريَّة يُبشِّر بها الدين، ونهضة المهدي ترتبط بهذه البشرى)(١٤٣).. إذن مركزيَّة فكرة المهدي في نسيج الرؤية الإسلاميَّة بالنسبة لمستقبل الإنسانيَّة تُمثِّل تفسيراً منطقيًّا يتطابق مع الفطرة والعقل والإرشاد السماوي، والذي يُؤكِّدها القرآن الكريم بأنَّ وراثة الأرض لعباد الله الصالحين، ووعد إلهي بتحقيق حكومة العدل المطلق، والتي هي جزء من التخطيط الإلهي لنهاية المسيرة البشريَّة.. فكم هو عظيم هذا الحلم، وكم هو كبير هذا الهدف للإنسانيَّة.
ما تنهض به المهدويَّة مستقبلاً:
دولة العدل الإلهي أو الحضارة الذي سيقيمها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) آخر الزمان، هي الحلقة الأخيرة في المسيرة التاريخيَّة للإنسان وتطوُّر المجتمع البشري، وهي المرحلة العظمى والمثلى في تاريخ الإنسانيَّة.. هناك بعض من الأُمور والأسباب التي تجعل الدولة المهدويَّة تُجسِّد أُمنية البشريَّة للخلاص، وذلك تأسيساً على النقاط المنطقيَّة التالية:
١ - ربَّانيَّة: إنَّها جزء من المشروع الإلهي آخر الزمان، المتجسِّدة في السُّنَن الإلهيَّة وحركة التاريخ، وهي شبيهة نوعاً ما بنهضة وحركة وثورة سائر الأنبياء (عليهم السلام)، من الدعوة لإزالة الظلم ونشر التوحيد والعدل، إلَّا أنَّ الفارق بينها وبين حركة الأنبياء والرُّسُل تتمثَّل في سعة النطاق وعالميَّة الثورة وقاطعيَّة النجاح في التطبيق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٣) نهضة المهدي (عجَّل الله فرجه) في ضوء فلسفة التاريخ (ص ٦٢).

(١٨٢)

٢ - الانسجام مع الفطرة: إنَّها تُحقِّق جميع متطلَّبات وحاجات الجنس البشري المادّيَّة والمعنويَّة والروحيَّة، وليس فقط تلبية الحاجات الأساسيَّة، بل تصل إلى مرحلة الكمال في توفُّر هذه الحاجات، ممَّا يجعل كلَّ البشر يصل لمرحلة الاكتفاء، ولذا تلقى بالقبول من الجميع، إذ إنَّها تتوافق مع طبيعة الخلق وسُنَن الله في الحياة.
٣ - جمع وتكامل العقول: في ضوء ظهور الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) يبلغ العقل البشري مرحلة من النضج والرقيِّ بحيث تبلغ العلوم والمعارف في عصره حدَّ التكامل، فيُبنى مجتمع نموذجي للإنسانيَّة بأسرها وعلى جميع المستويات (المادّيَّة والمعنويَّة)، وهو ما يُعبِّر عنه الفلاسفة بالمدينة الفاضلة أو المجتمع المثالي الحقيقي.
الحضارة المهدويَّة: هذه المرحلة المستقبليَّة من تاريخ البشريَّة يمكن النظر إليها على أنَّها أهمّ وأبرز فترة تطوُّر وتقدُّم سيعيشها الإنسان على الأرض، مرحلة فريدة ومميَّزة من نوعها، فتنشأ دولة أو حضارة هي ثمرة جهود جميع الأنبياء والرُّسُل والأوصياء، وجهود البشريَّة قاطبة في مجال التطوُّر العلمي والمادِّي.
ممَّا لا ريب فيه، عندما تتوفَّر الأُمور الضروريَّة والأبعاد الاستراتيجيَّة في بداية انطلاق الحضارة الفاضلة، القائمة على وجود قيادة حكيمة وأيديولوجيَّة متكاملة، ورؤية استراتيجيَّة مستقبليَّة ثاقبة، وقبول شعبي عالمي، وتوفُّر الوسائل التقنية التي تساعد على إدارة الدولة العالميَّة ونجاحها.. حينها يضيء العالم وجميع النفوس البشريَّة بنور الولاية، وتبدأ عمليَّة تغيير شاملة للحياة الإنسانيَّة على وجه الأرض.
بكلِّ تأكيد أنَّ الحضارة المهدويَّة قائمة على أساس إكرام الإنسان، وذلك

(١٨٣)

عن طريق التطبيق الفعلي والحقيقي للأيديولوجيَّة الإسلاميَّة (أكمل الأديان وأشملها وخاتمة الرسالات)، فيُنفِّذ القائد الربَّاني أحكامها لتحقيق السعادة والرفاه للبشر كافَّة، وتعمير الأرض على جميع الأصعدة المادّيَّة والمعنويَّة.. إنَّها نموذج حضاري عالمي يعالج مشاكل الإنسانيَّة الأساسيَّة (المادّيَّة والأخلاقيَّة)، ويُقدِّم لها حلولاً تفوق (كيفاً ونوعاً) الحلول التي قدَّمتها البشريَّة حتَّى الآن، حيث تصل البشريَّة إلى مرحلة الغنى وعدم الحاجة، وتُمحى الطبقات الاجتماعيَّة، ولا يعود أيٌّ من الناس بحاجة إلى السؤال نظراً للتوزيع العادل للثروات.. إنَّها بحقٍّ مشروع النهوض بالبناء الحضاري الأكمل والأمثل والأفضل للبشريَّة.
يضاف إلى ذلك أنَّ من خصائصها: أنَّها ربَّانيَّة (الإمامة الإلهيَّة)، وأخلاقيَّة (القلب السليم)، وإنسانيَّة (توأم مع الفطرة وتكامل العقول)، وعالميَّة (وراثة الأرض)، والتطوُّر العلمي (نخرج من إطار ٨% في العلم والمعرفة)(١٤٤)، والتكامل في كلِّ شيء (المادِّي والمعنوي)، وكلُّ ذلك تحت ظلِّ قيادة حكيمة معصومة.
حقًّا في حضارة محمّد وآله ذات الأُطروحة العادلة الكاملة سنسمع حديثاً جديداً لم نسمع به من قبل، وسندخل مدينة العلم والمعرفة، وستُملَأ الأرض عدلاً وقسطاً، وستُخرِج الأرض كنوزها وتُنزِل السماء بركاتها، وستتوحَّد شعوب العالم قاطبة تحت ظلِّ وكنف الإمامة الإلهيَّة، وسنتفاجأ بدولة عالميَّة واحدة بقيادة معصومة.. حقًّا سنرى إرساء المجتمع الإنساني المثالي المطبِّق لمكارم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٤) نقصد بذلك: ٢ ÷ ٢٧ = أقلّ من (٨%)؛ عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله (عليه السلام)، قَالَ: «اَلْعِلْمُ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفاً، فَجَمِيعُ مَا جَاءَتْ بِهِ اَلرُّسُلُ حَرْفَانِ، فَلَمْ يَعْرِفِ اَلنَّاسُ حَتَّى اَلْيَوْمِ غَيْرَ اَلْحَرْفَيْنِ، فَإِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ (عليه السلام) أَخْرَجَ اَلْخَمْسَةَ وَاَلْعِشْرِينَ حَرْفاً فَبَثَّهَا فِي اَلنَّاسِ، وَضَمَّ إِلَيْهَا اَلْحَرْفَيْنِ حَتَّى يَبُثَّهَا سَبْعَةً وَعِشْرِينَ حَرْفاً». مختصر بصائر الدرجات (ص ١١٧).

(١٨٤)

الأخلاق، فيتكامل الوعي البشري وتتفتَّح الأذهان والعقول وتنتشر البصيرة والحكمة، وسنلج في عالم السعادة الكاملة، والاكتفاء الاقتصادي لكلِّ البشر.. سنعيش حقًّا في مجتمع هو غاية في الكمال الكوني وغاية في الكمال الإنساني، وهو قمَّة مراحل التطوُّر البشري والإنساني يجمع بين أمر الدنيا والآخرة. عندما نقرأ عن معالم الحضارة المهدويَّة ومميِّزاتها وخصائصها، ونتعرَّف على ما تتمتَّع به الإنسانيَّة حينها من الحرّيَّة والرفاه والعزَّة والكرامة، لا شكَّ سينفتح الطريق أمام البشريَّة كافَّة للوصول إلى رحاب الله وشواطئ السعادة والرخاء، وفي ظلِّ عهده يتذوَّق الناس طعم الإيمان وحلاوة العدل.. بكلِّ تأكيد سنقول حاليًّا: إنَّ هذا من الأحلام، ولكن الشكر لله أنَّ هذا الحلم سيتحقَّق يوماً ما على يد القائد المهدي، وهذا وعد إلهي.
لا نريد أنَّ نتوسَّع كثيراً في الاستدلال والعرض، فإنَّ الحقائق التي ذُكِرَت دليل ناصع على الصبغة الإنسانيَّة العالميَّة للمهدويَّة، وأنَّها عقيدة (ربَّانيَّة) ذات رؤية حضاريَّة.

* * *

(١٨٥)

ثمرة البحث

من خلال قراءة الأهداف الكبرى والمقاصد العليا للمهدويَّة اتَّضح لنا جليَّا أنَّ موضوع تعريف وإيصال حقيقة المهدويَّة للآخر (غير المسلم) لم يحظَ بما يستحقُّه من الاهتمام والاعتناء، وهذا الإهمال والتجاهل دفعنا لمحاولة البحث والدراسة عن هذا الموضوع وأهمّيَّته، والتأسيس لمشروع (تعريف المهدويَّة للحضارات الأُخرى) بناءً على منهج علمي، وإنشاء منظومة معرفيَّة عقليَّة وبرؤية فكريَّة حضاريَّة إنسانيَّة.. ومن هذا السياق انطلق البحث، ونوجزه في الآتي:
* انطلاقاً من القرآن الكريم الذي أسَّس لمبدأ (تعار ف الحضارات) بقوله تعالى: ﴿خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: ١٣).. فالأُمَم والشعوب والحضارات مهما تنوَّعت واختلفت إلَّا أنَّها مطالَبة بالتعارف، وهذا ما يريده سبحانه وتعالى للإنسانيَّة، وهو مستوى رفيع وراقٍ من العلاقات، وهذا يستتبع معه الانفتاح والتواصل والحوار، ومنها النواحي الفكريَّة والوجدانيَّة، ومن أهمّها مستقبل البشريَّة وفكرة المخلِّص الموعود.
* إنَّ هناك تواتراً عجيباً لفكرة المخلِّص أو المنقذ المنتظَر على امتداد التاريخ الإنساني في العديد من الأديان والفلسفات البشريَّة، وقد تبنَّى أتباع الديانات الفكرة انطلاقاً من أدبيَّاتها وكُتُبها المقدَّسة، بل خرجت الفكرة من الإطار الدِّيني التقليدي واقتحمت الفكر الفلسفي البشري المادِّي، وهذا ما يُميِّز

(١٨٧)

عقيدة المخلِّص باعتبارها أصبحت من المسلَّمات في الفكر والثقافة العالميَّة ولها ارتباط برؤية دينيَّة، ممَّا يُؤكِّد أنَّ المخلِّص الموعود هو شخصيَّة واحدة محدَّدة مسبقاً، مرتبطة بالسماء ويُعيَّن من قِبَل العناية الإلهيَّة.
* هناك حاجة ملحَّة وأهمّيَّة خاصَّة لتعريف الآخرين بمبدأ الإمامة الخاتمة (المهدويَّة) والمستقبل المشرق للإنسانيَّة الذي سيتحقَّق على يديها، فهذا من أهمّ الأولويَّات الفكريَّة الحاليَّة، وأحد مجالات الدراسات الاستراتيجيَّة والمستقبليَّة المطروحة على طاولة البحث والتي تهتمُّ بها مراكز البحوث العلميَّة المتخصِّصة العالميَّة.
* لا بدَّ من إطلاق مشروع (تعريف المهدويَّة للحضارات)، وقبل ذلك تأسيس بناءات فكريَّة وتراكمات معرفيَّة وتاريخيَّة:
أ - إنَّ مشروع التعريف ليس أهدافاً وغاياتٍ فقط، ولكنَّه سبيل لتكوين منهجيَّة فكريَّة وعلميَّة، تتمثَّل في بلورة مفهوم المهدويَّة بمكوِّناتها الجوهريَّة بصورة تناسب عقليَّة الآخر (غير المسلم)، ومن ثَمَّ عرضها على الآخرين برؤية قائمة على القواسم المشتركة وبمنظور حضاري.
ب - دراسة الحضارات الأُخرى وفهمها فكريًّا: أي فهم الأُمَم والشعوب بكافَّة أشكالها ودراستها بعمق وبصيرة، وذلك من خلال التعرُّف على مناهجها وأبنيتها الفكريَّة والثقافيَّة والأيديولوجيَّة.
* إنَّ التعريف الذي نطمح إليه هو: القدرة على إدخال حقيقة المهدويَّة (بما تحتويه من قِيَم ومبادئ إنسانيَّة وحضاريَّة) إلى المنظومة الفكريَّة للحضارات الأُخرى، وترسيخ الفكرة لدى الرأي العامِّ العالمي، بحيث يصبح هذا المفهوم من الأُسُس الثقافيَّة الثابتة والبديهة عند الكلِّ.
* يجب أنْ نُدرِك قبل أنْ نُعرِّف ونعرض المهدويَّة ونُبيِّن ونشرح معالمها

(١٨٨)

وتفاصيلها، أنَّ من خصوصيَّات الآخر (غير المسلم) عندما يُراد إيصال الحقيقة له، لا معنى لأنْ يقال له: (هذا ما ورد في القرآن، أو ما رُوِيَ عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله)) لأنَّه لا يؤمن بذلك، لذا نحن مضطرُّون للاستدلال والمحاكمة بالمنهج العقلي والذي يتناغم مع المجتمعات علمانيَّة النزعة، والممعنة في الفلسفة المادّيَّة، وهذا من الضرورات المنهجيَّة عند الحوار أو النقاش مع الآخر.. وتأسيساً على ذلك، وفي سبيل تقديم المهدويَّة للأُمَم والشعوب المختلفة يجب أنْ تُطرَح بمنظور ورؤية حضاريَّة وعقليَّة وإنسانيَّة، والكشف لهم عن حقيقتها وخصائصها ومزاياها، وإيضاح أهدافها والنتائج التي ستتحقَّق على يديها، والتي ستخدم البشريَّة كافَّة.
* لا يمكن الحديث عن تعريف المهدويَّة الإماميَّة للآخرين (غير المسلمين) بدون دراسة واستيعاب فكرة المخلِّص عند الآخر بشكلٍ عامٍّ، وإرساء أُسُس استراتيجيَّة من خلال: القاعدة الأيديولوجيَّة والبناء الدِّيني ومعرفة القواسم المشتركة ونقاط الالتقاء، وكذلك النظرة الحاليَّة والمعاصرة لدى (الرأي العامِّ العالمي)، لاسيَّما النظرة الفلسفيَّة لفكرة المخلِّص والخلاص، فهي النقطة الرئيسيَّة والمفتاح لتعريف المهدويَّة وتعزيز مسألة (المهدي المخلِّص).
* إنَّ الأفكار والأُطروحات التي تأتي منسجمة مع الفطرة الإنسانيَّة، وتنطوي على منهج التفكير المنطقي، والذي تُؤيِّدها الإرشادات السماويَّة، تكون سائغة وقابلة للاستيعاب من قِبَل الأفراد والأُمَم والشعوب.. ومن هذه الأُطروحات الوجدانيَّة والمنطقيَّة والواقعيَّة فكرة ومبدأ المخلِّص آخر الزمان، حيث تظافرت عدَّة عوامل في غرس أصل الفكرة في العقل الجمعي للبشريَّة منذ فجر التاريخ، وممَّا رسَّخ ذلك أيضاً أنَّ مسألة المخلِّص كانت جزءاً من المنظومة الفكريَّة عند جميع الأنبياء والرُّسُل.

(١٨٩)

* من المؤكَّد أنَّ هناك خصائص مشتركة كثيرة ونقاط التقاء عديدة واتِّفاق فكري على قضيَّة (المهدي المخلِّص) بين الأديان السماويَّة، ممَّا يُوجِد لغة حوار مفتوحة ومشتركة، ويساهم في بلورة أساليب ومناهج لتحويل القضيَّة المهدويَّة من خندق الخلاف إلى أرضيَّة للتلاقي وعلى أساس وحدة المخلِّص الموعود ووحدة الغاية والهدف، وهذا من أهمّ العناصر المؤثِّرة في مشروع تعريف المهدويَّة للآخرين.
* ستتوحَّد البشريَّة مستقبلاً في دولة عالميَّة واحدة وعلى يد قائد منتظَر واحد، وبالتأكيد فإنَّ ما ينتظره اليهود وما ينتظره المسيحيُّون وما ينتظره المسلمون وما تنتظره البشريَّة من قديم الزمان وإلى الآن، هو في الحقيقة شخص مستقبلي واحد محدَّد بعينه وهو المخلِّص المهدي.
* إنَّ بشارات الأديان تناولت خصوصيَّات المصلح العالمي الموعود، لا تنطبق إلَّا على أبرز ما يُميِّز الأُطروحة الإماميَّة والواقع التاريخي الذي مرَّت به مثل: تعرُّض المخلِّص لخطر القتل والتصفية أثناء ولادته والتي تُؤدِّي إلى غيبته، ثمّ التأكيد على أنَّه محفوظ بالرعاية الإلهيَّة أثناء غيبته حتَّى موعد ظهوره، وهذا من خصائص الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة.
* إنَّ فكرة المخلِّص الإسلامي تجسَّدت بشخصيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)، وهذه خصوصيَّة المدرسة الإماميَّة، حيث إنَّها بدَّلت حالة الأُمنية والأمر النظري إلى حالة واقعيَّة موجودة، فوضَّحت للعالم أنَّها تنتظر شخصاً واحداً محدَّداً معروف الهويَّة والنَّسَب، يعيش بيننا ويتحسَّس مشاكلنا وهمومنا، وله حضور فعَّال في حياة البشريَّة.. بعكس المنجي الموعود عند المدارس الفكريَّة والحضارات الأُخرى، فهو شخصيَّة موجودة ذهنيَّة واعتقاديَّة ونظريَّة فقط، لكنَّه في الواقع ليس شخصاً محدَّداً موجوداً يعيش بين الناس ويرتبط بظروفهم

(١٩٠)

وأحوالهم، وليس له دور يُذكر.. ممَّا يجعل الأُطروحة والرؤية المهدويَّة للخلاص متفوِّقة على كلِّ النظريَّات المطروحة من قِبَل المدارس الفكريَّة والدِّينيَّة الأُخرى.
* نطمح من وراء استجلاء صورة المهدويَّة في الرؤية الاستشراقيَّة، أنْ نرسم معالمها التي تشكَّلت حديثاً عند الرأي العامِّ الغربي (الآخر)، وذلك كنتيجة طبيعيَّة ومنطقيَّة للجهود التي بذلها المستشرقون والأهداف التي ينطلقون منها.. وغايتنا تأسيس قاعدة فكريَّة ومعرفيَّة تحصر وتستقرأ رؤيتهم للمهدويَّة تاريخيًّا وحاضراً، ممَّا يساعدنا على ربط صورة المهدويَّة عند الغرب في الماضي بالرؤية الحاليَّة، والوقوف على أهمّ التغيُّرات المستجدَّة، وكذلك العمل على تفكيك وتقويض الصورة المشوَّهة التي رسمها المستشرقون في كتاباتهم، ممَّا يتيح الفرصة لننطلق في مشروع التعريف من أرضيَّة وقاعدة صلبة.
* عند بلورة المهدويَّة بمنظور ورؤية حضاريَّة، وطرحها على أرض الواقع كمنظومة معرفيَّة متكاملة، ومن واقع وحقيقة المخلِّص الإسلامي (الأُطروحة المهدويَّة الإماميَّة) فإنَّ ذلك سيتيح للأُمَم والشعوب المختلفة الاطِّلاع والتعرُّف على حقيقة المهدويَّة الربَّانيَّة آخر الزمان، ومن ثَمَّ ستعتقد وتؤمن بها، وتتشوَّق ليومها الموعود.
* إنَّ دولة العدل الإلهي التي سيقيمها الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) على الأرض، هي نفسها (حكم الله وملكوته في الأرض) التي سيُقيمها السيِّد المسيح، وبكلِّ تأكيد هي كيان واحد، ممَّا يكشف عن حقيقة أنَّ الهدف واحد والمستقبل واحد والمخلِّص واحد، وأنَّها دولة واحدة تشمل المعمورة بأسرها، وتكون خاتمة المسيرة البشريَّة، وثمرة جهود الأنبياء والأديان السماويَّة.
* إنَّ الرسالة التي يجب إيصالها وتوضيحها للأُمَم وشعوب العالم والتأكيد عليها عند الحديث عن المنقذ والمنجي الموعود أو عند التحاور عن نهاية

(١٩١)

التاريخ ومستقبل البشريَّة هي: أنَّ الخلاص الإنساني الأمثل والأكمل والذي يتلاءم مع وجدان الفطرة ويتوافق مع برهان العقل ويتعاضد مع الإرشاد السماوي، ويُلبِّي طموحات البشريَّة ويُحقِّق آمال وأُمنيات الأنبياء والرُّسُل، كلُّ ذلك ينطبق على (المهدويَّة) حقيقةً وهدفاً، ولذا ظلَّت الإنسانيَّة تنتظر هذا العهد لسنين وقرون عديدة.
* إنَّنا بأمسّ الحاجة إلى دراسة المهدويَّة وبكلِّ أبعادها وفق مناهج عديدة كالعقيدة والاجتماع والتاريخ والحضارة وغيرها، لما لهذه المناهج من قدرة وخبرة على فهم وتحليل وتفسير سُنَن الله وحركة التاريخ وتطوُّر الحضارات.. يضاف إلى ذلك أنَّ المهدويَّة كقضيَّة ربَّانيَّة ومركزيَّة بشريَّة تستدعي التوقُّف والتأمُّل والمراجعة، وذلك بتوظيف مختلف العلوم والمناهج البحثيَّة والتحليليَّة لفهم أبعادها الحضاريَّة، وإدراك مكنوناتها الإنسانيَّة، وأنْ نحيط بدورها الحالي والمستقبلي في مسار التطوُّر العالمي والتقدُّم البشري وعلى كافَّة الأصعدة المادّيَّة والمعنويَّة، ومن ثَمَّ عرض تلك النتائج والرؤى على الأُمَم والحضارات الأُخرى وتعريفهم بها.

* * *

(١٩٢)

الخاتمة: رسالة للبشريَّة بخصوص المهدويَّة

بالتأمُّل العميق لواقع العالم المعاصر وقراءة التصرُّفات الدوليَّة والوقائع الاجتماعيَّة، والسياسات والإجراءات المنفَّذة على كافَّة الأصعدة والظروف التي خلقتها، نجد أنَّ مثل هذه السلوكيَّات المتعجرفة والتصرُّفات الظالمة وضيِّقة الأُفُق، لا تملك إلَّا أنْ تصنع الحرب والفقر والجور وتدمير البيئة وإلحاق الضرر بكلِّ شيء، وكلُّ ذلك سعياً وراء المال والقوَّة والسيطرة على السلطة، ممَّا أدَّى إلى تغييب الضمير الإنساني وإقصاء الأخلاق الدِّينيَّة.. وإنَّ سباق التسلُّح وسُنَن التاريخ تُؤكِّد أنَّ بوادر حرب عالميَّة أُخرى على الأبواب، وأنَّ أزمات اقتصاديَّة طاحنة على الأعتاب، وأمام كلِّ هذه الوقائع والحقائق يسود صمت عالمي غير مبالٍ بالذي يحدث، ممَّا يُنذِر بمستقبل كارثي ومظلم للبشريَّة وجرِّ العالم للانهيار.
لقد وهبنا الله الإمكانيَّات والموارد والقدرة لإحلال الحُبِّ والرحمة والأمن والسلام بين الأُمَم والشعوب وجميع أفراد البشريَّة، ولكن أفعالنا تعكس افتقارنا إلى عمق القِيَم الروحيَّة والتحكيم العقلي والشعور بالمسؤوليَّة، ولا تنسجم مطلقاً مع الروح الإيجابيَّة والأخلاقيَّة التي تنطوي عليها التعاليم الدِّينيَّة السماويَّة.. هناك على الأرجح الكثير الذي يمكننا القيام به للبدء في تغيير واقعنا ومصيرنا من خلال إدراك حقيقة العالم اليوم، وإلى أين وصل بنا الحال بتصرُّفاتنا الهوجاء وانفصالنا عن إنسانيَّتنا.. وهنا تظهر ضرورة تحمُّل المسؤوليَّة، وأنَّ الوقت قد حان لشعوب العالم لمواجهة الواقع، فليس للبشريَّة في ظلِّ هذه الممارسات اللَّاإنسانيَّة والسلوكيَّات الظالمة وأمام الكوارث والحروب القادمة إلَّا

(١٩٣)

الاعتراف بأخطائها، وبذل قصارى جهدها للتطلُّع إلى الحلِّ وإلى أهداف أعلى، وذلك بأنْ تُحسِن الاستجابة لنداء الفطرة وبرهان العقل واتِّباع الإرشادات السماويَّة، وهكذا تبقى الساحة البشريَّة مفتوحة بشكل كبير على فكرة المخلِّص المنقذ، لما تتَّسم به هذه الفكرة والعقيدة من طابع إنساني وتوجيه ربَّاني، ولما تحمله من أمل وتفاؤل ونظرة إيجابيَّة لمستقبل زاهر يشمل العالم كلَّه.
بالتأكيد يمكننا تغيير المسار الذي تمشي فيه البشريَّة من خلال إيقاف الممارسات الحاليَّة وتغيير أفكارنا، وأنْ تكون لدينا قدرة على تقييم الحقائق الربَّانيَّة العميقة ومراجعة رؤيتنا للحياة.. فانتصارنا على الظلم والحرب والفقر بشكل دائم محتَّم وأكيد وهذا وعد إلهي، ولكن يجب التمهيد وتهيئة الأمر، وإيجاد أسباب وشروط ومقوِّمات النجاح، وقبل ذلك نشر الحقيقة حتَّى يفهمها الجميع، فالحقيقة بسيطة وواضحة جدًّا، ونشرها لا يقع على عاتق فئة معيَّنة بل على الجميع.. يكمن الحلُّ الحقيقي (المخطَّط الربَّاني) وبمعناه الكامل في ما بُشِّر به قبل آلاف السنين في النصوص الدِّينيَّة السماويَّة، وفي كلمة واحدة (المخلِّص) كمنقذٍ للعالم وقائدٍ للبشريَّة، لدرجة أنَّه من الضروري الحديث عنه وعن أهمّيَّته ودوره حاليًّا ومستقبلاً، فالحقيقة واضحة ومعترَف بها من جميع الأُمَم والشعوب، فمن المحتَّم علينا أنْ نُمهِّد الطريق لخروجه، وأنْ نضع هذه المسألة أمام الرأي العامِّ العالمي وإيضاحها.. بالتأكيد أنَّ مهمَّة إدراك شخصيَّة ربَّانيَّة كـ (المخلِّص المهدي) والإحاطة بأبعادها، تحتاج إلى بصيرة ولغة ربَّانيَّة، وهذا أمر يخرج عن سياق هذه السطور، إنَّما الذي نصبو إليه هو أنْ نتلمَّس شيئاً عن أهمّيَّة هذه الشخصيَّة الذي تُحقِّق أهدافاً وغايات كلِّ الرسالات السماويَّة، والتي يُعَدُّ الاعتقاد بها هو المنهج الربَّاني المرسوم لسعادة البشريَّة.
في هذا المقام، نُؤكِّد القول لكلِّ إنسانٍ حكيمٍ وذي بصيرة، ويطمح أنْ يصل إلى حياة كريمة ويعيش في عالم الفضيلة والكمال، هو ذا منطق الكون

(١٩٤)

وسُنَن الحياة، ومتون الصُّحُف السماويَّة، وكلُّها متَّفقة وتُعلِن بوضوح عن (الإمام المهدي) كمخلِّص وكعنوان محتوم لإنقاذ الإنسانيَّة ومستقبلها.. وفي هذا الصدد نُدرِك حقيقة الممارسات الخبيثة للأعداء ضدَّ البشارة والأمل، وسعيها الدائب في الكيد لإطفاء الروح الإيجابيَّة في مفهوم المهدويَّة، ولكن يأبى الله لها ذلك، فإقامة الدولة الفاضلة وتحقيق العدالة الإلهيَّة في الزمن الأخير لا يتمُّ إلَّا على يديه، ويُصحِّح مسار التاريخ البشري ومستقبله الختامي إلى طور العدل والمحبَّة والسلام. وأخيراً؛ ندعو إلى أهمّيَّة التمسُّك بمبادئ العدل والقسط والقانون الإلهي، وتكريس الأُخوَّة الإنسانيَّة، ونشر ثقافة قبول الآخر، وإعلاء قِيَم التعارف والتكامل بين الحضارات، وتعزيز التحاور عبر تفهُّم الاختلافات وعدم تحويلها إلى خلافات، والتشبُّث بالقواسم المشتركة ونقاط الالتقاء في الرؤى الفكريَّة، وإيقاظ الأُمنية الكبرى للبشريَّة، وتهيئة الأرضيَّة المناسبة لخروج بقيَّة الله وآخر الأوصياء، وترجمة حلم الإنسانيَّة القديم إلى قرارات عمليَّة ومناهج تعليميَّة، ومسلَّمات معرفيَّة في الفضاء الثقافي العالمي، مع التأكيد على عظمة هذه الشخصيَّة القياديَّة وسموِّ مكانتها عند الله.
وفي الختام؛ ندعو الله أنْ يحفظ البشريَّة من كلِّ شرٍّ، وأنْ يدفع عن قائدها ومخلِّصها ومنقذها كلَّ سوء ومكروه.. اللَّهُمَّ أحي به نور العدل والقسط، وأمت به آثار الظلم والجور.. اللَّهُمَّ اعمر به أرضك، وأحي به عبادك.. اللَّهُمَّ اكشف شبح الحروب عن الإنسانيَّة ببركة حضوره، وعجِّل لنا فرجه وظهوره، برحمتك يا أرحم الراحمين.
والحمد لله أوَّلاً وآخراً، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسَلين محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً.

* * *

(١٩٥)

المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الإسلام في مواجهة الغزو الفكري الاستشراقي والتبشيري: محمّد حسن مهدي بخيت/ ط ١/ ٢٠١١ - ٢٠١٢م/ دار مجدلاوي/ عمَّان.
٣ - الإمام الثاني عشر (النسخة العربيَّة): هنري كوربان، ترجمة: نواف محمود الموسوي/ ط ١/ ١٤٢٨هـ/ دار الهادي/ بيروت.
٤ - الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في الأديان: الشيخ مهدي خليل جعفر/ ط ١/ ١٤٢٩هـ/ دار المحجَّة البيضاء/ بيروت.
٥ - الإمامة: الشيخ مرتضى المطهَّري/ ترجمة: جواد عليّ كسَّار/ دار الحوراء.
٦ - بحث حول المهدي (عجَّل الله فرجه): السيِّد محمّد باقر الصدر/ تحقيق: عبد الجبَّار شرارة/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة.
٧ - بحوث معاصرة في الساحة الدوليَّة: الشيخ محمّد السند/ ط ١/ ١٤٢٨هـ/ مركز الأبحاث العقائديَّة.
٨ - التشيُّع والاستشراق: عبد الجبَّار ناجي/ ط ١/ ٢٠١١م/ المركز الأكاديمي للأبحاث/ بغداد.
٩ - تفسير القمِّي: عليُّ بن إبراهيم القمِّي/ تصحيح وتعليق وتقديم: السيِّد طيِّب الموسوي الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قمّ.

(١٩٧)

١٠ - الحكومة العالميَّة للإمام المهدي (عليه السلام): الشيخ ناصر مكارم الشيرازي/ ط ١/ ١٣٨٤ش/ مدرسة الإمام عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)/ قمّ.
١١ - الخلاص المسيحي ونظرة الإسلام إليه: أحمد عليّ عجيبة/ ط ١/ ٢٠٠٦م/ دار الآفاق العربيَّة/ القاهرة.
١٢ - سُنَن ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد القزويني (ابن ماجة)/ تحقيق وترقيم وتعليق: محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
١٣ - السيادة العربيَّة والشيعة والإسرائيليَّات في عهد بني أُميَّة: ج. فان فلوتن/ ترجمة: حسن إبراهيم حسن ومحمّد زكي إبراهيم/ ط ١/ ١٩٣٤م/ مطبعة السعادة/ مصر.
١٤ - الشيعة (نصُّ الحوار مع المستشرق كوربان): العلَّامة الطباطبائي/ تعريب: جواد عليّ كسار/ ط ٢/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة أُمِّ القرى.
١٥ - الشيعة في العالم (صحوة المستبعَدين واستراتيجيَّتهم): فرانسوا تويال/ نقله عن الفرنسيَّة: نسيب عون/ ط ١/ ٢٠٠٧م/ دار الفارابي/ بيروت.
١٦ - عقيدة الشيعة: دوايت ام. رونلدسن/ تحقيق وتصحيح: عليّ دهباشي/ ط ٢/ مؤسَّسة المفيد/ بيروت.
١٧ - الغيبة: ابن أبي زينب النعماني/ تحقيق: فارس حسُّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ أنوار الهدى.
١٨ - الفتن: أبو عبد الله نعيم بن حمَّاد المروزي/ تحقيق وتقديم: سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
١٩ - قِيَم حضاريَّة في القرآن الكريم: توفيق محمّد سبع/ ط ٢/ دار المنار/ القاهرة.

(١٩٨)

٢٠ - الكتاب المقدَّس، العهد الجديد: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٢١ - الكتاب المقدَّس، العهد القديم: الكنيسة/ ١٩٨٠م/ دار الكتاب المقدَّس.
٢٢ - كمال الدِّين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
٢٣ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلِّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٢٤ - المسائل العكبريَّة: الشيخ المفيد/ تحقيق: عليّ أكبر الإلهي الخراساني/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٥ - المستشرق المعاصر إيتان كوهلبرغ وحديث الإماميَّة: السيِّد مصطفى مطهَّري/ ترجمة: أسعد مندي الكعبي/ ط ١/ ١٤٣٦هـ/ المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيَّة.
٢٦ - معجم أحاديث الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه): الشيخ عليٌّ الكوراني/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قمّ.
٢٧ - مفهوم الخلاص في الديانة اليهوديَّة وأثره في الواقع اليهودي والحوار الإسلامي - اليهودي: محمّد حمزة بن عليٍّ الكتَّاني/ ط ١/ ١٤٣٤هـ/ دار الكُتُب العلميَّة/ بيروت.
٢٨ - المهدي المنتظَر عند الشيعة الاثني عشريَّة: الدكتور جواد عليّ/ ترجمه عن الألمانيَّة د. أبو العيد دودو/ ط ١/ ٢٠٠٥م/ منشورات الجمل/ ألمانيا.

(١٩٩)

٢٩ - موسوعة قصَّة الحضارة: ول وايريل ديورانت/ تقديم: محيي الدِّين صابر/ ترجمة: زكي نجيب محمود/ ١٤٠٨هـ/ دار الجيل/ بيروت.
٣٠ - نهضة المهدي (عجَّل الله فرجه) في ضوء فلسفة التاريخ: مرتضى المطهَّري/ ط ٢/ ١٤٢٧هـ/ دار التيَّار الجديد/ بيروت.

* * *

(٢٠٠)