مجلة الموعود
العدد (١)
جمادى الآخرة ١٤٣٧هـ / آذار ٢٠١٦م
الفهرس
تمهيدنا...................٥
الشيخ حميد الوائلي
---
قراءة
في توقيعات الناحية المقدَّسة...................٩
الشيخ نزار آل سنبل القطيفي
مقدّمة:..................٩
النقطة الأولى: التوقيع
لغةً:..................٩
التوقيع في المصطلح
الأدبي:..................١٠
مواصفات التوقيع الأدبي:..................١٠
أنواع التوقيعات الأدبية:..................١١
التوقيع في المصطلح الروائي
والرجالي:..................١١
تأريخ المكاتبة:..................١١
نوع خطّ التوقيعات:..................١٢
١ - ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب
الغيبة:..................١٢
فائدة التوقيعات:..................١٤
أقسام التوقيعات من حيث
المضمون..................١٤
القسم الأوَّل: التوقيعات
العقائدية:..................١٤
الغلاة والمفوّضة:..................١٧
إنَّ الغلوَّ في النبيِّ والأئمَّة (عليهم
السلام) يكون بأحد أُمور:..................١٧
يُطلَق على معانٍ بعضها منفي عنهم (عليهم
السلام) وبعضها مثبت لهم:..................١٨
إضاءة على هذا التوقيع:..................٢٢
القسم الثاني: التوقيعات
الأصولية:..................٢٤
القسم الثالث: التوقيعات
الفقهية:..................٢٥
مسائل محمّد بن عبد الله بن جعفر
الحميري:..................٢٦
القسم الرابع: التوقيعات
الرجالية:..................٢٨
ومن أمثلة ما ورد في التوثيق أو المدح وبيان
حسن الحال:..................٢٨
ومن أمثلة ما ورد في الذمِّ وبيان
الضلال:..................٢٨
١ - أحمد بن هلال الكرخي:..................٢٨
٢ - الحسن الشريعي:..................٣٠
٣ - محمّد بن علي الشلمغاني أبو جعفر المعروف
بابن أبي العزاقر:..................٣١
القسم الخامس: التوقيعات
الاجتماعية:..................٣٢
القسم السادس: مسائل
متفرّقة:..................٣٤
وفي هذا التوقيع أُمور مهمَّة، وكلُّ ما يصدر
عنهم (عليهم السلام) مهمّ، منها:..................٣٦
هل
يوجد مهديّون؟ وهل أحمد بن كاطع منهم؟...................٤١
السيّد محمّد حسين العميدي
أمثلة الصنف الأوّل:..................٤١
أمثلة الصنف الثاني:..................٤٢
ومن هذه الضوابط:..................٤٣
دليل دعوى ابن كاطع:..................٤٦
الخلاصة:..................٥٠
ملاحظة مهمَّة جدَّاً في نبوءات
الظهور:..................٥١
المنامات وحجّيتها:..................٥٢
مناقشة الدعوى الثانية:..................٥٣
نزوع
البشرية إلى المنقذ...................٥٥
الشيخ نزيه محيي الدين
المنقذ في معقتدات الزرادشتية:..................٦٣
ورد عندهم ثلاثة أسماء للظهور في آخر
الزمان:..................٦٣
المنقذ في المعتقدات
الهندية:..................٦٣
المنقذ في المعتقدات الصينية البوذية
والكنفوشية:..................٦٤
المنقذ في الديانة اليهودية
والنصرانية:..................٦٥
فالمنقذ ورد عندهم بتسميات وصفات،
هي:..................٦٦
١ - الوارث للأرض:..................٦٦
٢ - المسيّا والبركليت:..................٦٧
٣ - جذع يسي:..................٦٩
٤- المشيحا:..................٧٠
واختصاراً أقول:..................٧١
رؤية
الإمام المهدي (عليه السلام) بين الإمكان والمنع...................٧٣
السيّد محمود المقدَّس الغريفي
---
المهدي من (عليه السلام) العترة...................١٠٩
الشيخ خالد البغدادي
فهل ثَمَّة طريق لمعرفة المهدي (عليه
السلام)؟! ..................١٠٩
العترة كلمة مجملة، فمن هم العترة؟..................١١٤
بيان أسماء العترة:..................١١٥
والسؤال الآن: هل ثَمَّة سبيل لمعرفة أسماءهم
وتحديد شخوصهم؟!..................١١٩
الإمام الرابع: علي بن الحسين السجّاد (عليه
السلام):..................١٢١
الإمام الخامس: محمّد بن علي الباقر (عليه
السلام):..................١٢١
الإمام السادس: جعفر بن محمّد الصادق (عليه
السلام):..................١٢٢
الإمام السابع: موسى بن جعفر الكاظم (عليه
السلام):..................١٢٢
الإمام الثامن: علي بن موسى الرضا (عليه
السلام):..................١٢٣
الإمام التاسع: محمّد بن علي الجواد (عليه
السلام):..................١٢٤
الإمام العاشر: علي بن محمّد الهادي (عليه
السلام):..................١٢٤
الإمام الحادي عشر: الحسن بن علي العسكري
(عليه السلام):..................١٢٥
الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر (عليه
السلام)):..................١٢٦
شبهة وجوابها:..................١٣٠
المَهدويّة في الحَراكِ الفطري والإنساني والثقافي...................١٣٩
(التّمَثُلُ والأهداف)
مرتضى علي الحلي
المبحث الأوّل: التمثّل المهدوي في الحَراك
الفطري والإنساني:..................١٣٩
١ - الحاجات الفسيولوجية (Physiological
needs)..................١٤١
٢ - حاجات الأمان (Safety needs)..................١٤٢
٣ - حاجات الحبّ والانتماء (Love & Belo nging needs)..................١٤٤
٤ - حاجات التقدير
(Esteem needs)..................١٤٥
٥ - حاجات تحقيق الذات (Self-actualization)
والحاجات العليا (Meta needs)..................١٤٦
الحاجات المعرفية والحاجات
الجمالية:..................١٤٦
١ - الحاجات الجمالية (Aesthetic
needs):..................١٤٦
٢ - الحاجات المعرفية (Cog nitive
needs):..................١٤٦
المَبحثُ الثاني: التمثُّلُ المهدوي في
الحَراك الثقافي:..................١٤٧
المبحث الثالث: أهداف الحَراك الفطري
والإنساني والثقافي في لونه المهدوي:..................١٥٣
١ - التغيير الأصلح
والمُطلَق:..................١٥٣
٢ - تحقيق النظام التدبيري الأحسن وبناء
الدولة العادلة:..................١٥٨
٣ - تثبيت العدل عمليَّاً والقضاء على الظلم
والفساد فعليَّاً وإحقاق الحقِّ ودحض الباطل:..................١٦١
٤ - إظهارُ الدِّين القيِّم (الإسلام) على
الدين كلِّه، هدايةً وغلبةً:..................١٦٤
المصادر والمراجع..................١٦٧
الوهّابية بين المهدي المنتظر (عليه السلام) والدجّال الأكبر...................١٦٩
الشيخ عبد الحميد الجاف
المحور الأوَّل: إثبات حياة المسيح الدجّال
حتَّى يومنا هذا:..................١٧٠
أمَّا الفرض الأوَّل: كون الدجّال الأكبر هو
ابن صيّاد:..................١٧١
١ - كثرة اختبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) لابن صيّاد بنفسه وبغيره:..................١٧١
٢ - اعتقاد الصحابة أنَّ ابن صيّاد هو
الدجّال:..................١٧٦
٣ - بقاء ابن صيّاد حيَّاً حتَّى الآن وأنَّه
اختفى ولم يمت:..................١٧٩
الفرض الثاني: كون الدجّال هو من حكاه تميم
الداري في قصَّة الجساسة:..................١٨١
أمَّا الفرض الثالث: وهو أنَّ الدجّال
غيرهما:..................١٨٤
المحور الثاني: التلازم والصراع التكويني بين
الدجّال والمهدي المنتظر:..................١٨٥
١ - اهتمام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) بشأن الدجّال..................١٨٦
٢ - تأكيد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)
على طول عمر الدجّال..................١٨٧
٣ - المحاكاة والتناغم بين أحاديث الدجّال
وأحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) من عدَّة وجوه، نذكر
منها:..................١٩١
المحور الثالث: وجود الإمام المهدي (عليه
السلام) وأنَّه الثاني عشر لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):..................١٩١
١ - لا بدَّ من وجود حجَّة لله على خلقه في
كلِّ زمان:..................١٩٢
٢ - اختلاف علماء السُّنَّة وتخبّطهم في معرفة
الأئمَّة الاثني عشر المبشَّر بهم:..................١٩٤
٣ - كون المهدي (عليه السلام) هو خاتم أئمَّة
أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام) المهديّين والخلفاء
الراشدين:..................١٩٧
٤ - إقرار مؤرِّخي السُّنَّة وعلمائهم بولادة
الإمام المهدي (عليه السلام) وبعض الإشارات النبويَّة لذلك:..................١٩٩
المصادر والمراجع..................٢٠٥
العقيدة المهدويَّة في ضوء فلسفة التأريخ وحتميَّة السنن التاريخيَّة...................٢٠٧
لطيف عبد النبيّ يونس
تمهيد:..................٢٠٧
أوَّلاً: الفرق بين علم التاريخ وفلسفة
التاريخ:..................٢٠٨
علم التاريخ:..................٢٠٨
أمَّا فلسفة التاريخ:..................٢٠٨
ثانياً: الصراع التاريخي بين التوحيد
والشرك:..................٢٠٩
التوحيد بين علم التاريخ
وفلسفته:..................٢١١
القرآن ومنهج فلسفة
التاريخ:..................٢١٢
أساليب القرآن في بيان سنن
التاريخ:..................٢١٢
العقيدة المهدوية بين علم التاريخ
وفلسفته:..................٢١٥
فعلم التاريخ أوجد لدينا ما
يلي:..................٢١٦
فلسفة التاريخ والعقيدة المهدوية:..................٢١٦
الاتّجاه الديالكتيكي أو الآلي في تفسير تكامل
التاريخ:..................٢١٧
أوَّلاً: تكامل الطبيعة:..................٢١٧
ثانياً: تكامل المجتمع
والتاريخ:..................٢١٨
ويتمُّ التطوّر والتكامل في المجتمع والتاريخ
وفق الخطوات التالية:..................٢١٨
نتائج الاتّجاه الآلي في تفسير تكامل
التاريخ:..................٢١٩
١ - مفهوم القديم والجديد بحسب هذا
التفسير:..................٢١٩
٢ - التسلسل المنطقي
للتاريخ:..................٢١٩
٣ - وصول كلّ مرحلة إلى
ذروتها:..................٢١٩
الصيغة الثلاثية والصيغة الرباعية لعناصر
المجتمع في حركة الصراع التاريخي:..................٢٢٠
هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارات
القرآنية:..................٢٢٠
لهذه العلاقة صيغتان:..................٢٢٠
الإمام المهدي (عليه السلام) هو وراث خطّ
الأنبياء (عليهم السلام):..................٢٢٢
المحتوى الداخلي للإنسان المهدوي وتأثيره في
المسار التاريخي:..................٢٢٢
العقيدة المهدوية والسنن الإلهية
التاريخية:..................٢٢٤
مع فرانسس فوكوياما في كتابه (التصدّع
العظيم):..................٢٢٧
حتمية الختم المهدوي:..................٢٢٩
المهدي المنتظر (عليه السلام) في القرآن الكريم...................٢٣٣
حوارية مع أُستاذ جاحد
عبد الزهرة تركي فريح الفتلاوي
آيات تنبَّأت بقيام دولة إسلاميَّة
عالمية..................٢٣٥
آية التمكين في الأرض:..................٢٣٥
آية الاستخلاف:..................٢٣٦
آية زخرف الأرض:..................٢٣٨
آيات الفتح والنصر:..................٢٣٨
إنَّ الآيات الكريمة واضحة كالشمس في رابعة
النهار تقول:..................٢٣٩
مصادر البحث..................٢٥٣
كتاب
(الغيبة) للشيخ الطوسي الجامع للمسائل العقلية والنقلية في موضوع الغيبة...................٢٥٥
بقلم: عبّاس إسماعيل زاده
تعريب: حسن علي مطر
المقدّمة:..................٢٥٥
١ - أوصاف الكتاب:..................٢٥٧
١/١ - عنوان الكتاب:..................٢٥٧
٢/١ - موضوع الكتاب:..................٢٥٧
٣/١ - سبب تأليف الكتاب:..................٢٦٠
٤/١ - زمان ومكان تأليف
الكتاب:..................٢٦١
٥/١ - أهمّية الكتاب
وقيمته:..................٢٦٢
٢ - مصادر الكتاب:..................٢٦٣
١/٢ - المصادر التي ذكرها الشيخ نفسه في
تضاعيف الكتاب:..................٢٦٣
١/١/٢ - كتاب سُلَيم بن قيس
الهلالي:..................٢٦٣
٣ و٢/١/٢ - الغيبة والأوصياء، لمحمّد بن علي
بن أبي العزاقر الشلمغاني:..................٢٦٣
٤/١/٢ - نصرة الواقفة، لأبي محمّد علي بن أحمد
العلوي الموسوي:..................٢٦٤
٥/١/٢ - تلخيص الشافي:..................٢٦٤
٦/١/٢ - شرح الجمل:..................٢٦٤
٧/١/٢ - الذخيرة، للسيِّد
المرتضى:..................٢٦٤
٢/٢ - المصادر التي نحصل عليها من خلال مقارنة
هذا الكتاب للشيخ الطوسي بالكتب الأُخرى..................٢٦٤
١/٢/٢ - الفصول العشرة في الغيبة، للشيخ
المفيد:..................٢٦٤
٢/٢/٢ - المقنع، للسيِّد
المرتضى:..................٢٦٦
٣/٢ - المصادر التي نحصل عليها من خلال دراسة
أسانيد روايات الكتاب:..................٢٦٦
١/٣/٢ - الغيبة، للفضل بن شاذان النيسابوري (ت
٢٦٠هـ):..................٢٦٦
٢/٣/٢ - الكافي، للشيخ محمّد بن يعقوب الكليني
(ت ٣٢٩هـ):..................٢٦٧
٣/٣/٢ - الغيبة، لأبي عبد الله محمّد بن
إبراهيم بن جعفر الكاتب النعماني (ت حوالي ٣٦٠هـ):..................٢٦٧
٤/٣/٢ - كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر
محمّد بن علي بن بابويه القمّي (ت ٣٨١هـ):..................٢٦٨
٣ - روايات الكتاب:..................٢٦٩
٤ - الفوائد والمعلومات الجانبية لهذا
الكتاب:..................٢٧١
رؤيا
الظهور...................٢٧٧
الشيخ سفاح صكبان الجابري
تمهيد:..................٢٧٧
أقسام البحث:..................٢٧٧
القسم الأوَّل: في أنواع
الرؤى..................٢٧٧
أجوبة هذه الأنواع:..................٢٧٨
جواب النوع الأوَّل:..................٢٧٨
جواب النوع الثاني:..................٢٧٨
وفيه عدَّة ردود:..................٢٧٨
الردُّ الأوَّل: لو كانت الرؤيا طريقاً وعلامة
لمعرفة زمن الظهور لذكرها أئمَّتنا (عليهم السلام):..................٢٧٨
الردُّ الثالث:..................٢٧٩
المرحلة الأُولى: ما قبل نبوَّة نبيِّ الإسلام
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم):..................٢٨٠
المرحلة الثانية: مرحلة النبيِّ الخاتم (صلّى
الله عليه وآله وسلم) وما بعدها:..................٢٨٠
النتيجة:..................٢٨٢
جواب النوع الثالث: الرؤية المبنيَّة على
الأماني:..................٢٨٢
جواب النوع الرابع: رؤيا مبنيَّة على التحليل
العقلي لأحداث التاريخ وفلسفته:..................٢٨٣
النوع الخامس: الرؤيا
القلبية:..................٢٨٤
النوع السادس: رؤيا مبنيَّة على الوعد الإلهي
بتحقيق العدل الكامل بظهور الإمام المهدي (عليه السلام):..................٢٨٥
وسنذكر عدَّة روايات من كلا الفريقين
للتذكرة:..................٢٨٥
ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي
المنتظر (عليه السلام):..................٢٨٥
ما جاء عن الإمام
المهدي (عليه السلام) من مصادر أهل السُّنَّة:..................٢٨٦
خلاصة الأنواع السابقة:..................٢٨٧
القسم الثاني: في أصناف
المنتظرين:..................٢٨٧
أصناف المنتظرين ومعايير
انتظارهم:..................٢٨٨
الصنف الأوَّل: ما إذا كان هدفهم من خروج
المهدي (عليه السلام) ليُحقِّق حاجتهم لتطبيق العدل الذي حُرِموا
منه:..................٢٨٨
الصنف الثاني: ما إذا كان هدفهم من خروج
المهدي (عليه السلام) هو رغبة بتحقيق العدل والمساواة في العالم حتَّى تنعم البشرية
بظلِّ هذه المبادئ التي سيأتي بها المهدي (عليه السلام):..................٢٩٠
الخلاصة:..................٢٩٣
الصنف الثالث: عامَّة
المسلمين:..................٢٩٣
نتيجة الصنف الثالث:..................٢٩٤
الصنف الرابع: عامَّة الشيعة وهو أهمّ
الأصناف:..................٢٩٥
القسم الأوَّل: الفاشلون في التمحيص والابتلاء
الإلهي:..................٢٩٦
إنَّ عقيدة المهدي تحوَّلت عند هؤلاء إلى
مستويين:..................٢٩٧
القسم الثاني: أتباع أئمَّة
الضلال:..................٢٩٨
القسم الثالث: المؤمنون الذين اشتبهت عليهم
أولويات الولاء:..................٢٩٩
القسم الرابع:..................٣٠٠
المقوّمات والعوامل الذاتية في مدرسة أهل
البيت (عليهم السلام) بإبقاء أو ولادة الأمل بعد اليأس لتطبيق العدل
الكامل:..................٣٠١
وللإجابة على السؤال الآنف يمكن أن
يقال:..................٣٠٢
العامل الأوَّل: سيرة العلماء والحوزات
العلمية:..................٣٠٢
العامل الثاني: السيرة الطيّبة للفصائل
العسكرية الشيعية:..................٣٠٣
العامل الثالث: سيرة الأئمَّة الأطهار (عليهم
السلام):..................٣٠٤
النتيجة:..................٣٠٥
الشيخ حميد الوائلي
يكتنزُ التراث الإنساني في أعماق وجوده أُصولاً، هي أثمن حقيقة عرفتها البشـرية
لخلاص الكون وإرساء عدالة موعودة لم ترَ النور بعد.
هذا التراث الذي يُمثِّل الرابط الحقيقي بين الجميع بلا استثناء مبدأً وهدفاً،
فكراً وطموحاً، منذ أن عُرِفَ هذا الوعد إلى أن يظهر ويُعلَن بدء زمن الرخاء وتحقيق
التطلّعات.
إنَّ أقلام العلماء والمفكّرين هي السلطة الوحيدة القادرة على استثمار هذا الكنز،
وإخراج أثمن درَّة يطمح العالم أن يراها ماثلة أمامه، ولولا فكرهم وأحاديثهم لما
بقيت أوهاج هذا الوعد نيِّرة في قلوب أبناء البشر الطموحة المنتظرة.
ومجلَّة الموعود هي واحدة من النوافذ التي تسعى لتصبح هذه الفكرة الخالدة ولى
القضايا العلمية، والفكرية، والاجتماعية، والحضارية، لدى أهل التخصّص، تدقيقاً
وتحقيقاً وإثراءً، إذ لا يملك غيرها ما تملك من عناصر ومقوّمات وموادّ وخامات.
إذ هي في الطليعة عنصر مشترك لكلِّ الخلق.
وهي في الطليعة تُمثِّل تراثاً وحضارةً وعمقاً لكلِّ البشر.
وفي الطليعة هدف وغاية وطموح وأُنشودة.
وهنا يحقُّ لنا أن نسأل، بعد أن ننحني أمام ما قدَّمه خيرة البشر عليهم السلام لهذا
الأمل المنتظَر من مخزون لا ينضبّ، ورافدٍ لا يجفّ، جعلوا منبعه السماء، ومصبّه
قلوب العلماء بأوعية طاهرة عصماء.
هل أخذ أهل الفكر دورهم لبناء مجتمع الأمل؟
وهل أعطى العلماء من وقتهم الثمين حقّ الانتظار للخلاص؟
وهل نقَّب الباحثون في خفايا هذا التراث العميق؟
وهل تعب المربّون في تجلية هذا الجوهر المخزون؟
إنَّها حقَّاً أسئلة مشروعة!
إذا كانت القضيَّة تملك كلَّ شيء فما بالنا لا نعرف عنها إلَّا شيئاً يسيراً!؟
وإذا كانت قادرة على خلاصنا ونجاتنا فلِمَ نذهب لغيرها؟
إنَّها دعوة صادقة لوضع هذه القضيَّة العملاقة في على قائمة الأولويات لتأخذ نصيبها
الذي هو حقّها.
إنَّها الوعد الذي آمن به الكلُّ بدون استثناء ولكن لم يعطَ بعض حقِّه.
إنَّها دعوة خرجت من أعماق الوجدان، لعلَّها تجد من يزيل الركام وأتربة النسيان أو
الإهمال أو الاشتغال بما هو فرع عليها من خلال قلمه وعقله وفكره وسلوكه وإيمانه.
فإذا كان الموعود للجميع وآمن بمجيئه يوماً ما الكلّ، فلِمَ لا نتقرَّب إليه بما هو
الأقرب إليه من ذكره والتحقيق والتنقيب والتأليف والكتابة في شؤون أمره وإمامته
وغيبته وظهوره ودولته عليه السلام.
نوافذ القلب قبل الورق مفتوحة لأصحاب الأقلام الهادفة، والقلوب العاشقة للوعد
الشامل، لنشر جهدهم وثمار أفكارهم وتعب ساعات لياليهم وأيّامهم، فيما يخصُّ منهاج
الانتظار، وفلسفة الوعد، وحقوق الظهور، وعقيدة الخلاص، وثقافة التمهيد، وأُصول
الإمامة.
قراءة في توقيعات الناحية المقدَّسة
الشيخ نزار آل سنبل القطيفي
مقدّمة:
من الأُمور التي قام بها الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) في ضمن وظائفه
وإنجازاته لاسيّما في عصر الغيبة الصغرى، ما عُرِفَ بـ(التوقيعات).
وهي رسائل صدرت منه لسفرائه أو لوكلائه أو لشيعته، متعدِّدة الأنحاء والمضامين، وقد
تعرَّض لذكرها ونقلها من كتب حول الإمام (عليه السلام)، ولكنَّهم اكتفوا بالنقل
وذكر المناسبة، ولم أجد - حسب تتبّعي القاصر - من تناولها بالدراسة والتحقيق، وهي
تستحقُّ من الباحثين والكتاب ذلك، ونحن في هذا البحث المختصر سوف نتناولها بصورة
سريعة، ونلقي الضوء عليها بنحو من الإيجاز يتناسب مع المقال في هذا المقام، ونصبُّ
جهدنا حول مضامين التوقيعات الصادرة منه (عليه السلام)، فلهذا أسمينا البحث: (قراءة
في توقيعات الناحية المقدَّسة)، ومن الطبيعي أنَّ ضرورة البحث تقتضي تناول نقاط
تمهيدية للبحث:
النقطة الأولى: التوقيع لغةً:
التوقيعات جمع توقيع، وهو في اللغة مشتقٌّ من التوقيع بمعنى التأثير، يقال:
وقَّع الدَّبَر ظهر البعير، إذا أثَّر فيه.
وقيل: إنَّ التوقيع مشتقٌّ من الوقوع؛ لأنَّه سبب في وقوع الأمر الذي تضمَّنه، أو
لأنَّه إيقاع الشيء المكتوب في الخطاب أو الطلب.
قال الخليل: (التوقيع في الكتاب إلحاق فيه بعد الفراغ منه، واشتقاقه من
قولهم: وقَّعت الحديدة بالميقعة، وهي المطرقة، إذا ضربتها، وحمار موقَّع الظهر، إذا
أصابته في ظهره دَبَرَة، والوقيعة نُقْرَة في صخرة، يجتمع فيها الماء، وجمعها
وقائع.
فكأنَّه سُمّي توقيعاً؛ لأنَّه تأثير في الكتاب، أو لأنَّه سبب وقوع الأمر وإنفاذه،
من قولهم: أوقعت الأمر فوقع)(١).
التوقيع في المصطلح الأدبي:
هي
الكلمات القصار التي يكتبها الخليفة أو الأمير أو الوالي في آخر الكتاب المرفوع له،
ويكون لفظاً موجزاً بليغاً، يحمل معنىً وافياً بالمراد، ومن أمثلته:
١ - ما في العقد الفريد لابن عبد ربِّه: ووقَّع علي (عليه السلام) في كتاب سلمان
الفارسي وسأله كيف يحاسب الناس يوم القيامة.
(يُحاسَبون كما يُرزَقون)(٢).
٢ - وأيضاً في العقد الفريد لابن عبد ربِّه: ووقَّع علي (عليه السلام) في كتاب جاءه
من الحسن بن علي (عليه السلام):
(رأيُ الشيخ خيرٌ من جَلَد الغلام)(٣).
٣ - وفي العقد الفريد لابن عبد ربِّه: ووقَّع علي (عليه السلام) في كتاب الحصين بن
المنذر إليه بذكر أنَّ السيف قد أكثر في ربيعة:
(بقيَّة السيف أنمى عدداً)(٤).
٤ - العقد الفريد لابن عبد ربِّه: وفي كتاب جاءه (إلى علي (عليه السلام)) من الأشتر
النخعي فيه بعض ما يكره:
(من لك بأخيك كلّه)(٥).
واشتهر هذا النوع من التوقيعات في العصر العبّاسي حتَّى جُعِلَ له كاتب خاصٌّ، يكتب
للأُمراء والولاة والحُكّام، وصار يتنافس عليه المتنافسون، ويتسابق المتسابقون، من
أصحاب القلم والأدب، ولا يهمّنا التوسّع في ذلك.
مواصفات التوقيع الأدبي:
يشترط في التوقيع الأدبي:
- الإيجاز: ألفاظه قليلة ذات معنى غزير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
الاقتضاب في شرح أدب الكتّاب ١: ١٩٦.
(٢)
العقد الفريد ٤: ٤١.
(٣)
المصدر السابق.
(٤)
العقد الفريد ٤: ٤٢.
(٥)
المصدر السابق.
-
البلاغة: أن يكون التوقيع مطابقاً لمقتضى الحال، من الحالة أو القضيَّة التي قيل
فيها.
- الإقناع: وذلك بأن يتضمَّن من وضوح الحجَّة وسلامتها ما يحمل الخصم على التسليم،
ومن قوَّة المنطق وبراعته ما يقطع على صاحب الطلب عودة المراجعة.
أنواع التوقيعات الأدبية:
١ - آية قرآنية تناسب الموضوع الذي تضمَّنه الطلب، أو اشتملت عليه القضيَّة.
٢ - بيت من الشعر.
٣ - مثل سائر.
٤ - حكمة معروفة.
٥ - غير ذلك ممَّا يُبدِعه القائل، وربَّما يذهب مثلاً أو حكمةً بعد ذلك.
التوقيع في المصطلح الروائي والرجالي:
التوقيع عبارة عن جواب مكتوب يُجيب به الإمام (عليه السلام) على سؤال أو
أسئلة ترد عليه، وربَّما يصدر ابتداءً من دون أن يسبق السؤال، كما سنلاحظ فيما يأتي
من موارد.
وربَّما اختصَّ هذا المصطلح بما صدر عن الإمام صاحب الزمان (عليه السلام)، وإن
أُطلق هذا اللفظ أيضاً على بعض ما صدر من الإمام العسكري (عليه السلام)، وإن كانت
عبارة المكاتبة هي الأشهر بالنسبة للأجوبة المكتوبة الصادرة من الأئمَّة (عليهم
السلام)، كما أنَّ لفظ المكاتبة أُطلق أيضاً على بعض أجوبة الإمام صاحب الزمان
(عليه السلام) كما في (كتاب الاحتجاج)(٦):
(في جواب مكاتبة محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري إلى صاحب الزمان (عليه
السلام)...).
تأريخ المكاتبة:
والذي يظهر بالاستقراء الناقص أنَّ المكاتبة وُجِدَت منذ عصر زمان الإمام
الكاظم (عليه السلام)؛ حيث سُجِنَ وأُبعد عن الاتِّصال المباشر بشيعته، فلا يستطيع
أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) الاحتجاج: ٢٧٠/ ط النجف.
يُحدِّثهم ويُحدِّثونه، فاضطرَّ الشيعة إلى مكاتبته (عليه السلام) لأخذ أحكامهم
الشرعية، بطرقهم الخاصَّة.
وأصبحت الحاجة إليها ضرورية في زمان الإمامين الهاديين العسكريين؛ لإبعاد الدولة
لهما عن قواعدهما الإيمانية، ولاعتقالهم في محلِّ سكناهم، في السجن الصغير أو
الكبير، ولتفرّق شيعتهم في البلدان البعيدة عن حاضرة الإمام ومحلِّ إقامته.
وأمَّا الأئمَّة قبل الإمام الكاظم (عليه السلام) فقد كانوا مع الرواة يُحدِّثون
عنهم بالمباشرة أو بواسطة راوٍ آخر، فكانت الروايات تأتي بعبارة: (قلت له)، أو
(سمعت عنه)، ولا يعني هذا أنَّهم (عليهم السلام) كانوا في سعة من العيش، وفسحة من
العمل، غير مشدَّد عليهم، يعيشون بحرّيتهم، بل كانت الحال معهم بين مدٍّ من بحر
الظلم وجزر، فيضيق عليهم تارةً بحيث لا يتمكَّن الرواة من الذهاب إليهم والأخذ
عنهم، ويُفسَح لهم المجال تارةً أُخرى، وكأنَّ ذلك تبع للظروف المحيطة بالدولة،
وإلَّا فالقاعدة الأوَّلية عند حُكّام بني أُميَّة وبني العبّاس بالنسبة لهم، هي
التضييق والتشديد وإبعاد الناس عنهم، إلَّا أنَّ الظروف تتحكَّم في خطِّ السير
كرهاً على الحُكّام.
نوع خطّ التوقيعات:
كانت التواقيع تصدر بخطِّ الإمام المهدي (عليه السلام)، وهو نفس الخطّ الذي
كان يكتب به والده الإمام العسكري (عليه السلام)، ومن الواضح أنَّ استعماله لنفس
الخطّ ليطمئنَّ من يعرفون خطَّ الإمام العسكري (عليه السلام) - وهم الحلقة الأُولى
في عصر الغيبة الصغرى من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - بأنَّ
التواقيع صدرت من نفس تلك المشكاة، وليقطع الطريق على المغرضين والمستغلّين.
ومن شواهد ما قلناه:
١ - ما رواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة:
عنه (أي أحمد بن علي بن نوح وهو أبو العبّاس السيرافي)، عن أبي نصر هبة الله
(بن محمّد) بن أحمد الكاتب ابن بنت أبي جعفر العمري (قدّس سره)، عن
شيوخه
أنَّه لمَّا مات الحسن بن علي (عليهما السلام)، حضر غسله عثمان بن سعيد (رضي الله
عنه) (أي السفير الأوَّل)، وتولّى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره، مأموراً
بذلك، للظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها ولا دفعها إلَّا بدفع حقائق الأشياء في
ظواهرها.
وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يدي عثمان بن سعيد (رحمه الله)،
وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان (رحمه الله) (السفير الثاني)، إلى شيعته وخواصّ أبيه
أبي محمّد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت
إلى السؤال فيه، بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)، فلم تزل
الشيعة مقيمة على عدالتهما، إلى أن تُوفّي عثمان بن سعيد (رحمه الله)، وغسَّله ابنه
أبو جعفر، وتولّى القيام به، وحصل الأمر كلّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على
عدالته وثقته وأمانته، لما تقدَّم له من النصِّ عليه بالأمانة والعدالة والأمر
بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام) وبعد موته في حياة أبيه عثمان رحمة الله
عليه)(٧).
٢ - وفيه أيضاً: وأخبرني جماعة، عن هارون بن موسى، عن
محمّد بن همّام، قال: قال لي عبد الله بن جعفر الحميري: لمَّا مضى أبو عمرو (رضي
الله عنه) أتتنا الكتب بالخطِّ الذي كنّا نكاتب به بإقامة أبي جعفر (رضي الله عنه)(٨).
٣ - وفيه أيضاً: (ثمّ إنَّهم كتبوا في ذلك كتاباً
وأنفذوه إلى الناحية، وأعلموه بما تشاجروا فيه، فورد جواب كتابهم بخطِّه عليه وعلى
آبائه السلام...)(٩).
٤ - وفيه أيضاً: (عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد
بن عثمان العمري (رحمه الله) أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ،
فورد التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الدار (عليه السلام)...)(١٠).
ولا يخفى على أحد هذه الدقَّة المقصودة من الإمام (عليه السلام)؛ فإنَّ الخطَّ يخرج
للشيعة بنفس خطّ الإمام العسكري (عليه السلام)، وكثير من الشيعة يعرفون ذلك الخطّ،
ثمّ إنَّه يخرج على يد السفير الأوَّل، الموثَّق من قِبَل الإمام الهادي والعسكري
(عليهما السلام)، بحيث لا يحوم الشكّ حوله من مؤمن من المؤمنين، ثمّ لمَّا انتقل
السفير الأوَّل إلى جوار ربِّه، صارت الكتب تخرج على يد ابنه السفير الثاني،
الموثَّق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
الغيبة للطوسي: ٣٥٧.
(٨)
الغيبة للطوسي: ٣٦٢.
(٩)
الغيبة للطوسي: ٢٨٥.
(١٠) الغيبة للطوسي: ٢٩٠.
من
قِبَل الإمام العسكري (عليه السلام) أيضاً، بنفس ذلك الخطّ، ومن طبع هذا العمل
واستمراره لعدَّة سنين أن يعرف الناس الآخرون خطّ الإمام (عليه السلام)، فتنتقل
المعرفة بنحو اليقين والقطع إلى العصر الثاني الذي لم يلتقِ بالإمام العسكري (عليه
السلام)، ولا بالسفير الأوَّل، ويُقدِّر الله تعالى أن يستمرَّ السفير الثاني مدَّة
طويلة في السفارة والنيابة، فينتقل ذلك إلى الجيل الثالث والرابع أيضاً، وكلُّ ذلك
ليقطع الطريق على المغرضين والمستغلّين كما قدَّمنا.
فائدة التوقيعات:
لا يخفى أنَّ من وظائف الأئمَّة (عليهم السلام) حفظ الدين وبيانه وتبليغه
وتمكين المؤمنين منه، وردّ الشبهات عنه، وقد حفلت كتب الحديث بما قام به الأئمَّة
(عليهم السلام) في ذلك، حيث يعجز الآخرون عن معرفة المسائل، أو ردّ ما يواجهون به
من شبهات، فيلجؤون إلى من جعلهم الله أُمناء على دينه وهداة لخلقه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنا
مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا
يُوقِنُونَ﴾ (السجدة: ٢٤).
وقد قام الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) بهذا الدور عن طريق سفرائه ووكلائه بهذه
التوقيعات، فيكون لهذه التوقيعات فوائد:
الأُولى: بيان الدين بجميع مجالاته كما ستأتي الشواهد في ذلك.
الثاني: الدلالة على وجوده؛ فإنَّها أثر من آثاره، والأثر يدلُّ على المؤثِّر.
أقسام التوقيعات من حيث المضمون
وتنقسم
هذه التوقيعات الصادرة من الناحية المقدَّسة من حيث المضمون إلى أقسام كثيرة،
تعدَّدت بتعدّد ما يحتاجه المؤمنون في حياتهم اليومية، الشخصية والاجتماعية، في
عباداتهم ومعاملاتهم، وعقائدهم، وأمنهم وخوفهم، وغير ذلك، فلهذا يمكن أن نُدرِجها
في هذه الأقسام:
القسم الأوَّل: التوقيعات العقائدية:
التوقيع الأوَّل: في كتاب الغيبة للشيخ الطوسي (رحمه الله)، والاحتجاج:
وأخبرنا الحسين بن إبراهيم، عن أبي العبّاس أحمد بن علي بن نوح، عن أبي نصر هبة
الله بن محمّد الكاتب، قال: حدَّثني أبو الحسن أحمد بن محمّد بن تربك
الرهاوي، قال: حدَّثني أبو جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه - أو
قال: أبو الحسن (علي بن) أحمد الدلَّال القمّي -، قال:
اختلف جماعة من الشيعة في أنَّ الله (جلَّ جلاله) فوَّض إلى الأئمَّة (عليهم
السلام) أن يخلقوا أو يُرزقوا؟
فقال قوم: هذا محال لا يجوز على الله تعالى، لأنَّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير
الله (جلَّ جلاله).
وقال آخرون: بل الله تعالى أقدر الأئمَّة (عليهم السلام) على ذلك وفوَّضه إليهم
فخلقوا ورزقوا، وتنازعوا في ذلك تنازعاً شديداً.
فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله)
فتسألونه عن ذلك فيُوضِّح لكم الحقَّ فيه؟ فإنَّه الطريق إلى صاحب الأمر (عليه
السلام)، فرضيت الجماعة بأبي جعفر (رحمه الله) وسلَّمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا
المسألة وأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته:
(إنَّ الله (جلَّ جلاله) هو الذي خلق الأجسام وقسَّم
الأرزاق، لأنَّه ليس بجسم ولا حالٌّ في جسم، ليس كمثله شيء وهو السميع العليم،
وأمَّا الأئمَّة (عليهم السلام) فإنَّهم يسألون الله تعالى فيخلق)، وأضاف في
الاحتجاج: (ويسألونه فيرزق إيجاباً لمسألتهم، وإعظاماً
لحقِّهم)(١١).
وهذا المعنى هو الذي أجاب به الإمام (عليه السلام) في حياة أبيه أيضاً، كما في حديث
سائل أتى ليسأل الإمام العسكري (عليه السلام) فأذن له باللقاء مع صاحب الزمان،
فتلقّى الجواب منه قبل أن يسأل، ونقتطع منه محلّ الشاهد:
في غيبة الشيخ الطوسي: جعفر الفزاري، عن محمّد بن جعفر بن عبد الله، عن أبي نعيم
محمّد بن أحمد الأنصاري، قال: وجَّه قوم من المفوِّضة والمقصِّرة كامل بن إبراهيم
المدني إلى أبي محمّد (عليه السلام)، قال كامل: فقلت في نفسي: أسأله: لا يدخل
الجنَّة إلَّا من عرف معرفتي وقال بمقالتي؟
إلى أن قال: ثمّ قال - أي الإمام صاحب الزمان (عليه السلام) -: (وجئتَ تسأله عن
مقالة المفوِّضة، كذبوا بل قلوبنا أوعية لمشيَّة الله، فإذا شاء شئنا، والله يقول:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) الغيبة للطوسي: ٢٩٤؛ الاحتجاج ٢: ٢٨٤.
﴿وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الإنسان:
٣٠])، ثمّ رجع الستر إلى حالته فلم أستطع كشفه(١٢).
التوقيع الثاني: في كتاب الاحتجاج: وممَّا خرج عن
صاحب الزمان (عليه السلام)، ردَّاً على الغلاة من التوقيع جواباً لكتاب كُتِبَ إليه
على يدي محمّد بن علي بن هلال الكرخي:
(يا محمّد بن علي، تعالى الله وجلَّ عمَّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاؤه في
علمه ولا في قدرته ، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه:
﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ
الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ﴾ [النمل: ٦٥].
وأنا وجميع آبائي من الأوَّلين: آدم ونوح وإبراهيم وموسى (عليهم السلام)، وغيرهم من
النبيّين، ومن الآخرين محمّد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم ممَّن مضى من
الأئمَّة (عليهم السلام)، إلى مبلغ أيّامي ومنتهى عصري، عبيد الله (جلَّ جلاله)،
يقول الله (جلَّ جلاله): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ
رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ
آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
يا محمّد بن علي، قد آذانا جهلاء الشيعة وحمقاؤهم، ومن دينه جناح البعوضة أرجح منه.
فأُشهد الله الذي لا إله إلَّا هو وكفى به شهيداً، ورسوله محمّد (صلّى الله عليه
وآله وسلم)، وملائكته وأنبياءه، وأولياءه (عليهم السلام).
وأُشهدك، وأُشهد كلَّ من سمع كتابي هذا، أنّي بريء إلى الله وإلى رسوله ممَّن يقول:
إنّا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلَّاً سوى المحلّ الذي رضيه الله
لنا وخلقنا له، أو يتعدّى بنا عمَّا قد فسَّرته لك وبيَّنته في صدر كتابي.
وأُشهدكم: أنَّ كلَّ من نبرأ منه فإنَّ الله يبرأ منه وملائكته ورسله وأولياءه.
وجعلت هذا التوقيع الذي في هذا الكتاب أمانة في عنقك وعنق من سمعه أن لا يكتمه لأحد
من مواليَّ وشيعتي حتَّى يظهر على هذا التوقيع الكلّ من الموالي لعلَّ الله (جلَّ
جلاله) يتلافاهم فيرجعون إلى دين الله الحقّ، وينتهون عمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الغيبة للطوسي: ٢٤٦.
لا
يعلمون منتهى أمره، ولا يبلغ منتهاه، فكلُّ من فهم كتابي ولا يرجع إلى ما قد أمرته
ونهيته، فقد حلَّت عليه اللعنة من الله وممَّن ذكرت من عباده الصالحين)(١٣).
الغلاة والمفوّضة:
من التيّارات المنحرفة التي ظهرت في زمان الأئمَّة (عليهم السلام) فرقة
الغلاة، والمفوِّضة قسم منهم، ويظهر من الروايات مقدار الألم الذي أصاب قلب أهل
البيت (عليهم السلام) منهم، وهم ذو شعب كثيرة، ولبروزهم أسباب متعدِّدة، ليس هذا
محلّ ذكرها وإن كان من المهمِّ دراستها ومعرفتها، ولكن نذكر هنا بمجمل من القول ما
يُسلِّط الضوء على التوقيعين السابقين، ليُعرَف المراد منهما، كلُّ ذلك حسب ما
استفدناه من الروايات وكلام أعلامنا الهداة، من حماة المذهب وشيعة آل البيت (عليهم
السلام)، فنقول:
إنَّ الغلوَّ في النبيِّ والأئمَّة (عليهم
السلام) يكون بأحد أُمور:
١ - القول بأُلوهيتهم.
٢ - القول بكونهم شركاء لله تعالى في الخلق.
٣ - القول بكونهم شركاء لله تعالى في الرزق.
٤ - القول بكونهم شركاء لله تعالى في العبادة، بأن يُعبَدوا مع الله تعالى.
٥ - القول بأنَّ الله تعالى حلَّ فيهم أو اتَّحد بهم.
٦ - القول بأنَّهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى.
٧ - القول بأنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) أنبياء.
٨ - القول بأنَّ معرفتهم (عليهم السلام) تُغني عن جميع الطاعات، ولا تكليف معها
بترك المعاصي.
فإنَّ القول بكلٍّ من هذه الأُمور خروج عن الدين كما دلَّت عليه الأدلَّة العقلية
والآيات والأخبار، وقد تبرَّأ الأئمَّة (عليهم السلام) من القائلين بذلك، وحكموا
بكفرهم.
ولكن أفرط بعض المتكلِّمين والمحدِّثين في الغلوِّ، فاتَّهموا كثيراً من الرواة
بالغلوِّ؛ لنقلهم بعض غرائب المعجزات، حتَّى قال بعضهم: من الغلوِّ نفي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) الاحتجاج ٢: ٢٨٩.
السهو
عنهم! مع أنَّ هناك مساحة كبيرة بين الغلوِّ وعدمه، وقد حبا الله تعالى أهل البيت
(عليهم السلام) ما لا عين رأت ولا أُذُن سمعت، ولا خطر على خيال بشر، بحيث لا
يُخرِجهم عن البشرية والعبودية لله تعالى، بل مقامهم الشامخ نشأ من حصول حقيقة
العبودية لله تعالى في نفوسهم الكريمة.
وأمَّا التفويض فنذكر ملخَّص ما ذكره العلَّامة المجلسي في البحار، حيث قال:
يُطلَق على معانٍ بعضها منفي عنهم (عليهم
السلام) وبعضها مثبت لهم:
الأوَّل: التفويض في الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فإنَّ قوماً قالوا:
إنَّ الله تعالى خلقهم وفوَّض إليهم أمر الخلق، فهم يخلقون ويُرزِقون ويُميتون
ويُحيون.
فإن أُريد أنَّهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم وإرادتهم وهم الفاعلون حقيقة مستقلّين عن
الله تعالى، فهذا كفر صريح دلَّت على استحالته الأدلَّة العقلية والنقلية، ولا
يستريب عاقل في كفر من قال به.
وإن أُريد معنىً آخر، لا بمعنى الاستقلال، فهو وإن لم يوجب الشرك إلَّا أنَّه لا
دليل عليه فيما عدا ما كان بنحو المعجزات.
الثاني: التفويض في أمر الدين، وهذا أيضاً يحتمل
وجهين:
أحدهما: أن يكون الله تعالى فوَّض إلى النبيِّ والأئمَّة (عليهم السلام) عموماً أن
يُحلّوا ما شاؤوا ويُحرِّموا ما شاؤوا من غير وحي وإلهام، أو يُغيِّروا ما أوحى
إليهم بآرائهم.
وهذا باطل لا يقول به عاقل، فإنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان ينتظر
الوحي أيّاماً كثيرة لجواب سائل ولا يجيبه من عنده، وقد قال تعالى: ﴿وَما
يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى﴾ (النجم: ٣ و٤).
وثانيهما: أنَّه تعالى لمَّا أكمل نبيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بحيث لم يكن
يختار من الأُمور شيئاً إلَّا ما يوافق الحقَّ والصواب، ولا يحلُّ بباله ما يخالف
مشيَّته تعالى في كلِّ باب، فوَّض إليه تعيين بعض الأُمور كالزيادة في الصلاة
وتعيين النوافل في الصلاة والصوم وطعمة الجدّ وغير ذلك.
وليس
في ذلك فسادٌ عقلاً، وقد دلَّت النصوص المستفيضة عليه.
الثالث: تفويض أُمور الخلق إليهم من سياستهم وتأديبهم
وتكميلهم وتعليمهم وأمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبّوا وكرهوا وفيما علموا جهة المصلحة
فيه.
وذا حقٌّ لقوله تعالى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ
وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (الحشر: ٧)، وغير ذلك من الآيات
والأخبار، وعليه يُحمَل قولهم (عليهم السلام): (نحن المحلِّلون حلاله والمحرِّمون
حرامه)، أي بيانهما علينا، ويجب على الناس الرجوع فيهما إلينا.
الرابع: تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة
فيها بسبب اختلاف عقول الناس، أو بسبب التقيَّة، فيُفتون بعض الناس بالواقع من
الأحكام، وبعضهم بالتقيَّة، ويُبيِّنون تفسير الآيات وتأويلها، وبيان المعارف بحسب
ما يحتمل عقل كلّ سائل، ولهم أن يُبيِّنوا ولهم أن يسكتوا كما ورد في أخبار كثيرة:
(عليكم المسألة وليس علينا الجواب)، كلُّ ذلك بحسب ما يُريهم الله من مصالح الوقت.
الخامس: الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة، أو
بعلمهم وبما يُلهِمهم الله من الواقع ومخّ الحقِّ في كلِّ واقعة، وعليه دلَّت
الأخبار.
السادس: التفويض في العطاء؛ فإنَّ الله تعالى خلق لهم
الأرض وما فيها، وجعل لهم الأنفال والخمس والصفايا وغيرها، فلهم أن يعطوا ما شاؤوا
ويمنعوا ما شاؤوا.
انتهى ملخَّصاً، ومن أراد التوسّع فليرجع إلى البحار (ج ٢٥/ ص ٣٤٨).
ومن هذا يظهر أنَّ سؤال السائل وجواب الإمام (عليه السلام) ينصبُّ على التفويض
بمعنى أنَّ الله تعالى فوَّض الخلق والرزق مطلقاً لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا
ما نفاه الإمام عن نفسه وعن آبائه (عليهم السلام).
وكذلك نفى عن نفسه وعن آبائه (عليهم السلام) أن يكونوا شركاء لله في علمه وقدرته،
وأنَّهم يعلمون الغيب، بمعنى أنَّهم يعلمون به مستقلّين عن الله تعالى فيكونوا
شركاء له.
وأكَّد
الإمام (عليه السلام) على أنَّهم عبيد لله تعالى، وهذا ما نراه فيهم نحن الشيعة
الإماميَّة الاثني عشرية، فإنّا نعقتد بأنَّهم عباد مخلَصون قد اصطفاهم الله تعالى
على سائر خلقه، وأنَّهم قاموا بحقيقة العبودية له تعالى لمعرفتهم به حقَّ معرفته،
فصاروا هم الأدلَّاء عليه.
وأمَّا ما يُنسَب إلى الشيعة الإماميَّة من الغلوِّ والتأليه والعبادة لهم، و...،
فهو ناشئ من أوهام المخرِّفين، وأحلام المتَّخمين.
التوقيع الثالث: عن أبي الحسين محمّد بن جعفر الأسدي
(رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله الأشعري، قال: حدَّثنا الشيخ الصدوق أحمد بن
إسحاق بن سعد الأشعري (رحمه الله)، أنَّه جاءه بعض أصحابنا يُعلِمه أنَّ جعفر بن
علي كتب إليه كتاباً يُعرِّفه فيه نفسه، ويُعلِمه أنَّه القيّم بعد أخيه، وأنَّ
عنده من علم الحلال والحرام ما يُحتاج إليه وغير ذلك من العلوم كلّها.
قال أحمد بن إسحاق: فلمَّا قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان (عليه السلام)،
وصيَّرت كتاب جعفر في درجه، فخرج الجواب إليَّ في ذلك:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أتاني كتابك أبقاك الله، والكتاب الذي أنفذته درجه،
وأحاطت معرفتي بجميع ما تضمَّنه على اختلاف ألفاظه، وتكرّر الخطأ فيه، ولو تدبَّرته
لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه، والحمد لله ربّ العالمين حمداً لا شريك له على
إحسانه إلينا، وفضله علينا، أبى الله (جلَّ جلاله) للحقِّ إلَّا إتماماً، وللباطل
إلَّا زهوقاً، وهو شاهد عليَّ بما أذكره، وليٌّ عليكم بما أقوله، إذا اجتمعنا ليوم
لا ريب فيه، ويسألنا عمَّا نحن فيه مختلفون. إنَّه لم يجعل لصاحب الكتاب على
المكتوب إليه، ولا عليك، ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة، ولا طاعة ولا
ذمَّة، وسأُبيِّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله تعالى.
يا هذا، يرحمك الله، إنَّ الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم سدى، بل
خلقهم بقدرته، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً، ثمّ بعث إليهم النبيّين
(عليهم السلام) مبشّرين ومنذرين، يأمرونهم بطاعته وينهونهم عن معصيته، ويُعرِّفونهم
ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم، وأنزل عليهم كتاباً، وبعث
إليهم
ملائكة يأتين [خ ل بائن] بينهم وبين من بعثهم إليهم بالفضل الذي جعله لهم عليهم،
وما آتاهم من الدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة، والآيات الغالبة.
فمنهم من جعل النار عليه برداً وسلاماً واتَّخذه خليلاً، ومنهم من كلَّمه تكليماً
وجعل عصاه ثعباناً مبيناً، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله، وأبرأ الأكمه والأبرص
بإذن الله، ومنهم من علَّمه منطق الطير وأُوتي من كلِّ شيء، ثمّ بعث محمّداً (صلّى
الله عليه وآله وسلم) رحمةً للعالمين، وتمَّم به نعمته، وختم به أنبياءه، وأرسله
إلى الناس كافَّة، وأظهر من صدقه ما أظهر، وبيَّن من آياته وعلاماته ما بيَّن.
ثمّ قبضه (صلّى الله عليه وآله وسلم) حميداً فقيداً سعيداً، وجعل الأمر (من) بعده
إلى أخيه وابن عمّه ووصيّه ووارثه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثمّ إلى الأوصياء
من ولده واحداً واحداً، أحيى بهم دينه، وأتمَّ بهم نوره، وجعل بينهم وبين إخوانهم
وبني عمّهم والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاناً بيِّناً يُعرَف به الحجَّة من
المحجوج، والإمام من المأموم، بأن عصمهم من الذنوب، وبرَّأهم من العيوب، وطهَّرهم
من الدنس، ونزَّههم من اللبس، وجعلهم خزّان علمه، ومستودع حكمته، وموضع سرّه،
وأيَّدهم بالدلائل، ولولا ذلك لكان الناس على سواء، ولا وعى أمر الله (جلَّ جلاله)
كلّ أحد، ولما عُرِفَ الحقّ من الباطل، ولا العالم من الجاهل.
وقد ادَّعى هذا المبطل المفتري على الله الكذب بما ادَّعاه، فلا أدري بأيَّة حالة
هي له رجاء أن يتمَّ دعواه:
أبفقه في دين الله؟ فوَالله ما يعرف حلالاً من حرام، ولا يُفرِّق بين خطأ وصواب.
أم بعلم، فما يعلم حقَّاً من باطل، ولا محكماً من متشابه، ولا يعرف حدَّ الصلاة
ووقتها.
أم بورع، فالله شهيد على تركه الصلاة الفرض أربعين يوماً، يزعم ذلك لطلب الشعوذة،
ولعلَّ خبره قد تأدّى إليكم، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة، وآثار عصيانه لله (جلَّ
جلاله) مشهورة قائمة.
أم
بآية فليأتِ بها، أم بحجَّة فليقمها، أو بدلالة فليذكرها.
قال الله (جلَّ جلاله) في كتابه:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حم * تَنْزِيلُ
الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالأَرْضَ
وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا
أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ
أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ
ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ
صادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ
لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ * وَإِذا حُشِرَ
النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ [الأحقاف:
١ - ٦].
فالتمس تولّى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك، وامتحنه وسَلْه عن آية من كتاب
الله يُفسِّرها أو صلاة فريضة يُبيِّن حدودها وما يجب فيها، لتعلم حاله ومقداره،
ويظهر لك عواره ونقصانه، والله حسيبه.
حفظ الله الحقَّ على أهله، وأقرَّه في مستقرِّه، وقد أبى الله (جلَّ جلاله) أن تكون
الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهم السلام)، وإذا أذن الله لنا في القول
ظهر الحقُّ، واضمحلَّ الباطلُ، وانحسر عنكم، وإلى الله أرغب في الكفاية، وجميل
الصنع والولاية، وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلّى الله على محمّد وآل محمّد)(١٤).
إضاءة على هذا التوقيع:
تعرَّض الإمام (عليه السلام) إلى عدَّة أُمور عقائدية في هذا التوقيع، نُلخِّصها في
نقاط:
١ - أنَّ الله تعالى هو الحكيم المطلق، فلا يعمل عملاً بلا غرض، ولا يصدر منه العبث
واللهو؛ فإنَّ ذلك منافٍ للحكمة (إنَّ الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً، ولا أهملهم
سدى...)، وهو قول الإماميَّة في قبال الأشاعرة القائلين بأنَّ الله تعالى لا يجب أن
يفعل الفعل بغرض، فربَّما يفعله بلا غرض، وهي من المسائل الكلامية المهمَّة.
قال العلَّامة (قدّس سره) في منهاج الكرامة:
(ذهبت الإماميَّة إلى أنَّ الله تعالى عدل حكيم لا يفعل قبيحاً، ولا يخلُّ بواجب،
وأنَّ أفعاله إنَّما تقع لغرض صحيح وحكمة، وأنَّه لا يفعل الظلم ولا العبث،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) الغيبة للطوسي: ٢٨٧.
وأنَّه
رؤوف بالعباد يفعل بهم ما هو الأصلح لهم والأنفع، وأنَّه تعالى كلَّفهم تخييراً لا
إجباراً، ووعدهم بالثواب، وتوعَّدهم بالعقاب، على لسان أنبيائه ورسله المعصومين،
بحيث لا يجوز عليهم الخطأ ولا النسيان ولا المعاصي، وإلَّا لم يبقَ وثوق بأقوالهم،
فتنتفي فائدة البعثة...).
إلى أن قال: (وذهب أهل السُّنَّة إلى خلاف ذلك كلّه، فلم يُثبِتوا العدل والحكمة في
أفعاله تعالى، وجوَّزوا عليه فعل القبيح والإخلال بالواجب، وأنَّه تعالى لا يفعل
لغرض، بل كلُّ أفعاله لا لغرض من الأغراض، ولا لحكمة البتَّة. وأنَّه تعالى يفعل
الظلم والعبث، وأنَّه لا يفعل ما هو الأصلح للعباد، بل ما هو الفساد في الحقيقة،
لأنَّ فعل المعاصي وأنواع الكفر والظلم وجميع أنواع الفساد الواقعة في العالم
مستندة إليه، تعالى الله عن ذلك...)(١٥).
وكانت هذه النقطة بمثابة التمهيد للدخول في بيان ما يريد بيانه من النقاط الآتية
المتسلسلة.
٢ - أنَّ الحكمة الإلهية المطلقة بعد أن اقتضت خلق الخلق، فخلق الإنس والجانّ، وجعل
لهم أسماعاً وأبصاراً وألباباً، اقتضت أيضاً أن يبعث لهم نبيّين ومرسلين، مبشّرين
ومنذرين، في إشارة إلى قاعدة اللطف التي كتبها الله على نفسه، فقال: ﴿كَتَبَ
عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: ١٢).
وقاعدة اللطف هي الأُخرى من المسائل الكلامية المهمَّة التي صارت محلّ بحث بين
الإماميَّة وغيرهم.
٣ - وبما أنَّ الحكمة الإلهية والمشيئة الربّانية اقتضت إرسال الرسل المبلِّغين عنه
تعالى أحكامه، فلا بدَّ أن يكون معهم ما يدلُّ على بعثتهم، فأيَّدهم بالمعجزة، من
جعل النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وانقلاب العصا إلى ثعبان، وإحياء الموتى.
وهذه المسألة ترتبط بالمسألة الأُولى أيضاً، فلو لم يكن فعل الله تعالى ناشئاً عن
غرض وحكمة لما دلَّت المعجزة على نبوَّة أيّ نبيّ من الأنبياء؛ إذ يحتمل على هذا
الرأي أن يؤيِّد الله الكاذب في دعواه النبوَّة بالمعجزة، تعالى الله عن ذلك
علوَّاً كبيراً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) منهاج الكرامة: ٣١ و٣٢.
٤-
بيَّن أنَّ الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) هو الإمام بعد
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، والأوصياء من بعده أولاده، والدليل على
إمامتهم أُمور ثلاثة:
أ) العصمة.
ب) العلم اللدنّي.
ج) ظهور الكرامة على يدهم.
فيُشتَرط في الإمام (عليه السلام) أن يكون معصوماً من الذنوب، مُبرَّءاً من العيوب،
مطهَّراً من الدنس، وأن يكون خزانة لعلم الله، ومستودعاً لحكمته، وأن يكون مؤيَّداً
بالدلائل، وإلَّا لما عُرِفَ الحقّ من الباطل، ولا العالم من الجاهل، فادَّعاها كلّ
شارد ووارد، وأبت الحكمة الإلهية أن تكون الإمامة شرعة لكلِّ وارد، بل هي درَّة
مصونة، محفوظة عند أهلها.
٥ - وبعد أن بيَّن الإمام (عليه السلام) الكبرى في من يتولّى الإمامة، طبَّقها على
الصغرى، فأخرج مدَّعيها منها، وهو عمّه جعفر؛ فإنَّه خارج من تحت الأُمور الثلاثة
جميعها، ولا يستطيع أن يدَّعي واحدة منها، فتنتفي عنه دلائل الإمامة.
٦ - بيَّن الإمام (عليه السلام) قاعدة عامَّة في الإمامة: وهي أنَّها لا تكون في
أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)، وعليه فدعوى جعفر باطلة من هذه الجهة
أيضاً.
القسم الثاني: التوقيعات الأصولية:
وردت بعض التوقيعات التي تعرَّض لها الأُصوليون في مباحث أُصول الفقه،
وأصبحت محلّ كلام في دلالتها على مدَّعاهم في ذلك الباب، كالتوقيع الذي استُدِلَّ
به في مبحث التخيير من باب تعارض الأدلَّة:
روى الشيخ (رحمه الله) في كتاب الغيبة، وأحمد بن أبي طالب الطبرسي وأبو علي الطبرسي
بأسانيدهم المعتبرة، أنَّ محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري كتب إلى الناحية
المقدَّسة فسأل عن المصلّي إذا قام من التشهّد الأوَّل للركعة الثالثة هل يجب عليه
أن يُكبِّر؟ فإنَّ بعض أصحابنا قال: لا يجب عليه التكبير ويُجزيه أن يقول: بحول
الله وقوَّته أقوم وأقعد.
فخرج الجواب: (أنَّ فيه حديثين: أمَّا أحدهما فإنَّه إذا
انتقل من حالة إلى حالة أُخرى فعليه تكبير، وأمَّا الآخر فإنَّه روي أنَّه إذا رفع
رأسه من السجدة الثانية
فكبَّر ثمّ جلس ثمّ قام فليس عليه للقيام بعد القعود تكبير،
وكذلك التشهّد الأوَّل يجري هذا المجرى، وبأيّهما أخذت من باب التسليم كان صواباً)(١٦).
فإنَّ الجملة الأخيرة، أعني (وبأيّهما أخذت... كان صواباً)، وقعت محلّ الكلام
للاستدلال بها على التخيير في حالة التعارض، ولا بأس بنقل ما علَّق به الشيخ الأعظم
الأنصاري (قدّس سره) عليه بقوله:
(فإنَّ الحديث الثاني وإن كان أخصّ من الأوَّل، وكان اللازم تخصيص الأوَّل به
والحكم بعدم وجوب التكبير، إلَّا أنَّ جوابه (عليه السلام) بالأخذ بأحد الحديثين من
باب التسليم يدلُّ على أنَّ الحديث الأوَّل نقله الإمام (عليه السلام) بالمعنى،
وأراد شموله لحالة الانتقال من القعود إلى القيام بحيث لا يمكن إرادة ما عدا هذا
الفرد منه، فأجاب (عليه السلام) بالتخيير.
ثمّ إنَّ وظيفة الإمام (عليه السلام) وإن كانت إزالة الشبهة عن الحكم الواقعي،
إلَّا أنَّ هذا الجواب لعلَّه تعليم طريق العمل عند التعارض مع عدم وجوب التكبير
عنده في الواقع، وليس فيه الإغراء بالجهل من حيث قصد الوجوب في ما ليس بواجب، من
جهة كفاية قصد القربة في العمل.
وكيف كان: فإذا ثبت التخيير بين دليلي وجوب الشيء على وجه الجزئية وعدمه، ثبت في ما
نحن فيه - من تعارض الخبرين في ثبوت التكليف المستقلّ - بالإجماع والأولوية
القطعية)(١٧).
ولعلَّ من هذا الباب ما ورد أيضاً عقيب السؤال المتقدِّم كما في غيبة الشيخ:
(وعن الفصّ الخماهن - وهو الحديد الصيني كما قيل - هل تجوز فيه الصلاة إذا كان في
إصبعه؟
الجواب: (فيه كراهة أن يُصلّي فيه، وفيه إطلاق، والعمل على
الكراهية))(١٨).
فإنَّ ظاهر الكلام أنَّ الإمام (عليه السلام) بيَّن أنَّ فيه حديثين، حديث صرَّح
بالكراهة، والآخر مطلق، ومقتضى الجمع الحمل على الكراهة، واتِّخاذ هذا الطريق في
الجواب من باب التعليم على الاستنباط كما يبدو، والله العالم.
القسم الثالث: التوقيعات الفقهية:
وهي أشبه بنظام الاستفتاءات في زماننا؛ حيث إنَّ المكلَّف العامّي يُرسِل
إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) البحار ٢: ٢٧٧.
(١٧) الرسائل ٢: ١٦٧.
(١٨) الغيبة للطوسي: ٣٩٧.
مرجعه
في التقليد بعدَّة أسئلة، فيجيب الفقيه عليها واحداً واحداً، وربَّما تكون كلّها في
الفقه، وربَّما تكون في مسائل شتّى مختلفة، تشتمل على الفقه وعلى غيره.
وكما أنَّ بعضها يكون لمعرفة الحكم الشرعي ابتداءً، فربَّما يكون بعضها استيضاحاً
لما ورد عن آبائه (عليهم السلام)، ممَّا ظاهره التعارض، أو لأجل الزيادة في
الاطمئنان، ومن أمثلة ذلك:
مسائل محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري:
(بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاءك، وأدام عزَّك، وتأييدك وسعادتك
وسلامتك ، وأتمَّ نعمته (عليك)، وزاد في إحسانه إليك، وجميل مواهبه لديك، وفضله
عندك، وجعلني من السوء فداك، وقدَّمني قبلك، الناس يتنافسون في الدرجات، فمن
قبلتموه كان مقبولاً، ومن دفعتموه كان وضيعاً، والخامل من وضعتموه، ونعوذ بالله من
ذلك، وببلدنا أيَّدك الله جماعة من الوجوه، يتساوون ويتنافسون في المنزلة).
وفيه (والترقيم منّي لا من النصِّ):
مسألة ١: فروى لنا عن العالم (عليه السلام): أنَّه
سُئِلَ عن إمام قوم صلّى بهم بعض صلاتهم وحدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟
فقال: (يؤخَّر ويُقدَّم بعضهم، ويتمُّ صلاتهم ويغتسل من
مسَّه).
التوقيع: (ليس على من نحّاه إلَّا غَسل اليد، وإذا لم تحدث
حادثة تقطع الصلاة تمَّم صلاته مع القوم).
مسألة ٢: وروي عن العالم (عليه السلام): أنَّ من مسَّ
ميِّتاً بحرارته غَسل يديه، ومن مسَّه وقد برد فعليه الغُسل)، وهذا الإمام في هذه
الحالة لا يكون مسَّه إلَّا بحرارته، والعمل [في] ذلك على ما هو؟ ولعلَّه يُنحّيه
بثيابه ولا يمسّه، فكيف يجب عليه الغُسل؟
التوقيع: (إذا مسَّه على هذه الحالة لم يكن عليه إلَّا غَسل
يده).
مسألة ٣: وعن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام
أو قعود أو ركوع أو سجود، وذكره في حالة أُخرى قد صار فيها من هذه الصلاة، هل يعيد
ما
فاته
من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكرها أم يتجاوز في صلاته؟
التوقيع: (إذا سها في حالة من ذلك ثمّ ذكر في حالة أُخرى قضى
ما فاته في الحالة التي ذكر).
مسألة ٤: وعن المرأة يموت زوجها، هل يجوز أن تخرج في
جنازته أم لا؟
التوقيع: (تخرج في جنازته).
مسألة ٥: وهل يجوز لها وهي في عدَّتها أن تزور قبر
زوجها أم لا؟
التوقيع: (تزور قبر زوجها، ولا تبيت عن بيتها).
مسألة ٦: وهل يجوز لها أن تخرج في قضاء حقّ يلزمها أم
لا تبرح من بيتها وهي في عدَّتها؟
التوقيع: (إذا كان حقٌّ خرجت وقضته، وإذا كانت لها حاجة لم
يكن لها من ينظر فيها خرجت لها حتَّى تُقضى، ولا تبيت عن منزلها).
مسألة ٧: وروي في ثواب القرآن في الفرائض وغيرها أنَّ
العالم (عليه السلام) قال: (عجباً لمن لم يقرأ في صلاته ﴿إِنَّا
أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ كيف تُقبَل صلاته؟).
وروي: (ما زكت صلاة لم يُقرأ فيها بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ
أَحَدٌ﴾).
وروي: (أنَّ من قرأ في فرائضه (الهُمَزة) أُعطي من [الثواب قدر] الدنيا)، فهل يجوز
أن يقرأ (الهُمَزة) ويدع هذه السور التي ذكرناها؟ مع ما قد روي أنَّه لا تُقبَل
صلاة ولا تزكو إلَّا بهما.
التوقيع: (الثواب في السور على ما قد روي، وإذا ترك سورة
ممَّا فيها الثواب وقرأ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ( و(إِنَّا أَنْزَلْناهُ) لفضلهما،
أُعطي ثواب ما قرأ وثواب السورة التي ترك، ويجوز أن يقرأ غير هاتين السورتين وتكون
صلاته تامَّة، ولكن يكون قد ترك الفضل).
مسألة ٨: وعن وداع شهر رمضان متى يكون؟ فقد اختلف فيه
(أصحابنا)، فبعضهم يقول: يُقرأ في آخر ليلة منه، وبعضهم يقول: هو في آخر يوم منه
إذا رأى هلال شوّال.
التوقيع: (العمل في شهر رمضان في لياليه، والوداع يقع في آخر
ليلة منه، فإن خاف أن ينقص جعله في ليلتين)(١٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الغيبة: ٣٧٤.
القسم الرابع: التوقيعات الرجالية:
ونعني بها التوقيعات التي بيَّنت حال أشخاص من حيث الوثاقة وعدمها، أو من
حيث الهداية والضلال، ولا يخفى أنَّ من المسائل المهمَّة في معرفة الحكم الشرعي
بالنسبة إلى من لا يأخذ عن الإمام (عليه السلام) بالمباشرة معرفة حال الراوي من حيث
الوثاقة، فإن كان ثقةً أخذ بروايته ونقله، كما عليه جمهور علماء الشيعة، إمَّا من
حيث وثاقته، أو من حيث إفادة خبره للوثوق، وأعظم التوثيقات على الإطلاق توثيق
الإمام نفسه، كما أنَّ أعظم التضعيفات تضعيفاته، فلهذا تظهر أهمّية هذه التوقيعات
من هذه الجهة.
كما أنَّ للتوقيعات الموضِّحة حال بعضهم من حيث الضلال أهمّية أُخرى، وهي - مضافاً
إلى معرفة حالهم للاجتناب عنهم - معرفة الطريقة التي ينبغي العمل عليها تجاه هؤلاء
الضالّين المضلّين، الذين يقفون في طريق الله (جلَّ جلاله)؛ ليقطعوا الطريق على
المؤمنين، ويحرفوهم عن جادَّة الحقِّ بألاعيبهم الماكرة.
ومن أمثلة ما ورد في التوثيق أو المدح وبيان
حسن الحال:
ما جاء في التوقيع الآتي المشتمل على أجوبة أسئلة إسحاق بن يعقوب، فمنه:
(وأمَّا محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) وعن أبيه من
قبل، فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي.
وأمَّا محمّد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكّه.
وأمَّا محمّد بن شاذان بن نعيم فإنَّه رجل من شيعتنا أهل البيت.
وأمَّا أبو الخطّاب محمّد بن (أبي) زينب الأجدع (فإنَّه) ملعون وأصحابه ملعونون،
فلا تجالس أهل مقالتهم وإنّي منهم بريء وآبائي (عليهم السلام) منهم براء)(٢٠).
ومن أمثلة ما ورد في الذمِّ وبيان الضلال:
١ - أحمد بن هلال الكرخي:
جاء في رجال الكشّي: (علي بن محمّد بن قتيبة، قال: حدَّثني أبو حامد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) الغيبة للطوسي: ٢٩٠؛ كمال الدين: ٤٨٣؛ الاحتجاج ٢: ٢٨٣.
أحمد
بن إبراهيم المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال
وكان ابتداءُ ذلك، أن كتب (عليه السلام) إلى قوّامه بالعراق: (احذروا الصوفي
المتصنِّع).
قال: وكان من شأن أحمد بن هلال أنَّه قد كان حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، عشرون منها
على قدميه.
قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في مذمَّته،
فحمَّلوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره. فخرج إليه: (قد
كان أمرنا نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال لا (رحمه الله)، بما قد علمت، لم يزل -
لا غفر الله له ذنبه، ولا أقاله عثرته - يداخل في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضى،
يستبدُّ برأيه، فيتحامي من ديوننا، لا يُمضي من أمرنا إلَّا بما يهواه ويريد، أرداه
الله بذلك في نار جهنَّم، فصبرنا عليه حتَّى بتر الله بدعوتنا عمره.
وكنّا قد عرَّفنا خبره قوماً من موالينا في أيّامه لا (رحمه الله)، وأمرناهم بإلقاء
ذلك إلى الخاصِّ من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا (رحمه الله)،
وممَّن لا يبرء منه.
وأعلم الإسحاقي سلَّمه الله وأهل بيته ممَّا أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من
كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين، ومن كان يستحقُّ أن يطَّلع على ذلك،
فإنَّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدّيه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا
بأنَّنا نفاوضهم سرّنا، ونحمله إيّاه إليهم، وعرفنا ما يكون من ذلك إن شاء الله
تعالى).
وقال أبو حامد: فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه فخرج: (لا
شكر الله قدره، لم يدع المرء ربَّه بأن لا يزيغ قلبه بعد أن هداه وأن يجعل ما منَّ
به عليه مستقرَّاً ولا يجعله مستودعاً . وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان - عليه
لعنة الله - وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله
الله بالنقمة و[لم] يُمهِله، والحمد الله لا شريك له، وصلّى الله على محمّد وآله
وسلَّم))(٢١).
ويظهر هنا عدم المهادنة من الإمام (عليه السلام)، والإصحار بالحقِّ لرفع الضلال،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) رجال الكشّي ٢: ٨١٦.
واجتثاثه من أرض الولاية، وتنبيه الناس وتحذيرهم من هذا الرجل المتصنِّع، الذي
حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، منها عشرون على قدميه، ومثل هذا العمل من شأنه أن يكسب
قلوب العامَّة؛ إذ ظاهر من يقوم بذلك الصلاح، مضافاً إلى العلم الذي كان يتمتَّع به،
فلو تُرِكَ وشأنه لأضلَّ قوماً كثيرين، وحرفهم عن الصراط المستقيم.
٢ - الحسن الشريعي:
قال السيِّد الخوئي في معجم الرجال: (الحسن الشريعي (السريعي): قال الشيخ في
كتاب الغيبة في ذكر المذمومين الذين ادَّعوا البابية، لعنهم الله: أخبرنا جماعة عن
أبي محمّد التلعكبري، عن أبي علي محمّد بن همّام، قال: كان الشريعي يُكنّى أبا
محمّد، قال هارون: وأظنُّ اسمه كان الحسن، وكان من أصحاب أبي الحسن علي بن محمّد،
ثمّ الحسن بن علي بعده (عليهما السلام)، وهو أوَّل من ادَّعى مقاماً لم يجعله الله
فيه، ولم يكن أهلاً له، وكذب على الله وعلى حججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا
يليق بهم، وما هم منه براء، فلعنته الشيعة، وتبرَّأت منه، وخرج توقيع الإمام (عليه
السلام) بلعنه والبراءة منه.
قال هارون: ثمّ ظهر منه القول بالكفر والإلحاد.
وقال الطبرسي في الاحتجاج في أواخره، في ما خرج عن صاحب الزمان (عليه السلام)
ردَّاً على الغلاة من التوقيع: روى أصحابنا أنَّ أبا محمّد الحسن السريعي كان من
أصحاب أبي الحسن علي بن محمّد ثمّ الحسن بن علي (عليهما السلام)، وهو أوَّل من
ادَّعى مقاماً لم يجعله الله فيه من قِبَل صاحب الزمان (عليه السلام)، وكذب على
الله وحججه (عليهم السلام)، ونسب إليهم ما لا يليق بهم وما هم منه براء، ثمّ ظهر
منه القول بالكفر والإلحاد)(٢٢).
أقول: من الواضح أنَّ مقام النيابة عن الإمام (عليه
السلام) من أعظم المناصب الدينية، بل أعظمها في عصر الغيبة، فلهذا كان من المقامات
التي يطمع فيها الطامعون، وينتهزها المنتهزون، ولهذا رفع رأسه غير واحد من أصحاب
المطامع، طمعاً في المنصب، وحبَّاً للجاه، أو حسداً من النوّاب الحقيقيين، أو
كليهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) معجم الرجال ٦: ١٧٩.
ولكن
خطر هذا المنصب وعلوّ مقامه يأبى أن يناله إلَّا أهله، ممَّن امتحن الله قلوبهم
للإيمان، فلا يناله من تدنَّس بأوحال الرذيلة، فضلاً عن من كان إيمانه مستودعاً؛
فإنَّ الله تعالى هو المطَّلع على السرائر، فيعرف نواياهم، وما يُخفون في ضمائرهم،
فيظهر أمر من ليس أهلاً له ويدَّعيه، على لسان وليِّه، وربَّما يفضحه على رؤوس
الأشهاد، ليُنفِّر الناس منه، وكم لحال هؤلاء من نظير في تأريخ البشر، في الغابر
والحاضر، فيُعرَفون بفلتات لسانهم، وصفحات وجوههم، وربَّما يبقون فتنة لغيرهم،
فلهذا ينبغي الحذر كلّ الحذر من الغفلة عمَّا جاء به أهل البيت (عليهم السلام) في
بيان حال علماء الدنيا، وينبغي الالتفات إلى ما صدر منهم (عليهم السلام) من دلائل
تكشف الباطل وتنير درب الحقِّ.
والغريب أنَّ قسماً من هؤلاء يمشون في خطٍّ منحنٍ حتَّى يبلغ بهم الأمر إلى نهاية
الانحناء والإعوجاج، فترى مثل صاحب هذا العنوان وصل إلى مرحلة الكفر والإلحاد.
٣ - محمّد بن علي الشلمغاني أبو جعفر المعروف
بابن أبي العزاقر:
كان متقدِّماً في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك
المذهب والدخول في المذاهب الرديئة (الرديَّة)، حتَّى خرجت فيه توقيعات، فأخذه
السلطان وقتله وصلبه(٢٣).
وقال الشيخ في كتاب الغيبة:
(أخبرنا جماعة، عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي، قال: وجدت بخطِّ
أحمد بن إبراهيم النوبختي وإملاء أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) على ظهر
كتاب فيه جوابات ومسائل أنفذت من قم، يسأل عنها، هل هي جوابات الفقيه (عليه السلام)
أو جوابات محمّد بن علي الشلمغاني؟ لأنَّه حكي عنه أنَّه قال: هذه المسائل أنا أجبت
عنها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) رجال النجاشي: ٣٧٨.
فكتب
إليهم على ظهر كتابهم: (بسم الله الرحمن الرحيم، قد وقفنا على هذه الرقعة وما
تضمَّنته، فجميعه جوابنا (عن المسائل)، ولا مدخل للمخذول الضالّ المضلّ المعروف
بالعزاقري لعنه الله في حرف منه، وقد كانت أشياء خرجت إليكم على يدي أحمد بن بلال
وغيره من نظرائه، وكان من ارتدادهم عن الإسلام مثل ما كان من هذا، عليهم لعنة الله
وغضبه))(٢٤).
والظاهر أنَّ كلمة (بلال) في أحمد بن بلال تصحيف عن (هلال)، فإنَّ أحمد بن هلال هو
الذي عُرِفَ بالانحراف كما تقدَّم، ويوجد ابن بلال، إلَّا أنَّ اسمه محمّد لا أحمد.
القسم الخامس: التوقيعات الاجتماعية:
ونعني بها التوقيعات التي صدرت لحفظ المجتمع الإيماني، أو حفظ طائفة منهم
كالوكلاء، أو حلّ بعض المشكلات الخاصَّة، ومن نماذج ذلك ما جاء في الكافي الشريف:
١ - الحسين بن الحسن العلوي، قال: كان رجل من ندماء روزحسني، وآخر معه، فقال له: هو
ذا يجبي الأموال، وله وكلاء، وسمّوا جميع الوكلاء في النواحي، وأنهى ذلك إلى عبيد
الله بن سليمان الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: أُطلبوا أين هذا
الرجل فإنَّ هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال
السلطان: لا ولكن دسّوا لهم قوماً لا يُعرَفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبِضَ
عليه.
قال: فخرج بأن يتقدَّم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من أحد شيئاً، وأن يمتنعوا من
ذلك ويتجاهلوا الأمر.
فاندسَّ لمحمّد بن أحمد رجل لا يعرفه، وخلا به، فقال: معي مال أُريد أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) الغيبة للطوسي: ٣٧٣.
أُوصله، فقال له محمّد: غلطت، أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطَّفه ومحمّد
يتجاهل عليه، وبثوا الجواسيس وامتنع الوكلاء كلّهم لما كان تقدَّم إليهم(٢٥).
٢ - علي بن محمّد، قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحير، فلمَّا كان بعد أشهر
دعا الوزير الباقطائي فقال له: الق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا يزوروا مقابر
قريش فقد أمر الخليفة أن يُتفقَّد كلُّ من زار فيُقبَض (عليه)(٢٦)
(٢٧).
٣ - وأخبرني جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه،
قال: حدَّثني جماعة من أهل بلدنا المقيمين كانوا ببغداد في السنة التي خرجت
القرامطة على الحاجّ، وهي سنة (تناثر) الكواكب أنَّ والدي (رضي الله عنه) كتب إلى
الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) يستأذن في الخروج إلى الحجِّ، فخرج
في الجواب: (لا تخرج في هذه السنة)، فأعاد فقال: هو نذر واجب، أفيجوز لي القعود
عنه؟ فخرج الجواب: (إن كان لا بدَّ فكن في القافلة الأخيرة)، فكان في القافلة
الأخيرة فسلم بنفسه وقُتِلَ من تقدَّمه في القوافل الأُخر(٢٨).
٤ - وأخبرني جماعة، عن أبي غالب أحمد بن محمّد الزراري، قال: جرى بيني وبين والدة
أبي العبّاس - يعني ابنه - من الخصومة والشرّ أمر عظيم ما لا يكاد أن يتَّفق،
وتتابع ذلك وكثر إلى أن ضجرت به، وكتبت على يد أبي جعفر أسأل الدعاء، فأبطأ عنّي
الجواب مدَّة، ثمّ لقيني أبو جعفر، فقال: قد ورد جواب مسألتك، فجئته فأخرج إليَّ
مدرجاً، فلم يزل يدرجه إلى أن أراني فصلاً منه فيه: (وأمَّا الزوج والزوجة فأصلح
الله بينهما)، فلم تزل على حال الاستقامة، ولم يجر بيننا بعد ذلك شيء ممَّا كان
يجري، وقد كنت أتعمَّد ما يُسخِطها فلا يجري فيه (منها شيء)، هذا معنى لفظ أبي غالب
(رضي الله عنه) أو قريب منه(٢٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الكافي ١: ٥٢٥.
(٢٦) المصدر السابق.
(٢٧) قال المازندراني في
شرح أُصول الكافي (ج ٧/ ص ٣٥٦): قوله: (والحير) الحير كربلاء كالحاير. قوله: (الق
بني الفرات والبرسيين)، قال الفيروزآبادي: البرس قرية بين الكوفة والحلَّة، وقال
ابن الأثير: برس أجمة معروفة بالعراق، وهي الآن قرية، وأمَّا بنو الفرات فقيل: هم
كانوا رهط الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات من وزراء بني العبّاس، وهو
الذي صحَّح طريق الخطبة الشقشقية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل الرضي (رحمه
الله).
(٢٨) الغيبة للطوسي: ٣٢٢.
(٢٩) الغيبة للطوسي: ٣٢٤.
القسم السادس: مسائل متفرّقة:
وردت بعض التوقيعات مشتملة على مسائل متفرّقة، في أبواب مختلفة، ومن جملتها
ما ورد في كتاب الغيبة للشيخ، وكمال الدين للصدوق، والاحتجاج للطبرسي:
أخبرني جماعة، عن جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي غالب الزراري (وغيرهما)، عن محمّد
بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله)
أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخطِّ مولانا
صاحب الدار (عليه السلام): (أمَّا ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك من أمر المنكرين
لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فاعلم أنَّه ليس بين الله (جلَّ جلاله) وبين أحد
قرابة، ومن أنكرني فليس منّي، وسبيله سبيل ابن نوح (عليه السلام).
وأمَّا سبيل عمّي جعفر وولده، فسبيل إخوة يوسف على نبيِّنا وآله و(عليه السلام).
وأمَّا الفقّاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب(٣٠).
وأمَّا أموالكم فما نقبلها إلَّا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، فما آتانا
الله خير ممَّا آتاكم.
وأمَّا ظهور الفرج فإنَّه إلى الله (جلَّ جلاله)، كذب الوقّاتون.
وأمَّا قول من زعم أنَّ الحسين (عليه السلام) لم يُقتَل، فكفر وتكذيب وضلال.
وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنَّهم حجَّتي عليكم وأنا
حجَّة الله (عليكم).
وأمَّا محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) وعن أبيه من قبل، فإنَّه ثقتي وكتابه
كتابي.
وأمَّا محمّد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيُصلِح الله قلبه، ويزيل عنه شكَّه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٠) في هامش كتاب كمال الدين: شراب يُتَّخذ من الشيلم، وهو الزوان الذي يكون في البرّ، قال أبو حنيفة: الشيلم حَبّ صغار مستطيل أحمر قائم كأنَّه في خلقة سوس الحنطة، ولا يُسكِر ولكنَّه يمرّ الطعام إمراراً شديداً. وقال مرَّة: نبات الشيلم سطاح، وهو يذهب على الأرض، وورقته كورقة الخلاف البلخي شديدة الخضرة رطبة، قال: والناس يأكلون ورقه إذا كان رطباً، وهو طيّب لا مرارة له، وحَبّه أعقى من الصُبَّر (التاج). وقال أُستاذنا الشعراني في هامش الوسائل (ج ١٧/ ص ٢٩١): (إنَّ الشلماب شراب يُتَّخذ من الشيلم، وهو حَبّ شبيه بالشعير، وفيه تخدير نظير البنج، وإن اتَّفق وقوعه في الحنطة وعُمِلَ منه الخبز أورث السدر والدوار والنوم، ويكثر نباته في مزرع الحنطة، ويُتوهَّم حرمته لمكان التخدير، واشتباه التخدير بالإسكار عند العوامّ).
وأمَّا
ما وصلتنا به فلا قبول عندنا إلَّا لما طاب وطهر، وثمن المغنّية حرام.
وأمَّا محمّد بن شاذان بن نعيم، فإنَّه رجل من شعيتنا أهل البيت.
وأمَّا أبو الخطّاب محمّد بن (أبي) زينب الأجدع، (فإنَّه) ملعون وأصحابه ملعونون،
فلا تجالس أهل مقالتهم، وإنّي منهم بريء وآبائي (عليهم السلام) منهم براء.
وأمَّا المتلبسون بأموالنا، فمن استحلَّ منها شيئاً فأكله فإنَّما يأكل النيران.
وأمَّا الخمس فقد أُبيح لشيعتنا، وجُعِلوا منه في حلٍّ إلى وقت ظهور أمرنا، لتطيب
ولادتهم ولا تخبث.
وأمَّا ندامة قوم قد شكّوا في دين الله على ما وصلونا به، فقد أقلنا من استقال، ولا
حاجة لنا في صلة الشاكّين.
وأمَّا علَّة ما وقع من الغيبة، فإنَّ الله (جلَّ جلاله) يقول: ﴿يا
أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ
تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلَّا وقد وقعت في
عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي.
وأمَّا وجه الانتفاع في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب،
وإنّي لأمان لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فاغلقوا (أبواب) السؤال
عمَّا لا يعنيكم، ولا تتكلَّفوا على ما قد كُفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج،
فإنَّ ذلك فرجكم. والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتَّبع الهدى)(٣١).
أقول: اشتهر هذا التوقيع في الأوساط العلمية
والفقهية، ولاسيّما هذا المقطع منه: (وأمَّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة
حديثنا...)، فقد تعرَّض لها الأُصوليون والفقهاء في مباحث الاجتهاد والتقليد، وباب
القضاء، وتناولوها بحثاً ودرساً، سنداً ومتناً ودلالةً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) الغيبة للطوسي: ٢٩٠؛ كمال الدين: ٤٨٣؛ الاحتجاج ٢: ٢٨٣.
وفي هذا التوقيع أُمور مهمَّة، وكلُّ ما يصدر
عنهم (عليهم السلام) مهمّ، منها:
١ - أنَّ المنكرين لإمامته (عليه السلام) من بني عمّه، لا ينفعهم النسب في
شيء؛ إذ ليس بين الله وبين العبد قرابة، وإنَّما القريب منه بالقرب المعنوي من
اتَّقى، قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ
أَتْقاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣).
٢ - قوله (عليه السلام): (وأمَّا سبيل عمّي جعفر وولده،
فسبيل إخوة يوسف على نبيِّنا وآله و(عليه السلام)).
فيحتمل في هذا المقطع احتمالان:
أ) أنَّ سبيل جعفر وولده سبيل إخوة يوسف، من حيث إنَّهم حسدوا أخاهم وأرادوا
قتله حتَّى أنَّهم وضعوه في غيابت الجُبِّ، فلا يدلُّ الكلام على صلاحهم.
ب) أنَّ سبيلهم سبيل إخوة يوسف من حيث التوبة والندم بعد أن ظهرت لهم الآيات،
وتجلَّت لهم الكرامات، فيدلُّ الكلام على حسنهم وصلاحهم بعد أن انحرفوا عن الطريق
المستقيم.
ولا مُرجِّح لأحد الاحتمالين لو خُلّينا وهذا المقطع، وقطعنا النظر عن باقي
الروايات، وتحقيق ذلك والبحث فيه خارج عن دائرة قرائتنا السريعة في التوقيعات.
٣ - بيان العلَّة من غيبته، أو قل: بعض أسرار الغيبة، حيث قال: (وأمَّا علَّة ما
وقع من الغيبة، فإنَّ الله (جلَّ جلاله) يقول: ﴿يا أَيهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
[المائدة: ١٠١]، إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية
زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي).
٤ - الجواب عن ما يُطرَح عادةً، قديماً وحديثاً، من سؤال السائل عن الانتفاع به حال
غيبته (عليه السلام)، فقال في الجواب: (وأمَّا وجه الانتفاع في غيبتي،
فكالانتفاع بالشمس إذا غيَّبتها عن الأبصار السحاب، وإنّي لأمان لأهل الأرض كما
أنَّ النجوم أمان لأهل السماء).
فأشار في ذلك إلى نقطتين:
النقطة الأُولى: أنَّه كالشمس، فإنَّ الشمس تمدُّ الكون بالدفء والحرارة
والنور، فيستفيد منها جميع من على وجه الأرض وإن غيَّبتها السُّحُب عن الأبصار، فله
أثر من هذه الجهة كوني، مضافاً إلى أثره على الإنسان من حيث الهداية وإراءة الطريق
المستقيم حتَّى لو يظهر للناس بحيث يعرفهم ويعرفونه، ويشاهدهم ويشاهدونه.
النقطة الثانية: أنَّه أمان لأهل الأرض، فلا يستغني
عنه أحد عليها، فيكون الانتفاع به تكوينياً أيضاً، وهذا يتَّفق مع ما ورد عندنا من
أنَّه لولا الحجَّة لساخت الأرض.
كما يحتمل الشمول لكونه أماناً من الاختلاف، كما ورد عند أهل السُّنَّة من أنَّ أهل
البيت (عليهم السلام) أمان لأهل الأرض من الاختلاف، ففي المستدرك للحاكم النيسابوري
(ج ٣/ ص ١٤٩):
عن ابن عبّاس (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): (النجوم
أمان لأهل الأرض من الغرق، وأهل بيتي أمان لأُمَّتي من الاختلاف، فإذا خالفتها
قبيلة من العرب اختلفوا فصاروا حزب إبليس)، هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يُخرِّجاه.
٥ - ما أشار إليه في آخر التوقيع بقوله (عليه السلام): (فاغلقوا
(أبواب) السؤال عمَّا لا يعنيكم، ولا تتكلَّفوا على ما قد كُفيتم، وأكثروا الدعاء
بتعجيل الفرج فإنَّ ذلك فرجكم).
فإنَّ على المؤمن المقرّ بكونه (عليه السلام) إماماً وحجَّةً من قِبَل الله تعالى
أن يُسلِّم الأمر في ما يحصل وكلّ ما يجري، ولا يُبدي ما يظهر منه الاعتراض
والاستنكار؛
فإنَّه
في الواقع يرجع إلى عدم الإيمان الحقيقي، فإنَّ من آمن بوجود الله تعالى وآمن
بأنَّه الحكيم المطلق يُسلِّم بما يُجريه الله عليه ولو لم يعرف وجه الحكمة
والمصلحة في ذلك.
نعم، عليه أن يلجأ إلى الله فيدعوه دعاء المخلص المستكين، المقرّ بالرقِّ، والتارك
للخلاف.
بقيت نقطة ربَّما تثار، وهي:
كيف تصدر التوقيعات من الناحية المقدَّسة؟ وكيف تصل إلى النوّاب والسفراء؟
فنقول: لم يُصرَّح بذلك في الروايات، ولا فيما روي عن النوّاب في ما أعلم، وليس لنا
أن نقول من عند أنفسنا رجماً بالغيب، ولكن يمكن أن نُقدِّم بعض الاحتمالات في ذلك:
الاحتمال الأوَّل: أن يأخذه النائب من الإمام (عليه
السلام) بالمباشرة؛ فهو الذي يمكن أن يلتقي به، سواء في داره أو في مكان آخر.
الاحتمال الثاني: أن يكون ذلك بنحو غيبي، بحيث متى ما
وصلت الأسئلة إلى يد النائب تنطبع فيها الأجوبة.
الاحتمال الثالث: أن يكون بالنحوين المذكورين، بمعنى
أن يصدر البعض بالنحو الأوَّل، ويصدر البعض الآخر بالطريق الآخر.
والله سبحانه أعلم بما يتعامل به أولياؤه، لاسيّما في زمان الغيبة الذي بُني الأمر
فيه على الخفاء والاستتار وعدم النشر.
ونكتفي بهذا المقدار، وإن كان للبحث مجال واسع، ولكن أردنا
القراءة السريعة لهذه التوقيعات الشريفة.
هل يوجد مهديّون؟ وهل أحمد بن كاطع منهم؟
السيّد محمّد حسين العميدي
لا
شكَّ أنَّ من المتعارف في تاريخ الأديان جميعها أن يتمَّ ذكر النبوءات من قِبَل
أنبياء الله ورسله والأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) عمَّا سيحدث مستقبلاً،
وخصوصاً وظهور الشخصيات التي سيكون لها تأثير مهمّ في مسار المجتمع البشري من
الناحية الدينية، سواء كان هذا التأثير سلبياً أو إيجابياً، ونذكر في هذا الصدد
مجموعة من الأمثلة، ومن الصنفين الأخيار والأشرار، مع توخّي الاختصار.
أمثلة الصنف الأوّل:
آدم (عليه السلام)، فقد أخبر الله تعالى ملائكته بخلق آدم (عليه السلام) قبل
خلقه فقال للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾
(البقرة: ٣٠).
إبراهيم (عليه السلام)، فقد كان الناس يترقَّبون ظهوره، بل ولادته، حتَّى أعدائه
كانوا يترصَّدون ولادته، فقام النمرود بقتل الأطفال حديثي الولادة في سنة ولادة
إبراهيم (عليه السلام) حتَّى أنَّ أُمّه اضطرَّت أن تجعله في كهف خوفاً عليه، ووردت
الروايات في ذلك(١).
موسى (عليه السلام)، وقصَّته معروفة في القرآن مشهورة، وكان فرعون يطلب قتله.
عيسى (عليه السلام)، وكان اليهود يترقَّبون ظهور المسيح المنقذ، وقام الحاكم
الروماني هيرودس بقتل الأطفال في سنة ولادة عيسى(٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلم)، فقد كان أهل الكتاب يترقَّبون ظهوره في الجزيرة
العربية، وكانوا يتمنَّون أن يكون منهم(٣).
أوصياء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، واحداً بعد الآخر (عليهم السلام)، فكان
الناس محبّين وموالين مبغضين مخالفين يترقَّبون ظهورهم الواحد تلو الآخر.
المهدي (عليه السلام)، فكلُّ المسلمين يترقَّبون ظهوره الشريف، سواء من آمن
بولادته، كأتباع أهل البيت (عليهم السلام) أو من لم يؤمن بولادته كباقي المسلمين.
أمثلة الصنف الثاني:
فقد أخبر المسيح (عليه السلام) أنَّه سيأتي من بعده أنبياء كَذَبة، وحذَّر
أتباعه منهم، كما أخبرهم بمجيء خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ومجيء
المنقذ في آخر الزمان، وهو المهدي (عليه السلام).
وقد أخبرنا النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بمجيء أنبياء كَذَبة، وأنَّ علينا
أن نحذر منهم، وبمجيء من يدَّعي الخلافة زوراً وبهتاناً، وأخبرنا عن الشجرة
الملعونة المذكورة في القرآن، مثلما أخبرنا عن مجيء أئمَّة الحقِّ والهدى ومهدي آخر
الزمان (عليه السلام).
وأخبرنا الإمام علي (عليه السلام) عن ظهور الحجّاج وفساده، وعن عاقبة بعض من تخلَّف
عن بيعته، وعن مروان أبي الأكباش، وعن غيرهم.
وأخبرنا أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) عن ظهور السفياني، كما أخبرونا عن ظهور
اليماني والخراساني وذي النفس الزكيَّة وغيرهم.
واستفاضت عنهم الأخبار عن منتحلي صفة المهدي ومن ينتسب له، وحذَّرونا من ذلك.
إذن فوجود النبوءات كثير ومتعارف في تراث جميع الأديان بما يخصُّ ظهور الأشخاص بما
لا شكَّ فيه.
وهذه النبوءات لها ضوابط ومواصفات وليست هي مجرَّد إخبار عن الغيب وقراءة عن
المستقبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) تفسير القرطبي ١٤: ٣٥٨.
ومن هذه الضوابط:
أوَّلاً: كثرة النصوص والأدلَّة على وجود هذه الشخصيات بحيث تصل إلى حدِّ
القطع بها لإفادتها العلم، ولهذا فإنَّ ظهور الدجّال من المسلَّم به عند جميع
المسلمين على اختلاف مذاهبهم، وكذلك ظهور المهدي (عليه السلام) متواتر إلى درجة
أنَّ المخالفين أذعنوا بظهوره رغم عدم إيمانهم بالإمامة أصلاً، وهكذا كان ظهور
إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام) بحيث كان الجميع يترقَّب ظهورهم حتَّى أعداءهم
الذين لا يؤمنون بالله أصلاً كالنمرود وفرعون.
إذن الشرط الأوَّل أن تكون النصوص مفيدة للعلم والقطع على ظهور هذه الشخصيات،
وخاصَّة التي تظهر في آخر الزمان.
ثانياً: أن تكون العلامات الدالّة عليهم واضحة بيِّنة
جليَّة ظاهرة، وهذا لغرضين:
الأوَّل: سهولة تعرّف أتباعهم وأوليائهم عليهم.
الثاني: الحذر ممَّن يدَّعي مقامهم، وهو كثير في
التاريخ.
وبالتالي فقد ذكرت أوصافاً لهذه الشخصيات بحيث صار من السهولة التعرّف عليهم في
زمان ظهورهم، حتَّى يتحقَّق الغرض من التنبّؤ بهم، وهو اتِّباعهم.
هذا وقد تكون الأخبار التي تصلنا عن النبوءات الماضية مختصرة ومجملة، لأنَّها حدثت
وانتهت، ولكن لا شكَّ أنَّ التفاصيل قبل ظهورها كانت كثيرة، ونضرب لذلك مثالاً:
يُخبِرنا الله تعالى أنَّه قال للملائكة: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي
الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، ولا يذكر تفاصيل هذا المخلوق، حتَّى
أنَّه أورد كلمة (خليفة) بصيغة النكرة، فقال: ﴿خَلِيفَةً﴾،
وهذا الإخبار لنا الآن بعد حدوث الأمر، أمَّا عندما أخبر الملائكة فلا شكَّ أنَّه
أخبرهم بتفاصيل أُخرى حدَّدت مواصفات لهذا
المخلوق الجديد، لذا بعد أن تعرَّفوا على تلك المواصفات تساءلوا: ﴿أَتَجْعَلُ
فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ (البقرة: ٣٠).
وهكذا في جميع النبوءات تُذكر تفاصيل كثيرة تُحدِّد الشخصية بشكل واضح، وفي زماننا
فهنالك عشرات الآلاف ممَّن اسمه أحمد ومحمّد وعبد الله، ولذا لم يقتصر في الإخبار
عن ظهور المهدي (عليه السلام) على الاسم فقط، بل ذُكِرت له عشرات الصفات والعلامات،
لشيوع الاسم في زمن ولادته وظهوره كذلك.
ثالثاً: لأنَّ انتحال صفات وعناوين أولياء الله تعالى
شائع ومتعارف في تاريخ البشرية لتوظيف تلك العناوين واستغلالها لتحصيل حطام الدنيا
وخداع المغرَّر بهم والبسطاء والسُّذَّج من قِبَل أصحاب المصالح والمطامع، فقد
بيَّنت التنبّؤات دائماً الحذر من المزيَّفين، فقد حذَّرت من أدعياء الأُلوهية
كالنمرود وفرعون، وأدعياء النبوَّة كمسيلمة الكذّاب، وأدعياء الإمامة كحُكّام الجور
والضلال، وأدعياء المهدوية كعشرات ظهروا في التاريخ، وأدعياء العلاقة بالمهدي
والوكالة عنه كالشلمغاني وكالبابية والبهائية وهكذا...
رابعاً: أن يكون في ظهور الشخصيات من الأخيار فائدة
ومنفعة عظيمة ومهمَّة، كظهور إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، وظهور خاتم
الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وظهور أوصيائه وظهور المهدي (عليهم السلام).
خامساً: النبوءة تارةً تتحدَّث عن ولادة، وتارةً
تتحدَّث عن ظهور.
فإن كانت النبوءة تتحدَّث عن ولادة فقط، فلا تكليف للمؤمنين إلَّا الإيمان بوجود
هذه الشخصية، لا اتِّباعها.
وإن كانت تتحدَّث عن ظهورها، فإنَّها تُلزِم المؤمنين باتِّباعها وطاعة أوامرها
المباشرة.
ولا بدَّ أن يكون ظهورها علنيَّاً شائعاً للجميع، ويمكن الوصول إليه والاتِّصال به،
لتتمَّ الهداية وتمكن الطاعة، أمَّا بخلاف ذلك فيكون غير
ظاهر،
وما زال في مرحلة الخفاء، ولا بدَّ من الرجوع إلى نوّابه أو وكلائه أو من يُعيِّنهم
بدلاء عنه.
سادساً: من سنن الله تعالى في أوليائه وبغضِّ النظر
عن اختلاف مقاماتهم أن يُسلِّم المتقدِّمُ منهم في الزمان الولايةَ للمتأخِّر
ويُخبِر عنه ويوصي الناس به.
أمثلة:
عيسى (عليه السلام) أوصى الناس باتِّباع النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)،
لأنَّ عيسى المتقدِّم في زمن ظهوره على النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، مع
أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أعلى رتبةً ومقاماً من عيسى (عليه السلام)(٤).
النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أوصى الناس باتِّباع علي (عليه السلام)،
والنبيُّ أعلى رتبةً من علي (عليه السلام)(٥).
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لأنَّه ال حجَّة على الناس أوصى الناس
باتِّباع ولده من بعده، وهو الحجَّة المهدي (عليه السلام)، وإن كان المهدي (عليه
السلام) أعلى رتبةً ومقاماً(٦).
إذن القاعدة أن يوصي المتقدِّم في الزمان - لأنَّه صار معروفاً لدى الناس واعترفوا
بأنَّه حجَّة عليهم - للمتأخِّر، ويوصي الناس باتِّباعه وإن كان المتأخِّر أعلى منه
رتبةً وقاماً.
بعد أن انتهينا من المقدّمة نأتي لبيان أمرين مهمّين، وهما:
أوَّلاً: ذكر النبوءة المدَّعاة من قِبَل ابن گاطع في وجود المهديين بعد
الأئمَّة المعصومين الاثني عشر، وأنَّ هذه النبوءة ذات مواصفات خاصَّة.
ثانياً: انطباق النبوءة (على فرض وجودها) على أحمد بن گاطع ممَّا يقتضي طاعة الناس
له.
مناقشة الدعوى الأُولى، وهو ادِّعاء وجود نبوءة معيَّنة من النبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) ذات مواصفات خاصَّة:
الشقّ الأوّل:
النبوءة المعيِّنة، وهذه النبوءة فيها أركان، وهي:
أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أخبر عليَّاً وأنبأه بما يلي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤)
﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ
أَحْمَدُ﴾ (الصفّ: ٦).
(٥)
الخصال: ٢١٩.
(٦)
الغيبة للنعماني: ٧٣/ باب ٤/ ح ٧.
أوَّلاً: سيكون بعد النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) اثنا عشر إماماً.
ثانياً: من بعد الأئمَّة الاثني عشر سيكون اثنا عشر مهدياً.
ثالثاً: إذا حضرت الإمام الثاني عشر الوفاةُ فليُسلِّمْها (الولاية) إلى ابنه.
رابعاً: ابن الإمام الثاني عشر هو أوَّل المقرَّبين.
خامساً: ابن الإمام الثاني عشر له ثلاثة أسماء:
الأوَّل: كاسم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
الثاني: عبد الله.
الثالث: المهدي.
سادساً: وهذا المهدي هو أوَّل المؤمنين.
سابعاً: أنَّ الإمام الثاني عشر متزوِّج منذ زمن، وله أولاد، ولأولاده أولاد،
ولأولادهم أولاد، وهكذا.
دليل دعوى ابن كاطع:
روى الشيخ الطوسي في كتابه الغيبة في جملة الأحاديث التي رواها من طريق
المخالفين في النصِّ على الأئمَّة (عليهم السلام)، قال: أخبرنا جماعة، عن أبي عبد
الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري، عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن
الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد البصري، عن عمِّه الحسن بن
علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات
سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن أبيه أمير المؤمنين (عليهم
السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الليلة التي كانت فيها
وفاته لعلي (عليه السلام): «يا أبا الحسن، أحضر دواةً
وصحيفةً»، فأملى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصيَّته حتَّى انتهى
إلى هذا الموضع:
فقال: «يا علي، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم
اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أوَّل الاثني عشر إماماً...»، وذكر النصَّ
عليهم بأسمائهم
وألقابهم إلى أن انتهى إلى الحسن العسكري (عليه السلام) فقال: «فإذا
حضرته الوفاة فليُسلِّمْها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد (عليهم السلام)،
فذلك اثنا عشر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة
فليُسلِّمْها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي: اسم كاسمي، واسم كاسم
أبي، وهو عبد الله وأحمد، والاسم الثالث المهدي، وهو أوَّل المؤمنين»(٧).
مناقشة جميع ذلك:
طبعاً مثل هذه الدعوى المهمَّة الخطيرة وحسب ما بيَّناه في المقدّمة تحتاج
لإثباتها إلى ما يلي:
١ - وجود نصوص صحيحة أو معتبرة كثيرة يحصل بها التواتر لإثبات هذه الدعوى بأركانها
المذكورة.
٢ - أن تكون النصوص قطعية أو مفيدة للعلم عند جميع طوائف المسلمين؛ لأنَّها مرتبطة
بالمهدي (عليه السلام) وأحداث آخر الزمان، وهذه ليست من مختصّات الشيعة أو
السُّنَّة لينفردوا بها.
٣ - التحديد بوضوح: هل النبوءة تُخبِرنا بولادة المهديين ووجودهم في المستقبل،
فتطلب منّا الإيمان بهم فقط، أم بظهورهم وبسط يدهم وتأمرنا بطاعتهم؟
٤ - إذا كانت تأمرنا بالإيمان بهم، ومن لم يؤمن بهم مات ضالَّاً ميتة جاهلية، فيجب
الحكم على جميع أتباع أهل البيت إلى زماننا هذا بالضلالة والجاهلية، لأنَّه لم
يؤمنوا بهذه القضيَّة.
٥ - أمَّا إذا كانت تأمرنا بطاعتهم واتِّباعهم، فالنبوءة فيها أحد أمرين:
أ) إمَّا أن تُبيِّن لنا مواصفاتهم بالتفصيل، ليتسنّى لنا التعرّف عليهم واتِّباعهم.
ب) وإمَّا تركت تشخيصهم إلى الإمام الثاني عشر بعد ظهوره.
٦ - المتبادر من قرينة المقام أنَّ المقصود بالابن هو الابن المباشر وليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) الغيبة للطوسي: ١٥١/ ح ١١١.
الحفيد، فهذا هو المتبادر من الإمام علي (عليه السلام) إلى الإمام الثاني عشر.
والخروج عن المتبادر من السياق والمقام من الابن المباشر إلى حفيد الحفيد واختصاصه
بحفيد معيَّن دون من قبله ولا من بعده يحتاج إلى قرينة.
٧ - لم يُحدِّد المدَّعي أيّ من أسماء النبيِّ هو اسم المهدي الأوَّل، لأنَّ
النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) له أسماء كثيرة جدَّاً، ولا بدَّ من التحديد،
حتَّى لا يكون الأمر مبهماً، لأنَّه يعلم بالتأكيد أنَّ أتباعه ومحبّيه من المسلمين
سيُكثِرون التسمية بأسمائه المختلفة، ونحتاج إلى تحديد أكثر.
طبعاً لا يقاس الموضوع بالإمام الثاني عشر (عليه السلام)، وأنَّ النبيَّ (صلّى الله
عليه وآله وسلم) قال: «اسمه كاسمي»، فلا حجَّة في ذلك؛ لأنَّ اسمه (محمّد)،
فالمفروض أن يكون اسم المهدي الأوَّل محمّد أيضاً لا غيره من الأسماء، هذا أوَّلاً.
وثانياً أنَّ تحديد اسم الإمام الثاني عشر (عليه السلام) وهو محمّد قد جاءت به نصوص
كثيرة من المعصومين خصَّصت كلام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في أنَّ اسم
الإمام الثاني عشر كاسمه، وإلَّا بقي كلام النبيِّ مجملاً.
٨ - هل الإمام الثاني عشر هو المهدي (عليه السلام) أم ابنه هو المهدي (عليه
السلام)؟
فإن كان هو المهدي فابنه ليس هو أوَّل المهديين، لأنَّ نفس الإمام صار هو أوَّلهم.
وإن لم يكن الإمام الثاني عشر هو المهدي، فهذا خلاف التواتر الناصّ على أنَّه هو
المهدي.
٩ - هذه الدعوى بحاجة إلى إثبات أنَّ الإمام الثاني عشر في زماننا هذا متزوِّج وله
ذرّية ولذرّيته ذرّية ولذرّيته ذرّية ولذرّيته ذرّية، وليس لذرّيته بعد ذرّية،
(لأنَّ ابن گاطع يدَّعي أنَّه من هذه الرتبة من الذرّية)، وأنَّ المهدي الأوَّل من
هذه الرتبة من الذرّية بالتحديد، وليس من ذرّية من ستأتي في مستقبل الأيّام.
١٠ - هل المهدي الأوَّل هو الذي سيُمهِّد للإمام الثاني عشر ويُعرِّف الناس به، أم
أنَّ الإمام الثاني عشر سيُمهِّد للمهدي الأوَّل ويوصي الناس باتِّباعه؟ يجب
التحديد أوَّلاً من سيُمهِّد لمن، وإثبات ذلك بالدليل.
١١ -
كما بيَّنا في المقدّمة أنَّ من سنن النبوءات أن يتمَّ التحذير من المنتحلين
المزوَّرين، فنحتاج إلى نصوص تُحذِّر الناس ممَّن سينتحل صفة المهدي الأوَّل،
وتُبيِّن كذب المنتحلين وصفاتهم.
مناقشة الدليل:
١ - الرواية ضعيفة جدَّاً لوجود المجاهيل (أي المجهولين) فيها. فلا يوجد
تواتر، بل ولا روايات صحيحة أو معتبرة بهذا المضمون، بل الروايات الصحيحة الكثيرة
الواردة بشأن الأئمَّة الاثني عشر خالية من هذه التتمَّة.
٢ - لم يُجمِع المسلمون ولا اتَّفقوا على وجود المهديين، مع أنَّهم أجمعوا على وجود
المهدي.
٣ - لا يوجد إخبار في الرواية أو النبوءة (على فرض صحَّتها) عن ولادة المهدي
الأوَّل ابن الإمام الثاني عشر في زمن معيَّن مثلاً، قبل ظهور الإمام الثاني عشر أو
بعد ظهوره، ولا فيها إخبار عن ظهور هذا المهدي الأوَّل بعد خفاء مثلاً، وإنَّما
تذكر فقط أنَّ الإمام الثاني عشر سيُسلِّمه الأمر بعده، فلا تفاصيل فيها من هذه
الجهة.
٤ - لا توجد مواصفات واضحة بيِّنة للمهدي الأوَّل عدا ذكر أسمائه، وحتَّى هذه الصفة
وهي الأسماء مبهمة كما سيأتي. لذا لم يؤمن بهذه العقيدة من الشيعة في الأزمنة
الماضية أحد، فهل هم جميعاً في النار؟
٥ - إنَّ النبوءة لم تُبيِّن مواصفات المهدي الأوَّل حتَّى نتَّبعه ونطيعه، فعلى
فرض صحَّة الرواية فاللازم هو انتظار ظهور الإمام الثاني عشر (عليه السلام)
ليُعرِّفنا على ابنه المهدي الأوَّل ويلزمنا باتِّباعه بعد أن يُسلِّم له الأمر لا
قبل ذلك، فقبل ذلك لا طاعة لأحد غير الإمام الثاني عشر المهدي (عليه السلام)، أو من
يأمرنا بطاعته، ولم يثبت لحدِّ الآن أنَّه أمرنا أمراً شخصياً بطاعة أحد ما شخصياً
باسمه ووصفه.
٦ -
على فرض صحَّة الرواية، فإنَّ المتبادر هو أنَّ المهدي الأوَّل هو الابن المباشر
للإمام المهدي (عليه السلام) وليس حفيد حفيده. ولا قرينة تصرف هذا المعنى المتبادر
إلى غيره.
٧ - قد يكون اسم المهدي الأوَّل محمّد كاسم الإمام الثاني عشر، فالنبيُّ قال عن
كليهما: إنَّ اسمه اسمي، وقد يكون غير هذا الاسم من أسماء النبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم)، مثل: طه أو يس أو المصطفى أو المختار أو غيرها، وعلى المدَّعي أنَّه
المهدي الأوَّل أن يُثبِت أنَّ له اسماً آخر معروفاً به هو (عبد الله) وأيضاً
(المهدي) كي تكون علامة يُستَدلُّ بها عليه.
٨ - الرواية تنفي تسمية الإمام الثاني عشر بالمهدي، وهذا خلاف التواتر، بل إجماع
المسلمين.
٩ - الرواية قاصرة عن إثبات زواج الإمام الثاني عشر ووجود ذرّية له في هذا الزمان،
فالمدَّعي يحتاج دليلاً آخر لإثبات ذلك، وإلَّا فعلى صحَّة الرواية قد يكون زواج
الإمام في المستقبل أو بعد ظهوره.
١٠ - ليس في الرواية على فرض صحَّتها أنَّ المهدي الأوَّل ابن الإمام سيُمهِّد
للإمام، بل الظاهر منها هو العكس.
١١ - نطالب لإكمال المدَّعى وصحَّته الإتيان بروايات تُبيِّن أنَّ هنالك منتحلين
لصفة المهدي الأوَّل ابن الإمام، كما كان هنالك منتحلون للأُلوهية والنبوَّة
والإمامة والمهدوية، كي نرى ونحذر، فقد يكون المدَّعي مدَّعياً لهذا المقام فنحذر
منه.
الخلاصة:
هذا الدليل غير ناهض أبداً لإثبات أيّ شيء للمدَّعي ابن گاطع.
الشقّ الثاني:
على فرض صحَّة النبوءة ووجود المهدي الأوَّل، فابن گاطع يدَّعي أنَّها تنطبق
عليه.
ودليله
في المقام ما هو؟ لا يوجد دليل واضح بيِّن يذكره هو، وإنَّما يريد منّا تصديقه لما
يلي:
١ - أنَّه يجب تصديقه في دعواه، لأنَّه صادق، وأنَّه ابن الإمام.
وهذا الدليل باطل للأسباب التالية:
- يحتمل أن يكون كاذباً طالباً للشهرة وتحصيل الأتباع.
- لأنَّه لا علم لنا بعدالته، وقد يكون فاسقاً، والفاسق لا يُؤخَذ بكلامه.
- لأنَّ كونه ابن المهدي هي دعواه وتحتاج إلى دليل، فكيف تكون هي الدليل؟
- وأخيراً وهو المهمّ، لأنَّ النبوءة المدَّعاة غامضة ليست فيها مواصفات أو علامات
ظهور أو ولادة كي نُطبِّقها عليه، كي نرى صحَّة دعواه، فهي لا تنطبق عليه ولا على
غيره، لأنَّها غير صالحة للانطباق على أحد، ولا مناص من انتظار ظهور الإمام (عليه
السلام) ليُعرِّفنا الحقَّ في ذلك.
ملاحظة مهمَّة جدَّاً في نبوءات الظهور:
إنَّ الشخصيات التي تصدر عنها نبوءات من قِبَل الله تعالى وأنبيائه هي
دائماً وأبداً ومن سنن الله الثابتة تكون من الشخصيات الفذَّة ومن أُسَرٍ معروفة
بيِّنة، ولها مكانة في المجتمع وإن كانت فقيرة، ويشار للشخصيات بالعفَّة والطهر
والصدق والأمانة والحلم والعلم والمكانة المحترمة بين الناس.
فموسى (عليه السلام) كان رمزاً عظيماً بين قومه قبل بعثه نبيَّاً، وكذلك عيسى (عليه
السلام) فأُمُّه قبل ولادته كانت لها مكانة عظيمة حتَّى تخاصم عظماء قومها على
كفالتها، (وعيسى نطق في المهد وكان محطّ الأنظار والاهتمام من الجميع)، والنبيُّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) معروف بحسبه ونسبه وخلقه، وكذا علي (عليه السلام) وباقي
الأئمَّة (عليهم السلام)، والإمام المهدي (عليه السلام)، إذ نحن في غنىً عن وصفه
ووصف كماله ومكانته.
هكذا يختار الله تعالى أولياءه وإن كانوا فقراء، فهم لهم مكانتهم بين الناس
والمجتمع، وليسوا - حاشا لله - نكرات مجهولي الحسب والنسب، ومن
الوضيعين الذين كانوا يرتادون حفلات الجامعات والتخرّج.
ثمّ إنَّهم على أعلى مراتب العلم والذكاء منذ صغرهم، يُعلِّمون الناس ولا يتعلَّمون
منهم، ولا يدخلون المدارس، بل علمهم إلهي وربّاني.
المنامات وحجّيتها:
ممَّا يُؤسَف له الاشتباه في هذا الموضوع كثيراً، ويكون مورداً للأخذ
والردِّ والسؤال: هل ورد في الروايات أنَّ من رآى أحداً من المعصومين في المنام فهو
حقٌّ، لأنَّ الشيطان لا يتمثَّل بهم؟
الجواب: نعم ورد ذلك.
السؤال: فإذا رأيتُ أحد المعصومين (عليهم السلام) في المنام، وأخبرني أنَّ ابن گاطع
هو ابن الإمام المهدي، فهل يجب عليَّ أن أُصدِّق المنام وأُؤمن بكلام ابن گاطع؟
الجواب: نعم يجب عليك ذلك، ولكن بشرط:
أن تكون رأيتَ المعصوم الذي جاءك في المنام في الحقيقة والواقع أي في اليقظة، يعني
يجب أن تكون قد عشت في زمن المعصومين وتعرَّفتَ عليهم بأشكالهم وأصواتهم وهيئاتهم،
ومع ذلك يكون المنام حجَّة عليك فقط، ولا حجَّة فيه على الآخرين.
إذن روايات المنامات خاصَّة في زمن وجود وظهور المعصومين (عليهم السلام)، فمثلاً
إذا كنت جاراً للإمام الصادق (عليه السلام)، ثمّ سافرت للكوفة، وجاءك الإمام الصادق
(عليه السلام) في المنام، فسيكون هو ورؤياك حقَّاً، لأنَّك تعرف شكل وهيئة الإمام.
أمَّا في زمن الغيبة فلا تنطبق الروايات، لأنّا لا نعرف شكل الأئمَّة، ولا ندري
لعلَّ الشيطان قد تمثَّل لنا في الحلم، وخدعنا أنَّه على هيئة الإمام. ساعتها لا
تنطبق الرواية على هذا الحلم، لأنَّ الشيطان لا يتمثَّل بهيئتهم، لكنَّه تمثَّل على
هيئة أبي حنيفة مثلاً، وخدعنا أنَّه الإمام الصادق، فلا يكون في المنام أيّ دليل
ولا إثبات.
مناقشة الدعوى الثانية:
ما هو المطلوب منّا من قِبَل ابن گاطع حسب الرواية المذكورة والنبوءة المزعومة؟
- الطاعة والاتِّباع؟ نحن على السمع والطاعة إذا سلَّم الإمام الثاني عشر الأمر له
وأمرنا باتِّباعه.
- التمهيد لظهور الإمام الثاني عشر؟ ليس في الرواية ولا
النبوءة المدَّعاة أيّ ذكر لذلك.
- الطاعة له لأنَّ الإمام الثاني عشر يأمرنا
بطاعته الآن؟ ليُثِبت لنا أنَّ الإمام يأمرنا بذلك، ونحن طوع أمره، فإذا كان الله
بحلمه ولطفه عندما بعث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلينا قد أيَّده
بدليلٍ ومعجزة، فإنَّ الإمام الثاني عشر (عليه السلام) إذا بعث رسولاً لا يخرج عن
سُنَّة الله وهو وليّ الله وحجَّته، ولا ابن گاطع أصدق من رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) لنعفيه عن الدليل.
فالذي يرى الإمام المهدي (عليه السلام) في
المنام كي يعلم أنَّه هو الإمام المهدي (عليه السلام) وهذه هي هيئته، عليه أن يكون
قد رآه في اليقظة أوَّلاً ليعرف هيئته، وإذا كان يراه في اليقظة فليستغلَّ الفرصة
ويسأله عن الأمر، ولا حاجة للمنام ساعتها.
الشيخ نزيه محيي الدين
لنبدأ
من مكان بعيد - ظاهراً - عن مطلبنا، ولكن سيتبيَّن أنَّه يمسُّ جوهر الدليل..
يُدرَّس في المدارس، ويُعرَض في الأفلام الوثائقية، كيفية اختراع الإنسان للطبخ
ومذاقه، فتقول الرواية الشبه دارونية: إنَّ الإنسان القديم كان يأكل اللحم النيّئ،
فضربت صاعقة الغابة بالقرب من كهفه، فوجد حيوانات كثيرة ميِّتة ومشويَّة، فأكلها
اضطراراً، فوجد طعمها أطيب من طعم اللحم النيّئ، واستمرَّ يأكل من اللحم المشوي
بفعل الحرائق خمسة ملايين سنة، ثمّ اكتشف طريقة للتحكّم بالنار وصُنعِها قبل (٤٠٠)
ألف سنة، فأخذ يحرص على تجميع النار وتعاهدها، وأخذ يطبخ بها، فتطوَّر مطبخه إلى
هذا اليوم.
السؤال المهمّ: من أخبر هؤلاء بهذه القصَّة؟ وما
الدليل عليها؟
الجواب: هو الخيال، وهو الدليل فقط وفقط.
أليس غريباً أن تصاغ أفكار مدرسية بفرضيات خيالية تُدرَّس كحقيقة لا تقبل الجدل؟
ولكن للأسف هذا هو الواقع في الكثير من الفرضيات الخيالية التي تُسمّى حقائق علمية
التي آمن بها العلماء، كما هو في تفصيلات العديد من جوانب
نظرية
دارون وغيرها، فما هي إلَّا فروض خيالية لا يدعمها أيّ دليل علمي، وإنَّما دليلها
الخيال وتصنيع الأدلَّة وزراعتها من أجل تصديق الخيال. وقد أطبق علماء الغرب على
التصديق بهذه الخيالات إلَّا القليل النادر منهم الذي يعترض ولا يقبل تسمية كلّ
الترقيعات بالأدلَّة.
وعلى هذا المنوال نقرأ نشوء الأديان في الأرض، بخيال طريف يقول بأنَّ الإنسان كان
جاهلاً ضعيفاً، فرأى الأحوال المناخية والظواهر القاهرة فخاف منها، وبدأ الخوف
يسيطر عليه بشكل جماعي، فاخترع فكرة الإله الخالق الذي يفزع إليه الناس من أجل
الاطمئنان، فكان الإيمان بالله عبارة عن علاج نفسي للخوف والرهبة الشديدة من
الصواعق والعواصف والوحوش.
والدليل على هذا السيناريو هو الخيال المحض الذي لا يدعمه أيّ دليل إطلاقاً.
ولكن هل يتوقَّف الأمر عند تفسير نشأة التديّن بعبادة الخالق بهذا الحدّ؟
لا أبداً، بل أصبحوا يتفنَّنون في تفسير كلّ المعتقدات الدينية، وكيف انحدرت من ذلك
الخوف الجاهل لتكوين ديانة كاملة.
طيّب هؤلاء يريدون أن يُقنِعوا أنفسهم بأنَّ الدين ناتج عن التخلّف الإنساني في فهم
الطبيعة وظواهرها المخيفة.
وحركتهم هذه إنَّما هي للعداء مع الكنيسة التي قتلتهم بجريمة العلم، كما قتلت
الفيزيائيين والكيمائيين الذين أسموهم بالمهرطقة أي الزنادقة أو المرتدّون عندهم.
فهذا ردُّ فعل نمى وتطوَّر في ظرف صراع مع الكنيسة.
لكن أن نرى مسلمين أو متديّنين مخالفين للتشيّع، وللأسف بعضهم من أبوين شيعيين،
يحاولون تفسير ظاهرة النصوص على الإمام المهدي (عليه السلام) وظهوره ليملأ الأرض
عدلاً بدل الظلم والجور فيها، بنفس هذه التفسيرات الخيالية، بدعاوى ليس لها أيّ
أرضية علمية إلَّا الخيال، فنراهم يُصرِّحون أنَّ المهدي خرافة بشرية أنتجها الظلم
والاضطهاد الذي لا يستطيع المظلوم أن
يرى
لنفسه خلاصاً وسعادةً، فيخترع هذه الفكرة من أجل الأمل في الحياة، وهكذا بدأت
التحليلات الخيالية تنمو عند هؤلاء.
ولا يشعر هؤلاء بالخجل حين يُحوِّلون خيالات غير علمية، بل يعارضها العلم جزماً إلى
حقائق علمية تقام عليها ديانة معاكسة نتيجة القناعة بالخيال.
ينقل الأُستاذ ثامر هاشم العميدي في كتابه دفاعاً عن الكافي تحليلات العباقرة في
الخيال، مثل قولهم: (والذي دعا الشيعة إلى تبنّي فكرة المهدي المنتظر والتركيز
عليها، هو ما آلت إليه أحوالهم بعد مقتل علي، وتولّي معاوية الأمر، ومبايعة الحسن
له، ثمّ استشهاد الحسين، وفشل الحركات التي قاموا بها ضدّ الأُمويين، وقوَّة
شوكتهم، فعملوا على تحويل دعوتهم إلى دعوة سرّية تعمل في الخفاء على الإطاحة بالحكم
الأُموي، وتقويض أركانه، ولكنَّهم أدركوا أنَّ هذا لا يتمُّ إلَّا بعد جهود
مضنيَّة، ووقت طويل، فكان لا بدَّ من ربط الأتباع بأمل يتطلَّعون إليه، وكان ذلك
الأمل هو الإمام الغائب أو المهدي المنتظر محمّد بن الحنفية، أو محمّد بن الحسن
العسكري، أو عبيد الله المهدي، وفقاً لاختلاف فِرَق الشيعة).
ونقل الأُستاذ العميدي عنهم أيضاً: (والواقع أنَّ عقيدة المهدي قد تمَّت وترعرعت
قبل وقوع غيبة الإمام، وذلك عقب موقعة كربلاء، وبعد فشل الشيعة في تقويض دعائم
الحكم الأُموي، وبالتالي كان الشيعة مهيَّئين لقبول فكرة المهدي مخرجاً للتعارض بين
ضرورة النهي عن المنكر من ناحية، وبين التسليم بالسلطة القائمة من ناحية أُخرى،
وبالتالي كانت المهدية أُمنية شيعية وجانباً سلبياً في حياتهم يُمثِّل باباً للخروج
والانسحاب من الحياة السياسية).
أقول: هكذا نجد الأفكار الخيالية التي تُحلِّل الأُمور بخيال خصب، تُعرَض وكأنَّها
حقائق غير قابلة للنقاش. وأنَّ فكرة المهدي نابعة من الفشل في تحقيق الأهداف
السياسية.
أقول: وقد نسي هذا العبقري المنكر للمهدي أحاديث
النبيِّ عن المهدي،
الذي
قال عنه المحدِّثون الأوائل من أهل السُّنَّة بأنَّه من ضروريات الاعتقاد في
الإسلام. وقد أقرَّ ذلك شيخ السلفية الحديثة عبد العزيز بن باز، فقد قال في جواب من
سأل: (يوجد لدينا رجل ينكر المسيح الدجّال والمهدي ونزول عيسى (عليه السلام))،
مجيباً: (مثل هذا الرجل يكون كافراً والعياذ بالله؛ لأنَّه أنكر شيئاً ثابتاً عن
رسول الله عليه الصلاة والسلام...)، الخ الجواب.
إذن هذا جزء يسير من دعواهم بأنَّ فكرة المنقذ وفكرة المهدي هي نتيجة ضغوط الحياة
والفشل في تحقيق الأهداف، فتتحوَّل الآمال إلى انتظار منقذ عالمي سيقوم بتحقيق كلّ
الآمال والطموحات.
ولو كان فكرة المنقذ هي فكرة أبناء الغابة ومنحصرة في الشعوب البدائية والمتخلِّفة
والتي لا تعرف الله، لقلنا: إنَّها ظاهرة نفسية إنسانية، ولكن ماذا لو ثبتت أنَّها
تعليمات إلهية ثابتة في كلِّ الأديان من أقدم الديانات إلى الآن؟ فهل هذا دليل على
أنَّها ظاهرة نفسية لمعالجة الألم بالأمل؟
فلنسأل أنفسنا: هل أنَّ انتظار المهدي في آخر الزمان هو جزء من الأمل عند الإنسان،
وعملية علاج نفسي داخلي، أم هناك أمر آخر أكثر واقعيةً من تصوّرات خيالية؟
المعروف أنَّ الأمل هو بالفرج وحصول الأشياء في الحاضر أو المستقبل القريب وليس في
آخر الزمان بعد آلاف السنين، فالفكرة إذا بدت صحيحة بوجود الأمل وفاعليته في النفس
الإنسانية، فهذا لا يعني أنَّها تصنع شخصية عالمية محدَّدة تأتي في آخر الزمان بعد
فساد كلّ الحضارات وانتشار الظلم والجور وسيادة جبروت الإنسان وسيطرته على مقدَّرات
الأرض، فهذه أُمور ليست من مدرَكات العقل العملي ولا النظري إلَّا بمقدار عمومي
وقريب جدَّاً لا يصل إلى فكرة آخر الزمان. فما استندوا عليه من خيال لا ينتج شيئاً
ممَّا قالوه، وإنَّما ينتج عموم حصول الفرج بعد الشدَّة، والأمل في نجاح المطالب،
وتحسين الحال في المستقبل بعد معاناة مختلفة الشدَّة. وهذا موجود دائماً، ولا
علاقة
له بالمنقذ العالمي الذي له شخصية واقعية وصفات وأفعال محدَّدة ذكرتها كلّ الأديان
وبالإطباق على تلك الصفات والأفعال.
وفي سبيل تكذيب وهمهم فعلينا أوَّلاً إثبات أنَّ التبشير بالمنقذ المخلِّص للناس من
مشاكلهم هو تبشير ديني عبر أنبياء الله أو أولياءه أو عبر الديانات عموماً، فهناك
اتِّجاهان سنختار واحداً منهما:
الاتِّجاه الأوَّل: هو معرفة هل أنَّ فكرة المنقذ
عالمية منصوصة في الأديان عبر كلّ التاريخ، أم هي حالة طارئة عند بعض الشيعة
المأزومين الذين فشلوا في تحقيق أحلامهم السياسية كما يدَّعون؟
الاتِّجاه الثاني بالنسبة للمسلمين: وهو يحصل في
الجواب على السؤال التالي: هل أنَّ فكرة المهدي هي فكرة شيعية متأخِّرة نتيجة الفشل
في تحقيق الأهداف السياسية، أم هي فكرة محمّدية فيها نصوص كثيرة عن النبيِّ محمّد
(صلّى الله عليه وآله وسلم) وصلت إلى درجة الصحَّة عند غير الشيعة؟
الاتِّجاه الثاني يحتاج إلى بحث كامل، ولكنَّه اتِّجاه سهل في تناوله، لكثرة النصوص
والتحقيقات سواء عند السُّنَّة أو عند الشيعة على حدٍّ سواء، وهي نصوص فيها صحيح
الصدور، وفيها محتمل الصدور، وفيها الضعاف التي لا يمكن الجزم بها، وهذا ليس
مقتصراً على الشيعة، بل هو عند السُّنَّة أيضاً، فما دام هناك أحاديث صحيحة الصدور
فليس في القضيَّة مشكلة، ويُحمَل الضعيف أو الحسن المحتمل على الصحيح، فيكون كلام
مثل هذا المتخيِّل لهذا السيناريو إنَّما هو غناء في الكوز.
اليوم نختار البحث في إثبات أنَّ فكرة المنقذ تُبشِّر بها الأديان من القِدَم.
وعليه لنقرأ أنَّ فكرة المنقذ والمصلح العالمي هي فكرة دينية ذُكِرَت في الكتب
المقدَّسة، وكانت جزءاً من الاعتقادات الدينية على مرِّ الزمن.
فهي ليست وليدة اليأس من انتصار العدل ليأمل الناس بظهور من سيملؤها عدلاً، بل هي
جزء من البشارات الإلهية في الكتب المقدَّسة.
فهي
إخبار إلهي بمصير البشر الأحياء في الأرض، كما أنَّه أخبر بمصير البشر فيما بعد
الموت بيوم الجزاء والعدل.
ومن هنا قد نستغرب ورود فكرة المهدي في أديان نعتقدها غير توحيدية وغير إلهية
ظاهراً وإنَّما هي أكاذيب على الناس، ولكن يبدو من خلال التحقيق بأنَّ هذه الديانات
كانت توحيدية وإلهية، ولكن التحريف عند الأتباع وصل إلى مرحلة لا يوجد فيها لقاء
بين النصّ الأساس وبين الواقع. فمثلاً بوذا الذي يُدَّعى أنَّه لا يؤمن بإله أصلاً،
وأنَّ ديانته قائمة على تحسين الأخلاق، ففي وصيَّة بوذا الأخيرة قبل موته قال
للتلاميذ حوله: (ليس في العوالم المرئيَّة وغير المرئيَّة إلَّا قدرة واحدة لا
بداية لها ولا نهاية، لا شريعة لها إلَّا شريعتها، لا تميّز ولا تحقّد).
فهل هذا كلام من لا يؤمن بالله الواحد اللانهائي المنحصرة فيه القدرة والحقّ في
التشريع؟ على أنَّ الترجمات نشكُّ فيها غالباً، فإنَّ من يقوم بها يحذف ما لا يخدم
هدفه.
ولسنا هنا في بحث هل الديانات مثل البرهمية التي هي أصل المجوسية التي نشأت في أُور
في نفس فترة النبيِّ إبراهيم (عليه السلام) في القرن العشرين قبل الميلاد؟ فهل كان
من الصدفة أن يكون اسم الديانية هو البرهمية وتنشأ في زمن إبراهيم نفسه، وفي نفس
مدينته، وتأخذ نفس المسمّيات كمسمّى خدمة المعبد السومري (المجوس)؟ هذا مجرَّد
تساؤل لعلَّه يُفسِّر بنتيجته الإيجابية ما فعله الإمام علي (عليه السلام) باعتبار
المجوس أصحاب كتاب، وعاملهم معاملة أهل الكتاب في نشر الذمَّة، كما يُذكر في بعض
الروايات.
وفي (مجمع الفائدة) قال المقدَّس الأردبيلي: (قيل: كان لهم نبيّ وكتاب، قتلوه
وحرقوه، واسم نبيّهم زردشت، واسم كتابه جاماست)، (أُنظر: مجمع الفائدة ج ٧/ ص ٤٣٨).
وفي وسائل الشيعة: (إنَّ اسم نبيِّهم داماست فقتلوه، وكتاب يقال له: جاماست كان يقع
في اثني عشر ألف جلد ثور فحرقوه)، (وسائل الشيعة ج ٥/ ص ١٢٧).
في
كتاب الطهارة للسيِّد الخوئي (ج ٢/ ص ٤٨) أنَّه قال: (ثمّ إنَّه إذا بنينا على
نجاسه أهل الكتاب بمقتضى الأخبار المتقدِّمة وتسالم الأصحاب، فهي لما تختصّ باليهود
والنصارى والمجوس...).
وفي الكافي للحلبي (ص ٢٤٥) يقول: (والكفّار أربعة أصناف: كتابيّون، وهم اليهود
والنصارى والمجوس).
وفي تحرير الأحكام للعلَّامة الحلّي (ج ٣/ ص ٤٦١) قال: (اليهود لهم كتاب التوراة،
والنصارى لهم الإنجيل، أمَّا المجوس فقيل: لهم كتاب ثمّ نُسِخَ ورُفِعَ بين ظهرهم،
فلهم شبهة كتاب، فلحقوا بالكتابيين في أحكامهم).
فحتَّى لو لم يكن كلّ من زرادشت (قيل: في حدود ١٤٠٠قبل الميلاد، وقيل: في حدود ٦٢٥
قبل الميلاد، المتبنّي للبرهمية المجوسية بحدود ١٩٥٠ قبل الميلاد)، أو بوذا (وُلِدَ
سنة ٥٦٨ ق م)، وكونفوشيوس (٥٥١ ق م)، أنبياء فإنَّ أصل رسالاتهم لا يبعد أنَّها من
الديانة الإبراهيمية الحنيفية. وهذا يحتاج إلى مزيد من التحقيق رغم كثرة القرائن
لحدِّ الآن.
والمجوس الزرادشتية هم أصل الديانة الهندية كالهندوسية والبوذية الهندية والصينية
الكنفوشية، كما يقولون هم بأنَّ الهندوسية البرهمية مذهب من مذاهب المجوسية
البرهمية، والبوذية تصحيح لانحراف الهندوسية، والكنفوشية تصحيح تطوير للبوذية.
فحال هؤلاء واعتبارهم أصحاب ديانة سماوية كحال الوهّابية اليوم، حيث نعتبرهم من
المسلمين، ولكن بتحقيق أقوالهم فلا تجد أيّ لقاء بين الإسلام وبين الوهّابية
إطلاقاً. ويستحيل أن تكون الوهّابية تُمثِّل النبيَّ محمّد (صلّى الله عليه وآله
وسلم)، كما هو الحال في الديانات الأُخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية، حيث
يستحيل نسبتها إلى الله الذي أنزل موسى وعيسى والنبيّ إبراهيم أصل الديانة العراقية
والشرقية.
ولعلَّ أغرب ما نقرؤه أنَّ البوذيين يعتبرون الكعبة في مكّة هي مكانهم المقدَّس،
وأنَّها قبر بوذا (مع أنَّهم يدَّعون إحراقه وتوزيع رماده بين البلدان).
ورد
بصحيفة الحياة اللندنية كلام د. حاتم الطحاوي الأُستاذ في كلّية الآداب جامعة الملك
فيصل قائلاً:
إنَّ المؤرِّخ (شو جو كوا) في القرن الثالث عشر الميلادي ذكر (أنَّ المسلمين
يحتشدون في شكل سنوي عند اقتراب موعد الاحتفال بالذكرى السنوية لوفاته في مكّة
المكرَّمة. كما تحدَّث عن الكعبة المشرَّفة وستائرها الحريرية باعتبارها منزلاً
لبوذا أيضاً. وأوغل المصنِّف الصيني في تشوّشه ليشير إلى أنَّ قبره يقع في مكّة
أيضاً).
ودراسة البوذية ليست سهلة، لأنَّها تمتلك تاريخ وأفكار ومفاهيم مشوّشة عجيبة، مثلاً
ممَّا ينقله البوذيون من كلام بوذا يخالف معتقدهم تماماً، فمثلاً هم يستدلّون على
أُلوهيته بنصٍّ ضدّهم تماماً، فيقولون: قال بوذا قبل أن يموت: (إنَّ كلَّ مركَّب
مصيره إلى الفساد)، فيُقرِّرون أنَّه تخلَّص من التركيب وعاد إلى أُلوهيته.
والحقيقة أنَّه شهد على نفسه بالتركيب وبالفساد ومصيره الموت، فكيف يكون إلها؟ ولو
صحَّ ما قالوه بأنَّ التحلّل هو نفي للتركيب، وهو عبارة عن ارتفاع إلى السماء،
فكلُّ الكائنات الحيَّة تتحلَّل، فهل كلّها بوذا، وكلّها آلهة؟
فهكذا هي هذه الديانات الشرقية على نفس المنوال من الخلط بين الحقِّ والباطل،
والإيغال في التفسير البعيد عن المقاصد بموجب البيان الإنساني وأُصوله العقلية،
ولذا هو أمر يحتاج إلى المزيد من التحقيق، ولكن على كلِّ حالٍ فإنَّ هذه الديانات
تُبشِّر بمنقذ عالمي يُوحِّد الأرض، وينشر العدل العامّ، وينشر الخير والرزق الوفير
للجميع.
فقد قال الدكتور علي أبو الخير في بحثه (عالمية الخلاص وحتمية الظهور في الفكر
السياسي) ما يلي: (إنَّ فكرة (المنتظر) فكرة تكاد لا يخلو منها مجتمع بشري أو عقيدة
دينية، فجذور الانتظار تضرب في أعماق التاريخ والمعتقد الديني، وهي فكرة مرادفة
لمفهوم الخلاص).
ونبدأ
بما نُقِلَ من نصوص عن المنقذ في الديانات الشرقية القديمة، وبعد ذلك نعرف ما هو
موجود في الديانتين اليهودية والنصرانية.
وهنا يجب أن نقول: إنَّ كلَّ النصوص مترجمة من لغات متعدِّدة، ونعتمد فيها على
رواتها ومترجميها، فإنَّنا نفتقر إلى معرفة اللغات العالمية الحديثة والقديمة، وهذا
ليس من اختصاصنا، فالعهدة على من ترجم ونقل، والأمر مفتوح لمن يعلم اللغات، فلعلَّه
يجد ما لم يعثر عليه المترجمون السابقون.
المنقذ في معقتدات الزرادشتية:
نقلتُ النصوص عن موقع مركز أهل البيت في لندن بإدارة السيِّد محمّد الموسوي
حفظه الله، وهو ومجموعته أعرف بلغة أهل الهند. فينقل الموقع ما يلي:
ورد عندهم ثلاثة أسماء للظهور في آخر الزمان:
جاء في كتاب شابوهرجان، من الكتب المانوية المقدَّسة عندهم: (... خرد شهر
إيزد لا بدَّ أن يظهر في آخر الزمان وينشر العدل في العالم...).
وعن سوشيانت، من الكتب الزرادشتية المقدَّسة عندهم، جاء فيه: (... استوت إرت،
سوشيانت أو المنقذ العظيم. سوشيانس، أو موعود آخر الزمان..، وسيلة وعلاج جميع
الآلام به، يقتلع جذور الألم والمرض والعجز والظلم والكفر، يُهلِك ويسقط الرجال
الأنجاس...).
وفي رسالة جاماسب (صفحة ١٢١): (... سينشر (شوشيانت، المنقذ) الدين في العالم
فكراً وقولاً وسلوكاً).
المنقذ في المعتقدات الهندية:
أنقل تلخيص شبكة الإمام المهدي في ما جاء في هذه الديانة، والعهدة على
الموقع، بما يلي:
(جاء الحديث حول المنقذ والموعود في أعراف الهنود وكتبهم، مثل كتاب (مهابهارتا)
وكتاب (بورانه ها) حيث قالوا:
تذهب
الأديان جميعاً إلى أنَّه في نهاية كلّ مرحلة من مراحل التاريخ يتَّجه البشر نحو
الانحطاط المعنوي والأخلاقي، وحيث يكونون في حال هبوط فطري وابتعادٍ عن المبدأ،
ويمضون في حركتهم مضيّ الأحجار الهابطة نحو الأسفل، فلا يمكنهم أنفسهم أن يضعوا
نهاية لهذه الحركة التنازلية والهبوط المعنوي والأخلاقي، إذن لا بدَّ من يوم تظهر
فيه شخصية معنوية على مستوى رفيع تستلهم مبدأ الوحي وتنتشل العالم من ظلمات الجهل
والضياع والظلم والتجاوز، وقد أُشير لهذه الحقائق في تعاليم كلّ دين إشارة رمزية
منسجمة مع المعتقدات والقيم الأُخرى انسجاماً كاملاً.
فمثلاً: في الديانة الهندية، وفي كتب بورانا (burana) شرح تفصيلي حول مرحلة العصر
الكالي (kali) يعني: آخر مرحلة قبل ظهور أو تاراي ويشنو العاشر).
المنقذ في المعتقدات الصينية البوذية
والكنفوشية:
ورد في كتاب أوبانيشاد (صفحة ٥٤) المقدّمة ما يلي: (... حينما يمتلئ العالم
بالظلم يظهر الشخص الكامل الذي يُسمّى (يترتنكر: المبشَّر) ليقضي على الفساد
ويُؤسِّس للعدل والطهر...، سيُنجي كريشنا العالم حينما يظهر البراهميتون).
وجاء في كتاب ريك ودا ماندالاي (ص ٤ و٢٤): (يظهر ويشنو بين الناس..، يحمل بيده
سيفاً كما الشهاب المذنب، ويضع في اليد الأُخرى خاتماً برّاقاً، حينما يظهر تكسف
الشمس، ويخسف القمر وتهتزُّ الأرض) .
أقول: بعد دراسات الكثير من عقائد البوذية وجدت أنَّهم يؤمنون بظهور بوذا الخامس،
أي المستنير الخامس الذي سيُوحِّد العالم. وفي فلسفتهم التناسخية المتأخِّرة في
الفكر البوذي نراهم يقولون بتناسخ بوذا، وإنَّه سيعود بولادة بوذا الخامس (كَمايتريا)
من جديد لينقذ العالم. وهذا ما أجمعت عليه دراساتهم التي قرأناها باللغة العربية.
كما في
موقع بيت الصيّاد مقال للمستنير (أُوشو) بعنوان أبعد من الأبعاد عن عودة بوذا من
جديد، حيث يُفسِّر موضوع ظهور بوذا الخامس بتفسير غريب خليط بين التناسخ والولاية
التكوينية، فيدَّعي أنَّ بوذا حينما يرتفع إلى السماء الخامسة يحافظ على جسده في
كلِّ سماء، فجسده في الرابعة والثالثة والثانية محفوظ، ويفقد جسده المادّي
المتحلِّل في الأرض، وعندما يصعد إلى السماء السابعة تتحلَّل روحه وتصبح مندمجة
بالله، ولكنَّه حينما يرجع إلى الأرض يستخدم أجساده في السماوات لتتمثَّل في الأرض
بطريقة يقول عنها أنَّها معقَّدة جدَّاً.
وعلى كلِّ حالٍ هذه تفسيرات تبرّعية، المهمُّ فيها هو تسالمهم بنزول المنقذ الذي
يحكم العالم وينشر العدل.
المنقذ في الديانة اليهودية والنصرانية:
اليهود الآن ينتظرون المنقذ، واسمه مسيّا ومشيحا. والنصارى ينتظرون المنقذ،
واسمه عندهم في كتبهم البركليت.
إذن لنقرأ في مقدّمة كتاب (حرمة ذبائح أهل الكتاب) للشيخ البهائي بقلم السيِّد زهير
طالب الأعرجي، ذكر جملة مهمَّة عن إيمان اليهود الحاليين التي يجب أن تتوفَّر في
الذابح حتَّى تتمَّ التذكية عندهم، فقال:
وأغلب اليهود تؤمن بالله الواحد، الخالق، الأوَّل، الآخر، وبأنبياء الله (عدا عيسى
ومحمّد) صلوات الله عليهم، وبتعاليم موسى (عليه السلام)، و بخروج المنقذ المنتظر
(٧٦٧ :Melton Messia).
وللعلم فإنَّ اليهود والنصارى يشتركون في كتب العهد القديم، ولكنَّهم يختلفون في
عدد الكتب والفصول، فبعضها يُعتَرف به وبعضها لا يُعتَرف به.
في الكتب اليهودية ذُكِرَ النبيُّ محمّد، وذُكِرَ الإمام المهدي، وذُكِرَ علي،
وذُكِرَ الحسين ومصيبته صلوات الله عليه أجمعين، ولكن هناك خلط عند المسلمين بين ما
هو لمحمّد المهدي وبين ما هو لمحمّد رسول الله، فبعض النصوص لا
تقبل
الانطباق إلَّا على شخصية واحدة وبعضها تقبل الانطباق على شخصيتين، وهم يخلطون
بينها. والفارق بينهما حسب التتبّع هو مهمَّته وفعله، فإذا كان صاحب الرسالة فهو
النبيُّ محمّد، وإذا كان القائم بالدولة العالمية وإخضاع جميع البشر في آخر الزمان
فهو المهدي. وعلى هذا المعيار سنذكر ما ينطبق على المهدي فقط بدون شروح كثيرة
وأدلَّة على هذه الدعوى.
وسنختصر البحث في النصوص اليهودية والمسيحية اختصاراً قد يكون مخلَّاً، لأنَّه طويل
الذيل جدَّاً.
فالمنقذ ورد عندهم بتسميات وصفات، هي:
١ - الوارث للأرض.
٢ - المسيّا والبيركليت.
٣ - جذع يسي.
٤ - المشيحا.
١ - الوارث للأرض:
نعلم أنَّ هناك تحدٍّ كبير للديانتين المسيحية واليهودية بذكر الله لنصٍّ في
الزبور في نصِّ القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ﴾
(الأنبياء: ١٠٥).
ولم يُكذِّبه أيٌّ من المسيحيين أو اليهود، وهذا النصُّ موجود بالفعل في الزبور،
وفيه إضافات تدلُّ على ما صرَّح به أئمَّتنا من أنَّه لا ينطبق إلَّا على المهدي
(عليه السلام) في آخر الزمان.
أقول: كيف ينفون ذلك وهو نصٌّ في الزبور؟ إذ يقول: (الصدّيقون يرثون الأرض،
ويسكنونها إلى الأبد)، (المزامير ٢٩: ٣٧).
إنَّ النصَّ بهذا المزمور يصف طبقة من المؤمنين كما هو ظاهر القرآن، ولكن بملاحظة
النصوص المرافقة في المزمور نجد أنَّ النصَّ يتكلَّم عن تعميم الحقّ والعدل على
الأرض وزوال الأشرار كلّياً من الأرض في آخر الزمان. وهذه
صفات
دولة الإمام المهدي، وقيادة الإمام المهدي الذي سيتربَّص به الشرّير فلن يُمكِّنه
الله منه حتَّى يُظهِره لإظهار الحقِّ.
إذن لنقرأ بعض النصوص في نفس المزمور: (لأنَّ الربَّ يُحِبُّ العدل، ولا يتخلّى عن
أتقيائه، بل يحفظهم إلى الأبد. أمَّا ذرّية الأشرار فتُفنى)، ٢٩ - (الصدّيقون يرثون
خيرات الأرض، ويسكنون فيها إلى الأبد)، ٣٠ - (فم الصدّيق ينطق دائماً بالحكمة،
ويتفوَّه بكلام الحقِّ)، ٣١ - (شريعة إلهه ثابتة في قلبه، فلا تتقلقل خطواته)، ٣٢ -
(يتربَّص الشرّير بالصدّيق ويسعى إلى قتله)، ٣٣ - (لكن الربّ لا يدعه يقع في قبضته،
ولا يدينه عند محاكمته)، ٣٤ - (انتظر الربّ واسلك دائماً في طريقه، فيرفعك لتمتلك
الأرض، وتشهد انقراض الأشرار)، ٣٥ - (قد رأيت الشرّير مزدهراً وارفاً كالشجرة
الخضراء المتأصِّلة في تربة موطنها)، ٣٦ - (ثمّ عبر ومضى، لم يوجد. فتَّشت عنه فلم
أعثر له على أثر)، ٣٧ - (لاحظ الكامل وانظر المستقيم، فإنَّ نهاية ذلك الإنسان تكون
سلاماً)، ٣٨ - (أمَّا العصاة فيُبادون جميعاً، ونهاية الأشرار اندثارهم)، ٣٩ - (لكن
خلاص الأبرار من عند الربِّ، فهو حصنهم في زمان الضيق)، ٤٠ - (يعينهم الربُّ
حقَّاً، ويُنقِذهم من الأشرار، ويُخلِّصهم لأنَّهم احتموا به).
٢ - المسيّا والبركليت:
هذان الاسمان مشخِّصان لمنقذ في آخر الزمان، الأوَّل في النصوص اليهودية،
والثاني في النصوص المسيحية، وكلاهما بنفس الجذر اللغوي حسب الترجمة.
(المسيّا) هو (حمدا) في العبرية، ويُكتَب (حمدا)، فترجموها (المسيّا) باليوناني
وتعني المخلِّص، وهذا التحريف متأخِّر حدث بعد الإسلام، والكتب القديمة كلّها كان
يُكتَب (حمدا) أو (حمادا)، وهي بمعنى المشتهى أو المحمود المرغوب كما في القواميس
العبرية.
و(البركليت) في اللغة اللاتينية هي أفعل التفضيل للفعل (حمد)، ويقابلها كلمة مفتوحة
الباء والراء تُلفَظ (بَارَاكليت) وهي بمعنى المهرِّج في المهرجانات.
وفي
الترجمات المتأخِّرة منحوا معنى الثاني للأوَّل وسمّوه بدل المهرِّج المسلّي
والمعزّي.
والبركليت عندهم سيبعثه الله في آخر الزمان لخضع العالم كلّه لدين واحد، ينشر العدل
والسعادة والحقَّ.
لكن مواصفاتهما واحدة، وهي لشخص يأتي في آخر الزمان، يدين الناس جميعاً، أي يُوحِّد
الدين لله في الأرض.
إذن فلننظر لمواصفات (مسيّا) و(البريكليت) و(المهدي) حسب المصادر الأصلية، حتَّى
نطابق بشكل دقيق:
(مسيّا): مصلح من الله، ينشر العدل والسلام على كلِّ الأرض في آخر الزمان، وينتشر
الخير في زمنه.
و(البركليت) فإنَّه: مصلح إلهي، يُمثِّل روح الحقِّ والحقيقة، سيأتي آخر الزمان
لنشر العدل والحقيقة، ويخضع جميع الأُمم بسلامه، وينشر الخيرات في الأرض.
و(المهدي المنتظر (عليه السلام)): يأتي في آخر الزمان لينشر العدل والحقَّ في كلِّ
الأرض، ويُخضِع جميع الأُمم، وينشر الخير في كلِّ الأرض.
فإخضاع العالم كلّه، وجمع كلمته، ونشر العدل والخير، هي صفات كلّ واحد من هؤلاء في
آخر الزمان.
وهذه صفات شخص واحد منتظَر من قِبَل جميع الديانات، إذ لا يمكن التعدّد في نفس
الوقت لمثل هذه الحالة؛ لأنَّ كلّ دين يقول: إنَّه واحد لا يتعدَّد في زمن واحدٍ هو
آخر الزمان، وفي جميع الأرض فلا مكان لغيره. وهم متَّفقون على هذا.
وهنا مشكلة تقع بسبب أنَّ المسلمين (سُنَّة، وشيعة) يقولون: إنَّ (مسيّا) و(البركليت)
هو النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ذاته وليس المهدي (عليه السلام). فهي
بشارة بالدين الحنيف، وليست بشارة بالمنقذ الأخير حامل لواء محمّد.
والحقيقة أنَّهم لم يلتفتوا لمهمّات الشخص المذكور بالنصوص المسيحية واليهودية، مثل
ما ورد بأنَّه يبكت العالم على خطية، وعلى برٍّ، وعلى دينونة. وفسَّروا الدينونة
بأنَّها نشر ديانة رئيس العالم، فإنَّه لا يمكن أن يكون النبيّ محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلم)، لأنَّه لم يملك الأرض جميعاً، ولم يُوحِّد الدين في الأرض. فهذا
لم يحدث للنبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وهو صفة الإمام محمّد المهدي.
نعم، قد يقال بأنَّ ابنه هو من سيقوم بذلك وبدين النبيِّ، فيكون منسوباً للنبيِّ
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم).
فأقول: هذا صحيح، ولكنَّه بالنتيجة هو فعل محمّد المهدي ابن النبيِّ محمّد، فالاسم
له.
٣ - جذع يسي:
أمَّا نصوص جذع يسي، فهو موضوع في غاية الأهمّية، لأنَّه يصف دولة الإمام
وما سيحدث فيها، وهو بشارة بشخص من نسل (يسي) يقوم بكلِّ ما نصَّت عليه روايتنا في
زمن الإمام المهدي.
وهناك كلام طويل في تحقيق احتمال التحريف من (يس) إلى (يسي) لأسباب وجيهة، منها:
أنَّ المهدي إسماعيلي كما في بشارة يعقوب، ويسي هو والد داود، فيعني أنَّه من نسل
إسحاق، وهذا خلاف بشارة يعقوب عندهم.
وأُورد هنا نصَّ جذع يسي مكتفياً به، فإنَّه يشرح نفسه، وهو يدلُّ على نصِّ الكتب
السماوية بمنقذ آخر الزمان بغضِّ النظر عن التطبيق.
@
وفي
سفر أشعيا (١١): (جذع يسي ١١: ١ - ويفرخ برعم من جذع يسي، وينبت غصن من جذوره. ٢ -
ويستقرُّ عليه روح الربِّ، روح الحكمة والفطنة، روح المشورة والقوَّة، روح معرفة
الربِّ ومخافته. ٣ - وتكون مسرَّته في تقوّي الربِّ، ولا يقضي بحسب ما تشهد عيناه،
ولا يحكم بمقتضى ما تسمع أُذُناه. ٤ - إنَّما يقضي بعدل للمساكين، ويحكم بالإنصاف
لبائسي الأرض (لعلَّه يقصد أنَّه يقضي حسب الواقع لا الظاهر)، ويعاقب الأرض بقضيب
فمه، ويُميت المنافق بنفخة شفتيه. ٥ - لأنَّه سيرتدي البرّ ويتمنطق بالأمانة. ٦ -
فيسكن الذئب مع الحمل، ويربض النمر إلى جوار الجدي، ويتآلف العجل والأسد وكلُّ
حيوان معلوف معاً، ويسوقها جميعاً صبي صغير. ٧ - ترعى البقرة والدبّ معاً، ويربض
أولادهما متجاورين، ويأكل الأسد التبن كالثور. ٨ - ويلعب الرضيع في (أمان) عند جحر
الصل، ويمدُّ الفطيم يده إلى وكر الأفعى (فلا يصيبه سوء). ٩ - لا يُؤذون ولا
يُسيئون في كلِّ جبل قدسي، لأنَّ الأرض تمتلئ من معرفة الربِّ كما تغمر المياه
البحر. ١٠ - في ذلك اليوم ينتصب أصل يسي راية للأُمم، وإليه تسعى جميع الشعوب،
ويكون مسكنه مجيداً) انتهى.
٤- المشيحا:
وهذا الاسم الصفة تعرَّض لشتّى أنواع التشويه، وهو على كلٍّ شخصية متنظَرة
منقذة ستأتي آخر الزمان، ويُوحِّد العالم حكماً وديناً، ويُسعِد الناس.
(الماشيحا) باللغة العبرية هي المخلِّص المنقذ، وعندهم أيضاً المهدي كما في قاموس
كوجمان العبري العربي.
طبعاً انتظار المشيحا من أهمِّ اعتقادات اليهود، وهم لا زالوا ينتظرونه،
وصفاته
نفس صفات المهدي المنتظر، موحِّد العالم، وناشر العدل. ولكنَّه عندهم صفة وليس
اسماً، بينما عندنا هو اسم شخص ذو حسب ونسب ومحدَّد الشخصية.
واختصاراً أقول:
إنَّ نزوع البشر إلى المنقذ الناشر للعدل في كلِّ الأرض، والمزيل للظلم
والجور، وموحِّد البشر تحت راية إدارية ودينية واحدة، ليس حلماً مجرَّداً نتيجة
أحلام العاجزين عن تحقيق الأحلام، وإنَّما هو وعد إلهي تحقَّق على لسان الأنبياء،
وتبنَّته كلُّ الديانات السماوية، ورُشِّح حتَّى من ديانات انحرفت وأصبحت وثنية
خالصة، ولكنَّها تحتفظ بهذا الوعد المتكرِّر مع كلِّ نبوَّة. فوصيَّة يعقوب،
ووصيَّة موسى، ووصيَّة عيسى، ووصيَّة النبيِّ محمّد صلوات الله عليهم، واحدة بهذا
الموعود القائم بالعدل والحقِّ.
فهذه الظاهرة هي نزوع لانتظار هذا الموعود حسب الوعد الإلهي للبشر، ومن حسن طالعنا
كشيعة أنَّ هذا الموعود العالمي هو إمامنا الحالي الذي نُدين له بالطاعة والولاية،
وننتظره بلهفة، عسى أن ننال رضاه ونكون من خدّامه والذابّين بين يديه.
ونحن الوحيدون في الأديان من يُسمّي المنقذ، وينسبه لآبائه، ويُشخِّصه بصورة واضحة،
بعكس كلّ الديانات التي وضعت له صفات أو جعلته متناسخاً عن القدماء بلا دليل.
رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) بين الإمكان والمنع
السيّد محمود المقدَّس الغريفي
يتساءل
الكثير عن إمكانية رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الكبرى واللقاء به
والتحدّث معه مباشرةً، مع تعيين شخصه الكريم وتحديد هُويَّته، وهل ما يشاع ويُنقَل
عن رؤيته في الغيبة الكبرى، له واقع وحقيقة ثابتة، أم أنَّه اشتباه ووهم، وخيال أو
حلم؟
وما هو رأي الشارع المقدَّس في دعوى رؤيته في الغيبة الكبرى؟ وهل يمكن رؤيته (عليه
السلام) والتشرّف بلقائه؟
إنَّ هذه التساؤلات وغيرها تدور في أذهان الكثير من المؤمنين، وإن اختلفوا في
النتيجة، بين من أقرَّ بذلك، وبين من نفاها، وآخرون فصَّلوا بين إمكانها على أن لا
يلازمها أيّ دعوى دينية أو دنيوية، أو نقل لأمر ما عنه (عليه السلام)، وبعضهم
قالوا: إنَّ الصادق لا يدَّعي الرؤية - على فرض ذلك - وغيرها. ولكن الكلام في هذه
المسألة فيه شيء من البسط والعرض، والنظر من خلال الأدلَّة الشرعية والنصوص
الدينية، وما يحيط ذلك من القرائن والمؤشّرات حتَّى نقف على أصل هذه الدعوى، ومن
ثَمَّ الحكم بإمكان القول في ثبوتها أو نفيها في الواقع.
فأقول: إنَّ غياب الإمام المهدي (عليه السلام) إنَّما هو غياب للهُويَّة الشخصية لا
أنَّ غيابه غياب شخصي جسماني.
بمعنى: أنَّ أيَّ شخص يمكن أن يراه ويخالطه، ولكنَّه يكون غافلاً بالمرَّة
عن
كونه هو الإمام المهدي (عليه السلام)، وإنَّما يرى فيه شخصاً عادياً كسائر الناس لا
يُلفِت النظر على الإطلاق..، وتكون حياته كحياة أيِّ شخص آخر، يكتسب عيشه من بعض
الأعمال الحرَّة كالتجارة أو الزراعة أو غيرها، ويبقى على حاله هذه في مدينة واحدة
أو عدَّة مُدُن، حتَّى يأذن الله تعالى له بالفرج..، مع القطع بجهل الأجيال
بالكلّية - من الغيبة الصغرى إلى الغيبة الكبرى سوى بعض الخواصّ والسفراء - بسحنة
الإمام المهدي (عليه السلام) وشكله، بحيث لو واجهوه لما عرفوه البتَّه(١).
فإنَّ الإمام (عليه السلام) ربَّما يعيش بيننا وفي عالمنا، يخالطنا ويتعامل معنا،
ويرانا ويعرفنا، ونحن نراه ونُكلِّمه ونتعامل معه، ولكنَّنا لا نعرفه على حقيقته،
ولا نُشخِّص هُويَّته. فإنَّه ليس محجوباً عن الأنظار كالجنِّ والملائكة، فلا يمكن
رؤيته بتاتاً، إلَّا بسبيل ما، حتَّى قيل: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) إذا
ظهر للناس بعد الأمر الإلهي - الصيحة وخروج السفياني - ويشاهده الناس عياناً على
هُويَّته الواقعية وشخصيته الحقيقية، فإنَّ جملة منهم يقول: إنّي قد التقيت به،
وإنّي رأيته، وإنّي صاحبته وسافرت معه، وإنّي جالسته وتحدَّثت إليه، ونحو ذلك،
فإنَّ الرؤية بهذا المنظار جارية وحاصلة.
وهذا الرأي لا دليل على نفيه، بل تدعمه جملة من الروايات، منها: ما رواه الكليني في
(الكافي) عن الحسين بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن القاسم بن إسماعيل الأنباري، عن
يحيى بن المثنّى، عن عبد الله بن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه
السلام)، قال: «للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه»(٢)،
بمعنى يعرف الناس ولا يعرفونه.
وما روي عن محمّد بن عثمان العمري، أنَّ صاحب هذا الأمر ليَحضُر الموسم كلّ سنة،
يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه(٣)،
وغير ذلك.
أمَّا رؤيته واللقاء به مع تحديد هُويَّته وتشخيصها، فهذا ممَّا لا يستطيع أن
يدَّعيه أحد على نحو الجزم واليقين، ويقطع أنَّه قد التقى بشخص الإمام (عليه
السلام) ويُثبِت ذلك، أو أن يُقسِم عليه، على الرغم من كثرة هذه الدعاوى! التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
أُنظر: الغيبة الكبرى للسيِّد محمّد الصدر: ٢٧.
(٢)
الكافي للكليني ١: ٣٣٩.
(٣)
من لا يحضره الفقيه للصدوق ٢: ٣٠٧.
تشير
إلى رؤيته واللقاء به، المبنيَّة على الاحتمال، أو الترديد بالقول - ربَّما هو - أو
الاستنتاج، بأنَّ الذي رآه هو الإمام المهدي (عليه السلام).
فإنَّ كلَّ دعوى لا بدَّ أن تستكمل شروطها وأدلَّتها حتَّى تدخل في خانة العلم
والتصديق، وإلَّا فمجرَّد الاحتمال والشكّ والاستنتاج يجعلها في خانة الإمكان.
والحال كذلك في دعاوى رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) في الغيبة الكبرى، فإنكار
دعاوى رؤيته في الغيبة الكبرى وإبطالها وردّها، هو لعموم التوقيع الشريف المروي عن
الإمام المهدي (عليه السلام)، الذي خرج على يد آخر السفراء الأربعة الشيخ علي بن
محمّد السمري (رضي الله عنه) في الغيبة الصغرى.
وقد رواه الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) في كتابه (كمال الدين وتمام النعمة)، وغيره(٤)،
قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة
التي توفّي فيها الشيخ علي بن محمّد السمري (قدّس سرّه) فحضرته قبل وفاته بأيّام،
فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) الغيبة للطوسي: ٣٩٥؛ الاحتجاج للطبرسي ٢: ٢٩٧.
بسم الله الرحمن الرحيم
يا علي بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك
ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد، يقوم مقامك بعد
وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك
بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي
المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا
حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم.
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو
يجود بنفسه، فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه. ومضى (رضي الله
عنه)، فهذا آخر كلام سُمع منه(٥).
ومن نافلة القول، الكلام في سند هذا الحديث الشريف، أو الطعن فيه بالإرسال، فإنَّه
وبالرغم من شهرته بين الأصحاب، فإنَّ الطائفة مجمعة على العمل بمضمونه، وهذا
يُغنينا عن النظر في سنده، مع اعتباره وصحَّته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٥١٦.
قال السيِّد محمّد تقي الأصفهاني (قدّس سرّه): اعلم أنَّ هذا حديث صحيح عال
اصطلاحاً؛ لأنَّه مروي عن مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) بتوسّط ثلاثة أشخاص:
الأوَّل: الشيخ الأجلّ أبو الحسن علي بن محمّد السمري - السفير الأخير للإمام
المهدي -، وهو لجلالته واشتهاره غنيٌّ عن البيان.
والثاني: الشيخ الصدوق، محمّد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمّي، وهو
أيضاً لاشتهاره واشتهار كتابه وجلالة قدره لا يحتاج إلى التوضيح.
والثالث: أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتِّب، وهو كما ذكره الفاضل الألمعي المولى
عناية الله في (مجمع الرجال): أبو محمّد الحسن بن الحسين بن إبراهيم بن أحمد بن
هشام المكتِّب، ويروي عنه الصدوق مكرَّراً مترضّياً مترحّماً، وهذا من أمارات
الصحَّة والوثاقة، كما نبَّه على ذلك المولى المزبور في (مجمعه)، وذكر له شواهد
عديدة، ليس هنا موضع ذكرها، والمكتِّب بكسر التاء المشدَّدة مَنْ يُعلِّم الكتابة.
ثمّ نبَّه على أمر، فقال: قد وقع هنا سهوان في كتابين من كتب علمائنا رحمهم الله
تعالى، ينبغي التنبيه عليهما:
الأوَّل: في كتاب (الغيبة) للشيخ الأجلّ أبي جعفر
محمّد بن الحسن الطوسي (رضي الله عنه) ففيه - في النسخة التي عندي - هكذا: أخبرنا
جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه، قال: حدَّثني أبو محمّد أحمد
بن الحسن المكتِّب، قال: كنت بمدينة السلام، وساق الحديث..، مثل ما نقلناه عن (كمال
الدين) لابن بابويه (رضي الله عنه).
وقد عرفت أنَّ الذي روى عنه ابن بابويه حسن بن أحمد - وليس أحمد بن الحسن كما في
كتاب (الغيبة) -، والظاهر أنَّ السهو في كتاب الشيخ الطوسي وقع من النسّاخ،
ويُؤيِّد وقوع السهو فيه من بعض النسّاخ؛ أنَّ الحاج ميرزا
حسين النوري (رضي الله عنه) نقل هذا الحديث في (جنَّة المأوى) من (غيبة) الشيخ، عن
الحسن بن أحمد المكتِّب - كما في كتاب الصدوق -، والله تعالى هو العالم.
والثاني: في كتاب (مستدرك الوسائل) للعالم المحدِّث المتتبِّع الحاجّ ميرزا حسين
النوري (رضي الله عنه)، فإنَّه مع سعة باعه، وكثرة اطِّلاعه، واهتمامه في استقصاء
أسماء مشايخ الصدوق، غفل عن ذكر هذا الشخص الجليل - أبي محمّد الحسن بن أحمد
المكتِّب - الذي روى عنه الصدوق مكرَّراً مترضّياً مترحّماً.
وأمثال هذه الأُمور ممَّا يبعث العالم على الفحص والتتبّع، ويوجب له الظفر بما غفل
عنه من قبله، فعليكم يا إخواني بالسعي، والاجتهاد، فإنَّ الله لا يخيب كلّ طالب
مرتاد.
وممَّا يدلُّ أيضاً على وقوع السهو والاشتباه في كتاب الشيخ - بعكس اسم الراوي -،
وعلى غفلة صاحب المستدرك عن ذكر ذلك الشيخ (رضي الله عنه)، أنَّ المولى عناية الله
المذكور نقل الحديث المسطور عن كتاب (ربيع الشيعة) لابن طاووس، حاكياً عن الحسن بن
أحمد المكتِّب.
فتبيَّن بحمد الله تعالى وعونه، أنَّ الراوي عن أبي الحسن السمري (رضي الله عنه) هو
الحسن بن أحمد الذي روى عنه ابن بابويه (رضي الله عنه).
وممَّا يدلُّ على صحَّة هذا الحديث وصدوره عن الإمام أيضاً، أنَّ الشيخ الطبرسي
(رضي الله عنه) صاحب كتاب (الاحتجاج) ذكره مرسلاً، من دون ذكر السند، والتزم في
أوَّل الكتاب وصرَّح بأنَّه لا يذكر فيه سند الأحاديث، التي لم يذكر أسانيدها،
إمَّا بسبب موافقتها للإجماع، أو اشتهارها بين المخالف والمؤالف، أو موافقتها لحكم
العقل.
فظهر أنَّ الحديث المذكور أيضاً كان غنيَّاً عن ذكر السند؛ إمَّا لموافقة الإجماع،
أو لاشتهاره، أو لكليهما جميعاً.
وممَّا يدلُّ أيضاً على صحَّته، أنَّ علماءنا من زمن الصدوق (رضي الله عنه) إلى
زماننا هذا استندوا إليه، واعتمدوا عليه، ولم يناقش ولم يتأمَّل أحد منهم في
اعتباره، كما لا يخفى على من له أُنس وتتبّع في كلماتهم ومصنَّفاتهم.
فتبيَّن من جميع ما ذكرناه أنَّ الحديث المذكور من الروايات القطعية، التي لا ريب
فيها، ولا شبهة تعتريها، وهو ممَّا قال فيه الإمام (عليه السلام): «فإنَّ المجمع
عليه لا ريب فيه»(٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) أُنظر: مكيال المكارم للأصفهاني ٢: ٣٣٣ - ٣٣٥.
ثمّ إنَّ الوجدان والحسّ، والواقع العملي، والسيرة الجارية للشيعة الإماميَّة من
الغيبة الكبرى حتَّى يومنا هذا، كلّها تنطق بصدق هذه الرواية، وتشهد على صحَّة
صدورها؛ لأنَّه ما ظهر مدَّعوا المهدوية، ولا السفارة أو النيابة عنه، ولا المشاهدة
والرؤية المشخِصة له، إلَّا كذَّبتهم الأيّام والليالي، والوقائع والأحداث،
والقرائن والدلائل، ولا يكون ذلك ما لم تُسمَع الصيحة ويخرج السفياني، وهذا ممَّا
يرفع قيمة هذه الرواية، العلمية والاعتبارية، على فرض التشكيك بها.
ودعوى أنَّ مناسبة الحكم والموضوع في الرواية تقتضي أن يكون الكلام عن السفارة
والنيابة الخاصَّة؛ لأنَّ قوله (عليه السلام): «ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد
وفاتك...»، أي بالسفارة والنيابة الخاصَّة. وكذا يكون قوله (عليه السلام): «وسيأتي
شيعتي من يدَّعي المشاهدة...»، فمناسبة لما سبق يكون المراد من المشاهدة الملازمة
لدعوى النيابة الخاصَّة والسفارة، وليس مجرَّد دعوى الرؤية التشريفية له والتي قد
حدثت كثيراً في الغيبة الكبرى؟!
مردودة إذ أنَّه لا يخفى على النبيه أنَّ قوله (عليه السلام): «لا توصِ لأحد من
بعدك...»، فيه دلالة تامَّة لا شبهة فيها ولا ريب على انقطاع السفارة والنيابة
الخاصَّة في الغيبة الكبرى، فلو قصد الإمام (عليه السلام) من نفي المشاهدة الرؤية
الملازمة للنيابة الخاصَّة والسفارة، لكان الأولى أن يُعبِّر عن ذلك بسياق ومعنى
واحد فيقول مثلاً: (وإنَّ من ادَّعى السفارة والنيابة الخاصَّة فهو كاذب مفتر)،
ليرتفع الاشتباه والالتباس من نفوس شيعته، لاسيّما وأنَّ هذا الأمر جدَّاً خطير
وحسّاس؛ لأنَّه لو قال ذلك لقلنا: إنَّه (عليه السلام) منع من النيابة الخاصَّة
والسفارة صراحةً ولم يمنع من الرؤية والمشاهدة، فعليه يمكن حينئذٍ القول بالرؤية
والمشاهدة في الغيبة الكبرى، ولكنَّه (عليه السلام) نفى عموم المشاهدة والرؤية،
سواء مع دعوى النيابة الخاصَّة والسفارة أم من دونها بأن تكون رؤية تشريفية فقط؛
لأنَّه لا يمكن إيجاد ضابطة يمكن العمل عليها لمعرفة صدق مدَّعي الرؤية واللقاء به
(عليه السلام)، فتصبح دعاوى الرؤية أمراً يسيراً لكلِّ صاحب هوى أو خيال، عن قصد أم
بدون قصد، فالإمام (عليه السلام)
أغلق هذا الباب أيضاً وأوصده بالكلّية بعموم قوله: «ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل
خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر...»، كما سبق ذلك نفي مطلق الظهور إلَّا بعد
إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً. وإن
قُيِّد بالظهور العلني التامّ، فتأمَّل.
وأمَّا دعوى المدَّعي أنَّ هذه الرواية خبر واحد فلا تفيد العلم.
فمردودة، وذلك لأنَّه غير خافٍ على النبيه أنَّ خبر الواحد المحفوف بالقرائن يفيد
العلم، وخبرنا هذا قد اشتهر بين الأصحاب، بل وقع عليه الإجماع من الطائفة على العمل
بمقتضاه بعد أن تلقّاه الأصحاب بالقبول والرضا، وهذا يوجب العلم عادةً بصدقه وصحَّة
صدوره، مع عدم وجود الطاعن فيه، أو المعارض لمضمونه من الأصحاب المتقدِّمين، ولا من
المتأخِّرين، من الذين يُعتَدُّ بهم، وبوزنهم العلمي وثقلهم المعرفي، ولاستحالة
تواطؤهم على القول الباطل استحالة خفاء الحقِّ بينهم.
وممَّا يُؤيِّد رواية الشيخ السمري (رحمه الله) في التوقيع الأخير ويعضدها، ما روي
بسند صحيح أنَّ الإمام (عليه السلام) يغيب عن شيعته ولا يراه أحد منهم، ولا يلتقي
بهم، وأنَّ عليهم التمسّك بما في أيديهم من العلم إلى حين ظهوره (عليه السلام)، ومن
ذلك ما رواه الثقة الجليل الشيخ محمّد بن إبراهيم النعماني في كتابه (الغيبة) بسنده
عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت أنا وأبي على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال:
«كيف أنتم إذا صرتم في حال لا ترون فيها إمام هدى، ولا علماً يُرى؟ فلا ينجو من تلك
الحيرة إلَّا من دعا بدعاء الغريق»، فقال أبي: هذا والله البلاء، فكيف نصنع جُعلت
فداك حينئذٍ؟ قال (عليه السلام): «إذا كان ذلك ولم تدركه فتمسَّكوا بما في أيديكم
حتَّى يصحَّ لكم الأمر»(٧).
وروى الصدوق (رضي الله عنه) بسنده عن الحارث بن المغيرة، قال: سألت أبا عبد الله
(عليه السلام): هل يكون الناس في حال لا يعرفون الإمام؟ فقال: «قد كان يقال ذلك»،
قلت: فكيف يصنعون؟ قال: «يتعلَّقون بالأمر الأوَّل، حتَّى يستبين لهم الآخر»(٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
الغيبة للنعماني: ١٦١ و١٦٢.
(٨)
كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٣٥٠ و٣٥١.
وروى (رضي الله عنه) بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه
السلام): «يأتي على الناس زمان يصيبهم فيه سبطة يأرز العلم
فيها...»، قال: قلت: وما السبطة؟ قال: «الفترة
والغيبة لإمامكم»، قال: قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ فقال: «كونوا على ما أنتم
عليه حتَّى يُطلِع الله لكم نجمكم»(٩).
ودعوى أنَّنا لا بدَّ أن نلتزم بتكذيب دعاوى الرؤية تعبّداً، طاعة للأمر الوارد في
التوقيع الأخير للشيخ السمري، ممَّا لا يكاد يصحُّ، فإنَّه خلاف ظاهر الحديث بل
صريحه، حيث يقول: «فهو كذّاب مفتر»، الدالّ على عدم
مطابقة قوله للواقع. ولم يقل: فكذِّبوه، ليكون من قبيل الأمر الصادر من الإمام
ليطاع تعبّداً(١٠).
أقول: عجباً، وما هي دلالة ومفهوم قوله: (عدم مطابقة قوله للواقع) إلَّا عدم تصديقه
وعدم الاعتماد على قوله المخالف للواقع، لأنَّه (كذّاب ومفتر) كما شخَّصه الإمام
(عليه السلام)؟! والكذّاب والمفتري فاسق لا يُصدَّق بدلالة مفهوم قوله تعالى (يا
أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ
تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ)
(الحجرات: ٦)، فتأمَّل.
بل وإن كانت هذه الدعاوى ناتجة عن خطأ واشتباه ووهم، فإنَّ مفهوم قول الإمام:
«كذّاب ومفتر» يدفعه أيضاً؛ لأنَّ مفهومه هو أنَّ الصادق لا يدَّعي الرؤية، والله
العالم.
إذاً، فمن مجموع ذلك كلّه، يتبيَّن أنَّ في اعتبار هذه الرواية والتوقيع الشريف
أساساً متيناً، والالتزام بها والاعتقاد بمضمونها تمسّكاً بالعروة الوثقى، وسلوك
الطريق الأمين.
* * *
هذا، وقد خُصِّص هذا التوقيع الشريف بما روي من رؤية الناس له (عليه السلام) في المواسم مع عدم معرفتهم به، ولا تشخيص هُويَّته، كما روي عن محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)، أنَّ صاحب هذا الأمر ليَحضُر الموسم كلّ سنة، يرى الناس ويعرفهم، ويرونه ولا يعرفونه(١١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩)
كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٣٤٩.
(١٠) الغيبة الصغرى للسيِّد
محمّد الصدر: ٣٧٢.
(١١) من لا يحضره الفقيه
للصدوق ٢: ٣٠٧.
وعن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «للقائم غيبتان، يشهد في إحداهما المواسم، يرى الناس ولا يرونه»(١٢)، بمعنى يعرف الناس ولا يعرفونه.
* * *
وقد ذكر آية الله السيِّد محمّد مهدي بحر العلوم (قدّس سرّه) في (فوائده الرجالية) التواقيع المنسوبة إلى الإمام صاحب العصر (عليه السلام)، والموجَّهة إلى الشيخ المفيد (قدّس سرّه)، ومنها التوقيع الوارد يوم الخميس الثالث والعشرين من ذي الحجَّة سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، وصورته: من عبد الله المرابط في سبيله، إلى ملهم الحقّ ودليله:
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام
عليك أيّها الناصر للحقِّ، الداعي إليه بكلمة الصدق، فإنّا نحمد إليك الله الذي لا
إله إلَّا هو، إلهنا وإله آبائنا الأوَّلين، ونسأله الصلاة على سيِّدنا ومولانا
محمّد خاتم النبيّين وعلى أهل بيته الطاهرين.
وبعد.. فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله بالسبب الذي وهبه لك من أوليائه، وحرسك به
من كيد أعدائه والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيِّدنا البشير
النذير محمّد وآله الطاهرين.
ثمّ علَّق السيِّد بحر العلوم (قدّس سرّه) على هذا (التوقيع) فقال:
وقد يشكل أمر هذا التوقيع بوقوعه في الغيبة الكبرى، مع جهالة المُبلِّغ، ودعواه
المشاهدة المنافية بعد الغيبة الصغرى.
ويمكن دفعه باحتمال حصول العلم بمقتضى القرائن، واشتمال التوقيع على الملاحم
والإخبار عن الغيب، الذي لا يطَّلع عليه إلَّا الله وأولياؤه بإظهاره لهم، وأنَّ
المشاهدة المنفيَّة أن يشاهد الإمام، ويعلم أنَّه الحجَّة (عليه السلام) حال
مشاهدته له، ولم يعلم من المُبلِّغ ادِّعاؤه لذلك.
وقد يمنع أيضاً امتناعها (أي الرؤية) في شأن الخواصّ - وإن اقتضاه ظاهر النصوص -
بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار(١٣).
أقول: وكما ترى فقد استشكل في نفس الأمر والواقع، ونفى المشاهدة في زمن الغيبة
الكبرى، المنفيَّة تعبّداً بنصٍّ صريح، وحجَّة ثابتة، وطريق معتبر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) الكافي للكليني ١:
٣٣٩.
(١٣) الفوائد الرجالية
للسيِّد بحر العلوم ٣: ٣١٨ - ٣٢١.
وإن
خصَّص نفي المشاهدة بأن يشاهد الإمام ويعلم أنَّه المهدي بن الحسن (عليه السلام)
حال مشاهدته له، ولكنَّه استدرك باحتمال أنَّه الإمام (عليه السلام) من خلال بعض
القرائن المحيطة، لا على نحو الجزم واليقين.
وكما ترى، فإنَّه (قدّس سرّه) دفعها بالاحتمال لا غير، والاحتمال لا يُؤسِّس لشيء،
بل هو بنفسه يحتاج إلى قوَّة تدعمه، حتَّى يمكن الاعتماد عليه ويُركَن إليه، وإلى
إثبات مدلوله، ليصبح بمستوى يُؤهِّله للاستناد عليه كدليل، ويكون في مقام الاحتجاج
به، إذ يمكن نفي الاحتمال ودفعه بأيسر الأُمور، والمعروف أنَّه إذا دخل الاحتمال
بطل الاستدلال.
وأمَّا تقييده إمكان الرؤية بمجرَّد ادِّعاء الدعوى للرؤية فقط، التي لا تُقدِّم أو
تُؤخِّر شيئاً للآخرين - على فرض ثبوتها - فنحن مأمورون بتكذيبها تعبّداً، تبعاً
للنصِّ الوارد.
بل إنَّه (قدّس سرّه) أقرَّ بذلك، أي بالتكذيب والامتناع، وأفاد أنَّ مقتضى ظاهر
النصوص الواردة امتناع الرؤية، ولكن شهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار تفيد ذلك،
أي إمكان الرؤية كما عبَّر. ولا يخفى أنَّ الاعتبار أمر نسبي لا يمكن البناء عليه،
وأمَّا الآثار فقد قرأناها وسمعناها، وتأمَّلنا فيها، الأعمّ الأغلب أنَّها روايات
وقصص مهلهلة، لا تفيد العلم ولا التصديق بالرؤية.
هذا، ولكنَّه (قدّس سرّه) في (فوائد الأُصول) وفي مسألة الإجماع، قال - بعد اشتراط
دخول كلّ من لا نعرفه -: وربَّما يحصل لبعض حفظة الأسرار من العلماء الأبرار العلم
بقول الإمام (عليه السلام) بعينه، على وجه لا ينافي امتناع الرؤية في مدَّة الغيبة،
فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه (عليه السلام) فيبرزه في صورة الإجماع، جمعاً
بين الأمر بإظهار الحقِّ، والنهي عن إذاعة مثله بقول مطلق(١٤).
أقول: على فرض القول بإمكان رؤيته (عليه السلام) في الجملة، لكن يبقى كلامه في
إمكان رؤيته (عليه السلام) مع تشخيصه في دائرة الاحتمال، كما يستفاد ذلك من ابتداء
قوله (قدّس سرّه) ب (ربَّما) التي تفيد التقليل، الذي لا وثوق بحصوله، وما قد
يُفهَم أيضاً من سياق كلامه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) فوائد الأُصول للسيِّد بحر العلوم: ٨٢/ فائدة ٢٣، عن عوائد الأيّام للنراقي: ٧٠٠.
ويُؤيِّد هذا المعنى، ما يُروى عن السيِّد بحر العلوم (قدّس سرّه) رفضه دعوى
المشاهدة في الغيبة الكبرى في جوابه لمَّا سأله سائل عن إمكان رؤية الإمام المهدي
(عليه السلام) في الغيبة الكبرى، كما روي في كتاب (جنَّة المأوى) للميرزا النوري عن
المولى السلماسي (رحمه الله)، قال: كنت حاضراً في محفل إفادته، فسأله رجل عن إمكان
رؤية الطلعة الغرّاء في الغيبة الكبرى، وكان بيده الآلة المعروفة لشرب الدخان
المسمّى عند العجم بغليان، فسكت عن جوابه وطأطأ رأسه، وخاطب نفسه بكلام خفي أسمعه،
فقال ما معناه - والكلام للسلماسي -: ما أقول في جوابه؟ وقد ضمَّني (عليه السلام)
إلى صدره(١٥)،
وورد أيضاً في الخبر تكذيب مدَّعي الرؤية، في أيّام الغيبة. فكرَّر هذا الكلام.
ثمّ قال في جواب السائل - الكلام للسيِّد بحر العلوم -: إنَّه قد ورد في أخبار أهل
العصمة تكذيب من ادَّعى رؤية المهدي (عليه السلام).
واقتصر - والكلام للسلماسي - في جوابه عنه من غير إشارة إلى ما أشار إليه(١٦).
فتأمَّل، وهذا هو المأمول في جوابه شرعاً وعقلاً، وقد عمل (قدّس سرّه) بتكليفه
الشرعي الظاهري؛ لتورّعه واحتياطه وتقواه، مؤيِّداً هذا بما أثبته في كتبه في نفي
الرؤية المباشرة كما سبق، وغير هذا القول يُرَدُّ على ناقله وراويه كالسلماسي.
وهذا ما يستفاد من ظاهر كلام السيِّد بحر العلوم (قدّس سرّه) في أنَّ النهي الوارد
عن إذاعة الأحكام الشرعية والمسائل العقائدية، نهي تعبّدي بالنصِّ الصريح المعتبر،
ونحن مأمورون بالتمسّك به، وإلَّا لدبَّ الهرج والمرج بين صفوف الناس، وتصدّى لهذا
طلَّاب الرئاسة وأبناء الدنيا، وأصبح تشريع الأحكام من أسهل الأُمور، وفي أيسر
الدعاوى، بحجَّة رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) والتبليغ عنه.
وأمَّا قول السيِّد بحر العلوم (قدّس سرّه) في (الفوائد الرجالية): إنَّ المشاهدة
المنفيَّة أن يشاهد الإمام ويعلم أنَّه الحجَّة (عليه السلام) حال مشاهدته له، ولم
يعلم من المبلِّغ ادِّعاؤه لذلك، وقد يُمنَع أيضاً امتناعه في شأن الخواصّ - وإن
اقتضاه ظاهر النصوص - بشهادة الاعتبار، ودلالة بعض الآثار(١٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) قال السيِّد بحر
العلوم (قدّس سرّه) في (الفوائد الرجالية) وقد مرَّ ذكره: وإنَّ المشاهدة المنفية
أن يشاهد الإمام ويعلم أنَّه الحجَّة (عليه السلام) حال مشاهدته له.
(١٦) أُنظر: بحار الأنوار
للعلَّامة المجلسي ٥٣: ٢٣٦، والمطبوع ضمنه كتاب (جنَّة المأوى) للميرزا النوري.
(١٧) الفوائد الرجالية
للسيِّد بحر العلوم ٣: ٣١٨ - ٣٢١.
ففيه
أنَّه على فرض دلالة بعض هذه الآثار، على القول بالرؤية الحقيقية أو التشخيصية،
وعلى فرض ثبوتها، فإنَّنا لا يمكن أن نُرتِّب عليها أثراً عامَّاً، ولا تكليفاً
لعموم الناس، وإلَّا كان للإمام (عليه السلام) أن يعمل تنظيماً سرّياً، من خُلَّص
أصحابه وشيعته، خصوصاً من علمائنا الأعلام، ويدلّهم على المخلصين من شيعته
الموثَّقين المؤتمنين، ويُؤيِّدهم ويُسدِّدهم، ويدفع عنهم غائلة الأعداء والمنافقين
والنواصب، ولأصبح ذلك مألوفاً بيننا، خصوصاً ونحن شيعته وأنصاره ومواليه، لاسيّما
وأنَّ أعداءه ومواليه لا يُشخِّصون صورته ولا يعرفون سحنته..، ولكن هيهاتَ أنَّه
(عليه السلام) ليس هذا من تكليفه الآن، ولا مأموراً بمثل ذلك في عصر الغيبة الكبرى،
ما لم يبدأ الإعلان الرسمي الإلهي بالظهور، بعد الصيحة وخروج السفياني.
ولكنَّك تجد بعضاً من هذه الأُمور قد جرت أثناء الغيبة الصغرى، من تنبيه شيعته
(عليه السلام) ونوّابه وتحذيرهم، وتحصينهم من غائلة الحاكم الظالم ومكره، وكشف بعض
المفسدين وغير ذلك، منها ما روي عن الحسين بن الحسن العلوي، قال: كان رجل من ندماء
روز حسني - الظاهر أنَّه الوالي بالعسكر - وآخر معه فقال له: هو ذا يُجبي الأموال،
وله وكلاء، وسمّوا جميع الوكلاء في النواحي، وأنهى ذلك إلى عبيد الله بن سليمان
الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: أُطلبوا أين هذا الرجل، فإنَّ
هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا، ولكن
دسّوا لهم قوماً لا يُعرَفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبِضَ عليه، قال: فخرج
- أي توقيع من الناحية المقدَّسة - بأن يتقدَّم إلى جميع الوكلاء أن لا يأخذوا من
أحد شيئاً، وأن يمتنعوا من ذلك ويتجاهلوا الأمر. فاندسَّ لمحمّد بن أحمد رجل لا
يعرفه وخلا به فقال: معي مال أُريد أن أُوصله. فقال له محمّد: غلطت أنا لا أعرف من
هذا شيئاً. فلم يزل يتلطَّفه ومحمّد يتجاهل عليه، وبثّوا الجواسيس وامتنع الوكلاء
كلّهم لما كان تقدَّم إليهم.
وروي عن علي بن محمّد، قال: خرج نهي - أي من الناحية المقدَّسة - عن زيارة مقابر
قريش والحير، فلمَّا كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي فقال له:
الق
بني الفرات والبرسيين - برس بلدة بين الكوفة والحلَّة -، وقل لهم: لا يزوروا مقابر
قريش، فقد أمر الخليفة أن يُتفقَّد كلّ من زار فيُقبَض عليه. وغير ذلك(١٨).
فإنَّ هذا ما يدعو إلى التوقّف أو إبطال دعوى كلّ من يدَّعي تبليغ أمر ما من الإمام
(عليه السلام)، أو القيام بإعداد تنظيمٍ ما، أو جماعة ترتكز مبادئها على رؤية
الإمام (عليه السلام)، وتتلقّى الأوامر والتعاليم منه، أو ما شابه ذلك في الغيبة
الكبرى كدعوى البابية والبهائية ونحوهما ممَّا نسمع ونرى.
هذا، ويُروى عن المولى المقدَّس الأردبيلي تشرّفه بالإمام (عليه السلام) على ما
رواه العلَّامة المجلسي في (بحار الأنوار)، قال: ما أخبرني جماعة عن السيِّد الفاضل
أمير علَّام، قال: كنت في بعض الليالي في صحن الروضة المقدَّسة بالغري على مشرِّفها
السلام، وقد ذهب كثير من الليل، فبينا أنا أجول فيها، إذ رأيت شخصاً مقبلاً نحو
الروضة المقدَّسة، فأقبلت إليه، فلمَّا قربت منه عرفت أنَّه أُستاذنا الفاضل العالم
التقي الذكي مولانا أحمد الأردبيلي (قدّس سرّه).
فأخفيت نفسي عنه، حتَّى أتى الباب، وكان مغلقاً، فانفتح له عند وصوله إليه، ودخل
الروضة، فسمعته يُكلِّم كأنَّه يناجي أحداً، ثمّ خرج، وأُغلق الباب، فمشيت خلفه
حتَّى خرج من الغري وتوجَّه نحو مسجد الكوفة. فكنت خلفه بحيث لا يراني حتَّى دخل
المسجد وصار إلى المحراب الذي استشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) عنده، ومكث
طويلاً، ثمّ رجع وخرج من المسجد وأقبل نحو الغري.
فكنت خلفه حتَّى قرب من الحنّانة، فأخذني سعال لم أقدر على دفعه، فالتفت إليَّ
فعرفني، وقال: أنت مير علَّام؟ قلت: نعم، قال: ما تصنع هاهنا؟ قلت: كنت معك حيث
دخلت الروضة المقدَّسة إلى الآن، وأُقسم عليك بحقِّ صاحب القبر أن تُخبِرني بما جرى
عليك في تلك الليلة، من البداية إلى النهاية. فقال: أُخبِرك على أن لا تُخبِر به
أحداً ما دمت حيَّاً، فلمَّا توثَّق ذلك منّي قال: كنت أُفكِّر في بعض المسائل، وقد
أغلقت عليَّ، فوقع في قلبي أن آتي أمير المؤمنين (عليه السلام) وأسأله عن ذلك،
فلمَّا وصلت إلى الباب فُتِحَ لي بغير مفتاح كما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) أُنظر: الكافي للكليني ١: ٥٢٥.
رأيت،
فدخلت الروضة وابتهلت إلى الله تعالى في أن يجيبني مولاي عن ذلك، فسمعت صوتاً من
القبر: أن ائتِ مسجد الكوفة وسَلْ عن القائم (عليه السلام)، فإنَّه إمام زمانك.
فأتيت عند المحراب، وسألته عنها وأُجبت، وها أنا أرجع إلى بيتي(١٩).
أقول: تأمَّل جيِّداً في وقت الخروج ليلاً حيث تُغلَق أسوار مدينة النجف الأشرف،
ولم يشاهده أحد، وهو العلم الذي تُرصَد حركاته وسكناته، وسيره في تلك البراري أثناء
ساعات الليل المظلم وحيداً، في القرن العاشر الهجري، حيث لم تُعبَّد الطرق ولم
تُسكن إلَّا متأخِّراً، ووحوش الفلاة منتشرة. وعلى فرض انطواء الأرض له فكيف بمن
وراءه؟ و... و... و...!؟ فتأمَّل(٢٠).
ثمّ إنَّ الميرزا حسين النوري نقل هذا الإشكال في خاتمة (مستدرك وسائل الشيعة)،
والجواب عنه، ثمّ قال: ونحن أوضحنا جواز الرؤية في الغيبة الكبرى بما لا مزيد عليه
في رسالتنا (جنَّة المأوى)(٢١)،
وفي كتاب (النجم الثاقب)(٢٢)،
وذكرنا له شواهد وقرائن! لا تبقى معها ريبة! ونقلنا عن السيِّد المرتضى، وشيخ
الطائفة، وابن طاووس التصريح بذلك، وذكرنا لما ورد من تكذيب مدَّعي الرؤية ضروباً
من التأويل تُستَظهر من كلماتهم، فلاحظ هذا(٢٣).
أقول: مع تحفّظنا على الكتابين المذكورين، بل توقّفنا
في قبول كثير ممَّا ورد فيهما، مع تناقضهما مع غيرها من الأخبار(٢٤).
وممَّن تحفَّظ على كتب الميرزا النوري أيضاً آية الله السيِّد الخميني (قدّس سرّه)،
فقال: هذا حال كتب روايته غالباً كالمستدرك، ولا تسأل عن سائر كتبه المشحونة بالقصص
والحكايات الغريبة التي غالبها بالهزل أشبه منه بالجدِّ، وهو (قدّس سرّه) شخص صالح
متتبِّع، إلَّا أنَّ اشتياقه لجمع الضعاف والغرائب والعجائب وما لا يقبلها العقل
السليم والرأي المستقيم، أكثر من الكلام النافع، والعجب من معاصريه من أهل اليقظة!
كيف ذهلوا وغفلوا حتَّى وقع ما وقع ممَّا بكت عليه السماوات، وكادت تتدكدك الأرض(٢٥)؟!
ثمّ إنَّ هناك فرقاً بين رؤية الإمام (عليه السلام) والتشرّف بخدمته عموماً، مع عدم
تحديد هُويَّته، وبين دعوى الرؤية والتبليغ لأمر ما عنه (عليه السلام) مباشرةً،
وإنَّنا وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) بحار الأنوار ٥٢: ١٧٤
- ١٧٩.
(٢٠) نقل لي بعض أساتذتي من
طرائف ما يروى عن شيخنا المرتضى الأنصاري أنَّه في إحدى زياراته إلى الإمام الحسين
(عليه السلام) تأخَّر في الوصول إلى مدينة النجف الأشرف ليلاً حيث تُغلَق أبواب سور
النجف ولا يدخلها أحد أو يخرج منها إلى الفجر، فبات الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ومن
معه ليلته خارج السور إلى الفجر حيث فُتِحَت الأبواب، فهمس الشيخ الأنصاري (قدّس
سرّه) في أُذُن أحد أصحابه وقال له: بعد موتي سيقول الناس: إنَّ الشيخ الأنصاري
مَرَّ على أبواب سور النجف ليلاً، وكانت مغلقة فأراد أن يدخل، وإذا بالأبواب قد
فُتِحَت وحدها...، وهذا الأمر ليس بالغريب.
(٢١) عنوان الكامل (جنَّة
المأوى فيمن فاز بلقاء الحجَّة ومعجزاته في الغيبة الكبرى).
(٢٢) عنوانه الكامل (النجم
الثاقب في أحوال الإمام الحجَّة الغائب).
(٢٣) خاتمة مستدرك الوسائل
للميرزا النوري ٣: ٢٢٩ و٢٣٠.
(٢٤) أُنظر: قصص العلماء
للتنكابني: ٢٩٦ و٢٩٧ وغيرها، تجد اختلافاً في الروايات المنقولة.
(٢٥) أنوار الهداية في
التعليق على الكفاية للسيِّد الخميني ١: ٢٤٥.
أقررنا
بالأُولى، نرفض الثانية البتَّة، ولو تنزَّلنا وقلنا على فرض ثبوتها، فهي حجَّة على
صاحبها لا غير، فتأمَّل.
ولو تنزَّلنا، فلا بدَّ أن يكون مبنى دعوى المدَّعي للرؤية على نحو القطع واليقين،
لا الاحتمال والظنّ والأحلام، حتَّى يكون قول الإمام (عليه السلام) حجَّة عليه
فعلاً؛ لعلمه بالحكم الواقعي من الإمام (عليه السلام) مباشرةً، وهيهاتَ ذلك!
ولكن لا يكون قول صاحب هذه الدعوى حجَّة علينا، إذ لا يوجد دليل معتبر يساعد على
الأخذ بما رأى وادَّعى، بل الدليل المعتبر يخالف ذلك، ويكون هذا الأمر تكليف
المدَّعي وقطعه، فيكون حجَّة عليه بحسب دعواه، وليس تكليفنا ولا حجَّة علينا، بل
إنَّنا مأمورون بتكذيبه وعدم تصديقه، تبعاً للنصِّ السابق عنه (عليه السلام)، هذا
كلّه مع سلامة العقل والنيَّة وأن لا يكون في موضع تهمة - على فرض ثبوت ذلك -.
وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّه يمكن القول: إنَّ رؤيته (عليه السلام) في عالم الثبوت
ممكنة، ولكن إثبات دعوى الرؤية إليه وتحقّقها في عالم الإثبات في عداد المستحيل،
فافهم وانتبه، فإنَّ الصيد كلّه في جوف الفراء.
* * *
ودعوى
أنَّ هناك جملةً من الأخبار الدالّة على مشاهدة الإمام المهدي (عليه السلام)، في
غيبته الكبرى، مع تمحيصها، وهي إن أمكن النقاش في كلِّ رواية بمفردها وبمعزل عن
المجموع إلَّا أنَّ العلم الحاصل من المجموع غير قابل للمناقشة، فإنَّه يصل إلى
حدِّ التواتر، أو تورث الاطمئنان بصحَّتها؛ لقرائن مفيدة تحيطها، وشواهد محفوفة
تلازمها، فلا حاجة بعد هذا إلى النظر في سندها، والتأمّل برجالها، فينتفي احتمال
الكذب والخطأ والوهم، ولو في بعضها على الأقلّ(٢٦).
أو كما قال الميرزا النوري: (إنَّها لا تقدر أن تعارض الوجدان القطعي، الذي يحصل من
مجموع هذه القصص والحكايات)(٢٧).
مردودة باعتبار أنَّ ذلك لا ينفع؛ لأنَّ هذا القول لا ينفي أن يكون المجموع
مبنيَّاً على المحتملات والاستنتاجات أو الاشتباهات، إن أحسنّا الظنَّ بِمُدَّعيها
وسلامة نيَّتهم وذهنيتهم، إن لم يكن اشتباه من الرواة في نقلهم لهذه الدعاوى،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) أُنظر: تاريخ الغيبة
الكبرى للسيِّد محمّد الصدر: ٧٣ و٨١.
(٢٧)
النجم الثاقب للميرزا النوري ٢: ٤٠٤.
التي
يكون منشؤها الرؤيا والمنام، أو برزخ بين المنام واليقظة، فتُنقَل وتُروى على
أنَّها قضيَّة واقعية حقيقية؛ وذلك لتعدّد وسائط النقل عن الراوي الأوَّل، وتغيّر
الألفاظ والتعابير، والمعاني والأُسلوب، وصورة العرض بينهم، وهذا الأمر ليس
بمستغرب.
وعليه، فإذا دخل الاحتمال والاستنتاج، والاشتباه والشكّ في ذلك، فطرحها أولى من
التمسّك بها، والرجوع إلى عموم النصّ الثابت والصريح، عن الشيخ السمري (قدّس سرّه):
«ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة، فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا
قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم».
والتسامح في نقل تلك القصص رغم عموم المنع له نظائر، فإنَّ هناك أُموراً تعارف
عليها الناس وتسامح بها المؤمنون، بمرأى ومنظر الفقهاء والعلماء، ومع ذلك لم تجعل
من وجودها تواتراً أو اطمئناناً على قبولها وصحَّتها وحجّيتها، ككراهة تسنيم القبور
مثلاً، فإنَّ هذا التسامح لا يُغيِّر من الواقع شيئاً، والحكم باقٍ ٍعلى الكراهة،
والحال كما هو في دعاوى الرؤية للإمام المهدي (عليه السلام) وإن نُقِلَت من هنا
وهناك، إلَّا أنَّه لا يُغيِّر من واقعها الشرعي والعلمي والعملي بالرفض وعدم
القبول، وشتّان ما بين الأمرين.
* * *
وفي
توجيههم إلى هذا القول، ودعوى الرؤية المباشرة، المنهي الاعتماد عليها في المذهب
الإمامي، فقهاً وعقيدةً، نصَّاً وإجماعاً، محلّ إشكال وريبة، وإن كنّا لا نمنع من
رؤية الإمام (عليه السلام) في الجملة، مع عدم تحديد هُويَّته مطلقاً.
ولا أرى في عقيدتي وجهاً مبرِّراً لذلك، إلَّا شدَّة التمسّك بحسن الظنِّ في
علمائنا الأبرار، وهم إن كانوا أهلاً لذلك (رضي الله عنهم)، إلَّا أنَّه ليس كلّ ما
يقال عنهم وفيهم يجب التصديق به، وأخذه على نحو المسلَّمات، وإنّي لا أرى أنَّهم -
أي علماءنا الأبرار - يوافقون على دعوى الرؤية في حقِّهم، أو توجيه دعواهم للإجماع
- المدَّعى عنهم - إلى مقام التشرّف بلقاء الإمام (عليه السلام) كدعوى الإجماع
التشرّفي، وينسبون ذلك لأنفسهم على نحو القطع والجزم.
ومن المعلوم لمن استعرض أخبار المشاهدة والرؤية أنَّ أكثرها يتضمَّن
نقلاً
للحادث، ولكن صاحب الحادثة لا يُخبِر عن دعوى الرؤية بالصراحة والوضوح، وأنَّه قد
شاهد الإمام المهدي (عليه السلام) وعرفه، إلَّا أنَّ السامع أو الناقل للحادثة
يستنتج من ذلك أنَّ صاحب القصَّة المرويَّة عنه قد التقى بالإمام المهدي (عليه
السلام)، ولو بعد تعدّد النقل والوسائط، أو بعد مضي فترة زمنية طويلة على الحكاية،
وربَّما قد يوحي صاحب الحادثة بذلك...، فتأمَّل.
وعلى فرض إمكان الرؤية زمن الغيبة الكبرى لبعض حملة الأسرار في الجملة كما يقال -
وفرض المحال ليس بمحال -، فلا ينبغي أن يُصَدَّق على ذلك، تبعاً للنصِّ الوارد، وإن
لم نُكذِّبه، لعلَّة ما، بل يجب على المدَّعي عدم ذكر ذلك - إن ثبت - على أيّ نحو
من الدلالة، احترازاً عن الاتِّهام؛ وكما قيل: الصادق لا يدَّعي الرؤية.
* * *
على
أنَّنا نقف هذه الوقفة من هكذا دعاوى، لا لسوء الظنِّ بعلمائنا الأبرار، أو التجاوز
على مقامهم العالي، ولكن من باب الحفاظ على صورة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)
ناصعة، وأن تكون طرق الدليل لأحكامه واضحة، وأبواب مصادره الفقهية والعقائدية
مألوفة، ودفع القول بالاحتمال والظنِّ غير المعتبر؛ لأنَّ الظنَّ لا يُغني من
الحقِّ شيئاً، قال تعالى: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شَيْئاً﴾ (النجم: ٢٨)، ولا أظنُّ أنَّهم يخالفونني الرأي.
فضلاً عن الحذر من هكذا دعاوى، التي تجرُّ إلى تشويش الفكر والعقيدة عند العوامّ،
لاستغلالها من قِبَل البعض من ذوي العقول المريضة والنفوس الضعيفة في الدخول إلى
البسطاء والسُّذَج من الناس والتأثير فيهم، وَجَرِّهم إلى ما لا يُحمَد عقباه.
فعلينا قطع دابر هؤلاء، وإخماد طموحهم غير المشروع، خصوصاً ممَّن له مِسحة من
العلم، من الذين غرَّتهم الدنيا وزخارفها، باستغلال مثل هذه الدعاوى وغيرها في خداع
الناس وتضليلهم بدعوى لقاء الإمام المهدي (عليه السلام) وأخذ التعاليم الدينية،
والأوامر الشرعية، منه مباشرةً، بالاعتماد على بعض
المرويّات المهلهلة للتدليل على ذلك وأخذها من بعض الكتب المشحونة بالقصص العجيبة والحكايات الغريبة التي لا يقبلها العقل السليم، أو إلباس ما صورته حقيقية كـ (الإجماع التشرّفي) كأنَّه حقيقة فعلاً، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم.
* * *
ثمّ
إنَّ إثبات وجود الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه ما زال حيَّاً يُرزَق منذ أن
وُلِدَ سنة (٢٥٥هـ)، لا يحتاج لهذه الشواهد والقرائن والدعاوى المهلهلة، التي
نُقِلَت بطيبة، وسذاجة، ومبالغة، والتي تُستَغلُّ! وقد استغلَّتها بعض النفوس
المريضة! واستندت إليها في تجميل دعواها الباطلة والضالّة، لإثبات صدقها كالبابية
والبهائية وغيرهما من دجّالي العصر.
وفي عقيدتي ويقيني أنَّ في سُنَّة أهل البيت (عليهم السلام) وسيرتهم، وما أصَّلهُ
الأصحاب بالتبع، من الأدلَّة الثابتة والبراهين القويَّة على إثبات وجوده (عليه
السلام) الكثير الطيِّب، والحجَّة على إثبات ولادته، وإمكان حياته، هذه الفترة
الطويلة ساطعة، بأدلَّة عقلية ونقلية، فلا حاجة لنا بمثل هذه الدعاوى المهلهلة؛
لترسيخ عقيدتنا أو تقوية إيماننا بوجود الإمام المهدي (عليه السلام) - كما قد يقال
-.
على أنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) لا تمنع من قيامه بواجبه الإسلامي
والقيادي والاجتماعي في مصلحة الإسلام كأيِّ فردٍ آخر من المسلمين، في أيِّ قسم
اقتضت المصلحة تنفيذه كهداية شخص أو جماعة من الكفر إلى الإسلام، أو من الانحراف
إلى الوعي، أو من الظلم إلى الاعتدال، أو جعل الموانع ضدّ الظلم القائم على المجتمع
من تأثيره في الإسلام والمسلمين عامَّة، وضدّ قواعده الشعبية خاصَّة، إلى غير ذلك(٢٨)،
ولكن بحدود معيَّنة.
* * *
وأمَّا قول بعض الأعلام: إنَّ المشاهدة غير الرؤية، فإنَّ الرؤية تفيد العموم، سواء عرف أنَّه الإمام المهدي (عليه السلام) حين الرؤية، أو عرفه بعد غيابه عنه ورحيله، من خلال بعض القرائن المحيطة باللقاء والواقعة، فيستنتج منها ويحتمل أنَّ الذي رآه هو الإمام المهدي (عليه السلام). والرؤية قد تحدث مرَّة واحدة للشخص ولا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) أُنظر: الغيبة الكبرى للسيِّد محمّد الصدر: ٣٨ و٣٩.
تتكرَّر، فهذا المعنى من الرؤية لا مانع منه، وقد حدثت لكثير من الناس، على اختلاف
طبقاتهم.
وأمَّا المشاهدة - التي ورد اللفظ بها في التوقيع الأخير- فهي تدلُّ على الحضور
والاستمرار برؤية الإمام المهدي (عليه السلام) واللقاء به، مع تشخيص هُويَّته،
والتي يستلزم منها دعوى النيابة والسفارة الخاصَّة، وهذا الأمر ممنوع بتاتاً، وهو
المشار إليه في التوقيع الأخير، قبل الصيحة وخروج السفياني.
ففيه تأمّل، فإنَّ الرُّؤيَةَ، بالضَّمِّ: إدْراكُ المَرْئي، بمعنى بلوغ غاية الشيء
وأقصاه، وهو على أنواع بحَسَبِ قُوَى النَّفْس البشرية:
الأوَّل: النَّظَرُ بالعَيْنِ التي هي الحاسَّة، وما يَجْرِي مجْراها، نحو قوله
تعالى:
﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ
الْيَقِينِ﴾ (التكاثر: ٦ و٧)، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ
الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ (الزمر: ٦٠). ومِن
الأخيرِ قوْلُه تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ
عَمَلَكُمْ﴾ (التوبة: ١٠٥)، فإنَّه ممَّا أُجْرِي مجْرَى الرُّؤْيَة
بالحاسَّةِ، فإنَّ الحاسَّةَ لا تصحُّ على الله تعالى، وعلى ذلكَ قَوْله تعالى: ﴿يَراكُمْ
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ (الأعراف: ٢٧).
والثَّاني: بالوَهْمِ والتَّخَيُّل نَحْو: أَرَى أَنَّ زيْداً مُنْطَلقٌ، ونحو قوله
تعالى:
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
(الأنفال: ٥٠).
والثَّالث: بالتَّفَكُّر، نحو قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرى ما
لا تَرَوْنَ﴾ (الأنفال: ٤٨).
والَّرابع: بالقَلْبِ، أَي بالعَقْل، وعلى ذلك قوْلُه تعالى: ﴿ما
كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (النجم: ١١)، وعلى ذلكَ قوْلُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ
رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ (النجم: ١٣)(٢٩).
المراد في المقام من معنى الرؤية للإمام المهدي (عليه السلام)، هي الرؤية بالحاسَّة
البصرية، أي بالعين، تقول: رأيت بعيني رؤيةً، ورأيته رأي العين، أي: حيث يقع البصر
عليه(٣٠).
وهذا يستلزم إدراك ومعرفة أنَّ الرجل الذي يقف أمامه هو الإمام المهدي (عليه
السلام)، وهذا هو أيضاً من معاني المشاهدة والحضور كما سيأتي، وإنَّما ذكر العين
بقوله: (رأيت بعيني)؛ لأنَّ الرؤية قد تكون بمعنى (العلم).
أمَّا في حال ذهاب الرجل عنه، وإدراك الرائي واعتقاده بعد اللقاء أنَّ الذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) أُنظر: تاج العروس
للزبيدي ١٩: ٤٣٤ و٤٣٥؛ مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصبهاني: ٣٧٤.
(٣٠) كتاب العين للخليل
الفراهيدي ٨: ٣٠٧.
رآه
هو الإمام المهدي، من خلال بعض القرائن المُحيطة للواقعة، فإنَّه لا يدخل في باب
الرؤية البصرية الآنية المباشرة، وإنَّما يدخل في واحد من الأُمور الثلاثة الأُخرى
لمعنى الرؤية المذكورة آنفاً، والتي نتائجها نسبية مقدَّرة من شخص لآخر، وأنَّها
مضطربة، وغير مستقرَّة في النفس، بل ويتحكَّم فيها عامل التقوى والإيمان والورع،
وسيرة مدَّعي الرؤية وسلوكه العملي، فضلاً عن حدود مستواه العلمي، وقابليته الذهنية
والعقلية، وكيفية تعامله مع القرائن المحيطة لدعوى الرؤية والمشاهدة وقراءته لها.
على أنَّ هذه الأُمور الثلاثة الأخيرة، خارجة تخصّصاً عن محور كلامنا؛ لأنَّ كلامنا
مبنيٌّ على أساس دعوى الرؤية للإمام المهدي (عليه السلام) بالعين الباصرة المُدرِكة
المشخِّصة له، لا غير.
أمَّا المشاهدة فهي وإن كانت بمستوى دلالة الرؤية، وتؤدّي إلى نفس الغرض المراد،
وهي رؤية الإمام المهدي وتشخيصه، إلَّا أنَّه يمكن القول: إنَّها أقوى دلالة من
الرؤية، حيث إنَّ المشاهدة تفيد القطع بمعرفة هُويَّة الإمام مع الحضور، بناءً على
القول بعدم وجود الألفاظ المترادفة في اللغة العربية.
قال أبو هلال العسكري: إنَّ المُشاهد للشيء هو المدرِك له رؤيةً، وقال بعضهم: رؤيةً
وسمعاً، وهو في الرؤية أشهر(٣١).
وقال الراغب الأصبهاني: الشهود والشهادة الحضور مع المشاهدة، إمَّا بالبصر أو
بالبصيرة...، لكن الشهود بالحضور المجرَّد أولى، والشهادة مع المشاهدة أولى(٣٢).
والكلام في البصيرة فيه تأمّل.
وقال الزبيدي: الشَّهَادةُ خَبَرٌ قاطعٌ، كذا في (اللِّسَان)، و(الأَساس). وقد
شَهُدَ الرجلُ على كذا، كعَلِمَ وكَرُمَ شَهَداً وشَهَادةً...، وشَهِدَه كسَمِعَه
شُهُوداً أي حَضَره، فهو شاهِدٌ، جمع شُهودٌ، أَي حُضُورٌ. وشاهَدَهُ مُشَاهدةً:
عايَنَهُ كشَهِده(٣٣).
فتحصَّل من ذلك، أنَّ المشاهدة والرؤية البصرية مع
إدراك ومعرفة الإمام المهدي (عليه السلام)، يؤدّيان إلى نفس الغرض والنتيجة، وهو
إثبات دعوى رؤيته واللقاء به، مع تشخيص هُويَّته في زمن الغيبة الكبرى، المنفيَّة
بالتوقيع الأخير
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) الفروق اللغوية لأبي
هلال العسكري: ٤٩٦.
(٣٢) مفردات ألفاظ القرآن
للراغب الأصبهاني: ٤٦٥.
(٣٣) تاج العروس للزبيدي ٥:
٤٥ - ٤٧.
للشيخ
السمري (رضي الله عنه)، والمعبَّر عنها بالمشاهدة، التي تفيد الرؤية القطعية، كما
تفيد أيضاً معنى الرؤية البصرية الثابتة له (عليه السلام)، سواء أكانت الرؤية مرَّة
واحدة أو كانت متعدِّدة.
وأمَّا دعوى أنَّ المشاهدة للإمام المهدي (عليه السلام) تفيد النيابة والسفارة فلا
ملازمة بينهما، فكما تجري دعاوى النيابة والتبليغ عن الإمام المهدي (عليه السلام)
على مدَّعي الرؤية بلفظها ومعناها الخاصّ بالعين الباصرة، كذا تجري على مدَّعي
المشاهدة بلفظها، بناءً على هذا الفرض.
* * *
إنَّ
عقيدتنا بالإمام المهدي (عليه السلام) قويَّة في نفوسنا، راسخة في عقولنا، لا
يتطرَّق إليها الشكّ والريب، منذ أن عرفنا أنَّه الحقّ؛ لأنَّ وجوده قائم على
الدليل والبرهان والحجَّة، ونحن أبناء مدرسة أمير المؤمنين الإمام علي (عليه
السلام) وتربيته، وهو القائل: «ما شككت في الحقِّ مُذ أريته»، وقال (عليه السلام):
«لو كُشِفَ لي الغطاء ما ازددت يقيناً».
إنَّ غياب الإمام (عليه السلام) ظاهر في عقول المؤمنين، مكشوف في قلوبهم، قائم على
الوضوح في الرؤية، وصدق الإحساس في العقل، وسلامة الفطرة، وصفاء الوجدان، وليس
غيابه يُولد فيهم حالة خوفٍ أو غموضٍ أو إبهامٍ للمستقبل، بل يُشعِرهم بالأمن
والسلام، والسكينة والاطمئنان، والعمل لبناء حياة سعيدة يتكامل فيها الإنسان
ويرتقي، وإنَّ ديمومة الحياة جارية بالثقلين: كتاب الله (عزَّ وجلَّ) حبل ممدود من
السماء إلى الأرض، والعترةِ الطاهرة، التي يُمثِّلها الإمام المهدي المنتظر (عليه
السلام)، اللذَين لن يفترقا حتَّى يردا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
الحوض، متلازمين متصاحبين، كما قال النبيُّ (عليه وعلى آله الصلاة والسلام) في
الحديث المتواتر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم
به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى
الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف
تُخلِّفوني فيهما»(٣٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) أُنظر: سنن الترمذي ٥: ٦٦٣، وغيره.
ومن
لطيف ما قيل في الإمام المهدي (عليه السلام): نحن متى نعود إلى العقل ونناشده عن
هذا المهدي المؤمَّل (عليه السلام) نجده يقول الفصل، ويهدي لما هو الحقّ والصواب،
فيقول: إنَّ الحجَّة المنتظر (عليه السلام) هو في وجوده حقيقة جوهرية قائمة في هذا
العالم بأمر ربِّها، كما تقوم الملائكة في نظامها وسرّ وجودها، ولا مانع أن يكون
لها مدار حيوي ينتفع به الوجود، فاستلزم ذلك إضمارها، ولا يمنع العقل بقاء تلك
الحقيقة على صلاحية كاملة في عالم الدنيا وإخفاءها بعد أن استلزم تكوينها المقدَّر
على هذا الوجود، أمَّا الحياة الخارجية فلا تثبت إلَّا بالمشاهدة والسير الاختياري؛
لتحقّق النفع المشترك الذي يقع على عهدة هذه الأفراد ما دامت لها الحياة، وإلَّا
فإنَّ وجوداً في الخارج، ومخفيَّاً عن الأبصار، ومحجوزاً غير مختار، لا يمكن للعقل
أن يُطبِّقه على فائدة توجب ذلك، فليس إلَّا أن نقول: حقيقة ذات وجود حيوي في نطاق
القدرة(٣٥).
وإلى هذا المعنى تشير بعض الروايات في كيفية الانتفاع بالإمام المهدي (عليه السلام)
في حال غيبته عن الناس، منها: ما رواه الحمويني الشافعي بسنده عن سليمان بن مهران
الأعمش، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه علي
بن الحسين (عليهم السلام)، قال: «نحن أئمَّة المسلمين، وحجج الله على العالمين،
وسادة المؤمنين، وقادة الغرّ المحجَّلين، وموالي المؤمنين، ونحن أمان لأهل الأرض،
كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن الذين بنا يُمسِك الله السماء أن تقع على
الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يُمسِك الأرض أن تميد بأهلها، وبنا يُنزِل الغيث وينشر
الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها».
ثمّ قال: «ولم تخلُ الأرض منذ خلق الله آدم من حجَّة لله فيها، ظاهر مشهور أو غائب
مستور، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجَّة لله فيها، ولولا ذلك لم يُعبَد الله».
فقال سليمان: فقلت للصادق (عليه السلام): فكيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب
المستور؟
قال: «كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب»(٣٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) حقائق التكوين للشيخ
ناصر الحمادي: ٦١.
(٣٦) أُنظر: فرائد السمطين
١: ٤٦؛ كمال الدين وتمام النعمة للصدوق: ٢٠٧؛ وباختصار ورد في بحار الأنوار ٥٢: ٩٢
و٩٣.
وروى
القندوزي الحنفي بسنده عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: سمعت جابر بن عبد الله
الأنصاري يقول: قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يا جابر، إنَّ
أوصيائي وأئمَّة المسلمين من بعدي أوَّلهم علي، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ علي بن
الحسين، ثمّ محمّد بن علي المعروف بالباقر ستدركه يا جابر، فإذا لقيته فاقرأه منّي
السلام، ثمّ جعفر بن محمّد، ثمّ موسى بن جعفر، ثمّ علي بن موسى، ثمّ محمّد بن علي،
ثمّ علي بن محمّد، ثمّ الحسن بن علي، ثمّ القائم، اسمه اسمي وكنيته كنيتي، ابن
الحسن بن علي، ذاك الذي يفتح الله تبارك وتعالى على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك
الذي يغيب عن أوليائه غيبةً، لا يثبت على القول بإمامته إلَّا من امتحن الله قلبه
للإيمان».
قال جابر: فقلت: يا رسول الله، فهل للناس الانتفاع به في غيبته؟
فقال: «إي والذي بعثني بالنبوَّة، إنَّهم يستضيؤون بنور ولايته في غيبته كانتفاع
الناس بالشمس وإن سترها سحاب، هذا من مكنون سرّ الله ومخزون علم الله، فاكتمه إلَّا
عن أهله»(٣٧).
وقد ذكر العلَّامة المجلسي ثمانية أُمور في وجه تشبيه الإمام الحجَّة المنتظر (عليه
السلام) بالشمس التي يُجلِّلها السحاب، يمكن مراجعتها في بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٩٣
و٩٤).
وعلَّق سيِّدنا الأُستاذ الشهيد الصدر الثاني (قدّس سرّه) على قوله (عليه السلام):
«كانتفاع الناس بالشمس وإن سترها سحاب»، فقال: فالسحاب كناية عن خفاء العنوان - أي
الهُويَّة -، والشمس كناية عن التأثير النافع المنتج في المجتمع. على أنَّنا نحتمل
في كلِّ عمل خيري عامّ، أو سُنَّة اجتماعية حسنة، أو فكرة إسلاميَّة جديدة، أو نحو
ذلك من الأُمور، نحتمل أن يكون وراءها إصبع مخلص متحرِّك من قِبَل الإمام المهدي
(عليه السلام)، وأنَّه هو الذي زرع بذرته الأُولى في صدر أو عمل أحد الأشخاص أو
الجماعات، بحيث انتجت أُكُلها في كلِّ حين بإذن ربِّها. غاية الفرق أنَّ تلك
الأعمال كانت منه ومن آبائه بالصفة الحقيقية لهم، أمَّا عمله خلال هذه الفترة -
الغيبة الكبرى - فليس بهذه الصفة، وإنَّما بصفته فرداً اعتيادياً في المجتمع. بعد
وضوح أنَّ العمل الذي يمكن للمهدي (عليه السلام) تنفيذه مع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) ينابيع المودَّة للقندوزي الحنفي ٣: ٣٩٩.
جهل
الناس بحقيقته وعنوانه - أي في غيبته - أقلّ بكثير ممَّا يستطيع القيام به حال
ظهوره وإعلان أمره - أي بتحديد هُويَّته -.
إذن فعمل الإمام المهدي (عليه السلام) لا بدَّ أن يقتصر على الحدود التي لا تؤدّي
إلى انكشاف أمره، فيُدقِّق في ذلك ويُخطِّط له، وهو الخبير الألمعي ويحسب لكلِّ عمل
حسابه، وأيّ عملِ عَلِمَ أنَّ التدخّل فيه يوجب الانكشاف انسحب عنه، مهما ترتَّبت
عليه من نتائج؛ لأنَّ حفاظ سرِّه وذخره لليوم الموعود، أهّم من جميع ما يتركه من
أعمال، ولكن هذا لا ينافي تأثيره في الأعمال الإسلاميَّة الخيِّرة التي نراها صائرة
في المجتمع؛ وذلك لإمكان أن يكون هو المؤثِّر في تأسيسها حال صغرها وضآلة شأنها،
وقد أودعها إلى المخلصين الذين يأخذون بها ويذكرون أوارها، بدون أن يلتفتوا أو
يُلتَفت إلى حقيقة عمله، بقليل ولا كثير(٣٨).
* * *
ومن
كلمات للسيِّد علي بن طاووس تناسب المقام، قوله: مع أنَّه (عليه السلام) حاضر مع
الله (جلَّ جلاله) على اليقين، وإنَّما غاب من لم يلقه عنهم، لغيبتهم عن حضرة
المتابعة له، ولربِّ العالمين(٣٩).
أقول: وفي عقيدتي من كانت هذه صلته بربِّ العالمين (عزَّ وجلَّ)، ومن كان هذا شأنه
عند حجَّة الله في الأرض (عليه السلام) بالمتابعة والاتِّصال الروحي والمعنوي
والمادّي، فهو أسمى من أن يدَّعي لنفسه مثل دعوى الرؤية ويشيعها بين الناس، ويضع
نفسه موضع التهمة والقيل والشبهة، فضلاً عن مخالفة ظاهر كلام الإمام (عليه السلام)
في التوقيع الأخير الصادر منه (عليه السلام)، إلى السفير الرابع الشيخ السمري (رضي
الله عنه)، وقد مَرَّ ذكره، وإجماع المذهب، ومخالفة ضرورة من ضروراته. والصادق لا
يدَّعي الرؤية.
* * *
ثمّ نتساءل: هل الإمام المهدي (عليه السلام) مأمور ببثِّ العقائد الدينية والأحكام الشرعية وغير ذلك، إلى الناس في زمن الغيبة الكبرى، وبيان ما وقعوا فيه من اختلاف فيها، أم لا؟ لأنَّهم (عليهم السلام) قد أَصَّلوا الأُصول وبيَّنوا الفروع للناس، فإذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) أُنظر: الغيبة الكبرى
للسيِّد محمّد الصدر: ٣٩ - ٤١ بتصرّف.
(٣٩) بحار الأنوار
للعلَّامة المجلسي ٥٣: ٣٠٤؛ كشف المحجَّة لابن طاووس: ٥٣؛ وفي نصِّ الكتاب الثاني
التباس.
ضاع
شيء منها أو فُقِدَ فهو بسبب إهمالنا وتقصيرنا في حفظها لا بتقصير منهم في التبليغ
والبيان للأحكام الشرعية والعقائد الدينية.
فهذا سؤال يطرح نفسه بقوَّة، قال الشيخ المظفَّر (قدّس سرّه) في (أُصول الفقه):
إنَّ اختفاء الإمام واحتجاب نفعه - مع ما فيه من تفويت لأعظم المصالح النوعية للبشر
- هو نفسه قد يدعو إلى احتجاب حكم الله عند إجماع العلماء على حكم مخالف للواقع،
لاسيّما إذا كان الإجماع من أهل عصر واحد، ولا يلزم من ذلك إخلال الإمام بالواجب
عليه، وهو تبليغ الأحكام، لأنَّ الاحتجاب ليس من سببه.
وعلى هذا فمن أين يحصل لنا القطع بأنَّه لا بدَّ للإمام من إظهار الحقِّ حال غيبته،
عند حصول إجماع ما هو مخالف للواقع؟
وللمشكِّك أن يزيد على ذلك، فيقول: لماذا لا تقتضي هذه القاعدة أن يُظهِر الإمام
الحقَّ حتَّى في صورة الخلاف، لاسيّما أنَّ بعض المسائل الخلافية قد يقع فيها أكثر
الناس في مخالفة الواقع؟
بل لو أحصينا المسائل الخلافية في الفقه التي هي الأكثر من مسائله، لوجدنا أنَّ
كثيراً من الناس لا محالة واقعون في مخالفة الواقع، فلماذا لا يجب على الإمام هنا
تبليغ الأحكام؛ حتَّى يقلَّ الخلاف أو ينعدم، وبه تكون نجاة المؤمنين من الوقوع في
مخالفة الواقع؟
وإذا جاء الاحتمال لا يبقى مجال لاستلزام الإجماع القطع بقول المعصوم من جهة قاعدة
اللطف(٤٠).
إنَّه ليس من تكليف الإمام المهدي (عليه السلام) تبليغ الأحكام إلى الناس في عصر
الغيبة الكبرى، أو توجيههم وإرشادهم وإعانتهم بالمباشرة، لاسيّما وأنَّ أمر غيابه
واحتجابه عن الناس لم يكن بإرادته ولا باختياره، بل بأمر من مشرِّع الأحكام سبحانه
وتعالى، وباعث الرسل، ومُنزِل الكتب السماوية، حتَّى يقال: إنَّ من رآه وادَّعى
تبليغ شيء عنه - كدعوى الإجماع التشرّفي - إنَّه يجمع بين الأمر بإظهار الحقِّ،
والنهي التعبّدي عن إذاعة مثل ذلك؛ لأنَّ في هذا نقضاً للغرض، وهذا لا يجوز على
الحكماء والعقلاء، فضلاً عن وجود كثير من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) أُصول الفقه للشيخ المظفَّر ٣: ١٢٠ و١٢١.
الأحكام الخلافية الابتلائية المتناقضة بين آراء الفقهاء من زمن الغيبة الكبرى
وحتَّى يومنا هذا، ولم نرَ لها حكماً يُوضِّحها منه (عليه السلام)، أو تبليغاً يرفع
الخلاف عنها مع تطاول الأزمان.
والغريب في الأمر، أنَّه مع دقَّة علمائنا الأعلام، ومسلك فقهائنا العظام، في
التثبّت بأخذ الرواية، وشدَّة تحرّزهم في العمل عليها، واحتياطهم في الاستدلال بها،
ما لم يقطعوا بتمام الحجّية من جهات عدَّة، وأهمّها جهة السند، ترى البعض يتسامح في
قبول مثل هذه الدعاوى كنقل حكم شرعي عن طريقه بدعوى الإجماع التشرّفي، مع عدم ثبوت
حجّيته!، وغيره من دعاوى الرؤية المباشرة المُشخِصة للإمام المهدي (عليه السلام) مع
أنَّ طرق نقلها مرسلة، وبعضها عن مجاهيل، واعتماد أغلب هذه الدعاوى على نقل
التابعيين البسطاء، والعوامّ السُّذَج، وإن كانوا مؤمنين!!
* * *
وهذا
ما يقال - كما قال المحقِّق الكاظمي - من أنَّ هذه الدعاوى ربَّما تكون هي الأصل في
كثير من الزيارات والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإماميَّة، ولا مستند
لها ظاهراً من أخبارهم، ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمَّة وأسرارهم،
ولا أمارة تشهد بأنَّ منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه مستحسنة، هي التي دعتهم إلى
إنشائها، وترتيبها، والاعتناء بجمعها، وتدوينها كما هو الظاهر في جملة منها(٤١).
أقول: إنَّ إثبات هذه الأعمال والمستحبّات كالزيارات
والآداب العامَّة جاءت بطريق رؤية الإمام المهدي (عليه السلام) والإخبار عنه، هو
أوَّل الكلام. ولكن كلامنا وإن كان في الحكم الشرعي التكليفي التعبّدي، وطريق
الوصول إليه، أمَّا في غير ذلك من السنن، فلا بأس بالتأسّي بها، والعمل بما ورد
فيها مع التحفّظ من نسبتها إلى الشارع المقدَّس، وذلك للتسامح والسعة في أدلَّتها
وطرقها، والتي قد تكون داخلة في عموميات الأحكام الأُخرى، ما لم تخالف حكماً شرعياً
ظاهرياً، أو أمراً عقائدياً مُسلَّماً به، أو ارتكازاً عقلياً، أو سيرةً ثابتةً، مع
الاحتياط والتحرّز من نسبتها إلى الإمام (عليه السلام) جزماً وقطعاً، لا أقلَّ من
القول: إنَّه ممَّا يُنسَب إلى الإمام (عليه السلام)، ولو على نحو الإرسال، والله
العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع للمحقِّق الكاظمي التستري: ٢٣٠.
وأمَّا
ما قرَّره المحقِّق الكاظمي فيها من أنَّه لا مستند لها ظاهراً من الأخبار، ولا من
كتب قدماء الأصحاب الواقفين على آثار الأئمَّة الأطهار، بل ولا أمارة تشهد بأنَّ
منشأها أخبار مطلقة، أو وجوه مستحسنة، دعتهم إلى إنشائها، وترتيبها، وتدوينها،
والاعتناء بجمعها.. فهذا منه في غاية العجب!!
ومنها - أي إثبات بعض الأعمال عن طريق رؤية الإمام (عليه السلام) - كما روى والد
العلَّامة وابن طاووس طاب ثراهما، عن السيِّد الكبير العابد رضي الدين محمّد بن
محمّد الآوي الحسيني، المجاور بالمشهد المقدَّس الغروي (قدّس سرّه)، عن صاحب الزمان
(عليه السلام) في طريق الاستخارة بالسبحة وغيره أيضاً على ما يظهر من كلام الشهيد،
كما رواه الميرزا النوري، قال: ذكر العلَّامة الحلّي (رحمه الله) في (منهاج
الصلاح)، قال: نوع آخر من الاستخارة رويته عن والدي الفقيه سديد الدين يوسف بن علي
بن المطهَّر (رحمه الله)، عن السيِّد رضي الدين محمّد الآوي الحسيني، عن صاحب الأمر
(عليه السلام)، وهو أن يقرأ فاتحة الكتاب عشر مرَّات وأقلّه ثلاث مرَّات، والأدون
منه مرَّة، ثمّ يقرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾ عشر
مرَّات، ثمّ يقرأ هذا الدعاء ثلاث مرَّات: «اللّهمّ إنّي أستخيرك لعلمك بعواقب
الأُمور، وأستشيرك لحسن ظنّي بك في المأمول والمحذور، اللّهمّ إن كان الأمر الفلاني
قد نيطت بالبركة أعجازه وبواديه، وحفَّت بالكرامة أيّامه ولياليه، فخِرْ لي فيه
خيرة تردُّ شموسه ذلولاً، وتقعض أيّامه سروراً. اللّهمّ إمَّا أمر فأئتمر وإمَّا
نهي فأنتهي. اللّهمّ إنّي أستخيرك برحمتك خيرةً في عافية». ثمّ يقبض على قطعة من
السبحة، ويضمر حاجته، ويُخرِج إن كان عدد تلك القطعة زوجاً فهو (افعل)، وإن كان
فرداً (لا تفعل)، أو بالعكس.
قال الشهيد (رحمه الله) في الذكرى (ج ٤/ ص ٢٦٩): ومنها الاستخارة بالعدد، ولم يكن
هذه مشهورة في العصور الماضية، قبل زمان السيِّد الكبير العابد رضي الدين محمّد
الآوي الحسيني المجاور بالمشهد المقدَّس الغروي (رضي الله عنه)، وقد رويناها عنه
وجميع مرويّاته عن عدَّة من مشايخنا، عن الشيخ الكبير الفاضل جمال الدين ابن
المطهَّر عن السيِّد الرضي، عن صاحب الأمر (عليه السلام). وتقدَّم عنه (رحمه الله)
حكاية أُخرى.
وفي
بحار الأنوار (ج ٨٨/ ص ٢٥١): وروي أيضاً عن الشيخ يوسف بن الحسين أنَّه وجد بخطِّ
الشهيد السعيد محمّد بن مكّي (قدّس سرّه)، قال: تقرأ ﴿إِنَّا
أَنْزَلْناهُ﴾ عشر مرَّات، ثمّ تدعو بهذا الدعاء: «اللّهمّ إنّي أستخيرك
لعلمك بعاقبة الأُمور».
وقال أيضاً: ووجدت بخطِّ الشيخ الجليل محمّد بن علي الجباعي جدّ شيخنا البهائي
(رحمه الله) أنَّه نقل من خطِّ السعيد الشهيد محمّد بن مكّي (نوَّر الله ضريحه)
هكذا: طريق الاستخارة الصلاة على محمّد وآله سبع مرَّات، وبعده: «يا أسمع السامعين،
ويا أبصر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، صلِّ
على محمّد وآل محمّد»، ثمّ الزوج والفرد(٤٢).
هذا، ولم نعرف طريق الراوي إلى الإمام المهدي (عليه السلام) وصورة نقله لهذه
الأعمال، أكان مسنداً عنه، أم رواه بالإرسال، أو عن طريق الوجادة، أو عن طريق
المنام والرؤيا، أم بالمشاهدة والرؤية البصرية؟! والله العالم.
ومنها ما روي عنه في قصَّة الجزيرة الخضراء المعروفة المذكورة في (البحار)(٤٣).
أقول: وهي قصَّة أقرب إلى الخيال من الواقع، تحكي مشاهد حيَّة لبعض الأشخاص
المجهولين، ادَّعى أنَّ للإمام المهدي (عليه السلام) أولاداً وأحفاداً يتناسلون
ويعيشون في جزيرة واقعة في البحر الأبيض تُعرَف ب (الجزيرة الخضراء)، وأنَّ الحياة
فيها والتعامل بين أهلها في صورة أقرب إلى صورة المدينة الفاضلة.
وهذه الجزيرة حتَّى يومنا هذا لم يُعرَف موقعها جغرافياً، أو تُحدَّد خارطتها على
سطح الأرض، أو تُرصَد فلكيَّاً، على الرغم من الاكتشافات الحديثة، والمسح العامّ
لخارطة كوكب الأرض بواسطة الأقمار الاصطناعية، ونحو ذلك.
فهو حديث لا واقع له، ولا يَعضُده نقل صحيح، ولا نصٌّ صريح.
هذا، وإنَّ من جملة ما أفاده آية الله البحّاثة الشيخ آغا بزرك الطهراني في كتاب
(الذريعة) تعليقاً على قصَّة (الجزيرة الخضراء) ما جاء فيه: وقد حكى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) جنَّة المأوى في ذكر
من فاز بلقاء الحجَّة (عليه السلام) للميرزا حسين النوري/ المطبوع ضمن كتاب بحار
الأنوار للعلَّامة المجلسي/ الحكاية السادسة والثلاثون (ج ٥٣/ ص ٢٧١ - ٢٧٣).
(٤٣) أُنظر: بحار الأنوار
٥٣: ٢١٣ - ٢٢٢، ونظراً لطول الخبر أعرضنا عن إدراجه، فإن شئت الاطِّلاع عليه راجع
المصدر.
خصوصيات تلك الجزيرة من ادَّعى أنَّه رآها بعينه وهو الرجل الجليل الذي لم يُعلَم
اسمه ولم يُعرَف شخصه قبل مجلس نقله...
وبالجملة لم تصل هذه الحكاية إلينا إلَّا بالوجادة، ولم نعرف من أحوال الحاكي لها
إلَّا أنَّه كان رجلاً محترماً في ذلك المجلس، وقد اشتمل سندها على عدَّة تواريخ
تناقض ما في متنها!!، واشتمل متنها على أُمور عجيبة قابلة للإنكار!!، وما هذا شأنه
لا يمكن أن يكون داعي العلماء من إدراجه في كتبهم المعتمدة بيان لزوم الاعتماد
عليها أو الحكم بصحَّتها مثلاً، أو جعل الاعتقاد بصدقها واجباً، حاشاهم عن ذلك، بل
إنَّما غرضهم من نقل هذه الحكايات مجرَّد الاستئناس بذكر الحبيب وذكر دياره،
والاستماع لآثاره مع ما فيها من رفع الاستبعاد عن حياته في دار الدنيا، وبقائه
متنعِّماً فيها في أحسن عيش وأفر حال!!...(٤٤).
ومنها ما سمعه ابن طاووس منه (عليه السلام) من دعاءه لشيعته (عليه السلام) في
السرداب الشريف، قال الميرزا النوري: رأيت في ملحقات كتاب (أنيس العابدين)، وهو
كتاب كبير في الأدعية والأوراد ينقل عنه العلَّامة المجلسي في المجلَّد التاسع عشر
من (البحار) والميرزا في (الصحيفة الثالثة) ما لفظه: نُقِلَ عن ابن طاووس (رحمه
الله) أنَّه سمع سحراً في السرداب عن صاحب الأمر (عليه السلام) أنَّه يقول:
«اللّهمّ إنَّ شيعتنا خُلِقَت من شعاع أنوارنا وبقيَّة طينتنا، وقد فعلوا ذنوباً
كثيرةً اتِّكالاً على حبِّنا وولايتنا، فإن كانت ذنوبهم بينك وبينهم فاصفح عنهم فقد
رضينا، وما كان منها فيما بينهم فأصلح بينهم وقاص بها عن خمسنا، وأدخلهم الجنَّة،
وزحزحهم عن النار، ولا تجمع بينهم وبين أعدائنا في سخطك»(٤٥).
ولا نعلم ربَّما كان ذلك في المنام أو برزخ بين النوم واليقظة، فتأمَّل، والله
العالم.
ومنها ما علَّمه الإمام المهدي (عليه السلام) إلى محمّد بن علي العلوي الحسيني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) الذريعة للطهراني ٥:
١٠٦.
(٤٥) جنَّة الماوى للميرزا
النوري/ المطبوع ضمن بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي ٥٣: ٣٠٢/ الحكاية الخامسة
والخمسون.
المصري
في حائر الحسين، وهو بين اليقظان والنائم، وقد أتاه الإمام مكرَّراً وعلَّمه، إلى
أن تعلَّمه في خمس ليالٍ وحفظه، ثمّ دعا به واستجيب دعاؤه، وهو الدعاء المعروف
بالعلوي المصري، روى السيِّد الجليل علي بن طاووس في (مهج الدعوات): وجدت في مجلَّد
عتيق ذكر كاتبه أنَّ اسمه الحسين بن علي بن هند، وأنَّه كتب في شوّال سنة ستّ
وتسعين وثلاث مائة دعاء العلوي المصري بما هذا لفظ إسناده: دعاء علَّمه سيِّدنا
المؤمَّل (صلوات الله عليه) رجلاً من شيعته وأهله في المنام، وكان مظلوماً ففرَّج
الله عنه، وقُتِلَ عدوّه. حدَّثني أبو علي أحمد بن محمّد بن الحسين، وإسحاق بن جعفر
بن محمّد العلوي العريضي بحرّان، قال: حدَّثني محمّد بن علي العلوي الحسيني، وكان
يسكن بمصر، قال: دهمني أمر عظيم، وهمٌّ شديد، من قِبَل صاحب مصر، فخشيته على نفسي،
وكان سعى بي إلى أحمد بن طولون، فخرجت من مصر حاجَّاً، فصرت من الحجاز إلى العراق،
فقصدت مشهد مولانا الحسين بن علي (عليهما السلام) عائذاً به، ولائذاً بقبره،
ومستجيراً به، من سطوة من كنت أخافه، فأقمت بالحائر خمسة عشر يوماً أدعو وأتضرَّع
ليلي ونهاري، فتراءى لي قيِّم الزمان (عليه السلام) ووليّ الرحمن، وأنا بين النائم
واليقظان، فقال لي: «يقول لك الحسين بن علي (عليهم السلام): يا بني خفت فلاناً؟».
فقلت: نعم أراد هلاكي، فلجأت إلى سيِّدي (عليه السلام) أشكو إليه عظيم ما أراد بي.
فقال (عليه السلام): «هلَّا دعوت الله ربُّك (عزَّ وجلَّ) وربُّ آبائك بالأدعية
التي دعا بها من سلف من الأنبياء (عليهم السلام)، فقد كانوا في شدَّة فكشف الله
عنهم ذلك».
قلت: وماذا أدعوه؟
فقال (عليه السلام): «إذا كان ليلة الجمعة، فاغتسل وصلِّ صلاة الليل، فإذا سجدت
سجدة الشكر، دعوت بهذا الدعاء، وأنت بارك على ركبتك»، فذكر لي دعاء، قال: ورأيته في
مثل ذلك الوقت، يأتيني وأنا بين النائم واليقظان، قال: وكان
يأتيني
خمس ليال متواليات يُكرِّر عليَّ هذا القول والدعاء حتَّى حفظته وانقطع مجيئه ليلة
الجمعة.
فاغتسلت وغيَّرت ثيابي، وتطيَّبت وصلَّيت صلاة الليل، وسجدت سجدة الشكر، وجثوت على
ركبتي، ودعوت الله جلَّ وتعالى بهذا الدعاء، فأتاني ليلة السبت، فقال لي: «قد
أُجيبت دعوتك يا محمّد! وقُتِلَ عدوّك عند فراغك من الدعاء عند من وشى به إليه».
فلمَّا أصبحت ودَّعت سيِّدي، وخرجت متوجِّهاً إلى مصر، فلمَّا بلغت الأُردن وأنا
متوجِّه إلى مصر، رأيت رجلاً من جيراني بمصر وكان مؤمناً، فحدَّثني أنَّ خصمي قبض
عليه أحمد بن طولون، فأمر به فأصبح مذبوحاً من قفاه، قال: وذلك في ليلة الجمعة،
فأمر به فطُرِحَ في النيل، وكان فيما أخبرني جماعة من أهلينا وإخواننا الشيعة أنَّ
ذلك كان فيما بلغهم عند فراغي من الدعاء كما أخبرني مولاي (عليه السلام).
ثمّ ذكر له طريقاً آخر عن أبي الحسن علي بن حمّاد البصري، ثمّ ساق (رحمه الله)
الدعاء بتمامه وهو طويل، ولذا تركنا نقله حذراً من الخروج عن وضع البحث، مع كونه في
غاية الانتشار، وهذه الحكاية موجودة في باب المعاجز من (البحار)(٤٦).
أقول: وكما تقرأ أنَّه لم يعلم أنَّه الإمام (عليه السلام) يقيناً، بل ربَّما كانت
رؤيا صادقة مع صفاء النفس، ونقاء الروح، وخلوصه لله تعالى وقتئذٍ، فتأمَّل. وغير
ذلك ممَّا يوجب التأمّل والوقوف عنده طويلاً.
وأخيراً فالقول ما قلناه: إنَّ رؤيته (عليه السلام) في عالم الثبوت ممكنة، ولكن
إثبات دعوى الرؤية وتحقّقها في عالم الإثبات في عداد المستحيل، فافهم.
والله تعالى العالم بحقائق الأُمور والهادي إلى النور المبين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) جنَّة المأوى للميرزا النوري/ المطبوع ضمن بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي ٥٣: ٢٢٧ - ٢٣٠/ الحكاية السابعة.
المصادر والمراجع
* القرآن الكريم: كلام ربّ العالمين.
* الاحتجاج: الشيخ الطبرسي/ تعليق محمّد باقر الخرسان/
طبع ١٣٨٦هـ/١٩٦٦م، الناشر دار النعمان للطباعة والنشر/ النجف الأشراف.
* أُصول الفقه: الشيخ محمّد رضا المظفَّر/ نشر مؤسّسة
النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم.
* أنوار الهداية في التعليق على الكفاية: السيِّد روح
الله الخميني/ تحقيق ونشر مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني/ قم/ الطبعة
الثانية/ شعبان ١٤١٥هـ/ مطبعة مؤسّسة العروج.
* بحارالأنوار: العلَّامة المجلسي/ تحقيق محمّد باقر
البهبودي/ الطبعة الثانية المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ الناشر مؤسّسة الوفاء/ دار إحياء
التراث العربي/ لبنان/ بيروت.
* تاج العروس: الزبيدي/ تحقيق علي شيري/١٤١٤هـ ١٩٩٤م/
طباعة ونشر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع/ بيروت.
* تاريخ الغيبة الصغرى: السيِّد محمّد الصدر/ الطبعة
الأُولى/ ١٤٢٧هـ/ مؤسّسة التاريخ العربي للطباعة والنشر/ بيروت.
* تاريخ الغيبة الكبرى: السيِّد محمّد الصدر/ الطبعة
الأُولى/ ١٤٢٧هـ/ مؤسّسة التاريخ العربي للطباعة والنشر/ بيروت.
* حقائق التكوين: الشيخ ناصر الحمادي/ تحقيق فالح عبد
الرزّاق العبيدي/ الطبعة الأُولى/ نشر أنوار الهدى/ المطبعة وفا/ قم.
* خاتمة مستدرك الوسائل: الميرزا النوري/ تحقيق ونشر
مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ الطبعة الأُولى/ محرَّم الحرام
١٤١٦هـ/ المطبعة ستارة، قم.
* الذريعة إلى تصانيف الشيعة: الشيخ أغا بزرك
الطهراني/ الطبعة الثانية/ الناشر دار الأضواء/ لبنان/ بيروت.
* سنن الترمذي: الترمذي/ تحقيق وتصحيح عبد الوهّاب
عبد اللطيف/ الطبعة الثانية/ ١٤٠٣هـ ١٩٨٣م/ دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع/
لبنان/ بيروت.
* عوائد الأيّام: المحقِّق النراقي/ الطبعة الأُولى/
١٤١٧هـ/ مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي/ الناشر مركز النشر التابع لمكتب الإعلام
الإسلامي.
* الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق الشيخ عبد الله
الطهراني والشيخ علي أحمد ناصح/ الطبعة الأُولى/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ نشر مؤسّسة
المعارف الإسلاميَّة/ قم.
* الغيبة: الشيخ محمّدبن إبراهيم النعماني/ تحقيق
فارس الحسّون/ الطبعة الأُولى/ ١٤٢٢هـ/ مطبعة مهر/ الناشر أنوار الهدى.
* الفروق اللغوية: أبو هلال العسكري/ تحقيق مؤسّسة
النشر الإسلامي/ الطبعة الأُولى/ شوّال المكرَّم ١٤١٢هـ/ نشر مؤسّسة النشر الإسلامي
التابعة لجماعة المدرِّسين بقم المشرَّفة.
* الفوائد الرجالية: السيِّد مهدي بحر العلوم/ تحقيق
وتعليق محمّد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم/ الطبعة الأُولى/ ١٣٦٣ش/ مطبعة
آفتاب/ الناشر مكتبة الصادق/ طهران.
* قصص العلماء: الميرزا محمّد التنكابني/ ترجمة الشيخ
مالكوهبي/ الطبعة الثانية/ ١٤٢٩هـ/ نشر ذوي القربى/ مطبعة ستارة/ قم.
* الكافي: الشيخ الكليني/ تصحيح وتعليق علي أكبر
الغفاري/ الطبعة الخامسة/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ الناشر دار الكتاب الإسلامي/ طهران.
* كتاب العين: الخليل الفراهيدي/ تحقيق د. مهدي
المخزومي، د. إبراهيم السامرائي/ الطبعة الثانية/ ١٤٠٩هـ/ نشر مؤسّسة دار الهجرة/
قم المشرَّفة.
* كشف القناع عن وجوه حجّية الإجماع: أسد الله
التستري الكاظمي/ طبعة حجرية.
* كشف المحجَّة لثمرة المهجة: السيِّد ابن طاووس/ طبع
١٣٧٠هـ ١٩٥٠م/ الناشر المطبعة الحيدرية/ النجف الأشرف.
* كمال الدين وتمام النعمة: الشيخ الصدوق/ تصحيح
وتعليق علي أكبر الغفاري/ طبع محرَّم ١٤٠٥هـ/ الناشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة
لجماعة المدرِّسين/ قم.
* مفردات ألفاظ القرآن: الراغب الأصبهاني/ تحقيق
صفوان عدنان داوودي/ الطبعة الأُولى/ ١٤١٦هـ/ طباعة ونشر دار القلم/ دمشق، ودار
الشامية/ بيروت.
* مكيال المكارم: السيِّد محمّد تقي الأصفهاني/ تحقيق
السيِّد علي عاشور/ الطبعة الأُولى/ ١٤٢١هـ/ الناشر مؤسّسة العالمي للمطبوعات/
بيروت.
* من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تصحيح وتعليق
علي أكبر الغفاري/ الطبعة الثانية/ الناشر مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة
المدرِّسين/ قم.
* النجم الثاقب: الميرزا النوري/ تقديم وترجمة وتحقيق
وتعليق السيِّد ياسين الموسوي/ الطبعة الأُولى/ ١٤١٥هـ/ الناشر أنوار الهدى/
المطبعة مهر/ قم المقدَّسة.
* ينابيع المودَّة لذوي القربى: القندوزي الحنفي/
تحقيق سيِّد علي جمال أشرف الحسيني/ الطبعة الأُولى/ ١٤١٦هـ/ المطبعة أُسوه/ الناشر
دار الأُسوة للطباعة والنشر/ قم المطهَّرة.
المهدي من (عليه السلام) العترة
الشيخ خالد البغدادي
المهدي
من العترة.. وحتَّى تعرف المهدي عليك أن تعرف العترة!
لقد اتَّفقت كلمة المسلمين جميعاً على أنَّ المهدي الذي يخرج في آخر الزمان ليملأ
الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً هو من العترة، لحديث رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم) المتَّفق على صحَّته عند الجميع: «المهدي من عترتي»(١).
فهل ثَمَّة طريق لمعرفة المهدي (عليه السلام)؟!
الجواب: إذا عرفت العترة عرفت المهدي (عليه السلام)، لوجود تلازم وترابط وثيق بين
الطرفين (المهدي والعترة).
وقد تسأل هنا: هل ثَمَّة سبيل إلى معرفة العترة؟!
أقول: إنَّ الأحاديث الواردة في لزوم التمسّك بعترة
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأخذ الدين عنهم قد بلغت حدّ التواتر، ولا يكابر
في ذلك إلَّا من كان جاهلاً في علم الحديث.
قال ابن حجر الهيثمي في (الصواعق المحرقة): (ثمّ اعلم أنَّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً
كثيرة وردت عن نيف وعشرين صحابياً...، وفي بعض تلك الطرق أنَّه قال ذلك بحجَّة
الوداع بعرفة، وفي أُخرى أنَّه قال ذلك بغدير خُمٍّ، وفي أُخرى أنَّه قال لمَّا قام
خطيباً بعد انصرافه من الطائف، ولا تنافي؛ إذ لا مانع أنَّه كرَّر عليهم ذلك في تلك
المواطن وغيرها اهتماماً بشأن الكتاب العزيز والعترة الطاهرة)(٢)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي ٥١: ١٠٣.
(٢)
الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٠.
ومن
أراد الاطِّلاع على هذه الطرق الكثيرة الواردة عن أكثر من عشرين صحابياً - وعن
بعضهم بأكثر من طريق - فليراجع (سلسلة الأحاديث الصحيحة) للشيخ الألباني، الجزء
الرابع، ليقف عليها بالتفصيل، وقد صرَّح علماء أهل السُّنَّة بأنَّ الحديث يكون
متواتراً إذا رواه عشرة من الصحابة، كما ينصُّ على ذلك السيوطي(٣)..،
فكيف إذا كان رواته أكثر من عشرين صحابياً؟!
ومن المعلوم أنَّه إذا ثبت تواتر حديث ما لكثرة طرقه فإنَّه لا يُلتَفت بعدها إلى
ضعف رواته بأيِّ شكل من الأشكال، وهذا مطلب واضح عند الجميع ولا يحتاج إلى مزيد
بيان، ومع ذاك فنحن سنورد أسماء جملة من أعلام أهل السُّنَّة ممَّن صحَّح حديث
الثقلين بلفظ (التمسّك).
جاء في (صحيح سنن الترمذي): حدَّثنا علي بن المنذر الكوفي، حدَّثنا محمّد بن فضيل،
حدَّثنا الأعمش، عن عطيَّة، عن أبي سعيد. والأعمش، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن
أرقم (رضي الله عنهما)، قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّي تارك
فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب الله حبل ممدود
من السماء إلى الأرض وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا
كيف تُخلِّفوني فيهما»(٤)،
انتهى.
قال الألباني معلِّقاً على الحديث: صحيح: (المشكاة: ٦١٤٤، الروض النضير: ٨٧٧ - ٨٧٨،
الصحيحة ٤: ٣٥٦ - ٣٥٧)(٥).
وقد صحَّحه أيضاً ابن حجر الهيثمي في كتابه (الصواعق المحرقة)، فقال: (ومن ثَمَّ صحَّ
أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا،
كتاب الله وعترتي»)(٦).
وقال في المصدر نفسه: (وفي رواية صحيحة: «إنّي تارك فيكم
أمرين لن تضلّوا إن اتَّبعتموهما، وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي».
والنتيجة:
أنَّ هذا الحديث الشريف قد ورد بطرق صحيحة بلفظ (التمسّك) و(الأخذ)
و(الاتِّباع).
قال الملَّا علي القاري في (المرقاة شرح المشكاة): (والمراد بالأخذ بهم: التمسّك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
أُنظر: المجموع شرح المهذَّب للنووي ١٩: ٢٣٢.
(٤)
صحيح سنن الترمذي ٣: ٥٤٣/ ح ٣٧٨٨.
(٥)
المصدر السابق.
(٦)
الصواعق المحرقة ٢: ٤٢٨.
بمحبَّتهم، ومحافظة حرمتهم، والعمل برواياتهم، والاعتماد على مقالتهم)(٧)،
انتهى.
وعن الدهلوي في (التحفة الاثنا عشرية): (هذا الحديث - أي حديث الثقلين - ثابت عند
الفريقين: أهل السُّنَّة والشيعة، وقد عُلِمَ منه أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلم) أمرنا في المقدّمات الدينية والأحكام الشرعية بالتمسّك بهذين العظيمين
القدر، والرجوع إليهما في كلِّ أمر، فمن كان مذهبه مخالفاً لهما في الأُمور الشرعية
اعتقاداً وعملاً فهو ضالٌّ، ومذهبه باطل لا يُعبَأ به، ومن جحد بهما غوى، ووقع في
مهاوي الردى)(٨)،
انتهى.
وقال التفتازاني بعد أن ذكر الحديث: (ألَا يُرى أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم)
قرنهم بكتاب الله تعالى في كون التمسّك بهما منقذاً عن الضلالة، ولا معنى للتمسّك
بالكتاب إلَّا الأخذ به بما فيه من العلم والهداية، فكذا في العترة)
(٩)،
انتهى.
وقال المباركفوري في شرحه على الترمذي: («فانظروا كيف تُخلِّفوني» بتشديد النون
وتُخفَّف، أي: كيف تكونون بعدي خلفاء، أي: عاملين متمسِّكين بهما)(١٠)،
انتهى.
قال: (لأنَّه نقل من نفس النهاية).
وابن الأثير في (النهاية): («إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب
الله وعترتي»، سمّاهما ثقلين؛ لأنَّ الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل. ويقال
لكلِّ شيءٍ خطير نفيس: ثُقل، فسمّاهما ثقلين لقدرهما وتفخيماً لشأنهما)(١١)،
انتهى.
وقال النووي في شرحه على مسلم: (قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «وأنا
تارك فيكم ثقلين»، فذكر كتاب الله وأهل بيته. قال العلماء: سُمّيا ثقلين
لعظمهما وكبير شأنهما، وقيل: لثقل العمل بهما)(١٢)،
انتهى.
وقال شهاب الدين الخفاجي في (شرح الشفاء): (أي: تمسَّكتم وعملتم واتَّبعتموه)(١٣)،
انتهى.
وقال المناوي الشافعي في (فيض القدير): (وفي هذا مع قوله أوَّلاً: «إنّي تارك فيكم»
تلويح، بل تصريح بأنَّهما كتوأمين خلَّفهما ووصّى أُمَّته بحسن معاملتهما وإيثار
حقِّهما على أنفسهم والاستمساك بهما في الدين...)(١٤)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ١١: ٣٠٧.
(٨)
مختصر التحفة الاثني عشرية: ٥٢؛ والدهلوي هو شاه عبد العزيز (١١٥٩ - ١٢٣٩هـ)، كبير
علماء الهند من أهل السُّنَّة في عصره.
(٩)
شرح المقاصد ٣: ٥٢٩.
(١٠)
تحفة الأحوذي في شرح الترمذي ١٠: ١٩٧.
(١١)
النهاية في غريب الحديث ١: ٢١٦.
(١٢)
صحيح مسلم بشرح النووي ١٥: ١٨٠.
(١٣)
نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض ٣: ٤١٠.
(١٤)
فيض القدير شرح الجامع الصغير ٣: ٢٠.
وعليه؛
فقد اتَّفقت كلمات هؤلاء الأعلام من أهل السُّنَّة على لزوم التمسّك والأخذ عن
العترة الطاهرة علوم الدين وأحكامه تماماً كما يُؤخَذ عن القرآن، وأنَّ الأخذ عن
العترة عاصم من الضلال كما هو الشأن في الأخذ عن القرآن..
وقبل البحث في بيان المراد من العترة وتحديد شخوصها..، نتساءل هنا: من هو الذي
اتَّبع العترة من فِرَق المسلمين: السُّنَّة أم الشيعة؟!
لا نذهب بعيداً، ولنستعن بكلمات أهل السُّنَّة أنفسهم في بيان الحقِّ في هذه
المسألة:
يقول ابن تيميَّة في (منهاج السُّنَّة) في معرض ردّه على العلَّامة الحلّي: (قال
الرافضي: وفي الفقه، الفقهاء يرجعون إليه (أي إلى علي (عليه السلام)).
والجواب: أنَّ هذا كذب بيِّن، فليس في الأئمَّة الأربعة ولا غيرهم من أئمَّة
الفقهاء من يرجع إليه في فقهه، أمَّا مالك فإنَّ علمه عن أهل المدينة وأهل المدينة
لا يكادون يأخذون بقول علي، بل أخذوا فقههم عن الفقهاء السبعة عن زيد وعمر وابن عمر
ونحوهم.
أمَّا الشافعي فإنَّه تفقَّه أوَّلاً على المكّيين أصحاب ابن جريج كسعيد بن سالم
القدّاح ومسلم بن خالد الزنجي، وابن جريج أخذ ذلك عن أصحاب ابن عبّاس كعطاء وغيره،
وابن عبّاس كان مجتهداً مستقلَّاً، وكان إذا أفتى بقول الصحابة أفتى بقول أبي بكر
وعمر لا بقول علي، وكان ينكر على علي أشياء، ثمّ إنَّ الشافعي أخذ عن مالك ثمّ
كَتَب كُتب أهل العراق وأخذ مذاهب أهل الحديث واختار لنفسه.
وأمَّا أبو حنيفة فشيخه الذي اختصَّ به حمّاد بن أبي سليمان، وحمّاد عن إبراهيم،
وإبراهيم عن علقمة، وعلقمة عن ابن مسعود، وقد أخذ أبو حنيفة عن عطاء وغيره.
وأمَّا الإمام أحمد فكان على مذهب أهل الحديث أخذ عن ابن عيينة، وابن عيينة عن عمرو
بن دينار، عن ابن عبّاس وابن عمر، وأخذ عن هشام بن بشير، وهشام عن أصحاب الحسن
وإبراهيم النخعي، وأخذ عن عبد
الرحمن
بن مهدي ووكيع بن الجراح وأمثالهما، وجالس الشافعي وأخذ عن أبي يوسف واختار لنفسه
قولاً، وكذلك إسحاق بن راهويه وأبو عبيد ونحوهم والأوزاعي والليث أكثر فقههما عن
أهل المدينة وأمثالهم لا عن الكوفيين)(١٥)،
انتهى.
ويُؤيِّد هذه الدعوى من ابن تيميَّة - في عدم أخذ أهل السُّنَّة دينهم عن عترة
النبيِّ - ما رواه أهل السُّنَّة أنفسهم من اللقاء الذي جرى بين أبي حنيفة وبين
الإمام الصادق (عليه السلام)..، فقد استغاث أبو جعفر المنصور بأبي حنيفة قائلاً له:
يا أبا حنيفة، إنَّ الناس قد فُتِنوا بجعفر بن محمّد، فهيِّئ له من مسائلك الصعاب،
قال: فهيَّأت له أربعين مسألة...
فقال (أبو جعفر): يا أبا عبد الله، تعرف هذا؟ قال: «نعم، هذا أبو حنيفة»، ثمّ
أتبعها: «قد أتانا». ثمّ قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله.
وابتدأت اسأله وكان يقول في المسألة: «أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة
يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا»، فربَّما تابعنا وربَّما تابع أهل المدينة
وربَّما خالفنا جميعاً، حتَّى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة(١٦).
وهذا يُثبِت أنَّ لأهل السُّنَّة أقوالا يخالفون فيها أئمَّة أهل البيت (عليهم
السلام)، ولا يأخذون عنهم دينهم، وهو مخالف لحديث الثقلين الذي يُلزِم بالرجوع إلى
العترة والأخذ عنها فضلاً عن حرمة مخالفتها.
أمَّا الشيعة الإماميَّة فيكفينا أن نُثبِت رجوعهم إلى عترة النبيِّ (عليهم السلام)
بما شهد لهم ابن قيّم الجوزية في هذا الجانب، قال في (الصواعق المرسلة): (الوجه
التاسع: إنَّ فقهاء الإماميَّة من أوَّلهم إلى آخرهم ينقلون عن أهل البيت أنَّه لا
يقع الطلاق المحلوف به، وهذا متواتر عندهم عن جعفر بن محمّد وغيره من أهل البيت.
وهب أنَّ مكابراً كذَّبهم كلّهم وقال: قد تواطئوا على الكذب عن أهل البيت، ففي
القوم فقهاء وأصحاب علم ونظر في اجتهاد وإن كانوا مخطئين مبتدعين في أمر الصحابة،
فلا يوجب ذلك الحكم عليهم كلّهم بالكذب والجهل)(١٧)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥)
منهاج السُّنَّة ٧: ٥٢٩ - ٥٣١.
(١٦)
راجع: تهذيب الكمال للمزي ٥: ٨٠؛ والكامل لابن عدي ٢: ١٣٢؛ وسير أعلام النبلاء
للذهبي ٦: ٢٥٨؛ وتاريخ الإسلام للذهبي ٩: ٨٩.
(١٧)
الصواعق المرسلة ١: ٦١٦ و٦١٧.
وقال
الألباني في كتاب (الفتاوى المهمَّة) في التفرقة بين السُّنَّة والشيعة: (... و لكن
يوجد خلافات مثل المذاهب الأربعة فعلى الرأس والعين، ولكن عندنا خلافات جذرية، يكفي
عندنا القرآن والسُّنَّة، و هم عندهم القرآن وأهل البيت)(١٨)،
انتهى.
وجاء عن ابن خلدون في تاريخه: (اعلم أنَّ الشيعة لغةً هم الصحب والأتباع، ويُطلَق
في عرف الفقهاء والمتكلِّمين من الخلف والسلف على أتباع علي وبنيه (رضي الله عنهم))(١٩)،
انتهى.
وبهذا المضمون أيضاً عرَّف الأزهري الشيعة، حيث قال: (الشيعة: قوم يهوون هوى عترة
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ويوالونهم)(٢٠)،
وفي هذا التعريف - كما نلاحظ - لم يقل الأزهري: يُحبّونهم لأشخاصهم، إنَّما قال:
يهوون هواهم، وهوى أهل البيت (عليهم السلام) هو طاعة الله (عزَّ وجلَّ) ضرورةً،
فالشيعة إذن قومٌ يتابعون أهل البيت ويوالونهم لما فيه طاعة الله سبحانه.
والنتيجة:
أنَّ أهل السُّنَّة لم يتابعوا العترة في فقههم وأحكام الدين باعتراف كبار
علمائهم، وهذه مخالفة صريحة لحديث الثقلين الذي يوجب التمسّك بالعترة كما أوجب
التمسّك بالقرآن..، خلاف الشيعة الذين تمسَّكوا بالقرآن والعترة معاً، ولم
يتخلَّفوا عنهما، حتَّى صارت متابعتهم للعترة الطاهرة والأخذ عنها ميزة واضحة لهم
يُعرَفون بها دون غيرهم، وبشهادة علماء أهل السُّنَّة آنفاً.
العترة كلمة مجملة، فمن هم العترة؟
وهنا قد تسأل وتقول: ولكن العترة كلمة مجملة، غير محدَّدة الأشخاص، فمن هم العترة؟!
أقول: قد بيَّن النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) المراد من العترة في نفس
حديث الثقلين، حيث قال: «عترتي أهل بيتي»..، فقد فسَّر النبيُّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) المراد بعترته بأنَّهم أهل بيته لا غير.
قال المناوي الشافعي في (فيض القدير): («وعترتي أهل بيتي»
تفصيل بعد إجمال بدلاً أو بياناً، وهم أصحاب الكساء الذين أذهب الله عنهم الرجس
وطهَّرهم تطهيراً)(٢١)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨)
الفتاوى المهمَّة: ١٥٤.
(١٩)
تاريخ ابن خلدون ١: ١٩٦.
(٢٠)
لسان العرب ٨: ١٨٩؛ تاج العروس ١١: ٢٥٧.
(٢١)
فيض القدير في شرح الجامع الصغير ٣: ١٩.
وقال
الشيخ عبد الحقِّ الدهلوي في (أشعَّة اللمعات): (قوله: والعترة رهط الرجل وأقرباؤه
وعشيرته الأدنون، وفسَّره (صلّى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «وأهل بيتي»، للإشارة إلى
أنَّ مراده هنا من العترة أخصّ عشيرته وأقاربه، وهم أولاد الجدّ القريب، أي: أولاده
وذرّيته (صلّى الله عليه وآله وسلم))(٢٢)،
انتهى.
وعن الحكيم الترمذي في (نوادر الأُصول): (قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لن يفترقا
حتَّى يردا عليَّ الحوض»، وقوله: «ما إن أخذتم به لن تضلّوا» واقع على الأئمَّة
منهم السادة، لا على غيرهم)(٢٣)،
انتهى.
وهذا المعنى الذي أشار إليه هؤلاء الأعلام من أهل السُّنَّة هنا والموافق للمعنى
الشرعي لمعنى العترة الوارد في الحديث الشريف هو نفسه الموافق أيضاً للمعنى اللغوي
للمراد من كلمة (عترة).
قال الفراهيدي في كتاب (العين): (وعترة الرجل: أصله. وعترة الرجل أقرباؤه من ولده
وولد ولده وبني عمّه دنياً)(٢٤)،
انتهى.
وقال الجوهري في (الصحاح): (عترة الرجل: نسله ورهطه الأدنون)(٢٥)،
انتهى.
بيان أسماء العترة:
بعد أن عرفت أنَّ المراد بالعترة أنَّهم أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) لا غير، قد تسأل هنا عن تحديد أهل بيته من هم؟! هل المراد بهم أهل الكساء
وذرّيتهم خاصَّة، أم يدخل في هذا المفهوم نساؤه أيضاً..، وربَّما يدخل أبناء عمومته
(صلّى الله عليه وآله وسلم) كذلك؟!
الجواب: قد بيَّن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في حديث صحيح ورد بعدَّة طرق
بأنَّ مراده بأهل بيته هم أصحاب الكساء، أي عليَّاً وفاطمة والحسن والحسين (عليهم
السلام) دون غيرهم..، فقد ثبت عنه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأنَّه حين جلَّلهم
بالكساء، قال: «اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي»(٢٦).
فهنا في هذا الحديث الصحيح الوارد بطرق عديدة بيَّن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) بشكل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢)
أشعَّة اللمعات في شرح المشكاة ٤: ٦٨١.
(٢٣)
نوادر الأُصول ١: ٢٥٩.
(٢٤)
كتاب العين ٢: ٦٦.
(٢٥)
الصحاح في اللغة ٢: ٧٣٥.
(٢٦)
أُنظر: المستدرك على الصحيحين ٢: ٤٥١ بتصحيح الحاكم والذهبي؛ ومسند أحمد ٤٤: ١١٩؛
قال شعيب الأرنؤوط: هذا حديث صحيح، وله أسانيد ثلاثة.
لا لبس
فيه وببيان معرِّف الجزأين المراد بأهل بيته بأشخاصهم حين أشار إليهم وقال:
«اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي»، ومن المعلوم في علم البلاغة أنَّ تعريف الجزأين يفيد
الحصر(٢٧)،
والجزءان هنا - أي المسند والمسند إليه - معرفة، فكلمة (هؤلاء) اسم إشارة معرفة،
و(أهل بيتي) مضاف ومضاف إليه، معرفة أيضاً..، فيثبت الحصر والتعيين.
قال الآلوسي في تفسيره: (وأخبار إدخاله (صلّى الله عليه وآله وسلم) عليَّاً وفاطمة
وابنيهما (رضي الله تعالى عنهم)، تحت الكساء، وقوله (عليه الصلاة والسلام):
«اللّهمّ هؤلاء أهل بيتي» ودعائه لهم، وعدم إدخال أُمّ سَلَمة أكثر من أن تُحصى،
وهي مخصِّصة لعموم أهل البيت بأيِّ معنى كان. فالمراد بهم مَنْ شملهم الكساء، ولا
يدخل فيهم أزواجه)(٢٨)،
انتهى.
نعم، يبقى السؤال حول دخول بقيَّة الأئمَّة الاثني عشر - الذين تقول بإمامتهم
الشيعة الإماميَّة - بعد الحسين (عليه السلام) في مفهوم أهل البيت الوارد في حديث
الثقلين.
أقول: لقد جاء في حديث الثقلين قوله (صلّى الله عليه
وآله وسلم): «وأنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»، أي إنَّ القرآن والعترة
لا يفترقان عن بعضهما البعض إلى يوم القيامة، الأمر الذي يفهم منه بقاء متأهِّل من
العترة في كلِّ زمان مع القرآن الكريم إلى يوم القيامة.
يقول المناوي الشافعي في (فيض القدير) في شرح حديث الثقلين: (تنبيه: قال الشريف -
يقصد الحافظ السمهودي -: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل
البيت والعترة الطاهرة في كلِّ زمن إلى قيام الساعة حتَّى يتوجَّه الحثّ المذكور
إلى التمسّك به كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا
ذهب أهل الأرض)(٢٩)،
انتهى.
وبهذا المعنى أيضاً صرَّح العلَّامة الزرقاني المالكي في (شرح المواهب)(٣٠).
وعن ابن حجر في (الصواعق المحرقة) قريب من ذلك(٣١).
وعليه؛ كيف نُثبِت بقيَّة العترة إلى يوم القيامة؟!
الجواب: يمكننا معرفة بقيَّة العترة من خلال الجمع بين أحاديث رسول
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧)
أُنظر: الإتقان في علوم القرآن للسيوطي: ٥٨٣.
(٢٨)
روح المعاني ٢٢: ١٤ و١٥.
(٢٩)
فيض القدير ٣: ١٥.
(٣٠)
شرح المواهب ٧: ٨.
(٣١)
الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.
الله
(صلّى الله عليه وآله)..، فإذا رجعنا إلى حديث الثقلين المتقدِّم وجدناه يقول بشكل
واضح وصريح في إحدى طرقه الصحيحة: «إنّي تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، حبل ممدود
ما بين الأرض والسماء، وعترتي أهل بيتي، وأنَّهما لن يفترقا حتَّى يردا عليَّ
الحوض»(٣٢)..،
فماذا يستفاد من الحديث المذكور؟
يستفاد منه دلالات أربع:
الأُولى: أنَّ العترة هم الخلفاء بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
الثانية: أنَّ العترة تكون هادية مهدية إلى يوم
القيامة، وهذا هو معنى عدم الافتراق عن القرآن كما نصَّ عليه علماء أهل السُّنَّة
عند شرحهم للحديث المذكور(٣٣).
الثالثة: استمرار خلافة العترة إلى يوم القيامة، كما
نصَّ عليه علماء أهل السُّنَّة أيضاً عند شرحهم للحديث(٣٤).
الرابعة: كونهم من قريش، لأنَّ العترة من بني هاشم،
وبنو هاشم من قريش.
فإذا لاحظنا هذا الحديث المبارك بما فيه من دلالات أربع، ولاحظنا حديثاً آخر
متظافراً روته صحاح المسلمين ومسانيدهم، وهو حديث «الخلفاء من بعدي اثنا عشر» ننتهي
إلى نتيجة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
فحديث «الخلفاء من بعدي اثنا عشر» يشير إلى استمرار خلافتهم إلى يوم القيامة، حيث
جاء فيه: «لا يزال الدين قائماً حتَّى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة،
كلّهم من قريش»(٣٥).
يقول ابن كثير في تاريخه (البداية والنهاية): (قال ابن تيميَّة: وهؤلاء المبشَّر
بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرَّر أنَّهم يكونون مفرَّقين في الأُمَّة ولا تقوم
الساعة حتَّى يوجدوا)(٣٦)،
انتهى.
وقال السيوطي في تاريخه: (وجود اثني عشر خليفة في جميع مدَّة الإسلام إلى القيامة
يعملون بالحقِّ وإن لم يتوالوا)(٣٧)،
انتهى.
وقال ابن حجر في (فتح الباري): (ولا بدَّ من تمام العدَّة قبل قيام الساعة)(٣٨)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢)
صحيح الجامع الصغير للألباني ١: ٤٨٢.
(٣٣)
أُنظر: فيض القدير في شرح الجامع الصغير للمناوي ٣: ٢٠؛ شرح المقاصد للتفتازاني ٣:
٥٢٩.
(٣٤)
أُنظر: فيض القدير ٣: ١٩؛ الصواعق المحرقة ٢: ٤٤٢.
(٣٥)
صحيح مسلم ٦: ٤/ كتاب الإمارة، عن جامع بن سمرة.
(٣٦)
البداية والنهاية ٦: ٢٤٩ و٢٥٠.
(٣٧)
تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٢.
(٣٨)
فتح الباري ١٣: ٢١١.
وأيضاً
يشير هذا الحديث إلى أنَّ هؤلاء الخلفاء هم من الصالحين: «لا يزال هذا الأمر
صالحاً»(٣٩).
يقول ابن كثير: (ومعنى هذا الحديث البشارة بوجود اثني عشر خليفة صالحاً يقيم الحقّ
ويعدل فيهم، ولايلزم من هذا تواليهم وتتابع أيّامهم...، ولا تقوم الساعة حتَّى تكون
ولايتهم لا محالة، والظاهر أنَّ منهم المهدي المبشَّر به في الأحاديث الواردة
بذكره)(٤٠)،
انتهى.
فحديث «الخلفاء من بعدي اثنا عشر» فيه دلالات أربع: الصلاح، النصّ على خلافتهم،
استمرار هذه الخلافة إلى يوم القيامة، وأنَّهم من قريش..، وهي نفسها دلالات حديث
الثقلين المتقدّمة من دون زيادة ولا نقيصة.. وبمقتضى الجمع بين الحديثين الشريفين
(الثقلين، والخلفاء من بعدي اثنا عشر)، ننتهي إلى نتيجة واضحة جدَّاً، حاصلها: أنَّ
الخلفاء الاثني عشر الذين تستمرُّ خلافتهم إلى يوم القيامة هم من عترة النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) لا غير..، وهذا هو التفسير الصحيح لحديث جابر بن سمرة بعد
اعتراف أهل السُّنَّة أنفسهم بعدم وجود تفسير صحيح للحديث المذكور على مبانيهم
وخلفاءهم!
قال ابن الجوزي في (كشف المشكل): (هذا الحديث قد أطلتُ البحث عنه، وتطلَّبت
مظانَّه، وسألت عنه، فما رأيت أحداً وقع على المقصود به...)(٤١)،
انتهى.
وعن ابن بطال ينقل عن المهلب قوله: (لم ألقَ أحداً يقطع في هذا الحديث - يعني بشيء
معيَّن -)(٤٢).
وقال أبو بكر ابن العربي: (ولم أعلم للحديث معنى)، وهذا نصُّ كلامه في شرح الحديث:
(روى أبو عيسى، عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يكون
بعدي اثنا عشر أميراً كلّهم من قريش». صحيح، فعدَّدنا بعد رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم) من ملك الحسن، معاوية، يزيد بن معاوية، معاوية بن يزيد، مروان،
عبد الملك بن مروان، الوليد، سليمان، عمر بن عبد العزيز، هشام بن عبد الملك، يزيد
بن عبد الملك، مروان بن محمّد بن مروان، السفّاح، المنصور، المهدي، الهادي، الرشيد،
الأمين، المأمون، المعتصم، الواثق، المتوكّل، المنتصر،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩)
أُنظر: مسند أحمد ٥: ٩٧ و١٠٧.
(٤٠)
تفسير ابن كثير ٢: ٣٣.
(٤١)
كشف المشكل ١: ٤٤٩؛ وذكر ابن حجر هذه العبارة في فتح الباري ١٣: ١٨٣.
(٤٢)
فتح الباري ١٣: ١٨٢.
المستعين، المعتزّ، المهتدي، المعتمد، المعتضد، المكتفي، المقتدر، القاهر، الراضي،
المتَّقي، المستكفي، المطيع، الطائع، القائم، المهتدي، وأدركته سنة أربع وثمانين
وأربعمائة وعهد إلى المستظهر أحمد ابنه، وتوفّي في المحرَّم سنة ستّ وثمانين، ثمّ
بايع المستظهر لابنه أبي منصور الفضل، وخرجت عنهم سنة خمس وتسعين.
وإذا عدَّدنا منهم اثني عشر انتهى العدد بالصورة إلى سليمان بن عبد الملك، وإذا
عدَّدناهم بالمعنى، كان معنا منهم خمسة: الخلفاء الأربعة وعمر بن عبد العزيز!
ولم أعلم للحديث معنى، ولعلَّه بعض حديث. وقد ثبت أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) قال: «كلّهم من قريش»)(٤٣)،
انتهى.
والطريف أن نجد بعض علماء أهل السُّنَّة أنَّه قد توسَّل حتَّى بالتوراة المحرَّفة
ليجد تفسيراً لهذا الحديث الشريف ولم يفلح(٤٤)..،
والحال كان الأفضل لهؤلاء ولغيرهم أن يُفسِّروا هذا الحديث الشريف بنفس أحاديث رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الواردة في كتبهم ذاتها دون اللجوء إلى التوراة
المحرَّفة.
هذا من حيث عدد العترة المنصوص عليهم في حديث الثقلين، وقد تبيَّن بعد الجمع بين
أحاديث رسول الله الموجودة في صحاح المسلمين ومسانيدهم أنَّهم اثنا عشر خليفة لا
غير، وأنَّ خلافتهم تستمرُّ إلى يوم القيامة، ولا ينافي هذا المعنى الحصر المتقدِّم
الوارد في حديث الكساء، حيث يستفاد - بعد الجمع بين الأدلَّة - أنَّه حصر إضافي لا
حقيقي.
والسؤال الآن: هل ثَمَّة سبيل لمعرفة أسماءهم وتحديد شخوصهم؟!
أقول: لا نذهب بعيداً أيضاً، ولنستعن بكلمات أهل
السُّنَّة أنفسهم في تحديد المراد..
قال الحكيم الترمذي في (نوادر الأُصول): (فقول رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم):
«ما إن تمسَّكتم به لن تضلّوا» واقع على الأئمَّة منهم السادة لا على غيرهم...)(٤٥)،
انتهى.
وقال الملَّا أبي علي القارئ في (المرقاة): (وأقول: الأظهر هو أنَّ أهل البيت
غالباً يكونون أعرف بصاحب البيت وأحواله، فالمراد بهم أهل العلم منهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣)
شرح ابن العربي على صحيح الترمذي ٩: ٦٨ و٦٩.
(٤٤)
أُنظر: محاولة أبي الجلد التي تبنّاها ابن كثير في البداية والنهاية ٦: ٢٥٦، وهي
محاولة فاشلة بالمرَّة.
(٤٥)
نوادر الأُصول ١: ٢٥٩.
والمطَّلعون على سيرته، الواقفون على طريقته، العارفون بحكمه وحكمته، وبهذا يصلح أن
يكونوا مقابلاً لكتاب الله...)(٤٦)،
انتهى.
وعن أبي بكر العلوي الشافعي: (قال العلماء: والذين وقع الحثُّ على التمسّك بهم من
أهل البيت النبوي والعترة الطاهرة هم العلماء بكتاب الله (عزَّ وجلَّ) منهم، إذ لا
يحثُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على التمسّك إلَّا بهم، وهم الذين لا يقع بينهم وبين
الكتاب افتراق حتَّى يردا الحوض)(٤٧)،
انتهى.
وجاء عن الزرقاني المالكي في (شرح المواهب اللدنّية): (قال القرطبي: وهذه الوصيَّة
وهذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام آله وبرّهم وتوقيرهم ومحبَّتهم، ووجوب
الفرائض التي لا عذر لأحد في التخلّف عنها، هذا مع ما عُلِمَ من خصوصيَّتهم به
(صلّى الله عليه وآله وسلم)، وبأنَّهم جزء منه، وأمَّا الاقتداء فإنَّما يكون بالعلماء
العاملين منهم، إذ هم الذين لا يفارقون القرآن. قال الشريف السمهودي: هذا الخبر
يُفهِم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من عترته في كلِّ زمان إلى قيام الساعة)(٤٨)،
انتهى.
وعن الشيخ حسن بن علي السقّاف في (صحيح شرح العقيدة الطحاوية)، قال: (والمراد
بالأخذ بآل البيت والتمسّك بهم هو محبَّتهم والمحافظة على حرمتهم والتأدّب معهم...،
والمراد بهم بعد وفاة أهل الكساء ذرّيتهم من أهل العلم والمجتهدون الأتقياء الورعون
منهم العارفون المطَّلعون على سيرته (صلّى الله عليه وآله وسلم) الواقفون على طريقته
منهم، بهذا يكونون مقابل كتاب الله سبحانه وتعالى كما جاء في الأحاديث الصحيحة)(٤٩)،
انتهى.
فهنا نجد أنَّه قد اتَّفقت كلمات هؤلاء الأعلام من أهل السُّنَّة على أنَّ الذين
وقع الحثُّ بالتمسّك بهم في حديث الثقلين، وأنَّهم لا يفارقون القرآن ولا يفارقونه
عمر الدنيا، هم خصوص الأئمَّة السادة والعلماء الأتقياء من بني هاشم لا مطلقاً..،
فمن هؤلاء؟!
عندما نراجع كلمات علماء المسلمين من الطرفين - السُّنَّة والشيعة - نجد إجماعاً
واضحاً على إمامة اثني عشر إماماً من أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم، هم: علي بن
أبي طالب، والحسن بن علي، والحسين بن علي، وعلي بن الحسين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦)
مرقاة المفاتيح ١٠: ٥٣١.
(٤٧)
رشفة الصادي: ٧٢.
(٤٨)
شرح الزرقاني على المواهب اللدنّية ٧: ٧ و٨.
(٤٩)
صحيح شرح العقيدة الطحاوية: ٦٥٤.
السجّاد، ومحمّد بن علي الباقر، وجعفر بن محمّد الصادق، وموسى بن جعفر الكاظم، وعلي
بن موسى الرضا، ومحمّد بن علي الجواد، وعلي بن محمّد الهادي، والحسن بن علي
العسكري، ومحمّد بن الحسن المهدي (عليهم السلام)..، وبالتالي يكون هؤلاء هم المقصودون
بحديثي: الثقلين، وحديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر؛ لأنَّه لم تجتمع الأُمَّة قاطبة
(سُنَّة وشيعة) على صلاح جماعة وثبوت إمامتهم العلمية والدينية كما اجتمعت على
هؤلاء الاثني عشر..
ولنأخذ في بيان منزلة هذه الأسماء المباركة ومكانتها عند أهل السُّنَّة والجماعة،
من الإمام السجّاد إلى الإمام المهدي (عليهم السلام)، واحداً واحداً، وإلَّا
فالأئمَّة الثلاثة (علي والحسن والحسين (عليهم السلام)) أمرهم ومنزلتهم أوضح من أن
يحتاج إلى مزيد بيان:
الإمام الرابع: علي بن الحسين السجّاد (عليه السلام):
قال في حقِّه محمّد بن إدريس الشافعي: (هو أفقه أهل المدينة)(٥٠).
وجاء عن الذهبي قوله: (... كان له جلالة عجيبة، وحقَّ له والله ذلك، فقد كان أهلاً
للإمامة العظمى لشرفه وسؤدده وعلمه وتألّهه وكمال عقله)(٥١).
وقال أيضاً: (وزين العابدين: كبير القدر، من سادة العلماء العاملين، يصلح للإمامة)(٥٢)،
انتهى.
وعن ابن حجر العسقلاني: (علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي زين العابدين،
ثقة، ثبت، عابد، فقيه، فاضل، مشهور، قال ابن عيينة، عن الزهري: ما رأيت قرشياً أفضل
منه)(٥٣)،
انتهى.
الإمام الخامس: محمّد بن علي الباقر (عليه السلام):
قال عنه الذهبي في (العبر في خبر من غبر): (وكان من فقهاء المدينة، وقيل له:
الباقر، لأنَّه بقر العلم، أي شقَّه وعرف أصله وخفيَّه)(٥٤).
وقال في (سير أعلام النبلاء) في الجزء الثالث عشر: (أبو جعفر الباقر، سيِّدٌ، إمام،
فقيه، يصلح للخلافة)(٥٥).
وعن ابن كثير في (البداية والنهاية): (وهو محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي
طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وأُمُّه أُمُّ عبد الله بنت الحسن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٠)
رسائل الجاحظ: ١٠٦.
(٥١)
سير أعلام النبلاء ٤: ٣٩٨.
(٥٢)
سير أعلام النبلاء ١٣: ١٢٠.
(٥٣)
تقريب التهذيب ١: ٦٩٢.
(٥٤)
العبر في خبر من غبر ١: ١٤٢.
(٥٥)
سير أعلام النبلاء ١٣: ١٢٠.
بن
علي، وهو تابعي جليل، كبير القدر كثيراً، أحد أعلام هذه الأُمَّة علماً وعملاً
وسيادةً وشرفاً...، حدَّث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم)(٥٦)،
انتهى.
وعن النووي في (تهذيب الأسماء واللغات): (سُمّي بذلك؛ لأنَّه بقر العلم، أي شقَّه
وعرف أصله وعرف خفيَّه...، وهو تابعي جليل، إمام بارع، مجمع على جلالته، معدود في
فقهاء المدينة وأئمَّتهم)(٥٧)،
انتهى.
الإمام السادس: جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام):
قال الحافظ شمس الدين الجزري: (وثبت عندنا أنَّ كلَّاً من الإمام مالك وأبي
حنيفة (رحمهما الله تعالى) صحب الإمام أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق (عليه
السلام)، حتَّى قال أبو حنيفة: ما رأيت أفقه منه، وقد دخلني منه من الهيبة ما لم
يدخلني للمنصور)(٥٨)،
انتهى.
وقال الملَّا أبو علي القاري في (شرح الشفا): (جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب الهاشمي المدني المعروف بالصادق...، متَّفق على إمامته وجلالته
وسيادته)(٥٩)،
انتهى.
وقال ابن حجر العسقلاني في (تقريب التهذيب): (جعفر بن محمّد...، المعروف بالصادق،
صدوق، فقيه، إمام)(٦٠)،
انتهى.
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) في الجزء الثالث عشر، عند ذكره للإمام الصادق
(عليه السلام): (جعفر الصادق: كبير الشأن، من أئمَّة العلم، كان أولى بالأمر من أبي
جعفر المنصور)(٦١)،
انتهى.
الإمام السابع: موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام):
قال في حقِّه محمّد بن إدريس بن المنذر، أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ): (ثقة،
صدوق، إمام من أئمَّة المسلمين)(٦٢).
وقال محمّد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ هـ) في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل
الرسول): (هو الإمام الكبير القدر، العظيم الشأن، الكبير المجتهد الجادّ في
الاجتهاد، المشهور بالعبادة المواظب على الطاعات، المشهود له بالكرامات، يبيت الليل
ساجداً وقائماً، ويقطع النهار متصدِّقاً وصائماً، ولفرط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٦)
البداية والنهاية ٩: ٣٣٨.
(٥٧)
تهذيب الأسماء واللغات ١: ١٠٣.
(٥٨)
أسنى المطالب في مناقب سيِّدنا علي بن أبي طالب: ٥٥.
(٥٩)
شرح الشفا ١: ٤٣ و٤٤.
(٦٠)
تقريب التهذيب ١: ١٦٣.
(٦١)
سير أعلام النبلاء ١٣: ١٢٠.
(٦٢)
ذكر قوله هذا ابنه ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل ٨: ١٣٨؛ والذهبي في سير
أعلام النبلاء ٦: ٢٨٠؛ وابن حجر في تهذيب التهذيب ٨: ٣٩٣.
حلمه
وتجاوزه عن المعتدّين عليه دُعي كاظماً، كان يُجازي المسيء بإحسانه إليه، ويقابل
الجاني بعفوه عنه، ولكثرة عبادته كان يُسمّى بالعبد الصالح، ويُعرَف بالعراق باب
الحوائج إلى الله لنجح مطالب المتوسِّلين إلى الله تعالى به، كرامته تحار منها
العقول، وتقضي بأنَّ له عند الله تعالى قدم صدق لا تزل ولا تزول)(٦٣)،
انتهى.
وعن الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (الإمام، القدوة، السيِّد أبو الحسن العلوي،
والد الإمام علي بن موسى الرضا، مدني، نزل بغداد)(٦٤).
وقال عنه في الجزء الثالث عشر: (كبير القدر، جيِّد العلم، أولى بالخلافة من هارون)(٦٥)،
انتهى.
وعن ابن حجر الهيتمي في (الصواعق): (موسى الكاظم: وهو وارثه (أي وارث جعفر الصادق)
علماً ومعرفةً وكمالاً وفضلاً، سُمّي الكاظم لكثرة تجاوزه وحلمه، وكان معروفاً عند
أهل العراق بباب قضاء الحوائج عند الله، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأسخاهم)(٦٦)،
انتهى.
الإمام الثامن: علي بن موسى الرضا (عليه السلام):
قال عنه الذهبي في (سير أعلام النبلاء): (علي الرضا الإمام السيِّد، أبو
الحسن، علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي بن الحسين،
الهاشمي العلوي المدني...، وكان من العلم والدين والسؤدد بمكان، يقال: أفتى وهو شاب
في أيّام مالك...، وقد كان علي الرضا كبير الشأن أهلاً للخلافة)(٦٧)،
انتهى.
وجاء عن ابن حبّان (ت ٣٥٤ هـ) في كتابه (الثقات): (وهو علي بن موسى بن جعفر بن
محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسن، من سادات أهل البيت
وعقلائهم وجلَّة الهاشميين ونبلائهم...، ومات علي بن موسى الرضا بطوس من شربة سقاه
إيّاها المأمون فمات من ساعته...، وقبره بسناباذ خارج النوقان مشهور يُزار بجنب قبر
الرشيد قد زرته مراراً كثيرةً، وما حلَّت بي شدَّة في وقت مقامي بطوس فزرتُ قبر علي
بن موسى الرضا (عليه السلام) ودعوت الله إزالتها عنّي إلَّا استجيب لي وزالت عنّي تلك
الشدَّة،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣)
مطالب السؤول في مناقب آل الرسول ٢: ١٢٠.
(٦٤)
سير أعلام النبلاء ٦: ٢٧٠.
(٦٥)
سير أعلام النبلاء ١٣: ١٢٠.
(٦٦)
الصواعق المحرقة: ٣٠٧.
(٦٧)
سير أعلام النبلاء ٩: ٣٨٧ و٣٨٨ و٣٩٢.
وهذا
شيء جرَّبته مراراً فوجدته كذلك، أماتنا الله على محبَّة المصطفى وأهل بيته (عليهم
السلام))(٦٨)،
انتهى.
الإمام التاسع: محمّد بن علي الجواد (عليه السلام):
قال عنه ابن تيميَّة في كتابه (منهاج السُّنَّة): (محمّد بن علي الجواد كان
من أعيان بني هاشم، وهو معروف بالسخاء والسؤدد، ولهذا سُمّي الجواد)(٦٩)،
انتهى.
وعن يوسف بن إسماعيل النبهاني (ت ١٣٥٠هـ) قال في كتابه (جامع كرامات الأولياء):
(محمّد الجواد بن علي الرضا أحد أكابر الأئمَّة ومصابيح الأُمَّة، من ساداتنا أهل
البيت. توفّي محمّد الجواد في آخر ذي القعدة سنة (٢٢٠) وله من العمر خمس وعشرون سنة
وشهر (رضي الله عنه) وعن آبائه الطيِّبين الطاهرين وأعقابهم أجمعين، ونفعنا ببركتهم،
آمين)(٧٠)،
انتهى.
وعن سبط ابن الجوزي (ت ٦٥٤هـ) في (تذكرة الخواصّ): (وكان على منهاج أبيه في العلم
والتقى والزهد والجود)(٧١)،
انتهى.
وعن ابن الصبّاغ المالكي (ت ٨٥٥هـ) في (الفصول المهمَّة): (قال صاحب كتاب مطالب
السؤول في مناقب آل الرسول: هو أبو جعفر الثاني...، وإن كان صغير السنِّ فهو كبير
القدر، رفيع الذكر، القائم بالإمامة بعد علي بن موسى الرضا)(٧٢)،
انتهى.
الإمام العاشر: علي بن محمّد الهادي (عليه السلام):
قال في حقِّه شمس الدين الذهبي في كتابه (العبر): (وفيها - أي سنة ٢٥٤ هجرية
- توفّي أبو الحسن علي بن الجواد محمّد بن الرضا علي بن الكاظم موسى...، العلوي
الحسيني المعروف بالهادي، توفّي بسامراء وله أربعون سنة، وكان فقيهاً إماماً
متعبِّداً)(٧٣)،
انتهى.
وبمثله صرَّح اليافعي (ت ٧٦٨هـ) في (مرآة الجنان) حيث قال: (فيها (سنة ٢٥٤) توفّي
العسكري أبو الحسن الهادي بن محمّد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر
الصادق العلوي الحسيني، عاش أربعين سنة، وكان متعبِّداً فقيهاً إماماً...، وكان قد
سُعي به إلى المتوكّل...)(٧٤)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٨)
الثقات ٨: ٤٥٦ و٤٥٧.
(٦٩)
منهاج السُّنَّة ٤: ٦٨.
(٧٠)
جامع كرامات الأولياء ١: ١٦٨ و١٦٩.
(٧١)
تذكرة الخواصّ: ٣٢١.
(٧٢)
الفصول المهمَّة في معرفة أحوال الأئمَّة: ٢٥٣.
(٧٣)
العبر في أخبار من غبر ١: ٢٢٨.
(٧٤)
مرآة الجنان وعبرة اليقظان ٢: ١١٩.
وجاء
عن ابن العماد الحنبلي (ت ١٠٨٩هـ) في (شذرات الذهب) وهو يتكلَّم عن وفيات سنة
(٢٥٤هـ): (وفيها توفّي أبو الحسن علي بن الجواد محمّد بن الرضا علي بن الكاظم موسى
بن جعفر الصادق العلوي الحسني المعروف بالهادي، كان فقيهاً إماماً متعبِّداً...)(٧٥)،
انتهى.
وعن ابن الصبّاغ المالكي في (الفصول المهمَّة): (قال بعض أهل العلم: فضل أبي الحسن
علي بن محمّد الهادي قد ضرب على الحرَّة بابه، ومدَّ على نجوم السماء أطنابه، فما
تُعَدُّ منقبةً إلَّا وإليه نحلتها، ولا تُذكَر كريمة إلَّا وله فضيلتها، ولا تورد
محمدة إلَّا وله تفضّلها وجملتها...، فكانت نفسه مهذَّبة، وأخلاقه مستعذبة، وسيرته
عادلة، وخلاله فاضلة)(٧٦)،
انتهى.
الإمام الحادي عشر: الحسن بن علي العسكري (عليه السلام):
قال ابن الصبّاغ المالكي في حقِّه: (مناقب سيِّدنا أبي محمّد العسكري دالّة
على أنَّه السري ابن السري، فلا يشكُّ في إمامته أحد ولا يمتري...، واحد زمانه من
غير مدافع، ويسبح وحده من غير منازع، وسيِّد أهل عصره، وإمام أهل دهره، أقواله
سديدة، وأفعاله حميدة...، كاشف الحقائق بنظره الصائب، ومُظهِر الدقائق بفكره
الثاقب، المحدِّث في سرِّه بالأُمور الخفيّات، الكريم الأصل والنفس والذات، تغمَّده
الله برحمته، وأسكنه فسيح جنانه بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) آمين)(٧٧)،
انتهى.
وجاء عن يوسف النبهاني (ت ١٣٥٠هـ) في كتابه (جامع كرامات الأولياء): (الحسن العسكري
أحد أئمَّة ساداتنا أهل البيت العظام وساداتهم الكرام (رضي الله عنه)م أجمعين، ذكره
الشبراوي في الإتحاف بحُبِّ الأشراف، ولكنَّه اختصر ترجمته ولم يذكر له كرامات، وقد
رأيت له كرامة بنفسي...)(٧٨)،
انتهى.
وأيضاً ممَّن مدحهم (عليهم السلام) في عبارة جامعة، ابن تيميَّة، حيث قال في بعض
كتبه:
(وكان ذلك من نعمة الله على الحسين وكرامته له لينال منازل الشهداء حيث لم يجعل له
في أوَّل الإسلام من الابتلاء والامتحان ما جعل لسائر أهل بيته كجدِّه (صلّى الله
عليه وآله وسلم) وأبيه وعمّه وعمّ أبيه (رضي الله عنه)م، فإنَّ بني هاشم أفضل قريش،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٥)
شذرات الذهب ٢: ٢٧٢.
(٧٦)
الفصول المهمَّة: ٢٧٠.
(٧٧)
الفصول المهمَّة: ٢٧٩.
(٧٨)
جامع كرامات الأولياء ٢: ٢١ و٢٢.
وقريشاً أفضل العرب، والعرب أفضل بني آدم. كما صحَّ ذلك عن النبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) مثل قوله في الحديث الصحيح: «إنَّ الله اصطفى من ولد إبراهيم بني
إسماعيل، واصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى بني هاشم من
قريش، واصطفاني من بني هاشم»...، وإذا كانوا أفضل الخلق فلا ريب أنَّ أعمالهم أفضل
الأعمال. وكان أفضلهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) الذي لا عِدل له من البشر،
ففاضلهم أفضل من كلِّ فاضل من سائر قبائل قريش والعرب، بل ومن بني إسرائيل وغيرهم)(٧٩)،
انتهى.
وهذا المعنى من التفضيل قد ثبَّته ابن تيميَّة كعقيدة لأهل السُّنَّة والجماعة في
كتابه (اقتضاء الصراط المستقيم)(٨٠).
وعليه، فأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هم صفوة الصفوة من البشر؛ إذ كانوا هم أفضل
بني هاشم في زمانهم بشهادة علماء أهل السُّنِّة المتقدِّم ذكرهم، وبنو هاشم هم أفضل
البشر بنصِّ الحديث الشريف وعقيدة أهل السُّنَّة والجماعة كما صرَّح به ابن
تيميَّة، فيكون هؤلاء الأئمَّة إذن هم صفوة الصفوة من البشر..، فالحمد لله الذي
أكرمنا بالولاء لهؤلاء الأئمَّة والسير على خطاهم.
بقي الكلام حول الإمام الثاني عشر، المهدي (عليه السلام)، من حيث ولادته، والاعتراف
بفضله.
الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر (عليه السلام)):
بعد أن عرفنا اتِّفاق المسلمين جميعاً على إمامة وجلالة أحد عشر إماماً من
أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، الذين هم مصداق العترة التي لا تفارق القرآن ولا
يفارقها إلى يوم القيامة بمقتضى حديث الثقلين، بقي الكلام حول الإمام الثاني عشر من
أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، أعني المهدي المنتظر، من حيث إثبات ولادته،
والاعتراف بفضله.
أمَّا الولادة، فسنقتصر لإثباتها على طريقين فقط،
وإلَّا فالطرق لإثبات ذلك متعدِّدة ومتضافرة:
الأوَّل: شهادة علماء الأنساب بهذه الولادة ووقوعها
عند الشيعة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٩)
مجموع الفتاوى ٢٧: ٤٧١.
(٨٠)
أُنظر: اقتضاء الصراط المستقيم ١: ٤١٩.
الثاني: اعتراف علماء أهل السُّنَّة أنفسهم بالولادة.
أمَّا الطريق الأوَّل، فقد شهد علماء الأنساب
والمتخصِّصون في هذا الجانب بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه ابن الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام)، ونذكر منهم بحسب التسلسل الزمني:
١ - النسّابة الشهير أبو نصر سهل بن عبد الله بن داود بن سليمان البخاري، من أعلام
القرن الرابع الهجري، والذي كان حيَّاً سنة (٣٤١هـ)، وهو من أشهر علماء الأنساب
المعاصرين لغيبة الإمام المهدي الصغرى التي انتهت سنة (٣٢٩هـ).
قال في (سرِّ السلسلة العلوية): (وولد علي بن محمّد التقي (عليه السلام): الحسن بن
علي العسكري (عليه السلام) من أُمِّ ولد نوبيَّة تُدعى: ريحانة، ووُلِدَ سنة إحدى
وثلاثين ومائتين وقُبِضَ سنة ستّين ومائتين بسامراء، وهو ابن تسع وعشرين سنة..،
وولد علي بن محمّد التقي (عليه السلام) جعفراً، وهو الذي تسمّيه الإماميَّة جعفر
الكذّاب، وإنَّما تُسمّيه الإماميَّة بذلك لادِّعائه ميراث أخيه الحسن (عليه
السلام)
دون ابنه القائم الحجَّة (عليه السلام)، لا لطعنٍ في نسبه)(٨١)،
انتهى.
٢ - النسّابة العمري المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري، والذي قال ما نصّه:
(ومات أبو محمّد (عليه السلام) وولده من نرجس (عليها السلام) معلوم عند خاصَّة أصحابه
وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحِنَ المؤمنون بل
كافَّة الناس بغيبته، وشَرِهَ جعفر بن علي إلى مال أخيه وحاله فدفع أن يكون له ولد،
وأعانه بعض الفراعنة على قبض جواري أخيه)(٨٢)،
انتهى.
٣ - الفخر الرازي الشافعي (ت ٦٠٦هـ)، قال في كتابه (الشجرة المباركة في أنساب
الطالبية) تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري (عليه السلام) ما هذا نصّه: (أمَّا الحسن
العسكري الإمام (عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمَّا الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان
(عليه السلام)، والثاني موسى درج في حياة أبيه. وأمَّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة
أبيها، وأُمّ موسى درجت أيضاً)(٨٣)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨١)
سرّ السلسلة العلوية لأبي نصر البخاري: ٣٩.
(٨٢)
المجدي في أنساب الطالبيين: ١٣٠.
(٨٣)
الشجرة المباركة في أنساب الطالبية للفخر الرازي: ٧٨ و٧٩.
٤ -
النسّابة جمال الدين أحمد بن علي الحسيني المعروف بابن عِنَبَه (ت ٨٢٨هـ)، قال في
(عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب): (الإمام أبو محمّد الحسن العسكري (عليه
السلام)،
وكان من الزهد والعلم على أمر عظيم، وهو والد الإمام محمّد المهدي (عليه السلام) ثاني
عشر الأئمَّة عند الإماميَّة، وهو القائم المنتظر عندهم من أُمِّ ولد اسمها نرجس،
واسم أخيه أبو عبد الله جعفر الملقَّب بالكذّاب؛ لادِّعائه الإمامة بعد أخيه الحسن)(٨٤)،
انتهى.
٥ - النسّابة الزيدي أبو الحسن محمّد الحسيني اليماني الصنعاني، من أعيان القرن
الحادي عشر..، ذكر في المشجَّرة التي رسمها لبيان نسب أولاد أبي جعفر محمّد بن علي
الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وتحت اسم الإمام علي
التقي المعروف بالهادي (عليه السلام) خمسة من البنين وهم: الإمام العسكري، الحسين،
موسى، محمّد، علي. وتحت اسم الإمام العسكري (عليه السلام) مباشرةً كتب: (محمّد بن)
وبإزائه: (منتظر الإمامية)(٨٥)،
انتهى.
٦ - محمّد أمين السويدي (ت ١٢٤٦هـ)، قال في (سبائك الذهب في معرفة قبائل العرب):
(محمّد المهدي: وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، وكان مربوع القامة، حسن الوجه
والشَّعر، أقنى الأنف، صبيح الجبهة)(٨٦)،
انتهى.
فهذه أقوال جملة من علماء الأنساب المشهورين على مرِّ القرون يُثبِتون الولادة
الميمونة للإمام المهدي (عليه السلام)، وأنَّه ابن الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام)
ولو نسبةً إلى الشيعة عند بعضهم.
الطريق الثاني: وأمَّا اعتراف علماء أهل السُّنَّة
بهذه الولادة فحدِّث ولا حرج، فقد أحصى السيِّد ثامر العميدي في كتابه دفاع عن
الكافي (١٢٨) عالماً من علماء أهل السُّنَّة من فقهاء ومحدِّثين ومفسِّرين وغيرهم،
وعلى مرِّ القرون، ممَّن اعترف بهذه الولادة المباركة(٨٧).
ونذكر هنا جملة منهم مع الإشارة إلى المصدر والصفحة فقط، وحسب التسلسل الزمني:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٤)
عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: ١٩٩.
(٨٥)
روضة الألباب لمعرفة الأنساب للنسّابة الزيدي أبي الحسن محمّد الحسيني الصنعاني:
١٠٥.
(٨٦)
سبائك الذهب للسويدي: ٣٤٦.
(٨٧)
أُنظر: دفاع عن الكافي ١: ٥٦٨ - ٥٩٢، تحت عنوان: (الدليل السادس: اعترافات أهل
السُّنَّة).
١ -
ابن الأثير الجزري (ت ٦٣٠هـ) في كتابه الكامل في التاريخ (ج ٧/ ص ٢٧٤/ آخر حوادث
سنة ٢٦٠هـ).
٢ - ابن الخشّاب البغدادي المؤرِّخ (ت ٦٤٣هـ) في تاريخ مواليد الأئمَّة (ص ٦).
٣ - محمّد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢هـ) في مطالب السَّؤول في مناقب آل الرسول (ص ٨٨).
٤ - محمّد بن يوسف الكنجي الشافعي (ت ٦٥٨هـ) في البيان في أخبار صاحب الزمان (ص
٣٣٦).
٥ - ابن خلِّكان (ت ٦٨١ هـ) في وفيات الأعيان (ج ٤/ ص ١٧٦/ الرقم ٥٦٢).
٦ - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ) في كتبه: العبَر، وتاريخ دول الإسلام، وسير أعلام
النبلاء. العبر (ج ٣/ ص ٣١)؛ تاريخ دول الإسلام (ص ١١٣/ حوادث سنوات ٢٥١ - ٢٦٠هـ)؛
سير أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١١٩/ الرقم ٦٠).
٧ - ابن الوردي (ت ٧٤٩هـ) في ذيل تتمَّة المختصر، المعروف بـ (تاريخ ابن الوردي)
نقل ذلك عنه الشبلنجي في نور الأبصار (ص ١٨٦).
٨ - ابن الصبّاغ المالكي (ت ٨٥٥ هـ) في الفصول المهمَّة (ص ٢٧٣).
٩ - عبدالوهّاب الشعراني (ت ٩٧٣ هـ) في اليواقيت والجواهر (ج ٣/ ص ١٤٥).
١٠ - ابن حجر الهيتمي الشافعي (ت ٩٧٤هـ) في الصواعق المحرقة (ص ٢٠٧).
١١ - الشبراوي الشافعي (ت ١١٧١هـ) في الإتحاف بحُبِّ الأشراف (ص ٦٨).
١٢ - القندوزي الحنفي (ت ١٢٩٣هـ) في ينابيع المودَّة (ج ٣/ ص ٣٠١ - ٣٠٦/ الباب ٧٩).
١٣ -
مؤمن بن حسن الشبلنجي (ت ١٣٠٨هـ) في نور الأبصار (ص ١٨٦).
١٤ - خير الدين الزركلي (ت ١٣٩٦هـ) في كتابه الأعلام (ج ٦/ ص ٨٠).
وراجع بقيَّة الأسماء (وهم بالعشرات) في المصدر المتقدِّم.
شبهة وجوابها:
نعم، بعض هؤلاء القائلين بولادة الإمام محمّد بن الحسن العسكري من أهل السُّنَّة -
كالشبراوي الشافعي في كتابه المتقدِّم - أنكروا أن يكون هو المهدي المنتظر، وقالوا:
إنَّ المهدي الموعود في الروايات هو الذي سيُولَد في آخر الزمان.
وللردِّ على هؤلاء نقول:
إنَّ إنكاركم لكون الإمام محمّد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر الذي
سيخرج في آخر الزمان يلزم منه بطلان حديث الثقلين؛ لأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) قد صرَّح في هذا الحديث ببقاء القرآن مع العترة متلازمين إلى يوم
القيامة، حيث قال: «وأنَّهما لن يتفرقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»، وهو المعنى الذي
نصَّ على بيانه علماء أهل السُّنَّة أنفسهم.
قال المناوي الشافعي في (فيض القدير) عند تعرّضه لحديث الثقلين: (تنبيه: قال الشريف
- يقصد الحافظ السمهودي -: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل
البيت والعترة الطاهرة في كلِّ زمن إلى قيام الساعة، حتَّى يتوجَّه الحثّ المذكور
إلى التمسّك به كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا
ذهب أهل الأرض)(٨٨)،
انتهى.
وعن ابن حجر في (الصواعق المحرقة) قال: (وفي أحاديث التمسّك بأهل البيت إشارة إلى
عدم انقطاع مستأهل فيهم للتمسّك به إلى يوم القيامة، كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك،
ولهذا كانوا أماناً لأهل الأرض كما سيأتي، ويشهد لذلك الخبر السابق: «في كلِّ خلف
من أُمَّتي عدول من أهل بيتي»)(٨٩)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعليه،
فالقول بانعدام الإمام محمّد بن الحسن العسكري ووفاته معناه حصول الافتراق بين
القرآن والعترة، وهذا يُفضي إلى بطلان حديث الثقلين الثابت عند الفريقين بفقرته
الصحيحة السند: «وأنَّهما لن يتفرقا حتَّى يردا عليَّ الحوض»، وهو مردود جزماً،
خاصَّةً بعد نصِّ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على أنَّ المهدي هو من عترته
خاصَّة(٩٠).
ولم يتَّفق المسلمون على إمامة وجلالة أحد من العترة لا يفارقون القرآن ولا يفارقهم
سوى هؤلاء الاثني عشر، فدعوى أنَّ المهدي المنتظر سيُولَد بعد ذلك، مع نصِّ النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه من العترة، وأنَّ العترة هي التي لا تفارق القرآن
ولا يفارقها القرآن إلى يوم القيامة، مثل هذه الدعوى لا محصِّل علمي لها!
أقول: بل وجدنا من علماء أهل السُّنَّة والجماعة من
ينصُّ على أنَّ الإمام محمّد بن الحسن العسكري هو المهدي المنتظر نفسه، ونذكر من
هؤلاء:
١ - محي الدين بن عربي، على ما نقله عنه الشعراني الشافعي في (اليواقيت والجواهر)،
حيث قال: (وعبارة الشيخ محي الدين في الباب السادس والستّين وثلاثمائة من الفتوحات:
واعلموا أنَّه لا بدَّ من خروج المهدي (عليه السلام)، ولكن لا يخرج حتَّى تمتلئ الأرض
جوراً وظلماً فيملؤها قسطاً وعدلاً، ولو لم يكن من الدنيا إلَّا يوم واحد طوَّل
الله تعالى ذلك اليوم حتَّى يلي ذلك الخليفة، وهو من عترة رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم)، من ولد فاطمة (عليها السلام)، وجدّه الحسين بن علي بن أبي طالب، ووالده
حسن العسكري ابن الإمام علي النقي...)(٩١)،
انتهى.
٢ - محمّد بن طلحة الشافعي - الذي يصفه الذهبي في (سير أعلام النبلاء) بالعلَّامة
الأوحد(٩٢)
- قال في كتابه (مطالب السؤول): (أبي القاسم محمّد بن الحسن الخالص بن علي المتوكّل
بن القانع بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين
العابدين بن الحسين الزكي بن علي المرتضى أمير المؤمنين بن أبي طالب، المهدي،
الحجَّة، الخلف الصالح، المنتظر (عليهم السلام) ورحمة الله وبركاته)(٩٣)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٠)
أُنظر: صحيح الجامع الصغير ٢: ١١٤٠.
(٩١)
اليواقيت والجواهر ٢: ١٤٣.
(٩٢)
سير أعلام النبلاء ٢٣: ٢٣٩.
(٩٣)
مطالب السؤول: ٤٨٠.
٣ -
سبط ابن الجوزي الحنبلي، قال في (تذكرة الخواصّ) عن الإمام المهدي: (هو محمّد بن
الحسن بن علي بن محمّد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن
علي بن أبي طالب (عليهم السلام)، وكنيته أبو عبد الله، وأبو القاسم، وهو الخلف
الحجَّة، صاحب الزمان، القائم، والمنتظر، والتالي، وهو آخر الأئمَّة)(٩٤)،
انتهى.
٤ - شمس الدين محمّد بن طولون الحنفي مؤرِّخ دمشق (ت ٩٥٣هـ) قال في كتابه (الأئمَّة
الاثنا عشر) عن الإمام المهدي (عليه السلام): (كانت ولادته يوم الجمعة، منتصف شعبان
سنة خمس وخمسين ومائتين، ولمَّا توفي أبوه المتقدِّم ذكره (رضي الله عنهما) كان
عمره خمس سنين...)، ثمّ ذكر الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) في قصيدة له وقال في
آخرها:
محمّد المهديُّ سوفَ يظهرُ(٩٥) عسكريُّ الحسنُ المطهَّرُ
٥ -
نور الدين علي بن محمّد بن الصبّاغ، الفقيه المالكي (أُنظر ترجمته في الأعلام
للزركلي)، قال في أوَّل الفصل الثاني عشر من كتابه (الفصول المهمَّة): (في ذكر أبي
القاسم الحجَّة، الخلف الصالح، ابن أبي محمّد الحسن الخالص، وهو الإمام الثاني عشر،
وتاريخ ولادته، ودلائل إمامته، وطرفاً من أخباره، وغيبته، ومدَّة قيام دولته
الكريمة، وذكر كنيته، ونسبه، وغير ذلك ممَّا يتَّصل به (رضي الله عنه وأرضاه)(٩٦)،
انتهى.
٦ - أحمد بن يوسف بن سنان القرماني الدمشقي (ت ١٠١٩هـ) قال في كتابه (أخبار الدول
وآثار الأُوَل) في الفصل الحادي عشر: في ذكر أبي القاسم محمّد الحجَّة الخلف
الصالح: (وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة كما أُوتيها
يحيى (عليه السلام) صبياً. وكان مربوع القامة، حسن الوجه والشعر، أقنى الأنف، أجلى
الجبهة...، واتَّفق العلماء على أنَّ المهدي هو القائم في آخر الوقت، وقد تعاضدت
الأخبار على ظهوره، وتظاهرت الروايات على إشراق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٤)
تذكرة الخواصّ: ٣٦٣.
(٩٥)
الأئمَّة الاثنا عشر لابن طولون الحنفي: ١١٧ و١١٨.
(٩٦)
الفصول المهمَّة في معرفة الأئمَّة ٢: ١٠٩٦.
نوره،
وستسفر ظلمة الأيّام والليالي بسفوره، وينجلي برؤيته الظلم انجلاء الصبح عن ديجوره،
ويسير عدله في الآفاق فيكون أضوء من البدر المنير في مسيره)(٩٧)،
انتهى.
ومن هؤلاء الأعلام، المتقدِّم ذكرهم، ممَّن صرَّح بغيبته (عليه السلام) وبقاءه حيَّاً
إلى أن يأذن الله بظهوره المبارك...، قال العلَّامة الأوحد محمّد بن طلحة الشافعي
في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول):
(وأمَّا عمره: فإنَّه وُلِدَ في أيّام المعتمد على الله، خاف فاختفى وإلى الآن، فلم
يمكن ذكر ذلك إذ من غاب وإن انقطع خبره لا توجب غيبته وانقطاع خبره الحكم بمقدار
عمره ولا بانقضاء حياته، وقدرة الله واسعة وحكمه وألطافه بعباده عظيمة عامَّة،
ولوازم عظماء العلماء أن يُدرِكوا حقائق مقدوراته وكنه قدرته لم يجدوا إلى ذلك
سبيلاً، ولا نقل طرف تطلّعهم إليه حسيراً وحده كليلاً، وأملى عليهم لسان عجزهم عن
الإحاطة به وما أُوتيتم من العلم إلَّا قليلاً.
وليس ببدع ولا مستغرب تعمير بعض عبّاد الله المخلَصين، ولا امتداد عمره إلى حين،
فقد مدَّ الله تعالى أعمار جمع كثير من خلقه من أصفيائه وأوليائه ومن مطروديه
وأعدائه، فمن الأصفياء: عيسى (عليه السلام)، ومنهم الخضر، وخلق آخرون من الأنبياء
طالت أعمارهم، حتَّى جاز كلُّ واحد منهم ألف سنة أو قاربها كنوح (عليه السلام) وغيره.
وأمَّا من الأعداء المطرودين: فإبليس، وكذلك الدجّال، ومن غيرهم كعاد الأُولى، كان
فيهم من عمره ما يقارب الألف، وكذلك لقمان صاحب لبد.
وكلُّ هذه لبيان اتِّساع القدرة الربّانية في تعمير بعض خلقه، فأيُّ مانع يمنع من
امتداد عمر الصالح الخلف الناصح إلى أن يظهر فيعمل ما حكم الله له به؟)(٩٨)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٧)
أخبار الدول وآثار الأُوَل: ٣٥٣ و٣٥٤/ الفصل ١١.
(٩٨)
مطالب السؤول: ٤٨٩.
وهذا
المعنى من البيان الذي صدع به العلَّامة محمّد بن طلحة الشافعي هنا هو الموافق
عمليَّاً لما صرَّح به علماء الأنساب في حقِّ الإمام محمّد بن الحسن العسكري (عليه
السلام)...، فها هو النسّابة العمري المشهور من أعلام القرن الخامس الهجري يُصرِّح
في كتابه (المجدي في أنساب الطالبيين) ويقول ما نصّه: (ومات أبو محمّد (عليه
السلام)
وولده من نرجس (عليها السلام) معلوم عند خاصَّة أصحابه وثقات أهله، وسنذكر حال ولادته
والأخبار التي سمعناها بذلك، وامتُحِنَ المؤمنون بل كافَّة الناس بغيبته، وشَرِهَ
جعفر بن علي إلى مال أخيه وحاله فدفع أن يكون له ولد، وأعانه بعض الفراعنة على قبض
جواري أخيه)(٩٩)،
انتهى.
وها هو الفخر الرازي الذي نجده بعد أن يُثبِت وجود أبناء وبنات للإمام الحسن
العسكري ينصُّ على وفاتهم في حياة أبيهم واحداً واحداً يترك التعرّض لذكر وفاة
الإمام محمّد بن الحسن بالمرَّة ولا يشير إلى شيء من ذلك البتَّة، قال في كتابه
(الشجرة المباركة في أنساب الطالبية) تحت عنوان: أولاد الإمام العسكري (عليه
السلام)
ما نصّه: (أمَّا الحسن العسكري الإمام (عليه السلام) فله ابنان وبنتان: أمَّا
الابنان، فأحدهما: صاحب الزمان (عليه السلام)، والثاني: موسى درج في حياة أبيه.
وأمَّا البنتان: ففاطمة درجت في حياة أبيها، وأُمّ موسى درجت أيضاً)(١٠٠)،
انتهى.
وها هو نسّابة المدينة الشريف أنس بن يعقوب الكتبي يقول في كتابه (الأُصول في ذرّية
البضعة البتول): (ومن الثابت عند أهل العلم من متقدِّمين ومتأخِّرين انقطاع خبره،
وعدم معرفة قبره ولا مكانه...)، إلى أن يقول: (ومن التحاليل السابقة والتي
استقصيناها من الكتب المعتمدة التي تؤكِّد لنا صحَّة اختفاء الإمام المهدي في سنٍّ
مبكّر وعدم ظهوره، فلم يكن له عقب بالإجماع، وهذا ما أثبتته كتب الأنساب والمشجّرات
المتقدِّمة المعتمدة، بأن ليس له عقب بإجماع كبار النسّابين، وبذلك لم يُعرَف مكانه
ولا ذراريه)(١٠١)،
انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٩)
المجدي في أنساب الطالبيين: ١٣٠.
(١٠٠)
الشجرة المباركة في أنساب الطالبية للفخر الرازي: ٧٨ و٧٩.
(١٠١)
الأُصول في ذرّية البضعة البتول: ٩٩ و١٠٠.
المَهدويّة في الحَراكِ الفطري والإنساني والثقافي
(التّمَثُلُ والأهداف)
مرتضى علي الحلي
المبحث الأوّل: التمثّل المهدوي في الحَراك الفطري
والإنساني:
إنَّ المهدويَّة بوصفها عقيدةً دينيةً مُسلَّمةً في الداخل الإسلامي قد تمَّ
الإيمانُ بها طبقاً لعقديَّتها القائمة على الأدلَّة العقلية والنقلية الصحيحة عند
المسلمين، وهي تُمثِّلُ تعبيراً فطرياً ودينياً وثقافياً عند أغلب الناس، وإن
اختلفت صوره وتفسيراته انثروبولوجياً واجتماعياً.
بل تكادُ تكون القضيَّةُ المهدويةُ فكرةً ورمزيَّةً، من القضايا المشهورات
والذائعات بين الناس، بل حتَّى عند جميع العقلاء، أو أكثرهم، والتي أخذت سِمَة
التصديق بها من شهرتها الفطرية والإنسانية، نتيجة التطابق عليها، اعتقاداً وطلباً
وسلوكاً، ولما تحملُ في جوهرها من قيم اجتمعت عليها آراء الناس، وبمختلف ألوانهم
وألسنتهم ودياناتهم وبلدانهم، وعلى رأس هذه القيم الفطرية والأوَّلية هو حسن العدل
وقبح الظلم، واللذان هما من أشهر مبادئ الفكر المهدوي هدفاً وغرضاً.
ومن الواضح أنَّ المهدوية فكرةً ورمزيةً هي قضيَّة مطلقة غير مقيَّدة بقوم دون قوم،
أو بأُمَّةٍ دون أُخرى، لما أثبته التاريخ لنا، مِنْ أنَّ أغلبَ الناسِ تنزعُ إلى
فكرة المُخلِّص أو المنقذ أو المهدي المنتظَر، بتمثّلٍ متنوعٍّ للتعبير النفسي
والفطري عند نوع الإنسان نفسه.
وما يمكن أن نُسمّيه بالآراء المحمودة بحسب اصطلاح المناطقة، أي إنَّ
هذا النزوع الفطري والنفسي عند أغلب الناس، إنَّما برز وظهر بفعل الحاجة الضرورية
إليه، على مستوى الفرد والمجتمع، ولتوقّف النظام العامّ وبقاء النوع الإنساني عليه،
ولأنَّ مبادئ فكرة المهدوية بكلِّ تمثُّلٍ ومصداقٍ قد تُلائم طبيعة الإنسان من جهة
تحقيق حقوقه المشروعة، كالإحسان إليه والعدل معه، ودفع الظلم عنه، نجده يؤمن بتلك
المبادئ الفطرية والأوَّلية ويدافع عنها اعتقاداً ويطلبها سلوكاً.
وقد تعرَّض الشيخ العلَّامة محمّد رضا المُظفَّر (رضوان الله عليه) في كتابه الشهير
(المنطق) إلى تفصيل تلك المبادئ القيميَّة المتجانسة والمتناظرة عند جميع الناس،
وقد فصَّل في بحث دوافع النزوع الطبيعي والفطري للإنسان إلى تلك المبادئ المحمودة
والصالحة (حسن العدل، قبح الظلم، إحقاق الحقوق، الأمان)، حيث ذكر ذلك تحت مقسَم
القضايا المشهورة وبحسب اختلاف أسباب شهرتها وذكر ما نصّه:
(التأديبات الصلاحية: وتُسمّى المحمودات والآراء المحمودة، وهي ما تطابق عليها
الآراء من أجل قضاء المصلحة العامَّة للحكم بها، باعتبار أنَّ بها حفظ النظام وبقاء
النوع، كقضيَّة حسن العدل وقبح الظلم، ومعنى حسن العدل: أنَّ فاعله ممدوحٌ لدى
العقلاء، ومعنى قبح الظلم: أنَّ فاعله مذمومٌ لديهم، وهذا يحتاج إلى التوضيح
والبيان، فنقول: إنَّ الإنسان إذا أحسن إليه أحدٌ بفعلٍ يلائم مصلحته الشخصية،
فإنَّه يثير في نفسه الرضا عنه، فيدعوه ذلك إلى جزائه، وأقلُّ مراتبه المدح على
فعله، وإذا أساء إليه أحدٌ بفعلٍ لا يلائم مصلحته الشخصية، فإنَّه يثير في نفسه
السخط عليه، فيدعوه ذلك إلى التشفّي منه والانتقام، وأقلُّ مراتبه ذمّه على فعله،
وكذلك الإنسان يصنع إذا أحسن أحدٌ بفعلٍ يلائم المصلحة العامَّة من حفظ النظام
الاجتماعي وبقاء النوع الإنساني، فإنَّه يدعوه ذلك إلى جزائه، وعلى الأقلِّ يمدحه
ويثني عليه وإن لم يكن ذلك الفعل يعود بالنفع لشخص المادح، وإنَّما ذلك الجزاء
لغاية حصول تلك المصلحة العامَّة التي تناله بوجه، وإذا أساء أحدٌ بفعلٍ لا يلائم
المصلحة العامَّة ويخلُّ بالنظام وبقاء النوع، فإنَّ ذلك يدعو إلى جزائه بذمِّه على
الأقلِّ
وإن لم يكن يعود ذلك الفعل بالضرر على شخص الذامّ، وإنَّما ذلك لغرض دفع المفسدة
العامَّة التي يناله ضررها بوجه، وكلُّ عاقل يحصل له هذا الداعي للمدح والذمّ لغرض
تحصيل تلك الغاية العامَّة، وهذه القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء من المدح
والذمّ لأجل تحصيل المصلحة العامَّة تُسمّى الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحية،
وهي لا واقع لها وراء تطابق آراء العقلاء، وسبب تطابق آرائهم شعورهم جميعاً بما في
ذلك من مصلحة عامَّة)(١).
ومعنى ذلك أنَّ تطابق النزوع الفطري عند جميع الناس على المبادئ المتجانسة قيميَّاً
فيما بينهم، وعلى أغراضها وغاياتها، يُفسِّر حتميَّة وصول الحَراك الفطري إلى مستقر
مكين وعدل حقيق بأن يتحقَّق ولو لأجل بعيد.
ذلك لأنَّ الناس إنَّما يتحرَّكون فطرياً باتِّجاه مقاصدهم الضرورية لما يتصوَّرونه
من مصلحة وحكمة، تترتَّب قطعاً على ذلك في آخر الفعل الاختياري والطلب والاعتقاد،
وتدخل في صميم صلاحهم، وتأمين حاجاتهم الفردية والاجتماعية.
وأفضل مَنْ توسَّع في بيان هرميَّة حاجات الإنسان فطرياً وضرورة إشباعها وتحقيقها،
هو عالم النفس الأمريكي الشهير، آبراهام ماسلو (١٩٠٨ - ١٩٧٠م)، حيث اقترب كثيراً من
مبادئ المهدوية فطرةً وفكرةً ورمزيةً وأغراضاً ومقاصداً، وفي كافَّة أنساق النزوع
الإنساني فرداً ونوعاً إلى تحقيق الحاجات الفطرية، وذكر أنَّ من أهمِّها(٢):
١ - (الحاجات الفسيولوجية (Physiological needs)، مثل
الجوع، والعطش، وتجنّب الألم، والجنس، وغيرها من الحاجات التي تخدم البقاء
البيولوجي بشكل مباشر).
وتُمثِّل هذه الحاجات صورةً واقعيَّةً من صور ضرورة حفظ النوع الإنساني وبقاءه، وهي
متطابقٌ عليها عند جميع الناس، والذي هو (حفظ النوع الإنساني) من أهمِّ مقاصد
وأغراض المهدوية عقيدةً وفكرةً وسلوكاً، بل إنَّ حفظ النوع الإنساني وبقاءه هو من
أُمَّهات أغراض الإمام المهدي (عليه السلام)، وذلك ما يتجلّى في بعد حتميَّة تطبيق
العدل في نظام الاقتصاد وتوزيع الثروات بقدر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
أعلام الهداية (الإمام المهدي المنتظر خاتم الأوصياء): نشر المجمَّع العالمي لأهل
البيت (عليهم السلام) في قم المقدَّسة.
(٢)
إكمال الدين وتمام النعمة: الصدوق/ ط ١٤٠٥هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة
المدرّسين في قم المقدَّسة.
عادل، وإيصال الحقوق إلى مستحقّيها، لذلك نرى سنخ حراك فطري عند أغلب الناس عقيدةً
وسلوكاً وانتظاراً للمُصلِح أو المُخلِّص أو المهدي، لما وقع عليهم من ظلم وفساد في
إشباع هذه الحاجات الضرورية، والتي تُهدِّد أمن الإنسان غذائياً وسلام النوع
الإنساني وبقاءه حياتياً.
والقرآن الكريم قد رصد هذا النوع من الحاجات في جانب الاختلال والابتلاء حيث قال
تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ
الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: ١٥٥).
﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ
مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (الأعراف: ١٣٠).
وقد عرضت الروايات إلى هذا المعنى في الاختلال والابتلاء والنقص في الأموال والأنفس
والثمرات، وذكرته بوصفه ظاهرةً غير مستقيمة، جديرة بالإصلاح تُهدِّد النوع
الإنساني، ستتحقَّق في قابل الأيّام، وهي قد تحقَّقت بوجه ما يقارب دلالة الروايات
وأخبار آخر الزمان، (عن أبي نضرة، قال: كنّا عند جابر بن عبد الله، قال: يوشك أهل
العراق أن لا يُجبى إليهم قفيز (نوع مكيال) ولا درهم، قلنا: من أين ذاك؟ قال: من
قِبَل العجم، يمنعون ذلك، ثمّ قال: يوشك أهل الشام أن لا يُجبى إليهم دينار ولا
مُدّ، قلنا: من أين ذاك، قال من قِبَل الروم، يمنعون ذاك، قال: ثمّ أمسك هُنيهةً
ثمّ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يكون في آخر أُمَّتي خليفة يحثو
المال حثواً لا يعدّه عدَّاً»)(٣).
٢ - (حاجات الأمان (Safety needs) وتشمل مجموعة من
الحاجات المتَّصلة بالحفاظ على الحالة الراهنة، وضمان نوع من النظام والأمان
المادّي والمعنوي مثل الحاجة إلى الإحساس بالأمن، والثبات، والنظام، والحماية،
والاعتماد على مصدر مشبع للحاجات، وضغط مثل هذه الحاجات يمكن أن يتبدّى في شكلِ
مخاوف مثل الخوف من المجهول، من الغموض، من الفوضى واختلاط الأُمور، أو الخوف من
فقدان التحكّم في الظروف المحيطة.
و(ماسلو) يرى أنَّ هناك ميلاً عامَّاً إلى المبالغة في تقدير هذه الحاجات، وأنَّ
النسبة الغالبة من الناس يبدو أنَّهم غير قادرين على تجاوز هذا المستوى من الحاجات
والدوافع).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الكافي: الكليني/ ط ٣/ سنة ١٣٨٨/ دار الكتب الإسلاميَّة.
إنَّ هذه الحاجات في نسق وضرورة الأمان للإنسان فرداً ونوعاً، لهي من أُصول الحَراك
المهدوي عقيدةً وفكرةً وفطرةً وسلوكاً، بل حتَّى أنَّ القرآن الكريم قد ذكرها
نصَّاً في العلامات الحتميَّة للمُنتظِرين من المؤمنين كافَّة وباختلاف ألوانهم
وألسنتهم، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً
يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ
هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥).
فحاجة الأمان التي أدركها المفكّر (آبراهام ماسلو) إنَّما هي حاجة فطرية تطابق
عليها جميع العقلاء، بحيث يحصل عندهم ميل فطري عامّ باتِّجاه تحقيقها قدر الإمكان،
لدرجة أن لا يمكن لهم الاستغناء عنها فعلاً، لما تُمثِّله من نوع استقرارٍ مادّي
ومعنوي وفكري لهم في حياتهم الفردية والاجتماعية، وبالفعل إنَّ الأمان ودوافع البحث
عنه هو أمر فطري ونفسي يطلبه الإنسان دفعاً للخوف من انعدامه، ومن اختلال النظام
بفقده، وما يترتَّب على ذلك من مفاسد خطيرة تُهدِّد وجود الإنسان وحياته.
وعلى أساس ذلك يكون دافع الحَراك الفطري والإنساني لطلب الأمان مطلقاً، وبسبب وجود
الخوف الفعلي من المجهول في أبواب التعايش، في الحاضر والمستقبل، باعثاً على
الاعتقاد بضرورة وجود الإمام المهدي أو المُخلِّص أو المُصلِح أو حتَّى المسيح،
لتأمين هذا البعد الفطري والنفسي عند الجميع، فقد ورد هذا المعنى القيِّم في
الروايات المعتبرة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لو بقيت
الأرضُ يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها، ولعذَّبهم الله بأشدّ عذابه، إنَّ الله
تبارك وتعالى جعلنا حجَّةً في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض، لم يزالوا في أمان
من أن تسيخ بهم الأرض ما دمنا بين أظهرهم، فإذا أراد الله أن يهلكهم ثمّ لا يمهلهم
ولا ينظرهم ذهب بنا من بينهم ورفعنا إليه، ثمّ يفعل الله ما شاء وأحبّ»(٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) الإرشاد: المفيد/ ط ٢/ سنة ١٤١٤هـ/ مؤسّسة آل البيت لتحقيق التراث/ دار المفيد.
ففكرةُ طلب المهدوية أو الإصلاح فطرياً، طبقاً لبعد الحاجة للأمان، تُمثِّل تكفّلاً
أكيداً في مُنتَظم التعايش الإنساني، على مستوى عالمي التكوين والتشريع في هذه
الحياة الدنيا.
٣ - (حاجات الحبّ والانتماء (Love & Belo nging needs)
وتشملُ مجموعة من الحاجات ذات التوجّه الاجتماعي مثل الحاجة إلى علاقة حميمة مع شخص
آخر، الحاجة إلى أن يكون الإنسان عضواً في جماعة مُنظَّمة، الحاجة إلى بيئة أو إطار
اجتماعي يحسُّ فيه الإنسان بالأُلفة مثل العائلة أو الحيّ أو الأشكال المختلفة من
الأنظمة والنشاطات الاجتماعية).
من المعلوم في علم الاجتماع الإنساني أنَّ الإنسان هو كائن مدني بالطبع، ينشدُّ
فطرياً إلى نظيره الآخر من نوعه أو من صنفه أو من شعبه، بحكم عامل الحاجة وضرورة
الاجتماع، والتواصل، والتعارف، وبحكم عامل دفع الخوف، الذي قد يحصل بفعل العزلة
والفرادة في العيش، ودفع الخوف هو أمر فطري وواجب عقلي، يُدرِكه كلُّ فردٍ في هذه
الحياة.
فضلاً عن كون الجبلَّة والطبيعة البشرية، هي بنفسها تقتضي الانتماء إلى الآخر فرداً
أو جماعةً في إطارٍ من التعاقد الفطري والاجتماعي والأخلاقي وحتَّى الفكري وبنسق
مُنظَّمٍ، وهادف، تتلاشى فيه سمات الفردية والوحدة الشخصية، وتظهرُ فيه سمات
الأُلفة، وفهم الآخر، والتكيّف معه وظيفةً وقصداً.
وإلى هذا المعنى الاجتماعي تكوّناً وصيرورةً وغرضاً، قد أشار القرآن الكريم، في
قوله تعالى: ﴿يا أَيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ
ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
(الحجرات: ١٣).
فدوافع حاجة الحُبِّ والانتماء وتمثُّلها في مُنتَظم التعاقد الفطري والاجتماعي
والفكري السليم، هي واحدةٌ من صور الحَراك الإنساني الذي سيصل لا محالة إلى آفاق
التعارف الأكبر نوعاً وقيمةً ومَقيساً بين الناس، وليلتقي عند مقسَم القيم الكبيرة
وهو العدل، الذي يُنظِّم في طريقه كلَّ فضيلة، وكلَّ
حقٍّ، وكلَّ صلاحٍ، ذلك لأنَّ العدل هو السائس العامّ في حَراك المهدوية فطرةً
وعقيدةً، والذي به يُحفَظ قوام وتدبير الحياة الدنيا، من حيث وضع الأُمور في
مواضعها الحقَّة، ولن يشذَّ هذا الحَراك عن أغراض الفطرة الإنسانية الأصيلة التي
قامت على أساس الوحدة النوعية، وعدم الاختلاف ونبذ التنازع، قال تعالى: ﴿كانَ
النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ
وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ
النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ
أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ
الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ
يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣)، ﴿وَما
كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ
مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ *
وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا
الْغَيْبُ لِلهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾
(يونس: ١٩ و٢٠).
٤ - حاجات التقدير (Esteem needs) هذا النوع من
الحاجات كما يراه (ماسلو) له جانبان:
أ) جانب مُتعلّقٌ باحترام النفس، أو الإحساس الداخلي بالقيمة الذاتية.
ب) والآخر مُتعلّقٌ بالحاجة إلى اكتساب الاحترام والتقدير من الخارج.
إنَّ نزوعَ الإنسانِ وجهةَ حاجات التقدير الذاتي والاجتماعي هو أيضاً ينبعُ من
أصالة التكريم الإلهي له بالفطرة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ
لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ
لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ * مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ (الروم: ٣٠ - ٣٢)، وحفظ هذه القيمة
الطبيعية والخَلقيَّة في وجوده، يُمثِّلُ غرضاً كبيراً، عند الإنسان وعند الله
تعالى وعند المعصوم وعند شريعة الإسلام، بل عند العقلاء كافَّة، لذا حرَّم الله
تعالى قتلَ النفس المحترمة وحرَّم ظلمها وهتكها، وهذه الحاجات ترتبط ارتباطاً
وثيقاً بأصلها الأصيل وهو الحاجة إلى الأمن والأمان عند فرد ونوع الإنسان.
من هنا يكون دفع التقدير للإنسان والتجاوز عليه واحداً من مُحفِّزات الميل الفطري
عند الناس، شطرَ ظهور المُصلِح والمهدي والمسيح، لكي يأمنوا على أنفسهم وكرامتهم.
٥ - (حاجات تحقيق الذات (Self-actualization)
والحاجات العليا (Meta needs) تحت عنوان تحقيق الذات يصف (ماسلو) مجموعة من الحاجات
أو الدوافع العليا التي لا يصل إليها الإنسان إلَّا بعد تحقيق إشباع كافٍ لما
يسبقها من الحاجات الأدنى. وتحقيق الذات هنا يشير إلى حاجة الإنسان إلى استخدام كلّ
قدراته ومواهبه وتحقيق كلّ إمكاناته الكامنة وتنميتها إلى أقصى مدى يمكن أن تصل
إليه. وهذا التحقيق للذات لا يجب أن يُفهَم في حدود الحاجة إلى تحقيق أقصى قدرة أو
مهارة أو نجاح بالمعنى الشخصي المحدود، وإنَّما هو يشمل تحقيق حاجة الذات إلى السعي
نحو قيم وغايات عليا مثل الكشف عن الحقيقة، وخلق الجمال، وتحقيق النظام، وتأكيد
العدل، الخ. مثل هذه القيم والغايات تُمثِّل في رأي (ماسلو) حاجات أو دوافع أصيلة
وكامنة في الإنسان بشكل طبيعي مثلها في ذلك مثل الحاجات الأدنى إلى الطعام،
والأمان، والحبّ، والتقدير. هي جزء لا يتجزَّأ من الإمكانات الكامنة في الشخصية
الإنسانية والتي تلحُّ من أجل أن تتحقَّق لكي يصل الإنسان إلى مرتبة تحقيق ذاته
والوفاء بكلِّ دوافعها أو حاجاتها.
بعد تحقيق الذات يتبقّى نوعان من الحاجات أو الدوافع هما:
الحاجات المعرفية والحاجات
الجمالية:
١ - الحاجات الجمالية (Aesthetic needs):
وهذه تشمل فيما تشمل عدم احتمال الاضطراب والفوضى والقبح والميل إلى النظام،
والتناسق، والحاجة إلى إزالة التوتّر الناشئ عن عدم الاكتمال في عمل ما، أو نسق ما.
٢ - الحاجات المعرفية (Cog nitive needs):
وتشمل الحاجة إلى الاستكشاف والمعرفة والفهم، وقد أكَّد (ماسلو) على
أهمّيتها في الإنسان، بل أيضاً في الحيوان، وهي في تصوّره تأخذ أشكالاً
متدرِّجة، تبدأ في المستويات الأدنى بالحاجة إلى معرفة العالم واستكشافه بما يتَّسق
مع إشباع الحاجات الأُخرى ثمّ تتدرَّج حتَّى تصل إلى نوع من الحاجة إلى وضع الأحداث
في نسق نظري مفهوم، أو خلق نظام معرفي يُفسِّر العالم والوجود. وهي في المستويات
الأعلى تصبح قيمة يسعى الإنسان إليها لذاتها بصرف النظر عن علاقتها بإشباع الحاجات
الأدنى).
إنَّ حاجات تحقيق الذات الإنسانية مفهوماً ومصداقاً في هرميَّة (ماسلو) هي جديرة
بالبحث والتأمّل والتحليل، ولو بقدرٍ يسير، ذلك لما أظهرته من قيم متجانسة مفهوماً
وطلباً عند نوع الإنسان وأفراده، وعلى رأسها تحقيق النظام وتأكيد العدل، وإشباع
الحاجات الجمالية والمعرفية، والتي ترتكز على أبعاد متعدِّدة تتناول محوري التخلّي
عن الرذائل الأخلاقية والنواقص والقبائح، ومحور التناسق والتنظيم لقيم الفضيلة
والاستقرار.
وأمَّا إشباع الحاجات المعرفية عند (ماسلو) هي وجه من وجوه الفلسفة، تُقدِّم
تفسيراً معقولاً ومقبولاً لعلاقة الإنسان بالوجود والكون والمصير، وتحلُّ كلَّ
إشكاليات الإنسان الفكرية والعقدية والأخلاقية والاجتماعية وحتَّى السياسية، التي
عانى منها الإنسان نفسه طيلة تاريخ وجوده على الأرض، وليدخلُ ذلك كلّه في حَراك
فطرة الإنسان المختلف في لونه ولسانه ودينه، الذي يكدح إلى التكامل بحكم طبعه
وإدراك عقله، وقد ورد عندنا في الروايات المهدوية ما يُقارب مفهوم إشباع الحاجات
المعرفية في آخر الزمان عن أبي جعفر - الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) -، قال:
«إذا قام قائمنا وضع الله يده على رؤوس العباد، فجمع بها عقولهم وكملت به أحلامهم»(٥).
المَبحثُ الثاني: التمثُّلُ المهدوي في الحَراك الثقافي:
قَدَّمَ (العالمُ الأنثروبولوجي الإنكليزي إدوارد تايلور(١٨٣٢ - ١٩١م)
تعريفاً للثقافة، ما يزال سائداً حتَّى يومنا هذا، على الرغم من ظهوره عام (١٨٧٨م)،
ويذهبُ إلى تعريف الثقافة بأنَّها: ذلك الكلُّ المركَّب الذي يضمُّ المعرفة
والعادات والمعتقدات والأخلاق والفنّ والقانون، وأيَّةِ قدراتٍ أُخرى يكتسبها
الإنسان باعتباره عضواً في المجتمع)(٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥)
العقيدة والشريعة في الإسلام: جولد تسيهر/ ط ٢/ القاهرة، (مترجَم).
(٦)
الغيبة: الطوسي/ ط ١/ سنة ١٤١١هـ/ مؤسّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم المقدَّسة.
إنَّ المهدوية بوصفها ثقافةً ومعرفةً ومعتقداً وفكرةً ورمزيةً قد أخذت معقوليَّتها
من وحدة العقل العملي عند نوع الإنسان، كفكرٍ يستبطن تصوّراً قويماً يرفدُ الوعيَ
والسلوكَ الإنساني ونظامَ الاجتماع البشري بحزمة عمليَّة من الحلول النهائية
القويمة لمُجمَل ما تواجهه البشرية من مشكلات دينية واجتماعية واقتصادية وحقوقية
وسياسية وأخلاقية، وذلك التوحّد الإنساني في سمة العقل العملي وما يُدرِكه ممَّا
ينبغي عمله وما لا ينبغي عمله، خاصَّة في تحسين العدل وتقبيح الظلم، هو الذي يمنحُ
النزوعَ العقلاني والثقافي عند أغلب الناس قوامته و مشروعيَّته، بل وحتَّى حتميَّة
تحقّقه في النهاية والغاية بحكم فاعليَّة السنن الكونية إلهيَّاً.
وذلك لأنَّ مفهوم الثقافة في تكوينها النظري والعامّ، قد أخذ نسقاً إنسانياً
وحَراكاً فكريَّاً وسلوكياً، يتوفَّرُ في كنهه على قدرٍ مُعتدٍّ به من كلِّ بابٍ،
من المعرفة والعلم والفهم والاعتقاد والأخلاق وقيم التاريخ والدين والمجتمع والآداب
والوجدان الإنساني والفطرة السليمة.
وقد بدا هذا الفكرُ في لونه الثقافي منذ القِدَم عند أغلب الأُمم بمختلف أديانها
ومذاهبها السماوية (اليهودية، النصرانية) والأرضية، وبمسمّيات متقاربة نسبياً في
الغرض كالمنقذ العالمي، إلى يومنا هذا، و(إنَّ عقيدة اليهود في هذا المجال تشتملُ
على تحديد زمني لبدءِ مقدّمات ظهور المُنقِذ العالمي؛ الذي يبدأ من عام (١٩١٤)
للميلاد، وهو عام تفجّر الحرب العالمية الأُولى كما هو معروف، ثمّ عودة الشتات
اليهودي إلى فلسطين، وإقامة دولتهم التي يعتبرونها من المراحل التمهيدية المهمَّة
لظهور المنقذ الموعود، ويعتقدون بأنَّ العودةَ إلى فلسطين هي بداية المعركة الفاصلة
التي تنهي وجود الشرّ في العالم ويبدأ حينئذٍ حكم الملكوت في الأرض لتصبح الأرضُ
فردوساً)
(٧)، والمُخلِّص(٨)،
واليوم الموعود(٩)
الذي تبنَّته المدرسة الماركسيَّة والتي آمنت بجدل التناقضات في حركة التاريخ،
(وهكذا يبقى العراكُ قائماً حتَّى تكون الإنسانيةُ كلّها طبقة واحدة، وتتمثَّلُ
مصالح كلِّ فردٍ في مصالح تلك الطبقة الموحَّدة...، في تلك اللحظة يسود الوئام،
ويتحقَّق السلام، وتزول نهائياً جميع الآثار السيِّئة للنظام الديمقراطي الرأسمالي)(١٠)،
والمعارك الرابحة والسوبرمان والمَسيح والمَهدي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
الغيبة: النعماني/ ط منشورات أنوار الهدى/ إيران/ قم.
(٨)
المنطق: الشيخ محمّد رضا المظفَّر/ ط ١٢/ سنة ١٤٢٥ه/ انتشارات إسماعيليان/ قم.
(٩)
المدرسة القرآنية: السيِّد محمّد باقر الصدر/ ط ١٤٣٤هـ/ إصدار مركز الأبحاث
التخصّصية للشهيد الصدر.
(١٠)
المدرسة الإسلاميَّة: السيِّد محمّد باقر الصدر/ منشورات مؤسّسة المؤتمر العالمي
للإمام الشهيد الصدر.
وحتَّى أنَّ المدارس الفلسفية والفكرية غير الدينية قد أدركت عقلانيَّاً وثقافياً
هذا اللون من الفكر الإنساني العامّ، (فالمادّية الجدلية التي فسَّرت التأريخ على
أساس التناقضات، تؤمن بأنَّ هناك يوماً موعوداً تتلاشى فيه التناقضات ويسوده الوئام
والسلام)(١١).
ومثَّل هذا اللون العقلاني والثقافي في بُنية الإنسان النفسية والاجتماعية نزوعاً
ذاتياً مُلحَّاً استقرَّ في كلِّ ضميرٍ حي، وخالج وجدان كلِّ إنسانٍ، خاصَّةً عندما
تتعاظم المشاكل البشرية ويعمُّ الظلم والقهر.
إنَّ الدين قد دعم هذا النزوع العقلاني والثقافي العامّ ليؤكِّد أنَّ الأرض في
عاقبة الأمر ستمتلأ قسطاً وعدلاً مثلما مُلِئَت ظلماً وجوراً، ففي الحديث الشريف
المتواتر «لولم يبقَ من الدهر إلَّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل بيتي يملأها عدلاً
كما ملئت جوراً»(١٢).
وممَّا لا شكَّ فيه أنَّ لهذا النزوع العقلاني والثقافي قيمته الموضوعية في التمثّل
الواقعي اجتماعياً بحيث يتجلّى بذلك المُنتَجُ والمُعطى على مستوى الإيمان بضرورة
التحقّق والتطبيق للشعور الفطري والإنساني المشروع فعلاً، ليأخذ هذا الإيمان العامّ
عند بني الإنسان الجميعَ إلى مستقبل أفضل وأصلح عقلانياً ودينياً.
وإذا ما تمَّ تدعيم ذلك الشعور الإنساني العامّ بنصوص قطعية قرآنية في دلالاتها
القابلة الوقوع مستقبلاً، فإنَّ ذلك سيرفد الحَراك الفطري والإنساني والثقافي
بالعطاء وبالقوَّة القريبة من الفعل والتحقّق قطعاً.
وذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
إنَّ الحَراك الثقافي العامّ في لون المهدوية والخلاص والمُنقِذ هو حفظٌ للكمون
الأوَّلي في جبلَّة الإنسان وطبيعته، يتجلّى ويتمظهر بين فترة وأُخرى تبعاً لمنطق
السنن الإلهية والتاريخية وآثارها الوضعية.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ
وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١)
المهدي الموعود ودفع الشبهات عنه: السيِّد عبد الرضا الشهرستاني.
(١٢)
مسند أحمد: أحمد بن حنبل/ إصدار بيروت.
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ
فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥).
ولن يبقى هذا الكمون الأوَّلي فطرياً وثقافياً على وتيرة واحدة، بل سيظهر ويبرز
بقوَّة في يوم ما ليتحوَّل إلى واقع موضوعي وخارجي، يتمثَّل في صورة إظهار الدين
الحقّ وقيام دولة العدل الإلهية المُرتقبة إنسانياً على يد الإمام المهدي (عليه
السلام)، والقضاء على كلِّ أشكال الظلم والفساد والانحراف الديني والدنيوي، كما في
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
ولا نُبالغ إن قلنا: إنَّ الفطرة الإنسانية في حَراكها الأوَّلي والثقافي هي تنحى
منحىً منطقياً وعقلانياً، يقتربُ بمسافة كبيرة من الدين نفسه إن لم تكن هي الوجه
الآخر للدين القَيِّم ، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ
وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا
تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: ٣٠).
ولنا على ذلك التقارب بين حَراك الثقافة والدين، الدليلُ من جملة ما قاله المفكِّر
الايرلندي الشهير برناردشو (١٨٥٦ - ١٩٥٠م)، والذي بشَّر منطقياً وفطرياً بحتمية
ظهور المُصلح في آخر الزمان، وبلزوم أن يكون عمره طويلاً يسبق ظهوره، وهذا هو عين
النزوع الثقافي الكامن في بُنية كلِّ إنسانٍ، خاصَّةً مِنْ مثلِ (برناردشو)، ليقارب
بذلك النزوع في عقيدة الشيعة الاثني عشرية، بضرورة وجود المُصلح والإمام المعصوم
(الإمام المهدي (عليه السلام)) كتعبيرٍ نهائي عن نزوع الفطرة الأوَّلية إنسانياً،
وكوعدٍ إلهيٍ صادقٍ لبني الإنسان في تحقّق الخلاص والعدل والأمان والإصلاح.
وهذا الشعور الثقافي يُوفِّر حجَّة فطرية ووجدانية، إنسانية ومنطقية وتاريخية للفكر
المهدوي عقيدةً وثقافةً وشخصاً.
قال (برناردشو) في كتابه (الإنسان السوبرمان) وبحسب ما نقله عنه الدكتور عبّاس
محمود العقّاد في كتابه (برناردشو) في وصف المُصلح بأنَّه (ثمّ يأتي السوبرمان، وهو
إنسانٌ حيٌّ ذو بنية جسدية صحيحة وطاقة عقلية
خارقة، إنسانٌ أعلى يترقّى إليه هذا الإنسان الأدنى بعد جهد طويل، وهو كما أسلفنا
بُنية بيولوجية، وأنَّه يطول عمره حتَّى ينيف على ثلاثة مئة سنة، ويستطيع أن ينتفع
بما استجمع من أطوار العصور وما استجمعه من أطوار حياته الطويلة)(١٣)،
وقد علَّق عبّاس محمود العقّاد على ذلك بالقول: (ويلوحُ لنا أنَّ سوبرمان برناردشو
ليس بالمستحيل، وأنَّ دعوته لا تخلو من حقيقة ثابتة، وهي أنَّ النوع الإنساني يعظم
كلَّما وسَّع الإنسانُ آفاق وجوده، ويصغر ويضمحلُّ كلَّما انحصر في وجوده المحدود)(١٤).
ومن الواضح معرفياً أنَّ المهدوية في منحاها الثقافي العامّ كفكرةٍ إنسانية
وبمعالمها الدينية والعقلانية الصحيحة، والتي تتجانس مفهوماً عند الأعمِّ الأغلب من
الناس وإن اختلفوا في المصداق، تُقرِّبُ بين الحاضر والمستقبل نفسياً وموضوعياً،
وتُسهم في توحيد الرؤى والثقافات المختلفة بحكم وحدة الشعور النفسي والثقافي
العامّ، بضرورة الخلاص أو حتميَّة الوصول إلى منطقة العدل المُطلَق والصلاح التامّ
والحياة الفضلى.
وقد ذكر هذا المعنى المستشرق اليهودي المجري جولد تسيهر (١٨٥٠ - ١٩٢١م):
(إنَّ عقيدة المهدي وما تنطوي عليه من آمال وأمان، تظهرُ في بيئات التُّقى والورع
عند المسلمين كزفرة من زفرات الأسف والانتظار، يصعدونها وهم في غمرات حالات سياسية
واجتماعية لا تنقطع ثورة ضمائرهم حيالها)(١٥).
فجولد تسيهر يعترفُ وجداناً بعقيدة المهدي (عليه السلام)، كفكرة واقعية وحقيقية وإن
حاول التشكيك فيها ووضعها في منطقة التفسير السياسي والاجتماعي، لكنَّها مُسلَّمةٌ
عنده كظاهرة ثقافية وإنسانية ودينية واجتماعية وعند المستشرقين، (وهذه الحقيقة من
الواضحات التي أقرَّ بها كلُّ من درس عقيدة المصلح العالمي حتَّى الذين أنكروا
صحَّتها أو شكَّكوا فيها كبعض المستشرقين مثل جولد تسيهر المجري في كتابه (العقيدة
والشريعة في الإسلام)، فاعترفوا بأنَّها عقيدةٌ عريقةٌ للغاية في التاريخ الديني،
وُجِدَتْ حتَّى في القديم من كتب ديانات المصريين والصينيين والمغول والبوذيين
والمجوس والهنود والأحباش، فضلاً عن الديانات الكبرى الثلاث: اليهودية والنصرانية
والإسلاميَّة)(١٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣)
إنجيل متّى/ الإصحاح (٥)، نصّ (٥)/ الموقع الالكتروني (تلمذة أُونلاين).
(١٤)
انثروبولوجيا الإسلام: د. أبو بكر باقادر/ ط ١/ سنة ٢٠٠٥م/ دار الهادي/ بيروت.
(١٥)
بناء الدولة - النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين:
فرانسيس فوكوياما/ المملكة العربية السعودية/ نقله إلى العربية مُجاب الإمام.
(١٦)
بحث حول المهدي: السيِّد محمّد باقر الصدر/ منشورات مؤسّسة أحباب الصدّيقة الطاهرة/
النجف الأشرف.
وهذا ما نجده أيضاً في كلمة المفكِّر الإنكليزي الشهير برتراند راسل (١٨٧٢ - ١٩٧٠م)
حيث ذكر (أنَّ العالم في انتظار مُصلِح يُوحِّده تحت لواءٍ واحدٍ وشعارٍ واحدٍ)(١٧).
ذلك لما للمهدوية من رمزية ثقافية جامعة للفطرة والدين معاً، عند من يؤمنُ بها بحيث
تضعه على الصراط الحقِّ ثقافةً وفكراً وسلوكاً.
وقد أشار إلى هذا المعنى أيضاً المفكِّر الانثروبولوجي الأمريكي كليفورد جيرتس
(١٩٢٦ - ٢٠٠٦م) في مقالته (الدين بوصفه نسقاً ثقافياً) حيث قال: (إنَّ مفهوم
الثقافة الذي ألتزمُ به لا يُعاني ممَّا يُشار إليه من عدد في المعنى، وليس له غموض
غير عادي، فهو يشيرُ إلى نمطٍ من المعاني المنقولة تاريخياً والمُتجسدة في رموز،
وهو نسقٌ من مفاهيم موروثة للتعبير عنها بصيغ رمزية، عن طريقها يتمُّ للناس تواصل
واستمرار وتطوير معرفهم عن الحياة واتِّجاهاتهم ومواقفهم منها)(١٨).
وذكر أيضاً (وتُقدِّمُ الرموزُ الدينية للقادرين على حملها طالما كانوا قادرين على
ذلك ضماناً كونياً، ليس فقط على قدرتهم لفهم العالم، وإنَّما كذلك لفهمه والقدرة
على إعطاء فهمٍ دقيقٍ لمشاعرهم وتعريف لعواطفهم يمكنهم تحمّله ببساطة أو سعادة أو
حزن أو فروسية)(١٩).
وطبقاً لما تقدَّم إذا ما أردنا أن نضبط حَراك المهدوية فطرياً وإنسانياً وثقافياً
فما علينا إلَّا أن نفهم أمرين مهمَّين هما:
١ - معرفة مُنتَظم القيم المُكوِّنة فطرياً للتجانس الثقافي إنسانياً، من الإيمان
بالمُخلِّص أو المُصلِح أو المستقبل الأفضل ووحدة الشعور النفسي العامّ عند بني
الإنسان في طلبه للعدل والحقِّ والأمان وإشباع الحاجات وغيرها.
٢ - الممارسة والتطبيق والسلوك وصناعة الخطاب الثقافي المقبول عقلانيَّاً وشرعياً
لإنتاج الفعل التغييري نفسياً واجتماعياً.
وهذان الأمران يُسهمان في تحقيق الأهداف الدينية والثقافية التي تعمل كُلُّ ألوان
ومذاهب الثقافة الإنسانية الصالحة على تحقيقها، من بناء الشخصية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧)
برناردشو: عبّاس محمود العقّاد/ نشر مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة/ القاهرة.
(١٨)
تذكرة الفقهاء: العلَّامة الحلّي/ ط ١/ سنة ١٤١٩هـ/ مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)
لإحياء التراث/ قم.
(١٩)
تذكرة الخواصّ: ابن الجوزي/ إصدار مكتبة نينوى الحديثة.
نفسياً، وجعلها سويَّةً في رغباتها البشرية إلى إشباع حاجاتها المشروعة من السُّبُل
الصحيحة، ذلك لأنَّ التحضّر والتغيير والتمدّن والتدبير الصالح لكلِّ شؤون الإنسان
والحياة والمجتمع، كلّها أهداف واحدة عند الجميع، ومطلوبة التحقّق، ورهان ذلك كلّه
مرتبط بقناعة وفعاليَّة التغيير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا
أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ
والٍ﴾
(الرعد: ١١)، ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً
نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ
اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٥٣).
المبحث الثالث: أهداف الحَراك الفطري والإنساني والثقافي في
لونه المهدوي:
إنَّ للإنسان في هذه الحياة أهدافاً أساسيَّة يتوقُ لها بقدرٍ كبيرٍ من
الحَراك والطلب والإرادة، وقد تُمثِّلُ له هذه الأهداف حقوقاً وواجبات وأفكاراً
وآمالاً ومبادئ أخلاقيَّة واعتقادات حقَّة.
ويمكن تبويب أهمّ هذه الأهداف الإنسانية والثقافية الجامعة لأقسام متعدِّدة، وهي
كالآتي:
١ - التغيير الأصلح والمُطلَق.
٢ - تحقيق النظام التدبيري الأحسن وبناء الدولة العادلة.
٣ - تثبيت العدل عمليَّاً والقضاء على الظلم والفساد فعليَّاً، و إحقاق الحقِّ ودحض
الباطل.
٤ - إظهارُ الدِّين القيِّم (الإسلام) على الدِّين كلّه، هدايةً وغلبةً.
١ - التغيير الأصلح والمُطلَق:
إنَّ التغيير الإنساني والثقافي في كافَّة أنماطه الفكرية والسلوكية
والمجتمعية وغيرها، يرتبطُ ارتباطاً أوَّلياً وبُنيوياً بإرادة الإنسان نفسه، وما
لم يتحرَّك الإنسان وبإرادة جادَّة، ورغبة لتبديل أحواله الحياتية إلى الذي هو خير
وأصلح وأنفع وأحسن له، فلا يمكن له إحداث أيِّ تغييرٍ نوعي في أنماط الثقافة
الإنسانية المتعدِّدة، كما بيَّن ذلك وفصَّله المفكِّر الإسلامي الكبير السيِّد
محمّد باقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه)، حيث ذكر: (إنَّ الإنسان أو
المحتوى الداخلي للإنسان هو الأساسُ لحركة التاريخ، وإنَّنا ذكرنا أنَّ حركة
التأريخ تتميَّز عن كلِّ الحركات الأُخرى، بأنَّها حركة غائية لا سببيَّة فقط، ليست
مشدودة إلى سببها، إلى ماضيها، بل هي حركة مشدودة إلى الغاية لأنَّها هادفة، لها
علَّة غائية مُتطلِّعة إلى المستقبل، فالمستقبل هو المُحرِّك لأيِّ نشاط من
النشاطات التاريخية)(٢٠).
فالتغيير الثقافي هو مفهوم نسبي وإرادي قد تعلَّق واقعاً بإرادة الإنسان جزماً،
حتَّى أنَّ القرآن الكريم قد نسب هذا الحَراك في طلب التغيير الثقافي إلى الإنسان
أوَّلاً وبالذات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ
ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١)، ﴿ذلِكَ
بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال:
٥٣).
وهنا يطرحُ القرآنُ الكريم مفهوماً جديداً في حَراك التغيير الثقافي في الآفاق
النفسية والمجتمعية، وهو التغيير النفسي، والذي يعني أن يتناول التغيير الثقافي
أحوال النفس وشؤونها وسلوكها، بل وحتَّى قصودها (النيّات المضمرة) ليأخذها
ويُبدِّلها إلى أحوال أحسن وهي خيرٌ لها، والقرآن الكريم نفسه قد رصد حَراك الإنسان
والمجتمع في تنميطه الثقافي، والذي ارتبط بالبُنية النفسية المتذبذبة، والتي لا
تقبل التغيير للذي هو أفضل وأصلح، قال تعالى: ﴿وَإِذْ
قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ
لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها
وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ
وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ
بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا
وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (البقرة: ٦١)، ومحلّ
الشاهد من هذه الآية الشريفة هو قوله تعالى: ﴿قالَ
أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، وهذا النصُّ
القرآني الشريف يعطينا خياراً عقلانياً وحتَّى شرعياً، بضرورة التزام جانب الأصالة
والخيرية في الأشياء في قبالة دنوّ الأشياء المُعاصرة وهبوط قيمتها، ذلك كون القرآن
الكريم حينما يعرض المصداق فقطعاً سينكشف ما يريدُ تأسيسه مفهوماً وكلّياً، وهذا
الاستظهار من هذا الباب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) تفسير الرازي: فخر الدين الرازي/ ط ٣.
وإذا أدركنا أنَّ التغيير الثقافي قد ارتبط في حَراكه المجتمعي بمفهوم التغيير
النفسي الذي يجب أن يوجد عند الإنسان من أجل إحداث التغيير النوعي في نظام الاجتماع
الإنساني، فيجب البحث عن منهج قويم يتمكَّن من إحداث التغيير النفسي في بُنية
الإنسان، وبالتالي يتمكَّن من التأثير والتغيير الثقافي نوعياً، وممكن تبويب منهج
التغيير النفسي بنقاط رئيسة وفق رؤية قرآنية قويمة.
أ - إنَّ القرآن الكريم قد نقد حَراك الإنسان في أنماطه الخارجية سواء على مستوى
العبادات أو المعاملات أو العلاقات أو غيرها. ولم يقرّ له بأنَّ حَراكه الخارجي
والظاهري هو المعيار الأوَّل أو المُحرِّك الأساس في التغيير الثقافي نوعياً، بل
نبَّهه على أنَّ المُحرِّك الأساس في التغيير الثقافي هو المُحرِّك الذاتي والنفسي
حتَّى أعطاه سمة البرّ والخيرية المُطلَقة، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ
الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ
الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ
وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى
وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ
الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ
الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (البقرة: ١٧٧).
فالخير المتوقَّع من التغيير الثقافي هو مرهونٌ بالتغيير النفسي فكرياً وعقدياً
وقصدياً، لذا نلحظُ أنَّ القرآن الكريم قد قدَّم الأُصول العقديَّة، كالإيمان بالله
تعالى والإيمان بالمعاد والقرآن والأنبياء، على الفروع الدينية، ثمّ فرَّع عنها
حَراك الإنسان اجتماعياً، كبذل المال ودعم المحرومين والمستحقّين. وهذا التقديم
القرآني يجعلنا نُدرِك تماماً أنَّ حركيَّة المُتغيِّر النفسي تنتج قطعاً تغييراً
ثقافياً محسوساً، طبقاً لما أرشدت إليه هذه الآية القرآنية الشريفة.
وفي آيات أُخرى أيضاً قد ورد مثل هذا المعنى والمفهوم المُرتبط بجذرية التغيير
النفسي وأهمّيته في إحداث التغيير النوعي، قال تعالى: ﴿لَنْ
يَنالَ اللهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ كَذلِكَ
سَخَّرَها لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾
(الحجّ: ٣٧)، وقوله تعالى
في سورة الشمس: ﴿وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
* فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها *
وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها﴾ (الشمس: ٧ - ١٠).
إذاً يتبيَّن أنَّ محور التغيير النفسي هو الفاعل والمؤثِّر في إحداث التغيير
الثقافي نوعياً للتي هي أحسن وأقوم بتمثّلها المهدوي الحقّ، قال تعالى: ﴿إِنَّ
هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ
الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً﴾
(الإسراء: ٩).
ب - إنَّ القرآن الكريم يُبيِّن ثَمَّة ترابطٍ فعلي (علّية) بين التغيير النفسي
القائم على أساس البصيرة الذاتية السليمة، وبين التغيير الثقافي الخارجي نوعياً،
كما هو الحال في الدعوة إلى الله تعالى في الإيمان به وتوحيده وقبول دينه الحقّ
الإسلام، قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى
اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ
الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف: ١٠٨).
وهنا تنبلج الرؤية القرآنية الرائعة والمؤسّسة لضبط حَراك التغيير النفسي وجعله
يتحرَّك على صراط الاستبصار الذاتي الواعي والمُنتج والذي يتوطَّن في صقع النفس
ووجودها، ليكون هذا الاستبصار محلَّ ثقةٍ ووثوقٍ في حَراكه الذاتي الداعي إلى
التغيير الثقافي نوعياً. والمُلفِت للنظر في هذه الآية الشريفة، هو توفّرها على
ضمانات قطعية للمتلقّي، تتعهَّد له بأنَّ منهجها القويم في التغيير الثقافي هو
كفيلٌ بتحقيق ما يريده جزماً، لننظر التشريك في الحَراك التغييري مطلقاً في قوله
تعالى: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، وما لم توجد
البصيرة وهي الحجَّة الواضحة واليقين الثابت في نفس الإنسان على مستوى العقيدة
والفكر وانبعاث السلوك، والذي يجب أن يقبل التغيير على أساس مصلحته وصلاحه وخيره
واستبصاره، فلا يمكن النهوض بواقع ما هو خارج عن ذاته، و هذه البصيرة ليس هي مجرَّد
اعتقادٍ وادِّعاءٍ، لا بل هي فعلٌ من أفعال النفس، يأخذُ بُعد الوعي والتعقّل
والفهم، واستظهار حال الأشياء والوقوف على ظاهرها وخافيها، والتفطّن للمقدّمات
والمآل.
ومعلوم أنَّ موضوع البصيرة ومادَّتها في منظومة الثقافة الإسلاميَّة هو القرآن
الكريم، لذا جاءت الدعوة الثقافية القرآنية إلى الإنسان لتدعوه بأن
يستبصر في وبالقرآن الكريم، ليهتدي في حَراكه الثقافي إلى الصراط المستقيم، قال
تعالى: ﴿هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية: ٢٠).
ومن ثَمَّ بيَّن القرآن الكريم للإنسان خياراته في القبول أو الرفض لثقافة
الاستبصار وآثار ذلك عليه، قال تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ
بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (الأنعام: ١٠٤).
ج - يجب أن يحوطَ الإنسانُ المؤمنُ نفسه بسور منيع يقيني وثابت يحفظه من التعرّض
للصدمات الكوسمولوجية(٢١)
(الكونية) والايديولوجية (الفكرية) والسيكولوجية (النفسية)، ذلك لأنَّ نظام العولمة
المُعاصر يعملُ جاهداً على هدم البُنى الفكرية الأصيلة للدين والثقافة، من خلال خلق
جوٍّ حضاري وتقني واجتماعي واسع، يقومُ على فلسفة حياتية تختلف تماماً عمّا قام
عليه الإسلام العزيز، ليعطي هذا النظام في المُحصِّلة نمطاً حياتياً جديداً غير
معهوداً من ذي قبل، قد يَظهرُ فيه الإنسان كائناً مادّياً وربَّما رقميًا محضاً،
وليعزله في مصيره ومستقبله عن أصالته وبداياته الصحيحة دينياً وفطرياً وثقافياً،
ممَّا يُسهِم في خلق حالة ضعف في نفس الإنسان المعاصر، ربَّما يستسلم معها للحضارة
والحداثة والعولمة، ويترك دين الله إن لم يكن ينساه تماماً، كما يُلحَظ في عصرنا
هذا. وممكن استظهار هذا التحوّط المُلزم للإنسان المؤمن، في تعاطيه مع ما يتوقَّعه
من الصدمات الكوسمولوجية الحضارية والثقافية من قوله تعالى: ﴿يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا
النَّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما
أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (التحريم: ٦).
وإنَّما يُلزم الإنسانَ بضرورة أن يتَّقِ النارَ مستقبلاً، فيما لو انحرف عن صراط
الحقّ ومالَ إلى صراط الباطل والهوى والضلالة، بل إنَّ القرآن الكريم قد أرشد
الإنسان المؤمن إلى ضرورة عدم الانبهار والغرور بما يصنعه أعداء الدين والحقّ، قال
تعالى: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلَّا الَّذِينَ
كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (غافر: ٤)، ﴿لا
يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ (آل عمران: ١٩٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) سنن أبي داود: أبو داود السجستاني/ ط ١/ ١٤١٠هـ/ دار الفكر.
ومعلوم أنَّ مفهوم التقلُّب هنا هو ارتسام لمجمل الحَراك والتطوّر والتبدّل في
الأحوال الحياتية عند خصم الإسلام، على مستوى الاقتصاد أو العمران أو القوَّة
العسكرية أو الفكر أو الاجتماع.
وكلُّ ذلك التقلّب الحضاري يجبُ أن لا يُضعِّف من إرادة الإنسان المؤمن في تغييره
النفسي والثقافي.
د - إنَّ من الأُمور المهمَّة في إحداث التغيير النفسي والتغيير الثقافي نوعياً هو
أن يحسَّ ويشعرَ الإنسانُ بقدرته على التغيير، أو بقدرته على قبول التغيير من
أصحابه المُرتقبين، لما لثقافة الثقة بالنفس أو القناعة بالخيارات الصحيحة من أثر
في ذلك، فضلاً عن الإحساس الأخلاقي بأنَّ الله تعالى هو حاضرٌ وفاعلٌ في ميادين
الحَراك النفسي والثقافي، وقطعاً لما تفرضه حكمته تعالى ووعوده الحقَّة بالتغيير
المُرتقب والمُنتظَر، على مستوى الذات أو المجتمع، سواء قام به الإنسان المعاصر أو
الإمام المهدي (عليه السلام) المُنتظَر، ففي القرآن الكريم ثَمَّة ثقافاتٍ وقناعاتٍ
بحتمية التغيير النفسي والآفاقي مستقبلاً، ممَّا تُعطي الإنسان المؤمن زخماً وقدراً
كبيراً من المعنويات والآمال بصدق وجزم وقوع التغيير مطلقاً، قال الله تعالى مفصحاً
عن تلكم المعنويات والآمال المشروعة والحقَّة والقطعية في تحقّقها المرتقب: ﴿وَنُرِيدُ
أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (القصص: ٥).
٢ - تحقيق النظام التدبيري الأحسن وبناء الدولة العادلة:
من المعلوم أنَّ الإنسانَ عانى ويعاني من كلِّ نظامٍ جرَّبه طيلة التاريخ،
لذا نجده ينشدُّ فطرياً وثقافياً إلى بلوغ النظام الأحسن والأتمّ في دولة عادلة
مطلقاً. ويذكر السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر (رضوان الله تعالى عليه) في شأن
ذلك: (والواقعُ أنَّ إحساس الإنسان المعاصر بالمشكلة الاجتماعية أشدّ من إحساسه بها
في أيِّ وقتٍ مضى من أدوار التاريخ القديم، فهو الآن أكثر وعياً لموقفه من المشكلة
وأقوى تحسّساً بتعقيداتها، لأنَّ الإنسانَ الحديثَ أصبحَ يعي أنَّ المشكلةَ من
صنعه، وأنَّ النظامَ الاجتماعي لا يُفرَض عليه من أعلى بالشكل الذي تُفرَض عليه
القوانين الطبيعية، التي تتحكَّم في علاقات الإنسان
بالطبيعة، على العكس من الإنسان القديم الذي كان ينظر في كثير من الأحايين إلى
النظام الاجتماعي وكأنَّه قانون طبيعي، لا يملك في مقابله اختياراً ولا قدرةً، فكما
لا يستطيع أن يُطوِّر من قانون جاذبية الأرض، كذلك لا يستطيع أن يُغيِّر العلاقات
الاجتماعية القائمة)(٢٢).
وإذا كان الإنسان قد أدركَ أنَّ المشكلةَ هي من نفسه ومن نفس النظام الذي صبغَ
حياته ومصيره به، دون أن يبحث عن النظام الأكمل والأحسن والأصلح، فلا بدَّ له من
طلب التغيير في النظام المُجَرَّب والذي لم يُحقِّق أهدافه وتطلّعاته، لينحصر خياره
في النهاية بخيار الله تعالى وإرادته بعد أن هجرها مليَّاً، ﴿وَما
كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ
لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ
ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب: ٣٦)، وهذا الخيارُ هو خيارُ المعصوم شخصاً
ونظاماً، والقائمُ عليه هو الإمام المهدي (عليه السلام) كما تعتقدُ به الفرقةُ
الإماميَّة الاثني عشرية الحقَّة في منظومتها العقدية، فقد ورد عن أبي جعفر (الإمام
الباقر (عليه السلام))، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهلُ بيتٍ لهم دولة إلَّا
ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو
قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
(الأعراف: ١٢٨)»(٢٣).
وإنَّما يجب أن يكونَ النظامُ المُرتَقبُ والمطلوبُ والمنصوصُ والمنصوبُ أصلاً
معصوماً، ذلك لدفع الفساد، واختلال النظام، وشيوع الظلم والباطل. ولأجل تدبير النوع
الإنساني، وحفظه وإرشاده للتي هي أقوم سبيلاً وشرعةً ومنهاجاً. من هنا قد تبنَّت
الطائفة الشيعية هذه الرؤية السديدة، رؤية النظام الأحسن والإنسان المعصوم شخصاً،
وقد فصَّل العلَّامة الحلّي (رضوان الله تعالى عليه) هذه الرؤية العقدية القويمة
بقوله: (يجب أن يكون الإمامُ معصوماً عند الشيعة، لأنَّ المقتضي لوجوب الإمامة ونصب
الإمام، جواز الخطأ على الأُمَّة، المُستلزم لاختلال النظام، فإنَّ الضرورةَ قاضيةٌ
بأنَّ الاجتماع مظنَّة التنازع والمغالبة، فإنَّ كلَّ واحدٍ من بني النوع يشتهي ما
يحتاج إليه، ويغضب على من يزاحمه في ذلك، وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره،
فيقع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢)
صحيفة العهد اللبنانية/ العدد: ٦٨٥/ مقال تحت عنوان (حركة شهود يهوه، النشأة،
التنظيم، المعتقد).
(٢٣)
فلسفتنا: السيِّد محمّد باقر الصدر/ ط ٣/ سنة ١٤٢٥هـ/ مؤسّسة دار الكتاب الإسلامي.
من ذلك الهرج والمرج، ويختلُّ أمر الاجتماع، مع أنَّ الاجتماع ضروري لنوع الإنسان،
فإنَّ كلَّ شخص لا يمكنه أن يعيش وحده، لافتقاره إلى غذاء وملبوس ومسكن، وكلّها
صناعية لا يمكن أن تصدر عن صانع واحد، إلَّا في مدَّة لا يمكن أن يعيش تلك المدَّة
فاقداً لها، أو يتعسَّر إن أمكن، وإنَّما يتيسَّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في
تحصيلها، يفرغ كلُّ واحد منهم لصاحبه عن بعض ذلك، فيتمُّ النظام بمعاوضة عمل بعمل
ومعاوضة عمل بأجرة، فلهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع، فلا بدَّ حينئذ من سلطان قاهر،
مُطاع، نافذ الأمر، متميِّز عن غيره من بني النوع، وليس نصبه مفوَّضاً إليه، وإلَّا
وقع المحذور، ولا إلى العامَّة، لذلك أيضاً، بل يكون من عند الله تعالى، ولا يجوز
وقوع الخطأ منه، وإلَّا لوجب أن يكون له إمام آخر، ويتسلسل، فلهذا وجبَ أن يكون
معصوماً، ولأنَّه تعالى أوجب علينا طاعته وامتثال أوامره، لقوله تعالى: ﴿يا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي
الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ
وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾
(النساء: ٥٩)، وذلك عامٌّ في كلِّ شيء، فلو لم يكن معصوماً لجاز أن يأمر بالخطأ،
فإن وجب علينا اتِّباعه لزم الأمر بالضدّين وهو محال، وإن لم يجب بطل العملُ
بالنصِّ)(٢٤).
إنَّ تحقيق النظام الأحسن إنَّما يكون بفعل وجود الدولة العادلة تدبيراً وسياسةً،
ذلك لما يتأكَّد من أساسيَّة العدل قيمةً واعتقاداً وثقافةً وسلوكاً في بُنية
النظام الأحسن، فالدولة العادلة التي تقوم على أساس النظام الأحسن يجب تتوفَّر على
عناصر مهمَّة من أهمّها عنصر العلم والحكمة، والمعرفة والقيم الأخلاقيَّة الثابتة
والقارَّة في منتظم العقلاء، وعنصر الاقتصاد، وحتَّى عنصر الاعتراف ومفهوم السيادة،
والقوَّة والذي يُسمّيه القرآن الكريم بالبأس الشديد في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ
وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ
إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد: ٢٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) موقع ويكيبيديا/ الموسوعة الحرَّة (www.ar.wikipedia.org)/ نظرية ماسلو في هرم الحاجات الإنسانية.
وقد تنبَّه إلى هذه العناصر الأساسية في بناء الدولة العادلة أو المرتقبة عالمياً،
المفكِّرُ الأمريكي المعاصر (فرانسيس فوكوياما)، حيث ذكر في كتابه الشهير (نهاية
التاريخ وخاتم البشـر) في فصل الدولة العامَّة والمتجانسة: (إنَّه يمكن النظرُ إلى
الدولة العامَّة والمتجانسة التي ستظهر في نهاية التاريخ، باعتبارها قائمة على
أساسين : الاقتصاد والاعتراف، فالمسار التاريخي الإنساني الذي يؤدّي إلى تلك
الدولة، كان يدفعه إلى الأمام مُحرِّكان متساويان: الازدهارُ المستثمر في العلوم
الطبيعية الحديثة والسعي إلى نيل الاعتراف...، ولا يمكن لأيِّ وصفٍ للمسار التاريخي
(أي التاريخ العامّ الحقّ للبشرية) أن يكون كاملاً دون الحديث عن هذين الأساسين
تماماً، كأيِّ وصفٍ للشخصيَّة الإنسانية هو غير كاملٍ ما لم يتحدَّث عن الرغبة
والعقل والثيموس(٢٥)
(٢٦).
إذاً يتبيَّن أنَّ قيام الدولة العادلة بنظامها الأحسن يتوقَّف على شروط علمية
وأخلاقية ومعرفية وتدبيرية تطابق عليها العقل والعقلاء، ولذا نجدُ أغلب الحَراك
الثقافي الواعي يأخذ هذه الوجهة القويمة وجهة التنمية في العلم والمعرفة والقوَّة
والقيم والتنظيم والتطوّر التقني والتي ندب التوجّه إليها القرآن الكريم في آية
(٢٥) من سورة الحديد.
٣ - تثبيت العدل عمليَّاً والقضاء على الظلم والفساد
فعليَّاً وإحقاق الحقِّ ودحض الباطل:
إنَّ العدلَ هو أصلٌ ديني وإنساني قد تسالم عليه جميعُ الناس، وهو من جملة
ما يُدرِكه العقل العملي وممَّا ينبغي فعله، ويقتضي تحسينه، ويرشدُ إليه الشرعُ
الحكيم، وهو الجامعُ الفطري والثقافي في حَراك التغيير المنشود، فما من أُمَّة
تُعاني من الظلم والفساد والباطل إلَّا وترفع راية العدل بقوَّة، ذلك لأنَّ العدلَ
أساسٌ به قِوام العالَم والدولة، ويضعُ الأُمور في مواضعها الصحيحة، ويقتضي
المساواة في المكافأة والجزاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥)
موقع ويكيبيديا/ الموسوعة الحرَّة (www.ar.wikipedia.org)/ علم الإنسان الثقافي.
(٢٦)
نهاية التاريخ وخاتم البشر: فرانسيس فوكو ياما/ الأهرام/ ترجمة حسين أحمد أمين.
وهو الذي يكسبُ الأنظمةَ والدولَ شرعيَّتها وقيمتها وديمومتها، رغم الاختلاف الواقع
بين الأُمم والدول في مصدر الشرعيَّة.
يقولُ المفكِّرُ الأمريكي المعاصر والشهير (فرانسيس فوكوياما) في كتابه (بناء
الدولة النظام العالمي ومشكلة الحكم والإدارة في القرن الحادي والعشرين) في الفصل
الثالث ما بعد الدولة الأُمَّة، ما نصّه: (يختلفُ الأمريكيون والأُوربيون في آرائهم
حول مصدر الشرعيَّة على الصعيد الدولي، إذ يعتقدُ الأمريكيون أنَّه (الشرعيَّة)
متجذِّرةٌ في إرادة الأغلبيات الديمقراطية في الدول - الأُمم الدستورية-، بينما
ينزعُ الأُوربيون إلى الاعتقاد بأنَّه يتأسَّس على مبادئ العدالة الأعلى قيمةً من
قوانين وإرادات الدول - الأُمم كافَّة -. ويمكن تفهّم هذا الخلاف إلى حدٍّ بعيد،
لأنَّ كلَّ طرفٍ يتوصَّل إلى رأيه اعتماداً على أسباب ضاربة في عمق تاريخه القومي.
الرأي الأُوربي صحيحٌ بالمعنى المجرَّد، لكنَّه مُخطئ في الممارسة، يُؤكِّد الكثير
من الأُوربيين أنَّهم أنفسهم وليس الأمريكيين المناصرون الحقيقيون للقيم الليبرالية
العالمية، لأنَّهم يؤمنون بهذه القيم بمعزل عن تجسيداتها في دول أمم ديمقراطية،
فعليه لا شيء يضمن أن تكون القرارات التي تتَّخذها الديمقراطيات الليبرالية ذوات
السيادة عادلة أو مُنسجمة مع هذه المبادئ الأسمى، حتَّى ولو كانت صحيحة إجرائياً،
يمكن أن تُقرِّر الأغلبيات الديمقراطية القيام بأفعال فظيعة تجاه دول أُخرى مثلاً،
ويمكن أن تنتهك حقوق الإنسان وأعراف اللياقة التي ينبني عليها نظامهم الديمقراطي في
ذاته)(٢٧).
في إشارة من المفكِّر الأمريكي (فرانسيس فوكوياما) إلى أنَّه لا توجد ضمانة لا
دوليَّة ولا كونيَّة في دولنا المعاصرة في تطبيق العدل على وجهه الأسمى وقيمته
الأعلى، وإن آمنوا به نظرياً وتجريداً.
وبالفعل إنَّما سيكون ذلك الضمانُ الدولي والكوني الموعود تطبيقاً، على يد الإمام
المهدي (عليه السلام)، «يخرجُ آخر الزمان رجلٌ من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته
كنيتي، يملأ الأرضَ عدلاً ملثما مُلِئَتْ جوراً، فذلك هو المهدي»(٢٨)،
وهذا حديث مشهور.
بعدما أُزيحَ العدلُ من واجهة الحياة بقدر كبير ولأمد طويل فسوف يعودُ حتماً،
لأنَّه غاية شريفة وقيميَّة يجب أن تتحقَّق، بعد إزاحة كلِّ ظلم وفسادٍ، وقد تكفَّل
الله تعالى بتحقيقها حتماً مقضياً كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ
أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (الحديد: ٢٥).
فقيامُ الناسِ بالقسطِ بحكم كونه الغاية الرئيسة لبعثة الأنبياء والرسل سيجدُ طريقه
في آخر الدول، وفي عصر الظهور الشريف للإمام المهدي (عليه السلام)، عدلاً في النظام
والاجتماع، وعدلاً في التعايش وحقوق الإنسان، وعدلاً في تقسيم المال بالسويَّة و
توزيع الثروات والخيرات والثمرات على الناس أجمعين، وعدلاً في الأحكام طبقاً للواقع
والعلم واليقين، وعدلاً في القضاء، وعدلاً في إحقاق الحقوق، وقد وردت هذه المفاهيم
القيميَّة في ارتقابها القابل على لسان الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في ذكره
لعلامات وأخبار آخر الزمان: «أَلَا وفِي غَدٍ وَسَيَأْتِي
غَدٌ بِمَا لَا تَعْرِفُونَ يَأْخُذُ الْوَالِي مِنْ غَيْرِهَا عُمَّالَهَا عَلَى
مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا، وَتُخْرِجُ لَه الأَرْضُ أَفَالِيذَ كَبِدِهَا وَتُلْقِي
إِلَيْه سِلْماً مَقَالِيدَهَا فَيُرِيكُمْ كَيْفَ عَدْلُ السِّيرَةِ وَيُحْيِي
مَيِّتَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ منها»، وعن أبي عبد الله (الإمام الصادق
(عليه السلام))، قال: «إذا قام قائم آل محمّد عليه و(عليهم
السلام) حَكَمَ بين الناس بحكم داود لا يحتاج إلى بيِّنة، يُلهِمه الله تعالى، فيحكم
بعلمه، ويُخبِر كلَّ قوم بما استبطنوه، ويعرف وليَّه من عدوِّه بالتوسّم، قال الله
سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾
[الحجر: ٧٥ و٧٦]».
وفي الأخبار أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) سيشمل حكمه وعدله كلَّ الأُمم بمختلف
ألوانها وأديانها، فعن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا
قام قائم أهل البيت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) نهج البلاغة: تحقيق د. صبحي الصالح/ ط ١/ سنة ١٣٨٧هـ/ نشر بيروت.
قسمَ بالسويَّة، وعدلَ في الرعيَّة، فمن أطاعه فقد أطاع الله
ومن عصاه فقد عصى الله، وإنَّما سُمّيَ المهدي مَهديَّاً لأنَّه يهدي إلى أمر خفي،
ويستخرجُ التوراة وسائر كتب الله (عزَّ وجلَّ) من غار بأنطاكية، ويحكم بين أهل
التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل
القرآن بالقرآن، وتُجمَعُ إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيقول للناس:
تعالَوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام، وسفكتم فيه الدماء الحرام، وركبتم فيه ما حرَّم
الله (عزَّ وجلَّ)، فيُعطي شيئاً لم يُعطِه أحدٌ كان قبله، ويملأ الأرض عدلاً
وقسطاً ونوراً كما ملئت ظلماً وجوراً وشرَّاً».
٤ - إظهارُ الدِّين القيِّم (الإسلام) على الدين كلِّه،
هدايةً وغلبةً:
إنَّ واحدةً من أهمِّ مهام الإمام المهدي (عليه السلام) هو إظهار الدين
الإسلامي على وجهه الحقّ والقويم، بانكشافه عقيدةً سديدةً وشريعةً حكيمةً ومنهاجاً
قيِّماً للأُمم كافَّة، بعد ما شابَهُ التشويه والتهميش والتحريف، من المسلمين
أنفسهم أو من أعدائهم. ولكي يتمكَّن الدينُ الإسلامي من الظهور الكبير والمُطلَق
والتمكين في العقيدة والشريعة والمنهاج، لا بدَّ له من حَراكٍ يسبقه وبأسباب ظاهرية
سليمة وخطاب إنساني وثقافي، يتمثَّلُ في توجيه الناس وجهةَ الإسلام فكراً وسلوكاً
في طوره الأخير مهدوياً، لما ورد عندنا من ضمانات قرآنيَّة قطعيَّة، بل وحتَّى
ضمانات نقلية روائية صحيحة وحتمية، تتكفَّل بتحقّق إظهار الدين الحقّ الإسلام
العزيز على يد إمام آخر الزمان المهدي (عليه السلام)، وما هذه الآيات الثلاث في قوله
تعالى إلَّا دليلٌ كافٍ على هذه الحقيقة الدينية والثقافية.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى
وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾
(الفتح: ٢٨).
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(الصفّ: ٩).
وإنَّما جاء تكرار مقولة إظهار الدين الحقّ في هذه الآيات الثلاث، لغرض التقرير
والتمكين للحقيقة المستقبليَّة في نفوس المؤمنين بها عقديَّاً، ولتُقدِّم لهم وعداً
إلهيَّاً مفعولاً ومسؤولاً لن يتخلَّف في الوقوع والتحقّق يقيناً.
وفي تفسير هذه الآيات الشريفة ذكر الفخر الرازي ما نصّه:
(واعلم أنَّ ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجَّة، وقد يكون بالكثرة والوفور، وقد
يكون بالغلبة والاستيلاء، ومعلوم أنَّه تعالى بشَّر بذلك، ولا يجوز أن يُبشِّر
إلَّا بأمرٍ مُستقبَلٍ غير حاصل، وظهور هذا الدين بالحجَّة مقرَّرٌ معلوم، فالواجبُ
حمله على الظهور بالغلبة...، وروي أنَّ هذا وعدٌ من الله بأنَّه تعالى يجعل الإسلام
عالياً على جميع الأديان، وتمام هذا إنَّما يحصل عند خروج عيسى، وقال السدي: ذلك
عند خروج المهدي، لا يبقى أحدٌ إلَّا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج).
وثَمَّة إشراقة قرآنية تلوحُ من هذه الآيات الثلاث الشريفة، وهي أنَّ مبدأ هذا
الإظهار للهدى ودين الحقّ على الدين كلّه، قد بدأ إحداثاً منذ بعثة الرسول الأكرم
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ولكنَّه واجه عقبات، ولم يظهر على غيره للآن، بفعل
عوامل عديدة، منها اختلاف المسلمين من بعد النبيِّ الكريم على الحكم والإدارة
وحتَّى في بعض أُصول العقيدة والشريعة، فضلاً عن مكر وكيد أعداء هذا الدين القيّم،
ودفع الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) عن مقامهم ورتبهم في تدبير وإدارة شؤون
المسلمين والناس كافَّة، والغيبة الكبرى للإمام المهدي، إلَّا أنَّ هذا الإظهار
سيبين يوماً ما، بقوَّة وعلوّ على كلِّ الديانات الأُخرى ببركة ظهور الإمام المهدي
وقيامه بالهدى والحقِّ.
* المنطق للشيخ محمّد رضا المظفَّر ٣: ٢٧٠ و٢٧١/
ط ٢/ سنة ١٤٢٥/ انتشارات إسماعيليان/ قم.
* موقع وكيبيديا/ الموسوعة
الحرَّة (www.ar.wikipedia.org)، نظرية (ماسلو) في هرم الحاجات الإنسانية.
* مسند أحمد بن حنبل ٣:
٣١٧/ إصدار بيروت.
* كمال الدين وتمام النعمة
للصدوق: ٢٠٤/ ط ١٤٠٥هـ/ مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين في قم
المقدَّسة.
* الكافي للكليني ١: ٢٥/ ط
٣/ سنة ١٣٨٨هـ/ دار الكتب الإسلاميَّة.
* موقع ويكيبيديا/
الموسوعة الحرَّة (www.ar.wikipedia.org)، علم الإنسان الثقافي.
* صحيفة العهد اللبنانية/
العدد ٦٨٥/ مقال تحت عنوان: (حركة شهود يهوه، النشأة، التنظيم، المعتقد).
* إنجيل متّى/ الإصحاح ٥/
نصّ ٥، الموقع الالكتروني (تلمذة أُونلاين).
* ظ/ فلسفتنا للسيِّد
محمّد باقر الصدر: ٢٦.
* فلسفتنا للسيِّد محمّد
باقر الصدر: ٢٥.
* بحث حول المهدي للسيِّد
محمّد باقر الصدر: ٨٧/ منشورات مؤسّسة أحباب الصدّيقة الطاهرة/ النجف الأشرف.
* سنن أبي داود ٢: ٣١٠/ ط
١/ سنة ١٤١٠هـ/ دار الفكر.
* برناردشو لعبّاس محمود
العقّاد: ٧٥ و٧٦/ نشر مؤسّسة هنداوي للتعليم والثقافة/ القاهرة.
* المصدر السابق: ٧٦.
* العقيدة والشريعة في
الإسلام لجولد تسيهر: ٩٣/ ط ٢/ القاهرة، (مترجم).
* أعلام الهداية/ الإمام
المهدي المنتظر خاتم الأوصياء ١٤: ٢٢/ نشر المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)
في قم المقدَّسة.
* المهدي الموعود ودفع
الشبهات عنه للسيِّد عبد الرضا الشهرستاني: ٦.
* انثروبولوجيا الإسلام
للدكتور أبي بكر باقادر: ٤١٥/ ط ١/ سنة ٢٠٠٥م/ دار الهادي/ بيروت.
* المصدر السابق: ٤٢٩.
* المدرسة القرآنية
للسيِّد محمّد باقر الصدر: ١١٦/ ط ١٤٣٤هـ/ إصدار مركز الأبحاث التخصّصية للشهيد
الصدر.
* (الكوسمولوجية)، هو
مصطلح اغريقي قديم يرمز إلى دراسة الكون على أساس مادّي صرف بمعزل عن الرؤية
الدينية.
* المدرسة الإسلاميَّة
للسيِّد محمّد باقر الصدر: ١٧/ منشورات مؤسّسة المؤتمر العالمي للإمام الشهيد
الصدر.
* الغيبة للطوسي: ٤٧٣/ ط
١/ سنة ١٤١١هـ/ مؤسّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم المقدَّسة.
* تذكرة الفقهاء للعلَّامة
الحلّي ٩: ٣٩٥/ ط ١/ سنة ١٤١٩هـ/ مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث/ قم.
* (الثيموس) هو اصطلاح
اغريقي قديم يُطلَق على سمة الشهور بتقدير الذات والرغبة في نيل الاعتراف.
* نهاية التاريخ وخاتم
البشر لفرانسيس فوكوياما: ١٨٤/ ط ١/ الأهرام/ ترجمة حسين أحمد أمين.
* بناء الدولة - النظام
العالمي ومشكلة الحكم والإرادة في القرن الحادي والعشرين لفرانسيس فوكوياما: ١٩٥
و١٩٦/ المملكة العربية السعودية/ نقله إلى العربية مجاب الإمام.
* تذكرة الخواصّ لابن
الجوزي: ٣٦٣/ إصدار مكتبة نينوى الحديثة.
* نهج البلاغة: ١٩٦/ تحقيق
د. صبحي الصالح/ ط ١/ سنة ١٣٨٧/ نشر بيروت.
* الإرشاد للمفيد ٢: ٣٨٦/
ط ٢/ سنة ١٤١٤هـ/ مؤسّسة آل البيت لتحقيق التراث/ دار المفيد.
* الغيبة للنعماني: ٢٤٣/ ط
منشورات أنوار الهدى/ إيران/ قم.
* تفسير الرازي ١٦: ٤٠/ ط
٣.
الوهّابية بين المهدي المنتظر (عليه السلام) والدجّال الأكبر
الشيخ عبد الحميد الجاف
هذا
البحث في الحقيقة هو دراسة في أعماق الفكر الوهّابي الذي يؤمن بالدجّال وحياته،
جعلت منه يحتلُّ مكانة مهمَّة في هذا الفكر، وتغيب على إثر ذلك عقيدة المهدي
المنتظر (عليه السلام).
تكمن أهمّية البحث ليس في أهمّية إثبات حياة الإمام المهدي (عليه السلام) فحسب، بل في
إثبات أهمّية الإمامة وكونها من أُصول الدين وأحقّية الشيعة في معرفة واتِّباع إمام
زمانهم دون من سواهم من المدَّعين، وكذلك اكتمال عقد الاثني عشر إماماً وخليفةً
راشداً هادياً مهدياً؛ وبذلك يثبت أنَّ المذهب الشيعي الإمامي الاثني عشري هو
الصحيح، وهو الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بإذن الله، وهم أحقُّ الناس بالمهدي
(عليه السلام)، وأنَّهم حملة الحقِّ والأولى بالصدع به، وليس كما قيل ويقال هنا وهناك
من قِبَل المرجفين والمشكّكين والمستهزئين.
أمَّا محاور البحث فهي:
المحور الأوَّل: إثبات حياة المسيح الدجّال حتَّى يومنا هذا.
وبيان أنَّه إمَّا ابن صيّاد اليهودي الأصل، أو من حكاه تميم الداري في حديث
الجساسة.
المحور الثاني: التلازم والصراع التكويني بين الدجّال
الأكبر والمهدي المنتظر (عليه السلام).
المحور الثالث: وجود الإمام المهدي المنتظر (عليه
السلام)، وأنَّه الثاني عشر لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام).
المحور الأوَّل: إثبات حياة المسيح الدجّال حتَّى يومنا هذا:
سنقوم بمناقشة هذه المسألة التي كثيراً ما أُهملت وأُخفيت عن الساحة
الإسلاميَّة بجميع فئاتها - كالشباب المثقَّف والخطباء والعلماء والباحثين والكتّاب
-، مع ما لها من أهمّية تفوق الكثير من المواضيع الخلافية.
وتكمن أهمّيتها في كونها مسألة عقائدية وابتلائية عظمى، فبمعرفتها يُحدِّد المسلم
الطريق الذي ينبغي عليه سلوكه ليأمن من الفتن والبلايا بعد معرفته لممثِّل الباطل
والفتنة ليتجنَّبه، وعلمه بأنَّه موجود ومختفٍ - كما سنوضِّحه في هذا البحث على
مباني القوم في هذه العقيدة -، ويمكن خروجه وظهوره في أيِّ وقتٍ، فيعلم بالخطر الذي
يحيط به، وكيف يتخلَّص منه وينجو.
وخلاصة القول: إنَّ هذه المسألة من المسائل المعقَّدة والمركَّبة، بل المحرجة لأهل
السُّنَّة؛ ولذلك اضطرّوا إلى تعمّد إخفائها عن الأسماع، كي لا يُحرَجوا في الردِّ
حينما يستدلُّ بها الشيعة على إمكان وعدم استحالة طول عمر إنسان فيثبت بذلك وجود
المهدي (عليه السلام)، بل طول عمره وصحَّة ما ذهب إليه الإماميَّة من اعتقادهم
بالأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) بعد اكتمال عقدهم الطاهر بالإمام المهدي (عليه
السلام) الذي شكَّكوا واستهزأوا كثيراً بوجوده وحياته لئلَّا ينطبق حديث الخلفاء
الاثني عشر - بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وإلى قيام الساعة الموعود بهم
والمأمور الالتزام بسُنَّتهم واتِّباعهم - على أئمَّة الشيعة الذين أوَّلهم علي بن
أبي طالب (عليه السلام) وآخرهم المهدي (عليه السلام)، فيضطرّوا للتأويلات البعيدة
والضعيفة وغير المقنعة، والتي سنطَّلع عليها إن شاء الله تعالى في مطاوي هذا البحث.
فأقول وبالله التوفيق: إنَّ هذه المسألة - عندهم - لها ثلاثة
احتمالات هي:
أن يكون الدجّال هو الصحابي اليهودي الأصل ابن صيّاد.
أن يكون الدجّال هو من ذكره تميم الداري في حديث الجساسة.
أن يكون الدجّال غيرهما، وقد يقال: لم يُولَد بعد.
والفرض الأخير إن ثبت سقط بحثنا هذا رأساً، بل سوف يؤدّي إلى عكس المطلوب، ولكنَّه
فرض ساقط ودون إثباته خرط القتاد؛ لعدم وجود دليل صحيح يُثبِته، بل الأدلَّة على
خلافه، وعدم وجود قائل يُعتَدُّ بقوله يقول
بذلك،
وسوف نعرج على الفرض الثاني ونُثبِت أنَّه مجرَّد خرافة لا واقع وراءها ونُبيِّن
بطلانه بإذنه تعالى، مع دلالة هذا الفرض أيضاً - مع خرافته - على حياة الدجّال منذ
زمن النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، بل منذ عصر نبيّ الله سليمان (عليه
السلام).
فإذا أثبتنا الاحتمال الأوَّل فسيتمُّ - حينئذٍ - ما نحتاج إليه من العلاقة
والارتباط بالإمام المهدي (عليه السلام)، كونهما عدوّين لدودين أحدهما يُمثِّل الخير
المطلق، والآخر يُمثِّل الشر المطلق، وأعظم فتنة في الوجود وقبل المعاد.
أمَّا الفرض الأوَّل: كون الدجّال الأكبر هو ابن صيّاد:
فبعد البحث والتحقيق في الأدلَّة لهذه المسألة، ترجَّح لدينا هذا الاحتمال،
وتبيَّن لنا قوَّته ومتانته دون ما سواه من الاحتمالات الأُخرى، من عدَّة وجوه أذكر
منها:
١ - كثرة اختبار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لابن صيّاد
بنفسه وبغيره:
كما تشهد بذلك أحاديث صحيحة كثيرة، منها:
أ) ما رواه البخاري في صحيحه(١)
بسنده عن سالم، عن ابن عمر: أنَّ عمر بن الخطّاب انطلق مع رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) في رهط من أصحابه قِبَل ابن صيّاد، حتَّى وجده يلعب مع الغلمان في أُطُم
بني مغالة - وقد قارب ابن صيّاد يومئذٍ الحُلُم - فلم يشعر حتَّى ضرب رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) ظهره بيديه، ثمّ قال: «أتشهد أنّي رسول الله؟»، فنظر إليه
فقال: أشهد أنَّك رسول الأُمّيين، ثمّ قال ابن صيّاد: أتشهد أنّي رسول الله؟...،
ثمّ قال: «آمنت بالله ورسله...»، وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّي
خبَّأت لك خبيئاً»، قال: هو الدخ، قال: «اخسأ، فلن تعدو قدرك». قال عمر: يا رسول
الله، أتأذن لي فيه أضرب عنقه؟ قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إن
يكن هو لا تُسلَّط عليه، وإن لم يكن هو فلا خير لك في قتله».
وعند البخاري (ج ٢/ ص ٩٦) و(ج ٤/ ص ٣٢)، وعند مسلم (ج ٨/ ص ١٩٢) بسندهما لابن عمر:
... فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم):
«إن يكنه فلن تُسلَّط عليه، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله».
ب) ثمّ قال سالم: قال ابن عمر: انطلق النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد ذلك مع
أُبي بن كعب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) صحيح البخاري ٤: ٣٣، و٧: ١٢٨، و١١: ٩٢؛ وصحيح مسلم ٨: ١٩٢.
يؤمّان النخل الذي فيه ابن صيّاد، حتَّى إذا دخل النخل (وهو يختلُّ)...، فرأت
أُمُّ ابن صيّاد النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهو يتَّقي بجذوع النخل، فقالت
لابن صيّاد: أي صاف، فثار ابن صيّاد، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لو
تركته بيَّن»، وقال سالم: قال ابن عمر: ثمّ قام رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
في الناس فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ ذكر الدجّال فقال: «إنّي أنذركموه، وما
من نبيٍّ إلَّا قد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكن سأقول لكم فيه قولاً لم
يقله نبيٌّ لقومه، تعلمون أنَّه أعور وأنَّ الله ليس بأعور»(٢).
وواضح من هذه الرواية أنَّ النبيَّ يربط ويجمع بين ابن صيّاد والدجّال.
ت) وعن ابن مسعود أخرجه مسلم(٣)،
قال: كنّا مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فمررنا بصبيان فيهم ابن صيّاد،
ففرَّ الصبيان وجلس ابن صيّاد، فكأنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كره ذلك،
فقال له النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «تربت يداك، أتشهد
أنّي رسول الله؟»، فقال: لا بل تشهد أنّي رسول الله، فقال عمر بن الخطّاب: ذرني يا
رسول الله حتَّى أقتله، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إن يكن الذي ترى
فلن تستطيع قتله».
وفي لفظ آخر عنده أيضاً، قال: ... فقال عمر: يا رسول الله، دعني فأضرب عنقه، فقال
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «دعه فإن يكن الذي تخاف لن تستطيع قتله».
ومن مجموع هذه الروايات - عند القوم -، يتبيَّن لنا بأنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) كان على أقلِّ تقدير يحتمل ويُرجِّح بأنَّ هذا الغلام اليهودي (ابن
صيّاد) هو المسيح الدجّال، إن لم يكن يعلم يقيناً -كما أقطع به - بأنَّه هو،
وإنَّما كان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يختبره كثيراً (ظاهراً) لإقامة
الحجَّة عليهم فحسب، أو ليُصدِّقه الصحابة عندما يُخبِرهم (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
بشأنه بعد بيان كفره وشعوذته عند تصريحه بهما وسماعهم لذلك بأنفسهم، كما يُفهَم ذلك
ممَّا في آخر الرواية وهو قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لو تركته بيَّن».
فلو أمعنا النظر في الروايات السابقة نجد أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد
اختبر ابن صيّاد.
وكذلك يشهد قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعمر عندما طلب قتله: «إن
يكن هو فلن تُسلَّط عليه»، وفي رواية جابر: «لست بصاحبه إنَّما صاحبه عيسى بن مريم»،
فيه دلالة قاطعة على كون ابن صيّاد هو المسيح الدجّال لا غيره بشهادة واتِّفاق
الجميع بأنَّ عيسى (عليه السلام) هو صاحب - أي قاتل - الدجّال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقد
يقال بأنَّ جواب النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لعمر صريح في أنَّه تردَّد في
أمره، لأنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) احتمل كونه هو - أي الدجّال - أو غيره.
وقد ردَّ ابن بطّال عنه - وقد كفانا المؤنة -، فقال ما نصّه: (وعن ذلك جوابان:
أحدهما: أنَّ الترديد كان قبل أن يُعلِمه الله تعالى بأنَّه هو الدجّال، فلمَّا
أعلمه - أي بأنَّه هو - لم ينكر على عمر حلفه، والثاني: أنَّ العرب قد تُخرِج
الكلام مخرج الشكِّ وإن لم يكن في الخبر شكٌّ، فيكون ذلك من تلطّف النبيِّ (صلّى
الله عليه وآله وسلم) بعمر في صرفه عن قتله)، انتهى ملخَّصاً عن ابن حجر في فتح الباري (ج
١٣/ ص ٢٧٤).
ولذلك لم ينكر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على عمر عندما حلف بحضرته بأنَّ ابن
صيّاد هو الدجّال.
وقد فهم البخاري ذلك أيضاً، فبوَّب لهذا الحديث بقوله: (باب من رأى النكير من
النبيِّ حجَّة لا من غير الرسول).
ثمّ قال ابن حجر(٤):
(ولشدَّة التباس الأمر في ذلك سلك البخاري مسلك الترجيح، فاقتصر على حديث جابر عن
عمر في ابن صيّاد، ولم يُخرِّج حديث فاطمة بنت قيس في قصَّة تميم).
وهذا اعتراف من ابن حجر بأنَّ البخاري يُرجِّح كون الدجّال هو ابن صيّاد.
ويشهد من نفس الرواية أيضاً بأنَّ ابن صيّاد هو الدجّال تصريحه في جوابه للنبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) - عندما اختبره وعرض عليه الإسلام - بأنَّه (صلّى الله
عليه وآله وسلم) رسول الأُمّيين، وهذه الكلمة تشهد على يهوديته. وجواب النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) له بقوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «آمنت
بالله ورسله»، وهذا الجواب منه (صلّى الله عليه وآله وسلم) إنَّما قصد منه
أنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) يؤمن بالله وما يُرسِل من أصناف الرسل بالمعنى
الأعمّ لا خصوص الأنبياء، كالملائكة والشياطين والرياح... الخ. فإنَّ الإقرار
لدجّال مثل ابن صيّاد بالرسالة التي هي بمعنى النبوَّة كفر يستحيل صدوره منه (صلّى
الله عليه وآله وسلم)؛ إذ أنَّه من المعلوم بالضرورة لكلِّ مسلم أنَّ النبيَّ (صلّى
الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين، فكيف ننسب للنبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) التصديق بأنَّ الدجّال رسول من الله تعالى أيضاً؟ هل غاب هذا الضروري على
من بلغنا به
وعلمنا
إيّاه؟ فهذا لا يقول به مسلم. أم تقولون: قد لا يكون الله تعالى أخبره بعد بأنَّه
(صلّى الله عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين، فأقول: إنَّ الحديث نفسه - من
أوَّله إلى آخره - يُكذِّب هذا الزعم؛ ففيه: قول عمر للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم): أتأذن لي فيه أضرب عنقه. يدلُّ على فهم عمر كفره واستحقاقه للقتل بادِّعائه
النبوَّة، لعدم وجود سبب آخر لقتله، مع عدم إنكار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
قول عمر، وقد فهم ذلك كلُّ من شرح الحديث، فقد قال ابن حجر: قال الخطّابي: وإنَّما
لم يأذن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في قتله مع ادِّعائه النبوَّة بحضرته
لأنَّه كان غير بالغ، أو لأنَّه كان من جملة أهل العهد. ثمّ قال ابن حجر: (والثاني
هو المتعيَّن، وقد جاء مصرَّحاً به في حديث جابر عند أحمد، وفي مرسل عروة من قوله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) لعمر: «فلا يحلُّ لك قتله»)،
انتهى كلام ابن حجر في فتح الباري (ج ٦/ ص ١٢١).
وقال ابن حجر أيضاً في فتحه (ج ٦/ ص ١١٩): (قوله: (فقال ابن صيّاد: أتشهد أنّي رسول
الله؟)، قال الزين ابن المنير: إنَّ عرض النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) الإسلام
على ابن صيّاد يدلُّ على أنَّه ليس الدجّال المحذَّر منه. قلت -أي ابن حجر-: ولا
يتعيَّن ذلك، بل الذي يظهر أنَّ أمره كان محتملاً، فأراد اختباره بذلك، فإن أجاب
غلب ترجيح أنَّه ليس هو، وإن لم يجب تمادى الاحتمال. أو أراد باستنطاقه إظهار كذبه
المنافي لدعوى النبوَّة)، انتهى بلفظه.
أقول: وفيه أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)
رضَّه، ثم قال له: «آمنتُ بالله ورسله»، والرضُّ من
النبيِّ لا يجوز قطعاً، فالرضُّ إنَّما يدلُّ على الاستياء والإنكار.
وفيه أيضاً: قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) له: «اخسأ فلن
تعدو قدرك»، وكذا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) له: «خُلِطَ عليك الأمر»؛
فهذه الأقوال كلّها لا تتناسب مع احتمال نبوَّته، بل فيها تصريح وتوضيح منه (صلّى
الله عليه وآله وسلم) بعدم نبوَّته، بل الجزم بكونه الدجّال؛ فكيف يزعم هؤلاء
العلماء أنَّه ادَّعى النبوَّة أمام النبيِّ ولم يقتله النبيُّ؟ ولذلك قال له:
«أعددت لك شيئاً»، وكذا جوابه لعمر عند طلب عمر قتله بقوله (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
له: «إن يكن هو - أي الدجّال - لا تُسلَّط عليه - أو فلست بصاحبه، إنَّما صاحبه
عيسى بن مريم، وإن لم يكنه فلا خير لك في قتله - أو فلا تُسلَّط عليه -»،
ولم
يقل لعمر: إنَّه نبيٌّ، أو: لا يجوز لك قتله لاحتمال كونه نبيَّاً. فتبيَّن أنَّ
ابن صيّاد لم يدَّع النبوَّة.
وأيضاً فالإرسال لغةً وشرعاً هو: مطلق البعث، لأنَّ الله تعالى استعمل هذه الكلمة
بهذا المعنى بشكل واسع وكبير، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي
أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ (الفرقان: ٤٨)، و﴿أَنَّا
أَرْسَلْنَا الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم:
٨٣)، و﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾
(نوح: ١١)، فالرياح مرسلة، والشياطين مرسلة، وكذا السماء أي المطر مرسل أيضاً من
الله تعالى. وليس الرسل من الأنبياء فقط هم المرسلون منه تعالى، قال الراغب الأصبهاني في المفردات: (الرسول: المنبعث، ورسل الله تارةً يُراد بها الملائكة
وتارةً يُراد بها الأنبياء...، والإرسال - والقول للراغب - يقال في الإنسان وفي
الأشياء المحبوبة والمكروهة، وقد يكون ذلك بالتسخير كإرسال الريح والمطر، وقد يكون
ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ
عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ (الأنعام: ٦١)، وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ
فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (الشعراء: ٥٣)، وقد يكون ذلك بالتخلية وترك المنع نحو:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا
الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم: ٨٣)، والإرسال
يقابل الإمساك، ﴿وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ
بَعْدِهِ﴾ (فاطر: ٢)... إلخ.
ثمّ قال ابن حجر في الفتح (ج ٦/ ص ١٢١) ما نصّه: لم يُصرِّح - أي ابن صيّاد - بدعوى
النبوَّة، وإنَّما أوهم أنَّه يدَّعي الرسالة - ولا يلزم من دعوى الرسالة دعوى
النبوَّة -، قال الله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا
الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم: ٨٣)، انتهى.
فتلخَّص من كلِّ ما تقدَّم أنَّ قول النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لابن صيّاد:
«آمنت بالله ورسله» يحتمل أحد معنيين:
الأوَّل: كان من استعمال التورية والمداراة والأخلاق
العظيمة والتواضع الرفيع لرسول الله أمام ابن صيّاد حتَّى مع علمه بدجله وكذبه
وادِّعائه أمراً ليس له وأنَّه سيكون في المستقبل عدوَّاً لله (عزَّ وجلَّ)،
والتورية هنا بإفهامه (صلّى الله عليه وآله وسلم) لابن صيّاد والتظاهر أمامه بأنَّه
يمكن أن يثق بما يدَّعيه، وأنَّ ما يدَّعيه له حظٌّ
من
الإمكان لا الاستحالة، ولا الاستئثار بشيء دونه لو ثبت له شيء من الله (عزَّ وجلَّ)
حقَّاً، وإفهام ابن صيّاد بأنَّ النبيَّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) صدَّقه في
ادِّعائه للرسالة التي هي بمعنى النبوَّة والإرسال من الله (عزَّ وجلَّ)، بينما
النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أراد وقصد بقوله هذا أحد معاني كلمة الرسول التي
تليق بالدجّال كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا
الشَّياطِينَ عَلَى الْكافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (مريم: ٨٣)، أي بمعنى التخلية وترك المنع.
والثاني: هو كون ابن صيّاد رسولاً لله تعالى بالمعنى اللغوي والأعم (يعني: عدم منع
الله تعالى خروجه وفتنته للناس)، وهذا لا إشكال فيه كما بيَّناه قريباً، ولا نحتاج
إلى الحمل على التورية والمداراة، والله العالم، انتهى.
ث) أخرج الهيثمي في مجمع الزوائد عن أبي ذر أنَّه كان يقول: (لئن أحلف عشر مرّات
أنَّ ابن صيّاد هو الدجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف مرَّة واحدة أنَّه ليس به، إنَّ
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعثني إلى أُمِّه فقال: «سَلْها كم حملت به؟»،
قال: فأتيتها فسألتها فقالت: حملت به اثني عشر شهراً، قال: ثمّ أرسلني إليها فقال:
«سَلْها عن صيحته حين وقع»، قال: فرجعت إليها فسألتها فقالت: صاح صياح الصبي ابن
شهر، ثمّ قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّي قد خبَّأت له خبئاً عظم
شاة عفراء والدخان»، قال: فأراد أن يقول: الدخان فلم يستطع، فقال: الدخ، فقال رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «اخسأ فإنَّك لن تعدو قدرك»)(٥).
ثمّ قال الحافظ الهيثمي: (رواه أحمد والبزّار والطبراني في الأوسط، ورجال أحمد رجال
الصحيح غير الحارث بن حصيرة، وهو ثقة).
٢ - اعتقاد الصحابة أنَّ ابن صيّاد هو الدجّال:
أ) أخرج البخاري عن محمّد بن المنكدر، قال: (رأيت جابر بن عبد الله يحلف
بالله أنَّ ابن الصائد الدجّال. قلت: تحلف بالله؟ قال: إنّي سمعت عمر (ابن الخطّاب)
يحلف على ذلك عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) فلم ينكره النبيُّ (صلّى الله
عليه وآله وسلم))(٦).
ب) وقد أخرج أبو داود بسند صحيح عن نافع، قال: كان ابن عمر يقول: (والله ما أشكُّ
أنَّ المسيح الدجّال هو ابن صيّاد)، قاله ابن حجر في الفتح (ج ١٣/ ص ٢٧٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤)
فتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٣: ٢٧٧.
(٥)
مجمع الزوائد للهيثمي ٨: ٢.
(٦)
صحيح البخاري ٨: ١٥٨؛ وصحيح مسلم ٨: ١٩٢.
ت)
وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبراني عن أبي ذر: (لئن أحلف عشر مرّات أنَّ ابن صيّاد هو
الدجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف مرَّة واحدة أنَّه ليس به...)، قال: ابن حجر في فتح
الباري (ج ١٣/ ص ٢٧٨): (سنده صحيح)، وكذلك وثَّق رجال سنده الهيثمي في مجمع زوائده.
ث) وأخرج الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٨/ ص ٤ و٥) عن عبد الله بن مسعود، قال: (لئن
أحلف بالله تسعاً أنَّ ابن صيّاد هو الدجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلف واحدة أنَّه
ليس به)، وقال: رواه الطبراني وأبو يعلى بنحوه باختصار، ورجال أبي يعلى رجال
الصحيح.
ج) أخرج مسلم رواية عن نافع، قال: (لقي ابن عمر ابن صائد في بعض طرق المدينة، فقال
له قولاً أغضبه، فانتفخ حتَّى ملأ السكَّة، فدخل ابن عمر على حفصة وقد بلغها، فقالت
له: رحمك الله ما أردت من ابن صائد؟ أمَا علمت أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) قال: «إنَّما يخرج من غضبة يغضبها»)(٧).
وقد أخرجه عبد الرزّاق بمعناه في مصنَّفه من وجه آخر بسند صحيح عن ابن عمر، قال:
(... فذكرت ذلك لحفصة فقالت حفصة: اجتنب هذا الرجل فإنَّما يُتحدَّث أنَّ الدجّال
يخرج عند غضبة يغضبها)، انتهى عن ابن حجر في الفتح (ج ١٣/ ص ٢٧٤)، نقله أيضاً عن
ابن بطّال.
ثمّ عقَّب ابن حجر على الروايات السابقة بقوله: (في قصَّة حفصة وابن عمر دليل على
أنَّهما أرادا الدجّال الأكبر، واللام في القصَّة الواردة عنهما للعهد لا للجنس).
أقول: أُنظر إلى التسليم من كون ابن صيّاد هو
الدجّال، بحيث أنَّ حفصة تعزو سبب خروج الدجّال إلى غضبة يغضبها، وتنكر على أخيها
إغضابه لابن صيّاد.
ح) ويتأكَّد موقف حفصة من الدجّال ووجوده بينهم وإمكان خروجه في أيِّ وقتٍ عندما
ادَّعت مزاحاً وتخويفاً لسودة زوج النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عندما غارت منها
كما روى ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد (ج ٤/ ص ٣١٦): عن رزينة مولاة رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم) أنَّ سودة اليمانية جاءت عائشة تزورها وعندها حفصة بنت عمر،
فجاءت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) صحيح مسلم ٨: ١٩٤.
سودة
في هيئة وفي حالة حسنة عليها برد من دروع اليمن...، فقالت حفصة لعائشة: يا أُمَّ
المؤمنين، يجيء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وهذه بيننا تبرق، فقالت أُمُّ
المؤمنين: اتَّقي الله يا حفصة، فقالت: لأفسدنَّ عليها زينتها، قالت: ما تقلن؟ وكان
في أُذُنها ثقل، قالت لها حفصة: يا سودة خرج الأعور، قالت: نعم، ففزعت فزعاً
شديداً، فجعلت تنتفض، قالت: أين أختبئ؟ قالت: عليكِ بالخيمة - خيمة لهم من سعف
يختبئون فيها -، فذهبت فاختبأت فيها وفيها القذر ونسيج العنكبوت، فجاء رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) وهما تضحكان لا تستطيعان أن تتكلَّما من الضحك، فقال:
«لماذا الضحك؟» ثلاث مرّات، فأومأتا بأيديهما إلى الخيمة، فذهب فإذا سودة ترعد،
فقال لها: «يا سودة، ما لكِ؟»، قالت: يا رسول الله، خرج الأعور، قال: «ما خرج،
وليخرجنَّ. ما خرج، وليخرجنَّ»، فأخرجها فجعل ينفض عنها الغبار ونسيج العنكبوت.
رواه أبو يعلى والطبراني، إلَّا أنَّه قال: فقالت حفصة لعائشة: يدخل علينا رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ونحن فسقتين وهذه بيننا تبرق.
خ) ووقع لابن صيّاد مع أبي سعيد الخدري قصَّة أُخرى تتعلَّق بأمر الدجّال وابن
صيّاد، فقد أخرج مسلم عن أبي سعيد قال: (قال لي ابن صائد وأخذتني منه ذمامة: عذرت
الناس ما لي ولكم يا أصحاب محمّد؟ ألم يقل نبيُّ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):
«إنَّه يهودي»، وقد أسلمت. وقال: «لا يُولَد له»، وقد وُلِدَ لي. وقال: «إنَّ الله
قد حرَّم عليه مكّة»، وقد حججت؟ قال: فما زال حتَّى كاد يأخذني قوله، قال: فقال له:
أمَا والله إنّي لأعلم الآن حيث هو وأعرف أباه وأُمَّه، قال: وقيل له: أيسرّك أنَّك
ذاك الرجل؟ قال: فقال لو عُرِضَ عليَّ ما كرهت)(٨).
وفي لفظ: قال: ثم قال في آخر قوله: (أمَا والله إنّي لأعلم مولده ومكانه وأين هو،
قال: فلبسني)(٩).
وفي لفظ آخر عند مسلم: (فقال أبا سعيد: لقد هممتُ أن آخذ حبلاً فأُعلِّقه بشجرة ثمّ
أختنق ممَّا يقول لي الناس، يا أبا سعيد من خفى عليه حديث رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) ما خفى عليكم معشر الأنصار، ألستَ من أعلم الناس بحديث رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ أليس قد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «هو كافر»؟
وأنا مسلم. أوَليس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد قال
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «هو عقيم لا يُولَد له»؟ وقد تركت ولدي
بالمدينة. أوَليس قد قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لا يدخل المدينة ولا
مكّة»؟ وقد أقبلت من المدينة وأنا أُريد مكّة. قال أبو سعيد الخدري: حتَّى كدت أن
أعذره، ثمّ قال: أمَا والله إنّي لأعرفه وأعرف مولده وأين هو الآن، قال: قلت له:
تباً لك سائر اليوم)(١٠).
أقول: نرى بوضوح من خلال هذه الحادثة تسليم الصحابة وسائر الناس بأنَّ ابن الصيّاد
هو الدجّال الأكبر.
٣ - بقاء ابن صيّاد حيَّاً حتَّى الآن وأنَّه اختفى ولم يمت:
وهذا أيضاً شاهد وقرينة يقوّي أنَّ كون ابن صيّاد هو الدجّال كما ذكره كلٌّ
من: أبو داود في سننه وابن أبي شيبة في مصنَّفه، عن جابر، قال: (فقدنا ابن صيّاد
يوم الحَرَّة)(١١).
قال الإمام النووي(١٢):
(وأمَّا إظهاره الإسلام وحجّه وجهاده وإقلاعه عمَّا كان عليه، فليس بصريح في أنَّه
غير الدجّال، قال الخطّابي: واختلف السلف في أمره (ابن صيّاد) بعد كبره، فروي عنه
أنَّه تاب من ذلك القول ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن
وجهه حتَّى رآه الناس، وقيل لهم: اشهدوا. قال: وكان ابن عمر وجابر فيما روي عنهما
يحلفان أنَّ ابن صيّاد هو الدجّال لا يشكّان فيه، فقيل لجابر: إنَّه أسلم، فقال:
وإن أسلم، فقيل: إنَّه دخل مكّة، وكان في المدينة، فقال: وإن دخل.
وروى أبو داود في سننه بإسناد صحيح عن جابر، قال: (فقدنا ابن صيّاد يوم الحَرَّة)،
وهذا يُبطِل رواية من روى أنَّه مات بالمدينة وصُلّي عليه. وقد روى مسلم ... أنَّ
جابر بن عبد الله حلف بالله تعالى أنَّ ابن صيّاد هو الدجّال، وأنَّه سمع عمر يحلف
على ذلك عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) فلم ينكره النبيُّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم). وروى أبو داود بإسناد صحيح عن ابن عمر أنَّه كان يقول: والله ما أشكُّ أنَّ
ابن صيّاد هو المسيح الدجّال).
ثمّ قال النووي: (قال البيهقي في كتابه البعث والنشور: اختلف الناس في أمر ابن
صيّاد اختلافاً كثيراً هل هو الدجّال؟ قال: ومن ذهب إلى أنَّه غيره
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) المصدر السابق.
(١١) سنن أبي داود ٢: ٣٢٢؛ والمصنَّف لابن أبي شيبة ٨: ٦٦١.
(١٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٨: ٤٧ و٤٨؛ واُنظر تحفة الأحوذي
للمباركفوري الذي نقله عن النووي.
احتجَّ
بحديث تميم الداري في قصَّة الجساسة الذي ذكره مسلم بعد هذا، قال: وليس في حديث
جابر أكثر من سكوت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لقول عمر، فيحتمل أنَّه
(صلّى الله عليه وآله وسلم) كان كالمتوقِّف في أمره، ثمّ جاءه البيان أنَّه غيره كما صرَّح
به في حديث تميم هذا كلام البيهقي، وقد اختار أنَّه غيره، وقد قدَّمنا أنَّه صحَّ
عن عمر وعن ابن عمر وجابر أنَّه الدجال، والله أعلم).
وقال العظيم أبادي(١٣):
(فقدنا ابن صيّاد يوم الحَرَّة) هو يوم غلبة يزيد بن معاوية على أهل المدينة
ومحاربته إيّاهم، وهذا يخالف ما في رواية جابر المتقدّمة من أنَّه قد مات، قال
القاري نقلاً عن الطيّبي: قيل: هذا يخالف رواية من روى أنَّه مات بالمدينة وليس
بمخالف، قال (القاري): وهو مخالف؛ إذ يلزم من فقده المحتمل موته بها وبغيرها، وكذا
بقاؤه في الدنيا إلى حين خروجه عدم جزم موته بالمدينة)، انتهى.
وقال العلَّامة العيني(١٤):
(وقال الخطّابي: اختلف السلف في أمره بعد كبره، فروي عنه أنَّه تاب من ذلك القول
ومات بالمدينة، وأنَّهم لمَّا أرادوا الصلاة عليه كشفوا عن وجهه حتَّى رآه الناس،
وقيل لهم: اشهدوا، واعتُرِضَ عليه بما رواه أبو داود بسند صحيح عن جابر، قال:
(فقدنا ابن صيّاد يوم الحَرَّة)، ويُرَدُّ بهذا قول من قال: إنَّه مات بالمدينة
وصلّوا عليه، وفي كتاب الفتوح لسيف: لمَّا نزل النعمان على السوس أعياهم حصارها،
فقال لهم القسّيسون: يا معشر العرب، إنَّ ممَّا عهد علماؤنا وأوائلنا أن لا يفتح
السوس إلَّا الدجّال، فإن كان فيكم تستفتحونها، فإن لم يكن فيكم فلا. قال: وصادف
ابن صيّاد في جند النعمان وأتى باب السوس غضباناً فدقَّه برجله وقال: انفتح،
فتقطَّعت السلاسل وتكسَّرت الأغلاق وانفتح الباب فدخل المسلمون).
وفي عقد الدرر في أخبار المنتظر للمقدسي (ج ١/ ص ٦١): (عن شبل بن عروة، عن أبيه،
قال: لمَّا فتحنا أصبهان كان بين عسكرنا وبين اليهود فرسخ، فدخلت أقضي حوائج لي
فأمسيت، وخشيت أن أقتطع دون العسكر، فقلت لصديق لي من اليهود: أبيت عندك الليلة؟
قال: نعم. فبتُّ على سطح له، فسمعت اليهود في تلك الليلة يضربون بالدفوف ويزفنون،
فقلت لصديقي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) عون المعبود في شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي السلفي ١١: ٣٢٤.
(١٤) عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعلَّامة العيني ٨: ١٧٢.
كأنَّكم تريدون أن تنتزعوا يداً من طاعة. قال: لا، ولكن ملكنا الذي يستفتح به على
الرعب يدخل غداً. قال: فصلَّيت الصبح، وقعدت على السطح حتَّى طلعت الشمس، وأقبل رهج
من قِبَل عسكرنا، فإذا أنا برجل في قبَّة ريحان، وإذا اليهود حوله يضربون بالدفوف
ويزفنون، فإذا هو ابن صيّاد. قال: فدخل، فلم يُرَ إلى هذه الغاية. أخرجه الإمام أبو
الحسين أحمد بن جعفر المنادي في كتاب الملاحم).
الفرض الثاني: كون الدجّال هو من حكاه تميم الداري في قصَّة
الجساسة:
وهذا الفرض لو سلَّمنا بثبوته جدلاً فهو أيضاً يتمُّ به المطلوب، وهو إمكان
وجود إنسان حيّ يُرزَق بعمر طويل، والذي عقدنا هذا البحث لإثباته، فتنتفي بذلك شبهة
عدم إمكان طول العمر لإنسان لمئات السنين.
ومن الملفت للنظر تسليم السلف من الصحابة التابعين والمتقدِّمين بأنَّ ابن صيّاد هو
الدجّال دون نقاش أو شكّ كما قدَّمناه، ودون وجود أيّ منكر أو مخالف. وأمَّا
المتأخرون فانقسموا في ذلك إلى صنفين: منهم من رجَّح كون الدجال هو ابن صيّاد،
ومنهم من لم يستطع ردّ حديث الجساسة فرجَّحه على أدلَّة كونه ابن صيّاد.
لقد أخذ بعض المتأخّرين بحديث الجساسة، وتأوَّل صريح أدلَّة كونه ابن صيّاد، وخالف
إجماع السلف من الصحابة والتابعين والأحاديث التي تُثبِت ذلك.
وأمَّا المنصفون من محقِّقي المتأخّرين فذهبوا إلى كونه ابن صيّاد كالنووي الذي
رجَّح كونه ابن صيّاد وردَّ على البيهقي، وكذلك الخطّابي قد رجَّح ذلك، ولكن ابن
حجر العسقلاني جمع بين الحديثين دون أن يُكلِّف نفسه ردّ حديث الجساسة أو تأويله.
أقول: إنَّ ابن حجر حين جمع بين القولين وقال ما قال
غفل أو بالأحرى تغافل عن الكثير من الأحاديث التي تُثبِت ولادة ابن صيّاد من أبوين
يهوديين في المدينة، واختبار النبيِّ له، ومن ثَمَّ إسلامه وزواجه وحجّه وجهاده
و... الخ ممَّا قدَّمناه ونصَّت عليه الأحاديث الصحيحة التي خرَّجها البخاري وشرحها
هو نفسه.
وبعد
أن تكلَّمنا عن قصَّة الجساسة وحديث تميم الداري ينبغي لإتمام البحث أن نذكر الحديث
الذي وصفناه بالخرافة والاضطراب، ونترك الحكم للقارئ اللبيب:
فقد روى مسلم في صحيحه عن الشعبي قوله: حدَّثتني فاطمة بنت قيس: ... فقالت: سمعت
نداء المنادي - منادي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) - ينادي: الصلاة جامعة،
فخرجت إلى المسجد فصلَّيت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فكنت في صفِّ
النساء التي تلي ظهور القوم، فلمَّا قضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) صلاته
جلس على المنبر وهو يضحك فقال: «ليلزم كلُّ إنسان مصلَّاه»، ثمّ قال: «أتدرون لِمَ
جمعتكم؟»، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «إنّي والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة
ولكن جمعتكم لأنَّ تميماً الداري كان رجلاً نصرانياً فجاء فبايع وأسلم وحدَّثني
حديثاً وافق الذي كنت أُحدِّثكم عن مسيح الدجّال، حدَّثني أنَّه ركب في سفينة بحرية
مع ثلاثين رجلاً من لخم وجذام، فلعب بهم الموج شهراً في البحر، ثمّ أرفؤا إلى جزيرة
في البحر حتَّى مغرب الشمس، فجلسوا في أقرب السفينة، فدخلوا الجزيرة، فلقيتهم
دابَّة أهلب كثير الشعر لا يدرون ما قُبُله من دُبُره من كثرة الشعر، فقالوا: ويلكِ
ما أنتِ؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيّها القوم انطلقوا إلى
هذا الرجل في الدير فإنَّه إلى خبركم بالأشواق، قال: لمَّا سمَّت لنا رجلاً فرقنا
منها أن تكون شيطانة، قال: فانطلقنا سراعاً حتَّى دخلنا الدير، فإذا فيه أعظم إنسان
رأيناه قطّ خلقاً وأشده وثاقاً، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه
بالحديد، قلنا: ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري، فأخبروني ما أنتم؟ قالوا: نحن
أُناس من العرب...، فقال: أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال:
أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أمَا إنَّه يوشك أن لا تثمر، قال:
أخبروني عن بحيرة الطبرية، قلنا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا:
هي كثيرة الماء، قال: أمَا إنَّ ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن عين زغر،
قالوا: عن أيِّ شأنها تستخبر؟ قال: هل في العين ماء؟ وهل يزرع أهلها بماء العين؟
قلنا له: نعم هي كثيرة الماء، وأهلها يزرعون من مائها، قال: أخبروني
عن
نبيِّ الأُمّيين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب، قال: أقاتله العرب؟
قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم، فأخبرناه أنَّه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه،
قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: أمَا إنَّ ذاك خير لهم أن يطيعوه، وإنّي
مخبركم عنّي، إنّي أنا المسيح، وإنّي أُوشك أن يُؤذَن لي في الخروج فأخرج فأسير في
الأرض فلا أدع قرية إلَّا هبطتها في أربعين ليلة غير مكّة وطيبة فهما محرَّمتان
عليَّ كلتاهما كلَّما أردت أن أدخل واحدة أو واحداً منهما استقبلني ملك بيده السيف
صلتاً يصدّني عنها، وإنَّ على كلِّ نقب منها ملائكة يحرسونها»، قالت: قال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) وطعن بمخصرته في المنبر: «هذه طيبة، هذه طيبة، هذه طيبة -
يعني المدينة -، ألَا هل كنت حدَّثتكم ذلك؟»، فقال الناس: نعم، [قال]: «فإنَّه
أعجبني حديث تميم أنَّه وافق الذي كنت أُحدِّثكم عنه وعن المدينة ومكّة...»، قالت:
فحفظت هذا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم).
أقول: كما ترى عزيزي القارئ اللبيب هذه الاختلافات
وهذا الاضطراب الوارد في أكثر تفاصيل الحكاية، حيث لا ندري: هل كان تميم هو من رأى
الدجّال وهو من خرج في تلك الرحلة، أم أنَّهم أبناء عمّه، أم أُناس من قومه؟ على
ثلاثة احتمالات لتعدّد نصوص مسلم التي لم نروها لطولها فيراجع نفس المصدر. وكذلك
مسألة السفينة هل انكسرت بهم ونجا بعضهم بالتعلّق ببعض ألواحها، أم أنَّها تاهت في
البحر فسقطوا في تلك الجزيرة، أم أنَّ البحر اغتلم بهم شهراً فأرفاوا في جزيرة
الدجّال؟ وكذلك مسألة الجساسة فمرَّة يقول بأنَّها دابَّة، وأُخرى إنسان، وثالثة
أنَّه شيء لا يدرون هل هو رجل أم امرأة، ورابعة هو شيء لا يدرون هل هو ذكر أو
أُنثى؟ وكذلك المتكلِّم على المنبر فمرَّة أنَّ رسول الله هو من حكى حكاية تميم
للناس، وأُخرى أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أصعد تميماً على منبره فحكى
الحكاية للناس، وهلمَّ جرَّاً في أكثر مفاصل هذه القصَّة، ما يدلُّ على اضطرابها
وافتعالها وعدم واقعيتها كما قدَّمنا.
بالإضافة إلى ورود ما يثير العجب فيه كعلم الدجّال بالغيب، ونصحه لتميم وأصحابه
وكفّار العرب، وتصديقه لنبوَّة النبيِّ ورسالته، حيث ورد فيه: (قال: أخبروني عن
نبيِّ الأُمّيين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكّة ونزل يثرب،
قال:
أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنَّه قد ظهر على من يليه من
العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟! قلنا: نعم، قال: أمَا إنَّ ذاك خير لهم أن
يطيعوه).
بالإضافة إلى غرابة الحكاية واستدلال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بها من كون
الدجّال لن يستطيع دخول المدينة تصديقاً لإخباره (صلّى الله عليه وآله وسلم) للناس
بذلك، مع كون هذا الأمر سيحصل عند خروج الدجّال وليس في زمنه، مع عدم الكلام عمَّن
حبسه وفعل به ذلك ومتى، لا من قِبَل الدجّال نفسه ولا من قِبَل رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم).
أمَّا الفرض الثالث: وهو أنَّ الدجّال غيرهما:
فقد ذكر ابن حجر جميع الأقوال والأحاديث التي تحكي أنَّ الدجّال غير ابن
صيّاد وغير ما حكاه حديث الجساسة وردَّها جميعاً، فقال:
(ما أخرجه من طريق جبير بن نفير وشريح بن عبيد وعمرو بن الأسود وكثير بن مرَّة،
قالوا جميعاً: الدجّال ليس هو إنساناً وإنَّما هو شيطان موثق بسبعين حلقة في بعض
جزائر اليمن لا يُعلَم من أوثقه سليمان النبيِّ أو غيره، فإذا آن ظهوره فكَّ الله
عنه كلّ عام حلقة، فإذا برز أتته أتان عرض ما بين أُذُنيها أربعون ذراعاً، فيضع على
ظهرها منبراً من نحاس، ويقعد عليه، ويتبعه قبائل الجنِّ، يُخرِجون له خزائن الأرض.
قلت - ابن حجر -: وهذا لا يمكن معه كون ابن صيّاد هو الدجّال، ولعلَّ هؤلاء مع
كونهم ثقات تلقّوا ذلك من بعض كتب أهل الكتاب.
وأخرج أبو نعيم أيضاً من طريق كعب الأحبار أنَّ الدجّال تلده أُمُّه بقوص من أرض
مصر، قال: وبين مولده ومخرجه ثلاثون سنة، قال: ولم ينزل خبره في التوراة والإنجيل،
وإنَّما هو في بعض كتب الأنبياء، انتهى.
وأخلق بهذا الخبر أن يكون باطلاً، فإنَّ الحديث الصحيح أنَّ كلَّ نبيٍّ قبل نبينا
أنذر قومه الدجّال، وكونه يُولَد قبل مخرجه بالمدَّة المذكورة مخالف لكونه ابن
صيّاد، ولكونه موثوقاً في جزيرة من جزائر البحر.
وذكر ابن وصيف المؤرِّخ أنَّ الدجّال من ولد شق الكاهن المشهور، قال: وقال: بل هو
شق نفسه أنظره الله، وكانت أُمُّه جنّية عشقت أباه فأولدها،
وكان
الشيطان يعمل له العجائب، فأخذه سليمان فحبسه في جزيرة من جزائر البحر، وهذا أيضاً
في غاية الوهي)(١٥).
فكما نرى أنَّ الحافظ ابن حجر العسقلاني يذكر كلّ حديث وقول يذكر الدجّال ويُبيِّن
أنَّه مردود ويحكم بأنَّه باطل وواهي، وأنَّه من مرويّات أهل الكتاب وليس من مرويات
الإسلام. بالإضافة إلى اصطدامها مع الأحاديث الصحيحة - عندهم - التي انحصر فيها قول
العلماء بكون الدجّال إمَّا ابن صيّاد أو ما حكاه تميم الداري، مع كون أكثرها تدلُّ
أيضاً على طول عمر الدجّال، فلاحظ.
انتهينا إلى هنا من ذكر الأقوال الثلاثة في الدجّال،
وبيَّنا أنَّ القولين الأوَّلين يتمُّ بهما المطلوب في بحثنا، وهو إثبات حياة
الدجّال عند أهل السُّنَّة وطول عمره. وبيَّنا أنَّ الاحتمال الأخير باطل ومرفوض
حتَّى عند أهل السُّنَّة، مع كون أكثر فروضه تدلُّ أيضاً على طول عمر الدجّال، مع
كونها لم يثبت واحد منها بدليل صحيح كما نقلناه بنصِّه وتمامه عن الحافظ ابن حجر
العسقلاني.
المحور الثاني: التلازم والصراع التكويني بين الدجّال
والمهدي المنتظر:
بعد أن تبيَّن بوضوح من خلال المحور الأوَّل اعتقاد أهل السُّنَّة بطول عمر
الدجّال من دون أيِّ نكير أو استشكال، نقول: فلماذا إذن تتضايقون من طول عمر وحياة
وليّ الله المهدي (عليه السلام) وتنكرونه أشدّ نكير!؟
فإن قال قائل: هناك فرق بينهما، وهو أنَّ حياة الدجّال وطول عمره ثابتة عندنا
بالأدلَّة، بخلاف المهدي (عليه السلام) فإنَّه لم يدلّ عندنا دليل على طول عمره
واستمرار حياته.
فأقول: إذن لا يتكلَّم متكلِّم ولا يدَّعي مدعَّ
بأنَّ ذلك وهم وخرافة وأمر مستحيل وغير معقول ولا تتحمَّله العقول!
وكذلك أقول: إنَّ أوجه العلاقة والصراع والملازمة التي تحكيها لنا الأدلَّة -
بالإضافة إلى الروايات الخاصَّة في إثبات ذلك عن أئمَّة الهدى - تؤكِّد وتدلُّ على
استمرار حياة الإمام المهدي (عليه السلام) وطول عمره واستمرار وجود حجج الله على خلقه
في كلِّ زمان ومكان؛ فيكون وجود وليّ الله - القائم على هداية خلق
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) فتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٣: ٢٧٧.
الله
والآخذ بأيديهم إلى صراط الله والحافظ لدين وشرع الله - ثابتاً بالأولوية، بل
مقدَّماً على وجود عدوّ الله والمضلِّل لخلق الله والقائم على فتنتهم وغوايتهم
وتضليلهم.
فقد أثبت سبحانه وتعالى في كتابه العزيز مثل هذه الملازمة وهذه السُّنَّة التكوينية
والتدافع بين الحقِّ والباطل والخير والشرّ، فقال عزَّ من قائل: ﴿وَلَوْ
لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرضُ وَلكِنَّ اللهَ
ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (البقرة: ٢٥١)، وقال أيضاً: ﴿وَلَوْ
لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ
مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحجّ: ٤٠)، ومن باب أولى
فإنَّ هذا التصارع المقتضي لهذا الوجود التكويني المستمرّ لأئمَّة الهدى والضلال
موجود مع الإمام المهدي (عليه السلام) كما أكَّد ذلك سبحانه بقوله: ﴿وَجَعَلْناهُمْ
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ (الأنبياء: ٧٣)، وقوله في مقابل ذلك: ﴿وَجَعَلْناهُمْ
أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (القصص: ٤١).
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه الحقيقة قائلاً(١٦):
(وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأُمَّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة
دلالة للصحيح من الأقوال: إنَّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجَّة، والله أعلم).
وممَّا يدلُّ على التلازم والعلاقة في أحوال وليّ الله المهدي (عليه السلام) وعدوّ
الله الدجّال، ما يلي:
١ - اهتمام النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بشأن الدجّال،
وكثرة ذكره للمسلمين، وتحذيرهم الشديد والمتكرِّر منه، وتخويفهم من عظيم
فتنته، وما إلى ذلك، كالتعوّذ منه في دُبُر كلِّ صلاة، وجعله أعظم فتنة للإنسانية،
وإخباره لهم بتحذير كلّ الأنبياء لأُممهم منه، وقيامه (صلّى الله عليه وآله وسلم)
بالتفتيش والبحث عنه بنفسه باصطحاب بعض أصحابه، وبإرسال بعض أصحابه للسؤال عنه
والتنقيب عن حاله وصفاته، وحلف البعض أمامه (صلّى الله عليه وآله وسلم) بكون ابن صيّاد
هو الدجّال دون أن يردَّهم.
بالإضافة إلى وصفه (صلّى الله عليه وآله وسلم) للناس أوصاف الدجّال وتعريفهم به، حيث
قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) فتح الباري شرح صحيح البخاري ٦: ٣٥٩.
لهم:
«ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة خلق أكبر من الدجّال»، رواه مسلم (ج ٨/ ص ٢٠٧)،
وشرحه النووي بقوله: (المراد أكبر فتنة وأعظم شوكة)، بل صرَّحت الروايات بالنصِّ
على ذلك كما رواه أحمد في مسنده (ج ٤/ ص ٢٠) والحاكم في مستدركه والطبراني في معجمه
وغيرهم بلفظ: «ما بين خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أكبر من فتنة الدجّال».
وفي مقابل ذلك ما فعله النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حول المهدي (عليه
السلام)
واهتمامه بذكره والتبشير به وصفاته وجعله أمل الأُمَّة وأمل تحقيق العدالة، وأنَّه
لا بدَّ من ظهوره ولو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد، ولا بدَّ من نصرته
واتِّباعه ومبايعته ولو حبواً على الثلج مبالغةً في الحضِّ على التشوّق له
واتِّباعه ولو بشقِّ الأنفس وصعوبة الوصول إليه.
٢ - تأكيد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على طول عمر
الدجّال، وكونه حيَّاً موجوداً في زمانه بالبحث والتقصّي عنه في زمانه، مع
إخباره عنه بأنَّه سيخرج في آخر الزمان قبل قيام الساعة وعند ظهور المهدي (عليه
السلام) ونزول عيسى بن مريم (عليه السلام) من السماء؛ فهذا كلّه تنظير وتقريب أيضاً
لفكرة بقاء الإمام الثاني عشر (عليه السلام) الذي سيظهر في آخر الزمان أيضاً ليقيم
دولة الحقِّ والمستضعفين والمظلومين والمؤمنين؛ ولذلك أكَّد النبيُّ الأعظم (صلّى
الله عليه وآله وسلم) على كون الأئمَّة والخلفاء الشرعيين والإلهيين من بعده وإلى
قيام الساعة هم اثنا عشر خليفة(١٧)
فقط وليس أكثر، وكونهم من قريش من بعده وإلى قيام الساعة، وأنَّه «لا يزال الأمر في
قريش ما بقي من الناس اثنان»(١٨)،
وكون الإمام المهدي (عليه السلام) آخرهم حيث أكَّد ذلك (صلّى الله عليه وآله وسلم)
بقوله: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث فيه
رجلاً منّي - أو من أهل بيتي - يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»(١٩)،
كما أوصى (صلّى الله عليه وآله وسلم) باتِّباع سُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده
والتمسّك بها والعضّ عليها بالنواجذ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) أخرج الحاكم في مستدركه (ج ٤/ ص ٥٠١) والهيثمي في مجمع الزوائد (ج
٥/ ص ١٩٠): عن مسروق، قال: كنّا جلوساً عند عبد الله وهو يُقرئنا القرآن، فقال رجل:
يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كم يملك هذه
الأُمَّة من خليفة؟ فقال عبد الله: ما سألني عنها أحد مذ قدمت العراق قبلك، ثمّ
قال: نعم، ولقد سألنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فقال: «اثنا عشر كعدَّة
نقباء بني إسرائيل»، ثمّ قال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزّار، وفيه مجالد بن سعيد
وثَّقه النسائي وضعَّفه الجمهور، وبقيَّة رجاله ثقات. وفي لفظ آخر عند أحمد (ج ١/ ص
٤٠٦) : عن مسروق، قال: كنّا مع عبد الله جلوساً في المسجد يُقرئنا فأتاه رجل فقال:
يا ابن مسعود، هل حدَّثكم نبيُّكم كم يكون من بعده خليفة، قال: نعم كعدَّة نقباء
بني إسرائيل. وقال ابن حجر في فتح الباري (ج ١٣/ ص ١٨٣): أخرجه أحمد والبزّار من
حديث ابن مسعود بسند حسن.
(١٨) متَّفق عليه، أُنظر: باب مناقب قريش وباب الأُمراء من قريش في صحيح
البخاري، وباب الناس تبع لقريش في صحيح مسلم.
(١٩) رواه أحمد ١: ٩٩؛ وأبو داود ٢: ٣٠٩؛ وابن ماجة ٢: ٩٢٩؛ والترمذي ٣:
٣٤٣، وقال: حديث حسن صحيح؛ وابن أبي شيبة في مصنَّفه ٨: ٦٧٩.
٣ - المحاكاة والتناغم بين أحاديث الدجّال وأحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام) من عدَّة وجوه، نذكر منها:
أ) كلٌّ من روايات المهدي (عليه السلام) والدجّال تتحدَّث عن الشخصيتين بعبارة
موحَّدة ومتطابقة، وهي: البعث أو الخروج، وهذه الألفاظ واضحة الدلالة والإشارة على
كونهما يظهران ويخرجان ويُبعَثان بعد غيبة واختفاء وليس بعد ولادة ووجود طبيعي، إذ
البعث والخروج يدلَّان على سبق وجود الشخص وتحقّقه بالخارج فيُبعَث أو يخرج أي يظهر
بعد خفاء واختباء وغيبة؛ وقد قال الأزهري في تهذيب اللغة (ج ١/ ص ٢٦٩): (بعث: قال
الليث: بعثت البعير فانبعث، إذا حللت عقاله وأرسلته لو كان باركاً فأثرته. قال:
(بعثته) من نومه فانبعث...، وقال الله (جلَّ وعزَّ): ﴿قالُوا
يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ (يس: ٥٢). والبعث في كلام العرب
على وجهين: أحدهما: الإرسال، كقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ
بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى﴾ (الأعراف: ١٠٣)، معناه: أرسلنا. والبَعْث:
إثارة باركٍ أو قاعدٍ. تقول: بعثت البعير فانبعث، أي أثرته فثار. والبَعْث أيضاً:
الإحياء من الله للموتى، ومنه قوله (جلَّ وعزَّ): ﴿ثُمَّ
بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (البقرة: ٥٦) أي أحييناكم. وقال شمر
في قوله: (بعثات) أي إثارات وهَيْجات. قال: وكلُّ شيء أثرته فقد بعثته. وبعثت
النائم إذا أهببته). انتهى.
فالحديث الآنف الذكر في المهدي (عليه السلام) فيه: «حتَّى يُبعَث فيه»، وقوله (صلّى
الله عليه وآله وسلم): «أُبشِّركم بالمهدي (عليه السلام) يُبعَث على اختلاف من
الناس...»(٢٠)،
وفي حديث الدجّال عند مسلم(٢١)،
قالت حفصة لأخيها ابن عمر حينما أغضب ابن صيّاد: ألَا تعلم أنَّه قال: «إنَّ أوَّل
ما يبعثه على الناس غضب يغضبه»؟! ووردت هذه الرواية أيضاً بلفظ الخروج، فقال فيه:
«إنَّما يخرج من غضبة يغضبها»، وكذلك في حديث المهدي (عليه السلام) قال أبو سعيد
الخدري عند أحمد(٢٢):
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) رواه الهيثمي في مجمع الزوائد ٧: ٣١٣، وقال: أخرجه أحمد بأسانيد
وأبو يعلى باختصار كثير، ورجالهما ثقات.
(٢١) صحيح مسلم ٨: ١٩٤.
(٢٢) مسند أحمد ٣: ٢٨.
إنَّ
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال: «تملأ الأرض ظلماً وجوراً، ثمّ يخرج رجل من
عترتي يملك سبعاً أو تسعاً، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً».
وكذلك قوله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لو لم يبقَ من الدنيا
إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث فيه رجلاً منّي - أو من أهل بيتي -
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
ففي إطلاق البعث والخروج في لسان الروايات إشارة واضحة للظهور بعد غيبة واختفاء،
وإشارة وتنبيه على تغير وتجدّد في الوضع والحال وليس بإيجاد جديد، ففي كلِّ ذلك
إشارة وتنبيه على وجودهما السابق.
ب) كلاهما قد بيَّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أهمّية أمره ووجوب الاهتمام
به تحذيراً وتبشيراً، فالمهدي (عليه السلام) قد بيَّن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) أنَّه من المحتوم الذي يجب أن يتحقَّق، فقال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم
لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث فيه رجلاً منّي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت
ظلماً وجوراً»(٢٣)،
وفي لفظ: «لا تذهب الدنيا - أو لا تنقضي - حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يملؤها
عدلاً كما ملئت جوراً». وعن أُمِّ سَلَمة، قالت: سمعت النبيَّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) يذكر المهدي (عليه السلام)، فقال: «نعم، هو حقٌّ، وهو من بني فاطمة»(٢٤)،
وأنَّه من سيُحقِّق العدل والإنصاف للمؤمنين والمظلومين، وحضَّ على متابعته
ومبايعته ولو حبواً على الثلج كما قدَّمنا.
وفي مقابل ذلك كان كلامه (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن الدجّال فيه بيان عِظَمِ
فتنته، وأنَّ جميع الأنبياء قد حذَّروا أقوامهم منه، وأنَّه بيَّن أمره أكثر ممَّن
سبقه من الأنبياء، وأنَّ فتنته عظيمة، وأنَّه سيظهر قطعاً في آخر الزمان ولا تقبل
عند ظهوره توبة من أحد، كما قال: «ثلاثة لا توبة بعدها: الدجّال، والدابَّة، وظهور
الشمس من مغربها»، وقد أعدَّ له أحرازاً وأدعيةً بعد كلِّ صلاة، وأنَّه أعظم وأكبر
فتنة للبشرية عموماً وللمسلمين خصوصاً حتَّى يقتله عيسى (عليه السلام)، وأنَّ من
يتَّبعه هم عتاة العرب من الخوارج والنواصب وأعداء الإمام المهدي (عليه السلام)
وشيعته وأتباعه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) رواه أحمد ١: ٩٩؛ وأبو داود ٢: ٣٠٩؛ وابن ماجة ٢: ٩٢٩؛ والترمذي ٣:
٣٤٣، وقال: حديث حسن صحيح؛ وابن أبي شيبة في مصنَّفه ٨: ٦٧٩.
(٢٤) رواه الهيثمي في مجمع زوائده ٦: ٢٣٠، وقال: رواه الطبراني، وإسناده
حسن.
ت)
بيَّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الدجّال هو حامل لواء الشرِّ، وأعظم
مضلِّل للناس، وإمام الضلالة في آخر الزمان، والعدوّ الذي سيقاتل الإمام المهدي
(عليه السلام) وأتباعه من المؤمنين مع أضلّ فئة وآخر امتداد للخوارج الحفّاظ الجهلة
المنافقين الذين يُكفِّرون أُمَّة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ويقتلونهم، الذين
قال فيهم النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يخرج ناس من
قِبَل المشرق يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، كلَّما قطع قرن نشأ قرن حتَّى يكون
مع بقيَّتهم الدجّال»(٢٥).
وفي مقابل ذلك بشَّر النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّ الإمام المهدي (عليه
السلام) هو الذي سيهدي الناس، ويقاتل أهل الباطل، ويقيم الحقَّ والقسط، وأنَّ نبيَّ
الله عيسى (عليه السلام) سيُصلّي خلفه، وأنَّه سيفتح القسطنطينية، وينتصر على اليهود
ويُحرِّر القدس منهم، وهو باعتراف أكثر علماء ومحقِّقي أهل السُّنَّة الإمام الأخير
للخلفاء الراشدين المهديين الاثني عشر كما سنُبيِّن قريباً.
ث) تأكيد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على أنَّ على الأُمَّة توقّع خروج
الدجّال في أيِّ لحظة من الزمان، وأنَّه يمكن خروجه وظهوره في أيِّ وقتٍ، فيجب
عليهم الحذر منه والاستعداد له، ولذلك أشار (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى هذه
الحقيقة بعدَّة طرق منها: إخباره (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأنَّه ما من نبيٍّ إلَّا
وحذَّر قومه وأُمَّته منذ زمن نوح (عليه السلام)، فقال: «إنّي أنذركموه، وما من نبيٍّ
إلَّا وقد أنذر قومه، لقد أنذره نوح قومه، ولكنّي سأقول فيه قولاً لم يقله نبيٌّ
لقومه: تعلمون أنَّه أعور، وأنَّ الله ليس بأعور»(٢٦)،
فلو لم يكن محتمل الخروج في زمن نوح وسائر الأنبياء لكان من العبث الاهتمام به
وإنذار أقوامهم منه.
وكان النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يُفهِّم الصحابة ويُربّيهم على توقّع خروجه
في أيِّ لحظةٍ، ولذلك قال الصحابة للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): يا رسول الله،
ذكرتَ الدجّال غداة فخفضت فيه ورفعت حتَّى ظنَّناه في طائفة النخل، فقال: «غير
الدجال أخوفني عليكم، إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم
فامرؤ حجيج نفسه، والله خليفتي على كلِّ مسلم...»(٢٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) رواه أحمد ١: ٩٩؛ وأبو داود ٢: ٣٠٩؛ وابن ماجة ٢: ٩٢٩؛ والترمذي ٣:
٣٤٣، وقال: حديث حسن صحيح؛ وابن أبي شيبة في مصنَّفه ٨: ٦٧٩.
(٢٦) صحيح البخاري ٤: ٣٣، و٧: ١٤؛ وصحيح مسلم ٨: ١٩٣.
(٢٧) صحيح مسلم ٨: ١٩٧.
كذلك
الحال بالنسبة للإمام المهدي (عليه السلام) حيث إنَّ النبيَّ الأعظم (صلّى الله
عليه وآله وسلم) كان يؤكّد ويشير إلى ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) في أيِّ لحظةٍ بقوله
(صلّى الله عليه وآله وسلم): «المَهْدِيُّ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ يُصْلِحُهُ اللهُ
فِي لَيْلَةٍ»(٢٨)،
الذي يشير إلى إمكان خروجه - عندنا بعد ولاته وعندهم بعد البشرى به من قِبَل
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) - في أيِّ يوم، وهذا يقتضي وجوده في كلِّ الأزمان،
وقد يُفهَم ذلك من لغته ولهجته وتنوّع استعمالاته وبلاغته (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
في الأحاديث التي كان يستعمل فيها ألفاظ (يخرج ويبعث)، وفي قوله (صلّى الله عليه
وآله وسلم): «سادة أهل الجنَّة أنا وحمزة وعلي وجعفر والحسن والحسين والمهدي»، مع وجود
كلّ أفرادها الآخرين في زمانه (صلّى الله عليه وآله وسلم) إشارة بليغة للأُمَّة
لحضِّها على الاهتمام والتشوّق والتعلّق والانتظار والتربّص لظهور ووجود هذه
الشخصية العظيمة قريباً، ولذلك فهمت الأُمَّة ذلك من هنا وهناك، وحاولوا تطبيق
المهدي (عليه السلام) منذ العصور الأُولى على مثل محمّد بن الحنفية ومحمّد بن الحسن
المثنّى ذي النفس الزكيَّة وبعض الخلفاء العدول بالنسبة لغيرهم كعمر بن عبد العزيز
والمهدي العبّاسي وغيرهم في كلِّ زمان وحتَّى يومنا هذا.
المحور الثالث: وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وأنَّه
الثاني عشر لأئمَّة أهل البيت (عليهم السلام):
ومباحث هذا المحور هي:
١ - لا بدَّ من وجود حجَّة لله على خلقه في كلِّ زمان.
٢ - اختلاف علماء السُّنَّة وتخبّطهم في معرفة الأئمَّة الاثني عشر المبشَّر بهم.
٣ - كون المهدي (عليه السلام) هو خاتم أئمَّة أهل البيت الاثني عشر المهديين والخلفاء
الراشدين.
٤ - إقرار بعض مؤرِّخي السُّنَّة وعلمائهم بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وبعض
الإشارات النبويَّة لذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) مسند أحمد ٢: ١١٦؛ وصحَّحه الألباني في سلسلته الصحيحة: ٢٣٧١.
وإليك
عزيزي القارئ الكريم بعضاً من أدلَّة هذه المباحث:
١ - لا بدَّ من وجود حجَّة لله على خلقه في كلِّ زمان:
قال تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ
وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ
راكِعُونَ﴾ (المائدة: ٥٥)، وقوله: ﴿يا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ
مِنْكُمْ﴾ (النساء: ٥٩)، و﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ
أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١)، و﴿إِنَّما
أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (الرعد: ٧).
من هذه الآيات الكريمة يتبيَّن بكلِّ وضوح ضرورة وجود حجَّة لله على خلقه وإمام
يحمل أعباء الأُمَّة ويحفظ الدين القويم ويهدي الضالَّ ويُطاع مع الله ورسوله.
وقد بيَّن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) أهمّية الإمامة أيضاً فقال: «مَنْ
مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»(٢٩)،
وقال (صلّى الله عليه وآله وسلم) أيضاً: «مَنْ مَاتَ بِغَيْرِ
إِمَامٍ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّة»(٣٠)،
و«من مات وليس عليه إمام مات ميتة جاهلية»(٣١).
وقد قال (صلّى الله عليه وآله وسلم) في بيان كون الإمامة من عُرى الإسلام: «لتنقضنَّ
عُرى الإسلام عروة عروة، فكلَّما انتقضت عروة تشبَّث الناس بالتي تليها، فأوَّلهنَّ
نقضاً الحكم وآخرهنَّ الصلاة»(٣٢).
وقد بيَّن المخالفون قبل المؤالفين أهمّية الإمامة وكونها من أهمِّ أركان الدين
وليست واجباً عادياً، طبقاً لكتاب الله وسُنَّة رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم)،
فقال القرطبي: (هي ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين)(٣٣)،
وقال ابن تيميَّة: «يجب أن يُعرَف أنَّ ولاية أمر الناس من
أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين ولا للدنيا إلَّا بها»(٣٤).
وأمَّا عن وجوب وجود حجَّة لله أو عالم من أهل البيت (عليهم السلام) يحفظ الكتاب
والسُّنَّة، فيحفظ الدين ويهدي المؤمنين، ويجب التمسّك به مع القرآن الكريم، فنكتفي
بذكر أقوال كلٌّ من:
١ - ابن حجر الهيتمي المكّي الشافعي الفقيه، حيث قال في
صواعقه المحرقة (ص ١٥١): (والحاصل أنَّ الحثَّ وقع على التمسّك بالكتاب
والسُّنَّة وبالعلماء بهما من أهل البيت (عليهم السلام)، ويستفاد من مجموع ذلك بقاء
الأُمور الثلاثة إلى قيام الساعة).
ثمّ قال: (وفي أحاديث الحثِّ على التمسّك بأهل البيت إشارة إلى عدم انقطاع متأهِّل
منهم للتمسّك به إلى يوم القيامة كما أنَّ الكتاب العزيز كذلك).
٢ - وقال المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير (ج ٣/ ص
٢٠): (قال الشريف: هذا الخبر يُفهِم وجود من يكون أهلاً للتمسّك به من أهل
البيت والعترة الطاهرة في كلِّ زمن إلى قيام الساعة حتَّى يتوجَّه الحثُّ المذكور
إلى التمسّك به كما أنَّ الكتاب كذلك، فلذلك كانوا أماناً لأهل الأرض فإذا ذهبوا
ذهب أهل الأرض).
٣ - وقال الآلوسي في تفسيره روح المعاني (ج ٥/ ص ٥٧):
﴿وَيُؤْتُونَ
الزَّكاةَ﴾ أي زكاة وجودهم، ﴿وَهُمْ راكِعُونَ﴾
(المائدة: ٥٥) أي خاضعون في البقاء بالله. والآية عند معظم المحدِّثين نزلت في علي
كرَّم الله تعالى وجهه، والإماميَّة كما علمت يستدلّون بها على خلافته بعد رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بلا فصل، وقد علمت منّا ردَّهم والحمد لله سبحانه،
وكثير من الصوفية قدَّس الله تعالى أسرارهم يشير إلى القول بخلافته كرَّم الله
تعالى وجهه بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بلا فصل أيضاً، إلَّا أنَّ تلك الخلافة
عندهم هي الخلافة الباطنة التي هي خلافة الإرشاد والتربية والإمداد والتصرّف
الروحاني لا الخلافة الصورية التي هي عبارة عن إقامة الحدود الظاهرة وتجهيز الجيوش
والذبِّ عن بيضة الإسلام ومحاربة أعدائه بالسيف والسنان، فإنَّ تلك عندهم على
الترتيب الذي وقع كما هو مذهب أهل السُّنَّة، والفرق عندهم بين الخلافتين كالفرق
بين القشر واللبّ، فالخلافة الباطنة لبُّ الخلافة الظاهرة، وبها يُذَبُّ عن حقيقة
الإسلام،
وبالظاهرة يُذَبُّ عن صورته، وهي مرتبة القطب في كلِّ عصر، وقد تجتمع مع الخلافة
الظاهرة كما اجتمعت في علي كرَّم الله تعالى وجهه أيّام أمارته، وكما تجتمع في
المهدي (عليه السلام) أيّام ظهوره، وهي والنبوَّة رضيعا ثدي...، وكانت هذه الخلافة
فيه كرَّم الله تعالى وجهه على الوجه الأتمّ).
٤ - وأصرح قول في وجوب وجود حجَّة لله على خلقه ما نقله عن
الجمهور وتبنّاه الحافظ ابن حجر العسقلاني حين قال: (وفي صلاة عيسى خلف رجل
من هذه الأُمَّة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالة للصحيح من الأقوال:
إنَّ الارض لا تخلو عن قائم لله بحجَّة، والله أعلم)(٣٥).
ولا بدَّ أن يكون المهدي خليفةً ربّانياً وإماماً معصوماً هادياً مهدياً بحيث يليق
ويصلح بأن لا يُتقدَّم عليه، وحريّ بأن يأتمَّ به ويُصلّي خلفه في صلاة فريضة
واجبة، وأمام جميع المؤمنين؛ نبيٌّ من أُولي العزم من الرسل وهو روح الله عيسى بن
مريم (عليه السلام).
٢ - اختلاف علماء السُّنَّة وتخبّطهم في معرفة الأئمَّة
الاثني عشر المبشَّر بهم:
اختلفت كلمات القوم وتخبَّطوا في تحديد هويّات ومعرفة أشخاص الخلفاء الاثني
عشر الذين بشَّر بهم النبيُّ الأعظم في الحديث المشهور والمتَّفق عليه: «لَا
يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ
اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٣٦)،
وفي لفظ: «لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِياً مَا
وَلِيَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا»، ثُمَّ تَكَلَّمَ النَّبِيُّ (صلّى الله
عليه وآله وسلم) بِكَلِمَةٍ خَفِيَتْ عَلَيَّ، فَسَأَلْتُ أَبِي: مَاذَا قَالَ
رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فَقَالَ: [قال]: «كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»(٣٧).
فقد اختلف علماء السُّنَّة في شرح هذا الحديث اختلافاً شديداً، وتحيَّروا في معناه،
وتناقضوا في تحديد مصاديقه وأفراده المقصودين، وسننقل بعض أقوالهم:
قال الحافظ ابن حجر(٣٨)
مبيِّناً اختلافهم الشديد في شرح الحديث وعدم التوصّل لشيء فيه:
(قَالَ ابْنِ بَطَّال عَنْ المُهَلَّب: لَمْ أَلْقَ أَحَداً يَقْطَع فِي هَذَا
الْحَدِيث - يَعْنِي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني ٦: ٣٥٩.
(٣٦) صحيح مسلم ٦: ٣/ باب الناس تبع لقريش؛ وقريب منه مختصراً في صحيح
البخاري/ باب الاستخلاف.
(٣٧) صحيح مسلم ٦: ٣.
(٣٨) فتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٣: ٢١٢.
بِشَيْءٍ مُعَيَّن -، فَقَوْم قَالُوا: يَكُونُونَ بِتَوَالِي إِمَارَتهمْ،
وَقَوْم قَالُوا: يَكُونُونَ فِي زَمَن وَاحِد، كُلّهمْ يَدَّعِي الْإِمَارَة.
قَالَ: وَاَلَّذِي يَغْلِب عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام
أَخْبَرَ بِأَعَاجِيبَ تَكُونُ بَعْدَهُ مِنْ الْفِتَنِ، حَتَّى يَفْتَرِق النَّاس
فِي وَقْت وَاحِد عَلَى اثنَى عَشَرَ أَمِيراً، قَالَ: وَلَوْ أَرَادَ غَيْر هَذَا
لَقَالَ: يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيراً يَفْعَلُونَ كَذَا، فَلَمَّا أَعْرَاهُمْ
مِنْ الْخَبَر عَرَفْنَا أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي زَمَن وَاحِد،
انْتَهَى. وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَقِف عَلَى شَيْء مِنْ طُرُق الْحَدِيث غَيْر
الرِّوَايَة الَّتِي وَقَعَتْ فِي الْبُخَارِيّ هَكَذَا مُخْتَصَرَة، وَقَدْ
عَرَفْتَ مِنْ الرِّوَايَات الَّتِي ذَكَرْتُهَا مِنْ عِنْد مُسْلِم وَغَيْره،
أَنَّهُ ذَكَرَ الصِّفَة الَّتِي تَخْتَصُّ بِوِلَايَتِهِمْ، وَهُوَ كَوْن
الْإِسْلَام عَزِيزاً مَنِيعاً، وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى صِفَة أُخْرَى وَهُوَ
أَنَّ كُلَّهمْ يَجْتَمِع عَلَيْهِ النَّاس...، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ
بِلَفْظِ «لَا تَضُرُّهُمْ عَدَاوَة مَنْ عَادَاهُمْ».
ثمّ نقل ابن حجر احتمالات القاضي عياض في شرحه للحديث وختمها بقوله: (وَقَدْ
يَحْتَمِل وُجُوهاً أُخَر، واللهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ نَبِيِّه).
ثمّ قال ابن حجر: (وَقَالَ ابْنِ الْجَوْزِيّ فِي (كَشْف المُشْكِل): قَدْ أَطَلْتُ
الْبَحْث عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث وَتَطَلَّبْتُ مَظَانَّه وَسَأَلْت عَنْهُ
فَلَمْ أَقَعْ عَلَى المَقْصُود بِهِ، لِأَنَّ أَلْفَاظه مُخْتَلِفَة، وَلَا
أَشُكُّ أَنَّ التَّخْلِيط فِيهَا مِنْ الرُّوَاة، ثُمَّ وَقَعَ لِي فِيهِ شَيْء
وَجَدْت الْخَطَّابِيّ بَعْد ذَلِكَ قَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ، ثُمَّ وَجَدْت كَلَاماً
لِأَبِي الْحُسَيْن بْن المُنَادِي وَكَلَاماً لِغَيْرِهِ...).
ثمّ ردَّ ابن حجر كلام جميع من شرح الحديث قائلاً: (وَالْوَجْه الَّذِي ذَكَرَهُ
ابن المُنَادِي لَيْسَ بِوَاضِحٍ، وَيُعَكِّر عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ
الطَّبَرَانِيُّ...).
ثمّ قال ابن حجر: (والْأَوْلَى أَنْ يُحْمَل قَوْله: «يَكُونُ بَعْدِي اثْنَا
عَشَرَ خَلِيفَة» عَلَى حَقِيقَة الْبَعْدِيَّة...).
ونقل ابن حجر عن ابن المنادي قوله: (وَعَنْ كَعْب الْأَحْبَار: يَكُونُ اثْنَا
عَشَرَ مَهْدِيَّاً، ثُمَّ يَنْزِلُ رُوحُ الله، فَيَقْتُل الدَّجَّال).
أمَّا
السيوطي فقال(٣٩):
(وعلى هذا فقد وُجِدَ من الاثني عشر خليفة ...، وبقي الاثنان المنتظران أحدهما
المهدي لأنَّه من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)).
وقال العظيم آبادي السلفي في عون المعبود (ج ٩/ ص ٣١٦): (قَالَ الْحَافِظ عِمَاد
الدِّين بْن كَثِير فِي تَفْسِيره تَحْت قَوْله تَعَالَى: ﴿وَبَعَثْنا
مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ [المائدة: ١٢]، بَعْد إِيرَاد حَدِيث
جَابِر بْن سَمُرَة مِنْ رِوَايَة الشَّيْخَيْنِ وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ: وَمَعْنَى
هَذَا الْحَدِيث الْبِشَارَة بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَة صَالِحاً يُقِيم
الْحَقَّ وَيَعْدِل فِيهِمْ، وَلَا يَلْزَم مِنْ هَذَا تَوَالِيهِمْ وَتَتَابُع
أَيَّامهمْ، بَلْ قَدْ وُجِدَ أَرْبَعَة عَلَى نَسَق وَاحِد وَهُمْ الْخُلَفَاء
الْأَرْبَعَة أَبُو بَكْر وَعُمَر وَعُثْمَان وَعَلِيّ، وَمِنْهُمْ عُمَر بْن عَبْد
الْعَزِيز بِلَا شَكٍّ عِنْد الْأَئِمَّة، وَبَعْض بَنِي الْعَبَّاس، وَلَا تَقُوم
السَّاعَة حَتَّى تَكُون وِلَايَتهمْ لَا مَحَالَة، وَالظَّاهِر أَنَّ مِنْهُمْ
المَهْدِيّ المُبَشَّر بِهِ فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة بِذِكْرِهِ أَنَّهُ
يُوَاطِئ اسمه اسم النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وَاسم أَبِيهِ اِسْم
أَبِيهِ، فَيَمْلَأ عَدْلاً وَقِسْطاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا...،
وَلَيْسَ المُرَاد بِهَؤُلَاءِ الْخُلَفَاء الاثْنَيْ عَشَرَ الْأَئِمَّة الَّذِينَ
يَعْتَقِد فِيهِمْ الاثْنَا عَشْرِيَّة مِنْ الرَّوَافِض لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّة
عَقْلهمْ) انْتَهَى.
ثمّ عقَّب العظيم آبادي بقوله: (لَا شَكَّ فِي أَنَّ مَا زَعَمَتْ الشِّيعَة مِنْ
أَنَّ المَهْدِيّ المُبَشَّر بِهِ فِي الْأَحَادِيث هُوَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن
الْعَسْكَرِيّ الْقَائِم المُنْتَظَر، وَأَنَّهُ مُخْتَفٍ وَسَيَظْهَرُ، هِيَ
عَقِيدَة بَاطِلَة لَا دَلِيل عَلَيْهِا).
أقول: كلامكم هو الباطل، وأنتم الجهلة أو من يتجاهل الحقَّ الواضح المبين بقلَّة
عقلكم، وإنَّ اتِّهامكم للشيعة هو العاري عن الدليل، ونحن قد استعرضنا بعض أدلَّتنا
وهي كافية للكشف والتمييز بين الحقِّ والباطل.
ولو استعرضنا أقوالهم وشرحهم للحديث الشريف لرأيناها تناقضه تماماً ولا ينطبق أبداً
على ملوك بني أُميَّة الذين يدينون الله باتِّباعهم، وأنَّ رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) لم يقصدهم قطّ، بل إنَّه (صلّى الله عليه وآله وسلم) كشف حقيقتهم وذمَّهم
وبيَّن فسوقهم وظلمهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) تاريخ الخلفاء للسيوطي: ١٠.
وضلالهم، فأنّى يكونون كما وصف ابن كثير الأئمَّة الاثني عشر المقصودين في الحديث:
(وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيث الْبِشَارَة بِوُجُودِ اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَة
صَالِحاً يُقِيم الْحَقَّ وَيَعْدِل فِيهِمْ)، ويكفي قول سفينة راوي حديث (الخلافة
بعدي ثلاثون سنة) حينما سأله سَعِيدٌ - التابعي الراوي عن سفينة -: فَقُلْتُ
لسفينة: إِنَّ بَنِي أُمَيَّةَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِيهِمْ، قَالَ:
كَذَبُوا بَنُو الزَّرْقَاءِ، بَلْ هُمْ مُلُوكٌ مِنْ شَرِّ المُلُوكِ(٤٠).
وهناك موقف رائع وصوت مدوٍ من أمير المؤمنين (عليه السلام) للأُمَّة حينما أراد عبد
الرحمن بن عوف مبايعته ليخلف عمر بعد أن اشترط عليه أن يعمل بسُنَّة الشيخين
ليبايعه ولكنَّه أبى أن يساوم ورفض ذلك.
ودعا - عبدالرحمن بن عوف - عليَّاً، فقال: عليك عهد الله وميثاقه لتعملنَّ بكتاب
الله وسُنَّة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده، قال: «أرجو أن أفعل وأعمل بمبلغ علمي
وطاقتي»، ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، قال: نعم، فبايعه، فقال علي: «حبوته
حبو دهر، ليس هذا أوَّل يوم تظاهرتم فيه علينا، ﴿فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]»(٤١).
فكيف يستقيم قول هذا الصحابي وكثير من الأحاديث التي تذمُّ بني أُميَّة وآل الحكم،
والواقع المخزي لكثير من هؤلاء الخلفاء كمعاوية ويزيد ومروان وعبد الملك وأبنائه،
مع شرح علمائكم وإجماعهم على إدخال بني أُميَّة إن لم نقل حصرهم بهم، وأنَّهم هم
المقصودون بهذا الحديث الذي يتكلَّم عن أئمَّة هدى وخلفاء يعملون بالحقِّ، يا أتباع
السلف؟! ولذلك أعرض ابن كثير مع شدَّة نصبه عن جميع أقوال شرّاح الحديث.
٣ - كون المهدي (عليه السلام) هو خاتم أئمَّة أهل البيت الاثني
عشر (عليهم السلام) المهديّين والخلفاء الراشدين:
من كلِّ ما تقدَّم يتبيَّن لكلِّ ذي لبٍّ أنَّ المقصودين من هذا الحديث هم
أئمَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) سنن الترمذي ٨: ١٦٧، وقال الترمذي: الحديث حسن.
(٤١) تاريخ المدينة لابن شبة ٣: ٩٣٠؛ وتاريخ الطبري ٣: ٢٩٨.
أهل
البيت (عليهم السلام) الذين قال الشيعة بإمامتهم، لانطباق العدد والوصف عليهم دون
غيرهم، خصوصاً وأنَّ النبيَّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد تكلَّم بهذا الحديث
مبشِّراً بهؤلاء الخلفاء والأئمَّة الذين نصبهم للأُمَّة لتهتدي بهم وتتمسَّك بهم
وتتَّبعهم دون غيرهم، لكونهم أولى بالمؤمنين من أنفسهم، حيث قال (صلّى الله عليه
وآله وسلم): «تركت فيكم الثقلين - وفي رواية: خليفتين -: كتاب الله
وعترتي أهل بيتي، ولن يفارقا حتَّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تُخلِّفوني فيهما»،
وهذا الحديث يتناغم ويُفسِّر الحديث المتقدِّم في عدد الأئمَّة: «لَا
يَزَالُ الدِّينُ قَائِماً حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمْ
اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ»، وقوله (صلّى الله عليه
وآله وسلم) كما روي عن ابن مسعود أَنَّهُ سُئِلَ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأُمَّةَ
مِنْ خَلِيفَةٍ؟ فَقَالَ: سَأَلْنَا عَنْهَا رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
فَقَالَ: «اثْنَا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَبَاءِ بَنِي
إِسْرَائِيلَ»، وهذا يضع النقاط على الحروف كقوله (صلّى الله عليه وآله
وسلم):
(الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان)، حيث أوضح (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأنَّ
الإمامة محصورة في قريش وبعدد معيَّن، وفي نفس الوقت باقية إلى يوم القيامة. وكم
خرجت الخلافة الظاهرية التي يدَّعونها عن قريش في أحقاب متعدِّدة من التاريخ
الإسلامي، ناهيك عن الوقت الحالي حيث إنَّ كلَّ دولة تبايع رئيسها أو أميرها أو
ملكها، ناهيك عن كفرهم أو علمانيتهم أو فسقهم؛ ولذلك أعرض ابن كثير عن تفاسيرهم له
ببني أُميَّة، واختار الصالح في رأيه ممَّن حكم، وجعل الإمام المهدي (عليه السلام)
منهم وآخرهم، حيث قال: (وَلَا تَقُوم السَّاعَة حَتَّى تَكُون وِلَايَتهمْ لَا
مَحَالَة، وَالظَّاهِر أَنَّ مِنْهُمْ المَهْدِيّ (عليه السلام) المُبَشَّر بِهِ)،
ومثله قال السيوطي: (وبقي الاثنان المنتظران، أحدهما المهدي).
ويشهد لصحَّة تفسيرنا ما قاله ابن تيميَّة نفسه، وما نقله عن التوراة من نصٍّ يدعم
كون الأئمَّة الاثني عشر من أهل بيت النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، كما نقله عنه
تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية (ج ٦/ ص ٢٨٠) فقال: (وفي التوراة التي بأيدي
أهل الكتاب ما معناه: إنَّ الله تعالى بشَّر إبراهيم بإسماعيل، وأنَّه يُنمّيه
ويُكثِّره ويجعل من ذريته اثني عشر عظيما. قال شيخنا العلَّامة أبو العبّاس بن
تيميَّة: وهؤلاء المبشَّر بهم في حديث جابر بن سمرة، وقرَّر أنَّهم يكونون مفرَّقين
في الأُمَّة، ولا تقوم الساعة حتَّى يوجدوا، وغلط كثير ممَّن تشرَّف بالإسلام من
اليهود فظنّوا أنَّهم الذين تدعو إليهم فرقة الرافضة فاتَّبعوهم).
وقال ابن كثير نفسه في تفسيره (ج ٣/ ص ٦٦): (وليس المراد بهؤلاء الخلفاء الاثني عشر
الأئمَّة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الاثنا عشرية من الروافض، لجهلهم وقلَّة
عقلهم. وفي التوراة البشارة بإسماعيل (عليه السلام)، وأنَّ الله يقيم من صُلْبِه اثني
عشر عظيماً، وهم هؤلاء الخلفاء الاثنا عشر المذكورون في حديث ابن مسعود، وجابر بن
سَمُرة، وبعض الجهلة ممَّن أسلم من اليهود إذا اقترن بهم بعض الشيعة يوهمونهم
أنَّهم الأئمَّة الاثنا عشر، فيتشيَّع كثير منهم جهلاً وسَفَهاً، لقلَّة علمهم وعلم
من لقَّنهم ذلك بالسنن الثابتة عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
وفي حديث آخر بيِّن فيه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعض صفات هؤلاء الخلفاء
حين قال: «عليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسَّكوا بها
وعضّوا عليها بالنواجذ»(٤٢).
فمن خلال هذه الأحاديث يتبيَّن أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) حصر عدد
خلفائه من بعده وإلى يوم القيامة باثني عشر خليفة وليس أكثر، وليسوا ملوكاً بل
خلفاء يملكون الأُمَّة، أي أولياء لها كما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
وليَّاً للناس عموماً وللمؤمنين خصوصاً وأولى بهم من أنفسهم، وهذا معنى الإمامة عند
الشيعة، لأنَّ الإسلام لا يدعو إلى الملوكية ولا يمتدحها أبداً، وإنَّما يجعل من
المعصوم وليَّاً لهم وأولى بهم من أنفسهم.
٤ - إقرار مؤرِّخي السُّنَّة وعلمائهم بولادة الإمام المهدي
(عليه السلام) وبعض الإشارات النبويَّة لذلك:
قام بعض علماء أهل السُّنَّة وبلا دليل - وبحسب ناقل ليس بثقة وهو ابن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) شرح العقيدة الطحاوية تحقيق الشيخ الألباني ١: ٤٣٠، وصحَّحه.
تيميَّة - بإنكار ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وادَّعوا أنَّ أباه الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) كان عقيماً - والعياذ بالله -، لإضعاف مذهب أتباع أهل
البيت (عليهم السلام)، وليُنقِصوا عدد الأئمَّة الاثني عشر (عليهم السلام) كي لا يتوافق
العدد مع العدد! ولجأوا إلى وسيلة سهلة ليُحقِّقوا هذا الغرض وهي الإنكار فحسب، وهو
أمر عدمي لا مؤنة فيه، عضدوه بأمر عجيب وهو كون أخِ الإمام وهو جعفر (الكذّاب!) قد
ادَّعى ميراث أخيه الحسن (عليه السلام)، وحكمت له السلطة به! ولكنَّهم غفلوا بهذا
القول عن أُمور منها:
الأوَّل: إنَّ إثبات ولادة أيِّ شخص لا تستلزم أيّ
كلفة أو مؤونة أكثر من إقرار الأب والأُمّ والقابلة بتلك الولادة؛ وبذلك لا نحتاج
إلى إذن أو إقرار من مثل ابن حزم أو ابن تيميَّة لتثبت ولادة المهدي (عليه السلام).
الثاني: غفلتهم عن كون الإمام عند الشيعة يجب أن يكون
خالياً من أيّ عيب أو نقص؛ لذا فإقرار الشيعة وأئمَّتهم بإمامة الإمام الحسن
العسكري (عليه السلام) تردُّ وتُكذِّب ادِّعاء كونه (عليه السلام) عقيماً، ناهيك عن
إقرار الكثير من علماء السُّنَّة والنسّابة الذين أثبتوا خلاف ذلك وأقرّوا بوجود
ذرّية للإمام الحسن (عليه السلام).
الثالث: إنَّ مسألة طلب جعفر بميراث أخيه الإمام
الحسن (عليه السلام) ليست دليلاً على عقم الإمام أبداً، غايته أنَّه يثبت عدم وجود
وارث ظاهر، أو فقل: عدم وجود شخص أقرب من جعفر للإمام (عليه السلام) يطالب بميراث
الإمام؛ وهذا أمر لا يدلُّ على عدم وجود ابن صغير للإمام لا يستطيع المطالبة
بميراثه، سواء لصغر سنّه أو لظرف خاصّ قاهر له، خصوصاً أنَّ أئمَّة أهل البيت
(عليهم السلام) ليسوا ممَّن يملكون شيئاً من القصور والأموال الكثيرة، ولا هم ممَّن
يُفكِّرون بها أصلاً، وخصوصاً مع تعارض المطالبة مع ظرف الإمام المهدي (عليه
السلام)
من المطاردة والغيبة، فكيف تتسيَّر له مطالبته بالإرث وهو مكلَّف بالغيبة والاختفاء
عن الأنظار وعن سفاسف هذه الدنيا؟!
الرابع: كان تعمّد إخفاء الإمام الحسن العسكري (عليه
السلام) للإمام المهدي (عليه السلام) وولادته عن الناس خطَّة من خططه الإلهية المأمور
بها للحفاظ عليه وإلهاء كيد الأعداء عنه، كجعفر المنافس للأئمَّة والطامع بنيل
مقامهم عند الشيعة من جهة، والسلطات الخائفة من وجود الإمام المهدي (عليه السلام)
والذي يُكمِّل ويُصحِّح عدد الأئمَّة الاثني عشر ويُثبِت صحَّة مذهب التشيّع، وكذلك
وجوده الذي يعلمون بالتواتر أنَّه خطر عليهم ومزيل لملكهم على كلِّ حالٍ من جهة
أُخرى.
ولذلك لننظر ما حدث بعد استشهاد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من أحداث ألهت
الجميع عن وجود الإمام المهدي (عليه السلام) وغيبته حتَّى استقرَّ الأمر واستتبَّ
بتعاقب سلاطين الجور وتبدّلهم لعدَّة سنوات بالبحث عنه بعيداً عن وضع الإمام (عليه
السلام) الواقعي وخُدِعوا بأشياء بعيداً عن الإمام (عليه السلام)، فقد قال الذهبي عن
ذلك في سير أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١٢١)، قال:
(وثبت جمهور الرافضة على أنَّ للحسن ابناً أخفاه. وقيل: بل وُلِدَ له بعد موته، من
أَمَة اسمها: نرجس أو سوسن، والأظهر عندهم أنَّها صقيل، وادَّعت الحمل بعد سيِّدها،
فأوقف ميراثه لذلك سبع سنين، ونازعها في ذلك أخوه جعفر بن علي، فتعصَّب لها جماعة،
وله آخرون، ثمّ انفشَّ ذلك الحمل، وبطل، فأخذ ميراث الحسن أخوه جعفر، وأخ له. وكان
موت الحسن سنة ستّين ومئتين...)، إلى أن قال: (وزادت فتنة الرافضة بصقيل وبدعواها،
إلى أن حبسها المعتضد بعد نيف وعشرين سنة من موت سيِّدها، وجُعِلَت في قصره إلى أن
ماتت في دولة المقتدر).
فهذه التعمية وهذه الخلافات والادِّعاءات المتعدِّدة من نرجس أو صقيل (رضي الله
عنها) من ادِّعاء الحمل وانتفاخ البطن وانتظار السلطات لها لسبع سنوات لتلد، أو
يجعلها السلطان تحت الإقامة الجبرية ويحتجزها في قصره لأكثر من عشرين سنة، فهذه
الأُمور لوحدها تكفي لإثبات أنَّ هناك شيئاً غير طبيعي.
بالإضافة إلى وجود عدد كبير من علماء أهل السُّنَّة قد ذكروا الإمام المهدي (عليه
السلام) وأثبتوا الولد للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وقد أحصى الباحثون عدد
علماء أهل السُّنَّة ممَّن ذكر ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ووجود خلف وذرّية
للإمام العسكري (عليه السلام) حتَّى أوصله البعض كالأُستاذ ثامر هاشم العميدي إلى
(١٢٨) عالماً في كتابه (دفاع عن الكافي)، والنوري الطبرسي بحسب ما توفَّر لديه من
المصادر إلى (٤٠) عالماً، وألَّف بعض العلماء كتباً خاصَّة أحصوا فيها من قال
بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) من علماء السُّنَّة كما فعل نجم الدين العسكري
ولطف الله الصافي وغيرهم، وأكتفي بنقل قول أهمّ من ذكر ذلك عندي وهو شمس الدين
الذهبي، وهو أهمّهم، فقال في ثلاثة من كتبه:
قال في سير أعلام النبلاء (ج ١٣/ ص ١٢٠): (المنتظر الشريف محمّد بن الحسن
العسكري...، خاتمة الاثني عشر سيِّداً).
وقال في سيره (ج ١٢/ ص ٣٩١) وهو يتكلَّم في ترجمة الرمّادي وسنة وفاته وهي (٢٦٥هـ):
(وفيها مات إبراهيم بن الحارث، وإبراهيم بن هانئ، وسعدان بن نصر، وصالح بن أحمد بن
حنبل، وعلي بن حرب، والقدوة أبو حفص النيسابوري، وهارون بن سليمان، والمنتظر محمّد
بن الحسن، والرافضة تقول: لم يمت، بل اختفى في السرداب).
وقال في العبر في خبر من غبر (ج ٣/ ص ٣١): (وفيها - أي سنة (٢٥٦هـ) - وُلِدَ محمّد
بن الحسن...).
وقال في تاريخ دول الإسلام (ج ١٩/ ص ١١٣): (وأمَّا ابنه محمّد بن الحسن الذي تدعوه
الرافضة القائم الخلف الحجَّة فوُلِدَ سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة ستّ وخمسين، عاش
بعد أبيه سنتين ثمّ عُدِمَ ولم يُعلَم كيف مات...).
فهذه أكبر الأدلَّة وأوضحها على اعترافهم بولادته وغيبته (عليه السلام)، وكما قيل:
(الفضل ما شهدت به الأعداءُ)، وفيها ردٌّ كافٍ على كلِّ من أنكر الولادة الشريفة.
* القرآن الكريم.
* تفسير ابن كثير: ابن كثير الدمشقي.
* سير أعلام النبلاء: شمس الدين الذهبي.
* مجموع فتاوى ابن تيميَّة: ابن تيميَّة الحرّاني
الدمشقي.
* فيض القدير في شرح الجامع الصغير: عبد الرؤوف
المناوي.
* صحيح البخاري: محمّد بن إسماعيل البخاري.
* صحيح مسلم: مسلم بن الحجّاج النيسابوري.
* فتح الباري شرح صحيح البخاري: ابن حجر العسقلاني.
* مجمع الزوائد: نور الدين الهيثمي.
* سنن الترمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة
الترمذي.
* مسند الإمام أحمد: أحمد بن حنبل.
* سنن أبي داود: أبو داود السجستاني.
* سنن ابن ماجة: ابن ماجة القزويني.
* مسند أبي يعلى: أبو يعلى الموصلي.
* معجم الطبراني الكبير: أبو القاسم الطبراني.
* مصنَّف ابن أبي شيبة: أبو بكر بن أبي شيبة.
* شرح النووي على صحيح مسلم: أبو زكريا يحيى بن شرف
النووي الدمشقي.
* تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي: المباكفوري.
* عون المعبود في شرح سنن أبي داود: العظيم آبادي.
* عمدة القاري شرح صحيح البخاري: العلَّامة بدر الدين
العيني.
* عقد الدرر في أخبار المنتظر: المقدسي.
* المستدرك على الصحيحين: الحاكم النيسابوي.
* سلسلة الأحاديث الصحيحة: الشيخ محمّد ناصر الدين
الألباني.
* ظلال الجنَّة في تخرّج السُّنَّة: الشيخ محمّد ناصر
الدين الألباني.
* صحيح الجامع الصغير: الشيخ محمّد ناصر الدين
الألباني.
* صحيح الترغيب والتذهيب: الشيخ محمّد ناصر الدين
الألباني.
* تفسير القرطبي: القرطبي.
* تفسير روح المعاني: الآلوسي.
* السياسة الشرعية: تقي الدين ابن تيميَّة.
* تاريخ الخلفاء: جلال الدين السيوطي.
* تاريخ المدينة: أبو بكر ابن شبة.
* تاريخ الطبري: أبو جعفر ابن جرير الطبري.
* شرح العقيدة الطحاوي: ابن أبي العزّ الحنفي/ تحقيق
الشيخ الألباني.
* البداية والنهاية: ابن كثير الدمشقي.
* مسند أبو داود الطيالسي: أبو داود الطيالسي.
* تاريخ الإسلام: شمس الدين الذهبي.
* العبر في خبر من غبر: شمس الدين الذهبي.
العقيدة المهدويَّة في ضوء فلسفة التأريخ وحتميَّة السنن التاريخيَّة
لطيف عبد النبيّ يونس
تمهيد:
التاريخ يُمثِّل حركة الحياة الإنسانية، ويُمثِّل الحضارة البشرية بأجمعها،
فالتعرّف عليه يُعَدُّ ضرورةً ملحَّةً لفهم الكثير من المصطلحات والمفاهيم
الإنسانية، ومن خلاله تظهر أسئلة كثيرة ومهمَّة قد تصل لحدِّ الخطورة، لاسيّما في
المعارف الضرورية والاعتقادات والمبادئ والقيم، ومن هنا تأتي التساؤلات:
هل أنَّ العقيدة المهدوية بذاتها مسألة تاريخية؟ وهل يمكن فهمها من خلال التأريخ؟
وهل التأريخ بسننه حاكم على العقيدة المهدوية، أم أنَّ العقيدة المهدوية هي الحاكمة
على التأريخ وسننه؟ وكيف نفهم العقيدة المهدوية في ضوء علم التأريخ وفلسفته؟
ثمّ تصل بنا معارج البحث إلى محور معرفي مهمّ، وهو التأريخ التوحيدي وعلاقته
بالعقيدة المهدوية، وذلك من خلال إلقاء الضوء على بعض الشخصيات التوحيدية (الأنبياء
(عليهم السلام)) لنحصل على تلك العلاقة الذاتية والموضوعية، وفي انعطافة معرفية
معاصرة ندخل في بحث مقارن بين أهمِّ أربعة كتب صدرت في العقد الأخير أثارت نقاشاً
حادَّاً في المجال المعرفي المعاصر تناولت الحتمية التاريخية لنهاية العالم
والتصدّع الاجتماعي للمجتمع الغربي، وهي: (نهاية التاريخ)، و(الرجل الأخير)،
و(التصدّع العظيم) للمفكِّر
والكاتب الأمريكي (فرانسيس فوكوياما)، و(صراع
الحضارات) للكاتب الأمريكي (صموئيل هنتغتون)؛ وبين العقيدة المهدوية وبما تُمثِّله
من حتمية تاريخية للمسيرة الإنسانية.
ونصل في خاتمية البحث إلى حتمية ختم التاريخ في ضوء علامات الظهور.
أوَّلاً: الفرق بين علم التاريخ وفلسفة التاريخ:
علم التاريخ:
التاريخ لغةً: هو معرفة الوقت أو الإعلام بالوقت.
قال الجوهري في صحاحه(١):
(التاريخ: تعريف الوقت، والتوريخ مثله، يقال: أرَّخت وورَّخت).
واصطلاحا - كما عبَّر ابن خلدون في مقدّمته(٢)-:
(التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الأيّام والدول والسوابق من القرون الأُوَل، تنمو
فيها الأقوال وتُضرَب فيها الأمثال، وتطرف بها الأندية إذا غصَّها الاحتفال، وتؤدّي
لنا شأن الخليقة كيف تقلَّبت بها الأحوال، واتَّسع للدول فيها النطاق والمجال،
وعمروا الأرض حتَّى نادى بهم الارتحال وحان منهم الزوال، وفي باطنه نظر وتحقيق
وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها).
وعُرِّف بأنَّه: (الإخبار عمَّا حدث في العالم في الزمان الماضي)(٣).
أمَّا فلسفة التاريخ:
فعرَّفها (دوركهايم): (تبحث في تحديد الاتِّجاه العامّ لتطوّر الإنسانية وإيجاد
قانون لحركة الحياة البشرية في خطوط دائرية أو مستقيمة)(٤).
وعرَّفها الدكتور حسن سلمان(٥)
بأنَّها معرفة التحوّلات والتطوّرات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أُخرى، ومعرفة
القوانين المحكمة في هذه التطوّرات والتحوّلات.
فعلم التاريخ بمفرده علم مستقلّ، وبمجموعه يدخل في نطاق الفلسفة، فالمؤرِّخ إنَّما
يُؤرِّخ للذين دخلوا التاريخ ولعبوا فيه وحرَّكوا مساره، سواء دخلوا التاريخ
للإفساد كفرعون وهتلر وستالين، أو دخلوا التاريخ للإصلاح كما فعل الأنبياء
والمصلحون(٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) صحاح الجوهري ١: ٤١٨.
(٢) مقدّمة ابن خلدون: ٦/
دار الفكر.
(٣) المقريزي عن فلسفة
التاريخ للسيِّد محمّد الحسيني الشيرازي: ١٤.
(٤) فلسفة التاريخ: ٢١.
(٥) المصدر السابق.
(٦) فلسفة التاريخ: ٢٦.
علم التاريخ: هو سجّل الزمن للأحداث والشخصيات
والأُمم.
وفلسفة التاريخ: هي معرفة الجامع للأحداث والحضارات وتحليلها، ومعرفة قوانينها
وسننها.
ثانياً: الصراع التاريخي بين التوحيد والشرك:
منذ بدء الخليقة عاشت المسيرة الإنسانية صراعاً كبيراً بين التوحيد والشرك، فمنذ
أوَّل خلقة بشرية لأبينا آدم وأُمِّنا حوّاء (عليهما السلام) دار الصراع مع إبليس
الذي مثَّل رأس الشرك حيث أشرك بعبادته من خلال إطاعة هوى نفسه ولم يسجد لأبينا آدم
(عليه السلام) حسداً وتكبّراً.
﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى﴾ (طه: ١٢١)، وكانت تلك
المحطَّة الثانية من الصراع بين هوى النفس وجهلها مع الأوامر الإلهية فكان الصراع
الذاتي، فأُنزِل إلى الأرض لتبدأ مرحلة الشقاء، ﴿يا أَيُّهَا
الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ (الانشقاق:
٦).
وقتل قابيل هابيل فكانت محطَّة شرك ثالثة، واستمرَّ الصراع إلى مرحلة تطوّرية أكبر
وهي مرحلة أبينا الثاني نوح (عليه السلام) الذي عاش دعوته بصريح القرآن ﴿أَلْفَ
سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عاماً﴾ (العنكبوت: ١٤).
دعا قومه ليلاً ونهاراً فلم يزدهم إلَّا ابتعاداً وتكبّراً وعصياناً، وبعد يأس
أبينا نوح (عليه السلام) من قومه جاءه القول من الباري (عزَّ وجلَّ): أنَّه لن يؤمن
من قومك إلَّا من آمن، فاصنع الفلك بأعيننا فإنَّهم قوم مغرقون، وفار التنّور وسالت
الأودية بالماء وارتفعت إلى أعلى من قمم الجبال، فغرق حتَّى ابن نوح لأنَّه كان
مشركاً، وبعد ذاك استوت السفينة على الجودي.
ثمّ بدأت مرحلة الصراع مع الجبابرة والطواغيت، فكان خطّ التوحيد متمثِّلاً بأبينا
إبراهيم (عليه السلام) وابنه إسماعيل، اللذين خاضا امتحاناً كبيراً عندما رأى إبراهيم
في المنام أنَّه يذبح ولده، فامتثل للامتحان ووضع السكّين على نحره ففدي بكبش عظيم،
وأقاما البيت الحرام. وخاض إبراهيم (عليه السلام) الصراع مع النمرود الذي كان يُمثِّل
الإله للقوم، وحطَّم أصنامهم، فأرادوا حرقه بنار عظيمة، فأطفأها الله تعالى فقال: ﴿يا
نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (الأنبياء: ٦٩).
وبدأت مرحلة أكثر تطوّراً في الصراع، حيث بدأ موسى
(عليه السلام) بولادة مخفيَّة وغيبة أوَّلية، وكان بين بني إسرائيل وفي بيت فرعون،
مخفيَّاً عنوانه، يناصر شيعته الذين ينتظرون ظهوره، حتَّى حدثت الغيبة الثانية،
فخرج خائفاً يترقَّب، ووصل إلى شعيب (عليه السلام)، وعاش مرحلة التربية الروحية
والخفاء التامّ عن بني إسرائيل، حتَّى إذا انتهت الغيبة بمدَّتها العشر حجج أذن
الله تعالى له في الظهور والصدع بالأمر فقال تعالى: ﴿اذْهَبا
إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ
يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى﴾ (طه: ٤٣ و٤٤)، وأظهر الآيات العظمى، وانقلب السحرة
صاغرين فآمنوا، وانتقم فرعون منهم لأنَّهم آمنوا بإله موسى (عليه السلام)، فانتقم
الله (عزَّ وجلَّ) منه، فكما ألقى وليَّه في اليمِّ ليُنجيه ألقى فرعون في اليمِّ
ليهلكه.
والتقى موسى بالعبد الصالح الخضر (عليه السلام) وعلم منه ما علم، ليرينا القرآن أنَّ
الغيبة سُنَّة من سنن التاريخ للحفاظ على أوليائه، وأيضاً ليعملوا بالخفاء ولينشروا
التوحيد ويُعطِّلوا أعمال الظلمة وينصروا المستضعفين، وحتَّى لا تسيخ الأرض بأهلها.
وجاءت مرحلة المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، وبدأت بمعجزة الولادة وخفائها، وظهر
أمره ونشر التوحيد باسم السلام، وانتشرت المسيحية، ولكن الطواغيت لم يسمحوا للمسيرة
أن تكتمل، فأرادوا به كيداً، فرفعه الله (عزَّ وجلَّ) إليه فقال: ﴿إِذْ
قالَ اللهُ يا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ
الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى
يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (آل عمران: ٥٥).
وليبقى عيسى (عليه السلام) منتظراً ذلك اليوم الموعود حيث ينزل إلى الأرض ليُصلّي خلف
المهدي من آل محمّد (عليهم السلام).
وانتهت مسيرة التوحيد إلى النبيِّ الأعظم محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم)، فانتشر التوحيد، وأصبحت للإسلام دولة عدل وتوحيد، أذلَّت جبابرة الكفر وأرغمت
أُنوفهم.
فكان سيف علي ومال خديجة وقيادة محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلم) هي أدوات التوحيد ضدّ الشرك.
ورحل النبيُّ الأعظم محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بعد أن بذل كلَّ ما
في وسعه لنقل الأُمَّة من الجاهلية الصنمية الشركية إلى الأُمَّة التوحيدية
العادلة، موصيَّاً لها بأن تتَّخذ من علي بن أبي طالب (عليه السلام) قائداً لها ليكمل
المسيرة التوحيدية العادلة..
ولكن! بسبب السقيفة وصعود من لم يكن أهلاً لقيادة الأُمَّة، خسر الإسلام الحكومة
التوحيدية العادلة..، وانحرفت الأُمَّة عن منهج التوحيد القرآني وسُنَّة النبيِّ
المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلم)، واستشهد وصيّ رسول الله أمير المؤمنين علي بن أبي
طالب (عليه السلام) بعد كلِّ المحاولات في إصلاح ما فسد من أمر أُمَّة رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم).
وستجد أيّها القارئ العزيز تفصيلاً رائعاً لثلاثية الزمن التاريخي في دعاء الندبة
الذي يختزل التاريخ الديني في أزمنته الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل بصورة
عجيبة.
التوحيد بين علم التاريخ وفلسفته:
على ضوء علم التاريخ فإنَّ التاريخ الديني بقي يستذكر الشخصيات التوحيدية، فنجد في
قصص الأنبياء مثلاً:
سليمان (عليه السلام) ودولته وما دار فيها من تسخير للجنِّ والطبيعة لأمر سليمان
النبيِّ (عليه السلام)، وكيف أنَّه تحكَّم بكلِّ شيء بما فيها التصرّف في التكوينيات
مثل حادثة نقل عرش بلقيس.
وذا القرنين وحكمه للعالم، وكيف أنَّه وصل إلى أماكن بعيدة المنال لغيره مثل المغرب
والمشرق، وكيف أنَّه عزل قوم يأجوج ومأجوج عن العالم.
ومن ثَمَّ ذكر التاريخ الديني نوحاً وإبراهيم وموسى وعيسى والنبيَّ الخاتم محمّد بن
عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وذكر الحوادث التي جرت في حياتهم، والمعارك التي
حدثت أُرِّخت وللأسف بشكل محرَّف بسبب تولّي بعض الحكومات الفاسدة التي أرادت تحريف
الحقائق وتزييفها، وأدخلت عليها الإسرائيليات فأصبحت في بعض الأحيان أُسطوريات أكثر
ممَّا هي وقائع تاريخية، والأُمَّة الإسلاميَّة
امتلكت هذا التاريخ الديني والذي هو علم التاريخ
الإسلامي، وتعاملت معه على أنَّه حقائق مقدَّسة لا يجب مسّها بأيِّ صورة من الصور.
القرآن ومنهج فلسفة التاريخ:
أمَّا فلسفة التاريخ فنجدها واضحة في المنهج القرآني، من خلال قصصه وآياته الكريمة،
والتي كانت صريحة وواضحة لمن يتدبَّر القرآن.
وهذه جملة من الآيات التي تُبيِّن بعض السنن التاريخية:
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ
مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ﴾ (آل عمران:
١٤٠).
﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلاً * سُنَّةَ
مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلاً﴾
(الإسراء: ٧٦ و٧٧).
﴿فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلَّا نُفُوراً *
اسْتِكْباراً فِي الْأَرضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ
إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾
(فاطر: ٤٢ و٤٣).
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ
فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (آل عمران: ١٣٧).
﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا
ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما
أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ
أَرْجُلِهِمْ﴾ (المائدة: ٦٦).
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا
فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
أساليب القرآن في بيان سنن التاريخ:
١ - بيان الفكرة الكلّية لسنن التاريخ: وهنا يُبيِّن القرآن أنَّ هناك سنناً
تتعلَّق بالفرد وهناك سنناً تتعلَّق بالمجموع، فكما أنَّ هناك أجلاً للفرد فهناك
أجل للأُمَّة بمجموعها، كما في بعض الآيات الآنفة، وهذه السنن كما تشمل السيّئين
كذلك تشمل الأخيار، بل حتَّى المعصوم (عليه السلام)، كما في قتل الإمام الحسين
(عليه السلام) ويحيى (عليه السلام) من قِبَل الطواغيت.
٢ - بيان السنن من خلال المصاديق: فالآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ
كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى
أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ
الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤)، تعطي نموذجاً لما سبق من الأُمم وأنبيائهم
وتربطه بحياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
٣ - الحثُّ على التأمّل في أحداث التاريخ: ﴿أَفَلَمْ
يَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (محمّد:
١٠)، فنجد المنهج القرآني يحكي التوحيد عبر علم التاريخ وفلسفة التاريخ من خلال
تعبيراته الرائعة، فيقول: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ﴾ (يوسف: ١١١)، ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ
الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (محمّد: ٢٤).
من خلال ما تقدَّم نجد القرآن طرح القصص ليُبيِّن التوحيد وصراعه مع الشرك، فبيَّن:
١ - شخصيات التوحيد وفي قبالها شخصيات الشرك.
٢ - حلَّل النفسية الواقعية للشخصيات التوحيدية وطريقة تعاملها مع الأُخر ومع
الطبيعة وأخلاقياتها وأدواتها المعرفية والاستدلالية وأدلَّتها المنطقية.
٣ - حلَّل النفسية الواقعية للشخصيات الشركية وطريقة تعاملها مع الإنسان ومع
الطبيعة وأخلاقياتها وأدواتها المعرفية.
٤ - حلَّل النفسية الواقعية للمجتمعات التي تخلَّلت الصراع، وعدَّد طبقات المجتمع،
وقام بعرض كلَّ ما يمرُّ به المجتمع المؤمن بدقَّة وحكمة عالية، بحيث يجد المتتبّع
نفسه متأثِّراً بالصورة الفنّية العالية لحدِّ الانفعال العاطفي الموصل إلى قضيَّة
التولّي والتبرّي، وهو الهدف المنشود من القصص القرآني.
٥ - بيَّن المنهج القرآني أنَّ هناك سنناً تاريخية تحكم المجتمعات وتحكم التاريخ،
وهنا تكمن فلسفة التاريخ؛ فإنَّ فهم سنن التاريخ يعني فهم فلسفة التاريخ، وبالتالي
الاستفادة من حوادث التاريخ بعد تحليلها، وأخذ العبر منها، وهذا ما عبَّر عنه
القرآن: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾
(يوسف: ١١١).
ولعلَّنا نشير إلى بعض السنن التاريخية التي تُعتَبر مدخلاً مهمَّاً لموضوعنا، وهي
التالي:
أوَّلاً: سُنَّة حتمية
الصراع، فمن خلال القصص القرآني نجد أنَّ الصراع قائم منذ بدء الخليقة إلى حين ظهور
الإمام المهدي (عليه السلام).
ثانياً: سُنَّة الجعل الإلهي للأنبياء والأوصياء
والعباد الصالحين، والمعبَّر عنها بسُنَّة الاستخلاف الإلهي، فهؤلاء عَهَدَ الله
إليهم بأدوار مهمَّة وخطيرة، ومنهم العباد الصالحون مثل العبد الصالح الخضر (عليه
السلام) وذي القرنين وطالوت الملك في زمن النبيِّ داود (عليه السلام)، بل حتَّى النساء
مثل الصدّيقة مريم (عليها السلام)، وليس كما يذهب البعض إلى أنَّ الأُمَّة هي التي
تُعيِّن القادة للأُمَّة.
ثالثاً: إنَّ العصمة هي سُنَّة إلهية يهبها الله
(عزَّ وجلَّ) لمن يشاء على أساس الحكمة الإلهية والعلم الإلهي.
رابعاً: إنَّ حتمية الصراع في نهايته مكفولة بالنصرة
لأولياء الله (عزَّ وجلَّ) حتَّى وإنْ قُتِلوا في سبيل الله، ﴿إِنَّا
لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ
الْأَشْهادُ﴾ (غافر: ٥١).
خامساً: سُنَّة خفاء الولادة للأنبياء (عليهم السلام)،
كما في خفاء ولادة النبيِّ موسى (عليه السلام) والنبيِّ عيسى (عليه السلام).
سادساً: سُنَّة الغيبة، المعبَّر عنها بخفاء العنوان،
وهذه واضحة في الكثير من القصص القرآني، ونذكر في ما يلي كنماذج واضحة ولا لبس فيها
على الغيبة:
أوَّلاً: غيبة موسى (عليه السلام)، فقد كان في بيت
فرعون وبين بني إسرائيل، ولكن لم يُعرَف بأنَّه هو النبيُّ الموعود الذي سوف ينهي
دولة فرعون، وكان فرعون يعلم بهذه النبوءة، فكان يقتل الذكور من بني إسرائيل
ويستحيي النساء.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ
يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ
نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (الأعراف: ١٤١).
وكانت هذه غيبة صغرى، وكانت هناك غيبة كبرى تامَّة عندما هرب إلى النبيِّ شعيب
(عليه السلام) فلم يرَه بنو إسرائيل ولا فرعون.
ثانياً: غيبة العبد الصالح الخضر (عليه السلام) حيث لم
يكن يعلم بوجوده وأدواره
حتَّى النبيّ موسى (عليه السلام)، فأخبره الله (عزَّ
وجلَّ) من خلال علامتين وهما: السمكة وسريانها في البحر، ورجل نائم على الأرض في
مجمع البحرين، وكان الخضر (عليه السلام) يعمل في الخفاء، ولولا القرآن لم يعلم أحد به
أبداً.
ثالثاً: غيبة النبيِّ يوسف (عليه السلام)، فقد غاب
لسنين في بلاد مصر حتَّى أنَّ أباه يعقوب (عليه السلام) لم يعرف بحاله، وإخوانه يرونه
ولا يعرفونه، وقام بنشر التوحيد في بلاد مصر، ومن ثَمَّ أمره الله (عزَّ وجلَّ)
بالظهور لإخوانه وأبيه (عليه السلام).
رابعاً: هناك غيبات لأنبياء الله (عزَّ وجلَّ) ذكرتها النصوص المعصومية مثل غيبة
نبيِّ الله نوح (عليه السلام) وإدريس (عليه السلام) وغيرهم.
العقيدة المهدوية بين علم التاريخ وفلسفته:
كما أنَّ التاريخ الديني يُنظَر إليه من خلال علم التاريخ وفلسفته، كذلك العقيدة
المهدوية يُنظَر إليها من خلال علم التاريخ وفلسفته باعتبارها:
١ - الامتداد العقدي والروحي للإسلام، فهي منبثقة من التوحيد والعدل الإلهي
والنبوَّة.
٢ - كونها متمِّمة للأدوار الإلهية لقادة التوحيد في قيام دولة التوحيد والعدل
الكبرى التي هي هدف البرنامج الإلهي، ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي
الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠)، لعمارة الأرض من خلال الحكومة الإلهية.
٣ - كونها مرتبطة بالمعاد من جهة الثواب والعقاب لمن عمل بها أو تركها متعمِّداً.
٤ - وكونها الحلُّ الأخير والنهائي للمشكلة البشرية بعد تهافت كلّ النظريات
الوضعية، لأنَّه من غير الممكن أن تُترَك البشرية بدون حلٍّ إلهي، وهذا يُعتَبر
خلاف الحكمة الإلهية وخلاف العدل الإلهي.
٥ - كونها الضمانة الحقيقية لإيصال البشرية إلى سعادتها وكمالاتها المعرفية
والروحية والمادّية.
٦ - كونها مظهرة لكلِّ الأسماء والصفات الإلهية الجمالية والجلالية في عالم الوجود
الإمكاني، والذي يُحقِّق الحديث القدسي: «كنت كنزاً مخفيَّاً فأحببت أن أُعرَف
فخلقت الخلق لكي أُعرَف)(٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) بحار الأنوار ٨٧: ١٩٩/ باب ١٢/ ح ٦.
أمَّا نظرتنا للعقيدة المهدوية من خلال علم التاريخ،
فإنَّنا نجد أنَّ هناك كمَّاً هائلاً من الروايات والنصوص المهدوية، والتي بلغت
المئات بل الآلاف من الروايات شرحت أبعادها.
فعلم التاريخ أوجد لدينا ما يلي:
١ - النصوص الدينية التوراتية والإنجيلية، والنصوص التابعة للشرائع الأرضية
كالزرادشتية والهندوسية والبوذية وغيرها، ممَّا يخصُّ المنقذ ودولته العالمية.
٢ - النصوص المهدوية الصادرة عن النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم).
٣ - النصوص المهدوية الصادرة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام).
٤ - النصوص الصادرة عن أصحاب النبيِّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم).
٥ - النصوص الصادرة عن عامَّة المفكّرين والعلماء الإسلاميّين.
٦ - ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وكلام النسّابة في ذلك.
٧ - النصوص الصادرة عن الإمام المهدي (عليه السلام) في زمان غيبته الصغرى، والتي
تُسمّى بالتوقيعات المباركة، والتي وصل إلينا منها أكثر من سبعين توقيعاً في مختلف
الموضوعات الفقهية والعقائدية.
٨ - القصص التي تُؤكِّد لقاءات الإمام المهدي (عليه السلام) بالمؤمنين من العلماء
وعامَّة الناس وحتَّى غير المؤمنين.
هذا الكم الهائل من النصوص هو مدخل لدراسة العقيدة المهدوية من خلال فلسفة التاريخ
من خلال التحليل والاستقراء والاستنتاج المنطقي والعقلي.
فلسفة التاريخ والعقيدة المهدوية:
قلنا سابقاً: إنَّ للتاريخ سنناً تحكمه، وبيَّنا تلك السنن من خلال المنهج القرآني،
وهنا تكمن فلسفة التاريخ، ومن أهمِّ هذه السنن هي:
سُنَّة حتمية الصراع بين الحقِّ والباطل، بين العدل والظلم، بين الشرك والتوحيد.
وسُنَّة حتمية انتصار الحقِّ على الباطل، وانتصار العدل على الظلم، وانتصار التوحيد
على الشرك بأنواعه.
وهذه السنن تقريباً هي عقلية إنسانية يشترك فيها
الإنسان بشتّى أنواعه إذا رفعنا التوصيف الخاصّ بالوصف الديني وهو التوحيد.
الآن ننتقل إلى اتِّجاه آخر وتفسيره للتأريخ فلسفةً وتكاملاً.
الاتّجاه الديالكتيكي أو الآلي في تفسير تكامل التاريخ:
أوَّلاً: تكامل الطبيعة:
يفهم هذا الاتِّجاه التطوّر في الطبيعة على أنَّه نتاج الصراع بين المتناقضات،
ويتمُّ وفق الخطوات الأربع التالية:
١ - إنَّ الطبيعة في حركة مستمرَّة دؤوبة، فهي لا تعرف السكون مطلقاً، ولا تعيش
الثبات.
٢ - تترابط أجزاء الطبيعة بشكل وثيق، فكلُّ جزءٍ منها يتأثَّر بالأجزاء الأُخرى
ويُؤثِّر فيها، ولذلك عندما تُدرَس الطبيعة، فلا بدَّ أن تُدرَس أجزاؤها على أنَّها
مترابطة غير مفكَّكة أو مجزَّأة.
٣ - تنشأ الحركة في الطبيعة بسبب صراع المتناقضات، ويُشكِّل هذا الصراع أساس كلّ
تطوّر، ويتمُّ على الشكل التالي: تتَّجه كلُّ ظاهرة طبيعية تلقائياً نحو نقيضها،
يأخذ النقيض في النموِّ شيئاً فشيئاً بحيث يصبح قادراً على مواجهة تلك الظاهرة،
هكذا ينشب الصراع بينه وبينها؛ فالظاهرة تريد الحفاظ على نفسها والنقيض يريد أن
يُبدِّلها.
٤ - يشتدُّ الصراع بين الظاهرة ونقيضها، ويستمرُّ إلى أن يبلغ ذروته، ثمّ تحدث ثورة
تنتهي لصالح النقيض المتمثِّل بالقوى الجديدة على حساب الظاهرة والقوى القديمة.
وهكذا تتبدَّل الظاهرة بنقيضها الذي كانت تتَّجه تلقائيَّاً نحوه، في المرحلة
اللاحقة ينشب صراع جديد بين هذا النقيض ونقيض آخر فيتحوَّل إليه، ونفي النفي هذا
نوع من التركيب، تتواصل به حركة المجتمع والتاريخ بشكل حتمي وجبري ويحصل التكامل،
وهكذا...
والخلاصة أنَّه وفقاً لهذه النظرية هناك أصل، يمكن أن نُسمّيه (الأُطروحة)، ينقلب
إلى نقيضه (الطباق)، فيما بعد يأتلف النقيضان ليشكّلا تركيباً واحداً (التركيب).
ثمّ يصير هذا التركيب أصلاً و(أُطروحةً) جديدةً تطوي المراحل
نفسها...، وثلاثي (الأُطروحة، والطباق، والتركيب) هو
المسمّى بحسب أصحاب هذا الاتِّجاه بالمثلَّث الهيغلي(٨).
ثانياً: تكامل المجتمع والتاريخ:
يعتبر هذا الاتِّجاه أنَّ العامل الأساس الذي يُشيِّد المجتمع، والسبب الرئيس الذي
يؤدّي إلى الحركة فيه وبالتالي إلى تكامله، هو العمل الإنتاجي وتطوّر آلات الإنتاج،
فبحسب المنظِّرين لهذا الاتِّجاه أنَّ العامل الاقتصادي هو أساس حياة البشرية، هو
الذي يخلق علاقةً بين الأفراد تنبثق عنها مجموعة العلاقات الأُخرى، كالعلاقات
الاجتماعية والسياسية، ولذا قيل: إنَّ الاقتصاد هو الذي يُشكِّل البناء التحتي
للمجتمع، الذي يؤدّي تغيّره إلى تغيّر كلّ الأبنية الفوقية.
ويتمُّ التطوّر والتكامل في المجتمع والتاريخ وفق الخطوات
التالية:
- يُشكِّل التاريخ جزءاً من أجزاء الطبيعة، ولذا فإنَّه يطوي نفس مراحلها، لكن مع
الأخذ بعين الاعتبار أنَّ عناصر المسألة التاريخية هم أفراد البشر، فهو حركة وصراع
دائم بين مجموعات فتيَّة جديدة ومجموعات سابقة.
- إنَّ كلَّ جيل جديد من أفراد الإنسان يحمل أفكاراً أكثر تطوّراً تؤدّي إلى زيادة
الإنتاج؛ إذ الإنسان مزوَّد بالقدرة على تطوير آلات الإنتاج.
- توجِد أفكارُ القوى الفتيَّة الحديثة علاقات اقتصادية جديدة تنبعث منها علاقات
اجتماعية.
- تنمو هذه القوى وتصبح قادرة على الوقوف بوجه القوى القائمة. تنشب صراع بين الفريق
الرجعي، وقوامه تلك القوى التي ترتبط مصالحها بالوضع الاقتصادي القديم، والتي ترى
ضرورة بقاء الأوضاع على ما هي عليه، وبين الفريق التقدّمي الذي يتشكَّل من القوى
الفتيَّة بوسائلها الإنتاجية المتطوّرة، وترتبط مصالحها بنظام اقتصادي جديد.
- يشتدُّ هذا الصراع ويحتدم ليبلغ ذروته، فتحدث ثورة يتبدَّل فيها المجتمع بزوال
وفناء النظام القديم وحلول النظام الجديد، وهكذا يكون هناك تأثير متبادل بين
الإنسان والآلة، الإنسان يخلق الآلة، والآلة تخلق الإنسان الجديد، فيما بعد تطوي
هذه المرحلة الجديدة المسيرة نفسها، لتتواصل مراحل التاريخ، وهكذا...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) فلسفة التاريخ ونهضة المهدي للشهيد مرتضى مطهَّري: ١٠ و١١.
نتائج الاتّجاه الآلي في
تفسير تكامل التاريخ:
١ - مفهوم القديم والجديد بحسب هذا التفسير:
أمَّا العلاقات الثقافية والاجتماعية وما شابه، فإنَّها تنبثق من العلاقات
الاقتصادية، فإنَّ محتوى التفكير الاجتماعي للأفراد يتكوَّن من خلال مكانتهم
الطبقية وظروفهم الاقتصادية.
٢ - التسلسل المنطقي للتاريخ:
تتسلسل المراحل التاريخية بشكل منطقي جبري، كأيِّ عنصر طبيعي آخر، فالتاريخ يَعبُر
مراحلَه بالترتيب ولا يمكنه القفز فوق أيّ مرحلة؛ فكما أنَّ النطفة لا يمكن أن تصير
مضغة دون أن تمرَّ بمرحلة تكوّنها علقة، كذلك الرأسمالية مثلاً مرحلة تاريخية
تتوسَّط مرحلة الإقطاع ومرحلة الاشتراكية، فمن المستحيل أن ينتقل المجتمع من
الإقطاع إلى الاشتراكية دون أن يمرَّ بالرأسمالية.
٣ - وصول كلّ مرحلة إلى ذروتها:
من الضروري أن تبلغ كلُّ مرحلة من المراحل ذروتها لتنتقل إلى مرحلة جديدة أُخرى.
فانتظار مرحلة مقبلة دون أن تبلغ المرحلة الراهنة ذروتها يشبه انتظار الولادة قبل
أن تطوي النطفة مراحل الجنينية، فهذه في الواقع محاولة إجهاض لا ولادة(٩)!
وعلى هذا الأساس فإنَّ الديالكتيكية تؤمن بالتكامل الطبيعي أو التاريخي للبشرية.
يقول فرانسيس فوكوياما في كتابه (نهاية التاريخ والرجل الأخير)(١٠):
(يبدو أنَّه قد ظهر توافق مدهش في السنوات الأخيرة يتعلَّق بالديمقراطية الليبرالية
كنظام حكم، لأنَّها اقتصرت على الإيديولجيات المنافسة - كالنظام الملكي الوراثي
والفاشية وأخيراً الشيوعية -، لقد أشَّرت فضلاً عن ذلك إلى أنَّ الديمقراطية
الليبرالية بإمكانها أن تُشكِّل فعلاً (منتهى التطوّر الإيديولوجي للإنسانية)
و(الشكل النهائي لأيِّ حكم إنساني)، أي إنَّها من هذه الزاوية (نهاية التاريخ)،
فبينما كانت أشكال الحكم القديمة تتميَّز بأخطاء خطيرة وتناقضات لا يقبلها العقل
أدَّت إلى انهيارها، فإنَّه بالإمكان الادِّعاء أنَّ الديمقراطية الليبرالية كانت
خالية من هذه التناقضات الأساسية، لا يعود ذلك لكون الديمقراطيات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) فلسفة التاريخ ونهضة
المهدي للشهيد مرتضى مطهَّري: ١٣ - ١٥.
(١٠) نهاية التاريخ والرجل
الأخير لفرانسيس فوكوياما: ٢٣.
الثابتة اليوم كمثل فرنسا والولايات المتَّحدة
وسويسرا لم تعرف المظالم ولا المشاكل الاجتماعية الخطيرة، ولكن لأنَّ هذه المشاكل
كانت تنجم عن التطبيق غير الكامل لمبدئي الحرّية والمساواة اللذين هما الركيزتان
لأيَّة ديمقراطية حديثة وليس من هذين المبدئين بالذات، وقد تفشل بعض البلدان
الحديثة في إقامة الديمقراطية الليبرالية، وقد يقع بعضها في أشكال بدائية للحكم مثل
الثيوقراطية أو الديكتاتورية العسكرية).
نستنتج من خلال ذلك أنَّ العقيدة الماركسية تؤمن بالجبرية التاريخية من خلال نظرية
التضادّ الوجودي، بينما النظرية الغربية تؤمن بالنظرية الاختيارية للتاريخ، وأنَّ
الإنسان وحده يصنع التاريخ ويصيغه وفق سننه الخاصَّة، نعم من الممكن أن توجد سنن
تاريخية ولكن من الممكن جدَّاً تغيير تلك السنن، وبعيداً عن تدخّل البعد الغيبي،
وهذا ما ترفضه العقيدة المهدوية كما سنُبيِّن ذلك.
الصيغة الثلاثية والصيغة الرباعية لعناصر المجتمع في حركة
الصراع التاريخي:
يقول السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر في كتابه (المدرسة القرآنية)(١١):
ما هي مقوّمات المركَّب الاجتماعي؟ وكيف يتمُّ التركيب بين هذه العناصر والمقوّمات؟
وضمن أيّ إطار؟ وأيّة سنن؟ هذه الأسئلة نحصل على جوابها في النصِّ القرآني الذي
تحدَّث عن خلق الإنسان الأوَّل: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ
لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ
يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ
لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٣٠).
هناك ثلاثة عناصر يمكن استخلاصها من العبارات القرآنية:
أوَّلاً: الإنسان، ثانياً: الطبيعة، ثالثاً: العلاقة المعنوية التي تربط الإنسان
بالأرض (الطبيعة) وبالإنسان، وهي تُسمّى قرآنياً بالاستخلاف، وهي العنصر المرن
والمتحرِّك في المعادلة الاجتماعية.
لهذه العلاقة صيغتان:
رباعية: وهي افتراض طرف رابع في المركَّب، وهذا الطريف ليس داخلاً في إطار المجتمع
ولكنَّه مقوِّم لها وهو الله تعالى، وهذا هو الطرح القرآني المسمّى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) المدرسة القرآنية للسيِّد محمّد باقر الصدر: ١٠٥ - ١٠٧.
بالاستخلاف، فالله (عزَّ وجلَّ) هو المستخلِف (بكسر
الخاء)، والإنسانية المستخلَفة (بفتح الخاء)، والمستخلَف عليه هو الأرض (الطبيعة)
وما عليها، فالاستخلاف بمعنى أنَّ الطبيعة أمانة بيد الإنسانية وهو محاسب عليها،
ولذلك قبلها الإنسان وهي في فطرته: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ
يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً
جَهُولاً﴾ (الأحزاب: ٧٢).
إنَّ إضافة بعد رابع وهو الله (عزَّ وجلَّ) ليس إضافة عددية، بل هو نوعية تُغيِّر
من الحركة الجوهرية للإنسانية، وبالتالي تُغيِّر مجرى التاريخ.
وهناك الصيغة الثلاثية: وهي تجريد المركَّب النظري من البعد الرابع وهو الله (عزَّ
وجلَّ)، ووجدت هذه العلاقة عبر التاريخ من خلال سيادة الإنسان على أخيه الإنسان
وكذلك الملكية، هذه الصيغة الثلاثية تعني لا يوجد قيِّم على العلاقة بين الإنسان
وأخيه الإنسان وبين الإنسان والطبيعة إلَّا ضمير الإنسان نفسه. وقد جرَّبت
الإنسانية في مسيرتها كيف كان ضمير الإنسان، وما جرَّ هذا الضمير من الويلات
والحروب على البشرية، وكيف استغلَّ ثروات الطبيعة وكأنَّها ملك خاصّ له.
ومن هنا، فإنَّ المحتوى الداخلي للإنسان هو المحرِّك للتاريخ على ضوء السنن
الإلهية، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى
يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: ١١).
فهذا المحتوى الداخلي للإنسانية والبناء الداخلي لها المتكوِّن من: الفكر والإرادة،
وهما يُجسِّدان الغايات التي تُحرِّك التاريخ. وهذا المحتوى الداخلي مرتبط بالمثل
الأعلى الذي تتمحور حوله الغايات، فبقدر ما يكون المثل الأعلى صالحاً وعالياً
كلَّما تكون الغايات صالحة وممتدَّة، وبقدر ما يكون هذا المثل الأعلى محدوداً
كلَّما تكون الغايات المنبثقة منه محدودة.
وعلى هذا الأساس المتقدِّم فإنَّ العقيدة المهدوية تعتمد على المركَّب النظري
القرآني في إيجاد العدل من خلال استخدام السنن التاريخية التي تنسجم مع المثل
الأعلى القرآني وهو الله (عزَّ وجلَّ)، فالعقيدة المهدوية تؤمن:
١ - بالله (عزَّ وجلَّ)، باعتباره الحيّ القيوم، والخالق والمدبِّر لجميع الأُمور.
٢ - الإنسان المتعلّق بالإله عبر نائبه الإمام
المهدي (عليه السلام)، باعتباره المستخلف على الإنسان والطبيعة.
٣ - الإنسانية: وهي المجتمع الأرضي الذي هو موضوع الاستخلاف والمساعد في إرساء
العدالة الإلهية.
٤ - الطبيعة (الأرض) وهي أمانة بيد الإنسان حتَّى تتوزَّع الموارد الطبيعية
بالسويَّة.
الإمام المهدي (عليه السلام) هو وراث خطّ الأنبياء (عليهم
السلام):
نقرأ في زيارة الإمام الحسين (عليه السلام) المعبَّر عنها بزيارة وارث: «السلام عليك
يا وارث آدم صفوة الله...»، فالإمام الحسين (عليه السلام) هو وارث الأنبياء جميعاً،
وكلُّ إمام من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) هو وارث لخطِّ الأنبياء، فيكون الإمام
المهدي (عليه السلام) الوارث للأنبياء جميعاً، وهو الخاتم للأوصياء، وبيده مواريث
الأنبياء.
والوراثة تعني: امتلاك كلّ الخصائص الإلهية التي تمتَّع بها الأنبياء والأوصياء من
معارف وطاقات روحية لإدارة الصراع مع الباطل، إنَّه يعمل وفق السنن التاريخية
الإلهية ليقوم بتوجيه التاريخ وتعديل مساره نحو تحقيق العدالة الاجتماعية.
المحتوى الداخلي للإنسان المهدوي وتأثيره في المسار
التاريخي:
في هذه الكلمات سوف نجيب عن سؤال مهمّ، وهو: هل أنَّ العقيدة المهدوية جزء من فلسفة
التاريخ أم هي عامل مؤثِّر في فلسفة التاريخ؟
بدأ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) في صناعة الإنسان والمجتمع المهدوي منذ بداية
دولته المباركة، ومنذ أن عرف أنَّ هناك انحرافاً سيصيب الأُمَّة يُبعِدها عن الخطِّ
الرسالي والإلهي، فلا بدَّ من التأسيس لإنشاء إنسان المجتمع المهدوي. وهذه جملة من
الأحاديث النبوية الشريفة في هذا المجال:
ورد في صحيح أبي داود(١٢)
عن عبد الله، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لو لم يبقَ من الدنيا
إلَّا يوم لطوَّل الله ذلك اليوم حتَّى يبعث فيه رجلاً منّي...».
وفي حديث سفيان: «لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتَّى يملك العرب رجل من أهل بيتي».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) صحيح أبي داود ٤: ٨٧.
وفي نفس المصدر عن علي (عليه السلام)، عن النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال: «لو لم يبقَ من الدهر إلَّا يوم لبعث الله رجلاً من أهل
بيتي».
هذه جملة من الأحاديث المرويَّة عن النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، تُبيِّن
أنَّ هناك صناعة للشخصية الإسلاميَّة المهدوية، والتي أصبحت في كلِّ مرحلة تنتظر
المهدي وتسأل عنه وتُمهِّد لظهوره الشريف.
وهكذا نشأ المجتمع الذي يعتقد ويؤمن بعقيدة الإمام المهدي (عليه السلام)، وتطوَّر هذا
المجتمع وسط ألوان من العذاب السلطوي الأُموي والعبّاسي وغيرهم، وحتَّى ضحّى
برجالاته العظام بما فيهم قادته الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، ولكنَّه في كلِّ
مرحلة يقوى ويشتدُّ وينتظم، حتَّى أصبح في زمن الولادة الشريفة للإمام المهدي (عليه
السلام) مجتمعاً منظَّماً من خلال قائد ونوّاب ووكلاء منتشرين في أصقاع الأرض، ولهذا
المجتمع إداريات خاصَّة وأنظمة خاصَّة واقتصاد خاصّ وأهداف كبيرة. ومرَّ بمرحلة
الغيبة الصغرى والكبرى، والتي فيها أصبح هذا المجتمع كياناً كبيراً وعريضاً يديره
النائب العامّ الفقيه الجامع للشرائط، من خلال رسالته العملية كدستور عملي يُنظِّم
حياة الفرد مع ربِّه في العبادات، ومع الآخر في المعاملات. وأصبحت له خصائص فكرية
واقتصادية واجتماعية مميِّزة له عن غيره.
وأخيراً استطاع أن يوجِد له حكومات سياسية، وفي كلِّ يوم يزداد هذا المجتمع المهدوي
بريقاً وارتفاعاً وانتصاراً، رغم هدوءه ورغم شعاره المسالم، ورغم كلّ ما يتعرَّض له
من اضطهاد وقتل وتشريد، لكنَّه يوماً بعد يوم يزداد علوَّاً وإيماناً وازدهاراً
وتوسّعاً.
وبهذا الإنجاز المعرفي والعملي والإداري والسياسي استطاعت العقيدة المهدوية أن تركب
السنن التاريخية وتؤثِّر في فلسفة التاريخ وتوجِّهه بالاتِّجاه الذي يؤمِّن تحقيق
الأهداف الإلهية وفق البرنامج الاستخلافي.
وعلى هذا الأساس فإنَّ العقيدة المهدوية هي روح البرنامج الإلهي، وبدونها يكون
العبث في البرنامج الإلهي، وهذا محال، ولهذا فهي وإن كانت خاضعة
للسنن التاريخية باعتبارها موجودة ضمن الأسباب
والمسبَّبات الإمكانية، وهو قانون سار على الجميع، ولكنَّها في نفس الوقت حاكمة على
التاريخ وموجِّهة له من خلال سيرها مع السنن الإلهية، وفي نهاية المطاف هي المنتصرة
والمحقِّقة للغاية من خلق الإنسان.
العقيدة المهدوية والسنن الإلهية التاريخية:
هناك سنن تاريخية عرضها القرآن في منهجه، ومن تلك السنن هي: خفاء الولادة، وخفاء
العنوان (الغيبة)، والعمل بالتقيَّة.
لقد أكَّدت النصوص المعصومية على أنَّ هناك وجه شبه بين الإمام المهدي (عليه
السلام)
وبين بعض الأنبياء (عليهم السلام)، فهناك وجه شبه بموسى وعيسى ويوسف ونوح وإبراهيم
وغيرهم (عليهم السلام).
هذا الشبه ليس اعتباطاً، وإنَّما جاء بسبب وجود: الخطّ الوراثي الممتدّ من آدم
(عليه السلام)، مروراً بنوح وإبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، ووصولاً إلى نبيِّنا
الخاتم (صلّى الله عليه وآله، وانتهاءً بالأئمَّة المعصومين (عليهم السلام). هذا
الخطّ الوراثي الإلهي يعيش صراعاً تاريخياً وحتمياً مع الخطّ الشركي.
إنَّ هناك سنناً تاريخية لا بدَّ منها، حاكمة على الخطِّ الوراثي الإلهي، يتَّخذها
الجميع للحفاظ على هذا الخطّ.
روى الصدوق في (علل الشرائع)(١٣):
عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليه السلام) يقول: «إنَّ
لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها يرتاب فيها كلّ مبطل»، فقلت له: ولِمَ
جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه الحكمة في غيبته؟
قال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من حجج الله تعالى ذكره،
إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لا ينكشف وجه الحكمة لما أتاه
الخضر (عليه السلام) من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى إلَّا وقت
افتراقهما. يا بن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله وسرٌّ من سرِّ الله وغيب
من غيب الله، ومتى علمنا أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) حكيم صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها
حكمة وإن كان وجهها غير منكشف لنا».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) علل الشرائع: ٢٤٥ و٢٤٦.
وفي (إكمال الدين وتمام
النعمة)(١٤)
في حديث طويل:
قال: «إنَّ الله تبارك وتعالى أدار للقائم منّا ثلاثة أدارها
في ثلاثة من الرسل (عليهم السلام): قدَّر مولده تقدير مولد موسى (عليه السلام)، وقدَّر
غيبته تقدير غيبة عيسى (عليه السلام)، وقدَّر إبطاءه تقدير إبطاء نوح (عليه السلام)،
وجعل له من بعد ذلك عمر العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) دليلاً على عمره».
فقلنا له: اكشف لنا يا ابن رسول الله عن وجوه هذه المعاني.
قال (عليه السلام): «أمَّا مولد موسى (عليه السلام)، فإنَّ فرعون لمَّا وقف على أنَّ
زوال ملكه على يده أمر بإحضار الكهنة، فدلّوه على نسبه وأنَّه يكون من بني إسرائيل،
ولم يزل يأمر أصحابه بشقِّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيل حتَّى قتل في طلبه
نيفاً وعشرين ألف مولود، وتعذَّر عليه الوصول إلى قتل موسى (عليه السلام) بحفظ الله
تبارك وتعالى إيّاه. وكذلك بنو أُميَّة وبنو العبّاس لمَّا وقفوا على أنَّ زوال
ملكهم وملك الأُمراء والجبابرة منهم على يد القائم منّا ناصبونا العداوة، ووضعوا
سيوفهم في قتل آل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وإبادة نسله طمعاً منهم في
الوصول إلى قتل القائم، ويأبى الله (عزَّ وجلَّ) أن يكشف أمره لواحد من الظلمة
إلَّا أن يتمَّ نوره ولو كره المشركون.
وأمَّا غيبة عيسى (عليه السلام)، فإنَّ اليهود والنصارى اتَّفقت على أنَّه قُتِلَ،
فكذَّبهم الله (جلَّ ذكره) بقوله: ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما
صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ (النساء: ١٥٧). كذلك غيبة القائم، فإنَّ
الأُمَّة ستنكرها لطولها، فمن قائل يهذي بأنَّه لم يلد، وقائل يقول: إنَّه يتعدّى
إلى ثلاثة عشر وصاعداً، وقائل يعصي الله (عزَّ وجلَّ) بقوله: إنَّ روح القائم ينطق
في هيكل غيره.
وأمَّا إبطاء نوح (عليه السلام)، فإنَّه لمَّا استنزلت العقوبة على قومه من السماء
بعث الله (عزَّ وجلَّ) الروح الأمين (عليه السلام) بسبع نويات، فقال: يا نبيَّ الله،
إنَّ الله تبارك وتعالى يقول لك: إنَّ هؤلاء خلائقي وعبادي، ولست أبيدهم بصاعقة من
صواعقي إلَّا بعد تأكيد الدعوة وإلزام الحجَّة، فعاود اجتهادك في الدعوة لقومك
فإنّي مثيبك عليه، وأغرس هذه النوى فإنَّ لك في نباتها وبلوغها وإدراكها إذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) إكمال الدين: ٣٥٢ - ٣٥٧.
أثمرت الفرج والخلاص، فبشِّر بذلك من تبعك من
المؤمنين. فلمَّا نبتت الأشجار وتأزَّرت وتسوَّقت وتغصَّنت وأثمرت وزها التمر عليها
بعد زمان طويل استنجز من الله سبحانه وتعالى العدة، فأمره الله تبارك وتعالى أن
يغرس من نوى تلك الأشجار ويعاود الصبر والاجتهاد، ويؤكِّد الحجَّة على قومه، فأخبر
بذلك الطوائف التي آمنت به فارتدَّ منهم ثلاثمائة رجل وقالوا: لو كان ما يدَّعيه
نوح حقَّاً لما وقع في وعد ربِّه خلف. ثمّ إنَّ الله تبارك وتعالى لم يزل يأمره عند
كلّ مرَّة بأن يغرسها مرَّة بعد أُخرى إلى أن غرسها سبع مرّات، فما زالت تلك
الطوائف من المؤمنين ترتدُّ منه طائفة بعد طائفة إلى أن عاد إلى نيف وسبعين
رجلاً...».
قال الصادق (عليه السلام): «وكذلك القائم فإنَّه تمتدُّ
أيّام غيبته ليصرح الحقُّ عن محضه، ويصفو الإيمان من الكدر بارتداد كلّ من كانت
طينته خبيثة من الشيعة الذين يُخشى عليهم النفاق إذا أحسّوا بالاستخاف والتمكين
والأمن المنتشر في عهد القائم (عليه السلام)...».
«وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) -، فإنَّ
الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب يُنزِله عليه، ولا
لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء
بها، ولا لطاعة يفرضها له. بلى، إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا كان في سابق علمه أن
يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من
إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب
ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجَّة
المعاندين، لئلَّا يكون للناس على الله حجَّة».
لعمري، لو لم يكن إلَّا هذا الحديث الصادقي عن الإمام المهدي (عليه السلام) لكفى في
بيان أبعاد القضيَّة المهدوية، فهو يربط الإمام المهدي بسنن من قبله من الأنبياء
(عليهم السلام) وهم نوح وموسى وعيسى (عليهم السلام)، وهذا يلفت النظر إلى: خفاء
الولادة، الغيبة، طول العمر، العمل بالتقيَّة. وهذه سنن إلهية تاريخية تجري في
الإمام المهدي (عليه السلام)، ويركبها الإمام (عليه
السلام) للوصول إلى الهدف الأكبر، وهو إقامة الحكومة الإلهية في الأرض.
مع فرانسس فوكوياما في كتابه (التصدّع العظيم):
يُعتَبر (فرانسس فوكوياما) من أكثر المفكّرين الأمريكان أصالةً وذكاءً، وممَّن فتحت
أعماله آفاقاً جديدة وواسعة على العالم المحيط بنا في كتابه نهاية التاريخ (the end
of history)، وكتابه (the last man) الرجل الأخير، كان أوَّل من لمح إلى التكوين
الجديد لعالم ما بعد الحرب الباردة. وفي كتابه (the trust) فإنَّه حلَّل العوامل
الاجتماعية التي تخلق الثروة ويسبر أفضل الطرق لتسخير هذه العوامل. ولكنَّه يوجِّه
اهتماماً إلى قضايا وأسئلة أكثر عمقاً وأهمّيةً حول طبيعة المجتمع الحديث في كتابه
هذا (the great distuption التصدّع العظيم)، والذي يُشكِّل العمل الأبعد أثراً
والأكثر إثارةً.
فبعد أن يكشف أنَّ هناك تحوّلات كبيرة في المجتمع الأمريكي والأُوربي خلال العقود
الثلاثة انتقلت من مجتمعات صناعية إلى مجتمعات معلوماتية، احتلَّت فيها المعرفة دور
الإنتاج الواسع النطاق، لتصبح المعرفة أساس الثروة والنفوذ والتفاعل الاجتماعي، وفي
نفس الوقت واجهت المجتمعات الغربية معدّلات متصاعدة من الجريمة وتغيّرات هائلة في
الهيكل الأُسري ومعدّلات الخصوبة، بالإضافة إلى انخفاض مستمرّ في مستويات الثقة،
يرافق ذلك انتصار النزعة الفردية على الجماعة، وكما جاءت الثورة الصناعية بتغيّرات
عميقة في القيم الأخلاقية للمجتمع فإنَّ تصدعاً مماثلاً حدث في زماننا هذا وخلق
تغيّرات عميقة في البناء الاجتماعي.
يكشف (فوكوياما) من خلال أحدث المعلومات الاجتماعية والنظريات الجديدة في حقول
متعدِّدة تمتدُّ من الاقتصاد إلى البيولوجي أنَّه على الرغم من تحطّم وتفكّك النظام
القديم، فإنَّ نظاماً اجتماعياً جديداً قد بدأ يتشكَّل. ويُبيِّن جانباً من فطرتنا
البشرية هو حاجتنا إلى إقامة الروابط الاجتماعية مع بعضنا البعض، لخلق نسيج اجتماعي
بإطار جديد يتناسب مع المتغيّرات، ليس مع جيراننا فقط، بل في مؤسّسات العمل، وفي
داخل الأُسرة، بل إنَّ (فوكوياما) يرى تصدّع الستّينات والسبعينات يمكن أن يفتح
الطريق لإعادة بناء عظيم يتماهى
مع النسيج الاجتماعي الجديد الذي ينسجه المجتمع
الغربي ليستوعب قيماً اجتماعية وأخلاقية تتناسب مع الواقع المتغيّر لعالم ما بعد
عصر الصناعة(١٥).
من الواضح أنَّ هناك اعترافاً صارخاً على فشل النظرية الوضعية في إدارة المجتمع
وانتشار الفساد والظلم في المجتمع الغربي، وهذا ما أشارت إليه النصوص المهدوية
الآنفة الذكر المعبَّر عنه بـ (انتشار الجور والظلم في الأرض). وهذا مصدره
التطبيقات للأنظمة الوضعية والتي تضاءل قسم منها كالنظام الملكي الديكتاتوري
الحقيقي، والنظام الاشتراكي الماركسي الشيوعي، وآخر نظام تراهن عليه الأنظمة
الوضعية هو النظام الليبرالي بتجديداته، والذي أنتج ما يُسمّى اليوم بالحداثة.
واليوم هذا المفكّر الأمريكي بعد استعراضه بالأرقام والاستبيانات التصدّع العظيم
لبنية المجتمع الغربي والأمريكي يراهن على نظريات جديدة في إعادة البنية الاجتماعية
إلى فطرتها البشرية، وهذا من وجهة نظر العقيدة الإسلاميَّة هو خيال وسراب يراه
الظمآن ماءً، لأنَّ القضيَّة مرتبطة كما أوضحناه سابقاً بالبعد الرباعي في
المركَّب الاجتماعي الذي طرحه السيِّد الشهيد قدس سره في المدرسة القرآنية، فأيُّ
إصلاح يقوم على أساس المركَّب النظري الثلاثي للمجتمع والذي يعني إخراج البعد
الرابع وهو الله (عزَّ وجلَّ)، فهو يُعتَبر سراباً وسيؤدي إلى كوارث أكبر وأكثر.
نعم من الممكن أن نقول: إنَّ هذا العطش الإنساني للرجوع إلى الفطرة يؤدّي إلى زيادة
الوعي الذاتي، وبالتالي من الممكن جدَّاً أن يتصالح الإنسان الغربي في نهاية المطاف
مع العقيدة المهدوية، وبالتالي ينسجم معها عندما لا يرى مخرجاً من مأزقه السياسي
والاقتصادي والاجتماعي، وعندها يلتجئ مجبوراً أو مختاراً إلى البعد الرابع في
المركَّب النظري الاجتماعي وهو الله (عزَّ وجلَّ).
وهذا ما أكَّدته الفلسفة المهدوية في بعد فلسفة الغيبة بأنَّ الإنسانية عندما
تستنفد كلّ تطبيقاتها وتصل لمرحلة الفساد والظلم الذي لا يطاق عندها تلجأ إلى الله
تعالى، لكون الفطرة الإنسانية تلجأ إلى بارئها عند تقطّع الأسباب والمسبَّبات
الدنيوية أو المادّية.
وبهذا لا ملجأ للإصلاح الاجتماعي بمعزل عن النظرية الإسلاميَّة بقيادة الإمام
المهدي (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) التصدّع العظيم: ٥/ ترجمة عزَّة حسين كبه.
حتمية الختم المهدوي:
كلُّ حكيم في فعله لا بدَّ له من نهاية حكيمة تظهر كمال فعله وإلَّا لما كان
حكيماً، والله تعالى بما أنَّه حكيم في فعله فلا بدَّ أن تكون نهاية البرنامج
الإلهي الذي هو نهاية التاريخ الإنساني بتحقّق الكمال الفعلي من خلال تحقّق الختم
الإلهي.
وهنا جملة من النصوص تدلُّ على الحتمية المهدوية:
في تفسير القمّي(١٦):
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ
الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
(التوبة: ٣٣)، إنَّها نزلت في القائم من آل محمّد (عليه السلام)، وهو الإمام الذي
يُظهِره الله على الدين كلّه، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً.
وفي (كنز الفوائد)(١٧):
عن عباية بن ربعي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول - وذكر الآية -: «والذي
نفسي بيده لا تبقى قرية إلَّا نودي فيها بلا إله إلَّا الله محمّد رسول الله بكرةً
وعشياً».
(كمال الدين)(١٨):
عن ابن محبوب، عن مؤمن الطاق، عن سلام بن المستنير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ
مَوْتِها﴾ (الحديد: ١٧)، قال: «يُحييها (عزَّ وجلَّ) بالقائم، ﴿بَعْدَ
مَوْتِها﴾ كفر أهلها، والكافر ميّت».
في تفسير العيّاشي(١٩):
﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾
(الإسراء: ٦)، قال (عليه السلام): «والذي فلق الحبَّة وبرأ
النسمة ليعيش إذ ذاك ملوك ناعمين، ولا يخرج الرجل منهم من الدنيا حتَّى يُولَد
لصلبه ألف ذكر، آمنين من كلِّ بدعة وآفة، عاملين بكتاب الله وسُنَّة رسوله، قد
اضمحلَّت عليهم الآفات والشبهات».
وفي رواية (الغيبة) للشيخ الطوسي(٢٠):
قال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «أُبشِّركم بالمهدي
يُبعَث في أُمَّتي على اختلاف من الناس وزلزال، يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت
جوراً وظلماً، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، يُقسِّم المال صحاحاً»، فقال
الرجل: وما صحاحاً؟ قال: «السويَّة بين الناس».
وفي رواية (الغيبة) للشيخ الطوسي(٢١):
عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول على المنبر:
«المهدي من عترتي من أهل بيتي يخرج في آخر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) تفسير القمّي ٢: ٢٨٩.
(١٧) كنز الفوائد تأويل
الآيات الظاهرة: ٦٦٣.
(١٨) كمال الدين ٢: ٦٦٨/
باب النوادر/ ح ١٣.
(١٩) تفسير العيّاشي ٢:
٢٨٢/ ح ٢٢/ تفسير آية (٦١) من سورة الإسراء.
(٢٠) الغيبة للطوسي: ١٧٨/ ح
١٣٦.
(٢١) الغيبة للطوسي: ١٧٩/ ح
١٣٧.
الزمان، تنزل السماء قطرها
وتخرج الأرض بذرها، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً».
وعن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «...
يكون في أُمَّتي المهدي إن قصر فسبع وإلَّا فتسع، فتنعم فيه
أُمَّتي نعمة لم يُنعِموا مثلها قطّ، تؤتي [الأرض] أُكُلها ولا تدَّخر منهم شيئاً،
والمال يومئذٍ كدوس، فيقوم الرجل فيقول: يا مهدي، أعطني. فيقول [له]: خذ»(٢٢).
من خلال ما تقدَّم نجد ما يلي:
- تكرُّرُ عبارة (يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت جوراً وظلماً) المبيِّنة لنتائج
الأنظمة الوضعية.
- لا تبقى قرية في الأرض إلَّا وينادى فيها بلا إله إلَّا الله محمّد رسول الله،
وتبيّن المنهج التوحيدي.
- يُحيي الأرض بعد موتها، المبيِّنة لنتائج المشروع المهدوي.
- الرجل لا يخرج من الدنيا حتَّى يُولَد لصلبه ألف ذكر آمنين من كلِّ آفة وبدعة،
وتُبيِّن تفاصيل جزئية من تلك النتائج والآثار العظيمة.
- العمل بالقرآن وسُنَّة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) تُبيِّن الأساس العملي
لمنهج التوحيد.
- يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض، تُبيِّن الآثار الوضعية لنتائج المنهج
التوحيدي.
- يُقسِّم المال صحاحاً (بالسويَّة)، تُبيِّن التطبيق العملي للمشروع المهدوي.
- تُنزِل السماء قطرها (ماءها) وتُخرِج الأرض بذرها، وهذه تُبيِّن النتيجة الحتمية
للموجودات التكوينية للمنهج التوحيدي.
- المال كدوس واحدة من آثار العمل بالمنهج التوحيدي.
هذه هي حقيقة الختم المهدوي الذي يظهر الأسماء والصفات الإلهية في الأرض والوجود.
وعلى هذا الأساس فلمن تكون نهاية التاريخ؟ هل هي لمن ذكره (فرانسس فوكوياما) في
كتابه نهاية التاريخ والرجل الأخير للنظام الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي، ويكون
الرجل الأُوربي هو الرجل الأخير، أم للنظام الإسلامي من خلال العقيدة المهدوية،
ويكون الرجل الأخير هو الرجل المهدوي؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٦ و١٣٦٧/ ح ٤٠٨٣.
المهدي المنتظر (عليه السلام) في القرآن الكريم
حوارية مع أُستاذ جاحد
عبد الزهرة تركي فريح الفتلاوي
إنَّ
قضيَّة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) من القضايا الإسلاميَّة العقائدية
الجوهرية المهمَّة، ولكنَّها صُبِغَت بصباغ مذهبي أو طائفي، قولَبَها في نطاق ضيِّق
أفقدها طابعها الإسلامي العامّ.
إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بشَّر به في أحاديث صحيحة متواترة، وفي هذه
القضيَّة المحورية ينبغي أن نبتعد عن الانفعال الطائفي والرواسب المذهبية، ولكن
صديقي الأُستاذ جاحد يقول: إنَّ هذا الأمر لا يمكن اليقين به إلَّا بالرجوع إلى
ينبوع الإسلام الخالد الأصيل: القرآن الكريم، فهو مفتاح لا بدَّ من ولوجه للدخول
إلى عالم الأحاديث والروايات الذي تتداخل موارده وتطول حوارياته.
يقول صديقي الأُستاذ جاحد: إنَّ قضيَّة الإمام
المنتظر ليست مسألة ترف معرفي، وإنَّما هي بحث في صميم وجوهر العقيدة الإسلاميَّة
مرتبطة بمستقبل العالم، فلا يمكن قبول الروايات الواردة فيها مهما كان سندها إن لم
تنطلق من القرآن الكريم، فهو الحقيقة التي لا يختلف فيها جميع المسلمين في أرجاء
المعمورة. لأنَّ الله هو مصدر الحقائق المطلقة (الآيات) التي نزلت في القرآن والتي
يعجز الإنسان عن تقليدها وتفنيدها، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ
الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (الإسراء: ٨٨). إنَّ
الإعجاز القرآني يُعطي لنصوصه صفة الحقيقة التامَّة الكاملة المطلقة، لذلك سنتعامل
مع آيات القرآن الكريم من هذه القاعدة
الفكرية العقائدية العامَّة. فهل نستطيع إيجاد أُسس للمرويات التي تتحدَّث عن
المصلح الموعود بين ثنيّات القرآن؟ إنَّ كتاب الله لم يترك شاردةً أو واردةً إلَّا
وأخبر بها ولم يهملها، فقال (عزَّ من قائل): ﴿وَنَزَّلْنا
عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: ٨٩).
الأُستاذ مسلِّم: إنَّه طرح موضوعي مقبول تماماً،
وقبل أن تطرح تساؤلاتك يا سيِّدي لنعرض بشكل موجز خلاصة روايات الإمام المنتظر
(عليه السلام) التي نؤمن بها، والتي تقول: إنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) بشَّر
بظهور المصلح الذي يقيم الحضارة الإسلاميَّة الفاضلة الكاملة في جميع أنحاء الكرة
الأرضية. وإنَّ هذا المصلح الملقَّب بالمهدي المنتظر هو محمّد بن الحسن بن علي بن
محمّد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه
السلام). وُلِدَ في سامراء من مدن العراق عام (٢٥٥هـ/ ٨٦٨م). ولي الإمامة بعد وفاة
أبيه عام (٢٦٠هـ/ ٨٧٣م)، وهو ابن خمس سنين. وما زال حيَّاً يُرزَق منذ ذلك الحين
حتَّى يومنا، وسيظهر لقيادة المسلمين بغية تحرير الأرض من الظلم وإقامة دولة
الإسلام على هذا الكوكب.
الأُستاذ جاحد: إنَّ الروايات التي تتحدَّث عن المصلح
الموعود أو ما تُسمّونه المهدي المنتظر كثيرة متعارضة لا يتَّفق عليها المفسِّرون،
وبالتالي لا يمكن عدّها من العقائد الثابتة.
إنَّ هذه المسألة الجوهرية لو كانت حقيقية لذكرتها آيات الذكر الحكيم، فهل تستطيع
يا أُستاذ مسلِّم أن تُقدِّم لنا أدلَّتك بالتفصيل غير المملِّ عن مفردات عقيدتك من
القرآن الكريم؟ ما هو دليلك القرآني على نبوءة إقامة دولة إسلاميَّة عالمية؟ وإنّي
لا أُريد منك يا سيِّدي احتجاجاً بالسُّنَّة أو العلم أو العقل أو الفلسفة أو
التاريخ، أُريد الدليل القرآني. حسبنا كتاب الله. أُريد آية.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ آيات القرآن الكريم تتحدَّث عن
انتصار الإسلام، وعالمية العقيدة الإسلاميَّة وسيادتها على جميع أفراد الجنس
البشري، وتطهير الأرض من عقائد الشرك والكفر والضلال والنفاق في نهاية المطاف أو
نهاية الزمان، وهناك فيض من الأدلَّة والنبوءات القرآنية التي تتحدَّث عن انتصار
الإسلام
وإقامة الدولة الإسلاميَّة العالمية في جميع أنحاء الكرة الأرضية، منها:
آيات تنبَّأت بقيام دولة إسلاميَّة عالمية
آية التمكين في الأرض:
قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ
* وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما
مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص: ٥ و٦)، هذه الآية الكريمة تدلُّ
بكلِّ وضوح على تمكين وسيطرة المؤمنين على الأرض كلّها حسب الوعد الإلهي. ويُستفاد
من الألف واللام في كلمة (الأرض) الاستغراق والشمول لجميع أجزائها. إنَّه وعد
بتمكين الإيمان والإسلام في جميع مشارق الأرض ومغاربها.
أُستاذ جاحد: إنَّ لسان هذه الآية عامّ يشير إلى
تحقيق هذه الأُمور على أيدي المسلمين، وليس فيها ما يشير إلى ما هو خاصٌّ بمعنى
قيام دولة إسلاميَّة عالمية.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ نصر الإسلام لم يتحقَّق على
النحو الذي ذكرته هذه الآية من بزوغ فجر الإسلام حتَّى يومنا هذا، ووعد الله لا
بدَّ من تحقيقه، وتلك قرينة على تحقّق الوعد في المستقبل. يضاف لذلك أنَّ من أساليب
القرآن الكريم أن يُعبِّر عن الخاصِّ بصيغة العامِّ، وعن المفرد بالجمع، في كثير من
الموارد. وقد دلَّت الآية الكريمة على استخلاف العباد الصالحين الأرض في آخر
الزمان، وأنَّ الصالحين يأمنون بعد طول خوفهم من الظالمين.
أُستاذ جاحد: إنَّ الآية جاءت في سياق الآيات الواردة
في بني إسرائيل، وقد لا ترتبط بما تقول.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ قراءة هذه الملاحظات المنهجية
يزيل الضبابية عن الآية الكريمة:
ملاحظة أُولى: (إنَّ هذه الآية لم ترد في القرآن
بصيغة نقل إرادة سابقة، لقد نزلت بعد غياب بني إسرائيل عن المسرح الديني، بنسخ
شريعتهم مرَّتين، فقد نُسِخَت شريعتهم مرَّة بشريعة المسيح (عليه السلام)، ونُسِخَت
مرَّة أُخرى بالإسلام. فهذه الإرادة الإلهية التي تقول: ﴿وَنُرِيدُ﴾
إرادة قائمة لم تكن قد نُفِّذت حين نزول القرآن.
إنَّ كلَّ الأفعال الستَّة التي استخدمت في هذه الآية: ﴿نُرِيدُ
* نَمُنَّ * نَجْعَلَهُمْ * وَنَجْعَلَهُمُ * نُمَكِّنَ * نُرِيَ﴾، هي أفعال
مستقبلية ما زالت قيد التنفيذ. إنَّ تلك (الإرادة) لم تتحقَّق بعد، وإنَّما
ستتحقَّق في وقت لاحق)(١).
ملاحظة ثانية: إنَّ استخدام كلمة (الوارثين) يشير إلى
أنَّ أُولئك الذين بشَّرهم الله تعالى - في هذه الآية - بحكومة عالمية يأتون في آخر
الزمان، فيرثون الأرض من جميع الذين حكموها قبلهم، ولو كانوا حلقة في سلسلة حكّام
الأرض لما عبَّر القرآن عنهم بـ ﴿الْوارِثِينَ﴾، كما
لم يُعبِّر عن سليمان وصحبه، ولا عن يوسف وأعوانه بالوارثين، فلا ينطبق هذا التعبير
إلَّا على جماعة يكون لهم المطاف الأخير في حكومة الأرض.
ملاحظة ثالثة: إنَّ التمكين في الأرض لم يتحقَّق
لأيِّ إنسان منذ نزول هذه الآية، وإذا ظهر في المسلمين حاكم واحد أو مجموعة حكّام -
وافترضناهم أئمَّة - فإنَّ أيَّاً منهم لم يتمكَّن في الأرض كلّها، وإنَّما تمكَّن
في بعض الأرض، وهذه الآية تدلُّ على أنَّ إرادة الله (عزَّ وجلَّ) سبقت لتمكين
مجموعة من الأئمَّة في الأرض كلّها.
أُستاذ جاحد: لعلَّك لم تقرأ بقيَّة الآية حيث يقول
تعالى: ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما
مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾، وفرعون وهامان كانا معاصرين لموسى بن
عمران، فكيف يمكن صرف دلالة الآية عن موسى وبني إسرائيل؟
أُستاذ مسلِّم: إذا قلنا: إنَّ المقصود بـ ﴿الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ﴾ هم موسى بن عمران وقومه، فإنَّ رأسهم وهو موسى
بن عمران (عليه السلام) لم يتمكَّن في الأرض حتَّى بعد غرق فرعون، بل مات في مرحلة
التيه في جزيرة سيناء كما هو معروف عند مراجعة كتب التفسير، بل عدم تمكّن موسى من
كلِّ الأرض لا يحتاج إلى إقامة برهان ومزيد بيان.
آية الاستخلاف:
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ
وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى
لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ (النور: ٥٥)،
إنَّ هذه الآية المباركة وعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كلمة الإمام المهدي (عليه السلام) للحسن الشيرازي ١: ٨٧/ ط ٢/ ٢٠٠١م/ دار النشر: هيئة محمّد الأمين/ بيروت.
صريح من الله (عزَّ وجلَّ) للبشرية المؤمنة الصالحة التي قاست الظلم والعذاب في
عصور الانحراف وبذلت من التضحيات الشيء الكثير بأنَّه سيستخلفهم في الأرض، بمعنى
أنَّه سيُوفِّقهم إلى السلطة الفعلية على البشرية وممارسة الولاية الحقيقية فيهم.
فإذا استطعنا أن نفهم من (الأرض) كلّ القسم المسكون من البسيطة، كما هو الظاهر من
الكلمة والمعنى الواضح منها وعدم وجود قرينة على انصرافها إلى أرض معيَّنة. ومعنى
حملها على الجنس: أنَّ كلَّ أرض على الإطلاق سوف تكون مشمولة بسلطة المؤمنين
واستخلافهم، وسيحكمون وجه البسيطة، ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ
الْمِيعادَ﴾ (آل عمران: ٩). وتقول الآية الكريمة: إنَّ الأرض سيُخيِّم عليها
الظلام والظلم، لكن حجب الباطل مهما تكاثفت فإنَّها لا تمكث طويلاً أمام وهج الشمس،
سيزول الظلام وتملأ الأرض بالقسط والعدل، فإنَّ المستقبل لجبهة الأنبياء والرسل
والمؤمنين. وقوله سبحانه: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ هو عطف على قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾
حيث سيزول الخوف والظلم والتعدّي من الظالمين والكفّار. وهذه الآية لم يأتِ
تأويلها، وفيها خبر أكيد عن تسلّط المؤمنين في أرجاء الأرض في مستقبل الزمان.
أُستاذ جاحد: ليس في هذا الاستخلاف دليل قاطع على
إقامة دولة إسلاميَّة عالمية.
أُستاذ مسلِّم: (إنَّ الاستخلاف ورد ذكره مع التمكين
المطلق، وهذا يقتضي وراثة الأرض ككلّ والظهور على الأُمم كلّها)(٢)،
والتمكين في الأرض، أي امتلاك سلطة الأمر والنهي في الأرض يكون كما مكَّن لسليمان
ويوسف (عليهما السلام) في سلطة سياسية.
أُستاذ جاحد: لعلَّ المقصود هو التمكين في الحياة
الآخرة.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ وجود احتمال الكفر بعد التمكين
يؤكّد أنَّ المقصود هي الحياة الدنيا، ولا يوجد احتمال لحدوث كفر جديد في الآخرة،
لاحظ تكملة الآية الكريمة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) الإمام المهدي المنتظر لعدنان علي البكّاء الموسوي ١: ٢٠٦/ ط ١/ ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م/ منشورات مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة/ بيروت.
آية زخرف الأرض:
تحدَّثت هذه الآية المباركة عن قيام حضارة عالمية مزدهرة على الأرض توصلها
إلى مرحلة من الجمال والرقي الحضاري غير الاعتيادي قبل قيام الساعة، قال تعالى: ﴿حَتَّى
إِذا أَخَذَتِ الْأَرضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ
قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً
كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾ (يونس: ٢٤).
أُستاذ جاحد: إنَّ المقصود بهذه الآية هو الدعوة للزهد في الحياة الدنيا، وذلك
الأمر واضح لو استعرضنا صدر الآية: ﴿إِنَّما مَثَلُ
الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ
الْأَرضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرضُ
زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها
أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ
بِالْأَمْسِ﴾، بمعنى غرَّتهم الحياة الدنيا، أي غرَّتهم زينة الدنيا
ولذَّتها وما يرون من زخرفها وبهجتها.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ الآية المباركة تحدَّثت عن الأرض
كلّها، فقالت: إنَّها ستتزيَّن وتتزخرف وسيعتقد الإنسان أنَّه قدر وتمكَّن عليها،
فيصيبه نتيجة ذلك الغرور والتكبّر والوهم في مرحلة لاحقة. وبعبارة أوضح: إنَّ الآية
المباركة تحدَّثت عن إزدهار الأرض كلّها في سياق ذمّ التكبّر. وما يهمّنا هو هذا
الإزدهار الشامل الذي يرسم صورة للأرض كلّها وقد ملأها الجمال والزينة والزخرف،
وهذه نبوءة مستقبلية بقيام حضارة متطوّرة متقدِّمة بشكل غير مسبوق.
آيات الفتح والنصر:
قال تعالى: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ *
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ
رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً﴾ (النصر: ١ - ٣)، ﴿وَيُرِيدُ
اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ *
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾
(الأنفال: ٧ و٨)، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ
آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ (غافر: ٥١)،
﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ طَوْعاً
وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (آل عمران: ٨٣).
إنَّ الآيات الكريمة واضحة كالشمس في رابعة النهار تقول:
إنَّ الإسلام سينتصر نصراً بيِّناً أكيداً، وسيدخل الناس إلى دين الله
أفواجاً.
إنَّ الله سبحانه يريد أن ينصر الحقَّ ويقطع دابر الكافرين.
إنَّ عقيدة الرسل ستنتصر مرَّتين: الأُولى ﴿فِي الْحَياةِ
الدُّنْيا﴾، والنصر الثاني ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ
الْأَشْهادُ﴾.
إنَّ الغاية والغرض الرئيسي من إرسال رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالهدى
ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلّه، حيث دلَّت لام التعليل على الغاية، والسبب في
إنزال شريعة الإسلام وهو أن يُظهِره أي يجعله منتصراً ومسيطراً على غيره من
الأديان، وذلك لا يكون إلَّا بسيطرة دين الحقِّ على العالم كلّه. إنَّ نصر الإسلام
يقيني الحدوث في مستقبل الدهر. إنَّ وعد الله سبحانه وتعالى بانتصار الإسلام وعد
واضح صريح فصيح، فمتى تحقَّق هذا الوعد؟ هل تحقَّق في زمن رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم)؟
الجواب: لا، فقد كانت حينذاك الديانات اليهودية
والنصرانية والمجوسية والبوذية منتشرة على سطح الكرة الأرضية، فلم يتحقَّق الوعد
الإلهي. ولم يتحقَّق الوعد الإلهي في عهد الخلفاء أو العهد الأُموي أو العبّاسي أو
العثماني، وكذا لم يتحقَّق الوعد الإلهي في زماننا هذا، فلا بدَّ من أن يتحقَّق
الوعد الإلهي في المستقبل، وحينها يتمُّ الله نوره، ﴿يُرِيدُونَ
لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ
الْكافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصفّ:
٨ و٩).
إنَّ المعاني المستنبطة من الآيات الكريمة تقول: إنَّ الأرض ستكون في نهاية الدهر
من نصيب المؤمنين، والضمير في قوله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾
راجع إلى دين الحقِّ. أُنظر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنا
فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ
الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: ١٠٥)، إنَّ صيغة ﴿كَتَبْنا﴾
دالّة على الحتمية والالتزام الكامل بتحقيق الوعد الإلهي.
أُستاذ جاحد: لا بدَّ لكلِّ دولة من قائد وزعيم. إنَّ
القائد لهذه الدولة العالمية لا بدَّ له أن يحمل مزايا خاصَّة تُؤهِّله لقيادة
الكرة الأرضية، فوفق أيّ
منظور يتمُّ اختيار قائد هذه الدولة العملاقة؟ وبعبارة أوضح: كيف نستطيع أن نُحدِّد
هذا القائد في ضوء آيات القرآن الكريم؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ من يقوم بقيادة الحضارة العالمية
العادلة الفاضلة الكاملة لا بدَّ له من صفات مميَّزة فريدة في العلم والعدل والتقوى
والاقتدار، وهذه الأُمور لا تتوفَّر إلَّا عند أُنموذج خاصّ من البشر أشارت إليه
الآيات القرآنية، منها: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ
بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران: ٣٣ و٣٤)، (﴿اصْطَفى﴾
اختار وفضَّل)(٣)،
(والآل: الرهط، وآل إبراهيم: أبناؤه وحفدته وأسباطه، وشمل آل إبراهيم الأنبياءَ من
عقبه كموسى، ومَنْ قبله ومَنْ بعده، وإسماعيل ومحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم))(٤)،
و(جملة: (بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) نعت ذرّية، أخذ عن
واحد، بخروج ولد من آخر)(٥)،
(﴿عَلَى الْعالَمِينَ﴾ على الناس كلِّهم)(٦)،
ومن آل ابراهيم علي بن أبي طالب وولداه الحسن والحسين وبنت النبيِّ محمّد فاطمة
(عليها السلام)، وهم المذكورون في آية المباهلة: ﴿فَمَنْ
حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ
أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ
ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (آل عمران:
٦١). إنَّ آل ابراهيم، أي آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) أعطاهم الله سبحانه علم
الكتاب، أي كتاب السماء، والحكمة في القول والفعل بقوله تعالى: ﴿أَمْ
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ
إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾
(النساء: ٥٤)، فلا بدَّ لمن يتصدّى لقيادة العالم من أن يكون من هذه النخبة التي
قرَّرها القرآن الكريم.
أُستاذ جاحد: إنَّ القرآن تحدَّث عن هذه النخبة في
سالف العصر والأوان، ولا علاقة لآية الاصطفاء بما وصف به الأنبياء في قديم الزمان
بزماننا هذا.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ الاصطفاء أورثه الله سبحانه
لنخبة من هؤلاء الصفوة، فقال سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا
الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ (فاطر: ٣٢). إنَّ قائد
الحضارة الإسلاميَّة الفاضلة الشاملة على الأرض كلّها من ذرّية ابراهيم (عليه
السلام)، أي من ذرّية محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، قال تعالى: ﴿وَإِذِ
ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
المعجم الوسيط لإبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيّات ١: ١٠٧٣/ ط ٣/ ١٣٨٢هـ، ١٩٦٢م/
مؤسّسة صادق خسرو/ قم.
(٤)
التحرير والتنوير لمحمّد الطاهر ابن عاشور (ت ١٣٩٣هـ/ ١٩٧٣م) ٣: ٨٩/ ط ١/ ١٩٨٤م/
دار سحنون للنشر/ تونس.
(٥)
هميان الزاد إلى دار المعاد لمحمّد بن يوسف إطفيش (ت ١٣٣٢هـ) ٣: ٨٥/ ط ٢/ ١٩٨٥م/
دار سحنون للنشر/ تونس.
(٦)
تفسير ابن أبي حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ) ٢: ٤٧٧/ تحقيق أحمد فتحي عبد الرحمن/ ط ٢/
١٤٢٧هـ، ٢٠٠٦م/ دار الطليعة/ بيروت.
فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ
وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤)،
إنَّ نبيَّ الله إبراهيم (عليه السلام) بعد أن تلقَّى البشرى بجعله للناس إماماً طلب
من المولى أن تبقى الإمامة في ذرّيته من بعده، وقد حصل طلبه على الإيجاب والقبول،
ولكن تمَّ استثناء الظالمين لأنفسهم من شرف الإمامة. وبعبارة أُوضح: إنَّ الإمامة
انحصرت وفق مفهوم الآية الكريمة في ذرّية إبراهيم (عليه السلام) إلَّا من كان منهم
ظالماً.
أُستاذ جاحد: وهل تعتقد أنَّك بهذه التأويلات تستطيع
أن تجعلني أُؤمن بقائد مجهول لم يرَه الناس؟
أُستاذ مسلِّم: الإيمان بالغيب جزءٌ من عقيدة المسلم،
قال تعالى: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم * ذلِكَ
الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ *
وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولئِكَ عَلى هُدى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (البقرة: ١ - ٥)، إنَّك تؤمن بالله والجنَّة والنار
والإسراء والمعراج من دون رؤية، لأنَّها من عالم الغيب، فكذلك عقيدة المصلح الكبير،
فمن الممكن بل من الضروري أن نؤمن بها بعد توفّر الدليل القرآني.
أُستاذ جاحد: تقولون: إنَّ هذا الرجل اختفى عن
الأنظار منذ أكثر من ألف عام خلت، ولا زال حتَّى الآن حيَّاً يُرزَق، فهل يستطيع
أيّ عاقل على الأرض أن يُصدِّق هذه الخزعبلات؟ هل من الممكن أن يبقى الإنسان حيَّاً
يُرزَق كلّ هذه المدَّة من السنين؟ حيث إنَّ عمره الآن حوالي (١١٨١) عاماً حسب
التاريخ الذي زعمتموه.
أُستاذ مسلِّم: إنَّنا اليوم في حوارنا هذا لا نخرج
عن جادَّة القرآن الكريم، ولو كان بحثنا في الأدلَّة الفلسفية أو العلمية أو
التاريخية لطول العمر لعرضنا عشرات الأدلَّة والبراهين، ولكنَّنا أوقفنا بحثنا هذا
على الأدلَّة القرآنية، وحسبنا في هذا البحث كتاب الله، وقد أثبتت آياته إمكان
امتداد عمر الإنسان لزمن طويل خارج السياق المتعارف عليه الآن بين بني البشر، وهذه
نماذج من الآيات:
الآية الأُولى: النبيُّ نوح (عليه السلام) الذي تقول
آيات القرآن: إنَّه لبث في قومه ألف سنة إلَّا خمسين عاماً يدعو قومه للإيمان، ﴿وَلَقَدْ
أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ
عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (العنكبوت: ١٤).
الآية الثانية: أهل الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة
وتسع سنين وهم أحياء نائمون، ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ
ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (الكهف: ٢٥).
الآية الثالثة: إنَّ نبيَّ الله عيسى (عليه السلام)
عُرِفَ بطول عمره الشريف، فإنَّه رُفِعَ إلى السماء. وإنَّ عمره الآن هو (٢٠١٥)
عاماً، وهو ما يُعرَف اليوم في جميع أنحاء العالم بالتاريخ الميلادي، بمعنى مرور
(٢٠١٥) عاماً على ميلاد سيِّدنا نبيّ الله عيسى (عليه السلام).
إذن هو أطول عمراً من الإمام المهدي بـ (٨٦٨) عاماً بالتمام والكمال.
إنَّ ما أخبر به القرآن الكريم لا مجال للشكِّ فيه لمن آمن بالله والرسول، فلا
يتعذَّر ولا يعسر على الله (جلَّ جلاله) أن يطيل عمر الإنسان إذا اقتضت حكمته ذلك.
أُستاذ جاحد: وكيف تثبت ولادة هذا الرجل وقد أُخفي
خبر ولادته؟ أُريد جواباً من القرآن الكريم.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ خبر ولادة المصلح الكبير منقذ
البشرية أُخفي على عوامّ الناس بسبب الخوف عليه من القتل، وقد حدثت قرينة على هذا
الأمر في القرآن الكريم حين أُخفي خبر ولادة نبيِّ الله موسى (عليه السلام) خوفاً
عليه من القتل، بعد انتشار شائعات بين الكهّان تقول: إنَّ مولوداً جديداً من بني
إسرائيل ستكون نهاية الفرعون على يديه، لذلك أوحى الله سبحانه إلى أُمِّ موسى
بإخفاء خبر الولادة الجديدة عن عيون وآذان السلطان، ﴿إِذْ
أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ
فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ (طه: ٣٨ و٣٩)، وقد حدث الأمر نفسه في
إخفاء خبر ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
أُستاذ جاحد: وما دليل هذا الغياب الطويل أو ما
تسمّونه الغيبة؟ هل توجد قرينة في القرآن لهذه الغيبة الممتدَّة لمئات مئات السنين؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ غيبة نبيِّ الله عيسى (عليه
السلام) امتدَّت حتَّى الآن (١٩٨٢) عاماً بالضبط، إذا عرفنا أنَّ ما مرَّ من ميلاد
سيِّدنا عيسى حتَّى الآن (٢٠١٥) عاماً، وهو تقويم معروف لجميع البشر في جميع أقطار
الأرض، ولمَّا رُفِعَ النبيُّ عيسى إلى السماء كان بعمر (٣٣) عاماً، فتكون غيبته
أطول من غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، أُنظر قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ
إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ
وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي
شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ
يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً * وَإِنْ
مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ
الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (النساء: ١٥٧ - ١٥٩).
أُستاذ جاحد: وهل يمكن معرفة موعد نهاية هذا الغياب
وحدوث اللقاء المنتظر من خلال آيات القرآن الكريم؟
أُستاذ مسلِّم: نعم، إنَّ موعد نهاية غياب الإمام
المنتظر (عليه السلام) متوافق زمنياً تقريباً مع موعد نهاية غياب نبيِّ الله عيسى
(عليه السلام). وقد أشارت آية في القرآن الكريم إلى نزول عيسى (عليه السلام) بوضوح
شديد: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ
بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾
(النساء: ١٥٩). نعم، إنَّ زمن ظهوره يقترن بزمن نزول عيسى (عليه السلام) من غيبته،
فلا بدَّ لعيسى من النزول ليقضي وطراً من الحياة، ويؤدّي بقيَّة الدور المناط به،
ومن بعده لا بدَّ له أن يموت، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ
الْمَوْتِ﴾ (آل عمران: ١٨٥).
أُستاذ جاحد: وما الحكمة من هذا الغياب الطويل؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ القرآن الكريم أخفى الحكمة من
غياب عيسى (عليه السلام)، وسنعرف تلك الحكمة بعد نزوله إن شاء الله، وكذلك أخفى
الحكمة من غياب المهدي المنتظر (عليه السلام). ويبدو أنَّ الله سبحانه وتعالى أراد
لبني البشر أن يُجرِّبوا العقائد البشرية لقيادة وتنظيم الحياة، فإذا ثبت فشلها
يُقدِّم الأُنموذج الإلهي، وهو تطبيق قوانين شريعة السماء كحلٍّ وحيدٍ بعد أن عجزت
عقائد الإنسان.
أُستاذ جاحد: تقول كتبكم: إنَّ المهدي المنتظر أصبح
إماماً وهو طفل صغير بعمر خمس سنين، فهل يُعقَل ذلك؟
أُستاذ مسلِّم: فقط للتذكير أنَّنا نتحاور في الإطار
القرآني، إنَّ الإمامة ومن قبلها النبوَّة ممكنة في هذا المرحلة من العمر في منطق
القرآن الكريم، فقد أُوتي النبيُّ يحيى الحكم صبياً، قال تعالى: ﴿يا
يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم:
١٢)، وفي المنطق القرآني أيضاً جعل الله سبحانه عيسى نبيَّاً وهو رضيع في مهد
أُمِّه بقوله تعالى: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ
نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ
الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ (مريم: ٢٩ - ٣١).
أُستاذ جاحد: أرى تناقضاً واضحاً جدَّاً في رواياتكم،
فمن ناحية تقولون: إنَّه (خائف يترقَّب)، ومن ناحية أُخرى تقولون: إنَّه سيُحقِّق
الانتصار العظيم في كلِّ الكرة الأرضية، فكيف سينتصر وهو خائف على نفسه؟
أُستاذ مسلِّم: لقد حدثت مرحلة الخوف ومن ثَمَّ مرحلة
الانتصار الساحق في قصَّة نبيِّ الله موسى (عليه السلام)، فلا مبرِّر للقول بوجود
تعارض أو تناقض في مراحل قيام الصلحاء والأولياء. لاحظ نبيّ الله موسى (عليه
السلام)
في مرحلة حياته الأُولى: ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى
الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ
لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً
يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (القصص: ٢٠
و٢١).
وفي مرحلة لاحقة تحقَّق له النصر بعد جهاد وصراع وشدَّة، ﴿وَإِذْ
نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ
أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ
عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ
فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (البقرة: ٤٩ و٥٠).
أُستاذ جاحد: إنَّ من يحكم الأرض كلّها ويُحقِّق
الحضارة الإسلاميَّة الفاضلة المزدهرة لا بدَّ له من قوى خارقة غير اعتيادية، فكيف
يتحقَّق ذلك وقد انقطع الوحي منذ فقدنا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فما هي
مصادر قوَّة المهدي المنتظر في
القرآن الكريم؟ وبعبارة أوضح: كيف يتمكَّن هذا الخليفة من قيادة دفَّة الحياة في
أرجاء الأرض كلّها وهو لا يحصل على مدد الوحي من الله؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ الإسلام نظام متكامل شامل،
يتناول جميع مظاهر الحياة بالتنظيم، وجميع مشاكل الإنسان بالحلِّ الصحيح الناجح،
ويُعنى بشؤون الفرد والمجتمع عناية تامَّة في شتّى مجالات الاقتصاد والسياسة
والاجتماع وغيرها، وهو دين كامل، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ
دِيناً﴾ (المائدة: ٣)، وما نحتاجه هو القدرة على التنفيذ. إنَّ القوَّة
والتمكين في منظور القرآن الكريم لها مصدران أساسيان:
أوَّلهما: السعي والعمل، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ
لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى﴾
(النجم: ٣٩ و٤٠).
أمَّا المصدر الثاني فهو المدد الإلهي المباشر لجميع
البشر، وقد يكون بشكل وحي للبشر الاعتيادي من غير الأنبياء كما حصل في الوحي إلى
حواري عيسى (عليه السلام): ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى
الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا
مُسْلِمُونَ﴾ (المائدة: ١١١)، ومثال ذلك أيضاً الوحي إلى أُمِّ نبيِّ الله
موسى: ﴿إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ
اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (طه: ٣٨ و٣٩)، وكذلك
الاتِّصال المباشر بين الملائكة والبشر من غير الأنبياء كما في حديث الملائكة مع
مريم بنت عمران (عليها السلام): ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ
يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ
الْعالَمِينَ * يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ
الرَّاكِعِينَ﴾ (آل عمران: ٤٢ و٤٣).
فإذا كان بعض الأشخاص لهم دور محدود وكان المدد الغيبي لم يفارقهم، فكيف بمن تناط
به مهامّ جسام؟
أُستاذ جاحد: تزعمون بعودة بعض الأموات إلى الحياة
واصطفافهم لنصرة المهدي المنتظر، وتزعمون أنَّ هذا الأمر هو الرجعة، وهذا محال في
القرآن الكريم، فلا يمكن إِحياءُ الناس قبل يوم القيامة، ألَا تقرأ قوله تعالى: ﴿حَتَّى
إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً
فِيما تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ
إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (المؤمنون: ٩٩ و١٠٠)؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ القرآن الكريم يتحدَّث عن ذلك،
فهناك استثناءات حدثت، ومن الممكن أن تحدث اسثناءات أُخرى. وسنُعطي بعض النماذج
التي رواها القرآن الكريم عن موت بعض البشر ورجوعهم إلى الحياة الدنيا قبل يوم
القيامة.
١ - إماتة وإحياء قوم نبيِّ الله موسى (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿وَإِذْ
قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ
الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٥٥ و٥٦)، ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى
النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (البقرة: ٢٤٣).
٢ - إحياء الولد المقتول الذي روته سورة البقرة: ﴿وَإِذْ
قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ
تَكْتُمُونَ * فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى
وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة: ٧٢ و٧٣).
٣ - إماتة عزير لمدَّة مائة عام ومن ثَمَّ إحياؤه من جديد، قال تعالى: ﴿أَوْ
كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي
هذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ
كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ
مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى
حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ (البقرة: ٢٥٩).
٤ - ذبح وتقطيع الطيور أي إماتتها على يد نبيِّ الله إبراهيم ومن ثَمَّ إحياؤها،
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ
تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي
قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى
كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾
(البقرة: ٢٦٠).
٥ - إحياء بعض الأموات على يد نبيِّ الله عيسى بإذن الله، قال تعالى: ﴿وَرَسُولاً
إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي
أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ
طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ
وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى
بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي
بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل
عمران: ٤٩).
إنَّ هذه الآيات لهي جواب واضح جلي على إمكان إحياء بعض الأموات بإذن الله، وهو ما
نُسمّيه بالرجعة.
أُستاذ جاحد: هذا الأمر حدث للأنبياء وفي حالات
نادرة، فما هو دليلك من القرآن الكريم باستطاعة المهدي المنتظر أن يفعل الأمر نفسه؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ القدرات الخارقة قد تحصل لغير
الأنبياء من المؤمنين الأتقياء العلماء العارفين، فقد يكون المدد الإلهي مباشراً
خارقاً للعادة هديةً وإكراماً لبعض البشر من أهل العلم والتقى كما في قوله تعالى: ﴿قالَ
يا أَيُّهَا الْمَلَؤُا أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ * قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ
مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ
مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ (النمل:
٣٨ - ٤٠)، فهذا أُنموذج من البشر من غير الأنبياء كرَّمه الله سبحانه وتعالى
بالقوَّة الخارقة. ولعل من يُكلِّفه الله بمهمَّة بناء دولة الحقِّ على الأرض كلّها
أكرم على الله من هذا العفريت الجنّي. كما أنَّ صاحب موسى (عليه السلام) كان محدَّثاً
فقد أخبر عن مصير السفينة والغلام والجدار وهو لم يكن نبيَّاً. إنَّ القوانين
الطبيعية تتغيَّر عندما تقتضي ذلك الحكمة الإلهية كما حدث عندما حاول الكفّار إحراق
نبيِّ الله إبراهيم (عليه السلام): ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ
وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً
وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيم﴾ (الأنبياء: ٦٨ و٦٩).
أُستاذ جاحد: ما هو دليلك من القرآن على وجود غيب
سيُظهِره الله سبحانه في مستقبل البشرية؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ القرآن الكريم أخبر بوضوح
بأهمّية انتظار الآيات والمعجزات في حوادث آخر الزمان، اقرأ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ
فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (يونس: ٢٠).
أُستاذ جاحد: إنَّك يا سيِّدي تتكلَّم عن أحداث
وأهوال عظيمة وكأنَّها مفاهيم إسلاميَّة شاملة، فهل تطرح علماً جديداً في هذا
المضمار؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ مفاهيم ونظريات أشراط الساعة من
الأُمور البديهية التي وردت في آيات الذكر الحكيم، وهي ناصعة بيِّنة لكلِّ حصيف
صادق حكيم. نعم، يوجد علم خاصّ بالساعة وموعدها وأشراطها، ﴿وَإِنَّهُ
لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾ (الزخرف: ٦١)، ومن فروع علم
الساعة أشراط الساعة وعلاماتها، والمهدي المنتظر (عليه السلام) من علاماتها، ﴿فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾
(محمّد: ١٨).
أُستاذ جاحد: لقد التبس الأمر عندي هل أنَّ دين
النبيِّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) اكتمل أم لم يكتمل؟ وقد قال الله سبحانه
وتعالى في محكم كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ
دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾
(المائدة: ٣)، وأنت يا سيِّدي تتحدَّث عن أُمور عظام جسام وكأنَّ النبيَّ لم يُكمِل
رسالته.
أُستاذ مسلِّم: نعم إنَّ نبيَّنا وفخرنا وسيِّدنا
وحبيبنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد أكمل التبليغ على أكمل وجه، ولكن تطبيق
الشريعة المحمّدية لم يحدث على أرض المعمورة كلّها، وهذا الأمر أناطه الله بوليّ من
أوليائه ليُطبِّق البقيَّة التي لم تتجسَّد على أرض الواقع وهي نصر الإسلام وبناء
دولته العتيدة على ربوع أرضنا الجميلة، وهذه البقيَّة أشارت إليها الآية الكريمة
بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (هود: ٨٦)، وقد
فُسِّرت البقيَّة بأنَّها نهضة المهدي المنتظر (عليه السلام) لإقامة دولة العدل.
أُستاذ جاحد: وما هي الغاية من ظهور المهدي المنتظر؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ آيات القرآن الكريم تُبشِّر
بالحدث السياسي العالمي الكبير لتبدأ عملية التحرير، والدعوة للإسلام من جديد، ونشر
العدل في أرجاء المعمورة، وتحقّق الوعد الإلهي بانتصار عقيدة الأنبياء والأولياء
والصالحين والشهداء من خلال تحقيق أهدافهم التي ضحّوا من أجلها، وتحقيق الغاية من
خلق النوع الإنساني وهي العبادة، قال (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦).
أُستاذ جاحد: ما هو لقب المهدي المنتظر عندما يحكم
العالم وبماذا يحكم؟
أُستاذ مسلِّم: لقبه خليفة الله في الأرض، ويحكم
بشريعة الإسلام وبمنهج الحقّ، بحكم أجداده الأصفياء، ﴿يا
داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ
بِالْحَقِّ﴾ (ص: ٢٦).
أُستاذ جاحد: إنَّ كتبكم تتحدَّث عن أهوال وأحداث
عظام في حوادث ما تُسمّونه آخر الزمان لم يُنزِل الله بها من سلطان، فهل تستطيع أن
تُؤشِّر لهذه الأحداث من نصوص القرآن الكريم؟
أُستاذ مسلِّم: نعم وبكلِّ يسر وسرور، فمن خلال وقفات
فاحصة نرى أحداث وفتن آخر الزمان جليَّة بين صفحات القرآن، الآيات المنتظرة من مجيء
الملائكة، أو تحقّق بعض الآيات الإعجازية على الأرض قبل قيام الساعة والتي أُمِرنا
بانتظار حدوثها، وذلك أمر نلاحظه عند قراءة هذه الآية المباركة: ﴿هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ
يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ
نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها
خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (الأنعام: ١٥٨).
أُستاذ جاحد: إنَّ الآيات التي تحدَّثت عنها الآية
الآنفة الذكر تخصُّ يوم القيامة، وقد ذهبت بعيداً في التفسير والتأويل.
أُستاذ مسلِّم: يوم القيامة يا سيِّدي لا توجد آيات،
بل يقين مطلق ورؤيا مباشرة وحساب دقيق، فلا حاجة للبرهان على الغيب في ذلك اليوم
الطويل.
أُستاذ جاحد: وما هي الآيات المنتظرة التي تقصدها آية
القرآن الكريم السالفة الذكر؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ القرآن الكريم أخبر عن آيات
وإعجازات كثيرة ستحدث في ملاحم آخر الزمان نذكر بعضها وما يرد فيها من الأحداث
المهولة:
١ - هزيمة اليهود ودخول جحافل المسلمين المنتصرة إلى المسجد الأقصى المبارك، قال
تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ
لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً * فَإِذا
جاءَ وَعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ
فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ
الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ
أَكْثَرَ نَفِيراً * إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ
أَسَأْتُمْ فَلَها فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ
وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما
عَلَوْا تَتْبِيراً﴾ (الإسراء: ٤ - ٧).
٢ - ظهور دابَّة تخرج من باطن الأرض تُكلِّم الناس وتُرعِب الكفّار، وذلك في قوله
تعالى: ﴿وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا
لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا
بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ (النمل: ٨٢)، فهي دابَّة
تخرج من الأرض تُكلِّم الناس وتُرعِب الذين لا يوقنون.
٣ - ظهور الدخان، قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ
يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى
النَّاسَ﴾ (الدخان: ٩ - ١١)، إنَّ الدخان سيأتي إلى الناس في الدنيا وهم في
حالة شكّ وهم يلعبون، ومن المعلوم بانعدام حالة الشكّ واللعب في الآخرة، لأنَّه يوم
جد ويقين.
٤ - ظهور قوم يأجوج ومأجوج من السجن الذي وضعهما فيه ذو القرنين،
﴿حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ
دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ
إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ
خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قالَ ما مَكَّنِّي
فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ
رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ
انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً *
فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً * قالَ هذا
رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذا جاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكانَ وَعْدُ
رَبِّي حَقًّا﴾ (الكهف: ٩٣ - ٩٨).
٥ - حدوث الخسف بجيش السفياني، قال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ
الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللهُ بِهِمُ الأَرْضَ﴾
(النحل: ٤٥).
٦ - نزول عيسى من السماء، قال تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ
عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾
(الشعراء: ٤).
أُستاذ جاحد: تتحدَّث كتبكم عن صيحة في السماء، فهل
يوجد مصداق لهذا الحدث الجلل في آيات القرآن الكريم؟
أُستاذ مسلِّم: نعم، ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ
يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ
بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾
(ق: ٤١ و٤٢)؟ فالصيحة هي صيحة جبرائيل (عليه السلام) يُبشِّر بظهور المهدي المنتظر،
والخروج هو خروج الإمام ابن العسكري من غيبته ليقيم دولة الحقِّ.
أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمّد بن سفيان البزوفري، عن أحمد بن
إدريس، عن علي بن محمّد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان النيشابوري، عن إسماعيل بن
الصباح، قال: سمعت شيخاً يذكره عن سيف بن عميرة، قال: كنت عند أبي جعفر
المنصور فسمعته يقول ابتداءً من نفسه: (يا سيف بن عميرة، لا بدَّ من منادٍ ينادي
باسم رجل من ولد أبي طالب من السماء، فقلت: يرويه أحد من الناس؟ قال: والذي نفسي
بيده فسمع أُذُني منه يقول: لا بدَّ من منادٍ ينادي باسم رجل من السماء، قلت: يا
أمير المؤمنين، إنَّ هذا الحديث ما سمعت بمثله قطّ، فقال: يا سيف، إذا كان ذلك فنحن
أوَّل من نجيبه، أمَا إنَّه أحد بني عمّنا، قلت: أيّ بني عمّكم؟ قال: رجل من ولد
فاطمة (عليها السلام)، ثمّ قال: يا سيف، لو لا أنّي سمعت أبا جعفر محمّد بن علي
(يُحدِّثني به) ثمّ حدَّثني به أهل الدنيا ما قبلت منهم، ولكنَّه محمّد بن علي
(عليهما السلام))(٧).
أُستاذ جاحد: ولكن إتمام قراءة الآية القرآنية ينفي
هذا التفسير، ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ
مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ
الْخُرُوجِ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ
تَشَقَّقُ الْأَرضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ (ق: ٤١
- ٤٤)، فالآية الكريمة تشير إلى اتِّجاه الناس إلى الحشر، أي إلى المحشر.
أُستاذ مسلِّم: إنَّ إسرافيل (عليه السلام) لا يصيح بل
ينفخ في الصور، وإنَّ استبدال النفخة بالصيحة له دلالات لا تغيب عن صاحب العقل
اللبيب. علاوة على ذلك فإنَّ جمع أصحاب المهدي إلى لقاء قائدهم بعد بعثهم من الموت
هو نوع من الحشر، فلا يمكن والحال هذه اقتصار الآية الكريمة على المعنى العامّ من
دون المعنى الخاصّ.
أُستاذ جاحد: هل هناك يوم معلوم لخروج أو ظهور المهدي
المنتظر (عليه السلام) تحدَّث عنه القرآن الكريم؟
أُستاذ مسلِّم: إنَّ يوم ظهور المهدي هو الوقت
المعلوم الذي ورد ذكره بقوله تعالى: ﴿قالَ رَبِّ
فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ *
إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا
عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (الحجر: ٣٦ - ٤٠)، لاحظ أنَّ إبليس طلب
مهلة تمتدُّ إلى ﴿يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، ولكن الله
سبحانه لم يلبِّ طلبه، بل قال: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ
الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، وفي هذه النكتة حكمة
بالغة، فإنَّ قدرة إبليس على غواية الناس ستصاب بالشلل عند ظهور النور الساطع
والبرهان القاطع الإمام المنتظر وستُضرَب عنقه(٨).
أُستاذ جاحد: وقد يكون الوقت المعلوم هو يوم القيامة.
أُستاذ مسلِّم: (إنَّ يوم القيامة، هو يوم بعث لا يوم
موت)(٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
الغيبة للطوسي: ٤٣٣ و٤٣٤.
(٨)
تفسير العيّاشي لمحمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي ٢: ٢٥٣/ تحقيق هاشم الرسولي
المحلَّاتي/ مط قم/ ١٣٨٠هـ.
(٩)
تفسير مجمع البيان للفضل بن الحسن الطبرسي (ت ٥٤٨هـ) ٤: ٢٠٣/ ط ٢/ ١٩٩٤م/ مؤسّسة
الأعلمي/ بيروت.
أُستاذ جاحد: ولكن الله وعده أن لا يصيبه مكروه.
أُستاذ مسلِّم: (وعده أن لا يميته، ولم يعده أن لا
يُسلِّط عليه السلاح والعذاب والآلام)(١٠).
أُستاذ جاحد: وماذا بعد قتل إبليس؟
أُستاذ مسلِّم: يتحقَّق الأمن في أرجاء المعمورة
كلّها، ويعمُّ السلام حتَّى تخرج المرأة من ديارها قاصدة البلاد البعيدة وهي آمنة
من أن يصيبها سوء، وقد وصف الذكر الحكيم هذه الحالة من السلام والوئام في قوله
تعالى: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي
بارَكْنا فِيها قُرى ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ
وَأَيَّاماً آمِنِينَ﴾ (سبأ: ١٨)، وكما تعرف يا سيِّدي إنَّ حالة الأمن هذه
لم تتحقَّق حتَّى الآن في أيِّ جزء من الأرض.
أُستاذ جاحد: لا يمكن لقلبي التسليم بما ذكرته من
تفاسير لآيات القرآن الكريم!
أُستاذ مسلِّم: إنَّ عقيدة المسلمين بالمهدي (عليه
السلام) أيَّدها القرآن الكريم بجملة من الآيات المباركة التي حوَّلت عقيدة ظهور
المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان من أُسطورة خيالية إلى حقيقة ساطعة. وإنَّ
مصداقية مسألة المهدي المنتظر (عليه السلام) لا تطلب موافقة هذا الفقيه أو ذلك
الفيلسوف، بل يكفي فيها البحث حول سؤال واحد: هل قال القرآن الكريم بموضوعة المهدي
المنتظر (عليه السلام) أم لا؟ ولا شكَّ أنَّ القرآن الكريم هو حلقة الوصل بين جميع
الفئات الإسلاميَّة، والعلامة الرئيسية لتمسّك الفرد بالإسلام، فهو كتاب مقدَّس لا
يتأثَّر بفتوى، ولا يستطيع أن يعارضه بشر، وقد ثبتت بشارته بالدولة الإلهية
العالمية وإقامتها في آخر الزمان في آياته الكريمة، ودلَّت على إمكان غيبته وحتمية
ظهوره. إنَّ جُلَّ ما ورد بشأن المهدي المنتظر (عليه السلام) في القرآن الكريم هو من
دلالة باطن الآية الذي هو تأويلها دون تنزيلها، فلا يهمّنا بعد هذا استهزاء
المستهزئين أو تعجّب الكافرين أو عناد الجاحدين، لأنَّنا نغترف من المعين الأمين
لشريعة سيِّد المرسلين. ولا يحقُّ لك أيّها الجاحد أن تعترض بعد توفّر البرهان
القرآني الثابت، ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا
قَضى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:
٣٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) تفسير الإمام العسكري ١: ٨٩/ تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي/ نسخ من النسخة الحجرية/ ١٣١٥هـ/ قم المقدَّسة.
* القرآن الكريم.
* المعجم الوسيط: إبراهيم مصطفى وأحمد حسن الزيّات/
ط ٣/ ١٣٨٢هـ، ١٩٦٢م/ مؤسّسة صادق خسرو/ قم.
* تفسير الإمام العسكري: أبو محمّد الحسن بن علي
العسكري/ ١٣١٥هـ/ نسخ من النسخة الحجرية/ تحقيق ونشر مدرسة الإمام المهدي/ قم
المقدَّسة.
* كلمة الإمام المهدي (عليه السلام): حسن الشيرازي/ ط
٢/ ٢٠٠١م/ دار النشر: هيئة محمّد الأمين/ بيروت.
* تفسير ابن أبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن أبي
حاتم الرازي (ت ٣٢٧هـ)/ ط ٢/ ١٤٢٧هـ، ٢٠٠٦م/ دار الطليعة/ بيروت.
* تفسير مجمع البيان: الفضل بن الحسن الطبرسي
(٥٤٨هـ)/ ط ٢/ ١٩٩٤م/ مؤسّسة الأعلمي/ بيروت.
* الإمام المهدي المنتظر: عدنان علي البكاء الموسوي/
ط ١/ ١٤١٨هـ، ١٩٩٧م/ منشورات مركز الغدير للدراسات الإسلاميَّة/ بيروت.
* تفسير العيّاشي: محمّد بن مسعود بن عيّاش السلمي/
تحقيق هاشم الرسولي المحلَّاتي/ ١٣٨٠هـ/ مطبعة قم.
* التحرير والتنوير: محمّد الطاهر بن عاشور (ت
١٣٩٣هـ، ١٩٧٣م)/ ط ١/ ١٩٨٤م/ دار سحنون للنشر/ تونس.
* هميان الزاد إلى دار المعاد: محمّد بن يوسف إطفيش
(ت ١٣٣٢هـ)/ ط ٢/ ١٩٨٥م/ دار سحنون للنشر/ تونس.
كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي الجامع للمسائل العقلية والنقلية في موضوع الغيبة
بقلم: عبّاس
إسماعيل زاده
تعريب: حسن علي مطر
المقدّمة:
تُعتَبر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) واحتجابه عن الأنظار والمسائل ذات الصلة
بها، من أهمِّ المباحث العقائدية لدى الشيعة. ويمكن بيان أهمّية هذه المسألة من
جهتين:
الجهة الأُولى: إنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه
السلام)
صغيراً، كانت مثاراً للشبهة والإشكال حتَّى بين الشيعة أنفسهم، الأمر الذي أدّى إلى
حيرة الكثير وانحرافهم وضلالهم. وطبقاً لما قاله النوبختي فإنَّ أتباع الإمام
العسكري (عليه السلام) قد انقسموا - بعد وفاته - بشأن مصير الإمامة بعده إلى أربع
عشرة فرقة(١).
الجهة الثانية: إنَّ غيبة الإمام المهدي (عليه
السلام)
واختياره حياة التخفّي والاحتجاب عن الأنظار حتَّى قبل الإعلان عن إمامته، شكَّلت
أرضيَّة خصبة لإثارة الشبهات من قِبَل المخالفين والتشكيك في أحقّية المذهب الشيعي
الاثني عشري.
وقد بلغ هذا الأمر من الأهمّية بحيث لم يقتصر على مبادرة النبيِّ الأكرم (صلّى الله
عليه وآله وسلم) شخصياً ومنذ البداية، والأئمَّة الأطهار من أهل بيته (عليهم
السلام)
إلى بيان هذه المسألة وإعداد الشيعة لمواجهتها فحسب(٢)،
بل دفعت حتَّى تلاميذ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والمدافعين عن حياض عقيدة
التشيّع نحو التصدّي لتأليف رسائل وكتب في بيان وإيضاح مفهوم الغيبة، بحيث يمكن لنا
أن نرصد بعض
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) أُنظر: فِرَق الشيعة
للنوبختي: ٩٦.
(٢) للاطِّلاع على هذه
الروايات أُنظر: إكمال الدين وإتمام النعمة/ الباب الرابع والعشرين فما بعد، حيث
نقل الشيخ الصدوق بعض هذه الروايات عن كلِّ واحد من الأئمَّة الأطهار (عليهم
السلام)
بشكل مستقلّ.
المؤلَّفات التي كُتِبَت في موضوع غيبة الإمام الحجَّة (عليه السلام) حتَّى قبل
ولادته. ومِنْ بين مَنْ كتب في هذا الموضوع: علي بن الحسن بن محمّد الطائي الطاطري،
وعلي بن عمر الأعرج الكوفي، وإبراهيم بن صالح الأنماطي الكوفي، وجميع هؤلاء الثلاثة
من تلاميذ الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقد عمد كلُّ واحد منهم إلى تأليف كتاب في
موضوع الغيبة(٣).
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الكتب التي تمَّ تأليفها في عصر الغيبة الصغرى، ولاسيّما
في الأعوام الأُولى منها، من قبيل: كتاب الغيبة لأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق
الأحمدي النهاوندي (ت ٢٦٩هـ)، وكتاب الغيبة للنعماني (ت حوالي عام ٣٦٠ هـ)، وهو
بحمد الله مطبوع ويمكن الحصول عليه(٤).
جدير بالذكر أنَّ الدافع الأكبر من وراء تأليف هذه الكتب، يكمن في رفع الحيرة
والشكّ الذي أصاب بعض الشيعة؛ من ذلك أنَّنا نجد النعماني يتحدَّث في مقدّمة كتابه
عن السبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب قائلاً: (أمَّا بعد، فإنّا رأينا طوائف من
العصابة المنسوبة إلى التشيّع...، قد تفرَّقت كلمها، وتشعَّبت مذاهبها...، وشكّوا
جميعاً إلَّا القليل في إمام زمانهم (عليه السلام) ووليّ أمرهم وحجَّة ربِّهم...)(٥).
وقال الشيخ الصدوق في مقدّمة كتابه (كمال الدين وتمام النعمة): (إنَّ الذي دعاني
إلى تأليف كتابي هذا: أنّي لمَّا قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا (عليه
السلام)
رجعت إلى نيسابور وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إليَّ من الشيعة قد حيَّرتهم
الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم (عليه السلام) الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى
الآراء والمقاييس، فجعلت أبذل مجهودي في إرشادهم إلى الحقِّ وردِّهم إلى الصواب)(٦).
ولم يقتصر الأمر - لأهمّيته - على هؤلاء فحسب، بل تصدّى لهذا الموضوع غيرهم من
أكابر العلماء، كما نرى ذلك بعد الشيخ الصدوق (ت ٣٨١هـ) عند الشيخ المفيد (ت
٤١٣هـ)، حيث ألَّف كتاب (الفصول العشرة في الغيبة)، وأربع رسائل أُخرى في موضوع
الغيبة. تلاه أبرز تلاميذه السيِّد المرتضى (ت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) أُنظر: هزاره شيخ طوسي
(ألفية الشيخ الطوسي): ٥١٢؛ هذا وقد ذكر الشيخ الطوسي، ابن صالح الأنماطي بوصفه من
أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام).
(٤) للاطِّلاع على المسار
التاريخي للتأليف في موضوع الغيبة أُنظر: هزاره شيخ طوسي (ألفية الشيخ الطوسي):
٥١٢؛ والفصول العشرة في الغيبة: ١١ فما بعد/ (مقدّمة المحقِّق).
(٥) الغيبة للنعماني: ٢٧
و٢٨.
(٦) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٤.
٤٣٦هـ) حيث ألَّف كتاب (المقنع) في موضوع غيبة الإمام الحجَّة (عليه السلام)، كما
خصَّص جزءاً من كتاب (الشافي) و(تنزيه الأنبياء) لهذا الموضوع أيضاً(٧).
حتَّى وصل الأمر إلى شيخ الطائفة أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسي (ت ٤٦٠هـ) حيث عمد
إلى جمع أتقن الأدلَّة والبراهين العقلية والنقلية على إثبات وجود الإمام الثاني
عشر محمّد بن الحسن المنتظر (عليه السلام)، وغيبته، وظهوره(٨)،
ضمن كتاب باسم (الغيبة).
ويأتي مقالنا هذا في إطار التعريف بهذا الكتاب.
١ - أوصاف الكتاب:
١/١ - عنوان الكتاب:
لم يضع الشيخ الطوسي عنواناً لهذا الكتاب، بيد أنَّ الشيخ الآغا بزرك الطهراني -
سواء في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)(٩)
أو في المقدّمة القيِّمة التي وضعها لهذا الكتاب(١٠)
- عبَّر عنه بـ (الغيبة). وفي النسخة الإلكترونية الصادرة عن مؤسّسة نور العترة
القرآنية، وضع له عنوان (إثبات الغيبة) دون بيان السبب الذي دعا إلى ذلك أو المصدر
الذي يُثبِت هذا العنوان لهذا الكتاب.
٢/١ - موضوع الكتاب:
لقد حدَّد الشيخ الطوسي موضوع كتابه بنفسه، حيث قال: (والغرض بهذا الكتاب ما يختصُّ
الغيبة دون غيرها)(١١).
وعلى هذا الأساس فقد تمَّت الإشارة أوَّلاً إلى إمكان البحث في مفهوم غيبة صاحب
العصر (عليه السلام) من ناحيتين: الناحية الأُولى: أن نبدأ الكلام من وجوب وضرورة أن
يكون هناك رئيس وإمام ثابت العصمة. والناحية الثانية: أن نواصل البحث باعتبار غيبة
الإمام المهدي (عليه السلام) من متفرِّعات ثبوت إمامته.
من هنا، فقد عمد الشيخ الطوسي - قبل كلِّ شيء - إلى سلوك الطريق الأوَّل، حيث أقام
الدليل على وجوب أن يكون هناك إمام، وأن يكون هذا الإمام معصوماً. وقد أجاب في سياق
الكلام عن إشكال أورده الخصوم على رأي السيِّد المرتضى (أُستاذ الشيخ الطوسي) في
الغيبة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) كما صرَّح السيِّد نفسه
بذلك في بداية (المقنع).
(٨) جزء من مقدّمة الآغا
بزرك الطهراني على هذا الكتاب، والتي أُدرجت في الصفحات الأُولى من بعض طبعاته.
(٩) أُنظر: الذريعة إلى
تصانيف الشيعة للآغا بزرك الطهراني ١٦: ٧٩.
(١٠) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٩.
(١١) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٤.
ثمّ انتقل بعد ذلك - بالالتفات إلى الطريق الثاني القائم على بيان الدليل على إمامة
الإمام المهدي (عليه السلام) - إلى بيان فساد عقيدة فِرَقٍ من قبيل: الكيسانية(١٢)،
والناووسية(١٣)،
والواقفية(١٤)،
والفطحية(١٥)،
والمحمّدية(١٦)،
حيث حازت الفرقة الواقفية على النصيب الأوفر من حظِّها في البحث والنقاش.
وتبعاً لذلك تمَّت الإشارة إلى مسائل من قبيل: الحكمة من الغيبة، وكيفية إقامة
الحدود في عصر غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، وكيفية إصابة الحقِّ (طريق الوصول
إلى الحقِّ) في هذه الفترة، وكيفية ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وأسباب غيبته،
وكيفية طول عمره الشريف. وفي البحث الأخير تمَّت الإشارة إلى بعض مشاهير المعمّرين،
من أمثال: النبيّ آدم والنبيّ نوح (عليهما السلام)، والخضر (عليه السلام)، ولقمان بن
عاد، وسلمان المحمّدي، والربيع بن الضبع، وآخرين ممَّن رصدت الكتب التاريخية
أسماءهم؛ لدفع الغرابة عن طول عمر الإمام الحجَّة المنتظر (عليه السلام).
الدليل الآخر على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) روايات تمَّ التأكيد فيها على
حصر عدد الأئمَّة باثني عاشر إماماً بعد النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم).
ولمزيد من التأكيد والتأييد ساق بعض الروايات عن المخالفين أيضاً.
وفي الدليل الثالث تمَّ التعرّض إلى روايات تُثبِت أنَّ الإمام المهدي (عليه
السلام)
من ذرّية الإمام الحسين (عليه السلام)، وأنَّه التاسع من ولده. وفي سياق ذلك كانت
هناك عودة ثانية لإبطال الفِرَق المخالفة التي تقدَّم ذكرها مع إضافة السبئية إليها(١٧)،
وبعض النِّحَل التي ظهرت بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)(١٨).
ثمّ انتقل - قبل ذكر سفراء الإمام المنتظر (عليه السلام) ونوّابه في عصر الغيبة
الصغرى - إلى ذكر الذين تشرَّفوا بلقائه وبعض معجزاته وتوقيعاته. بالإضافة إلى ذكر
بعض الوكلاء الذين ورد المدح أو الذمّ في حقِّهم، منذ عصر الإمام الباقر (عليه
السلام) فما بعد، وكان عدد الممدوحين ستَّة عشر، ومن بينهم: حمران بن أعين،
والمفضَّل بن عمر، وصفوان بن يحيى، وأيّوب بن نوح. وعدد المذمومين سبعة، منهم: صالح
بن محمّد بن سهل الهمداني، وعلي بن أبي حمزة البطائني، وأبو طاهر محمّد بن علي بن
بلال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) أتباع المختار بن أبي
عبيدة الثقفي القائل بإمامة محمّد بن الحنفية، وأنَّه حيٌّ، وهو الإمام المهدي
المنتظر (عليه السلام).
(١٣) أتباع عبد الله أو
عجلان بن ناووس، وكانوا ينتظرون ظهور الإمام الصادق (عليه السلام)، ويُطلَق عليهم
(الصارمية) أيضاً.
(١٤) أنكروا استشهاد الإمام
الكاظم (عليه السلام)، ورأوا أنَّه هو الإمام المهدي الموعود المنتظر. ويُطلَق عليهم
مصطلح: (المسطورة) و(الموسوية) أيضاً. وبشكل عامّ يُطلَق هذا المصطلح على كلِّ
جماعة تخالف جمهور الشيعة وتتوقَّف في مسألة الإمامة أيضاً، من قبيل الذين لم
يقولوا بوجود إمام بعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام).
(١٥) القائلون بإمامة عبد
الله بن جعفر بن الإمام الصادق (عليه السلام) المعروف بالأفطح، (وقد عُرِفَ بالأفطح
لعرض قدميه أو رأسه).
(١٦) وهم القائلون بإمامة
محمّد بن علي الهادي (عليه السلام) - أخي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - بعد
وفاة الإمام الهادي (عليه السلام). وللمزيد من الاطِّلاع حول هذه الفِرقَ أُنظر:
فرهنك فِرَق اسلامي وفِرَق شيعة (مصدر فارسي).
(١٧) من الغلاة، وهم أتباع
عبد الله بن سبأ، وكانوا يقولون بغيبة الإمام علي (عليه السلام). أُنظر: فرهنك فِرَق
اسلامي وفِرَق شيعة (مصدر فارسي): ٢٢٤.
(١٨) لم تُذكر أسماء هذه
الفِرَق، كما تمَّ الاكتفاء في كتاب (فِرَق الشيعة) للنوبختي ببيان عقائد هذه
الفِرَق دون بيان أسمائها.
وبعد هذه المقدّمة الطويلة نسبياً، يُشير إلى النوّاب الأربعة في عصر الغيبة
الصغرى، وهم: أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)، وأبو جعفر محمّد بن
عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه)، وأبو القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه)، وأبو
الحسين علي بن محمّد السمري (رضي الله عنه).
وفي خاتمة الكتاب تمَّ التعرّض إلى بعض المسائل المتعلّقة بالغيبة، من قبيل: عمر
الإمام الحجَّة (عليه السلام)، وعلامات الظهور، وبعض صفات وخصائص وسيرة الإمام المهدي
المنتظر (عليه السلام).
وممَّا تمَّ ذكره حتَّى الآن نلاحظ أنَّ الشيخ الطوسي قد سعى جاهداً إلى عدم الخروج
عن صلب الموضوع، تشهد لذلك الموارد المتعدِّدة التي يعمد الشيخ الطوسي فيها إلى
إحالة التفصيل - فيما يتعلَّق بالأبحاث العقلية - إلى كتبه الأُخرى، أو ما يعمد
إليه من تقطيع الروايات في خصوص الأبحاث الروائية مكتفياً منها بموضع الشاهد.
ومن بين أمثلة القسم الأوَّل بحثه في وجوب عصمة الإمام، حيث قال بعد مقدّمة مختصرة:
(وهذه الطريقة قد أحكمناها في كتبنا، فلا نُطوِّل بالأسئلة عليها لأنَّ الغرض بهذا
الكتاب غير ذلك، وفي هذا القدر كفاية)(١٩).
أو قوله في ختام البحث عن كيفية إصابة الحقِّ في عصر الغيبة: (وقد استوفينا هذه
الطريقة في تلخيص الشافي، فلا نُطوِّل بذكرها الكتاب)(٢٠).
ومن بين أمثلة القسم الثاني، يمكن لنا أن نشير إلى الموارد الآتية:
- موارد قالها في بداية الكلام، من قبيل قوله: (في حديث طويل اختصرناه)(٢١).
- موارد حذف منها وسط الحديث، مكتفياً بالإشارة إليها، من قبيل: (ثمّ ذكر الوصيَّة
إلى آخرها)(٢٢)،
و(وذكر الحديث)(٢٣)،
و(وساقت الحديث إلى آخره)(٢٤).
- الموارد التي حذفها من نهاية الحديث، من قبيل قوله: (تمام الخبر)(٢٥)،
و(وساق الحديث بطوله)(٢٦)،
و(ذكر الحديث إلى آخره)(٢٧).
وعلى الرغم من ذلك نصادف في بعض الموارد القليلة مسائل ليس لها كبير صلة بأصل
الموضوع، ومن بينها التعرّض لذكر وكلاء الأئمَّة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الغيبة للطوسي: ١٥.
(٢٠) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٦٥.
(٢١) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١١٦ و١٣١.
(٢٢) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١١١.
(٢٣) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٤٣.
(٢٤) أُنظر المصدر السابق.
(٢٥) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١١٦.
(٢٦) أنظر: الغيبة للطوسي:
١٥١.
(٢٧) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٤٣.
المعصومين (عليهم السلام) من الممدوحين والمذمومين(٢٨)،
رغم أنَّ الشيخ قد صرَّح بأنَّه إنَّما ذكرهم كمقدّمة للوصول إلى سفراء صاحب العصر
والزمان (عليه السلام).
٣/١ - سبب تأليف الكتاب:
لقد ذكر الشيخ الطوسي سبب تأليف هذا الكتاب قائلاً: (فأمَّا بعد، فإنّي مجيب إلى ما
رسمه الشيخ الجليل - أطال الله بقاءه - من إملاء كلام في غيبة صاحب الزمان (عليه
السلام)، وسبب غيبته، والعلَّة التي لأجلها طالت غيبته، وامتداد استتاره مع شدَّة
الحاجة إليه، وانتشار الحيل، ووقوع الهرج والمرج، وكثرة الفساد في الأرض وظهوره في
البرِّ والبحر، ولِمَ لم يظهر، وما المانع منه، وما المحوج إليه، والجواب عن كلِّ
ما يُسئَل في ذلك من شُبَه المخالفين، ومطاعن المعاندين، وأنا مجيب إلى ما سأله،
وممتثل ما رسمه)(٢٩).
وقد جاء في هامش بعض النسخ المطبوعة لهذا الكتاب: إنَّ مراد المؤلِّف من عبارة
(الشيخ الجليل) هو الشيخ المفيد. بيد أنَّه - كما نوَّه الشيخ الآغا بزرك الطهراني
في كتاب (الذريعة إلى تصانيف الشيعة)(٣٠)
- حيث كانت وفاة الشيخ المفيد في سنة (٤١٣هـ)، وكان تأليف هذا الكتاب - على ما
سيأتي ذكره - في سنة (٤٤٧هـ)، فلا يكون هذا الكلام صائباً، خاصَّةً وأنَّ الشيخ
الطوسي يُعقِّب على هذا (الشيخ الجليل) بالدعاء له قائلاً: (أطال الله بقاءه)،
الأمر الذي يحكي عن أنَّ هذا الشيخ قد كان حيَّاً أثناء تأليف الشيخ الطوسي لهذا
الكتاب.
كما يجب القول: إنَّ هذا (الشيخ الجليل) لا يمكن أن يكون هو السيِّد المرتضى -
أُستاذ الشيخ الطوسي - أيضاً، لأنَّ السيِّد المرتضى قد توفّي عام (٤٣٦هـ)، وإنَّ
الشيخ الطوسي كلَّما كان يأتي على ذكره في هذا الكتاب يُعقِّب عليه بالدعاء قائلاً
(رحمه الله)(٣١).
والذي يبدو - من خلال الالتفات إلى تاريخ وفيات مشايخ الطوسي - أنَّ بالإمكان تحديد
المراد من عبارة (الشيخ الجليل)، فإنَّ الذي بقي على قيد الحياة من مجموع مشايخ
الطوسي الثمانية والثلاثين(٣٢)
- على ما ذكر - في فترة تأليف هذا الكتاب، شيخان فقط(٣٣)،
وهما: القاضي أبو القاسم علي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٠٩ فما بعد.
(٢٩) الغيبة للطوسي: ٢.
(٣٠) أُنظر: الذريعة إلى
تصانيف الشيعة للآغا بزرك الطهراني ١٦: ٧٩.
(٣١) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٥ و١١ و٦٦.
(٣٢) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٠٩ فما بعد. وقد ذكر الشيخ الآغا بزرك الطهراني أنَّ عدد شيوخ الطوسي يصل إلى (٤٠)
شيخاً، إلَّا أنَّه لم يذكر منهم من كان حيَّاً في (حياة الشيخ الطوسي) سوى (٣٧)
شيخاً فقط.
(٣٣) وقد تمَّ ذكر تاريخ
وفاة الكثير من هؤلاء المشايخ في المصدرين الآنفين، كما يمكن الحصول على تواريخ
وفيات الآخرين من خلال الرجوع إلى (رجال عصر الشيخ الطوسي) في (هزاره شيخ طوسي
(ألفية الشيخ الطوسي): ١١٨)؛ وفيما يتعلَّق بالعلماء الذين يرجع تاريخ وفاتهم إلى
عام (٤٤٧هـ) فما بعد، لا نرى من شيوخه غير هذين الشيخين.
التنوخي (ت ٤٤٧هـ)، وأبو العبّاس أحمد بن علي النجاشي صاحب كتاب الرجال (ت ٤٥٠هـ).
وعليه لا بدَّ أن يكون الشيخ الطوسي قد ألَّف هذا الكتاب نزولاً عند طلب أحد هذين
الشيخين، إلَّا إذا قيل: إنَّ مراد المؤلِّف من (الشيخ الجليل) شخصاً من أقرانه في
العلم. بيد أنَّ هذا الاحتمال يبدو ضعيفاً أيضاً؛ وذلك لأنَّ الشيخ الطوسي قد تولّى
زعامة الطائفة (الشيعية) سنة (٤٣٦هـ) بعد رحيل أُستاذه السيِّد المرتضى، ولم يرد في
بيان سيرته أنَّ شخصاً كان من أقرانه في تلك الفترة، بل قيل في عظمته: إنَّه بلغ
مرتبة أعطاه الخليفة في حينها كرسي الكلام(٣٤).
٤/١ - زمان ومكان تأليف الكتاب:
كما سبق أن أشرنا، فقد ألَّف الشيخ الطوسي هذا الكتاب سنة (٤٤٧هـ)، وهذا ما يمكن
التوصّل إليه من عبارات الشيخ الطوسي نفسه في موضعين من هذا الكتاب: العبارة
الأُولى حيث يُحدِّد مقدار عمر إمام العصر والزمان (عليه السلام)، إذ يقول: (فإن قيل:
ادِّعاؤكم طول عمر صاحبكم أمر خارق للعادات...، لأنَّه على قولكم في هذا الوقت -
الذي هو سنة سبع وأربعين وأربعمائة - مئة وواحد وتسعون سنة)(٣٥).
والعبارة الثانية حيث يتحدَّث عن زيارته لقبر عثمان بن سعيد نائب الإمام المهدي
(عليه السلام)، قائلاً: (قال محمّد بن الحسن - مصنِّف هذا الكتاب -: رأيت قبره في
الموضع الذي ذكره...، وهو إلى يومنا هذا، وذلك سنة سبع وأربعين وأربعمائة)(٣٦).
وأمَّا المكان والبلد الذي كتب فيه الشيخ الطوسي هذا الكتاب، فهو (بغداد) على
الأقوى والأرجح؛ إذ أنَّ هجرة الشيخ الطوسي من بغداد إلى النجف كانت في عام (٤٤٨هـ)(٣٧).
ومن ناحية أُخرى فإنَّ الشيخ الطوسي نفسه يذكر تاريخ زيارته مرقد عثمان بن سعيد -
الذي تقدَّم ذكره - في سنة دخوله إلى بغداد، إلَّا أنَّه لم يذكر تاريخ خروجه منها،
في حين أنَّه بالالتفات إلى أهمّية هجرة الشيخ إلى النجف - والتي حدثت بعد معاناة
كبيرة وغصص كابدها في بغداد(٣٨)
- كان لا بدَّ للشيخ أن يأتي على ذكرها لو حصلت. وممَّا قاله الشيخ الطوسي في هذا
الشأن: (فكنّا ندخل إليه ونزوره مشاهدةً، وكذلك من وقت دخولي إلى بغداد وهي سنة
ثمان (وأربعون)(٣٩)
وأربعمائة)(٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) أُنظر على سبيل
المثال: الشيخ الطوسي وتراثه الحديثي/ مجلَّة علوم الحديث/ العدد ٦/ ص ١٢٥.
(٣٥) الغيبة للطوسي: ٧٨.
(٣٦) الغيبة للطوسي: ٢١٨.
(٣٧) أُنظر: الطوسي شيخ
الطائفة: ٣٨؛ هزاره شيخ طوسي (مصدر فارسي): ١٥؛ وفي الصفحة رقم (١٧) من هذا الكتاب
تمَّ إرجاع تاريخ تأليف هذا الكتاب إلى سنة (٤٤٧هـ).
(٣٨) أُنظر: هزاره شيخ طوسي
(مصدر فارسي): ١٥.
(٣٩) ما بين المعقوفتين
إضافة من عندنا غير موجودة في النصِّ الفارسي، وقد أثبتناها إذ لا يستقيم المعنى من
دونها، المعرِّب.
(٤٠) الغيبة للطوسي: ٢١٧.
٥/١ - أهمّية الكتاب وقيمته:
إنَّ كلمة الشيخ الآغا بزرك الطهراني في التعريف بهذا الكتاب - والمطبوعة في الصفحة
الأُولى ضمن بعض الطبعات في المقدّمة - تُمثِّل دليلاً واضحاً على قيمة هذا الكتاب
وأهمّيته، حيث يقول فيها:
(يتضمَّن هذا الكتاب أقوى الحجج والبراهين العقلية على وجود الإمام الثاني عشر
(عليه السلام)...، ويدفع الكتاب شُبَه المخالفين والمعاندين الذين ينكرون وجوده أو ظهوره
بحيث يزول معه الريب)(٤١).
بيد أنَّنا إنَّما نقف على أهمّية وقيمة هذا الكتاب عندما نلقي نظرة عابرة على
الآثار المتقدِّمة على الشيخ الطوسي.
توضيح ذلك: إنَّ الفترة الزمنية التي سبقت شيخ الطائفة قد شهدت تأليف عدد من الكتب
في موضوع غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)، إلَّا أنَّ هذه الكتب كانت في الغالب ذات
منحى روائي، أو أنَّها اقتصرت على تناول المسائل من الناحية العقلية فقط. فعلى سبيل
المثال: إنَّ كتاب (الغيبة) لأبي زينب النعماني، و(كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ
الصدوق، قد اشتملا على روايات الغيبة فقط، حيث عمد هذان المؤلِّفان إلى تبويب هذه
الروايات وتصنيفها إلى أبواب وموضوعات مختلفة. والشيخ المفيد في كتابه (الفصول
العشرة في الغيبة) ومقالاته الأربعة المختصرة في هذا الموضوع، والسيِّد المرتضى في
(المقنع) - وكلاهما من أساتذة الشيخ الطوسي - قد اقتصرا على تناول أبحاث موضوع
الغيبة من الناحية العقلية والكلامية فقط. في حين أنَّ كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي
قد اهتمَّ بكلتا الناحيتين حيث نشاهد الروايات الكثيرة إلى جانب المباحث العقلية
أيضاً. من هنا يمكن اعتبار كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي كتاباً جامعاً للبحوث
العقلية والنقلية في موضوع الغيبة، وهو أمر لم يسبقه إليه غير القليل، إذا لم نقل:
إنَّه فريد من هذه الناحية.
من هنا فإنَّ ما قيل من أنَّ كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي، ذو صبغة كلامية بحتة
مجانب للصواب(٤٢)؛
وذلك لاشتماله - كما تقدَّم - على الكثير من الروايات في هذا الموضوع، الأمر الذي
أكسبه صبغة روائية أيضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) الغيبة للطوسي: ٩/
المقدّمة.
(٤٢) أُنظر: مشعل جاويد در
محضر غيبت نعماني (مصدر فارسي): ٢٠٤.
٢ - مصادر الكتاب:
قيل بشكل عامّ(٤٣):
حيث إنَّ الشيخ الطوسي قد استفاد - مدَّة إقامته في بغداد منذ عام (٤٠٨) للهجرة -
من المكتبة الكبرى المعروفة بالسابورية(٤٤)،
والتي كانت تحتوي على عشرة آلاف وأربعمائة كتاب قيِّم(٤٥).
والأهمّ من ذلك أنَّه لازم مكتبة أُستاذه السيِّد المرتضى لما يقرب من ثلاثة عقود
(من عام (٤٠٨) إلى (٤٣٦هـ) حيث توفّي السيِّد المرتضى)، وكانت هذه المكتبة تحتوي
على ثمانين ألف(٤٦)
كتاب(٤٧).
من هنا يجب أن يكون قد استفاد من الكثير من المصادر عند تأليفه لكتاب (الغيبة).
ومهما كان يبدو أنَّ بالإمكان أن نُبيِّن المصادر التي اعتمدها الشيخ الطوسي في
تأليف هذا الكتاب ضمن ثلاث مجموعات، وذلك على النحو الآتي:
١/٢ - المصادر التي ذكرها الشيخ نفسه في تضاعيف الكتاب:
١/١/٢ - كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي:
فقد أشار الشيخ الطوسي إلى هذا الكتاب في موضع من كتاب (الغيبة) حيث قال: (أخبرنا
أحمد بن عبدون، عن ابن أبي الزبير القرشي، عن علي بن الحسين بن فضّال، عن محمّد بن
عبد الله بن زراره، عمَّن رواه، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه
السلام)،
قال: هذه وصيَّة أمير المؤمنين، وهي نسخة كتاب سُلَيم بن قيس الهلالي...)(٤٨).
٣ و٢/١/٢ - الغيبة والأوصياء، لمحمّد بن علي بن أبي العزاقر
الشلمغاني:
حيث قام الشيخ الطوسي في موضع بالنقل عن (غيبته) قائلاً: (وذكر محمّد بن علي بن أبي
العزاقر الشلمغاني في أوَّل كتاب (الغيبة) الذي صنَّفه...، وقال في فصل آخر...)(٤٩).
كما قال في موضعين: (روى الشلمغاني في كتاب الأوصياء)(٥٠).
جدير بالذكر أنَّ مؤلِّف هذين الكتابين كان معاصراً للحسين بن روح (النائب الثالث
لإمام العصر (عليه السلام))، حيث كان صحيح العقيدة أثناء تأليفه لهذا الكتاب. ولكنَّه
فيما بعد حسد الحسين بن روح، وأخذ يدَّعي بعض المسائل الباطلة. وقد صدر توقيع عن
إمام العصر (عليه السلام) في لعنه(٥١)،
وقد ذكره الشيخ الطوسي أيضاً(٥٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) على ما جاء في النسخة
الإلكترونية الصادرة عن مؤسّسة (نور العترة) القرآنية.
(٤٤) طبقاً لما ورد في حياة
الشيخ الطوسي: (ص ن)؛ هذا وإنَّ المكتبة السابورية نسبة إلى مؤسّسها سابور (شاهبور)
بن أردشير، سنة (٣٨١ هـ).
(٤٥) طبقاً لما ورد في
كتاب: سيري در زندگي شيخ طوسي (مصدر فارسي)؛ ألفية الشيخ الطوسي: ١٨.
(٤٦) هناك من قال بأنَّ
الأصحّ أنَّ مكتبة السيِّد المرتضى كانت تحتوي على ثمانية آلاف كتاب. أُنظر: الطوسي
شيخ الطائفة: ٣١.
(٤٧) أُنظر: الطوسي شيخ
الطائفة: ٣١؛ حياة الشيخ الطوسي: (ص ن).
(٤٨) الغيبة للطوسي: ١١٧
و١١٨.
(٤٩) الغيبة للطوسي: ٢٤٠
و٢٤١.
(٥٠) الغيبة للطوسي: ١٤٨
و٢٠٨.
(٥١) أُنظر: هزاره شيخ طوسي
(ألفية الشيخ الطوسي): ٥١٨.
(٥٢) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٤٨.
٤/١/٢ - نصرة الواقفة، لأبي محمّد علي بن أحمد العلوي
الموسوي:
عمد الشيخ الطوسي في البحث عن الواقفة وإبطال مذهبها، إلى ردِّ الروايات المقبولة
عند أتباعها من هذا الكتاب، حيث قال: (ونحن نذكر جملاً ممَّا رووه ونُبيِّن القول
فيها، فمن ذلك أخبار ذكرها أبو محمّد علي بن أحمد العلوي الموسوي في كتابه في نصرة
الواقفة...)(٥٣)،
ثمّ ساق بعض الروايات(٥٤).
وفي عداد هذه المصادر يمكن لنا أن نذكر كتباً أُخرى أحال إليها الشيخ الطوسي توضيح
مسألة أو تفصيلها، ممَّا يُثبِت أنَّ الشيخ الطوسي قد نظر فيها عند تأليف كتاب
(الغيبة).
٥/١/٢ - تلخيص الشافي:
إنَّ هذا الكتاب من تأليف الشيخ الطوسي نفسه، وهو عبارة عن تلخيص كتاب (الشافي)
لأُستاذه السيِّد المرتضى. وقد أجاب عن سؤال حول شرائط الإمام قائلاً: (قد أجبنا عن
هذا السؤال في التلخيص مستوفىً، وجملته أن...)(٥٥).
٦/١/٢ - شرح الجمل:
وهذا الكتاب من تأليف الشيخ الطوسي نفسه أيضاً، كما ذكره في موضع مقروناً بذكر
(تلخيص الشافي). وفي بداية الكتاب في معرض بحث مختصر بشأن الدليل على وجوب أن يكون
هناك (رئيس) للناس، قال: (وأجبنا عن كلِّ ما يُسئَل على ذلك مستوفىً في تلخيص
الشافي وشرح الجمل لا نُطوِّل بذكره هاهنا)(٥٦).
٧/١/٢ - الذخيرة، للسيِّد المرتضى:
حيث قال الشيخ الطوسي قدّس سرّه في موضع: (الذي نقوله في هذا الباب ما ذكره المرتضى
رحمه الله في الذخيرة...)(٥٧).
٢/٢ - المصادر التي نحصل عليها من خلال مقارنة هذا الكتاب
للشيخ الطوسي بالكتب الأُخرى التي ألَّفها من تقدَّم عليه من العلماء في
موضوع الغيبة:
١/٢/٢ - الفصول العشرة في الغيبة، للشيخ المفيد:
لقد تعرَّض الشيخ المفيد في الفصل الثاني من هذا الكتاب إلى مسألة إنكار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٣) يتَّضح من هذه العبارة
أنَّ عنوان هذا الكتاب لم يكن هو (نصرة الواقفة)، بل هو موضوع الكتاب، وإنَّما
سمَّيناه بذلك تسامحاً.
(٥٤) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٩.
(٥٥) الغيبة للطوسي: ٦٦.
(٥٦) الغيبة للطوسي: ٥.
(٥٧) الغيبة للطوسي: ١١.
ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) من قِبَل عمّه جعفر، والأعمال التي قام بها جعفر
بعد الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، حيث تعرَّض الشيخ الطوسي لذات المسألة في
الصفحة الرابعة والسبعين من كتاب (الغيبة).
كما تعرَّض الشيخ الطوسي - كما صنع الشيخ المفيد(٥٨)
- إلى الردِّ على فِرَق الواقفة (وقد سمّاها الشيخ المفيد بالممطورة)، والكيسانية،
والناووسية، والسبئية، واعتبر انقراضها وانحسارها، وكذلك موت من ادَّعت هذه الفِرَق
حياتهم، دليلاً على بطلانها(٥٩).
هذا وقد خصَّ الشيخ المفيد صفحتين فقط لبحث هذه المسألة.
والأهمُّ من الجميع هو الفصل السادس من كتاب الشيخ المفيد، حيث تناول الشيخ المفيد
مسألة طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام). وفي كتاب الشيخ الطوسي(٦٠)
ورد الاستدلال على كيفية طول عمر الإمام - كما صنع أُستاذه (الشيخ المفيد) -
أوَّلاً بالإشارة إلى طول عمر النبيّ آدم ونوح (عليهما السلام)، ثمّ انتقل إلى ذكر
مجموعة من المعمّرين - الذين اشتهروا في التاريخ بطول العمر -، والملفت أنَّ الطوسي
يذكر هنا عبارة المفيد حرفياً، غاية ما هنالك أنَّ الشيخ المفيد يذكر أسماء عشرة من
المعمّرين فقط، بينما يضيف عليهم الشيخ الطوسي اثني عشر شخصاً. كما يجب القول:
إنَّه في القسم المشترك نلاحظ بعض الاختلافات اليسيرة. وهذا الأمر يحكي عن أنَّ
كلَّاً من الشيخ المفيد والشيخ الطوسي قد اعتمدا في نقلهما على مصدر واحد، ولربَّما
أمكن القول: إنَّ الشيخ الطوسي كان في هذا النقل أكثر دقَّةً من أُستاذه. فعلى سبيل
المثال: جاء في الفصول العشرة قوله: (وروى من ذكر أخبار العرب أنَّ لقمان بن عاد
كان أطول الناس عمراً بعد الخضر (عليه السلام) وأنَّه عاش ثلاثة آلاف سنة وخمسمائة
سنة)، بينما عمد الشيخ الطوسي هنا إلى حذف عبارة (بعد الخضر (عليه السلام)).
الأمر الآخر أنَّ المستوغر بن ربيعة بن زيد بن مناة، من جملة المعمّرين، وقد ذكر
الشيخ المفيد أنَّ عمره قد بلغ (٣٣٣) سنة، بينما قال الشيخ الطوسي أنَّ عمره قد بلغ
(٣٣٠) سنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) أُنظر: الفصول العشرة
للمفيد/ الفصل الثامن.
(٥٩) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٥ فما بعد، و١١٨ فما بعد.
(٦٠) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٧٩ فما بعد.
كما ورد في كتاب الشيخ المفيد أنَّ الأكثم بن صيفي الأسدي له من العمر (٣٣٠) سنة،
بينما قال الشيخ الطوسي في (الغيبة): إنَّه قد بلغ من العمر (٣٨٠) سنة.
٢/٢/٢ - المقنع، للسيِّد المرتضى:
كما تقدَّم ذكرنا أنَّ السيِّد المرتضى قد ألَّف هذا الكتاب في خصوص موضوع الغيبة،
ويبدو أنَّ الشيخ الطوسي قد استفاد من هذا الكتاب أيضاً عند تأليفه لكتاب الغيبة.
والشاهد على ذلك الموضوعات والأبحاث التي تناولها كلا هذين الكتابين، من قبيل:
الردّ على فِرَق الواقفة، والكيسانية، والناووسية، وأسباب غيبة إمام العصر (عليه
السلام)، وأحكام الحدود في عصر الغيبة، وعلَّة عدم ظهور الإمام صاحب العصر والزمان
(عليه السلام) لأوليائه.
إنَّ عبارة السيِّد المرتضى في بحث الحدود في عصر الغيبة، كالآتي: (فإن قيل:
فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن سقطت عن فاعلي ما يوجبها فهذا اعتراف بنسخ
الشريعة! وإن كانت ثابتة فمن يقيمها مع الغيبة؟! قلنا: الحدود المستحقَّة ثابتة في
جنوب الجناة بما يوجبها من الأفعال، فإن ظهر الإمامُ والمستحقُّ لهذه الحدود باقٍ
أقامها عليه بالبيِّنة أو الإقرار، وإن فات ذلك بموته كان الإثم في تفويت إقامتها
على من أخاف الإمام وألجأه إلى الغيبة. وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود...)(٦١).
وقد ذكر الشيخ الطوسي هذا المطلب بعبارة قريبة من عبارة السيِّد المرتضى، حيث جاء
في مطلعها: (فإن قيل: فالحدود في حال الغيبة ما حكمها؟ فإن سقطت عن الجاني على ما
يوجبها الشرع، فهذا نسخ الشريعة! وإن كانت باقية فمن يقيمها...)(٦٢).
٣/٢ - المصادر التي نحصل عليها من خلال دراسة أسانيد روايات
الكتاب:
١/٣/٢ - الغيبة، للفضل بن شاذان النيسابوري (ت ٢٦٠هـ):
إنَّ هذا المحدِّث الجليل من الذين ألَّفوا كتاباً في هذا الشأن قبل بداية عصر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦١) المقنع في الغيبة
للسيِّد المرتضى: ٥٨.
(٦٢) الغيبة للطوسي: ٦٤.
الغيبة. وبطبيعة الحال فإنَّ هذا الكتاب لم يصل إلينا للأسف الشديد. ولكن الذي
يبدو أنَّ الشيخ الطوسي فيما ينقله عنه مرسلاً وأحياناً مسنداً - سيّما في الفصول
الأخيرة من الكتاب(٦٣)
- إنَّما كان من خلال الاستفادة من كتاب الغيبة للفضل بن شاذان النيسابوري. رغم
أنَّ الشيخ الطوسي لم يُصرِّح بشيء في هذا الشأن.
٢/٣/٢ - الكافي، للشيخ محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ):
لقد نقل الشيخ الطوسي العديد من الروايات مسندة إلى الشيخ الكليني، ويمكن العثور
عليها بأجمعها أو أغلبها في أُصول الكافي أيضاً. ففي الفصل الذي أفرده لذكر الذين
تشرَّفوا بلقاء إمام العصر (عليه السلام) على سبيل المثال، نقل الشيخ الطوسي خمس
روايات مسندة عن الكليني، وقد ذكرها الكليني بأجمعها في كتاب الحجَّة من أُصول
الكافي، في باب (تسمية من رآه)(٦٤).
وفي الرواية الأُولى ذكر الشيخ الطوسي طريقه إلى الكليني على النحو الآتي: (أخبرني
جماعة، عن جعفر بن محمّد بن قولويه وغيره، عن محمّد بن يعقوب الكليني).
وقد ذكر الموارد الأُخرى مع حذف هذا الطريق مكتفياً بالقول: (وبهذا الإسناد)(٦٥).
٣/٣/٢ - الغيبة، لأبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر
الكاتب النعماني (ت حوالي ٣٦٠هـ):
يبدو أنَّ هذا الكتاب كان مورداً لاعتماد الشيخ الطوسي عند تأليفه لكتاب (الغيبة).
كما هو الحال بالنسبة إلى بحثه عن حصر عدد الأئمَّة باثني عشر إماماً بعد النبيِّ
الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) - حيث أراد نقل روايات من طرق المخالفين في تأييد
حصر الأئمَّة بعد النبيِّ بهذا العدد - ونقل ثماني روايات تباعاً بشكل مسند عن
النعماني، على غرار نقله عن الكليني. حيث يذكر في الرواية الأُولى طريقه إلى
النعماني قائلاً:
(فما روي في ذلك من جهة مخالفي الشيعة ما أخبرني به أبو عبد الله أحمد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٣) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٦٠.
(٦٤) أُنظر: أُصول الكافي:
٣٦٩/ الروايات: ٢ و٥ و٦ و١ و١١.
(٦٥) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٦١ فما بعد.
بن عبدون المعروف بابن الحاشر، قال: حدَّثني أبو الحسن محمّد بن علي الشجاعي
الكاتب، قال: أخبرنا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم المعروف بابن أبي زينب النعماني
الكاتب، قال: أخبرنا محمّد بن عثمان...).
وفي سائر الموارد عمد إلى حذف هذا السند اعتماداً على عبارته القائلة: (بهذا السند)(٦٦).
ونفس هذه الروايات قد ذكرها النعماني في فصل من غيبته تحت عنوان: (فيما روي أنَّ
الأئمَّة اثنا عشر من طريق العامَّة)(٦٧).
٤/٣/٢ - كمال الدين وتمام النعمة، لأبي جعفر محمّد بن علي بن
بابويه القمّي (ت ٣٨١هـ):
يُعتَبر هذا الكتاب القيِّم للشيخ الصدوق من المصادر التي اعتمدها الشيخ الطوسي في
كتاب (الغيبة). إنَّ أكثر الروايات المنقولة عن الصدوق مسندة، وهي - على خلاف
المصدرين السابقين - مبثوثة في مجموع فصول الكتاب.
إنَّ طريق الشيخ الطوسي إلى الصدوق يمرُّ عبر واسطة واحدة، وهي: (أخبرني جماعة، عن
أبي جعفر محمّد بن علي بن الحسين)(٦٨).
وقد تمَّ ذكر بعض هذه الروايات في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق،
ومن بين ما جاء في الفصل الخاصّ بذكر نوّاب إمام العصر (عليه السلام) رواية عن علي بن
محمّد السمري في خبر وفاة والد الشيخ الصدوق(٦٩).
ويمكن مشاهدة ذات هذه الرواية في الجزء الثاني من كتاب كمال الدين وتمام النعمة
(على الصفحة ٢٧٠).
وفي قسم التوقيعات الواردة عن الإمام المهدي (عليه السلام) نقل رواية طويلة نسبياً من
طريق الشيخ الصدوق(٧٠)،
وهذه الرواية ذكرها الشيخ الصدوق في باب التوقيعات أيضاً(٧١).
وهناك الكثير من الموارد الأُخرى التي سيؤدّي بنا ذكرها إلى الخروج عن حدود الطاقة
الاستيعابية لهذا المقال.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٨٨.
(٦٧) الغيبة للطوسي: ١٠٤.
(٦٨) من ذلك: الغيبة
للطوسي: ١٥٠.
(٦٩) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٤٢.
(٧٠) أُنظر: الغيبة للطوسي:
١٩٣.
(٧١) أُنظر: كمال الدين
وتمام النعمة للصدوق ٢: ٣٧٢.
٣ - روايات الكتاب:
كما سبق أن أسلفنا فإنَّ الشيخ الطوسي في تأليفه لهذا الأثر القيِّم، قد استفاد -
إلى جانب الأبحاث العقلية - من الروايات أيضاً، حيث أولاها عناية خاصَّة. والدليل
على ذلك اشتمال هذا الكتاب على (٥٠٥) رواية(٧٢)،
وإن كان الأغلب فيها يعاني من الإرسال.
وقد نقل الشيخ الطوسي الروايات المسندة عن سبعة من أساتذته، وهم كالآتي:
١ - أبو عبد الله أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر (ص ٢١ و٨٨).
٢ - أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان (الشيخ المفيد)، (ص ٢٤٢ و٢٥٤).
٣ - ابن أبي جيد القمّي (ص ١١٧ و١٤٠).
٤ - أبو محمّد المحمّدي (ص ١١٠ و٢٣٩).
٥ - الحسن بن عبيد الله (ص ٢٠٣ و٢٤٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٢) لقد اشتملت إحدى طبعات هذا الكتاب ترقيماً للروايات، فكان ترقيم الرواية الأخيرة (٥٠٥).
٦ - الحسين بن إبراهيم القمّي (ص ٢٢٣ و٢٣٨).
٧ - يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان (ص ٢٤٥).
وفي بعض الموارد كان الذي ينقل عنه الشيخ الطوسي أوَّلاً هو لفظ مبهم حيث يقول
(جماعة)، من قبيل روايته عن الشيخ الصدوق حيث يقول:
١ - جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري (ص ١٧٢ و٢٥١).
٢ - جماعة، عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود (ص ١٩٦ و٢٥٢).
٣ - جماعة، عن أبي المفضَّل محمّد بن عبد الله بن محمّد بن عبد الله بن المطَّلب (ص
١٠٤ و١٢٤).
٤ - جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه (أخو الشيخ
الصدوق)، (ص ٢٤٣ و٢٤٧).
٥ - جماعة، عن أبي عبد الله أحمد بن محمّد الصفواني (ص ٢٣٨).
٦ - جماعة، عن أبي العبّاس بن نوح (ص ٣٢٧).
٧ - جماعة، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه (ص ١٧٦ و٢٢٠).
٨ - جماعة، عن أبي غالب أحمد بن محمّد بن سليمان الزراري (ص ١٨١ و١٩٧).
٩ - جماعة، عن أبي عبد الله أحمد بن محمّد بن عيّاش (ص ١٨١ و١٨٣).
١٠ - جماعة، عن أبي محمّد الحسن بن حمزة بن علي... بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ص
١٨٠).
١١ - جماعة، عن أبي جعفر محمّد بن سفيان البزوفري (ص ٩٣ و١٠٢).
١٢ - جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري (ص ٩٦).
لم نعرف بدقَّة عدد هؤلاء الجماعة الذين عناهم الشيخ الطوسي، أو ما هي أسماؤهم،
فإنَّ الشيخ نفسه لم يذكر شيئاً بهذا الشأن. بيد أنَّ بالإمكان التوصّل إلى معرفة
بعض هؤلاء من خلال مقارنتهم بسائر روايات الكتاب، فبالنسبة إلى المورد الثاني يمكن
القول بأنَّ واحداً من تلك الجماعة هو (الحسين بن عبيد الله) أُستاذ الشيخ الطوسي
(رقم ٥)؛ إذ ورد في رواية ما يلي: (أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي الحسن محمّد
بن أحمد بن داود القمّي رحمه الله(٧٣).
أو يمكن القول بالنسبة إلى المورد السادس: إنَّ واحداً من تلك الجماعة التي ذكرها
الشيخ عن أبي العبّاس بن نوح، هو الحسين بن إبراهيم (رقم ٦)، والدليل على ذلك قوله:
(أخبرنا الحسين بن إبراهيم، عن أبي العبّاس أحمد بن علي بن نوح)(٧٤).
والمورد الآخر الجماعة المذكورون في (رقم ١١)، فمن بينهم الحسين بن عبيد الله، كما
نقل في موضع آخر قائلاً: (أخبرنا الحسين بن عبيد الله، عن أبي جعفر محمّد بن سفيان
البزوفري)(٧٥).
وفي الختام يجب القول: إنَّ دراسة روايات هذا الكتاب، وكيفية عمل الشيخ الطوسي في
هذه القسم من الكتاب يتطلَّب مجالاً آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٣) الغيبة للطوسي: ١٨٦.
(٧٤) الغيبة للطوسي: ١٧٨.
(٧٥) الغيبة للطوسي: ٢٦١
و٢٣٨.
٤ - الفوائد والمعلومات الجانبية لهذا الكتاب:
إنَّ الذي تجب الإشارة له في ختام هذا المقال هي الفوائد التي يمكن أن نستفيدها منه
في غير موضوع الغيبة، ومن بينها الفوائد الهامشية والتي تكمن في التعرّف إلى بعض
الفِرَق المخالفة لإمامة وغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) حتَّى عصر الشيخ الطوسي
رحمه الله. ومن ذلك ما يبدو من كلمات الشيخ الطوسي في هذا الكتاب أنَّه لم تكن هناك
فرقة ذات ثقل في عصره، وإنَّ جميع الفِرَق التي يذكرها، من قبيل: السبئية
والكيسانية والناووسية والفطحية والمحمّدية والواقفية، كانت قد زالت وبادت قبل عصر
الشيخ الطوسي بزمن طويل، حيث يرى الشيخ الطوسي أنَّ من بين أهمّ الأدلَّة على
بطلانها، هو انقراضها؛ إذ يقول: (فقولهم ظاهر البطلان من وجوه، أحدها انقراضهم،
فإنَّه لم يبقَ قائل يقول بشيء من هذه المقالات، ولو كان حقَّاً لما انقرض)(٧٦).
وقال في موضع آخر: (على أنَّ هذه الفِرَق كلّها قد انقرضت بحمد الله، ولم يبقَ قائل
يقول بقولها، وذلك دليل على بطلان هذه الأقاويل)(٧٧).
وبطبيعة الحال فإنَّ الاهتمام الزائد الذي يوليه بفرقة الواقفية والذي يطغى على
الفِرَق الأُخرى، وتخصيصه الكثير من الصفحات في ذكر أدلَّة هذه الفرقة وردّها،
إنَّما يبدو لتأثيرها الأكبر بالقياس إلى الفِرَق الأُخرى، ويبدو أنَّها أطول عمراً
من أخواتها، كما كانت أكثر أتباعاً أيضاً. هذا ويمكن لنا أن نتعرَّف من خلال هذا
الكتاب على الفطحية، إذ يقول الشيخ:
(وقد بيَّنا فساد قول الذاهبين إلى إمامة جعفر بن علي من الفطحية الذين قالوا
بإمامة عبد الله بن جعفر الصادق (عليه السلام)، فلمَّا مات عبد الله ولم يُخلِّف
ولداً رجعوا إلى القول بإمامة موسى بن جعفر، ومن بعده إلى الحسن بن علي (عليه
السلام)، فلمَّا مات الحسن قالوا بإمامة جعفر...)(٧٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٦) الغيبة للطوسي: ٥٤.
(٧٧) الغيبة للطوسي: ١٣٧.
(٧٨) الغيبة للطوسي: ١٣٥.
وإنَّ هناك فِرَقاً من قبيل: المخمِّسة والطالبية، حيث ورد ذكر أسمائها في هذا
الكتاب، دون بيان كيفية معتقداتها، ومن ذلك قول الشيخ الطوسي في هذا الشأن: (...
إنَّ أبا دلف محمّد بن مظفَّر الكاتب كان في ابتداء أمره مخمِّساً(٧٩)
مشهوراً بذلك)(٨٠).
وقوله: (فقال: من أنتما؟ قال أحدهما: نحن قوم من الطالبية(٨١)...)(٨٢).
وبطبيعة الحال فإنَّ عدم الخوض في هذه الفِرَق يأتي من عدم أهمّيتها، وعدم ارتباط
بحثها بموضوع الكتاب الذي هو (غيبة إمام العصر (عليه السلام)).
والاستفادة المهمَّة الأُخرى التي يمكن الحصول عليها من هذا الكتاب، تكمن في
الاطِّلاع على أحوال بعض الرجال وأصحاب الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام)، والتعرّف
على رأي الشيخ الطوسي بوصفه واحداً من الرجاليين الكبار. وهي معلومات من قبيل:
أنَّ رجالاً من أمثال: علي بن أبي حمزة البطائني، وزياد بن مروان القندي، وعثمان بن
عيسى الرواسي قالوا بالوقف بسبب الطمع بمال الدنيا(٨٣).
وأنَّ أشخاصاً من أمثال: عبد الرحمن بن الحجّاج، ورفاعة بن موسى، ويونس بن يعقوب،
وجميل بن درّاج، وحمّاد بن عيسى، كانوا في البدء على عقيدة الواقفية، إلَّا أنَّهم
بعد رؤية المعاجز الصادرة عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) تركوا تلك
العقيدة(٨٤).
وأنَّ أشخاصاً من أمثال: حمران بن أعين، والمفضَّل بن عمر، والمعلّى بن خنيس، ونصر
بن قابوس اللخمي، وصفوان بن يحيى، ومحمّد بن سنان، وعلي بن مهزيار الأهوازي، وأيّوب
بن نوح بن درّاج وغيرهم، كانوا من الوكلاء الصالحين والممدوحين من قِبَل الأئمَّة
(عليهم السلام)(٨٥).
وفي المقابل أشخاص من أمثال: صالح بن محمّد بن سهل، وفارس بن حاتم بن ماهويه
القزويني، وأحمد بن هلال العبرتاتي، وأبي طاهر محمّد بن علي بن بلال، كانوا من
المذمومين المطرودين من قِبَل أهل البيت (عليهم السلام)
(٨٦)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٩) من الغالين الذين
اعتقدوا بأنَّ سلمان والمقداد وأبا ذر وعمّار بن ياسر وعمر بن أُميَّة الضمري
موكَّلون من قِبَل الله بإدارة مصالح العالم، وأنَّ سلمان رئيسهم في التصدّي لهذه
الأُمور. اعتماداً على (فرهنك فِرَق اسلامي: ٣٩٩).
(٨٠) الغيبة للطوسي: ٢٥٦.
(٨١) أتباع طالب بن عبد
الله بن صباح، وكانوا يعتقدون بمظهرية الإمام الباقر (عليه السلام)، لما رأوه منه من
المعاجز والأُمور الخارقة. (فرهنك فِرَق اسلامي: ٣٩٩).
(٨٢) الغيبة للطوسي: ١٣٦.
(٨٣) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٤٢.
(٨٤) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٤٧.
(٨٥) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢٠٩ فما بعد.
(٨٦) أُنظر: الغيبة للطوسي:
٢١٣ فما بعد.
الشيخ سفاح صكبان الجابري
تمهيد:
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً *
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٥ - ٧).
ورد في تأويل هذا المعنى أنَّ المرئي هو ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، جاء في
زيارة آل يس: «اللّهمّ أرني الطلعة الرشيدة...، وعجِّل لنا
ظهوره، إنَّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً...»(١)،
وجاء في آخر فقرات دعاء العهد: «إنَّهم يرونه بعيداً ونراه
قريباً».
فيُقسِّم الإمام (عليه السلام) تبعاً للآية المنتظرين إلى قسمين أساسيين: فمنهم من
يرى قرب التطبيق الكامل للشريعة الخاتمة بظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ومنهم من
يرى بعده. وهذا هو الفهم الأساسي والمتبادر من النصِّ.
وهل يشمل هذا التقسيم - كما سوف نرى - المؤمنين بظهور الإمام (عليه السلام) أم هو
أوسع من ذلك فيشمل ربَّما من ليس لهم دين أصلاً؟
أقسام البحث:
البحث قسمان: الأوَّل: في أنواع الرؤى، والثاني في أصناف المنتظرين، مع ملحق
بالمقوّمات التي أبقت ولادة الأمل.
القسم الأوَّل: في أنواع الرؤى:
فما هي الرؤية المقصودة في العبارة الواردة في «يرونه»؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الاحتجاج: ٣١٥ - ٣١٧.
في الحقيقة لدينا عدَّة أنواع من
الرؤى يمكن أن يصلح أحدها أو بعضها كجواب لهذا السؤال:
النوع الأوَّل: الرؤيا الحسّية.
النوع الثاني: رؤيا المنامات.
النوع الثالث: رؤيا مبنيَّة على الأماني.
النوع الرابع: رؤيا مبنيَّة على التحليل العقلي لأحداث التاريخ وفلسفته.
النوع الخامس: رؤيا قلبية.
النوع السادس: رؤيا مبنيَّة على الوعد الإلهي بتحقيق العدل الكامل بظهور الإمام
المهدي (عليه السلام).
أجوبة هذه الأنواع:
جواب النوع الأوَّل:
ليس من المعقول أن يرى المنتظرون للإمام المهدي (عليه السلام) بأعينهم ذلك اليوم
باعتباره ليس أمراً مادّياً، إلَّا أن يتحقَّق فعلاً ويرون آثاره بظهور الإمام
(عليه السلام) نفسه. وهنا تكون المسالة تحصيلاً للحاصل، إذ ليس لهم ميزة عن غيرهم، والآية
والرواية تُقسِّم هؤلاء المنتظرين إلى قسمين، فالصالحون يرونه قريباً، والطالحون
يرونه بعيداً. إلَّا إذا قلنا بالاطِّلاع الحسّي لبعض الصالحين على مقدّمات الظهور،
ويردُّ هذا القول التقابل الموجود في العبارة، حيث جاء فيها ﴿يَرَوْنَهُ
بَعِيداً﴾، فماذا رأى السيّئون حتَّى حكموا أنَّ موعد الظهور بعيد؟ فمن خلال
وحدة السياق يظهر أنَّ هناك تماثلاً من جهة الرؤى بين الفريقين، فليس من المعقول
والعدل والمصلحة أن يطَّلع أعداء الظهور على بعض تلك المقدّمات، وهم يعملون بكلِّ
جدٍّ على تأخيره، بل وزواله.
جواب النوع الثاني
(٢):
وفيه عدَّة ردود:
الردُّ الأوَّل: لو كانت الرؤيا طريقاً وعلامة
لمعرفة زمن الظهور لذكرها أئمَّتنا (عليهم السلام):
إنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) لم يذكروا لنا ولا في رواية واحدة أنَّ أحد طرق معرفة موعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) هذا الجواب مقتبس من كتاب رايات الضلال للكاتب، مع بعض التعديل الذي يناسب المقام.
الظهور هو الرؤيا. وبما أنَّ
وظيفتهم الأساسية هي هداية البشرية، وأنَّهم بيَّنوا في عشرات الروايات ووضعوا
عدَّة قواعد وعلامات تدلُّ على قرب الظهور، فمن السهل عليهم جدَّاً بل وطبقاً
لتكليفهم الإلهي أن يقولوا: من أراد أن يعرف موعد ظهور إمامه وحجَّته فنحن نُخبِره
في النوم. وبما أنَّهم لم يقولوا لنا ذلك إذن الرؤيا ليست طريقاً في تحديد قرب
الظهور أو بعده.
الردُّ الثاني: كذبوا، فإنَّ دين الله أعزُّ من أن
يُرى في النوم:
عن محمّد بن يعقوب...، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال: «ما تروي هذه
الناصبة؟»، فقلت: جُعلت فداك، في ماذا؟ فقال: «في أذانهم...»، فقلت: إنَّهم يقولون:
إنَّ أُبي بن كعب رآه في النوم، فقال: «كذبوا، فإنَّ دين الله أعزُّ من أن يُرى في
النوم»(٣).
فجواب الإمام الصادق (عليه السلام) هو أنَّ من يرى دين الله سبحانه بالنوم فهو
(كاذب)، ويرى دين الله أي يُؤسِّس في دين الله تعالى ويبني دين الله على الرؤيا..،
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾
(النجم: ٤ و٥).
النتيجة: من يدَّعي أنَّ أحد مستحبّات الدين منشأها رؤيا فهو كاذب حسب وصف الصادق
(عليه السلام)، فما هو وصف من يدَّعي معرفة وتحديد ما يقف تحقيق الدين ورسالات السماء
على ظهوره عن طريق الرؤيا؟
الردُّ الثالث:
وفيه عدَّة مقدّمات:
الأُولى: إنَّ من الثابت في تأريخ الأديان اختلاف معاجز وحجج إثبات
أنبيائها، ومنشأ الاختلاف كما بيَّنه كثير من العلماء هو لاختلاف مستويات المجتمعات
المعاصرة لأُولئك الأنبياء على الصعيد الثقافي أو الإيماني أو الفكري، وما يزامن
تلك المستويات من عادات وطقوس ومستوى الوعي الذي يتمتَّعون به، وقوَّة إراداتهم
لتحقيق ما يعونه من أهداف أو يؤمنون به من مبادئ. معجزة موسى (عليه السلام) مثلاً هي
الأفعى وهي تتناسب مع السحر في زمانه، وكذلك غيره من الأنبياء كعيسى ويوسف (عليهما
السلام).
الثانية: إنَّ المجتمع الإنساني في تدرّج مستمرّ في
كماله، وخصوصاً في نقطتين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣) الفصول المهمَّة في أُصول الأئمَّة للشيخ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي: ٢٤٥/ تحقيق: محمّد بن محمّد الحسين القائيني/ ط ١/ ١٤١٨هـ ق، (١٣٧٦هـ ش)/ الناشر: مؤسّسة معارف إسلامي إمام رضا (عليه السلام).
أساسيتين: وعيه وإدراكه، وحرّية
إرادته. وفي كلا الاتِّجاهين العمق والسعة، أي تعميق هذا المعنى في الإنسان كفرد
وسعة شموله لعدد أكبر من الأفراد. إذ للإنسان القابلية على الوعي والإدراك يمكن أن
تتكشَّف عبر التدرّج التاريخي للإنسان. وقوَّة إرادة يمكن أن تكبر وتتضخَّم وفق
ظروف معيَّنة لتتناسب وهدفه الذي يسعى له.
الثالثة: الله تعالى يهدي الإنسان وفق عدَّة طرق،
منها أن يُوجِّه إليه خطاباً ظاهراً محدَّداً عبر أنبيائه، أو أن يُحفِّزه ويحثّه
على التدبّر والتفكّر في آياته علَّه يهتدي إلى دلائل قدرته.
الرابعة: وهي أهم المقدّمات، ويمكن أن تُسمّى مرحلة
انفتاح الغيب على الواقع وبالعكس.
وبيانها: أنَّ معجزة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) هي القرآن، وهو عبارة عن
نصٍّ إلهي، والنصُّ يعتمد في أحد أركانه على مستوى الوعي والفهم لقارئه. بالإضافة
للركن الأساسي الثاني، وهو تجسيد مفاهيم الخطاب الإلهي في الواقع العملي للإنسان.
ولو أعدنا النظر في طريقة فهم الإنسان لمراد الله تعالى نجد أنَّها تنقسم إلى
مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأُولى: ما قبل نبوَّة نبيِّ الإسلام
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم):
وتتمُّ عن طريق بعث الأنبياء والرسل كلَّما احتاج الإنسان إلى تجديد منظومته
التربوية. وما هذا التدرّج في طريقة الخطاب الإلهي عبر تلك المراحل إلَّا إثباتاً
للسُّنَّة التاريخية والاجتماعية المارَّة الذكر القاضية برقيِّ الإنسان وتكامله
عبر الزمن.
المرحلة الثانية: مرحلة النبيِّ الخاتم (صلّى
الله عليه وآله وسلم) وما بعدها:
إذا لاحظنا المفردات المتعلّقة بمسألة الإدراك والوعي والفهم الإنساني، والتي تكشف عن طبيعة الخطاب الإلهي في مرحلة القرآن وما بعدها، وما تحاكيه من قوى الإنسان المناسبة لها بالنسبة للفرد المعاصر لنزول القرآن ومن يأتي بعده، لوجدنا أنَّ المفردات المتعلّقة بالعلم والتعلّم والتفكّر والتدبّر والتعقّل والتفقه جاءت أكثر من أربعمائة مرَّة تقريباً، وهي ألفاظ تؤكّد على جنبة الفهم والإدراك البشري المعاصر واللاحق لزمن الخطاب القرآني، بالإضافة إلى
ألفاظ كثيرة قريبة من هذا المعنى قد
انطوى عليها النصُّ القرآني. وإنَّ التركيز المكثَّف على هذه المفاهيم في كتاب الله
إنَّما يكشف عن مرحلة جديدة من الوعي انتقلت إليها البشرية، وأصبحت لها القدرة على
التعامل مع النصِّ، ولها القدرة على أن تحاكي المعاني المكنونة فيها - بعد ضمِّ
بيانات أهل البيت (عليهم السلام) التي حفظت ذلك التراث المُنزَل تأويلاً -.
والفرق الجوهري بين هذه المرحلة والمرحلة السابقة، هو أنَّه في المرحلة السابقة
تبعث السماء نبيَّاً كلَّما احتاجت البشرية لذلك، وفي هذه المرحلة وكلَّما احتاج
الإنسان إلى معنى جديد يساير به خطّ الكمال العامّ للإنسانية في خطّها الطويل لا
بدَّ من اعتماد الفهم والإدراك عبر التدبّر والتفكّر للوصول للعلم واليقين بمضمون
الخطاب الإلهي، سواء كان مباشرةً عبر كتابه أو عبر من يُمثِّلونه، والنصُّ بدوره
ينطوي على كلِّ ما يحتاجه الإنسان من معاني ومفاهيم ترفد حاجاته المتطوّرة.
إذن المرجع هناك الوحي وهنا التدبّر في النصِّ والخطاب الإلهي، وتجسيد الخطاب
عملياً يواكب المرحلتين، وهو مطلوب في كلِّ الأزمنة والأمكنة ولا يختصُّ بمرحلة دون
أُخرى.
وبعد تقدّم التاريخ إلى هذه النقطة الزمنية المعاصرة والتي تأتي بعدها، يُفتَرض
وحسب قاعدة تطوّر البشرية وتكاملها، أنَّه قد زاد مستوى وعيها وإدراكها حتَّى عن
زمن من عاصروا الرسالة باستثناء قادة الخلق وعِدل القرآن من آل محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلم) والمخلِصين من أتباعهم، فضلاً عن زمن ما قبل رسالة النبيِّ الأكرم
(صلّى الله عليه وآله وسلم)، فما بالك بعدَّة آلاف من السنين قبلها؟ فلا بدَّ من
رقيِّ جانب الفهم والإدراك البشري المباشر، ليلائم مرحلة ما قبل الظهور المبارك،
لكي يناسب في حجمه، المفاهيم العليا التي سيكشف عنها الإمام المهدي (عليه السلام)
بعيد ظهوره المبارك.
نعم إنَّنا لا ننكر الرؤيا أصلاً، فهي قد وردت في كتاب الله تعالى، وكذلك في بعض
الروايات الشريفة، لكن نفس هذه الروايات التي تُعتَبر حجَّة علينا قد حدَّدت دور
الرؤيا من منظومتنا الإيمانية، فيمكن أن تحصل الرؤى للإنسان في
بداية سفره الإيماني، فقد ورد عن
الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) حين اشتكى له أحد أصحابه انقطاع الرؤيا، قال: «لا
تغتم فإنَّ المؤمن إذا رسخ في الإيمان رُفِعَ عنه الرؤيا»(٤)،
ودورها في المنظومة التشريعية، كما مرَّ عن الصادق (عليه السلام).
النتيجة:
لا بدَّ أن يكون مستوى الوعي والإدراك المعرفي بالله والدين، وكذلك مستوى إرادة
الإنسان لتحقيق ذلك، تتناسب والزمن المعاصر لتلك الدعوة. ويُفتَرض حسب القواعد
السابقة أنَّ البشرية قد ارتقت بوعيها وإرادتها في علاقة متبادلة بين الغيب
والإنسان فهماً وانفتاحاً وانسجاماً مع ذلك الغيب، من خلال تربية المصلحين السابقين
على النبيِّ الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ثمّ جاء هو (صلّى الله عليه وآله
وسلم)
متمِّماً لمكارم أخلاقهم، وتجسيد أهل بيته لتلك الأخلاق، فنتج: الرقيّ في طريقة
التعامل مع الغيب في أساليب قد رسمتها السماء مسبقاً من خلال إثارة قابليات مودَعة
في الإنسان تتناسب والهدف الأسمى لخلقه، مع الحفاظ على تواصل الإنسان مع الغيب على
طول خطّ رقيّه.
أمَّا ما ورد من نصوص حول الرؤيا فهي تتعلَّق بإرشاد الإنسان في بداية طريقه
الإيماني نحو ما هو ثابت أصلاً في أدلَّة لا تقبل التأويل.
جواب النوع الثالث: الرؤية المبنيَّة على الأماني:
يتَّصف قسم من الناس بحالة من الضعف والتردّد في تطوير مهارات تكامل إراداتهم، إلى
درجة أنَّهم يحبسون تلك الأهداف العليا والراقية للإنسان في خبايا أنفسهم، ولا
تتعدّى مرحلة الأُمنية، ولم يُتعِب نفسه في تهيئة المقدّمات الموصلة لتلك الأهداف.
فمن يُؤسِّس لها منهج يمكن أن يؤدّي بالنهاية لبلوغها، فهذه من الأماني المحترمة
لدى العقلاء، وتنطبق تلك الأماني عادةً على الأُمور المادّية قريبة المنال، أو
المتعلّقة بشخص الإنسان، أمَّا إن كانت تتعلَّق بمجموعة من البشر، أو بالبشرية
جمعاء من جهة، كنصرة المصلح العالمي، ومن جهة أُخرى تتعلَّق بتربية الإنسان نفسه
تربية عالية يضبط من خلالها كلّ حركاته وسكناته،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) بصائر الدرجات ٤: ٢٧٥/ باب ١٣/ ح ٦.
وهو لم يقم بأيِّ مقدّمة توصل لتلك
النتيجة سواءً على الصعيد الاجتماعي أو التربوي، فهذه تُعَدُّ من الأماني
المستحيلة.
جواب النوع الرابع: رؤيا مبنيَّة على التحليل العقلي لأحداث
التاريخ وفلسفته:
إنَّ المتتبّع لأحداث التاريخ والأُمم السالفة، يعلم أنَّ لها ثلاث مراحل أساسية،
وهي: نشأتها، وذروة سيادتها وتسلّطها، وانهيارها. وإنَّ لنشوئها أسباباً موضوعيةً،
وكذلك لبقائها وزوالها. وقد انطبق هذا القانون على كلِّ الحضارات السالفة الصالحة
منها والسيّئة، وهناك تشابه كبير بين تلك الأسباب والعوامل، يتكرَّر بين الفينة
والأُخرى، وعند توفّر هذه العوامل فإنَّ القانون سيُطبَّق عليها شاء الحاكمون عليها
أم أبوا.
وقد حثَّ القرآن الكريم كثيراً على التدبّر في أحوال الأُمم السالفة، وأخذ العبرة
والموعظة منها وممَّا جرى عليها من خير وشرّ، وكيف آلت أُمورهم بعدما ظنّوا أنَّ
ملكهم لا يزول، قال عزَّ من قائل:
﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ
تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾
(فاطر: ٤٣)، وقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ
سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
(آل عمران: ١٣٧).
وكان جُلُّ من تسيَّدوا العالم وشيَّدوا الدول يجهلون الأسباب الحقيقية لبقاء
دولهم، حيث ربط أغلبهم تلك الأسباب بالقوَّة والقهر لشعوبهم، سواء قوَّة السلاح أم
قوَّة الاقتصاد، أو الإغراء المفرط، أو استعملوا سياسة ضمان تأييد النخبة. هذا
بالنسبة للحكومات الوضعية.
والحكم الحقيقي هو ما يرتبط بتقنين وتوجيه جميع كيان الإنسان وفي أدقِّ تفاصيل
وجوده الروحية منها والعقلية والعاطفية والسلوكية والاجتماعية، وعلى جميع أفراد بني
البشر، توجيهه لينسجم مع القوانين الكونية التي خُلِقَت من أجله، والسير بهما إلى
حيث الهدف الذي خُلِقَ من أجله.
فإن حصل وارتقت البشرية بوعيها وإنسانيتها إلى درجة ترفض فيها بصوتٍ عالٍ الظلم
السائد في أغلب المجتمعات، فقد مهَّدت بذلك أهمّ أسباب
حكمها الحقيقي الراسخ، المبني على
بناء الإنسان بناءً حقيقياً، ويتغلغل لديها تقبّل مستويات تربوية عليا وعميقة لم
تصل إليها الفلسفات وأصناف الحكم السابقة.
ومن لديه القدرة على فهم هذا القانون وقراءة الواقع البشري، ومستوى كماله العامّ،
وبعد اطِّلاعه على العشرات من تجارب الحضارات السابقة في نشأتها وازدهارها وأُفولها
يدرك جيِّداً إلى أيَّة مرحلة وصلة البشرية من الوعي والإدراك والإرادة، في تقبّل
ورفض تجارب مماثلة.
نعم تُمثِّل هذه الخطوة جزءاً من الصورة الكلّية للكمال الحقيقي المطلوب والمناسب
لقيادة الإمام (عليه السلام)، والتي لا يعلم إطارها العامّ إلَّا الله تعالى ومن
نصَّبه خليفةً وقائداً للبشرية، والتي ربَّما يوجد هناك أسباب ومؤثِّرات مسرعة
للكمال العام لأفراد الإنسان، ومن أمثلتها التغيير الكوني قبيل وأثناء الظهور
المبارك، ومع وجود تلك الأسباب المؤثِّرة بالإضافة إلى التجارب السابقة تكتمل
الصورة لدى هؤلاء والذين لا يُشكِّلون إلَّا القلَّة بين أبناء البشر. ومن خلال ما
تكوَّنت لدى هؤلاء من صورة، واعتمادهم على هذا الجزء وحده، يرون يوم الخلاص وإنقاذ
البشرية قريب. وذلك بسبب عاملين أساسيين:
الأوَّل: يأسهم من حلول المدارس الوضعية لمشاكل
البشرية، وأنَّ كلَّ ما يُطرَح هو تكرار لتلك التجارب السابقة الفاشلة بشكل أو
بآخر.
الثاني: أملهم الفطري وحبّهم للعدل، يؤمنون بوجود
حلول غير تلك التي أثبتت فشلها.
النوع الخامس: الرؤيا القلبية:
يعتمد هذا النوع من الرؤيا على نقاء القلب وصفائه وتزكيته، فهناك من المؤمنين ممَّن
يتَّصفون بهذه الصفات، وطبعاً كلّ صفة من تلك الصفات هي متفاوتة في درجاتها، وكلُّ
واحد منهم حسب معرفته وشدَّة ارتباطه بالله تعالى، وقائده الفعلي الحجَّة ابن الحسن
(عليه السلام)، وسنذكر في أصناف المنتظرين إن شاء الله بالتفصيل أقسام المؤمنين
وعلاقتهم برؤيا الظهور.
النوع
السادس: رؤيا مبنيَّة على الوعد الإلهي بتحقيق العدل الكامل بظهور الإمام المهدي
(عليه السلام):
(ليس المهدي تجسيداً لعقيدة إسلاميَّة ذات طابع ديني فحسب، بل هو عنوان لطموح
اتَّجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغة لإلهام فطري، أدرك الناس من
خلاله - على الرغم من تنوّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب - أنَّ للإنسانية يوماً
موعوداً على الأرض، تُحقِّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي،
وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد
عناء طويل)(٥).
وأمَّا على الصعيد الإسلامي خصوصاً فقد تبلورت فكرة وعقيدة المهدي (عليه السلام) من
خلال ما تواتر عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في كثير من الروايات لدى كلا
الفريقين، إلَّا أنَّ الفرق في الاعتقاد بالمهدي (عليه السلام) كما هو واضح أنَّ
عامَّة المسلمين يعتقدون بولادته مستقبلاً، وأتباع أهل البيت (عليهم السلام) تبعاً
لأئمَّتهم فهم يعتقدون أنَّه قد وُلِدَ فعلاً، وأنَّه ثاني عشر الأئمَّة الأطهار،
وأنَّه غائب عن الأنظار إلى أن يأذن الله تعالى له بالظهور.
وقد اشترك الفريقان في أنَّ المهدي (عليه السلام) هو من ذرّية الحسين (عليه السلام)،
وأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.
وسنذكر عدَّة روايات من كلا الفريقين للتذكرة:
ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في المهدي المنتظر (عليه السلام):
حديث قدسي: «... أوحى الله (عزَّ وجلَّ) إليَّ: يا محمّد، اخترتك من خلقي واخترت لك
وصيَّاً من بعدك، وجعلته منك بمنزلة هارون من موسى إلَّا أنَّه لا نبيَّ بعدك،
وألقيت محبَّةً في قلبك، وجعلته أباً لولديك...، وآخر رجل منهم يُصلّي خلفه عيسى بن
مريم، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، أُنجي به من الهلكة، وأهدي به من
الضلالة، وأُبرئ به الأعمى، وأُشفي به المريض...»(٦).
وعن جابر الجعفي، قال: قلت للباقر (عليه السلام): يا بن رسول الله، إنَّ قوماً
يقولون: إنَّ الله تعالى جعل الإمامة في عقب الحسن (عليه السلام)، قال: «يا جابر،
إنَّ الأئمَّة هم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥) مقدّمة للسيِّد الشهيد
محمّد باقر الصدر، لكتاب موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، للسيِّد الشهيد محمّد
الصدر.
(٦) كمال الدين: ٢٥٢/ باب
٢٣ نصّ الله عليه/ ح ١.
الذين نصَّ عليهم الرسول (صلّى الله
عليه وآله وسلم) بإمامتهم، وهم اثنا عشر، وقال: لمَّا أُسري بي إلى السماء وجدت
أسماءهم مكتوبة على ساق العرش بالنور، اثني عشر اسماً، أوَّلهم علي وسبطاه وعلي
ومحمّد وجعفر وموسى وعلي ومحمّد وعلي والحسن ومحمّد القائم الحجَّة المهدي»(٧).
وفي قوله تعالى: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾
(البروج: ١)، عن الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت ابن عبّاس (رضي الله عنه) يقول: قال رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) : «أنا السماء، وأمَّا البروج فالأئمَّة من بيتي
وعترتي، أوَّلهم علي وآخرهم المهدي، وهم اثنا عشر»(٨).
ما جاء عن الإمام المهدي (عليه السلام) من مصادر أهل
السُّنَّة:
- عن أبي سعيد الخدري، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «تُملأ
الأرض ظلماً وجوراً، فيقوم رجل من عترتي فيملأُها قسطاً وعدلاً، يملك سبعاً أو
تسعاً»(٩).
- عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لا
تنقضي الساعة حتَّى يملك الأرض رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت قبله
جوراً، ويملك سبع سنين»(١٠).
- عن علي بن الحسين، عن أبيه (عليهما السلام) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) قال لفاطمة (عليها السلام): «المهدي من وُلْدِكِ»(١١).
- عن حذيفة، قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) فذكَّرنا بما هو
كائن، ثمّ قال: «لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد لطوَّل الله تعالى ذلك اليوم
حتَّى يبعث رجلاً من وُلدي، اسمه اسمي»، فقام سلمان فقال: يا رسول الله، من أيِّ
وُلدك هو؟ قال: «من وَلَدي هذا»، وضرب بيده على الحسين (عليه السلام)(١٢).
- عن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يخرج المهدي
من قرية يقال لها: كرعة»(١٣).
عن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «المهدي رجل من ولدي، وجهه
كالكوكب الدرّي»(١٤).
عن حذيفة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «المهدي رجل من ولدي، لونه
لون
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) ينابيع المودَّة: ٣٢٧.
(٨) ينابيع المودَّة: ٤٣٠.
(٩) أُنظر: مسند أحمد ٣: ٢٨
و٧٠؛ المستدرك على الصحيحين ٤: ٦٠١/ ح ٨٦٧٤؛ عقد الدرر: ١٦؛ فرائد السمطين ٢: ٣٢٢/
ح ٥٧٣. وراجع: كشف الغمَّة ٢: ٤٦٨؛ العَرف الوردي: ٤٥/ ح ٤٨؛ نامه دانشواران ٧: ٩.
(١٠) أُنظر: مسند أحمد ٣:
١٧؛ الإحسان بتريب صحيح ابن حبّان ٨: ٢٩١/ ح ٦٧٨٧؛ مسند أبي يعلى ٢: ٣٦٧/ ح ١١٢٨،
و٢٧٤/ ح ٩٨٧؛ المستدرك على الصحيحين ٤: ٦٠٠/ ح ٨٦٦٩؛ تاريخ أصبهان لأبي نعيم ١:
١١٥؛ عقد الدرر: ٢٣٦. وراجع: كشف الغمَّة ٢: ٤٦٨؛ العَرف الوردي: ٤٥/ ح ٤٩؛ نامه
دانشواران ٧: ٩.
(١١) مقاتل الطالبيّين:
١٣٨؛ تاريخ دمشق ١٩: ٤٧٥، وفيه: «أبشري! المهدي منكِ»؛ ذخائر العقبى: ٢٣٦. وانظر:
سنن ابن ماجة ٢: ١٣٦٨/ ح ٤٠٨٦؛ سنن أبي داود ٣: ١٠٤/ ح ٤٢٨٤؛ التاريخ الكبير
للبخاري ٣: ٣٤٦/ رقم ١١٧١؛ الفتن لنعيم بن حمّاد: ٢٣١؛ المعجم الكبير ٢٣: ٢٦٧/ ح
٥٦٦؛ تاريخ الرقَّة: ٩٥/ ح ١٤٣ و١٤٤؛ المستدرك على الصحيحين ٤: ٦٠١/ ح ٨٦٧١ و٨٦٧٢؛
الملاحم لابن المنادي: ١٧٩/ ح ١٢٠ و١٢١ عن أُمِّ سَلَمة؛ السنن الواردة في الفتن
للداني: ٢٥٨/ ح ٥٦٦، و٢٦١/ ح ٥٧٦، و٢٦٣/ ح ٥٨٢؛ عقد الدرر: ٢١؛ ذخائر العقبى: ٢٣٦.
وراجع: كشف الغمَّة ٢: ٤٦٨؛ العَرف الوردي: ٥٦/ ح ٨٤؛ نامه دانشواران ٧: ٩.
(١٢) المنار المنيف: ١٤٨/ ح
٣٣٩ عن الطبراني؛ التذكرة للقرطبي: ٦١٥؛ عقد الدرر: ٢٤ عن صفة المهدي لأبي نعيم؛
ذخائر العقبى: ٢٣٦؛ فرائد السمطين ٢: ٣٢٥ و٣٢٦/ ح ٥٧٥؛ وانظر: سنن أبي داود ٤: ١٠٤/
ح ٤٢٨٢؛ المعجم الكبير ١٠: ١٣٧/ ح ١٠٢٣٠؛ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ٧: ٥٧٦/ ح
٥٩٢٣ عن ابن مسعود. وراجع: كشف الغمَّة ٢: ٤٦٩؛ نامه دانشواران ٧: ١١.
(١٣) الكامل في ضعفاء
الرجال ٥: ٢٩٥/ رقم ١٤٣٥، وفيه: «من قرية باليمن يقال لها: كرعة»؛ البيان في أخبار
صاحب الزمان: ٥١١ عن أبي الشيخ في عواليه، وأبي نعيم في مناقب المهدي؛ الحاوي
للفتاوي ٢: ٦٦ عن أبي بكر المقري في معجمه؛ معجم البلدان ٤: ٥١٣/ رقم ١٠٢٠٩، وفيه
كما في الكامل لابن عدي.
(١٤) كنز العمّال ١٤: ٢٦٤/
ح ٦٦ عن الروياني في مسنده؛ عقد الدرر: ١٨ عن أبي نعيم في صفة المهدي؛ ذخائر
العقبى: ٢٣٦؛ ميزان الاعتدال ٦: ٣٧/ رقم ٧١٢٠؛ لسان الميزان ٥: ٢٤. وراجع: كشف
الغمَّة ٢: ٤٦٩؛ العَرف الوردي: ٥٥/ ح ٨٠؛ نامه دانشواران ٧: ١٢.
عربي، وجسمه جسم إسرائيلي، على خدّه
الأيمن خال، كأنَّه كوكب درّي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، يرضى في خلافته
أهل الأرض وأهل السماء والطير في الجوّ»(١٥).
فمن يؤمن بوعد الله (عزَّ وجلَّ) ويُصدِّق كلام رسوله الكريم (صلّى الله عليه وآله
وسلم)، ويتَّبع الأئمَّة الأطهار صلوات الله عليهم، فمن الحتمي أنَّ قلبه يتحرَّق
شوقاً للقاء قائده المهدي (عليه السلام) والسير في ركابه، والتقرّب إلى الله تعالى في
طاعته وخدمته، وحين يطرق سمعه: «توقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً»، و«إنَّ أفضل
العبادة انتظار الفرج».
خلاصة الأنواع السابقة:
وبعد إثبات بطلان المعاني الثلاثة الأُولى واستبعادها من احتمال مدخليتها في فهم
معنى رؤيا قرب الظهور وبعده، تبقى لدينا المعاني الثلاثة الأُخرى، والتي قرَّبنا
صحَّتها، إمَّا بصورة منفردة أو متداخلة.
القسم الثاني: في أصناف المنتظرين:
ما نبحث عنه هو: علاقة الإنسان بقرب وبعد ظهور الإمام المهدي (عليه السلام) ورؤيته
لهذا الموعد المهمّ في تاريخ البشرية، ونحاول أن نُحلِّل الدافع الأساس والبوصلة
التي تُحرِّك الإنسان تجاه تعجيل أو إبطاء ظهوره المبارك، إذ ربَّما يخدع الإنسان
نفسه أحياناً بتقديم وتأخير بعض الأهداف من غير شعور، والمطلوب منّا كمكلَّفين
بطاعة إمام زماننا هو ترتيب أولويات ولائنا تجاهه (عليه السلام)، وأن لا نخدع أنفسنا
بتصوّرات ربَّما تخذلنا ساعة نحتاج إليها، وكلّنا حسب الفرض نتمنّى قرب ذلك اليوم
المنشود.
ويحاول هذا القسم أن يجيب عن هذا السؤال المهمّ والجوهري، حيث صنَّفنا المنتظرين
لليوم الموعود ومعرفة ماهية المعيار الحقيقي للانتظار ونسبة صدق من يتطلَّعون
لسيادة العدل الكامل في ربوع الأرض إلى عدَّة أصناف. وستتمُّ الإجابة إن شاء الله
عن طريق نقاط يتمُّ فيها ذكر كلّ صنف من المنتظرين وبيان المعيار الذي يحكمه، مع
ذكر الصنف الذي يقابله إن كانت هناك حاجة لذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) أُنظر: جواهر العقدين: ٣٠٧ عن الروياني في مسنده؛ عقد الدرر: ٣٤ عن الطبراني في معجمه؛ فردوس الأخبار ٢: ٣٥٩/ ح ٦٩٤٠؛ البيان في أخبار صاحب الزمان: ٥٠١. وراجع: كشف الغمَّة ٢: ٤٦٩؛ العَرف الوردي: ٥٥/ ح ٨١؛ نامه دانشواران ٧: ١٢.
أصناف
المنتظرين ومعايير انتظارهم:
الصنف الأوَّل: ما إذا كان هدفهم من خروج
المهدي (عليه السلام) ليُحقِّق حاجتهم لتطبيق العدل الذي حُرِموا منه:
ويميل لهذا الهدف الطبقات الفقيرة في العالم، وما أكثرهم في ظلِّ أمواج الظلم
الهائلة التي تجتاح العالم اليوم جراء ظلم الظالمين وجور الجائرين، وقد حدثت فجوات
هائلة بين طبقات المجتمع البشري فمنها ما هو متنعّم ومرفَّه بكلِّ وسائل الترفيه،
ومنها المعدم الذي يحلم برغيف يسدُّ به رمق عياله، وليس ذلك وحسب فما يحزُّ في نفوس
هؤلاء الفقراء هو البذخ الزائد والمفرط في استعمال وسائل العيش سواءً الأساسية منها
أو الثانوية من قِبَل المستأثرين بالثروات، وما يزيد الطين بلَّة هو تآزر قوى الشرّ
العالمي من دول صناعية مهيمنة على مقدرات العالم على استنفاذ الموارد البشرية
الأساسية، ممَّا يُهدِّد اليوم العالم بأجمعه، وباتت تحت ظلِّ هذا الوضع المزري
مليارات من البشر تحلم بأبسط مقوّمات الحياة كالسكن والطعام والماء الصالح والأمن
والتعليم... الخ.
وبعد هذا التفاوت بين طبقات المجتمع البشري واحتكار هذه الموارد من قِبَل أنظمة
وأحزاب محدِّدة، وبعد فشل هذه الجهات في توفير العيش الكريم لهذه الطبقات والشعوب
مع مسكها لزمام الأُمور وإخفاق وعودهم الكثيرة سواء على مستوى التنظير أو التطبيق،
فإنَّ البشرية تتطلَّع إلى خطاب جديد ونظام جديد وسلوك جديد يزيح عنهم تراكمات
الماضي وويلاته، وغطرسة ونفاق وعنجهية الأنظمة والأحزاب السابقة.
فإن حدث واكتشف هؤلاء المضلَّلون - بفتح اللام - أنَّهم كانوا يُخدَعون من قِبَل
قياداتهم وفي جميع المستويات وفي أدقِّ تفاصيل توجّهاتهم الفكرية، وسيثبت لهم أنَّ
كلَّ الأنظمة السابقة كانت قائمة على النفعية الاقتصادية والهيمنة لأشخاص وجهات
محدَّدة، وكلُّ ما كان يُرفَع كشعار أو اتِّجاه ديني يأتي في حسابات هؤلاء النفعيين
بالدرجة الثانية أو الثالثة، أو أنَّ تلك الشعارات والمفاهيم كانت تُرفَع من أجل
استدراج وتضليل العامَّة من الطبقات الشعبية وفي كلِّ الأُمم.
سيكتشفون حينها أن لا قيمة حقيقة
لما كانوا يؤمنون به كمنهج فكري أو معتقد ديني بعد أن يعلموا أنَّ كلَّ ذلك كان
أداة طوَّرها ونظَّر لها أشخاص استخدموها وسيلة للسيطرة عليهم، عندها سيهون عليهم
نبذ هذا التوجّه والتخلّي عن هذا الدين المصطنع والذهاب بكلِّ قوَّة نحو نظام ومنهج
يُحقِّق لهم أهدافهم المنشودة وعدلهم المفقود.
وذلك (أنَّ التخطيط الإلهي قائم على اكتساح التمحيص الدقيق للأفراد والمبادئ، وبذلك
ينكشف بشكل حسّي مبرهن ومدعم بالتجارب الكثيرة والمريرة، عن فشل كلِّ دعوة تدَّعي
لنفسها حلّ مشاكل العالم وتذليل مصاعبه. حتَّى ما إذا انكشفت وبان زيفها ونقاط
الضعف فيها وأيست البشرية من أن تضع حلّها لنفسها...، انبثق الأمل في أنفسها من
جديد إلى حلٍّ جديد ونظام جديد ينقذها من وهدتها ويخرجها من ورطتها. وهذا الأمل
إحساس نفسي مجمل لا زال في طريق التربية في نفوس البشر، كما هو المحسوس الآن
بالوجدان ولا زالت الحوادث وما ينكشف من مساوئ الأنظمة والفلسفات الوضعية تؤيّده
وتدعمه)(١٦).
ويشير إلى هذا المعنى ما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «دولتنا آخر الدول
ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا
ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(١٧).
ولا شكَّ أنَّ هذه الجموع البشرية متطلّعة لهذا اليوم المنشود سواءً أسمته ظهور
الإمام أم غير ذلك، المهمّ سيادة العدل والمساواة في ربوع الأرض، وبهذا المعنى هم
يرون ومن منشأ حاجتهم يوم انتظار الفرج قريباً.
الخلاصة: أنَّ المنشأ الأساس لهذا الصنف ممَّن
يتطلَّعون لقرب تطبيق العدل الكامل، هو بسبب فقرهم وحاجتهم لذلك العدل.
ويقابل هذا الصنف فئة كبيرة من الناس الأكثر تاثيراً هم أُولئك الذين ينتمون إلى
مؤسَّسات كبرى هيمنت من خلال مكر وخبث هؤلاء على مصير شعوب كثيرة من العالم، ولا
زالت تبتزُّ الدول الفقيرة باستعمالها كثير من الأساليب، ومن أمثلة تلك الشركات:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) موسوعة الإمام مهدي ٣:
٨٩/ الجهة الرابعة: نظام الدولة المهدوية: ٨٧.
(١٧) الغيبة للطوسي: ٤٧٢
و٤٧٣.
شركات تصنيع الأسلحة، فلا تجري
أرباح لتلك الشركات حتَّى تجري دماء شعوب العالم، فهم يُخطِّطون من خلال عملائهم
لزرع الفتن، وتحت شتّى الاسباب، كالدينية والعرقية والجغرافية، فإذا نظرنا إلى أغلب
المعارك الجارية اليوم نجد أنَّ لأصحاب تلك الشركات والدول التي تحتضنها والأيادي
التي تُشغِّلها يداً في اشتعال فتيلها.
وأمَّا الشركات الأُخرى المصنِّعة، كشركات النفط والاتِّصال والتكنولوجيا والبرمجيات
وشركات السيّارات والتبوغ والأدوية وغيرها من القطاعات، فهي لا يُشكِّل نسبة
مالكيها شيئاً بالنسبة لعدد سكّان العالم، ومع ذلك هي تستولي على أغلب رأس المال
العالمي، وتتحكَّم بمصير مليارات البشر، ويُتمِّم هذه الهيمنة المالية والاقتصادية
هيمنة المصارف الكبرى في العالم، وسيطرتها على البورصات العالمية. حتَّى أصبحت هي
السلطة الحاكمة الفعلية على حيات الناس، فأبسط نظرة على الواقع المعاصر وطريقة
هيمنة هذه المؤسَّسات والدول على الشعوب ذات الطبقة المتوسّطة والفقيرة نجد أنَّ
هناك فارقاً شاسعاً بين ما يتنعَّم به هؤلاء وبين تلك الشعوب، ومن ينطلق من هذا
المبدأ ويستعمل هذه الأساليب فإنَّه لا يرى للعدل أيَّة قيمة فضلاً عن التطلّع
إليه، فهم بكلِّ المقاييس يعملون وليس فقط يرون بكلِّ ما أُوتوا من قوَّة على إبعاد
وعرقلة تحقيق أدنى مقوّمات العدل فضلاً عن تحقيق العدل الكامل في أرجاء المعمورة.
الصنف الثاني: ما إذا كان هدفهم من خروج
المهدي (عليه السلام) هو رغبة بتحقيق العدل والمساواة في العالم حتَّى تنعم البشرية
بظلِّ هذه المبادئ التي سيأتي بها المهدي (عليه السلام):
والدافع الأساس لأبناء هذا الصنف هو ميلهم الأخلاقي لتطبيق وإقامة العدل ونبذ
ومحاربة الظلم، وهم حتَّى وإن كانوا من غير الفقراء أو المحتاجين إلَّا أنَّ ما
يجري في العالم من ظلم وما يشاهدونه من ويلات دعاهم إلى رفضه ومجابهته سواء عبَّروا
عن ذلك أم لم تسنح لهم الفرصة.
فكثير من شعوب العالم كأفراد لديها رقي إنساني لا بأس به وقد مرّوا
كمجتمعات بكثير من التجارب السابقة
من حروب كالحرب العالمية الأُولى والثانية، وقد حدثت لديهم ردّات فعل إيجابية تجاه
تلك الكوارث الأمنية والاجتماعية والسياسية، واستثمروا ردَّة الفعل هذه بشكل إيجابي
جدَّاً على الأقلِّ على المستوى المدني، فقاموا بسنِّ قوانين دقيقة جدَّاً تُنظِّم
حياة الإنسان وتستثمر طاقاته السلوكية والاجتماعية بما يتناسب مع ثقافاتهم وفلسفتهم
للحياة.
إلَّا أنَّ تلك التشريعات والقوانين لم تُغَذِّ كثير من الطاقات الإنسانية الخفيَّة
عليهم، ومنها الفطرة الإنسانية الطيّبة التي صنعها الله تعالى وصوَّرها، والتي لها
قوانينها الدقيقة الخاصَّة والخفيَّة على جميع مشرّعي العالم مهما علت هممهم ولطفت
أفكارهم، وهي القاعدة الأساسية لتربية الإنسان وتزكيته، ولا ينسجم أيُّ نظام تربوي
أو قانوني إلَّا ما شرَّعه وقنَّنه خالق تلك الفطرة، ذلك القانون الذي حاول أولياء
الطاغوت على طول خطِّ البشرية تشويهه وعرقلته، وهو ما ينسجم مع ما تتطلَّع تلك
الجموع البشرية لتحقيقه، وهي عطشى لملئ هذا الفراغ التربوي والأخلاقي والروحي. وسوف
يُبيِّن معالمه الأساسية ذلك المصلح العظيم حين يصدح معلناً ظهوره (عليه السلام).
وأصبح الوعي الشعبي الإنساني الغربي متطوّراً من هذه الناحية، وأقرب شاهد على ذلك
ما نراه اليوم من طريقة تعامل شعوب أُوربا الغربية مع اللاجئين وخروجهم بمظاهرات
مطالبة حكوماتهم بالسماح لهم بالدخول لدولهم، وهذا ما عجز عنه كثير من البلدان التي
تدَّعي ارتباطها بالإسلام ولديها قدرات اقتصادية هائلة لاستيعاب إخوانهم في الدين
واللغة.
فبهذا الشعور بالوحدة الإنسانية وانتفاض الإنسان لمساعدة أخيه الإنسان بغضِّ النظر
عن الدين واللغة والعرق، بدأت تتكشَّف لهؤلاء شيئاً فشيئاً زيف ادِّعاء أنظمتهم، بل
بدأوا يُدرِكون أنَّها جزء من المشكلة وهي ما تسبَّبت في وجود وانتشار هذا الظلم
والقتل والتشريد في كثير من بقاع العالم وليس آخرها فلسطين، وما أحدثته بريطانيا من
وجود هذا الجسم الفايروسي في جسد المسلمين، وما حدث في أفغانستان حين أنشأت أمريكا
كيان طالبان
بمساعدة السعودية لمجابهة المدِّ
السوفيتي، وما يحدث في سوريا والعراق واليمن وليبيا، وغيرها.
واستطاعت تلك الحكومات أن تُضلِّل شعوبها بإعلام مركَّز جدَّاً ومدروس بحيث اقتنع
إلى فترات قريبة ولا زال في كثير من مفاصله أنَّ كلَّ ما يحصل في تلك البلدان
والشعوب هو أمر مستحقّ وهم أصلاً لا يستحقون الحياة كونهم شعوباً متوحِّشة
ومتخلِّفة ولا يعون مصالحهم الشخصية، وأنَّ مهمَّة جيوشهم هي إنقاذهم من أنفسهم،
وأيّ اعتداء على تلك الجيوش هو تخريب لهذه المهمَّة النبيلة بنظرهم.
ومع اتِّساع سبل الاتِّصال وسرعته بدأت شعوب الدول الغربية تعي بعض حقائق جيوشها
ونوايا سياسييها، ومثال لذلك الوعي هو توقيع مائة ألف بريطاني اليوم(١٨)
على عريضة تطالب فيها حكومة بريطانيا التي أوجدت إسرائيل باعتقال ومحاكمة رئيس
إسرائيل.
فعموماً مشكلة كثير من شعوب العالم وخصوصاً المهيمنة على العالم اليوم هي في
الأنظمة الحاكمة ومعاهداتها السرّية والعلنية فيما بينها وارتباطها المصلحي الوثيق،
فإن اتَّسعت رقعة الفارق بين وعي وإدراك تلك الشعوب لما تقوم به حكوماتها وسياسييها
وتُقرِّبها أكثر فأكثر لإنسانيتها وبين إصرار تلك الأنظمة على غيِّها وعجرفتها
وطغيانها، فمن الصعب حينئذٍ سدّ فجوة هذا الفارق بالأساليب المتعارفة، وقد استهلك
الطغاة كلّ وسائلهم في إضلال العالم، فلم تبقَ أمام الجميع إلَّا الحقيقة التي لا
يملكها أئمَّة الجور والانحراف، بل وقفوا هم بالضدِّ منها تماماً، وأصبح من
المستحيل العودة من جديد، فأضاعوا جميع فرصهم أمام شعوبهم وأتباعهم، حيث أخذوا من
الوقت بما فيه الكفاية.
فإن حدث وطُرِحَ نظام جديد بديل لكلِّ تلك الأنظمة خصوصاً إذا سلَّط الضوء على
أهمِّ مساوئه وفضحها للعالم ويأتي منسجماً مع تطلّعهم الإنساني، فمن الحتمي أنَّه
سيسارع أغلب أبناء بني البشر ولو يكون بشكل تدريجي في بادئ الأمر إلى نصرته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) بتاريخ (٩/ ٩/ ٢٠١٥م).
الخلاصة:
هناك طبقات واسعة من شعوب العالم لديها حبّ للعدل والمساواة، وتتطلَّع وتسعى وتأمل
تطبيقهما في أرجاء المعمورة بعد يأسها من جميع الأنظمة والحكومات التي كانت تغشّها
بشعارات ليس لها في الواقع أيّ قيمة حقيقية، وأنَّ هذه الطبقات بعد هذا اليأس
تستشعر أنَّ يوم تحقيق العدل قريب.
وكلُّ من كان ناصراً ومؤيِّداً للباطل والظلم سواءً على المستوى الشخصي أو
الاجتماعي الفعلي أو بما يضمره. فبمقدار تأييده للباطل وبعده عن الحقِّ، فهو يأمل
بُعد يوم سيادة العدل وزوال الظلم، ويسعى لعرقلة وجوده بشتّى السبل والمستويات،
ويتمنّى ومن شدَّة تمسّكه بباطله أن يرى ذلك اليوم بعيداً سواءً كان مسلماً أم
شيعياً أم غيره.
الصنف الثالث: عامَّة المسلمين:
ينطبق الكلام حول الصنف السابق على كثير من أبناء عامَّة المسلمين، فكثير منهم يعيش
حالة حقيقية من الغربة عن دينه، فأصبحوا علمانيين بالتدريج ولم يبقَ من الدين لديهم
إلَّا ما ينسجم مع فطرتهم من أُسس عامَّة جدَّاً، إمَّا على مستوى العقيدة
التفصيلية أو التشريع، فقد وجد خصوصاً أصحاب الوعي والقلوب الزاكية منهم أنَّ هناك
تناقضات صارخة بين ثوابت الدين وما جاء في كتاب الله تعالى، وبين تفسيرات علماء
وأئمَّة الفِرَق الإسلاميَّة لنصوص الكتاب، وما ورد عن طريقهم عن النبيِّ (صلّى
الله عليه وآله وسلم) من أحاديث تتناقض تماماً مع ثوابت الكتاب المبين. وما أثَّر اكثر في
تشويه الدين لدى هؤلاء هو الرفع من شأن بعض من عاصروا النبيَّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم) إلى درجة التقديس، وخُلِطَ تاريخهم بمضامين الدين حتَّى أصبح تدريجاً جزءاً
منه، وقد مُلأ هذا التاريخ بالظلم والجور والقتل وسلب أموال وحرمات المسلمين إلى
أبعد حدٍّ ممكن، وتولَّد من هذا التناقض الصارخ شكٌّ وريبة.
وأصبح لا يربطهم بالدين إلَّا أساسيات أُصول الدين من توحيد ونبوَّة ومعاد وبعض
الضروريات من العبادات. فانقسم هؤلاء إلى قسمين:
الأوَّل: منهم من استلهم تجربة التجديد المسيحية، حيث
إنَّهم عاشوا نفس
تجربتهم، من سلوك الكنيسة وتفسيرها
للنصوص الدينية المسيحية. فاتَّبعوا منهج التجديد وتعدّد القراءات في فهم النصوص
الدينية.
الثاني: ومنهم من أضمر هذا التناقض خوفاً من البوح به
خشية التسقيط والتكفير، وهم على درجات متفاوتة، وأغلب المسلمين من أبناء المذاهب
كذلك.
ومن الثابت لدى هؤلاء أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قد بشَّر بظهور شخص
يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، إلَّا أنَّهم يعتقدون بولادة ذلك
القائد في مستقبل الأيّام.
فبالإضافة إلى ما يمرُّ به الصنف السابق من اليأس بحلول جميع الفلسفات والمدارس
السابقة لمشاكل البشرية، كذلك يعيش أبناء الإسلام من العامَّة محنة أُخرى، وهي
تناقض كثير من ثوابت الدين مع تفسيرات وسلوك قادة الإسلام ممَّا ولَّد لديهم ريبةً
وشكَّاً في الصورة العامَّة للدين. فحين يتحقَّق وعد وبشرى النبيِّ (صلّى الله عليه
وآله وسلم) بظهور مصلح ومنقذ لهم بطرح تفاسير وسيرة بسلوك ينبع من صميم وثوابت الدين
الحنيف، تلك الثوابت التي طالما حلموا بالبقاء عليها وتمنّوا أن يجدوا جسراً بين
تطبيقاته وثوابته، الآن وقد عرفوا الفرق بين هذا التفسير الأصيل وبين ما كانوا
يعرفونه من أُسس عاشوا على أمل معرفة سبيلٍ للوصول إلى ذلك اليوم السعيد بتحقيق
بشارة المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلم).
نتيجة الصنف الثالث:
إنَّ عامَّة المسلمين يؤمنون بثوابت وعموميات الدين الحنيف تنسجم مع الفطرة الطيّبة
لهم، ووجدت تفسيرات وسلوكاً لقياداتهم منافية لتلك الثوابت، وقد تمَّ خلط متعمّد
بين السلوك المنحرف للحكّام وإدخاله كجزء من الدين. ولَّد هذا الخلط لهؤلاء حالة من
التناقض بين تفسير العلماء وسلوك الحكّام، والمبادئ العليا للدين، وتوجد بشارة من
المصطفى (صلّى الله عليه وآله وسلم) بخلاص البشرية من الظلم والانحراف، فنتج من ذلك:
من شدَّة ارتباط هؤلاء بدينهم ونقاء سريرتهم اتِّجاه ثوابته وانسجامه مع فطرتهم،
وثقة منهم ببشارة نبيِّهم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فإنَّهم يأملون قرب ذلك اليوم
وزوال التناقض الذي عاشوا تحت جحيمه لقرون متمادية.
الصنف
الرابع: عامَّة الشيعة وهو أهمّ الأصناف:
كلُّ إنسان بطبيعته له علائق دنيوية من عائلة ومسكن وأموال واسم وموقع اجتماعي،
وربَّما تتشعَّب هذه العلائق إلى مئات الأصناف، بالإضافة إلى وجودنا وحياتنا في هذه
الدنيا، فلو تقاطعت نصرة الإمام (عليه السلام) مع أحد هذه العلائق أو قسم منها أو
أغلبها، فما هو مدى ثبات موقفنا تجاه الإمام (عليه السلام)؟ هل سوف تتراجع؟ أو هل
ستختفي تماماً؟ وإن تعرَّض كلُّ ما ذُكِرَ إلى التهديد، فهل سنزداد صلابةً في
موقفنا حبَّاً وطاعةً وولاءً لإمامنا (عليه السلام)؟ هذا هو السؤال الحقيقي الذي يجب
أن نصدق مع أنفسنا بالإجابة عليه. وهل هناك دروس يمكن أن يستلهم الإنسان منها
ليُقوّي علاقته بإمامه؟
لا يكاد يخلو إنسان من ابتلاء في نفسه أو أهله أو ماله، فلو صحَّحنا علاقتنا بالله
سبحانه وقوَّمنا طريقة تعاملنا وردود أفعالنا تجاه تلك الابتلاءات نحو إرادته من
خلال تلمّس وجه الحكمة من هذا البلاء أو ذاك، لأنتجت هذه السلسلة من المصاعب -
والتي لم يتعرَّض لها الإنسان إلَّا لوجه حكمة منه سبحانه -، نتيجة طيّبة كالصبر
والتسليم أو حتَّى الرضا بقضاء الله وقدره.
ومن هنا أكَّدت كثير من الروايات على هذا المعنى، منها:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله
(عليه السلام) الْبَلَاءُ ومَا يَخُصُّ اللهُ (عَزَّ وجَلَّ) بِهِ المُؤْمِنَ.
فَقَالَ: «سُئِلَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):
مَنْ أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً فِي الدُّنْيَا؟ فَقَالَ: النَّبِيُّونَ، ثُمَّ
الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، ويُبْتَلَى المُؤْمِنُ بَعْدُ عَلَى قَدْرِ إِيمَانِهِ
وحُسْنِ أَعْمَالِهِ، مَنْ صَحَّ إِيمَانُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ،
وَمَنْ سَخُفَ إِيمَانُهُ وَضَعُفَ عَمَلُهُ قَلَّ بَلَاؤُهُ»(١٩).
ومن أهمّ مراتب الإيمان وعلاماته هو نصرة وليّ الله الأعظم (عليه السلام). والذي من
المحتمل أن يتعرَّض المؤمنون لأشدّ حالات الابتلاء ساعة ظهوره (عليه السلام)، ومن هنا
يأتي دور التمحيص الشديد وثمرة الثبات في الابتلاءات التي سبقت الظهور المقدَّس.
ليلتقي حينئذٍ البلاء في أشدّ حالاته والإيمان في أقوى صوره، ليتجسَّد أمام القائد
المعظَّم في أُناس قلوبهم كزبر الحديد ليوث في النهار ورهبان في الليل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الكافي ٢: ٢٥٢.
ويمكن تقسيم المنتظرين من هذا الصنف
إلى أربعة أقسام:
القسم الأوَّل: الفاشلون في التمحيص والابتلاء الإلهي:
من أهمّ أوجه الابتلاءات التي يمرُّ بها المنتظر هو مدى استعداد تنازله عن مواقعه
الاجتماعي أو السياسي أو الديني أو الاقتصادي إذا ما اقتضت مصلحة الدولة العادلة
ذلك وقت الظهور المقدَّس، وأنَّ لقبول فكرة التنازل من عدمها تأثيراً على استعداده
لنصرة المهدي (عليه السلام) ورؤيته لقرب أو بعد ظهوره المبارك.
فيكون التعلّق بالدنيا وتلك المناصب مانعاً متقدِّماً يعمل من خلال لا وعينا برفض
فكرة ورغبة الظهور القريب، وتتولَّد لدى هذا المتعلّق المسكين ازدواجية في رغبته
بفكرة الظهور. ويكون الظهور لديه حقيقة أمراً مشروطاً في أعماق وجدانه، وذلك بمعنى:
إن كان الظهور يُجرِّدنا من مميِّزاتنا فلا نرغب بهذا الظهور حالياً. فهذا الشرط
وإن لم يظهر على صفحة ذهنه في بادئ الأمر بهذا الوضوح إلَّا أنَّه يتجلّى بقلَّة
تفاعله ونشاطه بفكرة الظهور إلى أن ينتهي بالفتور الكامل عن الاستعداد فضلاً عن
الشوق للقاء الإمام (عليه السلام)، ثمّ يتحوَّل عكسياً في التدريج إلى الرغبة بعدم
الظهور.
وما نراه ممَّن يكونون في مواقع مميّزة فعلاً، من بُعد عن الانسجام مع عقيدة المهدي
(عليه السلام) هو نابع من هذا الشعور، والمكاسب الآنية والمواقع التي اعتلوها سيطرت
شيئاً فشيئاً على تفكيرهم وهمومهم وآمالهم، واستأنسوا بها، بحيث يحاولون أن
يُبعِدوا (تدريجياً) من عقولهم وطموحهم كلَّ ما يُهدِّد هذه المكاسب التي ارتضوها
حتَّى وإن كان ذلك قدوم إمامهم (عليه السلام) الذي طالما توسَّلوا لله تعالى بقرب
ظهوره.
وهذا هو أحد مصاديق قول المعصوم (عليه السلام): «اللّهمّ اكشف هذه الغمَّة عن هذه
الأُمَّة بحضوره، وعجِّل لنا ظهوره، إنَّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً، برحمتك يا
أرحم الراحمين»(٢٠)،
تأويلاً لقول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً *
إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (المعارج: ٥ - ٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) دعاء العهد المبارك.
إنَّ عقيدة
المهدي تحوَّلت عند هؤلاء إلى مستويين:
الأوَّل: هو ما يجب أن يحافظوا على صورهم ومكانتهم أمام من يعتقدون به،
ممَّن لم يقعوا في فخّ أسر حبِّ الدنيا أو ممَّن لا يملكون شيئاً فعلاً منها،
وربَّما الأمر أعقد من ذلك وهو أنَّهم يبقون على هذه المفاهيم إلى مرحلة ما، إذا لم
ينزاحوا تماماً عن هذه العقيدة ولم تكبَّلهم هذه المناصب والشعور بالتميّز تماماً،
ليُقنِعوا أنفسهم بأنَّهم لا زالوا من أتباع هذه العقيدة إلى أن يفرغوا تماماً من
محتواها الحقيقي، وذلك بالأسر التامّ، وحينها فهم على استعداد تامّ للتخلّي عن هذه
المفاهيم، فيخرجوا على أصحابهم في العقيدة سابقاً من خلال أفكار مفبركة وبرّاقة
كالحداثة والعقلانية، يحاولون أن يُؤطِّروا بها انحرافهم وتخلّيهم عن عقيدتهم
السابقة، ليُخفِّفوا عن صدمة الانتقال المفاجئ بالنسبة إلى من لا يعرف حقيقة
تحوّلهم، وليحافظوا على صورتهم أمام الفئة الاجتماعية التي ينتمون إليها. وهنا
للعقيدة مستوى ووجود عقلي ومفاهيمي.
والثاني: وهو الحقيقي وما يلقى الله سبحانه به وعلى
أساسه يتمُّ تحديد موقفه من نصرة وخذلان الإمام المهدي (عليه السلام) في ظهوره
المبارك، وهو ما أوصله إلى رغبته وحبّه بعدم تعجيل ذلك الظهور لشعوره، واعتباره
أنَّه يُهدِّد مكانته التي استبعدته تماماً عن قبول فكرة الفرج القريب، لأنَّ ذلك
حقيقة بالنسبة له يساوي الضياع القريب.
فإنَّ أمثال هؤلاء لهم عقيدتان في المهدي واحدة مجرَّد مفاهيم عقلية يُزيِّن بها
شخصيته أمام المجتمع، والثانية وهي ما يتعلَّق بمكانته ومكاسبه الدنيوية، وهنا
يستبعد ولا يتمنّى تماماً فكرة الظهور التي ربَّما ألَّف الكتب والمحاضرات في
التعريف بها والتحضّر والاستعداد لاستقبالها.
كثير من روايات المعصومين (عليهم السلام) تشير إلى وقوع تمايز وتبدّل في مسألة
الانتماء والنصرة للإمام المهدي (عليه السلام). روي عن الإمام الباقر (عليه السلام)
أنَّه قال: «... حتَّى يأتي - المهدي -، والسفياني يومئذٍ بوادي الرملة ، حتَّى إذا
التقوا... يخرج أُناس
كانوا مع السفياني من شيعة آل محمّد
(عليهم السلام)، ويخرج ناس كانوا مع آل محمّد إلى السفياني، فهم من شيعته حتَّى
يلحقوا بهم، ويخرج كلّ ناس إلى رايتهم، وهو يوم الأبدال»(٢١).
وذلك لأنَّ فترة الظهور وما يرافقها سوف تنتج أحداثاً تدفع فئة من الناس ممَّن
كانوا يُعرَفون ويُوصَفون بالانحراف بتهيئة ظروف صلاحهم، ممَّا تجعلهم يتخطّون
عدَّة مراحل من الإصلاح في فترة وجيزة، وأبرز مثال لهؤلاء هو الحرّ بن يزيد
الرياحي، فتحوَّل بعد تهيئة ظروف صلاحه من قائد ضدّ الحسين (عليه السلام) إلى شهيد في
ركب الحسين (عليه السلام).
والعكس صحيح إذ ربَّما ينحرف عن نصرة المهدي (عليه السلام) فئات ممَّن كانت تعرف
بقربها من هذه العقيدة، وذلك ببعد سلوكها وممارساتها عن جوهر حكم الإمام (عليه
السلام)، وهذا ما لا يناسب الكثيرين ممَّن اعتادوا على المجاملات والتسويف والاحتيال
والتهاون، وإن استطاعوا أن يحافظوا إلى تلك الفترة على سمعتهم العقائدية ظاهراً
والتي ينتمون بها إلى عقيدة المهدي (عليه السلام)، فهؤلاء يعلمون وممَّا لا شكَّ فيه
أنَّ الإمام سوف يستأصلهم ويستبعدهم تماماً عن مهامِّ بناء دولته المباركة.
القسم الثاني: أتباع أئمَّة الضلال:
وممَّن يُحسَبون على أصناف المنتظرين ولو ظاهراً: المستغرقون في شخصيات قادتهم
المنحرفين، بحيث أخذوا يتعصَّبون لتلك الشخصيات لدرجة أنَّهم يُفضِّلونها واقعاً
على الإمام نفسه، فهم يُفكِّرون بنفس طريقة قائدهم ويعيشون أهدافه وتطلّعاته، وقد
تربّوا على ضوء شخصيته وأخلاقه، وكذلك على مستوى ارتباطه وعقيدته بالإمام المهدي
(عليه السلام). فكثير ممَّن تسلَّقوا على بعض الفئات الدينية وأسَّسوا فرقاً خاصَّةً
بهم في داخل الجسد الشيعي، وللأسف الشديد وبعد انسلاخ عقيدة المهدي لديهم يضمرون
ويتمنّون مكانته الدينية لما لها من قداسة لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام)،
فتارةً يُصرِّحون بذلك وأُخرى يبثّون إشارات لا تخفى على اللبيب المتتبّع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) بحار الأنوار (ج ٥٢).
فهؤلاء لم يألوا جهداً في ترويض
واستدراج أتباعهم بشتّى السبل الشيطانية لإخلاص الولاء لهم على حساب الولاء للمعصوم
(عليه السلام)، فهؤلاء الأتباع ليس لهم موعد للظهور ينتظرونه، ولم يبقَ منه إلَّا
تصوّرات خاوية على عروش ولائهم الجديد.
القسم الثالث: المؤمنون الذين اشتبهت عليهم أولويات الولاء:
من المؤمنين من لديه نسبة جيّدة من الإخلاص، ولكنَّه مستغرق جدَّاً في ارتباطه بأحد
الرموز الدينية سواء أكان تحت عنوان مرجعية أو قائد أو أيّ عنوان ديني آخر، واستغرق
في ارتباطه هذا على حساب علاقته بإمام زمانه، نعم الارتباط بحدِّ ذاته مطلوب، بل
واجب حسب ما ثبت في أبواب التقليد، فبالإضافة للاتِّباع الفقهي، يُوفِّر المرجع
شعوراً نفسياً بوجود علاقة حسّية، لمن يتأثَّرون بفقدها، تربطهم بإمامهم (عليه
السلام)، وأيّ فراغ من هذا النوع ربَّما يستغلّه ضعاف النفوس، من أئمَّة الضلال،
ولذلك نرى كلّ أصحاب رايات الضلال التي برزت على الساحة الشيعية وأحد أهمّ وسائلها
هو محاولة قطع علاقة الناس بعلمائها ومراجعها، لتخلو لهم قلوبهم.
ولكن يجب أن تكون حدود الارتباط والعلاقة واضحة، فما للإمام للإمام من ولاء واعتقاد
وتقديس، ويفترض أن لا ينافسه أحد عليه، مهما كان حجمه، وللفقيه الحبّ والاحترام
والطاعة. في حدود ما ثبت في الشريعة.
وإنَّ هذه الطبقة من المؤمنين، ولبساطتهم تختلط عليهم تلك الحدود فيجعلون ما للإمام
لمرجعهم، لجهلهم بضرورة الوقوف عند تلك الحدود فيذوبون شيئاً فشيئاً في حبِّ
مراجعهم إلى أن يتحوَّل هذا الحبّ إلى تقديس، وربَّما إلى اعتقادات أُخرى، كما لدى
بعض الفِرَق الإماميَّة كالشيخية.
وبسبب نقطة التحوّل تلك، في عدم ترتيب أولويات ولائهم، والتوجّه بكلِّ كيانه إلى
قائده القريب على حساب الإمام الفعلي (عليه السلام)، ينسلخ من قلبه مبدأ الانتظار،
وذلك بسبب أنَّ هذا القائد الديني مهما بلغ به العمر والهدف والتخطيط، فهو محدود
قياساً بقضيَّة الإمام (عليه السلام)، فينحصر طموح وأهداف
ورؤى هذا المؤمن بحدود قائده الذي
ذاب فيه، وغالباً أصحاب هذا الصنف من المؤمنين لم يشعروا باستدراجهم إلى هذه
النقطة، لأنَّه أمر يحصل بالتدريج. بسبب جهلهم، وقلَّة معرفتهم بقدر إمامهم، وهشاشة
إيمانهم به (عليه السلام).
فتتلاشى لدى هؤلاء ملامح أمل قرب الظهور شيئاً فشيئاً، إلى أن يرونه بعيداً أو لا
يرونه إلَّا من خلال تصوّرات ليس لها علاقة بالإيمان والارتباط الحقيقي، بإمامهم،
القائم على الانتظار صباحاً ومساءً، حسب وصف الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام).
القسم الرابع:
وهناك قسم من المؤمنين قد حافظوا في ذواتهم على مساحة خاصَّة للإمام (عليه السلام)
بقيت مهيمنة ومسيطرة على جميع علائقهم الدينية الأُخرى، ولم يستغرقوا في علاقتهم
بأشخاص قياداتهم الدينية على حساب علاقتهم بإمامهم وقائدهم الأعلى أرواحنا فداه،
فهناك فوائد عظيمة في الحفاظ على هذا الارتباط:
منها: التأثّر بخلق وصفات من نعتبره القدوة الأعلى
لنا، فالإمام لا يقاس به أحد مهما بلغ من الشرف والتقوى والعلم.
ومنها: أنَّ الإمام (عليه السلام) يُمثِّل التجسيد
الحقيقي للإسلام وشموليته ومستقبله، والارتباط القلبي الفعلي به (عليه السلام)،
يُوسِّع من هذه الآفاق لدى المؤمن.
ومنها: أنَّ من آثار هذا الارتباط القلبي المباشر
بالإمام (عليه السلام) هو التوكّل والثقة بكلام الله تعالى ووعد الأئمَّة الأطهار
(عليهم السلام) في توقّع وتحسّس الفرج صباحاً ومساءً، فإنَّ المقادير بيد الله تعالى
ومرتبطة بإرادته سبحانه، إذ لعلَّه يحدث بعض التغيّرات على بعض القوانين الكونية،
فتحدث كما مرَّ علينا تغييراً شاملاً في نفوس وعقول وقناعات البشرية ونظرتها
للوجود، فتسقط بأعينهم كلّ الفلسفات المادّية للكون والحياة، فيكون هو المسرِّع
الذي ذكرناه آنفاً، لتقبّل فكرة الدين أو المنهج الجديد للحياة، فيقترَّب بذلك وعد
الله تعالى في ظهور وليّه الأعظم (عليه السلام).
وفي هذه النقطة يلتقي هذا الصنف من المؤمنين مع النوع الرابع من أصحاب رؤيا فلسفة
التاريخ، إلَّا أنَّ أُولئك اعتمدوا على قراءة التاريخ ومجريات أحداثه،
وكان ينقصهم الرؤية القلبية لتحسّس
قرب الفرج، وهؤلاء انطلقوا من نقاء سريرتهم وصدق ارتباطهم بإمامهم (عليه السلام)،
وربَّما من يجمع بين هذين الرؤيتين، تكون لديه الصورة أوضح، في توقّع الظهور وليس
تحديده الحتمي.
وتبقى المقادير مرتبطة بالله سبحانه هو وحده من يعلم ويُقدِّر يوم وساعة إطلالة
أملنا وقائدنا (عليه السلام).
ومنها: ولعلَّ هذه الفائدة على الصعيد العملي هي
الأكثر فاعلية للمؤمن المنتظر، وهي أنَّ الشعور بالارتباط القلبي الدائم بالإمام
(عليه السلام) يُعطي زخماً كبيراً من الطاقة للعمل الرسالي لتأدية الإنسان تكليفه،
وتزوّده بقدر كبير جدَّاً من الحيوية، لخدمة دينه وقضيَّته، فيبحث عن القيادة
الدينية المناسبة لتطلّعاته، وفق الأُطر العامَّة للمذهب وما ثبت في فقه مدرسة أهل
البيت (عليهم السلام)، فيترجم تلك التطلّعات والتعبير عنها ضمن منهج المرجعية التي
ثبت لديه أنَّها تتناسب مع أهدافه، وذلك ببركة حفاظه على تلك المساحة الخاصَّة
لإمامه ولم تختلط عليه أولويات الولاء والارتباط.
وهذا الصنف من المؤمنين هم الأكثر فاعلية في العمل الرسالي، والأنشط حركة في خدمة
الأُمَّة، والأصوب والأدقّ تشخيصاً للخلل الذي يواجه مسيرة الرسالة، وأكثر نفعاً
لقادتهم ومراجعهم، وذلك لشمولية رؤيتهم وللفوائد التي مرَّ ذكرها.
المقوّمات والعوامل الذاتية في مدرسة أهل البيت (عليهم
السلام)
بإبقاء أو ولادة الأمل بعد اليأس لتطبيق العدل الكامل:
بقي أمر مهمّ لا بدَّ من التعرّض له وهو: ما هي العوامل والمقوّمات التي تمتلكها
مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والتي من خلالها يمكن أن يُرسِل رسائل اطمئنان ويعطي
انطباعاً إيجابياً لشعوب العالم وللمسلمين الذين لم يندكّوا كثيراً بأفكار قادتهم
الدينيين، بوجود أملٍ يمكن من خلاله أن تستعيد الإنسانية إنسانيتها، ويعود الله
(جلَّ وعلا) محطَّاً لاهتمام المتعطّشين لمعرفته، بعد يأسهم من كلِّ الحلول السابقة
الدينية منها والوضعية، وببركة هذه العوامل يمكن أن يتجدَّد أمل سيادة العدل ليكون
من أولويات رؤاهم للمستقبل السعيد؟
ومن هنا يمكن أن ندرك أهمّية وحجم
تكليفنا كأُمَّة تنتمي إلى هذا الخطّ الإلهي الأصيل، وهو أعمّ مصداق لتكليفنا
كأتباع لأهل البيت (عليهم السلام) والذي أثبته في أعناقنا المعصوم (عليه السلام) بقوله:
«كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم».
فكلُّ ما يصدر عنّا كشيعة له تأثيره على حركة المعصوم (عليه السلام) سواءً سلباً أو
إيجاباً.
وللإجابة على السؤال الآنف يمكن أن يقال:
نعم هناك عوامل(٢٢)
تساعد على ولادة أمل جديد بوجود فئة اجتماعية تنتمي إلى مدرسة دينية ربَّما تحمل في
كنف أفكارها وسيرتها أملاً يُسرِع بتطبيق العدل المفقود في العالم والتمهيد لقبول
أفكاره وطرحه، وتلك العوامل هي:
العامل الأوَّل: سيرة العلماء والحوزات العلمية:
لو تتبَّعنا سيرة علماء الطوائف الدينية سنجد أنَّها إمَّا منعزلة تماماً عن شعوبها
والواقع الذي تعيشه، وهي في وادٍ وأتباعها في وادٍ آخر، ومثاله المسيحية والبوذية
وبمجموعهما يُشكِّلون أغلبية أبناء بني البشر.
وإمَّا هم تحت تصرف الحكومات الجائرة وهي تتحكَّم بهم تحكّماً كاملاً، بل حتَّى
تنصيب كبار العلماء يتمُّ بمرسوم جمهوري أو ملكي، ناهيك عن السيطرة الاقتصادية، ولا
يتعدّى رجل الدين هناك أكثر من كونه موظَّف حكومي، وهو يسير في ركب الحاكم فإن كان
الحاكم شرّيراً وأكثرهم كذلك، فيجب على العلماء شرعنة شرّهم واستدراج شعوبهم وحثّهم
على مسايرة الحاكم، ومثال على ذلك علماء السعودية والخليج عموماً، والأزهر بدرجة
أقلّ تقريباً. وقد أطلقوا طبقة من المشايخ من ذوي المعالم غير الواضحة يُحرِّكون
بهم الجهلة ويُغرِّرون بهم بحثِّهم على جهاد الكفّار، والمعنيين بهؤلاء الكفّار هم
مئات ملايين المسلمين الذين يشهدون الشهادتين، وأكبر تأثير مباشر على الدين عموماً
وسمعته وعلى أتباعهم هي فوضوية تلك الفتاوى التي تصدر من جهات تدَّعي العلم وعدم
ضبطها ضمن أُطُر علمية واضحة.
وبعد الوعي المتزايد لدى شعوب العالم من جهة والوازع الفطري للدين لدى الإنسان أخذت
وظيفة هؤلاء العلماء تتضاءل وتصغر وتتباين في عقول وقلوب هؤلاء الأتباع. فالوازع
الديني الفطري النزيه والنوراني في وادٍ وممارسات ما يُسمَّون بعلماء في وادٍ آخر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٢) لا ندَّعي استيعاب هذه العوامل بتفصيلاتها إنَّما هي معاني مجملة لعلَّ فيها بعض الفائدة للإخوة القرّاء أعزَّهم الله.
وأمَّا علماء أتباع مدرسة أهل البيت
(عليهم السلام) فقد أدهشوا العالم بحكمتهم ووسطيَّتهم وإنسانيتهم ودرءهم لكثير من
الفتن وحفاظهم على مقدرات أبناء الديانات والمذاهب الأُخرى، وأقرب دليل على ذلك هو
موقف المرجعية العليا المتمثِّلة بالسيِّد السيستاني (دام ظلّه الوارف) في حفاظه
على أبناء المذاهب الأُخرى، حتَّى اشتهر توصيفهم بـ (أنفسنا) على كثير من الألسن،
ووقوفه إلى جنب أتباعه وغيرهم في قبال كلّ من أراد تحريف مصالحهم، ودعمه لأبناء
المناطق التي طالتها يد الإرهاب من أبناء المذاهب والديانات الأُخرى غير خفيَّة على
المتتبِّع كاليزيديين والمسيحيين وغيرهم.
وكذلك مواقف كلّ زعامات الطائفة الأساسيين من الوحدة وجمع الكلمة بين أبناء الدين
الإسلامي، وخير شاهد على ذلك هو إقامة المهرجانات والتجمّعات ذات الطابع التوحيدي،
من قِبَل قيادة الجمهورية الإسلاميَّة، وغير بعيد عنّا موقف الشهيد الصدر الثاني
حين أمر أتباعه بإقامة صلاة الجمعة الموحَّدة.
وكذلك مواقف الشهيد الصدر الأوَّل والسيِّد موسى الصدر الذي انفتح على أبناء
الديانات الأُخرى، تفهّماً ومشاركةً لهمومهم ومشاكلهم.
وكثير من المحاولات والمواقف من حوزات وعلماء أتباع أهل البيت (عليهم السلام) التي
تصبُّ في بثِّ روح الأُخوَّة والوحدة مع باقي المذاهب الإسلاميَّة والتعاون
والتسامح مع باقي أبناء الديانات الأُخرى. كيف لا وذاك صوت قائدهم وإمامهم علي بن
أبي طالب (عليه السلام) ينادي: «الناس صنفان إمَّا أخ لك في الدين أو شبيه لك في
الخلق»؟
فإذا كان الأتباع من العلماء بهذه الروحية العالية والحكمة البالغة يتعاملون مع
باقي الطوائف، فكيف بقائدهم الكبير وإمامهم الموعود؟
العامل الثاني: السيرة الطيّبة للفصائل العسكرية الشيعية:
تباين أفكار وسلوك الفصائل المسلَّحة التي تدَّعي ارتباطها بالسلام. فالمتتبِّع
لعقيدة وأفعال الوهّابية منذ نشأتها وبعد استتباب أُمورها في الحجاز حيث بدأت
نشاطها الإرهابي في العراق وقتلت آلاف العراقيين في غزوات الإخوان بهجومهم على
كربلاء والنجف وبادية السماوة، وما فعلته في أفغانستان وما تفعله اليوم في كثير من
بلدان العالم الإسلامي تحت مسمّيات كثيرة كالإخوان
في بداية انتصار الوهابية والقاعدة
وطالبان والتوحيد والجهاد والنصرة وبوكو حرام وليس آخرها داعش.
وما قامت به هذه القطعان غير خافٍ على أحد من قتل الأطفال والنساء وتشريد الشعوب
ومخالفتها لأبسط تعاليم الدين القويم وتكفيرهم لأُمَّة المصطفى (صلّى الله عليه
وآله وسلم) بأجمعها تقريباً إلَّا من سار في ركبهم المنحرف.
ومن جهة أُخرى لو تتبَّعنا منهج وسلوك الفصائل المسلَّحة التي تتَّبع أهل البيت
(عليهم السلام) في العقيدة لا نجد لها أيّ موقف عدائي ولا يُعمِّمون معركتهم لغير
عدوّهم المعلن والمحدَّد، وهو إمَّا مغتصب لأرض أو معتدّي على نفس أو مقدَّس من
مقدَّساتهم، وقد استطاعت هذه الفصائل أن تكسب احترام متابعيها من أبناء الثقافات
الأُخرى، باتِّزانها وخُلُقها الرفيع وشرفها في إدارة المعارك، وصمودها من أجل
تحقيق أهدافها، تلك الأهداف التي تقرّها كلّ الشرائع الإنسانية والسماوية.
العامل الثالث: سيرة الأئمَّة الأطهار (عليهم السلام):
وهذا هو أهمّ العوامل وأكثرها تأثيراً، حيث ورد عن الأئمَّة (عليهم السلام) في هذا
المعنى:
عن الهروي، قال: سمعت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «رحم الله
عبداً أحيا أمرنا»، فقلت له: وكيف يحيي أمركم؟ قال: «يتعلَّم علومنا ويُعلِّمها
الناس، فإنَّ الناس لو علموا محاسن كلامنا لاتَّبعونا»(٢٣).
إنَّ سيرة أئمَّتنا (عليهم السلام) وخصوصاً المشهورون منهم كأمير المؤمنين والإمام
الحسين (عليهما السلام)، قد ألهمت أحرار العالم من مفكّرين وثوّار وأُدباء المعنى
الحقيقي للحرّية وعشق العدل وأسمى معاني الإنسانية حتى دوَّن بعضهم هذه الاعترافات،
إمَّا في قصائدهم أو غيرها، ومن أمثلة تلك الشهادات ما سطره الأديب المسيحي المعروف
(بولس سلامة):
لا تَقُل شيعةٌ هواةُ عليٍّ * * *
إنَّ كلَّ منصفٍ شيعيا
هو فخرُ التاريخ لا فخرَ شعبٍ * * * يصطفيه ويدَّعيه وليَّا
ذِكره إن عرى وجومَ الليالي * * * شقّ في فلقة الصباح نجيَّا
يا عليَّ العصور هذا بياني * * * صغتُ فيه وحيَ الإمام جليَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) بحار الأنوار ٢: ٣٠.
يا أميرَ البيان هذا وفائي * * *
أحمدُ اللهَ أن خُلِقْتُ وفيَّا
جلجل الحقُّ في المسيحي حتَّى * * * صار من فرط حُبِّه علويَّا
أنا من يعشق البطولة والإلهام * * * والعدل والخلق الرضيّا
فإذا لم يكن عليٌّ نبيَّاً * * * فلقد كان خُلْقه نبويَّا
أنت ربٌّ للعالمين إلهي * * * فأنلهم حنانك الأبويا
وأنلني ثواب ما سطرت كفّي * * * فهاج الدموع في مقلتيا
سفر خير الأنام من بعد طه * * * ما رأى الكون مثله آدميا
يا سماء اشهدي ويا أرض قرّي * * * واخشعي إنَّني ذكرت عليَّا
ولعلَّ خلاصة ما ينفعنا في المقام هو قوله:
أنا من يعشق البطولة والإلهام * * * والعدل والخلق الرضيّا
النتيجة:
مع اتِّحاد هذه العوامل وانتشارها ولَّدت وستولد انطباعاً إيجابياً لدى طبقات
مهمَّة من العالم.
وهذا الانطباع الإيجابي سيترك بطبيعة الحال احتراماً راسخاً للجهة التي نبعت منها
تلك العوامل، والتي يكون الإمام المهدي (عليه السلام) قائدها الفعلي الأعلى، وهو من
يطرح تلك الأفكار الجديدة. وإنَّ هذه الجهة الوحيدة في التاريخ لم تُعْطَ فرصة
القيادة العامَّة للبشرية، فقد جاء عن الأئمَّة (عليهم السلام)، عن أبي جعفر (عليه
السلام) أنَّه قال:
«دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت لهم دولة إلَّا ملكوا
قبلنا لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله
(عزَّ وجلَّ): ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(٢٤).
ومن نتائج هذا الانطباع الطيّب أيضاً، عن خطِّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، هو
بقاء أو ولادة الأمل في نفوس وعقول طالبي العدل في العالم بوجود احتمال جديد بقيادة
الإنسانية نحو سعادتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) الغيبة للطوسي: ٤٧٢ و٤٧٣.
