فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب فقه علامات الظهور

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٢/١٤ المشاهدات المشاهدات: ٧٩٤ التعليقات التعليقات: ٠

فقه علامات الظهور

تأليف: المرجع الديني الشيخ محمّد السند (دام ظلّه)
الطبعة الأُولى: ١٤٣٨هـ

فهرست الموضوعات

مقدَّمة المؤلِّف
المبحث الأوَّل: الإمام المهدي (عليه السلام) بين الغيبة الحسّية والتغييب المعرفي
المبحث الثاني: قبض يد الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة
المبحث الثالث: التلازم المنهجي لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)
أنواع القراءات لمنهج أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)
أسباب ظهور وبروز لون منهجي معيَّن
القيادة الإلهية والمنهج المتكامل
وحدة المنهج بين الإمام المهدي وآبائه (عليهم السلام)
خلاصة البحث
إشارة
الفصل الأوَّل: أدلَّة انقطاع النيابة الخاصَّة في الغيبة الكبرى
الدليل الأوَّل: التوقيع الشريف
الدليل الثاني: التواتر في وقوع الغيبتين
الدليل الثالث: روايات الانتظار وعدم الاستعجال
الدليل الرابع: أقوال علماء الطائفة
الإجابة علي شبهة استمرار النيابة الخاصَّة
اليماني والحسني
ذو النفس الزكيَّة وشعيب بن صالح وغيرهما
التوصيات الروائية في الحذر أمام مدَّعي السفارة
الفصل الثاني: محطّات مهدوية
المحطَّة الأُولى: «المُهذَّب الخائِف»
فما معنى الخوف؟
شجاعة التدبير لا تنافي الحذر
خفاء التدبير بلا خفاء للمدبّر
المحطَّة الثانية: أحلاس البيوت
الاحتمالات الواردة في معنى الحلس
نتائج مهمَّة من معنى الحلس
ما هو معنى (البيت) الذي ورد في الرواية؟
موسى (عليه السلام) حلس البيوت
فهم جديد لمعنى (حين) التي وردت في الزيارة
الوسطية في قوام العمل حين عجز الأُمَّة
أيّها المؤمن
المحطَّة الثالثة: استمرار برنامج الثأر والثورة
ما ورد في الإذن بل والحثّ على الأخذ بثأر الحسين (عليه السلام)
طلب الثأر لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)
الفصل الثالث: قواعد مهدوية
القاعدة الأُولى: الصبر والتصبّر
القاعدة الثانية: إعداد القوَّة
القاعدة الثالثة: طلب العلم ونشره
القاعدة الرابعة: عموم المسؤولية على الجميع
القاعدة الخامسة: التقيَّة الذكية (الكتمان الذكي) وترقية تنامي الحسّ الأمني
ملاحظتان في الإعداد الأمني
التقيَّة والكتمان حارس الإعداد الأمني
تقيَّة الكتمان مراتب ودرجات
التقيَّة من الجهلاء أشدّ من الأعداء
المذيع جاحد
المذيع سرَّنا كقاتلنا عمداً
الجندي الخفي المجهول
أصحاب الكهف
القاعدة السادسة: تقيَّة الاصطناع ملازمة لقاعدة التقيَّة الذكية
الخضر (عليه السلام) والتقيَّة الذكية
المنهج أهمّ وأولى
خفاء أم اختفاء؟
(التقيَّة الذكية) عند الإمام الصادق (عليه السلام)
(التقيَّة الذكية) في سلوك إبراهيم (عليه السلام)
القرآن يكشف عن أربع مهام سرّية لأهل الكهف (عليهم السلام)
أسرار (التقيَّة التدبيرية) في سورة الكهف
برنامج أمني للإمام الصادق (عليه السلام)
كيف يتعامل الإمام (عليه السلام) مع من يكشف الأسرار؟
دور المؤمن في الحكومة الخفيَّة
الفصل الرابع: شخصيات مسرح الظهور
مسالك الانتظار
السفياني بين الحتم والبداء
قاعدة منهجية في المنهج
الشجرة الملعونة
خطورة المنهج
النقطة الأُولى: (الشجرة الخبيثة)
النقطة الثانية: (لا يذكرون الله)
النقطة الثالثة: (بنو أُميَّة نهج وسلوك)
النقطة الرابعة: (سعد الخير)
النقطة الخامسة: (اللعن للمؤسِّسين أشدّ)
النقطة السادسة: (أخطر المناهج)
النقطة السابعة: (إسلام وأصنام)
النقطة الثامنة: (بنو العبّاس)
من هو السفياني؟
معالم مشروع السفياني
السفياني ويأجوج ومأجوج
السفياني بين المحتوم والموقوف
دروس تربوية في البداء
البداء وإخفاق مشروع السفياني
رجفة الشام
روايات البداء بلسان أنَّ السفياني نقمة للمؤمنين
الإعلام المزيَّف للسفياني
الخسف عنوان للبداء في حركة السفياني
الوظيفة الأوَّلية للمؤمنين هي المقاومة
البداء في خاتمة السفياني
أمرهم (عليهم السلام) بالوجوب العيني والتعيّني لتصدّي شيعة العراق بالخصوص للسفياني بقوَّة وحزم
الشعوب كلّها ضدّ السفياني
الرايات المناهضة لمشروع السفياني
الرايات الممهِّدة للسفياني
١ - الشيصباني
٢ - حكومة بني العبّاس
٣ - البترية
تناقض المنهج البتري
الغاية من استعراض روايات سنة الظهور
دور المؤمن في عصر الفتن وخصوصاً فتنة السفياني
مقاطع روائية مختارة في التصدّي للسفياني
الخلاصة
الفصل الخامس: المهديون الاثنا عشر هم الأئمَّة الاثنا عشر في مقام الرجعة
المغالطة في فهم الرواية
دفع التوهّم
شواهد على أنَّ أوَّل المهديّين هو الإمام الثاني عشر (عليه السلام)
تنبيه على أُمور
التنبيه الأوَّل: عدم خلوِّ الأرض من حجَّة
التنبيه الثاني: انطلاق حركة اليماني من اليمن
التنبيه الثالث
التنبيه الرابع: قرعة الخيرة في العقائد
التنبيه الخامس: الاعتماد على الرؤى في الدين كهانة شيطانية
الفصل السادس: الرجعة قبل الظهور ومعه وبعده
الرجعة قُبَيل الظهور هي محور أدوار مسرح أحداث الظهور
قاعدة: نظام الإمامة في الرجعة
معاني قول الإمام (عليه السلام): «نحن الشعار والأصحاب...»
فلسفة علائم كلّ من الظهور والرجعة
إطلاق الرجعة على الظهور وإطلاق الظهور على الرجعة
الصيحة للظهور ينادى فيها بالرجعة
الصيحة تلازم وتزامن الرجعة
الإمام المهدي (عليه السلام) والنداء السماوي
تزامن وتلازم دولتهم الظاهرة مع الرجعة
سرّ ارتباط ظهور المهدي بحصول الرجعة قبله
لا ظهور بلا رجعة ولا رجعة بلا ظهور
إنباء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعلامة العجب كلُّ العجب
أسماء السبعة والعشرين الراجعين قبيل الظهور
تشابك حقيقة الرجعة مع الظهور
استدلال النبيِّ بالآية على تزامن الظهور والرجعة
رجعة حواريي الأئمَّة عند الظهور وعداً إلهياً مفعولاً
أعضاء الحكومة المركزية للقائم من الراجعين من الموت في شهر رجب
أوَّل أصحاب المهدي (عليه السلام) اتِّصالاً به الـ (٢٧) أهل الرجعة
الـ (٢٧) الراجعون يُوطِّئون (يُمهِّدون) العراق والحجاز للظهور
كثرة الراجعين من النخب للنصرة عند الظهور
النساء اللاتي يرجعن للحياة مع القائم (عليه السلام)
عظم عجبه (عليه السلام) من وقوع الرجعة في رجب
توطئة أهل الرجعة العراقَ للظهور
تمهيد أهل الرجعة البلاد الإسلاميَّة للظهور
اشتهار علامة العجب كلُّ العجب
رجوع حواري الأئمَّة مع المهدي (عليه السلام)
أوَّل من يبايع المهدي (عليه السلام) حواريو الأئمَّة الراجعون
أربعة آلاف من الأموات يكرّون مع القائم (عليه السلام)
مطر الرجعة في جمادي ورجب
رجعة الأموات قبل الظهور أعجب إعجازاً من الصيحة السماوية
رجعة الأموات في رجب قبيل الظهور
تمهيد الراجعين الحجازَ للظهور
تدرّج توافد أصحاب المهدي (عليه السلام) عنده بدءاً بالسبعة وعشرين
تعجيل أصحاب المهدي (عليه السلام) له بالظهور
للمهدي (عليه السلام) ظهور أصغر وأكبر
مجريات شعيب بن صالح، وهو ممَّن يرجع قبل الظهور
فلسفة البداء في علامات الظهور المحتومة
للمهدي (عليه السلام) دولتان
رجعة الأشرار عند الظهور
خروج وظهور أهل جابرسا وجابلقا لنصرة المهدي (عليه السلام)
تزامن يأجوج ومأجوج والرجعة والظهور
تزامن الدجّال ويأجوج ومأجوج
القائم (عليه السلام) يقتل إبليس
مصادر التحقيق

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلّف:
المطالع للنصوص الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) يجد أنَّ للإمام المهدي مكانة خاصَّة لعظم مقامه، حتَّى قال عنه الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم): «واختار منّي ومن عليّ الحسن والحسين، ويكمله اثني عشر إماماً من ولد الحسين تاسعهم باطنهم، وهو ظاهرهم، وهو أفضلهم، وهو قائمهم»(١)، فهو أشدُّ ظهوراً من بقيَّة التسعة، وهو أمر بحدِّ ذاته يحتاج إلى بحث مستقلٍّ.
وخاطبه الإمام الصادق (عليه السلام) بـ «سيِّدي» في خبر ينقله سَدِيرٌ الصَّيْرَفِيِّ، قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَالمُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ عَلَى مَوْلَانَا أَبِي عَبْدِ الله جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام)، فَرَأَيْنَاهُ جَالِساً عَلَى التُّرَابِ وَعَلَيْهِ مِسْحٌ خَيْبَرِيٌّ مُطَوَّقٌ بِلَا جَيْبٍ، مُقَصَّرُ الْكُمَّيْنِ، وَهُوَ يَبْكِي بُكَاءَ الْوَالِهِ الثَّكْلَى ذَاتَ الْكَبِدِ الْحَرَّى، قَدْ نَالَ الْحُزْنُ مِنْ وَجْنَتَيْهِ، وَشَاعَ التَّغَيُّرُ فِي عَارِضَيْهِ، وَأَبْلَى الدُّمُوعُ مَحْجِرَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «سَيِّدِي غَيْبَتُكَ نَفَتْ رُقَادِي، وَضَيَّقَتْ عَلَيَّ مِهَادِي، وَأَسَرَتْ مِنِّي رَاحَةَ فُؤَادِي، سَيِّدِي غَيْبَتُكَ أَوْصَلَتْ مُصَابِي بِفَجَائِعِ الْأَبَدِ، وَفَقْدُ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ يُفْنِي الْجَمْعَ وَالْعَدَدَ، فَمَا أُحِسُّ بِدَمْعَةٍ تَرْقَى مِنْ عَيْنِي وَأَنِينٍ يَفْتُرُ مِنْ صَدْرِي عَنْ دَوَارِجِ الرَّزَايَا وَسَوَالِفِ الْبَلَايَا، إِلَّا مُثِّلَ لِعَيْنِي عَنْ عَوَائِرِ أَعْظَمِهَا وَأَفْظَعِهَا وَتَرَاقِي أَشَدِّهَا وَأَنْكَرِهَا، وَنَوَائِبَ مَخْلُوطَةٍ بِغَضَبِكَ، وَنَوَازِلَ مَعْجُونَةٍ بِسَخَطِكَ»، ولمَّا سُئِلَ عن سبب ذلك زَفَرَ الصَّادِقُ (عليه السلام) زَفْرَةً انْتَفَخَ مِنْهَا جَوْفُهُ وَاشْتَدَّ مِنْهَا خَوْفُهُ، وَقَالَ: «وَيْكُمْ إِنِّي نَظَرْتُ فِي كِتَابِ الْجَفْرِ(٢) صَبِيحَةَ هَذَا الْيَوْمِ، وَتَأَمَّلْتُ فِيهِ مَوْلِدَ قَائِمِنَا وَغِيبَتَهُ وَإِبْطَاءَهُ وَطُولَ عُمُرِهِ وَبَلْوَى المُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ بَعْدِهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَتَوَلُّدَ الشُّكُوكِ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ طُولِ غَيْبَتِهِ، وَارْتِدَادَ أَكْثَرِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَخَلْعَهُمْ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ أَعْنَاقِهِمُ الَّتِي قَالَ الله تَقَدَّسَ ذِكْرُهُ: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]، يَعْنِي الْوَلَايَةَ، فَأَخَذَتْنِي الرِّقَّةُ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَيَّ الْأَحْزَانُ»(٣)، وعبَّر عنه الإمام العسكري (عليه السلام) بـ «سيِّد أهل بيته»، في قوله: «يا سيِّد أهل بيته، اسقني الماء، فإنّي ذاهب إلى ربّي»(٤).
ولمَّا كان الإمام المهدي (عليه السلام) باطن الأئمَّة وظاهرهم، فلا يمكن أن تكون غيبته مانعة من أن يزاول مهام الإمامة وإدارة شؤون البشرية وفق منهج محدَّد، كما هو الحال مع باقي الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا ما يُفهَم من قول الإمام الصادق (عليه السلام): «أوَّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد»(٥)، من هنا لا بدَّ أن يُبحَث معنى غيبته أوَّلاً، وماهيَّة منهجه ثانياً، من خلال المباحث الآتية:
المبحث الأوَّل: الإمام المهدي (عليه السلام) بين الغيبة الحسّية والتغييب المعرفي:
إنَّ الغيبة الحسّية أمر لا يستوجب تعطيل المعرفة أو غيابها، لأنَّ ما يراه العقل ليس بالضرورة أن تراه العين، وما تراه العين إن لم يكن مشفوعاً برؤية العقل والفكر فهي رؤية لا قيمة ولا أثر لها، ولذلك ورد عن النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «يا عليُّ، واعلم أنَّ أعظم الناس يقيناً قومٌ يكونون في آخر الزمان، لم يلحقوا النبيَّ وحُجِبَ عنهم الحجَّة، فآمنوا بسواد في بياض»(٦)، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «اللّهمّ لقِّني إخواني - مرَّتين -»، فقال مَن حوله من أصحابه: أمَا نحن إخوانك يا رسول الله؟! فقال: «لا، إنَّكم أصحابي، وإخواني قومٌ في آخر الزمان آمنوا ولم يروني، لقد عرَّفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم، من قبل أن يُخرِجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أُمَّهاتهم، لأحدُهم أشدُّ بقيّةً على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا، أُولئك مصابيح الدجى، ينجيهم الله من كلِّ فتنةٍ غبراء مظلمة»(٧).
فعدم رؤية النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا يعني عدم الإيمان بوجوده، وكذلك الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، بل أكثر من ذلك إنَّ عدم رؤية الله سبحانه لا تعني عدم وجوده، ولذلك عندما جاء حبر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربّك حين عبدته؟ قال: «ويلك ما كنت أعبد ربّاً لم أرَه»، قال: وكيف رأيته؟ قال: «ويلك لا تُدرِكه العيون في مشاهدة الأبصار، ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»(٨).
فالرؤية العقلية للإمام الثاني عشر لا تُؤثِّر عليها الغيبة الحسّية، فمن لا نراه بالعين لا يعني أنَّه غائب عن العقل والفكر، بل إنَّ الرؤية العقلية أو الرؤية المعرفية هي أوقع في الإيمان من الرؤية الحسّية آلاف المرّات، وهذا ما يُفهَم من عبارات الاستئذان بدخول سرداب الغيبة: «اللّهمّ وإنّي أعتقد حرمة نبيّك في غيبته، كما أعتقد في حضرته، وأعلم أنَّ رُسُلك وخلفاءك أحياء عندك يُرزَقون، فرحين، يرون مكاني، ويسمعون كلامي، ويردّون سلامي عليَّ، وأنَّك حجبت عن سمعي كلامهم، وفتحت باب فهمي بلذيذ مناجاتهم»(٩).
والفرق بين المناجاة والنجوى بيِّن، إذ إنَّ المناجاة من المفاعلة أي إنَّها بين طرفين(١٠)، وهذا التناجي وتلك الرؤية ليس من باب السفارة أو النيابة الخاصَّة، فهما في زمن الغيبة الكبرى دجل وكذب وخرافة، بل من باب أنَّ العقل حجَّة قائمة علينا في معرفة المغيَّبات وإدراكها(١١).
وخلاصة القول إنَّ معرفتنا بصاحب العصر مغيَّبة لا أنَّه هو غائب، ولذلك قيل في زيارته: «فلو تطاولت الدهور وتمادت الأعصار لم أزدد فيك إلَّا يقيناً»(١٢)، إضافةً إلى أنَّ حصول الغيبة لا يمنع من العلم بإمامة الغائب وثبوت وجوده بمعرفته وفرض طاعته والانقياد له(١٣).
المبحث الثاني: قبض يد الإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة:
للإمام المهدي (عليه السلام) غيبتان صغرى وكبرى، وهو أمر متعارف عليه، وفي زمن الغيبة الصغرى كان يتواصل مع شيعته من خلال سفراءه الأربعة، ويُوصِل لهم ما يحتاجونه في شؤون حياتهم، وهي طريقة من طرائق إدارة الأُمور، ولكن قد يقال: إنَّ الإمام الثاني عشر في غيبته الكبرى منقطع عن شيعته مقبوض اليد غير مبسوط، وبالتالي فإنَّ منهجه هو منهج جميع الأئمَّة الذين لم يتسلَّموا الحكم ولم تكن أيديهم مبسوطة في أداء مهام الإمامة، بل أكثر لأنَّ يده مقبوضة حال غيبته التامَّة التي لا يمكن من خلالها إدارة شؤون الأُمَّة.
وحلُّ هذه الإشكالية يكمن في بيان أمرين:
الأمر الأوَّل: أنَّ سيرة المعصوم (عليه السلام) لا تقتصر على قوله فقط، بل تشمل فعله وتقريره، والتقرير أو الإقرار أو الإمضاء معناه سكوت المعصوم عن أمرٍ عَلِمَ به، ووقع بين يديه، لأنَّ المعصوم لم يعش بمعزل عن مجريات الأحداث، بل تقع أمامه يومياً وقائع وظواهر عدَّة، فسكوته عن بعضها إذا كان يفيد حكماً تشريعياً فمن الطبيعي أن يمدَّنا بالكثير من المعطيات في هذا المجال أو ذاك، وهذا ما يجعل نظرية حجّية التقرير في غاية الأهمّية بالنسبة لكتابة سيرة المعصوم وسُنَّته في إدارة شؤون الأُمَّة، ولا يُفتَرض تجاهل هذا الموضوع البتَّة.
وأكثر من أثار هذا الموضوع السيِّد المرتضى والشيخ الطوسي في حجّية الإجماع، إذ يقول: (إنَّ الحقَّ لا يخرج عن الأُمَّة، فهو متَّفق عليه بيننا وبين خصومنا، وإن اختلفنا في ذلك، لأنَّ عندنا أنَّ الزمان لا يخلو من إمام معصوم لا يجوز عليه الغلط...، فالحقُّ لا يخرج عن الأُمَّة لكون المعصوم فيهم...، وعند المخالف لقيام أدلَّة يذكرونها دلَّت على أنَّ الإجماع حجّة)(١٤).
ومحصَّلة الكلام أنَّ صاحب العصر والزمان فعله وتقريره مستمرٌّ في زمن الغيبة الكبرى، وإن كان قوله محصوراً في زمن الغيبة الصغرى، فسيرته الفعلية والتقريرية موجودة في الأُمَّة التي لا يخرج الحقُّ منها، لوجوده (عليه السلام) فيها، وبالتالي فنحن لدينا مخزون ألف سنة من سيرة صاحب الزمان موجودة في سيرة مدرسة أتباع أهل البيت (عليهم السلام).
الأمر الثاني: أنَّ بسط يد المعصوم وقبضها لا علاقة له بالغيبة أو الظهور، لأنَّ (انبساط يده واجب في الحالين: حال ظهوره، وحال غيبته، غير أنَّ حال ظهوره مكَّن منه فانبسطت يده، وحال الغيبة لم يُمكِّن فانقبضت يده)(١٥)، بمعنى أنَّ المعصوم (عليه السلام) سواء تسلَّم الحكم أم لم يستلَّم فهو يده مبسوطة، إلَّا أنَّ المكلَّفين باتِّباعه قد يُمكِّنوه فيحكم بينهم، وقد لا يُمكِّنوه وعندها هم قبضوا يده عنهم لا هو قبضها عنهم، فالغرض ليس وجود الإمام فقط، بل أمره ونهيه وتصرّفه، ليكون المكلَّفون من القبح أبعد وإلى فعل الواجب أقرب، ولو شاء المكلَّفون أن يصلوا إليه وينتفعوا به لوصلوا وانتفعوا بأن يعدلوا عمَّا أوجب خوفه وتقيَّته فيقع منه الظهور الذي أوجبه الله تعالى عليه مع التمكّن، بمعنى أنَّ امتناع تصرّفه بفعل الظَّلَمة لا بفعل المعصوم(١٦).
المبحث الثالث: التلازم المنهجي لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):
للتلازم معانٍ عدَّة، منها تلازم الخرز في العقد الواحد، ومنها تلازم الظلّ للشاخص، وهناك معنى آخر للتلازم وهو وحدة السنخية.
والمراد بالتلازم المنهجي للأئمَّة هنا: ارتباط الظاهر من منهج أحدهم بالخفيِّ منه عند كلِّ إمام، وتأثير كلٍّ منهما - الظاهر والخفي - في تشكيل المنظومة المنهجية المتكاملة لديهم، بحيث يستحيل ظهور منهج أو أُسلوب معيَّن عند إمام في جانب وخفاء جوانب أُخرى عنده من غير أن يظهر موجَبه ومقتضاه.
فالإمام الحسين (عليه السلام) إن كان الظاهر والبارز في منهجه هو المنهج الثوري والإصلاحي، فهذا لا يعني أنَّ الأئمَّة الباقين (عليهم السلام) ليس لديهم ذلك المنهج، وكون الإمام زين العابدين (عليه السلام) عُرِفَ بمنهجه العبادي، فهذا لا يعني أنَّ الأئمَّة الآخرين لديهم ضعف في المنهج المذكور.
أنواع القراءات لمنهج أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):
هناك ثلاث قراءات في منهج أئمَّة أهل البيت يمكن تلمسها من خلال قراءة ما كتبه العلماء والباحثون هي:
القراءة الأُولى: تعدّد الأدوار ووحدة الهدف(١٧)، وهي قراءة صحيحة، ولكنَّها غير تامَّة من جهة بيان المنظومة المنهجية المتكاملة للإمام، إذ أنَّها تُركِّز على دور وتترك الأدوار الأُخرى في منهج المعصوم (عليه السلام)، وكأنَّ لكلِّ إمام دوراً واحداً في مرحلة واحدة لا أدواراً متعدِّدة لمراحل عدَّة في حياته، من خلال تسليط الضوء على لون معيَّن بارز لدى الإمام وترك البقيَّة، وتلك القراءة تسهم في معرفة المعصوم معرفة غير متكاملة.
القراءة الثانية: الانفراد المنهجي، بمعنى أنَّ لكلِّ إمام منهجاً خاصّاً أو لوناً منهجياً خاصّاً لا يشترك معه إمام آخر فيه، فالإمام الحسين (عليه السلام) تفرَّد بالمنهج الثوري ولم يشترك معه إمام آخر في ذلك المنهج، وهي قراءة فيها ما فيها من النقص، نعم هو تميَّز بذلك اللون المنهجي، ولكن لديه ألوان أُخرى تنضمُّ إلى اللون الثوري، لتكون المنهج المتكامل لدى الإمام الحسين (عليه السلام)، أمَّا التركيز على الجانب الثوري وترك الجوانب الأُخرى فهو أمر غير دقيق.
القراءة الثالثة: وحدة المنهج ووحدة الهدف، وهي القراءة المبحوث عنها هنا، والتي تهدف إلى بيان أنَّ منهج الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) هو منهج أمير المؤمنين (عليه السلام) ومنهجه منهج الإمام الحسن والحسين والتسعة المعصومين من ذرّيته (عليهم السلام)، بمعنى أنَّه منهج يلازم جميع الأئمَّة من غير تفريق ولذلك يُعبِّر الحديث أنَّ «أوَّلنا محمّد، وأوسطنا محمّد، وآخرنا محمّد»(١٨)، وتتميَّز هذه القراءة بأنَّها تبحث عن التلازم في منهجية الأئمَّة والتي تتضمَّن مجموعة من الجوانب المكوّنة لمنهجيتهم العامَّة في إدارة شؤون الأُمَّة.
أسباب ظهور وبروز لون منهجي معيَّن:
بروز طابع معيَّن أو لون منهجي لدى إمام أكثر من الألوان الأُخرى في منهجيته يعود لأسباب أهمّها:
١ - الظرف العامّ لا يساعد على إظهار تلك الألوان والأساليب المنهجية، بمعنى عدم استعداد الأُمَّة لتقبّل ذلك المسلك، ممَّا يجعل المعصوم ينتظر حتَّى تستعدَّ الأُمَّة لذلك اللون المنهجي في الإدارة، مثاله عدم خروج الإمام أمير المؤمنين بعد وفاة الرسول للمطالبة بالخلافة، لأنَّه أولى بها وقد تمَّ اغتصابها منه، ولكنَّه انتظر حتَّى يكون الظرف أكثر مناسبةً، وهذا ما نجده في قوله (عليه السلام): «أمَا وَالله لَقَدْ تَقَمَّصَهَا ابن أبي قحافه، وإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ مَحَلِّي مِنْهَا مَحَلُّ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، يَنْحَدِرُ عَنِّي السَّيْلُ، وَلَا يَرْقَى إِلَيَّ الطَّيْرُ، فَسَدَلْتُ دُونَهَا ثَوْباً، وطَوَيْتُ عَنْهَا كَشْحاً، وَطَفِقْتُ أَرْتَئِي بَيْنَ أَنْ أَصُولَ بِيَدٍ جَذَّاءَ، أَوْ أَصْبِرَ عَلَى طَخْيَةٍ عَمْيَاءَ، يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَيَشِيبُ فِيهَا الصَّغِيرُ، وَيَكْدَحُ فِيهَا مُؤْمِنٌ حَتَّى يَلْقَى رَبَّهُ، فَرَأَيْتُ أَنَّ الصَّبْرَ عَلَى هَاتَا أَحْجَى، فَصَبَرْتُ وَفِي الْعَيْنِ قَذًى، وفِي الْحَلْقِ شَجًا، أَرَى تُرَاثِي نَهْباً...»(١٩).
٢ - المرحلة التي يعيشها المعصوم تستوجب منه إظهار لون منهجي معيَّن أكثر من غيره، كمرحلة الدعوة السرّية التي عاشها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) استلزمت منه أن يتَّخذ من الخفاء مسلكاً له في الدعوة حفظاً على الرسالة في بدايتها، وبعدها تطلَّبت مرحلة أُخرى من حياة الدعوة الإعلان، وبعدها الهجرة، وبعدها الجهاد، وهكذا، فهي أدوار متعدِّدة لمراحل متعدِّدة في حياة المعصوم، كلُّ واحدة منها استدعت سلوك لون منهجي في الإدارة، والمحصّلة الكلّية لتلك الأدوار والألوان أنَّها شكَّلت بمجموعها المنهج المتكامل للرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والأمر نفسه لبقيَّة المعصومين (عليهم السلام).
٣ - الله سبحانه وتعالى لم يأذن بسلوك تلك المسالك المنهجية من باب الابتلاء والامتحان للمعصوم لا من باب العجز والإعياء والعدم، فعندما يكون منهج الإمام الحسين (عليه السلام) ذا طابع ثوري وهو البارز في منهجه، فذلك لا يعني أنَّه ليس لديه بعداً إدارياً، وآخر استراتيجياً أو تخطيطياً، وإنَّما برز ذلك اللون لوجود ضرورة استدعت ظهوره دون غيره، ولا يعني أنَّ ذلك اللون المنهجي غير موجود في المنظومة المنهجية للإمام الحسن أو الإمام السجّاد أو الباقر أو الصادق (عليهم السلام)، فهو موجود ولكنَّه غير ظاهر لأُمور وظروف استدعت أن لا تظهر، والفرق بين العدم والخفاء واضح.
القيادة الإلهية والمنهج المتكامل:
في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠ - ٣٣)، نكتة تستحقُّ البحث والوقوف عندها، إذ أنَّه سبحانه علَّم آدم الأسماء كلّها لا بعضها، وفيه دلالة على أنَّه أعطاه منهجاً متكاملاً لا يشوبه نقص عندما جعله خليفة في الأرض، فآدم إنَّما استحقَّ الخلافة الإلهيَّة بالعلم بالأسماء من دون إنبائها(٢٠)، وذلك العلم كفيل بأن يُزوِّده بمنهج متكامل الأركان لإدارة شؤون الأرض.
والداعي لهذا البحث أنَّ كلَّ إمام هو قائد للدولة الإلهيَّة المتكاملة، وتلك القيادة تستلزم أن تكون منهجية كلّ إمام في إدارة شؤون الأُمَّة منهجية متكاملة في كافَّة الأصعدة العسكرية منها والمدنية من غير نقص أو اعياء، سواء كانت تلك الإدارة ظاهرة بتسلّم السلطة والحكم، أم خفيَّة بتفعيل العمل المدني بعيداً عن السلطة، لأنَّ وجوده لطف(٢١) يمنع الأُمَّة عن التغالب والتهاوش، ويصدّها عن المعاصي، ويعدها على فعل الطاعات، ويبعثها على التناصف والتعادل، مضافاً لحفظه للشرائع وحراستها عن الزيادة والنقصان، وذلك لا يتمُّ إلَّا بتصرّفه(٢٢) وفق منهجية خاصَّة ومتكاملة، فمهام الإمامة أكبر وأعمق من مهام السلطة الدنيوية، وبالتالي لا بدَّ أن يكون منهجه متكامل المكوّنات لا يقتصر أو يفتقر لمكوّن دون آخر.
من هنا فإنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) لا يحتاج إلى قرون وعصور ليكتسب خبرات وتجارب ليتمكَّن من إدارة شؤون البشرية عند الظهور، ولا يبقى معنى لمقولة تكامل القائد خلال عصر الغيبة من خلال تكامل ما بعد العصمة(٢٣)، لأنَّه أصلاً متكامل ومزوَّد بكلِّ الآليات التي تعينه على الإدارة، ولكن منهجيته في زمن الغيبة لا تستدعي إظهار جميع تلك الآليات والأدوات إلَّا بعد الظهور، وإن كان بعضها ظاهراً في زمن الغيبة، مثالها الرجوع إلى رواة الحديث الذين جعلهم الإمام حجَّة على الأُمَّة، كما جاء في نصِّ التوقيع عنه (عليه السلام)، إذ قال: «وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا حجَّة الله»(٢٤).
وحدة المنهج بين الإمام المهدي وآبائه (عليهم السلام):
إنَّ منهجية الإمام صاحب العصر في زمن الغيبة - الصغرى منها والكبرى - والظهور، إنَّما هي منهجية الأئمَّة جميعاً من دون تفريق بين منهج ومنهج وإمام وإمام، فسيرته سيرة الرسول الأعظم وأمير المؤمنين والحسن والحسين والأئمَّة من ذرّيته (عليهم السلام)، فكلٌّ منهم مهدي بالمهدوية العامَّة، وإمامنا المنتظر مهدي بالمهدوية الخاصَّة.
وإذا تبيَّن ذلك عُرِفَ معنى التراث الروائي القائل بأنَّ المهدي يسير بسيرة جدِّه رسول الله تارةً وبسيرة أمير المؤمنين تارةً أُخرى، منها ما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) إذا قام لبس ثياب عليّ (عليه السلام) وسار بسيرة عليّ (عليه السلام)»(٢٥)، وتنصُّ الأحاديث الشريفة أنَّه (عليه السلام) يسير بسيرة جدِّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي قال: «بُعثت بين جاهليتين لأُخراهما شرٌّ من أُولاهما»(٢٦)، وبيَّن لأُمَّته الكثير من مظاهر الجاهلية الثانية الأشدّ شرّاً، فالمهدي «يصنع كما صنع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يهدم ما كان قبله كما هدم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ما كان قبله، ويستأنف الإسلام جديداً»(٢٧)، وقد تحدَّث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن غربة الإسلام بعده، ونقل عنه المسلمون ذلك(٢٨).
فالمهدي يهدم الجاهلية الثانية كما هدم جدّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) الجاهلية الأُولى، ويستأنف الإسلام الذي عاد غريباً كما بدأ غريباً، ولكن ثمَّة فروقاً بين الأُسلوبين في التطبيق المنهجي تفرضها الخصوصيات الزمانية لكلٍّ منهما، فلا يضرُّ ذلك بحقيقة أنَّ منهجهما منهج واحد وطريقتهما طريقة واحدة.
والسُّنَّة العملية للإمام المنتظر تُظهِر وحدة المنهج بينه وبين آبائه المعصومين (عليهم السلام) ابتداءً من التواصل مع الشيعة عبر السفراء وانتهاءً بالقيام، إذ أنَّ كلّاً من الإمامين العسكريين الإمام عليّ الهادي والإمام الحسن العسكري (عليهما السلام) كانا يتواصلان مع الشيعة في بعض الأحيان عبر السفراء، كما هو الحال مع عثمان بن سعيد العَمري، وهو المعروف بالسمّان، لأنَّه كان يتاجر بالسمن، وينتقل من مكان إلى آخر إخفاءً لمهمَّته العظيمة وهي التبليغ، فهو لم يكن سفيراً للإمام الحُجَّة فحسب، وإنَّما تولّى مهمَّة التبليغ لأبيه العسكري وجدّه الهادي قبل سفارته للإمام الحُجَّة أيضاً(٢٩).
إضافةً لذلك فإنَّ إمامنا المنتظر اعتمد في منهجيته مسلك التهيّأة والإعداد قبل القيام بالأمر، وهي ما يُعبَّر عنها بمرحلة الانتظار التي عُدَّت من أفضل العمل، وأيّ عمل بلا منهج يكون فوضى، وحاشاهم من ذلك، إذ قال الإمام عليُّ بن الحسين (عليه السلام): «انتظار الفرج من أعظم الفرج»(٣٠).
ولا يخفى أنَّ منهج الإعداد قبل التغيير هو منهج الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) والإمام أمير المؤمنين والإمامين الحسنين (عليهم السلام)، لمدخلية الظرف الزماني والمكاني والواقع الاجتماعي في نجاح المشروع التغييري، ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): «أمَا إنّا لا نخرج في زمان لا نجد فيه خمسة معاضدين لنا، نحن أعلم بالوقت»(٣١)، من هنا يتبيَّن التلازم بينهم (عليهم السلام) من حيث المنهج والهدف.
خلاصة البحث:
١ - لكلِّ إمام أدوار عدَّة في حياته، ولكلِّ دور منها لون منهجي معيَّن يقع ضمن المنظومة المنهجية المتكاملة له.
٢ - الأئمَّة (عليهم السلام) بينهم وحدة منهج ووحدة هدف، فمنهج الرسول هو منهج أمير المؤمنين ومنهج الأئمَّة جميعاً (عليهم السلام).
٣ - كون الإمام غائباً لا يعني أنَّه لا منهج له في غيبته، بل له منهج عمل متكامل مستقى من منهج وسيرة الرسول والأئمَّة الأطهار.
٤ - طبيعة الزمان والمكان والواقع الاجتماعي له أثر في بروز لون منهجي معيَّن لدى أحد الأئمَّة أكثر منه لدى إمام آخر، وذلك لا يعني أنَّ المنهج مختلف وإنَّما الأدوات متباينة لتطبيق ذلك المنهج.
٥ - دراسة التلازم المنهجي بين الأئمَّة (عليهم السلام) ضرورة في المعرفة التامَّة غير المنقوصة للمعصوم، فهي تسهم في دراسة المعصوم من جميع جوانب إدارته لشؤون الأُمَّة من دون الاعتماد على جانب واحد فقط.
إشارة:
هذا الكتاب هو عبارة عن مجموعة مؤلَّفات وبحوث متفرِّقة نُشِرَ بعضها بشكل مستقلّ وتحت عنوان مستقلّ، ونُشِرَ البعض الآخر في طيّات بعض كتبنا المطبوعة. ولمَّا كانت البحوث متقاربة في محاورها ارتأينا من الأفضل جمعها وتبويبها في كتاب واحد تحت عنوان (فقه علامات الظهور).

* * *
الفصل الأوّل: أدلَّة انقطاع النيابة الخاصَّة في الغيبة الكبرى

تُطرَح في الآونة الأخيرة تساؤلات حول موقعية شخصيات الظهور، حيث ينتحل أدعياء - بين الفينة والأُخرى - أسمائهم، فهل لتلك الشخصيات - وهي نجوم سنة الظهور - صفة رسمية من قِبَل الإمام المنتظر (عليه السلام)، كأن يكونوا نوّاباً خاصّين له وسفراء للناحية، أو غير ذلك من السمات التي لها طابع الحجّية والتمثيل القانوني، مع أنَّه قد قامت الضرورة في روايات أهل البيت (عليهم السلام) على نفي النيابة الخاصَّة والسفارة في الغيبة الكبرى للإمام المهدي (عليه السلام)، وكذلك في تسالم وإجماع علماء الإماميَّة.
وهذه النجوم لمسرح سنة الظهور ممَّا قد جاءت أسماؤهم في روايات علامات الظهور، مثل: اليماني، والخراساني (الحسني)، وشعيب بن صالح، والنفس الزكيَّة، وغيرهم، وذكرت لهم ملاحم ممهِّدة في نفس سنة الظهور، فهل يستفاد منها أيّ صفة معتبرة نافذة، أم أنَّ النعوت الواردة فيهم لا يستفاد منها أكثر من مديح عامّ من دون أن يصل إلى درجة الحجّية الرسمية؟
وقد بسط علماء الإماميَّة الحديث عن الانقطاع مطوَّلاً في الكتب المؤلَّفة في غيبته (عليه السلام) من الجيل المعاصر للأئمَّة السابقين (عليهم السلام) مروراً بالذين عاصروا غيبته الصغرى، والتقوا بالنوّاب الأربعة، كالكليني وعلي بن بابويه وسعد بن عبد الله الأشعري والنوبختي وغيرهم إلى الجيل الأوَّل من الغيبة الكبرى، كالصدوق وابن قولويه والنعماني ومحمّد بن الحسن الخزّاز وغيرهم، ثمّ المفيد والمرتضى والطوسي والكراجكي، وتتابع طبقات العلماء في كتبهم الكلامية والحديثية الروائية، وقد أودعوا في ذلك من طوائف الروايات المرويَّة عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى بقيَّة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام).
ونشير إلى جملة من تلك الأدلَّة:
الدليل الأوّل: التوقيع الشريف:
التوقيع المبارك الصادر من الناحية المقدَّسة منه (عليه السلام) على يد النائب الرابع علي بن محمّد السمري قبل وفاة النائب بستَّة أيّام: «يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريَّ، أعْظَمَ اللهُ أجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أيَّام، فَأجْمِعْ أمْرَكَ وَلاَ تُوصِ إِلَى أحَدٍ يَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلاَ ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ الأَمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الأَرْض جَوْراً، وَسَيَأتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، ألَا فَمَن ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوج السُّفْيَانِيّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم».
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه وقضى، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه رضي الله عنه وأرضاه.
وقد روى التوقيع كلٌّ من الصدوق في (إكمال الدين)(٣٢)، والطوسي في (الغيبة)(٣٣)، والطبرسي في (الاحتجاج)(٣٤)، والراوندي في (الخرائج والجرائح) رواه عن الصدوق أيضاً(٣٥).
وقد رواه الشيخ الطوسي، قال: (أخبرنا جماعة - يعني جماعة مشايخه -، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه - الصدوق -، قال: حدَّثني أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب).
وقد رواه الصدوق في (إكمال الدين) عن أبي محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، وهو من مشايخ الصدوق، وقد ترحَّم عليه في كتابه (إكمال الدين).
هذا وقد ذكر الشيخ الطوسي في (الغيبة) - عند تعرّضه لترجمة وبيان حال النوّاب والنائب الرابع (السمري) - خمس روايات لانقطاع السفارة بخمسة طرق، منها: قوله: (وأخبرني محمّد بن محمّد بن النعمان - المفيد -، والحسين بن عبيد الله - الغضائري -، عن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الصفواني - شيخ الطائفة تلميذ الكليني ومعاصر للنائب الرابع -، وذكر حضور الشيعة عند النائب الرابع، وأنَّه لم يوص إلى أحد بعده(٣٦)، وهذا الطريق صحيح أعلائي، بل هو قطعي الصدور.
ودلالة التوقيع الشريف على الانقطاع في موضعين:
الموضع الأوَّل: قوله (عليه السلام): «فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّة، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله تعالى ذكره»، فنهاه عن الوصيَّة إلى أحد بعده، فلا يقوم أحد مقام النائب الرابع، وكذلك قوله (عليه السلام): «فقد وقعت الغيبة التامَّة» دلالة على أنَّ فترة النوّاب الأربعة لم تكن غيبة تامَّة، وإنَّما هي صغرى لا تامَّة كبرى، حيث إنَّ النوّاب الأربعة كانوا حلقة وصل بينه (عليه السلام) وبين شيعته، ممَّا يدلُّ على أنَّ معنى الغيبة التامَّة، وهي الكبرى التي وقعت بعد الصغرى، هي أن ينقطع فيها مقام النيابة الخاصَّة، وأنَّها ممتدَّة، فلا ظهور حتَّى الصيحة وخروج السفياني.
الموضع الثاني: قوله (عليه السلام): «سيأتي من شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب مفتر»، والظاهر من ادِّعاء المشاهدة هو السفارة والنيابة بقرينة السياق والصدور على يد النائب الرابع، حيث أمره بعدم الوصيَّة لأحد أن يقوم مقامه في النيابة، ولاسيّما وأنَّ ادِّعاء ذلك هو وسيلة لأجل ادِّعاء الوساطة بين الإمام (عليه السلام) والناس، والتحايل على الآخرين أن بإمكانه القيام بحلقة وصل بين الإمام وبينهم، وهو معنى السفارة والنيابة الخاصَّة.
ثمّ إنَّ صريح هذا التوقيع الشريف الذي تطابقت عليه الطائفة أنَّ انقطاع النيابة الخاصَّة والسفارة يمتدُّ إلى الصيحة من السماء بصوت جبرئيل التي هي من علامات الظهور الحتمية الواقعة في نفس سنة الظهور، وهي: «ألَا إنَّ الحقَّ في علي وشيعته»، ثمّ ينادي إبليس في آخر النهار من الأرض: «ألَا إنَّ الحقَّ في عثمان وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون» كما جاء في الروايات عنهم (عليهم السلام)(٣٧)، وفي بعضها أنَّ النداء هو في شهر رمضان(٣٨)، وفي بعض الروايات أنَّه في رجب(٣٩)، والظاهر أنَّها نداءات متعدّدة بمضامين متعدّدة.
ومقتضى دلالة هذا التوقيع الشريف هو نفي النيابة الخاصَّة والسفارة إلى حدِّ سماع الصيحة من السماء في سنة الظهور، وأيّ مدَّع للنيابة والاتِّصال والارتباط مع الحجَّة (عليه السلام) قبل الصيحة فهو كذّاب ومفتر أيَّاً كان هذا المدَّعي، ولو تقمَّص بأيِّ اسم وعنوان، سواء ادَّعى أنَّه سيظهر من اليمن أو من خراسان أو من غيرهما.
وكذلك قد وقَّت الحدّ والأمد مضافاً إلى الصيحة إلى خروج السفياني، والمراد من خروجه ليس مجرَّد وجوده، بل قيام السفياني بتأسيس دولته في الشام، وخوضه في الحروب لتوسعة دولته.
الدليل الثاني: التواتر في وقوع الغيبتين:
الروايات المتواترة التي رواها الصدوق في (إكمال الدين)، والطوسي في (الغيبة)، والنعماني في (الغيبة)، والكليني في (الكافي)، والتي مفادها وقوع غيبتين للإمام (عليه السلام)، وهذه الروايات قد رويت عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعن بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام)(٤٠).
فقد روى الشيخ الطوسي بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث -: «أمَا إنَّ لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين: واحدة قصيرة، والأُخرى طويلة»(٤١).
وروى النعماني في (الغيبة) بسنده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتَّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتِلَ، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلَّا نفر يسير، لا يطَّلع على موضعه أحد من وليٍّ ولا غيره، إلَّا المولى الذي يلي أمره»(٤٢).
وتقريب دلالة هذه الطائفة على انقطاع السفارة هو ما ذكره النعماني، قال: (هذه الأحاديث التي يُذكر فيها أنَّ للقائم (عليه السلام) غيبتين أحاديث قد صحَّت عندنا - بحمد الله -، وأوضح الله قول الأئمَّة (عليهم السلام)، وأظهر برهان صدقهم فيها، فأمَّا الغيبة الأُولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام) وبين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض العلم، وعويص الحكم، والأجوبة عن كلِّ ما كان يُسئَل عنه من المعضلات والمشكلات، وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيّامها، وتصرَّمت مدَّتها. والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط للأمر الذي يريده الله تعالى، والتدبير الذي يمضيه في الخلق، ولوقوع التمحيص والامتحان والبليَّة والغربلة والتصفية على من يدَّعي هذا الأمر، كما قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]، وهذا زمان ذلك قد حضر، جعلنا الله فيه من الثابتين على الحقِّ، وممَّن لا يخرج في غربال الفتنة، فهذا معنى قولنا: له غيبتان، ونحن في الأخيرة نسأل الله أن يُقرِّب فرج أوليائه منها...)(٤٣).
ودلالة تثنية الغيبة على اختلاف الغيبتين القصيرة عن الطويلة بيِّنة واضحة، وإلَّا لكانت معاً غيبة واحدة لا غيبتان، واختلاف الغيبتين ليس إلَّا بوجود السفراء والنوّاب الأربعة في الأُولى دون الثانية.
ومن هذا القبيل ما في صحيح عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا عَلَماً يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلَّا من دعا بدعاء الغريق؟»، فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع - جُعلت فداك - حينئذٍ؟ قال: «إذا كان ذلك - ولن تدركه - فتمسَّكوا بما في أيديكم حتَّى يتَّضح لكم الأمر»(٤٤).
وقال النعماني في ذيل الفصل الذي أورد الحديث فيه: (وفي قوله في الحديث الرابع من هذا الفصل - حديث عبد الله بن سنان -: «كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا عَلَماً يرى؟» دلالة على ما جرى، وشهادة بما حدث من أمر السفراء الذين كانوا بين الإمام (عليه السلام) وبين الشيعة من ارتفاع أعيانهم، وانقطاع نظامهم، لأنَّ السفير بين الإمام في حال غيبته وبين شيعته هو العَلَم، فلمَّا تمَّت المحنة على الخلق ارتفعت الأعلام، ولا تُرى حتَّى يظهر صاحب الحقِّ (عليه السلام)، ووقعت الحيرة التي ذُكِرَت وآذننا بها أولياء الله، وصحَّ أمر الغيبة الثانية التي يأتي شرحها وتأويلها فيما يأتي من الأحاديث بعد هذا الفصل...)(٤٥).
الدليل الثالث: روايات الانتظار وعدم الاستعجال:
الروايات المستفيضة الآمرة بالانتظار وبالصبر والمرابطة، وعدم الانزلاق مع كلِّ منادٍ لشعار إقامة الحقِّ والعدل، وكذلك روايات التمحيص والامتحان، ومقتضاها انقطاع السفارة والاتِّصال، كما سنُبيِّن.
مثل ما رواه النعماني في كتابه (الغيبة) بسنده عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) يوماً وعنده مهزم الأسدي، فقال: جعلني الله فداك، متى هذا الأمر الذي تنتظرونه، فقد طال علينا؟ فقال: «يا مهزم، كذب المتمنّون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون، وإلينا يصيرون»(٤٦).
وروى عن أبي المرهف أيضاً، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «هلكت المحاضير»، قال: قلت: وما المحاضير؟ قال: «المستعجلون، ونجا المقرِّبون»(٤٧)، ومفادها ظاهراً وقوع المستعجلين لأمر ظهوره (عليه السلام) في الهلكة والضلال، وكذلك الذين يعيشون عالم التمنّي لتوقيت ظهوره ممَّا يحدو بهم إلى العفوية في الانسياق وراء كلّ ناعق. وهذه الحيرة والاضطراب ليست إلَّا للانقطاع وفقد الاتِّصال، وهو مقتضى الصبر والانتظار والترقّب، لأنَّه في مورد فقد الاتِّصال وانقطاع الخبر وعدم وسيلة للارتباط. وكذلك مفاد روايات التمحيص والامتحان بسبب شدَّة المحنة في غيبته بفقد واسطة الارتباط، فتزداد الريبة بوجوده حتَّى يرجع أكثر القائلين بإمامته عن هذا الاعتقاد، لاسيّما مع كثرة الفتن والمحن والبلاء.
فقد روى النعماني بسنده عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): «إنَّما مثل شيعتنا مثل أندر - يعني: بيدراً - فيه طعام فأصابه آكِل - أي السوس - فَنُقّي، ثمّ أصابه آكِل فَنُقِّي حتَّى بقي منه ما لا يضرّه الآكِل، وكذلك شيعتنا يُميَّزون ويُمحَّصون حتَّى تبقى منهم عصابة لا تضرّها الفتنة»(٤٨).
وفي رواية أُخرى عن منصور الصيقل، قال: دخلت على أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وعنده جماعة، فبينا نحن نتحدَّث وهو على بعض أصحابه مقبل إذ التفت إلينا وقال: «في أيِّ شيءٍ أنتم؟ هيهاتَ هيهاتَ، لا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتَّى تُمحَّصوا. هيهاتَ، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتَّى تُميَّزوا، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتَّى تُغربلوا، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم إلَّا بعد إياس، ولا يكون الذي تمدّون إليه أعناقكم حتَّى يشقى من شقى، ويسعد من سعد»(٤٩)، ويستفاد منها الحذر من الخفَّة والانجرار وراء كلّ مدَّعٍ، وذلك بسبب قلَّة الصبر والضعف عن الثبات في الفتن لقلَّة البصيرة.
الدليل الرابع: أقوال علماء الطائفة:
قيام الضرورة لدى الطائفة الإماميَّة وتسالمهم على انقطاع النيابة الخاصَّة والسفارة، فهو من ضرورة المذهب، حتَّى إنَّ علماء الطائفة حكموا بضلال المدَّعين للسفارة ولعنهم والتبرّي منهم، والطرد لهم عن الطائفة، وهذا الموقف تبعاً لما صدر من التوقيعات من الناحية المقدَّسة حول بعضهم. وإليك بعض أقوالهم:
الأوَّل: قال الشيخ سعد بن عبد الله الأشعري القمّي - وقد كان معاصراً للإمام العسكري (عليه السلام)، وكان شيخ الطائفة وفقيهها - في كتابه (المقالات والفِرَق) بعد أن بيَّن لزوم الاعتقاد بغيبة الإمام (عليه السلام)، وانقطاع الارتباط به: (فهذه سبيل الإمامة، وهذا المنهج الواضح، والغرض الواجب اللازم الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإماميَّة المهتدية رحمة الله عليها، وعلى ذلك إجماعنا إلى يوم مضيّ الحسن بن علي رضوان الله عليه).
وقريب من هذه العبارة ذكر متكلِّم الطائفة وفيلسوفها الحسن بن موسى النوبختي(٥٠).
الثاني: وحكى الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) عن الشيخ أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه - صاحب كتاب (كامل الزيارات)، وهو أُستاذ الشيخ المفيد، وكان زعيم الطائفة في وقته معاصراً للصدوق في أوائل الغيبة الكبرى -، قال: (إنَّ عندنا أنَّ كلَّ من ادَّعى الأمر بعد السمري (رحمه الله) - وهو النائب الرابع - فهو كافر مُنَمِّس، ضالٌّ مضلٌّ)(٥١).
الثالث: الشيخ الصدوق في كتابه (إكمال الدين) في الباب الثاني والأربعين - ما روي في ميلاد القائم - وبعد ما ذكر نوّابه الأربعة، قال: (فالغيبة التامَّة هي التي وقعت بعد مضيِّ السمري (رضي الله عنه))(٥٢).
ثمّ روى في الباب اللاحق توقيع الناحية بانقطاع السفارة والنيابة الخاصَّة(٥٣)، وقد صرَّح في أوَّل كتابه أنَّ الذي دعاه إلى تأليف الكتاب هو حيرة بعض الشيعة بسبب الغيبة، ووجدهم قد عدلوا عن طريق التسليم والتمسّك بالأخبار الواردة إلى الآراء والمقاييس(٥٤).
وقد صرَّح الشيخ النعماني صاحب كتاب (الغيبة) - وهو معاصر للصدوق وتلميذ الكليني - في عدَّة مواضع منه بانقطاع السفارة في الغيبة الكبرى، وقد تقدَّم نبذة من كلماته واستدلاله بالروايات(٥٥).
الرابع: وقال الشيخ المفيد في كتاب (الإرشاد) في باب ذكر القائم (عليه السلام): (وله قبل قيامه غيبتان: إحداهما أطول من الأُخرى، كما جاءت بذلك الأخبار، فأمَّا القصرى منهما منذ وقت مولده إلى انقطاع السفارة بينه وبين شيعته وعدم السفراء بالوفاة. وأمَّا الطولى فهي بعد الأُولى وفي آخرها يقوم بالسيف»(٥٦)، ونظير هذا التعبير صرَّح به الطوسي في (الغيبة)(٥٧).
وقد تظافرت كلمات علماء الإماميَّة في كتبهم ممَّا يجدها المتتبِّع في مظانّها.
بل إنَّ علماء سُنَّة الخلافة وجماعة السلطان قد اشتهر بينهم عن الإماميَّة ذلك، وأخذوا يصيغون الإشكالات بانعدام الإمام (عليه السلام) مع انقطاعه عن شيعته في أكثر كتبهم الكلامية والمؤلَّفة في الملل والمذاهب.
وهذه الضرورة القائمة عند الطائفة الإماميَّة توالت عليها أجيالها قرناً بعد قرن، ودأبت الطائفة في إقصاء وطرد جماعات الانحراف أدعياء السفارة كلَّما ظهر لهم راية.
الإجابة علي شبهة استمرار النيابة الخاصَّة:
هذا ومقتضى الأدلَّة السابقة هو بطلان مدَّعي النيابة الخاصَّة وأدعياء السفارة، ومن يزعم أيّ صفة رسمية خاصَّة للتمثيل عن الإمام المنتظر (عليه السلام) إلى سماع النداء والصيحة من السماء، واستيلاء السفياني على الشام، فيقع الكلام حينئذٍ فيما يتوهَّم أنَّه ينافي إبطال السفارة في خصوص بعض الأسماء الواردة في الروايات لسنة الظهور:
اليماني والحسني:
فقد ورد في جملة من الروايات، منها: ما رواه النعماني بسنده عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) أنَّه قال في حديث يذكر (عليه السلام) فيه علامات الظهور الحتمية، كالصيحة لجبرئيل في شهر رمضان، ثمّ صوت إبليس اللعين، وخروج السفياني والخراساني كفرسي رهان يستبقان إلى الكوفة، ثمّ قال: «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلِّ وجه، ويل لمن ناواهم، وليس في الرايات أهدى من راية اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، فإذا خرج اليماني حرم بيع السلاح على الناس وكلِّ مسلم، وإذا خرج اليماني فانهض إليه، فإنَّ رايته راية هدى، ولا يحلُّ لمسلم أن يلتوي عليه، فمن فعل ذلك فهو من أهل النّار، لأنَّه يدعو إلى الحقِّ وإلى صراط مستقيم...» الحديث(٥٨)، ورواه الراوندي في (الخرائج)(٥٩).
وفي الرواية جملة نقاط:
الأُولى: أنَّها تُحدِّد علامة اليماني بعلامة الظهور الحتمية، وهي الصيحة السماوية، وقد ذكر في أوصاف تلك الصيحة، والتي هي نداء جبرئيل من السماء أنَّه يسمعه أهل الأرض، كلُّ أهل لغة بلغتهم(٦٠)، واستيلاء السفياني على الشام، وهكذا التحديد للخراساني الذي قد يُعبَّر عنه في روايات أُخرى بالحسني.
وهذا التحديد يقطع الطريق على أدعياء هذين الاسمين قبل الصيحة والنداء من السماء، وقبل استيلاء السفياني على الشام.
وبعبارة أُخرى: التحديد لهما هو بسنة الظهور وعلاماتها من الصيحة والخسف بالبيداء وخروج السفياني.
الثانية: أنَّ مقتضى تعليل الرواية لراية اليماني بأنَّها راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم، هو إبداء التحفّظ على راية الحسني، وعدم خلوص دعوته إلى المهدي (عليه السلام)، ويظهر من روايات أُخرى أنَّ ذلك لتضمّن جيشه جماعة تقول: إنَّ الإمام والإمامة هي لمن يتصدّى علناً بقيادة أُمور المسلمين وإصلاحها لا أنَّها بالنصِّ الإلهي، وقد اصطلحت الروايات عليهم بالزيدية، والمراد باللفظة المعنى النعتي والإشارة إلى ذلك المقال والمعتقد لا المسمّين بالزيدية كاسم علم.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الحسني والخراساني يتبنّى في شعاره المعلن الإمامة بالتصدّي للأُمور والإصلاح العلني، بينما يتبنّى اليماني أنَّ الإمامة بالنصِّ الإلهي على الاثني عشر آخرهم المهدي (عليه السلام).
الثالثة: أنَّ الرواية تُعلِّل حرمة الالتواء على اليماني بأنَّه يدعو إلى الحقِّ والصراط المستقيم وإلى المهدي (عليه السلام)، فالمدار في مناصرته على توفّر الميزان والحدود الشرعية.
وبعبارة أدقّ: الرواية تدلُّ على حرمة العمل المضادّ لحركته لإفشالها، ففرق بين التعبير بالالتواء عليه والالتواء عنه، فكلمة (عليه) تفيد السعي المضادّ لحركته لا صرف المتاركة لحركته، بخلاف كلمة (عنه) فإنَّها تفيد الانصراف والابتعاد عن حركته. نعم الأمر بالنهوض إليه يفيد المناصرة، والظاهر أنَّ مورده لمن كان في معرض اللقاء به والمصادفة لمسيره، إذ سيأتي استعراض طوائف من الروايات تحثُّ استبقاء النفس وعلى النهوض والتوجّه إلى مكّة المكرَّمة للانخراط في الإعداد لبيعة الحجَّة في المسجد الحرام.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الرواية كما تُحدِّد استعلام علامته بأنَّه يدعو إلى المهدي (عليه السلام) بنحو واضح وشفّاف، أي إنَّ برنامجه الذي يدعو إليه متمحِّض في إعلاء ذكر الإمام المنتظر والنداء باسمه والدعوة إلى ولاية المهدي (عليه السلام)، والالتزام بمنهاج أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنَّ هناك علامة أُخرى تشير إليها الرواية، وهي كون خروجه من بلاد اليمن، وهو وجه تسميته باليماني، لكن في بعض الروايات الإشارة إلى خروجه من صنعاء، كما سيأتي.
ويتحصَّل أنَّ الرواية لا يستفاد منها أنَّ اليماني من النوّاب الخاصّين والسفراء للإمام المنتظر (عليه السلام)، ولا تشير إلى ذلك من قريب ولا بعيد، ولا دلالة لها على وجود ارتباط واتِّصال له مع الحجَّة (عليه السلام)، وإنَّما تجعل المدار على كون البرنامج الذي يدعو إليه هو على الميزان الحقِّ لأهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّه لا ينادي إلى تشكيل دولة هو يترأسها، بل يواكب خروجه زمان الصيحة والنداء من السماء الذي يدعو إلى نصرة المهدي (عليه السلام)، فيكون خروج اليماني على ضوء برنامج الصيحة السماوية ونداء جبرئيل.
كما أنَّ ظاهر الرواية دالٌّ على كون خروج الخراساني من خراسان، وهو وجه تسميته تارةً بالخراساني وأُخرى بالحسني، كما في هذه الرواية قبيل القطعة التي نقلناها: «حتَّى يخرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان: هذا من هنا، وهذا من هنا، حتَّى يكون هلاك بني فلان على أيديهما»(٦١).
وروى الشيخ في (الغيبة) بسنده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «تنزل الرايات السود التي تخرج من خراسان إلى الكوفة، فإذا ظهر المهدي (عليه السلام) بعث إليه بالبيعة»(٦٢).
وقد روى الصدوق في (إكمال الدين) بسنده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث عن القائم (عليه السلام)، وأنَّه منصور بالرعب، وعلامات ظهوره القريبة: «وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) بين الركن والمقام...»(٦٣)، وهي صريحة في خروج اليماني من اليمن.
وكذلك روى النعماني بسنده عن عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني فقال: «أنّى يخرج ذلك ولمَّا يخرج كاسر عينيه(٦٤) بصنعاء»(٦٥).
وروى الشيخ الطوسي في أماليه بإسناده عن هشام، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لمَّا خرج طالب الحقِّ(٦٦) قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): نرجو أن يكون هذا اليماني، فقال: «لا، اليماني يتوالى عليَّاً، وهذا يبرأ منه»(٦٧)، ومفاد الرواية هو ما سبق من التزام اليماني ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومنهاجهم. كما قد يظهر منها أنَّ في زمنهم (عليهم السلام) حصلت حركات قام بها أدعياء بأسماء مسرح الظهور، كتقمّص اسم اليماني، كما حفل التاريخ الإسلامي بالمنتحلين للمهدويَّة.
ومنها: ما أخرجه في (بحار الأنوار) عن بعض مؤلَّفات الإماميَّة بسنده عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث الظهور -:
«ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح الذي(٦٨) نحو الديلم! يصيح بصوت له فصيح: يا آل أحمد، أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقان، كنوز وأيّ كنوز، ليست من فضَّة ولا ذهب، بل هي رجال كزبر الحديد، على البراذين الشهب، بأيديهم الحراب، ولم يزل يقتل الظلمة حتَّى يرد الكوفة وقد صفا أكثر الأرض، فيجعلها له معقلاً، فيتَّصل به وبأصحابه خبر المهدي (عليه السلام)، ويقولون: يا ابن رسول الله، من هذا الذي قد نزل بساحتنا؟ فيقول: أُخرجوا بنا إليه حتَّى ننظر من هو؟ وما يريد؟ وهو والله يعلم أنَّه المهدي، وأنَّه ليعرفه، ولم يرد بذلك الأمر إلَّا ليُعرِّف أصحابه من هو، فيخرج الحسني فيقول: إن كنت مهدي آل محمّد فأين هراوة جدّك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وخاتمه، وبردته، ودرعه الفاضل، وعمامته السحاب، وفرسه اليربوع، وناقته العضباء، وبغلته الدلدل، وحماره اليعفور، ونجيبه البراق، ومصحف أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فيُخرِج له ذلك، ثمّ يأخذ الهراوة فيغرسها في الحجر الصلد وتورق، ولم يرد ذلك إلَّا أن يرى أصحابه فضل المهدي (عليه السلام) حتَّى يبايعوه. فيقول الحسني: الله أكبر، مُدَّ يدك يا ابن رسول الله حتَّى نبايعك، فيمدُّ يده فيبايعه ويبايعه سائر العسكر الذي مع الحسني إلَّا أربعين ألفاً أصحاب المصاحف المعروفون بالزيدية، فإنَّهم يقولون: ما هذا إلَّا سحر عظيم. فيختلط العسكر فيقبل المهدي (عليه السلام) على الطائفة المنحرفة، فيعظهم ويدعوهم ثلاثة أيّام، فلا يزدادون إلَّا طغياناً وكفراً، فيأمر بقتلهم فيُقتَلون جميعاً، ثمّ يقول لأصحابه: لا تأخذوا المصاحف ودعوها تكون عليهم حسرة كما بدَّلوها وغيَّروها وحرَّفوها ولم يعملوا بما فيها»(٦٩).
ويظهر من هذه الرواية جملة من النقاط تُعزِّز ما تقدَّم:
الأُولى: أنَّ ظاهر دعوة الحسني ليس متمحِّضة في الدعوة إلى المهدي (عليه السلام)، بل شعاره عامّ في رفع الظلم، ومن ثَمَّ يشاهد جملة من قاعدته وأتباعه من الزيدية، والمراد منهم - كما مرَّ - المعنى النعتي الوصفي لا العلمي، أي من يرى أنَّ الإمامة هي بالتصدّي العلني لتدبير الأُمور السياسية الاجتماعية وتغييرها.
الثانية: أنَّه مع كون الشعار والمنهاج المعلن للحسني ليس بتلك الدرجة من الاستقامة، إلَّا أنَّ ذلك بسبب الأجواء والوسط الذي يقوم فيه، ومع ذلك فلا تغيب البصيرة بتمامها عن الحسني في الانقياد والاتِّباع للإمام (عليه السلام).
وإلى ذلك تشير رواية النعماني في (الغيبة)، بإسناده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يُعطونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم فيُعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(٧٠).
فإرشاده إلى التحفّظ على النفس حتَّى يظهر الحجَّة (عليه السلام)، وادِّخار النفس لنصرته مؤشِّر عامّ على اتِّخاذ الحيطة في التيّارات والرايات التي تظهر قبيل المهدي (عليه السلام) في سنة ظهوره، وعدم خلوص تلك الجماعات عن شوب الاختلاط في الأوراق والبصيرة، كما أنَّه دالٌّ على أرجحية ادِّخار النفس والنصرة إلى خروج المهدي (عليه السلام) من مكّة على الالتحاق براية اليماني، فضلاً عن غيرها من الرايات.
وفي رواية أُخرى للنعماني في (الغيبة) بإسناده عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث في الظهور، ومجيء جيش السفياني إلى الكوفة وقتله لأهل الكوفة وتنكيله بهم، قال: «فبينا هم كذلك إذ أقبلت رايات من قِبَل خراسان تطوي المنازل طيَّاً حثيثاًَ، ومعهم نفر من أصحاب القائم...»(٧١).
ويظهر منها وجود بعض ذوي البصائر في جيش الخراساني في حين وجود جماعات أُخرى غير متوفّرة على بصيرة مستقيمة.
والحاصل: أنَّ أهمّ ما ورد في اليماني لا يرقى إلى إثبات نيابته الخاصَّة عن الحجَّة، وكونه سفيراً لناحيته المقدَّسة، بل غاية الأمر كون دعوته هي إلى الحقِّ، وهو منهاج أهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم وولاية المهدي (عليه السلام)، ولا يدعو إلى برنامج إصلاحي يترأس هو فيه، ويُعيِّن فيه نفسه للقيادة. هذا مع كون علامات خروجه هو في سنة ظهور الحجَّة (عليه السلام)، أي مواكباً للصيحة السماوية، واستيلاء السفياني على الشام، والخسف لجيش السفياني بالبيداء حوالي المدينة المنوَّرة في الطريق باتِّجاه مكّة المكرَّمة. وأنَّ خروجه من اليمن باتِّجاه الكوفة(٧٢)، وأنَّ من كان في معرض لقياه ومسيره فلا يسعى لمعارضته وإضعافه بعد التحقّق من العلامات الآنفة، والتأكّد من توفّر العلامات فيه، ووضوح برنامج دعوته إلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، والبراءة من أعدائهم، والولاية لإمامة المهدي (عليه السلام)، وأمَّا مناصرته والالتحاق به فهو وإن كان بلحاظ انطباق ميزان وضابطة الحقِّ والصواب في دعوته من منهاج أهل البيت (عليهم السلام) وولايتهم وولاية الإمام المنتظر، إلَّا أنَّه يظهر من روايات أُخرى - واحدة منها سبق الإشارة إليها، وسيأتي الباقي - أنَّ الدعوة العامَّة الشاملة اللازمة على جميع شيعة أهل البيت (عليهم السلام) هو النفر إلى مكّة المكرَّمة للانخراط في بيعة المهدي (عليه السلام) وفي جيشه.
هذا كلّه في اليماني فضلاً عمَّا ورد في الحسني الخراساني الذي يخرج من خراسان، فإنَّه قد مرَّ ورود التعريض برايته من حيث شعارها وبرنامجها ووسط القاعدة الشعبية الذي يتشكَّل منه جيشه، وإن انضمَّ ذلك إلى مديح لبعض الفئات المشاركة في نهضته ولشخصه عندما يُسلِّم الأمر إلى المهدي (عليه السلام)، وباعتبار مقاومته للظالمين، ولكن ليس فيها إعطاء أيَّة صفة رسمية للحسني لا كنائب خاصّ، ولا كسفير للناحية المقدَّسة.
هذا مع تحديد الروايات لخروجه بنفس سنة الظهور وعلاماتها الحتمية من الصيحة السماوية، واستيلاء السفياني على بلاد الشام، وخسف فرقة من جيشه ببيداء المدينة المنوَّرة.
ذو النفس الزكيّة وشعيب بن صالح وغيرهما:
ورد التعبير بالنفس الزكيَّة عن شخصيتين: إحداهما - وهي الأقلُّ وروداً في الروايات -: على شخصية يُقتَل بظهر الكوفة، وثانيها: الذي يُقتَل بين الركن والمقام، بل في بعض روايات الأدعية الواردة عنهم إطلاق النفس الزكيَّة على المهدي (عليه السلام)(٧٣).
وقد روى الشيخ المفيد في (الإرشاد) في علامات الظهور ممَّا قد جاءت به الآثار: (وقتل نفس زكيَّة بظهر الكوفة في سبعين من الصالحين، وذبح رجل هاشمي بين الركن والمقام)(٧٤).
فذكر كلّاً منهما، ولكن الثاني أكثر وروداً في الروايات، وفي جملة منها أنَّ قتله بين الركن والمقام من العلامات الحتمية، وأنَّ اسمه محمّد بن الحسن، وأنَّه من ذرّية الحسين (عليه السلام)، وأنَّه من خواصِّ أصحاب المهدي (عليه السلام)، لكن خروجه في مكّة مرتبط بفاصل أيّام، وبينه وبين ظهور الحجَّة (عليه السلام) للبيعة عند الركن خمس عشرة ليلة، ففي صحيح عمر بن حنظلة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «خمس علامات قبل قيام القائم: الصيحة، والسفياني، والخسف، وقتل النفس الزكيَّة، واليماني»، فقلت: جُعلت فداك، إن خرج أحد من أهل بيتك قبل هذه العلامات أنخرج معه؟ قال: «لا»، فلمَّا كان من الغد تلوت هذه الآية: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فقلت له: أهي الصيحة؟ فقال: «أمَا لو كانت خضعت أعناق أعداء الله (عزَّ وجلَّ)»(٧٥)، فيظهر منه أنَّ الصيحة وقتل النفس الزكيَّة، والمراد به الذي يُقتَل في الكعبة بين الركن والمقام، من العلامات الحتمية للظهور، كما أنَّ في الصيحة تحذيراً أكيداً، وتنبيهاً بالغاً على عدم الانخداع وراء أدعياء أسماء الظهور قبل تحقّق العلامات الحتمية من الصيحة والسفياني والخسف لجيشه في صحراء المدينة المنوَّرة، وإنَّ من أهمّ علامات الظهور الصيحة والنداء من السماء.
وروى النعماني بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟ فقال: «يا أبا محمّد، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت، وقد قال محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم): كذب الوقّاتون. يا أبا محمّد، إنَّ قدّام هذا الأمر خمس علامات، أوَّلهنَّ: النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكيَّة، وخسف بالبيداء...» الحديث(٧٦).
وروى الصدوق في (إكمال الدين) بإسناده عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام) يقول: «القائم منّا منصور بالرعب، مؤيَّد بالنصر، تُطوى له الأرض...»، فقلت له: يا بن رسول الله، متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا ... وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) بين الركن والمقام، اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكيَّة، وجاءت الصيحة من السماء بأنَّ الحقَّ فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا...» الحديث(٧٧).
وروى الصدوق أيضاً في (إكمال الدين)، بإسناده عن صالح مولى بني العذراء، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول: «ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكيَّة إلَّا خمسة عشر ليلة»، ورواه الشيخ في (الغيبة)، والمفيد في (الإرشاد)(٧٨).
وفي رواية الشيخ الطوسي في (الغيبة) بإسناده عن عمّار بن ياسر أنَّه قال: (إنَّ دولة أهل بيت نبيّكم في آخر الزمان، ولها أمارات، فإذا رأيتم فالزموا الأرض، وكفّوا حتَّى تجيء أماراتها...)، إلى أن قال: (ثمّ يسير - أي السفياني بعد استيلائه على الشام - إلى الكوفة، فيقتل أعوان آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ويقتل رجلاً من مسمّيهم، ثمّ يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح، فإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان فالحقوا بمكّة، فعند ذلك تُقتَل النفس الزكيَّة وأخوه بمكّة ضيعة، فينادي منادٍ من السماء: أيّها النّاس، إنَّ أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(٧٩).
ويظهر من هذه الرواية أنَّ النفس الزكيَّة يُقتَل مع أخيه، وأنَّ شعيب بن صالح من رؤساء وقوّاد جيش المهدي، وعلامته ظهوره في جيشه معه.
وفي رواية العيّاشي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث الظهور: «... ثمّ يخرج من مكّة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، معه عهد نبيِّ الله ورايته وسلاحه ووزيره معه، فينادي المنادي بمكّة باسمه وأمره من السماء، حتَّى يسمعه أهل الأرض كلّهم، اسمه اسم نبيّ، ما أشكل عليكم فلم يشكل عليكم عهد نبيِّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ورايته وسلاحه، والنفس الزكيَّة من ولد الحسين، فإن أشكل عليكم هذا فلا يشكل عليكم الصوت من السماء باسمه وأمره، وإيّاك وشُذّاذ من آل محمّد، فإنَّ لآل محمّد وعلي راية، ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتَّبع منهم رجلاً أبداً، حتَّى ترى رجلاً من ولد الحسين معه عهد نبيِّ الله ورايته وسلاحه، فإنَّ عهد نبيِّ الله صار عند علي بن الحسين، ثمّ صار عند محمّد بن علي، ويفعل الله ما يشاء، فالزم هؤلاء أبداً. وإيّاك ومن ذكرت لك، فإذا خرج رجل منهم معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، ومعه راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عامداً على المدينة...» الحديث(٨٠).
ومفاد الرواية أنَّ قتل النفس الزكيَّة في المسجد الحرام من العلامات البارزة الجليَّة الظهور، كما تُؤكِّد الرواية - كما مرَّ في غيرها - على الحذر الشديد، واليقظة البالغة من الانجرار والانجراف وراء أدعياء رايات الظهور، وشعارات الإصلاح، وقد جُعِلَ العلامات الفاصلة بين الملتبس المشتبه وبين الظهور الحقيقي هو الصيحة السماوية.
وروى السيِّد علي بن عبد الحميد يرفعه إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث -، قال: «يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم، إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم، فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكّة فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّية محمّد، وسلالة النبيّين، وإنّا قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا وابتُزَّ منّا حقّنا منذ قُبِضَ نبيّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا، فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكّة لا يريدوننا فلا يدعونه حتَّى يخرج فيهبط من عقبة طوى(٨١) في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً...»(٨٢).
ويظهر من هذه الرواية أنَّ ذا النفس الزكيَّة (محمّد بن الحسن) الحسيني له نيابة خاصَّة من الحجَّة (عليه السلام) لإبلاغ رسالته إلى أهل مكّة، ولكن ذلك بعد الصيحة السماوية، أي في الظهور الأوَّل الأصغر الذي يبتدأ بعد الصيحة السماوية في رجب، أو في شهر رمضان بحسب تعدّد لسان الروايات، وأمَّا الظهور الأكبر فهو يبتدأ عندما يسند ظهره الشريف إلى الركن من الكعبة لأخذ البيعة في ابتداء دولته العالمية.
وروى الطوسي في (الغيبة) عن حذلم بن بشير، قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام): صف لي خروج المهدي، وعرِّفني دلائله وعلاماته، فقال: «يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له: عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثمّ يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند، ثمّ يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس...»(٨٣).
ويظهر من هذه الرواية أنَّ بدء طلوع اسم شعيب بن صالح هو من مدينة سمرقند، وأمَّا عوف السلمي فيحتمل من الرواية أنَّه من غير الموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، حيث يكون مأواه تكريت وساحة حركته في المدن غير الموالية.
وروى النعماني في الغيبة معتبرة البزنطي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: «قبل هذا الأمر السفياني واليماني والمرواني وشعيب بن صالح، فكيف يقول هذا هذا؟!»(٨٤).
ويشير (عليه السلام) إلى من خرج في زمانه وادَّعى أنَّه القائم، وهذه الرواية تعضد مفاد الرواية السابقة من أنَّ شأن شعيب بن صالح الخروج بحركة قبل حركة المهدي (عليه السلام) من مكّة المكرَّمة حيث يكون شعيب أحد قوّاد جيشه حينئذٍ.
وروي في (مختصر بصائر الدرجات) في حديث الظهور عن الحسين بن حمدان بإسناده عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) عند ذكره لخروج الحسني الفتى الصبيح من الديلم، وأنَّه تُجيبه كنوز الله بالطالقان، وهي الرجال كزبر الحديد، وفيه: «لكأنّي أنظر إليهم على البراذين الشهب، بأيديهم الحراب، يتعاوون شوقاً إلى الحرب كما تتعاوى الذئاب، أميرهم رجل من بني تميم يقال له: شعيب بن صالح...»، إلى أن قال: «ثمّ يسير - أي الحسني - بتلك الرايات كلّها حتَّى يرد الكوفة، وقد جمع بها أكثر أهلها فيجعلها له معقلاً...» الحديث(٨٥).
وهذه الرواية ترسم أنَّ حركة شعيب بن صالح من سمرقند ونهضته حينما تقبل إلى شمال إيران (الديلم) تلتحم بحركة الحسني ويكون شعيب بن صالح أميراً لجيش الحسني، ولا بدَّ أنَّ شعيب بن صالح لا يبقى طويلاً مع الحسني بعدما تقع الصيحة السماوية ونحوها من العلامات الحتمية، بل يلتحق بمكّة المكرَّمة للالتحاق بجيش المهدي (عليه السلام) جمعاً مع رواية عمّار بن ياسر المتقدِّمة.
وعلى أيِّ تقدير، فالرواية هذه تفصح عن نسب شعيب بن صالح أنَّه من بني تميم، ولعلَّه من مواليد الديلم حيث يكون بدء حركته منها.
هذا ولعلَّ شعيب بن صالح الذي يكون على لواء جيش المهدي يغاير الذي يخرج من سمرقند، ويكون أميراً لجيش الحسني، كما احتمل ذلك الراوندي في (الخرائج والجرائح)(٨٦).
وعلى أيِّ تقدير، فالروايات الواردة في شعيب بن صالح ليس فيها إشارة إلى صفة تمثيل رسمي له عن الحجَّة (عليه السلام) قبل خروج المهدي (عليه السلام). هذا مع أنَّ خروجه هو في نفس سنة الظهور المشتملة على العلامات الحتمية، وأمَّا ذو النفس الزكيَّة فهو وإن كان له تمثيل رسمي عن الحجَّة (عليه السلام) إلَّا أنَّه بحسب الروايات في خصوص أيّام لا تعدو الخمسة عشر قبل أخذ الإمام المهدي (عليه السلام) البيعة عند الركن في البيت في تلك المهمَّة المذكورة في الروايات.
وقد مرَّ استعراض جملة من بعض الروايات المحذِّرة والناهية عن الاغترار بأدعياء الظهور، والمدَّعين لتقمّص الأسماء اللامعة لسنة الظهور، كاليماني والحسني وذي النفس الزكيَّة، ونحوهم، بل وقد وقعت هذه الادِّعاءات والانتحالات في زمن الأئمَّة السابقين (عليهم السلام)، بادِّعاء اسم النفس الزكيَّة، كما وقع من بعض الحركات الثورية التي قام بها بعض بني الحسن (السادة الحسنيّين)، وهو: محمّد بن عبد الله، كما وقع انتحال اسم اليماني أيضاً، كما تشير إليه رواية الطوسي عن هشام، عن الصادق (عليه السلام)، التي مرَّ نقلها.
التوصيات الروائية في الحذر أمام مدَّعي السفارة:
التوصية الأُولى: أنَّ الحاسم للشبهة والقاطع للريب في صيحات أدعياء حركة الظهور هو الصيحة السماوية والنداء من السماء باسم المهدي (عليه السلام)، والإنباء بأنَّه قد ظهر، وخروج السفياني واستيلائه على الشام.
التوصية الثانية: عدم ترشيح الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام) في اليماني أو الحسني أو شعيب بن صالح، لكونهم يحملون صفة نيابة خاصَّة أو تمثيل رسمي من قِبَل الإمام (عليه السلام)، عدا ذو النفس الزكيَّة وتمثيله عن الحجَّة (عليه السلام) وهو بعد الصيحة وخروج السفياني، وفي غضون خمس عشرة ليلة. فهذه توصيتان بالغتان في الأهمّية، وهناك توصيات أُخر في مجال الظهور تُشير إليها الروايات الواردة عنهم (عليهم السلام).
التوصية الثالثة: أنَّ هناك سلسلة ومجموعات سوف تنتحل وتتقمَّص اسم المهدوية والأسماء المشاركة في حدث الظهور، وظاهر الروايات أنَّ الانتحال تارةً بنحو الاسم العلمي، وأُخرى الاسم النعتي والوصفي، منها:
ما رواه الصدوق في (إكمال الدين) بسند معتبر عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إيّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم، وليُمحِّصنَّ حتَّى يقال: مات أو هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين، ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، ولا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه، وكتب في قلبه الإيمان، وأيَّده بروح منه، ولترفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة، لا يُدرى أيّ من أيّ»، قال: فبكيت، فقال لي: «ما يبكيك يا أبا عبد الله(٨٧)؟»، فقلت: وكيف لا أبكي وأنت تقول: تُرفَع اثنتا عشر راية مشتبهة لا يُدرى أيّ من أيّ، فكيف نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصُّفَّة، فقال: «يا أبا عبد الله، ترى هذه الشمس؟»، قلت: نعم، قال: «والله لأمرنا أبين من هذه الشمس»، ورواه الطوسي في (الغيبة) بسنده أيضاً، والنعماني بطريقين آخرين(٨٨).
ومفاد الرواية ظاهر بيِّن في نشوء حركات ترفع شعار الإصلاح، وتتقمَّص مشروع المهدوية اسماً أو وصفاً، ومن ثَمَّ يشتبه الحال والأمر فيها، إلَّا أنَّه (عليه السلام) حدَّد ضابطة في استعلام نهضتهم (عليهم السلام)، وهو ظهور المهدي (عليه السلام) هي وضوحها وعدم حصول الالتباس فيها، وذلك لتقاربها مع العلامات الإلهية والآيات، كالصيحة السماوية، والخسف بالبيداء لجيش السفياني بعدما يستولي السفياني على الشام، كما أنَّ الرواية تنذر بوقوع الامتحان والتمحيص في أتباع أهل البيت (عليهم السلام) في عصر الغيبة، وأنَّه لن يبقى على ولايتهم (عليهم السلام) إلَّا من كتب الله تعالى له الاستقامة.
ومنها: ما رواه الشيخ الطوسي في (الغيبة) في المعتبر عن أبي خديجة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشر من بني هاشم، كلّهم يدعو إلى نفسه»، ورواه المفيد في (الإرشاد) أيضاً(٨٩).
ولا غرابة في نهوض حركات يقودها إصلاحيون منتسبون إلى بني هاشم، إلَّا أنَّ واقع مسيرتهم هي للقبضة والسيطرة على الحكم، كما حصل من قبل من بني العبّاس، فإنَّهم منتسبون إلى بني هاشم، وكان شعارهم هو الرضا من آل محمّد (عليهم السلام)، أي مقاومة الظلم الجاري على أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، إلَّا أنَّهم لمَّا سيطروا على الحكم أصبحت حاكميَّتهم ونظام حكمهم هو المحور والمدار والهدف الأقصى، ولا يتقدَّم على أهمّيته أيُّ شيءٍ آخر.
ومن المفارقات العجيبة أن يشاهد أنَّ المنصور الدوانيقي العبّاسي - المعروف بالفتك والبطش بالعلويين وبأهل البيت (عليهم السلام) لخوفه من نفوذهم الذي يُضعِف حكومته ونظامه السياسي - ينادي بشعار نصرة المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)، ويقوم بنشر علائم ظهوره، فقد روى الطوسي في (الغيبة)، والمفيد في (الإرشاد)، والكليني في (الكافي) بطرقهم عن إسماعيل بن الصباح، قال: سمعت شيخنا يذكره عن سيف بن عميرة، قال: كنت عند أبي جعفر المنصور، فسمعته يقول ابتداءً من نفسه: (يا سيف بن عميرة، لا بدَّ من منادٍ ينادي باسم رجل من ولد أبي طالب من السماء)، فقلت: يرويه أحد من الناس؟ قال: (والذي نفسي بيده، لسمع أُذني منه يقول: لا بدَّ من منادٍ ينادي باسم رجل من السماء)، قلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ هذا الحديث ما سمعت بمثله قطّ، فقال: (يا سيف، إذا كان ذلك فنحن أوَّل من نجيبه، أمَا إنَّه أحد بني عمّنا)، قلت: أيّ بني عمّكم؟ قال: (رجل من ولد فاطمة (عليها السلام))، ثمّ قال: (يا سيف، لولا أنّي سمعت أبا جعفر محمّد بن علي يُحدِّثني به ثمّ حدَّثني به أهل الدنيا ما قبلت منهم، ولكنَّه محمّد بن علي)(٩٠).
فترى المنصور العبّاسي مع استبداده في حكمه السياسي يتقمَّص شعار أنصار الظهور.
وروى الكليني بسند معتبر عن الحسين بن أبي العلاء، قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ عندي الجفر الأبيض»، قال: قلت: فأيُّ شيءٍ فيه؟ قال: «زبور داود، وتوراة موسى، وإنجيل عيسى، وصحف إبراهيم (عليهم السلام)، والحلال والحرام، ومصحف فاطمة، ما أزعم أنَّ فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا، ولا نحتاج إلى أحد حتَّى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة، وأرش الخدش، وعندي الجفر الأحمر»، قال: قلت: وأيُّ شيءٍ في الجفر الأحمر؟ قال: «السلاح، وذلك إنَّما يُفتَح للدم، يفتحه صاحب السيف للقتل»، فقال له عبد الله بن أبي يعفور: أصلحك الله، أيعرف هذا بنو الحسن؟ فقال: «إي والله! كما يعرفون الليل أنَّه ليل، والنهار أنَّه نهار، ولكنَّهم يحملهم الحسد، وطلب الدنيا على الجحود والإنكار، ولو طلبوا الحقَّ بالحقِّ لكان خيراً لهم»(٩١).
والظاهر أنَّ المراد من قول السائل: (أيعرف هذا بنو الحسن؟)، الإشارة إلى أنَّ المهدي (عليه السلام) هو صاحب النهضة المسلَّحة العسكرية للإصلاح، وأنَّهم إذا كانوا يعرفون، فلماذا يتقمَّصون ويرفعون شعار المهدوية كما ادَّعى ذلك بعضهم في ثورته المسلَّحة التي قام بها ضدّ حكومة العبّاسيين، وادَّعى بعضهم أنَّه ذو النفس الزكيَّة أيضاً، وهو ممَّا يرتبط بالظهور للمصلح الموعود الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، مع أنَّ بني الحسن أقرب رحماً في بني هاشم لأهل البيت (عليهم السلام) من بني العبّاس، وقال (عليه السلام): ولكنَّهم مع معرفتهم بذلك طلبوا الحقَّ، وهو مقاومة ظلم بني العبّاس، وطلبوا الإصلاح بغير الحقِّ، أي بطريق خاطئ بغير الأُسلوب الذي رسمه أهل البيت (عليهم السلام) لهم، بل أخذوا يتقمَّصون دور المهدي(عليه السلام).
ونظير الرواية المتقدِّمة التي رواها الطوسي في (الغيبة) والمفيد في (الإرشاد)، ما رواه المفيد في (الإرشاد) أيضاً في موضع آخر في علائم الظهور: (وخروج ستّين كذّاباً كلّهم يدَّعي النبوَّة، وخروج اثنا عشر من آل أبي طالب كلّهم يدَّعي الإمامة لنفسه)(٩٢).
وروى النعماني في الغيبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا يقوم القائم (عليه السلام) حتَّى يقوم اثنا عشر رجلاً كلّهم يجمع على قول: إنَّهم قد رأوه، فيُكذِّبهم»(٩٣)، أي يُكذِّبهم القائم (عليه السلام) بعد قيامه، والتعبير بـ «يقوم اثنا عشر رجلاً»، أي ينهضون بحركات إصلاحية متقمِّصة لدعوة التنسيق والنيابة الخاصَّة والارتباط مع المهدي (عليه السلام).
نعم في (البحار) روى المجلسي الرواية عن النعماني بلفظ: «فيُكذِّبونهم»(٩٤)، أي فيُكذِّب الناس دعوى هؤلاء الرجال الاثنا عشر الذين يقومون بحركات أنَّهم مرتبطون في برنامج حركتهم بنهوض المهدي (عليه السلام) الإصلاحي للعالم البشري.
وفي رواية النعماني معتبرة عن أبي خالد الكابلي، قال - في حديث سؤاله عن أوصاف المهدي (عليه السلام) -، قال له محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): «فتريد ماذا يا أبا خالد؟»، قلت: أُريد أن تسمّيه لي حتَّى أعرفه باسمه؟ فقال: «سألتني يا أبا خالد سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدِّثاً به أحداً، ولو كنت محدِّثاً به أحداً لحدَّثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أنَّ بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يُقطِّعوه بضعة بضعة»(٩٥).
التوصية الرابعة: النهي عن التوقيت، وتكذيب من يُوقِّت، وأنَّ وقت الظهور هو من الغيب المستور، بل إنَّ في جملة من الروايات الأُخرى أنَّ العلامات الحتمية أيضاً ممَّا قد يقع فيها البداء، أي وإن وقعت فقد لا تكون علامة موقَّتة لظهوره بخلاف أصل ظهور المهدي (عليه السلام)، فإنَّه لا بداء فيه لأنَّه من الميعاد.
وهذا ممَّا يُبطِل شعار أدعياء فرسان الظهور، ويُحبِط دجل المتقمِّصين لأسماء مسرح الظهور، إذ التوقيت وضرب الموعد من الأُمور المحرجة لمن يدَّعي تلك الأسماء، إذ بتوسّط فخّ التوقيت يصطاد السُّذَّج، ويطلي الحيلة على المغفَّلين، وبذلك يوقع المدَّعي نفسه في الفخِّ.
منها: ما رواه النعماني بسند معتبر عن محمّد بن مسلم، قال: قال: أبو عبد الله (عليه السلام): «يا محمّد، من أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فإنّا لا نُوقِّت لأحد وقتاً»(٩٦).
وروي عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنَّه قال: «أبى الله إلَّا أن يُخلِف وقت الموقِّتين»(٩٧).
وعن ابن أبي بكر الحضرمي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنّا لا نُوقِّت هذا الأمر»(٩٨).
ومنها: ما رواه أيضاً عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، متى خروج القائم (عليه السلام)؟ فقال: «يا أبا محمّد، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت، وقد قال محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم): كذب الوقّاتون. يا أبا محمّد، إنَّ قدّام هذا الأمر خمس علامات: أولاهنَّ النداء في شهر رمضان، وخروج السفياني، وخروج الخراساني، وقتل النفس الزكيَّة، وخسف بالبيداء...»، إلى أن قال: «ولا يخرج القائم حتَّى يُنادى باسمه من جوف السماء في ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان ليلة جمعة»، قلت: بِمَ يُنادى؟ قال: «باسمه واسم أبيه، ألَا إنَّ فلان بن فلان قائم آل محمّد، فاسمعوا له وأطيعوه، فلا يبقى شيءٌ خلق الله فيه الروح إلَّا يسمع الصيحة، فتُوقِظ النائم ويخرج إلى صحن الدار، وتخرج العذراء من خدرها، ويخرج القائم ممَّا يسمع، وهي صيحة جبرئيل (عليه السلام)»(٩٩).
وصريح هذه الرواية كما هو صريح الروايات المستفيضة بأنَّ عدم التوقيت لظهور المهدي (عليه السلام) من الأُمور الثابتة في مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ تحديد الظهور منحصر بالعلامات الحتمية للظهور فقط، وأبرزها الصيحة السماوية، وخروج السفياني في الشام.
وروى النعماني عن أُستاذه الكليني في المعتبر عن عبد الرحمن بن كثير، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه مهزم فقال له: جُعلت فداك، أخبرني عن هذا الأمر الذي ننتظره متى هو؟ فقال: «يا مهزم، كذب الوقّاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلِّمون»(١٠٠).
وعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنَّ موسى (عليه السلام) لمَّا خرج وافداً إلى ربِّه واعدهم ثلاثين يوماً، فلمَّا زاده الله على الثلاثين عشراً قال له قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدَّثناكم بحديث فجاء على ما حدَّثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدَّثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدَّثناكم به فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرَّتين»(١٠١).
وذيل الرواية ظاهر في إمكان حصول البداء في العلامات الحتمية كوقت للظهور، ونظير هذه الرواية ما رواه النعماني أيضاً في الغيبة بسنده عن داود بن أبي القاسم، قال: كنّا عند أبي جعفر محمّد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر (عليه السلام): هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم»، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، قال: «القائم من الميعاد»(١٠٢).
التوصية الخامسة: لزوم الثبات والاستقامة في أدوار التمحيص والامتحان في الغيبة، منها: ما رواه النعماني بسنده عن أبي بصير، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) يقول: «والله! لتُميِّزنَّ، والله لتُمحِّصنَّ، والله لتُغربلنَّ كما يُغربَل الزؤان من القمح»(١٠٣)، والزؤان هو الحَبُّ الذي يشبه الحنطة ويصغر عنه حجماً ينبت بين الحنطة.
وروى عن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سمعه يقول: «ويل لطغاة العرب من شرٍّ قد اقترب»، قلت: جُعلت فداك، كم مع القائم من العرب؟ قال: «شيء يسير»، فقلت: والله إنَّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، فقال: «لا بدَّ للناس من أن يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، ويخرج من الغربال خلق كثير»(١٠٤).
وفي رواية أُخرى لمَّا قيل له: إنَّ شيعته كثير، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «أمَا لو كملت العدَّة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا معلناً، ولا يخاصم بنا قالياً، ولا يجالس لنا عائباً، ولا يُحدِّث لنا ثالباً، ولا يُحِبُّ لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محبَّاً»، فقلت: فكيف أصنع بهذه الشيعة المختلفة الذين يقولون إنَّهم يتشيَّعون؟ فقال: «فيهم التمييز، وفيهم التمحيص، وفيهم التبديل، يأتي عليهم سنون تفنيهم، وسيف يقتلهم، واختلاف يُبدِّدهم، إنَّما شيعتنا من لا يهرُّ هرير الكلب، ولا يطمع طمع الغراب، ولا يسأل الناس بكفِّه، وإن مات جوعاً...» الحديث(١٠٥).
وهذه الرواية حاسمة في بيان علامة الاستقامة على ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، والرواية تُنبئ عن مروق كثير من الشيعة من التشيّع لتولّيهم المخالفين ومعاداتهم للموالين تحت شعارات خدَّاعة، وعناوين ملتبسة تنطوي على شرائح كثيرة لا تبصر الحقيقة من الدجل.
التوصية السادسة: التحذير عن الخفَّة والانزلاق وراء أدعياء الإصلاح المواكب للإصلاح الشامل المهدوي.
فقد روى العيّاشي بسنده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) يقول: «الزم الأرض لا تُحرِّكنَّ يدك ولا رجلك أبداً حتَّى ترى علامات أذكرها لك في سنة...»، ثمّ ذكر العلامات المحتومة مع تفاصيل كلّ منها، وقال: «وإيّاك وشُذّاذ من آل محمّد (عليهم السلام)، فإنَّ لآل محمّد وعلي راية ولغيرهم رايات، فالزم الأرض ولا تتَّبع منهم رجلاً أبداً حتَّى ترى رجلاً من ولد الحسين معه عهد نبيِّ الله ورايته وسلاحه...»(١٠٦).
وروى النعماني بإسناده عن عمرو بن سعد، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقوم القائم حتَّى تفقأ عين الدنيا، وتظهر الحمرة في السماء، وتلك دموع حملة العرش على أهل الأرض، حتَّى يظهر فيهم عصابة لا خلاق لهم، يدعون لولدي وهم براء من ولدي، تلك عصابة رديئة لا خلاق لهم، على الأشرار مسلَّطة، وللجبابرة مفتنة، وللملوك مبيرة...» الحديث(١٠٧).
وروى النعماني أيضاً بسنده عن جابر، قال: قال أبو جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): «يا جابر، الزم الأرض ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها...»، ثمّ ذكر (عليه السلام) العلامات الحتمية للظهور(١٠٨).
وروى النعماني بسنده عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق، يطلبون الحقَّ فلا يُعطونه، ثمّ يطلبونه فلا يُعطونه، فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيُعطون ما سألوا فلا يقبلونه حتَّى يقوموا، ولا يدفعونها إلَّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لأبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(١٠٩).
والظاهر من هذه الرواية انطباقها على خروج الحسني الخراساني حيث إنَّه يظهر من المشرق من خراسان أو الديلم، كما في ألسنة الروايات المختلفة، وهو الذي يُسلِّم الراية، أي راية وقيادة جيشه إلى المهدي (عليه السلام) في الكوفة، كما في روايات أُخرى، وأنَّ في جيش الخراساني بعض أصحاب القائم في بعض الروايات، وأنَّه يُصفّي الأرض التي يمرُّ بها من الظلم إلى أن يصل إلى الكوفة، كما في روايات أُخرى مرَّت الإشارة إليها، لكن مع ذلك يوصي (عليه السلام) بالإبقاء على النفس والمحافظة عليها لنصرة المهدي (عليه السلام) نفسه، أي تجنّب المشاركة في جيش الحسني الخراساني، وقد بيَّنت بعض الروايات الأُخرى أنَّ في جيشه شريحة من الزيدية وصفاً وسلوكاً لا اسماً، يستعصون عليه في التسليم والانقياد للمهدي (عليه السلام) ممَّا يُدلِّل على أنَّ المسار العامّ لجيش الحسني هو تبنّي الإمامة لمن يتصدّى علناً لتدبير الأُمور وإصلاحها، ويدلُّ على ذلك أيضاً ما مرَّ في بعض الروايات أنَّ راية اليماني أهدى، لأنَّ اليماني يدعو إلى صاحبكم، أي المهدي (عليه السلام)، أي إنَّ اليماني تبنّى أنَّ الإمامة بالنصِّ المحدودة بالاثني عشر، بخلاف مسار ومرام الحسني فإنَّه يتبنّى أنَّ الإمامة بالتصدّي لإصلاح الأُمور والوضع العامّ، ومن ثَمَّ كُنّي عن ذلك بوجود الزيدية في جيشه، أي مرام وسلوك الزيدية لا التسمّي بذلك الاسم.
وروى النعماني بسنده عن يونس بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذا خرج السفياني يبعث جيشاً إلينا وجيشاً إليكم، فإذا كان كذلك فائتونا على صعب وذلول»(١١٠)، ومفاد الرواية كالتي سبقت في حصر النهوض المسلَّح وادِّخار النصرة العسكرية لشخص المهدي (عليه السلام).
ومثل الروايتين ما رواه أيضاً عن خلَّاد الصائغ، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «السفياني لا بدَّ منه، ولا يخرج إلَّا في رجب»، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، إذا خرج فما حالنا؟ قال: «إذا كان ذلك فإلينا»(١١١).
وروي في (البحار) عن كتاب سرور أهل الإيمان بإسناده عن أحمد بن محمّد الأيادي، رفعه إلى بريد، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يا بريد، اتَّق جمع الأصهب»، قلت: وما الأصهب؟ قال: «الأبقع»، قلت: وما الأبقع؟ قال: «الأبرص، واتَّق السفياني، واتَّق الشريدين من ولد فلان يأتيان مكّة، يُقسِّمان بها الأموال، يتشبَّهان بالقائم (عليه السلام)، واتَّق الشُّذّاذ من آل محمّد».
قال المجلسي في ذيلها: (قلت: ويريد بالشُّذّاذ الزيدية، لضعف مقالتهم، وأمَّا كونهم من آل محمّد لأنَّهم من بني فاطمة)(١١٢).
وعلى أيِّ تقدير، فيظهر من الروايات أنَّ الحركات التي تقوم بالشام من الأصهب والأبقع والأبرص والسفياني تحمل وترفع شعارات برّاقة منادية للإصلاح والرشاد في ظاهر حالها ممَّا يوجب الانخداع والاغترار بها، هذا فضلاً عمَّن يقوم بالحركات الأُخرى التي تُضمِّن في شعاراتها مزاعم الصلة بحركة المهدي (عليه السلام) الإصلاحية.
وروى أيضاً بإسناده عن سدير، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، ألزم بيتك، وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغ أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك...»(١١٣).
ومثلها ما رواه عن الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) - وفي ذيله -: «فإذا ظهر على الأكوار الخمس - أي السفياني - يعني كور الشام، فانفروا إلى صاحبكم»(١١٤).
وروى الكليني بسنده عن الفضل الكاتب، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فأتاه كتاب أبي مسلم، فقال: «ليس لكتابك جواب، أُخرج عنّا»، فجعلنا يسارّ بعضنا بعضاً، فقال: «أيُّ شيءٍ تسارّون يا فضل؟ إنَّ الله عزَّ ذكره لا يعجل لعجلة العباد، ولإزالة جبل عن موضعه أيسر من زوال ملك لم ينقض أجله»، ثمّ قال: «إنَّ فلان بن فلان» حتَّى بلغ السابع من ولد فلان، قلت: فما العلامة فيما بيننا وبينه جُعلت فداك؟ قال: «لا تبرح الأرض يا فضل حتَّى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا - يقولها ثلاثاً - وهو من المحتوم»(١١٥)، والرواية تستعرض مسرح أحداث حركة أبي مسلم الخراساني المروزي الذي قاد الثورة على الأُمويّين وتوافق مع العبّاسيين بعد أن راسل الصادق (عليه السلام) وبني الحسن، فآيس من إجابتهم لدعوته.
وروى النعماني بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له (عليه السلام): أوصني؟ فقال: «أُوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك، وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإيّاك والخوارج منّا، فإنَّهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء، واعلم أنَّ لبني أُميَّة ملكاً لا يستطيع الناس أن تردعه، وأنَّ لأهل الحقِّ دولة إذا جاءت ولَّاها الله لمن يشاء منّا أهل البيت، فمن أدركها منكم كان عندنا في السنام الأعلى، وإن قبضه الله قبل ذلك خار له. واعلم أنَّه لا تقوم عصابة تدفع ضيماً أو تعزُّ ديناً إلَّا صرعتهم المنيَّة والبليَّة حتَّى تقوم عصابة شهدوا بدراً مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لا يُوارى قتيلهم، ولا يُرفَع صريعهم، ولا يُداوى جريحهم»، قلت: من هم؟ قال: «الملائكة»(١١٦).
وروى النعماني بسنده عن جابر، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام)، قال: «مثل خروج القائم منّا أهل البيت كخروج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ومثل من خرج منّا أهل البيت قبل قيام القائم مثل فرخ طار فوقع من وكره فتلاعبت به الصبيان»(١١٧).
ومن مجموع هذه الوصايا التي أمروا (عليهم السلام) بها، يتبيَّن تأكيدهم (عليهم السلام) على عدم الاغترار وراء الحركات والنهضات المتشدِّقة بشعارات الإصلاح التي هي شعار الإصلاح المهدوي عند ظهوره، وأنَّه لا نيابة خاصَّة للأسماء اللامعة في سنة الظهور.
وأنَّ العلامة الأكيدة الحتمية لانقطاع الغيبة ولمبدأ ظهوره في المدينة المنوَّرة، ومن ثَمَّ ظهوره الأكبر العلني العالمي في مكّة المكرَّمة هو الصيحة السماوية لجبرئيل، وهو النداء من السماء، وقد حُدِّد في الروايات في شهر رجب وفي بعضها في شهر رمضان، وأنَّه بعبارات متعدّدة.
والعلامة الثانية المحتَّمة هي تحرّك السفياني في بلاد الشام واستيلائه عليها، وإرساله سريَّة من جيشه إلى العراق، وأُخرى إلى المدينة المنوَّرة لمواجهة المهدي (عليه السلام)، فيُخسَف بذلك الجيش في بيداء المدينة.
وأنَّ توقيت ظهور المهدي (عليه السلام) بغير ذلك من التحديد الزماني ما هو إلَّا خداع وتحايل على السُذَّج والبسطاء تغريراً بهم لاستمالتهم ولتسخيرهم حطباً ووقوداً لإنجاز مآرب الأدعياء المتقمّصين يصلون بهم إلى رئاستهم الباطلة.
وأنَّ اللازم على الموالين المؤمنين في عصر الغيبة المتطاولة حتَّى الظهور هو الثبات على الاعتقاد بإمامة الأئمَّة الاثني عشر، أي إمامة المهدي الحيّ الحاضر الشاهد لأحداث البشرية، والتديّن بولايته الفعلية، وتولّي الموالين لأهل البيت (عليهم السلام)، والتبرّي في القلب، وفي النموذج السلوكي العملي من أعداءهم، والتمسّك بالثوابت من أحكام أهل البيت (عليهم السلام)، وعدم الافتتان بالشعارات البرّاقة الخدّاعة المؤدّية إلى التخلّي عن التولّي والتبرّي وللمروق من معالم أحكام فقه أهل البيت (عليهم السلام) ومعارفهم.

* * *
الفصل الثاني: محطّات مهدوية

نستعرض في هذا الفصل بعض المفاهيم المهدوية وتسليط الضوء عليها من زوايا متعدِّدة، وبيان معانيها الصحيحة، لتكوين رؤية مهدوية واضحة.
المحطَّة الأولى: «المُهذَّب الخائِف»:
قد وردت عبارة «المهذَّب الخائف» في بعض الزيارات وبيان كيفية السلام على الإمام المهدي (عليه السلام)(١١٨)، فما معنى ذلك؟
هذا السؤال أجابت عنه روايات كثيرة جدّاً، تدلُّ على عدَّة معاني وأوصاف، أحدها أنَّ الإمام يخرج من المدينة خائفاً يترقَّب إلى مكَّة حين يقترب ظهوره، على سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام).
وهنا تتبادر الأسئلة عن معنى الخوف، ولماذا يخاف لو كان من المحتوم نصره؟ فليترك الحبل على الغارب، وليذهب برجله إلى المنون، فإنَّه لا يموت لأنَّه موعود بالنصر، وإنَّ الدِّين سيظهر على الدِّين كُلّه، بيده المباركة ولو كره المشركون.
فما معنى الخوف؟
فُسِّر الخوف بأنَّه ليس خوفاً على النفس، بل هو خوف على المشروع الإلهي، كما أنَّ موسى (عليه السلام) حينما خرج من مدينة مصر ﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: ١٨)، لم يكن خائفاً على نفسه لنفسه من القتل، أو حصول الأذى بل هو خائف على نفسه لأجل خوفه على إقامة الدِّين وعلى أداء الرسالة ومن غلبة الجهّال على الأمر، كذلك الإمام المهدي (عليه السلام).
وهذا جواب إجمالي - رغم صحَّته - ولا بدَّ من التفصيل، فنقول:
رغم أنَّ هناك وعد جازم بحصول النصر ونجاح المشروع الإلهي قضاءً وقدراً، وأنَّ ذلك محتوم لا ريب فيه، إلَّا أنَّ زمنه غير محتوم، والنهاية معروفة لكن متى ستحصل؟ هل بعد يوم أو بعد سنة أو بعد مئة سنة؟ فينبغي المحافظة على النتائج التي حصلت لأجل عدم تأخُّر المشروع الإلهي؛ لأنَّه لا حتم فيه من حيث الزمن والتفاصيل والكيفيات الأُخرى، فالمكاسب التي حصلت عند صاحب المشروع يجب المحافظة عليها، وهو مأمور بالحرص عليها والخوف عليها من الضياع، (يخاف على شيء فيتحرَّك للمحافظة عليه برجاء المحافظة عليه)، وهذا هو الصحيح من الموازنة بين حتمية القضاء والقدر وبين مسؤولية الاختيار والسعي للتكامل فيبقى بين الرجاء والخوف - كما في الحديث (١١٩) -، محافظاً على ما حصل عليه، وسيحصل عليه.
وهكذا كان الحسين (عليه السلام) يخاف على ضياع جهوده وجهود أبيه وجدِّه وَأُمِّه وأخيه، وما أسَّسه لنجاح المشروع الإلهي، فهو (خائف يترقَّب) حين خرج من مدينة جدِّه الرسول (عليهما السلام)، خوفاً على الدِّين وحرصاً منه على الجهود التي بذلها جدُّه وأبوه وأُمُّه وأخوه، بل جهود كُلِّ الأنبياء السابقين، بل وأكثر وأكثر كان يخاف على ضياع الجهود التي سيبذلها الأئمَّة من ولده بعده ومن تبعهم بإحسان من المؤمنين.
فالخوف ممدوح لمعيَّة الرجاء معه، ولذلك فخوف موسى، بل خوف القائم وخوف الحسين (عليهم السلام) خوف معه الرجاء لأنَّه ليس فيه قعود وتخاذل وقنوط ويأس من روح الله، بل التحرُّك على طبق الخوف لدفعه أو رفعه، وهذا هو الرجاء العملي.
شجاعة التدبير لا تنافي الحذر:
سورة الكهف التي اصطلحنا عليها(١٢٠) سورة الإمامة، (وفعلاً هي كذلك)، فهي تعطي أربعة نماذج مهمَّة تُبيِّن حيثيات وسلوكيات الإمامة، وهي:
١) قصَّة آدم (عليه السلام) كخليفة وإمام.
٢) نموذج أصحاب الكهف.
٣) نموذج العبد الصالح.
٤) نموذج ذي القرنين.
كذلك تؤكِّد الروايات أنَّ أصحاب الكهف والعبد الصالح الذي هو الخضر (عليه السلام)، سيكونون من أنصار الإمام المهدي (عليه السلام)، أي إنَّ هؤلاء لهم الأهلية للعيش في آخر الزمان، أي لهم الأهلية للقيادة العسكرية والسياسية التدبيرية والاجتماعية في الزمن اللاحق (المُتقدِّم) المتطوِّر علمياً وحضارياً، ممَّا يكشف لنا عن علوِّ علمهم، وعن عمق عقيدتهم وصفاء نيَّتهم، وعمق تدبيرهم وخبرويتهم، وأنَّ علمهم ليس من سنخ العلوم المعروفة، بل هو علم لدنّي كما أخبرنا القرآن في قصَّة الخضر.
نعم القرآن لم يُخبِرنا عن سنخ علم أصحاب الكهف، بل قال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدى﴾ (الكهف: ١٣)، ولعلَّ أحد القرائن على أنَّ علمهم لدنّي - بالإضافة إلى قول الآية: ﴿وَزِدْناهُمْ هُدى﴾ - هو نفس أهليتهم للقيادة الإدارية والتدبيرية في آخر الزمان.
الأمر الآخر المهمّ الذي يجب أن نُسلِّط الضوء عليه، لبيان ميزاتهم التي سبَّبت أهليتهم للقيادة في آخر الزمان - بعد أن عرفنا أنَّ سنخ علمهم لدنّي -، هو الجانب الأمني أو الحسّ الأمني - كما يُعبَّر في العصر الحاضر -، والقرآن يُبيِّن لنا ذلك في مقطع صغير خفي يتَّضح بالتدبُّر وبالتأمُّل، فعن أصحاب الكهف يقول: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ (الكهف: ١٩).
فمن قوله: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾، وقوله: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾، استدلَّ بعض بها على مشروعية التقيَّة، إلَّا أنَّه فيها جانب عظيم وخطير من تدريب النفس على الحسِّ الأمني والتدبير، فإنَّ (التلطّف) الذي طلبه أصحاب الكهف من صاحبهم الذي أرسلوه إلى المدينة فيه جانب عظيم وخطير من تدريب النفس على الحسِّ الأمني والتدبير، وهو نوع خفاءٍ للمتلطِّف حين مواجهته للناس.
فاللطافة كما يقول الراغب الأصفهاني: (ويُعبَّر باللطافة واللطف عن الحركة الخفيفة وعن تعاطي الأُمور الدقيقة)(١٢١)، إذن التلطُّف هو الخفَّة في التعاطي والتعامل، والخفَّة لا يُقصَد بها سرعة الحركة، بل هي تشير إلى عدم الثقل له لدى الآخرين، وهو عدم الوزن، أي لا يقام لهذا المُتعاطي وزناً، وكأنَّ العين لا تحسب له حساباً ولا تقيم له وزناً. وهذا معنى عظيم وحسّ أمني خطير لا يمكن أن يعمله كُلُّ أحد، وهو في الحقيقة هبة إلهية وسرّ إلهي.
لذلك كثير من القصص التي تُروى عن أشخاص تشرَّفوا برؤية الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، أنَّهم إنَّما التفتوا إلى أنَّ هذا هو الإمام (عليه السلام) بعد أن ذهب أو اختفى عنهم، وأنَّه لم يُشعِرهم أنَّه هو الإمام، والإمام أعطاهم إشارات خفيَّة أو لطيفة، ولكن للطفاتها ودقَّتها لم يلتفتوا إليها، - نعم من يدَّعي الرؤية بداعي إظهار أنَّه وسيط مع الإمام (عليه السلام) فهو كاذب مفتر -.
خفاء التدبير بلا خفاء للمدبّر:
كذلك اللطف هو عبارة عن تعاطي لمعانٍ دقيقة لا يفهمها كُلُّ أحد، فالعبارات اللطيفة الدقيقة التي تُلقى لا يفهمها عامَّة الناس، بل يفهمها الخواصّ أو خواصّ الخواصّ، فيكون التلطّف هو في الكلام بقدر السؤال مع عدم الزيادة، والكلام بشكل إجمالي ومقتضب، أو بشكل بسيط وسلس وغير مُعقَّد، لأنَّ التعقيد يزيد السؤال.
فالتلطّف وعدم إشعار الآخرين هو إشارة للحسِّ الأمني العالي الذي مارسه أصحاب الكهف.
كذلك الخضر حينما جاء إليه موسى يتعلَّم منه، حيث كان بين موسى (عليه السلام) وبين الخضر (عليه السلام) موعد، ولا يُتصوَّر أنَّ الخضر تخلَّف عن الموعد، كما لم يتخلَّف موسى (عليه السلام)، ولكن الذي حصل أنَّ موسى لم يطَّلع على العلامة حين وقوعها وهي اتِّخاذ الحوت سبيله سرباً، وحينها كان الخضر (عليه السلام) جالساً في نفس المكان، ولم يشر إلى موسى (عليه السلام)، ولم يُحرِّك ساكناً لشدَّة حياطته الأمنية، رغم أنَّه عرف موسى (عليه السلام) حسب المقرَّر.
فتلاقي موسى والخضر وإن كان وعداً إلهياً وقدراً محتَّماً وقضاءً مُبرماً إلَّا أنَّ ذلك لم يدع موسى والخضر (عليهما السلام) يتوانيان عن تحمّل أعلى المسؤولية وإتيان قمَّة النشاط ومراعاة أشدّ الحذر وأدقّ الترقُّب، مع أنَّ الخضر قد شرب من عين الحياة ومضمون البقاء إلى يوم الظهور المقدَّس للإمام (عليه السلام) إلَّا أنَّ حذره متصاعد حتَّى مع مثل موسى نبيّ من أُولي العزم.
ومن ثَمَّ قال له حيطةً وحفاظاً على برنامج مسؤولياته الخفيَّة: ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ (الكهف: ٧٨)، والسبب لأجل أن يبقى في معايشة تامَّة لأُسلوب الحياطة الأمنية - التقيَّة المكثَّفة - حتَّى في الحالات الاعتيادية، قال تعالى: ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ عَجَباً﴾ (الكهف: ٦٣).
وهذه التقيَّة من الإمام (عليه السلام) وأصحابه، والبرنامج الأمني المكثَّف ليس تشكيكاً في وعد الله المحتوم بالنصر والعياذ بالله، ولا تشكيكاً في قدرة الله، بل هو على العكس تماماً زيادة في الإيمان بمدى سعة القدرة والمشيئة الإلهية، وزيادة في المعرفة بمشيئة الله وسعة قدرته التي هي البداء وبسعة قدرة الله وسعة مشيئته.
وإنَّ الاحتراز من مثل الخضر (عليه السلام) أو أصحاب الكهف (عليهم السلام) هو أكثر تسليماً لمشيئة الله الواسعة، من استسلامهم للقضاء والقدر اللذين هما أضيق من سعة المشيئة، ألَا ترى قول نبيِّ الله إبراهيم (عليه السلام): ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ (الأنعام: ٨٠)، فرغم يقينه إلَّا أنَّه استثنى مشيئة الله لسعة علم الله بكلِّ شيء.
وبعبارة أُخرى: رغم كون الخضر (عليه السلام) حيَّاً إلى آخر الزمان إلَّا أنَّ اتِّباع الأساليب والطرق الأمنية الأمينة شيء أساسي، وهو أشدُّ تسليماً لله حيث سلَّم بسعة مشيئة الله وعلمه وقدرته ولم يغتر بحتمية القضاء والقدر.
 ولذلك المخلصون على خطر عظيم ووجل كبير، لتهيّبهم من سعة المشيئة والعلم والقدرة والبداء، فبقدر ما لديهم من رجاء ومعرفة بالجمال لديهم خوف ومعرفة بالجلال، وهو ما يشير إليه سيِّد الشهداء في دعاء عرفة: «إِلهِي إِنَّ اخْتِلافَ تَدْبِيرِكَ وَسُرْعَةَ طَواءِ مَقادِيرِكَ مَنَعا عِبادَكَ العارِفينَ بِكَ عَنِ السُّكُونِ إِلى عَطاءٍ وَاليَّأْسِ مِنْكَ في بَلاءٍ»(١٢٢)، فعدم سكونهم لعدم اقتصارهم بلا خوف وإن أُعطوا، وليس سوء ظنّ بالله تعالى، بل توازن شدَّة الرجاء مع شدَّة الخوف، وهو تجلّي للعظمة الربوبية مع شدَّة عبودية وشدَّة خضوع، وعدم يأسهم وعدم اقتصارهم على الخوف بدون رجاء في البلاء لكون خوفهم مع رجاء - وهذا معنى دقيق بحاجة إلى تدبُّر -.
المحطَّة الثانية: أحلاس البيوت:
وردت روايات عديدة ذكرت عنوان (الحلس)، وأُسيء فهم هذا العنوان كثيراً، وتصوَّر الكثير أنَّه يعني الجمود وترك المسؤوليات، فلا بدَّ هنا أن نُسلِّط الضوء على هذا العنوان:
عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «... فكونوا أحلاس بيوتكم، وألبدوا ما أَلبدنا، فإذا تحرَّك متحرِّكنا فاسعوا إليه ولو حبواً»(١٢٣).
وعن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له (عليه السلام): أوصني؟ فقال: «أُوصيك بتقوى الله، وأن تلزم بيتك وتقعد في دهماء هؤلاء الناس، وإيّاك والخوارج منّا فإنَّهم ليسوا على شيء ولا إلى شيء...»(١٢٤).
وعن أبي المرهف، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «هلكت المحاضير»، قال: قلت: وما المحاضير؟ قال: «المستعجلون، ونجا المقرِّبون، وثبت الحصن على أوتادها، كونوا أحلاس بيوتكم فإنَّ الغبرة على من أثارها، وإنَّهم لا يريدونكم بجائحة إلَّا أتاهم الله بشاغل إلَّا من تعرَّض لهم»(١٢٥).
هذه الروايات وغيرها نراها تأمر المؤمن في زمن الغيبة أن يكون حلساً من أحلاس بيته، وقد شاع تفسيره بمعنى الجلوس في الدار، أو بمعنى السكون وعدم الحركة، أو عدم التحرُّك لئلَّا يؤدِّي بالمؤمن للأذى أو الموت، فهل المراد من هذا اللسان ذلك أو شيء آخر؟
وهذا ما سيأتي توضيحه في خاتمة البحث - في بحث مستقلٍّ -، إذ هذا المعنى الشائع تفسيره لا يتناسب مع القواعد المعرفية العامَّة من التوكُّل والرجاء وعدم اليأس وعدم الاستسلام إلى الظروف والواقع الراهن مهما كان معقَّداً ومُكبَّلاً.
وقد جذَّرت هذه الثقافة - ثقافة الأمل والنشاط - ما ورد في زيارة الحسين (عليه السلام) أنَّه كان - أسير الكربات(١٢٦) -،أي إنَّ تعقيد الظروف كان يحيط به من كُلِّ جانب وبرغم كُلِّ ذلك لم يكن (عليه السلام) مستسلماً لتلك الظروف، بل كان في قمَّة الحيوية والنشاط.
الاحتمالات الواردة في معنى الحلس:
قد احتُمِلَ عدَّة احتمالات لمعنى الحلس وللمعاني التي تأمر الفرد المؤمن - في زمن الغيبة الكُبرى - بالجلوس في الدار:
الاحتمال الأوَّل: أن يكون معنى ذلك أن يدَّخر نفسه لنصرة الإمام (عليه السلام)، فينبغي أن يحافظ على نفسه.
وهنا نقول: إنَّ معنى المحافظة مغاير لمعنى الجلوس في الدار، فقد يكون هناك ادِّخار للنفس بلا جلوس في الدار، وقد يكون هناك جلوس سلبي يُعرِّض المؤمن للخطر.
الاحتمال الثاني: أن يكون معنى أحلاس البيوت هو اجتناب الاغترار بكُلِّ صيحة ونداء من هنا وهناك ومن فئة وأُخرى من دون تثبُّت ورويَّة وتعقّل وفحص، ومن دون دراية. لئلَّا يؤدّي إلى قتل النفس بالضلال والانضواء تحت تيّارات الانحراف، والانخداع بالزخرف وبالبهرجة والإعلام، بل اللازم أن يكون مصداقاً لقول الإمام (عليه السلام): «كُنْ في الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ ولَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»(١٢٧)، وابن اللبون من الإبل ما أتى عليه سنتان حيث لا يمكن استغلاله بالحلب، ولا بالركوب حيث لا يُركَب.
كذلك المؤمن خارج من الفتنة بانتصار، رغم أنَّه في الفتنة وليس هو جليس الدار، بل هو في الفتنة وليس معها، كما ورد: «كن في الناس ولا تكن معهم»(١٢٨).
ونظير قوله (عليه السلام) أيضاً: «كونوا كالنحل في الطير ليس شيء من الطير إلَّا وهو يستضعفها، ولو علمت الطير ما في أجوافها من البركة لم تفعل بها ذلك، خالطوا الناس بألسنتكم وأبدانكم وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم»(١٢٩)، أي كُنْ في الفتنة ولا تكُن رقماً من أرقامها حتَّى لا تخسر عقيدتك، وكُنْ حلساً من أحلاس البيوت، أي: «لَا تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ وقَدْ جَعَلَكَ اللَّه حُرَّاً»(١٣٠)، ولا تكن حطباً لنيران الفتن، وذلك يكون بالصبر والتثبّت وعدم الاستعجال.
وقد ورد في الرواية: «هلكت أصحاب المحاضير ونجا المقرِّبون»(١٣١)، والمحاضير أي المستعجلون بلا تروّي، والاندفاعيون بسرعة استرسال بلا تثبّت، وفطنة من دون ملاحظة عواقب الأُمور.
وقوله: «ونجا المقرِّبون» بكسر الراء المشدَّدة تعني أنَّهم يقولون بقرب الفرج وينتظرون في برمجة أعمالهم وجدولة تحرّكهم توخِّي الظهور.
فالانتظار من مادَّة الناظر أي المتطلِّع لشيء آتٍ، حيث يجعل مركز كُلِّ برامجه وتخطيطه وخطاه وخططه السعي لذلك الهدف والدوران حول تلك النقطة المركزية من دون رسم هدف مغاير لذلك الفرج الحقيقي، وذلك بعدم الاغترار والفرح بالانفراج النسبي الضئيل، وبذلك يكون السعي والعمل والنشاط أكبر من الأهداف المتوسِّطة فضلاً عن الأهداف المقطعية الشخصية.
وهذا المعنى لا يعني السكون والركود والنكول عن هدف الانتظار، بل يعني دوام استهدافه في السعي والنشاط والحركة والحراك والسكون والسكوت عن بقية الأهداف الأُخرى الدنيوية. وكذلك هو بتوظيف الأهداف المتوسِّطة لذلك الانتظار والظهور من دون الاغترار بتلك الأهداف لنفسها بنظرة موضوعية لها، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (الروم: ٦٠).
ولذا كان علي أمير المؤمنين (عليه السلام) منشغلاً بتجهيز النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ودفنه، حين كان الناس يتصارعون على كرسي الحكم لم يستخفّه المستخفّون، ولم يُربِكه استعجال المستعجلين وحرص الدنيويين.
الاحتمال الثالث: المعاني اللغوية للحلس: وهذا الاحتمال يدعم الاحتمال الثاني الذي مرَّ، إلَّا أنَّه يُركِّز إلى جانب استعمال السرّية والحسّ الأمني في العمل، حيث إنَّه ذُكِرَ في المعنى اللغوي للحلس: (إنَّه بمعنى الكساء يُجعَل على ظهر البعير تحت رحله، أو هو الكساء يكون تحت البردعة للبعير، أو هو الكساء يُبسَط في البيت تحت حرِّ الثياب)، وهذا الاحتمال الثالث يحتاج إلى شيء من البسط بالبحث في المعاني اللغوية.
في (العين): (الحلس ما ولي البعير تحت الرحل...، والحلس للبيت ما يُبسَط تحت حرِّ المتاع من مسح وغيره...، وفي الحديث في الفتنة: كُنْ حلس بيتك...، الحلس - بكسر اللام -: الشجاع الذي يلازم قرنه)(١٣٢).
وقال في (جمهرة الأمثال): (وأصل الحلس كساء يوضع تحت البرذعة على ظهر البعير ويلزمه، فشُبِّه الذين يعرفون الشيء ويلزمونه به، وفي الحديث: إذا كانت فتنة فكن حلس بيتك، أي الزمه ولا تزايله)(١٣٣).
فظهر من هذه التعاريف اللغوية أنَّ معنى الحلس إمَّا معنى الخفاء أو الثبات والملازمة على الشيء، وكلا المعنيين بهدف عدم الاغترار والانجرار إلى أطراف النزاعات والفتن والاختلافات، بل الثبات واللزوم على ما كان عليه، فلا يزايل هويَّته وانتماءه الذي كان عليه بانتماءات حادثة ومتولِّدة، وبذلك يقرب هذا المعنى من المعنى السابق.
ومن ثَمَّ ورد الحلس كما في (لسان العرب) بمعنى العهد، تقول: (أحلستُ فلاناً إذا أعطيته حلساً أي عهداً)(١٣٤).
وهذا المعنى أيضاً يقرب من معنى اللزوم والثبات وعدم الانحراف، وذلك لقوَّة مراعاة السرّية والكتمان والإخفاء والتستّر لا بالسكون والركود والقعود والابتذال، وجعل النفس بذلة مبتذلة في أيدي العابثين والمعتدين.
وفي (مجمع البحرين) بعد ما ذكر تلك المعاني المتقدمة لغةً، قال: (هذا هو الأصل، والمعنى: الزموا بيوتكم لزوم الأحلاس ولا تخرجوا منها فتقعوا في الفتنة...، والحلس بكسر اللام: الشجاع)(١٣٥).
وفي (تاج العروس): (ومن المجاز الحلس: الكبير من الناس للزومه محلّه ولا يزايله. والذي في (المحيط): رأيت حلساً في الناس أي كبيراً... إذا لم يبرح مكانه)(١٣٦).
ويُؤيِّد أنَّ الحلس بمعنى الثبات والثقل عن الاهتزاز فمن ثَمَّ ما عرف في كلمات اللغويين فيما قال حلس بيته فيمن لم يبرح مكانه أي لم يُغيِّر ما ثبت عليه قلبه من الإيمان بهداهم ومنهاجهم.
نتائج مهمَّة من معنى الحلس:
ولمزيد توضيح قول اللغويون في معنى الحلس أنَّه البردع أو البردعة والبرذغ أو البرذعة، فينبغي أن نُوضِّح معنى البرذع، قال في (لسان العرب): (برذع: البرذعة: هو الحلس الذي يلقى تحت الرحل...، والبرذعة من الأرض: لا جَلَد ولا سهل...، وابرنذع للأمر ابرنذاعاً: تهيَّأ واستعدَّ. وابرنذع أصحابه: تقدَّمهم)(١٣٧).
ويمكن الحصول ممَّا تقدَّم على نتائج عديدة:
١) بما أنَّ معنى الحلس هو البردع الذي هو قماش أو شيء آخر يُوضَع بين السرج وبين ظهر الدابَّة كالحصان، والهدف منه زيادة في (ثبات) السرج على ظهر الحصان أو غيره، ومن جهة أُخرى هو (حماية) ظهر الدابَّة من قساوة السرج، وهكذا المؤمن الحلس هو كالبردع يحمي ظهور المؤمنين ويكون حصناً منيعاً ثابتاً لهم.
٢) وقوله: (والبرذعة من الأرض: لا جَلَد ولا سهل)، هذا يعني أنَّ البرذع الذي هو الحلس دائماً يسير على الطريقة الوسطى، فلا يكون ليناً فيعصر، ولا يكون يابساً فيكسر، أي يكون وسطاً من باب وجعلناكم أُمَّة وسطاً، أو يكون وسطاً أي لا إلى اليمين ولا إلى الشمال أي هو على الوسطية (الاستقامة) لا إلى اليمين ولا إلى الشمال فلا يذوب في الإفراطيين ولا ينساق مع التفريطيين المفرطين، بل متوازن في السير والمسير ويوازن الجوانب من دون متاركتها.
٣) نستشعر من معنى البردع الذي هو ما يوضع بين الرحل أو السرج وبين ظهر الدابَّة، أنَّه بطانة داخلية غير ظاهرة وهو بطانة نافعة، فيكون الحلس هو معنى البطانية الإيمانية الصالحة التي يأمر القرآن بالركون إليها وعدم اتِّخاذ غيرها، قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ (آل عمران: ١١٨).
٤) البردع الذي هو بين الرحل وظهر الدابَّة، له نفع غير ظاهر وغير مُعلِن (خفي غير ظاهر)، لكنَّهُ متواجد فاعل بين الأطراف من دون مشاهدته ومن دون الشعور به - كما هي سنة الغيبة للإمام الثاني عشر (عليه السلام) -، فالأمر بالعمل الخفي (الغير ظاهر النفع) - كما هو نفع الحلس الذي هو بين ظهر الدابَّة والرحل حيث إنَّه له دور ونفع لكنَّه خفي -.
ولو دقَّقنا النظر فإنَّ البردع الذي قد يكون قطعة من القماش البالي، هذه القطعة إذا وضعت ظاهراً فإنَّ نفعها معدوم وإذا خفيت نفعت - أيّما نفع -، كذلك المؤمن إذا خفي نفع وإذا ظهر علانية استُئصِلَ وأُبيد.
٥) وقوله: (ابرنذع: تهيَّأ واستعدَّ)، إنَّ معنى البرذع هو التهيّؤ والاستعداد، فيكون معنى الحلس والحليسة هو التهيّؤ لا المنبتّ المنقطع سريعاً، وذلك بالتنامي التدريجي للقوَّة لا العجول الدفعي المنقطع سريعاً.
ما هو معنى (البيت) الذي ورد في الرواية؟
ثمَّ إنَّ معنى البيت في هذه الروايات، أيضاً هو استعمال كنائي يُراد به لزوم المنهاج الذي عليه المؤمن - منهاج أهل البيت (عليهم السلام) -، فالبيت هو بيت الإيمان وبيت المؤمنين وجماعتهم، كما أُطلق على بلاد المؤمنين وبلدهم ومجتمعهم دار الإيمان في قبال دار الإسلام وفي قبال دار الكفر، فالدار هي الكيان الاجتماعي وكذلك البيوت، والبيت نظير إطلاق البيوت في آية النور(١٣٨) بمعنى الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى، أي إنَّ قوله (عليه السلام): «كن حلساً من أحلاس بيتك» أي استقم على ما أنت عليه من الإيمان وبيئة المؤمن والتزام جماعة المؤمنين وبنمط ورويَّة الخفاء وكتمان موضع القوَّة والضعف في المؤمنين عن الأعداء والمخالفين، والمواصلة في مشروع أهل البيت (عليهم السلام)، بدون صخب في العلانية تثير الأعداء وتُعرقِل مسيرة الإيمان.
فالعمدة في هذه الوصيَّة المستفيضة في رواياتهم جملة من النقاط:
الأُولى: الاستقامة والثبات على الإيمان.
الثانية: التزام السرّية والخفاء.
الثالثة: التمركز في بيت الإيمان وجماعة المؤمنين، وعدم اتِّخاذ ولائج وانتماءات خارجة عنهم.
والتمركز لا يعني التقوقع الجغرافي بقدر ما هو تمركز الاستراتيجية ومنظومة الولاء والتحالف مع المؤمنين.
وأين هذا المعنى البديع من المعنى المغلوط المشتهر تقليدياً في الأذهان من معنى الجمود وترك الحبل على الغارب والتفرّج من بعيد، والتخلّي عن جملة من المسؤوليات الخطيرة؟
كما أنَّ المعنى الصحيح المتقدِّم لا يعني الصخب في العلانية والجهار في إذاعة الأسرار والصراخ والضجيج في كُلِّ الأُمور، وكذلك الخفاء والكتمان لا يعني الجمود والانعزال والتفرّج من بعيد.
ولنا في الإمام المهدي (عليه السلام) القدوة البالغة، فإنَّه (عليه السلام) في قمَّة الخفاء مع قمَّة تحمّل كافَّة المسؤوليات في كُلِّ الساحات والميادين الساخنة والباردة.
وهذا اللسان «كن حلساً من أحلاس البيوت» في الروايات كثير ومفادها لا يتَّضح تماماً إلَّا بمقارنته بطوائف روايات أُخرى في هذا الشأن، كون منظومة الدِّين واحدة لا تتَّحدد الرؤية فيها إلَّا بالمجموع وتفسير كُلِّ بعض بالأبعاض الأُخرى، وكذلك العكس.
فمثلاً نجد رواية صحيحة أعلائية، بل قطعية الصدور يرويها الصدوق عن الفضيل بن يسار النهدي ومشاركته مع زيد الشهيد في ثورته، مع أنَّ الفضيل من تلاميذ الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) المبرزين، والرواية هي قول الفضيل:
انتهيت إلى زيد بن علي صبيحة يوم خرج بالكوفة، فسمعته يقول: من يعينني منكم على قتال أنباط الشام، فوَالذي بعث محمّداً بالحقِّ بشيراً لا يعينني منكم على قتالهم أحد إلَّا أخذت بيده يوم القيامة فأدخلته الجنَّة بإذن الله.
قال: فلمَّا قُتِلَ اكتريت راحلة وتوجَّهت نحو المدينة فدخلت على الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام)، فقلت في نفسي: لا أخبرته بقتل زيد بن علي فيجزع عليه، فلمَّا دخلت عليه قال لي: «يا فضيل، ما فعل عمّي زيد؟»، قال: فخنقتني العبرة، فقال: «قتلوه»، قلت: إي والله قتلوه، قال: «فصلبوه»، قلت: أي والله صلبوه، قال: فأقبل يبكي ودموعه تنحدر على ديباجتي خدِّه كأنَّها الجمان...
ثمّ قال: «يا فضيل، شهدت مع عمّي قتال أهل الشام؟»، قلت: نعم، قال: «فكم قتلت منهم؟»، قلت: ستَّة، قال: «فعلَّك شاكٌّ في دمائهم؟»، قال: فقلت: لو كنت شاكَّاً ما قتلتهم، قال: فسمعته وهو يقول: «أشركني الله في تلك الدماء، مضى والله عمّي وأصحابه شهداء مثلما مضى علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأصحابه»(١٣٩).
والذي نريد أن نقوله: إنَّ الإمام (عليه السلام) لم ينكر على الفضيل مشاركته، بل أكَّد له ألَّا يتردَّد فيما قام به من قتلهم، بل أعطاه مبلغاً من المال يُوزِّعه على عوائل الشهداء.
كذلك روايات كثيرة أكَّدت أنَّ الذي يحجزهم عن النهوض هو عدم استقامة محبّيهم على تحمّل شدَّة المسؤولية، وأنَّهم لو وجدوا أنصاراً لخرجوا على الظالمين.
وفي هذا الصدد نذكر ما رواه الكليني في (روضة الكافي) بسند متَّصل عن أبي هيثم بن التيهان، قال: إنَّ أمير المؤمنين خطب الناس في المدينة، قال (عليه السلام): ... ثمّ ذكر الخطبة - الخطبة الطالوتية -، قال: ثمّ خرج من المسجد فمرَّ بصيرة - حظيرة - فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: «والله لو أنَّ لي رجالاً ينصحون لله (عزَّ وجلَّ) ولرسوله بعدد هذه الشياه لأزلت ابن آكلة الذبّان عن ملكه»، فلمَّا أمسى بايعه ثلاثمائة وستّون رجلاً على الموت، فقال لهم أمير المؤمنين (عليه السلام): «اغدوا بنا إلى أحجار الزيت محلِّقين»، وحلق أمير المؤمنين، فما وافى من القوم محلِّقاً إلَّا أبو ذر والمقداد وحذيفة بين اليمان وعمّار بن ياسر، وجاء سلمان في آخر القوم، فرفع يده - أمير المؤمنين (عليه السلام) - إلى السماء فقال: «إنَّ القوم استضعفوني كما استضعف بنو إسرائيل هارون...»، إلى أن قال: «لولا عهدٌ عهده إليَّ النبيّ الأُمّي (عليه السلام) لأوردت المخالفين خليج المنيَّة، ولأرسلت عليهم شآبيب صواعق الموت وعن قليل سيعلمون»(١٤٠).
وقريب منه ما رواه الخزّاز بسنده المتَّصل عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): ... قلت: يا سيِّدي، أليس هذا الأمر لكم؟ قال: «نعم»، قلت: فلِمَ قعدتم عن حقِّكم ودعواكم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجاهِدُوا في اللهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ﴾ [الحجّ: ٧٨]؟ قال: «فما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) قعد عن حقِّه حيث لم يجد ناصراً؟ أوَلم تسمع الله تعالى يقول في قصَّة لوط: ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، ويقول في حكاية عن نوح: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ [القمر: ١٠]، ويقول في قصَّة موسى (عليه السلام): ﴿رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٥]؟ فإذا كان النبيُّ هكذا فالوصيُّ أعذر. يا جابر، مثل الإمام مثل الكعبة إذ يُؤتى ولا يأتي»(١٤١).
وقريب منه ما رواه في (علل الشرائع)(١٤٢) بسنده عن ابن مسعود عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقريب منه أيضاً ما ورد في (الاحتجاج)(١٤٣) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رجوعه من النهروان.
وذكر المجلسي في علَّة قعوده عن قتال من تآمر عليه من الأوَّلين، وعلَّة قعود من قعد منهم (عليهم السلام)، وذكر المجلسي رواية أُخرى عن (الاحتجاج) قوله (عليه السلام): «لو وجدت يوم بويع أخو تيم أربعين رهطاً لجاهدتم في الله ...»(١٤٤).
وكذلك الصدوق في (الأمالي)(١٤٥) بسند معتبر عن المفضَّل، وكذلك الطوسي في (أماليه)(١٤٦).
وقد جمع المجلسي في هذا الباب - باب العلل - كثيراً منها متضمّناً لهذا التعليل(١٤٧).
وكذلك ما ورد - متعدِّداً - من أنَّه: كان قد قُرِّر أن يكون الحسين (عليه السلام) هو المهدي ولكن بدا لله فيه(١٤٨).
فيظهر أنَّ الذي يُؤخِّر إقامة دولتهم هو تخاذل المؤمنين عن الالتزام العالي الكبير بالمسؤولية الثقيلة، وهذا ما تواترت به الأخبار، بل والآيات الكريمة واضحة الدلالة بالمضمون والصراحة في ذلك. قال تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فيكُمْ ضَعْفاً﴾ (الأنفال: ٦٦).
فالأُمَّة إذن واقعها هو الضعف على مختلف الأصعدة الدينية والحياتية المادّية والمعنوية.
ويتحصَّل ممَّا تقدَّم أنَّ معنى الحلس هو الثبات وعدم الانتقال عن المسار العقائدي والديني بالإنجرار خلف تيّارات الباطل والزيغ. وهذا ما تُوضِّحه لنا الآية الكريمة في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠).
موسى (عليه السلام) حلس البيوت:
وقد روي في (الكافي) مرفوعة علي بن عيسى، قال: «إنَّ موسى (عليه السلام) ناجاه الله تبارك وتعالى، فقال له في مناجاته: يا موسى...، وكن خلق الثياب جديد القلب تخفى على أهل الأرض وتُعرَف في أهل السماء، حلس البيوت مصباح الليل...، يا موسى، كن إمامهم - العباد - في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون، واحكم بينهم بما أنزلت عليك، فقد أنزلته حكماً بيِّناً وبرهاناً نيِّراً ونوراً ينطق»(١٤٩).
في الحديث القدسي يأمر الله (عزَّ وجلَّ) موسى بأن يكون حلساً من أحلاس البيوت، ومع ذلك فإنَّه لم ينافِ الأمر بإقامة الحكم الإلهي بين الناس وإقامة التوراة، ممَّا يُدلِّل على أنَّ المراد الحقيقي والصحيح من الحلس هو السرّية والخفاء في الإقامة في بيت مشروع الحقِّ، والثبات على النهج الصحيح، وعدم الانجرار مع كلِّ اتِّجاه وكلِّ راية مرفوعة، بل الأمر بالحلس والخفاء في البيوت في حين الأمر بقيادة الناس وهو قمَّة النشاط والدور الفاعل ورفع الفتنة والنزاع بين البشر.
وبذلك يظهر جليَّاً أنَّ الأمر بـ «كن حلساً من أحلاس بيتك» هو الخفاء والسرّية في مواجهة العدوّ في حين الإقامة في بيت كيان الحقِّ، وليس أمراً ودعوى إلى الجمود والسكون والوهن والضعف والاستضعاف والتفرّج للأحداث من دون الخوض في إدارة إصلاحها.
كيف وقد ورد في الروايات المستفيضة - كما في روايات الزيارات العديدة - الذمُّ الشديد للضعف والوهن والسكون والضراعة والاستكانة والتتعتع والهلع والتضييع والتخلّف، بينما أمر بالقوَّة والنهوض والبروز والنطق والمحافظة والإقدام والإعداد، وإن لم يكن ذلك بمعنى الحدَّة والسخونة والتهوّر والصخب والإفشاء والإذاعة للأسرار الأمنية وكشف المستور، بل هو أمر ذكي في الآليات والخطوات للخطط.
وفي عدَّة من زيارات لأمير المؤمنين ولسيِّد الشهداء (عليهما السلام)، منها عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: ... وجاء رجل(١٥٠) باكياً وهو مسرع مسترجع وهو يقول: ... قويت حين ضعف أصحابه، وبرزت حين استكانوا، ونهضت حين وهنوا، ولزمت منهاج رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)...، ولم تضرع برغم المنافقين وغيظ الكافرين وكره الحاسدين وصغر الفاسقين، فقمت بالأمر حين فشلوا، ونطقت حين تتعتوا، ومضيت بنور الله إذ وقفوا، فاتَّبعوك فهدوا، وكنت أخفضهم صوتاً وأعلاهم قنوتاً، وأقلّهم كلاماً، وأصوبهم منطقاً، وأكثرهم رأياً، وأشجعهم قلباً، وأشدّهم يقيناً...»(١٥١).
فهم جديد لمعنى (حين) التي وردت في الزيارة:
ذُكِرَ في المنطق بعض أوصاف القضيَّة الحينية، وهي: (أنَّ المحمول فعلي الثبوت للموضوع حين اتِّصافه بوصفه).
وما أوردناه في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام) يشبه ذلك، وهو أنَّه (عليه السلام) حين يأفل عمل القوم وحين يضعف صبرهم يبرز صبره (عليه السلام)، حين يتعتع القوم ينطق (عليه السلام)، وليس دائماً، فهذا الوصف ثابت فعلاً للإمام (عليه السلام) حين يتَّصف القوم بعدم ذلك - فهو دور موازن -.
وهذا دور آخر غير الدور الذي لأمير المؤمنين (عليه السلام) الذي هو ثابت له على الدوام، وهو عمله الدائم - كمكلَّف بالإمامة والقيادة - بالتكاليف الشرعية كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
وهذا تفسير لمعنى الوسطية في العمل والتكليف(١٥٢)، قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ (البقرة: ١٤٣).
الوسطية في قوام العمل حين عجز الأُمَّة:
أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الميزان، وهو القبّان، وهو قسيم الجنَّة والنار، وهو مع الحقِّ والحقُّ معه، وبه تُعرَف الرجال، ولكن هذا لا يمنع أن يكون له دور آخر وهو الوسطية في توازن وميزان الأُمور، بمعنى بيضة القبّان - لو صح التعبير -، وهذا الدور هو أحد أدواره التي سنَّها في نهج ومنهاج الدين.
وبه يكون دوره أُمَّة، قال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (النحل: ١٢٠)، أي رغم كونه ميزان تُوزَن به الخلق، كذلك هو توازن للخلق، أي أحد أهم عناصر الميزان - عناصر التوازن -.
وهذا الدور العظيم - دور بيضة القبّان - مرتبط بشكل وثيق مع برنامج الرقابة الأمني - دور الشهادة على الأُمَّة - للذين آمنوا، قال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة: ١٤٣)، فقد ارتبط الوسطية بالشهادة، ولذلك فإنَّ (إمساك العصا من الوسط) ضمانة أكيدة للنجاة من السقوط في حضيض المتشابهات الفتّانة.
أيّها المؤمن:
كن كموسى (عليه السلام) حلس البيت، حديد القلب، وكما كان يوسف (عليه السلام).
لا بدَّ أن تكون في الحدث، فإنَّ الوسطية بمعنى المعادل الموضوعي والعامل المشترك الذي لا غنى لكثير من العمليات التدبيرية - الحسابية - عنه.
علي (عليه السلام) خير قدوة، حين يحدث فتور نسبي في الأُمَّة يشرق نور علي (عليه السلام)، حينما تسكت الأُمَّة عن الباطل يظهر نور الحقِّ من علي (عليه السلام)، ما أن تبرد الأُمَّة حتَّى يبعث فيها السخونة و...، ولعلَّه أحد معاني إثارة دفائن العقول - الذي هو من أهمِّ وظائف الأنبياء -، فالعقول مفطورة على الدين ولكن الأنبياء يثيروا دفائنها.
ومن ذلك تخلَّص: أنَّ المراد من الحلس هو الثبات وأن لا يبرح المؤمن من استقامته على انتمائه إلى منهاج وخطّ أهل البيت (عليهم السلام) والملازمة على ذلك، ولا تأخذه الاتِّجاهات والجماعات المختلفة يميناً ولا شمالاً، لا أنَّ المراد الجمود والتفرّج وترك الأُمور على غاربها، وعدم الاكتراث بالأُمور التي لا تصبُّ في اتِّجاه منهاج أهل البيت (عليهم السلام)، أي بقدر ما هم مع المنهاج فنعم وبقدر ما يبتعدون فلا، لا أنَّ المعنى الجمود واللامسؤولية والذوبان في المادّية والذاتية والاستمتاع بلذَّة الوداعة والراحة والخمول وبهجة الحياة الدنيا.
المحطَّة الثالثة: استمرار برنامج الثأر والثورة:
قوله (عليه السلام) في الزيارة: «السلام عليك يا ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور»(١٥٣).
الثورة والثأر للإمام الحسين (عليه السلام) مستمرٌّ إلى يومنا هذا وإلى يوم الظهور وما بعده، بل حتَّى في الرجعة التي هي بعد الظهور، كما في الدعاء: «فاخرجني من قبري مؤتزراً كفني شاهراً سيفي مجرِّداً قناتي مُلبّياً دعوة الداعي»(١٥٤).
وهذا يشير إلى أنَّ برنامج الثأر والثورة مستمرٌّ، وهو فرع التعصّب لذات المعصوم (عليه السلام)، فليس التعصّب مختصّاً بحياة المعصوم (عليه السلام)، بل لما بعد حياة الإمام المعصوم، كما يظهر من قوله (عليه السلام): «لو أنَّ عبداً زنجياً تعصَّب لنا»(١٥٥)، فيكون التعصّب غير مقيَّد بزمان أو مكان ما دام يصبُّ في نصرتهم ويضاف نسبته إليهم، وإذا كنّا نقول في زيارة أبي الفضل (عليه السلام): «وانتهكت - بقتلك - حرمة الإسلام»(١٥٦)، فكيف بك بمن هو أعظم حرمةً وقدسيةً كالنبيِّ وأهل البيت (عليهم السلام)؟
ما ورد في الإذن بل والحثّ على الأخذ بثأر الحسين (عليه السلام):
قال جعفر بن نما: ... فقد رويت عن والدي (رحمه الله) أنَّه قال لهم محمّد بن الحنفية: قوموا بنا إلى إمامي وإمامكم علي بن الحسين، فلمَّا دخل ودخلوا عليه، خبَّره بخبرهم الذي جاؤوا لأجله، قال (عليه السلام): «يا عمّ، لو أنَّ عبداً زنجياً تعصَّب لنا أهل البيت لوجب على الناس مؤازرته، وقد ولَّيتك هذا الأمر فاصنع ما شئت»، فخرجوا، وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: أذن لنا زين العابدين (عليه السلام) ومحمّد بن الحنفية(١٥٧).
وهذه الرواية وردت في جماعة كان لهم ارتياب في حركة المختار، وكانوا قد سألوا محمّد بن الحنفية فأجابهم، ثمّ جاء بهم للإمام زين العابدين (عليه السلام) يسألونه، فالإمام (عليه السلام) يعطيهم ضابطة عامَّة مهمَّة وهي أنَّ التعصّب لذات المعصوم (عليه السلام) من أعظم مواطن النصرة التي لا تحتاج إلى ضمِّ قرائن أُخرى للثأر، - وهذه الرواية من أهمِّ المستندات لقاعدتنا -.
كذلك ما ورد عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام): «ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتَّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين (عليه السلام)»(١٥٨).
كذلك ما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): «لا تسبّوا المختار، فإنَّه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا، وزوَّج أراملنا، وقسَّم فينا المال على العُسرة»(١٥٩).
كذلك قول السجّاد (عليه السلام): «الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً»(١٦٠).
نلاحظ من الروايات أُموراً:
أوَّلاً: إنَّ الدعاء للمختار إشارة إلى أهمّية وعظمة ما فعله المختار من الثأر لأهل البيت (عليهم السلام).
ثانياً: إنَّ دعاء الإمام (عليه السلام) للمختار إشارة إلى ضرورة تحمّل المؤمنين مسؤولية الدفاع عن ذات المعصوم (عليه السلام) والتعصّب له، وليس هو مجرَّد وصف لحالة تأريخية وقعت، بل هو رسم لمنهاج عمل ودعوة للمؤمنين للسير في ذلك الطريق، لأنَّ لازم الدعاء هو كون ما أتى به المختار على السنن الشرعية والمنهاج الديني اللازم الأخذ به، ويشير إلى أهمّية ما فعله المختار بالتعصّب لأهل البيت (عليهم السلام)، وهو بالتالي دعوة للسير في مسيرة طلب الثأر للحسين (عليه السلام) من أعدائه.
ثالثاً: أنَّه قد استفيض في الزيارات للحسين (عليه السلام) ولعموم أهل البيت (عليهم السلام) الحثُّ على توطين النفس والعزم على الأخذ بثأرهم وطلب وترهم كتعاليم مكرَّرة لترسيخها لدى المؤمن الزائر لمراقدهم.
طلب الثأر لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم):
ورد في دعاء الندبة: «أين الطالب بدم المقتول بكربلاء»(١٦١)، من شعارات مشروع الحجَّة هو (طلب الثأر لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم))، فعن عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾، قال: «قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (عليه السلام)، لا يدعون وتراً لآل محمّد إلَّا قتلوه ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥]»(١٦٢).
وتقريب دلالة الرواية أنَّ ما تقوم به تلك الجماعة المؤمنة هو من الأغراض الدينية والشرعية البالغة الأهمّية، ومن ثَمَّ كان لسان الرواية المدح والمديح لهم، وقد ذُكِرَ في صدر الرواية قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) وطعن الحسن والحسين (عليهما السلام).
وهناك روايات أُخرى تشير إلى نفس المضمون الذي أوردناه أعلاه: «ولقد نزل إلى الأرض من الملائكة أربعة آلاف لنصره فوجدوه قد قُتِلَ، فهم عند قبره شعث غبر إلى أن يقوم القائم فيكونون من أنصاره، وشعارهم: يا لثارات الحسين»(١٦٣).
وكذلك عن الصادق (عليه السلام) في وصف أصحاب الحجَّة (عليه السلام): «ويتمنون أن يُقتَلوا في سبيل الله، شعارهم: يا لثارات الحسين، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر، يمشون إلى المولى إرسالاً، بهم ينصر الله إمام الحقِّ»(١٦٤).
وكذلك ما رواه ابن المشهدي في إحدى زيارات الإمام (عليه السلام): «السلام على الإمام العالم، الغائب عن الأبصار، والحاضر في الأمصار، والغائب عن العيون، الحاضر في الأفكار، بقيَّة الأخيار، الوارث ذا الفقار، الذي يظهر في بيت الله ذي الأستار، الذي ينادي بشعار: يا لثارات الحسين، أنا الطالب بالأوتار...»(١٦٥).

* * *
الفصل الثالث: قواعد مهدوية

القاعدة الأولى: الصبر والتصبّر
إنَّ الصبر والتصبّر لا يعني الجمود، بل الاندفاع في النشاط والفاعلية والرعاية للطيف والتخطيط لتدابير متعدِّدة واسعة.
وقد ورد في روايات مستفيضة بل متواترة ذمُّ الاستعجال والنهي عن الاندفاع الساخن، إلَّا أنَّ الكلام يقع في حقيقة المعنى المراد منه متوازناً مع الأبواب الأُخرى الواردة فيها أيضاً روايات متواترة دالّة على قواعد دينية أُخرى، فالنظم المتوازن بينهما هو الجادَّة المستقيمة والنمرقة الوسطى.
إذن للصبر في منهاج أهل البيت (عليهم السلام) تفسير يختلف عن المناهج الأُخرى سواء الإسلاميَّة أو غير الإسلاميَّة، بل إنَّ بعض المناهج السائرة على منهج أهل البيت (عليهم السلام) ترجَّلت في فهم (عدم الصبر أو الجزع) في سير ومسير أهل البيت (عليهم السلام)، أين ومتى يكون؟ وما هي مساحته؟
وقد تقدَّم سابقاً في الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام)، بل الروايات(١٦٦) الكثيرة أنَّ الجزع وعدم السكون بمعنى الإلحاح في الرجاء والدعاء والطلب من الله تعالى، هو ميزان للحراك والفعّالية والنشط ولإرادة التغيير والرجاء قبل نزول أمر الله وقبل وقوع القضاء والقدر طمعاً في سعة المشيَّة وسعة الرحمة الإلهية.
الجزع وعدم السكون لا يعني الاعتراض على القضاء والقدر كما قد يتصوَّر البعض، بل إنَّ ساحة الصبر بعد وقوع القضاء والقدر.
القاعدة الثانية: إعداد القوَّة
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ...﴾ (الأنفال: ٦٠)، وهذه الفريضة القرآنية العظيمة ليست مختصَّة بباب الجهاد وحال مناجزة العدوّ، بل هي مطلقة على الدوام أن يبني المؤمنون أنفسهم وقوَّتهم صرحاً يهابه العدوّ رادعاً له عن التطاول، ويمكن استفادة عدَّة أُمور من هذه الآية:
الأوَّل: نرى الآية فرَّقت معنى القوَّة عن رباط الخيل، وكأنَّها تشير إلى أنَّ القوَّة بحسب المعنى أوسع من معنى القوى العسكرية التي أحد مصاديقها (رباط الخيل).
الثاني: هذا التفريق والتمييز واضح في الآيات القرآنية، قال تعالى: ﴿قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ﴾ (النمل: ٣٣)، فالآية هنا فرَّقت القوَّة عن البأس الشديد، أي بيَّنت أنَّ معنى القوَّة أوسع من معنى القوَّة البدنية والعسكرية.
ومن معاني القوَّة الأُخرى، قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً ...﴾ (النحل: ٩٢)، فقد أُشير - في التفاسير - إلى أنَّ معنى القوَّة هو الإحكام والإبرام.
الثالث: كذلك طلب ذي القرنين القوَّة من القوم الذين استنجدوه، وهي الإعانة المالية والبدنية، قال تعالى: ﴿قالَ ما مَكَّنِّي فيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ (الكهف: ٩٥)، وهكذا آيات أُخرى تشير إلى أنَّ معنى القوَّة معنى أوسع من معنى القوَّة البدنية والعسكرية.
إذن يتبيَّن أنَّ عنوان ومعنى القوَّة معنى مطلق شامل لكلِّ أنواع القوَّة سواء القوَّة العسكرية أو غير العسكرية.
ومن الواضح أيضاً أنَّ القوَّة غير العسكرية لها مصاديق كثيرة منها: القوَّة العلمية، والقوَّة السياسية، والقوَّة الاقتصادية، والقوَّة الاجتماعية، وغيرها. رغم أنَّ الآية قالت بعد ذلك: ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾، فيظهر أنَّ القوَّة المعطوف عليها (رباط الخيل) شيء آخر أعمّ من (رباط الخيل)، فتكون القوَّة العلمية في التطوّر العلمي على المستوى السياسي والذكاء السياسي، وكذلك على المستوى الاقتصادي، فإنَّ القوَّة الاقتصادية قوَّة لا ينكرها عاقل، كذلك القوى التي ذكرناها، بل إنَّ القوَّة الاجتماعية والوجاهة الاجتماعية والتأثير في المجتمع أيضاً قوَّة أُخرى.
وكلُّ هذه المصادر للقوَّة تُولِّد هيبةً وتُرهِب العدوَّ المتربِّص بنا، والقضيَّة غير مختصَّة بوجود معركة أو معركة وشيكة، بل على العكس القوَّة تُبنى في وقت السلم للأسباب التالية:
١ - لأنَّها تتنامى من الدرجة البسيطة ثمّ تتصاعد إلى الدرجة العليا، وهذا التنامي يكون في وقت السلم بشكل أفضل.
٢ - أنَّ وقت الحرب ليس وقت بناء للقوَّة، بل هو وقت استخدام لما بنيته من قوَّة، وهذا واضح. فإذا لم تكن بنيت قوَّتك في وقت سابق سوف تُهزَم في الوقت اللاحق - وقت الحرب -.
٣ - أنَّ وقت السلم وقت صحيح لبناء القوَّة بصورة هادئة ورصينة.
فينبغي تحشيد الهمم والإرادات والعزائم للقيام بالمسؤولية، وتخطيط برنامج يقوم بعبئ ضخامة الحدث.
«ونصرتي لكم معدَّة»(١٦٧)، وهذا النصّ ورد مستفيضاً في زياراتهم سواء في جانب الملف الأمني أو العسكري أو التعبوي للنفوس ولحماس الهمم أو في الملف السياسي أو المالي والاقتصادي أو في الملف العقائدي والفكري والإيدلوجي في الملفات الأُخرى من الرعايات الحازمة التي يلزم على المؤمن النهوض بها.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (الأنفال: ٦٠)، وهذه الآية ترسم أصل محكم وقاعدة خطيرة استراتيجية، ألَا وهي أنَّ بناء القوَّة ليس له سقف يقف عنده، بل هو أُفق مفتوح لا يتناهى، بل في قوله تعالى: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ﴾ (الرحمن: ٣٣)، ودعوة للبشر إلى إنماء سلطان قوَّتهم إلى القدرة على النفوذ من أقطار السماوات والأرض.
فإذن بناء القدرة والقوَّة ليس له سقف في دعوة القرآن، نعم استخدام القوَّة تجاه الآخرين ولو كانوا من الأعداء المُعتدين له سقف وحدّ محدود، كما أنَّ استخدام القوَّة تجاه الآخرين حالة استثنائية واضطرارية وليست حالة أوَّلية في منطق القرآن ومدرسة أهل البيت (عليهم السلام).
فبين بناء القوَّة وإعدادها مع استخدام القوَّة واستعمالها بون شاسع، ومن ذلك يُفهَم التوصية بـ «كن حلساً من أحلاس بيتك» أنَّه ليس دعوى لعدم بناء القوَّة لكيان الإيمان والمؤمنين، بل غايته عدم استخدام واستعمال القوَّة تجاه المخالفين لدعوتهم إلى الهدى والحقِّ، لا أنَّها وصيَّة وتوصية منه (عليه السلام) لترك بناء القوَّة أو إيقاف مسيرة بناء القوَّة، وكم بين المعنيين من فرق شاسع.
ومن ثَمَّ نلاحظ أنَّ أتباع أهل البيت (عليهم السلام) كانوا قلَّة بعدد الأصابع في الصدر الأوَّل، ثمّ كيف تناموا إلى يومنا هذا، وليس ذلك إلَّا من بناء القوَّة والقدرة لا من إيقافها. ومن ثَمَّ ولأجل هذا الأصل والقاعدة العظيمة قام كلُّ ظالم بقتل إمام من أئمَّة أهل البيت الأحد عشر (عليهم السلام) واستئصاله إمَّا بالسُّمِّ أو القتل، رغم أنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) من الإمام السجّاد (عليه السلام) إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يستعملوا القوَّة، لكن خلفاء بني أُميَّة وبني العبّاس لمسوا منهم التنامي في القوَّة، فمن ثَمَّ استشعروا الخطر على ملكهم فقاموا بتصفيتهم، بينما لم يقدم بنو أُميَّة وبنو العبّاس على قتل أحد من علماء المخالفين إلَّا نادراً.
وهذا برهان قاطع من سيرة أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) على الإصرار في بناء القوَّة والقدرة وتناميها وتمدّدها بلا حدود، فبين بناء القوَّة والقدرة مع استخدامها تمايز كبير، وقد وقع الخلط عند كثيرين، بل بقي هذا الخلط معشعشاً قروناً إلى يومنا هذا.
إذن بناء القوَّة والقدرة المُتنامي فائدته الردع للعدوِّ عن الطمع في مقدرات المؤمنين والمسلمين، وهو من باب (الوقاية خير من العلاج)، بينما استخدام القوَّة هو من العلاج بعد وقوع الابتلاء بمرض اعتداء المعتدي لإزالة ذلك العدوان، بل إنَّ تنامي القوَّة والقدرة له خاصية أُخرى، وهي خاصية إزالة العدوان أيضاً، بنحو سلمي تلقائي عفوي.
ومن ثَمَّ يتبيَّن أنَّ الهدنة التي أوصى بها أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) في زمن الغيبة الكبرى لا تتنافى مع ضرورة بناء وتنامي القدرة، بل بينهما كمال الوئام والتلازم، فإنَّ الهدنة تعني فيما تعنيه الحفاظ على مقدرات معسكر الإيمان وكيانه، وهذا لا يتمُّ بمُجرَّد ترك المناوشة مع الخصم والعدوّ المخالف، وبمجرَّد الكفّ وصرف ترك المنابذة والمنازلة، فإنَّ ذلك بمجرَّده لا يُحقِّق الأمان والحفظ، بل لا بدَّ من اعتماد بناء القوَّة وتنامي القدرة كي يكون ذلك مُلجأ للعدوِّ والخصم على رعاية الهدنة ورادعاً له عن الطمع في نكث الهدنة والقيام بالعدوان والتجاوز.
ألَا ترى في هدنة الإمام الحسن (عليه السلام) مع معاوية لم تكن تلك الهدنة متمحِّضة في الكفِّ عن القتال، بل أكثر بنود ذلك الاتِّفاق كان فيه المحافظة من الإمام الحسن (عليه السلام) وشيعته على إبقاء القوَّة والقدرة وعدم تسليمها لمعاوية؟
ومن ثَمَّ كان أوَّل بند من بنود الإمام الحسن (عليه السلام) أنَّ أخاه الإمام الحسين (عليه السلام) لا يدخل في هذه الهدنة، بل يظلّ خطَّاً ساخناً يمكن تفعيله في أيِّ وقتٍ، مضافاً إلى البنود الأُخرى الصريحة في ذلك.
فمفهوم الهدنة وعنوانها هو الآخر من العناوين التي حصل الالتباس في مفهومها ومعناها كالتوصية الواردة: «كن حلساً من أحلاس بيتك» كما مرَّ، فبالدقَّة عندنا أصلان:
أصل تنامي القوَّة والقدرة السياسية والعسكرية، وأصل آخر وهو تنامي القوَّة والقدرة التكنولوجية والعلمية، وليس معنى القوى والقدرة السياسية أو التكنولوجية أو حتَّى الاقتصادية ليس المقصود منها الدولة فقط، باعتبار أنَّ السياسية أو الصناعية بيدها، بل الأمر والمسؤولية على الجميع أفراداً أو مجتمعات أو دولاً كلَّاً بحسبه كما ورد: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيَّته»(١٦٨).
القاعدة الثالثة: طلب العلم ونشره
كما أنَّ هناك أصل وقاعدة ثالثة، وهي (طلب العلم ونشره)، فإنَّه أيضاً لا سقف له، وكذلك الدلالات المستفيضة للآيات القرآنية الحاثَّة على العلم، أي على طلبه، بل تحثُّ على عدم الوقوف على حدٍّ في طلب العلم، كما في قوله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (يوسف: ٧٦)، وكذلك الحال في مجال نشره، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (التوبة: ١٢٢).
وكذلك الأحاديث النبوية الكثيرة التي منها: «اُطلب العلم من المهد إلى اللحد»(١٦٩)، وكما أنَّ الحال في استثمار العلم.
القاعدة الرابعة: عموم المسؤولية على الجميع
قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيَّته»(١٧٠).
وهذه الوصيَّة النبويَّة الخطيرة لم تقصر المسؤولية على بعض دون البعض، ولا على النخب دون عامَّة آحاد الأُمَّة، بل كلٌّ من موقعه يتحمَّل الثقل والعبئ، سواء قام الآخرون بمسؤولياتهم أم تخلّوا عنها .
قاعدة الرعاية «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيَّته»، قاعدة عظيمة ومهيمنة تمنهج وتبرمج إعداد القوَّة، رغم أنَّ قاعدة إعداد القوَّة قاعدة عظيمة وكبيرة ومطلقة أيضاً، ولكن كيفيات الإعداد ومتعلّقات الإعداد من حيث المسؤوليات لا تتمنهج إلَّا من خلال تلك الكلمة النبويَّة الجامعة: «كلّكم راعٍ».
فالرعاية مسؤولية، أي إنَّ الراعي مسؤول، لذلك قال الحديث الشريف: «وكلّكم مسؤول عن رعيَّته»، أي إنَّ هذه المسؤولية تلاحقك في الدنيا والآخرة، وأنت مسؤول قبل العمل وحين العمل وبعد العمل، ومسؤول أيضاً لو تركت العمل أو قصَّرت في العمل، وأنت مجازى بأحسن الجزاء لو أنجزت العمل بالصورة المطلوبة.
كما أنَّ لنا قدوة عظيمة بإمام عصرنا صاحب والعصر والزمان المهدي (عليه السلام)، حيث إنَّ تطاول الدهور والعصور على الظهور بمشروعه الإلهي بإقامة دولة العدل والقسط في سائر أرجاء الأرض لم يثنه عن الاستقامة والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف، ولا زعزع طول المدَّة من أمله ورجاءه بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، فكم هائل وعظيم هذا الإصرار من التحمّل لإدارة المضيّ بالمسؤولية والتخطيط عبر عشرة قرون.
وهذا ينتج عدَّة أُمور:
١) أنَّ الصبر على الشدَّة وطول المدَّة في تحمّل المسؤولية والعبء الثقيل لهو من أعظم ما يُميِّز عظمة الإمام صاحب العصر والزمان (عليه السلام).
٢) أنَّ الصبر والرباط والمرابطة على الطريق لتحقيق الهدف بتفاؤل ملؤه أمل ورجاء بالله تعالى في تقدير وتدبير الفتح والنصر، رغم ما مرَّت من عقبات وأزمات وكوارث وانتكاسات وفتن حلَّت بالمؤمنين.
٣) هذه الثقة المطلقة بالله تعالى التي لا يزعزعها شيء، وهي من أهمّ بل الأهمّ في رسم خارطة المسير والمسار الصحيح في تحمّل المسؤوليات للتعامل مع متطلّبات العصر الراهن.
٤) أنَّ أصحاب وأنصار الإمام (عليه السلام) من الأبدال والأوتاد لا الأدعياء في دولته الخفيَّة الآن، هم قدوة أُخرى لنا للثبات على صراط الحقِّ والمسير والمسار القويم الصحيح، نعم لا محورية مستقلَّة لهم، بل محوريتهم تابعة لمحوريته (عليه السلام).
فإذن نحن مسؤولون عن إعداد القوَّة، ونحن مسؤولون عن رعايتها ولو تخاذل الأغلب، ولا عذر لنا ولو تخاذل الأكثر في تسخيرهم وتطويعهم وهذا الأصل مبنيٌّ على موازين وضوابط وليس مفتوحاً بنحو انفلاتي.
فهذه قواعد أربع لها ركنية كبيرة في تبيان قوام منهاج أهل البيت (عليهم السلام) في دعوتهم لإظهار الإيمان على كافَّة أرجاء الأرض.
القاعدة الخامسة: التقيّة الذكية (الكتمان الذكي) وترقية تنامي الحسّ الأمني
ولا بدَّ قبل الدخول في تفاصيل هذه القاعدة من ذكرة مقدَّمة ينبغي الالتفات إليها، وهي:
أنَّ لقاعدة التقيَّة الأمنية موقعية مهمَّة، فهي قبل الجهاد الدفاعي بكلِّ أنواعه ومعه وبعده، لأنَّها تبدأ من الدرجة البسيطة، وهي معه لأنَّها حارسة له وخطّ ساند له من الخرق الداخلي للعدوِّ، وهي حصانة من الاختراق الأمني والاستخباري الذي يمكن للعدوِّ إحداثه في جسد المجتمع المؤمن، وكذلك هي بعد الانتصار العسكري أو - لا قدرَّ الله - بعد الفشل العسكري حمايةً وحصانةً من زيادة الفشل والتردّي لأجل لملمة الجراحات.
إذن موقعية قاعدة التقيَّة الذكية (الأمنية) موقعية عظيمة في الدين وفي السير والمسير السياسي والاجتماعي، كما هو حال الإمام المهدي (عليه السلام) الآن في غيبته، وحال الأوتاد والأبدال الذين يعملون معه في غيبته، فهذه القاعدة عامَّة وشاملة لكلِّ زمان ومكان وخصوصاً زمن الغيبة.
وفي الحقيقة إنَّ عزَّ الأُمم وقوَّتها وفخرها هو بوجود الجنود في الخفاء (الجنود المجهولين)، الذين يقومون بتحصين وحماية المجتمع من أن تميد بهم الأرض، بل إنَّ أحد تفاسير: «لولا الحجَّة لساخت الأرض بأهلها»، ليس أن تسيخ الأرض فقط بأهلها تكويناً بسبب الملكوت بالقضاء والقدر الإلهي، بل أيضاً بحسب الأسباب الطبيعية، أي لولا رعاية الإمام (عليه السلام) وفعل الإنسان الكامل - بالأسباب الطبيعية الإدارية والتدبيرية والتنظيمية -، بإحداث الموازنات والمعالجات السياسية والأمنية والاجتماعية الظاهرية والخفيَّة وكلّ المجالات المعيشية الأُخرى لساخت الأرض بأهلها.
ملاحظتان في الإعداد الأمني:
الملاحظة الأُولى: أحد أهمّ مستندات هذه القاعدة هي نفس قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠)، فإنَّ قوله تعالى: ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾ تشمل كلّ مستويات القوَّة سواء كانت قوَّة عسكرية أو استخبارية - وهي الإعداد الأمني - أو غيرهما، وإنَّ قاعدة الإعداد الأمني متقدِّمة في الأهمّية على القواعد الجهاد الدفاعي التي سنذكرها، حيث إنَّها قبل الجهاد الدفاعي ومعه وبعده، فإنَّ الجهاد الاستخباري الأمني الاجتماعي جارٍ في السلم والحرب.
من جهة أُخرى فإنَّ تتمَّة الآية تقول: ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾، وفيها إشارة إلى أنَّ هناك عدوّ - متربِّص - خفيّ سوف يُردَع سواء كان خارجياً أو داخلياً.
الملاحظة الثانية: تعاكس الإعداد الأمني مع قواعد الجهاد الدفاعي.
من الطريف أنَّ قاعدة الإعداد الأمني متمازجة متداخلة مع الجهاد الدفاعي ومع ذلك هي متعاكسة، وليس معنى التعاكس هو التضادّ، بل هو تعاكس السير المنظومي لتنامي هذه القواعد مع القاعدة الأُخرى.
فإنَّ قاعدة الإعداد الأمني تنطلق من المستوى البسيط وتتنامى إلى المستوى العالي، تبدأ كشيء بسيط وكخليَّة صغيرة ثمّ تكبر، أمَّا الجهاد فإنَّه يبدأ من الدرجة الأعلى، فإن عجز عنها وجبت عليه الدرجة الأدنى وهكذا...
التقيَّة والكتمان حارس الإعداد الأمني:
يمكن استيضاح معنى الحراسة من عدَّة نقاط:
أوَّلاً: وردت روايات كثيرة في الحثِّ على التقيَّة، حتَّى عُدَّت من ضروريات المذهب، بل هو وارد في مضامين آيات كثيرة، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ﴾ (النحل: ١٠٦)، وهذه الآية ورد - في تفسيرها - بنحو مستفيض أو متواتر أنَّها في التقيَّة، ونرى الإمام الصادق (عليه السلام) يُطبِّقها على مثل ميثم فيقول (عليه السلام): «ما منع ميثم (رحمه الله) من التقيَّة؟ فوَالله لقد علم أنَّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه...»(١٧١).
وكذلك من الآيات، قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ﴾ (غافر: ٢٨).
كذلك قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَليس مِنَ اللهِ في شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ (آل عمران: ٢٨).
والتقيَّة التي نريدها في هذه القاعدة تقيَّة في بعد خاصّ وليس التقيَّة بعرضها العريض الشمولي، فتكون آيات وروايات التقيَّة شاملة لمثل موردنا - وهو التقيَّة (الذكية) الأمنية -، لعمومها وشمولها.
ثانياً: الآيات والروايات لا تقتصر - بحسب ظهورها - على التقيَّة بالعنوان والبُعد الفردي، أو بالمعنى المعهود - وهي تقيَّة الخوف -، بل إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام) وسَّعوا عنوان التقيَّة إلى التقيَّة التعليمية (الأمن التعليمي أو المعلوماتي)، والتقيَّة المداراتية، قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّا معاشر الأنبياء أُمرنا أن نُكلِّم الناس على قدر عقولهم»(١٧٢)، وكذلك قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح»(١٧٣)، وكذلك قوله (عليه السلام):«أُمرت بمداراة الناس»(١٧٤).
وكذلك قول الإمام الصادق (عليه السلام): «ما كلَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) العباد بكنه عقله قطّ»(١٧٥)، إلى غير ذلك من الروايات في هذا المضمون.
وقد سبق أن ذكرنا أنَّ قول الإمام (عليه السلام): «التقيَّة من ديني ودين آبائي ولا إيمان لمن لا تقيَّة له»(١٧٦)، فالإمام بهذا يعتبر أنَّ التقيَّة منهاج عمل له ولآبائه المعصومين (عليهم السلام)، ثمّ يُعمِّم هذا المنهاج لكلِّ المؤمنين، ويعتبر أنَّ من لا يعمل بالتقيَّة لا دين له، وهذا اللسان الشديد يُستَشعر منه أنَّ القضيَّة ليست عمل على مستوى الفرد والأفراد فقط، بل هو على مستوى أعظم وأهمّ وهو العمل الاجتماعي، بل أيضاً في السلوك الديني والسياسي.
ثالثاً: الكتمان الصحيح (الممدوح): لو راجعنا مضامين الروايات التي ذكرت أُسلوب التقيَّة الذي اتَّبعه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في المجتمع لشاهدنا أنَّ تكليم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) الناس على قدر عقولهم وليس على قدر عقله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يعني أنَّه لم يكشف الحقائق التي يعلمها، لأنَّ الناس لا تتحمَّل كلَّ ما يحمله النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنَّ هناك بعض الحقائق لا يصحُّ كشفها للناس، وأنَّ الناس مراتب فإنَّ ما يُكشَف من الحقيقة - والتي هي أمر لا متناهي - للمعصومين (عليهم السلام) لا يتحمَّله الأبدال والأولياء، كما هو الحال فيما جرى بين الخضر وموسى (عليهما السلام) فضلاً عن أن يتحمَّله الناس، كذلك والحال بالنسبة إلى أصحابه (صلّى الله عليه وآله وسلم) غير المعصومين (عليهم السلام)، ما يكشفه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لسلمان غير ما يكشفه لأبي ذر أو لعمّار (رضي الله عنهم)، فالناس معادن وطبقات ودرجات من التحمّل والقدرة.
فإذا عرفنا هذا فإنَّه ينبغي أن لا نزن الأُمور بميزان واحد ونكيل الناس بمكيال واحد، وأنَّ مستوى الأخذ غير مستوى العطاء، وهذا ما تُبيِّنه لنا وبشكل جليّ رواية عمّار بن أبي الأحوص، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إنَّ عندنا أقواماً يقولون بأمير المؤمنين (عليه السلام) ويُفضِّلونه على الناس كلّهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم، أنتولّاهم؟ فقال لي: «نعم في الجملة، أليس عند الله ما ليس عند رسول الله، ولرسول الله عند الله ما ليس ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم، وعندكم ما ليس عند غيركم؟ إنَّ الله تبارك وتعالى وضع الإسلام على سبعة أسهم: على الصبر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثمّ قسَّم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل محتمل، ثمّ قسَّم لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة الأسهم، ولبعض الأربعة الأسهم...، فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم...، فتثقلوهم وتُنفِّروهم، ولكن ترفَّقوا بهم وسهِّلوا لهم المدخل...»(١٧٧).
رابعاً: الكتمان السيّئ (المذموم): القرآن الكريم ما انفكَّ يُندِّد بالذين يكتمون البيِّنات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ في الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة: ١٥٩)، الآية تُبيِّن أنَّ هناك لعن لمن يكتم البيِّنات، وقد عرفنا أنَّ الروايات تذمُّ من لا يكتم، فإذن ليس الكتمان على إطلاقه صحيحاً وليس البيان على إطلاقه صحيحاً، فهناك موارد ليست من موارد التقيَّة والكتمان، ومع ذلك ليس كُلُّ ما هو بيِّن يجب كشفه، بل هناك من البيِّنات ما يجب سترها وعدم إشاعتها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (النور: ١٩).
فإنَّ كتمان الفاحشة لجهة أُخرى غير حيثية التقيَّة، فيجب أن نُميِّز بين ما يُبيَّن وما يشاع وما يُكتَم.
وهناك أصل آخر لم يتركه القرآن، وهو ما إذا لم يعرف الناس بعض الماهيات المستجدَّة والأُمور الطارئة المستجدَّة المرتبطة بالوضع العامّ التي لعلَّه تخفى على المجتمع، فيذمُّ وينهى عن إذاعتها والعجلة في إعلانها قبل التعرّف على أنَّها من التي يجب إذاعتها أو كتمانها، فكأنَّ الآية تُعطي قاعدة مهمَّة وجديدة للفرد المؤمن وللمجتمع ككلّ، وهي أنَّ الأصل في مستجدّات الأُمور المتعلِّقة بالوضع العامّ هو إرجاعها إلى أُولي الأمر المعصومين (عليهم السلام)، قال تعالى: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: ٨٣).
فإذن الأصل هو الحذر والتثبّت واليقظة، والبصيرة في معرفة أنَّها من أيِّ نوع.
تقيَّة الكتمان مراتب ودرجات:
وردت روايات تُبيِّن مدى العقوبة التي تنال المذيع للسرِّ، فما معنى السرِّ، وما معنى إذاعته؟
وقبل بيان ذلك لا بدَّ من بيان درجات ومراتب تقيَّة الكتمان، فنقول:
المرتبة الأُولى: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنّي لأُحدِّث الرجل الحديث فينطلق فيُحدِّث به عنّي كما سمعه، فأستحلَّ به لعنه والبراءة منه»(١٧٨).
وهذا يُشير إلى أنَّ الكتمان واجب على من يُحدِّثه الإمام (عليه السلام) في (لفظ الحديث)، حيث يكون أصل لفظ الحديث واجب الكتمان.
وهناك أحاديث وردت في كتمان تأويل الحديث وإن كان نصُّ ولفظ الحديث غير واجب الكتمان، كما عن ابن مسكان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قوم يزعمون أنّي إمامهم، والله ما أنا لهم بإمام، لعنهم الله كُلَّما سترت ستراً هتكوه، أقول كذا وكذا، فيقولون: إنَّما يعني كذا وكذا، إنَّما أنا إمام من أطاعني»(١٧٩).
وهنا نرى الإمام لم يُكذِّب تأويلهم للحديث لأنَّ التأويل صحيح، ولكنَّه أنكر عليهم عدم كتمانهم لتأويل الحديث.
وهناك روايات تشير إلى أنَّ التقيَّة في كتمان الحديث مراتب، فمرتبة كتمانه عن الأعداء، ومرتبة منها كتمانه عن المحبّين والأولياء، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أتُحبّون أن يُكذَّب الله ورسوله؟ حدِّثوا الناس بما يعرفون وأمسكوا عمَّا يُنكِرون»(١٨٠).
وكذلك ما ورد عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن أبيه، قال: «ذكرت التقيَّة يوماً عند عليِّ بن الحسين (عليه السلام)، فقال: والله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد أخا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بينهما، فما ظنّكم بسائر الخلق؟ إنَّ علم العالم صعب مستصعب لا يحتمله إلَّا نبيٌّ مرسل أو ملك مقرَّب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان...»(١٨١).
وكذلك عن عبد الأعلى بن أعين، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) أنَّه قال: «ليس هذا الأمر معرفة ولايته فقط حتَّى تستره عمَّن ليس من أهله، وبحسبكم أن تقولوا ما قلنا، وتصمتوا عمَّا صمتنا، فإنَّكم إذا قلتم ما نقول وسلَّمتم لنا فيما سكتنا فقد آمنتم بمثل ما آمنا به، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: ١٣٧]، قال علي بن الحسين (عليه السلام): حدِّثوا الناس بما يعرفون ولا تُحمِّلوهم ما لا يطيقون فتغرّونهم بنا»(١٨٢).
وقصَّة المعلّى بن خنيس واضحة الدلالة في ذلك، فعن حفص بن نسيب، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) أيّام قتل المعلّى بن خنيس مولاه، فقال لي: «يا حفص، حدَّثت المعلّى بأشياء فأذاعها فابتُلي بالحديد، إنّي قلت له: إنَّ لنا حديثاً من حفظه علينا حفظه الله وحفظ عليه دينه ودنياه، ومن أذاعه علينا سلبه الله دينه ودنياه. يا معلّى، إنَّه من كتم الصعب عن حديثنا جعله الله نوراً بين عينيه ورزقه العزَّ في الناس، ومن أذاع الصعب من حديثنا لم يمت حتَّى يعضّه السلاح أو يموت متحيِّراً»(١٨٣).
فإذن هذه مسؤولية يجب أن يتحلّى بها المؤمنون في كتمان حديث أهل البيت (عليهم السلام).
المرتبة الثانية: أورد صاحب الوسائل جملة من الروايات في أبواب الكتمان، ومنها باب كتمان الدِّين عن غير أهله، منها حسنة سليمان بن خالد، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سليمان، إنَّكم على دين من كتمه أعزَّه الله، ومن أذاعه أذلَّه الله»(١٨٤).
التقيَّة من الجهلاء أشدّ من الأعداء:
ورد في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الناس أعداء ما جهلوا»(١٨٥)، يشير هذا الحديث إلى أنَّ أهمّ وأعمّ مصادر العداوة هو الجهل حيث يجعل الصديق عدوَّاً. فكشف بعض الحقائق التي لا يتحمَّلها الجاهل بها يؤدّي به إلى إنكارها، لأنَّ عقله - مثلاً - لا يستوعبها، وإذا أنكرها فإنَّه ينكر العقل الذي يحملها، وبالتالي ينكر الشخص الذي يحملها.
والذي تتولَّد عداوته لك من خلال إنكاره ما تحمل من علم مع أنَّه كان صديقاً حميماً - سابقاً - أو لا أقلّ لم يكن من الأعداء، تكون عداوته أشدّ لعدَّة عوامل:
أوَّلاً: لأنَّه عدوّ خفي، باعتبار أنَّك تعتقد أنَّه في سلم وسلام معك، وإذا به يفاجئك في يوم من الأيّام بعداوته لك.
ثانياً: إنَّه قد يعين أعداءك الحقيقيين على قتلك أو محاربتك.
ثالثاً: إنَّه يقتلك مادّياً أو معنوياً - ويحسب أنَّه يحسن صنعاً -، ويتقرَّب بقتلك إلى الله.
رابعاً: إنَّه إن لم يقتلك مادّياً فإنَّه بالتأكيد سيقتلك معنوياً، لأنَّه يعتقد أنَّك على باطل.
فإنَّ الإنسان لعلَّه بنفسه يحدث الفتنة على نفسه من خلال إظهار ما لا يصحُّ إظهاره وإذاعة ما لا يصحُّ إذاعته، ومن هنا ينصح بعدم التعسّف في استخدام الحقّ رغم أنَّ الحقَّ إلى جانبك، بل بالرفق واللين، ولذلك ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ الرفق لم يُوضَع على شيء إلَّا زانه ولا نُزِعَ عن شيء إلَّا شانه»(١٨٦).
ومن هنا ورد قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التغابن: ١٤)، فإنَّ القرآن لم يقل: أُقتلوهم، وإنَّما قال: ﴿احْذَرُوهُمْ﴾، والحذر أنواع ومراتب أهمّها عدم إظهار ما لا يصحُّ إظهاره، لأجل إدارة وتدبير الشؤون الحياتية. وهذا معنى آخر من معاني ما ورد من جواز الكذب على الزوجة، فليس الكذب بمعناه المعهود، إنَّما هو بمعنى عدم إظهار كلّ الحقيقة، لأنَّ البيان الكامل يؤدّي إلى العداوة.
وما دام الإنسان في معركة مع عدوٍّ داخلي وهو النفس، وعدوٍّ خارجي مخالف له في فهم الحقائق والأفكار، فإنَّه يسوغ له استعمال الخدعة - بقدر الضرورة - لأجل أن يخادع خداعهم ويوهم جانب الجهل فيهم فإنَّ: «الحرب خدعة»(١٨٧) كما في الحديث الشريف، فينبغي استخدام الخدعة بقدر الضرورة وبقدر مستوى العداوة ونوع العداوة.
فينبغي بالإنسان أن يُخطِّط بخفاء لمواجهة مستوى الخداع أو الجهل الموجود في النفس الأمّارة بالسوء، أو الجهل الموجود عند الأزواج أو الأولاد أو الأعداء الحقيقيين، وهذا يحتاج إلى ضابط وميزان لا يسقط فيه التدبير إلى الازدواجية، بل يبقى على الاستقامة بتدبير خفي يحرس فيه الأمن، ولذلك حذَّر المعصوم (عليه السلام) المؤمنين من استخدام التقيَّة في غير موطنها، كما في احتجاج الحسن العسكري (عليه السلام) - في حديث - أنَّ الرضا (عليه السلام) جفا جماعة من الشيعة...، فقال لهم: «وتتَّقون حيث لا تجب التقيَّة، وتتركون التقيَّة حيث لا بدَّ من التقيَّة»(١٨٨).
المذيع جاحد:
في رواية عن معلّى بن خنيس، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في ذيلها -: «إنَّ المذيع لأمرنا كالجاحد له»(١٨٩)، وفي حديث آخر عن محمّد الخزّاز، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «من أذاع علينا حديثنا فهو بمنزلة من جحدنا حقّنا»(١٩٠)، فما هو السبب يا ترى في تشدّد الرواية بجعل المذيع كالجاحد؟
والجواب يُبيِّنه الحديث الشريف، عن نصر بن صاعد مولى أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «مذيع السرِّ شاكٌّ، وقائله عند غير أهله كافر، ومن تمسَّك بالعروة الوثقى فهو ناج»، قلت: ما هو؟ قال: «التسليم»(١٩١). أي إنَّ السبب في نشر وإذاعة السرِّ من المذيع هو لأجل استمزاجه تصويب الآخرين للمعلومة التي يحملها، وذلك عبر نشره لها ليرى أنَّها هل تتلقّى بالقبول وتتعرفن لديهم، وبالتالي فالمذيع لم يؤمن تماماً بصحَّة وسلامة المعلومة وحقّانيتها.
من الأُمور المهمَّة التي ينبغي الالتفات إليها، أنَّ الإنسان إذا أراد أن يهدم مشروعاً أو مخطَّطاً لأعدائه، فإنَّ من جملة الأُمور التي تؤدّي إلى قتل ذلك المخطَّط في مهده هو كشفه، لأنَّ الكشف والفضح لما هو مستور-ومدبَّر بليل-، يعني تهديم ذلك المخطَّط وقطع الطريق على الماكرين.
ونفس الكلام ينطبق على أسرار مشروع أهل البيت (عليهم السلام)، فالمذيع جاحد وقاتل عمد - وليس قاتل خطئ -؛ لأنَّه قاطع طريق يقطع الطريق على مسيرة الحقِّ ويُفشِل كلّ المخطَّطات الحقَّة - الخفية - لمنهاج أهل البيت (عليهم السلام) في هداية المجتمع، أو مواجهة الأعداء، والحال أنَّ السلاح السرّي أقوى تأثيراً، فيكون سلب هذا السلاح - الذي هو الورقة الرابحة والثابتة - خسارة كبرى.
فهو ورقة رابحة لأنَّه السلاح الأقوى والأبقى صموداً أمام العدوّ، وهو ورقة ثابتة لأنَّها في ظرف السلم والحرب، وفي ظرف العمل السرّي والعلني - سيّان -، لأنَّ العمل العلني والمواجهة العلنية لا توجب متاركة العمل الخفي والتخطيط السرّي، فهو باقٍ على كلِّ حالٍ، فأيُّ كشف له ولو لبعض فقراته يُكلِّف مسار أهل البيت (عليهم السلام) والمؤمنين الشيء الكثير، بل الشيء الذي لا يُجبَر كسره، ولهذا شدَّد الإمام (عليه السلام) النكير على من يكشف السرَّ.
المذيع سرَّنا كقاتلنا عمداً:
عن أبي حمزة، عن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال: «وددت والله أنّي افتديت خصلتين في الشيعة لنا ببعض لحم ساعدي: النزق، وقلَّة الكتمان»(١٩٢)، والنزق هو الخفَّة والطيش.
فيا ترى ما هي عظمة تلك الخصال التي يُفدي الإمام بها لحم ساعده؟ فهل المقصود الكتمان على المستوى الفردي، أو هو على المستوى الاجتماعي والسياسي وتطبيق قاعدة الكتمان في البعد السياسي؟ وهو بُعدها الأهمّ والأبلغ ضرورة الذي تشير إليه روايات كثيرة، منها ما رواه أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن مسألة فأبى وأمسك، ثمّ قال: «لو أعطيناكم كلَّما تريدون كان شرَّاً لكم، وأُخِذَ برقبة صاحب هذا الأمر...، وأنتم بالعراق ترون أعمال هؤلاء الفراعنة وما أمهل الله لهم، فعليكم بتقوى الله، ولا تغرنَّكم [الحياة] الدنيا، ولا تغترّوا بمن قد أُمهل له، فكأنَّ الأمر قد وصل إليكم»(١٩٣).
كذلك قال محمّد بن مسلم: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «يُحشَر العبد يوم القيامة وما نَدِيَ دماً، فيدفع إليه شبه المحجَّة أو فوق ذلك فيقال له: هذا سهمك من دم فلان، فيقول: يا ربِّ، إنَّك لتعلم أنَّك قبضتني وما سفكت دماً، فيقول: بلى سمعت من فلانٍ رواية كذا وكذا، فرويتها عليه، فنُقِلَت حتَّى صارت إلى فلان الجبّار فقتله عليها، وهذا سهمك من دمه»(١٩٤).
فيتحصَّل من هاتين الروايتين وروايات أُخرى بنفس المضمون أنَّ أيّ خبر يحتمل من إذاعته الخطر على مقدَّرات جماعة المؤمنين ومسار أهل الإيمان، أو أحداً من شيعته لا يصحُّ، بل لا يجوز كشفها.
وفي هذا الصدد هناك روايات تشير إلى وجوب كتمان الأمر ولو كان يؤدّي إلى الخطر من بعيد - بصورة غير مباشرة -، لأنَّ بعض موارد الإذاعة تؤدّي إلى قتلهم معنوياً وإجتماعياً، فيؤدّي بالتالي إلى قتلهم مادّياً، فعن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) وتلا هذه الآية: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]، قال: «والله ما قتلوهم بأيديهم ولا ضربوهم بأسيافهم ولكنَّهم سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأُخذوا عليها فقُتلوا فصار قتلاً واعتداءً ومعصيةً»(١٩٥).
والأمر لا يُقتَصر على البعد السياسي فقط، فإنَّ الإمام الباقر (عليه السلام) يضع ضابطة عامَّة ومهمَّة في كيفية التصرّف في ظلِّ الحكومات الظالمة، عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية»(١٩٦)، بل يُؤكِّد (عليه السلام) الابتعاد عن القتل المعنوي - أي القتل في البعد والموقع الاجتماعي أيضاً - وليس القتل المادّي فقط، فلا ينبغي ولا يجوز زجّ النفس في ذلك، بل هو من الكبائر العظيمة، فعن هشام الكندي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إيّاكم أن تعملوا عملاً يُعيِّرونا به، فإنَّ ولد السوء يُعيَّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صَلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. والله ما عُبِدَ الله بشيء أحبّ إليه من الخبء»، قلت: وما الخبء؟ قال: «التقيَّة»(١٩٧)، بل الإمام الصادق (عليه السلام) ينفي الإيمان عمَّن لا يتَّقي، فعن عبد الله بن أبي يعفور، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «اتَّقوا على دينكم فاحجبوه بالتقيَّة، فإنَّه لا إيمان لمن لا تقيَّة له، إنَّما أنتم في الناس كالنحل في الطير، لو أنَّ الطير تعلم ما في أجوافها ما بقي منها شيء إلَّا أكلته، ولو أنَّ الناس علموا ما في أجوافكم أنَّكم تحبّونا أهل البيت لأكلوكم بألسنتهم ولنحلوكم في السرِّ والعلانية، رحم الله عبداً منكم كان على ولايتنا»(١٩٨).
الجندي الخفي المجهول:
قال تعالى: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً...﴾ (غافر: ٢٨).
هذه الآية تمدح مؤمن آل فرعون على كتمانه لإيمانه باعتبار أنَّ كتمان الإيمان كان تقيَّةً وخوفاً من آل فرعون، وقد وردت روايات تُشبِّه أبا طالب مؤمن قريش بمؤمن آل فرعون، وتُبيِّن العلَّة التي دعت أبا طالب (عليه السلام) لكتمان إيمانه، فعن الشعبي يرفعه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «كان والله أبو طالب عبد مناف بن عبد المطَّلب مؤمناً مسلماً، يكتم إيمانه مخافةً على بني هاشم أن تتنابذها قريش»(١٩٩).
وحينما يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «مخافةً على بني هاشم»، أي بما هم يُمثِّلون القيادة الدينية واستئصالهم من قِبَل قريش استئصال للدين، ولولا حماية ورعاية أبي طالب الخفيَّة الغيبية لهم لتنابذتهم قريش، ولولا هذا الدور الرئيس من الحماية والرعاية لم يكن أبو طالب ليحمي بني هاشم، فكان كعنصر توازن، وكترس حامي وحماية بهدنة مستمرَّة بينهم وبين قريش.
وما خفي من دور أبي طالب (عليه السلام) أعظم، ومن خلال قرينة تشبيهه بمؤمن آل فرعون وبقرائن أُخرى نستطيع أن نقرأ أبا طالب (عليه السلام) من خلال القرآن، أي نقرأ دوره قراءة قرآنية.
فقد كانت مهامّ كثيرة قام بها مؤمن آل فرعون أهمّها حماية خليفة الله، ولذلك كان يخاطبهم: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾.
وكان مؤمن آل فرعون يجلس مجالسهم تقيَّة لكنَّه ليس منهم، كما في الحديث: «كُنْ فيهم ولا تكن معهم»(٢٠٠).
كذلك قوله تعالى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ (القصص: ٢٠).
وهذا المؤمن لم يمنع القتل عن النبيِّ موسى (عليه السلام) فقط، بل كان يملك حسَّاً استخبارياً عالياً، بل أيضاً هو اخترق جهات التخطيط والتنفيذ لدى النظام الباطل الفرعوني.
إنَّ هذا المؤمن الذي يكتم إيمانه قد جعل نفسه جندياً استخباراتياً أو (جندياً مجهولاً) اخترق أعداء الإسلام لأجل أن يُؤمِّن المؤمنين، وكان يجالس أهل الباطل ويأكل ويشرب معهم ولم يكن منهم، بل جنَّد نفسه حمايةً وحصانةً لجماعة الإيمان، ولولاه لقُتِلَ خليفة الله.
وهذا الدور أيضاً قام به بشكل واضح وكثير أبو طالب (عليه السلام)، فما أعظمه من دور، وهو في الحقيقة دور أُمَّة ودور جيش كامل، وهو حسّاس ومُهم إذَا أُنجز بشكل مُتقَن، فيمكن إذن للمؤمن أداء دور حسّاس بلا استنزاف لطاقات مادّية وبشرية، ويمكن من خلاله إنقاذ جماعة الإيمان وليس إنقاذهم فقط، بل جلب المعلومات النافعة لهم، وكشف كلّ المخطَّطات والتآمر الذي يُخطَّط ضدّ المؤمنين.
أصحاب الكهف:
تتميماً لما سبق أنَّ مؤمن آل فرعون كان يُجالس الفراعنة الفسقة ويشاركهم وهو كاتم لإيمانه، كذلك أصحاب الكهف في رواية تبيِّن عظم الدور الذي كانوا يقومون به، فعن أبي عبد الله (عليه السلام): «ما بلغت تقيَّة أحد ما بلغت تقيَّة أصحاب الكهف، كانوا ليشدّون الزنانير، ويشهدون الأعياد، وأعطاهم الله أجرهم مرَّتين»(٢٠١).
بل ما هو أعظم من ذلك ذكره أبو عبد الله (عليه السلام) في رواية أُخرى: «إنَّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الكفر، وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار بالإيمان»(٢٠٢).
الرواية الأُولى تُبيِّن أنَّ حضورهم إلى مجالس الفسق والفجور تقيَّة لهم عظيم الأجر عليها، وهي ليس تقيَّة فردية كما لعلَّه يتصوَّر البعض، ومعنى التقيَّة الفردية هي التقيَّة على المستوى الفقهي في البُعد الفردي، بل هي تقيَّة على مستوى العمل الاجتماعي وهو أعلى من الفقه في البُعد الفردي، بل ثَمَّة ما هو أعلى من البُعد الاجتماعي وهو العمل المنظومي السرّي الديني السياسي والاجتماعي الذي هو عمل بناء الدولة الإلهية، وهو عمل منظومي سرّي خطير يصعب على كُلِّ أحد القيام به، لكنَّه ممكن ومتصوَّر وموجود. نعم بابه ليس مفتوحاً لادِّعاء المدَّعين، وذلك لأنَّ مقتضى منظومية السرّية الكتومية هو عدم البروز فضلاً عن الإبراز والتكلّم.
وعدم التكلّم لغة يفهمها من مارس العمل الاستخباري، وهي لغة أمنية خطرة وحسّاسة أُسُّ أساسها الكتمان، وأبسط وأسلس الحالات والقصص التي تُذكَر عن رجال الاستخبارات الذين يخترقون المنظومات الأمنية للدول والحكومات، أنَّهم يعيشون ويموتون ولا تعلم حتَّى زوجاتهم وأهاليهم شيئاً عن طبيعة عملهم، لأنَّه في عرف الأمن الاستخباري لو أنَّ شخصاً كشف حقيقته للناس فاللازم أن يُقتَل، فكيف يُصدِّق الناس شخصاً يدَّعي أنَّه متَّصل بالإمام (عليه السلام) أو أنَّه من جنوده السرّيين؟ لأنَّ مقتضى السرّية عدم الإبراز والكشف، ومقتضى عدم الكشف هو السرّية، وإذا كان سرّياً وهو الآن قد كشف نفسه فقد كذَّب أو قد عزل نفسه عن هذا المنصب في اللحظة التي تكلَّم بها، لأنَّ وظيفة هذا المنصب والدور يلازم الخفاء ولا ينفكُّ عنه، وعدم الكلام، فإذا تكلَّم فهو كاذب ومناقض لدعواه.
والرواية الأُخرى في شأن أهل الكهف عظيمة جدَّاً وفيها دور آخر ملازم للكتمان ومنبثق من قاعدة الكتمان (التقيَّة الذكية)، وهو قول الصادق (عليه السلام):«وكانوا على إجهار الكفر أعظم أجراً منهم على إسرار الإيمان»، وهذا الدور فعلاً أعظم أجراً، لأنَّه عمل أعظم من نفس الكتمان، فالشخص حينما يكتم يمكن أن يسكت، يخفي نفسه عن الآخرين ويبتعد عن أيِّ تصريح أو تصرّف يكشف شخصيته الإيمانية، فتظنُّ النَّاس من خلال سكوته وتصرّفه الانعزالي أنَّه على ما هم عليه من نحلة أو ملَّة ودين الكفر استصحاباً منهم لكونه على دينهم، بخلاف ما إذا جاهر بالكفر وحضر مجالس الكفرة وتزيّى بزيِّهم ومارس طقوسهم.
القاعدة السادسة: تقيّة الاصطناع ملازمة لقاعدة التقيّة الذكية
إنَّ لكتمان الإيمان دوراً عظيماً، وهو المحافظة بالتقيَّة على النفس أو على جماعة الإيمان، ولكن ما هو أعظم من ذلك هو أن تُبرِز للطرف المقابل وتُفهِم الآخرين بتصرّف معيَّن أنَّك على نحلتهم أو ملَّتهم أو دينهم (الكفر).
وهذا الدور كما في الرواية المتقدِّمة هو قاعدة أُخرى ملازمة لقاعدة (الكتمان الذكي)، وهي قاعدة (اصطناع الكفر تقيَّةً وخداعاً للعدوِّ)، فإنَّ (الحرب خدعة).
لأنَّ القاعدة السابقة قاعدة الكتمان الذكي شبيهة بمبدأ (الوقاية خير من العلاج) حيث يقي الإنسان نفسه، وهي شبيهة بالدفاع الوقائي، حيث يكون أهل الجهاد في حالة تحصين لأنفسهم، كذلك شبيهة بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ﴾ (التحريم: ٦)، فهنا عمل على مستوى التوقّي من النار (الخوف من النار)، أمَّا طلب الجنَّة وما هو أعلى منها كعبادة الأحرار فهِي مراتب أعلى وأجرها أكبر وأعظم. فهذه القاعدة الجديدة شبيهة بمعنى (الجهاد الاستباقي) فهو دفاع بواسطة الاستباق لأنَّ (الهجوم خير وسيلة للدفاع)، وهي قاعدة عظيمة وإقدامية تقدّمية وليس تقهقرية تراجعية.
وفي رواية أُخرى عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) - في حديث -: «أنَّ جبرائيل (عليه السلام) نزل على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال: يا محمّد إنَّ ربَّك يقرؤك السلام، ويقول لك: إنَّ أصحاب الكهف أسرّوا الإيمان وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرَّتين، وإنَّ أبا طالب أسرَّ الإيمان وأظهر الشرك فآتاه الله أجره مرَّتين، وما خرج من الدنيا حتَّى أتته البشارة من الله بالجنَّة»(٢٠٣).
وهذه الرواية تختلف عن الرواية السابقة التي شبَّهت أبا طالب بمؤمن آل فرعون، فهنا تُشبِّهه بأصحاب الكهف، وهو دور ثنائي مزدوج أعظم من الدور الأوَّل، لأنَّ إظهار الشرك يقتضي أن يُظهِره لساناً وظاهراً ولكن في نفس الوقت لا يمارس شركهم، وفي نفس الوقت يقتضي منه أن يكون فاعلاً ويشاركهم في القضايا الاجتماعية والسياسية وأكثرها قضايا معقَّدة فيها أعمال تصبُّ في مصلحة الشرك بالله وتقوّي المشركين، فكيف استطاع أن يتخلَّص من كُلِّ تلك الممارسات؟ هذا من أصعب الصعاب التي لا يستطيعها ولا يقوى عليها إلَّا ملك مقرَّب أو نبيٌّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، وليس الأمر مبالغة، بل تاريخ التجارب والميدان شاهد واضح على ذلك.
الخضر (عليه السلام) والتقيَّة الذكية:
قال تعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥)، الخضر (عليه السلام) عبد صالح آتاه الله العلم اللدنّي، والمعروف من أقوال وروايات الفريقين أنَّ الخضر (عليه السلام) لا يزال حيَّاً، وأنَّ هذا العبد الصالح يكون وزيراً للإمام (عليه السلام) في حكومته، بل هو الآن يعمل في حكومة الإمام (عليه السلام) السرّية.
وهذا الدور سلَّط القرآن الضوء عليه في صحبة موسى للخضر (عليهما السلام)، قال تعالى: ﴿قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ في الْبَحْرِ عَجَباً * قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً ...﴾ (الكهف: ٦٣ - ٦٥).
فهنا صورة قرآنية تُبيِّن التدبير الأمني الخفي الذي كان في لقاء النَّبي موسى (عليه السلام) - وهو نبيّ من أُولي العزم ورسول - مع الخضر (عليه السلام)، فقد أُحيط اللقاء بتمام السرّية والخفاء والبرمجة الأمنية، حيث وضعت شفرة خاصَّة من الله بين النبيِّ موسى والخضر، يلقى فيها موسى الخضر (عليهما السلام) من دون أن يعلم حتَّى وصيّ النبيِّ موسى وهو فتاه يوشع بن نون الذي كان معه (لأنَّها أجواء أمنية شديدة السرية).
ولأجل هذه الحراسة والسرية الشديدة جُعِلَ للقاء العبد الصالح علامتان واحدة متعلقة بالأُخرى (مجمع البحرين والسمكة).
المنهج أهمّ وأولى:
نرى القرآن في ذكره للخضر (عليه السلام) وتلك الحادثة الغريبة جدَّاً بكُلِّ حيثياتها نراه يقصُّ الحادثة بسرّية أيضاً وبشفرتين.
ومن الطريف أنَّ القرآن حينما يذكر الخضر يقول عنه: (عبد صالح)، في حين يذكر موسى باسمه إشارة منه إلى نهج السرّية حتَّى في كشف اسمه، وكأنَّه يقول: أيُّها المؤمنون أيُّها الشيعة حافظوا على إمامكم حتَّى في الحديث الاعتيادي، ولا تتكلَّموا بما يكشف ويناقض الغيبة، اخفوه في قلوبكم قبل حديثكم.
كذلك هناك نكتة أُخرى يريد القرآن الإشارة إليها، وهي أنَّ المنهج أهمّ وأخطر، ما فعله الخضر (العبد الصالح) أهمّ وأولى بالرعاية والالتفات من نفس شخص الخضر (عليه السلام) مهما كان صالحاً وعظيماً وملهماً من الله (تعالى).
وهذا ينبغي أن يكون من الأولويات في الفهم بالنسبة للمؤمنين، بل إنَّه يجب أن يكون الأصل والمحكم المهيمن على كُلِّ مسار ومسير المؤمن، فكُلُّ الحركات سواء كانت في التاريخ الماضي أو الحال المعاصر يجب أن يرتكز ميزان المنهج على محكم المحكمات، ويعطف عليه تفاصيلها الكثير من الروايات تُخبِر بذلك، بل إنَّ الآيات التي ذكرت هذه الشخصيات (الخفية) ذكرتهم برموز وألقاب في حين ذكرت الآخرين بأسمائهم، ومهما ذكره القرآن (مؤمن آل فرعون، أصحاب الكهف، رجل من أقصى المدينة يسعى، امرأة فرعون)، وكلّهم ممَّن كتم إيمانه.
خفاء أم اختفاء؟
عن عثمان بن عيسى، عمَّن أخبره، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «كفّوا ألسنتكم والزموا بيوتكم، فإنَّه لا يصيبكم أمر تخصّون به أبداً، ولا تزال الزيدية لكم وقاءً أبداً»(٢٠٤).
الظاهر الأوَّلي لهذا الحديث هو أن يسكت المؤمن ويجلس في بيته، فإذا فعل ذلك فإنَّه لا يخصُّ ببلاء وعدوان من السلطة الحاكمة، أي لا يُستَهدف باستهداف خاصّ مباشر، لأنَّ الجلوس في الدار سوف ينجيه من المهلكة المحتملة، وإنَّ أنظار السلطة سوف تُصرَف عنك وسوف تقع الضربة في من يُحسَب على الشيعة بالمعنى الأعمّ وهم (الزيدية) والاتِّجاه الثوري المتغافل عن محورية المعصوم (عليه السلام).
أقول: سبق أن ناقشنا في قاعدة الأحلاس الفهم الخاطئ لمعنى الجلوس في الدار، وأنَّ معنى الزم بيتك، أي الزم منهاجك العقائدي ولا تبرحه أي لا تزغ، إذ لا يعتمد على المتراءى البدوي من لفظ (الزم بيتك) بالظاهر الأوَّلي وإلَّا لأدّى إلى لوازم لا يمكن الالتزام بها، منها: رفع اليد عن الثوابت وترك الواجبات كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها.
والمعنى هو كفّ الألسن عن كشف الأسرار التي تؤدّي إلى هلاك الأنفس من قِبَل الأعداء وسوء الفهم من قبل الإخوان، والسكوت عن فضول الكلام. فالحلس في البيت، أي كن في نشاط ومسير منهاجك، والذي هو على طبق بيت اعتقادك - حلساً خفياً -.
والإمام (عليه السلام) يأمر أصحابه بالخفاء لا بالاختفاء، كما في الحديث عن أبي بصير، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «خالطوهم بالبرانية وخالفوهم بالجوانية إذا كانت الإمرة صبيانية»(٢٠٥)، وكلامه (عليه السلام) واضح وصريح - بل ومفسِّر للحديث المتقدِّم -.
وفي الحديث الآخر عن هشام الكندي، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: «إيّاكم أن تعملوا عملاً يُعيِّرونا به، فإنَّ ولد السوء يُعيَّر والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زيناً ولا تكونوا عليه شيناً، صلّوا في عشائرهم وعودوا مرضاهم واشهدوا جنائزهم ولا يسبقونكم إلى شيء من الخير فأنتم أولى به منهم. والله ما عُبِدَ الله بشيء أحبّ إليه من الخبء»، قلت: وما الخبء؟ قال: «التقيَّة»(٢٠٦).
(التقيَّة الذكية) عند الإمام الصادق (عليه السلام):
من الحوادث المعروفة وصيَّة الإمام الصادق (عليه السلام) لمن يكون الخليفة من بعده، فعن أبي أيّوب النحوي، قال: بعث إليَّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلمَّا سلَّمت عليه رمى بالكتاب إليَّ وهو يبكي، فقال لي: هذا كتاب محمّد بن سليمان يُخبِرنا أنَّ جعفر بن محمّد قد مات، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون - ثلاثاً -، وأين مثل جعفر؟ ثمّ قال لي: أُكتب، قال: فكتبت صدر الكتاب، ثمّ قال: أُكتب إن كان أوصى إلى رجل واحد بعينه فقدِّمه واضرب عنقه، قال: فرجع إليه الجواب أنَّه قد أوصى إلى خمسة وأحدهم أبو جعفر المنصور ومحمّد بن سليمان وعبد الله وموسى وحميدة»(٢٠٧).
وفي رواية أُخرى أنَّ المنصور بعث إلى والي المدينة: إن أوصى - أي الإمام الصادق (عليه السلام) - إلى رجل بعينه فاقتله، فأجابه الوالي: إنَّه أوصى إلى أبي جعفر المنصور وعبد الله وموسى ومحمّد بن جعفر مولى لأبي عبد الله (عليه السلام)، قال: فقال أبو جعفر: ليس إلى قتل هؤلاء سبيل»(٢٠٨) .
وقد نلمح ما يشبه ذلك في الأُمم السابقة، فإنَّ إبراهيم كان أُمَّة في دوره في التقيَّة التي قصَّها القرآن في سورة الأنعام، وهو دور ونشاط فاعل في مواجهة فساد وانحراف المجتمع لكن بغطاء مقنَّع، كذلك القرآن يقصُّ لنا عمل من جاء من أقصى المدينة. وهذه التقيَّة الأمنية الخفيَّة من الإمام الصادق (عليه السلام) في تغييب خليفة الله - الإمام الكاظم (عليه السلام) -، وهذا من أعلى أنواع التقيَّة الأمنية في حفظ السرّ، لأنَّه حفظ لخليفة الله.
(التقيَّة الذكية) في سلوك إبراهيم (عليه السلام):
إبراهيم (عليه السلام) يستعمل الخفاء والتقيَّة الذكية في الخطاب وهداية قومه والقيام بمسؤولية التغيير والإصلاح، كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (الأنعام: ٧٦ - ٧٩).
فهنا إبراهيم (عليه السلام) حين يقول: هذا ربّي هذا أكبر تقيَّة في الخطاب والبيان والتعايش الديني والمدني لأجل هدايتهم، لأنَّه يعتقد أنَّ هذه الكواكب والنجوم مربوبة لله وليست أرباباً، ولولا هذا الأُسلوب من التقيَّة الأمنية في تغيير الخطاب (وهو كتم الإيمان وإظهار الكفر) الذي هو نفس الأُسلوب الذي ذكرته الروايات لأبي طالب (عليه السلام)، ولأهل الكهف (عليهم السلام)، ولمؤمن آل فرعون (عليه السلام)، ولولا هذا الأُسلوب من المعايشة لم يكن لهؤلاء من محافظة على أنفسهم ولا على المؤمنين ولا المحافظة على مشروع الإيمان، ولولا أُسلوب التقيَّة الأمني الإبراهيمي لم يكن (عليه السلام) ليحفظ الإسلام والمؤمنين أو لينشر الإسلام.
القرآن يكشف عن أربع مهام سرّية لأهل الكهف (عليهم السلام):
قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾ (الكهف: ١٩)، في هذه الآية على قصرها هناك عدَّة واجبات عظيمة وكبيرة يجب على أهل الكهف أداؤها في زمن غيبتهم وخفائهم عن المؤمنين وعن الناس:
الأوَّل: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾، الواجب هو أنَّ المجموعة المؤمنة التي تعمل في الخفاء (تقيَّةً)، إذا احتاجت إلى الاتِّصال بالناس فمن اللازم عليها أن تنتخب واحداً منها فقط وتناط به المهمَّة، ولا يصحُّ أن يتصدّى الجميع ويشغلوا أنفسهم بتلك الاحتياجات.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾، مسح ومراقبة ميدانية لمجريات الأوضاع.
الثالث: قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ﴾، القيام بالمدد والعون للمؤمنين.
الرابع: قوله تعالى: ﴿وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً﴾، أداء الواجب الثالث في ظلِّ خفاء هادئ لذلك النشاط مع عدم إلفات الآخرين لجماعة المؤمنين ومقدّراتهم وأُمورهم باستخدام آليات وأساليب تحجب الطرف الآخر عن الانتباه.
أسرار (التقيَّة التدبيرية) في سورة الكهف:
تحتوي قصَّة أصحاب الكهف على أسرار عميقة وأعمال ذكية في التقيَّة التدبيرية، وهي بحسب التأمَّل:
١) أصحاب الكهف كان لهم عظيم الأعمال رغم الموقعية الحسّاسة والخطيرة والقريبة من رقابة جهاز السلطان والملك إلَّا أنَّهم كانوا في قَّوة من السرّية والخفاء تُفوِّت الفرصة عن اكتشافهم وخطورة ما يقومون به.
٢) كان بقاؤهم في كيان الملك الكافر بخفاء ما داموا يستطيعون الحركة على منهاجهم فلمَّا أحسّوا أنَّهم لا يستطيعون الحفاظ على هوية منهاجهم والاستقامة عليها ولو بتوسّط الخفاء أبعدوا أنفسهم عن هذا الكيان لئلَّا يذوبوا في كيانه الباطل.
٣) وهذا نظير الحديث المستفيض في باب التقيَّة لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «... فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّه لِي زَكَاةٌ وَلَكُمْ نَجَاةٌ، وَأَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَتَبَرَّؤُوا مِنِّي...»(٢٠٩).
وهذه الرواية المستفيضة تحديد لأمد التقيَّة أن لا تصل بالإنسان في ذوبان هويته في نهج الباطل وانسلاخه عن هوية منهاج الإيمان، إذ ليس المراد تحريم البراءة اللفظية في مقابل تجويز السبّ لفظاً، وهذا ما كذَّبه الإمام الصادق (عليه السلام) في نسبة ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام)(٢١٠)، بل المراد بالبراءة كسيرة ومنهاج عمل ينسلخ فيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وإلَّا فما هو الفرق بين البراءة اللفظية والسبّ اللفظي للتقيَّة، فالمراد من البراءة المحرَّمة من نهج أمير المؤمنين (عليه السلام) هو السلوك العملي المنسلخ عن نهج أمير المؤمنين (عليه السلام).
٤) رغم أنَّ اللقاء الذي تمَّ بين النبيِّ موسى والخضر (عليهما السلام) هو لقاء بين اثنين ممَّن اصطفاهم الله لمسؤوليات وأدوار إلهية، والنبيّ موسى (عليه السلام) من أُولي العزم إلَّا أنَّ الخضر لمَّا كان عضواً في الشبكة الإلهية الخفيَّة كان لقاء النبيِّ موسى (عليه السلام) به قد أُحيط بدرجة كبيرة من السرّية والخفاء وبلغة تشفير أمني متصاعد جدَّاً، حيث كان اللقاء أوعز إلى النبيِّ موسى (عليه السلام) أنَّه يتمُّ بعلامتين ضياع الحوت وبلوغ مجمع البحرين.
٥) كما أنَّ جوَّ اللقاء فُرِضَ فيه تعامل أمني مشدَّد يبتعد عن الصخب وعن انفلات الأسرار مع انضباط صارم وحازم، حيث اشترط الخضر على موسى (عليه السلام) أن لا يسأله كما في الآية الكريمة: ﴿قالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (الكهف: ٧٠)، إلى أن قال له النبيُّ موسى واعتذر: ﴿إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً﴾ (الكهف: ٧٦).
٦) الآية الكريمة بيَّنت أنَّ سبب عدم استمرار النبيِّ موسى (عليه السلام) في مصاحبة الخضر (عليه السلام) عدم صبره على الصرامة - انضباطاً - في إنفاذ الأُمور بلا تتعتع سؤال وتلكّؤ استنكار ممَّا يفشي سرّ المهمّات، لأنَّ إبراز السؤال ممَّا يثير اللغظ وإذاعة الأسرار، ومن ثَمَّ ورد في وصايا التقيَّة عنهم (عليهم السلام) النهي عن القيل والقال وكثرة السؤال والثرثرة ممَّا يُسبِّب إذاعة وإفشاء الأسرار، لا النهي عن التحرّي في نفسه.
٧) نعم التحرّي إن كان موجباً وذريعةً للتلكّؤ فهو الآخر عي وقصور عن سرعة إنفاذ المطلوب، فبعد فرض المعرفة الإجمالية يكون العمل على الموازين فإنَّ التعمق في التفاصيل إعاقة وعقبة عن المضيِّ قدماً.
٨) ثمّ تُبيِّن السورة افتراق النبيِّ موسى (عليه السلام) عن الخضر (عليه السلام) في نهاية المطاف، فرغم أنَّ المصاحبة للنبيِّ موسى (عليه السلام) وهو من أُولي العزم فضيلة وكمال إلَّا أنَّ سرّية عمل الخضر (عليه السلام) تُحتِّم عليه الابتعاد عن الارتباط بالنبيِّ موسى (عليه السلام)، فكم هي عظيمة وظيفة الخفاء والسرّية، وكم من وظيفة خفاء وسرّية في إنجاز المهام المقدَّسة العظيمة سطرته لنا سورة الكهف.
برنامج أمني للإمام الصادق (عليه السلام):
كيف يتعامل الإمام (عليه السلام) مع من يكشف الأسرار؟
مرَّ أنَّ الإمام (عليه السلام) يتوعَّد الذي يكشف أو يفشي الأسرار بالعذاب الأُخروي، بل الدنيوي أيضاً، كما في كثير من الأحاديث السابقة، ليس هذا توعّداً بالعذاب الأُخروي والدنيوي تعبّداً فحسب، بل هو تربية لأصحابه على أمرين:
أوَّلاً: كيفية كتمان الأسرار.
ثانياً: كيفية معالجة انكشاف السرِّ.
كما في معتبرة عبد الأعلى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول له فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله، فاقرأهم السلام وقل لهم: رحم الله عبداً اجترَّ مودَّة الناس إلى نفسه، حدِّثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما ينكرون»، ثمّ قال: «والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤونةً من الناطق علينا بما نكره، فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردّوه عنها، فإن قبل منكم وإلَّا فتحمَّلوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه، فإنَّ الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتَّى تُقضى له، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم، فإن هو قبل منكم وإلَّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم، ولا تقولوا: إنَّه يقول ويقول، فإنَّ ذلك يحمل عليَّ وعليكم، أمَا والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنَّكم أصحابي، هذا أبو حنيفة له أصحاب، وهذا الحسن البصري له أصحاب، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعلمت كتاب الله وفيه تبيان كلّ شيء بدء الخلق وأمر السماء وأمر الأرض وأمر الأوَّلين والآخرين وأمر ما كان وأمر ما يكون، كأنّي أنظر إلى ذلك نصب عيني»(٢١١).
وهذه الرواية من أنفس الروايات التي تُبيِّن معنى الكتمان الأمني للسرِّ، ومراتب الرعاية الأمنية للأسرار، وكيف أنَّ حفظها من أبرز معاني الطاعة ومن أهمِّ أسباب حسن الصحبة لقيادة وإدارة الإمام (عليه السلام)، فالرواية تُبيِّن:
١ - معنى احتمال أمرهم وحمل أسرارهم مراتب: مرتبة دنيا وهي التصديق له، ومرتبة عليا وهي ستره أمنياً وصيانته - وهي المطلوبة -، ولذلك قال: «إنَّه ليس من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط، من احتمال أمرنا ستره وصيانته من غير أهله».
٢ - أنَّ الآلية الصحيحة في التعامل مع الناس هو كسب مودَّتهم، وبالتالي هو كسب لهم إلى صفِّ الإيمان، والآلية الأُخرى الملازمة لها، أو قل: آلية الآليات هي كيفية استخدام الآلية الأُولى، ولذلك قال: «رحم الله عبداً اجترَّ مودَّة الناس إلى نفسه، حدِّثوهم بما يعرفون واستروا عنهم ما يكرهون».
٣ - إنَّ من لم يستر أمرهم ولم يُحدِّث الناس بما يعرفون ويستر عنهم ما ينكرون بمنزلة الناصب، ولذلك قال: «والله ما الناصب لنا حرباً بأشدّ علينا مؤونةً من الناطق علينا بما نكره».
٤ - كيفية التعامل مع من يفشي السرّ، ومن عظمة وأهمّية صيانة السرّ أنَّه (عليه السلام) يجعل صيانته عن الكشف على مراتب، فهو في المرحلة الأُولى في صدد الوقاية عن الكشف، ثمّ علاج الكشف إن لم تنفع مرحلة الوقاية، ولذلك قال: «فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه فردّوه عنها»، بل يجب استعمال علاج أكثر فاعلية وهو الضغط الاجتماعي لردعه عن الإفشاء، لذلك قال: «فإن قبل منكم وإلَّا فتحمَّلوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه»، أي إن لم ينفع ذلك فقوموا بحجب إفشاءه للأسرار الأمنية لكم «وإلَّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم» أي أوقفوا تداول كلامه فيما بينكم لئلَّا يروَّج كشفه للأسرار الأمنية فيما بينكم فيزداد انكشافاً وافشاءً لتلك الأسرار الأمنية.
٥ - أنَّ الإمام (عليه السلام) يأمر بطول النفس وسعة البال والتروّي في اختيار أذكى وأنفع الآليات للعلاج - بالتلطّف - في علاج إفشاء السرِّ، وأنَّ الاهتمام بذلك ضروري كاهتمام الإنسان بحاجات نفسه، لذلك قال: «فإنَّ الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتَّى تُقضى له، فألطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم»، والتلطّف واللطف اعتماد الرفق واللين أو إخفاء الأُسلوب بمهارة فائقة ومرونة تستقصي وتتحرّى أكبر قدر من الطرق والفرص والنوافذ والخيارات الكثيرة.
٦ - (آخر الدواء الكي)، بعد أن يُمنَع المفشي للسرِّ ويثقل عليه ويتلطَّف معه حتَّى يحصل المطلوب، فإن لم يحصل المطلوب يأتي دور المؤمنين في احتواء الموقف ونزع فتيل الأزمة التي يمكن أن يُولِّدها إفشاء السرِّ من قِبَل ذلك الأخرق، لأنَّ إفشاء السرِّ غير انتشاره.
وهذا أمر بالغ الأهمّية غفل عنه المؤمنون والتفت إليه الإمام (عليه السلام) وأكَّد عليه، وهو أنَّ المؤمنين حينما يرون أنَّ هناك سرَّاً قد أُفشي يسارعون في نشره بحجَّة أنَّ فلاناً قال، فيقولون: قال كذا وكذا، فيصلون إلى إفراط أو تفريط بعدم تمييزهم أنَّ عاقبة تداول نشر السرِّ المفشى أسوء من نفس أصل بدء الإفشاء، لاعتقادهم أنَّهما سيّان، وهذه غفلة كبرى يُحذِّر منها الإمام (عليه السلام). بل لو لاحظنا مرمى الإمام (عليه السلام) بدقَّة نرى أنَّ نفس احتواء السرِّ المفشى هو وأد للإفشاء في مهده، وبالتالي هو علاج يميت السرَّ في مهده ويجعله كالعدم، ولذلك قال: «فإن هو قبل منكم وإلَّا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم، ولا تقولوا: إنَّه يقول ويقول، فإنَّ ذلك يحمل عليَّ وعليكم».
وهذا المقطع العظيم من حديث الإمام (عليه السلام) - لوحده - أصل وقاعدة عظيمة أمنية ونظمية في التحكّم والسيطرة في كيفية انتشار المعلومة الخبرية وتكوين الرأي العامّ سواء الثقافي العقائدي أو الاجتماعي، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْ لا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ (النساء: ٨٣)، وهذه القاعدة ترسم للمؤمن كيف يزن الأُمور ويُقدِّرها بقدرها.
٧ - أنَّ الإمام (عليه السلام) يجعل ميزان الصحبة هو بالطاعة في تنفيذ ما يرسمه من منهاج بالدقَّة المطلوبة.
دور المؤمن في الحكومة الخفيَّة:
من الضروري أن يلتفت المؤمن إلى أنَّ زماننا هذا وهو زمن الإمام المهدي (عليه السلام)، هو زمن الحكومة الخفيَّة للإمام (عليه السلام)، أي إنَّ هناك حكومة فعلية للإمام (عليه السلام) الآن ولكنَّها خفيَّة، لا بمعنى انسياق المؤمن لزيف الدجّالين من أدعياء السفارة في الغيبة أو انخداعه لدعاوى الفِرَق الضالّة المدَّعية للمهدوية، بل من الضروري أن يعلم المؤمن أنَّ دوره الآن في هذه الحكومة أعظم من دوره حين الظهور أو ما بعد الظهور، وذلك بنشر مذهب أهل البيت (عليهم السلام) في أوسع رقعة وكافّة أرجاء الأرض، لأنَّ دوره حين الظهور هو دور قتالي أو إداري بإشراف مباشر من الإمام (عليه السلام) أو أحد قوّاده، وهو دور وإن لم يكن سهلاً ولكنَّه دور أسهل بكثير من بناء مجتمع الدولة في الحكومة الخفيَّة، وهذا ما يشير اليه الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعث سرية فلمَّا رجعوا قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر وبقي عليهم الجهاد الأكبر، قيل: يا رسول الله، وما الجهاد الأكبر؟ قال: جهاد النفس»(٢١٢).
ومن الجدير بالملاحظة أنَّ هناك ما هو أعظم من جهاد النفس وهو بناء الدولة الخفيَّة للإمام (عليه السلام)، لأنَّه جهاد على مستوى النفس وزيادة، أمَّا على مستوى النفس فلأنَّ المؤمن يبني نفسه، ويكامل نفسه في فترة غيبة الإمام (عليه السلام) - فترة الحكومة الخفيَّة -، لأجل أن يكون على استعداد دائم وأهبة كاملة للظهور المقدَّس، وهو من جهة أُخرى يبني أُسرته دينياً وعلمياً، وكذلك يبني مجتمعه ويُؤسِّس لتكامل وتقوية الحكومة الخفيَّة للإمام، وذلك بتقوية مجتمع المؤمنين ودار الإيمان.
فإذن يكون دوره أعظم لهذه الحيثية، وكلَّما قويت الحكومة الخفيَّة وذلك بتقوية قاعدتها وهو جماعة ومجتمع المؤمنين ودار الإيمان وثبتت أركانها واستحكمت حلقاتها، كلَّما كان ظهورها - ظهور الإمام (عليه السلام) - أسرع، لأنَّ هذه القوَّة هي بنفسها تعجيل للظهور، لأنَّ الظهور يعني تنامي وتكامل هذه الحكومة، بل بالدقَّة الظهور هو ظهور لتلك الحكومة الخفيَّة، بل هو إعلان لتلك الحكومة بعد أن كانت خفيَّة وغير ظاهرة يُعلَن عنها بعد تكاملها وقوَّتها وسيطرتها.
وممَّا تقدَّم تتَّضح لنا أدوار المؤمن المتعدّدة والمهمَّة والحيوية في دولة الإمام (عليه السلام) الخفيَّة الآن، وكيف يبني تلك الدولة، وكيف يدفع عنها وعن قائدها (عليه السلام) كلَّ ما يُسبِّب اختلال وتعطيل تكامل وقوَّة هذه الدولة.
وهذا البيان رسم خارطة مسير ومسار للمؤمن في فترة غيبة الإمام (عليه السلام)، كما أنَّه يُعطي تفسيراً صحيحاً لمعنى الغيبة، فأين هذا المعنى من الثقافة السطحية التي تقول: إنَّ الإمام (عليه السلام) غير حاضر ومبتعد أو في جزيرة خضراء لا علاقة له بالناس وينتظر من يُهيِّئ له الظروف والأسباب للظهور المقدَّس، وبالتالي يكون منتظراً لأمر الله بهذا اللحاظ؟ وهذه ثقافة جبرية سيِّئة جدَّاً وفهم خاطئ، لأنَّه يجعل الإمام (عليه السلام) متواكل وليس متوكّل على الله.
أمَّا على الثقافة الأُخرى والفهم الآخر - وهو الصحيح -، نرى أنَّ الإمام (عليه السلام) منتظر لأمر الله، وهو في عمل ليل نهار في بناء دولة الظهور الآن، فإنَّ دولة الظهور المقدَّس لا تُبنى ولا تُؤسَّس أركانها حين الظهور أو بعد الظهور، لأنَّ الظهور قطف أو جني للثمار التي أسَّسها الإمام (عليه السلام) في دولته الخفيَّة.
نعم من خلال هذه الأُطروحة لا يصحُّ ولا يحقُّ لنا أن نزهد في الجانب الغيبي، ودور الأسباب الغيبية، لأنَّ منهجنا (الأمر بين الأمرين)، فلا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين، أي لا جبر ولا حتمية مطلقة للأسباب الغيبية والإعجاز الغيبي والإدارة الغيبية بمعزل عن الأسباب الطبيعية في تعجيل الظهور، كما أنَّه لا تفويضية بجعل كلّ الأسباب بيد المؤمنين في إدارة وتنامي الحكومة الخفيَّة للإمام (عليه السلام).
فيجب أن يعلم المؤمن أنَّه لبنة أساسية وحيوية وضرورية في بناء الدولة الخفية وتعجيل الظهور المقدَّس، أي إنَّه عنصر مهمّ في قوَّة الدولة وبالتالي ظهورها، ولا يمكن التنازل عن دوره بحال من الأحوال في هذه الفترة، ولا يحول دون ذلك حتمية ظهور الإمام (عليه السلام)، وعظمة إدارته لدولته، رغم كونها إدارة عظيمة وعالية وجليلة.
ولعلَّ سائلاً يسأل ما هو الفرق العملي بين الثقافتين؟ وهل هناك ثمرة عملية لذلك؟
وللجواب على ذلك نقول: إنَّ الفروق في ذلك كبيرة وكثيرة، منها:
١ - أنَّه على الفهم الجبري الخاطئ، وأنَّ الإمام (عليه السلام) سيظهر كحتم قدر وقضاء بفعل محض من السماء، وأنَّ الله يُظهِر دينه على الدين كلّه، فإنَّه مدعاة للتواكل وترك الحبل على الغارب.
٢ - على الفهم الآخر أنَّ المؤمن له دور عظيم لتعجيل الظهور، ولكن لا دور له الآن، إنَّما دوره في فترة الظهور المقدَّس وما بعد الظهور، أمَّا الآن فالمؤمن ليس له دور، نعم دوره أن يكون مستعدَّاً للظهور، وهو استعداد ترقّب نفسي ليس إلَّا، ولا يعدو أن يكون أمراً غامضاً لا مفهوم له واضح - عملياً -.
نعم يمكن أن يكون له دور على المستوى الفردي بتربية نفسه دينياً وعلمياً، وقد يُتعدى قليلاً إلى القيام بواجبه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أُسرته وفي مجتمعه، أمَّا على المستوى التدبيري لمصير الدين أو العلمي في مستوى أبعد وأعمق وأوسع، فليس هناك إلتفات أو لا يوجد تثقيف واضح على ذلك.
أمَّا علاقته بالإمام المهدي (عليه السلام)، فقد يُنظَر في تلك الثقافة أنَّه يجب أن يتفاعل المؤمن مع الإمام (عليه السلام)، أمَّا كيفية ذلك التفاعل الذي يجب على المؤمن مع الإمام (عليه السلام) فلعلَّه لا يعدو مستوى الشعور به، والدعاء له، والتصدّق عنه، وأن يدعو صباح ومساء بتعجيل الظهور المقدَّس، وهذا غاية عونه ونصرته ومؤازرته للإمام (عليه السلام).
أمَّا بناءً على الثقافة والرؤية السديدة، فإنَّه ينبغي أن يفهم المؤمن أنَّه الآن يعيش كفرد في مجتمع دولة الأمام (عليه السلام) الخفيَّة، فكيف يتعامل معها، وكيف يبنيها؟ فهو بمثابة موظَّف، ولو شعر المؤمن أنَّه موظَّف في مجتمع دولة الإمام (عليه السلام)، وأنَّ دولة الإمام (عليه السلام) الآن وليس بعد الظهور فقط، وكيف ينبغي أن يتصرَّف المؤمن مع مجتمع متعدّد الأهواء والاتِّجاهات والألوان بنظرة موضوعية لفرد يريد بناء دولة واقعية حاضرة - يعيشها -، وبالتالي سيختلف نظره إلى قائدها (عليه السلام) - بحسب هذا الفهم -، أنَّه كيف يبني مجتمع دولته (عليه السلام) في ظرف خفائه(٢١٣).
وهذه النظرة شكل آخر غير التعبّد الديني المحض، وغير فكرة إسقاط الواجب الديني - التعبّدي -، بل بفكرة استثمار الواجب التعبدي - الصحيح - لبناء الدولة، وبناء الدولة هو بناء للفرد وللمجتمع في نفس الوقت، ولكنَّه أعظم وأعلى وأكمل.
وهذه النظرة الموضوعية - التجردية - الشمولية تتناسب مع قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «الجلسة في المسجد خير لي من الجلسة في الجنَّة، فإنَّ الجنة فيها رضا نفسي والجامع فيه رضا ربّي»(٢١٤)، وهذا الكلام فيه إشارة إلى ما نريد، فإنَّ المؤمن في عيشه في مجتمع دولة الإمام (عليه السلام) وإسهامه في الآن الراهن في بناء دولة الإمام (عليه السلام) بعد الظهور، هو عيش أعظم سعياً وأجراً من العيش في الجنَّة، لأنَّ العيش الرغيد في دولة الإمام (عليه السلام) كالعيش الرغيد في ظلِّ الجنَّة، فيه رغبة ورضا النفس. ويكون السعي في تكامل دولة الإمام (عليه السلام) - في ظرف الظهور -، كالسعي في التكامل في الجنَّة سهل فهو بلا معوّقات وابتلاءات، أمَّا الجلوس في المسجد فهو كالسعي في بناء مجتمع دولة الإمام (عليه السلام) في فترة الغيبة بتشييد أركان دولة الإمام الخفيَّة التي ستظهر على العالم بعد خفائها - قويَّة صلبة -.
ومن هنا ورد أنَّ أجر عمل وطاعات المؤمن في الغيبة أعظم أجراً من عمله وطاعته في ظلِّ دولة الظهور، فعن عمّار السابطي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): العبادة مع الإمام منكم المستتر في دولة الباطل أفضل أم العبادة في ظهور الحق ودولته مع الإمام الظاهر منكم؟ فقال: «يا عمّار، الصدقة والله في السرِّ [في دولة الباطل] أفضل من الصدقة في العلانية، وكذلك عبادتكم في السرِّ مع إمامكم المستتر في دولة الباطل أفضل، لخوفكم من عدوِّكم في دولة الباطل وحال الهدنة ممَّن يعبد الله (عزَّ وجلَّ) في ظهور الحقِّ مع الإمام الظاهر في دولة الحقِّ، وليس العبادة مع الخوف وفي دولة الباطل مثل العبادة مع الأمن في دولة الحقِّ. اعلموا أنَّ من صلّى منكم صلاة فريضة وحداناً مستتراً بها من عدوِّه في وقتها فأتمَّها كتب الله (عزَّ وجلَّ) له بها خمساً وعشرين صلاة فريضة وحدانية، ومن صلّى منكم صلاة نافلة في وقتها فأتمَّها كتب الله (عزَّ وجلَّ) له بها عشر صلوات نوافل، ومن عمل منكم حسنة كتب الله له بها عشرين حسنة، ويضاعف الله حسنات المؤمن منكم إذا أحسن أعماله ودان الله (عزَّ وجلَّ) بالتقيَّة على دينه وعلى إمامه وعلى نفسه وأمسك من لسانه أضعافاً مضاعفةً كثيرةً، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) كريم»(٢١٥).
مع الالتفات أنَّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لا يعني - في حديثه - أنَّه جالس وغير فاعل وهو في المسجد، بل أحد عناوين المسجد هو عنوان إدارة الدولة، لأنَّ دولته (عليه السلام) - وهكذا الدولة العادلة في الظهور المقدس - تُدار من المسجد، لأنَّ المسجد هو العنوان الديني والإداري والعلمي - المقدَّس -، الذي يهيمن على كلِّ المفاصل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها. فيكون معنى جلوسه في المسجد هو الجلوس الفاعل البنّاء، جلوس التدبير الديني والدنيوي وتدبير بناء الدولة. وهذا الجلوس قريب من معنى الحلس «كن حلساً من أحلاس بيتك» الذي هو الجلوس في بيت العقيدة والإيمان والثبات على النهج الصحيح - وقد تقدَّم هذا المعنى -.

* * *
الفصل الرابع: شخصيات مسرح الظهور

مسالك الانتظار:
هناك مسلكان في كيفية التعامل مع روايات ما قبل الظهور، أو ما تُعرَف بروايات علامات الظهور كما يُعبَّر عنها، وبالتالي سوف تتحدَّد وتتعدَّد مشارب ومسالك المنتظرين بحسب ما ينعكس من فهم للروايات.
المسلك الأوَّل: يجعل العلامة بمثابة العلَّة إذا حدثت فسوف يحدث الظهور، وإذا لم تحدث سوف لا يحدث الظهور، وهذا الفهم وهذه الرؤية والنظرة الجمودية لروايات ما قبل أو قبيل الظهور التي هي من سنخ علامات الظهور، نستطيع تسميتها بالمسلك الجمودي الأُحادي الجبري.
وكأنَّه يُعلِّق ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) على ظهور هذه العلامات، فهو في الحقيقة منتظر للعلامات برؤية جبرية للظهور لا رؤية مسؤولة لا جبر ولا تفويض أمر بين أمرين، كما في قوله تعالى: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣)، وليس منتظراً انتظار نصرة وعون للمهدي (عليه السلام)، - وسيكون من الفاشلين في الامتحان، كما فشل المنتظرون في زمن نوح (عليه السلام)، حيث علَّقوا انتظارهم على العلامات، وهي حصول ثمر النوى، فلمَّا بدا لله في زمن الطوفان فشلوا -، فلذلك يؤول به الحال إلى كونه منتظراً لليماني وللسفياني وللخراساني وغير ذلك، وليس منتظراً للمهدي (عليه السلام)، فإذا بدا لله في هذه العلامات - وهذا أمر ذكرته الروايات - أو تختلط عليه الأُمور بحسب ظهور الروايات بين السفياني الأوَّل والثاني والثالث فلا يُميِّز، فسوف تباغته تغيّرات الأحداث وهو في سكرة الارتقاب للعلامات.
المسلك الثاني: وهناك مسلك جبري آخر كأنَّه يقول: ما دامت العلامة يمكن فيها البداء ولا يرتبط بها الظهور فلماذا أنظر إليها؟ وبما أنَّ الله ناصر وليِّه ومُظهِر دينه على الدين كلّه، فما الداعي للبحث وراء العلامات ومتابعة الأحداث تسارعت أم تباطئت؟
المسلك الثالث: كما أنَّ هناك قراءة أُخرى لعلامات الظهور، وأنَّها رهينة تحمّل المسؤولية والأُمور كلّها مفوَّضة إلى تدبير ونهضة الأُمَّة، والمصير معلَّق حصراً بقيامها بواجباتها، وهذا هو الآخر يدعو إلى الانكسار والتقاعس في صورة خذلان الأُمَّة.
وبين هذا وذاك هناك نظر واقعي لأحداث مسرح الظهور ولعلامات الظهور ولشخصيات الظهور، وهذا النظر (أمرٌ بين أمرين)، فلا تفويضية بجعل المحور هو العلامات أو بيد شخصيات مسرح الظهور، ولا جبرية مطلقة لا ترى أهمّية لأيِّ دور وشخصية في مسرح الظهور، بل إنَّما أمر بين أمرين.
فالصحيح هو الالتفات إلى المناهج الذي يتَّبعها هؤلاء الثلاثة (اليماني والخراساني والسفياني) وغيرهم، وهذا هو الضابطة الأُولى لمعرفتهم.
وبعبارة أُخرى: أنَّ معرفة منهاج هؤلاء الثلاثة في سنة الظهور أهمّ من معرفة أشخاصهم، لأنَّ الميزان هو على المنهج لا على الشخص، والبصيرة هي على الحقِّ لا على الرجال. ومن ثَمَّ فمن أخطاء ثقافة التعليم لعلامات الظهور شخصنة البصيرة بأشخاص، بينما البصيرة مرهونة بالمنهج والميزان.
كما أنَّ هناك ضابطة ثانية خطيرة أيضاً في قراءة علامات الظهور، وهي أنَّ الثقافة والمعرفة بالمشروع المهدوي ليست مبتورة عن الثقافة والمعرفة بأصحاب الكساء بدءاً بالمعرفة النبوية ومعرفة المنهاج العلوي والفاطمي والحسني والحسيني فضلاً عن التوحيد، وثمرة ذلك هيمنة ثوابت الدين العليا في قراءة المشروع المهدوي.
وضابطة ثالثة أنَّ روايات علامات الظهور هي في الحقيقة رسم خارطة سياسية وعسكرية أمنية واجتماعية لسنين أو لسنة الظهور، وأنَّها تقرير يرسم الوظيفة للمؤمنين فيما ينبغي عليهم القيام به والحذر منه واليقظة تجاهه.
وبهذه الضوابط في قراءة روايات علائم الظهور والرايات المتجاذبة لمسرح الحدث، سواء في طرف الحقّ أو الباطل يُقطَع الطريق على الأدعياء، ويكون المؤمن على بصيرة ثاقبة في قراءة الأحداث، وفي انتظار صحيح للإمام المهدي (عليه السلام).
ومن جهة أُخرى - وهي جهة أساسية ومهمَّة -، فإنَّ التمحور حول المنهجيات يكون تمحوراً حول الإمام (عليه السلام)، لأنَّ تلك المحاور مسارات وخطوط هم رسموها لنا.
السفياني بين الحتم والبداء:
في هذا الفصل نُركِّز على شخصية السفياني المنحرفة عن خطِّ الهداية العامَّة، ونكتفي بما ذكرناه في الفصول السابقة عن شخصيات أُخرى إيجابية مثل اليماني والحسني وغيرهما، ولا بدَّ قبل الولوج في هذا البحث الحسّاس من مقدَّمة:
السفياني حدث معاصر أو مستقبلي، وهذا الحدث هو الآخر قد ينظر إليه البعض أنَّ وقوعه محتوم وملجئين إلى الاستسلام أمامه، بينما الذي تعلَّمناه من عبر عاشوراء أنَّ حتمية الشيء لا تستلزم الإلجاء في أصل الحدث أو الإلجاء في تفاصيله أو الإلجاء في تداعياته وما يترامى عنه من أمواج وأحداث.
ويجب أن نُنبِّه أنَّ بحثنا لم يكن على التفاصيل الدقيقة لمسرح الظهور سواء الأمنية أو العسكرية أو السياسية أو الجغرافية أو غيرها، بقدر ما نحن في صدد بيان أنَّ الخيارات في الأُفق متعدِّدة لمجال القيام بالمسؤولية، وأنَّ الروايات رغم بيانها للمقادير وما حتم منها إلَّا أنَّها تُنبِّه على إمكانية التغيير وحصول البداء ولزوم تحمّل المسؤولية، فها هنا أُمور لا بدَّ من التنبّه لها، منها:
١ - إنَّ أصل هذه الأحداث أو الغايات التي هي عبارة عن موازين القوى في الشرق الأوسط وإن كانت من المحتوم أو بعض منعطفات تفاصيل الأحداث إلَّا أنَّ بقيَّة التفاصيل ليست من المحتوم، مع أنَّ المحتوم يتطرَّق إليه البداء الأعظم وإمكانية التغيير، فكيف بغير المحتوم.
٢ - إنَّه قد وقع الالتباس لدى الثقافة العامَّة حول علامات الظهور، أنَّ ما دام رايات سنة الظهور وقتالها من المحتوم فلا محال أنَّ كُلَّ ما جاء في الروايات حول تفاصيل رايات سنة الظهور أيضاً تلك التفاصيل هو الآخر من المحتوم، وهذا كما تقدَّم من الغفلات الخطيرة في الثقافة العلمية لعلامات الظهور.
وهذا البحث(٢١٦) - كما هو واضح لدى الجميع - محلّ سجال ولغط علمي كبير في الأوساط العلمية، ومحلّ سؤال واستفسار لدى الناس بكُلِّ طبقاتهم الثقافية، وسيتَّضح من خلال البحث الصلة بين هذا البحث وبحثنا المتقدِّم، وسيتبيَّن أيضاً الثمرة المهمَّة بل الثمرات بعد أن ندخل في طيّات البحث.
ولا نجانب الصواب لو قلنا: إنَّ من لم يقف على معنى البداء في مفهوم النهضة الحسنية وحقيقة البداء في حركة الحسين (عليه السلام) وتحرّكات المعصومين (عليهم السلام)، ومن لم يُدقِّق في البحث المتقدِّم (التوحيد في المشهد الحسيني)، لن يخرج بالنتيجة المرجوَّة من هذا البحث (السفياني بين الحتم والبداء). والمعصومون (عليهم السلام) قدوة لنا على مختلف الأصعدة - العلميَّة والعملية -، وما قالوه في الأخبار - الموسومة بأخبار آخر الزمان - ليس إخباراً بالغيب وبياناً تعبّدياً من قِبَلهم (عليهم السلام) يجب علينا التسليم به، وهذا عظيم في نفسه، لكن ما هو أعلى وأعظم منه التعبّد العلمي والتربوي، والسلوك العملي بالاقتداء بكلامهم وأفعالهم.
ومن لم يفهم حركة المعصوم (عليه السلام) على أساس (الحجّية المجموعية النظمية المنظومية الترابطية)(٢١٧)، لم ولن يستطيع أن يفكَّ الرموز والشفرات في الأخبار الواردة حوله، ومن لم ينتظم فهمه بالحجِّية المجموعية بشكلها المنظومي لم ولن يكون نِعْمَ المقتدي بسيرتهم.
وهذا بالضبط ما ترسمه لنا سورة البقرة في أوَّل آياتها حيث تقول: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ...﴾ (البقرة: ١ و٢)، فالآيتان في سورة البقرة تُبيِّن علوّ الحجّية المجموعية (صفات القدوة) بقولها: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فيهِ﴾، وكذلك تُبيِّن (صفات المُقتدي) بقولها: ﴿هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، فالمُقتدي ليس فقط يؤمن بالغيب وبإخبار الغيب، إنَّما هو مُهتدي لأنَّه ساعٍ ومُتحرِّك وعامل بوعي الرؤية الصائبة للحدث.
ومن الجدير بملاحظة القارئ، أمران:
١) إنَّنا لا ندرس السفياني دراسة شاملة ومتكاملة بكُلِّ زوايا وأبعاد حركته، بل من جهة موضع الفائدة التي ترتبط بما نريد، وإلَّا البحث من جميع الجهات يخرج بنا عن المقصد الأساس الذي جُعِلَ من أجله البحث، فلذا نرجو من القارئ الالتفات، لأنَّه قد يرى أنَّ هناك نقصاً في البحث عن شخصية السفياني، وذلك للاقتصار على الروايات النافعة ذات الصلة بالمقام.
٢) من الضروري أن نعرف أنَّ المقام فتن وأحداث آخر الزمان ليس من مشاهد الرعب، ولا هي قصَّة مرعبة يقصّها لنا المعصوم (عليه السلام)، وأنَّ أبطالها الخراساني والهاشمي واليماني وغيرهم في طرف الإيمان، والسفياني والأصهب والأبقع في طرف الكفر والنفاق، وبالتالي تكون مسؤوليتنا التفرّج من المنتصر والرابح في تلك المباراة، كما لعلَّه يُصوِّر البعض أنَّ جهاد العدوِّ ليس على كُلِّ مكلَّف، بل هو مسؤولية البعض الذي له قدرات خاصَّة وله اختصاص في الجهاد. وهذا مخالف لسيرة النَّبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) والمعصومين (عليهم السلام)، ومخالف لأقوالهم. إنَّما أحداث آخر الزمان يُبيِّنها المعصوم ليجعل المسؤولية في عاتق الجميع، نعم من كُلِّ أحد حسب طاقته وقدرته.
قاعدة منهجية في المنهج:
وهذه القاعدة يجب أن تكون هي المنهج المتَّبع لنا، بل ينبغي أن يكون لكلِّ باحث في العلوم الدينية، ونحن نعتقد أنَّ المعرفة عن طريق دراسة المنهج هي منهج أهل البيت (عليهم السلام)، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «اعرف الحقَّ تعرف أهله»(٢١٨)، وكذلك قوله (عليه السلام): «لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال»(٢١٩) .
وهذا الكلام من أمير البيان (عليه السلام)، هو أصل وقاعدة تجعل الميزان في معرفة الحقائق، هو النظر إلى ما قال وليس إلى من قال، وهذا منهج موضوعي - تجرّدي -، وضابطة مهمَّة لكلِّ منصف يريد معرفة الحقيقة، وقوله (عليه السلام): «اعرف الحقَّ تعرف أهله»، أي قبل الجري وراء الأشخاص ينبغي معرفة مناهجهم. وهذا المنهج عظيم وخطير، وهو ميزان علمي وضابطة علمية في مختلف العلوم كالرجال والحديث والفقه وغيرها، وصالح لأن يكون قاعدة مهيمنة في كلِّ العلوم الدينية.
وهو مسلك يشير إلى أهمّية المنهج في البحث العلمي، وهذا ما يؤكّده الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في محاورته مع الجاثليق، حيث يقول (عليه السلام): «أنا مقرٌّ بنبوَّة عيسى وكتابه...، وكافر بنبوَّة كلّ عيسى لم يقرّ بنبوَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبكتابه...»(٢٢٠)، وهذه الضابطة المعرفية العظيمة من الإمام الرضا (عليه السلام)، هي نفس ما رسمه الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من عدم الجري وراء العناوين والأسماء والأشخاص، وأنَّ الأولى هو معرفة أقوالهم أي مناهجهم ومشاربهم المعرفية. والإمام الرضا (عليه السلام) يبلور ويُوسِّع الضابطة المنهجية العلوية بجرأة وحيانية معصومية، ولم تكن هذه الأُمور لتتَّضح لولا سعة بيانات أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) من جهة، وجرأتهم وصراحتهم في الحقِّ من جهة أُخرى.
والحجج مراتب فوق بعضها البعض، فحجَّة بديهية تهدي إلى حجَّة معرفة الربِّ تعالى، ومن بعد ذلك تلزم العباد طاعة الرسل وذروتهم سيِّدهم المأخوذ طاعته على جميعهم، وهذه هي الحجَّة الثالثة، ثمّ من بعد ذلك تلزم العباد حجّية الأوصياء، إلى غير ذلك من مراتب الحجج. وكلُّ حجَّة تفوق الأُخرى وتهيمن عليها، وتُحدِّد أمدها وحدودها. ولذلك أشارت الآيات إلى الاستدلال بصفات الله من أنَّه مالك للسماوات والأرض وما فيهنَّ، وأنَّه وليّ كلِّ الأولياء، لبيان أنَّ هناك مراتب في الحجّية والدلائل، وتفاوت في درجاتها، واللازم مراعاة سلسلة تلك المراتب، وما هو أكبر وأبلغ، كما في الاستدلال لدحض ما يزعمه اليهود والنصارى من لزوم اتِّباع ما يزعمونه من يهوديَّة ونصرانيَّة النبيّ إبراهيم والأنبياء السابقين، حيث إنَّ ولاية الله فوق ولاية الأنبياء وصلاحيّاته في الحكم والتشريع، فكيف يترك أهل الكتاب الدلائل على المشيئة الإلهيَّة في مقابل ما يزعمونه من حجّية يتبعونها...؟ بل يكون هو الميزان الذي يُعرَف به الحقّ، كما في قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «علي مع الحقِّ والحقُّ معه لا يفترقان حتَّى يردا عليَّ الحوض»(٢٢١)، أي إنَّ المعصوم (عليه السلام) يكون هو الميزان والمنهج الذي به يُعرَف الحقّ.
والنتيجة أنَّه لو ادَّعى مدَّعٍ أنَّه عيسى (عليه السلام)، أو ادَّعى أنَّه سفير الإمام (عليه السلام)، أو نائب خاصّ للإمام (عليه السلام)، أو ابن الإمام (عليه السلام)، أو وصيّ الأمام (عليه السلام)، أو أنَّه اليماني أو الحسني أو الخراساني أو النفس الزكيَّة أو أيّ عنوان آخر، فإنَّنا قبل أن نطالبه ببرهان أو معجزة على صدق ادِّعائه، ينبغي أن نرى منهجه العقائدي والفكري والسلوكي هل يطابق الثوابت العليا في الدين؟ لأنَّه أقوى برهان ومعجزة من كلِّ معجزة، فإنَّ معاجز الأنبياء صلوات الله عليهم لا تتطاول فوق التوحيد، ثمّ بعد ذلك نطلب المعجزة.
الشجرة الملعونة:
قبل أن نلج في بحث السفياني لا بدَّ أن نلتفت إلى أنَّ منهجه وطريقه شجرة ممتدَّة عبر الزمن، بل هي تتَّصل بالآخرة (بشجرة الزقّوم)، وما تلك الشجرة الخبيثة التي اجتُثَّت من فوق الأرض كما عبَّر القُرآن: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (إبراهيم: ٢٦)، إلَّا واقع وحقيقة هذه الشجرة. وهذا المنهج الذي في الدنيا نهج بني أُميَّة، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحاطَ بِالنَّاسِ وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْياناً كَبِيراً﴾ (الإسراء: ٦٠).
وقد أجمع المفسِّرون سُنَّةً وشيعةً على أنَّ المراد من الشجرة الملعونة في القرآن الكريم هم بنو أُميَّة، ففي تفسير العيّاشي عن الباقر (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ﴾، فقال: «أرى - رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) - رجالاً من بني تيم وعدي على المنابر يردّون الناس عن الصراط القهقرى»، قلت: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ في الْقُرْآنِ﴾؟ قال: «هم بنو أُميَّة»(٢٢٢)، وعن الصادق (عليه السلام) مثله(٢٢٣).
قال الرازي: (قال ابن عبّاس (رضي الله عنه): الشجرة بنو أُميَّة، يعني الحكم بن أبي العاص...، وممَّا يُؤكِّد هذا التأويل قول عائشة لمروان: لعن الله أباك وأنت في صلبه، فأنت بعض من لعنه الله)(٢٢٤).
كذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (إبراهيم: ٢٦)، قال الباقر (عليه السلام): «إنَّ هذا مثل بني أُميَّة»(٢٢٥).
روى القمّي عن أبي الجارود، عن الباقر (عليه السلام): «كذلك الكافرون لا تصعد أعمالهم إلى السماء، وبنو أُميَّة لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد أعمالهم إلى السماء إلَّا قليل منهم»(٢٢٦).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي في الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (الدخان: ٤٣ - ٤٦)، فُسِّر أيضاً ببني أُميَّة(٢٢٧).
في رواية عن أبي محمّد العسكري (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾ (البقرة: ١٦)... والحديث طويل، ثمَّ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافّات: ٦٢]، المعدَّة لمخالفة أخي ووصيّي علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(٢٢٨).
وأيضاً عن ابن عبّاس والحسن وأبي مالك وسعيد بن جبير ومجاهد وقتادة والضحّاك وابن زيد أنَّها - الشجرة المعلونة - شجرة الزقّوم الذي ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ و٤٤](٢٢٩).
وكذلك وفي مضامين أُخرى عديدة فُسِّرت - شجرة الزقُّوم - بالشجرة الملعونة، وهذا متطابق مع كون الشجرة الخبيثة والمعلونة والزقّوم واحدة مع اختلاف النشآت.
خطورة المنهج:
ممَّا ينبغي علينا فهمه أنَّ الأهمّية والخطورة تكمُن في المنهج، فإنَّ الشعارات كثيرة برّاقة وذات ألوان عديدة ولكن حقائقها مخالفة لشعاراتها، والجري وراء الشعارات بحسب بيان الشارع لا ينفع، لأنَّ المهمّ هو الوصول إلى حقيقة ما يكمُن خلف تلك الشعارات، وهذا ما نحاول بيانه في نقاط:
النقطة الأُولى: (الشجرة الخبيثة):
إنَّ القرآن حينما يقول: الشجرة الملعونة، في القرآن لا يصف أشخاصاً بعينهم، بل يصف شجرة، والشجرة لها فروع وأغصان، وحينما يصف الكلمة بالخبث يصفها بشجرة.
النقطة الثانية: (لا يذكرون الله):
إنَّ الشجرة الملعونة أي المبعَدة والمطرودة عن رحمة الله، وفُسِّرت الشجرة الملعونة ببني أُميَّة، وقد مرَّ وصفهم من قِبَل الإمام الباقر (عليه السلام): «... وبنو أُميَّة لا يذكرون الله في مجلس ولا في مسجد ولا تصعد أعمالهم إلى السماء...»(٢٣٠)، وإذا كانوا كذلك فكيف لا يُطرَدون من الرحمة الإلهية.
النقطة الثالثة: (بنو أُميَّة نهج وسلوك):
بناءً على هذا الأساس يمكن أن نُفسِّر روايات آخر الزمان التي ذكرت بني أُميَّة، بأنَّها لا تقصد بني أُميَّة أشخاصاً فقط، بل الأقرب الأهمّ لنظر الروايات هو النهج والسلوك (نهج وسلوك بني أُميَّة).
النقطة الرابعة: (سعد الخير):
إنَّ القتل والتخريب والدمار والفساد والإفساد الذي خصَّته الرواية بالسفياني ما هو إلَّا رسم للسلوك العدواني والنهج الأُموي، وليست القضيَّة منوطة بشخص وأشخاص، ولذلك كلُّ الروايات - إلَّا قليلاً - ذكرته بلقبه (السفياني) ولم تذكر اسمه، وبعضها ترفض التشبّث بالاسم، ففي الرواية عن عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اسم السفياني، فقال: «وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأُردن وقنسرين فتوقَّعوا عند ذلك الفرج»، فقلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: «لا، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً»(٢٣١).
فهنا نرى الإمام يحاول عدم ذكر اسم السفياني إشارةً منه إلى أنَّ خطورة المنهج أهمّ من خطورة الشخص، وهي أولى بالبحث والاهتمام من الأشخاص، كما أنَّ مركز الاهتمام في أغلب روايات المعصومين (عليهم السلام) ليست على الانتساب من جهة الآباء أو العشيرة، بل على الانتساب للمنهج.
كما في رواية أبي حمزة، قال: دخل سعد بن عبد الملك...، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «ما يبكيك يا سعد؟»، قال: وكيف لا أبكي وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال له: «لست منهم، أنت أُموي منّا أهل البيت، أمَا سمعت قول الله (عزَّ وجلَّ) يحكي عن إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]؟»(٢٣٢).
النقطة الخامسة: (اللعن للمؤسِّسين أشدّ):
ورد في الزيارة المعروفة بزيارة عاشوراء: «... فلعن الله أُمَّة أسست أساس الظلم والجور عليكم أهل البيت...، ولعن الله الممهِّدين لهم بالتمكين من قتالكم»(٢٣٣).
بحسب هذا النصّ هناك تأسيس، وكذلك هناك تمهيد للفساد والإفساد ولقتل المصلحين (محمّد وأهل بيته (عليهم السلام))، في حين كانت الشجرة الطيّبة (محمّد وآله (عليهم السلام)) تُؤسِّس وتُمهِّد لكلِّ خير وصلاح وسُنَّة وملَّة حسنة كانت أُميَّة تُؤسِّس للفساد والإفساد وسنّ سنن الغدر والغيلة ونقض العهد، كما فعلت هند مع سيِّد شهداء زمانه حمزة (عليه السلام)، وكما فعل معاوية بنقض العهد مع الإمام الحسن (عليه السلام)، وكما أسَّس يزيد وسنَّ سنن تخريب المُدُن وخرَّب مدينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وانتهك المُدُن المُقدَّسة والأماكن المُقدَّسة وهدم الكعبة.
وما يفعله السفياني عين ذلك، فهو يغدر وينقض العهود ويُخرِّب المُدُن وينتهك الحُرُمات ويُخرِّب المُقدَّسات ويريد هدم الكعبة...، وهكذا تستمرُّ هذه الشجرة الملعونة بسنِّ السنن وإحداث البِدع إلى يومنا هذا.
في مقابل هذه الشجرة الملعونة شجرة طيِّبة مباركة وهي شجرة أهل البيت (عليهم السلام) (كما وصفها القرآن)(٢٣٤)، فهي تسنُّ السنن الطيِّبة، كالتضحية والفداء والإيثار وزرع البرِّ والخير والمحبَّة والسلام في ربوع الدنيا، وهذا ما تشير إليه رواية عمّار بن أبي الأحوص، قال: قال أبو عبدالله (عليه السلام): «... أمَّا علمت أنَّ إمارة بني أُميَّة كانت بالسيف والعسف والجور، وأنَّ إمارتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقيَّة وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغِّبوا الناس في دينكم وفي ما أنتم فيه»(٢٣٥).
النقطة السادسة: (أخطر المناهج):
إنَّ وصف الشجرة المعلونة في القرآن ببني أُميَّة يشير إلى أنَّ أخطر المناهج هو منهج بني أُميَّة، وأضلّ الرايات بعد الفتنة المشار إليها في الآية هي راية بني أُميَّة، فتكون كُلُّ رايات الضلالة أقلَّ خطورة وضلالاً من تلك الرايات الملعونة.
النقطة السابعة: (إسلام وأصنام):
من الموارد المفرِّقة التي تُبيِّن لنا شدَّة ضلال النهج الأُموي وتفوّقه في الفساد والضلال، أنَّه يرفع الشعارات المتضادّة، ففي حين ينادي بالإسلام هو يهدم الإسلام، وفي حين خليفته ينادي بالقرآن وأنَّه خليفة المسلمين، يجعل القرآن غرضاً لسهامه ويتطاول جهاراً على تمزيقه، ويُصلّي خليفته الآخر وهو سكران، يرفع شعار الإسلام لكنَّه يدعو للأصنام.
النقطة الثامنة: (بنو العبّاس):
مقابل النهج الأُموي السفياني هناك حركات ضلال كثيرة، الروايات تُبيِّن أنَّها سابقة على حركة الضلال التي يتزعَّمها السفياني الأُموي، وتُؤكِّد الروايات من خلال مفاداتها أنَّ حركة السفياني هي الأخطر، وأنَّ تلك الرايات بمثابة المُمهِّدة لحركة السفياني، وأنَّ رايات الضلال يستحقّها المجتمع بسوء تصرّفه وتقاعسه عن نصرة الحقِّ.
وبنو العبّاس أيضاً وصف لنهج وسلوك معيَّن عدائي للإسلام ولأهل البيت (عليهم السلام)، ولكن الأُسلوب مختلف والنهج مختلف، ويمكن أن نلحظ على النهج العبّاسي أُموراً تُفرِّقه عن المنهج الأُموي:
١) إنَّ النهج العبّاسي يتوسَّل إلى كرسي الرئاسة عبر رفع شعار (الرضا من آل محمَّد) من أجل ذلك، أمَّا بنو أُميَّة لم ترفع ذلك الشعار، بل على العكس من ذلك رفعت شعار العداء لآل البيت (عليهم السلام).
٢) إنَّ نهج بني العبّاس يحارب أهل البيت (عليهم السلام) كنهج إيمان بعد وصوله إلى سدَّة كرسي الحكم، أمَّا بنو أُميَّة فهم يحاربون نفس النهج الإسلامي وتتعارض كُلُّ شعاراتهم مع شعارات الإسلام.
٣) عداءُ بني أُميَّة عداء مباشر وواضح للإسلام، وعداء بني العبّاس غير مباشر للإسلام ولنهج الإيمان، ولكنَّه مجاهر العداء ولنهج آل البيت (عليهم السلام)، وحتَّى أنَّ المنصور الدوانيقي كان يقوم بالدعوة لفضائل علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وذكر آل البيت (عليهم السلام)، وفي إحدى المرّات كاد يُقتَل جراء إقامته لمجلس عزاء لهم في بلاد الشام(٢٣٦).
فالنهج العبّاسي، إذن أُسِّس على أساس الفداء لآل البيت (عليهم السلام)، ولكن نهج أهل البيت (عليهم السلام) الذي يحاسب كراسي الحكم الدنيوية يصعب على من يُريد التربُّع على العروش الدنيوية أن يتَّخذه كنهج وسلوك، لأنَّ ذلك النهج يحاسبه هو نفسه أشدّ الحساب بشكل يصعب تحمّله، فإمَّا أن يسير معه أو ينقلب ضدَّه، وهذا ما حصل فعلاً من المنصور وباقي بني العبّاس ومن تبع نهجهم إلى هذا اليوم، حيث ساروا على المعاداة لآل البيت (عليهم السلام) ولنهجهم وسلوكهم.
من هو السفياني؟
في هذا البحث نحن لا نريد أن نعرف اسم السفياني ونسبه ونذكر الروايات في ذلك الخصوص، لئلَّا يطول بنا المقام من جهة. ومن جهة أُخرى ليس هو بحث ذو ثمرة تُذكر - هنا بالخصوص -، وهذا متطابق مع الرواية التي رواها الصدوق بإسناده عن عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اسم السفياني، فقال: «وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأُردن وقنسرين فتوقَّعوا عند ذلك الفرج»، فقلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: «لا، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً»(٢٣٧).
إذاً ما نريده هو التعرُّف على هويَّته العقائدية والسياسية والعسكرية من خلال حركته، وهذه الهوية تُبيِّنها مجموع روايات روت أفعاله ومعتقداته، والروايات التي تصف شخصية السفياني كثيرة منها:
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّك لو رأيت السفياني رأيت أخبث الناس، أشقر أحمر أزرق، يقول: يا ربِّ يا ربِّ يا ربِّ ثمّ للنار، ولقد بلغ من خبثه أنَّه يدفن أُمّ ولد له وهي حيَّة مخافة أن تدلُّ عليه»(٢٣٨).
وأيضاً «... يقبل السفياني من بلاد الروم متنصّراً في عنقه صليب وهو صاحب القوم»(٢٣٩).
وعن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «السفياني أحمر، أشقر، أزرق، لم يعبد الله قطّ، ولم يرَ مكّة ولا المدينة قطّ، يقول: يا ربِّ يا ربِّ ثاري والنار، يا ربِّ ثاري والنار»(٢٤٠).
وفي (إلزام الناصب): «ولا يزال السفياني يقتل كُلَّ من اسمه محمّد وعلي وحسن وحسين وفاطمة وجعفر وموسى وزينب وخديجة ورقيَّة بغضاً وحنقاً لآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)»(٢٤١)، هذه الرواية وروايات أُخرى بنفس المضمون تُبيِّن العقيدة التي يحملها السفياني:
أوَّلاً: من حيث عقيدته فهو: لم يعبد الله قطّ، وكذلك لم يؤمن بالنبيِّ ولا بالعقائد الحقَّة ولا بالمقدَّسات ولا بعقيدة التوسُّل ولا بالشفاعة وغيرها، لذلك قالت الرواية: «لم يرَ مكّة ولا المدينة قطّ». ومن جهة أُخرى، فهو لا يؤمن بفروع الدِّين وليس فقط بأُصوله، لأنَّه لو آمن بالفروع لرأى مكّة في حجٍّ أو عمرةٍ، ومن لا يؤمن بمكّة كمشهد ومعلَم وكبيت لله لا يؤمن بباقي المشاهد المُشرَّفة، وبالتالي لا يؤمن بأيِّ شعيرة من الشعائر ولا يُعظِّم شعائر الله، لأنَّ (الصفا والمروة) من الشعائر، وهما في بيت الله الحرام الذي لم يؤمن بقدسيته ولم يُعظِّم حرمته، وستأتيك لمحة نافعة عن حادثة في فهم هذه النقطة، فانتظر.
ثانياً: قوله (عليه السلام): «لو رأيته رأيت أخبث الناس»، وهذا كلام عن صفاته الباطنية ومكوّنات شخصيته الداخلية، والتعبير بالخبث تعبير عن نجاسة باطنية - بطبعها - تضادّ وتعاكس وتتقاطع ذاتاً وصفةً مع معدن الطهر والطيب محمّد وآله (عليهم السلام).
وقوله: «أشقر، أحمر، أزرق» إشارة إلى التذبذب والتلوّن الباطني باعتبار أنَّها جاءت في سياق ذكر الخباثة الباطنية، وكذلك لعلَّه إشارة إلى التلوّن في عقيدته - ولا ينافي ذلك إرادة الأوصاف الحسّية أيضاً -، وهذا التلوّن مع خبث السريرة كاشف عن أنَّ نجاسته الباطنية، إلى ما شاء الله من أنواع الخبائث والنجاسات.
ورؤية الخباثة عادةً إشارة إلى الباطن الخبيث، وإشارة إلى الرؤية للباطن بالرؤية التفرُّسية.
والرؤية الظاهرية للخباثة تقود للرؤية الباطنية، بل هي أشدّ في حقيقة الأمر، وذلك لأنَّه - السفياني - من الخباثة الشديدة بحيث طفحت وبرزت على قسمات وجهه وفي لحن كلامه وقوله، من حيث نصبه وعدائه لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم.
وفي هذا المجال وردت عدَّة نصوص في ذلك - ونحن نذكر واحدة منها اختصاراً -، ومضامين هذه النصوص الروائية تصبُّ في العداء لأهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، ومنها ما ذكرنا وهي أنَّه يقتل كُلَّ من يتسمّى بأهل البيت (عليهم السلام) وأسماء ذرّيتهم، وكذلك ما يفعل بالحوامل وبالنساء من الفجور والتعدّي، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «يخرج السفياني وبيده حربة ويأمر بالامرأة فيدفعها إلى بعض أصحابه فيقول له: افجر بها في وسط الطريق، فيفعل بها ثمّ يبقر بطنها ويسقط الجنين من بطن أُمِّه، فلا يقدر أحد أن ينكر عليه ذلك...»(٢٤٢)، والرواية طويلة وهذا موضع الشاهد منها.
والمهمّ هو توجّهاته السياسية والثقافية والدينية، حيث وردت إشارات عديدة إلى عمالته لليهود والنصارى وعلى نصبه وعدائه السياسي لكلِّ المُؤسَّسات والدول والسياسات التي تدعو إلى أهل البيت (عليهم السلام) وإلى الإسلام الحقيقي لأهل البيت (عليهم السلام)، ولذلك فإنَّ الرواية حينما تقول: «يقبل السفياني من بلاد الروم متنصّراً»(٢٤٣)، إشارة إلى عقيدته، وكذلك إشارة إلى التنصّر السياسي أي التحالفات التي تصبُّ في صالح الصهيونية الصليبية المعادية للإسلام الصحيح الذي يرفض الذوبان في الأطراف التي تجانب الحقّ ودين الحقّ، وهذه الإشارة يؤكِّدها ذيل الرواية حيث فيها: «في عنقه صليب وهو صاحب القوم»، كُلُّها إشارات إلى الاتِّفاقات السياسية الدينية العقائدية(٢٤٤) التي تصبُّ في خدمة المشروع الصليبي الغربي السلفي الوهّابي. وحينما تقول الرواية: «في عنقه الصليب» إشارة إلى بيعة صليبية صهيونية تُعادي المسيحية الحقَّة وكلّ دين حقّ وهو الإسلام الحقّ المتمثِّل بأهل البيت(عليهم السلام)، لأنَّ العنق أو الرقبة إشارة إلى تبعيته الكاملة للغرب، ولذا يُوصَف عتق العبد بـ (عتق الرقبة)، وقد ورد: «يقوم القائم (عليه السلام) وليس لأحد في عنقه بيعة»(٢٤٥).
والرواية حينما تقول: «يا ربِّ ثاري والنار، يا ربِّ ثاري والنار» تُذكِّرنا بإبليس الذي يعتقد بالله ولكنَّه لا يؤمن بخليفته ولا يسجد لخليفته، وهو قد فضَّل النار على السجود للخليفة، وليس ذلك إلَّا للتكبّر والأنا والحقد والحسد والثأر الذي هو عقيدة الانتقام من الطرف الآخر مهما كان عظيماً أو بسيطاً، ومهما كانت العداوة بسيطة أو كبيرة، فهو ينتقم مهما كان الثمن ولو كان النار، فقول: «يا ربِّ ثاري والنار» دعاء لربِّه أن يُمكِّنه من الثأر من عدوِّه، ولا يهمُّ بعد ذلك حتَّى لو كان ثمن ذلك جهنَّم خالداً فيها، كما هو حال إبليس الذي طلب من الله البقاء ليثأر من آدم (عليه السلام) وولده، قال تعالى: ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (الأعراف: ١٤)، وكما أنَّ إبليس يطلب ثأره من الخليفة كذلك السفياني - وكما هو واضح - يطلب ثأره من محمّد وآل محمّد ومن شيعتهم، ومن كُلِّ من يهتدي بهديهم، وما في الروايات كفاية لمعرفة ماهيَّة الثأر وممَّن يطلبه(٢٤٦).
معالم مشروع السفياني:
كتتميم لما تقدَّم نذكر بعض النقاط التي تُوضِّح مشروع السفياني ومراماته:
أوَّلاً: هدم الكعبة(٢٤٧)، ففي حديث طويل(٢٤٨) رواه الحضيني عن المفضَّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام)، قال: «... كنت وأخي نذيراً في جيش السفياني فخربنا الدنيا من دمشق إلى الزوراء وتركناهم جمّاء، وخربنا المدينة وروَّثت أبغالنا في مسجد رسول الله، وخرجنا منها وعددنا ثلاثمائة ألف رجل نريد مكّة والمدينة وخراب البيت العتيق وقتل أهله، فلمَّا صرنا بالبيداء عرسنا فيها، فصاح صائح: يا بيداء، بيدي بالقوم الكافرين، فانفجرت الأرض وابتلعت ذلك الجيش ...»(٢٤٩).
ثانياً: نبش قبر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقبر فاطمة (عليها السلام) وهدم المسجد النبوي، هذا فضلاً عن بقيَّة قبور الأولياء والصالحين، ففي رواية في (البدء والتاريخ): «... ويبعث جيشاً إلى المدينة فيقتلون ويأسرون ويحرقون ثمّ ينبشون عن [قبر] النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقبر فاطمة (رضي الله عنها)، ثمّ يقتلون كُلَّ من اسمه محمّد وفاطمة ويصلبونهم على باب المسجد، فعند ذلك يشتدُّ غضب الله عليهم فيخسف بهم الأرض، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [سبأ: ٥١]»(٢٥٠).
ثالثاً: تخريب المُدُن: وهذا واضح في الرواية التي أوردناها في النقطة الأُولى: «وخربنا الدنيا ...»، وكذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... ألَا وإنَّ السفياني يدخل البصرة ثلاث دخلات يذلُّ العزيز ويسبي فيها الحريم، ألَا يا ويل المنتفكة وما يحلُّ بها من سيف مسلول وقتيل مجدول وحرمة مهتوكة ...»(٢٥١)، وليس ببعيد منّا ما يجري في سوريا من قتل وتخريب وهتك حرمات واستباحة العرض والدم الحرام، وكذلك ما يجري في العراق.
وهذا يشير إلى إبادة البعد المدني في العمران وليس الاقتصار على التخريب للمعالم الدينية والعقائدية فقط، وهو مطابق لمشروع ضرب البُنى التحتية لكلِّ دول الشرق الأوسط الذي يستهدفه المشروع الغربي الجديد، لتكون بلدان المنطقة في حالة انفلات وخراب، بغضِّ النظر عن لون وطبيعة ومصداقية الأنظمة فيها.
رابعاً: قتل كُلِّ من سُمّي بأسماء أهل البيت (عليهم السلام)، كما عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ويصلب على بابها (أي الكوفة) كُلَّ من اسمه حسن وحسين، ثمّ يسير إلى المدينة فينهبها في ثلاثة أيّام، ويقتل فيها خلق كثير، ويصلب على مسجدها كُلَّ من اسمه حسن وحسين، فعند ذلك يغلي دماؤهم كما غلى دم يحيى بن زكريا...»(٢٥٢).
كذلك عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... ويقتل من كان اسمه محمّداً وأحمد وعليَّاً وجعفراً وحمزة وحسناً وحسيناً وفاطمة ورقيَّة وأُمّ كلثوم وخديجة وعاتكة، حَنَقاً وبغضاً لبيت آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ يبعث فيجمع الأطفال، ويغلي الزيت لهم، فيقولون: إن كان آباؤنا عصوك فنحن ما ذنبنا؟ فيأخذ منهم اثنين اسمهما حسناً وحسيناً فيصلبهما...»(٢٥٣).
السفياني ويأجوج ومأجوج:
ينبغي بيان هذا العنوان في نقاط:
١) إنَّ خراب العمران والطابع المدني والإفساد وسفك الدماء والهرج والمرج هي صفة يأجوج ومأجوج، التي ذكرها القرآن الكريم، وقد ذُكِرَ في جملة من الروايات الواردة في ملاحم آخر الزمان نبوءة عن خروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان، والظاهر أنَّ المراد به عنوان وصفي لا أنَّه عنوان واسم علم لجنس مخلوق، وإن كان المعنى الوصفي يؤول للمعنى الثاني من الحقيقة النوعية، وذلك بناءً على تجسّم الأعمال وتجوهر الذات بسنخ الأعمال، أي إنَّ الذات والروح والنفس وما لها من أبدان تنمسخ ويتكوَّن بها جوهر مسانخ لطبيعة العمل، فالصورة صورة إنسان، وأمَّا الروح فقد تبدَّلت إلى جنس يأجوج ومأجوج.
٢) إنَّ هذا الوصف لهم في القرآن (يأجوج ومأجوج) مادَّةٌ مشتقٌّ من أجج، [و]الأجيج تَلهُّب النار، وصوت النار أو صوت لهبها وصوت ضرامها والتوقّد والاشتعال، وأجَّ بينهم شرَّاً أوقده، وأجيج القوم اختلاط كلامهم مع حفيف مشيهم، والقوم في أجَّة في اختلاط، وأجَّ يؤجُّ أجَّاً أسرع، والأجيج شدَّة الحرّ، والأجَّة شدَّة الحرّ وتوهّجه كأجَّة الصيف، وماءٌ أُجاج أي ملح مرّ شديد المرارة، وقيل: شديد الحرارة أو شديد الملوحة والمرارة والمحرق من ملوحته، ويأجوج يفعول أو فاعول ومأجوج مفعول(٢٥٤).
كُلُّ هذه المعاني متقاربة لأصل ومعنى واحد، وهو اشتعال صفة شيء في جهة الشرّ الشديدة المريرة وتوقّده في ذلك، وهو مطابق للأوصاف المذكورة في القرآن لهم.
ولعلَّ الوصف بيأجوج اسم فاعل ومأجوج اسم مفعول أنَّ إحدى النمطين أو القبيلتين هو أساس وفاعل الفساد والنمط الثاني مسخَّر وتابع للأوَّل.
وكذلك قول الراغب الأصفهاني: (أج: قال تعالى: ﴿هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ [الفرقان: ٥٣]، شديد الملوحة والحرارة، من قولهم: أجيج النار وأجّتها وقد أجَّت. وائتجَّ النهار. ويأجوج ومأجوج منه، شُبِّهوا بالنار المضطرمة والمياه المتموّجة لكثرة اضطرابهم. وأجَّ الظليم إذا عدا أجيجاً، تشبيهاً بأجيج النار)(٢٥٥).
٣) اليأجوج والمأجوج كما ذكرهما القرآن في قوله تعالى: ﴿قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ في الْأَرضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا﴾ (الكهف: ٩٤)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ في بَعْضٍ﴾ (الكهف: ٩٩)، فهاتان الآيتان من سورة الكهف تشيران إلى يأجوج ومأجوج طبيعة لا يمكن معايشتهم لما هم عليه من الفساد والإفساد في الأرض، والذين شكو لذي القرنين من يأجوج ومأجوج نفس أُولئك القوم الشاكين هم قوم متخلِّفون كما يصفهم القرآن الكريم: ﴿حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ (الكهف: ٩٣)، فرغم أنَّهم لا يكادون يفقهون قولاً لجهلهم وأُمّيتهم وتخلّفهم، ومع ذلك هؤلاء رغم هذه الصفة لا يجرعون تحمّل التعايش مع قوم يأجوج ومأجوج، فلا يمكن معايشتهم بحال من الأحوال.
ومن ثَمَّ ما أن يزول السدُّ يصف القرآن هرجهم ومرجهم بتموّج بعضهم في بعض تبياناً لعدم انضباطهم بمبدأ ولا ناموس ولا قاموس يتعاطى معه في المعيشة. وإذا كان اليهود - بنو قريضة وبنو النظير - في ذمَّة التعايش المدني مع مجتمع المسلمين نتيجة خفرهم لذمَّة الالتزام والتعهّد في التعايش المدني أجلاهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن أرض الحجاز، فكيف بمن يفسدون في الأرض من كُلِّ حدب وصوب؟ فهؤلاء لا يكفي فيهم الإجلاء والإبعاد عن النسيج المدني كما في اليهود، بل لا بدَّ من إقامة سدّ عازل يحول بينهم وبين انطلاق أمواج فسادهم تجاه المجتمع المدني الإنساني الآمن، فضلاً عن المجتمع المؤمن المسالم.
وهذا ما وصفه القرآن: ﴿حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء: ٩٦)، وهو تصوير وإشارة إلى تموّجهم في الإفساد بنحو متداعي مترامي لا يقف ولا يتوقَّف.
كما أنَّ تعدّد وجهات الإفساد يُعطيه عنوان كُلِّ حدب، كما أنَّ هذا العنوان يُعطي محاولة سيطرتهم على المكان المستشرف أي مواقع السيطرة في المجتمع والحياة الأرضية، كما مرَّ في سورة البقرة وسورة محمّد، والجمع بين الصفتين ﴿كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ يُعطي أنَّ أمواجهم في الإفساد وإحداثهم الإفساد ينطلق من بعد وصولهم إلى مواقع السيطرة في المجتمع.
٤) إنَّ مناهج وسلوك ومسار يأجوج ومأجوج هو بعدم التقيّد وعدم الالتزام بأيّ ثابت، ونسف الثوابت الدينية والفطرية المنتشرة بصورة ارتكازات عقلائية، ومن ثَمَّ يستلزم ذلك الهرج والمرج والانقلاب.
٥) وهذا ما نلحظه في الطابع والنهج الأُموي من أنَّه نهج ينسف كُلَّ الثوابت الدينية وباسم الدِّين، فمن جهة واقع مناهجه هي اليأجوجية والمأجوجية وظاهر شعاره: (وا إسلاماه)، نظير سير الخلفاء الأُمويين سابقاً، فإنَّ الوليد بن عبد الملك كان يستهدف القرآن بالسهم(٢٥٦) - كغرض - زندقةً، ومع ذلك يتشدَّق أنَّه خليفة المسلمين والراعي الأوَّل للإسلام، وهذا النهج الازدواجي طابع واضح في النهج الأُموي.
ففي الرواية عن عمّار بن أبي الأحوص، وفي ذيلها قوله (عليه السلام): «... أمَّا علمت أنَّ إمارة بني أُميَّة كانت بالسيف والعسف والجور، وأنَّ إمارتنا بالرفق والتآلف والوقار والتقيَّة وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغِّبوا الناس في دينكم وفي ما أنتم فيه»(٢٥٧).
٦) هذا ما نلاحظه حالياً طابعاً متميِّزاً في القاعدة المشكلة من السلفية والوهّابية، فإنَّ سفك الدماء الذي يُمارسونه وقتل الأبرياء وخراب المُدُن بلا أيّ رادع ولا وازع، وبلا التزام بثابت من الثوابت ولا تقيَّد بناموس مُقدَّس إلَّا على مستوى الشعار كدجل إعلامي وخداع إعلاني كقناع يلبسونه لتغطية صفة اليأجوجية والمأجوجية لديهم.
٧) ولا يخفى أنَّ البلدان التي ينطلق منها السفياني الطابع الغالب عليها قديماً في التاريخ وحديثاً في الأوزان المعاصر متَّصفة بصفات النهج الأُموي اليأجوجي والمأجوجي، فهي بيئة خصبة لترعرع المشروع السفياني.
٩) من خصائص صفات النهج الأُموي وطبيعة اليأجوج والمأجوج ما أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما في قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلَّى سَعى في الْأَرضِ لِيُفْسِدَ فيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ * وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦).
فالآية تذكر عدَّة صفات:
منها: أنَّ هذا البعض من الناس لسانه وشعاره وإعلانه معسول، وفي الباطن هو من النواصب اللدودين في الخصومة والعداء مع من أمر الله بمودَّتهم.
ومنها: قصد هذا البعض للاستيلاء وتقلّد الأُمور العامَّة على الناس.
ومنها: إفساده في الأرض، أي تخريب العمران والطابع المدني والتمدّني، سواء في الجانب المادّي والعمراني أو طابع التمدّن في الأخلاق والإسفاف بها إلى الحالة الوحشية والأُوباشية التي هي طبيعة يأجوج ومأجوج المنطبق على طبيعة النهج الأُموي.
ومنها: التعصُّب الشديد الأعمى في التمسُّك بهذه الوحشية الأُوباشية من إهلاك الحرث والنسل وبنحو يتعزَّز ويفتخر بها، وهذا ما ورد في روايات الفريقين من صفة يأجوج ومأجوج أنَّهم يتباهون بسفك الدماء وتخريب تمدّن الأرض ومدنيتها وطابعها المدني.
وكذلك قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الْأَرضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ (محمّد: ٢٢).
وهي وصف للذين في قلوبهم مرض، والذين قال عنهم القرآن أيضاً بعد آيات: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ (محمّد: ٢٩)، أي إنَّهم يحملون الضغينة تجاه مَنْ أمر الله بمودَّتهم، وهو الضغينة لقربى النبيِّ الذي أمر الله بمودَّتهم. وهذا ما يتَّصف به النهج الأُموي من البغض والضغينة لأهل البيت (عليهم السلام) بجانب الإفساد في الأرض ومحاولة المسك بزمام مقاليد الحكم.
والمراد بتقطيع الأرحام بالدرجة الأولى هي رحم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لأنَّها أعظم رحم أوصى القرآن بصلتها حتَّى جعل أجر كُلّ الرسالة مودَّة ذوي القربى وصلتهم وبرّهم. وهي بعينها صفات اليأجوج والمأجوج والسفياني.
٤) ولا يبتعد مفاد الروايات في وصفهم عن هذا المتحصَّل من مفاد الآيات والمعنى اللغوي، فعن حذيفة بن اليمان، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: «أوَّل الآيات: الدجّال، ونزول عيسى، ونار تخرج من قعر عدن أبين تسوق الناس إلى المحشر، تقيل معهم إذا قالوا، والدخان، والدابَّة، ثمَّ يأجوج ومأجوج». قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، وما يأجوج ومأجوج؟ قال: «يأجوج ومأجوج أُمم، كُلُّ أُمَّة أربعمائة ألف، لا يموت الرجل منهم حتَّى يرى ألف عين تُطرَف بين يديه من صلبه، وهم ولد آدم، فيسيرون إلى خراب الدنيا، ويكون مقدمتهم بالشام وساقتهم بالعراق، فيمرّون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة الطبرية حتَّى يأتوا بيت المقدس، فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء فيرمون بالنشاب إلى السماء فترجع نشابتهم مخضَّبة بالدم، فيقولون: قد قتلنا من في السماء...»(٢٥٨).
وعن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: «يفتح يأجوج ومأجوج، يخرجون على الناس كما قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، فيغشون الأرض وينحاز المسلمون عنهم إلى مدائنهم وحصونهم ويضمّون إليهم مواشيهم، ويشربون مياه الأرض حتَّى أنَّ بعضهم ليمرّ بالنهر فيشربون ما فيه حتَّى يتركوه يبساً حتَّى أنَّ من بعدهم ليمرّ بذلك النهر فيقول: قد كان هاهنا ماء مرَّة، حتَّى إذا لم يبقَ من الناس أحد إلَّا في حصن أو مدينة، قال قائلهم: هؤلاء أهل الأرض قد فرغنا منهم، بقي أهل السماء»، قال: «ثمّ يهزُّ أحدهم حربته ثمّ يرمي بها إلى السماء فترجع مختضبة دماً للبلاء والفتنة، فبينا هم على ذلك إذ بعث الله دوداً في أعناقهم كنغف الجرار الذي يخرج في أعناقهم فيصبحون موتى...»(٢٥٩).
السفياني بين المحتوم والموقوف:
وردت روايات كثيرة أكَّدت أنَّ السفياني من المحتوم، وبعضها حدَّد وقت خروجه، فعن معلّى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من الأمر محتوم، ومنه ما ليس بمحتوم، ومن المحتوم خروج السفياني في رجب»(٢٦٠).
وكذلك عن عبد الملك بن أعين، قال: كنت عند أبي جعفر (عليه السلام) فجرى ذكر القائم (عليه السلام)، فقلت له: أرجو أن يكون عاجلاً ولا يكون سفياني، فقال: «لا والله إنَّه لمن المحتوم الذي لا بدَّ منه»(٢٦١).
وكذلك رواية حمران بن أعين، عن أبي جعفر مُحمَّد بن عليّ (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فقال: «إنَّهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف»، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: «الذي لله فيه المشيئة»، قال حمران: إنِّي لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا والله، إنَّه لِمن المحتوم»(٢٦٢).
وكذلك وردت روايات كثيرة في شأن حركة السفياني وأنَّها من المحتوم، كما أنَّها فصَّلت في الفترة التي يتحرَّك فيها وفي وقتها وما هي مساحة سلطانه. وهذا التفصيل إشارة إلى إمكان البداء في تفاصيل حركته كما سنُبيِّن، فقد ورد عن عيسى بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «السفياني من المحتوم، وخروجه في رجب، ومن أوَّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهراً، ستَّة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوماً»(٢٦٣).
وفي تفسير القمّي: عن أبي عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن قول الله: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * في أَدْنَى الْأَرضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: ١ - ٣]، قال: «يا أبا عبيدة، إنَّ لهذا تأويلاً لا يعلمه إلَّا الله والراسخون في العلم من الأئمَّة (عليهم السلام)، إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لمَّا هاجر إلى المدينة وقد ظهر الإسلام كتب إلى ملك الروم كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام، وكتب إلى ملك فارس كتاباً وبعث إليه رسولاً يدعوه إلى الإسلام، فأمَّا ملك الروم فإنَّه عظَّم كتاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأكرم رسوله، وأمَّا ملك فارس فإنَّه مزَّق كتابه واستخفَّ برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وكان ملك فارس يقاتل يومئذٍ ملك الروم وكان المسلمون يهوون أن يغلب ملك الروم ملك فارس، وكانوا لناحية ملك الروم أرجى منهم لملك فارس، فلمَّا غلب ملك فارس ملك الروم بكى لذلك المسلمون واغتمّوا، فأنزل الله: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * في أَدْنَى الْأَرضِ﴾ يعني غلبها فارس في أدنى الأرض، وهي الشامات وما حولها، ثمَّ قال: وفارس ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ الروم ﴿سَيَغْلِبُونَ * في بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤].
وقوله: ﴿لِلهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ﴾ أن يأمر ﴿وَمِنْ بَعْدُ﴾ أن يقضي بما يشاء. وقوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾، قلت: أليس الله يقول: ﴿في بِضْعِ سِنِينَ﴾؟ وقد مضى للمسلمين سنون كثيرة مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وفي إمارة أبي بكر، وإنَّما غلبت المؤمنون فارس في إمارة عمر.
فقال: «ألم أقل لك: إنَّ لهذا تأويلاً وتفسيراً؟ والقرآن يا أبا عبيدة ناسخ ومنسوخ، أمَا تسمع قوله: ﴿لِلهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾؟ يعني إليه المشيَّة في القول أن يُؤخِّر ما قدَّم ويُقدِّم ما أخَّر إلى يوم يحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين، وذلك قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ* بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾»(٢٦٤).
والرواية المتقدِّمة تشير إلى أنَّ الانتصارات تكون بمشيئة الله وإرادته (عزَّ وجلَّ)، وحتَّى غلبة الروم في كُلِّ معاركهم، ومنها معركتهم مع أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بواسطة السفياني لله فيها الأمر من قبل ومن بعد، أي له فيها البداء.
في مقابل هذه الروايات هناك بعض الروايات تُصرِّح بإمكان البداء في حركة السفياني، حدَّثنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنّا عند أبي جعفر بن محمّد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم»، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، فقال: «إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»(٢٦٥).
ومعنى كونه محتوماً لا يعني عدم تطرّق البداء فيه، لأنَّ المحتوم ليس الذي وقع ووُجِدَ، إنَّما قُدِّر تقديراً باتَّاً ولمَّا يقع، وقد اكتملت أسباب وقوعه، أي شارفت أسباب وقوعه على الاكتمال ولمَّا يقع، وعلى ضوء ذلك فإمكان هيمنة تقدير آخر حاكم ووارد.
وإنَّما سُمّي محتوماً لأنَّ أسباب وقوعه قد تكاملت وشارفت على الاكتمال، بخلاف التقدير الذي لمَّا تجمع أسباب وقوعه، لا يُسمّى تقديراً محتوماً. وكذلك الحال بالنسبة للقضاء والقضاء المبرم، ومن ثَمَّ ورد عنهم: «فإنَّ الدعاء... يردُّ البلاء وقد قُدِّر وقُضي ولم يبقَ إلَّا إمضاؤُه»(٢٦٦)، و«إنَّ الدعاء ليردَّ القضاء وقد أُبرم إبراماً»(٢٦٧)، كما هو الحال في قوم يونس (عليه السلام) عندما تحقَّق جملة من أسباب وقوع العذاب في المحيط والبيئة خارجاً، حتَّى أنَّ العذاب أظلَّهم، أي قرب من أكتافهم إلَّا أنَّهم لمَّا دعوا وتضرَّعوا وتابوا واستكانوا كُشِفَ عنهم العذاب.
نعم البداء بكلِّ مراتبه حتَّى الأعظم منه لا يتطرَّق احتماله وإمكانه فيما وعد الله، لأنَّ الله تعالى لا يخلف الميعاد .كذلك الحال فيما أخبر الله (عزَّ وجلَّ) عنه من أُمور مستقبلية تقع لاحقاً فإنَّه لا يتخلَّف ما أخبر عنه تعالى.
دروس تربوية في البداء:
من جهة أُخرى المعصوم (عليه السلام) يُربِّي المؤمنين علمياً وعملياً على كيفية التعاطي مع البداء، فعن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت: لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، إنَّ موسى (عليه السلام) لمَّا خرج وافداً إلى ربِّه، واعدهم ثلاثين يوماً، فلمَّا زاده الله على الثلاثين عشراً، قال له قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا، فإذا حدَّثناكم بحديث فجاء على ما حدَّثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدَّثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدَّثناكم به فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرَّتين»(٢٦٨).
وفي مناظرة الإمام الرضا (عليه السلام) مع سليمان المروزي: «لقد أخبرني أبي عن آبائه أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أوحى إلى نبيٍّ من أنبيائه أن أخبر فلان الملك: أنّي متوفّيه إلى كذا وكذا، فأتاه ذلك النَّبي فأخبره، فدعا الله الملك وهو على سريره حتَّى سقط من السرير، وقال: يا ربِّ أجِّلني حتَّى يشب طفلي وأقضي أمري، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إلى ذلك النبيّ أن ائت فلان الملك فأعلمه أنّي قد أنسيت في أجله وزدت في عمره خمس عشرة سنة. فقال ذلك النبيُّ: يا ربِّ، إنَّك لتعلم أنّي لم أكذب قطّ، فأوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليه: إنَّما أنت عبد مأمور فأبلغه ذلك، والله لا يُسئَل عمَّا يفعل»(٢٦٩).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ في السَّماواتِ وَالْأَرضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ (الرحمن: ٢٩)، عن الإمام أبي عبد الله (عليه السلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: إنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «قال تبارك وتعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ﴾ فإنَّ من شأنه أن يغفر ذنباً، ويُفرِّج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين»(٢٧٠).
وعن سليمان الطلحي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عمَّا أخبرت به الرسل عن ربِّها وأنهت ذلك إلى قومها، أيكون لله البداء فيه؟ قال: «أمَا إنّي لا أقول لك: إنَّه يفعل، ولكن إن شاء الله فعل»(٢٧١).
وكذلك عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن قول الله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١]، قال:«كتبها لهم ثمّ محاها، ثمّ كتبها لأبنائهم فدخلوها، والله يمحو ما يشاء ويُثبِت وعنده أُمّ الكتاب»(٢٧٢).
وأيضاً عن ضريس الكناسي، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده أبو بصير، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ داود ورث علم الأنبياء، وإنَّ سليمان ورث داود، وإنَّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلم) ورث سليمان، وإنّا ورثنا محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإنَّ عندنا صحف إبراهيم وألواح موسى»، فقال أبو بصير: إنَّ هذا لهو العلم، فقال: «يا أبا محمّد ليس هذا هو العلم، إنَّما العلم ما يحدث بالليل والنهار، يوماً بيوم وساعة بساعة»(٢٧٣).
عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ الله لم يدع شيئاً كان أو يكون إلَّا كتبه في كتاب، فهو موضوع بين يديه ينظر إليه، فما شاء منه قدَّم وما شاء منه أخَّر، وما شاء منه محا، وما شاء منه كان، وما لم يشأ لم يكن»(٢٧٤).
البداء وإخفاق مشروع السفياني:
هنا يحسن بنا تطبيق قواعد البحث السابق على مشروع السفياني المستقبلي، بياناً لآفاق الاختيار والمسؤولية في ظلِّ كونه من المحتوم، إلَّا أنَّ حتميته لا تفلت من البداء.
هناك روايات عديدة بيَّنت أنَّ نفس ظهور حركة السفياني فيها بشارة، حيث إنَّها علامة من علامات الفرج بظهور صاحب الأمر (عليه السلام)، ونفس معنى أو عنوان (البشارة) فيه إشارة إلى إمكان البداء في حركة السفياني تعجيلاً بالفرج.
فعن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «إذا استولى السفياني على الكور الخمس فعدّوا له تسعة أشهر»، وزعم هشام أنَّ الكور الخمس: دمشق، وفلسطين، والأُردن، وحمص وحلب»(٢٧٥).
ومن الواضح هنا أنَّ السفياني يملك الكور الخمس فتكون منها فلسطين، وهنا إشارة إلى أنَّ إسرائيل قد تكون زائلة وإلَّا فكيف يحكمها أو يسيطر عليها؟ ومن غير المحتمل أن يكون هو الذي أسقطها، بعد كون مدده من نصارى الروم كما في روايات أُخرى.
ومن جهة أُخرى تُبيِّن أنَّ لبنان خارجة عن سيطرة السفياني، ممَّا رواه الصدوق بإسناده عن عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اسم السفياني، فقال: «وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأُردن وقنسرين فتوقَّعوا عند ذلك الفرج»، فقلت: يملك تسعة أشهر؟ قال: «لا، ولكن يملك ثمانية أشهر لا يزيد يوماً»(٢٧٦).
إذن في هذه الروايات إشارات كثيرة لنصر المؤمنين رغم أنَّها تُصوِّر لنا شدَّة البأس الذي يلقاه المؤمنون من السفياني، فإنَّ زوال إسرائيل بحدِّ ذاته نصر عظيم وفرج كبير وفرح عظيم وبشارة كبرى، وحتَّى قول الإمام (عليه السلام): «إنَّ السفياني يملك ثمانية أشهر» هذا نصر آخر، باعتبار أنَّ قصر فترة حكمه كاشفة عن شدَّة مقاومة المؤمنين لمشروعه، ولذلك الإمام (عليه السلام) يجعل الاستيلاء والسيطرة على الكور الخمس بحدِّ ذاته علامة ومؤشِّراً لحصول النصر للمؤمنين، حيث يقول: «فتوقَّعوا الفرج».
نعم هناك روايات ذكرت أنَّ مدَّة ملكه تسعة أشهر، وبعضها: «حمل جمل»(٢٧٧)، فقد جاء عن عيسى بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «السفياني من المحتوم، وخروجه في رجب، ومن أوَّل خروجه إلى آخره خمسة عشر شهراً، ستَّة أشهر يقاتل فيها، فإذا ملك الكور الخمس ملك تسعة أشهر ولم يزد عليها يوماً»(٢٧٨)، ولعلَّ هذا التفاوت - الذي ذكرته الروايات - في مدَّة ملكه إشارة لجهة البداء الذي من أسبابه همَّة المؤمنين الأبطال الغيارى في مواجهته.
رجفة الشام:
عن المغيرة بن سعيد، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا اختلف الرمحان بالشام لم تنجل إلَّا عن آية من آيات الله، قيل: وما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: رجفة تكون بالشام يهلك فيها أكثر من مائة ألف يجعلها الله رحمةً للمؤمنين وعذاباً على الكافرين، فإذا كان ذلك فانظروا إلى أصحاب البراذين الشهب المحذوفة، والرايات الصفر تقبل من المغرب حتَّى تحلَّ الشام، وذلك عند الجزع الأكبر والموت الأحمر، فإذا كان ذلك فانظروا خسف قرية من دمشق يقال لها: حرستا، فإذا كان ذلك خرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس حتَّى يستوي على منبر دمشق، فإذا كان ذلك فانتظروا خروج المهدي (عليه السلام)»(٢٧٩).
ومن هذه الرواية يمكن استفادة أُمور عديدة:
١) في هذه الرواية يُبيِّن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ الاختلاف والصراع في الشام هو رحمة للمؤمنين وعذاب للكافرين، أي إنَّ النصر للمؤمنين (إن شاء الله).
٢) يُحتَمل أنَّ تكون الرايات الصفر كناية عن الغرب حيث يتدخَّلون بجيوشهم تدخّلاً مباشراً بعد أن فشلت مخطَّطاتهم في الشام من خلال إحداث الفتن بين أبناء الإسلام، وبعد أن تفشل مخطَّطاتهم في استئصال أهل الحقِّ.
٣) وقد يُستَظهر من الرواية أنَّ السفياني هو الخيار الأخير للغرب الكافر، وهو يأتي بعد (فشلين) في مرحلتين: مرحلة الاقتتال في الشام، ومرحلة التدخّل الغربي المباشر. وليسَ كما يُتصوَّر أنَّه هو الذي يخوض المعارك في الشام، بل هو يسيطر عليها بدعم مباشر من الغرب الكافر، بعد حروب طويلة فيسيطر على فلسطين، فمن البعيد أنَّه هو الذي يزيل الكيان الصهيوني عنها، لأنَّه حليف لهم، ولعلَّ في ذلك إشارة - وبشارة - بسقوط إسرائيل قبل خروج السفياني وزوال دولتها، فإذا ظهر سيطر عليها بعد سقوطها، فحينها تقول الرواية عن عبد الله بن أبي منصور البجلي، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اسم السفياني، فقال: «وما تصنع باسمه؟ إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق وحمص وفلسطين والأُردن وقنسرين فتوقَّعوا عند ذلك الفرج»(٢٨٠). فكونه يُسيطر على فلسطين يعني أنَّها خارجة عن سيطرة إسرائيل، وبالتالي هو نبوءة بسقوط إسرائيل وفشل المشروع الإسرائيلي الغربي في المنطقة بجهود المؤمنين من أهل الحقِّ، وكما قلنا: هما فشلان: فشل في جعل المسلمين يأكل بعضهم بعضاً، وفشل آخر بالتدخّل العسكري المُباشر من قِبَل الغرب الكافر، حينها يخرجون صنيعتهم وورقتهم الرابحة - كما يتصوَّرون - السفياني.
روايات البداء بلسان أنَّ السفياني نقمة للمؤمنين:
عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول: «اتَّقوا الله واستعينوا على ما أنتم عليه بالورع والاجتهاد في طاعة الله، فأشدّ ما يكون أحدكم اغتباطاً بما هو فيه من الدِّين لو قد صار في حدِّ الآخرة، وانقطعت الدنيا عنه، فإذا صار في ذلك الحدّ عرف أنَّه قد استقبل النعيم والكرامة من الله والبشرى بالجنَّة، وأمن ممَّا كان يخاف، وأيقن أنَّ الذي كان عليه هو الحقّ، وأنَّ من خالف دينه على باطل، وأنَّه هالك، فأبشروا ثمّ أبشروا بالذي تريدونه، ألستم تريدون أعدائكم يقتتلون في معاصي الله ويقتل بعضهم بعضاً على الدنيا دونكم وأنتم في بيوتكم آمنون في عزلة عنهم؟ وكفى بالسفياني نقمة لكم من عدوِّكم وهو من العلامات لكم، مع أنَّ الفاسق لو قد خرج لمكثتم شهراً أو شهرين بعد خروجه لم يكن عليكم بأس حتَّى يقتل خلقاً كثيراً دونكم».
فقال له بعض أصحابه: فكيف نصنع بالعيال إذا كان ذلك؟
قال: «يتغيَّب الرجال منكم عنه، فإنَّ حنقه وشرهه (حرصه) فإنَّما هي على شيعتنا، وأمَّا النساء فليس عليهنَّ بأس إن شاء الله».
قيل: فإذن أين مخرج الرجال ويهربون منه؟
فقال: «من أراد منهم أن يخرج إلى المدينة أو إلى مكّة أو إلى بعض البلدان». ثمّ قال: «ما تصنعون بالمدينة وإنَّما يقصد جيش الفاسق إليها، ولكن عليكم بمكّة فإنَّها مجمعكم، وإنَّما فتنته حمل امرأة تسعة أشهر ولا يجوزها إن شاء الله»(٢٨١).
وهذه الرواية أيضاً من روايات (البداء بلسان البشارة) حيث يُبيِّن فيها الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّ في فتن آخر الزمان رحمة للمؤمنين وبشارة لهم، إنَّهم آمنون في بيوتهم وأعدائهم يقتل بعضهم بعضاً، بل هو (عليه السلام) يجعل نفس السفياني الذي فيه ما فيه وعليه ما عليه بشارة لأنَّه نقمة من الأعداء، ومع ذلك الإمام لم ينكر أنَّه يقتل منهم خلقاً كثيراً بسبب تخاذلهم، أي إنَّهم لو لم يتخاذلوا لكفو نشاطه.
الإعلام المزيّف للسفياني:
الرواية المتقدِّمة تُبيِّن أنَّ حرصه على قتل رجالات الشيعة وليس على النساء والأطفال من بأس، وقد قرأنا أنَّه يبقر بطون الحوامل ويزني بالمرأة في وسط الطريق، فهل هناك منافاة أم هو بيان لشيء آخر؟
فنقول: هذه الرواية هي بيان ما يعلنه من شعار وما يحاول أن يمارسه من أعمال، يحاول من خلالها بيان مدى التزامه بالإسلام وتعاليم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حينما يكون أمام الملأ وأمام الرأي العامّ، أمَّا الروايات الأُخرى فهي تُبيِّن واقعه وما يمارسه بشكل عامّ من قتل كُلّ من تبع أهل البيت (عليهم السلام)، بل كُلّ من يقف في طريقه، وأنَّه لا نُبل عنده ولا خُلُق ولا إنسانية، وكذلك تُبيِّن بعض ممارساته التي لا يريد إظهارها للإعلام والتي تكشف حقيقته وواقعه وتُبيِّن زيف شعاراته.
فإذن بعض الروايات تشير إلى واقع وحقيقة السفياني، وبعضها تشير إلى الإعلام الذي ينشره السفياني بين الناس، وبالتالي هي ترسم كلا الأمرين حتَّى يتمكَّن المؤمن أن يحتمي من عدوِّه، حيث يفهم أنَّ عدوّه بعيداً عن الإعلام كيف يكون فيتصرَّف بحسب مقتضى الحال، وإذا كان عدوّه في العلن كيف يكون، فيتصرَّف بما يناسب. ثمّ إنَّ الرواية تُبيِّن أين يكون همّ السفياني حتَّى يلتفت المؤمن كيف وأين تكون نجاته منه.
وفي أمالي الطوسي عن هشام بن سالم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر السفياني، فقال: «أمَّا الرجال فتواري وجوهها عنه، وأمَّا النساء فليس عليهن بأس»(٢٨٢)(٢٨٣).
هذه الرواية وروايات أُخرى كثيرة هي في صدد المعالجة والإنقاذ والنجاة في البعد الفردي مع لسان روايات أُخرى تتعرَّض لمقتضى القاعدة الأوَّلية من تحمّل المسؤولية في البعد الجماعي من تشكيل مقاومات ومجاميع مواجهة مع مشروع السفياني، وأنَّ التخاذل عن هذه المسؤوليات عصيان كبير. وهذا ما يظهر من الرواية في عقد الدرر: «ثمّ يدخل الكوفة فيصير أهلها ثلاثة فِرَق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله تعالى، وفرقة تقاتله وهم عند الله تعالى شهداء، وفرقة تلحق بالأعراب وهم العصاة...، فيبلغ الخبر أهل البصرة فيركبون إليهم في البرِّ والبحر فيستنقذون أُولئك النساء من أيديهم»(٢٨٤). وهذه الرواية حاكم ومحكم على الرواية المتقدّمة وبقيَّة المتشابهات.
الخسف عنوان للبداء في حركة السفياني:
نقل (النقّاش المُقري) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١)، رواية: ثمّ يدخل الكوفة، فيصير أهلها ثلاثة فِرَق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله تعالى، وفرقة تقاتله وهم عند الله تعالى شهداء، وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة. ثمّ يغلب على الكوفة فيفتضُّ أصحابه ثلاثين ألف عذراء، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهنَّ، وأقاموهنَّ في السوق يبيعونهنَّ، فعند ذلك كم من لاطمة خدّها، كاشفة شعرها، بدجلة أو على شاطئ الفرات. فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرِّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء من أيديهم. فيصيرون - أصحاب السفياني - ثلاث فِرَق: فرقة تسير نحو الري، وفرقة تبقى في الكوفة، وفرقة تأتي المدينة، وعليهم رجل من بني زهرة، فيحاصرون أهل المدينة فيقبلون جميعاً. فيقتل بالمدينة مقتلة عظيمة حتَّى يبلغ الدم الرأس المقطوع، ويقتل رجل من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وامرأة، واسم الرجل محمّد ويقال: اسمه علي والمرأة فاطمة، فيصلبونهما عراة. فعند ذلك يشتدُّ غضب الله تعالى عليهم، ويبلغ الخبر إلى وليّ الله تعالى، فيخرج من قرية من قرى جرش، في ثلاثين رجلاً، فيبلغ المؤمن خروجه، فيأتونه من كلِّ أرض، يحنّون إليه كما تحنّون إليه كما تحنُّ الناقة إلى فصيلها، فيجيء فيدخل مكّة، وتقام الصلاة، فيقولون: تقدَّم يا وليّ الله. فيقول: لا أفعل، أنتم الذي نكثتم وغدرتم. فيُصلّي بهم رجلٌ، ثمّ يتداعون عليه بالبيعة تداعي الإبل الهيمِ يوم وردوها حياضها، فيبايعونه. فإذا فرغ من البيعة تبعه الناس، ثمّ يبعث خيلاً إلى المدينة، عليهم رجل من أهل بيته ليقاتل الزهري، فيُقتَل من كلا الفريقين مقتلة عظيمة، ثمّ يرزق الله تعالى وليّه الظفر فيقتل الزهري، ويقتل أصحابه، فالخائب يومئذٍ من خاب من غنيمة كلب ولو بعقال. فإذا بلغ الخبر السفياني خرج من الكوفة في سبعين ألف، حتَّى إذا بلغ البيداء عسكر بها، وهو يريد قتال وليّ الله، وخراب بيت الله، فبينما هم كذلك بالبيداء إذ نفر فرس لرجل من العسكر، فخرج الرجل في طلبه، وبعث الله إليه جبريل فضرب الأرض برجله ضربة، فيخسف الله تعالى بالسفياني وأصحابه. ويرجع الرجل يقود فرسه، فيستقبله جبريل (عليه السلام) فيقول: ما هذه الضجَّة في العسكر؟ فيضربه جبريل (عليه السلام) بجناحه، فيُحوِّل وجهه مكان القفا، ثمّ يمشي القهقرى. فهذه الآية نزلت فيهم: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾(٢٨٥).
هذه رواية بيَّنت جوانب عديدة من حركة السفياني يمكن الإشارة إلى بعضها:
١) يجب تحمّل المسؤولية أمام حركة السفياني، لأنَّ الرواية وصفت الفرقة التي تواجه حركة السفياني بأنَّ أصحابها شهداء، وفي طريق الحقِّ الصحيح، ووصفت الفرقة التي تهرب للأعراب بأن تكون عصاة، ووصفت الفرقة التي تلحق به بأنَّها أشرّ الخلق. وهذا بحدِّ ذاته ليس وصفاً لما يحدث، وليس هو إخبار بحوادث تاريخية، فإنَّه ليس من دأب المعصوم (عليه السلام) أن يكون قصّاصاً، بل هو إشارة إلى مسؤولية المؤمن في عصر الغيبة وضرورة القيام بالمسؤولية الدينية، ولذلك الرواية صنَّفت المواجهين للسفياني من حيث القيام بالمسؤولية إلى أصناف عديدة.
إذن الرواية تُحذِّر المؤمن: إيّاك أن تكون من الفرقة الأُولى التي تلحق به، لأنَّها شرّ الخلق، ولذلك تُحذِّر من يترك المسؤولية - ليس من ينحرف فقط - ويلحق بالأعراب، وتمدح الفرقة التي تواجهه وتقول: إنَّ أصحابها شهداء.
٢) إنَّ هذه الرواية تشير إلى مسألة البداء، ولكن ليس بالصراحة وبصورة مباشرة، بل بالإشارة إلى أنَّ نفس القيام بالمسؤولية سوف يُقلِّل من النشاط المتزايد للسفياني ويكفكف من توسّعاته، فمثلاً حينما تقول: «فرقة تقاتله وهي عند الله شهداء» إشارة إلى صدِّ المؤمنين لتحرّكاته، كذلك حينما تقول الرواية: «فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النسوة من أيديهم»، فليس معنى الحتمية في حركة السفياني هو الحتم الجبري أو القسري، الذي يُؤدِّي إلى ترك المسؤوليات وترك المواجهة - كما بيَّنا ذلك -.
الوظيفة الأوّلية للمؤمنين هي المقاومة:
هناك روايات عديدة أشارت إلى أنَّ الوظيفة الأوَّلية للمؤمنين هي المقاومة:
الرواية الأُولى: روى النقّاش المُقري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١).
«ثمّ يدخل الكوفة، فيصير أهلها ثلاثة فِرَق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله تعالى، وفرقة تقاتله وهم عند الله تعالى شهداء، وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة. ثمّ يغلب على الكوفة فيفتضُّ أصحابه ثلاثين ألف عذراء، فإذا أصبحوا كشفوا شعورهنَّ، وأقاموهنَّ في السوق يبيعونهنَّ، فعند ذلك كم من لاطمه خدّها، كاشفة شعرها، بدجلة أو على شاطئ الفرات. فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرِّ والبحر، فيستنقذون أُولئك النساء من أيديهم. فيصيرون - أصحاب السفياني - ثلاث فِرَق: فرقة تسير نحو الري، وفرقة تبقى في الكوفة، وفرقة تأتي المدينة، وعليهم رجل من بني زهرة...»(٢٨٦).
وفي الرواية مواضع دالّة على أنَّ الوظيفة الأوّلية والمسؤولية هي المقاومة والمواجهة لمشروع السفياني، وذلك عند قوله: «فيصير أهلها ثلاث فِرَق: فرقة تلحق به وهي أشرّ خلق الله»، وهو يشير إلى حرمة الانقياد والذوبان مع مشروعه، لأنَّه يوجب الخسران الأبدي، ومقتضاه لزوم مقاومته.
ثمّ قوله (عليه السلام): «وفرقة تقاتله وهم عند الله شهداء»، في هذا البيان منه (عليه السلام) دلالة على أنَّ القاعدة الأوَّلية والوظيفة والمسؤولية هي مقاومة مشروعه ومواجهته بلغ ما بلغ، ولا ريب أنَّ هذه الوظيفة ليست مقتصرة على ما قبل دخوله الكوفة، بل على كلِّ من في البلدان حتَّى الذين في الشام، لأنَّ مشروعه كما مرَّ إبادة للدِّين باسم الدِّين كما هي شاكلة النهج الأُموي.
وقوله (عليه السلام): «وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة»، وهذا أيضاً بيان منه (عليه السلام) إلى أنَّ ترك مقاومة السفياني والتخاذل عن هذه المسؤولية والاهتمام بنجاة النفس معصية كبيرة جدَّاً.
ووجه الدلالة على أنَّها كبيرة أنَّ هذا العنوان (العصاة) والتوصيف قد ورد نظيره في الذين خالفوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مواطن، نظير ما ورد في الصوم في السفر من جماعة كانوا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبقوا صياماً سمّاهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) العصاة، وبقي ذلك الوصف عليهم.
وقوله (عليه السلام): «ثمّ يغلب على الكوفة»، أيضاً دالٌّ على أنَّه ستكون مقاومة قويَّة من المؤمنين، ولا يسيطر بسهولة من دون تلك المعارك. وكما لا يخفى أنَّ الكوفة ليس المقصود منها خصوص مدينة الكوفة، بل الفرات الأوسط كُلّه إلى قرب بغداد، وفيها دلالة على أنَّ الوظيفة هي مقاومته ومواجهته العسكرية، وإذا كانت الوظيفة هي ذلك فاللازم على المؤمن إعداد العدَّة في كُلِّ العراق، بل الشام وليس في الكوفة فقط، لأنَّ الفتنة إنَّما تخمد وتوأد في مهدها وذلك أصلح وأنجع، وَهَذا دليل على أنَّ ما قدَّمناه من تفسير «كُنْ حلساً من أحلاس البيوت»(٢٨٧)، إنَّما هو التزام منهاج أهل البيت (عليهم السلام) والبقاء والثبات عليه لا الهروب من المسؤولية العامَّة.
وقوله (عليه السلام): «فيبلغ الخبر أهل البصرة فيركبون إليهم في البرِّ والبحر فيستنقذون أُولئك النسوة من أيديهم فيصير أصحاب السفياني ثلاث فِرَق...»، دالٌّ هو الآخر على أنَّ المسؤولية هي التعبئة والمقاومة في مجاميع ضدّ عسكر السفياني. ودالٌّ أيضاً أنَّه يلقى مقاومة من المؤمنين وتصيبه إخفاقات عديدة.
وهذه الظاهرة متكرِّرة في الروايات، وهي: أنَّ سيطرة جيش السفياني على كُلِّ منطقة لا تبقى ثابتة، بل دوماً بين كرٍّ وفرٍّ، بل في كثير من المُدُن يكون الفرار لأصحابه وانحسار من دون كرٍّ، أشبه ما يُرى حالياً في اقتتال سوريا أو البلدان التي سيطرت عليها القاعدة كالصومال وأفغانستان.
ولا يخفى أنَّ المراد من البصرة ليس خصوص البصرة، بل مُدُن الجنوب كما هو الإطلاق التاريخي في ذلك الأوان.
وقوله (عليه السلام): «فيصير أصحاب السفياني ثلاث فِرَق» يدلُّ على أنَّ جيوب المقاومة من المؤمنين تُضعِف عمق السيطرة لجيش السفياني وتُبدِّد قواه.
الرواية الثانية: وتهرب خيل السفياني: عن علي (عليه السلام): «إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود، على مقدمته شعيب بن صالح، فيلتقي هو وأصحاب السفياني بباب إصطخر، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه»(٢٨٨).
وهذا المقطع يشير إلى شدَّة مقاومة جيش السفياني بباب إصطخر، وهي نقطة التقاء جيش السفياني مع الحسني أو الهاشمي، وهي نقطة التقاء محافظة خوزستان ومحافظة أصفهان، فتكون نهاوند ثانية، إلَّا أنَّ هذه المرَّة تكون الهزيمة لجيش السفياني. وهذه الرواية تُظهِر أنَّ انكسار جيش السفياني في هذه الملحمة تكسر شوكة السفياني، لقوله (عليه السلام): «فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه»، وهذا ما تشير إليه الرواية الأُخرى التي منها هذا المقطع: «... ويقتل من كان اسمه محمّداً وأحمد وعليَّاً وجعفراً وحمزة وحسناً وحسيناً وفاطمة ورقيَّة وأُمّ كلثوم وخديجة وعاتكة، حَنَقاً وبغضاً لبيت آل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ يبعث فيجمع الأطفال، ويغلي الزيت لهم، فيقولون: إن كان آباؤنا عصوك فنحن ما ذنبنا؟ فيأخذ منهم اثنين اسمهما حسناً وحسيناً فيصلبهما...»(٢٨٩).
الرواية الثالثة: السفياني يفشل في البصرة: في إلزام الناصب (في ذيل خطبة البيان): «... فيأتي إلى البصرة فيقتل ساداتها ويسبي حريمها، فإنّي لأعرف كم وقعة تحدث بها وبغيرها، وتكون بها وقعات بين تلول وأكمام، فيقتل بها اسم ويستعبد بها صنم...، ألَا وإنَّ السفياني يدخل البصرة ثلاث دخلات، يذلُّ العزيز ويسبي فيها الحريم»(٢٩٠).
وكذلك في نفس المصدر عن علي (عليه السلام): «ألَا وإنَّ السفياني يدخل البصرة ثلاث دخلات، يذلُّ العزيز ويسبي فيها الحريم، ألَا يا ويل المؤتفكة وما يحلُّ بها من سيف مسلول وقتيل مجذول وحرمة مهتوكة...».
وتدلُّ هاتان الروايتان على أنَّ السفياني يلاقي مقاومة مجاميع مؤمنة، فلا تستتبُّ له سيطرة المناطق التي يسيطر عليها، بل يكون هناك كرٌّ وفرٌّ، وهذا يعطي استراتيجية ثانية وهي الرفع بعد الاستراتيجية الأُولى التي هي الدفع، أي دفع سيطرته قبل السيطرة. فكلا الاستراتيجيتين دالّتان على لزوم شدَّة المقاومة وصلابتها حدوثاً وبقاءً وفي كُلِّ الظروف، وأن لا تهدأ مجاميع المؤمنين عن المقاومة حتَّى لو تحقَّق لجيش السفياني سيطرة نسبية في بعض المناطق، فإنَّ ذلك لا يعني بقاء تلك السيطرة والقدرة له على تلك المناطق على درجة ووتيرة واحدة، بل بالإمكان إضعافها وإزالتها.
وهذه الدلالة نجدها في روايات كثيرة دالّة على هشاشة بقاء سيطرة السفياني فيما يسيطر عليه من مناطق، وهذا مفتاح أمل لبقاء ومسؤولية المقاومة والمواجهة لمشروعه.
الرواية الرابعة: السفياني ضعيف في عاصمته: عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً فخُسِفَ بهم البيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفته: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلَّا قتلناك، فيُرسِل إليه بالبيعة ويسير المهدي حتَّى ينزل بيت المقدس...»(٢٩١).
وهذه الروايات تشير إلى هشاشة سيطرة السفياني وقاعدته حتَّى في عاصمة دولته فضلاً عن بقيَّة المناطق التي يحاول السيطرة عليها، فإنَّ تزلزل سيطرته ونفوذه فيها أضعف بكثير حتَّى بعد سيطرته، وهذا ما أكَّدنا عليه من وجود دلالة في كثير من الروايات أنَّ مشروعه وإن كان في بدو الصخب العسكري له مرعب إلَّا أنَّه هشٌّ ثباتاً، ويتزلزل بسرعة ومسارعة، لأنَّ طبيعة تمدّده وتوسّعه من قبيل فورة سرعان ما تتبدَّد فقاعتها.
الرواية الخامسة: أهل مكّة يقومون بواجبهم: عن كعب الأحبار: (... وإذ قد خرج السفياني...، ويُكثِر القتل في الدنيا، فعند ذلك يجتمعون (كذا) أهل مكّة إلى السفياني يُخوِّفونه عقوبة الله (عزَّ وجلَّ) فيأمر بقتلهم وقتل العلماء والزهّاد في جميع الآفاق. فعند ذلك يجتمعون إلى رجل من قريش له اتِّصال برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لهلاك السفياني ويتَّصل بمكّة، ويكونون على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ثمّ تجتمع إليه المؤمنون عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً، ثمّ تجتمع إليه المؤمنون وينكسف القمر ثلاث ليالي متواليات. ثمّ يظهر المهدي بمكّة...)(٢٩٢).
وفي هذه الرواية إشارة إلى أنَّ أهل مكّة ضدّ السفياني، وأنَّ أغلب أهلها يقومون بمسؤولية التصدّي لحركة السفياني، حيث إنَّهم يأتونه ويتكلَّمون بكلمة الحقِّ عند السفياني (الجائر) وينذرونه من عقوبة الله، بل إنَّ الهاشميين في مكّة والمدينة يقاتلون جيش السفياني ويهزمونه شرَّ هزيمة، فعن حنش بن عبد الله سمع ابن عبّاس (رضي الله عنه) يقول: (يبعث صاحب المدينة إلى الهاشميين بمكّة جيشاً فيهزموهم، فيسمع بذلك الخليفة بالشام، فيقطع إليهم بعثاً فيهم ستمائة عريف، فإذا أتوا البيداء فنزلوها في ليلة مقمرة أقبل راعي ينظر إليهم ويعجب...، فينصرف إلى غنمه ثمّ يرجع فلا يرى أحداً فإذا هم قد خُسِفَ بهم...)(٢٩٣).
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يخرج رجل يقال له: السفياني في عمق دمشق، وعامَّة من يتبعه من كلب، فيقتل حتَّى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتَّى لا يمنع ذئب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرَّة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جُنده فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتَّى إذا صار ببيداء من الأرض خُسِفَ بهم، فلا ينجو منهم إلَّا المخبر عنهم»(٢٩٤).
والعبارة المهمَّة التي تهمُّ في هذا المجال: «ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرَّة، فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده فيهزمهم»، وهي دالّة على أنَّ المسؤولية والفريضة لا تسقط عن بلد من البلدان، فالكُلُّ مسؤول ومكلَّف بالدفاع عن حرمات الدِّين حيث يستهدفه التعدّي عليها مشروع السفياني، لا أنَّه يرفض بالتخاذل والتخلّي والهروب عن المسؤولية.
الرواية السادسة: بطولة أهل الكوفة: في تفسير الطبري: حدَّثنا عصام بن روّاد بن الجرّاح قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيان بن سعيد، قال: ثني منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حِراش، قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) - وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب -، قال: «فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس...، ثمّ ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشام، فتخرج راية هدى من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على الفئتين فيقتلونهم، فلا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم...، (ويحلُّ) جيشه التالي بالمدينة...، يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ...﴾ الآية [سبأ: ٥١]...»(٢٩٥).
وهذه الرواية بهذا المضمون وردت من طرق عديدة مع تغيّر في بعض عباراتها، وكلّها مع ذلك التغيّر أُوردت لتفسير الآية الكريمة المتقدِّمة - في تفاسير العامَّة -. وهذه الرواية أيضاً أوردها صاحب مجمع البيان(٢٩٦) مرسلاً عن حذيفة بن اليمان.
وبنفس هذا المضمون وردت روايات كثيرة عن الباقر والصادق (عليهما السلام). والذي يهمّنا من الرواية عبارتان:
الأُولى: «فينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثمّ يخرجون متوجّهين إلى الشام».
الثانية: «فتخرج راية هدى من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على الفئتين، فيقتلونهم فلا يفلت منهم مخبر».
والعبارة الأُولى تدلُّ بظاهرها على انكسار جيش السفياني في العراق قبل دخوله الكوفة، بل ظاهر الرواية أنَّه ينكفئ راجعاً إلى الشام فضلاً عن أن يتوجَّه إلى المدينة.
ولا تنافي بين مفاد هذه الرواية وكثير من الروايات الأُخرى الدالّة على دخول جيش السفياني الكوفة وتوجّهه بعد ذلك إلى المدينة والبصرة وغيرها كخراسان.
ووجه عدم المنافاة أنَّه تُحمَل هذه الروايات على اختلاف المقادير والقُدَر تجاه مصير جيش ومشروع السفياني بحسب تحمّل وقيام المؤمنين بمسؤولياتهم، فبقدر ما يقومون به من أداء المسؤولية والواجب فبقدر ذلك يحصل إخفاق في مشروع السفياني. وإنَّ الإخفاق في مشروعه مُقدَّر على تقادير مختلفة، ففي بعضها أنَّه لا يظفر بعد الشام إلَّا بشمال العراق ثمّ ينكفئ، وفي بعضها بالكوفة فينكفئ، ويتَّجه للمدينة بمقاومة أهل البصرة وجنوب العراق، وفي بعضها إلى باب اصطخر، أي أصفهان فينكفئ ويكسر جيشه، وفي بعضها إلى شيراز، وهذه كُلُّها لا تضارب بينها، وإنَّما تُبيِّن مقادير مختلفة لما يبرم الوقوع على أحدها، وتُنبِّه على ضرورة القيام بالمسؤولية وتحمّلها وحسن تدبير أدائها بفطنة، وأنَّ المجال والباب للمقاومة وصدِّ مشروع السفياني على مصراعيه أمام خيارات مُتعدِّدة.
من جهة أُخرى تنصيص وفيه (البداء) يأخذ مساحات متحرِّكة وليست جامدة، ولفظ البداء مفاده أنَّ التقدير متحرِّك غير جامد على حدٍّ ومدى واحد. إذن فروايتان من روايات البداء في السفياني حاكمة على طوائف الروايات ومفسِّرة لوجه الاختلاف. كما هو الحال في قضيَّة قوم يونس (عليه السلام) أخبره الله بعذابهم، ثمّ بعدما تضرَّعوا بدا فيهم، وكذلك قوم نوح (عليه السلام)، حيث حصل فيهم البداء مرّات كثيرة قبل زمن حصول الطوفان.
وأمَّا العبارة الثانية: «فتخرج راية هُدى من الكوفة...»، فهي صريحة في أنَّ أهل الكوفة أو أهل الفرات الأوسط عموماً إذا قاوموا جيش السفياني قبل وصوله إلى المدينة أو مناطق أُخرى فلا تقوم له قائمة. كما تُبيِّن هذه الروايات أنَّ الدفاع عن القباب المقدَّسة لا يتمُّ عند حدود مُدُنها، بل الدفاع الضامن لأمنها هو بالتقدُّم لمواجهة السفياني في عقر داره، بل إنَّ الدفاع عن الحرمين الشريفين بيت الله الحرام ومسجد وقبر النَّبي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقبر فاطمة الزهراء (عليها السلام) وقبور أئمَّة البقيع (عليهم السلام) إنَّما يتمُّ بمقاومة وكسر جيشه في العراق والشام، لا بفتح المجال له لينفلت ويتقدَّم باتِّجاه الحجاز ليهتك الحُرُمات وليهدم المقدَّسات.
البداء في خاتمة السفياني:
وحتَّى إنَّ خاتمة السفياني قابلة للبداء، ويمكن هنا أن نورد عدَّة مقاطع من عدَّة روايات تشير إلى أنَّ خاتمة السفياني بالقتل مردَّدة بين عدَّة أماكن، ممَّا يدلُّ على أنَّ إمكان البداء حتَّى في مكان قتله، وبالتالي هو يشير إلى ضيق أو سعة حركته، فيبقى أمر السفياني في تفاصيل حركته قابل للبداء، فتتضيَّق حركته وتُقهَر في عقر دارها إذا قام المؤمنون بمسؤولياتهم، ففي الرواية عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «لتتركنَّ المدينة أحسن ما كانت حتَّى يجيء الكلب فيشغر على سارية المسجد...، ثمَّ تسير خيل السفياني تريد مكّة...، فيُخسَف بهم...، ويأتي البشير المهدي وهو بمكّة فيخرج معه اثنا عشر ألفاً فهم الأبدال والأعلام حتَّى يأتي المباء (المياه) فيأسر السفياني ويغير على كلب...»(٢٩٧).
وعن محمّد بن علي (عليه السلام)، قال: «إذا سمع العائذ الذي بمكّة بالخسف خرج مع اثني عشر ألفاً فيهم الأبدال حتَّى ينزلوا إيليا...، ويُؤدّي إليه السفياني الطاعة ثمَّ يخرُج...، فيأتيه إلى إيليا، فيقول: أقلني فيقول: إنّي غير فاعل...، فيأمر به عند ذلك فيُذبَح على بلاطة إيليا...»(٢٩٨).
وكذلك عن جرّاح، عن أرطأة، قال: «يدخل الصخري(٢٩٩) الكوفة...، فإذا تصافَّت الخيلان ولَّت كلب أدبارها وأخذ الصخري فيُذبَح على الصفا المعترضة على وجه الأرض عند الكنيسة التي في بطن الوادي...»(٣٠٠).
وأيضاً عن وليد بن مسلم، قال: حدَّثني محدِّث: أنَّ المهدي والسفياني وكلب يقتتلون في بيت المقدس حين يستقيله البيعة، فيُؤتى بالسفياني أسيراً فيأمر به، فيُذبَح على باب الرحمة، ثمّ تُباع نساؤهم وغنائمهم على درج دمشق»(٣٠١).
ومن هذه الروايات الأربع - التي ذكرنا منها موضع الشاهد - يتَّضح منها الاختلاف في كيفية خاتمة السفياني، وهو إشارة لإمكان البداء فيها.
أمرهم (عليهم السلام) بالوجوب العيني والتعيّني لتصدّي شيعة العراق بالخصوص للسفياني بقوَّة وحزم:
في قبال أنَّهم (عليهم السلام) بالنسبة للانخراط في بعض الرايات الشيعية الحقَّة يوجبون الانخراط فيها ومناصرتها وغير ذلك، وحينما تُذكر مناصرة الحركات المهدوية في مناطق كثيرة لا تُركِّز على ضرورة مناصرة راية الحقِّ فيها ولم تصف المتخاذل بأنَّه عاصي، فعن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يعطونه...، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(٣٠٢).
أمَّا في العراق فالأمر عيني تعيُّني وواجب وفريضة كبرى، بحيث يكون التخلُّف عنها يُوسَم المتخاذل بوصف العصاة إلى يوم القيامة، ولم يكن التعبير بهذه الشهادة والتأكيد في الروايات التي ذكرت البلدان الأُخرى، ففي رواية عقد الدرر المتقدِّمة: ثمّ يدخل الكوفة فيصير أهلها ثلاثة فِرَق: فرقة تلحق به وهم أشرّ خلق الله تعالى، وفرقة تقاتله وهم عند الله تعالى شهداء، وفرقة تلحق بالأعراب وهم العصاة»(٣٠٣).
والروايات التي ذكرت أنَّه يُخفي نفسه إنَّما يتوسَّل الهروب أو الاختفاء إذا وصلت المرحلة إلى دخول جماعات السفياني وغلبتهم، حيث يكون التصدّي لهم يُعرِّض المؤمن للهلاك بلا أدنى فائدة تُذكر، فينبغي التوسُّل بالهروب لأجل جمع القوى والاصطفاف مع الحركات المحقَّة، لأجل مواجهة جيش السفياني، أمَّا في غير هذا الفرض فالوظيفة الأصلية هي المقاومة والدفاع.
الشعوب كلّها ضدّ السفياني:
في الرواية عن حذيفة، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «إذا دخل السفياني أرض مصر قام فيها أربعة أشهر يقتل ويسبي أهلها، فيومئذٍ تقوم النائحات، باكية تبكي على استحلال فروجها، وباكية تبكي على قتل أولادها، وباكية تبكي على ذلّها بعد عزّها، وباكية تبكي شوقاً إلى قبورها»(٣٠٤).
وكذلك عن علي (عليه السلام)، قال: «إذا خرجت خيل السفياني إلى الكوفة بعث في طلب أهل خراسان، ويخرج أهل خراسان في طلب المهدي، فيلتقي هو والهاشمي برايات سود، على مقدمته شعيب بن صالح، فيلتقي هو والسفياني بباب اصطخر فتكون بينهم ملحمة عظيمة، فتظهر الرايات السود، وتهرب خيل السفياني، فعند ذلك يتمنّى الناس المهدي ويطلبونه»(٣٠٥).
وفي كنز العمّال، قال: «إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً فخُسِفَ بهم البيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفته: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلَّا قتلناك، فيُرسِل إليه بالبيعة ويسير المهدي حتَّى ينزل بيت المقدس ...»(٣٠٦).
وهذه الروايات وأمثالها روايات أُخرى كثيرة تشير إلى أُمور أهمّها:
أوَّلاً: إنَّ المُدُن العربية بجملتها ضدّ السفياني إلَّا قلَّة من المؤيّدين لحركته، لذلك هو يُخرِّب المُدُن ويقتل الناس. ولو كان الناس معه فلماذا يقتلهم؟ ولماذا يبقى في مصر أربعة أشهر يقتل أهلها ويسبي نسائها؟ كذلك المدينة المنوَّرة التي يتصوَّر الناس أنَّها أُموية أو وهّابية ظهر من الرواية المتقدّمة أنَّها ضدّه لأنَّه يقتل أهلها، بل حتَّى أهل الشام ضدّه لأنَّهم يتظاهرون ضدّه أن أُدخل في بيعة المهدي (عليه السلام) فيبايع مُكرَهاً، بل يصل الأمر أن يُهدَّد بالقتل من قِبَلهم، وهذا دليل على عدم سيطرته وضعفه وقلَّة تأييده من قِبَل الشعوب في المنطقة.
ثانياً: من جهة أُخرى بيَّنت عدَّة روايات هزائمه المتكرِّرة، ومنها هزيمته أمام رايات أهل خراسان والبصرة، وهي مسؤولية كبرى على عاتق المؤمنين أمام هذه الحركات الضالّة المضلَّة الفاسدة المفسدة القويَّة ظاهراً الضعيفة واقعاً، بل إنَّها مسؤولية تتحمّلها حتَّى ملائكة السماء، كما في الروايات عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... فيخرج السفياني وبيده حربة ويأمر بالامرأة فيدفعها إلى بعض أصحابه فيقول له: افجر بها في وسط الطريق فيفعل بها ثمّ يبقر بطنها ويسقط الجنين من بطن أُمِّه فلا يقدر أحد ينكر عليه ذلك»، قال: «فعندها تضطرب الملائكة في السماوات، ويأذن الله بخروج القائم من ذرّيتي وهو صاحب الزمان ثمّ يشيع خبره في كُلِّ مكان فينزل حينئذٍ جبرائيل على صخرة بيت المقدس فيصيح في أهل الدنيا: قد جاء الحقُّ وزهق الباطل إنَّ الباطل كان زهوقاً...»(٣٠٧).
فيظهر من ذلك أنَّ القضيَّة تتدخَّل فيها الملائكة وتضجُّ إلى الله أو تقف إلى جانب من يحارب السفياني، وتكون تلك الفتن والإفساد الذي يُحدِثه اللعين ويهتزُّ له عرش الرحمن فيكون تعجيلاً في خروج مولانا المهدي صاحب العصر والزمان (عليه السلام).
الرايات المناهضة لمشروع السفياني:
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحقِّ»(٣٠٨).
وعن أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليه السلام) أنَّه قال: «... خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كُلِّ وجه، ويل لمن ناواهم...»(٣٠٩).
وعن عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني، فقال: «أنّى يخرج ذلك ولم يخرج كاسر عينيه بصنعاء»(٣١٠).
وهذه الروايات بمجموعها تشير إلى أنَّ هناك من يتحمَّل المسؤولية، نعم هي تُبيِّن أنَّ اليماني رايته أهدى، وبذلك هي تدفع المؤمنين للقيام بواجباتهم ومسؤولياتهم تجاه الأخطار وحركات الضلال، فإنَّ اليماني ليس هو من الملائكة المقرَّبين ولا الأنبياء والمرسلين، بل هو مؤمن قام بواجبه وتحمَّل مسؤوليته، وبالتالي هو قدوة للآخرين - من هذه الجهة -، حيث لا ينبغي لهم القعود وترك المسؤوليات.
ومن جهة أُخرى هي تُؤكِّد أنَّ حركة السفياني رغم قسوتها وشدَّتها يمكن للمؤمنين أن يقهروها أو يُقلِّلوا من توسّعها، فيكفون شرّها بالجملة أو في الجملة، مضافاً إلى سلامة التوجّه الذي يدعو إليه من مركزية إمامة الأئمَّة الاثني عشر وإمامة الإمام الثاني عشر.
الرايات الممهّدة للسفياني:
عن جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) عن السفياني، فقال: «وأنّى لكم بالسفياني حتَّى يخرج قبله الشيصباني، يخرج من أرض كوفان، ينبع كما ينبع الماء، فيقتل وفدكم، فتوقَّعوا بعد ذلك السفياني وخروج القائم (عليه السلام)»(٣١١).
وعن علي بن أبي حمزة، قال: رافقت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) بين مكّة والمدينة، فقال لي يوماً: «يا علي، لو أنَّ أهل السماوات والأرض خرجوا على بني العبّاس لسُقيت دمائهم الأرض حتَّى يخرج السفياني»، قلت له: يا سيِّدي، أمره من المحتوم؟ قال: «نعم»، ثمّ أطرق هنيئة، ثمّ رفع رأسه وقال: «ملك بني العبّاس مكر وخداع، يذهب حتَّى يقال: لم يبق منه شيء، ثمّ يتجدَّد حتَّى يقال: ما مرَّ به شيء»(٣١٢).
فهذه الروايات وغيرها تُؤكِّد أنَّ قبل حركة السفياني هناك حركات ضالّة ومضلَّة وباطلة تفتن المؤمنين، وكأنَّها تشير إلى أنَّ السفياني نتيجة سلبية متولِّدة من سلبية أُخرى، وهي عدم قيام المؤمنين بمسؤولياتهم تجاه أنفسهم وتجاه المجتمع بالتصدّي لتلك الحركات، ووأدها في مهدها، ولعدم توعية المجتمع للقيام بمسؤوليته بالتحرُّك الصحيح والتصرُّف المتقن.
١ - الشيصباني:
والأوصاف للحركات التي قبل السفياني (المعروف) عديدة، بعض الحركات يصفها المعصوم (عليه السلام) بحركة السفياني، ومن الواضح أنَّه ليس اسماً للسفياني الذي قبيل ظهور الإمام (عليه السلام)، وهناك حركة الأصهب والأبقع وغيرهم.
وأيضاً حركة الشيصباني، وهذا الوصف لعلَّه - والله العالم - وصف مُركَّب من كلمتين دُمجتا في كلمة واحدة، والكلمتان هما: (شيطان صبي) فتصير (شيصبان) كما هو موجود في كثير من المصطلحات، فمثلاً يدمجون الزمان مع المكان فتصير (زمكان).
فالنتيجة أنَّ حكومة شيصبان حكومة شيطانية صبيانية لا تحسن التصرُّف كالصبي، وتنحدر في مهاوي الفسق والفجور والرذيلة كالشيطان، وبطابع مراهق انفلاتي نحو الوجوم، وهذه الحكومة مقدّمة وأرضية لفجور وفسق ودمار وتقاعس أكبر بواسطة تسلُّط السفياني.
٢ - حكومة بني العبّاس:
كذلك حكومة بني العبّاس، فالإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول في الرواية المتقدّمة: إنَّ ملكهم لقائم، ومن الواضح أنَّه لا يقصد أشخاصهم ولا أولادهم، لأنَّه يقول: ملكهم أي حكمهم وسياستهم، فحكمهم وسياستهم قد بُنيت وأُسِّست على (الرضا من آل محمّد) ولكنَّه مجرَّد شعار ليس فيه إلَّا الخداع والتضليل الإعلامي، وكأنَّ كُلَّ حكومة تُؤسِّس بنيانها على ذلك الشعار انتهاز لغرض الوصول للحكم، لأنَّ الأرضية العامَّة للمسلمين تهتف بأهل البيت (عليهم السلام)، لأجل ذلك كلّه يُسمّيها المعصوم (عليه السلام) حكومة بني العبّاس.
فالمستشعر من لسان الروايات أنَّ المؤمنين وجماعتهم إذا لم يقوموا بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم ولم يدركوا بوعي وهمَّة عالية وبُعد في النظر عمق الخطر المحدق بهم، سوف تستمرُّ حكومات المكر والخداع والتضليل الإعلامي، وكذلك الحكومات الشيطانية التي لا تحسن التصرُّف بالتسلُّط عليها، وسيذوقون الذلَّ والهوان، ثمّ يدخلون فيما هو أتعس وهو تسلُّط السفياني، فهذا لا يكون حتماً عليهم إلَّا بتلك المقدّمات المهيَّأة لأشرِّ وأقسى حكومة عرفها تاريخ البشرية، فالمعصوم (عليه السلام) حينما يُفصِّل في تعاقب الحكومات الباطلة (شيصباني، بني العبّاس، سفياني)، ليس هو نبوءة فلكية وهو ما قدَّمناه سلفاً، إنَّه قراءة هدفها التوصية وإيجاد الوعي في كيفية تحمّل المسؤولية، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
٣ - البترية:
البترية هي ظاهرة تلفيقية مزجية مخلطة، لأنَّهم يخلطون مع ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ولاية الشيخين، وأوَّل من سمّاهم هذا الاسم هو زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) في محضر أخيه الباقر (عليه السلام)، فعن سدير، قال: دخلتُ على أبي جعفر (عليه السلام) ومعي سلمة بن كهيل وأبو المقدام ثابت الحدّاد وسالم بن أبي حفصة وكثير النواء وجماعة معهم، وعند أبي جعفر (عليه السلام) أخوه زيد بن علي (عليه السلام)، فقالوا لأبي جعفر (عليه السلام): نتولّى عليَّاً وحسناً وحُسيناً ونتبرَّأ من أعدائهم، قال: «نعم»، قالوا: فنتولّى أبا بكر وعمر ونتبرَّأ من أعداءهم، قال: فالتفت إليهم زيد بن علي (عليه السلام) وقال لهم: (أتتبرَّأون من فاطمة (عليها السلام)؟ بترتم أمرنا بتركم الله)، فيومئذٍ سمّوا البترية(٣١٣).
وهناك ملل ونحل كثيرة شبيهة بمسلك البترية كالسليمانية(٣١٤) وغيرهم، ولكن ذكرنا البترية لأهمّية هذا العنوان ووضوحه في توجّه وسلوك بعض المحسوبين على الشيعة اليوم، هذا المسلك من جهة أُخرى، ومن جهة ثالثة إنَّ روايات آخر الزمان تذكر ضمن المحاربين للإمام (عليه السلام) فرقة البترية - كما سنُبيِّن -.
أمَّا أسباب انحراف البترية فكثيرة، منها:
أ) إنَّهم فرقة من فِرَق الزيدية، والمعروف أنَّ فِرَق الزيدية ترى أنَّ الإمامة لمن يقوم بالسيف، وهم حريصون على إنهاض جميع الأُمَّة، ومن هنا تحاول السلطة تفكيكهم بالمكر والحيلة، بواسطة إحراجهم حول موقفهم من الشيخين، فإذا قالوا: نحن براء من الشيخين ونهج السقيفة، فسوف تضعف شعبيتهم وتصطفّ جماهير سُنَّة الخلافة مع السلطة القائمة، فلذا تركوا البراءة من الشيخين. بل هم روَّجوا المنهج التلفيقي بين الأُمَّة، وهو منهج جامع يجمع بين منهاج أهل البيت (عليهم السلام) وولاية منهاج السقيفة، غرضه الحصول على الحظوة الجماهيرية عند الجميع (شيعة وسُنَّة).
ب) إنَّ البراءة من أعداء آل البيت (عليهم السلام) والتخطئة لمنهج الجمهور عبئ ثقيل لا يمكن لكلِّ أحد تحمّله لارتفاع ضريبته، فإنَّ سواد الناس الأعظم يميل إلى الدعة والراحة والقعود عن تحمُّل المسؤولية، وبالتالي يصعب ثقل البراءة والتبرّي، وتتولَّد الانهزامية والتقهقر النفسي والفكري، وبالتالي التخلِّي عن إنكار المنكر وتخطئة الباطل، ويكتفون في تعذير ذمَّتهم بالتمسّك بولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومحبَّتهم ومودَّتهم إرضاءً لمحاسبة الضمير واكتفاءً منهم بعدم التنكّر لمقامات أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن والسُّنَّة.
تناقض المنهج البتري:
إنَّ ظاهرة التلفيق بين منهاج أهل البيت (عليهم السلام) والمناهج الأُخرى، وعدم التبرّي والبراءة من تلك المناهج والمدارس المناوئة لأهل البيت (عليهم السلام) هي ظاهرة تتكرَّر كظاهرة المُقصِّرة والمارقة، وهي في كُلِّ عصر تأخذ ألواناً وأشكالاً ومُسمّيات مختلفة تحت أُطُر الوحدة والتقريب بين المذاهب وتحت أُطُر وذرائع مختلفة أُخرى.
في مقابل هذا التيّار المخلط نرى هناك تيّاراً مصادماً يُشدِّد على الفصل والتمييز بين مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والمدارس الأُخرى، ويحصر التبعية والمرجعية الشرعية الإلهية بأهل البيت (عليهم السلام) (وهو ما يُعرَف بالتولّي)، وسلبها ونفي الصلاحية عن بقيَّة المدارس، وتخطئة المسارات المباينة للعترة (وهو ما يُعرَف بالتبرّي). وقد طُعِنَ على هذا التيّار الثاني بالتشدّد والغلوّ في أهل البيت (عليهم السلام).
وهذا التجاذب بين الظاهرتين جدلية تتكرَّر في الأزمنة المختلفة، وهي قائمة في الزمان الحاضر أيضاً، ورُبَّما يُبرِّر التيّار الأوَّل بمنهجه المزجي والتلفيقي بجملة من الذرائع، كما أنَّه قد تُسجَّل على التيّار الثاني جملة من المؤاخذات بسبب صراحته الصارخة وعدم مداراته وعدم اتِّخاذه أُسلوب الرفق واللين في تبيين الحقائق، ومفاجأة الوسط العامّ بخطاب لم تتهيَّأ لها الذهنية العامَّة في الوسط الخاصّ فضلاً عن الوسط العامّ.
وهناك أسباب عديدة لتجدِّد ظاهرة البترية في كُلِّ جيل:
١) السطحية وعدم العمق والغور في حقيقة أهل البيت (عليهم السلام).
٢) روح الانهزامية أمام سيطرة وتسلُّط المذاهب الإسلاميَّة الأُخرى.
٣) التأثُّر أمام السيل الإعلامي السلطوي المتكرِّس عبر التأريخ في بطون الكتب وأعماق الأذهاب في الأجيال المزيَّفة للحقائق.
ويظهر من جملة من النصوص أنَّ هذه الظاهرة - البترية - تستمرُّ حتَّى ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في الوسط الشيعي كحالة نفاقية في الإيمان.
فقد روى الطبري في دلائل الإمامة في باب معرفة وجود القائم بإسناده عن الحميري...، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته متى يقوم قائمكم؟ قال: «يا أبا الجارود، لا تدركون...»، إلى أن قال: «ويسير إلى الكوفة، فيخرج منها ستَّة عشر ألفاً من البترية شاكّين في السلاح، قرّاء القرآن، فقهاء في الدِّين، قد قرحوا جباههم، وشمَّروا ثيابهم، وعمَّهم النفاق، وكلّهم يقولون: يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك، فيضع السيف فيهم على ظهر النجف عشية الاثنين من العصر إلى العشاء، فيقتلهم أسرع من جزر جزور فلا يفوت منهم رجل، ولا يصاب من أصحابه أحد، دماؤهم قربان إلى الله...»(٣١٥).
وروى المفيد في الإرشاد بهذا اللفظ، قال: روى أبو الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث طويل - أنَّه «إذا قام القائم (عليه السلام) سار إلى الكوفة، فيخرج منها بعضة عشر ألف نفس يدعون البترية عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت، فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتَّى يأتي على آخرهم، ويدخل الكوفة فيقتل بها كُلَّ منافق مرتاب...»(٣١٦).
وهذا الخبر يُشير إلى تكرُّر هذه الظاهرة واستمرارها في الوسط الشيعي إلى عام الظهور، وأنَّ أصحاب هذا التيّار البتري التوفيقي التلفيقي يعتمدون المسحة العلمية ويتضرَّعون بالمبرِّرات الفقهية لهذا المنهج، وندائهم وخطابهم القائم (عليه السلام) ببني فاطمة إشارة إلى نهج فاطمة (عليها السلام) في الإنكار على مسار السقيفة والبراءة من الانحراف، فكأنَّ الميزان المائز لهم رفض التبرّي من أعداء فاطمة (عليها السلام)، كما أنَّهم في بداية أمرهم حيث أنكروا البراءة من الشيخين وأظهروا البراءة من أعدائهما، فالتفت إليهم زيد بن علي في محضر أخيه الباقر (عليه السلام) وقال لهم: (أتتبرَّأون من فاطمة (عليها السلام)؟ بترتم أمرنا بتركم الله)، فيومئذٍ سمّوا البترية(٣١٧)، فعدم المعاداة مع الشيخين يؤول إلى معاداة فاطمة (عليها السلام)، ولذلك يخاطِبون الحجَّة (عليه السلام): (يا بن فاطمة، ارجع لا حاجة لنا فيك) أي لا حاجة لنا في النهج الفاطمي الذي ينطلق من البراءة لأعداء آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم).
الغاية من استعراض روايات سنة الظهور:
سؤال يُطرَح بإلحاح: إنَّه ما هي الغاية والهدف من بيان الأئمَّة لتفاصيل مشروع السفياني ورايته، ثمّ للرايات المناهضة (الشيعة) له المناصرة لمشروع الإمام المهدي (عليه السلام) بروايات مستفيضة جدَّاً؟
فهل يُظَنُّ من ذلك أنَّ هذه الروايات لأجل السمر في تاريخ المستقبل والتفرُّج الجذّاب للحديث المثير للمشاهدين لمشهد تصويري، أم أنَّ هناك حكمة وغاية من هذا التأكيد والإصرار في البيان من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) بهذه الأحداث الخطيرة؟
الجواب في نقاط:
١) ليس هي مجرَّد كهانات يتنبَّأ بها الكهّان - والعياذ بالله - ليحوزوا ويكسبوا موقعاً في قلوب المستمعين والقرّاء، أو كما يفعله القصّاصون أو كتنبّؤات المنجّمين والفلكيين لأجل كسب مودَّة ومساحة جمهور لهم، بل إنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أئمَّة دين ووظيفتهم ومنصبهم الإلهي من الله تعالى هي تعليم الناس وإرشادهم إلى المسؤولية والوظيفة الملقاة على عاتقهم، فكُلُّ هذه الروايات غاية غاياتها هي بيان وتقرير المسؤولية والوظيفة الشرعية ولزوم الالتزام بموقف وجدوى المنهاج الذي رسموه في ميدان العمل.
٢) وبعبارة أُخرى: إنَّ سرَّ استعراض هذه الروايات المستفيضة المتكاثرة لتفاصيل عسكرية وأمنية وإحداثيات جغرافية وملفّات سياسية وملفّات ومعلومات أمنية عن طبيعة حركة السفياني ونقاط الضعف والقوَّة فيها، وكذلك في الروايات الشيعية المناهضة لها، فهل يا ترى كُلُّ هذا إنَّما هو كمعلومات قمر صناعي عن المستقبل؟ كلَّا، بل هو دعوى للمؤمنين بالاطِّلاع على هذه المعلومات ليرسموا لأنفسهم استراتيجية وبرنامج مقاومة ومواجهة.
وهذه القراءة لنصوص علامات الظهور تختلف عن القراءة السائدة لها كتنبّؤات فلكية أو كهانات كهّان أو أبراج فلكية للمنجّمين.
٣) إنَّ فحوى مفاد هذه الروايات التي رُبَّما تكون متواترة حول ملامح آخر الزمان وعلامات الظهور هي كتنبّؤات القرآن عن المعاد والقبر والقيامة لغاية تحشيد الهمهم والإرادات والعزائم للقيام بالمسؤولية، وتخطيط برنامج يقوم بعبئ ضخامة الحدث «ونصرتي لكم مُعدَّة»(٣١٨).
وهذا النصُّ ورد مستفيضاً في زياراتهم سواء في جانب الملف الأمني أو العسكري أو التعبوي للنفوس ولحماس الهمم أو في الملف السياسي أو في الملف العقائدي والفكري والإيديولوجي في الملفات الأُخرى من الرعايات الحزمية التي يلزم على المؤمنين النهوض بها.
٤) سيأتي في الروايات الدعوة الأكيدة لجيوب المقاومة في كُلِّ المناطق وتشكيل مجاميع المواجهة سواء قبل مجيء عساكر السفياني أو بعد مجيئها، لاسيّما أنَّ الروايات تشير إلى إمكانية تغيير القضاء والقدر والبداء في أصل مشروع السفياني أو في درجة نجاحه أو في درجة توسّعه أو درجات إخفاقه، وإنَّ كُلَّ هذه الخيارات مفتوحة للتغيير بقدر ما يقوم المؤمنون به من مسؤولية المقاومة والمواجهة أو إجهاض لمشروعه، وهو أعلاها همَّةً وأوفاها تعهداً ولاسيّما إذا كان في مهد أراضي الشام.
٥) إنَّ الروايات تُؤكِّد ظاهرة مهمَّة في مشروع السفياني، وهو عدم ثبات سيطرته في المناطق التي يتمدَّد ويتوسَّع فيها حتَّى في مهد عاصمته وهي الشام فضلاً عن المناطق الأُخرى، وذلك نظراً للفساد والإفساد في البلاد والعباد الذي يُحدِثه مشروع السفياني.
٦) هناك محاور مهمَّة وأُخرى عديدة يجب استخراجها واستنباطها من الروايات المستفيضة عن أهل البيت (عليهم السلام) حول ذلك، واللازم قيام دراسات تخصّصية دقيقة في هذه الملفات والمجالات التي تستعرضها الروايات لتخرج المجاميع المؤمنة برؤى وخيارات عديدة في كيفية المواجهة لمشروع السفياني الذي هو مشروع غربي في الأصل بتحالف أُموي ناصبي.
٧) وهذه القراءة لهذه الروايات المستفيضة والمتواترة حاكمة بياناً ومخطئة للقراءة المعهودة من لسان الروايات المتقدّمة المتضمّنة لـ «كُنْ حلساً من أحلاس بيتك» بمعنى التفرّج والاستكانة والإحجام والنكول والوهن والاستضعاف بالضراعة.
٨) بل يُؤكِّد ما سبق استظهاره من هذا اللسان بمعنى الثبات على منهاج أهل البيت (عليهم السلام) بقوَّة الحذر وشدَّة الكتمان والإخفاء لآليات النشاط والتحصين عن التأثّر بالتيّارات المنحرفة عن الولاء لأهل البيت (عليهم السلام) اعتقاداً أو اصطفافاً سياسياً، أي المنحرفة في الموقف الاعتقادي أو السياسي عن أهل البيت (عليهم السلام) بأن لا يصبّ مشروع تلك الجماعات في صالح الموالين لآل البيت (عليهم السلام)، «وليٌّ لمن والاكم وعدوٌّ لمن عاداكم»(٣١٩)، وهو بمعنى الولاء السياسي فضلاً عن الولاء القلبي.
دور المؤمن في عصر الفتن وخصوصاً فتنة السفياني:
قد تقدَّم رواية خلَّاد (الصفّار) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «السفياني لا بدَّ منه، ولا يخرج إلَّا في رجب»، فقال له رجل: يا أبا عبد الله، إذا خرج فما حالنا؟ قال: «إذا كان ذلك فإلينا»(٣٢٠).
وكذلك عن يونس بن أبي يعفور، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذا خرج السفياني يبعث جيشاً إلينا وجيشاً إليكم، فإذا كان كذلك فائتونا على صعب وذلول»(٣٢١).
وهاتان الروايتان وغيرهما بنفس المضمون، إشارة إلى أُمور عديدة، والظاهر ظهوراً من مفاد هذه الروايات هو الأمر بالمشاركة في المجاميع التي تنطلق من مكّة في ركب الإمام (عليه السلام) عند ظهوره، وهذا المثال يُقرِّر مسؤولية المؤمنين أن لا يتخاذلوا عن الإعداد والتعبئة لتشكيل جيش لنصرة الإمام المهدي (عليه السلام) في مكّة المكرَّمة، وهذا المفاد يُكرِّس المسؤولية ويلزم بها ولا يُرخِّص في التخاذل والسكون وترك الأُمور على غاربها، بل يلزم المؤمن بأن يكون له موقف من نصرة الحقِّ والمشاركة في حمل العبء والمسؤولية، فليس الأمر بـ «إلينا» لأجل الهروب من السفياني ولكي ينجو كُلُّ فرد بجلدته، بل خروج السفياني صفّارة إنذار لبدء التعبئة وتشكيل جيش لنصرة الإمام (عليه السلام) في مكّة.
فهذه الطائفة من الروايات مع الطائفة السابقة الآمرة بمقاومة السفياني كلتاهما تصبّان في مقاومة السفياني وتحمّل المسؤولية، إلَّا أنَّ أحدهما هي في المقاومة والتصدّي المباشر للسفياني، والثانية لتشكيل جيش، فيكون هو القوَّة الضاربة القادرة على اسئتصال جيشه.
وما يظهر في بعض الروايات من حثِّ المؤمن على السكون وعدم الحركة فإنَّه لها تفسيرات متعدِّدة، منها أنَّها ليس السكون المطلق وترك المسؤوليات التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بل إنَّ ذلك لوقت معيَّن وفي وقت معيَّن، فعن جابر، قال: قال أبو جعفر محمّد بن علي الباقر (عليه السلام): «يا جابر، الزم الأرض ولا تُحرِّك يداً ولا رجلاً حتَّى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها...»(٣٢٢).
والواضح من الرواية أنَّ لزوم الأرض وعدم الحركة ليس مطلقاً، بل اللزوم هو لوقت مُعيَّن إلى حين رؤية بعض العلامات، فإنَّ الحركة قبل ظهور هذه العلامات غير صحيحة، لأنَّها تؤدّي إلى إزهاق النفس دون الحصول على النتيجة المرجوَّة.
وكذلك عن أبي خالد الكابلي، عن أبي جعفر (عليه السلام): «كأنّي بقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقَّ فلا يعطونه...، قتلاهم شهداء، أمَا إنّي لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»(٣٢٣).
وهنا الإمام الباقر (عليه السلام) رغم أنَّه يقول: إنَّ تلك الحركة على حقٍّ وإنَّ قتلاهم شهداء إلَّا أنَّه يقول: «لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسي لصاحب هذا الأمر»، فهو بذلك يدفع المؤمن للبحث عن نصر أكبر وشهادة أعظم، لأنَّ القتال بين يدي القائم (عليه السلام) والاستشهاد بين يديه أعلى مرتبة من تلك الشهادة رغم أنَّ كليهما شهادة.
ونفس الكلام في رواية هشام بن سالم التي تقدَّمت سابقاً قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) وذكر السفياني، فقال: «أمَّا الرجال فتواري وجوهها عنه، وأمَّا النساء فليس عليهن بأس»(٣٢٤)(٣٢٥).
والتواري عن السفياني لَيسَ هو الهروب، بل هو لجمع القوى لأجل الحصول على نصر أكبر، لأنَّ كلام الإمام (عليه السلام) لا يُنافي الثوابت والعموميات التي تأمر المؤمن بمواجهة الباطل وأهله، فيكون الكلام في خصوص آليات المواجهة وكيفية المواجهة لأنَّ السفياني جهة باطل يجب على المؤمن مواجهتها، لكن آليات المواجهة مختلفة.
مقاطع روائية مختارة في التصدّي للسفياني:
نذكر مقاطع مهمَّة من روايات التصدّي للسفياني وتحمّل المسؤولية نضعها بين يدي القارئ لتكون نبراساً مهمَّاً وواضحاً:
* «ثمّ يدخل الكوفة - السفياني - فيصير أهلها ثلاث فِرَق: فرقة تلتحق به وهم أشرّ خلق الله، وفرقة تقاتله وهم عند الله شهداء، وفرقة تلحق الأعراب وهم العصاة».
* «فيبلغ الخبر أهل البصرة، فيركبون إليهم في البرِّ والبحر فيستنقذون أُولئك النساء من أيديهم، فيصير أصحاب السفياني ثلاث فِرَق».
* «فيلتقي هو والهاشمي برايات سود...، فيلتقي هو والسفياني بباب اصطخر فتكون ملحمة عظيمة».
* «إذا بعث السفياني جيشاً فخُسِفَ بهم البيداء...».
* «... وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفته: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلَّا قتلناك».
* «... وإذا خرج السفياني...، ويُكثِر القتل في الدنيا، فعند ذلك يجتمعون (كذا) أهل مكّة إلى السفياني يُخوِّفونه عقوبة الله (عزَّ وجلَّ)...».
* «... ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرَّة فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده فيهزمهم...».
* «يبعث صاحب المدينة إلى الهاشميين بمكّة جيشاً فيهزموهم...».
* «يدخل الصخري الكوفة...، فإذا تصافَّت الخيلان ولَّت كلب أدبارها وأُخِذَ الصخري فيُذبَح على الصفا المعترضة على وجه الأرض...».
الخلاصة:
ممَّا تقدَّم نخرج بنقاط عديدة مهمَّة:
أوَّلاً: إنَّ السفياني ثمرة من تلك الشجرة الخبيثة الملعونة.
ثانياً: إنَّ الروايات تؤكِّد حتمية ظهور حركة السفياني.
ثالثاً: إنَّ الروايات في حين تؤكِّد فيه الحتمية تؤكِّد أنَّ فيه البداء.
رابعاً: إنَّ الروايات تُشير إلى صعوبة الظروف والتباسها، بل وشدَّتها في جملة من الموارد، وأنَّها تحتاج إلى مزيد من اليقظة والتدبير وزيادة في تحمّل المسؤولية، وأنَّ هذه الأوضاع العصيبة تتطلَّب المزيد من التخطيط والمراقبة المستمرَّة وتحمّل العبئ، وأنَّها شبيهة بالإرهاصات التي سبقت ثورة الحسين، وهي بعينها التي تُسبِّب قيام المهدي (عليه السلام) بالخروج.
خامساً: إنَّ الحركات الضالّة والمضلَّة والحركات المعادية للإسلام والمعادية لأتباع أهل البيت (عليهم السلام) بالخصوص تُعلِن شيئاً وتُخفي شيئاً، تُعلِن أنَّها إسلاميَّة وتريد تطبيق الإسلام، وتُخفي واقعها اللاإنساني واللاديني.
سادساً: إنَّ الشعوب وأهالي البلدان ليست منقادة لحكم السفياني الأُموي، بل مناوءة له لما تنطوي عليه من الفساد، بل تقدَّم بحسب الرواية أنَّ الشام مهد قاعدته وأرضيتها تهتف وتميل إلى الإمام المهدي (عليه السلام) كَمَا في الرواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا بعث السفياني إلى المهدي جيشاً فخُسِفَ بهم البيداء وبلغ ذلك أهل الشام قالوا لخليفته: قد خرج المهدي فبايعه وادخل في طاعته وإلَّا قتلناك، فيُرسِل إليه بالبيعة...»(٣٢٦).
سابعاً: إنَّ الروايات التي تُحذِّر المؤمنين من الفتن وفتنة السفياني بالخصوص، وتُبشِّر برحمة للمؤمنين وهلاك لأعداء أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم على يد السفياني، وأنَّه سيتمُّ القضاء في حركة السفياني على كثير من الفاسدين والمفسدين الضلّال، ولكن ذلك لا يقتضي القعود وترك المسؤوليات، لأنَّ ترك المسؤوليات يؤدّي لاستبدالها بحركة باطلة أشدُّ غيَّاً.
ثامناً: الرواية التي تقدَّمت عن علي (عليه السلام) تُشير إلى أُمور عديدة، منها: وعي الشعوب وإيمانها بمودَّة أهل البيت (عليهم السلام) وطهارتهم وأحقّيتهم بالأمر، وإذا كان الأمر هكذا في الشام فكيف بك ببقية البلدان وشعوبها؟ باعتبار أنَّ الشام أقرب للسفياني نهجاً وسلوكاً لكن مع ذلك يثورون ضدَّه ويطالبونه بالبيعة للمهدي (عليه السلام)، وهذه بشارة عظيمة للمؤمنين، إنَّ شعوب المنطقة كُلّها - إلَّا ما ندر - تميل إلى الحقِّ المتمثِّل بالحجَّة (عليه السلام)، وإنَّ أرضية كافَّة المؤمنين تهتف وتتطلَّع إلى المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم).
تاسعاً: خروج الخراساني واليماني إشارة إلى أنَّ هناك من يتصدّى للقيام بالمسؤولية، وهناك جهة حقٍّ، بل رايات أُخرى وجهات وجماعات عديدة ذُكِرَت في تفاصيل الروايات، وكُلُّ ذلك يصبُّ في تحمّل المسؤولية، كُلٌّ حسب موقعه وقدرته.
عاشراً: تقدَّم أنَّ تحمّل المسؤولية يكفكف من نشاط السفياني، بعكسه تماماً التخلّي عن المسؤولية والقعود وترك الحبل على الغارب، لأنَّه يؤدّي إلى تفاقم واشتداد الفتن، فإنَّ تسلّط الظالم لم يكن حتماً جبرياً من قِبَل الله، بل إنَّ حتميته جاءت نتيجة ترك الناس مقاومة من هو أقلّ منه فتنةً وشدَّةً وهو الشيصباني أو غير الشيصباني من أهل الضلالة والفتنة كبني العبّاس.
الحادي عشر: في رواية ذُكِرَت الخسف بجيش السفياني، في صحيح مسلم، عن عبد الله بن الزبير أنَّ عائشة قالت: عبث (أي اضطرب) رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في منامه، فقلنا: يا رسول الله، صنعت شيئاً في منامك لم تكن تفعله؟ فقال: «العجب إنَّ ناساً من أُمَّتي يؤمّون بالبيت برجل من قريش، قد لجأ بالبيت، حتَّى إذا كانوا بالبيداء خُسِفَ بهم»، فقلنا: يا رسول الله، إنَّ الطريق قد يجمع الناس. فقال: «نعم، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكاً واحداً، ويصدرون مصادر شتّى يبعثهم الله تعالى على نيّاتهم»(٣٢٧).
وكذلك في صحيح مسلم عن عبد الله بن القبطية، قال: دخل الحارث بن أبي ربيعة، وعبد الله بن صفوان، وأنا معهما على أُمِّ سَلَمة أُمّ المؤمنين، فسألاها عن الجيش الذي يُخسَف به (بهم)، وكان ذلك في أيّام ابن الزبير فقالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يعوذ عائذٌ بالبيت فيبعث إليه بعثاً، فإذا كانوا بالبيداء من الأرض خُسِفَ بهم»، فقلت: يا رسول الله، فكيف بمن كان كارهاً؟ قال: «يُخسَف به معهم، ولكن يبعثه الله يوم القيامة على نيَّته»(٣٢٨).
وفي رواية أُخرى في تتمَّتها: قال أبو جعفر: (هي بيداء المدينة)(٣٢٩).
هاتان الروايتان وروايات أُخرى بنفس المضمون، وقد أوردنا سابقاً هذا المضمون في رواية الخسف إلَّا أنَّ هنا زيادة هو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «منهم المستبصر والمجبور وابن السبيل»، وكذلك في الرواية الأُخرى حين سُئِلَ (صلّى الله عليه وآله وسلم): كيف بمن كان كارهاً؟ قال: «يُخسَف به معهم، ولكن يبعثه الله يوم القيامة على نيَّته»(٣٣٠).
وفي هذا إشارات عديدة:
١) ليس كلُّ من في جيش السفياني فاسقاً أو ظالماً، وبالتالي ليس مصير الكُلِّ إلى النار، بل يُحشَرون على نيّاتهم، وذلك لأنَّ في جيش السفياني من هو معادي له إنَّما ألجأ كما أخرجت قريش عقيل والعبّاس بن عبد المطَّلب حيث أمرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعدم التعرُّض لبني هاشم لأنَّهم أُخرجوا مكرهين، كذلك في حرب الجمل هناك من أُكره على الخروج من قريش حيث تأسَّف أمير المؤمنين (عليه السلام) على قتلهم.
٢) إنَّ في جيش السفياني من يكون مجبوراً أو ابن سبيل ولعلَّه يجمعهم عنوان الكاره، وبالتالي كُلُّ كاره بما لديه من درجة الكراهة يُحشَر على نيَّته.
٣) إنَّ في هذا إشارة أمنيَّة من المعصوم (عليه السلام)، وهي إشارة عملية مهمَّة إلى مكان اختراق جيش السفياني من قِبَل المؤمنين، وبالتالي تصديعه من داخله وإيجاد خروقات أمنية، فمكوّناته خليط من الناس، ممَّا يُدلِّل على ضعف وهشاشة هذا الجيش بسبب الضعف الأمني والاستخباري الذي يؤدّي إلى سهولة تفكيك هذا الجيش وهزيمته، وهو ليس على نسيج وشاكلة واحدة.

* * *
الفصل الخامس: المهديون الاثنا عشر هم الأئمّة الاثنا عشر في مقام الرجعة

وقد وردت الإشارة في عدَّة من الروايات إلى رجعة الأئمَّة الاثني عشر بلسان غير عنوان الرجعة، وغير لفظة الكرَّة والأوبة، وغير بقيَّة عناوين وأسماء الرجعة.
وهذه الإشارة بعنوان المهديّين الاثني عشر بعد الأئمَّة الاثني عشر، ويُراد من عدَّة الاثني عشر من المهديّين هم نفس الأئمَّة الاثني عشر بلحاظ رجوعهم وكرَّتهم بعد الموت إلى الدنيا، لإقامة دولة محمّد وآل محمّد.
وإنَّما اعتمد أهل البيت (عليهم السلام) هذا العنوان لعدَّة حِكَم ومغازي:
منها: اعتماد التعبير الكنائي عن الرجعة، حيث إنَّ عقيدة الرجعة تعني مشروع إقامة الدولة لدى أهل البيت (عليهم السلام)، وإبراز هذا المشروع تصريحاً بمكان من الخطورة السياسية والأمنية، وليس هو عقيدة تجريدية بحتة.
ومنها: أنَّه إشارة إلى أنَّ هذا المقام من المقامات التي يصل إليها أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، وهم موعودون بها من قِبَل الله تعالى، في حين أنَّ هذه العقيدة والمعرفة بالرجعة بهذا الشكل قد التبس على جماعة لتقمّص أدعياء أرادوا بالمؤمنين إضلالاً عن صراط الحقِّ وعن التمسّك بأئمَّة الاثني عشر لأهل البيت (عليهم السلام) إلى أنداد وشركاء يشركون بهم في الولاية الإلهية ليزيلوا الحقَّ عن مقرِّه، ويصرفوا الناس عن الأئمَّة الاثني عشر تلبيساً عليهم باسم الاتِّصال بالإمام المهدي (عليه السلام) الإمام الثاني عشر، بل ربَّما تمادى الغيُّ عندهم إلى تهميش الإمام الثاني عشر ودفعه عن مقامه ومرتبته التي رتَّبه الله فيها، وأنَّه ليس هو المهدي، وليس هو الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً، تمنّيهم أنفسهم وشياطينهم إلى طاعة الشيطان والأبالسة مع استخدام للسحر والشعبذة ليغووا ضعفة العقول والقلوب ومرضى النفوس، الذين لم يتفقَّهوا في الدين، ولم يلجأوا إلى علم وركن ركين.
فقد روى الشيخ الطوسي في الغيبة، وكذا الحلّي في مختصر بصائر الدرجات عن جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمّه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكّي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعلي (عليه السلام): يا أبا الحسن أحضر صحيفةً ودواةً، فأملى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصيَّته حتَّى انتهى إلى هذا الموضع، فقال: يا علي، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أوَّل الاثني عشر إماماً، سمّاك الله تعالى في سمائه: عليَّاً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصحُّ هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا علي، أنت وصيّي على أهل بيتي حيّهم وميّتهم، وعلى نسائي فمن ثبَّتها لقيتني غداً ومن طلَّقتها فأنا بريء منها، لم ترَني ولم أرَها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أُمَّتي من بعدي. فإذا حضرتك الوفاة فسلِّمها إلى ابني الحسن البرّ الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه سيِّد العابدين ذي الثفنات علي، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه علي الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه علي الناصح، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام). فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين(٣٣١)، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث المهدي، هو أوَّل المؤمنين»(٣٣٢).
المغالطة في فهم الرواية:
تُوهِّم أنَّ هذه الرواية دالّة على أنَّ الإمام الثاني عشر يُسلِّم الوصية إلى ابنٍ له ثلاثة أسماء، فيكون قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في هذه الفقرة: «فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المهديّين» بإرجاع الضمير في «إذا حضرته» إلى الإمام الثاني عشر، وكذلك ضمير «ابنه» إلى الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وأنَّ هذه الثلاثة أسماء هي أسماء لابن الإمام الثاني عشر.
دفع التوهّم:
هذا الإرجاع للضمير إلى الإمام الثاني عشر خطأ فاحش في تركيب عبارات الجمل وسياقاتها، فإنَّ الصحيح أنَّ الضمير يرجع إلى الإمام الحادي عشر، الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، أي إذا حضرت الإمام العسكري (عليه السلام) الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه الإمام الثاني عشر (عليه السلام) الذي له ثلاثة أسماء، وهو الإمام الثاني عشر أوَّل المهديين، والإمام الثاني عشر له ثلاثة أسماء: اسم كاسم النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والاسم الآخر عبد الله وأحمد، والثالث وهو اللقب المهدي، وهو الإمام الثاني عشر أوَّل المؤمنين، وفي بعض النسخ: «اسم كاسمي واسم أبيه وهو عبد الله»، وعلى هذه النسخة يكون اسم الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) عبد الله.
وسنُبيِّن وجه كون الإمام الثاني عشر أوَّل المهديّين وأوَّل المؤمنين، وأنَّ معنى ووصف ومنصب عنوان المهدي لكلٍّ من الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) كمقام خاصّ لمن يقيم دولة محمّد وآل محمّد في الإعلان الظاهر وبنحو تبقى مستمرَّة إلى يوم القيامة، كما أنَّ هناك مقام المنتصر أو المنصور للأئمَّة الاثني عشر، كما أُشير إلى ذلك في زيارة عاشوراء بالإمام المنصور والإمام المهدي (عليه السلام).
شواهد على أنَّ أوّل المهديّين هو الإمام الثاني عشر (عليه السلام):
الشاهد الأوَّل:
ما ورد في عدَّة روايات من الفريقين أنَّ الذي له أسماء ثلاثة هو نفس الإمام الثاني عشر (عليه السلام):
١ - فقد روى الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الفضل بن شاذان، عن إسماعيل بن عيّاش، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وذكر المهدي فقال: «إنَّه يُبايَع بين الركن والمقام، اسمه أحمد وعبد الله والمهدي، فهذه أسماؤه ثلاثتها»(٣٣٣).
٢ - وقد روي أيضاً أنَّه (عليه السلام) له اسمان: اسم يخفى واسم يُعلَن، فقد روى الصدوق في إكمال الدين بسند قوي أو حسن قال: حدَّثنا علي بن أحمد بن موسى (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدَّثنا إسماعيل بن مالك، عن محمّد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر محمّد بن علي الباقر، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو على المنبر: «يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض اللون، مشرب بالحمرة، مبدح البطن، عريض الفخذين، عظيم مشاش المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على شبه شامة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، له اسمان: اسم يخفى واسم يُعلَن، فأمَّا الذي يخفى فأحمد، وأمَّا الذي يُعلَن فمحمّد، إذا هزَّ رايته أضاء له ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلَّا صار قلبه أشدّ من زبر الحديد...»(٣٣٤).
الشاهد الثاني:
إنَّ عنوان المهدي والمهديّين له تفسير مستفيض، بل متواتر في روايات أهل البيت (عليهم السلام) هو كالأصل في معناه، ويُراد به الإمام من الأئمَّة الاثني عشر عندما يقيم الدولة الظاهرة الممكِّنة لدولة آل محمّد (عليهم السلام)، ومن المستفيض في رواياتهم (عليهم السلام) أنَّ كلَّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) يرجعون كما هو مقتضى عقيدة الرجعة، بل لكلِّ إمام رجعات، وأكثرهم رجوعاً وكروراً أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويقيمون دولة آل محمّد (عليهم السلام) واحداً بعد آخر، وهو مقتضى قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
وهذا الخطاب عامٌّ لكلِّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) حتَّى أنَّ الإمام الثاني عشر أيضاً تكون له رجعة، وأنَّ الله منَّ عليهم بوعدين: المنّ الإلهي الأوَّل المتقدِّم هو بأصل الإمامة، والمنّ الإلهي الثاني المتأخِّر هو بجعلهم يملكون إرث الدولة في الأرض.
ولا يخفى أنَّ الآية إنَّما هي وعد للذين مضى عليهم حالة إستضعاف وقهر في حياتهم السابقة الأُولى من الدنيا، وهو مقتضى دلالة: ﴿اسْتُضْعِفُوا في الْأَرضِ﴾ فعل ماض، أي جرى عليهم فيما مضى من حياتهم الأُولى من الدنيا في الأرض استضعاف، فهؤلاء وعدهم الله بجعلهم الوارثين.
ومقتضى مفاد ﴿الْوارِثِينَ﴾ أنَّهم يكونون مرَّة أُخرى في عاقبة وآخرة الحياة في الأرض، فيرثون ملك الأرض. ولا يخفى أنَّ في الآية وعدين وعداً بأصل الإمامة ووعداً بجعلهم الوارثين، والوعد الثاني هو بجعلهم ملوكاً يملكون إدارة الدولة في الأرض، وهو مقام وعنوان ووصف المهدوية.
فالمراد بالمهديّين الاثني عشر هم الأئمَّة الاثنا عشر أنفسهم في حال الرجعة وإقامة الدولة الظاهرة، فلهم مقام المهدوية بعد تسنّمهم أصل مقام الإمامة من دون دولة ظاهرة معلنة، والحال ذلك - أي مقام الإمامة - وصف ونعت للإمام الثاني عشر منذ الوصيَّة والإمامة من أبيه الحسن العسكري (عليه السلام) إلى يوم ظهوره، وحين ظهوره وبدء إقامته للدولة الظاهرة يتحقَّق له الوصف الفعلي لمقام المهدي، وإلى هذا المفاد - أي تعدّد الحال في الإمام الثاني عشر وأنَّه تمرُّ به مرحلتان - يشير قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الرواية المزبورة: «فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً»، أي بعد إمامة الإمام الثاني عشر وامتدادها في عصر الغيبة يتحقَّق بدء إقامة دولة محمّد وآل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأوَّل من يقيمها هو الإمام الثاني عشر، ومن ثَمَّ يكون الإمام الثاني عشر هو أوَّل المهديّين بعد أن كان له أصل مقام الإمامة طيلة فترة الغيبة، فالإمام الثاني عشر متميِّز في الأئمَّة الاثني عشر باتِّصال مقام إمامته بمقام مهدويته.
وهذا هو سرُّ تكرار قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في ذيل الرواية: «فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام)، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم أبي وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث المهدي وهو أوَّل المؤمنين»، فكرَّر قوله: «فإذا حضرته الوفاة» أي الحسن العسكري (عليه السلام) «فليُسلِّمها إلى ابنه» أي محمّد، إذ في المرَّة الثانية أيضاً صرَّح (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الابن اسمه محمّد كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «اسم كاسمي»، فسبب هذا التكرار بحضور وفاة الحسن العسكري (عليه السلام) أنَّه يُسلِّمها إلى ابنه محمّد أنَّ الإمام الثاني عشر له مقامان متَّصلان زماناً: الأوَّل أصل الإمامة، والثاني مقام المهدوية، فمن ثَمَّ كرَّر التعبير فيه دون بقيَّة الأئمَّة الاثني عشر لانفكاك زمان إمامتهم عن زمان مقام المهدوية لهم، وهو أوَّل المؤمنين زمناً لا رتبةً.
والمخاطبين أيضاً في آية الوعد الإلهي في سورتي النور والقصص والذين هم الأئمَّة الاثنا عشر الذين وعدهم الله أن يستخلفهم في الأرض بدولة معلنة ويُمكِّن لهم إقامة الدين حيث يُبدِّلهم بعد الخوف أمناً كما هو نصُّ قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور: ٥٥).
ويتَّضح هذا التفسير بشكل مفهوم جلي من الروايات الواردة في بيان هذا المعنى لعنوان ووصف المهدي:
الرواية الأُولى: أوَّل المهديّين واحد من الأئمَّة الاثني عشر: روى في تحف العقول وصيَّة الصادق (عليه السلام) لمؤمن الطاق أبي جعفر محمّد بن النعمان الأحول في وصيَّة طويلة بلزوم مراعاة التقيَّة والكتمان وعدم الإذاعة: «... فلا تعجلوا فوَالله قد قرب هذا الأمر ثلاث مرّات فأذعتموه فأخَّره الله»(٣٣٥).
ومراده (عليه السلام): «من هذا الأمر» أي قيام دولة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) التي تبقى إلى يوم القيامة.
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة بإسناده إلى أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قوله: «يا ثابت، إنَّ الله تعالى كان وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) اشتدَّ غضب الله على أهل الأرض، فأخَّره إلى أربعين ومائة سنة، فحدَّثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع السرّ، فأخَّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً...»(٣٣٦).
وروى في مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال: «إنَّ أصحاب محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعدوا سنة السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين (عليه السلام) غضب الله (عزَّ وجلَّ) على أهل الأرض فأضعف عليهم العذاب، وإنَّ أمرنا كان قد دنى فأذعتموه فأخَّره الله (عزَّ وجلَّ)...» الحديث(٣٣٧).
وروى النعماني في الغيبة بسند موثَّق عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: «بلى، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله»(٣٣٨).
وروى النعماني أيضاً بسنده عن إسحاق بن عمّار الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قد كان لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة، فحدَّثتم به وأذعتموه فأخَّره الله (عزَّ وجلَّ)»(٣٣٩).
وروى في الموثَّق عن إسحاق بن عمّار، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا إسحاق، إنَّ هذا الأمر قد أُخِّر مرَّتين»(٣٤٠).
وروى الشيخ الطوسي بسنده عن عثمان النوى، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «كان هذا الأمر فيَّ فأخَّره الله، ويفعل بعد ذلك في ذرّيتي ما يشاء»(٣٤١).
والمراد من الأمر في هذه الروايات المستفيضة التي كان قد وُقِّت من قِبَل الله تعالى هو ظهور وقيام دولة آل محمّد (عليهم السلام)، الدولة الموعود باستمرارها إلى يوم القيامة يتعاقب الأئمَّة الاثنا عشر عليها.
ويُصطَلح في روايات أهل البيت على الإمام الذي يتمُّ على يديه بدء إنشاء إقامة هذه الدولة أنَّه المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإلى هذا تشير الرواية الأخيرة.
وتشير هذه الطائفة من الروايات إلى أنَّ مقام المهدي من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد قدَّره الله (عزَّ وجلَّ) في السبعين، أي بدء إقامة هذه الدولة المستمرَّة على يد سيِّد الشهداء، فلمَّا فرَّط المؤمنون والمسلمون في القيام بالمسؤولية وقُتِلَ الحسين (عليه السلام) اشتدَّ غضب الله على أهل الأرض فأخَّره الله من باب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٣٩)، لأنَّه لم يكن ذلك التقدير تقدير جبر، وإنَّما أمر بين أمرين لسُنَّة الله المشار إليها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، فقدَّر الله أن يكون مهدي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) هو الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فحصل التفريط مرَّة أُخرى فقدَّره الله في الإمام موسى بن جعفر، فوقع التفريط ثالثة فأخَّره الله إلى ما يشاء.
ومن ثَمَّ أشارت هذه الطائفة من الروايات إلى أنَّ هذا الأمر قد وقَّته الله ثلاث مرّات، ولعلَّ الثلاث إلى زمن الصادق (عليه السلام)، والتقدير في زمن موسى بن جعفر (عليه السلام) يكون رابعاً.
وهذا التغيير من باب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٣٩)، لا يتنافى مع علم الله الحتمي بمقادير الأُمور وأقدارها وحتم إبرامها، ومن ثَمَّ لا تتنافى هذه الروايات مع الروايات الأُخرى أنَّ مهدي آل محمّد هو الإمام الثاني عشر.
والحاصل: أنَّ هذه الطائفة تُعزِّز أنَّ المهدوية مقام لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) الاثني عشر هو بلحاظ قيامهم بالدولة المعلنة التي تستمرُّ إلى يوم القيامة.
وإلى ذلك يشير ما رواه الكليني في الكافي بإسناده عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «... والمهدي (عليه السلام) يجعله الله من شاء منّا أهل البيت»(٣٤٢).
الرواية الثانية: عليّ (عليه السلام) المهدي الأكبر من المهديّين الاثني عشر: ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: «ألَا أُحدِّثك - ثلاثاً - قبل أن يدخل عليَّ وعليك داخل؟»، قلت: بلى، فقال: «أنا عبد الله، أنا دابَّة الأرض صدقها وعدلها وأخو نبيّها وأنا عبد الله، ألَا أُخبرك بأنف المهدي وعينه؟»، قال: قلت: نعم، فضرب بيده إلى صدره فقال: أنا»(٣٤٣).
وروى أيضاً عن أبي عبد الله الجدلي، قال: دخلت على علي (عليه السلام) فقال: «أُحدِّثك بسبعة أحاديث إلَّا أن يدخل علينا داخل»، قال: قلت: افعل جُعلت فداك، قال: «أتعرف أنف المهدي وعينه؟»، قال: قلت: أنت يا أمير المؤمنين...(٣٤٤).
وقد وردت روايات مستفيضة بأنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) هو صاحب الكرّات والرجعات ودولة الدول، ومن ثَمَّ يكون هو المهدي الأكبر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، كما هو مفاد هاتين الروايتين وروايات أُخرى أنَّه عين المهدي وأنفه، حيث تضمَّن تشبيه المهدي بأعضاء جسم بعضها رئيسي مركزي وهو العين والأنف، وأنَّ مقام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) بين الأئمَّة الاثني عشر في الاتِّصاف بوصف المهدي هو موقع العين، وهذا يُبيِّن أنَّ صدق عنوان المهدي على الأئمَّة الاثني عشر هو بتفاوت.
الرواية الثالثة: الأئمَّة كلّهم مهديّون: ما رواه في بصائر الدرجات عن عبد الله، عن إبراهيم بن محمّد الثقفي، قال: أخبرنا إسماعيل بن يسار، حدَّثني علي بن جعفر الحضرمي، عن سليم الشامي أنَّه سمع عليَّاً (عليه السلام) يقول: «إنّي وأوصيائي من ولدي مهديّون كلّنا محدَّثون»، فقلت: يا أمير المؤمنين، من هم؟ قال: «الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثمّ ابني علي بن الحسين»، قال: وعلي يومئذٍ رضيع، «ثمّ ثمانية من بعده واحداً بعد واحد، وهم الذين أقسم الله بهم فقال: ﴿وَوالِدٍ وَما وَلَدَ﴾ [البلد: ٣]، أمَّا الوالد فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وما ولد يعني هؤلاء الأوصياء...» الحديث(٣٤٥).
وكون الأوصياء الاثني عشر أولاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) مع أنَّ عليَّاً ابن عمّ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأخوه من باب التغليب، أو أنَّ عليَّاً ابن رسول الله روحاً ونوراً، وأُطلق في هذه الرواية المهدي على كلِّ الأئمَّة الاثني عشر.
الرواية الرابعة: تأييد لما سبق: ما رواه الصدوق في الصحيح عن أبان بن أبي عيّاش، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سُليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت سلمان الفارسي (رضي الله عنه) يقول: كنت جالساً بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مرضته التي قُبِضَ فيها فدخلت فاطمة (عليها السلام)...، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) لها: «... وأبناء بعلكِ أوصيائي إلى يوم القيامة، كلّهم هادون مهديّون، وأوَّل الأوصياء بعدي أخي علي، ثمّ حسن، ثمّ حسين، ثمّ تسعة من ولد الحسين في درجتي، وليس في الجنَّة درجة أقرب إلى الله من درجتي...» الحديث.
ورواه سُليم بن قيس في كتابه مع تفاوت يسير في الألفاظ(٣٤٦).
الرواية الخامسة: تأييد ثالث: وروى ابن أبي زينب النعماني في كتاب الغيبة عن ابن عقدة وغيره بإسنادهم عن عبد الرزّاق بن همّام، عن معمّر بن راشد، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سُليم بن قيس، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث: «... أيّها الناس، ليُبلِّغ مقالتي شاهدكم غائبكم، اللّهمّ اشهد عليهم، ثمّ إنَّ الله نظر نظرة ثالثة فاختار من أهل بيتي بعدي، وهم خيار أُمَّتي أحد عشر إماماً بعد أخي واحداً بعد واحد، كلَّما هلك واحد قام واحد، مثلهم في أهل بيتي كمثل نجوم السماء، كلَّما غاب نجم طلع نجم، إنَّهم أئمَّة هداة مهديّون...»(٣٤٧).
وهذا الحديث طريقه موثَّق، ولاحظ قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فوصف الاثني عشر أوَّلاً بمقام الإمامة، وثانياً بمقام (المهديّون)، وهو مطابق لتفسير قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً» بالضرورة، لأنَّه دور ثانٍ لهم كمجموعة وعدَّة يرجعون فيقومون به لاسيّما وأنَّ الترتيب الزماني لرجوعهم ليس بترتيب مراتبهم، وتفسيره برجعة الأئمَّة الاثني عشر وأنَّ المهديّين الاثني عشر مقام الرجعة للأئمَّة الاثني عشر وإقامتهم لدولة العدل.
وقد مرَّ أنَّ الوعد الإلهي في آية القصص وآية النور يقتضي أنَّ الموعود بالاستخلاف لوراثة الأرض وإقامة الدولة الإلهية هم نفس الأئمَّة الاثني عشر الذين استضعفوا في الأرض سابقاً.
وورد كثيراً إطلاق المهدي والمهديّين على الأئمَّة (عليهم السلام) في الروايات.
الشاهد الثالث:
وممَّا يشهد إرادة الأئمَّة الاثني عشر من المهديّين الاثني عشر من هذه الرواية - أي رواية الوصيَّة وتسليمها من كلِّ إمام إلى الإمام الذي بعده - أنَّ نفس هذه الرواية التي رواها الشيخ الطوسي في الغيبة ورواها عنه في مختصر بصائر الدرجات قد اشتملت على كون اسم المهدي من أسماء علي (عليه السلام) التي قد سمّاه الله بها، والتي لا تصحُّ لأحد غيره.
فالصحيح المتعيَّن الذي لا لبس فيه ولا زيغ يعتريه ولا ريب يمتريه أنَّ المراد من المهديّين الاثني عشر بعد الأئمَّة الاثني عشر هم نفس الأئمَّة (عليهم السلام) بلحاظ دور الرجعة لهم (عليهم السلام)، فهم المهديّون، ولذلك ذُكِرَ في بعض نسخ الرواية أنَّ الإمام الثاني عشر أوَّل المؤمنين وأوَّل المهديّين، وقد مرَّ أنَّ ذلك إشارة في الآية الواعدة بالرجعة.
تساؤل:
ولعلَّك تسأل: فلماذا غاير النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في التعبير بين الأئمَّة الاثني عشر والمهديّين الاثني عشر، وكأنَّ المجموعة الأُولى أئمَّة اثنا عشر، وأنَّ هناك مجموعة ثانية عددها أيضاً اثنا عشر كلّهم مهديّون.
والجواب:
إنَّ التعبير وإن أوهم المغايرة للوهلة الأُولى إلَّا أنَّ اتِّحاد المراد مألوف في استعمال الروايات، نظير ما رواه الشيخ في الغيبة من موثَّق جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعاً»، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: «بعد القائم (عليه السلام)»، قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: «تسع عشرة سنة، ثمّ يخرج المنتصر فيطلب بدم الحسين (عليه السلام) ودماء أصحابه، فيقتل ويسبي حتَّى يخرج السفّاح»(٣٤٨).
فالناظر في هذه الرواية في المتبادر الأوَّل يتوهَّم أنَّ الرجل من أهل البيت والذي يملك بعد القائم أو المنتصر الذي يخرج بعد القائم والذي يطلب بثأر وبدم الحسين (عليه السلام) ودماء أصحابه هو غير الحسين (عليه السلام) بمقتضى تعدّد التعبير، مع أنَّه قد استفاضت الروايات أنَّ المنتصر هو الحسين (عليه السلام)، ففي روايات رواها المفيد في الاختصاص عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «وهل تدري من المنتصر والسفّاح يا جابر؟ المنتصر الحسين بن علي، والسفّاح علي بن أبي طالب (عليهما السلام)»(٣٤٩).
وروى الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «منّا اثنا عشر مهدياً، مضى ستَّة وبقي ستَّة، ويصنع الله في السادس ما أحبّ»(٣٥٠).
الشاهد الرابع:
ما ورد من روايات مستفيضة أنَّ الذي يلي الوصيَّة، ويلي مقاليد الإمام الثاني عشر، ويلي الخاتم، هو الحسين (عليه السلام)، حيث يدفع إليه القائم (عليه السلام) كلَّ ذلك:
١ - فقد روى في مختصر بصائر الدرجات عن أبي عبد الله (عليه السلام): «ويقبل الحسين (عليه السلام) في أصحابه الذين قُتلوا معه، ومعه سبعون نبيَّاً كما بُعثوا مع موسى بن عمران (عليه السلام)، فيدفع إليه القائم (عليه السلام) الخاتم، فيكون الحسين (عليه السلام) هو الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به في حفرته»(٣٥١).
٢ - ما رواه في الكافي بسنده إلى عبد الله بن القاسم البطل، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في حديث: «... ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥]، خروج القائم (عليه السلام)، ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: ٦]، خروج الحسين (عليه السلام) في سبعين من أصحابه عليهم البيض المذهَّب لكلِّ بيضة وجهان، (يؤذّن المؤذّنون) المؤدّون إلى الناس أنَّ هذا الحسين (عليه السلام) قد خرج حتَّى لا يشكُّ المؤمنون فيه، وأنَّه ليس بدجّال ولا شيطان، والحجَّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرَّت المعرفة في قلوب المؤمنين أنَّه الحسين (عليه السلام) جاء الحجَّة الموت، فيكون الذي يُغسِّله ويُكفِّنه ويُحنِّطه ويُلحده في حفرته الحسين بن علي (عليهما السلام)، ولا يلي الوصيّ إلَّا الوصيّ»(٣٥٢).
ورواها العيّاشي في تفسيره ولكن مع اختلاف يسير في الألفاظ، ففي ذيل الرواية: «المؤدّي إلى الناس أنَّ الحسين قد خرج في أصحابه حتَّى لا يشكُّ فيه المؤمنون وأنَّه ليس بدجّال ولا شيطان، الإمام الذي بين أظهر الناس يومئذٍ، فإذا استقرَّ عند المؤمن أنَّه الحسين لا يشكّون فيه، وبلغ عن الحسين الحجَّة القائم بين أظهر الناس وصدَّقه المؤمنون بذلك، جاء الحجَّة الموت فيكون الذي غسَّله، وكفَّنه، وحنَّطه، وإيلاجه في حفرته الحسين، ولا يلي الوصيّ إلَّا الوصيّ»، وزاد إبراهيم في حديثه: «ثمّ يملكهم الحسين حتَّى يقع حاجباه على عينيه»(٣٥٣).
٣ - ما تقدَّم من رواية الشيخ الطوسي في الغيبة، من أنَّه يملك بعد القائم رجل من أهل البيت ثلاثمائة سنة ويزداد تسعة، وهو المنتصر وهو المنصور ويطلب بدمه وبدماء أصحابه(٣٥٤)، وقد رواها المفيد في الاختصاص ببسط في الرواية عن جابر، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ رجل منّا أهل البيت بعد موته ثلاث مائة سنة ويزداد تسعاً»، قال: فقلت: فمتى يكون ذلك؟ قال: فقال: «بعد موت القائم»، قلت له: وكم يقوم القائم في عالمه حتَّى يموت؟ قال: فقال: «تسعة عشر سنة من يوم قيامه إلى يوم موته...» وذكر بقيَّة الحديث(٣٥٥).
٤ - وروى في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن عقبة، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن الرجعة أحقٌّ هي؟ قال: «نعم»، فقيل له: من أوَّل من يخرج؟ قال: «الحسين (عليه السلام) يخرج على إثر القائم (عليه السلام)»، قلت: ومعه الناس كلّهم؟ قال: «لا، بل كما ذكر الله تعالى في كتابه: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ في الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ [النبأ: ١٨]، قوم بعد قوم»(٣٥٦).
الشاهد الخامس:
ما تواتر من عقيدة رجعة الأئمَّة الاثني عشر من أهل البيت إلى الدنيا، ورجوع الموتى ممَّن محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، ورجوع أعداء أهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ أوَّل من يرجع من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هو الحسين بن علي (عليه السلام) في زمن الحجَّة (عليه السلام)، فيكون هو الإمام بعده، ثمّ يرجع بعد الحسين (عليه السلام) علي بن أبي طالب (عليه السلام).
وروايات رجعة الأئمَّة الاثني عشر إلى الدنيا بعد موت الإمام الثاني عشر قد بلغت مئات الروايات.
فما رواه الحرّ العاملي في كتاب (الإيقاظ من الهجعة) ما يزيد على ستَّة مائة رواية(٣٥٧)، فضلاً عمَّا رواه المجلسي وتلميذه صاحب العوالم والأسترآبادي وغيرهم كثيرون، فضلاً عمَّا رواه العامَّة من روايات مرادفة للفظ الرجعة معنىً وإن لم تكن مرادفاً لغوياً.
والإحصائية الدقيقة لتلك الروايات قد تزيد على الألف بكثير، فضلاً عن مجموع روايات عموم الرجعة عند الفريقين.
فإنَّ العدد يتضاعف على ذلك أضعافاً، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد.
ومن الواضح أنَّ عقيدة رجعة الأئمَّة الاثني عشر بعد الإمام الثاني عشر تُبطِل توهّم أنَّ المهديّين الاثني عشر أو أنَّ الاثني عشر مهدياً هم غير الأئمَّة الاثني عشر.
ويتناقض مع توهّم التعدّد بين الأئمَّة الاثني عشر والمهديّين الاثني عشر جملة من الروايات:
١ - ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن رجل، عن جميل بن درّاج، عن المعلّى بن خنيس وزيد الشحّام، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قالا: سمعناه يقول: «إنَّ أوَّل من يكرُّ في الرجعة الحسين بن علي (عليهما السلام)، ويمكث في الأرض أربعين سنة حتَّى يسقط حاجباه على عينيه»(٣٥٨).
٢ - ما رواه في مختصر بصائر الدرجات أيضاً عن أيّوب بن نوح والحسين بن علي بن عبد الله بن المغيرة، عن العبّاس بن العامر القصباني، عن سعيد، عن داود بن راشد، عن حمران بن أعين، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ أوَّل من يرجع لجاركم الحسين (عليه السلام)، فيملك حتَّى تقع حاجباه على عينيه من الكبر»(٣٥٩).
٣ - ما روي في مختصر بصائر الدرجات أيضاً من صحيح المعلّى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «أوَّل من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي (عليهما السلام) فيملك حتَّى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر...» الحديث، ثمّ ذكر (عليه السلام) رجعة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)(٣٦٠).
٤ - ما رواه في مختصر بصائر الدرجات عن جابر الجعفي، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «والله ليملكنَّ منّا أهل البيت رجل بعد موته ثلاثمائة سنة يزداد تسعاً»، قلت: متى يكون ذلك؟ قال: «بعد القائم (عليه السلام)»، قلت: وكم يقوم القائم في عالمه؟ قال: «تسع عشرة سنة، ثمّ يخرج المنتصر إلى الدنيا وهو الحسين (عليه السلام) فيطلب بدمه ودم أصحابه، فيقتل ويسبي حتَّى يخرج السفّاح وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(٣٦١).
والسفّاح في اللغة: المعطاء والفصيح والقادر على الكلام(٣٦٢).
٥ - ما رواه في مختصر بصائر الدرجات بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال الحسين (عليه السلام) لأصحابه قبل أن يُقتَل...»، وذكر (عليه السلام) أنَّه يستشهد ومن معه، وقال (الحسين (عليه السلام)): «ثمّ أمكث ما شاء الله فأكون أوَّل من تنشقُّ الأرض عنه فأخرج خرجة توافق خرجة أمير المؤمنين (عليه السلام) وقيام قائمنا...» الحديث(٣٦٣).
٦ - ما ورد مستفيضاً أنَّ الحسين (عليه السلام) عندما يخرج إلى الدنيا في أواخر حياة الإمام الثاني عشر حيث لا يكون للإمام الثاني عشر عَقِباً من ولده حيَّاً حينئذٍ كي لا ينازع سيِّد الشهداء في انتقال الوصيَّة والإمامة إليه، كما في الشاهد السادس.
الشاهد السادس:
١ - ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة بسندٍ حسن عن الحسن بن علي الخزّاز، قال: دخل علي بن أبي حمزة على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فقال له: أنت إمام؟ قال: «نعم»، فقال له: «إنّي سمعت جدّك جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «لا يكون الإمام إلَّا وله عقب»، فقال: «أنسيت يا شيخ أو تناسيت؟ ليس هكذا قال جعفر (عليه السلام)، إنَّما قال جعفر (عليه السلام): لا يكون الإمام إلَّا وله عقب إلَّا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي (عليهما السلام) فإنَّه لا عقب له»، فقال له: صدقت جُعلت فداك، هكذا سمعت جدّك يقول(٣٦٤).
ورواه الطبري في دلائل الإمامة بطريق آخر، إلَّا أنَّ لفظه في وسط الحديث: «لا يكون الإمام إلَّا وله ولد إلَّا الإمام الذي يخرج عليه الحسين بن علي (عليهما السلام)...»(٣٦٥).
وتفسير هذه الطائفة من الروايات - والآتي عدَّة أُخرى منها من أنَّ الإمام الثاني عشر لا يكون له عقب عند خروج جدّه سيِّد الشهداء (عليه السلام) إلى الدنيا في الرجعة -، هو لأجل أن يدفع الإمام الثاني عشر الوصيَّة ومقاليد الإمامة والأمانة الإلهية إلى جدِّه الحسين، فلا يكون هناك مانع من انتقال الوصيَّة الإلهية والملكوتية ومقاليد الإمامة من الإمام الثاني عشر إلى جدِّه الحسين (عليه السلام) عند ذلك من قبيل ولدٍ من صلبه مباشر يتقرَّر له استحقاق الوراثة فيمانع من انتقال الإمامة إلى الجدِّ وهو سيِّد الشهداء.
فالرواية في هذه الطائفة ليست نافية للولد والعقب للإمام الثاني عشر مطلقاً، بل في ظرف أواخر حياته الشريفة.
٢ - وروى الكشّي بسنده عن محمّد بن مسعود، قال: حدَّثنا جعفر بن أحمد، عن أحمد بن سليمان، عن منصور بن العبّاس البغدادي، قال: حدَّثنا إسماعيل بن سهل، قال: حدَّثني بعض أصحابنا وسألني أن أكتم اسمه، قال: كنت عند الرضا (عليه السلام) فدخل عليه علي بن أبي حمزة...، قال له علي: إنّا روينا عن آبائك أنَّ الإمام لا يلي أمره إلَّا إمام مثله؟ فقال له أبو الحسن (عليه السلام): «فأخبرني عن الحسين بن علي (عليهما السلام) كان إماماً أو كان غير إمام؟»، قال: كان إماماً، قال: «فمن ولي أمره؟»، قال: علي بن الحسين، قال: «وأين كان علي بن الحسين (عليهما السلام)؟»، قال: كان محبوساً بالكوفة في يد عبيد الله بن زياد، قال: خرج وهم لا يعلمون حتَّى ولي أمر أبيه ثمّ انصرف. فقال له أبو الحسن (عليه السلام): «إنَّ هذا أمكن علي بن الحسين (عليه السلام) أن يأتي كربلاء فيلي أمر أبيه، فهو يُمكِّن صاحب هذا الأمر أن يأتي بغداد فيلي أمر أبيه ثمّ ينصرف وليس في حبس ولا في إسار».
قال له علي: إنّا روينا أنَّ الإمام لا يمضي حتَّى يرى عقبه؟ قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام): «أمَا رويتم في هذا الحديث غير هذا؟»، قال: لا، قال: «بلى والله، لقد رويتم فيه إلَّا القائم، وأنتم لا تدرون ما معناه، ولِمَ قيل».
قال له علي: بلى والله إنَّ هذا لفي الحديث، قال له أبو الحسن (عليه السلام): «ويلك! كيف اجترأت عليَّ بشيء تدع بعضه؟»، ثمّ قال: «يا شيخ اتَّق الله ولا تكن من الصادّين عن دين الله تعالى»(٣٦٦).
وفي رواية المسعودي في (إثبات الوصيَّة) عن الحميري، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العبّاس، عن إسماعيل بن سهل، عن بعض أصحابه، قال: كنت عند الرضا (عليه السلام)...، وروى مثله مع اختلاف في بعض الألفاظ وفي ذيله: فقال له الرضا: «ويحك تجرَّأت عليَّ أن تحتجَّ عليَّ بشيء تدمج بعضه بعضاً»، ثمّ قال (عليه السلام): «إنَّ الله تعالى سيُريني عقبي إن شاء الله»، ثمّ قال لعلي بن أبي حمزة: «يا شيخ، اتَّق الله تعالى ولا تكن من الصدّادين عن دين الله»(٣٦٧).
الشاهد السابع:
ما ورد في عدَّة روايات في المقام من التأكيد على أنَّ هؤلاء (المهديّون) ليسوا بأئمَّة وراء الأئمَّة الاثني عشر، فليس عدد الأئمَّة يتغيَّر أو يزداد عن الأئمَّة الاثني عشر، بل الاثنا عشر مهدياً عبارة عن إشارة إلى دولة الرجعة للائمَّة الاثني عشر، فالاثنا عشر مهدياً عنوان آخر لعقيدة الرجعة يشار بها إلى دولتهم (عليهم السلام) في الرجعة.
١ - ما رواه الصدوق عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا ابن رسول الله، إنّي سمعت من أبيك (عليه السلام) أنَّه قال: «يكون من بعد القائم اثنا عشر مهدياً»، فقال: «إنَّما قال: اثنا عشر مهدياً، ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا»، ورواها في مختصر بصائر الدرجات(٣٦٨).
فقوله (عليه السلام): «ولم يقل: اثنا عشر إماماً»، النفي منصبٌّ على توهّم اثنا عشر إماماً كمجموعة ثانية غير الاثنا عشر الأُولى، فنفى ذلك (عليه السلام) لئلَّا يُتوهَّم أنَّ مجموع الأئمَّة أربعة وعشرون، بل هؤلاء الاثنا عشر مهدياً هم نفس الأئمَّة الاثني عشر، غاية الأمر أنَّ التعبير عن رجعتهم وكرَّتهم وأوبتهم وإقامتهم للدولة يُعبَّر عنه بمقام الإمام المهدي، فهم مهديّون اثنا عشر.
وأمَّا قوله (عليه السلام) في ذيل الرواية: «ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقّنا»، فتفسيره وتأويله محتمل لوجوه:
أ - ما ذكره صاحب مختصر بصائر الدرجات: أنَّ المقصود بالمهديّين رجعة الأئمَّة الاثني عشر، ولكن لعدم احتمال السائل عقيدة الرجعة لئلَّا ينكرها فيكفر، قال: (اعلم هداك الله بهداه أنَّ علم آل محمّد ليس فيه اختلاف، بل بعضه يُصدِّق بعضاً، وقد روينا أحاديث عنهم صلوات الله عليهم جمَّة في رجعة الأئمَّة الاثني عشر، فكأنَّه (عليه السلام) عرف من السائل الضعف عن احتمال هذا العلم الخاصّ الذي خصَّ الله سبحانه من شاء من خاصَّته وتكرَّم به على من أراد من بريَّته، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١]، فأوَّله بتأويل حسن بحيث لا يصعب عليه فينكر قلبه فيكفر)(٣٦٩).
ويؤيِّد استظهاره بأنَّ الإمام (عليه السلام) لم يرد أن يبرز للسائل - وهو أبو بصير - ولا أن يفصح له عن (الرجعة) كما يظهر من جملة من روايات الرجعة، أنَّ الرجعة حيث تُمثِّل عنواناً لإقامة دولة آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) فكأنَّ الحديث عنها يكتنفه حذر وسرّية بالغة في دولة بني أُميَّة وبني العبّاس، حتَّى أنَّه قد ورد في رواية أنَّ زرارة كان يلحُّ في السؤال على الإمام الصادق (عليه السلام) عن الرجعة بنحو متخفٍّ وبآخر ملتوٍ والإمام (عليه السلام) لا ينفتح معه في مداولة الحديث عن الرجعة(٣٧٠).
نعم استظهاره أنَّ الاثني عشر مهدياً عنوان لرجعة أهل البيت (عليهم السلام) متين في محلِّه مطابق للشواهد التي مرَّت بأنَّ المراد بـ «قوم من شيعتنا» هم الأئمَّة الأحد عشر، فإنَّهم شيعة لوالدهم سيِّد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما ورد في الأحاديث أنَّ الحسن والحسين من شيعة علي (عليه السلام)(٣٧١)، فضلاً عن بقيَّة الأئمَّة التسعة.
وورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ولايتي لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) أحبُّ إليَّ من ولادتي منه، لأنَّ ولايتي لعلي بن أبي طالب فرض، وولادتي منه فضل»(٣٧٢).
وورد عنه (عليه السلام) أيضاً: «ولايتي لآبائي أحبُّ إليَّ من نسبي، ولايتي لهم تنفعني من غير نسب، ونسبي لا ينفعني بغير ولاية»(٣٧٣).
وورد نظير هذا المضمون عن الباقر والكاظم (عليهما السلام).
وتوصيف الاثني عشر جميعاً بأنَّهم شيعة من باب التغليب، كما قد ورد في روايات أُخرى وصفهم بكونهم من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، أو بلحاظ أنَّ جميع الأئمَّة الاثني عشر شيعة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهو سيِّدهم وإمامهم، كما ورد أنَّ أمير المؤمنين قال (عليه السلام): «أنا عبد من عبيد محمّد»(٣٧٤).
٢ - ما رواه الشيخ الطوسي في الغيبة بإسناده عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «يا أبا حمزة، إنَّ منّا بعد القائم أحد عشر (اثنا عشر) مهدياً من ولد الحسين (عليه السلام)»(٣٧٥)، ورواه في مختصر بصائر الدرجات بطريق آخر(٣٧٦).
وتوصيفهم (عليهم السلام) بكونهم من ولد الحسين من باب تغليب، هذا الوصف الثابت للتسعة من الاثني عشر، كما ورد توصيف الأئمَّة الاثني عشر بكونهم من ولد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الأحاديث الكثيرة، مع أنَّ الوصف ثابت للأحد عشر تغليباً، وكما ورد ذلك في الزيارة الجامعة: «وإِلَى جَدِّكُم بُعِثَ الرُّوحُ الأمِينُ»(٣٧٧)، مع أنَّ المخاطب بالزيارة الجامعة هم الأئمَّة الاثنا عشر، بل في بعض روايات الزيارة المخاطب بالزيارة الجامعة حقيقةً وتصريحاً هم كلّ المعصومين الأربعة عشر، بل صرَّح أنَّ أوَّل المخاطبين هو الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ أمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ فاطمة (عليها السلام) ثمّ الحسنان (عليهما السلام) ثمّ التسعة (عليهم السلام)(٣٧٨).
تنبيه على أمور:
التنبيه الأوَّل: عدم خلوِّ الأرض من حجَّة:
قد ورد متواتراً في روايات أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وأنَّ الحجَّة قبل الخلق ومع الخلق وبعد الخلق، وورد عنهم (عليهم السلام): «لو لم يبقَ إلَّا اثنان لكان أحدهما حجَّة على صاحبه»(٣٧٩)، والحجَّة هو الإمام خليفة الله في الأرض، وهم حصراً الأئمَّة الاثنا عشر.
بل ورد متواتراً عند الفريقين الحديث النبوي: «من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية»(٣٨٠).
وكذلك الحديث النبوي المتواتر عند الفريقين: «الخلفاء من بعدي اثنا عشر خليفة»(٣٨١).
وهو مفاد قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عشر شَهْراً في كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (التوبة: ٣٦).
وقد بيَّنت جملة من الروايات دلالة ظاهر الآية على أنَّ قوام الدين القيِّم منذ خلق الله السماوات والأرض بعدَّة الاثني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)(٣٨٢).
وكون عدَّة الأئمَّة من أهل البيت اثني عشر من ضروريات المذهب، ومن ثَمَّ يستحيل بعد وفاة الإمام الثاني عشر أن تخلو الأرض من أئمَّة آل محمّد (عليهم السلام)، ومن ثَمَّ كانت رجعتهم(عليهم السلام) متَّصلة بآخر حياة الإمام الثاني عشر(عليه السلام).
التنبيه الثاني: انطلاق حركة اليماني من اليمن:
قد روى الصدوق في (إكمال الدين) بسنده عن محمّد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) يقول - في حديث -: ... قال: قلت: يا ابن رسول الله متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا تشبَّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال...، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) بين الركن والمقام، اسمه محمّد بن الحسن النفس الزكيَّة، وجاءت صيحة من السماء بأنَّ الحقَّ فيه وفي شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا، فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة، واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً»(٣٨٣).
وصريح هذه الرواية أنَّ خروج اليماني من أرض اليمن وخروج السفياني من أرض الشام، أي إنَّ انطلاق حركتهما وجيشيهما السفياني من أرض الشام ومقرّ انطلاقه، وكذلك اليماني وجيشه من أرض اليمن.
وقد روى ابن حمّاد في (الملاحم) عن سعيد أبي عثمان، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث عن السفياني واليماني، وأنَّه بعد ظهور السفياني «يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة يستقتل الناس قتل الجاهلية فيلتقي هو والأخوص (السفياني) وراياتهم صفر وثيابهم ملوَّنة، فيكون بينهما قتال شديد»(٣٨٤).
التنبيه الثالث:
لا بدَّ من الالتفات إلى أنَّ الاثني عشر مهدياً لو فُسِّرت بغير المعنى الصحيح الذي مرَّ فدور الاثني عشر مهدياً إنَّما يكون بعد نهاية دولة الإمام الثاني عشر، أي بعد وفاته لا حين حياة الإمام الثاني عشر وفي دولته فضلاً عن أن يكون لهم دور في غيبته، وهذا ممَّا يقطع الطريق على الأدعياء في الغيبة الكبرى من تقمّص هذا المنصب.
التنبيه الرابع: قرعة الخيرة في العقائد:
إنَّ من الاستخفاف بالعقل بمكان الاستناد في أُصول العقائد إلى القرعة والخيرة، وهذه مهزلة فكرية لم نجد لها نظيراً إلَّا عند المهلوسين، فإنَّ من ضروريات فقه الإماميَّة وفقه المسلمين أجمع أنَّ القرعة آخر الأدلَّة والضوابط في المسائل الفرعية، فضلاً عن أن يُقتَحم بها في المسائل العقائدية، فضلاً عن أن يُقتَحم بها في أُصول العقائد.
فالاستناد إليها مصداق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (يونس: ٣٦)، بل هو من الاستقسام بالأزلام والنصب التي هي كهانة الشياطين، لأنَّ الاقتراع بالقرعة في غير موردها المقرَّر شرعاً في دين الله غواية وإطاعة للجنِّ والشياطين كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: ٩٠)، حيث إنَّ الأزلام كانت قرعة يقترع المشركون بها، وكانوا إذا قصدوا فعلاً مبهماً مثل السفر ضربوا ثلاثة أقداح مكتوب على أحدها: (أمرني ربّي)، وعلى الآخر: (نهاني ربّي)، وعلى الثالث: (غفل لا كفاية عليه)، فإن خرج الأمر مضوا على ذلك، وإن خرج النهي تجنَّبوا عنه، وإن خرج الغفل أجالوها ثانياً، حتَّى أنَّ بعض الفقهاء كالسيِّد ابن طاووس حرَّم الاستخارة بالقرعة لعموم الآية الكريمة(٣٨٥)، واحتمله الأردبيلي في (زبدة البيان)(٣٨٦).
والحاصل أنَّ القرعة في غير موردها الشرعي معصية لله تعالى وطاعة للشيطان، والتجاء إلى إبليس اللعين، ونوع وضرب من الكهانة والتكهّن، ورجم الغيب بنفثات الشياطين.
ومن ثَمَّ كان عبد المطَّلب لا يستقسم بالأزلام(٣٨٧)، وهو مفاد قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ...﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (المائدة: ٣).
التنبيه الخامس: الاعتماد على الرؤى في الدين كهانة شيطانية:
ونظير هذا التوهّم الفاسد الاعتماد على الرؤيا والرؤى، وكأنَّ الرؤيا يُتوهَّم أنَّها قناة وطريق للوحي والنبوَّة يُعتَمد عليها كمصدر ومرجع ومنبع لاستكشاف الغيب والدين والصراط المستقيم والحقّ، فعلى هذا الوهم صار لكلِّ إنسان لاقطة روحية هي نبوَّة في روحه.
وهذا المقال الباطل أشار إليه القرآن بقوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ (المدَّثِّر: ٥٢).
وهو يجعل المدار على الرؤيا ولا يجعل المدار على الثقلين اللذين أمر النبيُّ بالتمسّك بهما الكتاب والسُّنَّة المطهَّرة، اللذان هما من نبوَّة خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأنَّه خاتم، وأنَّه لا نبيَّ بعده، وهما اللذان قال في شأنهما: «ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي»(٣٨٨).
وهم اثنا عشر إماماً..، وهم اثنا عشر مهدياً..، وهم اثنا عشر أميراً..، وهم اثنا عشر وصيّاً..، وهم اثنا عشر خليفةً..، وهم اثنا عشر هادياً..، وهم اثنا عشر وارثاً.
هذا ولا يخفى على اللبيب الفطن أنَّ الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) كما ورد تسميتهم بالأئمَّة الاثني عشر وبالمهديّين الاثني عشر في روايات الفريقين المتواترة، أي في روايات أهل سُنَّة العامَّة والخلاف أيضاً المتواترة أو المستفيضة ورد فيها أنَّ عليَّاً (عليه السلام) وولده هم المهديّون الاثنا عشر بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، كذلك أيضاً ورد في روايات الفريقين أسماء أُخرى للاثني عشر، نظير قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): بعدي اثنا عشر خليفةً، واثنا عشر أميراً، واثنا عشر وصيَّاً، واثنا عشر هادياً، واثنا عشر وارثاً، وغير هذه السبعة من العناوين والأوصاف.
وهذا التعدّد في أوصاف الاثني عشر لا يُتوهَّم منه مجموعات متعدِّدة كلٌّ منها اثني عشر، بل هي تشير إلى مقامات متعدِّدة للمعصومين الاثني عشر، علي والحسن والحسين والتسعة من ولد الحسين (عليهم السلام)، فانتبه والتفت إلى بيانات القرآن الكريم والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في وصفهم (عليهم السلام).
ولا بدَّ للقارئ من التدبّر والتمعّن والتكرار لقراءة هذه الشواهد والتنبيهات كي تتَّضح له جملة من الزوايا من معارف ومقامات أهل البيت (عليهم السلام) ولا تبقى مبهمة لديه.

* * *
الفصل السادس: الرجعة قبل الظهور ومعه وبعده

الرجعة قُبَيل الظهور هي محور أدوار مسرح أحداث الظهور:
إنَّه قد كُتِبَ في ظهور الإمام الثاني عشر المهدي الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) كتب ودراسات وبحوث كثيرة، وتمَّ بها تنقيح كثير من الأُمور وتوضيح الرؤية وصقلها لجملة من الأحداث، إلَّا أنَّه يجدر تسجيل الملاحظة عليها بجملة من المؤاخذات والنقود البنيوية الرئيسية:
١ - إنَّ معرفة حقيقة الظهور وحقيقة دولة العدل للإمام الثاني عشر (عليه السلام) لا تتمُّ بدون معرفة الغاية من الظهور، والغاية من الدولة. إنَّ غاية كُلّ شيء هو أبين أمر في تعريف الشيء حتَّى أنَّه قيل في علم المنطق: إنَّ الأجزاء الركنية القوامية التي يتكوَّن منها الشيء ليست بمثابة من الأهمّية في تعريف الشيء بقدر تعريفه بغايته.
وقد دلَّت الروايات المستفيضة والمتواترة(٣٨٩) أنَّ الغاية من ظهوره (عليه السلام) وإقامة دولته هو التمهيد لرجعة آباءه (عليهم السلام)، وأنَّ ظهوره ودولته فاتحة لظهور آبائه برجعتهم إلى دار الدنيا مرَّة أُخرى، وإقامة دولتهم ذات الشأن العظيم.
فإذا تقرَّر ذلك فيتبيَّن أنَّ بحوث الظهور والدراسات حول ظهور ودولة الإمام الثاني عشر غُيِّب فيها ما هو لُبُّ لباب معرفتها، وما هو محور كنه حقيقتها، وبسط هذه النقطة بيَّناها في مباحث كتاب (الرجعة بين الظهور والقيامة)، وبسبب هذا التغييب لحقيقة الظهور ودولة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) سهل على كثير من الحركات والتيّارات المنحرفة للأدعياء والدجّالين مسخ ماهية الظهور وماهية دولة العدل للإمام الثاني عشر، فأخذوا يرسمون لها ماهيات ممسوخة عن أصل حقائق ثوابت الدِّين بتلاوين مارقة عن صبغة الدِّين الحنيف.
٢ - إنَّ هذه الدراسات والبحوث جعلت نجوم ومحاور مسرح أحداث سنة الظهور، عبارة عن الخراساني واليماني والسفياني، بينما الظاهر من روايات مُسْتفيضة أنَّ محور محاور أحداث سنة الظهور هو حصول الرجعة في أوائل رجب، أي ستَّة أشهر قبل الظهور، وأنَّ الذي يرجع عدد غفير من الموتى من المؤمنين، يكون لهم دور بالغ الخطورة في توازن معادلات الأحداث في سنة الظهور، لاسيّما السبعة والعشرين نفر وفرد من أفراد الحكومة المركزية لدولة الإمام الثاني عشر، وهم الخليَّة المركزية في أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر، ويقومون بدور تمهيدي عظيم رئيسي في العراق ثمّ في مكّة. ومن عظم هذا الدور لهم وردت المقولة المستفيضة عن المعصومين (عليهم السلام): «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب»(٣٩٠)، حتَّى أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يُردِّدها باستفاضة على منبر الكوفة، وكان الكثير من الجلساء تحت منبره يستحفونه السؤال عن سبب هذا التعجّب، فيُخبِرهم بحصول رجعة للمؤمنين في ذلك الوقت، وأنَّه يكون لهم دور خطير في سنة الظهور في العراق، ثمّ في مكَّة، بل لم يأتِ في كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ذكر للحسني ولليماني وللسفياني بقدر ما كان يذكر العجب في رجب أو ما بين جمادي ورجب ممَّا يؤثِّر على مزيد اهتمامه (عليه السلام)، بما لهذه المجموعة الراجعة من دور خطير في مسرح الأحداث لسنة الظهور.
ثمّ روايات العجب روايات مستفيضة، منها ما عن الأصبغ بن نباتة قال: خطب أمير المؤمنين علي بن ابي طالب (عليه السلام) بالكوفة فحمد الله واثنى عليه ثم قال: «... فيا لهفي على ما أعلم، رجب شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوّال يشال فيه أمر القوم، ذي القعدة يقتعدون فيه، ذو الحجَّة الفتح من أوَّل العشر. ألَا إنَّ العجب كلُّ العجب بعد جمادي ورجب، جمع أشتات، وبعث أموات، وحديثات هونات هونات، بينهنَّ موتات، رافعة ذيلها داعية عولها معلنة قولها، بدجلة أو حولها. ألَا إنَّ منّا قائماً عفيفة أحسابه، سادة أصحابه، يُنادى عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثاً، بعد هرج وقتال، وضنك وخبال، وقيام من البلاء على ساق، وإنّي لأعلم إلى من تُخرِج الأرض ودائعها، وتُسلِّم إليه خزائنها، ولو شئت أن أضرب برجلي فأقول: أُخرجي من هاهنا بيضاً ودروعاً...»(٣٩١).
وكذلك خطب علي (عليه السلام) بعد انقضاء النهروان، فقال: «ذلك أمر الله وهو كائن وقتاً مريحاً، فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر، أبشر بنصر قريب من ربِّ رحيم، فبأبي وأُمّي من عدَّة قليلة، أسماؤهم في الأرض مجهولة، قد دان حينئذٍ ظهورهم، يا عجباً كلُّ العجب بين جمادى ورجب، من جمع أشتات، وحصد نبات، ومن أصوات بعد أصوات»، ثمّ قال: «سبق القضاء سبق»(٣٩٢).
٣ - إنَّ هذه الدراسات والبحوث تُركِّز على شخوص الحسني واليماني والسفياني والتدقيق في أشخاصهم وشخصيتهم وخصوصياتهم الشخصية، مع أنَّ الأهمَّ بحسب الروايات في الأحداث ليس أشخاص الثلاثة وغيرهم ممَّن ذُكِرَت أسماؤهم في أحداث سنة الظهور، بل الأهمّ هو بيان طبيعة المناهج الثلاثة وطبيعة المسار والمنطلق العقائدي والفكري والفقهي لكلِّ من التيّارات البشرية الثلاثة.
وبيان المنهج لهذه التيّارات أعظم في ميزان البصيرة وقواعد صحَّة الرؤية من شخوص الأشخاص، فبوصلة البحث في دراسات الظهور أخذت منحى صورياً بدل أن تدخل في عمق الأسباب المؤثِّرة في الأحداث وحقيقة القوى الفاعلة في التيّارات، ومن ثَمَّ ورد في الروايات أنَّ الحسني واليماني والسفياني وإن كان من المحتوم إلَّا أنَّه يمكن وقوع البداء في الثلاثة. وإمكانية البداء فيها له عدَّة تفسيرات وتأويلات قد تقدَّم بعض منها، إلَّا أنَّنا نضيف في المقام تأويلاً آخر، وهو الإشارة إلى ما نحن فيه من أهمّية المنهج وخطورته للتيّارات الثلاثة بدرجة تفوق شخوص الأشخاص الثلاثة. وإنَّ أشخاص الثلاثة لا ينحصر بهم وقوع مسرح الأحداث، بل المناهج الثلاثة في التيّارات البشرية هي العمدة في التأثير في أحداث سنة الظهور، فالبحث في المنهج والمسلك وشعارات كلّ راية من الرايات الثلاث هي أعظم وأخطر بدرجة بالغة عن الحديث عن الأشخاص، فكم حصل تغييب للباب ويتركَّز على سطح الأُمور. والباب هو التفسير المنطقي العقائدي الفقهي لكلِّ تيّار كي يكون المؤمن على بصيرة قواعد الموازين ولا تلبس عليه اللوابس في كيفية تحمّل المسؤولية والوظيفة، ومن ثَمَّ وقع التركيز على سطح الأُمور في تلك الدراسات والبحوث ممَّا مهَّد الأرضية لخداع جملة من الأدعياء والدجّالين لتقمُّص صورة هؤلاء الثلاثة، فغُيِّب الوعي بالمنهج الذي هو قوام البصيرة واستُبدِلَ واختُزِلَ في أسماء لأشخاص وشخوص.
٤ - إنَّ بلورة العقيدة المهدوية بالإمام الثاني عشر وظهوره ودولته تمَّ صياغتها وقولبتها بعيداً أو تغيباً عن ماهية منهاج آبائه كالمنهاج العلوي والفاطمي والحسني والحسيني وبقيَّة الأئمَّة، فصار البيان لماهية الظهور ومشروع الدولة للإمام الثاني عشر - هذا البيان - مبتوراً عن لُبِّه الحقيقي ومجتثَّاً عن جذوره الأصلية، وكأنَّما منهج الحسين (عليه السلام) مُغيَّب لونه في منهج الظهور وإقامة دولة الظهور.
وكذلك منهج أصحاب الكساء، بل الأعظم منهج سيِّد الأنبياء الذي هو السيِّد الأكبر وإمام الأئمَّة (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ومن ثَمَّ سهل على الأدعياء والدجّالين المدَّعين للمهدوية إبداء منهج مهدوي مناقض للمنهج الحسيني ومغيَّب فيه منهج أصحاب الكساء وثوابت ومحكمات القرآن العظيم، كُلُّ ذلك بسبب البلورة المبتورة لحقيقة العقيدة بالإمام الثاني عشر ومشروعه العظيم.
قاعدة: نظام الإمامة في الرجعة:
تساؤل: قد يثار تساؤل عن كيفية رجعة الأئمَّة (عليهم السلام) في زمان الإمام المهدي (عليه السلام)، أو في زمان بعضهم البعض حيث يلزم إمَّا عزله أو تقديم المفضول على الفاضل.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الأدلَّة العقلية والنقلية الدالّة على امتناع خلوّ الأرض من إمام طرفة عين، وامتناع تقديم المفضول على الفاضل، مع الأحاديث الصريحة في حصر الأئمَّة (عليهم السلام) في اثني عشر، وأنَّ الإمامة في ولد الحسين (عليه السلام) إلى يوم القيامة(٣٩٣)، وقولهم (عليهم السلام) في وصف الإمام: «الإمام واحد دهره، لا يدانيه أحد، ولا يعادله عالم، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير»(٣٩٤)، وما تقرَّر من أنَّ الإمامة رئاسة عامَّة، وأنَّ المهدي (عليه السلام) خاتم الأوصياء والأئمَّة، فلا يجوز أن تكون الرجعة في زمان المهدي الحجَّة بن الحسن (عليه السلام) ولا بعده، لأنَّه يلزم إمَّا عزله (عليه السلام) وقد ثبت استمرار إمامته إلى يوم القيامة، وإمَّا تقديم المفضول على الفاضل، أو زيادة الأئمَّة على اثني عشر، أو عدم عموم رئاسة الإمام، وهذه من أقوى شبهات منكر الرجعة، كما ذكر ذلك الحرّ العاملي في كتابه(٣٩٥).
الجواب:
إنَّ نظام الإمامة وفق مراتب رتَّبها الباري (عزَّ وجلَّ)، لا تتبدَّل سواء اجتمعوا في دار الدنيا كاجتماع أهل الكساء، وزين العابدين والباقر (عليهم السلام) أو اجتمعوا في دار الآخرة، أو كان بعضهم في البرزخ والبعض الآخر في دار الدنيا، فإنَّ الأمر ينزل من الله تعالى أوَّلاً على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ علي (عليه السلام) ثمّ الحسن والحسين (عليهما السلام)، ثمّ بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام) بحسب مراتبهم إلى أن يصل وينزل إلى الإمام الحيِّ الناطق، كما ورد ذلك في نصِّ روايات الكافي.
وعلى ضوء ذلك فمراتب صلاحياتهم (عليهم السلام) هي تراتبية ضمن تسلسل رتبي، فتصدّي أحدهم (عليهم السلام) لا يُخرِجه عن موقع مرتبته التي تهيمن عليها المراتب الفوقية كما تهيمن مرتبته على من دونه من مراتب الأئمَّة (عليهم السلام)، كما أنَّ الحال كذلك مع مرتبة فوقية ولاية الله تعالى، ففي حكومة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) الحاكمية في المرتبة الأُولى هي لله تعالى، كما بيَّن ذلك القرآن الكريم في كثير من الآيات كقوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، وقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩).
فإنَّ الخطاب بـ ﴿أَطِيعُوا اللهَ﴾ أوَّل من يُخاطَب به رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، كما أنَّ الخطاب بـ ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أوَّل من يُخاطَب به الأئمَّة (عليهم السلام).
وكذلك الإشارة في قول الباقر (عليه السلام) في صحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لولا أنّا نزداد لأنفدنا» فقال: قلت: تزدادون شيئاً لا يعلمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: «أمَا إنَّه إذا كان ذلك عُرِضَ على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ على الأئمَّة ثمّ انتهى الأمر إلينا»(٣٩٦).
وهناك رواية أُخرى بهذا المضمون، وهو ما جاء في مصحَّح يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ليس يخرج شيء من عند الله (عزَّ وجلَّ) حتَّى يبدأ برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ بأمير المؤمنين (عليه السلام) ثمّ بواحد بعد واحد، لكيلا يكون آخرنا أعلم من أوَّلنا»(٣٩٧).
فالخطاب بالأمر بإطاعة الله متوجّه أوَّلاً إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ثمّ من بعده الأئمَّة (عليهم السلام) ثمّ سائر الناس، كما أنَّ الخطاب بأطيعوا الرسول المخاطب به أوَّلاً الأئمَّة (عليهم السلام)، كما أنَّ المخاطب بأطيعوا أُولي الأمر منكم هم عموم الناس. فالآية تُبيِّن نظام الطاعة والولاية، أنَّه بنحو المراتب المتسلسلة، وهذا النظام المتسلسل لا يتغيَّر عمَّا هو عليه، سواء اجتمع هؤلاء المعصومون (عليهم السلام) في دار الدنيا، أم كان بعضهم في البرزخ والبعض الآخر في دار الدنيا، وإن اختلف القائم بالأمر من الأربعة عشر معصوم بحسب الأزمان والأجيال إلى يوم القيامة المباشر لتدبير أُمور الناس.
ونظير ذلك قول رسول (صلّى الله عليه وآله وسلم): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا»(٣٩٨)، فهما (عليهما السلام) إمامان في زمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمكن اجتماعهم مع أنَّ إمامتهم فعلية، فهي دولة إلهية ذات نظام متراتب لا تنقضي إلى يوم القيامة، ففي رواية الصادق (عليه السلام) يخاطب المهدي (عليه السلام) بـ «سيِّدي»(٣٩٩)، فهو يخاطب الحيّ الحجَّة بن الحسن العسكري في عالم الأظلَّة وعالم الذرّ، وكذلك الإمام الرضا (عليه السلام) يقوم ويضع يده على رأسه إجلالاً لابنه المهدي (عليه السلام)(٤٠٠)، فهو موجود قبل ولادته بتقدّم نشأة خلق الروح على نشأة البدن.
معاني قول الإمام (عليه السلام): «نحن الشعار والأصحاب...»:
في معنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة: «نَحْنُ الشِّعَارُ وَالأَصْحَابُ وَالْخَزَنَةُ وَالأَبْوَابُ، وَلَا تُؤْتَى الْبُيُوتُ إِلَّا مِنْ أَبْوَابِهَا، فَمَنْ أَتَاهَا مِنْ غَيْرِ أَبْوَابِهَا سُمِّيَ سَارِقاً»(٤٠١).
ومفاد هذا الحديث يحتمل وجوهاً:
أحدها: أن يكون إشارة إلى ما ورد في دعاء ليلة النصف من شعبان أنَّهم أصحاب الحشر والنشر(٤٠٢).
وروي عنه (عليه السلام) في حديث محكي عن البصائر(٤٠٣): «أنا الحاشر إلى الله...» الخبر.
وسيأتي في مقام شفاعته مقام آخر له مقام الحاشر والناشر والعاقب.
وأحاديث من الفريقين تدلُّ على ذلك أيضاً، ومفاد هذه الأحاديث مطابقة لأُصول قواعد المعارف في الكتاب والسُّنَّة بقراءة عقلية، لأنَّهم محالّ مشيئة الله وأنَّهم مناة وأذواد، كما ورد في دعاء رجب عن الحجَّة (عليه السلام)(٤٠٤)، كما قد قال الله تعالى في شأن عيسى (عليه السلام): ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾ (المائدة: ١١٠)، ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ (آل عمران: ٤٩)، ولا شكَّ أنَّ محمّداً وآل محمّد (عليهم السلام) أفضل من عيسى (عليه السلام) ومن إسرافيل صاحب النفخ في الصور وإحياء جميع الخلائق.
وقد صدر من الأنبياء (عليهم السلام) إحياء الموتى بإذن الله في دار الدنيا كراراً، بحيث بلغ حدّ التواتر كتاباً وسُنَّةً وفي الكتب السماوية، ولهذا المطلب براهين وتقريبات ومؤيِّدات لا يسع المقام ذكرها.
ثانيها: يحتمل أن يكون المراد بكونهم أصحاب الحشر والنشر في الرجعة، والله العالم.
وقد ذهب إلى ذلك جملة من علماء الإماميَّة كما سيأتي أنَّ الرجعة حشر ومعجزة يجريها الله تعالى على يد النبيِّ وأهل بيته (عليهم السلام).
وقد اعتبر السيِّد ابن طاووس في (سعد السعود) أنَّ الرجعة ظاهرة ومعجزة يقوم بها النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما قام موسى (عليه السلام) بإحياء الموتى وعيسى (عليه السلام) ودانيال، فكما أنَّ الله أحيى على أيديهم أمواتاً بنصِّ القرآن الكريم، فكذلك يحيي الله الأموات على يد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وآله (عليهم السلام)، ويكون ذلك من معجزاتهم.
قال في (سعد السعود): (والرجعة التي تعتقدها علماؤنا أهل البيت وشيعتهم تكون من جملة آيات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ومعجزاته، ولأيِّ حالٍ يكون منزلته عند الجمهور دون موسى وعيسى ودانيال، وقد أحيا الله (جلّ جلاله) على أيديهم أمواتاً كثيرة بغير خلاف عند العلماء بهذه الأُمور)(٤٠٥).
والذي ذكره السيِّد الأصفهاني في مكياله(٤٠٦) في تفسير الرجعة هي بلورة لما بنى عليه السيِّد ابن طاووس.
وكذلك ذهب إلى ذلك الشيخ محمّد رضا المظفَّر في كتابه (عقائد الإماميَّة) حيث قال: (إنَّ الاعتقاد بالرجعة لا يخدش في عقيدة التوحيد ولا في عقيدة النبوَّة، بل يُؤكِّد صحَّة العقيدتين، إذ الرجعة دليل القدرة البالغة لله تعالى كالبعث والنشر، وهي من الأُمور الخارقة للعادة التي تصلح أن تكون معجزة لنبيِّنا محمّد وآل بيته صلّى الله عليه وعليهم، وهي عين معجزة إحياء الموتى التي كانت للمسيح (عليه السلام)، بل أبلغ هنا لأنَّها بعد أن يصبح الأموات رميماً، ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨ و٧٩])،(٤٠٧) وعبارته فيها تصريح بأنَّ الرجعة من قبيل إحياء الموتى على يد عيسى (عليه السلام).
فلسفة علائم كلّ من الظهور والرجعة:
إنَّ القارئ اللبيب الحاذق يتفطَّن إلى أنَّه قد تقدَّم الكلام في كثير من موادّ بحث هذا الفصل بنحو منتشر في الفصول السابقة، إلَّا أنَّنا رغم ذلك عقدنا عنوان هذا الفصل تأكيداً لأهمّيته منهجياً وفهرسياً لمنظومة الرجعة، وتبويبها للباحثين في الرجعة، وبياناً لأهمّيته كمحور من محاور فصولها، ويمكن لنا أن نُلخِّص جملة من الأُمور في ذلك:
الأوَّل: أنَّ في معرفة تلك العلائم قطعاً للطريق على المدَّعين كذباً للمهدوية، أو الارتباط الخاصّ به أو بأحد المعصومين من آبائه (عليهم السلام).
الثاني: أنَّ في بيان تلك العلائم تبيين للمسؤولية الكبرى الملقاة على عاتق المؤمنين بإعداد أرضية تلك الأجواء، فتكون العلامات بمثابة بيان للأرضية اللازم إعدادها، نظير ما ورد أنَّ الرايات في سنة الظهور كلّها تدعو إلى الرضا من آل محمّد (عليهم السلام)، والدعوة لهم في كلِّ البلاد الإسلاميَّة والعربية عدا جملة من مدن الشامات.
وهذا يُلقي بمسؤولية على المؤمنين بلزوم بيان معارف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في أرجاء البلدان الإسلاميَّة.
الثالث: أنَّ دولة الرجعة الممتدّة إلى يوم القيامة مشروع ضخم بمدَّته الزمانية كمَّاً، ومهول أيضاً من جهة درجات الإصلاح والإنماء كيفاً، وهو ممَّا يستلزم ويتوقَّف على إعداد كبير وطويل، لاسيّما مع قول الصادق (عليه السلام) لعمّار بن أبي الأحوص في شرح منهاجهم (عليهم السلام) في الدعوة عندما قال له:
إنَّ عندنا أقواماً يقولون بأمير المؤمنين (عليه السلام) ويُفضِّلونه على الناس كلّهم، وليس يصفون ما نصف من فضلكم، أنتولّاهم؟ فقال لي: «نعم في الجملة، أليس عند الله ما ليس عند رسول الله، ولرسول الله عند الله ما ليس ليس لنا، وعندنا ما ليس عندكم، وعندكم ما ليس عند غيركم؟ إنَّ الله تبارك وتعالى وضع الإسلام على سبعة أسهم: على الصبر والصدق واليقين والرضا والوفاء والعلم والحلم، ثمّ قسَّم ذلك بين الناس، فمن جعل فيه هذه السبعة الأسهم فهو كامل محتمل، ثمّ قسَّم لبعض الناس السهم، ولبعضهم السهمين، ولبعض الثلاثة الأسهم، ولبعض الأربعة الأسهم...، فلا تحملوا على صاحب السهم سهمين، ولا على صاحب السهمين ثلاثة أسهم...، فتثقلوهم وتُنفِّروهم، ولكن ترفَّقوا بهم وسهِّلوا لهم المدخل...، فلا تخرقوا بهم، أمَا علمت أنَّ إمارة بني أُميَّة كانت بالسيف والعسف والجور، وإنَّ إمارتنا (إمامتنا) بالرفق والتألّف والوقار والتقيَّة وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغِّبوا الناس في دينكم وفيما أنتم فيه»(٤٠٨).
وهذا المنهاج - كما ترى - في الدعوة تدريجي لا يعتمد الاندفاع والتسّرع والعجلة مع كونه في قمَّة النشاط واليقظة، وهو ما يستلزم أمداً طويلاً وجهوداً كثيرة جبّارة متواصلة، سواء في الآن الراهن متواصلاً مع كلِّ مستقبل متجدِّد، فإنَّ هذا الإعداد الضخم لهذه الحركة الانسيابية التي لا تفسح للعجلة مجالاً كما لا تدع مجالاً للسكون والجمود ليس إعداداً لانتصار عابر ويزول، ولا لنجاح طارئ ينتهي أمده، ولا دولة تنقشع بعد زمن، بل هو بناء لبنية متجذّرة ذات مقاسات عرشية سماوية لا تقبل الزوال ولا الانطماس، بل تزداد علوَّاً وارتفاعاً ونوراً وإشعاعاً.
لاسيّما وأنَّ هذه الدولة هي دولة متعاقبة متمادية متطاولة مترامية متَّصلة ومتواصلة ذات صرح مشيَّد، لا تقتصر على الرجعة التي قد قُدِّرت في بعض الروايات بأربعة أضعاف من عمر الدنيا(٤٠٩)، بل تمتدُّ أيضاً إلى عالم القيامة، فإنَّ يوم القيامة على ما تقرَّر من بيانات الروايات والآيات عالم وليس أربعة وعشرين ساعة، وأمدهُ وعمرهُ أضعاف مضاعفة على عمر مجموع الدنيا الأُولى والثانية، وهي آخرة الدنيا وهي الرجعة.
وقد ورد أنَّ ملك القيامة من مختصّات النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ووزيره عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام)، كما أنَّ ملك الرجعة من مختصّات أمير المؤمنين (عليه السلام).
هذا فضلاً عن ملك الجنَّة، وهو ما بعد بعد الرجعة أي ما بعد عالم القيامة، وقد مرَّ في الروايات وسيأتي قولهم: إنَّ لهم ملك الكرَّة وملك الجنَّة أبديٌّ بتأبيد الجنَّة، فهذا الإعداد في الوقت الراهن لمسيرٍ ومصيرٍ متطاول، مضافاً لما سيأتي في الأمر التالي.
الرابع: أنَّ إيمان ومعرفة المؤمن بالرجعة وتفاصيلها ومراحلها يؤدِّي به تلقائياً إلى الوقوف والولوج على معرفة عالم القيامة، كما سيتبيَّن.
والمعرفة بعالم القيامة يؤدّي به إلى معرفة الجنَّة والنار الأبدية، ومجموع هذه المعارف يُوضِّح له مدى خطورة وتأثير مسيرهم في الحياة الأُولى من الدنيا على موقعيته في العوالم اللاحقة، ومدى ارتباط الأدوار في النشأة الأُولى والحياة الأُولى من الدنيا.
فعلامات وإرهاصات الرجعة فضلاً عن القيامة ذات ارتباط وطيد بالمواقف في الحياة الأُولى.
فقد ورد في التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام) قول الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام): «إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لمَّا اعتذر إليه هؤلاء (الذين في قلوبهم مرض من الصحابة الذين ينصبون العداء لعلي) بما اعتذروا به، تكرَّم عليهم بأن قبل ظواهرهم ووكَّل بواطنهم إلى ربِّهم، لكن جبرئيل (عليه السلام) أتاه فقال: يا محمّد، إنَّ العلي الأعلى يقرأ عليك السلام ويقول لك: أخرج هؤلاء المردة الذين اتَّصل بك عنهم في علي (عليه السلام) على نكثهم لبيعته وتوطينهم نفوسهم على مخالفتهم عليَّاً، ليظهر من العجائب ما أكرمه الله به، من طواعية الأرض والجبال والسماء له وسائر ما خلق الله - لما أوقفه موقفك وأقامه مقامك -، ليعلموا أنَّ وليَّ الله عليَّاً غنيٌّ عنهم، وأنَّه لا يكفُّ عنهم انتقامه إلَّا بأمر الله الذي له فيه وفيهم التدبير الذي هو بالغه، والحكمة التي هو عالم بها وممضٍ لما يوجبها. فأمر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الجماعة من الذين اتَّصل به عنهم ما اتَّصل في أمر علي (عليه السلام) والمواطئة على مخالفته بالخروج، فقال لعلي (عليه السلام) لمَّا استقرَّ عند سفح بعض جبال المدينة: يا علي، إنَّ الله تعالى أمر هؤلاء بنصرتك ومساعدتك والمواظبة على خدمتك والجدّ في طاعتك، فإن أطاعوك فهو خيرٌ لهم يصيرون في جنَّة الله ملوكاً خالدين ناعمين، وإن خالفوك فهو شرٌّ لهم يصيرون في جهنَّم خالدين معذَّبين...» الحديث(١).
فلاحظ قوله (عليه السلام) بأنَّهم إن أطاعوا عليَّاً في الحياة الأُولى من الدنيا سيؤدّي ذلك بهم إلى مواقع ومناصب خطيرة في ملك الجنَّة، هذا فضلاً عن تأثير أعمال الحياة الأُولى من الدنيا على الرجعة والقيامة.
الخامس: أنَّ علامات الظهور والرجعة لها قراءة عسكرية وأمنية واستراتيجية ترسم للمؤمنين منهاجاً للتخطيط والعمل، فتوجب وقايتهم عن الخطأ في المحاسبات والتقديرات، في حين أنَّها لا تعني الجبر في القدر والتقادير، كما لا تعني التفويض إلى إرادة الأشرار كي لا يكون هناك إياس وجمود من المؤمنين، بل يبقوا على عنفوان النشاط والأمل وقوَّة الثقة بالله وسعة مشيئته، وأنَّه كلّ يومٍ في شأن.
إطلاق الرجعة على الظهور وإطلاق الظهور على الرجعة:
أمَّا إطلاق الرجعة على ظهور الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، فقد ورد في (مصباح الزائر) وفي زيارة القائم (عليه السلام) في السرداب: «... فإن توفَّيتني اللّهمّ قبل ذلك فاجعلني يا ربِّ فيمن يكرُّ في رجعته ويملك في دولته»(٤١٠).
وفي مزار المشهدي في زيارة الإمام الثاني عشر في السرداب: «... اللّهمّ إنّي أدين لك بالرجعة بين يدي صاحب هذه البقعة»(٤١١).
وفي (مصباح المتهجّد) في دعاء يوم دحو الأرض: «... وعجِّل فرج أوليائك، واردد عليهِم مظالمهم، وأظهر بالحقِّ قائمهم، واجعله لدينك منتصراً...، اللّهمّ صلِّ عليه وعلى جميع آبائه، واجعلنا من صحبه وأُسرته، وابعثنا في كرَّته حتَّى نكون في زمانه من أعوانه»(٤١٢).
أمَّا إطلاق الظهور على الرجعة فقد ورد في زيارة الأئمَّة (عليهم السلام) كثيراً كزيارة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وزيارة الحسين (عليه السلام)، وغيرها.
وقد ورد إطلاق الغيبة على الموت، والظهور على بعث الرجعة في زيارة أمير المؤمنين (عليه السلام): «لائذٌ ببابك الذي فيه غبت ومنه تظهر، حتَّى تُمكِّن دينه الذي ارتضى، وتُبدِّل بعد الخوف أمناً» (٤١٣).
الصيحة للظهور ينادى فيها بالرجعة:
إنَّ بدء الرجعة للمؤمنين وكذا الكافرين قبيل ظهور الحجَّة (عليه السلام)، وإنَّ أوَّل ما يُنادى في الصيحة من السماء، كما ورد في الروايات يُنادى بالرجعة: «هذا أمير المؤمنين قد كرَّ...»، قبل أن يُنادى بظهور المهدي (عليه السلام)، ممَّا يدلُّ على أنَّ الرجعة هي العنوان الأكبر للظهور، وأنَّ الظهور فاتحة للرجعة وفاتحة دولة أئمَّة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام).
ونذكر لذلك عدَّة روايات:
الأُولى: روى قطب الدين الراوندي: وقال الرضا (عليه السلام): «لا بدَّ من فتنة صمّاء صيلم يسقط فيها كلّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل السماء وأهل الأرض، وكم من مؤمن متأسِّف حرّان حيران حزين عند فقدان الماء المعين، كأنّي بهم شرّ ما يكونون، وقد نودوا نداءً يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، يكون رحمةً للمؤمنين، وعذاباً على الكافرين».
فقال له الحسن بن محبوب: وأيُّ نداءٍ هو؟ قال: «ينادون في [شهر] رجب ثلاثة أصوات من السماء: صوتاً: ألَا لعنة الله على الظالمين. والصوت الثاني: أزفَّة الآزفة يا معشر المؤمنين. والصوت الثالث: يرون بدناً بارزاً نحو عين الشمس: هذا أمير المؤمنين قد كرَّ في هلاك الظالمين».
وفي رواية الحميري: «والصوت الثالث: بدن يُرى في قرن الشمس يقول: إنَّ الله بعث فلاناً فاسمعوا له وأطيعوا»(٤١٤).
وفي غيبة الطوسي: «هذا أمير المؤمنين قد كرَّ في هلاك الظالمين»(٤١٥).
ونظير رواية الحميري رواية النعماني(٤١٦).
وكذلك رواية الطبري في (دلائل الإمامة)(٤١٧).
وفي رواية الخزّاز القمّي: «والثالث ترون بدرياً بارزاً مع قرن الشمس ينادي: ألَا إنَّ الله قد بعث فلان بن فلان - حتَّى ينسبه إلى علي - فيه هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي الفرج ويشفي الله صدورهم ويُذهِب غيظ قلوبهم»(٤١٨).
الثانية: روى الكليني بسنده عن الحلبي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «اختلاف بني العبّاس من المحتوم، والنداء من المحتوم، وخروج القائم من المحتوم»، قلت: وكيف النداء؟ قال: «ينادي منادٍ من السماء أوَّل النهار: ألَا إنَّ عليَّاً وشيعته هم الفائزون»، قال: «وينادي منادٍ [في] آخر النهار: ألَا إنَّ عثمان وشيعته هم الفائزون»(٤١٩). وروى قريباً منه في (الخرائج)(٤٢٠).
الثالثة: روى عبد الله بن سنان، قال: قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسمعت رجلاً من همدان يقول له: إنَّ هؤلاء العامَّة يُعيِّرونا، ويقولون لنا: إنَّكم تزعمون أنَّ منادياً ينادي من السماء باسم صاحب هذا الأمر، وكان متَّكئاً فغضب وجلس، ثمّ قال: «لا ترووه عنّي، وارووه عن أبي، ولا حرج عليكم في ذلك، أشهد أنّي قد سمعت أبي (عليه السلام) يقول: والله إنَّ ذلك في كتاب الله (عزَّ وجلَّ) لبيّن حيث يقول: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، فلا يبقى في الأرض يومئذٍ أحد إلَّا خضع وذلَّت رقبته لها، فيؤمن أهل الأرض إذا سمعوا الصوت من السماء: ألَا إنَّ الحقَّ في علي بن أبي طالب (عليه السلام) وشيعته، قال: فإذا كان من الغد صعد إبليس في الهواء حتَّى يتوارى عن أهل الأرض ثمّ ينادي: ألَا إنَّ الحقَّ في عثمان بن عفّان وشيعته فإنَّه قُتِلَ مظلوماً فاطلبوا بدمه»، قال: «فيُثبِّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت على الحقِّ، وهو النداء الأوَّل، ويرتاب يومئذٍ الذين في قلوبهم مرض، والمرض والله عداوتنا، فعند ذلك يتبرَّأون منّا ويتناولونا، فيقولون: إنَّ المنادي الأوَّل سحر من سحر أهل هذا البيت»، ثمّ تلا أبو عبدالله (عليه السلام) قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]»(٤٢١).
ولا يخفى أنَّ النداء باسم علي (عليه السلام) هو نداء للرجعة وللبشارة بالرجعة وبدء وقوعها، ومع ذلك جُعِلَ هذا النداء في روايات مستفيضة هو شعار ونداء وبشارة لظهور المهدي القائم (عليه السلام)، بل في جملة من الروايات المستفيضة جُعِلَ تأويل الآية التي تظهر في السماء وتظلُّ أعناقهم لها خاضعين هي النداء باسم القائم وأبيه، ممَّا يُدلِّل على أنَّ النداء للرجعة وللظهور متَّحد ومتطابق ومتداخل ومتشابك.
الرابعة: رواية ابن راشد البجلي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «أمَا إنَّ النداء من السماء باسم القائم في كتاب الله لبيّن»، فقلت: فأين هو أصلحك الله؟ فقال: «في ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء: ١ و٢]، قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]»، قال: «إذا سمعوا الصوت أصبحوا وكأنَّما على رؤوسهم الطير»(٤٢٢).
الخامسة: وفي رواية أُخرى عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... والنداء من السماء»، فقلت: وأيُّ شيء يكون النداء؟ فقال: «منادٍ ينادي باسم القائم واسم أبيه (عليهما السلام)»(٤٢٣).
السادسة: روى ناجية القطّان أنَّه سمع أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ المنادي ينادي: إنَّ المهدي من آل محمّد فلان بن فلان باسمه واسم أبيه، فينادي الشيطان: إنَّ فلانا وشيعته على الحقِّ - يعني رجلاً من بني أُميَّة -»(٤٢٤).
السابعة: موثَّق زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليَّاً وشيعته هم الفائزون»، قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلانا وشيعته هم الفائزون - لرجل من بني أُميَّة -»(٤٢٥).
ومفاده أنَّ في النداء الواحد يُجمَع بين اسم المهدي (عليه السلام) واسم علي (عليه السلام)، فهو صريح في الجمع بين الظهور وعنوان الرجعة.
الصيحة تلازم وتزامن الرجعة:
الثامنة: ما رواه القمّي في الصيحة في حديث طويل صحيح لعبد الله بن سنان، قال علي بن إبراهيم: حدَّثني أبي، عن عبد الله بن المغيرة الخزّاز (الجزّار ط)، عن ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول: إذا سألتم الله فاسألوه الوسيلة، فسألنا النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الوسيلة...، قال: فيخلق الله خلقاً يومئذٍ يملأ بهم الجنَّة»، قال أبو عبد الله (عليه السلام): «طوبى لهم إنَّهم لم يروا غموم الدنيا وهمومها...، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ [ق: ٤١]»، قال: «ينادي المنادي باسم القائم (عليه السلام) واسم أبيه(عليه السلام)»، قوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]، قال: «صيحة القائم من السماء، ﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾»، قال: «هي الرجعة»(٤٢٦).
التاسعة: وروى عن أحمد بن إدريس، قال: حدَّثنا محمّد بن أحمد، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾، قال: «هي الرجعة»(٤٢٧).
قال علي بن إبراهيم في قوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرضُ عَنْهُمْ سِراعاً﴾ (ق: ٤٤)، قال: في الرجعة(٤٢٨).
العاشرة: وروى في (مختصر البصائر) عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن عمر بن عبد العزيز، عن جميل بن درّاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر: ٥١]، قال: «ذلك والله في الرجعة، أمَا علمت أنَّ أنبياء الله كثيراً لم يُنصَروا في الدنيا وقُتلوا، وأئمَّة قد قُتلوا ولم يُنصَروا، فذلك في الرجعة»، قلت: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ و٤٢]، قال: «هي الرجعة»(٤٢٩).
الحادية عشر: وفي (فرائد السمطين) عن الحسن بن خالد، قال: قال علي بن موسى الرضا (رضي الله عنه): «لا دين لمن لا ورع له، وإنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم، أي أعملكم بالتقوى»، ثمّ قال: «إنَّ الرابع من ولدي ابن سيِّدة يُطهِّر الله به الأرض من كلِّ جور وظلم، وهو الذي يشكُّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة، فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربِّها، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحداً، وهو الذي تُطوى له الأرض، ولا يكون له ظلٌّ، وهو الذي ينادي منادٍ من السماء يسمعه جميع أهل الأرض: ألَا إنَّ حجَّة الله قد ظهر عند بيت الله فاتَّبعوه، فإنَّ الحقَّ فيه ومعه، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾ [الشعراء: ٤]، وقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤١ و٤٢]، أي خروج ولدي القائم المهدي (عليه السلام)»(٤٣٠).
الإمام المهدي (عليه السلام) والنداء السماوي:
ذكر في كتاب (أهل البيت (عليهم السلام) في الكتاب المقدَّس)(٤٣١): يمكن أن نلحظ من خلال بشارة (يوحنّا) الإشارة إلى الإمام المهدي (عليه السلام) حيث جاء في (سفر يوحنّا): (وا ايريه ملآخ - معوفيف بحتسي هشاميم - أو بفيو بسورت عولام لبسير إت يوشويه هآرتس - وي لا شون واعم - ويقرأ بقول گدول: يرؤا إت ها إيلوهيم - وا هابوا لو كابود - كي باءى عيت مشفاطو وي هشتحوو الا عوسيه شامايم - وا آرتس إت هيام أو قعينوت همايم).
ويعني هذا النصّ: (ثمّ رأيت ملاكاً طائراً في وسط السماء، معه بشارة أبدية ليُبشِّر الساكنين على الأرض، وكلَّ أُمَّة وقبيلة ولسان وشعب، منادياً بصوت عظيم: خافوا الله وأعطوه مجداً، لأنَّه قد جاءت ساعة حكمه، واسجدوا لصانع السماء والأرض والبحر وينابيع المياه).
نجد في هذا النصّ الذي أخبر عنه (يوحنّا) إشارة إلى (الصيحة الحقّ)، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (ق: ٤٢)، فالقائم (عليه السلام) يُنادى باسمه واسم أبيه حسب ما جاء في الآية، وما جاء في الآية: ﴿الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ﴾ هي صيحة القائم من السماء، و﴿ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾.
ونلاحظ بعد تحليل (النصّ العبري) من الناحية اللغوية أنَّ المنادي الذي ينادي في السماء حيث عبَّر عنه بالملاك الطائر يحمل بشارة أبدية للعالم: (بسورت عولام)، ولفظة (بسورت) اسم مضافة إلى (عولام): أي العالم، وهي مشتقَّة من الفعل (بسير)، أي: بشر، نبأ.
وهذه البشارة الأبدية لجميع سكّان الأرض: (يوشويه هآرتس)، ولفظة (يوشويه): سكّان، مشتقَّة من الفعل (ياشو): سكن وأقام.
وأمَّا (هآرتس) فتعني: الأرض.
ثمّ هناك تفصيل آخر بأنَّ هذه (البشارة الأبدية) حسب النصّ العبري تشمل: (كل گوي): كلّ أُمَّة، و(كلّ مشبحا): كلّ قبيلة، و(كلّ لا شون): كلّ لغة، و(كلّ عام): كلّ شعب.
ثمّ نجد تأكيداً على مسألة مهمَّة أُخرى، وهي الإخبار بقرب ساعة حكم الربِّ. بواسطة دولة الإمام (عليه السلام): (باءى عيت مشفاطو)، أي: قرب وقت حكمه، فـ (باءى) مشتقَّة من الفعل (با) أي: قرب، جاء، و(عيت) تعني: وقت، مدَّة. وأمَّا (مشفاطو) فجاء هنا كاسم بمعنى حكم، قضاء. والفعل منه (شافط): حكم، قضى.
تزامن وتلازم دولتهم الظاهرة مع الرجعة:
﴿حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ (الجنّ: ٢٤ - ٢٦).
والآية تُبيِّن التلازم بين دولتهم الظاهرة والرجعة للأموات، كما سيأتي ثلاث آيات من سور أُخرى(٤٣٢) دالّة هي الأُخرى، بل استدلَّ بها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام) على تلازم وتزامن الظهور والرجعة، وأنَّ رجعة أنصار آل محمّد وحوارييهم هي قبيل الظهور.
وتشرح هذا التلازم في الآية وتعلّله عدَّة روايات:
الثانية عشر: روى القمّي في تفسيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾، قال: «القائم وأمير المؤمنين (عليهما السلام) في الرجعة»، ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ [الجنّ: ٢٤]، قال: «هو قول أمير المؤمنين لزُفَر: والله يا بن صهّاك، لولا عهد من رسول الله وكتاب من الله سبق لعلمت أيّنا أضعف ناصراً وأقلّ عدداً»، قال: فلمَّا أخبرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ما يكون من الرجعة قالوا: متى يكون هذا؟ قال الله: ﴿قُلْ﴾ يا محمّد ﴿إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ [الجنّ: ٢٥]»(٤٣٣).
والرواية تشير بوضوح على دلالة الآية على التلازم بين ظهور دولتهم ووقوع الرجعة، من أنَّ كليهما من الوعد الإلهي الذي لا خلف له. وأنَّ الظهور مشتبك في حقيقته مع حقيقة الرجعة، وتقارن دولتهم عند قرب إقامتها وقيامها مع تحقُّق الرجعة معها.
وقريب من مضمونها أنَّه كتاب مؤجَّل سابق في علم الله تعالى ما رواه الصدوق في (علل الشرائع)(٤٣٤)، والطبري في (المسترشد)(٤٣٥)، والكليني في (الكافي)(٤٣٦)، وسُليم بن قيس في كتابه(٤٣٧).
الثالثة عشر: روى في الكافي بسنده عن عبد الله بن القاسم البطل عن أبي عبد الله (عليه السلام) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾، قال: «قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم (عليه السلام)، لا يدعون وتراً لآل محمّد إلَّا قتلوه ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء: ٥]»(٤٣٨)، ورواه العيّاشي عن صالح بن سهل(٤٣٩).
ويُحتَمل إرادة البعث من القبور وإن احتُمِلَ إرادة الخروج والنهضة من البعث، وسيأتي عدَّة من الروايات(٤٤٠) التي تُشير إلى أنَّ مفاد الآية في رجعة المؤمنين مع القائم (عليه السلام) أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
ممَّا يُعيِّن صحَّة تفسير البعث في الآية بمعنى البعث من القبور والرجعة، ولا ينافي ذلك تأويلها أو تفسيرها بمعنى الخروج والحركة والنهوض، بعد احتمال الآية الواحدة لجملة من المعاني تفسيراً أو تأويلاً.
ورواه في (كامل الزيارات) بسند حسن عن عبد الله بن قاسم الحضرمي، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرضِ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: «قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وطعن الحسن بن علي (عليهما السلام)، ﴿ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً﴾ قتل الحسين بن علي (عليهما السلام)، ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما﴾»، قال: «إذا جاء نصر الحسين (عليه السلام)، ﴿بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ قوماً يبعثهم الله قبل قيام القائم (عليه السلام)، لا يدعون وتراً لآل محمّد إلَّا أحرقوه، ﴿وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً﴾ [الإسراء:٤ و٥]»(٤٤١).
وذيل الرواية يستشهد بذيل الآية الذي هو وعد مفعول، أي لا يقع فيه بداء، لأنَّ الله لا يخلف وعده وميعاده، بينما بقيَّة العلامات الحتمية للظهور فيها المشيَّة الإلهية والبداء كما سيأتي دلالة الروايات على ذلك.
فبعث الأموات ورجعتهم ممَّن يقومون بنصرة آل محمّد من الوعد الإلهي المفعول المضمون.
الرابعة عشر: رواية النعماني بسنده عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «كيف تقرأون هذه السورة؟»، قلت: وأيَّة سورة؟ قال: «سورة ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [المعارج: ١]»، فقال: «ليس هو ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾، إنَّما هو (سال سيل) وهي نار تقع في الثوية، ثمّ تمضي إلى كناسة بني أسد، ثمّ تمضي إلى ثقيف فلا تدع وتراً لآل محمّد إلَّا أحرقته»(٤٤٢).
وروى أيضاً بسنده عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾، قال: «تأويلها فيما يأتي في عذاب يقع في الثوية - يعني ناراً - حتَّى ينتهي إلى الكناسة كناسة بني أسد حتَّى تمرَّ بثقيف لا تدع وتراً لآل محمّد إلَّا أحرقته، وذلك قبل خروج القائم (عليه السلام)»(٤٤٣).
وهاتان الروايتان تفصح عن وعد إلهي في آية ثالثة بأنَّ الذي يأخذ بالوتر لآل محمّد قبيل الظهور هو حركة منطلقها من الثوية بالكوفة المعبَّر عنها في الرواية بالنار تقع وتمضي حتَّى تبلغ الحجاز، لأنَّ ثقيفاً هي بالحجاز، وأمَّا كناسة بني أسد فهي في الكوفة، وأمَّا الثوية فإشارة إلى ظهر الكوفة، وظهر الكوفة إشارة إلى بعث ورجوع الأموات الموعود به في روايات عديدة.
فخريطة مبدأ ومسير هذه الحركة والنهضة ومنتهاها منطبق تماماً على ما رُسِمَ في الروايات الأُخرى لأهل الرجعة الأموات الراجعين إلى الحياة الدنيا، من دور للسبعة والعشرين ومن يصاحبهم من بقيَّة الموتى الراجعين، وهي شديدة الانطباق على حركة أهل الرجعة من الأموات الراجعين، الذين يُبعَثون ويظهرون من ظهر الكوفة، وهو ينطبق على الثوية.
وقد أشارت الروايات الآتية إلى أنَّ الموتى الراجعين يشهرون سيوفهم ويضربون كلّ عدوّ لله ولرسوله ولأهل البيت (عليهم السلام).
سرّ ارتباط ظهور المهدي بحصول الرجعة قبله:
الخامسة عشر: روى في الإرشاد في ذكر علامات قيام القائم (عليه السلام)، قال: (قد جاءت الأخبار بذكر علامات لزمان قيام القائم المهدي (عليه السلام) وحوادث تكون أمام قيامه وآيات ودلالات: ... ونداء من السماء حتَّى يسمعه أهل الأرض كلّ أهل لغة بلغتهم، ووجه وصدر يظهران من السماء للناس في عين الشمس، وأموات يُنشَرون من القبور حتَّى يرجعوا إلى الدنيا فيتعارفون فيها ويتزاورون، ثمّ يُختَم ذلك بأربع وعشرين مطرة تتَّصل فتحيى بها الأرض من بعد موتها وتعرف بركاتها، ويزول بعد ذلك كلُّ عاهة عن معتقدي الحقّ من شيعة المهدي (عليه السلام)، فيعرفون عند ذلك ظهوره بمكّة فيتوجَّهون نحوه لنصرته كما جاءت بذلك الأخبار)(٤٤٤).
وروى ذلك بنفس اللفظ ابن فتّال في (روضة الواعظين)(٤٤٥).
قال الشيخ الطبرسي في سورة النمل ذيل الآية: ﴿ وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (الكهف: ٤٧)، قال: (قد تظاهرت الأخبار عن أئمَّة الهدى من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) في أنَّ الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممَّن تقدّم موتهم من أوليائه وشيعته، ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقّونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذلّ والخزي بما يشاهدون من علوّ كلمته»(٤٤٦).
وسبب التلازم:
١ - أنَّ دولتهم توجب تطوّر الطبيعة وتكاملها بما يُؤهِّل رجوع الموتى إلى الدنيا ليستوفوا تكاملهم، ولاسيّما بأنَّ البرزخ من حاشية وأطوار الدنيا ومرحلة عبور إلى الرجعة.
٢ - وأنَّ مقتضى العدالة التي تقام في رجعتهم هو المقاضاة والانتصاف للمظلومين الشامل للموتى المظلومين من الظالمين ولو كانوا موتى، لعموم وعمومية العدل للكلِّ من الأحياء والأموات لاسيّما وأنَّ الموت مضطجَع قريب من الدنيا كما تقدَّم تقريره وتحريره في حقيقة الموت والرجعة، وهذا من خواصّ دولتهم، أي عمومية العدل الشمولي.
٣ - أنَّ النصر المؤزر للظهور لا يتمُّ إلَّا بإسهام رجوع الموتى الحواريين من أصحاب الأئمَّة (عليهم السلام)، إذ لهم قابليات تفوق الأحياء بسبب ذهابهم إلى البرزخ، فيعودون بقدرات تفوق الأحياء.
السادسة عشر: روى الطبري بسنده عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام القائم (عليه السلام) استنزل المؤمن الطير من الهواء، فيذبحه، فيشويه، ويأكل لحمه، ولا يكسر عظمه، ثمّ يقول له: احي بإذن الله، فيحيا ويطير، وكذلك الظباء من الصحارى...، ولا يكون لإبليس هيكل يسكن فيه - والهيكل: البدن -، ويصافح المؤمنون الملائكة، ويوحى إليهم، ويحيون - ويجتمعون - الموتى بإذن الله»(٤٤٧).
لا ظهور بلا رجعة ولا رجعة بلا ظهور:
قد ورد في الروايات مضافاً إلى السابقة أنَّ قبل الظهور بستَّة أشهر أي في العشرة الأُولى من شهر رجب يرجع إلى الدنيا أعضاء الحكومة المركزية للإمام (عليه السلام)، وهناك رجعة مواكبة لنفس أيّام الظهور لأفواج أفواج للمؤمنين، وأنَّ أعظم علامات الظهور «العجب كلّ العجب ما بين جمادى ورجب»، وهو عبارة عن محاور:
أوَّلها: أنَّ هذا العجب مغاير للعلامات الخمس الحتمية، وهو أعظم منها، بل وأعظم من الصيحة السماوية، وأعظم من الخسف لجيش السفياني بالبيداء، وهو عبارة عن رجوع سبعة وعشرين شخصاً من الأموات إلى الحياة الدنيا، وهم يُشكِّلون الحكومة المركزية لدولة الإمام المهدي (عليه السلام)، وهم عبارة عن سلمان والمقداد ومالك الأشتر وأبي دجانة الأنصاري وأصحاب الكهف ونقباء بني إسرائيل، وهؤلاء هم وزراء الإمام المهدي (عليه السلام) من أصحابه الثلاثمائة وثلاثة عشر(٤٤٨).
ثانيها: أنَّ رجوع هؤلاء مصاحب مع رجوع آلاف الأموات من المؤمنين إلى الحياة الدنيا، وهم أنصار للإمام المهدي (عليه السلام) وأعوان لوزرائه المتقدِّم رجوعهم أيضاً. وكلٌّ من الوزراء والأعوان يرجعون من أرض ظهر الكوفة.
ثالثها: أنَّ هذه العلامة للظهور لا بداء فيها كما هو الحال في ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) لا بداء فيه لأنَّهما من الميعاد، ولا يخلف الله تعالى وعده، أي إنَّ الظهور والرجعة من الميعاد الإلهي، بخلاف العلامات الخمس، من الصيحة السماوية والسفياني والخسف لجيشه بالبيداء والحسني واليماني، فإنَّ فيها البداء، وإن كانت من المحتوم.
رابعها: أنَّ السبعة والعشرين نفراً من الموتى الراجعين إلى الحياة يُوطِّئون لظهور المهدي (عليه السلام)، وذلك بسيطرتهم على العراق، فيُطهِّرون الكوفة من كلِّ مرتاب في فضل أهل البيت (عليهم السلام)، ومن كلِّ مناوئ لهم، فيمسكون بالأرض والأوضاع، ثمّ يذهبون إلى الحجاز ويسيطرون عليها، ثمّ يُعجِّلون بالإمام المهدي (عليه السلام) لكي يظهر، وهم أوَّل من يبايعه عند الركن والمقام.
خامسها: أنَّ هذه العلامة التي هي الأعظم من بين علامات الظهور تقع في أوَّل رجب متزامنة مع العلامات الخمس، لأنَّها أيضاً تبدء في الوقوع في أوَّل رجب عدا الخسف بالبيداء.
سادسها: كلُّ هذه المحاور مروية في روايات عديدة بألفاظ مختلفة، وبتجميعها وتنسيقها تعطي صورة واضحة عن الظهور.
سابعها: أنَّ العلامات الأُخرى قد يلبسها ويتصنَّعها بتزييف الأدعياء والكذّابين والمفترين والدجّالين، وهذا بخلاف هذه العلامة وهي رجعة الأموات من وزراء المهدي (عليه السلام) وأعوانه، وتكون فاضحة لكلِّ دجّال ولكلِّ دعي زيفي.
ثامنها: أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) قد كرَّر ذكر هذه العلامة على منبر الكوفة كراراً تكراراً مراراً إلى درجة أخذ أطفال الكوفة بالرجز بها وهي «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، وإلى درجة أصبحت هذه العبارة من أمثلة العرب التي تُضرَب في المحاورات. وقد روى ذلك كلٌّ من الفريقين في طرقهم(٤٤٩).
تاسعها: أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) لم يذكرا في وصف هذه العلامة: العجب أعظم العجب، ولا غالب العجب، ولا أكثر العجب، ولا أهمّ العجب، ولا أكبر العجب، بل حصر كلّ العجب في ما بين جمادى ورجب، ثمّ فسَّره بالرجعة بأنَّه رجوع أموات إلى الحياة الدنيا يضربون هامات الأحياء، فكأنَّهما صلوات الله عليهما لا يقيمان أهمّية للخمس العلامات في قبال هذه العلامة.
والروايات في هذه المحاور مضافاً إلى السابقة:
إنباء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعلامة العجب كلّ العجب:
السابعة عشر: ما رواه ابن طاووس - وغيره أيضاً - بسنده عن أبي هريرة، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: «تكون آية في رمضان، ثمّ تظهر عصابة في شوّال، ثمّ تكون معمعة في ذي القعدة، ثمّ يُسلَب الحاج في ذي الحجَّة، ثمّ تُنتَهك المحارم في المحرَّم، ثمّ يكون الصوت في صفر، ثمّ تنازع القبائل في شهري ربيع، ثمّ العجب كلّ العجب بين جمادى ورجب، ثمّ ناقة مقتبة خير من دسكرة تغلُّ مائة ألف»(٤٥٠)، ورواه نعيم بن حمّاد في (الفتن)(٤٥١)، ورواه الحاكم في (المستدرك)(٤٥٢).
أسماء السبعة والعشرين الراجعين قبيل الظهور:
الثامنة عشر: وروى الطبري - وغيره كما سيأتي - في (دلائل الإمامة) بسنده عن زاذان، عن سلمان (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيَّاً ولا رسولاً إلَّا جعل له اثني عشر نقيباً»، فقلت: يا رسول الله، لقد عرفت هذا من أهل الكتابين.
فقال: «يا سلمان، هل علمت من نقبائي، ومن الاثني عشر الذين اختارهم الله للأُمَّة من بعدي؟»، فقلت: الله ورسوله أعلم.
فقال: «يا سلمان، خلقني الله من صفوة نوره، ودعاني فأطعته، وخلق من نوري عليَّاً، ودعاه فأطاعه، وخلق من نور علي فاطمة، ودعاها فأطاعته، وخلق منّي ومن علي وفاطمة: الحسن، ودعاه فأطاعه، وخلق منّي ومن علي وفاطمة: الحسين، فدعاه فأطاعه. ثمّ سمّانا بخمسة أسماء من أسمائه، فالله المحمود وأنا محمّد، والله العلي وهذا علي، والله الفاطر وهذه فاطمة، والله ذو الإحسان وهذا الحسن، والله المحسن وهذا الحسين. ثمّ خلق منّا ومن نور الحسين تسعة أئمَّة، فدعاهم فأطاعوه، قبل أن يخلق سماءً مبنيَّةً، وأرضاً مدحيَّةً، ولا ملكاً ولا بشراً، وكنّا نوراً نُسبِّح الله، ونسمع له ونطيع».
قال سلمان: فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمّي، فما لمن عرف هؤلاء؟
فقال: «يا سلمان، من عرفهم حقَّ معرفتهم، واقتدى بهم، ووالى وليَّهم، وتبرَّأ من عدوِّهم، فهو والله منّا، يرد حيث نرد، ويسكن حيث نسكن».
فقلت: يا رسول الله، وهل يكون إيمان بهم بغير معرفة بأسمائهم وأنسابهم؟ فقال: «لا، يا سلمان».
فقلت: يا رسول الله، فأنّى لي بهم وقد عرفت إلى الحسين؟
قال: «ثمّ سيِّد العابدين علي بن الحسين، ثمّ ابنه محمّد بن علي باقر علم الأوَّلين والآخرين من النبيّين والمرسلين، ثمّ ابنه جعفر بن محمّد لسان الله الصادق، ثمّ ابنه موسى بن جعفر الكاظم غيظه صبراً في الله (عزَّ وجلَّ)، ثمّ ابنه علي بن موسى الرضي لأمر الله، ثمّ ابنه محمّد بن علي المختار من خلق الله، ثمّ ابنه علي بن محمّد الهادي إلى الله، ثمّ ابنه الحسن بن علي الصامت الأمين لسرِّ الله، ثمّ ابنه محمّد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم بحقِّ الله».
تشابك حقيقة الرجعة مع الظهور:
ثمّ قال: «يا سلمان، إنَّك مدركه، ومن كان مثلك، ومن تولَّاه بحقيقة المعرفة».
قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثمّ قلت: يا رسول الله، وإنّي مؤجَّل إلى عهده؟
استدلال النبيّ بالآية على تزامن الظهور والرجعة:
قال: «يا سلمان، اقرأ: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ [الإسراء: ٥ و٦]».
قال سلمان: فاشتدَّ بكائي وشوقي، ثمّ قلت: يا رسول الله، أبعهد منك؟
فقال: «إي والله الذي أرسل محمّداً بالحقِّ، منّي ومن علي وفاطمة والحسن والحسين والتسعة، وكلُّ من هو منّا ومعنا، ومضام فينا. إي والله يا سلمان، وليحضرنَّ إبليس وجنوده، وكلُّ من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً، حتَّى يُؤخَذ بالقصاص والأوتار، ولا يظلم ربّك أحداً، ويُحقِّق تأويل هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ و٦]».
قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وما يبالي سلمان متى لقي الموت أو الموت لقيه(٤٥٣).
 ورواه الخصيبي في الهداية الكبرى بطريق آخر، ورواه أيضاً ابن عيّاش الجوهري في مقتضب الأثر بطريق ثالث في وسط الطريق(٤٥٤)، والثلاثة متقاربين في الطبقة.
ومفاد الرواية عدَّة أُمور:
رجعة حواريي الأئمّة عند الظهور وعداً إلهياً مفعولاً:
منها: أنَّ رجعة سلمان - ومن هو مثله في رتبته ممَّن تولّى القائم (عليه السلام) بحقيقة المعرفة من قبيل بقيَّة السبعة وعشرين وغيرهم من حواريي الأئمَّة (عليهم السلام) - مع ظهور المهدي (عليه السلام) قد وعد بها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، بل وعد بها الله تعالى في محكم كتابه كما يُنبِّه على ذلك النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في استشهاده بقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٥ و٦)، أنَّ رجعة - ورجوع حواريي المعصومين عند أوان قيام دولة الحقِّ دولة الظهور - هو وعد إلهي مفعول لا بداء فيه بنصِّ الآية.
ثمّ إنَّ هناك عدَّة روايات من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) وعدوا برجوع حوارييهم مع القائم (عليه السلام) أو في رجعتهم استشهاداً بالآية المزبورة(٤٥٥).
فرجعتهم كالرجعة العامَّة من الميعاد كالمعاد، ولا يخلف الله وعده، وإنَّها من الوعد الإلهي بالاستخلاف في الأرض، وهذا بخلاف العلامات الحتمية الخمس الأُخرى، فرغم أنَّها من المحتوم فإنَّ فيها البداء كما سيأتي.
ومنها: تكرّر رجوع سلمان وأمثاله مع رجعة كلّ المعصومين، لاسيّما بعد ما ورد أنَّ كلَّ مؤمن يرجع مع إمام زمانه، وقد عاصر سلمان خمسة من المعصومين (عليهم السلام)، مضافاً إلى رجوعه قبيل الظهور.
ومنها: بيانه (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الظهور مرتبط بحقيقة ووقوع الرجعة، ومن ثَمَّ استشهد (صلّى الله عليه وآله وسلم) بآية الكرَّة وأنَّ مجيء الوعد الإلهي بظهور دولة الحقِّ مزامن لـ ﴿رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ﴾، وهي الرجعة.
ومنها: أنَّ الراجعين لهم بأس شديد لما يمتلكون من أطوار تكوينية مرّوا بها نتيجة الموت والبرزخ ثمّ الإحياء مرَّة أُخرى، كما هو مشاهد عند من حصلت له تجربة الموت.
وأسند الثعلبي في تفسير ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (الشورى: ٢٣)، إلى أنس قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «نحن ولد عبد المطَّلب سادة أهل الجنَّة...»، وذكر نفسه وخمسة سمّاهم من أهل بيته، ثم قال: «والمهدي»(٤٥٦).
وفي تفسيره أنَّ أهل الكهف يحييهم الله للمهدي(٤٥٧).
وقال الطبرسي في ذيل قوله تعالى: ﴿وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ (الإسراء:١٠٤): (وروى أصحابنا أنَّهم يخرجون مع قائم آل محمّد)(٤٥٨).
أعضاء الحكومة المركزية للقائم من الراجعين من الموت في شهر رجب:
التاسعة عشر: وروى العيّاشي عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا قام قائم آل محمّد استخرج من ظهر الكعبة(٤٥٩) سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى الذين يقضون بالحقِّ وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع وصيّ موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر»(٤٦٠).
أوّل أصحاب المهدي (عليه السلام) اتصالاً به الـ (٢٧) أهل الرجعة:
العشرون: وروى المفيد في (الإرشاد) وابن فتّال في (روضة الواعظين) والطبرسي في (إعلام الورى) عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يُخرِج القائم (عليه السلام) من ظهر الكوفة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشر من قوم موسى (عليه السلام) الذين كانوا يهدون بالحقِّ وبه يعدلون، وسبعة من أهل الكهف، ويوشع بن نون، وسلمان، وأبا دجانة الأنصاري، والمقداد، ومالكاً الأشتر، فيكونون بين يديه أنصاراً وحكّاما»، وبنفس اللفظ للرواية في (روضة الواعظين)(٤٦١).
وقد أشارت بعض الروايات أنَّ ظهوره الأصغر - والذي يلابسه نمط من الخفاء كالحال في الغيبة الصغرى - الذي يبدأ من أوَّل رجب عند الصيحة السماوية - حيث جُعلت غاية ومنتهى للغيبة الكبرى في التوقيع المبارك الذي ورد على النائب الرابع السمري - هو في الكوفة، ثمّ ينتقل خفاءً إلى الحجاز ينتقل فيما بين المدينة ومكّة.
وقد روى النعماني بسنده عن الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «المهدي أقبل، جعد، بخدِّه خال، يكون من قِبَل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني، فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر، يخرج بالشام، فينقاد له أهل الشام إلَّا طوائف من المقيمين على الحقِّ، يعصمهم الله من الخروج معه»(٤٦٢).
ومفاد رواية الإرشاد وروضة الواعظين ورواية العيّاشي التي قبلهما: أنَّ الراجعين السبعة والعشرين هم أوَّل من يرتبط به من أصحابه، لاسيّما أنَّهم يُوطِّئون أرض العراق وسكك الكوفة كما تشير الروايات الآتية، وكذلك هم الذين يقبل معهم في البيت الحرام عند الظهور الأكبر، كما في بعض الروايات الآتية، ومن ثَمَّ ورد التعبير في بعض آخر من الروايات الآتية أنَّه (عليه السلام) يُخرِجهم من ظهر الكعبة، وإن كان التعبير في بعض آخر أنَّه (عليه السلام) يُخرِجهم من ظهر الكوفة، ولا تنافي بينهما بهذا اللحاظ، أو بلحاظ أنَّ الكوفة تقع باتّجاه ظهر الكعبة باعتبار أنَّ ضلع الكعبة الذي فيه بابها هو وجهها.
الـ (٢٧) الراجعون يُوطّئون (يمهّدون) العراق والحجاز للظهور:
الواحدة والعشرون: وروى الطبري في (دلائل الإمامة) بسند عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا ظهر القائم (عليه السلام) من ظهر هذا البيت بعث الله معه سبعة وعشرين رجلاً، منهم أربعة عشر رجلاً من قوم موسى (عليه السلام)، وهم الذين قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف ١٥٩]، وأصحاب الكهف ثمانية، والمقداد، وجابر الأنصاري، ومؤمن آل فرعون، ويوشع بن نون وصيّ موسى (عليهما السلام)»(٤٦٣).
وهذه الرواية أيضاً دالّة على اختصاص وقرب السبعة والعشرين الراجعين بالمهدي (عليه السلام) نصرةً وتدبيراً.
وأيضاً مفادها اختصاص السبعة والعشرين بالمهدي (عليه السلام) في أوائل ظهوره من البيت الحرام، وأنَّهم أوَّل من يتَّصل به من أصحابه الثلاثمائة والثلاثة عشر، وأنَّ السبعة والعشرين كما يُوطِّئون العراق للظهور هم الذين يُوطِّئون له في أرض الحجاز، وسيأتي أنَّ أوائل من يتَّصل به من أصحابه في مكّة يُعجِّلون به لكي يبادر إلى الظهور.
كثرة الراجعين من النخب للنصرة عند الظهور:
الثانية والعشرون: في حديث من خطبة (المخزون) لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وفيها: «... ويقول القائم... وعدَّة أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر، منهم: تسعة من بني إسرائيل، وسبعون من الجنِّ، ومائتان وأربعة وثلاثون، منهم: سبعون الذين غضبوا للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) إذ هجته مشركو قريش [الذين عصموا النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) إذ هجته مشركو قريش]، فطلبوا إلى نبيِّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أن يأذن لهم في إجابتهم، فأذن لهم حيث نزلت هذه الآية: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧]. وعشرون من أهل اليمن، منهم المقداد بن الأسود، ومائتان وأربعة عشر الذين كانوا بساحل البحر ممَّا يلي عدن فبعث إليهم نبيُّ الله برسالة فأتوا مسلمين، وتسعة من بني إسرائيل، ومن أفناء الناس ألفان وثمانمائة وسبعة عشر، ومن الملائكة أربعون ألفاً من ذلك من المسوّمين ثلاثة آلاف ومن المردفين خمسة آلاف، فجميع أصحابه (عليه السلام) سبعة وأربعون ألفاً، ومائة وثلاثون من ذلك تسعة رؤوس مع كلِّ رأس من الملائكة أربعة آلاف من الجنِّ والإنس عدَّة يوم بدر فيهم يقاتل وإيّاهم ينصر الله وبهم ينتصر وبهم يقدم النصر ومنهم نضرة الأرض»(٤٦٤).
ومفاد الرواية أنَّ أكثر أنصار المهدي (عليه السلام) هم من النخب الراجعين من الموت، سواء في عدَّة الثلاثمائة والثلاثة عشر أو في جيش الحلقة العشرة آلاف. وأنَّ إسهام الرجعة من الراجعين من الموت إلى الحياة الدنيا في الظهور كبير جدَّاً. كما قد ذكرت أسماء عدَّة ممَّن تعرَّضت لهم الروايات السابقة، كالثلَّة من بني إسرائيل والمقداد بن الأسود الكندي - وهو من اليمن - أنَّه يُبعَث معه زمرة من الأموات من اليمن.
وفي الرواية الطويلة للخصيبي بسنده عن المفضَّل، عن الصادق (عليه السلام): «... ثمّ يسير المهدي (عليه السلام) إلى الكوفة وينزل ما بينها وبين النجف وعدد أصحابه في ذلك اليوم ستَّة وأربعون ألفاً من الملائكة وستَّة آلاف من الجنِّ والنقباء ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً»(٤٦٥).
النساء اللاتي يرجعن للحياة مع القائم (عليه السلام):
الثالثة والعشرون: عن المفضَّل بن عمر، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يكرُّ مع القائم (عليه السلام) ثلاث عشرة امرأة»، قلت: وما يصنع بهنَّ؟ قال: «يداوين الجرحى، ويقمن على المرضى، كما كان مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)»، قلت: فسمهنَّ لي. فقال: «القنواء بنت رشيد، وأُمّ أيمن، وحبّابة الوالبية، وسميَّة أُمّ عمّار بن ياسر، وزبيدة، وأُمّ خالد الأحمسية، وأُمّ سعيد الحنفية، وصبانة الماشطة، وأُمّ خالد الجهنية»(٤٦٦).
وجوابه (عليه السلام) عن دورهنَّ ليس في مقام الحصر بقرينة جعلهنَّ في الثلاثمائة ونيف، ممَّا يُدلِّل أنَّ دورهنَّ قيادي ضمن الوسط الداخلي لمجموعة أصحاب المهدي (عليه السلام).
كما في رواية العيّاشي عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في حديث علامات الظهور -: «... فيقوم القائم بين الركن والمقام فيُصلّي وينصرف ومعه وزيره، فيقول: يا أيّها الناس، إنّا نستنصر على من ظلمنا وسلب حقَّنا، من يحاجّنا في الله فإنّا أولى بالله، ومن يحاجّنا في آدم فإنّا أولى الناس بآدم، ومن حاجَّنا في نوح فإنّا أولى الناس بنوح، ومن حاجَّنا في إبراهيم فإنّا أولى الناس بإبراهيم، ومن حاجَّنا بمحمّد فإنا أولى الناس بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ومن حاجَّنا في النبيّين فإنّا أولى الناس بالنبيّين، ومن حاجَّنا في كتاب الله فنحن أولى الناس بكتاب الله، إنّا نشهد وكلّ مسلم اليوم أنّا قد ظُلمنا وطُردنا وبُغى علينا وأُخرجنا من ديارنا وأموالنا وأهالينا وقُهرنا، ألَا إنّا نستنصر الله اليوم وكلّ مسلم، ويجيء والله ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً فيهم خمسون امرأة يجتمعون بمكّة على غير ميعاد قزعاً كقزع الخريف يتبع بعضهم بعضاً، وهي الآية التي قال الله: ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨]، فيقول رجل من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهي القرية الظالمة أهلها، ثمّ يخرج من مكّة هو ومن معه الثلاثمائة وبضعة عشر يبايعونه بين الركن والمقام، ومعه عهد نبيِّ الله ورايته وسلاحه ووزيره معه، فينادي المنادي بمكّة باسمه وأمره من السماء حتَّى يسمعه أهل الأرض كلّهم اسمه اسم نبي...»(٤٦٧).
عظم عجبه (عليه السلام) من وقوع الرجعة في رجب:
الرابعة والعشرون: روى الصدوق بسنده عن الشعبي، قال: قال ابن الكواء لعلي (عليه السلام): يا أمير المؤمنين، أرأيت قولك: «العجب بين جمادي ورجب»؟ قال (عليه السلام): «ويحك يا أعور هو جمع أشتات، ونشر أموات، وحصد نبات، وهنات بعد هنات، مهلكات مبيرات، لست أنا ولا أنت هناك»(٤٦٨).
توطئة أهل الرجعة العراقَ للظهور:
الخامسة والعشرون: روى في مختصر بصائر الدرجات خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) تُسمّى بالمخزون: «... إنَّ أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله ملك مقرَّب أو نبيّ مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان، لا يعي حديثنا إلَّا حصون حصينة أو صدور أمينة أو أحلام رزينة. يا عجباً كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، فقال رجل من شرطة الخميس: ما هذا العجب يا أمير المؤمنين؟ قال: «وما لي لا أعجب وقد سبق القضاء فيكم وما تفقهون الحديث إلَّا صوتات بينهنَّ موتات حصد نبات ونشر أموات، يا عجباً كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، قال أيضاً رجل: يا أمير المؤمنين، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟ قال: «ثكلت الآخرة أُمّه، وأيُّ عجب يكون أعجب من أموات يضربون هامات الأحياء؟»، قال: أنّى يكون ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة كأنّي أنظر إليهم قد تخلَّلوا سكك الكوفة وقد شهروا سيوفهم على مناكبهم يضربون كلّ عدوّ لله ولرسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وللمؤمنين، وذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]»(٤٦٩).
وسيأتي في صحيح الفضيل بيان مفاد الآية أنَّه في الرجعة قبيل الظهور، وأنَّها أكبر علامة للظهور على الإطلاق وأعظم من العلامات الخمس المحتومة.
وهلاك أعداء آل محمّد في العراق قبيل الظهور أشارت إليه روايات أُخرى أيضاً متطابقة مع دور السبعة وعشرين الراجعين من الموت، نظير رواية جابر الجعفي، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن علي (عليهما السلام) عن قول الله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فقال: «يا جابر، ذلك خاصّ وعامّ، فأمَّا الخاصّ من الجوع فبالكوفة، ويخصُّ الله به أعداء آل محمّد فيهلكهم، وأمَّا العامّ فبالشام يصيبهم خوف وجوع ما أصابهم مثله قطّ. أمَّا الجوع فقبل قيام القائم (عليه السلام)، وأمَّا الخوف فبعد قيام القائم (عليه السلام)»(٤٧٠).
السادسة والعشرون: ما رواه بطريق وبلفظ آخر محمّد بن العبّاس بن ماهيار بسنده عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عمَّن سمع عليَّاً (عليه السلام) يقول: «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟
تمهيد أهل الرجعة البلاد الإسلاميّة للظهور:
فقال: «ثكلتك أُمُّك، وأيُّ عجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدوّ لله ولرسوله ولأهل بيته؟ وذلك تأويل هذه الآية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة: ١٣]، فإذا اشتدَّ القتل قلتم: مات أو هلك أو أيّ وادٍ سلك؟ وذلك تأويل هذه الآية: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾ [الإسراء: ٦]»(٤٧١).
وهذه الرواية أطلقت منطقة عمل الراجعين الممهِّد للظهور.
السابعة والعشرون: المدايني في كتاب (صفّين) قال: خطب علي (عليه السلام) بعد انقضاء أمر النهروان فذكر طرفاً من الملاحم، وقال: «ذلك أمر الله وهو كائن وقتاً مريحاً، فيا ابن خيرة الإماء متى تنتظر أبشر بنصر قريب من ربٍّ رحيم، فبأبي وأُمّي من عدَّة قليلة، أسماؤهم في الأرض مجهولة، قد دان حينئذٍ ظهورهم، يا عجباً كلُّ العجب بين جمادى ورجب، ومن جمع أشتات، وحصد نبات، ومن أصوات بعد أصوات»، ثمّ قال: «سبق القضاء سبق»، قال رجل من أهل البصرة إلى رجل من أهل الكوفة في جنبه: أشهد أنَّه كاذب. قال الكوفي: «والله ما نزل علي من المنبر حتَّى فلج الرجل، فمات من ليلته»(٤٧٢).
وقوله: «قد دان حينئذٍ ظهورهم»، يحتمل التعبير بالظهور لهم الإشارة إلى بعث العدَّة من أصحاب المهدي (عليه السلام) من الموت، لما مرَّ من إطلاق الظهور على الرجعة أيضاً، وإن احتمل إرادة بروز حركتهم من (ظهورهم).
الثامنة والعشرون: وروى المتَّقي الهندي في كتابه (البرهان) عن كتاب (عقد الدرر)(٤٧٣) عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «... وظهور نار عظيمة من قِبَل المشرق تظهر في السماء ثلاث ليالي، وخروج ستّين كذّاباً كلٌّ منهم يدَّعي أنَّه مرسل من عند الله الواحد المعبود. وخسف قرية من قرى الشام، وهدم حائط مسجد الكوفة ممَّا يلي دار عبد الله بن مسعود. وطلوع نجم بالمشرق يضيء كما يضيء القمر ثمّ ينعطف حتَّى يلتقي طرفاه أو يكاد، وحمرة تظهر في السماء وتنتشر في أُفقها ولبست كحمرة الشفق المعتاد، وعقد الجسر ممَّا يلي الكرخ لمدينة السلام، وارتفاع ريح سوداء بها وخسف يهلك فيه كثير من الأنام، وبثق في الفرات حتَّى يدخل الماء على أهل الكوفة فيخرب كوفتهم، ونداء من السماء يعمُّ أهل الأرض، ويسمع كلُّ أهل لغة بلغتهم، ومسخ قوم من أهل البدع، وخروج العبيد عن طاعة ساداتهم، وصوت في ليلة النصف من رمضان، يوقظ النائم ويفزع اليقظان، ومعمعة في شوّال، وفي ذي العقدة حرب وقتال، ونهب الحاج في ذي الحجَّة، ويكثر القتل حتَّى يسيل الدم على المحجَّة، وتُهتَك المحارم في الحرم، وتُرتَكب العظائم عند البيت المعظَّم، ثمّ العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب، ويكثر الهرج ويطول فيه اللبث، ويقتل ثلث ويموت الثلث، ويكون ولاة الأمر كلٌّ منهم جائراً».
التاسعة والعشرون: ما رواه في المناقب عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: وقوله (عليه السلام) في خطبة القصية من قوله: «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، وقوله: «وأيُّ عجب أعجب من أموات يضربون هامات الأحياء؟»(٤٧٤).
الثلاثون: في خطبة له (عليه السلام) أيضاً قال: «... فيا لهفا على ما أعلم رجب شهر ذكر، رمضان تمام السنين، شوّال يشال فيه أمر القوم، ذو القعدة يقتعدون فيه، ذو الحجَّة الفتح من أوَّل العشر، ألَا إنَّ العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب، جمع أشتات وبعث أموات وحديثات هونات هونات بينهنَّ موتات، رافعة ذيلها، داعية عولها، معلنة قولها، بدجلة أو حولها، ألَا إنَّ منّا قائماً عفيفة أحسابه، سادة أصحابه، يُنادى عند اصطلام أعداء الله باسمه واسم أبيه في شهر رمضان ثلاثاً بعد هرج وقتال وضنك وخبال وقيام من البلاء على ساق، وإنّي لأعلم إلى من تُخرِج الأرض ودائعها وتُسلِّم إليه خزائنها، ولو شئت أن اضرب برجلي فأقول: أخرجى من هاهنا بيضاً ودروعاً، كيف أنتم يا ابن هنات إذا كانت سيوفكم بأيمانكم مصلتات ثمّ رملتم رملات ليلة البيات ليستخلفنَّ الله خليفة يثبت على الهدى ولا يأخذ على حكمه الرشا إذا دعى دعوات بعيدات المدى دامغات للمنافقين فارجات عن المؤمنين، ألَا إنَّ ذلك كائن على رغم الراغمين»(٤٧٥).
ورواه ابن المنادي في الملاحم عن الأصبغ بن نباتة: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال...(٤٧٦).
وقوله (عليه السلام): «بدجلة وحولها» تعيين لموضع رجوع الأموات وهي الكوفة وحواليها.
اشتهار علامة العجب كلّ العجب:
الواحدة والثلاثون: روى النجاشي في رجاله بسنده عن عبد الله بن خفقة، قال: قال لي أبان بن تغلب: مررت بقوم يعيبون على روايتي عن جعفر (عليه السلام)، قال: فقلت: كيف تلوموني في روايتي عن رجل ما سألته عن شيء إلَّا قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ قال: فمرَّ صبيان وهم ينشدون: «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب»، فسألته عنه فقال: «لقاء الأحياء بالأموات»(٤٧٧).
رجوع حواري الأئمّة مع المهدي (عليه السلام):
وقد تقدَّم قول ووعد الله تعالى بذلك في القرآن كما وعد النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بذلك أيضاً استشهاداً بالآية، وكذا وعد عدَّة من أئمَّة أهل البيت بذلك لسلمان برجوعه وأمثاله ممَّن هم في رتبته من موالي أهل البيت (عليهم السلام).
الثانية والثلاثون: صحيح فضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن خرج السفياني ما تأمرني؟ قال: «إذا كان ذلك كتبت إليك»، قلت: فكيف أعلم أنَّه كتابك؟ قال: «أكتب إليك بعلامة كذا وكذا»، وقرأ آية من القرآن. قال: فقلت لفضيل: ما تلك الآية؟ قال: ما حدَّثت بها أحداً غير بريد العجلي. قال زرارة: أنا أُحدِّثك بها، هي: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [النحل: ٣٨]، قال: فسكت الفضيل، ولم يقل: لا ولا نعم (٤٧٨).
ورواه العيّاشي في ذيل الآية(٤٧٩).
وظاهر الرواية وعد الصادق (عليه السلام) للفضيل بأن يكتب إليه بالرجعة ويأذن له بها وهو شأن هامّ للفضيل، وقد وصفه (عليه السلام) بأنَّه منّا أهل البيت.
أوّل من يبايع المهدي (عليه السلام) حواريو الأئمّة الراجعون:
الثالثة والثلاثون: روى الطبري بسنده عن عمرو بن شمر، قال: قلت لجابر: إذا قام قائم آل محمّد كيف السلام عليه؟ قال: إنَّك إذا أدركته ولن تدركه إلَّا أن تكون مكروراً، فستراني إلى جنبه راكباً على فرس لي ذنوب أغر محجَّل، مطلق يد اليمنى، عليَّ عمامة لي من عصب اليمن، فأنا أوَّل من يُسلِّم عليه(٤٨٠).
وهذه الرواية من جابر دالّة على أنَّ الموتى الحواريين للأئمَّة المبعوثين قبيل وعند الظهور هم أوَّل من يبايع المهدي (عليه السلام) ويناصره ويكون معه.
الرابعة والثلاثون: وروى أيضاً بسنده عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا مفضَّل، أنت وأربعة وأربعون رجلاً تُحشَرون مع القائم، أنت على يمين القائم تأمر وتنهى، والناس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم»(٤٨١).
وهذه الرواية دالّة على أنَّ حواريي الأئمَّة (عليهم السلام) الراجعين يكونون حكّاماً وحواريين للمهدي (عليه السلام).
الخامسة والثلاثون: وروى الكشّي عن أبي عبد الله البرقي رفعه، قال: نظر أبو عبد الله (عليه السلام) إلى داود الرقّي وقد ولّى، فقال: «من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أصحاب القائم (عليه السلام) فلينظر إلى هذا». وقال في موضع آخر: «أنزلوه فيكم بمنزلة المقداد (رحمه الله)»(٤٨٢)، والظاهر من وصفه (عليه السلام) لداود الرقّي بأنَّه من أصحاب القائم (عليه السلام) أنَّه من أصحابه الثلاثمائة ونيف.
أربعة آلاف من الأموات يكرّون مع القائم (عليه السلام):
السادسة والثلاثون: وروى الكشّي أيضاً عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كأنّي بعبد الله بن شريك العامري عليه عمامة سوداء وذوابتاها بين كتفيه، مصعداً في لحف الجبل بين يدي قائمنا أهل البيت في أربعة آلاف مكرّون يُكبِّرون»(٤٨٣).
مطر الرجعة في جمادي ورجب:
السابعة والثلاثون: روى المفيد في الإرشاد عن عبد الكريم الخثعمي، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كم يملك القائم (عليه السلام)؟ قال: «سبع سنين، تطول له الأيّام والليالي حتَّى تكون السنة من سنيّه مقدار عشر سنين من سنيّكم، فيكون سنو ملكه سبعين سنة من سنيّكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيّام من رجب مطراً لم يرَ الخلائق مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأنّي أنظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون شعورهم من التراب»(٤٨٤).
وروى في الإرشاد بسنده عن سعيد بن جبير، قال: إنَّ السنة التي يقوم فيها المهدي (عليه السلام) تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة، ترى آثارها وبركاتها(٤٨٥).
وروى الراوندي: وقال (عليه السلام): «إنَّ قدّام القائم (عليه السلام) لسنة غيداقة يفسد التمر في النخل فلا تشكّوا في ذلك»(٤٨٦)، أي سنة مطيرة.
الثامنة والثلاثون: في المحتضر عن الفضل بن شاذان في كتاب (القائم) بسند متَّصل عن زيد الشحّام عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ أرواح المؤمنين ترى آل محمّد (عليهم السلام) في جبال رضوى، فتأكل من طعامهم، وتشرب من شرابهم، وتتحدَّث معهم في مجالسهم حتَّى يقوم قائمنا أهل البيت، فإذا قام قائمنا بعثهم الله تعالى وأقبلوا معه يلبّون زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون، ويضمحلُّ المنتحلون، وينجو المقرِّبون»(٤٨٧).
ورواه في الكافي في المعتبر عن عمّار بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ثمّ يقال له - أي للمؤمن إذا مات في القبر -: نم نومة العروس على فراشها أبشر بروح وريحان وجنَّة نعيم وربٍّ غير غضبان، ثمّ يزور آل محمّد في جنان رضوى فيأكل معهم من طعامهم ويشرب من شرابهم ويتحدَّث معهم في مجالسهم حتَّى يقوم قائمنا أهل البيت. فإذا قام قائمنا بعثهم الله فأقبلوا معه يُلبّون زمراً زمراً، فعند ذلك يرتاب المبطلون ويضمحلُّ المحلُّون وقليل ما يكونون، هلكت المحاضير ونجا المقرَّبون، من أجل ذلك قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعليٍّ (عليه السلام): أنت أخي وميعاد ما بيني وبينك وادي السلام...» الحديث(٤٨٨).
وبيان الحديث في نقاط:
١) قوله (عليه السلام): «إذا قام قائمنا بعثهم الله تعالى زمراً»، أي بعث أرواح الموتى من المؤمنين كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ (النبأ: ١٨)، وهذا ممَّا يدلُّ على أنَّ التفويج في الرجعة مواكب لبدء الظهور، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً﴾ (النمل: ٨٣).
وقد تقرَّر مبسوطاً في الأدلَّة القرآنية على الرجعة دلالة الآيتين على الرجعة في مقابل حشر القيامة في قوله تعالى: ﴿وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ (الكهف: ٤٧).
فإنَّه لمجموع الناس وجميعهم، فالتفويج إنَّما هو في حشر الرجعة.
٢) إنَّ هذه الرواية تُبيِّن مدى التلاحم الوطيد والارتباط التكويني الوثيق بين عالم الرجعة وعالم ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّ بين العالمين موازاة ومحاذاة في الأحكام التكوينية بدرجة بالغة جدَّاً، وهذا أصل يفتح باباً واسعاً في مباحث الرجعة والظهور، ويكشف عن حقائق الدولة المهدوية للإمام المهدي (عليه السلام) المرتبطة والمتَّصلة بدولة الرجعة ودول الرجعة لآبائه الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام). وبيان وجه كون دولته ابتداءً ومبدأً لمجيء دول الرجعة.
رجعة الأموات قبل الظهور أعجب إعجازاً من الصيحة السماوية:
٣) إنَّ مواكبة أفواج الرجعة لظهور القائم (عليه السلام) سيكون من الآيات الباهرة لظهوره ودولته ولأمر أهل البيت، كما أنَّه قد تقدَّم أنَّ نفس الظهور من أوَّل آيات وعلامات الرجعة، وهذا من تشاهد الآيات لبعضها البعض وآية الرجعة المواكبة لظهوره تُسبِّب ريبة كبرى لدى المخالفين لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) كما سيأتي في رواية أبي بصير.
كما أنَّه سوف تُسبِّب انكشاف المنافقين في صفوف المؤمنين ممَّن ينتحل الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، أي يتقنَّع به في الظاهر دون الباطن، فلا ينجو من هذا الامتحان والافتتان إلَّا المقرَّبين من أهل الإيمان، وهذا يدلُّ على شدَّة هذا الامتحان في المعرفة والبصيرة لاسيّما وأنَّه ظهور جملة من أحكام الملكوت.
٤) إذ كيف يُتصوَّر أنَّ مئات أو آلافاً من الموتى يرجعون إلى الحياة الدنيا فيشاهدهم الأحياء ولا يحصل لديهم ارتباك ولا تشويش، وهم يشاهدون أُناساً جُدُداً لم يولدوا من الأرحام ولا من الأصلاب، وهم يدَّعون المجيء من البرزخ، فلربَّما قائل يقول: (إنَّما هذا سحر)، وآخر يقول: (إنَّ هؤلاء شياطين تكثَّفوا وتجسَّدوا)، وثالث يقول: (إنَّ هؤلاء أتوا من بلدان أُخرى)، ورابع يقول: (إنَّ هؤلاء كُهّان)، وخامس يقول: (إنَّ هؤلاء قد تصرَّفوا في هيئات سيماء وجوههم وأشكالهم على هيأة من مات)، إلى غير ذلك من الأقاويل والظنون التي يتخرَّصها البشر غير العارفين بحقيقة الرجعة وعقيدتها، وهو دالٌّ على مدى الزلزال الذي يصيب أذهان البشر من هول الرجعة وهول أحداث الظهور والتي هي من أحداث الظهور.
٥) إنَّ المجاميع الأُولى الراجعين مع الظهور يمتازون بكمالات خاصَّة من بين سائر المؤمنين، والقرينة في الرواية على ذلك أنَّ في صدر الرواية وصف هؤلاء بزوّار آل محمّد (عليهم السلام) في البرزخ والعشرة معهم في مجالسهم، ومن الواضح بحسب الروايات الواردة في أحوال البرزخ أنَّ جميع المؤمنين لا يرقى إلى تلك الدرجة، بل هذه خاصَّة لمن ارتقى منهم إلى درجات من الإيمان على اختلاف تلك الدرجات في العلوّ.
والقرينة الأُخرى على ذلك أنَّ هؤلاء قد تمَّ اختيارهم للانخراط في صفوف جيش الإمام القائم وبوسام خاصّ وهو كونهم راجعين من البرزخ، فلا بدَّ أن تكون لهم أهلية خاصَّة.
والقرينة الثالثة: أنَّ رجوع هؤلاء لنصرة المهدي (عليه السلام) في ظهوره كوظيفة مقرَّرة لهم، لا أنَّه كخيار يُخيَّرون بينه وبين البقاء في البرزخ، كما ورد في عموم المؤمن الصالح أنَّه يقال له في قبره: «يا هذا، إنَّه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربّك فأقم»(٤٨٩).
رجعة الأموات في رجب قبيل الظهور:
إنَّ رجعة الأموات قبيل الظهور من الميعاد ووعد قرآني لا بداء فيه بخلاف العلامات الخمس المحتومة:
التاسعة والثلاثون: روى أبي بصير، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]، قال: فقال لي: «يا أبا بصير، ما تقول في هذه الآية؟»، قال: قلت: إنَّ المشركين يزعمون ويحلفون لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الله لا يبعث الموتى، قال: فقال: «تباً لمن قال هذا، سَلْهم هل كان المشركون يحلفون بالله أم باللَّات والعزّى؟»، قال: قلت: جُعلت فداك، فأوجدنيه، قال: فقال لي: «يا أبا بصير، لو قد قام قائمنا بعث الله إليه قوماً من شيعتنا قِباع سيوفهم على عواتقهم، فيبلغ ذلك قوماً من شيعتنا لم يموتوا فيقولون: بُعِثَ فلان وفلان وفلان من قبورهم وهم مع القائم، فيبلغ ذلك قوماً من عدوّنا فيقولون: يا معشر الشيعة ما أكذبكم، هذه دولتكم وأنتم تقولون فيها الكذب، لا والله ما عاش هؤلاء ولا يعيشون إلى يوم القيامة»، قال: «فحكى الله قولهم فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾»(٤٩٠). وتتمَّة الآية: ﴿بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾.
والرواية دالّة على آية رابعة في القرآن - بإضافة ما تقدَّم في صدر البحث من الثلاث آيات(٤٩١) في ثلاث سور -، دالّة بوضوح على أنَّ الرجعة قبيل الظهور من الوعد الإلهي القرآني، بل مع الآية الأُولى في صدر البحث فهذه ثلاث آيات في سور متعدِّدة دالّة على هذا الوعد بالخصوص.
الأربعون: روى أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: كنّا عند أبي جعفر محمّد بن علي الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: «نعم»، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم. فقال: «إنَّ القائم من الميعاد، والله لا يخلف الميعاد»(٤٩٢).
والرواية دالّة بوضوح على وقوع البداء في العلامات المحتومة الخمس من السفياني أو الحسني أو اليماني أو الصيحة أو الخسف بالبيداء أو قتل النفس الزكيَّة، إمَّا في أصل وقوع هذه العلامات أو في تفاصيلها، فليس من الضروري وقوع تفاصيل ما ذُكِرَ من الأحداث لكلِّ علامة بلا تغيير.
وهذا يُبيِّن وجه اختلاف الروايات في ذكر التفاصيل لكلِّ علامة، فلعلَّه لأجل بيان الاحتمالات المتعدِّدة في عالم القضاء والتقدير الإلهي لتلك العلامات بحسب ما يقوم به المؤمنون من أداء للمسؤولية وتعهّد وجدّية ومثابرة في كفاح العدوّ وإعداد واستعداد، أو لا سمح الله تقاعس واستكانة وضعف وتخاذل.
وهذا لا ينافي كون هذه العلامات من المحتوم، والذي وُصِفَ بأنَّه لا بدَّ منه، كالذي رواه الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنَّ من الأُمور أُموراً موقوفة وأُموراً محتومة، وإنَّ السفياني من المحتوم الذي لا بدَّ منه»(٤٩٣)، إلَّا أنَّ المحتوم لا يأبى أن تقع فيه المشيَّة الإلهية بالتغيير والبداء كما يأتي في الرواية اللاحقة أيضاً، كالذي وقع في قوم يونس: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (يونس: ٩٨)، فإنَّ عذابهم كان من المحتوم قد أنبأهم به النبيُّ يونس (عليه السلام)، ومعنى حتميته توفّر أرضية وقوعه وتواجد أسباب حصوله، وحيث إنَّه لم يقع بعد فللّه فيه المشيَّة بعد ما دام لم يُبرَم وجوده ولم يفض حدوثه.
الواحدة والأربعون: روى النعماني بسنده عن حمران بن أعين، عن أبي جعفر محمّد بن علي (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، فقال: «إنَّهما أجلان: أجل محتوم، وأجل موقوف»، فقال له حمران: ما المحتوم؟ قال: «الذي لله فيه المشيئة»، قال حمران: إنّي لأرجو أن يكون أجل السفياني من الموقوف. فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا والله إنَّه لمن المحتوم»(٤٩٤).
وصحيح آخر - أعلائي - لحمران أنَّه سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، قال: «نعم ليلة القدر وهي في كلِّ سنة في شهر رمضان في العشر الأواخر، فلم ينزل القرآن إلَّا في ليلة القدر، قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]»، قال: «يُقدِّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير وشرّ وطاعة ومعصية ومولود وأجل أو رزق، فما قُدِّر في تلك السنة وقضي فهو المحتوم ولله (عزَّ وجلَّ) فيه المشيئة»(٤٩٥).
الثانية والأربعون: روى القمّي في تفسيره: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٣٨]، فإنَّه حدَّثني أبي، عن بعض رجاله يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «ما يقول الناس فيها؟»، قال: يقولون: نزلت في الكفّار. قال: «إنَّ الكفّار كانوا لا يحلفون بالله، وإنَّما نزلت في قوم من أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) قيل لهم: ترجعون بعد الموت قبل القيامة، فحلفوا أنَّهم لا يرجعون، فردَّ الله عليهم فقال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩]، يعني في الرجعة يردّهم فيقتلهم ويشفي صدور المؤمنين فيهم»(٤٩٦).
تمهيد الراجعين الحجازَ للظهور:
الثالثة والأربعون: روى الصدوق بسنده عن العوّام بن الزبير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يقبل القائم (عليه السلام) في خمسة وأربعين رجلاً من تسعة أحياء: من حي رجل، ومن حي رجلان، ومن حي ثلاثة، ومن حي أربعة، ومن حي خمسة، ومن حي ستَّة، ومن حي سبعة، ومن حي ثمانية، ومن حي تسعة، ولا يزال كذلك حتَّى يجتمع له العدد»(٤٩٧).
قد تقدَّمت عدَّة روايات بطرق متعدِّدة أنَّ المهدي (عليه السلام) يُخرِج من ظهر الكعبة أو من الكوفة السبعة وعشرين رجلاً من الأموات، ولا تنافي بين تسمية المكانين لعدَّة وجوه ذكرناها في ذيل إحدى روايات المقام، بل إنَّ في التثنية مزيد تأكيد على الصلة والارتباط بينه وبينهم في كلا المكانين أي الكوفة ومكّة، وأنَّ تخصيص ذكرهم وارتباطهم به إشارة إلى أهمّية خاصَّة لدورهم معه، وأنَّ تعدّد ذكر مكان رجعتهم ليس اشتباهاً من الرواة في النقل.
تدرّج توافد أصحاب المهدي (عليه السلام) عنده بدءاً بالسبعة وعشرين:
الرابعة والأربعون: روى العيّاشي عن عبد الأعلى الجبلي (الحلبي)، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب - ثمّ أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى -، حتَّى إذا كان قبل خروجه بليلتين انتهى المولى الذي يكون بين يديه حتَّى يلقى بعض أصحابه، فيقول: كم أنتم هاهنا؟ فيقولون: نحو من أربعين رجلاً، فيقول: كيف أنتم لو قد رأيتم صاحبكم؟ فيقولون: والله لو يأوي بنا الجبال لآويناها معه، ثمّ يأتيهم من القابلة (القابل خ) فيقول لهم: أشيروا إلى ذوي أسنانكم وأخياركم عشرة، فيشيرون له إليهم، فينطلق بهم حتَّى يأتون صاحبهم، ويعدهم إلى الليلة التي تليها».
ثمّ قال أبو جعفر: «والله لكأنّي أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر، ثمّ ينشد الله حقَّه، ثمّ يقول: يا أيّها الناس، من يحاجّني في الله فأنا أولى الناس بالله، ومن يحاجّني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، يا أيّها الناس من يحاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، يا أيّها الناس من يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى بإبراهيم، يا أيّها الناس من يحاجّني في موسى فأنا أولى الناس بموسى، يا أيّها الناس من يحاجّني في عيسى فأنا أولى الناس بعيسى، يا أيّها الناس من يحاجّني في محمّد فأنا أولى الناس بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، يا أيّها الناس من يحاجّني في كتاب الله فأنا أولى بكتاب الله، ثمّ ينتهي إلى المقام فيُصلّي [عنده] ركعتين، ثمّ ينشد الله حقَّه».
قال أبو جعفر (عليه السلام): «هو والله المضطرُّ في كتاب الله، وهو قول الله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرضِ﴾ [النمل: ٦٢]، وجبرئيل على الميزاب في صورة طاير أبيض، فيكون أوَّل خلق الله يبايعه جبرئيل، ويبايعه الثلاثمائة والبضعة عشر رجلاً».
قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «فمن ابتلى في المسير وافاه في تلك الساعة، ومن لم يبتل بالمسير فُقِدَ عن فراشه»، ثمّ قال: «هو والله قول علي بن أبي طالب (عليه السلام): المفقودون عن فرشهم، وهو قول الله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ١٤٨]، أصحاب القائم الثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً»، قال: «هم والله الأُمَّة المعدودة التي قال الله في كتابه: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ [هود: ٨]»، قال: «يُجمَعون في ساعة واحدة قزعاً كقزع الخريف، فيصبح بمكّة، فيدعو الناس إلى كتاب الله وسُنَّة نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فيجيبه نفر يسير، ويستعمل على مكّة، ثمّ يسير فيبلغه أن قد قُتِلَ عامله فيرجع إليهم فيقتل المقاتلة لا يزيد على ذلك شيئاً يعنى السبي، ثمّ ينطلق فيدعو الناس...»(٤٩٨).
واشتمال الرواية على أنَّ الدفعة الأُولى ممَّن يتوافد من أصحابه عليه هم أربعون لا يتنافى مع كون المجموعة الأُولى هي السبعة والعشرين حيث خصَّتهم بالعدد والاسم جملة من الروايات، وأنَّه يُخرِجهم ويُظهِرهم من الكعبة أو من ظهر البيت، وفي بعضها أنَّه يُخرِجهم من الكوفة، ولا تنافي بينهما كما أوضحنا في ذيل بعض الروايات في المقام.
وسيأتي تخصيص ذكر خمسين منهم أنَّهم من أهل الكوفة، وانطباق ذلك على السبعة وعشرين بالتضمّن وتمييز تخصيص لهم، وقد مرَّ أنَّ جابر الجعفي أوَّل من يُسلِّم على القائم (عليه السلام)(٤٩٩).
تعجيل أصحاب المهدي (عليه السلام) له بالظهور:
الخامسة والرابعون: وعن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل، إلى أن قال: «يقول القائم (عليه السلام) لأصحابه: يا قوم، إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسل إليهم لأحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن يحتجَّ عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه فيقول له: امض إلى أهل مكّة فقل: يا أهل مكّة، أنا رسول فلان إليكم، وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة والخلافة، ونحن ذرّية محمّد وسلالة النبيّين، وإنّا قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا وابتُزَّ منّا حقّنا منذ قُبِضَ نبيّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصركم فانصرونا. فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس الزكيَّة، فإذا بلغ ذلك الإمام قال لأصحابه: ألَا أخبرتكم أنَّ أهل مكّة لا يريدوننا؟ فلا يدعونه حتَّى يخرج فيهبط من عقبة طوى في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدَّة أهل بدر حتَّى يأتي المسجد الحرام فيُصلّي فيه عند مقام إبراهيم أربع ركعات، ويُسنِد ظهره إلى الحجر الأسود، ثمّ يحمد الله ويثني عليه، ويذكر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ويُصلّي عليه ويتكلَّم بكلام لم يتكلَّم به أحد من الناس. فيكون أوَّل من يضرب على يده ويبايعه جبرئيل وميكائيل، ويقوم معهما رسول الله وأمير المؤمنين فيدفعان إليه كتاباً جديداً هو على العرب شديد بخاتم رطب، فيقولون له: اعمل بما فيه، ويبايعه الثلاثمائة وقليل من أهل مكّة...» الحديث(٥٠٠).
لا يخفى أنَّ كون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) متواجدين لا يُراد به رجوعهما إلى الدنيا ورجعتهما بل نزولهما، وقد مرَّ الفرق بين النزول كتنزّل الملائكة غير المرئي وبين الرجعة والرجوع الذي هو خروج بالجسد الدنيوي من القبر، وفي بعض الروايات أنَّهما أوَّل من يصافح المهدي (عليه السلام)، أي مصافحة وبيعة تخويل وتنويب منهما له وإذن منهما له.
وروى عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «ينادى باسم القائم فيُؤتى وهو خلف المقام، فيقال له: قد نودي باسمك فما تنتظر؟ ثمّ يُؤخَذ بيده فيبايع». قال: قال لي زرارة: الحمد لله قد كنّا نسمع أنَّ القائم (عليه السلام) يُبايَع مستكرهاً فلم نكن نعلم وجه استكراهه، فعلمنا أنَّه استكراه لا إثم فيه(٥٠١).
السادسة والأربعون: روى الحسيني النيلي في (سرور أهل الإيمان) وبإسناد يرفعه إلى علي بن الحسين (عليه السلام) في ذكر القائم (عليه السلام) في خبر طويل، قال: «فيجلس تحت شجرة سمرة، فيجيئه جبرئيل في صورة رجل من كلب، فيقول: يا عبد الله، ما يُجلِسك هاهنا؟ فيقول: يا عبد الله، إنّي أنتظر أن يأتيني العشاء فأخرج في دُبُره إلى مكّة، وأكره أن أخرج في هذا الحرّ»، قال: «فيضحك، فإذا ضحك عرفه أنَّه جبرئيل»، قال: «فيأخذ بيده ويصافحه، ويُسلِّم عليه، ويقول له: قم، ويجيئه بفرس يقال له: البراق، فيركبه ثمّ يأتي إلى جبل رضوى، فيأتي محمّد وعلي فيكتبان له عهداً منشوراً يقرؤه على الناس، ثمّ يخرج إلى مكّة والناس يجتمعون بها». قال: «فيقوم رجل منه فينادي: أيّها الناس، هذا طلبتكم قد جاءكم، يدعوكم إلى ما دعاكم إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)»، قال: «فيقومون»، قال: «فيقوم هو بنفسه، فيقول: أيّها الناس أنا فلان بن فلان، أنا ابن نبيِّ الله، أدعوكم إلى ما دعاكم إليه نبيّ الله. فيقومون إليه ليقتلوه، فيقوم ثلاثمائة وينيف على الثلاثمائة فيمنعونه منه، خمسون من أهل الكوفة، وسائرهم من أفناء الناس، لا يعرف بعضهم بعضاً، اجتمعوا على غير ميعاد»(٥٠٢).
ولعلَّ التقييد والتخصيص بالذكر للخمسين بأنَّهم من أهل الكوفة إشارة للسبعة وعشرين حيث يُخرِجهم المهدي من ظهر الكوفة، ونسبتهم للكوفة بهذا اللحاظ، لاسيّما وأنَّهم يقومون بأدوار مميَّزة في الكوفة، وتمييز ذكرهم من باقي الثلاثمائة ونيف لعلوّ رتبتهم في أصحابه، وقد مرَّ أنَّ جابر الجعفي أوَّل من يُسلِّم على القائم (عليه السلام).
وأمَّا ذكر ذهاب المهدي (عليه السلام) إلى جبال رضوى والتقائه بالنبيِّ ووصيّه (عليه السلام)، فهو إشارة إلى ما ذُكِرَ في عدَّة روايات تقدَّم إحداها(٥٠٣) من أنَّ جبال رضوى موقع تعلّق الوجود البرزخي للجنَّة البرزخية لآل محمّد، ولا ريب في وجود طريق تواصل بين الإمام الحيّ وبين أهل البرزخ، إذ الإمام له تواصل مع العرش والكرسي، فكيف بنشأة البرزخ التي هي على هامش وجود الدنيا الأرضية.
السابعة والأربعون: وروى الخصيبي بسنده عن المفضَّل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل عن المهدي (عليه السلام) وظهوره والرجعة: «... ثمّ يظهر بمكّة، والله يا مفضَّل كأنّي أنظر إليه وهو داخل مكّة وعليه بردة جدّه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعلى رأسه عمامة صفراء وفي رجله نعل رسول الله المخصوفة وفي يده هراوة يسوق بين يديه عنوز عجاف حتَّى يقبل بها نحو البيت، وليس أحد يوقّته، ويظهر وهو شاب غرنوق»، فقال له المفضَّل: يا سيِّدي، يعود شابَّاً ويظهر في شيعته؟ قال: «سبحان الله وهل يغرب عليك، يظهر كيف شاء وبأيِّ صورة، إذا جاءه الأمر من الله جلَّ ذكره»، قال المفضَّل: يا سيِّدي، فيمن يظهر وكيف يظهر؟ قال: «يا مفضَّل، يظهر وحده ويأتي البيت وحده، فإذا نامت العيون ووسق الليل نزل جبرائيل وميكائيل والملائكة صفوفاً، فيقول له جبريل: يا سيِّدي، قولك مقبول وأمرك جائز، ويمسح يده على وجهه ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ [الزمر: ٧٤]، ثمّ يقف بين الركن والمقام ويصرخ صرخة ويقول: معاشر نقبائي وأهل خاصَّتي ومن ذخرهم الله لظهوري على وجه الأرض ائتوني طائعين، فتورد صيحته عليهم وهم في محاريبهم وعلى فرشهم وهم في شرق الأرض وغربها، فيسمعوا صيحة واحدة في أُذُن رجل واحد فيجيئوا نحوه، ولا يمضي لهم إلَّا كلمح البصر حتَّى يكونوا بين يديه بين الركن والمقام، فيأمر الله النور أن يصير عموداً من الأرض إلى السماء، فيستضيء به كلّ مؤمن على وجه الأرض، ويدخل عليه نوره في بيته، فتفرح نفوس المؤمنين بذلك النور وهم لا يعلمون بظهور قائمنا (عليه السلام)، ثمّ تصبح نقباؤه بين يديه وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر نفراً بعدد أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بيوم بدر...» الحديث(٥٠٤).
الثامنة والأربعون: روى المفضَّل بن عمر قال: ذكرنا القائم (عليه السلام) ومن مات من أصحابنا ينتظره، فقال لنا أبو عبد الله (عليه السلام): «إذا قام أُتي المؤمن في قبره فيقال له: يا هذا، إنَّه قد ظهر صاحبك، فإن تشأ أن تلحق به فالحق، وإن تشأ أن تقيم في كرامة ربِّك فأقم»(٥٠٥).
للمهدي (عليه السلام) ظهور أصغر وأكبر:
قد تقدَّم الإشارة إلى أنَّه (عليه السلام) له ظهور خفي وظهور جلي، والأوَّل بدؤه إمَّا في الكوفة أو ما بين المدينة ومكّة، والثاني هو الذي يسند ظهره إلى الكعبة ويعقد البيعة.
أمَّا الأوَّل فيدلُّ عليه جملة من القرائن:
منها: أنَّه قد جُعِلَ غاية الغيبة الكبرى في التوقيع الشريف الذي صدر للنائب الرابع السمري هو الصيحة السماوية وخروج السفياني، وهما يقعان في يوم واحد، وهو أوَّل رجب أي قبل الظهور الأكبر العلني بستَّة أشهر:
«... فقد وقعت الغيبة الثانية [التامَّة] فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر»(٥٠٦).
القرينة الأُولى: ما مرَّ في روايات متعدِّدة أن السبعة وعشرين من الموتى الذين يرجعون يُرجِعهم المهدي (عليه السلام) من ظهر الكوفة، وهم يرجعون كما في روايات أُخرى في رجب، وهم يُمهِّدون ويُوطِّئون الكوفة للظهور أي للظهور الأكبر، ممَّا يشير إلى أنَّ إخراج المهدي (عليه السلام) لهم وإحيائه لهم بدء لعمليات خطوات الظهور في الكوفة، وقد أشرنا في مواضع من أبواب الرجعة أنَّها يُجريها الله تعالى على يدي الإمام المعصوم (عليه السلام)، ومن ثَمَّ فإنَّ أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هم أصحاب النشر والحشر.
القرينة الثانية: ما رواه العيّاشي عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام) - في علامات الظهور -: «... وإنَّ أهل الشام يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: الأصهب والأبقع والسفياني، ومن معه بني ذنب الحمار مضر، ومع السفياني أخواله من كلب فيظهر السفياني ومن معه على بني ذنب الحمار حتَّى يُقتَلوا قتلاً لم يقتله شيء قطّ، ويحضر رجل بدمشق فيُقتَل هو ومن معه قتلاً لم يقتله شيء قطّ، وهو من بني ذنب الحمار، وهي الآية التي يقول الله تبارك وتعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [مريم: ٣٧]، ويظهر السفياني ومن معه حتَّى لا يكون له همَّة إلَّا آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وشيعتهم، فيبعث بعثاً إلى الكوفة، فيصاب بأُناس من شيعة آل محمّد بالكوفة قتلاً وصلباً، وتقبل راية من خراسان حتَّى تنزل ساحل الدجلة يخرج رجل من الموالي ضعيف ومن تبعه، فيصاب بظهر الكوفة، ويبعث بعثاً إلى المدينة فيقتل بها رجلاً ويهرب المهدي والمنصور منها، ويُؤخَذ آل محمّد صغيرهم وكبيرهم لا يُترَك منهم أحد إلَّا حُبِسَ، ويخرج الجيش في طلب الرجلين، ويخرج المهدي منها على سُنَّة موسى خائفاً يترقَّب حتَّى يقدم مكّة، وتقبل الجيش حتَّى إذا نزلوا البيداء وهو جيش الهملات خُسِفَ بهم، فلا يفلت منهم إلَّا مخبر، فيقوم القائم بين الركن والمقام فيُصلّي وينصرف ومعه وزيره...»(٥٠٧).
والظاهر أنَّ اختفاء (يهرب) المهدي والمنصور وزيره من الكوفة أوَّلاً، لأنَّ الكلام في الرواية عن الكوفة وإن ذُكِرَ بعث جيش السفياني إلى المدينة في عرض الكلام، بقرينة قوله (عليه السلام) بعد ذلك: «ويخرج الجيش في طلب الرجلين - أي بعد ما هربا -، ويخرج المهدي منها على سُنَّة موسى»، فهذا الخروج الثاني هو من المدينة إلى مكّة، وإن احتمل بعيداً أنَّه عطف تفسيري للهروب السابق ذكره.
وعلى ذلك يتطابق مفاد الرواية مع ما يظهر من مفاد الروايات السابقة من أنَّ بدأ حركته (عليه السلام) في الظهور الأصغر هي من الكوفة ثمّ ينتقل إلى المدينة ابتعاداً عن سيطرة جيوب فلول السفياني.
وأنَّ السبعة وعشرين يرتبطون بالمهدي (عليه السلام) منذ أوَّل رجوعهم إلى الحياة الدنيا في ظهر الكوفة، ويقومون بالتمهيد والتوطئة للظهور بالتنسيق معه (عليه السلام)، فضلاً عمَّا يقومون به من تمهيد وتوطئة في أرض الحجاز المدينة ومكّة.
وعلى كلا الاحتمالين فإنَّ الرواية دالّة على حركة ظهور - تبدأ في أوَّل رجب عند وقوع الصيحة - متوسّطة ما بين الخفاء والعلانية للمهدي (عليه السلام) قبل ظهوره المعلن.
القرينة الثالثة: ومثل الرواية السابقة في الدلالة روايات رواها ابن حمّاد في (الفتن)، فقد روى بسنده عن أرطأة، قال: يدخل السفياني الكوفي فيسبيها ثلاثة أيّام ويقتل من أهلها ستّين ألفاً، ثمّ يمكث فيها ثمانية عشر ليلة يُقسِّم أموالها، ودخوله مكّة بعدما يقاتل الترك والروم بقرقيسياء، ثمّ ينفتق عليهم خلفهم فتق فترجع طائفة منهم إلى خراسان، فتقبل خيل السفياني ويهدم الحصون حتَّى يدخل الكوفة، ويطلب أهل خراسان ويظهر بخراسان قوم يدعون إلى المهدي، ثمّ يبعث السفياني إلى المدينة فيأخذ قوماً من آل محمّد حتَّى يرد بهم الكوفة، ثمّ يخرج المهدي ومنصور من الكوفة هاربين، ويبعث السفياني في طلبهما، فإذا بلغ المهدي ومنصور مكّة نزل جيش السفياني البيداء فيُخسَف بهم، ثمّ يخرج المهدي حتَّى يمرَّ بالمدينة فيستنقذ من كان فيها من بني هاشم، وتقبل الرايات السود حتَّى تنزل على الماء، فيبلغ من بالكوفة من أصحاب السفياني نزولهم فيهربون، ثمّ ينزل الكوفة حتَّى يستنقذ من فيها من بني هاشم، ويخرج قوم من سواد الكوفة يقال لهم: العُصُب ليس معهم سلاح إلَّا قليل، وفيهم نفر من أهل البصرة، فيدركون أصحاب السفياني فيستنقذون ما في أيديهم من سبي الكوفة، وتبعث الرايات السود بالبيعة إلى المهدي»(٥٠٨).
وروى أيضاً ابن حمّاد في (الفتن) بسنده عن أبي رومان، عن علي، قال: «يُبعَث بجيش إلى المدينة فيأخذون من قدروا عليه من آل محمّد (صلّى الله عليه وسلّم)، ويُقتَل من بني هاشم رجال ونساء، فعند ذلك يهرب المهدي والمبيض [المنصور] من المدينة إلى مكّة فيبعث في طلبهما وقد لحقا بحرم الله وأمنه»(٥٠٩).
وروى نعيم بن حمّاد، قال: حدَّثنا الوليد، عن أبي عبد الله، عن عبد الكريم، عن ابن الحنفية، قال: (بين خروج الراية السوداء من خراسان وشعيب بن صالح وخروج المهدي وبين أن يُسلِّم الأمر للمهدي اثنان وسبعون شهراً)(٥١٠).
ولعلَّ التفرقة بين خروجه (عليه السلام) وبين تسليم الأمر إليه إشارة إلى تعدّد ظهوره إلى الأصغر والأكبر، لاسيّما وأنَّ الأوَّل كما مرَّ مزامن لخروج الرايات من خراسان أي خروج الحسني وهو أوَّل رجب.
القرينة الرابعة: وروى حذلم بن بشير، قال: قلت لعلي بن الحسين (عليه السلام): صف لي خروج المهدي وعرِّفني دلائله وعلاماته؟ فقال: «... ثمّ يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند. ثمّ يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثمّ يخرج بعد ذلك»(٥١١).
وفي الرواية دلالة على بدء خروج وظهور للمهدي، لكنَّه يختفي بمقدار نسبياً بظهور وتصاعد مدّ السفياني، وهذا متطابق مع بقيَّة الروايات الدالّة على اختفائه من الكوفة أو من المدينة إلى مكّة قبيل الظهور الأكبر.
القرينة الخامسة: ما رواه النعماني بسنده عن الحارث الهمداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «المهدي أقبل، جعد، بخدِّه خال، يكون من قِبَل المشرق، وإذا كان ذلك خرج السفياني، فيملك قدر حمل امرأة تسعة أشهر...»(٥١٢).
فقوله (عليه السلام): «يكون من قِبَل المشرق» أي خروج وظهور أصغر للمهدي (عليه السلام) وهو الكوفة، وأنَّه يزامن ظهوره الأصغر خروج السفياني في رجب.
مجريات شعيب بن صالح، وهو ممَّن يرجع قبل الظهور:
١) روى الراوندي في (الخرائج والجرائح): (أمَّا شعيب بن صالح، فقد ذكر بن بابويه في كتابه النبوَّة بإسناده عن سهل بن سعيد أنَّه...)، وأيضاً قال الراوندي في (قصص الأنبياء): (أخبرنا السيِّد ذو الفقار بن معبد الحسني، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي، عن الشيخ المفيد، عن أبي جعفر بن بابويه: حدَّثنا محمّد بن موسى المتوكّل، قال: حدَّثنا علي بن الحسين السعد آبادي، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسن بن محبوب، عن يحيى بن زكريا، عن سهل بن سعيد، قال:
بعثني هشام بن عبد الملك أستخرج له بئراً في رصافة عبد الملك، فحفرنا فيها مائتي قامة، ثمّ بدت جمجمة رجل طويل، فحفرنا ما حولها، فإذا رجل قائم على صخرة عليه ثياب بيض، وإذا كفّه اليمنى على رأسه على موضع ضربة برأسه، فكنّا إذا نحّينا يده عن رأسه سالت الدماء، وإذا تركناها عادت فسدَّت الجرح، وإذا في ثوبه مكتوب: (أنا شعيب بن صالح، رسول رسول الله شعيب النبيّ (عليه السلام) إلى قومه، فضربوني وأضرّوا بي، وطرحوني في هذا الجبّ وهالوا عليَّ التراب)، فكتبناها إلى هشام بما رأينا، فكتب إلينا: أعيدوا عليه التراب)(٥١٣).
وظاهر كلام الراوندي في (الخرائج) في موضعين تطبيق الشخص المسمّى بشعيب بن صالح الذي يكون على مقدمة جيش الحسني ثمّ جيش المهدي (عليه السلام)، هو هذا الذي كان رسول رسول الله شعيب بن صالح، وقد قُتِلَ في الشام.
أي إنَّه يُحيى مرَّة أُخرى ويكون من أهل الرجعة والكرَّة قبيل الظهور، والأوصاف التي ذُكِرَت في جملة أُخرى من الروايات تكاد تُؤيِّد هذا الاحتمال، ففي بعضها أنَّه من الموالي أي فيكون مولى لبني تميم، وأنَّه أصفر، ونحو ذلك.
٢) وروى حذلم بن بشير، قال: قلت لعلي بن الحسين (عليهما السلام): صف لي خروج المهدي، وعرِّفني دلائله وعلاماته، فقال: «يكون قبل خروجه خروج رجل يقال له: عوف السلمي بأرض الجزيرة، ويكون مأواه تكريت، وقتله بمسجد دمشق، ثمّ يكون خروج شعيب بن صالح من سمرقند، ثمّ يخرج السفياني الملعون من الوادي اليابس وهو من ولد عتبة بن أبي سفيان، فإذا ظهر السفياني اختفى المهدي ثمّ يخرج بعد ذلك...»(٥١٤).
٣) في رواية الخصيبي الطويلة عن المفضَّل، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح من نحو الديلم يصيح بصوت فصيح: يا آل محمّد، أجيبوا الملهوف والمنادي من حول الضريح، فتجيبه كنوز الله بالطالقان كنوزاً وأيّ كنوز ليست من فضَّة ولا من ذهب بل رجال كزبر الحديد، كأنّي أنظر إليهم على البراذين الشهب في أيديهم الحراب يتعاوون شوقاً للحرب كما تتعاوى الذئاب، أميرهم رجل من تميم يقال له: شعيب بن صالح، فيقبل الحسني اليهم وجهه كدايرة البدر يريع الناس جمالاً أنيقاً، فيعفي على أثر الظلمة، فيأخذ بسيفه الكبير والصغير والعظيم والوضيع، ثمّ يسير بتلك الرايات كلّها حتَّى يرد الكوفة، وقد صفا أكثر الأرض، فيجعلها له معقلاً، ويتَّصل به وبأصحابه خبر المهدي (عليه السلام)، فيقولون: يا بن رسول الله، من هذا الذي نزل بساحتنا؟ فيقول: أُخرجوا بنا إليه حتَّى ننظره من هو وما يريد، والله ويعلم أنَّه المهدي...»(٥١٥).
ومفاد الرواية كالعديد من الروايات الأُخرى أنَّ مدّ وجيوب وفلول السفياني تنحسر وتهزم عن أكثر المناطق بتوسّط الحسني وغيره من الرايات المناصرة لآل محمّد قبل مجيء جيش المهدي (عليه السلام) من مكّة.
٤) وروى الطوسي بسنده عن عمّار بن ياسر أنَّه قال: (إنَّ دولة أهل بيت نبيّكم في آخر الزمان، ولها أمارات...، وينادي منادٍ من سور دمشق: ويل لأهل الأرض من شرٍّ قد اقترب، ويُخسَف بغربي مسجدها حتَّى يخرَّ حائطها، ويظهر ثلاثة نفر بالشام كلّهم يطلب الملك، رجل أبقع، ورجل أصهب، ورجل من أهل بيت أبي سفيان يخرج في كلب، ويحضر الناس بدمشق، ويخرج أهل الغرب إلى مصر. فإذا دخلوا فتلك أمارة السفياني، ويخرج قبل ذلك من يدعو لآل محمّد (عليهم السلام)، وتنزل الترك الحيرة، وتنزل الروم فلسطين، ويسبق عبد الله حتَّى يلتقي جنودهما بقرقيسياء على النهر، ويكون قتال عظيم، ويسير صاحب المغرب فيقتل الرجال ويسبي النساء، ثمّ يرجع في قيس حتَّى ينزل الجزيرة السفياني، فيسبق اليماني [فيقتل] ويحوز السفياني ما جمعوا. ثمّ يسير إلى الكوفة فيقتل أعوان آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ويقتل رجلاً من مسمّيهم. ثمّ يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح، وإذا رأى أهل الشام قد اجتمع أمرها على ابن أبي سفيان فألحقوا بمكّة، فعند ذلك تُقتَل النفس الزكيَّة وأخوه بمكّة ضيعة، فينادي منادٍ من السماء: أيّها الناس، إنَّ أميركم فلان، وذلك هو المهدي الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٥١٦).
فلسفة البداء في علامات الظهور المحتومة:
٥) روى نعيم، قال: حدَّثنا الوليد بن مسلم، عن أبي عبد الله، عن عبد الكريم أبي أُميَّة، عن محمّد بن الحنفية، قال: (تخرج راية سوداء لبني العبّاس، ثمّ تخرج من خراسان أُخرى سوداء، قلانسهم سود وثيابهم بيض، على مقدمتهم رجل يقال له: شعيب بن صالح بن شعيب من تميم، يهزمون أصحاب السفياني حتَّى ينزل ببيت المقدس، ويُوطِّئ للمهدي سلطانه، ويمدُّ إليه ثلاثمائة من الشام، يكون بين خروجه وبين أن يُسلِّم الأمر للمهدي اثنان وسبعون شهراً)(٥١٧).
وهذه الرواية قريبة مفادها من رواية الخصيبي في الهداية من أنَّ دحر وهزيمة السفياني بل وفتح الشام قد يُقدَّر أن تتمَّ قبل الظهور الأكبر للمهدي (عليه السلام).
وأمَّا الكوفة فكثير من الروايات دالّة على تطهيرها من فلول وجيوب السفياني قبل مجيء المهدي (عليه السلام) لها بجيشه العشرة آلاف رجل من مكّة.
وهذه التقادير المذكورة في جملة من الروايات من دحر ووأد فتنة السفياني في مهدها قبل امتدادها إلى كثير من البلدان، لا تنافي كثير من الروايات الأُخرى الدالّة على تمدّد جيوبه وفلوله إليها، وذلك لما مرَّ في طائفة ثالثة من الروايات من السفياني وإن كان من المحتوم إلَّا أنَّ لله فيه المشيَّة والبداء والتغيير، سواء في أصل حركته أو في تفاصيلها.
ومن ثَمَّ فبقدر تحمّل المؤمنين المسؤولية وثقل الكفاح والجهاد فإنَّهم يُكتَب لهم النصر والنجاح.
وهذا معنى وفلسفة البداء والمشيَّة الإلهية في العلامات المحتومة، ومن ثَمَّ فلا تضارب في مفاد واختلاف تفاصيل روايات علائم الظهور بعد حملها على تعدّد التقادير الإلهية بحسب تحمّل المسؤولية، فلا جبر ولا تفويض، بل أمر بين أمرين، وهذا أحد أعظم معاني البداء والمشيَّة.
٦) وروى نعيم: حدَّثنا الوليد ورشدين، عن ابن لهيعة، عن أبي قبيل، عن أبي رومان، عن علي (رضي الله عنه)، قال: «إذا هزمت الرايات السود خيل السفياني التي فيها شعيب بن صالح تمنّى الناس المهدي فيطلبونه فيخرج من مكّة ومعه راية النبيِّ (صلّى الله عليه وسلّم) فيُصلّي ركعتين بعد أن يئس الناس من خروجه لما طال عليهم من البلاء، فإذا فرغ من صلاته انصرف فقال: أيّها الناس، ألحَّ البلاء بأُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وسلّم) وبأهل بيته خاصَّة قُهرنا وبُغي علينا»(٥١٨).
ومفادها كما تقدَّم في جملة من الروايات أنَّ جيوب وفلول السفياني تنهزم وتندحر قبل مجيء جيش المهدي إلى الكوفة من مكّة، بل قبل أخذ البيعة للمهدي (عليه السلام) عند الكعبة.
للمهدي (عليه السلام) دولتان:
ذهب الشيخ محمّد علي آل عبد الجبّار أنَّ ما ورد في دولة وظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ليس كلّها في دولة الظهور، بل بعضها في دولته في الرجعة، وما ذكره من تعدّد الدولة للمهدي (عليه السلام) على مقتضى القاعدة من أنَّ كُلَّ إمام يرجع مع أهل قرنه ويقيم دولة الرجعة.
رجعة الأشرار عند الظهور:
١) روى في مختصر بصائر الدرجات صحيح أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: من أراد أن يقاتل شيعة الدجّال فليقاتل الباكي على دم عثمان، والباكي على أهل النهروان، إنَّ من لقى الله (عزَّ وجلَّ) مؤمناً بأنَّ عثمان قُتِلَ مظلوماً لقي الله (عزَّ وجلَّ) ساخطاً عليه ويدرك الدجّال، فقال رجل: يا أمير المؤمنين، فإن مات قبل ذلك؟ قال: يُبعَث من قبره حتَّى يؤمن به وإن رغم أنفه»(٥١٩).
٢) وروى أيضاً بسنده عن أبي بصير، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت: إنّا نتحدَّث أنَّ عمر بن ذرّ لا يموت حتَّى يقاتل قائم آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «إنَّ مثل ابن ذرّ مثل رجل في بني إسرائيل يقال له: عبد ربّه، وكان يدعو أصحابه إلى ضلالة، فمات فكانوا يلوذون بقبره ويتحدَّثون عنده، إذا خرج عليهم من قبره ينفض التراب من رأسه ويقول لهم: كيت وكيت»(٥٢٠).
روى البسوي في (المعرفة والتاريخ): حدَّثنا ابن نمير، حدَّثنا محمّد بن الصلت، حدَّثنا منصور بن أبي الأسود، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن حذيفة: (من كان مخرج الدجّال تبعه، فإن مات قبل أن يخرج آمن به في قبره)(٥٢١).
قيل: إنَّ في الحديث سقط أو إسقاط اسم (عثمان)، وممَّا يدلُّ على ذلك قول الفسوي وهو يحاول ردّ روايات (زيد بن وهب) قائلاً:
(وهذا ممَّا يُستَدلُّ به على ضعف حديث زيد، كيف يقول في الحديث الأوَّل: إن خرج الدجّال تبعه من كان يُحِبُّ عثمان، وإن كان قد مات آمن به في قبره، ثمّ جعل قتله أوَّل الفتن)(٥٢٢).
وزيد بن وهب تابعي كبير من رجال الصحيحين في السنن.
قال الذهبي مشيراً إلى رواية الفسوي مدافعاً عن (زيد بن وهب): (زيد بن وهب من أجلَّة التابعين وثقاتهم، ومتَّفق على الاحتجاج به. إلَّا ما كان من يعقوب الفسوي، فإنَّه قال في تاريخه: في حديثه خلل كثير، ولم يصب الفسوي. ثمّ إنَّه ساق من روايته قول عمر: يا حذيفة، بالله أنا من المنافقين؟ قال: وهذا محال أخاف أن يكون كذباً. قال: وممَّا يُستَدلُّ به على ضعف حديثه روايته عن حذيفة: إن خرج الدجّال تبعه من كان يُحِبُّ عثمان...، فهذا الذي استنكره الفسوي من حديثه ما سبق إليه، ولو فتحنا هذه الوساوس علينا لرددنا كثيراً من السنن الثابتة بالوهم الفاسد)(٥٢٣).
خروج وظهور أهل جابرسا وجابلقا لنصرة المهدي (عليه السلام):
وحسبما يأتي في الروايات الآتية وغيرها ممَّا لم نورده يظهر جملة من الأُمور في وصفهم:
الأوَّل: هم كائنات ليست من الملائكة طيّارة، بل ممَّن يدبّون على الأرض، ولا من الجنِّ ولا من النسناس ولا من الإنس، لكنَّها ذات نورانية فائقة وقوَّة شديدة، وذات أجسام لطيفة قد يُسمّيها الفلاسفة والعرفاء بالجسم المثالي من عالم المثال، وهم نظير الخضر (عليه السلام) لا يموتون إلى يوم القيامة.
الثاني: هم أقرب ما يكونون ما بين الآدميين والملائكة، لوصفهم في الروايات بالقوم وبالذكور، والفرد منهم بالرجل، وبالأُمم أي لهم حياة اجتماعية ولغات آدمية للتكلّم، لكن لم تسمِّ الروايات لهم اسماً مخصوصاً في قبال أنواع المخلوقات، ويزيد تعدادهم أضعاف مضاعفة على أُمم الآدميين، لكنَّهم لم تُركَّب فيهم الشهوة ولا الغرائز الباعثة على المعاصي والعداوات فيما بينهم.
الثالث: أنَّ بدء خلقتهم بعد خلقة الملائكة والجنّ والنسناس، لكن لا تواصل بينهم معهم، بل هم معزولون عنهم، وقبل خلقة بني آدم.
لكن قد مرَّ وسيأتي أنَّ الأجسام في درجات ومراتب اللطافة والشفافية أو الغلظة والثخانة متفاوتة بدرجات هائلة لا تُحصى، وبحدود إذا قيس بينها تكون اللطيفة جسماً مثالياً أو روح مجرَّدة مع ما دونها، وكأنَّ أفعالها كن فيكون وإبداع.
لكن اللطيفة كثيفة وغليظة وتدريجية بقدر بالقياس إلى الألطف منها، وهلمَّ جرَّاً مع المراتب الأعلى فالأعلى فالأعلى إلى ما لا يُحصى من المراتب في اللطافة والشفّافية، فتحسب العقول المحدودة أنَّها جسم مثالي أو روح مجرَّدة بتجرّد مطلق من الجسم والمقادير.
والحال أنَّها كلّها أجسام ومقادير لكن لا بوحدة قياسية موحَّدة للمقادير، نظير الفرق بين الوحدات القياسية بين الأوزان الذرّية وأوزان الأجسام الكبيرة، أو نظير الفرق بين الوحدات القياسية بين الطاقات والأشعة المختلفة، فما بالك بما يزيد فرقاً على ذلك بدرجات ومراتب لا تُحصى؟ ونظير الفرق بين عالم الصغائر (الذرَّة والكوانتم والنانو والفيمتو).
الرابع: أنَّ هذه الكائنات الآتي وصفها في الروايات هي تعيش وتقطن خارج الغلاف الجوّي للكرة الأرضية، بل يظهر من الروايات أنَّها تعيش خارج منظومتنا الشمسية، بل يظهر من بعضها أنَّها خارج السماء الأُولى الدنيا، لأنَّ فيها وصفهم بأنَّهم لا يرون كوكباً ولا شمساً ولا قمراً، مع أنَّ السماء الدنيا زُيِّنت بزينة الكواكب من المجرّات والشموس والأقمار.
ويظهر من الروايات أنَّ ذا القرنين لم يصل إليهم.
كما أنَّهم من اللطافة لا تُؤثِّر فيها الأجسام والأليّات اللطيفة لدينا فضلاً عن الغليظة، بل يظهر من الروايات أنَّهم ألطف من أجسام الجنِّ والشياطين.
الخامس: أنَّهم مكلَّفون بالدين الحنيف وبجملة من أحكام الشريعة لا كلّها، وأنَّه قد بُعِثَ إليهم خاتم النبيّين (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأوصياؤه خاصَّة دون بقيَّة الأنبياء، وهم أطوع لأئمَّة آل محمّد (عليهم السلام) من عموم بني آدم.
السادس: هم مدد وإمداد نصرة للمهدي (عليه السلام) في ظهوره، بل لكلِّ الأئمَّة (عليهم السلام) في إقامة دول الرجعة، وأنَّهم من جنود الله تعالى المدَّخرة لنصرة الحقِّ وإقامة العدل في الأرض وفي أقطار أماكن الكائنات في المنظومات الشمسية والقمرية الأُخرى، فمن ثَمَّ يستشهد الأئمَّة (عليهم السلام) بوجودهم كمظهر من مظاهر قوَّة الدولة والإمامة الإلهية، بل يظهر من عدَّة روايات أنَّ عمدة رحى الحروب العظيمة ضدّ أهل الشرِّ والشرور إنَّما تقوم بعونهم ومددهم.
ولنستعرض نبذة من الروايات الواردة:
١) روى في بصائر الدرجات بسنده عن هشام الجواليقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ لله مدينة خلف البحر سعتها مسيرة أربعين يوماً فيها قوم لم يعصوا الله قطّ، ولا يعرفون إبليس، ولا يعلمون خلق إبليس، نلقاهم في كلِّ حين فيسألونا عمَّا يحتاجون إليه، ويسألونا الدعاء فنُعلِّمهم، ويسألونا عن قائمنا حتَّى يظهر، وفيهم عبادة واجتهاد شديد، ولمدينتهم أبواب ما بين المصراع إلى المصراع مأة فرسخ، لهم تقديس واجتهاد شديد، لو رأيتموهم لاحتقرتم عملكم، يُصلّي الرجل منهم شهراً لا يرفع رأسه من سجوده، طعامهم التسبيح ولباسهم الورق، ووجوههم مشرقة بالنور، إذا رأوا منّا واحداً لحسوه واجتمعوا إليه وأخذوا من أثره إلى الأرض يتبرَّكون به، لهم دوي إذا صلّوا أشدّ من دوي الريح العاصف، فيهم جماعة لم يضعوا السلاح منذ كانوا ينتظرون قائمنا يدعون أن يريهم إيّاه، وعمر أحدهم ألف سنة، إذا رأيتهم رأيت الخشوع والاستكانة وطلب ما يُقرِّبهم إليه، إذا حبسنا ظنّوا أنَّ ذلك من سخط، يتعاهدون ساعة التي نأتيهم فيها، لا يسأمون لا يفترون يتلون كتاب الله كما علَّمناهم، وإنَّ فيما نُعلِّمهم ما لو تُلي على الناس لكفروا به ولأنكروه، يسألوننا عن الشيء إذا ورد عليهم من القرآن ولا يعرفونه، فإذا أخبرناهم به انشرحت صدورهم لما يسمعون منّا، ويسألوا الله طول البقاء وأن لا يفقدونا، ويعلمون أنَّ المنَّة من الله عليهم فيما نُعلِّمهم عظيمة، ولهم خرجة مع الإمام إذا قاموا يسبقون فيها أصحاب السلاح منهم، ويدعون الله أن يجعلهم ممَّن ينتصر به لدينه، فيهم كهول وشبّان، وإذا رأى شاب منهم الكهل جلس بين يديه جلسة العبد لا يقوم حتّى يأمره، لهم طريق أعلم به من الخلق إلى حيث يريد الإمام، فإذا أمرهم الإمام بأمر قاموا أبداً حتَّى يكون هو الذي يأمرهم بغيره، لو أنَّهم وردوا على ما بين المشرق والمغرب من الخلق لأفنوهم في ساعة واحدة، لا يختل الحديد فيهم ولهم سيوف من حديد غير هذا الحديد لو ضرب أحدهم بسيفه جبلاً لقدَّه حتَّى يفصله، يغزو بهم الإمام الهند والديلم والكرك والترك والروم وبربر وما بين جابرسا إلى جابلقا، وهما مدينتان واحدة بالمشرق وأُخرى بالمغرب، لا يأتون على أهل دين إلَّا دعوهم إلى الله وإلى الإسلام وإلى الإقرار بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ومن لم يُسلِم قتلوه، حتَّى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلَّا أقرَّ»(٥٢٤).
«... لا يأتون على أهل دين إلَّا دعوهم إلى الله (عزَّ وجلَّ)، وإلى الإسلام، والإقرار بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والتوحيد، وولايتنا أهل البيت، فمن أجاب منهم ودخل في الإسلام تركوه وأمَّروا عليه أميراً منهم، ومن لم يجب ولم يقرّ بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولم يقرّ بالإسلام ولم يُسلِم قتلوه، حتَّى لا يبقى بين المشرق والمغرب وما دون الجبل أحد إلَّا آمن»(٥٢٥).
ورواه في (مختصر البصائر) بسند صحيح عن محمّد بن مسلم(٥٢٦).
٢) موثَّقة هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ لله (عزَّ وجلَّ) مدينة بالمشرق اسمها جابلقا لها اثنا عشر ألف باب من ذهب، بين كلِّ باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ، على كلِّ باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل يلهبون الخيل ويستحذون السيوف والسلاح ينتظرون قيام قايمنا، وإنَّ لله (عزَّ وجلَّ) بالمغرب مدينة يقال لها: جابرسا، لها اثنا عشر ألف باب من ذهب بين كلِّ باب إلى صاحبه مسيرة فرسخ على كلِّ باب برج فيه اثنا عشر ألف مقاتل يلهبون الخيل ويشحذون السلاح ينتظرون قايمنا، وأنا الحجَّة عليهم»(٥٢٧).
٣) وروى أيضاً بسنده عن عجلان أبي صالح، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قبَّة آدم، فقلت له: هذه قبَّة آدم؟ فقال: «نعم، ولله قباب كثيرة، أمَا إنَّ خلف مغربكم هذا تسعة وثلاثين مغرباً أرضاً بيضاء ومملوَّة خلقاً، يستضيئون بنورنا، لم يعصوا الله طرفة عين، لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه، يبرؤون من فلان وفلان»، قيل له: كيف هذا، يتبرَّؤن من فلان وفلان وهم لا يدرون أخلق الله آدم أم لم يخلقه؟ فقال للسائل: «أتعرف إبليس قال: لا إلَّا بالخبر»، قال: «فأُمرت باللعنة والبراءة منه؟»، قال: نعم، قال: «فكذلك أمر هؤلاء»(٥٢٨).
قال الفيض في (الوافي): (كأنَّ ذلك إشارة إلى عالم المثال، فإنَّه عالم نوراني نوره من نور نفسه، ولذا قال: يستضيئون بنوره، أي بنور ذلك العالم)(٥٢٩).
ونقل عن بعض قوله: (إنَّ في الوجود عالماً مقدارياً غير العالم الحسّي لا تتناهى عجائبه ولا تُحصى مُدُنه، من جملة تلك المُدُن جابلقا وجابرصا، وهما مدينتان عظيمتان لكلٍّ منهما ألف باب لا يُحصى ما فيهما من الخلائق، وقال بعض أهل العلم في كلِّ نفس خلق الله عوالم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وخلق الله من جملة عوالمها عالماً على صورنا إذا أبصرها العارف يشاهد نفسه فيها. ثمّ قال: وكلُّ ما فيها حيّ ناطق، وهي باقية لا تفنى ولا تتبدَّل، وإذا دخلها العارفون إنَّما يدخلون بأرواحهم لا بأجسامهم، فيتركون هياكلهم في هذه الأرض الدنيا ويتجرَّدون، وفيها مدائن لا تُحصى بعضها يُسمّى مدائن النور لا يدخلها من العارفين إلَّا كلّ مصطفى مختار، وكلُّ حديث وآية وردت عندنا فصرفها العقل عن ظاهرها وجدناها على ظاهرها في هذه الأرض، وكلُّ جسد يتشكَّل فيه الروحاني من ملك وجنّ وكلّ صورة يرى الإنسان فيها نفسه في النوم فمن أجساد هذه الأرض)(٥٣٠).
وقال المجلسي في البحار: (وجابلقا وجابرسا ذكرهما اللغويون على وجه آخر، قال الفيروزآبادي: جابلص بفتح الباء واللام أو سكونها: بلد بالمغرب وليس وراءه إنسي، وجابلق بلد بالمشرق. انتهى. ويقال: إنَّ فيهما أو في إحداهما أصحاب القائم (عليه السلام)، والصوفية والمتألِّهون من الحكماء أوَّلوا أكثر هذه الأخبار بعالم المثال)(٥٣١).
وقال الميرزا النوري: (وبحسب ظاهر الشرع المطهَّر وطريقة أهل الشريعة فإنَّه لا يمكن حمل كلّ تلك التفاصيل على عالم المثال، أو المنازل القلبية لأهل الحال كما يفعله أهل التأويل)(٥٣٢).
وقال المقريزي: (وأُسري به (صلّى الله عليه وسلّم) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فاجتمع بالأنبياء (عليهم السلام)، وصلّى بهم فيه، ثمّ رقا إلى السماء، [و]قد روي أنَّه نزل في ليلة الإسراء بطيبة، وطور سيناء، [و]بيت لحم، وبقبر إبراهيم الخليل، وأنَّه ذهب إلى يأجوج ومأجوج، وإلى مدينة جابلقا بالمشرق، وإلى مدينة جابرسا بالمغرب)(٥٣٣).
٤) وروى يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن رجاله، عن أبي عبد الله (عليه السلام) رفع الحديث إلى الحسن بن علي أنَّه قال: «إنَّ لله مدينتين أحدهما بالمشرق والأُخرى بالمغرب، عليهما سور من حديد، وعلى كلِّ مدينة منهما سبعون ألف ألف مصراع من ذهب، وفيها سبعون ألف ألف لغة يتكلَّم كلّ لغة بخلاف لغة صاحبه، وأنا اعرف جميع اللغات، وما فيهما وما بينهما، وما عليهما حجَّة غيري وغير الحسين (عليه السلام) أخي»(٥٣٤).
ورواه بطريق آخر عن أبي سعيد الهمداني، عن الحسن بن علي (عليه السلام)، إلَّا أنَّ فيه: «سبعون ألف لغة آدميين»(٥٣٥).
وقال في كتاب (ألقاب الرسول وعترته) لبعض قدماء المحدِّثين: وروى العامَّة والخاصَّة أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا، وأبوهما خير منهما، وهما حجَّتان بجابلقا وجابلسا وما بينهما، وهما مدينتان بالمشرق والمغرب فيهما خلق لم يهمّوا بمعصية الله قطّ»(٥٣٦).
٥) قال الحسن (عليه السلام) لأصحابه: «إنَّ لله تعالى مدينتين إحداهما بالمشرق والأُخرى بالمغرب فيهما خلق الله تعالى لم يهمّوا بمعصية له قطّ، والله ما فيهما وبينهما حجَّة لله تعالى على خلقه غيري وغير أخي الحسين».
وقال الحسين (عليه السلام) في يوم الطفّ لأصحاب ابن زياد لعنهم الله: «ما لكم تناصرون عليَّ؟ أمَا والله لئن قتلتموني لتقتلنَّ حجَّة الله عليكم، لا والله ما بين جابلقا وجابرسا ابن نبيّ احتجَّ الله به عليكم غيري»(٥٣٧).
٦) وروى الراوندي موثَّقة جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «سُئِلَ أمير المؤمنين (عليه السلام): هل كان في الأرض خلق من خلق الله تعالى يعبدون الله قبل آدم وذريته؟ فقال: نعم، قد كان في السماوات والأرض خلق من خلق الله يُقدِّسون الله ويُسبِّحونه ويُعظِّمونه بالليل والنهار لا يفترون...
ثمّ خلق الله خلقاً على خلاف خلق الملائكة، وعلى خلاف خلق الجنِّ، وعلى خلاف خلق النسناس، يدبّون كما يدبُّ الهوام في الأرض، يأكلون ويشربون كما تأكل الأنعام من مراعى الأرض، كلّهم ذكران ليس فيهم إناث، ولم يجعل الله فيهم شهوة النساء ولا حبّ الأولاد، ولا الحرص ولا طول الأمل ولا لذَّة عيش، لا يلبسهم الليل ولا يغشاهم النهار، وليسوا ببهائم ولا هوام، لباسهم ورق الشجر، وشربهم من العيون الغزار والأودية الكبار.
ثمّ أراد الله أن يُفرِّقهم فرقتين، فجعل فرقة خلف مطلع الشمس من وراء البحر، فكوَّن لهم مدينة أنشأها لهم تُسمّى (جابرسا) طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوَّن عليها سوراً من حديد يقطع الأرض إلى السماء، ثمّ أسكنهم فيها.
وأسكن الفرقة الأُخرى خلف مغرب الشمس من وراء البحر، وكوَّن لهم مدينة أنشأها تُسمّى (جابلقا)، طولها اثنا عشر ألف فرسخ في اثني عشر ألف فرسخ، وكوَّن لهم سوراً من حديد يقطع إلى السماء، فأسكن الفرقة الأُخرى فيها، لا يعلم أهل جابرسا بموضع أهل جابلقا، ولا يعلم أهل جابلقا بموضع أهل جابرسا، ولا يعلم بهم أهل أوساط الأرض من الجنِّ والناس.
وكانت الشمس تطلع على أهل أوساط الأرض من الجنِّ والنسناس فينتفعون بحرها ويستضيئون بنورها، ثمّ تغرب في عين حمئة فلا يعلم بها أهل جابرسا إذا طلعت، لأنَّها تطلع من دون جابرسا، وتغرب من دون جابلقا.
فقيل: يا أمير المؤمنين، فكيف يبصرون ويحيون، وكيف يأكلون ويشربون، وليس تطلع الشمس عليهم؟
فقال صلوات الله عليه: إنَّهم يستضيئون بنور الله، فهم في أشدّ ضوء من نور الشمس، ولا يرون أنَّ الله تعالى خلق شمساً ولا قمراً ولا نجوماً ولا كواكب، ولا يعرفون شيئاً غيره.
فقيل: يا أمير المؤمنين، فأين إبليس عنهم؟
قال: لا يعرفون إبليس ولا سمعوا بذكره، لا يعرفون إلَّا الله وحده لا شريك له، لم يكتسب أحد منهم قطّ خطيئة، ولم يقترف إثماً، لا يسقمون ولا يهرمون ولا يموتون، يعبدون الله إلى يوم القيامة لا يفترون، الليل والنهار عندهم سواء.
قال: الله أحبَّ أن يخلق خلقاً، وذلك بعدما مضى من الجنِّ والنسناس سبعة آلاف سنة، فلمَّا كان من خلق الله أن يخلق آدم...»(٥٣٨).
٧) وفي تفسير العيّاشي: عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: تغرب الشمس في عين حامية في بحر دون المدينة التي ممَّا يلي المغرب - يعني جابلقا -»(٥٣٩).
٨) وروى في الهداية الكبرى في رواية المفضَّل الطويلة عن الصادق (عليه السلام): «... ولأسيرنَّ من دار هجرتي الكوفة حتَّى أفني العالم قدماً قدماً بسيفي ذي الفقار حتَّى آتي جبل الديلم فأصعده وأستهلّ طريقه وأقطع خبره، ولآتينَّ بلقاء الهند وبيضاء الصين التي كلتا جواريها حور العين، ولآتينَّ مصر وأعقد على نيلها جسراً، ولأنصبنَّ على مجراها منبراً، ولأخطبنَّ عليه خطبة، طوبى لمن عرفني فيها ولم يشك فيَّ، والويل والعويل والنار والثبور لمن جهل أو تجاهل أو نسي أو تناسى أو أنكر أو تناكر، ولآتين جابلقا وجابرصا، ولأنصبنَّ رحى الحرب وأطحن بها العالم طحن الرحى لباب البرّ، ولآتينَّ كوراً ولأسبكنَّ الخلق فيها سبك خالص التبر، وحرق اللجين...»(٥٤٠).
٩) صحيح جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنَّ من وراء هذه أربعين عين شمس ما بين شمس إلى شمس أربعون عاماً فيها خلق كثير ما يعلمون أنَّ الله خلق آدم أو لم يخلقه. وإنَّ من وراء قمركم هذا أربعين قمراً ما بين قمر إلى قمر مسيرة أربعين يوماً، فيها خلق كثير ما يعلمون أنَّ الله خلق آدم أو لم يخلقه، قد أُلهموا كما أُلهمت النحل لعنة الأوَّل والثاني في كلِّ وقت من الأوقات، وقد وُكِّل بهم ملائكة متى ما لم يلعنوهما عُذِّبوا»، ورواه في مختصر بصائر الدرجات(٥٤١).
١٠) وروى في (تحف العقول) خطبة للحسن المجتبى (عليه السلام)، فقال معاوية: أظنُّ نفسك يا حسن تنازعك إلى الخلافة؟ فقال (عليه السلام): «ويلك يا معاوية إنَّما الخليفة من سار بسيرة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وعمل بطاعة الله، ولعمري إنّا لأعلام الهدى ومنار التقى، ولكنَّك يا معاوية ممَّن أبار السنن، وأحيا البدع، واتَّخذ عباد الله خولاً، ودين الله لعباً، فكان قد أخمل ما أنت فيه، فعشت يسيراً وبقيت عليك تبعاته. يا معاوية، والله لقد خلق الله مدينتين إحداهما بالمشرق والأُخرى بالمغرب أسماهما جابلقا وجابلسا، ما بعث الله إليهما أحداً غير جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)»(٥٤٢).
وقال الحسين (عليه السلام) لمروان: «والله ما بين جابرسا وجابلقا رجل ممَّن ينتحل الإسلام أعدى لله ولرسوله ولأهل بيته منك ومن أبيك...»(٥٤٣).
١١) وروى الصدوق بطريق عامّي عن أنس بن سيرين، قال: حدَّثنا الحسن بن علي (عليه السلام) يوم كلم، فقال: «ما بين جابرسا وجابلقا رجل جدّه نبيّ غيري وغير أخي، وإنّي رأيت أن أصلح بين أُمَّة محمّد وكنت أحقّهم بذلك، فإنّا بايعنا معاوية ولعلَّه فتنة لكم ومتاع إلى حين»(٥٤٤).
١٢) وروى من كتاب الواحدة عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «إنَّ لله مدينتين: إحداهما بالمشرق والأُخرى بالمغرب، يقال لهما: جابلصا وجابلقا، طول كلّ مدينة منهما اثنا عشر ألف فرسخ، في كلِّ فرسخ باب، يدخل في كلِّ يوم من كلِّ باب سبعون ألفاً، ويخرج منها مثل ذلك، ولا يعودون إلى يوم القيامة، لا يعلمون أنَّ الله خلق آدم، ولا إبليس، ولا شمساً، ولا قمراً، هم والله أطوع لنا منكم، يأتونا بالفاكهة في غير أوانها، موكَّلين بلعنة فرعون وهامان وقارون»(٥٤٥).
تزامن يأجوج ومأجوج والرجعة والظهور:
قال تعالى: ﴿وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ * حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ (الأنبياء:٩٥ و٩٦).
ولا يخفى أنَّ الآية الأُولى مرتبطة بالرجعة كما أوضحته الروايات الواردة في ذيلها الشارحة إلى ألفاظ ظهورها، وقد مرَّت الإشارة إليها. ثمّ إردافها بمجيء يأجوج ومأجوج واقتراب الوعد الإلهي الحقّ أي ظهوره إشارات على تزامن الثلاثة.
وهذا ما تشير إليه جملة من الروايات:
١) روى في الكافي بسنده عن ابن عبّاس، قال: سُئِلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الخلق، فقال: «خلق الله ألفاً ومائتين في البرِّ وألفاً ومائتين في البحر، وأجناس بني آدم سبعون جنساً، والناس ولد آدم ما خلا يأجوج ومأجوج»(٥٤٦).
٢) وروى في (إرشاد القلوب) في خطبة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «لا تقوم الساعة حتَّى يُقبَض العلم...، وتطلع الشمس من مغربها، وتخرج الدابَّة، ويظهر الدجّال، وينتشر يأجوج ومأجوج، وينزل عيسى بن مريم...»(٥٤٧).
٣) روى في (روضة الواعظين) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: «إنَّكم لا ترون الساعة حتَّى تروا قبلها عشر آيات: طلوع الشمس من مغربها، والدجّال، ودابَّة الأرض، وثلاثة خسوف تكون في الأرض: خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، وخروج عيسى (عليه السلام)، وخروج يأجوج ومأجوج...»(٥٤٨).
٤) وروى في (المختصر)(٥٤٩) نفس الرواية إلَّا عبارة «نزول عيسى» بينما «خروج عيسى (عليه السلام)» في رواية (روضة الواعظين).
٥) روى الليثي الواسطي عن كتاب (الخصال) للشيخ الصدوق نفس رواية (روضة الواعظين) و(المختص)، لكن توجد عبارة: «وخروج المهدي من ولدي» ذكرها الواسطي ولا توجد في (الروضة) و(المختصر)، ولا في (الخصال) المطبوع(٥٥٠).
٦) روى الثعلبي بسنده إلى حذيفة بن اليمان، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «أوَّل الآيات الدجّال، ونزول عيسى...»، قال حذيفة: قلت: يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج؟ قال: «... فيوحي الله سبحانه إلى عيسى (عليه السلام) أن احرز عبادي بالطور وما يلي، ثمّ إنَّ عيسى يرفع يديه إلى السماء ويؤمِّن المسلمون، فيبعث الله سبحانه عليهم دابَّة يقال لها: النغف، تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى...»(٥٥١).
٧) روى في تهذيب تاريخ ابن عساكر: «يخرج عيسى بن مريم عند المنارة عند الباب الشرقي...، فيخرج على أثره يأجوج، فيهلكهم الله على يديه، ولا يبقى منهم عين تُطرَف، وتُرَدُّ إلى الأرض بركاتها...»(٥٥٢).
ومفادها تزامن نزول عيسى (عليه السلام) وخروج يأجوج ومأجوج، وأنَّ استئصالهم يُطهِّر الإرض ويفتح بركاتها، وهذه سُنَّة إلهية تكوينية في منع الأرض بركاتها مع وجود الأشرار، وأنَّ استئصالهم يفتح على الأرض بركاتها.
٨) روى في (إكمال الدين) بسنده عن عبد الله بن سليمان وكان قارئاً للكتب، قال: (إنَّ ذا القرنين كان رجلاً من الإسكندرية...، فلمَّا أحسَّت تلك الأُمم بهم وسمعوا همهمتهم استغاثوا بذي القرنين...، ثمّ بنى وقاس ما بين الصدفين...، فيأجوج ومأجوج ينتابونه في كُلِّ سنة مرَّة...، فلا يزالون كذلك حتَّى تقترب الساعة وتجيء أشراطها، فإذا جاء أشراطها وهو قيام القائم (عليه السلام) فتحه الله (عزَّ وجلَّ) لهم، وذلك قوله (عزَّ وجلَّ): ﴿حَتَّى إِذا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦])(٥٥٣).
تزامن الدجّال ويأجوج ومأجوج:
٩) روى ابن حمّاد عن كعب، قال: (بينما هم يقتسمون غنائم القسطنطينية إذ يأتيهم خبر الدجّال، فيرفضون ما في أيديهم، ثمّ يقبلون فيلحقون بيت المقدس، فيُصلّي خلف من يلي أمر المسلمين، ثمّ يوحي الله تعالى إلى عيسى بن مريم أن يسير إلى مأجوج ومأجوج...»(٥٥٤).
والرواية تشير إلى تزامن خروج الدجّال مع الثلاثة أُمور، بل إنَّ جملة الروايات الواردة في الدجّال - وأنَّه يخرج ويبرز عند الظهور، وأنَّه يُرسِل المهدي (عليه السلام) عليه عيسى بن مريم مع المسلمين فيقتله -، يُستفاد هذا التزامن.
القائم (عليه السلام) يقتل إبليس:
إنَّ لإبليس قتلات ودولته مستمرَّة إلى يوم الوقت المعلوم.
الأُولى: على يد الحجَّة (عليه السلام): قال المسعودي في (إثبات الوصيَّة): (وروي... ثمّ قال إبليس: يا ربِّ اعفني من السجود لآدم حتَّى أعبدك عبادة لم يعبدك بها أحد. فأوحى الله تعالى: لست أقبل شيئاً من عبادتك إلَّا الطاعة لآدم. فأبى إبليس اللعين ذلك، فلعنه الله وغضب عليه وأمر الملائكة بإخراجه، ثمّ قال له: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [ص: ٧٨ - ٨١]، فسُئِلَ العالم عن السبب في إجابته إلى الإنظار فقال له: إنَّه لمَّا هبط إلى الأرض تحكَّم فيها وغيَّر وبدَّل، فغضب الله عليه، فسجد أربعة آلاف سنة سجدة واحدة، فجعل الله تلك السجدة سبباً للإجابة للنظرة إلى قيام صاحب الأمر (عليه السلام)، وهو يوم الوقت المعلوم. قال: فقال اللعين: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ و٨٣]، فروي أنَّه لا سلطان لإبليس على المؤمنين في إخراجهم من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ولاية الجبت والطاغوت، وله عليهم سلطان فيما سوى ذلك. وروي أنَّ رجلاً سأل العالم (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]، فقال: «ما زال مذ خلق الله آدم في كلِّ زمان دولتين دولة لله جلَّ وعزَّ وهي دولة الأنبياء والأوصياء، ودولة لإبليس. فإذا كانت الدولة للأنبياء والأوصياء عُبِدَ الله في الظاهر، وإذا كانت دولة إبليس لعنه الله عُبِدَ الله في السرِّ»)(٥٥٥).
وروى العيّاشي عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول إبليس: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]، قال له وهب: جُعلت فداك، أيّ يوم هو؟ قال: «يا وهب أتحسب أنَّه يوم يبعث الله فيه الناس؟ إنَّ الله أنظره إلى يوم يُبعَث فيه قائمنا، فإذا بعث الله قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك اليوم هو الوقت المعلوم»، ورواه الطبري في (دلائل الإمامة) مسنداً عن وهب(٥٥٦).
وروى في البحار عن منتخب الأنوار المضيئة للسيِّد علي بن عبد الحميد بإسناده الى أحمد بن محمّد الأيادي يرفعه الى إسحاق بن عمّار، قال: سألته عن إنظار الله تعالى إبليس وقتاً معلوماً ذكره في كتابه، فقال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧ و٣٨]، قال: «الوقت المعلوم يوم قيام القائم، فإذا بعثه الله كان في مسجد الكوفة وجاء إبليس حتَّى يجثو على ركبتيه، فيقول: يا ويلاه من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضرب عنقه، فذلك: ﴿يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ منتهى أجله»(٥٥٧).
الثانية: قتله على يد أمير المؤمنين دابَّة الأرض: فقد روى نعيم بن حمّاد في الفتن عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «خروج الدابَّة بعد طلوع الشمس، فإذا خرجت قتلت الدابَّةُ إبليسَ وهو ساجد، ويتمتَّع المؤمنون في الأرض بعد ذلك أربعين سنة، لا يتمنّون شيئاً إلا أُعطوه ووجدوه، فلا جور ولا ظلم، وقد أسلم الأشياء لربِّ العالمين طوعاً وكرهاً والمؤمنون طوعاً والكفّار كرهاً، والسبع والطير كرهاً، حتَّى أنَّ السبع لا يؤذي دابَّةً ولا طيراً، ويلد المؤمن فلا يموت حتَّى يتمّ أربعين سنة بعد خروج دابَّة الأرض، ثمّ يعود فيهم الموت، فيمكثون بذلك ما شاء الله...»(٥٥٨).
الثالثة: قتله على يد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): فقد روى القمّي في تفسيره بسنده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، قال: «يوم الوقت المعلوم يوم يذبحه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) على الصخرة التي في بيت المقدس»(٥٥٩).
الرابِعة: ما رواه في (مختصر بصائر الدرجات) بسنده عن عمرو الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ إبليس قال: ﴿أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ فأبى الله ذلك عليه، فقال: ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]، فإذا كان يوم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه الله في جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يوم الوقت المعلوم، وهي آخر كرَّة يكرّها أمير المؤمنين (عليه السلام)»، فقلت: وإنَّها لكرّات؟ قال: «نعم، إنَّها لكرّات وكرّات، ما من إمام في قرن إلَّا ويكرُّ البرّ والفاجر في دهره حتَّى يديل الله المؤمن الكافر، فإذا كان يوم الوقت المعلوم كرَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في أصحابه وجاء إبليس في أصحابه ويكون ميقاتهم في أرض من أراضي الفرات يقال لها: الروحا قريب من كوفتكم، فيقتلون قتالاً لم يقتتل مثله منذ خلق الله (عزَّ وجلَّ) العالمين، فكأنّي أنظر إلى أصحاب علي أمير المؤمنين قد رجعوا إلى خلفهم القهقرى مائة قدم، وكأنّي أنظر إليهم وقد وقعت بعض أرجلهم في الفرات، فعند ذلك يهبط الجبّار (عزَّ وجلَّ) في ظلل من الغمام والملائكة، وقُضِيَ الأمر، [و]رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بيده حربة من نور، فإذا نظر إليه إبليس رجع القهقرى ناكصاً على عقبيه، فيقولون له أصحابه: أين تريد وقد ظفرت؟ فيقول: إنّي أرى ما لا ترون، إنّي أخاف الله ربَّ العالمين، فيلحقه النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) فيطعنه طعنة بين كتفيه فيكون هلاكه وهلاك جميع أشياعه، فعند ذلك يُعبَد الله (عزَّ وجلَّ) ولا يشرك به شيئاً»(٥٦٠).
وعلى هذا فيوم الوقت المعلوم على تأويلات عديدة، ويؤوَّل على رجعة إبليس بعد القتل حيث عُبِّر في الرواية الرابعة: «يظهر إبليس في جميع أشياعه»، ولا يخفى أنَّ الظهور استعمل بمعنى رجوع، فالجمع بين هذه القتلات وتعدّدها هي بتعدّد رجعات إبليس.
الخامسة: ما رواه الصدوق أنَّه يوم يُنفَخ في الصور، وهو خلاف أكثر الروايات إلَّا بتأويل ما تقدَّم من تعدّد الرجعات، بسنده عن يحيى بن أبي العلاء الرازي أنَّ رجلاً دخل على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: جُعلت فداك، أخبرني عن قول الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، وأخبرني عن قول الله (عزَّ وجلَّ) لإبليس: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٧ و٣٨]...، قال: «ويوم الوقت المعلوم يوم يُنفَخ في الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأُولى والثانية...»(٥٦١).
السادسة: أنَّه كلّ دول آل محمّد (عليهم السلام) كما رواه ابن طاووس في (سعد السعود) وجادةً عن صحف إدريس (عليه السلام)، قال: (فصل نذكره من القائمة الثامنة من الكرّاس الخامس من سؤال إبليس وجواب الله بلفظ ما وجدناه، ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قال: لا ولكنَّك ﴿مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٦ - ٣٨]، فإنَّه يوم قضيت وحتمت أن أُطهِّر الأرض في ذلك اليوم من الكفر والشرك والمعاصي، وأنتخب لذلك الوقت عباداً لي امتحنت قلوبهم للإيمان وحشوتها بالروح والإخلاص واليقين والتقوى والخشوع والصدق والحلم والصبر والوقار والشعار والزهد في الدنيا والرغبة فيما عندي بعد الهدى وأجعلهم دعاة الشمس والقمر وأستخلفهم في الأرض وأُمكِّن لهم دينهم الذي ارتضيته لهم، ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْركُونَ بِي شَيْئاً﴾ [النور: ٥٥]، يقيمون الصلاة لوقتها ويؤتون الزكاة لحينها ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. وأُلقي في ذلك الزمان الأمانة على الأرض فلا يضر شيء شيئاً ولا يخاف شيء من شيء، ثمّ تكون الهوام والمواشي بين الناس فلا يؤذي بعضهم بعضاً، وأنزع حمة كلّ ذي حمة من الهوام وغيرها، وأُذهب سمّ كلّ ما يلدغ وأنزل بركات من السماء والأرض وتزهر الأرض بحسن نباتها وتُخرِج كلّ ثمارها وأنواع طيبها وأُلقي الرأفة والرحمة بينهم فيتواسون ويقتسمون بالسوية فيستغني الفقير ولا يعلو بعضهم على بعض، بل يخضع بعضهم لبعض ويرحم الكبير الصغير ويُوقِّر الصغير الكبير ويدينون بالحقِّ وبه يعدلون ويحكمون. أُولئك أوليائي اخترت لهم نبيَّاً مصطفى وأميناً مرتضى فجعلته لهم نبيَّاً ورسولاً وجعلتهم له أولياء وأنصاراً، تلك أئمَّة اخترت لهم نبياً مصطفى وأميناً مرتضى، ذلك وقت حجبته في علم غيبي ولا بدَّ أنَّه [قائمكم](٥٦٢) واقع، ليبيدك يومئذٍ وخيلك ورجلك وجنودك أجمعين، فاذهب ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾)(٥٦٣).
وهذا المفاد جامع لكلِّ دول أهل البيت (عليهم السلام) بدءاً من دولة الظهور للمهدي (عليه السلام) ودول الرجعة لهم حيث يُطهِّر الله تعالى بها الأرض ويُظهِر دينه على أرجاء الأرض، فيتطابق مع الروايات الأربع الأولى.
ومثلها في المفاد رواية يونس بن ظبيان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا كان ليلة الجمعة أهبط الربّ تعالى ملكاً إلى سماء الدنيا، فإذا طلع الفجر جلس ذلك الملك على العرش فوق البيت المعمور، ونُصِبَ لمحمّد وعلي والحسن والحسين (عليهم السلام) منابر من نور، فيصعدون عليها وتُجمَع لهم الملائكة والنبيّون والمؤمنون، وتُفتَح أبواب السماء، فإذا زالت الشمس قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): يا ربِّ، ميعادك الذي وعدت به في كتابك، وهو هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ [النور: ٥٥]، ثمّ يقول الملائكة والنبيّون مثل ذلك، ثمّ يخرُّ محمّد وعلي والحسن والحسين سجّداً، ثمّ يقولون: يا ربِّ، اغضب، فإنَّه قد هُتِكَ حريمك، وقُتِلَ أصفياؤك، وأُذِلَّ عبادك الصالحون، فيفعل الله ما يشاء وذلك يوم معلوم»(٥٦٤).

* * *
مصادر التحقيق

القرآن الكريم.
إثبات الوصيَّة: المسعودي.
الاحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ ١٣٨٦هـ/ دار النعمان.
الاختصاص: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ ١٤٠٤هـ/ مط بعثت/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
إرشاد القلوب: الحسن بن محمّد الديلمي/ ط٢/ ١٤١٥هـ/ مط أمير/ انتشارات الشريف الرضي/ قم.
الإرشاد: الشيخ المفيد/ ت مؤسَّسة آل البيت/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
الأصول الستَّة عشر: ت ضياء الدين المحمودي/ ط١/ ١٤٢٣هـ/ دار الحديث.
إعلام الورى: الطبرسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط ستارة/مؤسَّسة آل البيت/ قم.
الأعلام: خير الدين الزركلي/ ط٥/ ١٩٨٠م/ دار العلم للملايين/ بيروت.
إقبال الأعمال: ابن طاووس/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
إكمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
إلزام الناصب: الشيخ عليّ اليزدي الحائري/ ت السيِّد عليّ عاشور.
ألقاب الرسول وعترته: من قدماء المحدِّثين/ ١٤٠٦هـ/ مكتب آية الله المرعشي/ قم.
الأمالي: الشجري.
الأمالي: الشيخ الصدوق/ ت قسم الدراسات/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة البعثة.
الأمالي: الشيخ الطوسي/ ت مؤسَّسة البعثة/ ط١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/قم.
الإمامة الإلهيَّة: الشيخ محمّد السند.
إمتاع الأسماع: المقريزي/ ت محمّد عبد الحميد النميسي/ ط١/ ١٤٢٠هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
أنساب الأشراف: البلاذري/ ت محمّد باقر المحمودي/ ط١/ ١٣٩٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
أهل البيت (عليهم السلام) في الكتاب المقدَّس: كاظم النصيري الواسطي/ ط١/ ١٩٩٧هـ/ مط صدر.
الإيقاظ من الهجعة: الحرّ العاملي/ ت مشتاق المظفَّر/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط نگارش/ دليل ما/ قم.
بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
البدء والتاريخ: أحمد بن سهل البلخي/ مط برطرند/ ١٨٩٩م.
بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوجه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
تاج العروس: الزبيدي/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تاريخ الغيبة: السيِّد محمّد صادق الصدر.
تأويل الآيات الظاهرة: شرف الدين الحسيني/ ط١/ ١٤٠٧هـ/ مط أمير/ مدرسة الإمام المهدي/ قم.
التبيان: الشيخ الطوسي/ ت أحمد حبيب قصير العاملي/ ط١/ ١٤٠٩هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ط٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/ ط١ محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/ قم.
تفسير الأمثل: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي.
تفسير البرهان: السيِّد هاشم البحراني/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
تفسير الثعلبي: الثعلبي/ ت أبي محمّد بن عاشور/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
تفسير الطبري: ابن جرير الطبري/ ت خليل الميس/ ١٤١٥هـ/ دار الفكر/ بيروت.
تفسير العيّاشي: العيّاشي/ ت هاشم الرسولي المحلَّاتي/ المكتبة العلمية الإسلاميَّة/ طهران.
تفسير القمّي: عليّ بن إبراهيم القمّي/ ت طيِّب الجزائري/ ط٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
التفسير الكبير: الفخر الرازي/ ط ٣.
تفسير الميزان: السيِّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية/ قم.
تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ ت لجنة من العلماء/ ط١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
تقريب المعارف: أبو الصلاح الحلبي/ ت فارس الحسّون/ ط ١٤١٧هـ.
التوحيد: الشيخ الصدوق/ ت هاشم الحسيني الطهراني/ جماعة المدرِّسين/قم.
الثقات: ابن حبّان/ ط١/١٣٩٣هـ/ مط مجلس دائرة المعارف العثمانية/ الهند.
جمال الأُسبوع: ابن طاووس/ ت جواد القيّومي/ ط١/ ١٣٧١ش/ مط أختر شمال/ مؤسَّسة الآفاق.
جمهرة الأمثال: أبي الهلال العسكري/ ط٢/ ١٣٨٤هـ/ دار الجيل/ بيروت.
حلية الأبرار: هاشم البحراني/ ت غلام رضا البروجردي/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
الخرائج والجرائح: قطب الدين الراوندي/ ط١ كاملة محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي/ قم.
الخصال: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرِّسين/ قم.
الدرُّ المنثور: السيوطي/ دار المعرفة/ بيروت.
الدعوات: قطب الدين الراوندي/ ط١/ ١٤٠٧هـ/ مط أمير/ مؤسَّسة الإمام المهدي/ قم.
دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
ذوب النضّار: ابن نما الحلّي/ ت فارس الحسّون/ ط١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
رجال النجاشي: النجاشي/ ط٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
روضة الواعظين: الفتال النيسابوري/ ت محمّد مهدي الخرسان/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
الروضة في فضائل أمير المؤمنين: شاذان بن جبرئيل القمي/ ط١/ ١٤٢٣هـ.
زبدة البيان: المقدَّس الأردبيلي/ ت محمّد باقر البهبودي/ المكتبة المرتضوية/ طهران.
سعد السعود: ابن طاووس/ ١٣٦٣هـ/ مط أمير/ منشورات الشريف الرضي/ قم.
سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ ت محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
سنن أبي داود: ابن الأشعث السجستاني/ ت محمّد اللحّام/ ط١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر/ بيروت.
سنن الترمذي: الترمذي/ ت عبد الوهّاب عبد اللطيف/ ط٢/ ١٤٠٣هـ/ دار الفكر/ بيروت.
الشافي في الإمامة: الشريف المرتضى/ ط٢/ ١٤١٠هـ/ مؤسَّسة إسماعيليان/ قم.
شرح الأخبار: القاضي النعمان المغربي/ ت محمّد الجلالي/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
شرح مائة كلمة لأمير المؤمنين: ابن ميثم البحراني/ ت مير جلال الدين الحسيني الأرموي/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد/ ت محمّد أبو الفضل إبراهيم/ ط١/ ١٣٧٨هـ/ دار إحياء الكتب العربية/ بيروت.
صحيح البخاري: البخاري/ ١٤٠١هـ/ دار الفكر/ بيروت.
صحيح مسلم: مسلم النيسابوري/ دار الفكر/ بيروت.
الطرائف: ابن طاووس/ ط١/ ١٣٩٩هـ/ مط الخيام/ قم.
عقائد الإماميَّة: محمّد رضا المظفَّر/ انتشارات أنصاريان/ قم.
عقد الدرر: يوسف بن يحيى المقدسي/ انتشارات نصائح.
علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ت محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
عوالي اللئالي: ابن أبي جمهور الأحسائي/ ت مجتبى العراقي/ ط١/ ١٤٠٣هـ/ مط سيِّد الشهداء/ قم.
العين: الخليل الفراهيدي/ ط٢/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة دار الهجرة.
عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ ت حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
عيون الحكم والمواعظ: عليّ الليثي الواسطي/ ت حسين البيرجندي/ ط١/ دار الحديث.
الغيبة: الشيخ الطوسي/ ت عبد الله الطهراني، علي أحمد ناصح/ ط١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
الغيبة: النعماني/ ت فارس حسّون كريم/ ط١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
فتح الأبواب: ابن طاووس/ ط١/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة آل البيت لإحياء التراث/ بيروت.
الفتن: نعيم بن حمّاد المروزي/ ت سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/دار الفكر/بيروت.
فِرَق الشيعة: الحسن بن موسى النوبختي/ ١٤٠٤هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
الفروق اللغوية: أبو هلال العسكري/ ط١/ ١٤١٢هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
قرب الإسناد: الحميري القمّي/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
قصص الأنبياء: قطب الدين الراوندي/ ت غلام رضا عرفانيان/ ط١/ ١٤١٨هـ/ الهادي.
الكافي: الشيخ الكليني/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
كامل الزيارات: ابن قولويه/ ت جواد القيّومي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ مؤسَّسة نشر الثقافة.
كتاب سُليم بن قيس: سُليم بن قيس الهلالي/ ت محمّد باقر الأنصاري.
كشف المراد: العلَّامة الحلّي/ ت إبراهيم الموسوي الزنجاني/ ط٤/ ١٣٧٣ش/ مط إسماعيليان/ انتشارات شكوري/ قم.
كفاية الأثر: الخزّاز القمّي/ ت عبد اللطيف الكوه كمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ مط الخيام/ انتشارات بيدار.
كنز العمّال: المتَّقي الهندي/ ت بكري حياني/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الرسالة/ بيروت.
لسان العرب: ابن منظور/ ١٤٠٥هـ/ نشر أدب الحوزة/ قم.
مجمع البحرين: الشيخ الطريحي/ ت أحمد الحسيني/ ط٢/ ١٤٠٨هـ/ مكتب نشر الثقافة الإسلاميَّة.
مجمع البحرين: الشيخ الطريحي/ ت أحمد الحسيني/ ط٢/ ١٤٠٨هـ/ مكتب نشر الثقافة الإسلاميَّة.
مجمع الزوائد: الهيثمي/ ١٤٠٨هـ/ دار الكتب العلمية/ بيروت.
المحاسن: البرقي/ ت جلال الدين الحسيني المحدِّث/ ١٣٧٠هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
المحتضر: حسن بن سليمان الحلّي/ ١٤٢٤هـ/ انتشارات مكتبة الحيدرية.
مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
مدينة المعاجز: هاشم البحراني/ ت عزَّة الله المولائي الهمداني/ ط١/ ١٤١٣هـ/ مط بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
المزار: ابن المشهدي/ ت جواد القيّومي/ ط١/ ١٤١٩هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ نشر القيّوم/ قم.
مستدرك سفينة البحار: عليّ النمازي/ ت حسن بن عليّ النمازي/ ١٤١٨هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوري/ إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
المسترشد: الطبري (الشيعي)/ ت أحمد المحمودي/ ط١ المحقَّقة/ ١٤١٥هـ/ مط سلمان الفارسي/ مؤسَّسة الثقافة الإسلاميَّة.
مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي/ ت حسين سليم أسد/ دار المأمون للتراث.
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ دار الصادر/ بيروت.
مسند الإمام الرضا (عليه السلام): الشيخ عزيز الله عطاردي/ ١٤٠٦هـ/ مؤسَّسة طبع ونشر آستان قدس الرضوي.
مشارق أنوار اليقين: الحافظ رجب البرسي/ ت عليّ عاشور/ ط١/ ١٤١٩هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
مشكاة الأنوار: عليّ الطبرسي/ ت هوشمند/ ط١/ ١٤١٨هـ/ دار الحديث.
مصباح البلاغة: حسن الميرجهاني الطباطبائي/ ١٣٨٨هـ.
مصباح المتهجِّد: الشيخ الطوسي/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة فقه الشيعة/ بيروت.
المصباح: الكفعمي/ ط٣/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
معاني الأخبار: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ١٣٧٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): عليّ الكوراني/ ط١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
المعجم الكبير: الطبراني/ ت حمدي عبد المجيد السلفي/ ط٢ مزيَّدة ومنقَّحة/ دار إحياء التراث العربي.
المعرفة والتاريخ: البسوي.
مفتاح السعادة: محمّد تقي النقوي القايني/ مكتبة المصطفوي/ طهران.
المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني/ ط٢/ ١٤٠٤هـ/ دفتر نشر الكتاب.
مقتضب الأثر: ابن عيّاش الجوهري/ مط العلمية/ مكتبة الطباطبائي/ قم.
مكيال المكارم: ميرزا محمّد تقي الأصفهاني/ ت عليّ عاشور/ ط١/ ١٤٢١هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
الملاحم والفتن: ابن طاووس/ ط١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة صاحب الأمر/ أصفهان.
الملل والنحل: الشهرستاني/ دار المعرفة/ بيروت.
من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفاري/ ط٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
مناقب آل أبي طالب: ابن شهر آشوب/ ت لجنة من أساتذة النجف/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدرية/ النجف.
منتخب الأنوار المضيئة: بهاء الدين النجفي/ ط١/ ١٤٢٠هـ/ مط اعتماد/ مؤسَّسة الإمام الهادي (عليه السلام).
ميزان الاعتدال: الذهبي/ ت عليّ محمّد البجاوي/ ط١/ ١٣٨٢هـ/ دار المعرفة/ بيروت.
النجم الثاقب: النوري/ ط١/ ١٤١٥هـ/ أنوار الهدى/ مط مهر/ قم.
نهج البلاغة: الشريف الرضي/ ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح/ ط١/ ١٣٨٧هـ/ بيروت.
الهداية الكبرى: الخصيبي/ ط٤/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت.
الوافي: الفيض الكاشاني/ ت ضياء الدين الحسيني الأصفهاني/ ط١/ ١٤٠٦هـ/ مكتبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) العامَّة/ أصفهان.
وسائل الشيعة: الحرّ العاملي/ ط٢/ ١٤١٤هـ/ مط مهر/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
ينابيع المودَّة: القندوزي/ ت عليّ جمال أشرف الحسيني/ ط١/ ١٤١٦هـ/ دار الأُسوة.

* * *



 

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) الغيبة للنعماني: ٧٣/ باب ٤/ ح ٧.
(٢) وَهُوَ الْكِتَابُ المُشْتَمِلُ عَلَى عِلْمِ المَنَايَا وَالْبَلَايَا وَالرَّزَايَا وَعِلْمِ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي خَصَّ اللهُ تَقَدَّسَ اسْمُهُ بِهِ مُحَمَّداً وَالْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمُ السَّلَامُ.
(٣) إكمال الدين: ٣٥٢/ باب ٣٣/ ح ٥٠، مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْوَشَّاءِ الْبَغْدَادِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ طَاهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَنْصُورِ الْجَوَاشِنِيِّ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْبُدَيْلِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سَدِيرٍ الصَّيْرَفِيِّ.
(٤) الغيبة للطوسي: ٢٧٣/ ح ٢٣٧.
(٥) الغيبة للنعماني: ٨٨/ باب ٤/ ح ١٦؛ ومثله عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، اُنظر: بحار الانوار، المجلسي: ٢٦: ٦.
(٦) إكمال الدين: ٢٨٨/ باب ٢٦/ ح ٨.
(٧) بصائر الدرجات: ١٠٤/ ج ٢/ باب ١٤/ ح ٤.
(٨) الكافي ١: ٩٧/ باب في إبطال الرؤية/ ح ٥؛ التوحيد للصدوق: ١٠٨/ ح ٥.
(٩) المصباح للكفعمي: ٤٧٣.
(١٠) الفروق اللغوية لأبي هلال العسكري: ٦٣.
(١١) إدراك العقول في بعضه لا يكون يقينياً، فليس كلُّ ما نُدرِكه بعقولنا حجَّة إلَّا ما قام مقام البديهيات.
(١٢) المصباح للكفعمي: ٤٩٦.
(١٣) اُنظر: تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي: ٤٤٣.
(١٤) الغيبة للطوسي: ١٧.
(١٥) الغيبة للطوسي: ٩.
(١٦) اُنظر: الشافي في الإمامة للسيِّد المرتضى ١: ٢٧٨ - ٢٨٠.
(١٧) للتوسّع يراجع كتاب (أهل البيت تنوّع أدوار ووحدة هدف) للسيِّد محمّد باقر الصدر.
(١٨) بحار الأنوار ٢٦: ٨ - ١٦.
(١٩) نهج البلاغة: ٤٨/ الخطبة ٣.
(٢٠) اُنظر: تفسير الميزان للعلَّامة الطباطبائي ١: ١١٧..
(٢١) قاعدة اللطف قاعدة كلامية تعني أنَّ كلَّ فعل موجب لقرب المكلَّف من كماله المنشود، فإنَّ الباري يحسن ويلطف تهيئته وإيجاده ويقبح عدم إيجاده. (الإمامة الإلهيَّة للمؤلِّف: ٢٩٩).
(٢٢) اُنظر: كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد للعلَّامة الحلّي: ٤٩٠ - ٤٩٢.
(٢٣) اُنظر: تاريخ الغيبة للسيِّد محمّد صادق الصدر: ٢٣٦.
(٢٤) إكمال الدين: ٤٨٤/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٢٥) الكافي ١: ٤١١/ باب سيرة الإمام في نفسه.../ ح ٤.
(٢٦) أمالي الشجري ٢: ٧٧.
(٢٧) الغيبة للنعماني: ٢٣٦/ باب ١٣/ ح ١٣؛ عقد الدرر: ٢٢٧.
(٢٨) مسند أحمد ١: ١٨٤؛ صحيح مسلم ١: ٩٠؛ سنن ابن ماجة ٢: ١٣١٩؛ سنن الترمذي ٤: ١٢٩.
(٢٩) قال الإمام الهادي (عليه السلام) بشأنه: «إنَّه الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي، وكذلك ما يؤدّيه»، وبعد استشهاد الإمام الهادي (عليه السلام)، قال أحمد بن إسحاق القُمّي: دخلت على ولده الحسن العسكري (عليه السلام) وسألته عنه، فقال العسكري (عليه السلام): «هذا أبو عمرو - يقصد عثمان بن سعيد - الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يؤدّيه». (الغيبة للطوسي: ٣٥٤).
(٣٠) إكمال الدين: ٣٢٠/ باب ٣١/ ح ٢.
(٣١) مناقب آل أبي طالب ٤: ٢٣٧.
(٣٢) إكمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٣٣) الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٣٤) الاحتجاج ٢: ٢٩٧.
(٣٥) الخرائج والجرائح ٣: ١١٢٨ و١١٢٩.
(٣٦) اُنظر: الغيبة للطوسي: ٣٩٤/ ح ٣٦٣.
(٣٧) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٣٥/ ح ٤٢٥؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٨٩/ ح ٢٧.
(٣٨) راجع: إكمال الدين: ٦٥٠/ باب ٥٧/ ح ٦.
(٣٩) راجع: الغيبة للنعماني: ١٨٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٨.
(٤٠) راجع: إكمال الدين: ٣٢٣ و٣٢٤/ باب ٣١/ ح٨؛ الغيبة للطوسي: ٥٧/ ح٥٢، و٦١/ ح٦٠، و١٦١ و١٦٢/ ح ١٢٠، و١٦٣/ ح ١٢٣، و٤٢٣ و٤٢٤/ ح ٤٠٧؛ الغيبة للنعماني: ١٧٦- ١٧٨/ باب١٠/ فصل٤/ ح ١-٩؛ الكافي ١: ٣٣٩ و٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٢ و١٩ و٢٠.
(٤١) الغيبة للطوسي: ١٦٣/ ح ١٢٣.
(٤٢) الغيبة للنعماني: ١٧٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٥.
(٤٣) الغيبة للنعماني: ١٧٨ و١٧٩/ باب ١٠/ فصل ٤/ ذيل الحديث ٩.
(٤٤) الغيبة للنعماني: ١٦٠ و١٦١/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٤.
(٤٥) الغيبة للنعماني: ١٦٤ و١٦٥.
(٤٦) الغيبة للنعماني: ٢٠٤/ باب ١١/ ح ٨.
(٤٧) الغيبة للنعماني: ٢٠٣/ باب ١١/ ح ٥.
(٤٨) الغيبة للنعماني: ٢١٨/ باب ١٢/ ح ١٨.
(٤٩) الغيبة للنعماني: ٢١٧/ باب ١٢/ ح ١٦.
(٥٠) راجع: فِرَق الشيعة: ١٠٩.
(٥١) الغيبة للطوسي: ٤١٢/ ذيل الحديث ٣٨٥.
(٥٢) إكمال الدين: ٤٣٣/ باب ٤٢/ ذيل الحديث ١٢.
(٥٣) راجع: إكمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤.
(٥٤) اُنظر: إكمال الدين: ٢.
(٥٥) راجع: الغيبة للنعماني: ١٦٠ - ١٦٥/ باب ١٠/ فصل ٢.
(٥٦) الإرشاد ٢: ٣٤٠.
(٥٧) الغيبة للطوسي: ٦١/ ذيل الحديث ٦٠، قال: (فهذا الخبر صريح فيما نذهب إليه في صاحبنا، لأنَّ له غيبتين: الأُولى كان يُعرَف فيها أخباره ومكاتباته. والثانية أطول، انقطع ذلك فيها، وليس يطَّلع عليه أحد إلَّا من يختصّه...).
(٥٨) الغيبة للنعماني: ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٥٩) الخرائج والجرائح ٣: ١١٦٣، بعضه.
(٦٠) راجع: الإرشاد ٢: ٣٦٩.
(٦١) الغيبة للنعماني: ٢٦٢ - ٢٦٥/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٦٢) الغيبة للطوسي: ٤٥٢/ ح ٤٥٧.
(٦٣) إكمال الدين: ٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦.
(٦٤) في البحار: (ولم يخرج كاسر عينه).
(٦٥) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦٠؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٤٥/ ح ١٢٣.
(٦٦) هو عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود الكندي الجندي الحضرمي، أبو يحيى، الملقَّب بطالب الحقِّ، إمام إباضي، من أهل اليمن، قُتِلَ عام (١٣٠هـ)، كان قاضياً بحضرموت، وخلع طاعة مروان بن محمّد، وبويع له بالخلافة. واستولى على صنعاء ومكّة بعد حروب، وعظم أمره، وتبعه أبو حمزة (المختار بن عوف)، فوجَّه إليهما مروان جيشاً بقيادة عبد الملك بن محمّد السعدي، فالتقى عبد الملك بأبي حمزة في وادي القرى (من أعمال المدينة) فقتله، واستمرَّ زاحفاً نحو اليمن، فأقبل إليه طالب الحقِّ، فالتقيا على مقربة من صنعاء، فاقتتلا، فقتل طالب الحقِّ وأرسل رأسه إلى مروان بالشام. (اُنظر: الأعلام للزركلي ٤: ١٤٤).
(٦٧) أمالي الطوسي: ٦٦١/ ح (١٣٧٥/١٩).
(٦٨) كذا في البحار، وفي الهداية الكبرى: (من).
(٦٩) بحار الأنوار ٥٣: ١٥ و١٦؛ الهداية الكبرى: ٤٠٣.
(٧٠) الغيبة للنعماني: ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(٧١) الغيبة للنعماني: ٢٨٩/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(٧٢) قد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «اليماني والسفياني كفرسي رهان» (الغيبة للنعماني: ٣١٦ و٣١٧/ باب ١٨/ ح ١٥).
وروي عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام، فتكون بينهم ملحمة عظيمة، ثمّ يظهر الأخوص السفياني الملعون، فيقاتلها جميعاً، فيظهر عليهما جميعاً، ثمّ يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده» (الغيبة للطوسي: ٤٦٤/ ح ٤٧٩).
وروي عنه (عليه السلام) أيضاً: «... حتَّى ينزل الجزيرة السفياني، فيسبق اليماني، ويحوز السفياني ما جمعوا...» (الفتن للمروزي: ١٧٤).
(٧٣) راجع: الدعوات للراوندي: ٥٨/ ح ١٤٦، وعنه بحار الأنوار ٨٨: ٣٧٦/ ح ٣٣. جاء في الدعاء: «اللّهمّ إنّي أسألك بحقِّ نبيِّك المصطفى، وبحقِّ وليِّك ووصيِّ رسولك المرتضى...، وبحقِّ النفس الزكيَّة والروح الطيِّبة، سميِّ نبيِّك، والمظهر لدينك، اللّهمّ إنّي أسألك بحقِّهم وحرمتهم عليك إلَّا قضيت بهم حوائجي».
(٧٤) الإرشاد ٢: ٣٦٨.
(٧٥) الكافي ٨: ٣١٠/ ح ٤٨٣.
(٧٦) الغيبة للنعماني: ٣٠١/ باب ١٦/ ح ٦.
(٧٧) إكمال الدين: ٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦.
(٧٨) إكمال الدين: ٦٤٩/ باب ٥٧/ ح ٢؛ الغيبة للطوسي: ٤٤٥/ ح ٤٤٠؛ الإرشاد ٢: ٣٧٤.
(٧٩) الغيبة للطوسي: ٤٦٣ و٤٦٤/ ح ٤٧٩.
(٨٠) تفسير العيّاشي ١: ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٦.
(٨١) موضع بمكّة داخل الحرم، هو من مكّة على نحو من فرسخ، تُرى بيوت مكّة منه. (مجمع البحرين ١: ٢٧٩/ مادَّة طوا).
(٨٢) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/ ح ٨١.
(٨٣) الغيبة للطوسي: ٤٤٣ و٤٤٤/ ح ٤٣٧.
(٨٤) الغيبة للنعماني: ٢٦٢/ باب ١٤/ ح ١٢.
(٨٥) مختصر بصائر الدرجات: ١٧٧ - ١٩٢.
(٨٦) اُنظر: الخرائج والجرائح ٢: ٥٥٢/ ح ١٢.
(٨٧) وهي كنية للمفضَّل بن عمر الجعفي أيضاً.
(٨٨) إكمال الدين: ٣٤٧/ باب ٣٣/ ح ٣٥؛ الغيبة للطوسي: ٣٣٧ و٣٣٨/ ح ٢٨٥؛ الغيبة للنعماني: ١٥٤/ باب ١٠/ ح ١٠.
(٨٩) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨؛ الإرشاد ٢: ٣٧٢.
(٩٠) الغيبة للطوسي: ٤٣٣/ح ٤٢٣، الإرشاد ٢: ٣٧٠ و٣٧١؛ الكافي ٨: ٢٠٩ و٢١٠/ح ٢٥٥.
(٩١) الكافي ١: ٢٤٠/ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة.../ ح ٣.
(٩٢) الإرشاد ٢: ٣٦٩.
(٩٣) الغيبة للنعماني: ٢٨٥/ باب ١٤/ ح ٥٨.
(٩٤) بحار الأنوار ٥٢: ٢٤٤/ ح ١٢١.
(٩٥) الغيبة للنعماني: ٢٩٩ و٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٢.
(٩٦) الغيبة للنعماني: ٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٣.
(٩٧) الغيبة للنعماني: ٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٤.
(٩٨) الغيبة للنعماني: ٣٠١/ باب ١٦/ ح ٥.
(٩٩) الغيبة للنعماني: ٣٠١/ باب ١٦/ ح ٦.
(١٠٠) الغيبة للنعماني: ٣٠٤/ باب ١٦/ ح ١١، عن الكافي ١: ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٢.
(١٠١) الغيبة للنعماني: ٣٠٥/ باب ١٦/ ح ١٣، عن الكافي ١: ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ٥.
(١٠٢) الغيبة للنعماني: ٣١٤/ باب ١٨/ ح ١٠.
(١٠٣) الغيبة للنعماني: ٢١٣/ باب ١٢/ ح ٨.
(١٠٤) الغيبة للنعماني: ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٧.
(١٠٥) الغيبة للنعماني: ٢١٠ و٢١١/ باب ١٢/ ح ٤.
(١٠٦) تفسير العيّاشي ١: ٦٤ - ٦٦/ ح ١١٧.
(١٠٧) الغيبة للنعماني: ١٤٩/ باب ١٠/ ح ٥.
(١٠٨) الغيبة للنعماني: ٢٨٨ - ٢٩١/ باب ١٤/ ح ٦٧.
(١٠٩) الغيبة للنعماني: ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(١١٠) الغيبة للنعماني: ٣١٨/ باب ١٨/ ح ١٧.
(١١١) الغيبة للنعماني: ٣١٣/ باب ١٨/ ح ٧.
(١١٢) بحار الأنوار ٥٢: ٢٦٩ و٢٧٠/ ح ١٦٠.
(١١٣) بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٠ و٢٧١/ ذيل الحديث ١٦١.
(١١٤) بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٢/ ح ١٦٦.
(١١٥) الكافي ٨: ٢٧٤/ ح ٤١٢.
(١١٦) الغيبة للنعماني: ٢٠١/ باب ١١/ ح ٢.
(١١٧) الغيبة للنعماني: ٢٠٦/ باب ١١/ ح ١٤.
(١١٨) اُنظر: جمال الأُسبوع لابن طاووس: ٤١، زيارته (عليه السلام) يوم الجمعة.
(١١٩) تفسير القمّي ٢: ١٦٤، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «... لو استُخرِجَ قلب المؤمن فشُقَّ لوجد فيه نورين: نوراً للخوف، ونوراً للرجاء».
الكافي ٢: ٦٧/ باب الخوف والرجاء/ ح ١، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كان أبي يقول: إنَّه ليس من عبد مؤمن إلَّا [و]في قلبه نوران: نور خيفة ونور رجاء، لو وُزِنَ هذا لم يزد على هذا، ولو وُزِنَ هذا لم يزد على هذا».
(١٢٠) الإمامة الإلهية ٣: ٤ و٥؛ فقد بيَّن المؤلِّف هناك قراءة مميَّزة للنماذج المذكورة.
(١٢١) المفردات في غريب القرآن: ٤٥٠/ مادَّة (لطف).
(١٢٢) بحار الأنوار ٩٥: ٢٢٥.
(١٢٣) الغيبة للنعماني: ٢٠٠/ باب ١١/ ح ١؛ وقد نُقِلَ نفس المضمون في روايات أُخرى من طرق الشيعة والسُّنَّة، حيث نُقِلَ في سنن أبي داود - وهو من مصادر السُّنَّة - عنوان الأحلاس في (ج ٢/ ص ٣٠٤ و٣٠٥/ ح ٤٢٥٨ و٤٢٦٢).
(١٢٤) الغيبة للنعماني: ٢٠٠ و٢٠١/ باب ١١/ ح ٢.
(١٢٥) الغيبة للنعماني: ٢٠٣/ باب ١١/ ح ٥، وبنفس المضمون نقل ذلك الكليني في الكافي ٣: ١٣٢/ باب ما يعاين المؤمن والكافر/ ح ٤.
(١٢٦) راجع: مصباح المتهجّد: ٧٨٨/ح (٨٥٧/١٢)؛ المزار لابن المشهدي: ٥١٤.
(١٢٧) نهج البلاغة: ٤٦٩/ ح ١.
(١٢٨) مفتاح السعادة ٤: ٩.
(١٢٩) الغيبة للنعماني: ٢١٧/ باب ١٢/ ح ١٧.
(١٣٠) نهج البلاغة: ٤٠١/ ح ٣١؛ وبنفس المضمون في كنز العمّال ١٦: ١٧٥/ ح ٤٤٢١٥.
(١٣١) الغيبة للنعماني: ٢٠٥/ باب ١١/ ح ١٠؛ وبنفس المضمون في الكافي ٣: ١٣٢/ باب ما يعاين المؤمن والكافر/ ح ٤.
(١٣٢) العين للفراهيدي ٣: ١٤٢/مادَّة (حلس).
(١٣٣) جمهرة الأمثال ٢: ٢٠٨/ الرقم ١٥٥٠.
(١٣٤) لسان العرب ٦: ٥٦/ مادَّة (حلس).
(١٣٥) مجمع البحرين ٤: ٦٣/ مادَّة (حلس).
(١٣٦) تاج العروس ٨: ٢٤٥.
(١٣٧) لسان العرب ٨: ٨ و٩/ مادَّة (برذع).
(١٣٨) وهي قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْأَصالِ * رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ﴾ (النور: ٣٦ و٣٧).
(١٣٩) أمالي الصدوق: ٤٣٠/ ح (٥٦٧/١).
(١٤٠) الكافي ٨: ٣١ - ٣٣/ ح ٥.
(١٤١) كفاية الأثر: ٢٤٦ - ٢٤٨.
(١٤٢) علل الشرائع: ١٤٨ و١٤٩/ باب ١٢٢/ ح ٧.
(١٤٣) الاحتجاج ١: ٢٧٩ و٢٨٠.
(١٤٤) بحار الأنوار ٢٩: ٤٢٠/ باب ١٣/ ح ٢، عن الاحتجاج ١: ٢٨١.
(١٤٥) أمالي الصدوق: ٤٦٣ و٤٦٤/ ح (٦٢٠/١٠).
(١٤٦) أمالي الطوسي: ٤٢٤ - ٤٢٦/ ح (٩٥٢/٩).
(١٤٧) راجع: بحار الأنوار ٢٩: ٤١٧ - ٤٧٧/ باب ١٣/ ح ١ - ٥٥.
(١٤٨) راجع: الكافي ١: ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت/ ح ١؛ الغيبة للنعماني: ٣٠٣ و٣٠٤/ باب ١٦/ ح ١٠؛ الغيبة للطوسي: ٤٢٨/ ح ٤١٧.
(١٤٩) الكافي ٨: ٤٢ و٤٣/ ح ٨؛ وفي أمالي الصدوق: ٤٣٨/ ح (٥٧٧/١)، مسندة بسند حسن عن عبد الله بن سنان.
(١٥٠) ورد أنَّ ذلك الرجل هو الخضر.
(١٥١) الكافي ١: ٤٥٤ و٤٥٥/ باب مولد أمير المؤمنين (عليه السلام)/ ح ٤؛ أمالي الصدوق: ٣١٢ و٣١٣/ ح (٣٦٣/١١).
(١٥٢) وقريب من هذا المعنى ما ذكره علماء أُصول الفقه في معنى الوسطية - في التنجيز أو التكليف -، وهي أنَّ المكلَّف في ظرف الشكِّ في عدد أجزاء المركَّب بين الأقلِّ والأكثر أو الاضطرار يمكنه أن يأتي بثمانية أجزاء من العمل المركَّب من عشرة أجزاء، لأنَّ الثمانية مجزية في ظرف الاضطرار ومطلوبة على كلِّ حالٍ.
(١٥٣) كامل الزيارات: ٣٢٨/ باب ٧١/ ح (٥٥٦/٩).
(١٥٤) المزار لان المشهدي: ٦٦٤.
(١٥٥) بحار الأنوار ٤٥: ٣٦٥.
(١٥٦) المزار لابن المشهدي: ٣٩١.
(١٥٧) ذوب النضّار: ٩٦ و٩٧.
(١٥٨) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤١/ ح ٢٠٢.
(١٥٩) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤٠/ ح ١٩٧.
(١٦٠) اختيار معرفة الرجال ١: ٣٤١/ ح ٢٠٣.
(١٦١) المزار لابن المشهدي: ٥٧٩؛ إقبال الأعمال ١: ٥٠٩.
(١٦٢) الكافي ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(١٦٣) أمالي الصدوق: ١٩٢/ ح (٢٠٢/٥).
(١٦٤) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٨/ ح ٨٢.
(١٦٥) المزار لابن المشهدي: ١٠٧.
(١٦٦) وسائل الشيعة ٣: ٢٧٥/ أبواب الدفن/ باب ٨٥.
(١٦٧) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦١٤/ ح ٣٢١٣.
(١٦٨) عوالي اللئالي ١: ١٢٩/ ح ٣؛ صحيح البخاري ٦: ١٤٦.
(١٦٩) تفسير الأمثل ٣: ٥٠٤.
(١٧٠) عوالي اللئالي ١: ١٢٩/ ح ٣؛ صحيح البخاري ٦: ١٤٦.
(١٧١) الكافي ٢: ٢٢٠/ باب التقيَّة/ ح ١٥.
(١٧٢) الكافي ١: ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥.
(١٧٣) الاحتجاج ١: ٣٨٠.
(١٧٤) تحف العقول: ٤٨؛ بحار الأنوار ٧٤: ١٥١/ ح ٩٧.
(١٧٥) الكافي ١: ٢٣/ كتاب العقل والجهل/ ح ١٥.
(١٧٦) الكافي ٢: ٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ١٢؛ وسائل الشيعة ١٦: ٢٠٤/ باب ٢٤/ ح (٢١٣٥٩/٤).
(١٧٧) الخصال: ٣٥٤/ ح ٣٥؛ وسائل الشيعة ١٦: ١٦٤/ باب ١٤/ ح (٢١٢٤٨/٩).
(١٧٨) الغيبة للنعماني: ٤٣/ باب ١/ ح ٧.
(١٧٩) الغيبة للنعماني: ٤٣/ باب ١/ ح ٨.
(١٨٠) الغيبة للنعماني: ٤١/ باب ١/ ح ١.
(١٨١) بصائر الدرجات: ٤٥/ ج ١/ باب ١١/ ح ٢١.
(١٨٢) الغيبة للنعماني: ٤٢ و٤٣/ باب ١/ ح ٤.
(١٨٣) الغيبة للنعماني: ٤٥/ باب ١/ ح ١٢.
(١٨٤) وسائل الشيعة ١٦: ٢٣٥/ باب ٣٢/ ح (٢١٤٤٧/١)، عن الكافي ٢: ٢٢٢/ باب الكتمان/ ح ٣.
(١٨٥) نهج البلاغة: ٥٠١/ ح ١٧٢.
(١٨٦) الكافي ٢: ١١٩/ باب الرفق/ ح ٦.
(١٨٧) قرب الإسناد: ١٣٣/ ح ٤٦٦.
(١٨٨) الاحتجاج ٢: ٢٣٧؛ وسائل الشيعة ١٦: ٢١٧/ باب ٢٥/ ح (٢١٤٠٠/٩).
(١٨٩) الكافي ٢: ٢٢٤/ باب الكتمان/ ح ٨.
(١٩٠) الكافي ٢: ٣٧٠/ باب الإذاعة/ ح ٢.
(١٩١) الكافي ٢: ٣٧١ و٣٧٢/ باب الإذاعة/ ح ١٠.
(١٩٢) الكافي ٢: ٢٢١ و٢٢٢/ باب الكتمان/ ح ١.
(١٩٣) الكافي ٢: ٢٢٤ و٢٢٥/ باب الكتمان/ ح ١٠.
(١٩٤) الكافي ٢: ٣٧٠/ باب الإذاعة/ ح ٥.
(١٩٥) الكافي ٢: ٣٧١/ باب الإذاعة/ ح ٦.
(١٩٦) الكافي ٢: ٢٢٠/ باب التقيَّة/ ح ٢٠.
(١٩٧) الكافي ٢: ٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ١١.
(١٩٨) الكافي ٢: ٢١٨/ باب التقيَّة/ ح ٥.
(١٩٩) وسائل الشيعة ١٦: ٢٣١/ باب ٢٩/ ح (٢١٤٣٩/١٨).
(٢٠٠) مفتاح السعادة ٤: ٩.
(٢٠١) تفسير العيّاشي ٢: ٣٢٣/ ح ٩.
(٢٠٢) تفسير العيّاشي ٢: ٣٢٣/ ح ١٠.
(٢٠٣) وسائل الشيعة ١٦: ٢٣١/ باب ٢٩/ ح (٢١٤٣٨/١٧).
(٢٠٤) الكافي ٢: ٢٢٥/ باب الكتمان/ ح ١٣.
(٢٠٥) الكافي ٢: ٢٢٠/ باب التقيَّة/ ح ٢٠.
(٢٠٦) الكافي ٢: ٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ١١.
(٢٠٧) الكافي ١: ٣١٠/ باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)/ ح ١٣.
(٢٠٨) الكافي ١: ٣١٠ و٣١١/ باب الإشارة والنصّ على أبي الحسن موسى (عليه السلام)/ ح ١٤.
(٢٠٩) راجع: الكافي ٢: ٢١٩/ باب التقيَّة/ ح ١٠.
(٢١٠) نهج البلاغة: ٩٢/ ح ٥٧.
(٢١١) الكافي ٢: ٢٢٢ و٢٢٣/ باب الكتمان/ ح ٥.
(٢١٢) معاني الأخبار: ١٦٠/ باب معنى الجهاد الأكبر/ ح ١.
(٢١٣) ومن هنا يمكن تفسير معنى حرمة ذكر اسم الإمام (عليه السلام) الذي ورد في كثير من الروايات، في أنَّه يُعرِّض الإمام (عليه السلام) للخطر وبالتالي سيعرقل حركته (عليه السلام)، لأنَّه سيؤدّي إلى زيادة الخفاء من قِبَل الإمام بسبب إزدياد احتمال الخطر لكشف شخصيته وستتقطَّع كلّ سبل البناء والإدارة التي يحتمل وجوده فيها، وهذا غير معنى طلب تعجيل الظهور - على الفهم الآخر - الذي يأمر المؤمن بالدعاء فقط للإمام (عليه السلام)، وأن يلهج فقط بذكر الإمام (عليه السلام) صباح مساء، فتدبَّر.
(٢١٤) إرشاد القلوب ٢: ٢١٨؛ بحار الانوار ٨٠: ٣٦٢/ ح ١٦.
(٢١٥) إكمال الدين: ٦٤٥ و٦٤٦/ باب ٥٥/ ح ٧.
(٢١٦) يُعتَبر هذا البحث أحد الثمار لبحثنا (التوحيد في المشهد الحسيني)، بل ومن أهمِّها.
(٢١٧) ينبغي الالتفات إلى أنَّ كُلَّ كلمة لها حسابها ووزنها الخاصّ، فالحجِّية يلزم أن تكون مجموعية أي باجتماع وليس حجِّية منفردة أوَّلاً، وثانياً بنظم أي ليس بانفراط وعشوائية، وثالثاً هذا النظم يتبع وينتظم بنظم أكبر منه، ورابعاً يترابط بين هذه المجموعة بكُلِّ طبقاتها وأبعادها.
(٢١٨) روضة الواعظين: ٣١.
(٢١٩) شرح مائة كلمة لأمير المؤمنين (عليه السلام): ٦٨/ الكلمة العاشرة؛ كنز العمّال ١٦: ١٩٧/ ح٤٤٢١٨.
(٢٢٠) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ١٤١/ باب ١٢/ ح ١.
(٢٢١) أمالي الصدوق: ١٥٠/ ح (١٤٦/١).
(٢٢٢) تفسير العيّاشي ٢: ٢٩٨/ ح ١٠٠.
(٢٢٣) تفسير العيّاشي ٢: ٢٩٧ و٢٩٨/ ح ٩٥.
(٢٢٤) تفسير الرازي ٢٠: ٢٣٧.
(٢٢٥) مجمع البيان ٦: ٧٥.
(٢٢٦) تفسير القمّي ١: ٣٦٩.
(٢٢٧) راجع: تفسير التبيان ٦: ٤٩٤.
(٢٢٨) حلية الأبرار ٢: ١٥٧/ باب ١٧/ ح ١؛ بحار الأنوار ٨: ٦١/ ح ٨٢.
(٢٢٩) راجع: التبيان ٦: ٤٩٤.
(٢٣٠) تفسير القمّي ١: ٣٦٩.
(٢٣١) إكمال الدين: ٦٥١ و٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١١.
(٢٣٢) الاختصاص: ٨٥.
(٢٣٣) كامل الزيارات: ٣٢٨ و٣٢٩/ ح (٥٥٦/٩).
(٢٣٤) قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ﴾ (إبراهيم: ٢٤).
(٢٣٥) الخصال: ٣٥٤ و٣٥٥/ ح ٣٥؛، وسائل الشيعة ١٦: ١٦٤ و١٦٥/ باب ١٤/ ح (٢١٢٤٨/٩).
(٢٣٦) راجع: شرح الأخبار ٢: ٣٧٢/ ح ٧٣٤.
(٢٣٧) إكمال الدين: ٦٥١ و٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١١.
(٢٣٨) بحار الأنوار ٥٢: ٢٠٥ و٢٠٦/ ح ٣٧.
(٢٣٩) الغيبة للطوسي: ٤٦٣ و٤٦٣/ ح ٤٧٨.
(٢٤٠) الغيبة للنعماني: ٣١٨/ باب ١٨/ ح ١٨.
(٢٤١) إلزام الناصب ٢: ١٧٣.
(٢٤٢) إلزام الناصب ٢: ١٧٣.
(٢٤٣) الغيبة للطوسي: ٤٦٣ و٤٦٣/ ح ٤٧٨.
(٢٤٤) حينما نقول صفات سياسية عقائدية لا يمنع إشارة الرواية أساساً إلى توجّهاته الشخصية العدائية لأهل البيت (عليهم السلام).
(٢٤٥) إكمال الدين: ٤٨٠/ باب ٤٤/ ح ٣.
(٢٤٦) حادثة مثيرة:
وفي هذا السياق يمكن أن نذكر محاورة تشير إلى توجّه الفكر السلفي الوهّابي - السفياني - إلى القضاء على الإسلام بشكل عامّ وليس فقط الإسلام الأصيل الذي هو إسلام أهل البيت (عليهم السلام) وأتباعهم، وهذا هو المشروع الصهيوني الصليبي الغربي، والحادثة هي حوار جرى بين أحد أتباع أهل البيت (عليهم السلام) وبين أحد أفراد ما يُسمّى بهيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند قبر حمزة (عليه السلام)، ومضمونه مختصراً:
الشيعي: لماذا تحوطون قبر الحمزة (عليه السلام) بسياج اسمنتي؟
الوهّابي: لكي لا يأخذ منه بعض الجهلة الأحجار والتراب للتبرُّك.
الشيعي: لو تركتموها مدروسة وغير معلَّمة لنجوتم من المحذور.
الوهّابي: لو كان الأمر بيدنا لمحونا كُلَّ القبور.
الشيعي: حتَّى قبر النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟
الوهّابي: نعم، وهذا ممَّا يُرضي النبيَّ، وهذا هو التوجّه الذي يريده النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فهو أراد أن يمحو كُلَّ قبر.
الشيعي: إذن لماذا لم يفعل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ذلك؟
الوهّابي: لولا خوف الفتنة لمحاها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ألم يقل لعائشة: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت البيت» (صحيح البخاري ٢: ١٥٦)، لأنَّها - الأحجار - إذا بقيت سيعود الناس إلى عبادة الحجارة والأصنام، فالأفضل أن تُسوّى بالأرض، ولكن هذا الأمر أضمره النبيُّ ولم يُعلِنه خوف الفتنة فإنَّه أظهر شيئاً وأخفى شيئاً، لأن الناس لا تتحمَّل ذلك.
الشيعي: هذا خلاف تتمَّة الحديث، لأنَّه قال في تتمَّته: «لنقضت البيت ثمّ لبنيته على أساس إبراهيم»، وخلاف سلوك إبراهيم (عليه السلام)، بل خلاف القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ (البقرة: ١٢٧)، بل إنَّ الله جعل حجرين وهما جبل الصفا وجبل المروة من شعائر الله وأمر بتعظيمهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: ١٥٨)، كُلُّ هذه الحجارة التي تريد محوها تُمثِّل الدِّين والشعائر والمقدَّسات، فإذا محوتها محوت الدِّين. فسكت الوهابي ولم يحر جواباً.
وهذه الحادثة ليست بالحدث الطارئ والحالة الجزئية أو رأي شخصي لفرد من أفراد الوهّابية السفيانية، بل هو كاشف عن مبانٍ وأُسس أُسِّس عليها المذهب الوهّابي، واعتقادات قديمة وحديثة كما في مذكّرات (مستر همفر) [راجع: مذكّرات مستر همفر/ الأصل الثاني]، وهو مُطابق لما في الروايات أنَّ السفياني يقصد المدينة لهدم قبر النبيِّ ونبش قبره (صلّى الله عليه وآله وسلم) وقبر فاطمة (عليها السلام)، والتوجّه بعد ذلك لهدم الكعبة المشرَّفة، فعن ابن عبّاس في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (سبأ: ٥١)، قال: (نزلت في خسف البيداء، وذلك أنَّ ثمانين ألفاً يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خُسِفَ بهم). (تفسير الكشّاف٣: ٢٩٦).
وهذا الكلام ليس من تأويل الأحاديث، بل صريح الأخبار وواقع الأمر شاهد على ما نقول، ويكفيك متابعة بسيطة لكتبهم - خصوصاً التنظيرات والبحوث الحديثة - حتَّى تجد صواب كلامنا، ومن يترصَّد مواقعهم في الانترنت يجد ذلك جليَّاً واضحاً، حيث أعلنوا قبل وقت قريب عن عقد البيعة للمهدي السفياني وعن التحالف مع اليهود والنصارى ضدّ الرافضة.
وما دامت شرعنة القتل وسفك الدماء أسهل من السهل، فمن الممكن شرعنة أيّ قانون آخر كالزنا بعنوان جهاد النكاح والاغتصاب وسبي النساء والولدان بحجَّة الفتح والفتوحات، فهم وأسيادهم من عُشّاق الفتح، لكن أيّ فتح!؟
وقديماً كان سيِّدهم وقدوتهم أبو سفيان ومعاوية ويزيد الذي هدَّم الكعبة، من عُشّاق فتح الفجور والفُسُوق.
فهي عقيدة غربية يهودية صهيونية أُموية يزيدية سلفية وهّابية سفيانية، فما أعجبها من عجينة وما أخبثها من طينة!؟
(٢٤٧) في مذكّرات (مستر همفر): أنَّ أحد أهداف الوهابية - والسلفية - الرئيسية هدم الكعبة، والغريب المفضع أنَّ بعضهم يستدلُّ بحديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) - الذي أوردناه سابقاً-: «لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت البيت»، والمضحك المبكي أنَّ هذا الحديث يصبُّ في قداسة الكعبة وليس العكس، لأنَّ تتمَّته: «لنقضت البيت ثمّ لبنيته على أساس إبراهيم»، فإذن الهدم هو لإعادته إلى الأساس الذي بناه آدم وإبراهيم وإسماعيل وليس للإبادة كما يقول ويهدف هؤلاء أعداء الدِّين.
(٢٤٨) هذا المقطع من الحديث هو كلام للبشير الذي جاء إلى الإمام المهدي (عليه السلام) بعدما خُسِفَ بجيش السفياني، وكان هو أحد أفراد الجيش.
(٢٤٩) الهداية الكبرى: ٣٩٨؛ بحار الأنوار ٥٣: ١٠ بتفاوت يسير.
(٢٥٠) البدء والتأريخ ٢: ١٧٨.
(٢٥١) إلزام الناصب ٢: ١٦٥.
(٢٥٢) إلزام الناصب ٢: ١٧٣.
(٢٥٣) عقد الدرر: ٩٣.
(٢٥٤) راجع: لسان العرب ٢: ٢٠٦/ مادَّة (أجج).
(٢٥٥) المفردات في غريب القرآن: ١٠/ مادَّة (أج).
(٢٥٦) راجع: الطرائف لابن طاووس: ١٦٧.
(٢٥٧) الخصال: ٣٥٤ و٣٥٥/ح ٣٥؛ وسائل الشيعة١٦: ١٦٤و١٦٥/باب ١٤/ح (٢١٢٤٨/٩).
(٢٥٨) تفسير الطبري ١٧: ١١٥؛ الدرّ المنثور ٤: ٣٣٧.
(٢٥٩) مسند أحمد ٣: ٧٧.
(٢٦٠) الغيبة للنعماني: ٣١٠ و٣١١/ باب ١٨/ ح ٢.
(٢٦١) الغيبة للنعماني: ٣١٢/ باب ١٨/ ح ٤.
(٢٦٢) الغيبة للنعماني: ٣١٣/ باب ١٨/ ح ٥.
(٢٦٣) الغيبة للنعماني: ٣١٠/ باب ١٨/ ح ١.
(٢٦٤) تفسير القمّي ٢: ١٥٢ و١٥٣.
(٢٦٥) الغيبة للنعماني: ٣١٤ و٣١٥/ باب ١٨/ ح ١٠.
(٢٦٦) الكافي ٢: ٤٧٠/ باب أنَّ الدعاء يردُّ البلاء والقضاء/ ح ٨.
(٢٦٧) الكافي ٢: ٤٦٩/ باب أنَّ الدعاء يردُّ البلاء والقضاء/ ح ٤.
(٢٦٨) الغيبة للنعماني: ٣٠٥/ باب ١٦/ ح ١٣.
(٢٦٩) التوحيد للصدوق: ٤٤٣ و٤٤٤/ باب ٦٦/ ح ١.
(٢٧٠) أمالي الطوسي: ٥٢١ و٥٢٢/ ح (١١٥١/٥٨).
(٢٧١) الأُصول الستَّة عشر: ٣٢٢/ ح (٥١٤/٢٤)؛ بحار الأنوار ٤: ١٢٢/ ح ٧٠.
(٢٧٢) تفسير العيّاشي ١: ٣٠٤/ ح ٧٢.
(٢٧٣) الكافي ١: ٢٢٥/ باب أنَّ الأئمَّة ورثوا علم النبيِّ وجميع الأنبياء.../ ح ٤.
(٢٧٤) تفسير العيّاشي ٢: ٢١٥ و٢١٦/ ح ٦١.
(٢٧٥) الغيبة للنعماني: ٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٣.
(٢٧٦) إكمال الدين: ٦٥١ و٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١١.
(٢٧٧) الغيبة للطوسي: ٤٤٩ و٤٥٠/ ح ٤٥٢.
(٢٧٨) الغيبة للنعماني: ٣١٠/ باب ١٨/ ح ١.
(٢٧٩) الغيبة للنعماني: ٣١٧/ باب ١٨/ ح ١٦.
(٢٨٠) إكمال الدين: ٦٥١ و٦٥٢/ باب ٥٧/ ح ١١.
(٢٨١) الغيبة للنعماني: ٣١١ و٣١٢/ باب ١٨/ ح ٣.
(٢٨٢) أمالي للطوسي: ٦٦١/ ح (١٣٧١/١٥)؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٥/ ح ١٧٠.
(٢٨٣) وهذه الروايات وروايات كثيرة لا تتعارض مع ضرورة القيام بالمسؤولية وأهمّية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحماية الدِّين ضدّ الانحراف والباطل والضلالة، وهذه العناوين على الجملة من ضروريات الدِّين ولا يمكن تركها وإهمالها، فلا بدَّ أن يكون معنى التواري من السفياني أو معنى الاختباء والاختفاء أحد معانٍ عديدة فنقول:
١) معنى أن تتوارى الرجال منه، هو أن لا يكونوا صيداً سهلاً ويعطوا أنفسهم له، وهو تنبيه لضرورة التدبير وجمع القوَّة والحيلة لمواجهة السفياني.
٢) قول الرواية: «لَيسَ على النساء بأس»، إشارة على أنَّ السفياني لا يقتل النساء ولا يفجر بهنَّ، كما هو في الروايات الأُخرى، فهل تكون هذه الرواية وأمثالها تعارض تلك، (كلَّا)، بل هو إشارة إلى أنَّ الاستهداف المباشر للرجال، وأمَّا النساء فالاستهداف لهنَّ غير مباشر.
٣) الرواية حينما قالت: «ليس عليهنَّ بأس» أي ليس عليهنَّ بأس وشدَّة بقدر البأس والشدَّة والمعلن والمقرَّر على الرجال، وليس هو عدم للبأس مطلقاً.
من جهة أُخرى إنَّ الرجال ينبغي أن تتوارى ليس لمجرَّد حفظ النفس، بل لأجل نصر أكبر، أي لا يكونوا صيداً سهلاً للاعتقال أو القتل، بل ليجمعوا قواهم لأجل نصر أكبر وليس - كما لعلَّه يفهم البعض - هو الهروب والتقاعس وترك المسؤوليات، بل هي إشارات أمنية واستخبارية لتحمّل المسؤولية.
(٢٨٤) عقد الدرر: ٧٧.
(٢٨٥) عقد الدرر: ٧٧ - ٧٩، عن الإمام أبي بكر محمّد بن الحسن النقّاش المُقري في تفسيره.
(٢٨٦) عقد الدرر: ٧٦ ب ٤ ف٢/ وذكره أيضاً أبو بكر مُحمَّد بن علي النقّاش في تفسيره في تفسير الآية (إذ فزعوا) من سورة سبأ.
(٢٨٧) نهج البلاغة: ٤٠١/ ح ٣١؛ وبنفس المضمون في كنز العمّال ١٦: ١٧٥/ ح ٤٤٢١٥.
(٢٨٨) الفتن للمروزي: ١٩٢؛ كنز العمّال ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٧.
(٢٨٩) عقد الدرر: ٩٣.
(٢٩٠) إلزام الناصب ٢: ١٦٤ و١٦٥.
(٢٩١) الفتن للمروزي: ٢١٦؛ كنز العمّال ١٤: ٥٨٩/ ح ٣٩٦٦٩.
(٢٩٢) عقد الدرر: ٨٠ و٨١.
(٢٩٣) الفتن للمروزي: ٢٠٢.
(٢٩٤) مستدرك الحاكم ٤: ٥٢٠.
(٢٩٥) تفسير الطبري ٢٢: ١٢٩؛ تفسير الثعلبي ٨: ٩٥؛ عقد الدرر: ٧٥.
(٢٩٦) تفسير مجمع البيان ٨: ٢٢٨ و٢٢٩، وقال: (أورده الثعلبي في تفسيره، وروى أصحابنا في أحاديث المهدي عن أبي عبد الله (عليه السلام) وأبي جعفر (عليه السلام) مثله).
(٢٩٧) البدء والتاريخ ٢: ١٧٨ - ١٨٠.
(٢٩٨) الفتن للمروزي: ٢١٥.
(٢٩٩) الصخري هو السفياني، نسبةً إلى صخر جد بني أُميَّة.
(٣٠٠) الفتن للمروزي: ٢١٨ و٢١٩.
(٣٠١) الفتن للمروزي: ٢١٦.
(٣٠٢) الغيبة للنعماني: ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(٣٠٣) عقد الدرر: ٧٧.
(٣٠٤) الفتن للمروزي: ١٧٣.
(٣٠٥) الفتن للمروزي: ١٩٢؛ كنز العمّال ١٤: ٥٨٨/ ح ٣٩٦٦٧.
(٣٠٦) كنز العمّال ١٤: ٥٨٩/ ح ٣٩٦٦٩، عن الفتن للمروزي: ٢١٦.
(٣٠٧) إلزام الناصب ٢: ١٧٣.
(٣٠٨) الغيبة للطوسي: ٤٤٦ و٤٤٧/ ح ٤٤٣.
(٣٠٩) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣١٠) الغيبة للنعماني: ٢٨٥ و٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦٠.
(٣١١) الغيبة للنعماني: ٣١٣ و٣١٤/ باب ١٨/ ح ٨ ؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٥٠/ ح ١٣٦.
(٣١٢) الغيبة للنعماني: ٣١٤/ باب ١٨/ ح ٩.
(٣١٣) من لا يحضره الفقيه ٤: ٥٤٤.
(٣١٤) قال الشهرستاني في الملل والنحل (ج ١/ ص ١٦٠): (السليمانية أصحاب سليمان بن جرير، وكان يقول: إنَّ الإمامة شورى فيما بين الخلق، ويصحُّ أن تنعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وإنَّها تصحُّ في المفضول مع وجود الأفضل. وأثبت إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حقَّاً باختيار الأُمَّة حقَّاً اجتهادياً...).
(٣١٥) دلال الإمامة: ٤٥٥ و٤٥٦/ ح (٤٣٥/٣٩).
(٣١٦) الإرشاد ٢: ٣٨٤؛ بحار الأنوار ٥٢: ٣٣٨/ ح ٨١.
(٣١٧) من لا يحضره الفقيه ٤: ٥٤٤.
(٣١٨) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦١٤/ ح ٣٢١٣.
(٣١٩) كامل الزيارات: ٣٣٠/ باب ٧١/ ح (٥٥٦/٩).
(٣٢٠) الغيبة للنعماني: ٣١٣/ باب ١٨/ ح ٧.
(٣٢١) الغيبة للنعماني: ٣١٨/ باب ١٨/ ح ١٧.
(٣٢٢) الغيبة للنعماني: ٢٨٩/ باب ١٤/ ح٦٧؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٣٧/ ح ١٠٥.
(٣٢٣) الغيبة للنعماني: ٢٨١ و٢٨٢/ باب ١٤/ ح ٥٠.
(٣٢٤) أمالي للطوسي: ٦٦١/ ح (١٣٧١/١٥)؛ بحار الأنوار ٥٢: ٢٧٥/ ح ١٧٠.
(٣٢٥) إنَّ قانون الفتنة عامّ شامل للسابقين واللاحقين للمؤمنين والفاسقين على حدٍّ سواء، بل هو حتَّى للكاملين وحتَّى للذين استثناهم الشيطان من غوايته ﴿إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (الحجر: ٤٠)، المعصوم (عليه السلام) يصف الفتن أنَّها كقطع الليل المظلم ويصف زماننا بالشدَّة وطول المدَّة وإدبار الزمان، زمان يكون القابض على دينه كالقابض على جمرة من نار، كيف نصنع يا إمامنا؟ قال: «إلينا». وهذه الكلمة «إلينا» تتكرَّر بكثرة في الروايات التي تُخبِر بظهور السفياني، وتأمر المؤمن بالاختباء والاختفاء من السفياني إلى أن تنتهي حركته، فهذا الكلام وشبهه في الروايات كثير يشير بدواً على أنَّ التكليف يتبدَّل أو يتوقَّف، حيث إنَّ هذه الروايات لو أُخِذَ بظاهرها البدوي، إنَّه لا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر ولا جهاد ولا كلمة حقٍّ، كذلك تشير إلى التخلّي عن كثير من الواجبات الاجتماعية، فما معنى «إلينا» وما معنى «ألبدوا ما ألبدنا»، يمكن تفسير ذلك على مستويات عديدة منها - وهذه المستويات لا تقاطع بينها، وأيضاً لا تتنافى مع ما ذكره سماحة الشيخ (دام ظلّه) -:
١) إنَّ اللجوء إلى أهل البيت (عليهم السلام) على كُلِّ حالٍ، وهو الاستمساك واللجوء العقائدي والاستمساك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها.
٢) اللجوء العلمي والعملي من خلال العمل برواياتهم والسير على نهجهم وخطّهم.
٣) تطبيق حديث الثقلين وهو التمسُّك بحبل الله الممدود، وهو كتاب الله وعترة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، لأنَّهما بحسب قول الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) لَنْ يفترقا حتَّى يردا عليه الحوض.
٤) «إلينا»: تعني التوسُّل بنا إلى الله والدعاء وطلب الحاجة بنا، وهذا لا يعني التخلّي عن المسؤولية وترك الحبل على الغارب.
٥) «إلينا»: أي بالاقتداء بنا والتصرُّف كما نتصرَّف، والعمل بمقتضى تلك الظروف، أي إلى حجَّة الله في أرضه الإمام الغائب (عليه السلام) وجعله قدوة وأُسوة ونبراس يُقتدى به، فكما هو غائب عن الظهور وليس غائباً عن الحضور والعمل، فكذلك أنتم اجعلوا غيبتكم عن الظهور للناس والأعداء، لكن لا تغيبوا عن الميدان، لذلك قالت الرواية: «ألبدو ما ألبدنا».
٦) «إلينا»: أي لا تتصرَّفوا تصرّفاً إلَّا بعد مراجعتنا من خلال ما يتوفَّر لديكم من الطرق العديدة والوسائل العلمية الصحيحة التي تجعلكم في نجاة إذا ما طبَّقتموها بالشكل الصحيح.
٧) «إلينا»: اتَّخذوا إمامكم قدوةً من حيث التريُّث في العمل والصبر حتَّى نضوج الأمر، وعدم التهوّر بالشكل الذي يؤدّي إلى أن يفقد الإنسان حياته دون أن يتحقَّق أي هدف أو يُحقِّق هدفاً بسيطاً لا قيمة له، فالفرد المؤمن ينبغي أن يسعى لتحقيق الأهداف العالية.
٧) «إلينا»: أي اتِّخاذ الإمام المنتظر (عليه السلام) قدوة، فكما أنَّه يترقَّب الفرصة الكبرى للظهور وتحقيق نصر أكبر وفتح أعظم، فكذلك أنتم تحيَّنوا ذلك النصر وتلك الفرصة المناسبة باعتبار أنَّ الجهاد والاستشهاد درجات، وأنَّ العمل لتربية النفس والمجتمع وتوعيته بعمق مسؤوليته لهي أعظم الجهاد.
(٣٢٦) الفتن للمروزي: ٢١٦؛ كنز العمّال ١٤: ٥٨٩/ ح ٣٩٦٦٩.
(٣٢٧) صحيح مسلم ٨: ١٦٨.
(٣٢٨) صحيح مسلم ٨: ١٦٦ و١٦٧.
(٣٢٩) صحيح مسلم ٨: ١٦٧.
(٣٣٠) وهذا النصُّ وردت فيه روايات عديدة من طُرُق العامَّة قد تصل إلى حدِّ التواتر أو الاستفاضة، دون الإشارة إلى أنَّ هذا الجيش هو جيش السفياني، نعم أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) أشاروا إلى أنَّه جيش السفياني.
(٣٣١) مختصر بصائر الدرجات: (أوَّل المهديّين) بدل (أوَّل المقرَّبين).
(٣٣٢) الغيبة للطوسي: ١٥٠ و١٥١/ح ١١١؛ مختصر بصائر الدرجات: ٣٩ و٤٠ بتفاوت يسير.
(٣٣٣) الغيبة للطوسي: ٤٥٤/ ح ٤٦٣؛ ورواه الراوندي أيضاً في الخرائج والجرائح ٣: ١١٤٩/ ح ٥٧.
(٣٣٤) إكمال الدين: ٦٥٣/ باب ٥٧/ ح ١٧؛ وراه الراوندي في الخرائج والجرائح ٣: ١١٤٩ و١١٥٠/ ح ٥٨.
(٣٣٥) تحف العقول: ٣١٠.
(٣٣٦) الغيبة للطوسي: ٤٢٨/ ح ٤١٧؛ الغيبة للنعماني: ٣٠٣ و٣٠٤/ باب ١٦/ ح ١٠؛ الكافي ١: ٣٦٨/ باب كراهية التوقيت /ح ١؛ الخرائج والجرائح ١: ١٧٨ و١٧٩/ ح ١١.
(٣٣٧) مختصر بصائر الدرجات: ١٠٢.
(٣٣٨) الغيبة للنعماني: ٢٩٩/باب ١٦/ح ١؛ الغيبة للطوسي:٤٢٧ و٤٢٨/ح ٤١٦ بتفاوت يسير.
(٣٣٩) الغيبة للنعماني: ٣٠٣/ باب ١٦/ ح ٨.
(٣٤٠) الغيبة للنعماني: ٣٠٣/ باب ١٦/ ح ٩.
(٣٤١) الغيبة للطوسي: ٤٢٨ و٤٢٩/ ح ٤١٨.
(٣٤٢) الكافي ١: ٤٥٠/ باب بلد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ووفاته/ ح ٣٤؛ تفسير فرات الكوفي: ١١٢/ ح (١١٣/١١).
(٣٤٣) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٦ و٢٠٧.
(٣٤٤) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٧.
(٣٤٥) بصائر الدرجات:٣٩٢/ باب في الفرق بين الأنبياء والرسل.../ ح ١٦.
(٣٤٦) إكمال الدين للصدوق: ٢٦٣/ باب ٢٤/ ح ١٠؛ كتاب سُليم بن قيس: ١٣٢ و١٣٣.
(٣٤٧) الغيبة للنعماني: ٨٥ و٨٦/باب ٤/ ح ١٢؛ كتاب سُليم بن قيس: ٢٣٦.
(٣٤٨) الغيبة للطوسي: ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ٥٠٥.
(٣٤٩) الاختصاص: ٢٥٨.
(٣٥٠) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ١: ٦٩/ ح ٣٧.
(٣٥١) مختصر بصائر الدرجات: ٤٨ و٤٩.
(٣٥٢) الكافي ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(٣٥٣) تفسير العيّاشي ٢: ٢٨١/ ح ٢٠؛ ورواه ابن قولويه في كامل الزيارات ٢: ٢٨١/ ح ٢٠، بسنده عن عبد الله بن القاسم الحضرمي، عن صالح بن سهل، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
(٣٥٤) الغيبة للطوسي: ٤٧٨ و٤٧٩/ ح ٥٠٥؛ ورواه في مختصر بصائر الدرجات عن مصدر آخر: ٤٩.
(٣٥٥) الاختصاص: ٢٥٧.
(٣٥٦) مختصر بصائر الدرجات: ٤٨.
(٣٥٧) قد يقال: إنَّ ما رواه الحرُّ العاملي عامٌّ في الرجعة وليس في خصوص الأئمَّة (عليهم السلام) فلا يصحُّ الاستدلال به.
والجواب: يصحُّ الاستدلال بما ذكره الحرُّ العاملي مع ضميمة ما ذكره من قاعدة (كُلّ ما جرى في بني إسرائيل يجري في هذه الأُمَّة)، وقاعدة ﴿لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (فاطر: ٤٣)، وبقاعدة أنَّ قصص القرآن مثلاً عبرة يعبر منه إلى ما يقع في هذه الأُمَّة، وبقواعد أُخرى. وبعبارة أُخرى: إنَّ الدليل على المطلوب والمدَّعى تارةً يكون خاصّاً وأُخرى يكون عامّاً، ويُستدلُّ به بضميمة ووسائط على النتيجة الخاصَّة. فالأدلَّة الواردة في الأُمم الأُخرى أدلَّة على وقوعها في هذه الأُمَّة، وبالتالي على وجود حجَّة الله في الأرض حيث لا تخلو الأرض من حجَّة.
(٣٥٨) مختصر بصائر الدرجات: ١٨.
(٣٥٩) مختصر بصائر الدرجات: ٢٧ و٢٨.
(٣٦٠) مختصر بصائر الدرجات: ٢٩.
(٣٦١) مختصر بصائر الدرجات: ٤٩.
(٣٦٢) لسان العرب ٢: ٤٨٦/ مادَّة (سفح).
(٣٦٣) مختصر بصائر الدرجات: ٥٠.
(٣٦٤) الغيبة للطوسي: ٢٢٤/ ح ١٨٨.
(٣٦٥) دلائل الإمامة: ٤٣٥ و٤٣٦/ ح (٤٠٥/٩).
(٣٦٦) اختيار معرفة الرجال ٢: ٧٦٣ و٧٦٤/ ح ٨٨٣.
(٣٦٧) مسند الإمام الرضا (عليه السلام) ١: ١٦٧ و١٦٨/ ح ٢٥٦، عن إثبات الوصيَّة: ٢٠١.
(٣٦٨) إكمال الدين: ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٦؛ مختصر بصائر الدرجات: ٢١٢.
(٣٦٩) مختصر بصائر الدرجات: ٢١٢.
(٣٧٠) راجع: مختصر بصائر الدرجات: ٢٤.
(٣٧١) الاحتجاج ٢: ٢٣٧/باب احتجاج الإمام الرضا (عليه السلام).
(٣٧٢) الروضة في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لشاذان بن جبرئيل القمّي: ١٠٣/ ح ٩٢، عنه بحار الأنوار ٣٩: ٢٩٩/ ح ١٠٥.
(٣٧٣) مشكاة الأنوار: ص٥٧٥/ باب ٩/ فصل ٤/ ح ١٩١٩.
(٣٧٤) الكافي ١: ٩٠/ باب الكون والمكان/ ح ٥.
(٣٧٥) الغيبة للطوسي: ٤٧٨/ ح ٥٠٤.
(٣٧٦) مختصر بصائر الدرجات: ٣٨.
(٣٧٧) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦١٥/ ح ٣٢١٣.
(٣٧٨) بحار الأنوار ٩٧: ٣٤٣.
(٣٧٩) راجع: بصائر الدرجات: ٥٠٧/ باب في الأئمَّة أنَّ الأرض لا تخلو منهم، ولو كان في الأرض اثنان لكان أحدهما الحجَّة؛ الكافي ١: ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، و١: ١٧٩/ باب أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة.
(٣٨٠) رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع: المحاسن للبرقي ١: ١٥٣/ باب من مات لا يعرف إمامه؛ بصائر الدرجات: ٢٧٩/باب ١٥/ ح ٥؛ الكافي ١: ٣٧٧/باب من مات وليس له إمام...؛ إكمال الدين: ٤٠٩/ باب ٣٨/ ح ٩؛ مسند أحمد ٤: ٩٦؛ مجمع الزوائد ٥: ٢١٨ و٢٢٥، مسند أبي يعلى ١٣: ٣٦٦/ ح ٧٣٧٥؛ المعجم الكبير للطبراني ١٩: ٣٨٨؛ وغيرها من المصادر الكثيرة.
(٣٨١) رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع: أمالي الصدوق: ٣٨٦/ ح (٤٩٥/٤)؛ الغيبة للنعماني: ١٠٤/ باب ٤/ ح ٣١؛ مسند أحمد ٥: ٨٦؛ صحيح مسلم ٦: ٣؛ سنن أبي داود ٢: ٣٠٩/ ح ٤٢٧٩؛ وغيرها من المصادر الكثيرة.
(٣٨٢) راجع: الغيبة للنعماني: ٨٩/ باب ٤/ ح ١٧.
(٣٨٣) إكمال الدين: ٣٣٠ و٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦.
(٣٨٤) الفتن: ١٧٤.
(٣٨٥) راجع: فتح الأبواب: ٢١٨ و٢٧٢.
(٣٨٦) راجع: زبدة البيان: ٦٢٦.
(٣٨٧) راجع: من لا يحضره الفقيه ٤: ٣٦٥/ ح ٥٧٦٢.
(٣٨٨) رواه الخاصَّة والعامَّة بألفاظ مختلفة، راجع: الكافي ٢: ٤١٥/ باب أدنى ما يكون به العبد مؤمناً أو كافر أو ضالًّا/ ح ١؛ إكمال الدين: ٢٣٥/ باب ٢٢/ ح ٤٧؛ الاحتجاج ٢: ١٤٧؛ مسند أحمد ٣: ٥٩؛ سنن الترمذي ٥: ٣٢٩/ ح ٣٨٧٦؛ مسند أبي يعلى ٢: ٣٧٦/ ح (١٦٦/١١٤٠)؛ وغيرها من المصادر الكثيرة.
(٣٨٩) إنَّ روايات الرجعة المتواترة تضمَّن الكثير منها أنَّها تبدأ عند نهاية دولة ظهور المهدي (عليه السلام)، وأنَّه أوَّل فاتح لدولة آل محمّد التي لا تزول إلى يوم القيامة. وهو معنى اسم (المهدي)، وإنَّما يقوم به آباؤه بعده أعظم، ويترتَّب على ما يقوم به (عليه السلام).
(٣٩٠) مناقب آل أبي طالب ٢: ١٠٨؛ الفتن للمروزي: ١٣١.
(٣٩١) كنز العمّال ١٤: ٥٩٤ و٥٩٥/ ح ٣٩٦٧٩.
(٣٩٢) ينابيع المودَّة ٣: ٤٣٤/ ح ٤.
(٣٩٣) راجع: علل الشرائع: ٢٠٥ - ٢١٠/ باب ١٥٦ العلَّة التي من أجلها صارت الإمامة في ولد الحسين دون الحسن صلوات الله عليهما.
(٣٩٤) الكافي ١: ٢٠١/ باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته/ح ١.
(٣٩٥) راجع: الإيقاظ من الهجعة: ٣٧٧.
(٣٩٦) الكافي ١: ٢٥٥/ باب لولا أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يزدادون (علماً) لنفد ما عندهم/ ح ٣.
(٣٩٧) الكافي ١: ٢٥٥/ باب لولا أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يزدادون (علماً) لنفد ما عندهم/ ح ٤.
(٣٩٨) روضة الواعظين: ١٥٦.
(٣٩٩) راجع: إكمال الدين: ٣٥٣/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(٤٠٠) راجع: مستدرك سفينة البحار ٨: ٦٢٩.
(٤٠١) نهج البلاغة: ٢١٥/ الخطبة ١٥٤.
(٤٠٢) مصباح المتهجّد: ٨٤٣/ ح (٩٠٨/٢٣).
(٤٠٣) مختصر بصائر الدرجات: ٣٣.
(٤٠٤) مصباح المتهجّد: ٨٠٤/ ح (٨٦٦/٩).
(٤٠٥) سعد السعود: ٦٦.
(٤٠٦) مكيال المكارم ٢: ٢٩٤.
(٤٠٧) عقائد الإماميَّة: ٨١.
(٤٠٨) الخصال: ٣٥٤/ ح ٣٥ بسند صحيح أعلائي عن عمّار بن أبي الأحوص؛ وسائل الشيعة ١٦: ١٦٤/ باب ١٤/ ح (٢١٢٤٨/٩).
(٤٠٩) عن حمران بن أعين، قال: عمر الدنيا مائة الف سنة لسائر الناس عشرون ألف سنة وثمانون ألف سنة لآل محمّد عليه وعليهم السلام. (مختصر بصائر الدرجات: ٢١٢).
(١) التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السلام): ١١٤ و١١٥/ ح ٦٠.
(٤١٠) راجع: بحار الأنوار ٥٣: ٩٥/ ح ١٠٨، عنه.
(٤١١) المزار لابن المشهدي: ٦٥٨.
(٤١٢) مصباح المتهجِّد: ٦٧٠/ ح (٧٣٢/١).
(٤١٣) المزار لابن المشهدي: ٣٠٨.
(٤١٤) الخرائج والجرائح ٣: ١١٦٨ و١١٦٩/ ح ٦٥.
(٤١٥) الغيبة للطوسي: ٤٣٩ و٤٤٠/ ح ٤٣١.
(٤١٦) الغيبة للنعماني: ١٨٦/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٨.
(٤١٧) دلائل الإمامة: ٤٦٠ و٤٦١/ ح (٤٤١/٤٥).
(٤١٨) كفاية الأثر: ١٥٩.
(٤١٩) الكافي ٨: ٣١٠/ ح ٤٨٤.
(٤٢٠) الخرائج والجرائح ٣: ١١٦١ و١١٦٢/ ح ٦٣.
(٤٢١) الغيبة للنعماني: ٢٦٧ و٢٦٨/ باب ١٤/ ح ١٩.
(٤٢٢) الغيبة للنعماني: ٢٧٠ و٢٧١/ باب ١٤/ ح ٢٣.
(٤٢٣) الغيبة للنعماني: ٢٦٥ و٢٦٦/ باب ١٤/ ح ١٥.
(٤٢٤) الغيبة للنعماني: ٢٧٢/ باب ١٤/ ح ٢٧.
(٤٢٥) الغيبة للنعماني: ٢٧٢ و٢٧٣/ باب ١٤/ ح ٢٨.
(٤٢٦) تفسير القمّي ٢: ٣٢٤ - ٣٢٧.
(٤٢٧) تفسير القمّي ٢: ٣٢٧.
(٤٢٨) المصدر السابق.
(٤٢٩) مختصر بصائر الدرجات: ١٨ و١٩.
(٤٣٠) ينابيع المودَّة ٣: ٢٩٧/ باب ٧٨/ ذيل الحديث ٧، عن فرائد السمطين.
(٤٣١) أهل البيت في الكتاب المقدَّس لكاظم النصيري الواسطي: ١٢٩.
(٤٣٢) فالآية الأُولى: (ق: ٤٢)، والثانية: (الجنّ: ٢٤)، والثالثة: (الإسراء: ٥)، والرابعة: (المعارج: ١)، (النحل: ٣٨).
(٤٣٣) تفسير القمّي ٢: ٣٩١.
(٤٣٤) علل الشرائع ١: ١٩٢/ باب ١٥١/ ح ١.
(٤٣٥) المسترشد: ٤٥١ و٤٥٢/ ح ١٤٧.
(٤٣٦) الكافي ١: ٤٣٤/ باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية/ ح ٩١.
(٤٣٧) كتاب سُليم بن قيس: ٣٨٨.
(٤٣٨) الكافي ٨: ٢٠٦/ ح ٢٥٠.
(٤٣٩) تفسير العيّاشي ٢: ٢٨١/ ح ٢٠.
(٤٤٠) راجع: دلائل الإمامة: ٤٤٧/ح (٤٢٤/٢٨)؛ الهداية الكبرى: ٣٧٦؛ مقتضب الأثر: ٧.
(٤٤١) كامل الزيارات: ١٣٣ و١٣٤/ باب ١٨/ ح (١٥٣/١).
(٤٤٢) الغيبة للنعماني: ٢٨١/ باب ١٤/ ح ٤٩.
(٤٤٣) الغيبة للنعماني: ٢٨١/ باب ١٤/ ح ٤٨.
(٤٤٤) الإرشاد للمفيد ٢: ٣٦٨ - ٣٧٠.
(٤٤٥) روضة الواعظين: ٢٦٢ و٢٦٣.
(٤٤٦) تفسير مجمع البيان ٧: ٤٠٥.
(٤٤٧) دلائل الإمامة: ٤٦٢ و٤٦٣/ ح (٤٤٣/٤٧).
(٤٤٨) راجع: الإرشاد ٢: ٣٨٦.
(٤٤٩) وهذا الحديث معروف بين المسلمين منذ الصدر الأوَّل، قال البلاذري: وسارع أهل المدينة إلى بيعة محمّد، وقالوا: هذا الذي كنّا نسمع به: «العجب كلُّ العجب بين جمادى ورجب». (أنساب الأشراف ٣: ٩٤/ ترجمة الإمام الحسن وأولاده في ترجمة النفس الزكيَّة محمّد بن عبد الله المحض)؛ وقال ابن حبّان: وكان علي كثيراً ما يقول: «يا عجب كلُّ العجب من جمادى ورجب». (الثقات ٢: ٢٨٣).
(٤٥٠) الملاحم والفتن: ١٠٥/ باب ٦٧/ ح ٧٩.
(٤٥١) الفتن للمروزي: ١٣١.
(٤٥٢) المستدرك على الصحيحين ٤: ٥١٨.
(٤٥٣) دلائل الإمامة: ٤٤٧ - ٤٥٠/ ح (٤٢٤/٢٨).
(٤٥٤) الهداية الكبرى: ٣٧٥؛ مقتضب الأثر: ٦.
(٤٥٥) روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال لمفضَّل بن عمر: «يا مفضَّل، أنت وأربعة وأربعون رجلاً تُحشَرون مع القائم، أنت على يمين القائم تأمر وتنهى، والناس إذ ذاك أطوع لك منهم اليوم». (دلائل الإمامة: ٤٦٤/ ح ٤٤٧/٥١).
(٤٥٦) تفسير الثعلبي ٨: ٣١٢.
(٤٥٧) راجع: تفسير الثعلبي ٦: ١٥٧.
(٤٥٨) تفسير مجمع البيان ٤: ٣٧٧.
(٤٥٩) في نسخة تفسير البرهان عن العيّاشي: (الكوفة).
(٤٦٠) تفسير العيّاشي ٢: ٣٢/ ح ٩٠؛ تفسير البرهان ٢: ٥٩٦/ ح (٤٠١٧/٢).
(٤٦١) الإرشاد ٢: ٣٨٦؛ روضة الواعظين: ٢٦٦، إعلام الورى ٢: ٢٩٢.
(٤٦٢) الغيبة للنعماني: ٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٤.
(٤٦٣) دلائل الإمامة: ٤٦٣ و٤٦٤/ ح (٤٤٤/٤٨).
(٤٦٤) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٢.
(٤٦٥) الهداية الكبرى: ٤٠٢.
(٤٦٦) دلائل الإمامة: ٤٨٤/ ح (٤٨٠/٨٤).
(٤٦٧) تفسير العيّاشي ١: ٦٥/ ح ١١٧.
(٤٦٨) معاني الأخبار: ٤٠٦/ ح ٨١.
(٤٦٩) مختصر بصائر الدرجات: ١٩٨.
(٤٧٠) الغيبة للنعماني: ٢٥٩ و٢٦٠/ باب ١٤/ ح ٧.
(٤٧١) تأويل الآيات الظاهرة ٢: ٦٨٤/ ح ٢.
(٤٧٢) ينابيع المودَّة ٣: ٤٣٤ عنه؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي حديد ٦: ١٣٤.
(٤٧٣) عقد الدرر: ١١٥.
(٤٧٤) مناقب آل أبي طالب ٢: ١٠٨.
(٤٧٥) مصباح البلاغة ٢: ٣٦٠ - ٣٦٣/ ح (٢١٩/١٢١)، عن كنز العمّال ١٤: ٥٩٢ - ٥٩٥/ ح ٣٩٦٧٩.
(٤٧٦) معجم أحاديث الإمام المهدي ٣: ٥٥ - ٥٧/ح ٦١٠، عن الملاحم لابن المنادي: ٦٤ و٦٥.
(٤٧٧) رجال النجاشي: ١٢ و١٣/ الرقم ٧.
(٤٧٨) دلائل الإمامة: ٤٦٥/ ح (٤٤٩/٥٣).
(٤٧٩) تفسير العيّاشي ٢: ٢٦٠/ ح ٢٩.
(٤٨٠) دلائل الإمامة: ٤٧٠ و٤٧١/ ح (٤٦١/٦٥).
(٤٨١) دلائل الإمامة: ٤٦٤/ ح (٤٤٧/٥١).
(٤٨٢) اختيار معرفة الرجال ٢: ٧٠٤ و٧٠٥/ ح (٧٥١).
(٤٨٣) اختيار معرفة الرجال ٢: ٤٨١/ ح ٣٩٠.
(٤٨٤) الإرشاد ٢: ٣٨١.
(٤٨٥) الإرشاد ٢: ٣٧٣.
(٤٨٦) الخرائج والجرائح ٣: ١١٦٤.
(٤٨٧) المحتضر: ٢٠/ باب الروايات الدالّة على إمكان الرؤية في الحياة وبعد الممات/ح ١٠.
(٤٨٨) الكافي ٣: ١٣١ و١٣٢/ باب ما يعاين المؤمن والكافر/ ح ٤.
(٤٨٩) الغيبة للطوسي: ٤٥٨ و٤٥٩/ ح ٤٧٠.
(٤٩٠) الكافي ٨: ٥٠ و٥١/ ح ١٤.
(٤٩١) فالآية الأُولى: (الجنّ: ٢٤)، والثانية: (الإسراء: ٥)، و(المعارج: ١)، وهذه الآية (النحل: ٣٨).
(٤٩٢) الغيبة للنعماني: ٣١٤ و٣١٥/ باب ١٨/ ح ١٠.
(٤٩٣) الغيبة للنعماني: ٣١٣/ باب ١٨/ ح ٦.
(٤٩٤) الغيبة للنعماني: ٣١٢ و٣١٣/ باب ١٨/ ح ٥.
(٤٩٥) الكافي ٤: ١٥٧ و١٥٨/ باب ليلة القدر/ ح ٦.
(٤٩٦) تفسير القمّي ١: ٣٨٥.
(٤٩٧) الخصال: ٤٢٤/ ح ٢٦.
(٤٩٨) تفسير العيّاشي ٢: ٥٦ و٥٧/ ح ٤٩.
(٤٩٩) (ص ٣٠٨).
(٥٠٠) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/ باب ٢٦/ ح ٨١، عن كتاب سرور أهل الإيمان في علامات ظهور صاحب الزمان للسيِّد بهاء الدين الحسيني النيلي النجفي تلميذ فخر المحقِّقين.
(٥٠١) الغيبة للنعماني: ٢٧١ و٢٧٢/ باب ١٤/ ح ٢٥.
(٥٠٢) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٦/ ح ٧٩، عن كتاب سرور أهل الإيمان.
(٥٠٣) (ص ٣١٠).
(٥٠٤) الهداية الكبرى: ٣٩٦.
(٥٠٥) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧٠.
(٥٠٦) إكمال الدين: ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤؛ الغيبة للطوسي: ٣٩٥/ ح ٣٦٥.
(٥٠٧) تفسير العيّاشي ١: ٦٤ و٦٥/ ح ١١٧.
(٥٠٨) الفتن للمروزي: ١٨٧.
(٥٠٩) الفتن للمروزي: ١٩٩.
(٥١٠) الفتن للمروزي: ١٦٥؛ الملاحم والفتن لابن طاووس: ١١٣/ ح ٩٨.
(٥١١) الغيبة للطوسي: ٤٤٤/ ح ٤٧٣.
(٥١٢) الغيبة للنعماني: ٣١٦/ باب ١٨/ ح ١٤.
(٥١٣) الخرائج والجرائح ٢: ٥٥٢/ ح ١٢؛ قصص الأنبياء: ١٤٥ و١٤٦/ ح ١٥٤.
(٥١٤) الغيبة للطوسي: ٤٤٣ و٤٤٤/ ح ٤٣٧.
(٥١٥) الهداية الكبرى: ٤٠٣.
(٥١٦) الغيبة للطوسي: ٤٦٣ و٤٦٤/ ح ٤٧٩.
(٥١٧) الفتن للمروزي: ١٨٨.
(٥١٨) الفتن للمروزي: ٢١٣.
(٥١٩) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠، عنه بحار الأنوار ٥٣: ٩٠/ ح ٩٢.
(٥٢٠) مختصر بصائر الدرجات: ٢١.
(٥٢١) المعرفة والتاريخ ٢: ٧٦٨. وهذا الحديث فيه حذفٌ لاسم عثمان، وقد أشار المؤلِّف إلى ذلك، والذهبي أيضاً، وكذلك المحقِّق بقوله: (ينبغي أن يكون اسم عثمان (رضي الله عنه) قد سقط من الأصل بعد (يُحِبُّ) كما يتبيَّن من (ص ٧٧٠)، والذهبي في ميزان الاعتدال ٢: ١٠٧) انتهى كلام المحقِّق.
(٥٢٢) المعرفة والتاريخ ٢: ٧٧٠.
(٥٢٣) ميزان الاعتدال ٢: ١٠٧/ الرقم ٣٠٣١.
(٥٢٤) بصائر الدرجات: ٥١٠ - ٥١٢/ باب في الأئمَّة أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم ويؤتونهم ويبرؤون من أعدائهم/ ح ٤.
(٥٢٥) مدينة المعاجز ٦: ٢٤ - ٢٨/ ح (١٨٢١/٢٥١) رواه عن بصائر الدرجات عن سعد بن عبد الله؛ وكذا في بحار الأنوار ٥٤: ٣٣٢ - ٣٣٣/ ح ١٧.
(٥٢٦) مختصر بصائر الدرجات: ٩ - ١١.
(٥٢٧) مختصر بصائر الدرجات: ١٣؛ المحتضر: ١٨٤/ ح ٢٢٢.
(٥٢٨) بصائر الدرجات: ٥١٣/ باب في الأئمَّة أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم ويؤتونهم ويبرؤون من أعدائهم/ ح ٨؛ ورواه في مختصر بصائر الدرجات: ١٢.
(٥٢٩) الوافي ٢٦: ٤٧٩ و٤٨٠/ ذيل الحديث (٢٥٥٥٧/٢).
(٥٣٠) الوافي ٢٦: ٤٨٠.
(٥٣١) بحار الأنوار ٥٤: ٣٥٠ و٣٥١.
(٥٣٢) النجم الثاقب ٢: ٢٠٥.
(٥٣٣) إمتاع الأسماع ٨: ١٧٤.
(٥٣٤) بصائر الدرجات: ٥١٣ و٥١٤/ باب في الأئمَّة أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم.../ ح ١١؛ ورواه في الكافي ١: ٤٦٢/ باب مولد الحسن بن علي صلوات الله عليهما/ ح ٥؛ والاختصاص: ٢٩١؛ والإرشاد ٢: ٢٩؛ ومختصر بصائر الدرجات: ١٣ و١٤.
(٥٣٥) بصائر الدرجات: ٥١٤/ باب في الأئمَّة أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم.../ ح ١٢.
(٥٣٦) ألقاب الرسول وعترته: ٤٩.
(٥٣٧) روضة الواعظين: ١٦٦؛ الإرشاد ٢: ٢٩.
(٥٣٨) قصص الأنبياء: ٣٨ - ٤٢/ فصل ١/ ح ١.
(٥٣٩) تفسير العيّاشي ٢: ٣٥٠/ ح ٨٣.
(٥٤٠) الهداية الكبرى: ٤٣٠ و٤٣١.
(٥٤١) بصائر الدرجات: ٥١٣/ باب في الأئمَّة أنَّ الخلق الذي خلف المشرق والمغرب يعرفونهم.../ ح ٩؛ مختصر بصائر الدرجات: ١٢.
(٥٤٢) تحف العقول: ٢٣٣.
(٥٤٣) مناقب آل أبي طالب ٣: ٢١٠.
(٥٤٤) علل الشرائع ١: ٢١٩/ باب ١٥٩.
(٥٤٥) مشارق أنوار اليقين: ٦٢، عنه بحار الأنوار ٥٤: ٣٣٦/ ح ٢٥.
(٥٤٦) الكافي ٨: ٢٢٠/ ح ٢٧٤.
(٥٤٧) إرشاد القلوب ١: ٦٦.
(٥٤٨) روضة الواعظين: ٤٨٤.
(٥٤٩) مختصر بصائر الدرجات: ٢٠٢ و٢٠٣.
(٥٥٠) عيون الحكم والمواعظ: ٣٤٣، عن الخصال: ٤٤٩/ ح ٥٢.
(٥٥١) تفسير الثعلبي ٦: ٣٠٧.
(٥٥٢) معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) ٢: ١٥٧، عن تهذيب تاريخ ابن عساكر ١: ٤٩.
(٥٥٣) إكمال الدين: ٣٩٤ - ٤٠٣/ باب ٣٨/ ح ٥.
(٥٥٤) الفتن للمروزي: ٣٤٩؛ وقد يقال: لا ينبغي الاعتماد في مثل هذه الأُمور على رواية يرويها كعب.
والجواب: ليس الاعتماد على رواية كعب بمفردها، ثمّ ليس منهجنا على رفض كلّ ما هو توراتي وإسرائيلي ويهودي، بل على تحكيم محكمات الكتاب والسُّنَّة، ثمّ أخذه كمؤيِّد وتأييد كما هو التفصيل في منطق القرآن واحتجاجات أهل البيت (عليهم السلام) مع أهل الكتاب.
(٥٥٥) إثبات الوصيَّة: ١٥ و١٦.
(٥٥٦) تفسير العيّاشي ٢: ٢٤٢/ ح ١٤؛ دلائل الإمامة: ٤٥٣/ ح (٤٣٠/٣٤).
(٥٥٧) بحار الأنوار ٥٢: ٣٧٦ و٣٧٧/ ح ١٧٨، عن منتخب الأنوار المضيئة: ٣٥٧.
(٥٥٨) الفتن للمروزي: ٤٠٢.
(٥٥٩) تفسير القمّي ٢: ٢٤٥.
(٥٦٠) مختصر بصائر الدرجات: ٢٦ و٢٧.
(٥٦١) علل الشرائع ٢: ٢٠٤/ باب ١٤٢/ ح ٢.
(٥٦٢) كما فيما نقله عنه اليزدي الحائري في إلزام الناصب في إثبات الحجَّة الغائب ٢: ٢٥٩ و٢٦٠، والأنسب على تقدير وجود اللفظة هو (قائمهم).
(٥٦٣) سعد السعود: ٣٤ و٣٥.
(٥٦٤) الغيبة للنعماني: ٢٨٤/ باب ١٤/ ح ٥٦.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016