فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه الجزء الثاني
 كتب أخرى

الكتب النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه الجزء الثاني

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ الميرزا حسين الطبرسي النوري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٨ المشاهدات المشاهدات: ١٥٣٣٣ التعليقات التعليقات: ٠

النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب عجل الله فرجه الجزء الثاني

تأليف: خاتمة المحدثين آية الله الشيخ حسين الطبرسي النوري (قدّس سرّه)
تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيّد ياسين الموسوي

فهرس المطالب

الباب السادس: في اثبات امامته عليه السّلام بمعجزاته الباهرات التي ظهرت منه أيام الغيبة الصغرى
الحديث الاول
الحديث الثاني
الحديث الثالث
الحديث الرابع
الحديث الخامس
الحديث السادس
الحديث السابع
الحديث الثامن
الحديث التاسع
الحديث العاشر
الحديث الحادي عشر
الحديث الثاني عشر
الحديث الثالث عشر
الحديث الرابع عشر
الحديث الخامس عشر
الحديث السادس عشر
الحديث السابع عشر
الحديث الثامن عشر
الحديث التاسع عشر
الحديث العشرون
الحديث الحادي والعشرون
الحديث الثاني والعشرون
الحديث الثالث والعشرون
الحديث الرابع والعشرون
الحديث الخامس والعشرون
الحديث السادس والعشرون
الحديث السابع والعشرون
الحديث الثامن والعشرون
الحديث التاسع والعشرون
الحديث الثلاثون
الحديث الحادي والثلاثون
الحديث الثاني والثلاثون
الحديث الثالث والثلاثون
الحديث الرابع والثلاثون
الحديث الخامس والثلاثون
الحديث السادس والثلاثون
الحديث السابع والثلاثون
الحديث الثامن والثلاثون
الحديث التاسع والثلاثون
الحديث الأربعون
الباب السابع: في ذكر حكايات وقصص الذين وصلوا الى خدمة امام الزمان عليه السّلام في الغيبة الكبرى
الحكاية الأولى
الحكاية الثانية
الحكاية الثالثة
الحكاية الرابعة
الحكاية الخامسة
الحكاية السادسة
الحكاية السابعة
الحكاية الثامنة
الحكاية التاسعة
الحكاية العاشرة
الحكاية الحادية عشرة
الحكاية الثانية عشرة
الحكاية الثالثة عشرة
الحكاية الرابعة عشرة
الحكاية الخامسة عشرة
الحكاية السادسة عشرة
الحكاية السابعة عشرة
الحكاية الثامنة عشرة
الحكاية التاسعة عشرة
الحكاية العشرون
الحكاية الحادية والعشرون
الحكاية الثانية والعشرون
الحكاية الثالثة والعشرون
الحكاية الرابعة والعشرون
الحكاية الخامسة والعشرون
الحكاية السادسة والعشرون
الحكاية السابعة والعشرون
الحكاية الثامنة والعشرون
الحكاية التاسعة والعشرون
الحكاية الثلاثون
الحكاية الحادية والثلاثون
الحكاية الثانية والثلاثون
الحكاية الثالثة والثلاثون
الحكاية الرابعة والثلاثون
الحكاية الخامسة والثلاثون
الحكاية السادسة والثلاثون
الحكاية السابعة والثلاثون
الحكاية الثامنة والثلاثون
الحكاية التاسعة والثلاثون
الحكاية الأربعون
الحكاية الحادية والأربعون
الحكاية الثانية والأربعون
الحكاية الثالثة والأربعون
الحكاية الرابعة والأربعون
الحكاية الخامسة والأربعون
الحكاية السادسة والأربعون
الحكاية السابعة والأربعون
الحكاية الثامنة والأربعون
الحكاية التاسعة والأربعون
الحكاية الخمسون
الحكاية الحادية والخمسون
الحكاية الثانية والخمسون
الحكاية الثالثة والخمسون
الحكاية الرابعة والخمسون
الحكاية الخامسة والخمسون
الحكاية السادسة والخمسون
الحكاية السابعة والخمسون
الحكاية الثامنة والخمسون
الحكاية التاسعة والخمسون
الحكاية الستون
الحكاية الحادية والستون
الحكاية الثانية والستون
الحكاية الثالثة والستون
الحكاية الرابعة والستون
الحكاية الخامسة والستون
الحكاية السادسة والستون
الحكاية السابعة والستون
الحكاية الثامنة والستون
الحكاية التاسعة والستون
الحكاية السبعون
الحكاية الحادية والسبعون
الحكاية الثانية والسبعون
الحكاية الثالثة والسبعون
الحكاية الرابعة والسبعون
الحكاية الخامسة والسبعون
الحكاية السادسة والسبعون
الحكاية السابعة والسبعون
الحكاية الثامنة والسبعون
الحكاية التاسعة والسبعون
الحكاية الثمانون
الحكاية الحادية والثمانون
الحكاية الثانية والثمانون
الحكاية الثالثة والثمانون
الحكاية الرابعة والثمانون
الحكاية الخامسة والثمانون
الحكاية السادسة والثمانون
الحكاية السابعة والثمانون
الحكاية الثامنة والثمانون
الحكاية التاسعة والثمانون
الحكاية التسعون
الحكاية الحادية والتسعون
الحكاية الثانية والتسعون
الحكاية الثالثة والتسعون
الحكاية الرابعة والتسعون
الحكاية الخامسة والتسعون
الحكاية السادسة والتسعون
الحكاية السابعة والتسعون
الحكاية الثامنة والتسعون
الحكاية التاسعة والتسعون
الحكاية المائة
فصل: في ذكر جملة من المعمرين:
الخضر عليه السّلام
عيسى عليه السّلام
اللعين الكافر الدجال
الياس النبي عليه السّلام
سلمان الفارسي المحمدي رضي الله عنه
الشيخ صاحب حديث القلاقل
عبيد بن شريد الجرهمي
الربيع بن الضبع الفزاري
قس بن ساعدة الايادي
اوس بن ربيعة الالسلمي
سطيح الكاهن
عبد الله اليمني
عبد المسيح بن مقيلة
شق الكاهن المعروف
اوس بن ربيعة بن كعب
ثوب بن صداق العبدي
مروانة (رواعد) بن كعب
عبيد بن الأبرص
زهير هبل بن عبد الله
عمر بن عامر ماء السماء
هبل بن عبد الله بن كنانة
المستوغر بن ربيعة
دريد بن نهد
تيم [الله] عكاية
معدي كرب
شربة بن عبد الله الجبعي
ذو الاصبع العدواني
جعفر بن قبط
مهن بن عنان
صيفي بن رياح
اكثم بن صيفي
عاصم بن الطرب العدواني
مربع بن ضبع
عمرو بن حميمة الدوسي
معمر المشرقي
الحارث بن مضاض
ابو بكر عثمان بن خطاب بن عبد الله بن العوام
ابن ابي الدنيا
الباب الثامن: في الجمع بين الحكايات المتقدمة وبين ما جاء في تكذيب مدعي المشاهدة له عليه السّلام في الغيبة الكبرى
الجواب الأول
الجواب الثاني
الجواب الثالث
الجواب الرابع
الجواب الخامس
الجواب السادس
الباب التاسع: في عذر دخول بعض حكايات المستغيثين في الصحاري وغيرها
الباب العاشر: في ذكر شمة من تكاليف العباد لامام العصر عليه السّلام
التكليف الأول
التكليف الثاني
التكليف الثالث
التكليف الرابع
التكليف الخامس
التكليف السادس
التكليف السابع
التكليف الثامن
الباب الحادي عشر: في ذكر بعض الأزمنة والأوقات المختصة بامام العصر عليه السّلام
الأول: ليلة القدر
الثاني: يوم الجمعة
الثالث: يوم عاشوراء
الرابع: حين اصفرار الشمس الى غروبها في كل يوم
الخامس: عصر يوم الاثنين
السادس: عصر يوم الخميس
السابع: ليلة ويوم النصف من شعبان
الثامن: يوم النوروز
تنبيه نبيه
الباب الثاني عشر: في ذكر الأعمال والآداب التي قد يتمكن الانسان ببركتها أن يصل لشرف اللقاء بالامام الحجّة صلوات الله عليه
فصل: في الأعمال المخصوصة
فصل: في الأعمال المختصرة

الباب السّادس: في إثبات إمامته (عليه السلام) بمعجزاته الباهرات التي ظهرت منه أيام الغيبة الصغرى

في إثبات إمامته عليه السلام عن طريق المعجزات الباهرات وخوارق العادات التي ظهرت منه في أيام غيبته الصغرى وزمان تردد خواصّه ونوّابه عليه عليه السلام، وبه ثبتت حياته ومهدويّته عليه السلام.
فليس في المسلمين من يعترف بوجوده في زمانه وامامته ويرى غيره هو المهدي الموعود.
وان كل من يعترف بأنّه الامام المفترض الطاعة من الله تعالى بالنصوص والمعجزات فانه يعترف بان الامامة تختم به وانّه هو المهدي الموعود.
ومعجزاته عليه السلام كثيرة وقد نقلها أكابر العلماء الأتقياء المعروفين بالصلاح والصدق والفضل عند الخاصة والعامة.
وبما انّ مبنانا على الاختصار فلهذا ننقل أربعين معجزة من الكتب التي لم تكن عند العلامة المجلسي رحمه الله أو كانت عنده وقد غفل عن النقل عنها؛ وهي تؤيّد ما نقله سنداً ومضموناً.
روى الشيخ الجليل الفضل بن شاذان في غيبته عن أحمد بن محمد بن ابي نصر عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن ابي يعفور قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام:
"ما من معجزة من معجزات الأنبياء والأوصياء الّا يُظهر الله تبارك وتعالى مثلها على يد قائمنا لاتمام الحجة على الأعداء"(١).
الحديث الأول:
نقل في كفاية المهتدي عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن هبة الله الطرابلسي في كتابه (الفرج الكبير) بسنده عن أبي الأديان وكان أحد خدّام الامام العسكري عليه السلام، انّه قال(٢): كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام وأحمل كتبه إلى الأمصار فدخلت إليه في علّته التي توفّي فيها صلوات الله عليه(٣)، فكتب معي كتباً وقال: تمضي بها إلى المدائن(٤) فانّك ستغيب خمسة عشر يوماً فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر(٥)، وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل.
قال أبو الأديان: فقلت: يا سيّدي فاذا كان ذلك فمن(٦)؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي [فهو القائم بعدي](٧) فقلت: زدني(٨) فقال: من يصلّي عليّ(٩) فهو القائم بعدي فقلت: زدني(١٠) فقال: من أخبر بما في الهميان [فهو القائم بعدي](١١) ثمّ منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان، وخرجت بالكتب(١٢) إلى المدائن وأخذت جواباتها، ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي عليه السلام فاذا أنا بالواعية في داره(١٣) واذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار، والشيعة(١٤) حوله يعزّونه، [ويهنّئونه](١٥) فقلت في نفسي: إن يكن هذا الامام، فقد بطلت الامامة لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطّنبور.
فتقدّمت فعزّيت [وهنّيت](١٦) فلم يسألني عن شيء، ثم خرج عقيد فقال: يا سيدي قد كفّن أخوك فقم للصلاة عليه، فدخل جعفر بن علي والشيعة [من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة](١٧).
فلما صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفّناً فتقدّم جعفر بن علي ليصلّي على أخيه فلمّا همّ بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، [بأسنانه تفليج](١٨)، فجذب رداء جعفر بن عليّ وقال: تأخّر يا عمّ فأنا أحقّ بالصلاة على أبي، فتأخّر جعفر وقد اربدَّ وجهه، فتقدّم الصبي فصلّى عليه، ودفن إلى جانب قبر أبيه عليهما السلام(١٩).
ثم قال: يا بصري هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها اليه(٢٠)، وقلت في نفسي: هذه اثنتان بقي الهميان ثمّ خرجت الى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له(٢١): حاجز الوشّاء: يا سيدي من الصبيّ؟ - ليقيم عليه الحجة (٢٢) فقال: والله ما رأيته قطّ ولا عرفته.
فنحن جلوس إذ قدم نفر من قم فسألوا عن الحسن بن علي صلوات الله عليه(٢٣) فعرفوا موته فقالوا: فمن نعزّي؟(٢٤) فأشار الناس(٢٥) إلى جعفر بن علي فسلّموا عليه وعزّوه [وهنّأوه](٢٦) وقالوا: معنا كتب ومال(٢٧) فتقول ممّن الكتب وكم المال؟ فقام ينفض أثوابه، ويقول: يريدون منّا أن نعلم الغيب(٢٨) قال: فخرج الخادم(٢٩) فقال(٣٠): معكم كتب فلان وفلان، وهميان فيه ألف دينار عشرة دنانير منها مطلّسة فدفعوا الكتب والمال(٣١) وقالوا: الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الامام.
فدخل جعفر بن علي على المعتمد(٣٢) وكشف له ذلك فوجّه المعتمد(٣٣) خدمه فقبضوا على [صقيل الجارية وطالبوها بالصبيّ فأنكرته وادّعت حملا بها لتغطّي على حال الصّبي فسلّمت إلى ابن أبي الشوارب القاضي](٣٤) وبغتهم موت عبيد الله [بن يحيى](٣٥) بن خاقان فجأة وخروج صاحب الزنج بالبصرة، فشُغلوا بذلك عن [الجارية](٣٦) فخرجت(٣٧) عن أيديهم(٣٨).
الحديث الثاني:
روى الحسين بن حمدان في الهداية وفي كتابه الآخر عن عبد الحميد البزاز وأبي الحسن محمد بن يحيى، ومحمد بن ميمون الخراساني، وحسن بن مسعود الفزاري(٣٩) جميعاً وقد سألتهم في مشهد سيدنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام بكربلاء عن جعفر(٤٠) وما جرى في أمره بعد غيبة سيدنا أبي الحسن علي وأبي محمد الحسن الرضا(٤١) عليهم السلام وما ادّعاه له جعفر وما فعل فحدّثوني بجملة أخباره ان سيدنا أبا الحسن عليه السلام(٤٢) كان يقول لهم تجنّبوا ابني جعفر اما انّه بني مثل حام(٤٣) من نوح الذي قال الله جلّ من قائل فيه: (قَالَ نُوح رَبّ اِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) الآية، فقال له الله يا نوح: (اِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ اِنَّهُ عمل غَير صَالِح) وان أبا محمد عليه السلام كان يقول لنا بعد أبي الحسن عليه السلام الله الله ان يظهر لكم أخي جعفر على سرّ فوالله ما مثلي ومثله الّا مثل هابيل وقابيل ابني آدم حيث حسد قابيل لهابيل على ما أعطاه الله لهابيل من فضله فقتله، ولو تهيّأ لجعفر قتلي لفعل، ولكن الله غالب على أمره، فلقد عهدنا بجعفر وكل من في البلد وكل من في العسكر من الحاشية الرجال والنساء [والخدم](٤٤) يشكون اذ أوردنا الدار أمر جعفر، يقولون انّه يلبس المصنعات من ثياب النساء ويضرب له بالعيدان(٤٥) فيأخذون منه ولا يكتمون عليه، وان الشيعة بعد أبي محمد عليه السلام زادوا في هجره وتركوا رمي السلام عليه وقالوا: لا تقيّة بيننا وبينه نتجمل به وان نحن لقيناه وسلّمنا عليه ودخلنا داره وذكرناه نحن فنضل الناس فيه وعملوا على ما يرونا نفعله فنكون بذلك من أهل النار، وان جعفر كان في ليلة أبي محمد عليه السلام ختم الخزائن وكلما في الدار ومضى إلى منزله، فلما أصبح أتى الدار ودخلها ليحمل ما ختم عليه فلما فتح الخواتم ودخل نظر فلم يبق في الدار ولا في الخزائن الّا قدراً يسيراً فضرب جماعة من الخدم ومن الاماء فقالوا له: لا تضربنا فوالله لقد رأينا الأمتعة والرجال توقر الجمال في الشارع ونحن لا نستطيع الكلام ولا الحركة إلى أن سارت الجمال وغلقت الأبواب كما كانت، فولول جعفر وضرب على رأسه اسفاً على ما خرج من الدار وانه بقي يأكل ما كان له ويبيع حتى ما بقي له قوت يوم وكان له في الدار أربعة وعشرون ولداً بنون وبنات وامهات اولاد وحشم وخدم وغلمان فبلغ به الفقر إلى أن أمرت الجدة وهي جدة أبي محمد عليه السلام ان يجرى عليه من مالها الدقيق واللحم والشعير والتبن لداوبه وكسوة لأولاده وامهاتهم وحشمه وغلمانه(٤٦) ونفقاتهم(٤٧).
الحديث الثالث:
روى المسعودي في اثبات الوصية والحضيني في الهداية عن جعفر بن محمد بن مالك [الفزاري الكوفي](٤٨) قال: حدّثني محمد بن جعفر بن عبد الله عن أبي نعيم محمد بن احمد الأنصاري قال: وجه قوم من المفوضة والمقصرة كامل بن ابراهيم المدايني [المعروف بصناعة](٤٩) إلى أبي محمد عليه السلام ليناظره في أمرهم، قال كامل: فقلت في نفسي اسأله وأنا أعتقد انه لا يدخل الجنة الّا من عرف معرفتي وقال بمقالتي؟! قال: فلما دخلت عليه نظرت إلى ثياب بيض ناعمة(٥٠) عليه فقلت في نفسي: وليّ الله وحجته يلبس الناعم من الثياب ويأمرنا بمواساة الاخوان وينهانا عن لبس مثله، فقال متبسماً: يا كامل وحسر عن ذراعيه فاذا مسح أسود خشن رقيق على جلده؛ فقال: هذا لله عزّ وجلّ وهذا لكم، فخجلت وجلست إلى باب عليه ستر مسبل فجاءت الريح فرفعت طرفه فاذا أنا بفتى كأنه فلقة قمر من ابناء اربع سنين أو مثلها فقال لي: يا كامل بن ابراهيم فاقشعررت من ذلك، فألهمني الله أن قلت: لبيك يا سيدي. فقال: جئت إلى ولي الله وحجته [وبابه](٥١) تسأله هل يدخل الجنة الّا من عرف معرفتك وقال بمقالتك، قلت: اي والله، قال: اذن والله يقلّ داخلها، والله انّه ليدخلها قوم يقال لهم الحقية، قلت: يا سيدي من هم؟ قال: قوم من حبهم [لعلي صلى الله عليه] أمير المؤمنين(٥٢) يحلفون بحقه ولا يدرون ما حقه وفضله ثم سكت [صلى الله عليه](٥٣) عني ساعة، ثم قال: وجئت تسأله عن مقالة المفوضة كذبوا، بل قلوبنا أوعية الله فاذا شاء الله شئنا وهو قوله: (وما تشاؤن الّا أن يشاء الله) ثم رجع الستر إلى حالته فلم استطع كشفه، فنظر اليّ أبو محمد عليه السلام متبسماً فقال: يا كامل بن ابراهيم ما جلوسك وقد انبأك [المهدي](٥٤) والحجة بعدي [بما كان في نفسك وجئت تسألني عنه. قال: فنهضت وأخذت الجواب الذي أسررته في نفسي من الامام المهدي عليه السلام، ولم ألقه بعد ذلك](٥٥).
قال أبو نعيم: فلقيت كاملا فسألته عن هذا الحديث، فحدّثني به [عن آخره بلا زيادة ولا نقصان](٥٦).(٥٧)
الرابع:
وروى في كتابه الآخر غير الهداية عن محمد بن جمهور عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار قال: شككت بعد مضي ابي محمد عليه السلام؛ واجتمع عند أبي مال كثير فحمله وركب السفينة، وخرجت معه مشيعاً فوعك وعكاً شديداً.
فقال: يا بني ردّني فهذا الموت، وقال: اتق الله في هذا المال، وأوصاني ومات. فقلت في نفسي: لم يكن أبي أوصاني في شيء غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق وأستكري داراً على الشط ولا اخبر احداً بشيء، فإنْ وضح لي شيء كوضوح أيام أبي محمد عليه السلام انفذته، أو رجعت به.
وقدمت بغداد، واستكريت داراً على الشط، وبقيت اياماً، فاذا انا برسول معه رقعة فيها: يا محمد معك كذا في جوف كذا، حتى قصّ عليّ جميع ما عملته وما لم أعمله، فسلّمته للرسول. وبقيت اياماً لا يراجع بي رسول، فاغتممت، فخرج الأمر قد اقمناك في مال لنا مقام أبيك فاحمد الله واشكره(٥٨).
الخامس:
وروى ايضاً عن سعد بن ابي خلف قال: كان الحسن بن النصر وأبو صدام وجماعة تكلّموا معي بعد مضي أبي محمد عليه السلام(٥٩)... إلى آخر ما تقدّم برواية الكليني في الباب الثاني في اللقب الأول باختلاف قليل لا يستدعي التكرار.
السادس:
وروى ايضاً عن (جعفر بن محمد الكوفي عن رجاء المصري)(٦٠) محمد بن جعفر الكوفي، عن أبي خالد البصري وكان يسمى عبد ربه، قال: خرجت في طريق مكة بعد مضي أبي محمد عليه السلام بثلاث سنين فوردت المدينة وأتيت صاريا فجلست في ظلة كانت لأبي محمد عليه السلام وكان سيدي أبو محمد رام أن أتعشى عنده، وأنا أفكر في نفسي فلو كان شيء لظهر بعد ثلاث سنين، فاذا بهاتف يقول لي: اسمع صوته ولا أرى شخصه يا عبد ربه [ابن نصير](٦١) قل لأهل مصر هل رأيتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حيث آمنتم به قال: ولم أكن أعرف اسم أبي وذلك انّي خرجت من مصر وأنا طفل صغير فقلت: ان صاحب الزمان بعد أبيه حق وان غيبته حق وانّه الهاتف بي فزال عنّي الشك وثبت اليقين(٦٢).
ونقل القطب الراوندي هذه المعجزة باختصار في الخرائج، ولكنّه هناك أبو رجاء المصري، وفي النداء قال له (يا نصر بن عبد ربه)، وقال هو: "اني ولدت بالمدائن فحملني أبو عبد الله النوفلي إلى مصر فنشأت بها"(٦٣).
السابع:
وروى ايضاً عن أبي [احمد](٦٤) حامد المراغي ان القاسم بن علاء(٦٥) الهمداني كتب يشكو قلّة الولد وكان من وقت كتب إلى أن رزق ولداً ذكراً تسعة أشهر، ثم كتب يسأل بالدعاء باطالة الحياة لولده فورد الدعاء له في نفسه ولم يجب في ولده شيئاً فمات الولد فمنّ الله فرزق ابنين(٦٦).
الثامن:
وروى عن محمد بن يحيى الفارسي، قال: حدّثني الفضل الخراز(٦٧) المدني، مولى خديجة ابنة أبي جعفر عليه السلام، ان قوماً من أهل المدينة الطالبيين كانوا يقولون الحق فكانت الوظائف ترد عليهم في وقت معلوم، فلما مضى أبو محمد عليه السلام رجع قوم منهم عن القول بالخلف عليه السلام فوردت الوظائف على من ثبت على الاقرار به بعد أبيه عليهما السلام وقطع عن الباقين فلم يعد اليهم(٦٨).
التاسع:
وروى ايضاً عن أبي الحسن احمد بن عثمان العمري، عن أخيه أبي جعفر بن عثمان، قال حمل رجل من أهل السواد(٦٩) مالا كثيراً إلى صاحب الزمان عليه السلام فرد عليه وقيل له اخرج حق أولاد عمك منه اربعمائة درهم، وكان في يده قرية لولد عمّه دفع اليهم بعضاً وزوى عنهم بعضاً، فبقي باهتاً متعجباً ونظر في حساب المال فاذا الذي لولد عمّه اربعمائة درهم كما قال عليه السلام(٧٠).
العاشر:
وروى ايضاً عن أبي الحسن العمري قال حمل رجل من القائلين [بالحق](٧١) مالا إلى صاحب الزمان عليه السلام مفصلا بأسماء قوم مؤمنين، وجعل بين كل اسمين فصلا، وحمل عشرة دنانير باسم امرأة لم تكن مؤمنة فقبل مال الجميع ووقع في فصوله وردت العشرة دنانير على الامرأة ووقع تحت اسمها (انّما يتقبّل الله من المتقين)(٧٢).(٧٣)
الحادي عشر:
وروى ايضاً عن عبد الله الشيباني(٧٤) قال: أوصلت مالا وحلياً للمرزباني كان فيه سوار ذهب فقبل الجميع ورد السوار وأمرني بكسره، فجئت إلى المرزباني فعرفته ما رد به صاحب الأمر فكسرناه فوجدنا فيه مثقال حديد ونحاس وغيره فأخرجنا ورددناه إليه فقبله(٧٥).
الثاني عشر:
وروى عن أبي الحسن [الحسين قال: كان لي على أخ مال](٧٦) فأعطاني بعضه في حياته ومات فطمعت في تمامه بعد موته في سنة احدى وسبعين(٧٧) واستأذنت في الخروج إلى ورثته إلى واسط فلم يؤذن لي فاغتممت فلما مضت لذلك مدّة كتب الي مبتدياً بالاذن والخروج(٧٨) وأنا آيس فقلت(٧٩) لم يؤذن لي في قرب موته واذن لي بهذا الوقت، فلما وصلت الى القوم اعطيت حقي عن آخره، قال: وسرت إلى العسكر فمرضت مرضاً شديداً حتى آيست من نفسي فظننت ان الموت بعث إليّ فاذا أتاني من الناحية قارورة فيها بنفسج مربى من غير السؤال، فكنت آكل منها على غير مقدار فكان سروري عند فراغي منها وفيما كان فيها(٨٠).
الثالث عشر:
وروى عن عبد الله بن المرزبان، عن احمد بن الخصيب عن محمد بن ابراهيم بن مهزيار، قال: أنفذت مالا إلى الناحية فقيل: انك غلطت على نفسك في الصرف بثمانية وعشرين ديناراً فرجعت إلى الحساب فوجدت الأمر كما وقع به(٨١).
الرابع عشر:
وروى عن محمد بن الحسن بن عبد الحميد القطاني قال: شك الحسن بن عبد الحميد في أمر حاجز(٨٢) الوشا فجمع مالا(٨٣) وخرج إليه الأمر في سنة(٨٤) ستين ليس فينا شك ولا في من يقوم بأمرنا فاردد ما معك إلى حاجز ابن يزيد(٨٥).
الخامس عشر:
وروى ايضاً محمد بن عباس القصيري قال: كتبت في سنة ثلاثة وسبعين إلى الناحية اسأل الدعاء بالحج ولم يكن عندي ما يحملني، وان أرزق السلامة، وان اكفى أمر بناتي. فوقع تحت المسألة: سألت بالدعاء عليها. فرزقت الحج والسلامة ومات لي ثلاث بنات من الستة(٨٦).(٨٧)
السادس عشر:
وروى ايضاً عن أبي العباس الخالدي: قال كتب رجلان من اخواننا بمصر إلى الناحية يسألان صاحب الزمان عليه السلام في جملين(٨٨) فخرج الدعاء لأحدهما بالبقاء، وخرج الآخر: وأمّا انت يا حمدان فآجرك الله بجملك فمات الجمل الذي له(٨٩).
السابع عشر:
وروى ايضاً عن أبي الحسن علي بن الحسن اليماني: قال: كنت ببغداد(٩٠) فتهيأت قافلة لليمانيين فأردت الخروج معهم، وكتبت ألتمس الأمر من صاحب الزمان فخرج إليّ الأمر لا تخرج مع هذه القافلة فليس لك بالخروج معهم خير، وأقم بالكوفة، قال فأقمت كما أمرني، وخرجت القافلة فخرجت عليهم حنظلة فأباحتهم(٩١) قال: وكتبت استأذن في ركوب الماء من البصرة فلم يؤذن لي وسارت المراكب، فسألت عنها فخبرت ان جيلا من الهند يقال لهم البوارج خرجوا فقطعوا عليهم فما سلم أحد منهم فخرجت إلى سامراء فدخلتها غروب الشمس ولم أكلم أحداً ولم أتعرف إلى أحد حتى وصلت إلى المسجد الذي بأزاء الدار قلت أصلي فيه بعد فراغي من الزيارة، فاذا أنا بالخادم الذي كان يقف على رأس السيدة نرجس عليها السلام فجاءني وقال: قم. فقلت: إلى أين، ومن أنا، قال(٩٢): أنت أبو الحسن علي بن الحسن اليماني رسول جعفر بن ابراهيم حاطه(٩٣) الله فمر بي حتى أنزلني في بيت الحسين بن حمدان بن ساره فلم أدرِ ما أقول حتى أتاني بجميع ما أحتاج إليه، فجلست عنده ثلاثة أيام، ثم استأذنت في الزيارة من داخل فأذن لي فزرت ليلا، وورد كتاب احمد بن اسحاق - في السنة التي مات فيها بحلوان - في حاجتين فقُضيت له واحدة، وقيل له في الثانية: إذا وافيت قم كتبنا اليك فيما سألت. وكانت الحاجة انه كتب يستعفي من العمل فانه قد شاخ ولا يتهيّأ له القيام به فمات بحلوان(٩٤).
قال الشيخ أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في دلائله:
"وكان أحمد بن اسحاق القمي الأشعري شيخ الصدوق وكيل أبي محمد فلما مضى أبو محمد إلى كرامة الله عزّ وجلّ وأقام على وكالته مع مولانا صاحب الزمان تخرج إليه توقيعاته ويحمل إليه الأموال من سائر النواحي التي فيها موالي مولانا فتسلمها، إلى أن استأذن في المسير إلى قم، فخرج الاذن بالمضي، وذكر انه لا يبلغ إلى قم وانه يمرض ويموت في الطريق فمرض بحلوان ومات ودفن بها رضي الله عنه، وأقام مولانا عليه السلام بعد مضي أحمد بن اسحاق الأشعري بسر من رأى مدة ثم غاب"(٩٥).
يقول المؤلف:
احمد بن اسحاق من اعاظم اصحاب الائمة عليهم السلام وكان صاحب المراتب العالية عندهم ومن وكلائهم المعروفين، وقد ذكرت وفاته بنحو آخر ايضاً، وانها كانت في حياة الامام العسكري عليه السلام، وقد أرسل مع خادمه كافور كفناً له بحلوان وكان غسله وكفنه بيد كافور أو من هو مثله بدون علم أحد ممن معه كما هو في خبر سعد بن عبد الله القمي الطويل الذي كان معه، وكانت وفاته في ذلك السفر.
ولكن النجاشي نقل عن بعض تضعيف هذا الخبر.
و(حلوان) هي (ذهاب) المعروفة التي تقع في طريق كرمنشاه - بغداد.
ويقع قبر هذا المعظم قرب نهر تلك القرية ببعد ألف قدم تقريباً من جانب الجنوب، وعلى القبر بناء متواضع خرب وذلك لعدم همة وعدم معرفة اغنياء بل سكان تلك المنطقة بل سكان كرمانشاه والمارة، لذلك بقي هكذا بلا اسم ولا علامة؛ ولا يذهب من كل ألف زائر ولا زائرٌ واحد لزيارته مع انّه ذلك الانسان الذي بعث الامام عليه السلام خادمه بطي الأرض لتكفينه وتجهيزه، وهو الذي بنى المسجد المعروف بقم بأمره عليه السلام، وكان سنيناً وكيله عليه السلام في تلك المناطق.
فكان من المناسب أن يُتعامَل معه بشكل أفضل وأحسن من هذا، ولابدّ أن يكون قبره مزاراً مهمّاً ليُحصَل ببركة صاحب القبر وبواسطته على الفيوضات الالهية.
الثامن عشر:
وروى ايضاً عنه عن أبي محمد عيسى بن مهدي الجوهري قال: خرجت في سنة ثمانية وستين ومائتين إلى الحج وكان قصدي المدينة وصاريا حيث صح عندنا ان صاحب الزمان عليه السلام رحل من العراق إلى المدينة فجلست بالقصر بصاريا في ظلة(٩٦) أبي محمد عليه السلام ودخل عليه قوم من خاصة شيعته فخرجت بعد أن حجيت ثلاثين حجة في تلك السنة - حاجاً مشتاقاً الى لقائه عليه السلام بصاريا فاعتللت وقد خرجنا من فيد(٩٧) فتعلقت نفسي بشهوة السمك واللبن والتمر، فلما وردت المدينة وافيت فيها اخواننا فبشروني بظهوره عليه السلام بصاريا فلما أشرفت على الوادي رأيت عنيزات عجافاً تدخل القصر، فوقفت ارتقب الأمر الى أن صليت العشاءين وأنا أدعو وأتضرّع واسأل، واذا ببدر الخادم يصيح بي: يا عيسى بن مهدي الجوهري الجنبلاني ادخل. فكبرت وهللت وأكثرت من حمد الله عزّ وجلّ والثناء عليه، فلما صرت في صحن دار القصر فرأيت مائدة منصوبة فمر بي الخادم واجلسني عليها وقال لي: مولاك يأمرك أن تأكل ما اشتهيت بعلتك وأنت خارج من فيد، فقلت في نفسي: حسبي بهذا برهاناً، فكيف آكل ولم أرَ سيدي ومولاي. فصاح: يا عيسى كُل من طعامي فانك تراني. فجلست على المائدة ونظرت فاذا عليها سمك حار يفور وتمر الى جانبه أشبه التمر بتمرنا بجنبلان وجانب التمر لبن فقلت في نفسي: عليل وسمك ولبن وتمر، فصاح: يا عيسى! لا تشك في أمرنا، أفأنت أعلم بما ينفعك ويضرك؟ فبكيت واستغفرت الله واكلت من الجميع، وكلما رفعت يدي لم يبن فيه موضع، فوجدته أطيب ما ذقته في الدنيا، فأكلت منه كثيراً حتى استحييت، فصاح: يا عيسى! لا تستحي فانه من طعام الجنة لم تصنعه يد مخلوق، فأكلت فرأيت نفسي لا تنتهي من أكله، فقلت: يا مولاي! حسبي، فصاح بي: أقبل إليّ. فقلت في نفسي: ألقى مولاي ولم أغسل يدي، فصاح بي: يا عيسى وهل لما أكلت غمر؟ فشممت يدي فاذا هي أعطر من المسك والكافور! فدنوت منه عليه السلام، فبدا لي شخص، اغشي بصري ورهبت حتى ظننت ان عقلي قد اختلط، فقال لي: يا عيسى ما كان لكم أن تروني، ولو لا المكذبون القائلون أين هو؟ ومتى كان؟ وأين ولد؟ ومن رآه؟ وما الذي خرج اليكم منه؟ وبأي شيء انبأكم؟ وأي معجزة أراكم؟
أما والله لقد دفعوا أمير المؤمنين مع ما رأوه وقدّموا عليه وكادوه وقتلوه وكذلك فعلوا بآبائي عليهم السلام ولم يصدّقوهم ونسبوهم إلى السحر والكهانة وخدمة الجن لما رأيتني؟(٩٨) يا عيسى اخبر اولياءنا بما رأيت واياك أن تخبر عدواً لنا فتسلبه(٩٩)، فقلت: يا مولاي! ادعُ لنا بالثبات، فقال لي: لو لم يثبتك الله لما رأيتني فامضِ لحجّك راشداً، فخرجت من اكثر الناس حمداً وشكراً.
التاسع عشر:
روى الشيخ المحدّث الفقيه عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي بن محمد الطوسي المشهدي المعاصر لابن شهر آشوب، في كتاب (الثاقب في المناقب) عن جعفر بن احمد بن متيل قال: دعاني أبو جعفر محمد بن عثمان فأخرج لي ثوبين معلمة وصرّة فيها دراهم، فقال لي: تحتاج أن تصير بنفسك إلى واسط في هذا الوقت، وتدفع ما دفعته اليك إلى أول رجل يلقاك عند صعودك من المركب إلى الشط بواسط.
قال: فتداخلني من ذلك غم شديد، وقلت: مثلي يرسل في هذا الأمر ويحمل هذا الشيء الوتح(١٠٠)!
قال: فخرجت إلى واسط، وصعدت المركب، فأول رجل لقيته سألته عن الحسن بن قطاة الصيدلاني وكيل الوقف بواسط فقال: أنا هو، من أنت؟ فقلت: أبو جعفر العمري يقرأ عليك السلام ودفع اليّ هذين الثوبين وهذه الصرّة لأسلّمها اليك، فقال: الحمد لله، فانّ محمد بن عبد الله الحائري قد مات وخرجت لاصلاح كفنه، فحلّ الثياب فاذا فيها ما يحتاج إليه من حبرة وثياب وكافور، وفي الصرّة كرى الحمالين والحفّار.
قال: فشيّعنا جنازته وانصرفت(١٠١).
العشرون:
وروى ايضاً عن محمد بن شاذان بن نعيم قال: أهديت مالا ولم أفسر لمن هو، فورد الجواب: "وصل كذا، وكذا منه لفلان بن فلان، ولفلان كذا"(١٠٢).
الحادي والعشرون:
وروى ايضاً عن أبي العباس الكوفي، قال: حمل رجل مالا ليوصله، وأحب أن يقف على الدلالة(١٠٣)، فوقع عليه السلام: "ان استرشتدت أرشدت، وان طلبت وجدت، يقول لك مولاك: احمل ما معك".
قال الرجل: فأخرجت ممّا معي ستة دنانير بلا وزن وحملت الباقي، فخرج التوقيع: "يا فلان رد الستة دنانير التي أخرجتها بلا وزن، ووزنها ستة مثاقيل وخمسة دوانق وحبة ونصف".
قال الرجل: فوزنت الدنانير، فاذا هي كما قال عليه السلام(١٠٤).
الثاني والعشرون:
وروى ايضاً عن اسحاق بن حامد الكاتب، قال: كان بقم رجل بزاز مؤمن، وله شريك مرجئ(١٠٥)، فوقع بينهما ثوب نفيس فقال المؤمن: يصلح هذا الثوب لمولاي. فقال شريك؟ لست أعرف مولاك، لكن افعل ما تحب بالثوب.
فلما وصل الثوب شقّه عليه السلام نصفين طولا فأخذ نصفه وردّ النصف وقال:
"لا حاجة لنا في مال المرجئ"(١٠٦).
الثالث والعشرون:
وروى ايضاً عن محمد بن الحسن الصيرفي، قال: أردت الخروج إلى الحج، وكان معي مال بعضه ذهب وبعضه فضة، فجعلت ما كان معي من ذهب سبائك، وما كان معي من الفضة نقراً. وكان قد دُفع ذلك المال إليه ليسلّمه إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه.
قال: فلمّا نزلت بسرخس ضربتُ خيمتي على موضع فيه رمل، فجعلت أميز تلك السبائك والنقر، فسقطت سبيكة من تلك السبائك منّي، وغاصت في الرمل، وأنا لا أعلم.
قال: فلمّا دخلت همدان ميّزت تلك السبائك والنقر مرّة اُخرى اهتماماً منّي بحفظها، ففقدت منها سبيكة ووزنها مائة مثقال وثلاثة مثاقيل. أو قال: ثلاثة وتسعون مثقالا.
قال: فسبكت مكانها من مالي بوزنها سبيكة وجعلتها بين السبائك، فلمّا وردت مدينة السلام قصدت الشيخ أبا القاسم الحسين بن روح فسلّمت إليه ما كان معي من السبائك والنقر، فمدّ يده من بين السبائك إلى السبيكة التي كنت سبكتها من مالي بدلا ممّا ضاع منّي، فرمى بها اليّ وقال لي: ليست هذه السبيكة لنا، وسبيكتنا ضيعتها بسرخس حيث ضربت الخيمة في الرمل، فارجع إلى مكانك وانزل حيث نزلت، واطلب السبيكة هناك تحت الرمل، فانك ستجدها وستعود الي هاهنا فلا تراني.
قال: فرجعت إلى سرخس ونزلت حيث كنت نزلت، ووجدت السبيكة [تحت الرمل، فنبت عليها الحشيش، وأخذت السبيكة](١٠٧) وانصرفت إلى بلدي، فلمّا كان من السنة القابلة توجهت إلى مدينة السلام ومعي السبيكة، فدخلت مدينة السلام وقد كان الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح رضي الله عنه قد مضى، ولقيت أبا الحسن علي بن محمد السمري رضي الله عنه فسلّمت السبيكة اليه(١٠٨).
الرابع والعشرون:
وروى ايضاً عن الحسين بن علي بن محمد القمي، المعروف بأبي علي البغدادي قال: كنت ببخارى فدفع اليّ المعروف بابن جاشير عشر سبائك وأمرني أن أسلمها بمدينة السلام إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح قدس الله سرّه فحملتها معي.
فلمّا وصلت مفازة أمويّة ضاعت منّي سبيكة من تلك السبائك، ولم أعلم بذلك حتى دخلت مدينة السلام فأخرجت السبائك لأسلمها إليه، فوجدتها قد نقصت واحدة منها، فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها وأضفتها إلى التسع سبائك، ثم دخلت على الشيخ أبي القاسم الروحي، ووضعت السبائك بين يديه، فقال لي: خذ تلك السبيكة التي اشتريتها قد وصلت الينا وهي ذا هي. ثم أخرج تلك السبيكة التي ضاعت منّي بأمويّة(١٠٩) فنظرت اليها وعرفتها.
[قال الحسين بن علي المعروف بأبي علي البغدادي: ورأيت تلك السبيكة بمدينة السلام](١١٠).(١١١)
الخامس والعشرون:
وروى ايضاً عن الحسين بن علي قال: وسألتني امرأة عن وكيل مولانا عليه السلام من هو؟ فقال لها بعض القميين: انّه أبو القاسم بن روح. وأشار لها إليه.
فدخلت عليه وأنا عنده، فقالت له: ايها الشيخ، أي شيء معي؟ فقال: ما معك فالقيه في دجلة، فألقته، ثم رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي رضي الله عنه وأنا عنده، فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إليّ الحقّة، فأخرجت إليه حقّة، فقال للمرأة: هذه الحقة التي كانت معك ورميت بها في دجلة؟ قالت: نعم، قال: أخبرك بما فيها، أم تخبريني؟ فقالت: بل أخبرني أنت.
فقال: في هذه الحقّة زوج سوار من ذهب، وحلقة كبيرة فيها جوهر، وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر، وخاتمان، أحدهما فيروزج والآخر عقيق. وكان الأمر كما ذكر، لم يغادر منه شيئاً، ثمّ فتح الحقة فعرض عليّ ما فيها، ونظرت المرأة إليه فقالت: هذا الذي حملته بعينه ورميت به في دجلة! فغشي عليّ وعلى المرأة فرحاً بما شاهدنا من صدق الدلالة.
ثم قال(١١٢) الحسين لي بعدما حدّثنا بهذا الحديث: اشهد عند الله يوم القيامة بما حدّثت به انّه كما ذكرته، لم أزد فيه ولم أنقص منه، وحلف بالائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم لقد صدق فيه، وما زاد ولا أنقص(١١٣).
السادس والعشرون:
وروى ايضاً عن أبي محمد الحسن بن احمد المكتب، قال: كنت بالمدينة(١١٤) في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري قدّس سرّه، فحضرته قبل وفاته بأيام فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري، أعظم الله أجرك وأجر اخوانك فيك، فانّك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توصي إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة(١١٥)، ولا ظهور الّا باذن الله تعالى، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي لشيعتي(١١٦)، من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر ولا حول ولا قوّة الّا بالله العلي العظيم".
قال: فنسخنا ذلك التوقيع وخرجنا من عنده، فلمّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، قيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمرٌ هو بالغه. وقضى رحمه الله. وهذا آخر كلام سُمع منه قدس سره(١١٧).
السابع والعشرون:
وروى ايضاً عن احمد بن محمد بن فارس الأديب، قال: سمعت حكاية بهمذان(١١٨) حكيتها كما سمعتها لبعض إخواني، فسألني أن أكتبها له بخطي، ولم أجد إلى مخالفته سبيلا، وقد كتبتها، وعهدتها على من حكاها.
وذلك انّ بهمذان أناساً يعرفون ببني راشد، وهم كلهم يتشيعون، ومذهبهم مذهب أهل الامامة، فسألت عن سبب تشيّعهم من بين أهل همدان، فقال لي شيخ منهم رأيت فيه صلاحاً وسمتاً حسناً: انّ سبب ذلك انّ جدّنا الذي ننتسب إليه خرج حاجّاً فقال انّه لمّا فرغ من الحج وساروا منازل في البادية.
قال فنشطتُ للنزول والمشي، فمشيت طويلا حتى أعييت وتعبت، فقلت في نفسي: أنام نومة تريحني فاذا جاءت القافلة قمت.
قال: فما انتبهت الّا بحر الشمس، ولم أر أحداً، فتوحشت ولم أر طريقاً، ولا أثراً، فتوكلت على الله تعالى وقلت: أتوجه حيث وجهني ومشيت غير طويل فوقعت في أرض خضراء نضِرة كأنها قريبة عهد بغيث، فاذا تربتها أطيب تربة، ونظرت في سواد تلك الأرض إلى قصر يلوح كأنّه سيف، فقلت في نفسي: ليت شعري ما هذا القصر الذي لم أعهده ولم أسمع به؟! فقصدته، فلمّا بلغت الباب رأيت خادمين أبيضين(١١٩)، فسلّمت عليهما فردّا رداً جميلا وقالا: اجلس، فقد أراد الله بك خيراً. وقام أحدهما فدخل، فاحتبس غير بعيد ثمّ خرج، فقال: قم فادخل. فقمت ودخلت قصراً لم أر شيئاً احسن ولا أضوأ منه، وتقدّم الخادم الى ستر على بيت فرفعه، ثم قال لي: ادخل، فدخلت البيت وقد علّق فوق رأسه من السقف سيفاً طويلا تكاد ظُبَتُهُ تمس رأسه، وكان الفتى يلوح في ظلام، فسلّمت، فردّ السلام بألطف كلام وأحسنه، ثمّ قال: "أتدري من أنا؟ " فقلت: لا والله. فقال: "أنا القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، أنا الذي أخرج آخر الزمان بهذا السيف - وأشار إليه - فأملأ الأرض عدلا كما ملئت جوراً".
قال: فسقطت على وجهي وتعفرت، فقال: "لا تفعل، ارفع رأسك أنت فلان من مدينة بالجبل يقال لها: همذان " قلت: صدقت يا سيدي ومولاي.
قال: "أفتحب أن تؤوب إلى أهلك؟ " قلت: نعم يا مولاي، وأبشرهم بما يسرّ الله تعالى. فأومأ إلى خادم وأخذ بيدي وناولني صرّة، وخرج بي ومشى معي خطوات، فنظرت إلى ظلال وأشجار ومنارة ومسجد، فقال: أتعرف هذا البلد؟
قلت: ان بقرب بلدنا بلدة تعرف بأسد آباد وهي تشبهها. فقال: أتعرف أسد آباد؟ فامضِ راشداً. فالتفتّ ولم أره.
ودخلت أسد آباد، ونظرت فاذا في الصرّة أربعون - أو خمسون - ديناراً فوردت همدان وجمعت أهلي وبشّرتهم بما يسرّ الله تعالى لي، فلم نزل بخير ما بقي معنا من تلك الدنانير(١٢٠).
الثامن والعشرون:
وروى ايضاً عن علي بن سنان الموصلي، عن أبيه، قال: لمّا قبض أبو محمد عليه السلام وقدم وفد من قم والجبل وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم، ولم يكن عندهم خبر وفاة أبي محمد الحسن عليه السلام، فلمّا أن وصلوا إلى سرّ من رأى سألوا عنه، فقيل لهم: انّه قد فقد: فقالوا: ومن وارثه؟ فقالوا: جعفر أخوه فسألوا عنه فقيل: خرج متنزهاً، وركب زورقاً في الدجلة يشرب الخمر ومعه المغنّون.
قال: فتشاور القوم وقالوا: ليس هذه صفة الامام. وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتى نردّ هذه الأموال على أصحابها.
فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي: قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل، ونختبر أمره على الصحة.
قال: فلمّا انصرف دخلوا عليه وسلّموا عليه وقالوا: يا سيدنا، نحن من أهل قم، فينا جماعة من الشيعة وغيرهم، وكنّا نحمل إلى سيّدنا أبي محمد عليه السلام الأموال.
فقال: وأين هي؟ قالوا: معنا.
قال: احملوها إليّ. قالوا: إنّ لهذه الأموال خبراً طريفاً، فقال: وما هو؟
قالوا: انّ هذه الأموال تجمع، ويكون فيها من عامّة الشيعة الدينار والديناران، ثمّ يجعلونها في كيس ويختمون عليها، وكنّا اذا وردنا بالمال إلى سيدنا ابي محمد عليه السلام يقول جملة المال كذا دينار، من فلان كذا، ومن عند فلان كذا، حتى يأتي على أسماء الناس كلهم، يقول ما على نقش الخواتيم، فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لم يفعله، هذا علم الغيب.
قال: فلمّا سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض، فقال لهم: احملوا هذا المال اليّ. فقالوا: انّا قوم مستأجرون، لا يُسلّم المال الّا بالعلامات التي كنّا نعرفها من سيّدنا الحسن عليه السلام، فإن كنت الامام فبرهن لنا، والّا رددناها على أصحابها، يرون فيها رأيهم.
قال: فدخل جعفر بن علي على الخليفة، وكان بسر من رأى، فاستعدى عليهم، فلمّا اُحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر. فقالوا: أصلح الله الخليفة، نحن قوم مستأجرون، ولسنا أرباب هذه الأموال، وهي لجماعة، وأمرونا أن لا نسلّمها الّا بالعلامة والدلالة، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد عليه السلام.
فقال الخليفة: وما كانت الدلالة التي كانت مع أبي محمد؟
قال القوم: كان يصف لنا الدنانير، وأصحابها، والأموال، وكم هي، فاذا فعل ذلك سلّمناها إليه، وقد وفدنا عليه مراراً، وكانت هذه علامتنا معه، وقد مات. فإنْ يكن هذا الرجل صاحب الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه، والّا رددناها الى أصحابها الذين بعثوها بصحبتنا.
قال جعفر: يا أمير المؤمنين، هؤلاء قوم كذّابون، يكذبون على أخي، وهذا علم الغيب. فقال الخليفة: القوم رسل، وما على الرسول الّا البلاغ المبين.
قال: فَبَهُتَ جعفر، ولم يرد جواباً، فقال القوم: يا أمير المؤمنين، تطول باخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى نخرج من هذا البلد.
قال: فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها، فلمّا أن خرجوا من البلد خرج اليهم غلام أحسن الناس وجهاً كأنه خادم، فصاح: يا فلان ويا فلان بن فلان، أجيبوا مولاكم، فقالوا له: أنت مولانا؟ فقال: معاذ الله، أنا عبد مولاكم، فسيروا إليه. قالوا:
فسرنا معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليهما السلام، فاذا ولده القائم سيدنا عليه السلام قاعد على سرير، كأنه فلقة قمر، عليه ثياب خضر، فسلّمنا عليه، فردّ علينا السلام، ثمّ قال: "جملة المال كذا وكذا، ديناراً وحمل فلان كذا " ولم يزل يصف حتى وصف الجميع، ووصف ثيابنا ورواحلنا، وما كان معنا من الدواب، فخررنا سجّداً لله تعالى، وقبّلنا الأرض بين يديه، ثم سألناه عمّا أردنا فأجاب، فحملنا إليه الأموال وأمرنا عليه السلام أن لا نحمل إلى سرّ من رأى شيئاً من المال، وانّه ينصب لنا ببغداد رجلا نحمل إليه الأموال، وتخرج من عنده التوقيعات.
قالوا: فانصرفنا من عنده، ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر الحميري القمّي شيئاً من الحنوط والكفن، فقال له: "أعظم الله أجرك في نفسك".
قال(١٢١): فلمّا بلغ أبو العباس عقبة همدان حمّ وتوفي رحمه الله.
وكان بعد ذلك تحمل الأموال إلى بغداد، إلى نوّابه المنصوبين، وتخرج من عندهم التوقيعات(١٢٢).
التاسع والعشرون:
وروى ايضاً عن محمد بن صالح: كتبت أسأله الدعاء لبادا شاله وقد حبسه عبد العزيز، واستأذنت في جارية استولدها، فورد: "ستولد الجارية، ويفعل الله ما يشاء، والمحبوس يخلّصه الله " فاستولدت الجارية فولدت وماتت، وخلّي عن المحبوس يوم خرج اليّ التوقيع(١٢٣).
الثلاثون:
وروى ايضاً عن محمد بن صالح وهو من الوكلاء قال: وحدّثني أبو جعفر، قال: ولد لي مولود وكتبت، أستأذن في تطهيره يوم السابع أو الثامن، فكتب يخبر بموته، وكتب: "سيخلف عليك غيره، فسمّه احمد، ومن بعد احمد جعفراً " فجاء كما قال عليه السلام(١٢٤).
الحادي والثلاثون:
وروى ايضاً عن محمد بن صالح عن أبي جعفر قال: وتزوجت امرأة سراً، فلمّا وطأتها علقت وجاءت ببنت، فاغتممت وضاق صدري، وكتبت أشكو ذلك، فورد: "ستكفاها " فعاشت أربع سنين ثمّ ماتت فورد: "الله ذو أناة، وأنتم تستعجلون"(١٢٥).
الثاني والثلاثون:
وروى ايضاً عن أبي محمد الحسن بن وجناء، قال: كنت ساجداً تحت الميزاب في رابع أربع وخمسين حجة بعد العمرة وأنا أتضرّع في الدعاء إذ حرّكني محرك، فقال لي: قم يا حسن بن وجناء فرعشت.
قال: فقمت، فاذا جارية صفراء نحيفة البدن، أقول انّها من بنات أربعين فما فوقها، فمشت بين يدي، وأنا لا أسألها عن شيء، حتى أتت دار خديجة عليها السلام، وفيها بيت بابه في وسط الحائط، وله درج ساج يرتقى إليه، فصعدت الجارية، وجاءني النداء: "اصعد يا حسن " فصعدت، فوقفت بالباب، فقال لي صاحب الزمان عليه السلام: "يا حسن، أتراك خفيت عليَّ! والله ما من وقت في حجّك الّا وأنا معك فيه". ثم جعل يعدّ علي أوقاتي فوقعت على وجهي.
فحسست بيد قد وقعت عليَّ، فقمت، فقال لي: "يا حسن، إلزم بالمدينة دار جعفر بن محمد عليه السلام، ولا يهمنّك طعامك ولا شرابك، ولا ما تستر به عورتك". ثمّ دفع إليّ دفتراً فيه دعاء الفرج، وصلاة عليه، وقال: "بهذا فادعُ، وهكذا فصلّ عليّ، ولا تعطِهِ الّا أوليائي، فانّ الله عزّ وجلّ يوفقك".
فقلت: يا مولاي، لا أراك بعدها؟ فقال: "يا حسن إذا شاء الله تعالى".
قال: فانصرفت من حجّتي ولزمت دار جعفر عليه السلام، وأنا لا أخرج منها ولا أعود اليها الّا لثلاث خصال: الّا لتجديد الوضوء أو النوم، أو لوقت الافطار، فاذا دخلت بيتي وقت الافطار فأصيب وعائي مملوءاً دقيقاً على رأسه، عليه ما تشتهي نفسي بالنهار، فآكل ذلك فهو كفاية لي، وكسوة الشتاء في وقت الشتاء، وكسوة الصيف في وقت الصيف، وانّي لا أدخل الماء بالنهار وأرش به البيت، وادع الكوز فارغاً، وآتي بالطعام ولا حاجة لي إليه، فأتصدّق لئلاّ يعلم به من معي(١٢٦).
الثالث والثلاثون:
روى علم الهدى السيد المرتضى (رحمه الله تعالى) في كتاب (عيون المعجزات) - كما ان بعضاً نسبوه إلى الشيخ الجليل الحسين بن عبد الوهاب المعاصر للسيد كما صرح بذلك وذكر له شواهد الفاضل الخبير الميرزا عبد الله الاصفهاني في الرياض - عن الحسن بن جعفر القزويني قال: مات بعض اخواننا من أهل (فانيم) من غير وصية، وعنده مال دفين لا يعلم به احد من ورثته، فكتب إلى الناحية يسأله عن ذلك، فورد التوقيع: "المال في البيت في الطاق في موضع كذا وكذا، وهو كذا وكذا".
فقلع المكان، واخرج المال(١٢٧).
الرابع والثلاثون:
وروى ايضاً عن محمد بن جعفر قال: خرج بعض اخواننا يريد العسكر(١٢٨) في أمر من الأمور.
قال: فوافيت (عكبرا)، فبينما أنا قائم أصلّي إذْ أتاني رجل بصرّة مختومة فوضعها بين يدي وأنا أصلّي.
فلما انصرفت من صلاتي، فضضت خاتم الصرّة، واذا فيها رقعة بشرح ما خرجت له، فانصرفت من عكبرا(١٢٩).(١٣٠)
الخامس والثلاثون:
وروى ايضاً عن محمد بن احمد قال: شكوت بعض جيراني ممن كنت أتأذّى منه(١٣١)، وأخاف شرّه، فورد التوقيع: "ستكفى أمره قريباً".
فمنّ الله بموته في اليوم الثاني(١٣٢).
السادس والثلاثون:
وروى ايضاً عن أبي محمد (الثمالي) قال: كتبت في معنيين، وأردت أن أكتب في معنىً ثالث؛ فقلت في نفسي: لعلّه صلوات الله عليه يكره ذلك.
فخرج التوقيع في المعنيين وفي المعنى الثالث الذي أسررته في نفسي ولم أكتب به(١٣٣).
السابع والثلاثون:
وروى عن الحسن بن عفيف عن أبيه قال: حملت حرماً من المدينة إلى الناحية ومعهم خادمان، فلما وصلنا إلى الكوفة شرب أحد الخدم مسكراً في السرّ ولم نقف عليه.
فورد التوقيع بردّ الخادم الذي شرب المسكر، فرددناه من الكوفة ولم نستخدم به(١٣٤).(١٣٥)
الثامن والثلاثون:
وروى ايضاً قال: خرج في احمد بن عبد العزيز توقيع انه قد ارتدّ، فتبيّن ارتداده بعد التوقيع بأحد عشر يوماً(١٣٦).
التاسع والثلاثون:
وروى ايضاً عن علي بن محمد الصيمري: كتب يسأل كفناً، فكتب إليه صلوات الله عليه: "انّك تحتاج إليه في سنة ثمانين " وبعث إليه ثوبين، ومات رحمه الله في سنة ثمانين(١٣٧).
الأربعون:
روى حسين بن حمدان الحضيني في كتابه عن أبي علي، وأبي عبد الله بن علي المهدي، عن محمد بن عبد السلام عن محمد بن النيسابوري، عن أبي الحسن احمد بن الحسن الفلاني، عن عبد الله بن يزيد غلام احمد بن الحسن قال: وردت الجبل وأنا لا أقول بالامامة وأحبهم جملة، إلى أن مات يزيد بن عبد الله وكان من موالي أبي محمد عليه السلام من جبل اذكوتكين، فأوصى اليّ أن أدفع شهري(١٣٨) كان معه وسيف ومنطقة إلى مولاي صاحب الزمان، قال يزيد: فخفت أن أفعل ذلك فيلحقني سوء من سودان اذكوتكين، فقوّمت الشهريّ والسيف والمنطقة بسبعمائة دينار على نفسي أن أحمله وأسلمه إلى أذكوتكين، فورد اليّ التوقيع من العراق: "احمل الينا السبعمائة دينار قيمة الشهري والسيف والمنطقة " وما كنت والله اُعلِم به أحداً فحملته من مالي مسلماً(١٣٩).
يقول المؤلف:
نقل هذه الحكاية الكليني والشيخ المفيد في الارشاد، والشيخ الطوسي في الغيبة بهذا المضمون، وقالوا ان اسم الغلام (بدر)، ولكن نقل في دلائل الطبري، وفرج المهموم للسيد علي بن طاوس في خبر طويل، وكذلك في اماكن اُخرى في خبر مختصر: ان صاحب هذه القضية هو أحمد بن الحسن بن أبي الحسن المادراني سيد هذا الغلام، وكان (اذكوتكين) ذاك من امراء الترك على مدينة الري من قبل بني العباس.
وكان يزيد بن عبد الله من الموالي مستقلا بـ (شهر زور) من بلاد الجبل، وغزا (اذكوتكين) ولايته وتحارب معه وظفر ببلاده واحتوى على خزائنه وولي هذا المادراني تسجيل وحفظ تلك الأموال، وعندما لم يتمكن من اخفاء ذلك الفرس والسيف فجعل الف دينار على ذمّته، ووصل إلى بري التوقيع المبارك بيد أبي الحسن الأسدي، ولهذا المادراني حكاية لطيفة اُخرى تدل على جلالته وعظمته الدنيويّة والأخروية.
ونقلها آية الله العلامة في كتاب (منهاج الصلاح) عن احمد بن محمد بن خالد البرقي، ونحن نقلنا الاثنين في أواخر الباب التاسع من كتاب (الكلمة الطيّبة)، وان الرجوع اليه لا يخلو من فائدة، فانّ أغلب المعاجز المذكورة في الكتب الأخرى بأسانيد اُخرى موجودة هناك.
وتقدّمت في الباب الأول والثاني بل والرابع والخامس جملة من معجزاته عليه السلام، وسوف يأتي في الأبواب الآتية كثير منها، بل انّه بعد اثبات وجوده وبقاء ذاته المقدّسة فليست هناك حاجة إلى ذكر المعجزة، فان نفس بقائه وطول عمره من أعظم الآيات الالهيّة والبراهين القطعيّة، وهو معجزة باهرة متواترة لا يعوّض عنها سائر المعاجز التي لا نحظى بها.
وعدم الاكتفاء الناشئ من قلّة الاطلاع وتتبع المطالب سببه الاحتياج إلى قليل من الحركة والتعب، وهذا ما يفر منه طلاّب الراحة، تمَّ.

* * *
الباب السّابع: في ذكر حكايات وقصص الذين وصلوا إلى خدمة إمام الزمان عليه السلام في الغيبة الكبرى

في ذكر حكايات وقصص الذين وصلوا إلى خدمة إمام الزمان عليه السلام سواءاً عرفوه حين تشرّفهم بلقائه عليه السلام أو عرفوه بعد ذلك بالقرائن القطعية بأنّه كان هو عليه السلام، والذين وقفوا على معجزة له عليه السلام في اليقظة أو في المنام، أو بأثر من الآثار الدالة على وجوده المقدّس عليه السلام.
وكل تلك الحكايات تشترك باثبات هذا المطلب، وهو المقصود الأصلي لهذا الباب، حتى تلك التي رؤيت في المنام.
وفي البداية قد يُرى ان المعجزة في النوم لا تدل على البقاء والحياة الحالية كباقي المعاجز التي ظهرت لسائر الائمة عليهم السلام بعد وفاتهم، ولكن هنا ان ظهور المعجزة منه عليه السلام لا ينفكّ عن دلالة المعجزة على بقاء وجوده المقدّس، لأنه لا يوجد بين المسلمين من يقول بأن للامام العسكري عليه السلام ولداً له مقام الامامة والكرامة ثم توفي؛ فانك علمت ان المنكرين وخصماء الاماميّة امّا أن ينكروا اصل وجود ولد للامام العسكري عليه السلام، ويقولوا بانّه مات في حال طفولته، الّا ذلك الشخص السمناني الذي قال بانه عليه السلام كان تسعة عشر سنة قطباً ثم توفي.
ونحن اثبتنا - ولله الحمد - كذبه، بل احتمال الاشتباه في أصل الاسم، وان هذا الذي قاله واعترف به مردود عند الطرفين.
وبالجملة فهذا القول شاذ وضعيف ولا يستحق الذكر بين أقوال المسلمين، وكل من يقول من المسلمين بأصل وجوده عليه السلام وان له مقام الكرامة والمعجزة فانه يقول ببقائه عليه السلام.
ولو انه لم يكن لدينا التصميم في هذا الكتاب على استقصاء جميع أحواله عليه السلام ولذلك نعتني بذكر جميع المعجزات ومن تشرّف بشرف لقائه عليه السلام في الغيبة الصغرى؛ ولكننا نشير بالاجمال إلى ذكر اسمائهم هنا ثم نعرج إلى المقصود الأصلي.
ونبتدئ أولا بذكر خبر نقله الصدوق في كمال الدين في تسجيل اسماء اولئك، وبعد ذلك نلحقه بما وصل إليه النظر من الزيادة عليه.
روى الشيخ المذكور في كتابه المتقدّم عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي انّه ذكر عدد من انتهى إليه ممّن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء ببغداد: العمري وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطّار. ومن الكوفة: العاصمي. ومن أهل الأهواز: محمد بن ابراهيم بن مهزيار. ومن أهل قم: احمد بن اسحاق. ومن أهل همدان: محمد بن صالح. ومن أهل الرّي: البسّامي، والأسدي - يعني نفسه (١٤٠) ومن أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء. ومن أهل نيسابور: محمد بن شاذان النعيمي.
ومن غير الوكلاء من أهل بغداد: أبو القاسم بن حابس(١٤١)، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي(١٤٢)، وهارون القزّاز، والنيلي(١٤٣)، وأبو القاسم بن وبيس(١٤٤)، وأبو عبد الله بن فرّوخ، ومسرور الطبّاخ مولى أبي الحسن عليه السلام، واحمد ومحمد ابنا الحسن، واسحاق الكاتب من بني نوبخت(١٤٥)، وصاحب الفراء(١٤٦)، وصاحب الصرّة المختومة. ومن(١٤٧) همدان: محمد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمد بن هارون بن عمران. ومن الدّينور: حسن بن هارون، وأحمد بن أخيه(١٤٨) وأبو الحسن. ومن اصفهان ابن بادشالة(١٤٩). ومن الصيمرة: زيدان. ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمد بن محمد، وعلي بن محمد بن اسحاق، وأبوه، والحسن بن يعقوب. ومن أهل الرّي، القاسم بن موسى وابنه(١٥٠)، وأبو محمد بن هارون، وصاحب الحصاة، وعلي بن محمد، ومحمد بن محمد الكليني، وأبو جعفر الرفَّاء. ومن قزوين(١٥١): مرداس، وعلي بن احمد. ومن قابس(١٥٢): رجلان. ومن شهر زور: ابن الخال. ومن فارس: المجروح(١٥٣). ومن مرو: صاحب الألف دينار، وصاحب المال والرّقعة البيضاء، وأبو ثابت. ومن نيسابور: محمد بن شعيب ابن صالح. ومن اليمن الفضل بن يزيد، والحسن ابنه، والجعفري، وابن الأعجمي والشمشاطي. ومن مصر: صاحب المولودين(١٥٤)، وصاحب المال بمكة(١٥٥) وأبو رجاء. ومن نصيبين: أبو محمد بن الوجناء. ومن الأهواز(١٥٦): الحصيني(١٥٧).
يقول المؤلف:
والمراد بالعمري طبق المتعارف هو أبو عمر عثمان بن سعيد العمري الاسدي العسكري السمّان - يعني كان يتاجر بالدّهن - وكان وكيل الامام العسكري والنائب الأول للحجة عليهما السلام.
وابنه: هو أبو جعفر محمد بن عثمان العمري.
ويظهر من رجال الكشي ورجال الشيخ الطوسي ان المراد بالعمري الوكيل هو حفص بن عمرو المعروف بالجمال، وابنه محمد(١٥٨).
واحتمال ان هذين الشخصين غير اولئك بعيد. واحتمال الخطأ من النساخ في هذين الكتابين بعيد ايضاً.
وتحقيق الحال في علم الرجال.
والظاهر ان عدم ذكره لهذين البابين المعظمين الآخرين(١٥٩) وذلك لعدم ادراكه زمانهما، فانّ الأسدي المذكور يروي عنه احمد بن محمد بن عيسى.
وبالجملة: فغير اولئك المذكورين في الخبر الشريف: الشيخ أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي التميمي، وأبو الحسن علي بن محمد السمري، وحكيمة بنت ابي جعفر الامام محمد التقي عليه السلام، ونسيم خادم أبي محمد عليه السلام، وأبو نصر طريف خادمه عليه السلام، وكامل بن ابراهيم المدني، وبدر الخادم، والعجوز القابلة مربية احمد بن بلال بن داود (داور. خ) الكاتب العامي، ومارية خادمته عليه السلام، وجارية أبي علي الخيزراني، وأبو غانم خادمه عليه السلام، وجماعة من الأصحاب، وأبو هارون، ومعاوية بن حكيم، ومحمد بن أيوب بن نوح، وعمر الأهوازي، ورجل فارسي، ومحمد بن اسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام، وأبو علي بن المطهر، وابراهيم بن عبده النيسابوري، وخادمته، وصاحب المازندراني مع نفرين، وأبو عبد الله بن صالح، وأبو علي احمد بن ابراهيم بن ادريس، وجعفر بن علي الهادي عليه السلام، ورجل من الجلاوزة، وأبو الحسين محمد بن محمد بن خلف، ويعقوب بن منفوس، وأبو سعيد غانم الهندي، ومحمد بن شاذان الكابلي، وعبد الله السوري، والحاج الهمداني، وسعد بن عبد الله القمي الأشعري، وابراهيم بن محمد بن فارس النيسابوري، وعلي بن ابراهيم بن مهزيار (كما نقل ذلك الشيخ الصدوق، ولكن يظن الحقير انه وقع اشتباه في الاسم فحكاية علي تنسب تارة إليه واُخرى إلى ابراهيم، وتنقل بواقعتين والظاهر انهما واقعة واحدة والله العالم). وأبو نعيم الأنباري الأنصاري الزيدي الهرندي، وأبو علي محمد بن احمد المحمودي، وعلان الكليني، وأبو الهشيم الديناري، وسليمان بن أبي نعيم، وأبو جعفر الأحول الهمداني، ومحمد بن ابي القاسم العلوي العقيقي مع جماعة يقدرون بثلاثين نفر في المسجد الحرام، وجد أبي الحسن بن وجناء، وأبو الأديان خادم الامام العسكري عليه السلام، وأبو الحسن محمد بن جعفر الحميري وجماعة من أهل قم، وابراهيم بن محمد بن احمد الأنصاري، ومحمد بن عبد الله القمي، ويوسف بن احمد الجعفري، واحمد بن عبد الله الهاشمي العباسي، وابراهيم بن محمد التبريزي الباسي وتسعة اشخاص، وحسن بن عبد الله التميمي الرندي، والزهري، وأبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي، وعقيد الأسود التوبي خادم الامام الهادي عليه السلام ومربي الامام العسكري عليه السلام، ويعقوب بن يوسف الضراب الغساني أو الاصفهاني راوي الصلوات الكبيرة، والعجوز خادمة الامام العسكري عليه السلام التي كان لها منزل في مكة، ومحمد بن الحسن بن عبد الحميد، وبدر أو يزيد مولى احمد بن حسن المادراني، وأبو الحسن العمري، اخ محمد بن عثمان النائب الثاني، وعبد الله السفيناني، وأبو الحسن الحسني، ومحمد بن عباس القصري، وأبو الحسن علي بن حسن اليماني، والرجلان المصريان اللّذان أراد كل واحد منهما دعاءاً للحمل، وسرور العابد المتهجد الأهوازي، وأم كلثوم بنت أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، ورسول القمي، وسنان الموصلي، واحمد بن حسن بن احمد الكاتب، وحسين بن علي بن محمد المعروف بابن البغدادي، ومحمد بن حسن الصيرفي، والرجل البزاز القمي، وجعفر بن احمد، وحسن بن وطاة الصيدلاني وكيل الوقف بواسط، واحمد بن أبي روح، وأبو الحسن خضر بن محمد، وأبو جعفر محمد بن احمد، وضعيفة الدينوري، وحسن بن حسين الأسباب آبادي، ورجل استرابادي، ومحمد بن حصين الكاتب المروي، والشخص المدائني مع صاحبه، وعلي بن حسين بن موسى بن بابويه القمي والد الشيخ الصدوق، وأبو محمد الدعلجي، وأبو غالب احمد بن محمد بن سليمان الزراري، والحسين بن حمدان ناصر الدولة، واحمد بن سورة، ومحمد بن حسن بن عبيد الله التميمي، وأبو طاهر علي بن يحيى الرازي (الزراري. خ)، واحمد بن ابراهيم المخلد، ومحمد بن علي الأسود الداودي، وعفيف حامل حرم الامام عليه السلام من المدينة إلى سامراء، وابو محمد الثمالي، ومحمد بن احمد، ورجل وصل إليه التوقيع بعكبرا، وعليان، وحسين بن جعفر القزويني، ورجل فائيمي، وأبو القاسم الجليسي، ونصر بن الصباح، واحمد بن محمد السراج الدينوري أبو العباس الملقّب بالاستاذ، ولعلّ احمد هو ابن أخ لحسن بن هارون المتقدّم في خبر الأسدي، ومحمد بن احمد بن جعفر القطان الوكيل، وحسين بن محمد الأشعري، ومحمد بن جعفر الوكيل، ورجل آبي (يعني من أهل آبة)، وأبو طالب خادم الرجل المصري، ومرادس بن علي، ورجل من أهل ربض، وحميد، وأبو الحسن بن كثير النوبختي، ومحمد بن علي الشلمغاني، وصاحب ابي غالب الزراري، وابن الرئيس، وهارون بن موسى بن الفرات، ومحمد بن يزداد، وأبو علي النيلي، وجعفر بن عمرو، وابراهيم بن محمد الفرج الزحجي، وأبو محمد السروي، وغزال أو زلال جارية موسى بن عيسى الهاشمي، والضعيفة صاحبة الحُقّة، وأبو الحسن احمد بن محمد بن جابر البلاذري من علماء أهل السنة صاحب (تاريخ الأشراف)، وأبو الطيب احمد بن محمد بن بطة، واحمد بن حسن بن أبي صالح الخجندي، وابن اخت أبي بكر بن نخالي العطار الصوفي الذي وصل بخدمته عليه السلام بالاسكندرية.
وروى في (تاريخ قم) عن محمد بن علي ماجيلويه بسند صحيح عن محمد بن عثمان العمري انه قال: عرض علينا أبو محمد الحسن العسكري يوماً من الأيام ابنه (محم د) المهدي عليه السلام ونحن في منزله، وكنّا أربعين رجلا فقال: هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم أطيعوا ولا تتفرّقوا من بعدي فتهلكوا، أما انكم لا ترون (محم د) المهدي عليه السلام بعد يومكم هذا.
قال محمد بن عثمان: فخرجنا من عند الامام أبي محمد الحسن العسكري، فما مضت الّا أيام قلائل حتى مضى الامام من دار الدنيا إلى دار البقاء، واختفى من هذا العالم، وظهر في ذلك العالم(١٦٠).
وهؤلاء جماعة شاهدوه عليه السلام، أو وقفوا على معجزة له عليه السلام، وبعضهم حصل على الفيضين، ولعل اكثرهم هم من الصنف الثاني، وقضاياهم وحكاياتهم موجودة وشائعة - بحمد الله - في كتب الأصحاب بأسانيد مختلفة، ولا يشك أي منصف مطلع على احوال اصحاب تلك الكتب وتقواهم وفضلهم ووثاقتهم واحتياطهم، بل ان جملة منهم معروفين بالصدق والتديّن والعلم عند أهل السنة في حصول التواتر المعنوي، وصدور المعجزة منه، ولا يحتمل الكذب في جميع تلك الوقائع وان احتمل في كل واحد منها، وبمثل هذا الطريق ثبت صدور المعجزة من جميع آبائه الطاهرين عليهم السلام، بل ان ما نذكره في هذا الباب من معاجزه كافية وشافية وكثير منها بحسب السند فهي اتقن وأصح وأعلى سنداً.
وبالتأمل الصادق فيها فلا تبقى حاجة إلى مراجعة المعاجز السابقة والكتب القديمة؛ ولكن لوصول تلك الحكايات والمعاجز المذكورة في هذا المقام إلى حدّ القطع واليقين، ولأجل عدم ابقاء ما يخطر ويوسوس في القلب ليصير وجوده المبارك بين الخلق وجدانياً(١٦١)، فهو يحتاج في الجملة(١٦٢) إلى الفحص عن أحوال أرباب الكتب التي أخذنا منها جملة من القصص.
وأمّا أولئك الذين نقلنا عنهم مباشرة أو بواسطة فإنّ أغلبهم من العلماء والأبرار والصلحاء الأخيار، وأقل ما نلاحظه فيمن ننقل عنهم هنا الصدق والتديّن؛ فلم ننقل هنا كل ما سمعناه عن أي كان، بل انهم جميعاً يشتركون - بعون الله تعالى - بالصدق، والوثاقة، وان كثيراً منهم أصحاب مقامات عالية، وكرامات باهرة.
وبما انّ اُولئك الأشخاص الذين حصلوا على تلك اللقاءات كانوا احياءاً فيستخبر ويستعلم عن حالهم؛ فاذا كان ريب وشك في سويداء قلب أحد - والعياذ بالله - فذلك يكون بمجالسة الأشقياء والمغفلين بالدين والمذهب فيلزم اولئك أن يفحصوا ويفتشوا، وسوف يظهر لهم ويتّضح - بعون الله تعالى - بأقل حركة وجهد؛ فانّ وجود تلك الذات المقدّسة مثل الشمس إذا ظللها السحاب ويعلم ويرى، فهو عالم وعارف بحاله وحال جميع رعاياه، ويغيث المضطرين عندما يرى المصلحة في ذلك، وينجي من المهالك والمزالق، وكلّما يريده فهو تحت يده المباركة، وقدرته الالهية ومعدة في خزينة امره.
وكل ما لم يوصل إليه فهو ناشئ من عدم استحقاقنا وابتعادنا واعراضنا عن مائدة النعم الالهية المنوعة التي وضعها لعباده كالكلاب الجائعة تركض في بيت عدوّها تستجدي لقمة خبز؛ مع انّه رضي بالعوض عن تلك المائدة السماوية بكل خسيس ووضيع داخل في زمرة (فَذَرْهُمْ فِي غَمرَتهمْ يَعْمَهُون).
ولا يخفى ان هذه الحكايات التي سوف تذكر على قسمين:
الأول: الذي في حكايته قرينة تسبقها أو تقارنها أو تلحقها تدل على ان صاحب تلك الحكاية هو امام العصر صاحب الزمان صلوات الله عليه الذي هو الهدف الأصلي من ذكر تلك الحكايات.
الثاني: الذي ليس في اصل الحكاية قرينة على هذا المطلب ولكنها متضمّنة ذلك كالعاجز والمتخلّف عن الركب فأصابه العجز والاضطرار فاستغاث أو لم يستغث وأنجاه شخص بطريق المعجز - خارق العادة - مثل الحكاية الثامنة، والسادسة والثلاثين والسابعة والأربعين والثامنة والخمسين والسّادسة والستين والسّابعة والسّتين والسبعين والسادسة والسبعين، والرابعة والتسعين، واثنين أو ثلاثة حكايات أخر قريبة إلى هذه الحكاية.
وكثيراً ما يتوهّم في ذلك، فقد يكون ذلك الشخص أحد الأبدال والأولياء وليس هو امام الزمان (عليه السلام)، وان صدور الكرامات وخوارق العادات ممكنة من غير الحجج، وقد نقلت على الدوام كل طائفة لعلمائها الصلحاء والأتقياء والزهاد.
فذكر ذلك في هذا الباب غير مناسب. ولكننا؛ أولا: تبعنا أجلّة اصحابنا حيث نقلوا أمثال تلك القضايا في باب من تشرّف بلقائه عليه السلام في الغيبة الكبرى.
وثانياً: سوف نثبت في الباب الثامن ان شاء الله تعالى ان اجابة المضطرين واغاثة الملهوفين من مناصبه الالهية، فهو يغيث المظلوم المستغيث، ويعين الملهوف المضطر.
وثالثاً: على فرض انه لم يكن هو ذلك الشخص المغيث، فبالضرورة انه يكون احد خواصّه ومواليه المخصوصين به.
فإذا لم ير المضطر شخصه عليه السلام فهو قد رأى من رآه عليه السلام، وهذا كاف لاثبات المطلوب.
ورابعاً: على فرض التسليم انه لم يكن من اُولئك ايضاً فهو يدل على أحقيّة الامامية، فلابدّ أن يكون ذلك الشخص من المسلمين، وإذا لم يكن امامياً فهو يرى ان الامامية كفار ويجب قتلهم على الفور، وانهم لا تؤخذ منهم الجزية كما تؤخذ من أهل الكتاب؛ فكيف ينجّي هذا الشخص من المهالك وبطريق خرق العادة.
وسوف تأتي تتمة الكلام في ذلك الباب الموعود ان شاء الله تعالى.
ولنشرع الآن بالمقصود بعون الملك الودود:
الحكاية الأولى:
نقل الشيخ الفاضل حسن بن محمد بن حسن القمي المعاصر للصدوق في (تاريخ قم) عن كتاب (مؤنس الحزين في معرفة الحق واليقين) من مصنّفات الشيخ أبي جعفر محمد بن بابويه القمي ما لفظه بالعربيّة(١٦٣): باب ذكر بناء مسجد جمكران، بأمر الامام المهدي عليه صلوات الله الرحمن وعلى آبائه المغفرة، سبب بناء المسجد المقدّس في جمكران بأمر الامام عليه السلام على ما أخبر به الشيخ العفيف الصالح حسن بن مثلة الجمكراني قال: كنت ليلة الثلاثاء السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة نائماً في بيتي فلمّا مضى نصف من الليل فاذا بجماعة من الناس على باب بيتي فأيقظوني، وقالوا: قم وأجب الامام المهدي صاحب الزمان فانّه يدعوك.
قال: فقمت وتعبّأت وتهيّأت، فقلت: دعوني حتّى ألبس قميصي، فاذا بنداء من جانب الباب: "هو ما كان قميصك " فتركته وأخذت سراويلي، فنودي: "ليس ذلك منك، فخذ سراويلك " فألقيته وأخذت سراويلي ولبسته، فقمت إلى مفتاح الباب أطلبه فنودي: "الباب مفتوح".
فلمّا جئت إلى الباب، رأيت قوماً من الأكابر، فسلّمت عليهم، فردّوا ورحّبوا بي، وذهبوا بي إلى موضع هو المسجد الآن، فلمّا أمعنت النظر رأيت أريكة فرشت عليها فراش حسان، وعليها وسائد حسان، ورأيت فتى في زيّ ابن ثلاثين متكأً عليها، وبين يديه شيخ، وبيده كتاب يقرؤه عليه، وحوله أكثر من ستّين رجلا يصلّون في تلك البقعة، وعلى بعضهم ثياب بيض، وعلى بعضهم ثياب خضر.
وكان ذلك الشيخ هو الخضر عليه السلام فأجلسني ذلك الشيخ عليه السلام، ودعاني الامام عليه السلام باسمي، وقال: اذهب الى حسن بن مسلم، وقل له: انّك تعمر هذه الأرض منذ سنين وتزرعها، ونحن نخرّبها، زرعت خمس سنين، والعام ايضاً أنت على حالك من الزراعة والعمارة، ولا رخصة لك في العود إليها وعليك ردّ ما انتفعت به من غلاّت هذه الأرض ليبنى فيها مسجد، وقل لحسن بن مسلم انّ هذه أرض شريفة قد اختارها الله تعالى من غيرها من الأراضي وشرّفها، وأنت قد أضفتها إلى أرضك، وقد جزاك الله بموت ولدين لك شابّين، فلم تنتبه عن غفلتك، فإنْ لم تفعل ذلك لأصابك من نقمة الله من حيث لا تشعر.
قال حسن بن مثلة: [قلت:] يا سيدي لابدّ لي في ذلك من علامة، فانّ القوم لا يقبلون ما لا علامة ولا حجّة عليه، ولا يصدّقون قولي، قال: انّا سنعلم هناك فاذهب وبلّغ رسالتنا، واذهب إلى السيّد أبي الحسن وقل له: يجيء ويحضره ويطالبه بما أخذ من منافع تلك السنين، ويعطيه الناس حتى يبنوا المسجد، ويتمّ ما نقص منه من غلّة رهق ملكنا بناحية أردهال ويتمّ المسجد، وقد وقفنا نصف رهق على هذا المسجد، ليجلب غلّته كلّ عام ويصرف إلى عمارته.
وقل للناس: ليرغبوا إلى هذا الموضع ويعزّروه ويصلّوا هنا أربع ركعات للتحيّة في كلّ ركعة يقرأ سورة الحمد مرّة، وسورة الاخلاص سبع مرّات ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرّات، وركعتان للامام صاحب الزمان عليه السلام هكذا: يقرأ الفاتحة، فاذا وصل إلى " اياك نعبد واياك نستعين " كرّره مائة مرّة ثم يقرؤها إلى آخرها وهكذا يصنع في الركعة الثانية، ويسبّح في الركوع والسجود سبع مرّات، فاذا أتمّ الصلاة يهلّل ويسبّح تسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام، فاذا فرغ من التسبيح يسجد ويصلي على النبي وآله مائة مرّة، ثم قال عليه السلام: ما هذه حكاية لفظه: فمن صلاّها فكأنّما صلّى في البيت العتيق.
قال حسن بن مثلة: قلت في نفسي: كأنّ هذا موضع أنت تزعم انّما هذا المسجد للامام صاحب الزمان مشيراً الى ذلك الفتى المتكئ على الوسائد فأشار ذلك الفتى إليّ أن اذهب.
فرجعت، فلمّا سرت بعض الطريق دعاني ثانية، وقال: انّ في قطيع جعفر الكاشاني الراعي معزاً يجب أن تشتريه، فانْ أعطاك أهل القرية الثمن تشتريه والّا فتعطي من مالك، وتجيء به إلى هذا الموضع، وتذبحه الليلة الآتية، ثمّ تنفق يوم الأربعاء الثامن عشر من شهر رمضان المبارك لحم ذلك المعز على المرضى، ومن به علّة شديدة فانّ الله يشفي جميعهم، وذلك المعز أبلق، كثير الشعر، وعليه سبع علامات سود وبيض: ثلاث على جانب وأربع على جانب، سود وبيض كالدراهم.
فذهبت فأرجعوني ثالثة: وقال عليه السلام: تقيم بهذا المكان سبعين يوماً أو سبعاً، فان حملت على السبع انطبق على ليلة القدر، وهو الثالث والعشرون، وان حملت على السبعين انطبق على الخامس والعشرين من ذي القعدة، وكلاهما يوم مبارك.
قال حسن بن مثلة: فعُدت حتى وصلت إلى داري ولم أزل الليل متفكّراً حتى أسفرّ الصبح، فأدّيت الفريضة، وجئت إلى عليّ بن المنذر، فقصصت عليه الحال، فجاء معي حتّى بلغت المكان الذي ذهبوا بي إليه البارحة، فقال: والله انّ العلامة التي قال لي الامام واحد منها انّ هذه السلاسل والأوتاد ههنا.
فذهبنا إلى السيد الشريف أبي الحسن الرّضا فلمّا وصلنا إلى باب داره رأينا خدّامه وغلمانه يقولون انّ السيد أبا الحسن الرضا ينتظرك من سحر، أنت من جمكران؟ قلت: نعم، فدخلت عليه الساعة، وسلّمت عليه وخضعت فأحسن في الجواب وأكرمني ومكّن لي في مجلسه، وسبقني قبل أن احدّثه وقال: يا حسن بن مثلة انّي كنت نائماً فرأيت شخصاً يقول لي: انّ رجلا من جمكران يقال له حسن بن مثلة يأتيك بالغدوّ، ولتصدّقنّ ما يقول، واعتمد على قوله، فانّ قوله قولنا، فلا تردنّ عليه قوله، فانتبهت من رقدتي، وكنت أنتظرك الآن.
فقصّ عليه الحسن بن مثلة القصص مشروحاً، فأمر بالخيول لتسرج، وتخرّجوا فركبوا فلمّا قربوا من القرية رأوا جعفر الراعي وله قطيع على جانب الطريق فدخل حسن بن مثلة بين القطيع، وكان ذلك المعز خلف القطيع فأقبل المعز عادياً إلى الحسن بن مثلة فأخذه الحسن ليعطي ثمنه الراعي ويأتي به فأقسم جعفر الراعي انّي ما رأيت هذا المعز قطّ، ولم يكن في قطيعي الّا انّي رأيته وكلّما اُريد أن آخذه لا يمكنني، والآن جاء اليكم، فأتَوْا بالمعز كما أمر به السيّد إلى ذلك الموضع وذبحوه.
وجاء السيد أبو الحسن الرضا رضي الله عنه إلى ذلك الموضع، وأحضروا الحسن بن مسلم واستردّوا منه الغلاّت وجاؤوا بغلاّت رهق، وسقّفوا المسجد بالجذوع وذهب السيد أبو الحسن الرضا رضي الله عنه بالسلاسل والأوتاد وأودعها في بيته فكان يأتي المرضى والأعلاّء ويمسّون أبدانهم بالسلاسل فيشفيهم الله تعالى عاجلا ويصحّون.
قال أبو الحسن محمد بن حيدر: سمعت بالاستفاضة انّ السيد أبا الحسن الرضا في المحلّة المدعوّة بموسويان من بلدة قم، فمرض بعد وفاته ولد له، فدخل بيته وفتح الصندوق الذي فيه السلاسل والأوتاد، فلم يجدها.
يقول المؤلف:
في النسخة الفارسية لـ (تاريخ قم) وفي نسخته العربيّة الذي اختصر العالم الجليل آقا محمد علي الكرمنشاهي، ونقل عنه في حواشي رجال المير مصطفى في باب (حسن) ان تاريخ القصة في ثلاث وتسعين بعد المائتين؛ والظاهر انّه اشتباه من الناسخ، وكان أصله (سبعين)، لأنّ وفاة الشيخ الصدوق كان قبل التسعين.
وأما ركعتا الصلاة المنسوبة إليه صلوات الله عليه فهي من الصلوات المعروفة، وقد رواها جماعة من العلماء.
الأول: روى الشيخ الطبرسي صاحب التفسير في كتاب (كنوز النجاح) عن احمد بن الدّربي عن خزامة عن أبي عبد الله الحسين بن محمد البزوفري قال: خرج عن النّاحية المقدّسة: من كان له إلى الله حاجة فليغسل ليلة الجمعة بعد نصف الليل ويأتي مصلاه ويصلّي ركعتين يقرأ في الركعة الأولى الحمد، فاذا بلغ (اِيَّاكَ نَعْبُدُ وَاِيَّاكَ نَسْتَعِين) يكرّرها مائة مرّة ويتمّم في المائة إلى آخرها ويقرأ سورة التوحيد مرّة واحدة ثم يركع ويسجد ويسبّح فيها سبعة سبعة ويصلّي الركعة الثانية على هيئته ويدعوا بهذا الدعاء فان الله تعالى يقضي حاجته البتّة، كائنا ما كان، الّا ان يكون في قطيعة الرحم.
والدّعاء: اللهم ان اطعتك فالمحمدة لك وان عصيتك فالحجة لك، منك الروح ومنك الفرج، سبحان من أنعم وشكر سبحان من قدر وغفر، اللهم إن كنت قد عصيتك فانّي قد أطعتك في أحبّ الأشياء اليك وهو الايمان بك لم أتّخذ لك ولداً ولم ادع لك شريكاً منّاً منك به عليّ لا منّاً منّي به عليك، وقد عصيتك يا الهي على غير وجه المكابرة ولا الخروج عن عبوديّتك ولا الجحود لربوبيّتك ولكن اطعت هواي وأزلّني الشيطان فلك الحجة علي والبيان، فإنْ تعذّبني فبذنوبي غير ظالم، وانْ تغفر لي وترحمني فانّك جواد كريم، يا كريم يا كريم - حتى يقطع النفس - ثم يقول: يا آمناً من كل شيء وكل شيء منك خائف حذر أسألك بأمنك من كل شيء وخوف كل شيء منك أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تعطيني أماناً لنفسي وأهلي وولدي وسائر ما أنعمت به عليّ حتى لا أخاف أحداً ولا أحذر من شيء أبداً انّك على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل. يا كافي ابراهيم نمرود، يا كافي موسى فرعون، أسئلك أن تصلّي على محمد وآل محمد وأن تكفيني شرّ فلان بن فلان(١٦٤) فيستكفى شرّ من يخاف شرّه ان شاء الله تعالى ثم يسجد ويسأل حاجته ويتضرّع، فانّه ما من مؤمن ولا مؤمنة صلّى هذه الصلوة ودعا بهذا الدعاء خالصاً الّا فتحت له أبواب السماء للاجابة، ويجاب في وقته وليلته، كائنا ما كان، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس(١٦٥).
الثاني: قال السيد عظيم القدر السيد فضل الله الراوندي في كتاب الدعوات في ضمن صلوات المعصومين عليهم السلام:
"صلاة المهدي (صلوات الله وسلامه عليه)(١٦٦) ركعتان، في كل ركعة الحمد مرّة، ومائة مرّة (اِيَّاكَ نَعْبُدُ وَاِيَّاكَ نَسْتَعِين) ويصلّي على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مائة مرّة بعد [كل](١٦٧) صلاة [من هذه الصلوات ثم يسأل الله حاجته](١٦٨)"(١٦٩).
الثالث: ونسب السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب (جمال الأسبوع) هذه الصلاة بهذا النحو المذكور إليه عليه السلام وقال:
"... وتدعو عقيبها فتقول: اللهم عظم البلاء وبرح الخفاء وانكشف الغطاء وضاقت الأرض ومنعت السماء(١٧٠) واليك يا ربّ المشتكى، وعليك المعوّل في الشدّة والرخاء.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد الذين أمرتنا بطاعتهم، وعجّل اللهم فرجهم بقائمهم وأظهِر اعزازه، يا محمد يا علي، يا علي يا محمد اكفياني فانّكما كافياي، يا محمد يا علي، يا علي يا محمد انصراني فانّكما ناصراي، يا محمد يا علي، يا علي يا محمد احفظاني فانّكما حافظاي، يا مولاي يا صاحب الزمان (ثلاث مرّات) أدركني أدركني أدركني، الأمان الأمان الأمان"(١٧١).
ومسجد جمكران الشريف موجود لحدّ الآن ويقع بفرسخ عن قم تقريباً من جهة باب كاشان.
وروى في تاريخ قم عن البرقي وغيره انه كان اسم بلدة قم (مان امهان)(١٧٢) يعني منازل كبار وأشراف جمكران؛ هكذا قال رواة العجم بأن أول قرية بنيت في هذه الأطراف هي (جمكران) وبناها جم ملك، وأول موضع بناه بجمكران كان "چشحة"(١٧٣) يعني الشيء القليل.
ويقال: انه عندما مرّ صاحب جمكران على العمّال والبنائين قال لهم: ماذا فعلتم؟ فقالوا: (چشحة)(١٧٤)، وتعني بلسانهم شيئاً قليلا.
فسمّي هذا الموضع بهذا الاسم.
ولهذا السبب سميت بـ (ويدستان)(١٧٥) وبجمكران، بناها (جلين بن آذر نوح)(١٧٦) (آزادن). وتلك قصة سوف أذكرها ان شاء الله في باب العجم(١٧٧).
وبجمكران جبل مشرف عليها يقال له (ويشويه) وعليه قلعة مرتفعة قديمة، ولا يعرف صاحبها ويقال ان الاسكندر هو الذي بناها، وأحاطها بالماء الجاري.
وروي(١٧٨) عن البرقي: ان الذي بنى جمكران هو سليمان بن داود عليهما السلام.
ولا تخلو هذه الرواية من خلاف، لأنه لا يوجد في تلك الأطراف بناية تنسب إلى سليمان بن داود.
وكذلك فلا يتناسب مع الاثنين، والعلم عند الله.
وكانت جمكران من (ماكين) ذلك، وأعطاه الله عزّ وجلّ ولداً اسمه (جلين) وبنى في جمكران حصناً وهو باق للآن. وكذلك فقد بنى عشر محلات وطريقاً، ثم أضاف إليها محلّتين وطريقاً فصار مجموعها اثني عشرة.
وكان على باب كل محلة وطريق معبد نار، وبنى بستاناً، وأسكن جواريه وعبيده فيها، وما زال أبناؤهم وأحفادهم إلى يومنا هذا يسكنون هناك ويفتخرون على الآخرين، انتهى(١٧٩).
و(رهق) من القرى المعروفة العامرة إلى الآن وهي أقرب إلى كاشان منها إلى قم، ولكنّها من توابع قم تبعد عنها بمسافة عشرة فراسخ تقريباً.
الحكاية الثانية:
روى الشريف الزاهد أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن بن عبد الرحمن العلوي الحسيني في آخر كتاب (التعازي)(١٨٠):
عن الأجل العالم الحافظ حجة الاسلام سعيد بن احمد بن الرضي عن الشيخ الأجل المقرئ خطير الدين حمزة بن المسيّب بن الحارث انّه حكى في داري بالظفريّة بمدينة السلام في ثامن عشر شهر شعبان سنة أربع وأربعين وخمسمائة قال: حدّثني شيخي العالم ابن أبي القاسم(١٨١) عثمان بن عبد الباقي بن احمد الدمشقي في سابع عشر جمادى الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة قال: حدّثني الأجل العالم الحجة كمال الدين احمد بن محمد بن يحيى الأنباري بداره بمدينة السلام ليلة الخميس عاشر شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة.
قال: كنّا عند الوزير عون الدين يحيى بن هبيرة في رمضان بالسنة المقدّم ذكرها، ونحن على طبقة، وعنده جماعة، فلمّا أفطر من كان حاضراً وتقوّض(١٨٢) اكثر من حضر خاصراً(١٨٣)، أردنا الانصراف، فأمرنا بالتمسّي عنده، فكان في مجلسه في تلك الليلة شخص لا أعرفه، ولم أكن رأيته من قبل، ورأيت الوزير يكثر اكرامه، ويقرّب مجلسه، ويصغي إليه، ويسمع قوله، دون الحاضرين.
فتجارينا الحديث والمذاكرة، حتى أمسينا وأردنا الانصراف، فعرّفنا بعض أصحاب الوزير ان الغيث ينزل، وانّه يمنع من يريد الخروج، فأشار الوزير أن نمسي عنده فأخذنا نتحادث، فأفضى الحديث حتى تحادثنا في الأديان والمذاهب ورجعنا إلى دين الاسلام، وتفرّق المذاهب فيه.
فقال الوزير: أقلُّ طائفة مذهب الشيعة، وما يمكن أن يكون أكثر منهم في خطّتنا هذه، وهم الأقل من أهلها، وأخذ يذمّ أحوالهم، ويحمد الله على قتلهم في أقاصي الأرض.
فالتفت الشخص الذي كان الوزير مقبلا عليه، مصغياً إليه؟ فقال له: أدام الله ايّامك اُحدِّث بما عندي فيما قد تفاوضتم فيه أو أعرض عنه، فصمَتَ الوزير، ثمّ قال: قل ما عندك.
فقال: خرجت مع والدي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة، من مدينتنا وهي المعروفة بالباهية، ولها الرّستاق الذي يعرفه التّجار، وعدّة ضياعها ألف ومائتا ضيعة، في كلّ ضيعة من الخلق ما لا يحصي عددهم الّا الله، وهم قوم نصارى، وجميع الجزائر التي كانت حولهم، على دينهم ومذهبهم، ومسير بلادهم وجزائرهم مدّة شهرين، وبينهم وبين البرّ مسير عشرين يوماً وكلّ من في البرّ من الأعراب وغيرهم نصارى وتتّصل بالحبشة والنوبة، وكلّهم نصارى، ويتّصل بالبربر، وهم على دينهم فانّ حدّ هذا كان بقدر كل من في الأرض، ولم نضف اليهم الافرنج والروم.
وغير خفي عنكم من بالشام والعراق والحجاز من النصارى، واتّفق اننا سرنا في البحر، وأوغلنا، وتعدّينا الجهات التي كنّا نصل إليها، ورغبنا في المكاسب ولم نزل على ذلك حتى صرنا إلى جزائر عظيمة كثيرة الأشجار، مليحة الجدران فيها المدن الملدودة(١٨٤) والرساتيق.
وأول مدينة وصلنا إليها واُرسي المراكب بها، وقد سألنا الناخداه(١٨٥) أيّ شيء هذه الجزيرة؟ قال: والله انّ هذه جزيرة لم أصل إليها ولا أعرفها، وأنا وأنتم في معرفتها سواء.
فلمّا أرسينا بها(١٨٦)، وصعد التجار إلى مشرعة تلك المدينة، وسألنا ما اسمها؟
فقيل هي المباركة، فسألنا عن سلطانهم وما اسمه؟ فقالوا: اسمه الطاهر، فقلنا وأين سرير مملكته؟ فقيل: بالزاهرة، فقلنا: وأين الزاهرة؟ فقالوا: بينكم وبينها مسيرة عشر ليال في البحر، وخمسة وعشرين ليلة في البرّ، وهم قوم مسلمون.
فقلنا: من يقبض زكاة ما في المركب لنشرع في البيع والابتياع؟ فقالوا: تحضرون عند نائب السّلطان، فقلنا: وأين أعوانه؟ فقالوا: لا أعوان له، بل هو في داره وكلّ من عليه حقّ يحضر عنده، فيسلّمه إليه.
فتعجّبنا من ذلك، وقلنا: ألا تدلّونا عليه؟ فقالوا: بلى، وجاء معنا من أدخلنا داره، فرأيناه رجلا صالحاً علبه عباءة، وتحته عباءة وهو مفترشها، وبين يديه دواة يكتب منها من كتاب ينظر إليه، فسلّمنا عليه فردّ علينا السلام وحيّانا وقال: من أين أقبلتم؟ فقلنا: من أرض كذا وكذا؟ فقال: كلّكم مسلمون؟ فقلنا: لا؛ بل فينا المسلم واليهودي والنصراني، فقال: يزن اليهودي جزيته والنصراني جزيته، ويناظر المسلم عن مذهبه.
فوزن والدي عن خمس نفر نصارى: عنه وعنّي وعن ثلاثة كانوا معنا ثمّ وزن تسعة نفر كانوا يهوداً وقال: للباقين: هاتوا مذاهبكم، فشرعوا معه في مذاهبهم.
فقال: لستم مسلمين وانما أنتم خوارج وأموالكم تحلّ للمسلم المؤمن، وليس بمسلم من لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وبالوصي والأوصياء من ذريّته حتى مولانا صاحب الزمان صلوات الله عليهم.
فضاقت بهم الأرض ولم يبقَ الّا أخذ أموالهم.
ثمّ قال لنا: يا أهل الكتاب لا معارضة لكم فيما معكم، حيث اُخذت الجزية منكم، فلمّا عرف اُولئك انّ اموالهم معرضة للنهب، سألوه أن يحملهم إلى سلطانهم فأجاب سؤالهم، وتلا: (ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة)(١٨٧).
فقلنا للناخداه والرُّبان وهو الدّليل: هؤلاء قوم قد عاشرناهم وصاروا رفقة، وما يحسن لنا أن نتخلّف عنهم أينما يكونوا نكون معهم، حتى نعلم ما يستقرّ حالهم عليه؟ فقال الرّبان: والله ما أعلم هذا البحر أين المسير فيه، فأستاجرنا رُبّاناً ورجالا، وقلعنا القلع(١٨٨) وسرنا ثلاثة عشر يوماً بلياليها حتى كان قبل طلوع الفجر، فكبّر الرّبان فقال: هذه والله أعلام الزاهرة ومنائرها وجدرها انّها قد بانت، فسرنا حتى تضاحى النهار.
فقدمنا إلى مدينة لم تر العيون أحسن منها ولا أخفّ على القلب، ولا أرقّ من نسيمها ولا أطيب من هوائها، ولا أعذب من مائها(١٨٩)، وهي راكبة البحر، على جبل من صخر أبيض، كأنّه لون الفضّة، وعليها سور إلى ما يلي البحر، والبحر يحوط الذي يليه منها، والأنهار منحرفة في وسطها يشرب منها أهل الدّور والأسواق وتأخذ منها الحمّامات وفواضل الأنهار ترمى في البحر، ومدى الأنهار فرسخ ونصف، وفي تحت ذلك الجبل بساتين المدينة وأشجارها، ومزارعها عند العيون وأثمار تلك الأشجار لا يرى أطيب منها ولا أعذب؛ ويرعى الذئب والنعجة عياناً ولو قصد قاصد لتخلية دابة في زرع غيره لما رعته، ولا قطعت قطعة حمله ولقد شاهدت السباع والهوامّ رابضة في غيض تلك المدينة، وبنو آدم يمرّون عليها فلا تؤذيهم.
فلمّا قدمنا المدينة وأرسى المركب فيها، وما كان صحبنا من الشوابي والذوابيح من المباركة بشريعة الزاهرة، صعدنا فرأينا مدينة عظيمة عيناء كثيرة الخلق، وسيعة الربقة، وفيها الأسواق الكثيرة، والمعاش العظيم، ويرد إليها الخلق من البرّ والبحر، وأهلها على أحسن قاعدة، لا يكون على وجه الأرض من الاُمم والأديان مثلهم وأمانتهم، حتى انّ المتعيّش بسوق يرده إليه من يبتاع منه حاجة امّا بالوزن أو بالذراع فيبايعه عليها ثمّ يقول: يا هذا زن لنفسك واذرع لنفسك.
فهذه صورة مبايعاتهم، ولا يسمع بينهم لغو المقال، ولا السفه ولا النميمة، ولا يسبُّ بعضهم بعضاً، وإذا نادى المؤذن الأذان، لا يتخلّف منهم متخلّف ذكراً كان أو أنثى الّا ويسعى إلى الصلاة، حتى إذا قضيت الصلاة للوقت المفروض، رجع كلّ منهم الى بيته حتى يكون وقت الصلاة الأخرى فيكون الحال كما كانت.
فلمّا وصلنا المدينة، وارسينا بمشرعتها، أمرونا بالحضور إلى عند السلطان فحضرنا داره، ودخلنا إليه إلى بستان صور(١٩٠) في وسطه قبّة من قصب، والسلطان في تلك القبّة، وعنده جماعة وفي باب القبّة ساقية تجري.
فوافينا القبّة، وقد أقام المؤذن الصلاة، فلم يكن أسرع من أن امتلأ البستان بالناس، واُقيمت الصلاة، فصلّى بهم جماعة، فلا والله لم تنظر عيني أخضع منه لله، ولا ألين جانباً لرعيّته، فصلّى من صلّى مأموماً.
فلمّا قضيت الصلاة التفت الينا وقال: هؤلاء القادمون؟ قلنا: نعم، وكانت تحيّة الناس له أو مخاطبتهم له: "يا ابن صاحب الأمر " فقال: على خير مقدم.
ثم قال: أنتم تجّار أو ضياف؟ فقلنا: تجّار، فقال: من منكم المسلم، ومن منكم أهل الكتاب؟ فعرَّفناه ذلك، فقال: انّ الاسلام تفرّق شعباً فمن أيّ قبيل أنتم؟ وكان معنا شخص يعرف بالمقري ابن دربهان بن احمد(١٩١)) الأهوازي، يزعم انّه على مذهب الشافعي، فقال له: أنا رجل شافعي، قال: فمن على مذهبك من الجماعة؟
قال: كلّنا الّا هذا حسّان بن غيث فانّه رجل مالكي.
فقال: أنت تقول بالاجماع؟ قال: نعم، قال: اذن تعمل بالقياس، ثم قال: بالله يا شافعي تلوت ما أنزل الله يوم المباهلة؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوا نَدع أبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِين)(١٩٢).
فقال: بالله عليك مَنْ أبناء الرسول ومن نساؤه ومن نفسه يابن دربهان؟ فأمسك، فقال: بالله هل بلغك انّ غير الرسول والوصي والبتول والسبطين دخل تحت الكساء؟ قال: لا، فقال: والله لم تنزل هذه الآية الّا فيهم، ولا خصّ بها سواهم.
ثمّ قال: بالله عليك يا شافعي ما تقول فيمن طهّره الله بالدّليل القاطع، هل ينجّسه المختلفون؟ قال: لا، قال: بالله عليك هل تلوت: (اِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيراً)(١٩٣) قال: نعم، قال: بالله عليك مَنْ يعني بذلك؟ فأمسك، فقال: والله ما عنى بها الّا أهلها.
ثم بسط لسانه وتحدّث بحديث أمضى من السهام، وأقطع من الحسام فقطع الشافعي ووافقه، فقام عند ذلك فقال: عفواً يا ابن صاحب الأمر انسب إليّ نسبك، فقال: أنا طاهر بن محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن علي الذي أنزل الله فيه: (وَكُلّ شَيْء أَحْصَيْنَاهُ فِي اِمَام مُبِين)(١٩٤) هو والله الامام المبين، ونحن الذين أنزل الله في حقّنا: (ذُرِيَّة بَعْضهَا مِنْ بَعْض وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(١٩٥).
يا شافعيّ نحن أهل البيت نحن ذريّة الرسول، ونحن اُولوا الأمر، فخرّ الشافعي مغشيّاً عليه، لما سمع منه، ثم أفاق من غشيته، وآمن به، وقال: الحمد لله الذي منحني بالاسلام، ونقلني من التقليد إلى اليقين.
ثمّ أمر لنا باقامة الضيافة، فبقينا على ذلك ثمانية أيام، ولم يبق في المدينة الّا من جاء الينا(١٩٦)، وحادثنا، فلمّا انقضت الأيام الثمانية سأله أهل المدينة أن يقوموا لنا بالضيافة، ففتح لهم في ذلك، فكثرت علينا الأطعمة والفواكه، وعملت لنا الولائم، ولبثنا في تلك المدينة سنة كاملة.
فعلمنا وتحقّقنا انّ تلك المدينة مسيرة شهرين كاملة برّاً وبحراً، وبعدها مدينة اسمها الرائقة، سلطانها القاسم بن صاحب الأمر عليه السلام مسيرة ملكها شهرين وهي على تلك القاعدة ولها دخل عظيم، وبعدها مدينة اسمها الصافية، سلطانها ابراهيم بن صاحب الأمر عليه السلام بالحكام وبعدها مدينة اُخرى اسمها ظلوم سلطانها عبد الرحمن بن صاحب الأمر عليه السلام، مسيرة رستاقها وضياعها شهران، وبعدها مدينة اُخرى اسمها عناطيس، سلطانها هاشم بن صاحب الأمر عليه السلام وهي أعظم المدن كلّها وأكبرها وأعظم دخلا(١٩٧)، ومسيرة ملكها أربعة أشهر.
فيكون مسيرة المدن الخمس والمملكة مقدار سنة لا يوجد في أهل تلك الخطط والمدن والضياع والجزائر غير المؤمن الشيعي الموحّد القائل بالبراءة والولاية الذي يقيم الصّلاة ويؤتي الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، سلاطينهم أولاد امامهم، يحكمون بالعدل وبه يأمرون، وليس على وجه الأرض مثلهم، ولو جمع أهل الدّنيا، لكانوا اكثر عدداً منهم على اختلاف الأديان والمذاهب.
ولقد أقمنا عندهم سنة كاملة نترقّب ورود صاحب الأمر اليهم، لأنّهم زعموا انّها سنة وروده، فلم يوفّقنا الله تعالى للنظر اليه، فأمّا ابن دربهان وحسّان فانهما أقاما بالزاهرة يرقبان رؤيته، وقد كنّا لمّا استكثرنا هذه المدن وأهلها، سألنا عنها فقيل، انها عمارة صاحب الأمر عليه السلام واستخراجه.
فلمّا سمع عون الدّين ذلك، نهض ودخل حجرة لطيفة، وقد تقضّى الليل فأمر باحضارنا واحداً واحداً، وقال: ايّاكم اعادة ما سمعتم أو اجراءه على ألفاظكم وشدّده وتأكّد علينا، فخرجنا من عنده ولم يعد أحد منّا ممّا سمعه حرفاً واحداً حتى هلك.
وكنّا إذا حضرنا موضعاً واجتمع واحدنا بصاحبه، قال: أتذكر شهر رمضان، فيقول: نعم، ستراً لحال الشرط(١٩٨).
فهذا ما سمعته ورويته، والحمد لله وحده، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطاهرين، والحمد لله ربّ العالمين(١٩٩).
يقول المؤلف:
نقل هذه القصة جماعة من العلماء فبعضهم بنحو ما ذكر، والبعض الآخر باختصار وآخرون أشاروا إليها كالسيد الجليل علي بن طاووس في أواخر كتاب (جمال الأسبوع) قال:
"ووجدت رواية متّصلة الأسناد بأنّ للمهدي صلوات الله عليه (أولاد جماعة) ولاة في أطراف بلاد البحار على غاية عظيمة من صفات الأبرار"(٢٠٠).
ونقل الشيخ الجليل عظيم الشأن الشيخ زين الدين علي بن يونس العاملي البياضي من علماء المائة التاسعة في الفصل الخامس عشر من الباب الحادي عشر من كتاب (الصراط المستقيم) وهو من كتب الامامية النفيسة القصة المذكورة باختصار عن كمال الدين الأنباري.
ونقلها السيد الجليل النبيل السيد علي بن عبد الحميد النيلي صاحب التصانيف الرائقة، من علماء المائة الثامنة، في كتاب (السلطان المفرج عن أهل الايمان) عن الشيخ الأجل الأمجد الحافظ حجة الاسلام الرضي البغدادي عن الشيخ الأجل خطير الدين حمزة بن الحارث بمدينة السلام... إلى آخر ما تقدّم.
وقال المدقق الأردبيلي في كتاب حديقة الشيعة:
"حكاية غريبة ورواية عجيبة قلمّا طرقت اذناً، وهي في كتاب الأربعين تصنيف أحد كبار المصنّفين وأعاظم المجتهدين من علماء أمة سيد المرسلين وخدمة أمير المؤمنين صلوات الله عليهما؛ ولأنها لم تصل الّا إلى قليل، فمع طولها نزيّن هذه الأوراق بنقلها، فبها تقر عيون سائر المؤمنين؛ روى العالم العامل المتّقي الفاضل محمد بن علي العلوي الحسيني بسنده المتّصل إلى احمد بن محمد بن يحيى الأنباري"(٢٠١).
ونقلها السيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانية عن كتاب الفاضل الملقب بالرضا علي بن فتح الله الكاشاني رحمه الله قال: "روى الشريف الزاهد... الخ"(٢٠٢).
وعند الحقير نسخة (أربعين) لبعض العلماء ساقطة الأول وبعد أن يذكر متنها بالعربيّة يترجمها إلى الفارسية، ونحن قد اقتنعنا بتلك الترجمة.
ومع كثرة هؤلاء الناقلين فالعجيب عدم انتباه العلامة المجلسي فلم يذكرها في البحار.
وفي القصة شبهتان منشأ احداهما قلّة الاطّلاع، وثانيتهما ضعف الايمان.
الشبهة الأولى:
انه لم يعهد للحجة عليه السلام الأولاد والعيال (والزوجات) كما هو مذكور في هذه القصة، ولم ير ذلك في الأخبار، ولم يسمع ذلك من الأخبار؛ ولذلك أنكر بعض أصل وجودها.
وجوابها غير خفي على الناقد البصير، وقد أشير إليه في كثير من الأخبار، مع ان نفس عدم الوصول وعدم الاطلاع عليها ليس دليلا على عدمه، وكيف يترك مثل هذه السنة العظيمة لجدّه الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم التي حثّ عليها بذلك الشكل من الترغيب والحثّ في فعلها والتهديد والتخويف من تركها؟ وأجدر من يأخذ بسنّة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم هو امام العصر.
ولم يعدّ لحد الآن احدٌ ترك ذلك(٢٠٣) من خصائصه ونحن نقتنع بذكر اثني عشر خبراً:
الأول: روى الشيخ النعماني تلميذ ثقة الاسلام الكليني في كتاب الغيبة، والشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بسندين معتبرين عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
انّ لصاحب هذا الأمر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم مات ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من اصحابه الّا نفر يسير لا يطّلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره الّا المولى الذي يلي أمره(٢٠٤).
الثاني: روى الشيخ الطوسي وجماعة بأسانيد متعددة عن يعقوب بن يوسف الضراب الاصفهاني انّه حج في سنة احدى وثمانين ومائتين فنزل بمكة في سوق الليل بدار تسمى دار خديجة، وفيها عجوز كانت واسطة بين الشيعة وامام العصر عليه السلام، والقصة طويلة، وذكر في آخرها انّه عليه السلام ارسل إليه دفتراً وكان مكتوب فيه صلوات على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وباقي الأئمة وعليه صلوات الله عليه، وأمره إذا أردت أن تصلّي عليهم فصلّي عليهم هكذا وهو طويل، وفي موضع منه:
"اللهم أعْطِهِ في نفسه وذريّته وشيعته ورعيّته وخاصّته وعامّته وعدوّه وجميع أهل الدنيا ما تقرّ به عينه...".
وفي آخره هكذا:
"اللهم صلِّ على محمد المصطفى، وعلي المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن الرضا، والحسين المصفى(٢٠٥) وجميع الأوصياء مصابيح الدّجى(٢٠٦) واعلام الهدى، ومنار التقى، والعروة الوثقى، والحبل المتين، والصراط المستقيم، وصلِّ على وليّك وولاة عهده(٢٠٧) والائمة من ولده، ومدّ(٢٠٨) في أعمارهم، وزد(٢٠٩) في آجالهم، وبلّغهم أقصى آمالهم ديناً ودنيا(٢١٠) وآخرة انّك على كلّ شيء قدير"(٢١١).
الثالث: في زيارته المخصوصة التي تقرأ في يوم الجمعة، ونقل السيد رضي الدين علي بن طاووس في كتاب (جمال الأسبوع):
"صلّى الله عليك وعلى آل بيتك الطيّبين الطاهرين".
وفي موضع آخر منها: "صلوات الله عليك وعلى آل بيتك هذا يوم الجمعة".
وفي آخرها قال: "صلوات الله عليك وعلى أهل بيتك الطاهرين".
الرابع: نقل في آخر كتاب (مزار) بحار الأنوار عن كتاب (مجموع الدعوات) لهارون بن موسى التلعكبري سلاماً وصلاة طويلة لرسول الله وواحد واحد من الائمة صلوات الله عليهم، وبعد ذكر سلام وصلاة على الحجة عليه السلام ذكر سلاماً وصلاةً على ولاة عهد الحجة عليه السلام وعلى الائمة من ولده ودعا لهم:
"السلام على ولاة عهده، والائمة من ولده، اللهم صلّ عليهم وبلّغهم آمالهم وزد في آجالهم وأعزّ نصرهم وتمم لهم ما أسندت من أمرك، واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً فانّهم معادن كلماتك وخزائن علمك وأركان توحيدك ودعائم دينك وولاة أمرك، وخلصائك من عبادك، وصفوتك من خلقك، واوليائك وسلائل أوليائك وصفوة أولاد أصفيائك وبلّغهم منّا التحيّة والسلام، واردد علينا منهم السلام والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته".
الخامس: نقل السيد ابن طاووس رحمه الله وغيره زيارة له عليه السلام وإحدى فقراتها هذا الدعاء بعد صلاة تلك الزيارة وهو:
"اللهم أعطِهِ في نفسه وذريّته وشيعته ورعيّته وخاصّته وعامّته و[من](٢١٢) جميع أهل الدنيا ما تقرّ به عينه، وتسرّ به نفسه..."(٢١٣).
السادس: قصة الجزيرة الخضراء التي ستأتي فيما بعد.
السابع: نقل الشيخ الكفعمي في مصباحه ان زوجته عليه السلام هي احدى بنات أبي لهب.
الثامن: روى السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب (عمل شهر رمضان) عن ابن أبي قرة دعاءاً لابدّ أن يقرأ في جميع الأيام لحفظ وجود الامام الحجة عليه السلام وسوف يأتي في الباب التاسع ان شاء الله.
ومن فقرات هذا الدعاء: "وتجعله وذريّته من الائمة الوارثين".
التاسع: روى الشيخ الطوسي بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السلام خبراً ذكرت فيه بعض وصايا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لأمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي كانت فيها وفاته ومن فقراتها انه قال: "فاذا حضرته(٢١٤) الوفاة فليسلّمها إلى ابنه أوّل المقرّبين(٢١٥)... إلى آخره"(٢١٦).
العاشر: قال الشيخ الكفعمي في مصباحه: "روى يونس بن عبد الرحمن عن الرضا عليه السلام انه كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر عليه السلام بهذا الدعاء: اللهم ادفع عن وليّك... إلى آخره"(٢١٧).
وانه ذكر في آخره: "اللهم صلّ على ولاة عهده والائمة من بعده..."(٢١٨) إلى آخر ما تقدّم قريب منه.
وقال في الحاشية: "اي صلّ عليه اولا، ثم عليهم ثانياً من بعد أن تصلّي عليه، ويريد بالائمة من بعده أولاده عليه السلام لأنهم علماء أشراف، والعالم امام مَنْ اقتدى به، ويدل على ذلك قوله: (والائمة من ولده) في الدعاء المروي عن المهدي"(٢١٩).
الحادي عشر: والمروي في مزار محمد بن المشهدي عن الامام الصادق عليه السلام انه قال لأبي بصير: كأنّي أرى نزول القائم عليه السلام في مسجد السهلة بأهله وعياله...(٢٢٠).
الثاني عشر: نقل العلامة المجلسي في مجلّد الصلاة من البحار في أعمال صبح يوم الجمعة عن أصل قديم من مؤلفات قدمائنا دعاءاً طويلا يقرأ بعد صلاة الفجر، ومن فقرات الدعاء للحجة عليه السلام هناك هو:
"اللهم كن لوليّك في خلقك وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً حتى تسكنه أرضك طوعاً، وتمتّعه منها طولا، وتجعله وذريّته فيها الائمة الوارثين... الدعاء"(٢٢١).
ولم يصل خبر يعارض هذه الأخبار الّا حديث رواه الشيخ الثقة الجليل الفضل بن شاذان النيسابوري في غيبته بسند صحيح عن الحسن بن علي الخراز قال: دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا عليه السلام، فقال له: أنت امام؟
قال: نعم.
فقال له: انّي سمعت جدّك جعفر بن محمد عليهما السلام يقول: لا يكون الامام الّا وله عقب.
فقال: أنسيت يا شيخ أو تناسيت؟! ليس هكذا قال جعفر عليه السلام، انما قال جعفر عليه السلام: لا يكون الامام الّا وله عقب الّا الامام الذي يخرج عليه الحسين بن علي عليهما السلام فانّه لا عقب له.
فقال له: صدقت جعلت فداك هكذا سمعت جدّك يقول(٢٢٢).
وقال السيد محمد الحسيني الملقّب بـ (مير لوحي) تلميذ المحقق الداماد في كفاية المهتدي بعد أن ذكر هذا الخبر: "قد وفق في رياض المؤمنين بأنّ هذا خبر مدينة الشيعة والجزيرة الخضراء والبحر الأبيض الذي ذكر فيه ان لصاحب الزمان عليه السلام عدّة أولاد هذا أقل اعتبار بالنسبة إلى هذا الحديث الصحيح، ومن أراد أن يطّلع على ذلك فليرجع إلى الكتاب المذكور".
وقد نقل هذا الخبر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة ان مقصود الامام عليه السلام من انه لا ولد له، أي أن لا يكون له ولد يكون إماماً يعني انّه عليه السلام خاتم الأوصياء وليس له ولد امام.
أو ان الذي يرجع عليه الحسين بن علي (عليهما السلام) ليس له ولد.
فلا يعارض الأخبار المذكورة والله العالم.
الشبهة الثانية:
ان السواح والبحارة المسيحيين وغيرهم اشتغلوا ولسنين مع كامل اعدادهم في السفر والسياحة وتحديد طول وعرض البر والبحر، وذهبوا لمرّات إلى القطب الشمالي وساروا برحلات كاملة من الشرق إلى الغرب، ولم يجدوا لحدّ الآن مثل هذه الجزائر والبلاد، ولا يمكن بحسب المعتاد أن يعبروا اكثر درجات خطوط الطول والعرض ولا يشاهدون هذه البلاد العظيمة؟
وإذا كانت هذه الشبهة من اُولئك الذين ينكرون وجود الصانع الحكيم المختار القادر فلا يتصوّر ولا يمكن أن يجابوا قبل اثبات وجوده القدسي جلت عظمته.
وأما إذا كان الاستبعاد من اُولئك الذين جاءوا تحت وطأة الأمة واعترفوا بوجود حكيم وقادر على الاطلاق يقدر أن يفعل كلّما يريد، وقد أجرى ذلك مراراً على يد الأنبياء والأوصياء (سلام الله عليهم) والأولياء بلا واسطة أحد مما لا يصدر عادة ويعجز البشر عن الاتيان بمثله.
فنقول: انّ الله تعالى يقول: (وَاِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالاْخِرَةِ حِجَاباً مَسْتُوراً)(٢٢٣).
ونقل المفسّرون الخاصة والعامّة ان الآية الشريفة نزلت في حق أبي سفيان والنضر بن الحارث وأبي جهل وأم جميل زوجة أبي لهب، فانّ الله عزّ وجلّ أخفى نبيّه عن أعينهم عندما يقرأ القرآن فيأتون إليه ويذهبون ولا يرونه.
وروى القطب الراوندي في الخرائج: "انّه صلى الله عليه وآله وسلّم كان يصلّي مقابل الحجر الأسود ويستقبل الكعبة، ويستقبل بيت المقدّس، فلا يُرى حتى يفرغ من صلاته"(٢٢٤).
وروى ايضاً ان أبا بكر كان جالساً عنده صلى الله عليه وآله وسلّم فجاءت أم جميل أخت أبي سفيان وأرادت أن تؤذيه صلى الله عليه وآله وسلّم فقال أبو بكر: لو تنحيت.
فقال صلى الله عليه وآله وسلّم: انّها لن تراني.
فجاءت حتى قامت عليه، فقالت: يا أبا بكر أرأيت محمداً؟ قال: لا، فمضت راجعة(٢٢٥).
وقد نقل ابن شهر آشوب وآخرون حكايات كثيرة من هذا النوع له صلى الله عليه وآله وسلّم وللائمة عليهم الصلاة والسلام خارجة عن حدّ التواتر.
فمع امكان وجود انسان بين جماعة قائماً أو جالساً يقرأ أو يذكر ويسبّح ويمجّد ويراهم جميعاً ولا يرونه؛ فلماذا يستبعد وجود مثل هذه البلاد العظيمة في البراري أو البحار وقد حجبها الله عزّ وجلّ عن عيون الجميع؟ وإذا عبروا من هناك فلا يرون الّا صحراء قفراء وبحراً عجيباً، ولعلّ تلك البلاد تنتقل من مكان إلى آخر.
وعندما اضطرب أبو بكر في الغار اضطراباً شديداً ولم يطمئن قلبه بمواعظه ونصائحه وبشاراته صلى الله عليه وآله وسلّم رفس صلى الله عليه وآله وسلّم ظهر الغار فانفتح منه باب إلى بحر وسفينة فقال له: اسكن الآن، فانهم ان دخلوا من باب الغار خرجنا من هذا الباب وركبنا السفينة فسكن عند ذلك(٢٢٦).
ومن هذا النوع من المعجزات كثيراً ما ظهرت في مدينة أو بيت أو بحر أو جالسين في السفينة، وقد سيّروا الخواص من مواليهم في مثل هذه البلاد الموجودة في هذه الدنيا، وقد نقل الشيخ الصدوق ومجموعة من مفسري الخاصّة والعامّة ومؤرخيهم قصّة لبستان إرم وقصر شداد مع انها مخفية عن أعين الخلق وسوف تبقى كذلك ولم يرها أحد الّا واحد في عهد معاوية مع انها تقع في صحراء اليمن.
ومن خصائص وجود الامام الحجة عليه السلام المبارك انّه ينزل مع أصحابه في أي مكان بلا ماء ولا نبات ويستقر موكبه الشريف هناك فانّه ينبت الزرع فوراً ويجري الماء، وإذا تحرّك من هناك فانه يرجع إلى حاله الأول.
وبالجملة، فانّ أصل وجوده المبارك وطول عمره الشريف وكونه محجوباً عن أنظار الأغيار من آيات الله تبارك وتعالى العجيبة، ولا فرق بينه وبين أضعف الموجودات في مقام القدرة والأمر الالهي، والكل متساوون بالنسبة إلى ذلك المتعلّق والمنسوب اليه.
ومن لوازم سلطته الخفيّة الالهيّة أن يكون له خدم وحشم ومقر وغيرها، وكلّها من الآيات العجيبة التي تجيزها عقولهم ولا طريق لتكذيب المخبر ببعضها.
فاستبعاد ذلك لم يكن الّا من ضعف الايمان، ومثل هذا الانسان له شبهة في أصل وجود الامام الحجة عليه السلام ويستبعده مثل غير العقلاء من المعاندين (ذلك هو الخسران المبين).
وسوف يأتي تمام الكلام في ذيل الحكاية السابعة والثلاثين قصة الجزيرة الخضراء.
الحكاية الثالثة:
نقل السيد محمد الحسيني المتقدّم ذكره في كتاب الأربعين الذي سمّاه بكفاية المهتدي، عن كتاب الغيبة للحسن بن حمزة العلوي الطبري المرعشي، وهو الحديث السادس والثلاثون من ذلك الكتاب قال: حدّثنا رجل صالح من أصحابنا قال: خرجت سنة من السّنين حاجّاً إلى بيت الله الحرام، وكانت سنة شديدة الحرّ كثيرة السّموم فانقطعت عن القافلة، وضللت الطريق فغلب عليّ العطش حتى سقطت وأشرفت على الموت، فسمعتُ صهيلا ففتحت عينيّ فاذا بشاب حسَنِ الوجه حسنِ الرائحة، راكب على دابّة شهباء، فسقاني ماء أبرد من الثّلج وأحلى من العسل ونجاني من الهلاك، فقلت: يا سيدي من أنت؟
قال: أنا حجة الله على عباده، وبقيّة الله في أرضه، أنا الذي أملأ الأرض قسطاً وعدلا كما ملئت جوراً وظلماً، أنا ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام ثم قال: اخفض عينيك، فخفضتهما. ثم قال: افتحهما ففتحتهما فرأيت نفسي في قدام القافلة ثمّ غاب عن نظري صلوات الله عليه(٢٢٧).
ولا يخفى ان الحسن بن حمزة بن علي بن عبد الله بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام هو من أجلاء فقهاء طائفة الشيعة ومن علماء المائة الرابعة.
وذكر ابن شهر آشوب في كتاب معالم العلماء من جملة تصانيفه كتاب الغيبة(٢٢٨).
وقال الشيخ الطوسي: كان فاضلا اديباً عارفاً فقيهاً زاهداً ورعاً كثير المحاسن... الخ(٢٢٩).
الحكاية الرابعة:
وقال السيد الفاضل المتقدّم ذكره في الأربعين:
"ويقول كاتب هذا الأربعين: بيني وبين الله أعرف عليلا رآه عليه السلام مراراً وكان في زمان من الأزمنة مبتلىً بمرض مهلك فتكرّم عليه السلام فشافاه شفاءاً كاملا"(٢٣٠).
واسم هذا الأربعين: "كفاية المهتدي في معرفة المهدي".
وتاريخ نسخة الحقير سنة ١١٨٥(٢٣١).
الحكاية الخامسة:
يقول العالم الفاضل علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة:
وحدّثني بهما جماعة من ثقات اخواني كان في البلاد الحلية شخص يقال له اسماعيل بن الحسن الهرقلي من قرية يقال لها هرقل، مات في زماني وما رأيته، حكى لي ولده شمس الدين قال: حكى لي والدي انّه خرج فيه - وهو شباب - على فخذه الأيسر توثة(٢٣٢) مقدار قبضة الانسان، وكانت في كل ربيع تشقق ويخرج منها دم وقيح، ويقطعه ألَمها عن كثير من أشغاله؛ وكان مقيماً بهرقل، فحضر الحلة يوماً ودخل إلى مجلس السعيد رضي الدين علي بن طاووس رحمه الله وشكا إليه ما يجده منها، وقال: أريد أن أداويها فأحضر له أطباء الحلة وأراهم الموضع، فقالوا: هذه التوثة فوق العرق الأكحل وعلاجها خطر ومتى قطعت خيف أن ينقطع العرق فيموت، فقال له السعيد رضي الدين قدّس الله روحه: أنا متوجّه إلى بغداد وربّما كان أطباؤها أعرف وأحذق من هؤلاء فاصحبني فاصعد معه وأحضر الأطباء فقالوا كما قال اُولئك فضاق صدره، فقال له السعيد: ان الشرع قد فسح لك في الصلوة في هذه الثياب وعليك الاجتهاد في الاحتراس، ولا تغرر بنفسك فالله تعالى قد نهى عن ذلك ورسوله، فقال له والدي: إذا كان الأمر على ذلك وقد وصلت إلى بغداد فأتوجّه إلى زيارة المشهد الشريف بسرّ من رأى على مشرفه السلام، ثم أنحدر إلى أهلي فحسّن له ذلك، فترك ثيابه ونفقته عند السعيد رضي الدين وتوجّه، قال: فلمّا دخلت المشهد وزرت الائمة عليهم السلام ونزلت في السّرداب واستغثت بالله تعالى وبالامام عليه السلام وقضيت بعض الليل في السّرداب وبتّ في المشهد الى الخميس، ثم مضيت إلى دجلة واغتسلت ولبست ثوباً نظيفاً، وملأت ابريقاً كان معي، وصعدت أريد المشهد، فرأيت أربعة فرسان خارجين من باب السور، وكان حول المشهد قوم من الشرفاء يرعون أغنامهم فحسبتهم منهم فالتقينا فرأيت شابّين أحدهما عبد مخطوط وكل واحد منهم متقلد بسيف، وشيخاً منقباً بيده رمح والآخر متقلّد بسيف، وعليه فرجية(٢٣٣) ملوّنة فوق السيف وهو متحنّك بعذبته؛ فوقف الشيخ صاحب الرمح يمين الطريق ووضع كعبه في الأرض، ووقف الشابان عن يسار الطريق؛ وبقي صاحب الفرجية على الطريق مقابل والدي، ثمّ سلّموا عليه فردّ عليهم السلام، فقال له صاحب الفرجية: أنت غداً تروح إلى أهلك؟ فقال: نعم، فقال له تقدم حتى أبصر ما يوجعك؟ قال: فكرهت ملامستهم، وقلت في نفسي أهل البادية ما يكادون يحترزون من النجاسة: وأنا قد خرجت من الماء وقميصي مبلول، ثمّ انّي بعد ذلك تقدّمت إليه فلزمني بيده ومدّني إليه وجعل يلمس جانبي من كتفي إلى أن أصابت يده التوثة فعصرها بيده، فأوجعني ثم استوى في سرجه كما كان، فقال لي الشيخ: أفلحت يا اسماعيل، فعجبت من معرفته باسمي، فقلت: أفلحنا وأفلحتم إن شاء الله؛ قال: فقال لي الشيخ: هذا هو الامام، قال: فتقدّمت إليه فاحتضنته وقبّلت فخذه.
ثمّ إنّه ساق وأنا أمشي معه محتضنة، فقال: ارجع، فقلت: لا أفارقك أبداً، فقال: المصلحة رجوعك، فأعدت عليه مثل القول الأوّل؛ فقال الشيخ: يا اسماعيل ما تستحيي، يقول لك الامام مرّتين ارجع وتخالفه؟ فجبهني(٢٣٤) بهذا القول، فوقفت فتقدّم خطوات والتفت إليّ وقال: إذا وصلت بغداد فلابدّ أن يطلبك أبو جعفر يعني الخليفة المستنصر رحمه الله، فاذا حضرت عنده وأعطاك شيئاً فلا تأخذه وقل لولدنا الرضي ليكتب لك إلى علي بن عوض، فإنّني أوصيه يعطيك الذي تريد، ثمّ سار وأصحابه معه، فلم أزل قائماً أبصرهم إلى أن غابوا عنّي، وحصل عندي أسف لمفارقته فقعدت إلى الأرض ساعة ثم مشيت إلى المشهد، فاجتمع القوّام حولي وقالوا نرى وجهك متغيّراً أوجعك شيء؟ قلت: لا، قالوا: أخاصمك أحد؟ قلت: لا، ليس عندي ممّا تقولون خبر، لكن أسألكم هل عرفتم الفرسان الذين كانوا عندكم، فقالوا: هم من الشرفاء أرباب الغنم، فقلت: لا، بل هو الامام عليه السلام، فقالوا: الامام هو الشيخ أو صاحب الفرجية، فقلت: هو صاحب الفرجية، فقالوا: أريته المرض الذي فيك؟ فقلت: هو قبضه بيده وأوجعني؛ ثم كشفت رجلي فلم أَر لذلك المرض أثراً، فتداخلني الشك من الدهش، فأخرجت رجلي الأخرى فلم أرَ شيئاً، فانطبق الناس عليّ ومزّقوا قميصي فأدخلني القوّام خزانة ومنعوا الناس عنّي، وكان ناظراً بين النهرين بالمشهد، فسمع الضجة وسأل عن الخبر فعرّفوه، فجاء إلى الخزانة وسألني عن اسمي وسألني منذ كم خرجت من بغداد فعرّفته إنّي خرجت في أوّل الأسبوع، فمشى عنّي، وبتُّ في المشهد وصلّيت الصبح وخرجت وخرج الناس معي إلى أن بعدت عن المشهد، ورجعوا عنّي ووصلت إلى اوانا(٢٣٥) فبتّ بها وبكرت منها أريد بغداد فرأيت الناس مزدحمين على القنطرة العتيقة يسألون من ورد عليهم عن اسمه ونسبه وأين كان؛ فسألوني عن اسمي ومن أين جئت، فعرّفتهم فاجتمعوا عليّ ومزّقوا ثيابي ولم يبقَ لي في روحي حكم، وكان ناظر بين النهرين كتب إلى بغداد وعرّفهم الحال ثمّ حملوني إلى بغداد وازدحم الناس عليّ وكادوا يقتلونني من كثرة الزحام، وكان الوزير القمي رحمه الله تعالى قد طلب السعيد رضي الدين رحمه الله، وتقدّم أن يعرّفه صحة هذا الخبر.
قال: فخرج رضي الدين ومعه جماعة فوافينا باب النوبى، فردّ أصحابه الناس عنّي، فلمّا رآني قال: أعنك يقولون؟ قلت: نعم، فنزل عن دابّته وكشف عن فخذي فلم يرَ شيئاً، فغشي عليه ساعة وأخذ بيدي وأدخلني على الوزير وهو يبكي ويقول: يا مولانا هذا أخي وأقرب الناس إلى قلبي، فسألني الوزير عن القصة فحكيت له، فأحضر الأطباء الذين أشرفوا عليها وأمرهم بمداواتها فقالوا: ما دوائها الّا القطع بالحديد ومتى قطعها مات، فقال لهم الوزير: فبتقدير أن تقطع ولا يموت في كم تبرأ؟ فقالوا: في شهرين، وتبقى في مكانها حفيرة بيضاء لا ينبت فيها شعر، فسألهم الوزير متى رأيتموه، قالوا: منذ عشرة أيام، فكشف الوزير عن الفخذ الذي كان فيه الألم وهي مثل أختها ليس فيها أثر أصلا، فصاح أحد الحكماء: هذا عمل المسيح، فقال الوزير: حيث لم يكن عملكم فنحن نعرف من عملها.
ثم انّه أحضر عند الخليفة المستنصر رحمه الله تعالى، فسأله عن القصة فعرّفه بها كما جرى، فتقدّم له بألف دينار، فلمّا حضرت قال: خذ هذه فأنفقها، فقال: ما أجسر آخذ منه حبّة واحدة، فقال الخليفة: ممن تخاف؟ فقال: من الذي فعل معي هذا، قال: لا تأخذ من أبي جعفر شيئاً؟ فبكى الخليفة وتكدر، وخرج من عنده ولم يأخذ شيئاً.
قال: أفقر عباد الله تعالى إلى رحمته علي بن عيسى عفا الله عنه: كنت في بعض الأيام أحكي هذه القصة لجماعة عندي؛ وكان هذا شمس الدين محمد ولده عندي، وأنا لا أعرفه فلمّا انقضت الحكاية قال: أنا ولده لصلبه، فعجبت من هذا الاتّفاق وقلت: هل رأيت فخذه وهي مريضة؟ فقال: لا لأنّي أصبو عن ذلك، ولكنّي رأيتها بعدما صلحت ولا أثر فيها، وقد نبت في موضعها شعر، وسألت السيد صفي الدين محمد بن محمد بن بشر العلوي الموسوي، ونجم الدين حيدر بن الأيسر رحمهما الله تعالى، وكانا من أعيان الناس وسراتهم وذوي الهيئات منهم، وكانا صديقين لي وعزيزين عندي، فأخبراني بصحّة هذه القصة، وانهما رأياها في حال مرضها وحال صحّتها، وحكى لي ولده هذا انّه كان بعد ذلك شديد الحزن لفراقه عليه السلام، حتى انّه جاء إلى بغداد وأقام بها في فصل الشتاء، وكان كلّ أيّامه يزور سامراء ويعود إلى بغداد فزارها في تلك السنة أربعين مرّة طمعاً أن يعود له الوقت الذي مضى أو يقضى له الحظ بما قضى، ومن الذي أعطاه دهره الرضا، أو ساعده بمطالبه صرف القضا، فمات رحمه الله بحسرته، وانتقل إلى الآخرة بغصّته، والله يتولاّه وإيّانا برحمته بمنّه وكرامته(٢٣٦).
يقول المؤلف:
يقول الشيخ الحرّ العاملي في كتاب (أمل الآمل): "الشيخ محمد بن اسماعيل بن الحسن بن أبي الحسين بن علي الهرقلي: كان فاضلا عالماً من تلامذة العلامة، رأيت المختلف بخطّه، ويظهر منه انّه كتبه في زمان مؤلفه وانّه قرأ عليه، أو على ولده(٢٣٧)"(٢٣٨) انتهى.
وقد أخذه الحقير، ووقفت على نسخة من الشرائع بخطّ الشيخ محمد المذكور وهي في مجلّد واحد وقرئ على المحقق الأول والمحقق الثاني وتوجد اجازة بخط الاجلّين عليه وحالياً في بلدة الكاظمين عند سماحة العالم الجليل والسيد النبيل السيد محمد آل حيدر دام تأييده.
وصورة آخر الملجد الأول هكذا:
"فرغ من كتابته العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن اسماعيل بن حسن بن أبي الحسن بن علي الهرقلي غفر الله له ولوالدي وللمؤمنين والمؤمنات آخر نهار الخميس خامس عشر رمضان سنة سبعين وستمائة حامداً ومصلياً مستغفراً، والحمد لله ربّ العالمين وحسبنا الله ونعم الوكيل".
وصورة خط المحقق في محاذاته:
"انهاه أيده الله قراءة وبحثاً وتحقيقاً في مجالس آخرها الأربعاء ثامن عشر ذي الحجة من سنة إحدى وسبعين وستمائة بحضرة مولانا وسيّدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام كتبه جعفر بن سعيد".
واجازة المحقق الثاني في المجلّد الأول للشيخ شرف الدين قاسم بن الحاج الشهير بابن غدافة في سنة ٩٣٣.
وفي آخر المجلد الأول والثاني موجودة بخطّه ايضاً.
ونسخة اُخرى من المواهب الالهية عند الحقير في مجلّدين وقرئت عند المحقق الثاني وابن فهد والشيخ يحيى المتقي الكركي وغيرهم.
وجميع الخطوط موجودة عليها، واكثر حواشيها بخط ابن فهد.
الحكاية السادسة:
تتناسب وتشابه الحكاية السابقة، وهي:
أخبرنا جناب العالم الفاضل الصالح الورع التقي ميرزا محمد حسين النائيني الاصفهاني ابن سماحة العالم العامل والمهذب الكامل ميرزا عبد الرحيم النائيني الملقّب بشيخ الاسلام، انّه ظهر وجع في قدم اخ لي من الأب اسمه محمد سعيد حال انشغاله في تحصيل العلوم الدينية في سنة خمس وثمانين ومائتين وألف تقريباً، وقد ورم خلف قدمه بحيث اعوجّ وعجز عن المشي فجاءوا بميرزا احمد الطبيب بن الحاج ميرزا عبد الوهاب النائيني ليعالجه، فزال الاعوجاج الذي هو خلف قدمه وذهب الورم وتفرّقت المادة ولم تمضِ عدّة أيّام الّا وظهرت المادة بين الركبة والساق، وبعد عدّة أيام ظهرت المادة في الفخذ في نفس تلك الرجل، ومادة بين الكتف، حتى تقيح كل واحد منهما، وكان له وجع شديد فعندما يعالجه ينفجر فيخرج منه قيح، إلى أن مضت سنة تقريباً أو اكثر من ذلك وهو على هذا الحال يعالج هذه القروح بأنواع العلاج، ولم يلتئم واحد منها بل كل يوم تزداد الجراحات، ولم يقدر في هذه المدّة أن يضع قدمه على الأرض وهو يتقلّب من جانب إلى جانب، وقد أصابه الضعف من طول مدة المرض، ولم يبقَ منه الّا الجلد والعظم من كثرة ما خرج منه من الدم والقيح، وقد صعب ذلك على الوالد، وما يستعمل نوعاً من العلاج الّا وتزداد الجروح ويضعف حاله ولا يؤثر في زيادة قوّته وصحّته.
ووصلت هذه القروح إلى حدّ انّه لو وضعت يد على أحد الاثنين - الذي احدهما بين الركبة والساق والأخرى في الفخذ التي في نفس تلك الرجل - فانه يجري من القرح الآخر القيح والدم.
وظهر في تلك الأيام وباء شديد في نائين فلجأنا إلى قرية من قراها خوفاً من ذلك الوباء، فاطّلعنا على جرّاح حاذق يقال له (آقا يوسف) ينزل في قرية قريبة من قريتنا، فبعث الوالد شخصاً إليه، فحضر للعلاج؛ وعندما عرض اخي المريض عليه سكت ساعة حتى خرج الوالد من عنده وبقيت عنده مع أحد أخوالي يدعى الحاج ميرزا عبد الوهاب، فبعد مدّة من مناجاته معه فهمت من فحوى تلك الكلمات بأنه يخبره يائساً ويخفي ذلك عنّي لئلاّ أخبر الوالد فيضطرب ويجزع.
فعندما رجع الوالد قال ذلك الجراح: أنا آخذ المبلغ الفلاني أولا ثم أبدأ بالمعالجة.
وكان قصده من هذا الكلام هو امتناع الوالد عن دفع ذلك المبلغ قبل الابتداء في المعالجة ليكون سبباً لذهابه قبل الشروع في المعالجة.
فامتنع الوالد من اعطائه ما أراد قبل المعالجة، فاغتنم [الجرّاح] تلك الفرصة ورجع إلى قريته.
وقد علم الوالد والوالدة ان هذا التصرّف من الجراح كان ليأسه وعجزه عن المعالجة؛ مع انّه كان استاذاً وحاذقاً فيأست منه.
وكان لي خال آخر يدعى ميرزا أبو طالب في غاية التقوى والصلاح وله شهرة في البلد بأنه يكتب للناس رقع الاستغاثة الى امام عصره الامام الحجة عليه السلام، وهي سريعة الاجابة والتأثير، وان الناس كثيراً ما يرجعون إليه في الشدائد والبلايا، فالتمست منه والدتي ان يكتب رقعة استغاثة لشفاء ولدها.
فكتبها في يوم الجمعة وأخذتها الوالدة وأخذت أخي وذهبت عند بئر قرب قريتنا، فرمى أخي تلك الرقعة في البئر وكان متعلقاً فوق البئر بيد الوالدة، فظهرت له وللوالدة في ذلك الوقت رقّة فبكيا بكاءاً شديداً، وكان ذلك في آخر ساعة من يوم الجمعة.
وبعد مضي عدّة أيام رأيت في المنام ثلاثة فرسان بالهيئة والشمائل التي وردت في واقعة اسماعيل الهرقلي، قادمين من الصحراء باتّجاه بيتنا، فحضرت في ذهني في ذلك الحال واقعة اسماعيل وكنت قد وقفت عليها في تلك الأيام وكانت تفصيلاتها في ذهني فانتبهت ان هذا الفارس المتقدّم هو الامام الحجة عليه السلام جاء لشفاء أخي المريض، وكان أخي المريض نائماً على ظهره أو متكئاً في فراشه في ساحة البيت كما كان كذلك في أغلب الأيام، فقرب الامام الحجة عجل الله تعالى فرجه وبيده المباركة رمح، ووضع ذلك الرمح في موضع من بدنه ولعلّه كان في كتفه، وقال له: قم فقد جاء خالك من السفر.
وقد فهمت في ذلك الوقت ان مقصوده عليه السلام من هذا الكلام البشارة بقدوم خال لنا آخر اسمه الحاج ميرزا علي اكبر كان سافر للتجارة وطال سفره ونحن قد خفنا عليه لطول السفر وتقلّب الدهر من القحط والغلاء الشديد.
وعندما وضع عليه السلام الرمح على كتفه وقال ذلك الكلام، قام أخي من مكانه الذي كان نائماً فيه وأسرع إلى باب البيت لاستقبال خاله المذكور.
فاستيقظت من نومي فرأيت الفجر قد طلع وقد أضاء الجو ولم يستيقظ أحد من النوم لصلاة الصبح، فقمت من مكاني وأسرعت إلى أخي قبل أن ألبس ملابسي وأيقظته من النوم وقلت له: انهض فإنّ الامام الحجة عليه السلام قد شافاك.
وأخذت بيده وأقمته على رجليه، فاستيقظت أمي من النوم وصاحت عليّ: لماذا أيقظته من النوم؟ لأنه كان يقظاً من غلبة الوجع عليه، وقليل من النوم في ذلك الحال كان يُعد غنيمةً.
قلت: ان الامام الحجة عليه السلام قد شافاه.
فعندما أقمته على قدميه، ابتدأ بالمشي في ساحة الغرفة، وقد كان في تلك الليلة غير قادر على وضع قدمه على الأرض، حيث انقضت له على ذلك مدّة سنة أو اكثر، وكان يحمل من مكان إلى مكان.
فانتشرت هذه الحكاية في تلك القرية، واجتمع جميع الأقرباء والأصدقاء ليروه بما لا يصدّق بالعقل. ونقلت الرؤيا وكنت فرحاً جدّاً لأنّي بادرت ببشارة الشفاء عندما كان نائماً، وقد انقطع الدم والقيء من ذلك اليوم، والتأمت الجروح قبل أن ينقضي اسبوع، وبعد عدة أيام من ذلك وصل الخال سالماً غانماً. وفي هذا التاريخ سنة ثلاث وثلاثمائة وألف فانّ جميع الأشخاص الذين جاءت اسماؤهم في هذه الحكاية ما زالوا في قيد الحياة الّا الوالدة والجرّاح المذكور فانّهما لبّيا داعي الحق والحمد لله.
يقول المؤلف:
رويت رقعة الاستغاثة إلى الامام الحجة عليه السلام بعدة اسماء وهي موجودة في كتب الأدعية المتداولة، ولكن النسخة التي وقفت عليها لا توجد في تلك الكتب، بل انها لم تذكر ايضاً في مزار بحار الأنوار وكتاب دعاء البحار الذي هو محل جمعها.
ولأن اعداد تلك النسخة قليلة لذا رأيت لزوم نقلها هنا:
نقل الفاضل المتبحّر محمد بن محمد الطبيب؛ من علماء الدولة الصفوية في كتاب انيس العابدين(٢٣٩) عن كتاب السعادات هذه العبارة:
"دعاء التوسّل لكل مهمة وحاجة:
بسم الله الرحمن الرحيم، توسّلت اليك يا أبا القاسم محمد بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب النبأ العظيم.. الصراط المستقيم، وعصمة اللاّجين(٢٤٠) باُمّك سيدة نساء العالمين، وبآبائك الطاهرين، وباُمّهاتك الطاهرات، بياسين والقرآن الحكيم، والجبروت العظيم، وحقيقة الايمان، ونور النور، وكتاب مسطور أن تكون سفيري إلى الله تعالى في الحاجة لفلان، أو هلاك فلان بن فلان".
وتضع هذه الرقعة في طين طاهر وترميه في ماء جار أو بئر، وتقول:
"يا سعيد بن عثمان ويا عثمان بن سعيد أوصلا قصّتي إلى صاحب الزمان صلوات الله عليه".
وكانت النسخة هكذا، ولكن بملاحظة الروايات وطريقة بعض الرقاع فلابدّ أن يكون: "يا عثمان بن سعيد ويا محمد بن عثمان... الخ " والله العالم.
الحكاية السابعة:
وفيها ذكر تأثير رقعة استغاثة العالم الصالح التقي المرحوم السيد محمد بن جناب السيد عباس الذي ما زال على قيد الحياة يسكن في قرية جب شيث(٢٤١) من قرى جبل (عامل)(٢٤٢)، وهو من بني اعمام جناب السيد النبيل والعالم المتبحّر الجليل السيد صدر الدين العاملي الاصفهاني صهر شيخ فقهاء عصره الشيخ جعفر النجفي أعلى الله تعالى مقامهما.
وكان السيد المذكور قد توارى عن وطنه لتعدي حكام الجور لأنهم كانوا يريدون أن يدخلوه في السلك العسكري، بدون بضاعة ولم يكن عنده يوم خرج من جبل عامل إلاّ قمري واحد وهو عشر القِران، ولم يسأل أحداً أبداً، وقد ساح مدّة من الزمن.
وقد رأى أيام سياحته عجائب كثيرة في اليقظة والمنام، وأخيراً جاور في النجف الأشرف وسكن في الصحن المقدّس من الحجرات الفوقانيّة جهة القبلة، وكان مضطرباً جداً، ولم يطّلع على حاله الّا اثنان أو ثلاثة حتى توفي، وقد كانت المدّة من حين خروجه من وطنه إلى وفاته خمس سنوات، وكان أحياناً يمّر عليّ، وكان كثير العفّة والحياء والقناعة يحضر عندي أيام اقامة التعزية، وربّما استعار منّي بعض كتب الأدعية.
ربما انه كثيراً من الأوقات لم يتمكّن من الحصول على شيء سوى بعض تُميرات وماء بئر الصحن الشريف، لهذا كان يواظب بشدّة على الأدعية المأثورة لسعة الرزق حتى كأنه ما ترك شيئاً من الأذكار المرويّة والأدعية المأثورة. فكان مشغولا في ذلك اغلب لياليه وأيامه.
واشتغل مدّة بكتابة عريضة إلى الامام الحجة عليه السلام وعزم على أن يواظب عليها مدّة أربعين يوماً، ويخرج كلّ يوم قبل طلوع الشمس من البلد ويقترن بفتح الباب الصغير إلى جهة البحر، ويبعد عن طرف اليمين مقدار فرسخ أو أزيد بعيداً عن القلعة بحيث لا يراه أحد ثمّ يضع عريضته في بندقة من الطين ويودّعها أحد نوّابه سلام الله عليه ويرميها في الماء، إلى أن مضى عليه ثمانية أو تسعة وثلاثون يوماً.
قال: فرجعت يوماً عن محل رمي الرقاع وكنت مطأطئاً رأسي وأنا في ضيق، فالتفتّ فاذا أنا برجل كأنّه قد لحق بي من ورائي وكان في زي عربي (وكفية وعقال) فسلّم، فأجبت في ضيق بأقل ما يردّ ولم التفت إليه لأنه لم يكن لي رغبة في الكلام مع أحد، فماشاني مقداراً من الطريق، وبقيت أنا بنفس الحالة السابقة.
فقال بلهجة أهل جبل عامل: سيد محمد ما حاجتك؟ لك تسعة وأو ثمانية وثلاثون يوماً تخرج قبل طلوع الشمس وتذهب الى المكان الفلاني في البحر وترمي العريضة في الماء، اتظنّ انّ امامك لم يطلع على حاجتك؟
فقال سيد محمد: فتعجّبت، لأنه لم يطّلع أحد على ما أفعله وبالأخص في هذه الأيام، ولم يرني احد بجنب البحر، ولا يوجد أحد من أهل جبل عامل هنا لا أعرفه، وبالخصوص فانّه ليس من العادة لبس الكفية والعقال في جبل عامل. فاحتملت انّي اعطيت النعمة الكبرى ونيل المقصود والتشرّف بحضور الغائب المستور امام العصر عليه السلام أرواحنا له الفدى.
وبما انّي كنت قد سمعت في جبل عامل انّ يده المباركة عليه السلام في النعومة بحيث لا تبلغها يد أحد، فقلت في نفسي أصافحه فاذا أحسست بهذا فعندها أصنع ما يحق بحضرته، فمددت يدي وأنا على حالي فصافحته فمدّ يده المباركة عليه السلام فصافحني فإذا بي أجدها ناعمة ولطيفة جداً فتيقّنت حصولي على النعمة العظمى والموهبة الكبرى، فوجهت له وجهي، وأردت تقبيل يده المباركة، فلم أر أحداً.
يقول المؤلف:
يظهر من هذه الحكاية انّ يده المباركة ناعمة، وذلك لما تقدّم في أوّل الباب الثالث انّ شمائله عليه السلام شمائل جدّه، وهو أشبه الخَلْق في الخَلْق والخُلُق به صلى الله عليه وآله وسلّم، ويؤيده الخبر الذي رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن احمد بن علي القمي نزيل الري في كتاب المسلسلات عن الحسين بن جعفر قال: قال محمد بن عيسى بن عبد الكريم الطرطوسي في دمشق، قال: قال عمر بن سعيد بن يسار المنجي، قال: قال احمد بن دهقان، قال: قال خلف بن تميم، قال: دخلت على أبي هرمز أعوده فقال: دخلت على أنس بن مالك أعوده، فقال: صافحت بهذه الكفّ كفّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فما مَسَسْت قطّ خزّاً ولا حريراً ألين من كفّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم(٢٤٣).
قال ابو هرمز: فقلت لأنس بن مالك فصافحني بالكف التي صافحت بها كفّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فصافحني، وقال: السلام عليكم.
قال خلف بن تميم: قلت لأبي هرمز: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ انس بن مالك.
فصافحني، وقال: السلام عليكم.
قال احمد بن دهقان: قلت لخلف بن تميم: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ أبي هرمز.
فصافحني وقال: السلام عليكم.
قال عمر بن سعيد: قلت لأحمد بن دهقان، صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ خلف بن تميم، فصافحني وقال: السلام عليكم.
قال محمد بن عيسى بن عبد الكريم: قلت لعمر بن سعيد: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ احمد بن دهقان، فصافحني وقال: السلام عليكم.
قال حسين بن جعفر: قلت لمحمد بن عيسى: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ عمر بن سعيد، فصافحني وقال: السلام عليكم.
قال مصنّف هذا الكتاب أبو محمد جعفر بن احمد بن علي الرازي: قلت لحسين بن جعفر: صافحني بالكفّ التي صافحت بها كفّ محمد بن عيسى، فصافحني وقال: السلام عليكم(٢٤٤).
ويؤيده قول الصاحب بن عباد في كتاب (محيط اللغة) شثن الكفّين، وهو معروف في حديث شمائل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، ونقله الخاصة والعامة بأسانيد معتبرة، وورد بالتاء في نقطتين فوقانية، وضبط: بمعنى ناعم، كما يقال هناك: "الشتون اللينة من الثياب الواحد الشتن " وروي في الحديث في صفة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم انّه كان شتن الكفّ بالتاء، ومن رواه بالثاء فقط صحف، انتهى(٢٤٥).
ولكن سائر المحدّثين وشراح الأخبار وأهل اللغة ضبطوه بالثاء، بل قيل ان كلام صاحب المحيط من الغرائب.
ويقول الشيخ الصدوق في كتاب معاني الأخبار بعد نقل الخبر:
"سألت أبا احمد الحسن بن عبد الله بن سعيد العسكري عن تفسير هذا الخبر فقال (إلى أن يقول في تفسير):
(شثن الكفين) معناه خشن الكفّين، والعرب تمدح الرجال بخشونة الكف، والنساء بنعومة الكف"(٢٤٦).
ويقول ابن الأثير الجزري في النهاية: "أي انهما يميلان إلى الغلظ والقصر.
وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، ويحمد ذلك في الرجال لأنه أشدّ لقبضهم ويذم في النساء"(٢٤٧).
ويؤيد كلامه ما جاء في شمائل أمير المؤمنين عليه السلام انّه كانت كفّه خشنة.
وروى الشيخ المفيد في الارشاد:
"ولمّا توجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة(٢٤٨) نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه وهو في خبائه... " إلى أن قال ابن عباس بعد أن دخل عليه في خيمته:
"فتأذن لي أن أتكلم، فإنْ كان حسناً كان منك، وإنْ كان غير ذلك كان منّي؟
قالا: لا، أنا أتكلم. (قال ابن عباس:)(٢٤٩) ثم وضع يده في صدري، وكان شثن الكفّين(٢٥٠) فآلمني...(٢٥١)"(٢٥٢).
وروي في كمال الدين عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام وهو جالس على دكّان في الدار وعن يمينه بيت وعليه ستر مسبل. فقلت له: يا سيدي مَنْ صاحب هذا الأمر؟
فقال: ارفع الستر؛ فرفعته، فخرج الينا غلامٌ خماسيّ(٢٥٣) (ثم ذكر شمائله عليه السلام) شثن الكفين..(٢٥٤)
وقد ضبطت في النسخ بالثاء.
وفسّره المجلسي في البحار بالغلظة(٢٥٥).
الحكاية الثامنة:
ونقل الصالح الصفي المبرور والسيد المتقي المذكور قال:
وردت المشهد المقدّس الرضوي عليه الصلاة والسلام للزيارة، وأقمت فيه مدّة، وكنت في ضنك وضيق مع وفور النعمة، ورخص أسعارها، ولمّا أردت الرجوع مع سائر الزائرين لم يكن عندي شيء من الزّاد صباح ذلك اليوم حتى قرصة لقوت يومي، فتخلّفت عنهم، وبقيت يومي إلى زوال الشمس فزرت مولاي وأدّيت فرض الصلاة فرأيت انّي لو لم ألحق بهم لا يتيسّر لي الرفقة عن قريب وان بقيت أدركني الشتاء ومتّ من البرد.
فخرجت من الحرم المطهّر مع ملالة الخاطر وشكوت وقلت في نفسي: أمشي على أثرهم، فإنْ متّ جوعاً استرحت، والّا لحقت بهم، فخرجت من البلد الشريف وسألت عن الطريق، وصرت امشي حتّى غربت الشمس وما صادفت أحداً، فعلمت انّي أخطأت الطريق، وأنا ببادية مهولة لا يرى فيها سوى الحنظل، وقد أشرفت من الجوع والعطش على الهلاك، فصرت أكسر حنظلة حنظلة لعلّي أظفر من بينها بحبحب(٢٥٦) حتى كسرت نحواً من خمسمائة، فلم أظفر بها، وطلبت الماء والكلاء حتّى جنّني الليل، ويئست منهما، فأيقنت الفناء واستسلمت للموت، وبكيت على حالي.
فتراءَى لي مكان مرتفع، فصعدته فوجدت في أعلاه عيناً من الماء فتعجّبت وشكرت الله عزّ وجلّ وشربت الماء وقلت في نفسي، أتوضّأ وضوء الصلاة وأصلّي لئلاّ ينزل بي الموت وأنا مشغول الذمّة بها، فبادرت إليها.
فلمّا فرغت من العشاء الآخرة أظلم الليل وامتلأت البيداء من أصوات السباع وغيرها وكنت أعرف من بينها صوت الأسد والذئب وأرى أعين بعضها تتوقّد كأنّها السراج، فزادت وحشتي الّا انّي كنت مستسلماً للموت، فأدركني النوم لكثرة التعب، وما أفقت الّا والأصوات قد انخمدت، والدنيا بنور القمر قد أضاءت، وأنا في غاية الضعف، فرأيت فارساً مقبلا عليّ، فقلت في نفسي انَّ هذا الفارس سوف يقتلني لأنّه يريد متاعي فلا يجد شيئاً عندي فيغضب لذلك فيقتلني، ولا أقلّ من أن تصيبني منه جراحة.
فلمّا وصل اليّ سلّم عليّ، فرددت عليه السلام وطابت منه نفسي، فقال: ما لك؟ فأومأت إليه بضعفي، فقال: عندك ثلاث بطّيخات، لم لا تأكل منها؟ ولئن كنت بحثت حتى يئست عن الحبحب الذي هو حنظل كالبطيخ فضلا عن البطيخ، فقلت: لا تستهزئ بي ودعني على حالي، فقال لي: انظر إلى ورائك، فنظرت فرأيت شجرة بطيخ عليها ثلاث بطيخات كبار، فقال: سدّ جوعك بواحدة، وخذ معك اثنتين، وعليك بهذا الصراط المستقيم، فامشِ عليه، وكل نصف بطّيخة أوّل النهار، والنصف الآخر عند الزّوال، واحفظ بطيخة فانّها تنفعك، فاذا غربت الشمس، تصل إلى خيمة سوداء، يوصلك أهلها إلى القافلة، وغاب عن بصري.
فقمت إلى تلك البطّيخات، فكسرت واحدة منها فرأيتها في غاية الحلاوة واللطافة كأنّي ما أكلت مثلها فأكلتها، وأخذت معي الاثنتين، ولزمت الطريق، وجعلت أمشي حتى طلعت الشمس، ومضى من طلوعها مقدار ساعة، فكسرت واحدة منهما وأكلت نصفها وسرت إلى زوال الشمس، فأكلت النصف الآخر وأخذت الطريق.
فلمّا قرب الغروب بدت لي تلك الخيمة، ورآني أهلها فبادروا إليّ وأخذوني بعنف وشدّة، وذهبوا بي إلى الخيمة كأنّهم توهموا بانّي جاسوس، وكنت لا أعرف التكلّم الّا باللغة العربية وهم لا يعرفون الّا الفارسية، وكلّما صحت لم يسمعني احد حتى جاءوا بي إلى كبيرهم، فقال لي بشدّة وغضب: من أين جئت؟ تصدقني والّا قتلتك، فأفهمته بكلّ حيلة شرح حالي وانّي خرجت اليوم الماضي من المشهد المقدّس وضيّعت الطريق.
فقال: ايها السيد الكذاب لا يعبر من هذا الطريق الذي تدّعيه متنفّس الّا تلف أو أكلته السباع، ثم انّك كيف قدرت على تلك المسافة البعيدة في الزمن الذي تذكره ومن هذا المكان إلى المشهد المقدّس مسيرة ثلاثة أيام اصدقني والّا قتلتك، وشهر سيفه في وجهي.
فبدت له البطيخة من تحت عبائتي.
فقال: ما هذا؟ فقصصت عليه قصّته، فقال الحاضرون: ليس في هذه الصحراء بطّيخ خصوصاً هذه البطيخة التي ما رأينا مثلها أبداً، فرجعوا إلى أنفسهم، وتكلّموا فيما بينهم بلغتهم، وكأنّهم علموا صدق مقالتي، وانّ هذه معجزة من الامام عليه آلاف التحيّة والثناء والسلام فأقبلوا عليّ وقبّلوا يدي وصدّروني في مجلسهم، وأكرموني غاية الاكرام، وأخذوا لباسي تبرّكاً به وكسوني ألبسة جديدة فاخرة، وأضافوني يومين وليلتين.
فلمّا كان اليوم الثالث أعطوني عشرة توامين، ووجّهوا معي ثلاثة منهم حتى أدركت القافلة(٢٥٧).
الحكاية التاسعة:
قال العالم الفاضل الألمعي علي بن عيسى الأربلي صاحب كشف الغمة:
وحكى لي السيد باقر بن عطوة العلوي الحسني ان أباه عطوة كان به أدرة(٢٥٨) وكان زيدي المذهب، وكان ينكر على بنيه الميل إلى مذهب الاماميّة، ويقول: لا أصدّقكم ولا أقول بمذهبكم حتى يجيء صاحبكم يعني المهدي، فيبرأني من هذا المرض، وتكرر هذا القول منه فبينا نحن مجتمعون عند وقت العشاء الآخرة إذا أبونا يصيح ويستغيث بنا، فأتيناه سراعاً فقال: الحقوا صاحبكم فالساعة خرج من عندي، فخرجنا فلم نَرَ أحداً، فعندنا إليه وسألناه فقال: انّه دخل إليّ شخص، وقال: يا عطوة، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا صاحب بنيك قد جئت لأبرئك مما بك، ثم مدّ يده فعصر قروتي ومشى(٢٥٩) ومددت يدي فلم أرَ لها أثراً، قال لي ولده: وبقي مثل الغزال ليس به قروة واشتهرت هذه القصة، وسألت عنها غير ابنه فأخبر عنها فأقرّ بها، والأخبار عنه عليه السلام في هذا الباب كثيرة، وانّه(٢٦٠) رآه جماعة قد انقطعوا في طرق الحجاز وغيرها فخلّصهم، وأوصلهم إلى حيث أرادوا ولولا التطويل لذكرت منها جملة(٢٦١).
الحكاية العاشرة:
حدّث السيد الجليل والعالم النبيل بهاء الدين علي بن عبد الحميد الحسيني النجفي النيلي المعاصر للشيخ الشهيد الأول رحمه الله في كتاب الغيبة: عن الشيخ العالم الكامل القدوة المقرئ الحافظ المحمود الحاج المعتمر شمس الحق والدين محمد بن قارون قال: دعيت إلى امرأة فأتيتها وأنا أعلم انّها مؤمنة من أهل الخير والصلاح فزوّجها أهلها من محمود الفارسي المعروف بأخي بكر، ويقال له ولأقاربه: بنو بكر، وأهل فارس مشهورون بشدّة التسنّن والنصب والعداوة لأهل الايمان وكان محمود هذا أشدّهم في الباب، وقد وفّقه الله تعالى للتشيّع دون أصحابه.
فقلت لها: واعجباه كيف سمح أبوك بك؟ وجعلك مع هؤلاء النّواصب؟ وكيف اتّفق لزوجك مخالفة أهله حتى ترفضهم؟ فقالت: يا أيّها المقرئ انّ له حكاية عجيبة إذا سمعها أهل الأدب حكموا انّها من العجب، قلت: وما هي؟ قال: سله عنها سيخبرك.
قال الشيخ: فلمّا حضرنا عنده قلت له: يا محمود ما الذي أخرجك عن ملّة أهلك، وأدخلك مع الشيعة؟ فقال: يا شيخ لمّا اتّضح لي الحقّ تبعته، اعلم انّه قد جرت عادة أهل الفرس(٢٦٢) انّهم إذا سمعوا بورود القوافل عليهم، خرجوا يتلقّونهم، فاتّفق إنّا سمعنا بورود قافلة كبيرة، فخرجت ومعي صبيان كثيرون وأنا إذ ذاك صبيّ مراهق، فاجتهدنا في طلب القافلة، بجهلنا، ولم نفكّر في عاقبة الأمر، وصرنا كلّما انقطع منّا صبيّ من التعب خلوه إلى الضعف، فضللنا عن الطريق، ووقعنا في واد لم نكن نعرفه، وفيه شوك، وشجر ودغل، لم نَرَ مثله قطّ، فأخذنا في السير حتّى عجزنا وتدلّت ألسنتنا على صدورنا من العطش، فأيقنّا بالموت، وسقطنا لوجوهنا.
فبينما نحن كذلك إذا بفارس على فرس أبيض، قد نزل قريباً منّا، وطرح مفرشاً لطيفاً لم نَرَ مثله تفوح منه رائحة طيّبة، فالتفتنا إليه وإذا بفارس آخر على فرس أحمر عليه ثياب بيض، وعلى رأسه عمامة لها ذؤابتان، فنزل على ذلك المفرش ثم قام فصلّى بصاحبه، ثمّ جلس للتعقيب.
فالتفت اليّ وقال: يا محمود! فقلت: بصوت ضعيف لبيك يا سيدي، قال: ادنُ منّي، فقلت: لا استطيع(٢٦٣) لما بي من العطش والتعب، قال: لا بأس عليك.
فلمّا قالها حسبت كأن قد حدث في نفسي روح متجدّدة، فسعيت إليه حبواً فمرّ(٢٦٤) يده على وجهي وصدري ورفعها الى حنكي فردّه حتّى لصق بالحنك الأعلى ودخل لساني في فمي، وذهب ما بي، وعدت كما كنت أوّلا.
فقال: قم وائتني بحنظلة من هذا الحنظل، وكان في الوادي حنظل كثير فأتيته بحنظلة كبيرة فقسّمها نصفين، وناولنيها، وقال: كل منها، فأخذتها منه، ولم أقدم على مخالفته وعندي أمرني أن آكل الصّبر لما أعهد من مرارة الحنظل فلمّا ذقتها فاذا هي أحلى من العسل، وأبرد من الثلج، وأطيب ريحاً من المسك شبعت ورويت.
ثم قال لي: ادعُ صاحبك، فدعوته، فقال بلسان مكسور ضعيف: لا أقدر على الحركة، فقال له: قم لا بأس عليك، فأقبل اليه حبواً، وفعل معه كما فعل معي، ثمّ نهض ليركب، فقلنا بالله عليك يا سيّدنا الّا ما أتممت علينا نعمتك، وأوصلتنا إلى أهلنا، فقال: لا تعجلوا وخطّ حولنا برمحه خطّة، وذهب هو وصاحبه، فقلت لصاحبي: قم بنا حتى نقف بازاء الجبل ونقع على الطريق، فقمنا وسرنا وإذا بحائط في وجوهنا فأخذنا في غير تلك الجهة فاذا بحائط آخر، وهكذا من أربع جوانبنا.
فجلسنا وجعلنا نبكي على أنفسنا، ثمّ قلت لصاحبي: ائتنا من هذا الحنظل لنأكله، فأتى به فاذا هو أمرّ من كلّ شيء، وأقبح، فرمينا به، ثمّ لبثنا هنيئة وإذا قد استدار من الوحش ما لا يعلم الّا الله عدده، وكلّما أرادوا القرب منّا منعهم ذلك الحائط، فاذا ذهبوا زال الحائط، وإذا عادوا عاد.
قال: فبتنا تلك الليلة آمنين حتى أصبحنا، وطلعت الشمس واشتدّ الحرّ وأخذنا العطش فجزعنا أشدّ الجزع، وإذا بالفارسين قد أقبلا وفعلا كما فعلا بالأمس، فلمّا أرادا مفارقتنا قلنا له: بالله عليك الّا أوصلتنا إلى أهلنا، فقال: أبشرا فسيأتيكما من يوصلكما إلى أهليكما ثمّ غابا.
فلمّا كان آخر النهار إذا برجل من فراسنا، ومعه ثلاث أحمرة، قد أقبل ليحتطب فلمّا رآنا ارتاع منّا وانهزم، وترك حميره فصحنا إليه باسمه، وتسمّينا له فرجع وقال: يا ويلكما انّ أهاليكما قد أقاموا عزاءكما، قوما لا حاجة لي في الحطب، فقمنا وركبنا تلك الأحمرة، فلمّا قربنا من البلد، دخل أمامنا، وأخبر أهلنا ففرحوا فرحاً شديداً وأكرموه وأخلعوا عليه.
فلمّا دخلنا إلى أهلنا سألوا عن حالنا، فحكينا لهم بما شاهدناه، فكذّبونا وقالوا: هو تخييل لكم من العطش.
قال محمود: ثمّ أنساني الدهر حتى كأن لم يكن، ولم يبقَ على خاطري شيء منه حتّى بلغت عشرين سنة، وتزوّجت وصرت أخرج في المكاراة ولم يكن في أهلي أشدّ منّي نصباً لأهل الايمان، سيّما زوّار الأئمة عليهم السلام بسرّ من رأى فكنت أكريهم الدّوابّ بالقصد لأذيّتهم بكلّ ما أقدر عليه من السرقة وغيرها وأعتقد انّ ذلك ممّا يقرّبني إلى الله تعالى.
فاتّفق انّي كريت دوابّي مرّة لقوم من أهل الحلّة، وكانوا قادمين إلى الزيارة منهم ابن السهيلي، وابن عرفة، وابن حارب، وابن الزهدري، وغيرهم من أهل الصلاح، ومضيت إلى بغداد وهم يعرفون ما أنا عليه من العناد، فلمّا خلوا بي من الطريق وقد امتلأوا عليّ غيظاً وحنقاً لم يتركوا شيئاً من القبيح الّا فعلوه بي وأنا ساكت لا أقدر عليهم لكثرتهم، فلمّا دخلنا بغداد ذهبوا الى الجانب الغربي فنزلوا هناك، وقد امتلأ فؤادي حنقاً.
فلمّا جاء أصحابي قمت اليهم، ولطمت على وجهي وبكيت، فقالوا: ما لك؟ وما دهاك؟ فحكيت لهم ما جرى عليّ من اولئك القوم، فأخذوا في سبّهم ولعنهم، وقالوا: طب نفساً فانّا نجتمع معهم في الطريق إذا خرجوا، ونصنع بهم أعظم ممّا صنعوا.
فلمّا جنّ الليل، أدركتني السعادة، فقلت في نفسي: انّ هؤلاء الرفضة لا يرجعون عن دينهم، بل غيرهم إذا زهد يرجع اليهم، فما ذلك الّا لأنّ الحق معهم، فبقيت مفكّراً في ذلك، وسألت ربي بنبيّه محمد صلى الله عليه وآله وسلّم أن يريني في ليلتي علامة استدلّ بها على الحق الذي فرضه الله تعالى على عباده.
فأخذني النوم فاذا أنا بالجنة قد زخرفت، فاذا فيها أشجار عظيمة مختلفة الألوان والثمار ليست مثل اشجار الدنيا، لأنّ أغصانها مدلاة، وعروقها إلى فوق، ورأيت أربعة أنهار: من خمر، ولبن، وعسل، وماء، وهي تجري وليس لها جرف، بحيث لو أرادت النملة أن تشرب منها لشربت، ورأيت نساء حسنة الأشكال، ورأيت قوماً يأكلون من تلك الثمار، ويشربون من تلك الأنهار، وأنا لا أقدر على ذلك، فكلّما أردت أن أتناول من الثمار، تصعّد إلى فوق، وكلّما هممت أن أشرب من تلك الأنهار، تغوّر إلى تحت فقلت للقوم: ما بالكم تأكلون وتشربون؟ وأنا لا أطيق ذلك؟ فقالوا: انّك لا تأتي الينا بعد.
فبينا أنا كذلك وإذا بفوج عظيم، فقلت: ما الخبر؟ فقالوا: سيّدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام قد أقبلت، فنظرت فاذا بأفواج من الملائكة على أحسن هيئة، ينزلون من الهواء إلى الأرض وهم حافّون بها، فلمّا دنت وإذا بالفارس الذي قد خلّصنا من العطش باطعامه لنا الحنظل قائماً بين يدي فاطمة عليها السلام فلمّا رأيته عرفته، وذكرت تلك الحكاية، وسمعت القوم يقولون: هذا م ح م د بن الحسن القائم المنتظر، فقام الناس وسلّموا على فاطمة عليها السلام.
فقمت أنا وقلت: السلام عليك يا بنت رسول الله، فقالت: وعليك السلام يا محمود! أنت الذي خلّصك ولدي هذا من العطش؟ فقلت: نعم يا سيدتي! فقالت: إن دخلت مع شيعتنا أفلحت، فقلت: أنا داخل في دينك ودين شيعتك، مقرّ بامامة من مضى من بنيك، ومن بقي منهم، فقالت: أبشر فقد فزت.
قال محمود: فانتبهت وأنا أبكي، وقد ذهل عقلي مما رأيت فانزعج أصحابي لبكائي، وظنّوا انّه ممّا حكيت لهم، فقالوا طب نفساً فو الله لننتقمنّ من الرفضة، فسكتّ عنهم حتّى سكتوا، وسمعت المؤذّن يعلن بالأذان، فقمت إلى الجانب الغربيّ ودخلت منزل اُولئك الزوّار، فسلّمت عليهم، فقالوا: لا أهلا ولا سهلا أخرج عنّا لا بارك الله فيك، فقلت: انّي قد عدت معكم، ودخلت عليكم لتعلّموني معالم ديني، فبهتوا من كلامي، وقال بعضهم: كذب، وقال آخرون: جاز أن يصدق.
فسألوني عن سبب ذلك، فحكيت لهم ما رأيت، فقالوا: إن صدقت فانّا ذاهبون إلى مشهد الامام موسى بن جعفر عليهما السلام، فامضِ معنا حتّى نشيّعك هناك، فقلت: سمعاً وطاعة، وجعلت أقبّل أيديهم وأقدامهم، وحملت إخراجهم وأنا أدعو لهم حتّى وصلنا إلى الحضرة الشريفة، فاستقبلنا الخدّام، ومعهم رجل علويّ كان أكبرهم، فسلّموا على الزوّار فقالوا له: افتح لنا الباب حتّى نزور سيّدنا ومولانا، فقال: حبّاً وكرامة، ولكن معكم شخص يريد أن يتشيّع، ورأيته في منامي واقفاً بين يدي سيّدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليها، فقالت لي: يأتيك غداً رجل يريد أن يتشيّع فافتح له الباب قبل كلّ أحد، ولو رأيته الآن لعرفته.
فنظر القوم بعضهم إلى بعض متعجّبين، فقالوا: فشرع ينظر إلى واحد واحد فقال: الله اكبر هذا والله هو الرجل الذي رأيته ثمّ أخذ بيدي فقال القوم: صدقت يا سيّد وبررت، وصدق هذا الرجل بما حكاه، واستبشروا بأجمعهم وحمدوا الله تعالى، ثمّ انّه أدخلني الحضرة الشريفة، وشيّعني وتولّيت وتبرّيت.
فلمّا تمّ أمري قال العلويّ: وسيدتك فاطمة تقول لك: سيلحقك بعض حطام الدنيا فلا تحفل به، وسيخلفه الله عليك، وستحصل في مضايق فاستغث بنا تنجُ، فقلت: السمع والطاعة، وكان لي فرس قيمتها مائتا دينار فماتت وخلّف الله عليّ مثلها وأضعافها، وأصابني مضايق فندبتهم ونجوت وفرّج الله عنّي بهم، وأنا اليوم أوالي من والاهم، وأعادي من عاداهم، وأرجو بهم حسن العاقبة.
ثمّ انّي سعيت إلى رجل من الشيعة فزوّجني هذه المرأة، وتركت أهلي فما قبلت أتزوّج منهم، وهذا ما حكى لي في تاريخ شهر رجب سنة ثمان وثمانين وسبعمائة هجريّة، والحمد لله ربّ العالمين والصلاة على محمد وآله(٢٦٥).
يقول المؤلف:
السيد علي بن عبد الحميد من أعاظم العلماء، ومن تلاميذ فخر المحققين ابن العلامة، واستاذ ابن فهد الحلي، وقد مدحه العلماء في كتب الرجال والاجازات، وعبد الحميد جدّه وله تصانيف كثيرة رائقة.
وابن الزهدري في هذه القصة هو الشيخ جمال الدين صاحب الحكاية الأربع والأربعين الآتية، وهو ابن الشيخ نجم الدين جعفر بن الزهدري.
والشيخ نجم الدين الزهدري عالم فاضل معروف ومعاصر فخر المحققين، وشارح ترددات كتاب الشرائع للمحقق الذي ينقل عنه في الكتب الفقهية.
يقول صاحب رياض العلماء: ابن الزهدري: بعض ضبطه بزائين معجمة، بكسر الزاي الاولى وفتح الدال وهو الأشهر.
وبعض: بالزاي المعجمة في الأولى والزاي غير المنقوطة في الثانية، ويظهر من ذلك الكتاب انّه كان من العلماء ايضاً.
ولا يخفى انّه بملاحظة مجموع هذه الحكاية يظهر انّ (محمود) من أهل العراق وكان عربياً، وكانت قصّته هناك وليس في بلاد فارس (العجم)، فلعلّ اصله كان من فارس، أو انّ المقصود من (فارس) هنا انها قرية من قرى العراق، أو يكون اسم قرية (فراسا) كما ذكر ذلك في موضع منها.
الحكاية الحادية عشرة:
قال السيد الجليل صاحب المقامات الباهرة والكرامات الظاهرة رضي الدين علي بن طاووس في رسالة المواسعة والمضايقة: يقول علي بن موسى بن جعفر بن طاووس: كنت قد توجّهت أنا وأخي الصالح محمد بن محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف الله سعادته، وشرّف خاتمته من الحلّة إلى مشهد مولانا أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، في يوم الثلاثاء سابع عشر شهر جُمادى الاُخرى سنة احدى وأربعين وستمائة، فاختار الله لنا المبيت بالقرية التي تسمّى دورة بن سنجار، وبات أصحابنا ودوابّنا في القرية، وتوجّهنا منها أوائل نهار يوم الأربعاء ثامن عشر الشهر المذكور.
فوصلنا إلى مشهد مولانا علي صلوات الله وسلامه عليه قبل ظهر يوم الأربعاء المذكور، فزرنا وجاء الليل في ليلة الخميس تاسع عشر جُمادى الاُخرى المذكورة، فوجدت من نفسي إقبالا على الله، وحضوراً وخيراً كثيراً فشاهدت ما يدلّ على القبول والعناية والرأفة وبلوغ المأمول والضيافة، فحدّثني أخي الصالح محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته انّه رأى في تلك الليلة في منامه كأنّ في يدي لقمة وأنا أقول له: هذه من فم مولانا المهدي عليه السلام وقد أعطيته بعضها.
فلمّا كان سحر تلك الليلة، كنت على ما تفضّل الله به من نافلة الليل فلمّا أصبحنا به من نهار الخميس المذكور، دخلت الحضرة حضرة مولانا علي صلوات الله عليه على عادتي، فورد عليّ من فضل الله وإقباله والمكاشفة ما كدت أسقط على الأرض، ورجفت أعضائي وأقدامي، وارتعدت رعدة هائلة، على عوائد فضله عندي وعنايته لي، وما أراني من برّه لي ورفدي، وأشرفت على الفناء ومفارقة دار الفناء والانتقال إلى دار البقاء، حتّى حضر الجمّال محمد بن كنيلة، وأنا في تلك الحال فسلّم عليّ فعجزت عن مشاهدته، وعن النظر إليه، وإلى غيره، وما تحقّقته بل سألت عنه بعد ذلك، فعرّفوني به تحقيقاً، وتجدّدت في تلك الزيارة مكاشفات جليلة، وبشارات جميلة.
وحدّثني أخي الصّالح محمد بن محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته، بعدّة بشارات رواها لي منها انّه رأى كأنّ شخصاً يقصّ عليه في المنام مناماً، ويقول له: قد رأيت كأنّ فلاناً - يعني عنّي - وكأنّني - كنت حاضراً لمّا كان المنام يقصّ عليه - راكب فرساً وأنت - يعني الأخ الصّالح الآوي - وفارسان آخران قد صعدتم جميعاً إلى السماء، قال: فقلت له: أنت تدري أحد الفارسين من هو؟ فقال صاحب المنام في حال النوم لا أدري، فقلت: أنت - يعني عنّي - ذلك مولانا المهدي صلوات الله وسلامه عليه.
وتوجّهنا من هناك لزيارة أوّل رجب بالحلّة، فوصلنا ليلة الجمعة، سابع عشر جُمادى الآخرة بحسب الاستخارة، فعرّفني حسن بن البقلي يوم الجمعة المذكورة انّ شخصاً فيه صلاح يقال له: عبد المحسن، من أهل السّواد(٢٦٦) قد حضر بالحلّة وذكر انّه قد لقيه مولانا المهدي صلوات الله عليه ظاهراً في اليقظة، وقد أرسله إلى عندي برسالة، فنفذت قاصداً وهو محفوظ بن قرا فحضرا ليلة السّبت ثامن عشر من جمادى الآخرة المقدّم ذكرها.
فخلوت بهذا الشيخ عبد المحسن، فعرفته هو رجل صالح، لا يشكّ النفس في حديثه، ومستغن عنّا، وسألته فذكر انّ أصله من حصن بشر وانّه انتقل إلى الدّولاب الذي بازاء المحولة المعروفة بالمجاهديّة، ويعرف الدّولاب بابن أبي الحسن، وانّه مقيم هناك، وليس له عمل بالدّولاب ولا زرع، ولكنّه تاجر في شراء غليلات وغيرها، وانّه كان قد ابتاع غلّة من ديوان السرائر وجاء ليقبضها، وبات عند المعبدية في المواضع المعروفة بالمحبر.
فلمّا كان وقت السحر كره استعمال ماء المعيديّة، فخرج فقصد النهر، والنهر في جهة المشرق، فما أحسّ بنفسه الّا وهو في تلّ السّلام في طريق مشهد الحسين عليه السلام في جهة المغرب، وكان ذلك ليلة الخميس تاسع عشر شهر جمادى الآخرة من سنة إحدى وأربعين وستمائة التي تقدّم شرح بعض ما تفضّل الله عليّ فيها وفي نهارها في خدمة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام.
فجلست(٢٦٧) اُريق ماءً وإذا فارس عندي ما سمعت له حسّاً ولا وجدت لفرسه حركة ولا صوتاً، وكان القمر طالعاً، ولكن كان الضباب كثيراً.
فسألته عن الفارس وفرسه، فقال: كان لون فرسه صدءاً(٢٦٨) وعليه ثياب بيض وهو متحنّك بعمامة ومتقلّد بسيف.
فقال الفارس لهذا الشيخ عبد المحسن: كيف وقت الناس؟ قال عبد المحسن: فظننت انّه يسأل عن ذلك الوقت، قال: فقلت الدّنيا عليه ضباب وغبرة، فقال: ما سألتك عن هذا، أنا سألتك عن حال الناس، قال: فقلت: النّاس طيّبين مرخّصين آمنين في أوطانهم وعلى أموالهم.
فقال: تمضي إلى ابن طاووس، وتقول له كذا وكذا، وذكر لي ما قال صلوات الله عليه ثمّ قال عنه عليه السلام: فالوقت قد دنا، فالوقت قد دنا، قال عبد المحسن فوقع في قلبي وعرفت نفسي انّه مولانا صاحب الزمان عليه السلام، فوقعت على وجهي وبقيت كذلك مغشيّاً عليّ إلى أن طلع الصّبح، قلت له: فمن أين عرفت انّه قصد ابن طاووس عنّي؟(٢٦٩)، قال: ما أعرف من بني طاووس الّا أنت، وما في قلبي الّا انّه قصد بالرسالة اليك، قلت: أيّ شيء فهمت بقوله عليه السلام: "فالوقت قد دنا، فالوقت قد دنا " هل قصد وفاتي قد دنا أم قد دنا وقت ظهوره صلوات الله وسلامه عليه؟ فقال: بل قد دنا وقت ظهوره صلوات الله عليه.
قال: فتوجّهت ذلك الوقت(٢٧٠) إلى مشهد الحسين عليه السلام وعزمت انّني ألزم بيتي مدّة حياتي أعبد الله تعالى، وندمت كيف ما سألته صلوات الله عليه عن أشياء كنت أشتهي أسأله فيها.
قلت له: هل عرّفت بذلك أحداً؟ قال: نعم، عرّفت بعض من كان عرف بخروجي من المعيديّة، وتوهّموا انّي قد ضللت وهلكت بتأخيري عنهم، واشتغالي بالغشية التي وجدتها، ولأنهم كانوا يروني طول ذلك النهار يوم الخميس في أثر الغشية التي لقيتها من خوفي منه عليه السلام فوصّيته أن لا يقول ذلك لأحد أبداً، وعرضت عليه شيئاً، فقال: أنا مستغن عن الناس وبخير كثير.
فقمت أنا وهو فلمّا قام عنّي نفذت له غطاءً وبات عندنا في المجلس على باب الدار التي هي مسكني الآن بالحلّة، فقمت وكنت أنا وهو في الروشن(٢٧١) في خلوة، فنزلت لأنام فسألت الله زيادة كشف في المنام في تلك الليلة أراه أنا.
فرأيت كأنّ مولانا الصادق عليه السلام قد جاءني بهديّة عظيمة، وهي عندي وكأنّني ما أعرف قدرها، فاستيقظت وحمدت الله، وصعدت الروشن لصلاة نافلة الليل، وهي ليلة السبت ثامن عشر جمادى الآخرة فأصعد فتح(٢٧٢) الابريق إلى عندي فمددت يدي فلزمت عروته لأفرغ على كفّي فأمسك ماسك فم الابريق وأداره عنّي ومنعني من استعمال الماء في طهارة الصلاة، فقلت: لعلّ الماء نجس فأراد الله أن يصونني عنه فانّ لله عزّ وجلّ عليّ عوائد كثيرة أحدها مثل هذا وأعرفها.
فناديت إلى فتح، وقلت: من أين ملأت الابريق؟ فقال: من المصبّة، فقلت: هذا لعلّه نجس فاقلبه وطهره(٢٧٣) واملأه من الشط فمضى وقلّبه وأنا أسمع صوت الابريق وشطفه وملأه من الشط، وجاء به فلزمت عروته وشرعت اُقلب منه على كفّي فأمسك ماسك فم الابريق وأداره عنّي ومنعني منه.
فعدت وصبرت، ودعوت بدعوات، وعاودت الابريق وجرى مثل ذلك، فعرفت انّ هذا منع لي من صلاة الليل تلك الليلة، وقلت في خاطري لعلّ الله يريد أن يجري عليّ حكماً وابتلاءاً غداً ولا يريد أن أدعو الليلة في السلامة من ذلك، وجلست لا يخطر بقلبي غير ذلك.
فنمت وأنا جالس، وإذا برجل يقول لي - يعني عبد المحسن الذي جاء بالرسالة -: كان ينبغي أن تمشي بين يديه، فاستيقظت ووقع في خاطري انّني قد قصرت في احترامه واكرامه، فتبت إلى الله جلّ جلاله، واعتمدت ما يعتمد التائب من مثل ذلك، وشرعت في الطهارة فلم يمسك أبداً [فم] الابريق وتركت على عادتي فتطهّرت وصلّيت ركعتين فطلع الفجر فقضيت نافلة الليل، وفهمت انّني ما قمت بحقّ هذه الرسالة.
فنزلت إلى الشيخ عبد المحسن، وتلقّيته وأكرمته، وأخذت له من خاصّتي ستّانير(٢٧٤)، ومن غير خاصّتي خمسة عشر ديناراً مما كنت أحكم فيه كمالي وخلوت به في الرّوشن، وعرضت ذلك عليه، واعتذرت إليه، فامتنع من قبول شيء أصلا، وقال: انّ معي نحو مائة دينار وما آخذ شيئاً، أعطه لمن هو فقير، وامتنع غاية الامتناع.
فقلت: انّ رسول مثله عليه الصلاة والسلام، يعطي لأجل الاكرام لمن أرسله لا لأجل فقره وغناه، فامتنع، فقلت له " مبارك " أمّا الخمسة عشر، فهي من غير خاصّتي، فلا اُكرهك على قبولها، وأمّا هذه الستّة دنانير فهي من خاصّتي فلابدّ أن تقبلها منّي فكاد أن يؤيسني من قبولها، فألزمته فأخذها، وعاد تركها، فألزمته فأخذها، وتغدّيت أنا وهو، ومشيت بين يديه كما اُمرت في المنام إلى ظاهر الدار وأوصيته بالكتمان، والحمد لله وصلّى الله على سيّد المرسلين محمد وآله الطاهرين.
ومن عجيب زيادة بيان هذا الحال: انّي توجهت في ذلك الأسبوع يوم الاثنين الثالث من جمادى الآخرة سنة احدى وأربعين وستمائة إلى مشهد الحسين عليه السلام لزيارة اول رجب، أنا وأخي الصالح محمد بن محمد بن محمد ضاعف الله سعادته.
فحضر عندي سحر ليلة الثالث اول رجب المبارك سنة احدى واربعين وستمائة المقرئ محمد بن سويد في بغداد، وذكر ابتداءاً من نفسه انّه رأى ليلة السبت ثامن عشر من جمادى الآخرة المتقدّم ذكرها كأنني في داري وقد جائني رسول اليك، وقالوا هو من عند الصاحب.
قال محمد بن سويد: فظنّ بعض الجماعة انّه من عند استاد الدار قد جاء اليك برسالة.
قال محمد بن سويد: وأنا عرفت انّه من عند صاحب الزمان عليه السلام.
قال: فغسل محمد بن سويد يديه وطهّرهما، وقام إلى رسول مولانا المهدي عليه السلام، فوجده قد أحضر معه كتاباً من مولانا المهدي صلوات الله عليه إلى عندي، وعلى الكتاب المذكور ثلاثة ختوم.
قال المقرئ محمد بن سويد: فتسلمت الكتاب من رسول مولانا المهدي عليه السلام بيدي المشطوفة، قال: وسلّمه اليك.
يعني عنّي.
قال: وكان أخي الصالح محمد بن محمد الآوي ضاعف الله سعادته حاضراً فقال: ما هذا؟
فقلت: هو يقول لك(٢٧٥).
قال علي بن موسى بن طاووس: فتعجّبت من ان هذا محمد بن سويد قد رأى المنام في الليلة التي حضر عندي فيها الرسول المذكور، وما كان عنده خبر من هذه الأمور والحمد لله(٢٧٦).
يقول المؤلف:
السيد رضي الدين محمد بن محمد الآوي المذكور اختاره السيد علي بن طاووس اخاً له، وهو ممن تشرف برؤيته عليه السلام وروى عنه أحد أنواع الاستخارة كما نقل ذلك العلامة وغيره كما يأتي.
وآوي نسبة إلى بلدة آوة، التي يقال لها آبة، بينها وبين ساوة خمسة أميال.
ومسك الابريق ومنع السيد من صلاة الليل الذي ورد في الحكاية لصدقه ما جاء في الأخبار المعتبرة انّ عقوبة بعض الذنوب الحرمان من مجموعة من العبادات وبالخصوص صلاة الليل.
وروى الكليني والصدوق عن الامام الصادق عليه السلام: انّ الرجل ليكذب الكذبة فيحرم بها صلاة الليل، فاذا حرم صلاة الليل حرم بها الرزق(٢٧٧).
والمقصود من الرزق هو الرزق الحلال، إذا كان المقصود هو وسائل الحياة الجسمانية من المأكول والمشروب وغيرهما؛ وامّا اذا لم تكن هي المقصودة فالمقصود العلوم والمعارف والهدايات الخاصة التي يكون قوام حياة الروح بها.
وروى الأجلاّن: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فقال: يا أمير المؤمنين انّي قد حرمت الصلاة بالليل.
فقال أمير المؤمنين عليه السلام: "أنت رجل قيدتك ذنوبك"(٢٧٨).
وروي في عدّة الداعي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "انّ العبد ليذنب الذنب فينسى به العلم الذي كان قد علمه..."(٢٧٩).
وروي في كتاب الجعفريّات عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: "لا أحسب أحدكم ينسى شيئاً من أمر دينه الّا بخطيئة اخطأها"(٢٨٠).
وروي في العدّة:
"اوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام): انّ أهون ما أنا صانع بعبد غير عامل بعلمه من سبعين عقوبة باطنية ان أخرج من قلبه حلاوة ذكري"(٢٨١).
وروي في (معاني الأخبار) عن الامام السجاد عليه السلام في خبر طويل بتقسيم الذنوب، وقال هناك: "والذنوب التي تدفع القسم(٢٨٢): اظهار الافتقار، والنوم عن العتمة، وعن صلاة الغداة، واستحقار النّعم، وشكوى المعبود عزّ وجلّ... الخ"(٢٨٣).
وان ما فهمه السيد من عمله الذي كان سبباً لحرمانه من صلاة الليل التي هي من الأرزاق الالهية النفيسة، هو من هذا النوع من الذنوب، فقد جاء في الأخبار المعتبرة انّ السائل على باب الدار رسول ربّ العالم، فلابدّ من احترامه واكرامه، وقد جاءت في الشرع آداب للتصرّف معه، سجلنا منها أربعين في كتاب (الكلمة الطيّبة).
فمع كل ما جاء من الذم والنهي والتهديد من أجل احترام السائل وسؤاله، فبالطبع، لابدّ من مراعاة أضعاف ذلك الاكرام والاعتزاز لرسوله الخاص عليه السلام الذي هو بالحقيقة رسول من قبل الرب؛ والمقصر في ذلك يستحق الحرمان من حصول نعمة الصلاة التي هي معراج المؤمن، وبالخصوص صلاة الليل التي مقدار ثوابها خارج عن حدّ الإحصاء.
وروى الشيخ الطبرسي في كتاب (عدّة السفر وعمدة الحضر) ركعتي صلاة للشكر على نحو مخصوص تصلّى بعد كل فريضة يقرأ في الركعة الأولى سورة الحمد وقل هو الله مرّة واحدة، وفي الثانية الحمد وسورة قل يا أيها الكافرون مرّة واحدة.
ويقول في الركوع وسجدتي الركعة الأولى: "الحمد لله شكراً شكراً لله وحمداً".
ويقول في الركوع وسجدتي الركعة الثانية: "الحمد لله الذي قضى لي حاجتي، واستجاب لي دعائي، واعطاني مسألتي".
وليعلم أنّ الحرمان من النعمة المذكورة أو أي نعمة بسبب تقصير أو ذنب يكون احياناً عقوبة وخزياً وخذلاناً.
وليعلم أنّ ذلك الحرمان يكون سبباً للتذكّر وندامة صاحبه مثل أغلب الخلائق الذين هم محرومون من أكثر هذا القسم من النعم الجليلة لأعمالهم السيئة أو انّهم لم ينتبهوا إلى ما فعلوا والى ما ضاع من أيديهم حتى ذلك اليوم الذي ينكشف لهم فيتحسّروا فلا يمكنهم أن يتداركوه.
وأحياناً يكون(٢٨٤) من اللطف والعناية والتنبيه بأنّه مرتكبٌ ذنباً فينتبه إلى قبح الفعل وسوء عاقبته فيتلافاه، ويفعل هذا مع أولئك الذين كان قصدهم من البداية عدم تجاوز الحدود الالهية، ويلاحظون رضا الله تبارك وتعالى في جميع حركاتهم وسكناتهم وأقوالهم وأعمالهم وتصرّفاتهم.
فاذا بدر احياناً ذنب منهم، ولبعض المصالح التي ليس هنا محلّ ذكرها، فانّهم يجازون به وبسرعة وينبهون ليرفعوا ايديهم عنه، وبعد ذلك يكون حالهم أحسن من حالهم السابق.
وما يظهر فيهم من الانكسار والحياء والخجل يرفع عملهم، كما يظهر ذلك في خبر نزاع جبرئيل وميكائيل، ولا يسع المقام اكثر من هذا.
ولا يخفى ان بني طاووس المعروفين بين العلماء، هم جماعة من أفاضل آل طاووس اشهرهم السيد الجليل رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد صاحب المقدّمات المعروفة والكتب الشائعة بين الشيعة ومن يقال له (ابن طاووس) في كتب الأدعية والزيارات والفضائل فهو المقصود به.
الثاني: اخوه العالم النبيل احمد الذي كان وحيد عصره بالفقه والرجال.
وهو المقصود بابن طاووس في الكتب الفقهية والرجالية.
الثالث: ابنه غياث الدين عبد الكريم بن احمد بن طاووس صاحب كتاب فرحة الغري وهو من أجلّة العلماء، وكان وحيد الدهر بالحفظ وجودة الفهم.
الرابع: ابن السيد عبد الكريم، رضي الدين ابو القاسم علي بن عبد الكريم.
الخامس: السيد رضي الدين علي بن طاووس صاحب كتاب زوائد الفوائد، وهو شريك أبيه الماجد في الاسم، والكنية.
وأحياناً يطلق ابن طاووس أيضاً على أخيه السيد جلال الدين بن محمد، وقد صنّف أبوه الماجد له كتاب (كشف المحجة)، ومذكور في حكاية مجيء (هولاكو) إلى بغداد انّه ذهب السيد مجد الدين بن طاووس مع سديد الدين والد العلامة وجماعة آخرون من العلماء واخذوا الأمان للحلّة.
ونقل في رياض العلماء عن تاريخ المولى فخر الدين التباكني انّ السيد مجد الدين محمد بن الحسن بن طاووس الحلّي وسديد الدين يوسف بن المطهر بعثا كتاباً إلى هولاكو وأظهرا الطاعة وقالا: انّا وجدنا في اخبار علي عليه السلام انّك تتسلّط على هذه البلاد.
وذكرا الخبر المروي عن علي عليه السلام في خروج هولاكو وغلبته على بغداد. فأكرمهما وأعطى الأمان للحلّة(٢٨٥).
وقال الفاضل المؤرخ المعاصر في ناسخ التواريخ في ذكر بني طاووس: انّ أحد بني طاووس في العراق هو السيد مجد الدين صاحب كتاب البشارة وفيه أخبار وآثار ما يكون، وذكر غلبة المغول على تلك البلاد وانقراض دولة بني العباس... الخ ولكن الشيخ حسن بن سليمان الحلي تلميذ الشهيد الأول في كتاب منتخب البصائر نسب كتاب البشارة إلى السيد علي بن طاووس والله العالم.
الحكاية الثانية عشرة:
وقال أيضاً السيد الجليل ابن طاووس في الكتاب المذكور:
"وسمعت ممّن لا اسمّيه مواصلة بينه وبين مولانا عليه السلام لو تهيّأ ذكرها كانت عدّة كراريس دالّة على وجوده وحياته ومعجزاته صلوات الله عليه"(٢٨٦).
الحكاية الثالثة عشرة:
قال السيد المعظم المتقدّم ذكره طاب ثراه في كتاب (فرج المهموم في معرفة نهج الحلال والحرام من النجوم):
"إنّي أدركت في زماني جماعة ذكروا انّهم شاهدوا المهدي صلوات الله عليه وبينهم مَنْ كان يحمل رقعاً وعرايض قد عرضت عليه عليه السلام ومنها ما علمت صدقه وهو انّه أخبرني من لم يأذن بتسميته، ثم ذكر انّه سأل الله تعالى أن يتفضّل عليه بمشاهدة المهدي سلام الله عليه، فرأى في المنام انّه سوف يراه في وقت أشار إليه.
قال: فعندما جاء ذلك الوقت كان هو في المشهد المطهر لمولانا موسى بن جعفر عليهما السلام فسمع صوتاً عرفه قبل ذلك الوقت وهو كان مشغولا بزيارة مولانا الامام الجواد عليه السلام، فحبس السائل المذكور نفسه من مزاحمته عليه السلام، ودخل الحرم المنوّر ووقف عند رجلي الضريح المقدّس لمولانا الامام الكاظم عليه السلام ثمّ خرج الذي كان يعتقد انّه المهدي عليه السلام وكان معه صاحب، وقد شاهد هذا الشخص الامامَ عليه السلام، ولم يكلّمه لوجوب التأدّب في حضوره المقدّس عليه السلام(٢٨٧).
الحكاية الرابعة عشر:
وقال السيد عظيم الشأن في ذلك الكتاب، ومن جملتها الخبر الذي حدّثنا به الرشيد ابو العباس بن ميمون الواسطي عند سفرنا إلى سامراء قال: عندما توجه الشيخ (يعني جدّي ورام بن أبي فراس قدّس الله روحه) من الحلة للألم والملل الذي ظهر من المغازي، وأقام في المشهد المقدّس في مقابر قريش شهرين الّا سبعة أيام.
قال: فتوجّهت من بلد واسط إلى سرّ مَنْ رأى، وصار الهواء بارداً بشدّة فاجتمعت بالشيخ ورام في المشهد الكاظمي وبيّنت له عزمي على الزيارة.
فقال: أريد أن أبعث معك رقعة تشدّها بأزرار ملابسك أو تحت ملابسك.
فربطتها بملابسي. ثم قال: إذا وصلت إلى القبّة الشريفة (يعني قبّة السرداب المقدّس) ودخلت هناك في أول الليل ولا يبقى أحد عندك، وكنت آخر من بقي وأردت الخروج فضع الرقعة في القبة، فاذا صار الصبح فاذهب إلى هناك فاذا لم تَرَ الرقعة هناك فلا تقل لأحد شيئاً.
قال: فعملت ما قاله لي. فذهب في الصباح ولم أجد الرقعة ورجعت إلى أهلي.
وقد رجع الشيخ قبلي من نفسه إلى أهله، يعني رجع إلى الحلّة.
فجئت بعد موسم الزيارة والتقيت بالشيخ في منزله بالحلّة.
فقال لي: انقضت تلك الحاجة.
قال أبو العباس: لم أتحدّث لأحد قبلك بهذا الحديث ومن حين وفاة الشيخ إلى الآن ما يقارب الثلاثين سنة(٢٨٨).
يقول المؤلف:
الشيخ ورام المتقدّم ذكره من الزهاد العلماء وأعيان الفقهاء ومن أولاد مالك الأشتر وهو مؤلف كتاب (تنبيه الخاطر) المعروف بمجموعة ورام وهو جدّ ابن طاووس من أمّه واُمّها بنت الشيخ الطوسي.
وأم هذه البنت والبنت الأخرى للشيخ هي أم ابن ادريس وبنت السعيد ورام، والثلاثة من الفضلاء واصحاب الاجازة.
وقد اشتبه جماعة بـ "ورام" آخر.
وفي كثير من الكتب المؤلفة في هذا الباب اشتباهات عجيبة في ترجمة ابن طاووس وابن ادريس ليس هنا مقام ذكرها؛ حتى انّه عدّ بعض هذين العالمين ولدي الخالة، وهذه من الأخطاء الفاحشة وغير خفيّة على من له معرفة في الجملة بطبقات العلماء.
الحكاية الخامسة عشرة:
السيد الشهيد القاضي نور الله الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة آية الله العلامة الحلّي قدّس سرّه انّ من جملة مقاماته العالية انّه اشتهر عند أهل الايمان انّ بعض علماء أهل السنّة ممّن تتلمذ عليه العلامة في بعض الفنون ألّف كتاباً في ردّ الامامية، ويقرأ للناس في مجالسه ويضلّهم، وكان لا يعطيه أحداً خوفاً من أن يردّه أحد من الاماميّة، فاحتال رحمه الله في تحصيل هذا الكتاب إلى أن جعل تتلمذه عليه وسيلة لأخذه الكتاب منه عارية، فالتجأ الرجل واستحيى من ردّه وقال: انّي آليت على نفسي أن لا اُعطيه أحداً أزيد من ليلة، فاغتنم الفرصة في هذا المقدار من الزمان، فأخذه منه وأتى به إلى بيته لينقل منه ما تيسّر منه.
فلمّا اشتغل بكتابته وانتصف الليل، غلبه النوم، فحضر الحجة عليه السلام وقال: ولّني الكتاب وخذ في نومك فانتبه العلامة وقد تمّ الكتاب باعجازه عليه السلام(٢٨٩).
يقول المؤلف:
وجدت هذه الحكاية في كشكول الفاضل الألمعي علي بن ابراهيم المازندراني المعاصر للعلامة المجلسي رحمه الله بنحو آخر وهو كما نقله: أنه طلب من بعض الأفاضل نسخة فأبى من اعطائه، وكان كتاباً كبيراً، إلى أن اتّفق على اعطائه بشرط أن يبقى عنده ليلة واحدة، ولا يمكن استنساخ ذلك الكتاب الّا بسنة أو أكثر، فأخذه العلامة إلى داره فابتدأ بكتابته في تلك الليلة فبعد كتابته عدّة صفحات وتضجره رأى رجلا دخل من الباب بصفة أهل الحجاز وسلّم وجلس، ثم قال ذلك الرجل: يا شيخ أنت تسطر لي هذه الأوراق وأنا اكتب، فكان الشيخ يسطر له وهو يكتب ومن سرعة الكتابة لا يلحق به بالتسطير، وعندما كان نداء ديك الصبح تمّ ذلك الكتاب بالكامل.
وقال بعضهم: فعندما تعب الشيخ نام فلمّا استيقظ رأى الكتاب قد كتب، والله أعلم.
الحكاية السادسة عشرة:
وقال أيضاً السيد الأجل علي بن طاووس في كتاب فرج المهموم: ومن جملتها اذكر خبراً علمته ممن تحققت صدقه لي في ذلك فسألت مولاي المهدي (عليه السلام) ان يخبرني أَبقي فيما كنت فيه ممن تشرف بصحبته وخدمته في زمان الغيبة مقتدياً بمن يخدمه (عليه السلام) من مواليه وخواصّه؟ ولم أطلع على مقصودي هذا أحداً من العباد.
فحضر عندي ابن الرشيد بن العباس الواسطي الذي ذكر سابقاً في يوم الخميس التاسع والعشرين من رجب المرجب سنة خمس وثلاثين وستمائة وقال مبتدئاً من نفسه: يقولون لك ليس عندنا قصد الّا الرحمة معك، فاذا توطن نفسك على الصبر يحصل مقصودك.
فقلت له من هو الطرف الذي تقول عنه هذا الكلام؟
فقال عن طرف مولانا المهدي (صلوات الله عليه)(٢٩٠).
الحكاية السابعة عشرة:
وأيضاً يقول السيد عظيم الشأن المقدّم ذكره في ذلك الكتاب: ومن جملتها مما علمت انّها ممن تحقق عندي صدق حديثه انّه قال: كتبت إلى مولاي المهدي (صلوات الله عليه) كتاباً تضمن عدّة أمور مهمة وسألته أن يجيبني عنها بقلمه الشريف، وأخذت الكتاب بنفسي إلى السرداب الشريف في سرّ من رأى، ووضعت الكتاب في السرداب، ثمّ خفت عليه فأخذته، وكان في ليلة الجمعة، وبقيت وحدي في أحد حجرات الصحن المقدّس، فعندما انتصف الليل دخل خادم مسرعاً فقال اعطني الكتاب أو قال يقول، وهذا الشك من الراوي؛ فجلست للطهارة للصلاة وأطلت ثم خرجت فلم أرَ الخادم ولا المخدوم(٢٩١).
الحكاية الثامنة عشرة:
وقال أيضاً السيد الجليل القدر المتقدّم ذكره قدّس الله روحه في كتاب مهج الدعوات: "وكنت أنا بسرّ من رأى فسمعت سحراً دعاءَه (عليه السلام) فحفظت منه (عليه السلام) من الدعاء لمن ذكره من الأحياء والأموات (وابقهم) أو قال: (وأحيهم في عزنا وملكنا وسلطاننا ودولتنا) وكان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان وثلاثين وستمائة(٢٩٢).
الحكاية التاسعة عشرة:
وذكر في ملحقات كتاب أنيس العابدين انّه نقل عن ابن طاووس رحمه الله انّه سمع سحراً في السرداب عن صاحب الأمر (عليه السلام) انّه يقول: "اللهم انّ شيعتنا خلقت من شعاع انوارنا وبقية طينتنا، وقد فعلوا ذنوباً كثيرة اتّكالا على حبّنا وولايتنا، فإنْ كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد رضينا، وما كان منها فيما بينهم فأصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا، وأدخلهم الجنّة وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين اعدائهم في سخطك"(٢٩٣).
يقول المؤلف:
نقلت عبارة هذا الدعاء بنحو آخر في مؤلفات مجموعة من المتأخرين عن العلامة المجلسي والمعاصرين؛ وأشكلت في رسالة جنّة المأوى على صحة نسبة أصل هذه الواقعة وذلك لعدم وجودها في مصنّفات صاحب الواقعة والمتأخرين عنه وكتب العلامة المجلسي والمحدّثين المعاصرين له، بل احتملت هناك أن هذا الكلام مأخوذ من كلام الحافظ الشيخ رجب البرسي في مشارق الأنوار فانّه بعد أن نقل الحكايات السابقة عن المهج إلى أن يقول " ملكنا " يقول: "ومملكتنا " وان كان شيعتهم منهم واليهم وعنايتهم مصروفة اليهم فكأنّه عليه السلام يقول: "اللهم انّ شيعتنا منّا ومضافين الينا، وانّهم قد أساؤوا، وقد قصّروا، وأخطاؤوا رأونا صاحباً لهم رضاً منهم، وقد تقبّلنا عنهم بذنوبهم وتحمّلنا خطاياهم لأن معولهم علينا، ورجوعهم الينا، فصرنا لاختصاصهم بنا، واتّكالهم علينا كأنا أصحاب الذنوب إذ العبد مضاف إلى سيده، ومعول المماليك إلى مواليهم.
اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبّنا وطمعاً في ولايتنا وتعويلا على شفاعتنا ولا تفضحهم بالسيئات عند اعدائنا، وولّنا أمرهم في الآخرة كما ولينا أمرهم في الدنيا، وان أحبطت أعمالهم فثقّل موازينهم بولايتنا، وارفع درجاتهم بمحبّتنا " انتهى.
وهذه الكلمات من صاحب المشارق شرحاً لكلمات - بزعمه - الامام عليه السلام وهي تقارب العبارة المذكورة، وعصره قريب من عصر السيّد، وكما قد شاع عن السيد مثل هذه العبارات فكان هو أولى بنقلها لشدّة حرصه على هذا المطلب واطّلاعه على شواهده، ولو انّ هذه النسبة ليست ببعيد عن مقام السيد كما علم من الحكايات السابقة وتأتي بعض كلماته في الباب الثامن، والمناسب لكلّ أحد أن ينظر إليها بعين الحسرة.
الحكاية العشرون:
وروى أيضاً السيد المؤيد المذكور رحمه الله في كتاب جمال الأسبوع: "زيارة أمير المؤمنين عليه السلام برواية من شاهد صاحب الزمان عليه السلام وهو يزور بها في اليقظة لا في النوم يوم الأحد وهو يوم أمير المؤمنين عليه السلام: السلام على الشجرة النبوية والدوحة الهاشميّة المضيئة المثمرة بالنبوّة المونقة بالامامة، وعلى ضجيعيك آدم ونوح (عليهما السلام) السلام عليك وعلى أهل بيتك الطيّبين الطاهرين، السلام عليك وعلى الملائكة المحدقين بك والحافين بقبرك، يا مولاي يا أمير المؤمنين هذا يوم الأحد وهو يومك وباسمك وأنا ضيفك فيه وجارك فأضفني يا مولاي وأجرني فانّك كريم تحبّ الضيافة ومأمور بالاجارة فافعل ما رغبت اليك فيه ورجوته منك بمنزلتك وآل بيتك عند الله، ومنزلته عندكم، وبحقّ ابن عمّك رسول الله صلى الله عليه وعليكم أجمعين(٢٩٤).
يقول المؤلف:
إنّ نسبة ايام الأسبوع إلى الحجج الطاهرين صلوات الله عليهم جاءت مختلفة بحسب الأعمال والأوراد التي يتوسّل بها عندهم لتحصيل المنافع الداخلية والخارجية الدنيوية والأخروية ودفع البلايا السماوية والأرضية وشرور شياطين الانس والجن.
أمّا في الزيارة والتوسل بالسلام والثناء والمدح فعلى ما ذكره السيد ابن طاووس في كتاب جمال الأسبوع فانّ السبت منسوب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، والأحد إلى أمير المؤمنين عليه السلام، والاثنين إلى الامام الحسن وسيد الشهداء عليهما السلام، والثلاثاء إلى الامام السجاد والامام محمد الباقر والامام جعفر الصادق عليهم السلام، والاربعاء إلى الامام الكاظم والامام الرضا والامام محمد التقي والامام علي النقي عليهم السلام، والخميس إلى الامام الحسن العسكري عليه السلام، ويوم الجمعة منسوب إلى امام العصر صاحب الزمان صلوات الله عليه، وهو باسمه، وهو اليوم الذي يظهر فيه.
وذكر لكلّ يوم زيارة، وفي كلّ واحد منها اشارة إلى: وهذا اليوم يومك وأنا ضيفك فيه وجارك فأضفني وأجرني.
وهذا الترتيب يتطابق مع روايتين كلتيهما رويت عن الامام الهادي علي النقي عليه السلام، نقل احداهما الصدوق عن الصقر بن ابي دلف، والأخرى نقلها القطب الراوندي عن أبي سلمان بن أرومه (اردمة خ)، في الخبر الأول قال الصقر: قلت: يا سيدي حديث روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لا أعرف معناه.
فقال: وما هو؟
فقلت: قوله: "لا تعادوا الأيام فتعاديكم " ما معناه؟
فقال: نعم، الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض، فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وعلى هذا النسق ذكرهم إلى أن قال: "والجمعة ابن ابني تجتمع عصابة الحق... " " وهذا معنى الأيام فلا تعادوهم في الدّنيا فيعادوكم في الآخرة"(٢٩٥).
وفي الخبر الثاني قال في الجواب عن السؤال عن الحديث المتقدّم: نعم، انّ لحديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم تأويلا، أمّا السبت فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم إلى آخره(٢٩٦).
ويفهم من هذا الخبر ان لا منافاة بين الكناية بأسماء أيام الأسبوع عن تلك الأسماء المباركة.
فإنّ ظاهره أيضاً يقصد به التفاؤل عن سوء اليوم والتطيّر به والتشاؤم الذي يكون سبباً للأثر السيّئ، كما احتمله العلامة المجلسي.
وهو بعيد، لأنّهم أنفسهم ذمّوا كراراً بعض تلك الأيام، أو انهم عادوا اليوم الذي أسيء فيه أو عصي فيه، فيعاديهم بأن يشهد على ذلك العمل السيّئ يوم القيامة!
وفي دعاء الصباح الذي في الصحيفة الكاملة:
"وهذا يوم حادث جديد، وهو علينا شاهد عتيد، إنْ أحسنّا ودّعَنا بحمد وان أسأنا فارقَنَا بذم".
ولو ان لشارحي الصحيفة تأويلات بعيدة في هذه العبارة، لا يناسب ذكرها.
ولا يخفى انّه لم تُذكر في هذين الخبرين الصديقة الطاهرة عليها السلام، ولكن ابن طاووس ذكر بعد زيارة أمير المؤمنين عليه السلام في يوم الأحد زيارةً لها سلام الله عليها، ولعلّه استفاد ذلك من خبر آخر.
ونحن سوف نذكر زيارة الحجة عليه السلام في يوم الجمعة في الباب الحادي عشر.
وأمّا التوسّل بالرسول والائمة صلوات الله عليهم وبإهداء الصلاة اليهم بتقسيمها حسب أيام الأسبوع، فهي برواية الشيخ الطوسي في المصباح على الصورة التالية ويبدأ بها من يوم الجمعة.
يصلّى ثمان ركعات تهدى أربعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وأربعاً تهدى إلى فاطمة عليها السلام.
ويوم السبت اربع ركعات إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه.
ويوم الأحد أربع ركعات للامام المجتبى عليه السلام.
ويوم الاثنين أربع ركعات لسيّد الشهداء عليه السلام.
ويوم الثلاثاء أربع ركعات للامام السجاد عليه السلام.
ويوم الأربعاء أربع ركعات للامام الباقر عليه السلام.
ويوم الخميس أربع ركعات للامام الصادق عليه السلام.
ويوم الجمعة أيضاً ثمان ركعات أربعاً تهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم واربعاً تهدى إلى فاطمة الصديقة الطاهرة عليها السلام.
ويوم السبت أربع ركعات للامام موسى الكاظم عليه السلام.
ثمّ كذلك إلى يوم الخميس أربع ركعات تهدى إلى صاحب الزمان عليه السلام(٢٩٧).
وهذا العمل من الأعمال النفيسة.
وفي خبر آخر انّه قال عند ذكر الصلاة التي اهديت لهم: "مَنْ جعل ثواب صلاته(٢٩٨) لرسول الله وأمير المؤمنين والأوصياء من بعده صلوات الله عليهم أجمعين؛ أضعف الله له ثواب صلاته أضعافاً مضاعفة حتى ينقطع النفس، ويقال له قبل أن يخرج روحه من جسده يا فلان هديتك الينا [نفعتك](٢٩٩) والطافك لنا، فهذا يوم مجازاتك ومكافاتك فطب نفساً، وقرّ عيناً بما أعد الله لك، وهنيئاً لك بما صرت إليه"(٣٠٠).
والأحسن أن يقول في تسبيح ركوع وسجود هذه الصلاة: "وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين " ثلاث مرّات.
وأن يقول بعد كلّ ركعتين:
"اللهمّ أنت السلام، ومنك السلام، واليك يعود السلام حيّنا ربنا منك بالسلام.
اللهم انّ هذه الركعات هدية منّي إلى فلان بن فلان - ويذكر اسم ذلك الحجة الذي يريد أن يهديها له - فصلّ على محمد وآل محمد وبلغه إيّاها وأعطني أفضل أملي ورجائي فيك وفي رسولك صلواتك عليه وآله وفيه "، وتدعو بما أحببت(٣٠١).
ولا يخفى انّه قسّمت أيام الشهر ونسبت اليهم ويقرأ في كلّ يوم التسبيح المختصّ بذلك الحجة المنسوب إليه ذلك اليوم.
ونقل السيد فضل الله الراوندي في كتاب الدعوات تلك التسبيحات وذكر انّ تسبيح الحجة عليه السلام من اليوم الثامن عشر من الشهر إلى آخر الشهر، وهو هذا:
"سبحان الله عدد خلقه. سبحان الله رضى نفسه. سبحان الله مداد كلماته. سبحان الله زنة عرشه. والحمد لله مثل ذلك"(٣٠٢).
الحكاية الحادية والعشرون:
قال آية الله العلامة الحلي رحمه الله في كتاب منهاج الصلاح:
"نوع آخر من الاستخارة رويته عن والدي الفقيه سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر رحمه الله عن السيد رضي الدين الآوي الحسيني رحمه الله عن صاحب الأمر عليه السلام وهو:
أن يقرأ فاتحة الكتاب عشر مرّات، وأقلّه ثلاث مرّات، والأدون منه مرّة، ثم يقرأ إنّا أنزلناه عشر مرّات، ثم يقرأ هذا الدعاء ثلاث مرّات:
"اللهمّ انّي استخيرك بعلمك بعواقب الأمور، واستشيرك لحسن ظنّي بك في المأمول والمحذور.
اللهم إن كان الأمر الفلاني قد نيطت بالبركة اعجازه وبَواديه، وحفّت بالكرامة أيامه ولياليه، فخر لي خيرة ترد شموسه ذلولا، وتقعص أيامه سروراً.
اللهم إمّا أمر فأأتمر، وإمّا نهي فانتهي. اللهم انّي استخيرك برحمتك خيرة في عافية".
ثمّ يقبض على قطعة من السبحة ويضمر حاجته، ويخرج ان كان عدد تلك القطعة زوجاً فهو افعل، وإن كان فرداً لا تفعل، أو بالعكس.
قال الشيخ الشهيد الأول في الذكرى:
"ومنها(٣٠٣) الاستخارة بالعدد ولم تكن هذه مشهورة بالعصور الماضية قبل زمان السيّد الكبير العابد رضي الدين محمد الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدّس الغروي رضي الله عنه، وقد رويناها عنه، وجميع مروياته عن عدّة من مشايخنا عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين بن المطهر عن السيد رضي عن صاحب الأمر عليه السلام"(٣٠٤).
الحكاية الثانية والعشرون:
وقال آية الله العلامة الحلّي رحمه الله في آخر منهاج الصلاح في شرح دعاء العبرات: الدّعاء المعروف وهو مرويّ عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام وله من جهة السيد السعيد رضيّ الدين محمد بن محمد بن محمد الآوي قدّس الله روحه حكاية معروفة بخطّ بعض الفضلاء، في هامش ذلك الموضع من المنهاج روى هذه الحكاية عن المولى السعيد فخر الدين محمد بن الشيخ الأجل جمال الدين، عن والده، عن جدّه الفقيه الشيخ سديد الدين يوسف، عن السيد الرضي المذكور انّه كان مأخوذاً عند أمير من اُمراء السلطان جرماغون مدّة طويلة، مع شدّة وضيق فرأى في نومه الخلف الصالح المنتظر، فبكى وقال: يا مولاي اشفع في خلاصي من هؤلاء الظلمة.
فقال عليه السلام: اُدعُ بدعاء العبرات، فقال: ما دعاء العبرات؟ فقال عليه السلام: انّه في مصباحك، فقال: يا مولاي ما في مصباحي؟ فقال عليه السلام: انظره تجده فانتبه من منامه وصلّى الصبح، وفتح المصباح، فلقي ورقة مكتوبة فيها هذا الدّعاء بين أوراق الكتاب، فدعا أربعين مرّة.
وكان لهذا الأمير امرأتان إحداهما عاقلة مدبّرة في اُموره، وهو كثير الاعتماد عليها.
فجاء الأمير في نوبتها، فقالت له: أخذت أحداً من أولاد أمير المؤمنين علي عليه السلام؟ فقال لها: لم تسألين عن ذلك؟ فقالت: رأيت شخصاً وكأنّ نور الشمس يتلألأ من وجهه، فأخذ بحلقي بين أصبعيه، ثمّ قال: أرى بعلك أخذ ولدي، ويضيّق عليه من المطعم والمشرب.
فقلت له: يا سيدي من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب، قولي له: إن لم يخلّ عنه لأخربنّ بيته.
فشاع هذا النوم للسلطان فقال: ما أعلم ذلك، وطلب نوّابه، فقال: من عندكم مأخوذ؟ فقالوا: الشيخ العلويّ أمرت بأخذه، فقال: خلّوا سبيله، وأعطوه فرساً يركبها ودلّوه على الطريق فمضى إلى بيته، انتهى.
وقال السيد الأجل علي بن طاووس في آخر مهج الدعوات: ومن ذلك ما حدّثني به صديقي والمواخي لي محمد بن محمد القاضي الآوي ضاعف الله جلّ جلاله سعادته، وشرّف خاتمته، وذكر له حديثاً عجيباً وسبباً غريباً، وهو انّه كان قد حدث له حادثة فوجد هذا الدعاء في أوراق لم يجعله فيها بين كتبه، فنسخ منه نسخة فلمّا نسخه فقد الأصل الذي كان قد وجده إلى أن ذكر الدعاء وذكر له نسخة اُخرى من طريق آخر تخالفه.
ونحن نذكر النسخة الأولى تيمّناً بلفظ السيد، فانّ بين ما ذكره ونقل العلامة أيضاً اختلافاً شديداً وهي:
بسم الله الرحمن الرحيم، اللهم انّي أسألك يا راحم العبرات، ويا كاشف الكربات، أنت الذي تقشّع سحائب المحن، وقد أمست ثقالا، وتجلو ضباب الإحن وقد سحبت أذيالا، وتجعل زرعها هشيماً، وعظامها رميماً، وتردّ المغلوب غالباً والمطلوب طالباً، والمقهور قاهراً، والمقدور عليه قادراً إلهي فكم من عبد ناداك " انّي مغلوب فانتصر"(٣٠٥) ففتحت له من نصرك أبواب السماء بماء منهمر، وفجّرت له من عونك عيوناً فالتقى ماء فَرَجه على أمر قد قدر، وحملته من كفايتك على ذات ألواح ودُسُر.
يا ربّ انّي مغلوب فانتصر، يا ربّ انّي مغلوب فانتصر، يا ربّ انّي مغلوب فانتصر، فصلّ على محمد وآل محمد وافتح لي من نصرك أبواب السماء بماء منهمر، وفجّر لي من عونك عيوناً ليلتقي ماء فَرَجِي على أمر قد قدر، واحملني يا ربّ من كفايتك على ذات ألواح ودُسُر.
يا من إذا ولج العبد في ليل من حيرته يهيم، فلم يجد له صريخاً يصرخه من وليّ ولا حميم، صلّ على محمد وآل محمد، وجد يا ربّ من معونتك صريخاً معيناً ووليّاً يطلبه حثيثاً، ينجيه من ضيق أمره وحرجه، ويظهر له المهمّ من أعلام فرجه.
اللهم فيا من قدرته قاهرة، وآياته باهرة، ونقماته قاصمة لكلّ جبّار، دامغة لكلّ كفور ختّار، صلّ يا ربّ على محمّد وآل محمد وانظر اليّ يا ربّ نظرة من نظراتك رحيمة، تجلو بها عنّي ظلمة واقفة مقيمة، من عاهة جفّت منها الضروع، وتلفت(٣٠٦) منها الزروع، واشتمل بها على القلوب اليأس، وجرت بسببها الأنفاس.
اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد، وحفظاً حفظاً لغرائس(٣٠٧) غرستها يد الرحمان وشربها من ماء الحيوان، أن تكون بيد الشيطان تجزّ، وبفأسه تقطع وتحزّ.
الهي من أولى منك أن يكون عن حريمك دافعاً، ومن اجدر منك أن يكون عن حماك حارساً ومانعاً. الهي انّ الأمر قد هال فهوّنه، وخشن فألنه، وانّ القلوب كاعت فطمّنها والنفوس ارتاعت فسكّنها.
الهي تدارك أقداماً [قد](٣٠٨) زلّت، وأفهاماً في مهابة الحيرة ضلّت، أجحف الضرّ بالمضرور، في داعية الويل والثبور، فهل يحسن من فضلك أن تجعله فريسة للبلاء وهو لك راج؟ أم هل يحمل من عدلك أن يخوض لجّة الغماء، وهو اليك لاج.
مولاي لئن كنت لا أشقّ على نفسي في التّقى، ولا أبلغ في حمل أعباء الطّاعة مبلغ الرّضا، ولا أنتظم في سلك قوم رفضوا الدّنيا، فهم خمص البطون من الطوى عمش العيون من البكاء، بل أتيتك يا ربّ بضعف من العمل، وظهر ثقيل بالخطأ والزلل، ونفس للراحة معتادة، ولدواعي التسويف منقادة، أما يكفيني يا ربّ وسيلة اليك وذريعة لديك انّي لأوليائك موال، وفي محبّتهم مغال، أما يكفيني أن أروح فيهم مظلوماً، وأغدو مكظوماً، وأقضي بعد هموم هموماً، وبعد وجوم وجوماً؟
أما عندك يا ربّ بهذه حرمة لا تضيع، وذمّة بأدناها يقتنع، فلم لا تمنعني يا ربّ وها أنا ذا غريق، وتدعني بنار عدوّك حريق، أتجعل أولياءك لأعدائك طرائد وبمكرهم مصائد، وتقلّدهم من خسفهم قلائد، وأنت مالك نفوسهم لو قبضتها جمدوا، وفي قبضتك موادّ أنفاسهم لو قطعتها خمدوا.
وما يمنعك يا ربّ أن تكفّ بأسهم، وتنزع عنهم من حفظك لباسهم، وتعريهم من سلامة بها في أرضك يسرحون(٣٠٩)، وفي ميدان البغي على عبادك يمرحون.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، وأدركني ولمّا يدركني الغرق، وتداركني ولمّا غيّب شمسي الشفق.
الهي كم من عبد خائف التجأ إلى سلطان فآب عنه محفوفاً بأمن وأمان، أفأقصد يا ربّ بأعظم من سلطانك سلطاناً؟ أم أوسع من إحسانك إحساناً؟ أم أكثر من اقتدارك اقتداراً؟ أم أكرم من انتصارك انتصاراً؟ فما عذري يا الهي إذا حرمت في حسن الكفاية نائلك وأنت الذي لا يخيب آملك ولا يردّ سائلك؟
اللهمّ أين(٣١٠) كفايتك التي هي نصرة المستغيثين من الأنام؟ وأين(٣١١) عنايتك التي هي جنّة المستهدفين لجور الأيام؟ اليّ اليّ بها، يا ربّ! نجّني من القوم الظالمين انّي مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين.
مولاي ترى تحيّري في أمري، وتقلّبي في ضرّي، وانطواي على حرقة قلبي وحرارة صدري، فصلّ يا ربّ على محمد وآل محمد، وجد لي يا ربّ بما أنت أهله فرجاً ومخرجاً، ويسّر لي يا ربّ نحو اليسرى(٣١٢) منهجاً، واجعل لي يا ربّ من نصب حبالا لي ليصرعني بها صريع ما مَكَر، ومن حفر لي البئر ليوقعني فيها واقعاً فيما حفر، واصرف اللّهم عنّي شرّه ومكره، وفساده وضرّه، ما تصرفه(٣١٣) عمّن قاد نفسه لدين الدّيان، ومناد ينادي للايمان.
الهي عبدك عبدك، أجب دعوته، وضعيفك ضعيفك فرّج غمّته، فقد انقطع كلّ حبل الّا حبلك، وتقلّص كلّ ظلّ الّا ظلّك.
مولاي دعوتي هذه إن رددتها أين تصادف موضع الإجابة؟ ومحيلتي إن(٣١٤) كذّبتها أين تلافي موضع الاخافة؟(٣١٥) فلا تردّ عن بابك من لا يعرف غيره باباً، ولا تمنع دون جنابك من لا يعرف سواه جناباً.
ويسجد ويقول: الهي إنّ وجهاً اليك برغبته توجّه، فالراغب خليق بأن تجيبه، وانّ جبيناً لك بابتهاله سجد، حقيق أن يبلغ ما قصد، وإنّ خدّاً اليك بمسألته تعفّر، جدير بأن يفوز بمراده ويظفر، وها أنا ذا يا الهي قد ترى تعفير خدّي، وابتهالي واجتهادي(٣١٦) في مسألتك وجدّي، فتلقّ يا ربّ رغباتي برأفتك قبولا وسهّل اليّ طلباتي برأفتك وصولا، وذلّل لي قطوف ثمرة إجابتك تذليلا.
الهي لا ركن أشدّ منك فآوي إلى ركن شديد، وقد أويت اليك وعوّلت في قضاء حوائجي عليك، ولا قول أشدّ من دعائك، فأستظهر بقول سديد، وقد دعوتك كما أمرت، فاستجب لي بفضلك كما وعدت، فهل بقي يا ربّ الّا أن تجيب، وترحم منّي البكاء والنحيب، يا من لا إله سواه، ويا من يجيب المضطرّ إذا دعاه.
ربّ انصرني على القوم الظالمين، وافتح لي وأنت خير الفاتحين، والطف بي يا ربّ وبجميع المؤمنين والمؤمنات برحمتك يا أرحم الراحمين(٣١٧).
الحكاية الثالثة والعشرون:
نقل السيد الجليل علي بن طاووس في مهج الدعوات عن بعض كتب القدماء روى عن أبي علي أحمد بن محمد بن الحسين بن اسحاق بن جعفر بن محمد العلوي العريضي بحرّان قال: حدّثني محمد بن علي العلوي الحسيني وكان يسكن بمصر قال: دهمني أمر عظيم وهمّ شديد من قبل صاحب مصر فخشيته على نفسي وكان قد سعى بي إلى احمد بن طولون، فخرجت من مصر حاجّاً وصرت من الحجاز إلى العراق فقصدت مشهد مولاي وأبي عبد الله الحسين بن علي صلوات الله عليهما عائذاً به ولائذاً بقبره ومستجيراً به من سطوة من كنت أخافه فأقمت بالحائر خمسة عشر يوماً ادعو وأتضرّع ليلي ونهاري فتراءى لي قيّم الزمان ووليّ الرحمن وأنا بين النّائم واليقظان، فقال لي: يقول لك الحسين: يا بني خفت فلاناً؟ فقلت: نعم أراد بي هلاكي فلجأت إلى سيدي عليه السلام وأشكوا إليه عظيم ما أراد بي، فقال: هلاّ دعوت الله ربّك وربّ آبائك بالأدعية التي دعا بها ما سلف من الأنبياء عليهم السلام فقد كانوا في شدّة فكشف الله عنهم ذلك قلت: وماذا أدعوه؟ فقال: إذا كان ليلة الجمعة فاغتسل وصلِّ صلوة الليل، فاذا سجدت سجدة الشكر دعوت بهذا الدّعاء وأنت بارك على ركبتيك، فذكر لي دعاء قال: ورأيته في مثل ذلك الوقت يأتيني وأنا بين النّائم واليقظان قال: وكان يأتيني خمس ليال متواليات يكرّر عليّ هذا القول والدّعاء حتى حفظته وانقطع عنّي مجيئه ليلة الجمعة فاغتسلت وغيّرت ثيابي وتطيّبت وصلّيت صلوة الليل وسجدت سجدة الشكر وجثوت على ركبتي ودعوت الله جلّ وتعالى بهذا الدعاء، فأتاني ليلة السبت عليه السلام فقال لي قد أجيبت دعوتك يا محمد وقتل عدوّك عند فراغك من الدعاء عند من وشى بك إليه، قال: فلمّا أصبحت ودّعت سيدي وخرجت متوجهاً إلى مصر فلمّا بلغت الأردن وأنا متوجّه إلى مصر رأيت رجلا من جيراني بمصر وكان مؤمناً فحدّثني انّ خصمك قبض عليه أحمد بن طولون فأمر به فأصبح مذبوحاً من قفاه، قال: وذلك في ليلة الجمعة وأمر به فطرح في النّيل، وكان ذلك فيما أخبرني جماعة من أهلنا واخواننا الشيعة انّ ذلك كان فيما بلغهم عند فراغي من الدّعاء كما أخبرني مولاي صلوات الله عليه.
ونقل السيد هذه القضية بسند آخر عن أبي الحسن علي بن حماد المصري مع اختلاف في الجملة وآخرها هكذا:
فلمّا بلغت بعض الطريق إذا رسول أولادي وكتبهم بأن الرجل الذي هربت منه جمع قوماً واتّخذ لهم دعوة فأكلوا وشربوا وتفرّق القوم، فنام هو وغلمانه في المكان، فأصبح الناس ولم يسمع لهم حس.
فكشف عنه الغطاء فاذا به مذبوحاً من قفاه، ودماؤه تسيل... الخ(٣١٨).
ثم نقل السيد الدعاء، ونقل بعده عن علي بن حامد انّه قال:
أخذت هذا الدعاء من أبي الحسن العلوي العريضي واشرط عليّ أن لا أبذله لمخالف ولا أعطيه الّا لمن أعلم بمذهبه، وانّه من أولياء آل محمد عليهم السلام.
فكان عندي أدعو به واخواني، ثمّ قدم عليّ من البصرة بعض قضاة الأهواز وكان مخالفاً وله علي أياد، وكنت احتاج إليه في بلده، وأنزل عليه.
فقبض عليه السلطان، فصادره وأخذ خطّه بعشرين ألف درهم.
ورققت له ورحمته، ودفعت إليه هذا الدعاء، فدعا به، فما استتمّ اسبوعاً حتى أطلقه السلطان ابتداءاً ولم يلزمه شيئاً مما أخذ خطّه وردّه إلى بلده مكرماً، وشايعته إلى الابلة، وعدت إلى البصرة.
فلمّا كان بعد أيام طلبت الدعاء فلم أجده، وفتّشت كتبي كلّها فلم أَرَ له أثراً، وطلبته من أبي المختار الحسيني وكانت عنده نسخة بها، فلم يجده في كتبه، فلم نزل نطلبه في كتبنا فلا نجده عشرين سنة فعلمت ان ذلك عقوبة من الله عزّ وجلّ لمّا بذلته لمخالف.
فلمّا كان بعد العشرين سنة وجدناه في كتبنا وقد فتّشناها مراراً لا تحصى فآليت على نفسي أن لا أعطيه الّا لمن أثق بدينه ممن يعتقد ولاية آل الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم بعد أن آخذ عليه العهد أن لا يبذله الّا لمن يستحقّه(٣١٩).
ولمّا كان الدعاء طويلا، ويخرج الكتاب عن وضعه، وهو موجود في كثير من كتب الدعاء، ولهذا لم أنقله.
ولا يخفى: انّ مصدر هذا الدعاء المعروف بدعاء العلوي المصري هو كتاب مهج الدعوات للسيد، ولم ير قبله في كتب دعاء، وأوّله: "ربّ من ذا الذي دعاك فلم تجبه ومن ذا الذي سألك فلم تعطه".
ولكن في رسالة (ملحقات مصباح الكفعمي) المعروف - والذي يتطابق غالباً مع نسخة المصباح ومؤلفه غير معروف - مذكور بهذا المضمون دعاء جليل القدر لدفع شرّ الأعداء وله قصّة عجيبة غريبة طويلة لا يسعها المقام.
وبالجملة فهو دعاء لما ذكر وصحيح نسبته إلى سيّد الأوصياء وامام الأتقياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ولمن جرّبه ثبتت صحّة أثره عنده.
ثم ذكر بعد ذلك آداباً قبل الابتداء به فيقرأ من السور والآيات والدعاء المعروف.
ثمّ قال بعد ذلك، ثمّ اشرع في الدعاء بالخضوع والخشوع والتضرّع ورقّة القلب والنيّة الصادقة.
ومن بعد الفحص فلم يعلم لحدّ الآن مصدر ومرجع المؤلف في تلك النسبة وهذه الآداب، ما هي؟ وأين؟ والله تعالى العالم.
الحكاية الرابعة والعشرون:
نقل الشيخ الجليل القدر الفضل بن الحسن الطبرسي صاحب تفسير مجمع البيان في كتاب كنوز النجاح:
دعاء علّمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنّان أبا الحسن محمد بن احمد بن أبي الليث رحمه الله تعالى في بلدة بغداد، في مقابر قريش، وكان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش والتجأ إليه من خوف القتل، فنجّي منه ببركة هذا الدعاء.
قال أبو الحسن المذكور: انّه علّمني أن أقول:
"اللهم عظم البلاء، وبرح الخفاء، وانقطع الرجاء، وانكشف الغطاء، وضاقت الأرض ومُنعت السماء، واليك يا ربّ المشتكى، وعليك المعوّل في الشدّة والرخاء.
اللهم فصلّ على محمد وآل محمد أولي الأمر الذين فرضت علينا طاعتهم فعرفتنا بذلك منزلتهم، ففرج عنّا بحقّهم فرجاً عاجلا قريباً كلمح البصر أو هو أقرب.
يا محمد يا علي اكفياني فانّكما كافياي، وانصراني فانكما ناصراي.
يا مولاي يا صاحب الزمان الغوث الغوث أدركني أدركني أدركني".
قال الراوي: انّه عليه السلام عند قوله " يا صاحب الزمان " كان يشير إلى صدره الشريف(٣٢٠).
يقول المؤلف:
الظاهر انّ مراده عليه السلام من هذه الاشارة عليه أن يكون قاصداً حينما يقول يا صاحب الزمان... وهذا الدعاء باختلاف عدّة مواضع تقدّم في ذيل الحكاية الأولى في تعقيب صلاته عليه السلام.
الحكاية الخامسة والعشرون:
روى الشيخ المتبحّر الصالح ابراهيم الكفعمي في كتاب البلد الأمين عن المهدي صلى الله عليه وسلّم: من كتب هذا الدعاء في إناء جديد، بتربة الحسين عليه السلام وغسّله وشربه شفي من علّته.
"بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله دواءً، والحمد لله شفاءً، ولا اله الّا الله كفاءً، هو الشافي شفاءاً، وهو الكافي كفاءاً اذهب البأس بربّ الناس شفاءً لا يغادره سقم وصلّى الله على محمد وآله النجباء".
ورأيت بخط السيد زين الدين علي بن الحسين الحسيني رحمه الله انّ هذا الدعاء تعلّمه رجل كان مجاوراً بالحائر(٣٢١) على مشرّفه السلام عن المهدي سلام الله عليه في منامه، وكان به علّة فشكاها إلى القائم عجل الله فرجه فأمره بكتابته وغسله وشربه، ففعل ذلك فبرأ في الحال(٣٢٢).
الحكاية السادسة والعشرون:
قال السيد المؤيد الجليل السيد علي خان الشيرازي صاحب شرح الصحيفة والصمديّة وغيره في كتاب الكلم الطيّب والغيث الصيّب:
رأيت بخطّ بعض أصحابي من السّادات الأجلاّء الصلحاء الثقات ما صورته:
سمعت في رجب سنة ثلاث وتسعين وألف، الأخ في الله المولى الصدوق العالم العامل، جامع الكمالات الإنسية، والصفات القدسية، الأمير اسماعيل بن حسين بيك بن علي بن سليمان الجابري الأنصاري أنار الله تعالى برهانه يقول: سمعت الشيخ الصّالح التقيّ الورع الشيخ الحاج عليّاً المكّي قال: انّي ابتليت بضيق وشدّة ومناقضة خصوم، حتى خفت على نفسي القتل والهلاك، فوجدت الدعاء المسطور بعد في جيبي من غير أن يعطينيه أحد، فتعجّبت من ذلك، وكنت متحيّراً فرأيت في المنام قائلا في زيّ الصلحاء والزّهاد يقول لي: انّا اعطيناك الدعاء الفلاني فادعُ به تنجُ من الضيق والشدّة ولم يتبيّن لي من القائل، فزاد تعجّبي، فرأيت مرّة اُخرى الحجة المنتظر عليه السلام فقال لي: ادعُ بالدعاء الذي اعطيتكه، وعلّم من أردت.
قال: وقد جرّبته مراراً عديدة، فرأيت فرجاً قريباً، وبعد مدّة ضاع منّي الدعاء برهة من الزمان، وكنت متأسّفاً على فواته، مستغفراً من سوء العمل، فجاءني شخص وقال لي: انّ هذا الدعاء قد سقط منك في المكان الفلاني وما كان في بالي انّي رحت الى ذلك المكان، فأخذت الدعاء، وسجدت لله شكراً وهو:
"بسم الله الرحمن الرحيم ربّ أسألك مدداً روحانياً تقوّي به قواى الكليّة والجزئيّة، حتى أقهر بمبادئ نفسي كلّ نفس قاهرة، فتنقبض لي اشارة رقائقها انقباضاً تسقط به قواها حتّى لا يبقى في الكون ذو روح الّا ونار قهري قد أحرقت ظهوره، يا شديد يا شديد، يا ذا البطش الشديد، يا قهّار، أسألك بما أودعته عزرائيل من أسمائك القهريّة، فانفعلت له النفوس بالقهر، أن تودعني هذا السرّ في هذه الساعة حتى أُليّن به كلّ صعب، واُذلّل به كلّ منيع، بقوّتك يا ذا القوّة المتين.
تقرأ ذلك سحراً ثلاثاً إن أمكن، وفي الصباح ثلاثاً وفي المساء ثلاثاً، فاذا اشتدّ الأمر على من يقرؤه يقول بعد قراءته ثلاثين مرّة: يا رحمان يا رحيم يا أرحم الراحمين، أسألك اللطف بما جرت به المقادير"(٣٢٣).
الحكاية السابعة والعشرون:
قال العالم الفاضل المتبحّر النقّاد الآميرزا عبد الله الاصفهاني الشهير بالأفندي في المجلّد الخامس من كتاب رياض العلماء وحياض الفضلاء في ترجمة الشيخ بن أبي الجواد النعماني انّه ممّن رأى القائم عليه السلام في زمن الغيبة الكبرى، وروى عنه عليه السلام؛ ورأيت في بعض المواضع نقلا عن خطّ الشيخ زين الدين علي بن الحسن بن محمد الخازن الحائري تلميذ الشهيد انّه قد رأى ابن أبي الجواد النعماني مولانا المهدي عليه السلام فقال له: يا مولاي لك مقام بالنعمانية، ومقام بالحلّة، فأين تكون فيهما؟ فقال له: أكون بالنعمانيّة ليلة الثلاثاء ويوم الثلاثاء، ويوم الجمعة وليلة الجمعة أكون بالحلّة ولكن أهل الحلّة ما يتأدّبون في مقامي، وما من رجل دخل مقامي بالأدب يتأدّب ويسلّم عليّ وعلى الائمة وصلّى عليّ وعليهم اثني عشر مرّة ثمّ صلّى ركعتين بسورتين، وناجى الله بهما المناجاة، الّا أعطاه الله تعالى ما يسأله، أحدها المغفرة.
فقلت: يا مولاي علّمني ذلك، فقال: قل: اللهم قد أخذ التأديب منّي حتّى مسّني الضرّ وأنت أرحم الراحمين، وإن كان ما اقترفته من الذّنوب استحقّ به أضعاف أضعاف ما أدّبتني به، وأنت حليم ذو أناة تعفو عن كثير حتّى يسبق عفوُك ورحمتُك عذابَك، وكرّرها عليّ ثلاثاً حتّى فهمتها(٣٢٤).(٣٢٥)
يقول المؤلف:
النعمانية بلدة عراقية ما بين واسط وبغداد، والظاهر انّ منها الشيخ الجليل أبو عبد الله محمد بن محمد بن ابراهيم بن جعفر الكاتب الشهير بالنعماني والمعروف بابن أبي زينب تلميذ الشيخ الكليني وصاحب التفسير المختصر في مختلف الآيات، وكتاب الغيبة الذي هو من الكتب المفصلة المعتبرة كما أشار إلى ذلك الشيخ المفيد في الارشاد.
وليس خفيّاً انّ من جملة الأماكن المختصّة المعروفة بمقامه عليه السلام مثل (وادي السلام) ومسجد السهلة، والحلّة، وخارج قم، وغيرها.
والظاهر انّه تشرّف في تلك المواضع بعضُ من رآه عليه السلام أو ظهرت هناك معجزة، ولهذا دخلت في الأماكن الشريفة المباركة، وانّ هناك محلّ اُنس وهبوط الملائكة، وقلّة الشياطين، وهي أحد الأسباب المقربة لاجابة الدعاء وقبول العبادة.
وجاء في بعض الأخبار انّ الله عزّ وجلّ يحبّ أن يعبد في الأماكن التي هي أمثال هذه الأماكن مثل المساجد ومشاهد الائمة عليهم السلام ومقابر أولاد الائمة والصالحين والأبرار في أطراف البلاد، وهي من الألطاف العينية (الغيبية خ.ل) الالهية للعباد الضالين والمضطرين والمرضى والمستدينين والمظلومين والخائفين والمحتاجين ونظائرهم من أصحاب الهموم وموزعي القلوب ومشتتي الظاهر ومختلي الحواس؛ فانّهم يلجئون إلى هناك ويتضرّعون ويتوسّلون إلى الله عزّ وجلّ بصاحب ذلك المقام، ويطلبون علاج أوجاعهم وشفاءَهم، ودفع شرّ الأشرار؛ وكثيراً ما يُجابون فيعود الذي ذهب إلى هنا مريضاً مشافىً مشافياً، ويذهب المظلوم فيرجع بظلامته، ويذهب المضطرب فيرجع هادئ البال.
وبالطبع فكلّما يسعى أن يكون هناك أكثر أدباً واحتراماً فسوى يرى خيراً اكثر.
ويحتمل انّ جميع تلك المواضع داخلة في جملة بيوت الله تعالى التي أمر أن ترفع ويذكر فيها اسم الله عزّ وجلّ، ومدح من سبّح الحق تعالى بكرةً وأصيلا، ولا يسع المقام تفصيلا اكثر من هذا.
الحكاية الثامنة والعشرون:
نقل السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب الاقبال عن محمد بن أبي الرّواد الرواسي ذكر انّه خرج مع محمد بن جعفر الدّهان إلى مسجد السهلة في يوم من أيام رجب فقال: قال: مرّ بنا إلى مسجد صعصعة فهو مسجد مبارك وقد صلّى به أمير المؤمنين (صلوات الله عليه وآله) ووطأه الحجج بأقدامهم.
فملنا إليه فبينا نحن نصلّي إذا برجل قد نزل عن ناقته وعقلها بالظلال؛ ثمّ دخل وصلّى ركعتين أطال فيهما؛ ثمّ مدّ يديه فقال(٣٢٦): وذكر الدعاء الذي يأتي ذكره، ثمّ قام إلى راحلته وركبها، فقال لي ابن جعفر الدهان: الآن نقوم إليه فنسأله مَنْ هو؟
فقمنا إليه، فقلنا له: ناشدناك الله مَنْ أنت؟
فقال: ناشدتكما الله مَنْ ترياني؟
قال ابن جعفر الدّهان: نظنّك الخضر عليه السلام.
فقال: وأنت أيضاً؟
فقلت: أظنّك اياه.
فقال: والله انّي لَمَن الخضر مفتقر إلى رؤيته، انصرفا فأنا امام زمانكما(٣٢٧).
ونقل الشيخ محمد بن المشهدي في مزاره الكبير، والشيخ الشهيد الأول في المزار عن روي عن علي محمد بن عبد الرحمن التستري انّه قال مررتُ ببني رواس فقال لي بعض اخواني لو ملْتَ بنا إلى مسجد صعصعة فصلّينا فيه، فانّ هذا رجب ويستحبّ فيه زيارة هذه المواضع المشرّفة التي وطائها الموالي بأقدامهم وصلّوا فيها، ومسجد صعصعة منها، قال: فملت معه إلى المسجد واذا ناقة معقلة مُرحَّلة قد اُنيخت بباب المسجد، فدخلنا وإذا برجل عليه ثياب الحجاز وعمّة كعمّتهم قاعد يدعو بهذا الدعاء فحفظته أنا وصاحبي وهو:
"اللهم يا ذا المنن السابغة... إلى آخره".
ثم سجد طويلا، وقام وركب الراحلة وذهب، فقال لي صاحبي: نراه الخضر عليه السلام، فما بالنا لا نكلّمه؟ كأنّما أمسك على ألسنتنا! فخرجنا فلقينا ابن أبي رواد الرواسي فقال: من أين أقبلتما؟ قلنا: من مسجد صعصعة، وأخبرناه بالخبر: فقال هذا الراكب يأتي مسجد صعصعة في اليومين والثلاثة ولا يتكلّم، قلنا من هو؟ قال: مَنْ تريانه أنتما؟ قلنا: نظنّه الخضر عليه السلام، فقال: فأنا والله ما أراه الّا مَنْ الخضر عليه السلام محتاج إلى رؤيته، فانصَرفا راشدين، فقال لي صاحبي: هو والله صاحب الزمان [صلوات الله عليه](٣٢٨).(٣٢٩)
يقول المؤلف:
الظاهر انّ هاتين الواقعتين والدعاءين كانا قد سمعا منه عليه السلام في ذلك المسجد في أيام رجب.
وقد تعامل الرواسي مع علي بن محمد التستري بالنحو الذي تعامل معه هو عليه السلام وتكلّم معه.
وقد عدّ العلماء الأعلام هذا الدعاء في كتب المزار من آداب مسجد صعصعة، وفي كتب الأدعية وأعمال السنة من جملة أدعية شهر رجب.
وتذكر هذه الحكاية احياناً هنا وأحياناً هناك.
وقد يحتمل ان قراءته عليه السلام هذا الدعاء هناك لخصوصية المكان، فيكون من أعمال ذلك المسجد، وقد يحتمل لخصوصيّة الزمان فيكون من أدعية شهر رجب.
فلهذا ذكروه في المكانين.
وبنظري انّ الأول أقوى، ولو يحتمل انّه من الأدعية المطلقة، وليس له اختصاص بالزمان أو المكان.
وهذا هو الدعاء:
اللهمّ يا ذا المنن السابغة والآلاء الوازِعة والرّحمة الواسعة والقُدرة الجامعة والنّعم الجسيمة والمواهب العظيمة والأيادي الجميلة والعطايا الجزيلة يا مَنْ لا ينعتُ بتمثيل ولا يُمثّل بنظير ولا يُغلبُ بظهير يا مَنْ خلق فرزق وألهمَ فأنطق وابتدع فشرع وعلا فارتفع وقدّر فأحسن وصوّر فاتقن واحتجّ فأبلغ وأنعم فأسبغ وأعطى فأجزل ومنح فأفضل يا مَنْ سمافي العزّ ففات خواطر الأبصار ودنا في اللُّطف فجاز هواجس الأفكار يا مَنْ توحّد بالملك فلا ندَّ له في ملكوت سلطانه وتفرّد بالآلاء والكبرياء(٣٣٠) فلا ضدّ له في جبروت شأنه يا من حارت(٣٣١) في كبرياء الوهيّته(٣٣٢) دقائق لطائف الأوهام وانحسرت دون ادراك عظمته خطائف ابصار الأنام يا من عَنَتِ الوجوه لهيبته وخضعت الرقاب لعظمته ووجلت القلوب من خيفته أسألك بهذه المدحة التي لا تنبغي(٣٣٣) الّا لك وبما وأيت(٣٣٤) به على نفسك لداعيك من المؤمنين وبما ضمنت الاجابة فيه على نفسكَ للداعينَ يا أسمع السامعين وأبصر الناظرين(٣٣٥) واسرع الحاسبين(٣٣٦) يا ذا القوّة المتين صلّ على محمد وآل محمد خاتم النبيّين وعلى أهل بيته [الائمة الصادقين](٣٣٧) واقسم(٣٣٨) لي في شهرنا هذا خير ما قسمتَ واحتم لي(٣٣٩) في قضائك خير ما حتمت واختم لي(٣٤٠) بالسعادة فيما(٣٤١) ختمت واحيني ما أحييتني موفوراً وأَمِتْني مسروراً ومغفوراً وتولَّ أنت نجاتي من مُساءلة البرزخ وادرأ عنّي منكراً ونكيراً وأرِ عيني(٣٤٢) مبشّراً وبشيراً واجعل لي الى رضوانك وجنانك مصيراً وعيشاً قريراً وملكاً كبيراً وصلّ على محمد وآله [كثيراً](٣٤٣) [بكرةً وأصيلا يا أرحم الراحمين](٣٤٤).
الحكاية التاسعة والعشرون:
نقل العلامة المجلسي في البحار قصّة أمير اسحاق الأستر آبادي عن والده(٣٤٥) وقد وجدنا على ظهر الدعاء المعروف بالحرز اليماني بخطّ والده العلامة التقي المجلسي قدّس سرّه بشكل أكثر تفصيلا عن ما هناك مع اجازة لبعض ما صورته:
"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين والصلوة على أشرف المرسلين محمد وعترته الطاهرين".
وبعد فقد التمس منّي السيد النجيب الأديب الحسيب زبدة السادات العظام والنقباء الكرام، الأمير محمد هاشم أدام الله تعالى تأييده بجاه محمد وآله الأقدسين أن أجيز له الحرز اليماني المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام وامام المتّقين وخير الخلايق بعد سيد النبيين صلوات الله وسلامه عليهما، ما دامت الجنّة مأوى الصالحين، فأجزت له دام تأييده أن يرويه عنّي باسنادي عن السيد العابد الزاهد البدل: الأمير اسحاق الأستر آبادي المدفون قرب سيد شباب أهل الجنة أجمعين كربلاء، عن مولانا ومولى الثقلين خليفة الله تعالى صاحب العصر والزمان صلوات الله عليه وعلى آبائه الأقدسين، وقال: أعييت في طريق فتأخّرت عن القافلة وآيست من الحيوة واستلقيت كالمحتضر وشرعت في الشهادة فاذا على رأسي مولانا ومولى العالمين خليفة الله على الناس أجمعين، فقال: قم يا اسحاق، فقمت، وكنت عطشاناً فسقاني الماء وأردفني خلفه، فشرعت في قراءة هذا الحرز، وهو صلوات الله عليه يصلّح حتى تمّ، فاذا أنا بأبطح، فنزلت عن المركب وغاب عنّي، وجائت القافلة بعد تسعة أيام، واشتهر بين أهل مكة انّي جئت بطيّ الأرض، فاختفيت بعد مناسك الحج وكان قد حجّ على قدمه أربعين حجة، ولما تشرّفت في اصبهان بخدمته في مجيئه عن كربلاء إلى زيارة مولى الكونين الامام علي بن موسى الرضا صلوات الله عليهما، وكان في ذمّته مهر زوجته سبعة توامين، وكان له هذا المبلغ عند واحد من سكان المشهد الرضوي، فرأى في المنام انّه قرب موته، فقال: انّي كنت مجاوراً في كربلاء خمسين سنة لأن أموت فيه وأخاف أن يدركني الموت في غيره، فلمّا اطّلع عليه بعض اخواننا أدّى المبلغ، وبعثت معه واحداً من اخواني في الله، فقال: لمّا وصل السيد إلى كربلاء وأدّى دينه مرض ومات يوم التاسع، ودفن في منزله، ورأيت امثال هذه الكرامات منه مدّة اقامته باصبهان رضي الله تعالى عنه.
ولي لهذا الدعاء اجازات كثيرة اقتصرت عليها، فالمرجو منه دام تأييده أن لا ينساني في مظان اجابة الدعوات؛ والتمست منه أن لا يقرأ هذا الدعاء الّا لله تعالى ولا يقرأ بقصد اهلاك عدوّه إذا كان مؤمناً، وان كان فاسقاً أو ظالماً، وأن لا يقرأ بجمع الدنيا الدنيّة، بل ينبغي أن يكون قرائته للتقرّب إلى الله ولدفع ضرر شياطين الجن والانس عنه وعن جميع المؤمنين إذا أمكنه نيّة القربة في هذا المطلب، والّا فالأولى ترك جميع المطالب غير القرب منه تعالى شأنه، نمقه بيمناه الدائرة أحوج المربوبين إلى رحمة ربّه الغني: محمد تقي بن مجلسي الاصبهاني، حامداً لله تعالى ومصلياً على سيد الأنبياء وأوصيائه النجباء الأصفياء، انتهى(٣٤٦).
ونقل هذه الحكاية خاتمة العلماء المحدّثين الشيخ أبو الحسن الشريف تلميذ العلامة المجلسي في أواخر مجلّد (ضياء العالمين) عن استاذه عن والده، إلى مجيء السيد إلى مكة ثم قال: فقال لي والد شيخي فأخذت نسخة الدعاء منه بتصحيح الامام عليه السلام وأجاز لي أن أرويه عن الامام عليه السلام، وقد أجاز هو لولده الذي هو شيخي المذكور طاب ثراه، وذلك الدعاء من جملة اجازات شيخي لي، ولي أربعون سنة أقرؤه وقد رأيت منه خيراً كثيراً.
ثم نقل قصة رؤيا السيد حيث قال في المنام عجّل بالذهاب إلى كربلاء فقد صار موتك قريباً.
وهذا الدعاء موجود على النحو المذكور في بحار الأنوار المجلّد الثاني عشر.
الحكاية الثلاثون:
نقل السيد رضي الدين علي بن طاووس في كتاب فرج المهموم والعلامة المجلسي في البحار عن كتاب الدلائل للشيخ أبي جعفر محمد بن جرير الطبري انّه قال:
حدّثنا أبو جعفر محمد بن هارون بن موسى التلعكبري قال: حدّثني أبو الحسين بن أبي البغل الكاتب قال: تقلّدت عملا من أبي منصور الصالحان وجرى بيني وبينه ما أوجب استتاري عنه، فطلبني وأخافني فمكثت مستتراً خائفاً ثم قصدت مقابر قريش(٣٤٧) ليلة الجمعة واعتمدت المبيت هناك للدعاء والمسألة، وكانت ليلة ريح ومطر، فسألت أبا جعفر القيم يقفل الأبواب وأن يجتهد في خلوة الموضع لأخلو بما أريده من الدعاء والمسألة، خوفاً من دخول انسان لم آمنه وأخاف من لقائه، ففعل وقفل الأبواب، وانتصف الليل فورد من الريح والمطر ما قطع الناس عن الموضع، فمكثت أدعو وأزور وأصلّي، فبينا أنا كذلك إذ سمعت وطئاً عند مولانا موسى عليه السلام وإذا هو رجل يزور فسلّم على آدم وعلى أولي العزم ثم على الائمة واحداً واحداً إلى أن انتهى إلى صاحب الزمان فلم يذكره، فعجبت من ذلك وقلت في نفسي لعلّه نسي أو لم يعرف أو هذا مذهب لهذا الرجل، فلمّا فرغ من زيارته صلّى ركعتين وأقبل إلى مولانا أبي جعفر عليه السلام زار مثل تلك الزيارة وسلّم ذلك السلام وصلّى ركعتين وأنا خائف منه إذ لم أعرفه، شاباً من الرجال عليه ثياب بيض وعمامة محنك بها وله ذوابة ورداء على كتفه، فالتفت اليّ وقال يا أبا الحسين ابن أبي البغل، أين أنت عن دعاء الفرج، قلت: فما هو يا سيدي؟ قال: تصلّي ركعتين وتقول: يا من أظهر الجميل وستر القبيح، يا من لم يؤاخذ بالجريرة، ولم يهتك الستر، يا عظيم المن، يا كريم الصفح، يا حسن التجاوز ويا واسع المغفرة، يا باسط اليدين بالرحمة، يا منتهى كلّ نجوى وغاية كلّ شكوى، يا عون كلّ مستعين، يا مبتدئاً بالنعم قبل استحقاقها يا ربّاه عشر مرّات، [يا منتهى غاية رغبتاه عشر مرّات](٣٤٨)، أسألك بحق هذه الأسماء، وبحقّ محمد وآله الطاهرين (عليهم السلام)(٣٤٩) الّا ما كشفت كربي، ونفست همي، وفرجت غمّي، وأصلحت حالي، وتدعو بعد ذلك ما شئت وتسأل حاجتك، ثمّ تضع خدّك الأيمن على الأرض وتقول مائة مرّة في سجودك يا محمد يا علي [يا علي يا محمد](٣٥٠) اكفياني فانّكما كافياي وانصراني فانّكما ناصراي، ثم تضع خدّك الأيسر على الأرض وتقول: أدركني [يا صاحب الزمان](٣٥١)، وتكرّر ذلك كثيراً وتقول الغوث الغوث الغوث حتى ينقطع النفس وترفع رأسك، فانّ الله بكرمه يقضي حاجتك ان شاء الله، فلمّا اشتغلت بالصلوة والدعاء خرج، فلمّا فرغت خرجت إلى أبي جعفر لأسأله عن الرجل وكيف دخل فرأيت الأبواب على حالها مقفلة، فعجبت من ذلك وقلت لعلّ باباً هنا آخر لم أعلمه، وانتهيت إلى أبي جعفر القيم فخرج إليّ من باب الزيت، فسألته عن الرجل ودخوله، فقال: الأبواب مقفلة كما ترى ما فتحتها، فحدّثته الحديث، فقال: هذا مولانا صاحب الزمان [صلوات الله عليه](٣٥٢) وقد شاهدته دفعات في مثل هذه الليلة عند خلوتها من الناس، فتأسّفت على ما فاتني منه، وخرجت عند قرب الفجر وقصدت الكرخ إلى الموضع الذي كنت مستتراً فيه، فما أضحى النهار الّا وأصحاب ابن أبي الصالحان يلتمسون لقائي ويسألون عنّي أصحابي وأصدقائي، ومعهم أمان من الوزير ورقعة بخطّه فيها كل جميل، فحضرت مع ثقة من أصدقائي، فقام والتزمني وعاملني بما لم أعهده، وقال: انتهت بك الحال إلى أن تشكوني إلى صاحب الزمان صلوات الله عليه، فانّي رأيته في النوم البارحة - يعني ليلة الجمعة - وهو يأمرني بكل جميل، ويجفو عليّ في ذلك جفوة خفتها، فقلت لا إله الّا الله أشد انّهم الحق ومنتهى الحق، رأيت البارحة مولانا في اليقظة، وقال لي كذا وكذا، وشرحت ما رأيته في المشهد، فعجب من ذلك، وجرت منه أمور عظام حسان في هذا المعنى وبلغت منه غاية لم اظنّها، وذلك ببركة مولانا صلوات الله عليه(٣٥٣).
يقول المؤلف:
هناك عدّة أدعية تسمّى بدعاء الفرج:
الأول: الدعاء المذكور في هذه الحكاية.
الثاني: الدعاء المروي في كتاب الجعفريّات الشريف، روي ان أمير المؤمنين عليه السلام جاء إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلّم) يشكو الحاجة، فقال (صلى الله عليه وآله وسلّم) ألا أعلّمك كلمات أهداهنّ اليّ جبرئيل وهي تسعة عشر حرفاً، مكتوبة على جبهة جبرئيل منها أربعة، وأربعة مكتوبة على جبهة ميكائيل، وأربعة مكتوبة على جبهة اسرافيل، وأربعة مكتوبة حول الكرسي، وثلاثة(٣٥٤) حول العرش؛ ما دعى بهنّ مكروب، ولا ملهوف، ولا مهموم، ولا مغموم، ولا مَنْ يخاف سلطاناً، ولا شيطاناً الّا كفاه الله عزّ وجلّ وهي:
"يا عماد مَنْ لا عماد له، ويا سند مَن لا سند له، ويا ذخر من لا ذخر له، ويا حرز من لا حرز له، ويا فخر من لا فخر له، ويا ركن مَن لا ركن له، يا عظيم الرجاء، يا عزّ الضعفاء، يا منقذ الغرقى، يا منجي الهلكى، [يا محسن](٣٥٥) يا مجمل [يا منعم](٣٥٦) يا مفضل أسأل الله الذي لا إله الّا أنت الذي سجد لك سواد الليل وضوء النهار، وشعاع الشمس، ونور القمر، ودوي الماء، وحفيف [الشجر](٣٥٧).
يا الله! يا رحمن! يا ذا الجلال والاكرام".
وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يسمي هذا دعاء الفرج(٣٥٨).
الثالث: روى الشيخ ابراهيم الكفعمي في (الجنّة الوافية): انّ رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وقال: يا رسول الله! انّي كنت غنيّاً فافتقرت، وصحيحاً فمرضت، وكنت مقبولا عند الناس فصرت مبغوضاً، وخفيفاً على قلوبهم فصرت ثقيلا، وكنت فرحاناً فاجتمعت عليّ الهموم، وقد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وأجول طوال نهاري في طلب الرزق فلا أجد ما اتقوّت به، كأنّ اسمي قد محي من ديوان الأرزاق.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: يا هذا! لعلّك تستعمل ميراث الهموم؟
فقال: وما ميراث الهموم؟
قال: لعلك تتعمم من قعود، أو تتسرول من قيام، أو تقلّم اظفارك بسنّك، أو تمسح وجهك بذيلك، أو تبول في ماء راكد، أو تنام منبطحاً على وجهك؟
فقال: لم أفعل من ذلك شيئاً.
فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: اتّق الله واخلص ضميرك، وادعُ بهذا الدعاء، وهو دعاء الفرج.
بسم الله الرحمن الرحيم
"إلهي طموح الآمال قد خابت الّا لديك، ومعاكف الهمم قد تقطعت الّا عليك، ومذاهب العقول قد سَمَتْ الّا اليك، فإليك الرجاء، واليك الملتجأ، يا أكرم مقصود، ويا أجود مسؤول، هربت اليك بنفسي يا ملجأ الهاربين بأثقال الذنوب أحملها على ظهري، وما(٣٥٩) أجد لي اليك شافعاً سوى معرفتي بأنّك أقرب من رجاه الطالبون، ولجأ إليه المضطرّون، وأمَّل ما لديه الراغبون.
يا مَنْ فَتَقَ العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده، وجعل ما امتنّ على عباده كفاءاً لتأدية حقّه، صلّ على محمد وآله، ولا تجعل للهموم على عقلي سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلا، وافتح لي بخير الدنيا [والآخرة](٣٦٠) يا ولي الخير(٣٦١)"(٣٦٢).
الرابع: ونقل الفاضل المتبحّر السيد عليخان المدني في الكلم الطيب عن جدّه هذا الدعاء للفرج:
"اللهم يا ودود يا ودود(٣٦٣) يا ذا العرش المجيد، يا فعالا لما يريد، اسئلك بنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، وبقدرتك التي قدرت بها على جميع خلقك، وبرحمتك التي وسعت كلّ شيء لا إله الّا أنت يا مبدئ يا معيد، لا إله الّا أنت يا إله البشر، يا عظيم الخطر، منك الطلب، واليك الهرب وَقَعَ بالفرج يا مغيث أغثني [يا مغيث أغثني يا مغيث أغثني](٣٦٤)".
الخامس: دعاء الفرج المروي في كتاب مفاتيح النجاة للمحقّق السبزواري وأوله:
"اللهمّ اني اسئلك يا الله يا الله يا الله يا مَنْ علا فقهر يا من بطن فخبر... الخ".
الحكاية الحادية والثلاثون:
قضية الصالح الصفي التقي الحاج علي البغدادي الموجود حالياً في وقت تأليف هذا الكتاب وفّقه الله، وهي تناسب الحكاية السابقة، ولو لم يكن في هذا الكتاب الشريف الّا هذه الحكاية المتقنة الصحيحة التي فيها فوائد كثيرة، وقد حدثت في وقت قريب، لكفت في شرفه ونفاسته.
وتفصيلها كما يلي:
في شهر رجب السنة الماضية كنت مشغولا بتأليف رسالة جنّة المأوى فعزمت على السفر إلى النجف الأشرف لزيارة المبعث، فجئت الكاظمين ووصلت بخدمة جناب العالم العامل والفقيه الكامل السيد السند والحبر المعتمد الآقا السيد محمد ابن العالم الأوحد السيد احمد ابن العالم الجليل والدوحة النبيل السيد حيدر الكاظميني أيّده الله وهو من تلامذة خاتم المجتهدين وفخر الاسلام والمسلمين الاستاذ الأعظم الشيخ مرتضى أعلى الله تعالى مقامه، ومن أتقياء علماء تلك البلدة الشريفة، ومن صلحاء أئمة جماعة الصحن والحرم الشريف، وكان ملاذاً للطلاب والغرباء والزوار، وأبوه وجدّه من العلماء المعروفين، وما زالت تصانيف جدّه سيد حيدر في الأصول والفقه وغيرهما موجودة.
فسألته إذا كان رأى أو سمع حكاية صحيحة في هذا الباب أن ينقلها، فنقل هذه القضية، وكنت قد سبقتها سابقاً ولكنّي لم أضبط أصلها وسندها فطلبت منه أن يكتبها بخطّ يده.
فقال: سمعتها من مدّة وأخاف أن أزيد فيها أو أنقص، فعليَّ أن ألتقي به واسئله ومن ثمّ اكتبها، ولكن اللقاء به والأخذ منه صعب فانّه من حين وقوع هذه القضية قلّ اُنسه بالناس وسكناه في بغداد وعندما يأتي للتشرّف بالزيارة فانّه لا يذهب إلى مكان ويرجع بعد أن يقضي وطراً من الزيارة، فيتفق أن لا أراه في السنة الّا مرّة أو مرّتين في الطريق، وعلى ذلك فانّ مبناه على الكتمان الّا على بعض الخواص ممن يأمن منه الافشاء والاذاعة خوف استهزاء المخالفين المجاورين المنكرين ولادة المهدي عليه السلام وغيبته، وخوفاً من أن ينسبه العوام إلى الفخر وتنزيه النفس.
قلت: انّي أطلب منك أن تراه مهما كان وتسأله عن هذه القضية إلى حين رجوعي من النجف، فالحاجة كبيرة والوقت ضيق.
ففارقته لساعتين أو ثلاث ثمّ رجع اليّ وقال: من أعجب القضايا انّي عندما ذهبت إلى منزلي جائني شخص مباشرة وقال جاؤوا بجنازة من بغداد ووضعوها في الصحن الشريف وينتظرونك للصلاة عليها.
فقمت وذهبت وصلّيت فرأيت الحاج المذكور بين المشيّعين فأخذته جانباً، وبعد امتناعه سمعت هذه القضية، فشكرت الله على هذه النعمة السنية، فكتبت القصة بكاملها وثبّتها في جنّة المأوى.
وقد تشرّفت بعد مدّة مع جماعة من العلماء الكرام والسادات العظام بزيارة الكاظمين عليهما السلام وذهبت من هناك إلى بغداد لزيارة النوّاب الأربعة رضوان الله عليهم فبعد أداء الزيارة وصلت بخدمة جناب العالم العامل والسيد الفاضل الآقا سيد حسين الكاظميني، وهو أخ جناب الآقا السيد محمد المذكور، وكان يسكن في بغداد وعليه مدار الأمور الشرعية لشيعة بغداد أيدهم الله، وطلبت منه أن يحضر الحاج علي المذكور، وبعد أن حضر، طلبت منه أن ينقل القضية في ذلك المجلس، فأبى، وبعد الاصرار رضي أن ينقلها ولكن في غير ذلك المجلس، وذلك بسبب حضور جماعة من أهل بغداد، فذهبنا إلى مكان خال ونقل القضية، وكان الاختلاف في الجملة في موضعين أو ثلاثة وقد اعتذر عن ذلك بسبب طول المدّة.
وكانت تظهر من سيمائه آثار الصدق والصلاح بنحو واضح، بحيث ظهر لجميع الحاضرين مع كثرة تدقيقهم في الأمور الدينية والدنيوية القطع بصدق الواقعة.
نقل الحاج المذكور أيده الله: اجتمع في ذمّتي ثمانون توماناً من مال الامام عليه السلام فذهبت إلى النجف الأشرف فأعطيت عشرين توماناً منه لجناب علم الهدى والتقى الشيخ مرتضى أعلى الله مقامه وعشرين توماناً إلى جناب الشيخ محمد حسين المجتهد الكاظميني وعشرين توماناً لجناب الشيخ محمد حسن الشروقي وبقي في ذمّتي عشرون توماناً، كان في قصدي أن أعطيها إلى جناب الشيخ محمد حسن الكاظميني آل ياسيني أيده الله عند رجوعي. فعندما رجعت إلى بغداد كنت راغباً في التعجيل بأداء ما بقي في ذمّتي، فتشرّفت في يوم الخميس بزيارة الامامين الهمامين الكاظمين عليهما السلام وبعد ذلك ذهبت إلى خدمة جناب الشيخ سلّمه الله وأعطيته مقداراً من العشرين توماناً وواعدته بأني سوف أعطي الباقي بعد ما أبيع بعض الأشياء تدريجياً، وأن يجيزني أن أوصله إلى أهله، وعزمت على الرجوع إلى بغداد في عصر ذلك اليوم، وطلب جناب الشيخ منّي أن أتأخر فاعتذرت بأن عليّ أن أوفي عمّال النسيج أجورهم، فانّه كان من المرسوم أن أسلّم أجرة الأسبوع عصر الخميس، فرجعت وبعد أن قطعت ثلث الطريق تقريباً رأيت سيداً جليلا قادماً من بغداد من أمامي، فعندما قرب منّي سلّم عليّ وأخذ بيدي مصافحاً ومعانقاً وقال: أهلا وسهلا وضمني إلى صدره وعانقني وقبّلني وقبّلته، وكانت على رأسه عمامة خضراء مضيئة مزهرة، وفي خدّه المبارك خال أسود كبير، فوقف وقال: حاج علي على خير، على خير، أين تذهب؟
قلت: زرت الكاظمين عليهما السلام وأرجع إلى بغداد.
قال: هذه الليلة ليلة الجمعة فارجع.
قلت: يا سيدي لا أتمكّن.
فقال: في وسعك ذلك، فارجع حتى أشهد لك بأنّك من موالي جدّي أمير المؤمنين عليه السلام ومن موالينا، ويشهد لك الشيخ كذلك، فقد قال تعالى: (واستشهدوا شهيدين)(٣٦٥).
وكان ذلك منه اشارة إلى مطلب كان في ذهني أن ألتمس من جناب الشيخ أن يكتب لي شهادة بأنّي من موالي أهل البيت عليه السلام لأضعها في كفني.
فقلت: أي شيء تعرفه، وكيف تشهد لي؟
قال: من يوصل حقّه إليه، كيف لا يعرف من أوصله؟
قلت: أيُّ حق؟
قال: ذلك الذي أوصلته إلى وكيلي.
قلت: من هو وكيلك.
قال: الشيخ محمد حسن.
قلت: وكيلك؟
قال: وكيلي.
وكان قد قال لجناب الآقا السيد محمد، وكان قد خطر في ذهني ان هذا السيد الجليل يدعوني باسمي مع أنّي لا أعرفه، فقلت في نفسي لعلّه يعرفني وأنا نسيته. ثمّ قلت في نفسي أيضاً: انّ هذا السيد يريد منّي شيئاً من حقّ السادة، وأحببت أن اُوصل إليه شيئاً من مال الامام عليه السلام الذي عندي.
فقلت: يا سيد بقي عندي شيءٌ من حقّكم فرجعت في أمره إلى جناب الشيخ محمد حسن لأؤدّي حقّكم يعني السادات بأذنه.
فتبسّم في وجهي وقال: نعم قد أوصلت بعضاً من حقّنا إلى وكلائنا في النجف الأشرف.
فقلت: هل قبل ذلك الذي أدّيته؟
فقال: نعم.
خطر في ذهني أن هذا السيد يقول بالنسبة إلى العلماء الأعلام (وكلائنا) فاستعظمت ذلك، فقلت: العلماء وكلاء في قبض حقوق السادات وغفلت. (انتهى)(٣٦٦).
ثم قال: ارجع زُر جدّي.
فرجعت وكانت يده اليمنى بيدي اليسرى فعندما سرنا رأيت في جانبنا الأيمن نهراً ماؤه أبيض صاف جار، وأشجار الليمون والنارنج والرمان والعنب وغيرها كلّها مثمرة في وقت واحد مع انّه لم يكن موسمها، وقد تدلت فوق رؤوسنا.
قلت: ما هذا النهر وما هذه الأشجار؟
قال: انها تكون مع كل من يزورنا ويزور جدّنا من موالينا.
فقلت: أريد أن أسئلك؟
قال: اسأل.
قلت: كان الشيخ المرحوم عبد الرزاق رجلا مدرساً فذهبت عنده يوماً فسمعته يقول: لو أن أحداً كان عمره كلّه صائماً نهاره قائماً ليله وحج أربعين حجة وأربعين عمرة ومات بين الصفا والمروة ولم يكن من موالي أمير المؤمنين عليه السلام، فليس له شيء؟
قال: نعم، والله ليس له شيء.
فسألته عن بعض أقربائي هل هو من موالي أمير المؤمنين عليه السلام؟
قال: نعم، هو وكلّ من يرتبط بك.
فقلت: سيدنا! لي مسئلة.
قال: اسأل.
قلت: يقرأ قرّاء تعزية الحسين عليه السلام ان سليمان الأعمش جاء عند شخص وسأله عن زيارة سيد الشهداء عليه السلام فقال: بدعة. فرأى في المنام هودجاً بين الأرض والسماء، فسأل مَنْ في الهودج؟ فقيل له: فاطمة الزهراء وخديجة الكبرى عليهما السلام. فقال: إلى أين تذهبان؟ فقيل: إلى زيارة الحسين عليه السلام في هذه الليلة فهي ليلة الجمعة، ورأى رقاعاً تتساقط من الهودج مكتوب فيها: "أمان من النار لزوّار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة أمان من النار يوم القيامة".
فهل هذا الحديث صحيح؟
قال: نعم، صحيح وتام.
قلت: سيدنا يقولون: من زار الحسين عليه السلام ليلة الجمعة فهي له أمان.
قال: نعم والله. (وجرت الدموع من عينيه المباركتين وبكى).
قلت: سيدنا مسألة.
قال: اسأل.
قلت: زرنا الامام الرضا عليه السلام سنة تسع وستين ومائتين وألف والتقينا بأحد الأعراب الشروقيين من سكّان البادية في الجهة الشرقية من النجف الأشرف في درود، واستضفناه وسألناه كيف هي ولاية الرضا عليه السلام؟
قال: الجنة. ولي خمسة عشر يوماً آكل من مال مولاي الامام الرضا عليه السلام فكيف يجرؤ منكر ونكير أن يدنيا منّي في قبري وقد نبت لحمي ودمي من طعامه عليه السلام في مضيفه؟!
فهل هذا صحيح انّ علي بن موسى الرضا عليه السلام يأتي ويخلّصه من منكر ونكير؟
فقال: نعم والله، انّ جدّي هو الضامن.
قلت: سيدنا أريد أن أسألك مسألة صغيرة؟
قال: اسأل.
قلت: وهل زيارتي للامام الرضا عليه السلام مقبولة؟
قال: مقبولة إن شاء الله.
قلت: سيدنا مسألة؟
قال: بسم الله.
قلت: انّ الحاج محمد حسين القزاز (بزاز باشي) ابن المرحوم الحاج احمد القزاز (بزاز باشي) هل زيارته مقبولة أم لا (وقد كان رفيقنا في السفر وشريكنا في الصرف في طريق مشهد الرضا عليه السلام)؟
قال: العبد الصالح زيارته مقبولة.
قلت: سيدنا مسألة؟
قال: بسم الله.
قلت: انّ فلاناً من أهل بغداد - وكان رفيقنا في السفر - هل زيارته مقبولة؟
فسكت.
قلت: سيدنا مسألة؟
قال: بسم الله.
قلت: هل سمعت هذه الكلمة أم لا؟ فهل انّ زيارته مقبولة أم لا؟ فلم يجبني.
ونقل الحاج المذكور انّه كان ذلك الشخص وعدّة نفر من أهل بغداد المترفين قد انشغلوا في السفر باللهو واللعب، وكان ذلك الشخص قد قتل أمه.
فوصلنا في الطريق إلى مكان واسع على طرفيه بساتين مقابل بلدة الكاظمين الشريفة، وكان موضع من ذلك الطريق متصلا ببساتين من جهته اليمنى لمن يأتي من بغداد وهو ملك لبعض الأيتام السادة وقد أدخلته الحكومة ظلماً في الطريق، وكان أهل التقوى والورع من سكنة هاتين البلدتين يجتنبون دائماً المرور من تلك القطعة من الأرض.
ورأيته عليه السلام يمشي في تلك القطعة فقلت: يا سيدي هذا الموضع ملك لبعض الأيتام السادة ولا ينبغي التصرّف فيه.
قال: هذا الموضع ملك جدّنا أمير المؤمنين عليه السلام وذرّيته وأولادنا ويحلّ لموالينا التصرّف فيه.
وكان في القرب من ذلك المكان على الجهة اليسرى بستان ملك لشخص يقال له الحاج الميرزا هادي، وهو من أغنياء العجم المعروفين، وكان يسكن في بغداد؛ قلت: سيدنا هل صحيح ما يقال بأن أرض بستان الحاج ميرزا هادي ملك الامام موسى بن جعفر عليه السلام؟
قال: ما شأنك بهذا؟ وأعرض عن الجواب.
فوصلنا إلى ساقية ماء فُرِّعت من شط دجلة للمزارع والبساتين في تلك المنطقة، وهي تمرّ في ذلك الطريق، وعندها يتشعّب الطريق إلى فرعين باتّجاه البلدة؛ أحد الطريقين سلطاني(٣٦٧)، والآخر طريق السادة، فاختار عليه السلام طريق السادة.
فقلت: تعال نذهب من هذا الطريق، يعني الطريق السلطاني.
قال: لا، نذهب من طريقنا.
فما خطونا الّا عدّة خطوات فوجدنا أنفسنا في الصحن المقدّس عند موضع خلع الأحذية (كفش دارى) من دون أن نمر بزقاق ولا سوق.
فدخلنا الايوان من جهة باب المراد التي هي الجهة الشرقية مما يلي الرجل.
ولم يمكث عليه السلام في الرواق المطهر، ولم يقرأ اذن الدخول، ودخل، ووقف على باب الحرم، فقال: زُر.
قلت: إنّي لا أعرف القراءة.
قال: أقرأ لك؟
قلت: نعم.
فقال: أأدخل يا الله، السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أمير المؤمنين، وهكذا سلّم على كلّ امام من الائمة عليهم السلام حتى بلغ في السلام إلى الامام العسكري عليه السلام وقال: السلام عليك يا أبا محمد الحسن العسكري، ثم قال: تعرف امام زمانك؟
قلت: وكيف لا أعرفه؟
قال: سلّم على امام زمانك.
فقلت: السلام عليك يا حجة الله يا صاحب الزمان يا ابن الحسن.
فتبسّم وقال: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، فدخلنا في الحرم المطهّر وأنكببنا على الضريح المقدّس، وقبّلناه، فقال لي: زُر.
قلت: لا أعرف القراءة.
قال: أقرأ لك الزيارة؟
قلت: نعم.
قال: أي زيارة تريد؟
قلت: زورني بأفضل الزيارات.
قال: زيارة أمين الله هي الأفضل.
ثم أخذ بالقراءة وقال: السلام عليكما يا أميني الله في أرضه وحجتيه على عباده... الخ.
وأضيئت في هذه الأثناء مصابيح الحرم فرأيت الشموع مضاءة ولكن الحرم مضاء ومنوّر بنور آخر مثل نور الشمس والشموع تضيء مثل المصباح في النهار في الشمس.
وكنت قد أخذتني الغفلة بحيث لم انتبه إلى هذه الآيات.
فعندما انتهى من الزيارة جاء إلى الجهة التي تلي الرجل فوقف في الجانب الشرقي خلف الرأس، وقال: هل تزور جدّي الحسين عليه السلام؟
قلت: نعم أزوره فهذه ليلة الجمعة.
فقرأ زيارة وارث، وقد فرغ المؤذنون من اذان المغرب، فقال لي: صلِّ والتحق بالجماعة، فجاء إلى المسجد الذي يقع خلف الحرم المطهّر وكانت الجماعة قد انعقدت هناك، ووقف هو منفرداً في الجانب الأيمن لإمام الجماعة محاذياً له، ودخلت أنا في الصفّ الأول حيث وجدت مكاناً لي هناك.
فعندما انتهيت لم أجده، فخرجت من المسجد وفتّشت في الحرم فلم أره، وكان قصدي أن ألاقيه وأعطيه عدّة قرانات واستضيفه في تلك الليلة، ثمّ جاء بذهني: من يكون هذا السيد؟! وانتبهت للآيات والمعجزات المتقدّمة ومن انقيادي لأمره في الرجوع مع ما كان لي من الشغل المهم في بغداد، وتَسْمِيَتُهُ لي باسمي، مع أنّي لم أكن قد رأيته من قبل، وقوله (موالينا) وانّي اشهد، ورؤية النهر الجاري والأشجار المثمرة في غير الموسم، وغير ذلك مما تقدّم مما كان سبباً ليقيني بأنّه الامام المهدي عليه السلام، وبالخصوص في فقرة اذن الدخول وسؤاله لي بعد السلام على الامام العسكري عليه السلام، هل تعرف امام زمانك؟ فعندما قلت اعرفه، قال: سلّم، فعندما سلّمت، تبسّم وردّ السّلام.
فجئت عند حافظ الأحذية وسألت عنه، فقال: خرج.. وسألني: هل كان هذا السيد رفيقك؟
قلت: نعم.
فجئت إلى بيت مضيفي وقضيت الليلة، فعندما صار الصباح، ذهبت إلى جناب الشيخ محمد حسن ونقلت له كلّما رأيت.
فوضع يده على فمي ونهاني عن اظهار هذه القصة وافشاء هذا السر، وقال: وفقك الله تعالى.
فأخفيت ذلك ولم أظهره لأحد إلى أن مضى شهر من هذه القضية، فكنت يوماً في الحرم المطهر، فرأيت سيداً جليلا قد اقترب منّي وسألني ماذا رأيت؟ وأشار إلى قصة ذلك اليوم!
قلت: لم أَرَ شيئاً.
فأعاد عليّ ذلك الكلام. وانكرت بشدّة.
فاختفى عن نظري ولم أَرَهُ بعد ذلك.
"نقل الثقة الصالح الحاج علي المذكور زيد توفيقه انّه في سفره إلى المشهد المقدّس وقبل أن يصل إلى مشهد بسبعة أو ثمانية منازل، مات أحد رفاقنا في تلك السفرة، فتكلّمت مع المكاري في حمل جنازته، فقال: آخذ أربعة عشر توماناً، وكنّا قد جمعنا بيننا سبعة تومانات، وطلبنا أن يأخذه بذلك المبلغ فلم يرضَ، فكان لأحد رفاقنا حمار فوضع الجنازة عليه وقال: لابدّ أن نأخذ الجنازة على أي نحو كان، فلم نمشِ الّا قليلا - وكان ذلك المؤمن في ضيق وتعب - وإذا بفارس يظهر من جهة المشهد، فعندما وصل الينا، سأل عن الجنازة، فذكرنا له ما تقدّم، فقال: أنا آخذه بذلك المبلغ، وكان فرسه جيداً وعليه سرج قاجاري، فوضع الجنازة عليه وشدّها بقوّة، فأردنا أن نعطيه ذلك المبلغ، قال: آخذه في المشهد، وجرى، وقلنا له: لا تدفنه حتى نصل، ولم نكن قد غسّلنا ذلك الميّت.
ولم نَرَهُ بعد ذلك، حتى وصلنا المشهد بعد اسبوع وكان يوم الخميس فرأينا ان ذلك الميّت قد غُسّل وكُفّن ووُضع في الايوان المطهّر، وعند رأسه جميع ملابسه ولم نَرَ أحداً، وبعد فحصنا علمنا أنّ الجنازة وصلت إلى المشهد المقدّس في ذلك اليوم الذي أعطيناها له، ولم يظهر منه بعد ذلك أثر.
يقول المؤلف:
إنّ الحاج علي المذكور هو ابن الحاج قاسم الكرادي البغدادي من التجّار والعوام.
وكل مَنْ سألته من العلماء وسادات الكاظمين وبغداد المعظّمين عن حاله، مدحوه بالخير والصلاح والصدق والأمانة واجتناب عادات أهل زمانه السيئة.
وقد شاهدت آثار هذه الأوصاف فيه عند رؤيتي له وتكلّمي معه.
وكان يتأسّف أثناء كلامه على عدم معرفته له عليه السلام بشكل تظهر فيه آثار الصدق والاخلاص والحبّ. فهنيئاً له.
وأمّا الخبر الذي ورد في زيارة ابي عبد الله عليه السلام في ليلة الجمعة الذي سُئل عن صحّته فهو الخبر الذي رواه الشيخ محمد بن المشهدي في مزاره الكبير عن الأعمش قال: كنت نازلا بالكوفة وكان لي جار كثيراً ما كنت أقعد إليه وكان ليلة الجمعة فقلت له: ما تقول في زيارة الحسين عليه السلام؟ فقال لي: بدعة وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار.. فقمت من بين يديه وأنا ممتلئ غضباً، وقلت: إذا كان السحر أتيته وحدّثته من فضائل أمير المؤمنين ما يسخن الله به عينيه.
قال: فأتيته وقرعت عليه الباب فاذا أنا بصوت من وراء الباب: انّه قد قصد الزيارة في أوّل الليل، فخرجت مسرعاً فأتيت الحير فاذا أنا بالشيخ ساجد لا يملّ من السجود والركوع، فقلت له: بالأمس تقول لي: بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النار، واليوم تزوره؟! فقال لي: يا سليمان لا تلمني، فانّي ما كنت أثبت لأهل هذا البيت إمامة حتى كانت ليلتي هذه، فرأيت رؤيا أرعبتني.
فقلت: ما رأيت ايها الشيخ؟ قال: رأيت رجلا لا بالطويل الشّاهق ولا بالقصير اللاّصق، لا اُحسن أصفه من حسنه وبهائه، معه أقوام يحفّون به حفيفاً ويزفّونه زفّاً، بين يديه فارس على فرس له ذَنوب، على رأسه تاج، للتاج أربعة أركان، في كلّ ركن جوهرة تضيء مسيرة ثلاثة أيام.
فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب عليه السلام، فقلت: والآخر؟ فقالوا: وصيّه علي بن أبي طالب عليه السلام ثمّ مددت عيني فاذا أنا بناقة من نور عليها هودج من نور تطير بين السماء والأرض.
فقلت: لمن الناقة؟ قالوا: لخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد. قلت: والغلام؟ قالوا: الحسن بن علي. قلت: فأين يريدون؟ قالوا: يمضون بأجمعهم إلى زيارة المقتول ظلماً الشهيد بكربلاء الحسين بن علي، ثمّ قصدت الهودج وإذا أنا برقاع تَساقط من السماء أماناً من الله جلّ ذكره لزوّار الحسين بن علي ليلة الجمعة، ثمّ هتف بنا هاتف أَلاَ إنّا وشيعتنا في الدّرجة العليا من الجنة، والله يا سليمان لا أفارق هذا المكان حتى تفارق روحي جسدي(٣٦٨).
ونقل الشيخ الطريحي آخر الخبر هكذا:
"وإذا أنا برقاع مكتوبة تَساقط من السماء، فسألت: ما هذه الرقاع؟ فقال: فيها أمان من النار لزوّار الحسين عليه السلام في ليلة الجمعة. فطلبت منه رقعة، فقال لي: انّك تقول زيارته بدعة، فانّك لا تنالها حتى تزور الحسين وتعتقد فضله وشرفه، فانتبهت من نومي فزعاً مرعوباً، وقصدت من وقتي وساعتي إلى زيارة سيدي الحسين عليه السلام"(٣٦٩).
الحكاية الثانية والثلاثون:
وأخبرني كذلك السيد المؤيد المذكور أيده الله تعالى مشافهةً وكتابةً، قال: لمّا كنت مجاوراً في النجف الأشرف لأجل تحصيل العلوم الدينية، وذلك في حدود السنة الخامسة والسّبعين بعد المائتين والألف من الهجرة النبويّة، كنت أسمع جماعة من أهل العلم وغيرهم من أهل الديانة يصفون رجلا يبيع البقل وشبهه انّه رأى مولانا الامام المنتظر سلام الله عليه، فطلبتُ معرفة شخصه حتى عرفته، فوجدته رجلا صالحاً متديّناً وكنت أحبّ الاجتماع معه في مكان خال لأستفهم منه كيفية رؤيته مولانا الحجة روحي فداه، فصرت كثيراً ما اسلّم عليه وأشتري منه ممّا يتعاطى ببيعه، حتى صار بيني وبينه نوع مودّة، كلّ ذلك مقدّمة لتعرّف خبره المرغوب في سماعه عندي، حتى اتّفق لي انّي توجّهت إلى مسجد السهلة للاستجارة فيه، والصلاة والدّعاء في مقاماته الشريفة ليلة الأربعاء.
فلمّا وصلت إلى باب المسجد رأيت الرجل المذكور عند الباب، فاغتنمت الفرصة وكلّفته المقام معي تلك الليلة، فأقام معي حتى فرغنا من العمل الموظّف في مسجد سهيل، وتوجّهنا إلى المسجد الأعظم مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة في ذلك الزمان، حيث لم يكن في مسجد السّهلة معظم الاضافات الجديدة من الخدّام والمساكن.
فلمّا وصلنا إلى المسجد الشريف، واستقرّ بنا المقام، وعملنا بعض الأعمال الموظّفة فيه، سألته عن خبره والتمست منه أن يحدّثني بالقصّة تفصيلا، فقال ما معناه:
"إنّي كنت كثيراً ما أسمع من أهل المعرفة والدّيانة انَّ مَنْ لاَزَمَ عمل الاستجارة في مسجد السهلة أربعين ليلة أربعاء متوالية بنيّة رؤية الامام المنتظر عليه السلام وُفّق لرؤيته، وانّ ذلك قد جرِّب مراراً، فاشتاقت نفسي إلى ذلك، ونويت ملازمة عمل الاستجارة في كلّ ليلة اربعاء، ولم يمنعني من ذلك شدّة حرّ ولا برد، ولامطر ولا غير ذلك، حتى مضى لي ما يقرب من مدّة سنة، وأنا ملازم لعمل الاستجارة، وأبات في مسجد الكوفة على القاعدة المتعارفة.
ثمّ انّي خرجت عشيّة يوم الثلاثاء ماشياً على عادتي وكان الزّمان شتاء، وكانت تلك العشية مظلمة جدّاً لتراكم الغيوم مع قليل مطر، فتوجّهت إلى المسجد وأنا مطمئن بمجيء الناس على العادة المستمرّة، حتى وصلت إلى المسجد، وقد اشتدّ الظلام وكثر الرعد والبرق، فاشتدّ بي الخوف وأخذني الرّعب من الوحدة لأنّي لم اُصادف في المسجد الشريف أحداً أصلا حتى ان الخادم المقرّر للمجيء ليلة الأربعاء لم يجيء تلك الليلة.
فاستوحشت لذلك للغاية، ثمّ قلت في نفسي: ينبغي أن اُصلّي المغرب وأعمل عمل الاستجارة عجالة، وأمضي إلى مسجد الكوفة فصبّرت نفسي، وقمت إلى صلاة المغرب فصلّيتها، ثمّ توجّهت لعمل الاستجارة، وصلاتها ودعائها، وكنت أحفظه.
فبينما أنا في صلاة الاستجارة إذ حانت منّي التفاتة إلى المقام الشريف المعروف بمقام صاحب الزمان عليه السلام وهو في قبلة مكان مصلاّي(٣٧٠)، فرأيت فيه ضياءً كاملا وسمعت فيه قراءة مصلٍّ فطابت نفسي، وحصل كمال الأمن والاطمينان، وظننت انّ في المقام الشريف بعض الزوّار، وأنا لم أطّلع عليهم وقت قدومي إلى المسجد، فأكملت عمل الاستجارة، وأنا مطمئن القلب.
ثمّ توجّهت نحو المقام الشريف ودخلته، فرأيت فيه ضياءً عظيماً لكنّي لم أَرَ بعيني سراجاً ولكنّي في غفلة عن التفكّر في ذلك، ورأيت فيه سيّداً جليلا مُهاباً بصورة أهل العلم، وهو قائم يصلّي فارتاحت نفسي إليه، وأنا أظنّ انّه من الزوّار الغرباء لأنّي تأمّلته في الجملة فعلمت انّه [ليس](٣٧١) من سكنة النجف الأشرف.
فشرعت في زيارة مولانا الحجة سلام الله عليه عملا بوظيفة المقام، وصلّيت صلاة الزيارة، فلمّا فرغت أردت اُكلّمه في المضيّ إلى مسجد الكوفة، فهبته وأكبرته، وأنا انظر إلى خارج المقام، فأرى شدّة الظلام، وأسمع صوت الرّعد والمطر، فالتفت اليّ بوجهه الكريم برأفة وابتسام، وقال لي: تحبّ أن تمضي إلى مسجد الكوفة؟ فقلت: نعم يا سيدنا! عادتنا أهل النجف إذا تشرّفنا بعمل هذا المسجد نمضي إلى مسجد الكوفة، ونبات فيه، لأنّ فيه سكاناً وخدّاماً وماءً.
فقام، وقال: قم بنا نمضِ إلى مسجد الكوفة، فخرجت معه وأنا مسرور به وبحسن صحبته، فمشينا في ضياء وحسن هواء وأرض يابسة لا تعلّق بالرجل وأنا غافل عن حال المطر والظلام الذي كنت أراه، حتّى وصلنا إلى باب المسجد وهو - روحي فداه - معي وأنا في غاية السّرور والأمن بصحبته، ولم أَرَ ظلاماً ولا مطراً.
فطرقت الباب الخارجة عن المسجد، وكانت مغلقة فأجابني الخادم: من الطارق؟
فقلت: افتح الباب، فقال: من أين أقبلت في هذه الظلمة والمطر الشديد؟ فقلت: من مسجد السهلة، فلمّا فتح الخادم الباب التفتّ إلى ذلك السيّد الجليل فلم أره، وإذا بالدّنيا مظلمة للغاية، وأصابني المطر! فجعلت اُنادي يا سيدنا يا مولانا! تفضّل فقد فتحت الباب، ورجعت إلى ورائي أتفحّص عنه واُنادي فلم أَرَ أحداً أصلا، وأضرّ بي الهواء والمطر والبرد في ذلك الزمان القليل.
فدخلت المسجد وانتبهت من غفلتي، وكأنّي كنت نائماً فاستيقظت، وجعلت ألوم نفسي على عدم التنبّه لما كنت أرى من الآيات الباهرة، واتذكّر ما شاهدته وأنا غافل من كراماته: من الضياء العظيم في المقام الشريف مع انّي لم أَرَ سراجاً ولو كان في ذلك المقام عشرون سراجاً لما وفى بذلك الضياء، وذكرت انّ ذلك السيد الجليل سمّاني باسمي مع انّي لم أعرفه ولم أرَه قبل ذلك.
وتذكّرت انّي لما كنت في المقام كنت أنظر إلى فضاء المسجد، فأرى الظلام الشديد، وأسمع صوت المطر والرّعد، وانّي لما خرجت من المقام مصاحباً له سلام الله عليه، كنت أمشي في ضياء بحيث أرى موضع قدمي، والأرض يابسة والهواء عذب، حتّى وصلنا إلى باب المسجد، ومنذ فارقني شاهدت الظلمة والمطر وصعوبة الهواء، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة، التي أفادتني اليقين بأنّه الحجة صاحب الزمان عليه السلام الذي كنت أتمنّى من فضل الله التشرّف برؤيته، وتحمّلت مشاقّ عمل الاستجارة عند قوّة الحرّ والبرد لمطالعة حضرته سلام الله عليه [فشكرت الله تعالى شأنه، والحمد لله](٣٧٢)"(٣٧٣) و(ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)(٣٧٤).
الحكاية الثالثة والثلاثون:
قال الشيخ الجليل والأمير الزاهد ورّام بن أبي فراس في آخر المجلّد الثاني من كتاب تنبيه الخاطر:
حدّثني السيد الأجلّ الشريف أبو الحسن علي بن ابراهيم العريضي العلوي الحسيني قال: حدّثني علي بن علي بن نما، قال: حدّثني أبو محمد الحسن بن علي بن حمزة الاقساسي في دار الشريف علي بن جعفر بن علي المدائني العلوي، قال:
كان بالكوفة شيخ قصار وكان موسوماً بالزّهد منخرطاً في سلك السياحة متبتّلا للعبادة مقتفياً للآثار الصالحة، فاتّفق يوماً انّني كنت بمجلس والدي وكان هذا الشيخ يحدّثه وهو مقبل عليه، قال: كنت ذات ليلة بمسجد جعفي وهو مسجد قديم وقد انتصف الليل وأنا بمفردي فيه للخلوة والعبادة فاذا أقبل عليّ ثلاثة أشخاص فدخلوا المسجد فلمّا توسّطوا صرحته(٣٧٥) جلس أحدهم، ثمّ مسح الأرض بيده يمنة ويسرة فحصحص الماء ونبع فأسبغ الوضوء منه! ثمّ أشار إلى الشخصين الآخرين بإسباغ الوضوء فتوضّآ، ثمّ تقدّم فصلّى بهما اماماً، فصلّيت معهم مؤتماً به، فلمّا سلّم وقضى صلاته بهرني حاله(٣٧٦) واستعظمت فعله من إنباع الماء، فسألت الشخص الذي كان منهما إلى يميني عن الرجل فقلت له: من هذا؟ فقال لي: هذا صاحب الأمر ولد الحسن عليه السلام، فدنوت منه وقبّلت يديه، وقلت له: يابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم ما تقول في الشريف عمر بن حمزة، هل هو على الحقّ؟ فقال: لا، وربّما اهتدى الّا انّه ما يموت حتى يراني، فاستطرفنا هذا الحديث، فمضت برهة طويلة فتوفّي الشريف عمر ولم يشع انّه لقيه، فلمّا اجتمعت بالشيخ الزاهد ابن نادية(٣٧٧) أذكرته بالحكاية التي كان ذكرها، وقلت له مثل الرّاد عليه: أليس كنت ذكرت انّ هذا الشريف عمر لا يموت حتى يرى صاحب الأمر الذي أشرت إليه؟ فقال لي: ومن أين لك انّه لم يره؟ ثمّ انني اجتمعت فيما بعد بالشريف أبي المناقب ولد الشّريف عمر بن حمزة وتفاوضنا أحاديث والده، فقال: انّا كنّا ذات ليلة في آخر الليل عند والدي وهو في مرضه الذي مات فيه وقد سقطت قوّته بواحدة وخفت موته والأبواب مغلقة علينا، إذ دخل علينا شخص هبناه واستطرفنا دخوله وذهلنا عن سؤاله فجلس إلى جنب والدي وجعل يحدّثه مليّاً ووالدي يبكي، ثمّ نهض، فلمّا غاب عن أعيننا تحامل والدي وقال: أجلسوني، فأجلسناه، وفتح عينيه وقال: أين الشخص الذي كان عندي؟ فقلنا: خرج من حيث أتى، فقال: اطلبوه، فذهبنا في أثره فوجدنا الأبواب مغلقة، ولم نجد له أثراً.
فعدنا إليه فأخبرناه بحاله، وانّا لم نجده.
ثمّ إنّا سألناه عنه، فقال: هذا صاحب الأمر.
ثمّ عاد إلى ثقله في المرض، واُغمي عليه(٣٧٨).
يقول المؤلف:
أبو محمد الحسن بن حمزة الاقساسي من أجلّة السادات والشرفاء ومن علماء وأدباء الكوفة وكان شاعراً ماهراً، وقد قلّده الناصر بالله العباسي نقابة العلويين، وقد خرج يوماً مع المستنصر العباسي إلى زيارة قبر سلمان، فقال له المستنصر: ان من الأكاذيب ما يرويه غلاة الشيعة من مجيء علي بن أبي طالب عليه السلام من المدينة إلى المدائن لما توفّي سلمان، وتغسيله إياه ورجوعه في ليلته إلى المدينة، فأجابه منشداً هذه الأبيات:

أنكرتَ ليلة إذ صار الوصي إلى * * * أرض المداين لمّا أن لها طلبا
وغسّل الطّهر سلماناً وعاد إلى * * * عراص يثرب والاصباح ما وجبا
وقلت: ذلك من قول الغلاة، وما * * * ذنب الغلاة إذا لم يوردوا كذبا؟
فآصف قبل ردِّ الطرف من سبأ * * * بعرش بلقيس وافى يخرق الحجبا
فأنت في آصف لم تغل فيه، بلى، * * * في (حيدر) أنا غال انَّ ذا عجبا
إن كان أحمد خير المرسلين؟ فذا * * * خير الوصّيين، أو كلّ الحديث هبا(٣٧٩)

ومسجد جعفى من مساجد الكوفة المباركة المعروفة، وقد صلّى فيه أمير المؤمنين عليه السلام أربع ركعات وسبّح تسبيح الزهراء عليها السلام وناجى مناجاة طويلة بعدها، موجودة في كتب المزار، وذكرناها في الصحيفة العلوية الثانية، ولا يوجد حاليّاً أثر لهذا المسجد.
الحكاية الرابعة والثلاثون:
قال الشيخ المحدّث الجليل منتجب الدين علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين أخو الصدوق صاحب (الأربعين) المعروف؛ في كتاب المنتجب في ذكر العلماء المتأخرين عن عصر الشيخ الطوسي وحتى عصره:
"الثائر بالله ابن المهدي ابن الثائر بالله الحسني الجيلي:
كان زيديّاً، وادّعى امامة الزيدية، وخرج بجيلان، ثم استبصر فصار اماميّاً، وله رواية الأحاديث، وادّعى انّه شاهد صاحب الأمر عليه السلام وكان يروي عنه أشياء"(٣٨٠).
الحكاية الخامسة والثلاثون:
وقال هناك أيضاً:
"الشيخ الثقة ابو المظفر، وفي بعض النسخ أبو الفرج(٣٨١) علي بن الحسين الحمداني:
ثقة، عين، وهو من سفراء الامام صاحب الزمان عليه السلام، أدرك الشيخ المفيد أبا عبد الله محمد بن محمد بن نعمان الحارثي البغدادي رحمه الله وجلس مجلس درس السيد المرتضى والشيخ الموفق أبي جعفر الطوسي، وقرأ على المفيد ولم يقرأ عليهما.
أخبرنا الوالد عن والده عنه رحمهم الله.
مؤلفاته منها كتاب الغيبة، كتاب السنة، كتاب الزاهر(٣٨٢) في الأخبار، كتاب المنهاج، كتاب الفرائض"(٣٨٣).
والظاهر انّ المراد من جلوس الشيخ المذكور مجلس درس السيد والشيخ هو نيابته عنهما في التدريس والتعليم، وليس المقصود منه الاستفادة، كما يظهر ذلك من الكلام الأخير(٣٨٤) والله العالم.
الحكاية السادسة والثلاثون:
قال الشيخ العظيم الشأن زين الدين علي بن يونس العاملي البياضي في كتاب الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم:
"خرجت مع جماعة نزيد على أربعين رجلا إلى زيارة القاسم بن موسى الكاظم، فكنّا عن حضرته نحو ميل من الأرض، فرأينا فارساً معترضاً فظننّاه يريد أخذ ما معنا، فخبيّنا ما خفنا عليه.
فلمّا وصلنا رأينا آثار فرسه، ولم نَرَه فنظرنا ما حول القبّة فلم نَرَ أحداً فتعجّبنا من ذلك مع استواء الأرض، وحضور الشمس، وعدم المانع.
فلا يمتنع أن يكون هو الامام، أو أحد الأبدال"(٣٨٥).
يقول المؤلف:
سوف يأتي الكلام في دلالة أمثال هذه الحكاية على وجود امام العصر المبارك سلام الله عليه، وكذلك يجيء بيان ما هو المراد من الأبدال.
والقاسم المذكور مدفون في ثمانية فراسخ عن الحلّة، وعلى الدوام يذهب العلماء والأخيار لزيارته.
وهناك حديث متداول على الألسنة مشهور انّه قال بهذا المضمون: "من لم يقدر على زيارتي فليزر أخي القاسم " ولم نعثر على هذا الخبر.
ولكن في أصول الكافي خبر يدل على عظمة شأنه وعلوّ مقامه بما لا يتصوّر العقل:
روى ثقة الاسلام في باب الاشارة والنص على الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام، في خبر طويل رواه عن يزيد بن سليط عن الامام الكاظم عليه السلام في طريق مكة، وفيه انّه عليه السلام قال له: "اخبرك يا أبا عمارة انّي خرجت من منزلي فأوصيت الى ابني فلان (يعني الامام الرضا عليه السلام)(٣٨٦) وأشركت معه بَنِىَّ في الظاهر.
وأوصيته في الباطن، فأفردته وحده.
ولو كان الأمر اليّ لجعلته في القاسم ابني، لحبّي إيّاه، ورأفتي عليه، ولكن ذلك إلى الله عزّ وجلّ يجعله حيث يشاء(٣٨٧)... الخ والحمد لله.
الحكاية السابعة والثلاثون:
قصّة الجزيرة الخضراء والبحر الأبيض كما ثبتت في رسالة مخصوصة وجدت في خزانة أمير المؤمنين عليه السلام بخطّ العامل الفاضل الفضل بن يحيى بن علي مؤلف تلك الرسالة.
ونحن نذكر الحكاية أولا كما نقلها العلامة المجلسي وغيره عن تلك الرسالة، وبعدها نبيّن تلك الشواهد والقرائن على صدقها وتصريحات العلماء الأعلام على اعتبارها(٣٨٨).
نصّ الرسالة المذكورة:
وبعد: فقد وجدت في خزانة أمير المؤمنين عليه السلام، وسيّد الوصيّين، وحجة ربّ العالمين، وامام المتّقين، علي بن أبي طالب عليه السلام بخطّ الشيخ الفاضل والعالم العامل، الفضل بن يحيى بن عليّ الطيّبي الكوفي قدّس الله روحه ما هذا صورته:
الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمد وآله وسلّم.
وبعد: فيقول الفقير إلى عفو الله سبحانه وتعالى الفضل بن يحيى بن عليّ الطيّبي الاماميّ الكوفي عفا الله عنه: قد كنت سمعت من الشيخين الفاضلين العاملين الشيخ شمس الدين بن نجيح الحلّي والشيخ جلال الدين عبد الله بن الحرام الحلّي قدّس الله روحيهما ونوّر ضريحيهما في مشهد سيّد الشهداء وخامس أصحاب الكساء مولانا وامامنا أبي عبد الله الحسين عليه السلام في النصف من شهر شعبان سنة تسع وتسعين وستمائة من الهجرة النبويّة على مشرّفها محمد وآله أفضل الصلاة وأتمّ التحيّة، حكاية ما سمعاه من الشيخ الصالح التقي والفاضل الورع الزّكيّ زين الدين علي بن فاضل المازندراني، المجاور بالغريّ - على مشرّفيه السلام - حيث اجتمعا به في مشهد الامامين الزّكيين الطاهرين المعصومين السعيدين عليهما السلام بسرّ من رأى وحكى لهما حكاية ما شاهده ورآه في البحر الأبيض، والجزيرة الخضراء من العجائب فمرّ بي باعث الشوق إلى رؤياه، وسألت تيسير لُقياه، والاستماع لهذا الخبر من لقلقة فيه باسقاط رواته، وعزمت على الانتقال إلى سرّ من رأى للاجتماع به.
فاتّفق انّ الشيخ زيد الدين علي بن فاضل المازندراني انحدر من سرّ من رأى إلى الحلّة في أوائل شهر شوال من السنة المذكورة ليمضي على جاري عادته ويقيم في المشهد الغروي على مشرّفيه السلام.
فلمّا سمعت بدخوله إلى الحلّة وكنت يومئذ بها قد أنتظر قدومه فاذا أنا به وقد أقبل راكباً يريد دار السيّد الحسيب، ذي النسب الرّفيع، والحسب المنيع، السيد فخر الدين الحسن بن عليّ الموسوي المازندراني نزيل الحلّة أطال الله بقاه ولم أكن إذ ذاك الوقت أعرف الشيخ الصالح المذكور لكن خلج في خاطري انّه هو.
فلمّا غاب عن عيني تبعته إلى دار السيد المذكور فلمّا وصلت إلى باب الدّار رأيت السيد فخر الدّين واقفاً على باب داره مستبشراً فلمّا رآني مقبلا ضحك في وجهي وعرّفني بحضوره فاستطار قلبي فرحاً وسروراً ولم أملك نفسي على الصبر على الدّخول إليه في غير ذلك الوقت.
فدخلت الدّار مع السيّد فخر الدّين فسلّمت عليه، وقبّلت يديه، فسأل السيّد عن حالي، فقال له: هو الشيخ فضل بن الشيخ يحيى الطيّبي صديقكم فنهض واقفاً وأقعدني في مجلسه ورحّب بي وأحفى السؤال عن حال أبي وأخي الشيخ صلاح الدّين لأنّه كان عارفاً بهما سابقاً، ولم أكن في تلك الأوقات حاضراً بل كنت في بلدة واسط، أشتغل في طلب العلم عند الشيخ العالم العامل الشيخ أبي اسحاق ابراهيم بن محمد الواسطي الامامي تغمّده الله برحمته، وحشره في زمرة أئمته عليهم السلام.
فتحادثت مع الشيخ الصالح المذكور متّع الله المؤمنين بطول بقائه فرأيت في كلامه امارات تدلّ على الفضل في أغلب العلوم من الفقه والحديث، والعربيّة بأقسامها، وطلبت منه شرح ما حدّث به الرجلان الفاضلان العالمان العاملان الشيخ شمس الدين والشيخ جلال الدين الحلّيان المذكوران سابقاً عفا الله عنهما فقصّ لي القصّة من أوّلها إلى آخرها بحضور السيد الجليل السيّد فخر الدين نزيل الحلّة صاحب الدّار، وحضور جماعة من علماء الحلّة والأطراف، قد كانوا أتوا لزيارة الشيخ المذكور وفّقه الله، وكان ذلك في اليوم الحادي عشر من شهر شوّال سنة تسع وتسعين وستمائة وهذه صورة ما سمعته من لفظه أطال الله بقاءه، وربّما وقع في الألفاظ التي نقلتها من لفظه تغيير، لكنّ المعاني واحدة قال حفظه الله تعالى:
قد كنت مقيماً في دمشق الشام، منذ سنين، مشتغلا بطلب العلم، عند الشيخ الفاضل الشيخ عبد الرحيم الحنفي وفّقه الله لنور الهداية في علمي الاصول والعربيّة، وعند الشيخ زين الدّين بن علي المغربي الأندلسي المالكي في علم القراءة لأنّه كان عالماً فاضلا عارفاً بالقراءات السبع، وكان له معرفة في أغلب العلوم من الصرف والنحو والمنطق والمعاني والبيان والأصولين(٣٨٩) وكان ليّن الطبع لم يكن عنده معاندة في البحث ولا في المذهب لحسن ذاته.
فكان إذا جرى ذكر الشيعة يقول: قال علماء الاماميّة، بخلاف من المدرّسين فانّهم كانوا يقولون عند ذكر الشيعة: قال علماء الرّافضة، فاختصصت به وتركت التردّد إلى غيره، فأقمنا على ذلك برهة من الزّمان أقرأ عليه في العلوم المذكورة.
فاتّفق انّه عزم على السّفر من دمشق الشام، يريد الدّيار المصريّة، فلكثرة المحبّة التي كانت بيننا عزّ عليّ مفارقته، وهو أيضاً كذلك، فآل الأمر إلى انّه هداه الله صمّم العزم على صحبتي له إلى مصر، وكان عنده جماعة من الغرباء مثلي، يقرؤون عليه فصحبه اكثرُهم.
فسرنا في صحبته إلى أن وصلنا مدينة بلاد مصر المعروفة بالقاهرة، وهي أكبر من مدائن مصر كلّها، فأقام بالمسجد الأزهر مدّة يدرّس، فتسامع فضلاء مصر بقدومه، فوردوا كلّهم لزيارته وللانتفاع بعلومه، فأقام في قاهرة مصر مدّة تسعة أشهر، ونحن معه على أحسن حال وإذا بقافلة قد وردت من الأندلس ومع رجل منها كتاب من والد شيخنا الفاضل المذكور يعرّفه فيه بمرض شديد قد عرض له وانّه يتمنّى الاجتماع به قبل الممات، ويحثّه فيه على عدم التأخير.
فرقّ الشيخ من كتاب أبيه وبكى، وصمّم العزم على المسير إلى جزيرة الأندلس، فعزم بعض التلامذة على صحبته، ومن الجملة أنا، لأنّه هداه الله قد كان أحبّني محبّة شديدة وحسّن لي المسير معه، فسافرت إلى الأندلس في صحبته فحيث وصلنا إلى أوّل قرية من الجزيرة المذكورة، عرضت لي حمّى منعتني عن الحركة.
فحيث رآني الشيخ على تلك الحالة رقّ لي وبكى، وقال: يعزّ عليّ مفارقتك، فأعطى خطيب تلك القرية التي وصلنا اليها عشرة دراهم، وأمره أن يتعاهدني حتى يكون منّي أحد الأمرين، وانّ من الله بالعافية اتّبعه إلى بلده، هكذا عهد إليّ بذلك وفّقه الله بنور الهداية إلى طريق الحقّ المستقيم، ثمّ مضى إلى بلد الأندلس، ومسافة الطريق من ساحل البحر إلى بلده خمسة أيام.
فبقيت في تلك القرية ثلاثة أيام لا أستطيع الحركة لشدّة ما أصابني من الحمّى ففي آخر اليوم الثالث فارقتني الحمّى، وخرجت أدور في سكك تلك القرية فرأيت قَفلا قد وصل من جبال قريبة من شاطئ البحر الغربي يجلبون الصوف والسمن والأمتعة، فسألت عن حالهم فقيل: انّ هؤلاء يجيئون من جهة قريبة من أرض البربر، وهي قريبة من جزائر الرافضة.
فحيث سمعت ذلك منهم ارتحت اليهم، وجذبني باعث الشوق إلى أرضهم، فقيل لي: انّ المسافة خمسة وعشرون يوماً، منها يومان بغير عمارة ولا ماء، وبعد ذلك فالقرى متّصلة، فاكتريت معهم من رجل حماراً بمبلغ ثلاثة دراهم، لقطع تلك المسافة التي لا عمارة فيها، فلمّا قطعنا معهم تلك المسافة، ووصلنا أرضهم العامرة، تمشّيت راجلا وتنقّلت على اختياري من قرية إلى اُخرى [إلى] أن وصلت إلى أوّل تلك الأماكن، فقيل لي: انّ جزيرة الروافض قد بقي بينك وبينها ثلاثة أيام، فمضيت ولم أتأخّر.
فوصلت إلى جزيرة ذات أسوار أربعة، ولها أبراح محكمات شاهقات، وتلك الجزيرة بحصونها راكبة على شاطئ البحر، فدخلت من باب كبيرة يقال لها: باب البربر، فدُرت في سككها أسأل عن مسجد البلد، فهُديت عليه، ودخلت إليه فرأيته جامعاً كبيراً معظماً واقعاً على البحر من الجانب الغربي من البلد، فجلست في جانب المسجد لأستريح وإذا بالمؤذّن يؤذّن للظهر ونادى بحيّ على خير العمل ولمّا فرغ دعا بتعجيل الفرج للامام صاحب الزمان عليه السلام.
فأخذتني العبرة بالبكاء، فدخلت جماعة بعد جماعة إلى المسجد، وشرعوا في الوضوء على عين ماء تحت شجرة في الجانب الشرقي من المسجد، وأنا أنظر اليهم فرحاً مسروراً لما رأيته من وضوئهم المنقول عن ائمة الهدى عليهم السلام.
فلمّا فرغوا من وضوئهم وإذا برجل قد برز من بينهم بهيّ الصورة، عليه السكينة والوقار، فتقدّم إلى المحراب، وأقام الصلاة، فاعتدلت الصفوف وراءه وصلّى بهم اماماً وهم به مأمومون صلاة كاملة بأركانها المنقولة عن ائمّتنا عليهم السلام على الوجه المرضيّ فرضاً ونفلا وكذا التعقيب والتسبيح، ومن شدّة ما لقيته من وعثاء السفر، وتعبي في الطريق لم يمكنّي أن أصلّي معهم الظهر.
فلمّا فرغوا ورأوني أنكروا عليّ عدم اقتدائي بهم، فتوجّهوا نحوي بأجمعهم وسألوني عن حالي ومن أين أصْلي، وما مذهبي؟ فشرحت لهم أحوالي وانّي عراقي الأصل، وأمّا مذهبي فانّني رجل مسلم أقول أشهد أن لا إله الّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله أرسله [بالهدى] ودين الحقّ ليظهره على الأديان كلّها ولو كره المشركون.
فقالوا لي: لم تنفعك هاتان الشهادتان الّا لحقن دمك في دار الدنيا لم لا تقول الشهادة الأخرى لتدخل الجنّة بغير حساب؟ فقلت لهم؟ وما تلك الشهادة الأخرى؟
اهدوني إليها يرحمكم الله، فقال لي إمامُهم: الشهادة الثالثة هي أن تشهد أنّ أمير المؤمنين، ويعسوب المتّقين، وقائد الغرّ المحجّلين علي بن أبي طالب والائمة الأحد عشر من ولده أوصياء رسول الله، وخلفاؤه من بعد بلا فاصلة، قد أوجب الله عزّ وجلّ طاعتهم على عباده، وجعلهم أولياء أمره ونهيه، وحججاً على خلقه في أرضه، وأماناً لبريّته، لأنّ الصادق الأمين محمداً رسول ربّ العالمين صلى الله عليه وآله وسلّم أخبر بهم عن الله تعالى مشافهة من نداء الله عزّ وجلّ له عليه السلام في ليلة معراجه إلى السماوات السبع، وقد صار من ربّه كقاب قوسين أو أدنى، وسمّاهم له واحداً بعد واحد، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فلمّا سمعت مقالتهم هذه حمدت الله سبحانه على ذلك، وحصل عندي أكمل السرور، وذهب عنّي تعب الطريق من الفرح، وعرّفتهم انّي على مذهبهم، فتوجّهوا اليّ توجّه إشفاق، وعيّنوا لي مكاناً في زوايا المسجد، وما زالوا يتعاهدونني بالعزّة والاكرام مدّة إقامتي عندهم، وصار امام مسجدهم لا يفارقني ليلا ولا نهاراً.
فسألته عن ميرة أهل بلده من أين تأتي اليهم فانّي لا أرى لهم أرضاً مزروعة، فقال: تأتي اليهم ميرتهم من الجزيرة الخضراء من البحر الأبيض، من جزائر أولاد الامام صاحب الأمر عليه السلام، فقلت له: كم تأتيكم ميرتكم في السنة؟ فقال: مرّتين، وقد أتت مرّة وبقيت الأخرى، فقلت: كم بقي حتى تأتيكم؟ قال: أربعة أشهر.
فتأثّرت لطول المدّة، ومكثت عندهم مقدار أربعين يوماً أدعو الله ليلا ونهاراً بتعجيل مجيئها، وأنا عندهم في غاية الاعزاز والاكرام، ففي آخر يوم من الأربعين ضاق صدري لطول المدّة فخرجت إلى شاطئ البحر، أنظر إلى جهة المغرب التي ذكروا أهل البلد انّ ميرتهم تأتي اليهم من تلك الجهة.
فرأيت شبحاً من بعيد يتحرّك، فسألت عن ذلك الشبح أهل البلد وقلت لهم: هل يكون في البحر طير أبيض؟ فقالوا لي: لا، فهل رأيت شيئاً؟ قلت: نعم،
فاستبشروا وقالوا: هذه المراكب التي تأتي الينا في كلّ سنة من بلاد أولاد الامام عليه السلام.
فما كان الّا قليل حتّى قدمت تلك المراكب، وعلى قولهم انّ مجيئها كان في غير الميعاد، فقدم مركب كبير وتبعه آخر وآخر حتّى كملت سبعاً، فصعد من المركب الكبير شيخ مربوع القامة، بهيّ المنظر، حسن الزيّ، ودخل المسجد فتوضأ الوضوء الكامل على الوجه المنقول عن ائمة الهدى عليهم السلام وصلّى الظهرين، فلمّا فرغ من صلاته التفت نحوي مسلّماً عليّ، فرددت عليه السلام، فقال: ما اسمك وأظنّ أنّ اسمك علي؟ قلت: صدقت فحادثني بالسرّ محادثة من يعرفني فقال: ما اسم أبيك؟ ويوشك أن يكون فاضلا، قلت: نعم، ولم أكن أشك في انّه قد كان في صحبتنا من دمشق.
فقلت: أيّها الشيخ! ما أعرفك بي وبأبي؟ هل كنت معنا حيث سافرنا من دمشق الشام إلى مصر؟ فقال: لا، قلت: ولا من مصر إلى الأندلس؟ قال: لا، ومولاي صاحب العصر، قلت له: فمن أين تعرفني باسمي واسم أبي؟
قال: اعلم أنّه قد تقدّم اليّ وصفك، وأصلك، ومعرفة اسمك وشخصك وهيئتك واسم أبيك، وأنا أصحبك معي إلى الجزيرة الخضراء.
فسررت بذلك حيث قد ذكرتُ ولي عندهم اسم، وكان من عادته انّه لا يقيم عندهم الّا ثلاثة أيام فأقام اسبوعاً وأوصل الميرة إلى أصحابها المقرّرة لهم، فلمّا أخذ منهم خطوطهم بوصول المقرّر لهم، عزم على السفر، وحملني معه، وسرنا في البحر.
فلمّا كان في السادس عشر من مسيرنا في البحر رأيت ماءً أبيض فجعلت اُطيل النظر إليه، فقال لي الشيخ واسمه محمد: ما لي أراك تطيل النظر إلى هذا الماء؟ فقلت له: انّي أراه على غير لون ماء البحر.
فقال لي: هذا هو البحر الأبيض، وتلك الجزيرة الخضراء، وهذا الماء المستدير حولها مثل السّور من أيّ الجهات أتيته وجدته، وبحكمة الله تعالى إن مراكب اعدائنا إذا دخلته غرقت وإنْ كانت محكمة ببركة مولانا وامامنا صاحب العصر عليه السلام فاستعملته وشربت منه، فاذا هو كماء الفرات.
ثمّ إنّا لمّا قطعنا ذلك الماء الأبيض، وصلنا إلى الجزيرة الخضراء لا زالت عامرة آهلة، ثمّ صعدنا من المركب الكبير إلى الجزيرة ودخلنا البلد، فرأيته محصّناً بقلاع وأبراج وأسوار سبعة واقعة على شاطئ البحر، ذات أنهار وأشجار مشتملة على أنواع الفواكه والأثمار المنوّعة، وفيها أسواق كثيرة، وحمّامات عديدة، وأكثر عمارتها برخام شفّاف، وأهلها في أحسن الزيّ والبهاء، فاستطار قلبي سروراً لما رأيته.
ثمّ مضى بي رفيقي محمد بعدما استرحنا في منزله إلى الجامع المعظّم، فرأيت فيه جماعة كثيرة وفي وسطهم شخص جالس عليه من المهابة والسكينة والوقار ما لا أقدر [أن] أصفه، والناس يخاطبونه بالسيّد شمس الدين محمد العالم، ويقرؤون عليه القرآن والفقه، والعربيّة بأقسامها، وأصول الدين والفقه الذي يقرؤونه عن صاحب الأمر عليه السلام مسألة مسألة، وقضيّة قضيّة، وحكماً حكماً.
فلمّا مثلت بين يديه، رحبّ بي وأجلسني في القرب منه، وأحفى السؤال عن تعبي في الطريق وعرّفني انّه تقدّم إليه كلّ أحوالي، وانّ الشيخ محمد رفيقي انّما جاء بي بأمر من السيد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه.
ثمّ أمر لي بتخلية موضع منفرد في زاوية من زوايا المسجد، وقال لي: هذا يكون لك إذا أردت الخلوة والراحة، فنهضت ومضيت إلى ذلك الموضع، فاسترحت فيه إلى وقت العصر، وإذا أنا بالموكّل بي قد أتى إليّ وقال لي: لا تبرح من مكانك حتى يأتيك السيد وأصحابه لأجل العشاء معك، فقلت: سمعاً وطاعة.
فما كان الّا قليل وإذا بالسيّد سلّمه الله قد أقبل، ومعه أصحابه، فجلسوا ومدّت المائدة فأكلنا ونهضنا إلى المسجد مع السيّد لأجل صلاة المغرب والعشاء، فلمّا فرغنا من الصلاتين ذهب السيد إلى منزله، ورجعت إلى مكاني وأقمت على هذه الحال مدّة ثمانية عشر يوماً، ونحن في صحبته أطال الله بقاءه.
فأوّل جمعة صلّيتها معهم رأيت السيّد سلّمه الله صلّى الجمعة ركعتين فريضة واجبة، فلمّا انقضت الصلاة قلت: يا سيّدي قد رأيتكم صلّيتم الجمعة ركعتين فريضة واجبة؟ قال: نعم، لأنّ شروطها المعلومة قد حضرت فوجبت، فقلت في نفسي: ربّما كان الامام عليه السلام حاضراً.
ثمّ في وقت آخر سألت منه في الخلوة: هل كان الامام حاضراً؟ فقال: لا، ولكنّي أنا النائب الخاص بأمر صدر عنه عليه السلام، فقلت: يا سيّدي! وهل رأيت الامام عليه السلام؟ قال: لا، ولكنّي حدّثني أبي رحمه الله انّه سمع حديثه ولم يَرَ شخصه وانّ جدّي رحمه الله سمع حديثه ورأى شخصه.
فقلت له: ولم ذاك يا سيدي يختصّ بذلك رجل دون آخر؟ فقال لي: يا أخي! انّ الله سبحانه وتعالى يؤتي الفضل من يشاء من عباده، وذلك لحكمة بالغة وعظمة قاهرة، كما انّ الله تعالى اختصّ من عباده الأنبياء والمرسلين، والأوصياء المنتجبين، وجعلهم اعلاماً لخلقه، وحججاً على بريّته، ووسيلة بينهم وبينه ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيي من حيّ عن بيّنة، ولم يخل أرضه بغير حجّة على عباده للطفه بهم، ولابدّ لكلّ حجة من سفير يبلغ عنه.
ثمّ انّ السيد سلّمه الله أخذ بيدي إلى خارج مدينتهم، وجعل يسير معي نحو البساتين، فرأيت فيها أنهاراً جارية، وبساتين كثيرة، مشتملة على أنواع الفواكه، عظيمة الحسن والحلاوة، من العنب والرّمان، والكمّثرى وغيرها ما لم أرَها في العراقين، ولا في الشامات كلّها.
فبينما نحن نسير من بستان إلى آخر إذ مرّ بنا رجل بهيّ الصورة، مشتمل ببردتين من صوف أبيض، فلمّا قرب منّا سلّم علينا وانصرف عنّا، فأعجبتني هيئته فقلت للسيّد سلّمه الله: من هذا الرجل؟ قال لي: اتنظر إلى هذا الجبل الشاهق؟ قلت: نعم، قال: إنّ في وسطه لمكاناً حسناً وفيه عين جارية، تحت شجرة ذات أغصان كثيرة، وعندها قبّة مبنيّة بالآجر، وانّ هذا الرجل مع رفيق له خادمان لتلك القبّة، وأنا أمضي إلى هناك في كلّ صباح جمعة، وأزور الامام عليه السلام منها وأصلّي ركعتين، وأجد هناك ورقة مكتوب فيها ما أحتاج إليه من المحاكمة بين المؤمنين، فمهما تضمّنته الورقة أعمل به، فينبغي لك أن تذهب إلى هناك وتزور الامام عليه السلام من القبّة.
فذهبت إلى الجبل فرأيت القبّة على ما وصف لي سلّمه الله، ووجدت هناك خادمين، فرحّب بي الذي مرّ علينا وأنكرني الآخر، فقال له: لا تنكره فانّي رأيته في صحبة السيّد شمس الدين العالم، فتوجّه إليّ ورحّب بي وحادثاني وأتيا لي بخبز وعنب فأكلت وشربت من ماء تلك العين التي عند تلك القبّة، وتوضّأت وصلّيت ركعتين.
وسألت الخادمين عن رؤية الامام عليه السلام، فقالا لي: الرؤية غير ممكنة وليس معنا اذن في اخبار أحد، فطلبت منهم الدعاء، فدعيا لي، وانصرفت عنهما، ونزلت من ذلك الجبل إلى أن وصلت إلى المدينة.
فلمّا وصلت إليها ذهبت إلى دار السيّد شمس الدين العالم، فقيل لي: انّه خرج في حاجة له، فذهبت إلى دار الشيخ محمد الذي جئت معه في المركب فاجتمعت به وحكيت له عن مسيري إلى الجبل، واجتماعي بالخادمين، وانكار الخادم عليّ، فقال لي: ليس لأحد رخصة في الصعود إلى ذلك المكان، سوى السيّد شمس الدين وأمثاله، فلهذا وقع الانكار منه لك، فسألته عن أحوال السيّد شمس الدين أدام الله افضاله، فقال: انّه من أولاد أولاد الامام، وانّ بينه وبين الامام عليه السلام خمسة آباء وانّه النائب الخاص عن أمر صدر منه عليه السلام.
قال الشيخ الصالح زين الدين علي بن فاضل المازندراني المجاور بالغري على مشرّفه السلام: واستأذنت السيد شمس الدين العالم، أطال الله بقاءه في نقل بعض المسائل التي يحتاج إليها عنه، وقراءة القرآن المجيد، ومقابلة المواضع المشكلة من العلوم الدينيّة وغيرها فأجاب إلى ذلك وقال: إذا كان ولابدّ من ذلك فابدأ أوّلا بقراءة القرآن العظيم.
فكان كلّما قرأت شيئاً فيه خلاف بين القرّاء أقول به: قرأ حمزة كذا، وقرأ الكسائي كذا، وقرأ عاصم كذا، وأبو عمرو بن كثير كذا.
فقال السيد سلّمه الله: نحن لا نعرف هؤلاء، وانما القرآن نزل على سبعة أحرف، قبل الهجرة من مكة إلى المدينة وبعدها لمّا حجّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم حجّة الوداع، نزل عليه الروح الأمين جبرئيل عليه السلام، فقال: يا محمد اتلُ عليّ القرآن حتى أعرّفك أوائل السور، وأواخرها، وشأن نزولها.
فاجتمع إليه عليّ بن أبي طالب، وولداه الحسن والحسين عليهما السلام، واُبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعة من الصحابة رضي الله عن المنتجبين منهم، فقرأ النبي صلى الله عليه وآله وسلّم القرآن من أوّله إلى آخره، فكان كلّما مرّ بموضع فيه اختلاف بيّنه له جبرئيل عليه السلام وأمير المؤمنين عليه السلام يكتب ذاك في درج من أدم، فالجميع قراءة أمير المؤمنين ووصيّ رسول ربّ العالمين.
فقلت له: يا سيّدي أرى بعض الآيات غير مرتبطة بما قبلها وبما بعدها، كأنّ فهمي القاصر لم يصر إلى غورية ذلك.
فقال: نعم، الأمر كما رأيته وذلك [انّه] لمّا انتقل سيّد البشر محمد بن عبد الله من دار الفناء إلى دار البقاء وفعل صنما قريش ما فعلاه، من غصب الخلافة الظاهرية، جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن كلّه، ووضعه في إزار وأتى به اليهم وهم في المسجد.
فقال لهم: هذا كتاب الله سبحانه أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أن أعرضه اليكم لقيام الحجّة عليكم، يوم العرض بين يدي الله تعالى، فقال له فرعون هذه الأمة ونمرودها: لسنا محتاجين إلى قرآنك، فقال عليه السلام: لقد أخبرني حبيبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم بقولك هذا، وانّما أردت بذلك القاء الحجة عليكم.
فرجع أمير المؤمنين عليه السلام به إلى منزله، وهو يقول: لا إله الّا أنت، وحدك لا شريك لك، لا رادّ لما سبق في علمك، ولا مانع لما اقتضته حكمتك، فكن أنت الشاهد لي عليهم يوم العرض عليك.
فنادى ابن أبي قحافة بالمسلمين، وقال لهم: كلّ من عنده قرآن من آية أو سورة فليأت بها، فجاءه أبو عبيدة بن الجراح، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، وأبو سعيد الخدري، وحسّان بن ثابت، وجماعات من المسلمين وجمعوا هذا القرآن، وأسقطوا ما كان فيه من المثالب التي صدرت منه، بعد وفاة سيّد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلّم.
فلهذا ترى الآيات غير مرتبطة والقرآن الذي جمعه أمير المؤمنين عليه السلام بخطّه محفوظ عند صاحب الأمر عليه السلام فيه كلّ شيء حتى أرش الخدش، وأمّا هذا القرآن، فلا شك ولا شبهة في صحّته، وانّما كلام الله سبحانه هكذا صدر عن صاحب الأمر عليه السلام.
قال الشيخ الفاضل عليّ بن فاضل: ونقلت عن السيد شمس الدين حفظه الله مسائل كثيرة تنوف على تسعين مسألة، وهي عندي، جمعتها في مجلّد وسمّيتها بالفوائد الشمسيّة ولا أطلع عليها الّا الخاص من المؤمنين، وستراه إن شاء الله تعالى.
فلمّا كانت الجمعة الثانية وهي الوسطى من جمع الشهر، وفرغنا من الصلاة وجلس السيّد سلّمه الله في مجلس الإفادة للمؤمنين وإذا أنا أسمع هرجاً ومرجاً وجزلة عظيمة خارج المسجد، فسألت من السيّد عمّا سمعته، فقال لي: انّ أمراء عسكرنا يركبون في كلّ جمعة من وسط كلّ شهر، وينتظرون الفرج فاستأذنته في النّظر اليهم فأذن لي، فخرجت لرؤيتهم، وإذا هم جمع كثير يسبّحون الله ويحمدونه، ويهلّلونه جلّ وعزّ، ويدعون بالفرج للامام القائم بأمر الله والناصح لدين الله م ح م د بن الحسن المهدي الخلف الصالح، صاحب الزمان عليه السلام.
ثمّ عدت إلى مسجد السيّد سلّمه الله فقال لي: رأيت العسكر؟ فقلت: نعم، قال: فهل عددت أمراءهم؟ قلت: لا، قال: عدّتهم ثلاثمائة ناصر، وبقي ثلاثة عشر ناصراً، ويعجّل الله لوليّه الفرج بمشيّته انّه جواد كريم.
قلت: يا سيدي ومتى يكون الفرج؟ قال: يا أخي إنّما العلم عند الله والأمر متعلّق بمشيّته سبحانه وتعالى، حتى انّه ربّما كان الامام عليه السلام لا يعرف ذلك بل له علامات وأمارات تدلّ على خروجه.
من جملتها أن ينطق ذو الفقار بأن يخرج من غلافه، ويتكلّم بلسان عربي مبين: قم يا وليّ الله على اسم الله، فاقتل بي اعداء الله.
ومنها ثلاثة أصوات يسمعها الناس كلّهم، الصوت الأول: أزفت الآزفة يا معشر المؤمنين، والصوت الثاني: أَلاَ لعنة الله على الظالمين لآل محمد عليهم السلام، والثالث بدن يظهر فيرى في قرن الشمس يقول: انّ الله بعث صاحب الأمر م ح م د بن الحسن المهدي عليه السلام فاسمعوا له وأطيعوا.
فقلت: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا أحاديث رويت عن صاحب الأمر عليه السلام انّه قال لمّا أمر بالغيبة الكبرى: من رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم من يراه؟! فقال: صدقت انّه عليه السلام انّما قال ذلك في ذلك الزّمان لكثرة اعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتّى انّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدّث بذكره، وفي هذا الزّمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم وعن ظلمهم وعنائهم، وببركته عليه السلام لا يقدر أحد من الأعداء على الوصول إلينا.
قلت: يا سيدي! قد روت علماء الشيعة حديثاً عن الامام عليه السلام انّه أباح الخمس لشيعته، فهل رويتم عنه ذلك؟ قال: نعم، انّه عليه السلام رخّص وأباح الخمس لشيعته من ولد علي عليه السلام وقال: هم في حلّ من ذلك، قلت: وهل رخّص للشيعة أن يشتروا الاماء والعبيد من سبي العامّة؟ قال: نعم، ومن سبي غيرهم لأنّه عليه السلام قال: عاملوهم بما عاملوا به أنفسهم، وهاتان المسألتان زائدتان على المسائل التي سمّيتها لك.
وقال السيّد سلّمه الله: انّه يخرج من مكة بين الرّكن والمقام في سنة وتر فليرتقبها المؤمنون.
فقلت: يا سيّدي قد أحببت المجاورة عندكم إلى أن يأذن الله بالفرج، فقال لي: اعلم يا أخي انّه تقدّم اليّ كلام بعودك الى وطنك، ولا يمكنني وايّاك المخالفة، لأنّك ذو عيال وغبت عنهم مدّة مديدة، ولا يجوز لك التخلّف عنهم أكثر من هذا، فتأثّرت من ذلك وبكيت.
وقلت: يا مولاي وهل تجوز المراجعة في أمري؟ قال: لا، قلت: يا مولاي وهل تأذن لي في أن أحكي كلّما قد رأيته وسمعته؟ قال: لا بأس أن تحكي للمؤمنين لتطمئنّ قلوبهم، الّا كيت وكيت، وعيّن ما لا أقوله.
فقلت: يا سيدي أما يمكن النظر إلى جماله وبهائه عليه السلام؟ قال: لا، ولكن اعلم يا أخي انّ كلّ مؤمن مخلص يمكن أن يرى الامام ولا يعرفه، فقلت: يا سيّدي أنا من جملة عبيده المخلصين، ولا رأيته.
فقال لي: بل رأيته مرّتين؛ مرّة منها لمّا أتيت إلى سرّ من رأى وهي أوّل مرّة جئتها، وسبقك أصحابك وتخلّفت عنهم، حتى وصلت إلى نهر لا ماء فيه فحضر عندك فارس على فرس شهباء، وبيده رمح طويل، وله سنان دمشقي، فلمّا رأيته خفت على ثيابك، فلمّا وصل اليك قال لك: لا تخف اذهب إلى أصحابك، فانّهم ينتظرونك تحت تلك الشجرة، فأذكرني والله ما كان، فقلت: قد كان ذلك يا سيّدي.
قال: والمرّة الأخرى حين خرجت من دمشق تريد مصراً مع شيخك الأندلسي، وانقطعت عن القافلة، وخفت خوفاً شديداً، فعارضك فارس على فرس غرّاء محجّلة، وبيده رمح أيضاً، وقال لك: سر ولا تخف إلى قرية على يمينك ونم عند أهلها الليلة، وأخبرهم بمذهبك الذي ولدت عليه، ولا تتّق منهم فانّهم مع قرى عديدة جنوبي دمشق، مؤمنون مخلصون، يدينون بدين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذرّيته عليهم السلام.
أكان ذلك يا ابن فاضل؟ قلت: نعم، وذهبت إلى عند أهل القرية ونمت عندهم فأعزّوني وسألتهم عن مذهبهم، فقالوا لي - من غير تقيّة مني -: نحن على مذهب أمير المؤمنين، ووصيّ رسول ربّ العالمين علي بن أبي طالب والائمة المعصومين من ذرّيته عليهم السلام فقلت لهم من أين لكم هذا المذهب؟ ومَنْ أوصله اليكم؟ قالوا: أبو ذر الغفاري رضي الله عنه حين نفاه عثمان إلى الشام، ونفاه معاوية إلى أرضنا هذه، فعمّتنا بركته، فلمّا أصبحت طلبت منهم اللحوق بالقافلة فجهّزوا معي رجلين ألحقاني بها، بعد أن صرّحت لهم بمذهبي.
فقلت له: يا سيدي هل يحجّ الامام عليه السلام في كلّ مدّة بعد مدّة؟ قال لي: يا ابن فاضل! الدّنيا خطوة مؤمن، فكيف بمن لم تقم الدّنيا الّا بوجوده ووجود آبائه عليهم السلام، نعم يحجّ في كلّ عام ويزور آباءه في المدينة والعراق، وطوس، على مشرّفيها السلام، ويرجع إلى أرضنا هذه.
ثمّ إنّ السيّد شمس الدين حثّ عليّ بعدم التأخير بالرّجوع إلى العراق وعدم الاقامة في بلاد المغرب، وذكر لي انّ دراهمهم مكتوب عليها: لا إله الّا الله محمد رسول الله عليٌ ولي الله محمد بن الحسن القائم بأمر الله. وأعطاني السيّد منها خمسة دراهم وهي محفوظة عندي للبركة.
ثمّ إنّه سلّمه الله وجّهني مع المراكب التي أتيت معها إلى أن وصلنا إلى تلك البلدة التي أوّل ما دخلتها من أرض البربر، وكان قد أعطاني حنطة وشعيراً فبعتها في تلك البلدة بمائة وأربعين ديناراً ذهباً من معاملة بلاد المغرب، ولم أجعل طريقي على الأندلس امتثالا لأمر السيّد شمس الدين العالم أطال الله بقاءه، وسافرت منها مع الحَجِيج المغربيّ إلى مكة شرّفها الله تعالى وحججت، وجئت إلى العراق وأريد المجاورة في الغريّ على مشرّفيها السلام حتى الممات.
قال الشيخ زين الدّين عليّ بن فاضل المازندراني: لم أرَ لعلماء الاماميّة عندهم ذكراً سوى خمسة: السيّد المرتضى الموسوي، والشيخ أبو جعفر الطوسي، ومحمد بن يعقوب الكليني، وابن بابويه، والشيخ أبو القاسم جعفر بن اسماعيل الحلّي(٣٩٠).
[وقال الشيخ علي بن فاضل أيضاً: انّ لي بهذه السنة ثمان سنوات ونصفاً من زمان كنت في تلك الناحية المقدّسة إلى هذا الوقت وأنا أنقل لكم ذلك في الحلّة.
وقد سمعت عند خروج الشيخ علي بن فاضل من الحلّة انّه اقام مدّة في مسجد السهلة لأنّه كان قد أوعد، وان مولد وموطن الشيخ علي بن فاضل هو في اقليم مازندران في بلدة يقال لها ابريم والله الهادي](٣٩١).
يقول المؤلف:
نقل العلامة المجلسي في البحار، والفاضل الخبير الميرزا عبد الله الاصفهاني في رياض العلماء عن رسالة الجزيرة الخضراء انّ صاحب الرسالة قال: وجدت بخط الشيخ الفاضل الفضل بن يحيى في خزانة أمير المؤمنين عليه السلام، ولم يشيروا إلى اسم الواجد وجامع الحكاية مَنْ هو، واكتفوا بهذا المقدار في الاعتبار.
ولكن الفاضل الصالح الآخوند الملاّ كاظم الهزار جريبي تلميذ الاستاذ الاكبر العلامة البهبهاني، قال في كتاب مناقبه: انّ هذه الحكاية منقولة عن خط الشيخ الأجل الأفضل الأعلم، الأعمل، الأكمل، عمدة الفقهاء والمجتهدين مجدد مراسم الائمة الطاهرين عليهم السلام محمد بن مكي المعروف بالشهيد بنقل جماعة من المؤمنين الأتقياء الثقات المعتمدين باللفظ العربي، وأما ترجمته بالفارسية فهي هكذا:(٣٩٢) يقول الشيخ الأجل الشهيد السعيد المشار إليه: وجدت بخطّ الامام العالم الفضل بن يحيى... إلى آخره.
ومن هذا يظهر انّ صاحب الرسالة هو الشهيد.
ومما يؤيد هذا الكلام في أنّه لابدّ أن يكون مؤلفها هو الشهيد أو مَنْ هو نظيره مَنْ لا يتكلّم في نقله وهو المير محمد لوحي المعاصر للعلامة المجلسي في كتاب (كفاية المهتدي في معرفة المهدي)، فهو مع طعنه الكثير في نقل العلامة المتقدّم ذكره وفهمه، ومع كثرة اشكالاته عليه فهو يقول في أحد مواضع ذلك الكتاب:(٣٩٣) " وهو من الأخبار المعتبرة النادرة التي ذكر فيها مدينة الشيعة والجزيرة الخضراء والبحر الأبيض والتي تقول انّ لصاحب الزمان عليه السلام عدّة أولاد.
وقد وفقنا مع هذا الحديث الصحيح في كتاب رياض المؤمنين".
وإن لم يكن اعتبار تلك الرسالة معلوم وواضح، فلكان مجال الطعن - حتى مع جزئيته - ميداناً واسعاً، فيطعن ويشكل على العلامة المذكور في انّه نقل مثل تلك القصّة الطويلة التي لا أساس لها في كتاب لجمع الأخبار المعتبرة.
ويقول العالم الجليل والحبر النبيل الشيخ اسد الله الكاظميني في أوّل المقابيس في ضمن توصيفه فضائل المحقق صاحب الشرائع:
"... رئيس العلماء، حكيم الفقهاء، شمس الفضلاء، بدر العرفاء، المنوّه باسمه وعلمه في قصّة الجزيرة الخضراء... الخ"(٣٩٤).
وقال في (كشف القناع) في ضمن الشواهد على امكان الرؤية في الغيبة الكبرى وتلقي حكم منه عليه السلام:
"[ومن جملتها](٣٩٥) قصة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، وتفسير الائمة عليهم السلام وغيرهما"(٣٩٦).
وقال الشهيد الثالث القاضي نور الله رحمه الله في كتاب مجالس المؤمنين:
"إنّ المخالفين والمؤالفين متّفقون طبق الروايات على أنّه عند الظهور تظهر لصاحب الأمر عليه السلام على الأرض جميع المخبئات الكنوز المستورة تحت الأرض.
وانّه سوف يغلب ظلمة وجبابرة الأرض، ويكون الملك بقبضته بقوّة وبارادته عليه السلام، ويتنوّر العالم بنور عدله وقسطه، ويهب ربّ العزّة له عليه السلام جميع هذه الأمور مع التمكين والقدرة، فيمكنه أن يتصرّف بها فلا يدع أحداً وبأثر اشارته العليّة أن لا يكون في ذلك الطريق، وان ذلك محال.
ويقيم بالخصوص لملازمي حريمه الخاصين ما يناسب الحال هناك.
ويقوم هناك ويفعل يقيناً بما يلزم كلّ أمر يراه صواباً بمقتضى المصلحة الدينية، كما يستفاد ذلك من قصّة البحر الأبيض والجزيرة الخضراء المشهورة"(٣٩٧) انتهى.
ويظهر من هذا الكلام الشريف انّ هذه القصة كانت معروفة ومشهورة عند تلك الطبقة، ويحتمل انّهم قد حصلوا عليها بسند آخر، ونقل عن (تاريخ جهان آرا) الذي هو من كتب التاريخ المعتبرة، وفي (رياض العلماء) وغيره، انّه قد ذكر فيها:
انّ الجزيرة الخضراء والبحر الأبيض، جزيرة تقع في بلاد ولاية البربر وسط بحر الأندلس وهو فيها عليه السلام وأولاده وأصحابه، وهي معمورة وعامرة، وفي ساحل ذلك البحر موضع على شكل الجزيرة يقول لها الأندلسيون جزيرة الرافضة، وان سكان جميع ذلك الساحل شيعة، اماميّون، ويأتيهم ما يحتاجون إليه من الجزيرة الخضراء التي هي مقام تواجده عليه السلام، في كلّ سنة مرّتين مع دليل لتلك السفن من طريق البحر الأبيض الذي هو محيط بتلك الناحية المقدّسة، وانّه يرجع بعد أن يقسمه على أهل تلك الجزيرة.
ولم يخفَ خافياً انّ اسم والد المحقق حسن وهو ابن يحيى بن سعيد الهذلي الحلي، وقد حرف في القصة المذكورة، أو انّ اسماعيل ذلك اسم شخص جليل من أجداده ينسب إليه هناك.
وأما الفضل بن يحيى راوي أصل الحكاية فهو من العلماء المعروفين، قال الشيخ الحرّ في أمل الآمل: "الشيخ مجد الدين الفضل بن يحيى [بن علي](٣٩٨) بن المظفر الطيبي الكاتب بواسط.
فاضل، عالم جليل، يروي كتاب كشف الغمة عن مؤلفه علي بن عيسى الأربلي، كتبه بخطّه، وقابله، وسمعه من مؤلفه، وله(٣٩٩) منه اجازة سنة ستمائة وواحد وتسعون.
وسمع منه(٤٠٠) جماعة قد ذكرناهم بأماكنهم، وهم اثنا عشر رجلا..."(٤٠١).
وقال الفاضل الميرزا عبد الله الاصفهاني في رياض العلماء: "[ورأيت] في نسخة عتيقة من كشف الغمّة انّ الفضل المذكور قد قابل الشيخ فضل بن يحيى المذكور في مستهل المحرم من سنة تسع وتسعين وستمائة بواسط صورة خط المأمون في ولاية عهده للرضا عليه السلام وما كتبه الرضا على ظهره مع خط المأمون وخط الرضا"(٤٠٢).
ولا يخفى انّ الكلام في هذه الحكاية وشبهة الاستبعاد من وجود مثل هذه البلاد العظيمة على وجه الأرض وعدم اطّلاع أحد عليها مع كثرة السفر والمجيء والذهاب.
وتقدّم في ذيل الحكاية الثانية انّه لا استبعاد في وجودها وحجبها عن أنظار الخلائق مع عموم قدرة الله تعالى.
وأعجب من ذلك سدّ الاسكندر ذي القرنين، وكهف اصحاب الكهف فانّهما موجودان بصريح القرآن، ولم يخبر أحد عنهما.
ونقل في مجلد السماء والعالم من البحار عن كتاب (قسمة أقاليم الأرض وبلدانها) تأليف أحد علماء أهل السنة، قال:
"بلد المهدي مدينة حسنة حصينة بناها المهدي الفاطمي، وجعل لها أبواباً من حديد، في كل باب ما يزيد على المائة قنطار، ولمّا بناها وأحكمها، قال: الآن أمنت على الفاطميين"(٤٠٣).
وروى الشيخ المقدّم أحمد بن محمد بن عياش في الجزء الأول من كتاب (مقتضب الأثر) باسناده إلى الشعبي انّه قال:
انّ عبد الملك بن مروان دعاني فقال: يا أبا عمرو انّ موسى بن نصير العبدي كتب إليّ - وكان عامله على المغرب - يقول: بلغني انّ مدينة من صفر كان ابتناها نبيّ الله تعالى سليمان بن داود عليه السلام، أمر الجن أن يبنوها له، فاجتمعت العفاريت من الجن على بنائها وانّها من عين القطر التي ألانها الله لسليمان بن داود عليه السلام وانّها في مفازة الأندلس، وانّ فيها من الكنوز التي استودعها سليمان عليه السلام وقد أردت أن اتعاطى الارتحال إليها، فأعلمني العلام بهذا الطريق انّه صعب لا يتمطى الّا بالاستعداد من الظهور، والازواد الكثيرة مع بُعد المسافة وصعوبتها، وانّ أحداً لم يهتم بها الاّ قصر عن بلوغها، الاّ دارا ابن دارا فلمّا قتله الاسكندر، قال: والله لقد جئت الأرض والأقاليم كلّها ودان لي أهلها، وما أرض الّا وقد وطئتها الّا هذه الأرض من الأندلس، فقد أدركها دارا ابن دارا، وانّي لجدير بقصدها كي لا أقصر عن غاية بلغها دارا، فتجهّز الاسكندر واستعدّ للخروج عاماً كاملا، فلمّا ظنّ انّه قد استعدّ لذلك، وقد كان بعث رواده فأعلموه انّ موانع دونها، فكتب عبد الملك بن مروان إلى موسى بن نصير يأمره بالاستعداد والاستخلاف على عمله، فاستعدّ وخرج فرآها وذكر أحوالها، فلمّا رجع كتب إلى عبد الملك بحالها وقال في آخر الكتاب: فلمّا مضت الأيام وفنيت الأزواد سرنا نحو بحيرة ذات شجر، وسرت مع سور المدينة فصرت إلى مكان من السور فيه كتاب بالعربيّة، فوقفت على قرائته وأمرت بانتساخه فاذا هو شعر:

ليعلم المرء ذو العزّ المنيع ومن * * * يرجو الخلود وما حيّ بمخلود
لو انّ خلقاً ينال الخلد في مهل * * * لنال ذاك سليمان بن داود
سالت له القطر عين القطر فائضة * * * بالقطر منه عطاء غير مصدود(٤٠٤)
فقال للجن ابنوا لي به أثراً * * * يبقى إلى الحشر لا يبلى ولا يودى(٤٠٥)
فصيّروه صفاحاً ثم هيل له * * * إلى السماء بأحكام وتجويد
وأفرغ القطر فوق السور منصلتا * * * فسار أصلب من صماء صيخود(٤٠٦)
وبثّ فيه كنوز الأرض قاطبة * * * وسوف يظهر(٤٠٧) يوماً غير محدود
وصار في قعر بطن الأرض مضطجعاً * * * مصمّداً بطوابيق الجلاميد(٤٠٨)
لم يبق من بعده للملك سابقة * * * حتى يضمن رمساً غير أخدود
هذا ليعلم انّ الملك منقطع * * * الّا من الله ذي النعماء والجود
حتى إذا ولدت عدنان صاحبها * * * من هاشم كان منها خير مولود
وخصّه الله بالآيات منبعثاً * * * إلى الخليقة منها البيض والسود
له مقاليد أهل الأرض قاطبة * * * والأوصياء له أهل المقاليد
هم الخلائف اثنا عشرة حججاً * * * من بعده الأوصياء السادة الصيد
حتى يقوم بأمر الله قائمهم * * * من السماء إذا ما باسمه نودي

فلما قرأ عبد الملك الكتاب وأخبره طالب بن مدرك وكان رسوله إليه بما عاين من ذلك، وعنده محمّد بن شهاب الزهري قال: ماذا ترى في هذا الأمر العجيب؟ فقال الزهري: أرى وأظنّ انّ جنّاً كانوا موكلين بما في تلك المدينة حفظة لها، يخيلون إلى من كان صعدها، قال عبد الملك: فهل علمت من أمر المنادي باسمه من السماء شيئاً؟ قال: الهَ عن هذا يا أمير المؤمنين! قال عبد الملك: وكيف ألهو عن ذلك وهو أكبر أوطاري؟ لتقولنّ بأشدّ ما عندك في ذلك سائني أم سرّني؟ فقال الزهري: أخبرني علي بن الحسين عليه السلام انّ هذا المهدي من ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال عبد الملك: كذبتما لا تزالان تدحضان في بولكما، وتكذبان في قولكما، ذلك رجل منّا! قال الزهري: أمّا أنا فرويته لك عن علي بن الحسين عليه السلام فإنْ شئت فاسأله عن ذلك ولا لوم عليّ فيما قلته لك، فإن يكُ كاذباً فعليه كذبه، وإن يكُ صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم، فقال عبد الملك: لا حاجة لي إلى سؤال أبي تراب، فخفض عليك يا زهري بعض هذا القول فلا يسمعه منك أحد، قال الزهري: لك عليّ ذلك(٤٠٩).
وكانت الأندلس بيد الافرنج لسنين طويلة، ومع شدّة اهتمامهم لمعرفة أوضاع الأرض وقدرتهم على ذلك فانّهم لم يكن عندهم خبر عن هذه المدينة.
وليس عند جميع أهل الأديان طرق استبعاد وخصوصاً أهل الاسلام - الذين هم أكمل وأعلم جميع الأمم ببركة وجود خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم وتكميله العباد في مراتب توحيد الذات وصفات وأفعال الباري ومصنوعات الحق جلّ وعلا العجيبة وآثاره الغريبة - بل انّ أهل السنة ومخالفينا اتّخذوا من أمثال الحكايات السابقة سببَ طعن واستهزاء بالطائفة الاماميّة.
وكان ينبغي لهم قبول هذا النوع من الأخبار لأنها مؤيدة لبعض الأمثلة التي استشهدوا بها لدعاواهم.
ولو انّها لا تؤيد أصل مذهبهم، فانّ الاشعرية - وقد استقرّ مذهب أهل السنة فيهم - يقولون في بيان قدرة الله عزّ وجلّ وعدم وجود اي سبب ومؤثر الّا ارادة ومشيئة الباري تعالى، فمن الممكن أن يكون في جبهتنا جبال شاهقة ارتفاعها من الأرض الى السماء متلألئة بألوان مختلفة، وليس هناك حجاب بيننا وبينهم، ويشع عليها نور الشمس وانها تتلألأ بتلألؤ شعاع الشمس، وتبقى العين وصاحب العين سالمين وليس في ذلك عيب ولا علّة وبينه وبين تلك الجبال أقل من شبر واحد، ومع ذلك فانّه لا يرى تلك الجبال.
ويقولون: يجوز أن يكون في صحراء خالية من البشر طولها وعرضها مائة فرسخ بمائة فرسخ، وان تلك الصحراء ملوءة من الخلائق لا يعلم عدّتهم أحد، وهم مشغولون بمحاربة بعضهم البعض الآخر والمنازعة والمسابقة والرمي وهجوم بعضهم على بعض بالسيوف وقد ركبوا على الخيل ولا حصر لهم، ويسافر الانسان في طول وعرض تلك الصحراء على شكل مستقيم أو معوج وبخطّ مستقيم أو مستدير بما يحيط سفره بجميع أجزاء تلك الصحراء ويجري فرسه، وانّه لا يسمع هناك أي حس وحركة من تلك الجماعة ولا يرى صورة أحد منهم، ولا يصادف في سيره ولا يصطدم بأحد منهم ولا بفرس من خيلهم، بل انّهم في جميع الأحوال يسيرون منحرفين عنه يميناً أو شمالا ويبتعدون عنه.
ونظائر تلك الخرافات التي هي محتوى وحاصل تلك العقائد لجميع الأشعرية.
وأمّا الاماميّة: فنقلوا في باب معاجز رسول الله وائمة الهدى صلوات الله عليهم نظير الحكاية المتقدّمة من هذا اللحاظ أخباراً كثيرة، كما أشير إليه سابقاً، بل نقلوا أخباراً كثيرة متواترة بحسب المعنى انّ في المشرق والمغرب مدينتين عظيمتين يقال لأحدهما جابلسا والأخرى جابلقا، بل مدن متعدّدة.
وإنّ الذين في تلك المدن انّما هم من انصار القائم عليه السلام ويخرجون معه يسبقون فيها اصحاب السلاح ويدعون الله عزّ وجلّ أن يجعلهم ممن ينتصر بهم لدينه، ويتعاهدون الأوقات التي يأتي فيها الائمة عليهم السلام ويتعلّمون فيها معالم الدين، ويعلمونهم الحكمة الالهية الحقة، ولا يسأمون من العبادة ولا يفترون، يتلون كتاب الله عزّ وجلّ كما أنزل، ويتعلّمونه منهم، وان فيه ما لو تُلِيَ على الناس لكفروا به، وانكروه، ويسألون الائمة عليهم السلام عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن لا يعرفونه، فاذا أُخبروا به انشرحت صدورهم لما يستمعون منهم، وانهم أصحاب أسرار ومقدّسون وزهاد وصالحون مَنْ يراهم يرى الخشوع والاستكانة وطلب ما يقربهم إلى الله عزّ وجلّ، وعمر أحدهم ألف سنة، وفيهم الكهول والشبّان، فاذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتى يأمره، ينتظرون القائم عليه السلام، ويدعون الله عزّ وجلّ أن يكونوا معه.
لهم طريق أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الامام عليه السلام، فاذا أمرهم الامام بأمر قاموا إليه أبداً حتى يكون هو الذي يأمرهم بغيره.
لو أنّهم وردوا ما بين المشرق والمغرب من خلق لأفنوهم في ساعة واحدة.
لا يختل فيهم الحديد، لهم سيوف من حديد غير هذا الحديد، لو ضرب أحدهم بسيفه جبلا لقدّه حتى يفصله.
ويغزو بهم الامام عليه السلام الهند، والديلم، والترك، والكرد، والروم، والبربر، وفارس.
وبين جابرسا إلى جابلقا لا يأتون على أهل دين الّا دعوهم إلى الله عزّ وجلّ، وإلى الاسلام، والإقرار بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم، والتوحيد، وولاية أهل البيت عليهم السلام، فمن أجاب منهم ودخل في الاسلام تركوه وأمّروا عليه أميراً منهم، ومن لم يجب ولم يقر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلّم، ولم يقرّ بالاسلام ولم يُسلم قتلوه.
منهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون القائم عليه السلام.
إذا احتبس الامام عنهم ظنّوا ذلك من سخط، يتعاهدون أوقات الامام التي يأتيهم بها.
لا يشركون بالله شيئاً، ولم يعصوا قطّ، يتبرّؤون من فلان وفلان(٤١٠)، وغير ذلك من حالات وصفات وأفعال تلك الجماعة وصفات ووضع مدينتهم فانّها مفصلة في الأخبار.
وبحسب ظاهر الشرع المطهّر وطريقة أهل الشريعة فانّه لا يمكن حمل كل تلك التفاصيل على عالم المثال، أو المنازل القلبية لأهل الحال كما يفعله أهل التأويل(٤١١).
وقد كان من الوضوح وجود هاتين المدينتين في الأرض أو في قطعات منفصلة عنها، كما احتمله بعض المحقّقين في السابق، بحيث إنّ سيد الشهداء عليه السلام احتجّ في مقام اتمام الحجة يوم عاشوراء وسط الميدان في جملة كلماته الشريفة: "والله ما بين جابلسا وجابلقا ابن نبي غيري"(٤١٢) كما رأيته في خبر ولا استحضر مكانه الآن.
وقال الفيروز آبادي في القاموس:
"جابَلَص بفتح الباء واللام أو سكونها، بلد بالمغرب وليس وراءه إنسي(٤١٣)، وجابلق بلد بالمشرق"(٤١٤).
وروى الشيخ حسن بن سليمان الحلّي تلميذ الشهيد الأول، في كتاب المختصر خبراً شريفاً في كيفية اتّهام أحد المنافقين لأمير المؤمنين عليه السلام عند خروجه في بعض الليالي من المدينة، وقد راقبه ذلك المنافق في ليلة، فأخذه عليه السلام إلى إحدى المدن التي تبعد عن المدينة مسيرة سنة وتركه هناك، ورؤيته حالات تلك البلاد، وكان من جملتها اعتماد أهلها على لعن ذلك المنافق في الزرع وغيره، وذلك انهم عندما ينثرون البذور فبسبب لعنه تخضر فوراً وتحمل وينضح حملها، فيحصدونه، وبعد اُسبوع جاء عليه السلام وأخذه معه ورجع، والخبر طويل وكان الفرض متعلقاً بمجمل مضمونه.
ونكتفي بهذا المقدار لرفع شبهة أهل الدين، بل قاطبة المليين.
تنبيه شريف:
ولا يخفى انّ الشيخ زين الدين علي بن فاضل سأل السيد شمس الدين في تحليله عليه السلام الخمس للشيعة في أيام الغيبة، وتصديق السيّد ذلك الخبر، وليس المراد من ذلك على الظاهر سقوط مطلق الخمس من سهم الامام عليه السلام وسهم السادة كما نقل عن سلار والمحقق السبزواري وصاحب الحدائق وبعض معاصريه.
وليس المراد سقوط سهم الامام عليه السلام في أيام الغيبة كما قاله صاحب المدارك والمحدّث الكاشاني نظراً لظاهر جملة من الأخبار التي تقول انّا أحللنا الخمس لشيعتنا لتطيب نطفهم(٤١٥).
وبهذا المضمون وقريب منه أخبار كثيرة، لكنّها تخالف ظاهر الكتاب والأخبار المعتبرة الصريحة ببقاء القسمين، بل التشديد والتأكيد عليه والتهديد والوعيد في التسامح فيه، ويكفي في ذلك التوقيع الشريف الذي ورد عن امام العصر عليه السلام على يد أبي جعفر محمد بن عثمان النائب الثاني - كما رواه الصدوق في كمال الدين - ويشتمل ذلك التوقيع الجواب على جملة من المسائل أحدها:
"وأمّا ما سألت عنه مِنْ أمر مَنْ يستحل ما في يده من أموالنا، ويتصرّف فيه تصرّفه في ماله من غير أمرنا، فمن فعل ذلك فهو ملعون، ونحن خصماؤه يوم القيامة، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: المستحل من عترتي ما حرّم الله ملعون على لساني، ولسان كلّ نبي.
فمن ظلمنا كان من جملة الظالمين، وكان لعنة الله عليه لقوله تعالى: (أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينِ)(٤١٦).
وفي موضع من هذا التوقيع:
"ومن أكل من أموالنا شيئاً فانّما يأكل في بطنه ناراً وسيصلى سعيراً"(٤١٧).
وفي توقيع آخر عنه عليه السلام:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على مَنْ استحلّ من مالنا درهماً"(٤١٨).
قال أبو الحسين الأسدي (رضي الله عنه)(٤١٩): [فوقع في نفسي انّ ذلك فيمن استحلّ من مال الناحية درهماً دون مَنْ أكل منه غير مستحلّ له](٤٢٠).
وقلت في نفسي: انّ ذلك(٤٢١) في جميع مَنْ استحلّ محرّماً، فأيّ فضل في ذلك للحجة عليه السلام على غيره؟
قال:[فو الّذي بعث محمداً بالحق بشيراً](٤٢٢) لقد نظرت بعد ذلك في التوقيع فوجدته قد انقلب إلى ما وقع في نفسي:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على مَنْ أكل مِنْ مالنا درهماً حراماً"(٤٢٣).
وفي بعض الأخبار انّه يقسم ليسألنّهم الله يوم القيامة عن أكلهم الخمس سؤالا حثيثاً(٤٢٤).
وغير ذلك(٤٢٥).
ولهذا(٤٢٦) رفع المحققون الفقهاء رضوان الله عليهم أيديهم عن ظاهر تلك الطائفة من الأخبار، وحملوها على محامل لكلّ منها شواهد من الأخبار، مثل حمل البعض على اقاصي الأرض(٤٢٧)، وبعضها بعنوان الخمس، وبعضها بعنوان الأنفال التي هي مال الامام عليه السلام، ويحلّ للشيعة التصرّف في أيام الغيبة مثل خمس الأرض التي يسيطر عليها المسلمون من الكفّار بالقوة باذن النبي أو الامام صلوات الله عليهما.
ومنها الأرض الموات. وكلّ ما يؤخذ بدون اذن، أو هلك أهله وتواروا.
وقمم الجبال، وسيف البحر، والآجام وغير ذلك.
وبعضها على ما يكون حلالا من الخمس الذي يتعلّق بمال كان بيد الكفار أو المخالفين وقد وقع بيد الشيعة بالمبادلة أو الهبة وأمثالها.
ومثل الخمس المتعلّق بعين مال فيحل لهم شراؤه من تجار تلك الطوائف الذين لا يؤدون الخمس أبداً.
وشراء الغنائم التي يغنمها المخالفون من الكفار في الحروب التي هي جميعها ملك الامام عليه السلام وقد أحلّت للشيعة.
وبعضها على جواز التصرّف في مال تعلّق الخمس بعينه، وقبل أن يخرج الخمس يضمنه في ذمّته، ثم يتصرّف في ذلك المال.
والخلاصة: فبعد التأمل في الأخبار فلا يبقى خافياً انّ الأمر في الخمس وخصوصاً سهم الامام عليه السلام شديد، بل لابدّ أن يراعى غاية الاحتياط في صرف القسم الثاني إلى مستحقّيه، وذلك بأن يصرفه صاحبه باذن الفقيه المأمون، أو يعطيه إلى الحاكم المطاع في الدين المأمون الأمين ليوصله إلى أهله، فلا طريق في التصرّف في مال الامام عليه السلام الّا بشاهد الحال القطعي.
وليس له عليه السلام علاقة أو تعلّق بذلك المال، بل بجميع الدنيا وما فيها ليلزم حفظه بدفنه كحفظ أموال الغائبين، ويوصى به من يد إلى يد حتى ظهوره المبارك، كما قال به بعض العلماء.
بل مع وجود الضعفاء والعجزة والأرامل والأيتام من السادات وغيرهم وشدّة احتياجهم واستغنائه عليه السلام عنه فمن الطبيعي يكون راضياً بصرف تلك الأموال على هؤلاء.
ولكن المشكل في تشخيص محلّه، وأي صنف وطبقة تعطى ذلك المال من الشيعة، المطيعون والعاصون والمقصّرون، والعارفون بحقهم والمستضعف والمستبصر وامثالهم؟ وأي مقدار يعطى لكل منهم؟ والمتيقّن هو ما يكون راضياً عليه السلام في العطاء للمحتاجين بما يعطيه هو في حكمه وغلبته.
وسيرته وسلوكه عليه السلام وأصحابه مثل سيرة جدّه أمير المؤمنين عليه السلام بالاعراض عن فضول المعاش والقناعة باللباس الخشن، والطعام الجشب.
روى الشيخ المقدّم محمد بن ابراهيم النعماني في كتاب الغيبة بعدّة أسانيد عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "فو الله ما لباسه الّا الغليظ، ولا طعامه الّا الجشب، وما هو الّا السيف، والموت تحت ظل السيف"(٤٢٨).
وفي رواية اُخرى قال: "وما طعامه الّا الشعير الجشب"(٤٢٩).
وروي أيضاً عن [معمر](٤٣٠) بن خلاد قال: ذكر القائم عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فقال: انتم اليوم أرخى بالا منكم يومئذ.
قالوا: وكيف؟
قال: لو خرج قائمنا عليه السلام لم يكن الّا العلق(٤٣١) والعرق(٤٣٢)، والنوم على السروج، وما لباس القائم عليه السلام الّا الغليظ، وما طعامه الّا الجشب"(٤٣٣).
وروي في دعوات الراوندي عن المعلى بن خنيس قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: لو كان هذا الأمر اليكم لعشنا معكم.
فقال: والله لو كان هذا الأمر الينا لما كان الّا أكل الجشب، ولبس الخشن(٤٣٤).
وقال عليه السلام للمفضّل بن عمر: لو كان هذا الأمر الينا لما كان الّا عيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وسيرة أمير المؤمنين عليه السلام(٤٣٥).
وروى الشيخ النعماني عن المفضل، قال:
كنت عند أبي عبد الله عليه السلام بالطواف فنظر إليّ، وقال لي: يا مفضل! ما لي أراك مهموماً متغيّر اللون؟
قال: فقلت له: جعلت فداك، نظري إلى بني العباس، وما في أيديهم من هذا الملك والسلطان والجبروت، فلو كان ذلك لكم لكنّا فيه معكم.
فقال: يا مفضل! أما لو كان ذلك(٤٣٦) لم يكن الّا سياسة الليل، وسياحة النهار، وأكل الجشب، ولبس الخشن شبه أمير المؤمنين عليه السلام، والّا فالنار، فزوي(٤٣٧) ذلك عنّا، فصرنا نأكل ونشرب، وهل رأيت ظلامة جعلها الله نعمة مثل هذا؟(٤٣٨) وروى عن عمرو بن شمر قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام في بيته، والبيت غاصٌّ بأهله، فأقبل الناس يسألونه، فلا يُسأل عن شيء الّا أجاب فيه، فبكيت من ناحية الدار؛ فقال: ما يبكيك يا عمرو؟
قلت: جعلت فداك، وكيف لا أبكي، وهل في هذه الأمة مثلك، والباب مغلق عليك، والستر لمرخىً عليك؟!!
فقال: لا تبكِ يا عمرو، نأكل اكثر الطيب، ونلبس الليّن، ولو كان الذي نقول لم يكن الّا أكل الجشب، ولبس الخشن، مثل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والّا فمعالجة الاغلال في النار(٤٣٩).
وروى الشيخ عن حماد بن عثمان قال الامام أبو عبد الله عليه السلام:"... انّ قائمنا أهل البيت إذا قام لبس ثياب علي عليه السلام وسار بسيرة علي عليه السلام"(٤٤٠).
وفي هذا المضمون أخبار كثيرة.
ولعلّ غناه وعدم احتياجه لقناعته وتركه للدنيا واقتصاره على القدر الضروري للحياة من المأكول والملبوس والمشروب، والمسكن والنكاح، وعدم احتياجه لشيء اكثر من ذلك ليرفع حاجته.
وهكذا ورد إنّ صاحب الزكاة وغيرها من الحقوق - في الدولة الحقة - ويسير في البلاد، ويطلب مستحقها فلا يجد من يأخذها.
وليس المقصود من غناهم بكثرة المال والمنال والضياع والعقار(٤٤١) فانها تنافي غرض بعثته عليه السلام الذي هو دعوة الخلق الى الله تبارك وتعالى ويكملهم بالعلم والعمل؛ فاذا كان عمله نفسه عليه السلام هكذا(٤٤٢) فكيف يرضى أن يصرف ماله في فضول المعاش وزخارف الدنيا والأمتعة النفيسة والأطعمة اللذيذة، والألبسة الفاخرة، والمساكن العالية، حاشا أن يحصل منه مثل هذا الرضا.
فعلى المعطي والآخذ لسهم الامام عليه السلام أن يضع أمام عينيه سيرته وسلوكه عليه السلام وسيرة جدّه أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يتخطاها، والّا فليعدّ الجواب، والله العاصم.
الحكاية الثامنة والثلاثون:
قال العالم الفاضل المتقي الميرزا محمد تقي بن الميرزا كاظم بن الميرزا عزيز الله بن المولى محمد تقي المجلسي رحمهم الله سبط العلامة المجلسي الملقّب بالألماسي في رسالة بهجة الأولياء، كما نقله عنه تلميذه المرحوم الفاضل البصير الألمعي السيد محمد باقر بن السيد محمد شريف الحسيني الاصفهاني في كتاب نور العيون: حدّثني بعض أصحابنا عن رجل صالح من أهل بغداد وهو حي إلى هذا الوقت أي سنة ستّ وثلاثين بعد المائة والألف، قال: إنّي كنت قد سافرت في بعض السنين مع جماعة، فركبنا السفينة وسرنا في البحر، فاتّفق انّه انكسرت سفينتنا، وغرق جميع من فيها وتعلّقت أنا بلوح مكسور فألقاني البحر بعد مدّة إلى جزيرة، فسرت في أطراف الجزيرة، فوصلت بعد اليأس من الحياة إلى صحراء فيها جبل عظيم.
فلمّا وصلت إليه رأيته محيطاً بالبحر الّا طرفاً منه يتّصل بالصحراء واستشممت منه رائحة الفواكه، ففرحت وزاد شوقي، وصعدت قدراً من الجبل حتّى إذا بلغت إلى وسطه في موضع أملس مقدار عشرين ذراعاً لا يمكن الاجتياز منه ابداً، فتحيّرت في أمري، فصرت أتفكّر في أمري فاذا أنا بحيّة عظيمة كالأشجار العظيمة تستقبلني في غاية السرعة، ففررت منها منهزماً مستغيثاً بالله تبارك وتعالى في النجاة من شرّها كما نجّاني من الغرق.
فإذا أنا بحيوان شبه الأرنب قصد الحيّة مسرعاً من أعلى الجبل حتى وصل إلى ذنبها فصعد منه حتى إذا وصل رأس الحيّة الى ذلك الحجر الأملس وبقي ذنبه فوق الحجر، وصل الحيوان إلى رأسها وأخرج من فمه حمّة(٤٤٣) مقدار أصبع فأدخلها في رأسها ثمّ نزعها وأدخلها في موضع آخر منها وولّى مدبراً فماتت الحية في مكانها من وقتها، وحدث فيها عفونة كادت نفسي أن تطلع من رائحتها الكريهة فما كان بأسرع من أن ذاب لحمها، وسال في البحر، وبقي عظامها كسلّم ثابت في الأرض يمكن الصعود منه.
فتفكّرت في نفسي، وقلت: ان بقيت هنا أموت من الجوع فتوكّلت على الله في ذلك، وصعدت منها حتى علوت الجبل، وسرت من طرف قبلة الجبل فاذا أنا بحديقة بالغة حدّ الغاية في الغضارة والنضارة والطراوة والعمارة، فسرت حتى دخلتها وإذا فيها أشجار مثمرة كثيرة، وبناء عال مشتمل على بيوتات، وغُرف كثيرة في وسطها.
فأكلت من تلك الفواكه، واختفيت في بعض الغرف وأنا اتفرّج الحديقة وأطرافها، فاذا أنا بفوارس قد ظهروا من جانب البرّ قاصدي الحديقة، يقدُمهم رجل ذو بهاء وجمال وجلال، وغاية من المهابة، يعلم من ذلك انّه سيّدهم، فدخلوا الحديقة، ونزلوا من خيولهم وخلّوا سبيلها، وتوسّطوا القصر فتصدّر السيد وجلس الباقون متأدّبين حوله.
ثمّ أحضروا الطعام، فقال لهم ذلك السيد: انّ لنا في هذا اليوم ضيفاً في الغرفة الفلانية ولابدّ من دعوته إلى الطعام فجاء بعضهم في طلبي فخفت وقلت: اعفني من ذلك، فأخبر السيد بذلك، فقال: اذهبوا بطعامه إليه في مكانه ليأكله، فلمّا فرغنا من الطعام، أمر باحضاري وسألني عن قصّتي، فحكيت له القصّة، فقال: أتحبّ أن ترجع إلى أهلك؟ قلت: نعم، فأقبل على واحد منهم، وأمره بايصالي إلى أهلي، فخرجت أنا وذلك الرجل من عنده.
فلمّا سرنا قليلا قال لي الرجل: انظر فهذا سور بغداد! فنظرت إذا أنا بسوره وغاب عنّي الرجل، فتفطّنت من ساعتي هذه، وعلمت انّي لقيت سيّدي ومولاي عليه السلام، ومن سوء حظّي حرمت من هذا الفيض العظيم، فدخلت بلدي وبيتي في غاية من الحسرة والندامة(٤٤٤).
يقول المؤلف:
قد بينا أحوال الميرزا محمد تقي الألماسي المذكور مفصلا في رسالة (الفيض القدسي في أحوال المجلسي رحمه الله).
وقال الفاضل المذكور(٤٤٥) قبل هذه الحكاية بعدة أوراق: كان فاضلا عالماً ورعاً ديّناً. وكان قد سبق أقران المير في الفتاوى والزهد في الدنيا وكثرة العبادة والبكاء.
وكان في الفقه والحديث مرجع الطلبة من أهل زمانه، وبالتماس جماعة من الفضلاء والأعيان تولى صلاة الجُمعة في أيّام الجمعة.
وقد قرأ هذا العبد الحقير كثيراً من الأحاديث والرجال عند ذي الخصال الحميدة.
واستفدت مقداراً من فروع الفقه وغيره عنده أيضاً.
والحق انّه كان رؤوفاً بهذا الضعيف اكثر من الأب.
وكانت أول اجازاتي في الفقه والحديث والأدعية من هذا الأجل، وقد انتقل إلى جوار رحمة القدس الالهي في سنة ألف ومائة وتسعة وخمسين، انتهى(٤٤٦).
ويقال له الألماسي لأنّ أباه الميرزا كاظم كان غنيّاً وثريّاً، وقد اهدى الماسة إلى حضرة أمير المؤمنين عليه السلام وقد وضعت في محل الاصبعين. وكان قيمتها خمسة آلاف تومان، ولهذا عرف بالألماسي.
الحكاية التاسعة والثلاثون:
وروى السيد محمد باقر المذكور في كتاب نور العيون عن جناب الميرزا محمد تقي الألماسي في رسالة بهجة الأولياء قال:
حدّثني ثقة صالح من أهل العلم من سادات شولستان، عن رجل ثقة انّه قال: اتّفق في هذه السنين انّ جماعة من أهل البحرين عزموا على إطعام جمع من المؤمنين على التناوب، فأطعموا حتى بلغ النوبة إلى رجل منهم لم يكن عنده شيء، فاغتمّ لذلك وكثر حزنه وهمّه، فاتّفق انّه خرج ليلة إلى الصحراء، فاذا بشخص قد وافاه، وقال له: اذهب إلى التاجر الفلاني وقل: يقول لك محمد بن الحسن أعطني الاثني عشر ديناراً التي نذرتها لنا، فخذها منه وأنفقها في ضيافتك، فذهب الرجل إلى ذلك التاجر وبلّغه رسالة الشخص المذكور.
فقال التاجر: قال لك ذلك محمد بن الحسن بنفسه؟ فقال البحريني: نعم، فقال: عرفته؟ فقال: لا، فقال التاجر: هو صاحب الزمان عليه السلام وهذه الدنانير نذرتها له.
فأكرم الرجل وأعطاه المبلغ المذكور، وسأله الدّعاء، وقال له: لمّا قبل نذري أرجو منك أن تعطيني منه نصف دينار واُعطيك عوضه، فجاء البحريني وأنفق المبلغ في مصرفه، وقال ذلك الثقة: انّي سمعت القصة عن البحريني بواسطتين(٤٤٧).
الحكاية الأربعون:
نقل السيد الجليل المقدم السيد فضل الله الراوندي في كتاب الدعوات عن بعض الصالحين انّه قال:
صعب عليّ في بعض الأحايين القيام لصلاة الليل، وكان احزنني ذلك، فرأيت صاحب الزمان عليه السلام في النوم، وقال لي: عليك بماء الهندباء، فانّ الله يسهل ذلك عليك.
قال: فأكثرت من شربه فسهل ذلك عليّ(٤٤٨).
الحكاية الحادية والأربعون:
نقل العلامة المجلسي في البحار عن كتاب (السلطان المفرج عن أهل الايمان) تأليف العامل الكامل السيد علي بن عبد الحميد النيلي النجفي، انّه قال:
فمن ذلك ما اشتهر وذاع، وملأ البقاع، وشهد بالعيان أبناء الزمان، وهو قصّة أبو راجح الحمامي بالحلة وقد حكى ذلك جماعة من الأعيان الأماثل، وأهل الصدق الأفاضل.
منهم الشيخ الزاهد العابد المحقق شمس الدين محمد بن قارون سلّمه الله تعالى قال: كان الحاكم بالحلّة شخصاً يدعى مرجان الصغير، فرفع إليه انّ أبا راجح هذا يسبّ الصحابة، فأحضره وأمر بضربه فضرب ضرباً شديداً مهلكاً على جميع بدنه، حتى انّه ضُرب على وجهه فسقطت ثناياه، واُخرج لسانه فجعل فيه مسلّة من الحديد، وخرق انفه، ووضع فيه شركة من الشعر وشدّ فيها حبلا وسلّمه إلى جماعة من أصحابه وأمرهم أن يدوروا به أزقّة الحلّة، والضّرب يأخذه من جميع جوانبه، حتى سقط إلى الأرض وعاين الهلاك.
فاُخبر الحاكم بذلك، فأمر بقتله، فقال الحاضرون: انّه شيخ كبير، وقد حصل له ما يكفيه، وهو ميّت لما به فاتركه وهو يموت حتف أنفه، ولا تتقلّد بدمه، وبالغوا في ذلك حتى أمر بتخليته وقد انتفخ وجهه ولسانه، فنقله أهله في الموت ولم يشكّ أحد انّه يموت من ليلته.
فلمّا كان من الغد غدا عليه الناس فاذا هو قائم يصلّي على أتمّ حالة، وقد عادت ثناياه التي سقطت كما كانت، واندملت جراحاته، ولم يبق لها أثر، والشجّة قد زالت من وجهه!
فعجب الناس من حاله وساءلوه عن أمره فقال: انّي لمّا عاينت الموت، ولم يبق لي لسان أسأل الله تعالى به فكنت أسأله بقلبي واستغثت إلى سيّدي ومولاي صاحب الزمان عليه السلام، فلمّا جنّ عليّ الليل فاذا بالدار قد امتلأت نوراً وإذا بمولاي صاحب الزمان، قد أمرّ يده الشريفة على وجهي، وقال لي: "اخرج وكدّ على عيالك، فقد عافاك الله تعالى " فأصبحتُ كما ترون.
وحكى الشيخ شمس الدين محمد بن قارون المذكور: قال: واُقسم بالله تعالى انّ هذا أبو راجح كان ضعيفاً جداً، ضعيف التركيب، أصفر اللون، شين الوجه، مقرّض اللحية، وكنت دائماً أدخل في الحمام الذي هو فيه، وكنت دائماً أراه على هذه الحالة وهذا الشكل، فلمّا أصبحت كنت ممن دخل عليه، فرأيته وقد اشتدّت قوّته وانتصبت قامته، وطالت لحيته، واحمرّ وجهه، وعاد كأنّه ابن عشرين سنة ولم يزل على ذلك حتى أدركته الوفاة.
ولمّا شاع هذا الخبر وذاع طلبه الحاكم وأحضره عنده وقد كان رآه بالأمس على تلك الحالة وهو الآن على ضدّها كما وصفناه، ولم يَرَ لجراحاته أثراً، وثناياه قد عادت، فداخل الحاكم في ذلك رعب عظيم، وكان يجلس في مقام الامام عليه السلام في الحلّة، ويعطي ظهره القبلة الشريفة، فصار بعد ذلك يجلس ويستقبلها، وعاد يتلطّف بأهل الحلّة، ويتجاوز عن مسيئهم، ويحسن إلى محسنهم، ولم ينفعه ذلك بل لم يلبث في ذلك الّا قليلا حتى مات(٤٤٩).
الحكاية الثانية والأربعون:
ونقل من ذلك الكتاب عن الشيخ المحترم العامل الفاضل شمس الدين محمد بن قارون المذكور قال: كان من اصحاب السلاطين المعمر بن شمس يسمى مذوّر، يضمن القرية المعروفة ببرس، ووقف العلويّين، وكان له نائب يقال له: ابن الخطيب، وغلام يتولّى نفقاته يدعى عثمان، وكان ابن الخطيب من أهل الصلاح والايمان بالضدّ من عثمان وكانا دائماً يتجادلان.
فاتّفق انّهما حضرا في مقام ابراهيم الخليل عليه السلام بمحضر جماعة من الرّعيّة والعوامّ فقال ابن الخطيب لعثمان: يا عثمان الآن اتّضح الحقّ واستبان، أنا أكتب على يدي من أتولاّه، وهم علي والحسن والحسين، واكتب أنت من تتولاّه أبو بكر وعمر وعثمان، ثمّ تشدّ يدي ويدك، فأيّهما احترقت يده بالنار كان على الباطل، ومن سلمت يده كان على الحق.
فنكل عثمان، وأبى أن يفعل، فأخذ الحاضرون من الرّعيّة والعوامّ بالعياط عليه.
هذا وكانت أم عثمان مشرفة عليهم تسمع كلامهم فلمّا رأت ذلك لعنت الحضور الذين كانوا يعيّطون على ولدها عثمان وشتمتهم وتهدّدت وبالغت في ذلك فعميت في الحال! فلمّا أحسّت بذلك نادت إلى رفائقها فصعدن إليها فاذا هي صحيحة العينين، لكن لا ترى شيئاً، فقادوها وأنزلوها، ومضوا بها إلى الحلّة وشاع خبرها بين أصحابها وقرائبها وترائبها فأحضروا لها الأطباء من بغداد والحلّة، فلم يقدروا لها على شيء.
فقال لها نسوة مؤمنات كنّ أخدانها: إنّ الذي أعماك هو القائم عليه السلام فإنْ تشيّعتي وتولّيتي وتبرأتي ضمنّا لك العافية على الله تعالى، وبدون هذا لا يمكنك الخلاص، فأذعنت لذلك ورضيت به، فلمّا كانت ليلة الجمعة حملنها حتّى أدخلنها القبّة الشريفة في مقام صاحب الزمان عليه السلام وبتن بأجمعهنّ في باب القبّة.
فلمّا كان ربع الليل فاذا هي قد خرجت عليهنّ وقد ذهب العمى عنها، وهي تقعدهنّ واحدة بعد واحدة وتصف ثيابهنّ وحليّهنّ، فسررن بذلك، وحمدن الله تعالى على حسن العافية، وقلن لها: كيف كان ذلك؟!
فقالت: لمّا جعلتُنَّني في القبّة وخرجتُنّ عنّي أحسست بيد قد وضعت على يدي، وقائل يقول: اُخرجي قد عافاك الله تعالى. فانكشف العمى عنّي ورأيت القبّة قد امتلأت نوراً ورأيت الرجل، فقلت له: من أنت يا سيدي؟ فقال: محمد بن الحسن، ثمّ غاب عنّي، فقمن وخرجن إلى بيوتهنّ وتشيّع ولدها عثمان وحَسُنَ اعتقاده واعتقاد اُمّه المذكورة، واشتهرت القصّة بين اُولئك الأقوام ومن سمع هذا الكلام واعتقد وجود الامام عليه السلام وكان ذلك في سنة أربع وأربعين وسبعمائة(٤٥٠).
الحكاية الثالثة والأربعون:
وذكر هناك أيضاً:
"ومن ذلك بتاريخ صفر سنة سبعمائة وتسع وخمسين حكى لي المولى الأجلّ الأمجد، العالم الفاضل، القدوة الكامل، المحقّق المدقّق، مجمع الفضائل، ومرجع الأفاضل، افتخار العلماء في العالمين، كمال الملّة والدين، عبد الرحمان ابن العمّاني، وكتب بخطّه الكريم، عندي ما صورته:
قال العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى عبد الرحمان بن ابراهيم القبائقي: انّي كنت اسمع في الحلّة السيفيّة حماها الله تعالى أنّ المولى الكبير المعظّم جمال الدين ابن الشيخ الأجلّ الأوحد الفقيه القارئ نجم الدين جعفر بن الزهدري كان به فالج، فعالجته جدّته لأبيه بعد موت أبيه بكلّ علاج للفالج، فلم يبرأ.
فأشار عليها بعض الأطباء ببغداد فأحضرتهم فعالجوه زماناً طويلا فلم يبرأ، وقيل لها: ألا تبيّتينه تحت القبّة الشريفة بالحلّة المعروفة بمقام صاحب الزمان عليه السلام لعلّ الله تعالى يعافيه ويبرئه، ففعلت وبيّتته تحتها، وانّ صاحب الزمان عليه السلام أقامه وأزال عنه الفالج.
ثمّ بعد ذلك حصل بيني وبينه صحبة حتّى كنّا لم نكد نفترق، وكان له دار المعشرة، يجتمع فيها وجوه أهل الحلّة وشبابهم وأولاد الأماثل منهم، فاستحكيته عن هذه الحكاية، فقال لي: انّي كنت مفلوجاً وعجز الأطباء عنّي، وحكى لي ما كنت أسمعه مستفاضاً في الحلّة من قضيّته، وانّ الحجة صاحب الزمان عليه السلام قال لي: وقد أباتتني جدّتي تحت القبة: قم! فقلت: يا سيدي لا أقدر على القيام منذ سنتي، فقال: قم باذن الله تعالى، وأعانني على القيام، فقمت وزال عنّي الفالج، وانطبق عليّ الناس حتّى كادوا يقتلونني، وأخذوا ما كان عليّ من الثياب تقطيعاً وتنتيفاً يتبرّكون فيها، وكساني الناس من ثيابهم، ورحت إلى البيت، وليس بي أثر الفالج، وبعثت إلى الناس ثيابهم، وكنت أسمعه يحكي ذلك للناس [ولمن يستحكيه مراراً حتى مات رحمه الله](٤٥١)"(٤٥٢).
الحكاية الرابعة والأربعون:
وذكر هناك أيضاً:
ومن ذلك ما أخبرني من أثق به وهو خبر مشهور عند أكثر أهل المشهد الشريف الغرويّ سلّم الله تعالى على مشرّفه، ما صورته: إنّ الدّار التي - هي الآن سنة سبعمائة وتسع وثمانين - أنا ساكنها كانت لرجل من أهل الخير والصّلاح يُدعى حسين المدلّل، وبه يعرف ساباط المدلّل ملاصقة جدران الحضرة الشريفة، وهو مشهور بالمشهد الشريف الغرويّ عليه السلام، وكان الرجل له عيال وأطفال.
فأصابه فالج، فمكث مدّة لا يقدر على القيام وانّما يرفعه عياله عند حاجته وضروراته، ومكث على ذلك مدّة مديدة، فدخل على عياله وأهله بذلك شدّة شديدة واحتاجوا إلى الناس واشتدّ عليهم الناس.
فلمّا كان سنة عشرين وسبع مائة هجريّة في ليلة من لياليها بعد ربع الليل أنبه عياله، فانتبهوا في الدّار، فاذا الدّار والسطح قد امتلأ نوراً يأخذ الأبصار فقالوا: ما الخبر؟ فقال: انّ الامام عليه السلام جاءَني وقال لي: قم يا حسين، فقلت: يا سيدي أتراني أقدر على القيام؟ فأخذ بيدي وأقامني، فذهب ما بي وها أنا صحيح على أتمّ ما ينبغي، وقال لي: هذا الساباط دربي إلى زيارة جدّي فأغلقه في كلّ ليلة فقلت: سمعاً وطاعة لله ولك يا مولاي.
فقام الرجل وخرج إلى الحضرة الشريفة الغرويّة وزار الامام عليه السلام وحمد الله تعالى على ما حصل له من الإنعام، وصار هذا الساباط المذكور إلى الآن ينذر له عند الضرورات فلا يكاد يخيب ناذره من المراد ببركات الامام القائم عليه السلام(٤٥٣).
الحكاية الخامسة والأربعون:
وقال هناك:
ومن ذلك ما حدّثني الشيخ الصالح الخيّر العالم الفاضل شمس الدين محمد بن قارون المذكور سابقاً انّ رجلا يقال له: النجم، ويلقّب: الأسود، في القرية المعروفة بدقوسا على الفرات العظمى وكان من أهل الخير والصلاح، وكان له زوجة تدعى بفاطمة خيّرة صالحة، ولها ولدان ابن يدعى علياً وابنة تدعى زينب، فأصاب الرجل وزوجته العمى وبقيا على حالة ضعيفة، وكان ذلك في سنة اثني عشر وسبعمائة وبقيا على ذلك مدّة مديدة.
فلمّا كان في بعض الليل أحسّت المرأة بيد تمرّ على وجهها وقائل يقول: قد أذهب الله عنك العمى فقومي إلى زوجك أبي علي فلا تقصّري في خدمته، ففتحت عينيها فاذا الدّار قد امتلأت نوراً وعلمت انّه القائم عليه السلام(٤٥٤).
الحكاية السادسة والأربعون:
ونقل في ذلك الكتاب الشريف:
ومن ذلك ما نقله عن بعض أصحابنا الصالحين من خطّة المبارك ما صورته: عن محيي الدين الأربلي انّه حضر عند أبيه ومعه رجل فنعس فوقعت عمامته عن رأسه، فبدت في رأسه ضربة هائلة، فسأله عنها، فقال له: هي من صفّين، فقيل له: وكيف ذلك ووقعة صفّين قديمة، فقال: كنت مسافراً إلى مصر فصاحبني انسان من غزَّة فلمّا كنّا في بعض الطريق تذاكرنا وقعة صفّين.
فقال لي الرجل: لو كنت في أيّام صفين لروّيت سيفي من عليّ وأصحابه، فقلت: لو كنت في أيّام صفين لروّيت سيفي من معاوية وأصحابه، وها أنا وأنت من أصحاب علي عليه السلام ومعاوية لعنه الله فاعتركنا عركة عظيمة، واضطربنا فما أحسست بنفسي الّا مرميّاً لما بي.
فبينما أنا كذلك وإذا بانسان يوقظني بطرف رمحه، ففتحت عيني فنزل اليّ ومسح الضربة فتلاءمت، فقال: البث هنا، ثمّ غاب قليلا وعاد ومعه رأس مخاصمي مقطوعاً والدوابّ معه، فقال لي: هذا رأس عدوّك، وأنت نصرتنا فنصرناك، ولينصرنّ الله من نصره، فقلت: من أنت؟ فقال: فلان بن فلان يعني صاحب الأمر عليه السلام ثمّ قال لي: وإذا سُئلت عن هذه الضربة، فقل ضُربتها في صفّين(٤٥٥).
"وفي نسخة الأصل والمنقولة هكذا، والظاهر انّه وقع الاشتباه في اسمه واسم جدّه، فانّ ربيع الأحباب من مؤلفات السيد رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد صاحب الاقبال، والطرائف وغيره.
ولا يوجد عالم في بني طاووس بالاسم المذكور والله العالم (منه ره)"(٤٥٦).
الحكاية السابعة والأربعون:
ونقل في البحار أيضاً عن السيد علي بن محمد بن جعفر بن طاووس الحسني في كتابه المسمى بربيع الألباب قال: روى لنا حسن بن محمد بن القاسم، قال: كنت أنا وشخص من ناحية الكوفة يقال له: عمّار، مرّة على الطريق الحمالية من سواد الكوفة فتذاكرنا أمر القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم فقال لي: يا حسن اُحدّثك بحديث عجيب؟ فقلت له: هات ما عندك.
قال: جاءت قافلة من طيء يكتالون من عندنا من الكوفة وكان فيهم رجل وسيم، وهو زعيم القافلة، فقلت لمن حضر: هات الميزان من دار العلويّ، فقال: البدوي، وعندكم هنا علويّ؟ فقلت: يا سبحان الله معظم الكوفة علويّون، فقال البدوي: العلويّ والله تركته ورائي في البريّة في بعض البلدان، فقلت: فكيف خبره؟ قال: فررنا في نحو ثلاث مائة فارس أو دونها. فبقينا ثلاثة أيام بلا زاد واشتدّ بنا الجوع.
فقال بعضنا لبعض: دعونا نرمي السهم على بعض الخيل نأكلها فاجتمع رأينا على ذلك، ورمينا بسهم فوقع على فرسي فغلّطتهم، وقلت: ما أقنع فعدنا بسهم آخر فوقع عليها أيضاً فلم أقبل، وقلت: نرمي بثالث فرمينا فوقع عليها أيضاً، وكانت عندي تساوي ألف دينار وهي أحبّ إليّ من ولدي.
فقلت: دعوني أتزوّد من فرسي بمشوار فإلى اليوم ما أجد لها غاية فركضتها إلى رابية بعيدة منّا قدر فرسخ فمررت بجارية تحطب تحت الرّابية، فقلت: يا جارية من أنت ومن أهلك؟ قالت: أنا لرجل علويّ في هذا الوادي ومضت من عندي، فرفعت مئزري على رمحي وأقبلت إلى أصحابي فقلت لهم: أبشروا بالخير! النّاس منكم قريب في هذا الوادي.
فمضينا فاذا بخيمة في وسط الوادي، فطلع الينا منها رجل صبيح الوجه أحسن من يكون من الرّجال، ذؤابته إلى سرّته، وهو يضحك ويجيئنا بالتحيّة، فقلت له: يا وجه العرب العطش، فنادى يا جارية هاتي من عندك الماء، فجاءت الجارية ومعها قدحان فيهما ماء فتناول منهما قدحاً ووضع يده فيه وناولنا ايّاه، وكذلك فعل بالآخر، فشربنا عن أقصانا من القدحين ورجعتا علينا وما نقصت القدحان.
فلمّا روّينا قلنا له: الجوع يا وجه العرب، فرجع بنفسه ودخل الخيمة وأخرج بيده منسفة فيها زاد، ووضعه وقد وضع يده فيه وقال: يجيء منكم عشرة عشرة فأكلنا جميعاً من تلك المنفسة، والله يا فلان ما تغيّرت ولا نقصت، فقلنا: نريد الطريق الفلانيّ، فقال: ها ذاك دربكم وأومأ لنا إلى مَعلم ومضينا.
فلمّا بعدنا عنه قال بعضنا لبعض: أنتم خرجتم عن أهلكم لكسب، والمكسب قد حصل لكم فنهى بعضنا بعضاً وأمر بعضنا به، ثمّ اجتمع رأينا على أخذهم، فرجعنا فلمّا رآنا راجعين شدّ وسطه بمنطقة وأخذ سيفاً فتقلّد به، وأخذ رمحه وركب فرساً أشهب، والتقانا وقال: لا تكون أنفسكم القبيحة دبّرت لكم القبيح؟! فقلنا: هو كما ظننت، ورددنا عليه ردّاً قبيحاً، فزعق بزعقات فما رأينا الّا من دخل قلبه الرّعب وولّينا من بين يديه منهزمين، فخطّ خطّة بيننا وبينه وقال: وحقّ جدّي رسول الله لا يعبرنّها أحد منكم الّا ضربت عنقه فرجعنا والله عنه بالرغم منّا، ها ذاك العلويّ هو حقّاً هو والله لا ما هو مثل هؤلاء(٤٥٧).
الحكاية الثامنة والأربعون:
وذكر في البحار قال:
"أخبرني به جماعة من أهل الغريّ على مشرّفه السلام انّ رجلا من أهل قاشان أتى إلى الغريّ متوجّهاً إلى بيت الله الحرام، فاعتلّ علّة شديدة حتّى يبست رجلاه، ولم يقدر على المشي، فخلّفه رفقاؤه وتركوه عند رجل من الصّلحاء كان يسكن في بعض حجرات المدرسة المحيطة بالرّوضة المقدّسة، وذهبوا إلى الحج.
فكان هذا الرّجل يغلق عليه الباب كلّ يوم، ويذهب إلى الصحاري للتنزّه ولطلب الدّراري التي تؤخذ منها، فقال له في بعض الأيام: انّي قد ضاق صدري واستوحشت من هذا المكان، فاذهب بي اليوم واطرحني في مكان واذهب حيث شئت.
قال: فأجابني إلى ذلك، وحملني وذهب بي إلى مقام القائم صلوات الله عليه خارج النجف فأجلسني هناك، وغسل قميصه في الحوض وطرحها على شجرة كانت هناك، وذهب إلى الصحراء، وبقيت وحدي مغموماً اُفكّر فيما يؤول إليه أمري.
فإذا أنا بشابّ صبيح الوجه، أسمر اللون، دخل الصحن وسلّم عليّ وذهب إلى بيت المقام، وصلّى عند المحراب ركعات بخضوع وخشوع لم أَرَ مثله قطّ، فلمّا فرغ من الصلاة خرج وأتاني وسألني عن حالي، فقلت له: ابتليت ببليّة ضقت بها لا يشفيني الله فأسلم منها، ولا يذهب بي فأستريح منها، فقال: لا تحزن سيعطيك الله كليهما، وذهب.
فلمّا خرج رأيت القميص وقع على الأرض، فقمت وأخذت القميص وغسلتها وطرحتها على الشجر، فتفكّرت في أمري وقلت: أنا كنت لا أقدر على القيام والحركة، فكيف صرت هكذا؟ فنظرت إلى نفسي فلم أجد شيئاً مما كان بي، فعلمت أنّه كان القائم صلوات الله عليه، فخرجت فنظرت في الصحراء فلم أَرَ أحداً، فندمت ندامة شديدة.
فلمّا أتاني صاحب الحجرة، سألني عن حالي وتحيّر في أمري فأخبرته بما جرى فتحسّر على ما فات منه ومنّي، ومشيت معه إلى الحجرة.
قالوا: فكان هكذا سليماً حتّى أتى الحاجّ ورفقاؤه، فلمّا رآهم وكان معهم قليلا، مرض ومات، ودفن في الصحن، فظهر صحّة ما أخبره عليه السلام من وقوع الأمرين معاً(٤٥٨).
[وهذه القصة من المشهورات عند أهل المشهد، وأخبرني به ثقاتهم وصلحاؤهم](٤٥٩)"(٤٦٠).
الحكاية التاسعة والأربعون:
وفي ذلك الكتاب الشريف قال:
أخبرني به بعض الأفاضل الكرام، والثقات الأعلام، قال: أخبرني بعض من أثق به يرويه عمّن يثق به، ويطريه انّه قال: لمّا كان بلدة البحرين تحت ولاية الافرنج، جعلوا واليها رجلا من المسلمين، ليكون أدعى إلى تعميرها وأصلح بحال أهلها، وكان هذا الوالي من النواصب، وله وزير أشدّ نصباً منه يُظهر العداوة لأهل البحرين لحبّهم لأهل البيت عليهم السلام ويحتال في اهلاكهم واضرارهم بكلّ حيلة.
فلمّا كان في بعض الأيام دخل الوزير على الوالي وبيده رمّانة فأعطاها الوالي فاذا كان مكتوباً عليها " لا اله الّا الله محمد رسول الله أبو بكر وعمر وعثمان وعليّ خلفاء رسول الله".
فتأمّل الوالي فرأى الكتابة من أصل الرمانة بحيث لا يحتمل عنده أن يكون صناعة بشر، فتعجّب من ذلك وقال للوزير: هذه آية بيّنة وحجة قويّة على إبطال مذهب الرافضة فما رأيك في أهل البحرين.
فقال له: أصلحك الله انّ هؤلاء جماعة متعصّبون، ينكرون البراهين وينبغي لك أن تحضرهم وتريهم هذه الرمانة، فانْ قبلوا ورجعوا إلى مذهبنا كان لك الثواب الجزيل بذلك، وإن أبوا الّا المقام على ضلالتهم فخيّرهم بين ثلاث: امّا أن يؤدّوا الجزية وهم صاغرون، أو يأتوا بجواب عن هذه الآية البيّنة التي لا محيص لهم عنها، أو تقتل رجالهم وتسبي نساءهم وأولادهم وتأخذ بالغنيمة أموالهم.
فاستحسن الوالي رأيه وأرسل إلى العلماء والأفاضل الأخيار والنجباء والسادة الأبرار من أهل البحرين وأحضرهم وأراهم الرمانة، وأخبرهم بما رأى فيهم إن لم يأتوا بجواب شاف، من القتل والأسر وأخذ الأموال أو أخذ الجزية على وجه الصَّغار كالكفّار، فتحيّروا في أمرها ولم يقدروا على جواب وتغيّرت وجوههم وارتعدت فرائصهم.
فقال كبراؤهم: أمهلنا أيّها الأمير ثلاثة أيّام لعلّنا نأتيك بجواب ترتضيه والّا فاحكم فينا ما شئت، فأمهلهم، فخرجوا من عنده خائفين، مرعوبين، متحيّرين، فاجتمعوا في مجلس وأجالوا الرأي في ذلك، فاتفق رأيهم على أن يختاروا من صلحاء البحرين وزهّادهم عشرة، ففعلوا ثم اختاروا من العشرة ثلاثة فقالوا لأحدهم: اخرج الليلة إلى الصحراء وأعبد الله فيها واستغث بامام زماننا وحجة الله علينا، لعلّه يبيّن لك ما هو المخرج من هذه الداهية الدهماء.
فخرج وبات طول ليلته متعبّداً خاشعاً داعياً باكياً يدعو الله ويستغيث بالإمام عليه السلام حتى أصبح ولم يَرَ شيئاً، فأتاهم وأخبرهم فبعثوا في الليلة الثانية الثاني منهم، فرجع كصاحبه ولم يأتهم بخبر، فازداد قلقهم وجزعهم.
فأحضروا الثالث وكان تقياً فاضلا اسمه محمد بن عيسى، فخرج الليلة الثالثة حافياً حاسر الرأس إلى الصحراء وكانت ليلة مظلمة فدعا وبكى وتوسّل إلى الله تعالى في خلاص هؤلاء المؤمنين وكشف هذه البليّة عنهم، واستغاث بصاحب الزمان.
فلمّا كان في آخر الليل إذا هو برجل يخاطبه ويقول: يا محمد بن عيسى! ما لي أراك على هذه الحالة، ولماذا خرجت إلى هذه البريّة؟ فقال له: أيّها الرجل! دعني فانّي خرجت لأمر عظيم وخطب جسيم، لا أذكره الّا لإمامي، ولا أشكوه الّا إلى من يقدر على كشفه عنّي.
فقال: يا محمد بن عيسى أنا صاحب الأمر فاذكر حاجتك، فقال: إن كنت هو فأنت تعلم قصّتي ولا تحتاج إلى أن أشرحها لك، فقال له: نعم، خرجت لما دهمكم من أمر الرمانة وما كتب عليها وما أوعدكم الأمير به، قال: فلمّا سمعت ذلك توجّهت إليه وقلت له: نعم يا مولاي، قد تعلم ما أصابنا وأنت امامنا وملاذنا والقادر على كشفه عنّا.
فقال صلوات الله عليه: يا محمد بن عيسى! انّ الوزير لعنه الله في داره شجرة رمّان، فلمّا حملت تلك الشجرة صنع شيئاً من الطين على هيئة الرّمانة وجعلها نصفين وكتب في داخل كلّ نصف بعض تلك الكتابة ثم وضعهما على الرمانة وشدّهما عليها وهي صغيرة فأثّر فيها وصارت هكذا.
فإذا مضيتم غداً إلى الوالي فقل له: جئتك بالجواب ولكنّي لا أبديه الّا في دار الوزير، فاذا مضيتم إلى داره فانظر عن يمينك ترى فيها غرفة، فقل للوالي: لا أجيبك الّا في تلك الغرفة، وسيأبى الوزير عن ذلك، وأنت بالغ في ذلك ولا ترضَ الّا بصعودها، فاذا صعد فاصعد معه ولا تتركه وحده يتقدّم عليك، فاذا دخلت الغرفة رأيت كوّة فيها كيس أبيض، فانهض إليه وخذه فترى فيه تلك الطينة التي عملها لهذه الحيلة، ثم ضعها أمام الوالي وضع الرمانة فيها لينكشف له جليّة الحال.
وأيضاً يا محمد بن عيسى قل للوالي: انّ لنا معجزة اُخرى؛ وهي أنّ هذه الرمانة ليس فيها الّا الرماد والدخان، وإن أردت صحة ذلك فأمر الوزير بكسرها، فاذا كسرها طار الرماد والدخّان على وجهه ولحيته.
فلمّا سمع محمد بن عيسى ذلك من الامام فرح فرحاً شديداً وقبّل الأرض بين يدي الامام صلوات الله عليه وانصرف إلى أهله بالبشارة والسرور.
فلمّا أصبحوا مضوا إلى الوالي، ففعل محمد بن عيسى كلّ ما أمره الامام وظهر كلّ ما أخبره، فالتفت الوالي إلى محمد بن عيسى وقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: امام زماننا وحجة الله علينا، فقال: ومن امامكم؟ فأخبره بالائمة واحداً بعد واحد إلى أن انتهى إلى صاحب الأمر صلوات الله عليه.
فقال الوالي: مدّ يدك فأنا اشهد أن لا إله الّا الله وانّ محمداً عبده ورسوله وأنّ الخليفة بعده بلا فصل أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، ثم أقرّ بالائمة عليهم السلام إلى آخرهم وحسن ايمانه، وأمر بقتل الوزير، واعتذر إلى أهل البحرين وأحسن اليهم وأكرمهم.
قال: وهذه القصة مشهورة عند أهل البحرين وقبر محمد بن عيسى عندهم معروف يزوره الناس.
يقول المؤلف:
لعلّ الوزير كان قد رأى أو سمع بأنّ الشيعة كانوا يجدون أحياناً بعض من انواع الأحجار النفيسة وغير النفيسة التي نقش عليها بيد الصنع الالهي اشياء تدلّ على أحقيّة مذهبهم، فأراد في مقابل صنع الله تعالى أن ينقش نقشاً واضحاً فيُخفي الحق بالباطل (ويأبى الله الّا أن يتمّ نوره).
وقد ذكر في مجموعة شريفة جميعها بخط الشيخ شمس الدين صاحب الكرامات محمد بن علي الجباعي جدّ الشيخ البهائي، وأولها القصائد السبعة لابن ابي الحديد، وبعدها مختصر الجعفريات وغيره؛ انّه وجد عقيق احمر كتب عليه:
أنا درّ من السماء نثروني يوم تزويج والد السبطين كنت أنقى من اللجين ولكن صبغوني دماء (دم) نحر الحسين.
ورؤي في دُرّ نجفي اصفر:
صفرة لوني ينبئك عن حزني لسيد الأوصياء أبي الحسن.
ورؤي على جوهر أسود:

لست من الحجارة بل جوهر الصدف * * * حال لوني لفرط حزني على ساكن النجف

ونقل الشيخ الأستاذ وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني طاب ثراه، انّه ذهب إلى الحلّة وقطع بالمنشار شجرة إلى نصفين فرأى في باطن كل نصف كتابة بخط النسخ: لا إله الّا الله.
ويوجد حالياً في طهران عند أحد أقارب أعيان رجال الدولة العليّة الايرانيّة قطعة الماس صغيرة بمقدار عدسة نقش في باطنها (علي) بياء معكوسة، مع كلمة اُخرى يحتمل انها (يا).
وقال المحدّث النبيل السيد نعمة الله الشوشتري في كتاب زُهر الربيع:
"ووجدنا في نهر تستر صخرة صغيرة صفراء أخرجها الحفّارون من تحت الأرض وعليها مكتوب بخطّ من لونها:
باسم الله الرّحمن الرّحيم، لا إله الّا الله، محمّد رسول الله، علي وليّ الله، لمّا قتل الحسين بن علي بن أبي طالب، بأرض كربلاء كتب دمه على أرض حصباء وسيعلم الّذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون"(٤٦١).
ونقل العالم الجليل الأمير محمّد حسين سبط العلامة المجلسي وامام الجمعة في اصفهان أرسلت تلك الصخرة(٤٦٢) الى حضرة السّلطان سليمان....(٤٦٣) وقد رآها اكثر الحذاق من الحكاكين وأصحاب الصّناعات وأهل الفطانة، وبالجملة فقد شاهدها اكثر النّاس، وتأمّلوا في نقشها، فلم يجدوها الّا مجبولة على تلك الحال، لم يكن لِتَصَنُّعِ الصّانعين فيها مجال... ثمّ أمر السّلطان بنصبها على الفضّة وتزيينها ببعض الزّينة ليعلّقها على عضده(٤٦٤).
ولا يقتضي المقام هنا تقصّي جميع القضايا التي من هذا القبيل، والّا فهي كثيرة، تلك التي من هذا النوع وهي مشتتة في كتب الأخبار والتأريخ خصوصاً تلك التي تتعلّق بما ظهر فيها من آثار لدماء سيّد الشّهداء عليه السلام المبارك من شجر وحجر وغيره.
الحكاية الخمسون:
نقل الشيخ الجليل احمد بن علي بن أبي طالب في كتاب الاحتجاج: ورد من الناحية المقدّسة حرسها الله ورعاها في ايام بقيت من صفر، سنة عشر وأربعمائة على الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (الحارثي)(٤٦٥) قدس الله روحه (ونوّر ضريحه)(٤٦٦) ذكر موصله انّه يحمله من ناحية متصلة بالحجاز(٤٦٧).
ونحن نتبرّك اولا بنقل أصل النسخة ثم بعدها نترجمه بقدر فهمنا(٤٦٨): (نسخة ما ينوب مناب العنوان)(٤٦٩) للشيخ السديد(٤٧٠) والمولى(٤٧١) الرشيد الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان أدام الله اعزازه من مستودع العهد المأخوذ على العباد (نسخة ما في الكتاب): بسم الله الرحمن الرحيم، أمّا بعد سلام عليك أيها الولي المخلص في الدين المخصوص فينا باليقين فانّا نحمد اليك الله الذي لا إله الّا هو ونسأله الصلوة على سيّدنا ومولانا ونبيّنا محمد وآله الطاهرين ولنعلمك أدام الله توفيقك لنصرة الحقّ وأجزل مثوبتك على نطقك عنّا بالصّدق انّه قد أذن لنا في تشريفك بالكتابة وتكليفك ما تؤديه عنّا إلى موالينا قبلك أعزهم الله تعالى بطاعته وكفاهم المهم برعايته [لهم](٤٧٢) وحراسته فقف أيّدك الله بعونه على أعدائه المارقين من دينه على ما نذكره(٤٧٣) واعمل في تأديته إلى من تسكن إليه بما نرسمه ان شاء الله نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين حسب ما (الذي) أرانا الله من الصلاح لنا ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدنيا للفاسقين فانّا نحيط علماً بأنبائكم ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم ومعرفتنا بالأذى(٤٧٤) الذي أصابكم مذ جنح كثير منكم إلى ما كان السلف الصالح عنه شاسعاً ونبذوا العهد المأخوذ(٤٧٥) منهم كأنهم لا يعلمون وانا غير مهملين لمراعاتكم ولا ناسين [لذكركم](٤٧٦) ولو لا ذلك لنزل بكم البلاء [اللأواء](٤٧٧) واصطلمكم الأعداء فاتّقوا الله جلّ جلاله وظاهرونا على انتبائكم (انتياشكم خ) من فتنة قد أنافت عليكم يهلك فيها من حم أجله ويحيي(٤٧٨) عنها من أدرك أمله وهي امارة لادرار(٤٧٩) حركتها(٤٨٠) ومناقشتكم(٤٨١) (احاقشتكم خ) لأمرنا ونهينا والله متمّ نوره ولو كره المشركون فاعتصموا بالتقية من شب نار الجاهلية يخشنها(٤٨٢) (يخشها خ) عصب (جمع عصبه كغرف جمع غرفه وهي الجماعة) اموية ويهول بها فرقة مهدوية(٤٨٣) أنا زعيم بنجاة من لم يرِم [منكم](٤٨٤) فيها بمواطن (الحقية)(٤٨٥) وسلك في الطعن عنها(٤٨٦) السبل المرضية إذا أهلّ(٤٨٧) جمادى الأولى من سنتكم هذه فاعتبروا بما يحدث فيه، واستيقظوا من رقدتكم لما يكون في (من خ) الذي يليه، ستظهر لكم من السماء آية جلية ومن الأرض مثلها بالسوية ويحدث في أرض المشرق ما يحزن [ويحرق](٤٨٨) ويقلق ويغلب على أرض(٤٨٩) العراق طوايف من الاسلام مضاق(٤٩٠) (تضيق خ) بسوء فعالهم على أهله الأرزاق ثم تنفرج الغمة من بعد ببوار طاغوت من الأشرار يسر(٤٩١) بهلاكه المتقون والأخيار (ويتفق خ) لمريدي الحج من الآفاق ما يأملونه [منه](٤٩٢) على توفير عليه منهم واتفاق، ولنا في تيسير حجهم على الاختيار منهم والوفاق شأن يظهر على نظام واتساق، ليعمل (فيعمل خ) كل امرء منكم بما يقربه من محبّتنا وليجتنب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا فانّ أمرنا يبعثه فجائة(٤٩٣) حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابها(٤٩٤) ندم على حوبة، والله يلهمكم الرشد ويلطف لكم في التوفيق برحمته (ونسخ التوقيع باليد العليا على صاحبها السلام) هذا كتابنا اليك أيها الأخ الولي والمخلص في ودّنا الصفي الناصر لنا الوفي حرسك الله بعينه التي لا تنام، فاحتفظ به ولا تظهر على خطنا الذي سطرناه بما له ضمناه أحداً، وأدّ ما فيه إلى من تسكن إليه وأوصِ جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله تعالى وصلى الله على محمد وآله الطاهرين)(٤٩٥).
وقبل الشروع في الترجمة لابدّ من التنبيه على نكتة وهي: انّه لم يعلم ما هو المراد بالناحية، ولم أرَهُ في كلام أحد قد تعرّض إليه الّا الشيخ ابراهيم الكفعمي في حاشية المصباح في الفصل السادس والثلاثين قال:
"الناحية: كل مكان الذي كان صاحب الأمر عليه السلام فيه في غيبته الصغرى، ويختلف إليه وكلاؤه"(٤٩٦).
ولم يذكر مستنده، ولكن يمكن أن يستفاد من بعض الأخبار كما روى علي بن الحسين المسعودي في كتاب (اثبات الوصية): "أمر أبو محمد عليه السلام والدته بالحج في سنة تسع وخمسين ومائتين، وعرفها ما يناله في سنة ستين، وأحضر الصاحب عليه السلام فأوصى إليه وسلّم الاسم الأعظم والمواريث والسلاح إليه.
وخرجت أم أبي محمد مع الصاحب عليهم السلام جميعاً إلى مكة، وكان احمد بن محمد بن مطهر أبو علي، المتولي لما يحتاج اليه الوكيل.
فلمّا بلغوا بعض المنازل من طريق مكة تلقى الأعراب القوافل فأخبروهم بشدة الخوف، وقلّة الماء.
فرجع اكثر الناس، الّا مَنْ كان في الناحية، فانّهم نفذوا وسلموا.
وروي انّهم ورد عليهم عليه السلام بالنفوذ"(٤٩٧).
ولكن علماء الرجال صرّحوا انّ الناحية تطلق على الامام الحسن العسكري بل على الامام علي النقي عليه السلام أيضاً.
الحكاية الحادية والخمسون:
وقال الشيخ الطبرسي في الاحتجاج:
وردّ عليه(٤٩٨) كتاب آخر من قبله(٤٩٩) صلوات الله عليه يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجة سنة اثنا عشر وأربعمائة.
نسخته: [من عبد الله المرابط في سبيله إلى ملهم الحق ودليله](٥٠٠).
بسم الله الرحمن الرحيم، سلام عليك ايها [العبد الصالح](٥٠١) الناصر للحق الداعي إليه بكلمة الصدق فانّا نحمد اليك الله الذي لا إله الّا هو الهنا وإله آبائنا الأولين ونسأله الصلاة على سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله وسلّم خاتم النبيين وأهل بيته الطيّبين الطاهرين، وبعد فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله تعالى بالسبب (بالسبت خ) الذي وهبه لك من أوليائه وحرسك من كيد اعدائه وشفعنا ذلك الآن من مستقرّ لنا [ناصب](٥٠٢) (ينصب خ) في شمراخ من بهماء صرنا إليه آنفاً من غماليل الجأنا اليه السباريت من الايمان ويوشك أن يكون هبوطنا منه إلى صحيح(٥٠٣) من غير بعد من الدهر ولا تطاول من الزمان، ويأتيك نبأ منّا بما يتجدّد لنا من حال فتعرف بذلك ما تعتمده من الزلفة الينا بالأعمال والله موفقك لذلك برحمته، فلتكن حرسك الله بعينه التي لا تنام أن تقابل لذلك فتنة(٥٠٤) نفوس قوم حرست باطلا لاسترهاب المبطلين يبتهج لدمارها المؤمنون ويحزن لذلك المجرمون، وآية حركتنا من هذه اللوثة حادثة بالحرم المعظم من رجس منافق مذمم مستحل للدم المحرّم يعمد بكيده أهل الايمان ولا يبلغ بذلك غرضه من الظلم لهم والعدوان، لأننا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يحجب عن ملك الأرض والسماء، فلتطمئن بذلك من اوليائنا القلوب وليثقوا بالكفاية وان راعتهم به الخطوب والعاقبة لجميل صنع الله [سبحانه](٥٠٥) تكون حميدة لهم ما اجتنبوا المنهي عنه من الذنوب ونحن نعهد اليك أيّها الولي [المخلص](٥٠٦) المجاهد فينا الظالمين، أيّدك الله بنصره الذي أيّد به السلف من أوليائنا الصالحين، انّه من اتقى ربّه من اخوانك في الدين وأخرج ما عليه إلى مستحقّه كان آمناً من فتنتها المبطلة ومحنتها المظلمة المظلة، ومن بخل منهم بما أعاده الله من نعمته على من أمر بصلته فانّه يكون خاسراً بذلك لأُولاه وآخرته، ولو اشياعنا - وفقهم الله لطاعته - على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخر عنهم [اليمن](٥٠٧) بلقائنا ولتعجلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حق المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم الّا ما يتّصل بنا مما نكرهه ولا نؤثره منهم، والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلواته على سيدنا البشير النذير محمد وآله الطاهرين وسلامه.
وكتب في غرّة شوال من سنة اثنتى عشر وأربعمائة (نسخة التوقيع باليد العليا صلوات الله على صاحبها):
هذا كتابنا اليك أيّها الولي الملهم للحق العلي باملائنا وخطّ ثقتنا فاخفِهِ عن كل أحد واطوِهِ واجعل له نسخة يطّلع عليها مَنْ تسكن إلى أمانته من أوليائنا شملهم الله ببركتنا إن شاء الله تعالى والحمد لله والصلاة على سيّدنا محمد وآله الطاهرين(٥٠٨).
يقول المؤلف:
توجد عدة تنبيهات تتعلّق بهذين المرسومين المباركين لابدّ من الاشارة إليها:
الأول: يعلم من ظاهر كتاب الاحتجاج للشيخ الطبرسي انّه جاء من الامام الحجة عليه السلام للشيخ رحمه الله كتابان بخط بعض خاصته عليه السلام، وقد زيّن كل من الكتابين بخطّه الشريف وقد أظهر لطفاً كثيراً بعدّة أسطر منهما، ولكنّه وقع في كلمات جملة من العلماء التعبير بلفظ (توقيعات)، ويظهر من ذلك انّ التوقيع هو غير الاثنين، كما قال في اللؤلؤة بعد أن ذكر أبياتاً بخطّ الامام عليه السلام وجدت مكتوبة على قبره(٥٠٩):
"وليس هذا ببعيد بعد خروج ما خرج عنه عليه السلام من التوقيعات للشيخ المذكور... الخ"(٥١٠).
وقال الاستاذ الأكبر العلامة البهبهاني في التعليقة: "ذكر في الاحتجاج توقيعات عن الصاحب عليه السلام في جلالته... الخ".
ولعلّهم عدّوا أصل الكتاب، وخطّه المبارك متعدداً.
ونقل الشيخ يوسف عن العالم المتبحّر يحيى بن بطريق الحلّي صاحب كتاب العمدة وهو من علماء المائة الخامسة؛ انّه قال في رسالة (نهج العلوم إلى نفي المعدوم): "انّ صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه كتب إليه ثلاثة كتب في كلّ سنة كتاباً..."(٥١١).
وعلى قوله فهناك كتابٌ بين ما مضى ذكره، لا يوجد في الكتب الموجودة.
الثاني(٥١٢): قال الشيخ الطبرسي في أوّل كتاب الاحتجاج:
"ولا نأتي في [اكثر](٥١٣) ما نورده من الأخبار باسناده(٥١٤)، أمّا لوجود الاجماع عليه(٥١٥)؛ أو موافقته لما دلّت عليه العقول عليه؛ أو لاشتهاره في السير والكتب بين المخالف والمؤالف"(٥١٦).
يعني انّنا لا ننقل في الكتاب من الأخبار الّا ما وافق الاجماع أو الدليل العقلي، أو كان مشهوراً في كتب الفريقين(٥١٧).
وقد أخبر عن هذين الكتابين جازماً(٥١٨) انّه ورد من الامام عليه السلام، وليس فيه ترديد أو احتمال بأن يقول: روي، أو نقل. وحتى لو كان يقول هكذا، فهو معتبر أيضاً حسب ما وعد به في أوّل الكتاب، فلابدّ أن تحقق الاجماع على رواية هذين الكتابين، أو الشهرة في الكتب.
وقال الشيخ يحيى بن بطريق الحلّي في الرسالة المذكورة: طريقان في تزكية الشيخ (إلى أن يقول):
الثاني: في تزكيته(٥١٩) ما ترويه كافة الشيعة وتتلقّاه بالقبول من ان(٥٢٠) صاحب الأمر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه كتب اليه ثلاثة كتب(٥٢١).
وبعد أن ذكر عناوين الكتب قال: "وهذا أوفى مدح وتزكية، وأزكى ثناء وتطرية بقول امام الأمة، وخلف الائمة عليهم السلام(٥٢٢) انتهى.
فظاهر نص هذين الشيخين المعظمين انّ هذين الكتابين كانا مشهورين ومقبولين عند الأصحاب، ولم يتأمّلوا في روايتهما، ولم يكن هذا الّا انهم وجدوا علامة الصدق وشاهد القطع في المبلغ والموصل لهما، كما انّ نفس ذلك الشخص الموصل قد وقف أيضاً على آية وعلامة بأنّهما منه عليه السلام. فكيف يمكن للأصحاب ان يتلقوهما ويقبلوهما بدون شواهد وآيات، وينسبوهما جازمين إليه عليه السلام؟
وأشار (بحر العلوم) في رجاله إلى هذه النكتة كما سيأتي كلامه مع اشكال آخر ورفعه في الباب الآتي.
الثالث(٥٢٣): في التوقيع الأول أشار إلى عدّة علامات من علامات ظهوره، وأردت أن أفصل فيها ولكن بعد التأمل رأيت انّ توضيحها متوقف على ذكر كثير من الأخبار المشتملة على الآيات والعلامات، وتطبيق الآيات المذكورة على بعض الموجود منها بطريق الحدس والتخمين الممنوع.
علاوة على وجود فائدة كبيرة في أصل ذكرها.
ومع كثرة الاختلاف والتعارض بينها يتعسر الجمع بين ظواهرها، بل متعذر.
ومعارضتها مع آيات وعلامات يوم القيامة، واختلاف رواة هذين الصنفين من الآيات فيما بينهم، واحتمال التغيير والتبديل في الأصل أو في الظاهر وصفاتها - حتى ذلك النوع الذي يُعدّ في أخبارها من المحتومات، وكما سيأتي في خبر صريح في الباب الحادي عشر - بأنّها قابلة للبداء أيضاً.
ويتبين انّ المراد من المحتوم ليس هو ظاهره.
ولعدم وجود ثمرة علمية وعملية فإنّ الأَوْلى ترك التعرّض لها.
والدعاء بتعجيل الفرج وانتظار ظهوره في كل آن، كما يأتي في الباب العاشر (فانّ الله يفعل ما يشاء).
الحكاية الثانية والخمسون:
قال الشهيد الثالث القاضي نور الله في مجالس المؤمنين:
"هذه عدّة أبيات منسوبة إلى صاحب الأمر عليه السلام قالها في رثاء جناب الشيخ المفيد وُجدت مكتوبة على قبره:

لا صوّتَ الناعي بفقدك انّه * * * يومٌ على آل الرسول عظيمُ
إن كنتَ قد غُيّبتَ في جدث الثرى * * * فالعلم والتوحيد فيك مقيمُ
والقائم المهديُّ يفرح كلّما * * * تُلِيَتْ عليك من الدروس علومُ"(٥٢٤)

والاشكال في العلم بأنّ هذه الأبيات منه عليه السلام مثل الاشكال السابق، والجواب نفس الجواب.
الحكاية الثالثة والخمسون:
روى القطب الراوندي في كتاب الخرائج عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه انّه قال:
لمّا وصلت بغداد في سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة للحجّ، وهي السنة التي ردّ القرامطة فيها الحجر إلى مكانه من البيت، كان أكبر همّي الظفر بمن ينصب الحجر؟ لأنّه مضى في اثناء الكتب قصة اخذه وانّه انّما ينصبه في مكانه الحجّة في الزّمان، كما في زمان الحجّاج وضعه زين العابدين في مكانه واستقرّ، فاعتللت علّة صعبة خفت منها على نفسي ولم يتهيّأ لي ما قصدته فاستنبت المعروف بابن هشام وأعطيته رقعة مختومة أسأل فيها عن مدّة عمري وهل يكون الموتة في هذه العلة أم لا، وقلت: همّي ايصال هذه الرّقعة الى واضع الحجر في مكانه وأخذ جوابه وانّما أندبك لهذا، قال: فقال المعروف بابن هشام: لمّا حصلت بمكة وعزم على إعادة الحجر بذلت لسدنة البيت جملة تمكّنت معها من الكون بحيث أرى واضع الحجر في مكانه، فأقمت معي منهم من يمنع عنّي ازدحام الناس فكلّما عمد انسان لوضعه اضطرب ولم يستقم، فأقبل غلام أسمر اللون حسن الوجه فتناوله ووضعه في مكانه فاستقام كأنّه لم يزل عنه، وعلت لذلك الأصوات، فانصرف خارجاً من الباب، فنهضت من مكاني أتبعه وأدفع الناس عنّي يميناً وشمالا حتى ظنّ بي الاختلاط في العقل، والنّاس يفرجون لي وعيني لا تفارقه حتّى انقطع عن الناس فكنت أسرع السير خلفه وهو يمشي على تؤدة السير ولا اُدركه.
فلمّا حصل بحيث لا أحد يراه غيري وقف والتفت اليّ فقال: هات ما معك، فناولته الرّقعة، فقال من غير أن ينظر إليها: قل له: لا خوف عليك في هذه العلّة، ويكون ما لابدّ منه بعد ثلاثين سنة، قال: فوقع عليّ الدّمع حتى لم اُطق حراكاً وتركني وانصرف.
قال أبو القاسم: فأعلمني بهذه الجملة فلمّا كان سنة سبع وستّين اعتلّ أبو القاسم وأخذ ينظر في أمره وتحصيل جهازه إلى قبره، فكتب وصيّته واستعمل الجدّ في ذلك، فقيل له: ما هذا الخوف؟ ونرجو أن يتفضّل الله بالسّلامة فما عليك بمخوفة، فقال: هذه السنة التي خوّفت فيها فمات في علّته(٥٢٥).
الحكاية الرابعة والخمسون:
قال الشيخ الجليل منتجب الدين علي بن عبد الله بن بابويه في كتاب المنتجب: "ابو الحسن علي بن محمد بن أبي القاسم العلوي الشعراني.
عالم صالح، شاهد الامام صاحب الأمر، ويروي عنه أحاديث عليه وعلى آبائه السلام"(٥٢٦).
الحكاية الخامسة والخمسون:
الصالح المتّقي الشيخ محمد طاهر النجفي وكان خادماً في مسجد الكوفة لسنوات ويسكن هناك مع عياله، ويعرفه أغلب أهل العلم في النجف الأشرف الذين يتشرّفون إلى هناك، ولم ينقل لحدّ الآن عنه غير الحسن والصلاح، وكنت أعرفه لمدّة سنوات بهذه الأوصاف، وذكره أحد العلماء المتّقين الذي كان معتكفاً هناك لمدّة طويلة بغاية التقوى والديانة، وهو فاقد البصر حالياً وما زال مبتلى بحاله، وقد نقل ذلك العالم هذه القضيّة عنه في السنة الماضية في ذلك المسجد الشريف وكنت أبحث عنه:
قبل سبع أو ثمان سنوات ولعدم مجيء الزوّار وذلك للمعارك بين طائفتي الزكَرت والشمرت في النجف مما سبّب انقطاع مجيء أهل العلم إلى هناك، فصارت حياتي مرّةً لأن معاشي كان منحصراً بين هاتين الطائفتين، مع كثرة عيالي وتكفّلي بعض الأيتام أيضاً؛ ففي ليلة جمعة لم يكن شيء عندنا نقتات به، وكان الأطفال يئنّون من الجوع، فضاق صدري جداً، وكنت غالباً منشغلا ببعض الأوراد والختوم ولكن في تلك الليلة ولشدّة سوء حالتي جلست مستقبلا القبلة بين محل السفينة وهو المكان المعروف بالتنور، وبين دكة القضاء، وشكوت حالي إلى القادر المتعال مظهراً رضاي بتلك الحالة من الفقر ومضطرباً وقلت: ليس من الصعب أن تريني وجه سيدي ومولاي، ولا أريد شيئاً آخر. فاذا أنا أرى نفسي واقفاً على قدميَّ وبيدي سجادة بيضاء ويدي الأخرى بيد شاب جليل القدر تلوح منه آثار الهيبة والجلال لابساً لباساً نفيساً يميل إلى السواد، فتصوّرت في البداية انّه أحد السلاطين، ولكن كانت على رأسه المبارك عمامة وقريباً منه شخص آخر لابساً لباساً أبيض، وفي ذلك الحال مشينا إلى جهة الدكة قريب المحراب، فعندما وصلنا هناك قال ذلك الشخص الجليل الذي كانت يدي بيده: يا طاهر افرش السجادة.
ففرشتها، ورأيتها بيضاء تتلألأ ولم أعرف ماهيتها وقد كتب عليها بخطّ واضح، وقد فرشتها باتجاه القبلة مع ملاحظة الانحراف الموجود في المسجد؛ فقال: كيف فرشتها؟ ففقدت الشعور لهيبته ودهشت وقلت بدون شعور: فرشتها بالطول والعرض.
فقال: من أين أخذت هذه العبارة؟
قلت: أخذت هذا الكلام من الزيارة التي كنت أزور بها القائم عجل الله فرجه.
فتبسّم في وجهي وقال: لك القليل من الفهم.
فوقف على تلك السجادة وكبر تكبيرة الصلاة وإذا بنوره وبهائه يزداد من فوره فصار كالخيمة حوله بحيث لا يمكن النظر إلى وجهه المبارك! ووقف ذلك الشخص خلفه عليه السلام متأخراً عنه بأربعة أشبار، فصلّى الاثنان، وكنت واقفاً أمامهما، فوقع في نفسي شيء من أمره، وفهمت من ذلك انّ هذين الشخصين ليسا كما ظننت؛ فلمّا فرغا من الصلاة، لم أَرَ ذلك الشخص الثاني، ورأيته عليه السلام على كرسي مرتفعاً ارتفاع أربعة أذرع تقريباً، له سقف وعليه من النور ما يخطف البصر، فالتفت لي وقال: يا طاهر! أي سلطان من السلاطين كنت تظنّني؟
قلت: يا مولاي أنت سلطان السلاطين، وسيد العالم ولست أنت من اُولئك.
قال: يا طاهر قد وصلت إلى بغيتك فما تريد؟ ألم نكن نرعاك كل يوم، ألم تعرض أعمالك علينا؟
وواعدني بحسن الحال، والفرج عند ذلك الضيق، فدخل في هذا الحال شخص إلى المسجد من طرف صحن مسلم أعرفه بشخصه واسمه، وكانت له اعمال سيئة؛ فظهرت آثار الغضب عليه عليه السلام والتفت إليه بوجهه المبارك، وظهر العرق الهاشمي في جبهته، وقال: يا فلان! إلى أين تفر؟ لأرض لسنا فيها، أم لسماء لسنا فيها؟! فأحكامنا تجري فيها ولا طريق لخلاصك من ذلك الّا أن تكون تحت أيدينا.
ثم التفت إليّ وتبسّم وقال: يا طاهر! وصلت إلى بغيتك، فما تريد؟ فلم أقدر أن أتكلّم لهيبته عليه السلام ولِمَا اعتراني من الحيرة من جلاله وعظمته، فأعاد عليّ ذلك الكلام مرّة اُخرى، واعتراني من شدّة الحال ما لا يوصف، فلم أقدر على الجواب والسؤال منه، فلم يمضِ أكثر من طرفة عين حتى رأيت نفسي وحدي وسط المسجد ولا يوجد أحدٌ معي، فنظرت إلى جهة المشرق فرأيت الفجر قد طلع.
قال الشيخ طاهر: فمع انّي كنت عدّة سنوات اعمى وقد انسدّت كثيراً من طرق المعاش علي والتي كان احدها خدمة العلماء والطلاب الذين يتشرّفون هناك، فقد توسّع أمر معاشي من ذلك التأريخ حسب وعده عليه السلام ولحدّ الآن - والحمد لله - ولم أقع بصعوبة وضيق.
الحكاية السادسة والخمسون:
ونقل عن بعض علماء النجف الأشرف الذين كانوا يأتون هناك وأنا أخدمهم وأتعلّم احياناً منهم أشياء، فعلمني في بعض الأوقات ورداً، وقد كنت لمدّة اثنتي عشرة سنة أجلس في ليالي الجمع في احدى حجرات المسجد وأقرأ ذلك الورد وأتوسّل بالرسول والآل الطاهرين صلوات الله عليهم بالترتيب إلى أن أصل إلى امام العصر عليه السلام، ففي احدى الليالي - وبحسب عادتي - كنت مشغولا بوردي فاذا أنا بشخص قد دخل عليّ وقال: ما الخبر؟ القلقلة على الشفة حجاب لكل دعاء، فاتركه حتى يرتفع الحجاب ويستجاب جميعاً.
وخرج إلى جهة صحن مسلم، فخرجت خلفه فلم أَرَ أحداً.
الحكاية السابعة والخمسون:
قال آية الله العلامة الحلي في كتاب ايضاح الاشتباه:
وجدت بخط صفي الدين محمد بن معد(٥٢٧) حدّثني برهان الدين القزويني وفقه الله قال: سمعت السيد فضل الله الراوندي يقول وقد ورد أمير يقال له عكبر، فقال أحدنا: هذا عكبر، بفتح العين.
فقال فضل الله(٥٢٨): لا تقولوا هكذا بل قولوا عكبر بضمّ العين والباء، وكذلك شيخ الأصحاب هارون بن موسى التلعكبري بضمّ العين والباء.
وقال: بقرية من قرى همدان يقال لها ورشيد(٥٢٩) أولاد عُكبُر هذا، ومنهم اسكندر بن دربيس(٥٣٠) بن عُكبُر، وكان من الأمراء الصالحين، وقد رأى القائم عليه السلام كرّات.
وقال عن فضل الله: عُكبُر ومادي ودبيان ودربيس(٥٣١) امراء الشيعة بالعراق ووجوههم ومتقدّموهم، ومن يعقد عليه الخنصر اسكندر المتقدّم ذكره(٥٣٢) انتهى.
والمراد من يعقد عليه الخنصر مقام عظمته وجلالة قدره عند الخلق، فانهم إذا أرادوا أن يعدوا العظماء ابتدأوا به، فمن المرسوم بين الناس انّهم يتبدئون بالخنصر في مقام العد بالأصابع ويعقدونه أولا.
وقال العالم الجليل الشيخ منتجب الدين في رجاله:
"الأمير الزاهد صارم الدين اسكندر بن دربيس بن عُكبُر الورشيدي الخرقاني من أولاد مالك بن الحارث الأشتر النخعي: صالح، ورع، ثقة"(٥٣٣).
وقال هناك أيضاً: "الأمراء الزهاد تاج الدين محمود، وبهاء الدين مسعود، وشمس الدين محمد، أولاد الأمير الزاهد صارم الدين اسكندر بن دربيس؛ فقهاء صلحاء"(٥٣٤).
ونقل في الايضاح عنهم هؤلاء النفر الثلاثة: من أعيان العلماء وأجلّة الفقهاء والمحدّثين وأصحاب التصانيف المعروفة.
الحكاية الثامنة والخمسون:
قال العالم الفاضل الخبير الميرزا عبد الله الاصفهاني تلميذ العلامة المجلسي في الفصل الثاني من خاتمة القسم الأول - كتاب رياض العلماء:
"الشيخ أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الحاسمي: الفاضل العالم الكامل المعروف بالحاسمي. وكان من أكابر مشايخ اصحابنا، والظاهر انّه من قدماء الأصحاب.
قال الأمير السيد حسين العاملي المعروف بالمجتهد المعاصر للسلطان شاه عباس الماضي الصفوي في أواخر رسالته المعمولة في أحوال أهل الخلاف في النشأتين عند ذكر بعض المناظرات الواقعة بين الشيعة وأهل السنة هكذا:
وثانيهما حكاية غريبة وقعت في بلدة طيبة همذان بين شيعي اثني عشري وبين سني، رأيت في كتاب قديم يحتمل أن يمضي من تاريخ كتابته ثلاثمائة سنة نظراً إلى العادة، وكان المسطور في الكتاب المذكور انّه وقع بين بعض من علماء الشيعة الاثني عشرية اسمه أبو القاسم بن محمد بن أبي القاسم الحاسمي وبين بعض من علماء أهل السنة رفيع الدين حسين مصادقة ومصاحبة قديمة ومشاركة في الأموال، ويتخالطان في أكثر الأحوال والأسفار، وكل واحد منهما لا يخفي مذهبه وعقيدته عن الآخر، وعلى سبيل الهزل ينسب أبو القاسم رفيع الدين إلى الناصبي وينسب رفيع الدين أبا القاسم إلى الرافضي، وبينهما في هذه المصاحبة لا يقع مباحثة في المذهب، إلى أن وقع الاتّفاق في مسجد بلدة طيبة همذان يسمى ذلك المسجد بالمسجد العتيق، وفي أثناء المكالمة فضّل رفيع الدين حسين أبا بكر وعمر على أمير المؤمنين عليّ عليه السلام وردّ أبو القاسم على رفيع الدين وفضّل عليّاً عليه السلام على أبي بكر وعمر، وأبو القاسم استدلّ على مدّعاه بآيات عظيمة وأحاديث منزلة، وذكر كرامات ومقامات ومعجزات وقعت منه عليه السلام، ورفيع الدين يعكس القضية واستدلّ على تفضيل أبي بكر على عليّ عليه السلام بمخالطته ومصاحبته في الغار ومخاطبته بخطاب الصدّيق الأكبر من بين المهاجرين والأنصار.
وأيضاً قال: إنّ أبا بكر مخصوص من بين المهاجرين والأنصار بالمصاهرة والخلافة والامامة، وأيضاً قال رفيع الدين: الحديثان عن النبي واقعان في شأن أبي بكر احدهما " أنت بمنزلة القميص منّي " الحديث، وثانيهما: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر "، وأبو القاسم الشيعي بعد استماع هذه المقال من رفيع الدين قال لرفيع الدين: لأي وجه وسبب تفضّل أبا بكر على سيد الأوصياء وسند الأولياء وحامل اللواء وعلى امام الانس والجانّ وقسيم الجنة والنار، والحال انّك تعلم انّه عليه السلام الصديق الأكبر والفاروق الأزهر أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وزوج البتول، وتعلم أيضاً انه عليه السلام وقت فرار الرسول إلى الغار من الظلمة وفجرة الكفار ضاجع على فراشه، وشاركه - علي - في حال العسر والفقر.
وسد رسول الله أبواب الصحابة من المسجد الّا بابه، وحمل عليّاً على كتفه لأجل كسر الأصنام في أول الاسلام، وزوّج الحق جلّ وعلا فاطمة بعليّ في الملأ الأعلى، وقاتل عليه السلام مع عمرو بن عبدود، وفتح خيبر، ولا أشرك بالله تعالى طرفة عين بخلاف الثلاثة، وشبه صلى الله عليه وآله وسلّم علياً بالأنبياء الأربعة حيث قال: "من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في فهمه وإلى موسى في بطشه وإلى عيسى في زهده فلينظر إلى عليّ بن أبي طالب".
ومع وجود هذه الفضائل والكمالات الظاهرة الباهرة، ومع قرابته عليه السلام للرسول، وردّ الشمس له، كيف يعقل ويجوز تفضيل أبي بكر على عليّ؟!
ولما سمع رفيع الدين هذه المقالة من أبي القاسم من تفضيله عليّاً عليه السلام على أبي بكر انهدم بناء خصوصيته لأبي القاسم، وبعد اللتيا والتي، قال رفيع الدين لأبي القاسم: كل رجل يجيء إلى المسجد فأي شيء يحكم من مذهبي أو مذهبك نطيع، ولما كان عقيدة أهل همذان على أبي القاسم ظاهراً كان خائفاً من هذا الشرط الذي وقع بينه وبين رفيع الدين، لكن لكثرة المجادلة والمباحثة قبل أبو القاسم الشرط المذكور ورضي به كرهاً.
وبعد قرار الشرط المذكور بلا فصل جاء إلى المسجد فتى ظهر من بشرته آثار الجلالة والنجابة، ومن أحواله لاح المجيء من السفر ودخل في المسجد وطاف، ولمّا جاء بعد الطواف عندهما، قام رفيع الدين على كمال الاضطراب والسرعة، وبعد السلام على الفتى المذكور سأله وعرض الأمر المقرر بينه وبين أبي القاسم، وبالغ مبالغة كثيرة في اظهار عقيدة الفتى وأكّد بالقسم وأقسمه بأن يظهر عقديته على ما هو الواقع، والفتى المذكور بلا توقّف أنشأ هذين البيتين:

متى أقل مولاي أفضل منهما * * * أكن للذي فضّلته متنقّصاً
ألم تَرَ أن السيف يزري بحده * * * مقالك هذا السيف احدى من العصا

ولمّا فرغ الفتى من انشاء هذين البيتين كان أبو القاسم مع رفيع الدين قد تحيّرا من فصاحته وبلاغته، ولمّا أرادا تفتيش حال الفتى غاب عن نظرهما ولم يظهر أثره، ورفيع الدين لمّا شاهد هذا الأمر الغريب العجيب ترك مذهبه الباطل واعتقد المذهب الحق الاثني عشري"(٥٣٥).
وقال صاحب الرياض بعد أن نقل هذه القصة من الكتاب المذكور: "الظاهر انّ ذلك الفتى هو القائم عليه السلام"(٥٣٦).
ويؤيد هذا الكلام ما سوف نقوله في الباب التاسع.
وأما البيتان المذكوران فهما موجودان في كتب العلماء مع تفسير وزيادة بهذا النحو:

يقولون لي فضّل عليّاً عليهما * * * فلست أقول التبر أعلى من الحصا
إذا أنا فضّلت الامام عليهما * * * اكن بالذي فضّلته متنقّصاً
ألم تَرَ انّ السيف يزري بحدّه * * * مقالة هذا السيف أمضى من العصا

وقال في الرياض: "وأمّا البيتان فهما المادة للأبيات"(٥٣٧)، يعني إنّ منشأهما مأخوذ من تلك الحكاية.
الحكاية التاسعة والخمسون:
حدّثني العالم الصالح التقي الميرزا محمد باقر السلماسي خلف صاحب المقامات العالية والمراتب السامية الآقا الآخوند الملا زين العابدين السلماسي رحمهما الله تعالى:
كان المولى الصالح الوفي الاميرزا محمد علي القزويني رجلا زاهداً ناسكاً وثقة عابداً وكان له ميل شديد وحبّ مفرط في تحصيل علم الجفر والحروف، يجوب لتحصيله البلاد والفيافي والقفار، وكان بينه وبين الوالد صداقة تامة، فأتى إلى سرّ من رأى حين اشتغال الوالد في عمارة مشهد العسكريين عليهما السلام، فنزل في دارنا، فبقي عندنا إلى أن رجعنا إلى وطننا المألوف مشهد الكاظمين عليهما السلام، ومضى من ذلك ثلاث سنين، وكان في تلك المدّة ضيفاً عندنا فقال لي يوماً: قد ضاق صدري وانقضى صبري ولي اليك حاجة ورسالة تؤديها إلى والدك المعظم، فقلت: وما هي؟ قال: رأيت في النوم في تلك الأيام التي كنّا بسامراء مولانا الحجة عجل الله فرجه فسألت منه الكشف عن العلم الذي صرفت له عمري وحبست في تحصيله نفسي، فقال: هو عند صاحبك، وأشار إلى والدك، فقلت: هو يستر على سرّه ولا يكشف لي حقيقته، قال عليه السلام: ليس كذلك، أطلب منه فانّه لا يمنعك منه، فانتبهت فقمت إليه فوافيته مقبلا إليّ في بعض اطراف الصحن المقدّس، فلمّا رآني ناداني قبل أن أتفوّه بالكلام، فقال: لِمَ شكوت منّي عند الحجة عليه السلام؟ متى سألتني شيئاً كان عندي فبخلت به؟ فطأطأت رأسي خجلا، ولم أكن اعتقد انّه نظر في هذا العلم شيئاً، ولم أسمع منه في مدّة مصاحبتي معه من هذا العلم حرفاً، ولم أقدر على الجواب بعد ما وبخني عليه، والآن ثلاث سنين وقفت نفسي على ملازمته ومصاحبته لا هو يسألني عن مقصدي ويعطيني ما أحاله الامام عليه السلام عليه، ولا أنا أقدر على السؤال عنه، وإلى الآن ما ذكرت ذلك لأحد، فان رأيت أن تكشف كربي ولو باليأس من المرام فانّ الله لا يضيع أجر المحسنين.
قال سلّمه الله: فبقيت متعجباً من تلك القضية ومن جميل صبره وحسن سكوته، فقمت إلى الوالد الأجلّ وقلت: سمعت اليوم عجباً، وحكيت له ما سمعت وقلت: من أين علمت انّه شكى في النوم إلى الامام عليه السلام؟ فقال: هو عليه السلام قال لي في النوم ولم يذكر تفصيل نومه.
ولهذه الحكاية تتمة فيها كرامة للميرزا محمد علي المذكور... ذكرناها في كتاب دار السلام(٥٣٨).
الحكاية الستون:
في كتاب اثبات الهداة بالنصوص والمعجزات للشيخ المحدّث الجليل محمد بن الحسن الحرّ العاملي رحمه الله قال: قد أخبرني جماعة من ثقات الأصحاب انّهم رأوا صاحب الأمر عليه السلام في اليقظة، وشاهدوا منه معجزات متعدّدات، وأخبرهم بعدّة مغيّبات، ودعا لهم بدعوات مستجابات، وأنجاهم من أخطار مهلكات(٥٣٩).
قال رحمه الله: كنّا جالسين في بلادنا في قرية مشغرا في يوم عيد، ونحن جماعة من أهل(٥٤٠) العلم والصلحاء، فقلت لهم: ليت شعري في العيد المقبل من يكون من هؤلاء حياً ومن يكون قد مات؟ فقال لي رجل كان اسمه " الشيخ محمد " وكان شريكنا في الدّروس(٥٤١): أنا أعلم أنّي أكون في عيد آخر حيّاً وفي عيد آخر حيّاً وعيد آخر إلى ستّة وعشرين سنة، وظهر منه انّه جازم بذلك من غير مزاح، فقلت له: أنت تعلم الغيب؟ قال: لا، ولكنّي رأيت المهديّ عليه السلام في النوم وأنا مريض شديد المرض، فقلت له: أنا مريض وأخاف أن أموت، وليس لي عمل صالح ألقى الله به، فقال: لا تخف فإنّ الله تعالى يشفيك من هذا المرض، ولا تموت فيه بل تعيش ستّاً وعشرين سنة، ثمّ ناولني كأساً كان في يده فشربت منه وزال عنّي المرض وحصل لي الشفاء، وأنا أعلم أنّ هذا ليس من الشيطان.
فلمّا سمعت كلام الرّجل كتبت التاريخ، وكان سنة ألف وتسعة وأربعين ومضت لذلك مدّة [طويلة](٥٤٢) وانتقلت إلى المشهد المقدّس سنة ألف واثنين وسبعين، فلمّا كانت السنة الأخيرة وقع في قلبي انّ المدّة [قد](٥٤٣) انقضت فرجعت إلى ذلك التاريخ وحسبته(٥٤٤) فرأيته قد مضى منه ستّ وعشرون سنة، فقلت: ينبغي أن يكون الرّجل مات.
فما مضت (الّا)(٥٤٥) مدّة نحو شهر أو شهرين حتى جاءتني كتابة من أخي - وكان في البلاد - يخبرني انّ الرّجل المذكور مات(٥٤٦).
الحكاية الحادية والستون:
وقال الشيخ الجليل المتقدّم ذكره في نفس هذا الكتاب:
إنّي كنت في عصر الصِّبا وسنّي عشر سنين أو نحوها أصابني مرض شديد جدّاً حتى اجتمع أهلي وأقاربي وبكوا وتهيّأوا للتعزية، وأيقنوا انّي أموت تلك الليلة.
فرأيت النبي والائمة الاثني عشر صلوات الله عليهم، وأنا فيما بين النائم واليقظان، فسلّمت عليهم [صلوات الله عليهم](٥٤٧) وصافحتهم واحداً واحداً، وجرى بيني وبين الصادق عليه السلام كلام، ولم يبقَ في خاطري الّا انّه دعا لي.
فلمّا سلّمت على الصاحب عليه السلام، وصافحته، بكيت وقلت: يا مولاي أخاف أن أموت في هذا المرض، ولم أقضِ وطري من العلم والعمل، فقال [لي](٥٤٨) عليه السلام: لا تخف فانّك لا تموت في هذا المرض بل يشفيك الله تعالى وتعمر عمراً طويلا، ثمّ ناولني قدحاً كان في يده فشربت منه وأفقت في الحال وزال عنّي المرض بالكليّة، وجلست وتعجّب(٥٤٩) أهلي وأقاربي، ولم اُحدّثهم بما رأيت الّا بعد أيام(٥٥٠).
الحكاية الثانية والستون:
نقل العالم المتبحّر الجليل أفضل اهل عصره الشيخ أبو الحسن الشريف العاملي في كتاب (ضياء العالمين) عن الحافظ أبي نعيم وأبي علاء الهمداني روى كل منهما بسنده عن ابن عمر انّه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم): "يخرج المهدي من قرية يقال لها كرعة، على رأسه غمامة فيها مناد ينادي هذا خليفة الله فاتّبعوه"(٥٥١).
وروى جماعة عن محمد بن احمد قال: [ان والده لما سمع انّ المهدي يخرج من كرعة](٥٥٢) كان يكثر السؤال عنها [لوفد الحاج كلّ سنة](٥٥٣) قال: فجاء بي شخص إلى شيخ تاجر ذي مال وخدم، [وقال: هذا يسأل كل وقت عن كرعة، ولا يدري أين هي؟ فإن كان عندك خبرها فأخبره به فرحب الشيخ بي](٥٥٤) وقال: من أين تعرفها؟
قلت(٥٥٥): سمعت في الكتب حديثها وشأنها.
فقال(٥٥٦): كان والدي كثير الأسفار، فحمّل جماله وسرت معه، فطلبنا موضعاً، فظللنا عن الطريق أيّاماً حتى نفد زادنا، وكدنا نتلف، فأشرفنا على قباب، وخيام من الأدم، فخرجوا الينا فحكينا لهم أمرنا.
فلمّا كان الظهر خرج شيخ(٥٥٧) ذو هيبة لم أَرَ أحسن منه وجهاً، ولا أعظم منه هيبة، ولا أجلّ قدراً، حتى كنّا لا نشبع من نظره لهيبته، فصلّى بهم الظهر مسبلا كصلاتكم(٥٥٨) أهل العراق(٥٥٩)، فلمّا سلّم، سلّم عليه والدي، وحكى له قصّتنا، فأقمنا ايّاماً ولم نَرَ مثلهم ناساً لم نسمع عندهم هجر ولا لغو.
ثم طلبنا منه المسير، فبعث معنا شخصاً، فسار بنا ضحوة، فاذا نحن بالموضع الذي نريده.
فسأله والدي عن الرجل من هو؟
فقال: هو المهدي [محمد بن الحسن عليه السلام](٥٦٠)، والموضع الذي هو فيه يقال له: كرعة، مما يلي بلاد الحبشة من بلاد اليمن مسيرة عشرة أيام مفازة بغير ماء(٥٦١).
وقال العالم المتقدّم ذكره بعد نقله هذه القصة: لا منافاة بين ما ذكر – يعني خروج المهدي صلوات الله عليه من كرعة - وبين ما هو ثابت في انّ أوّل ظهوره عليه السلام يكون من مكة، وذلك لأنّه عليه السلام يخرج من الموضع الذي هو مقيم فيه ثم يأتي مكة، ويظهر هناك أمره.
يقول المؤلف:
قد ذكرت القرية المذكورة في أخبارنا أيضاً، فروى الثقة الجليل علي بن محمد الخراز في كفاية الأثر بأسانيد متعدّدة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال بعد أن عدّ الائمة عليهم السلام: "ثمّ يغيب عنهم امامهم " إلى أن قال علي عليه السلام: "يا رسول الله فما تكون هذه الغيبة"(٥٦٢).
"قال: أصبت(٥٦٣) حتى يأذن الله له بالخروج، فيخرج [من اليمن](٥٦٤) من قرية يقال لها كرعة(٥٦٥)، على رأسه عمامتي(٥٦٦) متدرع بدرعي، متقلّد بسيفي ذي الفقار، ومناد ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتّبعوه... الخ"(٥٦٧).
ونقل الگنجي الشافعي أيضاً الخبر السابق في كتابه البيان(٥٦٨).
الحكاية الثالثة والستون:
وقال الشيخ المتقدّم ذكره(٥٦٩) أيضاً بعد أن نقل الحكاية المذكورة، وحكاية أمير اسحاق الأستر آبادي، ومختصراً عن قصة الجزيرة الخضراء: "ثمّ ان المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الأمر عليه السلام سوى ما ذكرنا كثيرة جداً حتى في هذه الأزمنة القريبة، فقد سمعت أنا من ثقات انّ مولانا أحمد الأردبيلى رآه عليه السلام في جامع الكوفة، وسأل منه مسائل، وانّ مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه في الجامع العتيق بإصبهان"(٥٧٠).
وأمّا الحكاية الأولى، فقد قال السيد المحدّث السيد نعمة الله الجزائري في الأنوار النعمانيّة:
وقد حدّثني أوثق مشايخي علماً وعملا انّ لهذا الرجل - وهو المولى الأردبيلي - تلميذاً من أهل تفريش اسمه مير علاّم (فيض الله خ) وقد كان بمكان من الفضل والورع قال ذلك التلميذ: انّه قد كانت لي حجرة في المدرسة المحيطة بالقبة الشريفة، فاتّفق انّي فرغت من مطالعتي وقد مضى جانب كثير من الليل، فخرجت من الحجرة أنظر في حوش الحضرة وكانت الليلة شديدة الظلام فرأيت رجلا مقبلا على الحضرة الشريفة، فقلت لعلّ هذا سارق جاء ليسرق شيئاً من القناديل، فنزلت وأتيت إلى قربه فرأيته وهو لا يراني فمضى إلى الباب ووقف، فرأيت القفل قد سقط وفتح له الباب الثاني، والثالث على هذا الحال، فأشرف على القبر فسلّم وأتى من جانب القبر ردّ السلام؛ فعرفت صوته فاذا هو يتكلّم مع الامام عليه السلام في مسألة علمية، ثم خرج من البلد متوجّهاً إلى مسجد الكوفة، فخرجت خلفه وهو لا يراني، فلمّا وصل إلى محراب المسجد سمعته يتكلّم مع رجل آخر بتلك المسألة، فرجع ورجعت خلفه، فلمّا بلغ إلى باب البلد أضاء الصبح فأعلنت نفسي له وقلت له: يا مولانا كنت معك من الأوّل إلى الآخر فأعلمني من كان الرجل الأوّل الذي كلّمته في القبة؟ ومن الرجل الآخر الذي كلّمك في مسجد الكوفة؟
فأخذ عليّ المواثيق انّي لا أخبر أحداً بسرّه حتى يموت، فقال لي: يا ولدي انّ بعض المسائل تشتبه عليّ فربّما خرجت في بعض الليل إلى قبر مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وكلّمته في المسألة وسمعت الجواب، وفي هذه الليلة أحالني على مولانا صاحب الزمان عليه السلام وقال لي:
"انّ ولدنا المهدي هذه الليلة في مسجد الكوفة فامضِ إليه وسله عن هذه المسألة".
وكان ذلك الرجل هو المهديّ عليه السلام(٥٧١).
يقول المؤلف:
ذكر الفاضل النحرير الميرزا عبد الله الاصفهاني في (رياض العلماء):
"السيد الأمير علام؛ فاضل عالم جليل معروف علاّمة كاسمه، وكان من أفاضل تلامذة المولى احمد الأردبيلي، وله رحمه الله فوائد وافادات وتعليقات على الكتب في اصناف العلوم...
انّه لما سئل المولى احمد الأردبيلي عند وفاته عمّن يرجع إليه من تلامذته، ويؤخذ منه العلم بعد وفاته.
قال: أمّا في الشرعيات إلى الأمير علاّم، وفي العقليّات إلى الأمير فضل الله"(٥٧٢).
ونقل الشيخ ابو علي في حاشية رجاله عن استاذه الأكبر العلامة البهبهاني انّ الأمير المذكور هو جدّ السيد السند السيد الميرزا، وكان من اجلاء القاطنين في النجف الأشرف، ومن جملة العلماء الذين توفوا بالطاعون الذي وقع ببغداد وحواليها سنة ست وثمانين ومائة وألف. وقال العلامة المجلسي في البحار: اخبرني جماعة عن السيد الفاضل أمير علام، قال:... إلى آخره مع اختلاف في الجملة، وفي آخره هكذا:
"فكنت خلفه حتّى قرب من الحنّانة فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فالتفت اليّ فعرفني، وقال: أنت مير علام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع ههنا؟ قلت: كنت معك حيث دخلت الرّوضة المقدّسة إلى الآن واُقسم عليك بصاحب القبر أن تخبرني بما جرى عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية.
فقال: اُخبرك على أن لا تخبر به أحداً [ما دمت حيّاً](٥٧٣) فلمّا توثّق ذلك منّي قال: كنت اُفكّر في بعض المسائل وقد أغلقت عليّ، فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين عليه السلام وأسأله عن ذلك، فلمّا وصلت إلى الباب فتح لي بغير مفتاح - كما رأيت - فدخلت الرّوضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من القبر: أن ائت مسجد الكوفة وسل عن القائم عليه السلام فانّه امام زمانك [فأتيت عند المحراب، وسألته عنها واُجبت وها أنا أرجع إلى بيتي](٥٧٤)"(٥٧٥).
الحكاية الرابعة والستون:
قضية العالم الرباني الآقا الآخوند الملاّ محمد تقي المجلسي، التي أشير إليها في كلام الشيخ أبي الحسن الشريف ولم يذكر تفصيلها، والظاهر انّ مراده الحكاية التي ذكرها ذلك المرحوم في المجلّد الرابع من شرح من لا يحضره الفقيه في ضمن احوال المتوكّل بن عمير راوي الصحيفة السجادية.
قال رحمه الله: انّي كنت في اوائل البلوغ طالباً لمرضاة الله، ساعياً في طلب رضاه، ولم يكن لي قرار بذكره إلى أن رأيت بين النوم واليقظة انّ صاحب الزّمان صلوات الله عليه كان واقفاً في الجامع القديم باصبهان قريباً من باب الطنبى الذي الآن مدرسي، فسلّمت عليه وأردت أن اُقبّل رجله، فلم يدعني وأخذني، فقبّلت يده، وسألت عنه مسائل قد أشكلت عليَّ.
منها انّي كنت اُوسوس في صلاتي، وكنت أقول انّها ليست كما طلبت منّي وأنا مشتغل بالقضاء، ولا يمكنني صلاة الليل، وسألت عنها شيخنا البهائي رحمه الله تعالى فقال: صلّ صلاة الظهر والعصر والمغرب بقصد صلاة الليل، وكنت أفعل هكذا، فسألت عن الحجة عليه السلام اُصلّي صلاة الليل؟ فقال: صلّها، ولا تفعل كالمصنوع الذي كنت تفعل، إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبقَ في بالي.
ثمّ قلت: يا مولاي لا يتيسّر لي أن أصل إلى خدمتك كلّ وقت فأعطني كتاباً أعمل عليه دائماً فقال عليه السلام: أعطيت لأجلك كتاباً إلى مولانا محمد التاج، وكنت أعرفه في النوم، فقال عليه السلام: رُح وخذ منه، فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه إلى جانب دار البطّيخ محلّة من اصبهان، فلمّا وصلت إلى ذلك الشخص فلمّا رآني قال لي: بعثك الصّاحب عليه السلام اليّ؟ قلت: نعم، فأخرج من جيبه كتاباً قديماً فلمّا فتحته ظهر لي انّه كتاب الدّعاء فقبّلته ووضعته على عيني وانصرفت عنه متوجهاً الى الصاحب عليه السلام فانتبهت ولم يكن معي ذلك الكتاب.
فشرعت في التضرّع والبكاء والحوار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر فلمّا فرغت من الصلاة والتعقيب، وكان في بالي انّ مولانا محمد(٥٧٦) هو الشيخ وتسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء.
فلمّا جئت إلى مدرسته وكان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة، وكان القارئ السيد صالح أمير ذو الفقار الجرفادقانيّ فجلست ساعة حتى فرغ منه، والظاهر انّه كان في سند الصحيفة لكن للغمّ الذي كان لي لم أعرف كلامه ولا كلامهم، وكنت أبكي فذهبت إلى الشيخ وقلت له رؤياي وكنت أبكي لفوات الكتاب، فقال الشيخ: أبشر بالعلوم الالهيّة، والمعارف اليقينيّة وجميع ما كنت تطلب دائماً، وكان اكثر صحبتي مع الشيخ في التصوّف وكان مائلا إليه، فلم يسكن قلبي وخرجت باكياً متفكراً إلى أن اُلقي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم، فلمّا وصلت إلى دار البطّيخ رأيت رجلا صالحاً اسمه آغا حسن، وكان يلقب بتاجا، فلمّا وصلت إليه وسلّمت عليه قال: يا فلان، الكتب الوقفيّة التي عندي كلّ من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف وأنت تعمل به، وقال: وانظر إلى هذه الكتب وكلّما تحتاج إليه خذه، فذهبت معه الى بيت كتبه فأعطاني أوّل ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم، فشرعت في البكاء والنحيب، وقلت: يكفيني وليس في بالي انّي ذكرت له النوم أم لا، وجئت عند الشيخ وشرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جدّ أبيه مع نسخة الشهيد وكتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء وابن السكون، وقابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطة أو بدونها، وكانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة من خطّ الشهيد، وكانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبة على هامشها، وبعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي، وببركة اعطاء الحجة عليه السلام صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كلّ بيت، وسيّما في اصبهان فانّ اكثر الناس لهم الصّحيفة المتعدّدة وصار اكثرهم صلحاء واهل الدّعاء، وكثير منهم مستجابو الدّعوة، وهذه الآثار معجزة لصاحب الأمر عليه السلام والذي أعطاني الله من العلوم بسبب الصحيفة لا اُحصيها(٥٧٧).
يقول المؤلف:
ذكر العلامة المجلسي رحمه الله في البحار صورة مختصرة للاجازة عن والده للصحيفة الكاملة، وقال هناك:
"انّي أروي الصحيفة الكاملة الملقب(٥٧٨) بزبور آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم، وانجيل اهل البيت عليهم السلام، والدعاء الكامل بأسانيد متكثرة، وطرق مختلفة، منها ما أرويها مناولة عن مولانا صاحب الزمان وخليفة الرحمان صلوات الله وسلامه عليه في الرؤيا الطويلة... إلى آخره"(٥٧٩).
ولا يخفى ان نسخ الصحيفة الكاملة بينها اختلاف كثير بحسب الترتيب والمقدار والكلمات، والمعروف منها ثلاث نسخ:
احداهما: المتداولة المشهورة التي تنتهي إلى نسخة المجلسي الأول والشيخ البهائي، وهي تطابق نسخة شمس الدين محمد بن علي الجباعي جدّ الشيخ البهائي صاحب الكرامات، بترتيب تقدّم وحكاية تأتي.
وثانيهما: نسخة الشيخ الفقيه أبي الحسن محمد بن احمد بن علي بن حسن بن شاذان المعروف بابن شاذان المعاصر للشيخ المفيد، صاحب كتاب ايضاح دفائن النواصب، وفيه مائة منقبة، ومشهور بـ (المائة منقبة).
وثالثهما: نسخة أبي علي الحسن بن أبي الحسن محمد بن اسماعيل بن محمد بن اشناس البزاز صاحب كتاب عمل ذي الحجة، المعاصر للشيخ الطوسي، بل من مشايخه.
وهناك نسخ اُخرى غير هذه النسخ الثلاثة بأسانيد مختلفة أشار إليها جناب الفاضل الميرزا عبد الله الاصفهاني في أول الصحيفة الثالثة، وتطابق ديباجة نسخة الصحيفة المشهورة وسقط واحد وعشرون دعاءً من الأصل، وأغلبها موجود في سائر النسخ، وقد ضبطت في الصحيفة الثالثة، مَن أرادها فليرجع إليها.
الحكاية الخامسة والستون:
في مجموعتين نفيستين عندي كلتيهما بخط العالم الجليل شمس الدين محمد بن علي بن الحسن الجباعي جد الشيخ البهائي وهو الذي يعبر عنه غالباً المجلسي الأول والثاني والسيد نعمة الله الجزائري والشيخ البهائي بصاحب الكرامات والمقامات.
ونقل المجموعتين من خطّ الشهيد الأول، وتشتملان على رسائل متفرّقة في الأخبار وغيرها، والأشعار والحكايات النافعة في عدّة مواضع منها خط الشيخ البهائي في ذيل الحكاية التاسعة والأربعين القصة المعروفة للدرّ المنقوش.
ونقل حكاية اُخرى ما صورتها:
قال السيد تاج الدين بن معيّة الحسني أحسن الله إليه: حدّثني والدي القاسم بن الحسن بن معيّة الحسني تجاوز الله عن سيئاته انّ المعمّر بن غوث السّنبسي ورد إلى الحلّة مرّتين احداهما قديمة لا اُحقّق تاريخها والاُخرى قبل فتح بغداد بسنتين، قال والدي: وكنت حينئذ ابن ثمان سنوات، ونزل على الفقيه مفيد الدّين ابن جهم، وتردّد إليه الناس، وزاره خالي السعيد تاج الدين بن معيّة، وأنا معه طفل ابن ثمان سنوات، ورأيته وكان شخصاً طوالا من الرّجال، يعدّ في الكهول، وكان ذراعه كأنّه الخشبة المجلّدة، ويركب الخيل العتاق، وأقام ايّاماً بالحلّة وكان يحكي انّه كان أحد غلمان الامام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وانّه شهد ولادة القائم عليه السلام.
قال والدي رحمه الله: وسمعت الشيخ مفيد [الدين] بن جهم يحكي بعد مفارقته وسفره عن الحلّة انّه قال: أخبرنا بسرّ لا يمكننا الآن إشاعته، وكانوا يقولون انّه أخبره بزوال ملك بني العبّاس، فلمّا مضى لذلك سنتان أو ما يقاربهما اُخذت بغداد وقتل المستعصم، وانقرض ملك بني العباس، فسبحان من له الدّوام والبقاء.
وكتب ذلك محمد بن علي الجباعي من خطّ السيد تاج الدين يوم الثلاثاء في شعبان سنة تسع وخمسين وثمانمائة.
ونقل قبل هذه الحكاية عن المعمّر خبرين هكذا من خطّ ابن معيّة:
الخبر الأول: ويرفع الاسناد عن المعمّر بن غوث السنبسي، عن أبي الحسن الدّاعي بن نوفل السلمي، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يقول: إنّ الله خلق خلقاً من رحمته لرحمته برحمته وهم الذين يقضون الحوائج للناس، فمن استطاع منكم أن يكون منهم فليكن.
الخبر الثاني: وبالاسناد عن المعمّر بن غوث السنبسيّ، عن الامام الحسن بن علي العسكري عليهما السلام انّه قال: أحسن ظنّك ولو بحجر يطرح الله شرّه فيه فتتناول حظّك منه، فقلت: أيّدك الله، حتى بحجر؟ قال: أفلا ترى حجر الأسود(٥٨٠).
وقد روى هذين الخبرين المحدّث العارف الشيخ ابن أبي جمهور الاحسائي في اوّل كتاب (عوالي اللئالي) عن شيخ الفقهاء المحقق صاحب الشرائع بسنده إلى الشيخ مفيد الدين بن الجهم عن المعمر المذكور(٥٨١).
يقول المؤلف:
سوف يشار اجمالا إلى اساميهم في أخبار المعمّرين بعد ذلك، ولم نجد أصح منه.
فجلالة قدر البهائي معروفة.
أمّا السيد تاج الدين فهو العالم الجليل القاضي المعروف السيّد النسّابة تاج الدين أبو عبد الله محمد بن القاسم، عظمة شأنه، وجلالة قدره معروفة في كتب العلماء والاجازات، وقد استجاز منه الشهيد الأول لنفسه، ولولديه محمد وعلي ولبنته ست المشايخ الداخلة في طرق الاجازات.
ونقل الشهيد في هذه المجموعة كلمات رقيقة في الموعظة عن السيد تاج الدين.
أمّا والده فهو جلال الدين أبو جعفر القاسم بن الحسن بن محمد بن الحسن بن معيّة بن سعيد الديباجي الحسني الفقيه، فقيه فاضل عالم جليل، وهو تلميذ عميد الرؤساء، السيد الأجل أبي منصور هبة الله بن حامد بن احمد بن أيوب الحلّي؛ لغوي، اديب، كامل، مشهور، وتلميذ الشيخ علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمد بن محمد بن سكون المعروف بابن سكون.
والسيد معاصر للعلامة، وراوي الصحيفة الشريفة عن عميد الرؤساء وابن سكون، وهما عن السيد بهاء الشرف المذكور في اوّل الصحيفة، كما هو مبيّن في محلّه.
أمّا ابن الجهم فهو الشيخ الفقيه المعروف مفيد الدين محمد بن الجهم.
وعندما حضر الخواجة نصير الدين في مجلس درس المحقق رحمه الله وسأله عن تلامذته ايّهم أعلم في علم اصول الدين وعلم اصول الفقه، فأشار المحقق إلى والد العلامة؛ سديد الدين يوسف بن المطهر، وإلى الفقيه المذكور، وقال هذان أعلم الجماعة في علم الكلام واصول الفقه.
ومن الشواهد القطعية على صحة النسبة رواية المحقق هذين الخبرين عن الشيخ المفيد تلميذه(٥٨٢) عن المعمّر المذكور، فلو لم يكن قاطعاً بالصحة فانّه لا يمكن أن ينقل خبراً في عصره بواسطة واحدة عن الامام الحسن العسكري عليه السلام المتقدّم عصره عنه بأكثر من اربعمائة سنة.
ولم يتّضح لحدّ الآن عن حاله شيء، وما هو سبب طول عمره، وأين، وليس تحت أيدينا شرح السيد نعمة الله الجزائري على عوالي اللئالي لنراجعه فلعلّنا نحصل منه على شيء.
الحكاية السادسة والستون:
قال المجلسي في البحار:
أخبرني به جماعة عن جماعة عن السيّد السند الفاضل الكامل ميرزا محمد الاستر آبادي نوّر الله مرقده انّه قال: انّي كنت ذات ليلة أطوف حول بيت الله الحرام إذ أتى شاب حسن الوجه، فأخذ في الطواف، فلمّا قرب منّي أعطاني طاقة ورد أحمر في غير أوانه، فأخذت منه وشممته، وقلت له: من أين يا سيّدي؟ قال: من الخرابات، ثمّ غاب عنّي فلم أره(٥٨٣).
يقول المؤلف:
نقل الشيخ الأجلّ الأكمل الشيخ علي بن العالم النحرير الشيخ محمد بن المحقق المدقق الشيخ حسن صاحب المعالم ابن العالم الرّباني الشهيد الثاني رحمهم الله في كتاب (الدرّ المنثور) في ضمن احوال والده الشيخ محمد صاحب شرح الاستبصار وغيره الذي كان مجاوراً بمكة المعظمة حيّاً وميّتاً:
"وأخبرتني زوجته بنت السيد محمد بن أبي الحسن رحمه الله، وأم ولده؛ انّه لما توفي كُنَّ يسمعن عنده تلاوة القرآن طول تلك الليلة.
ومما هو مشهور انّه كان طائفاً، فجاء رجل، وأعطاه ورداً من ورود شتى ليست في تلك البلاد، ولا في ذلك الأوان، فقال له: من أين أتيت؟
فقال: من هذه الخرابات.
ثم أراد أن يراه بعد ذلك السؤال، فلم يَرَه"(٥٨٤).
ولا يخفى انّ السيد الجليل الميرزا محمد الاستر آبادي السابق الذكر هو صاحب الكتب الرجالية المعروفة، وآيات الاحكام، وكان مجاوراً بمكة المعظمة، واستاذ الشيخ محمد المذكور، وقد ذكر اسمه مكرراً في شرح الاستبصار بالإجلال.
والاثنان جليلا القدر، ولهما مقامات عالية.
ويمكن أن تحسب هذه القضية لهما. أو انّ الراوي قد اشتبه لاتحاد الاسم والبلد والحال، ولو انّها أقرب إلى الثاني.
فقد رأينا في ظهر نسخة من شرحه على الاستبصار، وكانت في ملك مؤلفه وعليه عدّة خطوط للمرحوم، وعليه خطّ ولده الشيخ علي ما صورته:
"انتقل مصنّف هذا الكتاب وهو الشيخ السعيد الحميد بقية العلماء الماضين وخلف الكملاء الراسخين أعني شيخنا ومولانا ومن استفدنا من بركاته العلوم الشرعية من الحديث والفروع والرجال وغيره، الشيخ محمد بن الشهيد الثاني من دار الغرور الى دار السرور ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة الف وثلاثين من هجرة سيد المرسلين.
وقد سمعت منه قدّس الله روحه قبيل انتقاله بأيام قلائل مشافهة وهو يقول لي: انّي انتقل في هذه الأيام، عسى الله أن يعينني عليها، وقد سمعه غيري، وذلك في مكة المشرّفة، ودفنّاه برّد الله مضجعه في المعلّى قريباً من مزار خديجة الكبرى.
حرره الفقير إلى الله الغني حسين بن حسن العاملي المشغري عامله الله بلطفه الخفي والجلي بالنبيّ والوليّ والصاحب الوفيّ في التاريخ المذكور"(٥٨٥).
ونقل الشيخ علي في الدر المنثور هذه العبارة عن النسخة المذكورة(٥٨٦).
ومجّد كثيراً الشيخ الحرّ العاملي في أمل الآمل: الشيخ حسين المذكور(٥٨٧).
وقد تتلمذ عند الشيخ البهائي.
الحكاية السابعة والستون:
في بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد للشيخ الفاضل الأجل تلميذه محمد ابن علي بن الحسن العودي قال في ضمن وقائع سفر الشهيد رحمه الله من دمشق إلى مصر ما لفظه:
واتّفق له في الطريق ألطاف الهيّة، وكرامات جليّة حكى لنا بعضها.
منها ما أخبرني به ليلة الأربعاء عاشر ربيع الأول سنة ستّين وتسعمائة انّه في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الأبيض لزيارة الأنبياء والذين في الغار وحده، فوجد الباب مقفولا وليس في المسجد أحد، فوضع يده على القفل وجذبه فانفتح فنزل إلى الغار، واشتغل بالصلاة والدّعاء، وحصل له إقبال على الله بحيث ذهل عن انتقال القافلة، فوجدها قد ارتحلت، ولم يبقَ منها أحد، فبقي متحيّراً في أمره مفكّراً في اللحاق مع عجزه عن المشي وأخذ أسبابه ومخافته، وأخذ يمشي على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التّعب، فلم يلحقها، ولم يَرَها من البعد، فبينما هو في هذا المضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به وهو راكب بغلا، فلمّا وصل إليه قال له: اركب خلفي فردفه ومضى كالبرق، فما كان الّا قليلا حتى لحق به القافلة وأنزله وقال له: اذهب إلى رفقتك، ودخل هو في القافلة، قال: فتحرّيته مدّة الطريق انّي أراه ثانياً فما رأيته أصلا ولا قبل ذلك(٥٨٨).
الحكاية الثامنة والستون:
العالم الفاضل السيّد عليخان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من رأى القائم عليه السلام قال: فمن ذلك ما حدّثني به رجل من أهل الايمان ممّن أثق به انّه حجّ مع جماعة على طريق الاحساء في ركب قليل، فلمّا رجعوا كان معهم رجل يمشي تارة ويركب اُخرى، فاتّفق انّهم أولجوا في بعض المنازل اكثر من غيره ولم يتّفق لذلك الرجل الركوب، فلمّا نزلوا للنوم واستراحوا، ثمّ رحلوا من هناك لم يتنبّه ذلك الرجل من شدّة التعب الذي أصابه، ولم يفتقدوه هم وبقي نائماً إلى أن أيقظه حرّ الشمس.
فلمّا انتبه لم يَرَ أحداً، فقام يمشي وهو موقن بالهلاك، فاستغاث بالمهدي عليه السلام فبينما هو كذلك، فاذا هو برجل في زيّ أهل البادية، راكب ناقته، قال: فقال: يا هذا أنت منقطع بك؟ قال: فقلت: نعم، قال: فقال: أتحبّ أن ألحقك برفقائك؟ قال: قلت: هذا - والله - مطلوبي لا سواه، فقرب منّي وأناخ ناقته، وأردفني خلفه، ومشى فما مشينا خُطىً يسيرة الّا وقد أدركنا الركب، فلمّا قربنا منهم أنزلني وقال: هؤلاء رفقاؤك ثمّ تركني وذهب(٥٨٩).
الحكاية التاسعة والستون:
وفي ذلك الكتاب:
ومن ذلك ما حدّثني به رجل من أهل الايمان من أهل بلادنا، يقال له: الشيخ قاسم، وكان كثير السفر إلى الحجّ قال: تعبت يوماً من المشي، فنمت تحت شجرة فطال نومي ومضى عنّي الحاجّ كثيراً، فلمّا انتبهت علمت من الوقت انّ نومي قد طال وانّ الحاجّ بعُد عني، وصرت لا أدري إلى أين أتوجّه، فمشيت على الجهة وأنا أصيح بأعلى صوتي: يا أبا صالح، قاصداً بذلك صاحب الأمر عليه السلام كما ذكره ابن طاووس في كتاب الأمان فيما يقال عند إضلال الطريق.
فبينا أنا أصيح كذلك وإذا براكب على ناقة وهو على زيّ البدو، فلمّا رآني قال لي: أنت منقطع عن الحاجّ؟ فقلت: نعم، فقال: اركب خلفي لاُلحقك بهم فركبت خلفه، فلم يكن الّا ساعة وإذا قد أدركنا الحاجّ، فلمّا قربنا أنزلني وقال لي: امضِ لشأنك! فقلت له: إنّ العطش قد أضرّ بي فأخرج من شداده ركوة فيها ماء، وسقاني منه، فوالله انّه ألذّ وأعذب ماء شربته.
ثمّ إنّي مشيت حتى دخلت الحاج والتفتّ إليه فلم أَرَه، ولا رأيته في الحاجّ قبل ذلك، ولا بعده، حتى رجعنا(٥٩٠).
يقول المؤلف:
سوف يأتي في الباب التاسع تفصيل يرتبط بهذه الحكاية وأمثالها فلْيلاحظ.
الحكاية السبعون:
قد تشرّف بزيارة النجف الأشرف جناب المستطاب التقي الصالح السيد احمد بن السيد هاشم بن السيد حسن الرشتي ساكن رشت أيّده الله، قبل سبعة عشر سنة تقريباً.
وقد جائني إلى المنزل مع العالم الرّباني والفاضل الصمداني الشيخ علي الرشتي طاب ثراه - الذي سوف يأتي ذكره في الحكاية الآتية ان شاء الله -.
فلمّا نهضنا للخروج نبّهني الشيخ إلى أن السيد احمد من الصلحاء المسددين ولمح اليّ انّ له قصّة عجيبة ولم يسمح المجال حينها في بيانها.
وبعد عدّة أيام من اللقاء قال لي الشيخ: انّ السيد قد ذهب، ثم نقل لي جملة من حالات وأحوال السيد مع قصّته، فتأسّفت لذلك كثيراً لعدم سماعي القصة منه شخصاً، ولو انّ مقام الشيخ رحمه الله أجل من أن ينقل شيئاً خلاف ما نقل له. وبقي هذا الموضوع في ذهني من تلك السنة وحتى جُمادى الآخرة من هذه السنة حيث كنت راجعاً من النجف الأشرف إلى الكاظمين فالتقيت بالسيّد الصالح المذكور وهو راجع من سامراء وكان عازماً على السفر إلى بلاد العجم، فسألته عن ما سمعته من أحواله ومن جملتها القصّة المعهودة، فنقل كل ذلك ما طابق النقل للأول، والقضية بما يلي؛ قال:
عزمت على الحج في سنة ألف ومائتين وثمانين فجئت من حدود رشت إلى تبريز ونزلت في بيت الحاج صفر علي التاجر التبريزي المعروف ولعدم وجود قافلة فقد بقيت متحيّراً إلى أن جهز الحاج جبار جلودار السدهي الاصفهاني قافلة الى (طربوزن) فاكتريت منه مركباً لوحدي وسافرت، وعندما وصلت إلى أوّل منزل التحق بي - وبترغيب الحاج صفر علي - ثلاثةُ أشخاص آخرين، أحدهم الحاج الملاّ باقر التبريزي الذي كان يحج بالنيابة وكان معروفاً لدى العلماء، والحاج السيد حسين التاجر التبريزي، ورجل يسمى الحاج علي وكان يشتغل بالخدمة.
ثم ترافقنا بالسفر إلى أن وصلنا إلى (أرضروم)، وكنّا عازمين على الذهاب من هناك إلى (طربزون) وفي أحد تلك المنازل التي تقع بين هاتين المدينتين جائني الحاج جبار جلودار وقال: بأن هذا المنزل الذي قدامنا مخيف فعجّلوا حتى تكونوا مع القافلة دائماً، وذلك لأننا كنّا غالباً ما نتخلّف عن القافلة بفاصلة في سائر المنازل، فتحرّكنا سويّةً بساعتين ونصف، أو ثلاث ساعات بقيت إلى الصبح - على التخمين - وابتعدنا عن المنزل الذي كنّا فيه مقدار نصف أو ثلاثة أرباع الفرسخ فاذا بالهواء قد تغيّر واضلمت الدنيا وابتدأ الوفر بالتساقط، فحينئذ غطى كلّ واحد منّا من الرفقاء رأسه وأسرع بالسير. وقد فعلت أنا كذلك لألتحق بهم ولكنّي لم أتمكّن على ذلك فذهبوا وبقيت وحدي. ثم نزلت بعد ذلك من فرسي وجلست على جانب الطريق، وقد اضطربت اضطراباً شديداً لأنه كان معي قرابة ستمائة تومان لنفقة الطريق.
وبعد أن فكّرت وتأملت بأمري قررت أن أبقى في هذا الموضع إلى أن يطلع الفجر، ثم ارجع إلى الموضع الذي جئت منه، وآخذ معي من ذلك الموضع عدّة اشخاص من الحرس فألتحق بالقافلة مرّة ثانية.
وبهذه الأثناء رأيت بستاناً أمامي، وفي ذلك البستان فلاح بيده مسحاة يضرب بها الأشجار فيتساقط الوفر منها، فتقدّم اليّ بحيث بقيت فاصلة قليلة بينه وبيني، ثم قال: من أنت؟ قلت ذهب اصدقائي وبقيت وحدي ولا أعرف الطريق فتهت.
فقال باللغة الفارسية: نافله بخوان تا راه پيدا كنى.
(أي صلي النافلة - والمقصود منها صلاة الليل - لتعرف الطريق)(٥٩١).
فاشتغلت بصلاة النافلة وبعدما فرغت من التهجد، عاد إليّ مرّة اُخرى وقال: ألم تذهب بعد؟!
قلت: والله لا أعرف الطريق.
قال: جامعه بخوان (اقرأ الجامعة).
ولم أكن احفظ الجامعة وما زلت غير حافظ لها مع انّي قد تشرّفت بزيارة العتبات المقدّسة مراراً.. ولكنّي وقفت مكاني وقرأت الجامعة كاملةً عن ظهر الغيب، ثمّ جاء وقال ألم تذهب بعد؟!
فأخذتني العبرة بلا ارادة وبكيت وقلت: ما زلت موجوداً ولا أعرف الطريق.
قال: عاشورا بخوان (اقرأ عاشوراء).
وكذلك انّي لم أكن احفظ زيارة عاشوراء وما زلت غير حافظ لها، فقمت من مكاني واشتغلت بزيارة عاشوراء، من الحافظة عن ظهر غيب إلى أن قرأتها جميعاً وحتى اللعن والسلام ودعاء علقمة، فرأيته عاد اليّ مرّة اُخرى وقال: (نرفتى. هستى) ألم تذهب؟ بعدك؟!
فقلت: لا، فإني موجود وحتى الصباح.
قال: أنا أوصلك إلى القافلة الآن (من حالا ترا بقافله مى رسانم).
ثم ذهب وركب على حمار ووضع مسحاته على عاتقه وجاء فقال: اصعد خلفي على حماري (برديف مَن بر الاغ مَن سوار شو).
فركبت وأخذت بعنان فرسي فلم يطاوعني ولم يتحرّك، فقال: (جلو اسب را بمن ده) ناولني لجام الفرس. فناولته، فوضع المسحاة على عاتقه الأيسر وأخذ الفرس بيده اليمنى وأخذ بالسير، فطاوعه الفرس بشكل عجيب وتبعه.
ثم وضع يده على ركبتي وقال: (شما چرا نافله نميخوانيد؛ نافله، نافله، نافله..) لماذا لا تصلّوا النافلة: النافلة.. النافلة.. النافلة؟ قالها ثلاث مرّات.
ثم قال: (شما چرا عاشورا نميخوانيد.. عاشورا.. عاشورا.. عاشورا) لماذا لا تقرءوا عاشوراء: عاشوراء.. عاشوراء.. عاشوراء..؟ ثلاث مرّات.
ثم قال: (شما چرا جامعه نميخوانيد: جامعه.. جامعه.. جامعه..) لماذا لا تقرءوا الجامعة: الجامعة.. الجامعة.. الجامعة..؟
وعندما كان يطوي المسافة كان يمشي بشكل مستدير، وفجأة رجع وقال: (آنست رفقاى شما) هؤلاء اصحابك.
وكانوا قد نزلوا على حافة نهر فيه ماء يتوضؤون لصلاة الصبح. فنزلت من الحمار لأركب فرسي فلم أتمكّن فنزل هو وضرب المسحاة في الوفر وأركبني وحول رأس فرسي إلى جهة أصحابي وبهذه الأثناء وقع في نفسي: من يكون هذا الانسان الذي يتكلّم باللغة الفارسية علماً ان أهل هذه المنطقة لا يتكلّمون الّا باللغة التركية، ولا يوجد بينهم غالباً الّا أصحاب المذهب العيسوي (المسيحيون) وكيف أوصلني إلى أصحابي بهذه السرعة؟! فنظرت ورائي فلم أَرَ أحداً ولم يظهر لي أثر منه، فالتحقت برفقائي.
يقول المؤلف:
فوائد وفضائل صلاة الليل خارجة عن حد البيان والوصف لما وصل من دقائق واسرار الكتاب والسنة في الجملة، لذلك جاء التأكيد عليها في بعض الأخبار بذكرها ثلاث مرّات.
روى الشيخ الكليني والصدوق والشيخ البرقي عن الامام الصادق عليه السلام انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أوصى أمير المؤمنين عليه السلام بوصايا وأمره بحفظها، ثم دعا الله تعالى أن يعينه عليها، ومن جملة ما قاله صلى الله عليه وآله وسلّم: "وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل، وعليك بصلاة الليل"(٥٩٢).
وذكر في كتاب (فقه الرضا) عليه السلام قريباً من هذا المضمون(٥٩٣).
أمّا الزيارة الجامعة: فبتصريح جماعة من العلماء انّها أحسن وأكمل الزيارات، قال العلامة المجلسي بعد شرح اجمالي لفقراتها الزائدة عمّا في سائر الزيارات: "انما بسطت الكلام في شرح تلك الزيارة قليلا وان لم استوف حقّها حذراً من الاطالة؛ لأنها أصحّ الزيارات سنداً، وأعمّها مورداً، وأفصحها لفظاً، وأبلغها معنىً، وأعلاها شأناً"(٥٩٤).
وقال والده الماجد في شرح مَن لا يحضره الفقيه:
"انّ هذه الزيارة... وانها أكمل الزيارات وأحسنها... وفي العتبات العاليات ما زرتهم الّا بهذه الزيارة"(٥٩٥).
ولا يخفى انّ لهذه الزيارة ثلاث نسخ:
أوّلها: النسخة المعروفة المرويّة في الفقيه وتهذيب الشيخ الطوسي عن الامام الهادي عليه السلام.
الثانية: النسخة التي رواها الشيخ الكفعمي في كتاب (البلد الأمين) عنه عليه السلام، وفي كلّ فصل من فصولها فقرات زائدة غير موجودة في الجامعة المعروفة.
ولعل المجموع اكثر من خمسها، ولم يلتفت المجلسي في البحار إليها لينقلها مع الزيارات التي رواها.
الثالثة: النسخة التي نقلها في البحار عن بعض الكتب القديمة بدون اسنادها إلى المعصوم وهي طويلة جداً، بل هي ضعفا الزيارة الموجودة، وقد جعلها الزيارة الجامعة الثالثة.
وأما زيارة عاشوراء: فيكفي في فضلها ومقامها انّها لاتسانخها سائر الزيارات التي هي بحسب الظاهر من انشاء المعصوم واملائه، ولو انّه لا يظهر من قلوبهم المطهّرة شيء الّا ما وصل إلى ذلك العالم الأرفع؛ بل هي من سنخ الأحاديث القدسية، نزلت بهذا الترتيب من الزيارة واللعن والسلام والدعاء من الحضرة الأحدية جلت عظمته إلى جبرئيل الأمين ومنه إلى خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم.
وبحسب التجربة فانّ المداومة عليها أربعين يوماً أو أقل لا نظير لها في قضاء الحاجات، ونيل المقاصد، ودفع الأعداء.
ولكن أحسن فائدة استفيد منها بالمواظبة عليها ما ذكرته في كتاب دار السلام، ومجمله انّه نقل الثقة الصالح المتقي الحاج الملاّ حسن اليزدي وهو من أحسن مجاوري النجف الأشرف وكان مشغولا دائماً بالعبادة والزيارة، عن الثقة الأمين الحاج محمد علي اليزدي.
قال: كان رجل صالح فاضل في يزد مشتغلا في نفسه، ومواظباً لعمارة رمسه، يبيت في الليالي في مقبرة خارج بلدة يزد تعرف بالمزار، وفيها جملة من الصلحاء، وكان له جار نشأ معه منذ صغر سنّه عند المعلم وغيره إلى أن صار عشاراً في أول عمله وبقي كذلك إلى أن مات ودفن في تلك المقبرة قريباً من المحل الذي كان يبيت فيه المولى المذكور؛ فرآه بعد موته بأقل من شهر في زيّ حسن وعليه نظرة النعيم، فتقدّم إليه وقال له: انّي أعلم بمبدئك ومنتهاك، وباطنك وظاهرك، ولم تكن ممن يحتمل في حقّه حسن في الباطن ليحمل فعله القبيح على بعض الوجوه الحسنة كالتقية أو الضرورة أو اعانة المظلوم وغيرها!
ولم يكن عملك مقتضياً الّا للعذاب والنكال، فبمَ نلتَ هذا المقام؟!
قال: نعم! الأمر كما قلت، كنت مقيماً في أشدّ العذاب من يوم وفاتي إلى أمس، وقد توفيت فيه زوجة الاستاد أشرف الحداد، ودفنت في هذا المكان، وأشار إلى طرف بينه وبينه، قريب من مائة ذراع، وفي ليلة دفنها زارها أبو عبد الله عليه السلام ثلاث مرّات، وفي المرّة الثالثة أمر برفع العذاب من هذه المقبرة، فصرت في نعمة وسعة، وخفض عيش ودعة.
فانتبه متحيّراً، ولم تكن له معرفة باسم الحداد ومحلّه، فطلبه في سوق الحدادين، ووجده، فقال له: ألك زوجة؟ قال: نعم، توفيت بالأمس ودفنتها في المكان الفلاني.. وذكر الموضع الذي أشار إليه.
قال: فهل زارت أبا عبد الله عليه السلام؟ قال: لا، قال: فهل كانت تذكر مصائبه؟ قال: لا، قال: فهل كان لها مجلس تُذكر فيه مصائبه؟ قال: لا، فقال الرجل: وما تريد من السؤال؟ فقصّ عليه رؤياه، وقال: أريد أن استكشف العلاقة بينها وبين الامام عليه السلام.
قال: كانت مواظبة على زيارة عاشوراء(٥٩٦).
ولا يخفى انّ السيد احمد صاحب القضية من الصلحاء والأتقياء مواظباً على الطاعات والعبادات والزيارات وأداء الحقوق وطهارة اللباس والبدن من النجاسات المشبوهة، ومعروفاً بالورع والسداد عند أهل البلد وغيره، ويأتيه نوادر الألطاف في كل زيارة ليس هنا مقام ذكرها.
الحكاية الحادية والسبعون:
حدّثني العالم الجليل، والحبر النبيل، مجمع الفضائل والفواضل [الصفيّ الوفيّ] المولى الشيخ علي الرشتي طاب ثراه وكان عالماً برّاً تقياً زاهداً حاوياً لأنواع العلم بصيراً ناقداً من تلامذة خاتم المحققين الشيخ المرتضى أعلى الله مقامه والسيد السند الاُستاذ الأعظم دام ظلّه، ولمّا طال شكوى أهل الأرض، حدود فارس ومن والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم فيهم أرسله اليهم [عاش فيهم سعيداً ومات هناك حميداً رحمه الله] وقد صاحبته مدّة سفراً وحضراً ولم أجد في خلقه وفضله نظيراً الّا يسيراً.
قال: رجعت مرّة من زيارة أبي عبد الله عليه السلام عازماً للنجف الأشرف من طريق الفرات، فلمّا ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلا وطويرج، رأيت أهلها من أهل الحلّة، ومن طويرج تفترق طريق الحلّة والنجف، واشتغل الجماعة باللهو واللّعب والمزاح، رأيت واحداً منهم لا يدخل في عملهم، عليه آثار السكينة والوقار لا يمازح ولا يضاحك، وكانوا يعيبون على مذهبه ويقدحون فيه، ومع ذلك كان شريكاً في أكلهم وشربهم، فتعجّبت منه إلى أن وصلنا إلى محلّ كان الماء قليلا فأخرجنا صاحب السفينة فكنّا نمشي على شاطئ النهر.
فاتّفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق، فسألته عن سبب مجانبته عن أصحابه، وذمّهم ايّاه، وقدحهم فيه، فقال: هؤلاء من أقاربي من أهل السنّة، وأبي منهم وأمّي من أهل الايمان، وكنت أيضاً منهم، ولكنّ الله منّ عليّ بالتشيّع ببركة الحجة صاحب الزمان عليه السلام، فسألت عن كيفيّة ايمانه، فقال: اسمي ياقوت وأنا أبيع الدّهن عند جسر الحلّة، فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن من أهل البراري خارج الحلّة، فبعدت عنها بمراحل، إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريده منه، وحملته على حماري ورجعت مع جماعة من أهل الحلّة، ونزلنا في بعض المنازل ونمنا وانتبهت فما رأيت أحداً منهم وقد ذهبوا جميعاً وكان طريقنا في بريّة قفر، ذات سباع كثيرة، ليس في أطرافها معمورة الّا بعد فراسخ كثيرة.
فقمت وجعلت الحمل على الحمار، ومشيت خلفهم فضلّ عنّي الطريق، وبقيت متحيّراً خائفاً من السّباع والعطش في يومه، فأخذت أستغيث بالخلفاء والمشايخ وأسألهم الاعانة وجعلتهم شفعاء عند الله تعالى وتضرّعت كثيراً فلم يظهر منهم شيء، فقلت في نفسي: انّي سمعت من أمّي انّها كانت تقول: انّ لنا اماماً حيّاً يكنّى أبا صالح يرشد الضّال، ويغيث الملهوف، ويعين الضّعيف، فعاهدت الله تعالى ان استغثت به فأغاثني، أن أدخل في دين أمي.
فناديته واستغثت به، فاذا بشخص في جنبي، وهو يمشي معي وعليه عمامة خضراء، قال رحمه الله: وأشار حينئذ إلى نبات حافة النهر، وقال: كانت خضرتها مثال خضرة هذا النبات.
ثمّ دلّني على الطريق وأمرني بالدّخول في دين أمّي، وذكر كلمات نسيتها(٥٩٧)، وقال: ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعاً من الشيعة، قال: فقلت: يا سيدي أنت لا تجيء معي إلى هذه القرية؟ فقال ما معناه: لا، لأنّه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم، ثمّ غاب عنّي، فما مشيت الّا قليلا حتى وصلت إلى القرية، وكان في مسافة بعيدة، ووصل الجماعة اليها بعدي بيوم، فلمّا دخلت الحلّة ذهبت إلى سيّد الفقهاء السيّد مهدي القزويني طاب ثراه، وذكرت له القصّة، فعلّمني معالم ديني، فسألت منه عملا أتوصّل به إلى لقائه عليه السلام مرّة اُخرى، فقال: زر أبا عبد الله عليه السلام أربعين ليلة جمعة، قال: فكنت أزوره من الحلّة في ليالي الجُمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلّة في يوم الخميس، فلمّا وصلت إلى باب البلد، فاذا جماعة من أعوان الظّلمة يطالبون الواردين التذكرة، وما كان عندي تذكرة ولا قيمتها، فبقيت متحيّراً والناس متزاحمون على الباب فأردت مراراً أن أتخفّى وأجوز عنهم، فما تيسّر لي، وإذا بصاحبي صاحب الأمر عليه السلام في زيّ لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد، فلما رأيته استغثت به فخرج وأخذني معه، وأدخلني من الباب فما رآني أحد فلمّا دخلت البلد افتقدته من بين الناس، وبقيت متحيّراً على فراقه عليه السلام [وقد ذهب عن خاطري بعض ما كان في تلك الحكاية](٥٩٨).(٥٩٩)
الحكاية الثانية والسبعون:
حدّثني العالم العامل، والمهذّب الكامل، العدل الثقة، الرضي، الميرزا اسماعيل السلماسي وهو من أهل العلم والكمال والتقوى والصلاح وكان لسنين امام الجماعة في الروضة الكاظمية المقدسة، ومقبول عند الخواص والعوام، والعلماء الأعلام، قال: حدّثني أبي العالم العليم صاحب الكرامات الباهرة والمقامات الظاهرة الآقا الآخوند الملاّ زين العابدين السلماسي وكان من خواص وصاحب اسرار العلاّمة الطباطبائي بحر العلوم ومتولي بناء قلعة سامراء.
أو عن أخيه الثقة الصالح الأكبر منه في السن الآميرزا محمد باقر رحمه الله قال سلّمه الله: والترديد لتطاول الزّمان لأنّ سماعي لهذه الحكاية يقرب من خمسين سنة قال: قال والدي: ممّا ذكر من الكرامات للائمة الطاهرين عليهم السلام في سرّ من رأى في المائة الثانية، والظاهر انّه أواخر المائة أو في أوائل المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة انّه جاء رجل من الأعاجم إلى زيارة العسكريّين عليهما السلام وذلك في زمن الصّيف وشدّة الحرّ، وقد قصد الزيارة في وقت كان الكليددار في الرّواق ومغلقاً أبواب الحرم، ومتهيّأً للنوم، عند الشباك الغربي.
فلمّا أحسّ بمجيء الزوّار فتح الباب وأراد أن يزوّره فقال له الزائر: خذ هذا الدينار واتركني حتى أزور بتوجّه وحضور فامتنع المزوّر وقال: لا أخرم القاعدة، فدفع إليه الدينار الثاني والثالث، فلمّا رأى المزوّر كثرة الدنانير ازداد امتناعاً ومنع الزائر من الدّخول إلى الحرم الشريف وردّ إليه الدنانير.
فتوجّه الزائر إلى الحرم وقال بانكسار: بأبي أنتما وأمي أردت زيارتكما بخضوع وخشوع، وقد اطّلعتما على منعه ايّاي، فأخرجه المزوّر، وغلّق الأبواب ظنّاً منه انّه يرجع إليه ويعطيه بكلّ ما يقدر عليه، وتوجّه إلى الطرف الشرقي قاصداً السلوك الى الشباك الذي في الطرف الغربي.
فلمّا وصل إلى الركن وأراد الانحراف إلى طرف الشّباك، رأى ثلاثة أشخاص مقبلين صافّين الّا انّ أحدهم متقدّم على الذي في جنبه بيسير وكذا الثاني ممّن يليه، وكان الثالث هو أصغرهم وفي يده قطعة رمح وفي رأسه سنان فبهت المزوّر عند رؤيتهم، فتوجّه صاحب الرّمح إليه وقد امتلأ غيظاً واحمرّت عيناه من الغضب، وحرّك الرمح مريداً طعنه قائلا: يا ملعون بن الملعون كأنّه جاء الى دارك أو إلى زيارتك فمنعته؟
فعند ذلك توجّه إليه أكبرهم مشيراً بكفّه مانعاً له قائلا: جارك ارفق بجارك فأمسك صاحب الرمح، ثمّ هاج غضبه ثانياً محرّكاً للرّمح قائلا ما قاله أوّلا فأشار إليه الأكبر أيضاً كما فعل، فأمسك صاحب الرّمح.
وفي المرّة الثالثة لم يشعر المزوّر أن سقط مغشيّاً عليه، ولم يفق الّا في اليوم الثاني أو الثالث وهو في داره أتوا به أقاربه، بعد أن فتحوا الباب عند المساء لمّا رأوه مغلقاً، فوجدوه كذلك وهم حوله باكون فقصّ عليهم ما جرى بينه وبين الزائر والأشخاص وصاح ادركوني بالماء فقد احترقت وهلكت، فأخذوا يصبّون عليه الماء، وهو يستغيث إلى أن كشفوا عن جنبه فرأوا مقدار درهم منه قد اسودّ وهو يقول قد طعنني صاحب القطعة.
فعند ذلك أشخصوه إلى بغداد، وعرضوه على الأطبّاء، فعجز الأطبّاء من علاجه فذهبوا به إلى البصرة وعرضوه على الطبيب الافرنجي فتحيّر في علاجه لأنّه جسّ يده فما أحسّ بما يدلّ على سوء المزاج وما رأى ورماً ومادّة في الموضع المذكور، فقال مبتدئاً: انّي أظنّ انّ هذا الشخص قد أساء الأدب مع بعض الأولياء فاشتدّ بهذا البلاء، فلمّا يئسوا من العلاج رجعوا به إلى بغداد فمات في الرّجوع امّا في الطريق أو في بغداد، والظاهر انّ اسم هذا الخبيث كان حسّاناً(٦٠٠).
الحكاية الثالثة والسبعون:
حدّثني العالم الكامل والزاهد العامل والعارف البصير، الأخ الايماني، والصديق الروحاني، الآقا علي رضا طيّب الله ثراه خلَف العالم الجليل الحاج الملاّ محمد النائيني، وابن اخت فخر العلماء الزاهدين الحاج محمد ابراهيم الكلباسي رحمه الله الذي لم يكن له نظير في الصفات النفسانيّة والكمالات الانسانيّة من الخوف والمحبّة، والصبر، والرضا، والشوق، والاعراض عن الدنيا.
قال: حدّثني العالم الجليل الآقا الآخوند الملاّ زين العابدين السلماسي السابق الذكر، قال:
كنت حاضراً في مجلس درس آية الله السيد السند والعالم المسدد فخر الشيعة العلامة الطباطبائي بحر العلوم قدّس سرّه في المشهد الغرويّ إذ دخل عليه لزيارته المحقّق القمي صاحب القوانين في السنة التي رجع من العجم إلى العراق زائراً لقبور الائمة عليهم السلام وحاجّاً لبيت الله الحرام، فتفرّق من كان في المجلس وحضر للاستفادة منه، وكانوا أزيد من مائة وبقي ثلاثة من أصحابه أرباب الورع والسداد البالغين إلى رتبة الاجتهاد.
فتوجّه المحقّق الأيد إلى جناب السيّد وقال: انّكم فُزتم وحُزتم مرتبة الولادة الرّوحانية والجسمانية، وقرب المكان الظاهريّ والباطني، فتصدّقوا علينا بذكر مائدة من موائد تلك الخوان، وثمرة من الثمار التي جنيتم من هذه الجنان، كي ينشرح به الصدور، ويطمئنّ به القلوب.
فأجاب السيد من غير تأمّل، وقال: انّي كنت في الليلة الماضية قبل ليلتين أو أقلّ - والترديد من الراوي - في المسجد الأعظم بالكوفة، لأداء نافلة الليل عازماً على الرّجوع إلى النجف في أوّل الصبح، لئلاّ يتعطّل أمر البحث والمذاكرة - وهكذا كان دأبه في سنين عديدة - فلمّا خرجت من المسجد اُلقي في روعي الشوق إلى مسجد السهلة، فصرفت خيالي عنه، خوفاً من عدم الوصول إلى البلد قبل الصبح، فيفوت البحث في اليوم ولكن كان الشوق يزيد في كلِّ آن، ويميل القلب إلى ذلك المكان، فبينا اُقدّم رجلا واُؤخّر اُخرى، إذا بريح فيها غبار كثير، فهاجت بي وأمالتني عن الطريق فكأنّها التوفيق الذي هو خير رفيق، إلى أن ألقتني إلى باب المسجد.
فدخلت فاذا به خالياً عن العبّاد والزوّار، الّا شخصاً جليلا مشغولا بالمناجاة مع الجبّار، بكلمات ترقّ القلوب القاسية، وتسحّ الدموع من العيون الجامدة، فطار بالي، وتغيّرت حالي، ورجفت ركبتي، وهملت دمعتي من استماع تلك الكلمات التي لم تسمعها اُذني، ولم تَرَها عيني، ممّا وصلت إليه من الأدعية المأثورة، وعرفت انّ الناجي ينشئها في الحال، لا انّه ينشد ما أودعه في البال.
فوقفت في مكاني مستعماً متلذّذاً إلى أن فرغ من مناجاته، فالتفت اليّ وصاح بلسان العجم: "مهدى بيا " أي: هلمّ يا مهدي، فتقدّمت إليه بخطوات فوقفت، فأمرني بالتقدّم فمشيت قليلا ثم وقفت، فأمرني بالتقدّم وقال: انّ الأدب في الامتثال، فتقدّمت اليه بحيث تصل يدي إليه ويده الشريفة اليَّ، وتكلّم بكلمة.
قال المولى السلماسي رحمه الله: ولمّا بلغ كلام السيّد السند إلى هنا أضرب عنه صفحاً، وطوى عنه كشحاً، وشرح في الجواب عمّا سأله المحقّق المذكور قبل ذلك. عن سرّ قلّة تصانيفه، مع طول باعه في العلوم، فذكر له وجوهاً فعاد المحقّق القمي فسأل هذا الكلام الخفيّ فأشار بيده شبه المنكر بأنّ هذا سرّ لا يذكر(٦٠١).(٦٠٢)
الحكاية الرابعة والسبعون:
ونقل أيضاً المولى السلماسي رحمه الله تعالى، قال: كنت حاضراً في محفل إفادته، فسأله رجل عن امكان رؤية الطلعة الغرّاء في الغيبة الكبرى، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدّخان المسمّى عند العجم بغليان، فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه، وخاطب نفسه بكلام خفيّ أسمعه، فقال ما معناه: "ما أقول في جوابه؟ وقد ضمّني صلوات الله عليه إلى صدره، وورد أيضاً في الخبر تكذيب مدّعى الرّؤية في أيام الغيبة " فكرّر هذا الكلام.
ثمّ قال في جواب السائل: انّه قد ورد في أخبار أهل العصمة تكذيب من ادّعى رؤية الحجة عجّل الله تعالى فرجه، واقتصر في جوابه عليه من غير إشارة إلى ما أشار إليه(٦٠٣).
الحكاية الخامسة والسبعون:
وبهذا السند عن العالم المذكور قال: صلّينا مع جنابه في داخل حرم العسكريّين عليهما السلام فلمّا أراد النهوض من التشهّد الى الركعة الثالثة، عرضته حالة فوقف هنيئة ثمّ قام.
ولمّا فرغنا تعجّبنا كلّنا، ولم نفهم ما كان وجهه، ولم يجترء أحدٌ منّا على السؤال عنه إلى أن أتينا المنزل، واُحضرت المائدة، فأشار إليّ بعض السادة من أصحابنا أن أسأله منه، فقلت: لا وأنت أقرب منّا، فالتفت رحمه الله إليّ وقال: فيمَ تقاولون؟ قلت: وكنت أجسر الناس عليه: انّهم يريدون الكشف عمّا عرض لكم في حال الصلاة، فقال: انّ الحجة عجّل الله تعالى فرجه، دخل الروضة للسلام على أبيه عليه السلام فعرضني ما رأيتم من مشاهدة جماله الأنور إلى أن خرج منها(٦٠٤).
الحكاية السادسة والسبعون:
ونقل جناب المولى السلماسي طاب ثراه عن ناظر أموره في أيّام مجاورته بمكّة قال: كان رحمه الله مع كونه في بلد الغربة منقطعاًعن الأهل والأخوة، قويّ القلب في البذل والعطاء، غير مكترث بكثرة المصارف، فاتّفق في بعض الأيام أن لم نجد إلى درهم سبيلا فعرّفته الحال، وكثرة المؤنة، وانعدام المال، فلم يقل شيئاً وكان دأبه أن يطوف بالبيت بعد الصبح ويأتي إلى الدار، فيجلس في القبّة المختصّة به، ونأتي إليه بغليان فيشربه، ثمّ يخرج إلى قبّة اُخرى تجتمع فيها تلامذته، من كلّ المذاهب فيدرس لكلّ على مذهبه.
فلمّا رجع من الطواف في اليوم الذي شكوته في أمسه نفوذ النفقة، وأحضرت الغليان على العادة، فاذا بالباب يدقّه أحد فاضطرب أشدّ الاضطراب، وقال لي: خذ الغليان وأخرجه من هذا المكان، وقام مسرعاً خارجاً عن الوقار والسكينة والآداب، ففتح الباب ودخل شخص جليل في هيئة الأعراب، وجلس في تلك القبّة وقعد السيّد عند بابها، في نهاية الذلّة والمسكنة، وأشار اليّ أن لا أقرب إليه الغليان.
فقعدا ساعة يتحدّثان، ثمّ قام، فقام السيد مسرعاً وفتح الباب، وقبّل يده وأركبه على جمله الذي أناخه عنده، ومضى لشأنه، ورجع السيد متغيّر اللون وناولني براة، وقال: هذه حوالة على رجل صرّاف، قاعد في جبل الصفا، فاذهب إليه وخذ منه ما اُحيل عليه.
قال: فأخذتها وأتيت بها إلى الرّجل الموصوف، فلمّا نظر إليها قبّلها وقال: عليّ بالحماميل فذهبت وأتيت بأربعة حماميل فجاء بالدراهم من الصنف الذي يقال له: ريال فرانسة، يزيد كلّ واحد على خمسة قرانات العجم وما كانوا يقدرون على حمله، فحملوها على أكتافهم، وأتينا بها إلى الدار.
ولمّا كان في بعض الأيام، ذهبت إلى الصرّاف لأسأل منه حاله، وممّن كانت تلك الحوالة فلم أرَ صرّافاً ولا دكّاناً، فسألت من بعض من حضر في ذلك المكان عن الصرّاف، فقال: ما عهدنا في هذا المكان صرّافاً أبداً وانّما يقعد فيه فلان، فعرفت انّه من أسرار الملك المنّان، وألطاف وليّ الرحمان.
وحدّثني بهذه الحكاية الشيخ العالم الفقيه النحرير المحقّق الوجيه، صاحب التصانيف الرائقة، والمناقب الفائقة، الشيخ محمد حسين الكاظمي المجاور بالغريّ أطال الله بقاه، عمّن حدّثه من الثقات عن الشخص المذكور(٦٠٥).
الحكاية السابعة والسبعون:
حدّثني السيد السند، والعالم المعتمد، المحقّق الخبير [والمضطلع البصير السيد] علي سبط السيد بحر العلوم أعلى الله مقامه، وكان عالماً مبرّزاً له البرهان القاطع في عدّة مجلّدات شرح النافع [حسن نافع جداً] وغيره عن الورع التقيّ النقيّ الوفيّ الصفيّ السيد مرتضى صهر السيد أعلى الله مقامه على بنت اُخته وكان مصاحباً له في السفر والحضر، مواظباً لخدماته في السرّ والعلانية، قال: كنت معه في سرّ من رأى في بعض أسفار زيارته، وكان السيّد ينام في حجرة وحده، وكان لي حجرة بجنب حجرته، وكنت في نهاية المواظبة في أوقات خدماته بالليل والنهار، وكان يجتمع إليه الناس في أوّل الليل إلى أن يذهب شطر منه في أكثر الليالي.
فاتّفق انّه في بعض الليالي قعد على عادته، والناس مجتمعون حوله، فرأيته كأنّه يكره الاجتماع، ويحبّ الخلوة، ويتكلّم مع كلّ واحد بكلام فيه اشارة إلى تعجيله بالخروج من عنده، فتفرّق الناس ولم يبقَ غيري، فأمرني بالخروج، فخرجت إلى حجرتي متفكّراً في حالته في تلك الليلة، فمنعني الرّقاد، فصبرت زماناً فخرجت متخفيّاً لأتفقّد حاله فرأيت باب حجرته مغلقاً، فنظرت من شقّ الباب وإذا السراج بحاله وليس فيه أحد، فدخلت الحجرة، فعرفت من وضعها انّه ما نام في تلك الليلة.
فخرجت حافياً متخفيّاً أطلب خبره، وأقفو أثره، فدخلت الصحن الشريف فرأيت أبواب قبّة العسكريّين مغلقة، فتفقّدت أطراف خارجها فلم أجد منه أثراً فدخلت الصحن الأخير الذي فيه السرداب، فرأيته مفتّح الأبواب.
فنزلت من الدرج حافياً متخفياً متأنياً بحيث لا يسمع منّي حسّ ولا حركة فسمعت همهمة من صفّة السرداب، كأنّ أحداً يتكلّم مع الآخر، ولم أميّز الكلمات إلى أن بقيت ثلاثة أو أربعة منها، وكان دبيبي أخفى من دبيب النملة في الليلة الظلماء على الصخرة الصمّاء، فاذا بالسيد قد نادى في مكانه هناك: يا سيّد مرتضى ما تصنع؟ ولم خرجت من المنزل؟
فبقيت متحيّراً ساكتاً كالخشب المسنّدة، فعزمت على الرّجوع قبل الجواب، ثمّ قلت في نفسي كيف تخفي حالك على من عرفك من غير طريق الحواسّ؟! فأجبته معتذراً نادماً، ونزلت في خلال الاعتذار إلى حيث شاهدت الصفّة فرأيته وحده واقفاً تجاه القبلة، ليس لغيره هناك أثر فعرفت انّه يناجي الغائب عن أبصار البشر عليه سلام الله الملك الأكبر [فرجعت حريّاً لكلّ ملامة، غريقاً في بحار الندامة إلى يوم القيامة](٦٠٦).
الحكاية الثامنة والسبعون:
حدّث الشيخ الصالح الصفيّ الشيخ أحمد الصدتوماني وكان ثقة تقيّاً ورعاً قال: قد استفاض عن جدّنا المولى محمد سعيد الصّدتوماني وكان من تلامذة السيد رحمه الله انّه جرى في مجلسه ذكر قضايا مصادفة رؤية المهدي عليه السلام حتى تكلّم هو في جملة من تكلّم في ذلك فقال: أحببت ذات يوم أن أصل إلى مسجد السهلة في وقت ظننته فيه فارغاً من الناس، فلمّا انتهيت إليه، وجدته غاصّاً بالناس، ولهم دويٌّ ولا أعهد أن يكون في ذلك الوقت فيه أحد.
فدخلت فوجدت صفوفاً صافّين للصلاة جامعة، فوقفت إلى جنب الحائط على موضع فيه رمل، فعلوته لأنظر هل أجد خللا في الصفوف فأسدّه فرأيت موضع رجل واحد في صفّ من تلك الصفوف، فذهبت إليه ووقفت فيه.
فقال رجل من الحاضرين: هل رأيت المهدي عليه السلام فعند ذلك سكت السيّد وكأنّه كان نائماً ثمّ انتبه فكلّما طلب منه اتمام المطلب لم يتمّه(٦٠٧).
الحكاية التاسعة والسبعون:
حدّثني العالم الصالح المتديّن التقي جناب الميرزا حسين اللاهيجي الرشتي المجاور بالنجف الأشرف وهو من أعزّة الصلحاء والأفاضل الأتقياء والثقة الثبت عند العلماء قال:
حدّثني العالم الرباني والمؤيد من السماء المولى زين العابدين السلماسي المتقدّم ذكره: انّ السيد الجليل بحر العلوم طاب ثراه ورد يوماً في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحية والسلام، فجعل يترنم بهذا المصرع:

چه خوش است صوت قرآن * * * زتو دل ربا شنيدن(٦٠٨)

فسئل رحمه الله عن سبب قرائته هذا المصرع، فقال: لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجة عليه السلام جالساً عند الرأس يقرأ القرآن بصوت عال، فلمّا سمعت صوته قرأت المصرع المزبور، ولما وردت الحرم ترك قراءة القرآن، وخرج من الحرم الشريف(٦٠٩).
الحكاية الثمانون:
حدّثني الثقة العدل الأمين آغا محمد المجاور لمشهد العسكريّين عليهما السلام المتولّي لأمر الشموعات لتلك البقعة العالية فيما ينيف على أربعين سنة، وهو أمين السيد الأجل الأستاذ دام عزّه(٦١٠)، عن امّه وهي من الصالحات قالت: كنت يوماً في السرداب الشريف، مع أهل بيت العالم الرّباني والمؤيّد السبحاني المولى زين العابدين السلماسي المتقدّم ذكره رحمه الله وكان حين مجاورته في هذه البلدة الشريفة لبناء سورها.
قالت: وكان يوم الجمعة، والمولى المذكور يقرأ دعاء الندبة، وكنّا نقرؤه بقراءته، وكان يبكي بكاء الواله الحزين، ويضجّ ضجيج المستصرخين، وكنّا نبكي ببكائه، ولم يكن معنا فيه غيرنا.
فبينا نحن في هذه الحالة، وإذا بشرق مسك ونفحته قد انتشر في السرداب وملأ فضاءه وأخذ هواءه واشتدّ نُفاحه، بحيث ذهبت عن جميعنا تلك الحالة فسكتنا كأنّ على رؤوسنا الطير، ولم نقدر على حركة وكلام، فبقينا متحيّرين إلى أن مضى زمان قليل، فذهب ما كنّا نشمّه من تلك الرائحة الطيّبة ورجعنا إلى ما كنّا فيه من قراءة الدعاء، فلمّا رجعنا إلى البيت سألت الآقا الآخوند الملاّ زين العابدين رحمه الله عن سبب ذلك الطيب، فقال: ما لكِ والسؤال عن هذا؟ وأعرض عن جوابي.
وحدّثني العالم العامل المتّقي الآقا علي رضا الاصفهاني طاب ثراه وكان مختصاً جداً بالمولى المذكور، قال: سألته يوماً عن لقائه الحجة عليه السلام وكنت أظنّ في حقّه ذلك كأستاذه السيد المعظم بحر العلوم رحمه الله كما تقدّم فأجابني بتلك الواقعة بدون اختلاف(٦١١).
الحكاية الحادية والثمانون:
وحدّثني الثقة المتقدّم الآقا محمد دام توفيقه قال: كان رجل من أهل سامراء من أهل الخلاف يسمى مصطفى الحمود، وكان من الخدّام الذين ديدنهم أذية الزوّار، وأخذ أموالهم بطرق فيها غضب الجبار، وكان أغلب أوقاته في السرداب المقدّس على الصفّة الصغيرة، خلف الشباك الذي وضعه هناك [الناصر العباسي وكان يحفظ أغلب الزيارات المأثورة] ومن جاء من الزوّار ويشتغل بالزيارة يحول الخبيث بينه وبين مولاه فينبهه على الأغلاط المتعارفة التي لا يخلو أغلب العوام منها بحيث لا يبقي لهم حالة حضور وتوجّه اصلا، فرأى ليلة في المنام الحجة عليه السلام فقال له: إلى متى تؤذي زواري ولا تدعهم يزورون؟ ما لك والدخول في ذلك؟ خلّي بينهم وبين ما يقولون.
فانتبه وقد أصمّ الله تعالى أذنيه، فكان لا يسمع بعده شيئاً، واستراح منه الزوّار، وكان كذلك إلى أن ألحقه الله بأسلافه في النار(٦١٢).
الحكاية الثانية والثمانون:
ورد الكاظمين في شهر جمادى الأولى من سنة ألف ومائتين وتسعة وتسعين آقا محمد مهدي التاجر، الشيرازي الأصل، وكان مولده ومنشؤه في ميناء (ملومين) من ممالك (ماچين)، بقصد الاستشفاء بزيارة ائمة العراق عليهم السلام، على بعض التجار المعروفين من اقربائه وبقي هناك عشرين يوماً، فعندما كان وقت حركة مركب الدخان إلى سرّ من رأى جاء به اقرباؤه إلى المركب، وسلّموه إلى راكبيه من أهل بغداد وكربلاء لصممه وعجزه عن التفهيم لما يريده وما يحتاجه، وكتبوا إلى بعض المجاورين في سرّ من رأى رسائل في ذلك.
وبعد أن وصل هناك في يوم الجمعة العاشر من جمادى الآخرة ذهب إلى السرداب المقدّس في جماعة من الثقات وخادم ليقرأ له الزيارة، إلى أن أتى إلى الصفّة التي في السرداب، فوقف فوق البئر مدّة يبكي ويتضرّع ويكتب بالقلم على حائط السرداب يطلب من الحاضرين الدعاء لشفائه. فما تمّ ابتهاله وتضرّعه حتى فتح الله تعالى لسانه، وخرج من الناحية المقدّسة بلسان فصيح، وبيان مليح!
وقد أحضره مرافقوه يوم السبت إلى مجلس تدريس جناب سيد الفقهاء العظام الأستاذ الأكبر حجة الاسلام الميرزا محمد حسن الشيرازي متّعنا الله ببقائه، وبعد الحديث المناسب لذلك المقام قرأ عنده تبركاً سورة الحمد المباركة، وكانت القراءة جيّدة جداً بنحو أذعن الحاضرون بصحّتها وحسنها.
وفي ليلتي الأحد والاثنين أضيئت المصابيح ونشرت الزينة في الصحن المطهر ونظم شعراء العرب والعجم مضمون تلك القضية، اثبتنا بعضها في رسالة (جنّة المأوى)(٦١٣) والحمد لله وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.
الحكاية الثالثة والثمانون:
قال المحدّث الجليل السيد نعمة الله الجزائري في كتاب (المقامات):
حدّثني رجل من أوثق اخواني في شوشتر في دارنا القريبة من المسجد الأعظم قال: لمّا كنّا في بحور الهند تعاطينا عجائب البحر، فحكى لنا رجل من الثقات، قال: روى من أعتمد عليه انّه كان منزله في بلد على ساحل البحر، وكان بينهم وبين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقلّ، وفي تلك الجزيرة مياههم وحطبهم وثمارهم، وما يحتاجون إليه، فاتّفق انّهم على عادتهم ركبوا في السفينة قاصدين تلك الجزيرة، وحملوا معهم زاد يوم.
فلمّا توسّطوا البحر، أتاهم ريح عدلهم عن ذلك القصد، وبقوا على تلك الحالة تسعة أيّام حتّى أشرفوا على الهلاك من قلّة الماء والطعام، ثمّ انّ الهوى رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر، فخرجوا إليها وكان فيها المياه العذبة والثمار الحلوة، وأنواع الشجر، فبقوا فيها نهاراً ثمّ حملوا منها ما يحتاجون إليه وركبوا سفينتهم، ودفعوا.
فلمّا بعدوا عن الساحل، نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم ولم يتمكّنوا من الرّجوع، فرأوه قد شدّ حزمة حطب، ووضعها تحت صدره، وضرب البحر عليها قاصداً لحوق السفينة، فحال الليل بينهم وبينه وبقي في البحر.
وأمّا أهل السفينة، فما وصلوا الّا بعد مضي أشهر، فلمّا بلغوا أهلهم أخبروا أهل ذلك الرّجل فأقاموا مأتمه، فبقوا على ذلك عاماً أو أكثر، ثمّ رأوا انّ ذلك الرّجل قدم إلى أهله، فتباشروا به، وجاء إليه أصحابه فقصّ عليهم قصّته.
فقال: لمّا حال الليل بيني وبينكم بقيت تقلّبني الأمواج وأنا على الحزمة يومين حتى أوقعتني على جبل في السّاحل، فتعلّقت بصخرة منه، ولم اُطق الصّعود إلى جوفه لارتفاعه، فبقيت في الماء وما شعرت الّا بأفعى عظيمة، أطول من المنار وأغلظ منها، فوقعت على ذلك الجبل، ومدّت رأسها تصطاد الحيتان من الماء فوق رأسي فأيقنت بالهلاك وتضرّعت إلى الله تعالى فرأيت عقرباً يدبّ على ظهر الأفعى فلمّا وصل إلى دماغها لسعها بأبرته، فاذا لحمها قد تناثر عن عظامها، وبقي عظم ظهرها وأضلاعها كالسّلّم العظيم الذي له مراقي يسهل الصّعود عليها.
قال: فرقيت على تلك الأضلاع حتى خرجت إلى الجزيرة شاكراً لله تعالى على ما صنع فمشيت في تلك الجزيرة إلى قريب العصر، فرأيت منازل حسنة مرتفعة البنيان الّا انّها خالية لكن فيها آثار الانس.
قال: فاستترت في موضع منها فلمّا صار العصر رأيت عبيداً وخدماً كلّ واحد منهم على بغل فنزلوا وفرشوا فرشاً نظيفة، وشرعوا في تهيئة الطعام، وطبخه، فلمّا فرغوا منه رأيت فرساناً مقبلين، عليهم ثياب بيض، وخضر، وتلوح من وجوههم الأنوار، فنزلوا وقدّم اليهم الطعام.
فلمّا شرعوا في الأكل قال أحسنهم هيئة، وأعلاهم نوراً: ارفعوا حصّة من هذا الطعام لرجل غائب، فلمّا فرغوا ناداني يا فلان بن فلان أقبل فعجبت منه فأتيت إليهم، ورحّبوا بي فأكلت ذلك الطعام، وما تحقّقت الّا انّه من طعام الجنّة فلمّا صار النهار ركبوا بأجمعهم، وقالوا لي: انتظر هنا، فرجعوا وقت العصر وبقيت معهم أياماً فقال لي يوماً ذلك الرّجل الأنور: ان شئت الاقامة معنا في هذه الجزيرة أقمت، وإن شئت المضيّ إلى أهلك، أرسلنا معك من يبلغك بلدك.
فاخترت على شقاوتي بلادي فلمّا دخل الليل أمر لي بمركب وأرسل معي عبداً من عبيده، فسرنا ساعة من الليل وأنا أعلم انّ بيني وبين أهلي مسيرة أشهر وأيام، فما مضى من الليل قليل منه الّا وقد سمعنا نبيح الكلاب، فقال لي ذلك الغلام: هذا نبيح كلابكم، فما شعرت ا لّا وأنا واقف على باب داري، فقال: هذه دارك انزل إليها.
فلمّا نزلت، قال لي: قد خسرت الدّنيا والآخرة، ذلك الرجل صاحب الدّار عليه السلام فالتفتّ إلى الغلام فلم أَرَه، وأنا في هذا الوقت بينكم نادماً على ما فرّطت، هذه حكايتي(٦١٤).
وتقدمت في الحكاية الثامنة والثلاثين قضيّة قريبة إلى هذا المضمون، والله العالم بالتعدد والاتحاد.
الحكاية الرابعة والثمانون:
حدّثني العالم العامل، والفاضل الكامل، قدوة الأتقياء، وزين الصلحاء السيد محمد ابن العالم السيد هاشم بن مير شجاعتعلي الموسوي الرضوي النجفي المعروف بالهندي سلّمه الله تعالى وهو من العلماء المتّقين، وكان يؤمّ الجماعة في داخل حرم أمير المؤمنين عليه السلام وله خبرة وبصيرة بأغلب العلوم المتداولة والغريبة، قال: كان رجل صالح يسمّى الحاج عبد الله الواعظ كان كثير التردّد الى مسجد السهلة والكوفة، فنقل لي الثقة الشيخ باقر بن الشيخ هادي الكاظمي وكان مجاوراً في النجف الأشرف وكان عالماً بالمقدّمات وعلم القراءة وبعض علم الجفر، وعنده ملكة الاجتهاد المطلق الّا انّه مشغول عن الاستنباط لأكثر من قدر حاجته بمعيشة العيال، وكان يقرأ المراثي ويؤمّ الجماعة [وكان صدوقاً خيّراً معتمداً] عن الشيخ مهدي الزّريجاوي(٦١٥) قال: كنت في مسجد الكوفة، فوجدت هذا العبد الصالح [الحاج عبد الله] خرج إلى النجف بعد نصف اللّيل ليصل إليه أوّل النهار، فخرجت معه لأجل ذلك أيضاً.
فلمّا انتهينا إلى قريب من البئر التي في نصف الطريق لاح لي أسد على قارعة الطريق، والبريّة خالية من الناس ليس فيها الّا أنا وهذا الرجل، فوقفت عن المشي، فقال: ما بالك؟ فقلت: هذا الأسد، فقال: امشِ ولا تبالِ به، فقلت: كيف يكون ذلك؟! فأصرّ عليّ، فأبيت، فقال لي: إذا رأيتني وصلت إليه ووقفت بحذائه ولم يضرّني، أفتجوز الطريق وتمشي؟ فقلت: نعم، فتقدّمني الى الأسد حتى وضع يده على ناصيته، فلمّا رأيت ذلك أسرعت في مشيي حتى جزتهما وأنا مرعوب، ثمّ لحق بي وبقي الأسد في مكانه.
قال نوّر الله قلبه: قال الشيخ باقر وكنت في أيّام شبابي خرجت مع خالي الشيخ محمد علي القارئ - مصنّف الكتب الثلاثة في علم القراءة ومؤلّف كتاب التعزية [جمع فيه تفصيل قضيّة كربلاء من بدئها إلى ختامها بترتيب حسن وأحاديث منتخبة] - الى مسجد السّهلة وكان في تلك الأوقات موحشاً في الليل ليس فيه هذه العمارة الجديدة، والطريق بينه وبين مسجد الكوفة كان صعباً أيضاً ليس بهذه السّهولة الحاصلة بعد الاصلاح.
فلمّا صلّينا تحيّة مقام المهدي عليه السلام نسي خالي سبيله وتُتُنه، فذكر ذلك بعدما خرجنا وصرنا في باب المسجد فبعثني إليها.
فلمّا دخلت وقت العشاء إلى المقام فتناولت ذلك الكيس والسبيل، وجدت جمرة نار كبيرة تلهب في وسط المقام، فخرجت مرعوباً منها فرآني خالي على هيئة الرّعب، فقال لي: ما بالك؟ فأخبرته بالجمرة، فقال لي: سنصل إلى مسجد الكوفة، ونسأل العبد الصّالح الحاج عبد الله عنها، فانّه كثير التردّد إلى هذا المقام، ولا يخلو من أن يكون له علم بها.
فلمّا سأله خالي عنها قال: كثيراً ما رأيتها في خصوص مقام المهدي عليه السلام من بين المقامات والزّوايا(٦١٦).
الحكاية الخامسة والثمانون:
وقال نضّر الله وجهه: وأخبرني الشيخ باقر المزبور عن السيّد جعفر ابن السيد الجليل السيد باقر القزويني صاحب الكرامات الظاهرة قدّس الله روحه قال: كنت أسير مع أبي إلى مسجد السّهلة فلمّا قاربناها قلت له: هذه الكلمات التي أسمعها من الناس انّ من جاء إلى مسجد السّهلة في أربعين أربعاء فانّه يرى المهدي عليه السلام أرى انّها لا أصل لها، فالتفت اليّ مغضباً وقال لي: ولِمَ ذلك؟ لمحض انّك لم تَرَه؟ أو كلّ شيء لم تره عيناك فلا أصل له؟ وأكثر من الكلام عليّ حتى ندمت على ما قلت.
ثمّ دخلنا معه المسجد، وكان خالياً من الناس فلمّا قام في وسط المسجد ليصلّي ركعتين للاستجارة أقبل رجل من ناحية مقام الحجة عليه السلام ومرّ بالسيّد فسلّم عليه وصافحه والتفت اليّ السيد والدي وقال: فمن هذا؟ فقلت: أهو المهدي عليه السلام فقال: فمن؟ فركضت أطلبه فلم أجده في داخل المسجد ولا في خارجه(٦١٧).
الحكاية السادسة والثمانون:
وقال أصلح الله باله: وأخبر الشيخ باقر المزبور عن رجل صادق اللهجة كان دلاكاً(٦١٨) وله أب كبير مسنّ، وهو لا يقصر في خدمته، حتّى انّه يحمل له الابريق إلى الخلاء، ويقف ينتظره حتى يخرج فيأخذه منه ولا يفارق خدمته الّا ليلة الأربعاء فانّه يمضي إلى مسجد السهلة ثمّ ترك الرّواح إلى المسجد، فسألته عن سبب ذلك، فقال: خرجت أربعين أربعاء فلمّا كانت الأخيرة لم يتيسّر لي أن أخرج إلى قريب المغرب، فمشيت وحدي وصار الليل وبقيت أمشي حتى بقي ثلث الطريق وكانت الليلة مقمرة.
فرأيت أعرابياً على فرس قد قصدني، فقلت في نفسي هذا سيسلبني ثيابي، فلمّا انتهى إليّ كلّمني بلسان البدو من العرب وسألني عن مقصدي، فقلت: مسجد السهلة، فقال: معك شيء من المأكول؟ فقلت: لا، فقال: أدخل يدك في جيبك (هذا نقل بالمعنى وأمّا اللفظ: دورك يدك لجيبك).
فقلت: ليس فيه شيء، فكرّر عليّ القول بزجر حتى أدخلت يدي في جيبي، فوجدت فيه زبيباً كنت اشتريته لطفل عندي ونسيته فبقي في جيبي.
ثم قال لي الاعرابي: أوصيك بالعود، أوصيك بالعود، أوصيك بالعود - والعود في لسانهم اسم للأب المسن - ثم غاب عن بصري فعلمت أنّه المهدي عليه السلام وانّه لا يرضى بمفارقتي لأبي حتى في ليلة الأربعاء فلم أعد إلى المسجد(٦١٩).
ونقل لي هذه الحكاية أيضاً أحد علماء النجف الأشرف المعروفين.
الحكاية السابعة والثمانون:
وقال أدام الله إكرامه: رأيت في رواية ما يدلّ على أنّك إذا أردت أن تعرف ليلة القدر، فاقرأ " حم الدّخان " كلّ ليلة في شهر رمضان مائة مرّة إلى ليلة ثلاث وعشرين، فعلمت ذلك وبدأت في ليلة الثلاث والعشرين أقرأ على حفظي بعد الفطور إلى أن خرجت إلى الحرم العلوي في أثناء الليل، فلم أجد لي موضعاً استقرّ فيه الّا أن أجلس مقابلا للوجه، مستدبراً للقبلة، بقرب الشمع المعلّق لكثرة الناس في تلك الليلة.
فتربّعت واستقبلت الشبّاك، وبقيت أقرأ " حم " فبينما أنا كذلك إذ وجدت إلى جنبي أعرابياً متربّعاً أيضاً معتدل الظهر أسمر اللون حسن العينين والأنف والوجه، مهيباً جداً كأنّه من شيوخ الأعراب الّا انّه شاب، ولا أذكر هل كان له لحية خفيفة أم لم تكن، وأظنّ الأول.
فجعلت في نفسي أقول: ما الذي أتى بهذا البدوي إلى هذا الموضع؟ ويجلس هذا الجلوس العجمي؟ وما حاجته في الحرم؟ وأين منزله في هذا الليل؟ أهو من شيوخ الخزاعة وأضافه بعض الخدمة مثل الكليددار أو نائبه، وما بلغني خبره، وما سمعت به؟!
ثمّ قلت في نفسي: لعلّه المهدي عليه السلام وجعلت أنظر في وجهه، وهو يلتفت يميناً وشمالا إلى الزّوار من غير اسراع في الالتفات ينافي الوقار، وجلست امرأة قدّامي لاصقة بظهرها ركبتي، فنظرت إليه متبسّماً ليراها على هذه الحالة فيتبسّم على حسب عادة الناس، فنظر إليها وهو غير متبسّم واليّ ورجع إلى النظر يميناً وشمالا، فقلت: أسأله انّه أين منزله؟ أو من هو؟
فلمّا هممت بسؤاله انكمش فؤادي انكماشاً تأذّيت منه جدّاً، وظننت أنّ وجهي اصفرّ من هذه الحالة، وبقي الألم في فؤادي حتى قلت في نفسي: اللهم انّي لا أسأله، فدعني يا فؤادي وعد إلى السلامة من هذا الألم، فانّي قد أعرضت عمّا أردت من سؤاله، وعزمت على السكوت، فعند ذلك سكن فؤادي وعدت إلى التفكّر في أمره.
وهممت مرّة ثانية بالاستفسار منه، وقلت: أيّ ضرر في ذلك؟ وما يمنعني من أن أسأله فانكمش فؤادي مرّة ثانية عندما هممت بسؤاله، وبقيت متألّماً مصفرّاً حتى تأذّيت، وقلت: عزمت أن لا أسأله ولا أستفسر إلى أن سكن فؤادي، وأنا أقرأ لساناً وانظر إلى وجهه وجماله وهيبته، واُفكّر فيه قلباً، حتّى أخذني الشوق إلى العزم مرّة ثالثة على سؤاله، فانكمش فؤادي وتأذّيت في الغاية وعزمت عزماً صادقاً على ترك سؤاله، ونصبت لنفسي طريقاً إلى معرفته، غير الكلام معه، وهو انّي لا اُفارقه وأتبعه حيث قام ومشى حتّى أنظر أين منزله إن كان من سائر الناس أو يغيب عن بصري إن كان الامام عليه السلام.
فأطال الجلوس على تلك الهيئة، ولا فاصل بيني وبينه، بل الظاهر انّ ثيابي ملاصقة لثيابه، وأحببت أن أعرف الوقت والساعة، وأنا لا أسمع من كثرة أصوات الناس صوت ساعة الحرم، فصار في مقابلي رجل عنده ساعة، فقمت لأسأله عنها، فخطوت خطوة، ففاتني صاحب الساعة لتزاحم الناس، فعدت بسرعة إلى موضعي، ولعلّ احدى رجلي لم تفارقه، فلم أجد صاحبي وندمت على قيامي ندماً عظيماً، وعاتبت نفسي عتاباً شديداً(٦٢٠).
الحكاية الثامنة والثمانون:
حدّثني السيد الثقة التقي الصالح السيّد مرتضى النجفي رحمه الله وكان من الصلحاء المجاورين وقد أدرك الشيخ شيخ الفقهاء [وعمادهم] الشيخ جعفر النجفي وكان معروفاً عند علماء العراق بالصّلاح والسّداد [وصاحبته سنين سفراً وحضراً فما وقفت منه على عثرة في الدّين] قال: كنّا في مسجد الكوفة مع جماعة فيهم أحد من العلماء المعروفين المبرّزين في المشهد الغرويّ، وقد سألته عن اسمه غير مرّة فما كشف عنه، لكونه محلّ هتك الستر، واذاعة السرّ.
قال: ولمّا حضر وقت صلاة المغرب جلس الشيخ لدى المحراب للصلاة والجماعة في تهيئة الصلاة بين جالس عنده، ومؤذن ومتطهّر، وكان في ذلك الوقت في داخل الموضع المعروف بالتّنّور ماء قليل من قناة خربة وقد رأينا مجراها عند عمارة مقبرة هانيء بن عروة، والدّرج التي تنزل إليه ضيّقة مخروبة، لا تسع غير واحد.
فجئت إليه وأردت النزول، فرأيت شخصاً جليلا على هيئة الأعراب قاعداً عند الماء يتوضأ وهو في غاية من السكينة والوقار والطّمأنينة، وكنت مستعجلا لخوف عدم إدراك الجماعة، فوقفت قليلا فرأيته كالجبل لا يحرّكه شيء، فقلت: وقد اُقيمت الصّلاة ما معناه لعلّك لا تريد الصلاة مع الشيخ؟ أردت بذلك تعجيله فقال: لا، قلت: ولم؟ قال: لأنّه الشيخ الدّخني، فما فهمت مراده، فوقفت حتى أتمّ وضوءه، فصعد وذهب ونزلت وتوضأت وصلّيت، فلمّا قضيت الصلاة وانتشر الناس وقد ملأ قلبي وعيني هيئته وسكونه وكلامه، فذكرت للشيخ ما رأيت وسمعت منه فتغيّرت حاله وألوانه، وصار متفكّراً مهموماً فقال: قد أدركت الحجة عليه السلام وما عرفته، وقد أخبر عن شيء ما اطّلع عليه الّا الله تعالى.
اعلم انّي زرعت الدّخنة(٦٢١) في هذه السنة في الرّحبة وهي موضع في الطرف الغربيّ من بحيرة الكوفة، محلّ خوف وخطر من جهة أعراب البادية المتردّدين إليه، فلمّا قمت إلى الصلاة ودخلت فيها ذهب فكري إلى زرع الدّخنة وأهمّني أمره، فصرت أتفكّر فيه وفي آفاته(٦٢٢)، [كما أخبرك عنه عليه السلام].
ولأني سمعت هذه القصة قبل اكثر من عشرين سنة فأحتمل فيها الزيادة والنقصان نسأل الله العفو والعصمة من الهفوات.
الحكاية التاسعة والثمانون:
حدّثني العالم النبيل، والفاضل الجليل، الصالح الثقة العدل الرضي الذي قلّ له النظير والبديل، الحاج المولى محسن الاصفهاني المجاور لمشهد أبي عبد الله عليه السلام وهو معروف في الأمانة والديانة والتثبّت والانسانية، وكان من أوثق أئمة الجماعة في ذلك البلد الشريف، قال: حدّثني السيد السند، والعالم العامل المؤيد، التقي الصفي السيد محمد بن السيد مال الله بن السيد معصوم القطيفي رحمهم الله، قال: قصدت مسجد الكوفة في بعض ليالي الجمع، وكان في زمان مخوف لا يتردّد إلى المسجد أحد الّا مع عدّة وتهيئة، لكثرة من كان في أطراف النجف الأشرف من القطّاع واللّصوص، وكان معي واحد من الطلاّب.
فلمّا دخلنا المسجد لم نجد فيه الّا رجلا واحداً من المشتغلين فأخذنا في آداب المسجد، فلمّا حان وقت غروب الشمس، عمدنا إلى الباب فأغلقناه، وطرحنا خلفه من الأحجار والأخشاب والطوب والمدر إلى أن اطمأننّا بعدم امكان انفتاحه من الخارج عادة.
ثمّ دخلنا المسجد واشتغلنا بالصلاة والدعاء فلمّا فرغنا جلست أنا ورفيقي في دكّة القضاء مستقبل القبلة، وذاك الرجل الصالح كان مشغولا بقراءة دعاء كميل في الدّهليز القريب من باب الفيل بصوت عال شجيّ، وكانت ليلة قمراء صاحية وكنت متوجّهاً نحو السماء.
فبينا نحن كذلك فاذا بطيب قد انتشر في الهواء، وملأ الفضاء أحسن من ريح نوافج المسك الأذفر، وأروح للقلب من النسيم اذا تسحّر، ورأيت في خلال أشعة القمر إشعاعاً كشعلة النّار، قد غلب عليها، وانخمد في تلك الحال صوت ذلك الرّجل الداعي، فالتفتّ فاذا أنا بشخص جليل، قد دخل المسجد من طرف ذلك الباب المنغلق في زيّ لباس الحجاز، وعلى كتفه الشريف سجّادة كما هو عادة أهل الحرمين إلى الآن، وكان يمشي في سكينة ووقار، وهيبة وجلال، قاصداً باب مسلم ولم يبقَ لنا من الحواسّ الّا البصر الخاسر واللبّ الطّائر، فلمّا صار بحذائنا من طرف القبلة سلّم علينا.
قال رحمه الله: أمّا رفيقي فلم يبقَ له شعور أصلا، ولم يتمكّن من الرّد وأمّا أنا فاجتهدت كثيراً إلى أن رددت عليه في غاية الصعوبة والمشقّة، فلمّا دخل باب المسجد [في ساحة مقبرة مسلم] وغاب عنّا تراجعت القلوب إلى الصّدور، فقلنا: من كان هذا ومن أين دخل؟ فمشينا نحو ذلك الرّجل فرأيناه قد خرق ثوبه ويبكي بكاء الواله الحزين، فسألناه عن حقيقة الحال، فقال: واظبت هذا المسجد أربعين ليلة من ليالي الجمعة طلباً للتشرّف بلقاء خليفة العصر عليه السلام، وناموس الدّهر عجّل الله تعالى فرجه وهذه الليلة تمام الأربعين ولم أتزوّد من لقائه ظاهراً، غير انّي حيث رأيتموني كنت مشغولا بالدعاء فاذا به عليه السلام واقفاً على رأسي فالتفتّ إليه عليه السلام فقال: "چه مى كنى؟ " أو " چه مى خوانى؟ " أي ما تفعل؟ أو ما تقرأ؟ والترديد من الفاضل المتقدّم، ولم أتمكّن من الجواب، فمضى عنّي كما شاهدتموه، فذهبنا إلى الباب فوجدناه على النحو الذي أغلقناه، فرجعنا شاكرين متحسّرين(٦٢٣).
يقول المؤلف:
سمعت مراراً الاستاذ السند وحيد عصره الشيخ عبد الحسين الطهراني أعلى الله مقامه يمدح جناب السيد المذكور ويثني عليه ويجزيه خيراً ويقول: كان رحمه الله عالماً تقياً وشاعراً ماهراً وأديباً بليغاً، وكان غارقاً في محبة أهل بيت العصمة عليهم السلام بحيث كان اكثر ذكره وفكره فيهم ولهم، وكثيراً ما كنّا نلتقي به في الصحن الشريف، فسأله عن مسألة في علوم الآداب فيجيب عنها مستشهداً لمقصوده ببيت من الأشعار التي أنشدت في المصائب، أمّا له، أو لغيره، فتتغيّر حاله، فيشرع في ذكر مصائبهم على أحسن ما ينبغي وينقلب مجلس الشعر والأدب إلى مجلس مصيبة وكرب. وله قصائد رائقة كثيرة في المصائب دائرة على ألسن القراء رحمة الله عليه(٦٢٤).
الحكاية التسعون:
حدّث الشيخ العالم الفاضل الشيخ باقر الكاظمي نجل العالم العابد الشيخ هادي الكاظمي المعروف بآل طالب انّه كان هناك رجل مؤمن في النجف الأشرف من البيت المعروف بـ (آل رحيم) يقال له الشيخ حسين رحيم(٦٢٥).
وحدّثني أيضاً العالم الفاضل والعابد الكامل مصباح الأتقياء الشيخ طه من آل سماحة العام الجليل والزاهد العابد بلا بديل الشيخ حسين نجف وهو امام الجماعة في المسجد الهندي في النجف الأشرف ومقبول في التقوى والصلاح والفضل لدى الخواص والعوام:
وكان الشيخ حسين المذكور رجلا طاهر الطينة والفطرة ومن مقدسي المشتغلين(٦٢٦).
وكان معه مرض السّعال إذا سعل يخرج من صدره مع الأخلاط دم، وكان مع ذلك في غاية الفقر والاحتياج، لا يملك قوت يومه، وكان يخرج في أغلب أوقاته إلى البادية إلى الأعراب الذين في أطراف النجف الأشرف، ليحصل له قوت ولو شعير، وما كان يتيسّر ذلك على وجه يكفيه، مع شدّة رجائه، وكان مع ذلك المرض والفقر فقد تعلّق قلبه بالتزويج بامرأة من أهل النجف، وكان يطلبها من أهلها وما أجابوه إلى ذلك لقلّة ذات يده، وكان في همّ وغمّ شديد من جهة ابتلائه بذلك.
فلمّا اشتدّ به الفقر والمرض، وأيس من تزويج البنت، عزم على ما هو معروف عند أهل النجف من أنّه من أصابه أمر فواظب الرّواح إلى مسجد الكوفة أربعين ليلة أربعاء، فلابدّ أن يرى صاحب الأمر عجّل الله فرجه من حيث لا يعلم ويقضي له مراده.
قال الشيخ باقر قدّس سرّه: قال الشيخ حسين(٦٢٧): فواظبت على ذلك أربعين ليلة بالأربعاء فلمّا كانت الليلة الأخيرة وكانت ليلة شتاء مظلمة، وقد هبّت ريح عاصفة، فيها قليل من المطر، وأنا جالس في الدكّة التي هي داخل في باب المسجد وكانت الدكّة الشرقيّة المقابلة للباب الأوّل تكون على الطرف الأيسر، عند دخول المسجد، ولا أتمكّن الدّخول في المسجد من جهة سعال الدّم، ولا يمكن قذفه في المسجد وليس معي شيء أتّقي فيه عن البرد، وقد ضاق صدري، واشتدّ عليّ همّي وغمّي، وضاقت الدّنيا في عيني، واُفكّر انّ الليالي قد انقضت، وهذه آخرها، وما رأيت أحداً ولا ظهر لي شيء، وقد تعبت هذا التعب العظيم، وتحمّلت المشاقّ والخوف في أربعين ليلة، أجيء فيها من النجف إلى مسجد الكوفة، ويكون لي الأياس من ذلك.
فبينما أنا اُفكّر في ذلك وليس في المسجد أحد أبداً وقد أوقدت ناراً لأسخن عليها قهوة جئت بها من النجف، لا أتمكّن من تركها لتعوّدي بها، وكانت قليلة جدّاً إذا بشخص من جهة الباب الأوّل متوجّهاً إليّ، فلمّا نظرته من بعيد تكدّرت وقلت في نفسي: هذا أعرابي من أطراف المسجد، قد جاء إليّ ليشرب من القهوة وأبقى بلا قهوة في هذا الليل المظلم، ويزيد عليّ همّي وغمّي.
فبينما أنا اُفكّر إذا به قد وصل إليّ وسلّم عليّ باسمي وجلس في مقابلي فتعجّبت من معرفته باسمي، وظننته من الذين أخرج إليهم في بعض الأوقات من أطراف النجف الأشرف فصرت أسأله من أيّ العرب يكون؟ قال: من بعض العرب فصرت أذكر له الطوائف التي في أطراف النجف، فيقول: لا، لا، وكلّما ذكرت له طائفة قال: لا لست منها.
فأغضبني وقلت له: أجل أنت من طُريطرة مستهزءاً وهو لفظ بلا معنى، فتبسّم من قولي ذلك، وقال: لا عليك من أينما كنت، ما الذي جاء بك إلى هنا؟ فقلت: وأنت ما عليك السؤال عن هذه الأمور؟ فقال: ما ضرّك لو أخبرتني؟ فتعجّبت من حسن أخلاقه وعذوبة منطقه، فمال قلبي إليه، وصار كلّما تكلّم ازداد حبّي له، فعملت له السبيل من التتن، وأعطيته، فقال: أنت اشرب فأنا ما أشرب، وصببت له في الفنجان قهوة وأعطيته، فأخذه وشرب شيئاً قليلا منه، ثمّ ناولني الباقي وقال: أنت اشربه فأخذته وشربته، ولم ألتفت إلى عدم شربه تمام الفنجان، ولكن يزداد حبّي له آناً فآناً.
فقلت له: يا أخي أنت قد أرسلك الله إليّ في هذه الليلة تأنسني أفلا تروح معي إلى أن نجلس في حضرة مسلم عليه السلام، ونتحدّث؟ فقال: أروح معك فحدّث حديثك.
فقلت له: أحكي لك الواقع أنا في غاية الفقر والحاجة، مذ شعرت على نفسي، ومع ذلك معي سعال أتنخّع الدّم، وأقذفه من صدري منذ سنين، ولا أعرف علاجه وما عندي زوجة، وقد علق قلبي بامرأة من أهل محلّتنا في النجف الأشرف، ومن جهة قلّة ما في اليد ما تيسّر لي أخذها.
وقد غرّني هؤلاء الملّائيّة(٦٢٨) وقالوا لي: اقصد في حوائجك صاحب الزمان عليه السلام وبتّ أربعين ليلة الأربعاء في مسجد الكوفة، فإنّك تراه، ويقضي لك حاجتك وهذه آخر ليلة من الأربعين، وما رأيت فيها شيئاً وقد تحمّلت هذه المشاقّ في هذه الليالي فهذا الذي جاء بي هنا، وهذه حوائجي.
فقال لي وأنا غافل غير ملتفت: أمّا صدرك فقد برأ، وأمّا الامرأة فتأخذها عن قريب، وأمّا فقرك فيبقى على حاله حتّى تموت، وأنا غير ملتفت إلى هذا البيان ابداً.
فقلت: ألا تروح إلى حضرة مسلم؟ قال: قم، فقمت وتوجّه امامي، فلمّا وردنا أرض المسجد فقال: أَلاَ تصلّي صلاة تحية المسجد؟ فقلت: أفعل، فوقف هو قريباً من الشاخص الموضوع في المسجد، وأنا خلفه بفاصلة، فأحرمت الصلاة وصرت أقرأ الفاتحة.
فبينما أنا أقرأ وإذا يقرأ الفاتحة قراءة ماسمعت أحداً يقرأ مثلها أبداً، فمن حسن قراءته قلت في نفسي: لعلّه هذا هو صاحب الزمان وذكرت بعض كلمات له تدلّ على ذلك ثمّ نظرت إليه بعد ما خطر في قلبي ذلك، وهو في الصلاة، وإذا به قد أحاطه نور عظيم منعني من تشخيص شخصه الشريف، وهو مع ذلك يصلّي وأنا أسمع قراءته، وقد ارتعدت فرائصي، ولا أستطيع قطع الصلاة خوفاً منه فأكملتها على أيّ وجه كان، وقد علا النور من وجه الأرض، فصرت أندبه وأبكي وأتضجّر وأعتذر من سوء أدبي معه في باب المسجد، وقلت له: أنت صادق الوعد، وقد وعدتني الرواح معي إلى مسلم.
فبينما أنا اُكلّم النور، وإذا بالنور قد توجّه إلى جهة مسلم، فتبعته فدخل النور الحضرة، وصار في جوّ القبّة، ولم يزل على ذلك ولم أزل أندبه وأبكي حتى إذا طلع الفجر، عرج النور.
فلمّا كان الصباح التفتّ إلى قوله: أمّا صدرك فقد برأ، وإذا أنا صحيح الصدر، وليس معي سعال أبداً وما مضى أسبوع إلّا وسهّل الله عليّ أخذ البنت من حيث لا أحتسب، وبقي فقري على ما كان كما أخبر صلوات الله وسلامه عليه وعلى آبائه الطاهرين(٦٢٩).
الحكاية الحادية والتسعون:
حدّثني مشافهة العالم فخر الأواخر وذخر الأوائل، شمس فلك الزّهد والتّقى وحاوي درجات السّداد والهدى، الفقيه المؤيد النبيل، شيخنا الأجلّ الحاجّ المولى عليّ بن الحاجّ ميرزا خليل الطهراني المتوطّن في الغريّ حيّاً وميّتاً وكان يزور أئمة سامرّاء في أغلب السنين، ويأنس بالسّرداب المغيب ويستمدّ فيه الفيوضات ويعتقد فيه رجاء نيل المكرمات.
وكان يقول: إنّي ما زرت مرّة إلّا ورأيت كرامة ونلت مكرمة.
وفي أيام مجاورتي في سامراء فقد تشرّف عشر مرّات(٦٣٠) ونزل في بيتي، وكان يستر ما يراه بشدّة، بل يستر سائر عباداته.
وقد التمست منه مرّة أن يخبرني بشيء من تلك المكرمات، فقال: تشرّفت مراراً في ليالي الظلماء والناس نيام ولا يوجد صدى حس أو حركة، فأرى عند الباب قبل النزول من الدرج نوراً يشع من سرداب الغيبة على جدران الدهليز الأول ويتحرّك من موضع إلى آخر، كأن بيد أحد هناك شمعة مضيئة وهو ينتقل من مكان إلى آخر فيتحرّك النور هناك بحركته، ثم أنزل وأدخل في السرداب الشريف فلا أجد أحداً ولا أرى سراجاً.
وقد تشرّف في وقت ظهرت فيه آثار مرض الاستسقاء، وقد تألم كثيراً، فتشرّف بالدخول إلى السرداب المطهر، وقال: استشفيت هذا اليوم باستشفاء العوام، فدخلت السرداب المطهر ووصلت إلى الصفّة الصغيرة وأدخلت رجلي بقصد الشفاء داخل تلك البئر التي يسمّيها العوام ببئر الغيبة، وعلقت روحي، فلم يمضِ وقت حتى زال المرض بالمرّة.
وعزم المرحوم على المجاورة هناك ولكن بعد رجوعه إلى النجف الأشرف منعه مانع، فعاد عليه المرض، وتوفي في آخر صفر سنة ألف ومائتين وتسعة، حشره الله تعالى مع مواليه.
الحكاية الثانية والتسعون:
حدّثني سيد الفقهاء، وسناد العلماء، العالم الرّباني، المؤيد بالألطاف الخفيّة السيد مهدي القرويني الساكن في الحلّة السيفيّة، صاحب التصانيف الكثيرة والمقامات العالية أعلى الله تعالى مقامه فيما كتب بخطّه ومشافهة قال: حدّثني والدي الرّوحاني وعمّي الجسماني جناب المرحوم المبرور العلامة الفهّامة، صاحب الكرامات، والإخبار ببعض المغيبات؛ السيد محمد باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني انّ في الطاعون الشّديد الذي حدث في أرض العراق من المشاهد وغيرها في عام ستّ وثمانين بعد المائة والألف، وهرب جميع من كان في المشهد الغرويّ من العلماء المعروفين وغيرهم، حتى العلامة الطباطبائي والمحقّق صاحب كشف الغطاء وغيرهما بعدما توفّي منهم جمٌّ غفير، ولم يبقَ الّا معدودون من أهله، منهم السيّد رحمه الله.
قال: وكان يقول: كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف، ولم يكن فيه ولا في غيره أحد من أهل العلم الّا رجلا معمّماً من مجاوري أهل العجم، كان يقعد في مقابلي وفي تلك الأيام لقيت شخصاً معظّماً مبجّلا في بعض سكك المشهد ما رأيته قبل ذلك اليوم ولا بعده، مع كون أهل المشهد في تلك الأيام محصورين، ولم يكن يدخل عليهم أحد من الخارج، قال: ولمّا رآني قال ابتداءً منه: أنت ترزق علم التوحيد بعد حين.
وحدّثني السيد المعظّم، عن عمّه الجليل انّه رحمه الله بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدّة ألواح فيها كتابة، وبيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كلّ كفّة من الميزان لوحاً يوزنانها ثمّ يعرضان الألواح المتقابلة عليّ فأقرؤها وهكذا إلى آخر الألواح، وإذا هما يقابلان عقيدة كلّ واحد من خواصّ أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وخواص أصحاب الائمة عليهم السلام مع عقيدة واحد من علماء الاماميّة من سلمان وأبي ذر إلى آخر البوّابين، ومن الكليني والصّدوقين، والمفيد والمرتضى، والشيخ الطوسي إلى بحر العلوم خالي العلامة الطباطبائي ومن بعده من العلماء.
قال: فاطّلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الاماميّة من الصّحابة وأصحاب الائمة عليهم السلام وبقيّة علماء الاماميّة، وإذا أنا محيط بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح عليه السلام وأطلب هذه المعرفة، لما أحطت بعشر معشار ذلك، وذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للمك الآخر الذي بيده الألواح: اعرض الألواح على فلان، فإنّا مأمورون بعرض الألواح عليه، فأصبحت وأنا علاّمة زماني في العرفان.
فلمّا جلست من المنام، وصلّيت الفريضة وفرغت من تعقيب صلاة الصبح فاذا بطارق يطرق الباب، فخرجت الجارية فأتت إليّ بقرطاس مرسول من أخي في الدّين المرحوم الشيخ عبد الحسين الأعشم فيه أبيات يمدحني فيها، فاذا قد جرى على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الاجمال، قد ألهمه الله تعالى ذلك! وأمّا أبيات المدح فمنها قوله شعراً:

نرجو سعادة فالي إلى سعادة فالك * * * يك اختتام معال قد افتتحن بخالك

وقد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض العلماء الاماميّة، ومن جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة عقيدة بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم الذين هم من خواصّه، وعقيدة علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون، الّا انّ هذه الاُمور لمّا كانت من الأسرار التي لا يمكن إباحتها لكلّ أحد، لعدم تحمّل الخلق لذلك، فقد أخذ رحمه الله عليّ العهد ألّا أبوح بها لأحد، وكانت تلك الرؤيا نتيجة قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي(٦٣١).
يقول المؤلف:
كان هذا السيد عظيم الشأن وجليل القدر من أعيان علماء الاماميّة وصاحب كرامات جلية، وقبة عالية تقع مقابل قبّة شيخ الفقهاء صاحب جواهر الكلام في النجف الأشرف.
وحدّثني جناب السيد مهدي أعلى الله مقامه: انّه أخبرنا قبل سنتين من مجيء الطاعون إلى العراق والمشاهد المشرفة في سنة ألف ومائتين وستة وأربعين أخبرنا بمجيء الطاعون وكتب لكلّ واحد منّا من اقربائه دعاءاً، وقال: انّي آخر من يموت بالطاعون، ولا يموت أحد بعدي، وأخبر انّه رأى أمير المؤمنين عليه السلام في المنام وأخبره، وقال هذا الكلام: "وبك يختم يا ولدي".
وكانت له خدمات في ذلك الطاعون للاسلام والمسلمين مما تحيّر العقول، فكان متكفّلا بتجهيز جميع أموات البلد وخارجها، وكانوا أكثر من أربعين ألف، وكان يصلّي عليهم جميعاً، وكان يصلّي على ثلاثين وعشرين وأكثر وأقل صلاة واحدة، وصلّى في يوم على ألف جنازة بصلاة واحدة.
وقد فصّلنا هذه الخدمة وجملة من كراماته ومقاماته في المجلّد الأول من كتاب دار السلام(٦٣٢). وكان من مقام اخلاصه بحيث كان يحتاط من أن يقبل يده أحد، فكان الناس يترقّبون مجيئه إلى الحرم المطهّر، فيكون هناك بحالة إذا قبلوا يده لا ينتبه لذلك (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
الحكاية الثالثة والتسعون:
حدّثني جماعة من الأفاضل والصلحاء والعلماء القاطنين في النجف الأشرف والحلّة منهم السيّد السند والحبر المعتمد، زبدة العلماء [الأعلام، وعمدة الفقهاء العظام، حاوي فنون الفضل والأدب، وحائز معالي الحسب والنسب] وقدوة الألباء الآميرزا صالح دام علاه ابن سيّد المحقّقين ونور مصباح المجاهدين، وحيد عصره [وفريد دهره سيّدنا المعظّم] السيد مهدي المتقدّم ذكره أعلى الله مقامه، ورفع في الخلد اعلامه وقد كنت طلبت منه سلّمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الثلاث الآتية المنسوبة إلى والده المعظّم أعلى الله مقامه التي سمعت بعضها منه بلا واسطة، ولكن بما اني سمعتها في وقت لم أكن بصدد تسجيلها فطلبت من جناب الميرزا صالح أن يكتبها لي بما سمعه من المرحوم، فانّ أهل البيت أدرى بما فيه، اضافة إلى ما هو عليه من الاتقان والحفظ والضبط والصّلاح والسّداد والاطلاع، وقد صاحبته في طريق مكّة المعظمة ذهاباً وإياباً فوجدته - أيّده الله - بحراً لا ينزح وكنزاً لا ينفد، فكتب إليّ مطابقاً لما سمعته من تلك الجماعة.
وكتب أخوه العالم النحرير، وصاحب الفضل المنير، السيّد الأمجد السيّد محمّد سلّمه الله تعالى في آخر ما كتبه: سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعاً من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطّر الله مرقده. صورة ما كتبه:
بسم الله الرحمن الرحيم، حدّثني بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلّة قال: خرجت غدوة من داري قاصداً داركم لأجل زيارة السيّد أعلى الله مقامه فصار ممرّي في الطريق على المقام المعروف بقبر السيّد محمد ذي الدّمعة فرأيت على شباكه الخارج الى الطّريق شخصاً بهيّ المنظر يقرأ فاتحة الكتاب، فتأمّلته فاذا هو غريب الشكل، وليس من أهل الحلّة.
فقلت في نفسي: هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد، ووقف وقرأ له فاتحة الكتاب، ونحن أهل البلد نمرّ ولا نفعل ذلك، فوقفت وقرأت الفاتحة والتوحيد، فلمّا فرغت سلّمت عليه، فردّ السلام، وقال لي: يا عليّ أنت ذاهب لزيارة السيّد مهديّ؟ قلت: نعم، قال: فانّي معك.
فلمّا صرنا ببعض الطريق قال لي: يا عليّ لا تحزن على ما أصابك من الخسران وذهاب المال في هذه السنة، فانّك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤدّياً للحقّ وقد قضيت ما فرض الله عليك، وأمّا المال فانّه عرض زائل يجيء ويذهب.
وكان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطّلع عليه أحد مخافة الكسر، فاغتممت في نفسي وقلت: سبحان الله كسري قد شاع وبلغ حتّى إلى الأجانب، الّا انّي قلت له في الجواب: الحمد لله على كلّ حال، فقال: انّ ما ذهب من مالك سيعود اليك بعد مدّة، وترجع كحالك الأوّل، وتقضي ما عليك من الدّيون.
قال: فسكتّ وأنا مفكّر في كلامه حتّى انتهينا إلى باب داركم، فوقفت ووقف، فقلت: ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي: أدخل أنت أنا صاحب الدّار، فامتنعت فأخذ بيدي وأدخلني أمامه فلمّا صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطّلبة جلوساً ينتظرون خروج السيّد قدّس سرّه من داخل الدار لأجل البحث، ومكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراماً له، وفيه كتاب مطروح.
فذهب الرجل، وجلس في الموضع الذي كان السيّد قدّس سرّه يعتاد الجلوس فيه ثمّ أخذ الكتاب وفتحه، وكان الكتاب شرائع المحقّق قدّس سرّه ثمّ استخرج من الكتاب كراريس مسوّدة بخطّ السيّد قدّس سرّه، وكان خطّه في غاية الضعف لا يقدر كلّ أحد على قراءته، فأخذ يقرأ في تلك الكراريس ويقول: للطلبة: ألا تعجبون من هذه الفروع وهذه الكراريس؟ هي بعض من جملة كتاب مواهب الافهام في شرح شرائع الاسلام وهو كتاب عجيب في فنّه لم يبرز منه ا لّا ستّ مجلّدات من أوّل الطهارة إلى أحكام الأموات.
قال الوالد أعلى الله درجته: لمّا خرجت من داخل الدّار رأيت الرجل جالساً في موضعي فلمّا رآني قام وتنحّى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه، ورأيته رجلا بهيّ المنظر، وسيم الشّكل في زيّ غريب، فلمّا جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه وبشاشة، وسؤال عن حاله واستحييت أن أسأله من هو وأين وطنه؟ ثمّ شرعت في البحث فجعل الرّجل يتكلّم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنّه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة: اسكت ما أنت وهذا، فتبسّم وسكت.
قال رحمه الله: فلمّا انقضى البحث قلت له: من أين كان مجيؤك إلى الحلّة؟ فقال: من بلد السليمانيّة، فقلت: متى خرجت؟ فقال: بالأمس خرجت منها، وما خرجت منها حتّى دخلها نجيب باشا فاتحاً لها عنوة بالسيف وقد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلّب عليها، وأقام مقامه أخاه عبد الله باشا، وقد كان أحمد باشا المتقدّم قد خلع طاعة الدولة العثمانية وادّعى السلطنة لنفسه في السليمانيّة.
قال الوالد قدّس سرّه: فبقيت متفكّراً في حديثه وانّ هذا الفتح وخبره لم يبلغ إلى حكّام الحلّة، ولم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلّة وبالأمس خرجت من السليمانيّة، وبين الحلّة والسليمانيّة ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجدّ.
ثمّ انّ الرجل أمر بعض خدمة الدّار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الإناء ليغترف به ماء من الحبّ فناداه: لا تفعل! فانّ في الإناء حيواناً ميّتاً فنظر فيه، فاذا فيه سامّ أبرص ميّت فأخذ غيره وجاء بالماء إليه فلمّا شرب قام للخروج.
قال الوالد قدّس سرّه فقمت لقيامه فودّعني وخرج فلمّا صار خارج الدّار قلت للجماعة هلاّ أنكرتم على الرّجل خبره في فتح السليمانيّة؟ فقالوا: هلاّ أنكرت عليه؟
قال: فحدّثني الحاج عليّ المتقدّم بما وقع له في الطريق وحدّثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسوّدة، واظهار العجب من الفروع التي فيها.
قال الوالد أعلى الله مقامه: فقلت: اطلبوا الرجل وما أظنّكم تجدونه هو والله صاحب الأمر روحي فداه، فتفرّق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عيناً ولا أثراً فكأنّما صعد في السماء أو نزل في الأرض.
قال: فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانيّة فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلّة بعد عشرة أيّام من ذلك اليوم، وأعلن ذلك عند حكّامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر، عند ذوي الدولة العثمانية(٦٣٣).
يقول المؤلف:
الموجود فيما عندنا من كتب الأنساب أنّ اسم (ذا الدّمعة) حسين ويلقّب أيضاً بذي العبرة، وهو ابن زيد الشهيد ابن علي بن الحسين عليهما السلام ويكنّى بأبي عاتقة، وانما لقّب بذي الدمعة لبكائه في تهجّده في صلاة الليل، وربّاه الصادق عليه السلام فورّثه علماً جمّاً وكان زاهداً عابداً وتوفّي سنة خمس وثلاثين ومائة وزوج ابنته للمهدي الخليفة العباسي، وله أعقاب كثيرة، ولكنّه سلّمه الله أعرف بما كتب(٦٣٤).
الحكاية الرابعة والتسعون:
وبالسند والتفصيل المذكور قال سلّمه الله: وحدّثني الوالد أعلى الله مقامه قال: لازمت الخروج إلى الجزيرة مدّة مديدة لأجل ارشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحقّ، وكانوا كلّهم على رأي أهل التسنّن، وببركة هداية الوالد قدّس سرّه وارشاده، رجعوا إلى مذهب الاماميّة كما هم عليه الآن، وهم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس وكان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم، يزوره الناس ويذكرون له كرامات كثيرة، وحوله قرية تحتوي على مائة دار تقريباً.
قال قدّس سرّه: فكنت أستطرق الجزيرة وأمرّ عليه ولا أزوره لما صحّ عندي انّ الحمزة بن الكاظم مقبور في الرّي مع عبد العظيم الحسني، فخرجت مرّة على عادتي ونزلت ضيفاً عند أهل تلك القرية، فتوقّعوا منّي أن أزور المرقد المذكور فأبيت وقلت لهم: لا أزور من لا أعرف، وكان المزار المذكور قلّت رغبة الناس فيه لإعراضي عنه.
ثمّ ركبت من عندهم وبتُّ تلك الليلة في قرية المزيديّة، عند بعض ساداتها، فلمّا كان وقت السحر جلست لنافلة الليل وتهيّأت للصلاة، فلمّا صلّيت النافلة بقيت أرتقب طلوع الفجر، وأنا على هيئة التعقيب إذ دخل عليّ سيد أعرفه بالصلاح والتقوى، من سادة تلك القرية، فسلّم وجلس.
ثمّ قال: يا مولانا بالأمس تضّيفت أهل قرية الحمزة، وما زرته؟ قلت: نعم، قال: ولم ذلك؟ قلت: لأنّي لا أزور من لا أعرف، والحمزة بن الكاظم مدفون بالريّ، فقال: ربّ مشهور لا أصل له، ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم وإن اشتهر انّه كذلك، بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الاجازة وأهل الحديث، وقد ذكره أهل الرّجال في كتبهم، وأثنوا عليه بالعلم والورع.
فقلت في نفسي: هذا السيّد من عوام السادة، وليس من أهل الاطّلاع على الرّجال والحديث، فلعلّه أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء، ثمّ قمت لأرتقب طلوع الفجر، فقام ذلك السيد وخرج واُغفلت أن أسأله عمّن أخذ هذا لأن الفجر قد طلع، وتشاغلت بالصلاة.
فلمّا صلّيت جلست للتعقيب حتّى طلعت الشمس، وكان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها وإذا الحال كما ذكر، فجاءني أهل القرية مسلّمين عليّ وفي جملتهم ذلك السيد، فقلت: جئتني قبل الفجر وأخبرتني عن قبر الحمزة انّه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي، فمن أين لك هذا وعمّن أخذته؟ فقال: والله ما جئتك قبل الفجر ولا رأيتك قبل هذه السّاعة، ولقد كنت ليلة أمس بائتاً خارج القرية - في مكان سمّاه - وسمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك.
فقلت لأهل القرية: الآن ألزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فانّي لا أشك في انّ الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر عليه السلام، قال: فركبت أنا وجميع أهل تلك القرية لزيارته، ومن ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهوراً تامّاً على وجه صار بحيث تشدّ الرحال إليه من الأماكن البعيدة.
قلت: في رجال النجاشي: حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن ابن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أبو يعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث له كتاب " من روى عن جعفر بن محمد عليهما السلام من الرّجال"(٦٣٥).
ويظهر من كلمات العلماء والأساتذة انّه من علماء الغيبة الصغرى وكان معاصراً للصدوق علي بن بابويه.
الحكاية الخامسة والتسعون:
وبالسند المذكور عن السيد المؤيد المتقدّم ذكره، وسمعت أيضاً مشافهة عن نفس المرحوم قدّس سرّه انّه قال: خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلّة اُريد زيارة الحسين عليه السلام ليلة النصف منه، فلمّا وصلت إلى شطّ الهنديّة، وعبرت إلى الجانب الغربيّ منه، وجدت الزوّار الذاهبين من الحلّة وأطرافها، والواردين من النجف ونواحيه، جميعاً محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من عشائر الهنديّة، ولا طريق لهم إلى كربلاء لأنّ عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق، وقطعوه عن المارّة، ولا يدَعون أحداً يخرج من كربلاء ولا أحداً يلج إلّا انتهبوه.
قال: فنزلت على رجل من العرب وصلّيت صلاة الظهر والعصر، وجلست أنتظر ما يكون من أمر الزوّار، وقد تغيّمت السماء ومطرت مطراً يسيراً.
فبينما نحن جلوس إذ خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجّهين نحو طريق كربلاء، فقلت لبعض من معي: اخرج واسأل ما الخبر؟ فخرج ورجع إليّ وقال لي: إنّ عشيرة بني طرف قد خرجوا بالأسلحة النارية، وتجمّعوا لايصال الزوّار إلى كربلاء، ولو آل الأمر إلى المحاربة مع عنزة.
فلمّا سمعت قلت لمن معي: هذا الكلام لا أصل له، لأنّ بني طرف لا قابليّة لهم على مقابلة عنزة في البرّ، واظنُّ هذه مكيدة منهم لإخراج الزوّار عن بيوتهم لأنهم استثقلوا بقاءهم عندهم، وفي ضيافتهم.
فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوار إلى البيوت، فتبيّن الحال كما قلت فلم تدخل الزوّار إلى البيوت وجلسوا في ظلالها والسماء متغيّمة، فأخذتني لهم رقّة شديدة، وأصابني انكسار عظيم، وتوجّهت إلى الله بالدعاء والتوسّل بالنبي وآله، وطلبت اغاثة الزوّار مما هم فيه.
فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع كريم لم أرَ مثله وبيده رمح طويل وهو مشمّر عن ذراعيه، فأقبل يخبُّ به جواده حتى وقف على البيت الذي أنا فيه، وكان بيتاً من شعر مرفوع الجوانب، فسلّم فرددنا عليه السلام ثم قال: يا مولانا - يسمّيني باسمي - بعثني من يسلّم عليك، وهم كنج محمّد آغا وصفر آغا، وكانا من قوّاد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوّار، فإنّا قد طردنا عنزة عن الطريق، ونحن ننتظره مع عسكرنا في عرقوب السليمانيّة على الجادّة.
فقلت له: وأنت معنا إلى عرقوب السليمانية؟ قال: نعم، فأخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهار ساعتان ونصف تقريباً، فقلت: بخيلنا، فقُدِّمت إلينا، فتعلّق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده وقال: يا مولاي لا تخاطر بنفسك وبالزوار وأقم الليلة حتى يتّضح الأمر، فقلت له: لابدّ من الركوب لإدراك الزيارة المخصوصة.
فلمّا رأتنا الزوّار قد ركبنا، تبعوا أثرنا بين حاشر وراكب فسرنا والفارس المذكور بين أيدينا كأنّه الأسد الخادر، ونحن خلفه، حتى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه وتبعناه في الصعود، ثمّ نزل وارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا ولم نَرَ له عيناً ولا أثراً، فكأنّما صعد في السماء أو نزل في الأرض ولم نَرَ قائداً ولا عسكراً.
فقلت لمن معي: أبقي شك في انّه صاحب الأمر؟ فقالوا: لا والله، وكنت - وهو بين أيدينا - أطيل النظر إليه كأنّي رأيته قبل ذلك، لكنّني لا أذكر أين رأيته فلمّا فارقنا تذكّرت انّه هو الشخص الذي زارني بالحلة، وأخبرني بواقعة السليمانيّة.
وأمّا عشيرة عنزة، فلم نَرَ لهم أثراً في منازلهم، ولم نَرَ أحداً نسأله عنهم سوى انّا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البرّ، فوردنا كربلاء تخبّ بنا خيولنا فوصلنا إلى باب البلاد، وإذا بعسكر على سور البلد فنادوا من أين جئتم؟ وكيف وصلتم؟ ثمّ نظروا إلى سواد الزوّار ثمّ قالوا سبحان الله هذه البرية قد امتلأت من الزوّار أجل أين صارت عنزة؟ فقلت لهم: اجلسوا في البلد وخذوا أرزاقكم ولمكّة ربّ يرعاها.
ثم دخلنا البلد فاذا أنا بكنج محمد آغا جالساً على تخت قريب من الباب فسلّمت عليه فقام في وجهي، فقلت له: يكفيك فخراً انّك ذكرت باللسان، فقال: ما الخبر؟ فأخبرته بالقصّة، فقال لي: يا مولاي من أين لي علم بانّك زائر حتّى أرسل لك رسولا وأنا وعسكري منذ خمسة عشر يوماً محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفاً من عنزة، ثمّ قال: فأين صارت عنزة؟ قلت: لا علم لي سوى أنّي رأيت غبرة شديدة في كبد البرّ كأنّها غبرة الظعائن ثمّ أخرجت الساعة وإذا قد بقي من النهار ساعة ونصف، فكان مسيرنا كلّه في ساعة وبين منازل بني طرف وكربلاء ثلاث ساعات ثمّ بتنا تلك الليلة في كربلاء.
فلمّا أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلّاحين الذين في بساتين كربلاء قال: بينما عنزة جلوس في أنديتهم وبيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهّم، وبيده رمح طويل، فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزُّؤام عساكر الدّولة العثمانية تجبّهت عليكم بخيلها ورجلها، وها هم على أثري مقبلون فارحلوا وما أظنّكم تنجون منهم.
فألقى الله عليهم الخوف والذّل حتّى أنّ الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل، فلم تمضِ ساعة حتّى ارتحلوا بأجمعهم وتوجّهوا نحو البرّ، فقلت له: صف لي الفارس فوصف لي وإذا هو صاحبنا بعينه، وهو الفارس الذي جاءنا والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة على محمد وآله الطاهرين(٦٣٦).
قلت: ولم تكن هذه الكرامات منه ببعيدة، فانّه ورث العلم والعمل من عمّه الأجلّ الأكمل السيد باقر القزويني صاحب سرّ خاله [السيد الأعظم، والطود الأشيم]، بحر العلوم أعلى الله تعالى درجتهم، وكان عمّه أدّبه وربّاه وأطلعه على الخفايا والأسرار، حتّى بلغ مقاماً لا يحوم حوله الأفكار، وحاز من الفضائل والخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الأبرار:
الأول: انّه بعد ما هاجر من النجف الأشرف إلى الحلّة واستقرّ فيها وشرع في هداية الناس وايضاح الحقّ وابطال الباطل، صار ببركة دعوته من داخل الحلّة وأطرافها من الأعراب قريباً من مائة ألف نفس شيعياً إمامياً مخلصاً موالياً لأولياء الله، ومعادياً لأعداء الله.
بل حدّثني طاب ثراه انّه لمّا ورد الحلّة لم يكن في الذين يدّعون التشيّع من علائم الامامية وشعائرهم إلّا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف، ولا يعرفون من أحكامهم شيئاً حتّى البراءة من أعداء الله، وصاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء وهذه منقبة عظيمة اختصّ بها [من بين من تقدّم عليه وتأخّر].
الثاني: الكمالات النفسانية من الصبر والتقوى، وتحمل أعباء العبادة، وسكون النفس، ودوام الاشتغال بذكر الله تعالى، وكان رحمه الله لا يسأل في بيته عن أحد من أهله وأولاده ما يحتاج إليه من الغداء والعشاء والقهوة والشاي والغليان وغيرها عند وقتها، ولا يأمر عبيده وإماءه بشيء منها، ولولا التفاتهم ومواظبتهم لكان يمرّ عليه اليوم والليلة من غير أن يتناول شيئاً منها مع ما كان عليه من التمكّن والثروة والسلطنة الظاهرة، وكان يجيب الدعوة، ويحضر الولائم والضيافات، لكن يحمل معه كتباً ويقعد في ناحية، ويشتغل بالتأليف، ولا خبر له عمّا فيه القوم، ولا يخوض معهم في حديثهم الّا أن يسأل عن أمر دينيّ فيجيبهم.
وكان دأبه في شهر الصيام أن يصلّي المغرب في المسجد ويجتمع الناس، ويصلّي بعده النوافل المرتّبة في شهر رمضان وهي الألف ركعة المقسمة على أيامه، ثمّ يأتي منزله ويفطر ويرجع ويصلّي العشاء بالناس، ثمّ يصلّي نوافلها المرتّبة، ثمّ يأتي منزله والناس معه على كثرتهم فلمّا اجتمعوا واستقرّوا، شرع واحد من القرّاء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات من كتاب الله في التحذير والترغيب والموعظة، ممّا يذوب منه الصخر الأصمّ ويرقّ القلوب القاسية، ثمّ يقرأ آخر خطبة من مواعظ نهج البلاغة، ثمّ يقرأ آخر تعزية أبي عبد الله عليه السلام ثمّ يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان ويتابعه الآخرون إلى أن يجيء وقت السحور، فيتفرّقون ويذهب كلّ إلى مستقرّه.
وبالجملة فقد كان في المراقبة، ومواظبة الأوقات والنوافل والسنن والقراءة معه كونه طاعناً في السنّ آية في عصره، وقد كنّا معه في طريق الحجّ ذهاباً وإياباً وصلّينا معه في مسجد الغدير، والجحفة، وتوفي حين العودة رحمه الله [في] الثاني عشر من ربيع الأول سنة (١٣٠٠ هـ) قبل الوصول إلى السماوة بخمس فراسخ تقريباً، ودفن في النجف الأشرف في جنب مرقد عمّه الأكرم وبني على قبره قبّة عالية، وقد ظهر منه حين وفاته من قوّة الايمان والطمأنينة والإقبال وصدق اليقين ما يقضي منه العجب، وظهر منه حينئذ كرامة باهرة بمحضر من جماعة، من الموافق والمخالف ليس هنا مقام ذكرها.
الثالث: التصانيف الرائقة الكثيرة، في الفقه والأصول والتوحيد والامامة والكلام وغيرها، ومنها كتاب في إثبات كون الفرقة الناجية فرقة الامامية أحسن ما كتب في هذا الباب، طوبى له وحسن مآب(٦٣٧).
الحكاية السادسة والتسعون:
نقل المحدّث النبيل والعالم الجليل الشيخ يوسف البحريني في اللؤلؤة في ترجمة العالم المحقّق الخبير الشيخ ابراهيم القطيفي المعاصر للمحقّق الثاني، عن بعض أهل البحرين أنّ هذا الشيخ دخل عليه الامام الحجة عليه السلام في صورة رجل يعرفه الشيخ فسأله أيّ الآيات من القرآن في المواعظ أعظم؟ فقال الشيخ: (اِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يخْفُونَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَاْتِي آمِناً يَوْم الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ اِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ)(٦٣٨) فقال: صدقت يا شيخ، ثمّ خرج منه، فسأل أهل البيت: خرج فلان؟ فقالوا: ما رأينا أحداً داخلا ولا خارجاً(٦٣٩).
الحكاية السابعة والتسعون:
نقل مشافهةً الصالح الورع التقي المتتبع المرحوم الحاج الملاّ باقر البهبهاني المجاور بالنجف الأشرف.
وكذلك كتبه في الدمعة الساكبة في معجزات الحجة عليه السلام:
قال: فالأولى أن يختم الكلام بذكر ما شاهدته في سالف الأيام، وهو انّه أصاب ثمرة فؤادي ومن انحصرت فيه ذكور أولادي، قرّة عيني علي محمد حفظه الله الفرد الصمد، مرضٌ يزداد آناً فآناً ويشتدّ فيورثني أحزاناً وأشجاناً إلى أن حصل للناس من برئه اليأس وكانت العلماء الطلاب والسادات والأنجاب يدعون له بالشفاء في مظانّ استجابة الدعوات، كمجالس التعزية وعقيب الصلوات.
فلمّا كانت الليلة الحادية عشرة من مرضه، اشتدّت حاله وثقلت أحواله وزاد اضطرابه، وكثر التهابه، فانقطعت بي الوسيلة، ولم يكن لنا في ذلك حيلة فالتجأت بسيّدنا القائم عجّل الله ظهوره وأرانا نوره، فخرجت من عنده وأنا في غاية الاضطراب ونهاية الالتهاب، وصعدت سطح الدار، وليس لي قرار، وتوسّلت به عليه السلام خاشعاً، وانتدبت خاضعاً، وناديته متواضعاً، وأقول: يا صاحب الزّمان أغثني يا صاحب الزمان أدركني، متمرّغاً في الأرض، ومتدحرجاً في الطول والعرض، ثمّ نزلت ودخلت عليه، وجلست بين يديه، فرأيته مستقرّ الأنفاس مطمئنّ الحواسّ قد بلّه العرق لا بل أصابه الغرق، فحمدت الله وشكرت نعماءه التي تتوالى فألبسه الله تعالى لباس العافية ببركته عليه السلام(٦٤٠).
الحكاية الثامنة والتسعون:
قصة الشيخ حسن العراقي كما سوف تأتي في الحكاية المائة إن شاء الله تعالى.
الحكاية التاسعة والتسعون:
قال العالم الفاضل المتبحّر النبيل الصمدانيّ الحاجّ المولى رضا الهمدانيّ في المفتاح الأوّل من الباب الثالث من كتاب مفتاح النبوّة في جملة كلام له في انّ الحجة عليه السلام قد يظهر نفسه المقدّسة لبعض خواصّ الشيعة: انّه عليه السلام قد أظهر نفسه الشريفة قبل هذا بخمسين سنة لواحد من العلماء المتّقين المولى عبد الرحيم الدّماوندي الذي ليس لأحد كلام في صلاحه وسداده.
قال: وقال هذا العالم في كتابه: انّي رأيته عليه السلام في داري في ليلة مظلمة جداً بحيث لا تبصر العين شيئاً واقفاً في جهة القبلة وكان النور يسطع من وجهه المبارك حتى انّي كنت أرى نقوش الفراش بهذا النور(٦٤١).

الحكاية المائة:
حدّث السيد الجليل والمحدّث العليم النبيل، السيّد نعمة الله الجزائري في [مقدّمات] شرح عوالي اللئالي لابن أبي جمهور الاحسائي قال: حدّثني وأجازني السيّد الثقة هاشم بن الحسين الأحسائي في دار العلم شيراز في المدرسة المقابلة للبقعة المباركة، مزار السيد محمد العابد عليه الرحمة والرضوان، في حجرة من الطبقة الثانية، على يمين الداخل قال: حكى لي اُستاذي الثقة المعدّل الشيخ محمد الحرفوشي قدّس الله تربته قال: لمّا كنت بالشام، عمدت يوماً إلى مسجد مهجور، بعيد من العمران، فرأيت شيخاً أزهر الوجه، عليه ثياب بيض، وهيئة جميلة، فتجارينا في الحديث، وفنون العلم فرأيته فوق ما يصفه الواصف، ثمّ تحقّقت منه الاسم والنسبة، ثمّ بعد جهد طويل قال: أنا معمّر بن أبي الدّنيا صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، وحضرت معه حروب صفّين وهذه الشجّة في رأسي وفي وجهي من زجّة فرسه.
ثمّ ذكر لي من الصفات والعلامات ما تحقّقت معه صدقه في كلّ ما قال، ثمّ استجزته كتب الأخبار، فأجازني عن أمير المؤمنين وعن جميع الائمة عليهم السلام حتى انتهى في الاجازة إلى صاحب الدّار عجّل الله فرجه وكذلك أجازني كتب العربيّة من مصنّفيها كالشيخ عبد القاهر والسّكاكي وسعد التفتازانيّ وكتب النحو عن أهلها وذكر العلوم المتعارفة.
ثمّ قال السيّد رحمه الله: انّ الشيخ محمد الحرفوشي(٦٤٢) أجازني كتب الأحاديث الأصول الأربعة، وغيرها من كتب الأخبار بتلك الاجازة، وكذلك أجازني الكتب المصنّفة في فنون العلوم، ثمّ انّ السيد رضوان الله عليه أجازني بتلك الاجازة كلّما أجازه الشيخ الحرفوشي، عن معمّر أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وأمّا أنا فأضمن ثقة المشايخ السيّد والشيخ، وتعديلهما وورعهما ولكنّي لا أضمن وقوع الأمر في الواقع على ما حكيت، وهذه الاجازة العالية لم تتّفق لأحد من علمائنا، ولا محدّثينا، لا في الصدر السّالف، ولا في الأعصار المتأخّرة، انتهى.
وقال سبطه العالم الجليل السيّد عبد الله صاحب شرح النخبة، وغيره في اجازته الكبيرة، لأربعة من علماء حويزة، بعد نقل كلام جدّه وكأنّه رضي الله عنه استنكر هذه القصّة أو خاف أن تنكر عليه فتبرّأ من عهدتها في آخر كلامه وليست بذلك، فانّ معمّر بن أبي الدّنيا المغربي له ذكر متكرّر في الكتب، وقصّة طويلة في خروجه مع أبيه في طلب ماء الحياة، وعثوره عليه دون أصحابه، مذكورة في كتب التواريخ وغيرها، وقد نقل منها نبذاً صاحب البحار في أحوال صاحب الدار عليه السلام وذكر الصّدوق في كتاب إكمال الدين انّ اسمه عليّ بن عثمان ابن خطّاب بن مرّة بن مؤيد الهمدانيّ، الّا انّه قال: معمّر أبي الدّنيا باسقاط (بن) والظاهر انّه هو الصواب كما لا يخفى، وذكر انّه من حضر موت والبلد الذي هو مقيم فيه طنجة، وروى عنه أحاديث مسندة بأسانيد مختلفة(٦٤٣).
يقول المؤلف:
يطعن علينا مخالفونا ويستبعدون بقاء شخص في طول هذه المدّة، واضافة إلى استبعادهم فهم ينسبون كذباً إلى الاماميّة انهم يعتقدون انّه عليه السلام غاب في السرداب وما زال هناك، وانّه يظهر من هناك، وانّهم ينتظرون ظهوره عليه السلام من السرداب.
وقد جهد علماؤنا بدفع استبعادهم في كتب الغيبة، وجمعوا كثيراً من المعمّرين، وذكروا اخبارهم وقصصهم وأشعارهم.
والظاهر عدم وجود الحاجة إلى كلّ تلك المشقات لدفع ذلك الاستبعاد، فان بقاء شخص واحد عدّة آلاف من السنين مسلّم عند جميع الأمة، وهو كاف في رفع الاستبعاد، وهو الخضر عليه السلام، ولم يخالف أحد في وجوده.
ولكننا لمجرّد الاتباع ننقل بعض كلمات تلك الجماعة، ونعدّ اجمالا اسماء المعمّرين:
قال الذهبى في تاريخ الاسلام في ضمن احوال أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام:
"وأما ابنه محمد بن الحسن الذي يدعوه الرافضة القائم الخلف الحجة فولد سنة ثمان وخمسين [ومائتين] وقيل ست وخمسين ومائتين عاش بعد أبيه سنتين ثمّ عدم ولم يعلم كيف مات.. وهم يدعون بقاءه في السرداب من اربعمائة وخمسين سنة وانّه صاحب الزمان وانّه حي يعلم علم الأولين والآخرين ويعترفون انّ أحداً لم يَرَه أبداً، وبالجملة جهل الرافضة عليه مزيد(٦٤٤) فنسأل الله أن يثبت علينا عقولنا وايماننا"(٦٤٥).
"والذي يعتقده الرافضة في هذا المنتظر لو اعتقده المسلم في علي بل في النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لما جاز له ذلك، ولا اقرّ عليه، (قال النبي: لا تطردوني كما اطردت النصارى عيسى انما انا عبد فقولوا عبد الله ورسوله صلوات الله عليه وسلامه)(٦٤٦) فانهم يعتقدون فيه وفي آبائه انّ كلّ واحد منهم يعلم علم الأولين والآخرين، وما كان وما يكون ولا يقع منه خطأ قط، وانّه معصوم من الخطأ والسهو " ثم قال: "نسأل الله العفو والعافية ونعوذ بالله من الاحتجاج بالكذب وردّ الصدق كما هو دأب الشيعة.."(٦٤٧).
وقال ابن خلگان في ترجمته: "وهو الذي تزعم الشيعة انّه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم.. وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسرّ مَن رأى"(٦٤٨).
وقال ابن حجر المتأخر المكي في الصواعق بعد جملة من الكلمات: "إذ تغيب شخص هذه المدة المديدة من خوارق العادات، فلو كان هو لكان وصفه صلى الله عليه [وآله] وسلّم بذلك أظهر من وصفه بغير ذلك مما مرّ.. الخ"(٦٤٩).
ومن هذا النوع من الكلمات كثيرة في كتبهم وبعضها مأخوذ من البعض الآخر، ونقل هذا المقدار كاف للمثال والتنبيه.
والجواب:
أما أولا:
إنّ ما نسبوه إلى الاماميّة من انّه عليه السلام كان في السرداب من أول غيبته وإلى الآن انما هو مجرّد كذب وبهتان وافتراء.
فمع كثرة الفرق وتشتت الآراء وتدخل الجهلة في العلوم لم يَرَ في كتاب ولحدّ الآن ولم يذكر في شعر أو نثر، ولم يحتمل جاهل في مكان انّه عليه السلام سوف يبقى في السرداب من البداية إلى النهاية.
بل مبيّن ومفصّل في أحاديثهم وأخبارهم وحكاياتهم في كلّ كتاب تذكر فيه الامامة انّه كان له عليه السلام في الغيبة الصغرى وكلاء ونواب مخصوصون تُجبى لهم الأموال ويتصرّفون بها حسب الأوامر التي تصدر منه عليه السلام، وانّه يأمرهم وينهاهم، ويبعث التواقيع اليهم، ويصلون إليه عليه السلام هم وغيرهم في أماكن معيّنة.
وأما في الغيبة الكبرى فان محل استقراره مخفي على كلّ انسان ولكنّه يحضر في موسم الحج، وينقذ مواليه عند الشدائد والمحن، كما ذكرت شمة منها.
فكيف يقال انّه عليه السلام في السرداب؟
وانّهم يقرؤون في دعاء الندبة المعروف في كل عيد ويوم الجمعة: "ليت شعري أين استقرّت بك النوى بل أي أرض تقلك أو ثرى أبِرَضوى(٦٥٠) أم غيرها أم ذي طوى"(٦٥١).
ويقرؤون في خطبهم وفي ذكر القابه عليه السلام: "الغائب عن الأبصار، والحاضر في الأمصار الذي يظهر في بيت الله ذي الأستار، ويطهر الأرض من لوث الكفار".
وروي في غيبة النعماني عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب - وأومأ بيده إلى ناحية ذي طوى ـ... الخ"(٦٥٢).
وروي عنه عليه السلام انّه قال: "إنّ في صاحب هذا الأمر لشبهاً من يوسف... إلى أن يقول: فما تنكر هذه الأمة ان يكون الله يفعل بحجته ما فعل بيوسف، وأن يكون صاحبكم المظلوم المجحود حقّه صاحب هذا الأمر يتردد بينهم، ويمشي في أسواقهم ويطأ فرشهم ولا يعرفونه حتى يأذن الله له أن يعرّفهم نفسه.."(٦٥٣).
وروي في غيبة الشيخ الطوسي عن محمد بن عثمان العمري قدّس الله روحه انّه قال: "والله انّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه"(٦٥٤).
وروى الشيخ النعماني والصدوق عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "يفقد الناس امامهم يشهد المواسم فيراهم ولا يرونه"(٦٥٥).
وروي عن عبد الأعلى انّه قال: "خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام فلمّا نزلنا الروحاء نظر إلى جبلها مطلاًّ عليها فقال لي: ترى هذا الجبل؟ هذا جبل يدعى رضوى من جبال فارس أحبّنا فنقله الله الينا، أما انّ فيه كل شجرة مطعم، ونعم أمان للخائف مرتين.
أما انّ لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين، واحدة قصيرة، والأخرى طويلة"(٦٥٦).
وقد تقدّم انّه يخرج عليه السلام من قرية يقال لها (كرعة).
وجاء في احدى الزيارات بالسلام عليه: "السلام على الامام الغائب عن الأبصار، الحاضر في الأمصار، والموجود في الأفكار، بقية الأخيار، وارث ذي الفقار، المنتظر، والحسام الذكر، والشمس الطالعة، والسماء الظليلة، والأرض البسيطة، نور الأنوار الذي تشرق به الأرض عمّا قليل، بدر التمام، وحجة الله على الأنام، برج البروج، واليوم الموعود، وشاهد ومشهود... الخ".
والخلاصة: فياليت الذهبي مع كل ما ادّعاه من المعرفة والديانة، انّه دلّ على مكان من كتب الامامية، انّ فلان عالم كتب في الكتاب الفلاني، كما هي عادة الاماميّة عندما يُشكلون عليهم فانّهم يذكرون المؤلف والكتاب والباب والفصل.
ومع هذا الافتراء والبهتان فانّه نسب الشيعة إلى الكذب، ويتخيّل انه طاهر الذيل(٦٥٧)، ولا يستحي ولا يخجل أبداً.
وأما ثانياً:
وعلى فرض التسليم بأنه عليه السلام كان هناك في كل هذه المدّة، فما هو وجه الاستبعاد من ذلك؟ هل طول عمره، أم خفاؤه على الزوّار، أم حياته بلا وجود ما يعيش به؟
أما الأول: فيأتي ان شاء الله تعالى.
وأما اختفاؤه عن نظر الناظرين، فتقدّم جوابه في ذيل الحكاية السابعة والثلاثين، وذلك انّ أهل السنة ينقلون عن عجائب قدرة الباري تعالى بما يضيع امثال هذه الصورة عندها وتكون لا شيء إلى جنبها، فانّهم يقولون: انّه من الجائز أن يسير الانسان في صحراء مملوءة بالعساكر يتحاربون ويتنازعون فيما بينهم، ويتحرّكون يميناً وشمالا فلا يراهم، ولا يسمع صوتهم.
ومن الممكن أن يرى انسان جوع غيره وشبعه ويدرك لذّته وألمه وغمّه وسروره، وعلمه وظنّه ووهمه، ومع ذلك فهو لا يرى لون بشرته، وهل هو أسود أم أبيض، مع عدم وجود حاجب، ومع وجود الضوء.
ومن الممكن أن يرى شيئاً بينه وبين ذلك الشيء حجاب عرضه ألف ذراع في ليلة ظلماء، وانّه لا يرى شيئاً إلى جنبه مع عدم الحاجب، بل وانّ نور الشمس مشرقة.
ومن الممكن أن لا يرى خرزة في المشرق أو في المغرب، ولا يرى جبلا عظيماً إلى جنبه مع عدم الحاجب.
وامثال هذه الكلمات التي تقدّمت شمّة منها، ويعرف الباقي على هذا النسق.
وأما طول الحياة؛ فيعرف من تلك الكلمات امكان الحياة بدون تلك الأشياء فانّهم لا يرون ان شيئاً يكون سبباً لشيء، فلا يرون ان الخبز سبب للشبع، وانّ الماء سبب لرفع العطش (للإرتواء)، وانّ السمّ سبب للموت، وانما هي عادة جرت من الله تعالى أن يكون مثل الخبز يشبع والماء يروي، فليس هناك سبباً للحياة الّا فعل الحق، فالأكل وعدم الأكل بمستوى واحد.
ومن طرائف حكايات المخالفين ما نقله الفيروز آبادي في القاموس في باب العين، قال:
"عبود كتنور رجل نوّام نام في محتطبه سبع سنين".
وفي حديث معضل: "انّ اوّل الناس دخولا الجنّة عبد أسود يقال له عبّود وذلك انّ الله عزّ وجلّ بعث نبياً إلى أهل قرية فلم يؤمن به أحدٌ إلّا ذلك الأسود، وانّ قومه احتفروا له بئراً فصيّروه فيها، وأطبقوا عليه صخرة فكان ذلك الأسود يخرج فيحتطب فيبيع الحطب ويشتري به طعاماً وشراباً ثمّ يأتي تلك الحفرة فيعينه الله تعالى على تك الصخرة فيرفعها ويدلّي له ذلك الطعام والشراب.
وانّ الأسود احتطب يوماً ثمّ جلس ليستريح فضرب بنفسه الأرض شقّه الأيسر فنام سبع سنين، ثمّ هبّ من نومته وهو لا يرى الّا انّه نام ساعة من نهار، فاحتمل حزمته فأتى القرية فباع حطبه، ثمّ أتى الحفرة فلم يجد النبي فيها، وقد كان بدا لقومه فيه، فأخرجوه، فكان يسأل عن الأسود فيقولون لا ندري أين هو.
فَضُرِب به المثل لمن نام طويلا"(٦٥٨).
وقد أشار الزمخشري إلى هذه الحكاية في (ربيع الأبرار)(٦٥٩).
وفي هذه الحكاية جواب لكلّ استبعاداتهم، فبقاء أسود سبع سنوات حي وسالم بدون ماء ولا طعام تحت الشمس والرياح والمطر وفي طريق الحيوانات والوحوش لهو أعجب بكثير من بقاء شخص يأكل ويشرب ويتحرّك، كما يقول الاماميّة.
وأعجب من ذلك خفاء ذلك الأسود عن أهل تلك القرية سبع سنوات، مع انّه كان نائماً في مكان معيّن.
وهل يمكن أن يحتمل عدم مرور أحد في طول هذه المدّة من هناك؟
أو انّهم استغنوا عن الحطب؟
أو انّه لم يبقَ هنا ما يحتطب؟
اضافة إلى خفاء الحكمة في انّ الله تعالى أنامه سبع سنوات، ولا طريق لمعرفتها للعباد الّا أن يرى نومه أو يسمع بالحس، ويعلم بأنه لا لغو ولا عبث بأفعال الله تعالى، ويعتقد ولو اجمالا بأنّ وجوده يتّفق مع المصلحة وإن لم يعرفها، ولا يرفع اليد عن احساسه لعدم معرفة الحكمة، كما أوضحه وبرهن عليه الاماميّة طبق الأخبار المتواترة النبويّة والعلوية؛ انّ التاسع من ذريّة الامام الحسين عليه السلام هو الامام والخليفة والحجة والمهدي الموعود. ووصلوا بالحسّ والوجدان إلى مقام عين اليقين من خلال مشاهدة آياته ومعجزاته وكراماته ورؤيتهم أثر الاجابة في رقاع الاستغاثة والتوسل به عليه السلام في الملمّات. فعدم معرفة حكمة الغيبة، وسبب الاختفاء لا يضرّ ولا ينقص علمهم واعتقادهم، ولا يوجد ريباً أو تردداً في وجوده المبارك عليه السلام.
وقد كتب علماء السنة في أحوال كثير من مشايخهم وعرفائهم انّهم كانوا مدّة طويلة في المحل الفلاني مشغولين بالذكر والعبادة ويأتيهم غذاؤهم من الغيب.
فمع انّه لا حسن في ذكرهم لكنّهم يستبعدون هذا المقدار في مقام احد أبناء نبيّهم صلى الله عليه وآله وسلّم ولا يحتملونه في حقّه، ويرضون ذلك في كلّ مَنْ هبّ ودب.
وأما ثالثاً:
فما قاله الذهبي بأنهم (يعترفون [أن] أحداً لم يره أبداً)(٦٦٠) انما كذب وافتراء.
وقد رآه الكثيرون في الغيبة الصغرى، ووصلوا بخدمته، وثبتت اسماؤهم في الكتب، وأما في الغيبة الكبرى فالكل يعترفون بامكان المشاهدة بحيث لا يعرف حين الرؤية، ولكنّه يعرف بعد ذلك، بل سوف نثبت في الباب القادم امكانها حتى مع معرفته للخواص، وقليل ممن ذكر أحواله عليه السلام ولم يذكر شيء من هذا النوع من الحكايات، بل انّ بعض اهل السنة ادّعوا رؤيته عليه السلام في الغيبة الصغرى والكبرى وعلى الذهبي وابن حجر انّ يطأطئ رأسه حياءاً من ذكرها، ويعض اصبع الندامة.
قال الشيخ عبد الوهاب بن احمد بن علي الشعراني في آخر كتاب (لواقح الأنوار في طبقات السادات الأخيار) الذي اسماه (لواقح الأنوار القدسيّة في مناقب العلماء والصوفية)(٦٦١):
"ومنهم: الشيخ الصالح العابد الزاهد ذو الكشف الصحيح والحال العظيم الشيخ حسن العراقي المدفون فوق الكوم المطل على بركة الرطلي، كان رضي الله عنه قد عمّر نحو مائة سنة وثلاثين سنة".
وفي النسخة المطبوعة: "ترددت إليه مع سيدي أبي العباس الحريثي وقال: أريد أن أحكي لك حكايتي من مبتدأ أمري الى وقتي هذا كأنك كنت رفيقي من الصغر، فقلت له: نعم، فقال: كنت شاباً من دمشق وكنت صانعاً، وكنّا نجتمع يوماً في الجمعة على اللهو واللعب والخمر فجاء لي التنبيه من الله تعالى يوماً: ألهذا خلقت؟ فتركت ما هم فيه وهربت منهم فتبعوني ورائي فلم يدركوني، فدخلت جامع بني أمية فوجدت شخصاً يتكلّم على الكرسي في شأن المهدي عليه السلام فاشتقت إلى لقائه فصرت لا أسجد سجدة الّا وسألت الله تعالى أن يجمعني به فبينما أنا ليلة بعد صلاة المغرب أصلّي صلاة السنة إذا بشخص جلس خلفي وحسّ على كتفي وقال لي: قد استجاب الله دعاءك يا ولدي، ما لك؟ أنا المهدي، فقلت: تذهب معي إلى الدار، فقال: نعم، وذهب معي فقال لي: أَخلِ لي مكاناً أنفرد فيه، فأخليت له مكاناً، فأقام عندي سبعة أيام بلياليها ولقنني الذكر، وقال أعلمك وردي تدوم عليه إن شاء الله تعالى تصوم يوماً وتفطر يوماً وتصلّي كلّ ليلة خمسمائة ركعة، فقلت: نعم، فكنت أصلّي خلفه كل ليلة خمسمائة ركعة وكنت شاباً أمرداً حسن الصورة، فكان يقول: لا تجلس قط الّا ورائي، فكنت أفعل، وكان عمامته كعمامة العجم وعليه جبة من وبر الجمال، فلمّا انقضت السبعة أيام خرج، فودّعته، وقال لي: يا حسن! ما وقع لي قط مع أحد ما وقع معك فدم على وردك حتى تعجز فانّك ستعمّر عمراً طويلا، وفي النسخة الأخرى العتيقة بعد قوله: خمسمائة ركعة في كلّ ليلة، وأنا لا أضع جنبي على الأرض للنوم الّا غلبته ثم طلب الخروج، وقال لي: يا حسن لا تجتمع بأحد بعدي، ويكفيك ما حصل لك منّي فما ثم الّا دون ما وصل اليك منّي فلا تتحمّل منه أحد بلا فائدة، فقلت: سمعاً وطاعة وخرجت أودّعه فأوقفني عند عتبة باب الدار وقال: من هنا، فأقمت على ذلك سنين - إلى أن قال الشعراني بعد ذكر حكاية سياحة حسن العراقي - وسألت المهدي عن عمره، فقال: يا ولدي عمري الآن ستمائة سنة وعشرون سنة ولي عنه الآن مائة سنة، فقلت ذلك لسيدي علي الخواص فوافقه على عمر المهدي رضي الله عنهما"(٦٦٢).
وقال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في المبحث الخامس والستين من كتاب (يواقيت الجواهر في بيان العقائد) بعد الكلمات التي تقدّمت في الباب الرابع:
"فيكون عمره(٦٦٣) إلى وقتنا هذا وهو سنة ثمان وخمسين وتسعمائة، سبعمائة سنة وست سنين هكذا أخبرني الشيخ حسن العراقي... عن الامام المهدي (عليه السلام) حين اجتمع به.
ووافقه على ذلك شيخنا سيدي علي الخواص"(٦٦٤).
وقال علي أكبر بن أسد الله المؤودي وهو من متأخّري علماء السنة، في حاشية نفحات الجامي، بعد عدّة كلمات كما نقله عنه في المبحث الخامس والأربعين من اليواقيت:
"قد ذكر الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه: انّ للقطب خمسة عشر علامة: أن يمدد بمدد العصمة والرحمة والخلافة والنيابة ومدد حملة العرش ويكشف له عن حقيقة الذات واحاطة الصفات... إلى آخره.
فبهذا صحّ مذهب من ذهب إلى كون غير النبي صلى الله عليه وآله وسلّم معصوماً، ومن قيد العصمة في زمرة معدودة ونفاها عن غير تلك الزمرة فقد سلك مسلكاً آخر، وله أيضاً وجه يعلمه من علمه، فانّ الحكم بكون المهدي الموعود رضي الله عنه موجوداً وهو كان قطباً بعد أبيه الحسن العسكري عليهما السلام كما كان هو قطباً بعد أبيه إلى الامام علي بن أبي طالب كرّمنا الله بوجوههم يشير إلى صحّة حصر تلك الرتبة في وجوداتهم من حين كان القطبيّة في وجود جدّه علي بن أبي طالب عليه السلام إلى أن تتم فيه لا قبل ذلك، فكل قطب فرد يكون على تلك الرتبة نيابة عنه لغيبوبته من أعين العوام والخواص لا عن أعين أخص الخواص. وقد ذكر ذلك عن الشيخ صاحب اليواقيت وعن غيره أيضاً رضي الله عنه وعنهم فلابد أن يكون لكلّ امام من الائمة الاثنى عشر عصمة. خُذ هذه الفائدة"(٦٦٥).
وجناب سيف الشريعة وبرهان الشيعة، حامي الدين وقامع بدع الملحدين، العالم المؤيد، المسدّد المولوي المير حامد حسين ساكن لكنهو من بلاد الهند أيّده الله تعالى الذي لم ير مثله ولحدّ الآن بتتبعه واطلاعه على كتب المخالفين وردّ شبهاتهم، ودفع هفواتهم وبالخصوص في مبحث الاماميّة، واكثر الكلمات التي نقلتها هنا انقلها من كتاب استقصاء الافحام له؛ قال في حاشية ذلك الكتاب: "وليعلم انّ أكابر علماء أهل السنة من الحنفيّة والشافعيّة وحنبلية من معاصري الشعراني قد مدحوا وأثنوا غاية الثناء على كتاب يواقيت الجواهر "، وصرّح شهاب الدين بن شبلي الحنفي: "اني رأيت خلقاً كثيراً من أهل الطريق ولكن لا يوجد أحد أحاط بمعاني هذا المؤلف، ويجب على كل مسلم حسن الاعتقاد وترك التعصّب واللداد".
وقال شهاب الدين الرملي الشافعي: "وبالجملة فهو كتاب لا ينكر فضله، ولايختلف اثنان بأنه ما صنف مثله".
وقال شهاب الدين عميرة الشافعي بعد أن مدح الكتاب: "وما كنّا نظن انّ الله تعالى يُبرز في هذا الزمان مثل هذا المؤلف العظيم الشأن... الخ".
وقال شيخ الاسلام الفتوحي الحنبلي: "لا يقدح في معاني هذا الكتاب الّا معاند مرتاب، أو جاحد كذّاب".
وبالغ الشيخ محمد البرهمتوشي الحنفي في مدح هذا الكتاب بعبارات بليغة، وقال بعد الحمد والصلاة: "وبعد فقد وقف العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن محمد البرهمتوشي الحنفي على اليواقيت والجواهر في عقائد الأكابر لسيّدنا ومولانا الامام العالم العامل العلامة المحقق المدقق الفهامة خاتمة المحققين، وارث علوم الأنبياء والمرسلين، شيخ الحقيقة، والشريعة، معدن السلوك والطريقة، من توّجه الله تاج العرفان، ورفعه على أهل الزمان، مولانا الشيخ عبد الوهاب أدام الله النفع به على الأنام، وأبقاه الله تعالى لنفع العباد مدّ الأيام، فاذا هو كتاب جلّ مقداره، ولمحت أسراره، وسمحت من سحب الفضل امطاره، وفاحت في رياض التحقيق أزهاره"(٦٦٦).
وقال العارف عبد الرحمن الصوفي في المرآة المدارية في أحوال المدار:
"وبعد صفاء باطنه يسر له الحضور التام إلى روحانيّة حضرة خاتم الرسل، وأخذ صلى الله عليه وآله وسلّم من كمال رحمته وكرم عفوه يد قطب المدار بيد معبوده الحق، ولقّنه الاسلام الحقيقي، وكان في ذلك الوقت حضرة المرتضى علي كرم الله وجهه حاضراً، فسلمه إلى حضرة علي المرتضى، وقال: هذا الشاب طالب الحق، فربِّهِ مثل اولادك، وأوصله إلى المطلوب، وليكون هذا الشاب قريباً من الحق تعالى وعزيزاً جداً فيكون قطب مدار الوقت.
فتولى (شاه مدار) حسب كلمتهِ صلى الله عليه وآله وسلّم، حضرة علي كرم الله وجهه وذهب إلى مرقده بالنجف الأشرف، وارتاض في حرمه المبارك بأنواع التربية، وحصل من الروحانية الطاهرة لحضرة المرتضى علي كرم الله وجهه على طريق الصراط المستقيم.
وغنم بسبب وسيلة الدين محمد صلى الله عليه وآله وسلّم على مشاهدة حق الحق.
وطوى جميع مقامات الصوفية الصافية، وحصل على العرفان الحقيقي.
وحينئذ عرفه أسد الله الغالب على ولده الأرشد وارث الولاية المطلقة المسمى في عالم الظاهر محمد المهدي بن الحسن العسكري، وقال من كمال رحمته: ربي قطب المدار بديع الدين باشارة حضرة خاتم الرسل، وأوصل إلى المقامات العالية، وقبلت نبوّته، وأنت علمه أيضاً جميع الكتب السماوية شفقة بهذا الشاب مقدم الدهر.
فعلم صاحب الزمان المهدي عليه السلام من كمال الألطاف (شاه مدار) في مدة اثني عشر كتاباً والصحف السماوية:
الأول: علّمه اربعة كتب نزلت على الأنبياء أولاد أبي البشر آدم، يعني الفرقان والتوراة والانجيل والزبور والتي نزلت بعد اربعة كتب على سادة وائمة قوم الجن.
واسماء هذه الكتب هي: راكوي، وحاجزي، وسياري، واليان.
وعلّمهُ بعد ذلك أربعة كتب نزلت على الملائك المؤمنين للحضرة السبحانية، واسماء هذه الكتب هي: ميراث، وعلى الرب، وسرماجن، ومطهر الف، من علوم الاولين والآخرين والتي كانت مختصّة بائمة أهل البيت، وقد أعطاها بكرم عفوه الذاتي ولإشارة جدّه الأكبر حضرة المرتضى علي لـ (قطب المدار)، فجعله كاملا مكمّلا، وجاء به إلى أسد الله الغالب وعرضه عليه عندما تمّ الحال من الارشاد بأمل الخلافة".
وروى الفاضل العارف عبد الرحمن بن احمد الدشتي الجامي المعروف بالملاّ الجامي في (شواهد النبوّة) تفصيل ولادته عليه السلام من حين ظهور أثر الحمل في والدته وسجوده بعد الولادة ونطقه بالآية الشريفة: (وَنُرِيدُ اَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا... الآية) في ذلك الحال، ونزول جبرئيل وملائكة الرحمة وأخذهم ذلك الامام عليه السلام، وكان حين ولادته مقطوع السرة، مختوناً، مكتوباً على ذراعه الأيمن (جاء الحق وزهق الباطل... الآية) وانّه الخليفة بعد الامام الحسن العسكري، وبعث خليفة ذلك الزمان عدّة أشخاص بعد وفاة الامام الحسن العسكري ليتصرّفوا بالبيت وقتل مَنْ فيه، وظهور معجزة صاحب الأمر عليه السلام بغرق اثنين منهما في الماء، ورؤيته في أحسن صورة واقفاً على الماء يصلّي.
ونقل أيضاً خبر السيّدة حكيمة في ولادته وصرّح بأنّه عليه السلام الخليفة والامام الثاني عشر.
ونقل هناك أيضاً حكاية وصول اسماعيل الهرقلي بخدمة الامام عليه السلام بسرّ من رأى في المائة السابعة وشفاء رجله، وهي الحكاية الخامسة، ونقل أيضاً الحكاية التاسعة، وكلّ منهما تصديق لدعوانا.
وروى هناك أيضاً عن آخر قال: بعثني المعتضد مع رجلين، وقال: إنّ الحسن بن علي توفي في سرّ من رأى، فأسرعوا في المسير واهجموا على داره وائتوني برأس كلّ من رأيتموه في بيته.
فذهبنا، ودخلنا داره فرأينا داراً نضرة طيبة كأن البنّاء فرغ من عمارتها الساعة، ورأينا ستراً فيها، فرفعناه، فرأينا سرداباً فنزلنا فيه فرأينا بحراً في أقصاه حصيراً مفروشاً على وجه الماء ورجلا في أحسن صورة واقفاً على ذلك الحصير يصلّي، ولم يلتفت الينا أبداً، فسبقني أحد الرجلين وأراد أن يذهب إليه فغرق في الماء واضطرب فأخذت بيده وخلّصته، وبعده أراد الرجل الآخر أن يذهب إليه أيضاً فغرق وخلّصته، فوقفت حيراناً، وقلت: يا صاحب الدار أطلب المعذرة من الله تعالى ومنك، والله ما عرفت الحال، وإلى أين جئنا، وأتوب إلى الله تعالى مما فعلت، فلم يلتفت إلى ما قلته، فرجعنا وذهبنا إلى المعتضد ونقلنا القصة له، فقال: اكتموا هذا السرّ والّا أمرت بضرب أعناقكم(٦٦٧).
وقال محمد بن محمد بن محمود الحافظي البخاري المعروف بخواجة محمد پارسا وقد اثنى عليه ثناءاً بليغاً الملاّ الجامي في (نفحات الانساب) في كتاب فصل الخطاب:
"ولمّا زعم أبو عبد الله جعفر بن أبي الحسن علي الهادي رضي الله عنه انّه لا ولد لأخيه أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه وادّعى انّ أخاه الحسن العسكري رضي الله عنه جعل الامامة فيه سمّي الكذاب، وهو معروف بذلك.
والعقب من ولد جعفر بن علي هذا في علي بن جعفر، وعقب علي هذا في ثلاثة عبد الله وجعفر واسماعيل.
وأبو محمد الحسن العسكري (عليه السلام) ولده م ح م د رضي الله عنهما معلوم عند خاصة أصحابه وثقات أهله"(٦٦٨).
ثم نقل مختصراً من حديث السيدة حكيمة، وقال في آخره:
"ثمّ قال(٦٦٩): يا عمّة اذهبي به إلى امّه، فرددته إلى امّه.
قالت حكيمة: ثم جئت [من بيتي](٦٧٠) إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه، فاذا المولود بين يديه في ثياب صفر، وعليه من البهاء والنور ما أخذ بمجامع قلبي، فقلت: يا سيدي هل عندك من علم في هذا المولود المبارك فتلقيه إليّ؟
فقال: يا عمّة هذا المنتظر الذي بشرنا به، فخررت لله تعالى ساجدة شكراً على ذلك.
ثمّ كنت أتردّد إلى أبي محمد الحسن العسكري رضي الله عنه، فلم أره، فقلت له يوماً: يا مولاي ما فعلت(٦٧١) بسيّدنا ومنتظرنا؟
قال: استودعناه(٦٧٢) الذي استودعته أم موسى [عليهما السلام] ابنها"(٦٧٣).
و(ابن عربي) المالكي مع كل ما لديه من نصب وعداوة ضد الاماميّة حتى انّه يقول في مسامرته(٦٧٤) الرجبيون جمع من أهل الرياضة اكثر كشفهم في شهر رجب يرون الرفضة بصورة الخنزير(٦٧٥)، فانّه يقول في الباب السادس والستين وثلاثمائة: "واعلموا انّه لابدّ من خروج المهدي عليه السلام، لكن لا يخرج حتى تمتلئ الأرض جوراً وظلماً فيملأها قسطاً وعدلا، ولو لم يبق من ا لدنيا الّا يوم واحد طوّل الله تعالى ذلك اليوم حتى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من ولد فاطمة رضي الله عنها، جدّه الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام؛ ووالده الحسن العسكري ابن الامام علي النقي بالنون، ابن الامام محمد التقي بالتاء ابن الامام علي الرضا ابن الامام موسى الكاظم ابن الامام جعفر الصادق ابن الامام محمد الباقر ابن الامام زين العابدين علي بن الامام الحسين ابن الامام علي بن أبي طالب رضي الله عنه..."(٦٧٦)
إلى آخر الكلام وهو مفصل في أوصافه وأحواله وخروجه عليه السلام وقد تقدّم في الباب الرابع مع ذكر جماعة آخرين من أهل السنّة يتفقون في هذا الرأي والطريقة مع معاشر الاماميّة.
وأما رابعاً:
فما قاله ابن حجر: "تغيّب شخص هذه المدّة المديدة من خوارق العادات فلو كان هو لكان وصفه صلى الله عليه [وآله] وسلّم بذلك أظهر من وصفه بغير ذلك مما مرّ"(٦٧٧).
فهو واضح البطلان، فالسكوت عن ذكر وصف لحكمة وان كان اولى لا يضرّ بسائر الصفات التي ذكرها وهي تنطبق عليه عليه السلام.
ومن أين يعلم بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لم يخبر عن هذه الصفة، فبمجرّد عدم عثوره لا يصح دليلا، فلعلّه صلى الله عليه وآله وسلّم قال ولم ينقل عنه، ومثله كثير من الأشياء التي نتيقّن بأنه صلى الله عليه وآله وسلّم قالها ولم تصل الينا، أو نقلت عنه صلى الله عليه وآله وسلّم ولم تصل إليه. فليس هناك من وقف على كلّ ما نقل عنه صلى الله عليه وآله وسلّم وذلك لكثرة الناقلين، وتفرّق البلاد، واختلاف الميول، أو انّها نقلت عنه صلى الله عليه وآله وسلّم واُخفيت من قبل نفس الأشخاص الذين وضعوا الأخبار عليه صلى الله عليه وآله وسلّم، فكان هدفهم من وضع الأخبار هو حبّهم لشخص، أو بغضهم لآخر، أو لكسب دنيا، أو عداوة دين، أو غير ذلك ممّا يحصل من الأمرين(٦٧٨).
والحق في الجواب:
انّه أخبر صراحة عن غيبته وقال في ضمن صفات المهدي عليه السلام:
"فغاب عنهم زماناً حتى قيل مات أو هلك..."(٦٧٩).
وقد صرّح في بعض الأخبار انّ له غيبتين احداهما أطول من الأخرى.
وقد أخبر تضمّناً في جملة أخبار متواترة انّ المهدي عليه السلام هو التاسع من ولد الامام الحسين عليه السلام؛ فمع ملاحظة ما ورد في كتب الفريقين من انّه عليه السلام يخرج في آخر الزمان؛ اضافة إلى انّه لا يراه أحد في الظاهر؛ فبعد تعيين النسب والخروج في آخر الزمان يكون قد بيّن بشكل واف عن غيبته.
وأمّا ما قاله هو(٦٨٠) وغيره، انّ غيبته عليه السلام في هذه المدّة المديدة تعدّ من خوارق العادات، فقد وضح الجواب عنه.
وأمّا ما وعدنا به بذكر بعض أسماء المعمّرين بلا اطالة لرفع استبعاد عوام العامّة، فايفاءاً نقول:
لا يشك احدٌ من أهل الاسلام في وجود الخضر النبي عليه السلام وبقائه من قبل عدّة آلاف من السنين إلى الآن، وقد تكرّر نقله في كتب أهل السنة في أحوال مشايخهم وعرفائهم، انّ فلان التقى بالخضر عليه السلام في المكان الفلاني وأخذ وتعلّم منه، كما قال محيي الدين في الباب الخامس والستين من الفتوحات: "انّ شيخنا أبا العباس العريبي(٦٨١) جرت بيني وبينه مسألة... ولم آخذ بالقبول، أعني قوله... فانصرفت عنه... فلقيني شخص... قال لي:... صدق الشيخ أبو العباس فيما ذكره لك عن فلان... ورجعت من حيني إلى الشيخ... قال:... إذا ذكرت لك مسألة يقف خاطرك عن قبولها إلى الخضر يتعرّض اليك..."(٦٨٢).
ونظير هذا كثير في كتب أهل السنة، وأمّا ما نقله الميبدي عن عبد الرزاق الكاشاني انّه قال في الاصطلاحات:
"الخضر: كناية عن البسط.
وإلياس: كناية عن القبض.
وإما كون الخضر عليه السلام شخصاً انسانياً باقياً من زمان موسى عليه السلام إلى هذا العهد، أو روحانياً يتمثل بصورته لمن يرشده فغير محقق عندي"(٦٨٣).
فهو خلاف الضرورة عند المسلمين.
وروى الشيخ الصدوق بسند معتبر عن الامام الصادق عليه السلام في خبر طويل انّه قال في آخره:
"وأما العبد الصالح - أعني الخضر عليه السلام - فانّ الله تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوّة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة مَنْ كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عبادة الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له؛ بل انّ الله تبارك وتعالى لمّا كان في سابق علمه ان يقدّر من عمر القائم عليه السلام في أيام غيبته ما يقدّر، وعلم ما يكون من انكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوّل عمر العبد الصالح في غير سبب (يوجب ذلك الّا لعلّة الاستدلال به على عمر القائم عليه السلام)(٦٨٤) وليقطع بذلك حجة المعاندين..."(٦٨٥).
وروى عن الامام الرضا عليه السلام انّه قال: "انّ الخضر عليه السلام شرب من ماء الحياة فهو حيّ لا يموت حتى ينفخ في الصور.
وانّه ليأتينا(٦٨٦) فيسلّم فنسمع صوته ولا نرى شخصه.
وانّه ليحضر حيث ما ذكر، فمن ذكره منكم فليسلّم عليه.
وانّه ليحضر الموسم كلّ سنة، فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة، فيؤمن على دعاء المؤمنين.
وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته"(٦٨٧).
فصل: في ذكر جملة من المعمرين
ولا يخفى انّه طبق جملة من الأخبار وكلام المفسّرين والمؤرخين انّه كان سبب طول عمره عليه السلام انّه شرب ماء الحياة، ولكن العلامة الكراچكي قال في كنز الفوائد في مقام ذكر المعمّرين:
الخضر عليه السلام:
"ومن المعمّرين الخضر المتصّل بقاؤه إلى آخر الزمان وما جاء من حديثه: انّ آدم عليه السلام لما حضره الموت جمع بنيه فقال: يا بني انّ الله تبارك وتعالى منزل على أهل الأرض عذاباً فليكن جسدي معكم في المغارة حتى إذا هبطتم فابعثوا بي فادفنوني بأرض الشام فكان جسده معهم فلمّا بعث الله نوحاً ضمّ ذلك الجسد وأرسل الله الطوفان على الأرض فغرقت الأرض زماناً فجاء نوح عليه السلام حتى نزل ببابل وأوصى بنيه الثلاثة وهم سام ويافث وحام أن يذهبوا بجسده إلى المكان الذي أمرهم أن يدفنوه فيه، فقالوا الأرض وحشة لا أنيس بها ولا يهتدي الطريق، ولكن تكف متى يأمن الناس ويكثروا وتأنس البلاد وتجف، فقال لهم: ان آدم قد دعا لله أن يطيل عمر الذي يدفنه إلى يوم القيامة فظل جسد آدم حتى كان الخضر وهو الذي تولى دفنه فأنجز الله تعالى وعده إلى ما شاء الله أن يحيى. وهذا حديث قد رواه مشايخ الدين وثقات المسلمين"(٦٨٨).
عيسى عليه السلام:
المشهور بين علماء الخاصة والعامة بقاؤه عليه السلام في السماء حيّاً بحياة الأرض، وقد رفع حيّاً إلى السماء، ولم يمت ولا يموت الى آخر الزمان فينزل ويصلّي خلف المهدي صلوات الله عليه، ويكون وزيره.
والأخبار في ذلك كثيرة، وذكرها يوجب الإطناب، وتقدمت بعضها في الباب الثالث في ذكر خصائص الامام المهدي عليه السلام.
اللعين الكافر الدجال:
المشهور بين علماء أهل السنة انّه ابن صياد الذي رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وحلف عمر، وقال: والله انّك الدجال، كما صرّح بذلك صاحب الكشف المخفي في مناقب المهدي(٦٨٩).
ولكن المحدّث المعروف الگنجي الشافعي عدّه من أغلاط المحدّثين في الباب الخامس والعشرين من كتاب البيان في اخبار صاحب الزمان عليه السلام؛ وان الذي اختاره هو ما يطابق الحديث الذي ادّعى اتفاق العلماء على صحته، وهو الخبر المسند الذي رواه هناك عن عامر بن شراحيل الشعبي - شعب همدان - انّه سأل فاطمة بنت قيس اخت الضحاك بن قيس، وكانت من المهاجرات الأول، فقال: حدثيني حديثاً سمعتِهِ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم لا لسند إلى أحد غيره، فقالت: لئن شئت لأفعلن. فقال لها: أجل حدثيني، فقالت: نكحت ابن المغيرة وهو من خيار شباب قريش يومئذ فأصيب في أول الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلمّا تأيمت خطبني عبد الرحمن بن عوف في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وخطبني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم على وليه اسامة بن زيد، وكنت قد حدّثتُ انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: من أحبّني فليحب اسامة فلمّا كلمني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقلت: أمري بيدك فأنكحني من شئت، فقال: انتقلي إلى أم شريك - وأم شريك امرأة غنيّة من الأنصار عظيمة النفقة في سبيل الله تنزل عليها الضيفان - فقلت: سأفعل، قال: لا تفعلي، ان أم شريك كثيرة الضيفان، فانّي أكره أن يسقط عنك خمارك وينكشف الثوب عن ساقيك فيرى القوم منك بعض ما تكرهين، ولكن انتقلي إلى ابن عمك عبد الله بن عمرو بن أم مكتوم - وهورجل من بني فهر من قريش وهو من البطن الذي هي منه - فانتقلت إليه فلمّا انقضت عدّتي سمعت نداء المنادي - منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم - ينادي الصلاة جامعة، فخرجت إلى المسجد فصلّيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فلمّا فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم من صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل انسان مصلاه، ثمّ قال: هل تدرون لِمَ جمعتكم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: انّي والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة ولكن جمعتكم لأن تميماً الداري كان رجلا نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدّثني حديثاً وافق الذي كنت أحدّثكم عن المسيح الدجال، حدّثني انّه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهراً في البحر ثمّ أرفؤوا إلى جزيرة في البحر حين مغرب الشمس فجلسوا في أقرب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرون ما قُبله من دبره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلك ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالأشواق قال: لما سمت لنا رجلا فرقنا منها أن تكون شيطانة، قال: انطلقنا سراعاً حتى دخلنا الدير، فاذا فيه أعظم انسان رأيناه خلقاً وأشدّه وثاقاً مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ قلنا: نحن أناس من العرب ركبنا في سفينة بحرية فصادفنا البحر حين اغتلم(٦٩٠) فلعب بنا الموج شهراً، ثمّ أرفينا إلى جزيرتك هذه فجلسنا في أقربها فدخلنا الجزيرة فلقينا دابة أهلب كثيرة الشعر لا يدرى ما قبله من دبره من كثرة الشعر، فقلنا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قلنا: ما الجساسة؟ قالت: اعمدوا إلى هذا الرجل في الدير فانّه إلى خبركم بالأشواق. فأقبلنا اليك سراعاً وفزعنا منها ولم نأمن أن تكون شيطانة، فقال: اخبروني عن نخل ببستان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ فقلنا له: نعم، قال: أما انّه يوشك أن لا يثمر، قال: اخبروني عن بحيرة الطبرية؟ قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما ان ماءها يوشك أن يذهب، قال: اخبروني عن عين زغر(٦٩١) قالوا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ هل يزرع أهلها بماء العين؟ قلنا له: نعم هي كثيرة الماء وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: هاجر من مكة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه انّه ظهر على من يليه من العرب فأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: اما ان ذاك خير لهم أن يطيعوه وانّي مخبركم عنّي أنا المسيح الدجال، وانّي أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض فلا أدع قرية إلّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة هما محرّمتان عليّ كلتاهما، كلما أردت أن أدخل واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف صلتاً يصدّني عنها وانّ على كلّ نقب(٦٩٢) منها ملائكة يحرسونها، قال(٦٩٣): قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم:
وطعن بمخصرته في المنبر هذه طيبة هذه طيبة هذه طيبة يعني المدينة ألا هل كنت احدّثكم ذلك؟
فقال الناس: نعم، قال: فانّه أعجبني حديث تميم انّه وافق الذي كنت أحدّثكم عنه وعن المدينة ومكة، ألا انّه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو من قبل المشرق ما هو، وأومى بيده إلى المشرق، قال: فحفظت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم(٦٩٤).
ونقل البغوي في مصباحه هذا الخبر عن فاطمة بحذف أوّل الخبر وعدّه في الصحاح(٦٩٥).
ورواه عن فاطمة في اخبار الحسان(٦٩٦) في حديث تميم الداري، قال: فاذا بامرأة تجرّ شعرها، قال: ما أنت؟ قالت: أنا الجساسة، اذهب إلى ذلك القصر، فأتيته، فاذا رجل يجرّ شعره مسلسل في الأغلال ينزو فيما بين السماء والأرض، فقلت: مَنْ أنت؟ قال: أنا الدجال.
ولا يخفى انّ بقاء الدجال من ذلك التاريخ وحتى ظهور الامام المهدي عليه السلام فانّه أغرب من بقائه عليه السلام من عدّة جهات.
الأولى: انّ حياة شخص مغلول وبتلك الصعوبة في جزيرة لا يعرفها أحد، ولم يطّلع على حاله أحد، بالاضافة إلى انّه لا يتمكّن من أن ينفع أو يضرّ، فهو أعجب من بقاء شخص مختار يسير في الأمصار قادر على ما يريده من أسباب الحياة، وقادر على دفع كلّ ضرر.
الثانية: انّ عمره بحسب هذا الخبر وباقي الأخبار هو أزيد من عمره عليه السلام، بل ان ظاهر الخبر يدل على انّه كان قبل مدّة من بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلّم.
الثالثة: انّ الدجال كافر مشرك بل يدعي الربوبية ويضلّ العباد، بل انّه جاء في كثير من أخبار الفريقين انّه ما بعث نبي الّا خوّف أمّته من فتنة الدجال، فبقاء مثل هذا الشخص وانّه يرزق بطرق غير عادية أغرب بكثير من بقاء شخص بشّر بوجوده جميع الأنبياء، وكانوا ينتظرون ظهوره ليملأ الدنيا قسطاً وعدلا، ويقلع جذور وأساس الكفر والشرك والنفاق، ويدعوا الخلق للاقرار بوحدانية الله عزّ وجلّ وهو ما لم يتهيّأ لكلّ نبي ووصي... فهو أولى بالتغذية من خزانة الغيب - على فرض صحة نسبة أهل السنة إلى الاماميّة بأنه عليه السلام مستقر في السرداب في سرّ من رأى، كما صرّح بذلك الگنجي الشافعي فهو مع انصافه قد خدع بخدع سلفه لعدم اطلاعه على كتب الاماميّة -.
انّه ثبت انّ بقاء عيسى عليه السلام والدجال انما هو تبعاً لبقائه عليه السلام، وبقاء الاثنين فرع لوجوده المبارك، فانّ الحكمة من بقاء عيسى لايمان أهل الكتاب بخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلّم والتصديق به كما اُشير إليه في الآية الشريفة: (وَاِنْ مِنْ اَهْلِ الْكِتَابِ اِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ)(٦٩٧)، وللتصديق بدعوى الحجة عليه السلام، وتبيانه للطاغين باتباعه، والصلاة خلفه؛ فمن غير الجائز وجود عيسى وبقائه بدون أن ينصر الاسلام ويصدق الامام ويتّبعه، والّا فسوف يكون مستقلا بنفسه إلى الدعوة والدولة، وهذا ما ينافي دعوة الاسلام، فلزم أن لا يكون لعيسى إلّا النصرة والاعانة والتصديق ولا أثر من بقائه إلّا ذلك، وهذا عين فرعية وجوده وتبعيّته للامام المهدي عليه السلام.
وكيف يصح بقاء الفرع بدون بقاء الأصل، والتابع بدون المتبوع؟!
والحكمة من بقاء الدجال - الذي ليس في وجوده إلّا الفتنة والفساد - ابتلاء وامتحان الله عزّ وجلّ الخلائق ليميز مطيعهم من عاصيهم، ومحسنهم من مسيئهم، ومصلحهم من مفسدهم، وهذا هو فرع وجود مَنْ تتعلّق الطاعة والعصيان والصلاح بأمره ونهيه وفعله وتركه، وليس هو إلّا المهدي عليه السلام الذي لا يكون أحد غيره آية لنبوّة جدّه صلى الله عليه وآله وسلّم.
فكيف يمكن بقاء هذين الفرعين والتصديق بهما، ويستبعد بقاء الأصل الذي تمام وجوده رحمة ولطف وخير وبركة؟!
الياس النبي (عليه السلام):
روى الثعالبي في عرائس التيجان(٦٩٨) باسناده عن رجل من أهل عسقلان: انّه كان يمشي بالأردن عند نصف النهار فرأى رجلا، فقال: يا عبد الله من أنت؟ فقال: أنا الياس، قال: فوقعت عليّ رعدة شديدة، فقلت له: ادع الله أن يرفع عنّي ما أجد حتى أفهم حديثك وأعقل عنك.
قال: فدعا لي بثمان دعوات وهنّ: يا برّ يا رحيم، يا حنان يا منان، يا حيّ يا قيوم، ودعوتين بالسريانيّة لم أفهمهما، وقيل هما: باهيا شراهيا، فرفع الله عني ما كنت أجد، ووضع كفّه بين كتفي، فوجدت بردها بين يديّ، وقلت له: أيوحى اليك اليوم؟ فقال: منذُ بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلّم رسولا فانه لا يوحى إليّ. قال: فقلت له: فكم من الأنبياء اليوم أحياء؟ قال: أربعة: اثنان في الأرض واثنان في السماء، أما اللذان في السماء فعيسى وادريس عليهما السلام. وأما اللذان في الأرض فالياس والخضر عليهما السلام، قلت: كم الأبدال؟ قال: ستون رجلا: خمسون منهم من لدن عريش مصر إلى شاطئ الفرات، ورجلان بالصيصة ورجل بعسقلان وسبعة في سائر البلدان، كلما أذهب الله واحداً منهم جاء بآخر مكانه، وبهم يدفع الله عن الناس البلاء وبهم يُمطرون، قلت: فالخضر أين يكون؟ قال في جزائر البحر. فقلت: هل تلقاه؟ قال: نعم، قلت: أين؟ قال: بالموسم، قلت: فما يكون حديثكما؟ قال: يأخذ من شَعْري وآخذ من شعره. قال: وكان ذلك حين جرى بين مروان بن الحكم وبين أهل الشام القتال، قلت: فما تقول في مروان بن الحكم؟ قال: رجل جبار عات على الله تعالى، والقاتل والمقتول والشاهد في النار. قلت: فانّي قد شهدت ولم أطعن برمح ولا رميت بسهم ولم أضرب بسيف وأنا أستغفر الله من ذلك المقام أن أعود إلى مثله أبداً، قال: أحسنت فهكذا فكن. قال: فبينما أنا وإياه قاعدان إذ وضع بين يديه رغيفان أشد بياضاً من الثلج، فأكلت أنا وهو رغيفاً وبعض الآخر، ثم رفعت رأسي وقد رُفع باقي الرغيف الآخر، فما رأيت أحداً وضعه ولا رأيت أحداً رفعه، قال: وله ناقة ترعَى في وادي الاُردن فرفع رأسه إليها، فلمّا دعاها جاءت وبركت بين يديه فركبها، فقلت له: انّي أريد أن أصحبك، قال: انّك لا تقدر على صحبتي، قال: فقلت له: انّي خلو لا زوجة لي ولا عيال، قال: تزوّج، وإياك والنساء الأربع، الناشزة، والمختلعة، والملاعنة، والبَرْزة، وتزوج ما بدا لك من النساء، قال: فقلت: انّي أحبّ أن ألقاك، قال: فاذا رأيتني فقد لقيتني انّي اعتكف في بيت المقدّس في شهر رمضان، ثم حالت بيني وبينه شجرة، فو الله ما أدري كيف ذهب(٦٩٩).
وقد نقلنا هذا الخبر مع عدم اطمئناننا بصدقه ليظهر عدم انصاف اهل السنة حيث ينقلون هذا النوع من الأخبار، ولا يستبعدونه ولا يطعنون في راويه، مع انّ ما ندّعيه نحن في حقّ امام العصر عليه السلام من بقائه واختفائه واغاثته وسيره في البراري والبحار وغير ذلك مما يقولونه هم في حق الخضر وإلياس، ولكنّهم يستبعدونه ويستغربونه وينفون الحكمة فيه، وقد يعبرون عنه احياناً بالامام المعدوم، نعوذ بالله من الخذلان والشقاء.
سلمان الفارسي المحمدي رضي الله تعالى عنه:
قال السيد المرتضى في الشافي: وروى اصحاب الأخبار انّ سلمان الفارسي عاش ثلاثمائة وخمسين سنة.
وقال بعضهم: بل عاش اكثر من اربعمائة سنة.
وقيل: انّه أدرك عيسى عليه السلام(٧٠٠).
وقال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة:
"وروى اصحاب الأخبار انّ سلمان رضي الله عنه لقي عيسى بن مريم عليه السلام، وبقي إلى زمان نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلّم و(وهو) خبر مشهور"(٧٠١).
وعليه يكون قد تجاوز الخمسمائة.
وروى الحضيني انّه عندما أسلم سلمان أقبل المسلمون يهنّون النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، فقال صلى الله عليه وآله وسلّم: أتهنّون سلماناً بالاسلام وهو يدعو بني اسرائيل بالله منذ اربعمائة سنة وخمسين سنة...(٧٠٢) وفي خبر آخر انّه قال صلى الله عليه وآله وسلّم لزوجاته: سلمان عيني الناظرة، ولا تظنّون انّه كمن ترون من الرجال، انّ سلمان كان يدعو إلى الله تعالى وإليّ قبل مبعثي بأربعمائة وخمسين سنة...(٧٠٣)
الشيخ صاحب حديث القلاقل:
وروى العالم الجليل السيد علي ابن عبد الحميد النيلي في (الأنوار المضيئة) عن جدّه باسناده(٧٠٤) إلى الرئيس ابي الحسن الكاتب البصري وكان من الأدباء قال: في سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة أسنت البر سنين عدّة، وبعثت السماء درّها، وخص الحيا أكناف البصرة وتسامع العرب بذلك فوردوها من الأقطار البعيدة والبلاد الشاسعة(٧٠٥) على اختلاف لغاتهم وتبائن فطرهم، فخرجت مع جماعة من الكتّاب ووجوه التجار نتصفّح أحوالهم ولغاتهم ونلتمس فائدة ربما وجدناها عند أحدهم، فارتفع لنا بيت عال فقصدناه فوجدنا في كسره شيخاً جالساً قد سقط حاجباه على عينيه [كبراً وحوله جماعة من عبيده وأصحابه] وسلّمنا عليه فردّ التحيّة وأحسن التلقية، فقال له رجل منّا: هذا السيد - وأشار إلي - هو الناظر في معاملة الدرب وهو من الفصحاء وأولاد العرب، وكذلك الجماعة ما منهم الّا من ينسب إلى قبيلة ويختص بسداد وفصاحة، وقد خرج وخرجنا معه حتى(٧٠٦) وردتم ملتمس الفائدة المستطرفة من أحدكم، وحين شاهدنا رجونا ما نبغيه عندك لعلوّ سنك.
فقال الشيخ: والله يا بني أخي حياكم الله انّ الدنيا شغلتنا عمّا تبتغونه منّي، فان أردتم الفائدة فاطلبوها عند أبي وها بيته وأشار إلى خباء كبير بازائه.
[فقلنا النظر إلى مثل والد هذا الشيخ الهم(٧٠٧) فائدة نتعجل] فقصدنا ذلك البيت فوجدنا في كسره شيخاً متضجعاً وحوله من الخدم والأمر أوفى مما شاهدناه أولا [ورأينا عليه من آثار السن ما يجوز له أن يكون والد ذلك الشيخ، فدنونا منه](٧٠٨) وسلّمنا عليه [فأحسن الرد وأكرم الجواب، فقلنا له مثل ما قلنا لابنه، وما كان من جوابه وانّه دلّنا عليك فخرجنا بالقصد اليك](٧٠٩) فقال: يا بني أخي حياكم الله انّ الذي شغل ابني عمّا التمستموه منه هو الذي شغلني عمّا هذه سبيله، ولكن الفائدة تجدونها عند والدي وها هو بيته وأشار إلى بيت منيف(٧١٠) بنحوه منه، فقلنا فيما بيننا حسبنا من الفوائد مشاهدة والد هذا الشيخ الفاني فان كانت منه فائدة فهي ربح لم يحتسب.
وقصدنا ذلك الخباء، فوجدنا حوله عدداً كثيراً من الاماء والعبيد، فحين رأونا تسرعوا إلينا وبدأوا بالسلام علينا وقالوا: ما تبغون حياكم الله؟ فقلنا: نبغي السلام على سيدكم وطلب الفائدة من عنده ببركتكم. فقالوا: الفوائد كلّها عند سيّدنا، ودخل منهم من يستأذن ثم خرج بالاذن لنا، فدخلنا فاذا سرير في صدر البيت وعليه مخاد(٧١١) من جانبيه ووسادة في أوّله وعلى الوسادة رأس شيخ قد بلى وطار شعره [والازار على المخاد التي من جانبي السرير ليستره ولا يثقل منه عليه](٧١٢) فجهرنا بالاسلام، فأحسن الرد وقال قائلنا مثل ما قال لولده وأعلمناه أنه أرشدنا [إلى أبيه(٧١٣)، فحججنا بما احتج به وانّ أباه أرشدنا] اليك وبشرنا بالفائدة منك.
ففتح الشيخ عينين قد غارتا في أم رأسه وقال للخدم: أَجلسوني، فلم تزل أيديهم تتهاداه(٧١٤) بلطف إلى أن أُجلس [وستر بالازر التي طرحت على المخاد]، ثم قال لنا: يا بني أخي لأحدثنكم بخبر تحفظونه عنّي وتفيدون منه ما يكون فيه ثواب لي، كان والدي لا يعيش له ولد ويحب أن يكون له عاقبة، فولدت له على كبر، ففرح بي وابتهج بموردي، ثم قضى ولي سبع سنين، فكفلني عمّي بعده وكان مثله في الحذر(٧١٥) علي، فدخل بي يوماً على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال له: يا رسول الله انّ هذا ابن أخي وقد مضى أبوه لسبيله وأنا كفيل بتربيته وانني أنفس به على الموت فعلّمني عوذة أعوّذه بها ليسلم ببركتها، فقال صلى الله عليه وآله وسلّم: أين أنت عن ذات القلاقل. فقال: يا رسول الله وما ذات القلاقل؟ قال: أن تعوّذه فتقرأ عليه سورة الجحد وهي (قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون) إلى آخرها وسورة الاخلاص (قل هو الله احد. الله الصمد) إلى آخرها وسورة الفلق (قل أعوذ بربّ الفلق. من شرّ ما خلق) إلى آخرها وسورة الناس (قل أعوذ بربّ الناس. ملك الناس) إلى آخرها، وأنا إلى اليوم أتعوّذ بها كلّ غداة فما أصبت بولد ولا أصيب لي مال ولا مرضت ولا افتقرت، وقد انتهى بي السن إلى ما ترون، فحافظوا عليها واستكثروا من التعوّذ بها [فسمعنا ذلك منه] ثم انصرفنا من عنده(٧١٦).
عبيد بن شريد الجرهمي:
عمّر ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلّم، وأسلم، وبقي حيّاً إلى عهد معاوية فقال له: وأدركت من قد عاش الف سنة، فحدّثني عمّن كان قبله قد عاش ألفي سنة(٧١٧).
الربيع بن الضبع الفزاري:
قال لعبد الملك: عشت مائتي سنة بين عيسى ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلّم) وعشرين ومائة سنة في الجاهلية، وستين سنة في الاسلام(٧١٨).
قس بن ساعدة الأيادي:
وعاش ستمائة سنة(٧١٩).
ونوادر حكاياته كثيرة(٧٢٠).
أوس بن ربيعة الأسلمي:
وعاش مائتين وأربع عشرة سنة(٧٢١).
سطيح الكاهن:
عمّر ثلاثمائة سنة، وخبره مشهور.
أبو الرضا بابا رتن بن كربال بن رتن البترندي الهندي:
قال في القاموس: "ليس بصحابي(٧٢٢) وانما هو كذّاب ظهر بالهند بعد الستمائة فادّعى الصحبة وصدّق، وروى أحاديث سمعناها من أصحاب أصحابه"(٧٢٣).
ونقل السيد الفاضل المتبحّر الجليل السيد عليخان المدني في كتاب (سلوة الغريب وأسوة الأريب) عن الجزء الثامن لتذكرة صلاح الدين الصفدي انّه قال:
نقلتُ من خطّ علاء الدين علي بن مظفّر الكندي: حدثنا القاضي الأجل العالم جلال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن ابراهيم الكاتب من لفظه في يوم الأحد خامس عشر ذي الحجة سنة احدى عشرة وسبع مائة بدار السعادة بدمشق المحروسة قال: أخبرنا الشريف قاضي القضاة نور الدين أبو الحسن عليّ بن الشريف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن الحسين الحسيني الأثري الحنفي من لفظه في العشر الاخر من جُمادى الأولى عام إحدى وسبع مائة بالقاهرة قال: أخبرني جدّي الحسين بن محمد قال:
كنتُ في زمن الصّبا وأنا ابن سبع عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة سافرتُ مع أبي محمد وعمّي عمر من خراسان إلى بلد الهند في تجارة.
فلمّا بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى ضيعة من ضياع الهند، فعرّج أهل القفل نحو الضيعة ونزلوا بها وضجّ أهل القافلة. فسألناهم عن الشأن، فقالوا: هذه ضيعة الشيخ رتن اسمه بالهنديّة وعرّبه الناس وسمّوه بالمعمّر لكونه عمّر عمراً خارجاً عن العادة. فلمّا نزلنا خارج الضيعة رأينا بفنائها شجرةً عظيمةً تُظلّ خلقاً عظيماً وتحتها جمعٌ عظيمٌ من أهل الضيعة، فتبادر الكلّ نحو الشجرة ونحن معهم. فلمّا رآنا أهل الضيعة سلّمنا عليهم وسلّموا علينا. ورأينا زنبيلا كبيراً معلّقاً في بعض أغصان الشجرة، فسألنا عن ذاك فقالوا: هذا الزنبيل فيه الشيخ رتن الذي رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم مرّتين ودعا له بطول العمر ستّ مرّات. فسألنا جميع أهل الضيعة أن ينزل الشيخ ونسمع كلامه وكيف رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وما يروي عنه. فتقدّم شيخ من أهل الضيعة إلى الزنبيل وكان ببكرة فأنزله فاذا هو مملوء بالقطن والشيخ في وسط القطن. ففتح رأس الزنبيل وإذا الشيخ فيه كالفرخ فحسر عن وجهه ووضع فمه على أذنه وقال: يا جدّاه، هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان وفيهم شرفاء أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلّم وقد سألوا أن تحدّثهم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وماذا قال لك. فعند ذلك تنفّس الشيخ وتكلّم بصوت كصوت النحل بالفارسيّة ونحن نسمع ونفهم كلامه. فقال: سافرت مع أبي وأنا شابّ من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة، فلمّا بلغنا بعض أودية مكّة وكان المطر قد ملأ الأودية بالسيل فرأيتُ غلاماً أسمر اللون مليح الكون حسن الشمائل وهو يرعى ابلا في تلك الأودية وقد حال السيل بينه وبين إبله وهو يخشى من خَوْض السيل لقوّته.
فعلمتُ حاله فأتيت إليه وحملته وخُضتُ السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة. فلمّا وضعتُه عند إبله نظر إليّ وقال لي بالعربيّة: بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك. فتركتُه ومضيت إلى سبيلي إلى أن دخلنا مكّة وقضينا ما كنّا أتينا له من أمر التجارة وعُدنا إلى الوطن. فلمّا تطاولت المدّة على ذلك كنّا جلوساً في فناء ضيعتنا هذه في ليلة مُقمِرة [و] رأينا ليلة البدر [والبدر] في كبد السماء إذ نظرنا إليه وقد انشقّ نصفين فغرب نصفٌ في المشرق ونصفٌ في المغرب ساعةً زمانيةً، وأظلم الليل ثم طلع النصف من المشرق والنصف الثاني من المغرب إلى أن التقيا في وسط السماء كما كان أوّل مرّة! فعجبنا من ذلك غايةَ العجب ولم نعرف لذلك سبباً. وسألنا الركبان عن خبر ذلك وسببهِ [ف] أخبرونا أن رجلا هاشمياً ظهر بمكّة وادّعى انّه رسول من الله إلى كافّة العالم وانّ أهل مكة سألوه معجزةً كمعجزة سائر الأنبياء وانّهم اقترحوا عليه أن يأمر القمر فينشقّ في السماء ويغرب نصفه في الغرب ونصفه في الشرق ثم يعود إلى ما كان عليه. ففعل لهم ذلك بقدرة الله تعالى. فلمّا سمعنا ذلك من السّفار اشتقْتُ أن أرى المذكور فتجهّزتُ في تجارة وسافرتُ إلى أن دخلت مكّة وسألت عن الرجل الموصوف.
فدلّوني على موضعه فأتيت إلى منزله واستأذنتُ عليه، فأذن لي، ودخلت عليه فوجدته جالساً في صدر المنزل والأنوار تتلألأ في وجهه وقد استنارت محاسنه وتغيّرت صفاته التي كنت أعهُدها في السفرة الأولى فلم أعرفه. فلمّا سلّمت عليه نظر إليّ وتبسّم وعرفني وقال: وعليك السلام، ادْنُ منّي. وكان بين يديه طبقٌ فيه رطبٌ وحوله جماعة من أصحابه كالنجوم يعظّمونه ويبجّلونه، فتوقّفت لهيبته، فقال ثانياً: ادنُ منّي وكلْ، الموافقة من المروءة والمنافقة من الزندقة. فتقدّمت وجلستُ وأكلت معهم من الرطب، وصار يناولني الرطب بيده المباركة إلى أن ناولني ستّ رطبات من سوى ما أكلت بيدي. ثمّ نظر إليّ وتبسّم وقال لي: ألم تعرفني؟ قلت: كأنّي، غير انّي ما أتحقّق. فقال: ألم تحملني في عام كذا وجاوزتَ بي السيل حين حال السيل بيني وبين إبلي؟
فعند ذلك عرفته بالعلامة وقلت له: بَلَى والله يا صبيح الوجه، فقال لي: امدُد إليّ يدك. فمددتُ يدي اليمنى إليه فصافحني بيده اليمنى وقال لي: قُل أشهد أن لا إله الّا الله وأشهد أنّ محمداً عبده ورسوله. فقلت ذلك كما علّمني فسُرَّ بذلك. وقال لي عند خروجي من عنده: بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك، بارك الله في عمرك. فودّعتهُ وأنا مستبشر بلقائه وبالاسلام. فاستجاب الله دُعاء نبيّه صلى الله عليه وآله وسلّم وبارك في عمري بكلّ دعوة مائةَ سنة، وها عمري اليوم نيّف وست مائة سنة، لسنة أزداد في عمري بكلّ دعوة مائة سنة، وجميع من في هذه الضيعة العظيمة أولاد أولاد أولادي وفتح الله عليّ وعليهم بكلّ خير وبكلّ نعمة ببركة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، انتهى(٧٢٤) والحمد لله.
قال الصفدي بعد أن ذكر هذه الحكاية: قد رأيت بعض من توقّف في حديث هذا المعمّر وأدخل الشك فيه بطول عمره بهذا المقدار وتردّد في صدقه.
ثم ذكر انّ سبب شكّه من التجربة وكلام الطبيعيين وسوف يأتي بعد ذلك.
ثم ردّ ذلك الكلام بكلام أبي مشعر وابي الريحان وغيرهما من المنجّمين وسوف نذكرهم.
وقال: بقاء رتن هذا العمر الذي حكي عنه معجزة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم. وان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم دعا لجماعة من اصحابه بكثرة الولد وطول العمر.. إلى أن قال: فليس جديداً أن يدعو له ست مرّات فيعيش ستمائة سنة مع امكان هذا الأمر، غاية ما في الباب اننا لم نر أحداً وصل إلى هذا الحد، وعدم الدليل لا يدلّ على عدم المدلول(٧٢٥).
وقال محمد بن عبد الرحمن بن علي الزمردي أخبرني القاضي معين الدين عبد المحسن بن القاضي جلال الدين عبد الله بن هشام بالحديث السابق سماعاً عليه قال: أخبرني بهذا قاضي القضاة المذكور في الخامس عشر من جُمادى الآخرة سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ثمّ نقل عن الذهبي انّه يكذب هذه الدعوى ولم يذكر مستنداً، ونقل عن المجلّد الأول من كشكول الشيخ رضي الدين علي لألاء الغزنوي: انّ الشيخ المذكور توفّي في سنة اثنين وأربعين وستمائة، ونقل عن آخر الثلث الأخير للنفحات انّ هذا الشيخ يعني علي الغزنوي سافر إلى الهند وصاحب أبا الرضا رتن، واعطاه رتن مشطاً كان يعتقد انّه مشط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وذكر للمشط شأناً ليس هنا محلّ ذكره(٧٢٦).
وعلي اللألاء المذكور هو أخ (حكيم سنائي) الشاعر المشهور.
وقال في دوائر العلوم: أبو الرضا رتن بن أبي النصر معمّر الهندي قال بعض: انّه كان من الصحابة، له كتب، توفّي في الثالث من جمادى الأولى سنة اثنين وأربعين وستمائة(٧٢٧).
وروى الشيخ الفاضل ابن أبي جمهور الاحسائي في أوّل كتاب عوالي اللئالي بأسانيده عن العلامة جمال الدين حسن بن يوسف بن المطهر قال: رويت عن مولانا شرف الدين، اسحاق بن محمود اليماني القاضي بقم، عن خاله مولانا عماد الدين محمد بن محمد بن فتحان القمي عن الشيخ صدر الدين الساوي، قال: دخلت على الشيخ بابا رتن وقد سقط حاجباه على عينيه من الكبر، فرفعهما عن عينيه فنظر إليّ وقال: ترى عيني هاتين؟ طالما نظرتا إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وقد رأيته يوم حفر الخندق، وكان يحمل على ظهره التراب مع الناس، وسمعته يقول في ذلك اليوم: "اللهم انّي أسألك عيشة هنيئة، وميتة سوية، ومردّاً غير مخز ولا فاضح"(٧٢٨).
وقال العالم الرباني مولانا محمد صالح المازندراني في شرح اصول الكافي:
"وقد رأيت خطّ العلامة الحلّي كتبه بيده، رابع عشر من شهر رجب سنة سبع عشرة وسبعمائة، رويت عن مولانا شرف الملة والدين(٧٢٩)... إلى آخر ما نقلناه عن الغوالي.
والظاهر من ذلك انّه من امثاله ولو لم يكن مطمئناً لما نقل مثل هذا الخبر العجيب بحسب السند.
ويظهر ان لا مستند لتضعيف الشيخ البهائي وتكذيبه(٧٣٠) الّا كلام الذهبي صاحب رسالة (كسر وثن بابا رتن) ولم يكن له مستند غير الاستبعاد والله العالم.
عبد الله اليمني:
قال صالح بن عبد الله كان من المعمّرين ورأيته سنة أربع وثلاثين وسبعمائة فقال: رأيت سلمان الفارسي رضي الله عنه وروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ورأس العبادة حسن الظنّ بالله"(٧٣١).
عبد المسيح بن مقيلة:
قال في المستطرف: عاش ثلاثمائة وعشرين سنة وأدرك الاسلام(٧٣٢).
شق الكاهن المعروف:
عاش ثلاثمائة سنة(٧٣٣).
اوس بن ربيعة بن كعب:
عاش مائتي وأربع عشرة سنة(٧٣٤).
ثوب بن صداق العبدي:
مائتي سنة(٧٣٥).
روانة (رواعد) بن كعب:
ثلاثمائة سنة(٧٣٦).
عبيد بن الأبرص:
ثلاثمائة سنة(٧٣٧).
زهير بن هبل بن عبد الله:
ثلاثمائة سنة(٧٣٨).
عمر بن عامر ماء السماء:
ثمانمائة سنة(٧٣٩).
هبل بن عبد الله بن كنانة:
ستمائة سنة(٧٤٠).
المستوغر بن ربيعة:
ثلاثمائة وثلاثين سنة(٧٤١).
دريد ابن نهد:
اربعمائة وخمسون سنة(٧٤٢).
تيم [الله] عكاية:
مائتي سنة(٧٤٣).
معدي كرب:
مائتي وخمسون سنة(٧٤٤).
شرية بن عبد الله الجبعي:
ثلاثمائة سنة(٧٤٥).
ذو الأصبع العدواني:
ثلاثمائة سنة(٧٤٦).
جعفر بن قبط:
ثلاثمائة سنة(٧٤٧).
مهن بن عنان:
مائتي وخمسون سنة(٧٤٨).
صيفي بن رياح:
أبو اكثم المعروف بذي الحلم: مائتي وسبعون سنة(٧٤٩).
اكثم بن صيفي:
ثلاثمائة سنة(٧٥٠).
عامر بن الطرب العدواني:
ثلاثمائة سنة(٧٥١).
مربع بن ضبع:
مائتي وأربعون سنة(٧٥٢).
عمرو بن حميمة الدوسي:
اربعمائة سنة(٧٥٣).
معمّر المشرقي:
الساكن سهرورد وقد أدرك أمير المؤمنين عليه السلام، ونقل العلامة الكراجكي في كنز الفوائد عن جماعة من أهل السنة وأهل ذلك البلد انّهم رأوه حدود سنة أربعمائة وخمسين وصدّقوا طول عمره ولقاءه أمير المؤمنين عليه السلام(٧٥٤).
الحارث بن مضاض:
عمّر أربعمائة سنة(٧٥٥).
وقد ذكرت أخبار وأشعار هذه الجماعة مفصّلة في كمال الدين(٧٥٦)، وغرر السيد المرتضى(٧٥٧)، وكنز الكراچكي(٧٥٨)، وغيبة الشيخ الطوسي(٧٥٩)، وليست هناك مهمة في نقلها.
أبو بكر عثمان بن خطاب بن عبد الله بن العوام:
روى الشيخ الطوسي في مجالسه(٧٦٠) عن ابراهيم بن الحسن بن جمهور قال: حدّثني أبو بكر المفيد الجرجرائي في شهر رمضان سنة ستّ وسبعين وثلاثمائة قال: اجتمعت مع أبي عمرو عثمان بن الخطاب بن عبد الله بن العوّام بمصر في سنة ستّ عشر وثلاث مائة وقد ازدحم الناس عليه حتى رقي به إلى سطح دار كبيرة كان فيها، ومضيت إلى مكة ولم أزل أتبعه إلى مكّة إلى أن كتبت عنه خمسة عشر حديثاً وذكر انّه ولد في خلافة أبي بكر عتيق بن أبي قحافة وانّه لما كان في زمن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام خرجت ووالدي معي اُريد لقاءه فلمّا صرنا قريباً من الكوفة أو الأرض التي كان بها عطشنا عشطاً شديداً في طريقنا وأشرفنا على التلف وكان والدي شيخاً كبيراً فقلت له: اجلس حتى أدور الصحراء أو البريّة فلعلّي أقدر على ماء أو من يدلّني عليه أو ماء مطر.
فقصدت أطلب ذلك فلم ألبث عنه غير بعيد إذ لاح لي ماء فصرت إليه فاذا أنا ببئر شبه الركيّة أو الوادي فنزعت ثيابي واغتسلت من ذلك الماء وشربت حتى رويت وقلت: أمضي وأجيء بأبي فانّه قريب منّي فجئت إليه فقلت: قم فقد فرّج الله عزّ وجلّ عنّا وهذه عين ماء قريب منّا فقام فلم نر شيئاً ولم نقف على الماء وجلس وجلست معه ولم يضطرب إلى أن مات، واجتهدت إلى أن واريته وجئت إلى مولانا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولقيته وهو خارج إلى صفّين وقد اُخرجت له البغلة فجئت وأمسكت له الركاب فالتفت إليّ فانكببت أقبّل الركاب فشجّني في وجهي شجّة.
قال أبو بكر المفيد: ورأيت الشجّة في وجهه واضحة. ثمّ سألني عن خبري فأخبرته بقصّتي وقصّة والدي وقصّة العين فقال: عين لم يشرب منها أحد إلّا وعمّر عمراً طويلا فأبشر فانّك تعمّر وما كنت لتجدها بعد شربك منها وسمّاني بالمعتمر.
قال أبو بكر المفيد: فحدّثنا عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام بالأحاديث وجمعتها ولم تجتمع لغيري منه وكان معه جماعة مشايخ من بلده وهي طنجة.
فسألتهم عنه فذكروا انّهم من بلده وانّهم يعرفونه بطول العمر وآباؤهم وأجدادهم بمثل ذلك واجتماعه مع مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وانّه توفّي في سنة سبع عشر وثلاث مائة(٧٦١).
ومن المحتمل انّ العبارة الأخيرة ليست جزءاً من الخبر لأن العلامة الكراجكي تلميذ الشيخ المفيد يقول في كنز الفوائد:
"وقد ذاع بين كثير من الخصوم ما يروى ويقال اليوم من حال معمّر بن أبي الدنيا المغربي المعروف بالأشج وانّه باقي من عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام إلى الآن، وانّه مقيم في ديار المغرب في أرض طنجة، وروى الناس له في هذه الديار وقد عبر متوجهاً إلى الحج والزيارة، وروايتهم عنه حديثه وقصّته وأحاديث سمعها من أمير المؤمنين صلوات الله عليه وسلامه وقوله انّه كان ركابياً بين يديه، ورواية الشيعة انّه يبقى إلى أن يظهر صاحب الزمان صلوات الله عليه، وكذلك حال المعمّر الآخر المشرقي ووجوده بمدينة من أرض المشرق يقال لها سهرورد إلى الآن، ورأينا جماعة رأوه وحدّثوا حديثه وانّه كان أيضاً خادماً لأمير المؤمنين صلوات الله عليه، والشيعة تقول انّهما يجتمعان عند ظهور الامام المهدي عليه وعلى آبائه السلام"(٧٦٢).
وطبق ذيل هذا الحديث، فلا أصل في انّه توفي؛ والكراجكي الذي كان ساكن مصر أعرف به من المفيد الجرجرائي وأمثاله.
علي بن عثمان بن خطاب بن مرّة بن مزيد معمّر المغربي المعروف بأبي الدنيا، أو ابن أبي الدنيا:
روى الشيخ الصدوق في كمال الدين عن ابي سعيد عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب الشجري(٧٦٣) عن(٧٦٤) محمد بن القاسم(٧٦٥) وعلي بن الحسن(٧٦٦) قالا(٧٦٧): " لقينا بمكة رجلا من اهل المغرب، فدخلنا عليه مع جماعة من أصحاب الحديث ممّن كان حضر الموسم في تلك السنة وهي سنة تسع وثلاثمائة، فرأينا رجلا أسود الرأس واللحية كأنّه شنٌّ بال(٧٦٨) وحوله جماعة من أولاده، وأولاد أولاده، ومشايخ من أهل بلده ذكروا انّهم من أقصى بلاد المغرب بقرب باهرة العليا وشهد هؤلاء المشايخ انّهم(٧٦٩) سمعوا آباءَهم حكوا عن آبائهم وأجدادهم انّهم(٧٧٠) عهدوا هذا الشيخ المعروف بأبي الدنيا معمّر واسمه علي بن عثمان ابن خطّاب بن مرّة بن مؤيّد، وذكر انّه همداني وانّ أصله من صعد اليمن، فقلنا له: أنت رأيت عليّ بن أبي طالب؟ فقال: ففتح عينيه بيده وقد كان وقع حاجباه على عينيه ففتحهما كأنّهما سراجان فقال: رأيته بعينيّ هاتين وكنت خادماً له، وكنت معه في وقعة صفّين، وهذه الشجّة من دابّة علي عليه السلام وأرانا أثرها على حاجبه الأيمن، وشهد الجماعة الذين كانوا حوله من المشايخ ومن حفدته وأسباطه بطول العمر وانّهم منذ ولدوا عهدوه على هذه الحالة وكذا سمعنا من آبائنا وأجدادنا.
ثمّ انّا فاتحناه وسألناه عن قصّته وحاله وسبب طول عمره فوجدناه ثابت العقل يفهم ما يقال له، ويجيب عنه بلبّ وعقل، فذكر انّه كان له والد قد نظر في كتب الأوائل وقرأها وقد كان وجد فيها ذكر نهر الحيوان وانّها تجري في الظلمات وانّه من شرب منها طال عمره، فحمله الحرص على دخول الظّلمات فتزوّد وحمل حسب ما قدّر انّه يكتفي به في مسيره وأخرجني معه وأخرج معنا خادمين بازلين وعدّة جمال لبون وروايا وزاداً وأنا يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة فسار بنا إلى أن وافينا طرف الظّلمات ثمّ دخلنا الظّلمات، فسرنا فيها نحو ستّة أيام بلياليها وكنّا نميّز بين الليل والنهار بأنّ النهار كان أضوء قليلا وأقلّ ظلمة من الليل.
فنزلنا بين جبال وأودية وركوات وقد كان والدي رحمه الله يطوف في تلك البقعة في طلب النهر لأنّه وجد في الكتب التي قرأها انّ مجرى نهر الحيوان في ذلك الموضع فأقمنا في تلك البقعة أياماً حتى فني الماء الذي كان معنا وأسقيناه جمالنا ولو لا انّ جمالنا كانت لبونا لهلكنا وتلفنا عطشاً وكان والدي يطوف في تلك البقعة في طلب النهر ويأمرنا أن نوقد ناراً ليهتدي بضوئها إذا أراد الرجوع الينا.
فمكثنا في تلك البقعة نحو خمسة أيام ووالدي يطلب النهر فلا يجده وبعد الأياس عزم على الانصراف حذراً من التلف لفناء الزاد والماء، والخدم الذين كانوا معنا أوجسوا في أنفسهم خيفة من الطلب فألحّوا على والدي بالخروج من الظلّمات فقمت يوماً من الرّحل لحاجتي فتباعدت من الرّحل قدر رمية سهم، فعثرت بنهر ماء أبيض اللون عذب لذيذ لا بالصغير من الأنهار ولا بالكبير يجري جرياً ليّناً فدنوت منه وغرفت منه بيدي غرفتين أو ثلاثاً فوجدته عذباً بارداً لذيذاً، فبادرت مسرعاً إلى الرّحل فبشّرت الخدم بأنّي قد وجدت الماء فحملوا ما كان معنا من القرب والأداوي لنملأها، ولم أعلم انّ والدي في طلب ذلك النهر، وكان سروري بوجود الماء، لما كنّا فيه من عدم الماء وكان والدي في ذلك الوقت غائباً عن الرحل مشغولا بالطلب فجهدنا وطفنا ساعة هويّة في طلب النهر فلم نهتد إليه حتّى انّ الخدم كذّبوني وقالوا لي: لم تصدّق.
فلمّا انصرفت إلى الرّحل وانصرف والدي أخبرته بالقصّة فقال لي: يا بنيّ! الذي أخرجني إلى ذلك المكان وتحمّل الخطر كان لذلك النهر، ولم اُرزق أنا وأنت رزقته وسوف يطول عمرك حتى تملّ الحياة، ورحلنا منصرفين وعدنا إلى أوطاننا وبلدنا وعاش والدي بعد ذلك سنيّات ثمّ مات رحمه الله.
فلمّا بلغ سنّي قريباً من ثلاثين سنة وكان قد اتّصل بنا وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم ووفاة الخليفتين بعده خرجت حاجّاً فلحقت آخر أيّام عثمان.
فمال قلبي من بين جماعة أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلّم إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فأقمت معه أخدمه وشهدت معه وقائع، وفي وقعة صفّين أصابتني هذه الشجة من دابّته، فما زلت مقيماً معه إلى أن مضى لسبيله عليه السلام فألحّ عليّ أولاده وحرمه أن اُقيم عندهم فلم اُقم، وانصرفت إلى بلدي وخرجت ايام بني مروان حاجّاً وانصرفت مع أهل بلدي إلى هذه الغاية، ما خرجت في سفر إلّا ما كان الملوك في بلاد المغرب يبلغهم خبري وطول عمري فيشخّصوني إلى حضرتهم ليروني ويسألوني عن سبب طول عمري وعمّا شاهدت، وكنت أتمنّى وأشتهي أن أحجّ حجّة اُخرى فحملني هؤلاء حفدتي وأسباطي الذين ترونهم حولي، وذكر انّه قد سقطت أسنانه مرّتين أو ثلاثة.
فسألناه أن يحدّثنا بما سمع من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام فذكر انّه لم يكن له حرص ولا همّة في طلب العلم وقت صحبته لعليّ بن أبي طالب عليه السلام والصحابة أيضاً كانوا متوافرين فمن فرط ميلي إلى علي عليه السلام ومحبّتي له لم أشتغل بشيء سوى خدمته وصحبته والذي كنت اتذكّره ممّا كنت سمعته منه قد سمعه منّي عالم كثير من الناس ببلاد المغرب ومصر والحجاز وقد انقرضوا وتفانوا وهؤلاء أهل بلدي وحفدتي قد دوّنوه، فأخرجوا إلينا النسخة وأخذ يملي علينا من خطّه:
حدّثنا أبو الحسن عليّ بن عثمان بن خطّاب بن مرّة بن مؤيد الهمداني المعروف بأبي الدنيا معمّر المغربي رضي الله عنه حيّاً وميّتاً قال: حدّثنا عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: من أحبّ أهل اليمن فقد أحبّني ومن أبغض أهل اليمن فقد أبغضني(٧٧١).
ونقل أيضاً عدّة أحاديث اُخرى.
ونقل الصدوق عنهما: انّ السلطان بمكّة لمّا بلغه خبر أبي الدنيا تعرّض له، وقال: لابدّ أن اُخرجك إلى بغداد إلى حضرة امير المؤمنين المقتدر فانّي أخشى أن يعتب عليّ إن لم اُخرجك معي، فسأله الحاجّ من أهل المغرب وأهل مصر والشام أن يعفيه من ذلك ولا يشخصه فانّه شيخ ضعيف ولا يؤمن ما يحدث عليه، فأعفاه. قال أبو سعيد(٧٧٢): ولو انّي أحضر الموسم تلك السنة لشاهدته وخبره كان شائعاً مستفيضاً في الأمصار وكتب عنه هذه الأحاديث المصريّون والشاميّون والبغداديّون، ومن سائر الأمصار من حضر الموسم وبلغه خبر هذا الشيخ(٧٧٣).
قصة الشيخ بنحو آخر:
وهو أصحّ وأتقن من الخبر السابق وقد اعتمد عليه الشيخ الصدوق، فروى عن أبي محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام فيما أجازه لي ممّا صحّ عندي من حديثه، وصحّ عندي هذا الحديث برواية الشريف أبي عبد الله محمد بن الحسن بن اسحاق بن الحسين بن اسحاق بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام عنه انّه قال: حججت في سنة ثلاث عشر وثلاث مائة وفيها حجّ نصر القشوري صاحب المقتدر بالله ومعه عبد الرحمن بن عمران(٧٧٤) المكنّي بأبي الهيجاء فدخلت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم في ذي القعدة فأصبت قافلة المصريّين وبها(٧٧٥) أبو بكر محمد بن علي المادرائي ومعه رجل من أهل المغرب، وذكر انّه رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فاجتمع عليه الناس وازدحموا وجعلوا يتمسحون به وكادوا يأتون على نفسه فأمر عمّي أبو القاسم طاهر بن يحيى(٧٧٦) فتيانه وغلمانه فقال: افرجوا عنه الناس ففعلوا وأخذوه وأدخلوه دار أبي سهل الطفّي وكان عمّي نازلها فاُدخل، وأذن للناس فدخلوا، وكان معه خمسة نفر ذكر انّهم أولاد أولاده فيهم شيخ له نيّف وثمانون سنة فسألناه عنه فقال: هذا ابن ابني وآخر له سبعون سنة فقال: هذا ابن ابني واثنان لهما ستّون سنة أو خمسون أو نحوها وآخر له سبعة عشر سنة فقال: هذا ابن ابن ابني ولم يكن معه فيهم أصغر منه وكان إذا رأيته قلتَ: ابن ثلاثين أو أربعين سنة، أسود الرأس واللحية ضعيف الجسم(٧٧٧) آدم ربع من الرجال خفيف العارضين إلى القصر أقرب.
قال أبو محمد العلويّ: فحدّثنا هذا الرجل واسمه علي بن عثمان بن الخطّاب ابن مرّة بن مؤيد بجميع ما كتبناه عنه وسمعناه من لفظه وما رأينا من بياض عنفقته(٧٧٨) بعد اسودادها ورجوع سوادها بعد بياضها عند شبعه من الطعام.
قال أبو محمد العلوي: ولو لا انّه حدّث جماعة من أهل المدينة من الأشراف والحاجّ من أهل مدينة السلام وغيرهم من جميع الآفاق ما حدّثت عنه بما سمعت، وسماعي منه بالمدينة ومكّة في دار السهميّين في الدار المعروفة بالمكتوبة(٧٧٩) وهي دار عليّ بن عيسى الجرّاح وسمعت منه في مضرب القشوريّ ومضرب المادرائي [ومضرب أبي الهيجاء وسمعت منه بمنى وبعد منصرفه من الحجّ بمكّة في دار المادرائي](٧٨٠) عند باب الصفا.
وأراد القشوريّ حمله وولده إلى بغداد إلى المقتدر فجاءه فقهاء أهل مكّة فقالوا: أيّد الله الأستاذ، إنّا روينا في الأخبار المأثورة عن السلف انّ المعمّر المغربي إذا دخل مدينة السلام افتتنت(٧٨١) وخربت وزال الملك فلا تحمله وردّه إلى المغرب، فسألنا مشايخ أهل المغرب ومصر فقالوا: لم نزل نسمع من آبائنا ومشايخنا يذكرون اسم هذا الرجل واسم البلد الذي هو مقيم فيه طنجة، وذكروا انّه كان يحدّثهم بأحاديث قد ذكرنا بعضها في كتابنا هذا.
قال أبو محمد العلوي: فحدّثنا هذا الشيخ أعني عليّ بن عثمان المغربي بدو خروجه من بلده من حضرموت، وذكر انّ أباه خرج هو وعمّه وأخرجا به معهما يريدون الحجّ وزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلّم فخرجوا من بلادهم من حضرموت وساروا أياماً ثمّ أخطأوا الطريق وتاهوا عن المحجّة فأقاموا تائهين ثلاثة أيّام وثلاث ليال على غير محجّة، فبينا هم كذلك إذ وقعوا في جبال رمل يقال له: رمل عالج، يتّصل برمل إرم ذات العماد فبينا نحن كذلك إذ نظرنا إلى أثر قدم طويل فجعلنا نسير على أثرها فأشرفنا على واد وإذا برجلين قاعدين على بئر أو على عين.
قال: فلمّا نظرا الينا قام أحدهما فأخذ دلواً فأدلاه فاستقى فيه من تلك العين أو البئر واستقبلنا فجاء إلى أبي فناوله الدلو، فقال أبي: قد أمسينا ننيخ على هذا الماء ونفطر ان شاء الله فصار إلى عمّي فقال: اشرب فردّ عليه كما ردّ عليه أبي فناولني فقال لي: اشرب فشربت، فقال لي: هنيئاً لك فانّك ستلقى عليّ بن أبي طالب عليه السلام فأخبره ايّها الغلام بخبرنا وقل له الخضر والياس يقرآنك السلام، وستعمّر حتّى تلقى المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام فاذا لقيتهما فاقرأهما السلام، ثمّ قالا: ما يكون هذان منك فقلت: أبي وعمّي، فقالا: أمّا عمّك فلا يبلغ مكّة، وأمّا أنت وأبوك فستبلغان ويموت أبوك فتعمّر أنت، ولستم تلحقون النبي صلى الله عليه وآله وسلّم لأنه قد قرب أجله ثمّ مرّا(٧٨٢)، فو الله ما أدري أين مرّا أفي السماء أو في الأرض، فنظرنا وإذا لا أثر ولا عين ولا ماء، فسرنا متعجّبين من ذلك إلى أن رجعنا الى نجران فاعتلّ عمّي ومات بها، وأتممت أنا وأبي حجّنا ووصلنا إلى المدينة فاعتلّ بها أبي ومات، وأوصى إلى عليّ ابن أبي طالب عليه السلام فأخذني وكنت معه أيّام أبي بكر وعمر وعثمان وخلافته حتّى قتله ابن ملجم لعنه الله. وذكر انّه لمّا حوصر عثمان بن عفّان في داره دعاني فدفع إليّ كتاباً [ونجيباً وأمرني بالخروج إلى عليّ بن أبي طالب عليه السلام وكان غائباً بينبع في ماله وضياعه فأخذت الكتاب وصرت إلى موضع يقال له جدار أبي عباية. سمعت قرآناً فاذا علي بن أبي طالب عليه السلام يسير مقبلا من ينبع وهو يقول: (أَفَحَسِبْتُمْ اِنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَانَّكُمْ اِلَيْنَا لاَ ترْجَعُون).
فلمّا نظر إليّ قال: أبا الدّنيا ما وراك؟ قلت: هذا كتاب أمير المؤمنين فأخذه فقرأه فاذا فيه:

فإن كنتُ مأكولا فكن أنت آكلي * * * وإلّا فأدركني ولمّا اُمزَّق

فلمّا قرأه قال: سر، فدخل إلى المدينة ساعة قتل عثمان بن عفّان فمال إلى حديقة بني النجار وعلم النّاس بمكانه فجاؤا إليه ركضاً وقد كانوا عازمين على أن يبايعوا طلحة بن عبيد الله، فلمّا نظروا إليه ارفضّوا إليه ارفضاض الغنم شدّ عليها السبع فبايعه طلحة ثمّ الزبير ثمّ بايع المهاجرون والأنصار.
فأقمت معه أخدمه](٧٨٣) فحضرت معه الجمل وصفّين وكنت بين الصفّين واقفاً عن يمينه إذ سقط سوطه من يده فأكببت آخذه وأرفعه إليه وكان لجام دابّته حديداً مزجّجاً فرفع الفرس رأسه فشجّني هذه الشجّة التي في صدغي فدعاني أمير المؤمنين فتفل فيها وأخذ حفنة من تراب فتركه عليها فو الله ما وجدت لها ألماً ولا وجعاً، ثمّ أقمت معه حتّى قتل صلوات الله عليه وصحبت الحسن بن عليّ عليه السلام حتّى ضرب بساباط المدائن، ثمّ بقيت معه بالمدينة أخدمه وأخدم الحسين عليه السلام حتّى مات الحسن عليه السلام مسموماً [سمّته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكنديّ لعنها الله دسّاً من معاوية](٧٨٤) ثمّ خرجت مع الحسين بن عليّ عليه السلام حتى حتى حضر كربلاء وقتل عليه السلام وخرجت هارباً من بني أميّة، وأنا مقيم بالمغرب أنتظر خروج المهدي وعيسى بن مريم عليهما السلام.
قال أبو محمد العلويّ رضي الله عنه: ومن عجيب ما رأيت من هذا الشيخ عليّ بن عثمان وهو في دار عمّي طاهر بن يحيى رضي الله عنه وهو يحدّث بهذه الأعاجيب وبدو خروجه فنظرت إلى عنفقته وقد احمرّت ثمّ ابيضّت فجعلت أنظر إلى ذلك لأنّه لم يكن في لحيته ولا في رأسه ولا في عنفقته بياض [البتّة](٧٨٥).
قال: فنظر إلى نظري إلى لحيته وعنفقته فقال: ما ترون؟ انّ هذا يصيبني إذا جعت فاذا شبعت رجعت إلى سوادها، فدعا عمّي بطعام وأخرج من داره ثلاث موائد فوضعت واحدة بين يدي الشيخ وكنت أنا أحد من جلس عليها فأكلت معه ووضعت المائدتان في وسط الدار وقال عمّي للجماعة: بحقّي عليكم الّا أكلتم وتحرّمتم بطعامنا فأكل قوم وامتنع قوم، وجلس عمّي على يمين الشيخ يأكل ويلقي بين يديه فأكل أكل شابّ وعمّي يخلف عليه وأنا أنظر إلى عنفقته وهي تسودّ حتى(٧٨٦) عادت إلى سوادها حين شبع!
فحدّثنا علي بن عثمان بن خطّاب قال: حدّثني عليّ بن أبي طالب عليه السلام وذكر الخبر المتقدّم في مدح أهل اليمن(٧٨٧).
قصة الشيخ المذكور بنحو ثالث:
قال العلامة الكراجكي في كنز الفوائد:
"حدّثني الشريف أبو الحسن طاهر بن موسى بن جعفر الحسيني بمصر في شوال سنة سبع وأربعمائة، قال: أخبرنا الشريف ابو القاسم ميمون بن حمزة الحسيني قال: رأيت المعمّر المغربي وقد اُتي به إلى الشريف ابي عبد الله محمد بن اسماعيل سنة عشر وثلاثمائة واُدخل إلى داره ومن معه وهم خمسة رجال واُغلقت الدار وازدحم الناس، وحرصت في الوصول إلى الباب فما قدرت لكثرة الزّحام فرأيت بعض غلمان الشريف أبي عبد الله محمد بن اسماعيل وهما قنبر وفرج فعرفتهما انّي اشتهي انظره فقالا لي: دُرْ إلى باب الحمّام بحيث لا يدرى بك فصرت إليه ففتحا لي سرّاً ودخلت واُغلق الباب، وحصلت في مسلخ الحمّام وإذا قد فُرش له ليدخل الحمام فجلست يسيراً فاذا به قد دخل رجل نحيف الجسم ربع من الرّجال خفيف العارضين ادم اللون إلى القصير أقرب ما هو أسود الشّعر يقدّر الانسان انّ له نحواً من أربعين سنة وفي صدغة اثر كأنّه ضربة فلمّا تمكّن من الجلوس والنفر معه وأراد خلع ثيابه قلت ما هذه الضربة؟ فقال: أردت أناول مولاي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام السّوط يوم النهروان فنفض الفرس رأسه فضربني اللجام وكان مدمجاً(٧٨٨) فشجّني فقلت له أَدَخَلْتَ هذه البلدة قديماً، قال: نعم، وكان موضع جامعكم السّفلاني مبقلة وفيها بئر فقلت: هؤلاء أصحابك، فقال: ولدي وولد ولدي، ثمّ دخل الحمام فجلست حتى خرج ولبس ثيابه فرأيت عنفقته قد ابيضّت فقلت له كان بها صباغ، قال: لا ولكن إذا جعت ابيضّت وإذا شبعت اسودّت، فقلت: قم ادخل الدّار حتى تأكل فدخل الباب(٧٨٩).
ثم نقل أبي محمد العلوي المذكور سابقاً قال: "فما سمعت(٧٩٠) من حديثه الذي حدّث الناس به انّه قال: خرجت من بلدي أنا وأبي وعمّي نريد الوفود على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وكنّا مشاة في قافلة فانقطعنا عن الناس واشتدّ بنا العطش وعدمنا الماء وزاد بأبي وعمّي الضعف فأقعدتهما إلى جانب شجرة ومضيت التمس لهما ماءً فوجدت عيناً حسنة وفيها ماء صاف في غاية البرد والطيبة فشربت حتى ارتويت ثمّ نهضت لآتي بأبي وعمّي إلى العين فوجدت أحدهما قد مات وتركته بحاله، وأخذت الآخر ومضيت به في طلب العين فاجتهدت أن أراها فلم أرها ولا عرفت موضعها، وزاد العطش به فمات، فحرصت في أمره حتى واريته وعدت الى الآخر فواريته أيضاً، وسرت وحدي إلى أن انتهيت الطريق ولحقت بالناس ودخلنا المدينة، وكان دخولي إليها في اليوم الذي قبض فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فرأيت الناس منصرفين من دفنه، فكانت أعظم الحسرات دخلت بقلبي، ورآني أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فحدّثته حديثي فأخذني...(٧٩١) إلى آخر ما تقدّم برواية الصدوق. ثمّ قال الكراجكي:
"حدّثني القاضي أبو الحسن أسد بن ابراهيم السلمي الحرّاني، وأبو عبد الله الحسين بن محمد الصيرفي البغدادي، قالا جميعاً: أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد المعروف بالمفيد لقراءتي عليه بجرجرايا.
وقال الصيرفي: سمعت منه املاءاً سنة خمس وستين وثلاثمائة.
قال: حدّثنا علي بن عثمان بن الخطّاب بن عوام البلوي من مدينة بالمغرب يقال لها: مزيدة يعرف بأبي الدنيا الأشجّ المعمّر، قال: سمعت علي بن أبي طالب يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم [يقول](٧٩٢): كلمة الحق ضالّة المؤمن حيث وجدها فهو أحقّ بها..."(٧٩٣).
وقد نقل اثني عشر خبراً بهذا السند، ثم قال:
"قال أبو بكر المعروف بالمفيد: رأيت أثر الشجّة في وجهه، وقال: أخبرت أمير المؤمنين عليه السلام بحديثي وقصّتي في سفري وموت أبي وعمّي والعين التي شربت منها وحدي، فقال: هذه عين لم يشرب منها أحد الّا عمّر عمراً طويلا، فأبشر فانّك تعمّر ما كنت لتجدها بعد شربك منها"(٧٩٤).
وقال الكراجكي:
"فأما الأحاديث التي رواها عن الأشج أبو محمد الحسن بن محمد الحسيني مما لم يروه أبو بكر محمد بن احمد الجرجرائي فهي:
قال الشريف أبو محمد: حدّثني علي بن عثمان المعمر الأشج..."(٧٩٥) ثمّ نقل الخبر الذي في مدح اليمن، ونقل الشريف خبراً آخر.
يقول المؤلف:
انّ الهدف من هذه الاطالة هو دفع وهم تعدد هذا المغربي مع ذلك المغربي الذي نقلناه عن مجالس الشيخ، فانّه قد يبدو تعدّده في البداية، وقد عنونّاه نحن بعناوين، بل قال المحدّث الجليل السيد عبد الله سبط المحدّث الجزائري في اجازته الكبيرة بعد العبارة التي نقلناها في صدر هذه الحكاية:
"وأما ما نقله الشيخ في مجالسه عن أبي بكر الجرجاني: انّ المعمّر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة وثلاثمائة، فليس بمناف شيئاً لأنّ الظاهر انّ احدهما غير الآخر لتغاير اسميهما وقصتيهما وأحوالهما المنقولة"(٧٩٦).
ولكن الحق اتّحادهما؛ أما تغاير الاسم فقد علمت انّ الكراجكي نقل عن نفس هذا المفيد الجرجرائي انّ اسمه (علي بن عثمان بن خطاب)؛ وعليه فيعرف إنّه سقط من مجالس الشيخ اوّل نسب علي، والاختلاف في بعض الأجداد في مثل هذه الحكايات كثير.
وإذا كان اختلاف القصّة سبباً لتعدّدها وذلك لأنهم كانوا أربعة أشخاص؛ فان اتحادهما بالاسم والأب والبلد - وهي المغرب، ولعلّ مزيدة من توابع طنجة - وشرب ماء الحياة، وشجّ رأسه من دابة أمير المؤمنين عليه السلام في معركة صفين أو النهروان، وقرب عصر ملاقاته، وموت أبيه في الطريق وغير ذلك، فانها لا يمكنها أن تعطي احتمال تعدّدهما.
ويظهر من العلامة الكراجكي القطع باتحادهما كما هو الظاهر من كلامه المنقول. ونقل خبر وفاته عن الجرجراني أيضاً، ويعلم انّه اشتباه من الجرجرائي أيضاً أو من رواة مجالس الشيخ. وما ذكرناه غير خاف على المتأمل ان شاء الله تعالى.
وكذلك فانّ (الجرجاني) في كلام السيد اشتباه أيضاً، والصواب (الجرجراني) كما ضبط في محلّه.
توضيح جواب الاشكال وتلخيص المقال المقتدّم:
ان استبعاد طول عمر الامام المهدي صلوات الله عليه لا يخلو من هذه الجهات:
الاولى: الاستحالة العقلية.
فلم يدّعِ ذلك صاحب عقل، ولا منطق بإمكانه حسب منطق أصحاب الشرائع، وان وقوع طول العمر موجود في الأمم السالفة كما في كتب اليهود والنصارى، ووقوعه في هذه الأمة باتفاق المسلمين كاف في رفع هذه الدعوى ان وجدت.
الثانية: الحديث المعروف المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلّم انّه قال: "أعمار أمتي بين الستين والسبعين".
وهو محمول على الأغلب، والّا يلزم تكذيبه صلى الله عليه وآله وسلّم والعياذ بالله.
ويؤيد هذا الحمل انّه ورد هذا الحديث في بعض النسخ (اكثر أعمار أمتي)، ولذلك عرفت ما بين الستين والسبعين بالعشرة المشؤومة، ولو انّ عمر الانسان لا يتعدى في هذه الأزمنة المائة والعشرين ولا دليل عليه الّا الاستقراء والتجربة.
الثالثة: القاعدة الطبيعيّة التي يقول بها الأطباء انّ سنّ الكمال إلى أربعين سنة، وسن النقصان ضعف ذلك أي ثمانين سنة، فيكون المجموع مائة وعشرون سنة.
وذكروا وجهين معتبرين في تعليل ذلك؛ احدهما: من جهة المادة، والأخرى: من جهة الغاية.
أما من جهة المادة؛ وذلك انّ العادة في سن الشيخوخة اليبوسة فتمسك الصورة وتحفظها.
وأما من جهة الغاية؛ وذلك انّ الطبيعة تبادر إلى الأفضل وهو بقاء العمر وحفظه وإن يبعد الفساد عن الأنقص، وتبقى تلك الرطوبة الغريزية في سنّ الشيخوخة، ولذلك يكون سنّ النقصان مضاعف سنّ الكمال. وهذان الوجهان لا يفيان لإثبات المدّعى المذكور، كما نقل التصريح بضعف هذا الدليل في شرح القطب الشيرازي على كليات القانون.
وأما ما ذكروه وأقاموا له الحجة بأن لهذه الحياة نهاية ولا مناص من تجرّع شربة الأجل فلا يفي لتحديد مقدار معين للعمر، وتعيين سنّ في مقدار معلوم.
وحاصل هذا البرهان انّ الموت حتمي، ولا ينكر احدٌ ذلك، وبقوله تعالى: (كُلُّ نَفْس ذَائِقَة الْمَوْت)(٧٩٧) فلا حاجة إلى ذلك البرهان المزعوم.
الرابعة: قواعد أصحاب النجوم.
وعلى حسب قواعدهم فلا يرون اثر في هذا العالم الّا النفوس الفلكية، أو انّهم يعدونها مؤثرة مستقلة بنفسها، وينسبون لها جميع الكون والفساد والتغيير والتبديل لهذا العالم، ويقولون: قوام هذا العالم بالشمس وعطاؤه الأكبر في السن المائة والعشرين سنة.
والجواب انّه من الجائز أن ينظم ذلك عند أرباب النجوم بعطاء الشمس ولعل هناك أسباب اُخرى يضاعف تلك العطية.
وتوضيح هذا الاجمال:
انّ لهم اصطلاحات في هذا المقام؛ احدهما: (هيلاج) والثاني: (كد خداه)(٧٩٨)، والاثنان يكونان في صورة زايجة طالع المولود دليلين لعمره، وعليهما يحكمون بالنقيصة والزيادة للعمر. وأحد هذين الاثنين يتعلّق بالجسم، والآخر بالروح، وفي تعيين ذلك خلاف، وفي بعض رسائلهم هكذا: دليل العمر على نوعين؛ احدهما: دليل الجسم يقال له الهيلاج، والثاني: دليل الروح ويسمّونه (كد خداه)، والاثنان بمنزلة الهيولى والصورة لأسباب العمر.
ولكن المعروف عكس هذا، فللهيلاج في صورة الطالع دلائل تدل على نفس المولود، والكدخداه يدل على بدن المولود.
وكثرة الهيلاج يدل عندهم على طول العمر.
وكثرة الكدخداه يدل على سعادة الحياة.
والهيلاج عندهم خمسة أشياء: الشمس، والقمر، وسهم السعادة، وجزء مقدم الاجتماع أو الاستقبال، ودرجة الطالع.
والكدخداه كوكب صاحب خط ناظر إلى الهيلاج.
وشرط بعضهم في الكدخداه استيلاءه على موضع الهيلاج. واكتفى بعضهم في هذا المقام بالنظر إلى البرج، وقد يكون النظر الى الدرجة أقوى، فاذا كانت الشمس أو القمر في شرفه فسوف يكون سعيداً بـ (كدخداه).
وقال قطب الدين الاشكوري في محبوب القلوب:
يبطل صلاح الهيلاج بالكسوف والخسوف والمحاق وتحت الشعاع، ويكون الكدخداه صاحب خط في موضع الهيلاج، وإذا لم ينظر اليهما أو إلى الدرجة فيجوز النظر إلى البرج بشرط أن يكون بحد الاتصال أو مساوياً لها عند موضع التناظر في درجات المطالع أو في طول النهار، وعندما يكون كدخداه الشمس أقل من ست درجات فلا يكون الكدخداه في حدّ الاحتراق، ولكن كدخداه ثلاثة اعطيات؛ أحدها: الكبرى، وهي إذا كان الكدخداه في درجة الوتد، وثانيها: الوسطى، إذا كان مائلا إلى المركز، وثالثها: الصغرى، إذا زاد على المركز.
وعندما عرفت هذه المقدّمة فمن الجائز أن يتّفق في طالع كثرة هيلاجات وكدخداهات ويكون جميعها في أوتاد الطالع. وينظر إلى تلك البيوتات فينظر بنظر التثليث والتسديس نظر السعادة ويسقط منها النحوسات، وفي نفس الوقت يحكمون على صاحب الطالع بطول العمر وتأخير الأجل حتى يكون أحد المعمّرين السابقين.
ونقل الفاضل المذكور عن أبي ريحان البيروني انّه قال في كتابه المسمّى بالآثار الباقية عن القرون الخالية انّه انكر بعض الحشوية ما وصفناه من طول الأعمار وبالخصوص ما ذكر بعد زمان ابراهيم عليه السلام ولم يعتمدوا على هذا الكلام الّا ما أخذوه من اصحاب الأحكام من أكثر عطايات الكواكب في المواليد بما كانت عليه الشمس في ذلك الهيلاج والكداخدائي، يعني بما كان عليه في بيته أو شرفه في الوتد والربح والمركز الموافق فيعطي سنينه الكبرى وهي مائة وعشرين سنة. ويزيد القمر عليه خمسة وعشرين سنة، وعطارد عشرين سنة، والزهرة ثمانين سنة، والمشتري اثني عشرة سنة، وهذه السنين هي صغرى كل واحد منها، لأنه لا اكثر منها.
وإذا نظر نظر موافقة وتحسين فيسقط منها ما نقص منها، ويكون الرأس في البرج معها وبعيداً عن الحدود الكسوفية، وكلّما كان كذلك يزيد عليه ربع عطيته وهي ثلاثون سنة، فيجتمع من ذلك مائتان وخمسة وعشرون سنة، وقالوا: هذا اقصى العمر الذي يصل إليه الانسان.
ثمّ ردّ عليهم الاستاذ أبو ريحان وحكى عن ماشاءالله المصري انّه قال في أول كتاب مواليده: يمكن للانسان أن يعيش بسنة القران الأوسط إذا اتّفقت ولادته في وقت تحويل القران من المثلثة إلى المثلثة والطالع في أحد بيتي زحل أو المشتري ويكون هيلاج الشمس في النهار، وهيلاج القمر في الليل في غاية القوة.
ومن الممكن أن يتّفق مثل هذا في وقت تحويل القران إلى الحمل ومثلثاته، ويدل على نحو ما ذكرناه أن المولود يبقى سنين القران الأعظم وهي تسعمائة وستين سنة بالتقريب حتى يرجع القران إلى موضعه.
وحكى أيضاً عن أبي سعيد بن شاذان انّه ذكر في كتاب مذاكراته مع ابي معشر في (الأسرار)(٧٩٩) التي أرسلت عند أبي معشر انّه كان مولد ابن ملك سرانديب وطالعه الجوزاء وزحل في السرطان، والشمس في الجدي، فحكم أبو معشر انّه يعيش في زحل الأوسط وقال انّ أهل ذلك الاقليم حكموا عنده بطول الأعمار له وإن صاحبه زحل، ثم قال أبو معشر: وقد وصلني ان أي انسان منهم مات قبل أن يصل إلى الدور الأوسط لزحل فانّه يتعجب من سرعة موته.
قال أبو ريحان فدلّت هذه الأقوال على اعتراف هؤلاء المنجّمين بإمكان وجود هذه الأعمار.
ونقل الشيخ الكراچكي في كنز الفوائد عن (ماشاءالله المصري) معلم هذه الطائفة المقدّم واستاذهم المفضل، قريباً من العبارة السابقة: انّ النظر إلى هيلاج المولود يمكن أن يصل عمره إلى تسعمائة وخمسين سنة(٨٠٠).
وقال السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب (فرج المهموم):
"ذكر بعض اصحابنا(٨٠١) في كتاب الأوصياء وهو كتاب معتمد عند الأولياء... رواه الحسن بن جعفر الصيمري، ومؤلفه علي بن محمد بن زياد الصيمري وكانت له مكاتبات إلى الهادي والعسكري عليهما السلام وجوابهما إليه، وهو ثقة معتمد عليه، فقال ما هذا لفظه: حدّثني أبو جعفر القمي ابن أخي احمد ابن اسحاق بن مصقلة، انّه كان بقم منجم يهودي موصوفاً بالحذق في الحساب، فأحضره احمد بن اسحاق وقال له: قد ولد مولود في وقت كذا وكذا فخذ الطالع واعمل له ميلاداً، فأخذ الطالع ونظر فيه وعمل عملا له، فقال لأحمد: لستُ أرى النجوم تدلني على شيء لك من هذا المولود بوجه الحساب، انّ هذا المولود ليس لك ولا يكون مثل هذا المولود إلّا لنبي، أو وصي نبي، وان النظر فيه يدلني على انّه يملك الدنيا شرقاً وغرباً وبراً وبحراً وسهلا وجبلا حتى لا يبقى على وجه الأرض أحدٌ إلّا دان له وقال بولايته(٨٠٢).
ونقل الشيخ الجليل زين الدين علي بن يونس العاملي في الصراط المستقيم عن العلماء المنجّمين:
"ان دور الشمس ألف وأربعمائة واحدى وخمسون سنة، وهو عمر عوج بن عنق، عاش من نوح إلى موسى.
ودور القمر الأعظم ستمائة واثنان وخمسون، وهو عمر شعيب بعث إلى خمس أمم.
ودور زحل الأعظم مائتان وخمسة وخمسون، قيل وهو عمر السامري من بني اسرائيل.
ودور المشتري الأعظم اربعمائة وأربعة وعشرون، قيل وهو عمر سلمان الفارسي.
ودور الزهرة الأعظم ألف ومائة واحدى وخمسون، قيل: وهو عمر نوح.
ودور عطارد الأعظم اربعمائة وثمانون، قيل: وهو عمر فرعون.
وقد كان في اليونان مثل بطليموس.
وفي الفرس مثل الضحاك عاش الف سنة وأقل وأكثر.
وقد حكي عن سام إذا مضى من ألف السمكة سبعمائة سنة يكون العدل ببابل.
وعن سابور البابلي نحو ذلك"(٨٠٣).
وقال الخواجة ملا نصر الله الكابلي المتعصب العنيد في المطلب الرابع عشر من المقصد الرابع من كتاب الصواعق في الرد على الاماميّة وهو مملوء بالأكاذيب والمزخرفات:
"اختلفوا فيه، فقال بعض انّه ولد صبح ليلة البراءة يعني النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين بعد مضي عدّة أشهر من القران الأصغر الرابع من القران الأكبر الواقع في قوس وطالع الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان، وقد رجع زحل في الدقيقة الثانية من السرطان، ورجع المشتري فيها أيضاً، والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من درجة الجوزاء العشرين، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من درجة الأسد الرابعة، والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة التاسعة والعشرين من الدلو، وعلى رأس الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثامنة والعشرين من الحمل، وكان الذنب في الدقيقة التاسعة والخمسين من الدرجة الثامنة والعشرين من الميزان.
وقال بعض: ولد صبح الثالث والعشرين من شعبان من السنة المذكورة، وكان الطالع في الدقيقة السابعة والثلاثين من الدرجة الخامسة والعشرين من السرطان، وكانت الشمس في الدقيقة الثامنة والعشرين من الدرجة العاشرة من الأسد، وكان عطارد في الدقيقة الثامنة والثلاثين من الدرجة الحادية والعشرين من الأسد، وزحل في الدقيقة الثامنة عشرة من الدرجة الثامنة من العقرب، وهكذا المشتري. والقمر في الدقيقة الثالثة عشرة من الدرجة الثلاثين من الدلو.
والمريخ في الدقيقة الرابعة والثلاثين من الدرجة العشرين من الحمل. والزهرة في الدقيقة السابعة عشرة من الدرجة الخامسة والعشرين من الجوزاء.
وهذه الاختلافات نص على ان ما يزعمونه(٨٠٤) افتراء بدون ريبة " انتهى.
وقال قبل أن ينقل هذه الكلمات:
"وأمّا ما ذكره أهل النجوم مثل أبي معشر البلخي، وأبي الريحان البيروني، وماشاءالله المصري، وابن شاذان، والمسيحي وغيرهم من المنجّمين: إذا اتّفق ميلاد من المواليد عند تحويل القران الأكبر وكان الطالع في أحد بيوت زحل أو المشتري، وكان هيلاج الشمس في النهار، والقمر في الليل، والخمسة المتحيّرة قوى الحال وفي الأوتاد، وكان الناظر إلى الهيلاج أو الكدخداه نظر موده، فمن الممكن أن يعيش المولود مدّة سنة القران الأكبر وهو ثمانون وتسعمائة سنة شمسيّة تقريباً.
وإذا دلّت الأسباب الفلكية على غير ذلك، فيمكن أن يعيش أقلّ من ذلك أو أكثر.
فإذا كان ذلك صحيحاً فلا يفيد ذلك لأنّه لم تكن ولادة م ح م د بن الحسن (عليه السلام) في أحد هذه القرانات الأربعة: الأعظم، والأكبر، والأوسط، والأصغر كما هو مذكور في كتب مواليد الائمة عليهم السلام مثل كتاب أعلام الورى وغيره، واختلفوا... إلى آخر ما تقدّم".
ولم ير لحدّ الآن في كتب مواليد الائمة عليهم السلام وبالخصوص أعلام الورى بل في كتب الغيبة صورة طالع ولادته عليه السلام، ولا أدري من أين أخذه هذا الكابلي، بالاضافة إلى نسبته إلى جماعة، وإلى جماعة اُخرى بنحو آخر، فيتخيّل الناظر انّ هذا الرجل متتبع خبير، والظاهر انّه من جعلياته نفسه الذي هو مبنى الكتاب عليه.
وعلى فرض صحة النسبة فلا يضرّ ذلك شيئاً لأن المقصود من نقل كلمات هذه الطائفة وجود أسباب سماوية وأوضاع نجومية لطول العمر بزعمهم حسب ما اطلعوا عليه. ويحتمل كثير منها لم يطلعوا عليها ولا يمكن أن يدّعوا انحصارها فيما علموه.

* * *

ولا يبقى مخفياً أو مستوراً بأننا اقتصرنا في نقل الحكايات على ما رأيناه في الكتب المعتبرة أو سمعناه من الثقات، والعلماء، وتركنا نقل كثير من الوقائع التي لم تصل الينا بسند معتبر، أو انها موجودة في كتب جماعة يتسامحون في نقل مثل هذه القصص، أو جمعوها من كلّ شخص في أي مكان رأوه أو سمعوا منه، ولظهور علائم الكذب ببعضها سقط الباقي عن درجة الاعتبار.
ومن المناسب أن نختم هذا الباب بذكر كلام الفاضل المتتبع الميرزا محمد النيسابوري في كتاب ذخيرة الألباب المعروف بدوائر العلوم في الفائدة الحادية عشرة من الباب الرابع عشر، وهذه الفائدة في ذكر اسماء من رأى الامام القائم عليه السلام في حياة أبيه عليه السلام وفي الغيبة الصغرى والكبرى، ونحن نذكرها في هذا الباب مع زيادات كثيرة الّا ما في آخر تلك الفائدة ذكر اسمائهم ولم نقف على حكاياتهم:
الأول: الحاج عبد الهادي الطبيب الهمداني.
الثاني: شيخنا موسى بن علي المعجراني.
الثالث: السيد الكريم العين الذي نهاه عن شرب القليان.
الرابع: العالم الذي كان مصاحباً له.
الخامس: الشيخ حسن بن محمد الحلّي.
السادس: سعيد بن عبد الغني الاحسائي.
السابع: الملاّ عبد الله الشيرازي.
الثامن: استاذنا المولى محمد باقر بن محمد أكمل الاصفهاني، ونقل قصة لي، وقد ذكرت القصة كلّها في مظانّها، انتهى.
وقال في الفائدة الثانية عشرة من الفصل الخامس من الباب الثامن عشر بعد ذكر شطر من أحواله عليه السلام:
عاصر أوّل امامته عليه السلام المعتمد (العباسي)، ولد عليه السلام في سامراء ليلة الجمعة من شعبان، وقيل: ومن (وياكح) من شهر رمضان في (رنه يارنو) وكان مع والده.
وكانت الغيبة الصغرى بعد والده عليه السلام وكان بدوها من سنة (رس) إلى (شل) وهو بداية الغيبة الكبرى وإلى سنتنا التي هي (غريواست ضفر [ضفور خ.ل]).
وخروجه عليه السلام في يوم الجمعة محرم (طاق) من السنة.
وقد وردت روايات عن آبائه علهيم السلام في مدّة غيبته وسنة ظهوره بطريق الرمز والابهام لا يفهمه إلّا الآحاد من الناس.
والشيء المعتمد بصحة ما جاء عنهم انّه لم يُعيَّن وقت لذلك كما فسّر بقوله تعالى: (وَعِنْدَهُ عِلْم السَّاعَة)، وفي خبر كذب الموقتون.
ونسب إلى بعض مشايخ الشهود:

إذا دار الزمان على حروف * * * ببسم الله فالمهدي قاما
فادوار الحروف عقيب صوم * * * فاقر الفاطمي منّا السلاما

ويؤيده ما جرى على لسان دعبل الخزاعي عندما أنشد قصيدته التائية على الامام الرضا عليه السلام:

خروج امام لا محالة خارج * * * يقوم على اسم الله والبركات

فقال له عليه السلام: نطق روح القدس على لسانك.
ونسب إلى الحكيم المحقق الطوسي رحمه الله:

در دور زحل خروج مهدى * * * جرم دجل ودجاليان است
يخرج المهدي في دور زحل * * * جرم الدجل والدجالين
در آخر واو واول زا * * * چون نيك نظر كنى همان است
في آخر الواو وأوّل الزاي * * * كما تنظر النظرة فانها كذلك

وفي مدّة دولته اختلاف عظيم سببه (ز) بحساب سنيهم، و(ع) بحسابنا.
واستخرج العارفون زمان دولته من قول الله: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر انَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُون).
ويؤيد ما فهموه روايات معصوميّة أيضاً لا تناسب الكتاب.
وله أولاد كثيرون منهم الطاهر والقاسم وهاشم وابراهيم وعبد الرحمن.
ومسكنه الجزيرة الخضراء في البحر الأبيض من الجزائر الخالدات المغربية المعروفة بالخرابات على جبل في فرسخين منه هذه البلدة المباركة، وباقي الجزائر مثل العلقمية والناعمة والمباركة والصالحيّة والخضرية والبيضاوية، والنوريّة، التي يحكمها امراؤه عليه السلام هم من ابنائه: (وَاِذَا رَأَيْتَ ثُمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً).

* * *
الباب الثّامن: في الجمع بين الحكايات المتقدّمة ما جاء بتكذيب مدعي المشاهدة في الغيبة الكبرى

في الجمع بين الحكايات والقصص المتقدّمة وبين ما جاء في تكذيب مدعي المشاهدة له عليه السلام في الغيبة الكبرى.
كما روى الشيخ الصدوق عليه الرحمة في كمال الدين، والشيخ الطوسي رحمة الله عليه(٨٠٥) في الاحتجاج انّه خرج التوقيع إلى ابي الحسن السمري:
"يا علي بن محمد السمري اعظم الله أجر اخوانك فيك، فانّك ميّت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توصى إلى أحد يقوم(٨٠٦) مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة(٨٠٧)، فلا ظهور الّا بعد اذن الله [تعالى ذكره](٨٠٨)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي [إلى](٨٠٩) شيعتي من يدّعي المشاهدة، أَلاَ فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كذّاب(٨١٠) مفتر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العلي العظيم"(٨١١).
وقد أشير إلى هذا المطلب بعدة أخبار اخرى(٨١٢).
والجواب على هذا الخبر(٨١٣) بعدّة وجوه:
الجواب الأول:
انّ هذا الخبر ضعيف(٨١٤)، بل انّه خبر واحد ولا يفيد الّا الظنّ ولا يورث الجزم واليقين، فلا يقدر أن يعارض الوجدان القطعي الذي حصل من مجموع تلك القصص والحكايات، ولو انّه لم يحصل من كلّ واحدة بوحدها، بل انّ في جملة منها كرامات ومعاجز لا يمكن صدورها من غيره عليه السلام، فكيف يصحّ الإعراض عنها لوجود خبر ضعيف لم يعمل به ناقله وهو الشيخ الطوسي في نفس الكتاب، كما يأتي كلامه في هذا المقام، فكيف بغيره.
وقد قبل العلماء الأعلام من القديم إلى الآن هذه الوقائع واثبتوها في الكتب، واستدلّوا بها، وأخذوها بعضهم عن البعض الآخر، واعتنوا بها، ونقلوا أمثالها عن كلّ ثقة مأمون اطمئنوا بصدق كلامه، وصدقوه وتعاملوا معه كما في القضايا الأخرى.
الجواب الثاني:
لعلّ المقصود من هذا الخبر تكذيب من يدّعي المشاهدة مع النيابة، وايصال الأخبار من جانبه إلى الشيعة على مثال سفرائه الخاصّين الذين كانوا له في الغيبة الصغرى.
وهذا الجواب للعلامة المجلسي في كتاب البحار(٨١٥).
الجواب الثالث:
ما يظهر من قصة الجزيرة الخضراء وتقدّم ان زين الدين علي بن فاضل المازندراني، قال للسيد شمس الدين: يا سيدي قد روينا عن مشايخنا احاديث رويت عن صاحب الأمر عليه السلام انّه قال؛ لما أمر بالغيبة الكبرى: مَنْ رآني بعد غيبتي فقد كذب، فكيف فيكم مَنْ يراه؟
فقال: صدقت انّه عليه السلام انما قال ذلك في ذلك الزمان لكثرة اعدائه من أهل بيته وغيرهم من فراعنة بني العباس، حتى انّ الشيعة يمنع بعضها بعضاً عن التحدّث بذكره؛ وفي هذا الزمان تطاولت المدّة وأيس منه الأعداء وبلادنا نائية عنهم، وعن ظلمهم وعنائهم... الخ.
وهذا الوجه يجري في اكثر البلاد وأوليائه عليه السلام.
الجواب الرابع:
ما ذكره العلامة الطباطبائي بحر العلوم (رحمه الله) قال في رجاله في ترجمة الشيخ المفيد بعد تلك التوقيعات الشريفة التي ذكرناها سابقاً بقوله:
"وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى مع جهالة حال المبلغ ودعواه المشاهدة المنفية بعد الغيبة الكبرى.
ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم والأخبار عن الغيب الذي لا يطّلع عليه الّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم.
وانّ المشاهدة المنفية أن يشاهد الامام ويعلم انّه الحجة عليه السلام حال مشاهدته له.
ولم يعلم من المبلغ ادعاؤه لذلك"(٨١٦).
وتقدّم ذكر أسباب اعتبار تلك التوقيعات بما لا يحتاج إلى استظهار هذه الاحتمالات.
وقال العلامة المذكور في فوائده في مسألة الاجماع:
"وربما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الامام عليه السلام بعينه على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدّة الغيبة، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه عليه السلام فيبرزه في صورة الاجماع، جمعاً بين الأمر باظهار الحق والنهي عن اذاعة مثله بقول مطلق".
ويمكن أن يكون نظره في هذا الكلام إلى الوجه الآتي(٨١٧).
الجواب الخامس:
ما قاله العلامة المذكور في الرجال بعد الكلام السابق: "وقد يمنع أيضاً امتناعه في شأن الخواصّ، وإن اقتضاه ظاهر النصوص بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار".
ولعلّ مراده بالآثار هنا الوقائع السابقة والتي من جملتها وقائعه، أو الخبر الذي رواه الحضيني في كتابه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال:
يظهر صاحب الأمر وليست في عنقه بيعة لأحد ولا عهد ولا عقد ولا ذمّة.
يغيب عن الخلق إلى وقت ظهوره.
قال الراوي: يا أمير المؤمنين! لا يرى قبل ظهوره؟
قال: بل يرى وقت مولده، وتظهر براهين ودلائل، وتراه عيون العارفين بفضله الشاكرين الكاملين، ويبشر به من يشكّ فيه(٨١٨).
أو انّ المقصود مثل الخبر الذي رواه الشيخ الكليني والنعماني والشيخ الطوسي بأسانيد معتبرة عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال: "لابدّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابدّ له في غيبة من عزلة، وما بثلاثين من وحشة"(٨١٩).
يعني يستأنس عليه السلام في غيبته بثلاثين نفر من اوليائه وشيعته، فلا يستوحش من الخلق في عزلته، كما فهمه شارحو الأحاديث من هذه العبارة.
وقال بعضهم: انّه عليه السلام في سن الثلاثين سنة دائماً، وصاحب هذا السن لا يستوحش أبداً(٨٢٠).
وهذا المعنى بعيد للغاية.
والظاهر انّ هؤلاء الثلاثين نفر هم الذين يستأنس بهم الامام عليه السلام أيام غيبته ولابدّ أن يبدلوا في القرون والأعصار فانّه لم يثبت لهم من العمر ما ثبت لسيّدهم، فلابدّ أن يوجد في كلّ عصر ثلاثون نفر من الخواص الذي يفوزون بشرف الحضور.
وروى أيضاً الشيخ الطوسي(٨٢١) والشيخ الصدوق وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري بأسانيد معتبرة قصة علي بن ابراهيم بن مهزيار وكيفية سفره من الأهواز إلى الكوفة ومنها إلى مكة، وفحصه هناك عن امام العصر عليه السلام والتقائه في الطواف بفتى فأخذه معه إلى قرب الطائف - بقعة نزهة كثيرة العشب والكلأ - وفي اعلاها التقى بالامام عليه السلام.
وبرواية الطبري انّه عندما التقى بذلك الفتى الذي هو أحد خواصّه بل أحد اقربائه المختصين به قال له ذلك الفتى: ما الذي تريد يا أبا الحسن؟
قال: الامام المحجوب عن العالم.
قال: ما هو محجوب عنكم، ولكن حجبه سوء أعمالكم... الخ(٨٢٢).
وفي هذا الكلام اشارة إلى ان من ليس له عمل سوء وكان عمله وقوله طاهراً ومطهراً من الأرجاس وما ينافي سيرة أصحابه، فليس هناك ما يحجبه عن لقائه عليه السلام.
وقد صرّح العلماء الأعلام ومهرة فن الأخبار والكلام بامكان الرؤية في الغيبة الكبرى.
وقال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء في جواب من قال: "فاذا كان الامام عليه السلام غائباً بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق، ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه..."(٨٢٣).
"قلنا: الجواب: اوّل ما نقوله: انّا غير قاطعين على انّ الامام لا يصل إليه أحد، ولا يلقاه بشر، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع عليه... الخ"(٨٢٤).
وقال أيضاً في جواب من قال: إذا كانت العلّة في استتار الامام خوفه من الظالمين، واتّقائه من المعاندين، فهذه العلّة زائلة في أوليائه وشيعته، فيجب أن يكون ظاهراً لهم(٨٢٥).
وقال بعد كلام له: "وقلنا أيضاً انّه غير ممتنع أن يكون الامام عليه السلام يظهر لبعض أوليائه ممن لا يخشى من جهته شيئاً من أسباب الخوف، فانّ هذا مما لا يمكن القطع على ارتفاعه وامتناعه، وانما يعلم كل واحد من شيعته حال نفسه، ولا سبيل له الى العلم بحال غيره"(٨٢٦).
وقال في كتاب المقنع وهو مختصر في الغيبة قريباً من هذا المضمون.
وقال الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة في الجواب عن هذا السؤال بعد كلام له:
"والذي ينبغي أن يجاب عن هذا السؤال الذي ذكرناه عن المخالف أن نقول: إنّا أولا لا نقطع على استتاره عن جميع أوليائه بل يجوز أن يبرز لأكثرهم ولا يعلم كلّ انسان الّا حال نفسه، فان كان ظاهراً له فعلّته مُزاحة، وان لم يكن ظاهراً علم انّه انّما لم يظهر له لأمر يرجع اليه(٨٢٧)، وان لم يعلمه مفصلا لتقصير من جهته... الخ"(٨٢٨).
وتقدّم كلام الشيخ منتجب الدين في الحكاية الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين، والرابعة والخمسين، وعدّة ثلاثة من العلماء ممن شاهده ومن سفرائه.
وتقدّم أيضاً عن العلامة في الحكاية السابعة والخمسين مثل ذلك.
وادّعى السيد رضي الدين علي بن طاووس في عدّة مواضع من كتاب كشف المحجة كناية وتصريحاً بما يناسب هذا المقام وقال في موضع منها:
"واعلم يا ولدي محمد - ألهمك الله ما يريده منك ويرضى به عنك - انّ غيبة مولانا (المهدي) صلوات الله عليه التي حيرت المخالف والمؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت امامته وامامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جدّه محمد وعليهم أجمعين، لأنك اذا وقفت على كتب الشيعة أو غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه، وكتاب الغيبة للنعماني، ومثل كتاب الشفاء والجلاء، ومثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي ونعوته وحقيقة مخرجه وثبوته، والكتب التي أشرت إليها في كتاب (الطرائف) وجدتها أو اكثرها تضمّنت قبل ولادته انّه يغيب عليه السلام غيبة طويلة حتى يرجع عن امامته بعض من كان يقول بها، فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعناً في امامة آبائه وفيه فصارت الغيبة حجة لهم عليهم السلام وحجة على مخالفيه في ثبوت امامته وصحة غيبته مع انّه عليه السلام حاضر مع الله جلّ جلاله على اليقين وانّما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عمن حضره للمتابعة له ولربّ العالمين"(٨٢٩).
وقال في موضع آخر: "فان أدركتُ يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عَرَّفْتُكَ مِنْ حديثِ المهدي صلوات الله عليه ما لا يشتبه عليك وتستغني بذلك عن الحجج المعقولات ومن الروايات، فانّه صلى الله عليه حي موجود على التحقيق ومعذور عن كشف أمره إلى أن يؤذن له تدبير الله الرحيم الشفيق، كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء والأوصياء، فاعلم ذلك يقيناً واجعله عقيدة وديناً، فانّ أباك معرفته أبلغ من معرفة ضياء شمس النهار"(٨٣٠).
وقال في موضع آخر بعد تعليم ولده كيفية عرض حاجاته عليه عليه السلام:
"واذكر له انّ أباك قد ذكر لك انّه أوصى بك إليه وجعلك بإذن الله جلّ جلاله عبده وانني علقتك عليه فانّه يأتيك جوابه صلوات الله وسلامه عليه.
ومما أقول لك يا ولدي محمد - ملأ الله جلّ جلاله عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة الحق - ان طريق تعريف الله جلّ جلاله لك بجواب مولانا (المهدي) صلوات الله وسلامه على قدرته جلّ جلاله ورحمته، فمن ذلك ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في كتاب (الوسايل) عمّن سمّاه، قال: كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام انّ الرجل يجب أن يفضي إلى امامه ما يجب أن يفضي به إلى ربّه، قال: فكتب ان كانت لك حاجة فحرك شفتيك فانّ الجواب يأتيك، ومن ذلك ما رواه هبة الله بن سعيد الراوندي في كتاب (الخرائج) عن محمد بن الفرج، قال: قال لي علي بن محمد عليهما السلام: إذا أردت أن تسأل مسألة فاكتبها وضع الكتاب تحت مصلاك ودعه ساعة ثم اخرجه وانظر فيه.
قال: ففعلت، فوجدت جواب ما سألت عنه، موقعاً فيه.
وقد اقتصرت لك على هذا التنبيه والطريق مفتوحة إلى إمامك عليه السلام لمن يريد الله جلّ شأنه عنايته به وتمام احسانه اليه"(٨٣١).
وقال الشيخ المحقق الجليل الشيخ أسد الله الشوشتري الكاظميني في كتاب كشف القناع في ضمن أقسام الاجماع غير الاجماع المصطلح عليه:
وثالثها أن يحصل لأحد من سفراء الامام الغائب عجّل الله فرجه وصلّى عليه العلم بقوله امّا بنقل مثله له سرّاً، أو بتوقيع أو مكاتبة، أو بالسماع منه شفاهاً، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في زمن الغيبة، ويحصل ذلك لبعض حملة أسرارهم، ولا يمكنهم التصريح بما اطّلع عليه، والاعلان بنسبة القول إليه، والاتّكال في ابراز المدّعى على غير الاجماع من الأدلّة الشرعيّة، لفقدها.
وحينئذ فيجوز له إذا لم يكن مأموراً بالإخفاء، أو كان مأموراً بالإظهار لا على وجه الافشاء أن يبرزه لغيره في مقام الاحتجاج، بصورة الاجماع، خوفاً من الضياع وجمعاً بين امتثال الأمر بإظهار الحق بقدر الامكان، وامتثال النهي عن اذاعة مثله لغير أهله من أبناء الزمان، ولا ريب في كونه حجّة امّا لنفسه فلعلمه بقول الامام عليه السلام، وأمّا لغيره فلكشفه عن قول الامام عليه السلام أيضاً غاية ما هناك انّه يستكشف قول الامام عليه السلام بطريق غير ثابت، ولا ضير فيه، بعد حصول الوصول إلى ما أُنيط به حجّيّة الاجماع، ولصحّة هذا الوجه وامكانه شواهد تدلّ عليه:
منها كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الامامية ولا مستند لها ظاهراً من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الائمة عليهم السلام وأسرارهم، ولا امارة تشهد بأنّ منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي دعتهم إلى إنشائها وترتيبها، والاعتناء لجمعها وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها، نعم لا نضائق في ورود الأخبار في بعضها.
ومنها ما رواه والد العلامة وابن طاووس عن السيد الكبير العابد رضيّ الدين محمد بن محمد الآوي، إلى آخر ما مرّ في الحكاية الحادية والعشرين.
ومنها قصّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في البحار، وتفسير الائمة عليهم السلام وغيرها.
ومنها ما سمعه منه عليّ بن طاووس في السّرداب الشريف.
ومنها ما علّم محمد بن علي العلويّ الحسيني المصري في الحائر الحسيني في الحكاية الثالثة والعشرين وغير ذلك.
ولعلّ هذا هو الأصل أيضاً في كثير من الأقوال المجهولة القائل، فيكون المطّلع على قول الامام عليه السلام لمّا وجده مخالفاً لما عليه الاماميّة أو معظمهم، ولم يتمكّن من اظهاره على وجهه، وخشي أن يضيع الحقّ ويذهب عن أهله، جعله قولا من أقوالهم، وربّما اعتمد عليه وأفتى به من غير تصريح بدليله لعدم قيام الأدلّة الظاهرة باثباته، ولعلّه الوجه أيضاً فيما عن بعض المشايخ من اعتبار تلك الأقوال أو تقويتها بحسب الامكان، نظراً إلى احتمال كونها قول الامام عليه السلام ألقاها بين العلماء، كيلا يجمعوا على الخطأ، ولا طريق لالقائها حينئذ الّا بالوجه المذكور"(٨٣٢) انتهى.
وفي هذه الكلمات مناقشات ليس هنا محل ذكرها ولا تضرّ بأصل المقصود بنسبة امكان الرؤية في الغيبة الكبرى بجميع اقسامها إلى بعض العلماء الأعلام، كما يظهر من الكلمات المذكورة وغيرها ممّا يوجب نقلها التطويل.
الجواب السادس:
انّ المخفي والمستور عن الأنام انّما هو مكانه ومستقرّه عليه السلام، فلا طريق لأحد إليه ولا يصل إليه بشر، ولا يعرفه أحد حتى خواصه وأولاده؛ فلا ينافي لقائه ومشاهدته عليه السلام في الأماكن والمقامات التي مرّ ذكر بعضها، مع ظهوره عليه السلام عند المضطر المستغيث به الملتجئ إليه الذي انقطعت عنه الأسباب والواله في وادي الشبهات، والحيران في مهالك الفلوات، كما سوف يأتي بأن اجابة الملهوف واغاثة المضطر احدى مناصبه عليه السلام.
ويؤيد هذا الاحتمال الخبر المروي في الكافي عن اسحاق بن عمّار انّه قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان احداهما قصيرة والأخرى طويلة.
الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها الّا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها الّا خاصة مواليه(٨٣٣).
وروى الشيخ الطوسي(٨٣٤) والشيخ النعماني(٨٣٥) في كتاب الغيبة بسند معتبر عن المفضّل بن عمر انّه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: انّ لصاحب هذا الأمر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم مات، ويقول بعضهم قتل، ويقول بعضهم ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه الّا نفر يسير، لا يطّلع على موضعه أحد من ولده، ولا غيره الّا [المولى](٨٣٦) الذي يلي أمره(٨٣٧).
وروى الشيخ النعماني عن اسحاق بن عمّار انّه قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:
"للقائم غيبتان احداهما طويلة، والأخرى قصيرة، فالأولى يعلم بمكانه فيها خاصة من شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلّا خاصّة مواليه في دينه"(٨٣٨).
ولا يخفى انّ خبر اسحاق هذا هو نفس خبر اسحاق المروي في الكافي، وفي بعض النسخ كما ذكرناه، وفي بعضها يطابق نسخة الكافي، وفي النسختين جواب لأصل المقصود، فعلى خبر الكافي ففيه دلالة على انّ خاصة مواليه يعلمون بمستقرّه ومكانه عليه السلام في الغيبة الكبرى، وهو يؤيد الجواب الخامس.
وعلى بعض نسخ النعماني فيكون المقصود منها انّ خاصته في ذلك الوقت لا يعلمون بمحل اقامته عليه السلام فهي لا تنفي المشاهدة والرؤية في الأماكن الأخرى، وليس في القصص المتقدّمة دلالة على ملاقات أحد له عليه السلام في ذلك المحل، والله تعالى هو العالم.

* * *
الباب التّاسع: في عذر دخول بعض حكايات المستغيثين في الصحاري وغيرها

في عذر دخول بعض حكايات المستغيثين في الصحاري وغيرها بوجود انسان عظيم أنجاهم من تلك الورطات مع عدم دلالة شيء في تلك القضايا على انّ المنجي هو امام العصر عليه السلام في ضمن الحكايات السابقة فكما عمل علماؤنا الأعلام رضوان الله عليهم فقد اتبعناهم في ذلك.
والظاهر انّهم فهموا ذلك من انّ اغاثة الملهوف واجابة المضطر في مثل تلك الحال وصدور مثل هذه الكرامة الباهرة والمعجزة الظاهرة لا يمكن إلّا من جنابه المقدّس، بل هي من المناصب المختصّة به، كما روى السيد فضل الله الراوندي في كتاب الدعوات ونقل في البحار عن كتاب مجموع الدعوات للتلعكبري ونقل في الكلم الطيّب عن قبس المصباح قال:
حدث أبو الوفاء الشيرازي قال: كنت مأسوراً في يد أبي علي الياس صاحب كرمان مقيداً مغلولا فوقعت منه على انّه هَمَّ بقتلي فاستشفعت إلى الله تعالى بمولانا أبي محمد علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، فرأيت في المنام - وبرواية القبس وقال الموكّلون بي انّه قد همّ فيك بمكروه فقلقت من ذلك وجعلت أناجي الله تعالى بالنبي والائمة عليهم السلام - ولمّا كانت ليلة الجمعة فرغت من صلاتي ونمت فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلّم في نومي وهو يقول: لا تتوسّل بي، ولا بابنتي ولا بابني لشيء من عروض الدنيا، بل للآخرة، ولما تؤمل من فضل الله تعالى فيها.
وأما أخي أبو الحسن فانّه ينتقم ممن ظلمك.
وبرواية: ينتقم لك من عدوّك(٨٣٩).
فقلت: يا رسول الله أليس ظُلِمَت فاطمة عليها السلام، فصبر؛ وغصب على ارثك فصبر، فكيف ينتقم لي ممّن ظلمني؟
قال: فنظر إليّ صلى الله عليه وآله وسلّم كالمتعجّب قال: وذلك عهد عهدته إليه، وامرٌ أمرته به فلم يجز له الّا القيام به، وقد ادّى الحق فيه، والآن فالويل لمن يتعرّض لمواليه.
وأما علي بن الحسين فللنجاة من السلاطين، ومن معرة الشياطين.
وأما محمد بن علي وجعفر بن محمد فللآخرة.
وبرواية: "وما تبتغيه من طاعة الله عزّ وجلّ".
وأما موسى بن جعفر فالتمس به العافية.
وأما علي بن موسى فللنجاة.
وبرواية: "فاطلب به السلامة في البراري والبحار".
وأما محمد بن علي فاستنزل به الرزق من الله تعالى.
وأما علي بن محمد فلقضاء النوافل وبرّ الإخوان، وما تبتغيه من طاعة الله عزّ وجلّ.
وأما الحسن بن علي فللآخرة.
وأما الحجة فاذا بلغ منك السيف المذبح - وأومأ بيده إلى الحلق - فاستغث به، فانّه يغيثك، وهو غياث وكهف لمن استغاث به.
فقل: يا مولاي يا صاحب الزمان أنا مستغيث بك.
وبرواية اُخرى قال: "وأما صاحب الزمان فاذا بلغ منك السيف - ووضع يده على حلقه - فاستعن به فانّه يعينك، فقل يا صاحب الزمان أدركني.
وفي الرواية الأولى: "قال: فناديت في نومي: يا مولاي يا صاحب الزمان أنا مستغيث بك".
وفي رواية اُخرى: "فناديت في نومي: يا صاحب الزمان أغثني يا صاحب الزمان أدركني".
وبرواية قبس المصباح للصهرشتي: "فناديت في نومي: يا مولاي يا صاحب الزمان أدركني فقد بلغ مجهودي".
وبالرواية الأولى: فاذا أنا بشخص قد نزل من السماء تحته فرس، وبيده حربة من نور، فقلت: يا مولاي أكفني شرّ مَن يؤذيني.
فقال: قد كفيتك.
فأصبحت فاستدعاني إلياس، وقال: بِمَن استغثت؟
فقلت: بمن هو غياث المستغيثين"(٨٤٠).
يقول المؤلف:
نقل في البحار عن مجموع الدعوات دعاءاً طويلا للتوسّل بكلّ امام من الائمة عليهم السلام للمطالب المذكورة وبهذا الترتيب(٨٤١).
ونقل في قبس المصباح دعاءاً مختصراً بهذا الطريق(٨٤٢).
ودعاء التوسّل بامام العصر عليه السلام في الثاني هو: "اللهم انّي اسئلك بحقّ وليك وحجتك صاحب الزمان الّا اعنتني به على جميع أموري، وكفيتني به مؤنة كلّ مؤذ، وطاغ، وباغ، واعنتني به، فقد بلغ مجهودي، وكفيتني كلّ عدو، وهم، [وغمّ](٨٤٣)، ودين، وولدي، وجميع أهلي، واخواني، ومن يعنيني أمره، وخاصّتي، آمين ربّ العالمين"(٨٤٤).
والظاهر انّ مراد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم من هذا الكلام عدم انحصار التوسّل بامام العصر عليه السلام فيما إذا وقع في قبضة العدو وكان قاصداً لقتله، بل انّه كناية عن الوصول إلى نهاية شدّة الأمور وانقطاع الأسباب وقطع الأمل عن المخلوقين، ونفاد الصبر والتحمّل سواءاً كان بلاءاً دينياً، أو دنيوياً، وسواءاً كان من شرّ عدو انسي أو جنّي، كما يظهر من الدعاء المتقدّم.
فتكليف المضطر والعاجز الاستغاثة به عليه السلام.
واغاثة واجابة المستغيثين من مناصبه الالهية عليه السلام.
وان لم يتمكّن المضطر لشدّة قلقه واضطراره من الاستغاثة به بلسان المقال والدعاء بالمأثور فيكفيه للاستغاثة به عليه السلام أن يسأله بلسان الحال والقدرة مع انّه متوليه ومقرّ بولايته وامامته ومعرفة انحصار المربّي ووساطة الفيض الالهي في وجوده المقدّس في ظلمات تيه الغيبة.
فيعرف انّ المستغيثين في الحكايات السابقة وبالخصوص اولئك الذين كانوا في سفر الطاعة مثل الحج والزيارة، فانّهم لم ينجهم أحد الّا غوث الزمان عليه السلام، ومن جملة الشواهد على هذا المطلب انّ (الغوث) من ألقابه الخاصة به عليه السلام التي وردت في الزيارات المعتبرة، ومعناها المغيث، وليس معنى هذا اللقب الالهي مجرّد الاسم فانّه لا يتحقّق الّا إذا كان لصاحبه قوّة أن يسمع كلّ واحد في أي مكان كان، وبأي لسان استغاث، بل يعلم علم احاطة بحالات المستغيثين فهو عالم بحالاتهم حتى بدون استغاثة وتوسّل (كما صرّح بذلك في توقيعه للشيخ المفيد)(٨٤٥).
وله قدرة - إذا رأى من المصلحة - على نجاة المستغيث الذي استغاث به بلسان الحال أو المقال من دوامة بحر البلاء، ولا يليق بهذا المقام الّا مَنْ له مقام الامامة ووضع قدمه على بساط الولاية.
ويؤيد هذا المقال ما اشتهر بين العرب الحضر وأهل البادية بالتعبير عن ذاته المقدّسة بأبي صالح، ولا يتوسّلون ولا يستغيثون ولا يندبون ولا يشتكون إليه الّا بهذا الاسم. وقد ذكره الشعراء المعروفون مراراً بهذه الكنية في قصائد المديح والمراثي والاستنهاض. ولم نجد مصدراً لذلك في الأخبار الخاصة الّا ما رواه احمد بن خالد البرقي في كتاب المحاسن عن أبي بصير عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:
"يا صالح! ويا أبا صالح! ارشدانا(٨٤٦) إلى الطريق وحكمكما الله".
قال عبيد الله(٨٤٧): فأصابنا ذلك، فأمرنا بعض مَنْ معنا أن يتنحّى وينادي كذلك، قال: فتنحّى فنادى، ثمّ أتانا فأخبرنا انّه سمع صوتاً يردّ دقيقاً يقول: الطريق يمنة أو قال يسرة، فوجدناه كما قال(٨٤٨) والترديد في: يا صالح ويا أبا صالح وكذلك الترديد في اليمنة واليسرة من راوي الخبر فانّه سهى، كما صرّح بذلك السيد علي بن طاووس في كتاب أمان الأخطار بعد أن نقل الخبر عن المحاسن.
ونقل الشيخ البرقي في كتابه المذكور عن أبيه محمد بن خالد البرقي انّه كان في سفر مع جماعة فحادوا عن الطريق: "ففعلنا ذلك، فأرشدونا.
وقال صاحبنا(٨٤٩): سمعت صوتاً دقيقاً يقول: الطريق إلى يمنة.
فأخبرني، ولم يخبر الجماعة.
فقلت: خذوا يمنة، فأخذنا يمنة..."(٨٥٠).
ولعلّ ذلك فُهِم أو وجد بأن صالح أو أبا صالح اسم أو كنية امام العصر كما تقدّم في الباب الثاني حيث عدّ بعض الأول من اسمائه، والثاني من كناه عليه السلام. ويظهر من الحكاية التاسعة والستين انّ هذا المطلب كان معهوداً بين الشيعة وفهموا منه انّه المرشد عند ضياع الطريق، وبذلك الحال ينادون الامام أو وليّه بهذا الاسم، ولضعف يقين وقصور عقيدة الراوي أو أهل المجلس لم يبين المراد.
واسماء النبي وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما مختلفة ومتعددة بحسب طبقات السماوات والعرش والكرسي والجنات واللوح والقلم وسائر المقامات العلوية والدركات الجهنميّة والطبقات الأرضية، وسائر العوالم وأصناف المخلوقات العلوية والسفلية، وفي كلٍّ مذكور ومكتوب ومعروف باسم يدعونه به، كما أقرّ كثير منها في محلّها.
ولعلّ جميع الائمة عليهم السلام مشتركون في تمام هذه المنقبة أو بعضها(٨٥١).
فظهر انّ الدليل في الصحاري ومرشد التائهين أبو صالح وهو الغوث الأعظم ولي العصر صاحب الزمان صلوات الله عليه.
وإذا يشبه لأحد انّه بلحاظ كرامات جملة من خواص أصحاب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلّم) مثل سلمان، وسائر خاصة باقي الائمة عليهم السلام مثل ميثم واُويس، وجابر الجعفي ونظائرهم، وكرامات بعض العبّاد، والزهاد، والعلماء، والصالحين، فيحتمل انّ هذه الكرامة منهم أيضاً وانّ صدورها شيء ممكن.. أو انّ صالح اسم جني يسير في البلاد لارشاد الضائعين، وحبس الحيوان الفارّ، كما هو مروي في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام(٨٥٢).
فنقول في الجواب: ومع ثبوت هذا الاحتمال ففيه دلالة على المقصود أيضاً، فانّ الهدف الأصلي من ذكر هذه القصص هو اثبات وجوده المبارك عليه السلام، وانّه موجود بين الخلق، وانّ وجوده نافع لهم.
ومن المعلوم فانّه لا ينجي شيعته عليه السلام الّا من يشاركهم في عقيدتهم ولا يخالفهم في المذهب والطريقة، فانّ اكثرهم(٨٥٣) يحلل دماءَهم ومالهم وعرضهم، بل يقول بعض الشافعية: إذا أوصى أحد بمال ان يعطى لأجهل الناس، فلابدّ أن يعطى للذين ينتظرون القائم المهدي.
فلا يكون ذلك الشخص الذي تظهر منه مثل هذه الكرامة الّا أن يكون كامل العقيدة ومهذباً في الأعمال والأقوال ومزكّى في الأخلاق والأفعال والحركات والخطرات، فيكون داخلا - بملاحظة الباب المتقدّم - في سلسلة الخواص الذين شربوا أحياناً من قدح الوصال.
فالمضطر المستغيث إما انّه قد رأى نفس الامام عليه السلام، أو رأى من رأى الامام عليه السلام؛ وليس المطلوب الّا هذا.
ويقول الشيخ ابراهيم الكفعمي في حاشية (الجنّة الواقية) في دعاء أم داود بعد الصلوات هناك على الأوصياء والسعداء والشهداء وائمة الهدى عليهم السلام: "اللهم صلّ على الأبدال والأوتاد السيّاح، والعباد، والمخلصين، والزّهاد، وأهل الجدّ والاجتهاد".
قال: "انّ الأرض لا تخلو من القطب، وأربعة أوتاد، وأربعين بدلا، وسبعين نجيباً، وثلاثمائة وستين صالحاً.
فالقطب هو المهدي عليه السلام.
ولا تكون الأوتاد اقلّ من أربعة لأن الدنيا كالخيمة، والمهدي صلوات الله عليه كالعمود، وتلك الأربعة أطنابها، وقد تكون الأوتاد اكثر من أربعة.
والأبدال اكثر من أربعين.
والنجباء اكثر من سبعين.
والصالحون أكثر من ثلاثمائة وستين.
والظاهر انّ الخضر، والياس عليهما السلام من الأوتاد، فهما ملاصقان لدائرة القطب.
وأما صفة الأوتاد فهم قوم لا يغفلون عن ربّهم طرفة عين، ولا يجمعون من الدنيا الّا البلاغ(٨٥٤) ولا تصدر منهم هفوات البشر، ولا يشترط فيهم العصمة. وشرط ذلك في القطب.
وأما الأبدال فدون هؤلاء في المرتبة، وقد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر، ولا يتعمّدون ذنباً.
وأما النجباء دون الأبدال.
وأما الصالحون فهم المتّقون الموصفون بالعدالة، وقد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار والندم، قال الله تعالى: (اِنَّ الَّذِينَ اتَّقوا اِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَاِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ)(٨٥٥).
ثمّ قال الشيخ الكفعمي: "جعلنا الله من القسم الأخير، لأنا لسنا من القسم الأول، لكن دين الله بحبهم وولايتهم، ومن أحبّ قوم حشر معهم.
وقيل: إذا نقص أحدٌ من الأوتاد الأربعة وضع بدله من الأربعين، وإذا نقص احدٌ من الأربعين وضع بدله من السبعين، واذا نقص احدٌ من السبعين، وضع بدله من الثلاثمائة والستين، وإذا نقص أحد من الثلاثمائة والستين وضع بدله من سائر الناس"(٨٥٦).
تمّ كلام الشيخ المذكور.
ولم اعثر لحدّ الآن على خبر بهذا الترتيب المذكور؛ ولكن الشيخ المذكور كان متقدّم عصره في الاطلاع والتتبّع وكانت عنده كثير من كتب القدماء التي لا أثر لها في هذا العصر. وبالطبع فاني لم أره في محلّ معتبر ولا يوجد في مثل هذا الكتاب الشريف، ويوجد قريب من هذه العبارة في كتب جماعة الصوفية السنة، ولكن ليس هناك ذكر لإمام العصر عليه السلام فيها، ولا أساس لكلماتهم.

* * *
الباب العاشر: في ذكر شمّة من تكاليف العباد لإمام العصر (عليه السلام)

في ذكر شمّة من تكاليف العباد لإمام العصر (عليه السلام)، وآداب العبودية ومراسم امتثال اوامره وكيفية اطاعته ومعرفة انّه عبد طاعته وأكل فتات مائدة احسان وجوده العام، وانّه الامام المعظّم، وانّه واسطة وصول الفيوضات الالهية والنِعَم غير المتناهية الدنيوية والأخروية؛ فانّ تلك التكاليف هي من آداب مراسم العبودية، ولوازم الاحترام والتوقير لازمة له عليه السلام، ولا غاية من القيام بها الّا ذلك، وإن كانت سبباً للخيرات العاجلة والآجلة، ودخول العامل لها في زمرة المحبين المطيعين، أو تظهر من المقدّمات ما يكون وسيلة إليه عليه السلام لكسب المنافع الدنيوية والأخروية ودفع الشرور الأرضية والسماوية، فلا طريق لذلك الكسب والدفع الّا بالتشبث بأذياله عليه السلام والالتماس منه ولي النعم بلسان القوّة(٨٥٧) والحال أو بلسان التضرّع والمقال.
ويبين منها(٨٥٨) عدّة أشياء بعضها قلبية، وبعضها جوارحيه، وبعضها لسانية، وبعضها مالية:
الأول: (٨٥٩)
أن يكون مهموماً له عليه السلام في أيام الغيبة والفراق، وسببه متعدّد:
الأول: لمستوريّته ومحجوبيّته وعدم الوصول إلى أذيال وصاله، والعيون لم تقرّ بالنظر إلى نور جماله، مع وجوده بين الأنام، واطّلاعه عليه السلام على خفايا اعمال العباد في آناء الليل والأيام، فلا يكون الانسان صادقاً بادّعائه بالوصول إلى درجة الايمان هذه بمجرّد القول باللسان الّا أن تكون محبّته لمواليه عليهم السلام كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم - على ما نقله الشيخ الصدوق في الأمالي، والشيخ الطوسي في الأمالي، وابن شيرويه في الفردوس -:
"لا يؤمن عبد حتى أكون أحبّ إليه من نفسه، وأهلي أحبّ إليه من أهله، وعترتي أحبّ إليه من عترته، وذاتي أحبّ إليه من ذاته.
قال: فقال رجل من القوم: يا أبا عبد الرحمن! ما تزال تجيء بالحديث يحيي الله به القلوب"(٨٦٠).
ولعلّ هذا المقام هو أوّل درجة الايمان عندما تكون محبّته لمواليه عليهم السلام مثل محبّته لأخصّ أولاده وأقربهم وأكملهم عنده.
فالعارف بخصائصهم الذاتية وكمالاتهم النفسانية ونعمهم واحسانهم اللامتناهي للعباد يصل - بمقدار علمه ومعرفته - انّه لا يستحق أحد الحبّ في الخلق إلّا اُولئك المعظمين عليهم السلام، وإذا كانت رؤيته لانتسابه وعلاقته - وإن كانت جزئية - بآل بيت الرحمة والعظمة.. وإذا شرب الانسان في الواقع جرعة من شراب المحبّة السائغ لإمامه، وتعلّق قلبه بالفطرة والرياضة بوجوده المقدّس، فطبيعتاً سوف يكون مهموماً لفراقه بحيث يسلب النوم من عينه، وتسلب لذّة الطعام والشراب من فمه، وقد روي في (الخصال) و(من لا يحضره الفقيه) عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:
"خمسة لا ينامون - إلى انّ عدّ منها - والمحبّ حبيباً يتوقّع فراقه"(٨٦١).
وبالطبع فانّ مثل هذا الشخص إذا ابتلي بالفراق فسوف يزداد همّه، ويكون قلقه غير محدود، ويزداد اضطرابه، وينسى لذّة النوم بالمرّة لفراق ذلك الشخص الذي هو بهذه العظمة والجلالة والكثير الرأفة، والاحسان، والعطف، والذي هو أرحم من ألف أب حاضر وناظر، ولكنّه أخفي في ستر وحجاب من الحجب الالهية بحيث لا تصل إلى أذياله يد، ولا تقع على جماله عين، ولا يأتي خبر من مقر سلطنته، ولا أثر عن محلّ اقامته ورحله، ويُرى كلّ دان ورذيل الّا ذلك الذي لولاه لا يُرى احدٌ، ويسمع كلّ لغو غير لائق وكلّ منكر الّا ذلك الكلام الذي لولاه ما سُمِع كلام.
وروي في عيون أخبار الرضا عليه السلام في خبر متعلّق به عليه السلام؛ انّه قال عليه السلام: "كم من حرى مؤمنة وكم من مؤمن متأسّف حيران(٨٦٢) حزين عند فقدان الماء المعين"(٨٦٣) يعني الحجة عليه السلام(٨٦٤).
وقد أشير إلى هذا المقام في فقرات شريفة من دعاء الندبة المعروف الذي يقرأ في الأعياد الأربعة ويوم الجمعة وليلته(٨٦٥)، ومحصل مضمون بعضها بعد أن ذكر بعض أوصافه ومناقبه أرواحنا فداه:
"ليت شعري أين استقرّت بك النوى، بل أيُّ أرض تقلّك أو ثرى، أبِرَضوَى أو غيرها أم ذي طوى..
عزيز عليّ أن أرى الخلق ولا ترى، ولا أسمع لك حسيساً ولا نجوى.
عزيز عليّ أن تحيط بك دوني البلوى، ولا ينالك منّي ضجيج ولا شكوى.
بنفسي أنت من مغيّب لم يخل منّا.
بنفسي أنت من نازح ما نزح عنّا.
بنفسي أنت أمنيّة شائق يتمنّى من مؤمن ومؤمنة ذكر فحنّا...
عزيز عليّ أن أبكيك ويخذلك الورى..
عزيز عليّ أن يجري عليك دونهم ما جرى..
هل من معين فاُطيل معه العويل والبكاء..
هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلا..
هل قذيت(٨٦٦) عين فساعدتها عيني على القذى..
هل إليك يا ابن احمد سبيل فتلقى..
هل يتصل يومنا منك بغده فنحظى..
متى نرد مناهِلك الروية فنروى..
متى ننتقع من عذب مائك فقد طال الصدى..
متى نغاديك ونراوحك فنقر عيناً..
متى ترانا ونراك وقد نشرت لواء النصر.... إلى آخر الدعاء(٨٦٧) وهو نموذج لشكوى ألَم القلب الذي شرب كأساً من عين محبّته عليه السلام، وينبغي أن يُشتكى بأمثال هذه الكلمات، ويُصبُّ على نار هجرانه كفّ من ماء الوجد.
الثاني: لمنعه ذلك السلطان العظيم الشأن عن لباس الخلافة والسلطة الظاهرية على جميع العالم التي ما خيطت لأحد إلّا له بقامته المعتدلة، فله الرتق والفتق واجراء الأحكام والحدود وتبليغ الأوامر الالهية ومنع الاعتداء والجوار، واعانة الضعيف، واغاثة المظلوم، وأخذ الحقوق، واظهار واعلان الحق، وإبطال وإزهاق الباطل، وهو عليه السلام الذي لا يأتيه الظلم والعدوان.
وبالاضافة إلى سلبه جميع مظاهر السلطنة الظاهرية، وحكم البلاد والعباد والأموال؛ فهو غير متمكّن من اظهار نفسه المعظمة خوفاً من الظالمين، وفي طول هذا الزمان يسيح وحده أو مع بعض مواليه الخاصّين في البراري والقفار، ويرى حقّه بيد غيره، ويدعه ويصبر للأمر الالهي.
وبالطبع فانّه عليه السلام على أقل غيرة يكون مهموماً وحزيناً، ويكون حاله مثل حال ابن السلطان العادل جميع احكامه طبق قانون العدل والقسط رحيماً على رعاياه، فيغلبه عدو، ويضعه في زاوية سجن، ويأخذ على يده فلا تصل إلى شيء، ولا يفعل شيئاً غير الجور والعدوان.
وروي في الكافي والتهذيب والفقيه عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال لعبد الله بن ظبيان: "ما من عيد للمسلمين أضحى ولا فطر إلّا وهو يجدد الله لآل محمد عليهم السلام فيه حزناً.
قال: قلت: ولِمَ؟
قال: انّهم يرون حقهم في أيدي غيرهم"(٨٦٨).
وقال السيد الجليل علي بن طاووس رحمه الله في كشف المحجة:
"واوصيك يا ولدي محمد وأخاك ومن يقف على كتابي هذا بالصدق في معاملة الله جلّ جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلّم وحفظ وصيّتهما بما بشرا به من ظهور مولانا المهدي عليه السلام فانني وجدت القول والفعل من كثير من الناس في حديثه عليه السلام مخالفاً للعقيدة من وجوه كثيرة.
منها: انّني وجدت انّه لو ذهب من الذي يعتقد امامته عبد أو فرس أو درهم أو دينار تعلّق خاطره وظاهره بطلب ذلك الشيء المفقود وبذل في تحصيله غاية المجهود، وما رأيت لتأخر هذا المحتشم عظيم الشأن عن اصلاح الاسلام والايمان وقطع دابر الكفّار وأهل العدوان مثل تعلّق الخاطر بتلك الأشياء المحقّرات! فكيف يعتقد من يكون بهذه الصفات انّه عارف بحقّ الله جلّ جلاله، وحقّ رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم ومعتقداً امامته على الوجه الذي يدّعي المغالاة والموالاة لشريف معاليه.
ومنها: انّني وجدت من يذكر انّه يعتقد وجوب رياسته والضرورة إلى ظهوره وانفاذ احكام امامته لو واصله بعض من يدّعي انّه عدو لإمامته من سلطان وشمله بأنعامه كان قد تعلّق خاطره ببقاء هذا السلطان المشار إليه وشغله ذلك عن طلب (المهدي) عليه السلام وعمّا يجب عليه من التمني لعزل الوالي المنعم عليه.
ومنها: انّني وجدت من يدّعي وجوب السرور بسروره والتكدّر بتكدّره صلوات الله عليه يقول: انّه يعتقد انّ كلّ ما في الدنيا قد أخذ من يد (المهدي) عليه السلام وغصبه الناس والملوك من يديه ومع هذا لا أراه يتأثر بذلك النهب والسلب كتأثره لو أخذ ذلك السلطان منه درهماً أو ديناراً أوملكاً أو عقاراً، فأين هذا من الوقار ومعرفة الله جلّ جلاله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلّم ومعرفة الأوصياء!"(٨٦٩).
إلى آخر كلامه الشريف من هذا القبيل، وقد وُصِفَ عليه السلام مراراً في الأخبار بالغريب الطريد الوحيد الشريد المظلوم المنكَر حقّه.
الثالث: ولعدم الحصول على الطريق الواسع المستقيم الواضح للشريعة المطهرة وانحصار الطريق للوصول إليه بطرق ضيقة ظلماء في كلّ مضيق منها كمن مجموعة من اللصوص الداخليين للدين المبين، يدخلون دائماً الشكوك والشبهات في قلوب العامة بل الخاصة حتى يكذب ويلعن ويشتم أصحاب هذه الفرقة القليلة والعصابة المهتدية الامامية بعضهم البعض الآخر، ويتسلّط عليهم اعداؤهم، ويخرجون من الدين أفواجاً أفواجاً، ويعجز العلماء الصالحون عن اظهار علمهم، ويصدق وعد الصادقين عليهم السلام، وسيأتي زمان على المؤمن حفظ دينه أشد من القبض على جمرة نار في اليد.
روى الشيخ النعماني عن عميرة بنت نفيل قالت: سمعت الحسين بن علي عليهما السلام يقول: لا يكون الأمر الذي تنتظرونه حتى يبرأ بعضكم من بعض، ويتفل بعضكم في وجوه بعض، ويشهد بعضكم على بعض بالكفر، ويلعن بعضكم بعضاً.
فقلت له: ما في ذلك الزمان من خير.
فقال الحسين عليه السلام الخير كلّه في ذلك الزمان، يقوم قائمنا، ويدفع ذلك كلّه(٨٧٠).
وروى أيضاً عن الامام الصادق عليه السلام خبراً بهذا المضمون(٨٧١).
وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال إلى مالك بن ضمرة:
يا مالك بن ضمرة كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا، وشبّك اصابعه وادخل بعضها في بعض.
فقلت: يا أمير المؤمنين! ما عند ذلك من خير.
قال: الخير كلّه عند ذلك، يا مالك! عند ذلك يقوم قائمنا فيقدم سبعين رجلا يكذبون على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلّم، فيقتلهم، ثمّ يجمعهم الله على أمر واحد(٨٧٢).
وروى أيضاً عن الامام الباقر عليه السلام انّه قال:
"لتمحصن يا شيعة آل محمد تمحيص الكحل في العين، وانّ صاحب العين يدري متى يقع الكحل في عينه ولا يعلم متى يخرج منها. وكذلك يصبح الرجل على شريعة من أمرنا، ويمسي وقد خرج منها، ويمسي على شريعة من أمرنا، ويصبح وقد خرج منها"(٨٧٣).
وروى عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:
"والله لتكسرنّ تكسر الزجاج، وانّ الزجاج ليعاد فيعود [كما كان]، والله لتكسرنّ تكسّر الفخار، فانّ الفخار ليتكسّر فلا يعود كما كان.
[و] والله لتغربلنّ، [و] والله لتميزن، [و] والله لتمحصنّ حتى لا يبقى منكم الّا الأقل، وصعر كفّه"(٨٧٤).
وروى بهذا المضمون أخباراً كثيرة(٨٧٥).
وروى الشيخ الصدوق رحمه الله في كمال الدين عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال:
"كأنّي بكم تجولون جولان الإبل تبتغون المرعى فلاتجدونه يا معشر الشيعة"(٨٧٦).
وروى عنه عليه السلام انّه قال لعبد الرحمن بن سيابة:
"كيف أنتم إذا بقيتم بلا امام هدى، ولا عَلَم، يتبرأ بعضكم من بعض فعند ذلك تميزون وتمحصون وتغربلون..."(٨٧٧).
وروى عن سدير الصيرفي انّه قال:
دخلت أنا والمفضل بن عمر، وأبو بصير، وأبان بن تغلب على مولانا أبي عبد الله الصادق عليه السلام فرأيناه جالساً على التراب وعليه مسح خيبريّ(٨٧٨) مطوّق بلا جيب، مقصّر الكمّين، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى، ذات الكبد الحرّى، قد نال الحزن من وجنتيه، وشاع التغيير في عارضيه، وأبلى الدّموع محجريه، وهو يقول: سيدي غيبتُكَ نفتْ رقادي، وضيّقت عليّ مهادي، وابتزّت منّي راحة فؤادي، سيدي غيبتك أوصلت مصابي بفجايع الأبد وفقد الواحد بعد الواحد يفنى الجمع والعدد، فما اُحسّ بدمعة ترقى من عيني وأنين يفتر من صدري عن دوارج الرّزايا وسوالف البلايا الّا مثّل بعيني عن غوابر أعظمها وأفظعها، وبواقي أشدّها وأنكرها ونوائب مخلوطة بغضبك، ونوازل معجونة بسخطك.
قال سدير: فاستطارت عقولنا ولهاً، وتصدّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل، والحادث الغائل، وظننّا انّه سمت لمكروهة قارعة، أو حلّت به من الدّهر بائقة، فقلنا: لا أبكى الله يا ابن خير الورى عينيك، من أيّة حادثة تستنزف دمعتك وتستمطر عبرتك؟ وأيّة حالة حتمت عليك هذا المأتم؟
قال: فزفر الصادق عليه السلام زفرة انتفخ منها جوفه، واشتدّ عنها خوفه، وقال: ويلكم نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرّزايا وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة الذي خصّ الله به محمداً والائمة من بعده عليهم السلام، وتأمّلت منه مولد قائمنا وغيبته وإبطائه وطول عمره وبلوى المؤمنين في ذلك الزمان، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينهم، وخلعهم ربقة الاسلام من اعناقهم التي قال الله تقدّس ذكره: (وَكُلّ اِنْسَان اَلْزَمْنَاهُ طَائِرهُ فِي عُنُقِهِ)(٨٧٩) - يعني الولاية - فأخذتني الرقة، واستولت عليّ الأحزان...(٨٨٠).
ويكفي هذا الخبر الشريف في هذا المقام فان تحيّر وتفرّق وابتلاء الشيعة في أيام الغيبة وتولّد الشكوك والشبهات في قلوبهم كان سبباً لبكاء الامام الصادق عليه السلام بسنين كثيرة قبل وقوعه، وكان سبباً لسلب النوم من عينيه المباركتين.
فابتلاء المؤمن بذلك حادث عظيم، وغرق في الدوامة المظلمة الكثيرة والشديدة الموج، فينبغي عليه أن يكون دائماً ببكاء وألم وأنين، واضطراب وحزن وهمّ، وتضرّع إلى الباري جلّ وعلا.
الثاني:
من التكاليف القلبية انتظار فرج آل محمد (عليهم السلام) في كلّ آن، وترقّب ظهور وقيام الدولة القاهرة والسلطنة الظاهرة لمهدي آل محمد (عليهم السلام)، وامتلاء الأرض قسطاً وعدلا، وانتصار الدين القويم على جميع الأديان كما أخبر به الله تعالى نبيّه الأكرم ووعده بذلك، بل بشّر به جميع الأنبياء والأمم، انّه يأتي يوم مثل هذا اليوم الذي لا يعبد به غير الله تعالى، ولا يبقى من الدين شيء مخفي وراء ستر وحجاب مخافة أحد، ويزول العباد والشدّة من عبدة الحق، كما في زيارة مهدي آل محمد عليهم السلام:
"السلام على المهدي الذي وعد الله به الأمم أن يجمع به الكلم، ويلمّ به الشعث، ويملأ به الأرض عدلا وقسطاً، وينجز به وعد المؤمنين".
وكان هذا الوعد بالفرج العظيم في سنة سبعين للهجرة، كما رواه الشيخ الراوندي في الخرائج عن أبي اسحاق السبيعي، وقد رواه عن عمرو بن الحمق - وكان أحد الأربعة اصحاب أسرار أمير المؤمنين عليه السلام - قال:
"دخلت على علي عليه السلام حين ضرب الضربة بالكوفة، فقلت: ليس عليك بأس، وانما هو خدش.
قال: لعمري إني لمفارقكم، ثم قال لي: إلى السبعين بلاءاً، قالها ثلاثاً.
قلت: فهل بعد البلاء رخاء.
فلم يجبني وأغمي عليه".. إلى أن قال:
"فقلت: يا أمير المؤمنين انك قلت: إلى السبعين بلاء، فهل بعد السبعين رخاء؟
قال: نعم، وان بعد البلاء رخاء: (يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثبت وَعِنْدَهُ اُمُّ الْكِتَابِ)(٨٨١)..."(٨٨٢).
وروى الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة)، والكليني في (الكافي) عن أبي حمزة الثمالي انّه قال:
قلت لأبي جعفر عليه السلام: انّ علياً عليه السلام كان يقول: "إلى السبعين بلاء " وكان يقول: "بعد البلاء رخاء " وقد مضت السبعون ولم نَرَ رخاءً!
فقال أبو جعفر عليه السلام: يا ثابت انّ الله تعالى كان وقّت هذا الأمر في السبعين، فلمّا قتل الحسين عليه السلام اشتدّ غضب الله على أهل الأرض، فأخّره إلى أربعين ومائة سنة، فحدّثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السر، فأخّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً و(يَمْحُو الله مَا يَشَاء وَيُثبت وَعِنْدَهُ اُمُّ الْكِتَابِ)(٨٨٣).
قال أبو حمزة: وقلت ذلك لأبي عبد الله عليه السلام فقال: قد كان ذاك(٨٨٤).
وروى الشيخ النعماني في كتاب (الغيبة) عن العلاء بن سيابة، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام انّه قال:
"من مات منكم على هذا الأمر منتظراً كان كمن هو في الفسطاط الذي للقائم عليه السلام"(٨٨٥).
وروى أيضاً عن أبي بصير عنه عليه السلام انّه قال ذات يوم:
"ألا أخبركم بما لا يقبل الله عزّ وجلّ من العباد عملا إلّا به؟
فقلت: بلى.
فقال: شهادة أن لا إله الّا الله، وانّ محمداً عبده ورسوله، والاقرار بما أمر الله، والولاية لنا، والبراءة من أعدائنا - يعني الائمة خاصة - والتسليم لهم، والورع، والاجتهاد، والطمأنينة، والانتظار للقائم عليه السلام.
ثمّ قال: انّ لنا دولة يجيء الله بها إذا شاء.
ثمّ قال: مَنْ سرّه أن يكون من اصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر، فإن مات وقام القائم بعده كان له من الأجر مثل أجر من أدركه. فجدّوا وانتظروا، هنيئاً لكم ايّتها العصابة المرحومة"(٨٨٦).
وروى الشيخ الصدوق في كمال الدين عنه عليه السلام انّه قال: "من دين الائمة؛ الورع والعفة والصلاح وانتظار الفرج"(٨٨٧).
وروى أيضاً عن الامام الرضا عليه السلام: "انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم قال: أفضل أعمال امتي انتظار الفرج من الله عزّ وجلّ"(٨٨٨).
وروى أيضاً عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال: "المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله"(٨٨٩).
وروى الشيخ الطبرسي في الاحتجاج انّه خرج توقيع عن صاحب الأمر عليه السلام بيد محمد بن عثمان، وكان في آخره:
"واكثروا الدعاء بتعجيل الفرج، فان ذلك فرجكم"(٨٩٠).
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة عن المفضل قال: ذكرنا القائم عليه السلام ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال: لنا أبو عبد الله عليه السلام:
إذا قام أتى المؤمن في قبره، فيقال له: يا هذا! انّه قد ظهر صاحبك، فان تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربك فأقم(٨٩١).
وروى الشيخ البرقي في المحاسن عنه عليه السلام انّه قال لرجل من أصحابه:
"من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم عليه السلام"(٨٩٢).
وفي رواية اُخرى: "هو كمن كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم"(٨٩٣).
وفي رواية اُخرى:
"كان كمن استُشهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم"(٨٩٤).
وروى عن محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: سألته عن الفرج؟
فقال: أوليس تعلم ان انتظار الفرج من الفرج ان الله يقول: (انْتَظِرُوا اِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِين)(٨٩٥).(٨٩٦)
وروي عنه عليه السلام انّه قال:
"ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أما سمعت قول الله عزّ وجلّ (وَارْتَقِبُوا اِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ)(٨٩٧) [وقوله عزّ وجلّ](٨٩٨) و(انْتَظِرُوا اِنِّى مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِين)(٨٩٩).
فعليكم بالصبر فانّه انما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم"(٩٠٠).
وروي أيضاً عن الامام الصادق عليه السلام انّه قال:
"المنتظر للثاني عشر كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم يذبّ عنه"(٩٠١).
وروى البرقي عن أمير المؤمنين عليه السلام انّه قال:
"أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله"(٩٠٢).
وروى السيد ابن طاووس في كتاب المضمار عن محمد بن علي الطبرازي روى بسند معتبر عن حماد بن عثمان قال:
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام ليلة احدى وعشرين من شهر رمضان، فقال لي: يا حماد! اغتسلت؟
قلت: نعم، جعلت فداك.
فدعا بحصير، ثم قال لي: الى لزقي(٩٠٣) فصلّ، فلم يزل يصلّي وأنا أصلي إلى لزقه حتى فرغنا من جميع صلاتنا، ثم أخذ يدعو، وأنا أؤمّن على دعائه إلى أن اعترض الفجر، فأذّن وأقام ودعا بعض غلمانه، فقمنا خلفه، فتقدّم فصلّى بنا الغداة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وإنا انرلناه في ليلة القدر في الأولى؛ وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب، وقل هو الله أحد.
فلمّا فرغنا من التسبيح، والتحميد، والتقديس، والثناء على الله تعالى، والصلاة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلّم)(٩٠٤)، والدعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين، والمسلمات، الأولين، والآخرين؛ خرَّ ساجداً لا أسمع منه الّا النفس ساعة طويلة، ثم سمعته يقول: "لا إله الّا أنت مقلب القلوب والأبصار " إلى آخر الدعاء وهو طويل، وقال في آخره(٩٠٥): " أن تصلّي على محمد وأهل بيته، وأن تأذن لفرج مَنْ بفرجه فَرَج اوليائك، واصفيائك مِنْ خلقك، وبه تبيد الظالمين وتهلكهم، عجل ذلك يا ربّ العالمين... الخ"(٩٠٦).
فلمّا فرغ، رفع رأسه.
قلت: جعلت فداك، سمعتك وأنت تدعو بفرج مَنْ بفرجه فرج اصفياء الله وأوليائه، أوَ لَسْتَ أنت هو؟
قال: لا، ذاك قائم آل محمد عليهم السلام.
قلت: فهل لخروجه علامة؟
قال: نعم، كسوف الشمس عند طلوعها ثلثي ساعة من النهار، وخسوف القمر ثلاث وعشرين، وفتنة تظل(٩٠٧) أهل مصر البلاء، وقطع السبيل(٩٠٨)، اكتف بما بينت لك، وتوقع(٩٠٩) أمر صاحبك ليلك ونهارك، فانّ الله كلّ يوم هو في شأن لا يشغله شأن من شأن ذلك [الله](٩١٠) ربّ العالمين، وبه تحصين اوليائه، وهم له خائفون(٩١١).
وبهذا المضمون اخبار كثيرة، واكتفينا بهذا المقدار لأنّه لم يكن غرضنا استيفاء جميعها.
ولا يخفى ان الشيخ الطوسي قال بعد أن ذكر خبر ابي حمزة عن الامام الباقر عليه السلام والخبر الذي قبله عن أبي بصير: قال: قلت له: ألهذا الأمر(٩١٢) أمد(٩١٣) نريح إليه ابداننا، وننتهي إليه؟(٩١٤) قال: بلى، ولكنّكم أذعتم فزاد الله فيه(٩١٥).
قال الشيخ:
الوجه في هذه الأخبار أن نقول إن صحّت: انّه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقّت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت فلمّا تجدّد ما تجدّد تغيّرت المصلحة واقتضت تأخيره إلى وقت آخر وكذلك فيما بعد، ويكون الوقت الأوّل وكلّ وقت يجوز أن يؤخّر مشروطاً بأن لا يتجدّد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيّره شيء فيكون محتوماً، وعلى هذا يتأوّل ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها والزّيارة فيها عند الدّعاء وصلة الأرحام وما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم وقطع الرحم وغير ذلك. وهو تعالى وإن كان عالماً بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوماً بشرط والآخر بلا شرط، وهذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل(٩١٦).
ثم نقل جملة من الأخبار التي وردت في البداء، وقال بعد ذلك:
والوجه في هذه الأخبار ما قدّمنا ذكره من تغيّر المصلحة فيه واقتضائها تأخير الأمر إلى وقت آخر على ما بيّنّاه دون ظهور الأمر له تعالى فانّا لا نقول به ولا نجوّزه، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً"(٩١٧).
ثم ذكر اشكالا: "هذا يؤدي إلى أن لا نثق بشيء من أخبار الله تعالى". وأجاب عنه: الأخبار على ضربين ضرب لا يجوز فيه التغيّر في مخبراته فانّا نقطع عليها لعلمنا بأنّه لا يجوز أن يتغيّر المخبر في نفسه، كالإخبار عن صفات الله، وعن الكائنات فيما مضى، وكالإخبار بأنّه يثيب المؤمنين، والضرب الآخر هو ما يجوز تغيرّه في نفسه لتغيّر المصلحة عند تغيّر شروطه فانّا نجوّز جميع ذلك كالإخبار عن الحوادث في المستقبل الّا أن يرد الخبر على وجه يعلم أنّ مخبره لا يتغيّر فحينئذ نقطع بكونه، ولأجل ذلك قرن الحتم بكثير من المخبرات(٩١٨) فأعلمنا انّه مما لا يتغيّر أصلا فعند ذلك نقطع به(٩١٩).
الثالث:
من التكاليف الدعاء لحفظ وجود امام العصر عليه السلام المبارك من شرّ شياطين الانس والجن، والدعاء بطلب التعجيل لنصرته وظفره وغلبته على الكفار والملحدين والمنافقين؛ وهذا أيضاً نوع من اظهار العبودية والرضا بما وعد الله تعالى ان هذا الجوهر الثمين يصنع في خزانة قدرته ورحمته وأسدل على وجهه حجاب العظمة والجلالة إلى اليوم الذي يرى المصلحة باظهار ذلك الجوهر الثمين وإضاءة الدنيا من شعاع نوره، ولا يظهر أثر من الدعاء في مثل هذا الوعد المنجز الحتمي إلّا أداء مراسم العبودية واظهار الشوق وزيادة المحبة والثواب، والرضا بمواهب الله تعالى الكبرى. ولو انّهم عليهم السلام اكدوا بالغاية وحرصوا بالشدة على الدعاء له صلوات الله عليه في أغلب الأوقات.
قال السيد الجليل علي بن طاووس في الفصل الثامن من كتاب فلاح السائل بعد أن ذكر الترغيب في الدعاء للاخوان:
"إذا كان هذا كلّه فضل الدعاء لاخوانك فكيف فضل الدعاء لسلطانك الذي كان سبب امكانك وأنت تعتقدان لولاه ما خلق الله نفسك ولا أحداً من المكلفين في زمانه وزمانك، وان اللطف بوجوده صلوات الله عليه سبب لكل ما أنت وغيرك فيه وسبب لكل خير تبلغون إليه، فإيّاك ثم إيّاك أن تقدّم نفسك أو أحداً من الخلايق في الولاء، والدعاء له بأبلغ الامكان، وأحضر قلبك ولسانك في الدعاء لذلك المولى العظيم الشأن، واياك أن تعتقد انني قلت هذا لأنّه محتاج إلى دعائك هيهات هيهات إن اعتقدت هذا فأنت مريض في اعتقادك وولائك، بل انما قلت هذا لما عرّفتك من حقّه العظيم عليك واحسانه الجسيم اليك، ولأنّك إذا دعوت له قبل الدعاء لنفسك ولمن يعزّ عليك كان أقرب إلى أن يفتح الله جلّ جلاله أبواب الاجابة بين يديك لأن أبواب قبول الدعوات قد غلقتها أيها العبد بأغلاق الجنايات، فاذا دعوت لهذا المولى الخاص عند مالك الأحياء والأموات يوشك أن يفتح أبواب الاجابة لأجله فتدخل أنت في الدعاء لنفسك ولمن تدعو له في زمرة فضله وتتّسع رحمة الله جلّ جلاله لك وكرمه وعنايته بك لتعلّقك في الدعاء بحبله.
ولا تقل فما رأيت فلاناً وفلاناً من الذين تقتدي بهم من شيوخك بما أقول يعملون، وما وجدتهم الّا وهم عن مولانا الذي أشرت إليه صلوات الله عليه غافلون وله مهملون، فأقول لك أعمل بما قلت لك فهو الحق الواضح ومن أهمل مولانا وغفل عمّا ذكرت عنه فهو والله الغلط الفاضح"(٩٢٠).
وفي كتاب المضمار في عمل شهر رمضان المبارك بعد ذكره ادعية السحر:
"ومن وظائف كل ليلة أن يبدأ العبد في كلّ دعاء مبرور، ويختم في كلّ عمل مشكور بذكر من يعتقد انّه نائب الله جلّ جلاله في عباده وبلاده، وانّه القيّم بما يحتاج إليه هذا القائم من طعامه وشرابه وغير ذلك من مراده من سائر الأسباب التي هي متعلّقة بالنائب عن ربّ الأرباب، وان يدعو له هذا الصائم بما يليق أن يدعى به لمثله، ويعتقد ان المنّة لله جلّ جلاله ولنائبه، كيف أهّلاه لذلك، ورفعاه به في منزلته ومحله"(٩٢١).
ويظهر من هذه الكلمات الشريفة ان أحد أسباب الدعاء له عليه السلام هو أداء مراسم العبودية والتبعية ووفاء الحق العظيم والجليل، وهو أيضاً لرفع موانع القول وموانع الاجابة، وموانع فتح أبواب اللطف والعناية.
وأمّا تفصيل الأدعية المأثورة المختصّة به عليه السلام، فبعضها مطلق، وبعضها مخصوص بزمان، فنذكر هنا بعضاً منها:
الأول: قال السيد رضي الدين علي بن طاووس رحمه الله في الكتاب المذكور بعد الكلام السابق:
فمن الرواية في الدعاء لمن أشرنا إليه صلوات الله عليه ما ذكره جماعة من أصحابنا، وقد اخترنا ما ذكره ابن أبي قرة في كتابه، فقال: بإسناده إلى علي بن الحسن بن فضال عن محمد بن عيسى بن عبيد بإسناده عن الصالحين عليهم السلام قال:
كرر في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان قائماً وقاعداً، وعلى كل حال، والشهر كلّه، وكيف امكنك ومتى حضرك في دهرك تقول بعد تمجيد الله تعالى، والصلاة على النبي وآله عليهم السلام:
"اللهم كن لوليك القائم بأمرك الحجة بن الحسن المهدي عليه وعلى آبائه أفضل الصلوة والسلام في هذه الساعة وفي كل ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلا ومؤيداً [ومريداً](٩٢٢) حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طولا وعرضاً وتجعله وذريّته من الائمة الوارثين، اللهمّ انصره وانتصر به واجعل النصر منك له وعلى يده واجعل النصر(٩٢٣) له والفتح على وجهه ولا توجه الأمر إلى غيره اللهم اظهر به دينك وسنّة نبيّك حتى لا يستخفي بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق، اللهم انّي أرغب اليك في دولة كريمة تعزّ بها الاسلام وأهله، وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واجمع لنا خير الدارين واقض عنّا جميع ما تحب فيهما واجعل لنا في ذلك الخيرة برحمتك ومنك في عافية آمين ربّ العالمين وزدنا من فضلك ويدك الملاْى فان كل معط ينقص من ملكه، وعطائك يزيد في ملكك"(٩٢٤).
وروى ثقة الاسلام في الكافي عن محمد بن عيسى باسناده إلى بعض الصالحين عليهم السلام انّه قال بعد أن ذكر التفصيل المتقدّم باختلاف يسير:
"تقول بعد تحميد الله تبارك وتعالى، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلّم: اللهم كن لوليك فلان بن فلان في هذه الساعة وفي كل ساعة وليّاً وحافظاً، وناصراً، ودليلا، وقائداً وعيناً(٩٢٥) حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلا"(٩٢٦).
ونقل الشيخ ابراهيم الكفعمي في المصباح بعد التفصيل المذكور، الدعاء بهذا الشكل:
"اللهم كن لوليك محمد بن الحسن المهدي في هذه الساعة وفي كلّ ساعة وليّاً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلا وعيناً حتى تسكنه ارضك طوعاً وتمتّعه فيها طويلا"(٩٢٧).
الثاني: روى جماعة كثيرة من العلماء منهم الشيخ الطوسي في المصباح، والسيد ابن طاووس في جمال الأسبوع بأسانيد معتبرة صحيحة وغيرها عن يونس بن عبد الرحمن: ان الرضا عليه السلام كان يأمر بالدعاء لصاحب الأمر عليه السلام بهذا:
اللهم ادفع عن وليك وخليفتك وحجتك [على خلقك](٩٢٨) ولسانك المُعبّر عنك بإذنك الناطق بحكمتك، وعينك الناظرة في(٩٢٩) بريّتك وشاهدك على عبادك الجحجاح المجاهد العائذ بك عندك، وأعذه من شرّ جميع ما خلقت وبرأت وأنشأت وصورت، واحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه و[من](٩٣٠) تحته بحفظك الذي لا يضيع من حفظته به واحفظ فيه رسولك وآباءَه ائمتك ودعائم دينك واجعله في وديعتك التي لا تضيع وفي جوارك الذي لا يخفر وفي منعك وعزّك الذي لا يقهر وآمنه بأمانك الوثيق الذي لا يخذل من آمنته به واجعله في كنفك الذي لا يرام من كان فيه وأيّده [وانصره](٩٣١) بنصرك العزيز وأيّده بجندك الغالب وقوّه بقوّتك واردفه بملائكتك، ووالِ من والاه وعادِ من عاداه وألبسه درعك الحصينة وحفّه بالملائكة حفّاً، اللهمّ وبلّغه أفضل ما بلّغت القائمين بقسطك من اتباع النبيين اللهم اشعب به الصدع وارتق به الفتق وأمِتْ به الجور وأظهر به العدل وزيّن بطول بقائه الأرض وأيّده بالنصر وانصره بالرعب وقوّ ناصريه واخذل خاذليه ودمدم على من نصب له ودمّر من غشّه(٩٣٢) واقتل به الجبابرة الكفرة وعمّده ودعائمه واقصم به رؤوس الضلالة وشارعة البدع ومميتة السنة ومقوية الباطل وذلل به الجبارين وأبر به الكافرين وجميع الملحدين في مشارق الأرض ومغاربها وبرّها وبحرها وسهلها وجبلها حتى لا تدع منهم ديّاراً ولا تُبقي لهم آثاراً اللهم طهّر منهم بلادك واشف منهم عبادك واعز به المؤمنين وأحي به سنن المرسلين ودارس حكمة النبيين وجدّد به ما امتحى من دينك وبُدّل من حكمك حتى تعيد دينك به وعلى يديه جديداً غضاً محضاً صحيحاً لا عوج فيه ولا بدعة معه وحتى تبير(٩٣٣) بعدله ظلم الجور وتطفئ نيران الكفرة وتوضح به معاقد الحق ومجهول العدل فانّه عبدك الذي استخلصته لنفسك واصطفيته على عبادك وائتمنته على غيبك وعصمته من الذنوب وبرأته من العيوب وطهّرته من الرجس وصرفته من الدنس وسلمته من الريب فإنّا نشهد له يوم القيامة ويوم حلول الطامّة انّه لم يذنب ذنباً ولا أتى حوباً ولم يرتكب معصية ولم يضيع لك طاعة ولم يهتك لك حرمة ولم يبدل لك فريضة ولم يغير لك شريعة وانّه الهادي المهدي الطاهر التقي النقي الرضي الزكي، اللهمّ أعطه في نفسه وأهله وولده وذريّته وأمّته وجميع رعيّته ما تقرّ به عينه وتسرّ به نفسه وتجمع [له](٩٣٤) ملك المملكات كلّها قريبها وبعيدها وعزيزها وذليلها حتى يجري حكمه على كلّ حكم ويغلب بحقّه كلّ باطل، اللهم أسلك بنا على يديه منهاج الهدى والمحجة العظمى والطريقة الوسطى التي يرجع إليها الغالي ويلحق بها التالي وقوّنا على طاعته وثبّتنا على مشايعته وامنن علينا بمتابعته واجعلنا في حزبه القوّامين بأمره الصابرين معه الطالبين رضاك بمناصحته حتى تحشرنا يوم القيامة في أنصاره وأعوانه ومقوية سلطانه، اللهم واجعل ذلك لنا خالصاً من كلّ شك وشبهة ورياء وسمعة حتى لا نعتمد به غيرك ولا نطلب به إلّا وجهك وحتى تحلنا محلّه وتجعلنا في الجنّة معه واعذنا من السأمة والكسل والفترة واجعلنا ممن تنتصر به لدينك وتعزّ به نصر وليّك ولا تستبدل بنا غيرنا فان استبدالك بنا غيرنا عليك يسير وهو علينا كبير، اللهم صلّ على ولاة عهدك والائمة من بعده وبلّغهم آمالهم وزد في آجالهم وأعزّ نصرهم وتمّم لهم ما أسندت إليهم من أمرك لهم وثبّت دعاءَهم واجعلنا لهم أعواناً وعلى دينك أنصاراً فانّهم معادن كلماتك وأركان توحيدك ودعائم دينك وولاة أمرك وخالصتك من عبادك وصفوتك من خلقك وأوليائك وسلايل اوليائك وصفوة أولاد رسلك والسلام عليهم ورحمة الله وبركاته(٩٣٥).
الدعاء الثالث: وقال السيد الجليل علي بن طاووس رحمه الله في كتاب (فلاح السائل):
"ومن المهمّات عقيب صلاة الظهر الاقتداء بالصادق عليه السلام في الدعاء للمهدي عليه السلام الذي بشّر به محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم أمّته في صحيح الروايات، ووعدهم انّه يظهر في آخر الأوقات كما رواه محمد بن رهبان الدبيلي قال: حدّثنا أبو علي محمد بن الحسن بن محمد بن جمهور القمي، قال: حدّثنا أبي عن أبيه محمد بن جمهور، عن احمد بن الحسين السكري، عن عباد بن محمد المدائني، قال:
دخلت على أبي عبد الله عليه السلام بالمدينة حين فرغ من مكتوبة الظهر، وقد رفع يديه إلى السماء ويقول:
أي سامع كل صوت.
أي جامع كل فوت.
أي بارئ كل نفس(٩٣٦) بعد الموت.
أي باعث، أي وارث، أي سيد السادات(٩٣٧)، أي إله الآلهة، أي جبّار الجبابرة، أي ملك الدنيا والآخرة، أي ربّ الأرباب، أي ملك الملوك، أي بطاش، أي ذا البطش الشديد، أي فعالا لما يريد، أي محصي عدد الأنفاس ونقل الأقدام، أي من السرّ عنده علانية أي مبدئ أي معيد، أسألك بحقك على خيرتك من خلقك وبحقّهم الذي أوجبت لهم على نفسك أن تصلّي على محمد وأهل بيته وأن تمنّ عليَّ الساعة بفكاك رقبتي من النار، وأنجز لوليّك وابن نبيّك الداعي إليك بإذنك وأمينك في خلقك وعينك في عبادك وحجتك على خلقك عليه صلواتك وبركاتك وعده، اللهم أيّده بنصرك وانصر عبدك وقوِّ أصحابه وصَبّرْهم وافتح لهم من لدنك سلطاناً نصيراً وعجّل فرجه وأمكنه من اعدائك واعداء رسولك يا أرحم الراحمين.
قلت: أليس قد دعوت لنفسك جعلت فداك؟
قال: دعوت لنور آل محمد [عليهم السلام](٩٣٨) وسائقهم(٩٣٩)، والمنتقم بأمر الله من اعدائهم.
قلت: متى يكون خروجه جعلني الله فداك؟
قال: إذا شاء من له الخلق والأمر.
قلت: فله علامة قبل ذلك.
قال: نعم، علامات شتّى.
قلت: مثل ماذا؟
قال: خروج راية من المشرق، وراية من المغرب، وفتنة تظل أهل الزوراء، وخروج رجل من ولد عمّي زيد باليمن، وانتهاب ستارة البيت [ويفعل الله ما يشاء](٩٤٠)"(٩٤١).
ونقل الشيخ الطوسي(٩٤٢) والكفعمي(٩٤٣) هذا الدعاء وثبّتا في كل المواضع بدل (أي) (يا).
الدعاء الرابع: وروى السيد المعظّم في ذلك الكتاب الشريف:
"ومن المهمات بعد صلاة العصر الاقتداء بمولانا موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام في الدعاء لمولانا المهدي [صلوات الله وسلامه وبركاته على محمد جده، وبلغ ذلك إليه](٩٤٤) كما رواه محمد بن بشير الأزدي، قال: حدّثنا احمد بن عمر [بن موسى](٩٤٥) الكاتب، قال:
حدّثنا الحسن بن محمد بن جمهور القمي، عن أبيه محمد بن جمهور، عن يحيى بن الفضل النوفلي، قال: دخلت على أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام ببغداد حين فرغ من صلاة العصر، فرفع يديه إلى السماء وسمعته يقول:
أنت الله لا إله إلّا أنت الأول والآخر والظاهر والباطن وأنت الله لا إله الّا أنت إليك زيادة الأشياء ونقصانها وأنت الله لا إله الّا أنت خلقت خلقك بغير معونة من غيرك ولا حاجة إليهم وأنت الله لا إله الّا أنت منك المشية وإليك البداء أنت الله لا إله إلّا أنت قبل القبل وخالق القبل أنت الله لا إله الّا أنت بعد البعد وخالق البعد أنت الله لا إله الّا أنت تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب، أنت الله لا إله الّا أنت غاية كلّ شيء ووارثه، أنت الله لا إله الّا أنت لا يعزب عنك الدقيق ولا الجليل، أنت الله لا إله الّا أنت لا يخفى عليك اللغات ولا تتشابه عليك الأصوات كل يوم أنت في شأن لا يشغلك شأن عن شأن عالم الغيب وأخفى ديان [يوم](٩٤٦) الدين مدبّر الأمور باعث من في القبور، محيي العظام وهي رميم، أسألك باسمك المكنون المخزون الحي القيوم الذي لا يخيب من سألك به [اسألك](٩٤٧) أن تصلّي على محمد وآله وأن تعجّل فرج المنتقم لك من اعدائك وأنجز له ما وعدته يا ذا الجلال والاكرام.
قال(٩٤٨): قلت: من المدعوّ له؟
قال: ذلك المهدي من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلّم.
قال: بأبي المنبدح (المنفدح) البطن، المقرون الحاجبين، احمش الساقين، بعيد ما بين المنكبين، اسمر اللون، يعتاده مع سمرته صفرة من سهر الليل.
بأبي من ليله يرعى النجوم ساجداً، وراكعاً، بأبي مَنْ لا يأخذه في الله لومة لائم، مصباح الدجى.
بأبي القائم بأمر الله.
قلت: متى خروجه؟
قال: إذا رأيت العساكر بالانبار على شاطئ الفرات، والصراة ودجلة، وهدم قنطرة الكوفة، واحراق بعض بيوتات الكوفة، فإذا رأيت ذلك، فانّ الله يفعل ما يشاء لا غالب لأمر الله ولا معقّب لحكمه"(٩٤٩).
الدعاء الخامس: نقل السيد علي بن طاووس رحمه الله في كتاب المضمار، هذا الدعاء في أدعية الثالث عشر من شهر رمضان:
اللهم انّي أدينك بطاعتك وولايتك وولاية محمد نبيّك وولاية أمير المؤمنين حبيب نبيّك وولاية الحسن والحسين سبطي نبيّك وسيدي شباب أهل جنّتك وأدينك يا رب بولاية علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي وسيدي ومولاي صاحب الزمان ادينك يا ربّ بطاعتهم وولايتهم وبالتسليم بما فضلتهم راضياً غير منكر ولا متكبّر(٩٥٠) على [معنى](٩٥١) ما أنزلت في كتابك، اللهمّ صلّ على محمد وآل محمد وادفع(٩٥٢) عن وليّك وخليفتك ولسانك والقائم بقسطك والمعظم لحرمتك والمعبر عنك والناطق بحكمك وعينك الناظرة واذنك السامعة وشاهد عبادك وحجتك على خلقك والمجاهد في سبيلك والمجتهد في طاعتك واجعله في وديعتك التي لا تضيع وأيّده بجندك الغالب وأعِنْهُ وأعن عنه واجعلني ووالدي وما ولدا وولدي من الذين ينصرونه وينتصرون به في الدنيا والآخرة، اشعب به صدعنا وارتق به فتقنا، اللّهمّ أمِتْ به الجور ودمدم بمن نصب له واقصم به رؤوس الضلالة حتى لا تدع على الأرض منهم دياراً(٩٥٣).
الدعاء السادس: روى الشيخ الطوسي في الغيبة عن الحسين بن محمد بن عامر الأشعري قال: حدّثني يعقوب بن يوسف الضرّاب الغسّاني في منصرفه من اصفهان قال: حججت في سنة احدى وثمانين ومائتين وكنت مع قوم مخالفين من أهل بلادنا فلمّا أن قدمنا مكّة تقدّم بعضهم فاكترى لنا داراً في زقاق بين سوق الليل وهي دار خديجة عليها السلام، تسمّى دار الرّضا عليه السلام، وفيها عجوز سمراء فسألتها لمّا وقفت على أنّها دار الرضا عليه السلام: ما تكونين من أصحاب هذه الدار؟ ولم سمّيت دار الرضا؟ فقالت: أنا من مواليهم وهذه دار الرضا علي بن موسى عليه السلام أسكننيها الحسن بن علي عليهما السلام، فانّي كنت في خدمته، فلمّا سمعت ذلك منها أنست بها، وأسررت الأمر عن رفقائي المخالفين فكنت إذا انصرفت من الطواف بالليل، أنام معهم في رواق الدار، ونغلق الباب، ونلقي خلف الباب حجراً كبيراً كنّا نديره خلف الباب.
فرأيت غير ليلة ضوء السراج في الرواق الذي كنّا فيه، شبيهاً بضوء المشعل ورأيت الباب قد انفتح، ولا أرى أحداً فتحه من أهل الدار، ورأيت رجلا ربعة أسمر إلى الصفرة، ما هو قليل اللحم، في وجهه سجادة، عليه قميصان، وازار رقيق قد تقنّع به، وفي رجليه نعل طاق، فصعد إلى غرفة في الدار، حيث كانت العجوز تسكن وكانت تقول لنا: انّ في الغرفة إبنةٌ لا تدع أحداً يصعد إليها فكنت أرى الضوء الذي رأيته يضيء في الرّواق على الدرجة عند صعود الرجل إلى الغرفة التي يصعدها ثمّ أراه في الغرفة من غير أن أرى السراج بعينه، وكان الذين معي يرون مثل ما أرى فتوهّموا أن يكون هذا الرجل يختلف إلى ابنة العجوز، وأن يكون قد تمتّع بها فقالوا: هؤلاء العلويّة يرون المتعة، وهذا حرام لا يحلّ فيما زعموا، وكنّا نراه يدخل ويخرج ويجيء إلى الباب وإذا الحجر على حاله الذي تركناه، وكنّا نغلق هذا الباب خوفاً على متاعنا وكنّا لا نرى أحداً يفتحه ولا يغلقه، والرجل يدخل ويخرج، والحجر خلف الباب إلى وقت ننحّيه إذا خرجنا.
فلمّا رأيت هذه الأسباب ضرب على قلبي، ووقعت في نفسي فتنة(٩٥٤) فتلطّفت العجوز، وأحببت أن أقف على خبر الرجل، فقلت لها: يا فلانة انّي أحبّ أن أسألك واُفاوضك من غير حضور من معي، فلا أقدر عليه، فأنا أحبّ إذا رأيتني في الدّار وحدي، أن تنزلي إليّ لأسألك عن أمر، فقالت لي مسرعة: وأنا اُريد أن أسرّ اليك شيئاً فلم يتهيّأ لي ذلك من أجل من معك(٩٥٥) فقلت ما أردت أن تقولي؟ فقالت: يقول لك - ولم تذكر أحداً - لا تحاشن أصحابك وشركاءك ولا تلاحهم فانّهم أعداؤك ودارِهم، فقلت لها: من يقول؟ فقالت: أنا أقول، فلم أجسر لما دخل قلبي من الهيبة أن اُراجعها.
فقلت: أيّ أصحابي تعنين؟ وظننت انّها تعني رفقائي الذين كانوا حجّاجاً معي، فقالت: شركاؤك الذين في بلدك وفي الدار معك، وكان جرى بيني وبين الذين معي في الدّار عتب في الدين، فسعوا بي حتى هربت واستترت بذلك السبب فوقفت على انّها عنت اولئك، فقلت لها: ما تكونين أنت من الرضا؟ فقالت: أنا كنت خادمة للحسن ابن علي صلوات الله عليه.
فلمّا استيقنت ذلك، قلت: لأسألنّها عن الغائب، فقلت لها: بالله عليك رأيته بعينك؟ فقالت: يا أخي لم أره بعيني فانّي خرجت واُختي حُبلى، وبشّرني الحسن بن علي عليه السلام بأنّي سوف أراه في آخر عمري، وقال لي: تكونين له كما كنت لي، وأنا اليوم منذ كذا بمصر، وانما قدمت الآن بكتابة ونفقة وجّه بها إليّ على يد رجل من أهل خراسان لا يفصح بالعربيّة وهي ثلاثون ديناراً وأمرني أن أحجّ سنتي هذه فخرجت رغبة منّي في أن أراه، فوقع في قلبي انّ الرجل الذي كنت أراه يدخل ويخرج هو هو، فأخذت عشرة دراهم صحاح فيها سكّة رضويّة من ضرب الرضا عليه السلام قد كنت خبّأتها لألقيها في مقام ابراهيم عليه السلام وكنت نذرت ونويت ذلك، فدفعتها إليها وقلت في نفسي: أدفعها إلى قوم من ولد فاطمة