فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » أمل الإنسان - الإمام المهدي عليه السلام في الفكر الإسلامي الأصيل
 كتب أخرى

الكتب أمل الإنسان - الإمام المهدي عليه السلام في الفكر الإسلامي الأصيل

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: مركز نون للتأليف والترجمة تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٢١٩١٢ التعليقات التعليقات: ١

أمل الإنسان
الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف في الفكر الإسلامي الأصيل

مركز نون للتأليف والترجمة

فهرست الموضوعات

المقدمة
مدخلٌ: التعرّف إلى مفهوم الإمامة
المبحث الأول: أهميَّةُ مسألةِ الإمامة
المبحث الثاني: شؤون ووظائف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
المبحث الثالث: مراتب الإمامة
المبحث الرابع: الطرح الصحيح لمسألة الإمامة
المبحث الخامس: الإمامة في القرآن
المبحث السادس: تصريح النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأئمّة الاثني عشر
خاتمة
الفصل الأوّل: معرفة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الأوَّل: من هو الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف؟
المبحث الثاني: كيف نؤمن بأنّ الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف قد وُجد؟
المبحث الثالث: تبليغ الدين دَليل على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الرابع: الدليل العقليّ على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الخامس: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
الفصل الثاني: ضرورة الاعتقاد بقضية المهدويّة
المبحث الأوّل: المهدويّة أمر متّفق عليه
المبحث الثاني: قضيّة المهدويّة عند الشّيعة
المبحث الثالث: المهدويّة في الكتاب والسنّة
المبحث الرابع: الإصلاح وقيام الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الخامس: لماذا لم يذكر اسم الإمام في القرآن الكريم؟
المبحث السادس: المهدويّة وكمال البشرية
الفصل الثالث: أبعاد شخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومهامه
المبحث الأوّل: أبعاد شخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الثاني: دور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في بناء المجتمع وتربيته
الفصل الرابع: طول عمر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الأول: الحاجة إلى الإمامة سببٌ من أسباب طول عمره عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الثاني: تحليل دقيق لطول عمر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
الفصل الخامس: واجبات أنصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومجتمع المهدويّة
المبحث الأوَّل: واجبات الأنصار
المبحث الثاني: خصائص مجتمع المهدويّة
الفصل السادس: مفهوم الانتظار
المبحث الأوّل: ما هو مفهوم الانتظار؟
المبحث الثاني: انتظار الفرج ومعناه الصحيح‏
المبحث الثالث: مفهوم الانتظار عند الإمام السيد موسى الصدر
المبحث الرابع: الانتظار الإيجابيّ عند الإمام المغيّب السيد موسى الصدر
المبحث الخامس: نهضة المهديّ في ضوء فلسفة التاريخ
المبحث السادس: الانتظار في القرآن والتاريخ
المبحث السابع: الإنسانية المضطهدة والانتظار
المبحث الثامن: الجهاد والانتظار
الفصل السابع: نظرة تحليلية في قضية الظهور
المبحث الأوّل: لماذا لم يظهر القائد؟
المبحث الثاني: ما هو دور الفرد في حركة الظهور؟
المبحث الثالث: كيف تتمّ عملية التغيير في اليوم الموعود؟
المبحث الرَّابع: خصائص عهد الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
الفصل الثامن: العدل والعدالة في دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الأوّل: بسط العدل هدف الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الثاني: مفهوم العدل والعدالة في دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الثالث: الجهاد طريقٌ لإحقاق العدل
المبحث الرابع: إمام المستقبل أم إمام الزَّمان؟
الفصل التاسع: ضوابط منهجية في دراسة قضية المهدويّة
المبحث الأول: قضية المهدويّة قضية اعتقادية أساسية
المبحث الثاني: المهدويّة قضيّة الإسلام وجميع المسلمين
المبحث الثالث: تلازم قضية الانتظار مع قضية المهدويّة
المبحث الرابع: وظيفة المنتظرين
المبحث الخامس: ضرورة التحقيق العلميّ الجادّ بقضيتي الانتظار والظهور
المبحث السادس: قيمة التوسّل والأنس بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

المقدمة

تعيش الإنسانية في عصرنا هذا مجموعة متناقضة من الظروف والحالات. ففي الوقت الذي بلغ فيه الإنسان آفاقاً قصوى في العلوم المختلفة، وطوّر من إمكانيّاته التكنولوجية ليستفيد منها في شتّى الميادين، إلا أنّه يشهد كذلك تهاوياً مدوّياً للعديد من النظريات الفلسفية والمدارس الفكرية والاجتماعية، والتي كان لبعضها أن يقود أمماً ومجتمعات بأكملها، كما حصل مع الفكر الماركسي وكذلك مع الفكر الرأسمالي.
غير أنه لم يُكتب لهذه الأيديولوجيات النجاح خاصة على صعيد الإنساني، في زرع الأمل والطمأنينة وروح الفرح والسعادة في قلوب البشر، بل على العكس تماماً، إذ نجد أنّ الحروب والدّمار ونوعية الأوبئة الاجتماعية التي فتكت بالمجتمعات وأهلكت الحرث والنسل، تكاد تغطّي مساحة القرنين الماضيين، وخاصّة الجزء الأخير من القرن الماضي وبداية القرن الجديد.
لقد امتلأت كتُب الفلسفة الحديثة، بأفكار متماثلة، حول القلق الوجوديّ الذي تعيشه البشرية فيما يخصّ مصيرها، إنّه قلقٌ لا يهدأ، ولا تهتدي البشرية لجواب شافٍ عنه.
وهذا الكتاب، هو محاولة للإضاءة على أحد الأعمدة الرئيسة في الفكر الإسلاميّ الأصيل "قضية المهدوية"، والذي يشكّل بالنسبة لنا ذلك المنهج المتكامل الذي يكفل حياةً إنسانيةً رغيدة وآمنة بعيدة عن شبح الحروب والدمار والظلم. إنّ "قضية المهدوية" في هذا العالم المضطرب، تشكّل المتنفّس الوحيد الآمن، والذي نعتقد أنّه سيجمع الإنسانية كلّها تحت مظلّة العدالة الشاملة والنهائية، وأنّ الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف هو أمل الإنسان الذي لا يمكن أن تعود الإنسانية تحت رايته القهقرى إلى زمن التخلّف والجهل والظلم والعدوان.
لقد قمنا في هذا الكتاب بجمع جهود نخبة من العلماء الربّانيين الذين يشكّلون الوجه المضيء للفكر الإسلاميّ الأصيل في هذا العصر، والذين انطلقت النهضة الإسلامية المباركة على أيديهم وجهودهم.
ويكتسب هذا الكتاب أهميةً عالية من جهات عدّة:
أوّلها: هو المنهج المترابط الذي يبدأ بالتعرّف إلى قضية وجود الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف انتهاءً بشكل دولة العدالة الشاملة التي سيتمّ بناؤها على يديه ويدي المؤمنين.
ثانيها: إنّ هذا الكتاب يكتسب فرادة في بابه لأنّه يجمع بين دفّتيه نصوص العلماء الربّانين:
- الإمام السيّد روح الله الخمينيّ قدس سره.
- الإمام السيّد علي الخامنئيّ دام ظله.
- العلامة السيّد محمد حسين الطباطبائي قدس سره.
- العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري قدس سره.
- الشهيد السيّد محمد باقر الصدر قدس سره.
- الإمام المغيَّب السيّد موسى الصدر.
وقد قمنا بترتيب النصوص في منهج مترابط، مضطرّين للتدخّل أحياناً في التقديم والتأخير، وكذلك في الحذف والإبدال في بعض النصوص. وقد أشرنا إلى تلك المواضع بـ (...).
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الكتاب على قدر الآمال، وقرةً لعين صاحب الزمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وإسهاماً يظهر حقيقة تطلّعات الأجيال المؤمنة والشابة نحو غدٍ مشرق بإذن الله تعالى.
مركز نون للتأليف والترجمة
مدخلٌ: التعرّف إلى مفهوم الإمامة
محتويات المدخل:
- المبحث الأول: أهميَّةُ مسألةِ الإمامة
- المبحث الثاني: شؤون ووظائف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
- المبحث الثالث: مراتب الإمامة
- المبحث الرابع: الطرح الصحيح لمسألة الإمامة
- المبحث الخامس: الإمامة في القرآن
- المبحث السادس: تصريح النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأئمة الاثني عشر.
المبحث الأول: أهميَّةُ مسألةِ الإمامة
إنَّ مسألةَ الإمامة لها أهميتها الخاصة عند كلّ المسلمين وخاصة مدرسة أهل البيت عليهم السلام. وإنّنا لنجد حديثاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم متّفقاً عليه(١)، وإن اختلفت فيه العبائر غير أنّ مضمونه واحدٌ، فيروى عن أهل البيت عليهم السلام بصيغة: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً الجاهلية"(٢)، وفي المصادر الأخرى: "من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية"(٣)، وفي صياغة أخرى "من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية"(٤) ورابعة "من مات ولا إمام له مات ميتة جاهلية"(٥).
والملاحظ في هذه الروايات هو اللغة الشديدة التي تعكس مدى اهتمام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بمسألة الإمامة، والجميع متّفق على أن الحديث يبرز أهميّة الإمامة.
الإمامة لغة: إنّ كلمة الإمام بمدلولها اللغويّ لا تحمل أيّ مفهوم مقدّس، لأن الإمام في اللغة هو الشخص المتَّبَع والمقتدى به، سواء أكان قدوة الناس في طريق الخير أم في طريق الشرّ، وسواء أقاد الناس نحو الهدى أم باتّجاه الضلال.
ولذا نجد القرآن الكريم يطلق كلمة الإمام على كلا النحوين، فقال تعالى في أئمة الهدى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)(٦) وفي شأن أئمّة الضلال قال تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ)(٧).
الاختلاف في مصطلح الإمامة:
ما يهمّنا هنا هو البحث عن مفهوم الإمامة اصطلاحاً، وهو الذي تختلف في تفسيره مدرسة أهل البيت عليهم السلام عن الفرق الأخرى. فالخلاف القائم إنّما هو في تحديد المعنى الاصطلاحيّ للإمامة. لذا لا يصحّ أن نصوّر الاختلاف بين مدرسة أهل البيت عليهم السلام والمدارس الأخرى على أنّه في خصوص شخص الإمام، لأنّ الاختلاف هو في مفهوم الإمامة وما يتضمَّنه هذا المفهوم، رغم وجود جهاتِ اشتراكٍ تتضمَّنُها الإمامة، كالإيمان بأنَّها رئاسة المجتمع أو الرئاسة العامة. ولتوضيح هذا الاختلاف لا بدّ من تحديد وظائف النبوّة وخصوصيات النبيّ لننتقل منها إلى تعريف مفهوم الإمامة، لأن الإمام هو القائد الذي يحمل مسؤولية الدين بعد النبيّ، فهل له كلّ أو بعض ما كان للنبيّ من شؤون ووظائف؟
المبحث الثاني: شؤون ووظائف النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم
لقد كان للنبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بما رواه القرآن وبما روته السيرة شؤون ووظائف متعدّدة، فقد كان ينهض بأعباء متعدّدة في وقتٍ واحدٍ، ويمكن تقسيمها إلى ثلاث وظائف:
أولاً، النبوّة: قال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)(٨).
وهنا يكون كلام النبيّ وحياً إلهياً، ووظيفة النبيّ فيه التبليغ.
ثانياً، القضاء: قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا)(٩). وهنا يمارس النبيّ عمليّة تطبيق للموازين الإسلامية في القضاء دون تدخّل إلهيّ، أي إنّ النبيّ عندما يقضي بين اثنين إنّما يقضي بينهما بما لديهما من حجة واثبات للحقّ كالبيّنة ونحوها.
ثالثاً، الرئاسة العامة: فقد كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قائد المسلمين ورئيسهم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ)(١٠). وهنا تكون الأوامر النبوية غير الوحي الإلهي. وفي هذه الدائرة كان النبيّ يشاور أصحابه، فيسألهم عمّا يرونه ثمّ يأمرهم بما هو يراه. وهنا لا يكون ما يصدره النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من الله مباشرة، بل تصدر هذه الأوامر طبق الصلاحية التي أعطاها الله للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كحاكمٍ وقائدٍ للأمة الإسلامية، لذلك تكون هذه الأوامر واجبة الطَّاعة.
وإذا شوهد في تاريخ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بعض أنواع التدخل الغيبّي فذلك لا يشكّل قاعدةً عامةً وإنّما هو استثناء.
المبحث الثالث: مراتب الإمامة
بعد أن اتّضحت وظائف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ننقل الكلام إلى الإمامة لنشرح مراتبها بالنظر إلى كونها استمراراً لوظائف النبوّة، وبالتالي يكون للإمامة أيضاً مراتب ثلاث، وقع الاختلاف في بعضها، ومن خلال توضيحها يظهر محلّ النزاع بين الفرق الإسلامية.
١- الرئاسة العامة
فكما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم هو القائد والحاكم في المجتمع الإسلاميّ، كذلك تنتقل القيادة إلى من يأتي بعده صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه المسألة محلّ اتّفاق بين الفريقين (مدرسة أهل البيت عليهم السلام ومدرسة الخلفاء)، فالفريقان يتفقان على أصل الإمامة بهذه المرتبة، ولكنّ الاختلاف في شكل هذه المرتبة، وأنها بالتعيين والنصّ أو لا.
لو كان يقتصر مفهوم الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام على هذه المرتبة، ولم يكن لديهم إيمان بالمراتب الأخرى للإمامة، لكانت الإمامة عندهم من فروع الدين لا من أصوله، إلا أنّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام تعتقد بأن للإمام مرتبتين أخريين، لذلك لا ترى هذه المدرسة أنّ علياً عليه السلام هو المتقدم أو الأفضل من بين أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقط، بل ترى له مرتبتين لا يشاركه فيهما أحدٌ من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
٢- المرجعيّة الدينيّة
إنّ من وظائف النبيّ التي تقدّم ذكرها وظيفة بيان الأحكام الإلهية (النبوّة). ولكنّ حياة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم المحدودة بزمن معيّن، والظروف المحيطة بها، قد منعت من أن يكون ما بلّغه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعامة المسلمين شاملاً لجميع أحكام الإسلام، ولذا كان الأسلوب الأمثل هو قيام النبيّ بتعليم شخصٍ وتلقينه هذه الأحكام، ليقوم بعد وفاته بإكمال وظيفة تبليغ الأحكام الإلهية.
وتعتقد مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ عليّاً عليه السلام كان هو ذلك الشخص الذي قام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بتعليمه أحكام الإسلام، وأصبح هو العالِم الاستثنائيّ المتقدِّم على أصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علمه هو العلم المعصوم، أي أنّه لا يشتبه في قولٍ ولا حكم. وهذا التعليم لم يكن بالطريقة المتعارفة، بل كان من خلال طريق غيبيّ إلهيّ. وهذه المعرفة الغيبية الإلهية انتقلت من الإمام عليه السلام إلى الأئمّة من بعده.
٣- الإمامة بمعنى الولاية
تشكّل هذه المرتبة الذروة في مفهوم الإمامة، وتشمل كلّ ما قبلها من مراتب وتزيد عليها، أي الاعتقاد بأنّ الإمام عليه السلام هو الإنسان الكامل وهو حجة العصر، وهذا الإنسان لا بدّ من وجوده في كلّ عصر، ولولاه لساخت الأرض بأهلها، ولهذا الإنسان مقاماتٌ ودرجاتٌ عالية. وقد اعتبرت مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ هذه المرتبةَ ثابتةٌ للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللأئمة عليهم السلام من بعده، وأنّه لا بدّ في كلّ عصرٍ من وليٍّ كاملٍ، وله مقاماتٌ بعيدةٌ عن تصوّرنا. وأما أغلب المسلمين فلا يعتقدون بثبوت هذه المرتبة سوى للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
هذه هي المراتب الثلاث للإمامة. وقد انقسم الشيعة في هذه المراتب إلى ثلاثة أقوال، فبعضٌ يعتقد بأنّ الإمامة هي بمعنى القيادة والرئاسة العامة فقط أي المرتبة الأولى، وبعضٌ آخر يعتقد بأنها مرجعية دينية أيضاً أي بالمرتبة الثانية للإمامة، ولكنّ أكثر الشيعة يعتقدون بأنّها ولاية كاملة، أي المرتبة الثالثة التي تشمل كلّ مراتب الإمامة.
المبحث الرابع: الطرح الصحيح لمسألة الإمامة
هل تقع مهمّة بيان الأحكام الإلهية وتعاليم السماء بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على شخصٍ واحد، بنحو يكون ما يجيب به هو الصواب والحقيقة، دون أيّ احتمال للخطأ والهوى، ويكون مثل هذا الشخص مرجعاً لأحكام الدين كما كان النبيّ مرجعاً لذلك؟ أو أنّ الأمر ليس كذلك وليس لدينا مثل هذا الشخص؟ ونلاحظ أن السؤال قد انصبّ على المرتبة الثانية للإمامة، وهي المرجعية الدينية، فهل نقول بها للإمام من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو أنّ الوصاية كانت إدارية صرفة؟
فهذه المرتبة هي محلّ النزاع، وبها تختلف مدرسة الخلفاء عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام، فلا تعتقد مدرسة الخلفاء بمثل هذا المنصب لأيّ شخصٍ على الإطلاق، ولا تراها لا لعليّ عليه السلام ولا لغيره.
فالخلاف ليس في أيّ شخصٍ له مثل هذا الأمر، وإنما في أصل وجود مثل هذا الشخص. والذي يشهد لهذا الأمر نقلهم للأخطاء عن مثل أبي بكرٍ وعمر، والعبائر الصادرة عن كلٍّ منهما(١١)، ما يدلّ بوضوح على عدم عصمتهما، وبالتالي على عدم كونهما مرجعية بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
الحاجة إلى المرجعيّة الدينيّة:
لقد نزل الإسلامُ على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كاملاً تاماً. وقد تلقّى صلى الله عليه وآله وسلم جميع ما يحتاج إليه الناس من تعاليم دينهم وأحكام شرعهم. ولكن السؤال هو أنّ ما بلّغه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم للمسلمين هل هو كلّ ما نزل إليه، أو أن قسماً كبيراً منه لم يبيّنه للناس، لأنه متوقف على حلول أوانه، والنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بلّغه لعلي عليه السلام ليقوم ببيانه للناس متى دعت الحاجة إلى ذلك؟
ولعلّ الجواب يظهر بعد ملاحظة النقاط التالية:
الأولى: ملاحظة ما يتضمّنه القرآن الكريم من أحكام، حيث نجد أنّ ما ورد فيه ليس سوى أحكامٍ مختصرةٍ جداً، مضافاً إلى كونها كليّات مثل فريضة الصلاة والحج اللذين لم يرد في القرآن تفاصيل إقامتهما وكيفية أدائهما.
الثانية: ملاحظة سنّة النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وما ورد خلالها من أحكام، فإنّها مختصرةٌ مجملةٌ أيضاً، لا سيما بملاحظة الفترة التي عاشها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، والمشكلات التي عاشها سواء في مكة، والتي استمرت ثلاثة عشر عاماً في ظلّ ضغطٍ وحصارٍ، أم في المدينة وفي ظلّ حروب ومعارك.
الثالثة: حتّى إن غضضنا النظر عن ظروف النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وفرضنا أنّه صلى الله عليه وآله وسلم كان كالمعلّم الذي يذهب إلى المدرسة كلّ يوم لتعليم الناس، فإنّ هذا الوقت لن يكون كافياً لبيان جميع ما وصله من رسالة الإسلام، لا سيما بملاحظة أنّ الإسلام دين يبسط حاكميّته على جميع شؤون البشر.
الرابعة: ضياع كثير من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وذلك بسبب أمر تاريخيّ ثابت، وهو ما قام به عمر بن الخطاب من المنع من تدوين الحديث. ولو أردنا أن لا نلحظ هذه الواقعة التاريخية من منظار مدرسة الأئمة عليهم السلام وتجرّدنا عن ذلك، أمكننا القول إن سبب المنع هذا هو اعتبار القرآن المرجع الوحيد (حسبنا كتاب الله). وقد بقي هذا المنع مستمراً إلى عهد عمر بن عبد العزيز، أي إلى حدود سنة ٩٩ هجرية.
الخامسة: كثيراً ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبيّن الأحكام عندما تستجدّ، وليس قبل أوانها. ومن المسلّم به أنّ هناك مسائل كبيرة وصغيرة سوف تستجدّ وتطرأ على الأمة بعد غياب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فهل الإسلام ناقص لم يبيّنها أم أنه ترك بيانها للإمام من بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم؟
بعد ملاحظة هذه النقاط يظهر بوضوح فرضية كلا المدرستين ومستلزماتهما:
أمّا فرضية مدرسة الخلفاء: فترى انقطاع البيان الواقعيّ للدين بوفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يوجد لدينا بيانٌ منزّه عن الخطأ والاشتباه، ولا شيء وراء ما ورد عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لأيّ شخص بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم منصب المرجعية الدينية. لذلك واجهت مشكلة المسائل المستجدّة، فهي تعتمد فقط على القرآن والسنّة، وهما غير كافيين في ذلك، وخصوصاً بعد غياب كثير من أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت النتيجة هي الاعتماد على القياس، أي الاعتماد على مواطن التشابه بين ما ورد في الكتاب والسنّة وبين ما لم يرد فيهما، وكان الاعتماد على القياس يتّسع كلما اتّسع العالم الإسلامي واتّسعت المسائل الجديدة(١٢).
أمّا فرضيّة مدرسة أهل البيت عليهم السلام التي أثبتت المرجعية الدينية للإمام عليّ عليه السلام وللأئمّة من بعده، فهي تستمدّ أحكامها منهم كما كانت تستمدها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك لم تضطرّ للجوء إلى القياس، وتعتبر أن كلّ الأحكام قد بيّنها الأئمّة عليهم السلام بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ولذلك وقفت من القياس موقف المنكر له أشدّ النكير.
وروايات هذه المدرسة تضرب جذوره من الأساس، إذ إنّ الحاجة إلى القياس إنما تنشأ من الاعتقاد بعدم كفاية الكتاب والسنّة، ولدى مدرسة أهل البيت عليهم السلام ما يكفي لحلّ جميع ما يستجدّ من مسائل، سواء عبر اللجوء إلى السنّة مباشرةً أم من خلال الأئمة عليهم السلام، والله عز وجل لم ينزل ديناً ناقصاً إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأنّ النبيّ بلّغه كاملاً، ولكن الصيغة الكاملة من الأحكام لم يبلّغها النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لعامة الناس، وإنما خصّ بها الإمام علياً عليه السلام والأئمة من بعده وأمرهم ببيانها للناس. ويتفرّع على هذا الاعتقاد:
المبحث الخامس: الإمامة في القرآن
١- الإمامة العامة في القرآن:
تبيّن من الأبحاث السابقة أن الخلاف في الإمامة ليس في شخص الإمام، وإنما تعدّاه إلى أصل ثبوت الإمامة بمعناها الأوسع من الحكومة والسلطة، بما يشمل المرجعية الدينية بعد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وإنّه من الخطأ ما وقع به الكثير من علماء الكلام عند تصويرهم للنزاع بين المدرستين في شخص الإمام، فكما أن النبوّة لا تعني الحكم فقط، بل النبوّة تتضمّن العديد من الشؤون من ضمنها مسألة الحكم، كذلك هي الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام، بينما في المقابل حصرت مدرسة الخلفاء الإمامة في مجال السلطة فقط.
الإمامة والنبوّة:
إنّ مقام الإمامة عند مدرسة أهل البيت عليهم السلام هي أرفع شأناً من مقام النبوّة، فأنبياء أولي العزم عليهم السلام جمعت لهم الإمامة إضافة إلى النبوّة، وليس من الضروريّ أن يكون كلّ نبيّ إماماً، بل إنّ كثيراً من الأنبياء عليهم السلام لم يصلوا إلى رتبة ومقام الإمامة، فقد ورد في القرآن الكريم: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(١٣).
ولمعرفة دلالة الآية على الإمامة، لا بدّ من معرفة الابتلاءات التي عاشها إبراهيم عليه السلام، وموقفه منها.
فقد ثبت إبراهيم عليه السلام أمام نمرود وألقي في النار، وهو مسلّم لأمر ربّه، ثمّ إنّه عليه السلام لم يرزق بذريّة إلا على كبر سنّه، ولما رزق بابنه، جاءه الأمر الإلهي بمغادرة بلاد الشام مع زوجته وطفله إلى الحجاز، وأُمر بترك زوجته وطفله هناك وحيدين والرجوع إلى بلاد الشام. وقد امتثل عليه السلام أمر الله بتسليم كامل، وقد أشار تعالى إلى هذا الأمر بقوله: (رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)(١٤).
وأشدّ ما تعرّض له إبراهيم عليه السلام، وهو يدلّ على تسليمه المطلق أمام الأوامر الإلهية، الأمر الإلهيّ بذبح ابنه إذ قال: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(١٥).
وهنا يتحدّث القرآن عن تسليمه وتسليم ابنه المطلق أمام الأمر الإلهيّ، وما إن حانت اللحظة (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ)(١٦)، جاء النداء: (قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)(١٧)، وهكذا اجتاز إبراهيم عليه السلام الامتحان الإلهيّ، فلم يكن المراد ذبح ابنه بقدر ما كان المراد معرفة درجة التسليم التي وصل إليها إبراهيم عليه السلام.
الإمامة مقامٌ بعد النبوّة:
بعد كلّ هذه الابتلاءات التي تعرّض لها النبيّ إبراهيم عليه السلام، خاطب الله نبيه (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)، فمتى كان ذلك؟ لا شكّ أنه كان بعد أن كان إبراهيم عليه السلامنبيّاً وبعد أن وصل إلى سنّ متقدمة وذلك لأمرين:
أحدهما: إن الآية ذكرت أنّ إبراهيم عليه السلام نال الإمامة بعد أن اجتاز جميع الابتلاءات الربانيّة، وهذه الابتلاءات لم تحلّ به إلا بعد أن كان نبيّاً.
ثانيهما: إنّ إبراهيم عليه السلام بعد أن أعطاه الله الإمامة طلبها عليه السلام لذرّيته، وهذا يعني أن الإمامة جاءته عندما كان له ولد، وهو عليه السلام لم يكن له ولد إلّا بعد النبوّة وبعد أن تقدّم به العمر.
فإذا كانت الإمامة لإبراهيم عليه السلام بعد النبوّة، والآية تتحدث عن أنها منصب ومقام سوف يهبه الله لنبيّه، لم يصل إليه إبراهيم عليه السلام إلّا بعد أن اجتاز الابتلاءات كلّها، فما هو هذا المنصب الراقي الذي هو أعلى شأناً من النبوّة والذي أعطي لإبراهيم عليه السلام؟ إنه الإمامة.
الإمامة عهد الله:
الإمامة هي عهد الله على ما ذكرته الآية، لأنّ إبراهيم عليه السلام أحبّ أن تكون الإمامة لذريته، ولكن الجواب كان (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، فإذاً الإمامة هي من عهود الله. ولذا ترى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أنّ الإمامة ترتبط بالله ولا شأن للناس بها. وهذا العهد لا يناله شخصٌ إلّا بعد أن يمرّ بمراحل من الطاعة والتسليم والانقياد لله بنحوٍ يصبح هو الإنسان الكامل. ومن هنا نجد الآية تخبر عن عدم وصول الظالم إلى مقام الإمامة. ولكن يقع الكلام في تحديد الظالم.
إنّ الظالم قد يكون ظالماً لنفسه وقد يكون ظالماً للآخرين، وكلا القسمين لا ينال عهد الله. وظلم الغير أمرٌ واضحٌ إذ هو التعدّي على الآخرين. وأمّا ظلم النفس فهو عبارة عن المعصية. فقد ورد التعبير القرآني عن العاصي بأنّه ظالم لنفسه، وأيّ شخصٍ كان ظالماً لنفسه فلا ينال عهد الله.
من هو الظالم؟
- شخصٌ يكون ظالماً لنفسه دائماً من أوّل عمره إلى آخره.
- شخصٌ يكون صالحاً غير ظالم لنفسه أوّل عمره، ولكنّه يظلمها آخر عمره.
- شخصٌ يكون ظالماً لنفسه في أوّل عمره ولكنّه عاد بالتوبة ورفع الظلم عنها.
- ويمكن تصوّر شخص رابع وهو من لم يظلم نفسه أبداً وفي أيّ وقت من الأوقات.
ومن المستحيل أن يكون طلب إبراهيم عليه السلام الإمامة ـ مع ما لها من الشأن الرفيع ـ لمن كان من القسمين الأول والثاني.
أمّا الثالث فهو كمن كان مشركاً ثم آمن، وقد جاء الجواب بالنفي إذ (قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)، أي أن كلّ إنسان كان في سابق حياته ظالماً فلا ينال الإمامة، ولذا تدلّ الآية على أن الإمامة لا تكون من نصيب من كان مشركاً في بعض حياته.
وعليه فكلّ من صدق عليه الظلم لنفسه ولو لفترة قصيرة لا ينال الإمامة. فكلّ هذه الأقسام لا تستحقّ الإمامة. وبالتالي لا يبقى إلّا من لم يظلم نفسه أبداً، وهو التصوّر الرابع. وهذا ممّا لا شك أنّ إبراهيم عليه السلام طلب الإمامةَ له، لأنه لا ينطبق عليه عنوان الظالم أبداً.
١- الإمامة الخاصّة في القرآن:
تستدلّ مدرسة أهل البيت عليهم السلام لإثبات الإمامة بآياتٍ قرآنية. وتوجد روايات لدى مدرسة الخلفاء تؤيّد التفسير الذي تذهب إليه مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ونذكر منها:
آية الإنفاق:
قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ)(١٨).
إنّ طريق إثبات ذلك هو قوله (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) فهذا القول ليس تشريعاً وليس إنشاء، فلا تريد الآية أن تقول إنّه يستحب إعطاء الزكاة حال الركوع، وإنّه شامل لجميع المسلمين، بل الآية تريد أن تتحدّث عن واقعةٍ حصلت في الخارج، فهي تريد إخبارنا عن أمرٍ قد حصل. وهذه الحادثة اتفق على نقلها كلا المدرستين، وملخّصها أنّ سائلاً دخل المسجد والإمام علي عليه السلام يصلي، فأومأ الإمام إليه ليأتي ويأخذ منه خاتماً كان في إصبعه، ولم ينتظر الإمام انتهاء صلاته ليتصدّق على ذلك السائل، فنزلت الآية الكريمة.
وتتفق المدرستان على أنّ الآية إنّما نزلت في هذه الحادثة. وأمّا تعبير الآية بصيغة الجمع بقولها (يؤتون) مع أنّ المراد شخصٌ واحدٌ فليس غريباً، لأن استعمال الجمع مكان المفرد للتعظيم هو أمرٌ متعارف في اللغة العربية.
والآية الكريمة ابتدأت أولاً بكلمة (إنما)، وهي في اللغة العربية أداة حصر تدلّ على التخصيص، كما ورد في الآية قوله (وليّكم)، والوليّ هو بمعنى من له حقّ التصرّف وحقّ القيمومة والأمر والنهي.
فالآية تريد أن تفيدنا بأنّ من له حقّ الولاية والأمر والنهي منحصر بالله ورسوله والذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، وهو علي عليه السلام.
كما أنّ الآية تتحدّث عن حالة استثنائية لا عن حالة عامة، لأنّ إعطاء الزكاة أثناء الركوع لا يعبر عن ممارسة عامّة، ولا عن قاعدة عامة، ولكننا مع ذلك نجد أنّ القرآن الكريم لم يصرّح بالواقعة ولا باسم صاحبها، مع اتفاق كلمة الفرق الإسلامية على أنّ الآية وردت في عليّ بن أبي طالب عليه السلام.
آية التطهير:
قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا)(١٩).
إنّ المراد من التطهير الذي ذكرته الآية الكريمة، هو التطهير ممّا يعتبره القرآن الكريم رجساً، وهو يشمل في القرآن كلّ ما كان قد نُهي عنه، سواء أكان من الذنوب الاعتقادية أم الأخلاقية أم العملية، ولذا يقول علماء مدرسة الأئمة عليهم السلام إنّ الآية تدلّ على عصمة أهل البيت عليهم السلام.
إن نزول الآية في وصف أهل بيت النبوّة عليهم السلام، وفي سياق اجتماع حدث بين النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وعلي والزهراء وفاطمة والحسنين عليهم السلام، هو من الأمور المتفق عليها بين المدرستين في أهم كتبهم المعتبرة. ولا تقتصر مصادر الأحاديث التي تدل على ذلك على كتاب أو كتابين بل هي كثيرة حتى في روايات مدرسة الخلفاء.
ولكننا نجد أنّ الآية وردت ضمن سياق آياتٍ أخرى تتحدّث قبلها وبعدها عن نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ولغة الآية التحذير لنساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّ الذنب الصادر عن إحداهنّ يكون عذابه مضاعفا،ً وضمن هذا السياق تأتي الآية المتقدمة الواردة في شأن أهل البيت عليهم السلام. والذي يحصل في هذا السياق أنّ هذه الآية بخصوصها تفترق عن الآيات التي قبلها والتي بعدها في أمرين:
الأول: أنّ الضمير يتبدّل في الآية من التأنيث إلى التذكير، وليس ذلك أمراً جزافياً، فقد تبدل الخطاب من (يَا نِسَاء النَّبِيِّ) إلى (لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ). فإذاً قد تبدّل الموضوع، والقرآن يريد أن يتحدث عن موضوعٍ جديدٍ.
الثاني: إنّ الآيات السابقة على هذه الآية واللاحقة لها والموجهة لنساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، كانت تحمل صيغة التهديد والأمر والتكليف (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ)، وأمّا مفاد آية التطهير فهو قد تجاوز ذلك، بل تجاوز المدح ليتحدث عن التنزيه عن الذنوب والمعاصي والتطهير من الموبقات.
إنّ هذا كلّه يشهد على أنّ المخاطب بهذه الآية هم أهل البيت عليهم السلام، فيما كان المخاطب بما سبق هذه الآية وما لحقها نساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت الآية كالجملة المعترضة التي ترد في سياق الحديث عن موضوعٍ آخر.
المبحث السادس: تصريح النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالأئمّة الاثني عشر (٢٠)
لقد جاء في المرويات ما دلّ على حصر الأئمّة باثني عشر إماماً، وهي عدّة أخبار مرويّة في كتب أهل السنة المعتبرة أي اعتبار، إضافة لما اجتمعت عليه الشيعة من إثبات عدد هؤلاء الأئمة عليهم السلام وأسمائهم. فقد روي في الجمع بين الصحيحين(٢١)، عن سيّد الكونين، بسند ينتهي إلى جابر بن سمُرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: "يكون من بعدي اثنا عشر خليفة" ثمّ تكلَّم بكلمة خفيّة، ثّم قال: "كلَّهم من قريش"(٢٢). وروى البخاري في صحيحه بطريقين: أوّلهما إلى جابر بن سُمرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يكون بعدي اثنا عشر أميراً"، ثم قال كلمة لم أسمعها، ثمّ قال: "كلَّهم من قريش"(٢٣). وثانيهما إلى ابن عيينة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم اثنا عشر رجلًا" ثمّ تكلَّم بكلمة خفيت عليّ، فسألت أبي: ماذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال، قال: "كلَّهم من قريش"(٢٤). وقد روى مسلم أيضاً الحديث الأوّل بثمان طرق، ألفاظ متونها لا تختلف(٢٥).
وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وآله وسلم: "لا يزال الدين قائماً حتّى تقوم الساعة ويكون عليهم اثنا عشر خليفة، كلَّهم من قريش"(٢٦). وفي الجمع بين الصحاح الستّ في موضعين أنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: "إنّ هذا الأمر لا ينقضي حتّى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، كلَّهم من قريش"(٢٧).
وذكر السدّي في تفسيره وهو من علماء الجمهور وثقاتهم قال: لمّا كرهت سارة مكان هاجر، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم أن انطلق بإسماعيل وأمّه، حتّى تنزله بيت النبيّ التهاميّ، فإنّي ناشر ذريّتك وجاعلهم ثقلًا على من كفر، وجاعل من ذريته اثني عشر عظيما.(٢٨) وعن ابن عبّاس قال: سألت النبيّ صلَّى الله عليه وآله حين حضرته الوفاة، وقلت: إذا كان ما نعوذ بالله تعالى منه فإلى من؟ فأشار بيده إلى عليّ عليه السلام، وقال: "إلى هذا، فإنّه مع الحقّ والحقّ معه، ثمّ يكون من بعده أحد عشر إماماً"(٢٩).
وروى صدر الأئمّة أخطب خوارزم، بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: سمعتُ رسول الله يقول: "ليلة أسري بي إلى السماء، قال لي الجليل جلّ جلاله: أمن الرسول بما أُنزل إليه من ربّه. فقلت: والمؤمنون، فقال لي: صدقت، من خلَّفت في أُمّتك ؟ قلت: خيرها، قال: عليّ بن أبي طالب عليه السلام، قلت: نعم يا ربّ. قال: يا محمّد
إنّي اطَّلعت إلى الأرض اطلاعة اخترتك منها، فشققت لك اسماً من أسمائي، فلا اذكر في موضع إلا ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمّد، ثمّ اطَّلعت ثانية واخترت منها عليّاً عليه السلام واشتققت له اسماً من أسمائي، فأنا الأعلى وهو عليّ. يا محمّد إنّي خلقتك وخلقت عليّاً وفاطمة والحسن والحسين والأئمّة عليهم السلام من ولده من نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من المؤمنين، ومن جحدها كان من الكافرين. يا محمّد لو أنّ عبداً من عبادي عَبَدَني، حتّى يصير كالشنّ البالي، ثمّ أتاني جاحداً لِولايتكم ما غفرت له، حتّى يقرّ بولايتكم. يا محمّد تحبّ أن تراهم ؟ قلت: نعم. فقال لي: التفت إلى يمين العرش، فالتفتّ فإذا بعليّ، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعليّ بن الحسين، ومحمّد بن عليّ، وجعفر بن محمّد، وموسى بن جعفر، وعليّ بن موسى، ومحمّد بن عليّ، وعليّ بن محمّد، والحسن بن عليّ، والمهديّ، في ضحضاح من نور قيام يصلُّون، وهو في وسطهم يعني المهديّ كأنّه كوكب درّي. وقال لي: يا محمّد، هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزّتي وجلالي، إنّه الحجّة الواجبة لأوليائي، والمنتقم من أعدائي"(٣٠).
وقد روي من طرق أهل السنّة في هذا المعنى أكثر من ستّين حديثاً، كلَّها يشتمل على ذكر الاثني عشر(٣١)، وفي بعضها ذكر أسمائهم، وكتبهم مملوءة من ذلك.
خاتمة:
من مجمل ما تقدّم، يظهر وبشكل جليّ وواضح أنّ مسألة الإمامة هي من المسائل الأساس في ديننا الحنيف، وقد دلّت عليها الدلائل الثابتة من العقل والقرآن والسنّة، ولا يبقى لنا إلا أن ندخل عبر بوابة البحث إلى الحديث حول قضية الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف، ذلك الإمام الذي يطبق المسلمون أجمعين على حتمية ظهوره، وأنه الإمام القائد للبشرية في عصر آخر الزمان.

الفصل الأوّل: معرفة الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: من هو الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
المبحث الثاني: كيف نؤمن بأنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قد وُجد؟
المبحث الثالث: ضرورة تبليغ الدين دَليل على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الرابع: الدليل العقلي على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الخامس: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر؟
المبحث الأوَّل: من هو الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف؟
الإمام المهديّ الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف (ويذكر بإمام العصر وصاحب الزَّمان غالباً) ابن الإمام الحادي عشر عليه السلام (الإمام الحسن بن عليّ العسكريّ عليه السلام، اسمه يطابق النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، ولد في سامراء سنة ٢٥٥ أو ٢٥٦ هـ.
وكان يعيش تحت رعاية والده حتى سنة ٢٦٠هـ حيث استشهاد والده، وكان مختفياً عن أنظار العامة، ولم يفلح أحد بلقائه والاتّصال به إلّا الخواصّ من الشّيعة.
وبعد استشهاد والده، أنيطت به مهمَّة الإمامة، وبأمرٍ من الله تعالى، اختارَ الغيبةَ، ولم يظهرْ للعيان إلّا مع نوابه الخواصّ وفي موارد استثنائية(٣٢).
١- النوابّ الخواصّ
عيّن الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف عثمان بن سعيد العُمريّ(٣٣) نائباً خاصّاً له، والذي كان من أصحاب جدّه وأبيه، وكان ثقة أميناً، وكان الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف يجيب عن أسئلة الشّيعة عن طريق هذا النائب الخاصّ.
وبعد عثمان بن سعيد استخلف ابنه محمد بن عثمان العمري(٣٤)، وبعد وفاة محمد بن عثمان العمري، استنيب أبو القاسم حسين بن روح النوبختي(٣٥).
وبعد وفاة حسين بن روح النوبختي أصبح عليّ بن محمد السمري(٣٦) نائباً خاصاً للإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف. وفي أخريات حياة عليّ بن محمد السمريّ إذ لم يبق من حياته سوى أيام قلائل (سنة ٣٢٩هـ) صدر توقيع عن الناحية المقدّسة، فيه إبلاغ لعليّ بن محمّد السمريّ بأنّه سيموت ويودّع هذه الحياة بعد ستّة أيام وبعدها تنتهي النيابة الخاصة، وتقع الغيبة الكبرى، وستستمرّ حتّى يأذن الله تعالى بالظهور(٣٧).
وحسب هذا التوقيع، تنقسم غيبة الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف إلى قسمين:
الأول: الغيبة الصغرى، بدأت سنة ٢٦٠هـ، وانتهت في سنة ٣٢٩هـ، واستمرت حوالي سبعين عاماً.
الثاني: الغيبة الكبرى، والتي بدأت سنة ٣٢٩هـ، وستستمرّ حتّى يأذن الله تعالى، ويروى عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم في حديث متفق عليه "لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يبعث فيه رجلاً من أمتي ومن أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً"(٣٨).
١- ظهور الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف من وجهة نظر أهل السنّة (...) وفقاً لقانون الهداية العامة الجارية في جميع أنواع الكائنات، فالنوع الإنسانيّ منه مجهّز بحكم الضرورة بقوّة (قوة الوحيّ والنبوّة) ترشده إلى الكمال الإنسانيّ والسعادة النوعية، وبديهيّ أنّ الكمال والسعادة لو لم يكونا أمرين ممكنين للإنسان الذي تعتبر حياته حياة اجتماعية، لكان أصل التجهيز لغواً وباطلاً، ولا يوجد لغو في الخلقة مطلقاً.
وبعبارة أخرى، إنّ الإنسان منذ أن وجد على ظهر البسيطة كان يهدف إلى حياة اجتماعية مقرونة بالسعادة وكان يعيش لغرض الوصول إلى هذه المرحلة، ولما لم تتحقّق هذه الأمنية في الخارج، لما منّى الإنسان نفسه بهذه الأمنية. فلو لم يكن هناك غذاء لم يكن هناك جوع، وإذا لم يكن هناك ماء، لم يكن عطش وإذا لم يكن تناسل، لم تكن علاقة جنسية.
فعلى هذا وبحكم الضرورة (الجبر) فإن مستقبل العالم سيكشف عن يوم، يهيمن فيه العدل والقسط على المجتمع البشريّ، ويتعايش أبناء العالم في صلح وصفاء ومودّة ومحبّة، تسودهم الفضيلة والكمال.
وطبيعيّ أنّ استقرار مثل هذه الحالة بيد الإنسان نفسه، والقائد لمثل هذا المجتمع سيكون منجي العالم البشريّ، وعلى حدّ تعبير الروايات سيكون المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف.
ونجد الأديان والمذاهب المختلفة القائمة في العالم مثل الوثنية، واليهودية والمسيحية والمجوسية والإسلام تبشّر بمصلح ومنجٍ للبشرية، وإن اختلف في تصوّره، وما حديث النبيّ الكريم صلى الله عليه وآله وسلم، المتفق عليه (المهديّ من ولدي) إلّا إشارة إلى هذا المعنى.
٢- ظهور الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف من وجهة نظر الإمامية
فضلاً عن الروايات المتزايدة عن طريق السنّة والشيعة، والتي تُروى عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمة أهل البيت عليهم السلام في ظهور المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف وأنّه من سلالة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ومع ظهوره، سيؤدي بالمجتمع البشري إلى كماله الواقعيّ والحقيقيّ، وسيمنحها الحياة المعنوية(٣٩)، فإنّ هناك روايات متضافرة أخرى تشير إلى أنّ المهديّ هو ابن الإمام الحسن العسكريّ عليه السلام (الإمام الحادي عشر) بلا فصل(٤٠)، وسيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً.
قال موسى بن جعفر البغداديّ: سمعت أبا محمد الحسن بن عليّ عليه السلام يقول: "كأنّي بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني أمّا أنّ المقرّ بالأئمة بعد رسول الله والمنكر لولدي كمن أقرّ بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوّة محمد رسول الله والمنكر لرسول الله كمن أنكر جميع الأنبياء لأن طاعة آخرنا كطاعة أولنا والمنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا أمّا أن لولدي غيبة يرتاب فيها النّاس إلّا من عصمه الله"(٤١)،(٤٢).
المبحث الثاني: كيف نؤمن بأنّ الإمام المهديّ عج الله تعالى فرجه الشريف قد وُجد؟
"كيف نؤمن فعلاً بوجود المهديّ؟ وهل تكفي بضع روايات تنقل في بطون الكتب عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، للاقتناع الكامل بالإمام الثاني عشر، على الرغم ممّا في هذا الافتراض من غرابة وخروج عن المألوف؟ بل كيف يمكن أن نثبت أنّ للمهدي عليه السلام وجوداً تاريخياً حقّاً وليس مجرد افتراض توفّرت ظروف نفسية لتثبيته في نفوس عدد كبير من النّاس؟(٤٣)
والجواب: إنّ فكرة المهديّ بوصفه القائد المنتظر لتغيير العالم إلى الأفضل قد جاءت في أحاديث الرسول الأعظم عموماً، وفي روايات أئمّة أهل البيت خصوصاً، وأكّدت في نصوص كثيرة بدرجة لا يمكن أن يرقى إليها الشكّ. وقد أحصي أربعمائة حديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من طرق إخواننا أهل السنّة(٤٤)، كما أُحصي مجموع الأخبار الواردة في الإمام المهديّ من طرق الشّيعة والسنّة فكان أكثر من ستة آلاف رواية(٤٥)، وهذا رقم إحصائيّ كبير لا يتوفّر نظيره في كثير من قضايا الإسلام البديهية التي لا يشكّ فيها مسلم عادة.
وأما تجسيد هذه الفكرة في الإمام الثاني عشر عليه الصلاة والسلام فهذا ما توجد مبرّرات كافية وواضحة للاقتناع به.
ويمكن تلخيص هذه المبرّرات في دليلين:
- أحدهما إسلاميّ (النقلي).
- والآخر علميّ.
فبالدليل الإسلاميّ (النَّقلي) نثبت وجود القائد المنتظر.
وبالدليل العلميّ نبرهن على أنّ المهديّ ليس مجرّد أُسطورة وافتراض، بل هو حقيقة ثبت وجودها بالتجربة التاريخية.
أما الدليل الإسلامي (النَّقلي):
فيتمثّل في مئات الروايات الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(٤٦) والأئمّة من أهل البيت عليهم السلام، والتي تدلُّ على تعيين المهديّ عليه السلام وكونه من أهل البيت عليهم السلام: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجة ونعيم بن حمّاد في الفتن عن عليّ عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "المهديّ منّا أهل البيت يصلحه الله في ليلة"(٤٧).
وفيه، أيضاً: أخرج أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود، عن عليّ، عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "لو لم يبقَ من الدهر إلاّ يومٌ لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما ملئت جوراً"، وراجع: صحيح سنن المصطفى، ج٢، ص٢٠٧، وسنن ابن ماجة، ج٢، ص٤٣٨.(٤٨)
ومن ولد فاطمة عليها السلام:
الحاوي للفتاوي، السيوطي جلال الدين، ج٢، ص٢١٤، قال: وأخرج أبو داود وابن ماجة والطبراني والحاكم عن أمّ سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "المهديّ من عترتي من ولد فاطمة"(٤٩).
ومن ذرية الحسين عليه السلام: منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، لطف الله الصافي الكلبيكاني، ص٢٠٣ دلايل الإمامة،... قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تذهب حتّى يقوم بأمر أمتي رجل من ولد الحسين يملأ الدنيا عدلاً كما ملئت ظلماً" - بتصرف الناقل -.(٥٠)
وأنَّه التاسع من ولد الحسين عليه السلام:
منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، لطف الله الصافي الكلبيكاني، ص٢٠٩:... قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا تقوم الساعة حتّى يقوم قائم الحقّ منّا، وذلك حين يأذن الله عزّ وجلّ فمن تبعه نجا، ومن تخلّف عنه هلك، فالله الله عباد الله ايتوه على الثلج !! فإنه خليفة الله قلنا يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم متى يقوم قائمكم؟ قال: إذا صارت الدنيا هرجاً ومرجاً وهو التاسع من صلب الحسين عليه السلام" - بتصرّف الناقل-(٥١).
وأنّ الخلفاء اثنا عشر عليهم السلام:
حديث: "الخلفاء بعدي اثنا عشر كلهم من قريش" أو "لا يزال هذا الدين قائماً ما وليه اثنا عشر، كلهم من قريش".
هذا الحديث متواتر، روته الصحاح والمسانيد بطرق متعدّدة وإن اختلف في متنه قليلا(٥٢).
فإنّ هذه الرّوايات تحدّد تلك الفكرة العامة وتشخيصها في الإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت، وهي روايات بلغت درجة كبيرة من الكثرة والانتشار، على الرغم من تحفّظ الأئمّة عليهم السلام واحتياطهم في طرح ذلك على المستوى العام، وقايةً للخلف الصالح من الاغتيال أو الإجهاز السريع على حياته(٥٣).
وليست الكثرة العددية للروايات هي الأساس الوحيد لقبولها، بل هناك إضافة إلى ذلك مزايا وقرائن تبرهن على صحّتها، فالحديث النبويّ الشريف عن الأئمّة أو الخلفاء أو الأمراء بعده وأنهم اثنا عشر إماماً أو خليفةً أو أميراً - على اختلاف متن الحديث في طرقه المختلفة - قد أحصى بعض المؤلفين رواياته فبلغت أكثر من مئتين وسبعين رواية(٥٤) مأخوذة من أشهر كتب الحديث عند الشّيعة والسنّة، بما في ذلك البخاري(٥٥) ومسلم(٥٦) والترمذي(٥٧) وأبي داود(٥٨) ومسند أحمد(٥٩) ومستدرك الحاكم على الصحيحين(٦٠)، ويلاحظ هنا أنّ البخاري الذي نقل هذا الحديث كان معاصراً للإمام الجواد والإمامين الهادي والعسكريّ، وفي ذلك مغزىً كبير، لأنه يبرهن على أنّ هذا الحديث قد سُجّل عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يتحقّق مضمونه وتكتمل فكرة الأئمّة الاثني عشر فعلاً، وهذا يعني أنه لا يوجد أي مجال للشكّ في أن يكون نقل الحديث متأثراً بالواقع الإمامي الاثني عشري وانعكاساً له، لأنّ الأحاديث المزيفة التي تنسب إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وهي انعكاسات أو تبريرات لواقع متأخّر زمنياًـ لا تسبق في ظهورها وتسجيلها في كتب الحديث ذلك الواقع الذي تشكّل انعكاساً له، فما دمنا قد ملكنا الدليل الماديّ على أنّ الحديث المذكور سبق التسلسل التاريخيّ للأئمّة الاثني عشر، وضبط في كتب الحديث قبل تكامل الواقع الإمامي الاثني عشري، أمكننا أن نتأكد من أنّ هذا الحديث ليس انعكاساً لواقع وإنّما هو تعبير عن حقيقة ربانية نطق بها من لا ينطق عن هوى(٦١)، فقال: "إنّ الخلفاء بعدي اثنا عشر"(٦٢).
وجاء الواقع الإماميّ الاثنا عشريّ ابتداءً من الإمام عليّ وانتهاءً بالمهديّ، ليكون التطبيق الوحيد المعقول(٦٣) لذلك الحديث النبويّ الشريف.
وأمّا الدَّليل العلميّ:
فهو يتكوّن من تجربة عاشتها أمّة من النّاس فترة امتدّت سبعين سنة تقريباً، وهي فترة الغيبة الصغرى. ولتوضيح ذلك نمهد بإعطاء فكرة موجزة عن الغيبة الصغرى(٦٤).
إنَّ الغيبة الصغرى تُعَبِّرُ عن المرحلة الأولى من إمامة القائد المنتظر عليه الصَّلاة والسَّلام، فقد قدِّر لهذا الإمام منذ تسلّمه للإمامة أن يستتر عن المسرح العام ويظلَّ بعيداً باسمه عن الأحداث، وإن كان قريباً منها بقلبه وعقله. وقد لوحظ أنّ هذه الغيبة إذا جاءت مفاجئة حقّقت صدمة كبيرة للقواعد الشعبية للإمامة في الأمة الإسلامية، لأنّ هذه القواعد كانت معتادة على الاتّصال بالإمام في كلّ عصر، والتفاعل معه والرجوع إليه في حلّ المشاكل المتنوّعة، فإذا غاب الإمام عن شيعته فجأة وشعروا بالانقطاع عن قيادتهم الروحية والفكرية، سبّبت هذه الغيبة(٦٥) المفاجئة الإحساس بفراغ دفعيّ هائل قد يعصف بالكيان كلّه ويشتّت شمله، فكان لا بدّ من تمهيد لهذه الغيبة، لكي تألفها هذه القواعد بالتدريج، وتكيّف نفسها شيئاً فشيئاً على أساسها، وكان هذا التمهيد هو الغيبة الصغرى التي اختفى فيها الإمام المهديّ عن المسرح العامّ، غير أنّه كان دائم الصلة بقواعده وشيعته عن طرق وكلائه ونوّابه، والثقات من أصحابه الذين يشكّلون همزة الوصل بينه وبين النّاس المؤمنين بخطه الإماميّ(٦٦). وقد شغل مركز النيابة عن الإمام في هذه الفترة أربعة ممّن أجمعت تلك القواعد على تقواهم وورعهم ونزاهتهم التي عاشوا ضمنها.
وهم كما يلي:
١- عثمان بن سعيد العمريّ.
٢- محمد بن عثمان بن سعيد العمريّ.
٣- أبو القاسم الحسين بن روح.
٤- أبو الحسن عليّ بن محمد السمريّ.
وقد مارس هؤلاء الأربعة مهامّ النيابة بالترتيب المذكور، وكلّما مات أحدهم خلفه الآخر الذي يليه بتعيين من الإمام المهديّ عليه السلام.
وكان النائب يتّصل بالشّيعة ويحمل أسئلتهم إلى الإمام، ويعرض مشاكلهم عليه، ويحمل إليهم أجوبته شفهية أحياناً وتحريريّة(٦٧) في كثير من الأحيان. وقد وجدت الجماهير التي فقدت رؤية إمامها العزاء والسّلوة في هذه المراسلات والاتّصالات غير المباشرة. ولاحظت أنّ كلّ التّوقعيات والرسائل كانت ترد من الإمام المهديّ عليه السلام بخطّ واحد وسليقة واحدة(٦٨) طيلة نيابة النواب الأربعة التي استمرت حوالي سبعين عاماً، وكان السمّريّ هو آخر النواب، فقد أعلن عن انتهاء مرحلة الغيبة الصغرى التي تتميز بنوّاب معيّنين، وابتداء الغيبة الكبرى التي لا يوجد فيها أشخاص معيّنون بالذات للوساطة بين الإمام القائد والشّيعة، وقد عبّر التحوّل من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى عن تحقيق الغيبة الصغرى لأهدافها وانتهاء مهمتها، لأنها حصّنت الشّيعة بهذه العملية التدريجية عن الصدمة والشعور بالفراغ الهائل بسبب غيبة الإمام، واستطاعت أن تكيّف وضع الشّيعة على أساس الغيبة، وتعدّهم بالتدريج لتقبّل فكرة النيابة العامّة عن الإمام، وبهذا تحوّلت النيابة من أفراد منصوصين(٦٩) إلى خطّ عام(٧٠)، وهو خط المجتهد العادل البصير بأمور الدنيا والدين تبعاً لتحوّل الغيبة الصغرى إلى غيبة كبرى.
والآن بإمكانك أن تقدّر الموقف في ضوء ما تقدّم، لكي تدرك بوضوح أنّ المهديّ حقيقة عاشتها أمّة من النّاس، وعبّر عنها السفراء والنواب طيلة سبعين عاماً من خلال تعاملهم مع الآخرين، ولم يلحظ عليهم أحدٌ كلّ هذه المدة تلاعباً في الكلام، أو تحايلاً في التصرّف، أو تهافتاً في النقل. فهل تتصوّر - بربّك - أنّ بإمكان أكذوبة أن تعيش سبعين عاماً، ويمارسها أربعة على سبيل الترتيب كلهم يتّفقون عليها، ويظلّون يتعاملون على أساسها وكأنها قضية يعيشونها بأنفسهم ويرونها بأعينهم دون أن يبدر منهم أي شيء يثير الشكّ، ودون أن يكون بين الأربعة علاقة خاصة متميزة تتيح لهم نحواً من التواطؤ، ويكسبون من خلال ما يتّصف به سلوكهم من واقعية ثقة الجميع، وإيمانهم بواقعية القضية التي يدّعون أنهم يحسّونها ويعيشون معها؟!
لقد قيل قديماً: إنّ حبل الكذب قصير، ومنطق الحياة يثبت أيضاً أنّ من المستحيل عمليّاً بحساب الاحتمالات أن تعيش أكذوبة بهذا الشكل، وكلّ هذه المدّة، وضمن كلّ تلك العلاقات والأخذ والعطاء، ثمّ تكسب ثقة جميع من حولها.
وهكذا نعرف أنّ ظاهرة الغيبة الصغرى يمكن أن تعتبر بمثابة تجربة علمية لإثبات ما لها من واقع موضوعيّ، والتسليم بالإمام القائد بولادته(٧١) وحياته وغيبته، وإعلانه العام عن الغيبة الكبرى التي استتر بموجبها عن المسرح ولم يكشف نفسه لأحد(٧٢)،(٧٣).
المبحث الثالث: تبليغ الدين دَليل على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
لقد ردَّ العلامة الطَّباطبائي قدس سره على مجموعة من الإشكالات التي وضعها أحد الكتّاب على قضية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف والمهدويّة، ومن ضمن هذه الإشكالات إشكال حول وجود الإمام والدليل عليه من باب عدم إتمام الحجة، يقول السيد قدس سره:
"أخيراً يختم الكاتب رسالته بالقول: "من المضحك أن نقول: إنّ الله أخفى حجته وغيّبه عن الأنظار، ثم يأتي (سبحانه) في مشهد آخر ليحاسب النّاس على عدم إيمانهم مع وجود الحجة. فلو أنَّ الله (سبحانه) سأل النّاس: ألم أتمّ عليكم الحجة؟ لكان بمقدورهم أن يجيبوا - في الآخرة - لقد جاء حجتك إلينا بيد أنه غاب! والآن هل يعقل أن يهدى النّاس بدليل غائب وحجة مخفية بحيث يحاسبهم الله على إتمام الحجة بهذا الشكل؟ سبحان الله عما يقول الجاهلون علواً كبيراً.
نفهم مما مرّ أن جذر الخرافات والأخطاء يتمثّل بعدم معرفة الله تعالى وما له من مقام الكبرياء والأحدية"! انتهت الرسالة.
الجواب: لنوجه أولاً السؤال التالي إلى كاتب هذه السطور: هل هناك نبيّ أو إمام من أئمّة الدين يضطلع بمسؤولية الهداية فيقوم بالاتّصال مع أفراد أمته فرداً فرداً ويتماسّ معهم بشكل مباشر بحيث يوجّههم في كلّ الحركات ويُبين لهم الحكم في جميع السكنات والصغائر حضورياً ومشافهة؟ وهي بمقدور نبيّ أو إمام - خصوصاً إذا كانت مهمّته ممتدّة بامتداد الزَّمان والمكان كما هو شأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم - أن يباشر مسؤولية هداية الجميع وتعليمهم بصيغة مباشرة دون وسائط؟
إنّ ما نعرفه من منهج الدعوة والتبليغ النبويّ، هو ممارسة مهامّ الدعوة والتبليغ والهداية عن طريق العلاقات الطبيعية، بحيث يمارس الأسلوب الشفاهيّ الحضوريّ مع من حضر ويمكن أن تقع عليه اليد، أمّا من غاب فتبلغهم الهداية كتباً، كما يصرّح بذلك القرآن: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ)(٧٤).
ومن البديهيّ أن لا يكون للبعض موقف واضح من الدعوة، فتلك الفئات من النّاس التي تتّسم بالغفلة أو أنّها تكون بعيدة أو يكون ثمة خلل في قدراتها الطبيعية على الوعي والاستيعاب، أو تكون متأثرة بعوامل من هذا القبيل، بحيث تحرم من المعارف الدينية، تسقط عنها المسؤولية المباشرة المترتبة على القبول بالدعوة أو رفضها، وبالتالي لا يترتّب عليها ما يترتّب من ثواب وعقاب على إنسان وصلته الدعوة وتعرف عليها بظروف طبيعية.
وبذلك سيكون لهذه الفئات من النّاس حسابها الخاصّ، كما يعبّر في قوله تعالى: (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)(٧٥) وكذلك قوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)(٧٦).
إذاً سيكون موقف الغائبين على صنفين.
فالصنف الأول تبلغه دعوة الرسول بالرسالة والكتاب ونظائرهما بحيث تبلغهم الهداية وتتمّ عليهم الحجّة.
والصنف الثاني وفيه المستضعفون الذين لا يجدون حيلة إلى معارف الدين وأحكامه ولا يهتدون إليه سبيلاً يكونون معذورين ولهم أحكام خاصة كما صرّح القرآن بذلك.
(..) إنَّ بين أيدينا أخباراً متواترة عن طريق العامّة والخاصّة وصلتْنا عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وأئمّة أهل البيت عليهم السلام تحدّثنا عن حياة الإمام الغائب وسيرته عليه السلام. من معالم هذه السيرة نتبيّن أنّ هذا الإمام هو ابن الإمام الحسن بن علي العسكريّ - الإمام الحادي عشر من أئمة الشّيعة الاثني عشرية - ولد بسامراء سنة ٢٥٦هـ.
لقد كان قرار الخلافة العباسية في ذلك الوقت يستهدف استئصال نسل الأئمة والقضاء على وجود الإمامة نهائياً في الكيان الشّيعيّ. لذلك حرص الإمام الحسن العسكريّ والد الإمام المهديّ، أن تبقى ولادة ولده خفية ووجوده بعيداً عن الأنظار إلّا لخواصّ الشّيعة.
أمضى الإمام المهديّ ما يقارب الستّ سنوات من حياته على هذه الحالة حتّى مضى والده إلى رحمة ربّه سنة ٢٦٠هـ فانتقلت الإمامة إليه. بيد أن تبوّأ الإمام المهديّ للإمامة لم يؤثر على منهج التخفّي الذي التزم به - بسبب ضغط السلطة - وإنّما بقي مستمراً حتّى أنّه كان يمارس دوره بين قاعدته الشّيعية من خلال السفراء الذين يصطلح عليهم في لغة العلماء والمحدثين بالنوّاب الخاصين. فهؤلاء كانوا جسر الاتّصال بين الإمام وقواعده الشعبية الموالية، يأخذون منه التوجيهات موقّعة ويضعون بين يديه ما يصلهم من الأسئلة والمشكلات.
امتدَّت هذه الفترة التي أطلق عليها اسم الغيبة الصغرى مدّة تصل إلى السبعين عاماً، اضطلع بدور السفارة فيها أربعة نواب خاصّين للإمام مارسوا دورهم في الوصل بين الإمام وقواعده واحداً بعد آخر(٧٧). ثمّ أُغلق بعد وفاة السفير الرابع باب النيابة الخاصة ليبدأ عصر الغيبة الكبرى، لتتحوّل علاقة النّاس بالإمام إلى الفقهاء والمحدّثين، وذلك بأمر الإمام نفسه الذي أناط الدّور بهم.
بعد انقضاء الغيبة الكبرى يظهر الإمام ويمسك بزمام حكومة إسلامية تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تكون قد مُلئت ظلماً وجوراً. وحين ينبسط له الأمر يسير عليه السلام بسيرة جدّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعوة والهداية والعمل فيتّصل بمن حضر بصورة مباشرة، وبمن غاب عنه وابتعد بوسائل اتّصال مناسبة.
بهذه اللمحة المختصرة عن حياة وسيرة الإمام الغائب تندفع شبهة كاتب الرسالة الذي يريد أن يبطل حجة الله بذريعة غيبة الإمام وعدم وصول حجّته. إذ لاحظنا أن الحجّة تامّة في زمان غيبة الإمام بواسطة النواب الخاصين (السفراء الأربعة) والنواب العامين (الفقهاء والمحدثين).
وأما في زمان ظهوره فسيتيسّر له إبلاغ حجته لمن حضر حوله مباشرة، وللغائبين البعيدين عن مركز حكمه بالوسائل المناسبة، تماماً كما جرى الأمر في سيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكن قد يقال هنا: مع وجود حجية قول الفقهاء والمحدثين فما هي الحاجة لدور الإمامة ولوجود الإمام الغائب أصلاً؟
في الجواب نقول: إنّ حجّية قول الفقهاء والمحدّثين التي تتحدّث عنها الروايات، متوقّفة على وجود الإمام، وإلّا للزم أن يكون الإمام هو الفقيه والمحدّث نفسه"(٧٨).
المبحث الرابع: الدليل العقليّ على وجود الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
"جاء في الرسالة التي تُنكر وجود الإمام المهديّ (أرواحنا فداه) خطاب المجيب لسائله(٧٩): "لقد سألتَ أولاً: هل ثمّة دليل عقليّ على وجوب وجود إمامٍ بشكلٍ دائم أم لا؟
وفي الجواب، عليك أن تعلم أنّه يتمّ الحديث عن الإمام ويقصد به تارة الإمام المنتخب من قبل الله، ويقصد به تارة أخر زعيم دينيّ له مكانة رفيعة في العلم والتقى، يضطلع بمسؤولية إرشاد المسلمين عن طريق ما له من دارية ناتجة عن العقل الصحيح والتأمّل بالكون وبكتاب الله. ومن الواضح أنّ الإمام بالمعنى الثاني هو ما يحتاج المسلمون إليه دائماً، ولا يستغني عنه أتباع كل دين، بل وفي المطلق أتباع كلّ اتّجاه سياسيّ، إذ الجميع بحاجة إلى الإمام والقائد والزعيم.
أما عن السؤال الأول: هل يحتاج المسلمون دائماً إلى إمام إلهيّ - منصَّب من قبل الله - أم لا؟
فالجواب هو بالنفي، إذ بين يدي المسلمين جميعاً إمام إلهيّ، حيّ دائماً، وحاضر لا يغيب يمكنهم الاستفادة منه، وهذا الإمام الإلهيّ هو القرآن الكريم نفسه، بدليل ما في القرآن من قوله تعالى: (وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا)(٨٠) والذي نستفيده من الآية أنّه إمام، وهو إمام حاضر لا يغيب، فهو إمام الزَّمان".
الجواب: تقوم الدعوى (المفترضة) على أنّ القرآن الكريم الكتاب الإلهيّ الهادي هو إمام الأمّة، ولن تحتاج معه إلى إمام إلهيّ منتخب من قبل الله. وهذا الدليل غير تامّ وغير منتج للجهتين التاليتين:
أولاً: لقد ذكر القرآن الكريم أنّ لإبراهيم عليه السلام كتاباً باسم "صحف" إذ قال تعالى: (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ)(٨١).
وهذا الكتاب السماويّ كان إماماً لعصر إبراهيم عليه السلام وهادي المؤمنين في زمانه. بيد أنّ القرآن نفسه يحدثنا في آيةٍ أخرى عن انتخاب الله لإبراهيم إماماً دون أن تكون إمامته عليه السلام معارضة لإمامة كتابه الإلهيّ، بل هما مجتمعان في زمن واحد دون منافاة، إذ يقول تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا)(٨٢).
إنّ حاصل الجميع بين الآيتين يفيدُ - كما هو واضح - أنّه ليس هناك تعارض في أن تجتمع في عصر واحد "إمامتان" عن الله (سبحانه) أحداهما إمامة الكتاب والثَّانية إمامة الشخص، كما حصل لإبراهيم الذي جعله الله إماماً إلى جوار إمامة صحفه.
وإذا لم تكن ثمة حاجة لإمامة شخص مجعولة من قبل الله ومنتخبة من قبلة، لمَا نصَّ (سبحانه) على إمامة إبراهيم، وهو (جل وعلا) المنزَّه عن اللغو والعبث.
نستنتج مما مضى أنّ إمامة القرآن الكريم بالمعنى الذي ذكرهُ كاتب الرسالة لا تغني عن إمامة إلهية ثانية.
ثانياً: من البديهيّ أنّ القرآن بحاجةٍ في توضيح مقاصده وتفصيل المعارف وخاصة الأحكام الشرعية إلى بيان النبيّ أو السنّة النبويّة عموماً. فالقرآن مثلاً يأمر بالصلاة والصوم والزكاة والحجّ والجهاد وغيرها، فيأتي أمره مجملاً عاماً، ثم يأتي التفصيل من قبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يبيّن كلّ ما يتعلّق بأجزاء هذه الواجبات وشرائطها وآدابها وسننها.
إنّ الهداية النبوية هذه متمِّمة لهداية القرآن ومكمّلة لبيانه بنصٍ إلهيّ صريح، كما يقول تعالى في خطاب نبيه الأكرم: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)(٨٣)، وقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)(٨٤).
وما نستفيده من الدور النبويّ هذا الذي يصرّح به القرآن، أنّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفس الإمامة التي افترضها كاتب الرسالة التي نتحدَّث عنها، للقرآن الكريم.
فالنبيّ (إذاً) هو إمام بنفس المعنى الذي يكون فيه القرآن إماما، مضافاً لنبوّته صلى الله عليه وآله وسلم.
ثمّ إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم جعل أهل بيته أئمّة وجعلهم عدل القرآن وقرينه الذي لا يفترق عنه كما في حديث الثقلين وحديث السفينة وغيرهما، وقد حثّ الأمة على التمسّك بهما (القرآن والعترة) كي لا يتنكبوا عن طريق الهدى نحو الضلال.
ما نخلص إليه من هذه المقدّمات، أنّ النبيّ الأكرم وأهل بيته عليه السلام هم أئمة طِبقاً لكلام الكاتب نفسه.
وقد يمكن أن نتصوّر أنّ الكاتب لا يعترض على إمامة الرسول الأكرم وأهل بيته، وإنما يُنكر فقط وجود الإمام الغائب (الإمام المهديّ عليه السلام) وأنّ الإمامة بنظره لا تنسجم في موقعها ودورها مع الغيبة. قد يكون الأمر كذلك، بيد أنّا نعترض على صفة العموم التي ينطوي عليها كلامه المارّ آنفاً، حين يُسأل: هل يحتاج المسلمون دائماً إلى إمام إلهيّ مُنتخب من قبل الله أم لا؟ فيجيب عن ذلك بالنفي. وهذه الإجابة هي خلاف ما أثبتناه(٨٥).
في مقطع جديد من رسالته يضيف الكاتب: "أمّا إذا أردنا أن ننسخ أسطورة من الخيال ونزعم أنّ هناك إماماً يعمّر ألف سنة هو إمام الزَّمان، فإنا نكون بذلك قد سلكنا طريقاً يتعارض مع العقل والوحي كليهما. فمن منظور الوحي عرفنا أنَّ الإمام هو الذي يمارس دوره في الهداية والتوجيه حضوراً، أمّا إذا كان غائباً وليس له كتاب أو أثر يدلّ على هدايته، ولم يكن بمقدوره أن يُواجه مشكلات العصر ويجيب على تحدياته، فمثله لا يعدّ إماماً قرآنياً، أي لا يكون إماماً بالمعنى الذي وصفه القرآن وأمر باتّباعه".
ثم يضيف: "وإذا قيل أين صرح القرآن بأنّ أثر الإمامة هو الاضطلاع بهداية النّاس؟ نقول في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(٨٦) ولا يقال إنّ الأمر يخصّ الماضين، بل هو للمسلمين وأهل القرآن أيضاً، وإلّا إذا كان مختصاً بالماضين فما فائدة ذكره لهذه الأمة؟".
الجواب: علينا بدءاً أن نذكّر بهذه المقدمات:
أولاً: إن الهداية بمعنى التوجيه والقيادة تُطلَقُ على معنيين:
المعنى الأول: يشير إلى إراءة الطريق وحسب، يشير إلى الوصول إلى المقصد وبلوغ الهدف فعلاً. وعلى المعنى الأول يمكن للمهتدي الذي أُرشد إلى الطريق أن يمضي فيه فيصل إلى المقصد، ويمكن أيضاً أن يرفض الإرشاد ولا يبلغ الهدف.
المعنى الثاني: وأمّا الهداية، فيقترن معها دائماً بُلُوغُ الهدف، لأنَّ معناها يتضمّن الإيصال عملياً. يقول تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء)(٨٧).
ثانياً: أنّ الهداية بمعنى إراءة الطريق هي من لوازم النبوّة والرسالة، فكلّ الأنبياء والرسل الكرام الذين بعثهم الله بالوحي وأرسلهم لدعوة النّاس، تعدّ الهداية خاصّة من خصائص بعثتهم وأثراً لنبوّتهم.
يقول تعالى: (فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)(٨٨).
ويقول تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(٨٩).
وثمّة آيات كثيرة في القرآن الكريم تدلّ على هذا المعنى، بل إنّ لمؤمني الأمة سهماً في هذا الدور، حيث يقول تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(٩٠)، ويقول تعالى أيضاً: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)(٩١)، إذ من الواضح أنّ الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من مصاديق الهداية، وإلّا لما ذُكرت باسمها.
ثالثاً: أنّ الهداية والتوجيه هما من آثار الإمامة كما ورد في رسالة الكاتب، وكما عليه صريح القرآن، حيث يقول تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا)(٩٢) فجَعْل الإمام يقتضي - إذاً - إعطاء الهداية، وبالتالي تكون الهداية من مستلزمات الإمامة أيضاً.
رابعاً: إنّ إمامة إبراهيم عليه السلام التي نصّ عليها القرآن في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)(٩٣) إنما جاءت بعد سلسلة من الامتحانات الإلهية، مثل الإلقاء في النار واعتزال القوم والهجرة إلى فلسطين وذبح ولده إسماعيل، فبعد أن خرج من هذه الامتحانات الإلهية جعله الله إماماً للناس، كما يشير تعالى إلى هذا المعنى، حيث يقول في سورة الصافّات بعد أن خرج الخليل ناجحاً من اختبار الرؤية التي قضت بذبح ولده: (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ)(٩٤). والذي نخلص إليه، إنَّ إبراهيم عليه السلام قبل أن يقع عليه النصّ بالإمامة كان رسولاً نبياً من أولي العزم، له كتاب وشريعة، وكان يمارس دعوة النّاس وهدايتهم، كما يتّضح جميع ذلك بجلاء من ثانياً الآيات القرآنية.
إنَّ التأمل الكافي بهذه المقدّمة يدلّنا بوضوح أنَّ تفسير الهداية التي هي لازمة من لوازم الإمامة بمعنى "إراءة الطريق" هي واحدة من الأخطاء الفاحشة، خصوصاً وأنَّ الآيتين من سورة البقرة والأنبياء اللتين تنصّان على إمامة إبراهيم عليه السلام صريحتان في المعنى الذي بينّاه.
ومكان المفارقة أنَّه من المحال أن تكون الهداية - التي هي لازمة لإمامة إبراهيم عليه السلام - في الآيتين المذكورتين بمعنى "إراءة الطريق" لأنّ إبراهيم عليه السلام كان رسولاً قبل أن يجعله الله إماماً، ومن لوازم النبوّة والرسالة أن يمارس الهداية بمعنى "إراءة الطريق"، وبالتالي تكون الهداية بهذا المعنى هي تحصيل للنبوّة وثمرة للرسالة.
وتحصيل الحاصل بهذا الوضوح، من المحال أن يكون هو المراد بهداية الإمامة كما هو بيّن لمن له أدنى شعور.
من هنا نتبيَّن عدم معقولية الاعتراض الذي يسوقه الكاتب لعقيدة الشّيعة في الإمام الغائب، حيث ينتظر منه الهداية التي تدلّ على "إراءة الطريق"، وهذا خطأ فاحش غير قابل للإصلاح.
إذاً لا مناص لنا من حمل هداية الإمامة على المعنى الثاني الذي يشير إلى بلوغ الهدف والإيصال للمطلوب.
وبناءً عليه يكون دور الإمامة هو سوق أعمال النّاس نحو الله (سبحانه) من لحظة صدورها في الدنيا حتّى حساب الآخرة.
وهذا المعنى ثمّة الكثير ممّا يشير إليه في الأخبار والروايات كتلك التي تمثل انعكاس الأعمال وتجلّيها في أعمدة نور ترتفع نحو العرش وتكون في محضر الأئمة، وكذلك أخبار المساءلة في القبر، ودعوة النّاس في القيامة من خلال أئمّتهم، وما ورد في كيفية توزيع صحائف الأعمال وفي الأعراف والصراط والشفاعة، فكلّها تتضمّن المعنى الذي بينّاه لدور الإمامة.
ومن الواضح أنَّ إدارة أمر الأعمال على هذا النحو هي حالة ملكوتية لا علاقة لها بمسألة الغيبة أو الحضور الجسميّ للإمام. وبالتالي يستوي حال الإمام في الاضطلاع بهذه المسؤولية في أوقات الحضور والغيبة.
ثم إنَّ هذا الدور للإمامة لا يتعارض مع دور آخر يتمثل بتصدّي الإمام لبيان أحكام الحلال والحرام ومعارف الدين حين يكون حاضراً مبسوط اليد. فالإمام من زاوية كونه الأعلم بحقائق الدين وأحكام الحلال والحرام يتصدّر حين يكون حاضراً مسؤولية حلّ المشكلات ويجيب عمّا يعرض عليه من أسئلة وإشكالات دون أن يكون ثمة تعارض بين الدورين"(٩٥).
المبحث الخامس: كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف؟
"كيف اكتمل إعداد القائد المنتظر مع أنّه لم يعاصر أباه الإمام العسكريّ إلاّ خمس سنوات تقريبا ً؟ وهي فترة الطفولة التي لا تكفي لإنضاج شخصية القائد، فما هي الظروف التي تكامل من خلالها؟
والجواب: إنّ المهديّ عليه السلام خلف أباه في إمامة المسلمين، وهذا يعني أنّه كان إماماً بكلّ ما في الإمامة من محتوىً فكريّ وروحيّ في وقت مبكر جداً من حياته الشريفة.
والإمامة المبكّرة ظاهرة سبقهُ إليها عددٌ من آبائه عليه السلام، فالإمام محمد بن علي الجواد عليه السلام تولّى الإمامة وهو في الثامنة من عمره(٩٦)، والإمام علي بن محمد الهادي عليه السلام تولّى الإمامة وهو في التاسعة من عمره(٩٧)، والإمام أبو محمد الحسن العسكريّ عليه السلام(٩٨) والد القائد المنتظر تولّى الإمامة وهو في الثانية والعشرين من عمره.
ويلاحظ أنّ ظاهرة الإمامة المبكّرة بلغت ذروتها في الإمام المهديّ والإمام الجواد، ونحن نسمّيها ظاهرة لأنها كانت بالنسبة إلى عدد من آباء المهديّ عليه السلام تشكّل مدلولاً حسيّاً عملياً عاشه المسلمون، ووعوه في تجربتهم مع الإمام بشكل وآخر، ولا يمكن أن نُطالب بإثبات لظاهرة من الظواهر أوضح وأقوى من تجربة أُمّة(٩٩). ونوضح ذلك ضمن النقاط التالية:
١- لم تكن إمامة الإمام من أهل البيت مركزاً من مراكز السلطان والنفوذ التي تنتقل بالوراثة من الأب إلى الابن، ويدعمها النظام الحاكم كإمامة الخلفاء الفاطميّين، وخلافة الخلفاء العباسيّين، وإنما كانت تكتسب ولاء قواعدها الشعبية الواسعة عن طريق التغلغل الروحيّ، والإقناع الفكريّ لتلك القواعد بجدارة هذه الإمامة لزعامة الإسلام، وقيادته على أُسس روحية وفكرية.
٢- إنّ هذه القواعد الشعبية بنيت منذ صدر الإسلام، وازدهرت واتّسعت على عهد الإمامين الباقر والصادق عليه السلام، وأصبحت المدرسة التي رعاها هذان الإمامان في داخل هذه القواعد تشكّل تيّاراً فكرياً واسعاً في العالم الإسلاميّ، يضمّ المئات من الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين والعلماء في مختلف ضروب المعرفة الإسلامية والبشرية المعروفة وقتئذ، حتّى قال الحسن بن عليّ الوشّا: إنّي دخلت مسجد الكوفة فرأيت فيه تسعمائة شيخ(١٠٠)، كلّهم يقولون حدّثنا جعفر بن محمد.
٣- إنّ الشروط التي كانت هذه المدرسة وما تُمثّله من قواعد شعبيّة في المجتمع الإسلاميّ، تؤمن بها وتتقيّد بموجبها في تعيين الإمام والتعرّف إلى كفاءته للإمامة، شروط شديدة، لأنها تؤمن بأنّ الإمام لا يكون إماماً إلاّ إذا كان أعلم علماء عصره(١٠١).
٤- إنّ المدرسة وقواعدها الشعبية كانت تقدّم تضحيات كبيرة في سبيل الصمود على عقيدتها في الإمامة، لأنّها كانت في نظر الخلافة المعاصرة لها تشكّل خطّاً عدائياً، ولو من الناحية الفكرية على الأقلّ، الأمر الذي أدّى إلى قيام السلطات وقتئذ وباستمرار تقريباً بحملات من التصفية والتعذيب، فقُتل من قُتل، وسُجن من سُجن، ومات في ظلمات المعتقلات المئات.
وهذا يعني أنّ الاعتقاد بإمامة أئمّة أهل البيت كان يكلّفهم غاليا(١٠٢)، ولم يكن له من الإغراءات سوى ما يحسّ به المعتقد أو يفترضه من التقرّب إلى الله تعالى والزلفى عنده.
٥- إنّ الأئمّة الذين دانت هذه القواعد لهم بالإمامة لم يكونوا معزولين عنها، ولا متقوقعين في بروج عالية شأن السلاطين مع شعوبهم، ولم يكونوا يحتجبون عنهم إلاّ أن تحجبهم السلطة الحاكمة بسجن أو نفي، وهذا ما نعرفه من خلال العدد الكبير من الرواة والمحدّثين عن كلّ واحد من الأئمّة الأحد عشر، ومن خلال ما نقل من المكاتبات التي كانت تحصل بين الإمام ومعاصريه، وما كان الإمام يقوم به من أسفار من ناحية، وما كان يبثّه من وكلاء في مختلف أنحاء العالم الإسلاميّ من ناحية أخرى، وما كان قد اعتاده الشّيعة من تفقّد أئمّتهم وزيارتهم في المدينة المنوّرة عندما يؤمّون الديار المقدّسة من كلّ مكان لأداء فريضة الحجّ(١٠٣)، كلّ ذلك يفرض تفاعلاً مستمراً بدرجة واضحة بين الإمام وقواعده الممتدّة في أرجاء العالم الإسلاميّ بمختلف طبقاتها من العلماء وغيرهم.
٦- إنّ الخلافة المعاصرة للأئمّة عليهم السلام كانت تنظر إليهم وإلى زعامتهم الروحية والإمامية بوصفها مصدر خطر كبير على كيانها ومقدّراتها، وعلى هذا الأساس بذلت كلّ جهودها في سبيل تفتيت هذه الزعامة، وتحمّلت في سبيل ذلك كثيراً من السلبيّات، وظهرت أحياناً بمظاهر القسوة والطغيان حينما اضطرّها تأمين مواقعها إلى ذلك، وكانت حملات الاعتقال والمطاردة مستمرّة للأئمّة(١٠٤) أنفسهم على الرغم ممّا يخلّفه ذلك من شعور بالألم أو الاشمئزاز عند المسلمين وللناس الموالين على اختلاف درجاتهم.
إذا أخذنا هذه النقاط الستّ بعين الاعتبار، وهي حقائق تاريخية لا تقبل الشكّ، أمكن أن نخرج بنتيجة، وهي: أنّ ظاهرة الإمامة المبكّرة كانت ظاهرة واقعية ولم تكن وهماً من الأوهام، لأنّ الإمام الذي يبرز على المسرح وهو صغير فيعلن عن نفسه إماماً روحيّاً وفكريّاً للمسلمين، ويدين له بالولاء والإمامة كلّ ذلك التيّار الواسع، لا بدّ أن يكون على قدر واضح وملحوظ، بل وكبير من العلم والمعرفة وسعة الأفق والتمكّن من الفقه والتفسير والعقائد، لأنّه لو لم يكن كذلك لما أمكن أن تقتنع تلك القواعد الشعبية بإمامته، مع ما تقدّم من أنّ الأئمّة كانوا في مواقع تتيح لقواعدهم التفاعل معهم، وللأضواء المختلفة أن تُسلّط على حياتهم وموازين شخصيّتهم. فهل ترى أنّ صبيّاً يدعو إلى إمامة نفسه وينصّب منها علماً للإسلام وهو على مرأىً ومسمع من جماهير قواعده الشعبية، فتؤمن به وتبذل في سبيل ذلك الغالي من أمنها وحياتها بدون أن تكلّف نفسها اكتشاف حاله، وبدون أن تهزّها ظاهرة هذه الإمامة المبكّرة لاستطلاع حقيقة الموقف وتقويم هذا الصبيّ الإمام؟(١٠٥) وهب أنّ النّاس لم يتحرّكوا لاستطلاع المواقف، فهل يمكن أن تمرّ المسألة أيّاماً وشهوراً، بل أعواماً دون أن تتكشّف الحقيقة، على الرغم من التفاعل الطبيعيّ المستمرّ بين الصبيّ الإمام وسائر النّاس؟ وهل من المعقول أن يكون صبيّاً في فكره وعلمه حقّاً، ثمّ لا يبدو ذلك من خلال هذا التفاعل الطويل؟
وإذا افترضنا أنّ القواعد الشعبية لإمامة أهل البيت لم يُتح لها أن تكتشف واقع الأمر، فلماذا سكتت الخلافة القائمة ولم تعمل لكشف الحقيقة إذا كانت في صالحها؟ وما كان أيسر ذلك على السلطة القائمة لو كان الإمام الصبيّ صبيّاً في فكره وثقافته كما هو المعهود في الصبيان، وما كان أنجحه من أسلوب أن تقدّم هذا الصبيّ إلى شيعته وغير شيعته على حقيقته، وتبرهن على عدم كفاءته للإمامة والزعامة الروحيّة والفكرية. فلئن كان من الصعب الإقناع بعدم كفاءة شخص في الأربعين أو الخمسين قد أحاط بقدر كبير من ثقافة عصره لتسلّم الإمامة، فليس هناك صعوبة في الإقناع بعدم كفاءة صبيّ اعتياديّ مهما كان ذكيّاً وفطناً للإمامة بمعناها الذي يعرفه الشّيعة الإماميون(١٠٦)، وكان هذا أسهل وأيسر من الطرق المعقّدة وأساليب القمع، والمجازفة التي انتهجتها السلطات وقتئذ.
إنّ التفسير الوحيد لسكوت الخلافة المعاصرة عن اللعب بهذه الورقة(١٠٧)، هو أنّها أدركت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة حقيقيّة وليست شيئاً مصطنعاً.
والحقيقة أنّها أدركت ذلك بالفعل بعد أن حاولت أن تلعب بتلك الورقة فلم تستطع. والتأريخ يحدّثنا عن محاولات من هذا القبيل وفشلها(١٠٨)، بينما لم يحدّثنا إطلاقاً عن موقف تزعزعت فيه ظاهرة الإمامة المبكّرة أو واجه فيه الصبيّ الإمام إحراجاً يفوق قدرته أو يزعزع ثقة النّاس فيه.
وهذا معنى ما قلناه من أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعية في حياة أهل البيت وليست مجرّد افتراض، كما أنّ هذه الظاهرة الواقعية لها جذورها وحالاتها المماثلة في تراث السماء الذي امتدّ عبر الرسالات والزعامات الربّانيّة ويكفي مثالاً لظاهرة الإمامة المبكّرة في التراث الربّاني لأهل البيت عليهم السلام يحيى عليه السلام إذ قال الله سبحانه وتعالى: (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا)(١٠٩).
ومتى ثبت أنّ الإمامة المبكّرة ظاهرة واقعية وموجودة فعلاً في حياة أهل البيت عليهم السلام لم يعد هناك اعتراض فيما يخصّ إمامة المهديّ عليه السلام وخلافته لأبيه وهو صغير(١١٠)،(١١١).

الفصل الثاني: ضرورة الاعتقاد بقضية المهدويّة

محتويات الفصل:
المبحث الأول: المهدويّة أمر متّفق عليه.
المبحث الثاني: قضية المهدويّة عند الشّيعة.
المبحث الثالث: المهدويّة في الكتاب والسنّة.
المبحث الرابع: الإصلاح وقيام الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الخامس: لماذا لم يذكر اسم الإمام في القرآن الكريم؟
المبحث السادس: المهدويّة وكمال البشرية.
المبحث الأوّل: المهدويّة أمر متّفق عليه
"الإمام الثاني عشر إمام منتظر، ونحن ننتظر ظهوره لكي "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً". والفكرة، بصورة موجزة، لا تختصّ بهذه الطائفة، بل في كتب أحاديث المسلمين، بجميع مذاهبهم، مئات وألوف من الروايات، تدلّ وتثبت أنّ النبيّ الكريم عليه الصلاة والسلام قال: "لو لم يبق من العالم إلّا يوم واحد، لطوّل الله ذلك اليوم حتّى يأتي رجل من أهل بيتي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلئت ظلماً وجوراً"(١١٢).
فالحديث متواتر عند جميع فرق المسلمين، فالرأي لا يختصّ بطائفة. ثمّ الفكرة، كانت ولا تزال عامة، تشمل مفاهيم جميع الأديان، فانتظار المخلّص، وانتظار المنقذ، وانتظار الروح الحق المعزّي، وانتظار أمر ما، موجود عند جميع الفرق والأديان، وعند جميع المتشرّعين بالشرائع"(١١٣).
"المهدويّة" فلسفة عالميّة كبرى
إنّ مسألة ظهور المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، لا تختصّ بطائفة من البشر ولا بمنطقة معيّنة من الأرض، بل هي مسألة عامّة تستوعب كلّ الأرض وكلّ البشر. ذلك لأنّ الدّين الإسلاميّ - والذي تعتبر المهدويّة واحدة من مسائله - دين عالميّ، وقد أرسل الله تعالى خاتم أنبيائه للناس كافّة، ووعده أن يظهر دينه على سائر الأديان الأخرى.
ولذلك فإنّ الآيات القرآنية التي تبشّر بمجيء دولة الحقّ والعدل هي من قبيل هذه الآية الشريفة: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(١١٤). هذه الآية وأمثالها تشير:
أولاً: إلى الأمل بمستقبل البشرية، وأنّ الدنيا لن تدمّر وتفنى، كما هي الفكرة السائدة اليوم في أوروبا، بأنّ البشرية في تمدّنها وحضارتها قد وصلت إلى مرحلة بحيث لم يبق أمامها إلّا خطوة واحدة لتسقط في القبر الذي حفرته لنفسها بيدها! والواقع أنّ ظواهر الأمور تؤيّد هذه الفكرة بشدّة، إلا أن أصول ديننا ومذهبنا تؤكّد أنّ ما هو موجود الآن من الفساد والاضطراب شيء مؤقّت، وأنّ هناك حياة سعيدة مستقرّة تنتظر البشرية في المستقبل.
وثانياً: إلى أن عهد المستقبل هو عهد العقل والعدالة، فكما أنّ الفرد يمرّ في حياته بثلاث مراحل: مرحلة الطفولة وهي تتّسم باللّعب والأفكار الصبيانية، ومرحلة الشباب التي تتّسم بالغضب والشهوة، ومرحلة الرجولة، التي تتّسم بالعقل والنضج والاستفادة من التجارب السابقة.
كذلك المجتمع البشريّ لا بدّ أن يطوي مراحله الثلاث. وإلى الآن مرّ هذا المجتمع بمرحلتين من مراحله:
مرحلة الأساطير والخرافات، وبتعبير القرآن مرحلة "الجاهلية الأولى"، ثمّ مرحلة العلم، ولكنّه الممزوج بالشباب، أي مرحلة حكومة الغضب والشهوة، فعصرنا الحاضر هو قبل أيّ شيء، عصر "القنبلة" أي الغضب، وعصر "الميني جوب" أي الشهوة.
فهل يا ترى من المعقول أن لا تأتي على البشريّة مرحلة تكون الحكومة فيها ليست حكومة جهالة وأساطير، ولا حكومة قنبلة وميني جوب؟ مرحلة تتّسم بالعلم والمعرفة في ظل العدالة والسلام والإنسانية، حيث تكون المعنويّات الساميّة هي الحاكمة في العالم لا الماديّات المنحطّة؟
وهل من المعقول أنّ الله تبارك وتعالى خلق هذه الدنيا، وخلق الإنسان فيها بعنوان أشرف المخلوقات، ثمّ إنّه يقوم بعد ذلك بإفناء الحياة قبل أن تصل البشريّة إلى مرحلة رشدها وبلوغها؟
كلّا، فمضامين الآيات القرآنية والروايات الإسلاميّة تفيد بصورة لا لبس فيها، بأنّ البشرية لا بدّ أن تصل إلى مرحلة كمالها ونضجها، ولا بدّ أن يحكم فيها الدّين والعقل، ويكون الإنسان الذي يعمر الأرض حينذاك، "إنساناً" كما أراده الله سبحانه يوم خلقه ونفخ فيه من روحه.
وإن كان معذوراً وقلبه معنا وعزمه أن يلحق بنا لو استطاع فهو معنا. فأجاب الرجل إنّه كذلك يا أمير المؤمنين فأجابه الإمام عليه السلام: إنّ ليس أخوك وحده كان معنا بل ورجال آخرون ما زالوا في أرحام أُمّهاتهم بل وفي أصلاب آبائهم، فهذا حكم ثابت فكلّ شخص وحتّى يوم القيامة إذا وجد وكان في قلبه عزم صادق أنّه لو أدرك علياً في صفين لنصره فهو مع عليّ ويعتبر من أنصار عليّ وجيش عليّ في صفّين وإن لم يحضر صفّين بل ولم يعاصرها"(١١٥).
المبحث الثاني: قضيّة المهدويّة عند الشّيعة
"إنّ أصل المهدويّة هو محلّ اتّفاق جميع المسلمين. وفي عقائد الأديان الأخرى، يوجد أيضاً انتظار المنجي في نهاية الزَّمان. فقد فهموا هذا المطلب أيضاً بنحوٍ صحيح في بُعدٍ من أبعاد القضيّة، ولكن في البُعد الأساسيّ المتعلّق بتحديد ومعرفة الشخص المنجي، ابتُلوا بنقص المعرفة. والشّيعة يعرفون المنجي بالاسم والعلامة والخصائص وتاريخ الولادة، من خلال الأخبار المسلّمة والقطعيّة عندهم.
إنّ خصوصية اعتقادنا نحن الشّيعة هي أنّنا قد بدّلنا هذه الحقيقة في مذهب التشيّع من حالة الأُمنية أو الأمر الذهنيّ المحض، إلى حالة واقعيّة موجودة. الحقيقة هي أنّ الشّيعة عندما ينتظرون المهديّ الموعود فإنّهم ينتظرون اليد المنجية تلك، ولا يغوصون في عالم الذهنيّات بل يبحثون عن واقعيّة وهي موجودة. وحجّة الله حيٌّ بين النّاس وموجودٌ ويعيش فيما بينهم ويرى النّاس وهو معهم، ويشعر بآلامهم وأسقامهم. وأصحاب السعادة والاستعداد يزورونه في بعض الأحيان بصورة خفيّة. إنّه موجودٌ، هو إنسانٌ واقعيّ مشخّص باسمٍ معيّن، له أبٌ وأمّ محدّدان وهو بين النّاس ويعيش معهم.
خصوصيّة عقيدة الشّيعة:
أولئك الّذين لا يقبلون هذه العقيدة من المذاهب الأخرى، لم يتمكّنوا في أيّ وقتٍ من إقامة أيّ دليلٍ يقبل به العقل لردّ هذه الفكرة وهذه الواقعيّة. فجميع الأدلّة الواضحة والراسخة، الّتي يصدقّها الكثير من أهل السنّة أيضاً، تحكي بصورة قاطعة ويقينيّة عن وجود هذا الإنسان العظيم، هو حجّة الله، وهو الحقيقة الواضحة والساطعة ـ بتلك الخصائص الّتي نعرفها، أنا وأنتم تشاهدون هذه الأمور في العديد من المصادر غير الشّيعيّة.
فالابن المبارك والمطهّر للإمام الحسن العسكريّ عليه الصلاة والسلام، معروفٌ تاريخ ولادته، ومن أهله وأصحابه ومعجزاته، وقد منحه الله عمراً طويلاً، ويفعل ذلك. وهو تجسيدٌ لتلك الأمنية الكبرى، لجميع أمم العالم، وقبائله وأديانه وأعراقه عبر جميع العصور. هذه هي خصوصيّة مذهب الشّيعة بشأن هذه القضيّة المهمّة.
إنّ الوجود المقدّس لحضرة بقيّة الله أرواحنا فداه، هو عبارة عن استمرار النبوّات والدعوات الإلهية منذ بداية التاريخ وإلى يومنا هذا، أي كما تقرؤون في دعاء النّدبة من: "وبعضهم أسكنتهم جنّتك"، الّذي هو آدم، وإلى: "أن انتهيت بالأمر"، أي الوصول إلى خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، ومن بعدها قضيّة الوصيّة وأهل بيت هذا النبيّ العظيم إلى أن يصل الأمر إلى إمام الزَّمان، فالجميع عبارةٌ عن سلسلةٍ متَّصلَةٍ ومرتبطة ببعضها في تاريخ البشريّة. وهذا بمعنى أنّ تلك الحركة العظيمة للنبوّات وتلك الدعوات الإلهيّة بواسطة الرّسل، لم تتوقّف في أيّ مقطعٍ من الزَّمان. فالبشريّة تحتاج إلى الأنبياء والدعوات الإلهيّة، والدُعاة الإلهيين، وهذا الاحتياج باقٍ إلى يومنا هذا، وكلّما مرّ الزَّمان فإنّ البشر يصبحون أقرب إلى تعاليم الأنبياء.
لقد أدرك المجتمع البشريّ اليوم من خلال التقدّم الفكريّ والمدنيّة والمعرفة، الكثير من تعاليم الأنبياء ـ والّتي لم تكن قابلة للإدراك من قبل البشر قبل عشرات القرون من هذا ـ فقضيّة العدالة هذه، وقضيّة الحريّة، وكرامة الإنسان، وهذه الألفاظ الرائجة في العالم اليوم، هي كلماتُ الأنبياء. في ذلك الزمن، لم يدرك عامّة النّاس والرأي العامّ هذه المفاهيم. وبتبع مجيء الأنبياء وانتشار دعوتهم، غُرست هذه الأفكار في أذهان النّاس وفي فطرتهم وفي قلوبهم جيلاً بعد جيل. فالدّعاة الإلهيّون أولئك لم تنقطع سلالتهم اليوم، والوجود المقدّس لبقيّة الله الأعظم أرواحنا فداه، هو استمرار سلالة الدعاة الإلهيّين حيث تقرأون في زيارة آل ياسين: "السلام عليك يا داعي الله وربّانيّ آياته". أي أنّكم اليوم ترون تجسيداً لدعوة إبراهيم ودعوة موسى، ودعوة عيسى، ودعوة جميع الأنبياء والمصلحين الإلهيين ودعوة النبيّ الخاتم في وجود حضرة بقيّة الله. فهذا الإنسان العظيم هو وارثهم جميعاً، وبيده دعوتهم ورايتهم جميعاً، وهو يدعو البشريّة ويعرض عليها تلك المعارف الّتي جاء بها الأنبياء عبر الزَّمان الممتدّ. هذه هي نقطةٌ مهمّة"(١١٦).
المبحث الثالث: المهدويّة في الكتاب والسنّة
نتحدّثُ هنا عن جملة من النقاط التي تُسهم في بلورة فكرة المهدويّة التي نعتقد بها.
"إذ يدور البحث في هذا القسم حول مسألة المهدويّة - أي الاعتقاد بحتمية ظهور المهديّ الموعود. وقد يتصوّر البعض ممّن يفتقرون إلى الاطّلاع الكافي - وخصوصاً من الذين لا يعتقدون بأصول مذهب التشيّع - بأنّ هذه المسألة لم تظهر إلى الوجود إلّا في النصف الثاني من القرن الثالث الهجريّ، وبالتحديد بعد ولادة الإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. ولإثبات خطأ هذا التصوّر، أريد أن أبيّن هنا من أين وكيف ظهرت هذه المسألة، وسواءً كانت بصورتها الكاملة المفصّلة، أم بصورتها الإجمالية المقتصرة على الإشارة والإلماع"(١١٧).
١- المهدويّة في القرآن والأحاديث الشريفة
"أوّلاً: توجد هذه المسألة في القرآن الكريم بصورة بشارة عامّة ومؤكّدة. أيّ أنّ من يتدبّر في الآيات القرآنية، يرى أنّ طائفة منها تذكر تلك النتيجة المترتبّة على ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، على أنها أمر قطعيّ لا بدّ أن يحدث في المستقبل. ومن جملتها هذه الآية الكريمة على سبيل المثال: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(١١٨). ويذكر المفسرون أنّ المقصود (بالذكر) هنا هو التوراة، والآية صريحة في بيان حتميّة هذا الأمر، أي لقد قضينا قضاءً مبرماً بأنه سيأتي يوم على البشريّة، يمسك فيه عباد الله الصالحون بزمام الأمور في طول الأرض وعرضها. فالأرض لن تبقى إلى الأبد تحت سيطرة الجبّارين والظالمين، وسوف تقوم دولة الحقّ العالميّة الدائمة، بعد زوال دولة الباطل المؤقّتة.
وتذكر آية أخرى هذه البشارة القطعيّة الإلهية بأنّ دين الإسلام المقدّس سوف يكون دين البشرية جمعاء، في حين أنّ تمام الأديان الأخرى سوف تزول، أو لا أقل تضمحلّ وتنزوي جانباً. وتحقيق هذا الوعد بأبعاده الكاملة لا يتمّ إلا في زمان ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فيخضع أهل الأرض جميعاً لدين الإسلام، ويصبح الدين المحمّدي الدين العالميّ السائد في كل الكرة الأرضيّة. وهناك آيات كثيرة أخرى في هذا المجال، تحتاج إلى بحث مفصّل خاصّ لا يسعنا التعرّض لها هنا.
ثانياً: وإذا ضربنا صفحاً عن الآيات القرآنية، فإننا نواجه عالم الأحاديث النبويّة الشريفة. فهل يا ترى ذكر نبي الإسلام صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً في هذا الباب أم لا؟
ولو كانت الروايات المتعلّقة بالمهديّ الموعود منحصرة في روايات الشّيعة فقط، لكان هناك مجال للشكّاكين أن يقولوا معترضين: لو كانت مسألة المهديّ الموعود مسألة واقعيّة، لكان ينبغي للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أن يبيّنها في أحاديثه الشريفة. ولو كانت للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحاديث في هذا المعنى لتناقلتها بالرواية سائر الفرق الإسلامية، ولما اقتصر على روايتها الشّيعة فقط.
ولحسن الحظّ، فإنّ هذا هو الواقع، لأنّ روايات باب المهديّ الموعود التي يتناقلها أهل السنّة إن لم تزد على روايات الشّيعة فإنها لا تقل عنها على أيّ حال. وهناك كتب كثيرة موضوعة لهذا الغرض بالذات، من جملتها كتابان باللغة العربية وبقلم المرحوم آية الله الصدر (أعلى الله مقامه). وقد نقل المؤلف كلّ الروايات التي أوردها في الحديث عن المهديّ المنتظر، عن طريق أهل السنّة. والكتاب الثاني بعنوان "منتخب الأثر" وقد تمّ تأليفه بأمر من المرحوم آية الله السيد البروجردي رضوان الله عليه، وبقلم أحد فضلاء الحوزة العلمية البارزين في (قم) وهو الشيخ آقا ميرزا لطف الله الصّافي. وعند مطالعة هذا الكتاب يجد القارئ الكثير من الروايات المنقولة عن طريق أهل السنّة والتي تتحدّث عن هذا الموضوع بمضامين وتعابير مختلفة.
ولا بأس هنا أن نشير إلى حديث لأمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، وهذا الحديث - كما سمعت شخصياً من المرحوم آية الله البروجردي - متواتر، أي أنّه لم يرد في كتاب "نهج البلاغة" فقط، وإنّما ورد أيضاً في مراجع تأريخيّة أخرى. وموضع الشاهد من هذا الحديث هو آخره، حيث يلمّح أمير المؤمنين عليه السلام في بعض جمل إلى مسألة المهديّ الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف فيقول: "اللهمّ بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجّة، إمّا ظاهراً مشهوراً، وإمّا خائفاً مغموراً. لئلا تبطل حجج الله وبيّناته. يحفظ الله بهم حججه وبيّناته، حتّى يودعها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم"(١١٩). وفي هذه الكلمات إشارة إلى ضرورة وجود المهديّ المنتظر وهو آخر حجج الله، وإن كان غائباً عن أعين النّاس، ومختفياً عنهم لحكمة معيّنة. وفيها كذلك إشارة إلى ضرورة ظهوره وإن طالت مدّة غيبته، وذلك عندما تتوفّر شرائط معيّنة بحيث يلزم الأمر حفظ حجّة الله على عباده والحيلولة دون بطلانها.
٢- المهدويّة من الناحية التاريخية
تعمّدت الإيجاز في استعراض الآيات القرآنية والروايات الشريفة المتّصلة بمسألة المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، وذلك لأني أريد أن أركّز على هذا البحث من الزاوية التاريخية، فأبيّن جانباً من الآثار التي تركتها هذه المسألة على تأريخ الإسلام. فعندما نطالع التأريخ الإسلاميّ، نجد أنّه فضلاً عن الروايات الواردة في هذا المجال والمنقولة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أو عن أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّه منذ النصف الثاني للقرن الهجريّ الأوّل، أصبحت الأخبار والتنبؤات المتعلقة بمسألة المهديّ الموعود سبباً لبروز حوادث كثيرة في تأريخ الإسلام، وذلك بأن أخذ البعض يسيئون الاستفادة من أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وما فيها من البشارة بظهور (المهديّ)، وهذا بحدّ ذاته دليل على وجود جذور لهذه المسألة، وإلّا لم يكن هناك مبرّر لبروز تلك الحوادث.
قيام (المختار) والاعتقاد بالمهدويّة
إنّ أوّل أثر ظهر في تأريخ الإسلام لعقيدة المهدويّة، كان في قصّة انتقام المختار من قتلة الإمام الحسين عليه السلام. وليس هناك شكّ في أنّ المختار كان رجلاً سياسيّاً محنّكاً، أكثر من كونه رجل دين ومذهب. طبعاً لا أريد هنا أن أحكم على المختار بأنه كان إنساناً خيّراً أم شريراً، ولكنّه على أي حال، كان يعلم جيداً بأنّ هدفه وإن كان الانتقام من قتلة سيّد الشهداء عليه السلام، وهذا ممّا يوفّر له أرضية شعبية مساعدة، إلّا أن النّاس لم يكونوا مستعدّين للقيام بهذا العمل تحت قيادته. وعلى إحدى الروايات، فقد حاول المختار أن يحصل على دعم الإمام زين العابدين عليه السلام في هذا الأمر، ولكنّه لم يوفّق في ذلك، فلم يجد أمامه إلّا أن يستغلّ مسألة الإمام المهديّ الموعود الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فطرح اسم محمد بن الحنفيّة وهو ابن أمير المؤمنين عليه السلام وأخو الإمام الحسين عليه السلام، على أنّه هو الإمام المهديّ المنتظر الذي يبشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأعلن نفسه نائباً لذلك الإمام.
وظلّ المختار مدّة من الزَّمان يلعب لعبته السياسيّة تحت عنوان نيابة المهديّ أي بصفته نائباً عنه.
يقول البعض: نعم، كان الأمر هكذا في الظاهر، ولكن الدافع الحقيقيّ لقبول محمّد بن الحنفيّة بهذا الأمر، هو فقط تهيئة الأرضيّة من أجل الانتقام والأخذ بالثأر من قتلة الإمام الحسين عليه السلام، ولكنّ هذا غير ثابت بالطبع. وبعد أن مات محمّد بن الحنفيّة قال جماعة المعتقدين به: إن المهديّ الموعود لا يمكن أن يموت حتّى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً. إذن فمحمّد بن الحنفيّة لم يمت في الواقع، وإنّما اختفى في جبل (رضوى)، ومن هنا ظهر إلى الوجود مذهب (الكيسانية).
ويذكر أبو الفتوح الأصفهاني في "مقاتل الطالبيين"، إنه لمّا وصل خبر شهادة زيد بن عليّ بن الحسين(١٢٠) إلى الزهريّ، قال: "لماذا يتعجّل أهل هذا البيت؟ فسوف يأتي يوم يظهر المهديّ الموعود منهم"(١٢١)، وفي هذا التصريح دلالة واضحة على أنّ هذا الأمر كان شيئاً مسلّماً به بين المسلمين، بحيث أنّ الزّهريّ أخذ على العلويّين قيامهم بالثورات وإراقة دمائهم، ولو أنّهم صبروا، وانتظروا وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكفاهم المهديّ الموعود مؤونة هذا الأمر. طبعاً، انتقاد الزّهريّ غير صحيح في نظرنا، ولكنّ الشاهد هو تسليمه بمسألة المهديّ الموعود.
قيام (النفس الزكية) والاعتقاد بالمهدويّة
كما ذكرنا في فصل سابق، كان للإمام الحسن المجتبى عليه السلام ولد باسم الحسن أيضاً، ولهذا كان يسمّى بالحسن المثنّى، وقد صاهر الإمام الحسين عليه السلام بالزواج من ابنته فاطمة بنت الحسين، فُولد له ولد باسم عبد الله، الذي لقب بعبد الله المحض، دلالة على نسبه الخالص. وكان لعبد الله المحض ولد باسم محمد، وآخر باسم إبراهيم. وكان زمان هذين مقارناً لأواخر العهد الأمويّ، وكان يسمى بـ (النفس الزكيّة).
وفي الأيام الأخيرة من عهد الأمويّين اجتمع السادات الحسنيّون مع جماعة من كبراء العباسيّين، وبايعوا (النفس الزكيّة) على أنه مهديّ الأمّة. ثمّ استدعوا الإمام الصادق عليه السلام باعتباره زعيم السادات الحسينيين، وطلبوا منه أن يبايع هو أيضاً. ولكن الإمام عليه السلام قال لهم: ما هو هدفكم من وراء هذا الأمر؟ إذا كان محمّد يريد القيام بعنوان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأنا معه. أمّا إذا كان يريد القيام بعنوان أنه مهديّ هذه الأمّة، فإنّه مخطئ في ذلك، ولن أبايعه على هذا الأساس.
وربّما كان الأمر مشتبهاً حتّى على محمّد بن عبد الله المحض نفسه، لوجود التماثل بين اسمه واسم النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ووجود خال على كتفه كما كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان النّاس يسمّون هذا الخال (خاتم النبوّة). ولهذا كانت بيعة كثير من الذين بايعوه مبنيّة على أساس أنه المهديّ الموعود.
ومن ذلك يمكن الاستنتاج بأنّ مسألة المهديّ الموعود، كانت متجذرة في نفوس المسلمين وأفكارهم بحيث أنّ أيّ أحد كان يعلن القيام والثورة، مع وجود مسحة من الصلاح والتقوى عليه، فإنّ المسلمين كانوا يقولون: هذا هو المهديّ الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!
حيلة الخليفة العباسيّ (المنصور)
كان ثالث الخلفاء العباسيّين يدعى (المهديّ) وهو ابن (المنصور الدوانيقي). ويذكر المؤرّخون ومن جملتهم (دار مستر) أن هذا الخليفة العباسيّ سمّى ابنه بهذا الاسم لهدف سياسيّ ماكر، وهو أن يثبّت قاعدته الشعبية ويستميل النّاس إليه، بواسطة إقناعهم بأنّ المهديّ الموعود الذي ينتظرونه ما هو إلّا ابنه (المهديّ) هذا. ولهذا ذكر صاحب "مقاتل الطالبيين" كذب هذا الادّعاء. فمثلاً عندما التقى مرّة بمسلم بن قتيبة وكان من المقربين إليه، قال له: ماذا يقول محمّد بن عبد الله المحض هذا؟ قال: يقول أنا مهديّ هذه الأمّة. قال: إنّه مخطئ فلا هو مهديّ الأمّة، ولا ابني هذا.
ومثل هذه الحوادث تبيّن أنّ روايات المهديّ المنتظر، كانت كثيرة ومتداولة بين النّاس. وكان ممّا يسبّب لهم الوقوع في الأخطاء والاشتباهات أنهم لم يكونوا يحقّقون جيّداً، لكي يتبيّنوا توافر جميع الأوصاف والعلامات التي ذكرتها الروايات النبويّة، فكانوا ينخدعون، أو يتسرّعون في الحكم بأنّ فلاناً من النّاس هو صاحبهم الموعود.
محمّد بن عجلان والمنصور العباسيّ
كان أحد فقهاء (المدينة) ويدعى محمّد بن عجلان من الذين بايعوا محمد بن عبد الله المحض. وكان بنو العباس من المؤيّدين لهذه البيعة في البداية، ولكنّهم لمّا استولوا على الخلافة، أخذوا يقتلون أولئك الذين بايعوهم بالأمس من السادات الحسنيّين وكذلك كلّ من كان يؤيّدهم. وكان أن استدعى (المنصور) هذا الفقيه، وحقّق في أمره، فثبت عنده أنّه بايع (محمد بن عبد الله)، فأصدر أمراً بقطع يده، وقال: "هذه اليد التي بايعت عدوّي يجب أن تقطع". فاجتمع فقهاء المدينة، وتشفّعوا لزميلهم (ابن عجلان)، وكان ممّا قالوا للمنصور في شفاعتهم: أيها الخليفة، إنّ هذا رجل فقيه وعالم بالروايات، وقد توهّم بأنّ ذلك الشخص هو مهديّ الأمّة الذي بشّر به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فبايعه على هذا الأساس، وإلا فإنّه لا يضمر في قلبه أيّ عداوة بالنسبة لك.
وهكذا فإننا كلّما ننتقل من عهد إلى عهد في التأريخ الإسلاميّ، فإنّنا نشاهد حوادث وقعت وكان منشؤها الاعتقاد الراسخ بحتمية ظهور المهديّ الموعود. وأيضاً فإنّ كثيراً من أئمتنا عليهم السلام كالإمام موسى الكاظم عليه السلام، والإمام محمد الباقر عليه السلام وغيرهما، كانوا عندما يفارقون الدنيا، فإنّ بعض الشّيعة كانوا يشكّكون في موتهم ويقولون بغيبتهم معتقدين بأنّ هذا الإمام الذي يدّعي النّاس موته هو المهديّ المنتظر.
وكان للإمام الصادق عليه السلام ولد يدعى إسماعيل وهو الذي تنتسب إليه طائفة (الإسماعيليّة) من الشّيعة. وكان الإمام الصادق عليه السلام يحبّ ولده إسماعيل هذا كثيراً. وعندما توفّي، غسّله الإمام وكفّنه، ثمّ استدعى أصحابه، وكشف الكفن أمامهم عن وجه الميّت وقال لهم: هذا هو إسماعيل ابني وقد مات، فلا يدّعي أحد غداً أنه مهديّ الأمةّ، وأنه قد غاب! انظروا إلى جنازته. انظروا إلى وجهه. اعرفوه جيّداً وتحققوا من ذلك، ثمّ اشهدوا أمام النّاس بما رأيتم.
وهكذا، فإنّي في كلّ تحقيقاتي التاريخية، لم أجد رجلاً واحداً من علماء المسلمين منذ صدر الإسلام وحتّى زمان (ابن خلدون) ادّعى أنّ الأحاديث المتعلّقة بالمهديّ الموعود عجل الله تعالى فرجه الشريف لا أساس لها من الصحة، بل على العكس، كان الجميع يعتقدون بذلك، وإذا كان هناك اختلاف، ففي جزئيات الموضوع، كأن يكون المهديّ هذا الشخص أو ذاك، وهل هو ابن الإمام العسكريّ أم لا، وهل هو من أبناء الإمام الحسن عليه السلام أم من أبناء الإمام الحسين عليه السلام. أمّا أنّ هذه الأمّة سوف يكون لها (مهديّ)، وأنّه من أولاد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وأولاد فاطمة الزهراء عليها السلام، وأن مهمّته هي أن يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تملأ ظلماً وجوراً، فلم يكن يوجد أدنى شكّ في هذه الأمور بين المسلمين كافّة.
المبحث الرابع: الإصلاح وقيام الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
وما دمنا في صدد هذا الموضوع، فلا بدّ من الإشارة إلى أنّ فكرة كون الدنيا سوف تشهد مرحلة العدل والعدالة بعد أن تمتلئ بالظلم والجور، قد أوجدت مسألة خطيرة، وهي مخالفة طائفة من علماء المسلمين لكلّ ما يندرج تحت عنوان الإصلاح الاجتماعيّ. حيث يزعم هؤلاء أنّ الدنيا ينبغي أن تمتلئ بالظلم والفساد لكي يظهر المهديّ الموعود ويقوم بثورته الإصلاحيّة الشاملة! وعندما يرون شخصاً يخطو خطوة واحدة نحو الإصلاح، أو يرون توجّهاً في المجتمع نحو التّدين والعمل ببعض أحكام الإسلام، فإنهم يستاءون كثيراً، لأنهم يعتقدون أنّ الأوضاع الاجتماعية يجب أن تسوء وتزداد سوءاً حتى تتهيّأ الأرضيّة لظهور المهديّ الموعود. وإذا قام أحد بأيّ عمل من شأنه جلب اهتمام النّاس نحو الإسلام والتّديّن، فإن ذلك يعتبر في نظرهم خيانة لقضيّة المهديّ، ومزيداً من التأخير لظهوره المرتقب. فهل أنّ هذا النوع من التفكير صحيح أم خطأ؟
سأبيّن فيما يلي نقطة هامّة تجيب عن هذا السؤال.
إنّ بعض الأحداث التي تقع في هذه الدنيا تتمتّع بصبغة الانفجار، وذلك مثل أن يوجد (دمّل) في بدن الإنسان، فهذا الدمّل يجب أن يتطوّر ويصل إلى حدّ بحيث ينفجر دفعة واحدة فيتحقّق الشفاء أو "الإصلاح" في البدن. وعلى هذا فأيّ عمل يؤدّي إلى الحيلولة دون انفجار هذا الدمّل، يعتبر عملاً غير صحيح. وحتّى إذا أردنا أن نضع "دواء" فوقه، فينبغي أن يكون هذا الدواء من النوع الذي يسبّب الإسراع في عمليّة الانفجار.
وهكذا، وبالاستناد إلى هذه الحقيقة، فهناك بعض التيارات الفلسفيّة - التي تحبّذ أنواعاً معيّنة من الأنظمة السياسيّة والاجتماعية - تؤيّد الثورة بمعنى الانفجار، وتعارض كلّ عمل من شأنه أن يؤخّر الانفجار بشكل عامّ، وتفضّل ازدياد المفاسد والمظالم في المجتمع، وتراكم العقد والعداوات بين النّاس واستمرار اضطراب الأمور، إلى أن يصل الوضع إلى نقطة الانفجار والثورة ومن ثم يمكن إصلاح المجتمع بصورة جذريّة!
فهل ينبغي لنا - نحن المسلمين - أن نفكّر بهذا الشكل فيما يتعلّق بالإصلاح وبظهور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ وهل يجوز لنا أن ندع المعاصي والذنوب تزداد، وأن نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونهمل تربية أطفالنا بدعوى أنّ ذلك يعجّل ظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف؟ بل لكي نساهم بأنفسنا في تعجيل ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإننا - والعياذ بالله - نترك الصلاة والصيام وسائر الواجبات الدينيّة، ونشجّع الآخرين على ذلك، بهدف تهيئة مقدّمات الظهور!!
كلّا، فهذا بدون شكّ خلاف الأصول القطعيّة في الإسلام، وفقهنا له موقف واضح في هذا الشأن، فهو يؤكّد على أنّ انتظار الحجّة عليه السلام لا يسقط أيّ تكليف من التكاليف الشرعيّة لا الفرديّة ولا الجماعيّة. ولا يمكننا أن نجد عالماً واحداً من علماء المسلمين - سواء كان شيعياً أم سنيّاً - يقول إنّ مسألة انتظار المهديّ الموعود، تسقط أصغر تكليف شرعيّ قرّره الإسلام.
هذا نوع من التفكير: أما النوع الآخر فهو يدور حول فكرة "النضج" وليس "الانفجار". والواقع أنّ "الثمرة" و"الدمّل" كلاهما له سير تكامليّ يستمرّ فيه إلى أن يصل إلى مرحلته النهائية، حيث ينفجر الدمّل، بينما تنضج الثمرة وتصبح جاهزة للقطف. ومسألة ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف تشبه نضج الثمرة أكثر ممّا تشبه انفجار الدمّل. والإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لم يظهر إلى الآن، ليس فقط بسبب أنّ الذنوب لم تتكاثر إلى الحدّ المطلوب، بل لأنّ الدنيا لم تصل بعد إلى مرحلة القابليّة والاستعداد لهذا الظهور. ولهذا نقرأ كثيراً في روايات الشّيعة أنه عندما يبلغ عدد أنصار الإمام المهديّ المنتظر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً في العالم كلّه، فعند ذلك يظهر الإمام ويبدأ ثورته الإصلاحيّة، وإلى الآن لم يتوفّر هذا العدد من الأنصار! وهذا يعني أن الزَّمان يجب أن يواصل مسيرته، بحيث أنّه مهما يزداد الفساد في الدنيا، فإنّه من الناحية الأخرى ينبغي موجود أولئك النفّر الذين يريدون تشكيل الحكومة العالمية، وعندهم الاستعداد الكافي لأن يكونوا تحت لواء المهديّ المنتظر عليه السلام، - قادة العالم وسادته. وعند ذلك فقط يظهر الإمام وتبدأ الثورة المباركة.
نعم، إن الفكرة القائلة إنّه (ما لم تحدث "الفوضى"، فإنّ الأمر لا يصل إلى "النظام") صحيحة، ولكن لا ينبغي إساءة فهم هذه الفكرة. لأن "الفوضى" لها مستويات مختلفة. فعلى الدوام تظهر الفوضى والاضطراب في الدنيا، ثم يعقب ذلك النظام والاستقرار. ثم يتبدّل هذا النظام بالفوضى ولكنها فوضى على مستوى أعلى. ثم تتبدّل هذه الفوضى بالنظام ولكنّه نظام على مستوى أعلى أيضاً من النظام السابق وهكذا.
ولهذا يقول علماء الاجتماع إنّ حركة المجتمع البشريّ هي حركة حلزونيّة، أي حركة دورانيّة ارتفاعيّة. ففي نفس الوقت الذي يدور فيه المجتمع البشريّ، فإنه لا يدور في مستوىً أفقيّ، بل يتّجه إلى الأعلى دائماً.
ولا يوجد شك بأن دنيانا اليوم هي دنيا مضطربة تعمّها الفوضى، بحيث أنّ زمامها قد أفلت حتّى من يد القادة العظام وزعماء القوى الكبرى في العالم، ولكنّ هذا الاضطراب والفوضى على ذلك المستوى العالميّ يختلف عمّا يمكن أن يحصل في قرية أو مدينة - مثلاً - اختلافاً كليّاً، وكذلك الحال بالنسبة للنظام والاستقرار. وعلى هذا فنحن عندما نتوجّه نحو زمان ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإننا نتّجه في هذه الدنيا نحو "الفوضى" و"النظام" في آن واحد.. نتّجه إلى الفوضى لأنّه من الطبيعيّ الانتقال من النظام إلى الفوضى. ونتّجه أيضاً إلى النظام لأنّه فوضى على مستوى أعلى.
فهل ظهرت إلى الوجود - قبل قرن أو بضعة من الزمن - تلك الأفكار الموجودة بين النّاس؟ فلقد توصل مفكّرو العالم اليوم إلى أن الطريق الوحيد لمعالجة شقاء البشرية ووضع حدّ لآلامها المريرة، هو تشكيل حكومة عالمية واحدة. ولم يكن لمثل هذه الفكرة أن تخطر مجرّد خطور في مخيّلة البشر طيلة العصور الماضية. ونستنتج من كلّ ما سبق أنّه كما أنّ انتشار الظلم والفساد في العالم يقرّب ظهور الإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنّ الدعوة إلى الإصلاح ومحاولة إجراء العدالة تقرّب أيضاً ذلك الظهور المبارك، وربّما بسرعة أكبر، وعند ذلك سيكون حساب دعاة الإصلاح والعدالة مختلفاً كليّاً عن حساب دعاة الفساد والانحراف، فلننظر إلى أنفسنا في أيّ جانب نكون.
المبحث الخامس: لماذا لم يذكر اسم الإمام في القرآن الكريم؟
"لماذا لم يرد ذكر أو اسم لهذا الإمام الغائب في القرآن الكريم؟ وهل ما ذكره القرآن تفصيلاً من شأن رجال مضوا كلقمان وذي القرنين مرّت عليهم مئات السنين هو أهمّ شأناً من ذكر إمام عظيم غاب عن المسلمين وهم يتطلعون لظهور دولته ليلاً ونهاراً؟ ثمّ هل يقوم منهج الهداية في القرآن على ذكر أشياء ذات شأن ضئيل ويهمل ذكر أمور أهم؟ وهل يليق بمقام الكتاب أن يوضح أموراً عادية على نحوٍ مفصّل ويصمت تماماً عن أمور أساسية؟".
الجواب: ثمة آيات قرآنية كثيرة إذا جمعت إلى بعضها البعض أو تدبّرنا بها جيداً، يوفّر لنا مدلولها فهماً لخصوصيات ظهور الإمام الغائب عجل الله تعالى فرجه الشريف. نظير ذلك قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ)(١٢٢).
وقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(١٢٣).
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(١٢٤).
وقوله تعالى: (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ)(١٢٥).
إنّ حاصل الجمع بين هذه الآيات وغيرها يدلّ على المعنى.
وقد جاء في كتاب الاحتجاج للطبرسي في جواب الإمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام عن شبهة مماثلة أنّ الله (سبحانه) لو ذكر الأئمة عليهم السلام صراحة في القرآن الكريم، لسعى أعداء أهل البيت عليهم السلام لإسقاط ذلك بكلّ وسيلة، ما يجعل كتاب الله عُرضة للتحريف.
ولأنّ الله (عزّ اسمه) وعد صراحة بحفظ القرآن وصيانته من التحريف، فقد جاءت مسألة الإمام مبثوثة في ثنايا الكتاب، ولم تذكر صراحة، وهي بذلك بحاجة إلى تدبّر في الآيات لاستظهارها.
ومع ذلك فإنّ الإشكال بنفسه يرجع إلى الكاتب نفسه. فعدم ذكر الإمام الغائب صراحة في القرآن لا يقتصر عليه وحده، وإنما يعمّ جميع الأئمة، وحينئذٍ سيكون السؤال: لماذا لم يأت ذكر معيّن وصريح للإمامة رغم ما ينطوي عليه الموضوع من أهمية آثاره خطيرة؟
يعرف الجميع أنّ العالم الإسلاميّ انشقّ أثر قضية الإمامة إلى سنّة وشيعة، وكان لهذا الاختلاف بين الفريقين آثاره المرّة، أفلم يكن يحسن بالقرآن صوناً للأمة من الدماء التي أُريقت والفتن التي اشتعلت والضربات التي أحاطت مسيرة الإسلام، أن يذكر صراحة أنّ الإمامة ليست انتخاباً من الله؟
ليس هذا وحده وحسب، بل ألم ينبغِ للنبيّ الأكرم أن تتضمّن سُنّته ما ينفي أن تكون الإمامة أمراً منصوصاً عليه من قبل الله بواسطة النبيّ؟
وإذ نعرف أنّ القرآن والسنّة لم يفعلا ذلك صراحة، وأنّ ليس فيهما ما ينفي أن تكون الإمامة نصاً وانتخاباً من قبل الله، فإنّ الإشكال حينئذٍ سيكون مشتركاً ويرتدّ إلى الكاتب نفسه، حيث يستوي الأمر بين النفي والإثبات.
وإلّا هل يمكن أن نتصوّر أنَّ أهمية نفي الخلافة (الإمامة) القائمة على النصّ والانتخاب الإلهيّ أقلّ شأناً من إثباتها في كتاب الله، هذا على فرض صحة النفي ومشروعيته؟
ثمّ إذا أردنا أن نساير الطريقة التي يفكّر بها الكاتب ألا يحقّ له أن يدّعي أنّ الخليفة الأوّل كان أعقل - معاذ الله - من الله ورسوله حين ثبت في وصيته أن تؤول الخلافة إلى الخليفة الثاني دون أن تخضع لانتخاب النّاس ورأيهم، وبالتالي أمن النّاس من الاختلاف حيث لم يقع أيّ خلاف في خلافة عمر، بينما انتهى سكوت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - على افتراض وقوع هذا السكوت - إلى اشتعال أوار الفتنة بين أمته؟
نخلص ممّا ذكر إلى أنّ بيان نفي أو إثبات الخلافة (الإمامة) القائمة على النص والانتخاب الإلهيّ صراحة في القرآن يستوي في الأهمية بين الطرفين، وبذلك لا يصحّ الإيراد على جهة الإثبات دون جهة النفي، وإنّما الإشكال مشترك وارد على الجهتين.
المبحث السادس: المهدويّة وكمال البشرية
إنّ الفكرة تتجاوز النشاط الدينيّ، وتشمل النشاط العلميّ أيضاً. فإذا لاحظنا سعي البشر في مختلف حدوده، وفي متنوع حقوله: في حقل العلم، والفلسفة، والأدب، والتجارب الاجتماعية، وتجربة الأنظمة والقوانين، نجد أنّ البشر متحركون نحو الكمال، ونحو الأفضل في جميع شؤون حياتهم. صحيح أنّ الإنسان قد ينحدر وينزل ويخطئ وينحرف، ولكنّ هذه الزّلات في السير الأساسي والخط العريض في حياة البشر، أمور جزئية. فالإنسانية منذ البدء كانت تتكامل، وتعلو، وتسمو وتتقدّم نحو الأفضل، وهي مطمئنة بأنّ الأفضل ميسور لها، ولهذا تسعى لأجله. لو كان البشر يعتقدون، كما يقول البعض بأنّ الإنسان في تدهور، أو أنّ العالم في تأخّر، أو أنّ الأمر نحو الأسوأ، لما كانوا يسعون، ويشتغلون، ويتحركون بأمل وبفطرة، وبإيمان نحو المستقبل. فإذاً، العلم هو النشاط الواسع الذي ينبثق من الحقول المختلفة العلمية، والأنظمة الاجتماعية، والمساعي التي تُبذل لأجل التجربة في الحقول الاجتماعية، والعادات والسِّير والأخلاق، وجميع شؤون البشر تبشِّر بالمستقبل الأفضل... بمستقبل يوفّر لجميع البشر أن يصرفوا جميع طاقاتهم، وإمكاناتهم وكفاءاتهم في سبيل حياة سعيدة... لأنّ البشر، كما تعلمون، في هذه الوقت، وفي جميع الأنظمة، قسم من طاقات البشر، أو بتعبير أصحّ، قسم قليل من طاقات البشر، يصرف في سبيل حياة البشر. أما الكثير الكثير من الطاقات، والكثير الكثير من الأفراد، لا يزالون خارج
المسرح، لا تُستعمل طاقاتهم في سبيل حياة البشرية وسعادة البشر. فكلّ واحد منا، في أيّ حقل من الحقول البشرية، يسعى أن يقصد القمة. ما هي القمة؟ القمة أن يكون الإنسان، كلّ إنسان، بجميع طاقاته، ليس فقط بطاقاته المادية، أو طاقاته الفكرية... الإنسان، كل إنسان... بجميع طاقاته يمكن أن يستفيد منها، تبرز هذه الطاقات، لتستعمل هذه الطاقات في سبيل خير البشرية، ولا شكّ أنّ هذا النظام كالحلم، يراود مخيلة كلّ إنسان يعيش، وكلّ إنسان يسعى.
فإذاً، المستقبل الأفضل المثالي، الذي كان يُحلم به من أيام أفلاطون، وكان يُسمّيه المدينة الفاضلة، هذا المستقبل، هذا المجتمع المثاليّ، الذي تشترك في بنائه وتكوينه جميع الطاقات البشرية، وهذا المستقبل هو حلم كلّ إنسان.
وليست عقيدة الشّيعة، بالنسبة إلى المهديّ، إلّا انتظار الداعي المبشّر، لهذا المستقبل الذي هو أمل الجميع ومستقبل الجميع. فإذاً، لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذه العقيدة، بمقدار ما أريد أن آخذ الجانب التربويّ من العقيدة"(١٢٦).

الفصل الثالث: أبعاد شخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومهامه

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: أبعاد شخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
١- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف خاتم الولاية
٢- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الإنسان الكامل
٣- علم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
٤- أوصاف خاصة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الثاني: دور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في بناء المجتمع وتربيته
١- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قوة تنفيذية
٢- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يقلع حبَّ الدّنيا من القلوب
٣- الدّور التبليغيّ والوحدويّ للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
٤- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يشفي أمراض البشرية
٥- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قدوة لنا
٦- أنّه يصنع النصر
٧- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يراقب أعمال أمّته
٨- إحداث التحوّل العظيم في البشرية
٩- رسم الوجهة التوحيدية للحجّ
المبحث الأوّل: أبعاد شخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
إنّ الشخصية العظيمة التي يتمتّع بها الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف نابعة من الأدوار العظيمة التي سيقوم بها حين ظهوره الشريف، وسنستعرض فيما يأتي جملة من الأبعاد الهامّة والخاصّة بشخصية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
١- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف خاتم الولاية
للإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف أبعاد مختلفة ينكشف بعضها بما اتّضح للبشر من القرآن الكريم والنبيّ العظيم هو بعض أبعاد تلك المعنويات. ثمة معنويات في القرآن لم تكشف لبشر قط سوى النبيّ ومن تتلمذ عليه. وهناك أمور في أدعيتنا على هذا المنوال، فكما أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاكم ومهيمن على كافة الموجودات فإنّ الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف كذلك، فذاك خاتم الأنبياء وهذا خاتم الأوصياء، ذاك خاتم الولاية العامة بالأصالة وهذا خاتم الولاية العامة بالتبع(١٢٧).
٢- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف هو الإنسان الكامل
"قالت الملائكة: لِمَ تخلُق هذا المفسد: الإنسان؟ فقال: أنتم لا تعلمون. وبعدما علّم الأسماء لم يستطع أحد حملها إلّا الإنسان، ولم يحمل الأمانة إلّا الإنسان، وإذ علَّمه الأسماء ثمَّ عرضهم على الملائكة الذين اعترضوا على خلق الإنسان عجزوا جميعاً عن معرفتهم، كل الملائكة بقوا عاجزين أيضاً، الملائكة المقرّبون عاجزون أيضاً، وليس نحن، الإنسان، فنحن موجودون في ‏مفترق طريقين، فأولئك الطيّبون منّا هم الذين لم يسلكوا الطريق المعوج وإلّا فهم في الطريق لنرى ما يصيرون إليه. وقال - تعالى - بعد تلك الآية: (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) ولعلّ المعنى هو اقرأ مع ربِّك، وهناك: (اقْرَأْ) (الَّذِي خَلَقَ) والحديث بهذا طويل طبعا.
وقوله - تعالى-: (خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ) أي: من هذا الماء خلق الله مثل هذه القوّة التي هي ذلك الإنسان الذي هو جميع العالم، ويقولون فيه: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) والعصر هو الإنسان الكامل، وهو صاحب الزَّمان - سلام الله عليه - فهو عصارة جميع الموجودات، والقسم بعصارة جميع الموجودات هو قسم بالإنسان الكامل.
وقوله - تبارك وتعالى -: (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) هذا الإنسان الذي هنا هو الإنسان برأس وأذنين، وندعوه نحن إنساناً، والخطاب لنا نحن الذين في مفترق طريقين هما طريق الإنسانية الذي هو الصراط المستقيم، أحد طرفي الصراط المستقيم في الطبيعة، والآخر عند الألوهيّة، فهو طريق يمتدّ من العلق، فبعضه طبيعيّ، وذلك المهمّ منه إراديّ، فمبدؤه من الطبيعة، ومنتهاه عند مقام الألوهية. والإنسان يبدأ من الطبيعة، ويمضي إلى حيث لا يصل وهمي ووهمك"(١٢٨).
٣- علم الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
"من الممكن أن هذا الشهر (شهر رمضان) إنّما صار مباركاً لأنَّ الوليّ الأعظم أعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وصل، وبعد وصوله نزل الملائكة والقرآن، وبقدرة الوليّ الأعظم ينزل القرآن والملائكة، والوليّ‏ الأعظم يصل إلى حقيقة القرآن في هذا الشهر المبارك وفي ليلة القدر منه، وبعد وصوله يتنزّل القرآن بواسطة الملائكة بالمقدار الذي يخاطب به النّاس، فالقرآن ليس من مستوانا، ليس من مستوى البشر، والقرآن سرّ بين الحقّ والوليّ الأعظم الذي هو رسول الله وهو ينزل متتالياً حتّى يصل إلى الحدّ الذي يظهر فيه بصورة حروف وكلمات مكتوبة فيؤلّف كتاباً بحيث نستفيد منه نحن لكنّ استفادتنا غير تامّة، ولو أننا نعلم سرّ ليلة القدر وسرّ نزول الملائكة فيها وهو علم ينفرد به وليّ الله الأعظم حضرة صاحب الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف لسهلت كلّ مشاكلنا، فكلّ مشاكلنا ناشئة عن كوننا محجوبين عن مشاهدة الحقيقة كما هي ونظام الوجود كما هو.
إنّنا نتصوّر أنَّ الحياة هنا شيء وعدمها نقص، في حين أنَّ الحياة هي خلاصة تلك الحقيقة الآتية من عالم الغيب، وأنَّ الموت - إن كان موتاً إنسانياً - هو الرجوع إلى المرتبة الأولى، والمراتب والشؤون مختلفة بالطبع. إن كلَّ ما جاءَ به الأنبياء لم يكن مقصوداً بذاته، فتشكيل الحكومات ليس هدفاً مقصوداً بذاته للأنبياء، والدعوات مهما تكن مقدّسة فإنّما هي لإيقاظ الإنسان وتوعيته، وليفهموا الإنسان ويروه أنّه كيف كان قبلًا وما هو الآن، وكيف سيكون فيما بعد، وما هو وضع العالم بالنسبة للذات المقدسة للحق تعالى. وإن أيدينا لتقصر عن الوصول إليه، ونحن نأمل ببركة أولياء الله أن نحصل على بعض هذه المعرفة لتنزاح بعض الحجب عن أعيننا بحيث إننا عندما يقول الله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، و (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، ندرك ذلك بقلبنا ووجودنا لا بالإدراك العلميّ، بل بالمشاهدة لأنَّ الإدراك العلميّ أمر سهل، لكنّ وصول الإنسان إلى فهم الأمور أمر صعب ويحتاج إلى المجاهدة، وقد وصل الأنبياء والأولياء بمجاهداتهم إلى هذه الأمور"(١٢٩).
٤- أوصاف خاصة بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
وصلّ اللهم على مبدأ الظهور وغايته، وصورة أصل النور ومادته - الهيولى الأولى(١٣٠) - والبرزخية الكبرى(١٣١) الذي دنا فرفض التعيُّنات(١٣٢) فتدلّى فكان قاب قوسي الوجود(١٣٣) وتمام دائرة الغيب والشهود(١٣٤) أو أدنى الذي هو مقام العَماء(١٣٥)، بل لا مقام هنا على الرأي الأسنى (لا يستطيع أحد أن يصطاد العنقاء بل هي الشرك الذي يصطاد الصقور)، وعلى آله مفاتيح الظهور ومصابيح النور، بل نورٌ على نور، غصن الشجرة المباركة الزيتونة والسدرة المنتهى وأصلهما، وجنس الكون الجامع والحقيقة الكلية وفصلهما، سيّما خاتم الولاية المحمدية ومُقبض فيوضات الأحمدية(١٣٦) الذي يظهر بالربوبية بعدما ظهر آباؤه عليه السلام بالعبودية جوهرة كنهها الربوبية بعدما ظهر آباؤه عليه السلام بالعبودية، خليفة الله في الملك والملكوت وإمام أئمة قطّان الجبروت(١٣٧)، جامع أحدية الأسماء الإلهية ومظهر تجليات الأوّلية والآخرية، الحجّة الغائب المنتظر، ونتيجة مَنْ سلف وغَبَر- أرواحنا له الفداء وجعلنا الله من أنصاره، والعن اللهمّ أعداءهم، قُطاع طريق الهداية، السالكين بالأمم مسلك الضلالة والغواية"(١٣٨).
المبحث الثاني: دور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف في بناء المجتمع وتربيته
١- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قوّة تنفيذية
"عندما نتحدّث نحن عن الإمام المهديّ وهو القوة التنفيذية في الإسلام فإنّنا نقصد أنّه سيملأ الأرض بالعدل ولديهم هم نفس المعنى "يملأ الأرض قسطاً وعدلًا بعد أن ملئت ظلماً وجوراً". ونحن نقول إنّ الأنبياء لم يوفّقوا في الوصول إلى أهدافهم بشكل كامل وسيرسل الله سبحانه وتعالى في أخر الزَّمان من يتابع طريق الأنبياء ويحقّق أهدافهم المنشودة بشكل كامل. ولكنّ هؤلاء النّاس ولا أدري إن كانوا متعمدين أم غافلين راحوا يؤولون كلامنا ومعتقداتنا وقالوا بأنّ فلاناً يزعم بأنّ الإمام المهديّ سيتمّم الشريعة.
إنّ هذا الأمر يبعث على الأسف الشديد وهو مخالف لما نعتقده فنحن نعتبر الإمام المهديّ عليه السلام خادماً للإسلام وتابعاً لرسول الإسلام وهو في نفس الوقت نور عين رسول الله وسيجري كلّ ما أمر به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم"(١٣٩).
٢- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يقلع حبَّ الدّنيا من القلوب
"إن الرواية التي تقول: "حبُّ الدُّنيا رأس كلّ خطيئة"(١٤٠) حقيقة واقعة. وإنّ أساس وجذور حبّ الدنيا هي حبّ النفس وهو بدوره حبّ الدنيا. فإنّ جميع الفساد الذي ظهر في البشرية منذ قيام البشرية يعود إلى حبّ النفس، ومنه ينشأ حبّ الجاه والمنصب والموقع وحبّ المال وحبّ جميع الدوافع الشهوانية. لذلك كان أساس مهمّة الأنبياء هو قمع وضبط حبّ النفس قدر الإمكان، لكنّ الأنبياء لم ينجحوا بالشكل الذي أرادوا، ولم يستطيعوا أن يحقّقوا هدفهم كما أرادوا ذلك، وسيبقى حبّ النفس لدى الكثير من النّاس حتّى في حكومة العدل التي يقيمها الإمام صاحب الزَّمان. وهذا الحبّ للنفس الوارد في الروايات هو الذي يقوم بتكفير الإمام المهديّ - سلام الله عليه -. وفي الحقيقة إنّ أساس جميع الخطايا هو هذه الأنانيات الموجودة في البشر، وهذه الحروب وهذه المفاسد والمظالم وأعمال الجور. وكان سعي الأنبياء لإقامة حكومة عادلة في الدنيا من أجل إن تكون هذه الحكومة ذات دوافع إلهية وأخلاقية وتقوم على أساس القيم الإنسانية العليا، فإذا قامت مثل هذه الحكومة فإنّها تستطيع احتواء المجتمع وإجراء الإصلاح إلى حدّ بعيد. أمّا إذا أصبحت الحكومات بأيدي الجبارين والمنحرفين وبأيدي أشخاص يرون القيم في آمالهم النفسانية، ويعتبرون إنها هي التسلط والشهوات ذاتها، فإنّ البشرية تسير بوجود مثل هذه الحكومات نحو الانحطاط، وإذا تحقَّقت آمال الأنبياء في دولة ما - وإن لم يتحقق إلا بعض هذه الآمال - فإنّ هذه الدولة تسير نحو الصلاح"(١٤١).
٣- الدّور التبليغي والوحدوي الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
"ما هو الحلُّ للخروج ممّا نحن فيه؟ وماذا يترتَّب على مسلمي العالم من واجبات وتكاليف لتحطيم هذه الأصنام؟ إنّ السبيل الوحيد لخلاص كلّ مسلمي العالم بل كلّ المستضعفين والمستعبدين ممّا هم فيه من الذلّ والضعف، يتمثّل في الوحدة التي أكّد عليها القرآن الكريم كثيراً، والتي تحتاج في تحقّقها إلى الدعوة والتبليغ الواسع والمكثّف. ومركز الدعوة والتبليغ لها هو مكّة المكرّمة، عند اجتماع المسلمين لأداء فريضة الحجّ، هذه الحركة التي انطلق بها إبراهيم خليل الله، ومحمد حبيب الله وسيواصلها في آخر الزَّمان المهديّ المنتظر- أرواحنا لمقدمه الفداء -.
فقد خاطب جلّ وعلا خليله إبراهيم أن ادعُ النّاس من مختلف الأقطار والأمصار أن يأتوا إلى الحجّ، (ليشهدوا منافع لهم) منافع على مختلف الأصعدة، منافع سياسية ومنافع اجتماعية ومنافع اقتصادية وحتّى ثقافية وفكرية، وليستلهموا منك أعظم دروس التضحية في سبيل الله، حيث هممت بتقديم ثمرة فؤادك ابنك إسماعيل قرباناً امتثالًا للأمر الإلهيّ.
وليتعلموا منك معنى التوحيد الخالص، وكيف تُحطّم أصنامُ الشرك وترمى بعيداً، شمساً كانت أم قمراً وهياكل كانت أم إنساناً أم حيواناً، وليتعلموا معنى التوجُّه الخالص إلى الله حيث قلت: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(١٤٢) فعلينا جميعاً أن نقتدي بأبي التوحيد وبأبي الأنبياء الكرام"(١٤٣).
٤- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يشفي أمراض البشرية
"في الحقيقة إنّ العالم اليوم يعاني من مرض مزمن لا يمكن علاجه بهذه الأمور. العالم مريض. الكثير من الرؤساء سمّموا الشعوب، سمّموا أفكار شعوبهم وأمرضوهم. لقد أذلّوا هذه الشعوب وأهانوها. جعلوها تعاني من الضغوط الاقتصادية، وعرّضوها للفقر والحرمان وصادر أتعابها الآخرون. وإنّنا في انتظار من يأتي لإصلاح هذه الأوضاع، وإنّي آمل ظهور حضرة بقية الله في القريب - إن شاء الله-، كي يتسنّى لهذا الطبيب الحقيقيّ للبشرية معالجة هؤلاء وإصلاحهم بروحه العيسوية. وفقّكم الله تعالى جميعاً لخدمة هذا الشعب، وخدمة الإسلام والمستضعفين في العالم"(١٤٤).
٥- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف قدوة لنا
"ينهض الإمام صاحب الزَّمان سلام الله عليه وأرواحنا فداه من أجل مقارعة حكومة الجور، وسيادة المعروف وإزالة المنكر.. إنّ جميع الأنبياء الذين نهضوا في هذا العالم الماديّ إذ لا يعلم أسرارهم الغيبية إلّا الله تصدّوا للطاغوت منذ البداية. وقد شكّل ذلك طليعة أهدافهم. ويجب أن يكون ذلك قدوة للمسلمين الذين هم مسلمون حقاً ومتمسّكون بنبيّ الإسلام وأهل بيت العصمة والطهارة. وكذلك لأتباع الأديان الأخرى الذين ينبغي لهم الاقتداء بأنبيائهم وترجمة سيرتهم. فما الذي قام به موسى بن عمران وما هي سيرته؟ وما الذي فعله إبراهيم الخليل وما هي سيرته؟ جميع الأنبياء نهضوا لمواجهة الجور ومقابلة الظلم. الجميع كانت نهضتهم تتّسم بهذا المعنى. ومن هنا علينا أن ‏نقتدي بهم، أن ننهض في مواجهة الظلم.. على المسلمين النهوض لمواجهة الظلم والجور ومقارعة المنكر مثلما نهض الشعب الإيراني النبيّل ولله الحمد. ويمكن القول إنّ ما ورد في هذا الدعاء الشريف (يا مقلّب القلوب) قد تحقّق في ثورتنا ولدى أبناء شعبنا لا سيما الشباب، حيث انتقلوا من حال إلى أخرى ووجدوا لهم حالاً جديدة.
وفي هذا الشهر المبارك، شهر شعبان، علينا أن نلتفت إلى ما ينبغي لنا فعله. كيف ينبغي لنا التعامل مع هؤلاء الطواغيت؟ يجب أن نتصدى لهم مثلما فعل سيّد الشهداء سلام الله عليه حيث ضحّى بنفسه وأبنائه وأهل بيته وبكلّ ما يملك في وقت كان يعلم بأنّ الأمر سينتهي إلى ما انتهى عليه. فالذي يتأمّل في كلامه سلام الله عليه منذ خروجه من المدينة ودخوله مكة وخروجه منها، يرى أنّه كان يدرك تماماً ما هو قادم عليه. فلم تكن القضية مجرد استطلاع للأمر، وإنّما تقدماً لتسلّم الحكم.. وإنّ تحركه كان من أجل هذا المعنى بالأساس. وهذا فخر له. ويخطئ من يتصوّر أنّ الإمام سيّد الشهداء لم ينهض من أجل الحكم. لقد نهض من أجل أن يكون الحكم بأيدي من هم أمثال سيّد الشهداء، أن يكون بأيدي شيعة سيّد الشهداء. إنّ ثورة الأنبياء منذ اليوم الأول وحتّى الخاتم الثورة المسلحة وغير المسلحة كانت في الحقيقة من أجل مقارعة الظالمين والتصدّي للجبروت والجور ومناصرة المحرومين"(١٤٥).
٦- أنّه يصنع النصر
"آمل أنْ نكون جميعاً من هيئة القائم، وأن نعمل كلّنا بما رسم لنا الإسلام والقرآن من وظائف تحت لواء حضرة صاحب الزَّمان- سلام الله عليه - ونعطي المضامين صوراً حقيقية ونعطي الألفاظ مضامين حقيقية.
ولعلّ هذا الوصف الذي ذُكِرَ لحضرة الصاحب - سلام الله عليه - بعد هذه الآية الشريفة (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى).
لعلها جاءت لهذا المعنى وهو أنه يجب القيام علينا كافة قياماً واحداً، فأعلى قيام ما كان قيام رجل واحد، وكل قيام يجب أن يلحق به، فيكون لله.
فالله - تبارك وتعالى - يأمر نبيّه الأكرم أن يعظ أمّته موعظة واحدة هي أن قوموا لله (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ).
إنّ صاحب الزَّمان ينهض لله سبحانه. وهذا الإخلاص الذي لديه لله تعالى لا يوجد عند الآخرين. وعلى شيعة الإمام أن يقتدوا به في أن يقوموا لله. فإنّ العمل إذا كان لله لا يبور والنهضة إذا كانت لله لا تحور.
فما كان لله إذا مرَّ بواره في الخيال، فإنه لا يبور في الواقع.
فأمير المؤمنين - سلام الله عليه - حارب معاوية وهُزِم، لكن تلك لم تكن هزيمة.
كانت هزيمة صورية لا حقيقية، لأنَّ حَرْبه كانت قياماً لله، والقيام لله لا هزيمة له فهو غالب حتى اليوم وإلى أبد الآبدين"(١٤٦).
٧- الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف يراقب أعمال أمّته
"نفخر أنّ كتاب نهج البلاغة الذي هو أعظم دستور بعد القرآن، للحياة المادية والمعنوية وأسمى كتاب لتحرير البشر والممثّل بتعاليمه المعنوية والحكمية أرقى نهج للنجاة هو من إمامنا المعصوم، ونفخر أنّ الأئمّة المعصومين عليهم السلام بدءً بعليّ بن آبي طالب وانتهاءً بمنقذ البشرية، حضرة المهديّ صاحب الزَّمان الحيّ الناظر على الأمور بقدرة الله القادر
(عليهم آلاف التحيات والسلام) هم أئمتنا"(١٤٧).
٨- إحداث التحوّل العظيم في البشرية
"منذ الثاني والعشرين من بهمن ١٣٥٧هـ ش، وحتّى يومنا هذا حيث نحتفل في ١٥ خرداد ١٣٦٢هـ ش(١٤٨)، ما هي إلّا ساعات معدودة في حساب الزمن. إلّا أن تحولًا عظيماً قد تحقّق بمشيئة الله القادر ما كان له أن يتحقّق في مئات السنين، مبشراً بتحقّق وعد الله الذي بشّر به القرآن الكريم. ومن الممكن أن يتحقّق مثل هذا التحوّل في شرق الأرض ومن ثم غربها وبقية أقطار الأرض. (وليس من الله بمستنكر) حيث يحتوي الدهر في ساعة ويفوّض الأرض إلى المستضعفين وارثي الأرض، يضيء الآفاق بالمظهر الإلهيّ لوليّ الله الأعظم صاحب العصر- أرواحنا له الفداء -، ويجعل راية التوحيد والعدالة الإلهية ترفرف في العالم فوق البيت الأبيض والأحمر لمراكز الظلم والإلحاد والشرك. وما ذلك على الله بعزيز"(١٤٩).
٩- رسم الوجهة التوحيدية للحجّ
"خاطب الله نبيه إبراهيم حيث قال: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)(١٥٠) وقال أيضاً: (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ)(١٥١). وهذا التطهير يشمل جميع أنواع الرجس، وأكبرها الشرك الذي ورد في صدر هذه الآية الكريمة. ونقرأ في سورة التوبة قوله تعالى: (وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)(١٥٢). والمهديّ المنتظر وعلى لسان جميع الأديان، وباتّفاق جميع المسلمين سينادي من الكعبة، ويدعو البشرية جمعاء إلى التوحيد، فجميع نداءات التوحيد علت من الكعبة ومن مكة، وعلينا نحن بدورنا أن نتابع المسيرة ونرفع نداءات كلمة التوحيد، وتوحيد الكلمة من هذا المكان المقدّس، وأن نحطّم أصنام زماننا بحضورنا الفاعل والنشيط في مكّة المكرّمة من خلال عقد الاجتماعات، والنداءات، ومسيرات البراءة من المشركين والمستكبرين في هذا العالم، وفضح جرائمهم وإدانتها، وأن نطرد الشياطين ونرميها بالجمار في (العقبة الكبرى)، وعلى رأسها الشيطان الأكبر أمريكا، لنؤدّي بذلك حجّ خليل الله، وحجّ حبيب الله، وحجّ وليّ الله المهديّ المنتظر، وإلا انطبق علينا القول (ما أكثر الضجيج وأقلَّ الحجيج)(١٥٣)،(١٥٤).

الفصل الرابع: طول عمر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: الحاجة إلى الإمامة سببٌ من أسباب طول عمره عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الثاني: تحليل دقيق لطول عمر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
١ - كيف تأتّى للمهديّ هذا العمر الطويل؟
٢ - المعجزة والعمر الطويل.
٣ - العلم وعمر الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف.
٤ - إثبات طول عمره من حيث كونه حجّة.
تمهيد
"إنّ فلسفة طول العمر الذي منحَه الله تبارك وتعالى لهذا المعصوم كانت من أجل أنْ نفهم أنّ البشرية باتت تفتقر لمن يجدر به أنْ يقومَ بهذا الأمر، فالأنبياء لم يكتب لهم النجاح، ولم يكن هناك أحد بعد الأنبياء وكبار الأولياء وآباء الإمام الموعود، لم يكن أحد بعدهم، فلو كان المهديّ الموعود ذهب مثل سائر الأولياء إلى جوار ربه، فلم يبق في أوساط البشر أحد ليبسط العدل بهذا الشكل. وهذا الإنسان ادُّخِرَ للقيام بمثل هذا الأمر"(١٥٥)، وهو يشير إلى حقيقة الاشتباه والإشكال الذي يردُ على مسألة طول عمر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو ما سوف نقوم بعرضه في هذا الفصل من الكتاب.
المبحث الأول: الحاجة إلى الإمامة سببٌ من أسباب طول عمره عجل الله تعالى فرجه الشريف
"يعترض مخالفو الشّيعة بأنّه وفقاً لاعتقاد هذه الطائفة، يجب أن يكون عمر الإمام الغائب ما يقرب من اثني عشر قرناً، في حين أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعمّر هكذا.
الجواب: الاعتراض هذا مبنيّ على الاستبعاد، وأنّ العمر الطويل كهذا يستبعد، لكنّ الذي يطالع الأخبار الواردة عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في خصوص الإمام الغائب، وكذا سائر أئمة أهل البيت عليهم السلام سيلاحظ أنّ نوع الحياة للإمام الغائب تتّصف بالمعجزة، خرقاً للعادة، وطبيعيّ أنّ خرق العادة ليس بالأمر المستحيل ولا يمكن نفي خرق العادة عن طريق العلم مطلقاً.
لذا لا تنحصر العوامل والأسباب التي تعمل في الكون في حدود مشاهدتنا والتي تعرّفنا عليها، ولا نستطيع نفي عوامل أخرى وهي بعيدة كلّ البعد عنا ولا علم لنا بها، أو أنّنا لا نرى آثارها وأعمالها، أو نجهلها، من هذا يتّضح إمكان إيجاد عوامل في فرد أو أفراد من البشر بحيث تستطيع تلك العوامل أن تجعل الإنسان يتمتّع بعمر طويل جداً قد يصل إلى الألف أو آلاف من السنوات، فعلى هذا فإن عالم الطب لم ييأس حتّى الآن من كشف طرق لإطالة عمر الإنسان.
وهذا الاعتراض من الذين يعتقدون بالكتب السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلام وفقاً لكتبهم السماوية، ويقرّون المعجزات وخرق العادات التي كانت تتحقّق بواسطة أنبياء الله تعالى، بشكل يثير الإعجاب والاستغراب.
يعترض مخالفو الشّيعة من أنّ الشّيعة تعتبر لزوم وجود الإمام لبيان أحكام الدين وحقائقه، وإرشاد النّاس وهدايتهم، فإنّ غيبة الإمام تناقض هذا الغرض، لأنّ الإمام الذي قد غاب عن الأنظار ولا توجد أية وسيلة للوصول إليه، لا يترتب على وجوده أي نفع أو فائدة، وإذا كان الله سبحانه يريد إصلاح البشرية بواسطة شخص، فإنّه لقادر على خلقه عند اقتضاء الضرورة لذلك، ولا حاجة إلى خلقه قبل وقته وقبل الاحتياج إليه بآلاف السنوات.
الجواب: إنّ مثل هؤلاء لم يدركوا حقيقة معنى الإمامة، (...) إنّ وظيفة الإمام ومسؤوليته لم تنحصر في بيان المعارف الإلهية بشكلها الصوريّ، ولم يقتصر على إرشاد النّاس من الناحية الظاهرية، فالإمام فضلاً عن توليه إرشاد النّاس الظاهريّ، يتصف بالولاية والإرشاد الباطنيّ للأعمال أيضاً، وهو الذي ينظم الحياة المعنوية للناس، ويتقدّم بحقائق الأعمال إلى الله جلّ شأنه.
بديهيّ أن حضور أو غيبة الإمام الجسماني في هذا المضمار ليس له أيّ تأثير. والإمام عن طريق الباطن يتّصل بالنفوس ويشرف عليها، وإن بعد عن الأنظار وخفي عن الأبصار، فإن وجوده لازم دائماً، وإن تأخّر وقت ظهوره وإصلاحه للعالم"(١٥٦).
المبحث الثاني: تحليل دقيق لطول عمر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
١- كيف تأتّى للمهديّ هذا العمر الطويل؟
"هل بالإمكان أن يعيش الإنسان قروناً كثيرة كما هو المفترض في هذا القائد المنتظر لتغيير العالم، الذي يبلغ عمره الشريف فعلاً أكثر من ألف ومئة وأربعين سنة، أي حوالي(١٤) مرة بقدر عمر الإنسان الاعتياديّ الذي يمرّ بكل المراحل الاعتيادية من الطفولة إلى الشيخوخة؟
كلمة الإمكان هنا تعني أحد ثلاثة معان: الإمكان العمليّ، والإمكان العلميّ، والإمكان المنطقيّ أو الفلسفيّ.
وأقصد بالإمكان العمليّ: أن يكون الشيء ممكناً على نحو يتاح لي أو لك، أو لإنسان آخر فعلاً أن يحقّقه، فالسفر عبر المحيط، والوصول إلى قاع البحر، والصعود إلى القمر، أشياء أصبح لها إمكان عمليّ فعلاً. فهناك من يمارس هذه الأشياء فعلاً بشكل وآخر(١٥٧).
وأقصد بالإمكان العلميّ: أنّ هناك أشياء قد لا يكون بالإمكان عملياً لي أو لك، أن نمارسها فعلاً بوسائل المدينة المعاصرة، ولكن لا يوجد لدى العلم ولا تشير اتّجاهاته المتحركة إلى ما يبرّر رفض إمكان هذه الأشياء ووقوعها وفقاً لظروف ووسائل خاصة، فصعود الإنسان إلى كوكب الزهرة لا يوجد في العلم ما يرفض وقوعه، بل إنّ اتّجاهاته القائمة فعلاً تشير إلى إمكان ذلك، وإن لم يكن الصعود فعلاً ميسوراً لي أو لك، لأنّ الفارق بين الصعود إلى الزهرة والصعود إلى القمر ليس إلاّ فارق درجة، ولا يمثّل الصعود إلى الزهرة إلاّ مرحلة تذليل الصعاب الإضافية التي تنشأ من كون المسافة أبعد، فالصعود إلى الزهرة ممكن علمياً وإن لم يكن ممكناً عملياً فعلا(١٥٨). وعلى العكس من ذلك الصعود إلى قرص الشمس في كبد السماء فإنّه غير ممكن علمياً، بمعنى أنّ العلم لا أمل له في وقوع ذلك، إذ لا يتصوّر علمياً وتجريبياً إمكانية صنع ذلك الدرع الواقية من الاحتراق بحرارة الشمس، التي تمثّل أتّوناً هائلاً مستعراً بأعلى درجة تخطر على بال إنسان.
وأقصد بالإمكان المنطقيّ أو الفلسفيّ: أن لا يوجد لدى العقل وفق ما يدركه من قوانين قبليّة - أي سابقة على التجربة - ما يبرّر رفض الشيء والحكم باستحالته.
فوجود ثلاث برتقالات تنقسم بالتساوي وبدون كسر إلى نصفين ليس له إمكان منطقيّ، لأنّ العقل يدرك - قبل أن يمارس أي تجربة - أنّ الثلاثة عدد فرديّ وليس زوجاً، فلا يمكن أن تنقسم بالتساوي، لأنّ انقسامها بالتساوي يعني كونها زوجاً، فتكون فرداً وزوجاً في وقت واحد، وهذا تناقض، والتناقض مستحيل منطقياً. ولكن دخول الإنسان في النار دون أن يحترق، وصعوده للشمس دون أن تحرقه الشمس بحرارتها ليس مستحيلاً من الناحية المنطقية، إذ لا تناقض في افتراض أنّ الحرارة لا تتسرّب من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة، وإنّما هو مخالف للتجربة التي أثبتت تسرّب الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقلّ حرارة إلى أن يتساوى الجسمان في الحرارة.
وهكذا نعرف أنّ الإمكان المنطقيّ أوسع دائرة من الإمكان العلميّ، وهذا أوسع دائرة من الإمكان العمليّ.
ولا شكّ في أنّ امتداد عمر الإنسان آلاف السنين ممكن منطقيا، لأنّ ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظر عقلية تجريدية، ولا يوجد في افتراض من هذا القبيل أيّ تناقض، لأنّ الحياة كمفهوم لا تستبطن الموت السريع، ولا نقاش في ذلك.
كما لا شكّ أيضاً ولا نقاش في أنّ هذا العمر الطويل ليس ممكناً إمكاناً عملياً، على نحو الإمكانات العملية للنزول إلى قاع البحر أو الصعود إلى القمر، ذلك لأنّ العلم بوسائله وأدواته الحاضرة فعلاً، والمتاحة من خلال التجربة البشرية المعاصرة، لا يستطيع أن يُمدّد عمر الإنسان مئات السنين، ولهذا نجد أنّ أكثر النّاس حرصاً على الحياة وقدرة على تسخير إمكانات العلم، لا يتاح لهم من العمر إلاّ بقدر ما هو مألوف.
وأمّا الإمكان العلميّ فلا يوجد علمياً اليوم ما يبرّر رفض ذلك من الناحية النظرية. وهذا بحث يتّصل في الحقيقة بنوعية التفسير الفسلجيّ لظاهرة الشيخوخة والهرم لدى الإنسان، فهل تعبّر هذه الظاهرة عن قانون طبيعيّ يفرض على أنسجة جسم الإنسان وخلاياه - بعد أن تبلغ قمّة نموّها - أن تتصلّب بالتدريج وتصبح أقلّ كفاءة للاستمرار في العمل، إلى أن تتعطّل في لحظة معيّنة، حتّى لو عزلناها عن تأثير أيّ عامل خارجيّ؟ أو أنّ هذا التصلّب وهذا التناقض في كفاءة الأنسجة والخلايا الجسمية للقيام بأدوارها الفسيولوجية، نتيجة صراع مع عوامل خارجية كالميكروبات أو التسمّم الذي يتسرّب إلى الجسم من خلال ما يتناوله من غذاء مكثّف، أو ما يقوم به من عمل مكثّف أو أيّ عامل آخر؟
وهذا سؤال يطرحه العلم اليوم على نفسه، وهو جادّ في الإجابة عنه، ولا يزال للسؤال أكثر من جواب على الصعيد العلميّ.
فإذا أخذنا بوجهة النظر العلمية التي تتّجه إلى تفسير الشيخوخة والضعف الهرميّ، بوصفه نتيجة صراع واحتكاك مع مؤثرات خارجية معيّنة، فهذا يعني أنّ بالإمكان نظريّاً، إذا عزلت الأنسجة التي يتكوّن منها جسم الإنسان عن تلك المؤثّرات المعيّنة، أن تمتدّ بها الحياة وتتجاوز ظاهرة الشيخوخة وتتغلّب عليها نهائياً.
وإذا أخذنا بوجهة النظر الأخرى، التي تميل إلى افتراض الشيخوخة قانوناً طبيعيّاً للخلايا والأنسجة الحيّة نفسها، بمعنى أنّها تحمل في أحشائها بذرة فنائها المحتوم، مروراً بمرحلة الهرم والشيخوخة وانتهاءً بالموت.
أقول:
إذا أخذنا بوجهة النظر هذه، فليس معنى هذا عدم افتراض أيّ مرونة في هذا القانون الطبيعيّ، بل هو - على افتراض وجوده - قانون مرن، لأننا نجد في حياتنا الاعتيادية، ولأنّ العلماء يشاهدون في مختبراتهم العلمية، أنّ الشيخوخة كظاهرة فسيولوجية لا زمنيّة، قد تأتي مبكّرة، وقد تتأخر ولا تظهر إلاّ في فترة متأخرة، حتّى أنّ الرجل قد يكون طاعناً في السنّ ولكنه يملك أعضاء ليّنة، ولا تبدو عليه أعراض الشيخوخة كما نصّ على ذلك الأطباء. بل إنّ العلماء استطاعوا عمليّاً أن يستفيدوا من مرونة ذلك القانون الطبيعيّ المفترض، فأطالوا عمر بعض الحيوانات مئات المرّات بالنسبة إلى أعمارها الطبيعية، وذلك بخلق ظروف وعوامل تؤجّل فاعلية قانون الشيخوخة.
وبهذا يثبت علمياً أنّ تأجيل هذا القانون بخلق ظروف وعوامل معيّنة أمر ممكن علمياً، ولئن لم يتح للعلم أن يمارس فعلاً هذا التأجيل بالنسبة إلى كائن معقّد معيّن كالإنسان، فليس ذلك إلاّ لفارق درجة بين صعوبة هذه الممارسة بالنسبة إلى الإنسان وصعوبتها بالنسبة إلى أحياء أخرى. وهذا يعني أنّ العلم من الناحية النظرية وبقدر ما تشير إليه اتجّاهاته المتحرّكة لا يوجد فيه أبداً ما يرفض إمكانية إطالة عمر الإنسان، سواء فسّرنا الشيخوخة بوصفها نتاج صراع واحتكاك مع مؤثّرات خارجية، أو نتاج قانون طبيعيّ للخليّة الحيّة نفسها يسير بها نحو الفناء.
ويتلخّص من ذلك: أنّ طول عمر الإنسان وبقاءه قروناً متعدّدة أمر ممكن منطقياً وممكن علمياً، ولكنّه لا يزال غير ممكن عملياً، إلاّ أنّ اتّجاه العلم سائر في طريق تحقيق هذا الإمكان عبر طريق طويل.
وعلى هذا الضوء نتناول عمر المهديّ عليه الصلاة والسلام وما أحيط به من استفهام أو استغراب، ونلاحظ:
إنّه بعد أن ثبت إمكان هذا العمر الطويل منطقياً وعلمياً، وثبت أنّ العلم سائر في طريق تحويل الإمكان النظريّ إلى إمكان عمليّ تدريجاً، لا يبقى للاستغراب محتوىً إلاّ استبعاد أن يسبق المهديّ العلم نفسه، فيتحوّل الإمكان النظريّ إلى إمكان عمليّ في شخصه، قبل أن يصل العلم في تطوّره إلى مستوى القدرة الفعلية على هذا التحويل، فهو نظير من يسبق العلم في اكتشاف دواء ذات السحايا أو دواء السرطان.
وإذا كانت المسألة هي أنّه كيف سبق الإسلام - الذي صمّم عمر هذا القائد المنتظر - حركة العلم في مجال هذا التحويل؟
فالجواب: إنّه ليس ذلك هو المجال الوحيد الذي سبق فيه الإسلام حركة العلم.
أوَ ليست الشريعة الإسلامية ككلّ قد سبقت حركة العلم والتطوّر الطبيعيّ للفكر الإنسانيّ قروناً عديدة؟(١٥٩)
أولم تنادِ بشعارات طرحت خططاً للتطبيق لم ينضج الإنسان للتوصل إليها في حركته المستقلة إلاّ بعد مئات السنين؟
أولم تأتِ بتشريعات في غاية الحكمة، لم يستطع الإنسان أن يدرك أسرارها ووجه الحكمة فيها إلاّ قبل برهة وجيزة من الزمن؟
أولم تكشف رسالة السماء أسراراً من الكون لم تكن تخطر على بال إنسان، ثمّ جاء العلم ليثبّتها ويدعمها؟
فإذا كنا نؤمن بهذا كلّه، فلماذا نستكثر على مرسل هذه الرسالة - سبحانه وتعالى - أن يسبق العلم في تصميم عمر المهديّ؟(١٦٠) وأنا هنا لم أتكلم إلاّ عن مظاهر السبق التي نستطيع أن نحسّها نحن بصورة مباشرة، ويمكن أن نضيف إلى ذلك مظاهر السبق التي تحدّثنا بها رسالة السماء نفسها.
ومثال ذلك أنّها تخبرنا بأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد أسري به ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وهذا الإسراء(١٦١) إذا أردنا أن نفهمه في إطار القوانين الطبيعيّة، فهو يعبّر عن الاستفادة من القوانين الطبيعية بشكل لم يُتح للعلم أن يحقّقه(١٦٢) إلاّ بعد مئات السنين، فنفس الخبرة الربانية أتاحت للرسول صلى الله عليه وآله وسلم التحرك السريع قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك، أتاحت لآخر خلفائه المنصوصين العمر المديد، قبل أن يتاح للعلم تحقيق ذلك.
نعم، هذا العمر المديد الذي منحه الله تعالى للمنقذ المنتظر يبدو غريباً في حدود المألوف حتّى اليوم في حياة النّاس، وفي ما أنجز فعلاً من تجارب العلماء.
ولكن!
أوَليس الدور التغييريّ الحاسم الذي أعدّ له هذا المنقذ غريباً في حدود المألوف في حياة النّاس، وما مرّ بهم من تطورات التاريخ؟
أوَليس قد أنيط به تغيير العالم، وإعادة بنائه الحضاريّ من جديد على أساس الحقّ والعدل؟
فلماذا نستغرب إذا اتّسم التحضير لهذا الدور الكبير ببعض الظواهر الغريبة والخارجة عن المألوف، كطول عمر المنقذ المنتظر؟ فإنّ غرابة هذه الظواهر وخروجها عن المألوف مهما كان شديداً، لا يفوق بحال غرابة نفس الدور العظيم الذي يجب على اليوم الموعود إنجازه. فإذا كنا نستسيغ ذلك الدور الفريد(١٦٣) تاريخياً على الرغم من أنه لا يوجد دور مناظر له في تاريخ الإنسان، فلماذا لا نستسيغ ذلك العمر المديد الذي لا نجد عمراً مناظراً له في حياتنا المألوفة؟
ولا أدري!
هل هي صدفة أن يقوم شخصان فقط بتفريغ الحضارة الإنسانية من محتواها الفاسد وبنائها من جديد، فيكون لكلّ منها عمر مديد يزيد على أعمارنا الاعتيادية أضعافاً مضاعفة؟
أحدهما مارس دور في ماضي البشرية وهو النبيّ نوح، الذي نصّ القرآن الكريم(١٦٤) على أنّه مكث في قومه ألف سنة إلاّ خمسين عاماً، وقدّر له من خلال الطوفان أن يبني العالم من جديد.
والآخر يمارس دوراً في مستقبل البشرية وهو المهديّ الذي مكث في قومه حتّى الآن أكثر من ألف عام، وسيقدّر له في اليوم الموعود أن يبني العالم من جديد.
فلماذا نقبل نوحاً الذي ناهز ألف عام على أقل تقدير ولا نقبل المهديّ؟(١٦٥)
٢- المعجزة والعمر الطويل
وقد عرفنا حتّى الآن أنّ العمر الطويل ممكن علمياً، ولكن لنفترض أنه غير ممكن علمياً، وأنّ قانون الشيخوخة والهرم قانون صارم لا يمكن للبشرية اليوم، ولا على خطّها الطويل أن تتغلّب عليه، وتغيّر من ظروفه وشروطه، فماذا يعني ذلك؟ إنّه يعني أنّ إطالة عمر الإنسان - كنوح أو كالمهديّ - قروناً متعدّدة، هي على خلاف القوانين الطبيعية التي أثبتها العلم بوسائل التجربة والاستقراء الحديثة، وبذلك تصبح هذه الحالة معجزة عطّلت قانوناً طبيعياً في حالة معيّنة للحفاظ على حياة الشخص الذي أنيط به الحفاظ على رسالة السماء، وليست هذه المعجزة فريدة من نوعها، أو غريبة على عقيدة المسلم المستمدّة من نصّ القرآن والسنّة(١٦٦)، فليس قانون الشيخوخة والهرم أشدّ صرامة من قانون انتقال الحرارة من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتّى يتساويا، وقد عطّل هذا القانون لحماية حياة إبراهيم عليه السلام، حين كان الأسلوب الوحيد للحفاظ عليه تعطيل ذلك القانون. فقيل للنار حين ألقي فيها إبراهيم (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ)(١٦٧)، فخرج منها كما دخل سليماً لم يصبه أذىً، إلى كثير من القوانين الطبيعية التي عطّلت لحماية أشخاص من الأنبياء وحجج الله على الأرض، فَفُلق البحر لموسى(١٦٨)، وشبّه للرومان أنهم قبضوا على عيسى(١٦٩) ولم يكونوا قد قبضوا عليه، وخرج النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم من داره وهي محفوفة بحشود قريش التي ظلّت ساعات تتربّص به لتهجم عليه، فستره الله تعالى عن عيونهم وهو يمشي بينهم(١٧٠). كلّ هذه الحالات تمثل قوانين طبيعية عطّلت لحماية شخص، كانت الحكمة الربانية تقتضي الحفاظ على حياته، فليكن قانون الشيخوخة والهرم من تلك القوانين.
وقد يمكن أن نخرج من ذلك بمفهوم عامّ وهو أنه كلّما توقّف الحفاظ على حياة حجّة لله في الأرض على تعطيل قانون طبيعيّ، وكانت إدامة حياة ذلك الشخص ضرورية لإنجاز مهمّته التي أعدّ لها، تدخّلت العناية الربانية في تعطيل ذلك القانون لإنجاز مهمته التي أعدّ لها، وعلى العكس إذا كان الشخص قد انتهت مهمته التي أعدّ لها ربانياً فإنه سيلقى حتفه ويموت أو يستشهد وفقاً لما تقرّره القوانين الطبيعية.
ونواجه عادة بمناسبة هذا المفهوم العام السؤال التالي: كيف يمكن أن يتعطّل القانون؟(١٧١) وكيف تنفصم العلاقة الضرورية التي تقوم بين الظواهر الطبيعية؟ وهل هذه إلاّ مناقضة للعلم الذي اكتشف ذلك القانون الطبيعي، وحدّد هذه العلاقة الضرورية على أسس تجريبية واستقرائية؟
والجواب: أنّ العلم نفسه قد أجاب عن هذا السؤال بالتنازل عن فكرة الضرورة في القانون الطبيعيّ، وتوضيح ذلك: إنّ القوانين الطبيعية يكتشفها العلم على أساس التجربة والملاحظة المنتظمة، فحين يطّرد وقوع ظاهرة طبيعية عقيب ظاهرة أخرى يستدلّ بهذا الاطّراد على قانون طبيعيّ، وهو أنّه كلّما وجدت الظاهرة الأولى وجدت الظاهرة الثانية عقيبها، غير أنّ العلم لا يفترض في هذا القانون الطبيعيّ علاقة ضرورية بين الظاهرتين نابعة من صميم هذه الظاهرة وذاتها، وصميم تلك وذاتها، لأنّ الضرورة حالة غيبية، لا يمكن للتجربة ووسائل البحث الاستقرائي والعلمي إثباتها، ولهذا فإنّ منطق العلم الحديث يؤكد أنّ القانون الطبيعيّ - كما يعرّفه العلم - لا يتحدّث عن علاقة ضرورية، بل عن اقتران مستمر بين ظاهرتين(١٧٢)، فإذا جاءت المعجزة وفصلت إحدى الظاهرتين عن الأخرى في قانون طبيعيّ لم يكن ذلك فصماً لعلاقة ضرورية بين الظاهرتين.
والحقيقة أنّ المعجزة بمفهومها الدينيّ، قد أصبحت في ضوء المنطق العلميّ الحديث مفهومة بدرجة أكبر مما كانت عليه في ظلّ وجهة النظر الكلاسيكية إلى علاقات السببيّة.
فقد كانت وجهة النظر القديمة تفترض أنّ كلّ ظاهرتين اطّرد اقتران إحداهما بالأخرى فالعلاقة بينهما علاقة ضرورة، والضرورة تعني أنّ من المستحيل أن تنفصل إحدى الظاهرتين عن الأخرى، ولكن هذه العلاقة تحوّلت في منطق العلم الحديث إلى قانون الاقتران أو التتابع المطّرد(١٧٣) بين الظاهرتين دون افتراض تلك الضرورة الغيبيّة.
وبهذا تصبح المعجزة حالة استثنائية لهذا الاطّراد في الاقتران أو التتابع دون أن تصطدم بضرورة أو تؤدّي إلى استحالة.
وأما على ضوء الأسس المنطقية للاستقراء(١٧٤)، فنحن نتّفق مع وجهة النظر العلمية الحديثة، في أنّ الاستقراء لا يبرهن على علاقة الضرورة بين الظاهرتين، ولكنّا نرى أنّه يدلّ على وجود تفسير مشترك لا اطّراد التقارن أو التعاقب بين الظاهرتين باستمرار، وهذا التفسير المشترك كما يمكن صياغته على أساس افتراض الضرورة الذاتية، كذلك يمكن صياغته على أساس افتراض حكمة دعت منظّم الكون إلى ربط ظواهر معيّنة بظواهر أخرى باستمرار، وهذه الحكمة نفسها تدعو أحياناً إلى الاستثناء فتحدث المعجزة.
٣- العلم وعمر الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف
يعالج العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهريّ قدس سره مسألة طول عمر الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف من حيث علاقة طول العمر بالقوانين العلمية التي تجري على البشر فيقول قدس سره: "عندما يطرح موضوع الإمام الحجّة المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنّ كثيراً من النّاس يتساءلون: هل من الممكن أن يعمّر الإنسان ألفاً ومائتي سنة؟ أليس ذلك مخالفاً لقانون الطبيعة؟
إنَّ هؤلاء يتصوّرون أنّ كلّ الأمور التي تحدث في هذه الدنيا تنطبق مائة بالمائة مع قوانين الطبيعة الاعتياديّة أي مع تلك القوانين التي توصّل إليها علم البشر.. في حين أنّ جميع التطوّرات الكبرى التي حدثت في تأريخ حياة جميع الموجودات الحيّة - من نبات وحيوان - لم تكن تطوّرات عاديّة. فهل أنّ انعقاد أوّل نطفة للحياة على وجه الأرض يتطابق مع أصول علم الحياة؟ كلّا، فلم يكن ذلك متطابقاً مع أي قانون طبيعيّ في الأرض.
واستناداً إلى النظريات العلمية المعتبرة اليوم فإنّ عمر أرضنا هذه يقدر بحوالي أربعين مليارداً من السنين، حيث كانت الأرض في بداية أمرها كتلة منصهرة ملتهبة يستحيل على أيّ كائن حيّ أن يعيش فيها. ثمّ مرّت ملياردات عديدة من السنين حتّى بردت هذه الكتلة وظهر على سطحها أول موجود حيّ.
والعلم اليوم يقرّر بأنّ أيّ كائن حيّ لا بدّ أن يتولّد أو ينشأ من كائن حيّ آخر، ولا يمكن أن يوجد كائن حيّ من كائن غير حيّ أبداً، إلّا أنّه لم يستطع إلى الآن أن يفسّر كيف وجد أوّل كائن حيّ على وجه الأرض، وكيف انعقدت أوّل نطفة للحياة فيها.
وعندما يتجاوز العلم هذه النقطة، فإنّه يقع في الحيرة مرّة أخرى.. ذلك أنّ العلم يقرّر بأنّ أوّل خلية حيّة وجدت على وجه الأرض أخذت تنقسم وتتكاثر وتنتقل من مرحلة إلى مرحلة في التكامل والتطوّر إلى أن جاء وقت تشعبت فيه إلى فرعين رئيسين، ونشأت من ذلك المملكة النباتية والمملكة الحيوانيّة.. فكيف حصل هذا التطوّر الكبير الذي أدّى إلى أن تنقسم الخلايا البدائيّة الأولى إلى فرع نباتي وفرع حيواني يكمّل واحد منهما الآخر خصوصاً من ناحية امتصاص وإطلاق الغازات الموجودة في الجوّ؟؟
وهكذا يواصل العلم حيرته في المراحل الأخرى - وخصوصاً في المرحلة التي وجد فيها الإنسان، ذلك المخلوق العجيب الذي يتمتّع بالعقل والفكر والإرادة - ويبقى عاجزاً عن إعطاء تفسيرات مقنعة لكلّ هذه الأحداث.
ثمّ هل أنّ مسألة الوحي مثلاً أمر عاديّ لا يلفت النظر؟
هل أنّ مسألة وصول إنسان ما إلى درجة يكون مستعداً فيها لاستلام تعليمات آتية من عالم ما وراء الطبيعة، أقلّ شأناً من مسألة بقاء فرد من الأفراد حيّاً لمدة ألف ومائتي سنة أو أكثر من ذلك؟
كلّا، بل يمكننا القول بأنّ مسألة طول عمر الإنسان شيء طبيعيّ لا يخرج عن دائرة القوانين الطبيعيّة، بدليل أنّ العلم يسعى اليوم إلى ابتكار وسائل أو عقاقير تزيد في معدّل عمر الإنسان. فقانون الطبيعة لم يحدّد رقماً معيناً لحياة الإنسان على وجه الأرض.. صحيح أنّ خلايا بدن الإنسان لها دورة حياتية محدودة، ولكن هذا لا يكون إلا في ظروف معيّنة، وإذا اكتشف العلم في المستقبل العلاقة العلمية بين الظروف المحيطة، ومدة دورة حياة خلايا الجسم الإنسانيّ، فلا يستبعد أن يتمكّن الإنسان آنئذٍ أن يعيش خمسمائة سنة أو ألف سنة وربّما أكثر!
أضف إلى ذلك أنّ الله سبحانه وتعالى قد بيّن عبر الكثير من آياته الكونيّة بأنّ هناك أشياء تحدث في هذه الدنيا وفي بعض المراحل المعيّنة، ويكون ذلك أشبه شيء بيد تخرج من وراء الغيب فتحدث تطوّرات خارقة في الحياة لا تنطبق مع قانون الطبيعة أصلاً ولا يمكن التنبؤ بها مسبقاً..
فسواء درسنا المسألة من الناحية العلمية أم من الناحية الغيبيّة، فإنّ موضوع طول عمر صاحب الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يحتاج إلى أيّ تشكيك أو ارتياب، خصوصاً بعد أن صرّحت الأحاديث والروايات الدينيّة بذلك. إنّ إحدى وظائف الدين هي أن يفتّح عقل الإنسان ويخرج تفكيره من الدائرة الضيّقة للأحداث العادية المألوفة التي يراها في حياته اليوميّة"(١٧٥).
٣- إثبات طول عمره من حيث كونه حجّة
نسمعهم أحياناً يقولون: "لولا الإمام" أو "لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها". وفي ذلك أقول: إذا صحّ هذا الحديث فمعنى الحجّة فيه كتاب الله. فلو لم تكن بين النّاس مثل هذه الحجة الإلهية لانتهى وجود الخليفة لانتفاء الغاية من وجودها. فالغاية من وجود النّاس هي الهداية والتكامل، فإذا انقطع سبيل الهداية بانتفاء وجود كتاب الله الذي هو حجة الله على الخلق، لانتفى الغرض من الوجود واختفت الخليفة.
أما إذا كان المراد من الحجة في الحديث هو الإمام الغائب، فلا أدري ما هي الهداية المرجوة للناس مع اختفائه، حتى تسيخ الأرض بأهلها مع عدم وجوده وينهار الوجود؟".
الجواب: هذا الإشكال مشترك كسابقه، بحيث يرتدّ بنفسه على الكاتب. فلو كان معنى الحديث أنّ "الحجة" تحفظ من يؤمن ويتمسك بها، فلن يكون ثمة فرق في أن تتجلى هذه "الحجة" بالإمام الغائب أو بالقرآن أو بأي كتاب سماوي.
وهنا نصل إلى ما ذكره الكاتب في رسالته، حيث قال: لو كانت "الحجة" ماثلة في الحدث بالإمام الغائب، لكان هذا الإمام حَرس أهل خراسان وقزوين من الزلزلة المدمّرة التي أصابتهم وحفظهم من غائلتها خصوصاً وهو من مؤيديه والمؤمنين به!
في جوابه نقول تأسيساً على ما ذكرناه قبل لحظة: لو كان القرآن الكريم هو المقصود بالحجة في الحديث لوجب أن يحرس أهل الأرض، ويحفظ أهل خراسان وقزوين من بلاء الزلزلة، خصوصاً ونحن نعلم يقيناً أن في بيوت هؤلاء ساعة وقوع الزلزلة مئات بل آلاف من نسخ القرآن الكريم، ولكن مع ذلك انهارت المنازل وتهدمت على ساكنيها دون أن يحرسهم حجة الله - القرآن الكريم - وهم في بيوتهم!
وهكذا يتّضح أن "ساخت الأرض بأهلها" هو كناية عن انقراضٍ كامل لبني النوع البشري وفناء بساط الإنسانية. والطريف أن هذا التفسير هو الذي اعتمده الكاتب أولاً، بيد أنه غفل عنه فيما بعد(١٧٦).

الفصل الخامس: واجبات أنصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف ومجتمع المهدويّة

محتويات الفصل:
المبحث الأوَّل: واجبات الأنصار
١ - واجب تقوية الروح والبدن‏
٢ - واجب السعي لتكامل الإنسان‏
٣ - واجب العمل والقيام بالتكليف
٥ - واجب الارتباط المعنويّ
٦ - واجب دفع الشبهات
المبحث الثاني: خصائص مجتمع المهدويّة
المبحث الأوَّل: واجبات الأنصار
إنّ وجود الأنصار والممهّدين الذين يعدّون العدّة لظهور الإمام عجل الله تعالى فرجه الشريف، وينصرونه حين ظهوره، هو من الأمور الهامّة في حركة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. وسنتعرّض في هذا الفصل لعددٍ من الواجبات والمهام الملقاة على عاتق أنصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، وكذلك، سنطلّ على استعراض لصورة المجتمع المهدويّ الذي يظهر فيه الإمام وينطلق من خلاله لإعادة العدل إلى العالم.
١- واجب تقوية الروح والبدن‏
"أسأل الله - تعالى- أن يُعجِّل ظهور وليِّ العصر- سلام الله عليه - ويُنيرَ عيوننا بجماله المقدّس. كلّنا ننتظر الفرج، وعلينا أن نُمهِّد لهذا الفرج، فانتظاره انتظار لقدرة الإسلام، ويجب أن نسعى لتتجلّى هذه القدرة في العالم، وتتهيَّأ مقدّمات الظهور.
أشكر لكم أنتم الشبّان والرياضيين الذين أتيتم من حضرة القدس، وأقول لمحبّي الإسلام والمسلمين وأولياء وليّ العصر- سلام الله عليه - ورياضييّ حضرة القدس: على نحو ما تقوّون أجسامكم بالرياضة قوّوا أرواحكم، فقوّة الروح والإيمان هي التي نصرتكم على جند الشيطان والطاغوت، ويجب أن تُغلِّبكم قُوَّةُ إيمانكم وقُوَّةُ داخِلِكم على جند الشيطان في باطن الإنسان الذي يريد إغواءه. أصلحوا أحوالكم على نحو ما تصلحون أبدانكم.
واجبكم أنتم الذين في جوار الإمام - عليه السلام - وتتشرّفون بتلك الحضرة أكبر من الآخرين البعيدين عنه، أنتم الخدم الأقربون إليه - عليه السلام - ويجب أن تكونوا أقرب إليه روحاً ومنزلة مثلما أنتم الأقربون إليه جسماً ومكاناً.
يجب أن تنظروا ما افتدى أئمتنا - عليهم السلام - به الإسلام إذ بذلوا كلّ ما لديهم في سبيله. وعلينا نحن إذا كنّا شيعتهم وتابعيهم أن نبذل كلّ ما لدينا في هذا السبيل. الإسلام أعزُّ شيء، ولأنّه الأعزّ بذل النبيّ الأكرم والأئمة كلّ ما لديهم في سبيله"(١٧٧).
٢- واجب السعي لتكامل الإنسان‏
"آملُ أن (..) نكون كلّنا من خدم الإسلام ووليِّ العصر، سلام الله عليه. نحن في بلاد هي بلاد وليّ العصر، وواجب مَن يعيشون في بلاد وليّ العصر واجب جسيم. لا نستطيع القول لفظاً: نحن تحت لواء وليّ العصر - سلام الله عليه - ولا نكون في ذلك المسير عملًا، مثلما لا نستطيع أن نقول: لدينا جمهورية إسلامية، ولا نكون كذلك فعلًا، أي: ولا نكون إسلاميّين. أنتم أسّستم مؤسّسة بالاسم المقدّس لوليّ العصر، وتحمَّلتم المشقّات، وخدمتم أحكام الإسلام، فأنتم تروّجونها وتعلّمونها وتربُّون النّاس عليها.
يجب أن يترافق التعليم والتربية الإسلامية الصحيحة، فالتعليم بلا تربية لا فائدة فيه، بل ربّما ضرَّ أحياناً. والتربية لا تكون بلا تعليم، ولا تثمر، فهذان الاثنان: التربية والتعليم لا بدّ أن يقترنا ولا يفترقا، لأنّ الإنسان موجود ينمو بالتربية والتعليم، وللإنسان نموٌّ نباتيّ وحيوانيّ، فهو شريك النبات والحيوان تتحرَّك قافلتهم معاً، والإنسان واحد منها. فهو في البدء نبات، ثمّ حيوان مثل سائر الحيوانات، وشريكها في حدّ الحيوانية، مثلما أنّه شريك النباتات في حدّ النباتية، فهو موجود اجتمعت فيه النباتية والحيوانية وهو في حدّ الحيوانية شريك كلّ الحيوانات، ومن هنا يتقدّم في الصعود. الحيوانات شريكة الإنسان في الخصائص المادّيّة، وهي التغذّي والنوم والتناسل، هذه هي الحيوانات، والإنسان إذا كان هكذا حيوان أيضاً مثل سائر الحيوانات، وإن اختلف طعامه عنها. وبعض الحيوانات يختلف عن بعض، فمنها لاحمٌ، ومنها عالِف والإنسان أحد العوالف، إلّا أنّه صار لاحماً. ولولا التربية والتعليم، لبقي الإنسان تَوأم الحيوان في حدِّ الحيوانية، وهو إذا لم يُرَبَّ، ولم يُعلَّمْ أسوأ من سائر الحيوانات"(١٧٨).
٣- واجب العمل والقيام بالتكليف
"إننا مكلّفون. ليس صحيحاً أن نجلس في بيوتنا ونأخذ بأيدينا مسبحة ونردد دعاء "عجّل فرجه" زاعمين بأننا ننتظر ظهور إمام الزَّمان، سلام الله عليه. إنّ التعجيل في الفرج سيتمّ بأعمالكم. عليكم أنتم توفير الأرضية المناسبة والإعداد للمّ شمل المسلمين ووحدتهم. وسيظهر- روحي فداه- إن شاء الله. إنني آمل أن يوجّه الله تبارك وتعالى قلوبنا نحوه وأن يمنحنا قليلًا من معارف القرآن وأن يعرّف المسلمين بواجباتهم ويعرّف قادة المسلمين بواجباتهم الإلهية، ويقضي على أعداء الإسلام والمسلمين إن شاء الله"(١٧٩).
٤- واجب الاتّحاد ولزوم الجماعة
"لا شكّ أنّنا نواجه مشاكل عديدة. مشاكلنا الآن كثيرة ولكن علينا أنْ نضع أيدينا بأيدي بعض كي نجد حلول هذه المشاكل. أنا وحدي لا أستطيع، علماء الدين وحدهم لا يستطيعون، الحكومة وحدها لا تستطيع، أية فئة من فئات الشعب لا تستطيع وحدها أن تحلّ هذه المشاكل. ولكن "يد الله مع الجماعة". فإذا اتّفقت الجماعة على أمر ما فإنّ الله تبارك وتعالى سيكون معهم. لقد أحسسنا بهذا الأمر ورأينا كيف كان الله مع هذه الجماعة الإيرانية حينما أصبحت متعاضدة، والأمر كذلك الآن. فلا ترتكبوا ما يؤدّي لا سمح الله إلى نقصان عناية الله بنا، لا ترتكبوا ما يؤدّي إلى إقلاق وليّ العصر، لا تتفرقوا ولا تبثّوا الفرقة فيما بينكم. كونوا معاً، كونوا معاً في الجمهورية الإسلامية، فالجمهورية الإسلامية تعني وجود الجميع معاً. وإنني آمل أنّه وبقيام الجمهورية الإسلامية وبنجاحنا ونجاحكم في إقرار نوع من العدل الإسلاميّ، أن يتمّ حلّ مشاكل الجميع، أن يتمّ حلّ مشاكل الموظّفين، مشاكل العمّال. إنّ الحكومة ونحن جميعاً بصدد تأمين حياة كريمة للموظفين وللطبقة الضعيفة، للمستضعفين الذين تعرضوا للقمع على مدى سنوات طويلة، للعاملين في المصانع والمعامل، للمزارعين والفلاحين، للجميع"(١٨٠).
٥- واجب الارتباط المعنويّ
"فيما يتعلّق بضرورة الارتباط العاطفيّ والمعنويّ والروحيّ بإمامنا العظيم وليّ الله المعصوم، بالنسبة لكلّ واحدٍ منّا: القضيّة لا ينبغي أن تجعلوها محدودة في إطار التحليل الفكريّ والاستنارة الفكرية. فذاك المعصوم، الّذي هو صفيّ الله، يعيش اليوم بيننا نحن البشر في مكانٍ ما من هذا العالم ونحن لا نعلمه. إنّه موجودٌ، ويدعو، ويقرأ القرآن، ويبيّن المواقف الإلهيّة، إنّه يركع ويسجد ويعبد ويدعو ويظهر في المجامع ويساعد البشر. فله وجودٌ خارجيّ ووجودٌ عينيّ، غاية الأمر أنّنا نحن لا نعرفه. إنّ هذا الإنسان الّذي اصطفاه الله، موجودٌ اليوم، ويجب أن نقوّي علاقتنا به من الناحية الشخصية والقلبيّة والروحيّة، بالإضافة إلى الجانب الاجتماعيّ والسياسيّ والّذي بحمد الله صار نظامنا متوجّهاً نحو ما يريده هذا الإنسان العظيم إن شاء الله. فليجعل كلّ واحدٍ من أبناء مجتمعنا توسّله بوليّ العصر وارتباطه به، ومناجاته معه، وسلامه عليه، وتوجّهه إليه، تكليفاً وفريضةً وليدعُ له كما لدينا في الروايات وهو الدعاء المعروف "اللهمّ كن لوليّك"(١٨١) الّذي يُعدّ من الأدعية الكثيرة الموجودة، ويوجد زياراتٌ في الكتب هي جميعاً بالإضافة إلى وجود البعد الفكريّ والوعي والمعرفة فيها، يوجد فيها أيضاً بعداً روحيّ وقلبي وعاطفي وشعوريّ وهو ما نحتاج إليه أيضاً. إنّ أطفالنا وشبابنا ومجاهدينا في الجبهة يحصلون على الرّوحية والمعنويات بالتوجّه والتوسّل بإمام الزَّمان ويفرحون ويتفاءلون. وببكاء الشوق ودموعه المنهمرة يقرّبون قلوبهم إليه، وهم بذلك يعطفون نظر الحقّ وعنايته إليهم، مثلما أنّ ذلك يتحقّق مع الإمام ويجب أن يكون موجوداً"(١٨٢).
٦- واجب دفع الشبهات
"كانت هناك فئة تؤمن بأنّ كلّ حكومة تقوم في عصر الغيبة هي حكومة باطلة وتتعارض مع الإسلام، وأمثال هؤلاء إن لم يكونوا ألعوبة، فهم أناس غرّتهم بعض الأحاديث الواردة بهذا الشأن نظير: إنّ أية راية ترفع قبل ظهور صاحب الأمر، هي راية باطلة. وكانوا يتصوّرون ذلك في أية حكومة. في حين أنّ أمثال هذه الأحاديث تشير إلى أنّ كل مَنْ رفع راية إلى جانب راية الإمام المهديّ، تحت عنوان (المهدويّة)، فهو باطل.
لنفرض أن أمثال هذه الأحاديث موجودة. ألا يعني ذلك أن التكليف قد سقط عنّا؟ ألا يتعارض هذا مع ضروريات الإسلام، مع القرآن، بأن ندعو إلى ارتكاب المعاصي حتّى يأتي صاحب الأمر؟ لأجل أيّ شي‏ء يأتي صاحب الأمر؟ يأتي لنشر العدل وبسط القسط، يأتي من أجل القضاء على الفساد. إننا إذا لم نَنْهَ عن المنكر ولا نأمر بالمعروف، ونعمل على إشاعة المعاصي، إنما نعمل خلافاً لنص القرآن الكريم. فعندما يأتي الإمام المنتظر ماذا يفعل؟ يأتي من أجل أداء هذه الأعمال.
وفي الوقت الحاضر، أليس لدى الإنسان تكليف؟ هل تكليف الإنسان أن يدعو النّاس للفساد؟ إنّ علينا حسب تصوّر هذه الجماعة التي بعض أفرادها ألعوبة وبعضهم جهلة أنْ نجلسَ وندعوَ لصدَّام. وانّ كلّ من يدعو على صدام فإنّه يساعد في تأخير ظهور الإمام المهديّ. وإنّ الذين يدعون لصدام إنّما يفعلون ذلك كي يزداد الفساد.. علينا أن ندعو لأميركا وللاتحاد السوفيتي ولأذنابهم من أمثال صدام كي يمتلئ العالم بالظلم والجور ويساعد ذلك في ظهور الإمام الحجة. وإذا ما ظهر الإمام يعمل على إزالة الظلم والجور. فما نقوم به وندعو لزيادة الظلم والجور، يأتي الإمام المهديّ ويعمل على إزالته؟"(١٨٣)
المبحث الثاني: خصائص مجتمع المهدويّة
"إنّ المجتمع المهدويّ هو ذلك العالم الّذي يأتي فيه إمام الزَّمان ليصلحه، وهو نفس المجتمع الّذي ظهر من أجله جميع الأنبياء. أي أنّ كلّ الأنبياء كانوا مقدّمة لذلك المجتمع الإنسانيّ المثاليّ، والّذي سيتحقّق في نهاية الأمر بواسطة وليّ العصر والمهديّ الموعود. مثل بناءٍ شامخٍ، يأتي شخصٌ فيسطّح الأرض ويزيل منها الأشواك والعوائق ثمّ يأتي شخصٌ آخر من بعده ويصنع فيها الأسس، ثمّ يأتي شخصٌ آخر ليضع فيها الأعمدة والأركان، وهكذا شخصٌ بعد آخر، يأتون لعمارة الجدران حتّى يصل هذا القصر المرتفع، وهذا البنيان الرفيع إلى شكله النهائيّ. لقد جاء الأنبياء الإلهيّون، ومنذ بداية تاريخ البشرية، واحدٌ بعد آخر، من أجل أن يقرّبوا المجتمع والبشريّة خطوةً خطوة نحو ذاك المجتمع المثاليّ وذاك الهدف النهائيّ. لقد نجح جميع الأنبياء ولم يفشل أيّ واحدٍ من رسل الله على هذا الطريق، وفي هذا المسير، لقد كان حملاً على عاتق هؤلاء المأمورين الشامخين، وكلّ واحدٍ منهم تقدّم به خطوةً نحو المقصد والهدف النهائيّ وسعوا بكلّ جهدهم من أجل القيام بهذا العمل. وعندما كانوا يصلون إلى آخر حياتهم كان هناك من يأتي من بعدهم ليضع هذا الحمل على عاتقه ويتقدّم به مسافةً أخرى، مقترباً بذلك من ذلك الهدف. ووليّ العصر صلوات الله عليه، هو وارث جميع الأنبياء الإلهيين، فعندما يأتي ستكون الخطوة الأخيرة على طريق إيجاد ذلك المجتمع الإلهيّ.
أتحدّث قليلاً حول صفات ذلك المجتمع. بالطبع، لو أنّكم دقّقتم في الكتب الإسلامية وفي المصادر الإسلاميّة الأساسيّة للاحظتم جميع خصائص ذلك المجتمع. فدعاء النّدبة هذا الّذي تُوفّقون بإذن الله لقراءته أيّام الجمعة، يذكر خصائص ذلك المجتمع. فعندما يقول: "أين معزّ الأولياء ومذلّ الأعداء" مثلاً، فذلك المجتمع هو مجتمعٌ يكون فيه أولياء الله أعزّاء وأعداء الله أذلّاء، أي أنّ القيم والمعايير الحاكمة في ذلك المجتمع تكون هكذا. "أين المُعدّ لإقامة الحدود"، ففي هذا المجتمع تُطبّق الحدود الإلهيّة وتُراعى كلّ الحدود الّتي عيّنها الله تعالى والإسلام في مجتمع إمام الزَّمان. فعندما يظهر إمام الزَّمان يصنع مجتمعاً له باختصار مثل هذه الخصوصيّة، أذكرها أنا، وأنتم أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء تدقّقون حولها في الآيات وفي الأدعية عندما تقرأونها، فتتفتّح أذهانكم في هذا المجال، وتتّسع، فمجرّد قراءة دعاء النّدبة ليس كافياً، فالمطلوب هو الفهم وأخذ الدُّروس.
إنَّ إمام الزَّمان صلوات الله وسلامه عليه، يبني مجتمعه على هذه الأسس:
الخاصية الأولى: على إزالة وقمع وقلع جذور الظلم والطغيان. فلا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع الّذي يكون في زمان وليّ العصر صلوات الله عليه، أيّ ظلمٍ وجور، لا أنَّ الأمر يكون في إيران فحسب، ولا حتّى في المجتمعات الّتي يقطنها المسلمون، بل في كلِّ العالم. فلن يكون أيّ ظلمٍ اقتصاديٍّ أو سياسيٍّ أو ثقافيٍّ أو أيّ نوعٍ آخر في ذلك المجتمع. فيجب اقتلاع كلّ الاختلافات الطبقيَّة وكلّ أنواع التمييز وعدم المساواة والتسلُّط والهيمنة.
هذه هي الخصوصيّة الأولى.
الخاصيّة الثانية: إنّ من خصائص المجتمع المثاليّ الّذي يصنعه إمام الزَّمان صلوات الله عليه، هو الارتقاء بمستوى الفكر البشريّ، سواء على المستوى العلميّ الإنسانيّ أو المعارف الإسلاميّة. ففي زمن وليّ العصر، لن تجدوا في كلّ العالم، أيّ أثرٍ للجهل والأميّة والفقر الفكريّ والثقافيّ. هناك يتمكّن النّاس من معرفة الدين معرفة صحيحة، وقد كان هذا، كما تعلمون جميعاً، من الأهداف الكبرى للأنبياء الّذي أشار إليه أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، في خطبة نهج البلاغة الشريفة، "ويثيروا لهم دفائن العقول". لقد جاء في رواياتنا أنّه عندما يظهر وليّ العصر، أنَّ المرأة الّتي تبقى في بيتها فإنّها تتمكّن من فتح القرآن واستخراج حقائق الدين منه وفهمها. فماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك أنّ مستوى الثقافة الإسلاميّة والدينيّة يرتقي إلى درجة أنّ جميع الأفراد، وكلّ أبناء المجتمع، والنساء اللواتي لا يشاركن في ميدان الاجتماع على سبيل الفرض، ويبقين في بيوتهنّ، فإنّهنّ يتمكّنّ من أن يصبحن فقيهات وعارفات في الدين. فيتمكّنّ من فتح القرآن، وفهم حقائق الدين منه بأنفسهنّ. انظروا أنتم إلى مجتمعٍ يكون فيه الجميع نساءً ورجالاً، وعلى كافّة المستويات، قادرين على فهم الدين والاستنباط من الكتاب الإلهيّ، فكم سيكون هذا المجتمع نورانيّاً، ولن يبقى فيه أي نقطة ظلام وظلمانيّة. فكلّ هذه الاختلافات في وجهات النّظر والتحليل، لن يبقى لها أيّ أثرٍ في ذلك المجتمع.
الخاصيّة الثالثة: لمجتمع إمام الزَّمان، المجتمع المهدويّ، هو أنّه في ذلك العصر ستكون جميع القوى الطبيعية وكلّ الطاقات البشرية في حالة انبعاثٍ فلا يبقى أيّ شيءٍ في باطن الأرض ولا يستفيد منه البشر. فكلّ هذه الإمكانات الطبيعيّة المعطّلة، وكلّ هذه الأراضي الّتي يمكن أن تغذّي الإنسان، وكلّ هذه الطاقات والقوى الّتي لم تُكشف بعد، كتلك الطاقات الّتي بقيت عبر قرون التاريخ. مثلاً، القدرة النووية والطاقة الكهربائية كانت وعبر قرون عمر هذا العالم، في باطن الطبيعة ولم يكن البشر يعرفونها، ثمّ بعد ذلك قاموا باستخراجها بالتدريج. فكلّ الطاقات والإمكانات اللامتناهية الموجودة في باطن الطبيعة هي من هذا القبيل، وسوف تُستخرج في زمان إمام الزَّمان.
جملة أخرى وخصوصية أخرى، هي أنّ المحور في عصر إمام الزَّمان هو محور الفضيلة والأخلاق. فكلّ من كان صاحب فضيلة أخلاقية أكثر سيكون مقدّماً وسبّاقاً.
وفي روايةٍ أخرى يقول: "القائم منّا منصورٌ بالرّعب مؤيّدٌ بالنصر، تُطوى له الأرض وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب"(١٨٤)، ممّا يعني أنّ كلّ الحكومات الظالمة والأجهزة الجائرة ستكون مرعوبةً منه. في ذلك الزمن، سيكون هناك حالةٌ في عصر وليّ العصر أرواحنا فداه، من الشمولية والعموميّة بحيث يمكن أن تحقّق الحكومة العالميّة. "مؤيّدٌ بالنصر"، فنصر الله يؤيّده. و"تُطوى له الأرض"، أي أنّها ستكون بيده وفي قبضة قدرته. وتظهر تلك الكنوز وتبلغ سلطته مشرق العالم ومغربه.
وبعد عدّة جملٍ يقول، "فلا يبقى خرابٌ إلا قد عمر"(١٨٥)، أي أنّ هذه السلطة سوف تُنفق في عمارة الأرض، لا في السيطرة على ثروات البشر وفي استضعافهم. وفي كلّ نقاط العالم لن يبقى أيّ نقطةٍ من الخراب إلا وستُعمّر، سواءٌ كانت خرابات حصلت على أيدي البشر أو بسبب جهلهم. هناك رواية أخرى عن الإمام الباقر عليه الصلاة والسلام يقول فيها، "حتّى إذا قام القائم جاءت المزايلة وأتى الرجل إلى كيس أخيه فيأخذ حاجته فلا يمنعه"(١٨٦)، وهي إشارة إلى أخلاق المساواة بين البشر وإلى الإيثار. وتبشّر هذه الرواية بنجاة البشر من تسلّط البخل والحرص الّذي كان أكبر سببٍ لشقاء البشرية. وهذا في الحقيقة علامةٌ على ذلك النظام الإسلاميّ السالم أخلاقياً واقتصاديّاً واجتماعيّاً في ذلك الزَّمان. فلا يوجد أيّ قهرٍ وإجبارٍ في البين، بل إنّ البشر أنفسهم ينجون من البخل الإنساني والحرص البشريّ وستتحقّق مثل هذه الجنّة الإنسانيّة. يوجد في روايةٍ أخرى أيضاً: "إذا قام قائمنا اضمحلّت القطائع، فلا قطائع"(١٨٧)، فتلك المقطوعات الماليّة الّتي تمنحها الحكومات المستكبرة في العالم لأتباعها وحلفائها، وذلك الكرم الحاتميّ الّذي يحصل من جيوب الشعوب سوف يتوقّف تماماً في العالم. وقد كانت القطاعة في الماضي بشكل وهي اليوم بشكل آخر. فقد كانت في الماضي بحيث أنّ الخليفة أو السلطان يمنح أرضاً أو صحراءً أو قريةً أو مدينةً أو حتّى ولايةً لشخصٍ ما، فيقول له اذهب هناك وافعل ما يحلو لك فيها، خذ من أهلها الجبايات والخراج واستعمل مزارعها واستفد منها وكلّ فائدة مادّية هي لك. وكان عليه طبعاً أن يعطي السلطان حظّه.
واليوم، هي بصورة الاحتكارات النفطية والتجارية والصناعيّة والفنّية المختلفة، وكلّ هذه الصناعات الكبرى وهذه الاحتكارات الّتي جعلت الشعوب مسكينةً هي في الواقع في حكم القطائع، الّتي أُشير إليها، وفيها كانت تُمارس كلّ أنواع الرشاوة والمحاباة. إنّ هذا البساط الّذي يقتل البشر ويقضي على الفضيلة سوف يُطوى وسوف توضع أسباب الاستفادة والنفع بيد جميع النّاس.
وفي روايةٍ أخرى ناظرة إلى الوضع الاقتصاديّ يقول: "ويسوّي بين النّاس حتّى لا ترى محتاجاً إلى الزكاة"(١٨٨)، مما يعني أنّه لن يبقى هناك أيّ فقير يحتاج إلى زكاة أموالكم، وبالطبع سيكون لهذه الزكاة مصرفها في الأمور العامّة لا للفقراء، لأنّه لن يبقى هناك أي فقير. ومثل هذه الروايات ترسم الجنّة الإسلاميّة والعالم الواقعيّ. وليس هذا الأمر مشابهاً لتلك المدن الفاضلة الّتي صنعها البعض في خيالاتهم وأوهامهم، كلا. إنّ كلّ تلك الشعارات الإسلامية هي جميعاً قابلة للتطبيق، ونحن في الجمهورية الإسلامية نشعر أنّ هناك قدرة وقلباً وفكراً متّصلاً بالوحي والتأييد الإلهيّ ومعصوماً يمكنه يقيناً أن يحقّق مثل هذا الوضع، وسوف تقبل البشرية على ذلك حتماً. هذه هي حالة ذلك العالم.
هنا إذا رجعتم إلى الآيات والروايات، وبالتأكيد إنّ المحقّقين والمتتبّعين قد فعلوا ذلكـ فسوف تجدون خصوصيّات أخرى. المجتمع الّذي لا يوجد فيه أيّة علامةٍ للظلم والطغيان والعدوان، المجتمع الّذي تصل فيه المعرفة الدينيّة والمعرفة العلميّة للبشر إلى حدّها الأعلى، المجتمع الّذي تبرز فيه كلّ هذه البركات والنعم والفضائل والجماليّات وتكون في يد الإنسان، وفي النهاية المجتمع الّذي تكون فيه التقوى والفضيلة والإيثار والأخوّة والعطف والانسجام أصلاً ومحوراً، فانظروا إلى مثل هذا المجتمع، فهو ذاك المجتمع الّذي سيحقّقه مهديّنا الموعود وإمام زماننا، ومحبوبنا التاريخيّ القديم، والّذي يعيش الآن تحت هذه السماء وعلى هذه الأرض وبين النّاس. هذا هو اعتقادنا بإمام الزَّمان.
واجبات الأنصار(١٨٩)
ماذا نفعل بعد هذا؟
النقطة الأولى: يجب أن نعلم أنّ ظهور وليّ العصر صلوات الله عليه، مثلما أنّه بثورتنا هذه أصبح أقرب خطوةً، فبهذه الثورة أيضاً يمكن أن يقترب أكثر. أي أنّ نفس هذا الشعب الّذي قام بهذه الثورة، وقرّب نفسه خطوةً إضافية إلى إمام زمانه، يمكنه أيضاً أن يتقدّم خطوةً ثمّ خطوةً ثمّ خطوة نحو إمام زمانه. فكيف (ذلك)؟
أوّلاً، كلّما استطعتم أن توسّعوا من دائرة هذا المقدار من الإسلام الّذي لدينا نحن وأنتم في إيران لا نبالغ، الإسلام الكامل ليس متحقّقاً، ولكن قسمٌ من الإسلام قد طبّقه هذا الشعب في إيران فهذا المقدار من الإسلام كلّما استطعتم أن تنشروه في الآفاق الأخرى للعالم، وفي البلاد الأخرى، وفي المناطق المظلمة، فإنّه بنفس المقدار سيساعد ويقرّب من ظهور وليّ الأمر وحجّة العصر.
ثانياً، إنّ الاقتراب من إمام الزَّمان ليس بمعنى الاقتراب المكانيّ ولا بمعنى الاقتراب الزَّماني. فأنتم الّذين تريدون أن تقتربوا من ظهور إمام الزَّمان، فإن الاقتراب من إمام الزَّمان ليس له تاريخٌ محدّد كأن يُقال مثلاً، بعد مئة سنة أو خمسين سنة، حتّى نقول إنّنا عبرنا من هذه الخمسين أو المئة سنة، سنةً أو سنتين أو ثلاث سنوات، فيبقى عندئذٍ هذا المقدار من السنوات، كلا، وليس أيضاً بلحاظ المكان حتّى نقول إنّنا تحرّكنا من هنا باتّجاه الشرق أو غرب العالم مثلاً، أو نحو الشمال أو الجنوب، لنرى أين هو وليّ العصر لنصل إليه. كلا، إنّ اقترابنا من إمام الزَّمان هو اقترابٌ معنويّ، أي أنّكم في كلّ زمانٍ إذا استطعتم أن تزيدوا من كميّة المجتمع الإسلامي وكيفيّته إلى خمس سنوات أو عشر سنوات أخرى، أو حتّى مئة سنة أخرى، فإنّ إمام الزَّمان صلوات الله عليه سيظهر. لو استطعتم أن تحقّقوا في أنفسكم وفي غيركم، في داخل مجتمعكم هذا المجتمع الثوريّ التقوى والفضيلة والأخلاق والتديّن والزهد والقرب المعنوي من الله، وجعلتم قاعدة ظهور وليّ العصر صلوات الله وسلامه عليه أكثر رسوخاً وإحكاماً، وكلّما استطعتم أن تزيدوا باللحاظ الكمّي والمقدار عدد المسلمين المؤمنين والمخلصين فإنّكم تكونون هنا أيضاً أقرب إلى إمام الزَّمان وإلى زمن ظهور وليّ العصر. فنحن نستطيع أن نقرّب مجتمعنا وزماننا وتاريخنا خطوةً بخطوة نحو تاريخ ظهور وليّ العصر صلوات الله وسلامه عليه، هذا واحدٌ.
النقطة الثانية: هي أنّه لدينا في ثورتنا اليوم تحرّكات ومناهج، فإلى أيّ جهةٍ ينبغي أن تتحرّك هذه المناهج؟ فهذه النقطة جديرة جدّاً بالتأمّل. فافرضوا أنّ لدينا طالباً مجدّاً يريد أن يصبح مثلاً أستاذاً في علم الرياضيات. فكيف ينبغي أن نؤمّن مقدّمات هذا الأمر؟ فينبغي أن نوجّه دراساته باتّجاه الرياضيات. فلا معنى أن نعطيه دروساً في الفقه مثلاً، إذا كنّا نريده أن يصبح عالماً رياضياً. أو أنّ من يريد أن يصبح فقيهاً نعطيه دروس الأحياء مثلاً، فينبغي أن تكون المقدّمات متناسبة مع النتيجة والغاية. الغاية هي المجتمع المثاليّ المهدويّ بتلك الخصائص الّتي ذكرتها. فيجب علينا إذاً أن نؤمّن المقدّمات بما يتناسب. يجب علينا أن نبعد أنفسنا عن الظلم ونتحرّك بحزمٍ ضدّه، أيّ ظلمٍ كان ومن أيّ شخص. يجب علينا أن نجعل توجّهاتنا نحو إقامة الحدود الإسلاميّة. وفي مجتمعنا، لا نعطي أيّ مجالٍ لنشر الأفكار المخالفة للإسلام. نحن لا نقول بالقهر والغلبة لأنّنا نعلم أنّه لا يمكن مواجهة الفكر إلّا عن طريق الفكر، لكنّنا نقول بالطرق الصحيحة والمنطقيّة والمعقولة علينا أن ننشر الفكر الإسلاميّ.
يجب أن تصبح كلّ قوانيننا ومقرّرات بلدنا وإداراتنا ومؤسّساتنا التنفيذية والكلّ إسلامياً بلحاظ الظاهر والمحتوى، وأن نقترب نحو أسلمتها يوماً بعد يوم. هذه هي الجّهة الّتي تمنحنا وتمنح حركتنا معنى انتظار وليّ العصر. أنتم تقرأون في دعاء النّدبة أنّ إمام الزَّمان يقاتل الفسوق والعدوان والطغيان والنّفاق ويزيل كلّ ذلك ويقضي عليه. وعلينا اليوم أن نتحرّك في مجتمعنا بهذا الاتّجاه ونتقدّم. هذا هو الشيء الّذي يقرّبنا إلى إمام الزَّمان صلوات الله عليه من الناحية المعنوية، ويقرّب مجتمعنا نحو مجتمع وليّ العصر صلوات الله وسلامه عليه، ذلك المجتمع المهدويّ العلويّ التوحيديّ ويزيده قرباً"(١٩٠).

الفصل السادس: مفهوم الانتظار

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: ما هو مفهوم الانتظار؟
المبحث الثاني: انتظار الفرج ومعناه الصحيح‏
المبحث الثالث: مفهوم الانتظار عند الإمام السيد موسى الصدر
المبحث الرابع: الانتظار الإيجابي عند الإمام السيد موسى الصدر
المبحث الخامس: نهضة المهديّ في ضوء فلسفة التاريخ
المبحث السادس: الانتظار في القرآن والتاريخ
المبحث السابع: الإنسانية المضطهدة والانتظار
المبحث الثامن: الجهاد والانتظار
المبحث الأوّل: ما هو مفهوم الانتظار؟
انتظار الفرج مفهومٌ واسعٌ جدّاً. وأحد أنواعه هو انتظار الفرج النهائيّ، أي أنّ النّاس عندما يرون طواغيت العالم مشغولين بالنّهب والسلب والإفساد والاعتداء على حقوق النّاس، لا ينبغي أن يتخيّلوا أنّ مصير العالم هو هذا. لا ينبغي أن يُتصوّر أنّه في نهاية المطاف لا بدّ ولا مناص من القبول والإذعان لهذا الوضع، بل ينبغي أن يُعلم أنّ هذا الوضع هو وضعٌ عابر، "للباطل جولة"(١٩١) - وأمّا ما هو مرتبطٌ بهذا العالم وطبيعته فهو عبارة عن استقرار حكومة العدل وهو سوف يأتي. إنّ انتظار الفرج والفتح في نهاية العصر الّذي نحن فيه، حيث تعاني البشرية من الظلم والعذابات هو مصداقٌ لانتظار الفرج، ولكنّ لانتظار الفرج مصاديق أخرى أيضاً.
فعندما يُقال لنا انتظار الفرج، فلا يعني انتظار الفرج النهائيّ، بل يعني أنّ كلّ طريقٍ مسدود قابلٌ للفتح. الفرج يعني هذا، الفرج يعني الشقّ والفتح. فالمسلم يتعلّم من خلال درس انتظار الفرج أنّه لا يوجد من طريقٍ مسدود في حياة البشر ممّا لا يمكن أن يُفتح، وأنّه لا يجب عليه أن ييأس ويُحبط ويجلس ساكناً ويقول لا يمكن أن نفعل شيئا، كلا، فعندما يظهر في نهاية مطاف حياة البشر ومقابل كلّ هذه الحركات الظالمة والجائرة، عندما تظهر شمس الفرج، فهذا يعني أنّه في كلّ هذه العقبات والسدود الموجودة في الحياة الآن، هناك فرجٌ متوقّع ومحلّ انتظار. هذا هو درس الأمل لكلّ البشرية. وهذا هو درس الانتظار الواقعيّ لجميع النّاس.
لهذا، عُدّ انتظار الفرج من أفضل الأعمال، ويُعلم من ذلك أنّ الانتظار هو عملٌ لا بطالةٌ. فلا ينبغي الاشتباه والتصوّر أنّ الانتظار يعني أن نضع يداً فوق يد ونبقى منتظرين حتّى يحدث أمرٌ ما. الانتظار عملٌ وتهيّؤٌ وباعثٌ على الاندفاع والحماس في القلب والباطن، وهو نشاطٌ وتحرّكٌ وتجدّدٌ في كلّ المجالات. وهذا هو في الواقع تفسير هذه الآيات القرآنية الكريمة (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(١٩٢) أو (إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(١٩٣) أي أنّه لا ينبغي أن تيأس الشعوب والأُمم من الفرج في أيّ وقتٍ من الأوقات.
لهذا ينبغي انتظار الفرج النهائيّ، مثلما ينبغي انتظار الفرج في جميع مراحل الحياة الفردية والاجتماعية. لا تسمحوا لليأس أن يسيطر على قلوبكم، فانتظروا الفرج واعلموا أنّ هذا الفرج سيتحقّق، وهو مشروطٌ في أن يكون انتظاركم انتظاراً واقعيّاً، وأن يكون فيه العمل والسعي والاندفاع والتحرّك.
معنى الانتظار
إنّنا اليوم ننتظر الفرج. أي أنّنا ننتظر مجيء يدٍ مقتدرةٍ تنشر العدل. وهي هزيمة الظلم والجور الّذي سيطر على كلّ البشرية تقريباً، فيتبدّل هذا الجوّ من الظلم والجور وينبعث نسيم العدل في حياة البشر لكي يشعر النّاس بالعدالة. إنّ هذا هو حاجة أيّ إنسانٍ واعٍ بشكل دائم، الإنسان الّذي لم يجعل رأسه في حجره، ولم يستغرق في حياته الخاصّة. الإنسان الّذي ينظر إلى الحياة العامّة للبشر بنظرة كلّية فإنّه من الطبيعيّ أن يكون في حالة انتظار، هذا هو معنى الانتظار. فالانتظار يعني عدم الاقتناع والقبول بالوضع الموجود لحياة البشر، وهو السعي من أجل الوصول إلى الوضع المطلوب، ومن المسلَّم أنّ هذا الوضع المطلوب سوف يتحقّق على يد وليّ الله المقتدرة الحجّة بن الحسن المهديّ، صاحب الزَّمان صلوات الله عليه وعجّل الله فرجه وأرواحنا فداه.
يجب أن نعدّ أنفسنا كجنودٍ مستعدّين لتلك الظروف والشرائط، ونجاهد في هذا المجال. لا يعني انتظار الفرج أن يجلس الإنسان ولا يفعل أيّ شيء، ولا ينهض لأيّ إصلاحٍ بل يمنّي نفسه بأنّه منتظرٌ لإمام الزَّمان عليه الصلاة والسلام، فهذا ليس انتظاراً.. ما هو الانتظار؟ الانتظار يعني أنّه لا بدّ من مجيء يدٍ قادرةٍ مقتدرةٍ ملكوتيّةٍ إلهيّةٍ وتستعين بهؤلاء النّاس من أجل القضاء على سيطرة الظلم، ومن أجل غلبة الحقّ وحاكمية العدل في حياة البشريّة ورفع راية التوحيد، وهنا تجعل البشر عباداً حقيقيين لله. يجب الإعداد لهذا الأمر. فكلّ إقدامٍ على طريق استقرار العدالة يمثّل خطوةً نحو ذلك الهدف الأسمى. الانتظار يعني هذه الأمور. الانتظار حركةٌ وليس سكوناً. ليس الانتظار إهمالاً وقعوداً إلى أن تصلح الأمور بنفسها. الانتظار حركةٌ واستعدادٌ. هذا هو انتظار الفرج"(١٩٤).
المبحث الثاني: انتظار الفرج ومعناه الصحيح‏
"البعض يرى انتظار الفرج في أن يجلس في المسجد أو الحسينية أو المنزل، ويدعو الله تعالى لفرج الإمام الحجة صاحب الزَّمان، سلام الله عليه. إنّ من لديهم مثل هذا التصوّر هم أناس صالحون، بل إنّ بعض الذين أعرفهم كان إنساناً صالحاً للغاية وقد اشترى له حصاناً وكان عنده سيف، وكان على أهبة الاستعداد في انتظار الإمام صاحب الأمر- سلام الله عليه -. فأمثال هؤلاء كانوا يعلمون واجباتهم الشرعية وكانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولكن الأمر كان يقف عند هذا الحد. وفيما عدا ذلك لا يصدر عنهم شيء ولم يكونوا يفكرون بفعل شي‏ء فيما يخص هذا الأمر الهام.
على صعيد آخر ثمة جماعة ترى في انتظار الفرج أن تدير ظهرها لكل ما يجري من حولها. فلا شأن لها بما يجري على الشعوب وما يعاني منه شعبنا، وكلّ همّها هو العمل بواجباتها الدينية وفيما عدا ذلك فهو من مهامّ صاحب الزَّمان الذي سيأتي ويصحّح كلّ شي‏ء بنفسه. إذ يقول أفراد هذه الجماعة: نحن غير مسؤولين عما يجري وكلّ ما علينا هو أن ندعو لظهور صاحب الزَّمان. هؤلاء أيضاً كانوا أفراداً صالحين.
غير أنّ فئة ثالثة كانت تقول: حسناً، يجب أن يمتلئ العالم بالمعاصي حتّى يمهد لظهور الإمام صاحب الأمر. يجب أن لا ننهى عن المنكر ولا نأمر بالمعروف وترك النّاس يفعلون ما يشاءون لكي تزداد المعاصي ويقترب الفرج. بل هناك فئة تؤمن بأكثر من هذا إذ تقول: يجب التشجيع على المعاصي وارتكاب الذنوب حتّى تمتلئ الدنيا ظلماً وجوراً مما يمهد لظهور الإمام‏الحجة سلام الله عليه. وبطبيعة الحال بين هؤلاء أناس منحرفون وبينهم سذّج أيضاً، وكان المنحرفون يتطلّعون إلى تحقيق أهداف خاصة.
والحقيقة هي، علينا أن نعمل للقضاء على الظلم والجور في أيّ مكان من العالم إذا كان في مقدورنا ذلك. إنّ تكليفنا الشرعيّ يدعونا إلى ذلك ولكن ليس بمقدورنا. وسيأتي الإمام المهديّ ليملأ الأرض قسطاً وعدلًا، غير أنّ ذلك لا يسقط التكليف عنكم بأن تكفّوا عن أداء واجبكم. نحن لدينا تكليف، ومَنْ يقول بعدم ضرورة الحكومة فهذا يعني أن تكون هناك فوضى. فإذا ما غابت الحكومة فسوف يعمّ الفساد البلاد بنحو ليس له حدود. فأيّ عاقل يقبل أن يظلم النّاس بعضهم البعض كي يمهّدوا لظهور صاحب الزَّمان!! وماذا سيفعل صاحب الزَّمان حين يأتي؟ أليس القضاء على الظلم وبسط العدالة؟ فالإنسان إن لم يكن سفيهاً ولا مغرضاً ولم يكن ألعوبة بيد الآخرين، لن يقبل بمثل هذه الأفكار.
القوى الكبرى والترويج لمعنى الانتظار الخاطئ‏
"حقيقة الأمر هي أنّ السياسة تقف وراء ذلك. مثلما لقّنوا الشعوب، لقّنوا المسلمين وجموعاً غفيرة من سكان الأرض أنّ السياسة ليست من شأنكم، أذهبوا أنتم إلى عملكم‏ واتركوا السياسة لأهلها. إنّ مثل هذا الكلام الذي يدعو النّاس للتخلّي عن السياسة وتركها إلى الظلمة، تركها إلى أميركا والاتحاد السوفيتي وأمثالهما كي يتسنّى لهم نهب ثرواتنا وخيراتنا، كي يتسنّى لهم أن ينهبوا ثروات المسلمين والمستضعفين، إنّ مثل هذا الكلام تخريف وسذاجة. وقد ضحكوا به على عقول النّاس، بأن اتركوا السياسة لنا واذهبوا أنتم إلى مساجدكم.
إنّ هؤلاء الذين يقولون ببطلان كلّ راية ترفع وكلّ حكومة تقوم، يتصوّرون أنّ قيام كلّ حكومة هو خلاف لانتظار الفرج. إنّهم لا يفقهون ما يقولون، وإنّما تمّ تلقينهم أن يقولوا مثل هذا الكلام. إنّ غياب الحكومة يعني أن يتكالب النّاس على بعضهم البعض. يقتل بعضهم البعض، ويتصرّفون بما يتعارض ونصّ القرآن الكريم.. فإذا فرضنا أن هناك مائتي حديث في هذا الباب، فإننا نضرب بها عرض الحائط لأنها تتعارض مع نصّ القرآن الكريم. إن كلّ حديث ينصّ على عدم وجوب النهي عن المنكر، يجب أن يضرب به عرض الحائط. لأنه لا يمكن العمل بهذا النوع من الأحاديث، وأنّ هؤلاء الأغبياء لا يعون ماذا يقولون: كل حكومة تقوم هي حكومة باطلة!! بل لقد سمعت أنّ بعض هؤلاء يدعو إلى الكفّ عن تهذيب الأخلاق في إيران اليوم، فلم تعد هناك ضرورة لمثل هذا الكلام!! وهذا يعني أن يكون أستاذ الأخلاق في جمع من الأناس الفاسدين، وأن تكون أبواب الحانات مشرعة ومراكز الفساد ناشطة. لأنه إذا كانت البيئة صالحة فلا حاجة لتهذيب الأخلاق. إنّ مثل هذه الدعوات إن لم تكن مغرضة فهي غبية وبلهاء. بيد أن هؤلاء يدركون جيداً ماذا يفعلون ويتطلّعون إلى عزلنا عن هذا العالم.
أجل، ليس بمقدورنا أن نعمل على سيادة العدل في العالم أجمع، ولو كان بمقدورنا ذلك لفعلنا. ولأننا لا نستطيع أن نفعل ذلك فلا بدّ من ظهور الإمام المنتظر. العالم اليوم يسوده الظلم ونحن في نقطة من هذا العالم. وإذا كان بمقدورنا التصديّ للظلم يجب أن لا نتهاون في ذلك، لأنّه واجبنا. الإسلام والقرآن حدّد مسؤولياتنا وسنّ لنا واجباتنا ولكن لا نستطيع نشر العدل في العالم بأسره ولا بدّ من ظهوره - سلام الله عليه -. ولكن يجب أن نمهّد الطريق له. يجب أن نوفّر الأسباب التي تعجّل في ظهوره. علينا أن نعمل على تهيئة العالم لظهور الإمام المهديّ الموعود - سلام الله عليه -.
على أيّة حال إنّ كلّ هذه المصائب دخيلة على المسلمين وإنّ القوى الخارجية تعمل على إشاعتها لكي يتسنى لها نهب ثرواتنا والقضاء على عزّة المسلمين. وللأسف إنّ الكثير من المسلمين آمنوا بذلك. وربما تجد الآن من يؤمن بعدم ضرورة إقامة حكومة، لأنّ الحكومة يجب أن تكون في عصر الإمام الحجّة، وأنّ كلّ حكومة تقوم في غير عصره تعتبر باطلة، حسب تصورهم. فأمثال هؤلاء يرون ضرورة إشاعة الفوضى واضطراب العالم، حتّى يأتي الإمام المهديّ لإصلاحه!! ولكنّنا عازمون على تمهيد الطريق لظهوره إن شاء الله.. نسأل الله تعالى أن يهدي ‏أمثال هؤلاء. وان يجعل هذا اليوم مباركاً على الجميع، وأن يقطع دابر الظالمين، وأن يمنح الشعوب المظلومة القوّة للقضاء على الظالمين"(١٩٥).
المبحث الثالث: مفهوم الانتظار عند الإمام السيد موسى الصدر
"إنّ فكرة الانتظار، انتظار الفرج، تشوّهت عندنا، وانحرفت في نفوسنا، فأصبحنا اتكاليين، نترك العمل والسعي بانتظار مجيء صاحب الزَّمان. هذا التشويه آفة جميع القيم، ووسيلة لعدم الاستفادة من جميع المُثُل. والحقيقة أنّ فكرة الانتظار أدّت دوراً كبيراً في حياة هذا المذهب، لأنّ الأمل هو الحياة في المستقبل.
إنّ الأمل هو طريق المستقبل، وهو صلة الإنسان بالمستقبل. فالإنسان الذي يعيش حالة اليأس، هو إنسان يجعل بينه وبين المستقبل سداً، لا يمكن تجاوزه. واليأس يعني الجمود، والجمود حقيقة يعني الوقوف والموت، وهو يخالف معنى الحياة المتقوّم بالحركة في كلّ لحظة وثانية.
إذاً، الأمل هو عبارة عن الطريق المفتوح. واليأس يعني الاستسلام للوضع الحاضر. ولا أقول إنّ الذي يئس من مستقبله يموت الموتة الطبيعية. لا! هو يموت الموتة الحقيقية، ليس الموتة الطبيعية. لماذا؟ لأنّ الإنسان اليائس من المستقبل سوف يعيش حياة لا فائدة منها غير الاهتمام بالمأكل والملبس.
إنّ التاريخ يكشف بوضوح، أنّه قد مرّ علينا كما مرّ على الأمم السابقة، من فترات طويلات من المحن والبلاءات والتهديدات، ولولا الأمل بمجيء صاحب الزَّمان، وبالفرج الإلهيّ المعجز، لو لم يكن هذا الأمل لكنّا متنا وذبنا. ولكنّ أملنا بكلام الرسول: "لو لم يبق من العالم إلّا يوم واحد لطوّل الله ذلك اليوم، حتى يأتي رجل"... ولقد اتّضح وتكرس الأمل فينا، لأنّنا لا نشكّ بصدق الرسول وبقول النبيّ. أملنا -إذن- هو الذي أبقانا، وهو الذي حفظنا، وهو الذي جعل بيننا وبين المستقبل خطاً وطريقاً.
فالأمل نبع من هذه العقيدة، وهذه الفكرة ليست مختصّة بنا، فبعد ارتفاع المسيح عليه السلام، أو بعد استشهاده وارتفاعه حسب رأي المسيحيين، وقع المسيحيون في اضطهاد لم يكن له مثيل في العالم آنذاك، لا مثيل له في تاريخ الأديان... ولكنّ الأمل ببشارة المسيح حينما يقول: "يأتي روح الحق" - هذا الذي يفسر بروح القدس، وتجلّي روح القدس، واتّحاده مع الكنيسة، لو لم يكن هذا الأمل - الفقرة التي نحن نفسّرها بمجيء النبيّ محمّد طبعاً - هذه الفقرة لو لم تكن تعني الأمل بالمستقبل، الأمل بالانتصار... لما كان قدِّر لهم البقاء، لأنّ الاضطهاد تجاوز حدّ الطاقة البشرية.
فالأمل نتيجة تربوية لانتظار الفرج. وقد أدّى دوره الكبير في تاريخنا، وسوف يؤدّي، بإذن الله، دوره الكبير في تاريخنا القادم"(١٩٦).
المبحث الرابع: الانتظار الإيجابيّ عند الإمام المغيّب السيد موسى الصدر
"ليس معنى الانتظار ترك الشيء على الآخرين، فإنّ معناه عدم الانتظار والاستسلام!
فعندما نقول إننا في حالة "الانتظار" فماذا يعني ذلك؟ بالتأكيد لن يكون معناهُ أن نقعد في بيوتنا، وننام، ونأكل ولا نبالي ولا نراقب. هذا ليس اسمه الانتظار في اللغة العربية.
الانتظار معناه أن نكون على استعداد، سيوفنا بأيادينا، بنادقنا بأيادينا، ونتدرب، ونتجند، ونهيئ أنفسنا، ونضع أجهزة للكشف حتّى نعرف متى يكون هذا الهجوم المفاجئ، هذا معنى الانتظار.
وأمّا نحن، فعندما نقول إنّنا بانتظار المهديّ، فإننا نكون في انتظار إمامٍ سيملأ العالم قسطاً وعدلاً، بعدما ملئت ظلماً وجوراً! فكم هو عظيم هذا الحلم، وكم هو كبير هذا الهدف.
وهل سيكون تحقيق هذا الهدف بيد المهديّ، وحده؟ لا! بمساندتنا نحن الذين نريد أن ننصر المهديّ على العالم، بعرضه وطوله.
نحن منتظرون، يعني نتهيأ للقيام بهذا الدور متى ما دُعينا إليه. حينها ينبغي أن نترك كلّ ما نملك ونكون مستعدين. والاستعداد يشمل التدريب: التدريب النفسيّ، التدريب الفكريّ، التدريب الروحيّ، التدريب الجسديّ، والفنيّ والعسكريّ... الخ.
والحياة لها ثمن، والعزّ له ثمن، والانتظار له ثمن، والنجاح له ثمن... غير أنّه "أبى الله أن يجري الأمور إلّا بأسبابها"، ومن المفروض أن يدفع الإنسان ثمن كسبه وإنجازه. وعن الإمام علي عليه السلام قال: "الأماني غرور الحمقى". الأحمق هو الوحيد الذي ينتظر الانتصار من دون تعب، والأحمق هو الوحيد الذي ينتظر المال من دون تعب، وينتظر المجد من دون تعب، وينتظر القوة من دون تعب ومن دون سعي، وهذا أمر لا يمكن!
فإذاً، الانتظار هذا الذي كان يجنّد أجدادنا من السلف الصالح، الذين وقفوا وحفظوا أنفسهم، ألا فلننظر للأمل في آثارهم: في القلاع، والمعسكرات، والأديرة. انظروا إلى المسيحيين الذين كانوا موجودين هنا، لقد بنوا الأديرة الصلبة من الصخور!
ومن المسائل الهامّة في الحديث عن الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف الحديث عن ضرورة رفع الحجاب بيننا وبينه عليه السلام. ففي صلاة الجماعة، إذا كان هناك حجاب بين الإمام والمأمومين، فصلاة الجماعة باطلة، وهو إشعارٌ بأنّ الإمام يجب أن يكون مع النّاس، ومتّصلاً بالنّاس، لا يترفّع عنهم، ولا يتعالى عليهم، ولا يحتجب عنهم ولا يحول ويبتعد عنهم. إنّ في هذه المسألة لحكماً اجتماعياً جميلاً! وحتّى صلاة الفرادى فهي عبادة، وهي اتّصال مع الله، إذا فكَّرنا فيها، فسوف نجد فيها أحكاماً اجتماعية كثيرة: نجد فيها النظافة، ورعاية لحقوق النّاس، كما نجد المنع عن الصلاة في المكان المغتصب واللباس المغتصب فهي صلاة باطلة.
وفي صميم الصلاة: أما كان من الممكن أن الله يأمرنا بالصلاة، ويقول لنا اجلسوا على الكرسيّ، وأغمضوا عيونكم ولا تتحرّكوا، وتوجّهوا بقلبكم إلى الله؟! أما كان هذا الشيء ممكناً؟! لماذا لم يقل ذلك؟! أحد الباحثين الكبار، اسمه محمد أسد، يرى أنّ في صلاة المسلمين أعظم درس لحياتهم، ويقول: الإنسان إذا كان يصلّي وهو ساكت، وهادئ، كان متوجّهاً بقلبه إلى الله، والله يريدك أن تكون في صلاتك متوجّهاً بقلبك إليه، وتقوم وتقعد وتركع وتسجد... وتتاح لك فرصة الجمع بين المقامين: مقام التوجّه إلى الله بالقلب، ومقام صدور العمل من الجسد.
إنّ الأمل والانتظار، كانا من نتائج هذه العقيدة في تاريخنا، ولا بدّ أن نلفت النظر إلى اقتران قضية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بالمسجد، فما هو الرابط بينهما؟
المسجد بدء الطريق، وهو النقطة الأولى للانطلاق. المسجد هو الذي يكرِّسُ الأمل ويهيِّئُ الانتظار، عبر التكريس العمليّ. أليس المسجد مكاناً لعبادة الله، عبادة الله تكرّس وتصون الإيمان.
فهل يكون الواحد مؤمناً بقلبه ولا يمارسُ إيمانه في جسده؟ هذا لا يُمْكِنُ! فإذا كان الشخص، يريد أن يقول: أنا مؤمنٌ بقلبي، ولكن في الخارج لا يمارس أيّ عمل يدلّ على وجود هذا الإيمان في قلبه، فهذا أمرٌ مستحيلٌ: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون)(١٩٧).
إنّ الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بإيمانه يجب أن يمارس إيمانه، ولا يمكن له أن يفصل جانبه المادّيّ عن المعنويّ، فالعمل الخارجيّ يعكس العمل النفسيّ، والعكس بالعكس. فإذا ما مارسنا إيماننا، قمنا بواجبنا"(١٩٨).
المبحث الخامس: نهضة المهديّ في ضوء فلسفة التاريخ
"الفرق والمذاهب الإسلامية تجمع - مع اختلاف طفيف بينها - على حتمية انتصار قوى الحقّ والعدالة والسلام في صراعها مع قوى الباطل والظلم والعدوان في نهاية المطاف. وتؤمن بغد يشعّ فيه نور الإسلام على جميع ربوع المعمورة، وتسود فيه القيم الإنسانية سيادة تامة، ويتحقّق ظهور المدينة الفاضلة والمجتمع الأمثل.
المسلمون يجمعون أيضاً أن هذه الآمال الإنسانية الكبيرة ستتحقّق على يد شخصية مقدّسة أطلقت علها الروايات الإسلامية اسم "المهديّ".
هذه الفكرة تنطلق أساسا من المفاهيم القرآنية التي تؤكّد على حتمية انتصار رسالة السماء(١٩٩) وحتمية انتصار الصالحين(٢٠٠) والمتّقين، وحتمية انهزام قوى الظلم والطغـيان(٢٠١) وحتمية بزوغ فجر غد مشرق سعيد على البشرية(٢٠٢) (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)(٢٠٣).
هذه الفكرة تنطوي قبل كلّ شيء على نظرة تفاؤلية تجاه المسيرة العامة للنظام الطبيعيّ وتجاه مسيرة التاريخ، وتبعث الأمل في المستقبل، وتزيل كلّ النظرات التشاؤمية بالنسبة لما تنتظره البشرية في آخر تطلعاتها.
انتظار الفرج
الأمل في تحقّق هذا الهدف الإنسانيّ العالميّ، ورد في الروايات الإسلامية بعبارة "انتظار الفرج"، واعتبر الإسلام هذا الانتظار عبادة من أفضل العبادات.
مبدأ انتظار الفرج يمكن استنباطه من مفهوم قرآنيّ آخر هو "حرمة اليأس من روح الله".
المجموعة المؤمنة بالنصر الإلهيّ لا تفقد الأمل مهما قست الظروف ولا تسلم نفسها لليأس والعبث بأيّ حال من الأحوال.
مفهوم انتظار الفرج وعدم اليأس من روح الله من المفاهيم الإسلامية الشاملة التي لا تختصّ بفرد معيّن أو جماعة محدّدة، فهو يحمل البشائر للبشرية بأجمعها، ويحمل معه أيضا صفات محدّدة لهذه البشائر.
نوعان من الانتظار
انتظار الفرج، والتطلع إلى مستقبل أفضل على نوعين:
الأول: انتظار مثمر بنّاء يبعث على الالتزام ويمنح القوّة والتحرّك، ومثل هذا الانتظار يمكنه أن يكون نوعاً من العبادة وطريقاً لطلب الحقّ.
الثاني: انتظار محرّم هدّام يؤدّي إلى الوقوع في الأغلال وإلى شلّ الطاقات، ويمكن اعتباره نوعاً من "الإباحية" كما سنوضح ذلك في آخر هذا البحث.
هذان النوعان من الانتظار ينطلقان من انطباعين مختلفين عن ظهور المهديّ الموعود. وهذان الانطباعان بدورهما ناشئان عن رؤيتين متباينتين للتطوّرات والتغيّرات التاريخية. من هنا يلزمنا أن نلقي بعض الضوء على طبيعة مجرى الأحداث التاريخية.
شخصية المجتمع وطبيعته

هل التطورات التاريخية سلسلة من الأمور الطبيعية أم مجموعة من الأحداث التي تتحكّم فيها الصدفة والاتّفاق؟
الطبيعة خالية طبعاً من الصدفة الواقعية، أي خالية من بروز أو حدوث ظاهرة ليست لها علة، لكن الصدفة موجودة بشكل نسبيّ قطعاً.
لو خرجت صباح أحد الأيام من بيتك، وشاهدت صديقاً لك لم تره منذ سنين وهو يمرّ من أمام بيتك، فإنّك ستقول: إنّ هذا اللقاء حدث بطريق المصادفة والاتّفاق. لماذا؟.. لأنّ طبيعة الخروج من البيت - بشكل عام - لا تستلزم مثل هذا اللقاء. ولو استلزمت ذلك لالتقيت بهذا الصديق كلّ يوم.
نحن إذن نطلق اسم "الصدفة" على كلّ ظاهرة لا تنسجم علتها مع الطبيعة العامة لعلّة تلك الظاهرة.
ما يحدث بالصدفة لا يخضع لضوابط عامة، ولا لقوانين علمية، إذ إنّ القوانين العلمية تعبّر عن الأحداث العامة للطبيعة.
نعود إلى السؤال الذي طرحناه آنفا. ربّ قائل: إنّ أحداث التاريخ هي سلسلة من الصدف والاتّفاقات، أي إنّها لا تنضبط تحت قاعدة عامة.. هذه المقولة تعني: أنّ المجتمع عبارة عن مجموعة من أفراد ذوي طبائع فردية شخصية. وما يقوم به هؤلاء الأفراد من نشاطات نابعة من دوافعهم الفردية الشخصية، يؤدّي إلى سلسلة من المصادفات والاتفاقات.. وهذه بدورها تؤدّي إلى التغييرات التاريخية... هذه نظرة..
والنظرة الأخرى ترى أنّ للمجتمع وجوده وشخصيته المستقلة عن الأفراد، وله مسيرته التي تقتضيها طبيعته وشخصيته. فشخصية المجتمع هي غير شخصية الأفراد، والشخصية الواقعية والحقيقية للمجتمع تركيب مكوّن من التفاعل الثقافي للأفراد كسائر التراكيب المشهودة في الطبيعة الحية والجامدة.
المجتمع - بناء على هذا - له طبيعته وقواعده وضوابطه الخاصّة التي تؤطّر مسيرته، وهذه المسيرة بكلّ ما فيها من أفعال وردود أفعال إنّما تقوم على أساس قوانين كلّية عامّة.
لا يمكن أن تكون للتاريخ فلسفة ولا قواعد ولا ضوابط عامة، ولا بمقدوره أن يكون موضوعاً للفكر وأساساً للدراسة والتذكّر والاعتبار ما لم يكن للمجتمع شخصية مستقلة وطبيعة خاصة.
وإن افتقد المجتمع هذه الشخصية المستقلة تحول التاريخ إلى تعبير عن حياة مجموعة من الأفراد، وفقد عطاءه التربوي. وإن كانت في مثل هذا التاريخ عظة وعبرة اقتصرت العظة والعبرة على الحياة الفردية ولا تتعداها إلى حياة الشعوب والجماعات.
فهمنا لأحداث التاريخ يقوم إذن على أساس فهمنا لشخصية المجتمع وطبيعته.
المبحث السادس: الانتظار في القرآن والتاريخ
مسالة "انتظار الفرج" التي نريد معالجتها في هذا البحث دينية إسلامية، ذات جذور قرآنية، إضافة لما لها من طابع فلسفيّ واجتماعيّ. ينبغي لهذا أن نوضح رأي القرآن في المجتمع وأحداثه وتطوّراته قبل البحث في مسألة الانتظار.
ليس ثمّ شكّ في أنّ القرآن الكريم يذكر التاريخ على أنّه مصدر للتذكّر والتفكّر ولتلقّي العبرة والدروس. لكنّ السؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد يدور حول طبيعة النظرة القرآنية في طرح العبر والدروس من حياة الأفراد أم من حياة الجماعات.
وإذا كان القرآن يتّجه في سرده للتاريخ إلى حياة الجماعات لا الأفراد.. فهل هذا يعني أنّ القرآن يعتبر المجتمع شخصية مستقلة مدركة، ذات قوة وشعور، ومستقلة عن حياة الأفراد؟
وإذا كان جواب السؤال الأخير إيجابياً، فهل نستطيع أن نستنبط من القرآن الكريم السنن والقوانين التي تحكم المجتمعات؟
هذه المواضيع تحتاج إلى دراسات وافية وتتطلّب تدوين رسالات مستقلة(٢٠٤).
نستطيع هنا أن نشير بشكل موجز جداً إلى أن القرآن ينطلق في قسم من دروسه وعبره - على الأقلّ - من حياة الأمم والجماعات.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(٢٠٥).
القرآن يطرح مرارا مسألة حياة الأمم وآجالها فيقول مثلاً: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ)(٢٠٦).
القرآن الكريم يرفض بشدة النظرة العبثية إلى التاريخ، ويشدّد على وجود قواعد ثابتة دائمة لمسيرة الأمم والجماعات فيقول: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)(٢٠٧).
القرآن يشير إلى مسألة تربوية هامة في حقل القوانين التي تحكم التاريخ حين يؤكد أنّ البشرية هي التي ترسم بيدها مصيرها عن طريق ما تقوم به من أعمال صالحة أم طالحة.
وهذا يعني أن النظرية القرآنية تذهب إلى أن قوانين المسيرة البشرية ما هي إلاّ سلسلة من ردود الفعل لما تفعله الأقوام والجماعات.
من هنا نفهم أنّ النظرية القرآنية تؤكد على وجود قوانين ونواميس كونية ثابتة لمسيرة التاريخ، كما تؤكد في الوقت ذاته على دور الإنسان وحريته واختياره.
في القرآن الكريم آيات كثيرة بهذا الصدد، نذكر منها على سبيل المثال الآية ١١ من سورة الرعد: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(٢٠٨).
نظريتان لتفسير الإنسان
إحدى النظريتين ترى الإنسان موجوداً مغلولاً بمصالحه المادية ومصالحه الاقتصادية ومسيّراً في اتجاه جبريّ يفرضه عليه تطور وسائل الإنتاج.
وكلّ ما ينطوي عليه الإنسان من مشاعر ورغبات وأحكام وأفكار وقدره على الانتخاب إنّما هو انعكاس لظروف بيئته الطبيعية والاجتماعية.
الإنسان بموجب هذه النظرة مرآة لا تستطيع أن تعكس سوى ما يحيطها، وليس بمقدوره أن يقوم بأدنى حركة خلافا لما تسمح به ظروف البيئية الطبيعية والاجتماعية.
والنظرة الأخرى ترى الإنسان موجوداً متمتعاً بخصال إلهية ومزوداً بفطرة تدفعه لأن يطلب الحقّ وينشده، وقادراً على التحكم بنفسه وعلى التحرر من جبر الطبيعة والبيئة والغرائز والمصير المحتوم.
والقيم الإنسانية بموجب هذه النظرة لها أصالتها في الإنسان، أيّ أن ثمة نزعات قد أودعت في طبيعة الإنسان. والموجود البشريّ بموجب طبيعته الإنسانية ينشد القيم الإنسانية السامية، وبعبارة أخرى ينشد الحقّ والحقيقة والعدالة ومكارم الأخلاق، ويستطيع بموجب قواه العقلية أن يخطّط لبناء مجتمعه وأن لا يستسلم استسلاماً أعمى لظروف البيئة، وأن ينفذ مشاريعه الفكرية انطلاقا من إرادته وقدرته على الانتخاب.
دور الوحي هو الموجه والمساعد للإنسان، باعتبار أنّ الوحي هادي البشرية وحامي القيم الإنسانية.
الإنسان يتأثر دون شكّ بظروف بيئته، لكن هذا التفاعل لا يسير باتّجاه واحد بل أنّ الإنسان يؤثّر أيضاً على بيئته.
والمسألة الأساسية في هذا التفاعل هي أنّ تأثير الإنسان على البيئة لا يظهر على شكل ردود فعل جبرية قهرية. فالإنسان، باعتباره موجوداً واعياً حراً مريداً قادراً على الانتخاب ومجهزاً بخصائص فطرية سامية، يبدي أحياناً ردود فعل تختلف عما يبيده حيوان مسير فاقد للوعي من ردود فعل.
الخصلة الرئيسية التي تميّز الإنسان عن سائر الموجودات هي قوة سيطرة الإنسان على نفسه والثورة على انحرافاته.
وكلّ النقاط المضيئة في تاريخ البشرية نابعة من هذه الخصلة.
وهذا الجانب المتسامي من الإنسان منسيٌّ تماماً في الاتّجاه الآليّ لتفسير التاريخ.
التفسير القرآنيّ:
التفسير القرآنيّ للتاريخ ينطلق دون شك من النظرة الثانية.
القرآن يسرد وقائع التاريخ البشريّ منذ بداية الخليفة على أنها صراع مستمرّ بين قوى الحقّ وقوى الباطل، بين مجموعة من أمثال إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد (عليهم الصلاة والسلام) وأتباعهم المؤمنين، ومجموعة أخرى من أمثال نمرود وفرعون وجبابرة اليهود وأبي سفيان وأمثالهم.
فلكلّ فرعون موسى...
وفي خضمّ هذا الصراع المستمرّ ينتصر الحقّ حيناً والباطل حيناً آخر.
وانتصار أحد الفريقين أو فشله يرتبط طبعا بمجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية.
تأكيد القرآن الكريم على تأثير العوامل الأخلاقية في مسيرة التاريخ صيّر من التاريخ مصدر تعليم مثمر معطاء. لو نظرنا إلى التاريخ على أنه مصدر تعليم مثمر معطاء، ولو نظرنا إلى التاريخ على أنه مجموعة صدف واتفاقات ليس لها علة ولا موازين أو ضوابط، لتبدلّت أحداث التاريخ إلى أساطير لا تصلح إلّا للتسلية والسمر وتربية الخيال، دون أن يكون فيها أيّ عطاء تعليمي.
ولو آمنّا بوجود قواعد وموازين للتاريخ دون أن يكون للإنسان دور فيه، لأضحى العطاء التعليميّ للتاريخ نظرياً فقط لا عملياً.
وسوف نتعلّم - في هذه الحالة - من التاريخ نظير ما نتعلّمه من حركات الكواكب والمجرات.
وكما أنّ معلوماتنا عن الكواكب والنجوم لا تساعدنا في تغيير مسيرها، كذلك معلوماتنا عن التاريخ لا تمنحنا أيّ دور في تعيين مسير حركة التاريخ.
أمّا حينما نؤمن بضوابط التاريخ وموازينه وقواعده، وبدور إرادة الإنسان في تعيين مسير حركة التاريخ وبالدور الأصيل والحاسم للقيم الأخلاقية والإنسانية، يصبح التاريخ حينئذ ذا عطاء تعليميّ مفيد، والقرآن الكريم ينظر إلى التاريخ من هذه النافذة.
القرآن الكريم يتحدّث مراراً عن الدور الرجعيّ الذي يلعبه "الملأ" و"المترفون" و"المستكبرون" على مسرح التاريخ، كما يتحدّث عن دور "المستضعفين"..
ويؤكّد القرآن الكريم في الوقت ذاته على أنّ الصراع المستمرّ بين الفريقين منذ فجر التاريخ ذو هوية معنوية إنسانية لا مادية طبقية.
مسألة نهضة "المهديّ" عجل الله تعالى فرجه الشريف قضيّة اجتماعية فلسفية كبرى.
هذه المسألة لها أركانها وعناصرها المختلفة. بعض هذه الأركان والعناصر فلسفيّ عالميّ يشكل جزءاً من التصوّر الإسلاميّ، وبعضها ثقافيّ تربويّ، وبعضها سياسيّ وبعضها اقتصاديّ، وبعضها اجتماعيّ وبعضها إنسانيّ أو إنسانيّ - طبيعيّ(٢٠٩).
لا يسعنا هنا أن ندرس هذه المسألة على ضوء القرآن الكريم والسنّة، كذلك نكتفي بذكر خلاصة لخصائص هذه البشرى الكبرى للكشف عن ماهية "الانتظار الكبير".
أ- التفاؤل بمستقبل البشرية: فحول مستقبل المسيرة البشرية اختلفت الآراء والنظرات.
اعتقد بعض المفكرين أنّ الشرّ والفساد والتعاسة صفات لا تفارق الحياة البشرية، وذهبوا إلى أنّ الحياة لا قيمة لها على الإطلاق، وأفضل ما يستطيع أن يقوم به الإنسان هو أن يضع نهاية لهذه الحياة.
وبعض آخر ذهب إلى أنّ الحياة البشرية بتراء، وقال: إنّ البشرية تحفر قبرها بيدها بفعل تطوّرها التكنولوجيّ وتقدّمها في صنع وسائل التخريب والدمار، وهي على شفا السقوط والانهيار.
يقول "رسل" في "الآمال الجديدة": ".. ثمة أفراد - منهم أينشتاين - يزعمون أنّه من المحتمل جداً أن يكون الإنسان قد طوي دورة حياته، وسيستطيع خلال السنوات القليلة القادمة أن يبيد نفسه بما يتمتّع به من خلال مهارة علمية فائقة".
واستناداً إلى هذه النظرية، تواجه البشرية الفناء الآن وهي في ربيع عمرها، وعلى أبواب نضجها الثقافيّ.
وإذا اكتفينا بالشواهد الظاهرية، فإنّنا لا نستطيع طبعاً أن ننفي هذا الاحتمال.
أما النظرية الثالثة فترفض المقولتين السابقتين، فلا الشرّ والفساد والتعاسة صفات تلازم البشرية ولا التطوّر المدنيّ الماديّ بقادر على إبادة البشرية، بل إنّ البشرية تتّجه نحو مستقبل مشرق سعيد تنقلع فيه جذور الظلم والفساد.
هذه النظرية يبشر بها الدين، ونهضة المهديّ ترتبط بهذه البشرى.
ب- انتصار الحقّ والتقوى والسلام والعدل والحرية على الظلم والدجل والاستكبار والاستعباد.
ج- قيام حكومة عالمية واحدة.
د- عمران الأرض بحيث لا تبقى بقعة خربة غير عامرة.
هـ- بلوغ البشرية حدّ النضج والتكامل، يلتزم فيه الإنسان طريق العقل والعقيدة، ويتحرّر من أغلال الظروف الطبيعية والاجتماعية والغرائز الحيوانية.
و- استثمار ذخائر الأرض إلى أقصى حدّ ممكن.
ز- إحلال المساواة التامة بين البشر في حقل الثروة.
ح- اقتلاع جذور الفساد كالزنا والربا والخيانة والسرقة والقتل وشرب الخمر، وخلوّ النفوس من العقد والأحقاد.
ط- زوال شبح الحروب وسيادة السلام والحبّ والتعاون والصفاء.
ي- المواءمة بين الإنسان والطبيعة.
هذه الأهداف تلقي الضوء على ماهية مسألة المهديّ، وكلّ واحد منها يحتاج إلى استدلال وتحليل ودراسة لا يسعها بحثنا هذا، فنتركها إلى فرصة أخرى.
الانتظار الكبير
المستقبل الذي ينبغي أن تعقد عليه الآمال، والذي شاءت الإرادة الإلهية أن يسير نظام العالم تجاهه، هو هذا الذي ذكرناه.
والآن ينبغي أن نعود إلى موضوع انتظار الفرج الذي قسمناه في بداية هذا الحديث إلى قسمين:
انتظار بنّاء حركيّ ملتزم عباديّ، بل من أفضل العبادات، وانتظار مخرب معوق يبعث على الخمود والخمول والكسل والتقاعس، ويعتبر نوعاً من "الإباحية".
ذكرنا أنّ هذين اللونين من الانتظار ينطلقان من نوعين من التصوّر حول الحدث التاريخيّ العظيم المتمثّل بظهور المهديّ الموعود.
وهذان التصوران ينتجان بدورهما من نوعين من التصوّر بشأن تطوّر التاريخ.
نشرح فيما يلي هذين النوعين من الانتظار. نبدأ بالانتظار المخرّب:
الانتظار المخرّب
بعض المؤمنين بظهور المهديّ يتصوّرون أنّ نهضة هذا المنجي ذات طابع انفجاريّ محض، وناتجة فقط عن انتشار الظلم والجوع والفساد والطغيان، أي أنّ مسألة الظهور نوع من الإصلاح ناتج عن تصاعد الفساد.
هؤلاء يتصوّرون أنّ مسيرة البشرية تتّجه إلى انعدام العدل والقسط، وإلى زوال أنصار الحقّ والحقيقة، وإلى استفحال الباطل.
وحينما يصل هذا الانحدار إلى نقطة الصفر يحدث الانفجار المرتقب، وتمتدّ يد الغيب لإنقاذ الحقيقة - لا أنصار الحقيقة - إذ لن يبقى للحقيقة أنصار آنذاك.
هذا التصور يُدين كلّ إصلاح، لأنّ الإصلاح يشكّل نقطة مضيئة على ساحة المجتمع العالميّ، ويؤخّر الإمداد الغيبيّ.
كما يعتبر هذا التصوّر كلّ ذنب وتمييز وإجحاف مباحاً لأنّ مثل هذه الظواهر تمهّد للإصلاح العام وتقرّب موعد الانفجار.
هذا التصوّر يميل إلى مذهب الذرائع الذي يذهب إلى أنّ الغاية تبرّر الوسيلة، فإشاعة الفساد - بناءاً على هذا التصوّر - أفضل عامل على تسريع ظهور المهديّ وأحسن شكل لانتظار فرج ظهوره.
أصحاب هذا التصوّر ينظرون إلى الذنوب نظرة تفاؤل واستبشار ويعتبرونها عاملاً مساعداً على انطلاق الثورة المقدّسة الشاملة.
هؤلاء ينظرون إلى المصلحين والمجاهدين والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر بعين الحقد والعداء.. لأنّهم يعملون على تأخير ظهور المهديّ.
أصحاب هذا التصوّر - إن لم يكونوا هم من زمرة العاصين - ينظرون إلى أصحاب المعاصي بعين الارتياح والرضى لأنهم يمهّدون لظهور القائم المنتظر.
تصوّر شبه ديالكتيكيّ
الاتّجاه المخرّب في فهم قضية ظهور المهديّ يشترك مع الاتّجاه الديالكتيكي في معارضته للإصلاحات وفي تأييده لأنواع الظلم والفساد باعتبارها مقدّمة لانفجار مقدّس، مع فارق بين الاتّجاهين هو أنّ الاتّجاه الديالكتيكي يعارض الإصلاحات ويؤكد على ضرورة تشديد الفوضى والاضطرابات انطلاقا من هدف مشخّص يتمثّل في تعميق الفجوات والتناقضات لتصعيد النضال.
لكنّ هذا التفكير المبتذل في مسألة ظهور المهديّ يفتقد هذه النظرة، ويرتئي زيادة الظلم والفساد من أجل الوصول إلى النتيجة المطلوبة تلقائياً.
هذا اللون من الفهم لمسألة ظهور المهديّ وهذا النوع من الانتظار للفرج لا يرتبط على الإطلاق بالموازين الإسلامية والقرآنية إذ إنّه يؤدّي إلى التعمّد في تعطيل الحدود والأحكام الإسلامية بل إلى نوع من الإباحية.
الانتظار البنّاء
الآيات الكريمة التي تشكّل أرضية التفكير حول ظهور المهديّ المنتظر تتّجه إلى جهة معاكسة للنظرة السابقة.
هذه الآيات تشير إلى أنّ ظهور المهديّ حلقة من حلقات النضال بين أهل الحقّ وأهل الباطل، وأنّ هذا النضال سيسفر عن انتصار قوى الحقّ. وتتوقّف مساهمة الفرد في تحقيق هذا الانتصار على انتمائه العمليّ إلى فريق أهل الحقّ.
هذه الآيات التي تستند إليها الروايات في مسألة ظهور المهديّ تشير إلى أن المهديّ تجسيد لآمال المؤمنين العاملين، ومظهر لحتمية انتصار فريق المؤمنين.
(وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(٢١٠).
ظهور المهديّ الموعود تحقيق لمنّة الله على المستضعفين ووسيلة لاستخلافهم في الأرض ووراثتهم لها.
(وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ)(٢١١).
ظهور المهديّ الموعود تحقيق لما وعد الله به المؤمنين والصالحين والمتّقين في الكتب السماوية المقدّسة: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(٢١٢).
ثمّة حديث معروف في هذا المجال يذكر أنّ المهديّ "يملأ به الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً". هذا الحديث شاهد على ما ذهبنا إليه في مسألة الظهور لا على ادّعاء أرباب الانتظار المخرّب.
هذا الحديث يركّز على مسألة الظلم ويشير إلى وجود فئة ظالمة وفئة مظلومة وإلى أنّ المهديّ يظهر لنصرة الفئة المظلومة التي تستحقّ الحماية.
ولو كان الحديث يقول إنّ المهديّ "يملأ الله به الأرض إيماناً وتوحيداً وصلاحاً بعدما ملئت كفراً وشركاً وفساداً" لكان معنى ذلك أنّ نهضة المهديّ الموعود تستهدف إنقاذ الحقّ المسحوق لا إنقاذ أنصار الحقّ، وإن كان هؤلاء الأنصار أقلية.
يروي الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه السلام: "إنّ ظهور المهديّ لا يتحقّق حتّى يشقى من شقي ويسعد من سعد".
الحديث عن الظهور يدور حول بلوغ كلّ شقيّ وكلّ سعيد مداه في العمل، ولا يدور حول بلوغ الأشقياء فقط منتهى درجتهم في الشقاوة.
وتتحدّث الروايات الإسلامية عن نخبة من المؤمنين يلتحقون بالإمام فور ظهوره. ومن الطبيعيّ أنّ هذه النخبة لا تظهر معلّقة في الهواء بل لا بدّ من وجود أرضية صالحة تربّي هذه النخبة على الرغم من انتشار الظلم والفساد. وهذا يعني أنّ الظهور لا يقترن بزوال الحقّ والحقيقة، بل أهل الحقّ- حتّى ولو قلّوا فرضاً - يتمتّعون بكيفية عالية تجعلهم في مصافّ المؤمنين الأخيار، وفي مرتبة أنصار الحسين بن علي عليه السلام.
وتتحدّث الرّوايات الإسلامية أيضا عن سلسلة من النهضات يقوم بها أنصار الحقّ قبل ظهور المهديّ، منها نهضة اليمانيّ. مثل هذه النَّهضات لا يمكن أن تظهر دون أرضية مسبقة.
وبعض الروايات تتحدّث عن قيام دولة أهل الحقّ التي تستمرّ حتّى ظهور المهديّ.. حتّى أنّ بعض العلماء أحسنوا الظنّ بدولة بعض السلالات الحاكمة، فظنّوها أنّها الدولة التي ستحكم حتّى ظهور المهديّ.
هذا الظنّ - وإن كان ينطلق من سذاجة في فهم الوقائع السياسية والاجتماعية - يدلّ على استنباط هؤلاء العلماء من الروايات والأخبار المتعلقة بظهور المهديّ ما يشير إلى أنّ الظهور لا يقترن بفناء الجناح المناصر للحق والعدل والإيمان، بل يقترن بانتصار جناح العدل والتقوى والصلاح على جناح الظلم والتحلل والفساد.
إنّ الآيات والروايات المرتبطة بظهور المهديّ المنتظر تدلّ على أنّ ظهوره يشكل آخر حلقات الصراع الطويل بين أنصار الحقّ وأنصار الباطل منذ بدء الخليقة.
فالمهديّ المنتظر تجسيد لأهداف الأنبياء والصالحين والمجاهدين على طريق الحق"(٢١٣).
المبحث السابع: الإنسانية المضطهدة والانتظار
"إنّ حال البشرية قد وصل إلى المضائق الشديدة والعقد الصعبة. فاليوم إنّ الثقافة المادّية تُفرض على البشر بالقوّة وهذه معضلة. إنّ من يعذّب البشر اليوم على مستوى العالم هو التمييز، فهذه عقدةٌ كبرى. واليوم قد أوصلوا حال ذهنية النّاس الخاطئة إلى حيث تضيع صرخات طلب العدالة من قبل شعبٍ ثائرٍ وسط عربدة المتسلّطين والمهيمنين وسكرهم، وهذه عقدةٌ أخرى أيضاً. واليوم يعاني مستضعفو أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، وملايين النّاس الجائعين في آسيا وآسيا القصوى، وملايين الملوّنين من ظلم التمييز العنصريّ، وقد تطلّعت عيونهم بأملٍ نحو منجٍ ومنقذ، ولا تسمح القوى الكبرى لهذا النداء المنجي بأن يصل إلى أسماعهم، هذه معضلة. فالفرج يعني فتح هذه المضائق وحلّ هذه المعضلات وفكّ هذه العُقد. فوسّعوا من رؤيتكم، ولا نحدّ أنفسنا في بيوتنا وحياتنا اليومية، فالعالم كلّه يطلب الفرج ولكن لا يدري ما هو الطريق.
(...) يجب أن تقتربوا بحركتكم المنظّمة في استمرار الثورة الإسلاميّة إلى الفرج العالميّ للبشريّة، وأن تقرّبوا أنفسكم من ظهور المهديّ الموعود والثورة الإسلامية النهائية للبشرية الّتي ستشمل العالم كلّه وتحلّ كلّ هذه العقد خطوة خطوة، وأن تقرّبوا البشرية بذلك أيضاً، فهذا هو انتظار الفرج. وإنّ لطف الرّبّ المتعال، ودعاء وليّ العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف المُستجاب، سيكون دعامتنا في هذا الطريق، ويجب علينا أن نتعرّف على هذا الإمام أكثر ونكون أكثر ذكراً له. فلا ينبغي أن ننسى إمام الزَّمان. فاحفظوا ذكر وليّ الله الأعظم في قلوبكم، واقرأوا "اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولةٍ كريمة"(٢١٤) من أعماق قلوبكم وبالضراعة الكاملة. فلتكن أرواحكم في انتظار المهديّ وكذلك قواكم الجسمانيّة فلتتحرّك في هذا الطريق. وإنّ كلّ خطوةٍ تخطونها على طريق تثبيت هذه الثورة الإسلامية ستكون خطوة إضافية نحو ظهور المهديّ".
لقد تحرّك أئمّتنا جميعاً في هذا الخطّ، من أجل أن تسيطر الحاكميّة الإلهيّة وحاكميّة القانون الإلهيّ على المجتمعات. لقد بُذلت الكثير من الجهود والجهاد والآلام والمحن والسجون والنفي والاستشهاد المليء بالثمار والعطاء، مثلما أنّ بني إسرائيل وبعد قرونٍ قد وجدوا هذه الفرصة في زمان سليمان النبيّ وداوود"(٢١٥).
يستعرض الإمام المغيّب السيد موسى الصدر في محاضرة له حول الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف جملة من العناصر التي تعطي للانتظار صبغته الحركية فيقول:
"من المشاكل التي يعاني منها مفهوم الانتظار، هو ضعف الإيمان، الذي يمكن أن يصيبه الهزال ولا يبقى منه إلّا الهيكل والنقش.
وفي الحقيقة، من الممكن لنا أن نجعل ميزاناً نقيس به هذا الإيمان، فمتى ما برزت منه حركة وحياة فمن الممكن أن نحاكم أنفسنا، ونقضي بيننا وبين وجداننا وبين ربّنا، فنسمّي أنفسنا بالمؤمنين. فهذا الإيمان، الإيمان الذي نتغنّى به، متى يظهر؟ متى يحكي؟ متى يأمر؟ متى ينهى؟
الإيمان الحيّ، هو الإيمان الذي يحرّك، ويدفع، ويوقف، ويقول ويأمر، وينهى.
إنّ المسجد مكان العبادة، والعبادة تكريس للإيمان، والإيمان مبدأ ومنبع الأمل، واليأس موت وجمود. من المعروف أنّنا نعتبر اليأس كفراً، ولكن لماذا يكون اليأس كفراً؟ لأنّ اليأس معناه عدم الإيمان بالحقّ. أمّا الإيمان بالله - وأرجو الانتباه إلى هذه الكلمة - الإيمان بالله والله هو الحقّ وهو العدل وهو العلم، وهو صاحب الأسماء الحسنى، والأمثال العليا، فالإيمان بالله يستلزم أن نؤمن بأنّ العالم أيضاً عالم الحقّ، والعدل، والعلم والجمال... لماذا؟ لأنّ هذا العالم من صنع الله.
إنّ الإيمان بالله الحقّ يعني: الإيمان بالله العالم، وأنَّ الأرض مبنيةٌ على أساس العلم، ومع الجهل لا يمكن السير في هذه الأرض إلا سير الأعمى والغريق. الإيمان بالله العادل، يعني الإيمان بأنّ الأرض مبنية على أساس العدل وهكذا. فإذاً، حين نؤمن بالله، ونرى أنفسنا على حقّ، معناه أنّ المستقبل لنا.
لماذا؟
لأنّ الكون قائم على أساس الحقّ، فالحقّ سينتصر لأنه من صميم الكون، ومن قاعدة الحياة، ولهذا يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ)، كتبنا في الكتب السماوية القديمة وإلى اليوم: (أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(٢١٦) أما غير الصالح، فهو غريب في الكون، هذا أجنبيّ، هذا مثل دخول حصاة في الجسد! فالجسد سوف يدفعها ليتخلّص منها.
وهكذا الكون! الذي هو كون الله الحقّ، العدل، العالم... الباطل فيه غريب، والجاهل فيه غريب، والظالم فيه غريب، والمنحرف فيه غريب، والفوضويّ فيه غريب، وهكذا بعد مدّة يُدفع خارجاً. لا مجال على أرض الله للجاهل، لا مكان في أرض الله للظالم، لا مكان في بلاد الله للمنحرف الفوضويّ: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)(٢١٧)، (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)(٢١٨) هذا سير العالم.
وواأسفاه على المسجد! كيف كان وكيف صار المسجد!
كان محلّ الأبطال. هل تعلمون لماذا يسمّون المحراب محراباً؟
المحراب شعار المسجد، وسيلة الحرب، المذبح... هذه الشعارات، شعارات حية نابضة، لا يجب أن نحنطها ونحولها إلى أداة للجمود والسكون والوقوف وترك الدنيا والابتعاد عنها، والانعزال عن العالم. المسجدُ مصنعُ الرجال، المسجد يهيئ: (خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ)(٢١٩) الزينة مفسرة بالسلاح، لأنّه لا زينة للرجل إلّا السلاح. هل نتزيّن بالملابس والحرير؟ نتزين بالكحل وتصفيف الشعر؟ هذه زينة النساء. والزينة مفسرّة في جميع التفاسير بالسلاح، (خُذُواْ زِينَتَكُمْ) عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، المسجد محلّ التجنيد، محلّ الحركة، محلّ الحياة والاندفاع، محلّ التحرّر، محلّ الانتظار.. وأمّا نحن الذين نحيي ذكرى صاحب الزَّمان، ذكرى الأمل والانتظار، سوف نكرّس بإذن الله هذين الهدفين العظيمين الأمل والانتظار لبناء المسجد.
وما أحوجنا في هذا اليوم إلى الأمل والانتظار، لأنّ النكبات والمحن حاولت أن تأخذ منا الأمل والانتظار. إنّ المؤمن لا ييأس كيفما كان!
في واقعة بدر، كان المشركون يرفعون شعارين: فقسم منهم رفع صنماً كانوا يسمّونه: هُبل، وكانوا يرددون الأنشودة المعروفة: "أعلُ هُبل، أعلُ هُبل": المسلمون جاوبوا بأمر النبيّ: "الله أعلى وأجلّ". أما الفئة الثانية فكانوا يرفعون الصنم الثاني العزّى وكانوا يقولون: "هذه عزّى، ولا عزّى لكم"، فالمسلمون أجابوا: "الله مولانا ولا مولى لكم". لو كان لهم هبل والعزى، نحن لنا الله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)(٢٢٠). هو الأمل بالله العظيم، الأمل لا نفقده أبداً، ولن نفقده وقد مرّت علينا ظروف أظلم من هذه وما فقدنا الأمل.
نحن اليوم بحاجة إلى الأمل وإلى الانتظار والتهيؤ، كما سمعتم، لا يمكن أن يقبل منّا الله الانتظار بمعنى الاتّكال والتواكل. (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(٢٢١)، من الذي سينصره الله؟ (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ)(٢٢٢) هؤلاء هم هذا الخطّ"(٢٢٣).
المبحث الثامن: الجهاد والانتظار
"ماذا يعني انتظار الظهور؟ وماذا يعني نصّ "أفضل الأعمال انتظار الفرج". البعض يتوهَّم ويظنّ أنّ "انتظار الفرج" وهو أفضل الأعمال يعني أن ننتظر ظهور إمام العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف مع جمع من خواصّ أصحابه وأنصاره وعدّتهم "٣١٣" رجلاً ومعهم جمع آخر من غير الخواصّ، فيحاربون أعداء الإسلام ويطهّرون الأرض من دنسهم، ويقيمون العدل والأمن في البلاد ويوفّرون الرفاه والحرية بأكمل صورهما، بعد ذلك يقولون لنا: تفضلوا! البعض يتوهَّم أنّ انتظار الفرج هو هذا، ويصفونه بأنَّه أفضل الأعمال. ولكنّ الانتظار الحقيقيّ للفرج، هو بانتظارنا ظهور الإمام عليه السلام للانخراط في جيشه والقتال تحت إمرته حتّى ولو استشهدنا في هذا القتال. الانتظار الحقيقيّ هو أن يكون أمل الإنسان كلّه وكلّ أمانيه حقاً هي الجهاد في سبيل الله، وليس الانتظار حتّى يأتي الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف فنقول له: إذهب أنت وحدك فأنجز كلّ المهام الشاقة، وعندما يحين وقت جني الثمار سنأتي نحن. هذا هو منطق أصحاب موسى. أمّا أصحاب محمّد فقد قالوا له: يا رسول الله! لا نقول لك ما قاله لموسى بنو إسرائيل، أصحاب موسى عندما وصلوا إلى فلسطين - بيت المقدس - ورأوا فيها جنداً متأهّبين قالوا لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)(٢٢٤). كان هذا هو منطق أصحاب موسى، اذهب أنت وربّك فقاتلا وطهّرا فلسطين من دنس الأعداء، وسنأتي نحن بعد أن نطمئنّ إلى أنّه لم يبق خطر فيها. إنّ موسى عليه السلام قد سألهم مستنكراً: فما هو واجبكم إذن؟! عليكم أنتم أيضاً أن تخرجوا من دياركم الغاصب الذي أخرجكم منها. أما أصحاب النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أمثال المقداد، فما كان قولهم كهذا، وإنّما قالوا: "لقد آمنّا بك وصدّقناك وشهدنا أنَّ ما جئت به هو الحقّ وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحقّ لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلَّف منَّا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غداً"(٢٢٥).(٢٢٦)

الفصل السابع: نظرة تحليلية في قضية الظهور

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: لماذا لم يظهر القائد؟
المبحث الثاني: ما هو دور الفرد في حركة الظهور؟
المبحث الثالث: كيف تتمّ عملية التغيير في اليوم الموعود؟
المبحث الرابع: خصائص عهد الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
المبحث الأوّل: لماذا لم يظهر القائد؟
"لماذا لم يظهر القائد إذن طيلة هذه المدة؟ وإذا كان قد أعدّ نفسه للعمل الاجتماعيّ، فما الذي منعه عن الظهور على المسرح في فترة الغيبة الصغرى أو في أعقابها بدلاً عن تحويلها إلى غيبة كبرى، حيث كانت ظروف العمل الاجتماعيّ والتغييريّ وقتئذ أبسط وأيسر، وكانت صلته الفعلية بالنّاس من خلال تنظيمات الغيبة الصغرى تتيح له أن يجمع صفوفه ويبدأ عمله بداية قويّة، ولم تكن القوى الحاكمة من حوله قد بلغت الدرجة الهائلة من القدرة والقوة التي بلغتها الإنسانية بعد ذلك من خلال التطوّر العلميّ والصناعيّ؟
والجواب: إنّ كلّ عملية تغيير اجتماعيّ يرتبط نجاحها بشروط وظروف موضوعية لا يتأتّى لها أن تحقّق هدفها إلاّ عندما تتوفّر تلك الشروط والظروف.
وتتميز عمليات التغيير الاجتماعيّ التي تفجّرها السماء على الأرض بأنّها لا ترتبط في جانبها الرساليّ بالظروف الموضوعية(٢٢٧)، لأنّ الرسالة التي تعتمدها عملية التغيير هنا ربّانيّة، ومن صنع السماء لا من صنع الظروف الموضوعية، ولكنّها في جانبها التنفيذيّ تعتمد الظروف الموضوعية ويرتبط نجاحها وتوقيتها بتلك الظروف. ومن أجل ذلك انتظرت السماء مرور خمسة قرون من الجاهلية حتّى أنزلت آخر رسالاتها على يد النبيّ محمد صلى الله عليه وآله وسلم، لأنّ الارتباط بالظروف الموضوعية للتنفيذ كان يفرض تأخّرها على الرغم من حاجة العالم إليها منذ فترة طويلة قبل ذلك.
والظروف الموضوعية التي لها أثر في الجانب التنفيذيّ من عملية التغيير، منها ما يشكّل المناخ المناسب والجوّ العام للتغيير المستهدف، ومنها ما يشكّل بعض التفاصيل التي تتطلّبها حركة التغيير من خلال منعطفاتها التفصيلية.
فبالنسبة إلى عملية التغيير التي قادها - مثلاً - لينين في روسيا بنجاح، كانت ترتبط بعامل من قبيل قيام الحرب العالمية الأولى وتضعضع القيصرية، وهذا ما يساهم في إيجاد المناخ المناسب لعملية التغيير، وكانت ترتبط بعوامل أخرى جزئية ومحدودة من قبيل سلامة لينين مثلاً في سفره الذي تسلّل فيه إلى داخل روسيا وقاد الثورة، إذ لو كان قد اتّفق له أيّ حادث يعيقه لكان من المحتمل أن تفقد الثورة بذلك قدرتها على الظهور السريع على المسرح.
وقد جرت سنّة الله تعالى التي لا تجد لها تحويلاً في عمليات التغيير الربّانيّ على التقيّد من الناحية التنفيذية بالظروف الموضوعية التي تحقّق المناخ المناسب والجوّ العامّ لإنجاح عملية التغيير، ومن هنا لم يأت الإسلام إلاّ بعد فترة من الرسل وفراغ مرير استمرّ قروناً من الزمن.
فعلى الرغم من قدرة الله - سبحانه وتعالى - على تذليل كلّ العقبات والصعاب في وجه الرسالة الربّانية وخلق المناخ المناسب لها خلقاً بالإعجاز، لم يشأ أن يستعمل هذا الأسلوب، لأنّ الامتحان والابتلاء والمعاناة التي من خلالها يتكامل الإنسان يفرض على العمل التغييريّ الربّانيّ أن يكون طبيعيّاً وموضوعيّاً من هذه الناحية، وهذا لا يمنع من تدخّل الله - سبحانه وتعالى - أحياناً فيما يخصّ بعض التفاصيل التي لا تكوّن المناخ المناسب، وإنّما قد يتطلّبها أحياناً التحرّك ضمن ذلك المناخ المناسب، ومن ذلك الإمدادات والعنايات الغيبية التي يمنحها الله تعالى لأوليائه في لحظات حرجة فيحمي بها الرسالة، وإذا بنار نمرود تصبح برداً وسلاماً على إبراهيم(٢٢٨)، وإذا بيد اليهوديّ الغادر التي ارتفعت بالسيف على رأس النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم تُشلّ وتفقد قدرتها على الحركة(٢٢٩)، وإذا بعاصفة قوية تجتاح مخيّمات الكفّار والمشركين الذين أحدقوا بالمدينة في يوم الخندق وتبعث في نفوسهم الرعب(٢٣٠)، إلاّ أنّ هذا كلّه لا يعدو التفاصيل وتقديم العون في لحظات حاسمة بعد أن كان الجوّ المناسب والمناخ الملائم لعملية التغيير على العموم قد تكوّن بالصورة الطبيعية ووفقاً للظروف الموضوعية.
وعلى هذا الضوء ندرس موقف الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف لنجد أنّ عملية التغيير التي أعدّ لها ترتبط من الناحية التنفيذية كأيّ عملية تغيير اجتماعيّ أخرى بظروف موضوعية تساهم في توفير المناخ الملائم لها، ومن هنا كان من الطبيعي أن تُوقّت وفقاً لذلك. ومن المعلوم أنّ المهديّ لم يكن قد أعدّ نفسه لعمل اجتماعيّ محدود، ولا لعملية تغيير تقتصر على هذا الجزء من العالم أو ذاك، لأنّ رسالته التي ادّخر لها من قبل الله - سبحانه وتعالى - هي تغيير العالم تغييراً شاملاً، وإخراج البشرية، كلّ البشريّة، من ظلمات الجور إلى نور العدل(٢٣١). وعملية التغيير الكبرى هذه لا يكفي في ممارستها مجرّد وصول الرسالة والقائد الصالح، وإلاّ لتمّت شروطها في عصر النبوّة بالذات، وإنّما تتطلّب مناخاً عالمياً مناسباً، وجوّاً عاماً مساعداً، يحقّق الظروف الموضوعية المطلوبة لعملية التغيير العالمية.
فمن الناحية البشرية يعتبر شعور إنسان الحضارة بالنفاد عاملاً أساسياً في خلق ذلك المناخ المناسب لتقبّل رسالة العدل الجديدة. وهذا الشعور بالنفاد يتكوّن ويترسّخ من خلال التجارب الحضارية المتنوّعة، التي يخرج منها إنسان الحضارة مثقلاً بسلبيات ما بنى، مدركاً حاجته إلى العون، متلفّتاً بفطرته إلى الغيب أو إلى المجهول.
ومن الناحية المادية يمكن أن تكون شروط الحياة المادية الحديثة أقدر من شروط الحياة القديمة في عصر كعصر الغيبة الصغرى على إنجاز الرسالة على صعيد العالم كلّه، وذلك بما تحقّقه من تقريب المسافات، والقدرة الكبيرة على التفاعل بين شعوب الأرض، وتوفير الأدوات والوسائل التي يحتاجها جهاز مركزيّ لممارسة توعية لشعوب العالم وتثقيفها على أساس الرسالة الجديدة.
وأمّا ما أشير إليه في السؤال من تنامي القوى والأداة العسكرية التي يُواجهها القائد في اليوم الموعود كلّما أُجّل ظهوره، فهذا صحيح، ولكن ماذا ينفع نموّ الشكل المادّي للقوة مع الهزيمة النفسية من الداخل، وانهيار البناء الروحي للإنسان الذي يملك كلّ تلك القوى والأدوات؟ وكم من مرة في التاريخ انهار بناءٌ حضاريّ شامخ بأول لمسة غازية، لأنّه كان منهاراً قبل ذلك، وفاقداً الثقة بوجوده والقناعة بكيانه والاطمئنان إلى واقعه(٢٣٢)؟
المبحث الثاني: ما هو دور الفرد في حركة الظهور؟
"نأتي إلى سؤال آخر في تسلسل الأسئلة المتقدّمة، وهو السؤال الذي يقول: هل للفرد ـ مهما كان عظيماًـ القدرة على إنجاز هذا الدور العظيم؟ وهل الفرد العظيم إلاّ ذلك الإنسان الذي ترشّحه الظروف ليكون واجهةً لها في تحقيق حركتها؟
والفكرة في هذا السؤال ترتبط بوجهة نظر معيّنة للتاريخ تفسّره على أساس أنّ الإنسان عامل ثانويّ(٢٣٣) فيه، والقوى الموضوعية المحيطة به هي العامل الأساسيّ، وفي إطار ذلك لن يكون الفرد في أفضل الأحوال إلاّ التعبير الذكيّ عن اتّجاه هذا العامل الأساسيّ.
ونحن قد أوضحنا في مواضع أُخَر من كتبنا المطبوعة(٢٣٤) أنّ التاريخ يحتوي على قطبين: أحدهما الإنسان، والآخر القوى المادية المحيطة به. وكما تؤثّر القوى المادية وظروف الإنتاج والطبيعة في الإنسان، يؤثّر الإنسان أيضاً فيما حوله من قوىً وظروف، ولا يوجد مبرّر لافتراض أنّ الحركة تبتدئ من المادة وتنتهي بالإنسان إلاّ بقدر ما يوجد مبرّر لافتراض العكس، فالإنسان والمادّة يتفاعلان على مرّ الزمن، وفي هذا الإطار بإمكان الفرد أن يكون أكبر من ببّغاء في تيار التاريخ، وبخاصّة حين نُدخل في الحساب عامل الصلة بين هذا الفرد والسماء(٢٣٥).
فإنّ هذه الصلة تدخل حينئذ كقوة موجّهة لحركة التاريخ.
وهذا ما تحقّق في تاريخ النبوّات، وفي تاريخ النبوّة الخاتمة بوجه خاصّ، فإنّ محمّداً صلى الله عليه وآله وسلم بحكم صلته الرسالية بالسماء تسلّم بنفسه زمام الحركة التاريخية، وأنشأ مدّاً حضاريّاً لم يكن بإمكان الظروف الموضوعية التي كانت تحيط به أن تتمخّض عنه بحال من الأحوال، كما أوضحنا ذلك في المقدمة الثانية للفتاوى الواضحة(٢٣٦).
وما أمكن أن يقع على يد الرسول الأعظم يمكن أن يقع على يد القائد المنتظر من أهل بيته الذي بشّر(٢٣٧) به ونوّه عن دوره العظيم"(٢٣٨).
المبحث الثالث: كيف تتمّ عملية التغيير في اليوم الموعود؟
"نصل في النهاية إلى السؤال الأخير من الأسئلة التي عرضناها، هو السؤال عن الطريقة التي يمكن أن نتصوّر من خلالها ما سيتمُّ على يد ذلك الفرد من انتصار حاسم للعدل، وقضاء على كيانات الظلم المواجهة له.
والجواب المحدّد عن هذا السؤال يرتبط بمعرفة الوقت والمرحلة التي يقدّر للإمام المهديّ عليه السلام أن يظهر فيها على المسرح، وإمكان افتراض ما تتميز به تلك المرحلة من خصائص وملابسات لكي تُرسم في ضوء ذلك الصورة التي قد تتّخذها عملية التغيير، والمسار الذي قد تتحرك ضمنه. وما دمنا نجهل المرحلة ولا نعرف شيئاً عن ملابساتها وظروفها فلا يمكن التنبّؤ العلميّ بما سيقع في اليوم الموعود، وإن أمكنت الافتراضات والتصوّرات التي تقوم في الغالب على أساس ذهنيّ لا على أسس واقعية عينية.
وهناك افتراض أساسيّ واحد بالإمكان قبوله على ضوء الأحاديث التي تحدثت عنه(٢٣٩)، والتجارب التي لوحظت لعمليات التغيير الكبرى في التاريخ، وهو افتراض ظهور المهديّ عليه السلام في أعقاب فراغ كبير يحدث نتيجة نكسة وأزمة حضارية خانقة(٢٤٠). وذلك الفراغ يتيح المجال للرسالة الجديدة أن تمتدّ، وهذه النكسة تهيّئ الجوّ النفسيّ لقبولها، وليست هذه النكسة مجرّد حادثة تقع صدفة في تاريخ الحضارة الإنسانية، وإنّما هي نتيجة طبيعية لتناقضات التاريخ المنقطع عن الله - سبحانه وتعالى - التي لا تجدُ لها في نهاية المطاف حلاًّ حاسماً فتشتعل النار التي لا تُبقي ولا تذر، ويبرز النور في تلك اللحظة، ليطفئ النار ويقيم على الأرض عدل السماء"(٢٤١).
المبحث الرَّابع: خصائص عهد الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
يتّفق علماء الشّيعة والسنّة على هذا الحديث الشريف المنقول بالتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث يقول فيه: "لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي، اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً".. إذن فلا يوجد أدنى ريب في أنّ ظهور صاحب الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف أمر حتميّ قضاه الله سبحانه وتعالى، ولا يمكن أن ينقضي عمر الدنيا إلّا إذا تحقّق هذا الأمر.
ولذلك فإنّ انتظار ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف لا يختصّ بالشّيعة فقط بل يشاركهم في ذلك أهل السنّة حيث يروون من طرقهم الكثير من الأحاديث في هذا الباب.
ويقول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حديث آخر (مبيّناً كيف أنه يرى بوضوح ذلك العهد الذي تتكامل فيه البشريّة وتصل إلى رقيّها المنشود)(٢٤٢): "المهديّ يبعث في أمّتي على اختلاف من النّاس والزلازل" (أي أنّه يظهر في ظرف يكون فيه بين أفراد البشر اختلافات ونزاعات شديدة، ولا يقصد بالزلازل هنا الزلازل الأرضية الطبيعيّة، بل المقصود تلك الأخطار الناشئة عن الأعمال المنحرفة للبشر والتي تهدّد بتدمير الأرض تدميراً شاملاً).. "فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً" (من البديهيّ أنّ هذا العمل لن يتمّ بالإكراه والإجبار، بدليل الفقرة التالية من الحديث).. "يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض" (أي أنّ حكمه سوف يُرضي جميع الموجودات التي تقول يومئذٍ بلسان الحال: الحمد لله الذي رفع به عنّا شرّ الظلم والجور نهائياً).
ثمّ يقول صلى الله عليه وآله وسلم: "يقسّم المال صحاحاً" فيقول الأصحاب: وكيف ذلك يا رسول الله؟ فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: "يقسّم بالعدل والسويّة". ويواصل صلى الله عليه وآله وسلم حديثه فيقول: "ويملأ الله به قلوب أمّة محمد صلى الله عليه وآله وسلم غنى، ويسعهم عدله" (هنا إشارة إلى الغنى المعنويّ)، أي أنّ القلوب سوف تُملأ بالصّفات العالية وتنظّف من الصفات الدنيئة كالبخل والطمع والحقد والحسد، وغير ذلك من الأشياء التي تشعر الإنسان بالفقر وإن كان جيبه مملوءاً بالمال.
ويقول أمير المؤمنين عليه السلام في "نهج البلاغة" مشيراً إلى عهد الظهور(٢٤٣): "حتّى تقوم الحرب بكم على ساق (أي تشتدّ الحروب وتدوم ردحاً من الزمن)، بادياً نواجذها (أي مكشّرة عن أنيابها كالسباع المفترسة، وذلك كناية عن كثرة الفتك والقتل بين النّاس)، مملوءة أخلافها (أي أثداؤها)، حلواً رضاعها، علقماً عاقبتها (أي أنّ تجّار الحروب والانتهازيّين يتوقّعون الفوائد العظيمة والمكاسب الكثيرة لأنفسهم من وراء تلك الحروب، ولكنّهم في النهاية لا يجدون إلّا طعم الخسائر المرّة كمرارة العلقم)، ألا وفي غدٍ، وسيأتي غد بما لا تعرفون (أي اعلموا أنّ المستقبل سوف يكون مليئاً بالأحداث التي لا تتوقّعونها)، يأخذ الوالي من غيرها عمّالها على مساوي أعمالها (أي أنّ أوّل عمل يقوم به ذلك "الوليّ الإلهيّ" هو عزل الحكّام الظالمين في الأرض واحداً بعد واحد، ونصب أعوانه الصالحين مكانهم فتنصلح الدنيا تبعاً لذلك)، وتخرج الأرض له أفاليذ أكبادها (أي كلّ ما أودع الله سبحانه فيها من الخيرات والمواهب والمعادن التي لم تخرجها حتّى ذلك الوقت)، وتلقي إليه سلماً مقاليدها (أي أنّه لن يبقى سرّ من الأسرار العلميّة المتعلّقة بالأرض إلّا ويكشف على يدي المهديّ المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف)، فيريكم كيف عدل السّيرة (أي كيف تكون العدالة الحقيقية ويثبت بذلك زيف كلّ هذا الضجيج الإعلاميّ في العالم حول حقوق البشر والحريّة والسلام.. إلخ)، ويحيي ميّت الكتاب والسنّة (أي يعيد إلى الحياة قوانين القرآن والسنّة النبويّة المحمّدية، التي بقيت متروكة ومهجورة مدّة طويلة من الزمن حتّى كادت أن تندثر)".
ويقول عليه السلام في حديث آخر(٢٤٤): "إذا قام القائم حكم بالعدل (لمّا كان لكلّ واحد من الأئمة المعصومين عليهم السلام لقب يُعرف به بين النّاس ويكون مشتقاً من صفة أساسية تظهر فيه أكثر ممّا تظهر في غيره، فإنّ الإمام المنتظر له لقب مأخوذ من صفة القيام أي النهوض والثورة، فهو يلقّب (بالقائم) أي أنّه إذا ظهر فإنّه سيعلنها ثورة مستمرّة لا هوادة فيها ولا مهادنة إلى أن يصل إلى هدفه وهو إقرار العدالة في كلّ العالم، ولذلك فإنّه عجل الله تعالى فرجه الشريف يعرف بصفتي القيام والعدل)، وارتفع في أيّامه الجور (أي تنعدم هذه الصفة الذميمة من بين النّاس)، وأمنت به السُبل (فعندما تقوم العدالة الحقيقية في العالم، تنعدم أسباب الخوف والقلق، ويعمّ الأمن أرجاء المعمورة)، وأخرجت الأرض بركاتها (هذه هي جائزة الله سبحانه للناس عندما يقومون بالقسط ويرضون بحكم العدالة)، ولا يجد الرجل منكم يومئذٍ موضعاً لصدقته ولا برّه، وهو قوله تعالى: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)".
وهكذا يتحدث الكثير من الروايات الإسلامية المتعلّقة بزمان الظهور عن السلام والوئام، وعن الأمن والازدهار، وعن البركة والوفرة، وعن زوال الرذائل والمفاسد من شرب الخمر والزنا.. إلخ، وعن تكامل الإنسان معنوياً بحيث ينفر بطبعه من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان وما أشبه، وكلّ هذه الأشياء مبنيّة كما ذكرنا سابقاً على أساس فلسفة الإسلام الذي يرى أنّ عاقبة البشريّة هي العدالة التامّة الشاملة. ولكنّه لا يوافق الفكرة القائلة إنّ تلك العدالة التي سوف تأتي تعني أنّ تفكير الإنسان سوف يصل إلى مرحلة يقتنع فيها بأنّ منفعته هي في حفظ منافع الآخرين. ففي ذلك الزَّمان الموعود تصبح العدالة بالنسبة للإنسان بمثابة محبوب يعشقه، وذلك عندما ترتقي روحه، وتصل تربيته إلى حدّ الكمال، وهذا لا يحصل إلّا إذا وجدت حكومة مبنيّة على أساس الإيمان والتوحيد، ومعرفة الله، وتطبيق التعاليم القرآنية.
ونحن - معاشر المسلمين - سعداء لأننا على العكس من كلّ هذا التشاؤم الموجود في دنيا الغرب، فإننا نمتلك عقيدة متفائلة جداً بمستقبل البشريّة.
يقول (برتراند رسل) في كتابه "الآمال الجديدة": "إنّ غالبيّة العلماء الغربيّين قد قطعوا آمالهم من المستقبل، وهم يعتقدون بأنّ العلم قد وصل اليوم إلى مرحلة أصبح يهدّد فيها البشريّة بالدمار الوشيك. ومن هؤلاء العلماء (أينشتين) الشهير الذي يصرّح بأنّ الإنسان أخذ اليوم يحفر قبره بيده، فلم يعد الأمر يحتاج إلى أكثر من الضغط على زرّ واحد، حتّى تكون الأرض ومن عليها في خبر كان!".
ونحن لو لم يكن عندنا اعتقاد بالله وبالقدرة الغيبيّة الإلهيّة، ولو لم يطمئننا القرآن بشأن مستقبل البشرية، لكنّا مجبورين على أن نعطي الحقّ لهؤلاء المتشائمين، لأنّ الحرب العالميّة الثالثة عندما تنشب - لا سمح الله - فإنّ الأسلحة الاستراتيجيّة المتطورة المكتظّة بها ترسانات الدول (المتقدمة) لن تدع مجالاً بحيث يكون هنا غالب ومغلوب، بل سيكون مصير جميع شعوب العالم بلا استثناء هو الدمار والفناء. ونحن نعتقد مطمئنين بأنّه حتّى لو حصلت مثل هذه الانزلاقات الخطرة، فإنّ يد الله فوق كلّ شيء، بدليل قوله تعالى: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا).
ولقد قيل إنّ أفضل الأعمال هو انتظار الفرج، أي التفاؤل بمجيء الفرج الشامل والنهائيّ. والسبب في ذلك هو أنّ هذا الأمر يرمز إلى المستوى العالي للإيمان بالله تعالى والثقة التامّة بوعده. جعلنا الله من المنتظرين الحقيقيّين لفرج إمام زماننا عجل الله تعالى فرجه الشريف، ووفّقنا لإدراك دولة الحق والعدل التي سوف تقوم بإذن الله على يديه الشريفتين.
اللهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك، وترزقنا بها كرامة الدنيا والآخرة"(٢٤٥).

الفصل الثامن: العدل والعدالة في دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف

محتويات الفصل:
المبحث الأوّل: بسط العدل هدف الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الثاني: مفهوم العدل والعدالة في دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
المبحث الثالث: الجهاد طريقٌ لإحقاق العدل.
المبحث الرابع: إمام المستقبل أم إمام الزَّمان؟
المبحث الأوّل: بسط العدل هدف الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
"قضية غيبة صاحب العصر، قضية مهمّة نفهم من خلالها العديد من المسائل ومنها:
إنّ الله لم يدّخر إنساناً ينهض بهذا العمل الجبّار في بسط العدل بمعناه الحقيقيّ في كلّ المعمورة إلّا المهديّ الموعود -سلام الله عليه-. فكل الأنبياء جاؤوا لتطبيق العدل وكانت مهمتهم نشر العدل في ربوع العالم برّمته، ولكن لم يكتب لهم النجاح. وحتّى خاتم الرسل صلى الله عليه وآله وسلم الذي جاء لإصلاح البشرية وتطبيق العدالة، لم ينجح في تحقيق هذا الهدف في عصره. وإنّ من يكتب له النجاح في تحقيق هذا الهدف سينشر العدالة في كافة أنحاء العالم، وليست العدالة التي يفهمها عامة النّاس والمتمثلة فقط في بسط العدل على الأرض لتحقيق الرفاهية للناس، بل العدالة في كافة المراحل والدرجات الإنسانية. الإنسان إذا ما انحرف عن جادة الصواب سواء انحرافاً عملياً، أو انحرافاً روحياً، أو انحرافاً عقلياً، فمعالجة هذه الانحرافات بالمعنى الحقيقيّ هي إيجاد العدل لدى الإنسان. فعندما يعود الإنسان المنحرف خلقياً إلى جادة الاعتدال فإنّ ذلك يعني تحقيق العدالة في داخله، وإذا ما طرأ أيّ انحراف أو سقم على عقائد الإنسان فإنّ تعديل هذه العقائد المعوجة والسقيمة والعمل على تصحيحها وجعلها على الصراط المستقيم يعدّ بسطاً للعدل على صعيد عقل الإنسان. ففي عصر ظهور المهديّ الموعود - سلام الله عليه - الذي ادّخره الله، وبما أنّه لم يتيسّر لأحد من الأولين والآخرين - سوى الإمام المهديّ الموعود - أن يبسط العدل في كلّ العالم، فإنّ الشيء الذي لم ينجح الأنبياء في تطبيقه رغم أن بعثتهم كانت لأجله، فالله تبارك وتعالى قد ادّخره ليقيم ما كان يتمناه جميع‏ الأنبياء إلّا أنّ العقبات حالت دون تطبيقه، وكذلك ما كان يتمنّاه الأولياء، ولكن لم يتمكّنوا من تحقيقه.
فإذا كان عيد مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أكبر عيد للمسلمين، وهو لم ينجح في تحقيق كلّ ما يتطلع إليه، وبما أنّ صاحب الأمر- سلام الله عليه - سينجح في تنفيذ ذلك وسيملأ العالم قسطاً وعدلًا وفي شتى مراحل العدالة، في شتى مراحل القسط، فبإمكاننا أنَّ نقول إنَّ عيد شعبان وعيد مولد المهديّ الموعود - سلام الله عليه - هو أكبر عيد للبشرية جمعاء. فعندما يظهر الإمام - سلام الله عليه -، ونسأل الله تعالى أن يعجّل في ظهوره، سينتشل الإنسانية من الانحطاط، وسيعالج كلّ الانحرافات، ويملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جوراً.
إنّ هذه العدالة ليست كما نفهمها نحن ولا تقتصر على إيجاد حكومة عادلة خالية من الجور بل تتعدّى إلى ما هو أكثر من هذا المعنى. معنى يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جوراً، هو أنّ الأرض ملئت جورا وهي تزداد سوءاً، فجميع النفوس الموجودة تعاني من الانحراف. حتّى نفوس الشخصيات المتكاملة تعاني من الانحراف ولو من حيث لا تعلم.
فالأخلاق يعتريها الانحراف، والعقائد يعتريها الانحراف والأعمال يعتريها الانحراف. ولا يخفى الانحراف في الأعمال التي يقوم بها الإنسان. إنّه مأمورٌ بأن يعالج كلّ معوجّ وأن يعيد كلّ الانحرافات إلى جادّة الاعتدال، ليصدق حقاً (يملأ الأرض عدلًا بعدما ملئت جوراً). ومن هذا المنظار يعتبر هذا العيد عيداً للبشرية جمعاء كما أنّه يعد عيداً من أعياد المسلمين.
هذا العيد هو عيد الإنسانية برمتها، حيث إنّه سيهدي البشرية جمعاء إن شاء الله، ويضع حداً للظلم والجور في كافة المعمورة وفي معناه المطلق"(٢٤٦).
المبحث الثاني: مفهوم العدل والعدالة في دولة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
"إنّ جميع الأنبياء الذين بعثوا من قبل الله سبحانه بين البشر كانوا يسعون وراء هدفين رئيسيين:
الهدف الأول: هو إقامة علاقة صحيحة بين البشر وبين الله ربّهم، وبعبارة أخرى: تخليص البشر من عبادة كلّ موجود سوى الله تبارك وتعالى وهو ما يتلخّص في هذه الكلمة الطيّبة "لا إله إلا الله".
والهدف الثاني: هو إقامة علاقات سليمة بين البشر أنفسهم على أساس العدل والإحسان والسلام والمحبّة والتعاون وخدمة بعضهم البعض.
والقرآن الكريم يبيّن هذين الهدفين حيث يقول فيما يتعلّق بالأوّل وهو يخاطب خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا) ويقول موضحاً الهدف الثاني: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). وهكذا نرى أنّ القرآن يقرّر أصل القسط والعدالة في بناء المجتمع البشريّ، ويعتبر العمل بهذا الأصل أحد الأهداف الرئيسيّة لجميع الرسالات السماوية.
وسؤالنا هنا: هل سيأتي يوم على البشرية ترى فيه تطبيق العدالة الكليّة الشاملة، بحيث لا يبقى أي أثر بين النّاس لأنواع الظلم والجور، والاستغلال والحقد والكراهية، والحروب وسفك الدماء، ولا يبقى أثر لما يلازم هذه الأمور من الرذائل الأخلاقية، كالكذب والنفاق والخداع والطمع والبخل.. إلخ؟ أم أنّ ذلك مجرّد وهم وخيال لن يتحقّق في يوم من الأيام أبداً؟
قد نجد بين المسلمين المتديّنين من يقول: أنا لا أنكر العدل الإلهيّ وأنّ الله سبحانه خلق كلّ شيء على أساس العدل، ولكنّي أعتقد أنّ دنيانا هذه بلغت درجة من الدناءة والانحطاط، وترسّخت جذور الظلم فيها، بحيث أصبح من المستحيل تطبيق العدالة الواقعيّة بين النّاس، وبالتالي سيادة السلام والمحبّة والإنسانية الحقيقيّة في هذه الدنيا. فالدنيا هي دار الظلم، والعدل الكلّي والتامّ يختصّ بالآخرة فقط حيث يتمّ هناك جبران الظلم الذي وقع في الدنيا، وردّ الحقوق إلى أصحابها. وتوجد هذه الفكرة المتشائمة على نطاق أوسع بين غير المسلمين أهل الأديان السماويّة.
ولكنّ الميزة الأساسيّة للعقيدة الإسلامية - وخصوصاً من وجهة نظر الشّيعة - هي نفي التشاؤم عن البشر، وبيان أنّ عهد الظلام بما فيه من ظلم وجور وبغي، وانحراف فكري وفساد أخلاقي، وما يستتبع ذلك من حروب ونزاعات واختلافات، إنّما هو عهد مؤقّت، حيث سيعقبه عهد النّور، فتصلح الدنيا وتسود العدالة الحقيقية فيها ويقوم النّاس بالقسط.
وإذا تأملنا في القرآن الكريم، فإنّنا نجده يعطي هذه البشارة، حيث يقرّر أنّ مستقبل البشرية في هذه الدنيا هو طيّ بساط الشّر والظلم ومجيء عهد الخير والعدل. وهذه واحدة من الآيات التي تبيّن، ذلك: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) وهنا يعطي الله سبحانه وعداً قاطعاً لأهل الإيمان والعمل الصالح بأنّ العاقبة في هذه الدنيا سوف تكون لهم، وأنّ الذي يحكم العالم في النهاية هو شعار (لا إله إلّا الله) ودين الله بكل ما فيه من المعنويات والقيم الصحيحة وعلى رأسها العدالة الحقيقة والتامّة.
وأما التوجّه المادّي، وعبادة المادّيات والأنانيّات وسائر القيم المنحرفة، فسوف يكون مصيرها الزّوال من بين المجتمعات البشرية.
وهكذا نستخلص من القرآن الكريم هذه الفكرة وهي أنّ مسألة التطبيق العمليّ للعدالة الكلّية الشاملة ليست مجرّد أمانيّ وخيالات وهمية، وإنّما هي حقيقة تسير الدنيا باتّجاهها لأنّها سنّة إلهية لا بدّ أن يجريها الله تعالى، فيحكم العدل في هذه الدنيا قروناً وقروناً من الزَّمان لا ندري كم هي، يكون الإنسان فيها قد بلغ رشده وتكامل معنوياً بحيث أصبح ينفر بطبعه الفطريّ السليم من الظلم وكلّ أنواع الظلمات المعنويّة.
وبحثنا هنا يدور حول الأساس الذي يستند إليه الإسلام عندما يقرّر أنّ العدالة الشاملة الكليّة سوف تتحقّق في هذه الدنيا. ولبيان ذلك يلزم أن أقوم فيما يلي بشرح النقاط الثلاث التالية:
الأولى: ماهيّة العدالة.
والثانية: هل يوجد ميل في فطرة البشر نحو العدالة أم أن الإنسان ينفر منها بفطرته وطبيعته؟ وإذا كان لها أن تطبّق في وقت ما فلا يكون ذلك إلا بالإكراه والإجبار؟
والثالثة: هل أنّ العدالة الكليّة التامّة شيء عمليّ أم هي مجرّد فكرة مثالية؟ وإذا كان لها أن تطبّق عمليّاً فبأيّ وسيلة يكون ذلك؟؟
تعريف العدالة
قد لا تكون هناك حاجة لتعريف العدالة، فالبشر على أيّ حال يعرفون جيداً ما هو الظلم، وما هي التفرقة والتمييز. والعدالة ما هي إلا النقطة المقابلة لهذه الأشياء. وبعبارة أخرى، فإن النّاس بحسب خلقتهم واستعداداتهم الفطرية، وكذلك بحسب النشاطات والأعمال التي يقومون بها يتمتعون باستحقاقات معيّنة، والعدالة هي أن يعطى كلّ ذي حق حقّه، بعكس حبس الحقوق عن أصحابها، وبعكس التفرقة، وهي عدم المساواة في المعاملة بين الأفراد الذين يتمتعون بنفس المؤهلات والاستعدادات ويقومون بنفس الأعمال.
وقد وجد قديماً بين البشر - امتداداً من عهد الفلاسفة اليونانيين الأوائل إلى سائر العهود الأوروبية اللاحقة - أفراد ينكرون واقعيّة العدالة وكونها أمراً طبيعياً في المجتمع البشريّ، ويقولون إنّ العدالة هي ذلك الشيء الذي يقرّره القانون الحاكم وتفرضه القوّة.
ولكنّ هذه الفكرة غير صحيحة بالمرّة، فالعدالة لها واقعية لا يمكن إنكارها، لأن العدالة تابعة للحقّ، والحقّ له واقعيّة يكتسبها من أصل الخلقة، فكلّ موجود يتمتّع في أصل خلقته وتكوينه بصلاحيات واستحقاقات معيّنة، والإنسان - إضافة إلى ذلك - يكتسب استحقاقات أخرى بأعماله ونشاطاته، وليست العدالة أكثر من أنْ يأخذ كل ذي حقّ حقّه الطبيعيّ بدون زيادة ولا نقصان. والذي يساعد على ذلك أنّ الطبيعة التي خلقها الله سبحانه، فيها متّسع للعدالة بما أودع فيها من الإمكانات الوفيرة والخيرات الكثيرة، والذين ينكرون واقعيّة العدالة يتوهّمون أنه لو أعطيت الحقوق إلى أصحابها فلن يكفي مخزون الطبيعة لذلك.
هل حبّ العدالة والرغبة فيها شيء فطريّ؟
إنّ الإنسان بفطرته وتكوينه، يحبّ أشياء في الحياة، ولا يملك دليلاً لذلك سوى تركيبه النفسيّ والروحيّ، ومثال ذلك حبّه للجمال، فالإنسان عندما يرى نفسه أمام شيء جميل فإنّه لا يملك إلّا أن يعجب به وينجذب إليه بدون أن تجبره قوّة من الخارج على ذلك. وقس على ذلك حبّ العلم وحب الفضائل الأخلاقية كالشجاعة والبطولة والأمانة والوفاء.. إلخ. فهل أن الميل إلى العدالة سواء الفرديّة أو الاجتماعية بغضّ النظر عن حصول المنفعة الشخصيّة جزء من المطالب البشرية؟ وهل يوجد شيء كهذا في فطرة البشر أم لا؟
نظريّة (نيتشه) و(مكيافيللي)
يعتقد أكثر الفلاسفة الأوروبيّين بأنه لا يوجد في فطرة البشر أي ميل نحو العدالة. وقد جرّت فكرتهم هذه الدنيا في نهاية المطاف إلى الدمار، فهم يقولون: إن العدالة من اختراع الضعفاء والعاجزين، وذلك من أجل مواجهة الأقوياء، فهم يدّعون أنّ العدالة شيء حسن، وأنّ الإنسان ينبغي أن يكون عادلاً في تعامله مع الآخرين، وهذا كلام فارغ بدليل أنّ الذين يدافعون عن العدالة ويدعون إليها، ما إن يمتلكون القوة حتّى يفعلوا نفس ما فعل الأقوياء من قبلهم. يقول الفيلسوف الألماني (نيتشه): كم حدث لي أن ضحكت عندما كنت أرى الضعفاء يتحدثون عن العدالة ويطالبون بها، وكنت أقول لهم: أيّها المساكين، لو كنتم تملكون مخالب لما تفوّهتم بمثل هذا الكلام أبداً!
وهؤلاء الذين لا يؤمنون بأنّ العدالة جزء من الأمور المودعة في طبيعة البشر وفطرتهم ينقسمون إلى فريقين: ففريق يقول إنّه لا ينبغي للإنسان أن يسعى وراء العدالة حتّى ولو بعنوان أمنية من الأماني، بل ينبغي أن يسعى وراء القوّة لا غير. ويأتون بمثلٍ على فكرتهم مفاده أنّ (القرن القصير أفضل من الذنب الطويل) ويرمزون بالقرن هنا إلى القوّة، بينما يرمزون بالذنب إلى العدالة. ومن هذا الفريق (نيتشه) و(مكيافيللي).
نظرية (برتداند رسل)
والفريق الآخر لا يوافق على ذلك بل يقول: ينبغي السعي وراء العدالة، ولكن ليس بصفتها هدفاً، بل لأنّ مصالح الفرد توجد فيها. ومن هؤلاء (برتراند رسل) الذي يدّعي بهذا النمط من التفكير أنّه - أيضاً - من أنصار الإنسانية وحبّ الإنسان، وهو مجبور على مثل هذا الادّعاء لأنّ فلسفته توجب عليه ذلك.
يقول هذا الفيلسوف البريطاني: إنّ الإنسان مفطور بطبيعته على حبّ المصلحة الشخصيّة، وهذا شيء مفروغ منه ولا يقبل أيّ نقاش.. إذن فماذا ينبغي أن نفعل من أجل تطبيق العدالة وسيادتها في المجتمع؟ إنّنا لا يمكننا أن نفرض العدالة فرضاً على النّاس لأنّ طبيعتهم وفطرتهم لا تتلاءم مع ذلك. نعم يمكننا أن نعمل شيئاً آخر، وهو أنْ نقوم بتنمية عقل الإنسان وتقوية علمه إلى أن يصل إلى مرحلة نستطيع أن نقول له فيها: أيها الإنسان، صحيح أنّ المصلحة الشخصيّة هي التي تمتلك الأصالة في الحياة، وليس لأحد أن يحاول صرفك عن السعي وراءها. ولكن اعلم أنّ مصلحتك الفرديّة لا يمكن تأمينها إلا عن طريق إيجاد العدالة في المجتمع، ذلك أنّك لا تمتلك دائماً من القوّة في مقابل الآخرين ما يتيح لك الحصول على كلّ ما تريد عن طريق البغي والعدوان، لأنّهم سوف يردّون على اعتدائك وبالتالي فبدل أن تحصل على المنفعة فسوف تصاب بالضرر.
نقد هذه النظريّة:
واضح أنّ هذه النظرية ليست سليمة، لأنّها تصدق على الضعفاء - فقط - دون الأقوياء. والعلم في هذه النظرية يدفع الفرد إلى الالتزام بالعدالة من أجل تأمين مصلحته الشخصيّة فقط، فإذا امتلك القدرة والقوّة التي تؤمّن حصوله على مصالحه الشخصيّة بطريقة مباشرة، فإنّ معنى العدالة ينعدم تماماً بالنسبة له في هذه الحالة. ولهذا فإنّ فلسفة (برتراند رسل) على النقيض من كلّ شعاراته الإنسانية، تعطي الحقّ لكل الأقوياء من الدرجة الأولى والذين لا يشعرون بأيّ خوف من الآخرين، في أن يرتكبوا بحقّهم ما شاء لهم من الظلم والعدوان.
النظرية الماركسية
يذهب الماركسيّون إلى أنّ العدالة شيء عمليّ، ولكنّها لا يمكن أن تتحقّق عن طريق الإنسان ذاته، لأنّه لا يملك القدرة على إقامة العدالة.. فلا يمكن تربيته بحيث يكون راغباً في العدالة وطالباً لها بمعنى الكلمة، ولا يمكن تنمية عقله وعلمه إلى الحدّ الذي يرى فيه أنّ مصلحته الشخصيّة إنّما توجد في العدالة. إذن كيف تتحقّق العدالة؟ إنّها لا تتحقّق إلّا بواسطة (آلهة) الآلة والماكينة. وبتعبير آخر: أيّها الإنسان.. ليس لك أن تطلب العدالة وتسعى وراءها، فهذا ليس من شأنك. وإذا تصوّرت أنّه يمكنك أن تصبح عادلاً فهذا تصوّر كاذب، لأنّك بطبيعتك لست محبّاً للعدالة، وإذا فكّرت بأنّ عقلك يمكن أن يرشدك في يوم من الأيام إلى طريقة لتطبيق العدالة عمليّاً فهذا تفكير باطل، لأنّ الآلة وحدها هي التي تستطيع أن تقود البشر إلى تطبيق العدالة بصورة تلقائية. فالتطوّرات التي تحدثها الوسائل الاقتصاديّة والإنتاجية توصل البشرية إلى دنيا الرأسمالية أولاً، ثمّ يتمّ الانتقال بعد ذلك بصورة طبيعيّة إلى دنيا الاشتراكية حيث تقوم الآلة بإقرار المساواة والعدالة في المجتمع بصورة جبريّة، شاء النّاس أم أبوا، (طبعاً، أثبتت التجارب والأحداث فيما بعد، أن كثيراً من الحسابات التي توصّل إليها الماركسيّون كانت خاطئة وغير عمليّة بالمرّة).
النظريّة الإسلامية
أمّا النظريّة الإسلامية فترى أنّ جميع تلك الأفكار والفلسفات إنّما هي نوع من التشاؤم وسوء الظن بطبيعة البشر وفطرته، فإذا كانت البشريّة اليوم تهرب من العدالة، فذلك لأنّها لم تصل إلى مرحلة الكمال بعد. فالعدالة مرتكزة في أصل خلقة البشر. وإذا رُبيّ الإنسان بصورة صحيحة وعلى يد (مربّ كامل) فإنه حتماً يصل إلى مرحلة يصبح فيها طالباً للعدالة بنفسه وبصورة واقعية، بحيث يفضّل العدالة الجماعيّة على المصلحة الشخصيّة، ويصبح حبّ العدالة عنده شيئاً نابعاً من ذاته كحبّ الجمال مثلاً يندفع إليه بكلّ وجوده بدون أن يجبره أحد أو شيء على ذلك.
والواقع أنّ العدالة من مقولات الجمال ومصاديقه، الجمال المعقول وليس المحسوس طبعاً ويخطئ الذين يزعمون أنّ الإنسان بفطرته ليس مريداً للعدالة ولا طالباً لها، وأنّه لا يتقبّلها إلّا أن تُفرض عليه فرضاً، أو يدّعون أنّ عقل البشر يجب أن يصل إلى مرحلة يرى فيها مصلحته الشخصيّة في العدالة، بصورة تلقائية دون أن يكون للإنسان أيّ دور في ذلك.
كلّا فهناك أفراد بين البشر أثبت التأريخ أنّهم كانوا يتمتّعون بصفة العدل وحبّ العدالة بدون أن يجبروهم شيء على ذلك، أو يكون حافزهم تأمين منافعهم الذّاتية، بل على العكس من ذلك فكثيراً ما دفعتهم هذه الصفة إلى مخالفة هذا الحافز والعمل في اتّجاه مضادّ له. فالعدالة عندهم فكرة وأُمنية وهدف، بل هي أشبه بمحبوب يعشقونه ويضحّون بأنفسهم في سبيله. وهؤلاء كانوا نماذج للإنسان الكامل في العصور السابقة، وإذا لم يمكن الوصول إلى درجتهم في هذا المجال، فعلى أيّ حال يمكن لأيّ فرد أن يكون نموذجاً مصغراً لهم.
لقد كان عليّ بن أبي طالب عليه السلام واحداً من أبرز وأشهر تلك النماذج الرائعة، حيث استطاع عمليّاً أن يثبت بطلان كلّ الفلسفات التي تدّعي أنّ العدالة شيء غريب عن فطرة الإنسان. وعندما نضرب مثالاً بأمير المؤمنين عليه السلام فلا يتصوّر البعض أنّ هذا الأمر منحصر في شخص واحد فقط، كلّا، فقد كان عليه السلام أستاذاً لمدرسة تلّقى فيها الكثيرون دروس العدالة وتخرّجوا منها بتفوّق، وساروا على هذا النهج طيلة حياتهم. كما أننا نرى في كلّ العصور والأزمنة، وحتّى في زماننا هذا، أفراداً يؤمنون بالعدالة بصورة واقعيّة، وقد مُزجت فطرتهم بحبّها مزجاً، وسوف يكون إنسان العصور القادمة أيضاً كذلك.
التطبيق العمليّ للعدالة الكلّية وكيفيّته
من البديهيّ أنّ العدالة شيء عمليّ وقابل للتطبيق، لأنها تتلاءم مع فطرة الإنسان أولاً، وتنسجم مع قوانين الكون والطبيعة ثانياً. ولكنّ تحقيق هذا الأمر يحتاج إلى وضع برنامج صحيح والإشراف على إجرائه وتنفيذه بدقّة وكفاءة عالية، ولن يتمّ بصورته الكاملة إلّا في عهد صاحب الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف فهو ذلك (المربّي الكامل) الذي تنتظره البشرية جمعاء لترى تطبيق العدل الكليّ والعدالة الشاملة على يديه.
والغريب في الأمر أنّ هناك الكثيرين ممّن يتصوّرون أنّ مسألة ظهور الإمام الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف هي مسألة مساوية لانحطاط العالم وتقهقر البشريّة. ولكنّ القضية على العكس من ذلك، فهي عنوان الرقيّ الفكريّ والأخلاقيّ والعلميّ للبشر، وذلك بحكم كلّ الشواهد والأدلّة التي وصلت إلينا عن طريق ديننا الذي يُحدّثنا عن موضوع ظهور الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف وسيادة العدل الكليّ الشامل في طول الدنيا وعرضها.
ففي أحاديث "أصول الكافي" نقرأ أنّه عندما يظهر الحجّة عجل الله تعالى فرجه الشريف، فإنَّه يمسح بيده على أفراد البشر فتزداد عقولهم، كما يزداد فكرهم وعملهم، بعد أن تُنزع من نفوسهم طبيعة الشرّ والعدوان، ويكون هناك في الدنيا الرُقيّ الحقيقي، والتكامل الواقعي للإنسان"(٢٤٧).
المبحث الثالث: الجهاد طريقٌ لإحقاق العدل
"هناك أثرٌ آخر ونتيجةٌ مختلفة لمستقبل هذا العالم، حيث يزول اليأس والإحباط من قلوب الشعوب، ونعلم حينها أنّ جهادنا مؤثّرٌ ومنتج. أحياناً، هناك أفرادٌ ممّن ليسوا مطّلعين على هذا البعد من الفكر الإسلاميّ، يصابون بالحيرة واليأس أمام هذه الحسابات والمعادلات المادّية الكبرى في العالم، ويتساءلون فيما بينهم كيف يمكن لشعبٍ يريد أن يثور أن يقاوم مثل هذه القوى العظمى والتكنولوجيا المتطوّرة والأسلحة المدمّرة، ومثل هذه القنابل النووية الموجودة في العالم؟
يشعرون أنّ الصمود مقابل ضغط قوى الظلم والاستكبار أمرٌ غير ممكن. لكنّ الاعتقاد بالمهديّ والإيمان بتحقّق عصر الحكومة الإسلامية والإلهية على يد ابن النبيّ وإمام الزَّمان يحقّق هذا الأمل في الإنسان ويقول له، كلّا، سنجاهد لأنّ العاقبة لنا، ولأنّ عاقبة أمرنا هي أنّ هذا العالم يجب أن يخضع ويسلّم وسوف يحصل هذا الأمر. وذلك لأنّ مسير التاريخ يتّجه نحو ما قمنا اليوم بوضع أسسه وقد حقّقنا أنموذجاً عنه ولو كان ناقصاً. ومثل هذا الأمل لو وُجد في قلوب الشعوب المناضلة ـ وخاصّةً الشعوب الإسلاميّة ـ فسوف يمنحها حالةً من النشاط المستمرّ بحيث لا يمكن لأي عاملٍ أن يخرجها من ميدان الجهاد والنضال، أو أن يصيبها بالهزيمة الداخليّة.
ويوجد نقطةٌ أخرى وهي أنّ التبليغات والأفكار المغلوطة في ذهن النّاس قد انغرست، وعبر كلّ هذه السنين المتمادية، إلى تلك الدرجة حيث اعتقدوا أنّ أي تحرّكٍ إصلاحيّ لن يكون مفيداً ومثمراً قبل قيام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ويستدلّون بأنّ الدنيا يجب أن تُملأ ظلماً وجوراً حتّى يأتي الإمام المهديّ، وما لم تمتلئ بالظلم والجور فإنّه لن يظهر. كانوا يقولون إنّ الإمام يظهر بعد أن تصبح هذه الدنيا مليئةً بالظلم والجور. والنقطة الموجودة هنا هي أنّ في جميع الروايات الّتي وردت بشأن الإمام المهديّ، فإنّ الجملة هي هكذا: "يملأ الله به الأرض قسطاً وعدلاً، كما مُلئت ظلماً وجوراً"(٢٤٨)، أنا العبد لم أشاهد موضعاً واحداً ولا أظنّ أنّه يوجد "بعدما مُلئت ظلماً وجورا". فبالالتفات إلى هذه النقطة، رجعت إلى الروايات العديدة في الأبواب المختلفة ولم أجد في أيّ مكانٍ جملة، "بعدما مُلئت ظلماً وجورا"، ففي كلّ الأماكن يوجد "كما مُلئت ظلماً وجورا"، أي أنّ امتلاء الدنيا بالعدل والقسط بواسطة الإمام المهديّ لا يكون مباشرةً بعد أن تُملأ بالظلم والجور، كلّا، بل إنّه كما حصل طوال التاريخ، وليس في موضعٍ واحد أو زمان واحد، بل في أزمنة مختلفة، كانت الدنيا تُملأ بالظلم والجور، سواءٌ في عهد الفراعنة، أو في عصور الحكومات الطاغوتية أو في أيّام السلطات الظالمة الّتي جعلت كلّ هذه الدنيا ترزح تحت وطأة ظلمها وفي ظلّ السحب السوداء للجور والعدوان بحيث إنّه لم نرَ فيها أيّ علامة على العدالة والحرّية، فكما أنّ الدنيا عاشت مثل هذا اليوم، فإنّها سترى يوماً يمتلئ العالم كلّه في جميع آفاقه بنور العدل، ولا يكون فيه أيّ مكانٍ لا يمتلئ بالقسط.
وهناك لن يكون أيّ مكانٍ يحكمه الظلم أو يكون فيه البشر تحت وطأة الظلم وجور الحكومات وتسلّط المقتدرين، وآلام التمييز العنصريّ. أي أنّ هذا الوضع الّذي يهيمن على العالم اليوم وقد كان يعمّ هذه الدنيا في يومٍ من الأيام، سوف يتبدّل إلى عموميّة العدل"(٢٤٩).
المبحث الرابع: إمام المستقبل أم إمام الزَّمان؟
"يضيف الكاتب في مقطعٍ جديد من رسالته: "إنَّ هؤلاء السادة حين يعتقدون: أنَّ الإمام سيملأ البسيطة مستقبلاً بالعدل والقسط. وفي جوابه نقول: إذاً الإمام الذي يتحدّثون عنه هو إمام المستقبل وليس إمام الزَّمان".
الجواب: هذه التهمة غير صحيحة. والسبب أنَّ أحداً من علماء الشّيعة ومتكلميهم لم يذهب للقول إنّ معنى الإمامة هو بسط العدل والقسط. في حين أجمع الكل على أنَّ ظهور الإمام الغائب يقترن مع بسط العدل والقسط.
وثمة - كما لا يخفى - فرق بين القولين.
نقرأ في جزء من الرسالة قول الكاتب: "إذا كان الله يريد أن يملأ العالم في المستقبل بنور العدالة فما الحاجة يا ترى لأن يخلق إنساناً قبل ألف عام ويذخره لهذه المهمة طوال هذه القرون؟ فهل يعجز الله - نعوذ بالله - من خلق هذا الإنسان وإيجاد هذا الإمام في الوقت المناسب؟ أم أنَّ الله سبحانه وهو القدوس القادر يصنع عبثاً؟ ثمّ هل نحسب أنّ حساب الله يستوي مع حساب البشر، إذ يقوم الإنسان بادّخار فاكهة الشتاء إلى الصيف لأنّه ليس بمقدوره الحصول عليها في الصيف؟".
الجواب: إنَّ من لوازم القدرة المطلقة والاستطاعة غير المتناهية أن يكون بمقدوره (سبحانه) فعل العمل التدريجي الذي يحتاج لزمنٍ ومهلة، وفعل العمل الفوري المباشر الذي يكون للحظته.
فهاتان الممارستان كلتاهما مظاهر القدرة والاستطاعة المطلقة. على صعيد آخر أثبتت نتائج البحوث العلمية المعاصرة أنَّ العالم الذي نعيش فيه يقوم - دون استثناء - على قاعدة الحركة التدريجية، فكلّ شيء يتحرّك بتدريج دون أن يكون في ذلك تنافٍ مع قدرة الصانع.
وهذه القاعدة التي تطّرد حتّى تعمّ كل الموجودات وأجزاء العالم لا تفرّق - في حساب الدليل العقليّ التامّ - في الاستحالة بين الساعة الواحدة وآلاف السنين، ولا تتأثر بالفاصلة الزمنية للتكوّن سواء أكانت قصيرة أم طويلة. أي لو كان في خلق العمل أو الجزء تدريجياً تنافٍ مع القدرة المطلقة للخالق لما اختلف الأمر بين اللحظة وآلاف السنين، فحساب الاثنين بملاك التأخير عجز في القدرة ولو لم يكن عجزاً لاستوى بين اللحظة وآلاف السنين أيضاً.
ثمّ إنّ هذا الإشكال يرِدُ على الكاتب ويعود عليه بدرجةٍ متساوية، فهذا الكاتب لو شاء أن يضع إصبعه على أي جزءٍ من أجزاء العالم، وعلى كل ظاهرة من ظواهره وكل موجود من موجوداته - وجميعها من خلق الله وصنعه - لوجدها تخضع لتدرّج في التكوّن والوجود، وهو مما يتعارض - بمقياسه - مع القدرة الإلهية المطلقة!
الشواهد كثيرة، منها: لماذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام ولم يخلقها في لحظة؟ أكان سبحانه عاجزاً عن ذلك؟ ولماذا يخضع النبات والحيوان في تحقّق وجوده الفعليّ إلى مسار تدريجيّ؟ ولماذا لا يخلق في لحظة واحدة؟ لماذا تستغرق نطفة الإنسان تسعة أشهر حتى تتحوّل إلى إنسان بالفعل؟ وهل الله عاجز عن خلقه في لحظة؟ لماذا أصبح الإنسان قادراً اليوم فقط وليس قبل الآن، على استخراج معادن الأرض والاستفادة من كنوزها رغم أنها مودعة في باطن الأرض قبل آلاف السنين، وقد أودعها الله للإنسان بالذات وذخرها له، حيث يقول تعالى: (خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(٢٥٠). فما معنى هذا الادّخار منذ آلاف السنين، ولماذا لم تُخلق للإنسان في لحظة الاستثمار؟
يضيف الكاتب في جزءٍ جديد من رسالته: "هم يقولون: إنّ الإمام ينبغي أن يكون من إمام قبله، أي إنّ أب الإمام ينبغي أن يكون إماماً أيضاً. ولذلك ادّخر الله ولد آخر الأئمة ذخيرة لليوم الموعود.
أقول: عجباً لهذا المنطق! كيف يكون ذلك، وأبو طالب والد أمير المؤمنين علي عليه السلام، لم يكن لا إماماً ولا نبياً؟ ألم يتأمّلوا حال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي لم يكن والده عبد الله نبياً ولا إماماً؟ وحين يكون أبو الأئمة خارجاً عن دائرة هذا الشرط، ولا ينطبق على رسول الله مع ما له من المنزلة والشأن الرفيع، فكيف يتّسق هذا مع ادّعائكم؟(٢٥١)".

الفصل التاسع: ضوابط منهجية في دراسة قضية المهدويّة

محتويات الفصل:
المبحث الأول: قضية المهدويّة قضية اعتقادية أساسية
المبحث الثاني: المهدويّة قضيّة الإسلام وجميع المسلمين
المبحث الثالث: تلازم قضية الانتظار مع قضية المهدويّة
المبحث الرابع: وظيفة المنتظرين
المبحث الخامس: ضرورة التحقيق العلميّ الجادّ بقضيتي الانتظار والظهور
المبحث السادس: قيمة التوسّل والأنس بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف
يحدّد الإمام الخامنئي مجموعة من الضوابط المنهجية التي لا بدّ من الالتزام بها في مقام البحث العلميّ والممارسة العملية وفي ميادين التبليغ كذلك، ومنها:
المبحث الأول: قضية المهدويّة قضية اعتقادية أساسية:
إنّ قضية المهدويّة هي في عداد المسائل الأصلية التي تدور في سلسلة المعارف الدينية العليا كقضية النبوّة مثلاً، حيث إنّ أهميتها ينبغي أن تقارن بأهمية النبوّة، لأنّ ذاك الشيء الذي تبشّر به المهدويّة هو نفس الأمر الذي جاء من أجله جميع الأنبياء عليهم السلام، وانطلقت من أجله جميع البعثات، وهو عبارة عن إيجاد عالمٍ توحيديّ مبنيّ وقائم على أساس العدالة، وبالاستفادة من جميع الاستعدادات التي أودعها الله تعالى في الإنسان. ومثل هذا العصر هو عصر ظهور الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، هو عصر المجتمع التوحيديّ، عصر حاكمية التّوحيد، عصر الحاكمية الحقيقية للروحانية والدين على كل مجالات حياة البشر، وعصر استقرار العدل بمعناه الكامل والجامع، وهذا ما جاء الأنبياء عليهم السلام من أجله.
فإنّ جميع التحرّكات التي قام بها البشر في ظلّ تعاليم الأنبياء عليهم السلام - وطيلة هذه القرون المتمادية - هي تحركات نحو الجادّة العريضة المُعبَّدة التي ستكون في عصر الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف متوجهةً نحو الأهداف السامية حيث يسير النّاس عليها. فمثل هذه التحركات مثل جماعةٌ من النّاس يتحرّكون في الجبال والأودية والطرق الشاقة والصعبة والمنعطفات الخطرة تبعاً لإرشاد أشخاصٍ معيّنين من أجل أن يصلوا إلى تلك الجادّة الأساسية. فعندما يصلون إلى الجادّة الأساسية يُفتح الطريق أمامهم ويتبيّن الصراط المستقيم وتصبح الحركة عليه سهلة، ويمكن السير عليه بيسر.
فإذا وصلوا إلى تلك الجادّة الأساسية لن تبتلى هذه الحركة بالتوقّف، بل سيبدأون سعياً جديداً نحو الأهداف الإلهية السامية، وذلك لأنّ استعدادات البشر لا منتهى لها، وطوال هذه القرون المتمادية كان البشر يسيرون على هذه الطرق وعلى المنعطفات والطرق الصعبة والشاقة، وهم يواجهون الموانع المتعدّدة بأبدانٍ متعبة، وأقدامٍ مثخنة بالجراح من أجل أن يوصلوا أنفسهم إلى هذه الجادّة الأصلية، جادّة زمان الظهور. إنّه عالم الظهور الذي ستبدأ البشرية فيه حركتها.
فلو لم تكن المهدويّة، لكان معنى ذلك أنّ جميع مساعي الأنبياء عليهم السلام وكلّ هذه الدعوات والبعثات وهذه التضحيات والجهود المضنية ستكون بلا فائدة وتبقى بلا أثر. لهذا فإنّ قضية المهدويّة هي قضيةٌ أساسية وتُعدّ من المعارف الإلهية الأساسية.
وجميع الأديان الإلهية تقريباً ـ إلى الحدّ الذي وصلت إليه مطالعاتنا ـ لديها ما يمثّل اللبّ والمعنى الحقيقيّ للمهدوية، لكن بأشكالٍ تمّ تحريفها وأشكالٍ مبهمة دون أن يتّضح المراد منها بالدقة.
المبحث الثاني: المهدويّة قضيّة الإسلام وجميع المسلمين:
إنّ قضية المهدويّة في الإسلام من المسلّمات ولا تختصّ بالشّيعة، فإنّ جميع المذاهب الإسلامية تقبل بأنّ غاية العالم عبارة عن إقامة حكومة الحقّ والعدل على يد المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف. فقد روى أجلاّء الرواة عن النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في رواياتٍ معتبرة ذلك بطرقٍ مختلفة في المذاهب الإسلامية المتعدّدة، لهذا لا يوجد في ذلك أيّ شكٍّ، غاية الأمر أن امتياز الشّيعة في هذا الأمر أنّ قضية المهدويّة عندهم لا يعتريها الإبهام، وليست مسألةً معقّدةً يصعب على النّاس فهمهما، بل هي مسألةٌ واضحة ولها مصداقٌ واضح نعرفه، ونعرف خصائصه ونعرف آباءه وأسرته وولادته وتفاصيل أخباره، وفي مثل هذه المعرفة لا ينحصر الأمر بروايات الشّيعة، فهناك رواياتٌ جاءت عن طرقٍ غير شيعية، توضّح لنا مثل هذه المعرفة، ويجب على أتباع المذاهب الأخرى أن يلتفتوا ويدقّقوا حتّى تتّضح لهم هذه الحقيقة. لهذا إنّ أهمية المسألة هي بهذا المستوى ونحن أولى من الآخرين أن ننهض لمعالجتها، ويجب القيام بالأعمال العلمية الدقيقة والمتقنة على هذا الصعيد.
المبحث الثالث: تلازم قضية الانتظار مع قضية المهدويّة:
قضية الانتظار قضيةٌ لا تنفكّ عن قضية المهدويّة، فالانتظار من المصطلحات المفتاحية الأساسية لفهم الدين. الانتظار يعني الترقّب، يعني ترصّد حقيقة قطعية، الانتظار يعني ذاك المستقبل الحتميّ والقطعيّ، وخاصة انتظار موجود حيّ وحاضر، فهذه مسألة في غاية الأهمية، فلا يُكتفى بالقول إنّ هناك من وُلد ووُجد، كلا فهذا الموجود له حضور بين النّاس. وفي الروايات أنّ النّاس يرونه وهو يرى النّاس ولكن لا يعرفونه. وشُبه في بعض الروايات بالنبيّ يوسف عليه السلام الذي كان يراه إخوته وكان بينهم وجلس مجلسهم ولكنّهم لم يعرفوه. فهو حقيقةٌ بارزةٌ واضحةٌ ومستنهضة، وهذا ما يعين على فهم معنى الانتظار، الذي تحتاجه البشرية والأمة الإسلامية بطريقٍ أولى، وهو الذي يضع على عاتق الإنسان تكليفاً، فعندما يكون الإنسان على يقين من مثل هذا المستقبل وكان من أهل العبودية لله كما جاء في القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)(٢٥٢)، (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ)(٢٥٣) يفهم وعليه أن يهيئ نفسه ويكون منتظراً ومترصّداً.
المبحث الرابع: وظيفة المنتظرين:
إنّ من لوازم الانتظار الإعداد الذاتيّ، بمعنى أن نعلم أنّ هناك واقعةً كبرى ستحدث ونكون منتظرين دوماً، فلا يصحّ أبداً أن يُقال إنّه قد بقي سنواتٌ أو فترات محدّدة لوقوع الأمر، ولا يصحّ أبداً أن يُقال إن هذه الحادثة قريبة وسوف تقع في هذه الأيام المقبلة. وعلينا أن نكون مترصّدين دائماً ومنتظرين دوماً.
فالانتظار يوجب على الإنسان أن يعدّ نفسه بطريقةٍ وهيئةٍ وخُلُقٍ يقارب الشاكلة والهيئة والخُلُق المتوقّع في الزَّمان الذي ينتظره.
فعندما يكون ذلك العصر المنتظَر هو عصر الحقّ والتوحيد والإخلاص والعبودية لله وهو منتظَرٌ فعلينا أن نقرّ بأنفسنا من مثل هذه الأمور ونعرّف أنفسنا إلى العدل ونهيّئها للعدل ولقبول الحقّ، فإنّ الانتظار يوجد مثل هذه الحالة.
ومن الخصائص المودعة في حقيقة الانتظار هي أن لا يقنع الإنسان بمقدار التقدّم الحاصل في وضعه الحالي، بل يسعى للإكثار منه يوماً بعد يوم، وأن يزيد من تحقّق الحقائق ومن الخصال المعنوية والإلهية في نفسه وفي المجتمع. إن هذه من لوازم الانتظار أيضاً.
المبحث الخامس: ضرورة التحقيق العلميّ الجادّ بقضيتي الانتظار والظهور:
بحمد الله تعالى هناك اليوم من يقوم بأعمالٍ علمية. فلا ينبغي الغفلة عن هذه الأعمال العلمية المتلازمة معاً لدقة فيما يتعلّق بقضية الانتظار وقضية عصر الظهور. ويجب اجتناب عمل العوام والجهلة بشدّة، فمن الأشياء التي يمكن أن تشكّل خطراً كبيراً مثل هذه الأعمال البعيدة عن المعرفة، ولا ترجع إلى سندٍ ومدركٍ فيما يتعلّق بقضية إمام الزَّمان عجل الله تعالى فرجه الشريف، وهو ما سيشكّل فرصة مناسبة للأدعياء الكاذبين، فالأعمال غير العلمية وغير الموثّقة والتي لا تعتمد على المصادر والمدارك المعتبرة هي أوهامٌ وخيالاتٌ صرفة، ومثل هذه الأمور تبعد النّاس عن حالة الانتظار الحقيقية، وتهيّئ الأرضية للأدعياء الكاذبين والدجّالين، فهذا ما يجب اجتنابه بشدّة.
وعلى مرّ التاريخ ظهر مدّعون قاموا بتطبيق إحدى العلامات على أنفسهم، أو على أحد الأشخاص كما أشير إليها الآن، وكل هذه أخطاء، فإنّ بعض الأشياء التي ترجع إلى علائم الظهور ليست قطعية وهي أمورٌ لم ترد في الروايات المعتبرة التي يمكن الاعتماد عليها، وهناك روايات ضعيفة لا يصحّ الاستناد إليها، وتلك الموارد التي يمكن الاستناد إليها لا يمكن تطبيقها بسهولة. لقد وُجد دوماً من كان يطبّق هذه الأشعار الصادرة عن (شاه نعمة الله ولي) على أشخاصٍ مختلفين على مرّ القرون وهذا ما شاهدته بنفسي. قد يأتي شخص ويقول: لقد رأيت رجلا بطريقة ما، وما قد رآه في الواقع هو شخص ما، ثمّ يأتي زمان آخرـ لنفرض بعد مئة سنة ـ فيجد شخصاً آخر ينطبق عليه نفس الأمر! هذا خطأٌ، وهذه أعمالٌ مضلّة وتوقع في الأخطاء.
فعندما يقع الانحراف والخطأ فسوف تُهجر الحقيقة ويُشتبه الأمر فيها، وتتهيّأ الوسيلة لإضلال أذهان النّاس، لهذا ينبغي اجتناب عمل العوام والاستسلام للشائعات العامية بشدّة، وليكن العمل علمياً قوياً موثّقاً بالمدارك والأسانيد، وهو بالطبع عمل أهل هذا الفنّ، وليس عمل أيّ إنسان، بل ينبغي أن يكون من أهله ومن أهل الحديث والرجال والأسانيد، ومن أهل الفكر الفلسفيّ، فليعلم ويتعرّف إلى الحقائق وعندها يمكن أن يدخل في هذا الميدان ويقوم بالأعمال التحقيقية، فيجب الاعتناء بجدّية في هذا القسم من العمل مهما أمكن لكي يُفتح الطريق بمشيئة الله تعالى أمام النّاس، وكلّما استأنست القلوب بمقولة المهدويّة وتعرّفت عليها وأضحى حضور هذا العظيم عجل الله تعالى فرجه الشريف بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في عصر الغيبة محسوساً أكثر ونشعر به أكثر ويتعمّق ارتباطنا به فسيكون أفضل بالنسبة لعالمنا ولتقدّمنا نحو تلك الأهداف.
المبحث السادس: قيمة التوسّل والأنس بالإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف:
إنّ التوسّلات الموجودة في الزيارات المختلفة - والتي لبعضها أسانيد جيّدة - قيمةٌ عالية، فالتوسّل والتوجّه والأنس بهذا الإنسان العظيم عن بعد لا يعني أن يدّعي أحدٌ أنّني سأصل إلى محضره أو أسمع صوته، أبداً ليس الأمر كذلك، فأغلب ما يُقال في هذا المجال ادّعاءاتٌ: إما أن تكون كذباً، أو أن من يقولها لا يكذب ولكن يتخيّل. فلقد شاهدنا أشخاصاً لم يكونوا كاذبين ولكن كانوا يتخيّلون وقد نُقلت تخيّلاتهم لهذا وذاك كوقائع! فلا ينبغي الإذعان لمثل هذه الأمور.
إنّ الطريق الصحيح هو الطريق المنطقيّ، وذاك التوسّل توسّلٌ عن بعد، والتوسّل الذي يسمعه الإمام عليه السلام منّا سيقبله إن شاء الله ولو كنّا نتحدّث مع مخاطبنا عن بعد، فلا إشكال في ذلك، والله تعالى يوصل سلام المسلّمين ونداء المنادين إلى هذا الجليل عجل الله تعالى فرجه الشريف، فهذه التوسّلات وهذا الأنس المعنويّ جيدٌ جداً وضروريّ.
نسأل الله بمشيئته تعالى أن يقرّب ظهوره ويجعلنا من أتباعه في غيبته وحضوره ويجعلنا بمشيئته من المجاهدين معه والمستشهدين بين يديه"(٢٥٤).
 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) وهذا أمرٌ مهمٌ جداً؛ لأن ذلك يعطي الحديث قوّة في إثبات صدوره عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢) الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج١، ص٢٤٦.
(٣) المتقي الهندي، كنز العمال، ج ١ ص ١٠٣.
(٤) صحيح مسلم، ج٦، ص٢٢.
(٥) شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج ١٣، ص٢٤٢.
(٦) سورة الأنبياء: الآية ٧٣.
(٧) سورة القصص: الآية ٤١.
(٨) سورة الحشر: الآية ٧.
(٩) سورة النساء: الآية ٦٥.
(١٠) سورة النساء: الآية ٥٩.
(١١) كقول أبي بكر: "أيّها الناس، إنّي ولّيتكم ولستُ بخيركم، فإن أحسنتُ فأعينوني، وإن أخطأتُ فقوّموني، إنّ لي شيطاناً يعتريني" الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ج١، ص٢. وقول عمر بعد أن أظهرت امرأةٌ خطأه في مسألة صداق النساء: "كلّ الناس أفقه من عمر حتى ربّات الحجال، ألا تعجبون من إمام أخطأ ومن امرأة أصابت، فاضلتْ إمامكم ففضلته؟" شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج ٣، ص١١٣.
(١٢) نعم لم يعتمد جميع أتباع مدرسة الخلفاء على القياس، فقد أنكره أحمد بن حنبل ولم يمارسه مالك بن أنس. ولكن ما حصل مع أبي حنيفة هو أنه فتح الباب واسعاً أمام القياس، وقلّ اعتماده على الروايات، قبل قيل إنه لم يعمل سوى بـ (١٥) حديثاً، وأما الشافعي فقد استخدم السنّة كما استخدم القياس.
(١٣) سورة البقرة: الآية ١٢٤.
(١٤) سورة إبراهيم: الآية ٣٧.
(١٥) سورة الصافات: الآية ١٠٢.
(١٦) سورة الصافات: الآية١٠٣.
(١٧) سورة الصافات: الآية١٠٥.
(١٨) سورة المائدة: الآية ٥٥.
(١٩) سورة الأحزاب: الآية ٣٣.
(٢٠) مستفاد من كتاب: كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء، الشيخ جعفر كاشف الغطاء، ج١، ص٦٨-٧٠.
(٢١) الجمع بين الصحيحين لمحمّد بن أبي نصر فتوح الحميدي الأُندلسي المتوفّى سنة ٤٨٨ ه‍، رَتّب الأحاديث على حسب فضل الصحابي، وقال ابن الأثير في جامع الأُصول: واعتمدت في النقل من الصحيحين على ما جمعه الحميدي في كتابه فإنّه أحسن في ذكر طرقه واستقصى في إيراد رواياته، وإليه المنتهي في جمع هذين الكتابين كشف الظنون ١: ٥٩٩.
(٢٢) صحيح مسلم ٤: ١٠٠ كتاب الإمارة باب ١ ح ١٨٢١، سنن الترمذي ٤: ٥٠١ ح ٢٢٢٣، مسند أحمد ٥: ٨٨، ٩٨، ٩٩، مسند أبي عوانة ٤: ٣٩٦، حلية الأولياء ٤: ٣٣٣، جامع الأُصول ٤: ٤٥ ح ٢٠٢٢، مصابيح السنّة ٢: ١٩٢، البداية والنهاية ٦: ٢٤٨، ينابيع المودّة ٣: ٢٨٩، العمدة لابن البطريق: ٤١٧.
(٢٣) صحيح البخاري ٩: ١٠١ كتاب الأحكام باب الاستخلاف، سنن الترمذي ٤: ٥٠١ ح ٢٢٢٣، مسند أبي عوانة ٤: ٣٩٨، مستدرك الحاكم ٣: ٦١٧ بتفاوت، ينابيع المودّة ٣: ٢٨٩.
(٢٤) صحيح مسلم ٤: ١٠٠ كتاب الإمارة ح ١٨٢١، ومسند أحمد ٥: ٩٧، ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ومستدرك الحاكم ٣: ٦١٨ بتفاوت، وحكاه عنه ابن البطريق في العمدة: ٤١٦ ح ٨٥٧.
(٢٥) ولا يخفى أنّ ألفاظ الأحاديث في صحيح مسلم مختلفة ولكنّها متّفقة في لفظ الاثني عشر وكلَّهم من قريش. صحيح مسلم ٤: ١٠٠ كتاب الإمارة ح ١٨٢١، وانظر تيسير الوصول إلى جامع الأُصول ٢: ٣٣.
(٢٦) صحيح مسلم ٤: ١٠١ كتاب الإمارة ح ١٨٢٢، وأورده في مسند أحمد ٥: ٩٨ وجامع الأُصول ٤: ٤٧ ح ٢٠٢٢ بتفاوت، ومسند أبي عوانة ٤: ٣٩٥.
(٢٧) راجع صحيح مسلم ٤: ١٠٠ كتاب الإمارة ح ١٨٢١، وجامع الأُصول ٤: ٤٦ ح ٢٠٢٢، ومسند أبي عوانة ٤: ٣٩٥.
(٢٨) البداية والنهاية ٦: ٢٥٠ وفيه بعض الحديث، ونقله عنه العلامة في نهج الحقّ: ٢٣٠، وابن طاوس في الطرائف: ١٧٢ ح ٢٦٩ والمجلسي في البحار ٣٦: ٢١٤ ح ١٦، وصاحب إحقاق الحقّ ٧: ٤٧٨.
(٢٩) إعلام الورى: ٣٦٥، كفاية الأثر: ٢٠ " بتفاوت" بحار الأنوار ٣٦: ٣٠٠ ح ١٣٦.
(٣٠) أُنظر سنن أبي داود ٢: ٥٠٨ ح ٤٢٧٩، ٤٢٨٠، ومسند أحمد ١: ٣٩٨ و ج ٥: ٨٧ ١٠٨، وفرائد السمطين ٢: ١٤٧، ح ٤٤٢ ٤٤٥، وتاريخ بغداد ١٤: ٣٥٣ ح ٧٦٧٣، ومستدرك الحاكم ٣: ٦١٨، والخصائص الكبرى ٢: ٤١٥، ومصابيح السنّة ٢: ١٩٢، وتيسير الوصول إلى جامع الأُصول ٢: ٣٣، وينابيع المودّة ٣: ٢٨٩ ٢٩٢، والعمدة لابن البطريق: ٤١٦ ٤٢٣.
(٣١) مقتل الحسين للخوارزمي ١: ٩٦، وأُنظر فرائد السمطين ٢: ٣١٩ ح ٥٧١، ومائة منقبة لابن شاذان: ٦٤، وإحقاق الحق ٥: ٤٥، وينابيع المودّة ٣: ٣٨٠، وكفاية الأثر: ٧٤ بتفاوت، وكمال الدين ١: ٢٤٠ ب ٢٣ ح ٢، وعيون أخبار الرضا ٢: ٦٠ ب ٦ ح٢٧، وبحار الأنوار ٣٦: ٣٠٢ ح ١٤٠ بتفاوت.
(٣٢) العلامة المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، ج٥١، ص٣٤٢ و٣٤٣ و٣٦٦، بيروت، مؤسسة الوفاء، ١٩٨٣، ط٢.
- الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن: الغيبة، ص٢١٤-٢٤٣، قم المقدسة، مؤسسة المعارف الإسلامية، ١٤١١هـ، ط١.
(٣٣) أبو عَمروْ عثمان بن سعيد العَمْري: كان عثمان بن سعيد من بني أسد، ولقّب بالعسكري لإقامته في مدينة سامراء، ويعرف بالسمّان في الأوساط الشيعية، لأنّه كان يمارس نشاطاته السياسية تحت غطاء الاتّجار بالسمن، وكان يضع الأمانات والأموال المتعلّقة بالإمام التي يجمعها من الشيعة في أواني السمن، فيسلّمها إلى الإمام.، وقد كان يحظى بثقة واحترام جميع الشيعة. والجدير ذكره هو انّ عثمان كان قبل ذلك من وكلاء وأصحاب الإمامين الهادي والعسكري عليهما السَّلام الموثوق بهم. وقد ورد عن الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف قوله فيه: "فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم والأمر إليه".
إنّ تاريخ وفاة عثمان مجهول واحتمل البعض انّه مات بين سني ٢٦٠ - ٢٦٧هـ، واعتقد بعض آخر بأنّه مات عام ٢٨٠.
(٣٤) محمد بن عثمان بن سعيد العَمْري: إنّ محمد بن عثمان ـ كأبيه ـ يعد من كبار الشيعة وكان يحظى باحترام وتقدير الشيعة، و هم يثقون بتقواه وعدالته، وكان من أصحاب الإمام العسكري الموثوق بهم كما قال الإمام العسكري رداً على سؤال أحمد بن إسحاق، وهو:عمّن آخذ وقول من أقبل؟: "العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعهما فانّهما الثقتان المأمونان". وصدر بعد أن مات عثمان توقيع من الإمام الغائب يعلن فيه عزاءه لموته ونصب ابنه محمّداً وكيلاً مكانه.
وتولّى محمد بن عثمان السفارة والوكالة عن إمام الزمان مدة ما يقارب الأربعين عاماً وأعدّ خلال هذه الفترة وكلاء محليين، وكان هو يشرف على نشاطاتهم ويدير أُمور الشيعة ويهتم بها، وصدرت تواقيع عديدة من الإمام ـ عجّل اللّه تعالى فرجه الشريف ـ فوصلت من خلاله إلى الآخرين وأخيراً قد توفّي في عام ٣٠٤ أو ٣٠٥ للهجرة.
(٣٥) أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي: وفي الأيام الأخيرة من حياة أبي جعفر زاره جماعة من كبار الشيعة، فقال: إن حدث علي حدث الموت فالأمر إلى أبي القاسم الحسين بن روح النوبختي، فقد أُمرت ان اجعله في موضعي بعدي، فارجعوا إليه وعولوا في أُموركم عليه. وقد كان الحسين بن روح من أصحاب السفير الثاني المقرّبين، وكان العمري يعدّه لأمر الوكالة والسفارة منذ وقت طويل، فكان يحيل الشيعة في دفع الأموال إليه حيث كان همزة الوصل بين عثمان بن سعيد والشيعة. كان الحسين بن روح قد ألّف كتاباً في فقه الشيعة تحت عنوان التأديب، وقد أرسله إلى فقهاء قم لينظروا فيه، فكتبوا رداً عليه: انّه كلّه صحيح ـ يطابق فتاوى الشيعة ـ وما فيه شيء يخالف إلاّمسألة واحدة.
وقد أثنى بعض المعاصرين على عقله وفطنته ومعرفته فقال: وكان أبو القاسم من أعقل الناس عند المخالف والموافق.
وسجن الحسين بن روح مدة خمسة أعوام في عهد الخليفة المقتدر وأُفرج عنه سنة ٣١٧هـ، وأخيراً وبعد نشاط في السفارة والوكالة دام واحداً وعشرين عاماً مات في سنة ٣٢٦هـ.
(٣٦) أبو الحسن علي بن محمد السَّمَري: بأمر من إمام العصر وترشيح وتقديم النوبختي تولى علي بن محمد السمري السفارة والوكالة الخاصة وشؤون الشيعة وإدارتها.
كان السمري من أصحاب الإمام العسكري ـ عليه السلام. فقد تولّى مهمة النيابة والوكالة الخاصة حتى عام ٣٢٩هـ وهي سنة وفاته.
وقد صدر قبل عدة أيّام من وفاته توقيع من طرف الإمام إليه بالنحو التالي: "بسم اللّه الرحمن الرحيم: يا علي بن محمد السمري أعظم اللّه أجر إخوانك فيك، فإنّك ميت ما بينك وبين ستة أيّام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد فيقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلاّ بعد إذن اللّه ـ تعالى ذكره ـ، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً..الخ". وبعد ستة أيّام من صدور التوقيع مات أبو الحسن السمري. وقد سألوه قبل موته: من يقوم مقامك؟ فقال: لم أُؤمر بأن أُوصي لأحد.
(٣٧) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص٣٦٠ - ٣٦١. الشيخ الطوسي، الغيبة، ص٢٤٢.
(٣٨) ابن الصبّاغ المالكي، علي بن محمد: الفصول المهمة، ج٢، ص٢٧١، سامي الغريري (تحقيق)، قم، مؤسسة دار الحديث الثقافية، ١٤٢٢ هـ.ق، ط١.
(٣٩) وعلى سبيل المثال قال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام: "إذا قام قائمنا، وضع يده على رؤوس العباد فجمع به عقولهم وأكمل به أحلامهم".بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٢٨ و٣٣٦.
وقال الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: "العلم سبعة وعشرون حرفاً فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم يعرف النّاس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفاً فبثها في النّاس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً". العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٥٢، ص٣٣٦.
(٤٠) وعلى سبيل المثال أيضاً قال الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام في حديث: إلى أن قال: "الإمام بعدي محمد ابني وبعد محمد ابنه عليّ وبعد عليّ ابنه الحسن وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلّا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وأمّا متى فقد حدّثني أبي عن أبيه عن آبائه عن عليّ أنه قيل يا رسول الله متى يخرج القائم من ذريتك فقال: مثله مثل الساعة لا يجليها لوقتها إلّا هو ثقلت في السموات والأرض لا يأتيكم إلّا بغتة". بحار الأنوار، ج٥١، ص١٥٤.
وعن صفر بن أبي دلف قال سمعت أبا جعفر محمد ابن الرضا عليه السلام يقول: "الإمام بعدي ابني عليّ، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعة أبيه، ثم سكت، فقلت: له يا ابن رسول الله فمن الإمام فمن الإمام بعد الحسن؟ فبكى بكاء شديداً ثم قال: "إن من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر". العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص١٥٨.
(٤١) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج٥١، ص١٦٠.
(٤٢) الطباطبائي، العلامة السيد محمد حسين: الشيعة في الإسلام، ص٢٣٩-٢٤٥، بيروت، دار الولاء، ٢٠١٣، ط٢.
(٤٣) هذه التساؤلات يطرحها السيد الشهيد قدس سره بصفتها من الإشكالات التي أثيرت وتُثار عادةً حول الإمام المهديّ عليه السلام، وهي أقصى ما يُثار في هذا الصدد، حتى أنّ بعض الكتّاب المعاصرين قد أثاروها أخيراً مدفوعين بدوافع غير علمية، مصحوبة تلك الإثارة بضجيج مكثّف، ومحاولات بائسة من الوهابية لترويجها وتبنّيها، ولا تخفى الدوافع بعد ذلك على أحد.وقد أجاب الإمام الشهيد بجواب علمي لمن يريد الحقيقة.
(٤٤) يلاحظ كتاب (المهديّ) للسيد "العم" الصدر قدّس الله روحه الزكية. (الشهيد الصدر قدس سره).
راجع: ما أثبته الشيخ العبّاد في مجلد الجامعة الإسلامية، العدد ٣ سنة ١٩٦٩.
وراجع: المهديّ الموعود المنتظر، الشيخ نجم الدين العسكري.
(٤٥) يلاحظ كتاب منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر للشيخ لطف الله الصافي. (الشهيد الصدر قدس سره).
(٤٦) راجع: معجم أحاديث الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، مؤسّسة المعارف الإسلاميّة، الجزء الأول-أحاديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
(٤٧) راجع: الحاوي للفتاوي، السيوطي، ج٢، ص٢١٣ و٢١٥.
(٤٨) وراجع: معجم أحاديث المهديّ صلى الله عليه وآله وسلم، ج١، ص١٤٧ وما بعدها، إذ ينقل أحاديث كثيرة عن الصحاح والمسانيد في هذا المعنى.
موسوعة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ترتيب مهدي فقيه إيماني، الجزء الأول، وفيها نسخة مصوّرة عن محاضرة الشيخ العبّاد حول ما جاء من الأحاديث والآثار في المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.
(٤٩) راجع صحيح سنن المصطفى لأبي داود، ج٢، ص٢٠٨.
(٥٠) حديث المهديّ من ذرية الحسين عليه السلام كما في المصادر الآتية على ما نقل في معجم أحاديث المهديّ وهي: الأربعون حديثاً لأبي نعيم الأصفهاني كما في عقد الدرر للمقدسي الشافعي، وأخرجه الطبراني في الأوسط على ما في المنار المنيف لابن القيّم، وفي السيرة الحلبية، ج١، ص١٩٣. وفي القول المختصر لابن حجر. راجع منتخب الأثر للشيخ لطف الله الصافي في ما نقله من كتب الشّيعة، وراجع توهين الرواية التي تقول بأنّه من ولد الإمام الحسن عليه السلام كتاب السيد العميدي (دفاع عن الكافي، ج١، ص٢٩٦).
(٥١) راجع الرواية التي تنص على أنّه التاسع من ولد الحسين عليه السلام في: ينابيع المودّة للقندوزي الحنفي: ص٤٩٢، وفي مقتل الإمام الحسين للخوارزمي ج١، ص١٩٦. وفي فرائد السمطين للجويني الشافعي ج٢، ص٣١٠-٣١٥ الأحاديث من ٥٦١-٥٦٩، وراجع منتخب الأثر للعلاّمة الشيخ الصافي إذ خرّجها من طرق الفريقين (دفاع عن الكافي، ج١، ص٢٩٤)
(٥٢) نعم، اختلفوا في تأويله واضطربوا.راجع: صحيح البخاري، ج٩، ص١٠١. كتاب الأحكام، باب الاستخلاف. وصحيح مسلم ج٢، ص١١٩ كتاب الإمارة. مسند أحمد ج٥، ص٩٠، ٩٣، ٩٧.
(٥٣) راجع الغيبة الكبرى، السيد محمد صادق الصدر، ص٢٧٢ وما بعدها.
(٥٤) راجع التاج الجامع للأصول، ج٣، ص٤٠، قال: رواه الشيخان والترمذي، وراجع في تحقيق الحديث وطرقه وأسانيده كتاب الإمام المهديّ عليه السلام، عليّ محمد عليّ دخيل.
(٥٥) صحيح البخاري، المجلد الثالث، ج٩، ص١٠١، كتاب الأحكام-باب الاستخلاف.طبعة دار إحياء التراث العربي-بيروت.
(٥٦) راجع: التاج الجامع للأصول، ج٣، ص٤٠، قال تعقيباً على الحديث: رواه الشيخان والترمذي، وفي الهامش قال: رواه أبو داود في كتاب المهديّ بلفظ: "لا يزال هذا الدين قائماً حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة..."، وراجع سنن أبي داود، ج٢، ص٢٠٧.
(٥٧) المصدر السابق.
(٥٨) المصدر السابق.
(٥٩) مسند الإمام أحمد، ج٥، ص٩٣، ص ١٠٠.
(٦٠) المستدرك على الصحيحين، ج٣، ص٦١٨.
(٦١) إشارة إلى قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) سورة النجم: الآيتان٣-٤.
(٦٢) تقدّم تخريج الحديث.
(٦٣) اضطرب العلماء في تأويله بعد إطباقهم على صحته، وما أوردوه من مصاديق لا يمكن قبولها، بل أنّ بعضها غير معقول تماماً كإدخالهم يزيد بن معاوية المجاهر بالفسق، المحكوم بالمروق والكفر أو من هو على شاكلته. راجع ما نقله السيد ثامر العميدي من أقوالهم، وقد ناقش هذه القضية مناقشة وافية وعلمية، وأبطل تأويلاتهم بما لا مزيد عليه في: دفاع عن الكافي، ج١، ص٥٤٠ وما بعدها.
(٦٤) راجع: الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، فقد توسّع في بحثها.
(٦٥) إشارة إلى الغيبة الكبرى.
(٦٦) راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهديّ، السيد هاشم البحراني. ودفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي، ج١، ص٥٦٨ وما بعدها.
(٦٧) وهذه تُعرف بالتوقيعات، وهي الأجوبة التحريريّة والشفويّة التي نقلت عن الإمام المهديّ عليه السلام.راجع: الاحتجاج، الطبرسي، ج٢، ص٥٢٣ وما بعدها.
(٦٨) مما استقر في الأوساط الأدبية وعند نقّاد الأدب قديماً وحديثاً أنّ الأسلوب هو الرجل، وهذه المقولة صحيحة.ومن هنا رأينا وسمعنا أنّ كثيراً من الأدباء وقارئي الأدب يميّزون بمجرّد قراءة النص شعريّاً كان أم نثريّاً أنه لفلان، وما ذلك إلاّ لأنّ الأسلوب هو الرجل، وأنّ لكلّ كاتب سمةً وطابعاً خاصّاً في كتابته يمكن تمييزه من غيره، هذا فضلاً على تميّز خطّه الشريف من غيره من الخطوط.
(٦٩) إشارة إلى النوّاب الأربعة المذكورين.
(٧٠) وهو ما اصطلح عليه (بالمرجعيّة الدينيّة)، ويلاحظ هنا الصفات التي يرى الإمام الشهيد لزوم توفّرها في المرجعيّة.
(٧١) إنّ اتّصال الإمام القائد المهديّ بقواعده الشّيعيّة عن طريق نوابه ووكلائه، أو بأساليب أخرى متنوّعة واقع تاريخي موضوعي ليس من سبيل إلى إنكاره، كما في السفارة، فضلاً عن الدلائل الأخرى الكثيرة المستندة إلى إخبار من يجب تصديقه، ثم هو مقتضى الأحاديث المتواترة، كحديث: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهلية"، وغير ذلك.إنّ كلّ ذلك مجموعاً-وهو محل اتّفاق أكثر طوائف الملّة الإسلامية-يدحض وبشكل قاطع ما يثيره المتشكّكون حول وجود الإمام واستمرار حياته المباركة الشريفة، راجع: الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر، ص٥٦٦. وراجع ما أثبتناه في المقدمة: ص١٥ وما بعدها.
(٧٢) ورد التوقيع الشريف عن الإمام القائد المهديّ عليه السلام بعدم إمكان رؤيته بشكل صريح بعد وقوع الغيبة الكبرى، وهذا محل اتّفاق علماء الإمامية. وراجع مناقشة المسألة في: الغيبة الصغرى، السيد محمد الصدر: ص٦٣٩ وما بعدها.
(٧٣) الصدر، محمد باقر: بحث حول المهديّ، ص٦٣-٧٢، بيروت، دار التعارف للمطبوعات، ١٩٧٧، ط١.
(٧٤) سورة الأنعام، الآية ١٩.
(٧٥) سورة النساء، الآية ٩٨.
(٧٦) سورة التوبة، الآية ١٠٦.
(٧٧) مدة الغيبة الصغرى هي ٦٩ سنة وخمسة أشهر وسبعة أيام تبدأ من وفاة والده الإمام الحسن العسكري أوائل سنة ٢٦٠هـ إلى وفاة النائب الرابع سنة ٣٢٩هـ أما النواب الأربعة فهم: عثمان بن سعيد، محمّد بن عثمان بن سعيد، الحسين بن روح وعلي السمري.
(٧٨) العلامة الطباطبائي قدس سره، السيد محمد حسين، مقالات تأسيسية في الفكر الإسلامي، ص٢٦٩-٢٧٣، خالد توفيق (تعريب)، بيروت، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، ٢٠٠٢م، ط١.
(٧٩) لم يشر السيد خسروشاهي المشرف على نشر آثار الطباطبائي قدس سره بأية معلومات عن هذه الرسالة وتأريخها، وفيما إذا كان أصلّها بالعربية ثم تُرجمت، أم أنها كتبت بالفارسية أصلاً.وإنما نفهم من السياق أنها تضمنت إجابة عن سؤال حول وجود الإمام المهديّ عليه السلام فأنكر المجيب وجود الإمام فكان أن تصدّى له السيد الطباطبائي قدس سره بهذا الجواب.
(٨٠) سورة الأحقاف، الآية ١٢.
(٨١) سورة الأعلى، الآية ١٩.
(٨٢) سورة البقرة، الآية ١٢٤.
(٨٣) سورة الشورى، الآية ٥٢.
(٨٤) سورة النحل، الآية ٤٤.
(٨٥) إنّ هذه الشبهة التي تثيرها الرسالة ليست جديدة قط، بل هي إعادة إنتاج لشبهات الماضين - كما سيشير لذلك السيد الطباطبائي أيضاً - ففي كتاب الكافي نقرأ أن رجلاً شامياً حضر مجلس الإمام الصادق عليه السلام وكان في المجلس المتكلم المعروف هشام بن الحكم، فسأل هشام الشامي قائلاً: يا هذا أربّك انظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟ أجاب الشامي: بل ربي أنظر لخلقه، قال هشام: ففعل بنظره لهم ماذا؟ أجاب الشامي: أقام لهم حجة ودليلاً كيلا يتشتتوا أو يختلفوا، يتألّفهم ويقيم أودهم ويخبرهم بفرض ربّهم، قال هشام: فمن هو؟ أجاب الشامي: رسول الله صلى الله عليه وآله، قال هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله؟ أجاب الشامي: نعم، فردَّ هشام: فلم اختلفنا أنا وأنت وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا إياك؟ فسكتَ الشاميُّ، فقال الإمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام للشامي: ما لك لا تتكلم؟ قال الشامي: إن قُلت: لم تختلف كذبت، وإن قلت: أن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، وإن قلت: قد اختلفنا وكل واحد منّا يدّعي الحق فلم ينفعنا الكتاب والسنة.
يُراجع الحوار كاملاً في: الأصول من الكافي: ج٢، كتاب الحجة: ص١٧٢.
(٨٦) سورة الأنبياء، الآية ٧٣.
(٨٧) سورة القصص، الآية ٥٦.
(٨٨) سورة البقرة، الآية ٢١٣.
(٨٩) سورة النساء، الآية ١٦٥.
(٩٠) سورة يوسف، الآية ١٠٨.
(٩١) سورة آل عمران، الآية ١١٠.
(٩٢) سورة الأنبياء، الآية ٧٣.
(٩٣) سورة البقرة، الآية ١٢٤.
(٩٤) سورة الصافات، الآية ١٠٦.
(٩٥) العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، مقالات تأسيسية، ص٢٥٥-٢٦٣.
(٩٦) راجع: الفصول المهمّة لابن الصباغ المالكيّ المكّيّ (ت، ٨٥٥ هـ). وراجع: الإرشاد، الشيخ المفيد: ص٣١٦ وما بعدها.
(٩٧) راجع: التتمّة في تواريخ الأئمّة، السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسّسة البعثة - قم. وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص١٢٣-١٢٤، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
(٩٨) راجع: التتمّة في تواريخ الأئمّة، السيد تاج الدين العاملي من أعلام القرن الحادي عشر الهجري، نشر مؤسّسة البعثة - قم. وراجع: الصواعق المحرقة لابن حجر: ص١٢٣-١٢٤، إذ ذكر طرفاً من سيرة الإمام وكراماته.
(٩٩) راجع: الإرشاد، الشيخ المفيد: ص٣١٩ وما بعدها. والصواعق المحرقة: ص١٢٣-١٢٤، فقد أوردا قصة المحاورة التي دارت بين الإمام الجواد عليه السلام ويحيى بن أكثم زمن المأمون، وكيف استطاع الإمام عليه السلام أن يثبت أعلميّته وقدرته على إفحام الخصم وهو في تلك السن المبكّرة.
(١٠٠) راجع: المجالس السنيّة، السيد الأمين العاملي، ج٥، ص٢٠٩، وهذه قضية مشهورة تناقلها الخاص والعام. وراجع: صحاح الأخبار، محمد سراج الدين الرفاعي، ص٤٤، نقلاً عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة، أسد حيدر، ج١، ص٥٦. وقال ابن حجر في الصواعق المحرقة ص١٢٠: "جعفر الصادق، نقل النّاس عنه من العلوم ما سارت به الركبان، وانتشر صيته في جميع البلدان، وروى عنه الأئمّة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج ومالك والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني".
(١٠١) كون الإمام أعلم أهل زمانه أمرٌ متسالم عليه عند الإمامية.راجع: الباب الحادي عشر، العلاّمة الحلّيّ، هذا وقد عُرّضوا لأكثر من اختبار صلوات الله وسلامه عليهم لإثبات هذا المدّعى، ونجحوا فيه.
راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر، ص١٢٣، فقد نقل تفصيلاً في هذه المسألة عن مسائل يحيى بن أكثم للإمام الجواد عليه السلام.
(١٠٢) إنّ الاعتقاد بإمامة الأئمّة كلّف أتباعهم غالياً، وهذا ثابت تاريخياً، وليس إلى إنكاره من سبيل، والشاهد يدلّ على الغائب أيضاً.راجع: مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني.
(١٠٣) وقد أوصى الأئمّة بذلك أتباعهم كما هو لسان الروايات الكثيرة.
راجع: أصول الكافي، ج١، ص٣٢٢، كتاب الحجّة، باب٢: "إنّ الواجب على النّاس بعدما يقضون مناسكهم أن يأتوا الإمام فيسألونه عن معالم دينهم، ويعلمونه ولايتهم ومودّتهم له ".
(١٠٤) راجع في تاريخ الأئمة عليهم السلام، وتعرّضهم للاضطهاد والمطاردة والسجن والقتل أحياناً:
أ-الفصول المهمّة لابن الصبّاغ المالكي.
ب-مقاتل الطالبيّين لأبي الفرج الأصفهاني.
ج-الإرشاد للشيخ المفيد.
(١٠٥) إشارة إلى الإمام المهديّ عليه السلام، ومن قبل إلى الإمام الجواد مثلاً.
(١٠٦) أي على أنه يجب أن يكون أفضل النّاس، وأعلم النّاس كما هو معتقد الإماميّة الاثني عشريّة.
راجع: حقّ اليقين في معرفة أُصول الدين للسيد عبد الله شُبّر (ت، ١٢٤٢ هـ) ج١، ص١٤١، المقصد الثالث.
(١٠٧) يقصد تقديم الإمام الصبيّ للاختبار أمام الملأ لإظهار حقيقة الأمر.
(١٠٨) قد فعل المأمون ذلك، وانكشف لدى الخاص من العلماء مدى ما يمتلكه الإمام الجواد عليه السلام من الفقه والعلم.راجع: الصواعق المحرقة لابن حجر، ص١٢٣.
(١٠٩) سورة مريم، الآية ١٢.
(١١٠) وقد شاهد خاصّة الشّيعة الإمام المهديّ واتّصلوا به، وأخذوا عنه، كما حصل عن طريق السفراء الأربعة.راجع: تبصرة الولي فيمن رأى القائم المهديّ، البحراني. والإرشاد، الشيخ المفيد: ص٣٤٥،
وراجع تفصيلاً وافياً في دفاع عن الكافي، السيد ثامر العميدي، ج١، ص٥٣٥ وما بعدها.
(١١١) السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، بحث حول الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ص٥١-٦٠.
(١١٢) الشيخ الصدوق، إكمال الدين، ص٥١١.
(١١٣) كلمة الإمام السيد موسى الصّدر في مناسبة ١٥ شعبان ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
(١١٤) سورة الأنبياء: الآية ١٠٥.
(١١٥) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص٢٢٠-٢٣٩.
(١١٦) الإمام القائد الخامنئي، السيد علي: إنسان بعمر ٢٥٠ سنة، ص٣٧١- ٣٧٣، مركز نون للتأليف والترجمة (إعداد وترجمة)، بيروت، جمعية المعارف الإسلامية (نشر)، ٢٠١٣م، ط١.
(١١٧) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص٢١٩.
(١١٨) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(١١٩) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ١٨، ص٣٥١.
(١٢٠) كان للإمام زين العابدين عليه السلام ولد باسم زيد.وقد قام زيد هذا بثورة في زمان العباسيّين واستشهد.وفيما يتعلق بكون هذا الرجل على الحق أم لا كلام كثير، لكن يستفاد من روايات الشّيعة أن أئمتنا عليهم السلام كانوا يجلّونه.وجاء في رواية "الكافي" أن الإمام الصادق عليه السلام قال: "أقسم بالله تعالى أن زيداً فارق الدنيا شهيداً".ويعتقد الشّيعة الزيديّون الموجودون الآن في اليمن أن زيداً هذا هو الإمام من بعد أبيه زين العابدين عليه السلام.وقد كان زيد على أيّ حال رجلاً تقياً زاهداً حسن السيرة.وتقرّر رواياتنا بأن قيامه كان قيام أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، ولم يكن لديه أيّ ادّعاء للإمامة.
(١٢١) لا بدّ من التنبيه هنا إلى أنه منذ صدر الإسلام، لم يعيّن - أبداً - زمان ظهور المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف.طبعاً هناك بعض الخواص والمقرّبين إلى أهل البيت يعلمون سلسلة نسبه وعلامات ظهوره، ولكن لا يوجد في الروايات المنقولة عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما يشير إلى تأريخ هذا الظهور أبداً.
(١٢٢) سورة المائدة، الآية ٥٤.
(١٢٣) سورة النور، الآية ٥٥.
(١٢٤) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(١٢٥) سورة الصف، الآية ٩.
(١٢٦) كلمة الإمام السيد موسى الصّدر في مناسبة ١٥ شعبان ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
(١٢٧) صحيفة الإمام، ج‏٢٠، ص٢٠٥.
(١٢٨) صحيفة الإمام، ج‏٨، ص٢٥٣.
(١٢٩) صحيفة الإمام ج‏١٩، ص٢٥٣.
(١٣٠) الهيولى الأولى: الجوهر المادي الذي له طول وعرض وعمق.
(١٣١) البرزخية الكبرى: مقام خلافة الله في الأرض.
(١٣٢) التعينات: من التعين، أي التشخّص والتكثّر في الوجود ومراتب الوجود.
(١٣٣) قوسا الوجود: هما قوسا النزول والصعود.
(١٣٤) الشهود: عالم الشهادة والملك والظاهر.
(١٣٥) مقام العماء: مقام الفيض الأقدس، ومقام الأحدية.
(١٣٦) الفيوضات الأحمدية: رشحات وتنزلات الرحمة والهداية المحمدية.
(١٣٧) صحيفة الإمام، ج‏١، ص٣٦.
(١٣٨) صحيفة الإمام، ج‏١٣، ص٧٩..
(١٣٩) صحيفة الإمام، ج‏١٣، ص٧٩.
(١٤٠) الحر العاملي، هداية الأمة إلى أحكام الأئمة عليهم السلام، ج٥، ص٥٥٤.
(١٤١) صحيفة الإمام، ج‏١٦، ص٢٩.
(١٤٢) سورة الأنعام، الآية ٧٩.
(١٤٣) صحيفة الإمام، ج‏١٨، ص٨٣.
(١٤٤) صحيفة الإمام، ج‏١٧، ص٣٣.
(١٤٥) صحيفة الإمام، ج‏٢١، ص١١.
(١٤٦) صحيفة الإمام، ج‏٨، ص١٤.
(١٤٧) صحيفة الإمام، ج‏٢١، ص٣٥٨.
(١٤٨) وهو اليوم الذي حدثت فيه مجزرة بحق طلاب وأساتذة الحوزة الفيضية في قم المقدسة، وأرخت لبداية عهد الثورة الإسلامية في إيران.
(١٤٩) صحيفة الإمام، ج‏١٧، ص٣٨٨.
(١٥٠) سورة الحج، الآية ٢٧.
(١٥١) سورة الحج، الآية ٢٦.
(١٥٢) سورة التوبة، الآية ٣.
(١٥٣) بصائر الدرجات، ص٣٧٨.
(١٥٤) صحيفة الإمام، ج‏١٨، ص٨٠.
(١٥٥) صحيفة الإمام، ج‏١٢، ص٣٨٥.
(١٥٦) العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، الشّيعة في الإسلام، ص٢٤٥ - ٢٤٧.
(١٥٧) ولم تكن مثل هذه الأمور بمتصوّرة سابقاً قبل وقوعها، ولو حدّث بها أحدٌ من النّاس قبل تحقّقها فعلاً لعدّ الحديث مجرّد تخيّلات وأوهام.
(١٥٨) الكلام في وقته دقيق علميّاً، فهو يقول: إنه ممكن علمياً، ولكنه لم يكن قد تحقّق فعلاً، والواقع أنّ كثيراً من الإنجازات في عالم الفضاء، وتسيير المركبات الفضائية إلى كواكب وتوابع الأرض وغيرها قد أصبح حقائق في أواخر القرن العشرين.
(١٥٩) هذه التساؤلات التي يثيرها السيد الشهيد صلى الله عليه وآله وسلم تهدف إلى ترسيخ حقيقة مهمة، هي أنّ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم عندما بشّر (بالمهديّ)، وهو حالة غير اعتيادية في سياق البشرية، تنبئ في جملتها عن تسجيل سبق في الإمكانية العملية، بعد تأكيد الإمكانيّة العلمية، أي لبقاء الإنسان مدةً أطول بكثير من المعتاد، فإنّ مثل هذا السبق في التنبيه على حقائق في هذا الوجود كان قد سجّله القرآن الكريم والحديث الشريف في موارد كثيرة جداً في مسائل الطبيعة والكون والحياة، راجع: القرآن والعلم الحديث، الدكتور عبد الرزاق نوفل.
(١٦٠) إشارة إلى أنّ هذا من قبيل الإعجاز أيضاً، وهو إفاضة ربانية خاصة، وهذا أمر لا يسع المسلم إنكاره، بعد أن أخبرت بأمثاله الكتب السماوية، وبالأخص القرآن، كالذي ورد في شأن عمر النبيّ نوح عليه السلام، وكذا ما أخبر به القرآن من المغيبات الأخرى، على أنّ كثيراً من أهل السنّة ومن المتصوّفة وأهل العرفان يؤمنون بوقوع الكرامات وما يشبه المعجزات للأولياء والصلحاء والمقرّبين من حضرة المولى تعالى.راجع: التصوّف والكرامات، الشيخ محمد جواد مغنيّة.وراجع: التاج الجامع للأصول ٥: ٢٢٨، كتاب الزهد والرقائق، الذين تكلّموا في المهد.
(١٦١) إشارة إلى الآية المباركة: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى) سورة الإسراء، الآية: ١.
(١٦٢) إشارة إلى تصميم المركبات الفضائية، وركوب الفضاء والتوغّل إلى مسافات بعيدة عن أرضنا، وقطعها في ساعات أو أيام معدودة، وقد أضحت هذه حقائق في حياتنا المعاصرة في أواخر القرن العشرين.
(١٦٣) إشارة إلى ما أعدّ للإمام المهديّ المنتظر من دور ومهمة تغييرية على مستوى الوجود الإنساني برمّته كما يشير الحديث الصحيح: "يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً". وهذا الدور وهذه المهمة عليهما الإجماع بين علماء الإسلام، والاختلاف حصل في أمور فرعية. ومن هنا كان التساؤل الذي أثاره السيد الشهيد رضوان الله عليه له مبرر منطقي قويّ.
(١٦٤) في الآية المباركة: (فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) سورة العنكبوت: الآية ١٤.
(١٦٥) السؤال موجّه إلى المسلمين المؤمنين بالقرآن الكريم وبالحديث النبوي الشريف، وقد روى علماء السنّة لغير نوح ما هو أكثر من ذلك.راجع تهذيب الأسماء واللغات، النووي، ج١، ص١٧٦، ولا يصحّ أن يشكّل أحدٌ بأنّ ذاك أخبر به القرآن فالنص قطعيّ الثبوت، وهو يتعلق بالنبيّ المرسل نوح عليه السلام، أما هنا فليس لدينا نص قطعي، ولا الأمر متعلق بنبيّ.
والجواب: أنّ المهمة أولاً واحدة، وهي تغيير الظلم والفساد، وأنّ الوظيفة كما أوكلت إلى النبيّ، فقد أوكلت هنا إلى من اختاره الله تعالى أيضاً، كما هو لسان الروايات الصحيحة.قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم: "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم الطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً"، التاج الجامع للأصول، ج٥، ص٣٤٣.
وأما من جهة قطعيّة النص، فأحاديث المهديّ بلغت حدّ االتواتر، وهو موجب للقطع والعلم، فلا فرق في المقامين، راجع: التاج الجامع للأصول ج٥، ص٣٤١ و٣٦٠ فقد نقل التواتر عن الشوكاني، وانتهى المحقّقون من علماء الفريقين إلى القول بأنّ من كفر بالمهديّ فقد كفر بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وليس ذلك إلاّ بلحاظ أنه ثبت بالتواتر، وأنه من ضرورات الدين، والمنكر لذلك كافر إجماعاً. وراجع: الإشاعة لأشراط الساعة، البرزنجي في بحثه حول المهديّ. وقد نقلنا حكاية التواتر في المقدّمة أيضاً.
(١٦٦) أي أنّ الأمر يصبح من قبيل المعجز، وهو ما نطق به القرآن، وجاء في صحيح السنّة المطهّرة، والإعجاز حقيقة رافقت دعوة الأنبياء، وادّعاء سفارتهم عن الحضرة الإلهيّة، وهو ما لا يسع المسلم إنكاره أو الشك فيه، بل إنّ غير المسلم يشارك المسلم في الاعتقاد بالمعجزات.
(١٦٧) سورة الأنبياء، الآية: ٦٩.
(١٦٨) إشارة إلى قوله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) سورة الشعراء، الآية ٦٣.
(١٦٩) إشارة إلى قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) سورة النساء: الآية ١٥٧.
(١٧٠) راجع: سيرة ابن هشام، ج٢، ص١٢٧، فقد نقل هذه الحادثة وهي مجمعٌ عليها.
(١٧١) قد يقال: إنّ القانون بصفته قانوناً لا بدّ يطّرد، ولا يتصور التعطيل والانخرام، وقد لا حظ بعضهم أنّ الانخرام إنّما هو بقانون آخر، كما هو الأمر بالنسبة إلى قانون الجاذبية، الذي يستلزم جذب الأشياء إلى المركز، ومع ذلك فإنّ الماء يصعد بعملية الامتصاص في النباتات من الجذر إلى الأعلى بواسطة الشعيرات، وهذا بحسب قانون آخر هو (الخاصيّة الشعريّة). راجع: القرآن محاولة لفهم عصري، الدكتور مصطفى محمود.
(١٧٢) وقد بسط الشهيد الصدر قدس سره القول في هذه المسألة في كتابه فلسفتنا فراجع، ص٢٩٥ و٢٩٩.
(١٧٣) راجع: فلسفتنا ص٢٨٢ وما بعدها.
(١٧٤) راجع بسط وشرح النظرية في "الأسس المنطقية للاستقراء" حيث توصّل الإمام الشهيد الصدر قدس سره إلى اكتشاف مهمّ وخطير على صعيد نظرية المعرفة بشكل عام.
(١٧٥) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص٢١٢-٢١٤.
(١٧٦) العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، مقالات تأسيسية، ص٢٦٨-٢٦٩.
(١٧٧) صحيفة الإمام، ج‏٢، ص٨٨.
(١٧٨) صحيفة الإمام، ج٨، ص٣٧٩.
(١٧٩) صحيفة الإمام، ج١٨، ص٢٢١.
(١٨٠) صحيفة الإمام، ج‏٦، ص٢٤٩.
(١٨١) الشيخ الكليني، الكافي، ج.٤، ص١٦٢.
(١٨٢) الإمام السيد علي الخامنئي، إنسان بعمر ٢٥٠سنةً، ص٣٨٨-٣٨٩.
(١٨٣) صحيفة الإمام ج‏٢١، ص١٩.
(١٨٤) الشيخ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج.١، ص٣٣١.
(١٨٥) المصدر السابق.
(١٨٦) الحر العاملي، وسائل الشّيعة، ج.٥، ص١٢١.
(١٨٧) البروجردي، جامع أحاديث الشّيعة، ج٢٣، ص١٠١٢.
(١٨٨) العلامة المجلسي، بحار الأنوار، ج.٥٢، ص٣٩٠.
(١٨٩) أنصار الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف: إن قيام الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف بثورته العالمية مشروط بشروط عدة، وأهمها وجود الناصر والمعين، وقد ذكرت الروايات الشريفة أوصافهم وعدد قادتهم، وما سيقومون به تحت راية الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، ومن الرويات التي وردت في ذكرهم: " عن أبي خالد، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: (فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعًا)" قال: الخيرات الولاية وقوله تبارك وتعالى: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعا) يعني أصحاب القائم الثلاثمائة والبضعة عشر رجلا، قال: وهم والله الأمة المعدودة قال: يجتمعون والله في ساعة واحدة قزع كقزع الخريف"، الشيخ الكليني، الكافي، ج٨، ٣١٣.
(١٩٠) الإمام السيد علي الخامنئي، إنسان بعمر ٢٥٠ سنةً، ص٣٧٦-٣٨٤.
(١٩١) تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص٧١.
(١٩٢) سورة القصص، الآية ٥.
(١٩٣) سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
(١٩٤) الإمام السيد علي الخامنئي، إنسان بعمر ٢٥٠ سنةً، ص٣٧٣-٣٧٥.
(١٩٥) صحيفة الإمام، ج٢١، ص٢١.
(١٩٦) كلمة الإمام السيد موسى الصدر في مناسبة ١٥ شعبان في بلدة "اليمونة" ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
(١٩٧) سورة الروم، الآية ١٠.
(١٩٨) كلمة الإمام السيد موسى الصّدر في مناسبة ١٥ شعبان في بلدة "اليمونة" بمناسبة ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
(١٩٩) (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) سورة التوبة، الآية ٣٣.
(٢٠٠) (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(٢٠١) (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ). سورة القصص، الآيتان٥-٦.
(٢٠٢) (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ). سورة الأعراف، الآية ١٣٨.
(٢٠٣) سورة الأعراف، الآية ١٢٨.
(٢٠٤) راجع تفسير الميزان، ج٤، ص١٠٣. وج٧، ص٣٣٣. وج٨، ص٨٥. وج١٠، ص٧١-٧٣. وج١٨، ص١٩١.
(٢٠٥) سورة البقرة، الآيات ١٣٤ - ١٤١.
(٢٠٦) سورة الأعراف، الآية ٣٤، وسورة النحل، الآية ٦١.
(٢٠٧) سورة فاطر، الآية ٤٣.
(٢٠٨) سورة الرعد، الآية ١١.
(٢٠٩) ألقيت ثماني محاضرات في هذا الموضوع عام ١٩٧٤، أرجو أن أوفق لنشرها بعد إعادة النظر فيها. (الشهيد الشيخ مرتضى مطهري).
(٢١٠) سورة النور، الآية ٥٥.
(٢١١) سورة القصص، الآيتان ٥ - ٦.
(٢١٢) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(٢١٣) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، نهضة المهديّ في التاريخ، ص٤٠٢-٤٢٤.
(٢١٤) الشيخ الكليني، الكافي، ج٣، ص٤٢٤.
(٢١٥) الإمام السيد علي الخامنئي، إنسان بعمر ٢٥٠ سنةً، ص٣٨٥ - ٣٨٧.
(٢١٦) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(٢١٧) سورة النور، الآية ٥٥.
(٢١٨) سورة القصص، الآية ٥.
(٢١٩) سورة الأعراف، الآية٣١.
(٢٢٠) سورة الزمر، الآية٦٧.
(٢٢١) سورة الحج، الآية ٤٠.
(٢٢٢) سورة الحج، الآية ٤١.
(٢٢٣) كلمة الإمام السيد موسى الصّدر في مناسبة ١٥ شعبان ولادة الإمام المهديّ عجل الله تعالى فرجه الشريف، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
(٢٢٤) سورة المائدة، الآية ٢٤.
(٢٢٥) القول لسعد بن معاذ وقد قاله جواباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي استشار الأنصار في الخروج إلى المشركين في معركة بدر، تجده في السيرة النبوية لابن هشام، غزوة بدر.نهاية الجزء الثاني من طبعة بيروت.
(٢٢٦) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، نهضة المهديّ في التاريخ، ص ٢٥٦-٢٦٢.
(٢٢٧) على الرغم من الأهمية التي يعطيها الشهيد الصدر قدس سره هنا للظروف الموضوعية، ودور نضوجها أو إنضاجها في نجاح الثورات - وهذا فهم عميق لأثر العالم الاجتماعي والنفسيّ - إلاّ أنّ الشهيد الصدر قدس سره يعرض نظرية جديدة في فهم عملية التغيير الاجتماعي الذي تحدثه السماء من خلال الرسالات السماوية، فهي في جانبها الرسالي ترتبط بقانونها الخاص، ولكن في جانبها التنفيذي تعتمد الظروف الموضوعية وترتبط بها توقيتاً ونجاحاً، وأعني بالظروف الموضوعية: الحالة السياسية، والحالة الاجتماعية للأمة، والواقع الدولي المعاصر، ومدى قدرة الأمة في إمكاناتها الذاتية واستعدادها النفسي.
(٢٢٨) إشارة إلى قوله تعالى: (قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ) سورة الأنبياء: الآيات ٦٨-٧٠.
(٢٢٩) راجع الرواية في تفسير ابن كثير، ج٢، ص٣٣، وراجع: البحار، المجلسي، ج١٨، ص٤٧ و٥٢ و٦٠، ٧٥، باب معجزات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم.
(٢٣٠) تاريخ الطبري، ج٢، ص٢٤٤ حوادث السنة الخامسة من الهجرة.
(٢٣١) كما هو نص الحديث النبويّ الشريف: "لو لم يبق من الدنيا إلاّ يومٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يبعث رجلاً منّي أو من أهل بيتي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً". راجع: التاج الجامع للأصول، منصور علي ناصف، ج٥، ص٣٦٠ الهامش، قال: رواه أبو داود والترمذي.
(٢٣٢) لقد شاهدنا في بداية التسعينات المصداق لهذه المقولة التي أطلقها الشهيد الصدر قدس سره استناداً إلى خبرته العميقة بالمجتمع البشري، فقد انهار الاتّحاد السوفيتي وهو أحد القطبين اللذين كانا يهيمنان على العالم انهياراً سريعاً جداً، وبصورة أذهلت الجميع.
(٢٣٣) إشارة إلى نظرية المادية التاريخية، أي إلى التفسير الماركسي للتاريخ، راجع: اقتصادنا، ج١، ص١٩، وفيه تحليل علميّ ومناقشة فلسفية عميقة بقلم الإمام الشهيد الصدر قدس سره.
(٢٣٤) إشارة إلى كتاب (فلسفتنا)، وإلى مقدّمة كتاب (اقتصادنا).
(٢٣٥) راجع: كتاب الأبطال (البطل في صورة نبيّ)، توماس كارليل، ترجمة الدكتور السباعي، سلسلة الألف كتاب - مصر.
(٢٣٦) راجع المقدمة الثانية في الفتاوى الواضحة: ص٦٣، وفيها توضيح وتفصيل لهذه المسألة.
(٢٣٧) التاج الجامع للأصول ج٥، ص٣٤٣، عن أبي سعيد رضوان الله عليه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: "المهديّ منّي أجلى الجبهة أقنى الأنف، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجورا".
(٢٣٨) السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، بحث حول المهديّ، ص٧٥-٨٧.
(٢٣٩) إشارة إلى علامات الظهور أو الملابسات والأحداث والوقائع التي تسبق ظهوره المبارك أو ترافق ظهوره كما صوّرتها الروايات ووردت بها الآثار الصحيحة، وقد بُسّطت تفصيلاً في (عصر الظهور) للسيد محمد الصدر قدس سره. وراجع: الإرشاد، الشيخ المفيد: ص٣٥٦ وما بعدها.
وراجع أيضاً: الإشاعة لأشراط الساعة، محمد بن رسول الحسينيّ البرزنجيّ.
(٢٤٠) وفيه إشارة إلى ما يمكن أن تجرّ إليه الإنسانية من أزمة حضارية بسبب التنافسات والصراعات بين الحضارات المادية والكيانات السياسية، وفشلها في تحقيق الأمن والاستقرار والسعادة للإنسان، ولقد بدأت بوادر مثل هذا الفراغ تظهر وتتّسع شيئاً فشيئاً في عصرنا الراهن في شرق الأرض وغربها، وكلّ متتبع للأخبار والتقارير الصحفية والتحقيقات الخبريّة يعرف ذلك جيّداً. وما اليوم الموعود ببعيد.
(٢٤١) السيد الشهيد محمد باقر الصدر قدس سره، بحث حول المهديّ، ص٨٨-٩٠.
(٢٤٢) الأربلي، كشف الغمة في معرفة الأئمة، ج٣، ص٢٧١.
(٢٤٣) نهج البلاغة، ج٢، ص٢٢.
(٢٤٤) الشيخ المفيد، الإرشاد، ص٣٤٣.
(٢٤٥) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص٢١٥-٢١٨.
(٢٤٦) صحيفة الإمام، ج١٢، ص٣٨٥.
(٢٤٧) العلامة الشهيد الشيخ مرتضى مطهري، أصالة الروح، ص٢٠٠-٢١٢.
(٢٤٨) الشيخ الكليني، الكافي، ج١، ص٣٤١.
(٢٤٩) الإمام السيد علي الخامنئي، إنسان بعمر ٢٥٠ سنةً، ص٣٨٣-٣٨٦.
(٢٥٠) سورة البقرة، الآية ٢٩.
(٢٥١) العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي قدس سره، مقالات تأسيسية، ص٢٦٣-٢٦٥.
(٢٥٢) سورة الأنبياء، الآية ١٠٥.
(٢٥٣) سورة الأنبياء، الآية ١٠٦.
(٢٥٤) من كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في أجواء ولادة الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف لعام ١٤٣٢هـ. في جمعٍ من أساتذة وخرّيجي فرع المهدويّة بتاريخ: ٩/٧/٢٠١١.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٥ / ٤.٨
 التعليقات
الإسم: الباقيا الصالحات
الدولة: العراق
النص: طيب الله انفاسكم الطاهرة ولكم جزيل شكري
تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠٣/١٠ ٠٨:٣٧ م
إجابة التعليق

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016