فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » نظرات في رواية الوصية (دراسة نقدية لشبهات مدَّعي اليمانية)
 كتب المركز

الكتب نظرات في رواية الوصية (دراسة نقدية لشبهات مدَّعي اليمانية)

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ كاظم القره غولّي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٨/٠١/١٢ المشاهدات المشاهدات: ١٣٤٩١ التعليقات التعليقات: ٠

نظرات في رواية الوصية
(دراسة نقدية لشبهات مدَّعي اليمانية)

تأليف: الشيخ كاظم القره غولّي
تقديم: مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)
الطبعة الأُولى: ١٤٣٩هـ

فهرست الموضوعات

مقدّمة المركز
المقدّمة
الفصل الأوَّل: رواية الوصيَّة المزعومة (ما للاستدلال بها وما عليه)
تمهيد
رواية الوصيَّة
المناقشة السندية
كاشفية رواية الوصيَّة
لا مجال لاحتمال الخطأ في الدين
كيف ساغ الاعتماد على الأخبار مع ضعف احتمال الصدور
عدم انحصار منشأ مخالفة الواقع بتعمُّد الكذب
المؤشِّرات الداخلية على ضعف الرواية
المؤشِّرات الداخلية على قوَّة الرواية
القرائن الخارجية على ضعف الرواية
الروايات الداعمة لرواية الوصيَّة
أُمور لا بدَّ من ملاحظتها
١ - الفرق بين حجّية الظهور والواقع
٢ - الظهور حجَّة على صاحبه ومن ساغ له تقليده ومتابعته
٣ - تدبير الأُمور مقنَّن
٤ - التكتُّم على أسماء أصحاب المشاريع الإصلاحية الإلهية
٥ - المعجزة خيار الحالات الاستثنائية
٦ - تناسب الاهتمام مع مستوى الأهمّية
٧ - عاصمية رواية الوصيَّة من الضلال
٨ - توعُّد مخالفه بالنار
٩ - ظرف تسليم الوصيَّة المزعومة بعد ظهور الإمام (عليه السلام)
الفصل الثاني: عدم إمكان تعيين وقت الظهور
تمهيد
أدلَّة الاستحالة
الأمر الأوَّل: أوَّلها الروايات
الأوَّل: الروايات الصريحة في ذلك
جهة اشتراك الساعة والقيام في الخفاء
الثاني: روايات تكذيب الموقِّتين
الثالث: روايات توقُّع الفرج بمجرَّد الغيبة
الرابع: روايات مجيء الفرج بعد اليأس
الخامس: روايات الحيرة
السادس: روايات مطلوبية الانتظار
عدم إدراك الأمر المنتظَر لا يستدعي لغوية الأمر بالانتظار
مطلوبية الانتظار لضمان معرفة الإمام (عليه السلام)
الأمر الثاني: عدم تعرُّض الروايات للزمان مطلقاً
الأمر الثالث: الحكمة المانعة من تيسير طريق معرفة الوقت
أهمّية الانتظار ليس بملاك أهمّية الأمر المنتظَر
١ - عدم موضوعية النفس في الاعتقاد والانقياد
٢ - عدم ثبات الإيمان أصلاً ومرتبةً
٣ - طول الأمد باعث على ضعف تأثير المعتَقد وقسوة القلب
تشريع الحدود والتعزيرات يُعاكس في الأثر طول الأمد
٤ - توقُّع الظهور يُرسِّخ المعتَقد ويُفعِّل تأثيره
٥ - اللطف الإلهي يقتضي عدم قطع الأمل
دخل ودفع
منع الاستدلال بالحكمة في التشريع لا يستدعي المنع في التكوين
الفصل الثالث: أدعياء الربوبية والنبوَّة والإمامة
تمهيد
النمرود وفرعون
البابية
القاديانية
الجناحية
الخطّابية
مدَّعو النبوَّة
ابن بابا
محمّد بن نصير النميري
راعي الكنيسة المدَّعي
مدَّعي النبوَّة الكوري
ناناك
مدَّعو الإمامة
الفطحية
البشيرية
الزيدية
الإسماعيلية
جعفر الكذّاب
أدعياء المهدوية
الفصل الرابع: أسباب انقياد الأعداد الكبيرة للأدعياء
أقسام اختيار الدين والمذهب
العناصر المساهمة في اختيار الدين أو المذهب
الأوَّل: المصلحة الشخصية
الثاني: استئناس النفس بالمألوف
الثالث: سطوة الحاكم وعنوان الحاكمية
ضغط عنصر الجهل على النفس
نقص الأدوات يُجبِر على استعمال المتاح منها
الخامس: استعجال النفس
السادس: التمنّي
السابع: رغبة النفس في التخلُّص من القيود
وجه عدم عدِّ وسوسة الشيطان
كثرة الأتباع لا تدلُّ على سلامة المذهب
الخاتمة: شمس غيَّبها السحاب
تمهيد
روايات شمس غيَّبها السحاب
الوجوه التي ذكرها المجلسي (رحمه الله)
الوجه الثاني ومناقشته
الوجه الثالث ومناقشته
الوجه الرابع ومناقشته
الوجه الخامس ومناقشته
الوجه السادس ومناقشته
الوجه السابع ومناقشته
الوجه الثامن ومناقشته
الوجه الأوَّل ومناقشته
الإمامة مرتبة فوق النبوَّة
القرآن فسَّر الإمامة بالهداية بأمر الله
الإمام واسطة في الفيض ولا تنقطع رعايته لأتباعه
لولاهم لساخت الأرض بأهلها
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدّمة المركز

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيِّبين الطاهرين.
قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنَّهَا تُشْبِهُ الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى، وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمْى، فَمَا يَنْجُو مِنَ المَوْتِ مَنْ خَافَهُ، وَلا يُعْطَى الْبَقَاءَ مَنْ أَحَبَّهُ»(١).
صدق أمير المؤمنين (عليه السلام)، نعم هكذا هو الحال على مرِّ تاريخ البشرية، فإنَّك لا تجد أحداً يدعو إلى ما هو باطل مكشوف إلَّا ويُلبِسه بلباس الحقِّ والحقيقة وإن كان من خلال الخداع والتلبيس والتزوير، ولا نريد الخوض كثيراً في مسارات التاريخ ودهاليزه، وبيدنا الحاضر وأباطيله.
فمن مدَّعٍ للأُلوهية مروراً بمتقمِّص للرسالة والنبوَّة، وهناك من يطلُّ علينا بلباس الإمامة الثالثة عشر كما هي دعوى (ابن گاطع) أحمد إسماعيل الهمبوشي، وقد صرَّحت الروايات وصدحت وحصرت الإمامة باثني عشر لا غير، بل أكَّدت أنَّ من يعتقد بالثلاثة عشر فهو من الضالّين المنحرفين، ففي الرواية عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «...وقائل يقول: إنَّه يتعدّى إلى ثلاثة عشر وصاعداً...»(٢).
ولكن أنّى لمن اتَّخذ إلهه هواه أن يهتدي إلى مصفى هذا الحقِّ وقد امتلأ قلبه ريناً إلَّا من عصم الله فيُرجِعه إلى الصراط المستقيم.
ولكن ممَّا يُهوِّن الخطب أنَّه رغم الشبهات والإدِّعاءات التي يطرحها الهمبوشي السلمي (ابن گاطع) أو غيره، فإن الحقَّ واضح أبلج على مرِّ العصور لمن أراد الحقيقة وسعى لها سعيها كما جاء في الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... ولتُرفعنَّ اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يُعرَف أيٌّ من أيٍّ»، قال المفضَّل: فبكيت، فقال لي: «ما يُبكيك؟»، قلت: جُعلت فداك، كيف لا أبكي وأنت تقول: تُرفَع اثنتا عشرة راية مشتبهة لا يعرف أيٌّ من أيٍّ؟ قال: فنظر إلى كوة في البيت التي تطلع فيها الشمس في مجلسه، فقال: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قلت: نعم، فقال: «والله لأمرنا أضوء منها»(٣). كما قيَّض الله تعالى علماء عاملين يسهرون الليل ولا يألون جهداً في بيان الحقِّ والحقيقة ومحاولة حفظ الأُمَّة وشبابها من التيه في ظلمات الجهل والغرق في أمواج الشبهات.
والكتاب الذين بين يديك عزيزي القارئ الكريم سِفر قيِّم بقلم أُستاذ من أساتذة الحوزة وفاضل من فضلائها تناول فيه بعض شبهات المدعو (أحمد إسماعيل گاطع)، وأهمّها وهي رواية الوصيَّة كما يدَّعون، وهي وإن كانت لا ترقى إلى مستوى الشبهات العلمية، بل هي أقرب إلى التدليس والخزعبلات، إلَّا أنَّ المؤلِّف (حفظه الله تعالى) تعاطى معها بما هو أهل له، فأجاب على الكثير منها بأُسلوب علمي رصين.
وهذا ما ستجده واضحاً للعيان حين البدء بقراءة هذا السِّفر المهمّ بشكل موضوعي وبما يستحقُّه من تأمُّل وتروٍّ.
ونحن إذ نشكر الله تعالى على نشر وطباعة هذا الكتاب وهو الثاني للمؤلف (حفظه الله تعالى) بعد أن سبق ونشرنا له كتابه الأوَّل الموسوم (علامات الظهور قراءة في المعرفة والتطبيق)، فإنَّنا نسأله تعالى أن يُوفِّق الباحث الأُستاذ سماحة الشيخ القره غولي لمزيد من خدمة المذهب، وأن يجعلنا وإيّاه وجميع المؤمنين من أنصار سيِّدنا ومولانا صاحب العصر والزمان (عليه السلام)، إنَّه سميع مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

مدير المركز
السيِّد محمّد القبانچي

بسم الله الرحمن الرحيم
المقدّمة

الحمد لله خالق الخلق أجمعين، والصلاة والسلام على خير الأنام نبيِّ الإسلام محمّد وآله السادة العظام.
وبعد.. فقد خلق اللهُ الإنسانَ ونفسه مجبولة على طلب الأشياء والقدرة على تسخيرها والانتفاع منها، فآدم أبو البشر (عليه السلام) حين دلَّه إبليس على شجرة الخُلد وملك لا يَبلى تناول منها، مع أنَّ الله تعالى قد عهد إليه أن لا يقرب منها، ومخالفة ذلك العهد غير ممكنة له إذا لم يجد من نفسه منازعة لما وعدهم به إبليس اللعين وميلاً كبيراً نحوه، والحكمة في خلقة الإنسان مجبولاً على ذلك أنَّه سيكون سبباً للعمران والارتقاء والسعي للاستكشاف، والشارع المقدَّس لم يمنع من ذلك وإنَّما أراد تشذيبه، فوضع له مجموعة محدِّدات عامَّة لئلَّا يجعل البشر منشغلاً بمقتضيات ذلك عن الغاية الأصلية لخلقته، ولئلَّا يتوجَّه بنو النوع إلى الإجحاف بحقِّ الآخرين وإيقاع الظلم عليهم، فيكون سلوك الطريق الذي لا شائبة فيه مرتبطاً باختيار الإنسان وفق ما اقتضته حكمة الله البالغة في خلقه.
وتوالت الأجيال ترث بعضها ليثرى النوع الإنساني فكرياً في جانب النظر، ويتمكَّن من قدرة عالية على تحديد قواعد السلوك العملي. لكن النوازع الجبلّية في خلقته باقية على حالها، لأنَّها مقتضى إنسانيته، وعناصر التكوين في النوع معلولة لله تعالى لا دخالة لنا فيها في الإطار العامِّ.
ولكن هذه النزعات الجبلّية التي يمكن أن تصبح عناصر فاعلة في ارتقاء الفرد والمجتمع لم يستثمرها أكثر أبناء النوع.
﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣).
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٠).
فوُجِّهت دفَّة مركب المسير الحياتي لأكثر الناس نحو ما يرون فيه مصالح ومرادات للنفوس، وحاولوا استثمار كلِّ ما من شأنه أن يوصلهم إلى ما يريدون، بالاحتيال مرَّة، والافتراء والدجل أُخرى، وبالقهر والقوَّة ثالثة، وبالمداراة رابعة، والمقايضة خامسة، وكلُّ شيء عند نسبة كبيرة من أبناء النوع قابل للمقايضة. والإسلام لم يمنع من ذلك، لكنَّه أرشد إلى الصفقات الرابحة وحذَّر من الخاسرة، فقَبِلَ أن يُعبِّر بالبيع والشراء في التعاطي معه وهو ربُّ الأرباب وخالق الناس من تراب، فقال عزَّ من قائل: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصفّ: ١٠ و١١).
وعبَّر عن فعله بالشراء: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (التوبة: ١١١).
وغير ذلك.
ووفقاً لذلك تكرَّر في التاريخ استعمال مختلف الطرق الملتوية للوصول إلى المراد، ومن أهمّ الأشياء التي تسعى لها النفوس أن تكون لها سِمة القداسة والرمزية، وسقف الدعاوى لا يمنعه إلَّا المحال الواضح عند الناس، فحين كان يقبل الناس أن يكون الإله بشراً نادى فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (النازعات: ٢٤)، وحين تحرَّكت أطماع أُناس بادِّعاء النبوَّة ادَّعتها أعداد، وحين عظم في نفوس الناس محلَّ الأئمَّة ادَّعى أُناس هذه الحيثية والمنزلة.
وحين تاقت أنفس الناس إلى الإمام الثاني عشر (عليه السلام) ودولة الحقِّ التي ستنشأ على يديه تسارع طلّاب الدنيا في ادِّعاء الانتساب إلى الدائرة المقرَّبة منه، وإنَّما كثر ذلك لأنَّ مجتمعاتنا تولي اهتماماً كبيراً بفرج الله الأعظم ومشروعه الإصلاحي الكبير، وأعان على ذلك انتشار الجهل بالموروث الشرعي وتكالب الدنيا على أتباعه، فتاقت أنفسهم إلى الفرج، وأرادوا أن لا يُحرَموا من أن يُحسَبوا عليه.
وزماننا ليس بدعاً من مقاطع الزمان، ولا الناس فيه مختلفة عن بقيَّة الأزمنة، فحاول أُناس أن يحسبوا أنفسهم على سفن النجاة، بل أرادوا أن يكونوا ملّاحيها، ووجدوا في جهّال الأُمَّة طلبتهم، فدلَّسوا عليهم واستغلّوا ضعف إدراكهم وتوق أنفسهم، فنعقوا مع ناعقين طلبوا الباطل بظاهر الحقِّ، فكان ما كان.
وكلُّ هؤلاء المدَّعين يتعكَّزون على تدليسٍ في بعض الموروث الشرعي وحَرفٍ للكلام عن مواضعه.
ونحن ومن منطلق المسؤولية نحاول أن نقف على بعض ما استندوا إليه لإثبات صحَّة مدَّعياتهم ونقلب أفهامنا فيه، ونشير إلى نقاط الوهن والضعف والتدليس على الناس، ليتذكَّر متذكِّر ويزدجر مزدجر، والله من وراء القصد.
وقد رتَّبته على فصول انصبَّ البحث في الأوَّل منها على مناقشة الاستدلال برواية الوصيَّة على مدَّعي المهدويَّة. والفصل الثاني تناولت فيه بيان عدم إمكان تحديد وقت الظهور والردع الشرعي عن التوقيت. والفصل الثالث استعرضت بإيجاز شديد أمثلة على أدعياء الربوبية والنبوَّة والإمامة. وتعرَّضت في الفصل الرابع أسباب انقياد الأعداد الكبيرة للأدعياء وعدم دلالة كثرة الأتباع على سلامة المنهج وصحَّة المدَّعى. ثمّ ختمت الكتاب بخاتمة تناولت فيها ما ذُكِرَ من وجوه في توجيه روايات شمس غيَّبها السحاب.
ولا يفوتني أن أُقدِّم شكري الجزيل وامتناني للسيِّد محمّد القبانچي مدير مركز الدراسات التخصُّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، والذي سوَّدت هذه الوريقات استجابةً لطلب متكرِّر منه، أسأل الله له دوام التوفيق وحسن العاقبة.
أسأل الله أن يَحْلُلَ عقدة من لساني ليُفقَه قولي في أهمّ ما يستند إليه من ادَّعى أنَّه اليماني والمتمثِّل برواية الوصيَّة، إنَّه خير ناصر ومعين.

الشيخ كاظم القره غولّي

الفصل الأوَّل: رواية الوصيَّة المزعومة (ما للاستدلال بها وما عليه)

تمهيد:
في السنوات الأخيرة كثرت الدعاوى المرتبطة بالإمامة في العديد من الدول الإسلاميَّة، ولعلَّ أكثرها انتشاراً في العراق في العقدين الأخيرين دعوى مركَّبة من رجل من أهل البصرة.
فقد ادَّعى أنَّه المهدي الأوَّل بعد القائم (عليه السلام)، وأنَّه ولده، وأنَّه الممهِّد له، ودعا الناس إلى متابعته. ولعلَّ من أبرز أدلَّته رواية رواها الشيخ الطوسي في غيبته رواية الوصيَّة، ونحن في هذا الفصل سنقف على متن هذه الرواية وسندها وما لعملية الاستدلال بها وما عليها، والقرائن الخارجية والداخلية التي تدعم أو تُضعِّف من هذه الرواية، ولنترك التفصيل إلى ما بعد ذكر متن الرواية.
رواية الوصيَّة:
أطال أحمد بن إسماعيل وبعض أتباعه الوقوف على رواية الوصيَّة بزعمه والتي رواها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة، فلا بدَّ من نقلها بتمامها ثمّ الوقوف على مكان الخطأ في الاستدلال بها.
قال الشيخ: أخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليِّ بن سفيان البزوفري، عن عليِّ بن سنان الموصلي العدل، عن عليِّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمِّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الليلة التي كانت فيها وفاته لعليٍّ (عليه السلام): «يا أبا الحسن، أحضر صحيفة ودواة»، فأملى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصيَّته حتَّى انتهى إلى هذا الموضع، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا عليُّ، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا عليُّ أوَّل الاثني عشر إماماً، سمّاك الله تعالى في سمائه عليّاً المرتضى، وأمير المؤمنين، والصدّيق الأكبر، والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصحُّ هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا عليُّ، أنت وصيّي على أهل بيتي حيِّهم وميِّتهم، وعلى نسائي، فمن ثبَّتَّها لقيتني غداً، ومن طلَّقْتَها فأنا بريء منها، لم ترَني ولم أرَها في عرصة القيامة، وأنت خليفتي على أُمَّتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلِّمها إلى ابني الحسن البرِّ الوصول، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه سيِّد العابدين ذي الثفنات عليٍّ، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه عليٍّ الرضا، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد الثقة التقي، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه الحسن الفاضل، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام)، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، (فإذا حضرته الوفاة) فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي واسم أبي وهو عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث المهدي، هو أوَّل المؤمنين»(٤).
المناقشة السندية:
إنَّ أوَّل من صُرِّح باسمه في سند هذه الرواية هو عليُّ بن سنان الموصلي العدل، وهو لم يُذكَر في كتب الرجال، وهذا يعني أنَّه مجهول الحال. ولا يُنتَفع هنا بوصف العدل، إذ يمكن أن يكون ذلك وصفاً لجدٍّ له. وهو لا ينفع أيضاً في توثيق من ثبت له الوصف، إذ المهمُّ أن تثبت عدالته لنا، وإطلاق وصف العدل غاية ما يدلُّ عليه أنَّه في نظر من أسماه بذلك عدل، بل قد يكون ذلك نحواً من التعريض كما أسموا أبا عبيدة الجرّاح أمين الأُمَّة مع أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ما روي أراد التعريض به وبدوره في السقيفة، فقال له: «أصبحت أمين هذه الأُمَّة»(٥)، وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً هنا.
هذا مضافاً إلى أنَّ كلمة (العدل) كانت تُطلَق عادةً على الكُتّاب في القضاء والحكومات كما أشار إلى ذلك السيِّد الخوئي (رضوان الله عليه).
وأمَّا عليُّ بن الحسين، فهو مشترك يُعرَف بالراوي والمروي عنه، ولم نقف على من يروي عن أحمد بن محمّد بن الخليل، ويروي عنه عليُّ بن سنان الموصلي.
وأمَّا أحمد بن محمّد بن الخليل فمجهول الحال حيث لم يُذكَر بمدح ولا ذمٍّ في كتب الرجال، ولا يُعرَف من هو. والكلام نفسه جارٍ في جعفر بن أحمد المصري، نعم قال ابن حجر العسقلاني في حقِّه: (وكان رافضياً)(٦)، وذلك لا يدلُّ على وثاقته فضلاً عن تشيُّع الرجل، إذ لا نقبل شهادة ابن حجر. مضافاً إلى ذلك إنَّ ابن حجر نقل اتِّهامه بوضع الأحاديث، وثبوت تشيُّعه لا ينفع أيضاً ما لم يُوثَّق ليكون صحيح الرواية، أو يُمدَح من جهة أُخرى غير الوثاقة فتكون روايته حسنة.
وأمَّا الحسن بن عليٍّ عمُّ جعفر بن أحمد المصري ووالد الحسن بن عليٍّ، وهو عليُّ بن بيان بن سيابة المصري فمجهولا الحال، لم يذكر علماء الرجال أيّاً منهما بمدح أو ذمٍّ، ولم يبقَ إلَّا البزوفري الذي وُثِّق.
فكيف نقبل رواية رواها مجهول عن آخر مثله لنُؤسِّس عليها قضيَّة في المعتقد ويترتَّب عليها كفر من لم يعمل بها وفق ما يزعمون!؟ إنَّ مثل هذه الرواية غير قابلة للاعتماد عليها حتَّى في مسألة فرعية، فكيف يُعتَمد عليها لإثبات اثني عشر مهدياً بعد الإمام الحجَّة (عليه السلام)!؟
وعلى ما تقدَّم لا يمكن تطبيق كبرى حجّية خبر الثقة نظراً لانتفاء الموضوع، أو لا أقلَّ من عدم التحقُّق من ثبوت الموضوعات في جُلِّ الرواة في سندها(٧).
كاشفية رواية الوصيَّة:
وإذا كان كذلك فالاعتماد إمَّا على كشفها إذا كان قطعياً، وإمَّا على القرائن الخارجية، أمَّا نفس الرواية فاحتمال صدورها اعتماداً على هذا السند غاية في الضعف. فإذا فرضنا أنَّ الجماعة الذين نقل عنهم الشيخ الطوسي كان احتمال مطابقة نقلهم للواقع بمستوى (٩٠%)، ونسبة الإصابة في إخبار البزوفري بنحو (٩٠%) أيضاً نظراً لوثاقته، وتسامحنا وقلنا: إنَّ نسبة المطابقة في إخبار كلٍّ من عليِّ بن سنان وعليِّ بن الحسين وأحمد بن محمّد بن الخليل وجعفر بن أحمد المصري والحسن بن عليٍّ وعليِّ بن بيان (٧٠%)، فإنَّ احتمال صدور الرواية من الإمام الصادق (عليه السلام) سيكون حاصل ضرب:
(٩٠% × ٩٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠%).
وحاصل ضرب هذه النسبة على التسامح في تقديرها يساوي (٩.٥٢٩٥٦٩%).
ويأتيني عاقل ليقول: ابنِ مسلكك الاعتقادي في اثني عشر مهدياً على رواية هذا مقدار احتمال صدورها.
وإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ دلالتها ليست قطعية، بل ظنّية بنحو الظهور لو تمَّ، ولنفرضه بنسبة (٧٠%)، فالنتيجة (٦.٦٧٠٦٩٨٣%) هو احتمال إرادة هذا المعنى من المعصوم بواسطة الرواية، لأنَّه حاصل ضرب احتمال الصدور في احتمال إرادة ذلك المعنى.
فهل دُهيتُ لأقبل أنَّ هذا هو النظر الشرعي في هذه المسألة، ما لكم كيف تحكمون؟
ويمكن أن يكون الاحتمال أقلّ من ذلك كما لو كانت نسبة الإصابة في خبر هؤلاء الضعاف أقلّ من (٧٠%) كما هو ليس ببعيد.
وإذا أضفنا إلى ذلك مضعفاً احتمالياً آخر، وهو احتمال الخطأ في التطبيق، إذ كلامنا السابق كان من جهة احتمال الصدور ومن جهة احتمال إرادة المعنى، وأمَّا أن يكون المقصود بالمهدي الذي عنته الرواية فعلى فرض أنَّها عنت مهدياً غير الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، فما الذي يُعيِّن أنَّ هذا المدَّعي أو ذاك هو المقصود؟ وهنا جهتان: الأُولى احتمال الخطأ في التطبيق، وهو وارد جدّاً من جهة أنَّ الحديث إن انصبَّ على قضيَّة خارجية فتشخيصها متقوِّم بمشخِّصات عديدة، فالوجود الخارجي له آلاف المشخِّصات. وتحديده وإن كان لا يحتاج إلى استيعابها جميعاً بالذكر إلَّا أنَّه يحتاج إلى العديد منها عادةً، فليس من السهل الجزم بأنَّ فلاناً هو المراد، خصوصاً والروايات هنا - ومنها الرواية مورد النظر - لم تتعرَّض لأيَّة مشخِّصات إلَّا كونه ابن الإمام الثاني عشر. ولا قيمة لذلك في عالم التشخيص، ولا أثر له في دفع الالتباس في تعيين المراد بذلك، خصوصاً والمدَّعي يقول: إنَّ الإمام (عليه السلام) جدُّه الرابع، وهذا يعني أنَّ المنتسبين له (عليه السلام) كثر، وإذا قبلنا احتمال إرادة حفيد من المرتبة الرابعة فلِمَ لا نقبل احتمال إرادة حفيد من المرتبة العاشرة، بل حتَّى العشرين؟ وهذا يعني أنَّ من ينطبق عليه وصف البنوَّة قد يصل عددهم إلى مئات الآلاف. فأنّى لأحد أن يُشخِّص في ضمن دائرة الاحتمال هذه مع عدم وجود شخص في الرواية مع ملاحظة أنَّ هذا الخبر قد صدر قبل ما يقرب من ألف وثلاثمائة عام؟
وأمَّا الجهة الثانية، فهي احتمال تعمُّد الكذب. وفي محلِّ كلامنا هذا الاحتمال كبير، لأنَّ المورد ليس مجرَّد إخبار عن قضيَّة خارجية أو تطبيق لخبر لا علاقة له بالمطبِّق، بل التطبيق هنا يتضمَّن دعوى كبيرة للمطبِّق لا يضاهي ما ادَّعاه من منزلة أيَّة منزلة أُخرى في زمن الغيبة. فأعظم ما ثبت لأحد من الناس في زمن الغيبة هو السفارة عن الإمام الحجَّة (عليه السلام). وهذا الرجل يدَّعي أنَّه ابن الإمام والخليفة من بعده، واليماني الممهِّد له، مع دعاوى أُخرى ليس هذا محلُّ التعرُّض لها.
ومع ملاحظة هاتين الجهتين تعرف كم نتسامح حين نقول: إنَّ نسبة صحَّة التطبيق (٥٠%) مثلاً.
ولولا جزمنا من الخارج بالكذب في هذه الدعوى لقلنا: إنَّ نسبة صحَّة التطبيق في مثل هذا المورد لا تتجاوز الـ (١٠%).
فلو كان احتمال صحَّة تطبيقه في ذلك (٥٠%) - ولا أظنُّه يكون، بل أجزم بعدمه -، فالاحتمال النهائي سيهبط إلى نصف ما وقفنا عليه من الاحتمال سابقاً، أي ما يزيد على (٣%) بقليل، أي ما يقرب من (٣.٣٤%).
إنَّ الآلية التي أوصلتنا إلى حساب احتمالات الإصابة والموافقة للواقع من خلال ضرب احتمال الإصابة للواقع في كلِّ إخبار، هي المعتمدة في الإحصاء الرياضي الحديث والمنطق بعينها.
فلو أنَّ زيداً أخبر أنَّ بكراً أخبره أنَّ الحادثة الكذائية قد حدثت، وكانت نسبة المطابقة للواقع في إخبار بكر (٧٠%)، ونسبة الإصابة للواقع في إخبار زيد (٨٠%)، فهذا يعني بعد إخبار زيد أنَّه يوجد احتمال (٨٠%) أنَّ بكراً قد أخبره، ولمَّا كانت نسبة المطابقة في إخبار بكر هي (٧٠%)، فهذا يعني أنَّ احتمال صحَّة الخبرين الذي يعني مطابقة الواقع هو (٧٠%) من الـ (٨٠%)، وهو حاصل ضرب الاحتمالين معاً، والذي يساوي (٥٦%)، وهكذا إذا كان شخص ثالث أخبر عنهما، فرابع عن الثالث، فخامس عن الرابع.
لو فرضنا أنَّ أباً كان لديه ستَّة أولاد وسابعهم صغير، وأعطى لكلِّ واحد من الستَّة الكبار سكَّة من فضَّة لتكون ملكاً له، ثمّ أعطى الكبير ولنُسمِّه أبا بكر سكَّة من ذهب، وأمره أن يُعطيها للثاني ولنفرضه عمر، على أن يُعطيها عمر للثالث ولنُسمِّه عثمان، على أن يُعطيها لمعاوية وهو الرابع، على أن يُعطيها ليزيد وهو الخامس، على أن يُعطيها لمروان وهو السادس، على أن يُعطيها للولد الصغير. وكان الوالد يحتمل بنسبة (٧٠%) في كلٍّ منهم أنَّه سيُنفِّذ ما أُمِرَ به، ونسبة (٣٠%) أنَّه سيُبدِّلها بسكَّة الفضَّة. فاحتمال وصول سكَّة الذهب إلى عمر (٧٠%)، وهذا يعني أنَّ احتمال كون السكَّتين بعد الإعطاء عند عمر فضّيتين هو (٣٠%). وقد يحاول عمر أن يمتثل أمر والده بنسبة (٧٠%)، فيُسلِّم ما أعطاه أبو بكر له إلى عثمان، فاحتمال وصول سكَّة الذهب إلى عثمان هي (٧٠%) من احتمال وصولها لعمر وهو (٧٠%)، وهو ما يعادل (٤٩%). وقد يستجيب عثمان لأمر أبيه ويُسلِّم ما سلَّمه له عمر إلى معاوية بنسبة (٧٠%) بحسب الفرض، فاحتمال وصول سكَّة الذهب إلى معاوية هو (٧٠%) من (٤٩%) أي (٣٤.٣%)، فاحتمال اجتماع فضّيتين عند معاوية (٦٥.٧%)، وهنا لا مجال لوصول سكَّة الذهب إلى الصغير. وقد يستجيب معاوية لأبيه ويُسلِّم ما سلَّمه عثمان إلى يزيد بنسبة (٧٠%)، فاحتمال وصول سكَّة الذهب إلى يزيد هي (٧٠%) من احتمال وصولها إلى معاوية أي من (٣٤.٣%) وهي (٢٤.٠١%). وهكذا تجري العملية إلى مروان ثمّ إلى الصغير، والنتيجة ستكون (١١.٧٦%).
وحين يُضاف لذلك كون الدلالة في اللفظ غير قطعية، فهذا يعني وفق مثالنا السابق الذي فيه زيد وبكر أنَّ احتمال صدور الرواية مثلاً من المعصوم (عليه السلام) هو (٥٦%)، أي إنَّ احتمال صدور هذا اللفظ هو (٥٦%)، فإذا كانت دلالة اللفظ على المعنى احتمالية كأن نحتمل أنَّ المتكلِّم على فرض صدور الكلام منه فإنَّه أراد هذا المعنى بنسبة (٦٠%) مثلاً، فاحتمال إرادة المعنى المخصوص من الإمام هي (٥٦%) من الـ ٦٠%، وهو حاصل ضرب الاحتمالين، وهو (٣٣.٦%).
فإذا اجتمعت معها جهة احتمالية أُخرى، وهو أن يكون المراد من المعنى الذي حدَّدناه هذا الفرد بخصوصه اتَّبعنا نفس الطريقة.
فالعلاقة بين جميع هذه الكواشف الاحتمالية طولية، فتكون الآلية المتَّبعة في استخلاص الاحتمال النهائي هي ضرب احتمالات الموافقة للواقع في كلٍّ منها بالآخر.
وأيُّ عاقل يقدم على صفقة بمال زهيد ونسبة الربح فيها دون خمسة في المائة!؟ إنَّ ذلك غير معقول إلَّا في القمار ولعبة اليانصيب، ومن يخاطر فيهما بكلِّ رأس ماله معتوه بلا ريب.
فكيف إذا كان الثمن هو عمر الإنسان وحياته!؟
«إِنَّه لَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا»(٨).
وإنَّما هي نفس واحدة كما في رواية الأحول حين احتجَّ على زيد بن عليٍّ حين دعاه إلى الخروج معه(٩)، وزيد زيد وأحمد أحمد.
مع ملاحظة أنَّ الخسارة فيها تؤدّي إلى أن يُحشَر المرء خلف مفتر كذّاب ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١).
لا مجال لاحتمال الخطأ في الدين:
حين يستند أبان بن تغلب في حكم فرعي، وهو دية قطع أربعة أصابع من المرأة إلى القياس واستبعاد أن تكون دية أربعة أصابع أقلّ من ثلاثة مع أنَّها كالأولوية، لم يقبل الإمام (عليه السلام) منه ذلك، ويُشخِّص موطن الخلل في استناده، ثمّ يحيله على القاعدة. والرواية معروفة، وهي صحيحة أبان بن تغلب.
قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال: «عشر من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنَّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق ونبرأ ممَّن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان، هكذا حكم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إنَّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنَّك أخذتني بالقياس، والسُّنَّة إذا قيست مُحِقَ الدين»(١٠).
ومثل هذا الوضوح عند أبان حتَّى قال على من جاء بخلاف ما اعتقد أنَّه شيطان، وفي حكم فرعي في حقٍّ مالي، ومع ذلك يُبيِّن له الإمام (عليه السلام) الخطأ في مأخذ الحكم الذي بنى عليه. فكيف يُطلَب منّا أن نخضع لدعوى في أمر غاية في الأهمّية يزعم مدَّعيه أنَّ من لم يعمل به فهو خارج عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّه ممَّن يستحقُّ النار وبئس المصير، وهذا مستوى الاحتمال في مطابقة مدَّعاه للواقع!؟
إنَّ الدين لا يقبل التفريط ولو كان بمستوى يقابله (٩٩%) إلَّا أن يأذن الشارع بذلك، وقد أذن بالاعتماد على خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره، كما أذن بالرجوع إلى الظهور العرفي في تحديد معنى الألفاظ الواردة في الموروث الشرعي، ولم يقبل الاعتماد على القياس إلَّا أن يورث القطع، أي لم يجز الاعتماد على القياس ولو كانت نسبة الإصابة للواقع (٩٩٩) بالألف. فإنَّه حتَّى وإن أورث الاطمئنان ليس حجَّة وإن قبلنا الاعتماد على الاطمئنان في موارد أُخرى للسيرة العقلائية على العمل به وعدم ردع الشارع المقدَّس عنها. فهنا قد ردع الشارع عن العمل بالقياس، وهذا الردع يشمل الموارد التي يورث القياس فيها الاطمئنان.
فلا مجال للمسامحة في مسألة فرعية ولو كان الاحتمال المخالف (١%) إلَّا أن يأذن الشارع المقدَّس بذلك.
ولم يتحقَّق في هذه الرواية ما يوجب الاعتماد عليها من جهة سندها، وقد يكون موردها آبياً عن ذلك، على أنَّها لم ترد لتكون محلّاً للتعبُّد ولو في الدلالة - لو صحَّ صدورها -، لأنَّها بصدد الإخبار عمَّا سيكون في المستقبل. نعم فيها أمر ولكنَّه ليس لعامَّة الناس لترجع إلى الظهور والتعبُّد، بل الأمر للمعصوم فهو الذي يسلم.
فكيف أُجسِّد تمسّكي بديني من خلال العمل بما يقول القائل: إنَّه المصداق الأوحد لما عَنَته مع أن ثبوت ذلك دون (٤%)!؟ اقض عجباً.
كيف ساغ الاعتماد على الأخبار مع ضعف احتمال الصدور؟
فإن قلت: وفق حساب الاحتمال المتقدِّم والطريقة الإحصائية المزبورة لا يبقى لنا خبر يسوغ عقلاً ولا عقلائياً الاعتماد عليه.
قلت: أوَّلاً: ليست كلُّ الروايات بهذا المستوى من السقوط السندي.
وثانياً: هناك روايات تجتمع معها بعض القرائن التي ترفع احتمال الصدور إلى مستوى الوثوق، وعلى مبنى المشهور الوثوق بالصدور يُحقِّق موضوع الحجّية للمروي، فيجري التعبُّد اعتماداً على مثل مفهوم قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦).
ومفهومها إن كان الجائي غير فاسق فلا تتبيَّنوا، وهو تعبير آخر عن الحجّية. هذا على أحد المباني في مفهومها.
واعتماداً على إمضاء المعصومين (عليهم السلام) لهذه الطريقة من التعاطي والاعتماد على أخبار الثقاة حيث لم يردعوا عن ذلك مع استحكام هذه السيرة وطريقة التعاطي ممَّا يعني ارتضاءها في التعاطي مع الأخبار، لأنَّه إن لم يرضَ الإمام بذلك ولم يردع لكان قد نقض غرضه، خصوصاً وإنَّ أكثر جزئيات الأحكام في الشريعة مستندها أخبار آحاد ليس إلَّا.
والاعتماد على سيرة المتشرِّعة التي لا بدَّ أن تكون مأخوذة من المعصوم (عليه السلام) إن لم يكن ذلك انطلاقاً من عقلائيتهم، وإلَّا فإنَّها ستكون سيرة عقلائية، والمتشرِّعة كان جلُّ اعتمادهم في معرفة أحكام الشريعة وجزئياتها على أخبار الثقاة.
وثالثاً: قد يجري تطبيق حجّية خبر الواحد على كلِّ راوٍ في السند، فيكون نقل الآخر مثلاً والذي انتهى إليه النقل إذا أفاد وجداناً احتمال (٨٠%) بصحَّة نقله، فإنَّ حكم الشارع المقدَّس بحجّية خبره يعني تنزيله منزلة العلم من حيث ترتيب الأثر، فكأنَّه (١٠٠%)، وهكذا بالنسبة للذي قبله حتَّى نصل إلى الراوي المباشر عن المعصوم (عليه السلام). فالمعتمد ليس الاحتمال الوجداني، بل أمر الشارع بالعمل، وهو موجود في أخبار الثقاة دون غيرهم.
وإذا أردنا أن نُقرِّبه بمثال فلنرجع إلى مثال السكَّة، ولكن لنُبدِّله بقدح ماء وقدح عصير، وأراد من كلٍّ أن يوصل قدح العصير للذي بعده حتَّى يصل إلى الصغير، ثمّ قال للصغير: أمرتهم أن يوصلوا إليك قدح العصير، لكنّي أرضى إن وصل قدح الماء، فالولد الأكبر (الأوَّل) إن أوصل للذي بعده قدح العصير فقد فعل ما أمر به أبوه، وإذا أعطاه بدل ذلك الماء فالمولى يرضى بأن يشربه الصغير إن وصل إليه. وإن لم يرضَ عن فعل الأكبر، لأنَّه خالف أمره، فنقطع أنَّ ما أوصله الأوَّل للثاني يرضى الأب للصغير أن يتناوله أو يشربه، وربَّما كان هو المأمور به. والثاني وإن ضعف احتمال إيصاله قدح العصير إلى الثالث لكن الأب يرضى عمَّا وصل إليه على كلِّ حالٍ، إذ على فرض وصول قدح الماء فإنَّ الأب يرضى بشرب الصغير له. وهكذا حتَّى نصل إلى الولد الصغير، فإنَّ أسوأ الاحتمالين أن يكون الواصل إليه قدح الماء، والمفروض أنَّ الأب يرضى منه أن يأخذه فيشربه. وأحسنهما وهو ضعيف جدّاً لحساب الاحتمال المتقدِّم لا يرضى به فحسب، بل هو عين المأمور به. فجعل الحجّية للخبر يطبق على خبر كلِّ واحدٍ من السلسلة، فنجزم أنَّ عمل الثاني بخبر الأوَّل يرضى به وإن وجد احتمال أنَّه غير مأمور به، ثمّ ننتقل إلى خبر الثاني للثالث، وهكذا.
ولا نريد أن نُطيل الوقوف عند بحث تخصُّصي ليس هذا محلُّ التعرُّض له، فإن قيل: إنَّه بناءً على حجّية الظهور وحجّية خبر الثقة ينبغي أن نُنزِّل خبر الجماعة الذين أخبر عنهم الشيخ الطوسي منزلة العلم، وكذا خبر البزوفري، ولا نحتاج أن نضرب حاصل ضرب احتمال صدق الخبر باحتمال إرادة المعنى الظاهر، لأنَّ حجّية الظهور تقول لي: نزِّل دلالته الظنّية منزلة العلم، فتكون النتيجة حاصل ضرب: (٧٠%) في نفسها (٦) مرّات. وهي تساوي (١١.٧٦٤٩%) سوى احتمال الخطأ في التطبيق.
قلت: ١ - إنَّ النسبة الضئيلة هذه قليلة جدّاً، خصوصاً إذا ضربناها باحتمال الصحَّة في التطبيق، إذ ستكون أقلّ من (٦%).
٢ - بعد أن سقط الاستدلال بالرواية من جهة عدم الحجّية في سندها لا معنى للتعبُّد في بعض السند، وكذا الكلام في التعبُّد بالدلالة، فالتعبُّد من خلال الحكم بالحجّية لا أثر له إن لم يمكن تتميم الدليل من الجهات الأُخرى، لأنَّه سيكون بلا أثر.
لا يقال: إنَّ الأثر موجود، لأنَّ مستوى الكشف واحتمال مطابقة الواقع سيزداد وفق ما قدَّمنا.
فإنَّه يقال: إنَّ نفس الاحتمال والانكشاف غير قابل للزيادة حقيقةً، لأنَّ الاحتمال والانكشاف خاضع للأسباب التكوينية، ولا دخالة للشارع في ذلك بما هو شارع، وإنَّما ينزل منزلة العلم على فرض جريان دليل الحجّية في الأثر العملي المترتِّب على العلم، أي من الناحية العملية نُرتِّب ما نُرتِّبه لو كنّا عالمين. والذي نُرتِّبه هو خصوص الأثر الشرعي كأحكام الشارع المقدَّس أو ما تترتَّب عليه الأحكام، والاحتمال ليس من المجعولات الشرعية لنتعقَّل أنَّ الشارع يتعبَّدنا بثبوته أو انتفائه.
وإذا لم تتمّ الجهات الأُخرى في الدليل بحيث يقال بالجملة هو حجَّة لا يمكن أن يقال: علينا ترتيب الأثر العملي، فلا يبقى في الرواية بعد سقوطها عن الحجّية إلَّا كشفها الحقيقي عن الواقع، ومقدارها وفق التمثيل المتقدِّم حوالي (٣.٥%).
هذا مضافاً إلى جملة من المضعِّفات الداخلية الأُخرى والخارجية.
عدم انحصار منشأ مخالفة الواقع بتعمُّد الكذب:
ثمّ إنَّ هنا مسألة مهمَّة، وهي أنَّ احتمال مخالفة الواقع لا يقتصر المنشأ فيه باحتمال تعمُّد الكذب، بل قد يكون لقلَّة الدقَّة والغفلة، ومثل هذا الاحتمال موجود في محلِّ كلامنا كما أشار إليه الحرُّ العاملي في كتاب (الإيقاظ من الهجعة)(١١) حيث قال:
(وما تضمَّنه الحديث المروي في كتاب الغيبة على تقدير تسليمه في خصوص الاثني عشر بعد المهدي (عليه السلام) لا ينافي هذا الوجه، لاحتمال أن يكون لفظ ابنه تصحيفاً، وأصله أبيه بالياء آخر الحروف، ويُراد به الحسين (عليه السلام)، لما روي سابقاً في أحاديث كثيرة من رجعة الحسين (عليه السلام) عند وفاة المهدي (عليه السلام) ليُغسِّله).
واحتمال التصحيف الناشئ من الغفلة لا يقتصر المنشأ فيه على الرواة، بل قد يكون من الشيخ الطوسي على فضله العظيم ومنزلته الكبيرة، فهو لم يصل إلى مرتبة استحالة حصول الخطأ في نقله، ولذا قال الفقهاء: (وإنَّه في صورة اختلاف نقل الرواية الواحدة ينقلها الشيخ الطوسي والشيخ الكليني يُقدَّم نقل الكليني لأنَّه أضبط).
وذلك أيضاً لا يُسقِط احتمال حدوث التصحيف حتَّى من الكليني الذي هو أضبط من الشيخ الطوسي.
بل قد يحصل التصحيف ممَّن نسخ كتاب الشيخ الطوسي مباشرةً أو ممَّن نسخ من نسخة غير أصلية، اللّهمّ إلَّا إذا وقفنا على النسخة الأصلية التي كتبها الشيخ بنفسه.
لكن هذا الاحتمال ليس أصلاً يُعتنى به، بل يُثار عند وجود معارضة مع نسخة أُخرى من الرواية، والمفروض أنَّه غير موجود في الرواية محلّ البحث، أو عند وجود معارضة من رواية أو روايات أُخرى، وحينها إذا أردنا أن نُوجِّه الاختلاف بين النقلين للرواية الواحدة أو اختلاف المضمون للروايات المتعدِّدة أو مخالفة الرواية لقواعد مسلَّمة يُثار احتمال وقوع التصحيف كتفسير لهذه المنافاة بحسب النقل مع أنَّ واقع ما صدر عنهم (عليهم السلام) لا يقبل التنافي فيما بين جزئياته ولا التخالف مع القواعد المسلَّمة عقلية كانت أو غيرها.
وكيف كان فهذا لا يُعَدُّ وجهاً مستقلّاً لردِّ الاستدلال بالرواية، نعم ينفعنا كمضعف احتمالي لها، ودور تأثير المضعف الاحتمالي بعد سقوط الرواية عن الحجّية، والمفروض أنَّها كذلك، هذا مضافاً إلى جملة من المضعِّفات الداخلية والخارجية.
المؤشِّرات الداخلية على ضعف الرواية:
هناك جملة من المؤشِّرات في الاستدلال بالرواية تجعلنا نتريَّث قبل تصديق مؤدّاها:
١ - غرابة نفس الدعوى: إنَّ من الأُمور المضعِّفة لاحتمال صحَّة نقل قضيَّة ما أو ادِّعاء دعوى ما غرابة تلك القضيَّة وعدم مألوفيتها، وكلَّما ازدادت غرابة الدعوى احتاجت في مقام إثباتها إلى بيان أوضح ودليل أقوى.
حين تأتي السيِّدة العذراء (عليها السلام) بولد وتقول: إنَّه ليس من أبٍ، فإنَّ دعواها احتاجت إلى دليل يصدم الآخرين بوضوحه وقاطعيته للشكِّ، فكان أن نطق في المهد صبياً فأبكَتَهم، ولم يُبقِ لهم طريق للردِّ. حيث يقول شخص: أنا سفير السماء، فقولته غاية في الغرابة، فاحتاجوا إلى برهان قاطع للشكِّ، ولم يُكتفَ بمجرَّد إخبار الأنبياء السابقين عنهم، وتمثَّل البرهان بالإتيان بالأُمور الخارقة مع التحدّي المسبق، وهي المعجزات. ولا يُكتفى هنا بصحَّة المطالب التي يطرحها الفرد - غير النبوَّة أو السفارة -، فلو أنَّ شخصاً دعا إلى التوحيد وأتى بأحكام الشريعة الحقَّة وادَّعى أنَّه نبيٌّ أو خليفة أو سفير للإمام (عليه السلام)، فإنَّه لا يُقبَل منه بمجرَّد صحَّة مبدأ التوحيد في كلماته وموافقة أحكامه التي تحدَّث بها لأحكام الشريعة.
حين يدَّعي اليهود أنَّ الله عهد إليهم عدم الإيمان برسول إلَّا أن يأتي ببيِّنة محدَّدة تتمثَّل بقربان تُرسَل عليه نار من السماء فتحرقه لم يُستَجب لهم، لا لأنَّ هذا الطلب غير مشروع، بل لأنَّهم كاذبون في مقولتهم أنَّهم سيؤمنون عند تحقُّق ما طلبوا.
﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٨٣).
بل نزعة الاستغراب قد تتملَّك الأولياء، بل والأنبياء إن أخبروا بقضيَّة غريبة، فعند إخبار الملك المقرَّب مريم العذراء (عليها السلام) بنبأ الولد من غير أبٍ كان ردُّها التلقائي: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠).
أي كيف يكون الولد والأسباب المألوفة لا تقتضي أن يكون لي ولد؟ مع علمها بأنَّ الذي يخاطبها ملك من الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون.
وعند بشارة زكريا (عليه السلام) بالولد كان ردُّه التلقائي: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (مريم: ٨).
وقريب من ذلك قول زوجة إبراهيم (عليه السلام) حيث تقول الآيات: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الذاريات: ٢٨ - ٣٠).
إنَّ موسى (عليه السلام) كان نبيّاً عظيماً، وحين تحدّاه فرعون والملأ من قومه في مقارعة السحر وقبل الموعد في يوم الزينة، ويبدو أنَّه كان يوماً مهرجانياً يحضره الكثير من الناس في مكانٍ خاصٍّ، ورأى سحر سحرة فرعون أوجس في نفسه خيفةً، وهو أمر طبيعي وفق النزعة الطبيعية للبشر.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى * قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ (طه: ٦٥ - ٦٨).
وكيف كان فغرابة القضيَّة المدَّعاة أو المخبَر عنها تستدعي التريُّث في الإذعان بها، ولذا قال الملك لمريم (عليه السلام): ﴿قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ (مريم: ٢١).
وقال الله تعالى لزكريا (عليه السلام): ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ (مريم: ٩).
فلم يكتفِ الله تعالى بتذكيره بأنَّه هيِّن عليه حتَّى أتاه بنظير، وهو خلقة زكريا التي كانت مسألة وجدانية عند زكريا (عليه السلام).
واحتاجت زوجة إبراهيم (عليه السلام) أن تُذكَّر بأنَّ هذا قول الله وهو الحكيم العليم.
في كلِّ هذه الموارد لم يُلَم أيٌّ من هؤلاء الأعاظم على الاستغراب أو على السؤال عن الكيفية، لأنَّ بنية البشر النفسية تقتضي هذا النوع من ردود الأفعال في مثل هذه المواقف.
ما تقدَّم يُبيِّن أنَّ من الطبيعي عدم قبول الادِّعاءات الغريبة إلَّا إن قام على ذلك دليل قطعي لا يقبل الشكَّ، ونحن أمام دعوى بمنتهى الغرابة من شخص معروف عن عائلته أنَّها ليست هاشمية النسب، ويدَّعي أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) جدُّه الرابع، وما يتضمَّنه ذلك من دعوى أنَّ الإمام متزوِّج وله ذرّية، وأنَّه قد اختير سفيراً للإمام (عليه السلام)، ونائباً خاصّاً له، مضافاً إلى جملة الموهنات الأُخرى.
٢ - إنَّه حين نُقِلَ عن بعض الأئمَّة (عليهم السلام) في السند، وصفهم ببعض الأوصاف التي لا نشكُّ في ثبوتها عندهم، لكن ليس من المألوف التعرُّض لهذه الأوصاف في الأسانيد للأئمَّة (عليهم السلام)، كوصف السجّاد (عليه السلام) بأنَّه ذو الثفنات، ووصف الحسين (عليه السلام) بأنَّه الزكي الشهيد، فالمقام مقام نقل يُكتفى فيه عادةً بتشخيص المنقول عنه.
وهذا المؤشِّر وإن كان ضعيفاً إلَّا أنَّه يُعطي احتمالاً ولو ضعيفاً أنَّ الراوي أراد أن يُسوِّق لهذه الرواية، وقد يكون ذلك لأجل وضعها، نعم وقد يكون للتأكيد على رقي سندها.
٣ - إنَّ من الأسماء التي ذكرت الرواية أنَّها خاصَّة بأمير المؤمنين (عليه السلام) وصف المهدي (عليه السلام)، وذكرت أنَّ هذه الأسماء لا تصحُّ لأحد غيرك، مع أنَّ الوصف قد ذُكِرَ لكلِّ الأئمَّة (عليهم السلام). والمدَّعي يقول: إنَّه ثابت لاثني عشر شخصاً آخرين بعنوان الوصف، وله بعنوان الاسم.
٤ - ما هو الوجه في تخصيص الإمام الجواد (عليه السلام) بأنَّه ثقة؟ وما هو وجه تسمية الهادي (عليه السلام) بأنَّه الناصح؟ ولم يُعهَد أنَّهما قد اختصّا بالتسمية بذلك.
نعم قد اختصَّ الجواد (عليه السلام) فيما تداولته الألسن بوصف التقيِّ.
المؤشِّرات الداخلية على قوَّة الرواية:
ولإكمال الصورة التي رسمناها واتِّصافها بالإنصاف لا بدَّ من التعرُّض لبعض ما يمكن أن يُقوّي من الرواية.
ومنه أنَّها منقولة عن الصادق (عليه السلام)، ونُصَّ فيها على أسماء الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا المضمون صحيح بلا ريب، ومخالف لرأي الحكومات المتعاقبة، بل يمكن أن يكون منشأ لإيقاع عقوبة عليه.
ومنه أنَّه يلوح من وصف بعض رجالها أنَّه عامّي، ومضمون الرواية على خلاف ما تقول به العامَّة، ونقل الرجل مضموناً على خلاف معتقده يُعتَبر مؤشِّر صدق في نقله، ومن نقل عنه البزوفري هو عليُّ بن سنان المصري العدل حيث لم يستبعد السيِّد الخوئي (رحمه الله) أن يكون من العامَّة بقرينة وصف العدل، وهو وصف يُوصَف به بعض علماء العامَّة، وقد ذكر في ترجمة الفقيه الدرامي العدل أنَّه: (لا يبعد أنَّ الرجل من العامَّة، وأنَّ كلمة العدل من ألقابه، وهذه الكلمة تُطلَق على الكُتّاب في القضاء والحكومات، فيقال: كاتب العدل)(١٢).
ولكن ذلك لا يُغيِّر في الصورة شيئاً، لأنَّه إنَّما يقوّي الصدور في ما كان مخالفاً لاعتقاد العامَّة وموافقاً لاعتقادنا، وهذا خاصٌّ بالقسم الأوَّل من الرواية، وأمَّا القسم الأخير من الرواية، والذي يبدأ من قوله: «ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين...»، فلا قرينية لما ذُكِرَ على صحَّته، والذي لا يكون ثقة ليس من الضروري أن تكون كلُّ قصَّته الكذب وسمة كلِّ ما رواه المخالفة للواقع، بل الكذّاب بصيغة المبالغة لا يكون كذلك، وإنَّما لا يُؤمَن تعمُّد الكذب عنده، ولا أحد يلتزم أنَّ كلَّ كلامه كذب.
ولو تمَّت قرينية مثل هذه القرينة فهي لا تنفع أيضاً، لأنَّه بعد سقوط الرواية عن الحجّية في سندها أو بالمعارضة لما هو أقوى منها لو تمَّت سنداً، فلا تبقى فيها فائدة من جهة البناء على مضمونها إلَّا في حدود كشفها الاحتمالي، وما دام لم يصل إلى القطع أو الاطمئنان كحدٍّ أدنى فوجودها كعدمها، اللّهمّ إلَّا إذا وُجِدَت روايات وقرائن أُخرى يدعم بعضها البعض، وأوصلنا المجموع إلى الاطمئنان بصحَّة مضمون إن لم يكن عِلمٌ تَحقَّق نوع استفادة منها، وأين تلك القرائن التي تدعم مضمون هذه الرواية المحتمل؟
القرائن الخارجية على ضعف الرواية:
ثمّ إنَّ هناك جملة من القرائن الخارجية التي تمنع من الأخذ بهذا المضمون الوارد فيها، أو الذي يُدَّعى أنَّها تامَّة الدلالة عليه وأنَّ بالإمكان استفادته منها، ومن ذلك:
١ - أنَّها مخالفة للمشهور، كما نصَّ على ذلك صاحب البحار(١٣).
وذكر المفيد في الإرشاد أنَّ ذلك لم يرد على سبيل القطع والثبات، وأكثر الروايات أنَّه لن يمضي مهدي الأُمَّة إلَّا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج وعلامة خروج الأموات وقيام الساعة للحساب والجزاء، والله أعلم(١٤).
وقريب من ذلك عبارة الشيخ الطبرسي حيث قال: (ولم ترد به الرواية على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنَّه لن يمضي من الدنيا إلَّا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها الهرج...) إلى آخر كلامه(١٥).
٢ - المعارضة لما دلَّ على أنَّ خروج اليماني من اليمن(١٦).
ووجه المعارضة أنَّ صاحب هذه الدعوى لم يقتصر على ادِّعاء بنوَّة المهدي (عليه السلام) وخلافته من بعده، بل ادَّعى أنَّه اليماني.
الروايات الداعمة لرواية الوصيَّة:
هناك بعض الروايات التي نقلها المجلسي (رحمه الله) والتي تحدَّثت عن المهديّين الذين بعد القائم (عليه السلام)، وقد يقال: إنَّها داعمة لرواية الوصيَّة، ونحن نستعرضها، ثمّ نرى إمكانية الاستناد إليها في هذا المدَّعى.
١ - كمال الدين: الدقّاق، عن الأسدي، عن النخعي، عن النوفلي، عن عليِّ بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: قلت للصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام): يا ابن رسول الله، سمعت من أبيك (عليه السلام) أنَّه قال: «يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً»، فقال: «إنَّما قال: اثنا عشر مهدياً، ولم يقل: اثنا عشر إماماً، ولكنَّهم قوم من شيعتنا يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقِّنا»(١٧).
٢ - غيبة الطوسي: محمّد الحميري، عن أبيه، عن محمّد بن عبد الحميد ومحمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل أنَّه قال: «يا أبا حمزة، إنَّ منّا بعد القائم أحد عشر مهدياً من ولد الحسين (عليه السلام)»(١٨).
٣ - مختصر البصائر: ممَّا رواه السيِّد محمّد بن عبد الحميد بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنَّ منّا بعد القائم (عليه السلام) اثنا عشر مهدياً من ولد الحسين (عليه السلام)(١٩).
٤ - كامل الزيارات: عن أبيه، عن سعد، عن الجاموراني، عن الحسين بن سيف، عن أبيه، عن الحضرمي، عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام)، قالا في ذكر الكوفة: «فيها مسجد سهيل الذي لم يبعث الله نبيّاً إلَّا وقد صلّى فيه، ومنها يظهر عدل الله، وفيها يكون قائمه والقوّام من بعده، وهي منازل النبيِّين والأوصياء والصالحين»(٢٠).
وهذه الروايات الأُولى والثالثة غير تامَّتين سنداً، والرابعة تامَّة فيما لو بنينا على كفاية ورودها في كامل الزيارة. وأمَّا غير هذا المبنى فالجاموراني - محمّد بن أحمد الرازي - لم يُوثَّق، والحسين بن سيف - المنصرف إلى الحسين بن سيف بن عميرة - لم يُوثَّق، والحضرمي لم يُوثَّق، ولو كان المراد أبا بكر فهو ممدوح من غير جهة الوثاقة. ومثلها الثانية، وسيأتي الكلام فيها بعد قليل.
وأمَّا الثالثة فلم نعرف طريق محمّد بن عبد الحميد إلى الصادق (عليه السلام).
وأمَّا الثانية فمحمّد الحميري هو ابن عبد الله بن جعفر بن الحسين بن جامع، وهو ثقة وجه، وأبوه شيخ القمّيين ووجههم، ومحمّد بن عيسى ثقة، كذلك محمّد بن عبد الحميد بن سالم حيث وثَّقه النجاشي، وأبو حمزة هو ثابت بن دينار الثمالي الثقة. وطريق الشيخ إلى الحميري صحيح على ما ذكره السيِّد الخوئي (رحمه الله) في معجمه(٢١).
وتبقى مشكلتها في محمّد بن الفضيل الذي يُراد به الأزدي، فإنَّه وإن ورد في أسانيد كامل الزيارة، ووثَّقه المفيد حيث قال: إنَّه من الفقهاء والرؤساء والأعلام الذين يُؤخَذ منهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام ولا يُطعَن عليهم بشيء ولا طريق لذمِّ واحد منهم(٢٢)، إلَّا أنَّ كبرى وثاقة من ذُكِرَ في أسانيد كامل الزيارة غير تامَّة بنحو الكلّية، وتوثيق المفيد معارض بما ورد من تضعيف الشيخ حيث قال: (صيرفي يُرمى بالغلوِّ)(٢٣)، فلم تثبت وثاقته.
وأمَّا الأُولى ففيها الدقّاق الذي لم يُوثَّق. والأسدي مشترك بين أبي بصير الذي هو من أصحاب الإجماع، وبين محمّد بن جعفر بن عون الأسدي، وهو ثقة أيضاً، والظاهر من خلال الطبقة أنَّ المراد هو الثاني. والنخعي قد ينصرف إلى أيّوب بن نوح، وقد روى عنه ابن أبي عمير، فيُوثَّق اعتماداً على كبرى وثاقة مشايخ الثلاثة. والنوفلي الذي هو الحسين بن يزيد بن محمّد عامّي توجد مشكلة في توثيقه.
فالرواية غير تامَّة سنداً، لوجود الدقّاق والنوفلي في سندها.
وأمَّا الدلالة فالرواية الأُولى لا دلالة فيها، إذ تحدَّثت عن قوم من الشيعة يدعون الناس إلى الموالاة ومعرفة حقِّ أهل البيت (عليهم السلام)، فأين هي من الدعوة إلى شخص المدَّعي!؟ على أنَّها تتحدَّث عمَّا بعد الإمام المهدي (عليه السلام)، فهي أجنبية عن محلِّ الكلام.
والرواية الثانية أيضاً تحدَّثت عمَّا بعد القائم (عليه السلام)، ولم تشر إلى ما قبل ظهوره.
ومثلها الرواية الثالثة، بل والرابعة، إذ غاية ما تثبته أنَّ هناك قوّاماً من بعده (عليه السلام)، وما علاقة ذلك بشخص يظهر قبل الإمام (عليه السلام)؟
فنحن لا ننكر مضمونها الذي يُفهَم منها، على أنَّ الإنكار لا أثر له لأنَّ الشكَّ سينتفي عندما يسطع نور شمس الإمامة وتكحل عين الدنيا بظهور الإمام (عليه السلام)، وحينها هو الذي سيُحدِّد من سيكون خليفته بالجزم واليقين الذي ينفي الشكَّ موضوعاً وحكماً.
وهذا يعني أنَّه على فرض صحَّة هذه الروايات سنداً فإنَّها لا دلالة فيها.
وكيف كان فقد روى الصدوق في (كمال الدين) بسنده عن محمّد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام) يقول في حديث:... قال: قلت: يا ابن رسول الله، متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا تشبَّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال...، وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن...» الخبر(٢٤).
ورواية جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث عن السفياني واليماني، وأنَّه بعد ظهور السفياني «يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة...» الخبر(٢٥).
ورواية عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني فقال: «أنّى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء؟»(٢٦).
٣ - المعارضة مع الروايات التي أمرت بالسكون حتَّى يخرج السفياني.
وهنا طائفة أُخرى معارضة، وهي الروايات التي منعت من التحرُّك قبل ظهور السفياني، ومنها رواية الحضرمي، وفيها: «فإذا ظهر - أي السفياني - على الأكوار الخمس - يعني كور الشام -، فانفروا إلى صاحبكم»(٢٧).
ووجه المعارضة كما تقدَّم في النقطة الثانية، إذ بلحاظ دعوى كونه يمانياً كانت الروايات المزبورة معارضة.
والرواية التي رواها الكليني: «لا تبرح الأرض يا فضل حتَّى يخرج السفياني، فإذا خرج السفياني فأجيبوا إلينا»(٢٨).
وفي رواية سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»(٢٩).
والرواية الأُولى قيَّدت النفر بظهور السفياني على الأكوار الخمس (مُدُن الشام).
٤ - مخالفتها لروايات انقطاع السفارة.
دلَّت الروايات على انقطاع السفارة بعد عليِّ بن محمّد السمري (رضوان الله عليه)، فقد روى في (الاحتجاج)(٣٠):
خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري: «يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ السَّمُريِّ، اسْمَعْ أعْظَمَ اللهُ أجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإنَّكَ مَيَّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أيَّام، فَاجْمَعْ أمْرَكَ وَلَا تُوص إِلَى أحَدٍ يَقُومُ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ الْغَيْبَةُ التَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْن اللهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُول الأمَدِ، وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَامْتِلَاءِ الأرْض جَوْراً، وَسَيَأتِي مِنْ شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي المُشَاهَدَةَ، ألَا فَمَن ادَّعَى المُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوج السُّفْيَانِيَّ وَالصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم».
وهذه الرواية وإن خالفت ما اشتهر شهرة عظيمة من لقاء بعض الأفاضل به (عليه السلام)، إلَّا أنَّه يقوى في النفس أنَّها ناظرة إلى ادِّعاء المشاهدة مع دعوى السفارة، واتِّصال فقرة «فمن ادَّعى المشاهدة» بقرينة على خلاف عموم المشاهدة - أي ولو بدون دعوى السفارة - يمنع من انعقاد ظهور بالعموم، ولو لم يمنع من ذلك وانعقد الظهور ابتليت الرواية بالقطع بخلافها، فمن جزمنا بصدق دعواه المشاهدة خرج من عمومها، إذ لا تبقى مع القطع بالخلاف حجّية للظهور في مورد القطع. وهذا المدَّعي لا نجزم بصدق دعواه هذا في مجرَّد المشاهدة.
وأمَّا ادِّعاء السفارة كما فعل، فمخالف للرواية قطعاً.
ولا شكَّ أنَّ الحجَّة في زماننا هو الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، فخروج من تجب بيعته ومتابعته لا وجه له إلَّا أن يكون سفيراً عنه. وأمَّا ظرف إمامته المزعومة فهي بعد ظهور الإمام (عليه السلام) وانتهاء أيّامه. ولا شكَّ أنَّه لا يُراد بيعته باعتبار أنَّه إمام. فالإشكال على ما زعمه وطبَّقه من فهمه للرواية.
٥ - معارضتها برواية المنع من التوقيت.
لقد تكرَّر في الروايات النهي عن التوقيت، ونفي التوقيت عنهم والإخبار عن كذب الوقّاتين، فقد نقل في البحار (الجزء ٥٢/ في باب التمحيص والنهي عن التوقيت) جملة من الروايات التي تعرَّضت لذلك، فبلفظ: (كذب الوقّاتون) أو (الموقِّتون) جاءت الأحاديث رقم:
(٥) كذب الوقّاتون - ثلاثاً -.
(٦) كذب المؤقِّتون.
(٧) كذب الوقّاتون وهلك المستعجلون.
(٤٤) كذب الوقّاتون.
(٤٥) كذب الوقّاتون.
(٤٨) كذب الوقّاتون.
وبلفظ (إنّا لا نُوقِّت) أو ما يقرب منه:
(٦) ما وقَّتنا فيما مضى ولا نُوقِّت فيما يستقبل.
(٨) فلسنا نُوقِّت لأحد.
(٤١) فإنّا لا نُوقِّت وقتاً.
(٤٧) إنّا لا نُوقِّت لهذا الأمر.
(٤٨) إنّا أهل بيت لا نُوقِّت.
وبلفظ تكذيب الموقِّتين وما يرجع إليه:
(٨) من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه.
(٤١) من أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه.
والمجموعة الأُولى واضحة الدلالة على عدم الركون إلى مقولة الموقِّتين.
أمَّا المجموعة الثانية فقد يقال: إنَّها غير تامَّة الدلالة، لأنَّها إنَّما أخبرت عن أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يُوقِّتون، وليس فيها دلالة واضحة على عدم إمكان معرفة الوقت، بل قد يكون العدول عن التعبير بعدم معرفة الوقت إلى نفي التوقيت مؤشِّراً على أنَّهم (عليهم السلام) يعرفونه ولكن لا يخبرون عنه.
وهذا يعني بحسب النظر البدوي إمكان أن يطَّلع غيرهم ولو في مستقبل الأيّام على وقت الظهور فيُخبِر عنه، وعلى هذا فليس في هذه الروايات دلالة على استحالة الوقوف على الوقت وتحديده.
فإذا قيل: لماذا لم يُخبِر الأئمَّة (عليهم السلام) بالوقت إذا أمكن لغيرهم أن يُخبِروا؟
قلنا: قد يكون عدم إخبار الأئمَّة (عليهم السلام) لوجود محذور بعد زمان ظهوره (عليه السلام) عن زمان الحضور وبداية الغيبة، فإذا أخبر الناس عن زمان ظهوره أشعر ذلك البعد التاريخي الأتباع باليأس، وقد جاء في الرواية التي رواها الشيخ الصدوق في (علل الشرائع)(٣١) عن الحميري بإسناده يرفعه إلى عليِّ بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي، وما روي في أعاديكم قد صحَّ؟ فقال (عليه السلام): «إنَّ الذي خرج في أعدائنا كان من الحقِّ، فكان كما قيل، وأنتم علَّلتم بالأماني فخرج إليكم كما خرج».
وقد استفاد عليُّ بن يقطين من هذا البيان في الجواب عن سؤال أبيه الذي كان عبّاسي الهوى والمسلك، إذ قال الأب:
ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له عليٌّ: إنَّ الذي قيل لنا ولكم من مخرج واحد، غير أنَّ أمركم حضركم فأعطيتم محضه وكان كما قيل لكم، وإنَّ أمرنا لم يحضر فعُلِّلنا بالأماني، فلو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامَّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألُّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج(٣٢).
ونحن لو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلى أكثر من ألف وأربعمائة سنة ماذا كان سيحصل؟ وطول الأمد يُقسي القلب، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: ١٦).
والتفريع بالفاء يُعطي أنَّ طول الأمد سبب لقسوة القلب.
وقريب منه في الدلالة قول موسى (عليه السلام) مخاطباً قومه: ﴿أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (طه: ٨٦).
ومثل هذا المحذور لا يتحقَّق في من كان قريباً من زمن الظهور، ولذلك حدَّدت الروايات الفاصلة الزمانية بين العلائم القريبة دون غيرها كقتل النفس الزكيَّة الذي يفصله عن ظهور الإمام (عليه السلام) خمسة عشر يوماً، والسفياني الذي حدَّدت مدَّته بتفصيل واضح من ظهوره إلى بسط يده على كور الشام الخمسة إلى مدَّة حكمه بعدها، فقد انتفى المحذور بالقرب الزمني، ولكن التأمُّل قد يُعطي غير ذلك، إذ يمكن أن نسأل عن الكيفية التي يطَّلع بها غيرهم على وقت الظهور ما دام المعصومون (عليهم السلام) لم يُخبِروا بذلك.
إنّي لأجزم أنَّ الموروث الروائي لا يمكن أن يكون مستنداً لتحديد الوقت، إذ كيف يكون كذلك مع أنَّ في تحديد الوقت محاذير، منها مخالفة الحكمة والمصلحة، إذ إنَّه سيشعر الناس بالبعد فينفصلون عن الانتظار، بل والمشروع المهدوي، كما أنَّ في ذلك مخالفة لطوائف من الروايات قد نتعرَّض إلى بعضها في الصفحات القادمة!؟ ولو أمكن لمتأخِّر أن يُحدِّد الوقت من الروايات لأمكن لمتقدِّم في بدايات عصر الغيبة الكبرى أن يُحدِّده.
بل إنَّ الأئمَّة المتقدِّمين كأمير المؤمنين ومن بعده من ولده (عليهم السلام) وهم يعلمون علم اليقين أنَّه بعد زمان ولادته ستأتي غيبتان تطول إحداهما كثيراً ولم يستوضح الناس ذلك منهم (عليهم السلام)، وظلَّ الكثير من الأتباع مستحضرين العدَّة للخروج، وهم يأملون ذلك في حياتهم، ولم يردعهم المعصوم عن ذلك، ومع ملاحظة هذا أترى المعصوم (عليه السلام) يترك في الأثر ما يمكن معه تحديد زمان الظهور!؟ تلك أمانيهم.
فكيف يأتي من يُخبِر بقرب ظهوره (عليه السلام)، وأنَّه سيُمهِّد له الآن!؟ أم ترى القائل يقول: أُمهِّد له الآن لكي يظهر ربَّما بعد ألف سنة!؟
وهذا ما يمكن أن نفهمه من بعض الروايات كالحديث (٤٨) في الباب: «كذب الوقّاتون، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت».
فالربط بين الجزءين يكون مع انحصار مستند إخبار الموقِّت بالتوقيت الصادر من أهل البيت (عليهم السلام).
والحديث الثامن في الباب أوضح دلالةً على ذلك: «من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فلسنا نُوقِّت لأحد».
ولو أمكن لمتأخِّر أن يُوقِّت لأمكن لمتقدِّم من العلماء أن يُحدِّد الوقت أيضاً.
والمسألة غيبية ليست ممَّا يتوقَّف على علوم طبيعية أو رياضية، ليمكن أن يصل إليها المتأخِّرون دون المتقدِّمين بملاحظة تقدُّم هذه العلوم كثيراً في زماننا، ولسان الأدلَّة بتعبير «كذب الوقّاتون»، و«لا تهابنَّ أن تُكذِّبه» واضح أنَّ المحذور ليس في الإخبار، بل في عدم تيسُّر طريق لمعرفة الوقت.
نعم يخرج من ذلك الإخبار بعد ملاحظة مجموعة من العلامات التي استوعبت الروايات ما يدفع الالتباس في مصداقها الواحد، وهي قريبة من الظهور جدّاً، كقتل النفس الزكية والسفياني واليماني والصيحة والخسف، إذ لا محذور في وقتها من التحديد، وهي غير قابلة للالتباس على الناس. فهل يمكن أن يتكرَّر خروج جيش من الشام يتَّجه باتِّجاه الأرض المقدَّسة ويعبر المدينة المنوَّرة ثمّ يخسف الله تعالى به الأرض؟
وكم مرَّة يُنادى في السماء: ألَا إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون، أو ما يرجع إليه؟
ومن هنا فلا محذور في الإخبار بما أخبر به الأئمَّة (عليهم السلام) من قرب ظهوره (عليه السلام).
والمجموعة الثالثة واضحة الدلالة أيضاً.
والمحصَّل من هذه المجموعات الثلاث أنَّ الاطِّلاع على زمان الظهور لغير الأئمَّة وبالنحو الذي يمكن أن تتَّسع دائرة الاطِّلاع عليه ممتنع، ولذا كَذَّبَ الأئمَّة (عليهم السلام) الموقِّتين في توقيتهم، ونهونا عن التردُّد في تكذيبهم، ممَّا يعني امتناع اطِّلاعهم على ذلك الأمر، لأنَّه غير قابل لكشف الستر عنه، وانتفاء إمكان اطِّلاع شخص عليه، ومن هنا قالوا (عليهم السلام): «فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه».
٦ - المعارضة لاقتران خروج اليماني بخروج السفياني.
هناك جملة من الروايات التي حدَّدت المقارنة الزمانية بين ظهور اليماني وظهور السفياني، ومن خلالها نفهم أنَّ دعوى خروج اليماني قبل ظهور السفياني باطلة.
ومن هذه الروايات:
رواية أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال في رواية: «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلِّ وجه...» الخبر(٣٣).
وفي سندها ابن البطائني، عن أبيه.
ورواية بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «خروج الثلاثة: الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها راية بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحقِّ»(٣٤).
وفي ثالثة عن عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني، فقال: «أنّى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء؟»(٣٥).
والحقُّ أنَّ هذه الرواية الأخيرة غير ظاهرة في الاقتران بوقت الخروج، إذ يمكن أن يكون خروج اليماني قبله، فغاية ما تدلُّ عليه أنَّه لا يخرج السفياني إلَّا بخروج اليماني، وأمَّا الاقتران في وقت الخروج فلا دلالة للرواية عليه، بخلاف الروايتين السابقتين.
نعم تبقى في الرواية الأُولى وهي رواية أبي بصير مشكلة أنَّها بعد ذكر الاقتران الزماني لخروج اليماني والسفياني والخراساني في يوم واحد قالت: «نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً فيكون البأس من كلِّ وجه»، وهذا يقتضي الاختلاف الزماني في هذه الأحداث. ولكن الأمر سهل، إذ ظهور الاتِّحاد في التاريخ لخروج الثلاثة لا غبار عليه، بل يمكن أن تكون الرواية نصّاً فيه، فيمكن أن يكون قوله (عليه السلام) إشارة إلى موقع خروج الثلاثة ضمن حوادث مختلفة تسبق الظهور، خصوصاً والرواية طويلة ذكرت فيها جملة من الحوادث.
وهناك رواية قد يقال: إنَّها معارضة لهذه الروايات، وهي موثَّقة محمّد بن مسلم، قال: (يخرج قبل السفياني مصري ويماني)(٣٦).
لكنَّها ليست من كلام المعصوم، إذ لم يسندها محمّد بن مسلم إلى المعصوم، فشهادته ليست حسّية، بل حدسية، ولا حجّية لذلك. ويضاف إلى ذلك أنَّها لم تظهر في أنَّ المقصود هو اليماني المعهود، ولا يمنع وجود اليماني وظهوره من ظهور يماني آخر يخرج قبل السفياني، فلا تصلح مثل هذه الرواية لمعارضة ما سبقها من الروايات الثلاثة.
وهنا نسأل: هل ظهر السفياني؟ وهل ظهر الخراساني؟ خصوصاً مع التحديد بالأشهر لفترة خروج السفياني إلى نهاية حركته حيث لا تتجاوز (١٥) شهراً.
ولا أقول هنا: إنَّ هذه الروايات تعارض رواية الوصيَّة، إذ إنَّ رواية الوصيَّة لم تتعرَّض لليماني لا من بعيد ولا من قريب، بل نقول: إنَّ هذه الروايات تُكذِّب دعوى أنَّ اليماني يظهر قبل الإمام (عليه السلام) بمدَّة طويلة تتجاوز عشر سنوات مثلاً، وأنَّ فلاناً المدَّعي هو ابن الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو اليماني.
فإن قيل: إنَّه يستند إلى هذه الرواية، وهي رواية الوصيَّة المعهودة.
قلنا: إنَّه يضاف إلى الإشكالات السابقة أنَّها لو تمَّت دلالةً وسنداً كانت معارضة بمثل هذه الروايات.
لكن الحقَّ أنَّ أكثر هذه الروايات ضعيفة السند أيضاً، لكنَّها لم تجتمع عليها مضعِّفات داخلية أو خارجية كهذه، ولم تتحقَّق فيها مخالفة للمشهور. هذا مضافاً إلى أنَّ كلامنا في رواية الوصيَّة والاستدلال بها، وهو لم يستدلّ بها على كونه اليماني، فالمنطقية في الاستدلال تقتضي عدم الاعتناء بهذه الروايات في هذا المجال بالخصوص. وأمَّا بقيَّة الدعاوى فما أكثرها وما أكثر الهنات فيها.
٧ - الشبهة القويَّة في المورد.
إنَّ المورد من موارد الشبهة شديدة الالتباس وعظيمة الخطورة، ممَّا يستدعي الاحتياط والتريُّث ما أمكن وترك الاستعجال، خصوصاً والروايات قد نصَّت على كثرة الرايات التي ستُرفَع بزعم أنَّها راية الحقِّ التي وعد بها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
فقد روى الصدوق بسنده عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال سمعته يقول: «إِيَّاكُمْ وَالتَّنْويهَ، أمَا وَاللهِ لَيَغِيبَنَّ إِمَامُكُمْ سِنِيناً مِنْ دَهْركُمْ، وَلَتُمَحِّصُنَّ حَتَّى يُقَالَ: مَاتَ أوْ هَلَكَ، بِأيِّ وَادٍ سَلَكَ؟ وَلَتَدْمَعَنَّ عَلَيْهِ عُيُونُ المُؤْمِنينَ، وَلَتُكْفَؤُنَّ كَمَا تُكْفَاُ السُّفُنُ فِي أمْوَاج الْبَحْر، وَلَا يَنْجُو إِلَّا مَنْ أخَذَ اللهُ مِيثَاقَهُ، وَكَتَبَ فِي قَلْبِهِ الإيمَانَ، وَأيَّدَهُ بِرُوح مِنْهُ، وَلَتُرْفَعَنَّ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً، لَا يُدْرَى أيٌّ مِنْ أيٍّ»، قَالَ: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: «مَا يُبْكِيكَ يَا بَا عَبْدِ اللهِ؟»، فَقُلْتُ: وَكَيْفَ لَا أبْكِي وَأنْتَ تَقُولُ: «تُرْفَعُ اثْنَتَا عَشْرَةَ رَايَةً مُشْتَبِهَةً لَا يُدْرَى أيٌّ مِنْ أيٍّ»!؟ فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَى شَمْسٍ دَاخِلَةٍ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: «يَا بَا عَبْدِ اللهِ، تَرَى هَذِهِ الشَّمْسَ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «وَاللهِ لأمْرُنَا أبْيَنُ مِنْ الشَّمْس»(٣٧).
ورواه الطوسي بسنده(٣٨).
والنعماني بطريقين آخرين(٣٩).
إلَّا أنَّ جميع هذه الطرق فيها محمّد بن مساور الذي لم يُنَصّ على توثيقه. لكن الرواية هنا للاستشهاد وليست للاستدلال. فالشبهة قويَّة والتاريخ حافل بمثل هذه الدعاوى.
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة في حديث معتبر عن أبي خديجة، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلُّهم يدعو إلى نفسه»(٤٠).
وروى النعماني في الغيبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا يقوم القائم حتَّى يقوم اثنا عشر رجلاً كلُّهم يُجمِع على قول: إنَّهم قد رأوه، فيُكذِّبهم»(٤١).
والمراد أنَّ الإمام (عليه السلام) يُكذِّبهم بعد ظهوره، ثمّ إنَّ التعبير بـ (يقوم) يُراد به النهوض بحركة إصلاحية يتقمَّص فيها دعوى النيابة الخاصَّة والارتباط معه (عليه السلام).
وروى النعماني بإسناده عن عمرو بن سعد، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا يقوم القائم حتَّى تفقأ عين الدنيا وتظهر الحمرة في السماء...، حتَّى يظهر فيهم عصابة لا خلاق لهم، يدعون لولدي وهم براء من ولدي، تلك عصابة رديئة لا خلاق لهم، على الأشرار مسلَّطة، وللجبابرة مفتنة، وللملوك مبيرة...» الخبر(٤٢).
٨ - كثرة الادِّعاءات الكاذبة من صاحب هذه الدعوى.
إنَّ من جملة ما يستدعي التوقُّف كثيراً قبل التفكير من معقولية هذه الدعوى نوع الدعاوى الأُخرى للمدَّعي في نفسه، ممَّا قد يُوحي بأفضليته حتَّى على بعض أعاظم الأولياء.
ومن أقواله في ذلك:
١ - فجميع هذه الأسماء لي، فأنا سعد النجوم، ونجمة الصبح، ودرع داود، وأنا وعد الله غير مكذوب(٤٣).
ثمّ يقول: مَنْ نجمة داود؟ أحمد الحسن(٤٤).
وما قيمة حساب الجمل في سوق إثبات الحقائق وعند أهل العلم والاختصاص؟
٢ - كون دماء الحسين (عليه السلام) سالت لأجله، قال: (وستشكوكم دماء الحسين (عليه السلام) التي سالت في كربلاء لله، ولأجل أبي (عليه السلام)، ولأجلي)(٤٥).
٣ - في بيان البراءة يقول: (لقد قامت عليكم الحجَّة البالغة التامَّة من الله سبحانه وتعالى بي بأنّي الصراط المستقيم إلى جنّات النعيم).
٤ - إنَّ معه روح القُدُس الذي هو غير روح القُدُس الذي كان مع عيسى وغير الذي كان مع الأنبياء الآخرين.
قال: (وهذا هو الروح القُدُس الأعظم لم ينزل إلَّا مع محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وانتقل بعد وفاته إلى عليٍّ (عليه السلام)، ثمّ إلى الأئمَّة (عليهم السلام)، ثمّ من بعدهم إلى المهديّين الاثني عشر)(٤٦).
٥ - إنَّه الحجر الأسود: قال في كتابه الجواب المنير: (فالحجر الأسود الموضوع في ركن البيت، والذي هو تجلي ورمز للموكَّل بالعهد والميثاق، هو نفسه حجر الزاوية الذي ذكره داود وعيسى (عليهما السلام)، وهو نفسه الذي يهدم حكومة الطاغوت في سفر دانيال (عليه السلام)، وهو نفسه قائم آل محمّد أو المهدي الأوَّل الذي يأتي في آخر الزمان، كما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام))(٤٧).
٦ - إنَّه روضة من رياض الجنَّة أخبر عنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ذكر ذلك في كلمة مسجَّلة ذكر فيها معجزة معرفته بموضع قبر السيِّدة فاطمة.
٧ - ادِّعاء أنَّ في ظهره ختم النبوَّة، لكنَّه ليس ظاهر الخلقة، ولكن يمكن أن يُظهِره الله لمن يشاء.
ولا أدري أيدَّعون أنَّ ختم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كذلك، مع أنَّ من كان يسعى لقتله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يبحث عن هذا الختم ولم يكن يخفى على أحد؟
ومن أراد أن يجمع شيئاً من هذه المدَّعيات الغريبة عثر على الكثير.
إنَّ صدور كلِّ هذه الادِّعاءات من شخص واحد يضعه في دائرة الاتِّهام بالكذب، بل الجزم به لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهذا يستدعي أن يُتعامَل مع ما يقوله في موردٍ خاصٍّ بغاية الحذر والتشكيك، فإنَّ مجرَّد عدم ورود شيء يُثبِت وثاقة الرجل أو دينه - كأن ينصَّ على مدحه من غير جهة الوثاقة - مانع من قبول روايته، فكيف مع كلِّ هذا الجوّ من الدعاوى!؟
بدون تلك الدعاوى تقول رواية المفضَّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام): «إن ادَّعى مدَّعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٤٨).
أُمور لا بدَّ من ملاحظتها:
ثمّ إنَّ هنا جملة من المؤشِّرات التي تمنعنا من قبول مثل هذه الدعوى أو الاستناد إلى هذه الرواية لترتيب هذا الأثر المهمّ.
١ - الفرق بين حجّية الظهور والواقع:
يتحرَّك الإنسان منطلقاً من علمه إن أمكنه حصول العلم، ولمَّا كانت دائرة العلم فيما نحتاجه من تصديقات ضيِّقة إلى حدٍّ بعيد، دار الأمر بين أن نتوقَّف خارج دائرة العلم ونقتصر في التحرُّك على العلم فقط، أو أن نُوسِّع دائرة التحرُّك لتشمل الموارد التي يحصل فيها ظنٌّ خاصٌّ أو مطلق الظنِّ، وربَّما وسَّعناها إلى بعض المحتملات ولو كانت ضعيفة، ومن يشترك في دائرة اليانصيب في المجتمعات الكبيرة قد يصل عددهم إلى عشرات الملايين مع أنَّ فرصة الفوز للمشترك قد لا تصل إلى نسبة الواحد إلى عشرة ملايين.
والتوقُّف عند حدود دائرة العلم يعني بالضرورة توقُّفاً شبه تامٍّ للحياة، فلا من يذهب إلى المدرسة يعلم أنَّ الظروف ستناسبه إن بقي حيّاً ليصل إلى ما خطَّط له، ولا يتحرَّك عالم لبحث أمر ما، ولا يسعى مخترع للوصول إلى مخترَع ما، ولا يدخل تاجر في التجارة، ولا يخوض مستكشف غمار تجربة الاكتشاف، وغير ذلك. ومن هنا قضت ضرورة الحياة أن تُوسَّع دائرة التحرُّك بما يتعدّى حالات العلم، وهناك مفردات لا يحصل العلم بها تبانى العقلاء على الاعتماد على الظنِّ فيها كما في الظنون الخاصَّة التي منها ظهورات اللفظ والظهور الحالي، ومنها خبر الثقة أو الخبر الموثوق المضمون.
وكيف كان فقد تبانت المجتمعات العقلائية على الاعتماد على الظهور في تحديد مراد المتكلِّم من كلامه، ولمَّا لم يردعنا الشارع المقدَّس بردعٍ واضحٍ عن التعامل مع ما صدر منه بالظهور لتحديد مراده، استكشفنا بالقطع أنَّه يقبل بمرجعية الظهور لتحديد مراداته.
لكن دور الظهور إنَّما هو في حدود التحديد التعبّدي، وليس كلُّ الموارد يكفي فيها التحديد التعبّدي، ففي الفروع يكفينا التعبُّد في تحديد الأحكام الشرعية، وأمَّا في الاعتقاد فالمسائل الأساسية لا يكفي فيها التعبُّد، وهذا يعني أنَّ مجرَّد ظهور الدليل على المعتقد الأساسي غير كافٍ في الاستناد إليه لبناء معتقد ولو كان صدوره قطعياً، وأمَّا في تفصيلات الاعتقاد - فيمكن على نظر مشهور - الاستناد إلى التعبُّد كالظهور في جهة الدلالة وخبر الثقة في جهة الصدور. ولكن مع ذلك فإنَّ دور الظهور هو بناء صورة المعتَقد، وفي بعض الموارد لا يكفي ذلك، بل نحتاج إلى قطع الشكِّ باليقين، ومن هنا احتاج الأنبياء في إثبات نبوّاتهم إلى المعجزة والسبل التي تورث القطع، ومثل هذا يجري في الأئمَّة (عليهم السلام) والرايات التي سترتفع وارتفعت في ما مضى من الزمن لا يكفينا مجرَّد ظهور في رواية ولو كانت قطعية السند لتحديد أنَّها على حقٍّ، أو أنَّها المعنيَّة بتلك الرواية، إذ لا بدَّ من القطع في النتيجة وهو لا يحصل إلَّا إذا توفَّرت جهتان قطعيتان في الرواية الأُولى جهة الصدور والثانية جهة الدلالة. وقطعية الدلالة لا تحصل في الدليل الذي يدلُّ على قضيَّة خارجية إلَّا إذا توفَّرت فيه حيثيات المقصود بالنحو الذي يمنع من احتمال انطباقه على فرد آخر، وأين هذا من لفظ مهديين اثني عشر إذا كان المراد تحديد أشخاصهم؟
ولو سلَّمنا إمكان التعبُّد فإنَّما نُسلِّمه في مثل: «فأتوه ولو حبواً على الثلج»(٤٩) التي لم ترد في اليماني، إذ وردت بصيغة الأمر، والأمر ظاهر في الوجوب، ويمكن الاكتفاء هنا بالظهور لإثبات الوجوب.
ولكن كلَّ حكم يحتاج إلى إثبات موضوعه، والرواية لم تتناول هذه الجهة بالإثبات، بل هي تقول: (عند ظهوره)، فإذا شككنا أنَّ الوجود الفلاني هو المعنيُّ والذي يجب الإتيان إليه ولو حبواً على الجليد، فإنَّ الرواية المزبورة ليست الحلُّ، لأنَّه قد ثبت في محلِّه أنَّه لا يجوز التمسُّك بالدليل في الشبهة الموضوعية له، فإنَّ دور الدليل هو إثبات الحكم للموضوع، ومتى ما ثبت الموضوع جاء دور الدليل ليقول: إنَّ الحكم الكذائي ثابت لهذا الموضوع.
فإن قيل: ما فائدة الأخبار الواردة في كلِّ هذه الموارد إن لم يُنتَفع بها على مستوى التعبُّد بعد عدم ارتقائها في الدلالة، بل والصدور إلى مستوى القطع؟
كان الجواب: أنَّها بصدد إعطاء تصوّرات كلّية عمَّا ستكون عليه الأحداث في مستقبل الأيّام، لتكون الناس على تصوّر إجمالي، فلا تصدمهم الأحداث ولا تفاجئهم الدعاوى.
ويشهد لما أقول أنَّ أكابر المتخصِّصين والعلماء قد اختلفوا في تحديد المراد من الأحداث التي ورد التنبيه إليها في الروايات على أنَّها من العلائم.
بل يشهد أيضاً عدم توفُّر المشخِّصات التي تمنع من احتمال انطباقها على أكثر من فرد، ولو كان المراد معرفة تلك المفردات لتوفَّرت الروايات على ما يقطع الشكَّ باليقين من خلال استيعاب كلِّ ما يتوقَّف عليه قطع الشكِّ في المراد.
وهل تظنُّ من حكيم أن يجعل دينه منوطاً باتِّباع شخص ثمّ يقتصر على رواية أو حتَّى روايات حوت وصفاً فضفاضاً يمكن أن يدَّعيه أيُّ ابن أُمِّ أو كلُّ من هبَّ ودبَّ؟
ويضاف إلى ذلك أنَّ الأوصاف التي تُذكَر لتحديد فرد ما أو قضيَّة خارجية ما لا بدَّ أن تكون قابلة للتحقُّق من وجودها من قِبَل الناس، أو لا أقلّ من أصحاب التخصُّص في ذلك المجال. ووصف المهديّين يحكي شيئاً باطنياً لا يمكن أن تقف عليه خواصُّ الناس فضلاً عن عوامِّهم، وكيف لنا أن نتحقَّق أنَّ فلاناً مهدي؟ وهل نكتفي بدعواه، ولا يوجد تاريخ يدعمه ولا واقع يُصدِّقه ولا معجزة تدلُّ عليه؟
ومثل الأنبياء الذين ارتقوا في مراتب الكمال حتَّى وصلوا إلى مرتبة حصل معها الانفتاح على الغيب والتواصل مع السماء، والذي يعني أنَّ الكثير من مؤشِّرات الاستقامة وارتقاء النفوس قد لاحت للناس فيهم لم يُكتفَ منهم بمجرَّد ذلك، وكان حقّاً للناس أن يطالبوهم بالمعجزة لإثبات صدق مدَّعياتهم، فكيف يُكتفى بدعوى مدَّعي أنَّه المهدي الأوَّل المعنيُّ بالرواية، ولم يُعرَف منه تقوى أو تاريخ استقامة، يتعكَّز على رؤيا أو منام قد تراه آحاد الناس؟ ومتى كان دين الله يُرى في المنام؟ والموروث الشرعي على ضخامته لم يُحدِّثنا عن نبيٍّ من الأنبياء أنَّه احتجَّ على الناس برؤيا أو منام يثبت من خلاله نبوَّته، ونحن وإن التزمنا بأنَّ ما يراه المعصوم في منامه كالذي يسمعه في يقظته، لكن ذلك خاصٌّ برؤيا المعصوم لا رؤيا أحد آخر، على أنَّ عالم اليقظة شهد دعوى المفترين أنَّ بعضهم آلهة وبعضهم أبناء آلهة أو رُسُل أو أنبياء أو أئمَّة مع الجزم بكذبهم، فلماذا نستبعد كذب الرؤيا من عوامِّ الناس وجُهّالهم؟
وأمَّا كيف كانت دلالة رواية الوصيَّة في حدود الظهور؟
فجوابه: أنَّ اللفظ إن احتَمَلَ أن ترتبط به قرينة على الخلاف دون حصول تناقض في دلالته، فدلالته في حدود الظهور وإلَّا فهو نصٌّ، ولو أنَّ الرواية جاء فيها بعد ذكر المهديّين الاثني عشر فقرة والمراد رجوع الأئمَّة (عليهم السلام) فيحكمون واحداً بعد الآخر لما أحسسنا بالتنافي في متنها، إذن فدلالتها في حدود الظهور.
وكيف كان فالمفردة الاعتقادية التي تنعكس على واقع التحرُّك العملي - ولا يُراد منها مجرَّد سدّ ثغرة في صورة عن الواقع دون ترتُّب أثر عملي كتفاصيل البرزخ ويوم القيامة وما بعده - قد لا يكفي فيها دليل التعبُّد، إذ المطلوب هو إدراك الواقع لا التعبُّد بصورة حاكية عنه، قد تصيبه وقد تخطئه.
وهذا يعني الحاجة إلى دليل قطعي في جهتي السند والدلالة، وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد، وإنَّما هي نفس واحدة وثمنها الجنَّة ليس إلَّا، فلا يقبل المنطق أن أبيعها استجابةً لناعق نعق هنا أو زاعق زعق هناك.
٢ - الظهور حجَّة على صاحبه ومن ساغ له تقليده ومتابعته:
لو أغفلنا النظر عمَّا ذُكِرَ في المبحث السابق، والتزمنا بحجّية الظهور في مثل هذا المورد، ولم تقم قرينة على خلافه تُسقِط الحجّية عنه، ولم تعارضه دلالة دليل آخر بنحو مستقرٍّ بحيث يُسقِطه عن الحجّية ويُقدَّم عليه أو يسقط معه وفقاً لقواعد التعارض المنقَّحة في محلِّها في باب التعادل والتراجيح، فإنَّ الظهور إنَّما يكون حجَّة على من تحقَّق عنده ومن ساغ له أن يُقلِّده ويتابعه دون غيره، وفي محلِّ الكلام نقول: إنَّ المورد ليس من الفروع العملية ليسوغ التقليد فيه، ولا أنَّ المقلَّد المزعوم قد توفَّرت فيه شرائط التقليد بنحو تحقَّق المكلَّف من ثبوتها، وأنّى له التثبُّت من وجودها فيمن احتجب عن الأنظار وغاب عن الأبصار؟ وفي المقابل ليس للمتابعين قابلية التحقُّق من الظهورات وإعمال قواعد الصناعة في استنطاق الأدلَّة والوقوف على مكنون معانيها وواقع مقاصدها وملاحظة المعارض لها وما يمكن أن يُؤثِّر في المفهوم منها ممَّا يصلح لأن يكون قرينة على إرادة ما هو مخالف للظاهر أو ما يُؤثِّر على قبولها رغم تمام دلالتها - لو تمَّت -، وعلى هذا كيف يحلُّ الإشكال في المتابعة؟
ونحن حين نظرنا إلى هذه الرواية لم نجد فيها ما يصلح للدلالة على المدَّعى المزعوم ولا تشخيص الفرد المراد، إذ إنَّها تتحدَّث عن قضيَّة خارجية وليست بصدد بيان حكم كلّي ليقال: إنَّ الدلالات تتناول المفاهيم، وفي مقام تحديد المفاهيم يرجع إلى الفهم العرفي. مضافاً إلى كثرة الهنات في الاستفادة المزبورة من قرائن عقلية ورواية معارضة وقرائن منفصلة. فكيف يُراد إتمام الحجَّة علينا بدعوى تُسوّق على أنَّها مستندة إلى دليل صالح لتأسيس مثل هذا الأمر المهمّ؟
٣ - تدبير الأُمور مقنَّن:
إنَّ الكون قائم بالله تعالى خالقه ومدبِّره، يحكم كلَّ صغيرة وكبيرة فيه بكلمة كن التكوينية ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) وإدارته تعالى لعالم خلقه وفق ضوابط لا تتخلَّف، فلا مجال للانتقائية ولا للمواربة ولا للمحاباة، نعم تؤطِّر ذلك الحكمة والعدل واللطف.
وهذا يعني أنَّ إعمال عناية بأمر ما يحتاج إلى توفُّر ما يوجب تلك العناية فيه، وحين يُدَّعى أنَّ الله تعالى أعمل عناية تكوينية بأمر ما، ووظَّف الغيب وحرَّك يد الإعجاز لغرض ما، أو في مورد ما، فلا بدَّ أن تكون فيه بعض الخصوصيات التي استدعت ولو بنحو الاقتضاء ذلك التدخُّل الغيبي، وهذا يعني وجود المقتضي كذلك في كلِّ مورد توفَّرت فيه تلك الخصوصية بمستوى مماثل أو أعظم منه.
وحين نقف على دعوى تدخُّل الغيب وسلوك سبيل الإعجاز في حفظ وصيَّة ما عن أن يدَّعيها مفتر أو كذّاب، من حقِّنا أن نتساءل عن مستوى الأهمّية في تلك الوصيَّة الذي جعلها تحظى بهذا المستوى من الاهتمام.
وهل كانت عملية التمهيد لظهور الإمام (عليه السلام) وقيام دولة الحقِّ أهمّ من نفس قيام الإمام (عليه السلام)؟ والتاريخ حافل بمدَّعي المهدوية على مرور أيّامه وترامي سنيِّه. ألم يكن منع المدَّعين من ادِّعاء الإمامة بالإعجاز أولى من منع ادِّعاء من يقول بوجود وصيَّة بالممهِّد للإمام (عليه السلام)؟
ثمّ ألم يكن الأولى منهما معاً منع سبيل ادِّعاء النبوَّة؟ وما أكثر من ادَّعاها.
والقرآن يُبيِّن عظم هذه الفرية على الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (الأنعام: ٩٣).
بل ألم يكن منع ادِّعاء ولد لله تعالى أولى بالمنع؟ والقرآن يؤرِّخ: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠).
على أنَّ في الآية دلالة واضحة على ادِّعاء البنوَّة للإله من أقوام قبل اليهود والنصارى، وما أعظم هذا الادِّعاء.
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ (مريم: ٨٨ - ٩١).
وهذه الآيات تغنيك عن استبيان مستوى أهمّية المنع عن ادِّعاء ثبوت أُبوَّة الله لأحد، وما أعظم سورة التوحيد التي تعدل ثلث القرآن، وقد تعرَّض نصفها لنفي نسبة أحد إلى بنوَّة الربِّ.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ٣ و٤).
فلو كان الله تبارك وتعالى قد جرى على الاستناد إلى التكوين في منع دعوى المدَّعين ألم يكن باب دعوى من ادَّعى البنوَّة له تعالى أولى من سدِّ باب دعوى من ادَّعى وصيَّة لممهِّد للإمام (عليه السلام) ولو كان ذلك في مشروع بشارة الأنبياء (عليهم السلام)؟
ثمّ ألم يكن منع ادِّعاء الربوبية أولى بالمنع تكويناً من وصيَّة لممهِّد؟ وما أكثر من ادَّعاها في مختلف مقاطع التاريخ البشري، وما فرعون ونمرود إلَّا مثالين من عشرات على مرِّ التاريخ.
وأنا أجزم بعدم المنع، وأنا أرى من يفتريها الآن، وستمرُّ الأيّام ويذهب الزبد جفاءً وتسقط كلُّ وليجة دون أمرهم (عليهم السلام). وقد أعجل التاريخ على الكثير ممَّن هُيِّئ لهم أنَّ الأُمور قد مُهِدَّت لهم حين قذف الله بالحقِّ على الباطل فدمغه، فإذا هو زاهق، ولهم الويل ممَّا يصفون.
٤ - التكتُّم على أسماء أصحاب المشاريع الإصلاحية الإلهية:
إنَّ المتتبِّع في مشاريع الإصلاح الإلهي التي يخبر عنها قبل زمانها يجد أنَّها يتمُّ التعمية عليها منعاً من الاطِّلاع التفصيلي على الشخصيات التي أُوكلت لهم قيادة تلك المشاريع، وفي ذلك سلوك سبيل الأسباب الطبيعية لحماية المشاريع وقادتها، فحين تقتضي الحكمة أن يبعث نبيٌّ في بني إسرائيل وتأتي البشارة الإجمالية أنَّه من نسل عمران تنصرف كلُّ الأذهان إلى أنَّه ابن مباشر له، وحين تكشف ولادة زوجته أنَّ الحمل لم يكن إلَّا أُنثى تصاب أُناس بالذهول، ثمّ يُعمّى الأمر على الناس حتَّى تفاجئهم العابدة القدّيسة بصبي تحمله بين يديها، فما كان منهم إلَّا أن اتَّهموها بالمنكر، وحين تُسأل عن ذلك تشير إليه بما يُفهَم منه أنَّه هو الذي سيُجيب عن تساؤلاتكم، فيشاء الله تعالى أن يخرق نواميس الطبيعة فينطق الصبي حديث الولادة بأنَّه النبيُّ الذي كان في حمله وولادته ونطقه آية للناس ورحمة، فيبهت هذا الخروج الصارخ عن المألوف أنفسهم ويُخرس ألسنتهم.
وحين يقع في التقدير الإلهي أن يُبعَث النبيُّ الخاتم بالدين الخالد والمشروع الإلهي الكبير، وتقتضي الحكمة الإلهية التنويه عنه ينطق عيسى (عليه السلام) في دعوته لبني إسرائيل بقوله: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصفّ: ٦).
لكنَّه لم يُبيَّن بالنحو الذي لا يقبل اللبس والاشتباه، فالناس لم تكن تعرفه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) باسم أحمد، بل هو محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا شكَّ أنَّ تنويه عيسى (عليه السلام) بذلك الاسم لم يكن لأجل التعرُّف عليه، وإلَّا لكان المناسب أن يُسمّيه باسمه الذي كانت تعرفه الناس به، وبملاحظة أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يقول: «اسمي في السماء أحمد»(٥٠) يتبيَّن أنَّ التعرُّض للتسمية كان للتنويه لا للتشخيص.
ولهذا لم يستعمل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذكره باسمه في الإنجيل للاحتجاج على النصارى، بل كان عليه أن يدفع الاختلاف بين الاسمين ما تعرفه الناس به وما نصَّ عليه عيسى (عليه السلام)، ولم أقف على محاججة واحدة منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عليهم بذلك ليُثبِت أنَّه هو النبيُّ المبشَّر به.
بل سلك معهم سبيل المنطق والاستدلال، ودعم ذلك من خلال المعجزات إن كانت مؤثِّرة فيهم، وإن سُدَّت أبواب الاستجابة دعاهم إلى المباهلة كما حصل مع نصارى نجران.
حين ترسم البيانات خريطة مسلك الإمامة ومتسنّمي ذلك المنصب، وتشير إلى أنَّ آخرهم يُمثِّل بشارة الأنبياء ومفردة تحقُّق العدل الإلهي على الأرض، ليكون معلِّماً للحياة في الأرض بعد أن امتلأت ظلماً وجوراً يُعمى على الناس أمر ولادته، ويخفى حتَّى على الخواصِّ إلَّا في دائرة ضيِّقة جدّاً، بل ويحرم التصريح باسمه، وفي ذلك سدٌّ لباب تعرُّض أعداء المشروع الإلهي لحياته بسوء، والروايات صريحة في أنَّ بعض حكم الغيبة ترجع إلى ذلك.
حتَّى إذا قضى الله تعالى بقضائه أن يخرج (عليه السلام) كان خروجه بغتةً، فمثله كمثل الساعة ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧).
على أنَّ معرفتنا باسمه في زماننا لا تُشكِّل خطراً عليه، لأنَّ الغرض ليس تعيين شخصه من خلال الاسم، فهو غائب عن الأنظار ليس بإمكان شخص أن يُطبِّق الاسم على المسمّى دون الخروج عن الموضوعية، وحين يعلن عن نفسه في المسجد الحرام يكون الأمر التكويني بحفظه ونصرة حركته قد صدر من الله تعالى، فيجيء دور الإعلان لا الكتمان، كما أعلن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن دعوته، وأعلن عيسى (عليه السلام) عن نبوَّته.
فكيف والحال هذه أن يأتي من هو بزعمه قائد التحرُّك للتمهيد لدولة الحقِّ وبشارة الأنبياء (عليهم السلام)، ويقول: لقد أثبتت الروايات هذا الأمر لي، وأنا الذي أسمتني بأحمد، وأنّي من المدينة الكذائية؟ مع ملاحظة أنَّ حركته لو كانت حقَّة فإنَّ فيها تهديداً لكلِّ النُّظُم السياسية في العالم أجمع، وكثير من النُّظُم الحالية قائمة على الظلم والاستبداد ومتَّخذة للكفر والإلحاد مسلكاً ومذهباً تدين به، ممَّا يعني أنَّ المبرِّرات للإيقاع به ووأد حركته ستكون على مستوى عالٍ من الشدَّة.
وهذا الوجه إن لم يكن دليلاً فلا أقلَّ من كونه مؤيِّداً يُنتَفع به في دعم بقيَّة الوجوه.
ولكن هذا الوجه يضعف من خلال وجود المعارض، فقد روى الصدوق بسندٍ تامٍّ عن أبيه وابن الوليد معاً، عن سعد والحميري ومحمّد العطّار وأحمد بن إدريس جميعاً، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبي - فالرواية موثَّقة لمكان أبان بن عثمان الذي هو من أصحاب الإجماع -، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما حين حضرته الوفاة جمع آل يعقوب وهم ثمانون رجلاً، فقال: إنَّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم ويسومونكم سوء العذاب، وإنَّما ينجيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران، غلام طوال جعد آدم، فجعل الرجل من بني إسرائيل يُسمّي ابنه عمران ويُسمّي عمران ابنه موسى»(٥١).
فالرواية سمَّته وبيَّنت أنَّه صاحب مشروع خلاص بني إسرائيل وأعطت صفاته الجسدية، لكنَّها إنَّما ذكرته لبني إسرائيل دون فرعون، ويبدو أنَّ فرعون لم يفهم تلك الأوصاف، لأنَّه بدأ بمراقبة كلِّ نساء بني إسرائيل.
ويمكن مناقشة هذا الجواب ببعض الوجوه التي أعرضت عن ذكرها والوقوف عندها حذراً من الإطالة، ولعدم ترتُّب فائدة كبيرة خصوصاً مع اتِّخاذه مؤيِّداً لا دليلاً.
٥ - المعجزة خيار الحالات الاستثنائية:
أجرى الله تعالى نظامه الكوني على قانون السببية، ولكن هناك بعض الحالات التي تقتضي فيها الحكمة، وربَّما تدعو الضرورة إلى أن تخرق فيها القوانين المألوفة بنحو من الإعجاز، أو ما يكون قريباً منه، ممَّا يُشكِّل خرقاً للنُّظُم المألوفة التي تجري عليها جزئيات هذا الكون، ولكن الأصل هو أن توجد الأشياء بأسبابها المألوفة.
حين يُبعَث نبيٌّ من الأنبياء لا يُكتفى بمجرَّد قول الحقِّ منه، فقول الحقِّ بمجرَّده لا يكفي لإثبات نبوَّته وسفارته عن السماء، وما من سبيل للتحقُّق من ذلك إلَّا أن يأتي بما لا يمكن أن يأتي به بشر بما هو بشر، ولا يكفي أن يأتي بما يعجز عنه الآخرون، فالأبطال الخارقون وأصحاب الأرقام القياسية في مختلف مجالات الرياضة، والمكتشفون الأعاظم لا يكفي لهم ذلك لإثبات أنَّهم أنبياء لو ادَّعوا ذلك، ولا بدَّ من قطع الشكِّ باليقين لتتمَّ الحجَّة على العباد، والدور الحاسم هنا للمعجزة، وقد يسبقها تمهيد من نبيٍّ سابق ثبتت نبوَّته بطريق قطعي، ولكن لا يُستغنى أبداً عن المعجزة وخرق القوانين المعروفة للطبيعة، فإتمام الحجَّة على العباد يتوقَّف عليها في حالات. وفي أُخرى لطف الله تعالى يستدعيها، لأنَّها تُقرِّب الناس من الطاعة والاستجابة لدعوات الأنبياء، ومن هنا لم يقتصر نبيٌّ على معجزة واحدة.
فحين يُوضَع إبراهيم (عليه السلام) في المنجنيق ليُرمى في نار لعظمها لا يتمكَّنون من الاقتراب منها، وكلُّ الأسباب الطبيعية تشير إلى طيِّ صفحة وجود نبيٍّ عظيم، لكن الله ﴿بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (الطلاق: ٣)، فتتحوَّل أداة الإحراق إلى آلة برد وسلام عليه.
وحين اقتضت الحكمة أن يبعث الله تعالى موسى (عليه السلام) نبيّاً في وقت سُدَّت فيه الطرق الطبيعية لولادته، حيث كان جلاوزة فرعون يُفتِّشون نساء بني إسرائيل عن أيِّ علامة حمل جديد فتُبقَر بطون الأُمَّهات، تدخَّلت يد الغيب في التكوين لتتجاوز النواميس الطبيعية وتُعطِّل القوانين المعروفة منها، فيتوقَّف جسمه عن النموِّ إلى آخر ليلة في بطن أُمِّه، ثمّ يكبر في ساعة، فتلده دون أن يعرف بذلك جلاوزة فرعون، كما نصَّ على ذلك الطبرسي في تفسيره(٥٢).
حين يستدعي فرعون قومه لينال من موسى وقومه وهم شرذمة قليلون، وكانوا له غائظين، تجتمع الآلاف لصيد سهل سمين، وينادي أصحاب موسى (عليه السلام): ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: ٦١)، حين استندوا في رؤيتهم إلى الأسباب الطبيعية، فيقول موسى (عليه السلام) الذي اعتقد بالغيب واطمأنَّت به نفسه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٦٢)، تُضرَب القوانين الطبيعية أيضاً، فينفلق الماء حتَّى أصبح كلُّ فرق كالطود العظيم، ليعبر موسى وقومه بسلام، ثمّ تطبق الموجات العظيمة على جيش فرعون، وهو في لحظات إحساسه بأنَّه أقرب ما يكون من التخلُّص من هذا النبيّ العبراني.
حين تقتضي الحكمة أن يُخلَق عيسى (عليه السلام) من غير أبٍ، وتتوقَّف قوانين الطبيعة عن أن تقنع الناس بذلك، ويتوقَّف قبول نبوَّته على دفع التهمة عن أُمِّه، تتدخَّل يد الغيب مرَّة أُخرى لتقطع ألسنة المشكِّكين، فينطق الصبي في يومه الأوَّل: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٢٩ - ٣٣).
فدُفِعَت التهمة بذلك عن أُمِّه، وأُقيمت الحجَّة القاطعة على نبوَّته.
حين يتسلَّل أربعون رجلاً لقتل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ليضيع دمه بين القبائل، فلا تقدر هاشم أن تأخذ بثأره، وتُعلِن الأسباب الطبيعية عجزها عن أن تُهيِّئ سبيلاً للمراد الإلهي بحفظ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإعلاء دينه، يقول الغيب كلمته، وتُعطَّل قوانين الطبيعة بقوانين الأمر الإلهي الذي إذا أراد شيئاً يقول له: كن فيكون، وتفعل حاكمية الله ما يلائم المراد الإلهي، فيمرُّ عليهم دون أن يشعروا به، وينثر على رؤوسهم التراب، فتبدأ الهجرة. وحين يكاد يُدركه القوم وهو في الغار بعد أن استعانوا بخبرة متتبِّعي الأثر في الصحراء، يتوقَّف إنجاؤه على خرق قوانين الطبيعة، فتُساق الحمامة لتصنع عشّاً، وتُقيَّض عنكبوت لتصنع بيتاً يسدُّ فوهة الغار، فينصرف عنه أعداؤه وقد كادوا أن يمسكوا به.
حين يحين وقت ولادة الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، والقوم قد جعلوا بيت والده تحت مراقبة شديدة ينتظرون قدومه ليفتكوا به فيقطعوا بذلك هواجس الخوف على ملكهم، وتعجز أسباب الطبيعة عن أن تجد مخرجاً لتلك المشكلة، يكشف الغيب عن مكنون قدرته، ويُعطِّل بعض قوانين الطبيعة بحاكميته عليها، فتنتفي آثار الحمل عن أُمِّه حتَّى على الخواصِّ.
فالسيِّدة حكيمة عمَّة أبيه، والتي أُرسل إليها لتشهد تشرُّف العالم بقدوم مصلحه وناشر راية الهدى ومحطِّم أعلام الضلال، تستغرب من الخبر، مع أنَّ الذي أخبرها إمام زمانها، إذ صدمها أنَّها في ليلة الولادة لا ترى آثار حمل فضلاً عن مقدَّمات ولادة عند أُمِّه.
ولمثل ذلك نقول: إنَّ خرق قوانين الطبيعة تُمثِّل حالة استثناء يُصار إليها عندما تُعلِن قوانين الطبيعة عجزها عن توفير وتحقيق المراد الإلهي، أو أنَّ المعجزة تكون ساندة للأسباب الطبيعية عندما يترتَّب على المعجزة الإلهية أثر لا يكاد يترتَّب بدونها، وأمَّا أن تُترَك المسألة كاملة للغيب دون أن تُحرِّك الأسباب الطبيعية ساكناً مع إمكان الاستفادة منها، فهذا من زخرف القول.
ألم يكن من الممكن أن يُخبَر عن الوصيَّة بخبر تامِّ السند تامِّ الدلالة وهي بهذا المستوى من الأهمّية بزعم مدَّعيها؟ بل ألم يكن متيسَّراً أن تأتي عشرات الروايات في ذلك، ثمّ لو احتاج الأمر إلى تدخُّل يد الغيب في صرف المفترين عن ادِّعائها لتمَّ اللجوء إليه؟
وله أن يقول: إنَّ صرف الناس الذي تحدَّثنا عنه واستعمال المعجزة ليس في إثبات أصل الوصيَّة ليرد ما تقدَّم، بل إنَّ الله قد صرف الناس عن ادِّعائها، وأين هذا من أصل ثبوتها؟
قلنا: الكلام هو الكلام، فهل سُدَّ الطريق عن أن تأتي روايات واضحة دلالة وقويَّة سنداً لتُحدِّد لنا سمات هذا الممهِّد الخلف! الذي يسبق الإمام (عليه السلام) بالتمهيد له ثمّ يخلفه في حكمه، فإذا لم يكن ذلك كافياً استعين بالمعجزة؟
ولكن إذا كان المقصود من الكلام سُذَّج الناس وبسطاءهم، فما الحاجة إلى المنطق والدقَّة العقلية خصوصاً والمنطق على خلاف ما يريده المتكلِّم؟
٦ - تناسب الاهتمام مع مستوى الأهمّية:
كلُّ عاقل ملتفت له مرادات يسعى للحصول عليها وتحقيقها، ولا بدَّ أن يكون مستوى اهتمامه بها متناسباً مع مستوى أهمّيتها، والشارع المقدَّس لا يخرج عن هذه القاعدة، فحين تُشكِّل الصلاة عموداً للدين، فإنَّ ذلك يستدعي إبراز اهتمام بها يتناسب مع مستوى أهمّيتها، ومن هنا أتانا سيل من البيانات في الكتاب والسُّنَّة، مع أنَّ مؤشِّرات زيادة الاهتمام بها لم تقتصر على مثل هذه الآيات، فرُبِطَ قبول الأعمال بقبولها «إن قُبِلَت قُبِلَ ما سواها وإن رُدَّت رُدَّ ما سواها»(٥٣)، وكونها «خير موضوع، فمن شاء استقلَّ ومن شاء استكثر»(٥٤)، وكونها أوَّل ما يُسئل عنها يوم القيامة(٥٥)، وتصَدَّر تعليل أهل سقر لمآلهم بأنَّهم لم يكونوا من المصلّين(٥٦)، وأوَّل وصيَّة تحدَّث عنها عيسى (عليه السلام) من ربِّه قوله: ﴿وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ﴾ (مريم: ٣١)، ومدى امتداد مدَّة الصلاة في عمر الإنسان بما في ذلك النوافل منها، وكونها كالنهر الذي يذهب درن الذنوب في الرواية: «يا عليُّ، إنَّما منزلة الصلوات الخمس لأُمَّتي كنهر جارٍ على باب أحدكم، فما يظنُّ أحدكم لو كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات في اليوم، أكان يبقى في جسده درن؟ فكذلك والله صلوات الخمس لأُمَّتي»(٥٧)، وغير ذلك كلُّها قنوات تُبيِّن أهمّيتها.
وعندما يتعرَّض الكتاب الكريم لبرِّ الوالدين يذكره في خمس موارد تالياً للتوحيد: (النساء: ٣٦، الأنعام: ١٥١، البقرة: ٨٣، لقمان: ١٣ و١٤، الإسراء: ٢٣)، ومع كون العطف بالواو وهي لا تفيد الترتيب إلَّا أنَّ هذا الاقتران وتُلُوَّ التوحيد لم يكن من قبيل الصدفة، مع أنَّ المؤشِّرات الأُخرى على أهمّيته ليست بالقليلة.
والأمثلة لذلك كثيرة جدّاً.
وبالعودة إلى محلِّ بحثنا وما يرتبط بمقدَّمات ظهور الإمام (عليه السلام)، فإنَّ مسألة بهذا المستوى من الأهمّية المزعومة ومن تركها كان من أهل النار لا يشار إليها في الكتاب ولا في السُّنَّة إلَّا برواية واحدة سندها غاية في السقوط، اقض عجباً.
إنَّ قتل النفس الزكية ليست إلَّا مفردة من الحوادث التي تسبق الظهور بخمسة عشر يوماً يتكرَّر ذكرها في الروايات، فقد نقل المجلسي في البحار جملة من الروايات في ذلك في الباب (٢٥) من علامات ظهوره (عليه السلام)، وهي الأحاديث: ٢٩ و٣٠ و٣٤ و٤٠ و٤٩ و٧٨ و٨٢ و٩٨ و١٠٠(٥٨).
مع أنَّها لا أهمّية لها إلَّا العلامية مع قربها من زمان ظهوره، فليس هناك أمر بالاتِّباع أو الانتصار له أو أيُّ شيء آخر إلَّا أنَّها علامة من العلامات المحتومة التي تسبق ظهوره (عليه السلام) بقليل.
إنَّ التكليف للإنسان منطلقه محبَّة الله لخلقه، الله الذي يقول عن الذين يستهزؤون بأنبيائه (عليهم السلام): ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (يس: ٣٠).
الذي يخاطب الموغلين في ارتكاب الذنوب بأدفأ خطاب من خلال نسبتهم إليه: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣).
الله الذي يضع نفسه في مقارنة مع إبليس وتاريخه ليكون مقدَّمة للومهم على اتِّخاذه وليّاً من دون الله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (الكهف: ٥٠).
حين تتجلّى في إبراهيم (عليه السلام) الرحمة على الخلق ويجادل الملائكة الموكلين بإهلاك قوم لوط (عليه السلام) يذكر الله ذلك، ثمّ يمدحه بثلاثة أوصاف في ذيل الآية التي بعدها وليس فيها إلَّا تمجيده (عليه السلام).
﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٤ و٧٥).
حين تتجسَّد الرحمة في النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تنهاه الآيات عن أن يبلغ تأسُّفه على الكفّار حدّاً تذهب به نفسه ولا تنهاه عن أصل التأسف: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ (فاطر: ٨).
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: ٦).
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (الشعراء: ٣).
و﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي قاتلها أسفاً.
الله الذي يقول عن نفسه في الحديث القدسي: «من تقرَّب إليَّ شبراً تقرَّبت إليه ذراعاً، ومن تقرَّب منّي ذراعاً تقرَّبت منه باعاً، ومن أتاني مشياً أتيته هرولةً»(٥٩).
وماذا عسى المرء أن يقول عن عظمة الله وعظمة رفقه بالمؤمنين، ثمّ تتوقَّع بعد ذلك أن يأمر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإيصاء لأمر غاية في الأهمّية حتَّى إنَّ من لا يبادر إلى إعلان الولاء للموصى له، فإنَّ له نار جهنَّم دون أن يُحدِّد رسماً ويُعيِّن اسماً؟ إذ المفروض أنَّ الرواية ذكرت له ثلاثة أسماء، ولم تُزوِّده بما يقطع الشكَّ ويرفع الريب، أنقبل ذلك من رجل فيه شيء من الرأفة؟ فكيف نقبله من الله تعالى!؟
إنّا لا نتحدَّث عن رجل أمن في زمن النظام البعثي مثلاً قد تمكَّن الحقد على البشرية من روحه وملأ نفسه فيحاول أن يوقع الناس في موجبات العذاب.
صحيح أنَّه تعالى يريد أن يتمَّ الحجَّة على الناس ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)، لكنَّه تعالى لم يقف عند ذلك، بل أعمل غاية اللطف، وتجلَّت في أفعاله الرحمة التي لا يمكن أن توجد عند مخلوق، وما ادَّخره للآخرة يُمثِّل تسعاً وتسعين جزءاً، ولم يظهر في الدنيا إلَّا جزء واحد.
حين يُصوِّر الإمام (عليه السلام) رحمته بعبادته وفرحته تعالى - على ضيق التعبير - بتوبته، فإنَّك تسمع عجباً.
حين يذكر الإمام (عليه السلام) رجلاً بالحال التي يكون عليها عندما يعثر على دابَّته في أرض مهلكة بعد فقدها ثمّ يقول: «الله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها»(٦٠).
مع ملاحظة أنَّ العثور على الدابَّة في مثل هذه الظروف فرحة بالنجاة بالحياة، وحينئذٍ تريد منّي مع معرفتي اليسيرة برحمة الخالق بخلقه، أن أقبل أنَّه كمن نصب فخّاً لعباده من خلال عدم تزويد العبد بالمعرفة اللازمة بأمر وعدم إمكانها لعدم توفُّر أدواتها، إذ المفروض أنَّه ليس إلَّا دعوة مدَّعٍ لا يؤيِّدها منطق ولا يدعمها دليل ولا يوافقها عقل، ثمّ يعاقب المخالف بالنار، تالله ما هذه طريقة الله تعالى مع خلقه ولا المعروف من فضله وإحسانه، بل هي أكثر ما تناسب عقدة الذنب عند القسِّ گريگورد(٦١).
نعم إنَّه يتحدَّث عن ربٍّ آخر لا نعرفه، فنعم الربُّ ربُّنا وبئس المتحدِّث عن ربِّه هو وأمثاله.
٧ - عاصمية رواية الوصيَّة من الضلال:
من النقاط الجديرة بالتوقُّف والمناقشة دعوى أنَّ هذه الرواية عاصمة من الضلال أبداً بنصِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثمّ يقول صاحب الدعوى: (فلا تشكّوا بأنَّه عاصم لكم من الانحراف والضلال عند ساعة القيامة الصغرى)، وقال أيضاً: (وكتاب رسول الله عند الاحتضار أمر عظيم أعظم من الصوم والصلاة فرضه الله على الرسول بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ﴾ و﴿حَقًّا عَلَى﴾ (البقرة: ١٨٠) ووصفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّه يعصم الأُمَّة من الضلال إلى يوم القيامة...).
وإنّا إذ نسمع هذا أوَّلاً نتعجَّب من الجرأة على الله بالافتراء على نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، إذ ليس في الرواية أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال عن هذا الأمر: إنَّه عاصم من الضلال.
وثانياً: أنَّ العاصم للأُمَّة من الضلال إنَّما يُتصوَّر في أمر يبقى ما بقي الليل والنهار كما ورد في الكتاب والعترة في حديث الثقلين: «ما إن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً»(٦٢) الذي يرجع إلى العصمة من الضلال بشرط التمسُّك، وبشرط أن يكون بهما معاً، أي بشرط الجمع.
وبما أنَّ الكتاب والعترة باقيان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فنتعقَّل فيهما ذلك، ثمّ نُصدِّقه، إذ نطق بذلك من لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى.
وأمَّا أن يقال عن كلام ليس بعنوان وصيَّة للأُمَّة، بل وصيَّة للإمام الثاني عشر (عليه السلام) بأن يُسلِّمها إلى ابنه، بأنَّها وصيَّة عاصمة من الضلال فلا وجه لقوله، فهل منعت بيعة الغدير أمام عشرات الآلاف من المهاجرين والأنصار من الانحراف والزيغ؟ فحبرها لم يجف بعد والقوم قد انقلبوا عليه حتَّى إنَّه لم يثبت معه إلَّا أربعة وبعض منهم حاص حيصة.
أم يُراد أنَّ ذات الوصيَّة عاصمة؟ فيرد عليه مع ملاحظة قوله: إنَّه يعصم الأُمَّة من الضلال إلى يوم القيامة، أنَّ هذا غير معقول، إذ أثر الوصيَّة بزعم مدَّعيها إنَّما يكون في مقطع زماني لا يُشكِّل شيئاً أمام امتداد عمود الزمان من رحلة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى جوار ربِّه إلى يوم القيامة.
وثالثاً: لا بدَّ أن يثبت في رتبة سابقة صدور الوصيَّة منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ودون ذلك خرط القتاد، فالطريق في غاية السقوط، وقد بيَّنّا ذلك في محلِّه.
ورابعاً: إنَّ ما أراده من التفريع على وصفها بأنَّها عاصمة من الضلال - وهو استحالة أن يدَّعيها أحد من المبطلين، لأنَّ ذلك يلزم منه اتِّهام الله تعالى بالكذب أو العجز عن حفظ كتاب وُصِفَ بأنَّه عاصم من الضلال - أوهن من بيت العنكبوت.
فهل كان هذا الكتاب أهمّ من التوراة والإنجيل وقد نصَّت الآيات على أنَّ أهل الكتاب يُحرِّفون الكلم عن مواضعه، مع أنَّ التوراة والإنجيل كتابا هداية لنبيَّين عظيمين من أُولي العزم من الرسل؟ وهل أنَّ هذا الكتاب أهمّ من القرآن، وقد نصَّت آية فيه على أنَّه محفوظ من الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)؟
مع أنَّه في كتابه العجل يقول: (وردت روايات كثيرة عن أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دالّة على التحريف، كما وردت روايات عن صحابة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن طريق السُّنَّة في كتبهم دالّة على وقوع التحريف)، وهذا وفق قاعدة الإلزام، وهل عجز الله تعالى عن حفظ كتبه السماوية أو أنَّ رواية الوصيَّة كانت أهمّ من تلك الكتب السماوية، خصوصاً مع نصِّه في القرآن على وصفه بأنَّه: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٢)؟
وأقول هذا وأنا ملتفت أنَّ كلامي المتقدِّم كان في حفظ النصِّ لا منع الادِّعاء، ولكنَّه نصَّ هو على أنَّه (لا بدَّ أن يحفظ العالم القادر الصادق الحكيم المطلق سبحانه النصَّ الذي وصفه بأنَّه عاصم من الضلال لمن تمسَّك به - من المبطلين له حتَّى يدَّعيه صاحبه ويتحقَّق الغرض منه).
وأمَّا على ما تقدَّم أنَّ هذا الوصف لهذا الكتاب أو الوصيَّة المزعومة لو كانت قد صدرت من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا اللفظ - و(لو) حرف امتناع لامتناع -، فإنَّ من المستحيل أن يكون المقصود منع أحد تكويناً من ادِّعائها إلى أن يأتي صاحبها، مع ملاحظة أنَّ هذا المنع لو كان فهو بطريق الإعجاز لا بالأسباب الطبيعية، وهذا له مقام آخر تعرَّضنا له بما يناسبه في طيّات هذا البحث، فلا حاجة إلى التكرار.
٨ - توعُّد مخالفه بالنار:
ولعلَّ من أسوأ ما رتَّبه على الوصيَّة المزعومة، أنَّ من لم يسر معه هاوٍ وهالك، وأنَّ عاقبته جهنَّم، وهو خارج عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بريء منه، فقد ذكر في بيان البراءة في (١٣/٦/١٤٢٥هـ):
(لقد قامت عليكم الحجَّة البالغة التامَّة من الله سبحانه وتعالى بي بأنّي الصراط المستقيم إلى جنّات النعيم، فمن سار معي نجا ومن تخلَّف عنّي هلك وهوى، وهذا هو الإنذار الأخير لكم من الله ومن الإمام المهدي (عليه السلام) وما بعده إلَّا آية العذاب والخزي، وفي الآخرة جهنَّم يصلونها وبئس المهاد لمن لم يلتحق بهذه الدعوة).
إلى أن يقول: (وأُعلن باسم الإمام محمّد بن الحسن المهدي (عليه السلام) أنَّ كلَّ من لم يلتحق بهذه الدعوة ويُعلِن البيعة لوصيِّ الإمام المهدي (عليه السلام) بعد (١٣/ رجب/ ١٤٢٥هـ) فهو:
١ - خارج من ولاية عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو بهذا إلى جهنَّم وبئس الورد المورود، وكلُّ أعماله العبادية باطلة جملةً وتفصيلاً، فلا حجَّ ولا صلاة ولا صوم ولا زكاة بلا ولاية.
٢ - أنَّ رسول الله محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بريء من كلِّ من ينتسب إليه ولم يدخل في هذه الدعوة ويُعلِن البيعة.
ونحن نتساءل أين هي الحجَّة البالغة؟ أبرواية غاية في السقوط السندي وغموض في الدلالة؟ وإن تجاوزنا ذلك، فمن يثبت أنَّه الذي أشارته الرواية؟ على أنَّ المورد لا يخلو من غرابة تمنع المنصف من الاطمئنان لها بل من تعقُّلها، فكيف أتعقَّل أنَّ جدَّ فلان الرابع هو الإمام المهدي (عليه السلام) وأنا لم يثبت عندي أنَّه (عليه السلام) متزوّج وله ذرّية؟ ومجرَّد الإمكان مع الادِّعاء لا يُعَدُّ حجَّةً فضلاً عن أن تكون حجَّة بالغة، نعم هي بالغة في الزيغ والاستخفاف بالعقول والضحك على أذقان بسطاء الأذهان.
ثمّ ها هي عدَّة سنوات مرَّت ولم نرَ العذاب والخزي بعد إنذاره الأخير، ثمّ أين التخويل من الإمام المهدي (عليه السلام) لشخص يتحدَّث باسمه؟
﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (الأحقاف: ٤).
وعظم المدَّعى لا قيمة له إن لم يستند إلى دليل، وقد ادَّعى فرعون أنَّه إله ونمرود وغيره، وقد ادَّعى مسيلمة أنَّه نبيٌّ مرسَل وغيره الكثير، وقد ادَّعى الكثيرون أنَّهم أئمَّة، نعم لم يكونوا إلَّا زبداً فذهبوا جفاءً.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرضِ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ﴾ (الرعد: ١٧).
وأمَّا دعوى أنَّ من لم يسر معه فإلى جهنَّم، فهذا ما يُكذِّبه المنطق القرآني، فإنّا إذا توقَّفنا عند بعض آيات سورة البقرة فسنجزم من خلال الأولوية كذب هذه الدعوى، فالله تعالى يقول:
١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).
٢ - ﴿وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (البقرة: ٨٠ - ٨٢).
والحديث عن أهل الكتاب.
٣ - ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١١ و١١٢).
فالآيات المتقدِّمة كالصريحة في أنَّ المدار في النجاة على الإيمان والعمل الصالح أو الإحسان كما عبَّر الشاهد الثالث.
وهذا لا يعني أنَّ لهم أن يرفضوا دعوة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عندما تتمُّ الحجَّة عليهم، ثمّ يتوقَّعون أن يكون مآلهم الجنَّة، بل من لم تتمّ عليه الحجَّة وآمن وعمل صالحاً فإنَّه من أصحاب الجنَّة ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإذا كان نظر القرآن لأهل الكتاب بهذا النحو، فكيف لمؤمن شيعي اثني عشري أن يكون من أهل النار لمجرَّد أنَّه لم ينعق مع كلِّ ناعق ولم يرد أن يكون ريشة تُحرِّكها أيَّة نسمة؟
وأمَّا قوله: إنَّ من لم يلتحق بالدعوة بل الدعوى المزبورة فهو خارج عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو بهذا إلى جهنَّم وكلُّ أعماله باطلة، فلا أعجب منه.
ونحن لا ننكر وجود روايات في أنَّ من جاء الله تعالى بلا ولاية لعليٍّ (عليه السلام) فأعماله غير مقبولة، لكنَّها لا يُراد منها بطلان العمل، ولذا لا يجب عليه القضاء إلَّا في الزكاة. وليس ذلك لأنَّ زكاته غير صحيحة أو لا يمكن أن تكون كذلك، بل لأنَّه أعطاها لغير مستحقِّها، بل المراد عدم القبول الذي يعني عدم استحقاق الثواب عليها، وأين هذا من بطلان العمل؟
ثمّ ما الدليل على براءة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من المنتسبين إليه إذا لم يدخلوا في هذه الدعوة؟
﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (البقرة: ١١١).
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (يونس: ٦٨).
٩ - ظرف تسليم الوصيَّة المزعومة بعد ظهور الإمام (عليه السلام):
إنَّ الذي ذكرته الرواية في آخرها: «فإذا حضرته - أي الحسن العسكري (عليه السلام) - الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام)، فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين...» الخبر.
ومثل هذا الخبر - على فرض إغماض النظر عن كلِّ الإشكالات التي ذكرت على التمسُّك به من قِبَل هذا المدَّعي - غير قابل لإثبات شيء ممَّا رامه، إذ لا مشكلة عندنا أنَّ الإمام (عليه السلام) حين يخرج بعد أن يأذن الله تعالى له بذلك ويقيم دولة الحقِّ وتنقاد له الناس ويُسلِّم الوصيَّة لأحد فلا مشكلة عندنا، وحينها لا حاجة إلى الاستظهار ولا ضرورة للتعبُّد بالصدور، بل سيكون المعصوم هو الذي يُسلِّم الأمر، وأيَّة مشكلة لنا في ذلك لو فعلها الإمام (عليه السلام)؟
فالرواية لا علاقة لها من بعيد ولا من قريب بمهدي ممهِّد للإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وأنَّه من ولده، وأن من لم يبايعه إلى النار.
﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (الأعراف: ٧١).
فلو ظهر الإمام وأشار لمن يدَّعي ما يدَّعيه بصدق دعواه لم يكن علينا إلَّا الطاعة، ولكن حينها تسقط كلُّ وليجة دونهم، ويسقط حتَّى من كان يشقُّ الشعر بشعرتين، وتُزال الأقنعة.
وإطاعتها ليست حينئذٍ من جهة مجرَّد التعبُّد، بل من جهة اليقين، فإنَّه (عليه السلام) ما ينطق عن الهوى، وكلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فلماذا نعجل على الناس استناداً لمثل هذا المقطع من الرواية، ونلزمهم بالبيعة والمتابعة، ونتوعَّد تاركها بالنار وبئس المصير على أمر سيحسمه المعصوم (عليه السلام) بعد أن تخضع له الرقاب وتنقاد له النفوس وتطمئنُّ له القلوب؟
وعلى هذا، فوجود هذه الرواية وعدمها من هذه الناحية على حدٍّ سواء، إذ دورها للمكلَّفين دور الإخبار لأمر سيحصل في مستقبل الأيّام وستقوم عليه الحجَّة البالغة حينها.
فيكون دور الرواية دور ما أخبر به عيسى (عليه السلام) من بعث نبيٍّ في المستقبل اسمه أحمد بالنسبة للأجيال قبل أن يُبعَث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
نعم قد يقال: إنَّ ذلك يقتضي توطين النفس على الانصياع له والاعتقاد به عند مجيئه، ونحن نُوطِّن نفسنا الآن على أنَّ الإمام (عليه السلام) إذا أسَّس دولته على تقوى الله ثمّ حانت لحظة انتقاله إلى الدار الأُخرى وألزمنا بمتابعة شخص فإنّا سنتابعه، ومن لم يفعل يكون قد خالف أمر المعصوم (عليه السلام).
وتستطيع أن تقول: إنَّ حال هذه الرواية على فرض صدورها وتمامية دلالتها وسلامتها من الإشكالات كدور الروايات التي تحدَّثت عن أسماء الأئمَّة (عليهم السلام) وعددهم بالنسبة لمن لم يدرك الأئمَّة من الناس، فالروايات التي نصَّت على أنَّهم اثنا عشر إماماً بالنسبة لمثل عمّار وسلمان لا أثر كبير لها في الأئمَّة المتأخِّرين، لأنَّهم ليسوا أئمَّة زمان عمّار وسلمان مثلاً، ولا انعكاس لها في وجوب الإطاعة والمتابعة، إذ لم تحصل المعاصرة وفعلية وجود الإمام لتجب الإطاعة، نعم هي تكمل الصورة لخريطة الإمامة، لكن ذلك لا علاقة له بالسلوك العملي فيما يرتبط بالمتأخِّرين من الأئمَّة (عليهم السلام) هذا أوَّلاً، وثانياً لا يقاس بالأئمَّة (عليهم السلام) غيرهم، ولو كان من أبنائهم وإن أسمى بعضهم نفسه مهديّاً، لو كان هذا البعض ابناً لهم.

* * *
الفصل الثاني: عدم إمكان تعيين وقت الظهور

تمهيد:
يُمثِّل الجهل ظلمة تنعكس على النفس ضنكاً وضيقاً تسعى للتخلُّص منه من خلال إطلالة على الواقع بواسطة نور العلم، فالسعي لكشف الستار عن الحقائق يُمثِّل عنصراً ضاغطاً على النفس يدفعها باتِّجاه شقِّ حجاب ظلمة الجهل والاستنارة بنور العلم، وتلك حالة تعيشها النفس إذا واجهتها أيَّة مساحة فراغ في عالم اطِّلاعها. وكلَّما سُلِّط نور العلم على مساحة أكبر من مساحة الجهل للنفس الإنسانية كان العنصر الضاغط المتقدِّم أقوى تأثيراً على النفس.
فالعلماء يعانون ضيق ظلمة الجهل فيما لم يحصل لهم علم به أكثر من غيرهم، ومرجع ذلك إلى أمر مركوز في النفس الإنسانية من أصل خلقتها يُعبَّر عنه أحياناً بحبِّ الاطِّلاع وأُخرى بالفضول. قد يملك النفس أحياناً فتستجيب له متحمِّلة أعظم الأخطار والتضحيات، فكم من مولع بكشف الحقائق ترك أموالاً طائلة ليُجنِّد نفسه فدائياً للعلم؟ وكم من العلماء من ترك كسب الدنيا ليكسب العلم؟ وكم مخاطر بحياته حزم أمره وحمل روحه على كفِّه ليسبر أغوار علوم في وقت كانت مقاصل الكنيسة تعمل بطاقتها القصوى في فصل رؤوس العلماء عن أبدانهم؟ كلُّ ذلك لم يمنع آخرين من سلوك هذا الطريق الوعر المليء بالمخاطر والذي يقترن سلوكه بالتضحيات استجابةً لنزعة غريزية قيَّدت حكمة الباري تعالى نفوسهم بها حين خلقها مجبولة على حبِّ الاطِّلاع على الأشياء.
إنَّ حكمة الباري تعالى التي دعته إلى أن يخلق الإنسان - الذي خُلِقَ ليرتقي في جانبه المعرفي - كان لا بدَّ أن تُزوِّده بدافع للمعرفة ليرتبط بالغاية التي لأجلها وُجِدَ، ليضمَّ الميل النفسي إلى نداء العقل بخوض غمار الطريق الذي فيه كماله ونفعه الدنيوي والأُخروي بعد أن أبلغ الأنبياء (عليهم السلام) أبناء هذا النوع بأنَّه لا بدَّ من سلوك هذا الطريق ولا بدَّ من قطعه بسلام ليكون الإنسان آمناً في دنياه وآخرته، فحَكَمَ العقل بضرورة ذلك. ولكن في نطاق ما يساهم في رقيِّ الأفراد فيكون العقل بذلك مشذِّباً لتلك النزعة الغريزية.
وكثير من النزعات الغريزية التي اقتضت حكمة الباري دخولها في تركيبة الإنسان النفسية تُشكِّل عناصر مساهمة في بقاء نوعه وتكامل أفراده وبقائهم، إلَّا أنَّها لا تخلو من ضبابية لا بدَّ أن يحكمها قانون، فتكون محكومة بمحدِّدات عادةً ما يتعرَّض الشارع المقدَّس لبيانها، وبدون ذلك قد تكون ذات آثار كارثية على المستويين الفردي والاجتماعي. كالغريزة الجنسية والتي في أصل وجودها عنصر مهمٌّ في بقاء النوع الإنساني وحفظ سمة المجتمعية إلَّا أنَّها ذات آثار كارثية على مستوى الفرد والمجتمع إذا لم ينضبط إيقاعها وفق تعاليم الشريعة. لأنَّ فتح الباب أمام النفس لإشباعها دون محدِّدات - كما يحصل الآن وبمستوى معيَّن في بعض المجتمعات الغربية - سيجرُّ المجتمعات بعد حين إلى حالة من التفكُّك وضعف الإحساس بالانتماء. ومجرَّد كون السمة المجتمعية تُؤمِّن الكثير من حاجات الأفراد لا يكفي محرِّكاً ليسعى الأفراد لحماية المجتمع والتضحية لأجله إن اقتضت مصلحة المجتمع ذلك.
فالواجبات وفق حساب الربح والخسارة لا تكفي دافعاً إن لم يُمزَج ذلك بدافع نفسي ونزعة جبلّية.
وكيف كان فالنفس البشرية تعيش حالة من الضغط الذي يُولِّده حبُّ الوقوف على واقع الأشياء، ونتيجة وجود هذا الضغط توجَّهت جيوش العقل لتفتح معاقل الجهل وتُبدِّل ظلمته بنور العلم. وكان الحاصل علوماً مفرداتها هائلة تفوق حدَّ الاستيعاب للفرد الواحد، فانبثقت التخصُّصات المتعدِّدة من العلم الواحد. واقتضى ذلك أيضاً نوعاً من التكافل ولنُسمِّه (التكافل العلمي) حيث يرجع غير المتخصِّص في علمٍ ما - إذا واجهته مشكلة في ذلك العلم - إلى المتخصِّصين فيه.
ومن المفردات التي تشدُّ النفوس لنيل المعرفة فيها قَصص الأفراد والأُمم، وكلَّما كان للأُمَّة والفرد موقع في التاريخ والمجتمع كلَّما صارت تفاصيل قصَّتها محلَّ اهتمام الناس ولو كانت تلك التفاصيل تافهة في حدِّ ذاتها. فقيمة المعلومة تتأثَّر طردياً بقيمة موضوعها، كما أنَّ ارتباط المعلومة بالمستقبل - خصوصاً إذا كان له علاقة بنفس الشخص أو مجتمعه أو أُمَّته - يشدُّ النفس أكثر للسعي للاطِّلاع عليها.
وممَّا له عظيم المنزلة في ذلك الحلقة الأخيرة في مسيرة النوع البشري بكلِّ حيثياتها ومنها تحديد وقتها. ولمَّا كانت الشريعة قد بيَّنت لنا أنَّ آخر حلقة في مسيرة النوع البشري على الأرض قيام دولة الحقِّ على يد خاتم الأوصياء وإمام العصر والزمان (عليه السلام)، وأنَّه من الوعد الإلهي الذي لا يقبل التخلُّف هفت نفوس الناس إلى تحديده زمانياً.
ثمّ إنَّ الروايات قد ذكرت أنَّ لهذا الأمر علامات تسبقه ويكون تحقُّقها مقدّمة له وسابقاً عليه، فتاقت النفوس لمعرفة الخريطة التاريخية أو الزمانية للأحداث بالنحو الذي يمكن الخروج من خلالها بتحديد زمان ظهور الإمام (عليه السلام) وقيام دولته. فاستدعى ذلك الرجوع إلى المتخصِّصين والباحثين في هذا الشأن لإعمال النظر وإجالة الفكر في الموروث للوصول إلى تحديد دقيق لزمان ظهوره (عليه السلام).
والسؤال الذي ينبغي أن يُبحَث في جوابه: هل بالإمكان تحديد ذلك أو لا؟
هذا ما سنتناوله في الصفحات القادمة من هذا البحث.
ونحن سنتناول أوَّلاً الأدلَّة على المدَّعى بعد بيانه، ثمّ نبحث في وجوه الحكمة في النفي أو الإيجاب.
أمَّا جوابنا فهو أنَّه من المستحيل معرفة ذلك تفصيلاً بنحو يتاح لطائفة من الناس أن تطَّلع عليه فضلاً عن إمكان اطِّلاع عامَّة الناس.
أدلَّة الاستحالة:
ودليل هذه الاستحالة أُمور:
الأمر الأوَّل: أوَّلها الروايات:
وهي أقسام:
الأوَّل: الروايات الصريحة في ذلك:
ومنها: الرواية المروية عن الحسن بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، قال: «سألت جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الأئمَّة بعده، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الأئمَّة بعدي عدد نقباء بني إسرائيل اثنا عشر، أعطاهم الله علمي وفهمي، وأنت منهم يا حسن، فقلت: يا رسول الله، فمتى يخرج قائمنا أهل البيت؟ قال: يا حسن، مثله كمثل الساعة أخفى الله علمها على أهل السماوات والأرض، لا تأتي إلَّا بغتة»(٦٣).
ومنها: رواية دعبل الخزاعي عن الرضا (عليه السلام): «ولقد حدَّثني أبي، عن أبيه، عن آبائه، عن عليٍّ (عليه السلام) أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج القائم من ذرّيتك؟ فقال: مثله كمثل الساعة ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]»(٦٤).
بل يظهر من رواية المفضَّل بن عمر أنَّ ذلك غير ممكن، فقد روى المجلسي عن المفضَّل بن عمر، قال: سألت سيِّدي الصادق (عليه السلام)، هل للمأمور المنتظر المهدي (عليه السلام) من وقت مؤقَّت يعلمه الناس؟
قال: «حاش لله أن يُوقِّت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا».
قلت: يا سيِّدي، ولِمَ ذاك؟
قال: «لأنَّه هو الساعة التي قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ...﴾ الآية [الأعراف: ١٨٧]، [وهو الساعة التي قال الله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾]، وقال: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [الزخرف: ٨٥]، ولم يقل: إنَّها عند أحد، وقال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها...﴾ الآية [محمّد: ١٨]، وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١]، وقال: ﴿ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ [الشورى: ١٧ و١٨]». قلت: فما معنى ﴿يُمارُونَ﴾؟ قال: «يقولون متى وُلِدَ؟ ومن رأى؟ وأين يكون؟ ومتى يظهر؟
وكلُّ ذلك استعجالاً لأمر الله، وشكّاً في قضائه، ودخولاً في قدرته، أُولئك الذين خسروا الدنيا والآخرة، وإنَّ للكافرين لشرَّ مآب».
قلت: أفلا يُوقَّت له وقت؟ فقال: «يا مفضَّل، لا أُوقِّت له وقتاً، ولا يُوقَّت له وقت، إنَّ من وقَّت لمهديّنا وقتاً فقد شارك الله في علمه، وادَّعى أنَّه ظهر على سرِّه، وما لله من سرٍّ إلَّا وقد وقع إلى هذا الخلق المنكوس الضالِّ عن الله، الراغب عن أولياء الله، وما لله من خبر إلَّا وهم أخصّ به لسرِّه، وهو عندهم...» الخبر(٦٥).
ومن الواضح أنَّ الآيات التي طبَّقها الإمام (عليه السلام) على ساعة ظهوره (عليه السلام) لم يكن بصدد تفسيرها وتحديد معناها، بل هو إعمال نوع من التأويل لهذه الآيات، فإنَّ المنصرف إلى الذهن من الساعة في كلِّ هذه الآيات هو يوم القيامة، ويشهد لذلك الرواية السابقة على هذه حيث قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مثله كمثل الساعة لا يجليها لوقتها إلَّا هو...»، فالتشبيه يقتضي المغايرة بين المشبِّه والمشبَّه به.
على أنَّ الآيات التي ذكرها (عليه السلام) لا تصلح تعليلاً لعدم إمكان التوقيت بالنحو الذي يعلمه الشيعة، فهل يصحُّ أن ينزَّه الله تعالى عن تحديد الساعة بالنحو الذي يعلمه الشيعة لأنَّه قال: (علمها عندي) وما يرجع إلى معناه من العبارات الأُخرى؟ اللّهمّ إلَّا إذا أرجعنا التنزيه له تعالى إلى التنزيه عن الكذب، ولا أظنُّ ذلك منسجماً مع ظاهر كلام الإمام (عليه السلام) في التنزيه. وإنّي لأحتمل قويّاً أنَّ الإمام لم يرَ من المناسب أن يُبيِّن ذلك للسائل، فأحاله على البيان القرآني. كما أنَّه يشهد لما قلنا أنَّ ظهور الإمام (عليه السلام) لم يكن بتلك الدرجة من تسليط الضوء عليه في زمن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتَّى إذا سُئِلَ عنها نزلت الآيات لتُبيِّن أنَّ علمها مختصٌّ به تعالى. ولا يأتي هنا ما يقال في بعض الأدلَّة من أنَّ شأن النزول لا يجعل مدلول الآية خاصّاً، كما قيل في الآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: ٤٣)، حيث إنَّ شأن نزولها كان إثر محاججة مع اليهود إلَّا أنَّ ذلك لم يمنع من استفادة قاعدة كلّية أنَّ غير العالم يسأل أهل الذكر، ثمّ تُطبِّقها الروايات على عليٍّ (عليه السلام).
بل إنَّ الآية محلّ كلامنا نزلت في مقام بيان جواب عن سؤال محدَّد من بعض من عاصر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن أمر سبق وأخبر به جميع الأنبياء (عليهم السلام)، وهو الساعة، أي الآخرة أو يوم القيامة، فجاء البيان القرآني ليُؤكِّد اختصاص العلم بها بالله تعالى.
ونفس الكلام يأتي في قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ (الأعراف: ١٨٧).
فإنَّها جاءت في سياق آيات تحدَّثت عن الكافرين، وقد وصفتهم بعض الآيات بأنَّهم كذَّبوا بآيات الله، ثمّ نفت أن يكون به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جُنَّة، ثمّ ذكرت أنَّه عسى أن يكون أجلهم قريباً، ولا ربط لأجلهم بقيام القائم (عليه السلام).
ومثل هذا الكلام يجري في قوله تعالى في سورة النازعات: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها * إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ (النازعات: ٤٢ - ٤٦).
فإنَّ الآيات السابقة ذكرت يوم القيامة، وأنَّ الناس سيُقسَّمون إلى قسمين: أحدهما مآله إلى الجحيم، والآخر مأواه الجنَّة.
ويشبه ذلك قوله تعالى في سورة لقمان: ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (لقمان: ٣٤).
فإنَّ سياق الآيات السابقة عليها تناول البعث وأنَّه كالخَلْق، ثمّ تعرَّضت لتَعاقُب الليل والنهار وتحديد كلٍّ منهما بوقت خاصٍّ، وعلَّلت ذلك بأنَّه تعالى هو الحقُّ، وأنَّ من سواه ممَّن يدعونه هو الباطل، وكلُّها تُدلِّل على أنَّ الساعة التي ذكرتها الآية اللاحقة هي يوم القيامة.
وفي الرواية عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأمير المؤمنين (عليه السلام): يا عليُّ، إنَّ قريشاً ستُظهر عليك ما استبطنته، وتجتمع كلمتهم على ظلمك وقهرك، فإن وجدت أعواناً فجاهدهم، وإن لم تجد أعواناً فكُفَّ يدك واحقن دمك، فإنَّ الشهادة من ورائك. واعلم أنَّ ابني ينتقم من ظالميك وظالمي أولادك وشيعتك في الدنيا، ويُعذِّبهم الله في الآخرة عذاباً شديداً، فقال سلمان الفارسي: من هو يا رسول الله؟ قال: التاسع من ولد ابني الحسين، الذي يظهر بعد غيبته الطويلة، فيُعلِن أمر الله، ويُظهِر دين الله، وينتقم من أعداء الله، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. قال: متى يظهر يا رسول الله؟ قال: لا يعلم ذلك إلَّا الله، ولكن لذلك علامات، منها: نداء من السماء، وخسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بالبيداء»(٦٦).
وغير ذلك من الروايات.
جهة اشتراك الساعة والقيام في الخفاء:
لقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يمرَّ الإنسان في نشأته الدنيوية بمخاض يمتدُّ على مجموع مساحة حياته، إذ المخاض طريق التكامل أوَّلاً، وطريق ظهور المستوى الحقِّ من التلبُّس بالكمال.
﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧).
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (محمّد: ٣١).
ومن أهمّ مفردات الابتلاء وأعظمها وقعاً على النفس خفاء بعض الأحداث المهمَّة في حياة الإنسان عنه. وأوضحها في ذلك مسألة قيامة الساعة.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الأعراف: ١٨٧).
فالآية أتت بأداة الحصر أوَّلاً ﴿إِنَّما﴾، وذكرت حصراً آخر من خلال الجمع بين النهي والاستثناء ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ﴾، وذكرت ثالثاً من خلال حصر ثالث بنفي واستثناء أنَّهالا تأتي إلَّا بغتة، ولا يُباغَت الإنسان إلَّا بما لا يعلم به، وكرَّرت رابعاً بـ ﴿إِنَّما﴾ لإفادة اختصاص علمها بالله تعالى.
كلُّ تلك العناية بهذا المعنى لإفادة أهمّية أن تكون خافية على الناس، وأنَّ ذلك هو مقتضى الحكمة، ومن هنا يصرُّ القرآن في موارد متعدِّدة على انقطاع سبيل الوصول إلى العلم بها.
﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها * إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها * إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (النازعات: ٤٢ - ٤٥).
فالآيات تقول: إنَّك لا تعلم بوقتها، ودورك هو التخويف والإنذار منها، وأمرها وعلمها إلى الله تعالى، على ما ذكره بعض المفسِّرين.
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرحامِ﴾ (لقمان: ٣٤).
﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ (فُصِّلت: ٤٧).
﴿وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الزخرف: ٨٥).
ومن تلك المسائل ساعة انتقاله إلى الدار الآخرة.
﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: ٣٤).
ومع قطعنا بحتمية تلك اللحظة إلَّا أنَّنا نوعاً لا نعلم بوقتها، فكلُّ نفس لا بدَّ ﴿ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥)، إذ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأَكْرامِ﴾ (الرحمن: ٢٦ و٢٧).
بل يثقل جدّاً على النفس أن تجهل الوقت بدقَّة وإن علمت به في مساحة ضيِّقة من الزمن.
لكن لصعوبة الظرف فإنَّ الدقائق في التشخيص لها أثرها الكبير على النفس كما حصل للمسلمين في واقعة حُنين حيث لخَّص القرآن ما مرَّ به المسلمون بقوله: ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرضُ بِما رَحُبَتْ﴾ (التوبة: ٢٥).
ومع وعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لهم بالنصر وفق رواية عليِّ بن إبراهيم(٦٧) إلَّا أنَّه ثقل عليهم جدّاً حتَّى أدبروا عن حرب أعدائهم لا يلوون على شيء، ونُقِلَ مثل ذلك في واقعة الأحزاب(٦٨).
ومسألة قيام دولة الحقِّ من المسائل المهمَّة عند من اعتقد بها، والحكمة كما اقتضت في سابقاتها الإخفاء عن عامَّة الناس، فهي بعينها تقتضي أن تختفي هذه المسألة عن عامَّة الناس، وقد شبَّهتها بعض الروايات بمسألة الساعة، لكن هذه الحكمة ليست وحدها وجهاً ملزماً، بل لا بدَّ من ضميمة، إذ غاية ما توصلنا إليه أنَّ هناك مصلحة دعت إلى إخفاء ساعة ظهوره (عليه السلام) وقيام دولة الحقِّ، ولكن هل هي مصلحة بالنسبة لكلِّ الناس؟ وهل توجد مصلحة معارضة لها بالنسبة لبعض الأفراد، بل لكلِّ الأفراد؟ هذا ما لا يمكن إتمامه ببيان مثل المتقدِّم.
لكنَّه يمكن أن ينفعنا في توجيه دليل شرعي ورد في عدم إمكان تشخيص ساعة ظهوره وجهة تشبيهه بالساعة.
وكيف كان، فهو وجه مستقلٌّ في تأييد ما أردنا إثباته من عدم إمكان تعيين زمان ظهوره (عليه السلام) بحيث تصل إليه عامَّة الناس.
الثاني: روايات تكذيب الموقِّتين:
وردت جملة من الروايات التي أخبرتنا بكذب الموقِّتين أو أمرتنا بتكذيبهم، فمنها:
ما رواه الشيخ الطوسي (رحمه الله)، قال: أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمّد بن سفيان البزوفري، عن عليِّ بن محمّد [بن قتيبة] عن الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمّد وعبيس بن هشام، عن كرّام، عن الفضيل، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون، كذب الوقّاتون»(٦٩).
والرواية إن لم تكن صحيحة فهي حسنة، لمكان عليِّ بن محمّد في سندها، وقد اعتمد عليه الكشّي، وذكر الشيخ أنَّه فاضل. والظاهر أنَّها تنفي صحَّة التوقيت مطلقاً.
وعن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي نجران، عن صفوان بن يحيى، عن أبي أيّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فلسنا نُوقِّت لأحدٍ وقتاً»(٧٠).
والرواية صحيحة السند، نعم يبقى طريق الشيخ إلى الفضل.
وعن الفضل بن شاذان، عن الحسين بن يزيد الصحّاف، عن منذر الجوّاز (في بعض النسخ عن منذر بن الجوّاز)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كذب الموقِّتون، ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نُوقِّت فيما يستقبل»(٧١).
ولو كان بالإمكان معرفة الوقت لوُقِّت، فكأنَّ الروايات المتقدِّمة ونظائرها تقول: لا يمكن التوقيت، لأنَّه إن حصل فهو عملية كذب ليس إلَّا.
بل إنَّ المتأمِّل في قوله (عليه السلام): «فلا تهابَنَّ أن تُكذِّبه» أو «كذب الوقّاتون» يجد أنَّ المخبِر عن الوقت لا بدَّ أن يكون كلامه غير صادق، وإلَّا لو احتُمِلَ صدقه لأُمرنا بالتبيُّن، لا أن يُخبِر بكذبه مطلقاً، فالفاسق الذي يأتي بخبر، لم نُؤمَر بتكذيبه، وإنَّما أُمرنا بالتبيُّن لئلَّا نُصيب قوماً بجهالة كما نصَّت الآية(٧٢).
وكيف كان، فإنَّ جزم الإمام (عليه السلام) بكذب المؤقِّت ينفي احتمال صدقه، وكذا قوله لنا: «لا تهابَنَّ أن تُكذِّبه»، فإنَّ هذا ينسجم مع عدم إمكان الاطِّلاع على ما أخبر به من الوقت، فكيف وقَّت؟
على أنَّه لو كان بالإمكان الاطِّلاع على شيء من ذلك، فإنَّه في حدود الاقتضاء، ومن هنا جاء التنظير لذلك بتأخُّر موسى (عليه السلام) حين أُمر بتتميم الميقات من خلال إضافة أيّام كما نصَّت الآية: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ (الأعراف: ١٤٢).
وفي رواية الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: لهذا الأمر وقت؟ فقال: «كذب الوقّاتون، إنَّ موسى (عليه السلام) لمَّا خرج وافداً إلى ربِّه واعدهم ثلاثين يوماً، فلمَّا زاده الله على الثلاثين عشراً، قال له قومه: قد أخلفنا موسى، فصنعوا ما صنعوا»(٧٣).
والرواية وإن كان في سندها معلّى بن محمّد الذي قيل فيه: إنَّه ضعيف مضطرب الحديث، لكنَّنا إنَّما ذكرناها للاستشهاد بها لا للاعتماد عليها في الاستدلال. وهناك رواية أُخرى(٧٤) تعرَّضت لذلك، وفي سندها محمّد بن سنان وعمر بن مسلم ومحمّد بن بشر الهمداني، وكلُّهم ضعاف.
وقد دلَّت بعض الروايات على طروِّ المانع عن توقيتات خرجت من بعض الأئمَّة (عليهم السلام)، ومنها رواية الشيخ الطوسي عن الفضل الذي رواها بسند صحيح عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنَّ عليّاً كان يقول: «إلى السبعين بلاء»، وكان يقول: «بعد البلاء رخاء»، وقد مضت السبعون ولم نرَ رخاءً، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يا ثابت، إنَّ الله تعالى كان وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلمَّا قُتِلَ الحسين اشتدَّ غضب الله على أهل الأرض، فأخَّره إلى أربعين ومائة سنة، فحدَّثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع السرِّ، فأخَّره الله ولم يجعل له بعد ذلك عندنا وقتاً، و﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]»، قال أبو حمزة: وقلت ذلك لأبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «قد كان ذاك»(٧٥).
وفي رواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويُريح أبداننا؟ قال: «بلى، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله»(٧٦).
فإن قيل: لِمَ حملت إخبارات الأئمَّة (عليهم السلام) على الاقتضاء دون الإخبار بالنتيجة القطعية؟
قلنا: أوَّلاً: لأنَّ المخبَر به لم يتحقَّق.
وثانياً: لأنَّ بعض الروايات التي تعرَّضت للتوقيت علَّلت عدم تحقُّق ما أخبرت به بحصول المانع وهو الإذاعة كما في أكثر من رواية، وهذا يعني أنَّ الإخبار كان قد لوحظ فيه الاقتضاء.
وثالثاً: لأنَّه في الوقت الذي أخبر به الأئمَّة عن وقت لا شكَّ أنَّهم لم يغفلوا عن أنَّ عدد الأئمَّة (عليهم السلام) اثنا عشر إماماً. وكلُّ التوقيتات المذكورة كانت قبل إكمال عدَّة الأئمَّة (عليهم السلام).
مضافاً إلى أنَّهم أخبروا كثيراً عن حصول غيبتين طويلتين للإمام الثاني عشر (عليه السلام)، ممَّا يعني أنَّ الفرج كان يُجزَم أنَّه بعد انتهاء زمن الحضور بمدَّة غير قصيرة، فهل ترى أنَّ بالإمكان أن يُخبِر المعصوم بالفرج بنحو الجزم واليقين وهو يعلم علم اليقين أنَّه لا بدَّ أن يُسبَق بفترة يتمُّ فيها عدد الأئمَّة ثمّ مدَّة الغيبة؟
الثالث: روايات توقُّع الفرج بمجرَّد الغيبة:
ومن الروايات التي تدلُّ بالملازمة على عدم إمكان تحديد وقت الظهور بالدقَّة روايات توقُّع الفرج بمجرَّد الغيبة، ومنها: ما رواه الصدوق، قال: حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن محمّد بن عمر الكاتب، عن عليِّ بن محمّد الصيمري، عن عليِّ بن مهزيار، قال: كتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) أسأله عن الفرج، فكتب إليَّ: «إذا غاب صاحبكم عن دار الظالمين فتوقَّعوا الفرج»(٧٧).
وما رواه أيضاً عن أبيه، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا محمّد بن عبد الله بن أبي غانم القزويني، قال: حدَّثني إبراهيم بن محمّد بن فارس، قال: كنت أنا [ونوح] وأيّوب بن نوح في طريق مكّة، فنزلنا على وادي زبالة، فجلسنا نتحدَّث، فجرى ذكر ما نحن فيه وبُعد الأمر علينا، فقال أيّوب بن نوح: كتبت في هذه السنة أذكر شيئاً من هذا، فكتب إليَّ: «إذا رفع علمكم من بين أظهركم فتوقَّعوا الفرج من تحت أقدامكم»(٧٨).
وقوله (عليه السلام): «من تحت أقدامكم» كناية عن قربه.
والمكاتبات وإن كانت نوعاً تحتمل التقيَّة، إلَّا أنَّها هنا بعيدة عنها، لأنَّ الإفصاح عن تأخُّر زمان الظهور يوافق الظالم، فلا يوجد ما يخشاه لو أراد الإخبار عن تأخُّر زمان ظهوره (عليه السلام)، وإنَّما قلنا: إنَّه إفصاح عن التأخُّر باعتبار أنَّها علَّقت الفرج على حصول الغيبة التي لم تكن حاصلة!
ووجه دلالة مثل هاتين الروايتين أنَّه لو أمكن للناس أن تُحدِّد خريطة الأحداث قبل الظهور زمانياً فإنَّ ذلك يعني لغوية الأمر بتوقُّع الفرج في كلِّ الأزمنة السالفة، لأنَّهم سيعلمون أنَّ أوان دولة الحقِّ بعيد جدّاً عن أوائل زمان الغيبة، وهذه اللغوية واضحة بالنسبة للأجيال المتأخِّرة زمانياً عن زمان الحضور، بل بالنسبة للأجيال القريبة كذلك، إذ التوقُّع يُتعقَّل في ظرف عدم العلم، فإذا كان بالإمكان الوقوف على زمانه قطعياً فلا معنى للتوقُّع، لأنَّه يتنافى مع التحديد القطعي.
الرابع: روايات مجيء الفرج بعد اليأس:
ومن جملة الروايات الدالّة على عدم إمكان تشخيص الوقت، ما دلَّ منها على أنَّ الفرج لا يجيء إلَّا بعد اليأس، حيث لا معنى لليأس من ظهوره (عليه السلام) إذا أمكن أن نقف على وقت ظهوره بالتفصيل.
ومن تلك الروايات رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: قال الرضا (عليه السلام): «ما أحسن الصبر وانتظار الفرج، أمَا سمعت قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [الأعراف: ٧١]، فعليكم بالصبر، فإنَّه إنَّما يجيء الفرج على اليأس، فقد كان الذين من قبلكم أصبر منكم»(٧٩).
ورواية محمّد بن منصور، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: «لا والله ما يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلَّا بعد إياس»(٨٠).
ومثلها روايته عن الباقر (عليه السلام)(٨١).
وقريب منها روايته عن الباقر (عليه السلام) أيضاً(٨٢).
وربَّما كانت هذه رواية واحدة اختلف طريق نقلها.
الخامس: روايات الحيرة:
قد يُستَدلُّ على عدم إمكان تعيين زمان الظهور بروايات الحيرة، ببيان أنَّه مع معرفة الوقت لا معنى للحيرة، ومنها: صحيحة عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى ولا علماً يُرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلَّا من دعا بدعاء الغريق؟»، فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع جُعلت فداك حينئذٍ؟ قال: «إذا كان ذلك - ولن تُدركه - فتمسَّكوا بما في أيديكم حتَّى يتَّضح لكم الأمر»(٨٣).
لكن هذه الرواية وإن صحَّت سنداً إلَّا أنَّها ضعيفة دلالةً، إذ لا دليل على أنَّ الحيرة مرتبطة بخفاء وقت ظهور الإمام (عليه السلام).
السادس: روايات مطلوبية الانتظار:
تعدَّدت الروايات التي تحدَّثت عن مطلوبية الانتظار حتَّى عُدَّ أفضل أعمال الأُمَّة وأحبّ الأعمال إلى الله، وعُدَّ المنتظر لأمرهم (عليهم السلام) كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله، وكان المنتظر لظهوره القائل بإمامته (عليه السلام) من أهل الغيبة من أفضل أهل كلِّ زمان.
ولمَّا كانت مضامين هذه الروايات غير خاصَّة بجيل دون جيل تبيَّن أنَّ مفهوم الانتظار المطلوب يُطلَب من الجميع وعلى اختلاف العصور، ولو كان بالإمكان أن يُعرَف زمان ظهوره (عليه السلام) لانتفى مورد الانتظار لمن لا يُدركه عادةً، وهل يبقى معنى لانتظار أمر لا يحصل إلَّا بعد ألف سنة أو أكثر؟ لا شكَّ أنَّه سيكون عبثياً، وهذا واضح بالنسبة لكلِّ الأجيال التي تعرف أنَّها لا تُدركه لو اطَّلعت على زمان ظهوره لو أمكن ذلك.
إذن فكلُّ الروايات الدالّة على مطلوبية الانتظار ومدحه مطابقةً تدلُّ بالملازمة العقلية على أنَّ وقت الفرج غير معلوم، بل ولا يمكن أن يعلمه الخواصّ فضلاً عن العوامِّ.
ومن هذه الروايات ما في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام)) بالأسانيد الثلاثة عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار فرج الله»(٨٤).
وفي (الاحتجاج) عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي، عن عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، قال: «تمتدُّ الغيبة بوليِّ الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله والأئمَّة بعده. يا أبا خالد، إنَّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته المنتظرين لظهوره أفضل أهل كلِّ زمان، لأنَّ الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أُولئك المخلصون حقّاً، وشيعتنا صدقاً، والدعاة إلى دين الله سرّاً وجهراً»(٨٥).
وفي (الخصال) قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من رَوح الله، فإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج»(٨٦).
وفي نفس الحديث: «الآخذ بأمرنا معنا غداً في حظيرة القدس، والمنتظر لأمرنا كالمتشحِّط بدمه في سبيل الله»(٨٧).
عدم إدراك الأمر المنتظَر لا يستدعي لغوية الأمر بالانتظار:
فإن قيل: إنَّ المشهور بنى على أنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، ومع ما يلوح من الروايات من أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) يعلمون بالوقت، أو على الأقلّ يعلمون أنَّه لا يحصل الظهور وما تنتظره الناس إلَّا بعد ردح من الزمن، لا معنى لانتظار كلِّ الأجيال التي يُعلَم بعدم إدراكها زمان ظهوره (عليه السلام)، فيصبح الانتظار عبثياً، وأيُّ معنى لأمر ولدك بانتظار شروق شمس تعلم أنَّه لن يُدركه؟ وهل انتظاره إلَّا مضيعة للوقت؟
كان الجواب: لا مجال للعبثية خصوصاً في مثل هذا المورد حيث امتثال التكليف فيه قد يستوعب العمر كلَّه، وهذا يعني أنَّنا حتَّى وإن رفضنا مسلك تبعية الأحكام للمصالح والمفاسد في متعلَّقاتها وخالفنا المشهور، إلَّا أنَّ ذلك إنَّما يُتعقَّل في غير أمثال المورد الذي يمتدُّ امتثاله على مساحة كبيرة من العمر، ومن البعيد تعلُّقه في أمثال هذا المورد للنكتة السابقة وهي استيعابه شطراً مهمّاً من العمر ممَّا يُبعِّد الإنسان عن غايات خلقته. وإن كان التتبُّع في جزئيات التكاليف يدعم مبنى المشهور حيث اقترنت الكثير من التكاليف ببيانات أو أُتبعت ببيانات للحِكَم الداعية إلى التشريع أو العلل مع ما يلوح من قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ (الأنفال: ٢٤).
ثمّ إنَّ من لم يلتزم بتبعية الأحكام للمصالح والمفاسد إنَّما أنكر كلّيتها، أي بنى على أنَّه ليس من الضروري وجود المصلحة في متعلَّق الحكم الشرعي، وليس هذا موضوع بحثنا، بل قال: قد لا تكون المصلحة الداعية للتشريع متوفِّرة في متعلَّق التكليف.
ويضاف إلى ذلك أنَّ المصلحة الداعية إلى التشريع لمطلوبية الانتظار لا يُشتَرط أن تكون في الأمر المنتظَر، بل في الانتظار وما يترتَّب عليه. فحينما تُخرج ولدك لمزاولة الاتِّجار لا يكون نظرك دائماً إلى الربح الآني، بل قد تنظر إلى المهارات التي يكتسبها والنضج في التعامل مع الآخرين والاعتماد على النفس وغير ذلك، مع أنَّ أمرك له بمزاولة التجارة ليس عبثياً في الموارد التي تعلم أنَّه لن يربح فيها.
والانتظار يمنع الإحباط واليأس، ويقوّي الانتماء لمشروع المنتظِر (عليه السلام)، ويُحرِّك الإنسان ليكون فاعلاً في نجاح المشروع، مع كلِّ ما لما ذكرناه من لوازم.
مطلوبية الانتظار لضمان معرفة الإمام (عليه السلام):
وممَّا يشهد لكون الانتظار لا يُراد لنفسه، بل لما يلازمه من المعرفة بالإمام، جملة من الروايات التي دلَّت على أنَّه متى ما عرف الإنسان إمامه فقد نال الفرج، ومن هنا كان انتظار الفرج من الفرج، فالكربة هي كربة فقدان معرفة الإمام (عليه السلام).
فقد روى الشيخ في (الغيبة) عن الفضل، عن ابن أسباط، عن الحسن بن الجهم، قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن شيء من الفرج، فقال: «أوَلست تعلم أنَّ انتظار الفرج من الفرج؟»، قلت: لا أدري إلَّا أن تُعلِّمني، فقال: «نعم، انتظار الفرج من الفرج»(٨٨).
ورواية أبي بصير وهي مرفوعة وفي سندها البطائني، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداك، متى الفرج؟ فقال: «يا أبا بصير، وأنت ممَّن يريد الدنيا؟ من عرف هذا الأمر فقد فُرِّج عنه بانتظاره»(٨٩).
ورواية زرارة وهي حسنة لمكان إبراهيم بن هاشم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «اعرف إمامك، فإنَّك إذا عرفته لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر»(٩٠).
فإذا لم يضرّ التقدُّم أو التأخُّر، والأصل هو معرفة الإمام (عليه السلام)، تبيَّن أنَّ المراد الأصلي هو غير الانتظار، ولا الأمر المنتظَر.
ورواية إسماعيل بن محمّد الخزاعي، قال: سأل أبو بصير أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا أسمع، فقال: تراني أدرك القائم (عليه السلام)؟ فقال: «يا أبا بصير، ألست تعرف إمامك؟»، فقال: بلى والله، وأنت هو، فتناول يده، وقال: «والله ما تبالي - يا أبا بصير - أن لا تكون محتبياً بسيفك في ظلِّ رواق القائم (عليه السلام)»(٩١).
ورواية عمرو بن أبان - ولم يُوثَّق -، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «اعرف العلامة، فإذا عرفت لم يضرّك تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر، إنَّ الله تعالى يقول: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١]، فمن عرف إمامه كان كمن كان في فسطاط المنتظر (عليه السلام)»(٩٢).
الأمر الثاني: عدم تعرُّض الروايات للزمان مطلقاً:
إنَّ المتتبِّع في الموروث المرتبط بالحوادث التي أخبر عنها المعصوم (عليه السلام) على كثرته لا يجد ما يمكن أن يكون مستنداً لرسم صورة لتلك الحوادث واضحة المعالم محدَّدة التواريخ، بل إنَّ الروايات على العموم كانت بصدد بيان بعض مفردات الحوادث أو الأحداث بشكل مجتزأ عن المجموع، نعم قد تُنسَب بعض الحوادث إلى البعض الآخر، ولكنَّه ليس بالنحو الذي ينتج صورة كلّية واضحة التفاصيل.
اللّهمّ إلَّا ما يرتبط ببعض الحوادث التي تقع قبل فترة قصيرة من الظهور، وبالخصوص العلامات الحتمية(٩٣) منها. فالسفياني من المحتوم على ما تنصُّ الروايات المتعدِّدة، وقد حدَّدت فترة ظهوره وحكمه والمساحة التي يُهيمن عليها وحركة جيشه وجهةً ومدَّةً وكيف تُخسَف به الأرض، واليماني الذي يخرج من صنعاء في نفس اليوم الذي يخرج فيه السفياني، والصيحة التي لا تقبل التكرُّر والاشتباه لمن كان له خبر بها قبل حصولها، والخسف في البيداء بين مكّة والمدينة، وقتل النفس الزكيَّة الذي لا يفصله عن ظهور الإمام (عليه السلام) أكثر من (١٥) يوماً، هذه الحوادث الخمسة استوعب التعرُّض لها في الروايات فواصلها الزمانية عن ظهور الإمام (عليه السلام)، وما سواها يصعب القول: إنَّ الروايات أعطته صورة واضحة خصوصاً من جهة المدَّة التي تفصله عن الظهور.
وبما أنَّ هذه العلامات الخمس لم تتحقَّق إلى الآن فإنّا لا نستطيع أن نرسم خريطة أحداث بفواصلها الزمانية بالنحو الذي يتيح لنا تحديد زمان الظهور.
بل إنَّ بيانات الأئمَّة (عليهم السلام) والمرتبطة بالفرج وما يرجع إليه لم تتعرَّض لزمانٍ خاصٍّ، وإنَّما اقتصرت على التعرُّض لأُمور عامَّة كانتشار الظلم، وإقبال الناس على الدنيا، وظهور الاستئكال بالدين، وغير ذلك ممَّا تكرَّر ذكره في الروايات، وهي مفاهيم نسبية مرَّت الكثير من المقاطع الزمانية التي برزت فيها مثل هذه المفردات على مستوى عالٍ جدّاً دون أن يظهر (عليه السلام). نعم هي مختلفة عن زمان النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنَّك تشعر بعد مراجعة مثل هذه الروايات وملاحظة الواقع التاريخي في الأزمنة التي بعد صدورها أنَّها لم تكن بصدد بيان التاريخ المحدَّد للفرج.
بل المتأمِّل لما كان الناس يرغبون بسماعه والبيان الصادر من الجهة المعصومة يجزم بوجود إصرار بعد قرار بعدم بيان ذلك التاريخ. وإلَّا كيف يُعقَل أن تتوق الناس لمعرفة التاريخ ولا يتعرَّض الأئمَّة (عليهم السلام) من قريب أو بعيد للإجابة عمَّا يريدونه، وإنَّما يكتفون على اختلاف مقاطع التاريخ ببيان سمات عامَّة للمجتمعات لا محدِّد لضبط خصوص ما أُريد منها بحيث ينطبق عليه دون سواه.
ومن هنا ترى أنَّ العلماء وهم المتخصِّصون في قراءة وفهم الموروث الشرعي عسر عليهم أن يفهموا خصوص ذلك الزمان ويُشخِّصونه. ولهذا كان بعض الأجيال الأُولى من علمائنا في زمن الغيبة يوصي بحفظ حقِّ الإمام (عليه السلام) من الخُمس أمانةً إلى أن يظهر. ولو خطر ببالهم احتمال مرور ألف سنة أو أكثر دون أن يخرج لما أقدموا على ذلك. ولهذا لم يستبعد نحرير الأخبار وابن بجدة فهمها المجلسي أن يكون الذي يُسلِّم الراية إلى الإمام (عليه السلام) هو البيت الصفوي(٩٤).
فعَجْزُ المتخصِّص عن التحديد على مرِّ العصور يكشف عن عدم إمكان ذلك خصوصاً مع أهمّية المسألة.
نعم قد يقال: إنَّ ذلك الاستدلال غير تامٍّ، إذ غاية ما يورثه استبعاد إمكان الفهم من الروايات لا الاستحالة، وكم ترك الأوَّل للآخر.
لكن يردُّه أنَّ ضمَّ هذا الوجه إلى بقيَّة الوجوه يورث القطع باستحالة ذلك، بل بعض الوجوه الأُخرى كافية في الوصول إلى الجزم.
هذا مضافاً إلى إمكان الجزم، فالروايات بين أيدينا ولا توجد فيها إشارة واحدة إلى زمان تفصيلي للظهور على كثرة هذه الروايات، وحين لم تتعرَّض بالمرَّة ولو بنحو الإشارة، فكيف يتيسَّر للآخِر أن يكتشف الوقت منها بعد أن عجزت كلُّ أجيال الباحثين عن إيجاد إشارة إلى ذلك في مضامين الروايات المبحوث فيها؟
وحين نتحدَّث عن بعض الحوادث التاريخية المستقبلية فإنَّها تذكرها بشكل منفصل عن باقي الحوادث الأُخرى، حتَّى ما تُعبِّر عنه الروايات بالمحتوم من العلامات - إلَّا ما كان في الزمن القريب من ظهوره (عليه السلام) - كانهيار الدولة العبّاسية، وكأنَّها دغدغت مشاعر من ثقلت عليه دولة بني العبّاس والتي امتدَّت إلى أقاصي الدنيا دون أن يلوح فيها شيء من الوهن أو علامة من الضعف، فأخبرتهم بأنَّها لا بدَّ أن تُطوى صفحتها، وما الله بغافل عمَّا يصنعون.
وليس في هذه الروايات وسواها نسبة الحوادث والعلامات إلى بعضها زمانياً من جهة السبق واللحوق فضلاً عن تحديد مقدار الفواصل الزمانية فيما بينها. فكيف نستفيد منها أو يمكن أن يُستفاد منها بضمِّها إلى بعضها ما يمكن معه أن نُحدِّد زمان ظهور الإمام (عليه السلام) وقيام دولة الحقِّ؟
وكيف كان فالروايات خالية عن ما يمكن أن يكون منطلقاً لتحديد الزمان الدقيق لذلك الفرج العظيم، والمسألة غير مرتبطة باكتشاف علمي أو رقي في جانب الإدراك العقلي ليقال: إنَّ بالإمكان أن يساهم التراكم المعرفي في تحديد تاريخ تلك المفردة. نعم قد نتعقَّل أن يصل البشر مثلاً إلى تحديد زمان قد يصطدم فيه كويكب بالأرض فينهي الحياة فيها كما تطرح بعض دوائر البحث تصوّراتها في ذلك، فيقال حينها - بضميمة أنَّه لو بقي يوم واحد في الأرض لأطال الله ذلك اليوم إلى أن يظهر القائم (عليه السلام) -: إنَّ زمان الظهور مشخَّص ولو في الجملة، لكن ذلك في حدود التصوّرات أوَّلاً، على أنَّ مثل هذه الكويكبات يمكن تغيير مسارها وفق تصوّرات المراكز البحثية بعد أن عدلوا عن فكرة توجيه صواريخ عالية التدمير لتفتيتها في الفضاء، لأنَّه يُبدِّل الاصطدام الواحد الكبير بأعداد هائلة من الاصطدامات الصغيرة والتي ستنهي الحياة على الأرض أيضاً وفق تصوّراتهم أيضاً.
وربَّما استفدنا من بعض الروايات أنَّ طريق تحديد ذلك ليس إلَّا الغيب، والأئمَّة (عليهم السلام).
ومنها: رواية منذر الجوّاز عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كذب الموقِّتون، ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نُوقِّت فيما يستقبل»(٩٥).
فإنَّ قوله (عليه السلام) بعد الإخبار بـ «كذب الموقِّتون، ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نُوقِّت فيما يستقبل»، فيه دلالة على منشأ الكذب، فكأنَّه (عليه السلام) يقول: على ماذا يعتمد المؤقِّت ونحن لا نُوقِّت؟ وفيه إشعار بأنَّ الطريق للاطِّلاع على الوقت منحصر بهم (عليهم السلام).
الأمر الثالث: الحكمة المانعة من تيسير طريق معرفة الوقت:
أهمّية الانتظار ليس بملاك أهمّية الأمر المنتظَر:
إنَّ التأمُّل في الأدلَّة التي دلَّت على مطلوبية الانتظار مع ملاحظة علم الأئمَّة (عليهم السلام) بأنَّ أجيالاً بعد أجيال لن يُقسَم لها إدراك ما أُمروا بانتظاره - ولا أقلّ من أنَّ ذلك غير ممكن بالنسبة للأجيال في زمن الحضور وأوائل عصر الغيبة - مع الالتفات إلى عمومية ذلك التكليف لكلِّ الأجيال، يوصِل إلى الجزم بأنَّ المصلحة الداعية إلى التشريع لا تتمثَّل في رجاء أو احتمال إدراك ذلك الأمر المنتظَر، وإلَّا لكان التكليف عبثياً بالنسبة لمن يُعلَم أنَّه لا يُدركه. ولا مجال للعبث في التكاليف الشرعية خصوصاً المهمَّة منها. والانتظار وفق أدلَّة مطلوبيته مهمٌّ جدّاً، ويشهد لأهمّيته الكبرى أُمور:
الأوَّل: كثرة الأدلَّة الدالّة على مطلوبيته، وقد استعرضنا بعضاً منها، وكثرة البيانات الشرعية في أمر دليل على أهمّيته.
الثاني: الأدلَّة الصريحة في ذلك، كقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل أعمال أُمَّتي انتظار فرج الله»(٩٦).
وعن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «أفضل العبادة انتظار الفرج»(٩٧).
وعن الصادق (عليه السلام): «انتظروا الفرج، ولا تيأسوا من رَوح الله، فإنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله (عزَّ وجلَّ) انتظار الفرج»(٩٨).
الثالث: الأدلَّة في تشبيهه، بل حتَّى تفضيله على أعمال ثبتت أهمّيتها في الشريعة.
فعن الباقر (عليه السلام): «القائل منكم: إن أدركت قائم آل محمّد نصرته، كان كالمقارع بين يديه بسيفه...» الخبر(٩٩).
وعن الصادق (عليه السلام) في رواية: «من مات منتظراً لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه، لا بل كان كالضارب بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالسيف»(١٠٠).
الرابع: المدَّة الزمانية التي يستغرقها امتثال التكليف، إذ إنَّه يستغرق العمر كلَّه.
وهناك وجوه أُخرى ليس هذا محلُّ التعرُّض لها.
فالمصلحة التي استدعت هذه الأهمّية للانتظار مرتبطة بنفس الانتظار ومترتِّبة عليه، ويتَّضح ذلك من خلال ملاحظة جملة من النقاط:
١ - عدم موضوعية النفس في الاعتقاد والانقياد:
هناك جملة من العوامل التي تُؤثِّر على النفس في موضوعة الإذعان بحقيقة ما قامت الأدلَّة على ثبوتها، وفي موضوعة الانقياد في الجانب العملي، فما كلُّ ما قامت الدلائل عليه أذعنت به النفس، وما كلُّ ما اعتقدت به انعكس في جانب السلوك، فحين تتحرَّك شهواتها ورغبتها في كسر القيود تنكر حتَّى يوم القيامة دون دليل.
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (القيامة: ٥ و٦).
بل حين تتيقَّن النفس تجحد: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ﴾ (النمل: ١٤).
وحين تكتسب الخطايا تكذب بيوم الدين: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطفِّفين: ١٠ - ١٤).
وتمتنع عن اتِّخاذ الموقف المناسب والثبات عليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ (آل عمران: ١٥٥).
٢ - عدم ثبات الإيمان أصلاً ومرتبةً:
إنَّ الإيمان عند تحقُّقه في النفس ليس لازماً غير قابل للانفكاك عنها، فقد يعرض ما يزيله، فقد يتسبَّب الإيغال في الذنوب بانتفائه، والقرآن واضح الدلالة في ذلك: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (الروم: ١٠).
وما أكثر من تلبَّس بالإيمان ثمّ ارتدَّ عنه، فبعد وفاة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقبلها ارتدَّت أقوام وأقوام، ولم يعدهم إلى حضيرة الإيمان إلَّا جيوش خاضت حروباً طاحنة لأجل إرجاعهم إلى عضوية المجتمع الإسلامي.
والقرآن الكريم قد تحدَّث عن زيادة في الإيمان وعمَّا يمنع من ارتياب المؤمن، ممَّا يعني أنَّ الإيمان يمكن أن ينقص.
قال تعالى: ﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (المدَّثِّر: ٣١).
وتحدَّث عن الذين آمنوا، ثمّ كفروا، ثمّ ازدادوا كفراً(١٠١)، وتحدَّث عن الذين ارتدّوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى(١٠٢)، وتحدَّث عن الذي آتاه الآيات فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين(١٠٣)، وتحدَّث عن الذي قال له الشيطان: اكفر، فلمَّا كفر قال له الشيطان: إنّي بريء منك، إنّي أخاف الله ربَّ العالمين(١٠٤).
وشرَّعت الشريعة أحكاماً للمرتدِّ، وبيَّنت الاختلاف بين المرتدِّ الملّي والمرتدِّ الفطري.
وهل تُشرِّع الشريعة أحكاماً لموضوع غير قابل للتحقُّق في الخارج؟
وكيف كان، فعدم ثبات الإيمان أصلاً ومرتبةً واضح لا يحتاج إلى كثير بيان وإقامة برهان.
٣ - طول الأمد باعث على ضعف تأثير المعتَقد وقسوة القلب:
إنَّ من الأسباب التي تدعو الإنسان إلى التماهل بُعد الموعد، فقد ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ (الأنبياء: ٣٧)، فكان عجولاً(١٠٥)، وأبناء النوع يُحِبُّون العاجلة ويذرون الآخرة(١٠٦)، وأحد أسباب عنايتهم بالعقوبات الدنيوية وترجيح كفَّتها على الأُخروية هو بُعد الموعد، ومن هنا كان طول العهد أو الأمد مقسياً للقلب.
حين يرجع موسى إلى قومه متأسِّفاً على ما فعلوه إذ عبدوا العجل يسألهم، بل يُبيِّن لهم بسؤال أنَّ ما صاروا إليه كان بسبب طول العهد، أي بُعد ما وُعدوا به، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ (طه: ٨٦).
ولا شكَّ أنَّهم لم يريدوا أن يحلَّ عليهم غضب من الله، خصوصاً والقوم لم يُشكِّكوا بعودة موسى، ولذا أجابوا هارون (عليه السلام) بقولهم: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ (طه: ٩١).
وكيف كان، فالذي يلوح من كلام موسى (عليه السلام) هو أنَّ طول العهد من عوامل انسلال النفس البشرية من مشروعها الذي تسعى إلى تطبيقه، وأنَّ هذا يُشكِّل قانوناً ممَّا يحكم على سلوك بعض أبناء النوع البشري.
وقد تعرَّضت لذلك أيضاً سورة الحديد بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (الحديد: ١٦).
ففي تفريع قسوة القلب على طول الأمد دلالة على سببية الثاني للأوَّل، وإلَّا فلا معنى للتفريع.
وفي (الخصال) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجَّل، واستعينوا بالله واصبروا، ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسوا قلوبكم»(١٠٧).
وفي عبارته الأخيرة إشارة إلى ما ذُكِرَ في الآية التي في سورة الحديد.
تشريع الحدود والتعزيرات يُعاكس في الأثر طول الأمد:
إنَّ ما يقتضيه العدل الإلهي ليس أكثر من إتمام الحجَّة على الناس، وهو الذي يحصل بإرسال الرُّسُل، ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الإسراء: ١٥)، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ (النساء: ١٦٥).
لكن العدل لا يُمثِّل الإطار الوحيد في التعاطي الإلهي مع الخلق، فاللطف إطار آخر لازم الإعمال، فالله لطيف بعباده، ولطفه يقتضي أن يُعمِل كلَّ ما من شأنه أن يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد عن المعصية.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: ١٦)، يعلم أنَّ تأخير ظهور آثار الأعمال حتَّى مع الحتمية لترتُّبها غير كافٍ لأكثر الناس، ومن هنا قدَّمت بعض تلك الآثار التي تأخذ طابعاً جزائياً لتكون في الدنيا، وإلَّا فإنَّ العدل لا يقتضي أكثر من أن يكون للأعمال السيِّئة جزاء في الآخرة وتُعلَم به الناس ولو إجمالاً، لكن ذلك سيعني أنَّ دائرة الاستقامة ستكون ضيِّقة جدّاً، فقضت الضرورة بأن تُزَحَّف بعض العقوبات إلى الدنيا، وهي على أنواع:
١ - القصاص: ويشهد لما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (البقرة: ١٧٩).
٢ - الحدود.
٣ - التعزيرات.
٤ - الآثار التكوينية للأعمال.
٥ - فرض بعض القيود على مساحة التحرُّك، كعدم قبول الشهادة، وعدم جواز الائتمام، وعدم جواز التقليد.
٦ - الاستفادة من الضاغط الاجتماعي من خلال تشريع واجب غاية في الأهمّية، وهو النهي عن المنكر.
وكلُّ هذه اقتضاها اللطف الإلهي - وإلَّا فالعدل لا يستوجب شيئاً منها -، إذ بدونها تبتعد الناس عن الاستجابة لدعوات الأنبياء (عليهم السلام).
ومن هنا صارت إقامة العدل غاية لبعثة الأنبياء (عليهم السلام)، وهذا يعني أنَّها غاية للخلقة، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥).
إنَّ إقامة العدل ليست هدفاً للخلقة، وإنَّما هي رفع مانع عن وصول الناس إلى غاية خلقتهم المتمثِّلة بالارتقاء المعرفي، فلولا إقامة العدل لانتشر الظلم، ولانشغل الناس في دفع الحيف عن أنفسهم وحفظ مصالحهم، وفي ذلك كلُّ البعد عن غاية خلقتهم. وتُشكِّل القوانين الجزائية التي يكون ظرف إجرائها في الدنيا محوراً أساسياً في العدل إن لم يكن المحور الأساسي.
والسرُّ الأساسي هو الحاجة إليه في الدنيا، إذ لا يكفي لأكثر الناس أن يكون ظهور آثار أعمالهم في الآخرة.
فطول الأمد أو العهد كما تُعبِّر آية أُخرى(١٠٨) مدعاة لتنصُّل الأفراد عن أداء تكاليفهم وتحمُّل مسؤولياتهم.
٤ - توقُّع الظهور يُرسِّخ المعتَقد ويُفعِّل تأثيره:
إنَّ المشروع الإسلامي يُمثِّل مشروع حياة يُحدِّد أُطراً عامَّة وحدوداً تفصيلية تمتدُّ على جزئيات حياة الفرد والمجتمع، واهتمامه بالجانب الاجتماعي ذو أبعاد كبيرة، فإنَّ النزعة الاجتماعية لبني النوع الإنساني جعلته يتأثَّر بأبناء نوعه. مضافاً إلى أنَّ بعض أهمّ الأغراض الشرعية تترتَّب على السمة المجتمعية لا الجانب الفردي للسلوك. ولمَّا كان المشروع الإسلامي مشروع حياة فإنَّه لا بدَّ أن لا يترك الاهتمام بإدارة المجتمع، وقد تجلّى هذا الاهتمام من خلال منظومة أحكام يفترض بالحكومات أن تضبط سلوكها على إيقاع تلك المنظومة، وتحديد من له الحقَّ في تسنُّم تلك المناصب، وتشريع عقوبات مشدَّدة ومجازاة حسنة مضاعفة لمن تصدّى لتلك المناصب، وبعض تكاليف للرعيَّة بالردِّ على المسيء منهم ومؤازرة من عمل بالحقِّ فيهم.
ولمَّا كانت النزعة الفرعونية في النفوس في أعلى تجلّياتها لمن ملك فإنَّ من ملك استأثر، وصرخة ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (النازعات: ٢٤)، لها صداها في نفس من ملك، فإنَّ مشروع الحقِّ يُشكِّل تهديداً كبيراً عليهم، إذ أقلّ آثاره أنَّه يسلب الشرعية عنهم، كان الإيقاع بأنصار المشروع الإلهي غرضاً دائماً للحُكّام الظلمة، فسيوفهم لم تجف من دماء دعاة الحقِّ وأنصاره، وطواميرهم طالما غصَّت بأخيارهم، ومن نجا من هذه وتلك كان نصيبه من الحياة غصصاً ورزقه نصباً، وهذا ما لا يسهل على النفس تجرُّعه.
وحين تُسَدُّ أبواب الطرق الطبيعية للنجاة تدور دفَّة التشبُّث نحو الغيب، وحين تجد في الموروث أنَّ الغيب أعدَّ راية حقٍّ تُزهِق كلَّ باطل وتُبطِل كلَّ ظلم تتعلَّق به النفوس، وتتعامل معه وكأنَّه من كفل رحمة اليوم لا رزق ربَّما أُعِدَّ لغدٍ، فتبتعد تلك النفوس عن اليأس وتتخلَّص من الإحباط.
ومن هنا قضت الضرورة أن يُبيَّن للناس أنَّ ما طمحوا إليه وراموا تحصيله ليس بعيد المنال، ولا إدراكه ضرب من المحال. ومن وقع في التوقيت كان بين محذورين غير الخروج عن الموضوعية، إذ لا يوجد ما يمكن الاستناد إليه في تحديد الوقت.
أوَّلهما: أن يكون وقته قريباً، فإذا انكشف الخلاف أورث ذلك يأساً وإحباطاً، وإذا حدَّد آخر وقتاً أمكن أن يصل إلى نفس ما وصل إليه الإخبار الأوَّل، وهكذا فتتَّسع دائرة الإحباط وتعمُّ بقعة اليأس، ممَّا قد يُهدِّد المشروع كلَّه بأن لا يبقى له ناصر ومعين.
وثانيهما: أن يكون الوقت المحدَّد بعيداً، ومثل هذا الخبر يظهر أثره السيِّئ مباشرةً عند تصديقه، لأنَّه سيسدُّ باب الأمل، وسدُّ باب الأمل مفتاح باب التقاعس والتثاقل، بل باب ترك المعتقد.
ومن هنا لم يكتفَ من الروايات بعدم التعرُّض لما يمكن معه معرفة الوقت، بل تكثَّرت الروايات في وصفهم بالكذب، بل أمرتنا بتكذيبهم، لأنَّ نتيجة التوقيت أحد محذورين كبيرين للأُمَّة.
فنِعْمَ المعين على تحمُّل المحن واجتياز أمواج بحر الفتن الأمل بتحقُّق المرجو في قادم أيّام حياة الفرد.
ويضاف إلى ذلك أنَّ الغيبة لم تكن في زمن قريب من عصر صدر الرسالة، والمشاريع الإصلاحية بما في ذلك الشرائع السماوية عادةً ما يخفت بريقها في النفوس بعد مضيِّ زمن التأسيس، ومن هنا كان للروّاد والمؤسِّسين شأن آخر. فلننظر كيف تحدَّث أمير المؤمنين (عليه السلام) عن أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من الروّاد.
قال (عليه السلام): «لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نَقْتُلُ آبَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا وَإِخْوَانَنَا وَأَعْمَامَنَا، مَا يَزِيدُنَا ذَلِكَ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً، وَمُضِيّاً عَلَى اللَّقَمِ، وَصَبْراً عَلَى مَضَضِ الأَلَمِ، وَجِدّاً فِي جِهَادِ الْعَدُوِّ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا وَالآخَرُ مِنْ عَدُوِّنَا يَتَصَاوَلَانِ تَصَاوُلَ الْفَحْلَيْنِ يَتَخَالَسَانِ أَنْفُسَهُمَا أَيُّهُمَا يَسْقِي صَاحِبَه كَأْسَ المَنُونِ، فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا وَمَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلَامُ مُلْقِياً جِرَانَه وَمُتَبَوِّئاً أَوْطَانَه، وَلَعَمْرِي لَوْ كُنَّا نَأْتِي مَا أَتَيْتُمْ مَا قَامَ لِلدِّينِ عَمُودٌ وَلَا اخْضَرَّ لِلإِيمَانِ عُودٌ»(١٠٩).
وقال (عليه السلام) أيضاً: «لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فَمَا أَرَى أَحَداً يُشْبِهُهُمْ مِنْكُمْ، لَقَدْ كَانُوا يُصْبِحُونَ شُعْثاً غُبْراً، وَقَدْ بَاتُوا سُجَّداً وَقِيَاماً، يُرَاوِحُونَ بَيْنَ جِبَاهِهِمْ وَخُدُودِهِمْ، وَيَقِفُونَ عَلَى مِثْلِ الْجَمْرِ مِنْ ذِكْرِ مَعَادِهِمْ، كَأَنَّ بَيْنَ أَعْيُنِهِمْ رُكَبَ الْمِعْزَى مِنْ طُولِ سُجُودِهِمْ، إِذَا ذُكِرَ اللهُ هَمَلَتْ أَعْيُنُهُمْ حَتَّى تَبُلَّ جُيُوبَهُمْ، وَمَادُوا كَمَا يَمِيدُ الشَّجَرُ يَوْمَ الرِّيحِ الْعَاصِفِ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ وَرَجَاءً لِلثَّوَابِ»(١١٠).
لكن حديثه حين تناول مرحلة متأخِّرة انصبَّ على أسماء خاصَّة ممَّن لم يتأثَّروا بطول الأمد:
«أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ؟ أَيْنَ عَمَّارٌ؟ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ؟ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ؟ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى المَنِيَّةِ، وَأُبْرِدَ بِرُؤُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ»، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِه عَلَى لِحْيَتِه الشَّرِيفَةِ الْكَرِيمَةِ، فَأَطَالَ الْبُكَاءَ، ثُمَّ قَالَ: «أَوِّه عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوه، وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوه، أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ، دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا، وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوه»(١١١).
ومن مثل عمّار وهو القائل لأمير المؤمنين (عليه السلام): (والله لو ضربونا بأسيافهم حتَّى يبلغونا سعفات هجر لعلمنا أنا على حقٍّ وهم على باطل)(١١٢).
وإنَّما كان عمّار كذلك لثقل إيمانه، كيف لا وقد قال فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ عمّار مُلِئَ إيماناً من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمانُ بلحمه ودمه»(١١٣).
وفي حديث آخر: «أبشر يا أبا اليقظان فإنَّك أخو عليٍّ في ديانته، ومن أفاضل أهل ولايته، ومن المقتولين في محبَّته»(١١٤).
ومن عظم وقع استشهاده على نفس أمير المؤمنين (عليه السلام) أنشأ عندما وجده بين الشهداء:

ألَا أيُّها الموت الذي ليس تاركي * * * أرحني فقد أفنيت كلَّ خليل
أراك بصيراً بالذين أُحِبُّهم * * * كأنَّك تمضي نحوهم بدليل(١١٥)

بل قول عمرو بن العاص وهو عدوّه حين تنازع أبو العادية الذي قتل عمّاراً وابن جوى السكسكي الذي حزَّ رأسه، وكان كلٌّ يقول: أنا قتلته، فقال عمرو: (والله إن يختصمان إلَّا في النار)(١١٦).
ومن مثل عمّار كي لا يتأثَّر بكون النصر قريباً أو بعيداً؟
٥ - اللطف الإلهي يقتضي عدم قطع الأمل:
وبعد الذي ذكرناه يتبيَّن أنَّ علم الناس بزمان قيام دولة الحقِّ لا ينافي عدل الله تعالى، فعدله لا يستوجب أكثر من بيان التكاليف ولو إجمالاً، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)، وثبوت القدرة على الامتثال.
وكلٌّ منهما ممكن مع العلم بالمشروع، لكنَّه لا ينسجم مع صفة اللطف الإلهي، إذ إنَّ علم الأجيال التي تعلم أو تحتمل احتمالاً معتدّاً به أنَّها لن تُدركه سينعكس إحباطاً، فقسوة للقلوب، فانسلالاً عن المشروع الإلهي الذي يُمثِّل بشارة الأنبياء (عليهم السلام)، فتنصُّلاً عن الدين في القسم الأكبر من المؤمنين.
وهل تتعقَّل أن يصدر ذلك من الله وهو الذي يُعبِّر عن رغبته باستقامة الكفّار الذين يستهزؤون بأنبيائه بالتحسُّر حين يقول: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (يس: ٣٠)؟
ويخاطب من أوغل في الذنوب بدفء الانتساب إليه حين يقول: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣)؟
فالتعليل بالأماني للشيعة يُبعدِهم عن التناكل والتثاقل فالانسلال، وهذا ما تحدَّثت عنه بعض الروايات.
عليُّ بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي، وما روي في أعاديكم قد صحَّ؟ فقال (عليه السلام): «إنَّ الذي خرج في أعدائنا كان من الحقِّ، فكان كما قيل، وأنتم عُلِّلتم بالأماني فخرج إليكم كما خرج».
وقد استفاد عليُّ بن يقطين من جواب الإمام (عليه السلام) هذا في جواب أبيه حين سأله وهو عبّاسي الهوى:
ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له عليٌّ: إنَّ الذي قيل لنا ولكم من مخرج واحد، غير أنَّ أمركم حضركم فأُعطِيتُم محضه وكان كما قيل لكم، وإنَّ أمرنا لم يحضر فعُلِّلنا بالأماني، فلو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامَّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألُّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج(١١٧).
وهذا يعني أنَّ عليّاً لم يفهم من الرواية أنَّ ما خرج من الملاحم في أهل البيت (عليهم السلام) لم يكن من الحقِّ، فكلُّ ما خرج هو من الحقِّ لكن زمن ما يرتبط بهم (عليهم السلام) لم يحضر، إلَّا أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) لم يُبيِّنوا لهم عدم حضور أوانه، وإلَّا لما بقي للأماني فرصة.
ولم يتحدَّث عليٌّ عن احتمال آخر، وهو أن يكون الأئمَّة قد بيَّنوا إلَّا أنَّهم بيَّنوا ما كان تحقُّقه في حدود الاقتضاء لا بنحو العلّية التامَّة أو الحتمية.
فالذي لم يحضر هو ما كان بنحو الحتمية، وقد منع مانع من إعلام الناس بذلك، والمانع هو قسوة قلوب الناس ورجوع عامَّتهم عن الحقِّ.
دخل ودفع:
نعم لقائل أن يقول: إنَّ ما ذُكِرَ إنَّما ينفي أن يتيسَّر للناس الاطِّلاع على الزمان التفصيلي الدقّي للفرج المتمثِّل بظهور الإمام (عليه السلام). لكن ذلك لا ينفي إمكان أن يُطْلِع الله تعالى بعض أوليائه الصالحين وعباده الكُمَّل على ذلك.
وليكن الداعي إلى ذلك مصلحة جزئية مرتبطة بذلك الذي اطَّلع أو ضمن دائرة قريبة منه. ولا تعارض بمفسدة إمكان اطِّلاع الكلِّ أو عامَّة الناس، لأنَّ مثل هؤلاء الأولياء لا يُخبِرون غيرهم بذلك، فلا تُعارَض المصلحة الشخصية أو الجزئية في المورد الخاصّ بمفسدة نوعية.
ويمكن أن يُدَّعى تحقُّق ذلك في الأئمَّة (عليهم السلام)، ومن هنا قال الأئمَّة (عليهم السلام): «ما وقَّتنا فيما مضى، ولا نُوقِّت فيما يستقبل»(١١٨)، ولم يقولوا: لا علم لنا بالوقت. ومن هنا أيضاً جاء في تعليل تكذيب الموقِّتين: «فلسنا نُوقِّت لأحد وقتاً»، كما في صحيحة محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فلسنا نُوقِّت لأحدٍ وقتاً»(١١٩).
ولكن نقول: إنّا وإن كنّا لا نستبعد علم الأئمَّة (عليهم السلام) بذلك، بل قد نستظهره من بعض الروايات دون تحقُّق المحذور المذكور، إلَّا أنَّ كلامنا فيما زاد عن دائرة الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، بل في دائرةٍ ما، يمكن أن يطَّلع معها باحث أو متأمِّل ومتابع في الموروث الشرعي على زمان ظهوره (عليه السلام).
ولو فرضنا أنَّ شخصاً اطَّلع بطريق غيبي على ذلك الزمان، فلا مجال لتصديق خبره لو أخبر. وإن كان الذي يوحي به تعليلهم (عليهم السلام) الأمر بالتكذيب بأنَّهم لو يوقِّتوا أنَّ الأمر منحصر بإخبارهم (عليهم السلام)، والمفروض أنَّهم لم يُخبِروا بذلك، فإنَّ الاقتصار على الأمر بالتكذيب دون تعليل حاصله أنَّ كلَّ من أخبر فهو كاذب، لكن حين يُعلَّل الأمر بالتكذيب بأنَّهم لم يُوقِّتوا ففي ذلك دلالة على أنَّ طريق العلم منحصر بهم (عليهم السلام).
وقد يُدَّعى انتفاء الملازمة بين تكذيب الموقِّت وعدم إمكان الاطِّلاع، إذ يمكن أن يطَّلع من لا يُخبِر من الأولياء، فالملازمة العقلية منتفية قطعاً، نعم قد يقال بأنَّ الدلالة العرفية باقية، لكن التعليل ظاهر في نفي مثل هذا الاحتمال.
منع الاستدلال بالحكمة في التشريع لا يستدعي المنع في التكوين:
لا شكَّ أنَّ الله تعالى ذكره يُوصَف بالحكمة، والحكمة من الله معرفة الأشياء وإيجادها على غاية الإحكام على ما ذكره الراغب في مفرداته. وهي تُشكِّل إطاراً عامّاً لكلِّ الأفعال الإلهية في عالم التشريع وفي عالم التكوين. أمَّا في عالم التشريع فحكمته تتمثَّل في المصالح التي تتوفَّر عليها متعلِّقات الأحكام، وقد ورد الكثير من ذلك في الكتاب والسُّنَّة.
﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥).
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٨٣).
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ﴾ (البقرة: ١٧٩).
وليس من الضروري وجود مصلحة واحدة في متعلَّق الحكم الشرعي، فعالم الطبيعة ومنه أفعالنا عالم التزاحم. كما ليس من الضروري أن يكون المورد الواحد ذا مصلحة أو مصالح خالصة، بل قد يكون فيه ما يزاحم تلك المصلحة أو المصالح من المفسدة أو المفاسد، فينظر المشرِّع بنظرة الحاصل النهائي بعد إعمال الموازنة ليرى أيَّ كفَّة ترجح، فيحكم على أساس ذلك التفاوت، فإن كان التفاوت كبيراً لا يقبل بفواته حَكَمَ بالإلزام وجوباً أو حرمةً، وإن كان يرغب بعدم فواته وإن قبل بالفوات حَكَمَ بالاستحباب أو الكراهة.
ولمَّا لم تكن صنوف الأفعال ذات مستوى واحد في مصالحها ومفاسدها نظر المولى إلى الحالة الغالبة فيها من حيث الحاصل النهائي، فإن كانت غالبية موارد الصنف الواحد من الأفعال ترجَّح فيها المصلحة بنحو الإلزام حَكَمَ على الجميع بالوجوب، كالصيام مثلاً، وهو يعلم أنَّ بعض الناس لا يُقرِّبهم صيامهم من التقوى أو لا يتسبَّب في تقواهم، كما يعلم أنَّ بعض الأفعال الأُخرى غير الصيام تُقرِّب للتقوى، لكنَّه لا يحكم بشمولها بهذا الوجوب. ومن هنا قيل: إنَّ الحكمة لا تُعمِّم، ولا تُخصِّص. ففي مثالنا توفُّر الحكمة الداعية إلى تشريع الصيام في غير الصيام لم تستدع شمول الوجوب المشرَّع للصيام له، وانتفاء الحكمة عن بعض أفراده لم تمنع من شمول الوجوب له. فالحكمة لم تُعمِّم الحُكم بالوجوب في الأوَّل، ولم تُخصِّصه في خصوص أفراد الصوم التي توفَّرت على الحكمة في الثاني.
نعم لا يبعد اعتبار كون تحقُّق الحكمة غالبياً في الأفراد.
فإن قيل: إنّا نجد في القرآن أنَّ الحكمة في تشريع وجوب الصلاة هي رادعيتها عن الفحشاء والمنكر، ونحن نجد أنَّ غالبية المصلّين لم تردعهم صلاتهم عن فحشاء أو منكر. وكذا الصيام، فالآية التي وردت في آيات تشريعه علَّلته بحكمة التقوى، وأكثر الناس وإن صاموا لا يتَّقون. وكذلك الأحكام الأُخرى.
قلنا:
١ - إنَّ الحكمة الداعية إلى التشريع لا تنحصر بما ذُكِرَ، والذي يرجع إلى الروايات يجد فيها حِكَم أُخرى لكلٍّ من الصلاة والصيام.
٢ - إنَّ حكمة التشريع ليست نفس ترك الفحشاء والمنكر في الصلاة، وليست نفس التقوى في الصوم، بل نفس داعوية ممارسة هذا الطقس العبادي ودفعه باتِّجاه ما ذُكِرَ، وهو متوفِّر في كلٍّ منهما.
٣ - إنَّ التقوى المترتِّبة على الصوم ذات مراتب، وكذا ترك الفحشاء والمنكر، وعدم ترتُّب المرتبة العالية لا يعني انتفاء الأثر عند أكثر الناس.
فإن قيل: لِمَ لَمْ يجعل الله تعالى الأحكام مختصَّة بدائرة الحكمة وتدور مدارها؟
قلنا: إذا كان التطبيق للبشر فقدرة البشر على الإدراك التفصيلي لتحقُّق تلك الحِكَم غير متوفِّرة، فيتولّى المولى تحديد دائرة الأحكام بشكل كلّي وفق ما ذكرنا، إذ أنَّ الحُكم بالتفصيل الكبير لا تتحمَّله قدرة البشر على الاستيعاب، كما لا تتحمَّل تحقيق أنَّ هذا المورد ممَّا توفَّرت فيه الحكمة أم لا، أي لا يتيسَّر له إدراك الصغريات.
أمَّا في التكوين فإنَّ الأفعال تنقسم إلى قسمين:
الأوَّل: الأفعال الجزئية كحدوث هذا الطوفان، أو تلك الهزَّة الأرضية، أو بعثة النبيِّ الفلاني، أو إنامة أهل الكهف، أو إماتة عُزير النبيِّ (عليه السلام).
الثاني: القوانين الكونية أو السُّنن الكونية.
أمَّا الأول فالإنسان الحكيم لا يفعل ما لا مصلحة له فيه، فالصيّاد لا يلقي شباكه في محلٍّ يعلم أنَّه لا صيد فيه، والتاجر لا يدخل صفقة يعلم بخسارتها أو بُعد فائدتها. نعم الصيّاد يختار المهنة مع علمه بأنَّه في بعض الأحيان لا يُوفَّق للاصطياد، وكذا التاجر. فالخروج الواحد للصيد فعل جزئي، واختيار مهنة الصيد قضيَّة كلّية بالنسبة لخروجه في كلِّ مرَّة، وكذا الكلام في التاجر.
فإذا كان الإنسان الحكيم بهذا النحو، فكيف بخالقه الحكيم؟ فخرق السفينة وقتل الصبي وإقامة الجدار التي أمر الله بها، كان الملاحظ المصلحة في كلٍّ منها. ومن ذلك غيبة الإمام (عليه السلام) وسدِّ الطريق عن الاطِّلاع على زمان ظهوره كما هو شأن إخفاء الساعة.
وأمَّا القوانين الكلّية أو السُّنن الكونية فالملحوظ فيها المصلحة في نوع المفردات لا في كلِّ مفردة على حِدَة، فهي كالأحكام الشرعية.
فحين يُسئَل الإمام (عليه السلام) عن علَّة (والمقصود الحكمة) خلق آفات الحبوب، يُجيب (عليه السلام) بأنَّ في ذلك منعاً للاحتكار، لأنَّ الاحتكار يجعل طعامه عرضة للآفة، فيكون في معرض الخسارة، فيضطرُّ إلى بيعه، ولكن وجود تلك الآفة لا يشمل كلَّ طعام يُحتَكر، ولا يقتصر على الطعام الذي في معرض الاحتكار، فكم من فقير سُلِّطت هذه الآفة على طعامه فحرمته من الانتفاع به، وكم من محتكر لم تقربه تلك الآفة.
تلك مساهمة التكوين في حفظ مصالح العباد. وقد يتوصَّل الإنسان إلى حلٍّ لهذه المشكلة، كما حصل الآن، لكنَّه لا ينافي الحكمة، لتوفُّرها في غالبية الأزمنة السالفة، والملحوظ في الحكمة الأكثر في عمود الزمان بلحاظ المجتمعات المختلفة. كما لا منافاة بين حكمة التكوين ودفع البشر لها من خلال إعمال النظر والبحث، فالتكوين قد ساهم بما عليه، وليس من الضروري أن تكون مساهمة غير قابلة للدفع فيما لو كانت على خلاف مصلحة بعض بني النوع.
وبهذا نصل إلى أنَّ المنع من وقوف الناس على زمان ظهوره (عليه السلام) بالدقَّة للحكمة التي ذكرناها سابقاً لا يرد عليه أنَّ الحكمة لا يمكن أن يُستَند إليها في الاستدلال، إذ الأحكام لا تدور مدار الحكمة. فإنَّ ذلك إنَّما يتمُّ في الأحكام أوَّلاً، وفي السُّنن الكونية والأفعال النوعية لا الأفعال الجزئية الفردية.

* * *
الفصل الثالث: أدعياء الربوبية والنبوَّة والإمامة

تمهيد:
يعيش الإنسان في عتمة استتار الواقع وظلمة الجهل، فأدواته المعرفية التي وُهِبَت له في أصل خلقته لا تكفي لتحقيق إطلالة شاملة على الواقع، وإن حدَّدت له أُطراً عامَّة للمعرفة، وزوَّدته بالدافع القويِّ لها. وقدرته المكتسبة في مدرسة الحياة وإن رفعت من قابليته كثيراً إلَّا أنَّها لم تصل إلى مستوى التمكُّن التامّ من إدراك الحقائق. على أنَّ انعكاس تلك القابلية متحدِّد بحدود عالم الطبيعة ولا علاقة له بما وراءها إلَّا في دلالة عظمة خلقة الطبيعة ودقَّتها على أنَّ خالقها خارج عنها. لكن الانشغال بكثرة جديد الاكتشاف فيها وعظم دقَّة صنعها تسبَّب بالغفلة عن تلك الدلالة. وتيسُّر المعرفة لأُناس لم يتسبَّب في انتفاع عامَّة الناس منها في العديد من جوانبها.
وهذا النقص في الاطِّلاع على الأشياء صار سبباً للدفع باتِّجاه الاكتشاف من جهة، ففتحت آفاق التقدُّم العلمي بشكل هائل خصوصاً مع ترتُّب المردود المادّي على هذه الاكتشافات، حيث دعا ذلك إلى تسابق المؤسَّسات البحثية في جميع المضامير العلمية.
كما أنَّه - النقص في الاطِّلاع - صار منفذاً لاستغلال مجاميع من أبناء النوع اعتماداً على دعاوى غطّاها الكلام المعسول وسُوِّقت بمظهر خداع، فامتزج الحقُّ بالباطل.
«فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى المُرْتَادِينَ، وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْه أَلْسُنُ المُعَانِدِينَ، وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ، فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِه وَيَنْجُو ﴿الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ﴾ من الله ﴿الْحُسْنى﴾ [الأنبياء: ١٠١]»(١٢٠).
ولا زال الإنسان متربِّصاً وثاباً يتحيَّن الفُرَص لينال ما يريد، فإنَّه براغماتي الطبع، وليس في أُطره الواجبة الاعتناء أن يكون وصوله إلى مراده من خلال السُّبُل الأخلاقية، وإن كانت تلك الأُطر الأخلاقية مركوزة في نفسه، ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد: ١٠).
لكن النفس البشرية في الغالب لا ترى أنَّها معنيَّة بتلك الأُطر، فلو رأت أنَّ في سلوك سبيلٍ ملتوٍ تحقيق مراد لها سلكته مع التفاتها إلى التوائه. هذا على مستوى دوافعها. وأمَّا على مستوى تسخير الآخر واستغلاله، فإنَّها وكما يقولون تُسوِّق حنطةً وتبيع شعيراً.
ونظراً لموقع الدين في نفوس الناس فإنَّ مصائد الوثّابين لم تخطئه، والضواري المفترسة ترى في موارد الشرب للحيوانات العاشبة ساحة الصيد الفُضلى. والدين مورد النفوس العطشى بدفع فطرتها وما رُكِّز فيها، وعجزها أمام مشكلاتها، واضطرابها إن لم تشعر بالانتساب إلى بارئها، فصار مكمناً لضواري البشر التي تريد أن تتنعَّم بشقاء بني جلدتها، وتكتنز بإفقار من هم في الخلق إخوتها، وتُعمِّر دنياها بحطام دنيا وآخرة أتباعها. والغاية تُبرِّر الوسيلة شعار ترفعه النفس وتلتزم به عملاً وإن أشار العقل إلى خلافه، والعقل عند أكثر الناس طبيب لا تعمل المرضى بمشورته، وحكيم لم يعرف الحمقى قدره، وكبير لم تعبأ الصبية بأمره، فهو ككتاب عند أُمّي، ومصباح عند أعمى، وسلاح عند مشلول، وأحدهم كمثل الحمار يحمل أسفاراً.
وطالما ورد الانتهازيون إلى المواقع الدينية فأتوا بزخرف من القول وسوَّقوا بدعاً من الدعاوى، فاصطادوا بها النوكى واسترقّوهم في غفلة من عقولهم وتدليس على أنفسهم. فمنهم من ادَّعى الأُلوهية، ومنهم من ادَّعى النبوَّة، ومنهم من ادَّعى الإمامة، ومنهم من ادَّعى السفارة أو ما يرجع إليها، ومنهم من ادَّعى النبوَّة للربِّ تبارك وتعالى. والتدليس مهنة احترفتها فئة من الناس على مرِّ العصور. فشعار الحقِّ منفذ لأهل الباطل، والدين باب لأعدائه ينفذون من خلاله إلى محبيّه لينالوا ما يريدونه منهم، والتاريخ البشري حافل بمثل هذه الدعاوى.
ونحن هنا نريد أن نقف على جملة من هذه الدعاوى عسى أن يكون في ذلك تنبيهاً للغافلين وذكرى للمؤمنين، فإنَّ الأشياء تُنبِّه إلى أمثالها وتفتح العين على أشباهها. ومن نظر إلى تجارب الآخرين اعتبر، ومن أجال الفكر فيما يرد عليه ظفر.
النمرود وفرعون:
لم يكتفِ سلاطين الدنيا بتسلُّطهم على رقاب الناس والتحكُّم في مقدراتهم حتَّى دعموا سلطتهم بدعاوى القداسة والانتساب إلى القوى الفاعلة في نظام التكوين، وأهون الدعاوى أنَّ الله اختارهم لهذا المنصب، وأعظمها ادِّعاء الربوبية. ويحفظ لنا القرآن دعوى في العراق، وأُخرى في مصر. أمَّا التي في العراق فكانت مع إبراهيم (عليه السلام) حيث يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥٨).
ومن الواضح أنَّ نمرود كان يدَّعي أنَّه يُدبِّر الكون بما في ذلك الشمس، وإلَّا لما بهت بطلب إبراهيم (عليه السلام).
وأمَّا التي في مصر فكانت مع موسى (عليه السلام)، وقد تعرَّض القرآن لهذه الدعوى في موارد متعدِّدة من القرآن:
﴿قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: ٢٩).
﴿فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (النازعات: ٢١ - ٢٤).
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (القصص: ٣٨).
وادِّعاء الربوبية يُيسِّر للطغاة إخضاع العامَّة في زمن انتشار الجهل وضياع الهمم. والدعوى في القدم غير مختصَّة بهذين السفّاحَين، ولم تبدأ بهما ولم تنته عندهما. فإلى بدايات القرن العشرين كان الأحباش في أثيوبيا يعتقدون بنسبة الإمبراطور هيلاسي لاسي إلى الربِّ، وإلى زمان قريب من زماننا اعتقد اليابانيون ذلك في هيروهيتو، وقد أبدوا شجاعة فائقة في امتثال أوامره في الحروب.
البابية:
في سنة (١٨٤٤م) ادَّعى عليّ محمّد الشيرازي الذي كان في الخامسة والعشرين من عمره أنَّه الباب الذي يُبشِّر بظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ثمّ ادَّعى أنَّه المهدي المنتظر، ثمّ ادَّعى النبوَّة فالرسالة فالربوبية، ونسخ الشرائع والأديان السابقة، كلُّ ذلك في ظرف (٦) سنوات حتَّى أُعدم عام (١٨٥٠م) إثر فتوى أصدرها علماء إيران بوجوب قتله وعَقِب اضطرابات شديدة وثورة شعبية عارمة حدثت في إيران بسبب دعوته. فقد أعلن في البدء في كتابه (البيان) محو الكتب السابقة، فانتهى ذلك بالثورة عليه وإعدامه.
والتسمية بالباب قد سبق إليها بالاستعمال الشلمغاني الذي أوجد مذهباً مغالياً في التصوّف، ثمّ في التشيُّع والتناسخ، وكان يقول عن نفسه: إنَّه الباب إلى الإمام المنتظر. واستعمل هذه اللفظة الإسماعيلية حيث لقَّبوا بها الشيخ الذي يُعلِّم الناس أسرار الدين وتأويل الأحاديث. وقد أطلق النصيريون على سلمان الفارسي (رضي الله عنه) اسم الباب، لأنَّ أمر الدعوة كان معهوداً إليه بعد موت الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد كان لقرَّة العين - أُمِّ سلمى - بنت الحاجّ ملَّا صالح القزويني دور كبير في تطوّر هذه الحركة ونشرها. وقد خطبت في مؤتمر بدشت فقالت: أيُّها الأحبَّة والأغيار، اعلموا أنَّ أحكام الشريعة المحمّدية قد نُسِخَت الآن بظهور الباب، وأنَّ أحكام الشريعة الجديدة البابية لم تصل إلينا، وإنَّ اشتغالكم الآن بالصلاة والزكاة والحجّ وسائر ما أتى به محمّد كلٌّ عملُ لغوٍ وفعلُ باطلٍ، ولا يعمل بها بعد الآن إلَّا كلُّ غافل وجاهل(١٢١).
لم يستعمل البابيون والبهائيون عبارات: النبيّ والنبوَّة والرسول والرسالة إلَّا في معرض الحديث عن الأنبياء السابقين أو بعضهم فقط. فقد كانت تلك تعابير متواضعة لا تُرضي غرور الباب وبهاء الله، وقد اتَّخذا لنفسيهما اصطلاحاً آخر هو المظهرية أو المظهر الإلهي، وهو يعني عندهم الشخص الذي يتجلّى الله على خلقه من خلاله، وهذا الشخص يملك كلَّ أسماء الله وصفاته وقدراته، وتلك العبارات تُشكِّل ستاراً لادِّعاء الأُلوهية قُصِدَ منه تخفيف وقع المسألة على عامَّة الناس. ولا انقطاع لتوافد المظاهر الإلهية عندهم.
يقول عليّ محمّد الشيرازي في بيانه الفارسي عن الله سبحانه:
(إنَّ الله مدرِك كلَّ شيء، وهو خارج عن حيِّز الإدراك، ولا يعرفه أحد غيره، والمراد من معرفة الله معرفة مظهره، والمراد من لقاء الله لقاؤه، لأنَّ العَرَض لا يُتصوَّر بالذات الإلهي الأقدس، ولقاؤه لا يُتصوَّر، والوارد من ذكر الله ولقائه في الكتب السماوية قُصِدَ منه لقاء الظاهر بمظهره)(١٢٢).
ويقول أيضاً: (وما كان مظهر المشيئة في العصور كلِّها إلَّا نقطة البيان ذات الحروف السبعة - عليّ محمّد -)(١٢٣).
ثمّ ادَّعى الأُلوهية صريحاً.
وكتب في رسالته إلى صبح الأزل - يحيى - يقول: (هذا الكتاب من الله الحيِّ القيّوم إلى الله الحيِّ القيوم)(١٢٤).
ويقول بهاء الله مخاطِباً البابيين:
(انظروا بعين الإنصاف إلى من أتى من سماء المشيئة والاقتدار، ولا تكوننَّ من الظالمين، ثمّ اذكروا ما جرى من قلم مبشّري في ذكر هذا الظهور، وما ارتكبه أُولو الطغيان في آياته، ألَا إنَّهم من الأخسرين)(١٢٥).
القاديانية:
القاديانية والأحمدية اسمان لجماعة واحدة تُنسَب إلى الميرزا غلام أحمد بن غلام مرتضى بن عطا بن الميرزا گل محمّد القادياني. وُلِدَ في البنجاب عام (١٨٣٥م)، وكان والده طبيباً، فجلب للولد المعلِّمين، فتعلَّم القراءة والكتابة، وقرأ القرآن، ودخل الكلّية الشرقية بعد دراسته النحو والصرف والمنطق والحكمة، عُيِّن كاتباً في محكمة مدينة سيالكون، وشغل وظائف أُخرى حرَّة لمدَّة (٤) سنوات ثمّ تركها. قضى معظم وقته مستجيباً لشغفه في القراءة، وتفرَّغ لدراسة الكتب الدينية والصوفية، وغلبت عليه نزعة التصوّف.
وفي تلك الأيّام كانت في الساحة الهندية حركة تجديدية هندوكية باسم (آريه سماج)، وكان لها زعماء بارزون، وقد كثرت المناظرات بينها وبين خصومها، كما كانت البعثات التبشيرية تعمل في الساحة، وكان الصراع على أشدّه بينهم وبين المسلمين، فظهر القادياني على الساحة وعُدَّ من النابهين من المسلمين، فأفحم أحبار الآرية والنصارى. ثمّ واصل مطالعة كتب العرفان والتصوّف والفلسفة.
وبعد فترة ادَّعى أنَّه مجدِّد للإسلام لما شاع من أنَّ الله يبعث مجدِّداً على رأس كلِّ مائة سنة، وأنَّه هو مجدِّد القرن الرابع عشر الهجري. ثمّ ادَّعى أنَّه المهدي المنتظر والمسيح الموعود في وقت واحد، استناداً إلى ما رواه ابن ماجة: «لا مهدي إلَّا المسيح»(١٢٦)، وأخذ يتكلَّم في المغيَّبات والمنامات وتفسير بعض الأخبار والآيات القرآنية بما ينطبق عليه ويُقرِّبه إلى الأذهان الساذجة، وادَّعى أنَّه ملهَم. وقد صرَّح بأنَّه مهدي وأفضل من الأنبياء، وكانت البنجاب تَغُصُّ بالجهل، فكثرت الاستجابة له. ثمّ رحل إلى بلدة (لوديانه) في البنجاب، ولم يكتفِ حتَّى ادَّعى النبوَّة، وكان من ادِّعاءاته أنَّه هو المعنيُّ بقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصف: ٦). وأنَّه يُوحى إليه باللغات العربية والفارسية والأُردوية والإنكليزية.
وحين رأى أنَّ الحملة عليه شعواء أعلن تمسُّكه بالشريعة الإسلاميَّة والقرآن والسُّنَّة، وأنَّ نبوَّته ظلّية، وهي انعكاس لنبوَّة الرسول، لاعتقاده بالحلول والتناسخ ووحدة الوجود.
ومن عجائب آرائه أنَّه كان يُفسِّر الآية الشريفة: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩) بحسب ميوله الضالَّة، ويُؤكِّد على أنَّ الإنكليز هم أُولو الأمر الذين أمر الله بطاعتهم وحذَّر من مخالفتهم، ولذا احتضنه البريطانيون ودافعوا عنه(١٢٧).
الجناحية:
الجناحية فرقة من الغلاة، وهم أصحاب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر ذي الجناحين، يزعمون أنَّ عبد الله بن معاوية كان يدَّعي أنَّ العلم ينبت في قلبه كما ينبت الكماة والعشب، وأنَّ الأرواح تناسخت، وأنَّ روح الله (عزَّ وجلَّ) كانت في آدم ثمّ تناسخت حتَّى صارت فيه، قال الأشعري: (وزعم أنَّه ربٌّ، وأنَّه نبيٌّ، فعبدته شيعته، وهم يكفرون بالقيامة، ويدَّعون أنَّ الدنيا لا تفنى، ويستحلّون الميتة والخمر وغيرهما من المحارم، ويتأوَّلون قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٩٣])(١٢٨).
وقال النوبختي: (فرقة قالت: أوصى أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن الحنفية إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الخارج بالكوفة، وهو يومئذٍ غلام صغير، فدفع الوصيَّة إلى صالح بن مدرك، وأمره أن يحفظها حتَّى يبلغ عبد الله بن معاوية فيدفعها إليه، فهو الإمام، وهو العالم بكلِّ شيء، حتَّى غلوا فيه وقالوا: إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) نور، وهو في عبد الله بن معاوية. قتله أبو مسلم في حبسه)(١٢٩).
الخطّابية:
وهم (أصحاب أبي الخطّاب محمّد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد، وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (رضي الله عنه). فلمَّا وقف الصادق على غلوِّه الباطل في حقِّه تبرَّأ منه ولعنه، وأمر أصحابه بالبراءة منه، وشدَّد القول في ذلك، وبالغ في التبرّي منه واللعن عليه، فلمَّا اعتزل عنه ادَّعى الإمامة لنفسه.
زعم أبو الخطّاب أنَّ الأئمَّة أنبياء ثمّ آلهة، وقال بإلهية جعفر بن محمّد وإلهية آبائه (رضي الله عنهم)، وهم أبناء الله وأحبّاؤه، والإلهية نور في النبوَّة، والنبوَّة نور في الإمامة، ولا يخلو العالم من هذه الآثار والأنوار. وزعم أنَّ جعفراً هو الإله في زمانه، وليس هو المحسوس الذي يرونه، ولكنَّه لمَّا نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها.
ولمَّا وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله بسبخة الكوفة، وافترقت الخطّابية بعده فِرَقاً)(١٣٠).
مدَّعو النبوَّة:
ابن بابا:
في زمن الإمام العسكري (عليه السلام) ادَّعى ابن بابا أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) قد بعثه نبيّاً وأنَّه بابه، وسرعان ما صدر من الإمام (عليه السلام) تكذيب ولعن له حيث ورد في كتابه الذي وجَّهه إلى العبيدي:
«أبرأ إلى الله من الفهري والحسن بن بابا القمّي، فابرأ منهما، فإنّي محذِّرك وجميع مواليَّ. وإنّي ألعنهما عليهما لعنة الله، مستأكلَين يأكلان من الناس، فتانَين مؤذِيين آذاهما الله، أرسلهما في اللعنة وأركسهما في الفتنة ركساً، يزعم ابن بابا أنّي بعثته نبيّاً وأنَّه باب، عليه لعنة الله سخر منه الشيطان فأغواه، فلعن الله من قَبِلَ منه ذلك، يا محمّد إن قدرت أن تخدش رأسهُ بالحجر فافعل، فإنَّه قد آذاني آذاه الله في الدنيا والآخرة»(١٣١).
محمّد بن نصير النميري:
ادَّعى محمّد بن نصير النميري أنَّه نبيٌّ مرسَل، وأنَّ عليَّ بن محمّد العسكري (عليه السلام) أرسله، وكان يقول بالتناسخ والغلوِّ في أبي الحسن (عليه السلام)، ويقول فيه بالربوبية، ويقول بإباحة المحارم، ويُحلِّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً...
وقال الشيخ: قال ابن نوح: أخبرنا أبو نصر هبة الله بن محمّد، قال: كان محمّد بن نصير النميري من أصحاب أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فلمَّا توفّي أبو محمّد ادَّعى مقام أبي جعفر محمّد بن عثمان أنَّه صاحب إمام الزمان (عليه السلام)، وادَّعى له البابية، وفضحه الله تعالى بما ظهر منه من الإلحاد، ولعن أبي جعفر محمّد بن عثمان له(١٣٢).
راعي الكنيسة المدَّعي:
في عام (٢٠٠٦م) أُلقي القبض على (وارين جيفز) في لاس فيغاس غرب الولايات المتَّحدة الأمريكية حيث أحيل بعدها إلى (FBI) ليُصنَّف كأحد أخطر عشرة مطلوبين، كان يتزعَّم الطائفة المورينية، وزعم أنَّه نبيٌّ مرسَل، وأنَّه مقدَّس، وكان له من الأتباع عشرة آلاف عضو على مستوى العالم، وقد حُكِمَ عليه بأكثر من قضيَّة بالسجن مدى الحياة، وأُضيف إليها عشرون عاماً أُخرى بتهمة تعدُّد الزوجات، وادِّعاء النبوَّة، حيث تزوَّج من (٨٧) امرأة، قيل: إنَّ (٢٩) زوجة منهنَّ كنَّ زوجات لأبيه الذي كان سلفاً له في زعامة الكنيسة. وقد كان من بين الزوجات (٥٦) أخوات بعضهنَّ شقيقات، و(٢٤) منهنَّ كنَّ تحت سنِّ (١٧) سنة.
كان له جملة من التعليمات:
١ - تحريم الضحك والتلفاز والإنترنت والنشاطات الترفيهية ككرة السلَّة والسباحة.
٢ - إجبار الصبية على القيام بأعمال مرهقة عوضاً عن الذهاب إلى المدرسة.
٣ - انتزاع الفتيات الصغار من أُسرهنَّ وتزويجهنَّ لرجال يكبروهنَّ بالسنِّ، وربَّما يقوم في إحدى نزواته بنقل الفتاة إلى رجل آخر(١٣٣).
مدَّعي النبوَّة الكوري:
وُلِدَ القسُّ الكوري (صن ميوغ مون) عام (١٩٢٠م) في سيؤول كما يقول، وأسَّس كنيسة التوحيد، وادَّعى أنَّه النبيُّ البديل بعد إخفاق النبيِّ عيسى (عليه السلام) في مهمَّته. وكان ذلك بعد نهاية الحرب الكورية.
يقول عن نفسه: إنَّني رجل مثير، وذكر اسمي يُسبِّب الأرق رغم أنّي لم أبحث عن المال أو الشهرة، وقضيت عمري في الحديث عن السلام فقط، إلَّا أنَّ الكثير من الناس رفضني وقذفني بالحجارة. إنَّ الإله اختارني وناداني رغم أنّي كنت صبياً غبياً أحمق عنيداً ليس لدي ما يُميِّزني إلَّا أنَّ الله اختارني لأنَّ قلبي مليء بالحبِّ.
في يوم من الأيّام ظهر لي عيسى المسيح والدموع تملأ وجهه، وأعطاني إشارة، فصرخت قائلاً: ابقوا بجانبي وقفوا بالقرب منّي.
ادَّعى أنَّه وفي سنِّ السادسة عشر من عمره كان يُصلّي على جبل في كوريا، فظهر له المسيح في رؤيا، وحثَّه على إكمال المهمَّة التي فشل فيها، إلَّا أنَّه أجَّل إعلان الدعوى إلى الوقت المناسب.
يدَّعي (مون) ثنائية الوجود (ذكر وأُنثى) الله الأب والله الأُمّ، فيُذكِّر الثالوث.
والمسيح عنده ليس إلهاً، وإنَّما هو بشر تجسَّد فيه الإله، وأنَّ المسيح فشل في خلاص الإنسان، ويوحنّا المعمدان فقد الإيمان. ويدَّعي أنَّه رسول الله المرسَل لحلِّ معضلات الكون، وأنَّه أفضل من جميع القدّيسين. له كتاب المعتقد الإلهي، ويصل حقُّ تقديس الكتاب لدى أتباعه إلى ما يفوق تقديس الإنجيل وغيره. ويدَّعي أنَّ دعوته موجَّهة إلى أتباع الديانات الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام)، وأنَّهم مأمورون بالإيمان به، ويقول: إنَّ الإيمان بما في القرآن، بل وبقيَّة الكتب كفر، بل لا بدَّ من الإيمان بكتابه الجامع للكتب الثلاثة.
توفّي في عام (٢٠١٢م)، وحضر تشييعه مئات الآلاف من أصل ثلاثة ملايين من أتباعه(١٣٤).
ناناك:
يعتقد عشرون مليون سيخي أنَّ مدينة (أمريستار) واحدة من أقدم مُدُن العالم، وأنَّ رسولهم هو رسول الله الجامع أرسله ليُوحِّد دينَي الإسلام والبوذية فينتج السيخية. ومدينة أمريستار تقع في الجانب الهندي من البنجاب.
يدَّعي (ناناك) أنَّه إنَّما أسَّس السيخية لأنَّه لم يلمس فرقاً بين الله تعالى عند المسلمين وفيشنو الإله الحافظ عند الهندوس، فأنكر الوحي وأثبته له ليجمع بين الخلائق.
عندما بلغ (ألغور ناناك) الثلاثين من العمر اختفى عن الأنظار لبضعة أيّام، وجاء بعدها ليدَّعي أنَّه كُلِّف من قِبَل الإله الجامع ليُرسَل نبيّاً جامعاً، وهو (ناناك)، ويكون مبعوثاً للمسلمين والهندوس.
ويُعَدُّ (ألغور آرجان) من أهمّ الشخصيات بعد المؤسِّس حيث بنى المعبد الذهبي في البحيرة.
ينتشر السيخ الآن في مجموعة من الدول، فبالإضافة إلى الهند هم موجودون في بريطانيا وأمريكا واستراليا وكندا والدول الإسكندنافية ودول شرق أفريقيا وماليزيا وباكستان وبنغلادش(١٣٥).
مدَّعو الإمامة:
الفطحية:
وهي فرقة تنتمي إلى عبد الله الأفطح أكبر أبناء الصادق (عليه السلام) بعد إسماعيل حيث ادَّعى الإمامة بعد أبيه، واحتجَّ بأنَّه أكبر إخوته الباقين، تبعه جماعة من أصحاب أبيه، ثمّ رجعوا إلى القول بإمامة الكاظم (عليه السلام) لمَّا تبيَّن لهم ضعف دعواه وقوَّة أمر أبي الحسن (عليه السلام) ودلائل الحق لديه وبراهين الإمامة التي عنده، وبقي قسم منهم على القول بإمامته، وقد كان أفطح الرجلين، وقيل: إنَّهم سمّوا بذلك لأنَّ داعيهم إلى إمامة عبد الله يقال له: عبد الله بن الأفطح.
وهم لم يدَّعوا نصّاً من أبي عبد الله على إمامة ولده عبد الله، وإنَّما عملوا على ما رووه من أنَّ الإمامة تكون في الأكبر، وهذا حديث لم يُروَ قطُّ إلَّا مشروطاً، وهو أنَّه قد ورد أنَّ الإمامة تكون في الأكبر ما لم تكن به عاهة، وأهل الإمامة القائلون بإمامة موسى بن جعفر (عليه السلام) متواترون بأنَّ عبد الله كان به عاهة بالدين، لأنَّه كان يذهب إلى مذاهب المرجئة الذين يقعون في عليٍّ (عليه السلام) وعثمان.
البشيرية:
وهم أصحاب محمّد بن بشير مولى بني أسد من أهل الكوفة، ذهبت إلى أنَّ موسى بن جعفر (عليه السلام) لم يمت ولم يُحبَس، وأنَّه حيٌّ غائب، وأنَّه القائم المهدي، وأنَّه في وقت غيبته استخلف محمّد بن بشير وجعله وصيَّه وأعطاه خاتمه وعلَّمه جميع ما يحتاج إليه رعيَّته، وفوَّض إليه أُموره وأقامه مقام نفسه. فمحمّد بن بشير الإمام بعده، وأنَّ محمّد بن بشير لمَّا توفّي أوصى إلى ابنه سميع فهو الإمام بعده، ومن أوصى إليه سميع فهو الإمام المفترض الطاعة على الأُمَّة، إلى وقت خروج موسى (عليه السلام)، فما يلزم الناس في أموالهم وغير ذلك ممَّا يتقرَّبون به إلى الله (عزَّ وجلَّ) فالفرض عليهم أداؤه إلى هؤلاء إلى قيام القائم. وزعموا أنَّ عليَّ بن موسى الرضا (عليه السلام) ومن ادَّعى الإمامة من ولد موسى (عليه السلام) فغير طيِّب الولادة، ونفوهم عن أنسابهم وكفَّروهم في دعواهم الإمامة، وكفَّروا القائلين بإمامتهم واستحلّوا دماءهم وأموالهم، وزعموا أنَّ الواجب عليهم من الله إقامة الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، وأنكروا الزكاة والحجَّ وسائر الفروض. وقالوا بإباحة المحارم من الفروج والغلمان، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً﴾ (الشورى: ٥٠).
وقالوا بالتناسخ، وأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) واحد ينتقلون من بدن إلى بدن، والمواساة بينهم واجبة في كلِّ ما ملكوه من مال(١٣٦).
الزيدية:
وهم فرقة كبيرة لعبت دوراً كبيراً في التاريخ الإسلامي، اعتقدوا بإمامة زيد الشهيد بن زين العابدين عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، هؤلاء آباؤه فله أن يفتخر ويقول:

أُولئك آبائي فجئني بمثلهم * * * إذا جمعتنا يا جرير المجامع

استُشهِدَ عن عمر (٤٢) سنة على ما قيل.
وقد أسَّس الزيديون دولة في اليمن، وأُخرى في طبرستان، وثالثة في المغرب.
قال الشهرستاني في (الملل والنحل): (أتباع زيد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (رضي الله عنهم)، ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة (رضي الله عنها)، ولم يُجوِّزوا ثبوت الإمامة في غيرهم، إلَّا أنَّهم جوَّزوا أن يكون كلُّ فاطمي عالم شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة، سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين (رضي الله عنهما)، وعن هذا جوَّز قوم منهم إمامة محمّد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن اللذين خرجا في أيّام المنصور وقُتلا على ذلك. وجوَّزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال ويكون كلُّ واحد منهما واجب الطاعة)(١٣٧).
أقول: مثل هذا الكلام لا يُثبِت لأئمَّتهم إلَّا وجوب الطاعة، وأمَّا ما نلتزم به من حيثية ومكانة وتصرُّف في عالم التكوين واختيار من السماء واطِّلاع على ما تخفيه النفوس وهيمنة على كلِّ ما في الشريعة وعلم بالقرآن وغير ذلك، فلا يظهر أنَّهم ينسبونه إلى أئمَّتهم، نعم هم ينكرون ثبوت شيء للأئمَّة (عليهم السلام) بعد ثورة زيد. فالمدار عندهم في الإمام على أنَّه فاطمي عالم شجاع قام بالسيف.
الإسماعيلية:
كانت الدعوة الإسماعيلية في أوائل نشوئها دعوة بسيطة تدفع بإتجاه إمامة المسلمين، وخلافة الرسول الأمين، وإخراج الحكم من العبّاسيين لظلمهم وتعسُّفهم. لكن الاقتصار على ذلك لا يضمن بقاء هذه الدعوة، فكان لا بدَّ من إدخال ما يضمن بقاءها. ومن تلك العوامل ما كان له وقع كبير في نفوس الناس، وهو الانتماء إلى البيت النبوي والانتساب إلى السيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام).
والثورات التي نشبت في زمن الأُمويين كانت تحمل شعار محبَّة أهل البيت (عليهم السلام)، والاقتداء بهم، والانتصار لهم.
وقد عمدوا إلى تأويل الظواهر الشرعية، فإنَّ إبقاء الظواهر يسدُّ باب تسخير الروايات وتوجيهها في خدمة مشروعهم، والتأويل يفتح باب امتطاء النصِّ للوصول إلى أيِّ مقصد، إذ لا حدَّ يتوقَّف عنده التأويل. وهذا ما جعل المذهب الإسماعيلي يتطوَّر على مرور الأيّام.
ثمّ تحوَّلوا إلى مذهب فلسفي، فكسروا الجمود على النصِّ والذي كان سائداً في زمن بني العبّاس.
وأضفوا القداسة على أئمَّتهم، فصارت الإمامة مركزاً مرموقاً، وقد افتروا اعتقاداً بالنطقاء الستَّة، وأنَّ كلَّ ناطق يتلوه أئمَّة سبعة.
فآدم (عليه السلام) رسول ناطق تلاه أئمَّة سبعة.
ونوح (عليه السلام) رسول ناطق تلاه أئمَّة سبعة.
وإبراهيم كذلك وموسى وعيسى (عليهم السلام) ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلُّهم كذلك.
والأئمَّة الذي تلو النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أمير المؤمنين والحسن بن عليٍّ والحسين والسجّاد والباقر والصادق وإسماعيل بن جعفر، وبذلك يتمُّ دور الأئمَّة السبعة، ويكون التالي رسولاً ناطقاً وناسخاً للشريعة السابقة، وهو محمّد بن إسماعيل. وهذا ما أوقع الإسماعيلية في مشكلة التصادم مع عقيدة المسلمين التي من أوضح مواردها خاتمية نبوَّة النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وقد صنَّفوا الأئمَّة إلى مستور، وظاهر يملك جاهاً وسلطاناً في المجتمع. أمَّا المستورون فهم: محمّد بن إسماعيل الملقَّب بالحبيب، وعبد الله بن محمّد الملقَّب بالوفيِّ، وأحمد بن عبد الله الملقَّب بالتقيِّ، والحسين بن أحمد الملقَّب بالرضيِّ. وأمَّا الظاهرون فهم: عبد الله المهدي بن الحسين، ومحمّد القائم، وإسماعيل المنصور.
والسبعة عندهم ذات مكانة خاصَّة. فها هي طائفة تبعت دعوة قد افتري فيها على الله تعالى، وادُّعيت الإمامة لسبعة في مقطع زماني، وسلبت عن ستَّة اختارتهم السماء وعيَّنتهم إرادة الربِّ تبارك وتعالى.
ثمّ كانت الإمامة عندهم لمعد بن إسماعيل المعزّ، فنزار بن معد العزيز، فالحسن بن نزار الحاكم، فعليِّ بن الحسن الظاهر، فمعد بن عليٍّ المستنصر.
ثمّ اختلفوا إلى فِرْقتين: المستعلية، والنزارية، وكلٌّ له أئمَّته.
جعفر الكذّاب:
وهو عمُّ الإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وقد ادَّعى الإمامة بعد أخيه الحسن العسكري (عليه السلام).
وفي الرواية عن فاطمة ابنة الهيثم، قالت: كنت في دار أبي الحسن (عليه السلام) في الوقت الذي وُلِدَ فيه جعفر، فرأيت أهل الدار قد سرّوا به، فقلت: يا سيِّدي، ما لي أراك غير مسرور؟ فقال (عليه السلام): «هوِّني عليكِ، فسيضلُّ به خلق كثير»(١٣٨).
وروى سعد بن عبد الله الأشعري عن الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري أنَّه جاءه بعض أصحابه يُعلِمه بأنَّ جعفر بن عليٍّ كتب إليه كتاباً يُعرِّفه نفسه ويُعلِمه أنَّه القيِّم بعد أخيه، وأنَّ عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه، وغير ذلك من العلوم كلِّها، قال أحمد بن إسحاق: فلمَّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام)، وصيَّرت كتاب جعفر في درجه. فخرج إليَّ الجواب في ذلك:
«بسم الله الرحمن الرحيم، أتاني كتابك أبقاك الله والكتاب الذي في درجه...»، إلى أن قال (عليه السلام): «وقد ادَّعى هذا المبطل المدَّعي على الله الكذب بما ادَّعاه، فلا أدري بأيَّة حالة هي له رجا أن يتم دعواه، أبفقه في دين؟ فوَالله ما يعرف حلالاً من حرام، ولا يُفرِّق بين خطأ وصواب، أم بعلم؟ فما يعلم حقّاً من باطل ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حدَّ الصلاة ووقتها، أم بورع؟ فالله شهيد على تركه لصلاة الفرض أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعبذة، ولعلَّ خبره تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة وآثار عصيانه لله (عزَّ وجلَّ) مشهورة قائمة، أم بآية؟ فليأتِ بها، أم بحجَّة فليُقِمها، أم بدلالة فليذكرها، قال الله (عزَّ وجلَّ) في كتابه: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف: ١ - ٦]...» الخبر(١٣٩).
وقد ذكر المفيد في إرشاده: لمَّا توفّي أبو محمّد (عليه السلام) تولّى جعفر أخوه أخذ تركته، وسعى في حبس جواري أبي محمّد واعتقال حلائله، وشنَّع على أصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده والقول بإمامته، وأغرى القوم حتَّى أخافهم وشرَّدهم، وجرى على مخلفي أبي محمّد (عليه السلام) بسبب ذلك كلُّ عظيمة من اعتقال وحبس وتهديد وتصغير واستخفاف وذلٍّ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل، وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمّد واجتهد في القيام على الشيعة مقامه، فلم يقبل أحد منهم ذلك ولا اعتقدوه فيه، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه وبذل مالاً جليلاً وتقرَّب بكلِّ ما ظنَّ أنَّه يتقرَّب به فلم ينتفع بشيء من ذلك(١٤٠).
أدعياء المهدوية:
لم يخلُ الموروث الشرعي من دلالات على منقذ البشرية جمعاء وناشر راية الحقِّ، بل الروايات في ذلك تفوق حدَّ التواتر، وقد ادُّعيت في عصور مبكِّرة من تاريخ المسلمين حيث ادُّعيت لمحمّد بن عبد الله بن الحسن الذي قتله المنصور. وادَّعاها عام (١٩٨٠) محمّد بن عبد الله القحطاني، وقد قتلته قوّات فرنسية في المسجد الحرام. وادَّعاها محمود بن عبد الله المفلحي من اليمن، وقد أعلن دعوته في سوريا عام (١٩٩٩م). وادَّعاها محمّد المهدي السوداني، والذي كثر أتباعه، وساهمت حركته بالتأثير الأكبر في إخراج الإنگليز من السودان، فأعلن نفسه حاكماً على السودان حين حرَّر الخرطوم وفصل السودان عن مصر وحكم الخديوي إلَّا أنَّ المرض لم يُمهِله. وادَّعاها في مصر العديد كمهدي بور سعيد، ومهدي قانا، والمهدي عبد التوّاب، وابن مريم المهدي. وادَّعاها في عُمان عامل بنغالي الجنسية. وادَّعاها رجل في تونس وتركيا. والقائمة ستطول، والباب لن يُغلَق ما دام في الأُمَّة سفهاً في الدين. والحُكْمُ بالقبول وغيره إن جُعِلَ لغير المتخصِّص فالموازين ستضيع بلا شكٍّ، فكيف إذا كان الحَكَمُ سُذّاج الأُمَّة وسفهاءها؟
ونحن فيما استعرضناه من المدَّعين لا نريد الاستقصاء، وإنَّما التنبيه إلى أنَّ الدعوات التي ترتبط بالربوبية والنبوَّة والإمامة والمهدوية ومن ينتسب إليها ليست بالأمر الجديد على النوع البشري، وكلُّها كانت زبداً، وجرى عليها ما تستحقُّه من حكم حيث ذهبت أدراج الرياح كشجرة ﴿اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ﴾ (إبراهيم: ٢٦).

* * *
الفصل الرابع: أسباب انقياد الأعداد الكبيرة للأدعياء

هناك مسألة غاية في الغرابة، وهي مسألة انقياد الأعداد الكبيرة للأدعياء، مع أنَّ الدعاوي التي يأتون بها لا يقبل بها منطق. ولو قبل بها المنطق في حدود الإمكان استحال أن يقام عليها الدليل. فما السرُّ في ذلك؟ خصوصاً وأنَّ بعض أنصار هؤلاء من ذوي التحصيل والتخصُّصات المهنية، وتجد الكثير من هؤلاء في تعامله اليومي وفي ممارسته الحياتية ليس ساذجاً.
فاليابان رغم كلِّ التقدُّم الهائل فيها لا زال شعبها يعبد بوذا ذا الأربعين يداً، ويخضعون لتماثيله، ويُقدِّمون لها القرابين. والهند رغم تاريخها الحضاري العريق ورغم القفزة الكبيرة على مستوى التقدُّم إلَّا أنَّها في جانبها العبادي والاعتقادي غاية في الوضاعة والسذاجة. ولا زال الأفارقة يعتقدون بالأرواح الشرّيرة ويخضعون لأنواع الشعبذة. والعالم الغربي لا زال مسرحاً لأديان مبتدعة لا يفترض أن يقبل بها ذو مَسكة ومن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
مثل هذه الظاهرة تحتاج إلى تفسير للوقوف على الأسباب الدخيلة في نشوئها، فعمومية الحالة للمجتمعات البشرية على اختلاف المقاطع الزمنية يكشف أنَّ هذه الظاهرة خاضعة لقواعدها الخاصَّة، إذ أنَّها ليست حالة جزئية عارضة. ونحن هنا نريد أن نُسلِّط الضوء على العناصر الدخيلة في هذه الطريقة من التعاطي، ثمّ بيان أيِّ هذه العناصر يمكن أن تكون دخيلة في هذه الظاهرة، فإنَّها من جهة عموميتها لا تُعَدُّ ظاهرة غريبة لأنَّها مألوفة جدّاً وواسعة الانتشار في المجتمعات البشرية، وإنَّما غرابتها من جهة أنَّها غير منسجمة مع المنطق. وبالوقوف على الأسباب ترتفع الغرابة، إذ لا يكون الحاكم في سلوكيات أبناء النوع البشري المنطق دائماً، إذ لا يبدو أنَّ الناس تقول بمرجعية المنطق في حقل الاعتقاد الديني والطقوس العبادية. وقد عقدنا هذا الفصل لتسليط الضوء على العناصر المؤثِّرة في هذه الطريقة، والتي يبدو في النظر البدوي أنَّها غريبة جدّاً، وبالنظر الفاحص أنَّها غير خاضعة لقواعد المنطق والتفكير السليم.
أقسام اختيار الدين والمذهب:
في اختيار الدين والمذهب وجوداً وعدماً صور متعدِّدة، وكلٌّ له أسبابه، وبعضها مشترك بين تلك الصورة:
١ - اختيار الدين الجديد.
٢ - البقاء على الدين القديم.
٣ - اختيار الدعوى الجديدة في الدين القديم.
٤ - إنكار الدين.
ونحن إذ نريد أن نقف على العناصر المساهمة في هذا الاختيار والمؤثِّرة فيه وجوداً وعدماً، فإنّا نهتمُّ بخصوص العناصر غير الموضوعية والتي من خلالها قد يقع الإنسان في الاختيار الخاطئ.
العناصر المساهمة في اختيار الدين أو المذهب:
هناك عناصر تساهم في وقوع عملية الاختيار الخاطئ في مقام التعاطي مع الدين، بل وكلُّ المشاريع الأيدولوجية.
الأوَّل: المصلحة الشخصية:
كلُّ مجتمع له أعرافه وتقاليده وطريقته في الحياة وفق نُظُم وسياقات معيَّنة، وهذه النظم والتقاليد تُوفِّر مصالح لطوائف على حساب أُخرى، وتبدُّل هذه النُّظُم يضرب هذه المصالح ويُعرِّضها للخطر، والدين الجديد لا بدَّ أن يضرب العديد من تلك القواعد التي بُني عليها نظام المجتمع، ممَّا يعني أنَّه سيُهدِّد مصالح أقوام وطوائف في ذلك المجتمع. وأكثر الناس يُحِبُّون العاجلة، ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً، بل في دائرة المؤمنين يقول القرآن: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (القيامة: ٢٠ و٢١).
و«الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم»(١٤١).
ومن هنا كان الكثير من المترفين أوَّل من يقف في وجه الدين الجديد، ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (هود: ١١٦).
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (سبأ: ٣٤).
وقريب منها الآية (٢٣) من سورة الزخرف(١٤٢).
الثاني: استئناس النفس بالمألوف:
تُعَدُّ مألوفية الأشياء عنصراً في قبولها للنفس، فلا يحتاج الشيء المألوف إلى إعمال وسائل الإقناع به لعامَّة الناس. وعادةً ما ترضى النفس به دون حاجة إلى عرضه على موازين القبول والرفض، فالمراجعة تحتاج إلى مؤونة تدفع باتِّجاهها. والمنطق وإن كان يقتضي إمكان الصحَّة والخطأ في الرؤية والطريقة، لكن المنطق لا يكون مرجعاً دائماً للنفوس.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٧٠).
إنَّ مجرَّد اتِّباع الأهل لطريقة ما لا يقتضي صحَّة تلك الطريقة، ولا ينبغي أن يكون ذلك مستنداً للأولاد على إطلاقه، فقد يكون الآباء بنحو لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون، ليس لديهم قدرة على التفكير والاستنتاج.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (المائدة: ١٠٤).
﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (الأعراف: ٧٠).
وقريب منها الآية (٧٨) من سورة يونس(١٤٣)، والآية (٢١) من سورة لقمان(١٤٤)، والآيات (٢٢ و٢٣) من سورة الزخرف(١٤٥)، والآية (٦٢) من سورة هود(١٤٦).
إنَّ اختلاف من احتجَّ بطريقة الآباء في هذه الآيات يكشف لك عن طريقة عامَّة عند النوع البشري، وخطأ في المنهج غير خاصٍّ بقوم دون آخرين.
فالآية (١٧٠) من سورة البقرة، والآية (١٠٤) من سورة المائدة، والآية (٢١) من سورة لقمان، والآية (٢٢) من سورة الزخرف، نقلت جواب قوم النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم). والآية (٧٠) من سورة الأعراف نقلت جواب قوم النبيِّ هود (عليه السلام)، والآية (٧٨) من سورة يونس نقلت جواب قوم موسى (عليه السلام)، والآية (٦٢) من سورة هود نقلت جواب قوم صالح (عليه السلام)، والآية (٢٣) من سورة الزخرف نقلت جواباً عامّاً لكلِّ أُمم الأنبياء (عليهم السلام).
﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (الزخرف: ٢٣).
إنَّ اتِّحاد الطريقة في الجواب رغم الاختلاف الزماني والمكاني بين هذه الأُمم وبُعد استبعاد افتراض التواصي والاتِّفاق يكشف أنَّ هذه طريقة عامَّة عند أبناء المجتمعات على اختلاف أعراقها. وإن كانت الآية (٢٣) من سورة الزخرف تُنبِّه إلى وجود شيء آخر، لأنَّها عمَّمت الجواب لمترفي الأُمم المختلفة ولم تُعمِّمه لكلِّ أفراد تلك الأُمم.
وهذا العنصر له دخالة في البقاء على الدين القديم ورفض الدين الجديد وإنكاره.
الثالث: سطوة الحاكم وعنوان الحاكمية:
للحاكم تأثير كبير على توجُّه الأُمَّة وطريقة تفكيرها، وربَّما كان بعض أسباب ذلك يرجع إلى التكوين، فإنَّ خضوع الناس بما في ذلك المقرَّبون من الحاكم لشخصه ليُشكِّل ظاهرة غريبة في المجتمعات البشرية، فهو شخص واحد بين آلاف الأفراد لا يختلف عنهم إلَّا في عنوان اعتباري، فحاكميته لا تعطيه ميزة حقيقية على المستوى البشري، لكن الرقاب مع ذلك ممدودة له، يسوم الناس ألوان العذاب يُذبِّح الأبناء ويستحيي النساء ويتفنَّن في تعذيب الآلاف وربَّما الملايين دون أن تجد اعتراضاً بمستوى يمكن أن يُحقِّق تحرُّكاً للإطاحة به. وهذا لا يُفسِّره المنطق الذي يُحرِّك الناس، فهناك شيء غامض لعلَّه الله تعالى أوجده في خلقة النوع البشري، ليكون مركز القرار واحداً، فلا تعيش الناس حالة الهرج والمرج التي تتسبَّب في ضياع الكثير من الطاقات في المجتمعات.
ونحن وإن علمنا بوقوع الكثير من حالات التمرُّد ومحاولات الانقلاب الناجحة والفاشلة، لكن ذلك لا ينفي وجود نوع من الهيبة لدى الحُكّام لعنوان الحاكمية، وتشمل هذه الهيبة الدائرة الضيِّقة للحُكّام الجائرين، وربَّما كان تأثير السطوة عليهم أكثر منها عند عامَّة الناس.
ويمتدُّ التأثير للحاكم إلى مساحة المعتقد، والناس على دين ملوكهم.
﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ﴾ (الأحزاب: ٦٧).
وربَّما استعمل الحاكم عنصر القوَّة والقهر لإجبار الناس على أن يتبعوا نظره.
﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ (الشعراء: ٢٩).
﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (الأعراف: ١٢٣ و١٢٤).
وقريب منها الآية (٧١) من سورة طه(١٤٧).
وهذا العنصر له أثره في صور اختيار المذهب الثلاث، بل وفي إنكار الدين أيضاً.
ضغط عنصر الجهل على النفس:
يُضاف إلى ما تقدَّم ضغط عنصر الجهل على النفس التي تريد استيضاح الأُمور. وما وراء الطبيعة لا يمكن إدراكه مباشرةً إلَّا لمن ارتقت نفسه في مسار الكمال، وانفتحت على ذلك العالم، وأدركت بعض ما فيه بعين بصيرتها لا بأداة بصرها. وهذا الضغط يجعلها تتجاوز أو تتغافل عن بعض قواعد قبول الرؤية والفكرة والاستجابة لها، فتقبل بالمحسوس مع بعض مفردات التدليس على أنَّه ذلك الغائب عن الحسِّ، وتستأنس به إلى حدِّ الفرح.
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (المؤمنون: ٥٣).
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣١ و٣٢).
فالروح تريد أن تلامس ما تعتقد به وتقاربه من خلال حواسِّها، ولا يكتفي الناس بالدلائل الظاهرة والمعجزات المشهودة، فما أكثر المعجزات التي رآها بنو إسرائيل من موسى (عليه السلام) في ظلِّ حكم فرعون وبعد عبورهم اليمَّ، لكن كلُّ ذلك لم يُطفئ شعلة الضغط للمقاربة الحسّية لله تعالى، فاشترطوا على موسى (عليه السلام) في استمرار الإيمان أن يروا الله عياناً.
﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٥).
حيث أخذ معه سبعين من بني إسرائيل للميقات.
﴿وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا﴾ (الأعراف: ١٥٥).
حيث إنَّ أصحاب موسى (عليه السلام) الذين أخذهم معه للميقات لم يقنعوا بتكليم الله لكليمه، فسألوا الرؤية، فأخذتهم الصاعقة، فأهلكوا ولم يرجعوا إلى الدنيا إلَّا بدعاء موسى (عليه السلام).
وكيف كان، فهذا الضغط النفسي لاستيضاح تمام حيثيات وجزئيات المعتقد يترك أثره حيث تبدأ بالمداهنة في مصداق أو واقع المعتقد عند وجود دعوى مزيَّنة للنفس. فتقبل بالإله كائناً مادّياً حيّاً تراه بعينها، وتقبل بشخص تراه أنَّه هو الإمام فتتخلَّص من ضغط الجهل بشخصه الغائب.
ومن جهة أُخرى، فالنفس البشرية لم تعدم صورة الإنسان الكامل فضلاً عن الوجود الكامل، وهي تحاول أن تُجسِّده خارجاً - وهذا ما يرجع إلى السبب السابق - وإن لم تكن نسبته إلى دين أو معتقده بملَّة من الملل. وقد تُقنِع نفسها لبعض الخصوصيات في الأفراد أنَّ فلاناً هو الإنسان الكامل، فتضفي عليه صفة القداسة، وربَّما تبعته في مدَّعياته. وقد تُعِين مثل هؤلاء الأدعياء طريقة الاحتجاب عن الناس، إذ لا تلاحظ الناس حينها بعض المؤشِّرات، وربَّما الدلائل على غير ما يدَّعونه.
لم يكتفِ الناس في مكَّة بمجرَّد الاعتقاد بقوى مجرَّدة مؤثِّرة في الدنيا، فجسَّدوا لها تماثيل في الكعبة، كان أوَّل اتِّخاذها كحاكية وممثِّلة لتلك القوى، ثمّ عمَّ عند سُذَّج الناس أنَّ الأصنام هي الآلهة، وإنَّما جسَّدوها بتماثيل من حجر لأنَّ النفس البشرية تتعاطى مع ما تُدركه بحواسِّها بفاعلية أكثر ممَّا تثبته الدلائل العقلية والبراهين المنطقية. وهذا يعمُّ حتَّى الأنبياء العظام، وتجسيد ذلك في طلب إراءة إحياء الموتى من إبراهيم (عليه السلام).
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (البقرة: ٢٦٠).
وتساؤل عُزير عن كيفية إحياء القرية الميِّتة.
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً...﴾ (البقرة: ٢٥٩).
وطلب موسى (عليه السلام) أن ينظر إلى الله.
﴿وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي...﴾ (الأعراف: ١٤٣).
ولا شكَّ أنَّ موسى (عليه السلام) لم يطلب الرؤية البصرية، فإنَّها مستحيلة عليه تعالى، ولا يليق بموسى (عليه السلام) أن يطلب ذلك، بل أن يجهله، فالله تعالى في عين تأبيده عدم الرؤية ﴿لَنْ تَرانِي﴾ قال في مورد آخر من الكتاب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (القيامة: ٢٢ و٢٣).
﴿فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ (الكهف: ١١٠).
إلى غير ذلك من الآيات.
وفي المقابل يقول تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (المطفِّفين: ١٤ و١٥).
فالظاهر أنَّه تعالى يُثبِّت في كلامه نوعاً من الرؤية غير الرؤية البصرية يجد الإنسان فيها الشيء وجدانياً لا يحجبه عنه حاجب إلَّا اشتغاله بنفسه، فهي غفلة عن شيء موجود مشهود لا زوال علم به، وكما يُعبِّرون زوال علم بالعلم لا أصل العلم. وهذه الرؤية تتمُّ للصالحين يوم القيامة، وهذا هو الذي سمّاه الله تعالى رؤية له ولقاء.
والذي يظهر من المورد الأوَّل والثاني في قصَّتي إبراهيم وعُزير (عليهما السلام) أنَّ الرؤية البصرية تدعم الاعتقاد العلمي بإحياء الموتى، فالبرهان القطعي بإحياء الله الموتى لم يجعل إراءة الإحياء عملاً عبثياً. ومن هنا استجاب الله تعالى لطلب إبراهيم (عليه السلام) أن يرى عملية إحياء الموتى، ودفع التساؤل عن كيفية الإحياء في نفس عُزير حيث أماته مائة عام ثمّ بعثه وأراه كيف يُعيد الجسد فالحياة لعظام حماره.
كذلك طلب موسى (عليه السلام) حيث إنَّه لو لم يكن ذا جدوى فإنَّه لا يصدر منه أوَّلاً، ولا يحتاج إلى إقامة البرهان الحيِّ على عدم الإمكان من خلال التجلّي للجبل ثمّ جعله دكّاً.
نقص الأدوات يُجبِر على استعمال المتاح منها:
عندما تُعوِز الإنسان الأدوات فإنَّه يعمل بالمتاح منها فيما يواجهه من مشكلات ولو كانت مشكلة نظرية. ومن هنا اعتمد أهل العلوم فيما مضى من الأيّام على ما أسموه الأُصول الموضوعة، والتي لا يتكفَّل الباحث الوقوف على صحَّتها، بل هو يأخذ نتيجة جاهزة من أهل علم وتخصُّص، ويُصرِّح بأنَّه أصل موضوع أو قاعدة جاهزة. والقول إنَّه أصل موضوع يعني أنَّه غير مسؤول عن تحقيق صحَّتها. مع أنَّه غير مضطرٍّ للاستدلال إذا لم يكن متأكِّداً من صحَّته، لكنَّه إنَّما يعمل بالمتاح، بل ويُرتِّب الآثار ويُصدِّق بالنتائج. وهناك الكثير من البراهين التي جُعِلَ بعض مقدّماتها أصلاً موضوعاً. وحين انكشف بطلان هذا الأصل لا بدَّ أن يسقط البرهان، لأنَّ صحَّة برهان ما تتوقَّف على صحَّة كلِّ مقدّمة من مقدّماته.
وحين يتعلَّق الأمر بالميتافيزيقيا التي تعلن فيها أدوات البحث التجربي عجزها عن تقديم المعونة يقع الإنسان في حالة إعواز الأدوات، ومن هنا فإنَّه سيسعى خلف المتاح من التصوّرات عن تلك القضيَّة والتي هي ممَّا وراء الطبيعة، فتجد سوق الادِّعاءات الكثير من المشترين فتروج تجارة المبيع فيها الأوهام والخرافات والثمن قد يصل إلى الأرواح. والناظر يقضي عجباً ممَّا يرى من دعاوى واضحة البطلان قد تبنّاها الآلاف وربَّما الملايين. ولا يكاد ينقضي الذهول من رؤية معبد (كارنيماتاه) في ولاية راجستان الهندية حيث تكتسي أرضيته بالفئران التي تشمئزُّ منها البشرية إلَّا في هذا المكان، إذ يركع ويسجد لها آلاف الناس، في ديانة يصل أتباعها إلى نصف مليون شخص، مالت بهم الفطرة فأسقطتهم سُجَّداً لأشدّ مخلوقات الله بعثاً للاشمئزاز، يبنون لها المعابد الضخمة ويُقدِّمون لها القرابين ويفدونها بكلِّ غالٍ ونفيس.
في سنة (١٩٢٦م) وُلِدَ (ساتياراجو بارتي) الذي كان أبوه فلّاحاً فقيراً، وادَّعى بعد ذلك أنَّه إله، وأنَّه هو الذي أرسل عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى الأرض، وأنَّ المسيح قد تنبَّأ بنزوله إلى الأرض في هذا الزمان.
وقد بنى لنفسه إمبراطورية كبيرة وثروة عملاقة، قيل: إنَّها بلغت (٩) مليارات دولار في بلد يغصُّ بالفقراء. الأنكى من ذلك أنَّه في عصر العلم وجد من الأتباع ما وصل عدده إلى خمسين مليون من جميع أنحاء العالم. وقد كان الرئيس الهندي ورئيس الوزراء حريصين على الحضور لاحتفالاته، وقد بطَّن سقف معبده بالذهب، وبنى تمثالاً له أكبر من حجمه الحقيقي. تنبَّأ أنَّه سيرحل عن الدنيا عند سنِّ السادسة والتسعين، لكنَّه رحل في عمر (٨٥) سنة. ولا عجب في البلد الذي اتَّخذ بعض طوائفه القرود إلهاً، والبقر للبعض الآخر، والفيل لآخرين، أن يعبدوا بشراً.
في مثل هذه الحالات يُعزَل العقل وتنصاع النفس خلف فكرة خطرت ودعوى ظهرت وكذبة زُيِّنت. ولا سبيل في الممكنات لإدراك العالم الآخر ووجوداتها المهيمنة على هذه النشأة.
مثل هذه التُّرُهات ليست بدعاً من انحرافات النوع البشري، وإن كانت بدعاً في سوق المنطق والاستدلالات العقلية، فطالما أضفى أبناء النوع البشري الأُلوهية على ما لا حول له ولا قوَّة، ففئة ألَّهت الشمس، وأُخرى القمر، وأُخرى الرياح، وأُخرى النار، وآخرون ألَّهوا بشراً. وإذا أردنا الاستقصاء للمعبودين فإنَّ القائمة ستطول وتطول. وطالما وهبوا القداسة لأشياء لا تمتُّ إلى القداسة بصلة، بل هي أبعد شيء عنها.
إنَّ في الرؤية لما وراء الطبيعة مضماراً علمياً له متخصِّصوه، والتخصُّصات في التجربيات يمكن أن تتوفَّر فيها الأدوات إن لم يكن للفرد العادي فلا أقلَّ من توفّرها للبعض الذي قد يرجع إليه الجاهل للاستفسار. وأمَّا ما وراء الطبيعة، فلا أدوات لعامَّة الناس، بل ولا للمتخصِّصين في المضامير العلمية الأُخرى، فيتعامل الناس مع المدَّعي معاملة المتخصِّص، فيقبلون منه كما يقبل الطبيب رؤية تخصُّصية من عالم فيزياء في مجال علمه، والحكمة شيء وتراكم المعلومات في ذهن شيء آخر، وكثيراً ما تفترق الحكمة عن العلم.
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ (البقرة: ٢٦٩).
فلا يحتاج الأمر عند البعض سوى التزويق لتسوّق الدعاوى في سوق الحمقى.
«إِنَّمَا سُمِّيَتِ الشُّبْهَةُ شُبْهَةً لأَنَّهَا تُشْبِه الْحَقَّ، فَأَمَّا أَوْلِيَاءُ اللهِ فَضِيَاؤُهُمْ فِيهَا الْيَقِينُ، وَدَلِيلُهُمْ سَمْتُ الْهُدَى. وَأَمَّا أَعْدَاءُ اللهِ فَدُعَاؤُهُمْ فِيهَا الضَّلَالُ، وَدَلِيلُهُمُ الْعَمَى»(١٤٨).
وإلَّا كيف تُفسِّر قبول بعض حملة الشهادات العليا دعوى مدَّعٍ أنَّه نشأ من نطفة لأمير المؤمنين (عليه السلام) كانت في السماء لمدَّة جاوزت الثلاثة عشر قرناً، ثمّ نزلت في رحم أُمِّه. ويُثبِت هذه الدعوى في كتاب أسماه (قاضي السماء)؟
الخامس: استعجال النفس:
يخوض الإنسان عباب بحر الحياة، وما تتيحه قدرته أقلّ بكثير من طموحاته، فعينه لا يملأها إلَّا التراب، فهو في سعي دؤوب للاستزادة قبل أن يعبر محطّات الأُمنيات دون أن ينال ما تشتهيه نفسه منها، فخوفه الفوت في عالم أُمنياته لا يكاد يغيب عنه، وهذا ما يدعوه للاستعجال.
وإنَّما يعجل من يخاف الفوت.
وصارت سمة النوع البشري العامَّة الاستعجال.
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (الإسراء: ١١).
﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (الأنبياء: ٣٧).
والتعبير بـ ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كناية عن بلوغ الإنسان في العجل كأنَّه خُلِقَ منه ولا يعرف سواه، فهو أبلغ في الدلالة من التعبير بـ (ما أعجله) أو (ما أشدّ استعجاله).
وهذا الاستعجال لا يتخلَّص منه حتَّى الأنبياء العظام، فقد خاطب الله تعالى موسى (عليه السلام) بقوله: ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى * قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ (طه: ٨٣ و٨٤).
وظاهر السياق أنَّه سؤال لموسى (عليه السلام) عمَّا أوجب أن يستعجل فيأتي قبل قومه إلى الطور، وكان المترقَّب أن يأتوا جميعاً، فأجاب إنَّهم خلفه وسيلحقون به عن قريب، وأنَّ سبب الاستعجال السعي لتحصيل رضى الربِّ. وكأنَّ المراد السبعون رجلاً الذين اختارهم موسى (عليه السلام) لميقات ربِّه.
وفي خطاب للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه: ١١٤).
والخطاب خاصٌّ بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلا احتمال لإرادة غيره ليكون من باب إيّاك أعني واسمعي يا جارة، إذ المورد لا علاقة له بعامَّة الناس، إذ قبل أن يُقضى الوحي لا تعرف الناس هذا القرآن ليمكنهم الاستعجال فينهاهم الربُّ. ولا معنى للنهي عن العجلة إلَّا مع وجود مقتضٍ لها في نفس النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وأيضاً قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ (مريم: ٨٤).
ومن أكثر الموارد التي يمكن أن يحصل فيها الاستعجال ظهور فرج الله الأعظم، وإقامة دولة الحقِّ، وإحقاق الحقِّ، وإزهاق الباطل. حيث يتملَّك ذلك نفوس الأتباع فيستعجلونه. ومن هنا ورد النهي عن الاستعجال في هذا الأمر.
ففي الخصال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «مزاولة قلع الجبال أيسر من مزاولة ملك مؤجَّل، واستعينوا بالله واصبروا، فـ ﴿إِنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، لا تعاجلوا الأمر قبل بلوغه فتندموا، ولا يطولنَّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم»(١٤٩).
وفي غيبة النعماني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَتى أَمْرُ اللهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل: ١]، قال (عليه السلام): «هو أمرنا، أَمَرَ اللهُ (عزَّ وجلَّ) أن لا تستعجل به...» الخبر(١٥٠).
وعن الباقر (عليه السلام): «ما لكم لا تملكون أنفسكم وتصبرون حتَّى يجيء الله تبارك وتعالى بالذي تريدون؟ إنَّ هذا الأمر ليس يجيء على ما تريد الناس، إنَّما هو أمر الله تبارك وتعالى وقضاؤه والصبر، وإنَّما يعجل من يخاف الفوت»(١٥١).
وعن إبراهيم بن مهزم مسنداً عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: ذكرنا عنده ملوك آل فلان، فقال: «إنَّما هلك الناس من استعجالهم لهذا الأمر، إنَّ الله لا يعجل لعجلة العباد...» الخبر(١٥٢).
ويُضاف إلى ذلك الأخبار التي جاءت بلسان «لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى...» الخ(١٥٣)، فلسانها بمضمون: إنَّ الذي تترقَّبونه سيتأخَّر فلا تستعجلوه، خصوصاً وبعض هذه الروايات جاء بعد ذكر الاستعجال، ففي غيبة النعماني عن عليِّ بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن محمّد بن موسى، عن أحمد بن أبي أحمد، عن إبراهيم بن هلال، قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام): جُعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر، وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تُخبِرني بشيء؟ فقال: «يا أبا إسحاق، أنت تعجل»، فقلت: إي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد كبر سنّي وبلغت أنا من السنِّ ما قد ترى؟ فقال: «أمَا والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك حتَّى تُميَّزوا وتمحَّصوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأقل، ثمّ صعَّر كفَّه (أمالها تهاوناً بالناس)»(١٥٤).
وهذه الروايات وغيرها مضافاً إلى ما نراه بأعيننا تكشف لنا عن أنَّ الاستعجال لهذا الأمر حالة عامَّة عند الكثير من الناس، ومن هنا جاءت الروايات الآمرة لنا بأن نكون حلساً من أحلاس الدار حتَّى تُسمَع الصيحة في السماء(١٥٥)، والروايات التي أمرتنا أن نبقى على الأمر الذي كنّا عليه(١٥٦)، والروايات التي أمرت بتكذيب الوقّاتين(١٥٧)، والروايات التي دلَّت على أنَّ كلَّ راية تُرفَع قبل ظهوره أو قبل الصيحة فهي راية ضلالة(١٥٨)، فإنَّها كانت في مقام معالجة حالة الاستعجال التي هي صفة الناس، وإيجاد كابح يكون له دور الموازنة في الشخصيات، لكي لا تسلك سُبُلاً توردها المهالك من خلال المبادرة لأمر لم تنضج مقدّماته، فإنَّ ذلك يجعل المرء ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً﴾ (النحل: ٩٢).
السادس: التمنّي:
يُمثِّل ظهور الإمام (عليه السلام) وقيام دولة الحقِّ أُمنية غالية على قلوب الأتباع يتحقَّق به فرج طالما انتظرته الأجيال وتاقت له أنفسهم، وحين تواجه الإنسان مشكلة فإنَّه يحاول أن يعالجها بما يتوفَّر له من أدوات وقدرة، وحين تعييه الحيلة يبدأ بتقليب أوراقه التي يمكن أن تقع علاجاً لتلك المشكلة، وإذا كان معتقداً بالغيب فإنَّه يحاول أن يُلقي حلَّها على الغيب، وحين يجد في الغيب وعداً بحلِّ كلٍّ المشكلات مع تكالبها عليه فإنَّه يُلقي ثقله عليه. ومن هنا تصبح نفسه مهيَّأة للدعاوى التي ترتبط بالغيب، فيقبلها دون تحليل عميق وتمحيصٍ كافٍ في الظروف غير المؤاتية. وأزمنة المحن والشدائد أكثر الأزمنة التي تروج فيها دعاوى الارتباط بالغيب.
ولمَّا كان الموروث الشرعي قد حوى بشارة لإقامة دولة تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً، والوارث فيها للأرض عباد الله الصالحون، تعلَّقت النفوس بهذه الدولة وصاحب رايتها، فأخرجهم ذلك بعضهم من الموضوعية في تقييم تلك الدعاوى، وأدهنوا من حيث لا يشعرون.
وممَّا ساهم في ذلك أنَّ مفردة الظهور تُمثِّل واقعة خارجية، والموروث الشرعي وإن أثبت حتميتها إلَّا أنَّه لم يستوعب مشخَّصاتها بالنحو الذي لا يقبل اللبس عند الناس، فلم يرد ميزان واضح عند عوامِّ الناس وجهلتهم يمكنهم من خلاله تمييز المبطل في دعواه من صاحب الحقِّ.
والذي منع من استيعاب التفاصيل التي تمنع من اللبس هو محذور طول الأمد عند الناس الذي ينعكس سلباً على الاستجابة لما تقتضيه دعوة الحقِّ، إذ حينها قد تعلم أُناس أنَّ زمان ظهوره (عليه السلام) سيتأخَّر إلى قرون متمادية، وحينها ما الذي يُبقي الناس على العهد؟ وما الذي يدعوها للالتزام بالمذهب وتفاصيل الشريعة؟ فخفاء الواقعة بالتفاصيل المانعة من الالتباس في المصداق والواقع الخارجي فتح باب التدليس ممَّن يريد أن يجعل من المعتقد جسراً للوصول إلى نتف من الدنيا الفانية، ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (البقرة: ٩٠).
وكيف كان، فهذه الأُمنية الغالية والرغبة الأكيدة بالفرج القريب يجعل النفس تداهن في مقام التطبيق عندما يظهر من يدَّعي نسبته لهذا المشروع أو أنَّه قائده ومدبِّره ومنفِّذه.
وهذا الاستعجال لأمر الله تعالى يدفع الناس إلى التفاعل مع من ادَّعى انتسابه إلى الإمام (عليه السلام) أو أنَّه نفس الإمام (عليه السلام)، فالنفس مائلة إليه. وميل النفس يُخرجها عن الموضوعية، إذ إنَّه يُشكِّل عنصر ضغط عليها. وما أعظم أن يسير المرء في ركب الإمام الثاني عشر ويساهم في نجاح مشروعه لتحقُّق بشارة الأنبياء (عليهم السلام) وأعظم أُمنية للنوع البشري.
السابع: رغبة النفس في التخلُّص من القيود:
تُمثِّل النفس موجوداً جموحاً طموحاً تتملكها جملة من الرغبات التي تنزع إليها، فقد جُبِلَت على حبِّ الراحة وحبِّ النوم وحبِّ الشهوات وحبِّ التسلُّط وحبِّ التملُّك، وارتبطت بالأرض التي خُلِقَ منها الجسد وزيَّنها الله لها، ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها﴾ (الكهف: ٧).
وحين اضطرَّت إلى الحياة الاجتماعية قبلت ببعض القيود التي تُمليها عليها تلك الحياة، فتنازلت عن بعض آمالها ومشتهياتها لتحصل على أكبر منها بواسطة الجماعة، وربَّما استجابةً منها لنزعتها الاجتماعية التي جُبِلَت عليها في أصل خلقتها.
والدين يُعطي رؤية كونية يكشف من خلالها العلاقات الحاكمة بين القوى الكونية والنُّظُم السائدة، والانتماء إلى آيدلوجية ما يستدعي التقيُّد بأُطرها، وهذا يستدعي تضييق مساحة الحرّية للمعتقد بها. وهو بلا شكٍّ على خلاف ما ترغب به النفس وتميل إليه وهي تحاول الالتفاف على تلك الأُطروحات والتهرُّب منها. وهذا ما نصَّت عليه سورة القيامة: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (القيامة: ٥ و٦).
ومن هنا حاول البعض النفوذ إلى المتديِّنين أو المنتمين إلى الدين من خلال إسقاط بعض القيود والتكاليف، فحين عادت سجاح إلى مسيلمة بعد زواجه منها وطالبته بفرض صداق لها أمر مسيلمة شبث بن ربعي أن يُؤذِّن بين الأقوام أنَّ صداقها وضع الصلاتين الفجر والعشاء ممَّا جاء به محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(١٥٩). وحين سيطر بعض فِرَق الإسماعيلية على قِلاع آلموت أباح لهم الكثير من المحرَّمات وأسقط التكاليف.
وحين يريد البعض أن ينفذ إلى الناس من خلال العقيدة المهدوية يدعو إلى نشر الفساد في الأرض بدعوى أنَّ ذلك يُعجِّل في ظهوره، لأنَّ الروايات تقول: إنَّه (عليه السلام) يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً. فيستغلُّ ميل النفس للتحرُّر من القيود لتسويق رؤية باطلة لهم من خلال استمالتهم عن طريق ما يُحِبُّون.
وهذا العنصر كما يساهم في التحوّل إلى المذاهب المبتدعة، فإنَّه يمنع من قبول الدين الجديد.
وجه عدم عدِّ وسوسة الشيطان:
ثمّ إنَّنا لم نذكر الشيطان ووسوسته كعنصر من العناصر المؤدّية إلى هذا التعاطي غير الموضوعي مع الأديان والمذاهب، مع أنَّ الشيطان لا يُفوِّت مثل هذه الفرصة، خصوصاً وأنَّ التأثُّر بوسوسته قد يُخرج الإنسان إلى الكفر، وقد يجعله يبذل نفسه في الدفاع عن مذهب مفترى أو دين باطل، ولا أقلَّ من ضلال السعي.
﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ (الكهف: ١٠٣ و١٠٤).
﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (الأعراف: ٣٠).
ولا شكَّ أنَّ الشيطان له دخالة في ذلك من خلال الإيحاء والوسوسة وتزيين الأعمال والوعود الكاذبة، ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ (الأنعام: ١١٢).
﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ (الناس: ٥).
﴿وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (الأنعام: ٤٣).
﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً﴾ (النساء: ١٢٠).
وإنَّما لم نذكره لأنَّنا أردنا التركيز على العناصر الابتدائية للنفس البشرية، والشيطان وإن كان هو الحامل لراية الإضلال، إلَّا أنَّ نفوذه للنفس لا يكون إلَّا إذا فُتِحَ له الباب منها، فهو كما يقولون: كلب معلَّم، وكيده ضعيف التأثير على بني الإنسان.
﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ (النساء: ٧٦).
و﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (النحل: ٩٩ و١٠٠).
كثرة الأتباع لا تدلُّ على سلامة المذهب:
ربَّما نُسِبَ إلى البعض أنَّ صحَّة المعتقَد يمكن أن يُستَند فيها إلى نظرية تراكم الاحتمال حيث إنَّ كثرة الأتباع قد يكون سبباً منطقياً لإثبات صحَّة المنهج المتَّبَع، ببيان أنَّنا إذا التفتنا إلى فرد اتَّبع مذهباً أو ديناً ما، فإنَّه يوجد احتمال أن يكون قد استند إلى سبب منطقي ودليل معتَبر، فإذا وجدنا آخر اتَّبع نفس المذهب والدين كان ذلك الاحتمال موجوداً فيه أيضاً، فيقوى احتمال وجود الدليل المعتَبر، وهكذا إذا وجدنا ثالثاً ورابعاً، فإذا كان الأتباع بالملايين قوي احتمال صحَّة المعتقَد إلى مستوى يصل ما قابله إلى ما يقرب جدّاً من الصفر وبنحو إمَّا لا يلتفت له الذهن البشري لشدَّة ضعفه كواحد من المليار أو من الترليون، وإمَّا لا يعتني به لشدَّة ضعفه كواحد بالمليون.
ولنُوضِّح ذلك بمثال: إذا كان احتمال استناد الأوَّل إلى دليل معتَبر تامٍّ - وفي اختيار الدين الدليل المعتَبر هو القطع واليقين ليس إلَّا - اثنين بالمائة، واحتمال الاستناد في الثاني مثله، وهكذا إلى عشر أفراد، فإنَّ هذه الاعتقادات في عرض بعضها، فاعتقاد الأوَّل ليس مترتِّباً على اعتقاد الثاني ولا العكس كذلك، فهما ليسا طوليين، وفي مثل هذه الحالة يُؤخَذ احتمال الخلاف في الموردين ويُضرَب ببعضه، واحتمال الخلاف في مفروض المسألة (٩٨%)، وهذا يعني بالنسبة للعشرة أنَّ النتيجة هي ما قابل ضرب (٩٨%) في نفسها عشر مرّات، وحاصل ضربها في نفسها عشر مرّات (٨١.٧١٧٢٨%) تقريباً. وما قابلها من احتمال هو (١٨.٣%) تقريباً. وإذا أضفنا لها عشرة أُخرى وبنفس الطريقة كانت النتيجة (٣٣.٢%) تقريباً، وإذا أضفنا لها عشرة أُخرى صارت النتيجة (٤٥.٥%) تقريباً، وإذا أضفنا لها عشرة أُخرى كانت النتيجة (٥٥.٤%) تقريباً، وإذا أضفنا لها عشرة أُخرى كانت النتيجة (٦٣.٦%) تقريباً، ومع إضافة عشرة أُخرى يكون حاصل العملية (٧٠.٣%). هذا إذا كان أتباع ذلك المذهب ستّين شخصاً، واحتمال الاستناد للدليل المقنع لنا في كلٍّ منهم عبارة عن (٢%).
فإذا كانوا مائة فالنسبة سترتفع إلى (٨٧.١%) تقريباً، وإذا كانوا مائة وخمسين صارت النسبة (٩٥.٢%) تقريباً، وهكذا تبدأ عملية التراكم الاحتمالي بالتباطؤ إلى حدٍّ بعيد، فلو أضفنا حساب مائة وخمسين آخرين فإنَّ النسبة تصبح (٩٧.٧%) تقريباً، وإذا أضفنا مائة وخمسين آخرين ارتفعت النسبة إلى (٩٨.٩%) تقريباً، وهكذا، فإذا بلغ عدد الأتباع (٤٥٠) شخصاً كان احتمال صحَّة معتقدهم ما يقرب من (٩٩%)، فكيف إذا كانوا بالملايين!؟
لكن ذلك الكلام مردود بوجوه:
١ - إنَّه معارض بمثله، فأتباع البوذية مئات الملايين، والهندوس ربَّما كانوا كذلك، والنصارى أكثر من مليار شخص، وأبناء العامَّة يتجاوزون المليار، فهل كلُّ هذه المذاهب مذاهب حقَّة!؟
٢ - أين هي العقول التي أعملت في اختيار المذاهب والأديان، وما الدليل الذي عُثِرَ عليه أو يمكن أن يكون قد استند إليه عبّاد الفروج في الهند، أو مؤلِّهو الطفلة ذات الأربعة أعوام في النيبال، أو أتباع الديانات التي لا تخطر على بال!؟ وكيف يقوم الدليل على تلبُّس الأرواح بعد الموت ببدن كلب أو خنزير أو نوع آخر من الحيوانات يناسب حياة الفرد ونوع مسعاه في الدنيا!؟ وكيف رأى الناس أو قام عندهم الدليل على وجود إله اسمه الشمس أو القمر أو الريح أو إله الحبِّ أو غير ذلك!؟ فهناك الكثير من المعتقدات تجزم من الأوَّل استحالة إقامة الدليل عليها، فمن أين يأتي احتمال استناد الأتباع إلى دليل!؟
بل يمكن أن نجزم بأنَّ الكثير من أتباع المذهب الحقِّ والدين الحقِّ لم يعملوا الموضوعية في اختيار دينهم، وإنَّما هي بيئة قربتهم ورحمة شملتهم وحسنى من الله سبقت لهم، وإلَّا فالطريقة عند عدد لا يُستهان به منهم، بل عند أكثرهم ﴿إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ (الزخرف: ٢٣)، لا يخرج من ذلك إلَّا عالم ربّاني أو متعلِّم على سبيل نجاة، والباقي وفق تقسيم الروايات همج رعاع ينعقون مع كلِّ ناعق(١٦٠).
٣ - نحن نجرم بأنَّ أتباع الدين الواحد قد وقع البعض منهم تحت تأثير الآخر، فإيمان الثاني إذا كان مستنداً إلى الأوَّل لا يضيف قيمة احتمالية لصحَّة إيمان الأوَّل، وإيمان الملايين إن كان تحت تأثير واحد لا يضيف قيمة احتمالية للأوَّل.
٤ - ولو لم يكن إيمان الأفراد متابعة لآخرين وتأثُّراً بهم، فإنَّ وجود نقطة مشتركة للخطأ تُسقِط حساب الاحتمال، فحين تعمُّ عبادة الريح في المناطق التي طالما ضربتها عواصف الرياح والأعاصير المدمِّرة، فإنّا نعلم أنَّه بعد ملاحظة الناس خروج الريح عن قدرة التسخير عند الناس، فإنَّهم سيعتقدون أنَّها هي الإله المتحكِّم الذي لا بدَّ من الخضوع له وتقديم القرابين لنيل الزلفى لديه، فمكمن الخطأ في الجميع واحد، وهذا يعني أنَّ زيادة العدد لا تساهم في رفع وزيادة القيمة الاحتمالية لصحَّة اعتقادهم.
٥ - إنَّ الخطأ في اتِّخاذ الدين له مصبّات مختلفة، وهذا يُضعِّف القيمة الاحتمالية في المجموع، فعبادة الشمس مثلاً قد يكون البعض استند إليها لشدَّة إنارتها، وقد يكون البعض استند إليها لكبر حجمها بين الأجرام السماوية، وقد يكون البعض استند إليها لشدَّة حرِّها، وقد يكون البعض استند إليها لاعتقاده ربط الحوادث الأرضية بها، وغير ذلك، وهذا الوجه الخامس لا يُسقِط القيمة الاحتمالية الإضافية، ولكنَّه يُضعِّفها إلى حدٍّ بعيد.
ثمّ إنَّ ما تقدَّم من هذه الردود لا تُسقِط الآلية الإحصائية الرياضية عن الاعتبار، فهي إحصائية علمية لا مشكلة في أصلها، وإنَّما الكلام في أنَّ هذا المورد هل هو من مواردها أو لا؟ ولا شكَّ بعد البيان المتقدِّم أنَّه ليس من مواردها. فالخروج كما يُعبِّرون صغروي، والكبرى تامَّة، ولا يضرُّها عدم كون المورد من صغرياتها، وغاية تأثير ذلك المنع من تطبيقها لا إبطال أصلها.
٦ - إنَّ تراكم الاحتمال إنَّما يتحقَّق لو لم نعلم المدرك الذي استُنِدَ إليه في بناء الرؤية واختيار العقيدة، أمَّا لو صرَّح صاحب الدعوة لأتباعه بأنَّ دليله هو الرواية الكذائية مثلاً أو الدليل المعيَّن الكذائي، فالمرجع حينئذٍ هو نفس ذلك المستند روايةً أو دليلاً آخر. ودعوة المسمّي نفسه اليماني هو أسندها بمثل رواية الوصيَّة والرؤيا. والرؤيا نعلم أنَّه لا قيمة لها في دنيا الاستدلال، ولا حجّية لمثلها. ورواية الوصيَّة غاية في السقوط السندي، فمع ستَّة مجاهيل في السند لا يبقى لها أيُّ اعتبار ولا قيمة احتمالية كما بيَّنّا في طيّات البحث، فضلاً عن عدم قطعية دلالتها، وفضلاً عن أنَّ دعواه تتضمَّن تطبيقاً في وضعه العامّ يحتمل الخطأ - وإن جزمنا نحن بخطئه -، فأيَّة قيمة للرواية في مقاربة الحقيقة أو إحرازها!؟
لقد بنى فقهاؤنا على أنَّ حجّية الإجماع المحصَّل على القول بها مشروطة بما إذا لم نحتمل أنَّهم استندوا إلى مدرك ودليل نعرفه، وأسموا مثل هذا الإجماع بالمدركي، وأسقطوه عن الحجّية. وهذا يعني أنَّ مجرَّد احتمال مدركية الإجماع تُسقِطه عن الحجّية، فيكون المرجع هو نفس المدرك، فكيف إذا كان مقطوع المدركية؟ والمقصود وجود مدرك بين أيدينا نعلم أنَّهم قد استندوا إليه لا أنَّ له مدرك بحسب الواقع وإن كنّا لا نعرفه.
وهذا يوصلنا إلى أنَّ من يدَّعي أمراً واتَّبعته ملايين الناس مع علمنا بأدلَّته التي ساقها لهم أو التي استندوا إليها وإن لم يسقها لهم لا يشفع له كثرة الأتباع في قبول مدَّعاه بالغ ما بلغوا من الكثرة، بل يُنظَر إلى نفس الأدلَّة. هذا إذا كانوا قد استندوا أصلاً إلى دليل ولو بإيحاء من الغير، وإلَّا فكما أسلفنا أنَّ أكثر الناس في المجال الديني عيال على الغير لا يعبؤون كثيراً بالمتانة العلمية لمستند المعتقَد، وإلَّا لما راجت ديانات هي في الاستناد العلمي أتفه من التفاهة. فالماورائيات عالم مجهول للبشر وبحر لا يُقدِّم المنهج البحثي سفينة لركوبه، ولا أدوات الخوض فيه، فاعتمدوا على تصوّرات وافتراءات تقدَّم من الغير.

* * *
الخاتمة: شمس غيَّبها السحاب

تمهيد:
لقد شكَّلت القضيَّة المهدويَّة معضلة في عالم المعتقَد، لأنَّها مسألة خارجة بالمرَّة عن كلِّ مألوف، امتنع الوقوف عليها بالحواسِّ، وعزَّ أن نرى مثلها، بل امتنع، واقتصر طريق الإذعان بها بالغيب، ونظائرها في الوجود لم نُدركها بحواسِّنا أيضاً، فهي من الغيب كقضيَّتنا، وما الفرق بين أن يُخبِرنا الغيب برفع عيسى (عليه السلام) مكاناً عليّاً أو رفع إدريس النبيِّ (عليه السلام) أو حياة الخضر (عليه السلام)، وبين الإخبار بحياة الإمام الثاني عشر (عليه السلام) كلَّ هذه الدهور؟ فكلُّها تحتاج إلى الإيمان بالغيب، وقد كانت الناس تأتي إلى أنبيائها وتطالبهم بالمعجزات فيستجيبون لهم، وكذا كان بعض المعاصرين للأئمَّة (عليهم السلام) في زمن الحضور حيث كان الناس يأتون إليهم دون استبعاد أن يرث أحدهم أباه، فيطالبه بما يُثبِت خلافته، وقد أعطاهم الأئمَّة (عليهم السلام) ما يريدون إن لم يعرفوا منهم العناد.
وكم احتارت الأُمَّة في شخص الإمام يطرقون الأبواب المحتملة حتَّى تشملهم عناية السماء ويتحقَّق لهم تشخيصه في بقيَّة الأئمَّة (عليهم السلام)، ومع كلِّ ذلك لم تُعدَم الملَّة من المنكرين والمشكِّكين والواقفين والمدَّعين، هذا وللأئمَّة (عليهم السلام) أشخاص تُرى وبيوت تُقصَد ومحاججة تُسمَع وأمر خارق للعادة يُدرَك.
إنَّ نزعة الإدراك بالحواسِّ عامَّة عند البشر، فالمدرَك بواسطة الحواسِّ غير قابل للتشكيك، وغير قابل لخطور الاحتمالات المخالفة، ومن هنا طلب خليل الله أن يرى بعينه عملية إحياء الموتى سعياً لاطمئنان القلب، وهو المؤمن المسلِّم بذلك.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٦٠).
ولأنَّ القضيَّة المهدويَّة خارجة عن المألوف، بعيدة عن الحسِّ، فقد وقعت في فضاء التشكيك والإنكار ومساحة التدقيق والاستيضاح، خصوصاً والمذاهب الدينية السائدة والمدعومة من سلاطين الدنيا معادية لهذا المذهب، ومن هنا تعرَّضت الروايات الشريفة لإجابات عن الشبهات بعد إتمام الحجَّة على أصل وجود الإمام (عليه السلام) بوفرة الأدلَّة، وسوق الأمثلة لمفردات مشابهة لا شكَّ في ثبوتها عند الآخر، وإرجاع كلمات المعاندين إلى ما يشبه الشبهة في مقابل البديهة.
ومن تلك الشبهات ما يرجع إلى جدوى وجوده مع كون شخصه غائباً عن الناس، فما فائدة إمامة إمام يُفتَرض أن يقود الأُمَّة إلى صراط العزيز الحميد ويقيم أودها ويهدي ضالّها ويُحدِّد معالم دينها ويُعزِّز اعتقادها وهو غائب عن الأنظار؟ ولِمَ يقال بضرورة وجود حجَّة لله على خلقه في كلِّ زمان، مع أنَّه غير ظاهر لفترة تجاوزت إلى الآن ألفاً ومائة وخمسين عاماً؟ فهل يعني ذلك أنَّ وجوده الظاهر ليس شرطاً وواجباً؟ وإذا لم يكن واجباً، فلِمَ لَمْ يُكْتَفَ بالحجج الآخرين الذين قضوا ردحاً من الزمن في هذه النشأة ثمّ ارتحلوا إلى دار الخلود؟ فما الفرق بين حجَّة غائب وآخر توفّاه الله؟
ومرجع الإجابة عن كلِّ هذه الأسئلة إلى أنَّ الانتفاع به (عليه السلام) لا يُشتَرط فيه حضوره وظهوره للناس، وإذا ثبت الانتفاع أو أمكن تصويره بشكل معقول تساقطت تلك التساؤلات عن مستوى الإشكالية وتحوَّلت إلى استعلام، إذ حينها يتبيَّن الفرق بين حجَّة غائب وآخر توفّاه الله تعالى، ويتبيَّن وجه عدم الاكتفاء بالحجج الذين ارتحلوا عن هذه الدنيا، وأنَّ وجوده الظاهر ليس شرطاً واجباً في أصل الانتفاع وإنَّما في مرتبته، إذ لا شكَّ أنَّ في ظهوره منافع لا تترتَّب على وجوده غائباً عن الأنظار، وتتجلّى جدوى وجوده المقدَّس في هذه النشأة ولو في حال الغيبة، كما أنَّ تلك المنافع إن كانت بنحو لا يمكن تفويتها فوجوده ضروري على غيبته، وقد تعرَّضت الروايات الشريفة لذلك بنحو تشبيه المعقول بالمحسوس كما هو مألوف كثيراً في القرآن والروايات، وشبَّهته من هذه الناحية بالشمس غيَّبها السحاب، إذ احتجابها خلف السُّحُب لا يمنع من الانتفاع بها، إذ الانتفاع بها لم يُشتَرط فيه سطوع نورها وتألُّق قرصها بالنحو الذي نراه.
وقد تعرَّض بعض علمائنا للوجوه التي يمكن أن تكون عملية التشبيه التي أشرنا إليها ناظرة لها، فأردنا أن نقف عليها مع إضافة ما يخطر بالبال في ذلك، مع الوقوف على كلِّ وجه من حيث إمكان القبول به وعدمه، والله أسأل أن يأخذ بيدي إلى إدراك الحقِّ والنطق به، إنَّه خير مسؤول.
روايات شمس غيَّبها السحاب:
وردت روايات ثلاثة شبَّهت الانتفاع بالإمام (عليه السلام) في زمن الغيبة بالشمس التي حجبها السحاب، فلنستعرضها، ثمّ ننظر في أسانيدها.
١ - رواية الأعمش، وفيها: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها السحاب»(١٦١).
٢ - رواية الكليني عن إسحاق بن يعقوب أنَّه ورد عليه من الناحية المقدَّسة على يد محمّد بن عثمان: «... وأمَّا وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا باب السؤال عمَّا لا يعنيكم، ولا تتكلَّفوا على ما قد كفيتم...» الخبر(١٦٢).
٣ - وعن جابر الجعفي، عن جابر الأنصاري أنَّه سأل النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): هل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال (عليه السلام): «إي والذي بعثني بالنبوَّة، إنَّهم يستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلَّلها سحاب»(١٦٣).
هذه هي الروايات الثلاثة التي رواها المجلسي (رحمه الله) في مضمون شمس غيَّبها السحاب(١٦٤)، ثمّ إنَّه ذكر أنَّ التشبيه بالشمس المجلَّلة بالسحاب يومي إلى أُمور، وظاهر عبارته أنَّه يومي إلى جميعها لا أنَّ في تفسيره وجوه، ثمّ ذكر ثمانية وجوه، قال بعدها: (ولقد فتح الله عليَّ بفضله ثمانية أُخرى تضيق العبارة عن ذكرها...) إلى آخر كلامه(١٦٥).
وهذه الروايات غير تامَّة سنداً وإن كان مضمونها مقبولاً جدّاً.
ففي سند الرواية الأُولى:
١ - السناني، ولم نعرف من هو.
٢ - ابن زكريا، ولم نجد له توثيقاً.
٣ - ابن حبيب، لم أجد له ذكراً في كتب الرجال، نعم يوجد ابن أبي حبيب الذي لم يُوثَّق.
٤ - الفضل بن الصقر، الذي لم يُوثَّق أيضاً.
٥ - أبو معاوية، ولم يُذكر له توثيق.
٦ - الأعمش، وهو سليمان بن مهران الذي ترك الأصحاب التعرُّض له، وقد وجَّه الشهيد الثاني ذلك باستقامته وفضله.
فالرواية غاية في الضعف السندي.
وفي سند الرواية الثانية: إسحاق بن يعقوب، وهو الذي ذكر أنَّ الإمام (عليه السلام) كاتبه، وهو لم يُوثَّق أيضاً.
وأمَّا الرواية الثالثة، ففيها: محمّد بن همّام، وهو وإن كان مشتركاً بين ثلاثة إلَّا أنَّ الآخرين ممَّن روى عن الصادق (عليه السلام)، فلا يضرُّ عدم توثيقهما، فينحصر الأمر بمحمّد بن همّام الإسكافي، الثقة الجليل.
وفيها: الحسن بن محمّد بن سماعة، وهو وإن كان من شيوخ الواقفة إلَّا أنَّه ثقة.
نعم فيها:
١ - أحمد بن الحارث، وهو ضعيف.
٢ - وابن ظبيان، ولم يُوثَّق.
٣ - والفزاري، ولم نجد تعرُّضاً لوثاقته، والمفضَّل الذي يروي بواسطة عن جابر الجعفي، ممَّا يعني أنَّه بعد الصادق (عليه السلام) بطبقتين، فليس المراد منه المفضَّل بن عمر.
والنتيجة أنَّ هذه الروايات الثلاثة كلُّها ضعيفة السند، لكن ضعفها السندي لا يعني عدم صدورها عنهم (عليهم السلام)، نعم ضعفها يُسقِطها عن الاحتجاج بها.
الوجوه التي ذكرها المجلسي (رحمه الله):
لقد تعرَّض المجلسي (رحمه الله) للروايات التي شبَّهت الإمام الثاني عشر (عليه السلام) بالشمس التي جلَّلها السحاب، وبعد استعراضها أراد بيان وجه الشبه بينه (عليه السلام) وبين الشمس في هذه الروايات، فبسط المقال وتحدَّث فأطال، وقال: إنَّه يومئ إلى أُمور، وأظنُّه أراد أنَّ ذلك التشبيه يمكن أن يكون إيماءً إلى أحد أُمور أو أكثر من واحد منها، وإلَّا فلا يمكن القبول بأنَّه إيماء وإشارة إليها جميعاً، لما هو موجود من التنافي بين البعض والبعض الآخر.
ونحن هنا نستعرض هذه الوجوه، ونقف عندها وقفة الفاحص المتأمِّل، وننظر إليها نظرة المدقِّق المتعقِّل، ونعرضها على ميزان القبول والرفض. وقد ذكر ثمانية وجوه في التشبيه، وسنبدأ من الثاني منها بالترتيب حتَّى نصل إلى آخرها، وبعد ذلك نقف عند الوجه الأوَّل.
الوجه الثاني ومناقشته:
كما أنَّ الشمس المحجوبة بالسحاب مع انتفاع الناس بها ينتظرون في كلِّ آنٍ انكشاف السحاب عنها وظهورها ليكون انتفاعهم بها أكثر، فكذلك في أيّام غيبته (عليه السلام) ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلِّ زمان، ولا ييأسون منه.
ويردُّه أنَّه خلاف الظاهر جدّاً، إذ الظاهر من الروايات الثلاثة أنَّ المسؤول عنه هو الانتفاع به حال غيبته لا حال ظهوره ليكون الانتفاع أكثر، ففي الأُولى يسأله الراوي: فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ فأجاب (عليه السلام) كما ينتفعون بالشمس إذا غيَّبها السحاب، فالسؤال عن الانتفاع في ظرف الغيبة والاستتار، والجواب ظاهر في ذلك أيضاً بقرينة (إذا)، أي في ظرف تغييب السحاب لها.
وفي الثانية قوله (عليه السلام): «وجه الانتفاع بي في غيبتي» ظاهر في ذلك، إذ لم يقل: الانتفاع المترتِّب على غيبتي، ليقال: قد يُراد الانتفاع بعد انتهاء الغيبة، وكذلك قوله (عليه السلام): «فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها السحاب» بالبيان السابق في الرواية الأُولى.
وفي الثالثة كذلك.
وما دام بالإمكان أن تبقى الرواية على ظاهرها - إذ لا مانع من التمسُّك به لنضطرَّ إلى حملها على وجه مخالف للظهور -، فتبقى حجّيتها في ظهورها.
الوجه الثالث ومناقشته:
إنَّ منكِر وجوده (عليه السلام) مع وفور ظهور آثاره كمنكِر وجود الشمس إذا غيَّبها السحاب عن الأبصار.
ويردُّه أنَّه على خلاف ظاهر الروايات جدّاً، فالسؤال والجواب كما تقدَّم عن كيفية الانتفاع، ولا علاقة لذلك في تقريب إنكار وجوده (عليه السلام).
الوجه الرابع ومناقشته:
إنَّ الشمس قد تكون في غيبتها في السحاب أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب، فكذلك غيبته (عليه السلام) أصلح لهم في تلك الأزمان، فلذا غاب عنهم.
ويردُّه:
١ - إنَّه مخالف لظواهر الروايات حيث إنَّها تحدَّثت عن الكيفية التي يُنتَفع بها منه (عليه السلام) مع أنَّ شخصه غائب، فكان الجواب عدم اشتراط الحضور في الانتفاع، فغيبة الشمس لم تمنع من انتفاع الناس بها، ولم تتحدَّث عن أفضلية الانتفاع بالغيبة على الانتفاع بالحضور.
٢ - من قال: إنَّ غيبته (عليه السلام) أفضل للناس من حضوره وأصلح؟ خصوصاً والملاحظ في مثل هذه الأفعال التكوينية لله هو أنَّه لا يمكن أن تخرج عن إطار الحكمة التي ترجع إلى العباد نوعاً، ولا يكون المدار فيها بعض الأفراد دون البعض الآخر. ولا شكَّ أنَّ الشدَّة أعظم في ابتلاء الغيبة على الناس الذين يُفتَرض بهم أن يؤمنوا بسواد على بياض لخلوِّ زمانهم من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والحجَّة (عليه السلام). ومن هنا استحقّوا أن يصفهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإخوان ومن عاصروه لم يستحقّوا إلَّا أن يُوصَفوا بالأصحاب.
ففي رواية أبي بصير، عن الباقر (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذات يوم وعنده جماعة من أصحابه: اللّهمّ لقني إخواني - مرَّتين -، فقال من حوله من أصحابه: أمَا نحن إخوانك يا رسول الله؟ فقال: لا، إنَّكم أصحابي، وإخواني قوم من آخر الزمان آمنوا بي ولم يروني، لقد عرَّفنيهم الله بأسمائهم وأسماء آبائهم من قبل أن يخرجهم من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم، لأحدهم أشدّ بقيَّةً على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا...» الخبر(١٦٦).
وهل من الأصلح له أن يكون كالقابض على جمر الغضا؟ اللّهمّ إلَّا إذا كانت الغيبة هي التي جعلته ثابتاً في معتقده كالقابض على جمر الغضا دون أن يتأثَّر بذلك في التزامه.
الوجه الخامس ومناقشته:
إنَّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب وربَّما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها، فكذلك شمس ذاته المقدَّسة ربَّما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم، ويكون سبباً لعماهم عن الحقِّ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته، كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرَّر بذلك.
ويردُّه:
١ - إنَّه مخالف لظاهر الروايات سؤالاً وجواباً، لأنَّها لم تكن في مقام إعمال مقارنة بين حال الغيبة والظهور ثمّ تُفضِّل الغيبة على الظهور من جهة أكثرية النفع، بل أرادت أن تقول: إنَّ غيبته لا تمنع من الانتفاع به (عليه السلام)، فالانتفاع غير متوقِّف على الظهور.
٢ - إنَّ مثل هذا الاحتمال موجود في كلِّ الأنبياء والحجج (عليهم السلام)، فلِمَ لم يقتضِ ذلك حجبهم عن أُممهم، خصوصاً وهو (عليه السلام) لم يأتِ مؤسِّساً لدين أو مذهب وإنَّما هو متمِّم لسلسلة الهداة المهديِّين (عليهم السلام)، والإيمان بشريعة أثقل وأصعب من الإيمان بإمامة إمام.
٣ - إنَّ هذا الوجه لو تمَّ فهو يتمُّ في بعض الناس ولا يتمُّ في الأكثرية غيرهم.
٤ - إنَّ هذا الوجه مخالف لما جاء في كثير من الروايات التي نصَّت على صعوبة التمسُّك بهذا المعتقَد في زمن الغيبة، وإلَّا كيف كانت الغيبة مفردة تمحيص للمؤمنين، والتمحيص نوع غربلة، والغربال لا يكون غربالاً إلَّا إذا أخرج به ما لا يخرج بدونه، وهذا الوجه جعل الغيبة مانعة من الخروج الذي قد يحصل لولاها، فهو مُدخِل لا مُخرِج.
ففي رواية محمّد بن منصور، عن أبيه، قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوساً وأبو عبد الله (عليه السلام) يسمع كلامنا، فقال لنا: «في أيِّ شيء أنتم؟ هيهاتَ، هيهاتَ! لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُغربَلوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُميَّزوا، لا والله ما يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلَّا بعد إياس...» الخبر(١٦٧).
ورواية عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)، قال: «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع من الأئمَّة فالله الله في أديانكم، لا يُزيلنَّكم عنها أحد. يا بنيَّ، إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة، حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به، إنَّما هي محنة من الله امتحن الله تعالى بها خلقه»(١٦٨).
فظاهر الرواية أنَّ مرحلة الغيبة تُمثِّل مخاضاً عسيراً بقرائن:
الأُولى: التوصية بالدين، وأن لا يزيلنَّهم عنه أحد.
والثانية: قوله (عليه السلام): «إنَّه لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من غيبة حتَّى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به»، الظاهر في أنَّ سبب الرجوع يتمثَّل بالغيبة.
والثالثة: قوله (عليه السلام): «إنَّما هي محنة امتحن الله تعالى بها خلقه»، وكيف تكون تخفيفاً للمؤمنين مع كونها محنة امتحن الله بها خلقه!؟ ولا تكون محنة إلَّا إذا كان عدمها أهون منها.
وفي غيبة النعماني عن عليِّ بن أحمد، عن عبيد الله بن موسى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر»(١٦٩).
وفيه أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا بدَّ للناس من أن يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، ويخرج في الغربال خلق كثير»(١٧٠).
والروايات مستفيضة في ذلك وإن كان القسم الأكبر منها ضعيف السند، ومع هذا كيف يقال: إنَّ غيبته (عليه السلام) أصلح للعباد من ظهوره لهم!؟
وكيف صارت الغيبة موجبة لارتياب المبطلين كما في بعض الروايات(١٧١) مع أنَّها مانعة منها وفق هذا الوجه!؟
وكيف يكون العبد أقرب ما يكون إلى ربِّه وربُّه أرضى ما يكون عنه إذا افتُقِدَ الحجَّة ولم يظهر له وحُجِبَ عنه، فلم يعلم مكانه إذا كانت الغيبة نوع تسهيل له؟ مع أنَّ ظاهر مثل هذا اللسان أنَّ سبب أقربيته إلى الله تعالى هو بقاؤه على الإيمان والاعتقاد حتَّى مع الغيبة، لا أنَّ الإمام (عليه السلام) قد غُيِّب عنه لئلَّا يقع في الارتياب فاستحقَّ الأقربية من الله (عزَّ وجلَّ).
ونصُّ الرواية:
«أقرب ما يكون العبد إلى الله (عزَّ وجلَّ) وأرضى ما يكون عنه إذا افتقدوا حجَّة الله فلم يظهر لهم، وحُجِبَ عنهم فلم يعلموا بمكانه، وهم في ذلك يعلمون أنَّه لم تبطل حجج الله ولا بيِّناته...» الخبر(١٧٢).
وهو ظاهر في أنَّ ما استوجب مدحهم أنَّهم حين فقدوا الحجَّة لم يرتابوا، لا أنَّهم لم يرتابوا لأنَّ الله حجب الحجَّة عنهم. على أنَّ في سندها أبا عيسى الذي لم يُوثَّق.
٥ - لو سلَّمنا أنَّ البعض لا يحتمل رؤية شمس ذاته المقدَّسة كما عبَّر المجلسي (رحمه الله)، فإنَّ ذلك لا يكفي حكمة داعية إلى الغيبة، إذ الغيبة شيء واحد يلاحظ فيه ما يترتَّب عليه من مصلحة ومفسدة لعموم الأفراد، فكما أنَّ التكاليف يلاحظ فيها حاصل المصالح والمفاسد النهائي بعد الكسر والانكسار في الفرد الواحد، فإنَّه يلاحظ الحاصل النهائي بالنسبة للمجموع، فترتَّب المعالجة من مرض على أكل الجرّي مثلاً ورجحانه على مفسدته بالنسبة لفرد لا يعني سقوط الحرمة بالنسبة له - إلَّا إذا استلزم ذلك انطباق عنوان ثانوي -.
فالملاحظ في حرمة أكل الجرّي على عموم الأفراد خاضع لميزان المفسدة الراجحة بالنسبة لعموم الأفراد لا كلّ فرد بخصوصه، كذلك الكلام بالنسبة للأُمور التكوينية التي منها غيبة الإمام (عليه السلام) والمرتبطة بالناس حيث لا تلحظ فيها فئة من الناس دون أُخرى، فلا يكفي أنَّ في ذلك إنجاء لبعض المؤمنين إلَّا إذا كانت هذه المصلحة ذات النطاق الضيِّق أو الموهومة غير معارضة ولو في غيرهم.
ولا شكَّ في وجود المفسدة في غيرهم، إذ أنَّ ذلك سيُشكِّل مطبّاً قد يقع فيه الكثيرون، فالإيمان به (عليه السلام) في زمن الغيبة كالإيمان بسواد على بياض كما تقول الرواية:
«يا عليُّ، واعلم أنَّ أعجب الناس إيماناً وأعظمهم يقيناً قوم يكونون في آخر الزمان لم يلحقوا النبيَّ، وحجب عنهم الحجَّة، فآمنوا بسواد على بياض»(١٧٣).
والمؤمن به (عليه السلام) في غيبته كما تقول الرواية: «لأحدهم أشدّ بقيَّةً على دينه من خرط القتاد في الليلة الظلماء، أو كالقابض على جمر الغضا»(١٧٤).
وهل في ذلك تخفيف على المؤمنين؟
نعم لقائل أن يقول: إنَّ أشدّية بقاء أحدهم على دينه من خرط القتاد أو شبهه بالقبض على جمر الغضا لا يُعلَم أنَّه من الغيبة، إذ قد يكون ذلك لأجل قساوة الظروف والابتلاء من جهة أُخرى، لكن ذكر الرواية للاستشهاد ليس إلَّا.
الوجه السادس ومناقشته:
إنَّ الشمس قد تخرج من السحاب وينظر إليها واحد دون واحد، فكذلك يمكن ظهوره (عليه السلام) في أيّام غيبته لبعض الخلق دون بعض.
ويردُّه أنَّه مخالف لظاهر الحديث كسابقاته من الوجوه، إذ الظاهر من الأحاديث أنَّ المقصود هو الانتفاع بالشمس حال كونها محجوبة عن الناس، لا انتفاع البعض بسطوع نورها فيما إذا احتجبت عن غيره، ونحن وإن قبلنا أنَّه يمكن أن يظهر لبعض مواليه في زمن الغيبة كما تواتر ذلك معنىً، إلَّا أنَّ الروايات المزبورة لا تدلُّ عليه.
والظاهر من الروايات الثلاثة أنَّ المنتفع هو الذي حُجِبَ عنه الإمام (عليه السلام) لا الذي يظهر له.
ففي الرواية الأُولى: فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا غيَّبها السحاب».
فهل ترى السائل سأل عمَّن يراه؟ لا شكَّ أنَّه سأل عن الذي حُرِمَ من رؤية الإمام (عليه السلام) كيف ينتفع منه (عليه السلام)؟ فكان الجواب من خلال تشبيه معقول بمحسوس: إنَّ حجبه (عليه السلام) لا يمنع من الانتفاع منه كما أنَّ حجب الغيوم للشمس لا يمنع من الانتفاع بها.
وفي الثانية: «وأمَّا الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء».
وهذه كسابقتها حيث شبَّه (عليه السلام) الانتفاع به في غيبته بالانتفاع بالشمس المقيَّد بتغييب السحاب لها، ولم يُقيَّد بما إذا زال ذلك التغييب عن الفرد. ويدعم هذا قوله بعدها: «وإنّي لأمان لأهل الأرض»، فكونه أماناً لأهل الأرض غير مرتبط بظهوره للبعض. على أنَّ أمانيته لأهل الأرض عموماً لا لخصوص من ظهر له. وإن خُصَّ بمن يراه للزم تخصيص الأكثر، بل التخصيص بالفرد النادر، وهو أمر مستهجن عُرفاً، وهذا بنفسه يُشكِّل قرينة على عدم التقييد، إذ الإمام (عليه السلام) لا يستعمل التعابير المستهجنة عُرفاً.
وفي الثالثة الأمر واضح أيضاً.
الوجه السابع ومناقشته:
إنَّهم (عليهم السلام) كالشمس في عموم النفع وإنَّما لا ينتفع بهم من كان أعمى كما فُسِّر به في الأخبار قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٢).
وفيه:
١ - إنَّه يلزم أن يكون التقييد بـ «وإن غيَّبها السحاب» بلا فائدة، فالسحاب وفق هذا الوجه كالعمى مانع من رؤية الشمس، فكما أنَّ السحاب يمنع من الاستفادة من الشمس فعمى القلب مانع من الاستفادة منهم (عليهم السلام). لكن قيد «وإن جلَّلها السحاب» في الرواية الأخيرة جاء بعد (وإن) الوصلية، وأُريد بما بعدها بيان الفرد الخفي، ممَّا يعني أنَّ النفع موجود حتَّى في صورة حجبها بالسحاب، فكيف يُشبَّه به أعمى القلب الذي لا ينتفع بهم (عليهم السلام)؟
نعم لو كان تشبيهه (عليه السلام) في الانتفاع به في غيبته بالشمس دون قيد (غيَّبها السحاب) كان لذلك وجه، لكنَّه يبقى غير ظاهر من هذه الروايات.
٢ - هذا مضافاً إلى أنَّ عموم النفع إلَّا لأعمى القلب غير خاصٍّ بالغيبة، فأعمى القلب لا يواليهم (عليهم السلام) في زمن الحضور، بل قد ينصب لهم العداء، مع أنَّ هذه الروايات تتحدَّث عن خصوص زمن الغيبة، وتُوضِّح عدم مانعية الغيبة من الانتفاع به (عليه السلام).
٣ - كما يرد عليه أيضاً أنَّه حصر المنتفع بالمستجيب لهم مع أنَّ نفعهم (عليهم السلام) يعمُّ الخلق طرّاً، وقد جاء في الزيارة الجامعة الكبيرة: «بِكُمْ يُنَزِّلُ الغَيْثَ، وَبِكُمْ يُمْسِكُ السَّماء أنْ تَقَعَ عَلى الأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»(١٧٥).
الوجه الثامن ومناقشته:
إنَّ الشمس كما أنَّ شعاعها يدخل البيوت بقدر ما فيها من الروازن والشبابيك وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع، فكذلك إنَّما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسِّهم ومشاعرهم التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية والعلائق الجسمانية، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الميولانية إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب.
ويردُّه أنَّه ينسجم مع كون التشبيه بالشمس فقط لا (الشمس إذا غيَّبها السحاب)، هذا مع أنَّ الروايات تُبيِّن الانتفاع حال وجود ما يُتصوَّر أنَّه مانع وهو عدم رؤية شخص الإمام (عليه السلام)، وليست بصدد بيان أنَّه متى ما ارتفع المانع ورأيتم الإمام أو ظهر لكم فإنَّكم تنتفعون به، نعم ما ذكره من أنَّ رفع الحجب سبب لزيادة الحظِّ من خيره وبركته (عليه السلام) لا غبار عليه، لكن هذه الروايات لا تدلُّ عليه.
ثمّ إنَّه (رحمه الله) أشار إلى أنَّ له ثمانية وجوه أُخرى، ولا حاجة إلى أن نتكهَّن بهذه الوجوه، إذ المفروض أنَّه ذكر أفضلها، وقد رأيت أنَّها لا يمكن القبول بها كمداليل لهذه الروايات.
الوجه الأوَّل ومناقشته:
إنَّ نور الوجود والعلم والهداية يصل إلى الخلق بتوسُّطه (عليه السلام)، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنَّهم (عليهم السلام) العلل الغائية لإيجاد الخلق، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم، وببركتهم والتوسُّل إليهم تظهر العلوم والمعارف على الخلق، وتُكشَف البلايا عنهم، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال: ٣٣). وقد جرَّبنا مراراً لا نُحصيها أنَّ عند انغلاق الأُمور وإعضال المسائل والبعد عن جناب الحقِّ تعالى وانسداد أبواب الفيض لمَّا استشفعنا بهم وتوسَّلنا بأنوارهم فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت تنكشف تلك الأُمور الصعبة، وهذا معايَن لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة. انتهى كلامه (زيد في علوِّ مقامه).
وهذا هو أقرب الوجوه الثمانية التي ذكرها (رحمه الله)، لكنَّه بحاجة إلى زيادة توضيح وإلى إصلاح لبعض تعابيره.
أمَّا المناقشة والإصلاح فـ:
١ - إنَّ ظاهر أوَّل عبارة فيه هو كونهم (عليهم السلام) وسائط في الفيض، فلا يُعلَّل ذلك بأنَّهم علل غائية، فوساطتهم في الفيض غير متفرِّعة على كونهم غايات للخلقة.
٢ - إنَّ الظاهر من ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (الأنفال: ٣٣) أنَّه خاصٌّ بالنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والقول بعمومه لبقيَّة المعصومين (عليهم السلام) يحتاج إلى قرينة، بل قد يقال بوجود قرينة على الخلاف حيث ورد في أنَّه بموته قد رُفِعَ أحد الأمانَيْن، إذ الثاني هو الاستغفار ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (الأنفال: ٣٣).
٣ - ربَّما لاح من الروايات الثلاثة أنَّ المقصود هو النفع بالإمام في حياته، وبيان المجلسي (رحمه الله) عامٌّ لكلِّ المعصومين (عليهم السلام) بعد وفاتهم.
أمَّا زيادة التوضيح فتستدعي أوَّلاً الوقوف على معنى الإمامة من خلال القرآن، ثمّ بيان بعض موارد الانتفاع منه (عليه السلام) في غيبته وفق ما ذكرته الأدلَّة والتي لا يُشتَرط فيها الحضور.
الإمامة مرتبة فوق النبوَّة:
إنَّ الإمامة مرتبة فوق النبوَّة والرسالة، فقد حبا الله إبراهيم (عليه السلام) بها في أواخر عهده بعد كبره وولادة إسماعيل له وإسحاق (عليهما السلام)، قيل: والدليل عليه أنَّه بمجرَّد أن أُعطيها قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ (البقرة: ١٢٤)، وإبراهيم (عليه السلام) لم يكن يتوقَّع أن تكون له ذرّية قبل ولادة إسماعيل، ومن هنا حين جاءته الملائكة بالبشرى أجابهم بجواب من اعتقد أنَّه لن يُرزَق بالذرّية:
﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ (الحجر: ٥٤ و٥٥).
وكذلك فعلت امرأته:
﴿وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (هود: ٧١ - ٧٣).
فالظاهر أنَّه حين سأل عن شمول الإمامة لذرّيته أنَّه كانت له ذرّية، وهذا يعني أنَّه نال الإمامة في أُخريات حياته، أي بعد أن أصبح نبيّاً ورسولاً.
ويُضاف إلى ذلك أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾ (البقرة: ١٢٤) يدلُّ على أنَّ الإمامة الموهوبة كانت بعد ابتلائه بما ابتلاه به ربُّه، وقد صرَّح القرآن أنَّ من أوضحها قضيَّة الأمر بذبح إسماعيل (عليه السلام)، وهي قضيَّة وقعت في كبره:
﴿فَلَمَّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ (الصافّات: ١٠٣ - ١٠٦).
وكيف كان، فالإمامة مرتبة غير النبوَّة، ولا شكَّ أنَّ المراد منها ليس ما يتحقَّق بالائتمام به والذي يثبت للنبيِّ، فالخطاب له كان وحياً وهو لا يكون إلَّا لنبيٍّ، وهذا يقتضي أنَّه كان نبيّاً فأُوحي إليه جعله إماماً.
ولفظ ﴿جاعِلُكَ﴾ اسم فاعل، وهو عامل في الآية أخذ مفعولين ثانيهما: ﴿إِماماً﴾. واسم الفاعل لا يعمل إذا كان بمعنى الماضي، ويعمل فقط إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال.
وقد دلَّت الروايات على ذلك، بل دلَّت على أنَّه تعالى اتَّخذ إبراهيم (عليه السلام) خليلاً - بعد الرسالة - قبل أن يتَّخذه إماماً، وقد نقلها في الكافي عن الصادق (عليه السلام)(١٧٦).
القرآن فسَّر الإمامة بالهداية بأمر الله:
إنَّ التتبُّع في الكتاب الكريم يوقف على أنَّ الإمامة كلَّما تعرَّضت لها الآيات ذكرت معها الهداية كنحو من التفسير، ومن ذلك قوله تعالى في قَصص إبراهيم (عليه السلام):
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ (الأنبياء: ٧٢ و٧٣).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
حيث إنَّه قيَّد الإمامة قيد توضيح بالهداية بالأمر، بل بالهداية بأمر الله، والأمر الإلهي وفق ما تعطيه آيات الكتاب لا يتخلَّف:
﴿وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ (القمر: ٥٠).
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (يس: ٨٢ و٨٣).
وهذه الآية الثانية تدلُّ على أنَّ نفوذ أمره لأنَّ بيده ملكوت الأشياء الذي هو وجه آخر للخلق كما بيَّنه السيد الطباطبائي في الميزان(١٧٧)، وعلى هذا فالإمامة بحسب باطنها نوع ولاية للناس في أعمالهم، وهدايتها إيصالها إلى المطلوب بأمر الله تعالى دون مجرَّد إراءة الطريق الذي هو مسؤولية النبيِّ والرسول وكلّ من يهدي بالموعظة.
ولا ينال ذلك إلَّا بالصبر كما يلوح من التعليل لجعلهم أئمَّة:
﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤)، وقد تقدَّمت.
وإبراهيم (عليه السلام) نال اليقين حين أراه الله تعالى ملكوت السماوات والأرض:
﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام: ٧٥).
فإبراهيم (عليه السلام) ابتلاه الله تعالى بكلمات فأتمَّهُنَّ، أي صبر وأدّى ما عليه، ثمّ نال اليقين حين رأى ملكوت السماوات والأرض، فتحقَّق فيه الشرطان اللذان ذكرتهما الآية (٢٤) من سورة السجدة، فجُعِلَت له الإمامة، أي أُعطيت له.
فالإمام يسوق الناس إلى الله تعالى في ظاهر هذه الحياة الدنيا وباطنها، إذ كلُّ ما يتعلَّق به أمر الهداية والذي هو القلوب والأعمال فباطنه للإمام غير غائب عنه - والكلام هنا طويل الذيل دقيق المحتوى -. وهذا لا يتوقَّف على أن يكون الإمام ظاهراً، فدوره الذي يؤدّيه انطلاقاً من وقوفه على ملكوت الأشياء وباطنها لا ربط له برؤية الناس له وتعرُّفهم على شخصه.
الإمام واسطة في الفيض ولا تنقطع رعايته لأتباعه:
لا شكَّ أنَّ للأئمَّة (عليهم السلام) دور في عالم التكوين، فهم وسائط فيض الله تعالى على كلِّ موجوداته، وذلك غير مرتبط بنشأتهم الدنيوية، فقبل نشأتهم هذه كان الدور ثابتاً لهم، كما أنَّ ألطافهم لا تنقطع عن الناس والأتباع بالخصوص يرعون المؤمنين ويدعون الله لهم. ثمّ ما الذي يمنع أن يدافع الإمام عن الشريعة ويقيم أودها ولو من خلال الظهور لفقيه أو عابد أو قائد؟ بل لا تتوقَّف ذلك على أن يُعرَف شخصه.
وفي دعاء الندبة:
«وَهَبْ لَنا رَأفَتَهُ وَرَحْمَتَهُ وَدَعائَهُ وَخَيْرَهُ مَا نَنالُ بِهِ سَعَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَفَوْزاً عِنْدَكَ، وَاجْعَلْ صَلاتَنا بِهِ مَقْبُولَةً، وَذُنُوبَنا بِهِ مَغْفُورَةً، وَدُعائنا بِهِ مُسْتَجاباً، وَاجْعَلْ أَرْزاقَنا بِهِ مَبْسُوطَةً، وَهُمُومَنا بِهِ مَكَفِيَّةً، وَحَوائِجَنا بِهِ مَقْضِيَّةً»(١٧٨).
وفي مكاتبة الشيخ المفيد:
«إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولولا ذلك لنزل بكم اللأواء أو اصطلمكم الأعداء»(١٧٩).
ما تقدَّم يُبيِّن أنَّ الانتفاع بالإمام (عليه السلام) غير مشروط بحضوره وتعرُّف الناس عليه كما أنَّ الانتفاع بالشمس غير مشروط بعدم احتجابها، وأنَّ ما ذكرته الروايات من التشبيه إنَّما هو تشبيه للمعقول بالمحسوس، وهذا هو الظاهر الذي لم يعرض ما يدعو إلى رفع اليد عنه.
لولاهم لساخت الأرض بأهلها:
قد يُتصوَّر وجود وجه آخر من وجوه الانتفاع به (عليه السلام) حال غيبته غير ما تقدَّم ذكره في الروايات الشريفة.
فهناك جملة من الروايات التي دلَّت على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وأنَّها لولا ذلك لساخت، ومنها ما رواه في الكافي وهي أربع روايات:
١ - عن عليِّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»(١٨٠).
٢ - عن عليِّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، قلت: فإنّا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّها لا تبقى بغير إمام إلَّا أن يسخط الله تعالى على أهل الأرض أو على العباد، فقال: «لا، لا تبقى إذاً لساخت»(١٨١).
٣ - عن عليٍّ، عن محمّد بن عيسى، عن أبي عبد الله المؤمن، عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر بأهله»(١٨٢).
٤ - عن الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الوشّاء، قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، قلت: إنّا نروي أنَّها لا تبقى إلَّا أن يسخط الله (عزَّ وجلَّ) على العباد؟ قال: «لا تبقى إذاً لساخت»(١٨٣).
وهذه الأخبار دالّة على أنَّ وجود الأرض واستقرارها متقوِّم بوجود الإمام (عليه السلام)، وأيَّة نعمة أعظم من نعمة الوجود، وهي غير متوقِّفة على ظهور الإمام، بل على وجوده.
لكن المشكلة في سند هذه الروايات، فالأُولى والثانية مجهولتان لمحمّد بن الفضيل. والثالثة والرابعة ضعيفتان، أمَّا الرابعة فلمعلّى بن محمّد البصري الذي ذكر النجاشي أنَّه مضطرب الحديث والمذهب(١٨٤)، وأمَّا الثالثة فلأبي حراسة ولأبي عبد الله المؤمن الذي هو زكريا بن محمّد الذي قال عنه النجاشي: إنَّه مختلط الأمر في حديثه(١٨٥)، وكذا لم يُوثِّقه الطوسي في فهرسته ورجاله(١٨٦).
لكن عدم صحَّة سند الروايات لا يعني بالضرورة عدم صدورها منهم (عليهم السلام)، بل يوجب ذلك عدم صحَّة الاستدلال بها، فإذا لم نعثر على وجه يُصحِّح غيبته مع كونه إماماً أمكن طرح هذا الوجه كوجه محتمل به تندفع الاستحالة، إذ لا تبقى استحالة مع وجود احتمال على خلافها.
نعم تبقى مشكلة أُخرى، وهي أنَّ مؤدّى هذه الروايات قد يقال: إنَّه لا يمكن الالتزام به، فقبل إبراهيم (عليه السلام) لم تكن مرتبة الإمامة قد أُعطيت لأحد والأرض لم تسخ بأهلها، فالإمامة ليست شرطاً في بقاء الأرض فيما سلف من الأيّام، فلِمَ صارت شرطاً في زماننا؟ اللّهمّ إلَّا إذا قيل: إنَّ الشرط هو الحجَّة، والحجَّة فيما بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) متعيِّن بالإمام (عليه السلام)، لكن اشتراط الحجَّة ليحتجَّ الله به على عباده لا لبقاء الأرض، أو يقال: إنَّ شرطية وجود الإمام للمنع من أن تسيخ الأرض بأهلها إنَّما هي في خصوص زمان دون زمان.
وكيف كان، فعلى فرض إمكان قبول المضمون في هذه الروايات فإنَّه يصلح كوجه محتمل يُدفَع به الردُّ على من قال باستحالة وجوده لعدم النفع المترتِّب على وجوده المبارك، والفوائد جمَّة، فهذه الروايات لا تصلح للاستدلال بها.
نعم هناك روايات أُخرى نقلها الكليني (رحمه الله) في باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم أركان الأرض:
أولاها: عن أحمد بن مهران، عن محمّد بن عليٍّ ومحمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعاً، عن محمّد بن سنان، عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «... كان أمير المؤمنين (عليه السلام) باب الله الذي لا يُؤتى إلَّا منه، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك، وكذلك يجري لأئمَّة الهدى واحداً بعد واحد، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها...» الخبر(١٨٧).
و(تميد) بمعنى تهتزُّ بشدَّة(١٨٨)، والمقصود إمَّا ذهاب نظام الأرض واختلال أحوال أهلها، أو أنَّها تميد حقيقةً بالزلازل ونحوها.
لكن في سندها محمّد بن سنان، وهو ضعيف على المشهور.
ثانيتها: عن عليِّ بن محمّد ومحمّد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمّد بن الوليد شباب الصيرفي، قال: حدَّثنا سعيد الأعرج...، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم...» الخبر(١٨٩).
وفي سندها سهل الذي ضعَّفه النجاشي حيث قال عنه: (كان ضعيفاً في الحديث غير معتمد فيه، وكان أحمد بن محمّد بن عيسى يشهد عليه بالغلوِّ والكذب، وأخرجه من قم إلى الريِّ)(١٩٠).
وقال عنه الشيخ الطوسي في فهرسته: (ضعيف)(١٩١)، إلَّا أنَّه وثَّقه في رجاله(١٩٢).
وكيف كان فالمجلسي في (مرآة العقول) قال عن الخبر: (ضعيف)(١٩٣).
ثالثتها: عن محمّد بن يحيى وأحمد بن محمّد جميعاً، عن محمّد بن الحسن، عن عليِّ بن حسّان، قال: حدَّثني أبو عبد الله الرياحي، عن أبي الصامت الحلواني، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «... جعلهم الله (عزَّ وجلَّ) أركان الأرض أن تميد بأهلها...» الخبر(١٩٤).
وهو ضعيف أيضاً في سنده.
كما أنَّ دلالة الثلاثة ليست قويَّة للاعتماد عليها.
هذا آخر ما أردنا تحريره في هذا الكتاب، أسأل الله القبول وخاتمة الخير لنا ولجميع المؤمنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الاحتجاج: الطبرسي/ ت محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
٣ - إرشاد القلوب: الحسن بن محمّد الديلمي/ ط ٢/ ١٤١٥هـ/ مط أمير/ انتشارات الشريف الرضي/ قم.
٤ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ ت مؤسَّسة آل البيت/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٥ - الأُصول الستَّة عشر: عدَّة محدِّثين/ ت ضياء الدين المحمودي/ ط ١/ ١٤٢٣هـ/ دار الحديث.
٦ - إعلام الورى: الطبرسي/ ط١/ ١٤١٧هـ/ مط ستارة/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
٧ - الألفية والنفلية: الشهيد الأوَّل/ ت عليّ الفاضل القائيني النجفي/ ط ١/ رمضان ١٤٠٨هـ/ مكتب الإعلام الإسلامي.
٨ - الأمالي: الشيخ الصدوق/ ت قسم الدراسات/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة البعثة.
٩ - الإيقاظ من الهجعة: الحرُّ العاملي/ ت مشتاق المظفَّر/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مط نگارش/ دليل ما/ قم.
١٠ - البابيون والبهائيون: الدكتور همَّتي.
١١ - بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
١٢ - بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن الصفّار/ ت كوچه باغي/ ١٤٠٤هـ/ مط الأحمدي/ منشورات الأعلمي/ طهران.
١٣ - البهائية: إحسان الحيّ ظهير.
١٤ - بيان الحقِّ والسداد: المدَّعي أحمد إسماعيل گاطع.
١٥ - تاريخ الطبري: الطبري/ ط ٤/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
١٦ - تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام)/ ط ١ محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام)/ قم.
١٧ - تفسير الثعلبي: الثعلبي/ ت أبي محمّد بن عاشور/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
١٨ - تفسير القمّي: عليُّ بن إبراهيم القمّي/ ت طيِّب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
١٩ - تفسير الميزان: السيِّد الطباطبائي/ منشورات جماعة المدرِّسين في الحوزة العلمية/ قم.
٢٠ - تفسير مجمع البيان: الطبرسي/ ت لجنة من العلماء/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٢١ - الجواب المنير عبر الأثير: المدَّعي أحمد إسماعيل گاطع.
٢٢ - جوابات أهل الموصل: الشيخ المفيد/ ت الشيخ مهدي نجف/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٢٣ - الخصال: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفّاري/ ١٤٠٣هـ/ جماعة المدرِّسين/ قم.
٢٤ - رجال الطوسي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي.
٢٥ - رجال النجاشي: النجاشي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٢٦ - سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني/ ت محمّد فؤاد عبد الباقي/ دار الفكر/ بيروت.
٢٧ - الصحاح: الجوهري/ ت أحمد عبد الغفور العطّار/ ط ٤/ ١٤٠٧هـ/ دار العلم للملايين/ بيروت.
٢٨ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ ت محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدرية ومطبعتها/ النجف الأشرف.
٢٩ - عوالي اللئالي: ابن أبي جمهور الأحسائي/ ت مجتبى العراقي/ ط ١/ ١٤٠٣هـ/ مط سيِّد الشهداء/ قم.
٣٠ - عيون أخبار الرضا: الشيخ الصدوق/ ت حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٣١ - عيون الحِكَم والمواعظ: عليُّ الليثي الواسطي/ ت حسين البيرجندي/ ط ١/ دار الحديث.
٣٢ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ ت عبد الله الطهراني، عليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مط بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٣٣ - الغيبة: النعماني/ ت فارس حسّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مط مهر/ أنوار الهدى.
٣٤ - الفتن: نعيم بن حمّاد المروزي/ ت سهيل زكار/ ١٤١٤هـ/ دار الفكر/ بيروت.
٣٥ - فِرَق الشيعة: النوبختي.
٣٦ - الفهرست: الشيخ الطوسي/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي.
٣٧ - القاديانية: الشيخ سليمان الظاهر العاملي.
٣٨ - قاموس الرجال: التستري/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين/ قم.
٣٩ - قرب الإسناد: الحميري القمّي/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مط مهر/ مؤسَّسة آل البيت/ قم.
٤٠ - الكافي: الشيخ الكليني/ ت عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٥/ ١٣٦٣ش/ مط حيدري/ دار الكتب الإسلاميَّة/ طهران.
٤١ - كامل الزيارات: ابن قولويه/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ مؤسَّسة نشر الثقافة.
٤٢ - كشف الغمَّة: ابن أبي الفتح الأربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٤٣ - تحف العقول: ابن شعبة الحرّاني/ ت عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٤٤ - كمال الدين: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفّاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٤٥ - لسان الميزان: ابن حجر/ ط ٢/ ١٣٩٠هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٤٦ - مجلَّة تراثنا: مؤسَّسة آل البيت/ ١٤٠٥هـ/ مط نمونه/ قم.
٤٧ - مختصر بصائر الدرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
٤٨ - مرآة العقول: العلَّامة المجلسي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة.
٤٩ - المزار: ابن المشهدي/ ت جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٩هـ/ مط مؤسَّسة النشر الإسلامي/ نشر القيّوم/ قم.
٥٠ - المستدرك: الحاكم النيسابوري/ إشراف يوسف عبد الرحمن المرعشلي.
٥١ - معجم رجال الحديث: السيِّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ.
٥٢ - مقالات الإسلاميّين: الأشعري.
٥٣ - الملل والنحل: الشهرستاني/ دار المعرفة/ بيروت.
٥٤ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ ت عليّ أكبر الغفّاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٥٥ - موقع البهائيين في الحركات الهدّامة: لمحمّد عليّ كبوة.
٥٦ - نهج البلاغة: الشريف الرضي/ ضبط نصَّه الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ/ بيروت.
٥٧ - وقعة صفّين: ابن مزاحم المنقري/ ط ٢/ ١٣٨٢هـ/ مط المدني/ مصر.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) نهج البلاغة: ٨١/ ح ٣٨.
(٢) كمال الدين: ٣٥٤ و٣٥٥/ باب ٣٣/ ح ٥٠.
(٣) الغيبة للنعماني: ١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩.
(٤) الغيبة للطوسي: ١٥٠ و١٥١/ ح ١١١.
(٥) إرشاد القلوب للديلمي ٢: ٣٣٦.
(٦) لسان الميزان ٢: ١٠٨/ الرقم ٤٤٢.
(٧) جرت سيرة العقلاء في مختلف المجتمعات وعلى مراحل التاريخ المختلفة على العمل بإخبارات من كان ثقة في نقله وترتيب الآثار عليها، وهذه السيرة مستحكمة إلى حدٍّ بعيدٍ، والشارع المقدَّس يعلم أنَّ الناس ستتعامل مع أحكامه وتعاليمه في مساحة قبولها وعدم قبولها على الطريقة المتَّبعة في شؤونهم الحياتية الأُخرى. ومن جزئيات تلك الطريقة القبول بالمخبَر به إن كان المخبِر ثقةً. وهذا يجعل الشارع المقدَّس أمام خيارين: أوَّلهما قبول تلك الطريقة في مساحة الشرعيات، والثاني عدم القبول والرضا. ولو لم يكن يرضى بذلك لكان نبَّه، إذ في عدم تنبيهه تعريض لأغراضه التشريعية للضياع. فهو إنَّما شرَّع الأحكام لعباده لأغراض دعته إلى ذلك. ولمَّا كان جُلُّ الأحكام في الشريعة، بل غالبيتها المطلقة لا يدلُّ عليها إلَّا أخبار الثقاة، وأخبار الثقاة خصوصاً إذا كان سندها سلسلة من الرواة تحتمل المطابقة بين المخبَر به والواقع وعدمها، مع ملاحظة أنَّ الناس وانطلاقاً من طريقتها العامَّة ستعمل بأخبار الثقاة في الشرعيات أيضاً، بل وعملت بها في زمن حضور المعصومين (عليهم السلام)، ومن جملة الموارد ما دلَّ من أخبار الثقاة على عدم الإلزام - مع احتماله واقعاً -. فعدم الردع سيُؤدّي إلى ضياع هذه الأغراض التي دعت إلى تشريع تلك الأحكام والتي سيفوت العمل بالأخبار الكثير منها.
والعاقل الملتفت لا يُضيِّع غرضه، فوجب على الشارع أن يردع لئلَّا تفوت أغراضه الداعية إلى التشريع، كما يجب أن يكون الردع متناسباً مع استحكام السيرة.
هذا ويمكن الاستدلال على حجّية خبر الثقة بالكتاب والسُّنَّة بأدلَّة ليس هذا محلُّ تفصيلها.
والراوي الذي لا نعرف وثاقته قد يكون ثقة في الواقع وقد لا يكون، ومجرَّد احتمال وثاقته لا يكفي لتطبيق كبرى حجّية خبر الثقة عليه، إذ وكما قالوا: الدليل لا يُحقِّق موضوعه، فهو لا يجري إلَّا بعد إحراز موضوعه، وموضوعه خبر الثقة.
(٨) نهج البلاغة: ٥٥٦/ ح ٤٥٦.
(٩) رواها في البحار ٤٦: ١٨٠/ ح ٤٢، عن الاحتجاج ٢: ١٤٠ و١٤١.
(١٠) الكافي ٧: ٢٩٩ و٣٠٠/ باب الرجل يقتل المرأة.../ ح ٦.
(١١) الإيقاظ من الهجعة: ٣٧٠.
(١٢) معجم رجال الحديث ٦: ٢١٠/ الرقم ٣٣٠٢.
(١٣) قال: (بيان: بيان: هذه الأخبار مخالفة للمشهور، وطريق التأويل أحد وجهين...) إلى آخر كلامه. (بحار الأنوار ٥٣: ١٤٨).
(١٤) الإرشاد ٢: ٣٧٨.
(١٥) إعلام الورى ٢: ٢٩٥.
(١٦) منها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال: «خمسة من علامات القائم (عليه السلام): اليماني من اليمن، والسفياني، والمنادي ينادي بالسماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية». (عيون الحِكَم والمواعظ: ٢٤٤).
(١٧) كمال الدين: ٣٥٨/ باب ٣٣/ ح ٥٦.
(١٨) الغيبة للطوسي: ٤٧٨/ ح ٥٠٤.
(١٩) مختصر بصائر الدرجات: ٤٩.
(٢٠) كامل الزيارات: ٧٦/ ح (٦٩/١٢).
(٢١) راجع: معجم رجال الحديث ١٧: ٢٤٩/ الرقم ١١١٠٨.
(٢٢) راجع: جوابات أهل الموصل: ٣١ و٤٤.
(٢٣) رجال الطوسي: ٣٦٥/ الرقم (٥٤٢٣/٣٦).
(٢٤) كمال الدين: ٣٣١/ باب ٣٢/ ح ١٦.
(٢٥) الفتن للمروزي: ١٧٤.
(٢٦) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦٠.
(٢٧) بحار الأنوار: ٥٢: ٢٧٢/ ح ١٦٦.
(٢٨) الكافي: ٨: ٢٧٤/ ح ٤١٢.
(٢٩) الكافي ٨: ٢٦٤ و٢٦٥/ ح ٣٨٣.
(٣٠) الاحتجاج ٢: ٣٤٩.
(٣١) علل الشرائع ٢: ٥٨١/ باب ٣٨٥/ ح ١٦.
(٣٢) الكافي ١: ٣٦٩/ باب كراهية التوقيت/ ح ٦.
(٣٣) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
(٣٤) الغيبة للطوسي: ٤٤٦ و٤٤٧/ ح ٤٤٣.
(٣٥) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/ باب ١٤/ ح ٦٠.
(٣٦) الغيبة للطوسي: ٤٤٧/ ح ٤٤٤.
(٣٧) كمال الدين: ٣٤٧/ باب ٣٣/ ح ٣٥.
(٣٨) الغيبة للطوسي: ٣٣٧ و٣٣٨/ ح ٢٨٥.
(٣٩) الغيبة للنعماني:١٥٣ و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩ و١٠.
(٤٠) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح ٤٢٨.
(٤١) الغيبة للنعماني: ٢٨٥/ باب ١٤/ ح ٥٨.
(٤٢) الغيبة للنعماني: ١٤٩/ باب ١٠/ ح ٥.
(٤٣) بيان الحقِّ والسداد: من الأعداد ١ و٢: ٣٨.
(٤٤) ص ٤٤.
(٤٥) الجواب المنير عبر الأثير.
(٤٦) الجواب المنير عبر الأثير.
(٤٧) الجواب المنير عبر الأثير: ٤ - ٦: ٧٤.
(٤٨) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
(٤٩) كمال الدين: ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٥.
(٥٠) راجع: تفسير القمّي ٢: ٣٦٥.
(٥١) كمال الدين: ١٤٧/ باب ٦/ ح ١٣.
(٥٢) راجع: تفسير مجمع البيان ٧: ٤١٦.
(٥٣) عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «أوَّل ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإذا قُبِلَت قُبِلَ سائر عمله، وإذا رُدَّت رُدَّ عليه سائر عمله». (الأُصول الستَّة عشر: ٣٢٢/ ح ٥١٢/٢٢).
(٥٤) الألفية والنفلية للشهيد الأوَّل: ٨٣؛ بحار الأنوار ٨٢: ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٣.
(٥٥) عن الرضا (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إذا كان يوم القيامة يُدعى بالعبد، فأوَّل شيء يُسئل عنه الصلاة، فإن جاء بها تامَّة، وإلَّا زُخَّ في النار». (بحار الأنوار ٨٢: ٢٠٧ و٢٠٨/ ح ١٥).
(٥٦) المدَّثِّر: ٤٢ و٤٣.
(٥٧) عوالي اللئالي ٢: ٢٤/ ح ٥٤؛ قريب منها رواية جابر الجعفي بحار الأنوار ٨٢: ٢٣٦/ ح ٦٦.
(٥٨) بحار الأنوار ٥٢: يبدأ الباب من (ص ١٨١) وينتهي (ص ٢٧٨).
(٥٩) عوالي اللئالي ١: ٥٦/ ح ٨١.
(٦٠) الكافي ٢: ٤٣٥/ باب التوبة/ ح ٨.
(٦١) كان والد القسِّ گريگورد وهو ميخائيل گريگورد يرعى الخراف في الأراضي المجدبة في إقليم جزتلند الغربي، وهو في الثانية عشرة من عمره، وهو يعاني آلاماً مبرحة من الجوع والبرد والوحدة، صعد على صخرة وأخذ يسبُّ هذا الإله الذي يترك طفلاً في العذاب دون أن ينجده. ولكن سرعان ما وافته النجدة من خالٍ ثري يتَّجر في الأقمشة في كوبنهاگن، فتغيَّر حاله عند ذهابه مع خاله، لكنَّه لم ينسَ أبداً أنَّه يئس من رحمة الله وأنكر دينه وربَّه، لقد نسي الفقر والجوع ولكنَّه لم ينس خطيئته، ولبث يعيش في خشية وارتعاد منتظراً العقاب الإلهي، ذلك القلق الذي عبَّر عنه دوستوفسكي في إحدى رواياته القلق الناجم عن ارتكاب جريمة فيخشى العقاب حتَّى يكاد يستدره، ثمّ أدّى به ذلك إلى أن يترك عمله ليفوت على الله تعالى المكر به، وترسَّب جنون الخطيئة هذا داخل الابن، وقد كان الحبُّ يملأ قلبه لكنَّه كان مقروناً بالجنون والخطيئة، وقد كان يقول: كلُّ لون من ألوان الوجود يخيفني من أصغر ذبابة حتَّى سرّ التجسيد.
(٦٢) راجع: بصائر الدرجات: ٤٣٢/ الجزء ٨/ باب في قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي».
(٦٣) مجلَّة تراثنا ١٥: ٢٠٦، عن مختصر إثبات الرجعة/ ح ٢.
(٦٤) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ٢: ٢٩٦ و٢٩٧/ ح ٣٥.
(٦٥) بحار الأنوار ٥٣: ١ - ٣.
(٦٦) مجلَّة تراثنا ١٥: ٢٠٦ و٢٠٧، عن مختصر إثبات الرجعة/ ح ٣.
(٦٧) راجع: تفسير القمّي ١: ٢٨٦.
(٦٨) بل قد يقال: إنَّ الآيات ظاهرة في ذلك، إذ يقول تعالى: ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا * هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ (الأحزاب: ١٠ - ١٢)، والمقطع الأخير يُثبِت أنَّه كان ثَمَّة وعد بالنصر.
(٦٩) الغيبة للطوسي: ٤٢٥ و٤٢٦/ ح ٤١١.
(٧٠) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٤.
(٧١) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٢.
(٧٢) قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦).
(٧٣) الغيبة للنعماني: ٣٠٥/ باب ١٦/ ح ١٣.
(٧٤) راجع: الغيبة للطوسي: ٤٢٧/ ح ٤١٥.
(٧٥) الغيبة للطوسي: ٤٢٨/ ح ٤١٧.
(٧٦) الغيبة للنعماني: ٢٩٩/ باب ١٦/ ح ١.
(٧٧) كمال الدين: ٣٨٠/ باب ٣٧/ ح ٢.
(٧٨) كمال الدين: ٣٨١/ باب ٣٧/ ح ٤.
(٧٩) كمال الدين: ٦٤٥/ باب ٥٥/ ح ٥.
(٨٠) الكافي ١: ٣٧١/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٦.
(٨١) الغيبة للنعماني: ٢١٧/ باب ١٢/ ح ١٦.
(٨٢) المصدر السابق.
(٨٣) الغيبة للنعماني: ١٦١ و١٦٢/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٤.
(٨٤) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ٢: ٣٩/ ح ٨٧.
(٨٥) الاحتجاج ٢: ٥٠.
(٨٦) الخصال: ٦١٦/ حديث أربعمائة.
(٨٧) الخصال: ٦٢٥/ حديث أربعمائة.
(٨٨) الغيبة للطوسي: ٤٥٩/ ح ٤٧١.
(٨٩) الغيبة للنعماني: ٣٥١/ باب ٢٥/ ح ٣.
(٩٠) الغيبة للنعماني: ٣٥٠/ باب ٢٥/ ح ١.
(٩١) الغيبة للنعماني: ٣٥١/ باب ٢٥/ ح ٤.
(٩٢) الغيبة للنعماني: ٣٥٢/ باب ٢٥/ ح ٦.
(٩٣) وفق تعبير الروايات، وإلَّا فإنّي أرى كلَّ العلامات حتمية، وقد فصَّلت ذلك والاستدلال عليه في كتاب علامات الظهور، فراجع.
(٩٤) راجع: بحار الأنوار ٥٢: ٢٤٣.
(٩٥) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٢.
(٩٦) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) ٢: ٣٩/ ح ٨٧.
(٩٧) كمال الدين: ٢٨٧/ باب ٢٥/ ح ٦.
(٩٨) الخصال: ٦١٦/ حديث أربعمائة.
(٩٩) كمال الدين: ٦٤٤/ باب ٥٥/ ح ٢.
(١٠٠) كمال الدين: ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١١.
(١٠١) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ (آل عمران: ٩٠).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (النساء: ١٣٧).
(١٠٢) قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (محمّد: ٢٥).
(١٠٣) قال تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (الأعراف: ١٧٥).
(١٠٤) قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (الحشر: ١٦).
(١٠٥) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿... وَكانَ الْإِنْسانُ عَجُولاً﴾ (الإسراء: ١١).
(١٠٦) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (القيامة: ٢٠ و٢١).
(١٠٧) الخصال: ٦٢٢/ حديث أربعمائة.
(١٠٨) وقد تقدَّمت الآيتان.
(١٠٩) نهج البلاغة: ٩١ و٩٢/ ح ٥٦.
(١١٠) نهج البلاغة: ١٤٣/ الخطبة ٩٧.
(١١١) نهج البلاغة: ٢٦٤/ الخطبة ١٨٢.
(١١٢) بحار الأنوار ٣٢: ٤٩٢/ ح ٤٢٤؛ وقعة صفّين للمنقري: ٣٢٢.
(١١٣) عوالي اللئالي ٢: ١٠٤/ ح ٢٨٥؛ تفسير الثعلبي ٦: ٤٥.
(١١٤) بحار الأنوار ٢٢: ٣٣٤/ ح ٤٨، عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): ٨٥.
(١١٥) بحار الأنوار ٧٥: ٨٨.
(١١٦) بحار الأنوار ٣٣: ١٥؛ مستدرك الحاكم ٣: ٣٨٦.
(١١٧) الكافي ١: ٣٦٩/ باب كراهية التوقيت/ ح ٦.
(١١٨) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٢.
(١١٩) الغيبة للطوسي: ٤٢٦/ ح ٤١٤.
(١٢٠) نهج البلاغة: ٨٨/ ح ٥٠.
(١٢١) موقع البهائيين في الحركات الهدّامة لمحمّد عليّ كبوة: ٤٣.
(١٢٢) الباب (٧) من الواحد الثاني والواحد الثالث من البيان الفارسي البابية لظهير، ص ١٩١ و١٩٢.
(١٢٣) البابية لظهير: ١٩٢.
(١٢٤) البابيون والبهائيون للدكتور همتي: ٤٢.
(١٢٥) البهائية لإحسان الحيّ ظهير: ٢٩٢.
(١٢٦) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٤٠ و١٣٤١/ ح ٤٠٣٩، وفيه: «لا مهدي إلَّا عيسى بن مريم».
(١٢٧) هذه مقتطفات من كتاب القاديانية للشيخ سليمان الظاهر العاملي.
(١٢٨) مقالات الإسلاميّين للأشعري.
(١٢٩) فِرَق الشيعة للنوبختي: ٣٢.
(١٣٠) الملل والنحل للشهرستاني ١: ١٧٩ و١٨٠.
(١٣١) معجم رجال الحديث ٦: ١٢٢/ الرقم ٣٠٩٩.
(١٣٢) معجم رجال الحديث ١٨: ٣١٧/ الرقم ١١٩٣١.
(١٣٣) نُقِلَ هذا التفصيل عن مجلَّة الرصد/ الملحق ٣/ حزيران ٢٠١٤م.
(١٣٤) المصدر السابق.
(١٣٥) المصدر السابق.
(١٣٦) راجع: قاموس الرجال ٩: ١٣٩.
(١٣٧) الملل والنحل ١: ١٥٤ و١٥٥.
(١٣٨) بحار الأنوار ٥٠: ١٧٦؛ كشف الغمَّة ٣: ١٧٨ بتفاوت يسير.
(١٣٩) راجع: الاحتجاج: ٢٧٩ - ٢٨١.
(١٤٠) راجع: الإرشاد ٢: ٣٣٦.
(١٤١) تحف العقول: ٢٤٥.
(١٤٢) وهي قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
(١٤٣) وهي قوله تعالى: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾.
(١٤٤) وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾.
(١٤٥) وهي قوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾.
(١٤٦) وهي قوله تعالى: ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
(١٤٧) وهي قوله تعالى: ﴿قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى﴾.
(١٤٨) نهج البلاغة: ٨١/ ح ٣٨.
(١٤٩) الخصال: ٦٢٢/ حديث أربعمائة.
(١٥٠) الغيبة للنعماني: ٢٠٤/ باب ١١/ ح ٩.
(١٥١) قرب الإسناد: ٣٨١/ ح ١٣٤٣.
(١٥٢) الغيبة للنعماني: ٣٠٦/ باب ١٦/ ح ١٥.
(١٥٣) عن محمّد بن منصور الصيقل، عن أبيه، قال: كنت أنا والحارث بن المغيرة وجماعة من أصحابنا جلوساً وأبو عبد الله (عليه السلام) يسمع كلامنا، فقال لنا: «في أيِّ شيء أنتم؟ هيهاتَ، هيهاتَ! لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُغربَلوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا، لا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُميَّزوا، لا والله ما يكون ما تمدّون إليه أعينكم إلَّا بعد إياس، ولا والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد». (الكافي ١: ٣٧٠ و٣٧١/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٦).
وعن صفوان بن يحيى، قال: قال أبو الحسن الرضا (عليه السلام): «والله لا يكون ما تمدّون إليه أعينكم حتَّى تُمحَّصوا وتُميَّزوا، وحتَّى لا يبقى منكم إلَّا الأندر فالأندر». (الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٥).
(١٥٤) الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٤.
(١٥٥) عن سدير، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا سدير، الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار، فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك». (الكافي ٨: ٢٦٤/ ح ٣٨٣).
(١٥٦) عن عليِّ بن الحارث بن المغيرة، عن أبيه، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): يكون فترة لا يعرف المسلمون فيها إمامهم؟ فقال: «يُقال ذلك»، قلت: فكيف نصنع؟ قال: «إذا كان ذلك فتمسَّكوا بالأمر الأوَّل حتَّى يبين لكم الآخر». (الغيبة للنعماني: ١٦١/ باب ١٠/ فصل ٢/ ح ٢).
(١٥٧) عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا محمّد، من أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فإنّا لا نُوقِّت لأحد وقتاً». (الغيبة للنعماني: ٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٣).
(١٥٨) عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «كلُّ راية تُرفَع قبل قيام القائم فصاحبها طاغوت يُعبَد من دون الله (عزَّ وجلَّ)». (الكافي ٨: ٢٩٥/ باب الملاحم والفتن/ ح ٤٥٢).
(١٥٩) راجع: تاريخ الطبري ٢: ٤٩٩.
(١٦٠) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قال لكميل: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَلَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ...». (نهج البلاغة: ٤٩٥ و٤٩٦/ ح ١٤٧).
(١٦١) أمالي الصدوق: ٢٥٣/ ح (٢٧٧/١٥).
(١٦٢) كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(١٦٣) كمال الدين: ٢٥٣/ باب ٢٣/ ح ٣.
(١٦٤) بحار الأنوار ٥٢: ٩٢ و٩٣/ ح ٦ - ٨، بتفاوت يسير.
(١٦٥) بحار الأنوار ٥٢: ٩٤.
(١٦٦) بصائر الدرجات: ١٠٤/ جزء ٢/ باب ١٤/ ح ٤.
(١٦٧) الكافي ١: ٣٧٠ و٣٧١/ باب التمحيص والامتحان/ ح ٦.
(١٦٨) الغيبة للطوسي: ٣٣٧/ ح ٢٨٤.
(١٦٩) الغيبة للنعماني: ٢١٦/ باب ١٢/ ح ١٥.
(١٧٠) الغيبة للنعماني: ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٧.
(١٧١) عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم»، قال: قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنَّه وُلِدَ قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون يا زرارة...». (الكافي ١: ٣٣٧/ باب في الغيبة/ ح ٥).
وعن أبي بصير، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) بما وقع بهم من الغيبات حادثة في القائم منّا أهل البيت حذو النعل بالنعل والقذَّة بالقذَّة»، قال أبو بصير: فقلت: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ فقال: «يا أبا بصير، هو الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيِّدة الإماء، يغيب غيبة يرتاب فيها المبطلون...». (كمال الدين: ٣٤٥/ باب ٣٣/ ح ٣١).
(١٧٢) كمال الدين: ٣٣٩/ باب ٣٣/ ح ١٧، عن محمّد بن النعمان، عن أبي عبد الله (عليه السلام).
(١٧٣) كمال الدين: ٢٨٨/ باب ٢٦/ ح ٨، عن حمّاد بن عمر، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن عليٍّ (عليه السلام)، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
(١٧٤) بصائر الدرجات: ١٠٤/ جزء ٢/ باب ١٤/ ح ٤.
(١٧٥) من لا يحضره الفقيه ٢: ٦١٥/ ح ٣٢١٣.
(١٧٦) عن زيد الشحّام، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ الله تبارك وتعالى اتَّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتَّخذه نبيّاً، وإنَّ الله اتَّخذه نبيّاً قبل أن يتَّخذه رسولاً، وإنَّ الله اتَّخذه رسولاً قبل أن يتَّخذه خليلاً، وإنَّ الله اتَّخذه خليلاً قبل أن يجعله إماماً، فلمَّا جمع له الأشياء قال: ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾»، قال: «فمن عظمها في عين إبراهيم قال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾»، قال: «لا يكون السفيه إمام التقي». (الكافي ١: ١٧٥/ باب طبقات الأنبياء والرُّسُل والأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ٢).
وعن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنَّ الله اتَّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتَّخذه نبيّاً، واتَّخذه نبيّاً قبل أن يتَّخذه رسولاً، واتَّخذه رسولاً قبل أن يتَّخذه خليلاً، واتَّخذه خليلاً قبل أن يتَّخذه إماماً، فلمَّا جمع له هذه الأشياء - وقبض يده - قال له: يا إبراهيم ﴿إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً﴾، فمن عظمها في عين إبراهيم (عليه السلام) قال: يا ربِّ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾». (الكافي ١: ١٧٥/ باب طبقات الأنبياء والرُّسُل والأئمَّة (عليهم السلام)/ ح ٤).
(١٧٧) تفسير الميزان ١: ٢٧٢.
(١٧٨) المزار لابن المشهدي: ٥٨٤.
(١٧٩) الاحتجاج ٢: ٣٢٣.
(١٨٠) الكافي ١: ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٠.
(١٨١) الكافي ١: ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١١.
(١٨٢) الكافي ١: ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٢.
(١٨٣) الكافي ١: ١٧٩/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١٣.
(١٨٤) رجال النجاشي: ٤١٨/ الرقم ١١١٧.
(١٨٥) رجال النجاشي: ١٧٢/ الرقم ٤٥٣.
(١٨٦) الفهرست: ١٣٢/ الرقم (٣١٢/١)؛ رجال الطوسي: ٣٥٨/ الرقم (٥٢٩٦/٣).
(١٨٧) الكافي ١: ١٩٦/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم أركان الأرض/ ح ١.
(١٨٨) راجع: الصحاح للجوهري ٢: ٥٣٦/ مادَّة (مأد).
(١٨٩) الكافي ١: ١٩٧/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم أركان الأرض/ ح ٢.
(١٩٠) رجال النجاشي: ١٨٥/ الرقم ٤٩٠.
(١٩١) الفهرست: ١٤٢/ الرقم (٣٣٩/٤).
(١٩٢) رجال الطوسي: ٣٨٧/ الرقم (٥٦٩٩/٤).
(١٩٣) مرآة العقول ٢: شرح ص ٣٧٢.
(١٩٤) الكافي ١: ١٩٨/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) هم أركان الأرض/ ح ٣.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ١ / ١.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016