فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الإمام المهدي المنتظر عليه السلام بين دلالات الاعتقاد وواجبات الانتظار
 كتب أخرى

الكتب الإمام المهدي المنتظر عليه السلام بين دلالات الاعتقاد وواجبات الانتظار

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ عبد الله أحمد اليوسف تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٧/٠٥/١٤ المشاهدات المشاهدات: ٣٨٣ التعليقات التعليقات: ٠

الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) بين دلالات الاعتقاد وواجبات الانتظار

تأليف: الشيخ عبد الله أحمد اليوسف
الطبعة الأولى - ١٤٣٤هـ - ٢٠١٣م

المحتويات

المقدمة
دلالات الإيمان بالإمام المهدي
١- الإيمان بالمهدي إيمان بالغيب
٢- حجة الله على خلقه
٣- التمسك بالعقيدة في زمن الفتن
٤- توقع ظهوره في أي وقت
واجباتنا تجاه الإمام المهدي المنتظر
١- التعرف على شخصية الإمام المهدي
٢- الارتباط الوجداني والعاطفي بالإمام المهدي
٣- إحياء نهج أهل البيت
٤- العمل بمتطلبات انتظار الفرج
في معنى الانتظار
الانتظار أنواعه ومتطلباته
أنواع الانتظار
متطلبات الانتظار
١- تربية النفس
٢- القيام بالأعمال الصالحة
٣- الاقتداء بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)
ثبت المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ سورة الأحزاب، الآية: ٣٣
المقدمة

يتطلع الناس في كل زمان ومكان إلى المنقذ والمصلح الذي يخلصهم من الظلم والعدوان، وينقذهم من شرور الأشرار، ومن قمع الطغاة والجبابرة، وينقلهم إلى رحاب العدل والإحسان، وينشر في ربوع الأرض كلها الأمن والسلام والاطمئنان.
هذا المنقذ والمصلح والقائد هو الإمام المهدي المنتظر الذي سيخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وقد أجمع المسلمون على هذه الحقيقة التي أخبر بها رسول الإسلام محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في روايات متواترة ومتكاثرة، حتى أصبح الإيمان بالإمام المهدي جزءاً لا يتجزأ من معتقدات المسلمين، وإن اختلفوا في ولادته أو عدمها، وبعض مواصفاته الشخصية، أو قدراته، لكن لا يوجد خلاف بين المسلمين على حتمية ظهوره في آخر الزمان.
ويهدف هذا الكتاب الموجز عن الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، إلى بيان دلالات ومعطيات ومستلزمات الاعتقاد بوجود الإمام المهدي، وتوضيح واجبات ومسؤوليات المكلفين في عصر الغيبة تجاه الإمام المهدي، وشرح معاني وأنواع ومتطلبات الانتظار الإيجابي.
وختاماً... أبتهل إلى الله تعالى أن يجعل هذا الكتاب في ميزان أعمالي، وإن ينفعني به في آخرتي، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾[سورة الشعراء: ٨٨-٨٩]، إنه - تبارك وتعالى - محط الرجاء، وغاية الأمل، وينبوع الرحمة والفيض والعطاء.

والله المستعان

عبد الله أحمد اليوسف - الحلة – القطيف
الثلاثاء ١٧/٧/١٤٣٤هـ - ٢٨/٥/٢٠١٣م

دلالات الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام)

إن إيماننا بوجود الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، وأنه حي يرزق، ويمارس أدواره كإمام معصوم، له دلالات كبيرة ومهمة، من أبرزها ما يلي:
١- الإيمان بالمهدي إيمان بالغيب:
اعتبر القرآن الكريم أن الإيمان بالغيب هي الصفة الأولى من صفات المتقين، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾(١) وفي هذا دلالة واضحة على أهمية الإيمان بالغيب في حياة الإنسان، إذ عندما لا يؤمن الإنسان إلا بالحس فإنه سينكر أهم الحقائق القلبية والإيمانية وهو الإيمان بالله تعالى.
والغيب يعني الإيمان بكل ما غاب عن الحس، وأدركه القلب، ودَلَّ عليه الدليل النقلي، ولذلك فالإيمان بالغيب يعد شرطاً أساسياً في الدين، وعلامة على التدين.
وإيماننا بالإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو جزء من إيماننا بالغيب، فقد دَلَّ الدليل النقلي على وجوده بيننا، وقيامه بمهامه كإمام معصوم لحفظ كيان المسلمين، وتسديد الفقهاء والمجتهدين، والالتقاء بالأولياء الصالحين.
فاعتقادنا بالمهدي المنتظر، بالرغم من أننا لم نره ولم نلتقِ به، ولم نشاهده بحواسنا، هو جزء من إيماننا بالغيب، فنحن نؤمن بأشياء كثيرة لم نرها، ولم نشاهدها بحواسنا، ومع ذلك نؤمن بها لقيام الدليل النقلي عليها، ولعدم معارضة العقل المجرد لها.
٢- حجة الله على خلقه:
الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو حجة الله على خلقه في هذا الزمان؛ إذ لا تخلو الأرض من حجة، ولا يمكن أن يخلو الزمان من إمام معصوم وهادي يوجه الناس نحو الحق والخير والفضيلة، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾(٢).
وفي هاتين الآيتين نص صريح على أن لكل أهل زمان ﴿كُلُّ أُنَاسٍ﴾ إمام يُدعون به يوم القيامة. ويكون الاحتجاج به عليهم أو ليكون شاهداً عليهم يوم الحساب وهذا أيضاً يتضمن معنى الاحتجاج عليهم(٣).
وعليه يكون محصل الآيتين الكريمتين هو الدلالة على حتمية وجود إمام حق يُهتدى به في كل عصر، يكون حجة الله عز وجل على أهل زمانه في الدنيا والآخرة، فتكون معرفته واتباعه في الدنيا وسيلة النجاة يوم الحشر؛ فيما يكون العمى عن معرفته واتباعه في الدنيا سبباً للعمى والضلال الأشد في الآخرة يوم يُدعى كل أناس بإمام زمانهم الحق، ويُقال للضالين عنه: هذا إمامكم الذي كان بين أظهركم فلماذا عميتم عنه؟ وبذلك تتم الحجة البالغة عليهم، وتتضح حكمة دعوتهم وإحضارهم به يوم القيامة(٤).
والإمام الذي تتوافر فيه الصفات والمواصفات التي تؤهله للاحتجاج به على قومه يوم القيامة في عصرنا الحاضر هو المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وهذا ما قامت عليه الأدلة النقلية من النص عليه من قبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وتسلسل الإمامة حتى وصلت إليه، وصدور المعجزات عنه، وعاضد ذلك كله الأدلة النقلية. وعليه يكون الإيمان بالمهدي المنتظر يرمز إلى وجود الحجة على العباد، وأنه شاهد عليهم، وهادي لهم.
٣- التمسك بالعقيدة في زمن الفتن:
المؤمنون في عصر الغيبة يواجهون تحديات وتشكيكات ومصاعب لم يواجهها المؤمنون في عصر النبوة، ولن يواجهوها في عصر الظهور، بَيْدَ أن الإيمان بوجود الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وطول مدة غيبته، والتساؤلات والشكوك المثارة حول فائدة وجوده مع عدم التقاء الناس به، يضاعف من الضغوط النفسية التي تواجه المؤمنين في عصر الغيبة الكبرى.
وهذا بذاته امتحان كبير، واختبار صعب لمعرفة تمسك المؤمن بعقائده، والتي منها الإيمان بوجود الإمام المهدي، وأنه حي يرزق. والتمسك بهذه العقائد الحقة في زمن الفتن والشكوك التي تبثها القنوات الفضائية ومواقع الإنترنت وغيرها من وسائل الاتصال الحديثة، أكبر دليل على التمسك بعقيدة وجود الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) عن دليل وبرهان، وقناعة واقتناع، وليس مجرد تسايراً مع الجو العام الذي يعيشه أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) مع بعضهم البعض، فالإمام المغيب حقيقة أثبتتها الأدلة النقلية الصحيحة، ولا مجال للتشكيك فيها.
فالإيمان بالمهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) يدل على تمسك المؤمن بعقائده، بالرغم من كل ما يُثار حولها من شكوك وإثارات ومزاعم باطلة.
فأولياء الله لا يرتابون في وجود الحجة، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: «وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما غيب حجته عنهم طرفة عين، ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس»(٥) وعن يمان التمّار قال: كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) جلوساً فقال لنا: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، المتمسك فيها بدينه كالخارط للقتاد -ثم قال هكذا بيده-(٦) فأيكم يمسك شوك القتاد بيده؟ ثم أطرق مليّاً، ثم قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبة، فليتق الله عبد وليتمسك بدينه(٧).
يقول الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر: «إن الارتياب والشك بوجود المهدي (عليه السلام) أثناء غيبته ناشئ في واقعه من الانحراف والفساد الموجود في هذا العصر، وأما لو خلي الفكر الإنساني المستقيم ونفسه لما رقى إليه الشك.
ونحن وإن كنا قلنا أن طول الغيبة سبب للشك بحسب طبيعة البشر لكونها من الأمور غير المعهودة في ربوعهم. إلا أن الشخص الذي يربط الأمور بمصدرها الحقيقي الأول، تبارك وتعالى، ويعرف قدرته الواسعة وحكمته اللانهائية، لا يستبعد عليه التصدي لحفظ شخص معين أمداً طويلاً، لأجل تنفيذ العدل في اليوم الموعود. بل يرى أن ذلك لازم ومتعين بعد قيام البرهان على وجود الغرض الأصلي من الخليقة، وعلى حقيقته. وانحصار تحقق هذا الغرض بهذا الأسلوب. بحيث لو لم تكن هناك أي رواية تدلنا على وجود المهدي، لكان اللازم على الفكر الإنساني أن يعترف به.
وإنما الذي يمنع من ذلك، ويزرع في طريقه المصاعب والمتاعب، هو الانحراف الفكري، وخاصة إذا وجد لدى بعض القواعد الشعبية الذين بني مذهبهم على الاعتزاز بوجوده والتسليم بإمامته.
ومن هنا نرى أن أولياء الله الممحصين الذين ليس للفتن طريق إلى قلوبهم ولا للضغط والظلم طريق إلى قوة إرادتهم... لا يرقى إليهم الشك في المهدي (عليه السلام). لأن العوامل النفسية والموانع المنحرفة لذلك غير موجودة لديهم. فيبقون على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، من الإيمان بقدرته وحكمته، فيسلمون بنتيجة الدليل القطعي الدال على وجود المهدي.
ومن هذا المنطلق نعرف، أنه لو لم يكن الفكر الإنساني مدركاً لذلك، بحيث أمكن سراية الشك إلى أولياء الله تعالى... لما غيب الله عنهم حجته طرفة عين. لاستلزامه نقصان الحجة أو بطلانها بالنسبة إلى البشر، وهو مما لا يمكن أن يصدر من قبل الله تعالى، فانه ملازم مع أحد أمرين غير ممكنين: أما إلغاء إمامته أو تكليف البشر بالاعتقاد بها دون دليل، وكلاهما مما لا يكون... فيتعين المحافظة على ظهوره بالمقدار الذي يثبت وجوده وتقوم به الحجة في الإسلام»(٨).
فالمؤمنون يواجهون التشكيك والفتن؛ بل والسخرية من الإيمان بوجود المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) بالمزيد من الإيمان والاعتقاد بما دلَّ عليه الأدلة المتواترة، ولا يداخلهم أي شك أو ريب أو زيغ لأن قلوبهم قد مُلئت بالإيمان، وعقولهم قد ازدادت قناعة بأن الأرض لا يمكن أن تخلو من حجة.
٤- توقع ظهوره في أي وقت:
ومن دلالات الإيمان بوجود الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) هو توقع ظهوره في أي وقت من الصباح أو المساء وإمكان وقوع ذلك في أي يوم أو شهر أو سنة.
يقول السيد محمد تقي الأصفهاني: «المقصود من توقع الفرج صباحاً ومساءً، هو الانتظار للفرج الموعود في كل وقت يمكن فيه وقوع ذلك في جميع الشهور والأعوام، بمقتضى أمر المدبر العلام، فيجب الانتظار له على الخاص والعام»(٩).
وقال السيد محمد محمد صادق الصدر: «من الأخبار الدالة على التكليف في عصر الغيبة: ما دل على وجوب الانتظار الفوري، وتوقع ظهوره في كل وقت»(١٠).
فعلى المؤمن أن يستحضر في قلبه وروحه ونفسه توقع ظهور الإمام المهدي في كل وقت وحين، وهذا الاستحضار يجعل المؤمن مستعداً للانضمام تحت راية الحجة والقائد الذي سيملأ الأرض عدلاً وقسطاً بعد ما ملئت ظلماً وفساداً وجوراً.

واجباتنا تجاه الإمام المهدي المنتظر

في عصر الغيبة الكبرى تقع علينا كمؤمنين مجموعة من الواجبات والتكاليف التي ينبغي علينا القيام بها تجاه إمام العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرجه الشريف)، ونشير إلى أهمها في النقاط التالية:
١- التعرف على شخصية الإمام المهدي:
من أولى الواجبات في عصر الغيبة الكبرى هو التعرف على شخصية الإمام المهدي من جميع أبعادها، وتعميق المعرفة به، وأنه حي يرزق، ويطلع على أعمال الناس، وأنه إمام هذا العصر والزمان الذي نعيش فيه، وأنه حجة الله على خلقه، وعلينا الإيمان بكل ذلك ارتكازاً على الأدلة النقلية الصحيحة، والاستدلالات العقلية المنطقية.
«وأهمية هذا الواجب واضحة في ظل عدم الحضور الظاهر للإمام في عصر الغيبة والتشكيكات الناتجة عن ذلك، كما أن لهذه المعرفة تأثيراً مشهوداً في دفع الإنسان المسلم نحو العمل الإصلاحي البناء على الصعيدين الفردي والاجتماعي، فهي تجعل لعمله حافزاً إضافياً يتمثل بالشعور الوجداني بأن تحركه يحظى برعاية ومراقبة إمام زمانه الذي يسره ما يرى من المؤمنين من تقدم ويؤذيه أي تراجع أو تخلف عن العمل الإصلاحي البناء والتمسك بالأحكام والأخلاق والقيم الإسلامية التي ينتظر توفر شروط ظهوره لإقامة حاكميتها في كل الأرض وإنقاذ البشرية بها»(١١).
وتشير معظم الأدعية المستحبة قراءتها في عصر الغيبة إلى وجوب التعرف على إمام العصر والزمان حتى لا ينحرف الإنسان عن الطريق المستقيم، فعن زرارة أن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «إن للقائم غيبة وهو المنتظر وهو الذي يشك في ولادته، فقال زرارة: جُعلت فداك إن أدركت ذلك الزمان أي شيءٍ أعمل؟ قال: يا زرارة متى أدركت الزمان فلتدع بهذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك فإنك إن لم تعرفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني»(١٢) فمعرفة إمام العصر والزمان، والارتباط به، والسير على نهجه، ضمانة من الانحراف والزيغ والضلال (فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني) فمعرفة الحجة ضمان للاستقامة على طريق الحق.
٢- الارتباط الوجداني والعاطفي بالإمام المهدي:
ومن التكاليف والواجبات المهمة التي أكدتها الأحاديث الشريفة لمؤمني عصر الغيبة هو تمتين الارتباط الوجداني بالمهدي المنتظر والتفاعل العملي مع أهدافه السامية والدفاع عنها والشعور الوجداني العميق بقيادته وهذا هو ما تؤكده أيضاً معظم التكاليف التي تذكرها الأحاديث الشريفة. كواجبات للمؤمنين تجاه الإمام مثل الدعاء له بالحفظ والنصرة وتعجيل فرجه وظهوره وكبح أعدائه والتصدق عنه والمواظبة على زيارته وغير ذلك مما ذكرته الأحاديث الشريفة. وقد جمعها آية الله السيد الأصفهاني في كتابه (مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم) وكتابه (وظائف الأنام في غيبة الإمام)»(١٣).
ومن أجل أن يكون الارتباط الوجداني بالإمام (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) مؤثراً وفاعلاً ينبغي أن يتحلى المؤمن بإخلاص النية، وعمق العقيدة بوجود الإمام، والإيمان بحتمية الظهور للإمام، والاستعداد النفسي للانخراط في نصرة الإمام مع المؤمنين.
٣- إحياء نهج أهل البيت:
من الواجبات المهمة في عصر الغيبة هو إحياء نهج أهل البيت، ونشر ثقافتهم، والتعريف بمنهجهم، وبيان مظلوميتهم، ودعوة الناس إلى السير على نهجهم امتثالاً لأمر الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالتمسك بالثقلين، حيث قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «أما بعد، ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به» فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي»(١٤) وقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيها»(١٥).
كما وردت روايات كثيرة عن أهل البيت (عليهم السلام) بوجوب إحياء أمرهم، وهو ما يعني نشر منهجهم وثقافتهم بين الناس، فقد قال الإمام الباقر (عليه السلام): «رحم الله من أحيى أمرنا»(١٦) وقال الإمام الصادق (عليه السلام): «رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا أمرنا فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة، فإن اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإن في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا ودعا إلى ذكرنا»(١٧).
وإحياء أمر أهل البيت لا يقتصر على إقامة الشعائر والمجالس الحسينية فحسب، وإنما يتجاوز ذلك باستخدام كل الوسائل المشروعة، والمتطورة للتعريف بفكر أهل البيت وثقافتهم، فلو عرف الناس منهج أهل البيت لما اتبعوا غيره، فقد أشار الإمام الرضا (عليه السلام) إلى كيفية إحياء أمر أهل البيت، فعن عبد السلام  بن صالح الهروي قال: سمعت أبا الحسن علي  بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «رحم الله عبداً أحيا أمرنا، فقلت له: وكيف نحيي أمركم؟ قال: يتعلم علومنا ويعلمها الناس، فإن الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتبعونا»(١٨).
فعلى كل مؤمن أن يحيي أمر أهل البيت بما يستطيع، وبالكيفية التي يراها مناسبة، وبالوسائل الممكنة، وبالطرق الحضارية كي يساهم كل واحد منا في إحياء ونشر ثقافة أهل البيت ومنهجهم في العالم.
ومن الضروري اتباع الحكمة في التعريف بمكانة أهل البيت، والابتعاد عن كل ما يثير البغضاء والشحناء، واستفزاز الآخرين، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: «رحم الله عبداً حَبَّبَنا إلى الناس ولم يُبَغّضْنا إليهم، أما والله لو يروون محاسن كلامنا لكانوا به أعز، وما استطاع أحد أن يتعلق عليهم بشيء، ولكن أحدهم يسمع الكلمة فيحط إليها عشراً(١٩)»(٢٠).
فالإمام الصادق (عليه السلام) يرشدنا إلى ضرورة أن نحبب الناس إلى أهل البيت (عليهم السلام)، وذلك بذكر أخلاقياتهم ومناجاتهم وصفاتهم الحميدة، أما اتباع أسلوب ما يثير الآخرين ويستفزهم، فهذا يُبعد الناس عن أهل البيت، ويحول بينهم وبين التعرف على ثقافة أهل البيت، وفي ذلك إساءة لهم، وإن تصور الفاعل أنه بذلك يخدم أهل البيت، فليكن منهجنا هو تحبيب الناس لأهل البيت، واجتناب أي أسلوب يثير البغضاء والشحناء والضغائن في القلوب والنفوس.
٤- العمل بمتطلبات انتظار الفرج:
أكدت الكثير من الروايات والأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) فضل وثواب وأهمية انتظار الفرج، فبعضها تصفه بأنه أفضل عبادة المؤمن كما هو المروي عن الإمام علي (عليه السلام): «أفضل عبادة المؤمن انتظار فرج الله»(٢١)، وعبادة المؤمن أفضل بلا شك من عبادة مطلق المسلم، فيكون الانتظار أفضل العبادات الفضلى إذا كان القيام به بنية التعبد لله وليس رغبة في شيء من الدنيا؛ ويكون بذلك من أفضل وسائل التقرب إلى الله تبارك وتعالى كما يشير إلى ذلك الإمام الصادق (عليه السلام) في خصوص انتظار الفرج المهدوي حيث يقول: «طوبى لشيعة قائمنا، المنتظرين لظهوره في غيبته، والمطيعين له في ظهوره، أولئك أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون»(٢٢) ولذلك فإن «انتظار الفرج من أعظم الفرج»(٢٣) كما يقول الإمام السجاد (عليه السلام)، فهو يُدخل المنتظِر في زمرة أولياء الله.
وتعتبر الأحاديث الشريفة أن صدق انتظار المؤمن لظهور إمام زمانه الغائب يعزز إخلاصه ونقاء إيمانه من الشك، يقول الإمام الجواد (عليه السلام):«... له غيبة يكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون، وينجو فيه المسلمون»(٢٤) وحيث إن الانتظار يعزز الإيمان والإخلاص لله عز وجل والثقة بحكمته ورعايته لعباده، فهو علامة حسن الظن بالله، لذا فلا غرابة أن تصفه الأحاديث الشريفة بأنه: «أحب الأعمال إلى الله»(٢٥)، وبالتالي فهو «أفضل أعمال أمتي»(٢٦) كما يقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
والانتظار يرسخ تعلق الإنسان وارتباطه بربه الكريم، وإيمانه العملي بأن الله عز وجل غالب على أمره، وبأنه القادر على كل شيء، والمدبر لأمر خلائقه بحكمته الرحيم بهم، وهذا من الثمار المهمة التي يكمن فيها صلاح الإنسان وطيه لمعارج الكمال، وهو الهدف من معظم أحكام الشريعة وجميع عباداتها وهو أيضاً شرط قبولها، فلا قيمة لها إذا لم تستند إلى هذا الإيمان التوحيدي الخالص الذي يرسخه الانتظار، وهذا أثر مهم من آثاره الذي تذكره الأحاديث الشريفة نظير قول الإمام الصادق (عليه السلام): «ألا أخبركم بما لا يقبل الله عز وجل من العبادة عملاً إلا به... شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، والإقرار بما أمر الله، والولاية لنا والبراءة من أعدائنا ـ يعني الأئمة خاصة ـ والتسليم لهم، والورع، والاجتهاد، والطمأنينة، والانتظار للقائم (عليه السلام)»(٢٧).
وتصريح الأحاديث الشريفة بأن التحلي بالانتظار الحقيقي يؤهل المنتظر -وبالآثار المترتبة عليه المشار إليها آنفاً- للفوز بمقام صحبة الإمام المهدي كما يشير إلى ذلك الإمام الصادق في تتمة الحديث المتقدم حيث يقول: «من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر» وكذلك يجعله يفوز بأجر هذه الصحبة الجهادية وهذا ما يصرح به الصادق (عليه السلام) حيث يقول: «من مات منكم على هذا الأمر منتظراً له كان كمن كان في فسطاط القائم (عليه السلام)»(٢٨) ويفوز أيضاً بأجر الشهيد كما يقول الإمام علي (عليه السلام): «المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل الله»(٢٩) بل ويفوز بأعلى مراتب الشهداء المجاهدين، يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «من مات منكم وهو منتظر لهذا الأمر كمن هو مع القائم في فسطاطه؛ قال الراوي: ثم مكث هنيئة، ثم قال: لا بل كمن قارع معه بسيفه، ثم قال: لا والله إلا كمن استشهد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)»(٣٠).
والأحاديث المتحدثة عن آثار الانتظار كثيرة ويفهم منها أن تباين هذه الآثار في مراتبها يكشف عن تباين عمل المؤمنين بمقتضيات الانتظار الحقيقي، فكلما سمت مرتبة الانتظار تزايدت آثارها المباركة وبالطبع فإن الأمر يرتبط بتجسيد حقيقة ومقتضيات الانتظار، ولذلك يجب معرفة معناه الحقيقي(٣١).

في معنى الانتظار

في ضوء ما تعطيه اللغة لمعنى (الانتظار) حين تحدده بالترقب والتوقع قد يتوهم: إن علينا أن نعيش في فترة الغيبة مترقبين لليوم الموعود الذي يبدؤه الإمام المنتظر (عليه السلام) بالقضاء على الكفر، وبالقيام بتطبيق الإسلام لتعيش الحياة تحت ظلاله في دعة وأمان، غير متوفرين على القيام بمسؤولية تحكيم الإسلام في حياتنا وفي كل مجالاتها، وبخاصة مجالها السياسي بدافع من إيماننا بأن مسؤولية تحكيم الإسلام في كل مجالات الحياة هي وظيفة الإمام المنتظر (عليه السلام)، فلسنا بمكلفين بها الآن.
وقد يتوهم بأنها من عقيدة الشيعة، فتتحول عقيدتنا بالإمام المنتظر فكرة تخدير عن القيام بالمسؤولية المذكرة بسبب هذا التوهم.
إلا أننا متى حاولنا تجلية واقع الأمر بما يرفع أمثال هذه الألوان من التوهم، نجد أن منشأ هذه المفارقة هو محاولة عدم الفهم، أو سوء الفهم في الواقع.
وذلك لأن ما يفاد من الانتظار في إطار واقعه كلازم من لوازم الاعتقاد بالإمام المنتظر (عليه السلام) يتنافى وهذه الألوان من التوهم تمام المنافاة، لأنه يتنافى وواقع العقيدة الإسلامية التي تضم عقيدة الإمامة كجزء مهم من أجزائها(٣٢).
يقول الشيخ المظفر: «ومما يجدر أن نعرفه في هذا الصدد: ليس معنى انتظار هذا المصلح المنقذ (المهدي)، أن يقف المسلمون مكتوفي الأيدي فيما يعود إلى الحق من دينهم، وما يجب عليهم من نصرته، والجهاد في سبيله، والأخذ بأحكامه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بل المسلم أبداً مكلف بالعمل بما أنزل من الأحكام الشرعية، وواجب عليه السعي لمعرفتها على وجهها الصحيح بالطرق الموصلة إليها حقيقة، وواجب عليه أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ما تمكن من ذلك وبلغت إليه قدرته (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).
ولا يجوز له التأخر عن واجباته بمجرد الانتظار للمصلح المهدي والمبشر الهادي فإن هذا لا يسقط تكليفاً ولا يؤجل عملاً، ولا يجعل الناس هملاً كالسوائم»(٣٣).
ويقول الصافي الكلبايكاني: «وليعلم أن معنى الانتظار ليس تخلية سبيل الكفار والأشرار، وتسليم الأمور إليهم، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإقدامات الإصلاحية.
فإنه كيف يجوز إيكال الأمور إلى الأشرار مع التمكن من دفعهم عن ذلك، والمراهنة معهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من المعاصي التي دل عليها العقل والنقل وإجماع المسلمين.
ولم يقل أحد من العلماء وغيرهم بإسقاط التكاليف قبل ظهوره (يعني الإمام المنتظر)، ولا يرى منه عين ولا أثر في الأخبار...
نعم تدل الآيات والأحاديث الكثيرة على خلاف ذلك، بل تدل على تأكد الواجبات والتكاليف والترغيب إلى مزيد الاهتمام في العمل بالوظائف الدينية كلها في عصر الغيبة.
فهذا توهم لا يتوهمه إلا من لم يكن له قليل من البصيرة والعلم بالأحاديث والروايات»(٣٤).
والانتظار يعني: «ترقب ظهور وقيام الدولة القاهرة والسلطنة الظاهرة لمهدي آل محمد (عليهم السلام). وامتلائها قسطاً وعدلاً وانتصار الدين القويم على جميع الأديان كما أخبر به الله تعالى نبيه الأكرم ووعده بذلك، بل بشر به جميع الأنبياء والأمم؛ أنه يأتي مثل هذا اليوم الذي لا يعبد فيه غير الله تعالى ولا يبقى من الدين شيء مخفي وراء ستر وحجاب مخافة أحد»(٣٥).
إذن الانتظار يتضمن حالة قلبية توجدها الأصول العقائدية الثابتة بشأن حتمية ظهور المهدي الموعود وتحقق أهداف الأنبياء ورسالاتهم وآمال البشرية وطموحاتها على يديه (عليه السلام)؛ وهذه الحالة القلبية تؤدي إلى انبعاث حركة عملية تتمحور حول التهيؤ والاستعداد للظهور المنتظر، ولذلك أكدت الأحاديث الشريفة على لزوم ترسيخ المعرفة الصحيحة المستندة للأدلة العقائدية بالإمام المهدي وغيبته وحتمية ظهوره.
وعليه يتضح أن الانتظار لا يكون صادقاً إلا إذا توفرت فيه: «عناصر ثلاثة مقترنة: عقائدية ونفسية وسلوكية ولولاها لا يبقى للانتظار أي معنى إيماني صحيح سوى التعسف المبني على المنطق القائل: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾(٣٦) المنتج لتمني الخير للبشرية من دون أي عمل إيجابي في سبيل ذلك»(٣٧).

الانتظار أنواعه ومتطلباته

أنواع الانتظار
ينقسم الانتظار إلى قسمين وهما:
أ- الانتظار الإيجابي: وهو العمل بمقتضيات ومتطلبات انتظار الفرج -وهو ما سيأتي الحديث عنه- وهذا الانتظار هو عبادة؛ بل وأفضل العبادات.
ب- الانتظار السلبي: وهو عدم القيام بأي استعداد أو تهيؤ نفسي أو سلوكي لظهور الإمام المهدي؛ بل والسماح لانتشار الفساد في الأرض كي يظهر الإمام المهدي!!
متطلبات الانتظار
المستفاد من الأحاديث الشريفة هو وجوب العمل بالانتظار الإيجابي، والعمل على مقدمات الظهور للإمام، والقيام بمتطلبات ومقتضيات انتظار الفرج، والتي أهمها الأمور التالية:
١- تربية النفس:
مجاهدة النفس وتربيتها على الخصال الحميدة، والصفات النبيلة، والأفعال الحسنة من أهم وأبرز مقتضيات الانتظار، ذلك أنه لن يفوز بالجهاد مع الإمام المهدي المنتظر (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) إلا من رَبَّى نفسه، وجاهد شهواته وغرائزه، واستعد نفسياً وسلوكياً للانضمام إلى ركب الإمام الحجة.
أما من يرتكب الحرام تلو الحرام، ويقترف الموبقات والمحرمات، فليس له أن يتمنى أو يفكر أن يكون من أصحاب الإمام المهدي؛ لأن أصحابه وأنصاره لا يمكن أن يكونوا إلا من الأتقياء والمؤمنين والصالحين، الذين جاهدوا أنفسهم، وتربوا على الخصال الحميدة، والعادات الحسنة، واستعدوا لملاقاة إمامهم وهم في أحسن استعداد سلوكي، وتهيئة نفسية وأخلاقية.
٢- القيام بالأعمال الصالحة:
يعد قيام المؤمنين بالأعمال الصالحة، والمداومة على فعل الخير، واستباق الخيرات من متطلبات الانتظار، ذلك الانتظار الذي ورد في فضله أنه أحب الأعمال إلى الله تعالى، وأنه من أفضل العبادة، وأنه كالمتشحط بدمه في سبيل الله؛ لا يمكن أن يكون للمنتظر من غير عمل صالح، أو لمن لا يفكر -فضلاً عن أن يعمل- في الانضمام إلى ركب الإمام المهدي؛ فللانتظار مقتضياته ومستلزماته، والتي من أهمها المداومة على الأعمال الصالحة.
يقول الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر: «لا يمكن أن يكون انتظار الفرج من مشكلة معينة أو صعوبة فردية. فإن غاية ما يطلب من الفرد إسلامياً خلال المصاعب هو الصبر، وعدم الاعتراض على الله في ذلك. وأما انتظار ارتفاع الصعوبة، فلا يعطي مزية زائدة بحسب ما هو المفهوم من القواعد العامة في الإسلام.
وإنما هذا الانتظار الكبير ليس إلا انتظار اليوم الموعود، باعتبار ما يستتبعه من الشعور بالمسؤولية والنجاح في التمحيص الإلهي، والمشاركة في إيجاد شرط الظهور، في نهاية المطاف... كل ذلك لمن يشعر بهذا الانتظار ويكون على مستوى مسؤوليته، بخلاف من لا يشعر به، بل يبقى على مستوى المصلحة والأنانية... فإنه لن ينال من هذه العبادة الفضلى شيئاً.
ونستطيع بكل وضوح أن نعرف أنه لماذا أصبح هذا الانتظار أساساً من أسس الدين... لأنه مشاركة في الغرض الأساسي لإيجاد البشرية، ذلك الغرض الذي شارك فيه ركب الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
إذن، فهذه الأخبار، لا يمكن أن يكون لها معنى، إلا المشاركة في هذا الهدف الكبير»(٣٨).
ومن أبرز مصاديق المشاركة في تحقيق الأهداف المهدوية هو الاتيان بالأعمال الصالحة بمعناها الواسع، ومجالاتها الكثيرة بما يُسهم في التمهيد للظهور الحتمي للإمام الحجة (عجّل الله تعالى فرجه الشريف).
٣- الاقتداء بسيرة أهل البيت (عليهم السلام):
ومن مقتضيات الانتظار ومتطلباته هو الاقتداء والتأسي بسيرة أهل البيت (عليهم السلام)، فهم أئمة الهدى، والصراط المستقيم، والعروة الوثقى، وهم رموز الحق، ومنابع العلم، ومناهل الحكمة والعرفان.
والاقتداء بسيرة أهل البيت يعني السير على نهجهم، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، والتمسك بولايتهم، وموالاة أوليائهم، ومعاداة أعدائهم، والأخذ بفقههم، واتباع منهجهم في المنقولات والمعقولات.
وإلا فالادعاء لوحده لا يكفي، فمن يحب أهل البيت عليه أن يسير على نهجهم المستقيم؛ يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس من شيعتنا من قال بلسانه وخالفنا في أعمالنا وآثارنا، ولكن شيعتنا من وافقنا بلسانه وقلبه، واتبع آثارنا وعمل بأعمالنا، أولئك شيعتنا»(٣٩) ويقول الإمام الباقر (عليه السلام): «أيكتفي من انتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت، فو الله ما شيعتنا إلا من اتقى الله»(٤٠) فالسير على نهج أهل البيت، والاقتداء بهم، يعني الالتزام بتعاليم ووصايا الدين، والتخلق بآدابه ومثله وقيمه، وهذا هو التجسيد العملي للاقتداء بأهل البيت قولاً وفعلاً وسلوكاً.
وبهذا يكون المؤمن -فعلاً- من المنتظرين الصادقين لظهور الحجة، وله من الفضل والثواب والأجر ما أشارت إليه الروايات والأحاديث الشريفة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين
ثبت المصادر والمراجع

١- خير ما نبتدئ به: القرآن الكريم.
٢- الأصفهاني، ميرزا محمد تقي، مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان.
٣- الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة، سنن الترمذي، المكتبة الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، استانبول، تركيا.
٤- الحر العاملي، محمد بن الحسن (ت ١١٠٤هـ)، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٣هـ - ١٩٩٣م.
٥- الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت ٣٨١هـ)، إكمال الدين وإتمام النعمة في إثبات الرجعة، المطبعة الحيدرية- النجف- العراق، طبع عام ١٣٨٩هـ - ١٩٧٠م.
٦- الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (المتوفى سنة ٣٨١ هـ)، الخصال، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤١٠هـ - ١٩٩٠م.
٧- الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (ت ٣٨١ هـ)، عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، منشورات المكتبة الحيدرية، قم - إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ. ق - ١٣٨٣ هـ. ش.
٨- الصدر، السيد محمد محمد صادق، تاريخ الغيبة الكبرى، مكتبة الصدر، قم - إيران، طبع عام ٢٠٠٤م.
٩- الطبرسي، ميرزا حسين النوري، النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب، تحقيق السيد ياسين الموسوي.
١٠- الفضلي، عبد الهادي، في انتظار الإمام، دار الأندلس، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٩٧٩م.
١١- القشيري النيسابوري، أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم (ت ٢٦١هـ)، صحيح مسلم، المكتبة العصرية، بيروت- لبنان، طبع عام ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م.
١٢- الكليني، محمد بن يعقوب (ت ٣٢٩هـ)، أصول الكافي، ضبطه وصححه وعلَّق عليه: الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان، طبع عام ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م.
١٣- الكليني، محمد بن يعقوب (ت ٣٢٩هـ)، روضة الكافي، ضبطه وصححه وعلَّق عليه: الشيخ محمد جعفر شمس الدين، دار التعارف للمطبوعات، الطبعة الثانية ١٤١٧هـ ـ ١٩٩٧م.
١٤- لجنة التأليف، المجمع العالمي، أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، المجمع العالمي لأهل البيت، قم - إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ.
١٥- المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، بحار الأنوار، مؤسسة أهل البيت، الطبعة الرابعة ١٤٠٩هـ ـ ١٩٨٩م.
١٦- المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، دار الصفوة، بيروت - لبنان، الطبعة التاسعة ١٤١٣ - ١٩٩٢م.
١٧- النيسابوري، محمد بن الفتال (ت ٥٠٨هـ)، روضة الواعظين، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، غير مذكور تاريخ الطبعة ولا عددها.

 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) سورة البقرة: الآيتان ٢ - ٣.
(٢) سورة الإسراء: الآيتان ٧١ و٧٢.
(٣) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، المجمع العالمي لأهل البيت، قم - إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، ص ٥٥.
(٤) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، المجمع العالمي لأهل البيت، قم - إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، ص٥٨ و٥٩.
(٥) أصول الكافي، الشيخ الكليني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، طبع عام ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م، ج ١، ص ٣٩٢، رقم ١.
(٦) أي أشار بيده تمثيلاً لخرط القتاد، والقتاد شجر ذو شوك صلب.
(٧) أصول الكافي، الشيخ الكليني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت ـ لبنان، طبع عام ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م، ج ١، ص ٣٩٥، رقم ١.
(٨) تاريخ الغيبة الكبرى، السيد محمد محمد صادق الصدر، مكتبة الصدر، قم ـ إيران، طبع عام ٢٠٠٤م، ج ٢، ص ٣٩٠ - ٣٩١.
(٩) مكيال المكارم، ميرزا محمد تقي الأصفهاني، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، ج ٢، ص ١٨٣.
(١٠) اريخ الغيبة الكبرى، السيد محمد محمد صادق الصدر، مكتبة الصدر، قم - إيران، طبع عام ٢٠٠٤م، ج ٢، ص ٣٦٠.
(١١) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، المجمع العالمي لأهل البيت، قم - إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٢هـ، ص ١٨٣ - ١٨٤.
(١٢) أصول الكافي، الشيخ الكليني، دار التعارف للمطبوعات، بيروت - لبنان، طبع عام ١٤١٩هـ - ١٩٩٨م، ج١، ص ٣٩٦، رقم ٥.
(١٣) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، ص ١٨٤ و١٨٥.
(١٤) صحيح مسلم، المكتبة العصرية، بيروت - لبنان، طبع عام ١٤٢٣هـ - ٢٠٠٢م، ص ٩١٥، رقم ٦٢٢٥.
(١٥) سنن الترمذي، المكتبة الإسلامية، اسطنبول - تركيا، ج ٩، ص ٢٤٢، رقم ٢٧٩٠، باب ناقب أهل بيت النبي (عليهم السلام).
(١٦) الوسائل، الحر العاملي، ج١٤، ص ٥٨٧، رقم ١٩٨٧٢.
(١٧) الوسائل، الحر العاملي، ج١٦، ص٣٤٨، رقم٢١٧٣١.
(١٨) عيون أخبار الرضا، الشيخ الصدوق، المكتبة الحيدرية، قم ـ إيران، الطبعة الأولى ١٤٢٥هـ، ج ١، ص ٢٧٥، رقم ٦٩.
(١٩) أي يزيد عليها فيقع التحريف، وذكر العشرة للمبالغة.
(٢٠) روضة الكافي، الشيخ الكليني، ج ٨، ص ١٨٥، رقم ٢٩٣.
(٢١) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٢، ص ١٣١، رقم ٣٣.
(٢٢) إكمال الدين وإتمام النعمة، الشيخ الصدوق، المطبعة الحيدرية، النجف - العراق، طبع عام ١٣٨٩هـ - ١٩٧٠م، ص ٣٤٤.
(٢٣) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج٥٢، ص ١٢٢، رقم ٤.
(٢٤) إكمال الدين وإتمام النعمة، الشيخ الصدوق، المطبعة الحيدرية، النجف - العراق، طبع عام ١٣٨٩هـ - ١٩٧٠م، ص٣٦٢.
(٢٥) الخصال، الشيخ الصدوق، ج ٢، ص ٦١٠.
(٢٦) إكمال الدين وإتمام النعمة، الشيخ الصدوق، المطبعة الحيدرية، النجف - العراق، طبع عام ١٣٨٩هـ - ١٩٧٠م، ص ٦٠٤.
(٢٧) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٢، ص ١٤٠، رقم ٥٠.
(٢٨) إكمال الدين وإتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص ٦٠٣.
(٢٩) إكمال الدين وإتمام النعمة، الشيخ الصدوق، ص٦٠٤.
(٣٠) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٥٢، ص ١٢٦، رقم ١٨.
(٣١) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، ص ١٨٧ - ١٨٨.(بتصرف بسيط).
(٣٢) في انتظار الإمام، عبد الهادي الفضلي، دار الأندلس، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٩٧٩م، ص٦٧.
(٣٣) عقائد الإمامية، الشيخ محمد رضا المظفر، دار الصفوة، بيروت ـ لبنان، الطبعة التاسعة ١٤١٣هـ - ١٩٩٢م، ص ١٠٣ - ١٠٤.
(٣٤) في انتظار الإمام، عبد الهادي الفضلي، دار الأندلس، بيروت، الطبعة الأولى ١٩٧٩م، ص ٦٧ - ٦٨؛ نقلاً عن كتاب (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر (عليه السلام))، ص ٤٩٩ - ٥٠٠.
(٣٥) النجم الثاقب، ج٢، ص ٤٤٣.
(٣٦) سورة المائدة: الآية ٢٤.
(٣٧) أعلام الهداية: الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء، ص ١٨٩ - ١٩٠.
(٣٨) تاريخ الغيبة الكبرى، السيد محمد محمد صادق الصدر، مكتبية الصدر، قم ـ إيران، طبع عام ٢٠٠٤م، ص ٣٦٢ - ٣٦٣.
(٣٩) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٦٥، ص ١٦٤، رقم ١٣.
(٤٠) روضة الواعظين، محمد بن الفتال النيسابوري، ص ٣٢٢.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved