فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الرابع
 كتب أخرى

الكتب الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الرابع

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ محمد السند تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٩/٠٣/٠٤ المشاهدات المشاهدات: ٢١٤ التعليقات التعليقات: ٠

الرجعة بين الظهور والمعاد - الجزء الرابع

تقرير أبحاث سماحة المرجع الديني الشيخ مُحمَّد السند
بقلم جمع من الفضلاء

فهرس الموضوعات

الفصل السابع: الرجعة وعالم القيامة
الحوض وجملة من المقامات فِي الرجعة
١ - اللواء
٢ - الرجعة والنشر
٣ - الرجعة والمقام المحمود
٤ - الرجعة والساعة
٥ - الرجعة والحشر والصراط
٦ - الرجعة والحوض تمثل لحقيقة القرآن
الحساب فِي الرجعة
الحساب وغايات الرجعة
الحساب فِي الرجعة والجزاء فِي القيامة الكبرى
وقوف المعصومين (عليهم السلام) لمداينة أعدائهم فِي الرجعة وَأنَّهُ المحشر
طائفة روايات مفسرة لاختصاص من محض بالحساب لا بأصل الرجوع
الرجعة ويَوُم الإشهاد - الحساب -:
يَوُم القيامة عالم أعظم من الرجعة
١ - البعث بعد القيامة
٢ - الساهرة: بين الرجعة والقيامة
٣ - حقايق وابعاد في الساهرة
٤ - تكامل الروح في الساهرة
٥ - قاعدة الرفع مقابل الهبوط
٦ - رفعهم بَعْدَ الرجعة
الائمة (عليهم السلام) آخر من يبقى
شمول نفخ الصور - للقيامة - لحملة العرش والكرسي وسكان سدرة المنتهى، آخر من يبقى في السماوات والأرض الملائكة المقربون:
اطلاق أواخر يوم القيامة على مشارف عالم الجنة
الرجعة والنفخ فِي الصور
النفخة الأولى دون السماء الدنيا
نطق القرآن بأن الرجعة آية المعاد وبدايته
اتحاد حكم إنكار الرجعة وإنكار المعاد
تطابق عالم القيامة مَعَ أواخر الرجعة
١ - رجعات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
٢ - القيامة رجعة كبرى
٣ - فوارق بين الرجعة والقيامة
٤ - مرحلة وعالم يوم تبلى السرائر
أهوال عالم القيامة
أرض القيامة، يوم تبدل الأرض غير الأرض
١ - أرض القيامة
٢ - أرض القيامة والسماء السابعة
٣ - أرض القيامة منطلق البعث للقيامة وللجنة والنار
٥ - أرض الرجعة
٦ - لا حساب فِي البعث الأخير
٧ - حقيقة الحساب والجزاء فِي الرجعة
٨ - ضرورة الرجعة لتحقق المعاد
٩ - الجسم في المعاد
مراتب المعاد والرجعة، رجعة الدُّنْيَا ورجعة كُلّ عالم
الفصل الثامن: التكامل في الرجعة
التكامل والتكليف في حياة القيامة
التكامل فِي الرجعة وغاياتها
١ - الإصلاح فِي الظهور والرجعة يمتد إلى السماء
٢ - رجعة لِكُلِّ الأشرار فِي آخر الزمان
٣ - أنواع الرجعة
الرجعة ملحمة تكامل نوعي خطير وجملة مِنْ أحكامها التكوينية...
١ - محاربة البشر للجن والشياطين فِي الرجعة
٢ - محاربة أهل الرجعة للأموات والأحياء والثقلين جميعاً
٣ - تسمية شدة الامتحان فِي الرجعة بالنار
٤ - استمرار الإصلاح والتطهير للأرض عَلَى درجات
٥ - ازدياد التكامل فِي النشآت اللاحقة
عموم دعوة الدِّين لأهل السماوات والأرضين
١ - عموم حجية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) عَلَى أهل السماوات وأهل الأرضين
٢ - الرجعة فتح الفتوح
٣ - اشتداد الرجعة بَعْدَ الظهور
٤ - ارتفاع التقية تدريجياً فِي الرجعة واستمرارها إلى دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)
أنماط التكامل في الرجعة
النمط الأوَّل: الانبعاث بالنبوة
تكامل المؤمن فِي الرجعة وعموم الدِّين
صيرورة المؤمن مِنْ الأبدال فِي الرجعة
تكامل أصحاب الحسين (عليه السلام) في الرجعة
البعث بنبوة
سورة الكهف والتكامل فِي الرجعة
النمط الثَّانِي من تكامل الرجعة
النمط الثَّالِث من تكامل الرجعة
تنزل الحور العين فِي الرجعة
الجنتان المدهامتان
النمط الرابع من تكامل الرجعة
تفاوت التكامل في الرجعة بحسب التفاوت في معرفتها...
الرجعة ملحمة تكامل نوعي خطير (جرجيس وذو القرنين)
النمط الخامس من تكامل الرجعة
المسخ في الرجعة
الرجعة البيضاء والكرة الزهراء وأسماؤها
فتنة القبر وامتحانه
الشيطان يلاحق الإنسان إلى القبر
وجاءه ملكا القبر فامتحناه
أتاه ممتحنا القبر
الوقاية مِنْ فتنة القبر
العقاب والفتنة والامتحان والمساءلة والتكليف مستمر إلى آخر القيامة...
فوائد معرفة الرجعة
المساءلة عَلَى الصراط
الرجعة تكامل نوعي
قاعدة فِي تعدد طبقات ودرجات الرجعة
ولاية المؤمن يوم القيامة
المستضعفون يوم القيامة
إبليس والشياطين مصدر الشرور فِي المخلوقات ذَاتَ الأرواح
الرجعة لسائر الموجودات من الملائكة والجن والحيوانات...
الرجعة لبقية الموجودات
الرجعة والأمور العظام
التكامل فِي الرجعة وروايات الطينة والأظلة وأحوال الطينة...
تمحيص الطينة لكل البشر فِي الرجعة
التكامل الطيني فِي الرجعة للفريقين
حقيقة الطينة والأظلة والأشباح
قاعدة في المعراج
قاعدة أخرى معاكسة للمعراج
الفصل التاسع: الرجعة وجملة عوالم سابقة (لاحقة)
عالم الطينة والأظلة والأشباح والذر
ملاحظة
مناسبة الرجعة وبقية العوالم
الرجعة إلى الدُّنْيَا والرجعة لعوالم الآخرة
محاور تمهيدية
المحور الأول: طبقات ومراتب الإنسان
المحور الثاني: طبقات ومراتب الإنسان الكامل
المحور الثالث: لكل طبقة مِنْ وجود الإنسان لوازم وآثار
المحور الرابع: ما هو أصل أصول الإنسان
هيمنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونظام الحجج
ضوابط وقوالب
حقيقة تفسير القرآن بالقرآن
آية المُباهلة ﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾
الرجعة وعالم الأشباح
تعريف الأشباح
عالم الميثاق
تطابق الأظلة والمثال وتعددهما
الأظلة ومثال كل شيء فِي العرش
بين اللطافة فِي الأجسام والتجرّد المحض
أسرار المعراج وطبقات الأبدان
والفاضل بمعنى النضح أيضاً
ظلك وظل الله
فوقية عالم الأظلة على عالم الجنة
كلمات العلماء فِي الأظلة
الشَّيْخ النمازي فِي مستدرك السفينة فِي مادّة ظلل
قولان لعلماء الإمامية
تفصيل الأقوال فِي الأظلة والأشباح
١ - الشَّيْخ المفيد فِي المسائل السروية
ويُلاحظ فِي كلام الشَّيْخ المفيد جملة مِنْ النقاط
معنى قبلية الألفي عام
كلام المفيد فِي الأظلّة والأشباح
مُلخّص نظرية المفيد
اجوبة إشكالات الشَّيْخ المفيد
تعدّد مراتب الموت
الجواب عَما تمسَّك به المفيد والملا صدرا
بين التناسخ والأظلة والأشباح
ملاحظات على نظرية الملا صدرا
بدء خلق الانسان وتقلبه في بطن أمه
تعدد طبقات الجسم قبل الولادة الدنيوية وَبَعْدَها برهان أوَّل عَلَى الأظلة
نظرية الحكيم الزنوزي فِي المعاد تصوير وبرهان إنيّ ثان للأظلة...
حقيقة فاعلية نفخ الروح
برهان ثالث: برهان الأشرف عَلَى وجود عالم الأظلة والأشباح
البرهان الرَّابِع عَلَى الأظلة: برهان تطابق قوس الصعود والنزول
برهان خامس عَلَى عالم الأظلّة والأشباح
برهان سادس الفوارق بين حقيقة الأظلة والأشباح وبين التناسخ
برهان سابع عَلَى عالم الأظلة والأشباح نظرية أن العلم تذكر بتوسط البديهيات
البُرهان الثامن: الرجعة برهان عَلَى عالم الأظلة والأشباح
برهان تاسع تذكر ونسيان العوالم السابقة البديهيات مخزون من عوالم سابقة
والجواب: في عدة حيثيّات
ذاكرة الإنسان على نوعين
نسيان وتذكر الأرواح للعوالم
النشأة الملكوتية غير عاصمة ومفتقرة للتكامل سببية النزول لمزيد من العروج
الكينونة السابقة عالم الهواء سكن الأرواح قبل الأصلاب
الكينونة السابقة المبدأ هو العقبى من الجنة إلى الجنة ومن النار إلى النار
روايات خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام
كلام الشَّيْخ الطوسي
كلام بن شهر آشوب
ضوابط متممة مفسرة وموضحة للقول بتقدم الأرواح عَلَى الاجساد
الاختيار قبل عالم الدُّنْيَا وبعدها
التغاير بين نفخ الروح وإنشاؤها
أنماط وأنواع شعور الروح
كلام نعمة الله الجزائري فِي الأظلة والأشباح
شرح ماهية الذَّر
عدد عالم الذَّر
فوائد هَذِهِ الرواية
أخذ العهد بالرجعة فِي الميثاق قبل الذر كما أخذ العهد بالتوحيد والنبوة والولاية
أخذ العهد والإقرار بالرجعة عَلى النبيين فِي عالم الميثاق
العلاقة بين الأرواح والأشباح
طائفة أخرى من روايات الأظلة والأشباح
تنوع الأخوة بحسب طينة كل عالم
الأظلة عالم جسماني لطيف حسيٌّ شاعرٌ
أوصاف لعالم الأظلّة
ماهية وحقيقة عالم الأظلة
فريضة الديانة فِي الأظلة
الدِّين فِي الأظلة
التكامل فِي الأظلة
الرسول نبي الأنبياء وعلي إمام الأنبياء
الديانة فِي الجنة
تكامل الأنبياء فِي الأظلة
كُنْت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت وليا وآدم بين الماء والطين
ولاية علي (عليه السلام) نبأ عظيم
تقدم فاطمة (عليها السلام) على الأنبياء
ظل الله
عالم الأظِلة ونفخ الروح
الأظلة معنى الاستظلال تحت العرش
تسمية وإطلاق عالم الذر والميثاق والطينة كل على الآخر...
الطواف بالعرش العروج الروحي والأظلة
عروج أرواحهم (عليهم السلام) للعرش
الفرق بين العروج والموت
عروج روح المؤمن أو الإنسان فِي المنام
وجه الجمع بين الروايات الثلاثة
حقيقة الروح وطبقات الأرواح بحسب عالم الأظلة والأشباح
اللسان الأول
قاعدة قبلية خلق الأجسام الأخروية على الدنيوية
اللِّسان الثَّانِي
اللِّسان الثّالث
اللِّسان الرَّابِع
اللِّسان الخامس
إسكان الأرواح الهواء قبل نفخها في الأبدان الأرضية
اللِّسان السَّادِس: تكرّر عروج ونزول الرُّوُح
اللِّسان السَّابِع: وفيه زوايا
تعدد الأبدان للإنسان
عدد النفخات
الموت لطبقة من الروح أو لطبقات
الموت الدنيوي غيبة ثم ظهور
طبقات النوم تابع لطبقات الرُّوُح
تعالي بعض طبقات أرواح النبي والوصي عن قدرة قبض ملك الموت
والدخول في الصور نحو من نفخ الروح فيها
الإحياء المبتدأ في الجنة
الموت والإحياء في الجنة

الفصل السابع: الرجعة وعالم القيامة

الحوض وجملة من المقامات فِي الرجعة:
اعلم ان الحوض والمقام المحمود واللواء والنشر والحشر وجملة من المقامات وان ورد انها في القيامة الكبرى - كما في جملة من الآيات وصريح روايات - الا انه ورد ان لها تحقق وكينونة في الرجعة أيضا، كما هو الحال في الحساب، وكما هو الحال في الجنان كجنة آدم والجنة والنار البرزخية وجنان الرجعة وفي عالم القيامة وفي البعث الاخير ما بعد القيامة فكل ذلك هو مراتب لهذه الحقائق والمقامات.
١ - روي في كتاب سليم بن قيس الهلالي (رحمه الله)، الذي رواه عنه أبان بن أبي عيّاش وقرأه جميعه عَلَى سيّدنا علي بن الحسين (عليهما السلام) بحضور جماعة مِنْ أعيان الصحابة منهم أبو الطفيل فأقرَّه عَلَيْهِ مولانا زين العابدين (عليه السلام)، وَقَالَ: «هَذِهِ أحاديثنا صحيحة». قَالَ أبان: لقيت أبا الطفيل بَعْدَ ذَلِكَ فِي منزله فحدَّثني فِي الرجعة عَنْ أُناس مِنْ أهل بدر، وَعَنْ سلمان والمقداد، وأُبي بن كعب. وَقَالَ أبو الطُفيل: فعرضت هَذَا الذي سمعته منهم عَلَى علي بن أبي طالب صلوات الله عَلَيْهِ بالكوفة، فَقَالَ: «هَذَا علم خاصّ لا يسع الأُمَّة جهله، وَرَدّ علمه إلى الله». ثمَّ صدَّقني بكُلِّ ما حدّثوني، وقرأ عليَّ بذلك قراءة كثيرة وفسَّره تفسيراً شافياً، حَتّى صرت ما أنا بيوم القيامة أشدّ يقيناً منّي بالرجعة. وَكَانَ ممَّا قلت: يا أمير المؤمنين أخبرني عَنْ حوض الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الدُّنْيَا أم فِي الآخرة؟ فَقَالَ: «بَلْ فِي الدُّنْيَا»، قلت: فَمَنْ الذائد عنه؟ فقال: «أنا بيدي، فليردنَّه أوليائي وليصرفنَّ عنه أعدائي».
وفي رواية أُخرى: «لأوردنَّه أوليائي، ولأصرفنَّ عنه أعدائي». فقلت: يا أمير المؤمنين قول الله: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لاَ يُوقِنُون﴾(١) ما الدابة؟ قَالَ: «يا أبا الطفيل إله عَنْ هذا»، فقلت: يا أمير المؤمنين اخبرني به جُعلت فداك، قَالَ: «هِيَ دابة تأكل الطعام، وتمشي فِي الأسواق، وتنكح النساء»، فقلت: يا أمير المؤمنين مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «هُوَ ربّ الأرض الذي تسكن الأرض به»، قلت: يا أمير المؤمنين مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «صدّيق هَذِهِ الأُمَّة، وفاروقها، وربيها، وذو قرنيها»، قلت: يا أمير المؤمنين مَنْ هُوَ؟ قَالَ: «الذي قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ﴾(٢) و﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾(٣) و﴿وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ﴾(٤) والذي صدق به أنا، والناس كلّهم كافرون غيري وغيره». قلت: يا أمير المؤمنين فسمّه لي، قَالَ: «قَدْ سميته لك يا أبا الطفيل، والله لو أدخلت عليّ عامّة شيعتي الَّذِيْنَ بهم أقاتل، الذين أقرّوا بطاعتي، وسمّوني أمير المؤمنين، واستحلّوا جهاد مِنْ خالفني، فحدَّثتهم ببعض ما أعلم مِنْ الحَقّ فِي الكتاب الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لتفرَّقوا عنّي حَتّى أبقى فِي عصابة حقّ قليلة، أَنْتَ وأشباهك مِنْ شيعتي»، ففزعت وقلت: يا أمير المؤمنين أنا وأشباهي نتفرَّق عنك أو نثبت معك؟ قَالَ: «بَلْ تثبتون». ثم أقبل عليَّ فَقَالَ: «إنَّ أمرنا صعب مُستصعب لا يعرفه ولا يقرُّ به إلَّا ثلاثة: ملك مُقرَّب، أو نبيّ مُرسل، أو عبد مؤمن نجيب امتحن الله قلبه للإيمان. يا أبا الطفيل إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبض فارتدَّ الناس ضلالاً وجهالاً إلَّا مِنْ عصمه الله بنا أهل البيت»(٥). ومراده ان الحوض في الدنيا اي في الرجعة وهي آخرة الدنيا.
١ - اللواء:
٢ - عَنْ سلام بن المستنير، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «لقد تسمّوا باسم ما سمّى الله به أحداً إلَّا علي بن أبي طالب وما جاء تأويله»، قلت: جُعلت فداك متى يجيء تأويله؟ قَالَ: «إذَا جاء جمع الله أمامه النبيّين والمؤمنين حَتّى ينصروه وَهُوَ قول الله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾، فيومئذٍ تدفع راية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اللواء إلى علي بن أبي طالب فيكون أمير الخلايق كلّهم أجمعين يكون الخلائق كلّهم تحت لوائه ويكون هُوَ أميرهم فَهَذَا تأويله»(٦). والنصر لأمير المؤمنين (عليه السلام) هو في الرجعة.
٢ - الرجعة والنشر:
٣ - عَنْ الحسن بن عبد الله، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا الفاروق الأكبر، وصاحب الميسم، وأنا صاحب النشر الأوَّل، والنشر الآخر، وصاحب الكرّات، ودولة الدول، وَعَلَى يدي يَتِمُّ موعد الله وتكمل كلمته، وبي يكمل الدين»(٧). وهو إشارة الى دول الرجعة.
٣ - الرجعة والمقام المحمود:
٤ - عَنْ عروة بن أخي شعيب العقرقوفي، عمَّن ذكره، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إذَا أتيت عِنْدَ قبر الحسين (عليه السلام) ويجزيك عِنْدَ قبر كُلّ إمام...»، وساق إلى قوله: «اللَّهُمَّ لا تجعله آخر العهد مِنْ زيارة قبر ابن نبيّك، وابعثه مقاماً محموداً تنتصر به لدينك، وتقتل به عدوّك، فإنَّك وعدته، وَأَنْتَ الرَّبّ الذي لا تخلف الميعاد»، وكذلك تقول عِنْدَ قبور كُلّ الأئمة (عليهم السلام)(٨).
٥ - وفي تفسير علي بن إبراهيم، ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه﴾ قَالَ: «هُوَ أمير المؤمنين»، قَالَ: ﴿مَا أَكْفَرَه﴾ أيّ ماذا فعل وأذنب حَتّى قتلوه، ثمَّ قَالَ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه﴾، ثم قَالَ يسّر له طريق الخير (ثم اماته فأقبره ثم إذا شاء أنشره) قال: فِي الرجعة، ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَه﴾(٩) أيّ لَمْ يقض أمير المؤمنين (عليه السلام) ما قَدْ أمره، وسيرجع حَتّى يقضي ما أمره».
٦ - صحيح جميل بن درّاج عَنْ أبي اسامة، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: سألته عَنْ قول الله: ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه﴾ قَالَ: «نعم، نزلت فِي أمير المؤمنين (عليه السلام)، ﴿مَا أَكْفَرَه﴾ يعني بقتلكم إيّاه، ثمَّ نسب أمير المؤمنين (عليه السلام) فنسب خلقه وما أكرمه الله به، فَقَالَ: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه﴾، يقول: مِنْ طينة الأنبياء خلقه فقدَّره للخير، ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَه﴾ يعني سبيل الهدى، ثمَّ أماته ميتة الأنبياء، ثم اذا شاء انشره، [قلت: ما قوله: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَه﴾، قَالَ: «يمكث بَعْدَ قتله فِي الرجعة فيقضي ما أمره»(١٠)».
٤ - الرجعة والساعة:
٧ - وروى في الهداية الكبرى بسنده عن المفضل بن عمر قال سألت سيدي الصادق (عليه السلام): هل للمأمول المنتظر المهدي (عليه السلام) من وقت موّقت يعلمه الناس؟ فقال: حاشا لله ان يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا. قلت: يا سيدي ولم ذاك؟ قال: لأنه هو الساعة التي قال الله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل انما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها الا هو ثقلت في السماوات والارض. وهو الساعة التي قال الله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها وقال وعنده علم الساعة. ولم يقل عند احد دونه، وقال فهل ينظرون الا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها.
وقال اقتربت الساعة وانشق القمر. وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا. وقال ويستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون انها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد.
ومفاد الرواية انطباق عناوين وأوصاف القيامة على الظهور فضلا عن انطباقها على الرجعة، وإن كانت في القيامة الكبرى أيضاً.
٨ - وروى أبو بصير، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا﴾(١١)، قَالَ: «أمَّا قوله ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ فَهُوَ خروج القائم وَهُوَ الساعة ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ اليوم ما نزل بهم مِنْ الله عَلَى يدي قائمه فَذَلِكَ قوله: ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا﴾ يعني عِنْدَ القائم ﴿وَأَضْعَفُ جُندًا﴾، قلت: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ﴾ قَالَ: «معرفة أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام)»، ﴿نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾، قَالَ: نزيده منها»، قَالَ: يستوفي نصيبه مِنْ دولتهم، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيب﴾، قَالَ: «لَيْسَ لَهُ فِي دولة الحَقّ مَعَ القائم نصيب»(١٢). وتقريب مفادها كالسابقة.
٩ - روى بن شهرآشوب عَنْ الباقر (عليه السلام) فِي شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَلَى يدي تقوم الساعة»، قَالَ: «يعني الرجعة قبل القيامة، ينصر الله بي وبذرّيتي المؤمنين»(١٣). وفيها تصريح بانطباق عنوان الساعة وهو من أسماء وأوصاف القيامة الكبرى على الرجعة.
٥ - الرجعة والحشر والصراط:
١٠ - عَنْ أبيّ حمزة الثمالي، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام)...»، إلى أنْ قَالَ: «وإنَّ لي الكرّة بَعْدَ الكرّة، والرجعة بَعْدَ الرجعة، وأنا صاحب الرجعات والكرّات، وصاحب الصولات والنقمات، والدولات العجيبات، وأنا قرن مِنْ حديد، وأنا عبد الله وأخو رسول الله، وأنا أمين الله وخازنه، وعيبة سرّة وحجابه، ووجهه وصراطه وميزانه، وأنا الحاشر إلى الله...»(١٤). وههنا قرن (عليه السلام) بين الرجعة والكرة والحشر بعد كون الرجعة نمط من حشر ونشر للأموات.
١١ - أحد أسماء الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي التوراة والإنجيل: الحاشر.
عَنْ عوف بن مالك، قَالَ: انطلق الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوماً وأنا معه حَتّى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يَوُم عيد لهم فكرهوا دخولنا عليهم، فَقَالَ لهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أنَّهُ لا إله إلَّا الله وأنَّ مُحمَّداً رسول الله يحبط الله عَنْ كُلّ يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي غضب عليه»، قَالَ: فأسكتوا ما اجابه منهم أحد، ثمَّ ردَّ عليهم فَلَمْ يجبه أحد، ثمَّ ثلَّث فَلَمْ يجبه أحد، فَقَالَ: «أبيتم فوَالله إنِّي لأنا الحاشر وأنا العاقب وأنا الْنَّبِيّ المصطفى آمنتم أو كذبتم... ثم انصرف وأنا معه حتى اذا كدنا ان نخرج نادى رجل من خلفنا كما انت يا محمد قال فأقبل فقال ذلك الرجل اي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم انه كان فينا رجل اعلم بكتاب الله منك ولا افقه منك ولا من ابيك قبلك ولا من جدك قبل ابيك قال فأني اشهد له بالله انه نبي الله الذي تجدونه في التوراة قالوا: كذبت ثم ردوا عليه قوله وقالوا فيه شرا قال رسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كذبتم لن يقبل قولكم اما آنفا فتثنون عليه من الخير ما اثنيتم ولما آمن اكذبتموه وقلتم فيه ما قلتم فلن يقبل قولكم»(١٥). وتقريب وصفه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالحاشر والعاقب شامل للرجعة كما في الرواية السابقة.
٦ - الرجعة والحوض تمثل لحقيقة القرآن:
١٢ - روى الصدوق بسنده عَنْ أبي سعيد الخدري، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنِّي تارك فيكم الثقلين إحداهما أكبر مِنْ الآخر: كتاب الله حبل ممدود مِنْ السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي فإنَّهما لَنْ يفترقا حَتّى يردا عليَّ الحوض»(١٦).
ويظهر مِنْ متن حديث الثقلين المتواتر أنَّ حقيقة القرآن الكريم وَهِيَ الروح الأمري وروح القدس يتمثَّل فِي نهاية الرجعة. وَهِيَ مرحلة ظهور الحوض، كَمَا مَرَّ فِي روايات الحوض فِي حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّهُ مِنْ الدُّنْيَا، وَهِيَ آخرة الدُّنْيَا، وَهِيَ الرجعة.
فَكَمَا أنَّ جبرائيل وميكائيل يتمثلون عِنْدَ التنزل. وَقَدْ وَرَدَ فِي روايات الرجعة تنزل الملائكة ورؤية المؤمنين لهم. فكذلك ترائي وتمثل القرآن.
وَهَذَا المفاد محتمل نظير ما وَرَدَ فِي روايات الفريقين مِنْ مجيء القرآن فِي عالم القيامة فِي أجمل هيئة. وَهَذَا لا يخص القرآن فَقَطْ، بَلْ يشمل سور القرآن، بَلْ وَبَعْض الآيات العظيمة المحكمة مِنْ القرآن كآية الكرسي وآية الملك.
بَلْ وكذلك بَقيَّة الكتب الَّتِي أنزلت كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم.
فقد روى الكليني بسنده عَنْ جابر عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «يجيء القرآن يَوُم القيامة فِي أحسن منظور إليه صورة، فيمر بالمسلمين فيقولون: هَذَا رجل منّا، فيجاوزهم إلى النبيين فيقولون: هُوَ منا، حَتّى ينتهي إلى ربّ العزة (عَزَّ وجَلَّ)، فيقول: يا ربّ فلان بن فلان أظمأتُ هواجره، وأسهرتُ ليله فِي دار الدُّنْيَا، وفلان بن فلان لَمْ أظمأ هواجره وَلَمْ أسهر ليله، فيقول تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أدخلهم الجنة عَلَى منازلهم، فيقوم فيتبعونه فيقول للمؤمن: اقرأ وإرقه. قَالَ: فيقرأ ويرقى حَتّى يبلغ كُلّ رجل منهم منزلته الَّتِي هِيَ لَهُ فينزلها»(١٧).
وروى الكليني أيضاً بسنده عَنْ سعد الخفّاف عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «يا سعد تعلموا القرآن، فَإنَّ القرآن يأتي يَوُم القيامة فِي أحسن صورة نظر إليها الخلق والناس صفوف عشرون ومائة ألف صف، ثمانون ألف صف فِي أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأربعون ألف صف مِنْ سائر الأمم، فيأتي عَلَى صف المسلمين فِي صورة رجل، فيسلم فينظرون إليه ثمَّ يقولون: لا إله إلَّا الله الحليم الكريم، إنَّ هَذَا الرجل مِنْ المسلمين نعرفه بنعته وصفته غَيْر أنَّهُ كَانَ أشدّ اجتهاداً منّا فِي القرآن، فَمِنْ هُنَاك أعطي مِنْ البهاء مِنْ الجمال والنور ما لَمْ نعطه.
ثمَّ يجاوز حَتّى يأتي عَلَى صف الشهداء، فينظرون إليه الشهداء، ثمَّ يقولون: لا إله إلَّا الله الرب الرَّحِيم إنَّ هَذَا الرجل مِنْ الشُّهداء نعرفه بسمته وصفته غَيْر أنَّهُ مِنْ شهداء البحر، فَمِنْ هُنَاك أُعطيَ مِنْ البهاء والفضل ما لَمْ نعطه.
قَالَ: فيتجاوز حَتّى يأتي عَلَى صف شهداء البحر فِي صورة شهيد، فينظر إليه شهداء البحر فيكثر تعجبهم ويقولون: إنَّ هَذَا مِنْ شهداء البحر نعرفه بسمته وصفته غَيْر أنَّ الجزيرة التي أصيب فيها كانت أعظم هولاً من الجزيرة الَّتِي أصبنا فيها، فَمِنْ هُنَاك أُعطي مِنْ البهاء والجمال والنور ما لَمْ نعطه.
ثمَّ يجاوز حَتّى يأتي صف النبيين والمُرسلين فِي صورة فِي صورة نبي مرسل، فينظر النبيون والمرسلون إليه، فيشتدّ لذلك تعجبهم، ويقولون: لا إله إلَّا الله الحليم الكريم، إنَّ هَذَا الْنَّبِيّ مرسل نعرفه بسمته وصفته، غَيْر أنَّهُ أُعطي فضلاً كثيراً.
قَالَ: فيجتمعون فيأتون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيسألونه، ويقولون: يا مُحمَّد مَنْ هَذَا؟ فيقولون لهم: أوَ ما تعرفونه؟ فيقولون: ما نعرف، هَذَا ممن لَمْ يغضب الله عَلَيْهِ، فيقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): هَذَا حجة الله عَلَى خلقه، فَيَسلِّم.
ثمَّ يجاوز حَتّى يأتي عَلَى صف الملائكة فِي صورة ملك مقرب، فتنظر إليه الملائكة فيشتد تعجّبهم ويكبر ذلك عليهم لما رأوا من فضله ويقولون تعالى ربنا وتقدس، إن هذا العبد من الملائكة نعرفه بسمته وصفته غَيْر أنَّهُ كَانَ أقرب الملائكة إلى الله (عَزَّ وجَلَّ) مقاماً، فَمِنْ هُنَاك ألبس مِنْ النور والجمال ما لَمْ نُلْبس.
ثمَّ يجاوز حَتّى ينتهي إلى رب العزة تَبَارَكَ وَتَعَالَى فيخرّ تحت العرش فيناديه تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يا حجتي فِي الأرض وكلامي الصادق الناطق، ارفع رأسك وسل تعط واشفع تشفع فيرفع رأسه فيقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: كيف رأيت عبادي؟ فيقول: يا رب منهم مَنْ صانني وحافظ عليَّ وَلَمْ يضيّع شيئاً، وَمِنْهُم مَنْ ضيعني واستخفَّ بحقي وكذب بي، وأنا حجتكَ عَلَى جميع خلقك فيقول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لأثيبنَّ عليك اليوم أحسن الثواب، ولأعاقبنَّ عليك اليوم أليم العقاب.
قَالَ: فيرجع القرآن رأسه فِي صورة أُخرى. قَالَ: فقلت لَهُ: يا أبا جعفر فِي أيّ صورة يرجع؟
قَالَ: فِي صورة رجل شاحب متغيّر يبصره أهل الجمع فيأتي الرجل مِنْ شيعتنا الذي كَانَ يعرفه ويجادل به أهل الخلاف فيقوم بين يديه فيقول: ما تعرفني؟ فينظر إليه الرجل فيقول: ما أعرفك يا عبد الله.
قَالَ: فيرجع فِي صورته الَّتِي كانت فِي الخلق الأوَّل ويقول: ما تعرفني؟ فيقول: نعم، فيقول القرآن: أنا الذي أسهرت ليلك وأنصبتُ عيشكَ، سمعتَ الأذى، وَرُجمت بالقول فيَّ، ألا وإنَّ كُلّ تاجر قَدْ استوفى تجارته وأنا وراءك اليوم.
قَالَ: فينطلق إلى ربّ العزة تَبَارَكَ وَتَعَالَى فيقول: يا رب يا رب عبدكَ وَأَنْتَ أعلم به قَدْ كَانَ نصباً بي مواظباً عليّ، يعادي بسببي، ويحبّ فيَّ، ويبغض، فيقول الله (عَزَّ وجَلَّ): ادخلوا عبدي جنتي واكسوه حلة مِنْ حلل الجنة، وتوّجوه بتاج، فإذا فعل به ذَلِكَ، عُرِضَ عَلَى القرآن، فَيُقَال لَهُ: هَلْ رضيت بما صنع بوليك؟ فيقول: يا رب إنِّي استقلّ هَذَا لَهُ، فزده مزيد الخير كله، فيقول: وعزتي وجلالي وعلوي وارتفاع مكاني، لأنحلنَّ لَهُ اليوم خمسة أشياء مَعَ المزيد لَهُ وَلِمَنْ كَانَ بمنزلته، ألا أنّهم شباب لا يهرمون، وأصحاء لا يسقمون، وأغنياء لا يفتقرون وفرهون لا يحزنون، وأحياء لا يموتون، ثمَّ تلا هَذِهِ الآية: «لا يذوقون فيها الموت إلَّا الموتة الأولى»، قَالَ: قلت: جعلت فداك يا أبا جعفر، وَهَلْ يتكلم القرآن؟
فتبسَّم ثمَّ قَالَ: رحم الله الضعفاء مِنْ شيعتنا، أنَّهم أهل تسليم، ثمَّ قَالَ: نعم يا سعد وَالصَّلاة تتكلم، ولها صورة وخلق، تأمر وتنهى.
قَالَ سعد: فتغيّر لذلك لوني، وقلت: هَذَا شيء لا أستطيع أنا أتكلم به فِي الناس. فَقَالَ أبو جعفر: وَهَلْ الناس إلَّا شيعتنا، فَمَنْ لَمْ يعرف الصَّلاة فَقَدْ أنكر حقنا. ثمَّ قَالَ: يا سعد أسمعك كلام القرآن؟
قَالَ سعد: فقلت بلى صلّى الله عليك. فقال: «إنَّ الصَّلاة تنهى عَنْ الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر» فالنهي كلام، والفحشاء والمنكر رجال، ونحن ذكر الله، ونحن أكبر»(١٨).
وتوصيفه (عليه السلام) للقرآن برجوعه في الصورة للخلق الأول لعل المراد به الخلق الذي في العوالم التي فوق الجنة وسبقتها من عالم الأظلة والأشباح كما ان قوله من لم يعرف الصلاة فقد انكر حقنا ان الصلاة من دون ولايتهم ليست معرفة بحقيقة الصلاة.
الحساب فِي الرجعة:
حصر المساءلة فِي الرجعة بِمَنْ محض الإيمان أو الكفر كَمَا هُوَ الحال فِي مساءلة القبر.
الحساب وغايات الرجعة:
الحساب فِي الرجعة والجزاء فِي القيامة الكبرى:
١ - عَنْ يونس بن ظبيان، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الذي يلي حساب الناس قبل يَوُم القيامة الحسين بن علي (عليهما السلام)، فَأمَّا يَوُم القيامة فَإنَّما هُوَ بعث إلى الجنّة أو بعث إلى النار»(١٩).
٢ - وقد مر رواية المحتضر عن الحسن بن عبد الله عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا الفاروق...»(٢٠) ولا تخفى دلالتها على ذلك حيث ذكر فيها مقاماته (عليه السلام) في الرجعة.
وروى في الكافي عن جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ: يَا جَابِرُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ الله (عَزَّ وجَلَّ) الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لِفَصْلِ الْخِطَابِ دُعِيَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودُعِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَيُكْسَى رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُلَّةً خَضْرَاءَ تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ويُكْسَى عَلِيٌّ (عليه السلام) مِثْلَهَا ويُكْسَى رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُلَّةً وَرْدِيَّةً يُضِيءُ لَهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ويُكْسَى عَلِيٌّ (عليه السلام) مِثْلَهَا ثُمَّ يَصْعَدَانِ عِنْدَهَا ثُمَّ يُدْعَى بِنَا فَيُدْفَعُ إِلَيْنَا حِسَابُ النَّاسِ فَنَحْنُ والله نُدْخِلُ أَهْلَ الْجَنَّةِ، الْجَنَّةَ، وأَهْلَ النَّارِ، النَّارَ، ثُمَّ يُدْعَى بِالنَّبِيِّينَ (عليهم السلام) فَيُقَامُونَ صَفَّيْنِ عِنْدَ عَرْشِ الله (عَزَّ وجَلَّ) حَتَّى نَفْرُغَ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ، الْجَنَّةَ، وأَهْلُ النَّارِ، النَّارَ، بَعَثَ رَبُّ الْعِزَّةِ عَلِيّاً (عليه السلام) فَأَنْزَلَهُمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وزَوَّجَهُمْ - فَعَلِيٌّ والله الَّذِي يُزَوِّجُ أَهْلَ الْجَنَّةِ فِي الْجَنَّةِ ومَا ذَاكَ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِه كَرَامَةً مِنَ الله عَزَّ ذِكْرُه وفَضْلاً فَضَّلَه الله بِه ومَنَّ بِه عَلَيْه وهُوَ والله يُدْخِلُ أَهْلَ النَّارِ، النَّارَ، وهُوَ الَّذِي يُغْلِقُ عَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوا فِيهَا أَبْوَابَهَا لأَنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ إِلَيْه وأَبْوَابَ النَّارِ إِلَيْه)(٢١). وظاهرها وإن اشتمل على الحساب في القيامة إلا أنه يحتمل أنه من مراتب الحساب أو إنفاذ نتيجة الحساب الذي انجز في الرجعة.
٣ - ذكر المفيد اشكالا عن تحقق التكليف والحساب في الرجعة ثم أجاب عنه في الفصول المختارة حول المسائلة فِي الرجعة ما لفظه:
سؤال آخر: وإنْ سألوا عَلَى المذهب الأوَّل والجواب المتقدِّم، فقالوا: كيف يتوهّم مِنْ القوم الإقامة عَلَى العِناد، والإصرار عَلَى الخلاف، وَقَدْ عاينوا فيما يزعمون عقاب القبور، وحلَّ بهم عِنْدَ الرجعة العذاب عَلَى ما يعلمون مما زعمتم أنَّهم مُقيمون عَلَيْهِ، وكيف يصحّ أنْ تدعوهم الدواعي إلى ذَلِكَ، ويخطر لهم فِي فعله الخواطر وما أنكرتم أنْ تكونوا فِي هَذِهِ الدعوى مكابرين؟
الجواب: قِيلَ لهم: يصحّ ذَلِكَ عَلَى مذهب مَنْ أجاب بما حكيناه مِنْ أصحابنا بأن نقول: إنَّ جميع ما عددتموه لا يمنع مِنْ دخول الشبهة عليهم فِي استحسان الخلاف، لِأنَّ القوم يظنون أنهم إنما بعثوا بَعْدَ الموت تكرمة لهم، وليلوا الدُّنْيَا كَمَا كانوا، ويظنون أنَّ ما اعتقدوه فِي العذاب السالف لهم كَانَ غلطاً منهم، وإذا حل بهم العقاب ثانية توهموا قبل مفارقة أرواحهم أجسادهم أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ طريق الاستحقاق وأنَّهُ مِنْ الله تَعَالَى، لكنه كَمَا تكون الدول، وَكَمَا حل بالأنبياء (عليهم السلام). ولأصحاب هَذَا الجواب أنَّ يقولوا: لَيْسَ ما ذكرناه فِي هَذَا الباب بأعجب مِنْ كفر قوم موسى (عليهم السلام) وعبادتهم العجل، وَقَدْ شاهدوا مِنْهُ الآيات، وعاينوا ما حل بفرعون وملائه عَلَى الخلاف، ولا هُوَ بأعجب مِنْ إقامة أهل الشرك عَلَى خلاف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُمْ يعلمون عجزهم عَنْ مثل ما أتى به مِنْ القرآن، ويشهدون معجزاته وآياته (عليه السلام) ويجدون مخبرات أخباره عَلَى حقائقها مِنْ قوله تَعَالَى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُر﴾(٢٢)، وقوله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللهُ آمِنِينَ﴾(٢٣)، وقوله تعالى ﴿غُلِبَتِ الرُّوم فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون﴾ وما حل بهم مِنْ العقاب بسيفه (عليه السلام) وهلاك كُلّ مِنْ توعده بالهلاك.
هَذَا وفيمن أظهر الإيمان به المنافقون ينضافون فِي خلافه إلى أهل الشرك والضلال على أن هذا السؤال لا يسوغ لأصحاب المعارف من المعتزلة لأنهم يزعمون أن أكثر المخالفين على الأنبياء كانوا من أهل العناد، وأن جمهور المظهرين للجهل بالله يعرفونه على الحقيقة ويعرفون أنبياءه وصدقهم ولكنهم في الخلاف على اللجاجة والعناد. فلا يمنع أن يكون الحكم في الرجعة وأهلها على هذا الوصف الذي حكيناه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِين بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلُ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون﴾. فأخبر سبحانه أن أهل العقاب لو ردهم الله تعالى إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر والعناد مع ما شاهدوا في القبور وفي المحشر من الأهوال وما ذاقوا من اليم العذاب.
٤ - قد يستظهر من جملة من الآيات ان الحساب ليس في عالم القيامة:
كقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ إِلاَّ مَن شَاء اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُون وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُون﴾(٢٤). وقد ورد ان ارض الدنيا تشرق بنور الامام في دولة الظهور ودول الرجعة.
وقوله تَعَالَى: ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون﴾(٢٥).
وقوله تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾(٢٦). وقد تقدم استدلال الامام (عليه السلام) بالآية على الرجعة بمكان القسم بالله بأن المشركين لم يكونوا يقسمون به تعالى بل بالأصنام، فإنكار البعث من المخالفين هو بعث الرجعة لا بعث القيامة.
وقوله تَعَالَى: ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُون﴾(٢٧).
وقوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾(٢٨)، وقوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم﴾(٢٩)، فوصف القيامة الكبرى - بَعْدَم التكليم وعدم الاختصام وعدم الاحتجاج فيه َ - دالّ عَلَى عدم الحساب يَوُم القيامة الكبرى.
وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد﴾(٣٠)، أنَّ القيامة الكبرى لا اختصام فيها ولا احتجاج.
لكن الصحيح ان عالم القيامة الكبرى مواطن كثيرة كما نبه عليه جواب أمير المؤمنين (عليه السلام) لأسئلة الزنديق التي رواها الطبرسي في الاحتجاج قال (عليه السلام) حول دلالة آيات اخرى على وقوع الحساب في القيامة ووقوع التخاصم فيها كقوله تعالى ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾ وقوله عز وجل ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾ وقوله يوم القيامة ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّار﴾.
قال (عليه السلام): فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة... وهذا كله قبل الحساب فاذا اخذ في الحساب شغل كل انسان بما لديه نسأل الله بركة ذلك اليوم.
وعلى ذلك فالحساب كما يتقرر في عالم الرجعة فهو متقرر في موطن من مواطن عالم القيامة أيضاً وإن اختلفت درجته وكيفيته.
وكذلك قوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُون﴾(٣١)، أنَّهُ عِنْدَ نزول عيسى (عليه السلام) قيامة صغرى يحكم عَلَى اختلافهم وَهِيَ نزوله ورجوعه الى الارض.
ووصف القيامة بالطامة الكبرى، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾(٣٢) دال على وجود طامة صغرى وطامة وسطى ووسطيات، إذ الوسطى درجات عديدة كما في قول جبرئيل (عليه السلام) للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إن ما بعد الموت أطم وأطم من الموت.
وكذلك وصفها بالبطشة الكبرى، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُون﴾(٣٣) دال بوضوح على وجود بطشة صغرى ووسطيات.
والنار الكبرى، كما قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾(٣٤). دال على وجود النار الصغرى والوسطى والوسطيات كما هو الحال في البطشة والطامة. وكل ذلك دال على تعدد هذه المقامات والمشاهد والمنازل في الرجعة والقيامة الكبرى.
٥ - ومما يعضد وقوع الحساب في الرجعة تبدل أحوال الطينة ورجوعها إلى الأصل فِي الرجعة.
قَالَ الشَّيْخ أحمد الأحسائي فِي كتابه الرجعة بعدما قسم مجازات الأعمال أنَّ بعضها فِي دار الدُّنْيَا وبعضها فِي البرزخ وبعضها فِي الآخرة، قَالَ: لَيْسَ معنى الحديث والله العالم أنَّ جميع حساب الخلائق يقع فِي الرجعة بَلْ معناه أنَّ الحساب عَلَى الأعمال البرزخية يقع فِي الرجعة، ولا يعاد الحساب عَلَيْهَا يَوُم القيامة، فأفهم. انتهى. وذلك بعد ان قال الرجعة من سنخ ونمط البرزخ.
أقول: أولاً: هَذَا التأويل لرواية يونس بن ظبيان المتقدمة ضعيف إذْ صريح الرواية وجملة مِنْ الآيات أنَّ الآخرة بعث إلى الجنة مِنْ دون حساب وكذلك إلى النار، أيّ بعث متصل بالجنة أو النار مِنْ دون تخلل حساب وإنما الحساب قَدْ قضي فيما سبق وستأتي رواية اخرى عَلَى ذَلِكَ.
ثانياً: إنَّ يَوُم القيامة كما حررناه في المباحث السابقة عالم اطول عمرا من الدنيا وهو يغاير البعث الى الجنة او النار، بل يقع قبله - ويكون كل ما دل من الآيات والروايات على الحساب يوم القيامة لَيْسَ هُوَ بعث الدخول إلى الجّنة أو إلى النار، بَلْ عالم ووقت قبل ذَلِكَ البعث وَذَلِكَ العالم كَمَا حررنا فِي مباحث عديدة فِي الرجعة متداخل مَعَ نهايات عالم الرجعة.
وقوف المعصومين (عليهم السلام) لمداينة أعدائهم فِي الرجعة وَأنَّهُ المحشر:
٦ - مما يَدُلّ على المقام الآية: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾(٣٥).
 وفي صحيح الفضيل بن يسار، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي قول الله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قَالَ: «يجيء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي فرقة وَعَلَى فِي فرقة والحسن فِي فرقة والحسين فِي فرقة وَكُلّ مِنْ مات بين ظهراني قوم جاؤوا معه»، وَقَالَ علي بن إبراهيم فِي قوله: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قَالَ: «ذَلِكَ يَوُم القيامة ينادي منادٍ: ليقم فلان وشيعته وفلان وشيعته وفلان وشيعته وعلي وشيعته»(٣٦).
ورواه الحر في الإيقاظ باختلاف في اللفظ عن الفضيل بن يسار، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي قول الله) ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قَالَ: «يجيء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي قرنه ويجيء علي (عليه السلام) فِي قرنه، والحسن (عليه السلام) فِي قرنه، والحسين (عليه السلام) فِي قرنه وَكُلّ مِنْ مات بين ظهراني قوم جاءوا معه»(٣٧). ومن البين انها في الرجعة المتعاقبة وان كل معصوم يبعث في الرجعة مع اهل عصره. وهذه احد انماط رجعة كل معصوم ولهم رجعات اخرى أيضا، ولا يقتصر نمط رجعتهم على وتيرة واحدة كما يظهر من مجموع الآيات وبيانها في الروايات.
٧ - ما رواه الحسن بن راشد، عَنْ أبي إبراهيم (عليه السلام) قَالَ: قَالَ (عليه السلام): «لترجعنَّ نفوس ذهبت، وليقتصّنَّ يَوُم يقوم وَمَنْ عذّب يقتصّ بعذابه، وَمِنْ أُغيظ أغاظ بغيضه، وَمَنْ قتل اقتصّ بقتله ويردّ لهم أعداؤهم معهم حَتّى يأخذوا بثأرهم، ثمَّ يعمرون بعدهم ثلاثين شهراً، ثمَّ يموتون فِي ليلة واحدة قَدْ أدركوا ثأرهم، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوهم إلى أشد النار عذابا، ثمَّ يوقفون بين يدي الجبار (عزَّ وجلَّ) فيؤخذ لهم بحقوقهم(٣٨).
ومن الظاهر انها في الرجعة. وهذا نمط من الرجعات، وقد مر انماط وستأتي انماط اخرى.
طائفة روايات مفسرة لاختصاص من محض بالحساب لا بأصل الرجوع:
٨ - ما رواه فِي مختصر بصائر الدرجات من صحيح أبي بكر الحضرمي، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «لا يسأل فِي القبر إلَّا مِنْ محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً، ولا يسأل فِي الرجعة إلَّا مِنْ محض الإيمان محضاً أو محض الكفر محضاً» قلت: فسائر الناس؟ قَالَ: «يلهى عنه»(٣٩).
٩ - وروى فِي الهداية الكبرى بسنده عَنْ سلمان عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حديث أسماء الأئمة قَالَ سلمان فبكيت ثمَّ قلت يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَأنّى لسلمان بإدراكهم قَالَ: يا سلمان إنَّك مداركهم ومثلك من توالاهم لحفظ المعرفة فقَالَ: سلمان. فشكرت الله كثيراً ثمَّ قلت يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّي مؤجل إلى عهده قَالَ: يا سليمان اقرأ ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
قَالَ سلمان وأشتد بكائي وشوقي ثمَّ قلت بعهد منك قَالَ: والذي بعث مُحمَّدا انه لعهدي وَمِنْ علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) والتسعة الأئمة (عليهم السلام) وَكُلّ مَنْ هُوَ منّا مظلوم فينا إيّ والله يا سلمان ثمَّ ليحضرنّ إبليس وجنوده وَكُلّ مَنْ محض الإيمان محضاً وَمَنْ محض الكفر محضا ثمَّ يؤخذ بالقصاص والأوتار ولا يظلم ربك أحداً ونحن تأويل هَذِهِ الآية ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون﴾. قَالَ سلمان فقمتُ مِنْ بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا أُبالي متى لقيني الموت أو لقيته(٤٠).
 وفي الرواية - فضلا عن السابقة وكذلك الرواية الآتية - دلالة على ان الحساب وجزاؤه في الرجعة مختص بمن محض الإيمان ومن محض الكفر.
١٠ - وروى الخصيبي فِي الهداية الكبرى حديثاً طويلاً عَنْ المفضل عَنْ الصادق (عليه السلام) فِي ظهور صاحب العصر والزمان... قَالَ المفضل يا سيدي وَذَلِكَ هُوَ آخر عذابهم قَالَ هيهات يا مفضل والله ليردان ويحضر السِّيّد مُحمَّد الأكبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والصدّيق الأعظم أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة إمام بَعْدَ إمام وَكُلّ مَنْ محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً وليقتصن منهما بجميع المظالم حَتّى أنهما ليقتلان كُلّ يَوُم ألف قتلة ويردان إلى ما شاء الله مِنْ عذابهما(٤١).
وغيرها من الروايات الدالة على أن القصاص في الحساب مقتصر على من محض وليس أصل الرجعة مقتصرة على من محض كما يتوهم ذلك من جملة من إطلاق كثير من الروايات.
الرجعة ويَوُم الإشهاد - الحساب -:
١ - عَنْ جميل بن دراج عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قلت لَهُ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ قَالَ: «ذَلِكَ والله فِي الرجعة أما علمت أنَّ أنبياء الله كثيراً لَمْ ينصروا فِي الدُّنْيَا وقتلوا وأئمة قَدْ قتلوا وَلَمْ ينصروا فَذَلِكَ فِي الرجعة» قلتُ: واستمع يَوُم ينادي المنادي مِنْ مكان قريب يَوُم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يَوُم الخروج قَالَ: «هِيَ الرجعة»(٤٢).
 وَقَدْ أشارت الرواية إلى الوعد فِي الآية وَهُوَ النصر وَهُوَ عنوان يُغاير الفتح، فَإنَّ الفتح كَانَ مِنْ نصيب الأنبياء والأوصياء مِنْ أوَّل التأريخ لكنّهم لَمْ ينصروا بَعْد، بَلْ قُتِّلوا، وقيّد النصر فِي الآية [فِي الدُّنْيَا] وَهُوَ إشارة إلى الرجعة كَمَا أنَّ النصر وعد به مرّة أُخرى في الآية يَوُم يقوم الأشهاد، وَهُوَ يَوُم يُغاير بعث القيامة الكبرى والبُرهان أو الدَّليل عَلَى التغاير: أنَّ النصر خصومة وقتال وفي بعث القيامة لا قتال ولا حرب، كَمَا يشير إليه قوله تَعَالَى في آية أخرى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِين﴾. وقوله تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلاَ شَفِيعٍ يُطَاع﴾.
٢ - روى الصدوق فِي التوحيد بسنده عَنْ أبي معمر السعداني أنَّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام): «... وَهَذَا كله قبل الحساب فإذا أخذ فِي الحساب شُغِل كُلّ إنسان بما لديه نسأل الله بركة ذلك اليوم»(٤٣). ورواها في الاحتجاج أيضاً وقد تقدم انها تشير الى الحساب يوم القيامة وان مقتضى ذلك تعدد مراتب الحساب في الرجعة والقيامة.
يَوُم القيامة عالم أعظم من الرجعة:
هُنَاك تقارب أو تداخل بين أواخر مراحل الرجعة وأوائل مواطن ومنازل عالم يَوُم القيامة، وَهُنَاك شواهد على ذلك مِنْ الآيات وبيانات أهل البيت (عليهم السلام)، وَقَدْ تَقَدَّمَ استعراضها، وَمِنْ أحكام أواخر الرجعة وعالم يَوُم القيامة جملة أُمُور:
صحيح زرارة، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: سألته هَلْ سُئل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ الأطفال؟ فَقَالَ: «قَدْ سُئِل، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين». ثمَّ قَالَ: «يا زرارة هَلْ تدري قوله: الله أعلم بما كانوا عاملين؟»، قلتُ: لا، قَالَ: «لله فيهم المشيئة إنَّهُ إذَا كَانَ يَوُم القيامة جمع الله (عَزَّ وجَلَّ) الأطفال والذي مات مِنْ الناس فِي الفترة والشَّيْخ الكبير الذي أدرك الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ لا يعقل والأصمّ والأبكم الذي لا يعقل والمجنون والأبله الذي لا يعقل، وَكُلّ واحد منهم يحتجّ عَلَى الله (عَزَّ وجَلَّ) فيبعث الله إليهم ملكاً مِنْ الملائكة فيؤجِّج لهم نارا ثمَّ يبعث الله إليهم ملكاً فيقول لهم: إنَّ ربَّكم يأمركم أنْ تثبوا فيها، فَمَنْ دخلها كانت عَلَيْهِ برداً وسلاماً وأُدخل الجنَّة، وَمَنْ تخلَّف عنها دخل النار»(٤٤). وهو - امتحان كما في روايات أخرى - سبق أن تقدم في عالم الأظلة والميثاق والذر.
١ - البعث بعد القيامة:
٢ - الساهرة: بين الرجعة والقيامة:
﴿يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَة أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا نَّخِرَة قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَة فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَة فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾.
والظاهر ابتداءً من الآيات ان الساهرة من بعد زجرة البعث للرجعة لأن الكرة اسم للرجعة لا القيامة وان لفظ هي في الآية راجع الى الكرة وانها مجرد زجرة للأرواح لتعود تتعلق بالأبدان بقوة بعد ما كانت متعلقة بها بضعف، لما بيناه في مواضع عديدة ان بيان الآيات بتبيان الروايات ان الموت كالنوم لا تنقطع فيه علقة الروح بالبدن خلافا لما ذهب اليه جل الفلاسفة، بل تبقى العلقة وبذلك يتم نفخ الروح في البدن مرة اخرى بزجرة الأرواح الى حيث الأبدان.
١ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده الى مُحمَّد بن عبد الله بن الحسين قَالَ دخلت مَعَ أبي عَلَى أبي عبد الله (عليه السلام) فجرى بينهما حديث، فَقَالَ أبي لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول فِي الكرّة؟ قَالَ: «أَقُوُل فيها ما قَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ) وَذَلِكَ أنَّ تفسيرها صار إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يأتي هَذَا الحرف بخمسة وعشرين ليلة، قول الله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَة﴾(٤٥) إذَا رجعوا إلى الدُّنْيَا وَلَمْ يقضوا ذحولهم»(٤٦).
فَقَالَ لَهُ أبي: يقول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَة فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾ أيّ شيء أراد بِهَذَا؟ فَقَالَ: «إذَا انتقم منهم وماتت الأبدان، بقيت الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت»(٤٧).
 وظاهر الرواية تخصيص حالة الساهرة بالمجرمين دون المؤمنين فَهَلْ هِيَ حالة بين الرجعة والقيامة خاصّة بالمجرمين دون المؤمنين، وأنَّ رقي المؤمنين عروجاً لَيْسَ كالمجرمين: لكنَّ فِي البحار «وباتت بَقيَّة الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت» فمفادها أنَّ الساهرة لِكُلِّ الأرواح وغير مختصة بالمجرمين.
٢ - قَالَ الراغب: في مادة (سهر) الساهرة قيل وجه الأرض، وقيل هِيَ أرض القيامة وحقيقتها: - الَّتِي يكثر الوطء بها: فكأنَّها سهرة بذلك.
وذكر الكثير مِنْ المفسرين ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾ فإذا هُمْ أحياء عَلَى وجه الأرض بعدما كانوا أمواتاً فِي بطنها. والساهرة: - الأرض البيضاء المستوية سُمّيت بذلك لِأنَّ السراب يجري فيها مِنْ قوله «عين ساهرة» للتي يجري ماؤها وفي ضدّها نائمة أو لِأنَّ سالكها يسهر خوفاً وَقِيلَ: - اسم لجهنم.
٣ - وَروي فِي مهج الدعوات دعاء لدفع الشدائد ولتوسعة الرزق «يَوُم يبعث خلقه وعباده بالساهرة فإذا هُمْ قيام ينظرون»(٤٨).
ومقتضى هذا الدعاء ونظائره ان الساهرة مرحلة تقع بين النفختين نفخة انتهاء الرجعة ونفخة بعث القيامة.
٤ - وفي دلائل الإمامة «يا من يأمر بالصيحة فِي خلقه فإذا هُمْ بالساهرة يحشرون»(٤٩) ورواه في مهج الدعوات دعاء علمه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لفاطمة (عليها السلام)، ومفاده كما في الرواية السابقة فإن الصيحة من اسماء وملابسات النفخة في الصور.
٥ - وروى فِي مصباح الكفعمي(٥٠) «كشفت يا إلهي كربي وسترت ذنوبي وغفرتها يا منْ أمر بالصيحة فِي خلقه فإذا هُمْ بالساهرة يحشرون» ومفاده قريب من الروايتين السابقتين، ويزيد عليهما ان الساهرة كينونة لا هي من الرجعة ولا هي من عالم القيامة بل حشر للأرواح لا في الأبدان مع نحو تعلق لها بها، وهو سنخ من الحشر، والبديع في الروايات تعدد مراتب بيان الحقيقة الواحدة ومن زوايا مختلفة.
٦ - وروى فِي البحار دعاء يروى عَنْ الإمام الكاظم (عليه السلام): يا صالح خلقه يَوُم يبعث خلقه وعباده بالساهرة فإذا هُمْ قيام ينظرون(٥١). وظاهر الدعاء ان الساهرة مرحلة تكامل اصلاحي للخلق قبل النفخة الثانية.
٧ - ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾: وفي جوامع الجامع: فإذا هُمْ أحياء عَلَى وجه الأرض بَعْدَ ما كانوا أمواتا فِي بطنها وفي تفسير القمي: - «الساهرة: الأرض كانوا فِي القبور فلما سمعوا الزجرة خرجوا مِنْ قبورهم فاستووا على الأرض».
٨ - وروى الصدوق في حديث الاربعمائة "كل عين يوم القيامة باكية، وكل عين يوم القيامة ساهرة إلا عين من اختصه الله بكرامته، وبكى على ما ينتهك من الحسين وآل محمد (عليهم السلام).
 ويحتمل في مفاد الحديث ارادة السهر اللغوي للعين الجارحة كما يحتمل ارادة الساهرة المشار اليها في الآية. ومقتضى هذا الاحتمال ان في عالم القيامة من اهوالها وانماط فزعها الساهرة بالمعنى المتقدم كما ان البكاء من اهوالها ايضا.
٣ - حقايق وابعاد في الساهرة:
٩ - والساهرة حالة منامية يموت فيها البدن كالموت الدماغي وحينئذ تتوقف وتعلّق الروح عَنْ فاعليتها وإشرافها عَلَى البدن، وتظل هَذِهِ الحالة مستمرة وتطّلع الروح عَلَى بيئة البدن والمكان الذي هُوَ فيه فتظل ساهرة(٥٢):
١ - لا هِيَ نائمة عنه
٢ - ولا هِيَ منشغلة فِي عالمها وكينونتها الأصلية والذي هُوَ عبارة عَنْ الموت.
 ٣ - ولا هِيَ منبعثة فيه تتصرف به وفيه.
٤ - فالبدن ميّتٌ لكنَّ الروح غَيْر ميتة ولا منفصلة.
٥ - وإنَّ فِي ظاهرة الساهرة يقف الباحث فِي لسان الآيات والروايات عَلَى أنَّ في مرحلة وحالة الساهرة هُنَاك موتتين أحدهما للروح تّجاه البدن وَالأُخرى للبدن تّجاه الروح، نظير ما تقدم في سلوك روح الإنسان موتتين في الموت الأولى عند نزع الروح والثانية في القبر بعد المساءلة.
 ٦ - فحالة الساهرة ليست حالة منامية ولا مَوَتان للروح ولا حياة للروح بالبدن، بل هِيَ نحو حبس لها مؤرق نظير قوله تعالى في وصف حال أهل النار ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيى﴾، فإنها حالة حبس للروح عن انشطتها وعن راحتها.
 ٧ - ونظير الساهرة بدايات موت الإنسان المُعتاد حَيْثُ وَرَدَ فِي جملة مِنْ الروايات أنَّ الروح لا تنفصل تماماً عَنْ البدن بعد نزع الروح، بَلْ يظل لها نحو مِنْ التعلُّق والتصرف الخفيف به كما اشارت اليه بَعْض الروايات فِي المقام، ثم بعد المساءلة تنفصل الروح تماما عن البدن فيقال للمؤمن نم نومة العروس.
٨ - الساهرة حالة للأرواح ليست حيّة ولا تموت ولا تنام إذَا ماتت الأبدان بقيت الأرواح ساهرة لا تنام.
٤ - تكامل الروح في الساهرة:
وقَدْ مَرَّ بحث مبسوط فِي فصل البرزخ والرجعة مؤدّاه تقرير هذه القاعدة: أنَّ نوم البرزخ لا حلم فيه، وَقَدْ مَرَّ تفسير هَذِهِ القاعدة ووجه اختلاف نوم البرزخ عَنْ نوم الدُّنْيَا بِهَذَا الفارق، بينما ورد ههُنَا فِي الساهرة حالة ثالثة للإنسان وَهِيَ الساهرة، وَهَذِهِ قاعدة ثالثة مِنْ القواعد والحالات الَّتِي تمر بروح الإنسان، وَمِنْ ثمَّ وصفت فِي روايات الساهرة المشار إليها الواردة فِي ذيل الآية [إذَا انتقم منهم وماتت الأبدان بقيت الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت] فَهَذَا قالب الحد الماهوي لحقيقة الساهرة تكويناً يتكوّن مِنْ عِدَّة أجزاء:
١ - موت الأبدان.
٢ - بقاء الأرواح ليست فِي حالة منامية أيّ خارجة عَنْ جنس النوم وَهَذَا مِنْ موارد افتراق بَعْض درجات الموت الشديدة عَنْ النوم، مَعَ أنَّهُ قَدْ تقرّر فِي البابين السابقين وجملة مِنْ مباحث هَذَا الباب الثَّالِث قاعدة وحدة جنس مراتب الموت ومراتب النوم قرآنياً وبحسب الحديث النبوي وأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، إلَّا أنَّهُ فِي الساهرة يختلف الحال أيّ أنَّ أطوار الإنسان فِي أواخر الرجعة بسبب الرقي سواء فِي جانب الخير أو التسافل فِي جانب الدركات يبلغ حالة مُتميّزة تكويناً المسمّاة بالساهرة.
٣ - أنَّ الساهرة بَعْدما لَمْ تكن مِنْ جنس النوم فَلَيْسَ فيها منام الدُّنْيَا الذي فيه حلم ورؤية البرزخ النازل كَمَا لَيْسَ فيها نوم البرزخ الذي لا حلم فيه وَقَدْ تَقَدَّمَ شرحه فِي مبحث الرجعة والبرزخ.
٤ - وَهَذَا الحدّ للساهرة يقرّر لنا قاعدة فِي تكامل الروح مِنْ نوم فيه حلم إلى نوم لا حلم فيه ثم إلى يقظة الروح لا نوم فيها مطلقا وَهِيَ الساهرة.
٥ - فلا يوجب شعورها والاتصال بالعوالم العلوية انقطاع شعورها بالبدن والحياة السفلية، وَمِنْ ثمَّ وَرَدَتْ روايات عديدة أنَّ المؤمن إذَا كمل إيمانه قلّت رؤياه وأحلامه، وَلَيْسَ هَذَا بمعنى حرمانه مِنْ الارتباط وإدراك مشاهد المثال النازل مِنْ عالم الرؤية بَلْ بمعنى عدم حاجته فِي الاطلاع عَلَى تلك العوالم إلى الرؤية والحلم أيّ عدم حاجته إلى الانقطاع عَنْ البدن فِي رؤية تلك العوالم.
فَقَدْ روى فِي بصائر الدرجات عَنْ مُحمَّد بن فلان الرافعي عَنْ ابن عم لَهُ الحسن بن عبد الله وَكَانَ مِنْ أعبد أهل زمانه وَأنَّهُ التقى بأبي الحسن موسى (عليه السلام) وأوصاه بطلب المعرفة بالتفقّه وطلب الحديث ثمَّ إنَّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) علمه أسماء الأئمة (عليهم السلام) وأراه بَعْض المعاجز.
«فأقربه ثمَّ لزم السكوت فَكَانَ لا يراه أحد يتكلّم بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ قبل ذَلِكَ يرى الرؤية الحسنة ويرى لَهُ ثمَّ انقطعت عنه الرؤية فرأى ليلة أبا عبد الله (عليه السلام) فيما يرى النائم فشكى إليه انقطاع الرؤيا، فَقَالَ لا تغتم فَإنَّ المؤمن إذَا رسخ فِي الإيمان رفع عنه الرؤيا»(٥٣).
وفي تحف العقول عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «لا يحزن أحدكم أنْ ترفع عنه الرؤيا فَإنَّهُ إذَا رسخ في العلم رفعت عنه الرؤيا»(٥٤).
٦ - قَدْ ذكر فِي الروايات فِي حدّ وتعريف الساهرة أنَّ الأرواح ساهرة لا تنام ولا تموت فنفى الموت عَنْ الأرواح مَعَ أنَّهُ قَدْ أسند الموت إلى الأبدان فِي تعريف حدّ الساهرة، وتفسير عدم موت الأرواح يحتمل فيه وجوه: [منها] هُوَ كون المراد بقاء شعور الروح بالبدن وبالحالة البدنية والحالة السفلية فعدم موت الأرواح بمعنى عدم انقطاعها تماماً عَنْ البدن نظير ما يمر عَلَى الميت أوائل موته حَيْثُ يبقى للروح بَعْد النزع مِنْ الارتباط والأُنس بالبدن ما يجعلها ترفرف عَلَيْهِ وتبقى بما لها مِنْ الجسد البرزخي ملاصقة لجنب البدن الدنيوي الغليظ الذي هُوَ جثّة هامدة، وربما يبقى لها تعلّق بالبدن الدنيوي غَيْر المرئي وَمِنْ ثمَّ روي عَنْ بَعْض الأرواح الصالحة فضلاً عَنْ المعصومين (عليهم السلام) قدرة تحريك أبدانهم الميّتة كَمَا روي فِي سلمان(٥٥) والفضيل بن يسار النهدي البصري(٥٦).
وَمِنْ ثمَّ ورد فِي الروايات كَمَا مَرَّ أنَّ الميت بَعْدَ مساءلة الملكين يُقَال لَهُ نم كَمَا مَرَّ فِي الروايات المُستفيضة «نُمْ نومة العروس» وَقَدْ تَقَدَّمَ بأن هَذَا الخطاب إلى البدن الدنيوي غَيْر المرئي.
[ومنها]: أنْ يكون معنى عدم موت الأرواح وعدم نومها مَعَ موت الأبدان أنَّ الروح وإنْ انفصلت عَنْ البدن الدنيوي في حالة الساهرة، وذلك البدن الذي هُوَ مِنْ شؤون آخر الدُّنْيَا وَهِيَ الرجعة وَلَهُ طاقات وكمالات تختلف عَنْ البدن الدنيوي فِي الحياة الأولى فِي الدُّنْيَا، إلَّا أنَّهُ رغم ذَلِكَ للروح أبدان أُخرى أكثر شفافية مِنْ بدن الرجعة وأكثر طاقة وتلك الأبدان، لا تنفصل عنها الروح بَلْ تبقى متصرّفة فيها لا كَمَا هُوَ الحال فِي الموتة الأولى مِنْ تدرّج الروح فِي الأفول فِي درجات الموت.
٥ - قاعدة الرفع مقابل الهبوط:
٧ - قَدْ وَرَدَ فِي روايات عديدة أنَّ أواخر الرجعة تقع حالة الرفع وحيث أن آخر الرجعة تقع الساهرة فلابد من ارتباط بينهما.
وحالة الرفع وَهِيَ فِي مقابل الهبوط الذي أشار إليه القرآن فِي آيات عديدة كَمَا في قوله تَعَالَى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾ و﴿وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾(٥٧).
فتشير الآية إلى أنَّ الاستقرار فِي الأرض بَعْدَ الهبوط مِنْ السماء مقدّر ومؤجّل إلى حين فيكون بعده رفع وصعود وعروج وكذا قوله تَعَالَى(٥٨): ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً﴾ وكذا قوله تَعَالَى ﴿قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون﴾.
وفي هَذِهِ الآية مفاد زائد عَلَى ما تَقَدَّمَ حَيْثُ تدلُّ «فيها تحيون» عَلَى أنَّ الحياة الدنيوية وَهِيَ الحياة الأرضية مستقرها الأرض، كَمَا أنَّ الموت مستقره الأرض «وفيها تموتون»، وَهَذَا يُؤكِّد ما مَرَّ بنا فِي بحث البرزخ وغيره مِنْ أنَّ النشاة البرزخية مِنْ توابع النشأة الأرضية وَمِنْ الهامش الوجودي الظلي لها إلَّا أنَّ فِي نهاية المطاف سنخرج مِنْ نشأة الأرض ونرفع وإنْ كَانَ يُحتمل في الإخراج معنى آخر وَهُوَ الانبعاث مِنْ قبور التراب فِي الرجعة، ولا تنافي بين المعنيين كَمَا يظهر التدبر وإنْ تعددا واختلفا.
وقوله تَعَالَى(٥٩) ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
حَيْثُ أنَّ ظاهر الآية المقابلة بين الحشر ليَوُم القيامة أيّ الحشر فِي عالم القيامة مَعَ الهبوط إلى الأرض.
﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾(٦٠) قِيلَ الساهرة وجه الأرض، سميت ساهرة لِأنَّ فيها سهرهم ونومهم، وأصلها مسهورة ومسهور فيها، فصرف عَنْ مفعوله إلى فاعله كعيشة راضية، أيّ مرضية، وَيُقَال الساهرة أرض القيامة(٦١).
وَقَدْ وَرَدَ فِي الروايات الشريفة بأن القرآن يرفع أيضاً أي في آخر الرجعة نظير ما وَرَدَ مستفيضاً «لو رفعت ليلة القدر لرفع القرآن»(٦٢)، كَمَا وَرَدَ فِي صحيح الحميري قاَلَ: اجتمعت والشَّيْخ أبو عمرو عِنْدَ أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري فغمزني أحمد بن إسحاق أنْ أسأله عَنْ الخلف فقلت لَهُ يا أبا عمرو إنَّي لأريد أنْ أسألك عَنْ شيء وما أنا بشاكّ فيما أريد أنْ أسألك عنه فَإنَّ اعتقادي وديني أنَّ الأرض لا تخلو مِنْ حجة إلا إذَا كَانَ قبل القيامة بأربعين يوماً فإذا كان ذلك رفعت الحجة وأغلق باب التوبة فلم يكن ﴿يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾(٦٣) الحديث، وغيرها مما ورد التصريح فيه برفع الحجة.
كَمَا وَرَدَ فِي كمال الدِّين عَنْ عبد الله بن سليمان العامري فِي حديث لَهُ عَنْ الصادق (عليه السلام) قَالَ: «ولا ينقطع الحجة مِنْ الأرض إلَّا أربعين يوماً قبل يَوُم القيامة فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة»(٦٤).
 بسنده إلى عمر بن ثابت: عَنْ أبيه عَنْ أبي جعفر (عليه السلام): قَالَ: سمعته يقول: «لو بقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها ولعذّبهم الله بأشد عذابه. إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى جعلنا حجة فِي أرضه، وأماناً فِي الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا فِي أمان مِنْ أنْ تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أنْ يهلكهم ثم لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا مِنْ بينهم ورفعنا [إليه]، ثمَّ يفعل الله ما يشاء واحبّ»(٦٥)، ومن المعلوم معية الثقلين وانهما لن يفترقا فاذا رفع احدهما رفع الآخر.
وفي صحيحة زياد بن أبي الحلال عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «ما مِنْ نبي ولا وصي نبي يبقى فِي الأرض أكثر مِنْ ثلاثة أيام حَتّى ترفع روحه وعظمه ولحمه إلى السماء، وَإنَّما تؤتى مواضع آثارهم ويبلغونهم مِنْ بعيد السَّلامُ ويسمعونهم فِي مواضع آثارهم مِنْ قريب»(٦٦).
وفي خبر عطية الأبزاري قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «لا تمكث جثة نبي ولا وصي نبي فِي الأرض أكثر مِنْ أربعين يوماً»(٦٧).
كَمَا ذكر الله (عَزَّ وجَلَّ) فِي شأن إدريس (عليه السلام) قوله تَعَالَى ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾(٦٨)، وأيضاً فِي شأن عيسى (عليه السلام) قوله تَعَالَى ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾(٦٩) وأيضاً الإشارة إلى ذَلِكَ فِي سورة آل عمران في شأن نبي الله عيسى (عليه السلام) كقوله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾(٧٠).
وَفي خصال الصدوق قَالَ الصادق (عليه السلام): «يبسط لنا فنعلم، ويقبض عنّا فلا نعلم، والإمام يولد ويلد ويصحّ ويمرض، ويأكل ويشرب... إلى أنْ قَالَ (عليه السلام): «وجميع الأئمة الأحد عشر بَعْدَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قتلوا، منهم بالسيف وهو أمير المؤمنين والحسين والباقون قتلوا بالسم فجرى ذلك عليهم على الحقيقة والصحة، لا كما يقوله الغلاة والمفوضة لعنهم الله بأنّهم يقولون إنهم لَمْ يقتلوا عَلَى الحقيقة، وَإنَّما شُبّه للناس أمرهم، وكذبوا ما شُبه أمر أحد مِنْ الأنبياء الله وحججه عَلَى الناس إلَّا أمر عيسى بن مريم (عليهما السلام) وحده؛ لِإنَّهُ رفع مِنْ الأرض حيا وقبض روحه بين السماء والأرض ثمَّ رفع إلى السماء وَرَدَّ عَلَيْهِ روحه، وَذَلِكَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾»(٧١).
وروى الطبري فِي كتاب مناقب فاطمة (عليها السلام): بسنده عَنْ عبد الله بن سليمان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ: «ما تزال الأرض إلَّا ولله فيها حجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله ولا تنقطع مِنْ الأرض إلَّا أربعين يومأً قبل يَوُم القيامة فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة وَلَمْ ينفع نفساً إيمانها لَمْ تكن آمنت مِنْ قبل أنْ ترفع الحجة وأولئك مِنْ شرار خلق الله وَهُمْ الَّذِيْنَ تقوم عليهم القيامة»(٧٢). ورواه الصدوق في كمال الدين بألفاظ قريبة منه، وكذلك رواه البرقي في المحاسن.
وروى الصدوق بسنده عَنْ وهب بن منبه أنَّ إدريس (عليه السلام) كَانَ رجلاً طويلاً... وَإنَّما سمي إدريس لكثرة ما كَانَ يدرس مِنْ حكم الله وسنن الإسلام وَهُوَ بين أظهر قومه... فأوحى الله (عَزَّ وجَلَّ) إلى إدريس (عليه السلام) ونبّأه ودلّه عَلَى عبادته وَمَنْ آمن معه فَلَمْ يزالوا يعبدون الله (عَزَّ وجَلَّ) لا يشركون به شيئاً حَتّى رفع الله إدريس (عليه السلام) إلى السماء وانقرض مَنْ تابعه عَلَى دينه إلَّا قليلاً(٧٣). الحديث
وَهَلْ رفع الْنَّبِيّ إدريس وعيسى (عليهما السلام) عروج إلى السماء كعروج الملائكة ونزولهما كنزول الملائكة كقوله تَعَالَى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِين﴾(٧٤)، وكقوله تَعَالَى ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾(٧٥).
وروى فِي بصائر الدرجات عَنْ أبي هراسة عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) «لو أنَّ الإمام رفع مِنْ الأرض ساعة لساخت بأهلها كَمَا يموج البحر بأهله»(٧٦).
والرفع هُنَا يحتمل ارادة الموت أي رفعه بالموت كَمَا أنَّ الرفع يأتي بمعنى الغيبة أيضاً كَمَا فِي معتبرة أيوب بن نوح عَنْ أبي الحسن الثَّالِث (عليه السلام) قَالَ: «إذَا رفع علمكم مِنْ بين أظهركم فتوقعوا الفرج مِنْ تحت أقدامكم»(٧٧).
٨ - إنَّ البرزخ والبرازخ متوسّطات بين مراتب الحياة فِي الدُّنْيَا الأولى وَالدنيا الأُخرى التي هي الرجعات، بينما الساهرة هِيَ بين آخر الرجعة والقيامة الكبرى عِنْدَ خروج الأرواح، والساهرة يقظة ليست كالبرزخ ضجعة ونومة.
وروى الرازي عَنْ ابن عباس: أنزل الله مِنْ الجنّة خمسة أنهار سيحون... ثمَّ يرفعها عِنْدَ خروج يأجوج ومأجوج ويرفع أيضاً القرآن(٧٨).
ورواه فِي البحار عَنْ ابن عباس أيضاً.
وروى فِي البحار عَنْ الدر المنثور عَنْ ابن عباس عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قَالَ: «أنزل الله مِنْ الجنّة إلى الأرض خمس أنهار... فإذا كَانَ عِنْدَ خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبرائيل فرفع مِنْ الأرض القرآن والعلم كله والحجر مِنْ ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وَهَذِهِ الأنهار الخمسة فيرفع كُلّ ذَلِكَ إلى السماء...»(٧٩).
٦ - رفعهم بَعْدَ الرجعة:
وفي كتاب الرجعة للشيخ محمد بن عبد علي آل عبد الجبار القطيفي - والمعروف مِنْ النصوص أيضاً منها أنهم (عليهم السلام) يرفعون مِنْ الأرض بَعْدَ خروجهم كلاً دفعة؛ لِأنَّ رفعهم (عليهم السلام) رفع إعراض عَنْ هَذَا العالم وإرادة هلاكه وفنائه، وَكُلّ منهم علّة كافية للعالم وجميع شؤونه، وَإلَّا لَمْ يكن إماماً ولياً عَلَى الكل فحكم الواحد حكم الجميع فإذا رفع الواحد رفع إعراض رفع الباقي... وإنْ ترتبوا بغير تراخي... فيكون رفعهم جميعاً.
وفي الصحيح الأعلائي لعبد الله بن جعفر الحميري قَالَ: اجتمعتُ أنا والشَّيْخ أبو عمر (رحمه الله) عِنْدَ أحمد بن إسحاق فغمزني «... أنَّ الأرض لا تخلو مِنْ حجة إلَّا إذَا كَانَ قبل يَوُم القيامة بأربعين يوماً فإذا كَانَ ذَلِكَ رفعت الحجة وأغلق باب التوبة فَلَمْ يكن ينفع...»(٨٠).
وفي إكمال الدِّين بسنده عَنْ عبد الله بن سليمان العامري عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «ما زالت الأرض إلَّا ولله تَعَالَى ذكره فيها حجّة... فإذا رفعت الحجة أغلق باب التوبة ولن ينفع نفساً إيمانها لَمْ تكن آمنت مِنْ قبل أنْ ترفع الحجة أولئك شرار خلق الله وَهُمْ الَّذِيْنَ تقوم عليهم القيامة»(٨١).
ورواه فِي المحاسن بنفس اللفظ(٨٢).
وفي كمال الدِّين بسنده عَنْ عمرو بن ثابت عَنْ أبيه عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «سمعته يقول: لو بقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها... فإذا أراد الله أنْ يهلكهم ثمَّ لا يمهلهم ولا ينظرهم ذهب بنا مِنْ بينهم ورفعنا إليه ثمَّ يفعل الله ما يشاء وأحب»(٨٣).
والرفع قبل القيامة يتطابق مَعَ رواية أنَّ الصراط عروج مقداره خمسون ألف سنة.
كما أن الرفع يتطابق مع كون أرض القيامة تغاير أرض الرجعة.
وقد تواتر فِي روايات الفريقين أنَّ قبل القيامة بأربعين يوماً يرفعون ولا يبقى عَلَى الأرض إلَّا شرار الخلق.
وروى فِي البصائر عَنْ أبي حمزة قَالَ: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) جعلني الله فداك أخبرني عَنْ قول الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قَالَ: «... فإذا لَمْ يك لَهُ فيهم حاجة رفعنا إليه فيصنع بنا ما أحب»(٨٤).
وروى الصدوق في التوحيد بسنده عن سيف بن عميرة النخعي عَنْ خيثمة قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قَالَ: «دينه و... فإذا لم يك لله فيهم حاجة رفعنا إليه وصنع ما أحب»(٨٥).
 وفي كنز الفوائد وتأويل الآيات الظاهرة: عَنْ سلام بن المستنير قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ قَالَ: «نحن والله وجهه الذي قَالَ ولن يهلك إلى يَوُم القيامة (من عمل) بما أمر الله به مِنْ طاعتنا وموالاتنا فذلك والله الوجه الذي هُوَ قَالَ ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ وَلَيْسَ منا ميت يموت إلَّا وخلفه عاقبه مِنْهُ إلى يَوُم القيامة»(٨٦). وعموم الذيل مقيد بما روي عن الصادق (عليه السلام) والرضا (عليه السلام) من أن المهدي (عجّل الله فرجه) يخرج عليه الحسين (عليه السلام) رجعة ولا عقب له.
الائمة (عليهم السلام) آخر من يبقى:
١ - روى الطوسي بسنده إلى بريدة الأسلمي قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلي (عليه السلام): «يا علي إنَّ الله أشهدك معي سبعة مواطن... الموطن السَّابِع إنّا نبقى حين لا يبقى أحد وهلاك الأحزاب بأيدينا»(٨٧). ومعنى هلاك الأحزاب بيدهم ان صلاح الارض وتطهيرها من انواع اطياف التيارات والملل والنحل المنحرفة انما يتم على ايديهم.
وروى الحديث نفسه وبنفس الطريق عَنْ بريدة صاحب كتاب كنز جامع الفوائد(٨٨)).
وروى الشَّيْخ الطوسي بسنده: عَنْ علي (عليه السلام) قَالَ: قَالَ لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي إنَّهُ لما أُسري بي إلى السماء... يا علي أشهدك معي فِي سبعة مواطن... والسابع هلاك الأحزاب عَلَى يدي وَأَنْتَ معي»(٨٩).
وروى فِي المختصر عَنْ بريدة الأسلمي عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «يا علي إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) أشهدك معي فِي سبعة مواطن... الموطن السَّابِع: نبقى حَتّى لا يبقى أحد وهلاك الأحزاب بأيدينا»(٩٠).
٢ - وروى فِي البصائر عَنْ عبد الله بن سنان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لقد أُسري بي... يا محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَليٌ الأوَّل أوَّل منْ أُخذ ميثاقه مِن الأئمة يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَليٌ الآخر آخر منْ أقبض روحه مِنْ الأئمة وَهِو الدابة الَّتِي تكلمهم يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَليٌ الظاهر...»(٩١).
٣ - روى الكليني بسنده عَنْ كرام قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «لو كَانَ الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، فَقَالَ: إنَّ آخر منْ يموت الإمام لئلا يحتج أحد عَلَى الله (عَزَّ وجَلَّ) أنَّهُ تركه بغير حجة لله عليه»(٩٢).
شمول نفخ الصور - للقيامة - لحملة العرش والكرسي وسكان سدرة المنتهى، آخر من يبقى في السماوات والأرض الملائكة المقربون:
روى في بستان الواعظين: قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يكون في آخر الزمان فتن كقطع الليل المظلم، فإذا غضب الله على أهل الأرض، أمر الله سبحانه وتعالى إسرافيل أن ينفخ نفخة الصعق، فينفخ على غفلة من الناس، فمن الناس من هو في وطنه، ومنهم من هو في سوقه، ومنهم من هو في حرثه، ومنهم من هو في سفره، ومنهم من يأكل فلا يرفع اللقمة إلى فيه حتى يخمد ويصعق، ومنهم من يحدث صاحبه فلا يتم الكلمة حتى يموت، فتموت الخلائق كلهم عن آخرهم.
 وإسرافيل لا يقطع صيحته حتى تغور عيون الأرض وأنهارها وبناؤها وأشجارها وجبالها وبحارها، ويدخل الكل بعضهم في بعض في بطن الأرض، والناس خمود وصرعى، فمنهم من هو صريع على وجهه، ومنهم من هو صريع على ظهره، ومنهم من هو صريع على جنبه، ومنهم من هو صريع على خده، ومنهم من تكون اللقمة في فيه فيموت، فما أدرك به أن يبتلعها، وتنقطع السلاسل التي فيها قناديل النجوم، فتسوى بالأرض من شدة الزلزلة، وتموت ملائكة السماوات السبع والحجب والسرادقات والصافون والمسبحون وحملة العرش والكرسي، وأهل سرادقات المجد والكروبيون، ويبقى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت (عليهم السلام).
فيقول الجبار جل جلاله: يا ملك الموت من بقي؟ وهو أعلم، فيقول ملك الموت: سيدي ومولاي، بقي إسرافيل، وبقي جبرئيل، وبقي ميكائيل، وبقي عبدك الضعيف ملك الموت وهو خاضع خاشع ذليل، قد ذهبت نفسه لعظم ما عاين من الأهوال، فيقول الجبار تبارك وتعالى: انطلق إلى جبرئيل فاقبض روحه فينطلق ملك الموت إلى جبرئيل (عليه السلام)، فيجده ساجدا وراكعا، فيقول له: ما أغفلك عما يراد بك يا مسكين، قد مات بنو آدم وأهل الدنيا والأرض والطيور والسباع والهوام وسكان السماوات وحملة العرش والكرسي والسرادقات وسكان سدرة المنتهى، وقد أمرني المولى بقبض روحك.
 فعند ذلك يبكي جبرئيل (عليه السلام)، ويقول متضرعا إلى الله تعالى: يا الله، هوّن علي سكرات الموت، فيضمه ملك الموت ضمة يقبض فيها روحه، فيخر جبرئيل (عليه السلام) منها ميتا صريعا... ثم يقول الجبار جل جلاله ليبعث اسرافيل فيقوم اسرافيل حيا بقدرة الله... الحديث(٩٣).
ولا يخفى دلالة الرواية علي ان الموت والإماتة في نفخة الصور ليوم القيامة يتصاعد ليشمل سكان سدرة المنتهى مع انهم مما وراء وفوق عالم القيامة اي من الجنة الابدية ويشمل حملة العرش وحملة الكرسي وحملة السرادقات والصافين والمسبحين، فهل حد الموت ينتهي الى ذلك ام يتصاعد اكثر؟.
اطلاق أواخر يوم القيامة على مشارف عالم الجنة:
وروى في البصائر بسند معتبر عن أبي سعيد الخدري قال كان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول إذا سألتم الله فاسألوه الوسيلة لي قال فسألنا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الوسيلة قال هو [هي] درجتي في الجنة وهي الف مرقات ما بين مرقات إلى المرقات جوهرة إلى مرقات زبرجدة إلى مرقاة ياقوتة إلى مرقاة لؤلوة إلى مرقاة ذهبة إلى مرقاة فضة فيؤتى بها يوم القيمة حتى تنصب مع درجة النبيين فهي في درجة النبيين كالقمر بين الكواكب فلا يبقى يومئذ نبي ولا صديق ولا شهيد الا قالوا طوبى لمن هذه الدرجة درجته.
فيأتي النداء من عند الله تبارك وتعالى يسمع النبيين والصديقين والشهداء والمؤمنين هذه درجة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اقبل انا يومئذ متزرا بريطة من نور على تاج الملك وإكليل الكرامة وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) امامي ولوائي بيده وهو لواء الحمد مكتوب عليه لا إله إلا الله المفلحون هم الفائزون بالله، فإذا مررنا بالنبيين قالوا هذان ملكان مقربان وإذا مررنا بالملائكة قالوا هذان ملكان لم نعرفهما ولم نرهما، وإذا مررنا بالمؤمنين قالوا نبيان مرسلان حتى أعلو تلك الدرجة وعلىّ يتبعني، حتى إذا صرت في أعلى درجة وعلىّ أسفل منى بدرجة وبيده لوائي فلا يبقى يومئذ نبي ولا ملك ولا صديق ولا شهيد ولا مؤمن الا رفعوا رؤوسهم إلينا ويقولون طوبى لهذين العبدين ما أكرمهما على الله فيأتي النداء من عند الله يسمع النبيين والخلايق هذا محمد حبيبي وهذا عليّ (عليه السلام) وليي طوبى لمن أحبه وويل لمن أبغضه وكذب عليه.
ثم قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لعلى يا عليّ فلا يبقى يومئذ في مشهد القيمة أحد ممن كان يحبك ويتولاك الا شرح لهذا الكلام صدره وابيض وجهه وفرح قلبه ولا يبقى أحد ممن نصب لك حربا أو أبغضك أو عاداك أو جحد ذلك حقا الا اسود وجهه واضطربت قدماه فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
فبينا انا كذلك إذا ملكان قد أقبلا على اما أحدهما فرضوان خازن الجنة واما الآخر فمالك خازن جهنم، فيدنو رضوان ويسلم فيقول السلام عليك يا رسول الله قال فأرد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقول له أيها الملك الطيب الريح الحسن الوجه الكريم على ربه من أنت فيقول انا رضوان خازن الجنة امرني ربي ان آتيك بمفاتيح الجنة فأدفعها إليك فخذها يا احمد فأقول قد قبلت ذلك من ربى فله الحمد على ما أنعم به على ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب فيدفعها الى عليّ.
فيرجع رضوان ويدنو الملك فيقول السلام عليك يا حبيب الله فأقول عليك السلام أيها الملك ما أنكر رؤيتك وأنتن ريحك واقبح وجهك فمن أنت فيقول الملك انا مالك خازن النار امرني ربي أن آتيك بمفاتيح النار خذها يا احمد فأقول له قد قبلت ذلك من ربى فله الحمد على ما فضلني ادفعها إلى أخي علي بن أبي طالب.
ثم يرجع مالك خازن النار فيقبل علىّ وبيده مفاتيح الجنة ومقاليد النار حتى يقف على عجزة جهنم فيأخذ أزمتها بيده وقد على زفيرها وأشتد حرها وتطاير شررها فإن شاء مدها يمنة وإن شاء مدها يسرة فتنادي جهنم جزني يا عليّ فقد اطفاء نورك لهبي فيقول لها على قريّ يا جنهم خذي هذا واتركي هذا خذي هذا عدوى واتركي هذا وليي فلجهنم يومئذ أشد مطاوعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) من غلام أحدكم ولجهنم يومئذ أطوع لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فيما يأمرها من جميع الخلايق).
ورواها الطوسي في الأمالي والصدوق في معاني الأخبار وعلل الشرايع ورواها القمي في تفسيره وبن فتال في روضة الواعظين. ومفاد الرواية ان الوسيلة رغم انها درجة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الجنة الا انها من مشاهد القيامة.
وروى في الخصال - فِي باب العشرة - بسنده عَنْ أبي الطفيل عامر بن واثلة، عَنْ حذيفة بن أسيد الغفاري، عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «إنَّكم لا ترون الساعة حَتّى تروا قبلها عشر آيات: طلوع الشمس مِنْ مغربها، والدجّال، ودابّة الأرض، وخروج عيسى بن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج...» الحديث(٩٤).
الرجعة والنفخ فِي الصور:
روى الطبرسي احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق قال السائل: أفتتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟
قال (عليه السلام): بل هو باق إلى وقت ينفخ في الصور، فعند ذلك تبطل الأشياء، وتفنى فلا حس ولا محسوس، ثم أعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها، وذلك أربعمائة سنة يسبت فيها الخلق، وذلك بين النفختين.
قال: وأنى له بالبعث والبدن قد بلى، والأعضاء قد تفرقت، فعضو ببلدة يأكلها سباعها، وعضو بأخرى تمزقه هوامها، وعضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط؟
قال: إن الذي أنشأه من غير شيء، وصوّره على غير مثال كان سبق إليه، قادر أن يعيده كما بدأه.
قال: أوضح لي ذلك!
قال: إن الروح مقيمة في مكانها، روح المحسن في ضياء وفسحة، وروح المسيء في ضيق وظلمة، والبدن يصير ترابا كما منه خلق، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها، مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب. محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض، ويعلم عدد الأشياء ووزنها، وأن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور، فتربو الأرض ثم تمخضوا مخض السقاء، فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء، والزبد من اللبن إذا مخض، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها، وتلج الروح فيها، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا.
قوله (عليه السلام) (ببقاء الروح وعدم تلاشيه إلى يوم ينفخ في الصور عند ذلك تبطل الاشياء وتفنى فلا حس ولا محسوس) بيان لما يعتور الروح في النفخة الأولى، وحيث أن الروح طبقات كما مر فيحصل خلع روح من روح وجسم ألطف من جسم لطيف، فبطلان الأشياء بهذا اللحاظ ومن ثم قيد معنى الفناء بلا حس ولا محسوس بهذا اللحاظ، لا الانعدام الكامل، أي أن الروح والجسم اللطيف عندما ينفصل عنه الجسم والروح الألطف ينعدم الاحساس في ذلك الجسم اللطيف، فالفناء بين النفخة الاولى والنفخة الثانية مما هو مقدمة لإرهاصات القيامة بهذا المعنى.
ولا يبعد أن يكون هذا الفناء هو خلع وخروج لطبقات أرواح وأجسام لطيفة للأشياء بحسب الاجسام السماوية لتلك الاشياء والارواح وبقاء الارواح العليا لتلك الأشياء، وأن ما ورد من عود الارواح الى مقترنة بالصور لا يبعد أن يراد به النشأة لأرواح الاشياء العليا فوق السماء السابعة، والنفخة الثانية عود الارواح من تلك الطبقة إلى ولوجها في الطبقات السماوية.
وسيأتي أن الموت طبقات والنفخ طبقات بحسب طبقات الأرواح وطبقات أجسامها. ولا يخفى ان للحشر والنشر مراتب بعضها ملكوتي سماوي كما تمت الاشارة اليه في مواضع عديدة.
كما لا يخفى افتراق أوصاف البعث فِي الرجعة عَنْ البعث فِي المعاد فِي الأحكام التكوينية.
كما انه يختلف الجسم في المعاد الجسماني للرجعة عنه في المعاد الأكبر للقيامة.
كما انه تتغيّر هيئة خلقة البدن فِي المراحل المتوسّطة فِي الرجعة (العصا، والميسم، وخروج الدّابة).
 ويتدرّج الانتقال فِي أحكام فيزياء المادّة انتقال عوالمي بينما تتّحد أحكام عالم القبر والرجعة.
النفخة الأولى دون السماء الدنيا:
 وفي التفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام): قال الله عز وجل ليهود المدينة: واذكروا ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم...
 - الى أن قال - اما في الآخرة فان الله عز وجل ينزل بين نفختي الصور بعد ما ينفخ النفخة الأولى من دوين السماء من البحر المسجور الذي قال الله والبحر المسجور وهي مني كمني الرجال فيمطر ذلك على الأرض فيلقي الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون ويريكم آياته سوى هذه من الدلالات.....).(٩٥) 
نطق القرآن بأن الرجعة آية المعاد وبدايته:
قَدْ ذكرت جملة مِنْ الآيات فِي السور أنَّ الرجعة آية للمعاد:
١ - ما ورد في الْنَّبِيّ عزير (عليه السلام): ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾(٩٦).
فقوله تعالى: ﴿نَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ﴾ وقول عزير: «أعلم أنَّ الله عَلَى كُلّ شيء قدير» أي قدرته عَلَى إحياء الأموات فِي المعاد فضلاً عَنْ الرجعة فإحياء عزير ورجوعه للدُّنيا آية وبُرهان مِنْ الله جعله للنَّاس على المعاد الأكبر.
٢ - ما ورد في أصحاب الكهف ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾. ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا...﴾(٩٧) فجعلت الآية أنَّ الغاية مِنْ رجوع أصحاب الكهف ليعلم الناس أنَّ وعد الله بالمعاد حقّ وأنَّ ساعة القيامة وساعة البعث لا ريب فيها.
٣ - ما ورد في الْنَّبِيّ إبراهيم (عليه السلام): ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾(٩٨).
فَكَانَ أصل السُّؤال عَنْ إحياء الموتى فِي المعاد فجعل إحياء عدد مِنْ الطيور الذي هُوَ رجعة وَلَيْسَ معادا برهانا عَلَى المعاد.
٤ - قصة البقرة في مقتول بني اسرائيل ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾(٩٩) ففي هَذِهِ الآية بيان أنَّ رجعة هَذَا الشاب المقتول مِنْ بني إسرائيل للحياة الدُّنْيَا آية لإحياء الله الموتى فِي المعاد.
٥ - إحياء الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) للموتى بإذن الله: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ﴾(١٠٠) و﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي﴾(١٠١) فعنونت الرجعة واطلق عليها نفس عنوان إحياء الأموات في المعاد.
٦ - ماورد في اصحاب موسى (عليه السلام) الذين اخذتهم صاعقة الموت ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون﴾(١٠٢).
وأيضاً قوله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾(١٠٣).
وقوله تَعَالَى ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا...﴾(١٠٤).
اتحاد حكم إنكار الرجعة وإنكار المعاد:
كَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾(١٠٥).
حَيْثُ أنَّ الآية تُشبِّه مَنْ لا يُؤمن بالآخرة ولا أمل لَهُ بها وَهُوَ ناكر وجاحد لها بجحود وإنكار رجوع اصحاب القبور الى دار الدنيا مرة أخرى وأن عدم الإيمان الثاني شبيه عدم الإيمان الأول، إذ التشبيه يقتضي التعدد والاثنينية مما يَدُلّل عَلَى أنَّ الإنكارين متعددان، وَهُمَا جحودان متعددان وإنْ كَانَ بينهما جهة اشتراك، وَهَذَا مما يشير الى أنَّ الإيمان بالآخرة والمعاد الأكبر مقام يختلف عَنْ الإيمان بالبرزخ ورجعة أصحاب البرزخ إذْ اليأس مقابل الأمل، والأمل متعلق بلقاء أصحاب القبور فِي الرجعة كَمَا أنَّ لقاء الآخرة هو بالبعث واللقاء في الحشر فيها.
وروى فِي تأويل الآيات بسنده عَنْ أبي الجارود عمّن سمع علياً يقول: العجب كُلّ العجب بين جمادى ورجب، فقام رجل فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، ما هَذَا العجب الذي لا زلت تعجب مِنْهُ؟ فَقَالَ (عليه السلام): «ثكلتك أُمك وَأيّ عجب أعجب مِنْ أموات يضربون كُلّ عدوّ لله ولرسوله ولأهل بيته وَذَلِكَ تأويل هَذِهِ الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُور﴾ فإذا اشتدّ القتل قلتم: مات أو هلك أو أيّ وادٍ سلك وَذَلِكَ تأويل هَذِهِ الآية ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾(١٠٦)». ومفادها واضح في تنزيل مفاد الآيتين على الرجعة.
تطابق عالم القيامة مَعَ أواخر الرجعة:
قَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الاحتمال فِي البابين السابقين، وأنَّ رجعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإقامته لدولته قَدْ تنطبق عَلَى عالم يَوُم القيامة مدّةً وأمداً، لا سيما وَقَدْ أُطلق عَلَى القيامة أنّها رجعة بالمعنى الأعم كَمَا أُطلق عَلَى الرجعة أنَّها قيامة صغرى، وَهَذَا الاحتمال إنَّما يتّجه بَعْدَ وضوح أنَّ يَوُم القيامة وَهُوَ عالم أطول عمراً مِنْ مجموع عالم الدُّنْيَا الأولى وآخرة الدُّنْيَا وَهِيَ الرجعة، فَيَوُم القيامة بمعنى عالم القيامة كَمَا أنَّ عالم القيامة مغاير لعالم الجنّة والنّار كَمَا أنَّ البعث إلى يَوُم القيامة يغاير البعث إلى الجنّة والنار، وإضافة إلى ما مضى مِنْ شواهد عَلَى هَذَا الاحتمال نضيف هُنَا عِدَّة شواهد أُخرى:
الشاهد الأوَّل: ما رواه الحضيني فِي الهداية الكبرى عَنْ المفضل عَنْ الصادق (عليه السلام) حَيْثُ استعرض (عليه السلام) أحداث ظهور المهدي (عجّل الله فرجه) ثمَّ قَالَ: ثمَّ تثور رجاله إلى سرايا السُّفْيَانِي بدمشق فيأخذوه ويذبحوه عَلَى الصخرة ثمَّ يظهر الحسين (عليه السلام) فِي اثني عشر ألف صدّيق واثنين وسبعين من رجاله بكربلاء فيا لك عندها مِنْ كرّة زهراء ورجعة بيضاء ثمَّ يخرج الصدّيق الأكبر أمير المؤمنين إليه التسليم وتنصب لَهُ القبّة عَلَى النجف وتقام أركانها ركن بهجر وركن بصنعاء اليمن وركن بطيبة وَهِيَ مدينة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكأني أنظر إليها ومصابيحها تشرق بالسماء والأرض أضوى مِنْ الشمس والقمر، فعندها تبلى السرائر وتذهل كُلّ مرضعة عمّا أرضعت إلى آخر الآية ثمَّ يظهر الصدّيق الأكبر الأجل السِّيّد مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي أنصاره إليه وَمَنْ آمن به وصدّق واستشهد معه ويحضر مكذبوه والشاكّون فيه أنَّهُ ساحر وكاهن ومجنون ومعلم وشاعر وناعق [عَنْ هَذَا]، وَمَنْ حاربه وقاتله حَتّى يقتصّ منهم بالحق ويجاوزوا [ويجازوا] بأفعالهم مِنْ وقت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى ظهور المهدي مَعَ إمام إمام ووقت وقت، ويحقّ تأويل هَذِهِ الآية ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون﴾ قَالَ المفضل قلت يا سيدي من هامان وفرعون قال: ضلال ووبال لعنهما الله فينبشا ويحيّا(١٠٧) [فلان وفلان ينشآن ويحييان].
حَيْثُ بيّن (عليه السلام) أنَّ فِي أحد رجعات عليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) حَيْثُ يقيم دولة عظيمة لها موقع مركزي ممتدّ مِنْ النجف الأشرف إلى المدينة، مدينة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإلى صنعاء اليمن وَإلى هجر وفي الرواية وصف هَذِهِ المرحلة مِنْ مراحل الرجعة بقوله (عليه السلام) «فعندها تبلى السرائر وتذهل كُلّ مرضعة عمّا أرضعت وتضع كُلّ ذَاتَ حمل حملها وترى الناس سُكارى وما هُمْ بسكارى ولكن عذاب الله شديد» الآية.
فجعل (عليه السلام) تلك المرحلة تبلى السرائر عندها والمنصرف مِنْ ظاهر الآيات والروايات أنَّ الحدث «يَوُم تبلى السرائر» مِنْ أوصاف القيامة (وكذا ذهول كُلّ مرضعة عمّا أرضعت) وَقَدْ جعل (عليه السلام) رجعة سيد الأنبياء بَعْدَ ذَلِكَ بقوله: ثمَّ يظهر الصديق الأكبر الأجل...)
 وَقَدْ ذكر فِي روايات مستفيضة قَدْ أشرنا إليها ثمَّة أنَّ دولة سيد الأنبياء خمسون ألف عام، كَمَا فِي رواية مختصر البصائر بسنده عَنْ أسد بن إسماعيل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: حين سأل عَنْ اليوم الذي ذكره الله مقداره فِي القرآن فِي يَوُم كَانَ مقداره خمسين ألف سنة وَهِيَ كرّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيكون ملكه فِي كرّته خمسين ألف سنة...»(١٠٨).
وهَذِهِ المُدّة مطابقة لعمر يَوُم عالم القيامة وَقَدْ نصّ فِي الروايات أنَّ دولة سيد الأنبياء بَعْدَ آخر دولة يقيمها أمير المؤمنين (عليه السلام) مِنْ دوله وَالَّتِي تمتد أربعين ألف عام ثم يظهر الصديق الأكبر بعده
والحاصل: أنَّ مفاد الرواية يعضد احتمال تطابق دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الممتدّة خمسين ألف سنة مَعَ مدّة القيامة بالمدة المذكورة وأنَّ أواخر الرجعة هِيَ القيامة ولعل المراد «فعندها تُبلى السرائر» أيّ بَعْدَ ختام الرجعة.
وروى الطبرسي فِي الاحتجاج عَنْ موسى بن جعفر عَنْ آبائه (عليهم السلام) أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ حين سأله اليهودي عَنْ معجزات الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «إنَّهُ أُسري به مِنْ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسير شهر وعرج به فِي ملكوت السماوات مسير خمسين ألف عام فِي أقل مِنْ ثلث ليلة حَتّى انتهى إلى ساق العرش فدنا فتدلى لَهُ مِنْ الجنّة رفرف أخضر وغشى بصره فرأى عظمة ربّه بفؤاده وَلَمْ يراها بعينه...»(١٠٩).
الشاهد الثَّانِي: - ما وَرَدَ فِي أخبار الطينة مِنْ أنَّ طينة المؤمن يفصل عنها ما امتزج بها مِنْ طينة الكافر يَوُم القيامة كَمَا أنَّ طينة الكافر يفصل عنها ما امتزج بها مِنْ طينة المؤمن يَوُم القيامة فيردّ كُلّ شيء إلى سنخه وجوهره وأصله يَوُم القيامة، مَعَ أنَّهُ وَرَدَ فِي روايات الرجعة أنَّ فِي أواخر الرجعة تمحّص الطينات، نظير ما رواه فِي مختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله الأشعري بسنده عَنْ بن قبيسة المهلبي عَنْ أبيه عَنْ بَعْض رجاله عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي كتاب الكرّات فِي قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾(١١٠) قَالَ: «يكسرّون فِي الكرّة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه - يعني حقيقته -»(١١١).
فَذَلِكَ يكون شاهداً عَلَى انطباق الرجعة بالمعنى العام عَلَى عالم يَوُم القيامة وأنَّ عمدة رجعات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الَّتِي يملك فيها تكون هِيَ عالم القيامة وأنَّ دولته الشريفة الَّتِي هِيَ أعظم الدول تمتدّ مِنْ الأرض إلى أقصى أفق عالم القيامة (السماء السابعة).
 أمَّا ما دلَّ عَلَى أنَّ تمحيص وفصل الطينات بعضها عَنْ بَعْض يَوُم القيامة فهو كمَا فِي رواية الصدوق بسند معتبر عَنْ أبي إسحاق الليثي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي رواية طويلة عَنْ الطينة قَالَ (عليه السلام) فِي وسط الرواية: «كَذَلِكَ يعود كُلّ شيء إلى سنخه وجوهره وأصله فإذا كَانَ يَوُم القيامة نزع الله تَعَالَى سنخ الناصب وطينته مَعَ أثقاله وأوزاره مِنْ المؤمن فيلحقها كلها بالناصب وينزع سنخ المؤمن وطينته مَعَ حسناته وأبواب برّه واجتهاده مِنْ الناصب فليحقها كلها بالمؤمن... أفترى ها هُنَا ظلماً وعدواناً؟
قلت: لا يا بن رسول الله، قَالَ: هَذَا والله القضاء الفاصل والحكم القاطع والعدل البيّن لا يسأل عمّا يفعل وَهُمْ يُسألون، هَذَا يا إبراهيم الحَقّ مِنْ ربك فلا تكن مِنْ المُمترين هذا مِنْ حكم الملكوت، قلت: يا بن رسول الله وما حكم الملكوت؟
قَالَ: حكم الله حكم أنبيائه وقصة الخضر وموسى (عليهما السلام) حين استصحبه، فَقَالَ: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ افهم يا إبراهيم واعقل أنكر موسى عَلَى الخضر واستفضع أفعاله حَتّى قَالَ لَهُ الخضر يا موسى ما فعلته عَنْ أمري إنَّما فعلته عَنْ أمر الله»(١١٢)) وفي هَذِهِ الرواية بيان أنَّ:
١ - إنَّ تمحيص الطينات يحصل يَوُم عالم القيامة لا فِي عالم النشأة الأرضية مِنْ الحياة الدُّنْيَا.
٢ - إنَّ تمحيص الطينات يَتِمُّ بحسب نشآت الملكوت وعالم القيامة هو مِنْ نشأة الملكوت.
٣ - إنَّ مقتضى ما يأتي من أنَّ تمحيص الطينات فِي الرجعة هو فِي أواخر مراحل الرجعة، وَهُوَ مما ينطبق عَلَى رجعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإقامة دولته، ومن ذلك يتبيَّن أنَّ عمدة رجعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لإقامة دولته الَّتِي هِيَ أعظم الدول والملك عَلَى الإطلاق وتمتدّ مِنْ نشأة الأرض إلى نشآت عديدة مِنْ عوالم الملكوت وَالَّتِي منها عالم القيامة.
٤ - إنَّ الحكم فِي دول الرجعة لأهل البيت (عليهم السلام) - لا سيما آخر دولة وَهِيَ دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهِيَ آخر الرجعة المنطبقة عَلَى عالم القيامة - هو مِنْ سنخ حكم الملكوت أيّ لَيْسَ عَلَى مقتضى الظاهر بَلْ عَلَى مقتضى الواقع وهو باطن ملكوتي خفي، والمراد مِنْ ذَلِكَ لَيْسَ اختلاف الدِّين والشريعة وَإنَّما تطبيق أحكام ومقررات الدِّين والشريعة عَلَى الموضوعات والوقائع بعلم لدني لا يقبل الخطأ وَقَدْ أوضحناه مبسوطا فِي كتاب الإمامة الإلهية الفصل السَّابِع.
الشاهد الثَّالِث: أن القيامة يطلق على معاني كالبعث إلى الجنّة أو البعث إلى النار فِي قبال إطلاقه عَلَى العالم الذي فيه عقبات وَهُوَ إطلاقه عَلَى المواقف والمواطن وهو عالم القيامة، وَهُوَ أشهر استعمالاً فِي كلام الوحي، وأما إطلاقه عَلَى نفس البعث للجنّة والنار فأقلّ شيوعاً فِي استعمال الوحي، وقَدْ وَرَدَ بمعنى ثالث أقل مِنْ السابق استعمالا أو مثله وهو إطلاقه عَلَى أواخر عالم الرجعة.
 وإطلاق بمعنى رابع أقل مِنْ الجميع استعمالاً وهو كُلّ بعث، ولو بعث أوائل الرجعة. وَعَلَى أي تقدير فإطلاق عنوان واسم ووصف القيامة عَلَى البعث إلى الجنة أو البعث إلى النار يعزّز تطابق عالم وعقبات الصراط والمواقف عَلَى أواخر الرجعة وتداخله مَعَ الرجعة، وإنْ كَانَ هَذَا العالم الذي هُوَ خمسون ألف سنة قَدْ يقابل بينه وبين (الرجعة التي إلى نشأة الأرض) لا سيما وإنَّ الرجعة إلى الدُّنْيَا كَمَا مَرَّ بعث مِنْ القبور بينما الرجعة إلى عرصات يَوُم القيامة فبعث ينطلق مِنْ أرض يَوُم القيامة.
وبعبارة أخرى إن قوله تعالى ﴿تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ هل هو قبل بعث القيامة أم بعده؟ وفي رواية العلل عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سأله اليهودي: فَقَالَ أَ رَأَيْتَ قَوْلَهُ (عَزَّ وَجَلَّ) ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ أَيْنَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ قَالَ فِي الظُّلْمَةِ دُونَ الْمَحْشَر(١١٣)).
ومما وَرَدَ من إطلاق القيامة عَلَى معنى البعث إلى الجنّة والبعث إلى النار مثل ما رواه فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده عَنْ يونس بن ظبيان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ الذي يلي حساب الناس قبل يَوُم القيامة الحسين بن علي (عليه السلام)، فَأمَّا يَوُم القيامة فَإنَّما هُوَ بعث إلى الجنّة أو بعث إلى النار»(١١٤) فههنا اطلق عنوان القيامة والبعث على ما بعد عالم العقبات والصراط وجعل ما قبله من الرجعة.
الشاهد الرَّابِع: ما وَرَدَ فِي خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) رواها فِي مختصر بصائر الدرجات عَنْ كتاب الواحدة بسنده عَنْ الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) ورواها فِي مشارق أنوار اليقين أيضاً مِنْ دون تقطيع للخطبة واللفظ للثاني قَالَ (عليه السلام): فِي أثنائها: «يا سلمان ويا جندب وَكَانَ مُحمَّد الناطق وأنا الصامت وَلابُدَّ فِي كُلّ زمان مِنْ صامت وناطق فمحمد صاحب الجمع وأنا صاحب الحشر وَمُحمَّد المنذر وأنا الهادي وَمُحمَّد صاحب الجنّة وأنا صاحب الرجعة... الحديث»(١١٥).
ورواه المجلسي فِي البحار عَنْ كتاب العتيق(١١٦)، وهو كتاب المناقب للعلوي المطبوع اخيرا وهو من أعلام القرن الخامس.
وتقريب الدلالة أنَّهُ (عليه السلام) ذكر المقابلة بين الجنّة والرجعة، وأنَّ مُحمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صاحب الجنّة وَعليّ (عليه السلام) صاحب الرجعة، وان مُحمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) صاحب الجمع وَهُوَ صاحب الحشر، وَهَذَا بظاهره يقتضي أنَّ رجعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي مقابل عنوان الرجعة بالمعنى الأخص حَيْثُ يكون صاحبها أمير المؤمنين (عليه السلام) فرجعة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي عالم القيامة ومقام الجمع.
١ - رجعات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
 وَهُنَا قرينة أُخرى حَيْثُ أن ما وَرَدَ فِي الروايات مِنْ رجعة الرسول مع مَا تقدّمت الإشارة إليه فِي البابين السابقين:
١ - صحيح الفضيل بن يسار، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) فِي قول الله ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، قَالَ: «يجيء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي قرنه ويجيء علي (عليه السلام) فِي قرنه، والحسن (عليه السلام) فِي قرنه، والحسين (عليه السلام) فِي قرنه وَكُلّ مِنْ مات بين ظهراني قوم جاءوا معه»(١١٧).
٢ - وصحيح يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ فَقَالَ نَدْعُو كُلَّ قَرْنٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِإِمَامِهِمْ قُلْتُ فَيَجِيءُ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي قَرْنِهِ وَعَلِيٌّ (عليه السلام) فِي قَرْنِهِ وَالْحَسَنُ (عليه السلام) فِي قَرْنِهِ وَالْحُسَيْنُ (عليه السلام) فِي قَرْنِهِ وَكُلُّ إِمَامٍ فِي قَرْنِهِ الَّذِي هَلَكَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ قَالَ نَعَم)(١١٨).
 ٣ - مختصر البصائر بسنده عَنْ أسد بن إسماعيل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: حين سأل عَنْ اليوم الذي ذكره الله مقداره فِي القرآن فِي يَوُم كَانَ مقداره خمسين ألف سنة وَهِيَ كرّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيكون ملكه فِي كرّته خمسين ألف سنة...»(١١٩).
٤ - ما رواه الحسن بن راشد، عَنْ أبي إبراهيم (عليه السلام) قَالَ: قَالَ (عليه السلام): «لترجعنَّ نفوس ذهبت، وليقتصّنَّ يَوُم يقوم وَمَنْ عذّب يقتصّ بعذابه، وَمِنْ أُغيظ أغاظ بغيضه، وَمَنْ قتل اقتصّ بقتله ويردّ لهم أعداؤهم معهم حَتّى يأخذوا بثأرهم، ثمَّ يعمرون بعدهم ثلاثين شهراً، ثمَّ يموتون فِي ليلة واحدة قَدْ أدركوا ثأرهم، وشفوا أنفسهم، ويصير عدوهم إلى أشد النار عذابا، ثمَّ يوقفون بين يدي الجبار (عزَّ وجلَّ) فيؤخذ لهم بحقوقهم(١٢٠).
٥ - ما رواه مختصر البصائر بسنده عن جابر بن يزيد عن ابي عبد الله (عليه السلام) - في حديث عن رجعات أمير المؤمنين (عليه السلام) - قال: (... ثمَّ كرّة أُخرى مَعَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتّى يكون خليفته فِي الأرض، ويكون الأئمة (عليهم السلام) عمّاله، وَحَتّى يُعبد الله علانية فتكون عبادته علانية فِي الأرض، كَمَا عُبد الله سرّاً فِي الأرض. ثمَّ قَالَ: «أيّ والله وأضعاف ذَلِكَ - ثمَّ عقد بيده أضعافاً - يعطي الله نبيّه ملك جميع أهل الدُّنْيَا منذ يَوُم خلق الله الدُّنْيَا إلى يَوُم يُفنيها، حَتّى ينجز لَهُ موعوده فِي كتابه كَمَا قَالَ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾»(١٢١).
٦ - نعم ما رواه في الكافي في القيامة وليس من الرجعة عن جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ: يَا جَابِرُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ الله (عَزَّ وجَلَّ) الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لِفَصْلِ الْخِطَابِ دُعِيَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودُعِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَيُكْسَى رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُلَّةً خَضْرَاءَ تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ويُكْسَى عَلِيٌّ (عليه السلام) مِثْلَهَا ويُكْسَى رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حُلَّةً وَرْدِيَّةً يُضِيءُ لَهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ والْمَغْرِبِ ويُكْسَى عَلِيٌّ (عليه السلام) مِثْلَهَا ثُمَّ يَصْعَدَانِ عِنْدَهَا ثُمَّ يُدْعَى بِنَا فَيُدْفَعُ إِلَيْنَا حِسَابُ النَّاسِ فَنَحْنُ والله نُدْخِلُ أَهْلَ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ وأَهْلَ النَّارِ النَّارَ ثُمَّ يُدْعَى بِالنَّبِيِّينَ (عليهم السلام) فَيُقَامُونَ صَفَّيْنِ عِنْدَ عَرْشِ الله (عَزَّ وجَلَّ) حَتَّى نَفْرُغَ مِنْ حِسَابِ النَّاسِ فَإِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ...)(١٢٢) 
 ويستحصل منها ثلاث رجعات لخاتم الأنبياء، رجعة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَعَ قرنه ممن كان في زمانه والظاهر أنها أولى رجعاته بقرينة أن مجيئ كل إمام مع أهل زمانه في بدايات تفويج الرجعة، ورجعة يجمع لَهُ فيها الأولين والآخرين لإقامة الحساب والظاهر أنها ثانية رجعاته بقرينة أن الحساب في ما بعد أواساط الرجعة، ورجعة ملك دولته والظاهر أنها ثالثة رجعاته بقرينة انطباق ملك الخمسين ألف مع عمر القيامة وهي أواخر الرجعة، والمقابلة بين الجمع والحشر يحتمل إرادة الرجعة الَّتِي يجمع فيها الخلائق لَهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ويراد منها أيضاً جمع عالم القيامة لِأنَّ الحشر فِي القيامة كَمَا بين فِي رواياتهم (عليهم السلام) جمع بمقتضى قوله تَعَالَى ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾(١٢٣) فِي مقابل الحشر فِي الرجعة ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾(١٢٤) فالحشر فِي الرجعة متعدد بخلافه فِي القيامة فَإنَّهُ دفعي للجميع فبهذا اللحاظ يصحّ أنْ يكون الحشر وصف للرجعة لتكرّره وَأنَّهُ (عليه السلام) صاحب الحشر وصاحب الرجعة.
٢ - القيامة رجعة كبرى:
قوله تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُون﴾(١٢٥) فأطلق عَلَى المعاد الأكبر أنَّهُ رجوع ورجعة بَعْدَ قوله تَعَالَى فِي الآيات السابقة. ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون﴾ ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون﴾.
 ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِين قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾ ثمَّ تأتي الآية المُتقدِّم ذكرها. وَمِنْ الواضح أنَّ النفخ فِي الصور بَعْدَ بعث وهُوَ بعث آخر والبعث الأوَّل هُوَ بعث فِي نهاية البرزخ بعث الرجعة فِي مقابل المعاد الأكبر، فَكُلّ واحد مِنْ الرجعة والمعاد هُوَ رجعة وَهُوَ معاد، إلَّا أنَّ الرجعة رجعة صغرى إلى الدُّنْيَا ومعاد أصغر إلى الدنيا، وأمَّا المعاد فَهُوَ رجعة كبرى ومعاد أكبر لا إلى الدُّنْيَا بَلْ إلى عالم الوجود الأبدي أو الخلود الأبدي إلى الجنة أو النار.
٣ - فوارق بين الرجعة والقيامة:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون﴾ وَقَدْ تَقَدَّمَ تقرير مفاد الآية بأنه فِي المعاد بينما الأنساب فِي الرجعة إلى الدُّنْيَا عَلَى حالها وإنْ لَمْ يكن رجوع مِنْ الأرحام. وفي هذا الفارق اشارة واضحة الى انتهاء اجسام الدنيا المتولدة من الارحام والاصلاب وتبقى الاجسام السماوية ذات الطينة والنسب الفوقي من عالم الاظلة لا الارضي الدنيوي.
٢ - إنَّ الرجعة خروجٌ مِنْ أرض الدُّنْيَا لا مِنْ الأصلاب. بينما البعث فِي القيامة وما وراءه مِنْ البعث إلى الجنّة والنار لَيْسَ بعثا مِنْ أرض الدُّنْيَا ولا مِنْ هَذِهِ القبور. فما وَرَدَ مِنْ الآيات العديدة مِنْ أنَّ البعث مِنْ القبور إنبات مِنْ الأرض وأنَّ الخروج والرجوع كالإنبات مِنْ الأرض ناظر إلى الرجعة لا إلى القيامة ولا إلى البعث إلى الجنّة والنار.
كَمَا يشير إليه قوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾ وسيأتي مزيدا من البحث فِي أرض القيامة وأمَّا قوله تَعَالَى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُون﴾(١٢٦) فناظر الى إحياء الرجعة لا إحياء القيامة.
٣ - اختلاف الجسم المعاد فِي الرجعة عَنْ الجسم المعاد فِي عالم القيامة.
٤ - مرحلة وعالم يوم تبلى السرائر:
١ - قَدْ مَرَّ فِي رواية الحضيني عَنْ المفضل عَنْ الإمام الصادق (عليه السلام)(١٢٧) أنَّ مرحلة يَوُم تبلى السرائر آخر دولة أمير المؤمنين وقبيل دولة ورجعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - وَقَدْ مرّت الإشارة فِي الباب الأوَّل أنَّ ظاهر عنوان بلاء السرائر هُوَ امتحانها، والسرائر بمعنى القلوب ومكنونات الضمائر، بينما ظاهر القمي فِي تفسيره وَلَمْ يسنده إلى رواية إنَّ بلاء السرائر الكشف عنها، قَالَ: فِي تفسيره «﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِر﴾ قَالَ: كَمَا خلقه مِنْ نطفة يقدر أنْ يردّه إلى الدُّنْيَا وَإلى يَوُم القيامة ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾ قَالَ: يكشف عنها. - وَهَذَا ظاهر العلامة الطباطبائي فِي جملة موارد مِنْ تفسيره - أنَّهُ الكشف عَنْ ما كسبت القلوب مِنْ أفعال خير وشر».
٣ - ظاهر عنوان (يَوُم) في قوله ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾ كَمَا مَرَّ مراراً فِي أبحاث الرجعة عبارة عَنْ عالم، كَمَا وَرَدَ أنَّ الدُّنْيَا يَوُم، وَورد يَوُم الآخرة فِي الآيات والروايات، فاليوم بمعنى العالم كَمَا أنَّ الليل فِي استعمال الوحي وَرَدَ بمعنى (التقدير) وَمِنْ ثمَّ وصف اليوم في قوله تعالى ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾(١٢٨).
٤ - ومما ينطبق على يوم تبلى السرائر قوله تعالى ﴿أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُور وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُور إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِير﴾.
أهوال عالم القيامة:
روي في أمالي الطوسي بسنده كتاب أمير المؤمنين (عليه السلام) لمحمد بن أبي بكر (... يا عباد الله، إن بعد البعث ما هو أشد من القبر، يوم يشيب فيه الصغير، ويسكر منه الكبير، ويسقط فيه الجنين، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم عبوس قمطرير، ويوم كان شره مستطيرا. إن فزع ذلك اليوم ليرهب الملائكة الذين لا ذنب لهم، وترعد منه السبع الشداد، والجبال الأوتاد، والأرض المهاد، وتنشق السماء فهي يومئذ واهية، وتتغير فكأنها وردة كالدهان، وتكون الجبال كثيبا مهيلا بعدما كانت صما صلابا، وينفخ في الصور فيفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فكيف من عصى بالسمع والبصر واللسان واليد والرجل والفرج والبطن، إن لم يغفر الله له ويرحمه من ذلك اليوم؟ لأنه يقض ويصير إلى غيره، إلى نار قعرها بعيد، وحرها شديد، وشرابها صديد، وعذابها جديد، ومقامعها حديد، لا يفتر عذابها ولا يموت ساكنها، دار ليس فيها رحمة، ولا يسمع لأهلها دعوة. واعلموا يا عباد الله أن مع هذا رحمة الله التي لا تعجز العباد، جنة عرضها كعرض السماوات والأرض أعدت للمتقين، لا يكون معها شر أبدا، لذاتها لا تمل، ومجتمعها لا يتفرق، وسكانها قد جاوروا الرحمن(١٢٩).
ومفاد الرواية ان في عالم القيامة احكاما تكوينية قاهرة لكل المخلوقات السماوية فضلا عن الأرضية الضعيفة ومن احكامه المعاجلة بالعقوبة على المعصية والمحاسبة للسرائر وتحصيل ما في الصدور.
وروى القمي في تفسيره صحيح هشام عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كفى بالموت طامة يا جبرئيل! فقال جبرئيل: ما بعد الموت أطمّ وأعظم من الموت!(١٣٠)) ومفادها مطابق للرواية المتقدمة وان بدأ انقهار المخلوق - للأحكام التكوينية للعوالم اللاحقة - هو الموت والبرزخ، ويشتد ذلك كلما ولج في مرحلة لاحقة او عالم لاحق، وهذا مطرد كلما ازداد العالم علوا وعروجا في الملكوت.
وهذا معنى اختصاص عالم الدنيا الأولى بالدونية والحضيض، وانه يعصى الله تعالى فيها دون غيرها من العوالم، بمعنى تأخير العقوبة والمحاسبة بخلاف العوالم الأخرى، فإنه يعاجل بهما وكلما كان العالم دار قرب من الملكوت الأعلى اشتد حسابا وعقابا وهولا.
أرض القيامة، يوم تبدل الأرض غير الأرض:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار﴾(١٣١).
قد ورد تعدد لجنس الأرض سواء أرض الدنيا الأولى وأرض الرجعة وأرض القيامة وأرض الجنة وأرض جهنم والنار، وأرض كل سماء والأرضين السبع.
١ - روى القمي صحيح زرارة، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: سأله الأبرش الكلبي عَنْ قول الله (عزَّ وجلَّ) قَالَ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾(١٣٢) قَالَ: تبدّل خبزه نقيّة يأكل الناس منها حَتّى يفرغ مِنْ الحساب، قَالَ الأبرش فقلت: إنَّ الناس يومئذٍ لفي شغل عَنْ الأكل، فَقَالَ أبو جعفر (عليه السلام): «هُمْ فِي النار لا يشتغلون عَنْ أكل الضريع وشرب الحميم وَهُوَ في العذاب فكيف يشتغلون عنه فِي الحساب»(١٣٣). ورواه في المحاسن والكافي والعياشي ودعائم الإسلام.
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِين قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾(١٣٤) وقبلها بعدة آيات قوله تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُون لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءلُون فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُون﴾(١٣٥).
والنفخ فِي الصور فِي هَذِهِ الآيات بَعْدَ البعث الذي هُوَ نهاية البرزخ - والذي هُوَ بعث إلى دار الدُّنْيَا - رجعة، بخلاف نفخ الصور فَهُوَ نفخ لبعث القيامة أو بعث الجنّة والنار الأبديتين، ولو كَانَ نفخ الصور لبعث الرجعة لقُدِّم ذكراً عَلَى البعث. ثمَّ إنَّ الخطاب فِي السُّؤال عَنْ مدة اللبث فِي الأرض ظاهر بوضوح أنَّ القرار الأبدي لَيْسَ فِي الأرض.
 نظير ما يظهر مِنْ قوله تَعَالَى ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين﴾(١٣٦) الدال عَلَى أنَّ الحياة الأرضية والكينونة فيها مؤقتة إلى أجل، وأنَّ أصل نشأة الإنسان علوية أنزل وأهبط إلى الأرض، ثمَّ يرفع مَرَّة أُخرى وكذلك بَقيَّة ذوات الأرواح مِنْ الجن والحيوانات كَمَا هُوَ مفاد قوله تَعَالَى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾(١٣٧) وكذا قوله تَعَالَى ﴿قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُون﴾(١٣٨).
١ - أرض القيامة:
٣ - جاء فِي رواية فضل العلويين: أنهم يمشون يَوُم القيامة وبين أيديهم نور، أمناء أرض القيامة، ويشفعون لمحبيهم وأهل مودتهم وشيعتهم.
وعَنْ أبي بصير عَنْ الصادق (عليه السلام) قَالَ: «إذَا كَانَ يَوُم القيامة جمع الله الأولين والآخرين فِي صعيد واحد فغشاهم ظلمة شديدة فيضجّون إلى ربهم ويقولون: يا رب اكشف عنّا هَذِهِ الظلمة، قَالَ: فيقبل قوم يمشي النور بين أيديهم وَقَدْ أضاء القيامة، فيقول أهل الجمع هؤلاء أنبياء الله؟
فيجيئهم النداء من قبل الله تعالى: ما هؤلاء بأنبياء الله، فيقول أهل الجمع فهؤلاء ملائكة؟ فيجيئهم النداء من عند الله ما هؤلاء بملائكة، فيقولوا أهل الجمع هؤلاء شهداء، فيجيئهم النداء من عند الله ما هؤلاء شهداء فيقولون: من هم؟ فيجيئهم النداء يا أهل الجمع سلوهم من أنتم؟ فيقول أهل الجمع: من أنتم؟ فيقولون: نحن العلويون نحن ذرية محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نحن أولاد علي ولىّ الله نحن المخصوصون بكرامة الله نحن الآمنون المطمئنون فيجيئهم النداء من عند الله تعالى اشفعوا في محبيكم وأهل مودتكم وشيعتكم فيشفعون فيشفعون...»(١٣٩).
٤ - وجاء فِي ذيل قوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿لَوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ قَالَ: يعني لولا ما حفظ الله لَهُ ما سلف مِنْ عمله الصالح، بما جرى به مِنْ اجتبائه مِنْ الأزل، فاستنقذه به وتداركه. لَنُبِذَ بالعراء وهو مذموم والعراء أرض القيامة، إذْ لا زرع فيها، ولا نبت، وَلَمْ يكن لَهُ ذنب سوى أنَّهُ...(١٤٠).
٥ - جاء في قوله تَعَالَى ﴿قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾(١٤١)، وفي قوله يَوُم يدعوكم قولان:... الثَّانِي: أنهم يسمعون صيحة، فتكون تلك داعية لهم إلى الاجتماع إلى أرض القيامة، ويجوز أنْ يكون ذَلِكَ عبارة عَنْ البعث وتكون صرخة ثانية...(١٤٢).
٦ - وعَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنَّ الأرض السفلى ترفع الى الدنيا أو السماء الدنيا تسفل إلى الأرض السفلى قال بن شهرآشوب: والحكمة في التبديل بطلان قول الدهرية إنَّ العالم مدور ولا يفنى ولإظهار قدرته بأنه فعّال لما يريد، وَعَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ يزجر الله الخلق زجرة فإذا هُمْ فِي هَذِهِ المبدلة مِنْ الأولى يعني قوله ﴿فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَة﴾ وَهِيَ أرض القيامة وَعَلَيْهَا يقع الحساب فإذا فرغ مِنْ الحساب ضرب بينهم بسور فرقاً بين أرض الجنّة وأرض النار»(١٤٣).
٧ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لاَ تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلاَ أَمْتًا﴾(١٤٤). والقاع هو الذي لا تراب عليه والصفصف الذي لا نبات له المستوي على صف واحد في استوائه الأملس. وقيل تفسيره بالآية التالية بعدها ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لاَ عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا﴾ أي داعي الله تعالى فينقادون له بلا قدرة على التمنع ولا الإباء فيستسلمون له، وهذا الداعي لله مستقيم الاتجاه اليه تعالى، وهذا من خواص عالم القيامة وطابع الحكم والحاكم الإلهي فيه، فطبيعة حكم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في عالم القيامة انقياد وسيطرة اعظم من دولة أمير المؤمنين (عليه السلام) في مرحلة الرجعة عند خروج الدابة والعصا والميسم، وهي من اعظم دول الأئمة (عليه السلام) سيطرة وقوة كما تقدمت الإشارة اليه فيما سبق.
٢ - أرض القيامة والسماء السابعة:
٨ - وروى بن شاذان بسنده عن أيوب السختياني قال: كنت أطوف [بالبيت] فاستقبلني في الطواف أنس بن مالك فقال لي: ألا أبشرك بشيء تفرح به؟ فقلت له: بلى. فقال: كنت واقفا بين يدي النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في مسجد المدينة وهو قاعد في الروضة فقال لي: أسرع وائتني بعلي بن أبي طالب (عليه السلام).
فذهبت فإذا علي وفاطمة (عليهما السلام) فقلت له: إن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يدعوك. فجاء (في الحال وكنت معه، فسلم على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال له النبي): يا علي سلم على جبرئيل. فقال علي (عليه السلام): السلام عليك يا جبرئيل، [فرد عليه جبرئيل السلام]. فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): [إن] جبرئيل (عليه السلام) يقول: إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول " طوبى لك ولشيعتك ولمحبيك، والويل ثم الويل لمبغضيك ".
إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين محمد وعلي؟ فيرفع بكما إلى السماء [السابعة] حتى توقفا بين يدي الله فيقول [الله] لنبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أورد عليا الحوض، وهذا الكأس أعطه حتى يسقي محبيه وشيعته، ولا يسقي أحدا من مبغضيه، ويأمر (لمحبيه أن يحاسبوا حسابا) يسيرا ويأمر بهم إلى الجنة.(١٤٥) 
والرواية دالة على امور:
منها أن أرض القيامة هي السماء السابعة.
ومنها: ان للحوض نشأة اخرى في القيامة كما له نشأة وكينونة في الرجعة الى الدنيا.
ومنها: تولي أمير المؤمنين (عليه السلام) الحساب في عالم القيامة بإذن من النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو معنى انه قسيم الجنة والنار.
ومنها: ان المنطلق الى عالم القيامة يصح ان يقال انه بعث من القبور الأرضية لكن يرفع بالمنشورين الى أرض القيامة وهي السماء السابعة، ومن ثم يصح أن يقال أيضا: ان البعث الى القيامة هو من أرض القيامة لا من أرض الدنيا، اي بلحاظ ان الوقوف عروج عندها.
 ولاسيما بعد كون عالم القيامة مواقف كما بين فيما ورد عنهم (عليهما السلام) في بيان آيات مشاهد القيامة وهو بيان لمراحل يمر بها الخلق، ولعل السماء السابعة كأرض ليوم القيامة هي من أواخر عالم القيامة، إلا انه لابد من التوفيق بين ذلك وبين النفخ في الصور والبعث الأخير لما بعد عالم القيامة اي البعث للجنة او للنار.
٩ - وروى الكليني بسند معتبر عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال: يا جابر إذا كان يوم القيامة جمع الله (عزَّ وجلَّ) الأولين والآخرين لفصل الخطاب دعي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ودعي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فيكسى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حلة خضراء تضيئ ما بين المشرق والمغرب ويكسى علي (عليه السلام) مثلها ويكسى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حلة وردية يضيئ لها ما بين المشرق والمغرب، ويكسى علي (عليه السلام) مثلها، ثم يصعدان عندها ثم يدعى بنا فيدفع إلينا حساب الناس، فنحن والله ندخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، ثم يدعى بالنبيين (عليهم السلام) فيقامون صفين عند عرش الله عز وجل حتى نفرغ من حساب الناس.
 فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث رب العزة عليا (عليه السلام) فأنزلهم منازلهم من الجنة وزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وما ذاك إلى أحد غيره، كرامة من الله عز ذكره وفضلا فضله الله به ومن به عليه وهو والله يدخل أهل النار النار وهو الذي يغلق على أهل الجنة إذا دخلوا فيها أبوابها لان أبواب الجنة إليه وأبواب النار إليه)(١٤٦).
 وفي تفسير المنسوب للعسكري (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... وَهَذَا الطَّيْرُ الَّذِي حَيِيَ يَصِيرُ مِنْ طُيُورِ الْجَنَّةِ الطَّيَّارَةِ(١٤٧) عَلَيْكُمْ فِيهَا، فَإِنَّ فِيهَا طُيُوراً كَالْبَخَاتِيِ (١٤٨) عَلَيْهَا مِنْ [جَمِيعِ] أَنْوَاعِ الْمَوَاشِي تَطِيرُ بَيْنَ سَمَاءِ الْجَنَّةِ وَأَرْضِهَا...)(١٤٩) ومفادها أن لكل عالما أرضاً وسماءً.
٣ - أرض القيامة منطلق البعث للقيامة وللجنة والنار:
١٠ - ظاهر بعض الروايات فِي ذيل سورة الذاريات ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِير﴾ قَالَ - في تفسير القمي - فِي الرجعة، ومقتضاه حصر الخروج مِنْ الأرض(١٥٠) بالرجعة دون القيامة فالقيامة والبعث للجنّة أو النار لَيْسَ بعثا مِنْ الأرض.
١١ - وأيضاً في ذيل آية ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوج﴾ قَالَ هِيَ الرجعة»(١٥١).
١٢ - وروى محمد بن اسحاق المدني عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله... قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُمْ لَيَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهمْ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَقْبِلُهُمْ بِنُوقٍ مِنْ نُوقِ الْعِزِّ عَلَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ (١٥٢) وَجَلَائِلُهَا الْإِسْتَبْرَقُ وَالسُّنْدُسُ وَخُطُمُهَا جُدُلُ الْأُرْجُوَانِ تَطِيرُ بِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ(١٥٣) مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ مِنْ قُدَّامِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ يَزُفُّونَهُمْ زَفّاً حَتَّى (١٥٤) يَنْتَهُوا بِهِمْ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ الْأَعْظَمِ...)(١٥٥) 
١٣ - روى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (عليه السلام) يَا رَبِّ مَنْ أَهْلُكَ الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ قَالَ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمْ وَالتَّرِبَةُ أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ جَلَالِي (١٥٦)... "الحديث
حيث أنها ظاهره في عرصة القيامة، وظل العرش ظاهر في كون أرض القيامة سماوية، لعلو العرش، وذكر العرش اشارة الى العروج والصعود.
١٤ - وفي رواية بستان الواعظين عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) -حول نفخ الصور - فإذا نادى إسرافيل في الصور، خرجت الأرواح من أنقاب الصور، فتنتشر بين السماء والأرض كأنها النحل يخرج من كل نقب، ولا يخرج من ذلك النقب غيره، فأرواح المؤمنين تخرج من أنقابها نائرة بنور الإيمان وبنور أعمالها الصالحة، وأرواح الكفار تخرج مظلمة بظلمة الكفر، وإسرافيل يديم الصوت، والأرواح قد انتشرت ما بين السماء والأرض، ثم تدخل الأرواح إلى الأجساد، وتدخل كل روح إلى جسدها الذي فارقته في دار الدنيا، فتدب الأرواح في الأجساد كما يدب السم في الملسوع حتى ترجع إلى أجسادها كما كانت في دار الدنيا، ثم تنشق الأرض من قبل رؤوسهم، فإذا هم قيام ينظرون إلى أهوال القيامة وطوامها، وإسرافيل (عليه السلام) ينادي بهذا النداء، لا يقطع الصوت ويمده مدا، والخلائق يتبعون صوته، النيران تسوق الخلائق إلى أرض المحشر.
فإذا خرجوا من قبورهم، خرج مع كل إنسان عمله الذي كان عمله في دار الدنيا، لأن عمل كل إنسان يصحبه في قبره، فإذا كان العبد مطيعا لربه وعمل عملا صالحا، كان أنسيه في الدنيا، وكان أنسيه إذا خرج من قبره يوم حشره، يؤنسه من الأهوال ومن هموم القيامة، فإذا خرج من قبره...)(١٥٧) 
حيث غاير في الرواية بين دار الدنيا ودار القيامة وأن أرض المحشر وأرض القيامة تغاير أرض دار الدنيا.
١٥ - وروى في الاحتجاج رواية هشام عن الصادق (عليه السلام) قوله (عليه السلام):... فَيَجْتَمِعُ تُرَابُ كُلِّ قَالَبٍ إِلَى قَالَبِهِ فَيَنْتَقِلُ بِإِذْنِ اللهِ الْقَادِرِ إِلَى حَيْثُ الرُّوحِ فَتَعُودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْئَتِهَا وَتَلِجُ الرُّوحُ فِيهَا فَإِذَا قَدِ اسْتَوَى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئا(١٥٨).
وهي ظاهرة في ذهاب البدن حيث مقام الروح لا نزول الروح الى مكان البدن.
١٦ - ما روي من مسائل عبد الله بن سلام للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ هَذِهِ الْأَرْضِ قَالَ تَحْتَهَا ثَوْر صِفَتُهُ قَالَ يَا بْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى صَخْرَةٍ بَيْضَاءَ قَالَ فَأَخْبِرْنِي مَا صِفَتُهُ قَالَ يَا بْنَ سَلَامٍ لَهُ أَرْبَعُونَ قَرْناً وَأَرْبَعُونَ سِنّاً رَأْسُهُ بِالْمَشْرِقِ وَذَنَبُهُ بِالْمَغْرِبِ وَهُوَ سَاجِدٌ للهِ تَعَالَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْقَرْنِ إِلَى الْقَرْنِ مَسِيرَةُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الصَّخْرَةِ قَالَ تَحْتَهَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الصُّعُودُ قَالَ وَلِمَنْ ذَلِكَ الْجَبَلُ قَالَ لِأَهْلِ النَّارِ يَصْعَدُهُ الْمُشْرِكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُوَ مَسِيرَةُ أَلْفِ سَنَةٍ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا أَعْلَى ذَلِكَ الْجَبَلِ ضُرِبُوا بِمَقَامِعَ فَيَسْقُطُونَ إِلَى أَسْفَلِهِ فَيُسْحَبُونَ(١٥٩) عَلَى وُجُوهِهِمْ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ ذَلِكَ الْجَبَلِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ جَارِيَةٌ قَالَ وَمَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ سَهَكٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَمَا تَحْتَ ذَلِكَ الْبَحْرِ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ نَاعِمَةُ قَالَ وَمَا تَحْتَهَا قَالَ بَحْرٌ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ الزَّاخِرُ قَالَ وَمَا تَحْتَهُ قَالَ أَرْضٌ قَالَ وَمَا اسْمُهَا قَالَ فَسِيحَةُ قَالَ فَصِفْ لِي هَذِهِ الْأَرْضَ قَالَ يَا بْنَ سَلَامٍ هِيَ أَرْضٌ بَيْضَاءُ كَالشَّمْسِ وَرِيحُهَا كَالْمِسْكِ وَضَوْؤُهَا كَالْقَمَرِ وَنَبَاتُهَا كَالزَّعْفَرَانِ يحشرون (١٦٠) [يُحْشَرُ] عَلَيْهَا الْمُتَّقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَأَخْبِرْنِي أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الْأَرْضُ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْهَا الْيَوْمَ قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَا بْنَ سَلَامٍ تُبَدَّلُ هَذِهِ الْأَرْضُ غَيْرَهَا قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ تِلْكَ الْأَرْضِ قَالَ الْبَحْرُ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ الْقَمْقَامُ قَالَ وَمَا فِيهِ قَالَ الْحُوتُ قَالَ وَمَا اسْمُهُ قَالَ يهموت [بهموت] قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ فَصِفْ لِيَ الْحُوتَ قَالَ يَا بْنَ سَلَامٍ رَأْسُهُ بِالْمَشْرِقِ وَذَنَبُهُ بِالْمَغْرِبِ قَالَ فَمَا عَلَى ظَهْرِهِ قَالَ الْأَرْضُ وَالْبِحَارُ وَالظُّلْمَةُ وَالْجِبَالُ قَالَ فَمَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَالَ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ فِي كُلِّ بَحْرٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَدِينَةٍ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ أَلْفُ لِوَاءٍ تَحْتَ كُلِّ لِوَاءٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ قَالَ فَمَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَأَخْبِرْنِي مَا تَحْتَ الرِّيحِ قَالَ الظُّلْمَةُ قَالَ فَمَا تَحْتَ الظُّلْمَةِ قَالَ الثَّرَى قَالَ فَمَا تَحْتَ الثَّرَى قَالَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ(١٦١) وظاهر الرواية أن أرض القيامة هي الأرض الرابعة.
والحاصل أن اختلاف ظاهر الروايات في تعيين أرض القيامة لعله محمول على تعدد منازل ومواطن ومواقف القيامة، وأنها عروج متدرج.
٥ - أرض الرجعة:
١ - عَنْ علي (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي سألت ربي فيك خمس خصال فأعطاني، أمَّا أوّلها، فسألت ربي أنْ أكون أوَّل منْ تنشق عنه الأرض وأنفض التراب عَنْ رأسي وَأَنْتَ معي...»(١٦٢) وسياق الرواية وان ظهر منه بلحاظ القيامة لكنه لا يأبى الحمل على الرجعة بلحاظ أن في أحد الرجعات وهي الأخيرة أول من تنشق عنه الأرض هو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما سيأتي.
٢ - عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «أوَّل منْ تنشقّ الأرض عنه ويرجع إلى الدُّنْيَا الحسين بن علي (عليهما السلام)...»(١٦٣) والرواية صريحة في ان نفض التراب وانشقاق القبر هو في الرجعة.
٣ - عَنْ علي (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أنا سيّد ولد آدم يَوُم القيامة ولا فخر، وأنا أوَّل مَنْ تنشقّ الأرض عنه ولا فخر، وأنا أوَّل شافع وأول مشفع»(١٦٤) وهذه الرواية سياقا كالرواية الأولى لكنها أيضاً لا تأبى الحمل.
٤ - عبد الرزاق عَنْ معمر بن قتادة عَنْ أنس قَالَ: سألت الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ قول ﴿مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا وَهُم مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُون﴾ قَالَ لي: يا أنس أنا أوَّل مِنْ تنشقّ الأرض عنه عِنْدَ يَوُم القيامة وأخرج ويكسوني جبرائيل سبع حلل مِن حلل الجنّة...»(١٦٥).
وهذه ظهورها ناص على ان الانشقاق عن القبر متكرر في عالم القيامة كالرجعة وهو ظاهر جملة من الروايات، غاية الامر انه بعد النشر يرفعون ويساقون الى ارض القيامة، وهذا محتمل رغم احتمال ان القبر والنشر منه ليس من ارض الدنيا، فانه ثمة مراتب من القبور بحسب طبقات السماوات والأرضين.
٦ - لا حساب فِي البعث الأخير:
كَمَا هُوَ مفاد قوله تَعَالَى فِي سورة (ق) ﴿قَالَ لاَ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيد مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيد﴾(١٦٦).
ومفادها بيّن أنَّه عند البعث إلى جهنم والبعث إلى الجنّة لا يُفتح فيه ديوان الحساب بَلْ النتائج تكون محسومة سلفاً، وَهَذَا فِي قِبال قوله تَعَالَى ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُون لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِين﴾(١٦٧).
وَهَذِهِ الآية تبيّن بوضوح أنَّ الحساب الذي عنوانه التبيّن والاحتجاج إنَّما هُوَ فِي الرجعة أو القيامة. فموضع المحاكمة والحساب هِيَ الرجعة وأوائل القيامة وأمَّا منطقة العقوبة والجزاء الأبدي فَهِيَ فِي البعث إلى الجنّة والنار.
٧ - حقيقة الحساب والجزاء فِي الرجعة:
- إنَّ حقيقة الجزاء فِي الرجعة اقتصاصٌ أو قصاصٌ، بينما فِي الآخرة هو عقابٌ، أيّ لَيْسَ عَلَى موازين وقواعد القصاص والاقتصاص فِي عالم الدُّنْيَا.
ولك أنْ تقول: أنَّ الجزاء فِي الرجعة مِنْ نمط الجزاء التشريعي، بينما الجزاء فِي الآخرة مِنْ نمط الجزاء التكويني القهري.
وَيَدُلّ عَلَى هَذَا المضمون قوله تَعَالَى: ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُون﴾(١٦٨).
٨ - ضرورة الرجعة لتحقق المعاد:
١ - قَالَ الشَّيْخ مُحمَّد آل عبد الجبّار: القول بالرجعة كَمَا نقول وَهِيَ شرط فِي تحقّق المعاد الجسماني ومقدمة مِنْ مقدماته بَلْ لا يتحقّق بدونه؛ لِإنَّهُ يفاض عَلَى الأبدان زمنها قسطاً مِنْ ولايتهم (عليهم السلام) أو مِنْ إنكارهم حَتّى تكمل وتصار صيغة لا تحتمل الفساد بالنفخ الثَّانِي بَعْدَ النفخ الأوَّل؛ لأنها تحتاج إلى صوغ وكسر غَيْر هَذَا الصوغ والكسر لتصلح إلى بقاء السرمد.
وَهَذِهِ مطابقة لنظرية المعاد الجسماني عِنْدَ الزنوزي ولعلّه سبقه أستاذه الشَّيْخ أحمد الإحسائي، ثمَّ تبنّاها المُحقّق الأصفهاني فيسير البدن فِي أطوار تكامل كلّي ليصل إلى محل الروح وتكاملها، عكس نظرية ملّا صدرا حَيْثُ يصور الحركة الجوهرية فِي الروح فَقَطْ لا فِي البدن ثمَّ تنشأ الروح بدناً مَعَادياً يناسبها، وَعَلَى هَذَا البيان تكون الرجعة شرطاً تكوينيا ضرورياً فِي حلول المعاد الجسماني الأكبر ومقدمةٌ ضرورية لَهُ(١٦٩).
وفي المختصر عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾ أنهم يكسرون فِي الكرّة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه يعني إلى حقيقته(١٧٠).
٢ - قَدْ مَرَّ فِي مواضع سابقة أنَّ الحكيم الزنوزي ذهب إلى تفسير المعاد بكونه عملية تكامل وحركة للجسم.
٣ - روى الصدوق بسنده عن جعفر بن محمد بن عمارة، عن أبيه، قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا: المعراج، والمساءلة في القبر، والشفاعة.(١٧١) 
٤ - وروى أيضاً عن محمد بن عمارة عن أبيه قال: قال الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام): ليس من شيعتنا من أنكر أربعة أشياء المعراج، والمساءلة في القبر وخلق الجنة والنار والشفاعة).(١٧٢)، ولا يخفى الاشتراك بين هذه الأمور الأربعة انها من عوالم مستقبلية مرتبطة بالرجعة.
٩ - الجسم في المعاد:
٥ - وفي معتبرة محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لقد خلق الله (عزَّ وجلَّ) في الأرض منذ خلقها سبعة عالمين ليس هم من ولد آدم، خلقهم من أديم الأرض فأسكنهم فيها واحدا بعد واحد مع عالمه، ثم خلق الله عز وجل آدم أبا هذا البشر وخلق ذريته منه، ولا والله ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكفار والعصاة منذ خلقها عز وجل، لعلكم ترون أنه كان يوم القيامة وصير الله أبدان أهل الجنة مع أرواحهم في الجنة، وصير أبدان أهل النار مع أرواحهم في النار أن الله (عزَّ وجلَّ) لا يعبد في بلاده ولا يخلق خلق يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه؟ بلى والله ليخلقن الله خلقا من غير فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه، ويخلق لهم أرضا تحملهم وسماء تظلهم، أليس الله عز وجل: يقول ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ وقال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد﴾.(١٧٣) 
ومفاد الرواية جملة من الأمور:
١ - وقوله (عليه السلام) ما خلت الجنة من أرواح المؤمنين منذ خلقها، ولا خلت النار من أرواح الكافرين والعصاة منذ خلقها - يحتمل ارادة سبق ارواح بني ابينا آدم وثم يلحق الأبدان بالأرواح يصيّرها معها بتكاملها نورا أو ظلمة. وهذا الاحتمال صحيح في نفسه بحسب ماورد من جملة من الروايات الآتية في مبحث الرجعة وعالم الأظلة والطينة. ويحتمل ارادة أرواح العالمين السابقين الذي انقضت دورتهم على الأرض وهذا الاحتمال هو الآخر صحيح في نفسه.
٢ - فإن الرواية دالة على دخول الجسم الدنيوي بعد صيرورته متكاملا الى الجنة في جانب النور أو الى النار في جانب الظلمة، وأن الأرواح بمالها من جسم لطيف لها كينونة في الجنة أو في النار قبل يوم القيامة.
٣ - إن أرواح المؤمنين ولو بلحاظ بعض طبقات الأرواح لم تغادر الجنة فهي سابقة على الأبدان في كينونتها في الجنة وسيأتي في بحث الأظلة مقالا عن كينونة أرواح المؤمنين في الجنة وكينونة سابقة لأرواح الكفار في النار قبل المجيء الى عالم الدنيا فإن هناك جملة مستفيضة من الروايات دالة على ذلك وهذا مطابق للقواعد العقلية من كون سنخ وطبقة من الأرواح من عالم الجنة، وأن بعض طبقات الأرواح في عالم الأظلة مما فوق عالم الجنة.
وكذلك الحال في أرواح العصاة بالنسبة الى النار وكينونتهم السابقة فيها.
٤ - صريح مفاد الرواية أن عالم القيامة ويوم القيامة إنما هو موعد وميعاد لصيرورة أبدان المؤمنين إلى الجنة وتكاملها ومصيرها وانتقالها الى حيث مقام كينونة الأرواح فأبدان أهل الجنة تصير وترتقي الى الأرواح في الجنة وأبدان أهل النار تصير الى حيث أرواحهم في النار، وليس ذلك ملجأ وجبر لهم على الطاعة في الفريق الأول أو على المعصية في الفريق الثاني بل العلم والقدرة لا تزال لديهم على التغيير، كما أن هذه الكينونة لهم ليست إلا نتيجة اختيارات سابقة لهم في عوالم الأظلة والأشباح.
والحاصل إن القيامة والبعث والحشر والنشر إنما هي حالات وعوالم تطرأ وتعتور على الأبدان والمراتب النازلة من طبقات الروح، لا المراتب والطبقات العليا من الأرواح فإنها لم تتجافى عن كينونتها في العوالم الغيبية.
٥ - إن مقتضى اختلاف الروح واختلافها مع طبقة البدن كون الجنان ذا طبقات متعددة لا واحدة، وكذلك الحال بالنسبة الى النار وأنها طبقات فكينونة الروح في الجنة أعلى من كينونة البدن في الجنة، وكذلك الحال في كينونة أرواح الكفار في النار وأبدانهم.
٦ - إن هذا المفاد من المعاد الجسماني في الأصل مضمون جملة من هذه الروايات وهو مطابق لما ذهب اليه الحكيم الزنوزي والفقيه الحكيم الأصفهاني الكمباني، وقد استظهره من الروايات قبلهما الشيخ احمد الإحسائي وتلميذه الشيخ محمد علي آل عبد الجبار.
٧ - عن ابي بصير قال: سمعني أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا أقول: أسأل [الله] الجنة. فقال لي: يا أبا محمد أنت والله في الجنة، فاسأل الله أن لا يخرجك منها. قلت: وكيف ذلك - جعلت فداك. فقال: من كان في ولايتنا فهو في الجنة فاسألوا الله أن لا يخرجكم منها الى ولاية عدونا.
 وعن الفضل، قال: تحدثنا عند أبي عبد الله (عليه السلام)، فذكرنا عين الحياة فقال (عليه السلام): أ تدرون ما عين الحياة؟ قلنا: الله وابن رسوله أعلم. قال: نحن عين الحياة، فمن عرفنا وتولّانا فقد شرب عين الحياة، وأحياه الله الحياة الدائمة في الجنة وأنجاه من النار.(١٧٤) ومفاد الروايتين يقارب مفاد الرواية السابقة من استقرار كينونة للروح في الجنة سابقة على وصول البدن ودخوله في الجنة.
مراتب المعاد والرجعة، رجعة الدُّنْيَا ورجعة كُلّ عالم:
قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعون﴾.
فَقَدْ حددت الآية الكريمة غاية الرجوع وغاية الرجعة والرجعات أنه مقام اسم (هُوَ) الذي اشير إليه بالضمير في الآية ﴿إِلَيْهِ رَاجِعون﴾ وأنَّ الرجوع مستمر متصاعد إلى ضمير اسم (هُوَ) وَهُوَ فوق بَقيَّة الأسماء الأركان (الله وَتَبَارَكَ وَتَعَالَى) التي وردت في روايات الأسماء الإلهية، مما ينبّه أنَّ كُلّ الكائنات والمخلوقات فِي الأصل ظهور متنزل مِنْ ذَلِكَ الاسم والرجوع والرجعة ذَاتَ مراتب بمراتب المعاد لِأنَّ المعاد عود ورجوع إلى ما كَانَ.
فلكل عروج وصعود إلى عالم فوقي هُوَ رجوع إلى ذلك العالم بَعْدَ ما كَانَت الكينونة فِي الأصل متنزلة مِنْهُ فالمعاد إليه والرجوع إليه، وأنَّ الصيرورة إليه صيرورة إلى كينونة سابقة كَانَ فيها فالمعاد رجعة لكن لا إلى الأرض وَالدُّنْيَا بَلْ رجعة إلى تلك العوالم، فَكَمَا أن هناك رجعة الى أرض الدُّنْيَا وعود إليها، فكذلك هناك رجعات لتلك العوالم العلوية، ولكل عالم مرحلة أولى سابقة ومرحلة أخرى راجعة فالرجعة حقيقة تقرر لِكُلِّ عالم وليست خاصّة بعالم الدُّنْيَا.

الفصل الثامن: التكامل في الرجعة

التكامل والتكليف في حياة القيامة:
والمراد بالتكليف لَيْسَ هُوَ التكليف بالشريعة بَلْ هُوَ التكليف بالدِّين لما تقرّر فِي مباحث أبواب الرجعة مراراً مِنْ القاعدة أنَّ التكامل والتكليف بالدين مقرّر فِي جميع عوالم الخلقة لجميع المخلوقات، لما تقرّر مِنْ أنَّ دائرة الدِّين هِيَ العقائد وأركان الفروع، ودائرة الشريعة هِيَ تفاصيل الفروع مِنْ الأُمُور العملية للبدن. وفي خضمِّ ذَلِكَ نبذة مِنْ الشواهد الأُخرى:
١ - ﴿للهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾
٢ - ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون﴾.
٢ - روى الصدوق بسنده عَنْ أبي معمر السعداني أنَّ رجلاً أتى أمير المؤمنين (عليه السلام)... وقوله ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾ فَإنَّ ذَلِكَ فِي مواطن غَيْر واحد مِنْ مواطن ذَلِكَ اليوم الذي مقداره خمسين ألف سنة يجمع الله (عَزَّ وجَلَّ) الخلائق يومئذٍ فِي مواطن يتفرّقون ويكلم بعضهم بعضاً ويستغفر بعضهم لبعض أولئك الَّذِيْنَ كَانَ منهم الطاعة فِي دار الدُّنْيَا للرؤساء والأتباع ويلعن أهل المعاصي الَّذِيْنَ بدت منهم البغضاء وتعاونوا عَلَى الظلم والعدوان فِي دار الدُّنْيَا المستكبرين والمستضعفين يكفّر بعضهم بعضا ويلعن بعضهم بعضا...(١٧٥)... ثمَّ يجتمعون فِي موطن آخر يبكون فيه فلو أنَّ تلك الأصوات بدت لأهل الدُّنْيَا لأذهلت جميع الخلق عَنْ معائشهم ولتصدعن قلوبهم إلَّا ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدم ثمَّ يجتمعون فِي موطن آخر فيستنطقون فيه فيقولون: ﴿وَاللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين﴾(١٧٦) فيختم الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى أفواهم ويستنطق الأيدي والأرجل والجلود فتشهد بكُلِّ معصية كانت منهم ثمَّ يرفع الله عَنْ ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم ﴿لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾(١٧٧).
ثمَّ يجتمعون فِي موطن آخر فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض فَذَلِكَ قوله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه وَأُمِّهِ وَأَبِيه وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيه﴾(١٧٨) فيستنطقون فلا يتكلمون إلَّا مِنْ أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صوابا، فيقوم الرسل (عليهم السلام) فيشهدون فِي هَذَا الموطن فَذَلِكَ قوله ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾(١٧٩).
ثمَّ يجتمعون فِي موطن آخر فيكون فيه مقام مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ المقام المحمود فيثني عَلَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بما لَمْ يثنِ عَلَيْهِ أحد قبله ثمَّ يثني عَلَى الملائكة كلهم فلا يبقى ملك إلَّا أثنى عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ يثني عَلَى الرسل مما لَمْ يثنِ عليهم أحد قبله ثمَّ يثني عَلَى كُلّ مؤمن ومؤمنة يبدأ بالصدّيقين والشهداء ثمَّ بالصالحين فيحمده أهل السماوات والأرض فَذَلِكَ قوله ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾(١٨٠) فطوبى لِمَنْ كَانَ لَهُ فِي ذَلِكَ حظ، وويل لِمَنْ لَمْ يكن لَهُ فِي المقام حظّ ولا نصيب ثمَّ يجتمعون فِي موطن آخر ويدال بعضهم مِنْ بَعْض](١٨١).
ومفاد الرواية جملة من الامور:
منها طول عالم حياة القيامة خمسون ألف عام أو أكثر وهو أكثر من مجموع عالم الدنيا الأولى والرجعة، ومن ثم له مواطن تختلف في أحكامها التكوينية عن بعضها البعض كما أشير اليه في الرواية.
ومنها أن ماورد في أوصاف عالم القيامة ليس هو بلحاظ مجموع ذلك العالم بل غالبا هو بلحاظ موطن وموقف من مواطن ومواقف ذلك العالم وهذه قاعدة مطردة عظيمة في معرفة عالم القيامة.
ومنها وقوع التبري والاستغفار والتكلم والجدال والتخاصم وغيرها من الأفعال الاختيارية في مواطن عالم القيامة.
٣ - قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَاد﴾ فالنصرة هُنَا فعل ونمط واحد تكاملي أُسنِد إلى كُلّ مِنْ الرجعة والقيامة، فتدل الآية عَلَى أنَّ الرجعة وَيَوُم قيام وقيامة الأشهاد يقع فيها حسابٌ غاية الأمر أنَّ الحساب فِي القيامة أكبر وأشدّ مِنْ الرجعة وَكُلّ ذَلِكَ قبل البعث الأخير للجنّة الأبدية والنار الأبدية.
٤ - وروى ابن المشهدي في المزار الكبير زيارة لأمير المؤمنين (عليه السلام) - وفيها قول الزائر:... لائذ ببابك الذي فيه غبت ومنه تظهر، حتى تمكن دينه الذي ارتضى، وتبدل بعد الخوف أمنا، وتعبد المولى حقا، ولا تشرك به شيئا، ويصير الدين كله لله، وأشرقت الأرض بنور ربها، ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء، وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون، والحمد لله رب العالمين. فعندها يفوز الفائزون بمحبتك، ويأمن المتكلون عليك، ويهتدي الملتجئون إليك، ويرشد المعتصمون بك، ويسعد المقرون بفضلك، ويشرف المؤمنون بأيامك، ويحظى الموقنون بنورك، ويكرم المزلفون لديك، ويتمكن المتقون من أرضك، وتقر العيون برؤيتك، ويجلل بالكرامة شيعتك، ويشملهم بهاء زلفتك، وتقعدهم في حجاب عزك وسرادق مجدك، وفي نعيم مقيم وعيش سليم، وسدر مخضود وطلح منضود، وظل ممدود وماء مسكوب.
ونجد ما وعدنا ربنا حقا وصدقا، وننادي: هل وجدتم ما سوّل لكم الشيطان حقا، فتكثر الحيرة والفظاظة، والعثرة والحميقة، ويقال: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين.
شقي من عدل عن قصدك يا أمير المؤمنين، وهوى من اعتصم بغيرك يا أمير المؤمنين، وزاغ من آمن بسواك، وجحد من خالفك، وهلك من عاداك)(١٨٢).
ومفاد الرواية تتعرض لأواخر الرجعة أو للقيامة وفيها سرد لجملة من الحالات للأفعال الاختيارية التي تصب إما في التكامل أو في التردي والمزيد من الهوي لأصحاب الهلاك.
٥ - وروى أيضاً في المزار الكبير في زيارة اخرى لأمير المؤمنين (عليه السلام) قول الزائر:... يا سيدي تعرضت لرحمتك بلزومي لقبر أخي رسولك صلوات الله عليه عائذا، لتجيرني من نقمك وسخطك، ومن زلازل يوم تكثر فيه العثرات، يوم تقلب فيه القلوب والأبصار، يوم تبيض فيه وجوه وتسود فيه وجوه، يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين، يوم الحسرة والندامة يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه، يوم مقداره خمسون الف سنة يوم يشيب فيه الوليد، وتذهل كل مرضعة عما أرضعت، يوم تشخص فيه الأبصار، وتشغل كل نفس بما قدمت، وتجادل كل نفس عن نفسها، ويطلب كل ذي جرم الخلاص.(١٨٣) 
والتدبر في دلالة الرواية بوضوح يبين أن عالم القيامة وهو اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة تقع فيه جملة من الأفعال الاختيارية، نعم ليس الأوبة والتوبة مثمرة حينئذ كما كانت في عالم الدنيا الأولى.
٦ - وروى محمد بن اسحاق المدني عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: إن رسول الله... قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ أَمَا وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُمْ لَيَخْرُجُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَسْتَقْبِلُهُمْ بِنُوقٍ مِنْ نُوقِ الْعِزِّ عَلَيْهَا رَحَائِلُ الذَّهَبِ مُكَلَّلَةً بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ (١٨٤) وَجَلَائِلُهَا الْإِسْتَبْرَقُ وَالسُّنْدُسُ وَخُطُمُهَا جُدُلُ الْأُرْجُوَانِ تَطِيرُ بِهِمْ إِلَى الْمَحْشَرِ(١٨٥) مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَلْفُ مَلَكٍ مِنْ قُدَّامِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ يَزُفُّونَهُمْ زَفّاً حَتَّى (١٨٦) يَنْتَهُوا بِهِمْ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ الْأَعْظَمِ وَعَلَى بَابِ الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِنَّ الْوَرَقَةَ مِنْهَا لَيَسْتَظِلُّ تَحْتَهَا أَلْفُ رَجُلٍ مِنَ النَّاسِ وَعَنْ يَمِينِ الشَّجَرَةِ عَيْنٌ مُطَهِّرَةٌ مُزَكِّيَةٌ قَالَ فَيُسْقَوْنَ مِنْهَا شَرْبَةً فَيُطَهِّرُ اللهُ بِهَا قُلُوبَهُمْ مِنَ الْحَسَدِ وَيُسْقِطُ مِنْ أَبْشَارِهِمُ الشَّعْرَ(١٨٧) وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) - ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾(١٨٨) مِنْ تِلْكَ الْعَيْنِ الْمُطَهِّرَةِ قَالَ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ إِلَى عَيْنٍ أُخْرَى عَنْ يَسَارِ الشَّجَرَةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهَا وَهِيَ عَيْنُ الْحَيَاةِ فَلَا يَمُوتُونَ أَبَداً قَالَ ثُمَّ يُوقَفُ بِهِمْ قُدَّامَ الْعَرْشِ (١٨٩) وَقَدْ سَلِمُوا مِنَ الْآفَاتِ وَالْأَسْقَامِ وَالْحَرِّ وَالْبَرْدِ أَبَداً قَالَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ جَلَّ ذِكْرُهُ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ مَعَهُمْ احْشُرُوا أَوْلِيَائِي إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا تُوقِفُوهُمْ مَعَ الْخَلَائِقِ فَقَدْ سَبَقَ رِضَايَ عَنْهُمْ وَوَجَبَتْ رَحْمَتِي لَهُمْ وَكَيْفَ أُرِيدُ أَنْ أُوقِفَهُمْ مَعَ أَصْحَابِ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ قَالَ فَتَسُوقُهُمُ الْمَلَائِكَةُ إِلَى الْجَنَّةِ فَإِذَا انْتَهَوْا بِهِمْ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ الْأَعْظَمِ ضَرَبَ الْمَلَائِكَةُ الْحَلْقَةَ(١٩٠).
وروى الكليني بسنده عَنْ مِسْمَعِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِنَّ الْعَبْدَ لَيُحْبَسُ عَلَى ذَنْبٍ مِنْ ذُنُوبِهِ مِائَةَ عَامٍ وَإِنَّهُ لَيَنْظُرُ إِلَى أَزْوَاجِهِ فِي الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمْن.(١٩١) 
قال في مرآت العقول: فيه دلالة على أن الذنب يمنع دخول الجنة في تلك المدة ولا دلالة على انه في تلك المدة في النار.
ويظهر من الرواية السابقة أن الطهارة من الحسد وجملة من رذائل النفس لا يطهر منها المؤمن إلا عند باب الجنة الأبدية رغم ما مر به من أهوال يوم القيامة وعقباتها، فضلا عن نفخ الصور وصعقته والرجعة والبرزخ والقبر والموت وكذلك الحال في درن الجسم.
بل يظهر مما ورد في الأظلة مما هو فوق الجنة أن هناك طهارة أعظم من الجنة من عوالم القدس.
٧ - وروى المفيد في الاختصاص عن عوف بن عبد الله الأزدي عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ يَسْمَعُونَ صَوْتاً مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ كَيْفَ تَرَوْنَ مُنْقَلَبَكُمْ فَيَقُولُونَ خَيْرُ الْمُنْقَلَبِ مُنْقَلَبُنَا وَخَيْرُ الثَّوَابِ ثَوَابُنَا قَدْ سَمِعْنَا الصَّوْتَ وَاشْتَهَيْنَا النَّظَرَ إِلَى أَنْوَارِ جَلَالِكَ وَهُوَ أَعْظَمُ ثَوَابِنَا وَقَدْ وَعَدْتَهُ وَ﴿لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَاد﴾ فَيَأْمُرُ اللهُ الْحُجُبَ فَيَقُومُ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ فَيَرْكَبُونَ عَلَى النُّوقِ وَالْبَرَاذِينِ عَلَيْهِمُ الْحُلِيُّ وَالْحُلَلُ فَيَسِيرُونَ فِي ظِلِّ الشَّجَرِ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَهِيَ دَارُ اللهِ دَارُ الْبَهَاءِ وَالنُّورِ وَالسُّرُورِ وَالْكَرَامَةِ فَيَسْمَعُونَ الصَّوْتَ فَيَقُولُونَ يَا سَيِّدَنَا سَمِعْنَا لَذَاذَةَ مَنْطِقِكَ فَأَرِنَا نُورَ وَجْهِكَ فَيَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَتَّى يَنْظُرُونَ إِلَى نُورِ وَجْهِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى الْمَكْنُونِ مِنْ عَيْنِ كُلِّ نَاظِرٍ فَلَا يَتَمَالَكُونَ حَتَّى يَخِرُّوا عَلَى وُجُوهِهِمْ سُجَّداً فَيَقُولُونَ سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ يَا عَظِيمُ (١٩٢) قَالَ فَيَقُولُ عِبَادِي ارْفَعُوا رُءُوسَكُمْ لَيْسَ هَذِهِ بِدَارِ عَمَلٍ إِنَّمَا هِيَ دَارُ كَرَامَةٍ وَمَسْأَلَةٍ وَنَعِيمٍ قَدْ ذَهَبَتْ عَنْكُمُ اللُّغُوبُ (١٩٣) وَالنُّصُبُ فَإِذَا رَفَعُوهَا رَفَعُوهَا وَقَدْ أَشْرَقَتْ وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورِ وَجْهِهِ سَبْعِينَ ضِعْفا(١٩٤)). ولا يخفى أن رؤية نور وجهه تعالى ليس المراد منها ذاته تعالى بل آياته الكبرى، وأما قوله تعالى لخاصة أهل الجنة أنها ليست بدار عمل بل دار كرامة ومسألة ونعيم فليس المراد منه نفي وظيفة الدين بل نفي تكاليف الشريعة المختصة بالنشأة الأرضية، كما هو ملاحظ من قيامهم بالخضوع وطلبهم المناجاة معه تعالى.
التكامل فِي الرجعة وغاياتها:
١ - الإصلاح فِي الظهور والرجعة يمتد إلى السماء:
وَهُوَ مفاد ما رواه صالح بن ميثم قال سألت أبا جعفر عن قول الله تَعَالَى ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ قال: ذلك حين يقول علي (عليه السلام): «أنا أولى الناس بهذه الآية ﴿وَأَقْسَمُواْ بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ﴾»(١٩٥).
وإنَّ إقصاء أهل البيت (عليهم السلام) فيما سبق جور وظلم بينما في الرجعة ظهور لأحد معاني ومقامات إمامتهم وبرهانٌ عَلَى إمامة أهل البيت وَعَلَى أكمليتهم فِي إدارة شؤون البشر وَعَلَى أنَّ منْ قبلهم من دول الجور أو الناقصة التي أخفقت في بناء الكمالات.
 ولأجل فسحة مجال الاختيار في الرجعة يقع الالتباس والمخادعة الطارئة عَلَى أهل الفساد والضلال في الرجعة، وقد أشار إليه المفيد بقوله أنَّهم يظنون ببعثهم أنَّهم مكرمون بتمكينهم مِنْ الإمام مرة أُخرى، أو يعتقدون بعقيدة الدهرية وأنَّ ما أصابهم ليس إلا منام وأنَّ ما يصيبهم فِي الرجعة لَيْسَ استحقاقا بَلْ عَلَى وجه ترفيع الدرجة، وَهَذَا تسويل نفوسهم وتخيّلها. ولا يخفى أنَّ في الرجعة زيادة فِي الحجية وقطع العذر عَلَى العصاة وزيادة امتحان، وامتحان مَنْ لَمْ يستكمل امتحانه كالمستضعفين والأطفال.
٢ - رجعة لِكُلِّ الأشرار فِي آخر الزمان:
وَهَذِهِ الرجعة زيادة عَلَى الرجعات السابقة ويشير إليه قوله (عليه السلام) فِي رواية عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، قَالَ: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ إبليس ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ فأبى الله ذَلِكَ عَلَيْهِ ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم﴾ فإذا كَانَ يَوُم الوقت المعلوم ظهر إبليس لعنه الله فِي جميع أشياعه منذ خلق الله آدم إلى يَوُم الوقت المعلوم» الحديث، ثمَّ ذكر (عليه السلام) اقتتال إبليس وأصحابه مَعَ كرّة أمير المؤمنين (عليه السلام) وأصحابه(١٩٦) 
٣ - أنواع الرجعة:
وقد تقدم أنَّ أكثر أدلّة المتكلمين العقلية عَلَى المعاد وهي تعتمد براهين الغايات وهِيَ أدلّ عَلَى الرجعة منها على المعاد الأكبر إذ هي غايات للرجعة لا للقيامة او البعث الأبدي.
 وقد عقد الحرّ فِي الإيقاظ في الباب الثَّالِث أقساما عديدة لأنواع الرجعة بناءً عَلَى تعميم اتحاد جنس أنواع الموت وأنواع النوم واليقظة وأنواع الإحياء.
وأنَّ الرجعة متكررة عدداً ومتفاوتة أصلاً وكيفية واشتداداً فِي أحكامها التكوينية، وإنّ التكليف بالدين والشريعة باق فِي الرجعة وَذَلِكَ بظهور بَعْض ما كَانَ خفيا مِنْ الأحكام، وَذَلِكَ يقتضي وجوب التكليف بالدين في مراتب عوالم الوجود وطبقات السماوات.
الرجعة ملحمة تكامل نوعي خطير وجملة مِنْ أحكامها التكوينية وأنماط التكامل فيها:
١ - محاربة البشر للجن والشياطين فِي الرجعة:
٢ - محاربة أهل الرجعة للأموات والأحياء والثقلين جميعاً:
فِي رواية فِي ذيل قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾(١٩٧).
إلى أنْ قَالَ (عليه السلام) وليبعثنهم الله أحياءً مِنْ آدم إلى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كُلّ نبي مرسل يضربون بين يديه بالسيف هام الأموات والأحياء والثقلين جميعاً(١٩٨).
وسيأتي شرح الرواية فِي مراتب الرجعة والبرزخ.
٣ - تسمية شدة الامتحان فِي الرجعة بالنار:
كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾(١٩٩) روى فِي مختصر بصائر الدرجات عَنْ السيّاري بسنده عَنْ المهلبي عَنْ بَعْض رجاله عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي كتاب الكرّات فِي قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾ قَالَ: «يكسرون فِي الكرّة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه - يعني إلى حقيقته - »(٢٠٠).
أيّ فِي يَوُم الرجعة يقع الافتتان أيّ الامتحان وَلَيْسَ فِي النار الأبدية امتحان وَإنَّما عقوبة مستمرة فإطلاق النار على الامتحان لشدته.
وَهَذَا المفاد دالٌّ عَلَى أنَّ الامتحان فِي الرجعة أشدُّ مِنْ الامتحان في الحياة الأولى في الدنيا وقوله (عليه السلام) «يُكسرون أيّ تتفرق الأجساد وتُصفى وَهُوَ دالٌّ عَلَى اشتداد الامتحان كُلّما دخل البشر فِي طامّة عوالم لاحقة».
نعم قد يصل المؤمن الى هذا الكمال في الحياة الأولى من الدنيا اذا وفق الى أعمال صالحة عظيمة نظير ما رواه في كامل الزيارات بسنده عن هشام بن سالم عن ابي عبد الله (عليه السلام) -في حديث عن ثواب زيارة الحسين (عليه السلام) - قَالَ قُلْتُ فَمَا لِمَنْ قُتِلَ عِنْدَهُ جَارَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ فَقَتَلَهُ قَالَ أَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ يُغْفَرُ لَهُ بِهَا كُلُّ خَطِيئَةٍ وَتُغْسَلُ طِينَتُهُ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تَخْلُصَ كَمَا خَلَصَتِ الْأَنْبِيَاءُ المخلصين [الْمُخْلَصُونَ] وَيَذْهَبُ عَنْهَا مَا كَانَ خَالَطَهَا - مِنْ أَجْنَاسِ طِينِ أَهْلِ الْكُفْرِ وَيُغْسَلُ قَلْبُهُ وَيُشْرَحُ صَدْرُهُ وَيُمْلَأُ إِيمَاناً فَيَلْقَى اللهَ وَهُوَ مُخْلَصٌ مِنْ كُلِّ مَا تُخَالِطُهُ الْأَبْدَانُ وَالْقُلُوبُ وَيُكْتَبُ لَهُ شَفَاعَةٌ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَلْفٍ مِنْ إِخْوَانِهِ - وَتَوَلَّى الصَّلَاةَ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ مَعَ جَبْرَئِيلَ وَمَلَكِ الْمَوْتِ وَيُؤْتَى بِكَفَنِهِ وَحَنُوطِهِ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُوَسَّعُ قَبْرُهُ عَلَيْهِ وَيُوضَعُ لَهُ مَصَابِيحُ فِي قَبْرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ مِنَ الْجَنَّةِ - وَتَأْتِيهِ الْمَلَائِكَةُ بِالطُّرَفِ مِنَ الْجَنَّةِ وَيُرْفَعُ بَعْدَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً إِلَى حَظِيرَةِ الْقُدْسِ - فَلَا يَزَالُ فِيهَا مَعَ أَوْلِيَاءِ اللهِ حَتَّى تُصِيبَهُ النَّفْخَةُ الَّتِي لَا تُبْقِي شَيْئاً فَإِذَا كَانَتِ النَّفْخَةُ الثَّانِيَةُ وَخَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ كَانَ أَوَّلُ مَنْ يُصَافِحُهُ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَالْأَوْصِيَاءَ وَيُبَشِّرُونَهُ وَيَقُولُونَ لَهُ الْزَمْنَا وَيُقِيمُونَهُ عَلَى الْحَوْضِ فَيَشْرَبُ مِنْهُ وَيَسْقِي مَنْ أَحَب...)(٢٠١) 
٤ - استمرار الإصلاح والتطهير للأرض عَلَى درجات:
إنَّ منهاجهم (عليهم السلام) للإصلاح وطريقتهم تدريجية وليست دفعية قسرية َذَلِكَ لأنهم (عليهم السلام) يتبعون منهاج العلم والرفق وما يسمى في العصر الحديث بالقوة الناعمة، لا القوة الخشنة الغليظة سواء عَلَى صعيد الإصلاح أو العدل أو الكمال، وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ طريقتهم تدريجية ظاهرها بطيء ولكنها جذريّة بنيوية.
ويشير إلى ذَلِكَ ما فِي صحيح ابن محبوب عَنْ عمّار بن أبي الأحوص فِي حديث طويل عَنْ الرفق فِي دعوة الناس إلى درجات الإسلام قَالَ (عليه السلام) فِي آخره «أما علمت أنَّ إمارة بني أُميّة كانت بالسيف والعسف والجور، وأنَّ إمامتنا بالرفق والتألف والوقار والتقية وحسن الخلطة والورع والاجتهاد، فرغبوا الناس فِي دينكم وفي ما أنتم فيه»(٢٠٢).
٥ - ازدياد التكامل فِي النشآت اللاحقة:
إنَّ فِي النشآت اللاحقة ازدياد للتكامل بلا فَقَد للاختيار بَلْ يزداد مِنْهُ من تكامل وازديادٌ للمعرفة والعلم وروى فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده عَنْ بريدة الأسلمي قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كيف أَنْتَ إذَا استيأست أُمتي منْ المهدي (عجّل الله فرجه)؟ فيأتيها مثل قرن الشمس يستبشر به أهل السماء وأهل الأرض فقلت يا رسول الله بعد الموت فقال: والله إنَّ بَعْدَ الموت هدى وإيماناً ونوراً، قلت: يا رسول الله، أيّ العمرين أطول؟ قَالَ الآخر بالضعف»(٢٠٣).
عموم دعوة الدِّين لأهل السماوات والأرضين:
١ - عموم حجية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) عَلَى أهل السماوات وأهل الأرضين:
وبيان ذَلِكَ ضمن نقاط:
١ - قَدْ مَرَّ فِي البابين السابقين(٢٠٤) أنَّ الدين دائرته تغاير دائرة الشريعة، والشريعة تابعة للدين وأنَّ الدِّين عبارة عَنْ مجمل المعتقدات والمعارف وأركان الفروع، بينما الشريعة هِيَ تفاصيل الفروع، وأنَّ الدِّين واحد موحّد فِي بعثات الأنبياء والرسل وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهِ سَرِيعُ الْحِسَاب﴾(٢٠٥).
بينما الشريعة متعدّدة فِي قوله تَعَالَى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ﴾(٢٠٦) كَمَا أنَّهُ مَرَّ وتقرّر أنَّ الدِّين عام لِكُلِّ المخلوقات كَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾(٢٠٧) وقوله تَعَالَى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾(٢٠٨) فَالدِّين عام لِكُلِّ المخلوقات بينما الشريعة خاصّة للثقلين الجنّ والإنس.
٢ - مُقتضى النقطة الأُولى شمول دعوة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام) لِكُلِّ المخلوقات وبالتالي شمول حُجّيتهُم عَلَى أهل السماوات والأرضين بَلْ ما فوق ذَلِكَ وما تحته.
وَهُوَ قولُ أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي الخطبة الَّتِي رواها النزّال بن سُبرة، حَيْثُ قَالَ (عليه السلام) فِي وصف مقاماته: «وأنا أمير المؤمنين ويعسوب المُتقين وآية السابقين ولسان الناطقين وخاتم الوصيين ووارث النبيين وخليفة رب العالمين وصراط ربي المستقيم وفسطاطه والحجة عَلَى أهل السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما وأنا الذي احتجّ الله به عليكم فِي ابتداء خلقكم وأنا الشاهد يَوُم الدِّين» وفي الخطبة نفسها قبل أسطر «وإليَّ إياب الخلق جميعاً وأنا الإياب الذي يؤب إليه كُلّ شيء بَعْدَ الفناء وإليَّ حساب الخلق جميعاً»(٢٠٩).
وقَدْ روى القمّي فِي تفسيره بسند متصل عَنْ بكير بن عبد الله الأرجاني قَالَ: قَالَ لي الصادق جعفر بن مُحمَّد (عليهما السلام): «أخبرني عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانَ عاماً للناس أليس قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ﴾ فِي محكم كتابه لأهل الشرق والغرب - وأهل السماء والأرض مِنْ الجنّ والإنس، هَلْ بلغ رسالته إليهم كلهم...» الحديث(٢١٠).
٣ - قَدْ مَرَّ فِي البابين السابقين بقاء التكليف فِي الظهور والرجعة ولو بظهور بَعْض ما خفي مِنْ الأحكام، وَهُوَ يقضي بوجود التكليف فِي مراتب الوجود وطبقات السماوات قبل مرتبة الجنّة والنار، وأنَّ الموت والحياة مراتب، فموت من مرتبة ورجوع بحياة أقوى.
٢ - الرجعة فتح الفتوح:
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾(٢١١).
وفِي كتاب فيه خطب لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وَعَلَيْهِ خطّ سيد بن طاووس. (وروى بَعْض ما فيه عَنْ... عَنْ جعفر بن مُحمَّد (عليهما السلام)) ذكر فِي الكتاب خطبة لمولانا أمير المؤمنين (عليها السلام) تسمى المخزون، وَهِيَ: «الحمد لله الأحد المحمود... وتضمنت الخطبة توصيف وتعريف بالإمام الحجة (عجّل الله فرجه): وتخرج لهم الأرض كنوزها ويقول القائم (عجّل الله فرجه) ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَة﴾»، فالمسلمون يومئذٍ أهل الصواب للدين، أذن لهم فِي الكلام فيومئذٍ تأويل هَذِهِ الآية: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ فلا يقبل الله يومئذٍ إلَّا دينه الحقّ ألَا لله الدِّين الخالص، فيومئذٍ تأويل هَذِهِ الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلاَ يُبْصِرُون وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُون فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُون﴾.
فيمكث فيما بين خروجه إلى يَوُم موته ثلاثمائة سنة ونيفاً، وعدّة أصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر، «وقبل هَذِهِ الفقرة كَانَ الكلام عَنْ رجعة أمير المؤمنين (عليه السلام)»(٢١٢).
وَقَالَ علي بن إبراهيم فِي قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ قَالَ الأرض الخراب وَهُوَ مثل ضربه الله فِي الرجعة والقائم (عجّل الله فرجه) فلمّا أخبرهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخبر الرجعة. قالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ وَهَذِهِ معطوفة عَلَى قوله ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾ فقالوا ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنتُمْ صَادِقِين﴾ فَقَالَ الله قل لهم ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُون﴾ فأعرض عنهم يا محمد وانتظر إنهم منتظرون).
٣ - اشتداد الرجعة بَعْدَ الظهور:
رُوي فِي الإيقاظ عَنْ مشارق أنوار اليقين: عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي خطبة لَهُ، قَالَ: «مَنْ أنكر أنَّ لي فِي الأرض كرّة بعد كرّة [ودعوة بَعْدَ دعوة](٢١٣) وعودا بَعْدَ رجعة حديثاً كَمَا كُنْت قديماً فَقَدْ ردَّ علينا وَمَنْ ردَّ علينا فَقَدْ ردَّ عَلَى الله»(٢١٤).
إنَّ الرجعة تشتد بَعْدَ ظهور الإمام الثَّانِي عشر (عجّل الله فرجه) وإنْ كانت قَدْ ابتدأت قُبيل ظهوره (عجّل الله فرجه) مِنْ رجب بصورة يسيرة ملحوظة لكنَّها بَعْدَ دولته تشتد، كَمَا يقول (عجّل الله فرجه) لعلي بن مهزيار عِنْدَمَا سأله عَنْ ما يكون بَعْدَ ظهوره، قلت يا سيدي ما يكون بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ «الكرّة الكرّة الرجعة الرجعة ثمَّ تلا هَذِهِ الآية ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾»(٢١٥).
٤ - ارتفاع التقية تدريجياً فِي الرجعة واستمرارها إلى دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
ما رواه بسنده عَنْ جابر بن يزيد، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لعليّ (عليه السلام) فِي الأرض كرّة مَعَ الحسين ابنه(٢١٦) صلوات الله عليهما، يقبل برايته حَتّى ينتقم لَهُ مِنْ بني أمية ومعاوية وآل معاوية، وَمَنْ شهد حربه، ثمَّ يبعث الله إليهم بأنصاره يومئذٍ مِنْ أهل الكوفة(٢١٧) ثلاثين ألفاً، وَمِنْ سائر الناس سبعين ألفاً فيلقاهم بصفين مثل المرّة الأولى حَتّى يقتلهم فلا يبقى منهم مخبراً، ثمَّ يبعثهم الله (عَزَّ وجَلَّ) فيدخلهم أشدّ عذابه مَعَ فرعون وآل فرعون.
ثمَّ كرّة أُخرى مَعَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَتّى يكون خليفته فِي الأرض، ويكون الأئمة (عليهم السلام) عمّاله، وَحَتّى يُعبد الله علانية فتكون عبادته علانية فِي الأرض، كَمَا عُبد الله سرّاً فِي الأرض».
ثمَّ قَالَ: «أيّ والله وأضعاف ذَلِكَ - ثمَّ عقد بيده أضعافاً - يعطي الله نبيّه ملك جميع أهل الدُّنْيَا منذ يَوُم خلق الله الدُّنْيَا إلى يَوُم يُفنيها، حَتّى ينجز لَهُ موعوده فِي كتابه كَمَا قَالَ ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾»(٢١٨).(٢١٩) 
وموضع الشاهد فِي قوله (عليه السلام) أنَّ عبادة الله علانية بنحو تام بلا تقيّة ولا خفاء لا تتحقق بنحو تام قبل في دول الائمة إلَّا فِي دولة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهِيَ آخر الرجعة
أنماط التكامل في الرجعة:
النمط الأوَّل: الانبعاث بالنبوة:
ونشاهد هَذَا التكامل النوعي الخطير فِي السبعين رجلاً الَّذِيْنَ اختارهم موسى (عليه السلام) لميقات ربه، حَيْثُ أنَّهم بَعْدَ ما أصابتهم الصاعقة وماتوا بعثهم الله أحياءً أنبياء، وَقَدْ وَرَدَ فِي وصفهم آيات عديدة وروايات مستفيضة:
١ - كقوله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾(٢٢٠).
٢ - كقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون﴾(٢٢١).
٣ - وقوله تَعَالَى: ﴿فَقَالُواْ أَرِنَا اللهِ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾(٢٢٢).
أمَّا الروايات:
١ - فَقَدْ روى الصدوق فِي العيون بسنده عن علي بن محمد بن الجهم: أن المأمون سأل الرضا (عليه السلام)، فَقَالَ: «فما معنى قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾... فَقَالَ الرضا (عليه السلام): إنَّ كليم الله موسى علم أن الله تعالى أعزّ أن يرى بالأبصار لكنه لما كلّمه ربّه وقرّبه نجيا رجع إلى قومه فاخبرهم... فقالوا: لن نؤمن لك حَتّى نسمع كلامه كما سمعت وَكَانَ القوم سبعمائة ألف رجلا فاختار منهم سبعين ألفاً ثمَّ اختار منهم سبعة آلاف ثمَّ اختار منهم سبعمائة ثمَّ اختار سبعين رجلاً، فخرج بهم إلى طور سينا... وسمعوا كلامه من فوق وأسفل ويمين وشمال ووراء وأمام لأن الله أحدثه في الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتى سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لن نؤمن لك بأن هذا الذي سمعناه كلام الله حَتّى نرى الله جهرة فلما قالوا هذا القول العظيم واستكبروا وعتوا بعث الله عَلَيْهِم صاعقة فأخذتهم بظلمهم فماتوا فَقَالَ موسى (عليه السلام) يا رب ما أَقُوُل لبني إسرائيل إذَا رجعت إليهم؟ فقالوا: إنَّك ذهبت فقتلتهم لأنَّك لَمْ تكن صادقاً... فأحياهم الله وبعثهم معه...»(٢٢٣).
٢ - روى الصدوق فِي كتاب التوحيد(٢٢٤) بسنده عن النوفلي الهاشمي في حديث مجلس الرضا (عليه السلام) واسئلة المأمون... قَالَ (عليه السلام): فِي قصة السبعين رجلاً: فقالوا لن نؤمن لك حَتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة فاحترقوا عَنْ آخرهم وبقي موسى وحيداً فَقَالَ: «يا رب اخترت سبعين رجلاً مِنْ بني إسرائيل فجئت بهم وأرجع وحدي فكيف يصدقني قومي بما أخبرهم به فلو شئت أهلكتهم مِنْ قبل وإيايّ أفتهلكنا بما فعل السفهاء منّا فأحياهم الله (عَزَّ وجَلَّ) مِنْ بَعْدَ موتهم...».
وظاهر هذه الرواية ان طلب السبعين للرؤية لم يكن من أنفسهم بل عن قوم بني إسرائيل وهذا يؤيد تنزه السبعين عن توهم التجسيم.
٣ - وروى العيّاشي عَنْ الحارث بن المغيرة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ قلت لَهُ إنَّ عبد الله بن العجلان قَالَ فِي مرضه الذي مات فيه إنَّهُ لا يموت فمات؟ فَقَالَ: «لا عرفه [غفر] الله شيئاً مِنْ ذنوبه أين [أنى] ذهب؟ إنَّ موسى اختار سبعين رجلاً مِنْ قومه فلما أخذتهم الرجفة قَالَ ربي أصحابي أصحابي. قَالَ إنِّي أبدلك بهم منْ هُوَ خيرٌ لكم منهم فَقَالَ إنِّي عرفتهم ووجدت ريحهم قَالَ فبعثهم الله لَهُ أنبياء»(٢٢٥).
٤ - وروى الكشّي فِي الموثّق عَنْ الحارث بن المغيرة وفي المحسّن عَنْ بشير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قالا: قلنا لأبي عبد الله (عليه السلام) إنَّ عبد الله بن عجلان مرضَ مرضه الذي مات فيه وَكَانَ يقول إنِّي لا أموت مِنْ مرضي هَذَا، فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «هيهات هيهات أنَّي [ان] ذهب ابن عجلان لا عرّفه الله قبيحاً مِنْ عمله»(٢٢٦) إنَّ موسى بن عمران اختار قومه سبعين رجلاً فلما أخذتهم الرجفة كَان موسى (عليه السلام) أوَّل مِنْ قام منها فَقَالَ يا رب أصحابي قَالَ يا موسى إنِّي أبدّلك منهم خيراً قَالَ إنِّي وجدت ريحهم وعرفت أسمائهم، قَالَ ذَلِكَ ثلاثاً فبعثهم الله أنبياء(٢٢٧) 
قال المجلسي: بيان قوله (لا عرّفه الله) دعاء له بالمغفرة إذ بالعذاب وبذكر القبائح له على وجه اللوم يعرفها، ولعل ابن عجلان إنما حكم بعدم موته في ذلك المرض لما سمع منه (عليه السلام) من كونه من أنصار القائم (عجّل الله فرجه) ونحو ذلك، فأشار (عليه السلام) إلى أنه لم يعرف معنى كلامنا بل إنما يحصل ذلك له في الرجعة كما أن السبعين ماتوا ثم رجعوا بدعاء موسى (عليه السلام).(٢٢٨) وَلعلَّ ما صدر عنهم أيضاً كَانَ سؤالاً مِنْ قبل القوم لا اقتراحاً منهم لئلا ينافي صيرورتهم أنبياء أو يكون المراد كونهم تالين للأنبياء فِي الفضل أو يكون الْنَّبِيّ هُنَا بمعناه اللغوي أيّ رجعوا مخبرين بما رأوا أو يُقَال أنَّهُ يكفي عصمتهم بَعْدَ الرجعة.
وفيه إشكال ويأبى عَنْ أكثر الوجوه ما سيأتي فِي باب أحوال سلمان (رضي الله عنه) أنَّهُ قَالَ فِي خطبة لَهُ: فَقَدْ ارتدّ قوم موسى عَنْ الأسباط ويوشع وشمعون وابني هارون شبّر وشبير والسبعين الَّذِيْنَ اتّهموا موسى (عليه السلام) عَلَى قتله هارون فأخذتهم الرجفة مِنْ بغيهم ثمَّ بعثهم الله أنبياء مرسلين وَغَيْر مرسلين(٢٢٩).
أَقُوُلُ: ويحتمل بقوة أنَّ السبعين الَّذِيْنَ اتّهموا موسى (عليه السلام) بقتل هارون (عليه السلام) غَيْر السبعين الَّذِيْنَ سألوا أرنا الله جهرة.
كَمَا أنَّ احتمال طلبهم للرؤيا جهرة كَانَ عَنْ لسان قوم بني إسرائيل فلا يكون هَذَا الطلب منهم ابتداءً. وأمَّا إماتة الله تَعَالَى لهم فَقَدْ يكون مِنْ قبيل فخرَّ موسى صعقاً عِنْدَ طلب الرؤيا.
٥ - روى الكشّي بسند متّصل عَنْ عبد الله بن سنان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «خطب سلمان فَقَالَ الحمد لله الذي هداني لدينه بَعْدَ جحود لَهُ... وعليكم بعلي (عليه السلام) فوالله لقد سلمنا عَلَيْهِ بالولاء مَعَ نبينا (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فما بالُ القوم أحسدٌ قَدْ حسد قابيل وهابيل أو كفر فَقَدْ ارتدّ قوم موسى عَنْ الأسباط ويوشع وشمعون وابني هارون شبر وشبير والسبعين الَّذِيْنَ اتّهموا موسى عَلَى قتل هارون فأخذتهم الرجفة مِنْ بغيهم ثمَّ بعثهم الله أنبياء مرسلين وَغَيْر مرسلين فأمر هَذِهِ كأمرُ بني إسرائيل فأين يُذهب بكم الحديث»(٢٣٠).
ولعل لفظ السبعين عطف على الأسباط وشبير لا على قوم موسى الذين ارتدوا، وأما وصفهم بالذين اتهموا موسى فلعله خواطر لا ظن سوء وتثبيت، وقبل اصطفائهم في الرجعة.
٦ - ما رواه الراوندي فِي قصص الأنبياء بسنده عَنْ وهب بن منبّه عَنْ ابن عباس - فِي حديث طويل يقول فيه: إنَّ إلياس (عليه السلام) نزل فاستخفى عِنْدَ أمّ يونس (عليه السلام) ستة أشهر، ثمَّ عاد إلى مكانه، فَلَمْ يلبث إلَّا يسيراً حَتّى مات ابنها حين فطمته، فعظمت مصيبتها فخرجت فِي طلب إلياس ورقت الجبال حَتّى وجدت إلياس.
فقالت: إنَّي فجعت بإبني، وَقَدْ ألهمني الله أنَّ استشفع بك ليحيى لي ابني، فَقَالَ لها: ومتى مات؟ قالت: اليوم سبعة أيام، فانطلق إلياس، وسار سبعة أيّام أُخرى حَتّى انتهى إلى منزلها، فرفع يديه بالدعاء واجتهد حَتّى أحيا الله تَعَالَى بقدرته يونس (عليه السلام)، فلما عاش انصرف إلياس، ولما صار ابن اربعين سنة أرسله الله تَعَالَى إلى قومه كَمَا قَالَ ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون﴾(٢٣١)(٢٣٢).
والرواية وإنْ كانت مقطوعة لَمْ يسنده بن عباس إلى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لكنّه المُحتملُ الأرجح أو الراجح، ومفادها أنَّ يونس (عليه السلام) لَمْ يكن نبياً قبل الرجعة فِي حياته الأولى ولكن لمّا رجع وبلغ أربعين سنة بعث رسولاً، وظاهرها أن مفاد الآية هي في بعثته الأولى لا بعثته الثانية، وهو تأويل محتمل فيها أيضاً وإن كان المعنى الآخر مرادا أيضاً بعد إمكان تعدد المراد التنزيلي فضلا عنه مع التأويلي.
٧ - روى الصدوق فِي الاعتقادات فِي باب الرجعة(٢٣٣) وَقَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ) فِي قصّة المختارين مِنْ قوم موسى لميقات ربه ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ وَذَلِكَ أنَّهم لمّا سمعوا كلام الله قالوا: لا نصدِّق به حَتّى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا، فَقَالَ موسى «يا ربّ ما أَقُوُل لبني إسرائيل إذَا رجعتُ إليهم؟» فأحياهم الله فرجعوا إلى الدُّنْيَا فأكلوا وشربوا ونكحوا النساء وولد لهم الأولاد ثمَّ ماتوا بآجالهم.(٢٣٤) 
٨ - وذكر فِي مجمع البيان فِي ذيل قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُون ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾(٢٣٥) ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُم﴾ أي: ثم أحييناكم ﴿مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ لاستكمال آجالكم، عن الحسن، وقتادة. وقيل: إنهم سألوا بعد الإفاقة أن يبعثوا أنبياء، فبعثهم الله أنبياء، عن السدي. فيكون معناه: بعثناكم أنبياء.
٩ - وَقَالَ فِي ذيل قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً﴾ فَهُمْ السبعون الَّذِيْنَ اختارهم موسى ليسمعوا كلام الله فلما سمعوا الكلام قالوا لن نؤمن لك يا موسى حَتّى نرى الله جهرة فبعث الله عَلَيْهِم صاعقة فاحترقوا ثمَّ أحياهم الله بَعْدَ ذَلِكَ وبعثهم أنبياء(٢٣٦).
١٠ - وَقَالَ فِي ذيل سورة الأعراف فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾(٢٣٧) قَالَ وَقِيلَ أنّهم ماتوا ثمَّ أحياهم وجعلهم أنبياء.
١١ - قَدْ مَرَّ فِي البابين السابقين جملة من الروايات أنَّ المؤمنين إذَا رجعوا مِنْ شيعة أهل البيت (عليهم السلام) فإنّهم يبعثون أبدالاً.
تكامل المؤمن فِي الرجعة وعموم الدِّين:
١٢ - وروي أنَّ المؤمن يزداد علماً فِي الرجعة فيقضي بين أهل السماء(٢٣٨). كما يشير اليه قوله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُون﴾(٢٣٩). وقوله تَعَالَى: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء﴾(٢٤٠).
صيرورة المؤمن مِنْ الأبدال فِي الرجعة:
 ١٣ - روى فِي كتاب الخرائج والجرائح بسنده عَنْ جابر، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ الحسين بن علي (عليه السلام) لأصحابه... ثمَّ إنَّ الله ليهب لشيعتنا كرامة لا يخفي عَلَيْهِم شيء مِنْ الأرض وما كَانَ فيها، حَتّى أنَّ الرجل منهم يريد أنْ يعلم علم أهل بيته فيخبرهم بعلم ما يعملون»(٢٤١).
تكامل أصحاب الحسين (عليه السلام) في الرجعة:
وَقَدْ وَرَدَ فِي عِدَّة مِنْ الروايات أنَّ الحسين (عليه السلام) عِنْدَمَا يرجع يبعث معه سبعون نبياً، كَمَا قَدْ وَرَدَ أيضاً أنَّ الحسين (عليه السلام) عِنْدَمَا يرجع يبعث معه سبعون رجلاً مِنْ أصحابه، فَهَلْ ذَلِكَ إشارة الى أن أصحاب الحسين يبعثون أنبياء كَمَا بعث السبعون رجلاً مِنْ أصحاب موسى أنبياء مَعَ انه لا قياس بين المجموعتين.
ولا ينافي هَذَا الاحتمال قاعدة ختم النبوة وانه لا نبي بعدي، وذلك لأن ختم النبوة بمعنى انه لا نبوة ناسخة. والروايات في ذلك:
١ - روى سنان بن طريف عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ: كَانَ أمير المؤمنين (عليه السلام)، يكتب بهذه الخطبة إلى أكابر أصحابه وفيها كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيم﴾: إلى المُقربين فِي الأظلة المُمتحنين بالبلية المسارعين فِي الطاعة المستنبئين فِي الكرة تحية منّا إليكم سلام عليكم.
أمَّا بَعْدَ فَإنَّ نور البصيرة روح الحياة الذي لا ينفع إيمان إلَّا به مَعَ إتباع كلمة الله والتصديق بها، فالكلمة مِنْ الروح والروح مِنْ النور والنور نور السماوات والأرض، فبأيديكم سبب واصل [وصل] إليكم منّا، [آيتان واجبتان]، نعمة مِنْ الله لا تعقلون شكرها خصّكم بها واستخلصكم لها وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلَّا العالمون، إنَّ الله عهد عهدا أنْ لَن يحل عقده أحد سواه [الأهواه] فتسارعوا [فسارعوا] إلى وفاء العهد وامكثوا فِي طلب الفضل، فَإنَّ الدُّنْيَا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، وإنَّ الآخرة وعد صادق يقضي فيها ملك قادر، ألَّا وإنَّ الأمر قَدْ وقع لسبع بقين مِنْ صفر تسير فيها الجنود ويهلك فيها المبطل الجحود خيولها عراب وفرسانها حراب [أحزاب] ونحن بذلك واثقون ولما ذكرنا منتظرون انتظار المجدب المطر لينبت العشب ويجني الثمرة دعاني إلى الكتاب إليكم... إنَّ العبد إذَا دخل حفرته يأتيه الملكان أحدهما منكر والآخر نكير فأوّل ما يسألانه عَنْ ربه وَعَنْ نبيه وَعَنْ وليّه فإنْ أجاب نجا وإنْ تحيّر عذباه، فَقَالَ قائل: فما حال مَنْ عرف ربه وعرف نبيه وَلَمْ يعرف وليّه فَقَالَ: ذَلِكَ مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، قِيلَ:... وَمَنْ أراد بَعْدَ هَذَا فليطهر بالهدى[بالمهدي] دينه فَإنَّ الهدى [المهدي] لا تغلق أبوابه وَقَدْ فتحت أسبابه ببرهان وبيان لإمرء استنصح...»(٢٤٢).
وروى السِّيّد بن طاووس (رضي الله عنه) بدل كلمة (المستنبئين) المستيقنين وفي نسخة المنشئين فِي الكرة(٢٤٣).
ورواه فِي البحار عَنْ السِّيّد بن طاووس بدل كلمة (المستيقنين بي) بدلها المنشئين فِي الكرة قال وفي بعض النسخ المنشرين(٢٤٤).
٢ - روى الكليني فِي روضة الكافي بسنده عَنْ عبد الله بن القاسم عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): فِي قوله تعالى ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ خروج الحسين (عليه السلام) «يخرج فِي سبعين مِنْ أصحابه، عَلَيْهِم البيض المذهبة لِكُلِّ بيضة وجهان يؤذن المؤذن إلى الناس أنَّ هَذَا الحسين (عليه السلام) قَدْ خرج حَتّى لا يشك المؤمنون فيه»(٢٤٥).
٣ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات عَنْ الموفق بهاء الدِّين الحسيني بسنده عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) «ويقبل الحسين (عليه السلام) فِي أصحابه الَّذِيْنَ قتلوا معه ومعه سبعون نبياً كَمَا بعثوا مَعَ موسى بن عمران (عليه السلام) فيدفع إليه القائم (عجّل الله فرجه) الخاتم فيكون الحسين (عليه السلام) هُوَ الذي يلي غسله وكفنه وحنوطه ويواري به فِي حفرته»(٢٤٦).
والتعبير بـ(كما بعثوا مع موسى بن عمران) يشير الى ما جرى لأصحاب موسى من أنهم بعثوا بعد الموت أنبياء مع أنهم لم يكونوا انبياء قبل الموت، وبعبارة اخرى ان وصف السبعين نبيا بأنهم مبعوثون كالأنبياء المبعوثين مع موسى هو توصيف لنمط الإنباء، والذي حصل لهم بعد البعث من الموت، فكما هو بعث من الموت هو بعث بالنبوة.
٤ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات عن المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) قَالَ المفضل: يا مولاي وسيدي فالاثنان وسبعون رجلاً الَّذِيْنَ قتلوا مَعَ الحسين (عليه السلام) يظهرون معه؟ قَالَ: «يظهرون معه وفيهم أبو عبد الله الحسين بن علي (عليهما السلام) فِي اثني عشر ألفاً، مؤمنين مِنْ شيعة علي (عليه السلام) وَعَلَيْهِ عمامة سوداء»(٢٤٧).
٥ - روى فِي الهداية عَنْ المفضل بن عمر عَنْ الإمام الصادق (عليه السلام): «... ثمَّ يظهر الحسين بن علي (عليهما السلام) فِي اثني عشر الف صديق واثنين وسبعين رجلاً مِنْ أصحابه الَّذِيْنَ قتلوا معه يَوُم عاشوراء فيا لك مِنْ كرّة زهراء ورجعة بيضاء...»(٢٤٨).
البعث بنبوة:
٦ - أنَّ نبوة يونس بن متّى كانت بَعْدَ رجعته مِنْ الموت وَكَانَ صبياً.
فقد روى في قصص الراوندي: عَنْ ابن عباس فِي حديث طويل إلى أنْ قَالَ: ثمَّ إنَّ إلياس نزل واستخفى عِنْدَ أم يونس بن متّى ستة أشهر ويونس مولود ثمَّ عاد إلى مكانه فَلَمْ يلبث إلَّا يسيراً حَتّى مات ابنها حين فطمته فعظمت مصيبتها فخرجت فِي طلب إلياس ورقت الجبال حَتّى وجدت إلياس.
فقالت: إنِّي فجعت بموت ابني وألهمني الله (عَزَّ وجَلَّ) الاستشفاع بك إليه ليحيي لي ابني فَإنِّي تركته بحاله وَلَمْ أدفنه، وأخفيت مكانه.
فَقَالَ لها: ومتى مات أبنك؟ قالت اليوم سبعة أيام.
فانطلق إلياس وسار سبعة أيام أُخرى حَتّى انتهى إلى منزلها فرفع يديه بالدعاء واجتهد حَتّى أحيى الله تَعَالَى جلّت عظمته بقدرته يونس، فلما عاش انصرف إلياس ولمّا صار ابن أربعين سنة أرسله الله تَعَالَى الى قومه كَمَا قَالَ: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُون﴾(٢٤٩).
سورة الكهف والتكامل فِي الرجعة:
٧ - مما تمتاز به سورة الكهف أنها تستعرض مراحل نشأة الدِّين فِي البشر البدائية ومروراً بالمراحل المتوسطة ووصولاً إلى المراحل النهائية واستعرضت ذَلِكَ تطميناً لهاجس سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حول مصير الدِّين بقوله تَعَالَى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾(٢٥٠) فأولها استعراض الفطرة فِي أصحاب الكهف، وأوسطها استخلاف آدم فِي إشارة للإمامة الإلهية، ثمَّ استعراض قصّة الخضر في إشارة الى الأبدال وانتهاءً بقصّة ذي القرنين في إشارة الى الظهور المعلن للدولة الإلهية.
فترسم مسير التكامل ابتداءً بالفطرة الَّتِي انطلق منها أصحاب الكهف المشار إليه بقوله تَعَالَى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾(٢٥١) وانتهاءً بالرجعة المُشار إليها بقصّة ذي القرنين حَيْثُ أنَّهُ قتل مرتين وبعث مرتين، فمكّن الله لَهُ فِي الأرض كَمَا يُشار إلى ذَلِكَ فِي آيات الرجعة فِي قوله تَعَالَى ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا...﴾(٢٥٢) الآية.
فسوق قصّة ذي القرنين فِي سورة الكهف - مَعَ أنَّهُ رمز للرجعة وتكررها وتمكين الصالحين فِي الأرض بَعْدَ رجوعهم مِنْ الموت عَلَى الظالمين - مفاده ودلالته ومقتضاه أنَّ مِنْ آليات الوصول للغرض والغاية فِي الدِّين هُوَ الرجعة، وَمِنْ ثمَّ كَانَ ذكر ذي القرنين فِي آخر السورة.
٨ - روى القمي عَنْ أبي بصير عَنْ ابي عبد الله (عليه السلام): «سألته عَنْ قول الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا﴾ قَالَ: إنَّ ذا القرنين بعثه الله إلى قومه فضربوه عَلَى قرنه الأيمن فأماته الله خمسمائة عام، ثمَّ بعثه إليهم بَعْدَ ذَلِكَ فضربوه عَلَى قرنه الأيسر فأماته الله خمسمائة عام، ثمَّ بعثه إليهم بَعْدَ ذَلِكَ فملّكه مشارق الأرض ومغاربها مِنْ حَيْثُ تطلع الشمس إلى حَيْثُ تغرب... الحديث».(٢٥٣) 
٩ - ما وَرَدَ فِي مصحّح أبيّ حمزة الثمالي: - حَيْثُ وَرَدَ فيها زيارة طويلة لسيد الشهداء وفي ذيلها زيارة قبور الشهداء: السَّلامُ عَلَيْكُم وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتَه... السَّلامُ عليكم يا أنصار الله وأنصار رسوله وأنصار أمير المؤمنين وأنصار ابن رسوله وأنصار دينه أشهد أنكم أنصار الله كَمَا قَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ﴾.
فما ضعفتم وما استكنتم حَتّى لقيتم الله عَلَى سبيل الحَقّ صلى الله عليكم وَعَلَى أرواحكم وأجسادكم ابشروا بموعد الله الذي لا خلف لَهُ ولا تبديل، إنَّ الله لا يخلف وعده والله مدرك بكم ثار ما وعدكم، أنتم خاصّة الله اختصّكم الله لأبي عبد الله (عليه السلام) أنتم الشهداء وأنتم السعداء»(٢٥٤).
النمط الثَّانِي من تكامل الرجعة:
مِنْ معالم الرجعة دوام النشاط السياسي والعسكري كمسؤولية معهودة عَلَى المؤمنين.
١ - فَقَدْ روي فِي مختصر بصائر الدرجات بسند صحيح عَنْ عبد الرحيم القصير عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) أنَّهُ قرأ هَذِهِ الآية ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾. أتدري مَنْ يعني؟ قلت المؤمنون فيقتلون ويُقتلون قَالَ: لا، لكنَّ مَنْ قتل ردّ حَتّى يموت وَمَنْ مات ردّ حَتّى يقتل فتلك القدرة فلا تنكرها»(٢٥٥).
٢ - وروى بسنده عَنْ أبي بصير عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ إلى آخر الآية، فَقَالَ (عليه السلام): ذلك في الميثاق ثم قرأت ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ الى آخر الآية فقال أبو جعفر (عليه السلام): «لا تقرأ هكذا ولكن اقرأ: التائبين العابدين» إلى آخر الآية.
ثمَّ قَالَ: «إذَا رأيت هؤلاء فَعِنْدَ ذَلِكَ هُمْ الَّذِيْنَ يُشترى منهم أنفسهم وأموالهم يعني فِي الرجعة» ثمَّ قَال أبو جعفر (عليه السلام): «ما مِنْ مؤمن إلَّا لَهُ ميتة وقتلة. منْ مات بعث حَتّى يُقتل، وَمَنْ قُتل بعث حَتّى يموت»(٢٥٦). ورواه العياشي.
ويُستثنى مِنْ قاعدة - «كُلّ نفسٍ ذائقة الموت وما مِنْ مؤمن إلَّا وَلَهُ قتلة وميتة وَمَنْ قتل ردّ حَتّى يموت وَمَنْ مات ردّ حَتّى يقتل» - الأنبياء والأوصياء(٢٥٧) فإن موتهم لا يكون إلا بالقتل أو السم، كما يدل على هذا الاستثناء جملة من الروايات:
١ - روى فِي كفاية الأثر بسنده عن جنادة ابن أمية قَالَ: دخلت عَلَى الحسن بن علي (عليهما السلام) فِي مرضه الذي توفي فيه و... قَالَ (عليه السلام): «إنَّ هَذَا الأمر يملكه اثنا عشر إماماً مِنْ ولد علي وفاطمة ما منّا إلَّا مسموم أو مقتول...»(٢٥٨).
٢ - وروى الطبرسي عَنْ الصادق (عليه السلام): قَالَ (عليه السلام): «ما منّا إلَّا مقتول أو شهيد»(٢٥٩).
٣ - وروى فِي كفاية الأثر بسنده عَنْ هشام بن مُحمَّد عَنْ أبيه، قَالَ: لما قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) رقى الحسن بن علي (عليه السلام) المنبر فأراد الكلام فخنقته العبرة فقعد ساعة، فَقَالَ:... ولقد حدثني جدّي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنَّ الأمر يملكه اثنا عشر إماماً مِنْ أهل بيته وصفوته ما منّا إلَّا مقتول أو مسموم»(٢٦٠).
٤ - روى فِي الأمالي صحيح أبي الصلت الهروي عَنْ الإمام الرضا (عليه السلام)، قَالَ: سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: «والله ما منّا إلَّا مقتول شهيد»(٢٦١) ورواه بن فتال ايضا(٢٦٢) 
٥ - وروى الصدوق عنه رواية اخرى بمتن آخر وفيه (إلا مقتول)(٢٦٣) 
٦ - روى فِي المناقب فِي خبر عَنْ الصادق (عليه السلام): «والله ما منّا إلَّا مقتول شهيد»(٢٦٤).
٧ - روى فِي البصائر بسنده عَنْ أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ: «سم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَوُم خيبر... وما مَنْ نبي ولا وصي إلَّا شهيد»(٢٦٥).
ورواه في مختصر بصائر الدرجات.
النمط الثَّالِث من تكامل الرجعة:
تنزل الحور العين فِي الرجعة:
وروي في المختصر بسنده عَنْ عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قَالَ سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول لِأنَّ إبليس قَالَ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾ فأبى الله ذَلِكَ عَلَيْهِ ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم﴾ - ثمَّ ذكر (عليه السلام) بقاء إبليس إلى أواخر الرجعة وَأنَّهُ يقتل وَأنَّ ذلك في دولة لأمير المؤمنين تبلغ أربعة وأربعين ألف سنة -، قَالَ (عليه السلام): «ويملك أمير المؤمنين أربع وأربعين ألف سنة حَتّى يلد الرجل مِنْ شيعة علي (عليه السلام) مِنْ صلبه ألف ولد فِي كُلّ سنة ذكراً وَعِنْدَ ذَلِكَ تظهر الجنتان المُدّهامتان عِنْدَ مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله»(٢٦٦).
وفي هَذِهِ الرواية وروايات أُخرى دلالة عَلَى أنَّ الجنتين المُدّهامتين ليستا مِنْ جنان الآخرة، بَلْ مِنْ جِنان الرجعة وأنَّ فِي الرجعة تظهر بَعْض تجليّات الآخرة مِنْ الجنان أو النيران فقوله تَعَالَى ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَان﴾ ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَان﴾ ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّان﴾ ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَان﴾ ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَام﴾ ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَان﴾(٢٦٧) - إشارة إلى جنان الرجعة وأنّها دون جنان الآخرة الأبدية كَمَا أنَّ مقتضى ذَلِكَ نزول الحور العين إلى الدُّنْيَا في الرجعة كيف لا وجملة مِنْ الروايات دالَّة عَلَى أنَّ الحور العين تتنزّل إلى أهل البرزخ كَمَا فِي روايات سقوط الشهيد فِي سبيل الله فِي أحضان الحور.
 وروى علي بن إبراهيم بسنده عَنْ يونس بن ظبيان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿مُدْهَامَّتَان﴾ قَالَ يتصل ما بين مكّة والمدينة نخلاً.(٢٦٨) ومفاد هَذِهِ الرواية لا يخرج عَنْ كون ذَلِكَ فِي الرجعة أيضاً.
وروى في التهذيب بسنده عَنْ زيد بن علي عَنْ أبيه عَنْ آبائه (عليهم السلام) قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «للشهيد سبع خصال مِنْ الله أوَّل قطرة مِنْ دمه مغفور لَهُ كُلّ ذنب والثانية يقع رأسه فِي حجر زوجتيه مِنْ الحور العين وتمسحان الغبار عَنْ وجهه تقولان مرحباً بك ويقول هُوَ مثل ذَلِكَ لهما»(٢٦٩).
ومفاد مثل هَذِهِ الرواية نزول الحور العين للمؤمن في البرزخ ومثلها كثير.
الجنتان المدهامتان:
١ - روى فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده عَنْ عبد الكريم بن عمرو الخثعمي قَالَ سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «... وَعِنْدَ ذَلِكَ تظهر الجنّتان المُدّهامتان عِنْدَ مسجد الكوفة وما حوله بما شاء الله»(٢٧٠).
قَالَ الشَّيْخ مُحمَّد علي آل عبد الجبار إنَّ حظيرة القدس هُمَا الجنّتان المُدهامتان اللَّتان تظهران عِنْدَ مسجد الكوفة.
٢ - روى فِي تفسير فرات الكوفي: بسنده عَنْ عيسى بن مهران عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «لما نزلت عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآب﴾ قَام مقداد بن الأسود الكندي إلى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَالَ: يا رسول الله وما طوبى؟ قَالَ يا مقداد شجرة فِي الجنّة لو... - ثمَّ إنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصف الجنّة -: «وما كَانَ منها مِنْ الياقوت الأبيض فَهُوَ مفروش بالحرير الأبيض وما كَانَ منها مِنْ الياقوت الأصفر فَهُوَ مفروش بالرياش الأصفر... وإذا عَلَى باب كُلّ قصر منها مِنْ تلك القصور جنّتان مدّهامتان فيهما عينان نضّاحتان وفيهما مِنْ كُلّ فاكهة زوجان...»(٢٧١).
الجنّتان المُدّهامتان فِي الرجعة (رواية المختصر) وفي القيامة رواية فرات الكوفي.
النمط الرابع من تكامل الرجعة:
تفاوت التكامل في الرجعة بحسب التفاوت في معرفتها، مراتب الأنبياء وإحاطتهم بالرجعة:
ففي صحيح هارون بن خارجة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «لمّا عملت بنو إسرائيل بالمعاصي - وذكر الحديث بطوله - وأنَّ الله سلّط عَلَيْهِم بخت نصّر بعدما أوصى الله إلى أرميا ما أوصى مِنْ حقّه، وَأنَّهُ قتل مِنْ بني إسرائيل خلقاً كثيراً - إلى أنْ قَالَ - فخرج أرميا... فنظر إلى سباع البرّ وسباع البحر وسباع الجو تأكل تلك الجيف. ففكّر فِي نفسه ساعة، ثم قَالَ: أنى يحيي هذه الله بعد موتها وقد اكلتهم السباع فأماته الله مكانه مائة عام ثم بعثه - اي أحياه - فلما رحم الله بني إسرائيل وأهلك بخت النصر ردّ بني إسرائيل إلى الدُّنْيَا،... وبقى أرميا ميتاً مائة سنة، ثمَّ أحياه الله فأوَّل ما أحيا مِنْهُ عينيه مثل غرقى البيض، فنظر فأوحى الله إليه ﴿كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا﴾... - ثمَّ نظر إلى الشمس فَقَالَ: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾... فَقَالَ الله تَعَالَى - ﴿بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾... - أيّ لَمْ يتغيّر - ﴿وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾... فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفطرة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قَدْ أكلته السباع، يتألف إلى العظام... حَتّى قام قائماً وقام حماره - ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير﴾»(٢٧٢).
الرجعة ملحمة تكامل نوعي خطير (جرجيس وذو القرنين):
روى الراوندي فِي قصص الأنبياء بسند صحيح عَنْ أبان بن تغلب عَنْ عكرمة عَنْ عبد الله بن عباس. - ومتن الرواية ملخصا - قَالَ بعث الله جرجيس (عليه السلام) إلى ملك بالشام يعبد صنماً فدعاه إلى الله فعذّبه عذاباً شديداً، فأوحى الله إليه: يا جرجيس اصبر وابشر ولا تخف، إنَّ الله معك يخلّصك وأنَّهم يقتلونك أربع مرات فِي كُلّ مَرَّة أدفع عنك الألم والأذى.
فأمر الملك بجرجيس إلى السجن وعذّبه بألوان العذاب، ثمَّ قطّعه قطعاً وألقاها فِي جبّ، فأمر الله ميكائيل فقام عَلَى رأس الجب، ثمَّ قال: قم يا جرجيس حيّاً سويّاً، وأخرجه مِنْ الجبّ، فانطلق جرجيس حَتّى قام بين يدي الملك، وَقَالَ: بعثني الله إليكم ليحتجّ بي عليكم، فقام صاحب الشرطة، وَقَالَ: آمنت بإلهك الذي بعثك بَعْدَ موتك، واتّبعه أربعة آلاف وآمنوا وصدّقوا جرجيس فقتلهم الملك جميعاً.
ثمَّ أمر بلوح مِنْ نحاس أوقد عَلَيْهِ النار، فبسط عَلَيْهِ جرجيس وأوقد عَلَيْهِ النار(٢٧٣) حَتّى مات وأمر برماده فذرّ فِي الرياح، فأمر الله ميكائيل فنادى مُنادي جرجيس صلوات الله عَلَيْهِ إلى الملك.
فأمر به الملك فمدّ بين خشبتين، ووضع المنشار عَلَى رأسه فنشر حَتّى سقط المنشار مِنْ تحت رجليه، ثمَّ أمر بقدر فألقى فيها زفت وكبريت ورصاص. وألقى فيها جسد جرجيس (عليه السلام)، فطبخ حَتّى اختلط ذَلِكَ كُلَّه جميعاً فاظلمت الارض لذلك، فبعث الله إسرافيل فصاح صيحة فخرّ منها الناس لوجوههم، ثمَّ قَالَ: قم يا جرجيس، فقام حيّاً سويّاً بقدرة الله.
وانطلق جرجيس إلى الملك فلما رآه الناس فجاءته امرأة، فقالت: كَانَ لنا ثور نعيش به فمات، فَقَالَ لها جرجيس: «خُذي عصاي هَذِهِ فضعيها على ثورك، وقولي إنَّ جرجيس يقول: قم بإذن الله ففعلت فقام حيّاً فآمنت بالله، فأمر به الملك أنْ يقتل بالسيف، فضربوا عنقه فمات ثمَّ أسرعوا إلى القرية فهلكوا كلهم»(٢٧٤).
النمط الخامس من تكامل الرجعة:
المسخ في الرجعة:
١ - روى النجاشي: كانت لمؤمن الطاق مَعَ أبي حنيفة حكايات كثيرة فمنها أنَّهُ قَالَ لَهُ يوماً: يا أبا جعفر تقول بالرجعة؟ فَقَالَ لَهُ: «نعم» فَقَالَ لَهُ اقرضني مِنْ كيسك هَذَا خمسمائة دينار، فإذا عدت أنا وَأَنْتَ رددتها إليك، فَقَالَ لَهُ فِي الحال: «أُريد ضميناً يضمن لي أنَّك تعود إنساناً وَإنِّي أخاف أنَّ تعود قرداً فلا أتمكن مِنْ استرجاع ما أخذتريد ضميناً يضمن أريد »(٢٧٥).
٢ - روى المفيد فِي كتابه [الفصول] عَنْ الحارث بن عبد الله الربعي أنَّهُ قَالَ: كُنْت جالساً فِي مجلس المنصور وَهُوَ بالجسر الأكبر، وسوار القاضي عنده وَالسِّيّد الحميري ينشد... فَقَالَ سوار: يا أمير المؤمنين أنَّهُ يقول بالرجعة وينال الشيخين بالسبّ والوقيعة فيهما؟ فَقَالَ السِّيّد... فالرجعة الَّتِي أذهب إليها ما نطق به القرآن وجاءت به السنة وإنّي لاعتقد أنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) يردّ هَذَا يعني سوار إلى الدُّنْيَا كلباً أو قرداً أو خنزيراً أو ذرّة فَإنَّهُ والله متجبّر كافر... الحديث»(٢٧٦).
الرجعة البيضاء والكرة الزهراء وأسماؤها:
فَقَدْ وَرَدَ فِي حديث الأصبغ بن نباتة عَنْ أمير المؤمنين قوله (عليه السلام) في مولود يكون من ظهري الحادي عشر من ولدي وهو المهدي الذي يملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما...، - ثم ذكر فيما يكون بَعْدَ ظهور دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)، وقَالَ (عليه السلام): «يفعل الله ما يشاء مِنْ الرجعة البيضاء والكرّة الزهراء وإحضار الأنفس الشحّ والقصاص والأخذ بالحق والمجازاة بكُلِّ ما سلف ثمَّ يغفر الله لِمَنْ يشاء»(٢٧٧). وهذا الوصف للرجعة إشارة الى الازدهار والتنمية والتطور الحاصل فيها.
ونظيرها ما وَرَدَ فِي رواية المفضل عَنْ الصادق (عليه السلام) في حديث قوله (عليه السلام) بَعْدَ استعراضه لظهور دولة الإمام المهدي (عجّل الله فرجه) «... ثمَّ يظهر الحسين بن علي (عليهما السلام) فِي اثني عشر الف صديق واثنين وسبعين رجلاً مِنْ [كربلا] أصحابه الَّذِيْنَ قتلوا معه يَوُم عاشوراء فيا لك [عندها] مِنْ كرّة زهراء ورجعة بيضاء...»(٢٧٨).
وفي هَذِهِ الرواية: قوله (عليه السلام) فِي سياق الاستدلال بالآيات القرآنية عَلَى الرجعة وخطابه للمقصرة من الشيعة: وما سمعوا ويحهم قول الله تَعَالَى ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾.
قَالَ المفضل يا مولاي فما تأويل ﴿فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ قَالَ والله الرجعة الأولى وَيَوُم القيامة العظمى(٢٧٩).
فيظهر مِنْ هَذِهِ الرواية جملة مِنْ أسماء الرجعة الأول: الرجعة البيضاء، الثاني: الكرة الزهراء، الثالث: الوعد الأوَّل، الرابع: الرجعة الأولى فِي مقابل رجعة وبعث المعاد الأكبر، الخامس: القيامة الصغرى أو الوسطى، لتقييد المعهود مِنْ القيامة بالقيامة العظمى أو القيامة الكبرى.
وَقَدْ ذكر الطبري فِي دلائل الإمامة والخصيبي في الهداية الكبرى: إنَّ مِنْ ألقاب الإمام الثَّانِي عشر: الكرار وصاحب الرجعة البيضاء والدولة الزهراء والقابض والباسط والساعة والقيامة(٢٨٠).
الثامن: مِنْ أسماء الرجعة: العذاب الأدنى كَمَا فِي جملة مِنْ الروايات العديدة منها رواية المفضل المتقدمة قوله (عليه السلام) فِي تفسير ولايتهم (عليهم السلام) ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾ قَالَ (عليه السلام): «العذاب الأدنى عذاب الرجعة والعذاب الأكبر يَوُم القيامة الذي يبدل فيه الأرض غَيْر الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهّار»(٢٨١).
إنَّ الرجعة تشتد بَعْدَ ظهور الإمام الثَّانِي عشر (عجّل الله فرجه) وإنْ كانت قَدْ ابتدأت قبيل ظهوره (عجّل الله فرجه) فِي شهر رجب بصورة يسيره ملحوظة. لكنَّ بَعْدَ دولته (عجّل الله فرجه) قال لعلي بن مهزيار عِنْدَمَا سأله مما يكون بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ (عجّل الله فرجه): «الكرة الكرة الرجعة الرجعة ثمَّ تلا هَذِهِ الآية ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ﴾»(٢٨٢).
فتنة القبر وامتحانه:
قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاء﴾(٢٨٣).
الشيطان يلاحق الإنسان إلى القبر:
في معتبرة أبي بصير، قَالَ: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إذَا وُضِعَ الرجل فِي قبره أتاه ملكان ملك عَنْ يمينه وملك عَنْ يساره وأقيم الشيطان بين عينيه عيناه من نحاس فَيُقَال لَهُ: كيف تقول فِي الرجل الذي [كَانَ] بين ظهرانيكم؟ قَالَ: فيفزع لَهُ فزعة، فيقول إذَا كَانَ مؤمناً: أعن مُحمَّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تسألاني؟ فيقولان لَهُ: نم نومة لا حلم فيها ويفسح لَهُ فِي قبره تسعة أذرع ويرى مقعده مِنْ الجنّة وَهُوَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ وإذا كَانَ كافراً قالا لَهُ: منْ هَذَا الرجل الذي خرج بين ظهرانيكم؟ فيقول: لا أدري فيخليان بينه وبين الشيطان»(٢٨٤).
وَعَنْ سفيان: إذَا دفن الميّت فنثروا عَلَيْهِ ورجع الناس عنه أتاه الملكان يسألانه، فيتمثّل لَهُ عِنْدَ رأسه إبليس فإذا قَالَ الملكان: منْ ربك؟ يشير إلى نفسه قل أنا، فلذلك كَانَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «أعوذ بك مِنْ فتنة القبر»(٢٨٥).
وجاءه ملكا القبر فامتحناه:
وفي الكافي بسندين عَنْ بشير الدّهان، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، وعَنْ جابر، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، عَنْ جابر بن عبد الله قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إذَا حمل عدو الله إلى قبره نادى حملته: ألا تسمعون يا إخوتاه إنِّي أشكو إليكم ما وقع فيه أخوكم الشقي إنَّ عدو الله خدعني فأوردني ثمَّ لَمْ يصدرني وأقسم لي أنَّهُ ناصح لي فغشّني، وأشكو إليكم دنيا غرّتني حَتّى إذَا اطمأننت إليها صرعتني، وأشكو إليكم أخلّاء الهوى منّوني ثمَّ تبرؤوا مني وخذلوني، وأشكوا إليكم أولاداً حميت عنهم وآثرتهم عَلَى نفسي فأكلوا مالي وأسلموني، وأشكو إليكم مالاً منعت مِنْهُ حق الله فَكَانَ وباله عليَّ وَكَانَ نفعه لغيري وأشكو إليكم داراً أنفقت عليها حريبتي وصار ساكنها غيري وأشكو إليكم طول الثواء فِي قبر [ي] ينادي أنا بيت الدود أنا بيت الظلمة والوحشة والضيق يا أخوتاه فاحبسوني ما استطعتم واحذروا مثل ما لقيت فَإنِّي قَدْ بشّرت بالنار وبالذل والصغار وغضب العزيز الجبّار وا حسرتاه عَلَى ما فرّطت فِي جنب الله ويا طول عولتاه فما لي مِنْ شفيع يطاع ولا صديق يرحمني فلو أنَّ لي كرّة فأكون مِنْ المؤمنين»(٢٨٦).
وروى عَنْ جابر، عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) مثله - وزاد فيه - «فما يفتر ينادي حَتّى يدخل قبره فإذا دخل حفرته ردّت الروح فِي جسده وجاءه ملكا القبر فامتحناه، قَالَ: وَكَانَ أبو جعفر (عليه السلام) يبكي إذَا ذكر هَذَا الحديث».
أتاه ممتحنا القبر:
روى الكليني بعدة طرق عَنْ سويد بن غفلة قَالَ: قَالَ أمير المؤمنين صلوات الله عَلَيْهِ: «إنَّ ابن آدم إذَا كَانَ فِي آخر يَوُم مِنْ أيام الدُّنْيَا وأوَّل يَوُم مِنْ أيام الآخرة مثّل لَهُ مثاله وولده وعمله، فليتفت إلى ماله فيقول والله إنِّي كُنْت عليك حريصاً شحيحاً فمالي عندك؟ فيقول خذ مني كفنك، قال فليتفت إلى ولده فيقول: والله إنِّي كُنْت لك محباً وَإنِّي كُنْت عليكم محامياً فماذا لي عندكم؟ فيقولون: نؤدّيك إلى حفرتك نواريك فيها، قَالَ: فليتفت إلى عمله فيقول: والله إنِّي كُنْت فيك لزاهداً وإنْ كُنْت عليَّ لثقيلاً فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك فِي قبرك وَيَوُم نشرك حَتّى أعرض أنا وَأَنْتَ عَلَى ربك، قَالَ: فإنْ كَانَ لله ولياً أتاه أطيب الناس ريحاً وأحسنهم منظراً وأحسنهم رياشاً فَقَالَ: أبشر بروح وريحان وجنّة نعيم ومقدمك خير مقدم، فيقول لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فيقول: أنا عملك الصالح ارتحل مِنْ الدُّنْيَا إلى الجنّة وَإنَّهُ ليعرف غاسله ويناشد حامله أنْ يعجله فإذا أدخل قبره أتاه ملكا القبر يجران أشعارهما ويخدان الأرض بأقدامهما، أصواتهما كالرعد القاصف وأبصارهما كالبرق الخاطف فيقولان لَهُ: مَنْ ربك؟ وما دينك؟ وَمِنْ نبيك؟ فيقول الله ربي وديني الإسلام، ونبيي مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيقولان لَهُ: ثبتك الله فيما تحب وترضى، وَهُوَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ ثمَّ يفسحان لَهُ فِي قبره مدّ بصره ثمَّ يفتحان لَهُ باباً إلى الجنّة، ثمَّ يقولان لَهُ: نُمْ قرير العين، نوم الشاب الناعم، فَإنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) يقول: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ قَالَ: وإنْ كَانَ لربه عدواً فَإنَّهُ يأتيه أقبح مَنْ خلق الله زياً ورؤيا وأنتنه ريحاً فيقول لَهُ: ابشر بنزل مِنْ حميم وتصلية جحيم وَإنَّهُ ليعرف غاسله ويناشد حملته أنْ يحبسوه فإذا أُدخل القبر أتاه ممتحنا القبر فألقيا عنه أكفانه ثمَّ يقولان لَهُ: مَنْ ربك وما دينك؟ وَمنْ نبيك؟ فيقول: لا أدري فيقولان: لا دريت ولا هديت، فيضربان يافوخه بمرزبة معهما ضربة ما خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) مِنْ دابة إلَّا وتذعر لها ما خلا الثقلين ثمَّ يفتحان لَهُ باباً إلى النار، ثمَّ يقولان لَهُ: نمْ بشرِّ حال فيه مِنْ الضيق مثل ما فيه القنا مِنْ الزجّ حَتّى أنَّ دماغه ليخرج مِنْ بين ظفره ولحمه ويسلّط الله عَلَيْهِ حيات الأرض وعقاربها وهوامها فتنهشه حَتّى يبعثه الله مِنْ قبره وَإنَّهُ ليتمنى قيام الساعة فيما هُوَ فيه مِنْ الشرّ»(٢٨٧) انتهى.
الوقاية مِنْ فتنة القبر:
وروى الكليني عَنْ درست عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ قرأ ألهكم التكاثر عِنْدَ النوم وقي فتنة القبر»(٢٨٨) انتهى.
وقال المازندراني في شرحه «قوله: مَنْ قرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُر﴾ عِنْدَ النوم وقي فتنة القبر هِيَ ما يمتحن به الميّت فِي القبر مِنْ ضغطة ومسائلة منكر ونكير وَغَيْر ذَلِكَ مما يؤذيه»(٢٨٩).
ابو مُحمَّد جعفر بن أحمد القمي فِي كتاب العروس، عَنْ أبي الحسن الأوَّل (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لله عتقاء فِي كُلّ ليلة جمعة، فتعرّضوا لرحمة الله فِي ليلة الجمعة وَيَوُم الجمعة، وَمَنْ مات ليلة الجمعة او يَوُم الجمعة، وقاه الله فتنة القبر، وطبع عَلَيْهِ طبايع الشهداء، لا يقولنّ أحدكم كَانَ وَكَانَ، وكتب لَهُ براءة مَنْ ضغطة القبر، وَكَانَ شهيداً»(٢٩٠).
وروى سلمان الفارسي رضوان الله عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا سلمان ألا أعلمك شيئاً مِنْ غرائب الكنز! قلت: بلى يا رسول الله، قَالَ: إذَا كَانَ أوَّل ليلة مِنْ رجب تصلي عشر ركعات، تقرأ فِي كُلّ ركعة فاتحة الكتاب مَرَّة، وقل هُوَ الله أحد ثلاث مرات، غفر الله لك ذنوبك كلها مِنْ اليوم الذي جرى عليك القلم إلى هَذِهِ الليلة ووقاك الله فتنة القبر وعذاب يَوُم القيامة، وصرف عنك الجذام والبرص وَذَاتَ الجنب»(٢٩١).
وفي موثق السكوني، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «قِيلَ للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ما بال الشهيد لا يفتن فِي قبره؟ فَقَالَ: [الْنَّبِيّ] (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كفى بالبارقة فوق رأسه فتنة»(٢٩٢).
البارقة: لمعان السيوف: كما في مجمع البحرين.
«وَمِنْ فتنة القبور - أيّ عذابها أو سؤالها وامتحانها قَالَ فِي النهاية فيه إنّكم تفتنون فِي القبور، يريد مسألة منكر ونكير مِنْ الفتنة والامتحان والاختبار، وَقَدْ كثرت استعاذته مِنْ فتنة القبر وفتنة الدجّال وفتنة المحيا والممات، وَغَيْر ذَلِكَ وَمِنْهُ الحديث: فبي تفتنون وعني تسألون، أيّ تمتحنون بي فِي قبوركم ويتعرف إيمانكم بنبوتي، وَمِنْهُ حديث الحسن» إنَّ الَّذِيْنَ فتنوا المؤمنين والمؤمنات: قَالَ فتنوهم بالنار أيّ امتحنوهم وعذبوهم»(٢٩٣) انتهى.
«تبصرة: القول بسؤال منكر ونكير وفتنة القبر وعذابه وثوابه حقّ يجب الإيمان به لما تواترت به الأخبار، بَلْ هُوَ مِنْ ضروريّات الدِّين والأظهر الأسلم فِي الإيمان بذلك أنْ يصدّق بأنّها موجودة، وأنَّ هُنَاك ملكين أو أكثر عَلَى الصورة المحكيّة وإنْ كنّا لا نشاهد ذَلِكَ، إذْ لا تصلح هَذِهِ العين لمشاهدة الأُمُور الملكوتيّة، وكلّ ما يتعلَّق بالآخرة فَهُوَ مِنْ عالم الملكوت كَمَا كانت الصحابة يؤمنون بنزول جبرئيل، وأنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يشاهده وإنْ لَمْ يكونوا يشاهدونه، وَكَمَا أنَّ جبرئيل لا يشبه الناس فكذلك منكر ونكير ورومان، فوجب التصديق بوجودهم والإيمان بسؤالهم وفتنتهم كَمَا أخبر به المخبر الصّادق»(٢٩٤).
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون. رواه أبو يعلي والبزار ورجال أبي يعلي ثقات.(٢٩٥) 
 وقد ثبت في الحديث: أن الأنبياء أحياء في قبورهم رواه المنذري وصححه البيهقي.(٢٩٦) 
وفي صحيح مسلم عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال: مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره.
العقاب والفتنة والامتحان والمساءلة والتكليف مستمر إلى آخر القيامة وانتهاء الصراط:
فوائد معرفة الرجعة:
١ - عدم الفتنة فِي القبر وأعظم مِنْه عدم الافتتان فِي الرجعة أيّ عدم وقوع الشبهة والالتباس لدى العارف بها ولا يزيغ القلب بَعْدَ البصيرة إذ مع عدم معرفة عاقبة الأُمُور تشتبه للإنسان جملة مِنْ الأحوال الغامضة فِي الرجعة أو البرزخ أو القيامة وتشتبه عَلَيْهِ الأُمُور مما قَدْ يؤدي إلى افتتانه عَنْ إيمانه إلى الكفر والجحود والتكذيب بَعْدَ التصديق، وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ التعبير بحصول الفتنة فِي القبر.
٢ - وَقَدْ تقرّر فِي البابين السابقين أنَّ الامتحان لا ينقطع كَمَا هُوَ معروف بالموت فِي نهاية الحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا، بَلْ يستمر ويشتدّ كُلّما تعاقبت العوالم كَمَا فِي الرجعة الَّتِي هِيَ آخرة الحياة الدُّنْيَا وفي عالم القيامة، بَلْ إنَّ فِي عالم القيامة أشدّ الامتحانات، وَهُوَ امتحان القلوب والسرائر ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِر﴾.
٣ - إنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي الآيات والروايات أنَّ الإنسان يتعرّض إلى المسألة والمساءلة وهي وإنْ كانت عنوانا للمحاسبة ولكنّها أيضاً عنوان للامتحان وَهَذَا العنوان [المساءلة] قَدْ وَرَدَ فِي مراحل ومنازل عديدة.
ومن نتائج استمرار الامتحان:
١ - أن المعنى الحقيقي لحسن العاقبة: هو قبل البعث الأخير الأبدي وهَذَا تفسير هو حسن العاقبة وَلَيْسَ قبل القبر فَقَطْ.
٢ - مِنْ أعظم فوائد الرجعة استقامة قلب المؤمن وعدم زيغه لا عِنْدَ الموت ولا في القبر ولا فِي البرزخ ولا فِي الرجعة ولا فِي القيامة ولا فِي أواخر القيامة، اي لا يفتتن فِي هَذِهِ المواطن.
٣ - وَرَدَتْ روايات أنَّ بَعْض المؤمنين يفتنون عِنْدَمَا يخرج صاحب الزمان (عجّل الله فرجه) بالجبت والطاغوت ويرجعون عَنْ إيمانهم، كَمَا وَرَدَ أنَّ بَعْض المؤمنين يفتتن فِي قبره.
 ٤ - وَقَدْ تقرّر فِي مواطن عديدة مِنْ الكتاب استمرار الامتحان إلى آخر القيامة وإنْ اختلفت أنماطه وتنوّعت محنه وتلوّنت إحنهُ.
٥ - المساءلة مستمرة عَلَى الصراط ويشير إلى ذلك ذيل سورة التكاثر ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيم﴾ ففِي روضة الواعظين ﴿كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِين﴾ وَقَالَ ذَلِكَ حين يؤتى بالصراط فينصب بين جسري جهنم ثمَّ لتسئلن(٢٩٧).
 وكذا قوله تَعَالَى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون﴾ فِي سورة الصافات.
٦ - أصعب الحساب عِنْدَ آخر الصراط وآخر لقاء قبل الجنة أو النار حسب الروايات الواردة الآتي بعضها في شأنه.
المساءلة عَلَى الصراط:
وَقَدْ وَرَدَتْ فِي قوله تَعَالَى ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون﴾ وَرَدَ فِي ذيلها روايات عديدة مُستفيضة عَنْ المساءلة عَلَى الصراط يَوُم القيامة أيّ فِي عالم القيامة.
كَمَا روى الصدوق فِي العيون بسنده عَنْ عبد العظيم الحسني عَنْ علي بن مُحمَّد بن علي الرضا (عليهم السلام) عَنْ آبائه عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حديث «وعزّ ربي إنَّ جميع أُمتي لموقوفون يَوُم القيامة ومسؤولون عَنْ ولايته - أيّ عَنْ ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) - وَذَلِكَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون﴾(٢٩٨)»(٢٩٩). وذكر فِي تفسير البرهان روايات عديدة فِي ذيل الآية.
وفي رواية أمالي الطوسي بسنده عَنْ أنس بن مالك عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): قَالَ إذَا كَانَ يَوُم القيامة ونصب الصراط عَلَى جهنم لَمْ يجز إلَّا مَنْ معه جواز فيه ولاية علي بن أبي طالب وَذَلِكَ قوله تَعَالَى ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُون﴾ يعني ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)(٣٠٠).
وروى بن بابويه بسنده عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ أقوالكم... أنَّ أوَّل ما يُسأل عنه العبد يَوُم القيامة الشهادة والنبوة وموالاة علي بن أبي طالب (عليه السلام)»(٣٠١).
وفي تفسير القمي عَنْ ضُرَيْسٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ ﴿قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وَحُشِرَ النَّاسُ لِلْحِسَابِ - فَيَمُرُّونَ بِأَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يَنْتَهُونَ إِلَى الْعَرْصَةِ حَتَّى يَجْهَدُوا جَهْداً شَدِيداً، قَالَ فَيَقِفُونَ بِفِنَاءِ الْعَرْصَةِ - وَيُشْرِفُ الْجَبَّارُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ عَلَى عَرْشِهِ(٣٠٢) فَأَوَّلُ مَنْ يُدْعَى بِنِدَاءٍ يَسْمَعُ الْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ - أَنْ يَهْتِفَ بِاسْمِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ النَّبِيِّ الْقُرَشِيِّ الْعَرَبِيِّ، قَالَ فَيَتَقَدَّمُ حَتَّى يَقِفَ عَلَى يَمِينِ الْعَرْشِ، قَالَ ثُمَّ يُدْعَى بِصَاحِبِكُمْ عَلِيٍّ (عليه السلام)، فَيَتَقَدَّمُ حَتَّى يَقِفَ عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ثُمَّ يُدْعَى بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ فَيَقِفُونَ عَلَى يَسَارِ عَلِيٍّ (عليه السلام) ثُمَّ يُدْعَى بِنَبِيٍّ نَبِيٍّ وَأُمَّتُهُ مَعَهُ - مِنْ أَوَّلِ النَّبِيِّينَ إِلَى آخِرِهِمْ وَأُمَّتُهُمْ مَعَهُمْ، فَيَقِفُونَ عَنْ يَسَارِ الْعَرْشِ، قَالَ ثُمَّ أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى لِلْمُسَاءَلَةِ الْقَلَمُ قَالَ فَيَتَقَدَّمُ، فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، فَيَقُولُ اللهُ هَلْ سَطَرْتَ فِي اللَّوْحِ مَا أَلْهَمْتُكَ وَأَمَرْتُكَ بِهِ مِنَ الْوَحْيِ فَيَقُولُ الْقَلَمُ نَعَمْ - يَا رَبِّ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي قَدْ سَطَرْتُ فِي اللَّوْحِ مَا أَمَرْتَنِي وَأَلْهَمْتَنِي بِهِ مِنْ وَحْيِكَ فَيَقُولُ اللهُ فَمَنْ يَشْهَدُ لَكَ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ يَا رَبِّ - وَهَلِ اطَّلَعَ عَلَى مَكْنُونِ سَرِّكَ خَلْقٌ غَيْرُكَ، قَالَ فَيَقُولُ لَهُ اللهُ أَفْلَحَتْ حُجَّتُكَ، قَالَ ثُمَّ يُدْعَى بِاللَّوْحِ فَيَتَقَدَّمُ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ - حَتَّى يَقِفَ مَعَ الْقَلَمِ، فَيَقُولُ لَهُ هَلْ سَطَرَ فِيكَ الْقَلَمُ مَا أَلْهَمْتُهُ وَأَمَرْتُهُ بِهِ مِنْ وَحْيِي، فَيَقُولُ اللَّوْحُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ إِسْرَافِيلَ، فَيَتَقَدَّمُ مَعَ الْقَلَمِ وَاللَّوْحِ فِي صُورَةِ الْآدَمِيِّينَ، فَيَقُولُ اللهُ هَلْ بَلَّغَكَ اللَّوْحُ مَا سَطَرَ فِيهِ الْقَلَمُ مِنْ وَحْيِي فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ جَبْرَئِيلَ فَيُدْعَى بِجَبْرَائِيلَ فَيَتَقَدَّمُ حَتَّى يَقِفَ مَعَ إِسْرَافِيلَ فَيَقُولُ اللهُ هَلْ بَلَّغَكَ إِسْرَافِيلُ مَا بُلِّغَ - فَيَقُولُ نَعَمْ يَا رَبِّ وَبَلَّغْتُهُ جَمِيعَ أَنْبِيَائِكَ - وَأَنْفَذْتُ إِلَيْهِمْ جَمِيعَ مَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أَمْرِكَ - وَأَدَّيْتُ رِسَالَتَكَ إِلَى نَبِيٍّ نَبِيٍّ وَرَسُولٍ رَسُولٍ - وَبَلَّغْتُهُمْ كُلَّ وَحْيِكَ وَحِكْمَتِكَ وَكُتُبِكَ - وَإِنَّ آخِرَ مَنْ بَلَّغْتُهُ رِسَالاتِكَ وَوَحْيَكَ وَحِكْمَتَكَ وَعِلْمَكَ وَكِتَابَكَ - وَكَلَامَكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعَرَبِيُّ - الْقُرَشِيُّ الْحَرَمِيُّ حَبِيبُكَ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَإِنَّ أَوَّلَ مَنْ يُدْعَى مِنْ وُلْدِ آدَمَ لِلْمُسَاءَلَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فَيُدْنِيهِ اللهُ حَتَّى لَا يَكُونَ خَلْقٌ أَقْرَبَ إِلَى اللهِ يَوْمَئِذٍ مِنْهُ، فَيَقُولُ اللهُ يَا مُحَمَّدُ هَلْ بَلَّغَكَ جَبْرَئِيلُ مَا أَوْحَيْتُ إِلَيْكَ - وَأَرْسَلْتُهُ بِهِ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِي(٣٠٣).
ومفاد الرواية أن اللوح والقلم - وهما ملكان كما في الروايات الأخرى - يساءلان ويمتحنان وإن لم يظهر من روايات النفخ في الصور طرو الموت عليهما كالملائكة المقربين الأربعة. وقد ورد في قوله تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَّ يَتَكَلَّمُونَ﴾ ما يظهر منه أن المساءلة تشمل الروح الأمري لحقيقة القرآن، لا سيما ما يمكن أن يستفاد من حديث الثقلين من أنهما يردان على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الرجعة تكامل نوعي:
قَدْ وَرَدَ فِي ذي القرنين أنَّ قومه ضربوه عَلَى قرن رأسه فقتلوه مرتين فذكر قصة ذي القرنين فِي سورة الكهف دالٌّ عَلَى أنَّ السِّنة الكونية الإلهية للوصول للغرض وللغاية فِي الدِّين هُوَ الرجعة لا سيما، وأنَّ ذا القرنين ذكر فِي أواخر سورة الكهف - كَمَا قرّرناه فِي مباحث الإمامة(٣٠٤) - وأنَّ السورة فِي صدد بيان كيفية وآليات ومراحل غايات الدِّين وأنَّ أوَّل السورة ذكر فيها مرحلة الفطرة فِي أصحاب الكهف الهادية إلى التوحيد والإيمان، وأوسطها قصّة الخضر (عليه السلام) وَهُو إشارة إلى الأبدال والحكومة الخفيّة ودورها فِي إقامة الدولة الإلهية والهداية الدينية.
وثالثها ذو القرنين وأنَّ غاية التكامل ينتهي بالرجعة بينما بدايته بالفطرة كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾(٣٠٥). بينما قوله تَعَالَى عَنْ الرجعة لإقامة غاية الدِّين والدولة الإلهية ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ﴾(٣٠٦).
وَهُوَ التمكين فِي شأن ذي القرنين ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾(٣٠٧).
قاعدة فِي تعدد طبقات ودرجات الرجعة:
روى فِي مشارق أنوار اليقين: بسنده عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام): فِي خطبة لَهُ قَالَ: «هيهات هيهات إذَا كشف المستور وحصل ما فِي الصدور لقد كرّرتم كرّات وكم بين كرّة وكرّة مِنْ آية مِنْ آيات - إلى أنَّ قَالَ - وباعث مُحمَّد وإبراهيم لأقتلنَّ أهل الشَّام بكم قتلات وَأيّ قتلات ولأقتلنَّ أهل صفين بكُلِّ قتلة سبعين قتلة ولأردّنّ إلى كُلّ مسلم حياة جديدة ولأسلمنَّ إليه صاحبه وقاتله ولأقتلنَّ [معاوية] بعمار بن ياسر وبأويس القرني ألف قتيل [قتلة] - إلى أنْ قَالَ - لا وكيف وإيان ومتى وأنّى وَحَتّى»(٣٠٨).
والرواية ظاهرة بوضوح وبيِّنة فِي أنَّ لِكُلِّ فردٍ تكرّر رجعة أيّ أنَّ كُلّ فرد تتكرّر رجعاته، وفي كُلّ رجعة يتكامل بقدرات وطاقات تختلف عَنْ الحياة الَّتِي سبقتها، كَمَا مر أنَّ الرجعة طبقات ودرجات كالمعراج، والعروج طبقات ودرجات، وَهَذِهِ قاعدة فِي باب الرجعة كَمَا مر فِي فصل الرجعة والنزول، وَهَذِهِ الرواية فيها دلالة ظاهرة عَلَى أنَّ الحياة الَّتِي تعقب الرجعة أشدُّ مِنْ الحياة السابقة كمالاً وقوةً وقدرةً.
وبالتالي فالرجعة درجات وطبقات عروجاً وَمِنْ ثمَّ بيَّن (عليه السلام) أن بين كُلّ كرّة وكرّة آية وآيات أيّ تتجلّي آيات وأحكام ملكوتية تكوينية لعوالم عليا، نظير ما وَرَدَ فِي بَعْض الروايات أنَّه يحصل للمؤمنين عروج الي بَعْض السماوات.
وفي صحيحة الوليد بن صبيح عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: دخلت عَلَيْهِ يوماً فألقى إليًّ ثياباً وَقَالَ: «يا وليد رُدّها عَلَى مطاويها» فقمت بين يديه فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام) «رحم الله المعلى بن خنيس» فظننت أنَّهُ شبه قيامي بين يديه بقيام المعلى بن خنيس بين يديه، ثمَّ قَالَ: «أُفٍ للدُّنيا، أُفٍّ للدُّنيا، إنَّما الدُّنْيَا دار بلاء سلّط الله فيها عدوّه عَلَى وليّه، وإنَّ بعدها داراً ليست هكذا» فقلت: جُعلت فداك وأين تلك الدار؟ فقال: «ها هُنَا وأشار بيده إلى الأرض»(٣٠٩).
وَهَذِهِ الصحيحة دالَّة عَلَى أنَّ ما بَعْدَ الحياة الأولى مِنْ الدُّنْيَا مِنْ عوالم آتية كنشأة البرزخ ونشأة الرجعة والرجعات لا تسلط فيها لعدو الله عَلَى أولياءه ولا يكون للباطل دولة، فضلاً عَنْ عالم القيامة وما بَعْدَه من عالم الجنّة والنار.
ولاية المؤمن يوم القيامة:
وفي تفسير العسكري: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ [أَ] قَامَ عَلَى مُوَالاتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ سَقَاهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ مَحَبَّتِهِ كَأْساً لَا يَبْغُونَ بِهِ بَدَلًا، وَلَا يُرِيدُونَ سِوَاهُ كَافِياً وَلَا كَالِياً(٣١٠) وَلَا نَاصِراً.
وَمَنْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى احْتِمَالِ الْمَكَارِهِ - فِي مُوَالاتِنَا جَعَلَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عَرَصَاتِهَا بِحَيْثُ يَقْصُرُ كُلُّ مَنْ تَضَمَّنَتْهُ تِلْكَ الْعَرَصَاتُ - أَبْصَارَهُمْ عَمَّا يُشَاهِدُونَ مِنْ دَرَجَاتِهِمْ(٣١١) وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَيُحِيطُ بِمَا لَهُ مِنْ دَرَجَاتِهِ، كَإِحَاطَتِهِ فِي الدُّنْيَا (لِمَا يَلْقَاهُ)(٣١٢) بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: وَطَّنْتَ نَفْسَكَ عَلَى احْتِمَالِ الْمَكَارِهِ - فِي مُوَالاةِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّيِّبِينَ فَقَدْ جَعَلَ اللهُ إِلَيْكَ - وَمَكَّنَكَ مِنْ تَخْلِيصِ كُلِّ مَنْ تُحِبُّ تَخْلِيصَهُ - مِنْ أَهْلِ الشَّدَائِدِ فِي هَذِهِ الْعَرَصَاتِ.
فَيَمُدُّ بَصَرَهُ، فَيُحِيطُ بِهِمْ، ثُمَّ يَنْتَقِدُ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ أَوْ بَرَّهُ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ - أَوْ رَدِّ غِيبَةٍ أَوْ حُسْنِ مَحْضَرٍ(٣١٣) أَوْ إِرْفَاقٍ، فَيَنْتَقِدُهُ (٣١٤) مِنْ بَيْنِهِمْ - كَمَا يُنْتَقَدُ الدِّرْهَمُ الصَّحِيحُ مِنَ الْمَكْسُورِ. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اجْعَلْ هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ. فَيُنْزِلُهُمْ جِنَانَ رَبِّنَا. ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: وَقَدْ جَعَلَنَا لَكَ، وَمَكَّنَّاكَ مِنْ إِلْقَاءِ مَنْ تُرِيدُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ. فَيَرَاهُمْ فَيُحِيطُ بِهِمْ، وَيَنْتَقِدُهُمْ مِنْ بَيْنِهِمْ - كَمَا يُنْتَقَدُ الدِّينَارُ مِنَ الْقُرَاضَةِ.
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: صَيِّرْهُمْ مِنَ النِّيرَانِ إِلَى حَيْثُ شِئْتَ. فَيُصَيِّرُهُمْ حَيْثُ يَشَاءُ مِنْ مَضَايِقِ النَّارِ.(٣١٥) 
المستضعفون يوم القيامة:
١ - صحيح زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ هَلْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ قَدْ سُئِلَ فَقَالَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ قَالَ يَا زُرَارَةُ هَلْ تَدْرِي قَوْلَهُ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ قُلْتُ لَا قَالَ للهِ فِيهِمُ الْمَشِيئَةُ إِنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) الْأَطْفَالَ وَالَّذِي مَاتَ مِنَ النَّاسِ فِي الْفَتْرَةِ(٣١٦) وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ الَّذِي أَدْرَكَ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهُوَ لَا يَعْقِلُ وَالْأَصَمَّ وَالْأَبْكَمَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَالْمَجْنُونَ وَالْأَبْلَهَ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْتَجُّ عَلَى اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) فَيَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَيُؤَجِّجُ لَهُمْ نَاراً(٣١٧) ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكاً فَيَقُولُ لَهُمْ إِنَّ رَبَّكُمْ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَثِبُوا فِيهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا دَخَلَ النَّارَ.(٣١٨) وهذا الامتحان شبيه امتحانات عالم الذر والميثاق والأظلة.
٢ - سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ رَفَعُوهُ(٣١٩) أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْأَطْفَالِ فَقَالَ إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَهُمُ اللهُ وَأَجَّجَ لَهُمْ نَاراً وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا أَنْفُسَهُمْ فِيهَا فَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) أَنَّهُ سَعِيدٌ رَمَى بِنَفْسِهِ فِيهَا وَكَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً وَمَنْ كَانَ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ شَقِيٌّ امْتَنَعَ فَيَأْمُرُ اللهُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا رَبَّنَا تَأْمُرُ بِنَا إِلَى النَّارِ وَلَمْ تُجْرِ عَلَيْنَا الْقَلَمَ فَيَقُولُ الْجَبَّارُ قَدْ أَمَرْتُكُمْ مُشَافَهَةً فَلَمْ تُطِيعُونِي فَكَيْفَ وَلَوْ أَرْسَلْتُ رُسُلِي بِالْغَيْبِ إِلَيْكُمْ.
- وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَمَّا أَطْفَالُ الْمُؤْمِنِينَ فَيَلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ يَلْحَقُونَ بِآبَائِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ﴿بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
٣ - صحيح آخر لزُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنِ الْوِلْدَانِ فَقَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنِ الْوِلْدَانِ وَالْأَطْفَالِ فَقَالَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ.
٤ - صحيح لثالث زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) مَا تَقُولُ فِي الْأَطْفَالِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا فَقَالَ سُئِلَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَالَ اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ فَقَالَ يَا زُرَارَةُ هَلْ تَدْرِي مَا عَنَى بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ قُلْتُ لَا فَقَالَ إِنَّمَا عَنَى كُفُّوا عَنْهُمْ وَلَا تَقُولُوا فِيهِمْ شَيْئاً وَرُدُّوا عِلْمَهُمْ إِلَى اللهِ.
٥ - موثق ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي قَوْلِ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ) ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾(٣٢٠) قَالَ فَقَالَ قَصَرَتِ الْأَبْنَاءُ عَنْ عَمَلِ الْآبَاءِ فَأَلْحَقُوا الْأَبْنَاءَ بِالْآبَاءِ لِتَقَرَّ بِذَلِكَ أَعْيُنُهُمْ.
٦ - صحيح هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ وَعَمَّنْ لَمْ يُدْرِكِ الْحِنْثَ وَالْمَعْتُوهِ (٣٢١) فَقَالَ يَحْتَجُّ اللهُ عَلَيْهِمْ يَرْفَعُ لَهُمْ نَاراً فَيَقُولُ لَهُمْ ادْخُلُوهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً وَمَنْ أَبَى قَالَ هَا أَنْتُمْ قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي.
٧ - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: ثَلَاثَةٌ يُحْتَجُّ عَلَيْهِمُ الْأَبْكَمُ وَالطِّفْلُ وَمَنْ مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَتُرْفَعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ لَهُمْ ادْخُلُوهَا فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْداً وَسَلَاماً وَمَنْ أَبَى قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى هَذَا قَدْ أَمَرْتُكُمْ فَعَصَيْتُمُونِي.(٣٢٢) 
إبليس والشياطين مصدر الشرور فِي المخلوقات ذَاتَ الأرواح:
روى ابن طاووس فِي كتاب (الملاحم والفتن) عَنْ الحارث عَنْ عبد الله عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «خروج الدابة بَعْدَ طلوع الشمس، فإذا خرجت قتلت الدابة إبليس وَهُوَ ساجد ويتمتع المؤمنون فِي الأرض بَعْدَ ذَلِكَ أربعين سنة لا يتمنّون شيئاً إلَّا أعطوه ووجدوه فلا جور ولا ظلم وَقَدْ أسلم الأشياء لربّ العالمين طوعاً وكرهاً والمؤمنون طوعاً والكفّار كرهاً والسبع والطير كرهاً حَتّى أنَّ السبع لا يؤذي دابة ولا طير(٣٢٣).
الرجعة لسائر الموجودات من الملائكة والجن والحيوانات كُلّ نفس لذي نفس ذائقة الموت ثمَّ منشورة للرجعة:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُور﴾(٣٢٤).
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾(٣٢٥).
قوله تَعَالَى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُون﴾(٣٢٦).
وروي فِي مختصر بصائر الدرجات بسنده عَنْ جابر بن يزيد عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «لَيْسَ مِنْ مؤمن إلَّا وَلَهُ قتلة وموتة إنَّهُ مَنْ قتل نشر حَتّى يموت وَمِنْ مات نشر حَتّى يقتل ثمَّ تلوت عَلَى أبي جعفر (عليه السلام) هَذِهِ الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فَقَالَ: (ومنشورة)» قلت: قولك ومنشورة ما هُوَ؟ فَقَالَ: «هكذا نزل بها جبرئيل (عليه السلام) عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كُلّ نفس ذائقة الموت ومنشورة» ثمَّ قَالَ: «ما فِي هَذِهِ الأُمَّة أحد برٌّ ولا فاجر إلَّا ويُنشر فَأمَّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة أعينهم وأمَّا الفُجّار فينشرون إلى خزي الله إيّاهم ألم تسمع أنَّ الله تَعَالَى يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾»(٣٢٧).
ولا يخفى أنَّ الموضوع فِي الآيات لَمْ يؤخذ خصوص عنوان الإنسان بَلْ أخذ عنوان النفس والنفس وذي النفس لا ينحصر فِي الإنسان بَلْ يعمّ الجن والشياطين والملائكة والحيوانات بَلْ والنباتات.
بَلْ قَدْ يُقَال إنَّ كُلّ الموجودات الجسمانية ذَاتَ نفس إلَّا أنَّها فِي الأجسام الجامدة ذَاتَ نفس غَيْر منشّطة ويشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾(٣٢٨) ونحوه مِنْ آيات التسبيح ونظير قوله تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون﴾(٣٢٩) وقوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾(٣٣٠) وقوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون﴾(٣٣١).
فأخذ عنوان النفس دون عنوان الإنسان يفيد عموم مفاد الآيات والرواية السابقة في الموجودات ذات النفس والكائنات ذوات الأرواح، أنها تموت وترجع وأن الرجعة شاملة للملائكة، حيث أن مقتضى الآية أن كل نفس تموت ثم تنشر ثم ترجع الى الله تعالى في القيامة، والنشر رجعة والرجوع بعث القيامة، كما أن المعاد الأكبر شامل لمن في السماوات بعد صعقة الموت.
الرجعة لبقية الموجودات:
١ - قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾(٣٣٢).
٢ - قوله تَعَالَى: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾(٣٣٣).
٣ - قوله تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾(٣٣٤).
٤ - وقوله تَعَالَى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾(٣٣٥).
٥ - وقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُون﴾(٣٣٦).
٦ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَت﴾(٣٣٧).
٧ - وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا﴾(٣٣٨) وَهَذِهِ الآية تَدُلُّ عَلَى إحياء الموتى فِي الحيوانات ورجعتها.
٨ - قوله تَعَالَى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً﴾(٣٣٩) فَهَذِهِ الآية الشريفة تَدُلُّ عَلَى إحياء الحمار ورجعته.
وغيرها مِنْ الآيات الدَّالَّة عَلَى أنَّ الحشر لجميع الموجودات فإذا كَانَ الحشر للجميع فالظاهر عمومه لِكُلِّ مِنْ الحشر الأكبر للمعاد الأكبر وللحشر الأصغر وَهُوَ الرجعة.
وَقَالَ الشَّيْخ المفيد فِي النُّكت الاعتقادية: فَإنْ قِيلَ مَنْ اتّصف بالحياة هَلْ يُعاد بَعْدَ الموت أم لا؟ فالجواب: كُلّ مَنْ اتّصف بالحياة يُعاد بعد الموت فإنْ قِيلَ ما الدَّليل؟ فالجواب: الدَّليل عَلَى ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُون﴾ الآية وإخبار الصادق (عليه السلام) فَإنَّ العقل دلَّ عَلَى إعادة مَنْ لَهُ عوض أو عَلَيْهِ عوض، والنقل دلَّ عَلَى إعادة الجميع(٣٤٠).
قَالَ الطبرسي: فِي قوله تَعَالَ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ﴾ أيّ ما مِنْ حيوان يمشي عَلَى وجه الأرض ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ جمع بهذين اللفظين جميع الحيوان لأنَّها لا تخلو أنْ تكون تطير بجناحيه أو تدبُّ، وَإنَّما قَالَ ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ للتوكيد ورفع اللبس؛ لِأنَّ القائل قَدْ يقول: طُر فِي حاجتي أيّ أسرع فِيها أو لِأنَّ السمك تطير فِي الماء ولا جناح لها وَإنَّما خرج السمك عَنْ الطائر؛ لِإنَّهُ مِنْ دواب البحر وَإنَّما أراد تَعَالَى ما فِي الأرض وما فِي الجو(٣٤١).
وَهَذِهِ الآيات وإنْ فُرض ورودها فِي المعاد الأكبر إلَّا أنَّ هُنَاك قاعدة مُطّردة نقلية وعقلية أنَّ لِكُلِّ ذي جسم لَهُ معاد أكبر لابُدَّ لَهُ من معاد أصغر وَهُوَ الرجعة، كَمَا أنَّ مَنْ لَهُ جسم دنيوي فَلَهُ جسم برزخي وتمثّل فِي نشأة المثال فَهُنَاك تلازم بين هَذِهِ الأجسام وعودتها وَمِنْ ثمَّ فالمعاد الأكبر والأصغر لَيْسَ خاصا بالكائنات الجسمانية ذَاتَ الأرواح الفاعلة.
وروى الصدوق بسند متّصل عَنْ يحيى بن أبي العلاء الرازي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي حديث أنَّ رجلاً دخل عَلَيه فَقَالَ جُعلت فداك وأخبرني عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) لإبليس ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِين إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُوم﴾.
فَقَالَ (عليه السلام): «يَوُم الوقت المعلوم هُوَ يَوُم ينفخ فِي الصور نفخة واحدة فيموت إبليس ما بين النفخة الأولى والثانية... الحديث»(٣٤٢).
وفي هَذِهِ الرواية أثبتت الموت لإبليس. وَقَدْ ذكرنا فِي مبحث الرجعة والظهور، إنَّ لإبليس أربع قتلات ويرجع مِنْ بَعْدَ كُلّ قتلة ولعل إثبات الموت له عند النفخ النهائي ممن تقوم عليهم الساعة، فِي هَذِهِ الرواية فِي قبال هَذِهِ القتلات، ومقابلة الموت مع القتل.
وفي صحيحة يعقوب الأحمر قَالَ دخلنا عَلَى أبي عبد الله (عليه السلام) نعزّيه بإسماعيل فترحّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: «إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) نعي إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نفسه فَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُون﴾ وَقَالَ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ﴾ ثمَّ أنشأ يحدّث فَقَالَ: إنَّهُ يموت أهل الأرض حَتّى لا يبقى أحد، ثمَّ يموت أهل السماء حَتّى لا يبقى أحد إلَّا ملك الموت وحملة العرش وجبرائيل، قَالَ: فيجيء ملك الموت حَتّى يقوم بين يدي الله (عَزَّ وجَلَّ) فَيُقَال لَهُ: مَنْ بقي؟ - وَهُوَ أعلم - فيقول: يا ربّ لَمْ يبقَ إلا ملك الموت وحملة العرش وجبرائيل وميكائيل: فَيُقَال له: قل لجبرائيل وميكائيل: فليموتا فتقول الملائكة عِنْدَ ذَلِكَ: يا رب رسوليك وأمينيك، فيقول: إنِّي قَدْ قضيت عَلَى كُلّ نفس فيها الروح الموت: ثمَّ يجيء ملك الموت حَتّى يقف بين يدي الله (عَزَّ وجَلَّ) فَيُقَال لَهُ: مَنْ بقي؟ وَهُوَ اعلم - فيقول: يا ربّ لَمْ يبقَ إلَّا ملك الموت وحملة العرش، فيقول: قل لحملة العرش فليموتوا ثم يجيء كئيبا حزينا لا يرفع طرفه فيقال: مَنْ بقي؟ فيقول: يا رب لَمْ يبقَ إلَّا ملك الموت، فَيُقَال لَهُ: مُتْ يا ملك الموت فيموت، ثمَّ يأخذ الأرض بيمينه والسماوات بيمينه ويقول: أين الَّذِيْنَ كانوا يدّعون معي شريكاً؟ أين الَّذِيْنَ كانوا يجعلون معي إلهاً آخر»(٣٤٣).
فِي هَذِهِ الرواية قَدْ أُسند وقوع الموت للملائكة المُقرّبين فضلاً عَنْ مَنْ دونهم.
وقوله تَعَالَى فِي الرواية (إني قَدْ قضيت عَلَى كُلّ نفس فيها الروح الموت) بيان مِنْهُ تَعَالَى لعموم الموت لِكُلِّ ذي نفس مِنْ أيّ جسم كَانَ مِنْ أقسام المخلوقات.
وصحيح زرارة قَالَ: كرهت أنَّ أسأل أبا جعفر (عليه السلام) فاحتلت مسألة لطيفة لأبلغ بها حاجتي منها فقلت أخبرني عمن قتل مات؟ قَالَ: «لا الموت موت والقتل قتل» فقلت لَهُ ما أحد يقتل إلَّا مات، قَالَ: فقال: «يا زرارة قول الله أصدق مِنْ قولك قَدْ فرّق بين القتل والموت فِي القرآن، فَقَالَ: ﴿أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُون﴾ فَلَيْسَ كَمَا قلت يا زرارة فالموت موت والقتل قتل» وَقَدْ قَالَ الله عَزَّ وَجَلّ ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ قَالَ: فقلت: إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ أفرأيت مَنْ قتل لَمْ يذق الموت، فَقَالَ: «لَيْسَ مَنْ قتل بالسيف كَمَنْ مات عَلَى فراشه، إنَّ مَنْ قتل لابُدَّ أنْ يرجع إلى الدُّنْيَا حَتّى يذوق الموت»(٣٤٤).
 وصحيح صفوان بن يحيى عَنْ أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قَالَ: سمعته يقول فِي الرجعة: «مَنْ مات مِنْ المؤمنين قُتِل، وَمَنْ قُتل منهم مات»(٣٤٥).
وعَنْ جابر بن يزيد عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «لَيْسَ مِنْ مؤمن إلَّا وَلَهُ قتلة وموتة إنَّهُ مَنْ قتل نشر حَتّى يموت وَمِنْ مات نشر حَتّى يُقتل» ثمَّ تلوت عَلَى أبي جعفر (عليه السلام) هَذِهِ الآية ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ فَقَالَ «ومنشورة» قلت: قولك ومنشورة ما هُوَ؟
فَقَالَ: «هكذا أنزل بها جبرائيل (عليه السلام) عَلَى مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم): كُلّ نفس ذائقة الموت ومنشورة ثمَّ قَالَ: ما فِي هَذِهِ الأُمَّة أحد برٌّ ولا فاجر إلَّا ويُنشر؛ فَأمَّا المؤمنون فينشرون إلى قرّة أعينهم وأمَّا الفجّار فينشرون إلى خزي الله إيّاهم ألم تسمع أنَّ الله تَعَالَى يقول: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ﴾»(٣٤٦).
والتقريب فيها كَمَا مَرَّ مِنْ شمول هَذَا العنوان لِكُلِّ كائن ذي نفس وإنْ لَمْ يكن مِنْ الأنس والجن فيطرد فيهم أنَّ كُلّ نفس ذائقة الموت وستنشر.
وروى الصدوق بسنده عن عيسى بن حمزة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: أيّ بعير حج عَلَيْهِ ثلاث سنين جعل مِنْ نعم الجنّة(٣٤٧).
الرجعة والأمور العظام:
١ - روى فِي المختصر عَنْ زرارة قَالَ: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ هَذِهِ الامور العظام مِنْ الرجعة وأشباهها، فَقَالَ: «إنَّ هَذَا الذي تسألون عنه لَمْ يجيء أوانه، وَقَدْ قَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾»(٣٤٨).
٢ - روى العيّاشي بسنده عَنْ مسعدة بن صدقة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «سئل عَنْ الأُمُور العظام الذي تكون مما لَمْ يكن فَقَالَ: لَمْ يكن أوان كشفها بَعْدَ وَذَلِكَ قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾»(٣٤٩).
٣ - روى العيّاشي بسنده عَنْ حمران قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ الأُمُور العظام وغيرها؟ فَقَالَ: «إنَّ هَذَا الذي تسألوني عنه لَمْ يأتِ أوانه، قَالَ الله ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾»(٣٥٠).
ومقتضى عموم العنوان وجعل الرجعة من افراده هو وجود عوالم أخرى في العظمة تظاهي الرجعة في الهول والفظاعة، ولا يبعد إرادة طبقات الرجعة الأخرى التي هي رجعة بالمعنى الأعم، في مقابل المعنى الأخص.
التكامل فِي الرجعة وروايات الطينة والأظلة وأحوال الطينة...
تمحيص الطينة لكل البشر فِي الرجعة:
١ - عَنْ المختصر بطريقه إلى بَعْض رجاله عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): - فِي كتاب الكرّات فِي قول الله (عَزَّ وجَلَّ): يوم هم على النار يفتنون قَالَ: «يكسرون فِي الكرّة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه - يعني حقيقته -»(٣٥١).
أي أنَّ فِي الرجعة رجوعٌ عَنْ مزج واختلاط الطينات إلى أصولها وَإلى أصلها فِي الكرّة، وَهَذِهِ مِنْ الأحوال العظيمة فِي الرجعة وَمِنْ الطّامات الكبرى نظير خروج الدّابة والميسم، وَقَدْ ذكر فِي رواية ابي اسحاق ابراهيم الليثي في العلل أنَّ ذَلِكَ يَوُم القيامة، وَهَذَا يُؤكِّد أنَّ فِي الرجعة الحساب وستأتي أدلته، وَهَذَا متعاضد معه ويعضد كون أحوال الطّينة ورجوعها إلى الأصل فِي الرجعة.
٢ - الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: الْجِنُّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ فَجُزْءٌ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَجُزْءٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ وَجُزْءٌ كِلَابٌ وَحَيَّاتٌ وَالْإِنْسُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ فَجُزْءٌ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ وَجُزْءٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعَذَابُ وَجُزْءٌ وُجُوهُهُمْ وُجُوهُ الْآدَمِيِّينَ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ.(٣٥٢) 
٣ - صحيح ابْنِ سِنَانٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَوَّلُ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى (بَلَى) مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ «تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ وَطِئْتَ مَوْطِئاً - لَمْ يَطَأْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» وَلَوْ لَا أَنَّ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ - كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يَبْلُغَهُ، فَكَانَ مِنَ اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ اللهُ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أَيْ بَلْ أدْنَى - فَلَمَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ اللهِ - وَقَعَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ (عليه السلام)، فَقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام) كَانَ الْمِيثَاقُ مَأْخُوذاً عَلَيْهِمْ للهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ - وَلِرَسُولِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَلِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْأَئِمَّةِ بِالْإِمَامَةِ، فَقَالَ ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ وَمُحَمَّدٌ نَبِيَّكُمْ - وَعَلِيٌّ إِمَامَكُمْ وَالْأَئِمَّةُ الْهَادُونَ أَئِمَّتَكُمْ فَ ﴿قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾ فَقَالَ اللهُ تَعَالَى ﴿أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أَيْ لِئَلَّا تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾ فَأَوَّلُ مَا أَخَذَ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) - الْمِيثَاقَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ - وَهُوَ قَوْلُهُ ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ فَذَكَرَ جُمْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ - ثُمَّ أَبْرَزَ أَفْضَلَهُمْ بِالْأَسَامِي - فَقَالَ وَمِنْكَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَدَّمَ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لِأَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ أَفْضَلُ الْأَنْبِيَاءِ وَرَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أَفْضَلُهُمْ، ثُمَّ أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ مِيثَاقَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالْإِيمَانِ بِهِ - وَعَلَى أَنْ يَنْصُرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ﴾(٣٥٣) يَعْنِي رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَأَخْبِرُوا أُمَمَكُمْ بِخَبَرِهِ - وَخَبَرِ وَلِيِّهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) (٣٥٤).
وقوله (عليه السلام) ولولا أن روحه ونفسه كانت من ذلك المكان لما قدر أن يبلغه دال على ارتباط المعراج بعوالم الميثاق السابقة، وارتباط قوس الصعود بقوس النزول.
التكامل الطيني فِي الرجعة للفريقين:
٤ - عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي كتاب الكرّات فِي قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾(٣٥٥)، قَالَ: «يكسرون فِي الكرَّة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه يعني إلى حقيقته»(٣٥٦).
وأنَّ فِي الرجعة رجوع اختلاط الطينات إلى أصولها بعد امتزاجها...
فَهَذِهِ مِنْ الأحوال العظيمة فِي الرجعة وَمِنْ الطامّات الكبرى نظير خروج الدابّة، أو المراد امتحانهم حَتّى تظهر حقائقهم.
٥ - وفي الموثق الى أَبِي إِسْحَاقَ اللَّيْثِيِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ (عليه السلام) يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَبْصِرِ إِذَا بَلَغَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَكَمَلَ هَلْ يَزْنِي قَالَ اللَّهُمَّ لَا قُلْتُ فَيَلُوطُ قَالَ اللَّهُمَّ لَا قُلْتُ فَيَسْرِقُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَشْرَبُ الْخَمْرَ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَأْتِي بِكَبِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ أَوْ فَاحِشَةٍ مِنْ هَذِهِ الْفَوَاحِشِ قَالَ لَا قُلْتُ فَيُذْنِبُ ذَنْباً قَالَ نَعَمْ هُوَ مُؤْمِنٌ مُذْنِبٌ مُلِمٌّ قُلْتُ مَا مَعْنَى مُلِمٍّ قَالَ الْمُلِمُّ بِالذَّنْبِ لَا يَلْزَمُهُ وَلَا يَصِيرُ عَلَيْهِ قَالَ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا لَا يَزْنِي وَلَا يَلُوطُ وَلَا يَسْرِقُ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَلَا يَأْتِي بِكَبِيرَةٍ مِنَ الْكَبَائِرِ وَلَا فَاحِشَةٍ فَقَالَ لَا عَجَبَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَفْعَلُ ما يَشاءُ وَلا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ فَمِمَّ عَجِبْتَ يَا إِبْرَاهِيمُ سَلْ وَلَا تَسْتَنْكِفْ وَلَا تَسْتَحْيِ فَإِنَّ هَذَا الْعِلْمَ لَا يَتَعَلَّمُهُ مُسْتَكْبِرٌ وَلَا مُسْتَحْيٍ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ إِنِّي أَجِدُ مِنْ شِيعَتِكُمْ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَيَقْطَعُ الطَّرِيقَ وَيُخِيفُ السُّبُلَ وَيَزْنِي وَيَلُوطُ وَيَأْكُلُ الرِّبَا وَيَرْتَكِبُ الْفَوَاحِشَ وَيَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَيَقْطَعُ الرَّحِمَ وَيَأْتِي الْكَبَائِرَ فَكَيْفَ هَذَا وَلِمَ ذَاكَ فَقَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ هَلْ يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا قُلْتُ نَعَمْ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أُخْرَى أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ وَمَا هُوَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ وَأَجِدُ مِنْ أَعْدَائِكُمْ وَمُنَاصِبِيكُمْ مَنْ يُكْثِرُ مِنَ الصَّلَاةِ وَمِنَ الصِّيَامِ وَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَيُتَابِعُ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيَحْرِصُ عَلَى الْجِهَادِ وَيَأْثَرُ عَلَى الْبِرِّ وَعَلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَيَقْضِي حُقُوقَ إِخْوَانِهِ وَيُوَاسِيهِمْ مِنْ مَالِهِ وَيَتَجَنَّبُ شُرْبَ الْخَمْرِ وَالزِّنَا وَاللِّوَاطَ وَسَائِرَ الْفَوَاحِشِ فَمِمَّ ذَاكَ وَلِمَ ذَاكَ فَسِّرْهُ لِي يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ وَبَرْهِنْهُ وَبَيِّنْهُ فَقَدْ وَاللهِ كَثُرَ فِكْرِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَضَاقَ ذَرْعِي قَالَ فَتَبَسَّمَ الْبَاقِرُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ خُذْ إِلَيْكَ بَيَاناً شَافِياً فِيمَا سَأَلْتَ وَعِلْماً مَكْنُوناً مِنْ خَزَائِنِ عِلْمِ اللهِ وَسِرِّهِ أَخْبِرْنِي يَا إِبْرَاهِيمُ كَيْفَ تَجِدُ اعْتِقَادَهُمَا قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أَجِدُ مُحِبِّيكُمْ وَشِيعَتَكُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَوْ أُعْطِيَ أَحَدُهُمْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ذَهَباً وَفِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ وَلَايَتِكُمْ وَمَحَبَّتِكُمْ إِلَى مُوَالاةِ غَيْرِكُمْ وَإِلَى مَحَبَّتِهِمْ مَا زَالَ وَلَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ بِالسُّيُوفِ فِيكُمْ وَلَوْ قُتِلَ فِيكُمْ مَا ارْتَدَعَ وَلَا رَجَعَ عَنْ مَحَبَّتِكُمْ وَوَلَايَتِكُمْ وَرأي [أَرَى] النَّاصِبَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِمَّا وَصَفْتُهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ لَوْ أُعْطِيَ أحدكم [أَحَدُهُمْ] مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ذَهَباً وَفِضَّةً أَنْ يَزُولَ عَنْ مَحَبَّةِ الطَّوَاغِيتِ وَمُوَالاتِهِمْ إِلَى مُوَالاتِكُمْ مَا فَعَلَ وَلَا زَالَ وَلَوْ ضُرِبَتْ خَيَاشِيمُهُ بِالسُّيُوفِ فِيهِمْ وَلَوْ قُتِلَ فِيهِمْ مَا ارْتَدَعَ وَلَا رَجَعَ وَإِذَا سَمِعَ أَحَدُهُمْ مَنْقَبَةً لَكُمْ وَفَضْلًا اشْمَأَزَّ مِنْ ذَلِكَ وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَرُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ بُغْضاً لَكُمْ وَمَحَبَّةً لَهُمْ قَالَ فَتَبَسَّمَ الْبَاقِرُ (عليه السلام) ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ هَاهُنَا هَلَكَتِ الْعَامِلَةُ النَّاصِبَةُ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَالَ تَعَالَى وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَ تَدْرِي مَا السَّبَبُ وَالْقِصَّةُ فِي ذَلِكَ وَمَا الَّذِي قَدْ خَفِيَ عَلَى النَّاسِ مِنْهُ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ فَبَيِّنْهُ لِي وَاشْرَحْهُ وَبَرْهِنْهُ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَزَلْ عَالِماً قَدِيماً خَلَقَ الْأَشْيَاءَ لَا مِنْ شَيْءٍ وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْأَشْيَاءَ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ كَفَرَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي خَلَقَ مِنْهُ الْأَشْيَاءَ قَدِيماً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَهُوِيَّتِهِ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ أَزَلِيّاً بَلْ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا لَا مِنْ شَيْءٍ فَكَانَ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى أَرْضاً طَيِّبَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً عَذْباً زُلَالًا فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَتْهَا فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ طَبَّقَهَا وَعَمَّهَا ثُمَّ أَنْضَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَنْهَا فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) ثُمَّ أَخَذَ ثُفْلَ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا وَلَوْ تَرَكَ طِينَتَكُمْ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى حَالِهِ كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا لَكُنْتُمْ وَنَحْنُ شَيْئاً وَاحِداً قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ فَمَا فَعَلَ بِطِينَتِنَا قَالَ أُخْبِرُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ خَلَقَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضاً سَبِخَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً أُجَاجاً آسِناً مَالِحاً فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلَمْ تَقْبَلْهَا فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَعَمَّهَا ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ الطُّغَاةَ وَأَئِمَّتَهُمْ ثُمَّ مَزَجَهُ بِثُفْلِ طِينَتِكُمْ وَلَوْ تَرَكَ طِينَتَهُمْ عَلَى حَالِهَا وَلَمْ يَمْزُجْ بِطِينَتِكُمْ لَمْ يَشْهَدُوا الشَّهَادَتَيْنِ وَلَا صَلَّوْا وَلَا صَامُوا وَلَا زَكَّوْا وَلَا حَجُّوا وَلَا أَدَّوُا الْأَمَانَةَ وَلَا أَشْبَهُوكُمْ فِي الصُّوَرِ وَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْبَرَ عَلَى الْمُؤْمِنِ مِنْ أَنْ يَرَى صُورَةَ عَدُوِّهِ مِثْلَ صُورَتِهِ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ فَمَا صَنَعَ بِالطِّينَتَيْنِ قَالَ مَزَجَ بَيْنَهُمَا بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ وَالْمَاءِ الثَّانِي ثُمَّ عَرَكَهَا عَرْكَ الْأَدِيمِ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ قَبْضَةً فَقَالَ هَذِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي وَأَخَذَ قَبْضَةً أُخْرَى وَقَالَ هَذِهِ إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي ثُمَّ خَلَطَ بَيْنَهُمَا فَوَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَطِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْكَافِرِ وَطِينَتِهِ وَوَقَعَ مِنْ سِنْخِ الْكَافِرِ وَطِينَتِهِ عَلَى سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَطِينَتِهِ فَمَا رَأَيْتَهُ مِنْ شِيعَتِنَا مِنْ زِنًا أَوْ لِوَاطٍ أَوْ تَرْكِ صَلَاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ جِهَادٍ أَوْ خِيَانَةٍ أَوْ كَبِيرَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَبَائِرِ فَهُوَ مِنْ طِينَةِ النَّاصِبِ وَعُنْصُرِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَعُنْصُرِهِ وَطِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْمَآثِمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ وَمَا رَأَيْتَ مِنَ النَّاصِبِ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَأَبْوَابِ الْبِرِّ فَهُوَ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَسِنْخِهِ الَّذِي قَدْ مُزِجَ فِيهِ لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَعُنْصُرِهِ وَطِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْحَسَنَاتِ وَاسْتِعْمَالَ الْخَيْرِ وَاجْتِنَابَ الْمَآثِمِ فَإِذَا عُرِضَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى قَالَ أَنَا عَدْلٌ لَا أَجُورُ وَمُنْصِفٌ لَا أَظْلِمُ وَحَكَمٌ لَا أَحِيفُ وَلَا أَمِيلُ وَلَا أَشْطُطُ أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي اجْتَرَحَهَا الْمُؤْمِنُ بِسِنْخِ النَّاصِبِ وَطِينَتِهِ وَأَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ الْحَسَنَةَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا النَّاصِبُ بِسِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَطِينَتِهِ رُدُّوهَا كُلَّهَا إِلَى أَصْلِهَا فَإِنِّي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا عَالِمُ السِّرِّ وَأَخْفَى وَأَنَا الْمُطَّلِعُ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِي لَا أَحِيفُ وَلَا أَظْلِمُ وَلَا أُلْزِمُ أَحَداً إِلَّا مَا عَرَفْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَهُ ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ (عليه السلام) اقْرَأْ يَا إِبْرَاهِيمُ هَذِهِ الْآيَةَ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أَيَّةَ آيَةٍ قَالَ قَوْلَهُ تَعَالَى قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مَا تَفْهَمُونَهُ هُوَ وَاللهِ فِي الْبَاطِنِ هَذَا بِعَيْنِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَاهِراً وَبَاطِناً وَمُحْكَماً وَمُتَشَابِهاً وَنَاسِخاً وَمَنْسُوخاً ثُمَّ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا إِبْرَاهِيمُ عَنِ الشَّمْسِ إِذَا طَلَعَتْ وَبَدَا شُعَاعُهَا فِي الْبُلْدَانِ أَ هُوَ بَائِنٌ مِنَ الْقُرْصِ قُلْتُ فِي حَالِ طُلُوعِهِ بَائِنٌ قَالَ أَ لَيْسَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ اتَّصَلَ ذَلِكَ الشُّعَاعُ بِالْقُرْصِ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ كَذَلِكَ يَعُودُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى سِنْخِهِ وَجَوْهَرِهِ وَأَصْلِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَزَعَ اللهُ تَعَالَى سِنْخَ النَّاصِبِ وَطِينَتَهُ مَعَ أَثْقَالِهِ وَأَوْزَارِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالنَّاصِبِ وَيَنْزِعُ سِنْخَ الْمُؤْمِنِ وَطِينَتَهُ مَعَ حَسَنَاتِهِ وَأَبْوَابِ بِرِّهِ وَاجْتِهَادِهِ مِنَ النَّاصِبِ فَيُلْحِقُهَا كُلَّهَا بِالْمُؤْمِنِ أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً أَوْ عُدْوَاناً قُلْتُ لَا يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ هَذَا وَاللهِ الْقَضَاءُ الْفَاصِلُ وَالْحُكْمُ الْقَاطِعُ وَالْعَدْلُ الْبَيِّنُ لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ هَذَا يَا إِبْرَاهِيمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ هَذَا مِنْ حُكْمِ الْمَلَكُوتِ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ وَمَا حُكْمُ الْمَلَكُوتِ قَالَ حُكْمُ اللهِ حُكْمُ أَنْبِيَائِهِ وَقِصَّةُ الْخَضِرِ وَمُوسَى (عليه السلام) حِينَ اسْتَصْحَبَهُ فَقَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً افْهَمْ يَا إِبْرَاهِيمُ وَاعْقِلْ أَنْكَرَ مُوسَى عَلَى الْخَضِرِ وَاسْتَفْظَعَ أَفْعَالَهُ حَتَّى قَالَ لَهُ الْخَضِرُ يَا مُوسَى ما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي إِنَّمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُرْآنٌ يُتْلَى وَأَخْبَارٌ تُؤْثَرُ عَنِ اللهِ تَعَالَى مَنْ رَدَّ مِنْهَا حَرْفاً فَقَدْ كَفَرَ وَأَشْرَكَ وَرَدَّ عَلَى اللهِ تَعَالَى قَالَ اللَّيْثِيُّ فَكَأَنِّي لَمْ أَعْقِلِ الْآيَاتِ وَأَنَا أَقْرَأُهَا أَرْبَعِينَ سَنَةً إِلَّا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَقُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا تُؤْخَذُ حَسَنَاتُ أَعْدَائِكُمْ فَتُرَدُّ عَلَى شِيعَتِكُمْ وَتُؤْخَذُ سَيِّئَاتُ مُحِبِّيكُمْ فَتُرَدُّ عَلَى مُبْغِضِيكُمْ قَالَ إِي [وَ] اللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَالِقُ الْحَبَّةِ وَبَارِئُ النَّسَمَةِ وَفَاطِرُ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ مَا أَخْبَرْتُكَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا أَنْبَأْتُكَ إِلَّا الصِّدْقَ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَمَا اللهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَإِنَّ مَا أَخْبَرْتُكَ لَمَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ كُلُّهُ قُلْتُ هَذَا بِعَيْنِهِ يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ نَعَمْ يُوجَدُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعاً فِي الْقُرْآنِ أَ تُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ ذَلِكَ عَلَيْكَ قُلْتُ بَلَى يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ فَقَالَ قَالَ اللهُ تَعَالَى وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ الْآيَةَ أَزِيدُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُلْتُ بَلَى يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ وَمِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أَ تُحِبُّ أَنْ أَزِيدَكَ قُلْتُ بَلَى يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِ شِيعَتِنَا حَسَنَاتٍ وَيُبَدِّلُ اللهُ حَسَنَاتِ أَعْدَائِنَا سَيِّئَاتٍ وَجَلَالِ اللهِ إِنَّ هَذَا لَمِنْ عَدْلِهِ وَإِنْصَافِهِ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ وَلا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ أَ لَمْ أُبَيِّنْ لَكَ أَمْرَ الْمِزَاجِ وَالطِّينَتَيْنِ مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ اقْرَأْ يَا إِبْرَاهِيمُ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ يَعْنِي مِنَ الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ وَالْأَرْضِ الْمُنْتِنَةِ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى يَقُولُ لَا يَفْتَخِرْ أَحَدُكُمْ بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِ وَصِيَامِهِ وَزَكَاتِهِ وَنُسُكِهِ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى مِنْكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّمَمِ وَهُوَ الْمِزَاجُ أَزِيدُكَ يَا إِبْرَاهِيمُ قُلْتُ بَلَى يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ يَعْنِي أَئِمَّةَ الْجَوْرِ دُونَ أَئِمَّةِ الْحَقِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ خُذْهَا إِلَيْكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ فَوَ اللهِ إِنَّهُ لَمِنْ غُرَرِ أَحَادِيثِنَا وَبَاطِنِ سَرَائِرِنَا وَمَكْنُونِ خَزَائِنِنَا وَانْصَرِفْ وَلَا تُطْلِعْ عَلَى سِرِّنَا أَحَداً إِلَّا مُؤْمِناً مُسْتَبْصِراً فَإِنَّكَ إِنْ أَذَعْتَ سِرَّنَا بُلِيتَ فِي نَفْسِكَ وَمَالِكَ وَأَهْلِكَ وَوُلْدِكَ.)(٣٥٧) 
وهذه رواية مِنْ أعظم روايات الطينة وموضع الشاهد «ولا تطلع عَلَى سرّنا أحداً»، «خذها فوالله هُوَ مِنْ...». «إلَّا مؤمناً مستبصراً»، وغير المستبصر مستضعف. وَالسَّنَد معتبر.
وبيان مفادها في نقاط:
١ - قوله (عليه السلام): (فَكَانَ مِمَّا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى أَرْضاً طَيِّبَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً عَذْباً زُلَالا...) من المحتمل عدم اندراجها في الأرضين السبع، بل ارض قبل خلق السماوات والأرضين، وكذلك قوله (عليه السلام): فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ (عليه السلام) ثُمَّ أَخَذَ ثُفْلَ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا وَلَوْ تَرَكَ طِينَتَكُمْ يَا إِبْرَاهِيمُ عَلَى حَالِهِ كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا لَكُنْتُمْ وَنَحْنُ شَيْئاً وَاحِد...) ويحتمل أن تكون من أرض عليين، وقوله (عليه السلام): خَلَقَ اللهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضاً سَبِخَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً ثُمَّ فَجَّرَ مِنْهَا مَاءً أُجَاجاً آسِناً مَالِحاً فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلَمْ تَقْبَلْهَا فَأَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى طَبَّقَهَا وَعَمَّهَا ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءَ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ الطُّغَاةَ وَأَئِمَّتَهُمْ ثُمَّ مَزَجَهُ بِثُفْلِ طِينَتِكُم...) محتمل أن تكون أرض سجين، ثم هل هذان الماءان هما البحران العذب والأجاج اللذين خلق منهما العقل والجهل، أم دونهما؟ الظاهر الثاني لأنه تعالى حدد غاية الإثنين للجنة والنار وهما دون العقل والجهل.
وقوله (عليه السلام): لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَعُنْصُرِهِ وَطِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْمَآثِمِ وَالْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِر...) ليس بنحو الحتم والجبر والإلجاء، بل الاقتضاء كما ورد نظيره في البحر الأجاج والجهل أنه بنحو الاقتضاء لا الإلجاء، وكذلك الحال في قوله (عليه السلام) (لِأَنَّ مِنْ سِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَعُنْصُرِهِ وَطِينَتِهِ اكْتِسَابَ الْحَسَنَاتِ وَاسْتِعْمَالَ الْخَيْرِ وَاجْتِنَابَ الْمَآثِمِ).
وقوله (عليه السلام): (فَإِذَا عُرِضَتْ هَذِهِ الْأَعْمَالُ كُلُّهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى قَالَ أَنَا عَدْلٌ لَا أَجُورُ وَمُنْصِفٌ لَا أَظْلِمُ وَحَكَمٌ لَا أَحِيفُ وَلَا أَمِيلُ وَلَا أَشْطُطُ أَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ الَّتِي اجْتَرَحَهَا الْمُؤْمِنُ بِسِنْخِ النَّاصِبِ وَطِينَتِهِ وَأَلْحِقُوا الْأَعْمَالَ الْحَسَنَةَ الَّتِي اكْتَسَبَهَا النَّاصِب بِسِنْخِ الْمُؤْمِنِ وَطِينَتِهِ رُدُّوهَا كُلَّهَا إِلَى أَصْلِهَا فَإِنِّي ﴿أَنَا اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا﴾ عَالِمُ السِّرِّ وَأَخْفَى وَأَنَا الْمُطَّلِعُ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِي لَا أَحِيفُ وَلَا أَظْلِمُ وَلَا أُلْزِمُ أَحَداً إِلَّا مَا عَرَفْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَهُ ثُمَّ قَالَ الْبَاقِرُ (عليه السلام) اقْرَأْ يَا إِبْرَاهِيمُ هَذِهِ الْآيَةَ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ أَيَّةَ آيَةٍ قَالَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿قَالَ مَعَاذَ اللهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُون﴾ هُوَ فِي الظَّاهِرِ مَا تَفْهَمُونَهُ هُوَ وَاللهِ فِي الْبَاطِنِ هَذَا بِعَيْنه...) الجمع بين هذا المفاد الظاهر في كونه يوم القيامة يوم تبلى السرائر والقلوب، وبين مفاد الأدلة المستفيضة أو المتواترة
وفيها حكم عالم الملك وحكم عالم الملكوت «حكم الله وحكم أنبيائه، وقصّة الخضر وموسى (عليهما السلام)» أيّ الشريعة الباطنة؛ لِإنَّهُ لا يدرك إلَّا بالملكوت، أي أن الجزاء على الأعمال لا يترتب على ظاهر إسناد الأفعال للأبدان والأرواح بحسب الدرجة في الملك، بل أيضاً بحسب الأبدان الملكوتية من الطينة الأصلية ومقتضياتها. وفِي الكافي بابا في الطينة والميثاق ورواية مفادها: أنَّ سبب عصيان المؤمن أنَّهُ مزجت طينته بالكافر، وسبب إيمان الكافر مزج طينته بالمؤمن، والله عدل لا يجور فترجع كُلّ طينة إلى أصلها فِي الرجعة.
وأنَّ هُنَاك حكم فِي عالم الملك وحكم فِي عالم الملكوت، فحكم الله وأنبيائه مِنْ قبيل قصة موسى والخضر أو ما يعبر عنه بالشريعة لِإنَّهُ لا يدرك إلَّا بالملكوت فَهُوَ مِنْ حكمه.
(أخبار تؤثر عَنْ الله مَنْ ردَّ منها حرفاً فَقَدْ كفر وأشرك)، أي حقائق وقضايا أخبر الله تعالى عنها في كتابه. قَالَ الليثي: فكأنّي لَمْ أعقل الآيات - وأنا أقرؤها أربعين سنة - إلَّا ذَلِكَ اليوم.
وَفي الرواية جملة مواضع للاستشهاد دلالة.
وعَنْ أحمد بن عبد الله بن قبيصة، عَنْ أبيه، عَنْ بَعْض رجاله، عَنْ أبي عبد الله، (عليه السلام) فِي قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُون﴾(٣٥٨)، قَالَ: «يكسرون فِي الكرة كَمَا يكسر الذهب حَتّى يرجع كُلّ شيء إلى شبهه - يعني إلى حقيقته -»(٣٥٩).
والبحث عن الرجعة وعوالم أخرى وبالتحديد بحث الرجعة والطينة وأنَّ فِي الرجعة رجوع مزج الطينات واختلاطها إلى أصولها. وَهَذَا مِنْ الأحوال العظيمة والطامات الكبرى فِي الرجعة، نظير خروج الدابة ويمكن أنَّ يكون المراد مِنْ الحديث امتحانهم حَتّى تظهر حقائقهم.
وبنفس مفاد الرواية أخبار في علل الشرائع.
(قَالَ الليثي: فكأني لَمْ أعقل الآيات - وأنا أقرؤها أربعين سنة - إلَّا ذَلِكَ اليوم).
وهَذِهِ الرواية مِنْ أعظم روايات الطينة لما تضمنته مِنْ الاستدلال بَلْ كلها كَذَلِكَ. وهَذِهِ الرواية تلحظ فيها القضايا الأُم فِي الإنسان وأنَّ الهوىة والعقيدة هي المحور الأساس فهل هُوَ مَعَ آل علي (عليه السلام) أم مع آل فلان. وأن المنطق الأساسي هُوَ ذلك ولا تنظر إلى التوابع والفروع والسفاسف، وَقَدْ ذكر فِي رواية علل الشرائع للصدوق أنَّ ذَلِكَ يَوُم القيامة وَهَذَا يُؤكِّد أنه فِي الرجعة والحساب، وَقَدْ تقدمت أدلته وَهَذَا متعاضد مَعَ كون أحوال الطينة ورجوعها إلى الأصل يكون فِي الرجعة.
٦ - عَنْ مُحمَّد بن الفضلي عَنْ أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «المؤمن أخو المؤمن لأبيه وَأُمَّه لِأنَّ الله خلق طينتهما مِنْ سبع سموات وَهِيَ مِنْ طينة الجنان...»(٣٦٠).
٧ - وروى مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى خَلَقَ الْمُؤْمِنَ مِنْ طِينَةِ جِنَانِ السَّمَاوَاتِ وَأَجْرَى فِيهِمْ مِنْ رَوْحِ رَحْمَتِهِ فَلِذَلِكَ هُوَ أَخُوهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّه (٣٦١) 
٨ - وفي تحف العقول: وروي عن الإمام السبط (عليه السلام)... فَقَالَ مُعَاوِيَةُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَخْبِرْنَا عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَالَ نَعَمْ عَنْ مِثْلِ هَذَا فَاسْأَلْ إِنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ سَبْعاً وَالْأَرَضِينَ سَبْعاً وَالْجِنَ مِنْ سَبْعٍ وَالْإِنْسَ مِنْ سَبْعٍ فَتَطْلُبُ مِنْ لَيْلَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ إِلَى لَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَهَضَ (عليه السلام).(٣٦٢) 
حقيقة الطينة والأظلة والأشباح:
 قَدْ أشرنا فِي مباحث هَذَا الفصل فِي موارد عديدة أنَّ المُستفاد مِنْ الروايات
١ - أنَّ الطينة عَلَى طبقات فطينة الأرواح دونها طينة الأبدان فضلاً عَنْ كون الأرواح ذَاتَ طبقات ومراتب بعضها فوق بَعْض وبالتالي تتعدد طينة الأرواح.
٢ - إنَّ المراد مِنْ طينة الأرواح هُوَ المادة الجسمانية اللطيفة الَّتِي يتكوّن منها الجسم الرقيق الذي يكون قالبا لتعلّق الروح والشيء المجرد الألطف، فالمقابلة بين طينة الأرواح وطينة الأبدان يُراد بها المقابلة بين الأبدان اللطيفة الَّتِي تتعلق بها الأشياء المُجرّدة وبين الأبدان الغليظة والكثيفة الَّتِي تكون المحل الأدنى لتنزل وتعلق الأرواح، ونظير ذَلِكَ مَا فِي الروايات الآتية.
٩ - روى بصائر الدرجات عَنْ أحمد بن مُحمَّد عَنْ أبي يحيى الواسطي عَنْ بَعْض أصحابنا قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «[إنَّ الله] خلقنا علّيين وخلق أرواحنا مِنْ فوق ذَلِكَ وخلق أرواح شيعتنا مِنْ علّيين وخلق أجسادهم مِنْ دون ذَلِكَ فَمِنْ أجل تلك القرابة بيننا وبينهم قلوبهم تحنّ إلينا»(٣٦٣).
١٠ - ومثلها فِي بيان تعدّد طبقات الطّينة رواية البصائر عَنْ أبي الحجّاج قَالَ: قَالَ لي أبا جعفر (عليه السلام): «يا أبا الحجّاج إنَّ الله خلق مُحمَّدا وآل مُحمَّد مِنْ طينة علّيين وخلق قلوبهم مِنْ طينة فوق ذَلِكَ وخلق شيعتنا مِنْ طينة دون علّيين وخلق قلوبهم مِنْ طينة علّيين فقلوب شيعتنا مِنْ أبدان آل مُحمَّد، وأنَّ الله خلق عدو آل مُحمَّد مِنْ طين سجّين وخلق قلوبهم مِنْ طين أخبث مِنْ ذَلِكَ، وخلق شيعتهم مِنْ طين دون طين سجّين وخلق قلوبهم مِنْ طين سجّين فقلوبهم مِنْ أبدان أولئك وَكُلّ قلب يحنّ إلى بدنه»(٣٦٤).
فتبيَّن هاتان الروايتان وأمثالهما تعدّد طبقات الأرواح والأبدان وتعدّد طبقات الأرواح فيما بينها وتعدّد طبقات الأبدان فيما بينها أيضاً كثافة وشفافية وغلظة ورقّة وظلمة ونورانية.
١١ - وروى فِي بصائر الدرجات صحيح الحسن بن محبوب عَنْ بشر بن أبي عقبة عَنْ أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) خلق محمداً مِنْ طينة مِنْ جوهرة تحت العرش وَإنَّهُ كَانَ لطينته نضح فجبل طينة أمير المؤمنين (عليه السلام) مِنْ نضح طينة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَانَ لطينة أمير المؤمنين (عليه السلام) نضح فجبل طينتنا مِنْ فضل طينة أمير المؤمنين (عليه السلام) وكانت لطينتنا نضح فجبل شيعتنا مِنْ نضح طينتنا، فقلوبهم تحن إلينا وقلوبنا تعطف عَلَيْهِم تعطّف الوالد عَلَى الولد ونحن خير لهم وَهُمْ خير لنا ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنا خير ونحن لَهُ خير»(٣٦٥).
وَهَذِهِ الرواية دالَّة عَلَى أنَّ طبقات المعصومين متفاوتة رتبة فطينة روح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فوق طينة روح أمير المؤمنين وطينة روح أمير المؤمنين فوق طينة روح الأئمة وطينة روح الأئمة (عليهم السلام) فوق طينة أرواح شيعتهم.
١٢ - وروى القمي فِي صحيح بن سنان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): أوَّل مِنْ سبق مِنْ الرسل إلى بلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أنَّهُ كَانَ أقرب الخلق إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَانَ بالمكان الذي قَالَ لَهُ جبرائيل - لما أُسري به إلى السماء - تَقَدَّمَ يا مُحمَّد فَقَدْ وطأت موطئاً لَمْ يطأه ملك مقرّب ولا نبي مُرسل ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قدر أنَّ يبلغه فَكَانَ مِنْ الله (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ الله ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أيّ بَلْ أدنى)(٣٦٦).
ويُستفاد مِنْ هَذِهِ الرواية جملة أُمُور:
قاعدة في المعراج:
 منها: ١ - قوله (عليه السلام) «ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قَدر أنَّ يبلغه، فَكَانَ مِنْ الله (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ الله قاب قوسين أو أدنى أيّ بَلْ أدنى»(٣٦٧) دالٌّ عَلَى أنَّ المراحل العليا مِنْ المعراج النبوي كَانَ روحانيا روحيا مِنْ الجسم الرقيق للروح لا للجسم الأرضي، نعم المراحل الاولى مِنْ المعراج كَانَ بالجسم الأرضي ولعلَّه بمقدار عروج البراق دون الرفرف.
وبعبارة أُخرى: يُستفاد مِنْ هَذِهِ الصحيحة ونظيرها مما هو بنفس المفاد أنَّ العروج فِي كُلّ عالم جسماني لابُدَّ أنْ يكون بالجسم الذي هُوَ مِنْ طينة ذَلِكَ العالم لعجز الجسم الغليظ عَنْ الولوج فِي عالم جسماني ألطف مِنْهُ إلَّا أنْ يتلطّف بدرجة ذَلِكَ العالم ومقتضى التلطّف تبدل الجسم مِنْ سنخ غليظ إلى لطيف ويؤول ذَلِكَ إلى نفس الضابطة، وَهَذَا ما بيَّنه (عليه السلام) فِي قوله «لما قدر أنْ يبلغه» وقوله (عليه السلام) «لولا أنَّ روحه ونفسه مِنْ ذَلِكَ المكان».
ومثله قوله (عليه السلام): (وَقَال عيسى بن مريم للحواريين «بحق أَقُوُل لكم أنَّهُ لا يصعد إلى السماء إلَّا ما نزل منها)»(٣٦٨) 
 وتقرَّر فِي مواضع مِنْ هَذَا الفصل أنَّ كُلّ سماء مِنْ السماوات السبع، بَلْ والأرضين السبع ذَاتَ طبيعة جسمانية تختلف فِي الكثافة واللطافة والغلظة والرقّة بين واحدة وَأُخرى.
ومنها: ٢ - عجز جبرائيل فِي المعراج عَنْ الاستمرار فِي العروج مَعَ الْنَّبِيّ دالٌّ عَلَى أنَّ سيد الأنبياء لديه مِنْ الأجسام اللطيفة والرقيقة مِنْ عوالم جسمانية علوية ما لا يتوفّر لدى الملائكة المقربين ولا الأنبياء المرسلين، وَمِنْ ثمة لدى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أرواح بطبقات عالية فوق روح الملائكة المقربين والأنبياء المرسلين، وَقَدْ فسَّر (عليه السلام) سبب قدرته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى العروج أزيد مِنْ جبرائيل وفي رواية أُخرى أزيد مِنْ ميكائيل الذي هو فوق جبرائيل، وأزيد مِنْ عروج دردائيل الذي هو فوق ميكائيل، وَهَذَا مما يشير إلى أنَّ قدرة أبدان الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تفوق كُلّما وَرَدَ مِنْ أوصاف لِكُلِّ أبدان الملائكة.
 مَعَ أنَّ ما وَرَدَ مِنْ أوصاف بدنية لأجنحة عظام الملائكة أمر مهول إلَّا أنَّ مقتضى عروجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الطبقات العليا بروحه أيّ بجسمه الرقيق إلى درجات يعجز عنها كُلّ الملائكة هُوَ كون طبقات أجسامه الرقيقة هُيَ أعظم الأجسام عَلَى الإطلاق.
ولعلَّ الى ذلك الإشارة فِي جملة مِنْ الروايات أنَّ الإمام مِنْ أهل البيت يحيط بالفعل دفعة بما دون العرش إلى الأرض السفلى، وكذا ما وَرَدَ فِي وصف الإمام المعصوم منهم أنه عين الله الَّتِي لا يخفى عَلَيْهِ خافية وأذن الله الواعية فِي الأُمَّم ويده الباسطة بالنعم وجنبه الأقرب.
قاعدة أخرى معاكسة للمعراج:
قال الصدوق في الاعتقادات: الأرواح مالم يرفع منها الى الملكوت بقي يهوي: قَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ فما لَمْ يرفع منها إلى الملكوت بقي يهوى فِي الهاوية؛ وَذَلِكَ لِأنَّ الجنّة درجات والنار دركات، وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ) ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾
١٣ - الكافي - في رسالة أبي عبد الله (عليه السلام) إلى أصحابه «... الَّذِيْنَ لا يرغب عنهم وَعَنْ مسألتهم وَعَنْ علمهم الذين أكرمهم الله به وجعله عندهم إلَّا مِنْ سبق عَلَيْهِ فِي علم الله الشقاء فِي أصل الخلقة تحت الأظلة فأولئك الَّذِيْنَ يرغبون عَنْ سؤال أهل الذكر...»(٣٦٩).
١٤ - وروى في بصائر الدرجات معتبرة عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَ مُحَمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَعِتْرَتَهُ مِنْ طِينَةِ الْعَرْشِ فَلَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَلَا يَزِيدُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ.(٣٧٠)

الفصل التاسع: الرجعة وجملة عوالم سابقة (لاحقة)

عالم الطينة والأظلة والأشباح والذر:
ملاحظة:
ربما نورد الرواية الواحدة في عدة مواضع وذلك لتعدد مواضع الاستشهاد فيها، وقد نضطر لإيراد كل الرواية الواحدة لأجل صيرورة القارئ والباحث في جو الرواية ووصوله الى ظاهر موضع ومحل الاستشهاد فيها، وربما نضطر الى تكرار الفقرة الواحدة من الرواية لأجل ذلك أيضا، فليس التكرار لأجل زيادة حجم صفحات الكتاب، بل لما ذكرنا من الحاجة، والحوالة لا تؤدي النقد الماثل امام القارئ.
مناسبة الرجعة وبقية العوالم:
يمكن تصوير العلاقة بين الرجعة وعوالم الأظلة والأشباح بأنحاء:
الأول: إنَّ الرجعة ولوج للروح فِي البدن الأرضي الدنيوي بعدما كانت فِي البرزخ ببدن مثالي، فتلج الروح بما لها مِنْ قالب رقيق فِي القالب الكثيف، لكن ذَلِكَ فِي قوس الصعود، أيّ ما بَعْدَ الحياة الأُولى مِنْ الدُّنْيَا ومفارقة الروح للبدن فِي نهاية الحياة الاولى مِنْ الدُّنْيَا، وَهَذَا بعينه يجري فِي تنزّل الروح فِي عوالم الأظلّة والأشباح ثمَّ الذَّر والميثاق إلى البدن الأرضي، فتلج الروح بما لها مِنْ قوالب جسمانية لطيفة وشفّافة فِي القالب الكثيف مِنْ البدن الأرضي بنفخ الروح بذلك البدن فِي قوس النزول في ما قبل الحياة الأُولى مِنْ الدُّنْيَا أو عند بدأها.
فنفخ الروح فِي البدن بما لها مِنْ أبدان رقيقة ولطيفة فِي النفخة الأُولى يُضاهي ويُقابل نفخ الروح الثَّانِي فِي الرجعة بَعْدَ الموت، فالرجعة بما لها مِنْ طبقات متقابلة محاذاة مَعَ طبقات عالم الأظلة كتقابل قوس الصعود مَعَ قوس النزول، لا سيما مَعَ ما حرّرناه فِي مبحث الرجعة والمعراج مِنْ تعدد طبقات الرجعة كتعدد طبقات العروج.
الثَّاني: مِنْ الحكم المنسوبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّه قَالَ: «إنْ لَمْ تعلم مِنْ أين جئت، لَمْ تعلم إلى أين تذهب»(٣٧١).
وَهَذَا الحديث يتضمَّن الإشارة والبُرهان عَلَى ضرورة معرفة العوالم السابقة للإنسان عَلَى عالم الدُّنْيَا ليتسنّى معرفة الرجعة والمعاد وَأنَّهُ بدون ذَلِكَ لا تعرف حقيقتهما ويوضِّح الربط بين الرجعة وجملة مِنْ العوالم السابقة كالرجعة والميثاق والرجعة وعالم الذَّر والرجعة والمعراج والرجعة وعالم الأشباح والأظلة وغيرها مِنْ العوالم.
وهو مفاد قاعدة (وَلَوْ لَا أَنَّ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ - كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يَبْلُغَهُ) في صحيح ابْنِ سِنَانٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) أَوَّلُ مَنْ سَبَقَ مِنَ الرُّسُلِ إِلَى بَلَى مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَقْرَبَ الْخَلْقِ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ بِالْمَكَانِ الَّذِي قَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُ لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ «تَقَدَّمْ يَا مُحَمَّدُ فَقَدْ وَطِئْتَ مَوْطِئاً - لَمْ يَطَأْهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ» وَلَوْ لَا أَنَّ رُوحَهُ وَنَفْسَهُ - كَانَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ لَمَا قَدَرَ أَنْ يَبْلُغَهُ، فَكَانَ مِنَ اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ اللهُ ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أَيْ بَلْ أَدْنَى - فَلَمَّا خَرَجَ الْأَمْرُ مِنَ اللهِ - وَقَعَ إِلَى أَوْلِيَائِهِ (عليهم السلام)...)(٣٧٢) 
وَمِنْ ثمَّ تنبثق قاعدة تقوّم معرفة الرجعة بمعرفة العوالم السابقة.
الثَّالثة: إنَّ الروح حَيْثُ أنَّها جسم لطيف كَمَا سيتّضح فِي تضاعيف هذا البحث مِنْ جهة وَمِنْ جهة أُخرى فَإنَّ الروح فِي ذاتها وحقيقتها ذَاتَ طبقات فالروح ذَاتَ أجسام مختلفة لطافةً ورقّةً. وَمِنْ تلك الطبقات عالم الأظلة والأشباح.
وَمِنْ جهة ثالثة فَإنَّ الموت عبارة عَنْ نزع الروح مِنْ الجسد والبعث نفخ الروح فِي البدن وَكُلّ مِنْ الموت والبعث طبقات، وَهَذَا يقتضي أنَّ النزع درجات وطبقات كَمَا يقتضي أنَّ النفخ كَذَلِكَ كَمَا سيأتي بيانه مُفصلاً.
وبالتالي يتصل بحث الرجعة فِي قِبال الموت بطبقات فِي كُلٍّ منهما ترتقي إلى عالم الأظلة والأشباح كَمَا سيأتي بيانه.
كما يستدعي بحث الرجعة البحث عَنْ جملة مِنْ العوالم الجسمانية المخلوقة فيما دون العرش الجسماني.
الرجعة إلى الدُّنْيَا والرجعة لعوالم الآخرة:
نوعان وقسمان:
الرابعة: إنَّ المعاد كَمَا مَرَّ فِي البابين السابقين نحوٍ مِنْ الرجعة والرجوع بالمعنى العام، وَمِنْ ثمَّ فَإنَّ كُلّ مرحلة مِنْ مراحل المعاد رجوع ورجعة، وَكُلّ معاد هُوَ أوبة المخلوقات والإنسان إلى الأصل المخلوق مِنْهُ، فَإنَّهُ إذَا تقرَّر للإنسان نشأة وكينونة سابقة عَلَى النشأة الأرضية نظير خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام، وأنَّ الإنسان كائن سماوي وكائن أخروي، كَمَا قَالَ (عليه السلام) «أنتم أبناء الآخرة منها أتيتم وإليها تعودون» فيكون الذهاب إلى الآخرة رجوع ورجعة، فَكَمَا للدُّنيا رجعة فكذلك للنشأة الأخروية الَّتِي كَانَ فيها الإنسان لَهُ رجعة إليها مَرَّة أُخرى.
وسيأتي أنَّ حقيقة الرجعة كَمَا هِيَ غاية لعالم الدُّنْيَا وأنَّ للدُّنيا حياة أولى وحياة أُخرى وآخرة، فكذلك لِكُلِّ عالم مِنْ العوالم كينونة أولى وكينونة لاحقة تسمّى بالرجعة، فالرجعة حقيقة ومعادلة كينونية لِكُلِّ عالم ولا تختصّ بعالم الدُّنْيَا، وَهَذَا ما يتبيَّن مِنْ مباحث مراتب الرجعة ومباحث الرجعة والمعاد. وبذلك يتّضح أنَّ الرجعة كَمَا تكون نزولا كالنزول من البرزخ الى الدنيا، وإنْ غايرت الرجعة هويّة التنزُّل كَمَا مَرَّ مِراراً - فكذلك الرجعة صعود وعروج، فالرجعة نوعان وقسمان: نزول وصعود.
وبالتالي دخول الجنّة رجعة - بالمعنى الأعم - إليها ودخول عالم القيامة رجوع إليها، وَقَدْ وَرَدَ فِي روايات الطّينة كَمَا سيأتي أنَّ أرواح المؤمنين لما عرضت عَلَيْهِم (عليه السلام)، كانت أرواح أعدائهم فِي النار، نعم لابُدَّ مِنْ التوفيق بين كينونة الإنسان السابقة وطينته مِنْ علّيين أو مِنْ سجّين أيّ كينونة جسمانية لطيفة روحية لَهُ فِي علّيين أو كينونة جسمانية روحانية فِي النار، مَعَ الامتحان والاختيار فِي عالم الدُّنْيَا، بَلْ مَعَ عموم التكليف بالدين فِي العوالم، وإنْ لَمْ تكن شريعة فِي العوالم الأُخرى، وَهَذَا ما يُفسِّر ما ورد في روايات المعراج مِنْ رؤية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أشخاصا بأعيانهم يتعذّبون فِي نار جهنّم، مَعَ أنَّ أولئك لَمْ تقم عَلَيْهِم القيامة بَعْدَ وَلَمْ يدخلوا النار بَعْدَ فكيف رآهم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي النار.
محاور تمهيدية:
المحور الأول: طبقات ومراتب الإنسان:
إنَّ عموم الإنسان ذو مراتب تبدأ مِنْ المرتبة النورية العقلية، ثمَّ الروح ثمَّ النفس ثمَّ البدن فضلاً عَنْ الإنسان الكامل والكمّلين مِنْ الأنبياء والأوصياء والشُّهداء والصدّيقين، فالعقل لَهُ أحكام تختلف عَنْ النفس فَإنَّهُ لا يبرد ولا يسخن كالجسم ولا يخاف ولا يحزن كالنفس، فالعقل فِي مقام وجود منيع، أمَّا بدن الإنسان فَإنَّهُ يعطش ويسخن، وبخلاف نفس الإنسان فإنها تضطرب وتُسر.
فالإنسان لَهُ حالات مختلفة مُتنوّعة متباينة بحسب طبقاته الوجودية، فللإنسان اشتراك مَعَ الأجسام الجمادية، كَمَا لَهُ اشتراك مَعَ النباتات والأجسام النباتية فِي المرتبة النباتية، كَمَا لَهُ اشتراك مَعَ الحيوانات فِي الحيوانية، والحواس الخمس الَّتِي فِي الإنسان مُتوفّرة لدى الحيوان، وكذلك بين الإنسان والملائكة جهة اشتراك وَهُوَ البُّعد الملائكي فِي الطبقة الملكية فِي الإنسان ونعني بها العقل، وَهُوَ مفاد الشعر المنسوب لأمير المؤمنين (عليه السلام):

أتزعم أنَّكَ جرم صغير * * * وفيك انطوى العالم الأكبر

وَقَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) ركّب فِي الملائكة عقلاً بلا شهوة وركَّب فِي البهائم شهوة بلا عقل وركَّب فِي بني آدم كليهما فَمَنْ غلب عقله شهوته فَهُوَ خير مِنْ الملائكة وَمَنْ غلبت شهوته عقله فَهُوَ شرُّ مِنْ البهائم»(٣٧٣).
المحور الثاني: طبقات ومراتب الإنسان الكامل:
ثمَّ إنَّ الإنسان الكامل يزداد عَلَى هَذِهِ الطبقات الموجودة فِي الإنسان العادي طبقات أكثر دنوّاً واقتراباً مِنْ العلي الأعلى، وَهِيَ طبقات النور وطبقات الروح الأمري وغيرها كَمَا يشير إلى ذَلِكَ القرآن الكريم فِي قوله تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾(٣٧٤).
فبيَّن فِي هَذِهِ الآية أنَّ مثليّة سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لبقية البشر إنَّما هِيَ المراتب النازلة مِنْ سَيِّد الأنبياء، وأمَّا مراتبه العالية فحقيقتها وَحيٌ مستمر لا ينقطع، وَهُوَ مفاد قوله تَعَالَى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾(٣٧٥) فحقيقة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنسان وحياني وَلَيْسَ إنسانا حسب.
كَمَا أشار إليه المجلسي (قدّس سرّه) فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُون﴾(٣٧٦) إنَّ في مفاد الآية إشارة إلى الحقيقة الملائكية فِي الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا أنَّ حقيقة الحياة الوحيانية فوق الملائكية، وإنَّ مِنْ حقيقته الحياة الوحيانية ولكنّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألبس لباس البشر.
كما في مصحح سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ نَحْنُ الْمَثَانِي الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا وَنَحْنُ وَجْهُ اللهِ الَّذِي نَتَقَلَّبُ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ أَظْهُرِكُم...)(٣٧٧) 
المحور الثالث: لكل طبقة مِنْ وجود الإنسان لوازم وآثار:
إنَّ لوازم وشؤون البدن غَيْر لوازم وشؤون النفس، كَمَا أنّهما يغايران لوازم وشؤون الروح، وَهِيَ تغاير لوازم وشؤون العقل، فالبدن إذَا مات الإنسان فالموت فِي الحقيقة يسند الى بدنه ومن ثم قد يتعفّن، كَمَا أنَّ النوم فِي الحقيقة يُسند إلى البدن، بخلاف الروح فإنّها بموت البدن تبعث ببدن برزخي، فطبيعة الإنسان ذو طبقات ودرجات وَكُلّ طبقة لها عمل ونشاط وآثار خاصّة بها.
فمثلاً صفة المُهيمن للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنوره الأوَّل فِي المخلوقات وَلَيْسَ لبدنه الشريف الموجود ذو البقعة الجغرافية المُعيّنة الذي ولد فِي عام الفيل، فَكُلّ طبقة مِنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لها صفة وحكم وشؤون وآثار، نعم بدنه بالقياس إلى بَقيَّة الأبدان لَهُ تفوّق وَكُلّ طبقة مِنْهُ تفوق عَلَى ما يجانسها مِنْ طبقات البشر، كما في الصحيح بِشْرُ بْنُ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ مُحَمَّداً مِنْ طِينَةٍ مِنْ جَوْهَرَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَإِنَّهُ كَانَ لِطِينَتِهِ نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ نَضْحِ طِينَةِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَكَانَ لِطِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَتَنَا مِنْ فَضْلِ طِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَكَانَتْ لِطِينَتِنَا نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَةَ شِيعَتِنَا مِنْ نَضْحِ طِينَتِنَا، فَقُلُوبُهُمْ تَحِنُّ إِلَيْنَا وَقُلُوبُنَا تَعْطِفُ عَلَيْهِمْ تَعَطُّفَ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ وَنَحْنُ خَيْرٌ لَهُمْ وَهُمْ خَيْرٌ لَنَا وَرَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَنَا خَيْرٌ وَنَحْنُ لَهُ خَيْرٌ)(٣٧٨).
وكَمَا يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي شجاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «كُنّا إذَا اشتدّ البأس (أو حمي الوطيس) لُذنا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» وفي نسخة «اتقينا برسول الله ولذنا به»(٣٧٩).
وَكَمَا فِي هدم الأصنام عند فتح مكة فَإنَّ بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يحمل بدن علي (عليه السلام) ولا يحمل بدن أمير المؤمنين (عليها السلام) بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهكذا فِي سائر الشؤون مَعَ أنَّ كلاً مِنْ بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبدن علي (عليه السلام) يفوقان بَقيَّة أبدان الأئمة (عليهم السلام)، وكما للحسنين (عليهما السلام) خصوصية وراثية عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كَمَا يتفوق بدن المهدي (عجّل الله فرجه) على بقية أبدان الائمة التسعة.
فالطبقة الواحدة مِنْ طبقات الإنسان تتضمّن درجات. كَمَا أنَّ نور أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنْ كَانَ بَعْدَ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا أنَّهُ فوق مرتبة الروح الجزئية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لِأنَّ كُلّ سلسلة الأرواح هي بَعْدَ الأنوار رتبةً، وإنْ كانت مرتبة الروح لأمير المؤمنين (عليه السلام) الكلية أو الجزئية دون مرتبة الروح الكلية أو الجزئية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كَمَا أنَّ الروح الكلية أو الجزئية لأمير المؤمنين (عليه السلام) فوق مرتبة النفس الكلية أو الجزئية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وإنْ كانت مرتبة النفس الكلية أو الجزئية لأمير المؤمنين (عليه السلام) دون مرتبة النفس الكلية أو الجزئية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وَإلى هَذَا التراتب يشير حديث الأفلاك «لولاك لما خلقت الأفلاك»(٣٨٠). وَلَيْسَ التعبير فيه (ولولا خلقك) إذْ الخلقة هِيَ جانب البدن والنفس والروح الجزئية بينما (الكاف) إشارة إلى الكينونة النورانية، وَهِيَ متقدِّمة عَلَى خلق السماوات والأرض، وكذا ما فِي حديث الأفلاك «لولا عليّ لما خلقتك» وَلَيْسَ التعبير لولا خلق علي (عليه السلام)، بل لولا كينونة علي (عليه السلام) النورية لما خلقتك خلقةً بدنية، إذْ بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأرضي مخلوق بَعْدَ السماوات وَبَعْدَ الأرض وَبَعْدَ أبويّة عبد الله (عليه السلام) وآمنة بنت وهب (عليها السلام).
فلولا نور علي (عليه السلام) لما كانت خلقة بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَلَيْسَ هَذَا تفضيل لأمير المؤمنين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَإنَّما هُوَ ملاحظة الطبقات، كَمَا أنَّ الحال كَذَلِكَ فِي فقرة «لولا فاطمة لما خلقتكما» وَلَيْسَ تعبير الحديث (ولولا خلق فاطمة (عليها السلام)) لما خلقتكم، يعني ما خلق بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبدن علي (عليه السلام) وبالقياس والإضافة إلى شأن نور فاطمة (عليها السلام)، وأمَّا شان نور علي (عليه السلام) فضلاً عَنْ شأن نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَهُوَ أعظم.
وهكذا الحال فِي تعليم وإنباء جبرئيل (عليه السلام) للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَإنَّما جبرئيل يعلّم وينبئ النفس النازلة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَهِيَ النفس الجزئية لَهُ لا المراتب العليا لطبقة وجود الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذْ كثيرا ما يأتي جبرئيل مِنْ الملكوت إلى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأُمُور ما فيرى أنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنده أشياء لا يعلمها جبرئيل، مثل ما فِي ذيل الآية الكريمة ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ﴾(٣٨١).
وَهِيَ فتنة السقيفة والشجرة الملعونة بنو أُميّة حَيْثُ رآهم فِي الرؤيا ينزون عَلَى منبره نزوة القردة وَلَمْ يعلم جبرئيل بما أوحي للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي تلك الرؤيا فَقَدْ كَانَ فوق علم جبرئيل، فصعد جبرئيل فعلم بما أوحي للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ نزل بالآية الكريمة.
 والحاصل أنَّ جبرئيل بمثابة قوة مِنْ قوى ذَاتَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَكَمَا أنَّ لعموم الإنسان أنْ يرجع إلى ذاكرته الخيالية أو الوهمية مَعَ أنَّ عقل الإنسان مُهيمن عَلَى الخيال وتستعين النفس النازلة مِنْ الإنسان بالخيال، ولا يعني ذَلِكَ أنَّ الخيال أعظم طبقات الإنسان وَإنَّما هُوَ كواسطة فيض من طبقة ذَاتَ الإنسان العقلية للطبقات النازلة مِنْ طبقات ذَاتَ الإنسان.
فأعظم المعرفة بالمعصومين (عليهم السلام) هُوَ معرفتهم بالنورانية أيّ أنَّهم ذو طبقات وذو شؤون مختلفة وَهُوَ ما تشير إليه جملة مِنْ الآيات كقوله تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾(٣٨٢).
فَلَمْ يقتصر عَلَى مثليته للبشر فِي بيان جوهر ذاته، بَلْ أضاف إلى ذَلِكَ حقيقة كبرى يغاير بها بقيّة البشر وَهِيَ حقيقته الوحيانية وَهِيَ أكبر كمال يمكن أنْ يصل إليه المخلوقون ثمَّ إنَّ ما بين هَذِهِ الطبقة العالية والطبقة المثلية للبشر طبقات متوسّطة كثيرة لا تحصى.
المحور الرابع: ما هو أصل أصول الإنسان:
الأصل الذي به وحدة الإنسان وهويّة وجوده، عِنْدَمَا تقول قوة غضبي فَهَلْ قوة غضبك جزء ذاتك وعين ذاتك أو خادمة للذات، وكذا عِنْدَمَا تقول قوة الخيال لديَّ أو تقول نفسي فتضيف النفس لذلك الأصل وكذلك عِنْدَمَا تقول عقلي فَأَنْتَ - كأصل ينسب إليه بقية القوى - ما هُوَ وتلك القوى ما هِيَ؟
وَهَلْ يصحّ تعبير ملا صدرا: النفس في وحدتها كُلّ القوى. هَلْ هِيَ كُلّ القوى أو هِيَ وراء القوى وَقَدْ اعترف فِي مبحث النفس من الأسفار أن الباحثين لَمْ يخرجوا بنتيجة كجواب لهذا التساؤل.
وَقَدْ قَالَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ عرف نفسه عرف ربه وأعرفكم بنفسه أعرفكم بربه»
وروى أنّ بعض أزواج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سألته: متى يعرف الإنسان ربّه فقال: «إذا عرف نفسه»(٣٨٣).
قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّه»(٣٨٤).
وفي غرر الحكم للأمدي: قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ»(٣٨٥).
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الْمَعْرِفَةُ بِالنَّفْسِ أَنْفَعُ الْمَعْرِفَتَيْنِ».
وقال: «أَفْضَلُ الْمَعْرِفَةِ مَعْرِفَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَه»(٣٨٦).
وفي غرر الحكم أيضا: (٤٦٣٣) وقال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ أَنْ يَعْرِفَ الْمَرْءُ نَفْسَهُ (٣٧٢/ ٤). وفيه أيضا (٤٦٣٤) كَفَى بِالْمَرْءِ مَعْرِفَةً أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ (٥٧٥/ ٤). و(٤٦٣٥) مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ تَجَرَّدَ (١٧٢/ ٥). و(٤٦٣٦) مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ جَاهَدَهَا (١٧٧/ ٥). و(٤٦٣٧) مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ (١٩٤/ ٥). و(٤٦٣٨) مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدِ انْتَهَى إِلَى غَايَةِ كُلِّ مَعْرِفَةٍ وَعِلْمٍ (٤٠٥/ ٥). و(٤٦٣٩) مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ جَلَّ أَمْرُهُ (٢٠٨/ ٥). و(٤٦٤٠) مَعْرِفَةُ النَّفْسِ أَنْفَعُ الْمَعَارِفِ (١٤٨/ ٦).
و(٤٦٤١) نَالَ الْفَوْزَ الْأَكْبَرَ مَنْ ظَفِرَ بِمَعْرِفَةِ النَّفْسِ (١٧٢/ ٦).(٣٨٧)
واحتمل بعضهم أنَّ ذَلِكَ تعليق عَلَى المحال لِأنَّ النفس لا يُعرف كنهها فَإنَّ الضمير الذي يُضاف إليه سائر القوى في قول الشخص كعقلي ونفسي وهوايَ ومخيلتي وقوايَ لا تعرف حقيقته؟
وَهل هَذِهِ المراتب كل منها عين الاخرى أو مفككة عن بعضها أو مترابطة؟، ثمَّ هَذِهِ القوى جواهر أم جوهر واحد؟، وَعَلَى تقدير كونها جواهر فَهِيَ شخصيات وجودية مُتعدّدة أو وجود واحد أم هِيَ شؤون هوية واحدة؟، وماذا يعني ارتباطها هَلْ هو ارتباط عرضي فيما بينها أم ارتباط جوهري؟، وارتباط الذَّات مَعَ القوى النفسانية بأنْ تكون الذات عينها عين وجود الغضب وعين العقل وأنَّ قوة وحقيقة الغضب عين وقوة العقل والنفس حقيقة أم أنَّ هَذِهِ القوى خوادم تابعة لأصل وجودي مُهيمن مُسخِّر لها وَهِيَ مُسخَّرة له؟.

أتزعم أنَّكَ جرم صغير * * * وفيك انطوى العالم الأكبر

فما الذي يشير (عليه السلام) إليه وكيف ينطوي العالم الأكبر فِي العالم الأصغر.
فكلامه (عليه السلام) رمزيٌّ لَمْ يُعرف غور حقيقته بعدُ وَإنَّما هِيَ تساؤلات. فإذا كانت ذَاتَ الإنسان العادي بهذا الغموض، فكيف بك بذات المعصوم (عليه السلام) أو بسيّد المعصومين سيّد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حَيْثُ أنَّ أحد القوى الَّتِي جعلها الله فيه أو أغرزها فِي ذاته هِيَ الروح الأمري كَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾(٣٨٨).
والروح الأمري أعظم مِنْ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، مَعَ أنَّ إسرافيل يخيف جبرئيل كَمَا وَرَدَ فِي بَعْض روايات المعراج، حَيْثُ كَانَ جبرئيل مَعَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفجأة لاذ جبرئيل خلف رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بسبب مجيء إسرافيل يطوي كُلّ سماء مِنْ السماوات السبع بخطوة واحدة.
ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَمْ يضطرب وَلَمْ يهتزّ شعرة - وفسَّر ذَلِكَ جبرائيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخوفه مِنْ أنْ يكون حان نفخ الصور. مَعَ أنَّ إسرافيل جاء لتحية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَمَعَ ذَلِكَ فالروح الأمري أعظم مِنْ إسرافيل.
وَمَعَ ذَلِكَ فسورة الشورى ترسم صورة تبيِّن عظمة سيد الأنبياء وأنَّ الروح الأمري الذي عرّفته جملة مِنْ الآيات بأن الملائكة تصعد وتعرج به كَمَا تتنزل به كَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾(٣٨٩) وقوله تَعَالَى ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَة﴾(٣٩٠) فمعراجها ونزولها بالروح الأمري، وهَذَا الروح الأمري الذي لَهُ هَذِهِ العظمة هو قطرة فِي محيط ذَاتَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحسب ما ترسمه هَذِهِ الآية مِنْ سورة الشورى(٣٩١) مِنْ تصوير للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولَمْ يحصر الوحي للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الآية ولم يقصر عَلَى الروح الأمري، بَلْ الروح الأمري الذي هُوَ تمام حقيقة الكتاب واحد مِما لا يحصى من عموم أنواع الوحي الَّتِي توحى إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
وَإلى هَذَا يشير مولانا زين العابدين (عليه السلام) فِي الصحيفة السجادية(٣٩٢) فِي دعاء الصلوات عَلَى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شارحاً لقوله تَعَالَى: ﴿يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم﴾ وأمثالها مِنْ الحروف المقطّعة فِي أوائل السور الَّتِي يتلوها ذكر لفظ الكتاب والقرآن بأنَّ تلك الحروف المقطعة أسماء لمقامات غيبية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم مِنْ مقام الكتاب، وبالتالي يظهر أنَّ الروح الأمري مقرونة أو مغروزة فِي ذَاتَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو قوة خادمة مِنْ خوادم هَذِهِ الذات العملاقة المهيمنة المُحيطة للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويشير إلى ذَلِكَ قول مولانا العسكري (عليه السلام) «وروح القدس فِي جنان الصاقورة(٣٩٣) ذا ق من حدائقنا الباكورة»(٣٩٤) وَهُوَ أوَّل ما يسقط مِنْ الثمر فِي الجنان الصغيرة، قَدْ ذاق مِنْهُ فصار روح القدس وَهَذِهِ إشارة إلى عظمة حقائقهم فبذلك يتّضح أن مقام حجيتهم فوق حُجيّة القُرآن فضلا عن مقام حُجيّة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لكون الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم مِنْ الثقلين والقرآن لا العكس كَمَا توهمه العلّامة الطباطبائي (رحمه الله)، بَلْ القرآن فرع مِنْ فروع أهل البيت (عليهم السلام) وهم فرع من فروع النبوة، وقد مرت أيضاً الإشارة في مصحح سَوْرَةَ بْنِ كُلَيْبٍ قول الباقر (عليه السلام) نَحْنُ الْمَثَانِي الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ تَعَالَى نَبِيَّنَا)(٣٩٥)، إشارة الى قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيم﴾ أن القرآن تابع وفرع من السبع المثاني وهم أهل البيت (عليهم السلام).
ومِنْ ثمَّ يؤتى بذكر القرآن بَعْدَ ذكر الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي صدر ومطلع العديد مِنْ السور مثل: ﴿حم وَالْكِتَابِ الْمُبِين﴾(٣٩٦) و﴿طسم تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾(٣٩٧) و﴿طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُّبِين﴾(٣٩٨)، بل قد ورد مستفيضا أن صدر هذه السور أسماء لعلي (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) فضلا عن فوقية وهيمنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على كل ذلك، وهَذَا مفاد حديث الثقلين بين الفريقين «إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين» حَيْثُ أنَّ الضمير يعود إلى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَأنَّهُ مصدر الثقلين كمبدأ وكمعاد لهما، كَمَا يشير إليه ذيل الحديث الشريف (حَتّى يردا عليَّ الحوض).
هيمنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونظام الحجج:
فَالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مصدر اعتبار الثقلين وَهُوَ منطوق مفاد «إنِّي تاركٌ فيكم الثقلين» وَهَذِهِ المقارنة تفيد:
ضوابط وقوالب:
١ - تبين أعظميّة حجيّة شخص الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَعَ ما للقرآن مِنْ كُلّ الطبقات لا المقارنة.
٢ - لا المقارنة بين حديث الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) المروي عِنْدَ الرواة مَعَ كلام المصحف.
٣ - فَإنَّ الحديث النبوي المروي هو نبي صامت كَمَا أنَّ المصحف الشريف قرآن صامت لكنّه كلام الله فيفوق بِهَذَا اللحاظ الأحاديث النبوية المروية.
٤ - لِأنَّ كلام الله فوق كلام الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٥ - لكن شخص الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كلام الله الأعظم فوق كلام المصحف.
٦ - وَمِنْ ثمَّ كَانَ شخص مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وأشخاص الأئمة (عليهم السلام) قرآناً ناطقاً بينما المُصحف قرآن صامت.
٧ - نعم الأحاديث المروية عَنْ الأئمة (عليهم السلام) إمام صامت والكلام الصامت للأئمة (عليهم السلام) هُوَ دون كلام الله فِي المصحف.
٨ - فَمِنْ ثمَّ يوهم ويخطأ مِنْ يقصر منازل القرآن ومقاماته على المصحف الشريف.
٩ - كَمَا يوهم مِنْ يخلط بين إسلام المصحف وإسلام القرآن.
١٠ - فضلاً عَنْ غفلته عَنْ إسلام الثقلين.
١١ - وَمِنْ ثمَّ يوهم ويخطأ مَنْ يريد أنْ يتعلّم القرآن فِي البدء مِنْ أهل البيت (عليهم السلام) كبداية وأمَّا بقاءً فيستغني ويستقل عنهم (عليهم السلام) ويستبدّ بفهمه وقدراته بالمصحف الشريف فضلاً عن عجزه عَنْ نيل طبقات القرآن.
وَهُوَ معنى تلازمهما وعدم افتراقهما «لن يفترقا حَتّى يردا عليَّ الحوض».
١٢ - إنَّ تراتب الحجج مراتب فوق بعضها البعض كفوقية حجية الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى حجية القرآن والعترة، ولا ينافي ذلك كونهما مِنْ دلائل نبوة سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نظير دلالة الآيات المخلوقة عَلَى خالقها؛ وَذَلِكَ لِأنَّ الحجج تشاهد بعضها عَلَى بَعْض نظير دلالة موقعية أمير المؤمنين (عليه السلام) بماله مِنْ فضائل وكمالات عَلَى مقام وحجية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وكذلك كون الثقلين مِنْ دلائل نبوة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا ينافي كون حجية الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم مِنْ حجيتهما.
حقيقة تفسير القرآن بالقرآن:
١٣ - وَعَلَى ضوء ذَلِكَ فتوهّم أنَّ تفسير القرآن بالقرآن مُقدّم فِي الحجيّة عَلَى تفسير القرآن بالسنة النبوية فضلاً عَنْ سنة أهل البيت (عليهم السلام) وهو وهمٌ محض؛ وَذَلِكَ لانطوائه عَلَى:
أوَّلاً: المغالطة ثمَّ الغفلة بجملة مِنْ الحقائق الكبيرة؛ أمَّا المغالطة فلأن تفسير القرآن بالقرآن حقيقته: هُوَ تفسير المجتهد للقرآن بحسب قدرته البشرية بالاستعانة بتتبعه وفطنته بموارد أُخرى مِنْ القرآن، فَلَيْسَ العنوان مُطابق لحقيقة منهاج هَذَا التفسير لِأنَّ العنوان (تفسير القرآن بالقرآن) مقتضاه إنَّ القرآن العظيم بحقيقته العظيمة وقدرته الغيبية المهولة يقوم بتفسير نفسه.
وَهَذَا لَيْسَ هُوَ ما يجري مِنْ منهج تفسير المجتهد للقرآن بالقرآن الذي هُوَ نتاج بشري بجهد بشري وإنْ كَانَ بمحاولة الاستعانة بالقران الكريم، فكيف يكون هَذَا الاجتهاد مرتبة حجيته فوق تفسير القرآن بالسنّة المطهّرة، هَذَا لو أُريد السنة الصامتة وَإلَّا فالسنة الناطقة وَهُوَ نفس الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فتقدم حجيتهما عَلَى القرآن الصامت واضح، بَعْدَ كون هي العترة القرآن الناطق وكون شخص الْنَّبِيّ فوق ذَلِكَ، وقد مر أن حقيقة القرآن وهو روح القدس دون نور أهل البيت (عليهم السلام) فضلا عن فوقية وهيمنة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
١٤ - التأييد بالروح الأمري روح القدس يغاير التناسخ:
قَدْ خلط أكثر الفرق الباطنية بين انتقال روح القدس والروح الأمري من آدم (عليه السلام) إلى الْنَّبِيّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وراثةُ اصطفائيةً (بين ذَلِكَ) وبين التناسخ، فحسبوا أنَّ هَذَا الانتقال تناسخ، بينما هُوَ توريث روحي اصطفائي فهُوَ مَعَ الأنبياء مؤيداً لهم كقوة خادمة، لا أنَّهُ أصل ذواتهم كي يتوهّم التناسخ حينئذٍ وَقَدْ مَرَّ في مراتب الإنسان وأصله أنَّ قوى النفس النازلة نسبتها إلى أصل ذَاتَ الإنسان نسبة القوى الخادمة.
كَمَا هُوَ مفاد قول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «النفس كأخبث الدواب»، وفي حديث نبوي آخر «أعدى أعدائك نفسك الَّتِي بين جنبيك»(٣٩٩)، حَيْثُ يُبيِّن هَذان الحديثان الشريفان تغاير النفس عَنْ أصل الذَاتَ أو مَعَ أصل ذَاتَ الإنسان وإنِّها كالدّابة المركوبة يدبّ عليها أصل ذَاتَ الإنسان وَهِيَ عدو مباين.
فانتقال روح القدس وَهُوَ الروح الأمري بَعْدَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى علي (عليه السلام) لا يعني التناسخ، ولا أنَّ روح مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حلَّت حلول التناسخ فِي أمير المؤمنين (عليه السلام) فقوله تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾(٤٠٠) فالروح الأمري نورٌ يورثه الله ﴿مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا﴾ وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ فِي الروايات أنَّهُ (يكون معهم) وَهُوَ مفاد قوله تَعَالَى ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾(٤٠١) فتنزيل الروح الأمري عَلَى مَنْ نشاء هُوَ التوريث فِي قوله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾(٤٠٢).
وَهُوَ الإلقاء في قوله تَعَالَى ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ﴾(٤٠٣) وَهُوَ الإيحاء الذي تَقَدَّمَ فِي سورة الشورى ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا﴾ وَهُوَ الموصوف بالهداية فيها، فبالنسبة إلى الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوحينا وبالنسبة إلى الأئمة مِنْ بعده هداية مِنْهُ تَعَالَى لهم به، وسمّاه تَعَالَى بالتوريث والتنزيل والإلقاء.
فَكَمَا فِي قوله تَعَالَى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(٤٠٤) فَإنَّ الإلهام قريب سنخا من التعبير ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ فَإنَّ القوى الوجودية كقوى التقوى فِي الإنسان إلهام أيّ قوى خوادم لا أنَّها عين أصل الإنسان.
الفرق بين: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا﴾. و﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ و﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾(٤٠٥):
فَقَدْ يُتساءل ما الفرق بين تأييد الْنَّبِيّ عيسى (عليه السلام) بروح القُدُس وبين عنوان أوحينا فِي سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووجه الفرق، كَمَا وَرَدَتْ بذلك الروايات عَنْ أهل البيت (عليهم السلام) أنَّ عيسى (عليه السلام) أُيِّد بخلافه في سيد الأنبياء فإنه جعل من القوى الخادمة له.
آية المُباهلة ﴿أَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾:
١٥ - وفي مصحح مرازم عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: «قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يا مُحمَّد إنِّي خلقتك وعلياً نوراً يعني روحاً بلا بدن قبل أنْ أخلق سماواتي وأرضي وعرشي وبحري، فَلَمْ تزل تهللني وتمجدني ثمَّ جمعت روحيكما فجعلتهما واحدة فكانت تمجدني وتقدسني وتهللني، ثمَّ قسّمتها اثنتين وقسّمت الثنتين ثنتين فصارت أربع، مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واحد وعلي واحد والحسن والحسين ثنتان، ثمَّ خلق الله فاطمة مِنْ نور ابتدأها روحاً بلا بدن ثمَّ مسحنا بيمينه فأفضى نوره فينا»(٤٠٦).
فقوله تعالى فجعلتهما واحدة يحتمل فيه ما تَقَدَّمَ مِنْ كون روح علي (عليه السلام) خادمة لروح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وَلَيْسَ مِنْ التناسخ والحلول الذي يقول به جملة مِنْ الفرق الباطنية وَبَعْض الصوفية، وَهَذَا ربّما أحد تفاسير قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ﴾ مِنْ دون أنْ تكون عينية تشخص أو حلول أو تناسخ.
وَهَذَا التفسير لعبارة «ثمَّ جمعت روحيكما» يقرب احتماله كتفسير لقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «أنا مدينة العلم وعليّ بابُها»، فَإنَّ الكثير يتساءل عَنْ معنى بابية علي (عليه السلام): فَإنَّ الصحابة يروون عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا يروي علي (عليه السلام) عنه فَأيّ خصيصة أو امتياز لعليّ (عليه السلام) دون البقية؟.
والجواب أنَّ مدينة العلم النبوي لَمْ يطفح منها فِي أحاديث الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا اليسير فَهِيَ فِي مقام ملكوتي منيع مِنْ طبقات مقامات ذَاتَ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ولا يصل إليها ولا يغرف منها ولا يرفد منها إلَّا المُطهّرون مِنْ أهل البيت (عليهم السلام) الَّذِيْنَ يمسّون الكتاب كَمَا يشير اليه قوله تَعَالَى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيم فِي كِتَابٍ مَّكْنُون لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُون﴾ مكنون أيّ محفوظ ومطهّرون أيّ الَّذِيْنَ شهد لهم القرآن بالطهارة.
فخصّص القرآن نيل ذَلِكَ بأهل البيت (عليهم السلام) بتوسط الارتباط النوري بين الأئمة (عليهم السلام) وَالْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، نظير ما وَرَدَ مِنْ رواية الفريقين فِي تبليغ سورة البراءة مِنْ الحديث القدسي: «لا يُبلِّغ عنك إلَّا أَنْتَ أو رجلٌ منك»(٤٠٧) أيّ لا يُبلِّغ عَنْ المقام العلوي والطبقة العرشية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلَّا بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومراتبه النازلة اي الطبقة الأرضية مِنْهُ، أو رجلٌ مِنْهُ(٤٠٨) فَإنَّ حقيقة ذات الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ بيّنت هويته إجمالاً فِي قوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾، ف ﴿بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ إشارة إلى الطبقة النازلة مِنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وأمَّا ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ فإشارة إلى الطبقة العلوية مِنْهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الَّتِي مِنْ درجاتها العليا خلق العرش، كَمَا وَرَدَ فِي الروايات أنَّ مِنْ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خلق العرش. فالوحي المطلق أعظم مخلوق وأعظم مِنْ العرش وفوق العرش.
فروح أمير المؤمنين (عليه السلام) دون علوّ روح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونازلة عنها وخادمة للروح الصاعدة وبابٌ لها. وأبواب السماء بابٌ للسمو والعلوّ، وَقَدْ ربط القرآن بين الحجج الناطقة مِنْ الله تَعَالَى المنصوبة عَلَى العباد مَعَ أبواب السماء فِي قوله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاء وَلاَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾.
كَمَا أطلقت الآية عَلَى عيسى (عليه السلام) وَأُمَّه (عليها السلام)، والآية الَّتِي تُكَذّب هِيَ الآية الناطقة التي لها دعوى تنطق وَهُمْ الحجج، فروح علي (عليه السلام) خادمة وبابٌ لروح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «أنا مدينة العلم وعليٌّ باب، أنا مدينة الحكمة وعليٌّ باب، أنا مدينة الفقه وعليٌّ بابها»(٤٠٩) وَهَذَا الارتباط بين الأئمة وملكوت روح ونور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جارٍ فِي كُلّ الأئمة كَمَا عمّم فِي الحديث القدسي السابق «أو رجل منك»، فَهُمْ لا يأخذون عَنْ بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فحسب بَلْ يأخذون عَنْ نوره وروحه وبدنه البرزخي.
فما فِي هَذِهِ الآيات والروايات ضابطة عامّة لكيفية ارتباط المعصومين مِنْ أهل البيت (عليهم السلام) علي (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام) والتسعة مِنْ ذريّة الحسين (عليهم السلام) ارتباطاً نورياً وروحياً بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، كَمَا هُوَ الحال فِي تلقّي مصحف فاطمة (عليها السلام)، حَيْثُ وَرَدَ إنَّ هَذَا مما أملاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَيْهَا والظاهر أنَّهُ إملاء بَعْدَ رحيله، ولا ينافي ذَلِكَ أنَّها تلقته عَنْ إسرافيل وجبرائيل وميكائيل، إمَّا لتعدّد قنوات تلقيه أو لكونهم (عليهم السلام) يوصلون لها عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ثمَّ إنَّ فِي ذيل الرواية قوله (عليه السلام) «ثمَّ خلق الله فاطمة (عليها السلام) مِنْ نورٍ ابتداء» أيّ لَيْسَ مِنْ نور الحسن والحسين (عليهما السلام)، ولا تبعاً لهما نظير ما فِي روايات أُخرى عِنْدَ الفريقين «ثمَّ اقتبس مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فاطمة ابنته، كَمَا اقتبس نور علي مِنْ نوره، واقتبس مِنْ نور فاطمة وعلي الحسن والحسين (عليهم السلام)»(٤١٠).
ثمَّ إنَّ مفاد هَذِهِ الرواية والروايات الواردة فِي خلق النور مُتطابق مَعَ ما فِي سورة النور وآية النور ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم﴾(٤١١).
فَإنَّ فيه عَلَى تقدير خمس تشبيهات وَعَلَى تقدير آخر أربعة عشر تشبيها، وبسط الكلام فِي مفاد الآية فِي موضع آخر. ثمَّ إنَّ فِي روايات النور اختلاف فِي التفصيل ففي هَذِهِ الرواية «إنِّي خلقتك وعلياً نوراً... ثمَّ قسمتها اثنتين وقسمت الثنتين ثنتين فصارت أربع... ثمَّ خلق الله فاطمة مِنْ نور ابتدأها».
فخلق فاطمة (عليها السلام) مِنْ نور لَيْسَ مِنْ نور الحسنين كي تكون مفضولة للحسنين (عليهما السلام)، بَلْ هِيَ فاضلة عَلَيْهِم. وَمِنْ هَذِهِ الزاوية يتطابق مَعَ ألسنةٍ أُخرى مِنْ روايات النور إنَّهُ اشتقَّ مِنْ نور الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعليٌّ وفاطمة (عليها السلام) نور الحسنين (عليهما السلام).
الرجعة وعالم الأشباح:
تعريف الأشباح:
روى الكليني بسنده إلى جابر بن يزيد قَالَ: قَالَ لي أبو جعفر (عليه السلام): «يا جابر إنَّ الله أوَّل ما خلق خلق محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعترته الهداة المهديين فكانوا أشباح نور بين يدي الله، قلت وما الأشباح؟ قَالَ: ظل النّور أبدان نورانية بلا أرواح وَكَانَ مؤيداً بروح واحدة وَهِيَ روح القدس فبه كَانَ يعبد الله وعترته ولذلك خلقهم حلماء علماء بررة أصفياء يعبدون الله بالصلاة وَالصَّوم والسجود والتسبيح والتهليل ويصلون الصلوات ويحجّون ويصومون»(٤١٢). ومفاد الرواية دونية البدن في عالم الأشباح عن مقام عالم الأمر والروح الأمري.
وروى في العلل عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: إِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَنِي وَعَلِيّاً وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الدُّنْيَا بِسَبْعَةِ آلَافِ عَامٍ قُلْتُ فَأَيْنَ كُنْتُمْ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ قُدَّامَ الْعَرْشِ نُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَى وَنَحْمَدُهُ وَنُقَدِّسُهُ وَنُمَجِّدُهُ قُلْتُ عَلَى أَيِّ مِثَالٍ قَالَ أَشْبَاحِ نُورٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) أَنْ يَخْلُقَ صُوَرَنَا صَيَّرَنَا عَمُودَ نُورٍ ثُمَّ قَذَفَنَا فِي صُلْبِ آدَمَ ثُمَّ أَخْرَجَنَا إِلَى أَصْلَابِ الْآبَاءِ وَأَرْحَامِ الْأُمَّهَاتِ وَلَا يُصِيبُنَا نَجَسُ الشِّرْكِ وَلَا سِفَاحُ الْكُفْرِ يَسْعَدُ بِنَا قَوْمٌ وَيشق [يَشْقَى] بِنَا آخَرُونَ فَلَمَّا صَيَّرَنَا إِلَى صُلْبِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَ ذَلِكَ النُّورَ فَشَقَّهُ نِصْفَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفَهُ فِي عَبْدِ اللهِ وَنِصْفَهُ فِي أَبِي طَالِبٍ ثُمَّ أَخْرَجَ النِّصْفَ الَّذِي لِي إِلَى آمِنَةَ وَالنِّصْفَ إِلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ أَسَدٍ فَأَخْرَجَتْنِي آمِنَةُ وَأَخْرَجَتْ فَاطِمَةُ عَلِيّاً ثُمَّ أَعَادَ (عَزَّ وجَلَّ) الْعَمُودَ إِلَيَّ فَخَرَجَتْ مِنِّي فَاطِمَةُ ثُمَّ أَعَادَ (عَزَّ وجَلَّ) الْعَمُودَ إِلَى عَلِيٍّ فَخَرَجَ مِنْهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ يَعْنِي مِنَ النِّصْفَيْنِ جَمِيعاً فَمَا كَانَ مِنْ نُورِ عَلِيٍّ فَصَارَ فِي وُلْدِ الْحَسَنِ وَمَا كَانَ مِنْ نُورِي صَارَ فِي وُلْدِ الْحُسَيْنِ فَهُوَ يَنْتَقِلُ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ وُلْدِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَام(٤١٣) 
وروى في تفسير فرات الكوفي وفي تأويل الآيات عن ابي ذر الغفاري قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «لما أُسري بي إلى السماء - سماء الدُّنْيَا - وذكر فِي الحديث مراحل المعراج وَأنَّهُ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) التقى بمجموعة مِنْ الملائكة إلى أنْ قَالَ: فَقُلْتُ مَا حَاجَتُكُمْ مَلَائِكَةَ رَبِّي قَالُوا إِذَا رَجَعْتَ إِلَى الْأَرْضِ فَأَقْرِئْ عَلِيّاً مِنَّا السَّلَامَ وَأَعْلِمْهُ بِأَنَّا قَدْ طَالَ شَوْقُنَا إِلَيْهِ، فَقُلْتُ مَلَائِكَةَ رَبِّي تَعْرِفُونَنَا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ وَلِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَأَنتُمْ أَوَّلُ خَلْقٍ خَلَقَهُ اللهُ مِنْ نُورٍ خَلَقَكُمُ اللهُ أَشْبَاحَ نُورٍ مِنْ نُورٍ فِي نُورٍ مِنْ نُورِ اللهِ وَجَعَلَ لَكُمْ مَقَاعِدَ فِي مَلَكُوتِهِ بِتَسْبِيحٍ (٤١٤) وَتَقْدِيسٍ وَتَكْبِيرٍ لَهُ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ مِمَّا أَرَادَ مِنْ أَنْوَارٍ شَتَّى وَكُنَّا نَمُرُّ بِكُمْ وَأَنْتُمْ تُسَبِّحُونَ اللهَ وَتُقَدِّسُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُهَلِّلُونَ فَنُسَبِّحُ وَنُقَدِّسُ وَنَحْمَدُ وَنُهَلِّلُ وَنُكَبِّرُ بِتَسْبِيحِكُمْ وَتَقْدِيسِكُمْ وَتَحْمِيدِكُمْ وَتَهْلِيلِكُمْ وَتَكْبِيرِكُمْ فَمَا نَزَلَ مِنَ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)(٤١٥) فَإِلَيْكُمْ وَمَا صَعِدَ إِلَى اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَمِنْ عِنْدِكُمْ فَلِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَتْ لِي الْمَلَائِكَةُ مِثْلَ مَقَالَةِ أَصْحَابِهِمْ فَقُلْتُ مَلَائِكَةَ رَبِّي هَلْ تَعْرِفُونَنَا حَقَّ مَعْرِفَتِنَا قَالُوا وَلِمَ لَا نَعْرِفُكُمْ وَأَنْتُمْ صَفْوَةُ اللهِ مِنْ خَلْقِهِ وَخُزَّانُ عِلْمِهِ وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى وَالْحُجَّةُ الْعُظْمَى وَأَنْتُمْ الْجَنْبُ وَالْجَانِبُ وَأَنْتُمْ الْكَرَاسِيُ (٤١٦) وأُصُولُ الْعِلْمِ فَأَقْرِئْ عَلِيّاً مِنَّا السَّلَام (٤١٧)...
ثمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَسَمِعْتُ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُونَ ﴿الْحَمْدُ للهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ فَقُلْتُ وَبِمَا ذَا وَعَدَكُمْ قَالُوا يَا رَسُولَ اللهِ لَمَّا خُلِقْتُمْ أَشْبَاحَ نُورٍ فِي نُورٍ مِنْ نُورِ اللهِ عُرِضَتْ عَلَيْنَا وَلَايَتُكُمْ فَقَبِلْنَاهَا وَشَكَوْنَا مَحَبَّتَكُمْ إِلَى اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) فَأَمَّا أَنْتَ فَوَعَدَنَا بِأَنْ يُرِيَنَاكَ مَعَنَا فِي السَّمَاءِ وَقَدْ فَعَلَ وَأَمَّا عَلِيٌّ فَشَكَوْنَا مَحَبَّتَهُ إِلَى اللهِ (عَزَّ وجَلَّ) فَخَلَقَ (٤١٨) لَنَا فِي صُورَتِهِ مَلَكاً وَأَقْعَدَهُ عَنْ يَمِينِ عَرْشِهِ عَلَى سَرِير...»(٤١٩).
٣ - وروى فِي العلل بسنده عَنْ حبيب بن مظاهر الأسدي «بيض الله وجهه» أنَّهُ قَالَ للحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام): أيّ شيء كنتم قبل أنْ يخلق الله (عَزَّ وجَلَّ) آدم (عليه السلام)؟ قَالَ (عليه السلام): «كُنّا أشباح نور ندور حول عرش الرَّحْمَن فنعلِّم الملائكة التسبيح والتهليل والتحميد»(٤٢٠).
٤ - قال في البحار: اقُولُ وَجَدْتُ فِي نُسْخَةٍ قَدِيمَةٍ مِنْ مُؤَلَّفَاتِ أَصْحَابِنَا مَا هَذَا لَفْظُهُ اسْتِئْذَانٌ عَلَى السِّرْدَابِ الْمُقَدَّسِ وَالْأَئِمَّةِ (عليهم السلام) اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ بُقْعَةٌ طَهَّرْتَهَا وَعَقْوَةٌ شَرَّفْتَهَا وَمَعَالِمُ زَكَّيْتَهَا حَيْثُ أَظْهَرْتَ فِيهَا أَدِلَّةَ التَّوْحِيدِ وَأَشْبَاحَ الْعَرْشِ الْمَجِيدِ الَّذِينَ اصْطَفَيْتَهُمْ مُلُوكاً لِحِفْظِ النِّظَامِ وَاخْتَرْتَهُمْ رُؤَسَاءَ لِجَمِيعِ الْأَنَامِ وَبَعَثْتَهُمْ لِقِيَامِ الْقِسْطِ فِي ابْتِدَاءِ الْوُجُودِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة(٤٢١) 
عالم الميثاق:
١ - روى الشَّيْخ فِي أماليه بسنده عَنْ عبيد بن يحيى عَنْ يحيى بن عبد الله بن الحسن عَنْ الحسن بن علي (عليه السلام) قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ فِي الفردوس لعينا أحلى مِنْ الشهد وألين مِنْ الزبد وأبرد مِنْ الثلج وأطيب مِنْ المسك، فيها طينة خلقنا الله (عَزَّ وجَلَّ) منها وخلق منها شيعتنا، فَمَنْ لَمْ يكن مِنْ تلك الطينة فَلَيْسَ منّا ولا مِنْ شيعتنا، وَهِيَ الميثاق الذي أخذ الله (عَزَّ وجَلَّ) عَلَيه ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قَالَ عبيد: فذكرت لمحمد بن علي بن الحسين (عليهما السلام) هَذَا الحديث؟ فَقَالَ صدقك يحيى بن عبد الله هكذا أخبرني أبي عَنْ جدي عَنْ أبيه عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)».
قَالَ عبيد: قلت أشتهي أنَّ تفسِّره لنا إنْ كَانَ عندك تفسير؟ قَالَ: نعم أخبرني أبي عَنْ جدي عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَالَ: «إنَّ لله ملكا رأسه تحت العرش وَقدماه فِي تخوم الأرض السابعة السفلى بين عينيه راحة أحدكم فإذا أراد الله (عَزَّ وجَلَّ) أنْ يخلق خلقاً عَلَى ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) أمر ذَلِكَ الملك فأخذ مِنْ تلك الطينة فرمى بها فِي النطفة حَتّى تصير إلى الرحم منها يخلق وَهِيَ الميثاق والسلام»(٤٢٢).
وقَدْ يقال ويستظهر مِنْ قوله (عليه السلام) في هَذِهِ الرواية وَهِيَ الميثاق ما ذهب إليه جملة مِنْ المتكلمين مِنْ تأويل عالم الميثاق وعالم الذَّر بأنَّهما كناية عَنْ اختلاف الاستعدادات والقابليات، وَهَذَا أمر بيِّن لا يمكن إنكاره فَإنَّهُ لا شبهة في أن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأبا جهل ليسا فِي درجة واحدة مِنْ الاستعداد والقابلية، وَهَذَا لا يستلزم سقوط التكليف فَإنَّ الله تَعَالَى كلَّف الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حسب ما أعطاه مِنْ الاستعداد لتحصيل الكمالات وكلَّف أبا جهل حسب ما أعطاه مِنْ ذَلِكَ ما فِي وسعه وَلَمْ يجبره عَلَى شيء مِنْ الشر والفساد وَعَلَى هَذَا التأويل فلا خلق للأرواح قبل الأجساد؟
الردّ: وفيه: أنَّه قَدْ وَرَدَ فِي روايات الطّينة بكثرة تعدّد الطّينة الَّتِي خلق منها الأرواح والطّينة الَّتِي خلق منها الأبدان، فلكل مِنْ الروح والبدن طينة والمراد مِنْ البدن قبال الروح البدن الدنيوي غَيْر المرئي، والمراد من الطينة هي الأصلية، ومفاد هَذِهِ الرواية ناظر لطينة البدن لا لطينة الروح وليس بناظر لخلق الروح قبل البدن، كَمَا أنَّ المُراد مِنْ طينة الروح طينة الجسم الرقيق للروح الذي هو مِنْ قبيل الظلال فِي الأظلة أو الشبح فِي الأشباح.
ومما يقرب إرادة الجسم غير المرئي من الطينة قوله (عليه السلام) (أمر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة - أي طينة الفردوس - فرمى بها في النطفة حتى تصير الى الرحم) الدال على ان الطينة الأصلية هي غير النطفة وتقرر كينونتها في النطفة بإدخالها يقتضي كونها شفافة ألطف من النطفة، ومن ثم سميت بالذر أيضاً لشدة صغر حجمها الى درجة غير مرئية.
وَقَدْ وَرَدَ فِي الروايات أنَّهُ (تَعَالَى) لما كلَّف الأرواح أوَّلاً فِي عالم الميثاق والذَّر فاختاروا الخير أو الشر باختيارهم فِي تلك العوالم وتفرع عَلَى ذَلِكَ جزاءً اختلاف الطينة عَلَى حسبما اختاروه.
٢ - وروى الصدوق بسند فيه رفع خفيف عَنْ زيد الشحّام عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلقنا مِنْ نور مبتدع مِنْ نور رسخ ذَلِكَ النور فِي طينة مِنْ أعلى علّيين وخلق قلوب شيعتنا مما خلق مِنْهُ أبداننا وخلق أبدانهم مِنْ طينة دون ذَلِكَ فقلوبهم تهوى إلينا لأنَّها خلقت مما خلقنا مِنْهُ ثمَّ قرأ ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون كِتَابٌ مَّرْقُوم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون﴾ وإنَّ الله تبارك وَتَعَالَى خلق قلوب أعدائنا مِنْ طينة سجّين وخلق أبدانهم مِنْ طينة مِنْ دون ذَلِكَ، وخلق قلوب شيعتهم مما خلق مِنْهُ أبدانهم فقلوبهم تهوى إليهم ثمَّ قرأ ﴿إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّين كِتَابٌ مَّرْقُوم وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِين﴾»(٤٢٣).
وفي هَذِهِ الرواية مواضع ومحطّات لبيان عوالم الأظلة والأشباح والأرواح والذَّر:
الأوَّل: تبيان صدر الرواية لتعدّد مراتب النور المجرّد لذواتهم، وَأنَّهُ عَلَى طبقات اشتق بعضها مِنْ بَعْض اشتقاق إبداعي غَيْر متعلّق بالجسم، وَهَذَا المفاد مرتبط بعوالم النور، وَهِيَ فوق عوالم الأظلة والأشباح؛ لأنها عوالم مجرّدة عَنْ الجسم والجسمانيات، وَقَدْ وَرَدَتْ الروايات بتعدّد مراتب اشتقاق النور تنزُّلاً فِي عوالم المجرّدات.
الثَّانِي: دلالة الرواية أنَّ أدنى المراتب المجرّدة مِنْ نورهم هُوَ الذي جعل مُتعلّقاً بأعلى مراتب الأجسام شفافية ولطافة، وَهِيَ طينة أعلى علّيين وأشار (عليه السلام) بقوله «رسخ ذَلِكَ النور فِي طينة مِنْ أعلى علّيين» الى ذلك.
تطابق الأظلة والمثال وتعددهما:
روى فِي تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري فِي إحياء عشرة مِنْ قريش بدعاء الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) «يقولون: أشدّ مِنْ مصابنا بهؤلاء تبجح مُحمَّد وتبذخه بأنّهم قتلوا بهذه الأحجار [فصار ذَلِكَ] آية لَهُ ودلالة ومعجزة، فانطق الله (عَزَّ وجَلَّ) جنائزهم [فقالت]: صدق مُحمَّد وما كذب، وكذبتم وما صدقتم واضطربت الجنائز، ورمت منْ عَلَيْهَا، وسقطوا عَلَى الأرض ونادت: ما كُنّا لننقاد ليحمل علينا أعداء الله إلى عذاب الله.
فَقَالَ أبو جهل (لعنه الله): إنَّما سحر مُحمَّد هَذِهِ الجنائز كَمَا سحر تلك الأحجار والجلاميد والصخور، حَتّى وجد منها مِنْ النطق ما وجد فإنْ كانت - قتل هَذِهِ الأحجار هؤلاء - لمحمد آية لَهُ وتصديقاً لقوله، وتثبيتاً لأمره، فقولوا لَهُ: يسأل منْ خلقهم أنْ يُحييهم(٤٢٤). فَقَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يا أبا الحسن (عليه السلام) قَدْ سمعت اقتراح الجاهليين وهؤلاء عشرة قتلى، كم جرحت بهذه الأحجار الَّتِي رمانا بها القوم يا علي؟ قَالَ علي (عليه السلام) جرحت أربع جراحات وَقَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قَدْ جرحت أنا ست جراحات فليسأل كُلّ واحد منّا ربه أنْ يحيي مِنْ العشرة بقدر جراحاته، فدعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لستة منهم فنشروا، ودعا علي (عليه السلام) لأربعة منهم فنشروا - ثمَّ نادى المحيون معاشر المسلمين، إن لمحمد وعلي شأناً عظيماً فِي الممالك التي كنا فيها لقد رأينا لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثالا عند البيت المعمور وَعِنْدَ العرش، ولعلي (عليه السلام) مثالاً عِنْدَ البيت المعمور وَعِنْدَ الكرسي وأملاك السماوات والحجب وأملاك العرش يحفّون بهما ويعظمونهما ويصلّون عليهما ويصدرون عَنْ أوامرهما ويقسمون بهما عَلَى الله (عَزَّ وجَلَّ) لحوائجهم، اذا سألوه بهما، فآمن منهم سبعة نفر وغلب الشقاء عَلَى الآخرين»(٤٢٥).
ومفاد الرواية تعدّد طبقات أرواح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) وَكُلّ طبقة هي مثال لَهُ وإنَّ أحد طبقات روحه ومثاله عِنْدَ العرش والآخر عِنْدَ البيت المعمور، كَمَا أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أحد أمثاله عِنْدَ الكرسي والآخر عِنْدَ البيت المعمور.
وإنَّ لتلك الأرواح العالية لها شؤون حقيقية أعظم فِي هوية ذاتهما مِنْ طبقات البدن النازل.
الأظلة ومثال كل شيء فِي العرش:
الأولى: صحيح حديث المعراج المُستفيض الذي رواه الكليني والصَّدوق فِي العلل بعدة طرق صحيحة عَنْ أبي عبد الله الصادق (عليه السلام):
وفيه قول ملائكة السماء الرابعة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حول أمير المؤمنين «نعرفه وشيعته وَهُمْ نور [بَلْ هُوَ فِي نسخة الكافي] حول عرش الله وإنَّ فِي البيت المعمور لرقاً مِنْ نور... فَقَالَ يا مُحمَّد ارفع رأسك فرفعت رأسي فإذا أطناب(٤٢٦) [فإذا أطباق] السماء قد خرقت والحجب قَدْ رفعت ثمَّ قَالَ لي: طأطأ رأسك وانظر ما ترى؟ فطأطأت رأسي فنظرت إلى بيتكم هَذَا وحرمكم هَذَا [فنظرت إلى بيت مثل بيتكم هَذَا وحرم مثل حرمكم هَذَا] فإذا هُوَ مثل حرم ذَلِكَ البيت يتقابل [فِي الكافي لا يوجد يتقابل] لو ألقيت شيئاً مِنْ يدي لَمْ يقع إلَّا عَلَيْهِ فَقَالَ لي يا مُحمَّد هَذَا الحرم وَأَنْتَ الحرام لِكُلِّ مثل مثال...»(٤٢٧).
ومفاد الرواية يحتمل وجوه:
١ - قَالَ المجلسي لِكُلِّ مثل مثال، أيّ كُلّ شيء فِي الارض لَهُ مثال فِي السماء.
أَقُوُل: قَدْ تقرأ وتعرب بالإضافة فيكون مثل مجرور ومثال خبر وَقَدْ يجعل مثل خبر ومثال خبر بَعْدَ خبر والتنوين فِي لِكُلِّ تنوين عوض عَنْ شيء، وَعَلَى التقدير الثَّانِي فيتمّ ما ذكره المجلسي (رحمه الله) بإرادة شيء مِنْ تنوين العوض، والمُراد بالمثل مثاله فَهُوَ مثل مِنْ ناحية ومثال مِنْ ناحية أُخرى، فمثل مِنْ ناحية: بدن لإنسان أو لأي جوهر آخر، وَهَذَا اشتراك فِي الماهية، ومثال: مِنْ جهة حكاية ذَلِكَ الجسم الذي فِي العرش الشفّاف الرقيق عَنْ الجسم النازل وتصرفاته وحركاته، فالمثليّة مِنْ جهة الاندراج فِي ماهية واحدة والمثالية من جهة الحكاية والآيَة.
نعم، ما ذكره من أنَّ المثال فِي السماء هُوَ تأويل للعرش بالسماء، والمُراد حسب الظاهر العرش للعوالم الجسمانية لا خصوص السماوات السبع وإنْ كَانَ وجود جسم لِكُلِّ شيء فِي طبقات العوالم الجسمانية مِنْ السماوات وغيرها أيضاً يمكن استفادته مِنْ الروايات.
٢ - أمَّا عَلَى القراءة الأُخرى فيمكن أنْ يُراد بالمثل هُوَ الشيء نفسه فيعود إلى المعنى السابق، فيمكن أنْ يُراد أنَّ حقيقة الأشياء لَيْسَ بوجوداتها الجسمانية الأرضية، وَإنَّما هَذِهِ مثل لها وإنَّ هَذَا المثل الجسماني الأرضي لَهُ مثال علوي فِي العرش حاكي عنه حكاية الحقيقة عَنْ الرقيقة وحكاية العلّة عَنْ المعلول، وَكَمَا أنَّ المعلول حاكي عَنْ العلّة، فيمكن أيضاً حكاية العلّة عَنْ المعلول، أيّ أنَّ العلّة واجدة لِكُلِّ كمالات المعلول فتكون حاكية عَنْ المعلول وَكُلّ المعاليل، حكاية الوحدة عَنْ الكثرة كَمَا أنَّ الكثرة حاكية عَنْ الوحدة.
٣ - لا يخفى أنَّ المُراد مِنْ المثل والمثال لَيْسَ خصوص الجسم البرزخي بَلْ المُراد هُوَ الجسم الشفّاف مِنْ مادّة لطيفة فِي مقابل الجسم الغليظ الأرضي، فالمُراد بالمثل والمثال والجسم المثالي مطلق الجوهر الجسماني ذو الأبعاد الثلاثة فِي المقدار المُمتد جوهرياً الشاغل لحيز مهما تشفف ولطفت مادّته إلى درجة غَيْر مرئية، ولو كَانَ غَيْر مرئي بالحواس الظاهرة ولا ببعض مراتب الحواس الباطنة، فعالم المثال الجسماني ذو طبقات عديدة جداً كُلّ طبقة ألطف وأرقّ تعد بمثابة الروح للطبقة الأدنى منها، لِأنَّ الجسم الألطف ينفذ فيما دونه مِنْ الجسم اللطيف ويتصرّف فيه إذْ اللطافة منشأ للنفوذ ولقدرة التصرّف.
الثانية: فِي روضة الواعظين: روى جعفر بن مُحمَّد، عَنْ أبيه، عَنْ جده (عليهم السلام) أنَّهُ قَالَ: «فِي العرش تمثال جميع ما خلق الله في البر والبحر، قَالَ: وَهَذَا تأويل قوله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُوم﴾(٤٢٨) وإنَّ بين القائمة مِنْ قوائم العرش والقائمة الثانية خفقان الطير المسرع مسيرة ألف عام، والعرش يكسى كُلّ يَوُم سبعين ألف لون مِنْ النور لا يستطيع أنْ ينظر إليه خلق مِنْ خلق الله، والأشياء كلها فِي العرش كحلقة فِي فلاة...»(٤٢٩).
بيان الرواية:

١ - قَدْ يتبادر إلى الذهن أنَّ المُراد مِنْ وجود تمثال لِكُلِّ ما خلق الله فِي العرش أنَّ المُراد وجود صور عرضية كنقوش متمثّلة فِي العرش الجسماني، بينما المُراد ما مَرَّ مِنْ أنَّ وجود الجسم المثالي العام كجوهر، لا سيّما فِي أعلى درجاته لطافة ورقّة بدرجة يظنّ ويحسب بلحاظها بالقياس إلى البدن الأرضي أنها جوهر مجرّد محض عن الجسمية.
بين اللطافة فِي الأجسام والتجرّد المحض:
٢ - إنَّ التفاوت فِي درجات اللطافة والرقّة والكثافة والغلظة فِي الأجسام قَدْ مَرَّ أنَّها مُتفاوتة جداً وبدرجات كثيرة جداً جداً، إلى حدّ يتوهم انعدام الجسمية والمقادير فيما هو ألطف بالقياس الى ما هو أقل لطافة، ونذكر لذلك أمثلة بسيطة يسيرة كي يتنبه إلى ما فوقها مِنْ أمثلة أعظم منها بكثير.
 فنلاحظ فِي علم الفيزياء مثلاً لا يُعدّون ولا يطلقون اسم الجسم عَلَى الطاقة والطاقات غير المرئية نظير الطاقة المغناطيسية والكهربائية، ولا عَلَى الصوت ولا عَلَى الأشعة البنفسجية ولا عَلَى بَقيَّة أنواع الطاقات، بينما فِي العلوم العقلية لا تخرج الطاقات المختلفة عَنْ كونها أجساماً وجواهر جسمانية وإن كانت غير مرئية، وَذَلِكَ لكونها جواهر شاغلة لحيز ذي أبعاد طول وعرض وعمق وبالتالي فلها مقادير جسمانية ومكان وزمان.
 نعم مِنْ لطافتها هِيَ غَيْر مرئية فضلاً عَنْ أعراضها كألوانها وأشكالها وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ بَقيَّة الأعراض، وَهَذَا مما ينبه عَلَى أن الجوهر الجسماني كُلّما تلطّف وترقّق فَإنَّهُ تنعدم رؤيته بالحواس الظاهرة، وبالتالي يُخال ويظن للإنسان إنَّهُ لَيْسَ بجسم، ولقد تنبَّه الباحثون فِي علم الفيزياء إلى وجود طاقات كثيرة سابحة فِي الفضاء غَيْر مُكتشفة وَهِيَ ألطف بكثير مِنْ الطاقات المُكتشفة.
كَمَا أنَّ الطاقات تختلف فِي القدرة عَلَى النفوذ فِي الأجسام بحسب لطافتها وقوّتها وقدرتها، فكُلّما كانت ألطف كَانَ مجال نفوذها أكثر فأكثر وآثارها أكبر فأكبر، وإنْ كانت تلك الآثار غَيْر مرئية وَغَيْر محسوسة، بَلْ يتخيّلها عموم النّاس مجردة ولا يعلمون كيفية تأثيرها كَمَا لَمْ تتوصّل العلوم الحاضرة البشرية إلى ذَلِكَ.
وكذلك الحال فِي الصوت فَإنَّهُ نوع مِنْ الطاقة الموجية وبالتالي هُوَ نوع مِنْ الجسم باللغة العقلية لَهُ الأبعاد الثلاثة مِنْ الطول والعرض والعمق، وَهُوَ ما يسمى بالمدى والمجال والميدان فِي الاصطلاح الفيزياوي، كَمَا أنَّ لَهُ حركة وسرعة كَمَا أنَّ الضوء هُوَ الآخر جسم طاقي ضوئي لَهُ مجال ومدى وميدان، وبالتالي له أبعاد ثلاثة كَمَا لَهُ أُمُور عارضة عَلَيْهِ كالحركة والسرعة.
ثمَّ إنَّ هُنَاك مِنْ الأضواء الجسمانية مِنْ الطاقات الضوئية وَهُوَ ألطف وأرقّ وأشفّ مِنْ هَذَا الضوء المرئي لكنَّ لخفائها عَلَى الحواس الظاهرة لا يحسبه الإنسان ضوءاً.
وكذلك الحال فِي علم الصغائر(٤٣٠) فَإنَّهُ علم باحث عَنْ الطاقات غَيْر المرئية الَّتِي لا يكتشفها الجسم المرئي، مع انها أجسام صغيرة صغائر تتكشف إلى بعضها البعض أيّ تجتمع وتترابط وتتفاعل، وَمِنْ ثمَّ عبروا عَنْ الموجودات الصغائر بعالم الصغائر واكتشفوا لها أشكالاً بتوسّط أجهزة الكشف المسلحة.
كَمَا أنَّ بتوسط الأجهزة المسلحة اكتشف أخيراً أنَّ كثير مِنْ الطاقات لها أشكال جسمانية وألوان، وَهَذَا مما يعزّز التفسير العقلي لمعنى وحقيقة الجسم وَمِنْ ذَلِكَ يتقرّر أنَّهُ كُلّما ازداد الجسم لطافة ورقّة كُلّما ازداد قوّة وقدرة وسرعة وتأثيراً.
وَمِنْ ذَلِكَ يظهر أنَّ تأويل الفلاسفة - بكثرة للآيات والروايات الواردة فِي الموجودات الجسمانية غَيْر المرئية - بأن التعبير بالجسمانية فِي الآيات والروايات كناية عَنْ قدرات موجود جوهري مُجرّد عَنْ الجسم والمادّة، هذا التأويل وهَذِهِ التأويلات ناشئة عَنْ تخيل الفلاسفة ان هناك مساواة بين كون الجسم ماديا وبين كون الجسم محسوسا بالحس الاعتيادي الضعيف.
 مَعَ أنَّ هَذَا هُوَ اصطلاح علم الفيزياء فِي الجسمية وَلَيْسَ اصطلاح اللغة العقلية ذَلِكَ، لكن جمهور الفلاسفة بنوا غفلة عَلَى الاصطلاح الفيزياوي ذهولاً عَنْ التفسير العقلي للجسم، مَعَ أنَّ الاصطلاح الفيزيائي الحديث آخذ بتوسعة الجسم للأجسام غَيْر المرئية عكس الاصطلاح القديم لعلم الفيزياء.
وَمِنْ ثمَّ يتبيِّن مَعَ كثرة التفاوت فِي درجة اللطافة للأجسام شدّة وقوّة تصل إلى درجة يجزم بها الباحث تخيلا أنَّ الجوهر الجسماني الشديد اللطافة هُوَ روح مجرّدة عَنْ الجسمية تجرّداً تامّاً.
وَقَدْ وقع فِي هَذَا الالتباس أيضاً كثير مِنْ العرفاء والصوفية فِي مكاشفاتهم.
٣ - تبيَّن مما مَرَّ أنَّ أصول الأشياء مِنْ ناحية الجسمية هِيَ بلحاظ ذَلِكَ التمثال فِي العرش الجسماني، لا أنَّ ذَلِكَ التمثال والمثال صورة عرضية منعكسة للأجسام الأرضية، بَلْ الأجسام كَمَا مَرَّ يدير اللطيف منها الغليظ كطبقات فِي باطن بَعْض، وأنَّ الجسم اللطيف بمثابة الروح للجسم الغليظ أيّ بمثابة الصورة الجوهرية للمادّة الجوهرية.
٤ - قَدْ تَمَّ التعرّض للتعداد الإجمالي للعوالم الجسمانية أنَّها ستة وعشرون عالماً، فَبَعْدَ الأرض السابعة يتوسّط بينها وبين السماء الدُّنْيَا الأولى ستة عوالم جسمانية ثمَّ السماوات السبع ثمَّ ستة عوالم فوق ذَلِكَ، وَقَدْ مَرَّ أنَّ كُلّ عالم منها أسفل هو أغلظ بالقياس إلى عالم ألطف نسبته المقدارية كحلقة فِي فلاة (قيّ) -أي صحراء لامتناهية الأبعاد - مقداراً.
فَهُنَاك تفاوت في النسبة والتناسب فِي المقدار كَمَا أنَّ هُنَاك تفاوت النسبة فِي اللطافة والكثافة، وتفاوت في النسبة فِي القوّة والقدرة، وتفاوت في النسبة فِي التأثير والتأثّر، إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ التفاوت في النسبة فيما بين العوالم.
وحينئذٍ فإنَّ الموجودات الأرضية لا محالة تكون كحلقة فِي فلاة (قيّ)، أيّ كُلّ الموجودات الأرضية بما لها مِنْ أمثال كحلقة فِي فلاة (قيّ).
والظريف فِي بيان هَذِهِ الرواية أنَّ التفاوت في النسبة والتناسب ههنا لَمْ تلحظ بين الجسم الغليظ والجسم اللطيف، بَلْ لوحظت النسبة بين مثال - الجسم الغليظ - فِي العرش مَعَ العرش، أيّ تلحظ النسبة بين مثال - كُلّ جسم غليظ -، وذَلِكَ المثال - للجسم الغليظ - لطيف مِنْ سنخ لطافة ذَلِكَ العالم الجسماني اللطيف، فحينئذٍ تتمّ النسبة وَتتم كُلّ النسب المتقدمة المُشار إليها ويكون تأثير ذَلِكَ العالم اللطيف عبر المثال اللطيف لذلك الجسم الغليظ.
وكأنّ فِي هَذِهِ الرواية بيان لما يبحث عنه علماء الفيزياء والرياضيات مِنْ التحرّي عَنْ تلك النسبة المجهولة بين العوالم الجسمانية (الموازاة بين العوالم أو العوالم الموازية) وكيف يمكن فرضها وتقديرها.
٥ - ظاهر هَذِهِ الرواية أن تمثال كُلّ شيء فِي العرش فَقَطْ، ولكن يظهر مِنْ روايات أُخرى أنَّ كُلّ جسم أرضي له تمثال ومثال يوازي فِي كل عالم جسماني فوقه من السماوات وما فوقها، وهلم جرا. ولا يقتصر المثال والتمثال عَلَى المثال والتمثال فِي العرش، وَهَذَا نوع مِنْ التطابق بين العوالم الجسمانية وأنَّ كُلّ العالم الجسماني الكبير لا يقتصر عَلَى ما هُوَ موجود فِي عالم الأرض والعالم الأنزل.
٦ - إنَّ المراد مِنْ الفوقية والتحتانية في مثل هَذِهِ الروايات المُتعرّضة لعوالم الأجسام لا يُراد بها الفوقية والتحتيّة الجغرافية بين جسمين مِنْ عرض عالم جسماني واحد، بَلْ هِيَ فوقية وتحتية مقدارية بين جسمين مِنْ سنخين بينهما تفاوت طولي كيفي في اللطافة والقوة فِي مراتب الجسمية.
الثالثة: ما رواه فِي دعوات الراوندي قَالَ: روي أنَّ فِي العرش تمثال لِكُلِّ عبد فإذا اشتغل العبد فِي العبادة رأت الملائكة تمثاله وإذا اشتغل فِي المعصية أمر الله الملائكة حتى ليحجبوه بأجنحتهم لئلا تراه الملائكة فَذَلِكَ معنى قوله «يا مِنْ أظهر الجميل وستر القبيح»(٤٣١).
وقريب منها ما رواه الشَّيْخ البهائي فِي (مفتاح الفلاح) قال: (يا من أظهر الجميل وستر القبيح) روى في تأويله (عن الصادق (عليه السلام) أنه قال) ما من مؤمن إلا وله مثال في العرش فإذا اشتغل بالركوع والسجود ونحوهما فعل مثاله مثل فعله فعند ذلك تراه الملائكة فيصلون ويستغفرون له، وإذا اشتغل العبد بمعصيته أرخى الله على مثاله سترا لئلا تطلع الملائكة عليها فهذا تأويل يا من أظهر الجميل وستر القبيح.(٤٣٢) 
وفِي البحار(٤٣٣) أن فِي بَعْض الكتب عَنْ علي بن الحسين (عليه السلام) أنَّ فِي العرش تمثال جميع ما خلق الله(٤٣٤).
وفي روضة الواعظين روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) أنه قال: في العرش تمثال ما خلق الله من البر والبحر، قال: وهذا تأويل قوله ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾.
بيان: وَهَلْ المُراد مِنْ هاتين الروايتين وما قبلهما حصر وجود المثال لِكُلِّ شيء بالعرش فَقَطْ أم أنَّ لِكُلِّ شيء مثال وأمثلة فِي كُلّ طبقة مِنْ العوالم الجسمانية المتعدّدة والمختلفة كثافة ورقّة وشفافية وغلظة. فيكون لِكُلِّ شيء مثال بحسب تعداد العوالم الجسمانية.
الرابعة: ما وَرَدَ مِنْ معيّة مثال أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فِي الإسراء والمعراج مَعَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثل ما رواه القمي بسنده عَنْ أبي بصير.
«يا علي إنَّ الله أشهدك معي فِي سبعة مواطن: [أمَّا أوَّل ذَلِكَ] فليلة أُسري بي إلى السماء قَالَ لي جبرائيل أين أخوك؟ فقلت خلفته ورائي، قَالَ: ادع الله فليأتك به فدعوت الله وإذا مثالك معي وإذا الملائكة وقوف صفوف فقلت يا جبرائيل: مَنْ هؤلاء، قَالَ: هُمْ الَّذِيْنَ يباهيهم الله بك يَوُم القيامة فدنوت فنطقت بما كَانَ وبما يكون إلى يَوُم القيامة [والثاني] حين أُسري بي فِي المرَّة الثَّانية فَقَالَ لي جبرائيل أين أخوك؟ فقلت خلفته ورائي قَالَ: ادع الله فليأتك به فدعوت الله فإذا مثالك معي، فكشف لي عَنْ سبع سماوات حَتّى رأيت سكّانها وعُمّارها وموضع كُلّ ملك منها، [والثالث] حين بعثت إلى الجنّ فَقَالَ لي جبرائيل؟ أين أخوك؟ قلت: خلفته ورائي، فَقَالَ ادع الله فليأتك به فدعوت الله فإذا أَنْتَ معي فما قلت لهم شيئاً ولا ردّوا عليَّ شيئاً إلَّا سمعته [والرابع] خصّصنا بليلة القدر وَلَيْسَ لأحد غيرنا [والخامس] دعوت الله فيك وأعطاني فيك كُلّ شيء إلَّا النبوة فَإنَّهُ قَالَ: خصصتك يا مُحمَّد بها وختمتها بك [وأمَّا السادس] لما أُسري بي إلى السماء جمع الله لي النبيين فصلّيت بهم ومثالك خلفي (معي ط) [السَّابِع] هلاك الأحزاب بأيدينا»(٤٣٥).
وفي رواية أمالي الشَّيْخ الطوسي (رحمه الله): - بإسناده عَنْ أبي بصير عَنْ أبي عبد الله جعفر بن مُحمَّد (عليهما السلام) عَنْ آبائه عَنْ علي (عليه السلام): «قَالَ لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي إنَّهُ لما أُسري بي... يا علي إنَّ الله [تعالى] أشهدك معي فِي سبعة مواطن حَتّى أنستُ بك: أمَّا أوَّل ذَلِكَ: فليلة أُسري بي إلى السماء قَالَ لي جبرئيل (عليه السلام): أين أخوك يا مُحمَّد.: فقلت: يا جبرائيل خلفته ورائي فَقَالَ: ادع الله (عَزَّ وجَلَّ) فليأتك به فدعوت الله فإذا مثالك معي وإذا الملائكة وقوف صفوفاً...
والثاني: حين أُسري بي إلى ذي العرش (عَزَّ وجَلَّ) فَقَالَ لي جبرئيل: أين أخوك يا مُحمَّد؟ فقلت خلفته ورائي؟ قَالَ: ادع الله (عَزَّ وجَلَّ) فليأتك به: فدعوت الله (عَزَّ وجَلَّ) فإذا مثالك معي وكشط لي عَنْ سبع سماوات حَتّى رأيت سكّانها وعمّارها وموضع كُلّ ملك منها.
والثَّالث: حيث بعثت للجن فَقَالَ لي جبرئيل (عليه السلام): أين أخوك؟ فقلت خلفته ورائي؟ فَقَالَ: ادع الله (عَزَّ وجَلَّ) فليأتك به فدعوت الله (عَزَّ وجَلَّ) فإذا أَنْتَ معي فما قلت لهم شيء ولا ردّوا عليَّ شيئاً إلَّا سمعته ووعيته...
والخامس: ناجيت الله (عَزَّ وجَلَّ) ومثالك معي فسألت فيك خصالاً أجابني إليها إلَّا النبوة...
والسادس: لما طفت بالبيت المعمور كَانَ مثالك معي...»(٤٣٦).
ومفاد الروايتين:
١ - إنَّه رغم دعاء الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمجيء علي (عليه السلام) معه إلَّا أنَّ الذي أُتي به معه مثال علي (عليه السلام)، وَقَدْ اعتبر الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مجيء مثال علي (عليه السلام) انه مجيئ لذات أمير المؤمنين (عليه السلام) وذلك فِي جملة مِنْ تلك المواطن وَهِيَ لما أُسري به إلى السماء فِي المرَّة الأُولى، والثانية إلى السماء السابعة وعندما طاف بالبيت المعمور وَهُوَ فِي السماء الرابعة وفي الموطن الرَّابِع عندما ناجى الله (عَزَّ وجَلَّ) وفي الخامس لما أُسري به إلى السماء وجمع الله النبيين لَهُ فصلّى بهم ومثال علي (عليه السلام) خلفه [معه].
اعتبر (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّهُ مجيء لذات أمير المؤمنين (عليه السلام) وكذلك قول جبرئيل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ادع الله فليأتك به - ظاهر بالمجيء بذات وحقيقة الإمام (عليه السلام)، وكذا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي صدر الروايتين: «أشهدك معي فِي سبع مواطن» فَإنَّ مقتضى الإشهاد الشعور والإدراك والعلم، بَلْ العلم الحضوري والحضور لذات أمير المؤمنين (عليه السلام).
٢ - إنَّ وجه التسمية بالمثال لَيْسَ لعدم وجود حقيقة أمير المؤمنين (عليه السلام) وذاته وَأنَّهُ تمثال صوري، بَلْ لِأنَّ البدن الشفّاف الرقيق السماوي أو الذي مِنْ عليين هُوَ عَلَى مثال وهيئة البدن الغليظ الأرضي، كَمَا وَرَدَ هَذَا التعبير نفسه فِي روايات مستفيضة واردة فِي روح الميّت أنّها تبعث فِي البرزخ فِي قالب صورة مثل صورة بدنه الغليظ فِي الحياة الدُّنْيَا فَيُقَال ويعرف أنَّ هَذَا فلان.
٣ - إنَّ فِي الروايتين قَدْ تغيّر التعبير فِي الموطن الذي بعث إليه الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الجنّ حَيْثُ لَيْسَ فِي الرواية مجيء مثال علي (عليه السلام) بَلْ مجيئه بتمام شخصيته أيّ بكُلِّ طبقات بدنه بما فيه بدنه (عليه السلام) الأرضي، مع أن بيئة الجن موطن غَيْر مرئي ولكنّه أرضي دنيوي، ولا سيّما أنَّ أبدان الأئمة (عليهم السلام) الأرضية شفّافة رقيقة ولَيْسَت كأبدان غيرهم مِنْ شيعتهم المؤمنين فضلاً عَنْ أبدان بَقيَّة البشر.
أسرار المعراج وطبقات الأبدان:
وقَد مر رواية بِشْرُ بْنُ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ مُحَمَّداً مِنْ طِينَةٍ مِنْ جَوْهَرَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَإِنَّهُ كَانَ لِطِينَتِهِ نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) مِنْ نَضْحِ طِينَةِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَكَانَ لِطِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَتَنَا مِنْ فَضْلِ طِينَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) وَكَانَتْ لِطِينَتِنَا نَضْحٌ فَجَبَلَ طِينَةَ شِيعَتِنَا مِنْ نَضْحِ طِينَتِنَا(٤٣٧).
أيّ أنَّ طبقة طينة الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فوق طبقة طينة علي (عليه السلام) أمير المؤمنين وطبقة طينة علي أمير المؤمنين (عليه السلام) فوق طبقة طينة أهل بيته وطبقة طينة أهل البيت فوق طبقة طينة شيعتهم، وَقَدْ وَرَدَ أنَّ طبقة طينة أرواح الشيعة هِيَ مِنْ فاضل طينة أبدان الأئمة (عليهم السلام).
والفاضل بمعنى النضح أيضاً:
فالفارق فِي طبقات الطينة بِهَذَا المقدار ولعلّه هُوَ مقدار الفارق بين بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وروح علي (عليه السلام). كَمَا أنَّهُ الفارق بين بدن علي (عليه السلام) وروح الأئمة (عليهم السلام)، ومن ثم ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إني عبد من عبيد محمد، وورد أن الحسن والحسين (عليه السلام) من شيعة علي (عليه السلام).
ولعلَّ هَذَا التفاوت مِنْ الفارق هُوَ معنى اختصاص بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالعروج دون بدن علي (عليه السلام) بَلْ مَعَ مثال علي (عليه السلام)، فضلاً عَنْ بَقيَّة الأئمة (عليهم السلام)، فضلاً عَنْ بَقيَّة الأنبياء والأصفياء. ولعلَّ هَذَا هُوَ وجه اختصاص المعراج الجسماني بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولهذا التفاوت والفارق بين طينة بدن الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وطينة روح علي (عليه السلام) فضلاً عَنْ بدنه الشريف، وَرَدَ فِي العديد مِنْ الروايات استشفاء بدن أمير المؤمنين (عليه السلام) بفضل ريق الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَوُم خيبر ووَرَدَ فِي روايات مستفيضة أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أوتي العلم عِنْدَمَا وضع الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ريقه فِي فم أمير المؤمنين (عليه السلام) فِي يَوُم الدار.
٥ - يظهر مِنْ هاتين الروايتين وغيرهما مما سنشير إليه المتضمن نفس المفاد أنَّ مثال الشخص مما يتكوّن مِنْ أبدان لطيفة رقيقة هُوَ أصل حقيقة الشخص، لأنها الروح بقالب جسمها الرقيق الشفّاف وَهُوَ الذي يدير هَذَا البدن الغليظ الأرضي الدنيوي. فحقيقة كُلّ إنسان بروحه لا ببدنه الأرضي.
وَهَذِهِ القاعدة مُطّردة فِي كُلّ بدن بلحاظ البدن الذي فوقه، والبدن الذي هُوَ دونه كَمَا مَرَّ التنبيه عَلَى ذَلِكَ.
٦ - وَقَدْ مَرَّ أنَّ طبقات الطينة للشخص متعددة بتعدّد أبدان الإنسان الواحد المتداخلة فِي بعضها البعض تداخلا طوليا هيمنيا.
وَمِنْ ذَلِكَ يتبيِّن أنَّ لِكُلِّ شخص مثال فِي كُلّ سماء وفي كُلّ عالم جسماني فوق السماوات مما هُوَ ألطف منها إلى أنْ يصل إلى المثال الذي فِي العرش، وَذَلِكَ لاختلاف سنخ مواد طينة كُلّ عالم جسماني عَنْ الآخر غلطةً ورقّةً وكثافةً وشفافيةً.
٧ - قَدْ وَرَدَتْ فِي جملة مِنْ روايات المعراج التعبير فِي المواطن الأولى مِنْ حركته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالإسراء ثمَّ تغاير التعبير إلى العروج، وكذلك فِي لفظ القرآن الكريم ففي سورة الإسراء ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِير﴾.
بينما فِي سورة النجم ﴿وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾.
فَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْض الروايات أنَّ عروجه مِنْ بيت المقدس(٤٣٨)، وفي بعضها أنَّهُ عرج به مِنْ مسجد الكوفة(٤٣٩) وبعض ثالث أسري به إلى المسجد الأقصى ثمَّ عرج به إلى ملكوت السماء(٤٤٠).
ولا يخفى أنَّ المسجد الأقصى كَمَا فِي عِدَّة مِنْ الروايات هُوَ البيت المعمور فِي السماء الرابعة. وفي بعض رابع أنَّ الإسراء إلى السماء السابعة(٤٤١)، ولكنها عَنْ ابن عباس عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ولعلَّ إلى ذَلِكَ يشير التحديد القرآني للإسراء بأنّ غايته المسجد الأقصى، كَمَا أنَّ ما فِي سورة النجم حَيْثُ أُسند الرؤية إلى الفؤاد، وَهِيَ ما فوق سدرة المُنتهى، بينما الرؤية فِي سدرة المنتهى وجنّة المأوى أُسند إلى البصر، كُلّ ذَلِكَ يَدُلّ عَلَى اختلاف الإسراء عَنْ المعراج، بَلْ واختلاف المعراج مِنْ ناحية الطبقات.
فَمِنْ ثمَّ قَدْ يتقرّر أنَّ بَعْض طبقات المعراج جسماني. وبعضها روحاني.
الخامسة: رواية التفسير المنسوب إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): المتضمِّنة ما أظهر الله (عَزَّ وجَلَّ) آية لنبيٍّ تَقَدَّمَ إلَّا وَقَدْ جعل لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) مثلها وأعظم منها، ثمَّ ذكر (عليه السلام) ما جرى بين الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي (عليه السلام) وبين أوباش قريش وَأنَّهُ قتل منهم بإعجاز أو معجزة الأحجار عشراً، ثمَّ إنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلي دعوا الله لإحيائهم فنشروا ثمَّ نادوا المحيون معاشر المسلمين أنَّ لمحمد وعلي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي الممالك الَّتِي كنّا فيها شأن عظيم فَقَدْ رأينا لمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مثال عَلَى سرير عِنْدَ البيت المعمور وعِنْدَ العرش ولعليّ (عليه السلام) مثالاً عِنْدَ البيت المعمور وَعِنْدَ الكرسي.
وأملاك السماوات والحُجُب وأملاك العرش يحفّون بهما ويعظمونهما ويصلّون عليهما ويصدرون عَنْ أوامرهما ويقسمون بهما عَلَى الله (عَزَّ وجَلَّ) لحوائجهم إذَا سألوه بهما(٤٤٢).
بيان: إنَّ فِي هَذِهِ الرواية دلالة اولا: على أنَّ المثال الملكوتي حيٌّ شاعر وَأنَّهُ الأصل لحقيقة الإنسان. ثانيا: إنَّ قدرته وفعاليته مِنْ سنخ الملكوت. ثالثا: إنَّ التسمية بالمثال إنَّما هُوَ بلحاظ التماثل مَعَ البدن الأرضي المعروف لا أنَّهُ تمثال صوري.
ظلك وظل الله:
السادسة: روى عَبْدِ اللهِ بْنِ مَيْمُونٍ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (عليه السلام) يَا رَبِّ مَنْ أَهْلُكَ الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ قَالَ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمْ وَالتَّرِبَةُ أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ جَلَالِي (٤٤٣)... "الحديث
فوقية عالم الأظلة على عالم الجنة:
كتاب (فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام): عن أبي هريرة وسلمان الفارسي، في حديث طويل، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب سؤال جاثليق، قال له الجاثليق: فأخبرني عن الجنة والنار أين هما؟
قال (عليه السلام): «الجنة تحت العرش في الآخرة، والنار تحت الأرض السابعة السفلى».
فقال الجاثليق: صدقت، فإذا طوى الله السماوات والأرض، أين تكون الجنة والنار؟ فقال (عليه السلام): «ائتوني بدواة وبياض». فكتب آية من الجنة وآية من النار، ثم طوى الكتاب وناوله النصراني، فأخذه بيده، قال له: «ترى شيئا؟» قال: لا، قال: «فانشره». فقال: «ترى تحت آية الجنة آية النار، وآية النار تحت آية الجنة؟». قال: نعم. قال: «كذلك الجنة والنار في قدرة الرب عز وجل» قال: صدقت).
وتقريب الدلالة أن طي الجنة والنار مفروض في النفخ للصور بخلاف عالم الأظلة والأشباح فإن قائم بحاله ولو بلحاظ الصور، نعم قد يستظهر من رواية أخرى إرادة جنان السماوات لا جنة المأوى عند سدرة المنتهى، إلا أن النار على أي تقدير في الأرض السابعة في سجين.
فقد روى الديلمي: مرفوعا إلى سلمان الفارسي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث له معه جاثليق ومعه مائة رجل من النصارى، فكان فيما سأله (عليه السلام) أن قال له الجاثليق: فأخبرني عن قوله جل ثناؤه: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (٤٤٤) ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فإذا طويت السماوات، وقبضت الأرض، فأين تكون الجنة والنار فيهما؟ قال: فدعا بدواة وقرطاس، ثم كتب فيه: الجنة والنار، ثم درج القرطاس ودفعه إلى النصراني، وقال [له]:
«أليس قد طويت هذا القرطاس؟». قال: نعم، قال: «فافتحه» قال: ففتحه، فقال: «هل ترى آية النار وآية الجنة، أمحاهما طي القرطاس؟». قال: لا، قال: «فهكذا في قدرة الله إذا طويت السماوات وقبضت الأرض لم تبطل الجنة والنار، كما لم يبطل طي هذا الكتاب آية الجنة وآية النار».
وفي معتبرة ثوير بن ابي فاختة عن علد بن الحسين (عليه السلام) - في حديث - قال: «فيقول الله لإسرافيل: يا إسرافيل مت؛ فيموت إسرافيل، فيمكثون في ذلك ما شاء الله، ثم يأمر الله السماوات فتمور، ويأمر الجبال فتسير، وهو قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاء مَوْرًا وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا﴾(٤٤٥) يعني تنبسط و﴿تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ (٤٤٦) يعني بأرض لم تكتسب عليها الذنوب، بارزة ليس عليها جبال ولا نبات، كما دحاها أول مرة، ويعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة، مستقلا بعظمته وقدرته - قال -: فعند ذلك ينادي الجبار جل جلاله بصوت من قبله جهوري يسمع أقطار السماوات والأرضين: لمن الملك اليوم؟ فلا يجيبه أحد، فعند ذلك يجيب الجبار عز وجل مجيبا لنفسه: لله الواحد القهار؛ وأنا قهرت الخلائق كلهم وأمتهم، إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي، لا شريك لي ولا وزير، وأنا خلقت خلقي بيدي وأنا أمتهم بمشيتي، وأنا أحييهم بقدرتي، قال:
فينفخ الجبار نفخة في الصور، فيخرج الصوت من أحد الطرفين الذي يلي السماوات، فلا يبقى أحد في السماوات إلا حيي وقام كما كان، ويعود حملة العرش، وتعرض (٤٤٧) الجنة والنار، وتحشر الخلائق للحساب». قال: فرأيت علي بن الحسين (عليهما السلام) يبكي عند ذلك بكاء شديدا).
كلمات العلماء فِي الأظلة:
الشَّيْخ النمازي فِي مستدرك السفينة فِي مادّة ظلل:
وَقَدْ كتب جمع مِنْ الرواة كتاب الأظلة كَمَا فِي رجال النجاشي منهم عبد الله بن كثير الهاشمي، وعلي بن أبي صالح مُحمَّد الخياط الكوفي، وَمُحمَّد بن سنان وعلي بن حمّاد الأزدي، وأحمد بن مُحمَّد بن عيسى بن عبد الله الأشعري القمي الثقة الجليل.
قولان لعلماء الإمامية:
إنَّ البحث فِي أقوال علماء الإمامية حول طوائف روايات الأظلة والأشباح والذّر والميثاق والطينة وخلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ونحوها مِنْ طوائف وألسن الروايات الواردة فِي تَقَدَّمَ خلق الأرواح عَلَى الأبدان يشاهد:
١ - أنَّهم عَلَى فريقين.
٢ - اتفاقهم عَلَى أنَّ أصل هَذِهِ الروايات صادرة إجمالاً عَلَى نحو القطع.
٣ - أنَّ بمضمونها آيات فِي القرآن الحكيم إلَّا أنَّ الموقف مِنْ هَذِهِ الروايات اختلف.
القول: الأوَّل: ما ذهب إليه الكثير مِنْ أعيان رواة المعارف مِنْ أصحاب الأئمة وَمِنْ الطبقات المُتأخِّرة منهم البرقي والصفار وسعد بن عبد الله الأشعري والكليني والصدوق والطبري والراوندي، واستكشاف موقف هؤلاء الأعلام بلحاظ أنَّهم رووا مُستفيضا هَذِهِ الروايات وَلَمْ يردوها ويطعنوا فيها مَعَ أنَّ مبناهُمْ غالباً عدم رواية ما لا يرتضونه مِنْ مضامين الروايات. ومنهم منْ بسط الكلام في ظاهر هَذِهِ الطوائف، ومنهم رواه مِنْ دون ردّ كالكليني.
القول الثَّانِي: كالمفيد والمُرتضى والطوسي وبن شهرآشوب.
وَمِنْ المتأخرين الحكيم ملا صدرا وَمنْ أتى بعده من الفلاسفة الإمامية انتهاءً بالعلّامة الطباطبائي، فإنَّهم أوَّلوا هَذِهِ الروايات عَلَى خلقة الفطرة وما ارتكز مِنْ البديهيات العقلية عِنْدَ بدأ خلقة الروح بالجسد لا أنَّ الروح مخلوقة قبل الجسد.
أقوال العامّة: وَهُمْ قسمان أيضاً:
الأوَّل: من عمل بظاهر هَذِهِ الروايات وَهُمْ غالب المحدّثين لديهم وكثير مِنْ مفسريهم لا سيما القدماء منهم والفخر الرازي مِنْ المُتأخرين مَعَ أنَّ لَهُ مشرب فلسفي وكلامي.
الثَّانِي: ارتكب التأويل نظير التأويل فِي القول الثَّانِي الذي مَرَّ عِنْدَ الإمامية، ومنهم المعتزلة.
تفصيل الأقوال فِي الأظلة والأشباح:
١ - إنَّ لبحث عالم الأظلة والأشباح الذي هُوَ مِنْ أوائل عوالم الخلقة الجسمانية تأثيرٌ بالغ عَلَى فَهُمْ أبواب المعرفة، وكذلك عَلَى فَهُمْ باب الرجعة، وَمِنْ ثمَّ كَانَ مِنْ اللازم الخوض فِي هَذَا الباب وَهُوَ عالم الأظلة والأشباح كي يتبيَّن الحال فِي كثير مِنْ غوامض مباحث الرجعة. والفلاسفة لَمْ يخوضوا فِي بحث عالم الأظلة.
٢ - إنَّ عالم الأظلة والأشباح مِنْ ألطف العوالم الجسمانية عَلَى الإطلاق، بَلْ سيأتي أنَّهُ ألطف مِنْ عالم الجنّة كَمَا أنَّ عالم الأظلة ألطف مِنْ عالم الأشباح كَمَا سيأتي إنْ شاء الله مُفصلاً.
٣ - قَدْ يُزعم فِي بَعْض الكلمات أنَّ رواة روايات الأظلة والأشباح أكثرهم مِنْ الغُلاة وأنَّ القول بعالم الأظلة والأشباح شاذّ مِنْ الأقوال، وَهَذَا الزعم باطلٌ فِي غاية السقوط، فَإنَّ القول بعالم الأظلة والأشباح واستفاضة رواياتها أو تواترها لَيْسَ محلاً للخلاف عِنْدَ جُلّ عُلماء الإمامية ورواتهم، إنَّما الخلاف فِي تأويل مفاد هَذِهِ الروايات وتفسيرها، وأمَّا التأويلات لهذه الروايات الَّتِي اختلقتها الفرق الباطنية فلا صلة لها بأقوال الإمامية.
٤ - قَدْ بدأت الأبحاث فِي العلوم الروحية الحديثة البحث عَنْ الحياة قبل الولادة وذكر مشاهد حالات روحية كثيرة تشهد عَلَى وجود حياة قبل عالم الولادة.(٤٤٨) 
١ - الشَّيْخ المفيد فِي المسائل السروية:
المسألة الثانية: فِي الأشباح والذَّر والأرواح ما قوله أدام الله تأييده فِي معنى الأخبار المروية عَنْ الأئمة الهادية (عليهم السلام) فِي الأشباح وخلق الله تَعَالَى الأرواح قبل خلق آدم (عليه السلام) بألفيّ عام، وإخراج الذريّة مِنْ صلبه عَلَى صور الذَّر، ومعنى قول رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الأرواح جنود مُجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
الجواب: وبالله التوفيق.
إنَّ الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها وتتباين معانيها، وَقَدْ بنت الغلاة عَلَيْهَا أباطيل كثيرة وصنّفوا فيها كتباً لغو فيها وهذوا فيما أثبتوه مِنْهُ فِي معانيها وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة مِنْ شيوخ أهل الحَقّ وتخرّصوا الباطل بإضافتها إليهم، مِنْ جملتها كتاب سمّوه (كتاب الأشباح والأظلة) ونسبوا تأليفه إلى مُحمَّد ابن سنان ولسنا نعلم صحّة ما ذكروه فِي هَذَا الباب عنهم، فَإنْ كَانَ صحيحاً فَإنَّ ابن سنان قَدْ طعن عَلَيْهِ وَهُوَ متهم بالغلو فَإنْ صدقوا فِي إضافة هَذَا الكتاب إليه فَهُوَ ضالّ بضلاله عَنْ الحَقّ وإنْ كذبوا فَقَدْ تحمّلوا أوزار ذَلِكَ.
والصحيح مِنْ حديث الأشباح الرواية الَّتِي جاءت عَنْ الثقات بأنَّ آدم (عليه السلام) رأى عَلَى العرش أشباحاً يلمع نورها فسأل الله تَعَالَى عنها فأوحى إليه أنَّها أشباح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) والحسن والحسين (عليهما السلام). وأعلمه أنَّ لولا الأشباح الَّتِي رآها ما خلقه ولا خلق سماءً ولا أرضاً.
والوجه فيما أظهره الله تَعَالَى مِنْ الأشباح والصور لآدم (عليه السلام) أنَّ دلَّ عَلَى تعظيمهم وتبجيلهم وجعل ذَلِكَ إجلالاً لهم مقدمة لما يفترضه مِنْ طاعتهم ودليلاً عَلَى أنَّ مصالح الدِّين وَالدُّنْيَا لا تتمُّ إلَّا بهم وَلَمْ يكونوا فِي تلك الحال صوراً محياة، ولا أرواحاً ناطقة، لكنَّها كانت صوراً عَلَى مثل صورهم فِي البشرية تَدُلُّ عَلَى ما يكونون عَلَيْهِ فِي المستقبل مِنْ الهيئة، والنور الذي جعله عَلَيْهِم يَدُلّ عَلَى نور الدِّين بهم وضياء الحَقّ بحججهم.
وَقَدْ روي أنَّ أسمائهم كانت مكتوبة إذْ ذاك عَلَى العرش وأنَّ آدم (عليه السلام) لما تاب إلى الله (عَزَّ وجَلَّ) وناجاه بقبول توبته سأله بحقّهم عَلَيْهِ ومحلّهم عنده فأجابه.
وَهَذَا غَيْر منكر فِي العقول ولا مضاد للشرع المعقول، وَقَدْ رواه الصالحون الثُّقات المأمونون وسلم لروايته طائفة الحقّ، ولا طريق إلى إنكاره والله وليّ التوفيق(٤٤٩).
ويُلاحظ فِي كلام الشَّيْخ المفيد جملة مِنْ النقاط:
الأُولى: تقرير السائل بورود روايات عنهم (عليهم السلام) فِي الأشباح وخلق الأرواح قبل خلق الأجساد نظير الروايات الواردة فِي عالم الذَّر.
وتقرير الشَّيْخ المفيد أنَّ الروايات رواها الثُّقات المأمونون وسلّم لروايته طائفة الحَقّ ولا طريق إلى إنكاره والله وليّ التوفيق، وسيأتي فِي كلامٍ لَهُ اعترافه برواية الفريقين لعالم الأرواح والأظلة كالحديث النبوي «الأرواح جنود مُجنّدة...».
الثانية: إنَّ روايات عالم الأظلة والأشباح قَدْ وَرَدَتْ بألسنة متعدّدة كَمَا هُوَ مُرتكز فِي سؤال السائل، وَعِنْدَ الشَّيْخ المفيد فمنها:
١ - ما وَرَدَ بلفظ الأشباح والأظلة، ومنها:
٢ - ما وَرَدَ بلسان خلق الأرواح قبل خلق آدم بألفي عام، ومنها:
٣ - ما وَرَدَ في تعارف وتناكر الأرواح قبل عالم الأجسام، وَهَذَا اللسان هُوَ متن رواية مستفيضة في مصادرنا الأصلية بل تسالموا على روايتها والأخذ به.
 قال المفيد في المسائل السروية: وأما الحديث بأن الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف (٤٥٠) 
وفي الأصول عن جَابِرٌ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ فِي الْأَرْضِ، وَمَا تَنَاكَرَ عِنْدَ اللهِ اخْتَلَفَ فِي الْأَرْض(٤٥١).
ومنها:
٤ - ما وَرَدَ بلسان عالم الذَّر، مَعَ أنَّ عالم الذَّر لا ينحصر انطباقه عَلَى عالم الأظلّة والأشباح، لكنَّه يَدُلّ إجمالاً عَلَى تَقَدَّمَ نشآت للروح عَلَى البدن فِي الأرحام، وغيرها مِنْ الألسُن الآتي الإشارة إليها:
 ٥ - كلسان روايات المعراج.
 ٦ - ولسان روايات خلق السماوات السبع وما فوقها إلى العرش الآتية وغيرها، وَهَذِهِ تشكِّل ضريباً كمياً مِنْ الأحاديث يعضد بعضها بعضاً إلى درجة التواتر فِي بَعْض معانيها أو الاستفاضة فِي البعض الآخر مِنْ المعاني أو الوثوق فِي البعض الثَّالِث مِنْ تفاصيل المعاني.
وَقَدْ أشار إلى ذَلِكَ الشَّيْخ المفيد أيضاً [إنَّ الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها وتتباين معانيها](٤٥٢)، وَهَذَا تصريح وتأكيد بتعدّد طوائف الروايات الواردة فِي عالم الأظلّة والأشباح.
الثالثة: قَدْ نبّه الشَّيْخ المفيد إلى أنَّهُ لا صلة بين الأخبار الواردة المُتعدّدة الطوائف وبين ما بنى عَلَيْهِ الغُلاة مِنْ تأويلات لها وما صنّفوا مِنْ تفسيرها مِنْ كتب وأباطيل، فلا يقع الخلط بين طعن الشَّيْخ المفيد فِي تأويلات وتفسيرات الغُلاة لهذه الطوائف وبين تقريره كون رواتها مِنْ الصالحين الثُّقات المأمونين، وتسليم طائفة الحَقّ لتلك الروايات وعدم إنكارها.
الرابعة: قَدْ حكى الشَّيْخ المفيد تسليم طائفة الإمامية لطوائف روايات الأظلّة والأشباح وعدم إنكارهم لها.
الخامسة: لا يخفى أنَّ العامَّة قَدْ رووا باستفاضة الحديث النبوي «الأرواح جنود مُجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف»(٤٥٣).
٢ - قَالَ الشَّيْخ أبو جعفر (رحمه الله): اعتقادنا فِي النفوس أنَّها هِيَ الأرواح الَّتِي بها الحياة وَأنَّها الخلق الأوَّل لقول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ أوَّل ما أبدع الله - تَبَارَكَ وَتَعَالَى - هِيَ النفوس المُقدّسة المُطهّرة، فأنطقها بتوحيده، ثمَّ خلق بَعْدَ ذَلِكَ سائر خلقه»(٤٥٤) واعتقادنا فيها أنَّها خُلقت للبقاء وَلَمْ تُخلق للفناء، لقول الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «ما خلقتم للفناء بَلْ خلقتم للبقاء، وَإنَّما تنقلون مِنْ دار إلى دار»(٤٥٥) وَإنَّها فِي الأرض غريبة وفي الأبدان مسجونة(٤٥٦).
واعتقادنا فيها أنَّها إذَا فارقت الأبدان فَهِيَ باقية، منها منعمّة ومنها مُعذّبة إلى أنْ يردّها (عَزَّ وجَلَّ) بقدرته إلى أبدانها، وَقَالَ عيسى بن مريم للحواريين «بحق أَقُوُل لكم أنَّهُ لا يصعد إلى السماء إلَّا ما نزل منها»(٤٥٧) وَقَالَ الله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ فما لَمْ يرفع منها إلى الملكوت بقي يهوى فِي الهاوية؛ وَذَلِكَ لِأنَّ الجنّة درجات والنار دركات، وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ) ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ): ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾ وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾ وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون﴾ وَقَالَ الْنَّبِيّ: «الأرواح جنود مُجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف» وَقَالَ الصَّادِق (عليه السلام): «إنَّ الله آخى بين الأرواح فِي الأظلّة قبل أنْ يخلق الأجساد بألفي عام، فلو قَدْ قام قائمنا أهل البيت ورّث الأخ الذي آخى بينهما فِي الأظلّة وَلَمْ يورث الأخ مِنْ الولادة» وَقَالَ (عليه السلام): «إنَّ الأرواح لتلتقي فِي الهواء فتتعارف وتتساءل. فإذا أقبل روح مِنْ الأرض قالوا: دعوه فَقَدْ أفلت مِنْ هول عظيم ثمَّ سألوه ما فعل فلان وما فعل فلان، فَكُلّما قَالَ: قَدْ بقي، رجوه أنْ يلحق بهم، وَكُلّما قَالَ قَدْ مات، قالوا هوى هوى»(٤٥٨).
وفي كَلام الصَّدوق جملة مِنْ النقاط:
النقطة الأُولى: أنَّهُ جعل الروح أصلاً وخاض فِي شؤونها المُختلفة فذكر طوائف عديدة مِنْ الروايات ذَاتَ المباحث المُختلفة إلا أنَّها تصبّ جميعاً فِي بيان أنَّ للروح كينونة وعالم قبل عالم البدن ومغاير لَهُ.
النقطة الثَّانية: إنَّ إلفات الصَّدوق إلى هَذِهِ الكينونات للروح قبل البدن مَعَ ما ذكره الصدوق فِي حقيقة الموت وأنواعه يبني عَلَيْهِ ويفسر منظومة حقيقة الرجعة، وكأنَّ هَذَا سبب غفلة الحكيم الملّا صدرا فِي جُلّ كتبه فِي مبحث المعاد عَنْ الرجعة مَعَ أنَّ الرجعة معاد أصغر، مَعَ أنَّهُ خاص فِي البرزخ.
والحاصل إنَّ شؤون الروح بهذه القراءة العقليّة الَّتِي لدى الصَّدوق مِنْ دلائل الوحي غابت عَنْ بحث الحكيم الملّا صدرا فِي الأسفار، بينما إلتفت إلىها الحر العاملي.
النقطة الثَّالثة: طائفة الروايات التي ذكرها المُشيرة إلى تآخي الأرواح فِي الأظلّة هي كثيرة مُستفيضة، وَهَذِهِ الطائفة دالَّة عَلَى أنَّ الطائفة الأُخرى المستفيضة الواردة في أنَّ الأرواح خُلقت قبل الأجساد بألفي عام(٤٥٩) إنَّما هُوَ إشارة إلى عالم الأظلّة.
معنى قبلية الألفي عام:
النقطة الرَّابعة: إنَّ التقدير بالقبلية الرتبية لعالم الأظلّة وَهُوَ مِنْ عالم الأرواح قبل الأجساد بألفي عام إذَا قُرِنَ مَعَ قوله تَعَالَى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّون﴾(٤٦٠) فالتقدير هُنَا ما بين السماء والأرض وَهَلْ يُراد به جنس السماء بما يشمل السماء السَّابِعة أو خصوص السماء الأولى، الظاهر إرادة ما هو أعلى من السماء بضعف بقرينة تثنية الألف.
النقطة الخامسة: [قاعدة طبقات الأبدان]: إنَّ الأبدان ذَاتَ طبقات مُتعدّدة مختلفة كثافة وغلظةً ولطافةً وليست مقصورة عَلَى هَذَا البدن الغليظ المحسوس، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الأبواب السابقة أنَّ البدن الدنيوي لَيْسَ منحصرا ولا مُقتصراً عَلَى هَذَا البدن الغليظ المرئي، ثمَّ إنَّ تلك الأبدان الأُخرى اللطيفة سيظهر - مِنْ الروايات الواردة فِي عالم الأظلّة والأشباح، وَهِيَ عالم الأشباح - أنَّها طبقات مِنْ الأبدان ارتبط بها نور ذَاتَ الإنسان قبل نفخها فِي البدن الغليظ، وَهَذِهِ القاعدة عظيمة مُستفادة مِنْ روايات عالم الأظلّة والأشباح، قَدْ غفل عنها جَلَّ الفلاسفة وأكثر المُتكلّمين.
وتقرير كون عالم الأرواح مِنْ طبقات الجسم اللطيف لا ينفي وجود مرتبة مِنْ ذَاتَ الإنسان مجرّدة عَنْ مطلق الجسم، وَهُوَ عالم النور والأنوار بحسب بيانات العنوان الوارد فِي الآيات والروايات سواء مَنْ قَالَ منهم بقدم الروح قبل البدن أو مِنْ قَالَ منهم بحدوث الروح بحدوث البدن، وسواء مَنْ قَالَ أنَّ الروح روحانية الحدوث وروحانية البقاء، أو مِنْ قَالَ أنَّها جسمانية الحدوث وروحانية البقاء، كَمَا هُوَ قول الحكيم ملا صدرا (رحمه الله).
بينما بنى الحكيم ملا صدرا بَلْ جُلّ الفلاسفة عَلَى أنَّ أوَّل جسم تعلق بمرتبة الذات المجرّدة من الإنسان، هُوَ الذي فِي عالم الأرحام.
بينما ثبت مِنْ الأبحاث العلمية الحديثة أنَّ أوَّل جسم دنيوي للإنسان لَيْسَ هُوَ الذي فِي الرحم، بَلْ قبله النطفة، وقبل النطفة جسيم الكروموسوم [Chromosme] وَهُوَ جسيمٌ يقع فِي نواة الخلية تنقل الصفات الوراثية مِنْ الآباء إلى الأبناء، وفيها الجينات الوراثية، وَهَذِهِ الخلايا الوراثية خلايا حيوانية أي فيها درجة من درجات الروح الحيوانية فهي جسيم مجهري حيواني وهذه الخلايا الوراثية المجهريّة لجميع البشر موجودة فِي صلب آدم.
وَعَلَى ضوء هَذِهِ الأبحاث العلمية رغم محدوديتها فضلاً عَنْ ما ستصل إليه فِي المستقبل مِنْ اكتشافات أكثر - يمكن أن تفسر عالم الذر مِنْ أخذ الذريات مِنْ ظهر آدم ويتقرر تفسير محتمل للذر ينسجم مَعَ ظاهر الآيات والروايات الواردة فِي عالم الذَّر مِنْ دون الحاجة إلى التأويل لعالم الذر الذي ارتكبه العلّامة الطباطبائي (رحمه الله) والحكيم ملا صدرا (رحمه الله) ولو فرض البناء على حدوث الروح بحدوث الجسم فِي الأرحام.
وعن حَبَّةَ الْعُرَنِيِّ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): إِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَادِ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَعَلَّقَهَا بِالْعَرْشِ وَأَمَرَهَا بِالتَّسْلِيمِ عَلَيَّ وَالطَّاعَةِ لِي وَكَانَ أَوَّلُ مَنْ سَلَّمَ عَلَيَّ وَأَطَاعَنِي مِنَ الرِّجَالِ رُوحَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام).(٤٦١)
النقطة السادسة: سيأتي بحث مفصل عن الكينونة السابقة للأرواح واستعراض الكثير العديد من الروايات في هذا الصدد وشرح مفادها، نظير ما في رواية بصائر الدرجات بسنده عَنْ عمارة: قَالَ كنتُ جالساً عِنْدَ أمير المؤمنين (عليه السلام): إذَا أقبل رجل فسلَّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يا أمير المؤمنين والله إنِّي لأحبك فسأله ثمَّ قَالَ لَهُ: «إنَّ الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفيّ عام ثمَّ أسكنت الهواء فما تعارف منها ثمَّ ائتلف ههنا وما تناكر منها ثمَّ اختلف ههنا وإنَّ روحي أنكر روحك»(٤٦٢).
ومثله روى الكشّي بسنده عَنْ ميمون بن عبد الله عَنْ الصَّادِق عَنْ آبائه (عليهم السلام) قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثمَّ أسكنها الهواء فما تعارف منها ثمَّ ائتلف ههنا وما تناكر منها ثمَّ اختلف ههنا»(٤٦٣).
قوله (عليه السلام): «إنَّ الأرواح لتلتقي فِي الهواء» وسيأتي شرح حقيقة الروح بلغة الأظلّة والأشباح.
وَقَالَ الشَّيْخ المفيد (قدّس سرّه) بأن ما ذكره الشَّيْخ أبو جعفر ورواه:
إنَّ الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفيّ عام، فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فَهُوَ حديث مِنْ أحاديث الآحاد وخبر مِنْ طُرق الأفراد، وَلَهُ وجه غَيْر ما ظنّه منْ لا علم لَهُ بحقائق الأشياء، وَهُوَ أنَّ الله تَعَالَى خلق الملائكة قبل البشر بألفيّ عام، فما تعارف منها قبل خلق البشر ائتلف عِنْدَ خلق البشر، وما لَمْ يتعارف منها إذْ ذاك اختلف بَعْدَ خلق البشر، وَلَيْسَ الأمر كَمَا ظنّه أصحاب التناسخ ودخلت الشبهة فيه عَلَى حشوية الشيعة فتوهّموا أنَّ الذوات الفعّالة المأمورة والمنهيّة كانت مخلوقة فِي الذَّر تتعارف وتعقل وتفهم ثمَّ خلق الله لها أجساداً بَعْدَ ذَلِكَ فركبها فيها.
ولو كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لكنّا نعرف نحن ما كنّا عَلَيْهِ، وإذا ذُكِّرنا به ذكرناه ولا يخفى علينا الحال فيه، ألا ترى أنَّ مَنْ نشأ ببلد مِنْ البلاد، فأقام فيه حولاً ثمَّ انتقل إلى غيره لَمْ يذهب عنه علم ذَلِكَ وإنْ خُفي عَلَيْهِ لسهوه عنه فذُكِّر به ذكره.
ولولا أنَّ الأمر كَذَلِكَ لجاز أنْ يولد إنسان منّا ببغداد وينشأ بها ويقيم عشرين سنة فيها ثمَّ انتقل إلى مصر آخر فينسى حاله فِي بغداد ولا يذكر منها شيئاً وإنْ ذُكِّر به وعدد عَلَيْهِ علامات حاله ومكانه ونشوئه أنكرها، وَهَذَا ما لا يذهب إليه عاقل وكذا ما كَانَ ينبغي لِمَنْ لا معرفة لَهُ بحقائق الأُمُور أنْ يتكلّم فيها عَلَى خبط عشواء.
والذي صرَّح به أبو جعفر (قدّس سرّه) فِي معنى الروح والنفس هُوَ قول التناسخية بعينه مِنْ غَيْر أنْ يعلم أنَّهُ قولهم فالجناية بذلك عَلَى نفسه وَعَلَى غيره عظيمة(٤٦٤).
وتابعه تلميذه السِّيّد المُرتضى فِي جملة هَذا الكلام فِي رسائل الشريف المُرتضى(٤٦٥) وحُكي عَنْ ابن شهرآشوب موافقته للشيخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى(٤٦٦).
كلام المفيد فِي الأظلّة والأشباح:
قَالَ المصنّف (قدّس سرّه) فِي ضمن جواب المسألة الثانية مِنْ المسائل السروية: فَأمَّا الخبر بأن الله تَعَالَى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفيّ عام فَهُوَ مِنْ أخبار الآحاد، وَقَدْ روته العامّة (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَمَا روته الخاصّة وَلَيْسَ «هو» مَعَ ذَلِكَ مما يقطع عَلَى الله بصحته، وَإنَّما نقله رواته لحسن الظن به، وإنْ ثبت القول فالمعنى فيه أنَّ الله تَعَالَى قدّر الأرواح فِي علمه قبل اختراع الأجساد، واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح، فالخلق للأرواح قبل الأجساد، خلق تقدير فِي العلم - كَمَا قدّمناه - وَلَيْسَ بخلق لذواتها كَمَا وصفناه - والخلق لها بالإحداث والاختراع بَعْدَ خلق الأجسام والصور الَّتِي تدبّرها الأرواح، ولولا أنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لكانت الأرواح تقوم بأنفسها ولا تحتاج إلى آلات تعتملها، ولكنّا نعرف ما سلف لنا مِنْ الأحوال قبل خلق الأجساد كَمَا نعلم أحوالنا بَعْدَ خلق الأجساد. وَهَذَا محال لا خفاء بفساده.
وأمَّا الحديث بأنَّ الأرواح جنود مُجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فالمعنى فيه أنَّ الأرواح الَّتِي هِيَ الجواهر البسائط تتناصر بالجنس وتتخاذل بالعوارض، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف وما تناكر منها فِي الرأي والهوى اختلف، وَهَذَا موجود حسّاً ومشاهدة، وَلَيْسَ المراد بذلك أنَّ ما تعارف منها فِي الذَّر ائتلف - كَمَا يذهب إليه الحشويّة، كَمَا بيّناه مِنْ أنَّهُ لا علم للإنسان بحال كَانَ عَلَيْهَا قبل ظهوره فِي هَذَا العالم، ولو ذُكِّر بكُلِّ شيء ما ذكر ذَلِكَ - فوضح بما ذكّرناه أنَّ المراد مِنْ الخبر ما شرحناه والله الموفق للصواب. انتهى(٤٦٧).
أقول: قد تقدمت الإشارة الى أن مصادر الحديث مستفيضة عند العامة بألفاظ متعددة مستفيضة فضلا عن طرق الخاصة، بل إن ما دل على أن الأرواح متقدمة خلقة على الأجساد بالدلالة الالتزامية هي طوائف كثيرة مستفيض كل واحد منها عند الفريقين فالمجموع متواتر.
وَقَالَ الشَّيْخ المفيد فِي المسألة الأولى مِنْ المسائل العكبرية: - إنْ قِيلَ إنَّ أشباح آل مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سبق وجودها وجود آدم فالمُراد بذلك أنَّ أمثلتهم فِي الصور كانت عَلَى العرش فرآها آدم وسأل عنها فأخبره الله أنَّها أمثال صور مِنْ ذريته شرفهم بذلك وعظّمهم به، فَأمَّا أنْ تكون ذواتهم (عليهم السلام) كانت قبل آدم موجودة فَذَلِكَ باطل بعيد عَنْ الحَقّ لا يعقتده محصل ولا يدين به عالم وَإنَّما قَالَ به طوائف مِنْ الغُلاة الجُهّال الحشوية مِنْ الشيعة الَّذِيْنَ لا بصيرة لهم بمعاني الأشياء ولا حقيقة الكلام.
وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الله تَعَالَى كَانَ قَدْ كتب أسماءهم فِي العرش ورآها آدم وعرفهم بذلك وعلم شأنهم عِنْدَ الله عظيم، وأمَّا القول بأنَّ ذواتهم كانت موجودة قبل آدم فالقول فِي بطلانه عَلَى ما قدّمناه.
وَقَالَ (رحمه الله) فِي ضمن جواب المسألة المتممة للخمسين (قدّس سرّه)، وقوله: إنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولد مبعوثاً وَلَمْ يزل نبياً فَإنَّهُ مجمل مِنْ المقال وباطل فيه عَلَى حال فإنْ أراد بذلك أنَّهُ لَمْ يزل فِي الحكم مبعوثاً وفي العالم نبيّاً فَهُوَ كَذَلِكَ وإنْ أراد بذلك أنَّهُ لَمْ يزل موجوداً فِي الأزل ناطقاً رسولاً وَكَانَ فِي حال ولادته نبياً مُرسلاً كَمَا كَانَ بَعْدَ الأربعين مِنْ عمره فَذَلِكَ باطل لا يذهب إليه إلَّا ناقص غبي لا يفهم عَنْ نفسه ما يقول والله المُستعان وبه التوفيق(٤٦٨).
وَقَالَ الشَّيْخ المُفيد: فَأمَّا ما ذكره مِنْ الأنفس باقية فعبارة مذمومة ولفظ يُضاد ألفاظ القرآن، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَام﴾ والذي حكاه مِنْ ذَلِكَ وتوهّمه هُوَ مذهب كثير مِنْ الفلاسفة المُلحدين الَّذِيْنَ زعموا أنَّ الأنفس لا يلحقها الكون والفساد وَأنَّها باقية، وَإنَّما تفنى وتفسد الأجساد المركبة، وَإلى هَذَا ذهب بَعْض أصحاب التناسخ وزعموا أنَّ الأنفس لَمْ تزل تتكرّر فِي الصور والهياكل لَمْ تحدث وَلَمْ تفنَ ولن تعدم وَأنَّها باقية غَيْر فانية، وَهَذَا أخبث قول وأبعده مِنْ الصواب، وبما دونه مِنْ الشناعة والفساد شنع الناصبة عَلَى الشيعة ونسبوهم إلى الزندقة، ولو عرف مثبته ما فيه لما تعرّض لَهُ لكنَّ أصحابنا المتعلقين بالأخبار أصحاب سلامة وَبَعْدَ ذهن وقلة فطنة يمرون عَلَى وجوههم فيما سمعوه مِنْ الأحاديث ولا ينظرون فِي سندها ولا يفرّقون بين حقّها وباطلها ولا يفهمون ما يدخل عَلَيْهِم فِي إثباتها ولا يحصلون معاني ما يطيقونه منها، والذي ثبت مِنْ الحديث فِي هَذَا الباب أنَّ الأرواح بَعْدَ موت الأجساد عَلَى ضربين: منها ما ينقل إلى الثواب والعقاب ومنها ما يبطل فلا يشعر بثواب ولا عقاب، وَقَدْ روي عَنْ الصَّادِق (عليه السلام) ما ذكرناه فِي هَذَا المعنى وبينّاه.
ثمَّ ذكر عِدَّة مِنْ الروايات الدَّالَّة عَلَى بقاء الروح فأوّلها بقوله، وَهَذَا مِنْ الأخبار الدَّالَّة عَلَى أنَّ بَعْض مَنْ يموت تُردّ إليه روحه لتنعيمه أو لتعذيبه وَلَيْسَ ذَلِكَ بعام فِي كُلّ مَنْ يموت بَلْ هُوَ عَلَى ما بيّناه(٤٦٩).
مُلخّص نظرية المفيد:
يتلخّص إشكال الشَّيْخ المفيد وتلميذه السِّيّد المُرتضى فِي رسائله الذي وافقه عَلَى ذَلِكَ فِي عِدَّة أُمُور ومحاذير:
المحذور الأوَّل: دعوى محذور التناسخ وأنَّ القول بكون الأرواح منشأة قبل الأجساد بوجود مستقل عَنْ الجسد ثمَّ ارتباطها بَعْدَ ذَلِكَ بالجسد عين القول بالتناسخ.
المحذور الثَّانِي: إنَّهُ كيف يتصوّر للأرواح إنشاء وجود مِنْ دون الأجساد والحال أنَّ الجسد آلة للروح.
المحذور الثَّالِث: عدم تذكّر جميع البشر ما مضى من التفاصيل ولو فِي الجملة، وَقَالَ ولولا أنَّ الأمر كَذَلِكَ لجاز أنْ يولد الإنسان منّا فِي بغداد وينشأ بها ولا يذكر شيئاً، وإنْ ذُكِّر به وعدّد عَلَيْهِ علامات حاله ومكانه ونشأته أنكرها، وَهَذَا ما لا يذهب إليه عاقل.
المحذور الرَّابِع: كون روايات حدوث الأرواح قبل الأجساد مِنْ خبر الآحاد.
المحذور الخامس: الذي ذكره السِّيّد المرتضى(٤٧٠) مِنْ أنَّ التكليف لا يصحّ إلَّا للبالغ العاقل الكامل والذي يفهم عِنْدَ الخطاب ولا الخطاب إلَّا لِمَنْ يفهمه، فَإمَّا أنْ يفرض أنَّ الأرواح كانت بهذه الصفة فَلابُدَّ مِنْ تذكّر هَذَا الموقف أو أنَّها ليست بهذه الصفة فالتكليف محال.
المحذور السَّادِس: إنَّها قابلة للتأويل ومؤولة كَمَا يؤوّل قوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾(٤٧١).
المحذور السابع: عُمدة ما أشكل به المشاؤون عَلَى الإشراقيين هُوَ هَذَا الإشكال بأنه لا تتصور كثرة فردية فِي العقول مِنْ دون الكثرة فِي القابل وَهِيَ كثرة الأبدان والأجسام، فالعقل المتعلّق بالبدن يسمى روح ونفس ويعبّر عنه بالعقل الساقط أيّ المتنزّل، وَحَيْثُ لَمْ يتصوّر للعقول تعلّق بالأبدان والأجساد قبل البدن الدنيوي الأرضي، فلا يتصوّر لحدوث وإيجاد وقدم الأرواح والنفوس قبل الأبدان الأرضية.
وَمِنْ ثمَّ تشبث بَعْض الفلاسفة الإشراقيين بتصوير الكثرة الأفرادية فِي العقول الَّتِي هِيَ كثرة نفوس وأرواح بالتشبث بتعلّق العقول بالأجرام السماوية ونحوها، بَلْ إنَّ الفلاسفة المشاء لتصوير بقاء الأرواح والنفوس بَعْدَ الموت تشبثوا بذلك ايضاً.
وأشكل عَلَيْهِم الملا صدرا بأنَّ التعلّق العرضي بأجسامٍ أجنبية لا يفسر ولا يقرّر هوية النفوس والأرواح فَإنَّ التعلّق جوهري وَلَيْسَ عرضيا وَإلَّا لما كَانَ العقل نفسا ولا روحا.
اجوبة إشكالات الشَّيْخ المفيد:
تعدّد مراتب الموت:
نبدأ من مقاله الأخير فِي فناء النفس:
١ - أنَّهُ (رحمه الله) تبنى مسلك المتقدمين مِنْ المتكلمين مِنْ تلاشي وانعدام الروح بَعْدَ الموت، وتوهّم أنَّ القول ببقاء الروح يعطيها صفة الأبدية، وَهُوَ نوع تأليه للروح، كَمَا أنَّ القول بقدم الروح قبل البدن فيه هَذَا المحذور بعينه أو التناسخ، وَقَدْ نقّح فِي المباحث العقلية فساد هَذَا التوهّم وبطلان القول بتلاشي الروح، وأنَّ هَذِهِ القبلية أو البقاء بَعْدَ الموت لا يستلزم الخروج عَنْ الإمكان والفقر للباري تَعَالَى ولا الأزلية.
مَعَ أنَّ القول بعالم الأظلّة والاشباح هُوَ قول بالحدوث الزماني للأرواح لِأنَّ عوالم الجسم وإنْ اختلفت لطافةً ورقّةً إلَّا أنَّها تشترك فِي المقدارية سواء المقدار الجوهري أو الكم العرضي، غاية الأمر تختلف بنوع الزمان ونمطه، إذْ لِكُلِّ سنخ مِنْ العوالم الجسمانية زمن خاصّ به.
٢ - إنَّ الفناء المذكور فِي الآية ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَان﴾ قَدْ فُسِّر فِي جملة مِنْ إشارات وإيماءات الروايات بأنه عبارة عَنْ الموت وسبات الأرواح إنما هو فِي مقابل نفخ الأرواح فِي الأبدان، وَقَدْ أشرنا فِي مبحث حقيقة الروح إلى تعدّد طبقات النفخ فِي الأبدان، وَهُوَ مما يستلزم تعدّد طبقات الموت لِكُلِّ طبقة بدن فَكَمَا أنَّ الأبدان مِنْ طبقات عوالم طولية والنفخ متكرّر نزولاً فكذلك وقوع الموت مُتكرّر صعوداً.
٣ - مِنْ الغريب تفصيل الشَّيْخ المفيد فِي بقاء الأرواح وَأنَّ بعضها باقٍ مُنعّم أو مُعذّب وبعضها يبطل ويتلاشى وَهُمْ المُستضعفون، مَعَ أنَّ الذي فِي الرواية الَّتِي أشار إليها إنَّما هُوَ لفظ يلهى عنهم وَلَيْسَ أن أرواحهم تبطل.
٤ - دعواه أن بقاء الروح أو خلقها قبل البدن يضاهي القول بالتناسخ، ففيه مُضافاً لما سيأتي من اختلاف القول بالتناسخ مَعَ كُلّ مِنْ القول بالأظلّة والأشباح، وكذا مَعَ القول بالبرزخ أنَّ التناسخ هُوَ تنقل الروح فِي أبدان أرضية بهويات مُختلفة فِي المادّة الجديدة الَّتِي فِي الأصلاب والأرحام، وَهَذَا فارق أساسي عمدة بين التناسخ وبين تلك الأقوال، وفي الآيات والروايات دلالات مُتواترة عَلَى بقاء الروح وعدم تلاشيها بَعْدَ الموت.
الجواب عَما تمسَّك به المفيد والملا صدرا:
ويرد عَلَى ما ذكره الشَّيْخ المفيد (رحمه الله) مِنْ نفي خلق الأرواح قبل الأجسام ملاحظات:
الملاحظة الأولى: إنَّ مستند القول بخلق الأراوح قبل الأجسام بألفيّ عام لَيْسَ خبر آحاد، بَلْ هُوَ مستند إلى طوائف عديدة مِنْ الروايات كُلّ طائفة منها مُستفيضة وبعضها مستفيض عِنْدَ الفريقين، كَمَا اعترف بذلك الشَّيْخ المفيد فِي مواضع أُخرى مِنْ كتبه فَمِنْ تلك الطوائف:
١ - [ما كَانَ بلسان «خلق الله الأرواح قبل الأجسام بألفيّ عام»].
٢ - ومنها [روايات خلق الطينة].
٣ - وَأنَّها مُتعدّدة بحسب طبقات الروح.
٤ - ومنها [ما كَانَ بلسان أنَّ الأرواح جنود مجنّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف].
وَهَذِهِ الطوائف وَهَذَه الأحاديث رواها الفريقان.
٥ - ومنها [ما كَانَ بلسان عالم الذَّر].
٦ - ومنها [ما كَانَ بلسان أخذ الميثاق].
٧ - [ما كَانَ بلسان عالم الأظلّة والأشباح] وَغَيْر ذَلِكَ كثير مِنْ ألسن الطوائف الدالّة مطابقة أو التزاماً عَلَى لزوم خلق الأرواح، يجدها المتتبع الباحث.
قَالَ العلامة المجلسي: طرح ظواهر الآيات والأخبار المُستفيضة بأمثال تلك الدلائل الضعيفة والوجوه السخيفة جرأة عَلَى الله وَعَلَى أئمة الدِّين، ولو تأمّلت فيما يدعوهم إلى ذَلِكَ مِنْ دلائلهم وما يرد عَلَيْهَا مِنْ الاعتراضات الواردة لعرفت أنَّ بأمثالها لا يمكن الاجتراء عَلَى طرح خبر واحد فكيف يمكن طرح الأخبار الكثيرة الموافقة لظاهر الآية الكريمة بها وأمثالها، وسيأتي الأخبار الدَّالَّة عَلَى تقدّم خلق الأرواح عَلَى الأجساد فِي كتاب السماء والعالم وسنتكلم عنها(٤٧٢).
وَقَالَ فِي موضع آخر: اعلم إنَّ ما تَقَدَّمَ مِنْ الأخبار المُعتبرة فِي هَذَا الباب وما أسلفناه فِي أبواب بدء خلق الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة (عليهم السلام) وَهِيَ قريبة مِنْ التواتر - دلّت عَلَى تَقَدُّم خلق الأرواح عَلَى الأجساد وما ذكروه مِنْ الأدلة عَلَى حدوث الأرواح عِنْدَ خلق الأبدان مدخولة لا يمكن ردّ تلك الروايات لأجلها(٤٧٣).
بين التناسخ والأظلة والأشباح:
الملاحظة الثانية: دعوى التناسخ: موافقة الملا صدار والطباطبائي لما تبناه المفيد والمرتضى.
ملاحظات على نظرية الملا صدرا:
١ - إنَّ توهّم لزوم القول بالتناسخ مِنْ القول بخلق الأرواح قبل الأجسام قَدْ تبنّاه وفاقاً لدعوى الشَّيْخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى كُلّ مِنْ الملا صدرا وطبقات التلاميذ مِنْ أصحاب مشرب مدرسة الحكمة المتعالية فِي الفلسفة انتهاءً بالعلّامة الطباطبائي.
وتقرير وتقريب هَذِهِ الدعوى أنَّ الروح والنفس لا تكون روحاً ونفساً إلَّا مَعَ التعلّق بالجسد والبدن وَإلَّا كَانَ عقلاً مجرّداً، وَمَعَ تعلّق الروح والنفس بجسد سابق عَلَى هَذَا الجسد ثمَّ تعلّقها بِهَذَا الجسم الدنيوي هُوَ القول بالتناسخ بعينه.
٢ - وأضاف الملا صدار أنَّهُ مَعَ عدم تعلُّق العقل بنحو ما بالجسم فلا يتصوّر كثرة فِي العقل وَهِيَ كثرة الأرواح والنفوس، فلن تكون كثرة مِنْ جهة القابل، وَهِيَ الأبدان، بَلْ إنْ كانت كثرة فِي العقول فَهِيَ مِنْ ناحية الأسباب الموجدة فِي وسائط الفيض الصادرة فِي أوائل المخلوقات، وَهَذَا البيان هو عمدة ما استدلت به المدرسة الفلسفية المشّائية فِي القول بحدوث النفوس والأرواح عِنْدَ حدوث الأجسام خلافاً لقول المدرسة الفلسفية الإشراقية القائلين بحدوث الأرواح قبل حدوث الأبدان وبقدم النفوس عَلَى حدوث الأبدان.
٣ - وما أفادوه كبروياً مِنْ جهة الضوابط العقلية، وإنْ كَانَ متيناً إلَّا أنَّهُ مِنْ حَيْثُ الصغرى مورد منع كما عرفت.
٤ - وقَدْ تبنى الملا صدرا ومنْ أتى بعده فِي البحوث العقلية القول بتعدّد أجسام الإنسان فِي قوس الصعود أي الجسم الدنيوي الأرضي وما يأتي بعده مِنْ عوالم كعالم البرزخ والمثال والقيامة والآخرة الأبدية.
 وَمِنْ ظريف القول ما استنطقه الحكيم الملا صدرا مِنْ الآيات والروايات وما فيها مِنْ التنبيهات العقلية، أنَّ هَذِهِ الأجسام متقرّرة بالفعل للإنسان فِي عالم الدُّنْيَا بضميمة البدن الغليظ الدنيوي منذ نفخ الروح في البدن، وأنَّ الإنسان يلج البرزخ والآخرة بأجسام متناسبة معها منذ ولوج روحه فِي بدنه فِي الأرحام أثناء الحمل وذلك بتدرّج التكامل الجوهري بالحركة الجوهرية.
وما تبناه شائع ذائع عِنْدَ كثير مِنْ الباحثين في علوم المعارف، وَهَذَا القول يتبنى بالتالي تعدد أجسام الإنسان الطولية في وجود هوية الشخص الواحد بحسب درجات الوجود والعوالم بنحوٍ مُتقارن، ففي حين ارتباط الروح بالبدن الأرضي الدنيوي هِيَ أيضاً مرتبطة بالبدن البرزخي حاضراً وبالبدن الأخروي.
لا أنَّها تنتقل مِنْ بدن إلى بدن وإدارة الروح والنفس لهذه الأبدان غَيْر متدافع ولا متهافت ولا يستلزم مِنْهُ تعدّد الهوية ولا تبدّل الأشخاص، بَلْ هُوَ شخص واحد ذو هوية واحدة مَعَ أبدان لنشآت طولية مهيمنة بعضها عَلَى بَعْض.
 وكَمَا لَمْ يستلزم هَذَا القول التناسخ لعدم تبدل الهوية وعدم تبدل تشخص الفرد الواحد، بَلْ الفرد الواحد هُوَ ذو طبقات بخلاف ما لو كَانَ تعدّد تلك الأجسام فِي عرض نشأة واحدة، كتعدد الجسم الأرضي فَإنَّ ذَلِكَ قَدْ يستلزم تعدّد الهوية والأشخاص فيما لو فرض مرور الجسم الثَّانِي بنفس الأطوار الَّتِي مَرَّ بها الجسم الأوَّل مِنْ الأصلاب والأرحام ونحو ذَلِكَ من الطفولة والترعرع.
فتحصّل أنَّ القول الذي التزم به الملا صدرا وغيره مِنْ الباحثين فِي المعارف لا يستلزم التناسخ لعدم تبدّل الهوية الشخصية للفرد الواحد الإنساني لا بحسب جوهره الفعلي ولا جنسه ولا مواده ولا صوره، أي طبقات أجسامه وذَلِكَ لِأنَّ التعدّد فِي الأجسام لُبْسٌ بَعْدَ لُبْسٌ لمراتب طولية.
فلا يتضمّن هَذَا القول - بتعدّد الأبدان - المحاذير الباطلة فِي التناسخ، وَالَّتِي منها انقطاع تعلّق الموجود المجرّد بالبدن وتعلّقه ببدن آخر، فَإنَّ الانقطاع والارتباط يناسب التعلّق والارتباط العرضي بين الموجود المجرّد والجسم الموجود، بينما الارتباط الذي بين النفس والبدن ارتباط جوهري فكيف يفرض فيه تعلّق عرضي وتبدّل فِي مرتبة عرضية لا فِي مراتب طوليّة جوهرية.
٥ - الملاحظة في صغرى ما تبنوه وفي تطبيقهم الصغروي عَلَى البدن الأرضي الدنيوي بجعلهم وزعمهم أنه أوَّل الأبدان الذي تتعلّق به الروح، وهَذَا التطبيق فاسد.
وَمِنْ هنا ينشأ الخلل فِي النتيجة والنتائج العقلية في تفسير العوالم السابقة، وكثيراً ما يخفق البحث الفلسفي لعدم إحاطة الفيلسوف بالعلوم الطبيعية بحسب واقع طبائع الأشياء، لا بحسب ما وصلت إليه مسيرة البحث العلمي البشري فقط، وكم تبدلّت نظرة الفلاسفة نتيجة اعتمادهم عَلَى أصول موضوعة مِنْ العلوم الطبيعية في عصرهم وزمنهم مِنْ الناحية الصغروية فِي بحوثهم العقلية، واستنتجوا مِنْ ذَلِكَ نتائج وبنوا عَلَى تلك النتائج نتائج أُخرى مترامية.
ثمَّ تبيِّن لهم أو لِمَنْ بعدهم مِنْ الباحثين فِي العلوم العقلية والمعارف خطأ تلك الأصول الموضوعة مِنْ العلوم الطبيعية وَذَلِكَ لتبدّل الآراء والنظريات العلمية فِي تلك العلوم الطبيعية واكتشاف حقائق مستجدّة، وأمثلة ذَلِكَ كثيرة جداً فِي البحوث الفلسفية كاعتمادهم عَلَى هيئة بطليموس وحسبانهم أنَّ العوالم الجسمانية تنتهي عِنْدَ هَذِهِ السماء المرئية المُحيطة بالنجوم والكواكب وأشكال البروج، وَأنَّها هِيَ السماء السابعة وأنَّ الأرض مركز العالم الجسماني إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ أمثلة الفروض الطبيعية الَّتِي بنوا عَلَيْهَا بحسب مستوى العلوم الطبيعية المتوصّل إليها فِي زمانهم.
وكذلك الحال ههنا فِي إخفاقهم واعتمادهم عَلَى العلوم الطبيعية عَلَى المستوى الذي توصّلت إليه العلوم الطبيعية في الجسم الفسيولوجي فِي أزمانهم، فبنوا عَلَى أنَّ الأجسام الأولى هِيَ هَذِهِ الأجسام الأرضية الغليظة الكثيفة، والحال لَيْسَ كَذَلِكَ فَإنَّ البحوث فِي العلوم الطبيعية المعاصرة توصّلت إلى أنَّ هُنَاك أجسام مادية غَيْر مرئية بالحواس الظاهرة كثيرة، نظير أجسام الجنّ أو الطاقات الكثيرة السابحة فِي الفضاء، فَإنَّها وإنْ كانت ليست موادا ولا أجسام بالمصطلح المستعمل فِي العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء إلَّا أنَّها حقيقةً جسما حسب المصطلح العقلي فَإنَّ لها طول وعرض وعمق ومجال جغرافي وحيز مكاني.
بل إن المصطلح الفيزيائي هو الآخر آخذ في التبدل وتوسعة إطلاق الجسم على أشكال الطاقة غير المرئية.
٦ - قد توصّلت علوم الأحياء الحديثة كالهندسة الوراثية أنَّ الخلايا الحيوانية المجهرية للجينات هِيَ متكوّنة ومتقرّرة لِكُلِّ البشر فِي صلب آدم أبي البشر، كخلايا حيوانية حيّة مجهرية، أي لا ترى بالعين المجردة بل بالعين المسلحة فقط.
كَمَا أنَّهُ قَدْ ثبت لديهم فِي العلوم الفيزيائية الروحيّة أنَّ الخلايا النباتية والحيوانية مرتبطة بطاقات غَيْر مرئية للحواس الظاهرة، وإنْ كانت مرئية بالأجهزة المسلحة المختبرية، كَمَا أنَّهُ ثبت لديهم أنَّ كُلّ خلية مِنْ تلك الخلايا مرتبطة بفرد من أفراد هي جسم ذريّ وأجسام ذرية لبدأ نشأة أفراد الإنسان.
بدء خلق الانسان وتقلبه في بطن أمه:
١ - محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن ابن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن سلام بن المستنير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: مخلقة وغير مخلقة، فقال: المخلقة هم الذر الذين خلقهم الله في صلب آدم (عليه السلام) أخذ عليهم الميثاق ثم أجراهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وهم الذين يخرجون إلى الدنيا حتى يسألوا عن الميثاق. وأما قوله: وغير مخلقة فهم كل نسمة لم يخلقهم الله في صلب آدم (عليه السلام) حين خلق الذر وأخذ عليهم الميثاق وهم النطف من العزل والسقط قبل أن ينفخ فيه الروح والحياة والبقاء.
٢ - عنه، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عمن ذكره، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز وجل: يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد، قال: الغيض كل حمل دون تسعة أشهر، وما تزداد كل شيء يزداد على تسعة أشهر فكلما رأت المرأة الدم الخالص في حملها فإنها تزداد بعدد الأيام التي رأت في حملها من الدم.
٣ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن الحسن بن الجهم قال: قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو جعفر (عليه السلام): إن النطفة تكون في الرحم أربعين يوما ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، فإذا كمل أربعة أشهر بعث الله ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما تخلق ذكرا أو أنثى؟ فيؤمران، فيقولان يا رب شقيا أو سعيدا؟ فيؤمران، فيقولان يا رب ما أجله وما رزقه وكل شيء من حاله وعدد من ذلك أشياء ويكتبان الميثاق بين عينيه، فإذا أكمل الله له الاجل بعث الله ملكا فزجره زجرة فيخرج وقد نسي الميثاق، فقال الحسن بن الجهم: فقلت له: أفيجوز أن يدعوا الله فيحول الأنثى ذكرا والذكر أنثى فقال: إن الله يفعل ما يشاء.
٤ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن الله عز وجل إذا أراد أن يخلق النطفة التي مما أخذ عليها الميثاق في صلب آدم أو ما يبدو له فيه ويجعلها في الرحم حرك الرجل للجماع وأوحى إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يلج فيك خلقي وقضائي النافذ وقدري، فتفتح الرحم بابها فتصل النطفة إلى الرحم فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير علقة أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير لحما تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلاقين في الأرحام ما يشاء الله فيقتحمان في بطن المرأة من فم المرأة فيصلان إلى الرحم وفيها الروح القديمة المنقولة في أصلاب الرجال وأرحام النساء فينفخان فيها روح الحياة والبقاء ويشقان له السمع والبصر وجميع الجوارح وجميع ما في البطن بإذن الله ثم يوحي الله إلى الملكين اكتبا عليه قضائي وقدري ونافذ أمري واشترطا لي البداء فيما تكتبان فيقولان: يا رب ما نكتب؟ فيوحي الله إليهما أن ارفعا رؤوسكما إلى رأس أمه فيرفعان رؤوسهما فإذا اللوح يقرع جبهة أمه فينظران فيه فيجدان في اللوح صورته وزينته وأجله وميثاقه شقيا أو سعيدا وجميع شأنه قال: فيملي أحدهما على صاحبه فيكتبان جميع ما في اللوح ويشترطان البداء فيما يكتبان ثم يختمان الكتاب ويجعلانه بين عينيه ثم يقيمانه قائما في بطن أمه، قال: فربما عتى فانقلب ولا يكون ذلك إلا في كل عات أو مارد وإذا بلغ أوان خروج الولد تاما أو غير تام أوحى الله (عز وجل) إلى الرحم أن افتحي بابك حتى يخرج خلقي إلى أرضي وينفذ فيه أمري فقد بلغ أوان خروجه، قال: فيفتح الرحم باب الولد فيبعث الله إليه ملكا يقال له: زاجر فيزجره زجرة فيفزع منها الولد فينقلب فيصير رجلاه فوق رأسه ورأسه في أسفل البطن ليسهل الله على المرأة وعلى الولد الخروج، قال: فإذا احتبس زجره الملك زجرة أخرى فيفزع منها فيسقط الولد إلى الأرض باكيا فزعا من الزجرة.
٥ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخلق، قال: إن الله تبارك وتعالى لما خلق الخلق من طين أفاض بها كإفاضة القدح فأخرج المسلم فجعله سعيدا وجعل الكافر شقيا فإذا وقعت النطفة تلقتها الملائكة فصوروها ثم قالوا يا رب أذكرا أو أنثى؟ فيقول الرب جل جلاله: أي ذلك شاء؟ فيقولان تبارك الله أحسن الخالقين، ثم توضع في بطنها فتردد تسعة أيام في كل عرق ومفصل ومنها للرحم ثلاثة أقفال: قفل في أعلاها مما يلي أعلا الصرة من الجانب الأيمن، والقفل الآخر وسطها، والقفل الآخر أسفل من الرحم، فيوضع بعد تسعة أيام في القفل الاعلى فيمكث فيه ثلاثة أشهر فعند ذلك يصيب المرأة خبث النفس والتهوع ثم ينزل إلى القفل الأوسط فيمكث فيه ثلاثة أشهر وصرة الصبي فيها مجمع العروق وعروق المرأة كلها منها يدخل طعامه وشرابه من تلك العروق، ثم ينزل إلى القفل الأسفل فيمكث فيه ثلاثة أشهر فذلك تسعة أشهر، ثم تطلق المرأة فكلما طلقت انقطع عرق من صرة الصبي فأصابها ذلك الوجع ويده على صرته يقع إلى الأرض ويده مبسوطة فيكون رزقه حينئذ من فيه.
٦ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل أو غيره قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): جعلت فداك الرجل يدعو للحبلى أن يجعل الله ما في بطنها ذكرا سويا؟ قال: يدعو ما بينه وبين أربعة أشهر فإنه أربعين ليلة نطفة وأربعين ليلة علقة وأربعين ليلة مضغة فذلك تمام أربعة أشهر ثم يبعث الله ملكين خلاقين فيقولان: يا رب ما نخلق ذكرا أم أنثى؟ شقيا أو سعيدا؟ فيقال ذلك، فيقولان: يا رب ما رزقه وما أجله وما مدته؟ فيقال ذلك، وميثاقه بن عينيه ينظر إليه ولا يزال منتصبا في بطن أمه حتى إذا دنا خروجه بعث الله عز وجل إليه ملكا فزجره زجرة فيخرج وينسى الميثاق.
٧ - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب عن ابن رئاب، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: إذا وقعت النطفة في رحم استقرت فيها أربعين يوما وتكون علقه أربعين يوما وتكون مضغة أربعين يوما، ثم يبعث الله ملكين خلاقين فيقال لهما: أخلقا كما يريد الله ذكرا أو أنثى صوراه واكتبا أجله ورزقه ومنيته وشقيا أو سعيدا؟ واكتبا لله الميثاق الذي أخذه عليه في الذر بين عينيه فإذا دنا خروجه من بطن أمه بعث الله إليه ملكا يقال له: زاجر فيزجره فيفزع فزعا فينسى الميثاق ويقع إلى الأرض يبكي من زجرة الملك غَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) عَنْ رَجُلٍ ضَرَبَ امْرَأَةً حَامِلًا بِرِجْلِهِ فَطَرَحَتْ مَا فِي بَطْنِهَا مَيِّتاً فَقَالَ إِنْ كَانَ نُطْفَةً فَإِنَّ عَلَيْهِ عِشْرِينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ النُّطْفَةِ قَالَ هِيَ الَّتِي وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً قَالَ وَإِنْ طَرَحَتْهُ وَهِيَ عَلَقَةٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْعَلَقَةِ قَالَ هِيَ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ ثَمَانِينَ يَوْماً قَالَ وَإِنْ طَرَحَتْهُ وَهِيَ مُضْغَةٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ سِتِّينَ دِينَاراً قُلْتُ فَمَا حَدُّ الْمُضْغَةِ فَقَالَ هِيَ الَّتِي إِذَا وَقَعَتْ فِي الرَّحِمِ فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْماً قَالَ فَإِنْ طَرَحَتْهُ وَهِيَ نَسَمَةٌ مُخَلَّقَةٌ لَهُ عَظْمٌ وَلَحْمٌ مُرَتَّبُ الْجَوَارِحِ قَدْ نُفِخَ فِيهِ رُوحُ الْعَقْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دِيَةً كَامِلَةً قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ تَحَوُّلَهُ فِي بَطْنِهَا مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ أَ بِرُوحٍ كَانَ ذَلِكَ أَمْ بِغَيْرِ رُوحٍ قَالَ بِرُوحِ غِذَاءِ الْحَيَاةِ الْقَدِيمِ الْمَنْقُولَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ فَلَوْ لَا أَنَّهُ كَانَ فِيهِ رُوحُ غِذَاءِ الْحَيَاةِ مَا تَحَوَّلَ مِنْ حَالٍ بَعْدَ حَالٍ فِي الرَّحِمِ وَمَا كَانَ إِذَنْ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ دِيَةٌ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ.(٤٧٤) 
تعدد طبقات الجسم قبل الولادة الدنيوية وَبَعْدَها برهان أوَّل عَلَى الأظلة:
٧ - وَعَلَى ضوء ما تَقَدَّمَ وتبيَّن أنَّ تعلق الروح بأجسام ذَاتَ مراتب طولية فِي الوجود لا يستلزم تبدّل فِي الهوية الشخصيّة فِي الفرد الإنساني ولا تعدّد فِي الهوية ولا تناسخ ولا استحالة ولا محذور باطل، وَإنَّما هُوَ لُبْسٌ بَعْدَ لُبْسٌ، فَكَمَا هُوَ الحال فِي قوس الصعود الوجودي، فكذلك الحال فِي قوس النزول الوجودي، مِنْ دون استلزام تبدّل فِي الأجسام ذَاتَ المرتبة الوجودية الواحدة.
بَلْ هُوَ عبارة عَنْ ولوج جسمٍ ألطف فِي جسم لطيف وولوج جسمٍ لطيف فِي جسمٍ غليظ وَهَذَا الولوج يعبّر عنه بالنفخ وَهُوَ فِي الحقيقة إنشاء وإيجاد علقة جوهرية بين الألطف واللطيف وبين اللطيف والغليظ.
نظرية الحكيم الزنوزي فِي المعاد تصوير وبرهان إنيّ ثان للأظلة حقيقة قابلية نفخ الروح في البدن:
٨ - قَدْ حصر الحكيم الملا صدرا الارتباط والتعلّق الجوهري بين العقل والبدن الذي هُوَ عبارة عَنْ النفس والروح بالآلية الجوهرية، وحصر هَذَا التعلّق بالحركة الجوهرية للبدن، وأنَّهُ يشتدّ تكاملاً جوهرياً إلى أنْ يفاض عَلَيْهِ التشفف والتلطّف الجوهري فيصير وجوداً جوهرياً ذو درجات متفاوتة شدّة وضعفاً كَمَا هُوَ الحال فِي التفاوت بين النفس والروح وبين الروح والعقل بَلْ بين مراتب كُلّ واحد مِنْ الثلاثة فِي نفسه.
إلَّا أنَّ الصحيح أنَّ البعد الصغروي ليس كما أفترضه أي ان التعلق بالجسم الأرضي الدنيوي ليس بين المجرد المحض وذلك الجسم، بل نفخ الروح في الجسم هو تعلق بين الجسم اللطيف والجسم الغليظ.
كما ان الكبرى وهي كيفية تعلق المجرد بالجسم لَيْسَ كَمَا افترضه الحكيم الملا صدرا للاختلاف الكبروي فِي تصوير المعاد بينه وبين ما ذهب إليه الحكيم الزنوزي، حَيْثُ بنى الزنوزي فِي تصوير المعاد أنَّ البدن يتكامل إلى حَيْثُ مقام الروح بأنْ تتحوّل المواد الغليظة إلى صور أكثر تجرّداً فيحصل لها القابلية، وقد اقتبس هو والشيخ احمد الإحسائي هذه النظرية مما رواه هشام بن الحكم عن الصادق (عليه السلام) كما يأتي ذكره، بَلْ هُنَاك بدن مثالي ذو طبقات بَلْ البدن الأرضي قَدْ مَرَّ أنَّهُ عَلَى طبقات غلظة وشفافيّة كَمَا أنَّ البدن المثالي لَيْسَ عَلَى طبقة واحدة، وكذلك البدن البرزخي وبدن يوم القيامة والبدن الأخروي، بأنْ تتعلق الأجسام بالأرواح فتقوم الأبدان بالأرواح.
٩ - مقتضى نظرية الحكيم الزنوزي فِي المعاد أنَّ تكامل البدن بالحركة الجوهرية لَيْسَ مقتضاه حدوث الروح كدرجة مِنْ درجات تكامل البدن بأنْ يشتد جوهر البدن فيتجرّد ويصير روحاً كَمَا قرّره الحكيم الملا صدرا فِي حدوث النفس بحدوث البدن.
 بَلْ يمكن تصوير حدوث للنفس بأبدان سابقة ألطف بمراتب مِنْ البدن الدنيوي، ويكون حدوث البدن الغليظ كالبدن الدنيوي الأرضي يتحرّك إلى غاية كماله وَهُوَ الوصول إلى النفس فِي تلك الأبدان، بَعْدَ صفاءه وخروجه مِنْ المادّية إلى التجرّد مِنْ الكثافة بتوسّط اللطافة، وَعِنْدَ تمامية الحركة والانتهاء إلى قرب مراتب النفس ذَاتَ الأبدان اللطيفة، وتكون النفس فاعلة لتكامل البدن بنحو الإيجاب.
غاية الأمر فِي قوس النزول إلى دار الدُّنْيَا بنحو البسط قبل الولادة - أي تلبسها بأبدان نازلة وبالتالي بسط قواها وتصرفاتها - وفي قوس الصعود بنحو القبض بَعْدَ المفارقة والإماتة - أي خلعها لتلك الأبدان - ففي ما قبل الدُّنْيَا مِنْ مراتب النزول بنحو الفرق أي توزع وسريان قواها، وفي ما بَعْدَ الدُّنْيَا بنحو الجمع فبذلك يكون اتصال البدن بالنفس السابقة عَلَيْهِ اتصالاً جوهرياً، وَهَذَا ما قرّره الحكيم الزنوزي ووافقه عليه المرحوم الأصفهاني فِي تقرير المعاد إلَّا أنّهما قررا ذَلِكَ فِي المعاد وَلَمْ يقرراه فِي المبدأ(٤٧٥).
وقد تقدم ان هذه النظرية مقتبسة من رواية هشام بن الحكم في احتجاج الصادق (عليه السلام) على الزنديق، قال (عليه السلام):
إِنَّ الَّذِي أَنْشَأَهُ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ وَصَوَّرَهُ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ كَانَ سَبَقَ إِلَيْهِ قَادِرٌ أَنْ يُعِيدَهُ كَمَا بَدَأَهُ قَالَ أَوْضِحْ لِي ذَلِكَ قَالَ إِنَّ الرُّوحَ مُقِيمَةٌ فِي مَكَانِهَا رُوحُ الْمُحْسِنِ فِي ضِيَاءٍ وَفُسْحَةٍ وَرُوحُ الْمُسِيءِ فِي ضِيقٍ وَظُلْمَةٍ وَالْبَدَنُ يَصِيرُ تُرَاباً كَمَا مِنْهُ خُلِقَ وَمَا تَقْذِفُ بِهِ السِّبَاعُ وَالْهَوَامُّ مِنْ أَجْوَافِهَا مِمَّا أَكَلَتْهُ وَمَزَّقَتْهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي التُّرَابِ مَحْفُوظٌ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَيَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ وَوَزْنَهَا وَإِنَّ تُرَابَ الرُّوحَانِيِّينَ بِمَنْزِلَةِ الذَّهَبِ فِي التُّرَابِ فَإِذَا كَانَ حِينُ الْبَعْثِ مُطِرَتِ الْأَرْضُ مَطَرَ النُّشُورِ فَتَرْبُو الْأَرْضُ ثُمَّ تمخضوا [تُمْخَضُ] مَخْضَ السِّقَاءِ فَيَصِيرُ تُرَابُ الْبَشَرِ كَمَصِيرِ الذَّهَبِ مِنَ التُّرَابِ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ - وَالزُّبْدِ مِنَ اللَّبَنِ إِذَا مُخِضَ فَيَجْتَمِعُ تُرَابُ كُلِّ قَالَبٍ إِلَى قَالَبِهِ فَيَنْتَقِلُ بِإِذْنِ اللهِ الْقَادِرِ إِلَى حَيْثُ الرُّوحِ فَتَعُودُ الصُّوَرُ بِإِذْنِ الْمُصَوِّرِ كَهَيْئَتِهَا وَتَلِجُ الرُّوحُ فِيهَا فَإِذَا قَدِ اسْتَوَى لَا يُنْكِرُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئا(٤٧٦).
حقيقة فاعلية نفخ الروح:
وروى الكليني والصفار بسندهما عن عَلِيِّ بْنِ رِئَابٍ رَفَعَهُ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): إِنَّ للهِ نَهَراً دُونَ عَرْشِهِ وَدُونَ النَّهَرِ الَّذِي دُونَ عَرْشِهِ نُورٌ نَوَّرَهُ وَإِنَّ فِي حَافَتَيِ النَّهَرِ رُوحَيْنِ مَخْلُوقَيْنِ - رُوحُ الْقُدُسِ وَرُوحٌ مِنْ أَمْرِهِ وَإِنَّ للهِ عَشْرَ طِينَاتٍ خَمْسَةً مِنَ الْجَنَّةِ وَخَمْسَةً مِنَ الْأَرْضِ فَفَسَّرَ الْجِنَانَ وَفَسَّرَ الْأَرْضَ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ نَبِيٍّ وَلَا مَلَكٍ مِنْ بَعْدِهِ جَبَلَهُ إِلَّا نَفَخَ فِيهِ مِنْ إِحْدَى الرُّوحَيْنِ وَجَعَلَ النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مِنْ إِحْدَى الطِّينَتَيْنِ قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (عليه السلام) مَا الْجَبْلُ فَقَالَ الْخَلْقُ غَيْرَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَإِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَنَا مِنَ الْعَشْرِ طِينَاتٍ وَنَفَخَ فِينَا مِنَ الرُّوحَيْنِ جَمِيعاً فَأَطْيِبْ بِهَا طِيبا(٤٧٧).
ومفاد الرواية أن نفخ الروح للأرواح في أبدان الأنبياء والأوصياء - بحسب طبقات العوالم - هو بالمنشئية والنشوّ والإفاضة من روح القدس أو من روح الأمري نظير خلق العقل في كل روح هو من العقل الأول وأنه له رؤوس بعدد الخلائق.
برهان ثالث: برهان الأشرف عَلَى وجود عالم الأظلة والأشباح:
١٠ - إنَّ مقتضى ما التزم به الحكيم الزنوزي مِنْ تصوير العلاقة الجوهرية والارتباط الجوهري بين الروح والنفس والبدن لا بسبق البدن عَلَى الروح، بَلْ ما صوّره مِنْ نظريته فِي المعاد مقتضاه كون الروح سابقة وجوداً فِي طرف قوس الصعود والمعاد عَلَى البدن، أيّ سابقة عَلَى تكامل البدن وترقّيه إلى حَيْثُ تفيض الروح عَلَيْهِ كمالات جوهرية بنحو تكون فاعلة إيجابية لكمال البدن فتتعلّق به جوهرياً.
فَكَمَا تَمَّ تصوير ذَلِكَ في قوس الصعود، فلا محالة يمكن تصويره لغرض نشأة الروح فِي العوالم العلوية السابقة، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى حدّ الإمكان فَقَطْ بَلْ الضرورة أيضاً ببرهان تَقَدّمَ الأشرف عَلَى الأخس وجوداً ورتبة، إذْ كيف يتصوّر تَقَدَّمَ وجود العالم الجسماني الغليظ عَلَى وجود العالم الجسماني اللطيف فضلاً عن تقدمه عَلَى العالم الجسماني الألطف فضلاً عَنْ العالم الجسماني الأشد لطافة، لا سيما أنَّ العوالم الجسمانية فِي اللطافة والجسمانية ذَاتَ مراتب كثيرة ومتفاوتة بتفوات كبير جداً، ولا يَتِمُّ عَلَى الموازين العقلية صدور الأخس قبل الأشرف. وكيف غفل هؤلاء الأجلاء، عن مقتضى حقيقة هذه القاعدة العقلية التكوينية.
البرهان الرَّابِع عَلَى الأظلة: برهان تطابق قوس الصعود والنزول:
١١ - مقتضى القاعدة العقلية التكوينية من تطابق قوس الصعود مع قوس النزول، فمبدأ الصدور متطابق مَعَ ما قالوا به فِي المعاد وهو قوس الصعود، حيث أنَّهُ قَدْ التزموا كَمَا مَرَّ أنَّ النفس ذَاتَ أبدان طولية متعدّدة وليست ذَاتَ بدن واحد.
وأنَّ بين الأبدان تفاوت وتفاضل فِي شرف الوجود وكمالاته، فالبدن الأخروي أشدّ كمالاً مِنْ البدن البرزخي والبدن البرزخي أشدّ كمالاً مِنْ البدن الدنيوي الغليظ، بَلْ إنَّ للإنسان بدنين أرضيين دنيويين إنْ لَمْ يكن أكثر، أحدهما محسوس بالحواس الظاهرية مرئي والآخر غَيْر مرئي وَغَيْر محسوس بالحواس الظاهرة، وَقَدْ أثبتته جملة مِنْ الأبحاث الفيزيائية بالأجهزة المسلحة، فضلاً عَنْ المُكاشفات والإحساسات بالحسّ الباطن النفساني فمع تبينهم لتفاوت الأجسام بالشرف والكمال، كيف يقررون وجودها فِي العوالم الجسمانية فِي قوس الصعود ولا يقرّرون وجودها فِي قوس النزول بَعْدَ مراتب العوالم المجرّدة، وَهَذِهِ براهين ناصعة عقلية عَلَى وجود عوالم الأظلّة والأشباح والذَّر والميثاق.
برهان خامس عَلَى عالم الأظلّة والأشباح:
١٢ - قَدْ تبين ممّا مَرَّ أنَّ نظرية الحكيم الزنوزي تقرير للجواب عَنْ الإشكال الذي اعتمده الحكيم الملا صدرا على القول بقدم النفس وعدم حدوثها والذي ألجأه للقول بحدوث النفس بحدوث البدن.
 كَمَا أنّا لو سلّمنا بأنَّ النفس حادثة بحدوث البدن فلا ملزم لكون مبدأ الجسم هُوَ الجسم الغليظ لمبدأ حدوث النفس، بَلْ المبدأ لحدوث النفس هُوَ الجسم اللطيف، بَلْ ذَلِكَ مُتعيّن لِأنَّ الجسم اللطيف أنسب بلطافة النفس والروح مِنْ الجسم الغليظ، وَعَلَى ذَلِكَ كُلّما اشتدّ لطافة اشتدّت مناسبته للنفس والروح.
فإذا بني عَلَى الالتزام بأن النفس حادثة بحدوث الجسم لا متقدّمة عَلَيْهِ فاللازم هُوَ القول بأنَّ حدوثها بحدوث الجسم الألطف عَلَى الإطلاق والألطف بأقصى درجات اللطافة وما الملزم لحصر حدوث الأجسام بالجسم الغليظ فِي مبدأ مراتب الحدوث مَعَ أنَّ المانع عن الحصر بالجسم الغليظ موجود بمقتضى تسلسل مراتب صدور الممكنات.
برهان سادس الفوارق بين حقيقة الأظلة والأشباح وبين التناسخ:
١٣ - قَدْ تبيَّن مما مَرَّ أنَّ السير الوجودي للروح والنفس هُوَ تعاقب تعلّقها بالأبدان المختلفة فِي اللطافة والغلظة وبحسب مراتب الوجود مِنْ قبيل اللبس بَعْدَ اللبس، وَهَذَا يُباين ماهية التناسخ مِنْ زوايا عديدة:
الزاوية الأولى: إنَّ التناسخ لبس بَعْدَ فسخ أيّ تلبّس الروح ببدن بَعْدَ فسخها التعلّق ببدن سابق أخر مغاير.
الزاوية الثانية: إنَّ القول بعالم الاظلة والأشباح والذَّر والميثاق وخلق الأرواح قبل الأجسام الغليظة هُوَ مِنْ تعدّد الأجسام الطولية، بينما التناسخ هُوَ مِنْ تعدّد الأبدان فِي عرض واحد أي ذَاتَ الرتبة الوجودية الواحدة أيّ فِي النشأة الأرضية الدنيوية الغليظة، بخلاف الأظلة فإنها مِنْ نشآت ما قبل دار الدُّنْيَا ومَعَ الدنيوية الأرضية.
الزاوية الثالثة: إنَّ القول بالأظلة والأشباح والذَّر والميثاق هو تعدّد للأجسام بنحو التداخل بينما التناسخ تعدّد الأجسام بنحو التباين.
الزاوية الرَّابعة: إنَّ فِي الأظلّة والأشباح والذَّر والميثاق سير تكاملي وجودي للروح بنحو طولي وتحصيل لما لَمْ يحصل، بينما فِي التناسخ إعادة لسير الروح لنفس المراحل الوجودية الَّتِي كانت قَدْ طوتها بالمرور مَرَّة أُخرى عَلَى نشأة الأصلاب والأرحام والطفولة والبلوغ والشيخوخة والكهولة وتكرار لما قَدْ مرّت به الروح، بينما فِي عالم الأظلة والأرواح بالقياس الى عالم الدنيا، لا تكرار فِي السير الوجودي، وَهَذَا بعينه الفارق أيضاً بين الرجعة والتناسخ كَمَا مَرَّ بسطه فِي الباب الأوَّل والثاني.
الزاوية الخامسة: إنَّ فِي الأظلّة والأشباح والذَّر والميثاق تعدّد الأبدان لا يخلّ بوحدة الهوية الشخصية الوجودية للفرد والذّات الإنسانية، بينما فِي التناسخ تعدّد الجسم والأجسام فِي عرض واحد يوجب تبدّل وتعدّد الهوية الشخصية.
الزاوية السَّادسة: فِي الأظلّة والأشباح تحفظ وحدة المناسبات والتناسبات والخصوصيات لِكُلٍّ مِنْ الروح والبدن والهوية الشخصيّة للفرد الإنساني، بخلاف التناسخ فَإنَّ المناسبات والخصوصيات الشخصيّة تتبدّل بسبب العلقة ببدنٍ مباين جديد.
برهان سابع عَلَى عالم الأظلة والأشباح نظرية أن العلم تذكر بتوسط البديهيات:
١٤ - روى فِي بصائر الدرجات عن عبد الرحمن بن كثير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قول الله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...﴾ الآية، قَالَ أخرج الله مِنْ ظهر آدم ذريته إلى يَوُم القيامة فخرجوا كالذَّر فعرّفهم نفسه ولولا ذَلِكَ لَمْ يعرف أحد ربه، ثمَّ قَالَ: «ألستُ بربكم قالوا بلى؟ وأنَّ هَذَا مُحمَّد رسولي وعلي أمير المؤمنين خليفتي وأميني»(٤٧٨).
وَهُنَاك روايات مستفيضة او متواترة بِهَذَا المضمون، وأنَّهُ لولا المشاهدة فِي تلك العوالم لما استقرت قدرة الإنسان عَلَى المعرفة ههنا، وَهَذَا المضمون يشير إلى برهان عَلَى سبق وجود الروح فِي عوالم الأظلة والأشباح والميثاق والذَّر عَلَى عالم الدُّنْيَا؛ وَذَلِكَ بدليل وجود الأوليات والفطريات لدى الإنسان.
فَإنَّ الأوليات والفطريات هِيَ رأس الهرم للبديهيات الستّة المنطقية وَأنَّهُ لولا الأوليات والفطريات لما استفاد الإنسان مِنْ حسّه فإن الحدس والمشاهدات والتجريبيات والمتواترات فرع البديهيات والفطريات، فَإنَّ كُلّ الأقسام الأُخرى مِنْ بديهيات الإنسان المركوزة كرأس معلومات يستفيد ويستثمرها الإنسان بمقتضى الأوليات مِنْ البديهيات إذْ لولاها لما تَمَّ لَهُ ذَلِكَ.
وَهَذِهِ الأوليات والفطريات لما تكوّنت فِي باطن روح الإنسان مِنْ المشاهدة فِي العوالم السابقة، كَمَا وَرَدَ فِي الرواية أنَّ البيان والمعرفة مِنْ الله والقبول والإذعان مِنْ العبد)(٤٧٩) وَهَذِهِ المرتكزات البديهية استحصل عَلَيْهَا الإنسان فِي تلك العوالم الَّتِي مَرَّ بمشاهدتها، ولا يضرّ غياب التفاصيل والملابسات والجزئيات عَنْ ذاكرة الإنسان، فوجود البديهيات برهان عَلَى علم سابق حصل لدى الإنسان، وَهَذَا البُرهان ينطبق عَلَى نظرية التذكر فِي حقيقة العلم، لا سيّما وأنَّ القرآن الكريم يُؤكِّد عَلَى أنَّ جملة العلم هُوَ كله تذكّر والتذكّر يشير إلى علم سابق.
البُرهان الثامن: الرجعة برهان عَلَى عالم الأظلة والأشباح:
١٥ - قَدْ تعرَّض العلّامة الطباطبائي والعلّامة الرفيعي إلى دفع شبهة التناسخ عَلَى القول بالرجعة كَمَا مَرَّ استعراض ذَلِكَ في البابين السابقين، مَعَ أنَّ الرجعة هِيَ مِنْ ولوج الروح ذَاتَ الجسم البرزخي فِي البدن الدنيوي مَرَّة أُخرى، لكنَّ هَذَا المقدار لا يستلزم التناسخ وَذَلِكَ لعدم تعلّق الروح ببدن آخر أجنبي، بَلْ هُوَ تعلّق بنفس البدن الأوَّل أو أن العلقة بالبدن لَمْ تنقطع، بَلْ غاية الأمر ضعفها ثمَّ تقوّيها مَرَّة أُخرى.
وَعَلَى أيّ تقدير فتتعلّق الروح بنفس البدن لأن لِكُلِّ بدن مناسبات وخصوصيات خاصّة لروح مُعيّنة، كَمَا أنَّ لِكُلِّ روح مناسبات وخصوصيات مخصّصة لبدن معيّن، فالتناسب مُطّرد مِنْ الطرفين.
بخلافه فِي التناسخ فَإنَّ المناسبات والخصوصيات تتبدل للروح مِنْ بدن إلى بدن، وَمِنْ ثمَّ يوجب ذَلِكَ تبدل الهوية، وَهَذَا الفارق بين التناسخ والرجعة فِي قوس الرجوع بعينه هُوَ الفارق بين التناسخ وماهية القول بالأظلة والأشباح فِي قوس النزول، فَإنَّ الروح بحسب طبقات عالم الأظلة وطبقات عالم الأشباح لها مناسبات وخصوصيات مُعيّنة تتناسب مَعَ بدن مُعيّن مِنْ نشأة لاحقة ولا تتناسب مَعَ كُلّ بدن، كما نطقت بذلك المستفيض من روايات الطينة والميثاق.
وبعبارة أُخرى: إنَّ ذهاب الروح لعالم البرزخ بقالب جسماني برزخي ثمَّ عودها للتعلّق بالبدن الدنيوي كَمَا لَمْ يستلزم التناسخ، كَذَلِكَ تعلّق الروح ذَاتَ الأبدان المثالية أو الألطف منها فِي عوالم الأظلّة والأشباح تعلقها بالبدن الدنيوي لا يستلزم التناسخ.
لاسيما وأن في الحقيقة العقلية للرجعة قَدْ تعدّدت أنظار العُلَمَاء الإمامية فِي التصوير العقلي لهذا الجانب مِنْ الرجعة، وَهُوَ فِي بقاء تعلّق الروح بَعْدَ الموت بالبدن الدنيوي بَعْدَ كينونتها فِي البرزخ ببدن مثالي، فَهَلْ أنَّ الموت انقطاع لتلك العلقة؟
كَمَا ذهب إليه كثيرون غاية الأمر أنَّ المناسبات والخصوصيات الَّتِي بين الروح المعيّنة والبدن المُعيّن تلك الخصوصيات تبقى مُتطابقة مُتعيّنة التطابق ومُتعيّنة التناسب وإنْ كانت العلقة منقطعة إلَّا أنَّ التناسب وتعيّن التخصّص فِي الخصوصيات باقي عَلَى حاله.
فِي قِبال قول الصدوق والحرّ العاملي وجماعة، وَهُوَ الصحيح لدينا مِنْ بقاء الارتباط الوجودي للروح مَعَ البدن الدنيوي غَيْر المرئي، كَمَا هُوَ الحال فِي النوم إلا أنَّ فِي الموت العلقة أضعف بكثير مِنْ النوم، فمن ثم يصح تسمية الموت بأنه نوم أعمق وأشد من النوم المعتاد.
وَعَلَى أيّ تقدير فالقول الأوَّل ذهب إليه كثيرون منهم الشَّيْخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى، وَهَذَا القول يستلزم تعلّق الروح الَّتِي كانت ببدن مثالي برزخي تعلّقها مُجدّداً في الرجعة ببدن دنيوي غليظ، وَلَمْ يكن فِي هَذَا التصوير لدى الشَّيْخ المفيد والمرتضى وَمِنْ وافقهما ماهية التناسخ، وكذلك الحال لا يستلزم ولوج الروح ذَاتَ البدن المثالي وما هُوَ ألطف مِنْهُ في البدن الغليظ لا يستلزم ذَلِكَ الولوج ماهية التناسخ.
١٦ - وَقَالَ الشَّيْخ المفيد: فَأمَّا الأخبار الَّتِي جاءت بأنَّ ذريّة آدم استنطقوا فِي الذّر وأخذ عَلَيْهِم العهد فأقرّوا فَهِيَ مِنْ أخبار التناسخية، فَقَدْ خلطوا فيها ومزجوا الحَقّ بالباطل، والمُعتمد مِنْ إخراج الذريّة ما ذكرناه مما استمر القول به عَلَى الأدلّة العقلية والحجج السمعية دون ما عداه، وَإنَّما هُوَ خليط لا يثبت أثر على ما وصفناه.
أَقُوُل: وَمِنْ موقف المفيد اتّجاه هَذِهِ الروايات المُستفيضة وبألسن وطوائف عديدة، موقفه من جهة البعد الرجالي والحديثي هو شاهد عَلَى ما ذكرناه فِي بحث الاجتهاد والتقليد فِي علم الرجال، من أنَّ جُلّ الجرح والطعن عِنْدَ الرجاليين كالنجاشي وابن الغضائري هُوَ آراء وفتاوى اجتهادية مستندة إلى مباني كلامية وليست نقلا حسّيا معنعناً.
كَمَا أنَّ اصطلاحهم بالتخليط والمخلط يعلم مِنْهُ إرادتهم أنَّ مضامين ما يرويه لا تنسجم مَعَ مبانيهم الكلامية، كَمَا أنَّ الطعن فِي طوائف الأخبار والأحاديث بالوضع أو الوصف بالوضّاع أيضاً هُوَ الآخر فِي كثير مِنْ الموارد يستند إلى رأي كلامي واجتهاد فِي المسائل الاعتقادية، وَلَيْسَ بنقل حسّي.
وَقَالَ الشَّيْخ المُفيد: فَإنَّ تعلّق مُتعلّق بقوله تَبَارَكَ اسمه - وذكر آية الذَّر - فظنّ بظاهر هَذَا القول تحقّق ما رواه أهل التناسخ والحشوية والعامّة فِي إنطاق الذَّرية وخطابهم وأنهم كانوا أحياءً ناطقين.
أقول: فلاحظ كيف ينسب الروايات إلى أهل التناسخ والحشوية مَعَ أنَّ ألفاظ الروايات مقارب لمفاد آية الذَّر مِنْ سورة الأعراف والعجيب مِنْهُ (قدّس سرّه) ارتكاب التأويل فِي الآية مِنْ دون ارتكابه فِي الروايات مَعَ أنَّ المفاد فِي الطرفين مِنْ باب واحد.
وَمِنْهُ يظهر أنَّ طعون جملة مِنْ قدماء الرجاليين والأعلام فِي طوائف الروايات فضلاً عَنْ طعونهم فِي آحاد الروايات هَذِهِ الطعون ناشئة مِنْ مباني كلامية وَلَيْسَ مِنْ أُمُور حسّية.
وَقَالَ فِي موضع آخر: - إنَّ الأخبار بذكر الأشباح تختلف ألفاظها وتتباين معانيها، وَقَدْ بنت الغلاة عَلَيْهَا أباطيل وصنّفوا فيها كُتباً لغوا فيها وهزأوا فيما أثبتوه مِنْهُ فِي معانيها، وأضافوا ما حوته الكتب إلى جماعة مِنْ شيوخ أهل الحَقّ وتخرّصوا الباطل بإضافتها إليهم، مِنْ جملتها كتاب سمّوه كتاب الأشباح والأظلّة نسبوه إلى مُحمَّد بن سنان، ولسنا نعلم صحة ما ذكروه فِي هَذَا الباب عنه وإنْ كَانَ صحيحاً فَإنَّ بن سنان قَدْ طعن عَلَيْهِ وَهُوَ مُتّهم فِي الغلو فإنْ صدقوا فِي إضافة هَذَا الكتاب إليه فَهُوَ ضال بضلاله عَنْ الحَقّ... إلى آخر كلامه.
أَقُوُل: فلاحظ إضافته هَذِهِ الروايات المُستفيضة إلى الغُلاة ونسج وضعهم بسبب مبنى واجتهاد كلامي، والعجيب والغريب فِي هَذَا الأمر أنَّ هَذَا المبنى الكلامي لَيْسَ مِنْ الثوابت البديهية، وَإنَّما هُوَ استنتاج نظري يستند فِي تنضيده إلى كبريات ثابتة إلَّا أنَّ التطبيق لَيْسَ بديهيا لا سيما مَعَ ترامي الاستنتاج وتوغله في الجانب النظري.
وَمِنْ ذَلِكَ يتنبّه أنَّ جزم جملة مِنْ المُتقدّمين فِي الطعن عَلَى طوائف الروايات فِي المعارف فضلاً عَنْ آحادها إنَّما هُوَ طعن اجتهادي يستند إلى رأي وفتوى الطاعن نفسه مِنْ أرباب الجرح والتعديل لا إلى أُمُور حسّية مُسندة سواء كَانَ الطعن بالوضع أو الطعن بالغلو أو بالضلال أو بالتخليط.
وإنَّ هَذَا الموقف العلمي - مِنْ الشَّيْخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى وَبَعْض مِنْ وافقهم مِنْ القُدماء اتّجاه روايات الأظلّة والأشباح والذر والميثاق مِنْ الطعن فيها أو ارتكاب التمحّل فِي التأويل والحكم عَلَيْهَا بأنَّها قول بالتناسخ، وأنَّ القائلين بمضمونها منسوبون للقول بالتناسخ - يبيّن لنا أنَّ جملة كثيرة مِنْ طعون النجاشي وبن الغضائري فِي رواة الأحاديث بنسبتهم للمذاهب الباطلة ناشئ مِنْ آراء كلامية اجتهادية للمضامين الَّتِي يرويها أولئك الرواة وَلَيْسَ شهادة حسّية مُتّصلة سنداً إلى مَنْ عاصر أولئك الرواة.
وَهَذَا ما نبَّه عَلَيْهِ بقوة المُحقّق البحراني فِي علم الرجال ووافقه عَلَيْهِ الوحيد البهبهاني والميرداماد فِي الرواشح والمجلسي الأوَّل فِي روضة المتّقين وغيرهم مِنْ أعلام مُتأخري الأعصار.
برهان تاسع تذكر ونسيان العوالم السابقة البديهيات مخزون من عوالم سابقة:
١٧ - قَدْ يشكل عَلَى عوالم الأظلة بما سيأتي مِنْ إشكال بن شهرآشوب ويومئ إليه كلام الشَّيْخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى وتقتضيه جملة مِنْ كلمات الملا صدرا: بأنَّ الإشهاد فِي عالم الأظلّة والأشباح والذَّر والميثاق يستلزم التكليف وكمال العقل، وَهَذَا يعني وصول الروح إلى مرتبة كمال فِي تلك العوالم فكيف يفرض مَرَّة أُخرى عود الروح فِي البدن الأرضي عِنْدَ الولادة روحاً غَيْر كاملة العقل وَغَيْر مُكلّفة، وَهَذَا هُوَ أحد محاذير التناسخ بعينه مِنْ عود الروح الكاملة روحاً ناقصة.
والجواب: في عدة حيثيّات:
الأولى: إنَّهُ لَيْسَ مِنْ الضروري فِي طبيعة حفظ ذاكرة الروح والنفس وخزانة المعلومات أنْ تحفظ المعلومات وتخزن بنحو تفاصيل منتشرة، بَلْ فِي أغلب الحالات تختزن فيها بنحو مدمج ملفوف فتجتمع المعلومات المتناسبة بعضها مَعَ البعض بنحو مدمج وَهُوَ ما يعبّر فِي اللغة العقلية بالتركيب، فِي قِبال التحليل الذي هُوَ فعل وعمل مِنْ العقل أو قوة الفكر أو القوة المتصرّفة فِي الإنسان.
حَيْثُ يقوم بفرز المعاني بعضها عَنْ بَعْض وتمييز صور المعلومات بعضها عَنْ بَعْض، وَهَذَا مما يقرّر مبسوطاً فِي صناعة التحليل والتركيب في العلوم العقلية، الَّتِي هِيَ مِنْ أنشطة العقل ويتبيّن ويتقرّر مِنْ ذَلِكَ أنَّ الكم الهائل مِنْ المعلومات فِي ذاكرة الروح والنفس لا تبقى بصورة وصيغة معلومات منتشرة متوزّعة بَلْ بصيغة متداخلة مدمجة مضغوطة متوحّدة، وَمِنْ ثمة قرر أنَّ المعلومات البديهية منطوية فِي ذَاتَ معانيها عَلَى ما لا يتناهى.
الثانية: إن استنتاج المعاني النظرية - مِنْ المعاني الكلّية الكبروية بكثرة الحدود الوسطى بما لا يتناهى من الموارد التطبيقية الصغروية هو مِنْ هَذِهِ الحقيقة المخزونة لديه من المعلومة البديهية ويمكن للإنسان أنْ يستنتج ويستخرج النتائج الى مالا يتناهى - شاهد على اختزان المعلومات في النفس في عوالم سابقة ولم تحصل عليها النفس في هذا العالم الدنيوي، كما لم تكتسبها منه، فلا محالة قد اكتسبتها من عوالم سابقة.
الثالثة: ومما تَقَدَّمَ يتبيِّن أنَّ البديهيات مِنْ المعلومات رأس مال وخزينة هائلة مِنْ المعلومات بالفعل وبالقوة، أمَّا بالفعل فبلحاظ العلم الإجمالي، فإنَّها وجود فعلي للمكدس الإجمالي من المعلومات، وأمَّا الوجود بالقوة فلإنَّ هَذَا الوجود الإجمالي يمكن استخراج ما لا يتناهى مِنْ المعلومات التفصيلية مِنْهُ بالتدريج فَهُوَ وإنْ كَانَ وجودا بالفعل إجمالي إلَّا أنَّهُ أيضاً وجود بالقوة لتفصيل المعلومات الكثيرة اللامتناهية.
الرابعة: إنَّ هُنَاك جدلية فِي البحث العقلي عَنْ أنَّ الكثرة فِي المعلومات أو في الوجود هِيَ الأسبق وأنها الأصل الَّتِي تتولّد منه الوحدة فِي المعلومات أو فِي الوجود.
أم أنَّ الوحدة هِيَ الأوَّل والأسبق وجوداً عَلَى الكثرة فِي المعلومات أو فِي الوجود، وَقَدْ قرّر فِي حلّ هَذَا النزاع والترديد أنَّ الوحدة فِي قوس التنزّل هِيَ الأصل والمبدأ والكثرة فرع كَمَا تشير إليه الآية الكريمة ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير﴾(٤٨٠) ثمَّ صدرت الكثرة فِي المعلومات أو في الوجود عَنْ تلك الوحدة، وإنْ كَانَ الصدور لَيْسَ بنحو التوالد، بَلْ بنحو الإفاضة والإبداع.
نعم فِي قوس الصعود الكثرة سبب مُعِد للوحدة فتكون الوحدة هِيَ المنتهى، كَمَا كانت هِيَ المبدأ، ثمَّ إنَّ الوحدة عَلَى طبقات فِي المعلومات أو في الوجود وكذلك الكثرة عَلَى طبقات.
الخامسة: قَدْ وَرَدَ فِي الروايات كثيراً «دفائن العقول وميثاق الفطرة» وَهَذَا التعبير صالح للإشارة إلى الوجود الجملي للمعلومات والإجمالي، وَهَذَا الوجود الجملي حَيْثُ أنَّهُ مُتقرّر وجوداً فِي روح الإنسان فيكون بمثابة الفطرة لَهُ ولا سيما أنَّ الفطرة طبقات ودرجات كَمَا مَرَّ أنَّ الوحدة درجات وطبقات، والتسمية بالميثاق بلحاظ أنَّ هَذِهِ المعلومات الكثيرة الموجودة بالوجود الجملي، إمَّا بمثابة وثائق ومستندات يؤاخذ بها ويحاسب ويداين بها الإنسان؛ لأنها ميزان العدل يعرض عَلَيْهَا كُلّ أمر مُردّد فيه.
أو وجه التسمية بالميثاق أنَّ هَذِهِ المعلومات يتواثق ويترابط بعضها مَعَ البعض الآخر نظير الوثاق والحبل الرابط ففي الفطرة مِنْ الباطن الإجمالي لروح ونفس الإنسان مخزون كبير مِنْ الوثائق أو مِنْ الحبل الواثق بين المعلومات أو مِنْ الترابط العقدي ولأجل ذلك يطلق عَلَيْهِ ميثاق فالترابط بين المعلومات فِي الوجود الجملي الإجمالي مترابطة فِي عقد العلم ووجوده.
ذاكرة الإنسان على نوعين:
السَّادسة: يتبيَّن مِنْ كُلّ ما مضى أنَّ الذاكرة والذكر والتذكّر للمعلومات هُوَ بنمطين ونوعين وقسمين تارةً إجمالي وجملي بوجود موحّد، وَهُوَ الغالب فِي خزن المعلومات، كَمَا مَرَّ فِي روح ونفس الإنسان، وَأُخرى تفصيلي منتشر موزّع، ولكل مِنْ القسمين خواص وآثار وأحكام تكوينية فلا مجال لحصر الذاكرة والذكر والتذكّر بالقسم الثَّانِي فَقَطْ.
بَلْ هُنَاك قسمان كَمَا أنَّ انتفاء آثار وأحكام القسم الثَّانِي لا يستلزم انتفاء القسم الأوَّل، وَمِنْ ذَلِكَ يتبيَّن اندفاع استدلال الشَّيْخ المفيد وَالسِّيّد المرتضى والطوسي والملاصدرا والعلامة الطباطبائي وغيرهم من الأعلام عَلَى نفي عالم الأظلّة، حَيْثُ استدلوا عَلَى عدم وجود الروح السابقة فِي العوالم، بانتفاء أحد القسمين، وهو لا يلازم انتفاء القسم الآخر فمع وجود القسم الأوَّل يتصوّر الوجود السابق للروح والنفس فِي العوالم الجسمانية السابقة.
السَّابعة: كَمَا أنَّهُ ممّا مَرَّ يتبيَّن عدم صحة ما ذهب إليه الحكيم الملا صدرا وَمِنْ بعده مِنْ الأعلام فِي البحث الفلسفي انتهاءً بالعلّامة الطباطبائي، مِنْ تفسيرهم الوجود الفطري بأنه عبارة عَنْ وجود وكينونة المعلول فِي ضمن الوجود الجملي الواحد للعلّة، فتنوجد المعاليل الكثيرة أو اللامتناهية بوجود علّتها لا بنحو الكثرة الوجودية الموزّعة المنتشرة، بَلْ بمعنى انطواء كمالات المعلولات ضمن الكمال البسيط للعلّة ففسروا وجود الأرواح والذوات فِي عالم الذَّر والميثاق والأظلّة بذَلِكَ أيّ بكينونة المعلول والمعاليل بوجود العلّة.
وبضميمة أنَّ كمال المعلول عِنْدَمَا يفاض ويوجد يكون تجليا لجهة من كمال علّته، وَهَذَا الكمال بنحو الوجود البسيط الجملي الإجمالي، وَهَذَا التبعيض لَيْسَ المراد مِنْهُ التولّد والتجزء بَلْ إفاضة الرقيقة مِنْ الحقيقة بنحو الإبداع وفسّروا الفطرة وميثاقها بذلك.
وَهَذَا المعنى وإنَّ كَانَ متينا فِي نفسه وَهُوَ معنى ثالث للذاكرة والتذكّر وتفسير آخر للفطرة إلَّا أنَّهُ لا يحصر معنى التذكر الفطري الجملي الإجمالي بِهَذَا المعنى، وَهُوَ أنَّ كَمَال المعلول رقيقة مِنْ كمال حقيقة العلّة، فَإنَّهُ قَدْ مَرَّ أنَّهُ مِنْ الذكر والذاكرة والتذكّر للمعلومات بنحو الوجود الاندماجي الجملي الإجمالي البسيط أيضاً يتكون مِنْ المعلومات التفصيلية أيضاً، فتغيب التفاصيل ويبقى الوجود البسيط الجملي.
فالوجود الجملي البسيط لا ينحصر بالمعنى الثَّالِث، بَلْ يعمّه ويعم المعنى الأوَّل مِنْ الأقسام الثلاثة للذاكرة والتذكّر وحسبان كون التذكّر جملياً بسيطاً فطرياً مركوزاً منحصر بالمعنى الثَّالِث - وبالتالي يستدلّ بالانحصار عَلَى نفي وجود الأرواح والنفوس بنحو منتشر وجوداً - لَيْسَ فِي محلّه.
فالوجود الجملي للمعلومات المدمجة يمكن انطباقه عَلَى المعنى الأوَّل، بَلْ انطباقه عَلَيْهِ ضروري لقيام البراهين كَمَا عرفت عَلَى وجود الأنفس والأرواح بقوالب جسمانية رقيقة، وإلى هَذِهِ الحقيقة تشير صحيحة بن مسكان عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قوله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ قال (عليه السلام): نعم فثبتت المعرفة ونسوا الموقف، ولولا ذَلِكَ لَمْ يدر أحد مَنْ خالقه ورازقه.
فمنهم مِنْ أقرَّ بلسانه فِي الذَّر وَلَمْ يؤمن بقلبه، فَقَالَ الله ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ﴾(٤٨١).
وأيضاً صحيح زرارة عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): قَالَ زرارة: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قول الله ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ قَالَ: «ثبتت المعرفة فِي قلوبهم ونسوا الموقف وسيذكرونه يوماً ما ولولا ذَلِكَ لَمْ يدرِ أحد مَنْ خالقه ورازقه»(٤٨٢).
وأيضاً بسند موثَّق عَنْ زرارة: قَالَ سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) (وإذا...) وهي نفس متن رواية المحاسن المتقدمة»(٤٨٣).
وروى فِي كشف الغُمّة مِنْ كتاب دلائل الحميري عَنْ أبي هاشم الجعفري عَنْ أبي مُحمَّد الحسن العسكري... ونقل مثله إلَّا أنَّ فِي ذيل الحديث ذكر مقامات عظيمة للأئمة (عليهم السلام))(٤٨٤).
ومفاد هاتين الروايتين صريح: فِي أنَّ ما هُوَ مركوز فِي باطن الفطرة وخزائن الروح وليد مِنْ مشاهدة التفاصيل، إلَّا ان التفاصيل محيت عَنْ ذاكرتهم وبقيت وثبتت أصل المعلومات بنحو المعرفة الإجمالية البديهية، وَهَذَا المفاد مطابق لخمس أو ست طوائف مِنْ الروايات كُلّ منها مُستفيض أو مُتواتر لا سيّما الروايات الواردة فِي أخذ العهد والميثاق والعهود الإلهية عَلَى جميع الناس فِي العوالم الجسمانية السابقة، وكذلك أخذ العهد والميثاق على الأنبياء وَإلى ذَلِكَ يُشير قول أمير المؤمنين (عليه السلام):
«... واصطفى سُبْحَانَهُ مِنْ ولده أنبياء وأخذ عَلَى الوحي ميثاقهم وَعَلَى تبليغ الرسالة أمانتهم لمّا بدّل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقّه واتخذوا الأنداد معه واجتالتهم الشياطين عَنْ معرفته واقتطعتهم عَنْ عبادته، فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته ويذكّروهم منسي نعمته ويحتجّوا عَلَيْهِم بالتبليغ ويثيروا لهم دفائن العقول ويروهم آيات القدرة»(٤٨٥) عبر (عليه السلام) بالمنسي مُضافاً إلى التعبير بما دفن فِي العقول أيّ اختزن وما وثق فِي الفطرة.
نسيان وتذكر الأرواح للعوالم:
الثامنة: إنَّ هُنَاك ظاهرة وجودية مشهورة فِي الأرواح بحسب الطبيعة الغالبة أنَّ ما يَتِمُّ مشاهدته تفصيلاً للأرواح فِي عوالم علوية جسمانية لطيفة ورقيقة لا تستذكره الأرواح إذَا نزلت إلى العالم الأرضي الكثيف الغليظ، لا تستذكره تفصيلاً وإنْ بقي مركوزاً بنحو المعرفة والمعلومات الجملية الإجمالية.
كَمَا هُوَ مشاهد فِي منامات الإنسان فِي دار الدُّنْيَا حَيْثُ أنَّهُ يشاهد كثيرا مِنْ التفاصيل فِي الرؤى فِي عالم البرزخ أو المثال أو ما فوقها مِنْ العوالم لكنَّ الإنسان حين يستيقظ ويدبّ تنمحي عَنْ ذاكرته التفاصيل كما هو فِي غالب الناس كثيراً ما، لكنّه إذَا شاهد بَعْض الأحداث أو فكّر فِي بَعْض الأُمُور يستذكر إجمالاً أنَّهُ عهد هَذَا المطلب وأنس به إجمالاً من قبل وإنْ لَمْ يستذكره تفصيلاً.
وكذلك حالة الأرواح عِنْدَمَا تبعث فِي الأبدان فِي الرجعة أو يَوُم القيامة فَإنَّها لا تستذكر تفصيلاً ما جرى عَلَيْهَا فِي البرزخ مِنْ آلام، كَمَا فِي أهل الشر والمعاصي أو مِنْ نعيم لأهل الخير كَمَا فِي قوله تَعَالَى فِي قصّة عزير الذي أماته الله: - ﴿فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ﴾(٤٨٦).
وقوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلا﴾(٤٨٧) وقوله فِي أصحاب الكهف: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾(٤٨٨).
وقوله تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْرًا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْمً﴾(٤٨٩).
وقوله تَعَالَى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الأَرْضِ عَدَدَ سِنِين قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّين قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُون﴾(٤٩٠).
وقوله تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُون وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾(٤٩١).
وَقوله تَعَالَى فِي شأن فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَاب﴾(٤٩٢).
وَهَذَا الشأن مُطّرد فِي الروح كُلّما انتقلت مِنْ عالم جسماني إلى أنزل أو العكس، اي إذَا انتقلت مِنْ عالم جسماني إلى ما هُوَ أعلى تشفّفا، وإنْ كَانَ فِي النزول النسيان والذهول أشدّ وآكد بخلاف الصعود.
والغريب أنَّ الشَّيْخ المفيد هُوَ بنفسه قَدْ التفت إلى هَذِهِ الظاهرة فِي الروح وأجاب عَنْ إشكالات العامّة فِي الرجعة بهذه الظاهرة فِي الروح، حَيْثُ أشكل جماعة منهم فِي الرجعة، بأنَّ لوازم الرجوع للدُّنيا أنْ يتوب كُلّ العُصاة مما اقترفوه؛ وَذَلِكَ لتذكّرهم ما يجري عَلَيْهِم فِي البرزخ فلا يبقى أحد مِنْ العُصاة إلَّا وَقَدْ تاب، فأجاب المفيد عَنْ ذَلِكَ بهذه الآيات الَّتِي تتعرّض إلى نسيان الروح ما جرى عَلَيْهَا فِي البرزخ.
والحاصل أنَّ المنام واليقظة مثال للموت والبعث، وَهُوَ مثال لانتقال الروح مِنْ عالم جسماني إلى آخر يختلفان فِي الغلظة والكثافة واللطافة والرقّة والشفافية والأحكام التكوينية، ويطرأ عَلَى الروح ويصيبها ذهول عَن التفاصيل الَّتِي شاهدتها وأدركتها فِي العالم السابق فضلاً عَنْ العوالم الأسبق مِنْهُ، فَكُلّما ترامت وتعاقبت العوالم عَلَى الروح كُلّما ازداد محو التفاصيل المشاهدة، والذي يبقى هو أصل المعرفة بالمعلومات المدمجة جملياً إجمالياً، كرأس مال بديهي تلتفت إليه الروح ارتكازاً بالتفاتة باطنية مبهمة مِنْ بُعد، لا بالتفاتة تفصيلية منتشرة مجزئة، وَهَذَا النسيان للتفاصيل لا يعني عدم كينونة الروح فِي تلك العوالم كَمَا لا يعني عدم مشاهدتها لتلك المشاهد.
التَّاسعة: إنَّ مِنْ المُقرّر فِي الرجعة أنَّ غايتها وفلسفتها استكمال الروح لمسيرة تكاملها، كَمَا قرّر هَذَا البيان العقلي مِنْ آيات وروايات الرجعة الكثير مِنْ أعلام مُتأخّري العصر كالعلّامة الطباطبائي والعلّامة الرفيعي والمحقّق الشاه آبادي والمُفسِّر الجناآبادي وغيرهم، وَكَمَا هُوَ حال العروج والنزول اليومي لروح الإنسان فِي النوم واليقظة وَلَيْسَ ذَلِكَ المسير للروح إلَّا لأجل اكتسابها كمالات لَمْ تكتسبها مِنْ قبل.
العاشرة: بناءً عَلَى الحيثية السابقة وما تقدّمها مِنْ بَعْض الحيثيات يظهر الجواب عَنْ لغز وسؤال قديم يذكر فِي العلوم العقلية، مِنْ أنَّ الروح مَعَ ما لها مِنْ كينونة فِي العوالم القدسية العلوية فلماذا تنزّلت مِنْ تلك العوالم إلى العالم الأرضي السفلي؟ وَهَذَا التساؤل يطرح بقوة عَلَى مسلك منْ يذهب إلى قدم الروح عَلَى خلقة البدن.
والجواب عنه: بأنَّ التنزّل فِي قوس النزول بغية اكتساب كمالات ومراتب أكثر وأعلى فِي قوس الصعود وعدم الاكتفاء بما لديها مِنْ كمالات قَدْ حصلت عليها، وسيأتي التعرض لرواية بن الفضل الهاشمي فِي ذَلِكَ.
وَبِهَذَا التقريب يمكن الجواب عَنْ اعتراض الملا صدرا وَمنْ تابعه ووافقه مِنْ أعلام الفلسفة المُتعالية، مِنْ أنَّ الروح لو كانت فِي عوالم جسمانية سابقة وكانت قَدْ اكتسبت كمالات، فكيف تعود مَرَّة أُخرى إلى الصفر والصبا، وَهَلْ هَذَا إلَّا فَقَد للكمال ورجوع مِنْ الفِعْل إلى القوة، وبلغة علم الكلام، كيف يتصوّر أنَّ الروح كانت مكلّفة فِي العوالم السابقة ثمَّ تعاود مَرَّة أُخرى ويرفع عنها التكليف فِي الصغر إلى أنَّ تطوي جملة مِنْ المراحل تتكامل فيه إلى البلوغ والرُّشد.
والجواب: هُوَ ما تَقَدَّمَ مِنْ أنَّ الروح بما اكتسبت مِنْ كمالات فِي العوالم السابقة لا تفقدها ولا ترجع مِنْ الفِعْل إلى القوة، وَإنَّما تزداد اكتساباً للكمالات زيادة عَلَى ما كَانَ لديها، غاية الأمر أنَّ مرحلة الرضاعة والصباوة هِيَ طفولة وصباوة بالقياس إلى المرحلة الأرضية، فَهِيَ نقطة بداية وابتداء بلحاظ هَذِهِ المرحلة لا أنَّ الروح الَّتِي تلج فِي الصبي عديمة الكمالات بالمرّة، وَإنَّما هِيَ عادمة كمالات مستقبلية تستحصلها بتوسّط النشأة الأرضية والبدن الدنيوي.
ومن ثمة يعترف هؤلاء الأعلام بأنَّ البديهيات المخزونة فِي باطن الروح ليست مكتسبة مِنْ النشأة الأرضية، وَإنَّما هِيَ محمولة لدى الروح مِنْ أوَّل النشأة الأرضية الدنيوية والمعلومات البديهية كمال عظيم لدى الروح قبل أنْ تكتسب كمالات نظرية فِي عالم الدُّنْيَا، غاية الأمر فِي مرحلة الرضاعة والطفولة يطرأ عَلَى الروح ذهول عَنْ هَذِهِ البديهيات بسبب التعلّق بالبدن والنشأة الجديدة إلى أنْ تستعيد الروح شيء مِنْ الاستقرار والأُنس بالآليات الجديدة للبدن الدنيوي الَّتِي حصلت لها بتوسّط البدن الدنيوي، فتبدأ بالالتفات إلى ما لديها مِنْ مخزون علمي مِنْ الكمالات.
نظير ما يحصل لدى الإنسان فِي آخر عمره مِنْ الذهول عَنْ العلوم المكتسبة كَمَا يشير إليه قوله تَعَالَى: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلاَ يَعْقِلُون﴾ وقوله تَعَالَى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا﴾ وغيرها مِنْ الآيات الَّتِي تشير إلى مرحلة الشيخوخة، فَإنَّها مرحلة وحالة لا تعني فَقَدْ الكمالات السابقة.
بَلْ نحو ذهول عَنْ العلوم نظير المغمى عَلَيْهِ والمريض بدنيّاً فقوله تَعَالَى ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ لَيْسَ سلب الملكة العلمية وَإنَّما هُوَ ذهول عَنْ التفاصيل أو العجز وسلب القدرة عَنْ فتح خزائن الذاكرة لا أنَّ الذاكرة تصبح خالية تماماً، وَهَذِهِ الآيات شاهد آخر عَلَى ما مَرَّ منّا مِنْ أقسام التذكر والذاكرة، وَمِنْ أنَّ نفي وعدم التذكّر التفصيلي لا ينافي التذكّر الجملي الإجمالي حَتّى لو بلغ مرحلة العجز التام عَنْ استحضار التفاصيل دفعة واحدة أو عَنْ الاستحضار التدريجي.
وَمِنْ ثمَّ قَدْ أشكل الملا صدرا عَلَى ابن سينا فِي تصوير كمالات الروح بالعلم حَيْثُ قرّر أنَّهُ كمال عرضي، أشكل عَلَيْهِ بأنَّ العرض قابل للزوال بينما الإنسان يسعى للكمال الثابت الجوهري الذي لا يزول بالشيخوخة أو بأهوال الموت أو أهوال الانتقال إلى البرزخ أو إلى عالم يَوُم القيامة.
وأمَّا عدم التكليف في الصغر بعدما كَانَ مقررا فِي العوالم السابقة فهو نظير الحال فِي الشيخوخة وفي كبير السن فَإنَّهُ يرتفع التكليف بعدما كَانَ فعليا، لأجل موانع معذرة.
النشأة الملكوتية غير عاصمة ومفتقرة للتكامل سببية النزول لمزيد من العروج:
الحادية عشر: وَرَدَ فِي معتبرة عبد الله بن الفضل الهاشمي، قَالَ: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): لأي علّة جعل الله (عَزَّ وجَلَّ) الأرواح فِي الأبدان بَعْدَ كونها فِي ملكوته الأعلى فِي أرفع محل؟
فَقَالَ (عليه السلام): «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى علم أنَّ الأرواح فِي شرفها وعلوّها متى ما تركت عَلَى حالها نزع أكثرها إلى ادّعاء الربوبية دونه (عَزَّ وجَلَّ)، فجعلها بقدرته فِي الأبدان الَّتِي قدّر لها فِي ابتداء التقدير نظرا لها ورحمة بها وأحوج بعضها إلى بَعْض وعلق بعضها عَلَى بَعْض ورفع بعضها عَلَى بَعْض ورفع بعضها فوق بَعْض درجات في الآخرة، وكفى بعضها ببعض وبعث إليهم رسله واتّخذ عَلَيْهِم حججه مبشرين ومنذرين يأمرون بتعاطي العبودية والتواضع لمعبودهم بالأنواع الَّتِي تعبدهم بها، ونصب لهم عقوبات في العاجل وعقوبات فِي الآجل ومثوبات فِي العاجل ومثوبات فِي الآجل ليرغبهم بذلك فِي الخير ويزهّدم فِي الشر وليدلهم [ليذلهم] بطلب المعاش والمكاسب فيعملوا بذلك أنهم بها مربوبون وعباد مخلوقون ويقبلوا عَلَى عبادته فيستحقون بذلك نعيم الأبد وجنّة الخلد ويأمنوا مِنْ الفزع [النزوع] إلى ما لَيْسَ لهم بحق... الحديث»(٤٩٣).
بيان: ومفاد الحديث عقلي حَيْثُ بيَّن (عليه السلام) أنَّ الغاية مِنْ إنزال الأرواح إلى عالم الأبدان الغليظة الأرضية هُوَ رحمة بها، أيّ كمال لها ونظراً لها أيّ ترقية لها مِنْ فَقَدْ الكمالات، وَذَلِكَ لِأنَّ نزوع الأرواح الى التكبر ودعوى الربوبية يفقدهم كَمَال العبودية، ترغيباً لهم لما هُوَ خير لأنفسهم وتكمل معرفتهم بحقيقة التوحيد وأنهم مربوبون ومخلوقون فيصلوا إلى نعيم الأبد ويعرجون إلى جنّة الخلد.
وَإلى هَذَا المفاد أشار فِي الذيل المُتمم للرواية [ثمَّ قَالَ (عليه السلام): «يا بن الفضل إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أحسن نظراً لعباده منهم لأنفسهم ألا ترى أنَّكَ لا ترى فيهم إلَّا محباً للعلو عَلَى غيره حَتّى أنَّهُ يكون منهم لِمَنْ قَدْ نزع إلى دعوى الربوبية، ومنهم منْ نزع إلى دعوى النبوّة بغير حقها ومنهم منْ نزع لدعوى الإمامة بغير حقّها، وَذَلِكَ مع ما يرون فِي أنفسهم مِنْ النقص والعجز والضعف والمهانة والحاجة والفقر والآلام المتناوبة عليهم، والموت الغالب لهم والقاهر لجميعهم، يا بن الفضل إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لا يفعل بعباده إلَّا الأصلح لهم ولا يظلم الناس شيئاً ولكن النّاس أنفسهم يظلمون».
وفي هَذَا الحديث سرٌّ عظيم وَهُوَ أنَّ المخلوق وإنْ كَانَ فِي الملكوت الأعلى كالأرواح والمحل الرفيع والشرف العالي إلَّا أنَّ ذَلِكَ لا يكون سبباً لبقاء ذَلِكَ الكمال فضلاً عَنْ التكامل للدرجات الأكثر، بَلْ قَدْ يكون ذَلِكَ سبباً إلى فَقَدْ المعرفة والوقوع فِي الجهالة؛ وَذَلِكَ الفقد خسران لأكبر معرفة ووقوع فِي الجهالة، وَهُوَ التكبّر وتخيل الاستغناء الذاتي والقدرة الذاتية والاستقلال فِي الوجود، والجهل بالفقر الذاتي بما هُوَ ممكن، بينما العبور إلى الأرض والاحتباس فِي سجن وضيق البدن الأرضي مدعاة وسبباً لأكبر معرفة ولأكبر تكامل.
الكينونة السابقة عالم الهواء سكن الأرواح قبل الأصلاب:
الثانية عشر: قَدْ وَرَدَ فِي روايات خلق الأرواح قبل الأبدان تبيان لكيفية تنزل الأرواح وبعثها مِنْ عالم إلى عالم وَمِنْ ضمن تلك المراحل فِي التنزل قبل نفخها فِي الأبدان ما وَرَدَ مِنْ إسكانها فِي الهواء،
ففي رواية بصائر الدرجات بسنده عَنْ عمارة: قَالَ كنتُ جالساً عِنْدَ أمير المؤمنين (عليه السلام): إذَا أقبل رجل فسلَّم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يا أمير المؤمنين والله إنِّي لأحبك فسأله ثمَّ قَالَ لَهُ: «إنَّ الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفيّ عام ثمَّ أسكنت الهواء فما تعارف منها ثمَّ ائتلف ههنا وما تناكر منها ثمَّ اختلف ههنا وإنَّ روحي أنكر روحك»(٤٩٤).
ومثله روى الكشّي بسنده عَنْ ميمون بن عبد الله عَنْ الصَّادِق عَنْ آبائه (عليهم السلام) قَالَ: «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): خلق الله الأرواح قبل الأجساد بألفي عام ثمَّ أسكنها الهواء فما تعارف منها ثمَّ ائتلف ههنا وما تناكر منها ثمَّ اختلف ههنا»(٤٩٥).
والهواء الذي أسكنت فيه الأرواح إمَّا الذي فوق الأرض السابعة ومحيط بها ودون سماء الدُّنْيَا، أو يراد به الهواء الذي فوق السماء السابعة ودون الحجُب الَّتِي قبل الكرسي والعرش، ولعلَّ المراد به الثَّانِي.
روى في البحار عن كتاب الأنوار لأبي الحسن البكري قال روي عن أمير المؤمنين أنه قال: (... ثمَّ خلق مِنْ بعدهم أرواح المُؤْمِنِين مِنْ أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلما تكاملت الأنوار سكن نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى الجَنّة فبقي سبعين ألف عام ثمَّ انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى السَّماء السَّابِعِة ثمَّ إلى السَّماء السَّادِسَة ثمَّ إلى السَّماء الخامسة، ثمَّ إلى السَّماء الرَّابعة، ثمَّ إلى السَّماء الثَّالثة، ثمَّ إلى السَّماء الثانية، ثمَّ إلى السَّماء الدُّنْيَا فبقي نوره فِي السَّماء الدُّنْيَا إلى أنْ أراد (الله) أنْ يخلق آدم (عليه السلام) أمر جبرائيل أنْ ينزل إلى الأرْض ويقبض منها قبضة... - وذكر كيفية خلق بدن آدم -... ثمَّ خلق الله بَعْدَ ذَلِكَ الرُّوُح، وَقَالَ لها ادخلي فِي الجسم فرأت الرُّوُح مدخلاً ضيّقاً فوقفت فقال لها ادخلي كرهاً وأخرجي كرهاً» قَالَ: «فدخلت الرُّوُح فِي اليافوخ...(٤٩٦)»
وروى الطبري بسنده عَنْ داود بن كثير الرقّي، عَنْ ابي عبد الله (عليه السلام) إنهُ لما خرج مِنْ عِنْدَ المنصور نزل الحيرة، فبينا هُوَ بها إذْ أتاه الربيع، فَقَالَ: أجب أمير المؤمنين، فركب إليه وَقَدْ كَانَ وجد فِي الصحراء صورة عجيبة لا يعرف خلقتها، ذكر مِنْ وجدها أنَّهُ رآها وَقَدْ سقطت مَعَ المطر.
فلما دخل عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: يا أبا عبد الله، أخبرني عَنْ الهواء، أيّ شيء فيه؟ فَقَالَ: بحر مكفوف.
قَالَ: فَلَهُ سكان؟ قَالَ: نعم. قَالَ: وما سكانه؟
قَالَ: خلقٌ أبدانهم أبدان الحيتان، ورؤوسهم رؤوس الطير، ولهم أعرفة كأعرفة الديكة، ونغانغ الديكة، وأجنحة كأجنحة الطير، مِنْ ألوان أشدّ بياضاً مِنْ الفضة.
فدعا المنصور بالطشت، فإذا الخلق فيها لا يزيد ولا ينقص، فأذن لَهُ فانصرف. ثمَّ قَالَ للربيع: ويلك يا ربيع! هَذَا الشجا المعترض فِي حلقي مِنْ أعلم الناس).
وقال في البحار: ويعلق الفيروز آبادي: «ولعلَّ المراد بالموج المكفوف البحر المواج المكفوف عَنْ السيلان، ويحتمل أنْ يكون إشارة إلى البحر المحيط، ويكون هَذَا الحيوان مما ارتفع مِنْهُ مَعَ السحاب، ولكن ظاهر هَذَا الخبر والخبر الآتي أنَّهُ بحر بين السماء والأرض غَيْر المحيط»(٤٩٧).
وفي هَذِهِ الرواية أريد مِنْ الهواء هُوَ ما دون السماء الدُّنْيَا، لكنَّ الأظهر في ما تقدم إرادة الهواء الذي فوق السماء السابعة دون الحجب الَّتِي دون الكرسي، وَذَلِكَ بقرينة ما وَرَدَ فِي روايات الطينة لخلق الأرواح وطبقات أبدانها، فَإنَّ أرواح الأئمة كَمَا وَرَدَ مِنْ طينة دون العرش فَالمُنَاسِب إرادة إسكانها الهواء الذي دون العرش لِأنَّ عالم الهواء اثنان متغايران، كَمَا تشير إليه الروايات احدهما هواء أسفل وَهُوَ دون السماء الدُّنْيَا، والثاني هواء أعلى وَهُوَ يعلو السماء السابعة ودون العرش.
الكينونة السابقة المبدأ هو العقبى من الجنة إلى الجنة ومن النار إلى النار:
روايات خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام:
١ - روى في بصائر الدرجات بسنده عَنْ أبي مُحمَّد المشهدي مِنْ آل رجاء البجلي عَنْ أبي عبد الله، قَالَ: قَالَ رجل لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب: يا أمير المؤمنين أنا والله أحبك، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: كذبت [قَالَ: بلى - والله - إنِّي أحبك وأتولاك. فال لَهُ أمير المؤمنين: كذبت، قَالَ: سُبْحَان الله يا أمير المؤمنين، أحلف بالله إنِّي أحبك فتقول كذبت قَالَ: وما علمت إنَّ الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفيّ عام فأسكنها الهواء ثمَّ عرضها علينا أهل البيت - فوالله - ما منها روح إلَّا وَقَدْ عرفنا بدنه - فوالله - ما رأيتك فيها، فأين كنت.
قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): كَانَ فِي النار.
وفي الباب ثمان روايات متقاربة المفاد بأسناد مختلفة(٤٩٨).
فمفاد هَذِهِ الرواية يشير الى قبلية نشأة الروح بكينونة جسمانية لطيفة رقيقة حيّة شاعرة، وتَدُلُّ أيضاً عَلَى أنَّ أحد كينونات الروح وحياتها قبل البدن كانت فِي النار للأرواح الشريرة وأصحاب الشمال، ومقتضى التقابل كينونة جملة الأرواح الخيرة فِي الجنّة.
وَهَذَا يقتضي أنَّ قوس الصعود متشاكل مَعَ قوس النزول فِي المنازل والمقامات والكينونة والنشآت، وأنَّ ما سياتي مِنْ نشآت وعوالم عَلَى الروح هِيَ كَونَ قَدْ سبق تقرره للروح والمرور بها وبأمثالها.
٢ - فِي حديث المعراج، ما رواه القمّي مِنْ صحيح أعلائي عَنْ عبد الله بن سنان، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «أوَّل مِنْ سبق مِنْ الرسل إلى (بلى) رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أنَّهُ كَانَ أقرب الخلق إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَكَانَ بالمكان الذي قَالَ لَهُ جبرائيل - لما أُسري به إلى السماء - تَقَدَّمَ يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَدْ وطئت موطئاً لَمْ يطئه أحد من قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قدر أنْ يبلغه وكان من الله (عزَّ وجلَّ) كما قال تعالى قاب قوسين أو أدنى أي أدنى... الخ»(٤٩٩).
ومفاد هَذَا الحديث:
أوَّلاً: أنَّ روحه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونفسه قَدْ عرج بها فِي المعراج فِي القسم والمقدار الروحاني مِنْ المعراج عُرج بها إلى مكانٍ كانت قَدْ نزلت مِنْهُ فِي قوس النزول وَهُوَ قول الصَّادِق (عليه السلام) «ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان لما قدر أنَّ يبلغه...».
ثانياً: قوله: «ولولا أنَّ روحه ونفسه كانت مِنْ ذَلِكَ المكان» لا ينفي كون المعراج جسمانياً بَلْ غاية ما يَدُلّ عَلَى أنَّ أعالي المعراج كَانَ روحانياً، ولعل التفصيل بين العروج بالبراق ثمَّ العروج بالرفرف كَمَا وَرَدَ فِي الروايات إشارة لهذا المعنى.
ثالثاً: قول جبرائيل: «تقدّم يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَدْ وطئت موطئاً لَمْ يطأه أحد قبلك لا ملك مقرب ولا نبي مرسل» وقول الصَّادِق (عليه السلام) بعده: «ولولا أنَّ روحه ونفسه مِنْ ذَلِكَ لما قدر أنْ يبلغه فَكَانَ مِنْ الله (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ الله (عزَّ وجلَّ) ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أيّ بَلْ أدنى.
ومجموع هَذَا الكلام مقتضاه أنَّ روح الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ألطف مِنْ روح كُلّ الأنبياء وألطف مِنْ كُلّ الملائكة المقربين، وان جسمه اللطيف بروحه، أيّ طبقات روحه لا يصل إليه الملك المقرّب ولا الأنبياء المرسلين، وَهَذَا مفاد ما وَرَدَ فِي أخبار الطينة من أنَّ طينة روحه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعلى مِنْ طينة روح علي (عليه السلام) وطينة روح علي (عليه السلام) أعلى مِنْ طينة أرواح بَقيَّة الأئمة (عليهم السلام) وطينة أرواح الأئمة (عليهم السلام) أعلى وفوق طينة أرواح سائر النبيين.
٣ - روى القمّي فِي الصحيح الأعلائي عَنْ هشام بن سالم عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي حديث المعراج - وذكر صعوده (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السماء ورؤيته للنار وملك الموت ولأصناف مِنْ الملائكة ذوي الشأن، قَالَ: «ثمّ مضيت فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد مِنْ لحم طيب ولحم خبيث يأكلون اللحم الخبيث ويدعون الطيب فقلت مَنْ هؤلاء يا جبرائيل فَقَالَ: هؤلاء الَّذِيْنَ يأكلون الحرام ويدعون الحلال... ثمّ مضيت فإذا أنا بأقوام لهم مشافر كمشافر الإبل يقرض اللحم مِنْ جنوبهم، ويلقى فِي أفواههم. فقلت مَنْ هؤلاء يا جبرائيل. فَقَالَ هؤلاء الهمازون اللمازون.
ثمَّ مضيت فإذا أنا بأقوام ترضخ رؤوسهم بالصخر، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبرائيل؟ فَقَالَ: هؤلاء ينامون عَنْ صلاة العشاء، ثمَّ مضيت فإذا أنا بأقوام تقذف النار فِي أفواههم، وتخرج مِنْ أدبارهم فقلت مَنْ هؤلاء يا جبرائيل؟ قَالَ: هؤلاء الَّذِيْنَ يأكلون أموال اليتامى ظلماً، إنَّما يأكلون فِي بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً، ثمَّ مضيت فإذا أنا بأقوام يريد أحدهم أنْ يقوم فلا يقدر مِنْ عظم بطنه، فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبرائيل: قَالَ هؤلاء الَّذِيْنَ يأكلون الربا لا يقومون إلَّا كَمَا يقوم الذي يتخبطه الشيطان مِنْ المسّ وإذا هُمْ بسبيل آل فرعون: يعرضون عَلَى النار غدواً وعشياً ويقولون ربنا متى تقوم الساعة؟!».(٥٠٠) 
ومفاد الرواية ان في معراجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأى الكينونة الأخروية في النار لأهل المعاصي قبل ارتكابهم للمعصية وقبل تولدهم من أرحام امهاتهم في دار الدنيا، ونظير هذا المفاد كثير في روايات المعراج كما رواها الفريقان.
٤ - روى فِي كشف اليقين عَنْ مُحمَّد بن العبّاس بن مروان الثّقة فِي كتابه المعتمد عَلَيْهِ عَنْ أحمد بن إدريس عَنْ مُحمَّد بن أبي القاسم ما جيلويه عَنْ ابن أبي الخطّاب قَالَ: وحدّثنا مُحمَّد بن احمد الكوفي عَنْ نصر بن مزاحم عَنْ أبي داود الطهري عَنْ ثابت بن أبي صخرة عَنْ الرعلي عَنْ علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وإسماعيل بن أبان عَنْ مُحمَّد بن عجلان عَنْ زيد بن علي قالا: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... قَالَ: «ثمَّ التفت فإذا أنا برجال يقذف بهم فِي نار جهنم قَالَ: فقلت: مَنْ هؤلاء يا جبرائيل، فَقَالَ لي: هؤلاء المرجئة والقدرية والحرورية وبنو أمية والنواصب لذريتك العداوة، هؤلاء الخمسة لا سهم لهم فِي الإسلام...»(٥٠١).
وظاهر هَذِهِ الرواية أنَّ هؤلاء الَّذِيْنَ يقذف بهم فِي نار جهنّم ورآهم الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي المعراج معظمهم لَمْ يولد فِي دار الدُّنْيَا بعدُ بَلْ هُمْ فِي الأصلاب وَلَمْ يلجوا الأرحام.
وفي ذيل هَذِهِ الرواية، قَالَ علي (عليه السلام): «يا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَمَنْ الذي كانوا يقذف بهم فِي نار جهنم؟ قَالَ: أولئك المرجئة والحرورية والقدرية وبنو أمية ومناصبك العداوة، يا علي هؤلاء الخمسة لَيْسَ لهم فِي الإسلام نصيب»(٥٠٢).
٥ - قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «رأيت ليلة أُسري بي قوما تقرض شفاههم بالمقاريض كُلّما قرضت وَفَت، فَقَالَ جبرائيل: هؤلاء خطباء أمتك الَّذِيْنَ يقولون ما لا يفعلون»(٥٠٣).
٦ - عيون الأخبار بسنده إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسني عَنْ مُحمَّد بن علي الرضا عَنْ أبيه الرضا عَنْ أبيه موسى بن جعفر عَنْ أبيه عَنْ آبائه (عليهم السلام) عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «دخلت أنا وفاطمة عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... فَقَالَ يا علي ليلة البارحة أُسري بي إلى السماء رأيت نساء مِنْ أمتي فِي عذاب شديد فأنكرت شأنهن فبكيت لما رأيته مِنْ شدّة عذابهنّ ورأيت امرأة معلّقة بشعرها يغلي دماغ رأسها ورأيت امرأة معلّقة بلسانها والحميم فِي حلقها و... أمَّا المعلقّة بشعرها فإنّها كانت لا تغطي شعرها مِنْ الرجال وأمَّا المعلّقة بلسانها فَإنَّها تؤذي زوجها و...»(٥٠٤).
٧ - روى فِي الاختصاص عَنْ الحسين بن مُحمَّد الفارسي عَنْ أبيه عَنْ أبي عبد الله عَنْ أبيه (عليهما السلام) عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام) قَالَ: «خرجتُ ذَاتَ يَوُم إلى ظهر الكوفة وبين يدي قنبر فقلت لَهُ ترى ما أرى؟ فَقَالَ ضوء الله (عزَّ وجلَّ) لك يا أمير المؤمنين عما عمي عنه بصري، فقلت: يا أصحابنا ترون ما أرى؟ فقالوا: لا قَدْ ضوء الله لك يا أمير المؤمنين عما عمي عَنْه أبصارنا فقلت والذي فلق الحبّة وبرأ النسمة لترونه كَمَا أراه ولتسمعنّ كلامه كَمَا أسمع فما لبث أنْ طلع شيخ عظيم الهامة مديد القامة لَهُ عينان بالطول. فَقَالَ: السَّلامُ عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقلت مَنْ أين أقبلت يا لعين؟ قَالَ: مِنْ الأنام... لما هبطت بخطيئتي إلى السماء الرابعة ناديت إلهي وسيدي ما أحسبك خلقت خلقاً هُوَ أشقى مني؟ فأوحى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، بلى قَدْ خلقت مَنْ هُوَ أشقى منك فانطلق إلى مالك يريكه فانطلقتُ إلى مالك فقلت: السَّلامُ يقرء عليك السَّلامُ ويقول أرني مَنْ هُوَ أشقى مني... فرأيت رجلين في أعناقهما سلاسل النيران معلقين بها الى فوق وعلى رؤوسهما قوم معم مقامع النيران يقمعونهما بها فقلت: يا مالك من هذان فَقَالَ: أوما قرأت عَلَى ساق العرش وَكُنْت قبل قَدْ قرأته قبل أنْ يخلق الله الدُّنْيَا بألفي عام لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله أيدته ونصرته بعليّ، فَقَالَ: هَذَان مِنْ أعداء أولئك أو ظالميهم (الوهم مِنْ صاحب الحديث)»(٥٠٥).
٨ - قَالَ الإمام علي (عليه السلام): «قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رأيت فِي النار صاحب العباءة الَّتِي قَدْ غلها ورأيت فِي النار صاحب المحجن الذي كَانَ يسوق الحاج بمحجنة ورأيت فِي النار صاحبة الهرة تنهشها مقبلة ومدبرة كانت أوثقتها وَلَمْ تكن تطعمها وَلَمْ ترسلها تأكل مِنْ حشاش الأرض، ودخلت الجنّة فرأيت صاحب الكلب أرواه مِنْ الماء»(٥٠٦).
٩ - الخصال بسنده عَنْ مُحمَّد بن مسلم، قَالَ: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «لقد خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) فِي الأرض منذ خلقها سبعة عالمين لَيْسَ هُمْ مِنْ ولد آدم خلقهم مِنْ أديم الأرض فأسكنهم فيها واحداً بَعْدَ واحد مَعَ عالمه، ثمَّ خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) آدم أبا هَذَا البشر وخلق ذريته مِنْهُ، ولا والله ما خلت الجنّة مِنْ أرواح المؤمنين منذ خلقها ولا خلت النار مِنْ أرواح الكفّار والعصاة منذ خلقها (عَزَّ وجَلَّ)، لعلكم ترون أنَّهُ كَانَ يَوُم قيامة وصيّر الله أبدان أهل الجنّة مَعَ أرواحهم فِي الجنة، وصيّر أبدان أهل النار مَعَ أرواحهم فِي النار، إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) لا يعبد فِي بلاده ولا يخلق خلقاً يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه؟
بلى والله ليخلقن الله خلقاً مِنْ غَيْر فحولة ولا إناث يعبدونه ويوحدونه ويعظمونه ويخلق لهم أرضاً تحملهم وسماء تظلّهم أليس الله (عَزَّ وجَلَّ) يقول ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ وَقَالَ ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيد﴾ لا يكون فِي السماوات والأرض شيء ألا بسبعة»(٥٠٧).
ومفاد الحديث:
١ - أن أرواح أهل الجنة كائنة في الجنة قبل يوم القيامة، كما أن أرواح أهل النار كائنة في النار قبل يوم القيامة، وإنما الذي يحصل في يوم القيامة هو إلحاق أبدان أهل الجنة بأرواحهم الكائنة في الجنة، وإلحاق أبدان أهل النار بأرواحهم.
٢ - أن أرواح السعداء وأهل الطاعة حيث خلقت من طينة الجنان على اختلاف طبقاتها، فهي كائنة ومستقرة في الجنان وإن تنزلت في الأبدان بمعنى ان لها نحو ونمط ارتباط وتأثير في البدن.
وكذلك الحال بالنسبة الى أرواح الكفار أهل العصيان.
١٠ - روى الصدوق بسنده عَنْ المفضل بن عمر، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام فجعل أعلاها وأشرفها أرواح مُحمَّد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم صلوات الله عَلَيْهِم فعرضها عَلَى السماوات والأرض والجبال فغشيها نورهم» ثمَّ ذكر (عليه السلام) قوله جَلَّ جَلالَهُ الى آدم وحواء: - «فلما أسكن الله (عزَّ وجلَّ) آدم وزوجته الجنة قال لهما: كلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة يعني شجرة الحنطة فتكونا من الظالمين، فنظرا الى منزلة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين والأئمة بعدهم فوجداها أشرف منازل أهل الجنة فقالا يا ربنا لمن هذه المنزلة... لولاهم ما خلقتكما، هؤلاء خزنة علمي وأمنائي عَلَى سري إياكما أنْ تنظرا إليهم بعين الحسد وتتمنيا منزلتهم عندي، ومحلهم مِنْ كرامتي فتدخلا بذلك فِي نهيي وعصياني فتكونا مِنْ الظالمين! قالا: ربنا وَمنْ الظالمون؟ قَالَ: المدعون لمنزلتهم بغير حق. قالا: ربنا فأرنا منازل ظالميهم فِي نارك حَتّى نراها كَمَا رأينا منزلتهم فِي جنتك فأمر الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى النار فأبرزت جميع ما فيها مِنْ ألوان النكال والعذاب، وَقَالَ (عَزَّ وجَلَّ) مكان الظالمين لهم المدّعين لمنزلتهم فِي أسفل درك منها كُلّما أرادوا أنْ يخرجوا منها أُعيدوا فيها، وَكُلّما نضجت جلودهم بدّلوا سواها ليذوقوا العذاب... الحديث»(٥٠٨).
والإشارة في قوله تعالى: هؤلاء خزنة علمي... إشارة الى أرواحهم وأنوارهم الحية الشاعرة لا الى مجرد أسماء منقوشة كخطوط وإلا لكان التعبير بلفظ هذه بدل هؤلاء. ومن ثم يظهر كون منازلهم في الجنة ومنازل أعدائهم في النار عبارة عن رؤية أرواح الفريقين.
١١ - الخصال: بسنده عَنْ جابر قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مكتوب عَلَى باب الجنّة لا إله إلَّا الله مُحمَّد رسول الله عليّ أخو رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل أنْ يخلق الله السماوات والأرض بألفي عام(٥٠٩).
ولا يخفى ان هذه الكتابة مزامنة لخلقة الأرواح التي هي أيضاً قبل ألفي عام.
١٢ - روى فِي شرح الأخبار بسنده الى عبد الحميد بن سعيد، قَالَ سمعني أبو عبد الله (عليه السلام) وأنا أَقُوُل أسأل الله الجنّة، فَقَالَ لي يا أبا مُحمَّد أَنْتَ والله فِي الجنّة (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فاسأل الله أنْ لا يخرجك منها، قلت وكيف ذَلِكَ جعلت فداك، فَقَالَ: «مَنْ كَانَ فِي ولايتنا فَهُوَ فِي الجنّة»(٥١٠).
ومفاده منطبق على ما تقدم من الأحاديث من استقرار كينونة أرواح المؤمنين في الجنة قبل يوم القيامة. وأنه بالإمكان خروج بعضها عن الجنة مما كان إيمانها مستودع لا مستقر، وكذلك العكس بالنسبة الى أرواح الكفار.
١٣ - روى الطوسي في أماليه بسنده عن اسحاق بن إسماعيل النيسابوري قال: حدثنا الحسن بن علي (عليه السلام) - في حديث - سَمِعْتُ جَدِّي رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: خُلِقْتُ مِنْ نُورِ اللهِ (عَزَّ وجَلَّ)، وَخُلِقَ أَهْلُ بَيْتِي مِنْ نُورِي، وَخُلِقَ مُحِبُّوهُمْ مِنْ نُورِهِمْ، وَسَائِرُ الْخَلْقِ فِي النَّارِ(٥١١).(٥١٢) 
وظاهر مفاد الحديث كينونة سائر المخالفين في النار ثمة، فيتطابق مع مفاد ما تقدم من الأحاديث.
١٤ - روى الصدوق بسنده عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): مَنْ رَزَقَهُ اللهُ حُبَّ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي فَقَدْ أَصَابَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَا يَشُكَّنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ فِي الْجَنَّةِ فَإِنَّ فِي حُبِّ أَهْلِ بَيْتِي عشرون [عِشْرِينَ] خَصْلَةً عَشْرٌ مِنْهَا فِي الدُّنْيَا وَعَشْرٌ مِنْهَا فِي الْآخِرَةِ أَمَّا الَّتِي فِي الدُّنْيَا فَالزُّهْدُ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعَمَلِ وَالْوَرَعُ فِي الدِّينِ وَالرَّغْبَةُ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّوْبَةُ قَبْلَ الْمَوْتِ وَالنَّشَاطُ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَالْيَأْسُ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَالْحِفْظُ لِأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ (عَزَّ وجَلَّ) وَالتَّاسِعَةُ بُغْضُ الدُّنْيَا وَالْعَاشِرَةُ السَّخَاءُ وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآخِرَةِ فَلَا يُنْشَرُ لَهُ دِيوَانٌ وَلَا يُنْصَبُ لَهُ مِيزَانٌ وَيُعْطَى كِتابَهُ بِيَمِينِهِ وَيُكْتَبُ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَيَبْيَضُّ وَجْهُهُ وَيُكْسَى مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ وَيَشْفَعُ فِي مِائَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَيَنْظُرُ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) إِلَيْهِ بِالرَّحْمَةِ وَيُتَوَّجُ مِنْ تِيجَانِ الْجَنَّةِ وَالْعَاشِرَةُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ فَطُوبَى لِمُحِبِّي أَهْلِ بَيْتِي.(٥١٣) 
١٥ - وفي التفسير المروي عن العسكري (عليه السلام)؛ خطبة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في اول يوم من شعبان:... - حول ثواب الطاعات فيه وجزاء المعاصي فيه:
إِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) إِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ أَمَرَ بِأَبْوَابِ الْجَنَّةِ فَتُفَتَّحُ، وَيَأْمُرُ شَجَرَةَ طُوبَى فَتُطْلِعُ أَغْصَانَهَا عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا، [ثُمَّ يَأْمُرُ بِأَبْوَابِ النَّارِ فَتُفَتَّحُ، وَيَأْمُرُ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ فَتُطْلِعُ أَغْصَانَهَا عَلَى هَذِهِ الدُّنْيَا] ثُمَّ يُنَادِي مُنَادِي رَبِّنَا (عَزَّ وجَلَّ): يَا عِبَادَ اللهِ هَذِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ طُوبَى، فَتَمَسَّكُوا بِهَا، تَرْفَعْكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَهَذِهِ أَغْصَانُ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهَا، لَا تُؤَدِّيكُمْ (٥١٤) إِلَى الْجَحِيمِ. قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): فَوَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً - إِنَّ مَنْ تَعَاطَى بَاباً مِنَ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ شَجَرَةِ طُوبَى، فَهُوَ مُؤَدِّيهِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ تَعَاطَى بَاباً مِنَ الشَّرِّ فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ، فَهُوَ مُؤَدِّيهِ إِلَى النَّارِ.(٥١٥)...
وَمَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ عَاقّاً لَهُمَا، فَلَمْ يُرْضِهِمَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَ[هُوَ] يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ - فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ. وَكَذَا مَنْ فَعَلَ شَيْئاً مِنْ سَائِرِ أَبْوَابِ الشَّرِّ، فَقَدْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْهُ.
وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً، إِنَّ المُتَعَلِّقِينَ بِأَغْصَانِ شَجَرَةِ طُوبَى - تَرْفَعُهُمْ تِلْكَ الْأَغْصَانُ إِلَى الْجَنَّةِ [وَإِنَّ الْمُتَعَلِّقِينَ بِأَغْصَانِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ تَخْفِضُهُمْ تِلْكَ الْأَغْصَانُ إِلَى الْجَحِيمِ].
ثُمَّ رَفَعَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ مَلِيّاً، وَجَعَلَ (٥١٦) يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ - ثُمَّ خَفَضَ طَرْفَهُ إِلَى الْأَرْضِ، فَجَعَلَ يَقْطِبُ وَيَعْبِسُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ:
وَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً، لَقَدْ رَأَيْتُ شَجَرَةَ طُوبَى تَرْتَفِعُ [أَغْصَانُهَا] وَتَرْفَعُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهَا إِلَى الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ مِنْهَا بِغُصْنٍ - وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ مِنْهَا بِغُصْنَيْنِ أَوْ بِأَغْصَانٍ - عَلَى حَسَبِ اشْتِمَالِهِمْ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَإِنِّي لَأَرَى زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ قَدْ تَعَلَّقَ بِعَامَّةِ أَغْصَانِهَا فَهِيَ تَرْفَعُهُ إِلَى أَعْلَى عَالِيهَا، فَلِذَلِكَ ضَحِكْتُ وَاسْتَبْشَرْتُ ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى الْأَرْضِ، فَوَ الَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً، لَقَدْ رَأَيْتُ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ تَنْخَفِضُ أَغْصَانُهَا - وَتَخْفِضُ الْمُتَعَلِّقِينَ بِهَا إِلَى الْجَحِيمِ، وَرَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ، وَرَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ تَعَلَّقَ مِنْهَا بِغُصْنَيْنِ، أَوْ بِأَغْصَانٍ، عَلَى حَسَبَ اشْتِمَالِهِمْ عَلَى الْقَبَائِحِ، وَإِنِّي لَأَرَى بَعْضَ الْمُنَافِقِينَ قَدْ تَعَلَّقَ بِعَامَّةِ أَغْصَانِهَا، وَهِيَ تَخْفِضُهُ إِلَى أَسْفَلِ دَرَكَاتِهَا فَلِذَلِكَ عَبَسْتُ وَقَطَبْتُ (٥١٧).
قَالَ: ثُمَّ أَعَادَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ - يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَلِيّاً وَهُوَ يَضْحَكُ وَيَسْتَبْشِرُ، ثُمَّ خَفَضَ طَرْفَهُ إِلَى الْأَرْضِ وَهُوَ يَقْطِبُ وَيَعْبِسُ.
... قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً - لَقَدْ رَأَيْتُ تِلْكَ الْأَغْصَانَ مِنْ شَجَرَةِ طُوبَى عَادَتْ إِلَى الْجَنَّةِ، فَنَادَى مُنَادِي رَبِّنَا (عَزَّ وجَلَّ) خُزَّانَهَا: يَا مَلَائِكَتِي! انْظُرُوا كُلَّ مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ طُوبَى - فِي هَذَا الْيَوْمِ، فَانْظُرُوا إِلَى مِقْدَارِ مُنْتَهَى ظِلِّ ذَلِكَ الْغُصْنِ، فَأَعْطُوهُ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ - مِثْلَ مَسَاحَتِهِ قُصُوراً وَدُوراً وَخَيْرَاتٍ. فَأُعْطُوا ذَلِكَ:... فَلِذَلِكَ ضَحِكْتُ وَاسْتَبْشَرْتُ.
وَلَقَدْ رَأَيْتُ تِلْكَ الْأَغْصَانَ مِنْ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ عَادَتْ إِلَى جَهَنَّمَ، فَنَادَى مُنَادِي رَبِّنَا خُزَّانَهَا: يَا مَلَائِكَتِي - انْظُرُوا مَنْ تَعَلَّقَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِ شَجَرَةِ الزَّقُّومِ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَانْظُرُوا إِلَى مُنْتَهَى مَبْلَغِ حَدِّ(٥١٨) ذَلِكَ الْغُصْنِ وَظُلْمَتِهِ، فَابْنُوا لَهُ مَقَاعِدَ مِنَ النَّارِ مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ، مِثْلَ مَسَاحَتِهِ قُصُورَ النِّيرَانِ، وَبِقَاعَ غِيرَانٍ،(٥١٩) وَحَيَّاتٍ، وَعَقَارِبَ، وَسَلَاسِلَ وَأَغْلَالٍ، وَقُيُودٍ، وَأَنْكَالٍ يُعَذَّبُ بِهَا... وَلَقَدْ رَأَيْتُ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ أَلْفَ ضِعْفِ - مَا أُعْطِيَ جَمِيعَهُمْ عَلَى قَدْرِ زِيَادَةِ كُفْرِهِ وَشَرِّهِ، فَلِذَلِكَ قَطَبْتُ وَعَبَسْتُ.
ثُمَّ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِلَى أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَأَكْنَافِهَا، فَجَعَلَ يَتَعَجَّبُ تَارَةً، وَيَنْزَعِجُ تَارَةً، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: طُوبَى لِلْمُطِيعِينَ كَيْفَ يُكْرِمُهُمُ اللهُ بِمَلَائِكَتِهِ، وَالْوَيْلُ لِلْفَاسِقِينَ كَيْفَ يَخْذُلُهُمُ اللهُ، وَيَكِلُهُمْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ.
وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ نَبِيّاً - إِنِّي لَأَرَى الْمُتَعَلِّقِينَ بِأَغْصَانِ شَجَرَةِ طُوبَى كَيْفَ قَصَدَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ لِيُغْوُوهُمْ، فَحَمَلَتْ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ يَقْتُلُونَهُمْ - وَيُثْخِنُونَهُمْ (٥٢٠) وَيَطْرُدُونَهُمْ عَنْهُمْ، فَنَادَاهُمْ مُنَادِي رَبِّنَا: يَا مَلَائِكَتِي - أَلَا فَانْظُرُوا كُلَّ مَلَكٍ فِي الْأَرْضِ - إِلَى مُنْتَهَى مَبْلَغِ نَسِيمِ هَذَا الْغُصْنِ - الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ مُتَعَلِّقٌ - فَقَاتِلُوا(٥٢١) الشَّيَاطِينَ عَنْ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ وَأَخِّرُوهُمْ عَنْهُ، فَإِنِّي لَأَرَى بَعْضَهُمْ، وَقَدْ جَاءَهُ مِنَ الْأَمْلَاكِ مَنْ يَنْصُرُهُ عَلَى الشَّيَاطِينِ وَيَدْفَعُ عَنْهُ الْمَرَدَةَ.(٥٢٢) 
ومفاد الخطبة الشريفة ان التعلق بشجرة طوبى في الجنة يحصل بالفعل عند الإيمان والعمل في دار الدنيا، وكذلك العكس بالنسبة الى شجرة الزقوم في النار والكفر وأعمال المعاصي. وأن هذا التعلق للنفوس بكل من الشجرتين الأخرويتين نمط من الكينونة الأخروية لها.
١٦ - العيّاشي عَنْ أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هبط إلى الأرض فِي ظلل مِنْ الملائكة عَلَى آدم وَهُوَ بوادٍ يُقَال لَهُ: الروحاء وَهُوَ وادٍ بين الطائف ومكّة، قَالَ: فمسح على ظهر آدم ثمَّ صرخ بذريته وَهُمْ ذر، قَالَ: فخرجوا كَمَا يخرج النحل مِنْ كورها فاجتمعوا عَلَى شفير الوادي، فَقَالَ الله لآدم: انظر ماذا ترى؟.
فَقَالَ آدم: أرى ذرّاً كثيراً عَلَى شفير الوادي، فَقَالَ الله: يا آدم هؤلاء ذريّتك أخرجتهم مِنْ ظهرك لآخذ عَلَيْهِم الميثاق لي بالربوبية ولمحمد بالنبوة، كَمَا أخذت عَلَيْهِم فِي السماء، قَالَ آدم: يا رب كيف وسعتهم ظهري؟ قَالَ الله: يا آدم بلطف صنعي ونافذ قدرتي، قَالَ آدم: يا رب فما تريد منهم فِي الميثاق؟ قَالَ الله: أنْ لا يشركوا بي شيئاً.(٥٢٣)
ومفاده كينونة للأرواح في السماء وأخذ عليهم الميثاق ثمة قبل ولوجهم في صلب آدم (عليه السلام).
كلام الشَّيْخ الطوسي:
فِي آية: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا...﴾(٥٢٤).
وقوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾(٥٢٥) مِنْ آبائنا.
وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أنَّها مخصوصة فِي قوم مِنْ بني آدم وَأنَّها ليست فِي جميعهم، لِأنَّ جميع بني آدم لَمْ يؤخذوا مِنْ ظهور بني آدم لِأنَّ ولد آدم لصلبه لا يجوز أنْ يُقَال: أنهم أخذوا مِنْ ظهور بني آدم، فَقَدْ خرج ولد آدم لصلبه مِنْ ذَلِكَ وخرج أيضاً أولاد المؤمنين مِنْ ولد آدم الَّذِيْنَ لَمْ يكن آباؤهم مشركين؛ لِأنَّه بيّن أنَّ هؤلاء الَّذِيْنَ أقرّوا بمعرفة الله وأخذ ميثاقهم بذلك، كَانَ قَدْ سلف لهم فِي الشرك آباء. فصحّ بذلك أنَّهم قوم مخصوصون مِنْ أولاد آدم.
فَأمَّا ما روي أنَّ الله تَعَالَى أخرج ذريّة آدم مِنْ ظهره وأشهدهم عَلَى أنفسهم وَهُمْ كالذَّر، فَإنَّ ذَلِكَ غَيْر جائز لِأنَّ الأطفال فضلاً عمن هُوَ كالذّر لا حجة عَلَيْهِم، ولا يحسن خطابهم بما يتعلّق بالتكليف، ثمَّ إنَّ الآية تَدُلُّ عَلَى خلاف ما قالوه.
لِأنَّ الله تَعَالَى قَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ وَقَالَ ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ وَلَمْ يقل مِنْ ظهره.
وَقَالَ: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وَلَمْ يقل ذريته، ثمَّ قَالَ: ﴿أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُون﴾(٥٢٦).
فأخبر أنَّ هَذِهِ الذَّرية قَدْ كَانَ قبلهم آباء مبطلون وكانوا هُمْ بعدهم.
عَلَى أنَّ راوي هَذَا الخبر سليمان بن بشّار الجهني، وَقِيلَ مسلم بن بشّار عَنْ عمر بن الخطاب، وَقَالَ يحيى بن معين: سليمان هَذَا لا يدري أين هُوَ. وأيضاً فتعليل الآية يفسد ما قالوه؛ لأنه قَالَ: فعلت هَذَا لئلا يقولوا يَوُم القيامة إنّا كُنّا عَنْ هَذَا غافلين والعُقلاء اليوم فِي دار الدُّنْيَا عَنْ ذَلِكَ غافلون، فإنْ قِيلَ نسوا ذَلِكَ لطول العهد أو لِأنَّ الزمان كَانَ قصيراً كَمَا يعلم الواحد منّا أشياء كثيرة ضرورة ثمَّ ينساها كَمَا ينسى ما فعله فِي أمسه وما مضى مِنْ عمره.
قلنا إنَّما يجوز أنْ ينسى ما لا يتكرّر العلم به ولا يشتدّ الاهتمام به، فَأمَّا الأُمُور العظيمة الخارقة للعادة، فلا يجوز أنْ ينساها العاقل، ألا ترى أنَّ الواحد منّا لو دخل بلاد الزنج ورأى الأفيلة ولو يوماً واحداً مِنْ الدهر لا يجوز أنْ ينسى ذَلِكَ حَتّى لا يذكره أصلاً مِنْ شدّة اجتهاده واستذكاره؟ ولو جاز أنْ ينساه واحد لما جاز أنْ ينساه الخلق بأجمعهم.
ولو جوّزنا ذَلِكَ للزمنا مذهب التناسخ، وأنَّ الله كَانَ قَدْ كلّف الخلق فيما مضى وأعادهم، إمَّا لينعّمهم أو ليعاقبهم، ونسوا ذَلِكَ. وَذَلِكَ يؤدي إلى التجاهل، عَلَى أنَّ أهل الآخرة يذكرون ما كَانَ منهم مِنْ أحوال الدُّنْيَا، وَلَمْ يجب أنْ ينسوا ذَلِكَ لطول العهد، ولا المدّة الَّتِي مرّت عَلَيْهِم وَهُمْ أموات، وكذلك أصحب الكهف لَمْ ينسوا ما كانوا فيه قبل نومهم لما انتبهوا مَعَ طول المدة فِي حال نومهم، فعلمنا أنَّ هؤلاء العقلاء لما كَانَوا شاهدوا ذَلِكَ وحضروه وَهُمْ عقلاء لما جاز أنْ يذهب عنهم معرفة ذَلِكَ لطول العهد، ولوجب أنْ يكونوا كَذَلِكَ عارفين.
وَقَالَ قوم وَهُوَ المروي فِي أخبارنا أنَّهُ لا يمنع أنْ يكون ذَلِكَ مختصّاً بقوم خلقهم الله وأشهدهم عَلَى أنفسهم بَعْدَ أنْ أكمل عقولهم وأجابوه ب[بلى]، وَهُمْ اليوم يذكرونه ولا يغفلون عنه، ولا يكون ذَلِكَ عاماً فِي جميع العقلاء، وَهَذَا وجه أيضاً قريب يحتمله الكلام(٥٢٧).
أَقُوُل: أشار السِّيّد المرتضى إلى هَذَا الاحتمال فِي أماليه(٥٢٨) مِنْ قبل، وأشار إليه ابن شهرآشوب مِنْ بَعْدَ، وستأتي الملاحظات عَلَى الكلامين ونظيره كلام ابن شهرآشوب فِي متشابه القرآن ومختلفه.
كلام بن شهرآشوب:
﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ﴾ الآية تعلّقت الحشوية بذلك وألحقوا به الخبر «الأرواح جنود مُجنّدة» فقولهم باطل لِإنَّهُ قَالَ مِنْ بني آدم وَلَمْ يقل مِنْ آدم، وَقَالَ ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ وَلَمْ يقل مِنْ ظهره، وَقَالَ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ وَلَمْ يقل ذريته، وَأيّ ظهر يحتمل هَذِهِ الذرية وَأيّ فضاء يتسع ولفظ الذريّة إنَّما يقع عَلَى المولود، ولا يكون فِي الصلب ذريّة، ويوجب أنْ يكون المأخوذ منهم ذرية آدم لصلبه ولا يدخل أبناء الأبناء وَمنْ بعد؛ لِأنَّ الذريّة إنَّما تطلق عَلَى ولد الصلب وما عداه مجاز، يعرف ذَلِكَ بدليل آخر دون ظاهر اللفظ ومعلوم أنَّ الولد يخلق مِنْ المني، وَإنَّما يحدث مِنْ الإنسان حالاً بَعْدَ حال ويستحيل مِنْ الأطعمة، وكيف يجتمع فِي صلب واحد ما يكون مِنْ عقبه إلى يَوُم القيامة مِنْ المني، والأشهاد إنَّما يصحّ ممن يعقل ويكون الجواز عنه مستحيلاً، والله تَعَالَى رفع القلم عَنْ الصبي حَتّى يبلغ وَلَمْ يلزمه معرفته، والذّريّة المستخرجة مِنْ ظهر آدم إذَا خوطبت وقرّرت لابُدَّ أنْ يكون كاملة العقول مستوفية التكليف؛ لِأنَّ ما لَمْ يكن كَذَلِكَ يقبح خطابهم وتقريرهم وإشهادهم وإنْ كانوا بصفة كمال العقل وجب أنْ يذكرها ولا يعد إنشاؤهم أو كمال عقولهم تلك الحال، فَإنَّ الله تَعَالَى أخبرنا بأنه إنَّما أقررهم وأشهدهم لئلا يدعوا يَوُم القيامة الغفلة عَنْ ذَلِكَ أو يعتذروا بشرك آبائهم وأنهم نشأوا بين أيديهم، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى اختصاص ببعض ذريّة ولد آدم، وَهُوَ الصحيح فَإنَّهُ خلقهم وبلغهم عَلَى لسان رسله معرفته وما يجب مِنْ طاعته، فأقرّوا بذلك لئلا يقولوا إنّا كُنّا عَنْ هَذَا غافلين وإنَّ الله تَعَالَى لما خلقهم وركبهم تركيباً يَدُلّ عَلَى معرفته ويشهد بقدرته ووجوب عبادته وأراهم العبر والآيات والدلائل فِي غيرهم وفي أنفسهم كَانَ بمنزلة المشهد لهم عَلَى أنفسهم وإنْ لَمْ يكن هُنَاك إشهاد ولا اعتراف عَلَى الحقيقة ويجري ذَلِكَ مجرى قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا﴾(٥٢٩).
الجواب عمّا ذكراه أُمُور:
الأوَّل: إشكاله فِي تصوير خروج كُلّ بني آدم في فضاء واحد واستصعابه لتصوير الظهر الحامل لِكُلِّ هَذِهِ الذّرية أو الظهور ولا سيما أنَّ الذرية حسبما بنى عَلَيْهِ يطلق عَلَى الولد الصلب، وكيف يجتمع فِي صلب واحد جميع البشر إلى يَوُم القيامة؟
هَذَا الإشكال والاستبعاد وذكرنا جوابه بعدة وجوه: منها ما توصّلت إليه العلوم الحديثة فِي الهندسة الوراثية، مِنْ تقرر وجود جميع بني آدم بصورة خلايا حيوانية مجهرية فِي صلب آدم أبي البشر فَإنَّ التركيبة الجينية والوراثية وهندسة كُلّ فرد موجودة ومتقرّرة فِي تلك الخلية الحيوانية المجهرية، حَتّى أنّهم يقرر فِي تلك الخلية لون وطول وعمر الإنسان وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ صفاته وشؤونه، وإنْ كَانَ علم الهندسة الوراثية لَمْ يتوصّل إلى الكشف التفصيلي عَنْ كُلّ ذَلِكَ ولكن هُنَاك دلائل عَلَى وجود كُلّ ذَلِكَ فِي تلك الخلية، ومنها أنَّ عالم الذَّر يطلق عَلَى جملة مِنْ عوالم الأظلّة والأشباح فِي الطبقات النازلة منها، ولا ينحصر إطلاقه على الكينونة في عالم الأصلاب.
الثَّانِي: إشكاله بأنَّ الأشهاد يصحّ ممن يعقل ويكون مُكلفاً والحال أنَّ الإنسان قبل بلوغه لَيْسَ مُكلّفاً فكيف يكون مُكلّفاً فِي الذَّر وَهُوَ قبل بلوغه لَمْ يكمل عقله، فكيف يكون وَهُوَ ذر كامل العقل ولوجب أنْ نتذكّر ما قَدْ حصل، فَقَدْ تَقَدَّمَ جوابه وأنَّ عدم التذكّر إنَّما بلحاظ التفاصيل والمشهد التفصيلي، وأمَّا بلحاظ الذكر الإجمالي المعبّر عنه بالعلم المركوز بالبديهيات، وَهِيَ معلومات مدمجة، فَهَذَا الذكر مِنْ المعرفة متوفِّر لدى الإنسان.
وأمَّا تخلل فترة الطفولة فِي البدن فغايته طرو حالة جديدة عَلَى الروح تنشد إليها وتذهل عَنْ تذكّر التفاصيل السابقة وَعَنْ تفعيل التذكّر الإجمالي الارتكازي نظير طرو حالة الشيخوخة والخرف عَلَى الإنسان إلى درجة القصور عَنْ الخطاب بالتكليف وإنْ كَانَ سابقاً مُكلّفاً ومُخاطباً.
وذكر الرّازي فِي تفسيره الكبير فِي ذيل آية الذَّر جملة إشكاليات المعتزلة عَلَى القول بعالم الذَّر وخلق الأرواح قبل الأجساد.
ضوابط متممة مفسرة وموضحة للقول بتقدم الأرواح عَلَى الأجساد:
الأولى: قَدْ توهّم جملة مِنْ المعتزلة وَمِنْ المتكلمين أنَّ عمدة الدَّليل عَلَى بطلان التناسخ هُوَ عدم تذكّر حصولنا فِي أجساد قبل هَذِهِ الأجساد، إذْ لو كَانَت أرواحنا حصلت قبل هَذِهِ الأجساد فِي أجساد أُخرى لوجب أنْ تتذكر ذَلِكَ وَحَيْثُ لا تتذكّر يستلزم ذَلِكَ بطلان التناسخ، وَهَذَا الدَّليل بنفسه يستلزم بطلان القول بخلق الأرواح قبل الأجساد فِي عالم الأظلّة والأرواح.
دفع التوهّم: إنَّ عمدة دليل بطلان التناسخ لَيْسَ ما زعموه مِنْ الدَّليل، بَلْ عمدة الدَّليل هُوَ تبدّل الهوية الشخصية الفردية مِنْ تشخّص بالفعل جوهري إلى تشخّص جوهري آخر بالفعل أيضاً في عرض الأوَّل، وَهَذَا محال كَمَا قرّر فِي المباحث العقلية إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الأدلّة الأُخرى العمدة فِي بطلان التناسخ، نظير تبدّل ما هُوَ بالفعل وجوداً إلى ما هُوَ بالقوة ونظير إنكار وجحود العالم الأخروي مِنْ عالم الجزاء والجنّة والنار وإبطال المداينة يَوُم الدِّين إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ المحذورات الأُخرى.
الثانية: استبعادهم اتّساع صلب آدم لجميع مَنْ يخلق الله مِنْ أولاده مِنْ ناحية الحجم والمقدار.
الدفع: - وَقَدْ عرفت وَهن هَذَا الاستبعاد والإشكال لاسيّما ما توصّل إليه العلم الحديث مِنْ الخلايا الحيوانية المجهرية الَّتِي لا ترى بالعين المسلحة المشتملة عَلَى جميع المواد الحيوانية الوراثية لِكُلِّ نسل آدم وأولاده، وَقَدْ مَرَّ أنَّ مثل هَذِهِ الاستبعادات والإشكالات ناشئة مِنْ الاعتماد عَلَى العلوم الطبيعية القديمة قبل تطوّرها واكتشافاتها الجديدة.
الثالثة: وأشكل المعتزلة عَلَى خلق الأرواح قبل الأجساد بأنَّ البنية شرط الحصول الحياة والعقل والفهم إذْ لو لَمْ يكن كَذَلِكَ لَمْ يبعد فِي كُلّ ذرّة مِنْ ذرات الهباء أنْ تكون عقلاً فاهماً مصنّفاً للتصانيف الكثيرة فِي العلوم الدقيقة، وفتح هَذَا الباب يقتضي التزام الجهالات، وإذا ثبتت أنَّ البنية شرط لحصول الحياة فَكُلّ واحد مِنْ تلك الذرّات لا يمكن أنْ يكون فاهماً عاقلاً إلَّا إذَا حصلت لَهُ قدرة مِنْ البنية والجثّة، وإذا كَانَ كَذَلِكَ فمجموع تلك الأشخاص الَّذِيْنَ خرجوا إلى الوجود مِنْ أوَّل تخليق آدم إلى آخر فناء الدُّنْيَا لا تحويهم عرصة الدُّنْيَا، فكيف يمكن أنْ يُقَال: أنَّهم بأسرهم حصلوا دفعة واحدة فِي صلب آدم.
الدفع: إنَّ القول بخلق الأرواح قبل الأجساد لَيْسَ هُوَ ما يوهمه هَذَا التعبير مِنْ خلق الذوات المجرّدة مِنْ دون مواد جسمانية، أيّ كثرة عرضية فِي العقول مِنْ دون كثرة وقوابل مادية بدنية، فَإنَّ هَذَا ممتنع كَمَا قرّر فِي البحوث العقلية وإنْ كَانَت كثرة المجرّدات طولياً متصورة مِنْ جهة السبب والأسباب الفاعلية كَمَا مَرَّ توضيحه.
إلَّا أنَّ المراد الحقيقي مِنْ هَذَا التعبير لَيْسَ ذَلِكَ كما مَرَّ بَلْ المراد هُوَ خلق الأرواح ذَاتَ الجسم الرقيق واللطيف، بَلْ وبطبقات متفاوتة مِنْ الأجسام اللطيفة قبل خلق الأجساد الكثيفة الغليظة فِي عالم الدُّنْيَا، فَلَيْسَ المراد خلق المجرّد مِنْ دون مادة بدنية أو جسمانية مطلقاً.
وَمِنْ ثمَّ تغاير التعبير فِي ألفاظ الوحي بين العقل والروح وبين النور والروح، حَيْثُ أنَّ كلا من العقل والنور غالباً يستعمل ويراد به الجوهر المجرّد عَنْ مطلق الجسم أو الجسم الأقل لطافة أي الأكثر كثافة، بينما الروح يراد به الجوهر المجرّد ذاتاً فِي بَعْض طبقات ذاته والمتعلق جوهرياً وآلياً بالبدن اللطيف الرقيق.
وَعَلَى أيّ تقدير فَهَذَا التوهّم قَدْ وقع فيه جملة كثيرة مِنْ الباحثين من الفريقين، ثمَّ إذَا تقرّر أنَّ المادة الجسمانية والأجسام الَّتِي تتعلّق بها الروح هِيَ طبقات عديدة كثيرة تختلف لطافة ورقّة وشفافية إلى درجة شديدة، بحيث يعد تلك الأجسام الشفّافة - بالقياس الى الجسم الغليظ - جواهر مجرّدة عَنْ الجسم توهماً لشدّة لطافتها وسرعة أفعالها كالخطف الدفعي، وكأنّما أفعال طبقات الجسم الشديدة اللطافة مِنْ قبيل كُنْ فيكون إبداعاً إذَا قِيست بأفعال الأجسام الغليظة البطيئة لإيجاد الأفعال بتدريج وتلكأ وثقل.
الاختيار قبل عالم الدُّنْيَا وبعدها:
الرابعة: وأشكل المعتزلة: هَذَا الميثاق إمَّا أنْ يكون أخذه الله منهم فِي ذَلِكَ الوقت ليصير حجّة عَلَيْهِم فِي ذَلِكَ الوقت أو عِنْدَ دخولهم عالم الدُّنْيَا، والأول باطل لانعقاد الإجماع عَلَى أنَّ سبب ذَلِكَ القدر مِنْ الميثاق لا يصيرون مستحقين للثواب والعقاب والمدح والذم، ولا يجوز أنْ يكون المطلوب مِنْهُ أنْ يصير ذَلِكَ حجّة عَلَيْهِم عِنْدَ دخولهم فِي دار الدُّنْيَا، لأنهم لَمْ يذكروا ذَلِكَ الميثاق فِي الدُّنْيَا فكيف يصير حجّة عَلَيْهِم فِي التمسّك بالإيمان.
وَقَالَ الكعبي: إنَّ حال أولئك الذريّة لا يكون أعلى فِي الفهم والعلم مِنْ حال الأطفال فلمّا لَمْ يكن توجيه التكليف عَلَى الطفل فكيف يمكن توجيهه عَلَى أولئك الذَّر؟
إنَّ أولئك الذَّر فِي ذَلِكَ الوقت إمَّا يكونوا كاملي العقول والقدر أو ما كانوا كَذَلِكَ، فإنْ كَانَ الأوَّل كانوا مكلفين لا محالة وَإنَّما يبقون مكلّفين إذَا عرفوا الله بالاستدلال، ولو كانوا كَذَلِكَ لما امتاز أحوالهم فِي ذَلِكَ الوقت عَنْ أحوالهم فِي هَذِهِ الحياة الدُّنْيَا، فلو افتقر التكليف فِي الدنيا إلى سبق ذَلِكَ الميثاق لافتقر التكليف فِي وقت ذَلِكَ الميثاق إلى سبق ميثاق آخر ولزم التسلسل وَهُوَ محال.
وأمَّا الثَّانِي وَهُوَ أنْ يُقَال: إنَّهُم فِي وقت ذَلِكَ الميثاق ما كانوا كاملي العقول ولا كاملي القدر فحينئذٍ يمتنع توجيه الخطاب والتكليف عَلَيْهِم.
الدفع: وَهَذِهِ الإشكالات برمّتها تؤول إلى:
١ - إلى جعل طبيعة الاختيار فِي عالم الدُّنْيَا هُوَ المقياس الحصري للاختيار، وَمِنْ ثمَّ التكليف وما يترتب عَلَيْهِ مِنْ استحقاق الثواب والعقاب، إلَّا أنَّهُ قَدْ أوضحنا فِي الباب الأوَّل والثاني مِنْ كتاب الرجعة أنَّ طبيعة الاختيار مِنْ القدرة والعلم تختلف فِي قوس الصعود مِنْ عالم البرزخ والقيامة والأخرة الأبدية عَنْ الاختيار فِي عالم الدُّنْيَا بفوارق وتفاوت فِي الأحكام التكوينية، بل إن الاختيار في عالم الدنيا يختلف من مرحلة زمنية من العمر والسن الى أخرى، فبدايات الطفولة ونهايات الشيخوخة تختلف عن الكهولة والفتوة والمراهقة.
٢ - إنَّ ما وَرَدَ عنهم (عليهم السلام) مِنْ أنَّ هَذَا الأوان الدنيوي عمل بلا حساب وغداً الأخروي حساب بلا عمل، لَيْسَ المراد مِنْهُ ظاهر انسباقا من هَذَا التعبير من حصر العمل الاختياري مطلقاً بدار الدُّنْيَا وحصر مطلق الحساب بدار الآخرة، فَإنَّ هَذَا توهّم يبطله شواهد عديدة قرآنية وروائية، بَلْ المراد عِدَّة وجوه ومعاني أخرى مِنْ هَذَا التعبير.
منها: وهو جعل بـ(لا حساب) أي حساب سريع وصفا للعمل في الجملة الأولى، وجعل بـ(لا عمل) أي لا عمل يمهل فيه العبد، فيكون حاصل المعنى الجامع هو ان العمل في الحياة الأولى من الدنيا يمهل فيه ولا يحاسب بدفعة وسرعة، وغدا مما يأتي من مراحل العوالم يحاسب فيها بمجرد العمل بلا مهلة وليس هناك عمل ذي مهلة حسابه، أي مهلة الحساب إنما هي في دار الدنيا وعدم المهلة ثَمّ في الدار الآخرة.
ومنها سعة الخيارات فِي الاختيار فِي دار الدنيا وضيقها فِي الدار الآخرة.
ومنها إمكان التوبة هُنَا وانقطاعها فِي طبقات الآخرة عَلَى سبع أو ست مراحل، وَهُوَ ما وَرَدَ مِنْ تكرر انقطاع التوبة في مواطن عديدة مستقبلية تستقبل مسير الإنسان أو يمر بها الإنسان إلى غَيْر ذَلِكَ مما يطول نقله، وَقَدْ بسّطناه فِي البابين السابقين فراجع.
٣ - كَذَلِكَ الحال فِي الطرف المقابل مِنْ عوالم قوس النزول فَإنَّهُ لا يراد مِنْ الاختيار والشعور والأفعال والتكليف ما هُوَ بنمط الاختيار والأفعال فِي عالم الدُّنْيَا؛ لِأنَّ الاختيار فِي عالم الدُّنْيَا كَمَا مَرَّ يَتِمُّ بآلية البدن الغليظ، وَهِيَ آلية بطيئة بتأخير تدريجي وإعداد ومعدّات وترويّ ورويّة إلى غَيْر ذَلِكَ، مما هُوَ مشروح في المباحث العقلية من نمط فعل النفس بآلية البدن.
وَهَذَا بخلاف أفعال النفس والروح بآلية الجسم المثالي الذي هُوَ عَلَى طبقات ودرجات في الشفافية، فَإنَّ الفِعْل فيه كالدفعي مِنْ جهة السرعة ولا يتوقّف عَلَى إعدادات ومعدّات عديدة كثيرة بطيئة تدريجية، بَلْ قَدْ تشتد السرعة فيه إلى درجة كأنّه كُنْ فيكون بالقياس إلى الأفعال بتوسط الجسم الدنيوي.
٤ - وَلَيْسَ هَذَا حال الإنسان قبل الدُّنْيَا فقط بحسب طبقات طينة الأجسام المختلفة، بَلْ هُوَ حال الإنسان أيضاً فِي دار الدُّنْيَا فِي الأفعال الَّتِي تقوم بها وتصدرها الروح بلا وساطة البدن الغليظ الدنيوي، كَمَا فِي فعل الخواطر والنيّات والميول الروحية والنفسانية كالحب والبغض والغضب والتخيّل والتفكير، إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ أفعال طبقات النفس والروح وَهِيَ متلبّسة بالجسم الدنيوي الغليظ إلَّا أنَّها تفعلها بواسطة الأبدان غَيْر المرئية مِنْ طبقات الأبدان والأرواح لذات الإنسان.
٥ - وَقَدْ توهّم الكثير مِنْ الباحثين فِي العلوم المختلفة أنَّ الحب والبغض النفسانيان ليسا اختياريين، وكذلك الحسد والخوف والحزن وغيرها مِنْ أفعال القوى النفسانية مما يرى الإنسان نفسه مضطراً فِي وجود هَذِهِ الأفعال والحالات فِي نفسه.
إلَّا أنَّهُ فِي الحقيقة أنَّ هَذِهِ الأفعال وليدة أفعال أُخرى ومقدمات بعيدة أو قريبة تراكمت واستلزمت وجود هَذِهِ الأفعال الحاضرة فِي النفس، فَهَذِهِ الأفعال اختيارية ولو بلحاظ المقدمات البعيدة، وَهَذَا نمط مِنْ الاختيار ودرجة مِنْ القدرة يختلف عَنْ نمط الاختيار والقدرة بتوسّط البدن الغليظ الدنيوي.
والحاصل أنَّ قوام الاختيار هو بوجود العلم والقدرة والقوة والشعور والإدراك، وَهَذَا حاصل فِي أفعال النفس والروح فِي قواها المختلفة وفي تلك الأفعال الَّتِي تصدرها النفس مباشرة لا بتوسّط البدن الغليظ، بَلْ توجدها بأبدان وآلية أجسام رقيقة أو لطيفة.
٦ - أمَّا الجزاء عَلَى صدور أفعال اختيارية فِي العوالم السابقة فَقَدْ دلّت الأدلّة الكثيرة عَلَى أنَّ الحظوظ الَّتِي يتلقاها الإنسان وعموم الناس فِي دار هذه الدُّنْيَا، وكذلك التوفيق فِي المقادير مما لا ترجع إلى اختيار الإنسان ههنا ولكنها نتائج أعماله في العوالم السابقة، ككونه مِنْ نسل معين وأبوين معينين أو زمان معيّن أو بيئة معيّنة اجتماعية، إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ ملابسات الظروف الَّتِي يمرّ بها وَالَّتِي تكون مؤثرة.
كُلّ ذَلِكَ هُوَ وليد إمَّا أفعاله واختياراته السابقة أو بسبب علم الله بما سيؤول حال الانسان مِنْ أفعاله واختياراته في دار الدُّنْيَا. و(أو) في هذه الضابطة ليست للترديد، بَلْ بمعنى المعيّة مثلما ورد مستفيضاً عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، أنَّ سبب كونه سيّد الأنبياء مَعَ أنَّهُ آخرهم بعثة هُوَ كونه أوَّل منْ أجاب دعوة الله بالإيمان فِي عالم الميثاق وعالم الذَّر.
فقد روى فِي الكافي بطريق حسن عَنْ صالح بن سهل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ بَعْض قريش قَالَ لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأيِّ شيء سبقت الأنبياء وَأَنْتَ بعثت آخرهم وخاتمهم؟ فَقَالَ: «إنِّي كُنْت أوَّل منْ آمن بربي وأول منْ أجاب، حَيْثُ أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم عَلَى أنفسهم ألست بربكم فَكُنْت أنا أوَّل نبي قَالَ: بلى فسبقتهم بالإقرار بالله (عَزَّ وجلَّ)»(٥٣٠).
وكذلك وَرَدَ فِي شأن أهل البيت (عليهم السلام)، كما روى في البحار عن كتاب رياض الجنان لفضل الله بن محمود الفارسي بإسناده الى جابر بن يزيد الجعفي عن ابي جعفر (عليه السلام) قال:... فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ إِخْرَاجَ ذُرِّيَّةِ آدَمَ (عليه السلام) لِأَخْذِ الْمِيثَاقِ سَلَكَ ذَلِكَ النُّورَ(٥٣١) فِيهِ ثُمَّ أَخْرَجَ ذُرِّيَّتَهُ مِنْ صُلْبِهِ يُلَبُّونَ فَسَبَّحْنَاهُ فَسَبَّحُوا بِتَسْبِيحِنَا وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَا دَرَوْا كَيْفَ يُسَبِّحُونَ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) ثُمَّ تَرَاءَى لَهُمْ بِأَخْذِ الْمِيثَاقِ مِنْهُمْ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَكُنَّا أَوَّلَ مَنْ قَالَ بَلى عِنْدَ قَوْلِهِ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ ثُمَّ أَخَذَ الْمِيثَاقَ مِنْهُمْ بِالنُّبُوَّةِ لِمُحَمَّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَلِعَلِيٍّ (عليه السلام) بِالْوَلَايَةِ فَأَقَرَّ مَنْ أَقَرَّ وَجَحَدَ مَنْ جَحَدَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه السلام) فَنَحْنُ أَوَّلُ خَلْقِ اللهِ وَأَوَّلُ خَلْقٍ عَبَدَ اللهَ وَسَبَّحَهُ وَنَحْنُ سَبَبُ خَلْقِ الْخَلْقِ وَسَبَبُ تَسْبِيحِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْآدَمِيِّينَ فَبِنَا عُرِفَ اللهُ وَبِنَا وُحِّدَ اللهُ وَبِنَا عُبِدَ اللهُ وَبِنَا أَكْرَمَ اللهُ مَنْ أَكْرَمَ مِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ وَبِنَا أَثَابَ مَنْ أَثَابَ وَبِنَا عَاقَبَ مَنْ عَاقَب (٥٣٢) الحديث.
وكذلك وَرَدَ فِي شأن المؤمنين، وكذلك وَرَدَ فِي شأن ذراري الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأنَّهم إنما شرفوا بِهَذَا الشرف، لأنَّهم نجحوا فِي امتحان فِي العوالم السابقة.
٧ - أمَّا قياس حال الأطفال فِي عدم التكليف مَعَ حال الذريّة في عالم الذَّر وعالم الميثاق ففي غَيْر محله، لما بيّناه مِنْ أنَّ هَذِهِ مرحلة طارئة لا تتناقض ولا تتدافع مَعَ وجود سبق مرحلة الإدراك والشعور الكاملين لدى الإنسان في تلك العوالم.
إذْ أنَّ مرحلة الطفولة كالشيخوخة والخرف الذي يصيب جملة مِنْ الناس حَتّى يعود الإنسان كالطفل لا يعي شيئاً، وهذا لا يتناقص مَعَ سبق قوة إدراك الإنسان، بَلْ مَرَّ بنا بيان أنَّ مثل حالة الشيخوخة والنكس فِي الخلقة لا تفقد الإنسان كَمَالاته العلمية بحسب باطن روح الإنسان، وكذلك الحال فِي الطفولة فَإنَّ ما اكتسبه فِي تلك العوالم يختزن فِي باطن وعقل روح الإنسان بمثابة معلومات مركوزة مدمجة جملية إجمالية، كَمَا هُوَ الحال فِي البديهات ولولا تلك العوالم لما استحصل الإنسان عَلَى البديهيات الَّتِي هِيَ أكبر رأس مال فِي المعرفة.
وروى فِي البصائر عَنْ عبد الرحمن بن كثير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي قول الله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ...﴾ الآية.
قَالَ: أخرج الله مِنْ ظهر آدم ذريّته إلى يَوُم القيامة فخرجوا إلى الذَّر فعرفهم نفسه ولولا ذَلِكَ لَمْ يعرف أحد ربه، ثمَّ قَالَ: ألست بربكم قالوا بلى وإنَّ هَذَا مُحمَّد رسولي وعلي أمير المؤمنين خليفتي وأميني(٥٣٣).
وفي هَذِهِ الرواية برهان عقلي قَدْ مرّت الإشارة إليه عَلَى وجود الأرواح فِي عالم الذَّر والميثاق.
الخامسة: وأشكلوا بقوله تَعَالَى: ﴿فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِق * خُلِقَ مِن مَّاء دَافِق﴾(٥٣٤) ولو كانت الذرّات عقلاء فاهمين كاملين لكانوا موجودين قبل هَذَا الماء الدَّافق ولا معنى للإنسان إلَّا ذَلِكَ الشيء، فحينئذٍ لا يكون الإنسان مخلوقاً مِنْ الماء الدَّافق ولا ابتداء خلق الإنسان مِنْ النطفة وَلَيْسَ خلقه مِنْ النطفة عَلَى سبيل الإعادة، عَلَى أنَّ الإنسان حال كونه نطفة وعلقة ومضغة لَيْسَ فاهما ولا عاقلا ولا قادرا.
 فَلابُدَّ أنْ يلتزم أنَّهُ حصل لَهُ الموت بَعْدَ حياته الحاصلة فِي الميثاق الأوَّل، لا سيّما إذَا قُلنا بتعدّد العوالم السابقة، فربما يلتزم بتعدد مرّات الموت، مع أن ابتداء خلق الإنسان هو طين الأرض والنطفة كما هو مفاد قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين﴾ وقوله تَعَالَى ﴿قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَه مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَه مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَه﴾ وقوله تَعَالَى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين﴾(٥٣٥).
الدفع:
١ - إنَّهُ لا ريب في مرور الإنسان بمراحل مِنْ الخلق والتخليق، كَمَا لعلَّه يُشير إليه قوله تَعَالَى ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا﴾(٥٣٦) وقوله تَعَالَى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ﴾(٥٣٧) هَذِهِ مراحل ومراتب لتعدّد الخلق ليست فِي عرض ورتبة واحدة، بَلْ فِي طول بعضها البعض طوراً مِنْ بَعْدَ طور.
٢ - لا ريب أنَّ خلق الأرواح قبل الأجسام الدنيوية الغليظة طوراً مِنْ الخلق يغاير البدن الغليظ كَمَا يغاير التركيب بينهما كنشأة أُخرى، كَمَا تُشير إليه الآيات فِي سورة المؤمنون ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِين ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِين ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِين﴾(٥٣٨) فتُشير الآيات إلى تعدد مراتب الخلقة كَمَا تُشير إلى أنَّ التركيب بين الروح والبدن خلقة أُخرى. وعلى ذلك فابتداء خلق الإنسان في عالم الدنيا - من طين وسلالة ماء مهين - ليس هو ابتداء خلقة الإنسان في العوالم كلها.
٣ - عَلَى ضوء ما تَقَدَّمَ لَيْسَ المُراد بخلق الأرواح قبل الأجساد الدنيوية الغليظة أنَّ خلقة التركيب بين الروح والبدن هِيَ عين خلقة الروح هوية ومرتبةً، بل هي متغايرة وهَذَا التغاير لا يعني أنَّ هَذِهِ الخلقة التركيبية مِنْ صورة الروح ومادة البدن كليهما حادثين عِنْدَ حدوث البدن، كَمَا أن التركيب منهما لا يباين الأجزاء ولا يزيد عَلَى تباين النوع مع جنسه وفصله ومادّته وصورته وليس كتباين الأنواع العرضية بعضها مَعَ البعض الآخر، ولا كَتباين الأجناس العرضية مَعَ بعضها البعض حَيْثُ تتباين فِي تمام هويتها وإنْ تجانست فِي أصل الجوهرية.
التغاير بين نفخ الروح وإنشاؤها:
٤ - قَدْ أشرنا فِي عنوان حقيقة الروح مِنْ هَذَا الفصل في مبحث نفخ الأرواح أنَّ الوصف القرآني - لعنوان نفخ الروح فِي ابتداء نشأ خلقة الإنسان الدنيوية - بعينه ذكر هَذَا العنوان فِي نفخ الروح فِي الجسد إحياءً بَعْدَ الممات، مَعَ أنَّ نفخ الروح فِي البدن مَرَّة أُخرى لا يعني أنَّ الروح لَمْ تكن موجودة قبل ذَلِكَ فِي عالم البرزخ، أو أنَّها أعدمت ثمَّ جدد إحداثها عِنْدَ البعث.
بَلْ إنَّ عنوان النفخ هُوَ بنفسه يقتضي تقرّر وجود المنفوخ قبل نفخه فِي البدن المنفوخ فيه، وَإنَّما النفخ حركة إيلاج وإدخال المنفوخ فِي المنفوخ فيه، وَمِنْ ثمة لَمْ يكن العنوان إنشاء الروح عِنْدَ خلقة البدن، بَلْ التعبير إنشاء المركب بنفخ الروح، كَمَا هُوَ مفاد قوله تَعَالَى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُون فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾(٥٣٩).
فهذا النفخ للروح عِنْدَ إنشاء الإنسان مركباً لا يعني بحال مِنْ الأحوال أنَّهُ إنشاء للروح عِنْدَ ذَلِكَ، بَلْ هُوَ نفخ للروح عِنْدَ خلق البدن فإسناد الخلق أُضيف إلى البدن حين ذَلِكَ.
٥ - عَلَى ضوء ما تَقَدَّمَ يتّضح المُراد مِنْ بدء خلق الإنسان مِنْ علقة أو مِنْ نطفة أو مِنْ طين هو بدء خلق المركب لا بدأ خلق الروح، فقوله تَعَالَى ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِين ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلاَلَةٍ مِّن مَّاء مَّهِين ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ﴾(٥٤٠)هو الابتداء بلحاظ المركب لا بلحاظ الروح ولعلّ الإشارة إليه فِي قوله تَعَالَى ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾.
حَيْثُ يشير - كما نبهت عليه الروايات - إلى تقرر شيئية الإنسان قبل تقرّر وصفه بأنه مذكور ففِي رواية العياشي عَنْ زرارة، قَالَ سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ قوله: لم يكن شيئا مذكورا. قال (عليه السلام): كَانَ شيئاً وَلَمْ يكن مذكوراً.(٥٤١) 
وتبيَّن مما مَرَّ أنَّ أصل الإنسان لا ينحصر بالطين وبالماء المهين والنطفة والعلقة، بَلْ إنَّ ذَلِكَ أحد بعديّ مركب الإنسان والبُعد الآخر فِي الإنسان روحه، ويتبيِّن أنَّ هَذَا المركب حادثٌ وإنْ لَمْ يستلزم حدوث الروح حين حدوثه، وبالتالي لَمْ يكن تزاوج بين الروح وَهَذَا البدن الغليظ لَمْ يكن قَدْ حصل مِنْ قبل.
فَلَمْ يتحقّق الموت بالانفصال بينهما قبل ذَلِكَ؛ إذْ الوصال والتركيب بينهما حادث لأوَّل مَرَّة فكيف يتصوّر للروح موت عن البدن الدنيوي قبل ذَلِكَ، كَمَا أنَّ الروح بولوجها في هذا البدن الغليظ لَمْ تنفصل عَنْ قوالبها البدنية السابقة كي يُقَال عَنْ تلك الأبدان أنَّها ماتت، كَمَا أنَّ الموت يسند إلى البدن بَعْدَ انفصال الروح عنه لا إلى الروح وَذَلِكَ أنَّ ولوج الروح فِي البدن يكسب البدن حياةٌ، وخروجها عنه يفقده تلك الحياة.
أنماط وأنواع شعور الروح:
كَمَا أنَّ عدم شعور النطفة والعلقة والمضغة كبدن يستعد لنفخ الروح فيه لا يعني ولا يستلزم عدم كون الروح شاعرة وعاقلة قبل ولوجها فِي البدن، غاية الأمر أنَّ شعور الروح وتعلّقها فِي الأبدان الشفيفة الشفافة واللطيفة كَمَا هو الحال فِي المنامات يختلف عَنْ شعور الروح بتوسّط آلية البدن.
وَقَالَ المجلسي الأوَّل فِي روضة المتقين: بَعْدَمَا نقل روايات كثيرة فِي كيفية خلق الأنبياء والأوصياء وأخبار الطينة الكثيرة المُتضمنة لخلق الأرواح قبل الأبدان، قَالَ: إلى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الأخبار المُتواترة الَّتِي ذكرها البرقي والصّفار والكليني (رض) وَهَذِهِ موافقة للآيات الَّتِي لا يمكن ردّها كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾(٥٤٢) وقوله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾(٥٤٣).
وتقدّمت غَيْر ذَلِكَ مِنْ الآيات، فذهب جماعة مِنْ المعتزلة لعنهم الله إلى ردّ الآيات والأخبار الكثيرة لمخالفتها لعقولهم الضعيفة الباطلة، ونفوا وجود المجردات والملائكة والجنّ وتقدّم الأرواح عَلَى الأبدان، بأنَّ ذَلِكَ مذهب أهل التناسخ ويستلزم وجود الشريك للباري جَلَّ جَلالَهُ فِي التجرّد وأوَّلوا الآيات والأخبار بتأويلات أقبح مِنْ الردّ، كَمَا أنَّ السفسطائية نفوا وجود شيء؛ لِإنَّهُ يستلزم الشريك وَأيّ نسبة بين الممكن والواجب حَتّى يستلزم المشابهة؟.
أمَّا ما تضمّنه الأخبار مِنْ الاختلاف فِي الطينة فيمكن أنْ يكون المُراد به العاقبة، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ كتابة السعادة والشقاوة؛ لِأنَّ الله تَعَالَى يعلم عواقبهم والعلم لَيْسَ بعلّة أو يُقَال: إنَّهُ لاشكَّ فِي اختلاف الأحوال والأمزجة فَمِنْ الناس مِنْ يكون فِي نهاية الفهم والفطنة، ومنهم فِي غاية الحماقة والغباوة، فيمكن أنْ يكون الشقيّ مخلوق عَلَى الشقاوة بأنْ يكون مائلاً إليها لكنَّ الله تَعَالَى أعطاه مِنْ العقل ما يعلم به الشقاوة والسعادة، وَمِنْ الاختيار ما به يمكنه اختيار السعادة، وبه يَتِمُّ حجته عَلَيْهِم.
وذكروا أنَّهُ لو كنّا مخلوقين قبل الأبدان لكان فِي بالنا وَلَمْ يتفطّنوا إنَّ الإنسان بسبب نوم لمحة ينسى أيام يقظته بالكلية ويتخيّل فِي حالة النوم أنَّهُ لا عالم إلَّا هَذَا العالم، فكيف لا يمكن النسيان مَعَ تعلّق مدّة مديدة بِهَذَا البدن مَعَ أنَّهُ روى فِي الأخبار المتواترة: إن أحاديثنا صعب مستصعب لا يتحمّله إلَّا ملك مقرّب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان.
رواه جابر وأبو بصير وأبو حمزة الثمالي ومسعدة بن صدقة وأبو الربيع الشامي وَمُحمَّد بن عبد الخالق وَمُحمَّد بن مسلم وأبان بن عثمان ومرازم وَمُحمَّد بن الفضيل وغيرهم مِنْ الأصحاب فِي أخبار كثيرة بعضها صحيحة وبعضها حسنة وموثّقة وقويّة.
ورواها الكليني والمصنف والصفّار والبرقي وغيرهم ولخوف الإطالة لَمْ نذكرها وذكرنا غيرها مِنْ الأخبار أنَّ حق الله عَلَى العباد أنْ لا يردّوا ما لَمْ يصل إليه عقولهم كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾(٥٤٤) نعم، لو كَانَ ظاهره ظاهر البطلان مثل آيات الوجه واليد وكونه عَلَى العرش، وكذا أخبار ذَلِكَ يجب تأويلها والأئمة (عليهم السلام) أوَّلوها لنا(٥٤٥).
أَقُوُل: وفي كلامه جملة مِنْ الفوائد:
الأولى: أن بَقيَّة الآيات الَّتِي أشار إليها هِيَ الَّتِي ذكرها فِي كلامه قبل العبارة المنقولة، وَالَّتِي وَرَدَتْ فِي ذيلها روايات خلق الأرواح قبل الأبدان مِنْ روايات الطينة، هي كقوله تَعَالَى: ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون كِتَابٌ مَّرْقُوم يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُون﴾(٥٤٦).
الثانية: إنَّ مِنْ شبه المعتزلة وغيرهم كجملة مِنْ الفلاسفة ممن أنكر تَقَدَّمَ خلق الأرواح عَلَى الأبدان بدعوى استلزام ذَلِكَ للتناسخ، وَهَذَا توهُّم باطل وسنتعرّض لَهُ مفصلاً.
الثالثة: أشار إلى أنَّ الأخبار الواردة فِي خلق الأرواح فِي العوالم السابقة وطبقاتها وطبقات الطينة هِيَ أخبار متواترة.
كلام نعمة الله الجزائري فِي الأظلة والأشباح:
قَالَ السِّيّد نعمة الله الجزائري فِي كتابه نور البراهين(٥٤٧):
إنَّ الأرواح لمّا خلقت قبل الأشباح وَوَرَدَ عَلَيْهَا قلم التكليف فِي عالم الأظلة وكانوا بين مطيع وعاصٍ، صارت كُلّ روح مِنْ الأرواح مستعدة لأنْ تركب مَعَ قالب يناسبها فِي الاستعداد والطاعة، فدخلت روح المؤمن في طينة مِنْ عليين، وروح الكافر فِي سبخة مِنْ سجين، وَأَنْتَ إذَا أحطت علماً بما ألقيناه إليك مِنْ هَذَا الكلام يسهل عليك الجواب عَنْ كثير مِنْ الشُبه والاعتراضات الواردة فيما يناسب هذَا المقام. ولا نقول أنَّ الشيطان لا مدخل لَهُ هُنَا، بَلْ هُوَ الذي حسّن لَهُ النتيجة الباطلة وزيّنها عنده، بخلاف ما إذَا كانت المقدمات حقاً كلها، فَإنَّهُ لا قدرة للشيطان عَلَى أنْ يخيل لَهُ ما يخالف العقل الصريح، وبالجملة فَمِنْ تدرّب للجهل واستعد لَهُ وقلد الأسلاف، فَهُوَ ولي الشيطان، يزيّن لَهُ النتائج، وَفيه دلالة عَلَى أنَّ معرفة الله تَعَالَى موهبية لا كسبية، والأخبار الواردة بهذا المضمون مستفيضة، وفي معناها الأحاديث الواردة مِنْ أنَّ الله تَعَالَى لا يعرف إلَّا به، كقوله (عليه السلام): «اعرفوا الله بالله»(٥٤٨) وكذلك ما روى مِنْ الأخبار مِنْ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) «كُلّ مولود يولد عَلَى الفطرة»(٥٤٩) فَإنَّ مجموع الروايات الواردة مِنْ هَذِهِ الأبواب ظاهرها أنَّ المعرفة موهبية ومركوزة في الطبائع والأخلاق، وَمِنْ عرف نفسه فَقَدْ عرف ربه، وَإلى هَذَا ذهب جماعة مِنْ المحدثين، فَلَمْ يوجبوا كسب المعرفة، بَلْ اكتفوا منها بما فطرهم الله عَلَيْهِ مِنْ التوحيد.
شرح ماهية الذَّر:
١ - العيّاشي عَنْ أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هبط إلى الأرض فِي ظلل مِنْ الملائكة عَلَى آدم وَهُوَ بوادٍ يُقَال لَهُ: الروحاء وَهُوَ وادٍ بين الطائف ومكّة، قَالَ: فمسح على ظهر آدم ثمَّ صرخ بذريته وَهُمْ ذر، قَالَ: فخرجوا كَمَا يخرج النحل مِنْ كورها فاجتمعوا عَلَى شفير الوادي، فَقَالَ الله لآدم: انظر ماذا ترى؟.
فَقَالَ آدم: أرى ذرّاً كثيراً عَلَى شفير الوادي، فَقَالَ الله: يا آدم هؤلاء ذريّتك أخرجتهم مِنْ ظهرك لآخذ عَلَيْهِم الميثاق لي بالربوبية ولمحمد بالنبوة، كَمَا أخذت عَلَيْهِم فِي السماء، قَالَ آدم: يا رب كيف وسعتهم ظهري؟ قَالَ الله: يا آدم بلطف صنعي ونافذ قدرتي، قَالَ آدم: يا رب فما تريد منهم فِي الميثاق؟ قَالَ الله: أنْ لا يشركوا بي شيئاً.
قَالَ آدم: فَمَنْ أطاعك منهم يا رب فما جزاءه؟ قَالَ: أسكنه جنتي، قَالَ آدم: فَمَنْ عصاك فما جزاؤه؟ قَالَ: أسكنه ناري، قَالَ آدم: لقد عدلت فيهم وليعصينّك أكثرهم إنْ لَمْ تعصمهم».(٥٥٠) 
عدد عالم الذَّر:
٢ - معتبرة عبد الله بن سنان عَنْ الصَّادِق (عليه السلام) فِي حديث حول حجر الكعبة، قَالَ: إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ خَلَقَ بَحْرَيْنِ بَحْراً عَذْباً وَبَحْراً أُجَاجاً فَخَلَقَ تُرْبَةَ آدَمَ مِنَ الْبَحْرِ الْعَذْبِ وَشَنَّ [سن] عَلَيْهَا مِنَ الْبَحْرِ الْأُجَاجِ ثُمَّ جَبَّلَ آدَمَ فَعَرَكَ عَرْكَ الْأَدِيمِ فَتَرَكَهُ مَا شَاءَ اللهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ أَقَامَهُ شَبَحاً فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ فَقَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى الْجَنَّةِ وَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ وَقَالَ هَؤُلَاءِ إِلَى النَّارِ فَأَنْطَقَ اللهُ تَعَالَى أَصْحَابَ الْيَمِينِ وَأَصْحَابَ الْيَسَارِ فَقَالَ أَهْلُ الْيَسَارِ يَا رَبِّ لِمَ خَلَقْتَ لَنَا النَّارَ وَلَمْ تُبَيِّنْ لَنَا وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا رَسُولًا فَقَالَ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) لَهُمْ ذَلِكَ لِعِلْمِي بِمَا أَنْتُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهِ وَإِنِّي سَأُبْلِيكُمْ فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى النَّارَ فَأُسْعِرَتْ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ تَقَحَّمُوا جَمِيعاً فِي النَّارِ فَإِنِّي أَجْعَلُهَا عَلَيْكُمْ بَرْداً وَسَلَاماً فَقَالُوا يَا رَبِّ إِنَّمَا سَأَلْنَاكَ لِأَيِّ شَيْءٍ جَعَلْتَهَا لَنَا هَرَباً مِنْهَا وَلَوْ أَمَرْتَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ مَا دَخَلُوا فَأَمَرَ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) النَّارَ فَأُسْعِرَتْ ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ تَقَحَّمُوا جَمِيعاً فِي النَّارِ فَتَقَحَّمُوا جَمِيعاً فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَسَلَاماً فَقَالَ لَهُمْ جَمِيعاً ﴿أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ قَالَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ ﴿بَلَى﴾ طَوْعاً وَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ ﴿بَلَى﴾ كَرْهاً فَأَخَذَ مِنْهُمْ جَمِيعاً مِيثَاقَهُمْ ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾ قَالَ وَكَانَ الْحَجَرُ فِي الْجَنَّةِ فَأَخْرَجَهُ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) فَالْتَقَمَ الْمِيثَاقَ مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون﴾(٥٥١).
فوائد هَذِهِ الرواية:
الأولى: قوله (عليه السلام): (فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ أَقَامَهُ شَبَحاً فَقَبَضَ قَبْضَةً مِنْ كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ) أنَّها تحقّق ميثاق عالم الذَّر قبل نفخ الروح لآدم حينما أقام بدن آدم شبحاً.
الثانية: إنَّ الكينونة البدنية بنحو الوجود الذَّري غَيْر المرئي لِكُلِّ نسل آدم والبشرية مُتقرِّر فِي بدن آدم قبل نفخ الروح فيه، ولعلَّ المُراد البدن الشبحي السماوي وقبل نفخ الروح في البدن الارضي أو البدن الأرضي قبل نفخ الروح الإنسانية دون الروح الحيوانية لاسيّما الحيوانية الضئيلة، فَمِنْ ثمة فرض لِكُلِّ نسل آدم الوجود الذَّري لا سيّما أنَّهم أنطقوا، وَهَذَا يستلزم درجة مِنْ الروح.
الثالثة: إنَّ مفاد هَذِهِ الرواية مَعَ الروايات الكثيرة الدَّالَّة عَلَى حصول الميثاق واستنطاق الذَّر بَعْدَ نفخ الروح فِي آدم، وَبَعْدَ هبوطه إلى الأرض، وَهَذَا مما يدلِّل عَلَى تعدّد عالم الذَّر والميثاق.
الرابعة: قوله (عليه السلام): «فلما أراد أنْ ينفخ فيه الروح أقامه شبحاً) فِي مبحث الأشباح دلّت العديد مِنْ الروايات عَلَى أنَّ المُراد مِنْ الشبح هُوَ البدن اللطيف الذي لا يشتمل على أرواح عديدة، بَلْ عَلَى روح واحدة، ويحتمل أن المُراد به ههنا فِي الرواية هُوَ البدن الغليظ الدنيوي مَعَ روح مِنْ الأرواح الحيوانية الَّتِي للإنسان».
الخامسة: إنَّ الرواية صريحة فِي إنطاق الذَّر وَإنَّهُ كَانَ عَنْ شعور سواء فرض أنَّ هَذَا النطق صوتي أم علمي عقلي متقوّم بالإدراك.
أخذ العهد بالرجعة فِي الميثاق قبل الذر كما أخذ العهد بالتوحيد والنبوة والولاية:
١ - روى فِي المختصر عَنْ مُحمَّد بن الحسين بن أبي الخطّاب بسنده عَنْ أبي بصير، قَالَ: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ...﴾(٥٥٢) الآية.
فَقَالَ: «ذَلِكَ فِي الميثاق»، ثمَّ قرأ [التائبون العابدون] إلى آخر الآية، فَقَالَ أبو جعفر (عليه السلام): «لا تقرأ هكذا ولكن اقرأ التائبين العابدين» إلى آخر الآية. ثمَّ قَالَ: «إذَا رأيت هؤلاء فَعِنْدَ ذَلِكَ هُمْ الَّذِيْنَ يشتري منهم أنفسهم وأموالهم يعني فِي الرجعة» ثمَّ قَالَ أبو جعفر (عليه السلام): «ما مِنْ مؤمن إلَّا وَلَهُ ميتة وقتلة مَنْ مات بعث حَتّى يقتل، وَمَنْ قتل بعث حَتّى يموت»(٥٥٣).
٢ - فِي نسخة آل طوق «التائبين العائدين» والقرينة عَلَى نسخة آل طوق هُوَ قوله (عليه السلام) فِي آخر الرواية «يعني فِي الرجعة».
وفي مختصر البصائر المطبوع، وفي تفسير العيّاشي والقمّي قرينة عَلَى أنَّهُ مِنْ [العود] لا العابدين مِنْ [العبادة] لنقلهم روايات الرجعة المتضمنة لهذه الآية ايضا، والظاهر أنَّ الناسخين والمصحّحين لطباعة المصادر الحديثية تصرّفوا مِنْ عِنْدَ أنفسهم فبدّلوا المادّة الأولى إلى الثانية عَلَى مَرَّ الزمان.
٣ - وفي كتاب غوالي اللئالي روى عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنَّهُ قَالَ حين العود مِنْ السفر «آئبون تائبون عائدون لربنا حامدون»(٥٥٤).
٤ - فِي مجمع الطبرسي: بَعْدَمَا ذكر قراءة النصّ فِي الآية، وذكر روايات، وَقَالَ: وَعَنْ أبي جعفر (عليه السلام) وأبي عبد الله (عليه السلام) بالياء «التائبون العابدون» وظاهره العابدين أيّ الياء بدل الباء وَإلَّا لقال بالنصب وَأنَّها قراءة أُبيّ وابن مسعود والأعمش.
٥ - وفي دعاء العود مِنْ السفر عَنْ زين العابدين (عليه السلام): «آئبون تائبون عائدون لربنا حامدون» إذَا رجع مِنْ السفر(٥٥٥).
ومثله فِي كتاب صفّين لنصر بن مزاحم، فَقَالَ علي (عليه السلام) «آئبون عائدون لربنا حامدون، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذ بك مِنْ وعثاء السفر».
٦ - فِي تهذيب الشَّيْخ الطوسي، صحيح معاوية بن عمار باب الوداع وداع البيت مِنْ كتاب الحج: ثمَّ اخرج فقل: «آئبون تائبون عابدون لربنا حامدون»(٥٥٦).
وفي هَذِهِ الروايات إشارة إلى القراءة الَّتِي ذكرها الطبرسي فِي مجمع البيان مِنْ استبدل الباء بالياء وَأنَّها قراءة بَعْدَ كون الدُّعاء اقتباس مِنْ الآية.
٧ - وفي كتاب الاستذكار لابن عبد البرّ، روى أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَانَ إذَا قفِل مِنْ غزوة أو حج أو عمرة كَانَ يكبّر عَلَى كُلّ شُرف مِنْ الأرض...
«آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»(٥٥٧).
أخذ العهد والإقرار بالرجعة عَلى النبيين فِي عالم الميثاق:
قوله تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾(٥٥٨).
وَهَذِهِ الآية تبيِّن مدى ركنية معرفة الرجعة فِي العقيدة بحيث أخذت عَلَى الأنبياء في ميثاق نبوّتهم، كَمَا أخذ الإيمان بسيد الأنبياء عَلَيْهِم في ميثاق نبوتهم، وَهَذَا مما يفيد أنَّ أخذ العهد والإقرار بالإمامة والولاية لعلي (عليه السلام) عَلَى الأنبياء كانت بعنوان الرجعة.
 وَهَذَا مؤشِّر لمدى أهمية مقام الرجعة فِي معرفة إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) والأئمة المعصومين (عليهم السلام)، وَقَدْ استفاضت الروايات عَنْ أهل البيت (عليهم السلام) فِي تبيين رجوع الضمير فِي - لتنصرنّه - إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، أي نصرة الأنبياء لأمير المؤمنين (عليه السلام).
العلاقة بين الأرواح والأشباح:
قيل إن: ذلة الأرواح من أشباحها، وعزة الأشباح من أرواحها. ومفاده أن الروح أعلى رتبة من الأشباح بلحاظ مراتب الأجسام اللطيفة.
طائفة أخرى من روايات الأظلة والأشباح:
١ - عن سماعة عن ابي عبد الله (عليه السلام) وعن جابر سأل ابا جعفر (عليه السلام) عَنْ الآية ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا﴾ يعني استقاموا عَلَى الولاية فِي الأصل تحت الأظلة حين أخذ الله الميثاق مِنْ ذريّة آدم «لأسقيناهم ماءً غدقاً» يعني لأسقيناهم أظلّتهم الماء العذب الفرات [لكنّا أظللناهم في الماء الفرات العذب] لنفتنهم فيه يعني علياً، وفتنتهم فيه كفرهم بولايته، وَمِنْ يعرض يعني منْ جرى فيه مِنْ شرك إبليس، (عَنْ ذكر ربه) يعني علياً هُوَ الذكر فِي بطن القرآن «وربنا رب كُلّ شيء ليسلكه عذاباً صعدا» يعني عذاباً فوق العذاب الصعد، «وإنَّ المساجد لله» يعني الأوصياء(٥٥٩). أي لجعل طينتهم من الماء العذب.
٢ - عَنْ المفضل قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): «كيف كنتم حَيْثُ كنتم فِي الأظلة؟ فَقَالَ يا مفضل كنّا عِنْدَ ربنا لَيْسَ عنده أحد غيرنا فِي ظلّة خضراء نسبحه ونقدّسه ونهلّله ونمجّده وما مِنْ ملك مقرّب ولا ذي روح غيرنا حَتّى بدا لَهُ فِي خلق الأشياء، فخلق ما يشاء مِنْ الملائكة وغيرهم ثمَّ أنهى علم ذَلِكَ إلينا»(٥٦٠).
٣ - في الكافي: عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «بَعْدَ ذكر فضائل الأئمة - وَهُمْ الَّذِيْنَ لا يرغب عنهم وَعَنْ مسألتهم وَعَنْ علمهم الذي أكرمهم الله به وجعله عندهم إلَّا مَنْ سبق عَلَيْهِ فِي علم الله الشقاء فِي أصل الخلق تحت الأظلة»(٥٦١).
تنوع الأخوة بحسب طينة كل عالم:
روى الطوسي بسنده قال أنس: فقلت: يا رسول الله، علي أخوك؟ قال: نعم، علي أخي، فقلت يا رسول الله، صف لي كيف علي أخوك؟ قال: إن الله (عز وجل) خلق ماء تحت العرش قبل أن يخلق آدم بثلاثة آلاف عام، وأسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه إلى أن خلق آدم، فلما أن خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم إلى أن قبضه الله، ثم نقله إلى صلب شيث، فلم يزل ذلك الماء ينتقل من ظهر إلى ظهر حتى صار في صلب عبد المطلب، ثم شقه الله (عز وجل) بنصفين، فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب، ونصف في أبي طالب، فأنا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر، فعلي أخي في الدنيا والآخرة، ثم قرأ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا)(٥٦٢).
٤ - روى عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «إنَّ الله تَعَالَى آخى بين الأرواح فِي الأظلّة قبل أنْ يخلق الأبدان بألفي عام، فلوقد قام قائمنا أهل البيت (عليهم السلام) ورّث الأخ الذي آخى بينهما فِي الأظلّة وَلَمْ يورّث الأخ مِنْ الولادة»(٥٦٣).
٥ - وروى الصدوق عَنْ علي بن أبي حمزة عَنْ أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهما السلام) قالا: لو قَدْ قام القائم لحكم بثلاث لَمْ يحكم بها أحد قبله: يقتل الشَّيْخ الزاني ويقتل مانع الزكاة ويورّث الأخ أخاه فِي الأظلّة(٥٦٤).
٦ - وفِي صحيح زرارة عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: لو علم النّاس كيف ابتداء الخلق ما اختلف أثنان، إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) قبل أنْ يخلق الخلق قَالَ: كُنْ ماءاً عذباً اخلقُ منك جنتي وأهل طاعتي وكُنْ ملحاً أجاجاً أخلق منك ناري وأهل معصيتي... فَقَالَ لأصحاب اليمين إلى الجنّة بسلام، وَقَالَ لأصحاب الشمال إلى النار ولا أبالي(٥٦٥).
٧ - وَقَدْ وَرَدَ فِي روايات الطيّنة؛ إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) خلق أصحاب اليمين مِنْ طينة الجنّة وخلق أصحاب الشمال مِنْ طينة النار، ثمَّ بعثهم فِي الظلال أو الذّر، وَقَالَ: لأصحاب اليمين إلى الجنّة بسلام، وَقَالَ لأصحاب الشمال إلى النّار ولا أُبالي(٥٦٦).
٨ - روى الصدوق مرفوعاً إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «افتخر رجلان عِنْدَ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فَقَالَ: أتفتخران بأجساد بالية وأرواح فِي النّار، إن يكن لك عقل فَإنَّ لك خُلُقاً، وإنْ يكن لك تقوى فَإنَّ لك كرماً، وَإلَّا فالحمار خير منك وليست بخير مِنْ أحد»(٥٦٧).
قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام) في جواب السائل عن الأربعة عشر: «... وأمَّا الأربعة عشرة فأربعة عشر قنديلاً مِنْ النور معلّقة بين السماء السابعة والحجب تسرج بنور الله إلى يَوم القيامة»(٥٦٨).
الدر المنثور للسيوطي: نقلاً مِنْ عِدَّة كتب عَنْ ابن عباس قَالَ: «بين السماء السابعة إلى الكرسي سبعة آلاف نور».(٥٦٩) 
مرسلة الفقيه: قال الصادق (عليه السلام) «أساس البيت مِنْ الأرض السابعة السفلي إلى الأرض السابعة العليا»(٥٧٠).
الأظلة عالم جسماني لطيف حسيٌّ شاعرٌ:
إنَّ هُنَاك جملة مِنْ الشواهد عَلَى أنَّ عالم الأظلّة هُوَ عالم جسماني ولطيف، بَلْ هُوَ فِي منتهى اللطافة فِي عالم الأجسام، بَلْ سيأتي أنَّهُ فوق عالم سدرة المُنتهى خلافاً لما قرّره غَيْر واحد مِنْ الأعلام المُحققين مِنْ أنَّ سدرة المُنتهى هِيَ نهاية العالم الجسماني.
والحال أنَّ عالم الأظلّة فوق ذَلِكَ بكثير، كَمَا أنَّ عالم الأظلّة مُضافاً إلى جسمانيته ولطافته فَإنَّهُ أشدّ العوالم الجسمانية شعوراً وحياةً وإحساساً، فَهَذِهِ جملة مِنْ الأوصاف والخواص لعالم الأظلّة، وسيأتي أنَّ عالم الأشباح دونه وإنْ كَانَ عالم الأشباح هُوَ الآخر فوق سدرة المُنتهى، ولكنه دون عالم الأظلّة.
أوصاف لعالم الأظلّة:
١ - إنَّ عالم الأظلّة عدّ فِي الروايات - المتقدِّمة بَعْض منها والآتي الكثير منها - مِنْ عالم الأرواح، وَقَدْ مرّ أنَّ الصدوق جعل تقدم خلقة الروح عَلَى عالم أجساد الدُّنْيَا مِنْ الدلائل الدالّة عَلَى تَقَدَّمَ خلق الأجساد اللطيفة عَلَى عالم أجسام الدُّنْيَا، فَهُوَ عالم جسماني ذي روح وَلَيْسَ جسما هامدا لا صِلة لَهُ بالروح.
٢ - يلاحظ في جملة مِنْ الروايات الواردة عَنْ عالم الأظلّة أنَّ الأجسامَ فيه شاعرة عاقلة نظير ما رواه الشَّيْخ الطوسي فِي الغيبة عَنْ أبي سلمة عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حديث عَنْ الإسراء والمعراج أنَّهُ لما أُسري به إلى السماء وسمع نداء الباري تَعَالَى: «يا مُحمَّد إنِّي خلقتك وخلقت علياً وفاطمة والحسن والحسين مِنْ شبح نور مِنْ نوري [مِنْ سنخ نوري] وعرضت ولايتكم عَلَى السماوات والأرضين، فَمَنْ قبلها كَانَ عندي مِنْ المؤمنين وَمَنْ جحدها كَانَ عندي مِنْ الكافرين... يا مُحمَّد أتحب أنْ تراهم، قلت: نعم يا رب، فَقَالَ: التفت عَنْ يمين العرش فالتفت فإذا أنا بعلي وفاطمة والحسن والحسين وعلي وَمُحمَّد وجعفر وموسى وعلي وَمُحمَّد وعلي والحسن، والمهدي (عليهم السلام) فِي ضحضاخ مِنْ نور قيام يصلّون والمهدي فِي وسطهم كأنّه كوكب دريّ. فَقَالَ يا مُحمَّد هؤلاء الحجج، وَهَذَا الثائر مِنْ عترتك»(٥٧١) الحديث.
وموضع الشاهد فِي الحديث التعبير عَنْ أشباحهم النورية بأنَّهم قيام يصلّون مما يَدُلّ عَلَى أنَّها أجساد حيّة شاعرة ذَاتَ أرواح.
٣ - وروى أحمد بن عبيد الله بن عيّاش الجوهري - المتوفي ٤٠١ه - فِي مقتضب الأثر فِي النص عَلَى الاثني عشر بسند متّصل عَنْ جارود بن المنذر العبدي، وَكَانَ نصرانياً فأسلم عام الحديبية وحسن إسلامه، وَكَانَ قارئاً للكتب عالماً بتأويلها عَلَى وجه الدهر وسالف العصر بصير بالفلسفة والطب ذا رأي أصيل ووجه جميل، أنشاء يحدثنا فِي إمارة عمر بن الخطّاب، قَالَ وفدت عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي رجال مِنْ عبد القيس ذو أحلام وأسنان وفصاحة وبيان وحجة وبرهان فلما بصروا به (صلّى الله عليه وآله وسلّم) راعهم منظره ومحضره وأفحموا عَنْ بيانهم واعتراهم العرواء فِي أبدانهم - إلى أنْ قَالَ - وَقَدْ سأله رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ خبر قسّ بن ساعدة الإيادي مِنْ أسباط العرب عمّر خمسمائة عام، وَكَانَ لا يفتر مِنْ الرهبانية ويدين الله بالوحدانية ويسبّح فِي الأرض، وَإنَّهُ كَانَ يتوسّل إلى الله بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل البيت (عليهم السلام)، قال الجارود: قلت يا رسول الله: أنبئني أنبأك الله بخير عَنْ هَذِهِ الأسماء الَّتِي لَمْ نشهدها وأشهدنَا قسّ ذكرها فَقَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا جارود ليلة أُسري بي إلى السماء أوحى الله (عَزَّ وجَلَّ) إليَّ أنْ سل مِنْ أرسلنا مِنْ قبلك مِنْ رسلنا عَلَى ما بعثوا، فقلت عَلَى ما بعثتم، قالوا عَلَى نبوتك وولاية علي بن أبي طالب والأئمة منكما، ثم أوحي إليَّ أنَّ التفت عَنْ يمين العرش، فالتفت فإذا علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين وَمُحمَّد بن علي، وجعفر بن مُحمَّد وموسى بن جعفر وعلي بن موسى وَمُحمَّد بن علي وعلي بن مُحمَّد والحسن بن علي والمهدي فِي ضحضاح مِنْ نور يصلّون فَقَالَ الرب تَعَالَى هؤلاء الحجج لأوليائي وَهَذَا المنتقم مِنْ أعدائي»(٥٧٢). الحديث.
وفي موضع آخر فالتفت وإذا بعلي وفاطمة والحسن والحسين...(٥٧٣).
وروي بطرق أخرى كما رواه مُحمَّد بن أحمد بن شاذان فِي كتاب المناقب بسندٍ مُتّصلٍ عَنْ سليمان الأعمش عَنْ جعفر بن مُحمَّد عَنْ آبائه، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وروى نظير حديث أبي سلمة عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٥٧٤) بالصورة الثانية أي بزيادة (وفاطمة)، ورواه كذلك الطوسي في الغيبة(٥٧٥) والكراجكي في كنز الفوائد(٥٧٦) وفرات الكوفي في تفسيره(٥٧٧) ومنتجب الدين بن بابويه(٥٧٨) 
٤ - وروى في الكافي وكامل الزيارات والتهذيب معتبرة الحسين بن ثوير عن ابي عبد الله (عليه السلام) في زيارة للحسين (عليه السلام) المعروفة والتي مطلعها: السلام عليك يا حجة الله وابن حجته السلام عليك ياقتيل الله وابن قتيله..... وبكت لَهُ السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهنّ وما بينهنّ، وَمِنْ في الجنة والنار مِنْ خلق ربنا ما يرى وما لا يرى الحديث.(٥٧٩) 
٥ - ما وَرَدَ فِي أحاديث مستفيضة عنهم (عليهم السلام) أنَّهم كانوا في الأظلة فِي ظلّة خضراء يسبحونه ويقدّسونه ويهلّلونه ويمجّدونه.
والأحاديث بِهَذَا المضمون مُستفيضة إنْ لَمْ تكن مُتواترة، وَمفاده دالٌّ عَلَى أنَّها وجودات وكائنات حيّة شاعرة، مضافاً الى ما دلَّ من أنَّها أجسام مِنْ شبح النور، نظير ما وَرَدَ فِي معتبرة المفضل، قَالَ: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) كيف كنتم حيث كنتم فِي الأظلّة؟ فقال: «يا مفضل كنّا عِنْدَ ربنا لَيْسَ عنده أحدٌ غيرنا، فِي ظلّة خضراء، نسبحه ونقدسه ونهللّه ونمجده، وما مِنْ ملك مُقرّب ولا ذي روح غيرنا حَتّى بدا لَهُ فِي خلق الأشياء، فخلق ما شاء كيف شاء مِنْ الملائكة وغيرهم، ثمَّ أنهى علم ذَلِكَ إلينا»(٥٨٠).
ماهية وحقيقة عالم الأظلة:
١ - روى الكليني وغيره بسنده عَنْ عبد الله بن مُحمَّد الجعفي [الجعفري] وعقبة عَنْ أبي جعفر (عليه السلام) قَالَ: «إنَّ الله خلق، فخلق ما أحب مما أحب، وَكَانَ ما أحب أنْ خلقه مِنْ طينة الجنّة، وخلق ما أبغض مما أبغض وَكَانَ ما أبغض أنْ خلقه مِنْ طينة النّار ثمَّ بعثهم فِي الظِلال» فقلتُ: وَأيّ شيء الظِلال؟ قَالَ: «ألم ترَ إلى ظلك فِي الشمس شيء وَلَيْسَ بشيء، ثمَّ بعث الله فيهم النبيين يدعونهم الى الإقرار...»(٥٨١) الحديث، وظاهره أن طينة الجنة بمثابة الروح لقالب جسم الأظلة، وكذلك طينة النار لقالب أظلة أهل النار.
٢ - روى الحضيني فِي الهداية الكبرى بسنده المُتّصل عَنْ جابر الأنصاري فِي حديث عَنْ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَنْ بدء تكوّنه قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «واعلموا رحمكم الله، إنَّ الله تقدّست أسماؤه وجلّ ثناؤه كَانَ ولا مكان ولا كون معه ولا سواه أحد فِي فردانيته صمد فِي أزليته مشيء لا شيء معه، فلما شاء أنْ يخلق خلقني بمشيئته وإرادته لي نوراً، وَقَالَ لي: كُنْ فكنتُ نوراً شعشعانياً أسمع وأبصر وأنطق بلا جسم ولا كيفية، ثمَّ خلق مني أخي علياً ثم خلق منا فاطمة ثم خلق مني ومن علي وفاطمة الحسن وخلق منا الحسين ومنه ابنه علي وخلق منه ابنه محمد وخلق منه ابنه جعفر وخلق منه ابنه موسى وخلق منه ابنه علي وخلق منه ابنه محمد وخلق منه ابنه علي وخلق منه ابنه الحسن وخلق منه ابنه سميي وكنيي ومهدي أمتي ومحيي سنني ومعدن ملتي ومن وعدني أن يظهرني به على الدين كله ويحق به الحق ويزهق به الباطل... فكنّا أنواراً بأرواح وأسماع وأبصار ونطق وحسّ وعقل وَكَانَ الله الخالق ونحن المخلوقون، والله المكوّن ونحن المكونون والله البارئ ونحن البرية، موصولون لا مفصولون، فهلّل نفسه فهللناه، وكبّر نفسه فكبّرناه، وسبّح نفسه فسبحناه وقدّس نفسه فقدّسناه، وحمد نفسه فحمدناه.
 وَلَمْ يغيبنا وأنوارنا تتناجى وتتعارف مسمين متناسبين أزليّين لا موجودين، مِنْهُ بدؤنا وإليه نعود، نور مِنْ نور بمشيئته وقدرته لا ننسى تسبيحه ولا نستكبر عَنْ عبادته، ثمَّ شاء فمدّ الأظلّة، وخلق خلقاً أطوار ملائكة وخلق الماء والجانّ وعرّش عرشه عَلَى الأظلّة وأخذ مِنْ بني آدم مِنْ ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم عَلَى أنفسهم ألستُ بربكم قالوا: بلى، كَانَ يعلم ما فِي أنفسهم والخلق أرواح وأشباح فِي الأظلّة يبصرون ويسمعون ويعقلون فأخذ عَلَيْهِم العهد والميثاق ليؤمنن به وبملائكته وكتبه ورسله، ثمَّ تجلّى لهم وجلّى علياً وفاطمة والحسن والحسين والتسعة الأئمة مِنْ الحسين الَّذِيْنَ سميّتهم لكم فأخذ لي العهد والميثاق عَلَى جميع النبيين وَهُوَ قوله الذي أكرمني به جلّ مِنْ قائل ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِين﴾ وَقَدْ علمتم أنَّ الميثاق أخذ لي عَلَى جميع النبيين وَإنِّي أنا الرسول الذي ختم الله بي الرسل، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَكُنْت والله قبلهم وبعثت بعدهم وأعطيت ما أعطوا وزادني ربي مِنْ فضله ما لَمْ يعطه لأحد مِنْ خلقه غيري، فَمِنْ ذَلِكَ أنَّهُ أخذ لي الميثاق عَلَى سائر النبيين وَلَمْ يأخذ ميثاقي لأحد، وَمِنْ ذَلِكَ ما نبّأ نبيا ولا أرسل رسولا إلَّا أمره بالإقرار بي...»(٥٨٢).
ومفاد الرواية:
١. أن الأرواح النورية تتناجى في عالمها وتناجيها نحو تواصل روحي بينها خفي ومن ثم يسمى تناجي ونجوى.
٢. أن المشيئة قبل العرش مع أنه قد تقرر في بعض المواضع من هذه المباحث كون المشيئة بعد العرش، بينما في هذه الرواية هي قبل العرش، وقد تبين احتمال أن للمشيئة طبقات بعضها قبل وبعض بعد.
٣. أن العرش فوق عالم الأظلة والميثاق وعالم الذر.
٤. قد تمت الإشارة غير مرة أن عالم الأظلة بالمعنى الأخص فوق عالم الأشباح وإن كان عالم الأظلة بالمعنى العام شامل للأشباح.
٣ - روى الديلمي في غرر الأخبار عن أبي عبد الله (عليه السلام) بأسانيد طويلة، عن آبائه (عليهم السلام)، عن عليّ (عليه السلام): «إنّ الله تعالى حين شاء تقدير الخليقة وذرء البريّة وابتدع المبدعات من سائر المخلوقات (٥٨٣)، نصب الخلق في صور كالهياكل قبل دحو الأرض، فرفع السماء وهو سبحانه في انفراد(٥٨٤) ملكوته، وعظيم جبروته، وتوحّد عظمته، فألاح (٥٨٥) عليهم نورا من نوره فلمع، وأنشأه من ضيائه فسطع، ثمّ اجتمع النور في [وسط] تلك الصور الخفيّة، فوافق ذلك صورة نبيّنا (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال الله تعالى: أنت المختار المنتجب، وعندك مستودع نوري وكنوز هدايتي، من أجلك أسطح (٥٨٦) البطحاء، وأمرج الماء، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب والجنّة والنار، وأنصب أهل بيتك للهداية، وأورثهم من مكنون علمي ما لا يشكل عليهم دقيق ولا يغيب عنهم خفيّ، وأجعلهم حججي على خلقي وبريّتي، والمؤمنين القائلين بوحدانيّتي. ثمّ أخذ الله تعالى الشهادة عليهم بالربوبيّة له والوحدانيّة، ثمّ بعد ذلك أخذ عليهم العهد بانتجاب (٥٨٧) محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبنبوّته، وأراهم [أنّ] الهداية معه، والنور له، والإمامة في آله [تقديما] لسنّة العدل (٥٨٨)، وليكون الإعذار متقدّما، حتّى لا يكون لهم الحجّة على الله تعالى، ثمّ أخفى الله الخليقة في غيبه، وغيّبها في [مكنون] علمه، ثمّ نصب العوالم، وبسط الزمان، ومرج الماء، وأثار الزبد، وأهاج الدخان، وقطر عرشه على الماء، فسطح الأرض على ظهر الماء، ثمّ استجابها إلى الطاعة، فأذعنت بالإجابة.
ثمّ أنشأ الله تعالى الملائكة من أنوار ابتدعها، وأرواح اخترعها، وقرن بتوحيده نبوّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فشهده في أهل بعثته في الأرض...(٥٨٩).
ومفاد الرواية:
١. يحتمل أنه في عملية مراتب الخلق النازلة القريبة من النشأة الأرضية - وما بعد عالم القدر والتقدير، أي ما بعد خلق الطينة من طبقات العوالم السابقة - وصلت النوبة الى نصب الخلق في صور كالهياكل، ويحتمل أن هذه الصور والهياكل لما كانت قبل دحو الأرض وقبل رفع السماء فهي من أحد مراتب عالم الميثاق قبل نشأة السماوات والأرضين، وقد ذكر في الرواية مشهد أخذ الميثاق.
٢. إن نصب الخلق في الصور والهياكل عبارة عن إدخال أو نفخ طبقات عليا من الأرواح في الصور والهياكل، وهذا يؤكد قاعدة تعدد طبقات الأرواح وتعدد نفخ الأرواح وتعدد الأجسام وبالتالي تعدد طبقات الموت، والتعبير في المقام بالصور والهياكل - كما في روايات كثيرة متعرضة للأجسام اللطيفة السماوية أو ما فوقها - هو تعبير عن لطافة تلك الأجسام.
٣. قوله (عليه السلام): «ثم أخفى الله الخليقة في غيبه وغيبها في مكنون علمه» يشير الى أن تلك الصور والهياكل للطافتها هي غيب بالإضافة الى مادة السماوات والأرض، فهي في عوالم ألطف منها.
٤. أطلق على تلك العوالم اللطيفة الغيبية عنوان مكنون العلم، كما يطلق العلم الغيبي على العرش والكرسي مع كونهما روحين مخلوقين عظيمين كما سيأتي، بل يطلق العلم الإلهي على القلم واللوح والكتاب الذي هو روح القدس وكلها من الأرواح الأمرية، وبنحو عام فإن العوالم الغيبية المخلوقة يطلق عليها علم إلهي مكنون.
٥. ظاهر الرواية أن إنشاء الملائكة بعد خلق الأظلة والأشباح.
٦. أن خلق الملائكة هو أنوار ومن أرواح، مما يشير الى تعدد طبقات ذاتهم المقدسة.
فريضة الديانة فِي الأظلة:
الدِّين فِي الأظلة:
التكامل فِي الأظلة:
بَعْدَ ما تبيَّن مما مَرَّ أنَّ عالم الأظلّة مِنْ ألطف العوالم الجسمانية وأنَّ تلك الأجسام يطلق عَلَيْهَا أرواح ذَاتَ شعور - أيّ موصوفة بذلك - وَعَلَى ضوء ذَلِكَ فعموم الدِّين والديانة لذلك العالم متقرِّر، مُضافاً إلى ما قرّر مراراً أنَّ الدِّين عام لِكُلِّ العوالم، ومنها عالم الأظلّة أيضاً بخلاف الشريعة فَإنَّها للنشأة الأرضية.
ومما يشير إلى فريضة الديانة فِي تلك النشاة والامتحان والطاعة والمخالفة ثمَّة - سواء عَلَى صعيد عموم الأرواح أو الكائنات ذَاتَ الروح - هو أخذ الميثاق عَلَى النبيين والدعوة إلى التوحيد ثمَّ إلى نبوة سيّد الأنبياء ثمَّ إلى ولاية أهل البيت (عليهم السلام).
ويترتّب عَلَى ذَلِكَ أنَّ النتائج من الطاعة والعصيان الَّتِي حصلت تؤثر تداعياتها عَلَى ما بعدها ودونها مِنْ العوالم إلى أنْ تصل إلى عالم النشأة الأرضية مِنْ عالم الدُّنْيَا سواء فِي جانب الاصطفاء أو مطلق الامتحان.
وَهَذَا مما يعطي تفسيراً مِنْ زوايا جديدة فِي بحث الجبر والاختيار وفلسفة التكليف والامتحان.
كَمَا أنَّه يُبيِّن أنَّ لِكُلِّ عالم هُنَاك بعثات للرسل ما دام الدِّين قائماً فِي كُلّ عالم مِنْ العوالم.
الرسول نبي الأنبياء وعلي إمام الأنبياء:
وإليك جملة مِنْ هَذِهِ الروايات:
١ - ما رواه القمّي مِنْ صحيح أعلائي لعبد الله بن سنان قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): - «أوَّل منْ سبق مِنْ الرسل إلى بلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَذَلِكَ أنَّهُ كَانَ أقرب الخلق إلى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَكَانَ فِي المكان الذي قَالَ لَهُ جبرائيل: - لما أُسري به إلى السماء - تَقَدَّم يا مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فَقَدْ وطئت موطئاً لَمْ يطئه أحد قبلك لا ملَك ولا نبي مرسل. ولولا أنَّ روحه ونفسه كَانَ مِنْ ذَلِكَ المكان لما قدر أنْ يبلغهُ فَكَانَ مِنْ الله (عَزَّ وجَلَّ) كَمَا قَالَ الله: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ أيّ بَلْ أدنى فلما خرج الأمر مِنْ الله وقع إلى أوليائه (عليهم السلام)».
فَقَالَ الصَّادِق (عليه السلام): «كَانَ الميثاق مأخوذاً عَلَيْهِم لله بالربوبية ولرسوله بالنبوة، ولأمير المؤمنين والأئمة بالإمامة، فَقَالَ ألستُ بربكم، ومحمدٌ نبيكم وعليٌّ إمامكم والأئمة الهادون أئمتكم؟ فقالوا: بلى، فَقَالَ الله: ﴿شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أيّ لئلا تقولوا يَوُم القيامة ﴿إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾. فأوَّل ما أخذ الله الميثاق عَلَى الأنبياء لَهُ بالربوبية، وَهُوَ قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ فذكر جملة الأنبياء ثمَّ أبرز أفضلهم بالأسامي: (ومنك)، فقدّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأنَّهُ أفضلهم، (وَمِنْ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم) فهؤلاء الخمسة أفضل الأنبياء ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أفضلهم، ثمَّ أخذ الله بَعْدَ ذَلِكَ ميثاق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عَلَى الأنبياء لَهُ بالإيمان به وَعَلَى أنْ ينصروا أمير المؤمنين، فَقَالَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ يعني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ﴾ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) تخبروا أممكم بخبره وخبر وليّه مِنْ الأئمة»(٥٩٠).
وبيان هَذِهِ الرواية:
أ - لا يخفى أنَّ الميثاق الأوَّل الذي أُخذ عَلَى العباد والنبيين فِي عالم المعراج، بَلْ في أعالي المعراج - حَيْثُ لَمْ يطئه جبرائيل - إشارة إلى عالم الأظلّة، فَمِنْ ثمَّ فمفاد هَذِهِ الرواية مِنْ روايات عالم الأظلّة، كَمَا يتبيَّن أنَّ الميثاق عنوان عام أخذ فِي عوالم عديدة، وَهُوَ ميثاق الدِّين بدءا بعالم الأظلّة فِي العوالم الجسمانية اللطيفة العالية.
ب - إنَّ الله أخذ فِي الميثاق فِي الأظلّة عَلَى الأنبياء بَعْدَ إقرارهم بالربوبية أنَّ سيد الأنبياء وسيطاً بينه وبينهم ثمَّ أخذ عَلَيْهِم الإقرار بأنَّ علياً إمام لهم أيّ إمام سائر الأنبياء، وكذا الأئمة الأحد عشر أئمة لسائر الأنبياء، فكأنَّه مقتضى نبوّة سيّد الأنبياء هو إمامة أوصيائه لسائر الأنبياء.
ج - إنَّهُ قَدْ أخذ عَلَى الأنبياء فِي الميثاق نصرة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) فِي دولة الرجعة مما يَدُلّ عَلَى مدى خطورة الرجعة، حَيْثُ أخذ الميثاق عَلَى النبيين فِي عالم الأظلّة عَلَى الإقرار بها وتحمّل مسؤولية مناصرة ومتابعة أئمة أهل البيت فيها.
٢ - فرات الكوفي بسنده إلى أبي خديجة، قَالَ: قَالَ مُحمَّد بن علي (عليهما السلام): «لو علم الناس متى سمّي علي أمير المؤمنين ما اختلف فيه اثنان» قَالَ: قلت متى؟ قَالَ لي: «فِي الأظلّة حين أخذ الله الميثاق مِنْ بني آدم مِنْ ظهورهم ذريّتهم وأشهدهم عَلَى أنفسهم ألستُ بربكم؟، قالوا: بلى، مُحمَّد نبيكم علي أمير المؤمنين وليّكم»(٥٩١).
٣ - مصحح عبد الله بن مُحمَّد الجعفي وعقبة المتقدّم فِي ماهية الظلال والأظلّة، وفيه... ثمَّ بعث فيهم النبيين يدعونهم إلى الإقرار بالله، وَهُوَ قوله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُون﴾ ثمَّ دعاهم إلى الإقرار بالنبيين، فأقرَّ بعضهم وأنكر بعضهم ثمَّ دعاهم إلى ولايتنا فأقرّ بها والله منْ أحب وأنكرها منْ أبغض وَهُوَ قوله ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾ ثمَّ قَالَ أبو جعفر (عليه السلام) كَانَ التكذيب ثمة(٥٩٢).
الديانة فِي الجنة:
١ - روى القمّي صحيح عاصم بن حميد عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) فِي وصف الجنّة ودخول المؤمن فيها: قَالَ: «ما مِنْ عمل حسن يعمله العبد إلَّا وَلَهُ ثواب فِي القرآن إلَّا صلاة الليل فَإنَّ الله لَمْ يبين ثوابها لعظم خطرها عنده فَقَالَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون﴾ إلى قوله ﴿يَعْمَلُون﴾ ثمَّ قَالَ: «إنَّ لله كرامة فِي عباده المؤمنين فِي كُلّ يَوُم جمعة، فإذا كَانَ يَوُم الجمعة بعث الله إلى المؤمنين ملكاً معه حلّتان فينتهي إلى باب الجنّة، فيقول: - استأذنوا لي عَلَى فلان فَيُقَال لَهُ هَذَا رسول ربك عَلَى الباب، فيقول لأزواجه أيّ شيء ترين عليّ أحسن؟ فيقلن يا سَيِّدنا والذي أباحك الجنّة ما رأينا عليك شيء أحسن مِنْ هذَا قَدْ بعث إليك ربك، فيئتزر بواحدة ويتعطف بالأخرى فلا يمر بشيء إلا أضاء لَهُ حَتّى ينتهي إلى الموعد، فإذا اجتمعوا تجلّى لهم الرب تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فإذا نظروا إليه (أيّ إلى رحمة الله) خرّوا سُجّداً - فيقول عبادي ارفعوا رؤوسكم لَيْسَ هَذَا يَوُم سجود ولا عبادة، قَدْ رفعت عنكم المؤنة، فيقولون يا رب وَأيّ شيء أفضل مما أعطيتناه أعطيتنا الجنّة...»(٥٩٣). ومفاده أن العبادة لله تعالى القلبية والفكرية والمشاهدة لمزيد من التجليات الإلهية قائمة في الجنة.
٢ - فرات الكوفي بسنده عَنْ أبي هبيرة العامري عَنْ جعفر بن مُحمَّد عَنْ آبائه عَنْ أمير المؤمنين (عليه السلام)، قَالَ: «لما نزلت عَلَى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طوبى لهم وحسن مآب» قام المقداد بن الأسود الكندي إلى رسول الله، قال: ما طوبى؟ قَالَ: (صلّى الله عليه وآله وسلّم)... وما أدينا إليك كُلّ حقك فأذن لنا فِي السجود؟ قَالَ لهم ربهم: إنَّي قَدْ وضعت عنكم مؤنة العبادة وأرحت عليكم أبدانكم، وطال ما أنصبتم لي الأبدان وعنتم الوجوه فالآن أفضتم إلى رَوْحي ورحمتي...(٥٩٤).
٣ - روى الكافي بسنده عَنْ أبي جميلة، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يا عبادي الصدّيقين تنعموا بعبادتي فِي الدُّنْيَا فإنَّكم تتنعمون بها فِي الآخرة»(٥٩٥).
قَالَ المجلسي (رحمه الله): قوله: فإنَّكم تتنعمون بها أيّ بسببها أو بثوابها أو بأصل العبادة، فَإنَّ الصديقين يلتذّون بعبادة ربهم أكثر مِنْ جميع اللذّات والمشتهيات، بَلْ لا يلتذّون بشيء إلَّا بها، فَهُمْ فِي الجنّة يعبدون الله ويذكرونه لا عَلَى وجه التكليف، بَلْ لالتذاذهم وتنعمهم بها وَهَذَا هُوَ الأظهر(٥٩٦).
٤ - موثقة أبي بصير عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «ما خلق الله خلقاً إلَّا جعل لَهُ في الجنّة منزلاً وفي النار منزلاً، فإذا سكن أهل الجنّة الجنة وأهل النار النار، نادى منادٍ: يا أهل الجنّة اشرفوا، فيشرفون عَلَى النار وترفع لهم منازلهم فيها، ثمَّ يقال لهم: هَذِهِ منازلكم الَّتِي لو عصيتم الله دخلتموها، قَالَ: فلو أنَّ أحداً مات فرحاً لمات أهل الجنّة فِي ذَلِكَ اليوم فرحاً، لما صرف عنهم مِنْ العذاب، ثمَّ ينادي منادٍ: يا أهل النار ارفعوا رؤوسكم، فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم فِي الجنّة وما فيها مِنْ النعيم، فَيُقَال لهم: هَذِهِ منازلكم الَّتِي لو أطعتم ربكم دخلتموها، قَالَ: فلو أنَّ أحداً مات حزناً لمات أهل النار حزناً، فيوّرث هؤلاء منازل هؤلاء، ويوّرث هؤلاء منازل هؤلاء، وَذَلِكَ قول الله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُون الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُون﴾».(٥٩٧) 
ومفاد الرواية يعطي عموم جزاء الجنّة وجزاء النار كعقاب لِكُلِّ ما خلق الله من الخلق لا خصوص الثقلين مما هُوَ ما دون الجنّة والنّار.
وفي روايات عديدة فِي باب النّار الذي عقده صاحب البحار وغيره من الأبواب دلالَّة عَلَى تخوّف جبرائيل مِنْ النّار.
تكامل الأنبياء فِي الأظلة:
روى فِي بصائر الدرجات فِي الصحيح إلى حذيفة بن أسيد الغفّاري، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «ما تكاملت النبوّة لنبي فِي الأظلّة حَتّى عرضت عَلَيْهِ ولايتي وولاية أهل بيتي، ومُثّلوا لَهُ فأقرّوا بطاعتهم وولايتهم»(٥٩٨).
ويستفاد مِنْ هَذِهِ الرواية نقاط:
أ - تقرّر التكامل فِي عالم الأظلّة.
ب - إنَّ نبوّة الأنبياء مُتقرّرة ومتحققة لأظلتهم وأرواحهم منذ عالم الأظلّة، بل قد بعثوا لأممهم في عالم الأظلة كما دلت عليه روايات أخرى.
ج - إنَّ الدِّين والذي عمدته العقيدة، عرض في الأظلة عَلَى الأنبياء وعلى الخلائق التدين والتكليف به، وَمِنْ ثمَّ كَانَ فِي عالم الأظلّة إقرار وتصديق وأخذ الميثاق كما فِي طائفة من الروايات الأُخرى.
د - إنَّ نبوّة الأنبياء إنَّما استحقوها فِي عالم الأظلّة بَعْدَ إقرارهم بالطاعة والولاية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولأهل بيته، كما هو مفاد قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ﴾.
٢ - روى العيّاشي فِي تفسيره عَنْ زرارة وحمران عَنْ أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام)، قالا: «إنَّ الله خلق الخلق وَهِيَ أظلّة فأرسل رسوله مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فمنهم مَنْ آمن به ومنهم مَنْ كذّبه ثمَّ بعثه فِي الخلق الآخر فآمن به مَنْ كَانَ آمن به الأظلّة وجحده مَنْ جحد به يومئذٍ، فَقَالَ ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾»(٥٩٩).
ومفاد الرواية:
أ - ويستفاد منها جملة النقاط المتقدمة فِي الرواية السابقة (رواية حذيفة بن أسيد).
ب - إنَّ الكفر متحقّق فِي عالم الأظلّة بالدِّين وبالولاية، كَمَا تحقّق الإيمان والتسليم فيه أيضاً لطائفة مِنْ الخلق.
ج - ظاهر الرواية تطابق الإيمان كفعل فِي العوالم اللاحقة صدوراً ممن قَدْ صدر مِنْهُ فِي عالم الأظلّة وكذلك الحال فِي تطابق صدور الجحود.
د - إنَّ الأظلّة يقال لإيجادها خلق بلحاظ أنَّها جسمانية، كَمَا يُقَال أيضاً للعوالم الجسمانية اللاحقة لها أنَّها خلق.
ه - ظاهر الآية الكريمة الَّتِي تعرّضت لها الرواية الشريفة دالَّة عَلَى امتناع إيمان مَنْ كذّب فِي عالم الأظلّة إذْ لَيْسَ فِي الآية ﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ﴾(٦٠٠).
نفي الإيمان عنهم، بَلْ نفي الشأنية والقابلية، وأنَّ جحودهم فِي عالم الأظلّة بولاية الْنَّبِيّ وآل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوجب الطبع عَلَى قلوبهم لكفرهم السابق وعتوهم.
و - إنَّ عالم الأظلّة حَيْثُ هُوَ عالم يتقرّر فيه التكليف بالدين، فلا محالة يتقرّر فيه حصول بعث الله (عَزَّ وجَلَّ) نبيه للخلائق وتمثّل أهل بيته للخلائق ليمتحنوا بطاعتهم.
كُنْت نبياً وآدم بين الماء والطين، كنت وليا وآدم بين الماء والطين:
وروى بن شهر آشوب في المناقب: قَوْلُهُ كُنْتُ نَبِيّاً وَآدَمُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينِ.(٦٠١) ورواه البكري في الأنوار في مولد النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٦٠٢).
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نُبِّئْتُ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَد(٦٠٣) ورواه العامة مستفيضا.
فقال ابراهيم (عليه السلام)... رب ما الفاتح الخاتم قال هذا محمد خيرتي وبكر فطرتي وحجتي الكبرى في بريتي نبئته واجتبيته إذ آدم بين الطين والجسد ثم إني باعثه عند انقطاع الزمان لتكملة ديني وخاتم به رسالتي [رسالاتي] ونذري وهذا علي أخوه.
وروى الشامي بسنده عن عمرو الأنصاري:... فنودي: يا إبراهيم هذه أمّة محمّد حبيبي، لا حبيب لي من خلقي مثله، أجريت ذكره من قبل أن أخلق سمائي وأرضي، وسمّيته نبيّا وأبوك آدم بين الطين والروح،(٦٠٤) 
روى العلامة الحلي في قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ﴾:(٦٠٥) رَوَى الْجُمْهُورُ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَتَى سُمِّيَ عَلِيٌّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْكَرُوا فَضْلَهُ سُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ قَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ﴾ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ بَلَى فَقَالَ تَعَالَى أَنَا رَبُّكُمْ وَمُحَمَّدٌ نَبِيُّكُمْ وَعَلِيٌّ أَمِيرُكُمْ.(٦٠٦)(٦٠٧)
روى المفيد في الأمالي بسنده أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله:... أَلَا إِنِّي عَبْدُ اللهِ وَأَخُو رَسُولِهِ وَصِدِّيقُهُ الْأَوَّلُ صَدَّقْتُهُ وَآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ ثُمَّ إِنِّي صِدِّيقُهُ الْأَوَّلُ فِي أُمَّتِكُمْ حَقّاً فَنَحْنُ الْأَوَّلُونَ وَنَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ خَاصَّتُهُ يَا حَارِثُ وَخَالِصَتُهُ وَأَنَا صِنْوُهُ (٦٠٨)وَوَصِيُّهُ وَوَلِيُّهُ - وَصَاحِبُ نَجْوَاهُ وَسِرُّهُ أُوتِيتُ فَهْمَ الْكِتَابِ - وَفَصْلَ الْخِطابِ وَعِلْمَ الْقُرُونِ وَالْأَسْبَابِ (٦٠٩) وَاسْتُودِعْتُ أَلْفَ مِفْتَاحٍ يَفْتَحُ كُلُّ مِفْتَاحٍ أَلْفَ بَابٍ يُفْضِي كُلُّ بَابٍ إِلَى أَلْفِ أَلْفِ عَهْدٍ(٦١٠) 
ورواه الطوسي في أماليه ورواه الطبري في بشارة المصطفى وبن طاووس في الطرف وكشف الغمة للإربلي(٦١١).
وقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): «كنت وليّا وآدم بين الماء والطين»(٦١٢).
وجوه معاني الحديث:
١ - والمعروف فِي تفسير الحديث أنَّ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أُنْبِأِ فِي عالم النور والأرواح، وَهَذِهِ العوالم مُتقدّمة على النشأة الأرضية.
٢ - أنْ يكون المُراد تَقَدَّمَ نبوة سيد الأنبياء فِي العوالم السابقة عَلَى نبوّة آدم فِي تلك العوالم أيضاً بأنْ يكون المراد مِنْ (الماء) عالم المشيئة والمراد من (الطين) عالم الأظلّة أو الأشباح، فيكون حاصل المعنى أنَّ مرتبة نبوّة سيّد الأنبياء فِي عالم المشيئة أو فوقها فضلاً عَنْ عالم الأظلّة والأشباح متقدّمة عَلَى نبوّة آدم فِي تلك العوالم، وكذلك الحال في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). وَمِنْ الشواهد عَلَى هَذَا التفسير.
إنَّ الطين استعمل فِي مستفيض روايات الأظلّة والأشباح وروايات الطينة فِي طينة عالم الأظلّة وطينة عالم الأشباح، كَمَا أنَّ لِكُلِّ سماء طينة.
٣ - إنَّ تَقَدَّمَ نبوة سيد الأنبياء بذاتها وأمَّا نبوّة آدم وسائر الأنبياء فنبوتهم بَعْدَ عالم المشيئة وعالم التقدير والأظلّة والأرواح.
وبعبارة أُخرى: إنَّ نبوة آدم (عليه السلام) وسائر الأنبياء ليست قبل عالم الأظلّة بَلْ ولا فِي مبدأ بدايات عالم الأظلّة، بَلْ نُبِؤوا بَعْدَ ما أُخذ عَلَيْهِم الميثاق فِي عالم الأظلّة لله بالتوحيد ولمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالنبوة ولعلي (عليه السلام) ولفاطمة (عليها السلام) والأئمة (عليهم السلام) بالولاية فأقرّوا بها وَمِنْ ثمَّ أعطوا النبوة، وهَذَا بخلاف نبوة سيد الأنبياء فَإنَّها منذ مطلع عالم الأنوار، الذي هُوَ فوق عالم الأظلّة، وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ أنَّ نبوّته قبل نبوّة الأنبياء بآلاف العوالم أو الأعوام.
ولاية علي (عليه السلام) نبأ عظيم:
قَدْ وَرَدَ فِي روايات عديدة كَمَا فِي صحيحة أبي حمزة الثمالي عَنْ أبي جعفر فِي تفسير قوله تَعَالَى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُون عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيم﴾(٦١٣) فَقَالَ (عليه السلام): «هِيَ فِي أمير المؤمنين (عليه السلام)» قَالَ: «كَانَ أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول ما لله آية أكبر مني ولا لله مِنْ نبأ عظيم أعظم مني، ولقد عرضت ولايتي عَلَى الأمم السابقة فأبت أنْ تقبلها»، قَالَ قلت لَهُ: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيم أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُون﴾(٦١٤) قَالَ: «هُوَ والله أمير المؤمنين (عليه السلام)»(٦١٥).
أَقُوُل: يمكن تفسير النبأ العظيم بقرينة ما ذكر فِي هَذِهِ الصحيحة وأمثالها وبقرينة ما مَرَّ مِنْ تأخّر نبوّة سائر الأنبياء عَنْ نبوّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وولاية علي (عليه السلام)، أنَّ ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) نبأ عظيم لله تَعَالَى أنبأ به سيد الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أعظم مِنْ نبوّة سائر الأنبياء.
وَمِنْ ثمَّ قَالَ أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولا لله مِنْ نبأ عظيم أعظم مني»(٦١٦).
تقدم فاطمة (عليها السلام) على الأنبياء:
١ - معاني الأخبار بسنده عَنْ سدير الصيرفي عَنْ الصَّادِق جعفر بن مُحمَّد (عليه السلام) عَنْ أبيه عَنْ جدّه، قَالَ: قَالَ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «خلق نور فاطمة (عليها السلام) قبل أنْ تخلق الأرض والسماء، فَقَالَ بَعْض الناس: يا نبي الله فليست هِيَ أنسية؟ فَقَالَ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): فاطمة حوراء إنسية، قَالَ: يا نبي الله وكيف حوراء أنسية؟ قَالَ: خلقها الله (عَزَّ وجَلَّ) مِنْ نوره قبل أنْ يخلق آدم إذْ كانت الأرواح فلما خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) آدم عرضت عَلَى آدم.
قِيلَ: يا نبي الله وأين كانت فاطمة؟ قَالَ: كانت فِي حقّة تحت ساق العرش، قالوا: يا نبي الله فما كَانَ طعامها؟ قَالَ: التسبيح والتهليل والتحميد، فلما خلق الله (عَزَّ وجَلَّ) آدم وأخرجني مِنْ صلبه أحب الله (عَزَّ وجَلَّ) أنْ يخرجها مِنْ صلبي جعلها تفاحة وأتاني بها جبرائيل (عليه السلام) فَقَالَ لي: السَّلامُ عليك ورحمة الله وبركاته يا مُحمَّد، قل: وعليك السَّلامُ ورحمة الله حبيبي جبرائيل، فَقَالَ: يا مُحمَّد إنَّ ربك يقرؤك السَّلامُ، قلت: مِنْهُ السَّلامُ وإليه يعود السَّلامُ، قَالَ: يا مُحمَّد إنَّ هَذِهِ تفاحة أهداها الله (عَزَّ وجَلَّ) إليك مِنْ الجنّة فأخذتها وضممتها إلى صدري، قَالَ: يا مُحمَّد يقول الله جَلَّ جَلالَهُ كُلها ففلقتها فرايت نوراً ساطعاً ففزعت مِنْهُ، فَقَالَ: يا مُحمَّد مالك لا تأكل؟ كلها ولا تخف فَإنَّ ذَلِكَ النور المنصورة فِي السماء، وهي فِي الأرض فاطمة، قلت حبيبي جبرائيل وَلَمْ سميت فِي السماء المنصورة وفي الأرض فاطمة؟ قَالَ: سميت فِي الأرض فاطمة لأنها فطمت شيعتها مِنْ النّار وفطم أعدائها عَنْ حبّها وَهِيَ فِي السماء المنصورة ذَلِكَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُون﴾ بنصر الله ينصر مَنْ يشاء) يعني نصر فاطمة لمحبيها»(٦١٧).
ظل الله:
والخصوصية في هذا العنوان أنه أضيف الظل اليه تعالى بخلاف عالم الأظلة فإنه مضاف الى الخلق، وهل المعنى المراد ههنا هو التجلي الأسمائي له تعالى، أم ما فوق الاسم المستأثر لأنه ذكر غيبوبته فيه، أم العوالم العلوية التي تغيب فيها هويتها وتفنى ظهورا فيه تعالى، أم عالم الأظلة نفسه أم غير ذلك من المعاني وجوه محتملة.
١. وفي مصباح المتهجد: وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ الَّذِي خَلَقْتَهُ فَاسْتَقَرَّ فِي ظِلِّكَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ(٦١٨).
٢. نهج البلاغة: الدعاء للنبي: اللَّهُمَّ افْسَحْ لَهُ مَفْسَحاً فِي ظِلِّكَ، وَاجْزِهِ مُضَاعَفَاتِ الْخَيْرِ، مِنْ فَضْلِكَ اللَّهُمَّ وَأَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ مَنْزِلَتَهُ وَأَتْمِمْ لَهُ نُورَهُ وَاجْزِهِ مِنِ ابْتِعَاثِكَ لَهُ مَقْبُولَ الشَّهَادَةِ مَرْضِيَّ الْمَقَالَةِ ذَا مَنْطِقٍ عَدْلٍ وَخُطْبَةٍ فَصْلٍ اللَّهُمَّ اجْمَعْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي بَرْدِ الْعَيْشِ وَقَرَارِ النِّعْمَةِ، وَمُنَى الشَّهَوَاتِ، وَأَهْوَاءِ اللَّذَّات (٦١٩) 
٣ - وفي المصباح أيضاً: وَبِاسْمِكَ الْأَعْظَمِ الْأَعْظَمِ الْأَجَلِّ الْأَكْرَمِ الَّذِي خَلَقْتَهُ فَاسْتَقَرَّ فِي ظِلِّكَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْكَ إِلَى غَيْرِكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ وَتَجْعَلَنَا مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهِ بِطَاعَتِكَ وَالْآمِلِينَ فِيهِ لِإِجَابَتِك (٦٢٠).
٤ - عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) قَالَ: قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (عليه السلام) يَا رَبِّ مَنْ أَهْلُكَ الَّذِينَ تُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ قَالَ فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ الطَّاهِرَةُ قُلُوبُهُمْ وَالتَّرِبَةُ أَيْدِيهِمْ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ جَلَالِي إِذَا ذَكَرُوا رَبَّهُمْ الَّذِينَ يَكْتَفُونَ بِطَاعَتِي كَمَا يَكْتَفِي الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ بِاللَّبَنِ الَّذِينَ يَأْوُونَ إِلَى مَسَاجِدِي كَمَا تَأْوِي النُّسُورُ إِلَى أَوْكَارِهَا وَالَّذِينَ يَغْضَبُونَ لِمَحَارِمِي إِذَا اسْتُحِلَّتْ مِثْلَ النَّمِرِ إِذَا حَرِد(٦٢١).
٥ - اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ظُلْمَةِ الْقَبْرِ وَوَحْشَتِهِ اللَّهُمَّ أَظِلَّنِي فِي ظِلِّ عَرْشِكَ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّكَ وَأَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَسْتَوْدِعَ رَبَّكَ دِينَكَ وَنَفْسَكَ وَأَهْلَكَ ثُمَّ تَقُولُ - أَسْتَوْدِعُ اللهَ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ الَّذِي لَا يَضِيعُ وَدَائِعُهُ نَفْسِي وَدِينِي وَأَهْلِي (٦٢٢) 
٦ - في الصحيفة السجادية: المناجاة الحادية عشر:... إِلَهِي ارْحَمْ عَبْدَكَ الذَّلِيلَ ذَا اللِّسَانِ الْكَلِيلِ وَالْعَمَلِ الْقَلِيلِ وَامْنُنْ عَلَيْهِ بِطَوْلِكَ الْجَزِيلِ وَاكْنُفْهُ تَحْتَ ظِلِّكَ الظَّلِيلِ يَا كَرِيمُ يَا جَمِيلُ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين (٦٢٣) 
٧ - دعاء زين العابدين (عليه السلام) في تعقيب صلاة الجمعة والعيدين: وَإِنَّمَا تَأَنَّيْتَ بِهِمْ لِيَفِيئُوا إِلَى أَمْرِكَ وَأَمْهَلْتَهُمْ ثِقَةً بِدَوَامِ مُلْكِكَ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ خَتَمْتَ لَهُ بِهَا وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ(٦٢٤) خَذَلْتَهُ لَهَا كُلُّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى ظِلِّكَ (٦٢٥) وَأُمُورُهُمْ آئِلَةٌ إِلَى أَمْرِكَ لَمْ يُهَنْ عَلَى طُولِ مُدَّتِهِمْ سُلْطَانُكَ وَلَمْ يُدْحَضْ لِتَرْكِ مُعَاجَلَتِهِمْ بُرْهَانُكَ حُجَّتُكَ قَائِمَةٌ لَا تَحُولُ وَسُلْطَانُكَ ثَابِتٌ لَا يَزُولُ فَالْوَيْلُ الدَّائِمُ لِمَنْ جَنَحَ عَنْكَ وَالْخَيْبَةُ الْخَاذِلَةُ لِمَنْ خَابَ مِنْكَ وَالشَّقَاءُ الْأَشْقَى لِمَنِ اغْتَرَّ بِكَ مَا أَكْثَرَ تَصَرُّفُهُ فِي عَذَابِكَ وَمَا أَطْوَلَ تَرَدُّدَهُ فِي عِقَابِكَ وَمَا أَبْعَدَ غَايَتَهُ مِنَ الْفَرَجِ وَمَا أَقْنَطَهُ مِنْ سُهُولَةِ الْمَخْرَجِ عَدْلًا مِنْ قَضَائِكَ لَا تَجُورُ فِيهِ وَإِنْصَافاً مِنْ حُكْمِكَ لَا تَحِيفُ عَلَيْه (٦٢٦).
وههنا معنى الظل لعله ما فوق الجنة والنار وهو عالم الأمر، مع أن الجنة قد وصفت بأنها من عالم الأمر.
عالم الأظِلة ونفخ الروح:
الأظلة معنى الاستظلال تحت العرش:
١ - وفِيِ صحيح معاوية بن عمّار عَنْ جعفر عَنْ أبيه عَنْ جدّه (عليهم السلام)، قَالَ: «قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي لَقَدْ مثّلت لي أمتي فِي الطين حَتّى رأيت صغيرهم وكبيرهم أرواحاً قبل أنْ تخلق الأجساد وَإنِّي مررتُ بك وبشيعتك فاستغفرت لكم، فَقَالَ علي (عليه السلام): يا نبي الله زدني، قَالَ: نعم يا علي تخرج أَنْتَ وشيعتك مِنْ قبوركم ووجوهكم كالقمر ليلة البدر، وَقَدْ فرّجت عنكم الشدائد وذهبت عنكم الأحزان تستظلون تحت العرش، يخاف الناس ولا تخافون ويحزن الناس ولا تحزنون وتوضع لكم مائدة والنَّاس فِي الحساب»(٦٢٧).
وفي هَذِهِ الصحيحة:
١ - تصريح بأنَّ أخبار الطّينة ونشأة الطينة تعني عوالم الأرواح قبل أنْ تكون عوالم الأجسام لأن التمثل في الطين أرواحا كما وصفه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وعلى هذا التصريح يبين أن أخبار الطينة جلها وارد في طينة الأرواح وليس الطينة الأرضية الجسدية الغليظة، كما أن مروره (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالكينونة والجسد الظلي لعلي (عليه السلام) وشيعته، ثمَّ ربط ذيل الرِّوَايَة بصدرها، حَيْثُ الاستظلال تحت العرش يَوُم القيامة يقرب كون ذَلِكَ الاستظلال ذا صلة بعالم الأظِلَّة؛ لِأنَّ مادّتهم مِنْ الظل. كَمَا أنَّهُم موصوفون بظلّ تحت العرش وعالم الأظِلَّة كَمَا مَرَّ دون العرش، ويناسبه الخروج من القبر إذا أريد منه ترك الجسد الغليظ الأرضي والبقاء بجسد الأظلة.
٢ - يظهر مِنْ ذيل الرِّوَايَة أنَّ الاستظلال تحت العرش إذَا كَانَ بمعنى عالم الأظِلَّة تحت العرش فيصفو عَنْ الشدائد والهموم والانتقال والأحزان بخلاف العوالم الجسمانية الثقيلة والغليظة، فَكُلّما تنزل العالم كُلّما ازداد العناء والثقل والعبء فيه أكثر كَمَا يشير إليه قوله تَعَالَى فِي وصف جنّة آدم مقابل هبوطه إلى الأرْض: ﴿فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى﴾(٦٢٨).
٣ - أن معنى تحت العرش هو عالم الأظلة أيضاً وهو إشارة الى القرب من العرش عروجاً.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يَقُولُ: لَمَّا أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَءٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا سَأَلُونِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّ اسْمَ عَلِيٍّ أَشْهَرُ فِي السَّمَاءِ مِنِ اسْمِي فَلَمَّا بَلَغْتُ السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ فَنَظَرْتُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ (عليه السلام) (فَقَالَ لِي) يَا مُحَمَّدُ [مَا فَعَلَ عَلِيٌّ قُلْتُ يَا حَبِيبِي وَمِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ عَلِيّاً؟ قَالَ يَا مُحَمَّدُ وَ] مَا خَلَقَ اللهُ تَعَالَى خَلْقاً إِلَّا وَأَنَا أَقْبِضُ رُوحَهُ بِيَدِي مَا خَلَا أَنْتَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَإِنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمَا بِقُدْرَتِهِ فَلَمَّا صِرْتُ تَحْتَ الْعَرْشِ [نَظَرْتُ] إِذَا أَنَا بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) وَاقِفٌ تَحْتَ عَرْشِ رَبِّي فَقُلْتُ يَا عَلِيُّ سَبَقْتَنِي فَقَالَ لِي جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ (مَنِ الَّذِي تُكَلِّمُهُ) قُلْتُ هَذَا أَخِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ لَيْسَ هَذَا عَلِيّاً بِنَفْسِهِ وَلَكِنَّهُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ خَلَقَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى صُورَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) فَنَحْنُ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ كُلَّمَا اشْتَقْنَا إِلَى وَجْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام) زُرْنَا هَذَا الْمَلَكَ لِكَرَامَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَنَسْتَغْفِرُ اللهَ لِشِيعَتِهِ (٦٢٩).(٦٣٠) 
ومفاده:
١. إن عروجه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وصيرورته تحت العرش قد يشير الى العروج الروحي في تلك الطبقة لا سيما وأنه عرضت ومثلت له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمته في الطين حينذاك كما في بعض الروايات. ٢. قد مر أن عدم تمكن عزرائيل ملك الموت من قبض روح النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والوصي (عليه السلام) إنما هو بلحاظ أرواحهما العالية لا الطبقات النازلة من أرواحهما، كما أن أعوان ملك الموت أنما يتولون قبض الطبقات السفلية من أرواح الموتى، وأما الأرواح العالية من الموتى فيتولى عزرائيل قبضها، وأما ما فوقه فليس يسند إليه بل الى الاسم الإلهي.
تسمية وإطلاق عالم الذر والميثاق والطينة كل على الآخر وتعدد عوالم الذر كعوالم الميثاق والطينة:
قَدْ سبق فِي تضاعيف المقالات العديدة السابقة الإشارة إلى إطلاق عالم الميثاق عَلَى عوالم الطينة والعكس كَذَلِكَ، وكذلك إطلاق عوالم الطّينة عَلَى عالم الميثاق، وبالتالي تعدّد تلك العوالم كَمَا أنَّ الحال فِي عالم الذّر مَعَ عنواني الميثاق والطّينة كَذَلِكَ.
١ - وفِي معتبرة علي بن معمر عَنْ أبيه، قَالَ سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عَنْ قول الله (عَزَّ وجَلَّ)، ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ قَالَ: «يعني به مُحمَّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حَيْثُ دعاهم إلى الإقرار بالله فِي الذَّر الأول»(٦٣١).
ولا يخفى أنْ تقييد الذَّر بالأوَّل أمَّا بمعنى السابق أو بمعنى العدد، مقابل الثَّانِي أو الثَّالِث، وهلم جرا، فَهُوَ يشير إلى تعدّد عالم الذَّر.
ولَعَلَّ وجه تسمية عالم الأظِلَّة والميثاق بالذَّر أنَّ اجتماع الأرواح بأجسام شفّافة لطيفة هو عَلَى صعيد واحد، بخلافه في عالم الأجسام كالدُّنيا فَإنَّهُ فوج بَعْدَ فوج وجيل بَعْدَ جيل مما يوجب تمثل المشهد فِي عالم الذَّر والطّينة بالكم الهائل المجتمع، فيترائى كُلّ عنصر فيه مثل ذر النجوم فِي أشكال البروج فِي بحر السَّماء. والحديث دال على التكليف في العوالم السابقة العلوية والتي ستكون لاحقة مآبا، وقد بعث النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه نذيرا للخلائق.
ورواها القُمِّي في تفسيره بطريق آخر مُعتبر عَنْ علي بن معمّر عَنْ أبيه، قَالَ سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ قَالَ: «إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لما ذرأ الخلق فِي الذَر الأوَّل فأقامهم صفوفاً قدّامه بعث محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فآمن به قوم وأنكر قوم، فَقَالَ الله ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الأُولَى﴾ يعني به محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، حَيْثُ دعاهم إلى الله (عَزَّ وجَلَّ) فِي الذَّر الأول»(٦٣٢).
وفي هَذِهِ الرِّوَايَة إشارة صريحة إلى اجتماع الأرواح جميعاً فِي صعيد واحد.
الطواف بالعرش العروج الروحي والأظلة:
عروج أرواحهم (عليهم السلام) للعرش:
١ - روى فِي بصائر الدرجات بسنده عَنْ المفضل عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام) قَالَ: قَالَ لي أبو عبد الله (عليه السلام) ذَاتَ يَوُم وَكَانَ لا يكنيني، قبل ذَلِكَ: «يا أبا عبد الله» فقلتُ: لبيك جُعلت فداك، قَالَ: «إنَّ لنا فِي كُلّ ليلة جمعة سروراً» قلتُ: زادك الله وما ذاك؟ قَالَ: قَالَ: «إنَّهُ إذَا كَانَ ليلة الجمعة وافى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العرش ووافى الأئمة معه ووافينا معهم فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا إلَّا بعلم مُستفاد ولولا ذَلِكَ لنفد ما عندنا»(٦٣٣).
٢ - روى فِي البصائر بِسَنَدٍ عَنْ الحسن بن العباس بن حريش عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأناً مِنْ الشأن» قلتُ جُعلت فداك، أيّ شأن؟ قَالَ: «تؤذن للملائكة والنبيين والأوصياء الموتى وأرواح الأوصياء والوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السَّماء فيطوفون بعرش ربّها أسبوعاً وَهُمْ يقولون: سبّوح قدّوس ربّ الملائكة والرُّوُح، حَتّى إذَا فرغوا صلّوا خلف كُلّ قائمة لَهُ ركعتين، ثمَّ ينصرفون فتنصرف الملائكة بما وضع الله فيها مِنْ الاجتهاد شديداً إعظامهم لما رأوا، وَقَدْ زيد فِي اجتهادهم وخوفهم مثله وينصرف النبيّون والأوصياء وأرواح الأحياء شديداً حبّهم وَقَدْ فرحوا أشد الفرح لأنفسهم ويصبح الوصي والأوصياء قَدْ ألهموا إلهاماً مِنْ العلم علماً جمّاً مثل جم الغفير لَيْسَ شيء أشدّ سروراً منهم، أُكتُم فوالله لهذا أعزّ عِنْدَ الله مِنْ كذا وكذا عندك حصنة، قَالَ: يا محبور والله ما يلهم الإقرار بما ترى إلَّا الصالحون، قلت: والله ما عندي كثير صلاح، قَالَ: لا تكذب عَلَى الله فَإنَّ الله قَدْ سمّاك صالحاً، حَيْثُ يقول ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ﴾ يعني: الَّذِيْنَ آمنوا بنا وبأمير المُؤْمِنِين وملائكته وأنبيائه وجميع حججه عَلَيْهِ وَعَلَى مُحمَّد وآله الطَّيْبِين الطَّاهِرين الأخيار الأبرار السلام»(٦٣٤).
٣ - روى فِي بصائر الدرجات بِسَنَدِهِ عَنْ أبي يحيى الصنعاني عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «يا أبا يحيى إنَّ لنا فِي ليالي الجمعة لشأناً مِنْ الشأن» قَالَ: فقلتُ لَهُ: جُعلت فداك: وما ذَلِكَ الشأن؟ قَالَ: «يؤذن لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الذي بين ظهرانيكم يعرج بها إلى السَّماء حَتّى توافي عرش ربها فتطوف به أسبوعًا وتصلّي عِنْدَ كُلّ قائمة مِنْ قوائم العرش ركعتين، ثمَّ ترد إلى الأبدان الَّتِي كانت فيها فتصبح الأنبياء والأوصياء قَدْ ملئوا وأعطوا سروراً ويصبح الوصي الذي بين ظهرانيكم وَقَدْ زيد فِي علمه مثل جم الغفير»(٦٣٥).
بيان هَذِهِ الرِّوَايات ضمن نقاط:
الأولى: وهذه الرواية صريحة في أن أرواح الأنبياء والأوصياء في البرزخ لها خروج من أجسادها البرزخية ويعرج بها الى العرش ويحتمل كون هذا العروج فوق عالم الجنة والآخرة الأبدية، مما يشير أن الأرواح في البرزخ بما لها من أجساد هناك لها مفارقة لتلك الأبدان وعودها إليها، كما أن النفخ في الصور إماتة لكل طبقات الأجسام الأرضية والسماوية للشخص الواحد والظاهر أن مرارة نزع الروح من الأجسام الألطف أشد طامة من الجسم الأرضي كما تشير اليه روايات نزع روح الملائكة المقربين ومنهم عزرائيل، وكأنه لذلك وصف جبرائيل ما بعد الموت الأول أطمّ فأطمّ.
الثانية: إنَّهُم (عليه السلام) لهم عروج إلى العرش كُلّ ليلة جمعة وَهُوَ عروج روحاني، وَلَعَلَّ المُراد به الطواف بقوائم العرش إذْ العرش طبقات كَمَا مَرَّ.
الثالثة: العروج الروحاني الذي يَتِمُّ لهم فِي ليلة الجمعة يُغاير العروج الجسماني بالجسم الأرضي الذي حصل لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فِي حياته الشريفة، وَقَدْ روي عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «عرج بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى السَّماء مائة وعشرين مَرَّة»(٦٣٦) لا فِي أصل الجسمية فَإنَّ الرُّوُح كَمَا نقّحنا فِي مباحث الأظِلَّة والأشباح هِيَ ذَاتَ جسم لطيف، كَمَا فِي رواية الاحتجاج وروايات أُخرى تقدّمت فِي مبحث حقيقة الرُّوُح، بَلْ التغاير فِي العروج بالجسم الغليظ الثقيل الدنيوي، وَمِنْ ثمَّ قوله (عليه السلام): «إنَّ الأئمة يوافون العرش كَمَا يوافي رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)» ثمَّ قَالَ (عليه السلام) «فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا» دلالة عَلَى أنَّ المعراج المزبور روحاني لا جسماني أيّ بالجسم اللطيف للروح لا جسماني بالجسم الغليظ.
الرابعة: إنَّ ظاهر قوله (عليه السلام) «وافى رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) العرش ووافى الأئمة (عليهم السلام) معه ووافينا معهم فلا تردّ أرواحنا إلى ابداننا إلَّا بعلم مُستفاد».
إنَّ العروج الروحاني لَيْسَ بالجسم البرزخي بَلْ بطبقات الرُّوُح بحسب طبقات تعدّد الأبدان لطافةً، كَمَا اتَّضح وتبيّن تعدّد طبقات الرُّوُح بحسب تعدّد طبقات البدن، وَهُوَ بحسب تعدّد الطّينة للبدن لطافةً بدرجات متفاوتة بحسب تعدّد عوالم الطّينة.
الخامسة: ويُحتمل فِي قوله «فلا تردّ أرواحنا إلى أبداننا» كون المُراد مِنْ ضمير الجمع لَيْسَ فَقَطْ بحسب مجموع أهل البيت (عليهم السلام)، بَلْ لَعَلَّ المُراد إضافةً إلى ذَلِكَ هُوَ تعدّد أرواح كُلّ واحد مِنْ الأئمة (عليهم السلام) وتعدّد أبدانه.
فالعروج الروحاني يَتِمُّ لِكُلِّ واحدٍ منهم (عليهم السلام) بخلع الروحٍ للبدن الذي تعلّقت به ثمَّ تخلع البدن الألطف مِنْهُ، ثمَّ تخلع ما هُوَ فوق ذَلِكَ لطافةً وهلم جرا.
ولك أنْ تقول أنَّ الرُّوُح تخلع الأبدان الأدنى فالأعلى ثمَّ الأكثر علواً وبذلك يَتِمُّ العروج الروحي الروحاني.
السادسة: قَدْ نصَّ فِي الرِّوَايَة الثَّالثة عَلَى أنَّ العروج هُوَ لأرواح الأنبياء الموتى وأرواح الأوصياء الموتى وروح الوصي الحيّ، وكذلك لطائفة من الملائكة، أيّ أنَّ العروج روحي روحاني للأرواح فِي الموارد الثلاث والتعبير بالأرواح وإضافته إلى الثلاثة إشارة إلى موازاة فِي طبقة الرُّوُح الَّتِي يعرج بها فِي الموارد الثلاث، ثمَّ قَدْ نصَّ فِي الرِّوَايَة الثَّالثة أنَّ أرواح الأصناف الثلاثة تردّ إلى الأبدان فيصبح كُلّ صنف قَدْ ملئ وزيد علما أو اجتهاداً في الخضوع.
مما يبيّن أنَّ أرواح الموتى هِيَ الأُخرى تخلع أبدانها ليحصل لها عروج وأنَّ العروج يستلزم خلع البدن البرزخي وما فوقه مِنْ الأبدان اللّطيفة، وأنَّ هَذَا العروج خلع لطبقات مِنْ الأبدان.
السَّابعة: لا يخفى أنَّ المُراد ههنا قد يكون طبقة من العرش هُوَ العرش الجسماني كعرش عالم الجسمانيات لا العرش النوري، وإن كان النوري أيضاً روحي عالي ونوري بالقياس لما دونه، فَقَدْ وَرَدَ إطلاق العرش عَلَى مواطن وموارد ومعاني عديدة.
الثامنة: إنَّهُ كَمَا لأرواح النبيين والأوصياء مِنْ بني آدم عروج إلى العرش، فَإنَّ هُنَاك للملائكة المُقرّبين أيضاً عروج، وَمُقْتَضَى هَذَا أيضاً أنَّ للملائكة طبقات مِنْ البدن والرُّوُح كَمَا أُشير إليه فِي مبحث نفخ تعدّد طينات الأرواح، وَمِنْ ثمَّ كَانَ للملك كالإنسان إحياءٌ بأنْ ينفخ بروحه فِي طينة بدنه وطينات أبدانه، كَمَا أنَّ للملائكة موت وإماتة غاية الأمر لَيْسَ لهم أبدان غليظة ثقيلة، بَلْ أبدانهم شفّافة لطيفة غَيْر مرئية بالحواس الظاهرة.
الفرق بين العروج والموت:
التاسعة: إنَّ روايات هَذَا الباب قَدْ تكرّر التصريح فيها أنَّ أرواح الأنبياء والأوصياء يعرج بها، أيّ أنَّ العروج لَيْسَ بقدرتها بمفردها بَلْ بإعانة، إما من الأرواح الأمرية كما يشير قوله تعالى لنزول وعروج الملائكة «ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده».
عروج روح المؤمن أو الإنسان فِي المنام:
١ - روى الصَّدُوق فِي أماليه بِسَنَدِهِ عَنْ الحسن بن محبوب، عَنْ مُحمَّد بن القاسم النوفلي، قَالَ: قلتُ لأبي عبد الله الصَّادِق (عليه السلام)، المؤمن يرى الرؤيا فتكون كَمَا رآها، وربما رأى الرؤيا فلا تكون شيئاً؟ فَقَالَ: «إنَّ المؤمن إذَا نام خرجت مِنْ روحه حركة ممدودة صاعدة إلى السَّماء، فَكُلّ ما رآه روح المؤمن فِي ملكوت السَّماء فِي موضع التقدير والتدبير فَهُوَ الحَقّ، وَكُلّ ما رآه فِي الأرْض فَهُوَ أضغاث أحلام...»(٦٣٧) الحديث.
١ - وَتَدُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَة أنَّ الحالة المنامية للإنسان عموماً تتضمّن عروج للروح الإنسانية لا سيما روح المؤمن الَّتِي هِيَ ذَاتَ أرواح مِنْ عوالم علوية أكثر درجة لطافة.
٢ - إنَّ هَذَا العروج كَمَا سيأتي فِي الروايات اللاحقة متفاوت بين الأرواح بحسب الأشخاص وكمالات هوياتهم الشخصية.
٣ - إنَّ أصل العروج للروح الإنسانية يقتضي تكامل الرُّوُح إلَّا أنَّ هَذَا التكامل متفاوت بين الأرواح بحسب طبقات هَذَا العروج، وَقَدْ مَرَّ أنَّ عروج الأنبياء والأوصياء والملائكة المُقرّبين يصل للعرش بخلاف عروج المؤمن، فَإنَّهُ إمَّا إلى السَّماء، كَمَا سيأتي فِي روايات لاحقة أو إلى درجة مِنْ درجات القرب الَّتِي دون العرش.
٤ - أن التقدير والتدبير هو تصوير للأشياء بأجسامها السماوية اللطيفة قبل وقوع ونفوذ وإبرام القضاء في الأرض، مما يشير الى أن التقدير والقضاء وصف لكل عالم فوقي جسماني ألطف يتم تصوير وتقدير وتدبير العالم الأسفل بتوسطه.
٢ - مرسلة جامع الأخبار فِي البحار عَنْ أبي الحسن (عليه السلام) يقول: «إنَّ المرء إذَا نام فَإنَّ روح الحيوان باقية فِي البدن، وَالَّذِيْنَ يخرج مِنْهُ روح العقل» فَقَالَ عبد الغفّار الأسلمي: يقول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾، أفليس ترى الأرواح كُلَّهَا تصير إليه عِنْدَ منامها فيمسك ما يشاء؟ فَقَالَ لَهُ أبو الحسن (عليه السلام): «إنَّما يصير إليه أرواح العقول، فَأمَّا أرواح الحياة فَإنَّها فِي الأبدان لا يخرج إلَّا بالموت، ولكنَّهُ إذَا قضى عَلَى نفسٍ الموت قبض الرُّوُح الذي فيه العقل، ولو كانت روح الحياة خارجة لكان بدناً مُلقىً لا يتحرك. وَلَقَدْ ضرب الله لهذا مثلاً فِي كتابه فِي أصحاب الكهف، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أفلا ترى أنَّ أرواحهم فيهم بالحركات»(٦٣٨).
ويُستفاد مِنْ الرِّوَايَة نقاط:
الأُولى: إنَّ العروج لبعض أراوح من الإنسان فِي المنام ولَيْسَ لكُلّ أرواح الإنسان المودعة فيه، وَإنَّما هُوَ مِنْ نصيب الأرواح العالية لَهُ، فَكُلّ روح تعرج إلى عالمها وبحسب طبقتها فروح العقل يعرج ويصير للحضرة العقلية، وأمَّا روح الحيوان وَهُوَ روح الحياة الحيوانية أو الرُّوُح النباتية، فَهِيَ باقية فِي البدن لا يكون لها نصيب عروج، نعم لها عروج فِي الموت لا فِي النوم، والموت - كَمَا مَرَّ - نوم عميق شديد من جنس الموت، والموت بالمعنى الأعم جنس للنوم أيضاً.
ثانياً: إنَّهُ (عليه السلام) قَالَ: تارة: «روح العقل» وتارة أُخرى «الرُّوُح الذي فيه العقل» والتعبير الأوَّل قَدْ يفيد أنَّ العقل مِنْ طبقات الرُّوُح العالية، كَمَا فِي الرِّوَايَة إنَّهُ مِنْ خلق الروحانيين، بَيْنَمَا التعبير الثَّانِي يفيد أنَّ العقل كنور ووجود مجرّد عَنْ جسم الروح الحيوانية والنباتية لَهُ تعلّق بطبقات الأرواح العالية، ونظير هَذَا التنوّع فِي البيان وَرَدَ فِي تعريف ماهية رُوُح القُدُس حَيْثُ وَرَدَ فِي الآيات والروايات عنهم (عليهم السلام) «إنَّهُ لَيْسَ مِنْ جنس الملائكة وَأنَّهُ مِنْ عالم الأمر كُنْ فيكون»، بَيْنَمَا ورد فِي روايات أُخرى أنَّهُ مِنْ الروحانيين وَأنَّهُ روح وإنْ كَانَ أمرياً، والظاهر أن المراد بالنور وصف إضافي لا حقيقي مطلق، كما مرت الإشارة الى أن الوصف بالنور له عدة معاني مستعملة، بل إن عالم الأمر وروح الأمري هو الآخر من عالم الأجسام مادام دون العرش، إلا أنه من اللطافة الشديدة بدرجة يحسبه العوالم التي دونه أنه مجرد عن الجسمية، مضافا الى التراخي في فعله الذي تفيده الفاء في ﴿كُن فَيَكُونُ﴾.
ونظير ذَلِكَ التنوّع فِي التعبير فِي تقسيم وتنويع أنواع الملائكة أنَّ هُنَاك ملائكة روحانيين وكروبيين يحملون العرش وملائكة فِي السماوات سماويون، وَهُنَاك ملائكة أرضيون، كُلّ ذَلِكَ يشير إلى اختلاف طبقات الملائكة والأرواح اختلافاً شديداً بدرجة متفاوتة تقترب مِنْ درجة التفاوت بين عالم الخلق وعالم الأمر والخلق الجسماني التقديري.
ويشير أيضاً إلى أنَّ الطبقة العالية المُتعالية مِنْ أصناف وأنواع الرُّوُح ذَاتَ الأجسام اللطيفة جداً مِنْ فوق علّيين، لا سيّما مِنْ طينة العرش ألصق بعالم الأمر ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ تعلّقاً وتأثيراً(٦٣٩).
وفي رواية المناقب: إنَّ الله تعالى خلق الرُّوُح وجعل لها سلطاناً فسلطانها النفس، فإذا نام العبد خرج الرُّوُح وبقي سلطانه(٦٤٠).
فأطلق عَلَى المراتب النازلة مِنْ الأرواح (النفس وَعَلَى المراتب العالية الرُّوُح، وَهَذَا المعنى هُوَ أحد معاني استعمالات النفس لا سيما إذَا قوبل مَعَ عنوان الرُّوُح.
٣ - رواية عبد الله بن مُحمَّد بن عمر بن أبي طالب وَهِيَ كالمعتبرة، عَنْ أبيه عَنْ جدّه عَنْ علي (عليه السلام)، قَالَ: سألت رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «عَنْ الرجل ينام فيرى الرؤيا، فربما كانت حقاً، وربما كانت باطلاً» فَقَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «يا علي، ما مِنْ عبد ينام إلَّا عرج بروحه إلى رب العالمين فما رأى عِنْدَ رب العالمين فَهُوَ حق، ثمَّ إذَا أمر الله العزيز الجبّار برد روحه إلى جسده فصارت الرُّوُح بين السَّماء والأرض، فما رأته فَهُوَ أضغاث أحلام»(٦٤١).
١ - والعنوان فِي هَذِهِ الرِّوَايَة غَيْر مقيّد بالمؤمن بَلْ غَيْر مقيّد بالإنسان أيضاً، بَلْ يشمل كُلّ كائن ذي روح.
٢ - كَمَا أنَّهُ قَدْ جعل منتهى العروج القرب الإلهي، وَهِيَ محتملة الانطباق عَلَى ما تَقَدَّمَ مما حدّد فيه منتهى العروج بالسماء، كَمَا أنَّهُ يحتمل المُراد اختلاف حدّ هَذَا المنتهى بحسب اختلاف الأرواح باختلاف الأشخاص كَمَا مَرَّ، كَمَا أنَّهُ يحتمل كون السَّماء جنس للسموات السَّبع، كَمَا أنَّهُ يحتمل أنْ يكون إشارة إلى مطلق العوالم العلوية أعم مِنْ السماوات.
وجه الجمع بين الروايات الثلاثة:
٣ - الرؤيا الصادقة قَدْ مَرَّ فِي رواية الصَّدُوق إنَّ ما يرى ما فِي ملكوت السماوات فِي موضع التقدير والتدبير، وما يراه مِنْ رؤى كاذبة أضغاث أحلام هو ما بين السَّماء والأرض، وفي رواية المناقب لابن شهر آشوب، قَالَ (عليه السلام): «فإذا نام العبد خرج الرُّوُح وبقي سلطانه فيمر به الجيل مِنْ الملائكة وجيل مِنْ الجنّ فمهما كَانَ مِنْ الرؤيا الصادقة فَمِنْ الملائكة ومهما كَانَ مِنْ الرؤيا الكاذبة فَمِنْ الجنّ»(٦٤٢)، وهذا يطابق رواية أمالي الصدوق التي مرت، فإن التقدير والتدبير بفعل الملائكة كما أن ما بين السماء والأرض منطقة لتصرف الجن.
وفي مرسلة أُخرى لجامع الأخبار عَنْ أبي جعفر (عليه السلام): «قَالَ إنَّ العباد إذَا ناموا خرجت أرواحهم إلى سماء الدُّنْيَا فما رأت الرُّوُح فِي السَّماء الدُّنْيَا فَهُوَ الحَقّ وما رأت فِي الهواء فَهُوَ الأضغاث»(٦٤٣).
وَهَذِهِ المرسلة تبين أنَّ أقصى عروج سائر العباد فِي النوم سماء الدُّنْيَا الأولى، وَهَذَا مما يُؤكِّد اختلاف طبقات عروج الأرواح بحسب اختلاف طبقات الأرواح باختلاف الأشخاص فتختلف طبقات العروج للأرواح كَمَا مَرَّ.
حقيقة الروح وطبقات الأرواح بحسب عالم الأظلة والأشباح:
اللسان الأول:
١ - قَالَ النَّبِيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ»(٦٤٤).
٢ - وقَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): «إِنَّ اللهَ تَعَالَى آخَى بَيْنَ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَظِلَّةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَبْدَانَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، فَلَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَرِثَ الْأَخُ الَّذِي آخَى بَيْنَهُمَا فِي الْأَظِلَّةِ، وَلَمْ يَرِثِ (٦٤٥) الْأَخُ مِنَ الْوَلَادَةِ»(٦٤٦). وسيأتي أن التآخي بينها بلحاظ المادة والصورة التي خلقت منها الأرواح فإن أرواح المؤمنين خلقت مادة جسمها اللطيف من طين الجنة وصورتها من روح الجنة، وكذلك أرواح الكفار خلقت من طين النار وصورتها من أسفلها، كما أن هناك معنى آخر لإخوة الأرواح وهو خلقها من روح واحدة عظيمة.
٣ - وقَالَ (عليه السلام): «إِنَّ الْأَرْوَاحَ لَتَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فَتَعَارَفَ فَتَسَاءَلَ، فَإِذَا أَقْبَلَ رُوحٌ مِنَ الْأَرْضِ قَالَتِ الْأَرْوَاحُ: دَعُوهُ (٦٤٧) فَقَدْ أَفْلَتَ مِنْ هَوْلٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ سَأَلُوهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَمَا فَعَلَ فُلَانٌ، فَكُلَّمَا قَالَ قَدْ بَقِيَ رَجَوْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ، وَكُلَّمَا قَالَ قَدْ مَاتَ قَالُوا هَوَى هَوَى».(٦٤٨) وسيأتي بيان الهواء كملتقى للأرواح، سواء قبل نفخها في أبدانها الأرضية في الأصلاب والأرحام، أو بعد خروجها من الجسد بالموت أو في المنام.
٤ - وَعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) قَالَ: الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ تَلْتَقِي فَتَتَشَامُّ كَمَا تَتَشَامُّ الْخَيْلُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ وَلَوْ أَنَّ مُؤْمِناً جَاءَ إِلَى مَسْجِدٍ فِيهِ أُنَاسٌ كَثِيرٌ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَمَالَتْ رُوحُهُ إِلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيْهِ (٦٤٩)(٦٥٠) 
ومفاد الرواية بيّن في كون الأرواح ذات جسم لطيف وذات إحساس ألطف خفي.
٥ - وعَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: تَنَفَّسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قُلْتُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ هَمٌّ يُصِيبُنِي مِنْ غَيْرِ مُصِيبَةٍ تُصِيبُنِي أَوْ أَمْرٍ يَنْزِلُ بِي حَتَّى تَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلِي فِي وَجْهِي وَيَعْرِفُهُ صَدِيقِي فَقَالَ نَعَمْ يَا جَابِرُ قُلْتُ مَا ذَلِكَ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ قَالَ وَمَا تَصْنَعُ بِهِ قُلْتُ أُحِبُّ أَنْ أَعْلَمَهُ فَقَالَ يَا جَابِرُ إِنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينِ الْجِنَانِ وَأَجْرَى بِهِمْ مِنْ رِيحِ (٦٥١) الْجَنَّةِ رُوحَهُ فَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَإِذَا أَصَابَ رُوحاً مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ فِي بَلْدَةٍ مِنَ الْبُلْدَانِ شَيْءٌ حَزِنَتْ [خَرِبَتْ] هَذِهِ الْأَرْوَاحُ لِأَنَّهَا مِنْهَا(٦٥٢).
 ٦ - وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ لِأَنَّ اللهَ (عَزَّ وجَلَّ) خَلَقَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ طِينِ الْجِنَانِ وَأَجْرَى فِي صُوَرِهِمْ مِنْ رِيحِ الْجِنَانِ فَلِذَلِكَ هُمْ إِخْوَةٌ لِأَبٍ وَأُمٍ (٦٥٣)(٦٥٤) فيكون أمه مادته طين الجنة وأبوه صورته ريح الجنة وروحها، وربما العكس.
أي أن مادة الروح بما هي جسم لطيف هي من طينة الجنة كما ورد بذلك مستفيضا في روايات الطينة، وأما صورتها الجوهرية فهي من روح الجنة أي أن الجنة لها جسم لطيف وهي مادتها ولها روح، فمادة طينة الجنة بمثابة الأم التي توفر المادة للمولود، وروحها بمثابة الأب الذي يوفر الصورة الجوهرية.
وقوله (عليه السلام) «إنَّ الأرواح لتلتقي فِي الهواء فتعارف فتساءل»(٦٥٥) وفي رواية أُخرى فِي احتجاج الصَّادِق (عليه السلام) على الزنديق، قَالَ (عليه السلام): «والرُّوُح جسم رقيق قَدْ ألبس قالباً كثيفاً»(٦٥٦).
وَمِنْ ثمَّ يعبّر فِي الروايات بـ«ولوج الرُّوُح فِي البدن» أي دخول جسم لطيف في جسم غليظ، وَهَذَا يغاَيْر ويباين مبنى ومسلك تصوّرات الفلاسفة، بَلْ إنَّ قوالب الأجسام اللّطيفة للروح قبل نشأة الدُّنْيَا - كَمَا فِي روايات الأظِلَّة والأشباح - قوالب بطبقات جسمانية عديدة مختلفة لطافةً وكثافةً، فَكُلّما نزلت مِنْ عالم أعلى إلى عالم أدنى ازدادت كثافة أو أُدخلت فِي قالب يتناسب كثافةً مَعَ العالم الأنزل إلى أنْ تلج فِي عالم البدن الدنيوي، وَهَذَا كَمَا مَرَّ لَيْسَ بمعنى البُعد المُجَرَّد فِي ذَاتَ الإنسان وَهُوَ النُّور، بَلْ إنَّما هُوَ بلحاظ الرُّوُح وَهِيَ أنزل مرتبة مِنْ النُّور، وإنْ كَانَ بين أعلى مراتب الرُّوُح وَالنُّور نحو ارتباط وجودي أيضا، بل قد مر أن المراتب الأشد لطافة للروح بالقياس الى الأنزل الغليظة تعد نورا.
وأمَّا قوله (عليه السلام) «فِي الهواء» فقد حررنا في مباحث هذه الأبواب أنه يطلق على عوالم عديدة منها ما دون السماء الأولى ومنها ما يعلو السماء السابعة بل يعلو الجنة ودون العرش ومنها ما هو فوق العرش وسابق عليه، فَلَيْسَ المُراد به هواء الأرْض بَلْ الظاهر أن المراد به أحد عوالم الخلقة المُحيط بعالم الدُّنْيَا أي ما دون السماء الأولى أو يحيط بالسماوات السَّبع، لاسيما أنَّ تفاوت النسبة بين كُلّ سماء وسماء بنسب عظيمة هائلة فِي التعاظم والكبر كثافة ولطافة وشفافية.
٧ - ورَوُى الكُليني بِسَنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَعْفَرِيِ (٦٥٧) عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) وَعَنْ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَخَلَقَ مَا أَحَبَّ مِمَّا أَحَبَّ وَكَانَ مَا أَحَبَّ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ الْجَنَّةِ وَخَلَقَ مَا أَبْغَضَ مِمَّا أَبْغَضَ وَكَانَ مَا أَبْغَضَ أَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينَةِ النَّارِ ثُمَّ بَعَثَهُمْ فِي الظِّلَالِ فَقُلْتُ وَأَيُّ شَيْءٍ الظِّلَالُ قَالَ أَ لَمْ تَرَ إِلَى ظِلِّكَ فِي الشَّمْسِ شَيْءٌ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ثُمَّ بَعَثَ اللهُ فِيهِمُ النَّبِيِّينَ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِالله»(٦٥٨) الحديث.
بيان الحديث:
١ - مفاد الرواية وأمثالها من روايات الطينة المستفيضة مبين في كون عالم الأظلة دون عالم الجنة الأخروية، وإن كان فوق عالم القيامة، حيث أن خلقة أرواح المؤمنين من طينة الجنة، نعم يحتمل تعدد عالم الأظلة بحسب تعدد الطينات كما هو مفاد روايات الطينة الكثيرة، وأن بعضها مما فوق الجنة. ٢. (ثم بعثهم) أي نفخ روحا في تلك الطينة، كما يطلق البعث للأجساد في القبور الأرضية بأن ينفخ فيها الأرواح، وهذا دال على تعدد النفخ وتعدد البعث وتعدد الإحياء، وتعدد الموت والإماتة، بحسب العوالم وطبقات أجسامها لطافة وكثافة، ولا يبعد تعدد القيامة بهذا اللحاظ، لاسيما وأن الموت يسمى قيامة صغرى والرجعة قيامة صغرى، فتكون القيامة كبرى بالقياس الى ما دونها، وإلا فإن هناك قيامة أكبر وقيامات كبريات فوقها وفوق الجنة.
قاعدة قبلية خلق الأجسام الأخروية على الدنيوية:
٢ - إنَّ قوله (عليه السلام) «خلق ما أحب مِنْ طينة الجَنّة» إشارة إلى خلقة الأجسام الأخروية للإنسان قبل خلقة الأجسام الدنيوية؛ إذْ عنوان الخلق إشارة إلى الإيجاد الجسماني، ثمَّ تقييده بطينة الجَنّة إشارة إلى الجسم الأخروي، وَهُوَ فِي الخلقة قبل خلقة جسم عالم القيامة. كَمَا أنَّ جسم عالم القيامة خلق قبل جسم عالم الرجعة.
٣ - وقوله (عليه السلام) «ثمَّ بعثهم فِي الظلال» أيّ نفخ فِي تلك الأجسام الأخروية بأرواح، وَقَدْ أشرنا فِي موضع آخر إلى تعدّد نفخ الأرواح بحسب تعدّد طبقات الأرواح للإنسان الواحد، وتعدّد أبدان الإنسان.
٤ - قوله (عليه السلام): «فِي الظلال» أيّ أنَّ الأجسام الأخروية السابقة فِي الخلقة عَلَى الأجسام الدنيوية هِيَ مِنْ سنخ عالم الأظِلَّة، فَهِيَ تختلف تكاملاً عَن الأجسام الأخروية بَعْدَ عالم الدُّنْيَا.
٥ - وقوله (عليه السلام) فِي تعريف الأجسام الأخروية السابقة عَلَى النشأة الدنيوية والمُسمّاة بعالم الأظِلَّة وبالجسم الظلّي بأنه شيء وَلَيْسَ بشيء، إمَّا يُراد به بيان لطافة تلك الأجسام، وَأنَّها غَيْر مرئية بالحواس الظاهرة للأبدان الغليظة الدنيوية، فَهِيَ بالقياس إلى البدن الدنيوي بمثابة الرُّوُح فَمِنْ ثمَّ تحلّ وتتعلق فِي البدن الدنيوي وتنفخ فيه وتلجه ثمَّ تخرج مِنْهُ تارةً أُخرى، فيموت البدن الدنيوي وتنفخ فيه تارةً أُخرى كَمَا فِي الرجعة.
٦ - فتعدّد النفخ تارةً طوليا بحسب مراتب الوجود وطبقات عالم الأجسام والأرواح، وَأُخرى عرضيا بلحاظ النشأة الواحدة والطبقة الواحدة، هَذَا وإنْ كَانَ البدن الأخروي كَمَا مَرَّ بدوره أيضاً لَهُ روح تنفخ فيه.
٧ - فِي معتبرة أبي الجارود، قَالَ: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عرضت عليَّ أُمتي البارحة لدى هَذِهِ الحجرة مِنْ أوّلها إلى آخرها، قَالَ: قَالَ قائلٌ يا رَسُوُل الله قَدْ عُرض عليك مَنْ خُلق أرأيت مَنْ لَمْ يُخلق؟ قَالَ صوّر لي - والذي يحلف به رَسُوُل الله - فِي الطين حَتّى لأنا أعرف بهم مِنْ أحدكم [أحبكم] بصاحبه»(٦٥٩).
والمراد بالطين كما مر الطينة الأخروية من الجنة أو من النار فعرضت صور الأرواح الأخروية له (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لا الطين الأرضي ومن ثم يكون جوابا عن عرض من لم يخلق في الأرض بعد.
٨ - وفي تفسير فرات الكوفي بسنده عن عطاء بن ابي رباح عن فاطمة بنت الحسين عن ابيها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم):... ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ [النَّبِيُ] (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إِنَّ اللهَ مَثَّلَ لِي أُمَّتِي فِي الطِّينِ [الْأَظِلَّةِ] وَعَلَّمَنِي أَسْمَاءَهُمْ كَمَا عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَمَرَّ بِي أَصْحَابُ الرَّايَاتِ فَاسْتَغْفَرْتُ لِعَلِيٍّ وَشِيعَتِهِ وَسَأَلْتُ رَبِّي أَنْ يَسْتَقِيمَ أُمَّتِي عَلَى عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ] مِنْ بَعْدِي فَأَبَى رَبِّي إِلَّا أَنْ يُضِلَّ مَنْ يَشَاءُ [وَ يَهْدِيَ مَنْ يَشَاءُ] ثُمَّ ابْتَدَأَنِي [رَبِّي] فِي عَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ (عليه السلام)] بِسَبْعِ [خِصَالٍ](٦٦٠) 
ومفاد الحديث:
١. لَيْسَ المراد كَمَا يتوهَّم للوهلة الأولى أنَّ التصوير بنقش عرضي فِي الطين مِنْ تربة الأرْض، بَلْ المُراد كما مر الطينة الأخروية من الجنة أو من النار وصور الأرواح كَمَا فِي قول أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) عِنْدَمَا سُئل عَنْ أرواح الموتى، قَالَ (عليه السلام): «صور بلا مواد) أي بلا مواد أرضية، وَكَمَا فِي قوله تَعَالَى ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ﴾»(٦٦١) أي الصور وهي الأرواح ونفخها في الأجساد.
فَالمُراد بها الأرواح بالأجسام اللّطيفة وطينة عالم الأظِلَّة فَهِيَ صور جوهرية فِي الطينة الشفّافة للأجسام فِي العوالم السابقة، وفي بَعْض روايات هَذَا الباب الذي رواه فِي البصائر والكافي تعبيرهم (عليهم السلام) «إنَّ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مُثِّلت لَهُ أُمته فِي الطين فعرفهم»(٦٦٢).
والتعبير بالتمثيل أيضاً لَيْسَ هُوَ النقش العرضي بَلْ المُراد الجسم المثالي أو الأخروي بالطينة الشفّافة، وأنَّ هَذِهِ الأجسام اللّطيفة ذَاتَ الأرواح شاعرة ناطقة أخذ منها الإقرار، ففي صحيحة معاوية بن عمّار عَنْ جعفر عَنْ أبيه عَنْ جدّه (عليهم السلام) قَالَ: «قَالَ رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): يا علي لَقَدْ مثّلت لي أمتي فِي الطين حَتّى رأيت صغيرهم وكبيرهم أرواحاً قبل أنْ تخلق الأجساد وَأنَّي مررت بك وبشيعتك فاستغفرت لكم»(٦٦٣) والحديث ظاهر بقوة في المعنى الثاني.
اللِّسان الثَّانِي:
وفي صحيح أبي ولّاد الحنّاط عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: قلتُ لَهُ: جعلت فداك يروون أنَّ أراوح المُؤْمِنِين فِي حوامل طيور خضر حول العرش، فَقَالَ: «لا، المؤمن أكرم عَلَى الله مِنْ أنَّ يجعل روحه فِي حوصلة طير لكنَّ فِي أبدان كأبدانهم»(٦٦٤).
اللِّسان الثّالث:
 وَمِنْهُ: بِسَنَدٍ موثق عَنْ أبي بصير، قَالَ: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّا نتحدَّث عَنْ أرواح المُؤْمِنِين أنَّها فِي حواصل طيور خضر ترعى فِي الجَنّة وتأوي إلى قناديل تحت العرش، فَقَالَ: «لا، إذاً ما هِيَ فِي حواصل طير. قلت: فأين هِيَ؟ قَالَ: فِي روضة كهيئة الأجساد فِي الجَنّة»(٦٦٥).
اللِّسان الرَّابِع:
وَمِنْهُ: بإسناده عَنْ يونس بن ظبيان، عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «فإذا قبضه الله (عَزَّ وجَلَّ) صيّر تلك الرُّوُح فِي قالب كقالبه فِي الدُّنْيَا فيأكلون ويشربون، فإذا قدم عَلَيْهِم القادم عرفوه بتلك الصورة الَّتِي كانت فِي الدُّنْيَا»(٦٦٦). وَرَوُى الطوسي فِي الأمالي نفس الرِّوَايَة بطريق آخر(٦٦٧).
اللِّسان الخامس:
إنَّ فِي لسان جملة مِنْ الروايات الواردة فِي الميثاق فِي الباب الذي عقده بصائر الدرجات بِهَذَا العنوان والكليني فِي الكافي وغيرهما: إسكان الأرواح في الهواء قبل ولوجها الأصلاب وقبل نفخها في الأبدان الدنيوية وإنَّ بَعْدَ خلق الأرواح قبل الأبدان بألفيّ عام - عرضوا عَلَى الأئمة (عليهم السلام)(٦٦٨)، وهي الروايات المعروفة بعالم الميثاق.
إسكان الأرواح الهواء قبل نفخها في الأبدان الأرضية:
وفي بعضها كَمَا فِي رواية سلام بن أبي عمرة عَنْ عمارة: قَالَ كُنْت جالساً عِنْدَ أمير المُؤْمِنِين إذْ أقبل رجل فسلَّم عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يا أمير المُؤْمِنِين والله إنِّي لأحبك فسأله، ثمَّ قَالَ لَهُ: إنَّ الأرواح خُلقت قبل الأبدان بألفيّ عام ثمَّ أسكنت الهواء، فما تعارف منها هنالك ائتلف ههنا وما تناكر اختلف ههنا، وأنَّ روحي أنكر روحك(٦٦٩).
وفي رواية أُخرى بِسَنَدِهِ عَنْ بَعْض أصحاب أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، قوله: «فأسكنها الهواء فما تعارف ثمة...»(٦٧٠) وفي رواية ثالثة عن ابي محمد البجلي قوله (عليه السلام) فأمسكها [فأسكنها] الهواء ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَوَ اللهِ مَا مِنْهَا رُوحٌ إِلَّا وَقَدْ عَرَفْنَا بَدَنَهُ فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُكَ فِيهَا فَأَيْنَ كُنْتَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) كَانَ فِي النَّارِ.(٦٧١) 
وظاهر هَذَا اللِّسَان إنَّ الأرواح حَيْثُ خلقت مِنْ عوالم علوية بأجسام مناسبة لتلك العوالم فِي اللّطافة والكثافة، ثمَّ نفخت فِي طينة أبدان ما دونها مِنْ عوالم جسمانية أكثر كثافة نزولا طبقة بعد طبقة من الأظلة الى سماء سماء ثم الهواء، كَمَا مرّ فِي تعدّد طبقات نفخ الرُّوُح وآخر ما تنزّلت إليه الأرواح أنْ أسكنت فِي الهواء قبل أنْ تنفخ فِي أبدان الأرْض.
وفيٍ معتبرة عبد الله بن مُحمَّد الجعفي وعقبة عَنْ أبي جعفر، قَالَ (عليه السلام): «إنَّ الله خلق الخلق فخلق ما أحب مما أحب وكان ما أحب أنْ يخلقه مِنْ طينة الجَنّة وخلق مَنْ أبغض مما أبغض وَكَانَ ما أبغض أنْ يخلقه مِنْ طينة النَّار، ثمَّ بعثهم فِي الظلال...»(٦٧٢).
ومفاد هَذَا الحديث أنَّ عالم الظلال دون عالم الجَنّة وَالنَّار فِي مراتب تنزل خلقة الأرواح وَلَعَلَّهُ أحد مراتب الأظِلَّة، لما مَرَّ أنَّهُ يطلق عَلَى عوالم متعدّدة مِنْ طبقات عوالم الأرواح.
اللِّسان السَّادِس: تكرّر عروج ونزول الرُّوُح:
١ - ما رواه الصَّدُوق فِي الأمالي بِسَنَدٍ قابل للاعتبار عَنْ معاوية بن عمّار عَنْ أبي جعفر، قَالَ «إنَّ العباد إذَا ناموا خرجت أرواحهم إلى السَّماء فما رأت الرُّوُح فِي السَّماء فَهُوَ الحَقّ وما رأت فِي الهواء فَهُوَ الأضغاث، ألا وأنَّ الأرواح جنود مُجنّدة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، فإذا كانت الرُّوُح فِي السَّماء تعارفت وتباغضت، فإذا تعارفت فِي السَّماء تعارفت فِي الأرْض وإذا تباغضت فِي السَّماء تباغضت فِي الأرض»(٦٧٣).
٢ - وفي وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لبنيه:... يَا بَنِيَّ إِنَّ الْقُلُوبَ جُنْدٌ(٦٧٤) مُجَنَّدَةٌ تَتَلَاحَظُ بِالْمَوَدَّةِ وَتَتَنَاجَى بِهَا وَكَذَلِكَ هِيَ فِي الْبُغْضِ فَإِذَا أَحْسَسْتُمْ مِنْ أَحَدٍ فِي قَلْبِكُمْ شَيْئاً فَاحْذَرُوهُ (٦٧٥).(٦٧٦) 
وَهَذَا اللِّسَان يوضِّح:
١. أنَّ التعارف والتناكر بين الأرواح لَيْسَ مقصوراً عَلَى ما قبل عالم الدُّنْيَا مِنْ عالم الأظِلَّة والأشباح، بَلْ يشمل عروج الأرواح حين المنام فِي عالم الدُّنْيَا حينما تعرج الرُّوُح.
٢. أنَّ الحالات المنامية نحو مِنْ عروج ورجوع الرُّوُح إلى مقاماتها السابقة العالية.
٣. أنَّهُ قَدْ نُصّ فِي بَعْض الروايات أنَّ التآخي بين الأرواح قَدْ وقع فِي عالم الأظِلَّة قبل خلق الأجسام بألفيّ عام، أو لَعَلَّ التآخي بالمعنى المتقدم من رجوع أصل خلقة أرواحهم من طينة واحدة ومن روح كبرى واحدة وهو يُغاير التعارف كَمَا هُوَ مُقْتَضَى تغاير العنوان.
٤. أن تودد أو تباغض الأرواح وهي في الأجساد بين بعضها البعض نحو تلاحظ وتباصر فيما بينها، ونحو ترابط بصري فيما بينها، كما أن هذين الفعلين في الأرواح تجاه بعضها البعض تناجي سمعي وكلامي فيما بينها وأن هذين الفعلين نمط وسنخ إبصار وسمع وتكلم الأرواح، فالسمع والبصر والتكلم فيها يغاير الحسي بالبدن الغليظ.
٣ - وقد روى بن قولويه بسنده عن ابي عبد الله (عليه السلام):... قَالَ أَهْلُ الْحَائِرِ يَسْأَلُونَ الْحَفَظَةَ لِأَنَّ أَهْلَ الْحَائِرِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَا يَبْرَحُونَ وَالْحَفَظَةُ تَنْزِلُ وَتَصْعَدُ قُلْتُ فَمَا تَرَى يَسْأَلُونَهُمْ عَنْهُ قَالَ إِنَّهُمْ يَمُرُّونَ إِذَا عَرَجُوا بِإِسْمَاعِيلَ صَاحِبِ الْهَوَاءِ فَرُبَّمَا وَافَقُوا النَّبِيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ الزَّهْرَاءُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَالْأَئِمَّةُ مَنْ مَضَى مِنْهُمْ - فَيَسْأَلُونَهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ وَمَنْ حَضَرَ مِنْكُمُ الْحَائِرَ وَيَقُولُونَ بَشِّرُوهُمْ بِدُعَائِكُمْ فَتَقُولُ الْحَفَظَةُ كَيْفَ نُبَشِّرُهُمْ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ كَلَامَنَا فَيَقُولُونَ لَهُمْ بَارِكُوا عَلَيْهِمْ وَادْعُوا لَهُمْ عَنَّا فَهِيَ الْبِشَارَةُ مِنَّا فَإِذَا انْصَرَفُوا فَحِفُّوهُمْ بِأَجْنِحَتِكُمْ حَتَّى يُحِسُّوا مَكَانَكُمْ وَإِنَّا نَسْتَوْدِعُهُمُ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي زِيَارَتِهِ مِنَ الْخَيْرِ وَيَعْلَمُ ذَلِكَ النَّاسُ لَاقْتَتَلُوا(٦٧٧).
وفي الرواية دلالة:
١. على أن المباركة من الملائكة لأرواح الزائرين لسيد الشهداء (عليه السلام) نمط من التكلم الروحي وكذلك الدعاء، إذ كل من الأمرين يستلزم لحاظ بين الملائكة والأرواح وهو نمط نجوى وتناجي كما تقدم.
٢. أن حفّ الملائكة بأجنحتها يوجب إحساس إجمالي روحي بالسكينة والطمأنينة والانشراح الروحي، وهو علامة إحساس روحي بكائن غير مرئي وهو الملائكة الكرام.
٤ - وروى عنه (عليه السلام):... مَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ زِيَارَةَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام) إِنْ كَانَ مَاشِياً كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَسَنَةً وَمَحَى عَنْهُ سَيِّئَةً حَتَّى إِذَا صَارَ فِي الْحَائِرِ كَتَبَهُ اللهُ مِنَ الْمُصْلِحِينَ الْمُنْتَجَبِينَ [الْمُفْلِحينَ الْمُنْجِحِينَ] حَتَّى إِذَا قَضَى مَنَاسِكَهُ كَتَبَهُ اللهُ مِنَ الْفَائِزِينَ حَتَّى إِذَا أَرَادَ الِانْصِرَافَ أَتَاهُ مَلَكٌ فَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يُقْرِؤُكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ لَكَ اسْتَأْنِفِ الْعَمَلَ فَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا مَضَى.(٦٧٨)
وهو مطابق للحديث السابق من تكلم وتناجي الملائكة أرواح الزائر لسيد الشهداء (عليه السلام).
اللِّسان السَّابِع: وفيه زوايا:
الزاوية الأُولى: ما وَرَدَ فِي أصل خلقة أرواح المُؤْمِنِين مِنْ علّيين وخلقة أرواح الكفّار مِنْ سجّين، ومنهم النصّاب لأهل البيت (عليهم السلام).
١ - رَوُى الكليني بِسَنَدِهِ عَنْ مُحمَّد بن يحيى وغيره عَنْ أبي حمزة الثمالي، قَالَ: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) خلقنا مِنْ أعلى علّيين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا مِنْهُ وخلق أبدانهم دون ذَلِكَ وقلوبهم تهوي إلينا؛ لأنَّها خلقت مما خُلقنا مِنْهُ ثمَّ تلا هَذِهِ الآية ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّون كِتَابٌ مَّرْقُوم﴾ وخلق عدونا مِنْ سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم مِنْهُ وأبدانهم مِنْ دون ذَلِكَ فقلوبهم تهوي إليهم لأنَّها خُلقت مما خُلقوا مِنْهُ ثمَّ تلا هَذِهِ الآية ﴿كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّين وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّين كِتَابٌ مَّرْقُوم﴾...»(٦٧٩).
٢ - البصائر بِسَنَدِهِ عَنْ ربعي عَنْ علي بن الحسين (عليه السلام)، قَالَ: «إنَّ الله تَعَالَى خلق النبيين مِنْ طينة علّيين قلوبهم وأبدانهم، وخلق قلوب المُؤْمِنِين من تلك الطينة وخلق أبدان المُؤْمِنِين مِنْ دون ذَلِكَ، وخلق الكفّار مِنْ طينة سجّين قلوبهم وأبدانهم فخلط بين الطينتين، فَمِنْ هَذَا يلد المؤمن الكافر ويلد الكافر المؤمن وَمِنْ ههُنا يصيب المؤمن السيئة وَمِنْ ههُنا يصيب الكافر الحسنة، فقلوب المُؤْمِنِين تحنّ إلى ما خُلقوا مِنْهُ وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خُلقوا منه»(٦٨٠). وهل الخلط حصل بين طينات الأبدان فقط أم أيضاً بين طينات الأرواح مع بقاء الغالب من طينة الأرواح على أصلها.
وكثير من الروايات غيرهما...
الزاوية الثانية: ما وَرَدَ فِي بيان معنى علّيين وسجّين.
١ - رواية أبي الجارود عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ: «السجّين الأرْض السَّابِعِة، وعلّيون السَّماء السَّابِعِة»(٦٨١).
٢ - وروى بن قولويه عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَكْرٍ الْأَرَّجَانِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ (عليه السلام) فِي طَرِيقِ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا يُقَالُ لَهُ عسْفَانُ ثُمَّ مَرَرْنَا بِجَبَلٍ أَسْوَد عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ مُوحِشٍ فَقُلْتُ لَهُ يَا بْنَ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مَا أَوْحَشَ هَذَا الْجَبَلَ مَا رَأَيْتُ فِي الطَّرِيقِ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لِي يَا بْنَ بَكْرٍ أَتَدْرِي أَيُّ جَبَلٍ هَذَا قُلْتُ لَا قَالَ هَذَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ الْكَمَدُ وَهُوَ عَلَى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ جَهَنَّمَ وَفِيهِ قَتَلَةُ أَبِيَ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) اسْتَوْدَعَهُمْ فِيهِ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ مِيَاهُ جَهَنَّمَ مِنَ الْغِسْلِينِ وَالصَّدِيدِ وَالْحَمِيمِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ جُبِّ الْجَوِي وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَلَقِ مِنْ أَثَامٍ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ جَهَنَّمَ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ لَظَى وَمِنَ الْحُطَمَةِ - وَمَا يَخْرُجُ مِنْ سَقَرَ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَمِيمِ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْهَاوِيَةِ وَمَا يَخْرُجُ مِنَ السَّعِيرِ -... فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَأَيْنَ مُنْتَهَى هَذَا الْجَبَلِ قَالَ إِلَى الْأَرْضِ السَّابِعَةِ [السَّادِسَةِ] - وَفِيهَا جَهَنَّمُ عَلَى وَادٍ مِنْ أَوْدِيَتِهِ عَلَيْهِ حَفَظَةٌ أَكْثَرُ مِنْ نُجُومِ السَّمَاءِ وَقَطْرِ الْمَطَرِ وَعَدَدِ مَا فِي الْبِحَارِ وَعَدَدِ الثَّرَى قَدْ وُكِّلَ كُلُّ مَلَكٍ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَيْهِ لَا يُفَارِقُه... (٦٨٢).
٣ - تفسير العسكري: عَنْ الإمام الباقر (عليه السلام): «لو رأيت عليّا يا عم وعظيم منزلته عِنْدَ ربّ العالمين وشريف محله عِنْدَ الملائكة المُقرّبين وعظيم شأنه فِي أعلى علّيين لاستقللت ما تراه ههنا»(٦٨٣).
٤ - الطوسي فِي كتاب المجالس: «يا عليّ إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) أعطاني فيك سبع خصال:... وأوَّل من يسكن معي علّيين(٦٨٤).
٥ - الخصال: روي بسنده عن مكحول عن أمير المؤمنين (عليه السلام): - حديث سبعون منقبة - وأمَّا الثانية والأربعون أنَّي سمعت رَسُوُل الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول: «ابشر يا عليّ فَإنَّ منزلك فِي الجَنّة مواجه منزلي وَأَنْتَ معي فِي الرفيق الأعلى فِي أعلى علّيين، قلت يا رَسُوُل الله، وما أعلى علّيون؟ فقال: قبّة مِنْ درّة بيضاء لها سبعون ألف مصراع مسكن لي ولك يا علي»(٦٨٥).
٦ - عَنْ الكافي بِسَنَدِ قوي إلى عبد الحميد بن علي عَنْ المهاجر عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام)، قَالَ: «مَرَّ عيسى بن مريم... قَالَ: وما الهاوية، قَالَ: سجّين، قَالَ: وما سجّين؟ قَالَ: جبال مِنْ جمر توقد علينا إلى يَوُم القيامة...»(٦٨٦).
٧ - رَوُى الصَّدُوق فِي الخصال بِسَنَدِهِ عَنْ ابن عباس، قَالَ: قدم يهوديان فسألا أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام)، فقالا: أين تكون الجَنّة وأين تكون النَّار؟ قَالَ (عليه السلام): «أم الجَنّة ففي السَّماء، وأمَّا النَّار ففي الأرْض» قالا: فما السبعة؟ قَالَ: «سبعة أبواب النَّار متطابقات» قالا: فما الثمانية؟ قَالَ: «ثمانية أبواب الجَنّة»(٦٨٧) الخبر.
الزاوية الثَّالِثة: قَدْ فسِّر الصَّدُوق فِي الاعتقادات هَذَا اللِّسَان بأنَّ أرواح المُؤْمِنِين مِنْ الملكوت وأرواح الكفّار مِنْ النواصب والجاحدين مِنْ الهاوية وَهِيَ النَّار فِي سابع الأرضين الَّتِي هِيَ سجّين.
فَقَالَ الصَّدُوق: أنَّها أيّ الأرواح فِي الأرْض غريبة وفي الأبدان مسجونة.
وَهُوَ يُشير إلى ما رَوُى عَنْ الصَّادِق (عليه السلام): «مثل روح المؤمن وبدنه كجوهرة فِي صندوق إذَا أُخرجت الجوهرة مِنْهُ طرح الصندوق وَلَمْ يعبأ به»(٦٨٨)، وَهُوَ نظير ما مَرَّ فِي رواية الاحتجاج: «إنَّ الرُّوُح جسمٌ رقيق قَدْ أُلبس قالباً كثيفاً»(٦٨٩).
ثمَّ استشهد أوَّلاً عَلَى تفصيله فِي الأرواح بما حكاه الرضا (عليه السلام) لقول عيسى بن مريم للحواريين: «بحقٍ أَقُوُل لكم أنَّهُ لا يصعد إلى السَّماء إلَّا ما نزل منها»(٦٩٠).
واستشهد ثانياً بقوله تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾(٦٩١).
قَالَ الصَّدُوق: فما لَمْ يرفع منها إلى الملكوت بقي يهوي فِي الهاوية وَذَلِكَ لِأنَّ الجَنّة درجات وَالنَّار دركات.
وثالثاً: بجملة مِنْ الآيات الأُخرى كقوله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾(٦٩٢) وبقوله تَعَالَى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَر فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِر﴾(٦٩٣) وبقوله عَزَّ وَجَلّ ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُون﴾(٦٩٤).
وبقوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُون﴾(٦٩٥).
وبقوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾(٦٩٦).
وبقوله (عَزَّ وجَلَّ): ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُه فَأُمُّهُ هَاوِيَة وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَه نَارٌ حَامِيَة﴾(٦٩٧).
ورابعا: بجملة مِنْ الروايات التي مرت في اللسان الأول التي تقدمت، وما حكاه الصَّادِق (عليه السلام) بقول لقمان لابنه «يا بني أنَّ الدُّنْيَا بحر عميق، قَدْ هلك فيه عالم كثير فاجعل سفينتك الإيمان بالله واجعل مرادك فيها تقوى الله واجعل شراعها التوكُّل عَلَى الله فإنْ نجوت فبرحمة الله وإنْ هلكت فبذنوبك»(٦٩٨).
وخلاصة تفسير الصَّدُوق لهذا اللِّسَان مِنْ الآيات والروايات:
١ - أنَّ مِنْ الأرواح ما خُلق مِنْ السَّماء السَّابِعِة فنزل إلى الأرْض والبدن فيها وَهُوَ يرتفع مَرَّة أُخرى إلى ملكوت السماوات وَهِيَ درجات الجَنّة.
 ٢ - وَمِنْ الأرواح ما خلق مِنْ الأرْض السَّابِعِة وفيها الهاوية وفيها سجّين وهِيَ دركات جهنّم وإليها يهوي وتعود تلك الأرواح بَعْدَمَا رفعت إلى الأرْض والأبدان فيها.
٣ - مُقْتَضَى هَذَا البيان أنَّ الأرضين الأُخرى فِي حين أنَّها غَيْر مرئية وألطف كثافة وجسمانيةً إلَّا أنَّها أنزل فِي رتبة الوجود مِنْ عالم الدُّنْيَا والأرض الأولى.
وَمِنْ ثمَّ وَرَدَ عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «إنَّ الدُّنْيَا سجن المؤمن وجنّة الكافر»(٦٩٩)، أيّ أنَّ الدُّنْيَا للكافر بالقياس إلى وجوده الأخروي أكمل وجوداً ورتبة، فآخرة الكافر أهبط لَهُ مِنْ الدُّنْيَا فَهُوَ فِي سيره يهوي وينزل ويزداد هبوطاً بخلاف المؤمن فَإنَّهُ يرتفع ويصعد إلى المحل الذي نزل مِنْهُ.
وَقَدْ استشهد الصَّدُوق فِي بيانه لهذا الفارق والافتراق بما وَرَدَ عَنْ أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله تَعَالَى خلق الخلق ثلاثة أصناف وَهُوَ قول الله (عَزَّ وجَلَّ) ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلاَثَة فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَة وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُون أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُون﴾ فالسابقون هُمْ رسل الله وخاصّة الله مِنْ خلقه، جعل فيهم خمسة أرواح أيّدهم بروح القُدُس فبه عرفوا الأشياء وأيّدهم بروح الإيمان فبه خافوا الله (عَزَّ وجَلَّ) وأيّدهم بروح القوة، فبه قدروا عَلَى طاعة الله وأيّدهم بروح الشَّهْوَة فبه اشتهوا طاعة الله (عَزَّ وجَلَّ) وكرهوا معصيته، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون، وجعل فِي المُؤْمِنِين وأصحاب الميمنة روح الإيمان فبه خافوا الله وجعل فيهم روح القوة فبه قدروا عَلَى طاعة الله، وجعل فيهم روح الشَّهْوَة فبه اشتهوا طاعة الله، وجعل فيهم روح المدرج الذي به يذهب الناس ويجيئون»(٧٠٠).
وأمثالها بنفس المضمون وَهِيَ صريحة فِي أنَّ روح الإيمان فضلاً عَنْ رُوُح القُدُس الَّتِي هِيَ مِنْ علّيين مِنْ السَّماء السَّابِعِة فما فوقها لَيْسَت موجودة فِي ذَاتَ الكافر، بَيْنَمَا توجد روح الشَّهْوَة وروح القوة وروح المدرج، حَيْثُ وَرَدَ أنَّها موجودة فِي الكافرين والبهائم، ثم إن تعدد هذه الأرواح هو من شعب أرواح قوى جنود العقل وأرواح جنود الجهل، فقوى جنود الطرفين أرواح.
وفي رواية الأصبغ ابن نباتة عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) بَعْدَمَا ذكر الأرواح الَّتِي في السابقين وأصحاب الميمنة ذكر الأرواح الَّتِي فِي أصحاب المشئمة، وَقَالَ: «... فسلبهم روح الإيمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح روح القوة وروح الشَّهْوَة وروح البدن، ثمَّ أضافهم إلى الانعام، فَقَالَ: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ﴾ لِأنَّ الدابة إنَّما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشَّهْوَة وتسير بروح البدن...»(٧٠١) الحديث.
اللِّسَان الثَّامِن: ما وَرَدَ فِي جملة مِنْ الروايات وأشار إليه السِّيّد المرتضى عِنْدَمَا سُئل عَنْ حقيقة الرُّوُح، فأجاب: «الصحيح أنَّ الرُّوُح عبارة عَنْ: الهواء المتردّد فِي مخارق الحيّ منّا الذي لا يثبت كونه حيّاً إلَّا مَعَ تردّده، ولهذا لا يسمى ما يتردّد فِي مخارق الجماد روحاً، فَالرُّوُح جسم عَلَى هَذِهِ القاعدة»(٧٠٢).
وَهُوَ يشير إلى طائفة مِنْ الروايات فِي تعريف الرُّوُح:
١ - كرواية الاحتجاج للإمام الصَّادِق (عليه السلام) عَلَى الزنديق، فيما سأله عَنْ الريح هَلْ يوصف بخفّة وثقل ووزن؟، قَالَ (عليه السلام): «الرُّوُح بمنزلة الريح فِي الزقّ إذَا نفخت فيه امتلأ الزقّ منها فلا يزيد فِي وزن الزقّ لولوجها فيه ولا ينقصها خروجه مِنْهُ، كَذَلِكَ الرُّوُح لَيْسَ لها ثقل ولا وزن»، قَالَ فأخبرني ما جوهر الريح؟ قَالَ: «الريح هواء إذَا تحرّك يسمى ريحاً وإذا سكن يسمّى هواء وبه قوام الدُّنْيَا، ولو كفّت الريح ثلاثة أيام لفسد كُلّ شيء عَلَى وجه الأرْض ونتن، وَذَلِكَ أنَّ الريح بمنزلة المروحة تذبّ وتدفع الفساد عَنْ كُلّ شيء وتطيّبه فَهِيَ بمنزلة الرُّوُح إذَا خرج مِنْ البدن نتن البدن وتغيّر، تَبَارَكَ الله أحسن الخالقين»(٧٠٣).
٢ - ومرفوعة أبي هاشم الجعفري فِي المحاسن، قَالَ: قَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «دخل أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) المسجد ومعه الحسن (عليه السلام)، فدخل رجل فسلّم عَلَيْهِ، فردّ عَلَيْهِ شبيهاً بسلامه، فَقَالَ يا أمير المُؤْمِنِين جئت أسألك، فَقَالَ سَلْ، فَقَالَ اخبرني عَنْ رجل إذَا نام أين تكون روحه... فنظر أمير المُؤْمِنِين (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الحسن (عليه السلام) فَقَالَ أجبه، فَقَالَ الحسن (عليه السلام): إنَّ الرجل إذَا نام فَإنَّ روحه مُتعلِّقة بالريح والريح مُتعلِّقة بالهواء، فإذا أراد الله أنْ يقبض روحه جذب الهواء الريح وجذبت الريح الرُّوُح(٧٠٤) وإذا أراد الله أنْ يردّها فِي مكانها جذبت الرُّوُح الريح وجذبت الريح الهواء فعادت إلى مكانها...»(٧٠٥) الحديث.
ورواها علي بن بابويه فِي الإمامة والتبصرة بِسَنَدٍ صحيحٍ عَنْ أبي هاشم الجعفري، عَنْ أبي جعفر الثَّانِي (عليه السلام) مَعَ اختلافٍ يسيرٍ فِي الألفاظ(٧٠٦).
ورواه الصَّدُوق فِي علل الشَّرائع بِسَنَدٍ صحيح عنه عَنْ أبي جعفر الثَّانِي(٧٠٧).
بيان مفاد الرِّوَايَة:
الأوَّل: إنَّ المُراد مِنْ الهواء لَيْسَ بالضرورة هُوَ الهواء المحسوس إذْ تَقَدَّمَ مراراً أنَّ هناك مِنْ الأجسام الدنيوية غَيْر مرئية كَمَا فِي كثير مِنْ الطاقات الَّتِي هِيَ طاقة بحسب علم الفيزياء والعلوم الطبيعية إلَّا أنَّها جسم مقداري بحسب اللغة العقلية، بل عاد أخيرا البحث الفيزيائي والرياضي يسميها بالأجسام غير المرئية، وكثير مِنْ الأبحاث الفيزيائية الحديثة والرياضية والطبيعية فِي صدد دراسة فيزياء الأجسام غَيْر المرئية، كما في علم ما يسمى بالصغائر (النانو) وبحوث العوالم المتوازية والموازاة بين هَذِهِ الأجسام غَيْر المرئية والأجسام المرئية سواء الأحكام الفيزيائية أم الرياضية فضلاً عَنْ الأجسام البرزخية وَالَّتِي قَدْ يطلق عَلَيْهَا فِي لغة الفلاسفة والمُتكلّمين عنوان الأجسام المثالية.
وَالمُراد إنَّها صور جسمانية بلا مواد غليظة مرئية، فنفيه (عليه السلام) للوزن والثقل للقالب الجسماني للروح، يراد به الثقل المادي الغليظ المحسوس، وَلَيْسَ نفياً لمُطلق الثقل، وقد ورد مستفيضا في الأدعية عنوان (زنة العرش) مما يشير الى روحانية العرش وجسمانيته اللطيفة جدا.
ثانياً: كَمَا أنَّ الهواء والريح الذي بُيِّن فِي هَذِهِ الطائفة مِنْ الروايات لَيْسَ المُراد مِنْهُ بالضرورة الهواء والريح المحسوسان بالحواس الظاهرة، بَلْ بلحاظ الأجسام غَيْر المرئية.
كَمَا وقع - في الاصطلاح الفيزياوي الحديث - إطلاق الريح والعاصفة عَلَى الطاقات غَيْر المرئية كالقوة المغناطيسية والمجال المغناطيسي والإشعاعات الطاقية، فَيُقَال: (عاصفة مغناطيسية) أو ريح موجية. كَمَا قَدْ يطلقون البحر عَلَى المجال المغناطيسي أو المجال الواسع لطاقة غَيْر مرئية مُعيَّنة.
ثالثاً: فَلَعَلَّ المُراد مِنْ الريح والهواء الذي يرتبط به عالم الرُّوُح الجسماني اللطيف غَيْر مرئي يراد مِنْهُ عِدَّة مِنْ الطاقات الَّتِي تعتمد الجسم الروحي غَيْر المرئي فِي عروجه ونزوله، وأنَّ للروح بما لها مِنْ جسم وأجسام لطيفة غَيْر مرئية متفاوتة لطافةً وكثافةً، لها بهذه الأجسام عروج ونزول ودرجة مِنْ الخلع لجسم من جسم عروجاً أو اللبس بَعْدَ اللبس نزولاً.
اللِّسَان التَّاسِع: رَوُى فِي كنز الفوائد عَنْ الثمالي عَنْ أبي جعفر (عليه السلام)، قَالَ (عليه السلام): «قَالَ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) إنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى أحد واحد تفرّد فِي وحدانيته ثمَّ تكلّم بكملة فصارت نوراً ثمَّ خلق مِنْ ذَلِكَ النُّور محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وخلقني وذريّتي، ثمَّ تكلّم بكلمة فصارت روحاً فأسكنه الله في ذَلِكَ النُّور وأسكنه فِي أبداننا، فنحن روح الله وكلمته وبنا [احتج على] احتجب عَنْ خلقه فما زلنا فِي [ظل عرشه] ظلة خضراء، حَيْثُ لا شمس ولا قمر ولا ليل ولا نهار ولا عين تطرف نعبده ونُقدِّسَه ونُسَبِّحه [وذلك] قبل أنْ يخلق الخلق وأخذ ميثاق الأنبياء بالإيمان والنصرة لنا...»(٧٠٨).
وَرَوى فِي كنز الفوائد عَنْ الطوسي فِي كتابه مصباح الأنوار بإسناده عَنْ أنس عَنْ الْنَّبِيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قَالَ: «... يا عمّ لمَّا أراد الله أنْ يخلقنا تكلّم بكلمة خلق منها نورا ثم تكلم بكلمة أُخرى فخلق منها روحاً ثمَّ مزج النُّور بالروح فخلقني وخلق عليا وفاطمة والحسن والحسين فكُنّا نسبِّحه...»(٧٠٩).
اللِّسَان العاشر: هداية فوق الجنة وضلال أشد من جهنم:
١ - رَوى فِي الكافي بِسَنَدِهِ عَنْ سماعة بن مهران، قَالَ: كُنْت عِنْدَ أبي عبد الله (عليه السلام) وعنده جماعة مِنْ مواليه فجرى ذكر العقل والجهل، فَقَالَ أبو عبد الله: «اعرفوا العقل وجنده والجهل وجنده تهتدوا».
قَالَ سماعة: جعلتُ فداك لا نعرف إلَّا ما عرّفتنا فَقَالَ أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الله (عَزَّ وجَلَّ) خلق العقل وَهُوَ أوَّل الروحانيين عَنْ يمين العرش مِنْ نوره، فَقَالَ لَهُ: ادبر فأدبر ثمَّ قَالَ لَهُ: اقبل فأقبل، فَقَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى خلقتك خلقاً عظيماً...»(٧١٠).
ومفاد الحديث: أن هناك هداية أعلى وراء الجنة وهي معرفة العقل وجنوده ومعرفة الجهل وجنوده، كما أن هناك ضلال أعظم من جهنم وهو عدم المعرفة بذلك، ويتطابق هذا المفاد مع ما ورد أن الجنة خلقت من البحر العذب الذي خلق منه العقل، وجهنم خلقت من البحر الأجاج الذي خلق منه الجهل، وأن طاعة وشأن البحر العذب والعقل أعظم وأكبر من الجنة، كما أن تمرد البحر الأجاج والجهل أعتى من أهل النار.
٢ - رَوُى فِي البحار عَنْ كتاب الأنوار لأبي الحسن البكري: - قَالَ روي عَنْ أمير المُؤْمِنِين (عليه السلام) أنَّهُ قَالَ: «كَانَ الله ولا شيء معه فأوَّل ما خلق نور حبيبه مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل خلق الماء والعرش والكرسي والسماوات والأرض واللوح والقلم وَالجَنّة وَالنَّار والملائكة وآدم وحواء بأربعة وعشرين وأربع مائة ألف عام - ثمَّ ذكر خلق العوالم - ثمَّ قَالَ: فالأرض كُلَّهَا عَلَى كاهل الملك، والملك عَلَى الصخرة والصخرة عَلَى الثور والثور عَلَى الحوت والحوت عَلَى الماء والماء عَلَى الهواء والهواء عَلَى الظلمة، ثمَّ انقطع علم الخلائق عمّا تحت الظلمة، ثمَّ خلق الله تَعَالَى العرش مِنْ ضيائين: أحدهما الفضل والآخر العدل، ثمَّ أمر الضيائين فتنفسا بنفسين فخلق منهما أربعة أشياء: العقل والحلم والعلم والسخاء، ثمَّ خلق مِنْ العقل الخوف وخلق من العلم الرضا وَمِنْ الحلم المودّة وَمِنْ السخاء المحبة، ثمَّ عجن هَذِهِ الأشياء فِي طينة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق مِنْ بعدهم أرواح المُؤْمِنِين مِنْ أُمَّة مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمَّ خلق الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والضياء والظلام وسائر الملائكة مِنْ نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فلما تكاملت الأنوار سكن نور مُحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تحت العرش ثلاثة وسبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى الجَنّة فبقي سبعين ألف عام ثمَّ انتقل إلى سدرة المنتهى فبقي سبعين ألف عام، ثمَّ انتقل نوره إلى السَّماء السَّابِعِة ثمَّ إلى السَّماء السَّادِسَة ثمَّ إلى السَّماء الخامسة، ثمَّ إلى السَّماء الرَّابعة، ثمَّ إلى السَّماء الثَّالثة، ثمَّ إلى السَّماء الثانية، ثمَّ إلى السَّماء الدُّنْيَا فبقي نوره فِي السَّماء الدُّنْيَا إلى أنْ أراد (الله) أنْ يخلق آدم (عليه السلام) أمر جبرائيل أنْ ينزل إلى الأرْض ويقبض منها قبضة... - وذكر كيفية خلق بدن آدم -... ثمَّ خلق الله بَعْدَ ذَلِكَ الرُّوُح، وَقَالَ لها ادخلي فِي الجسم فرأت الرُّوُح مدخلاً ضيّقاً فوقفت فقال لها ادخلي كرهاً وأخرجي كرهاً» قَالَ: «فدخلت الرُّوُح فِي اليافوخ...(٧١١)»
٣ - وروى جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) هَلْ كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللهُ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللهَ قَبْلَ آدَمَ (عليه السلام) وَذُرِّ