مجلة الموعود
العدد (٤)
ذو الحجة ١٤٣٨هـ / أيلول ٢٠١٧م
الفهرس
التمهيد الأربعيني...................٥
رئيس التحرير
---
ردُّ الاستدلال برواية الوصيَّة على دعوى المهدويَّة...................١١
الشيخ أبو محمد القره غولي
رواية الوصية:..................١٣
المناقشة السندية:..................١٥
لا مجال لاحتمال الخطأ في
الدين:..................١٩
المؤشِّرات الداخلية:..................٢٤
القرائن الخارجية:..................٢٩
١- أنَّها مخالفة للمشهور، كما نصَّ على ذلك
صاحب البحار:..................٢٩
٢- المعارضة لما دلَّ على أنَّ خروج اليماني
من اليمن:..................٢٩
٣- المعارضة مع الروايات التي أمرت بالسكون
حتَّى يخرج السفياني:..................٣٠
٤- مخالفتها لروايات انقطاع
السفارة:..................٣٠
٥- معارضتها برواية المنع من
التوقيت:..................٣١
٦- المعارضة لاقتران خروج اليماني بخروج
السفياني:..................٣٥
٧- الشبهة القويَّة في
المورد:..................٣٧
٨- كثرة الادِّعاءات الكاذبة من صاحب هذه
الدعوى:..................٣٩
ثمّ إنَّ هنا جملة من المؤشِّرات التي تمنعنا
من قبول مثل هذه الدعوى أو الاستناد إلى هذه الرواية لترتيب هذا الأثر
المهمّ:..................٤٠
١- الفرق بين حجّية الظهور
والواقع:..................٤٠
٢- الظهور حجَّة على صاحبه أو من ساغ له
تقليده ومتابعته:..................٤٤
٣- تدبير الأُمور مقنَّن:..................٤٥
٤- التكتُّم على أسماء أصحاب المشاريع
الإصلاحية الإلهية:..................٤٧
٥- المعجزة خيار الحالات
الاستثنائية:..................٥٠
٦- تناسب الاهتمام مع مستوى
الأهمّية:..................٥٤
٧- عاصمية رواية الوصيَّة من
الضلال:..................٥٧
٨- توعُّد مخالفه بالنار:..................٦٠
٩- ظرف تسليم الوصيَّة المزعومة بعد ظهور
الإمام (عليه السلام):..................٦٣
تحصين الأنام من دعاوى الاتِّصال بالإمام (عليه السلام)...................٦٩
الشيخ جاسم الوائلي
ولا بدَّ من تحقيق الحال في جهات
ثلاث:..................٧٢
الجهة الأولى: تحقيق حال التوقيع سنداً
ودلالةً:..................٧٢
المقام الأوَّل: تحقيق حال سند
التوقيع:..................٧٢
الوجه الأوَّل: أنَّ الحسن بن أحمد المكتّب
مهمل لم يُذكر في كتب الرجال:..................٧٢
الوجه الثاني: تفرُّد الحسن بنقل التوقيع،
وتفرُّد الصدوق بنقله عن الحسن:..................٧٦
المقام الثاني: تحقيق حال التوقيع
دلالةً:..................٨١
تقييم الاحتمالات
الستَّة:..................٨٣
احتمال سابع في المقام:..................٨٥
الجهة الثانية: تحقيق الحال في وقوع المشاهدة
خارجاً وعدمها:..................٨٦
والتواتر على أقسام
ثلاثة:..................٨٧
الجهة الثالثة: وظيفتنا تجاه دعاوى
المشاهدة:..................٨٩
عنصر الخفاء في القضية المهدوية...................٩٩
الشيخ حسين الأسدي
المقدَّمة:..................٩٩
أصول موضوعية:..................١٠٠
مفردات البحث:..................١٠٢
المفردة الأولى: خفاء وقت
الظهور:..................١٠٢
ويثار هنا سؤالان:..................١٠٣
السؤال الأوَّل: هل يعني هذا أنَّ أهل البيت
(عليهم السلام) لم يكونوا على علم بوقت الظهور بالضبط؟..................١٠٣
السؤال الثاني: إذا كان المعصوم يعلم بالوقت
المعيَّن، فلِمَ لَمْ يذكر الوقت للناس؟ أوَلم يكن من الأفضل للشيعة ولعامَّة الناس
أن يعلموا بالوقت المحدَّد حتَّى تطمئنَّ نفوسهم وقلوبهم؟ وحتَّى يستعدَّ المؤمنون
لساعة الصفر أتمّ الاستعداد؟..................١٠٤
إثارة...:..................١٠٨
فكيف يتمُّ التوفيق بين علامية العلامات
ووضوحها، وبين فجائية الظهور؟..................١٠٩
المفردة الثانية: خفاء أو غيبة الإمام المهدي
(عليه السلام):..................١١١
وبعض الروايات فصَّلت الأسباب أو المقتضيات أو
الحِكَم من تلك الغيبة، وهي باختصار على النحو التالي:..................١١٢
أ) الخوف من القتل:..................١١٢
ب) التمييز والتمحيص:..................١١٣
ج) حتَّى لا يبايع
ظالماً:..................١١٣
د) السنن التاريخية:..................١١٣
هـ) أن لا تضيع ودائع الله (عزَّ
وجلَّ):..................١١٣
و) قبائح أعمال العباد، وفضائح أفعالهم، ممَّا
يُسبِّب قلَّة العدد المطلوب من الأنصار:..................١١٤
ز) إظهار عجز من يسعى للإصلاح الكامل من غير
أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان محقّاً:..................١١٤
السؤال الأوَّل: لماذا غاب المهدي (عليه
السلام) عن أعدائه خوفاً؟..................١١٤
السؤال الثاني: لماذا غاب عن شيعته
ومحبّيه؟..................١١٧
المفردة الثالثة: خفاء شخصيات الظهور
الإيجابية:..................١٢٢
أوَّلاً: ما هو سبب التعريف بالشخصيات
السلبية؟..................١٢٢
ثانياً: ما هو سبب إخفاء الكثير من معالم
الشخصيات الإيجابية؟..................١٢٣
ما هي تلك المشخصات؟..................١٢٤
أوَّلاً: اليماني:..................١٢٥
١ - خروجه من اليمن...................١٢٥
٢ - خروجه مع السفياني والخراساني في يوم واحد
من شهر رجب...................١٢٥
٣ - إعلانه دعوته الخالصة للإمام المهدي (عليه
السلام)...................١٢٥
٤ - مقاتلته للسفياني، فهو من أعداء السفياني
الذي ذكرت الروايات له مشخَّصات عديدة...................١٢٦
ثانياً: الخراساني:..................١٢٦
١ - إنَّه من بني هاشم، وهو فتى صبيح
الوجه...................١٢٦
٢ - خروجه من خراسان...................١٢٦
٣ - خروجه مع اليماني والسفياني في يوم واحد
من شهر رجب كما تقدَّم...................١٢٧
٤ - توجّهه نحو الكوفة لردِّ كيد السفياني،
كما دلَّت عليه الرواية المتقدِّمة...................١٢٧
ثالثاً: النفس الزكية:..................١٢٧
رابعاً: الحسني:..................١٢٧
خامساً: شعيب بن صالح:..................١٢٨
سادساً: المنصور:..................١٢٩
المفردة الرابعة: خفاء
الولادة:..................١٣٢
نماذج تاريخية:..................١٣٦
استخلاص النتائج:..................١٣٨
الشيخ النعماني وكتابه (الغيبة)...................١٤٥
المرحوم الشيخ عامر الجابري
المقدّمة:..................١٤٥
المبحث الأوّل: سطور من حياة النعماني:..................١٤٦
١ - اسمه ونسبه وأُسرته:..................١٤٦
٢ - ولادته ونشأته
الأولى:..................١٤٨
٣ - عصره:..................١٤٩
٤ - مشايخه:..................١٥٠
٥ - تلامذته:..................١٥١
٦ - منزلته بين العلماء:..................١٥١
٧ - مؤلَّفاته:..................١٥٢
من خلال النصّين المتقدِّمين
نستنتج:..................١٥٣
٨ - وفاته:..................١٥٤
المبحث الثاني: نظرة حول كتاب
الغيبة:..................١٥٤
١ - اسم الكتاب:..................١٥٤
٢ - سبب تأليف كتاب
الغيبة:..................١٥٥
٣ - لمحة حول منهج الكتاب
وتبويبه:..................١٥٨
٤ - قيمة الكتاب
العلمية:..................١٦٠
٥ - مصادر الكتاب
ومآخذه:..................١٦١
أ - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد (ابن
عقدة)، (ت ٣٣٣هـ):..................١٦١
ب - أبو عليّ محمّد بن همّام الإسكافي (ت
٣٣٢هـ) أو (٣٣٦هـ):..................١٦٢
ج - محمّد بن يعقوب الكليني (ت
٣٢٩هـ):..................١٦٣
د - عليُّ بن أحمد البندنيجي (لم نستطع تحديد
وفاته):..................١٦٤
ومن القرائن التي تورث الاطمئنان بوثاقة
البندنيجي:..................١٦٥
هـ - عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي
(لم نستطع تحديد وفاته):..................١٦٦
٦ - ناقل الكتاب وصحَّة
نسبته:..................١٦٧
٧ - الفوائد العرضية في
الكتاب:..................١٦٨
دور الأربعين في صناعة الشخصية المهدوية...................١٧٣
الشيخ مشتاق الساعدي
مقدّمة:..................١٧٣
المحور الأوَّل: البناء المعنوي
والروحي:..................١٧٦
بعض روايات المشي
وأجرها:..................١٧٧
المحور الثاني: البناء
الاقتصادي:..................١٧٨
المحور الثالث: البناء
التعبوي:..................١٨٠
المحور الرابع: البناء
الاجتماعي:..................١٨١
المحور الخامس: البناء الفكري
والعلمي:..................١٨٤
المحور السادس: البناء
الأمني:..................١٨٦
المحور السابع: البناء
الأخلاقي:..................١٨٧
المحور الثامن: المحور
العسكري:..................١٩٨
المحور التاسع: المحور
الإعلامي:..................١٩٩
المحور العاشر: المحور التمريني
والتدريبي:..................٢٠١
المحور الحادي عشر: المحور
التكافلي:..................٢٠١
المحور الثاني عشر: البناء
السياسي:..................٢٠٢
النتيجة:..................٢٠٤
سلمان المحمّدي (رضي الله عنه) وارتباطه بالعقيدة المهدوية...................٢٠٧
الشيخ د. عليّ الفياض
المقدَّمة:..................٢٠٧
تعريف موجز بالإمام المهدي (عليه
السلام):..................٢٠٨
تعريف موجز بسلمان المحمّدي (عليه
السلام):..................٢٠٩
المبحث الأوَّل: طول عمر سلمان (رضي الله عنه)
والمهدوية:..................٢٠٩
بعض المعمّرين من الأنبياء (عليهم
السلام):..................٢١٠
الأقوال في العمر الشريف لسلمان
المحمّدي:..................٢١١
المبحث الثاني: سلمان المحمّدي والرجعة في
زمان الظهور:..................٢١٢
المبحث الثالث: مرويّات سلمان المحمّدي (رضي
الله عنه) في الإمام المهدي (عليه السلام):..................٢١٤
الخاتمة والنتيجة:..................٢٢١
المصادر:..................٢٢٤
الدعاء المهدوي وآثاره في بناء الفكر
والعقيدة...................٢٢٧
البناء التوحيدي أنموذجاً
الشيخ حميد الوائلي
مقدّمة:..................٢٢٧
الدعاء سبيل الموحّدين:..................٢٢٧
الدعاء لبُّ التوحيد:..................٢٣٠
وسائل الشريعة في التقرّب إلى الله
تعالى:..................٢٣٣
الصلاة وتنمية التوحيد:..................٢٣٣
كيف يقوم الدعاء بعملية التنمية للفرد
والمجتمع؟..................٢٣٦
نماذج توحيديَّة في الدُّعاء المهدوي:..................٢٣٨
النموذج الأوَّل: الآثار التكوينية للإيمان
المهدوي:..................٢٣٩
النموذج الثاني: المعرفة للإمام موجبة لدعاء
غير محجوب:..................٢٤١
النموذج الثالث: الدعاء بتعجيل
الفرج:..................٢٤٦
خاتمة: الدعاء من الإمام (عليه السلام) على
الأشخاص وأثره في الخسران:..................٢٤٨
ضرورة وجود المعصوم (عليه السلام)...................٢٦١
الشيخ إسكندر الجعفري
النقطة الأولى: عرض
الروايات:..................٢٦٢
روايات الإماميَّة:..................٢٦٢
الطائفة الأُولى: ما دلَّت على أنَّ الإمام
إذا رُفِعَ من الأرض لساخت:..................٢٦٢
الطائفة الثانية: أنَّ الأرض لا تخلو من
الإمام فإنَّها لو خلت لماجت:..................٢٦٦
الطائفة الثالثة: ما دلَّت على أنَّ الأرض لا
تبقى بغير إمام:..................٢٦٦
الطائفة الرابعة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تخلو من إمامٍ يعرف الزيادة والنقصان:..................٢٦٨
الطائفة الخامسة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تبقى بغير إمامٍ حيٍّ ظاهر:..................٢٦٩
الطائفة السادسة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تخلو من حجَّة:..................٢٧٠
الطائفة السابعة: ما دلَّ على أنَّ الأرض
والناس لا يصلحهما إلَّا وجود الإمام:..................٢٧٢
الطائفة الثامنة: ما دلَّ على أنَّ الحجَّة
تكون قبل الخلق ومعهم وبعدهم:..................٢٧٣
روايات العامَّة:..................٢٧٣
النقطة الثانية:
دلالتها:..................٢٧٤
مقدّمة:..................٢٧٤
١ - (ساخت الأرض):..................٢٧٤
٢ - (ماجت الأرض):..................٢٧٥
٣ - (نفضت الأرض):..................٢٧٦
دلالة الروايات:..................٢٧٧
انتظار الفرج وأثره في الحدّ من الآفات الاجتماعية...................٢٨٩
محمّد
باقر آخوندي
ترجمة: حسن علي مطر
المقدَّمة:..................٢٨٩
تعريف المفاهيم:..................٢٩٠
أ - الآفة الاجتماعية:..................٢٩٠
ب - الانتظار:..................٢٩٠
جذور السلبيات والآفات
الاجتماعية:..................٢٩٢
أ - ضعف السيطرة والرقابة
الاجتماعية:..................٢٩٢
ب - انخفاض مستوى الشعور بالتبعية والانتماء
إلى المجتمع والقيَم:..................٢٩٤
ج - انخفاض الرصيد
الاجتماعي:..................٢٩٦
د - الافتقار إلى الإجماع الأخلاقي والمعياري
في المجتمع:..................٢٩٧
هـ - عدم الاعتدال
البنيوي:..................٢٩٨
و - التضادّ والتعارض بين القيَم
والمعايير:..................٢٩٩
انتظار الفرج: آلية دينية لتطوير وبناء
الإنسان وتكامله:..................٣٠٠
انتظار الفرج: طريق لبعث الأمل والقضاء على
الآفات والانحرافات:..................٣٠٦
انتظار الفرج: طريق إلى إصلاح شخصيَّة
الأفراد:..................٣١٠
انتظار الفرج: آلية لرفع مستوى الرقابة
والسيطرة الاجتماعية:..................٣١١
انتظار الفرج: آلية ازدياد الثروة
الاجتماعية:..................٣١٣
انتظار الفرج: آلية تعزيز الانتماء الاجتماعي
والوفاق الأخلاقي:..................٣١٥
رئيس التحرير
تُمثِّل بعض القضايا
في المجتمعات البشـرية الركائز الأساسية للتراث الشعبي، وتتوارث الأجيال قرناً بعد
آخر هذا التراث، وتُضحّي لبقائه حتَّى لو لزم بذل النفس من أجله.
ويُعَدُّ التراث المتنوّع لشعب ما مصدراً من مصادر المعرفة، ورافداً للفكر والإبداع
والارتقاء المعرفي والأخلاقي في الأُمَّة.
إنَّ هذا الأمر يتكوَّن بمعزل عن كون هذا التراث قد تشكَّل عن عادات وتقاليد، أو
كان مستلّاً من نظام معرفي أو عقدي.
ومن جادَّة هذا الموروث يستلهم الأُدباء والشعراء، بل والمفكّرون والفلاسفة مبادئ
تنطلق بهم لتشكيل هويَّة مجتمعهم.
ويتمتَّع الكثير من التراث لدى الشعوب في زماننا بحماية قانونية دولية خشية تعرضه
للتلاشي والاندثار، فتنصُّ القوانين الدولية على ضرورة المحافظة على التراث وتطويره
وتنميته، وأنَّ هذه المسؤولية تقع على عاتق الأفراد والجماعات، حيث جاء ذلك في إطار
اجتماع المؤتمر
العامّ لمنظَّمة
الأُمم المتَّحدة للتربية والعلم والثقافة عام (١٩٧٢م)، وانبثقت من ذلك لجنة التراث
العالمي التي مهمَّتها حماية التراث للشعوب والدول.
والجدير بالذكر أنَّ هذه القوانين هي لحماية التراث، وليس لها علاقة بآلية تكوّن
ذلك التراث وأسباب حصوله.
نعم يحلو للبعض أن يرمي جملة من الظواهر التراثية ذات العمق المتأصّل بالخرافة
والبدعية...، وهذا شيء آخر.
من الزاوية الدينية لا يختلف الأمر كثيراً، إذ الكثير من الموروثات التراثية هي في
الحقيقة ممارسات دينية ابتعدت عن ثوبها الديني، ولبست ثوباً شعبياً، ومع تطاول
الزمن لم تعد تُنسَب للدين، وصار شاخصها البارز هو تراثيتها وما تُمثِّله من عمق في
الموروث الشعبي.
وفي الحقيقة أنَّ جملة من الطقوس إنَّما تُقام على أساس ما تتمتَّع به من قيمة
معنوية ورمزية، وغالباً ما تكون تلك الطقوس أفعالاً تأخذ منحى الضبط والتنظيم،
وتكون نابعة - نحواً ما - من عمق استدلالي مرتبط بجهات عليا تُمثِّل للأفراد عنصر
القداسة والارتباط.
نعم قد يبدو في بعض الأحيان بعض من تلك الطقوس أنَّها لا تتمتَّع بقدر من الحكمة،
أو أنَّ فيها عدم انسجام أو منفّرية.
ويمكن لنا بنظرة أوَّلية أن نصنّف الطقوس والموروث الاجتماعي إلى طقوس اجتماعية
ودينية وروحية وعلمية وسياسية، بل وحتَّى رياضية
وذهنية.
ومن زاوية أُخرى يمكن تصنيفها إلى طقوس غريبة وعادية ومألوفة، أو لها أساس أو ليس
لها كذلك، وطقوس قديمة وحديثة. وهكذا ومن بين تلك الطقوس طقس العبور - في اليابان
-، والذي لا زال يُمارَس إلى الآن حيث يمارسه الآلاف ويُعبِّر عن عبور أفراد إلى
سنِّ البلوغ، أو عن انعزالهم بعد وصولهم لسنٍّ معيَّن.
وكذلك طقس الحفل الثلجي لمدينة سابوروا اليابانية الذي يستمرُّ لمدَّة سبعة أيّام
ويحضـره الآلاف.
وهكذا العشـرات، بل المئات من الطقوس والمهرجانات التي يحضـرها الآلاف، والتي تُقام
في مختلف البلدان والشعوب لمهرجان دفييش (كوينا) التركي، والذي يُعَدُّ مهرجاناً
دينياً يحضـره الآلاف، كذا مهرجان الأرز الإندنوسي، ودي والي الهندي، والطماطم
الإسباني، كذلك دريو البرازيلي، وكمريوز الأمريكي، والمصابيح التايلندي، والخريف
الكوري، والعيش مع الأموات الإندونيسي، وهكذا لا يخلو شعب من الشعوب من مهرجان
وطقس، بل العشـرات، يحضـره الآلاف، يُعبِّر فيه الناس عن انتماء اجتماعي أو اقتصادي
أو ديني، وهكذا.
من هذا المنطق فإنَّ إحياء السنن والطقوس سواء ما كان منها دينياً أو ثقافياً هو
سُنَّة عقلائية يمارسونها بدافع تخليدها والاستفادة منها للأجيال اللاحقة، واستحضار
القيم التي تحملها لأجل تجسيدها.
أمَّا في المجتمعات
الإسلاميَّة بشكل خاصّ، فإنَّ المنظومة التشـريعية قد وظَّفت هذه الموروثات في سبيل
المحافظة على المجتمعات، وأثرتها أيّما إثراء، بل أدخلت بعضاً منها في إطار
المنظومة الدينية وجعلتها جزءاً من التراث الديني، ومن بين تلك الموروثات المقدَّسة
التي تنامت بشكل كبير ولافتٍ هي المسيرة الأربعينية لزيارة سيِّد الشهداء (عليه
السلام)، والتي أضحت اليوم بفضل الجهود الجبّارة من قِبَل جميع الجهات الراعية لها،
المسيرة المليونية الأُولى عالمياً، من حيث العدد والمساحة والتعبئة والتنظيم
والبذل والأمان، وتحصيل سُبُل الكمال والتطوّر الذاتي والروحي.
إنَّ النصوص الشـرعية المقدَّسة تنصُّ على أنَّ السائر في هذا الدرب يصل إلى محطَّة
يكون فيها قديساً: فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إن الرجل ليخرج إلى قبر
الحسين (عليه السلام) فله إذا خرج من أهله بأول خطوة مغفرة لذنوبه، ثم لم يزل يقدس
بكل خطوة حتى يأتيه...» وإنَّ من أتاه «وكَّل الله به ملكين يكتبان ما يخرج من فيه
من خير ولا يكتبان ما يخرج من فيه من شرٍّ»(١).
وهذه المحطَّة لا تحصل متكاملة ما لم ينظمّ إليها حضور وليِّ الأمر (عليه السلام)
الذي به قبول الأعمال وسرّ صعودها...
إنَّ هذه المسيرة المليونية تُمثِّل في الحقيقة عقد بيعة مع الإمام المهدي (عليه
السلام) من خلال طريق: يا حسين (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) كامل الزيارات لابن قولويه: ٢٥٢ و٢٥٥/ ح (٢-٣٨٣) و ح (٣٨٣/٦).
إنَّ هذه الحشود
الجبّارة هي النواة الأُولى لدولة الإمام (عليه السلام).
إنَّ بحيرة كربلاء التي تصبُّ فيها هذه الروافد البشـرية كفيلة بأن تُغيِّر مسار
التاريخ وتفتح نافذة الظهور المبارك.
إنَّ المنظِّم الحقيقي لهذه المسيرة المباركة هو الإمام (عليه السلام)، فهو راعيها
وحاميها والمدافع عنها، وهي رصيده الذي لا ينضبُّ.
فينبغي أن تُرسَم في هذه الجغرافية الخاصَّة لوحة فريدة لم يسبق للعالم أن رأى
جمالها وجلالها وسحرها وألقها، إنَّها لوحة (التمهيد الأربعيني).
ردُّ الاستدلال برواية الوصيَّة على دعوى المهدويَّة
الشيخ أبو محمد القره غولي
بسم الله الرحمن
الرحيم، الحمد لله خالق الخلق أجمعين، والصلاة والسلام على خير الأنام نبيِّ
الإسلام محمّد وآله السادة العظام.
وبعد.. فقد خلق اللهُ الإنسانَ ونفسه مجبولة على طلب الأشياء والقدرة على تسخيرها
والانتفاع منها، فآدم أبو البشر (عليه السلام) حين دلَّه إبليس على شجرة الخلد وملك
لا يُبلى تناول منها، مع أنَّ الله تعالى قد عهد إليه أن لا يقرب منها، ومخالفة ذلك
العهد غير ممكنة له إذا لم يجد من نفسه منازعة لما وعدهم به إبليس اللعين وميلاً
كبيراً نحوه، والحكمة في خلقة الإنسان مجبولاً على ذلك أنَّه سيكون سبباً للعمران
والارتقاء والسعي للاستكشاف، والشارع المقدَّس لم يمنع من ذلك وإنَّما أراد تشذيبه،
فوضع له مجموعة محدِّدات عامَّة لئلَّا يجعل البشـر منشغلاً بمقتضيات ذلك عن الغاية
الأصلية لخلقته، ولئلَّا يتوجَّه بنو النوع إلى الإجحاف بحقِّ الآخرين وإيقاع الظلم
عليهم، فيكون سلوك الطريق الذي لا شائبة فيه مرتبطاً باختيار الإنسان وفق ما اقتضته
حكمة الله البالغة في خلقه.
وتوالت الأجيال ترث بعضها ليثرى النوع الإنساني فكرياً في جانب النظر، ويتمكَّن من
قدرة عالية على تحديد قواعد السلوك العملي. لكن النوازع الجبلّية
في خلقته باقية على
حالها، لأنَّها مقتضـى إنسانيته، وعناصر التكوين في النوع معلولة لله تعالى لا
دخالة لنا فيها في الإطار العامِّ.
ولكن هذه النزعات الجبلّية التي يمكن أن تصبح عناصر فاعلة في ارتقاء الفرد والمجتمع
لم يستثمرها أكثر أبناء النوع.
﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾
(يوسف: ١٠٣).
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (المؤمنون:
٧٠).
فوُجِّهت دفَّة مركب المسير الحياتي لأكثر الناس نحو ما يرون فيه مصالح ومرادات
للنفوس، وحاولوا استثمار كلِّ ما من شأنه أن يوصلهم إلى ما يريدون، بالاحتيال
مرَّة، وبالافتراء والدجل أُخرى، وبالقهر والقوَّة ثالثة، وبالمداراة رابعة،
وبالمقايضة خامسة، وكلُّ شيء عند نسبة كبيرة من أبناء النوع قابل للمقايضة.
والإسلام لم يمنع من ذلك، لكنَّه أرشد إلى الصفقات الرابحة وحذَّر من الخاسرة،
فقَبِلَ أن يُعبَّر بالبيع والشـراء في التعاطي معه وهو ربُّ الأرباب وخالق الناس
من تراب، فقال عزَّ من قائل: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى
تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ
وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ
لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (الصفّ: ١٠ و١١).
وعبَّر عن فعله بالشـراء: ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾
(التوبة: ١١١).
وغير ذلك.
ووفقاً لذلك تكرَّر في التاريخ استعمال مختلف الطرق الملتوية للوصول إلى المراد،
ومن أهمّ الأشياء التي تسعى لها النفوس هو أن تكون لها سِمة القداسة والرمزية، وسقف
الدعاوى لا يمنعه إلَّا المحال الواضح عند الناس، فحين كان يقبل الناس أن يكون
الإله بشـراً نادى فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾
(النازعات: ٢٤)،
وحين تحرَّكت أطماع
أناس نحو ادِّعاء النبوَّة ادَّعتها أعداد، وحين عظم في نفوس الناس محلَّ الأئمَّة
ادَّعى أُناس هذه الحيثية والمنزلة.
وحين تاقت أنفس الناس إلى الإمام الثاني عشـر (عليه السلام) ودولة الحقِّ التي
ستنشأ على يديه تسارع طلّاب الدنيا إلى ادِّعاء الانتساب إلى الدائرة المقرَّبة
منه، وإنَّما كثر ذلك لأنَّ مجتمعاتنا تولّي اهتماماً كبيراً بفرج الله الأعظم
ومشـروعه الإصلاحي الكبير، وأعان على ذلك انتشار الجهل بالموروث الشـرعي وتكالب
الدنيا على أتباعه، فتاقت أنفسهم إلى الفرج، وأرادوا أن لا يُحرَموا من أن يُحسَبوا
عليه.
وزماننا ليس بدعاً من مقاطع الزمان، ولا الناس فيه مختلفة عن بقيَّة الناس في مختلف
الأزمنة، فحاول أُناس أن يحسبوا أنفسهم على سفن النجاة، بل أرادوا أن يكونوا
ملّاحيها، ووجدوا في جهّال الأُمَّة طلبتهم، فدلَّسوا عليهم واستغلّوا ضعف إدراكهم
وتوق أنفسهم، فنعقوا مع ناعقين طلبوا الباطل بظاهر الحقِّ، فكان ما كان.
وكلُّ هؤلاء المدَّعين يتعكَّزون على تدليسٍ في بعض الموروث الشـرعي وحَرفٍ للكلام
عن مواضعه.
ونحن ومن منطلق المسؤولية نحاول أن نقف على بعض ما استندوا إليه لإثبات صحَّة
مدَّعياتهم ونقلّب أفهامنا فيه، ونشير إلى نقاط الوهن والضعف والتدليس على الناس،
ليتذكَّر متذكِّر ويزدجر مزدجر، والله من وراء القصد.
أسأل الله أن يحلُلْ عقدة من لساني ليُفقَه قولي في أهمّ ما يستند إليه من ادَّعى
أنَّه اليماني والمتمثِّل برواية الوصيَّة، إنَّه خير ناصر ومعين.
رواية الوصية:
أطال أحمد بن إسماعيل وبعض أتباعه الوقوف على رواية الوصيَّة بزعمه والتي رواها
الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة، فلا بدَّ من نقلها بتمامها ثمّ الوقوف على مكان الخطأ
في الاستدلال بها.
قال الشيخ: أخبرنا
جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن عليِّ بن سفيان البزوفري، عن عليِّ بن سنان
الموصلي العدل، عن عليِّ بن الحسين، عن أحمد بن محمّد بن الخليل، عن جعفر بن أحمد
المصـري، عن عمِّه الحسن بن عليٍّ، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد، عن
أبيه الباقر، عن أبيه ذي الثفنات سيِّد العابدين، عن أبيه الحسين الزكي الشهيد، عن
أبيه أمير المؤمنين (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
في الليلة التي كانت فيها وفاته لعليٍّ (عليه السلام): «يا أبا الحسن، أحضـر صحيفة
ودواة»، فأملى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وصيَّته حتَّى انتهى إلى هذا
الموضع، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «يا عليُّ، إنَّه سيكون بعدي اثنا عشـر
إماماً، ومن بعدهم اثنا عشـر مهدياً، فأنت يا عليُّ أوَّل الاثني عشـر إماماً،
سمّاك الله تعالى في سمائه عليّاً المرتضـى، وأمير المؤمنين، والصدّيق الأكبر،
والفاروق الأعظم، والمأمون، والمهدي، فلا تصحُّ هذه الأسماء لأحد غيرك.
يا عليُّ، أنت وصيّي على أهل بيتي حيّهم وميّتهم، وعلى نسائي، فمن ثبَّتَّها لقيتني
غداً، ومن طلَّقْتَها فأنا بريء منها، لم ترَني ولم أرَها في عرصة القيامة، وأنت
خليفتي على أُمَّتي من بعدي، فإذا حضرتك الوفاة فسلِّمها إلى ابني الحسن البرِّ
الوصول، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابني الحسين الشهيد الزكي المقتول،
فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه سيِّد العابدين ذي الثفنات عليٍّ، فإذا
حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد الباقر، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها
إلى ابنه جعفر الصادق، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه موسى الكاظم، فإذا
حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه عليٍّ الرضا، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها
إلى ابنه محمّد الثقة التقي، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه الحسن
الفاضل، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد، فذلك
اثنا عشـر إماماً، ثمّ يكون من بعده اثنا عشـر مهدياً، (فإذا حضـرته الوفاة)
فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين، له ثلاثة أسامي، اسم كاسمي واسم أبي وهو
عبد الله، وأحمد، والاسم الثالث المهدي، هو أوَّل المؤمنين»(١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الغيبة للطوسي: ١٥٠ و١٥١/ ح ١١١.
المناقشة السندية:
* إنَّ أوَّل من صُـرَّح باسمه في سند هذه الرواية هو عليُّ بن سنان الموصلي العدل،
وهو لم يُذكَر في كتب الرجال، وهذا يعني أنَّه مجهول الحال، ولا يُنتَفع هنا بوصف
العدل، إذ يمكن أن يكون ذلك وصفاً لجدٍّ له، وهو لا ينفع أيضاً في توثيق من ثبت له
الوصف، إذ المهمُّ أن تثبت عدالته لنا، وإطلاق وصف العدل غاية ما يدلُّ عليه أنَّه
في نظر من أسماه بذلك عدل، بل قد يكون ذلك نحواً من التعريض كما أسموا أبا عبيدة
الجرّاح أمين الأُمَّة مع أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) على ما روي أراد
التعريض به وبدوره في السقيفة، فقال له: «أصبحت أمين هذه الأُمَّة»(٢)،
وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً هنا.
هذا مضافاً إلى أنَّ كلمة (العدل) كانت تُطلَق عادةً على الكُتّاب في القضاء
والحكومات كما أشار إلى ذلك السيِّد الخوئي (رضوان الله عليه).
* وأمَّا عليُّ بن الحسين، فهو مشترك يُعرَف بالراوي والمروي عنه، ولم نقف على من
يروي عن أحمد بن محمّد بن الخليل، ويروي عنه عليُّ بن سنان الموصلي فهو مجهولٌ
أيضاً.
* وأمَّا أحمد بن محمّد بن الخليل فمجهول الحال أيضاً حيث لم يُذكَر بمدح ولا ذمٍّ
في كتب الرجال، ولا يُعرَف من هو. والكلام نفسه جارٍ في جعفر بن أحمد المصـري، نعم
قال ابن حجر العسقلاني في حقِّه: (وكان رافضياً)(٣)،
وذلك لا يدلُّ على وثاقته فضلاً عن تشيُّع الرجل، إذ لا نقبل شهادة ابن حجر. مضافاً
إلى ذلك إنَّ ابن حجر نقل اتِّهامه بوضع الأحاديث، وثبوت تشيُّعه لا ينفع أيضاً ما
لم يُوثَّق ليكون صحيح الرواية، أو يُمدَح من جهة أُخرى غير الوثاقة فتكون روايته
حسنة.
وأمَّا الحسن بن عليٍّ عمُّ جعفر بن أحمد المصـري ووالد الحسن بن عليٍّ، وهو عليُّ
بن بيان بن سيابة المصـري فمجهولا الحال، لم يذكر علماء الرجال أيّاً منهما بمدح أو
ذمٍّ، ولم يبقَ إلَّا البزوفري الذي وُثِّق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) الإرشاد للديلمي ٢:
٣٣٦.
(٣) لسان الميزان ٢: ١٠٨/
الرقم ٤٤٢.
فكيف نقبل رواية رواها
مجهول عن آخر مثله لنُؤسِّس عليها قضيَّة في المعتقد ويترتَّب عليها كفر من لم يعمل
بها وفق ما يزعمون!؟ إنَّ مثل هذه الرواية غير قابلة للاعتماد عليها حتَّى في مسألة
فرعية، فكيف يُعتَمد عليها لإثبات اثني عشر مهدياً بعد الإمام الحجَّة (عليه
السلام)!؟
وعلى ما تقدَّم لا يمكن تطبيق كبرى حجّية خبر الثقة نظراً لانتفاء الموضوع، أو لا
أقلَّ من عدم التحقُّق من ثبوت الموضوعات في جُلِّ الرواة في سندها.
وإذا كان الأمرُ كذلك فالاعتماد إمَّا على كشفها إذا كان قطعياً، وإمَّا على
القرائن الخارجية، أمَّا نفس الرواية فاحتمال صدورها اعتماداً على هذا السند غاية
في الضعف. فإذا فرضنا أنَّ الجماعة الذين نقل عنهم الشيخ الطوسي كان احتمال مطابقة
نقلهم للواقع بمستوى (٩٠%)، ونسبة الإصابة في إخبار البزوفري بنحو (٩٠%) أيضاً
نظراً لوثاقته، وتسامحنا وقلنا: إنَّ نسبة المطابقة في إخبار كلٍّ من عليِّ بن سنان
وعليِّ بن الحسين وأحمد بن محمّد بن الخليل وجعفر بن أحمد المصـري والحسن بن عليٍّ
وعليِّ بن بيان (٧٠%)، فإنَّ احتمال صدور الرواية من الإمام الصادق (عليه السلام)
سيكون حاصل ضرب:
(٩٠% × ٩٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠% × ٧٠%).
وحاصل ضرب هذه النسبة على التسامح في تقديرها يساوي (٩.٥٢٩٥٦٩%).
ويأتيني عاقل ليقول: ابن مسلكك الاعتقادي في اثني عشـر مهدياً على رواية هذا مقدار
احتمال صدورها.
وإذا أضفنا إلى ذلك أنَّ دلالتها ليست قطعية، بل ظنّية بنحو الظهور لو تمَّ،
ولنفرضه بنسبة (٧٠%)، فالنتيجة (٦.٦٧٠٦٩٨٣%) هو احتمال إرادة هذا المعنى من المعصوم
بواسطة الرواية، لأنَّه حاصل ضرب احتمال الصدور في احتمال إرادة ذلك المعنى.
فهل دُهيتُ لأقبل أنَّ هذا هو النظر الشرعي في هذه المسألة، ما لكم كيف تحكمون؟
ويمكن أن يكون
الاحتمال أقلّ من ذلك كما لو كانت نسبة الإصابة في خبر هؤلاء الضعاف أقلّ من (٧٠%)
كما هو ليس ببعيد.
وإذا أضفنا إلى ذلك مضعِّفاً احتمالياً آخر، وهو احتمال الخطأ في التطبيق، إذ
كلامنا السابق كان من جهة احتمال الصدور ومن جهة احتمال إرادة المعنى، وأمَّا أن
يكون المقصود بالمهدي الذي عنته الرواية فعلى فرض أنَّها عنت مهدياً غير الأئمَّة
المعصومين (عليهم السلام)، فما الذي يُعيِّن أنَّ هذا المدَّعي أو ذاك هو المقصود؟
وهنا جهتان: الأُولى احتمال الخطأ في التطبيق، وهو وارد جدّاً من جهة أنَّ الحديث
إن انصبَّ على قضيَّة خارجية فتشخيصها ستقوم به مشخِّصات عديدة، فالوجود الخارجي له
آلاف المشخِّصات. وتحديده وإن كان لا يحتاج إلى استيعابها جميعاً بالذكر إلَّا
أنَّه يحتاج إلى العديد منها عادةً، فليس من السهل الجزم بأنَّ فلاناً هو المراد،
خصوصاً والروايات هنا -ومنها الرواية مورد النظر- لم تتعرَّض لأيَّة مشخِّصات إلَّا
كونه ابن الإمام الثاني عشـر. ولا قيمة لذلك في عالم التشخيص، ولا أثر له في دفع
الالتباس في تعيين المراد بذلك، خصوصاً وأن المدَّعي يقول: إنَّ الإمام (عليه
السلام) جدُّه الرابع، وهذا يعني أنَّ المنتسبين له (عليه السلام) كثر، وإذا قبلنا
احتمال إرادة حفيد من المرتبة الرابعة فلِمَ لا نقبل احتمال إرادة حفيد من المرتبة
العاشرة، بل حتَّى العشـرين؟ وهذا يعني أنَّ من ينطبق عليه وصف البنوَّة قد يصل
عددهم إلى مئات الآلاف. فأنّى لأحد أن يُشخِّص في ضمن دائرة الاحتمال هذه مع عدم
وجود شخص في الرواية مع ملاحظة أنَّ هذا الخبر قد صدر قبل ما يقرب من ألف وثلاثمائة
عام؟
وأمَّا الجهة الثانية، فهي احتمال تعمُّد الكذب. وفي محلِّ كلامنا فإن هذا الاحتمال
كبير، لأنَّ المورد ليس مجرَّد إخبار عن قضيَّة خارجية أو تطبيق لخبر لا علاقة له
بالمطبِّق، بل التطبيق هنا يتضمَّن دعوى كبيرة للمطبِّق لا يضاهي ما ادَّعاه من
منزلة أيَّة منزلة أُخرى في زمن الغيبة. فأعظم ما ثبت لأحد من
الناس في زمن الغيبة
هو السفارة عن الإمام الحجَّة (عليه السلام). وهذا الرجل يدَّعي أنَّه ابن الإمام
والخليفة من بعده، واليماني الممهِّد له، مع دعاوى أُخرى ليس هذا محلَّ التعرُّض
لها.
ومع ملاحظة هاتين الجهتين تعرف كم نتسامح حين نقول: إنَّ نسبة صحَّة تطبيق (٥٠%)
مثلاً.
ولولا جزمنا من الخارج بالكذب في هذه الدعوى لقلنا: إنَّ نسبة صحَّة التطبيق في مثل
هذا المورد لا تتجاوز الـ (١٠%).
فلو كان احتمال صحَّة تطبيقه في ذلك (٥٠%) - ولا أظنُّه يكون، بل أجزم بعدمه -،
فالاحتمال النهائي سيهبط إلى نصف ما وقفنا عليه من الاحتمال سابقاً، أي ما يزيد على
(٣%) بقليل، أي ما يقرب من (٣.٣٤%).
إنَّ الآلية التي أوصلتنا إلى حساب احتمالات الإصابة والموافقة للواقع من خلال ضرب
احتمال الإصابة للواقع في كلِّ إخبار، هي المعتمدة في الإحصاء الرياضي الحديث
والمنطق بعينها.
فلو أنَّ زيداً أخبر أنَّ بكراً أخبره أنَّ الحادثة الكذائية قد حدثت، وكانت نسبة
المطابقة للواقع في إخبار بكر (٧٠%)، ونسبة الإصابة للواقع في إخبار زيد (٨٠%)،
فهذا يعني بعد إخبار زيد أنَّه يوجد احتمال (٨٠%) أنَّ بكراً قد أخبره، ولـمَّا
كانت نسبة المطابقة في إخبار بكر هي (٧٠%)، فهذا يعني أنَّ احتمال صحَّة الخبرين
الذي يعني مطابقة الواقع هو (٧٠%) من الـ (٨٠%)، وهو حاصل ضرب الاحتمالين معاً،
والذي يساوي (٥٦%)، وهكذا إذا كان شخص ثالث أخبر عنهما، فرابع عن الثالث، فخامس عن
الرابع.
وحين يُضاف لذلك كون الدلالة في اللفظ غير قطعية، فهذا يعني وفق مثالنا السابق الذي
فيه (زيد وبكر) أنَّ احتمال صدور الرواية مثلاً من المعصوم (عليه السلام) هو
(٥٦%)، أي أنَّ احتمال
صدور هذا اللفظ هو (٥٦%)، فإذا كانت دلالة اللفظ على المعنى احتمالية كأن نحتمل
أنَّ المتكلِّم على فرض صدور الكلام منه أراد هذا المعنى بنسبة (٦٠%) مثلاً،
فاحتمال إرادة المعنى المخصوص من الإمام هي (٥٦%) من الـ ٦٠%، وهو حاصل ضرب
الاحتمالين، وهو (٣٣.٦%).
فإذا اجتمعت معها جهة احتمالية أُخرى، وهو أن يكون المراد من المعنى الذي حدَّدناه
هذا الفرد بخصوصه اتَّبعنا نفس الطريقة.
فالعلاقة بين جميع هذه الكواشف الاحتمالية طولية، فتكون الآلية المتَّبعة في
استخلاص الاحتمال النهائي هي ضرب احتمالات الموافقة للواقع في كلٍّ منها بالآخر.
وأيُّ عاقل يقدم على صفقة بمال زهيد ونسبة الربح فيها دون خمسة في المائة!؟ إنَّ
ذلك غير معقول إلَّا في القمار ولعبة اليانصيب، ومن يخاطر فيهما بكلِّ رأس ماله
معتوه بلا ريب.
فكيف إذا كان الثمن هو عمر الإنسان وحياته!؟
«إِنَّه لَيْسَ لأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا
بِهَا»(٤).
وإنَّما هي نفس واحدة كما في رواية الأحول حين احتجَّ على زيد بن عليٍّ حين دعاه
إلى الخروج معه(٥)،
وزيد زيد وأحمد أحمد.
مع ملاحظة أنَّ الخسارة فيها تؤدّي إلى أن يُحشَـر المرء خلف مفتر كذّاب ﴿يَوْمَ
نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١).
لا مجال لاحتمال الخطأ في الدين:
حين يستند أبان بن تغلب في حكم فرعي، وهو دية قطع أربعة أصابع من المرأة إلى
القياس واستبعاد أن تكون دية أربعة أصابع أقلّ من ثلاثة مع أنَّها كالأولوية، لم
يقبل الإمام (عليه السلام) منه ذلك، ويُشخِّص موطن الخلل في استناده، ثمّ يحيله على
القاعدة. والرواية معروفة، وهي صحيحة أبان بن تغلب.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤) نهج البلاغة: ٥٥٦/ ح
٤٥٦.
(٥) رواها في البحار ٤٦:
١٨٠، عن الاحتجاج: ٢٠٤.
قال: قلت لأبي عبد
الله (عليه السلام): ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة كم فيها؟ قال:
«عشـر من الإبل»، قلت: قطع اثنين؟ قال: «عشـرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»،
قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشـرون»، قلت: سبحان الله، يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون،
ويقطع أربعاً فيكون عليه عشـرون؟ إنَّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق ونبرأ ممَّن
قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال: «مهلاً يا أبان، هكذا حكم رسول الله، إنَّ
المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنَّك
أخذتني بالقياس، والسُّنَّة إذا قيست مُحِقَ الدين»(٦).
ومثل هذا الوضوح عند أبان حتَّى قال على من جاء بخلاف ما اعتقد أنَّه شيطان، وفي
حكم فرعي في حقٍّ مالي، ومع ذلك يُبيِّن له الإمام (عليه السلام) الخطأ في مأخذ
الحكم الذي بنى عليه. فكيف يُطلَب منّا أن نخضع لدعوى في أمر غاية في الأهمّية يزعم
مدَّعيه أنَّ من لم يعمل به فهو خارج عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّه
ممَّن يستحقُّ النار وبئس المصير، وهذا مستوى الاحتمال في مطابقة مدَّعاه للواقع!؟
إنَّ الدين لا يقبل التفريط ولو كان بمستوى يقابله (٩٩%) إلَّا أن يأذن الشارع
بذلك، وقد أذن بالاعتماد على خبر الثقة أو الخبر الموثوق بصدوره، كما أذن بالرجوع
إلى الظهور العرفي في تحديد معنى الألفاظ الواردة في الموروث الشـرعي، ولم يقبل
الاعتماد على القياس إلَّا أن يورث القطع، أي لم يجز الاعتماد على القياس ولو كانت
نسبة الإصابة للواقع (٩٩٩) بالألف. فإنَّه حتَّى وإن أورث الاطمئنان ليس حجَّة وإن
قبلنا الاعتماد على الاطمئنان في موارد أُخرى للسيرة العقلائية على العمل به وعدم
ردع الشارع المقدَّس عنها. فهنا قد ردع الشارع عن العمل بالقياس، وهذا الردع يشمل
الموارد التي يورث القياس فيها الاطمئنان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦) الكافي ٧: ٢٩٩ و٣٠٠/ باب الرجل يقتل المرأة.../ ح ٦.
فلا مجال للمسامحة في
مسألة فرعية ولو كان الاحتمال المخالف (١%) إلَّا أن يأذن الشارع المقدَّس بذلك.
ولم يتحقَّق في هذه الرواية ما يوجب الاعتماد عليها من جهة سندها، وقد يكون موردها
آبياً عن ذلك، على أنَّها لم ترد لتكون محلّاً للتعبُّد ولو في الدلالة - لو صحَّ
صدورها -، لأنَّها بصدد الإخبار عمَّا سيكون في المستقبل.
فكيف أُجسِّد تمسّكي بديني من خلال العمل بما يقول القائل: إنَّه المصداق الأوحد
لما عَنَته مع أن ثبوت ذلك دون (٤%)!؟ اقض عجباً.
فإن قلت: وفق حساب الاحتمال المتقدِّم والطريقة الإحصائية المزبورة لا يبقى لنا خبر
يسوغ عقلاً ولا عقلائياً الاعتماد عليه.
قلت: أوَّلاً: ليست كلُّ الروايات بهذا المستوى من السقوط السندي.
وثانياً: هناك روايات تجتمع معها بعض القرائن التي ترفع احتمال الصدور إلى مستوى
الوثوق، وعلى مبنى المشهور الوثوق بالصدور يُحقِّق موضوع الحجّية للمروي، فيجري
التعبُّد اعتماداً على مثل مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنْ جاءَكُمْ
فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا
عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ (الحجرات: ٦).
ومفهومها إن كان الجائي غير فاسق فلا تتبيَّنوا، وهو تعبير آخر عن الحجّية.
واعتماداً على إمضاء المعصومين (عليهم السلام) لهذه الطريقة من التعاطي والاعتماد
على أخبار الثقات حيث لم يردعوا عن ذلك مع استحكام هذه السيرة وطريقة التعاطي ممَّا
يعني ارتضاءها في التعاطي مع الأخبار، لأنَّه إن لم يرضَ الإمام بذلك ولم يردع لكان
قد نقض غرضه، خصوصاً وإنَّ أكثر جزئيات الأحكام في الشريعة مستندها أخبار آحاد ليس
إلَّا.
والاعتماد على سيرة المتشـرِّعة التي لا بدَّ أن تكون مأخوذة من المعصوم (عليه
السلام) إن لم يكن ذلك انطلاقاً من عقلائيتهم، وإلَّا فإنَّها ستكون سيرة عقلائية،
والمتشـرِّعة كان جلُّ اعتمادهم في معرفة أحكام الشريعة وجزئياتها على أخبار
الثقات.
وثالثاً: قد يجري
تطبيق حجّية خبر الواحد على كلِّ راوٍ في السند، فيكون نقل الآخر مثلاً والذي انتهى
إليه النقل إذا أفاد وجداناً احتمال (٨٠%) بصحَّة نقله، فإنَّ حكم الشارع المقدَّس
بحجّية خبره يعني تنزيله منزلة العلم من حيث ترتيب الأثر، فكأنَّه (١٠٠%)، وهكذا
بالنسبة للذي قبله حتَّى نصل إلى الراوي المباشر عن المعصوم (عليه السلام).
فالمعتمد ليس الاحتمال الوجداني، بل أمر الشارع بالعمل، وهو موجود في أخبار الثقات
دون غيرهم.
ولا نريد أن نطيل الوقوف عند بحث تخصُّصـي ليس هذا محلَّ التعرُّض له، فإن قيل:
إنَّه بناءً على حجّية الظهور وحجّية خبر الثقة ينبغي أن نُنزِّل خبر الجماعة الذين
أخبر عنهم الشيخ الطوسي منزلة العلم، وكذا خبر البزوفري، ولا نحتاج أن نضـرب حاصل
ضرب احتمال صدق الخبر باحتمال إرادة المعنى الظاهر، لأنَّ حجّية الظهور تقول لي:
نزِّل دلالته الظنّية منزلة العلم، فتكون النتيجة حاصل ضرب: (٧٠%) في نفسها (٦)
مرّات. وهي تساوي (١١.٧٦٤٩%) سوى احتمال الخطأ في التطبيق.
قلت:
١- إنَّ النسبة
الضئيلة هذه قليلة جدّاً، خصوصاً إذا ضربناها باحتمال الصحَّة في التطبيق، إذ ستكون
أقلّ من (٦%).
٢- بعد أن سقط الاستدلال بالرواية من جهة عدم الحجّية في سندها لا معنى للتعبُّد في
بعض السند، وكذا الكلام في التعبُّد بالدلالة، فالتعبُّد من خلال الحكم بالحجّية لا
أثر له إن لم يمكن تتميم الدليل من الجهات الأُخرى، لأنَّه سيكون بلا أثر.
لا يقال: إنَّ الأثر موجود، لأنَّ مستوى الكشف واحتمال مطابقة الواقع سيزداد وفق ما
قدَّمنا.
فإنَّه يقال: إنَّ نفس الاحتمال والانكشاف غير قابل للزيادة حقيقةً، لأنَّ الاحتمال
والانكشاف خاضع للأسباب التكوينية، ولا دخالة للشارع في ذلك
بما هو شارع، وإنَّما
ينزل منزلة العلم على فرض جريان دليل الحجّية في الأثر العملي المترتِّب على العلم،
أي من الناحية العملية نُرتِّب ما نُرتِّبه لو كنّا عالمين.
وإذا لم تتمّ الجهات الأُخرى في الدليل بحيث يقال بالجملة هو حجَّة لا يمكن أن
يقال: علينا ترتيب الأثر العملي، فلا يبقى في الرواية بعد سقوطها عن الحجّية إلَّا
كشفها الحقيقي عن الواقع، ومقدارها وفق التمثيل المتقدِّم حوالي (٣.٥%).
هذا مضافاً إلى جملة من المضعِّفات الداخلية الأُخرى والخارجية.
ثمّ إنَّ هنا مسألة مهمَّة، وهي أنَّ احتمال مخالفة الواقع لا يقتصـر المنشأ فيه
باحتمال تعمُّد الكذب، بل قد يكون لقلَّة الدقَّة والغفلة، ومثل هذا الاحتمال موجود
في محلِّ كلامنا كما أشار إليه الحرُّ العاملي في كتاب الإيقاظ من الهجعة حيث قال:
(وما تضمَّنه الحديث المروي في كتاب الغيبة على تقدير تسليمه في خصوص الاثني عشـر
بعد المهدي (عليه السلام) لا ينافي هذا الوجه، لاحتمال أن يكون لفظ ابنه تصحيفاً،
وأصله أبيه بالياء آخر الحروف، ويُراد به الحسين (عليه السلام)، لما روي سابقاً في
أحاديث كثيرة من رجعة الحسين (عليه السلام) عند وفاة المهدي (عليه السلام)
ليُغسِّله).
واحتمال التصحيف الناشئ من الغفلة لا يقتصـر المنشأ فيه على الرواة، بل قد يكون من
الشيخ الطوسي على فضله العظيم ومنزلته الكبيرة، فهو لم يصل إلى مرتبة استحالة حصول
الخطأ في نقله، ولذا قال الفقهاء: (وإنَّه في صورة اختلاف نقل الرواية الواحدة
ينقلها الشيخ الطوسي والشيخ الكليني يُقدَّم نقل الكليني لأنَّه أضبط).
وذلك أيضاً لا يُسقِط احتمال حدوث التصحيف حتَّى من الكليني الذي هو أضبط من الشيخ
الطوسي.
بل قد يحصل التصحيف
ممَّن نسخ كتاب الشيخ الطوسي مباشرةً أو ممن نسخ من نسخة غير أصلية، اللّهمّ إلَّا
إذا وقفنا على النسخة الأصلية التي كتبها الشيخ بنفسه.
لكن هذا الاحتمال ليس أصلاً يُعتنى به، بل يُثار عند وجود معارضة مع نسخة أُخرى من
الرواية، والمفروض أنَّه غير موجود في الرواية محلّ البحث، أو عند وجود معارضة من
رواية أو روايات أُخرى، وحينها إذا أردنا أن نُوجِّه الاختلاف بين النقلين للرواية
الواحدة أو اختلاف المضمون للروايات المتعدِّدة أو مخالفة الرواية لقواعد مسلَّمة
يُثار احتمال وقوع التصحيف كتفسير لهذه المنافاة بحسب النقل مع أنَّ واقع ما صدر
عنهم (عليهم السلام) لا يقبل التنافي فيما بين جزئياته ولا التخالف مع القواعد
المسلَّمة عقلية كانت أو غيرها.
وكيف كان فهذا لا يُعَدُّ وجهاً مستقلّاً لردِّ الاستدلال بالرواية، نعم ينفعنا
كمضعِّف احتمالي لها، ودور تأثير المضعِّف الاحتمالي بعد سقوط الرواية عن الحجّية،
والمفروض أنَّها كذلك، هذا مضافاً إلى جملة من المضعِّفات الداخلية والخارجية.
المؤشِّرات الداخلية:
هناك جملة من المؤشِّرات في الاستدلال بالرواية تجعلنا نتريَّث قبل تصديق
مؤدّاها:
١- غرابة نفس الدعوى: إنَّ من الأُمور المضعِّفة لاحتمال صحَّة نقل قضيَّة ما أو
ادِّعاء دعوى ما غرابة تلك القضيَّة وعدم مألوفيتها، وكلَّما ازدادت غرابة الدعوى
احتاجت في مقام إثباتها إلى بيان أوضح ودليل أقوى.
حين تأتي السيِّدة العذراء (عليها السلام) بولد وتقول: إنَّه ليس من أبٍ، فإنَّ
دعواها احتاجت إلى دليل يصدم الآخرين بوضوحه وقاطعيته للشكِّ، فكان أن نطق في المهد
صبياً فأبكَتَهم، ولم يُبْقِ لهم طريقاً للردِّ. وحيث يقول شخص: أنا
سفير السماء، فقولته
غاية في الغرابة، فاحتاجوا إلى برهان قاطع للشكِّ، ولم يُكتفَ بمجرَّد إخبار
الأنبياء السابقين عنهم، وتمثَّل البرهان بالإتيان بالأُمور الخارقة مع التحدّي
المسبق، وهي المعجزات. ولا يُكتفى هنا بصحَّة المطالب التي يطرحها الفرد - غير
البنوَّة أو السفارة -، فلو أنَّ شخصاً دعا إلى التوحيد وأتى بأحكام الشـريعة
الحقَّة وادَّعى أنَّه نبيٌّ أو خليفة أو سفير للإمام (عليه السلام)، فإنَّه لا
يُقبَل منه بمجرَّد صحَّة مبدأ التوحيد في كلماته وموافقة أحكامه التي تحدَّث بها
لأحكام الشريعة.
حين يدَّعي اليهود أنَّ الله عهد إليهم عدم الإيمان برسول إلَّا أن يأتي ببيِّنة
محدَّدة تتمثَّل بقربان تُرسَل عليه نار من السماء فتحرقه لم يُستَجب لهم، لا لأنَّ
هذا الطلب غير مشـروع، بل لأنَّهم كاذبون في مقولتهم أنَّهم سيؤمنون عند تحقُّق ما
طلبوا.
﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا
نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ
جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ
قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (آل عمران: ١٨٣).
بل نزعة الاستغراب قد تتملَّك الأولياء، بل والأنبياء إن أخبروا بقضيَّة غريبة،
فعند إخبار الملك المقرَّب مريم العذراء (عليها السلام) بنبأ الولد من غير أبٍ كان
ردُّها التلقائي: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ
يَمْسَسْنِي بَشَـرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (مريم: ٢٠).
أي كيف يكون الولد والأسباب المألوفة لا تقتضـي أن يكون لي ولد؟ مع علمها بأنَّ
الذي يخاطبها ملك من الذين لا يعصون الله ما أمرهم وهم بأمره يعملون.
وعند بشارة زكريا (عليه السلام) بالولد كان ردُّه التلقائي: ﴿أَنَّى
يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ
عِتِيًّا﴾ (مريم: ٨).
وقريب من ذلك قول زوجة
إبراهيم (عليه السلام) حيث تقول الآيات: ﴿قالُوا لا تَخَفْ
وَبَشَّـرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ
وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ
الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (الذاريات: ٢٨ - ٣٠).
إنَّ موسى (عليه السلام) كان نبيّاً عظيماً، وحين تحدّاه فرعون والملأ من قومه في
مقارعة السحر وقبل الموعد في يوم الزينة، ويبدو أنَّه كان يوماً مهرجانياً يحضـره
الكثير من الناس في مكانٍ خاصٍّ، ورأى سحر سحرة فرعون أوجس في نفسه خيفةً، وهو أمر
طبيعي وفق النزعة الطبيعية للبشر.
﴿قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ
نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى * قالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ
يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ
خِيفَةً مُوسى * قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى﴾ (طه: ٦٥ - ٦٨).
وكيف كان فغرابة القضيَّة المدَّعاة أو المخبَر عنها تستدعي التريُّث في الإذعان
بها، ولذا قال الملك لمريم (عليها السلام) ـ: ﴿قالَ كَذلِكِ
قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً
مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا﴾ (مريم: ٢١).
وقال الله تعالى لزكريا (عليه السلام): ﴿قالَ كَذلِكَ قالَ
رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾
(مريم: ٦).
فلم يكتفِ الله تعالى بتذكيره بأنَّه هيِّن عليه حتَّى أتاه بنظير، وهو خلقة زكريا
التي كانت مسألة وجدانية عند زكريا (عليه السلام).
واحتاجت زوجة إبراهيم (عليه السلام) أن تُذكَّر بأنَّ هذا قول الله وهو الحكيم
العليم.
في كلِّ هذه الموارد لم يُلَم أيٌّ من هؤلاء الأعاظم على الاستغراب أو على السؤال
عن الكيفية، لأنَّ بنية البشر النفسية تقتضي هذا النوع من ردود الأفعال في مثل هذه
المواقف.
ما تقدَّم يُبيِّن أنَّ من الطبيعي عدم قبول الادِّعاءات الغريبة إلَّا إن قام على
ذلك دليل قطعي لا يقبل الشكَّ، ونحن أمام دعوى بمنتهى الغرابة من
شخص معروف عن عائلته
أنَّها ليست هاشمية النسب، ويدَّعي أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) جدُّه الرابع،
وما يتضمَّنه ذلك من دعوى أنَّ الإمام متزوِّج وله ذرّية، وأنَّه قد اختير سفيراً
للإمام (عليه السلام)، ونائباً خاصّاً له، مضافاً إلى جملة الموهنات الأُخرى.
٢- إنَّه حين نُقِلَ عن بعض الأئمَّة (عليهم السلام) في السند، وصفهم ببعض الأوصاف
التي لا نشكُّ في ثبوتها عندهم، لكن ليس من المألوف التعرُّض لهذه الأوصاف في
الأسانيد للأئمَّة (عليهم السلام)، كوصف السجّاد (عليه السلام) بأنَّه ذو الثفنات،
ووصف الحسين (عليه السلام) بأنَّه الزكي الشهيد، فالمقام مقام نقل يُكتفى فيه عادةً
بتشخيص المنقول عنه.
وهذا المؤشِّر وإن كان ضعيفاً إلَّا أنَّه يُعطي احتمالاً ولو ضعيفاً أنَّ الراوي
أراد أن يُسوِّق لهذه الرواية، وقد يكون ذلك لأجل وضعها، نعم وقد يكون للتأكيد على
رقي سندها.
٣- إنَّ من الأسماء التي ذكرت الرواية أنَّها خاصَّة بأمير المؤمنين (عليه السلام)
وصف المهدي (عليه السلام)، وذكرت أنَّ هذه الأسماء لا تصحُّ لأحد غيرك، مع أنَّ
الوصف قد ذُكِرَ لكلِّ الأئمَّة (عليهم السلام). والمدَّعي يقول: إنَّه ثابت لاثني
عشـر شخصاً آخرين بعنوان الوصف، وله بعنوان الاسم.
٤- ما هو الوجه في تخصيص الإمام الجواد (عليه السلام) بأنَّه ثقة؟ وما هو وجه تسمية
الهادي (عليه السلام) بأنَّه الناصح؟ ولم يُعهَد أنَّهما قد اختصّا بالتسمية بذلك.
نعم قد اختصَّ الجواد (عليه السلام) فيما تداولته الألسن بوصف التقي.
ولإكمال الصورة التي رسمناها واتِّصافها بالإنصاف لا بدَّ من التعرُّض لبعض ما يمكن
أن يُقوّي من الرواية.
ومنه أنَّها منقولة عن الصادق (عليه السلام)، ونُصَّ فيها على أسماء الأئمَّة
(عليهم السلام)، وهذا المضمون صحيح بلا ريب، ومخالف لرأي الحكومات المتعاقبة، بل
يمكن أن يكون منشأ لإيقاع عقوبة عليه.
ومنه أنَّه يلوح من
وصف بعض رجالها أنَّه عامّي، ومضمون الرواية على خلاف ما تقول به العامَّة، ونقل
الرجل مضموناً على خلاف معتقده يُعتَبر مؤشِّر صدق في نقله، ومن نقل عنه البزوفري
هو عليُّ بن سنان المصـري العدل حيث لم يستبعد السيِّد الخوئي (رحمه الله) أن يكون
من العامَّة بقرينة وصف العدل، وهو وصف يُوصَف به بعض علماء العامَّة، وقد ذكر في
ترجمة الفقيه الدرامي العدل أنَّه: (لا يبعد أنَّ الرجل من العامَّة، وأنَّ كلمة
العدل من ألقابه، وهذه الكلمة تُطلَق على الكُتّاب في القضاء والحكومات، فيقال:
كاتب العدل)(٧).
ولكن ذلك لا يُغيِّر في الصورة شيئاً، لأنَّه إنَّما يقوّي الصدور في ما كان
مخالفاً لاعتقاد العامَّة وموافقاً لاعتقادنا، وهذا خاصٌّ بالقسم الأوَّل من
الرواية، وأمَّا القسم الأخير من الرواية، والذي يبدأ من قوله: «ثمّ يكون من بعده
اثنا عشـر مهدياً، فإذا حضـرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل المقرَّبين...»،
فلا قرينية لما ذُكِرَ على صحَّته، والذي لا يكون ثقة ليس من الضـروري أن تكون كلُّ
قصَّته الكذب وسمة كلِّ ما رواه المخالفة للواقع، بل الكذّاب بصيغة المبالغة لا
يكون كذلك، بل لا يُؤمَن تعمُّد الكذب عنده، ولا أحد يلتزم أنَّ كلَّ كلامه كذب.
ولو تمَّت قرينية مثل هذه القرينة فهي لا تنفع أيضاً، لأنَّه بعد سقوط الرواية عن
الحجّية في سندها أو بالمعارضة لما هو أقوى منها لو تمَّت سنداً، فلا تبقى فيها
فائدة من جهة البناء على مضمونها إلَّا في حدود كشفها الاحتمالي، وما دام لم يصل
إلى القطع أو الاطمئنان كحدٍّ أدنى فوجودها كعدمها، اللّهمّ إلَّا إذا وُجِدَت
روايات وقرائن أُخرى يدعم بعضها البعض، وأوصلنا المجموع إلى الاطمئنان بصحَّة مضمون
إن لم يكن علمٌ تحقَّق نوع استفادة منها، وأين ذلك البعض الذي يدعم مضموناً من
الرواية المحتمل؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧) معجم رجال الحديث ٦: ٢١٠/ الرقم ٣٣٠٢.
القرائن الخارجية:
ثمّ إنَّ هناك جملة من القرائن الخارجية التي تمنع من الأخذ بهذا المضمون
الوارد فيها، أو الذي يُدَّعى أنَّها تامَّة الدلالة عليه وأنَّ بالإمكان استفادته
منها، ومن ذلك:
١ - أنَّها مخالفة للمشهور، كما نصَّ على ذلك
صاحب البحار:
وذكر المفيد في الإرشاد أنَّ ذلك لم يرد على سبيل القطع والثبات، وأكثر
الروايات أنَّه لن يمضـي مهدي الأُمَّة إلَّا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون فيها
الهرج وعلامة خروج الأموات وقيام الساعة للحساب والجزاء، والله أعلم(٨).
وقريب من ذلك عبارة الشيخ الطبرسي حيث قال: (ولم ترد به الرواية على القطع والثبات،
وأكثر الروايات أنَّه لن يمضـي من الدنيا إلَّا قبل القيامة بأربعين يوماً يكون
فيها الهرج...) إلى آخر كلامه(٩).
٢ - المعارضة لما دلَّ على أنَّ خروج اليماني
من اليمن:
ووجه المعارضة أنَّ صاحب هذه الدعوى لم يقتصـر على ادِّعاء بنوَّة المهدي
(عليه السلام) وخلافته من بعده، بل ادَّعى أنَّه اليماني.
وكيف كان فقد روى الصدوق في إكمال الدين بسنده عن محمّد بن مسلم الثقفي، قال: سمعت
أبا جعفر محمّد بن عليٍّ الباقر (عليهما السلام) يقول في حديث: ... قال: قلت: يا بن
رسول الله، متى يخرج قائمكم؟ قال: «إذا تشبَّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال...،
وخروج السفياني من الشام، واليماني من اليمن...» الخبر(١٠).
ورواية جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث عن السفياني واليماني، وأنَّه بعد
ظهور السفياني «يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة...» الخبر(١١).
ورواية عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني فقال:
«أنّى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء؟»(١٢).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨) الإرشاد ٢: ٣٧٨.
(٩) إعلام الورى ٢: ٢٩٥.
(١٠) كمال الدين: ٣٣١/ باب
٣٢/ ح ١٦.
(١١) الفتن للمروزي: ١٧٤.
(١٢) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/
باب ١٤/ ح ٦٠.
٣ - المعارضة مع الروايات التي أمرت بالسكون
حتَّى يخرج السفياني:
وهنا طائفة أُخرى معارضة، وهي الروايات التي منعت من التحرُّك قبل ظهور
السفياني، ومنها رواية الحضـرمي، وفيها: «فإذا ظهر - أي السفياني - على الأكوار
الخمس - يعني كور الشام -، فانفروا إلى صاحبكم»(١٣).
ووجه المعارضة كما تقدَّم في النقطة الثانية، إذ بلحاظ دعوى كونه يمانياً كانت
الروايات المزبورة معارضة.
والرواية التي رواها الكليني: «لا تبرح الأرض يا فضل حتَّى يخرج السفياني، فإذا خرج
السفياني فأجيبوا إلينا»(١٤).
وفي رواية سدير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال لي أبو عبد الله (عليه
السلام): «يا سدير، الزم بيتك وكن حلساً من أحلاسه، واسكن ما سكن الليل والنهار،
فإذا بلغك أنَّ السفياني قد خرج فارحل إلينا ولو على رجلك»(١٥).
والرواية الأُولى قيَّدت النفر بظهور السفياني على الأكوار الخمس (مُدُن الشام).
٤ - مخالفتها لروايات انقطاع السفارة:
دلَّت الروايات على انقطاع السفارة بعد عليِّ بن محمّد السمري (رضي الله
عنه)، فقد روى في الاحتجاج:
خرج التوقيع إلى أبي الحسن السمري: «يا عليُّ بن محمّد السمري، اسمع أعظم الله أجر
إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد
يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامَّة، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله
تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي
من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّاب
مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم»(١٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) بحار الأنوار: ٥٢:
٢٧٢/ ح ١٦٦.
(١٤) الكافي: ٨: ٢٧٤/ ٤١٢.
(١٥) الكافي ٨: ٢٦٤ و٢٦٥/ ح
٣٨٣.
(١٦) الاحتجاج ٢: ٣٤٩.
وهذه الرواية وإن
خالفت ما اشتهر شهرة عظيمة من لقاء بعض الأفاضل به (عليه السلام)، إلَّا أنَّه يقوى
في النفس أنَّها ناظرة إلى ادِّعاء المشاهدة مع دعوى السفارة، واتِّصال فقرة (فمن
ادَّعى المشاهدة) بقرينة على خلاف عموم المشاهدة - أي ولو بدون دعوى السفارة - يمنع
من انعقاد ظهور بالعموم، ولو لم يُمنَع من ذلك وانعقد الظهور ابتليت الرواية بالقطع
بخلافها، فمن جزمنا بصدق دعواه المشاهدة خرج من عمومها، إذ لا تبقى مع القطع
بالخلاف حجّية للظهور في مورد القطع. وهذا المدَّعي لا نجزم بصدق دعواه، هذا في
مجرَّد المشاهدة.
وأمَّا ادِّعاء السفارة كما فعل فمخالف للرواية قطعاً.
ولا شكَّ أنَّ الحجَّة في زماننا هو الإمام الثاني عشـر (عليه السلام)، فخروج من
تجب بيعته ومتابعته لا وجه له إلَّا أن يكون سفيراً عنه. وأمَّا ظرف إمامته
المزعومة فهي بعد ظهور الإمام (عليه السلام) وانتهاء أيّامه. ولا شكَّ أنَّه لا
يُراد بيعته باعتبار أنَّه إمام. فالإشكال على ما زعمه وطبَّقه من فهمه للرواية.
٥- معارضتها برواية المنع من التوقيت:
لقد تكرَّر في الروايات النهي عن التوقيت، ونفي التوقيت عنهم والإخبار عن
كذب الوقّاتين، فقد نقل في البحار في باب التمحيص والنهي عن التوقيت جملة من
الروايات التي تعرَّضت لذلك، فبلفظ: (كذب الوقّاتون) أو (الموقِّتون) جاءت الأحاديث
رقم:
(٥) كذب الوقّاتون ثلاثاً.
(٦) كذب المؤقِّتون.
(٧) كذب الوقّاتون وهلك المستعجلون.
(٤٤) كذب الوقّاتون.
(٤٥) كذب الوقّاتون.
(٤٨) كذب الوقّاتون.
وبلفظ (إنّا لا
نُوقِّت) أو ما يقرب منه:
(٦) ما وقَّتنا فيما مضى ولا نُوقِّت فيما يستقبل.
(٨) فلسنا نُوقِّت لأحد.
(٤١) فإنّا لا نُوقِّت وقتاً.
(٤٧) إنّا لا نُوقِّت لهذا الأمر.
(٤٨) إنّا أهل بيت لا نُوقِّت.
وبلفظ تكذيب الموقِّتين وما يرجع إليه:
(٨) من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه.
(٤١) من أخبرك عنّا توقيتاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه.
والمجموعة الأُولى واضحة الدلالة على عدم الركون إلى مقولة الموقِّتين.
أمَّا المجموعة الثانية فقد يقال: إنَّها غير تامَّة الدلالة، لأنَّها إنَّما أخبرت
عن أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) لا يُوقِّتون، وليس فيها دلالة واضحة على عدم
إمكان معرفة الوقت، بل قد يكون العدول عن التعبير بعدم معرفة الوقت إلى نفي التوقيت
مؤشِّراً على أنَّهم (عليهم السلام) يعرفونه ولكن لا يخبرون عنه.
وهذا يعني بحسب النظر البدوي إمكان أن يطَّلع غيرهم ولو في مستقبل الأيّام على وقت
الظهور فيُخبِر عنه، وعلى هذا فليس في هذه الروايات دلالة على استحالة الوقوف على
الوقت وتحديده.
فإذا قيل: لماذا لم يُخبِر الأئمَّة (عليهم السلام) بالوقت إذا أمكن لغيرهم أن
يُخبِروا؟
قلنا: قد يكون عدم إخبار الأئمَّة (عليهم السلام) لوجود محذور بعد زمان ظهوره (عليه
السلام) عن زمان الحضور وبداية الغيبة، فإذا أخبر الناس عن زمان ظهوره أشعر ذلك
البعد التاريخي الأتباع باليأس، وقد جاء في الرواية التي رواها الشيخ الصدوق في علل
الشـرائع عن الحميري بإسناده يرفعه إلى عليِّ بن يقطين، قال: قلت لأبي الحسن موسى
(عليه السلام): ما بال ما روي فيكم من الملاحم ليس كما روي،
وما روي في أعاديكم قد
صح؟ فقال (عليه السلام): «إنَّ الذي خرج في أعدائنا كان من الحقِّ، فكان كما قيل،
وأنتم علَّلتم بالأماني فخرج إليكم كما خرج»(١٧).
وقد استفاد عليُّ بن يقطين من هذا البيان في الجواب عن سؤال أبيه الذي كان عبّاسي
الهوى والمسلك، إذ قال الأب:
ما بالنا قيل لنا فكان وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له عليٌّ: إنَّ الذي قيل لنا ولكم من
مخرج واحد، غير أنَّ أمركم حضركم فأعطيتم محضه وكان كما قيل لكم، وإنَّ أمرنا لم
يحضـر فعلَّلنا بالأماني، فلو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو
ثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجع عامَّة الناس عن الإسلام، ولكن قالوا: ما أسرعه وما
أقربه تألُّفاً لقلوب الناس وتقريباً للفرج(١٨).
ونحن لو قيل لنا: إنَّ هذا الأمر لا يكون إلى أكثر من ألف وأربعمائة سنة ماذا كان
سيحصل؟ وطول الأمد يُقسي القلب، ﴿فَطالَ عَلَيْهِمُ
الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (الحديد: ١٦).
والتفريع بالفاء يُعطي أنَّ طول الأمد سبب لقسوة القلب.
وقريب منه في الدلالة قول موسى (عليه السلام) مخاطباً قومه: ﴿أَفَطالَ
عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ
رَبِّكُمْ﴾ (طه: ٨٦).
ومثل هذا المحذور لا يتحقَّق في من كان قريباً من زمن الظهور، ولذلك حدَّدت
الروايات الفاصلة الزمانية بين العلائم القريبة دون غيرها كقتل النفس الزكيَّة الذي
يفصله عن ظهور الإمام (عليه السلام) خمسة عشر يوماً، والسفياني الذي حدَّدت مدَّته
بتفصيل واضح من ظهوره إلى بسط يده على كور الشام الخمسة إلى مدَّة حكمه بعدها، فقد
انتفى المحذور بالقرب الزمني، ولكن التأمُّل قد يُعطي غير ذلك، إذ يمكن أن نسأل عن
الكيفية التي يطَّلع بها غيرهم على وقت الظهور ما دام المعصومون (عليهم السلام) لم
يخبروا بذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) علل الشرائع ٢: ٥٨١/
باب ٣٨٥/ ح ١٦.
(١٨) الكافي ١: ٣٦٩/ باب
كراهية التوقيت/ ح ٦.
إنّي لأجزم أنَّ
الموروث الروائي لا يمكن أن يكون مستنداً لتحديد الوقت، إذ كيف يكون كذلك مع أنَّ
في تحديد الوقت محاذير، منها مخالفة الحكمة والمصلحة، إذ إنَّه سيشعر الناس بالبعد
فينفصلون عن الانتظار، بل والمشـروع المهدوي، كما أنَّ في ذلك مخالفة لطوائف من
الروايات قد نتعرَّض إلى بعضها في الصفحات القادمة. ولو أمكن لمتأخِّر أن يُحدِّد
الوقت من الروايات لأمكن لمتقدِّم في بدايات عصر الغيبة الكبرى أن يُحدِّده.
بل إنَّ الأئمَّة المتقدِّمين كأمير المؤمنين ومن بعده من ولده (عليهم السلام) وهم
يعلمون علم اليقين أنَّه بعد زمان ولادته ستأتي غيبتان تطول إحداهما كثيراً ولم
يستوضح الناس ذلك منهم (عليهم السلام)، وظلَّ الكثير من الأتباع مستحضـرين العدَّة
للخروج، وهم يأملون ذلك في حياتهم، ولم يردعهم المعصوم عن ذلك، ومع ملاحظة هذا أترى
المعصوم (عليه السلام) يترك في الأثر ما يمكن معه تحديد زمان الظهور!؟ تلك أمانيهم.
فكيف يأتي من يُخبِر بقرب ظهوره (عليه السلام)، وأنَّه سيُمهِّد له الآن!؟ أم ترى
القائل يقول: أُمهِّد له الآن لكي يظهر ربما بعد ألف سنة!؟
وهذا ما يمكن أن نفهمه من بعض الروايات كالحديث (٤٨) في الباب:
«كذب الوقّاتون، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت».
فالربط بين الجزئين يكون مع انحصار مستند إخبار الموقِّت بالتوقيت الصادر من أهل
البيت (عليهم السلام).
والحديث الثامن في الباب أوضح دلالةً على ذلك:
«من وقَّت لك من الناس شيئاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فلسنا نُوقِّت لأحد».
ولو أمكن لمتأخِّر أن يُوقِّت لأمكن لمتقدِّم من العلماء أن يُحدِّد الوقت أيضاً.
والمسألة غيبية ليست ممَّا يتوقَّف على علوم طبيعية أو رياضية، ليمكن أن يصل إليها
المتأخِّرون دون المتقدِّمين بملاحظة تقدُّم هذه العلوم كثيراً في زماننا،
ولسان الأدلَّة بتعبير
«كذب الوقّاتون»، و«لا تهابنَّ أن تُكذِّبه» واضح أنَّ المحذور ليس في الإخبار، بل
في عدم تيسُّر طريق لمعرفة الوقت.
نعم يخرج من ذلك الإخبار بعد ملاحظة مجموعة من العلامات التي استوعبت الروايات ما
يدفع الالتباس في مصداقها الواحد، وهي قريبة من الظهور جدّاً، كقتل النفس الزكية
والسفياني واليماني والصيحة والخسف، إذ لا محذور في وقتها من التحديد، وهي غير
قابلة للالتباس على الناس. فهل يمكن أن يتكرَّر خروج جيش من الشام يتَّجه باتِّجاه
الأرض المقدَّسة ويعبر المدينة المنوَّرة ثمّ يخسف الله تعالى به الأرض؟
وكم مرَّة يُنادى في السماء: ألَا إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون، أو ما يرجع
إليه؟
ومن هنا فلا محذور في الإخبار بما أخبر به الأئمَّة (عليهم السلام) من قرب ظهوره
(عليه السلام).
والمجموعة الثالثة واضحة الدلالة أيضاً.
والمحصَّل من هذه المجموعات الثلاث أنَّ الاطِّلاع على زمان الظهور لغير الأئمَّة
وبالنحو الذي يمكن أن تتَّسع دائرة الاصطلاح عليه ممتنع، ولذا كَذَّبَ الأئمَّة
(عليهم السلام) الموقِّتين في توقيتهم، ونهونا عن التردُّد في تكذيبهم، ممَّا يعني
امتناع اطِّلاعهم على ذلك الأمر، لأنَّه غير قابل لكشف الستر عنه، وانتفاء إمكان
اطِّلاع شخص عليه، ومن هنا قالوا (عليهم السلام): «فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه».
٦ - المعارضة لاقتران خروج اليماني بخروج
السفياني:
هناك جملة من الروايات التي حدَّدت المقارنة الزمانية بين ظهور اليماني
وظهور السفياني، ومن خلالها نفهم أنَّ دعوى خروج اليماني قبل ظهور السفياني باطلة.
ومن هذه الروايات:
رواية أبي بصير، عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه قال في رواية:
«خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام
كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً، فيكون البأس من كلِّ وجه...» الخبر(١٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) الغيبة للنعماني: ٢٦٤/ باب ١٤/ ح ١٣.
وفي سندها ابن
البطائني، عن أبيه.
ورواية بكر بن محمّد الأزدي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «خروج الثلاثة:
الخراساني والسفياني واليماني في سنة واحدة في شهر واحد في يوم واحد، وليس فيها
راية بأهدى من راية اليماني، يهدي إلى الحقِّ»(٢٠).
وفي ثالثة عن عبيد بن زرارة، قال: ذُكِرَ عند أبي عبد الله (عليه السلام) السفياني،
فقال: «أنّى يخرج ذلك ولما يخرج كاسر عينيه بصنعاء؟»(٢١).
والحقُّ أنَّ هذه الرواية الأخيرة غير ظاهرة في الاقتران بوقت الخروج، إذ يمكن أن
يكون خروج اليماني قبله، فغاية ما تدلُّ عليه أنَّه لا يخرج السفياني إلَّا بخروج
اليماني، وأمَّا الاقتران في وقت الخروج فلا دلالة للرواية عليه، بخلاف الروايتين
السابقتين.
نعم تبقى في الرواية الأُولى وهي رواية أبي بصير مشكلة أنَّها بعد ذكر الاقتران
الزماني لخروج اليماني والسفياني والخراساني في يوم واحد قالت: «نظام كنظام الخرز
يتبع بعضه بعضاً فيكون البأس من كلِّ وجه»، وهذا يقتضـي الاختلاف الزماني في هذه
الأحداث. ولكن الأمر سهل، إذ ظهور الاتِّحاد في التاريخ لخروج الثلاثة لا غبار
عليه، بل يمكن أن تكون الرواية نصّاً فيه، فيمكن أن يكون قوله (عليه السلام) إشارة
إلى موقع خروج الثلاثة ضمن حوادث مختلفة تسبق الظهور، خصوصاً والرواية طويلة ذكرت
فيها جملة من الحوادث.
وهناك رواية قد يقال: إنَّها معارضة لهذه الروايات، وهي موثَّقة محمّد بن مسلم،
قال: «يخرج قبل السفياني مصري ويماني»(٢٢).
لكنَّها ليست من كلام المعصوم، إذ لم يسندها محمّد بن مسلم إلى المعصوم، فشهادته
ليست حسّية، بل حدسية، ولا حجّية لذلك. ويضاف إلى ذلك أنَّها تظهر في أنَّ المقصود
هو اليماني المعهود، ولا يمنع وجود اليماني وظهور يماني آخر يخرج قبل السفياني، فلا
تصلح مثل هذه الرواية لمعارضة ما سبقها من الروايات الثلاثة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) الغيبة للطوسي: ٤٤٦
و٤٤٧/ ح ٤٤٣.
(٢١) الغيبة للنعماني: ٢٨٦/
باب ١٤/ ح ٦٠.
(٢٢) الغيبة للطوسي: ٤٤٧/ ح
٤٤٤.
وهنا نسأل: هل ظهر
السفياني؟ وهل ظهر الخراساني؟ خصوصاً مع التحديد بالأشهر لفترة خروج السفياني إلى
نهاية حركته حيث لا تتجاوز (١٥) شهراً.
ولا أقول هنا: إنَّ هذه الروايات تعارض رواية الوصيَّة، إذ إنَّ رواية الوصيَّة لم
تتعرَّض لليماني لا من بعيد ولا من قريب، بل نقول: إنَّ هذه الروايات تُكذِّب دعوى
أنَّ اليماني يظهر قبل الإمام (عليه السلام)، وأنَّ فلاناً المدَّعي هو ابن الإمام
المهدي (عليه السلام)، وهو اليماني.
فإن قيل: إنَّه يستند إلى هذه الرواية.
قلنا: إنَّه يضاف إلى الإشكالات السابقة أنَّها لو تمَّت دلالةً وسنداً كانت معارضة
بمثل هذه الروايات.
لكن الحقَّ أنَّ أكثر هذه الروايات ضعيفة السند أيضاً، لكنَّها لم تجتمع عليها
مضعِّفات داخلية أو خارجية كهذه، ولم تتحقَّق فيها مخالفة للمشهور. هذا مضافاً إلى
أنَّ كلامنا في رواية الوصيَّة والاستدلال بها، وهو لم يستدلّ بها على كونه
اليماني، فالمنطقية في الاستدلال تقتضـي عدم الاعتناء بهذه الروايات في هذا المجال
بالخصوص. وأمَّا بقيَّة الدعاوى فما أكثرها وما أكثر الهنات فيها.
٧ - الشبهة القويَّة في المورد:
إنَّ المورد من موارد الشبهة شديدة الالتباس وعظيمة الخطورة، ممَّا يستدعي الاحتياط
والتريُّث ما أمكن وترك الاستعجال، خصوصاً والروايات قد نصَّت على كثرة الرايات
التي ستُرفَع بزعم أنَّها راية الحقِّ التي وعد بها النبيُّ.
فقد روى الصدوق بسنده عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)،
قال سمعته يقول: «إيّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامكم سنيناً من دهركم،
ولتمحصنَّ حتَّى يقال: مات، أو هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين،
ولتكفأنَّ كما تكفأ السفن في أمواج البحر، ولا ينجو إلَّا من أخذ
الله ميثاقه وكتب في
قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه، ولتُرفَعنَّ اثنتا عشـرة راية مشتبهة، لا يُدرى
أيٌّ من أيٍّ»، قال: فبكيت، فقال لي: «ما يبكيك يا أبا عبد الله؟»، فقلت: وكيف لا
أبكي وأنت تقول: «تُرفَع اثنتا عشـرة راية مشتبهة لا يُدرى أيٌّ من أيٍّ»!؟ فكيف
نصنع؟ قال: فنظر إلى شمس داخلة في الصفة، فقال: «يا أبا عبد الله، ترى هذه الشمس؟»،
قلت: نعم، قال: «والله لأمرنا أبين من الشمس»(٢٣).
ورواه الطوسي بسنده(٢٤).
والنعماني بطريقين آخرين(٢٥).
إلّا أنّ جميع هذه الطرق فيها محمّد بن مساور الذي لم يُنَصّ على توثيقه. لكن
الرواية هنا للاستشهاد وليست للاستدلال. فالشبهة قويَّة والتاريخ حافل بمثل هذه
الدعاوى.
وروى الشيخ الطوسي في الغيبة في حديث معتبر عن أبي خديجة، قال: قال أبو عبد الله
(عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشر من بني هاشم كلُّهم يدعو إلى
نفسه»(٢٦).
وروى النعماني في الغيبة عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا يقوم القائم
حتَّى يقوم اثنا عشر رجلاً كلُّهم يجمع على قول: إنَّهم قد رأوه، فيُكذِّبهم»(٢٧).
والمراد أنَّ الإمام (عليه السلام) يُكذِّبهم بعد ظهوره، ثمّ إنَّ التعبير بـ
(يقوم) يُراد به النهوض بحركة إصلاحية يتقمَّص فيها دعوى النيابة الخاصَّة
والارتباط معه (عليه السلام).
وروى النعماني بإسناده عن عمرو بن سعد، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا
يقوم القائم حتَّى تفقأ عين الدنيا وتظهر الحمرة في السماء...، حتَّى يظهر فيهم
عصابة لا خلاق لهم، يدعون لولدي وهم براء من ولدي، تلك عصابة رديئة لا خلاق لهم،
على الأشرار مسلَّطة، وللجبابرة مفتنة، وللملوك مبيرة...» الخبر(٢٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) كمال الدين: ٣٤٧/ باب
٣٣/ ح ٣٥.
(٢٤) الغيبة للطوسي: ٣٣٧
و٣٣٨/ ح ٢٨٥.
(٢٥) الغيبة للنعماني:١٥٣
و١٥٤/ باب ١٠/ ح ٩ و١٠.
(٢٦) الغيبة للطوسي: ٤٣٧/ ح
٤٢٨.
(٢٧) الغيبة للنعماني: ٢٨٥/
باب ١٤/ ح ٥٨.
(٢٨) الغيبة للنعماني: ١٤٩/
باب ١٠/ ح ٥.
٨ - كثرة الادِّعاءات الكاذبة من صاحب هذه
الدعوى:
إنَّ من جملة ما يستدعي التوقُّف كثيراً قبل التفكير من معقولية هذه الدعوى هو نوع
الدعاوى الأُخرى للمدَّعي في نفسه، ممَّا قد يُوحي بأفضليته حتَّى على بعض أعاظم
الأولياء.
ومن أقواله في ذلك:
١ - فجميع هذه الأسماء لي، فأنا سعد النجوم، ونجمة الصبح، ودرع داود، وأنا وعد الله
غير مكذوب(٢٩).
ثمّ يقول: مَنْ نجمة داود؟ أحمد الحسن(٣٠).
وما قيمة حساب الجمل في سوق إثبات الحقائق وعند أهل العلم والاختصاص؟
٢ - كون دماء الحسين (عليه السلام) سالت لأجله، قال: (وستشكوكم دماء الحسين (عليه
السلام) التي سالت في كربلاء لله، ولأجل أبي (عليه السلام)، ولأجلي)(٣١).
٣ - في بيان البراءة يقول: (لقد قامت عليكم الحجَّة البالغة التامَّة من الله
سبحانه وتعالى بي بأنّي الصراط المستقيم إلى جنّات النعيم).
٤ - إنَّ معه روح القُدُس الذي هو غير روح القُدُس الذي كان مع عيسى وغير الذي كان
مع الأنبياء الآخرين.
قال: (وهذا هو الروح القُدُس الأعظم لم ينزل إلَّا مع محمّد (صلّى الله عليه وآله
وسلم) ، وانتقل بعد وفاته إلى عليٍّ (عليه السلام)، ثمّ إلى الأئمَّة (عليهم
السلام)، ثمّ من بعدهم إلى المهديين الاثني عشر)(٣٢).
٥ - إنَّه الحجر الأسود: قال في كتابه الجواب المنير: (فالحجر الأسود الموضوع في
ركن البيت، والذي هو تجلي ورمز للموكَّل بالعهد والميثاق، هو نفسه حجر الزاوية الذي
ذكره داود وعيسى (عليهما السلام)، وهو نفسه الذي يهدم حكومة الطاغوت في سفر دانيال
(عليه السلام)، وهو نفسه قائم آل محمّد أو المهدي الأوَّل الذي يأتي في آخر الزمان،
كما روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته (عليهم السلام)
(٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) بيان الحقِّ والسداد:
من الأعداد ١ و٢: ٣٨.
(٣٠) ص ٤٤.
(٣١) الجواب المنير عبر
الأثير.
(٣٢) الجواب المنير عبر
الأثير.
(٣٣) الجواب المنير عبر
الأثير: ٤ - ٦: ٧٤.
٦ - إنَّه روضة من
رياض الجنَّة أخبر عنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): ذكر ذلك في كلمة
مسجَّلة ذكر فيها معجزة معرفته بموضع قبر السيِّدة فاطمة.
٧ - ادِّعاء أنَّ في ظهره ختم النبوَّة، لكنَّه ليس ظاهر الخلقة، ولكن يمكن أن
يُظهِره الله لمن يشاء.
ولا أدري أيدَّعون أنَّ ختم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كذلك، مع أنَّ من
كان يسعى لقتله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كان يبحث عن هذا الختم ولم يكن يخفى على
أحد؟
ومن أراد أن يجمع شيئاً من هذه المدَّعيات الغريبة عثر على الكثير.
إنَّ صدور كلِّ هذه الادِّعاءات من شخص واحد يضعه في دائرة الاتِّهام بالكذب، بل
الجزم به لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وهذا يستدعي أن يُتعامَل مع ما
يقوله في موردٍ خاصٍّ بغاية الحذر والتشكيك، فإنَّ مجرَّد عدم ورود شيء يُثبِت
وثاقة الرجل أو دينه - كأن ينصَّ على مدحه من غير جهة الوثاقة - مانع من قبول
روايته، فكيف مع كلِّ هذا الجوّ من الدعاوى!؟
بدون تلك الدعاوى تقول رواية المفضَّل بن عمر، عن الصادق (عليه السلام): «إن ادَّعى
مدَّعٍ فاسألوه عن تلك العظائم التي يجيب فيها مثله»(٣٤).
ثمّ إنَّ هنا جملة من المؤشِّرات التي تمنعنا
من قبول مثل هذه الدعوى أو الاستناد إلى هذه الرواية لترتيب هذا الأثر المهمّ:
١ - الفرق بين حجّية الظهور والواقع:
يتحرَّك الإنسان منطلقاً من علمه إن أمكنه حصول العلم، ولـمَّا كانت دائرة العلم
فيما نحتاجه من تصديقات ضيِّقة إلى حدٍّ بعيد، دار الأمر بين أن نتوقَّف خارج دائرة
العلم ونقتصـر في التحرُّك على العلم فقط، أو أن نُوسِّع دائرة التحرُّك لتشمل
الموارد التي يحصل فيها ظنٌّ خاصٌّ أو مطلق الظنِّ، وربَّما وسَّعناها إلى بعض
المحتملات ولو كانت ضعيفة، ومن يشترك في دائرة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) الغيبة للنعماني: ١٧٨/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٩.
اليانصيب في المجتمعات
الكبيرة قد يصل عددهم إلى عشـرات الملايين مع أنَّ فرصة الفوز للمشترك قد لا تصل
إلى نسبة الواحد إلى عشرة ملايين.
والتوقُّف عند حدود دائرة العلم يعني بالضـرورة توقُّفاً شبه تامٍّ للحياة، فلا من
يذهب إلى المدرسة يعلم أنَّ الظروف ستناسبه إن بقي حيّاً ليصل إلى ما خطَّط له، ولا
يتحرَّك عالم لبحث أمر ما، ولا يسعى مخترع للوصول إلى مخترَع ما، ولا يدخل تاجر في
التجارة، ولا يخوض مستكشف غمار تجربة الاكتشاف، وغير ذلك. ومن هنا قضت ضرورة الحياة
أن تُوسَّع دائرة التحرُّك بما يتعدّى حالات العلم، وهناك مفردات لا يحصل العلم بها
تبانى العقلاء على الاعتماد على الظنِّ فيها كما في الظنون الخاصَّة التي منها
ظهورات اللفظ والظهور الحالي، ومنها خبر الثقة أو الخبر الموثوق المضمون.
وكيف كان فقد تبانت المجتمعات العقلائية على الاعتماد على الظهور في تحديد مراد
المتكلِّم من كلامه، ولـمَّا لم يردعنا الشارع المقدَّس بردعٍ واضحٍ عن التعامل مع
ما صدر منه بالظهور لتحديد مراده، استكشفنا بالقطع أنَّه يقبل بمرجعية الظهور
لتحديد مراداته.
لكن دور الظهور إنَّما هو في حدود التحديد التعبّدي، وليس كلُّ الموارد يكفي فيها
التحديد التعبّدي، ففي الفروع يكفينا التعبُّد في تحديد الأحكام الشـرعية، وأمَّا
في الاعتقاد فالمسائل الأساسية لا يكفي فيها التعبُّد، وهذا يعني أنَّ مجرَّد ظهور
الدليل على المعتقد الأساسي غير كافٍ في الاستناد إليه لبناء معتقد ولو كان صدوره
قطعياً، وأمَّا في تفصيلات الاعتقاد - فيمكن على نظر مشهور - الاستناد إلى التعبُّد
كالظهور في جهة الدلالة وخبر الثقة في جهة الصدور. ولكن مع ذلك فإنَّ دور الظهور هو
بناء صورة المعتَقد، وفي بعض الموارد لا يكفي ذلك، بل نحتاج إلى قطع الشكِّ
باليقين، ومن هنا احتاج الأنبياء في إثبات نبوّاتهم إلى المعجزة والسبل التي تورث
القطع، ومثل هذا يجري في
الأئمَّة (عليهم
السلام). والرايات التي سترتفع وارتفعت في ما مضـى من الزمن لا يكفينا مجرَّد ظهور
في رواية ولو كانت قطعية السند لتحديد أنَّها على حقٍّ، أو أنَّها المعنيَّة بتلك
الرواية، إذ لا بدَّ من القطع في النتيجة وهو لا يحصل إلَّا إذا توفَّرت جهتان
قطعيتان في الرواية: الأُولى جهة الصدور والثانية جهة الدلالة. وقطعية الدلالة لا
تحصل في الدليل الذي يدلُّ على قضيَّة خارجية إلَّا إذا توفَّرت فيه حيثيات المقصود
بالنحو الذي يمنع من احتمال انطباقه على فرد آخر، وأين هذا من لفظ (مهديين اثني
عشـر) إذا كان المراد تحديد أشخاصهم؟
ولو سلَّمنا إمكان التعبُّد فإنَّما نُسلِّمه في مثل: «فأتوه ولو حبواً على الثلج»(٣٥)
التي لم ترد في اليماني، إذ وردت بصيغة الأمر، والأمر ظاهر في الوجوب، ويمكن
الاكتفاء هنا بالظهور لإثبات الوجوب.
ولكن كلَّ حكم يحتاج إلى إثبات موضوعه، والرواية لم تتناول هذه الجهة بالإثبات، بل
هي تقول: (عند ظهوره)، فإذا شككنا أنَّ الوجود الفلاني هو المعنيُّ والذي يجب
الإتيان إليه ولو حبواً على الجليد، فإنَّ الرواية المزبورة ليست الحلَّ، لأنَّه قد
ثبت في محلِّه أنَّه لا يجوز التمسُّك بالدليل في الشبهة الموضوعية له، فإنَّ دور
الدليل هو إثبات الحكم للموضوع، ومتى ما ثبت الموضوع جاء دور الدليل ليقول: إنَّ
الحكم الكذائي ثابت لهذا الموضوع.
فإن قيل: ما فائدة الأخبار الواردة في كلِّ هذه الموارد إن لم يُنتَفع بها على
مستوى التعبُّد بعد عدم ارتقائها في الدلالة، بل والصدور إلى مستوى القطع؟
كان الجواب: أنَّها بصدد إعطاء تصوّرات كلّية عمَّا ستكون عليه الأحداث في مستقبل
الأيّام، لتكون الناس على تصوّر إجمالي، فلا تصدمهم الأحداث ولا تفاجؤهم الدعاوى.
ويشهد لما أقول أنَّ أكابر المتخصِّصين والعلماء قد اختلفوا في تحديد المراد من
الأحداث التي ورد التنبيه إليها في الروايات على أنَّها من العلائم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) كمال الدين: ٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٥.
بل يشهد أيضاً عدم
توفُّر المشخِّصات التي تمنع من احتمال انطباقها على أكثر من فرد، ولو كان المراد
معرفة تلك المفردات لتوفَّرت الروايات على ما يقطع الشكَّ باليقين من خلال استيعاب
كلِّ ما يتوقَّف عليه قطع الشكِّ في المراد.
وهل تظنُّ من حكيم أن يجعل دينه منوطاً باتِّباع شخص ثمّ يقتصـر على رواية أو حتَّى
روايات حوت وصفاً فضفاضاً يمكن أن يدَّعيه أيُّ ابن أُمِّ أو كلُّ من هبَّ ودبَّ؟
ويضاف إلى ذلك أنَّ الأوصاف التي تُذكَر لتحديد فرد ما أو قضيَّة خارجية ما لا بدَّ
أن تكون قابلة للتحقُّق من وجودها من قِبَل الناس، أو لا أقلّ من أصحاب التخصُّص في
ذلك المجال. ووصف المهديّين يحكي شيئاً باطنياً لا يمكن أن يقف عليه خواصُّ الناس
فضلاً عن عوامِّهم، وكيف لنا أن نتحقَّق أنَّ فلاناً مهدي؟ وهل نكتفي بدعواه، ولا
يوجد تاريخ قد يدعمه ولا واقع يُصدِّقه ولا معجزة تدلُّ عليه؟
ومثل الأنبياء الذين ارتقوا في مراتب الكمال حتَّى وصلوا إلى مرتبة حصل معها
الانفتاح على الغيب والتواصل مع السماء، والذي يعني أنَّ الكثير من مؤشِّرات
الاستقامة وارتقاء النفوس قد لاحت للناس فيهم لم يُكتفَ منهم بمجرَّد ذلك، وكان
حقّاً للناس أن يطالبوهم بالمعجزة لإثبات صدق مدَّعياتهم، فكيف يُكتفى بدعوى مدَّعي
أنَّه المهدي الأوَّل المعنيُّ بالرواية، ولم يُعرَف منه تقوى أو تاريخ استقامة،
يتعكَّز على رؤيا أو منام قد تراه آحاد الناس؟ ومتى كان دين الله يُرى في المنام؟
والموروث الشـرعي على ضخامته لم يُحدِّثنا عن نبيٍّ من الأنبياء أنَّه احتجَّ على
الناس برؤيا أو منام، ونحن وإن التزمنا بأنَّ ما يراه المعصوم في منامه كالذي يسمعه
في يقظته، لكن ذلك خاصٌّ برؤيا المعصوم لا رؤيا أحد آخر، على أنَّ عالم اليقظة شهد
دعوى المفترين أنَّ بعضهم آلهة
وبعضهم أبناء آلهة أو
رُسُل أو أنبياء أو أئمَّة مع الجزم بكذبهم، فلماذا نستبعد كذب الرؤيا من عوامِّ
الناس وجُهّالهم؟
وأمَّا كيف كانت دلالة رواية الوصيَّة في حدود الظهور؟
فجوابه: أنَّ اللفظ إن احتَملَ أن ترتبط به قرينة على الخلاف دون حصول تناقض في
دلالته، فدلالته في حدود الظهور وإلَّا فهو نصٌّ، ولو أنَّ الرواية جاء فيها بعد
ذكر المهديّين الاثني عشـر فقرة (والمراد رجوع الأئمَّة (عليهم السلام) فيحكمون
واحداً بعد الآخر) لما أحسسنا بالتنافي في متنها، إذن فدلالتها في حدود الظهور.
وكيف كان فالمفردة الاعتقادية التي تنعكس على واقع التحرُّك العملي - ولا يُراد
منها مجرَّد سدّ ثغرة في صورة عن الواقع دون ترتُّب أثر عملي كتفاصيل البرزخ ويوم
القيامة وما بعده - قد لا يكفي فيها دليل التعبُّد، إذ المطلوب هو إدراك الواقع لا
التعبُّد بصورة حاكية عنه، قد تصيبه وقد تخطئه.
وهذا يعني الحاجة إلى دليل قطعي في جهتي السند والدلالة، وأنّى لهم التناوش من مكان
بعيد، وإنَّما هي نفس واحدة وثمنها الجنَّة ليس إلَّا، فلا يقبل المنطق أن أبيعها
استجابةً لناعق نعق هنا أو زاعق زعق هناك.
٢ - الظهور حجَّة على صاحبه أو من ساغ له
تقليده ومتابعته:
لو أغفلنا النظر عمَّا ذُكِرَ في المبحث السابق، والتزمنا بحجّية الظهور في مثل هذا
المورد، ولم تقم قرينة على خلافه تُسقِط الحجّية عنه، ولم تعارضه دلالة دليل آخر
بنحو مستقرٍّ بحيث يُسقِطه عن الحجّية ويُقدَّم عليه أو يسقط معه وفقاً لقواعد
التعارض المنقَّحة في محلِّها في باب التعادل والتراجيح، فإنَّ الظهور إنَّما يكون
حجَّة على من تحقَّق عنده دون غيره، وفي محلِّ الكلام نقول: إنَّ المورد ليس من
الفروع العملية ليسوغ التقليد فيه، ولا أنَّ المقلَّد المزعوم قد توفَّرت فيه شرائط
التقليد بنحو تحقَّق المكلَّف من ثبوتها، وأنّى له التثبُّت من وجودها فيمن احتجب
عن الأنظار وغاب عن الأبصار؟ وفي المقابل ليس
للمتابعين قابلية
التحقُّق من الظهورات وإعمال قواعد الصناعة في استنطاق الأدلَّة والوقوف على مكنون
معانيها وواقع مقاصدها. وملاحظة المعارض لها وما يمكن أن يُؤثِّر في المفهوم منها
ممَّا يصلح لأن يكون قرينة على إرادة ما هو مخالف للظاهر أو ما يُؤثِّر على قبولها
رغم تمام دلالتها - لو تمَّت -، وعلى هذا كيف يحلُّ الإشكال في المتابعة؟
ونحن حين نظرنا إلى هذه الرواية لم نجد فيها ما يصلح للدلالة على المدَّعى المزعوم
ولا تشخيص الفرد المراد، إذ إنَّها تتحدَّث عن قضيَّة خارجية وليست بصدد بيان حكم
كلّي ليقال: إنَّ الدلالات تتناول المفاهيم، وفي مقام تحديد المفاهيم يرجع إلى
الفهم العرفي. مضافاً إلى كثرة الهنات في الاستفادة المزبورة من قرائن عقلية ورواية
معارضة وقرائن منفصلة. فكيف يُراد إتمام الحجَّة علينا بدعوى تُسوّق على أنَّها
مستندة إلى دليل صالح لتأسيس مثل هذا الأمر المهمّ؟
٣ - تدبير الأُمور مقنَّن:
إنَّ الكون قائم بالله تعالى خالقه ومدبِّره، يحكم كلَّ صغيرة وكبيرة فيه بكلمة كن
التكوينية ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا
يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة: ٢٥٥) وإدارته
تعالى لعالم خلقه وفق ضوابط لا تتخلَّف، فلا مجال للانتقائية ولا للمواربة ولا
للمحاباة، نعم تؤطِّر ذلك الحكمة والعدل واللطف.
وهذا يعني أنَّ إعمال عناية بأمر ما يحتاج إلى توفُّر ما يوجب تلك العناية فيه،
وحين يُدَّعى أنَّ الله تعالى أعمل عناية تكوينية بأمر ما، ووظَّف الغيب وحرَّك يد
الإعجاز لغرض ما، أو في مورد ما، فلا بدَّ أن تكون فيه بعض الخصوصيات التي استدعت
ولو بنحو الاقتضاء ذلك التدخُّل الغيبي، وهذا يعني وجود المقتضي كذلك في كلِّ مورد
توفَّرت فيه تلك الخصوصية بمستوى مماثل أو أعظم منه.
وحين نقف على دعوى
تدخُّل الغيب وسلوك سبيل الإعجاز في حفظ وصيَّة ما عن أن يدَّعيها مفتر أو كذّاب،
من حقِّنا أن نتساءل عن مستوى الأهمّية في تلك الوصيَّة الذي جعلها تحظى بهذا
المستوى من الاهتمام.
وهل كانت عملية التمهيد لظهور الإمام (عليه السلام) وقيام دولة الحقِّ أهمّ من نفس
قيام الإمام (عليه السلام)؟ والتاريخ حافل بمدَّعي المهدوية على مرور أيّامه وترامي
سنيِّه. ألم يكن منع المدَّعين من ادِّعاء الإمامة بالإعجاز أولى من منع ادِّعاء من
يقول بوجود وصيَّة بالممهِّد للإمام (عليه السلام)؟
ثمّ ألم يكن الأولى منهما معاً منع سبيل ادِّعاء النبوَّة؟ وما أكثر من ادَّعاها.
والقرآن يُبيِّن عظم هذه الفرية على الله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ
إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ (الأنعام: ٩٣).
بل ألم يكن منع ادِّعاء ولد لله تعالى أولى بالمنع؟ والقرآن يؤرِّخ: ﴿وَقالَتِ
الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذلِكَ
قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ
قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (التوبة: ٣٠).
على أنَّ في الآية دلالة واضحة على ادِّعاء البنوَّة للإله من أقوام قبل اليهود
والنصارى، وما أعظم هذا الادِّعاء.
﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ
شَيْئاً إِدًّا * تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرضُ
وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا * أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً﴾ (مريم: ٨٨
- ٩١).
وهذه الآيات تغنيك عن استبيان مستوى أهمّية المنع عن ادِّعاء ثبوت أُبوَّة الله
لأحد، وما أعظم سورة التوحيد التي تعدل ثلث القرآن، وقد تعرَّض نصفها لنفي نسبة أحد
إلى بنوَّة الربِّ.
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً
أَحَدٌ﴾ (الإخلاص: ٣ و٤).
فلو كان الله تبارك وتعالى قد جرى على الاستناد إلى التكوين في منع دعوى
المدَّعين ألم يكن
باب دعوى من ادَّعى البنوَّة له تعالى أولى من سدِّ باب دعوى من ادَّعى وصيَّة
لممهِّد للإمام (عليه السلام) ولو كان ذلك في مشروع بشارة الأنبياء (عليهم السلام)؟
ثمّ ألم يكن منع ادِّعاء الربوبية أولى بالمنع تكويناً من وصيَّة لممهِّد؟ وما أكثر
من ادَّعاها في مختلف مقاطع التاريخ البشري، وما فرعون ونمرود إلَّا مثالين من
عشرات على مرِّ التاريخ.
وأنا أجزم بعدم المنع، وأنا أرى من يفتريها الآن، وستمرُّ الأيّام ويذهب الزبد
جفاءً وتسقط كلُّ وليجة دون أمرهم (عليهم السلام). وقد أعجل التاريخ على الكثير
ممَّن هُيِّئ لهم أنَّ الأُمور قد مُهِدَّت لهم حين قذف الله بالحقِّ على الباطل
فدمغه، فإذا هو زاهق، ولهم الويل ممَّا يصفون.
٤- التكتُّم على أسماء أصحاب المشاريع
الإصلاحية الإلهية:
إنَّ المتتبِّع في مشاريع الإصلاح الإلهي التي يخبر عنها قبل زمانها يجد أنَّها
يتمُّ التعمية عليها منعاً من الاطِّلاع التفصيلي على الشخصيات التي أُوكلت لهم
قيادة تلك المشاريع، وفي ذلك سلوك سبيل الأسباب الطبيعية لحماية المشاريع وقادتها،
فحين تقتضـي الحكمة أن يبعث نبيٌّ في بني إسرائيل وتأتي البشارة الإجمالية أنَّه من
نسل عمران تنصـرف كلُّ الأذهان إلى أنَّه ابن مباشر له، وحين تكشف ولادة زوجته أنَّ
الحمل لم يكن إلَّا أُنثى تصاب أُناس بالذهول، ثمّ يُعمى الأمر على الناس حتَّى
تفاجأهم العابدة القدّيسة بصبي تحمله بين يديها، فما كان منهم إلَّا أن اتَّهموها
بالمنكر، وحين تُسأل عن ذلك تشير إليه بما يُفهَم منه أنَّه هو الذي سيُجيب عن
تساؤلاتكم، فيشاء الله تعالى أن يخرق نواميس الطبيعة فينطق الصبي حديث الولادة
بأنَّه النبيُّ الذي كان في حمله وولادته ونطقه آية للناس ورحمة، فيبهت هذا الخروج
الصارخ عن المألوف أنفسهم ويُخرس ألسنتهم.
وحين يقع في التقدير
الإلهي أن يُبعَث النبيُّ الخاتم بالدين الخالد والمشـروع الإلهي الكبير، وتقتضـي
الحكمة الإلهية التنويه عنه ينطق عيسى (عليه السلام) في دعوته لبني إسرائيل بقوله:
﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ
وَمُبَشِّـراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (الصفّ:
٦).
لكنَّه لم يُبيَّن بالنحو الذي لا يقبل اللبس والاشتباه، فالناس لم تكن تعرفه (صلّى
الله عليه وآله وسلم) باسم أحمد، بل هو محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، ولا
شكَّ أنَّ تنويه عيسى (عليه السلام) بذلك الاسم لم يكن لأجل التعرُّف عليه، وإلَّا
لكان المناسب أن يُسمّيه باسمه الذي كانت تعرفه الناس به، وبملاحظة أنَّه (صلّى
الله عليه وآله وسلم) كان يقول: «اسمي في السماء أحمد»(٣٦)
يتبيَّن أنَّ التعرُّض للتسمية كان للتنويه لا للتشخيص.
ولهذا لم يستعمل النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) ذكره باسمه في الإنجيل
للاحتجاج على النصارى، بل كان عليه أن يدفع الاختلاف بين الاسمين ما تعرفه الناس به
وما نصَّ عليه عيسى (عليه السلام)، ولم أقف على محاججة واحدة منه (صلّى الله عليه
وآله وسلم) عليهم بذلك ليُثبِت أنَّه هو النبيُّ المبشَّر به.
بل سلك معهم سبيل المنطق والاستدلال، ودعم ذلك من خلال المعجزات إن كانت مؤثِّرة
فيهم، وإن سُدَّت أبواب الاستجابة دعاهم إلى المباهلة كما حصل مع نصارى نجران.
حين ترسم البيانات خريطة مسلك الإمامة ومتسنّمي ذلك المنصب، وتشير إلى أنَّ آخرهم
يُمثِّل بشارة الأنبياء ومفردة تحقُّق العدل الإلهي على الأرض، ليكون معلِّماً
للحياة في الأرض بعد أن امتلأت ظلماً وجوراً يُعمى على الناس أمر ولادته، ويخفى
حتَّى على الخواصِّ إلَّا في دائرة ضيِّقة جدّاً، بل ويحرم التصريح باسمه، وفي ذلك
سدٌّ لباب تعرُّض أعداء المشـروع الإلهي لحياته بسوء، والروايات صريحة في أنَّ بعض
حكم الغيبة ترجع إلى ذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) راجع: تفسير القمّي ٢: ٣٦٥.
حتَّى إذا قضـى الله
تعالى بقضائه أن يخرج (عليه السلام) كان خروجه بغتةً، فمثله كمثل الساعة ﴿لا
يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ﴾ (الأعراف: ١٨٧).
على أنَّ معرفتنا باسمه في زماننا لا تُشكِّل خطراً عليه، لأنَّ الغرض ليس تعيين
شخصه من خلال الاسم، فهو غائب عن الأنظار ليس بإمكان شخص أن يُطبِّق الاسم على
المسمّى دون الخروج عن الموضوعية، وحين يعلن عن نفسه في المسجد الحرام يكون الأمر
التكويني بحفظه ونصـرة حركته قد صدر من الله تعالى، فيجيء دور الإعلان لا الكتمان،
كما أعلن النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عن دعوته، وأعلن عيسى (عليه السلام)
عن نبوَّته.
فكيف والحال هذه أن يأتي من هو بزعمه قائد التحرُّك للتمهيد لدولة الحقِّ وبشارة
الأنبياء (عليهم السلام)، ويقول: لقد أثبتت الروايات هذا الأمر لي، وأنا الذي
أسمتني بأحمد، وأنّي من المدينة الكذائية؟ مع ملاحظة أنَّ حركته لو كانت حقَّة
فإنَّ فيها تهديداً لكلِّ النُّظُم السياسية في العالم أجمع وكثير من النُّظُم
الحالية قائمة على الظلم والاستبداد ومتَّخذة للكفر والإلحاد مسلكاً ومذهباً تدين
به، ممَّا يعني أنَّ المبرِّرات للإيقاع به ووأد حركته ستكون على مستوى عالٍ من
الشدَّة.
وهذا الوجه إن لم يكن دليلاً فلا أقلَّ من كونه مؤيِّداً يُنتَفع به في دعم بقيَّة
الوجوه.
ولكن هذا الوجه يضعف من خلال وجود المعارض، فقد روى الصدوق بسندٍ تامٍّ عن أبيه
وابن الوليد معاً، عن سعد والحميري ومحمّد العطّار وأحمد بن إدريس جميعاً، عن ابن
عيسى، عن البزنطي، عن أبان بن عثمان، عن محمّد الحلبي - فالرواية موثَّقة لمكان
أبان بن عثمان الذي هو من أصحاب الإجماع -، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
«إنَّ يوسف بن يعقوب صلوات الله عليهما
حين حضـرته الوفاة جمع
آل يعقوب وهم ثمانون رجلاً، فقال: إنَّ هؤلاء القبط سيظهرون عليكم ويسومونكم سوء
العذاب، وإنَّما ينجيكم الله من أيديهم برجل من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن
عمران، غلام طوال جعد آدم، فجعل الرجل من بني إسرائيل يُسمّي ابنه عمران ويُسمّي
عمران ابنه موسى»(٣٧).
فالرواية سمَّته وبيَّنت أنَّه صاحب مشـروع خلاص بني إسرائيل وأعطت صفاته الجسدية،
لكنَّها إنَّما ذكرته لبني إسرائيل دون فرعون، ويبدو أنَّ فرعون لم يفهم تلك
الأوصاف، لأنَّه بدأ بمراقبة كلِّ نساء بني إسرائيل.
ويمكن مناقشة هذا الجواب ببعض الوجوه التي أعرضت عن ذكرها والوقوف عندها حذراً من
الإطالة، ولعدم ترتُّب فائدة كبيرة خصوصاً مع اتِّخاذه مؤيِّداً لا دليلاً.
٥- المعجزة خيار الحالات الاستثنائية:
أجرى الله تعالى نظامه الكوني على قانون السببية، ولكن هناك بعض الحالات التي
تقتضـي فيها الحكمة، وربَّما تدعو الضـرورة إلى أن تخرق فيها القوانين المألوفة
بنحو من الإعجاز، أو ما يكون قريباً منه، ممَّا يُشكِّل خرقاً للنُّظُم المألوفة
التي تجري عليها جزئيات هذا الكون، ولكن الأصل هو أن توجد الأشياء بأسبابها
المألوفة.
حين يُبعَث نبيٌّ من الأنبياء لا يُكتفى بمجرَّد قول الحقِّ منه، فقول الحقِّ
بمجرَّده لا يكفي لإثبات نبوَّته وسفارته عن السماء، وما من سبيل للتحقُّق من ذلك
إلَّا أن يأتي بما لا يمكن أن يأتي به بشـر بما هو بشر، ولا يكفي أن يأتي بما يعجز
عنه الآخرون، فالأبطال الخارقون وأصحاب الأرقام القياسية في مختلف مجالات الرياضة،
والمكتشفون الأعاظم لا يكفي لهم ذلك لإثبات أنَّهم
أنبياء لو ادَّعوا
ذلك، ولا بدَّ من قطع الشكِّ باليقين لتتمَّ الحجَّة على العباد، والدور الحاسم هنا
للمعجزة، وقد يسبقها تمهيد من نبيٍّ سابق ثبتت نبوَّته بطريق قطعي، ولكن لا يُستغنى
أبداً عن المعجزة وخرق القوانين المعروفة للطبيعة، فإتمام الحجَّة على العباد
يتوقَّف عليها في حالات. وفي أُخرى لطف الله تعالى يستدعيها، لأنَّها تُقرِّب الناس
من الطاعة والاستجابة لدعوات الأنبياء، ومن هنا لم يقتصر نبيٌّ على معجزة واحدة.
فحين يُوضَع إبراهيم (عليه السلام) في المنجنيق ليُرمى في نار لعظمها لا يتمكَّنون
من الاقتراب منها، وكلُّ الأسباب الطبيعية تشير إلى طيِّ صفحة وجود نبيٍّ عظيم، لكن
الله ﴿بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ
قَدْراً﴾ (الطلاق: ٣)، فتتحوَّل أداة الإحراق إلى آلة برد وسلام عليه.
وحين اقتضت الحكمة أن يبعث الله تعالى موسى (عليه السلام) نبيّاً في وقت سُدَّت فيه
الطرق الطبيعية لولادته، حيث كان جلاوزة فرعون يُفتِّشون نساء بني إسرائيل عن أيِّ
علامة حمل جديد فتُبقَر بطون الأُمَّهات، تدخَّلت يد الغيب في التكوين لتتجاوز
النواميس الطبيعية وتُعطِّل القوانين المعروفة منها، فيتوقَّف جسمه عن النموِّ إلى
آخر ليلة في بطن أُمِّه، ثمّ يكبر في ساعة، فتلده دون أن يعرف بذلك جلاوزة فرعون،
كما نصَّ على ذلك الطبرسي في تفسيره(٣٨).
حين يستدعي فرعون قومه لينال من موسى وقومه وهم شرذمة قليلون، وكانوا له غائظين،
تجتمع الآلاف لصيد سهل سمين، وينادي أصحاب موسى (عليه السلام):ـ ﴿إِنَّا
لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: ٦١)، حين استندوا في رؤيتهم إلى الأسباب الطبيعية،
فيقول موسى (عليه السلام) الذي اعتقد بالغيب واطمأنَّت به نفسه: ﴿كَلَّا
إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: ٦٢)، تُضـرَب القوانين الطبيعية
أيضاً،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) كمال الدين: ١٤٧/ باب ٦/ ح ١٣.
(٣٨) راجع: تفسير مجمع البيان ٧: ٤١٦.
فينفلق الماء حتَّى
أصبح كلُّ فرق كالطود العظيم، ليعبر موسى وقومه بسلام، ثمّ تطبق الموجات العظيمة
على جيش فرعون، وهو في لحظات إحساسه بأنَّه أقرب ما يكون من التخلُّص من هذا النبيّ
العبراني.
حين تقتضي الحكمة أن يُخلَق عيسى (عليه السلام) من غير أبٍ، وتتوقَّف قوانين
الطبيعة عن أن تقنع الناس بذلك، ويتوقَّف قبول نبوَّته على دفع التهمة عن أُمِّه،
تتدخَّل يد الغيب مرَّة أُخرى لتقطع ألسنة المشكِّكين، فينطق الصبي في يومه
الأوَّل: ﴿فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ
كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي
بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ
أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٢٩ - ٣٣).
فدُفِعَت التهمة بذلك عن أُمِّه، وأُقيمت الحجَّة القاطعة على نبوَّته.
حين يتسلَّل أربعون رجلاً لقتل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، ليضيع دمه بين
القبائل، فلا تقدر هاشم أن تأخذ بثأره، وتُعلِن الأسباب الطبيعية عجزها عن أن
تُهيِّئ سبيلاً للمراد الإلهي بحفظ النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وإعلاء
دينه، يقول الغيب كلمته، وتُعطَّل قوانين الطبيعة بقوانين الأمر الإلهي الذي إذا
أراد شيئاً يقول له: كن فيكون، وتفعل حاكمية الله ما يلائم المراد الإلهي، فيمرُّ
عليهم دون أن يشعروا به، ويرمي على رؤوسهم التراب، فتبدأ الهجرة. وحين يكاد يُدركه
القوم وهو في الغار بعد أن استعانوا بخبرة متتبِّعي الأثر في الصحراء، يتوقَّف
إنجاؤه على خرق قوانين الطبيعة، فتُساق الحمامة لتصنع عشّاً، وتُقيَّض عنكبوت لتصنع
بيتاً يسدُّ فوهة الغار، فينصـرف عنه أعداؤه وقد كادوا أن يمسكوا به.
حين يحين وقت ولادة الإمام الثاني عشـر (عليه السلام)، والقوم قد جعلوا بيت
والده تحت مراقبة
شديدة ينتظرون قدومه ليفتكوا به فيقطعوا بذلك هواجس الخوف على ملكهم، وتعجز أسباب
الطبيعة عن أن تجد مخرجاً لتلك المشكلة، يكشف الغيب عن مكنون قدرته، ويُعطِّل بعض
قوانين الطبيعة بحاكميته عليها، فتنتفي آثار الحمل عن أُمِّه حتَّى على الخواصِّ.
فالسيِّدة حكيمة عمَّة أبيه، والتي أُرسل إليها لتشهد تشـرُّف العالم بقدوم مصلحه
وناشر راية الهدى ومحطِّم أعلام الضلال، تستغرب من الخبر، مع أنَّ الذي أخبرها إمام
زمانها، إذ صدمها أنَّها في ليلة الولادة لا ترى آثار حمل فضلاً عن مقدَّمات ولادة
عند أُمِّه.
ولمثل ذلك نقول: إنَّ خرق قوانين الطبيعة تُمثِّل حالة استثناء يُصار إليها عندما
تُعلِن قوانين الطبيعة عجزها عن توفير وتحقيق المراد الإلهي، أو أنَّ المعجزة تكون
ساندة للأسباب الطبيعية عندما يترتَّب على المعجزة الإلهية أثر لا يكاد يترتَّب
بدونها، وأَمَّا أن تُترَك المسألة كاملة للغيب دون أن تُحرِّك الأسباب الطبيعية
ساكناً مع إمكان الاستفادة منها، فهذا من زخرف القول.
أليس من الممكن أن يُخبِر عن الوصيَّة بخبر تامِّ السند تامِّ الدلالة وهي بهذا
المستوى من الأهمّية بزعم مدَّعيها؟ بل ألم يكن متيسَّـراً أن تأتي عشـرات الروايات
في ذلك، ثمّ لو احتاج الأمر إلى تدخُّل يد الغيب في صرف المفترين عن ادِّعائها
لتمَّ اللجوء إليه؟
وله أن يقول: إنَّ صرف الناس الذي تحدَّثنا عنه واستعمال المعجزة ليس في إثبات أصل
الوصيَّة ليرد ما تقدَّم، بل إنَّ الله قد صرف الناس عن ادِّعائها، وأين هذا من أصل
ثبوتها؟
قلنا: الكلام هو الكلام، فهل سُدَّ الطريق عن أن تأتي روايات واضحة دلالة وقويَّة
سنداً لتُحدِّد لنا سمات هذا الممهِّد الخلف! الذي يسبق الإمام (عليه السلام)
بالتمهيد له ثمّ يخلفه
في حكمه، فإذا لم يكن ذلك كافياً استعين بالمعجزة؟
ولكن إذا كان المقصود من الكلام سُذَّج الناس وبسطاءهم، فما الحاجة إلى المنطق
والدقَّة العقلية خصوصاً والمنطق على خلاف ما يريده المتكلِّم؟
٦- تناسب الاهتمام مع مستوى الأهمّية:
كلُّ عاقل ملتفت له مرادات يسعى للحصول عليها وتحقيقها، ولا بدَّ أن يكون مستوى
اهتمامه بها متناسباً مع مستوى أهمّيتها، والشارع المقدَّس لا يخرج عن هذه القاعدة،
فحين تُشكِّل الصلاة عموداً للدين، فإنَّ ذلك يستدعي إبراز اهتمام بها يتناسب مع
مستوى أهمّيتها، ومن هنا أتانا سيل من البيانات في الكتاب والسُّنَّة، مع أنَّ
مؤشِّرات زيادة الاهتمام بها لم تقتصـر على مثل هذه الآيات، فرُبِطَ قبول الأعمال
بقبولها «إن قُبِلَت قُبِلَ ما سواها وإن رُدَّت رُدَّ ما سواها»(٣٩)،
وكونها «خير موضوع، فمن شاء استقلَّ ومن شاء استكثر»(٤٠)،
وكونها أوَّل ما يُسأل عنها يوم القيامة(٤١)،
وتصدر تعليل أهل سقر لمآلهم بأنَّهم لم يكونوا من المصلّين(٤٢)،
وأوَّل وصيَّة تحدَّث عنها عيسى (عليه السلام) من ربِّه قوله: ﴿وَأَوْصانِي
بِالصَّلاةِ﴾ (مريم: ٣١)، ومدى امتداد مدَّة الصلاة في عمر الإنسان بما في
ذلك النوافل منها، وكونها كالنهر الذي يذهب درن الذنوب في الرواية: «يا عليُّ،
إنَّما منزلة الصلوات الخمس لأُمَّتي كنهر جارٍ على باب أحدكم، فما يظنُّ أحدكم لو
كان في جسده درن ثمّ اغتسل في ذلك النهر خمس مرّات في اليوم، أكان يبقى في جسده
درن؟ فكذلك والله صلوات الخمس لأُمَّتي»(٤٣)،
وغير ذلك كلُّها قنوات تُبيِّن أهمّيتها.
وعندما يتعرَّض الكتاب الكريم لبرِّ الوالدين يذكره في خمسة موارد تالياً للتوحيد:
(النساء: ٣٦، الأنعام: ١٥١، البقرة: ٨٣، لقمان: ١٣ و١٤، الإسراء: ٢٣)، ومع كون
العطف بالواو وهي لا تفيد الترتيب إلَّا أنَّ هذا الاقتران وتُلُوَّ التوحيد لم يكن
من قبيل الصدفة، مع أنَّ المؤشِّرات الأُخرى على أهمّيته ليست بالقليلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) عن أبي عبد الله (عليه
السلام)، قال: «أوَّل ما يحاسب عليه العبد الصلاة، فإذا قُبِلَت قُبِلَ سائر عمله،
وإذا رُدَّت رُدَّ عليه سائر عمله». (الأُصول الستَّة عشر: ٣٢٢/ ح ٥١٢/٢٢).
(٤٠) الألفية والنفلية
للشهيد الأوَّل: ٨٣؛ بحار الأنوار ٨٢: ٣٠٧ و٣٠٨/ ح ٣.
(٤١) عن الرضا (عليه
السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):
«إذا كان يوم القيامة يُدعى بالعبد، فأوَّل شيء يُسئل عنه الصلاة، فإن جاء بها
تامَّة، وإلَّا زُخَّ في النار». (بحار الأنوار ٨٢: ٢٠٧ و٢٠٨/ ح ١٥).
(٤٢) المدَّثِّر: ٤٢ و٤٣.
(٤٣) عوالي اللئالي ٢: ٢٤/
ح ٥٤؛ قريب منها رواية جابر الجعفي بحار الأنوار ٨٢: ٢٣٦/ ح ٦٦.
والأمثلة لذلك كثيرة
جدّاً.
وبالعودة إلى محلِّ بحثنا وما يرتبط بمقدَّمات ظهور الإمام (عليه السلام)، فإنَّ
مسألة بهذا المستوى من الأهمّية المزعومة ومن تركها كان من أهل النار لا يشار إليها
في الكتاب ولا في السُّنَّة إلَّا برواية واحدة سندها غاية في السقوط، اقض عجباً.
إنَّ قتل النفس الزكية ليست إلَّا مفردة من الحوادث التي تسبق الظهور بخمسة عشـر
يوماً يتكرَّر ذكرها في الروايات، فقد نقل المجلسـي في البحار جملة من الروايات في
ذلك في الباب (٢٥) من علامات ظهوره (عليه السلام)، وهي الأحاديث: ٢٩ و٣٠ و٣٤ و٤٠
و٤٩ و٧٨ و٨٢ و٩٨ و١٠٠(٤٤).
مع أنَّها لا أهمّية لها إلَّا العلامية مع قربها من زمان ظهوره، فليس هناك أمر
بالاتِّباع أو الانتصار له أو أيُّ شيء آخر إلَّا أنَّها علامة من العلامات
المحتومة التي تسبق ظهوره (عليه السلام) بقليل.
إنَّ التكليف للإنسان منطلقه محبَّة الله لخلقه، الله الذي يقول عن الذين يستهزؤون
بأنبيائه (عليهم السلام):ـ ﴿يا حَسْـرَةً عَلَى الْعِبادِ ما
يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (يس: ٣٠).
الذي يخاطب الموغلين في ارتكاب الذنوب بأدفأ خطاب من خلال نسبتهم إليه: ﴿قُلْ
يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ
اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ (الزمر: ٥٣).
الله الذي يضع نفسه في مقارنة مع إبليس وتاريخه ليكون مقدَّمة للومهم على اتِّخاذه
وليّاً من دون الله: ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ
اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ
أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ
لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ (الكهف: ٥٠).
حين تتجلّى في إبراهيم (عليه السلام) الرحمة على الخلق ويجادل الملائكة الموكلين
بإهلاك قوم لوط (عليه السلام) يذكر الله ذلك، ثمّ يمدحه بثلاثة أوصاف في ذيل الآية
التي بعدها وليس فيها إلَّا تمجيده (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) بحار الأنوار ٥٢: يبدأ الباب من (ص ١٨١) وينتهي (ص ٢٧٨).
﴿فَلَمَّا
ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْـرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ
لُوطٍ * إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (هود: ٧٤ و٧٥).
حين تتجسَّد الرحمة في النبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) تنهاه الآيات عن
أن يبلغ تأسُّفه على الكفّار حدّاً تذهب به نفسه ولا تنهاه عن أصل التأسف: ﴿فَلا
تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَـراتٍ﴾ (فاطر: ٨).
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ
يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: ٦).
﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
(الشعراء: ٣).
و﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي قاتلها أسفاً.
الله الذي يقول عن نفسه في الحديث القدسي: «من تقرَّب إليّ شبراً تقرَّبتُ إليه
ذراعاً، ومن تقرَّب إلي ذراعاً تقرَّبت إليه باعاً، ومن أتاني مشياً أتيته هرولة»(٤٥).
وماذا عسى المرء أن يقول عن عظمة الله وعظمة رفقه بالمؤمنين، ثمّ تتوقَّع بعد ذلك
أن يأمر النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بالإيصاء لأمر غاية في الأهمّية حتَّى
إنَّ من لا يبادر إلى إعلان الولاء للموصى له، فإنَّ له نار جهنَّم دون أن يُحدِّد
رسماً ويُعيِّن اسماً؟ إذ المفروض أنَّ الرواية ذكرت له ثلاثة أسماء، ولم تُزوِّده
بما يقطع الشكَّ ويرفع الريب، أنقبل ذلك من رجل فيه شيء من الرأفة؟ فكيف نقبله من
الله تعالى!؟
إنّا لا نتحدَّث عن رجل أمن في زمن النظام البعثي مثلاً قد تمكَّن الحقد على
البشـرية من روحه وملأ نفسه فيحاول أن يوقع الناس في موجبات العذاب.
صحيح أنَّه تعالى يريد أن يتمَّ الحجَّة على الناس ﴿لِئَلَّا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (النساء: ١٦٥)،
لكنَّه تعالى لم يقف عند ذلك، بل أعمل غاية اللطف، وتجلَّت في أفعاله الرحمة التي
لا يمكن أن توجد عند مخلوق، وما
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) جامع أحاديث الشيعة - السيد البروجردي: ج١٥، ص٣٦٨.
ادَّخره للآخرة
يُمثِّل تسعة وتسعين جزءاً، ولم يظهر في الدنيا إلَّا جزء واحد.
حين يُصوِّر الإمام (عليه السلام) رحمته بعبادته وفرحته تعالى - على ضيق التعبير -
بتوبته، فإنَّك تسمع عجباً.
حين يذكر الإمام (عليه السلام) رجلاً بالحال التي يكون عليها عندما يعثر على
دابَّته في أرض مهلكة بعد فقدها ثمّ يقول: «الله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك
الرجل براحلته حين وجدها»(٤٦).
مع ملاحظة أنَّ العثور على الدابَّة في مثل هذه الظروف فرحة بالنجاة بالحياة،
وحينئذٍ تريد منّي مع معرفتي اليسيرة برحمة الخالق بخلقه، أن أقبل أنَّه كمن نصب
فخّاً لعباده من خلال عدم تزويد العبد بالمعرفة اللازمة بأمر وعدم إمكانها لعدم
توفُّر أدواتها، إذ المفروض أنَّه ليس إلَّا دعوة مدَّعٍ لا يؤيِّدها منطق ولا
يدعمها دليل ولا يوافقها عقل، ثمّ يعاقب المخالف بالنار، تالله ما هذه طريقة الله
تعالى مع خلقه ولا المعروف من فضله وإحسانه، بل هي أكثر ما تناسب عقدة الذنب عند
القسِّ گريگورد(٤٧).
نعم إنَّه يتحدث عن ربٍّ آخر لا نعرفه، فنعم الربُّ ربُّنا وبئس المتحدِّث عن ربِّه
هو وأمثاله.
٧ - عاصمية رواية الوصيَّة من الضلال:
من النقاط الجديرة بالتوقُّف والمناقشة دعوى أنَّ هذه الرواية عاصمة من الضلال
أبداً بنصِّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ يقول صاحب الدعوى: (فلا
تشكّوا بأنَّه عاصم لكم من الانحراف والضلال عند ساعة القيامة الصغرى)، وقال أيضاً:
(وكتاب رسول الله عند الاحتضار أمر عظيم أعظم من الصوم والصلاة فرضه الله على
الرسول بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ﴾ و﴿حَقًّا
عَلَى﴾ (البقرة: ١٨٠) ووصفه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بأنَّه
يعصم الأُمَّة من الضلال إلى يوم القيامة...).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) الكافي ٢: ٤٣٥/ باب
التوبة/ ح ٨.
(٤٧) كان والد القسِّ
گريگورد وهو ميخائيل گريگورد يرعى الخراف في الأراضي المجدبة في إقليم جزتلند
الغربي، وهو في الثانية عشرة من عمره، وهو يعاني آلاماً مبرحة من الجوع والبرد
والوحدة، صعد على صخرة وأخذ يسبُّ هذا الإله الذي يترك طفلاً في العذاب دون أن
ينجده. ولكن سرعان ما وافته النجدة من خالٍ ثري يتَّجر في الأقمشة في كوبنهاگن،
فتغيَّر حاله عند ذهابه مع خاله، لكنَّه لم ينسَ أبداً أنَّه يئس من رحمة الله
وأنكر دينه وربَّه، لقد نسـي الفقر والجوع ولكنَّه لم ينس خطيئته، ولبث يعيش في
خشية وارتعاد منتظراً العقاب الإلهي، ذلك القلق الذي عبَّر عنه دوستوفسكي في إحدى
رواياته القلق الناجم عن ارتكاب جريمة فيخشى العقاب حتَّى يكاد يستدره، ثمّ أدّى به
ذلك إلى أن يترك عمله ليفوت على الله تعالى المكر به، وترسَّب جنون الخطيئة هذا
داخل الابن، وقد كان الحبُّ يملأ قلبه لكنَّه كان مقروناً بالجنون والخطيئة، وقد
كان يقول: كلُّ لون من ألوان الوجود يخيفني من أصغر ذبابة حتَّى سرّ التجسيد.
وإنّا إذ نسمع هذا
أوَّلاً نتعجَّب من الجرأة على الله بالافتراء على نبيِّه (صلّى الله عليه وآله
وسلم) ، إذ ليس في الرواية أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قال عن هذا
الأمر: إنَّه عاصم من الضلال.
وثانياً: أنَّ العاصم للأُمَّة من الضلال إنَّما يُتصوَّر في أمر يبقى ما بقي الليل
والنهار كما ورد في الكتاب والعترة في حديث الثقلين: «ما إن تمسَّكتم بهما لن
تضلّوا بعدي أبداً»(٤٨)
الذي يرجع إلى العصمة من الضلال بشرط التمسُّك، وبشرط أن يكون بهما معاً، أي بشرط
الجمع.
وبما أنَّ الكتاب والعترة باقيان إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها فنتعقَّل فيهما
ذلك، ثمّ نُصدِّقه، إذ نطق بذلك من لا ينطق عن الهوى إن هو إلَّا وحي يوحى.
وأمَّا أن يقال عن كلام ليس بعنوان وصيَّة للأُمَّة، بل وصيَّة للإمام الثاني عشـر
(عليه السلام) بأن يُسلِّمها إلى ابنه، بأنَّها وصيَّة عاصمة من الضلال فلا وجه
لقوله، فهل منعت بيعة الغدير أمام عشرات الآلاف من المهاجرين والأنصار من الانحراف
والزيغ؟ فحبرها لم يجف بعد والقوم قد انقلبوا عليه حتَّى إنَّه لم يثبت معه إلَّا
أربعة وبعض منهم حاص حيصة.
أم يُراد أنَّ ذات الوصيَّة عاصمة؟ فيرد عليه مع ملاحظة قوله: إنَّه يعصم الأُمَّة
من الضلال إلى يوم القيامة، أنَّ هذا غير معقول، إذ أثر الوصيَّة بزعم مدَّعيها
إنَّما يكون في مقطع زماني لا يُشكِّل شيئاً أمام امتداد عمود الزمان من رحلة
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) إلى جوار ربِّه إلى يوم القيامة.
وثالثاً: لا بدَّ أن يثبت في رتبة سابقة صدور الوصيَّة منه (صلّى الله عليه وآله
وسلم) ، ودون ذلك خرط القتاد، فالطريق في غاية السقوط، وقد بيَّنّا ذلك في محلِّه.
ورابعاً: إنَّ ما أراده من التفريع على وصفها بأنَّها عاصمة من الضلال -
وهو استحالة أن
يدَّعيها أحد من المبطلين، لأنَّ ذلك يلزم منه اتِّهام الله تعالى بالكذب أو العجز
عن حفظ كتاب وُصِفَ بأنَّه عاصم من الضلال - أوهن من بيت العنكبوت.
فهل كان هذا الكتاب أهمّ من التوراة والإنجيل وقد نصَّت الآيات على أنَّ أهل الكتاب
يُحرِّفون الكلم عن مواضعه، مع أنَّ التوراة والإنجيل كتابا هداية لنبيَّين عظيمين
من أُولي العزم من الرسل؟ وهل أنَّ هذا الكتاب أهمّ من القرآن، وقد نصَّت آية فيه
على أنَّه محفوظ من الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا
الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩)؟
مع أنَّه في كتابه (العجل) يقول: (وردت روايات كثيرة عن أهل بيت النبيِّ (صلّى الله
عليه وآله وسلم) دالّة على التحريف، كما وردت روايات عن صحابة النبيِّ (صلّى الله
عليه وآله وسلم) عن طريق السُّنَّة في كتبهم دالّة على وقوع التحريف)، وهذا وفق
قاعدة الإلزام، وهل عجز الله تعالى عن حفظ كتبه السماوية أو أنَّ رواية الوصيَّة
كانت أهمّ من تلك الكتب السماوية، خصوصاً مع نصِّه في القرآن على وصفه بأنَّه: ﴿لا
يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (فُصِّلت:
٤٢)؟
وأقول هذا وأنا ملتفت أنَّ كلامي المتقدِّم كان في حفظ النصِّ لا منع الادِّعاء،
ولكنَّه نصَّ هو على أنَّه (لا بدَّ أن يحفظ العالم القادر الصادق الحكيم المطلق
سبحانه النصَّ الذي وصفه بأنَّه عاصم من الضلال لمن تمسك به - من المبطلين له حتَّى
يدَّعيه صاحبه ويتحقَّق الغرض منه).
وأمَّا على ما تقدَّم أنَّ هذا الوصف لهذا الكتاب أو الوصيَّة المزعومة لو كانت قد
صدرت من النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) بهذا اللفظ - و(لو) حرف امتناع لامتناع
-، فإنَّ من المستحيل أن يكون المقصود منع أحد تكويناً من ادِّعائها إلى أن يأتي
صاحبها، مع ملاحظة
أنَّ هذا المنع لو كان فهو بطريق الإعجاز لا بالأسباب الطبيعية، وهذا له مقام آخر
تعرَّضنا له بما يناسبه في طيّات هذا البحث، فلا حاجة إلى التكرار.
٨ - توعُّد مخالفه بالنار:
ولعلَّ من أسوأ ما رتَّبه على الوصيَّة المزعومة، أنَّ من لم يسـر معه هاوٍ وهالك،
وأنَّ عاقبته جهنَّم، وهو خارج عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأنَّ رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بريء منه، فقد ذكر في بيان البراءة في
(١٣/٦/١٤٢٥هـ):
(لقد قامت عليكم الحجَّة البالغة التامَّة من الله سبحانه وتعالى بي بأنّي الصـراط
المستقيم إلى جنّات النعيم، فمن سار معي نجا ومن تخلَّف عنّي هلك وهوى، وهذا هو
الإنذار الأخير لكم من الله ومن الإمام المهدي (عليه السلام) وما بعده إلَّا آية
العذاب والخزي، وفي الآخرة جهنَّم يصلونها وبئس المهاد لمن لم يلتحق بهذه الدعوة).
إلى أن يقول: (وأُعلن باسم الإمام محمّد بن الحسن المهدي (عليه السلام) أنَّ كلَّ
من لم يلتحق بهذه الدعوة ويُعلِن البيعة لوصيِّ الإمام المهدي (عليه السلام) بعد
(١٣/ رجب/ ١٤٢٥هـ) فهو:
١ - خارج من ولاية عليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهو بهذا إلى جهنَّم وبئس
الورد المورود، وكلُّ أعماله العبادية باطلة جملةً وتفصيلاً، فلا حجَّ ولا صلاة ولا
صوم ولا زكاة بلا ولاية.
٢ - أنَّ رسول الله محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) بريء من كلِّ من
ينتسب إليه ولم يدخل في هذه الدعوة ويُعلِن البيعة.
ونحن نتساءل أين هي الحجَّة البالغة؟ أبرواية غاية في السقوط السندي
وغموض في الدلالة؟ وإن
تجاوزنا ذلك، فمن يثبت أنَّه هو الذي أشارت له الرواية؟ على أنَّ المورد لا يخلو من
غرابة تمنع المنصف من الاطمئنان لها بل من تعقُّلها، فكيف أتعقَّل أنَّ جدَّ فلان
الرابع هو الإمام المهدي (عليه السلام) وأنا لم يثبت عندي أنَّه (عليه السلام)
متزوّج وله ذرّية؟ ومجرَّد الإمكان مع الادِّعاء لا يُعَدُّ حجَّةً فضلاً عن أن
تكون حجَّة بالغة، نعم هي بالغة في الزيغ والاستخفاف بالعقول والضحك على أذقان
بسطاء الأذهان.
ثمّ ها هي ثلاث عشرة سنة مرَّت ولم نرَ العذاب والخزي بعد إنذاره الأخير، ثمّ أين
التخويل من الإمام المهدي (عليه السلام) لشخص يتحدَّث باسمه؟
﴿ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ
عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (الأحقاف: ٤).
وعظم المدَّعى لا قيمة له إن لم يستند إلى دليل، وقد ادَّعى فرعون أنَّه إله ونمرود
وغيره، وقد ادَّعى مسيلمة أنَّه نبيٌّ مرسَل وغيره الكثير، وقد ادَّعى الكثيرون
أنَّهم أئمَّة، نعم لم يكونوا إلَّا زبداً فذهبوا جفاءً.
﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ
النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرضِ﴾ (الرعد: ١٧).
وأمَّا دعوى أنَّ من لم يسر معه فإلى جهنَّم، فهذا ما يُكذِّبه المنطق القرآني،
فإنّا إذا توقَّفنا عند بعض آيات سورة البقرة فسنجزم من خلال الأولوية كذب هذه
الدعوى، فالله تعالى يقول:
١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا
وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ
صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ٦٢).
٢ - ﴿وَقالُوا
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ
اللهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا
تَعْلَمُونَ * بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ
أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ * وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا
الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (البقرة:
٨٠ - ٨٢).
والحديث عن أهل الكتاب.
٣ - ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ
هُوداً أَوْ نَصارى تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
صادِقِينَ * بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ
عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة: ١١١
و١١٢).
فالآيات المتقدِّمة كالصـريحة في أنَّ المدار في النجاة على الإيمان والعمل الصالح
أو الإحسان كما عبَّر الشاهد الثالث.
وهذا لا يعني أنَّ لهم أن يرفضوا دعوة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) عندما
تتمُّ الحجَّة عليهم، ثمّ يتوقَّعوا أن يكون مآلهم الجنَّة، بل من لم تتمّ عليه
الحجَّة وآمن وعمل صالحاً فإنَّه من أصحاب الجنَّة ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
فإذا كان نظر القرآن لأهل الكتاب بهذا النحو، فكيف لمؤمن شيعي اثني عشـري أن يكون
من أهل النار لمجرَّد أنَّه لم ينعق مع كلِّ ناعق ولم يرد أن يكون ريشة تُحرِّكها
أيَّة نسمة؟
وأمَّا قوله: إنَّ من لم يلتحق بالدعوة، بل الدعوى المزبورة فهو خارج عن ولاية أمير
المؤمنين (عليه السلام) وهو بهذا إلى جهنَّم وكلُّ أعماله باطلة، فلا أعجب منه.
ونحن لا ننكر وجود روايات في أنَّ من جاء الله تعالى بلا ولاية لعليٍّ (عليه
السلام) فأعماله
غير مقبولة، لكنَّما
لا يُراد منها بطلان العمل، ولذا لا يجب عليه القضاء إلَّا في الزكاة. وليس ذلك
لأنَّ زكاته غير صحيحة أو لا يمكن أن تكون كذلك، بل لأنَّه أعطاها لغير مستحقِّها،
بل المراد عدم القبول الذي يعني عدم استحقاق الثواب عليها، وأين هذا من بطلان
العمل؟
ثمّ ما الدليل على براءة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) من المنتسبين إليه إذا
لم يدخلوا في هذه الدعوة؟
﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾
(البقرة: ١١١).
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ (يونس: ٦٨).
٩- ظرف تسليم الوصيَّة المزعومة بعد ظهور
الإمام (عليه السلام):
إنَّ الذي ذكرته الرواية في آخرها: «فإذا حضـرته - أي الحسن العسكري - الوفاة
فليُسلِّمها إلى ابنه محمّد المستحفظ من آل محمّد، فذلك اثنا عشـر إماماً، ثمّ يكون
من بعده اثنا عشر مهدياً، فإذا حضرته الوفاة فليُسلِّمها إلى ابنه أوَّل
المقربين...» الخبر.
ومثل هذا الخبر - على فرض إغماض النظر عن كلِّ الإشكالات التي ذكرت على التمسُّك به
من قِبَل هذا المدَّعي - غير قابل لإثبات شيء ممَّا رامه، إذ لا مشكلة عندنا أنَّ
الإمام (عليه السلام) حين يخرج بعد أن يأذن الله تعالى له بذلك ويقيم دولة الحق
وتنقاد له الناس ويُسلِّم الوصية لأحد فلا مشكلة عندنا، وحينها لا حاجة إلى
الاستظهار ولا ضرورة للتعبُّد بالصدور، بل سيكون المعصوم هو الذي يُسلِّم الأمر،
وأيَّة مشكلة لنا في ذلك لو فعلها الإمام (عليه السلام)؟
فالرواية لا علاقة لها من بعيد ولا من قريب بمهدي ممهِّد للإمام الثاني عشـر (عليه
السلام)، وأنَّه من ولده، وأن من لم يبايعه إلى النار.
﴿فَانْتَظِرُوا
إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (الأعراف: ٧١).
فلو ظهر الإمام وأشار لمن يدَّعي ما يدَّعيه بصدق دعواه لم يكن علينا إلَّا الطاعة،
ولكن حينها تسقط كلُّ وليجة دونهم، ويسقط حتَّى من كان يشقُّ الشعر بشعرتين، وتُزال
الأقنعة.
وإطاعتها ليست حينئذٍ من جهة مجرَّد التعبُّد، بل من جهة اليقين، فإنَّه (عليه
السلام) ما ينطق عن الهوى، وكلامه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
فلماذا نعجل على الناس استناداً لمثل هذا المقطع من الرواية، ونلزمهم بالبيعة
والمتابعة، ونتوعَّد تاركها بالنار وبئس المصير على أمر سيحسمه المعصوم (عليه
السلام) بعد أن تخضع له الرقاب وتنقاد له النفوس وتطمئنُّ له القلوب؟
وعلى هذا، فوجود هذه الرواية وعدمها من هذه الناحية على حدٍّ سواء، إذ دورها
للمكلَّفين دور الإخبار لأمر سيحصل في مستقبل الأيّام وستقوم عليه الحجَّة البالغة
حينها.
فيكون دور الرواية دور ما أخبر به عيسى (عليه السلام) من بعث نبيٍّ في المستقبل
اسمه أحمد بالنسبة للأجيال قبل أن يُبعَث النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم).
نعم قد يقال: إنَّ ذلك يقتضـي توطين النفس على الانصياع له والاعتقاد به عند مجيئه،
ونحن نُوطِّن نفسنا الآن على أنَّ الإمام (عليه السلام) إذا أسَّس دولته على تقوى
الله ثمّ حانت لحظة انتقاله إلى الدار الأُخرى وألزمنا بمتابعة شخص فإنّا سنتابعه،
ومن لم يفعل يكون قد خالف أمر المعصوم (عليه السلام).
وتستطيع أن تقول: إنَّ حال هذه الرواية على فرض صدورها وتمامية دلالتها وسلامتها من
الإشكالات كدور الروايات التي تحدَّثت عن أسماء الأئمَّة (عليهم السلام) وعددهم
بالنسبة لمن لم يدرك الأئمَّة من الناس، فالروايات التي
نصَّت على أنَّهم اثنا
عشـر إماماً بالنسبة لمثل عمّار وسلمان لا أثر كبير لها في الأئمَّة المتأخِّرين،
لأنَّهم ليسوا أئمَّة زمان عمّار وسلمان مثلاً، ولا انعكاس لها في وجوب الإطاعة
والمتابعة، إذ لم تحصل المعاصرة وفعلية وجود الإمام لتجب الإطاعة، نعم هي تكمل
الصورة لخريطة الإمامة، لكن ذلك لا علاقة له بالسلوك العملي فيما يرتبط
بالمتأخِّرين من الأئمَّة (عليهم السلام) هذا أوَّلاً، وثانياً لا يقاس بالأئمَّة
(عليهم السلام) غيرهم، ولو كان من أبنائهم وإن أسمى نفسه مهديّاً.
هذا آخر ما أردنا تحريره في هذه الصفحات، أسأل الله تعالى أن ينظر إليه بعين
القبول، إنَّه خير مسؤول.
تحصين الأنام من دعاوى الاتِّصال بالإمام (عليه السلام)
الشيخ جاسم الوائلي
إنَّ الاعتقاد
بالمهديِّ (عليه السلام) - الذي يقوم في آخر الزمان فيملؤها قسطاً وعدلاً كما
مُلِئَت ظلماً وجوراً - قضيَّة قد تواترت بها الأخبار لدى المسلمين كافَّة، وممَّا
قام عليها إجماعهم، حتَّى باتت ضرورةً من ضروريّات الدين التي يُعَدُّ منكرها
خارجاً عن سلك المسلمين، ولا أقلَّ عن جماعة المؤمنين، ما لم يكن إنكارها عن شبهة
أو فساد عقل.
كما أجمع الفريقان على أنَّه (عليه السلام) من نسل عليٍّ وفاطمة (عليهم السلام)،
وإن اختلف المخالفون في كونه من نسل الحسن أو الحسين (عليهما السلام)، وفي أنَّه قد
وُلِدَ ولم يزل حيّاً، أو أنَّه سيُولَد في آخر الزمان.
ومن هنا يتَّضح ما لهذه الشخصيَّة العظيمة من مكانة ودور عظيمين في نفوس المعتقدين
به (عليه السلام) لاسيّما شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، وعلى وجه الخصوص
الإماميَّة الاثنا عشـرية، حيث بات عنوان الإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام)
يستهوي المؤمنين والضالّين على حدٍّ سواء.
أمَّا المؤمنون فلا يخفى مدى شوقهم إلى لقائه وتكحيل أنظارهم برؤيته (عليه السلام)،
وتطلُّعهم إلى قيامه، ليعيشوا في كنف قسطه وعدله، بعد الذي ذاقوه قروناً من ظلم
الظالمين وجور الجائرين، من المخالفين أو النواصب أو الملحدين.
وأمَّا الضالّون فما
بين مُضِلٍّ مدَّعٍ المهدويَّة لنفسه، ومضَلَّلٍ مغرَّرٍ به يعتقدها في غيره،
ومدَّعٍ كذباً لمشاهدته ولقائه، وربَّما ادَّعى مع ذلك السفارة عنه.
وقد سجَّل المؤرِّخون والمتابعون للقضيَّة المهدويَّة ما أمكن تسجيله من دعاوى
المهدويَّة، سواءً من ادَّعاها لنفسه ومن ادُّعيت له برضى منه أو من دون رضاه.
والظاهر أنَّ أوَّل من ادُّعيت له هو محمّد بن الحنفيَّة (رضي الله عنه)، وقد عرف
أصحاب هذه العقيدة بالكيسانيَّة، نسبة إلى شخص يُدعى كيسان، وهو - على ما قيل -
مولى لعليِّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وقيل: هو المختار الثقفي، وكيسانُ لقبٌ له(١).
والكيسانيَّة تعتقد بأنَّ محمّد بن الحنفيَّة لم يمت، وأنَّه يعيش عند جبلٍ يُدعى
جبل رَضْوَى وعنده عينان، عين تجري ماءً، وأُخرى تجري عسلاً، وأنَّه هو المهديُّ
الذي بشَّـر به النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)(٢).
وفي هذا المعنى أبيات نُسِبَت إلى الشاعر المعروف بكثير عزَّة، ونسبها الشيخ الصدوق
(رضي الله عنه) في كمال الدين(٣)
إلى السيِّد الحميري، وكان كيسانيّاً قبل أن يستبصـر على يد الإمام الصادق (عليه
السلام):
ألَا إنَّ الأئمةَ من
قريشٍ * ولاةُ الحـــقِّ أربعــةٌ سـَـواءُ
عليٌّ والثــلاثـةُ من بنيـــه هم * الأسباط ليس بهم خفاءُ
فسبطٌ ســبطُ إيمـان وبــِـرٍّ * وســبـطٌ غـيـَّبــتـــه كربـلاءُ
وسبطٌ لا يذوق الموت حتَّى * يقود الخيلَ يقدمـه اللِّواءُ
تَغَيـَّب لا يُرى فيهـم زمانـاً * برضوى عنده عسل وماءُ
وممَّن ادُّعيت له
المهدويَّة أيضاً إمامنا الصادق (عليه السلام)، ادَّعاها له النَّاووسيَّة، وهي
إحدى الفرق الضَّالَّة، وادَّعوا أنَّه لم يمت وسوف يقوم ليملأها قسطاً وعدلاً كما
مُلِئَت ظلماً وجوراً.
كما ادُّعيت لإمامنا الكاظم (عليه السلام)(٤)،
ادَّعتها له الواقفة إحدى فِرَق الضلال، ولـمَّا بان ضلالهم ادَّعوها للحسن
العسكريِّ (عليه السلام) وطبَّقوا الروايات فيه حتَّى بان ضلالهم أيضاً بوفاته
(عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
رجال الكشّي: ١٢٨.
(٢)
بحار الأنوار ٣٧: ٣.
(٣)
كمال الدين: ٤٢/ طبعة الأعلمي.
(٤)
كمال الدين: ٤٦/ طبعة الأعلمي.
وإذا كانت دعاوى
المهدويَّة بالغة الخطورة فإنَّ دعاوى الاتِّصال بالمهدي المنتظر (عليه السلام) في
زمن الغيبة الكبرى لدى المعتقدين بحياته - والتي (دعاوى الاتِّصال) هي شرف ما بعده
شرف - من أخطر القضايا التي وقعت محلَّ كلام بعد الاتِّفاق على وقوعها زمن الغيبة
الصغرى بواسطة السفراء أو ربَّما بغير واسطة.
وقد يقال: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) قد وضع بنفسه صمّام الأمان من دعوى
المشاهدة سدّاً لهذا الباب على المضِلِّين وأصحاب القلوب المريضة وأعداء الدين،
فجاء النصُّ بلزوم تكذيب من يدَّعي المشاهدة، وذلك في توقيعه (عليه السلام) الذي
خرج إلى آخر سفرائه عليِّ بن محمّد السَّمري (رضي الله عنه)، على ما رواه الصدوق في
كمال الدين، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسنُ بن أحمد المكتّب، قال: كنت بمدينة
السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ عليُّ بن محمد السَّمري (قدّس سرّه)، فحضـرته
قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم، يا
عليُّ بن محمّد السَّمري؛ أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين
ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة
الثانية - (وفي نسخة: التامَّة) -، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك
بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي
المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفترٍ،
ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العليِّ العظيم»، قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من
عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من
بعدك ؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضـى (رضي الله عنه)، فهذا آخر كلام سُمِعَ منه(٥).
وقد يشكل بأنَّ بعض الأعلام نقل عدَّة روايات فيمن شاهده ورآه (عليه السلام) في زمن
الغيبة الكبرى، كالعلَّامة المجلسـي في بحاره(٦)،
فلا بدَّ من حمل التوقيع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥)
إكمال الدين وتمام النعمة/ الباب ٤٥/ الحديث ٤٤/طبعة دار الكتب الإسلاميَّة: ٥١٦؛
وطبعة مؤسَّسة النشـر الإسلامي التابعة لجماعة المدرِّسين بقم: ٥١٦، وكلا الطبعتين
بتصحيح وتعليق عليّ أكبر الغفّاري؛ طبعة منشورات مؤسَّسة الأعلمي: ٤٦٧.
(٦)
بحار الأنوار ٥٢: ٥٣ - ٥٩؛ وفي الباب ٢٤/ ص ١٥٩.
على ما لا يتنافى مع
تلك الأخبار كما صنع في البحار، حيث قال بعد نقله التوقيع المذكور: (لعلَّه محمول
على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) إلى
الشيعة، على مثال السفراء، لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه (عليه
السلام))(٧).
ولا بدَّ من تحقيق الحال في جهات ثلاث:
الأُولى: في سند التوقيع ودلالته.
الثانية: في وقوع المشاهدة وعدمها واقعاً.
الثالثة: وظيفتنا تجاه دعاوى المشاهدة.
الجهة الأولى: تحقيق حال التوقيع سنداً
ودلالةً:
ينبغي الكلام تارةً في سند التوقيع، وأُخرى في دلالته، فالبحث يقع في
مقامين:
المقام الأوَّل: تحقيق حال سند التوقيع:
تقدَّم أنَّ الشيخ الصدوق رواها عن الحسن بن أحمد المكتّب، عن السَّمري (رضي
الله عنه).
ونقلها عن الصدوق كلٌّ من الشيخ الطوسي في الغيبة، وابن حمزة في الثاقب، والراوندي
في الخرائج، والمجلسي في البحار(٨)،
وغيرهم.
والظاهر أنَّ سند الرواية ضعيف من وجهين:
الوجه الأوَّل: أنَّ الحسن بن أحمد المكتّب
مهمل لم يُذكر في كتب الرجال:
نعم ذكره من المعاصرين السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجمه، قال: (الحسن بن أحمد
المكتّب، أبو محمّد، من مشايخ الصدوق (قدّس سرّه)، ترحَّم عليه، كمال الدين، الباب
٤٩، الحديث ٤١)(٩).
أقول: إنَّ الباب (٤٩) لا يشتمل إلَّا على حديثين، وليس التوقيع أحدهما، ولعلَّه
تصحيفٌ للباب (٤٥) المشتمل على (٥٢) رواية ومن بينها التوقيع، إلَّا أنَّه ليس برقم
(٤١)، بل برقم (٤٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
بحار الأنوار ٥٢: ١٥١.
(٨)
الغيبة: ٣٩٥؛ الثاقب في المناقب: ٦٠٣؛ الخرائج والجرائح ٣: ١١٢٨؛ بحار الأنوار ٥١:
٣٦١.
(٩)
معجم رجال الحديث ٥: ٢٧٢/ برقم ٢٧٢٦.
ويردُّه: أوّلاً: أن
عدَّه من مشايخ الصدوق لمجرَّد نقله روايتين أو روايات معدودة عنه محلُّ نظر
وتأمُّل، فإنَّ عنوان الشيخ في الرواية لا يصدق بمجرَّد ذلك ما لم يأخذ عنه قدراً
معتدّاً به من الحديث.
ولو سلَّمنا كفاية نقل روايتين في صدق الشيخوخة، فلا يكفي ذلك في استكشاف حسن حاله
فضلاً عن وثاقته، بخلاف ما لو أكثر الرواية عنه، إذ يكون لاستفادة الوثاقة أو لا
أقلَّ حسن الحال مجال.
وثانياً: للمكتّب رواية أُخرى قبل التوقيع برقم (٤٣)، وما من ترحُّمٍ للصدوق عليه
في أيٍّ من الروايتين، ولا في أيِّ طبعة من الطبعات الثلاث للكتاب التي وقعت بين
يدي، وكذا ظاهر نسخة العلَّامة المجلسي، ولو كان الترحُّم وارداً في طبعةٍ وصلت إلى
يد السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) فهو ساقط عن الاعتبار جزماً، لعدم العلم آنذاك بما
هو الأصحُّ من النسخ والطبعات، لاسيّما وأنَّ طبعتين من الثلاث - وكلاهما بتصحيح
وتعليق عليّ أكبر الغفّاري - خاليتان من الترحُّم.
وثالثاً: لو سلَّمنا وجود الترحُّم فهو لا يدلُّ على الوثاقة، فإنَّه طلب الرحمة
للشخص، ويكفي في استحقاقه كون المطلوب له مؤمناً، بل مطلق المسلم، لاسيّما إذا أفاد
منه فائدةً ما كالعلم.
نعم، لا يبعد دلالة الترضّي على ذلك، ومنه يتَّضح أنَّ المناسب هو التفصيل بين
ترضّي الصدوق على راوٍ فيدلُّ - لا أقلَّ - على حسن حاله في نظر الصدوق، وبين
الترحُّم عليه فلا يدلُّ حتَّى على الحسن فضلاً عن الوثاقة. أمَّا عدم إفادة
الترحُّم لذلك فقد تقدَّم وجهه، وأمَّا إفادة الترضّي لحسن الحال، فذلك للوجدان.
توضيحه: أنَّ من المسلَّم أنَّ الترضّي وكذا الترحُّم ليس لهما معنى اصطلاحي عند
الصدوق، فيدور المراد منهما بين المعنى اللغوي - وهو طلب الرضا
والرحمة - والمعنى
العرفي أعني: ما هو المنصرف منهما في عرف المسلمين، والمسلمون لا يُطلِقون الترضّي
على أيِّ ميِّت كان ما لم تكن له مكانة ما عندهم والمسلمون ببابك.
خلافاً للسيِّد الخوئي (قدّس سرّه) حيث أنكر دلالته على الحسن فضلاً عن الوثاقة،
قال (قدّس سرّه) بعد نقله رواية في شأن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق: (أقول: في هذه
الرواية دلالة واضحة على تشيُّع محمّد بن إبراهيم وحسن عقيدته، وأمَّا وثاقته فهي
لم تثبت، وليس في ترضّي الصدوق (قدّس سرّه) عليه دلالة على الحسن فضلاً عن الوثاقة)(١٠).
وخلافاً للداماد، حيث سوَّى بين الترضّي والترحُّم في استفادة الوثاقة، قال (قدّس
سرّه) في رواشحه: (ثُمَّ إنَّ لمشايخنا الكبراء مشيخة يُوَقِّرون ذكرهم، ويُكثِرون
من الرواية عنهم، والاعتناء بشأنهم، ويلتزمون إرداف تسميتهم بالرَّضْيَلَةِ عنهم،
أو الرَّحْمَلَةِ لهم البتَّة، فأُولئك أيضاً ثُبَّت فُخَمَاءُ، وأثبات أجلَّاء،
ذُكروا في كتب الرجال أم لم يُذكروا، والحديث من جهتهم صحيح معتمد عليه، نُصَّ
عليهم بالتزكية والتوثيق أم لم يُنصَّ...)(١١).
وخلافاً للوحيد على ما نسبه إليه السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) من ميله إلى استفادة
الوثاقة من الترضّي، قال بعد نقله كلام النجاشي والغضائري في الحسن بن محمّد بن
يحيى وتضعيفهما له: (فمن الغريب بعد ذلك ميل الوحيد (قدّس سرّه) إلى توثيقه من جهة
ترضّي الصدوق وترحُّمه عليه)(١٢).
أقول: إنَّ استغراب السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) ليس من جهة استفادة الوحيد الوثاقة
من الترضّي والترحُّم - وإن كان هو (قدّس سرّه) لا يرى ذلك -، وإنَّما من جهة
أنَّهما معارضان لما ورد عن النجاشي والغضائري، ما يعني دخول المورد في موارد تعارض
التعديل والتجريح لو سُلِّم للوحيد دلالة الترضّي والترحُّم على الوثاقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) معجم رجال الحديث ١٥:
٢٣١/ في ترجمة محمّد بن إبراهيم بن إسحاق برقم ٩٩٦١.
(١١) الرواشح السماوية:
١٧٠/ الراشحة الثالثة والثلاثون/ مطبعة دار الحديث.
(١٢) معجم رجال الحديث ٦:
١٤٣/ في ترجمة الحسن بن محمّد بن يحيى برقم ٣١٣٣.
والظاهر أنَّ بعض من
تأخَّر عن السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) قد اعتمد عليه في نسبة الترحُّم إلى الصدوق،
لوقوعه في نفس الاشتباه، من ذكر نسبة الترحُّم عليه إلى الصدوق، ومن الإرجاع إلى
الباب والحديث بالرقمين اللذين ذكرهما (قدّس سرّه).
وذكره أيضاً التستري (قدّس سرّه) في قاموسه، قال: (الحسن بن أحمد المكتّب، أبو
محمّد، روى الإكمال في توقيعاته عنه مترحِّماً عليه، وروى عنه التوقيع إلى السَّمري
في الغيبة الكبرى)(١٣).
والكلام في دعوى الترحُّم صغرى وكبرى قد تقدَّم.
وذكره النَّمازي أيضاً، قال: (الحسن بن أحمد المكتّب، أبو محمّد، لم يذكروه...) الخ(١٤).
محاولة لتوثيق الرجل:
وقد يُحاوَل توثيق الحسن بدعوى أنَّه متَّحد مع الحسين بن إبراهيم بن أحمد
بن هشام المؤدِّب الذي ترضَّى عليه الصدوق (رضي الله عنه) في عدَّة مواطن.
إذ يدلُّ على وثاقته ما ذكره أهل الخلاف من توقير الشيخ الصدوق له، فقال: إذ ذكر
ابن حجر في ترجمة الحسين بن إبراهيم من قوله: (قال عليُّ بن الحكم في مشايخ الشيعة:
كان مقيماً بقم، وله كتاب في الفرائض أجاد فيه، وأخذ عنه أبو جعفر محمّد بن عليِّ
بن بابويه، وكان يُعظِّمه)(١٥).
وجوابه: أوَّلاً: أنَّ ابن إبراهيم هو الحسين وليس
الحسن، واحتمال التصحيف فيه بعيد بعد أن ورد في مواطن كثيرة بلفظ الحسين، واحتمال
تصحيف الحسن في التوقيع - الرواية ٤٤ - بقرينة وروده بلفظ الحسين في الرواية
السابقة عليها - ٣٣ - ليس بأولى من احتمال العكس.
وثانياً: لو كانا متَّحدين فمن البعيد جدّاً أن لا
يُذكر كنية أبي محمّد - التي هي كنية صاحبنا - مع ابن إبراهيم ولو في مورد واحد من
موارد ذكره الكثيرة في مجموع كتبه التي تتبعَّتها، كما أنَّ من البعيد عدم ذكر أيّ
اسم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) قاموس الرجال ٣: ١٩٢/
برقم ١٨٤٦.
(١٤) مستدركات علم رجال
الحديث ٢: ٣٤٨/ برقم ٣٣٦٢.
(١٥) لسان الميزان ٢: ٢٧١/
ترجمة الحسن بن إبراهيم بن أحمد المؤدِّب برقم ١١٢١.
من الأسماء التي امتاز
بها الحسين بن إبراهيم في الموضعين، وهي (إبراهيم) و(هشام) و(المؤدِّب) ولم يشتركا
إلَّا في اسم واحد وهو (أحمد).
وكذا عدم ذكر كنية صاحبنا (أبو محمّد) في أيِّ مورد من موارد ذكر الحسين بن إبراهيم
رغم ذكره بجميع أسمائه، بل ذكره بكنية أبي عبد الله(١٦).
وثالثاً: أنَّ الصدوق ترضَّى على الحسين بن إبراهيم
حيثما ذكره، ولم يترضَّ على صاحبنا في كلا الموضعين.
ورابعاً: أنَّ هذا التوجيه لو كان لرواية في إثبات
استحباب فعل أو كراهته لما قبلناه، فكيف يُقبَل هنا؟!
وخامساً: أنَّ ما ذكره ابن حجر لا يحتجُّ به من وجوه:
أحدهما: عدم وثاقة ابن حجر عندنا، خصوصاً فيما يرتبط بنا.
ثانيها: ولو تنزَّلنا فعليُّ بن الحكم المنقول عنه تعظيم الصدوق للحسين مجهول.
ثالثها: ولو تنزَّلنا فلا مثبت لصحَّة نسخة كتابه (مشايخ الشيعة) الواصلة إلى ابن
حجر.
رابعها: يحتمل احتمالاً معتدّاً به رجوع الضمير إلى كتاب الفرائض الذي أجاد فيه
الحسين دون نفس الحسين.
خامسها: ولو تنزَّلنا وقلنا بثبوت ذلك كلِّه ورجوع الضمير إلى الحسين، فيردُّه ما
تقدَّم من عدم ثبوت اتِّحاده مع الحسن المكتّب، ومجرَّد احتماله لا ينفع كما هو
أوضح من أن يُوضَّح.
الوجه الثاني: تفرُّد الحسن بنقل التوقيع،
وتفرُّد الصدوق بنقله عن الحسن:
بيانه: أنَّ الحسن صرَّح بأنَّ السَّمري أطلع الناس على التوقيع، وأنَّ الناس قد
نسخوه ولم ينفرد هو بنسخه، وأنَّهم عادوا إليه بعد ذلك وحضـروا وفاته، قال في أوَّل
الرواية: (فأخرج إلى الناس توقيعاً...)، وقال في آخرها: (فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا
من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه...).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) معاني الأخبار: ٣٨٧/ الحديث ٢٢.
فإنَّه صريح في أنَّ
السَّمريَّ أطلع الناس على هذا التوقيع، كصـراحته في أنَّهم نسخوه عنه، ولازم قرب
عهد الصدوق من السَّمري - إذ ليس بينهما إلَّا واسطة واحدة - أن يرويه عن عِدَّة
ممَّن حضـر تلك الواقعة غير الحسن، ولا أقلَّ عن راوٍ آخر غيره، والحال أنَّ الحسن
قد تفرَّد بذلك، مع تضافر الدَّواعي عند غيره لنقله.
كما أنَّ الصدوق تفرَّد بنقله، إذ لم ينقله عن الحسن غيره.
وبكلمة أُخرى: أنَّ تفرُّد الصدوق بروايته عن المكتّب
وتفرُّد الأخير بروايته للتوقيع أمر لا ينسجم البتَّة مع طبيعة تحمُّل التوقيع حيث
كان جماعيّاً وليس فرديّاً، وكذا لا ينسجم مع طبيعة الواقعة وكونها تُمثِّل ختماً
للنيابة والسفارة الخاصَّة عن آخر الأئمَّة (عليهم السلام)، ومع خطورة المضمون
والتحذير الوارد في التوقيع الموجب للاهتمام والحرص الشديدين في نشره بين الشيعة.
ونظيره إشكالنا على القوم في دعوى نسيان ثالثة الوصايا التي أوصى بها النبيُّ (صلّى
الله عليه وآله وسلم) عند احتضاره فيما سُمّي برزيَّة يوم الخميس، حيث لا ينسجم مع
مكانة الموصي (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأهمّية وصيَّته، ولا مع طبيعة الحدث، وهو
إشرافه (صلّى الله عليه وآله وسلم) على الرحيل عن هذه الدنيا وختم النبوَّة به إلى
الأبد.
ولئن أمكن غضُّ النظر عن اكتفاء الصدوق بنقله عن المكتّب فقط، فلا يمكن غضُّه عن
تفرُّده بنقل التوقيع من دون أن ينقله ولو واحد من المتقدِّمين عليه طبقةً أو من
المعاصرين له ولو بواسطة المكتّب أيضاً.
محاولة لتحسين حال الراوي:
ولو قطعنا النظر عمَّا تقدَّم كلّه، فهل من طريق لتوثيق المكتّب؟
قد يقال بإمكان إثبات حسن حاله دون وثاقته، وذلك من خلال الروايتين اللَّتين رواهما
الصدوق عنه في الباب المذكور، أعني الباب (٤٥)، وهما روايتنا محلّ الكلام الواردة
برقم (٤٤) والرواية السابقة عليها برقم (٤٣).
أمَّا روايتنا ففيها
دلالة على جملة أُمور:
١ - تردُّد الحسن على سفير الإمام (عليه السلام)، الظاهر في كونه اثني عشريّاً.
٢ - حضوره عند موته الدالُّ على اعتنائه به بما أنَّه سفير الإمام (عليه السلام)،
لا بما هو فلان.
٣ - ثناؤه عليه بقوله: (قدَّس الله روحه) الدالُّ على توقيره لسفيره (عليه السلام)
بالنحو اللائق به كسفير للإمام (عليه السلام)، وبراوٍ يُعَدُّ من المشايخ، إذ
غالباً ما تصدر مثل هذه التعابير عن مثلهم.
٤ - خلوّ الرواية من كلِّ ما فيه دلالة على ما يكون في صالحه بالمرَّة، ما يُشعِر
بعدم وجود ما يقتضي الكذب والوضع.
٥ - تصديق الواقع الخارجي بعد وفاة السَّمري لمضمون التوقيع، حيث لم تجتمع الشيعة
على أحد بعده كما اجتمعوا على الأربعة، وكذَّبوا كلَّ من ادَّعى ذلك، ما يعني
اطِّلاعهم على التوقيع.
٦ - إرسال الأعلام قديماً وحديثاً مضمون التوقيع إرسال المسلَّمات.
٧ - نقل بعض الأعلام - كالطوسي في الغيبة عند ذكره عليَّ بن محمّد السَّمري ووفاته
- ذيل الرواية - (لله أمر هو بالغه) - بنحو ظاهر في قطعهم بصدوره من السَّمري.
٨ - عدم تعليق الصدوق عليه مطلقاً مع تعلُّقه بأمر غاية في الخطورة.
٩ - إجماع الطائفة على انقطاع السفارة بالسَّمري، وهو ما ينسجم تماماً مع مضمون
التوقيع والتعبير فيه بــ: (الغيبة الثانية (التامَّة).
١٠ - إجماع الطائفة على أنَّ السفراء أربعة بقطع النظر عن وجود مدَّعٍ للسفارة
بعدهم وعدمه، بحيث إن كلَّ من أرَّخ للمرحلة لم يزد ولم ينقص عن الأربعة.
١١ - ما ذكره أبو
القاسم بن قولويه في حال أحد المنحرفين، والظاهر في إجماع الطائفة على تكذيب مدَّعي
السفارة بعد السَّمري، على ما رواه الشيخ في غيبته عند ذكره لأبي بكر البغدادي ابن
أخي الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري، وأبي دُلَف المجنون، قال: (أخبرني الشيخ
أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان، عن أبي الحسن عليّ بن بلال المهلبي(١٧)،
قال: سمعت أبا القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه يقول: أمَّا أبو دلف الكاتب - لا
حَاطَهُ الله - فكنَّا نعرفه ملحداً، ثمّ أظهر الغلوَّ، ثُمَّ جُنَّ وسُلْسِلَ، ثمّ
صار مفوِّضاً، وما عرفناه قَطُّ إذا حضـر في مشهد إلَّا استُخِفَّ به، ولا عرفته
الشيعة إلَّا مدَّة يسيرة، والجماعة تتبرَّأ منه وممَّن يومي إليه ويُنمِّس به، وقد
كُنّا وجَّهنا إلى أبي بكر البغدادي لـمَّا ادَّعى له هذا ما ادَّعاه، فأنكر ذلك
وحلف عليه، فقبلنا ذلك منه، فلمَّا دخل بغداد مال إليه وعدل عن الطائفة وأوصى إليه،
لم نشكّ أنَّه على مذهبه، فلَعَنَّاه وبرئنا منه، لأنَّ عندنا أنَّ كلَّ من ادَّعى
الأمر بعد السَّمريِّ (قدّس سرّه) فهو كافرٌ منمِّسٌ ضالٌّ مُضِلٌّ)(١٨).
فقوله: (لأنَّ عندنا أنَّ كلَّ...) إلخ، ظاهر في عود الضمير إلى الشيعة، فيكون ذلك
منهم إجماعاً عمليّاً على مضمون التوقيع.
١٢ - لـمَّا كان ابن قولويه مقارباً للمكتّب في الطبقة ومتقدِّماً بعض الشـيء على
الصدوق فيندفع الإشكال السالف الذكر - تفرُّد المكتّب بنقل التوقيع -، فإنَّ عبارة
ابن قولويه مطابقة نتيجةً لمضمون التوقيع، ومن البعيد جدّاً أن يكون قد استفاده من
رواية الصدوق في كمال الدين بعد تعبيره بلفظ: (عندنا) الظاهر في الإجماع كما قلنا.
ولو سلَّمنا تفرُّد الكاتب برواية التوقيع ولم يشاركه أمثال ابن قولويه - ولو في
نقل النتيجة - فهو لا يختلف عن كثير من الأحاديث التي سمعها جماعة وتفرَّد بنقلها
واحد منهم لأسباب نجهلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) وسند الشيخ إلى ابن
قولويه صحيح، فإنَّ عليَّ بن بلال قد وثَّقه النجاشي، قال: (عليُّ بن بلال بن أبي
معاوية أبو الحسن المهلَّبي الأزدي، شيخ أصحابنا بالبصرة، ثقة، سمع الحديث
فأكثر...) الخ. (رجال النجاشي: ٢٦٥/ رقم الترجمة ٦٩٠).
(١٨) الغيبة: ٤١٢/ الحديث
٣٨٥ في ذكر أمر أبي بكر البغدادي ابن أخي الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان العمري،
وأبي دلف المجنون.
١٣ - استبعاد أن يخطر
تحديد التكذيب بخروج السفياني ووقوع الصيحة ببال أيِّ راوٍ.
هذا كلُّه بلحاظ الرواية (٤٤)، أعني التوقيع.
وأمَّا الرواية (٤٣) فهي ما رواه المكتِّب من الدعاء المعروف الذي يُدعى به في زمن
الغيبة، قال في كمال الدين: حدَّثنا أبو محمّد الحسين بن أحمد المكتّب، قال:
حدَّثنا أبو عليِّ بن همّام بهذا الدعاء، وذكر أنَّ الشيخ العمري (قدَّس الله روحه)
أملاه عليه وأمره أن يدعو به، وهو الدعاء في غيبة القائم (عليه السلام): «اللّهمّ
عرِّفني نفسك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني نفسك لم أعرف نبيَّك، اللّهمّ عرِّفني نبيَّك
فإنَّك إن لم تُعرِّفني نبيَّك لم أعرف حجَّتك، اللّهمّ عرِّفني حجَّتك فإنَّك إن
لم تُعرِّفني حجَّتك ضللت عن ديني...» الدعاء بطوله.
وهنا أمران:
الأوَّل: أنَّ الوارد في هذه الرواية: (الحسين) بدلاً من (الحسن)، وبعد
الجزم بوحدة الراوي فلا ثمرة في تشخيص كون الاشتباه أو التصحيف حاصلاً في هذه
الرواية أو تلك، وبعد استبعاد كونه الحسين بن إبراهيم المؤدِّب.
الثاني: اشتمال الرواية على قرائن تساعد على حسن حاله:
١ - قوله بأنَّ العمري أمر ابن همّام بأن يدعو بهذا الدعاء، فإنَّه كما يدلُّ على
اعتناء العمري بابن همّام كذلك يدلُّ على اهتمام الأخير بصاحبنا.
ويُؤيِّده: أنَّ انفراده بنقل الدعاء يُبعِد احتمال أخذه من غيره ونسبته إلى ابن
همّام كذباً.
٢ - مناسبة مضامين الدعاء لما يقتضيه التوقيع بشكل يدلُّ على أنَّهما من منبع واحد
ومنهل فارد، فهما متلائمان كمال التلاؤم، ما يشير - إن لم يدلّ - إلى انقطاع الرجل
إلى أصحابه (عليه السلام).
٣ - عمل الطائفة
بالدعاء من دون تشكيك بصدوره، مع أنَّه منحصر بطريق المكتّب. فتأمَّل.
٤ - ثناؤه على العمري نائب الإمام (عليه السلام) كثنائه على السَّمري وما يكشف عنه.
والمحصَّل من كلِّ ذلك: أنَّ المناسب بعد ملاحظة مجموع ما ذُكِرَ في حقِّ الرجل هو
الحكم بحسن حاله، والله تعالى أعلم بواقع حاله.
المقام الثاني: تحقيق حال التوقيع دلالةً:
وقع الكلام في المراد من تكذيب مدَّعي المشاهدة، ويمكن أن نذكر له عدَّة
احتمالات:
الأوَّل: أنَّ المراد تكذيب مطلق المشاهدة تكذيباً
حقيقيّاً، بمعنى عدم وقوعها خارجاً لأيِّ أحد قبل خروج السفياني والصيحة، ولازمه
كذب مدَّعيها مطلقاً مهما كانت مرتبته وغرضه.
الثاني: أنَّ المراد عدم ترتيب الأثر على دعوى
المشاهدة، لا التكذيب الحقيقي، نظير قوله (عليه السلام): «كذِّب سمعك وبصـرك عن
أخيك، فإن شهد عندك خمسون قسّامة وقال لك قولاً فصدِّقه وكذِّبهم»، فإنَّ المقصود
من تكذيب الخمسين مؤمناً ليس التكذيب الحقيقي كما هو بديهيٌّ، بل المقصود عدم ترتيب
الأثر على قولهم.
الثالث: أنَّ المراد تكذيب المشاهدة المقرونة بدعوى
معرفته (عليه السلام) حين المشاهدة، وليس المراد تكذيب مطلق المشاهدة حتَّى التي
تحصل المعرفة بعدها، وإلَّا فإنَّ كثيراً ممَّن ثبتت مشاهدتهم له (عليه السلام) قد
عرفوه بعد المفارقة.
الرابع: أنَّ المراد نفي الرؤية المتكرِّرة، دون
المرَّة أو المرَّتين.
الخامس: أنَّ المراد تكذيب المشاهدة المقرونة بدعوى
السفارة عنه (عليه السلام) وكون المشاهد رسولاً من جهته إلى الشيعة في بعض الأُمور
الخاصَّة.
السادس: كالخامس، ولكن في جميع الأُمور الخاصَّة منها
والعامَّة، كشأن السفراء الأربعة.
وقبل تقييم الاحتمالات المذكورة لا بدَّ من بيان الأثر المترتِّب على كلِّ واحد
منها، فنقول:
أمَّا الأوَّل والثاني فيترتَّب عليهما أنَّه لو لم تنفَ المشاهدة فيهما وادَّعاها
شخص فحينئذٍ يكون للمشاهد خصوصيةً ومنزلةً، لبداهة أنَّ مشاهدته (عليه السلام) شرف
عظيم لا يناله إلَّا ذو حظٍّ عظيم، والمؤمنون بما أنَّهم متطلِّعون إلى رؤية الطلعة
البهيَّة له (عليه السلام) فهم يميلون بشكل عفويٍّ إلى من كحَّل عينيه برؤيته،
وبالتالي يسهل عليه خداعهم لو كان كاذباً.
وعلى هذا يكون الهدف من تكذيب مدَّعي المشاهدة سدَّ بابٍ لو فُتِحَ كان ما يترتَّب
عليه من المحاذير أخطر وأهمّ من تكذيب مدَّعيها.
ويترتَّب على خصوص الثاني - مضافاً إلى ما تقدَّم - التفريق في الحكم الشـرعيِّ بين
المدَّعي ومن سمع دعواه، أمَّا السامع فيجب عليه تكذيبه مطلقاً حتَّى لو علم أنَّه
من الصادقين، فيكون تكذيبه حكماً تكليفياً مستقلّاً غير مرتبط بصدق المدَّعي
الخاصِّ وكذبه، بل يرتبط بمنع تلك المفسدة ولو على حساب تكذيب الصادق، من باب
التزاحم الحفظي، أو حسماً لمادَّة الفساد.
وأمَّا حكم مدَّعي المشاهدة فيجب عليه الكتمان حتَّى لو كان صادقاً، لحرمة إذلاله
لنفسه بتعريضها لتكذيب المؤمنين له، فإن عصى وأظهر فلا يلومنَّ إلَّا نفسه.
ومن حال هذين الاحتمالين يتَّضح أنَّ ما يترتَّب على الثالث أشدُّ وأخطر ممَّا
يترتَّب عليهما، لوضوح الفارق بينه وبينهما، فإنَّ من يلقى الإمام (عليه السلام)
وهو يعلم أنَّه هو لا بدَّ أن يكون أعلى منزلةً عنده (عليه السلام) ممَّن يلقاه ولا
يعرفه إلَّا بعد مفارقته، فإن لزم تكذيب مدَّعي المنزلة الأدنى فبالأولى يلزم تكذيب
مدَّعي الأعلى منها.
كما يتَّضح شدَّة
خطورة الرابع، فإنَّ من تكون مشاهدته له (عليه السلام) متكرِّرة لا بدَّ أنَّه يكون
ممَّن يأنس به (عليه السلام) ويعتمد عليه، ولا يخفى ما فيه من خطورة بالغة لو
صُدِّق وهو كاذب.
وأمَّا الأخيران - لاسيّما السادس - فلا يخفى ما يترتَّب عليهما من أثرٍ متناهٍ في
الخطورة لا حاجة إلى بيانه.
تقييم الاحتمالات الستَّة:
إذا عرفت ما تقدَّم فنقول: أمَّا الاحتمال الأوَّل فيدعمه كونه الأنسب بمعنى
الغيبة الكبرى، فإنَّ الاتِّصال به (عليه السلام) في عصـر الغيبة الصغرى لـمَّا لم
يكن إلَّا بالواسطة فالمناسب في زمن الكبرى عدم الاتِّصال حتَّى بالواسطة فضلاً عن
الاتِّصال المباشر المعبَّر عنه بالمشاهدة.
ولكن يدفعه أنَّه يكفي في الفرق بين الغيبتين ارتفاع السفارة والنيابة عنه (عليه
السلام) بالنحو الذي كان للأربعة، مضافاً إلى ما يأتي من قرائن في صالح الاحتمال
السادس. على أنَّه منقوض بما نقله بعض الأعلام من الأخبار العديدة الواردة في وقوع
المشاهدة كما تقدَّمت الإشارة إلى ذلك.
وأمَّا الثاني فيدعمه أنَّه وجه من وجوه الجمع بين ما يقتضيه التوقيع من تكذيب
مدَّعي المشاهدة ودلالة الأخبار العديدة على تحقُّقها لعدد ليس بالقليل.
ولكن يدفعه ما يدفع الأوَّل من القرائن لصالح الاحتمال السادس، مضافاً إلى جريان
سيرة الأعلام على قبول دعوى المشاهدة في الجملة من غير نكير منهم، مع ما هم عليه من
الورع والحرص على عقيدة المؤمنين، لاسيّما الضعفاء منهم.
وتحفُّظُهُم غالباً بعدم تشخيص من تحقَّقت له المشاهدة هو ممَّا تقتضيه الحكمة،
وليس إنكاراً منهم لتحقُّقها.
وأمَّا الثالث فلا
شاهد يدعمه. وعدمُ تعرُّفِ من أخبر بمشاهدته على هويَّته إلَّا بعد المفارقة لا
ينفي أن بعضاً ممَّن لم يُخبِر عن ذلك قد عرفه (عليه السلام) حين المشاهدة.
على أنَّ أصل المحذور في تصديقه موجود على كلِّ حال سواء ادَّعى معرفته حينها أم
بعدها وإن كان المحذور في دعوى المعرفة حينها أشدَّ منه في دعوى المعرفة بعدها.
فمن تلك المحاذير دعوى أنَّ الإمام (عليه السلام) قد كلَّفه بوظيفةٍ ما، وأنَّ على
الشيعة أن تطيعه، أو كلَّفه بنقل أمر منه إليهم، ومن المعلوم أنَّ أمره (عليه
السلام) - على تقدير صدروه - واجب الطاعة، سواء كان الناقل قد عرف هويَّته (عليه
السلام) حين المشاهدة أم بعدها.
وأمَّا الرابع والخامس فمخالفان للظاهر، فإنَّ المنفي مطلق المشاهدة الصادقة على
الرؤية لمرَّة واحدة، وعلى غير المقرونة بدعوى النيابة في أمر أو أُمور خاصَّة.
وأمَّا السادس فهو وإن كان مخالفاً للظاهر أيضاً إلَّا أنَّ هناك قرائن تساعد عليه:
أحدها: أنَّه (عليه السلام) نفى المشاهدة في مقام التصـريح بختم السفارة والنيابة
عنه(عليه السلام) على غرار سفارة الأربعة، حيث قال (عليه السلام): «... ولا توصِ
إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك»، أي: يقوم مقامه في السفارة والنيابة عنه (عليه
السلام)، ثمّ علَّل ذلك بقوله(عليه السلام): «فقد وقعت الغيبة الثانية...»، إلى أن
قال: «ألَا فمن ادَّعى المشاهدة»، أي: بنحو السفارة «قبل خروج السفياني والصيحة فهو
كاذبٌ مفترٍ...».
ثانيها: أنَّ قوله (عليه السلام): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة» لا يتناسب
إلَّا مع دعوى السفارة والمرسوليَّة من قِبَله (عليه السلام) إلى الشيعة، ولا يشمل
من خصَّ مؤمناً بينه وبينه يُخبِره بمشاهدته له (عليه السلام)، ولا يصدق عليه أنَّه
أتى الشيعة بذلك، وإلَّا لكان المناسب أن يحذف هذه الجملة برمَّتها.
ثالثها: الأخبار
العديدة الواردة في وقوع المشاهدة المجرَّدة من دعوى السفارة لكثير من المؤمنين،
ولعلَّ من بينهم جملة من العلماء المعروفين كأبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه
وابن طاووس، كما ذكر صاحب البحار(١٩).
ومقتضى الجمع بين الأخبار الكثيرة الدالّة على حقِّ المشاهدة خارجاً وبين نفي
التوقيع لها: أن نحمل المشاهدة المنفية على المشاهدة المخصوصة، وهي المقرونة بدعوى
السفارة لا مطلقاً وفاقاً للعلَّامة المجلسي (رضي الله عنه) كما نقلنا عنه.
وبهذا يتعيَّن إرادة الاحتمال السادس، وبتنقيح المناط يمكن الشمول للخامس.
بتقريب: أنَّ التوقيع لو خصَّ النفي بالسفارة في الأُمور العامَّة، فلازمه إمكان
قبول دعوى السفارة في بعض الأُمور الخاصَّة، مع أنَّ أصل المحذور موجود أيضاً، وهو
متابعة المؤمنين لمدَّعٍ في بعض الأُمور الخاصَّة، ولمدَّعٍ آخر في بعض آخر، ولثالث
في بعض ثالث، لأنَّ لازم جواز قبولها من أحدهم جواز قبولها من غيره، وهكذا يكثر
المدَّعون فيقع محذور كالمحذور الذي يلزم من ادِّعاء السفارة في الأُمور العامَّة
أو قريب منه.
والحاصل: أنَّ أنسب الاحتمالات المذكورة هو الأخير، أي نفي المشاهدة المقرونة بدعوى
السفارة مطلقاً سواء في الأُمور العامَّة أو الخاصَّة.
احتمال سابع في المقام:
يمكن أن يقال: إنَّ المراد بالمشاهدة المنفيَّة شيءٌ آخر غير ما تقدَّم من
الاحتمالات الستَّة، وهو دعوى القيام والظهور التامّ للإمام (عليه السلام) نفسه.
والوجه في ذلك: أنَّه (عليه السلام) بعد تعليله عدم الوصيَّة إلى أحد بقوله: «فقد
وقعت الغيبة الثانية (خ ل - التامَّة)»، قال مفرِّعاً: «فلا ظهور إلَّا بعد إذن
الله (عزَّ وجلَّ)»، أي: فلا ظهور له (عليه السلام) قبل الإذن الإلهي به، ثمّ أخذ
يذكر (عليه السلام) بعض شرائط الظهور والتي يمكن أن تكون شرائط للإذن الإلهي فقال:
«وذلك بعد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) بحار الأنوار ٥٢: ٥٨.
طول الأمد، وقسوة
القلوب، وامتلاء الأرض جوراً»، ثمّ قال (عليه السلام): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي
المشاهدة» أي: ورغم أنَّه لا ظهور إلَّا بعد تحقُّق ما ذُكِرَ من شرائط فسوف يأتي
شيعتي من يدَّعي ظهوري قبل تحقُّق شرائطه، ويدَّعي أنَّه قد شاهدني بعينه، فتكون
دعوى المشاهدة طريقاً لإثبات الظهور التامّ، أعني كدليل يقيمه مدَّعي الظهور على
صدق دعواه، كما يصنع من ينسب فعلاً ما إلى شخص إذا طولب بالدليل على صدقه فيقول:
(أنا رأيته بعيني يصنع كذا وكذا)، ثمّ بيَّن (عليه السلام) حكم من يفعل ذلك بقوله:
«ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذبٌ مفترٍ...»، ومن
المعلوم أنَّ الذي يقع بعد خروج السفياني والصيحة هو الظهور التامُّ لا مجرَّد
المشاهدة، بل لا معنى لأن يأتي الشيعة من يدَّعي المشاهدة بعد الظهور المبارك،
فإنَّها أشبه بمن ينادي في الناس في وضح النهار: إنَّ الشمس قد طلعت!
ويُؤيِّده: أنَّ الوارد في نسخةٍ بدلاً من كلمة (الثانية) كلمة (التامَّة)، فإنَّها
أنسب بتفريع نفي الظهور بقوله: «فلا ظهور»، أي: لأنَّها غيبة تامَّة فلا يكون هناك
ظهور إلَّا بعد ما ذُكِرَ من الإذن الإلهي وطول الأمد وقسوة القلوب وامتلاء الأرض
جوراً.
وعلى هذا يكون المقصود من قوله (عليه السلام): «وسيأتي شيعتي...» الخ: أنَّه رغم
تصـريحي بوقوع الغيبة التامَّة وأنَّه لا ظهور لي قبل خروج السفياني ووقوع الصيحة
سيأتي شيعتي من يدَّعي الظهور وأنَّه قد شاهدني، وبناءً على هذا فمن جاءكم يدَّعي
ظهوري قبل ذلك فهو كاذبٌ مفترٍ.
الجهة الثانية: تحقيق الحال في وقوع المشاهدة
خارجاً وعدمها:
تقدَّم أنَّ مشاهدة الحجَّة (عليه السلام) في زمن الغيبة الكبرى بمعنى رؤيته أمر
مقطوع به لتواتر الأخبار في ذلك حتَّى بعد حذف الروايات التي لا تدلُّ على أنَّ من
شوهد هو الحجَّة (عليه السلام) نفسه لاحتمال أن يكون أحد الأولياء والصالحين.
بيان ذلك: أنَّ
التواتر عبارة عن إخبار جماعة يمتنع عادةً تواطؤهم على الكذب، كتواتر قتل الحسين
(عليه السلام) يوم العاشر من محرَّم الحرام من سنة إحدى وستّين للهجرة، فإنَّ
الناقلين لهذا الخبر جماعة من الفريقين كثيرة حتَّى من بني أُميَّة لعنهم الله، ومن
المحال في العادة أن يتواطأ - يتَّفق - الموالي والمعادي على الكذب في هذه
القضيَّة.
والتواتر على أقسام ثلاثة:
الأوَّل: التواتر اللفظي، وهو تطابق الأخبار في ألفاظ الحديث.
وهذا إن كان له مصداق في الأخبار فهو نادر جدّاً.
الثاني: التواتر المعنوي، وهو تطابقها في المعنى دون اللفظ.
وهذا كثير في الأخبار، كحديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث الثقلين، وغيرها كثير،
فإنَّ كلَّ واحد منها نُقِلَ بعدَّة طرق مع تفاوتٍ في اللفظ كثير أو يسير مع
الاتِّفاق في المعنى.
ومنه حديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) في ظهور رجل من أهل بيته - وهو
المهدي (عليه السلام) - في آخر الزمان فيملأها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً
وجوراً.
الثالث: التواتر الإجمالي، وهو نقل جملة من الأخبار يُقطَع بصدور ولو واحد منها،
وكان تشترك - جميعها - في لازم من اللوازم، فيُقطَع بثبوت ذلك اللازم.
ومن أمثلته شجاعة عليٍّ (عليه السلام) وقتله للأبطال المشهورين، فإنَّ الأخبار في
ذلك متواترة إجمالاً، بمعنى أنَّها جميعاً تثبت بالدلالة الالتزاميَّة أنَّه (عليه
السلام) كان شجاعاً، فيُقطَع آنذاك بشجاعته، لأنَّنا مهما طرحنا من تلك الروايات
فإنَّ العاقل يقطع أو يطمئنُّ بصدور ولو واحد منها، وهو كافٍ في إثبات شجاعته، كما
لو اختلف جملة من الرواة في عدد من قتل (عليه السلام) في إحدى المعارك، بأن أخبر
أحدهم بأنَّه قتل مائة من الفرسان الأبطال، وأخبر آخر بأنَّه ما قتل مائة
بل تسعين، وأخبر ثالث
بأنَّهم كانوا ثمانين لا مائة ولا تسعين، وهكذا، فإنَّ الروايات الثلاث تشترك في
أنَّه (عليه السلام) قتل ثمانين من الفرسان الأبطال، وهذا لا شكَّ في دلالته على
شجاعته وخبرته في القتال.
إذا عرفت هذا فاعلم أنَّ وقوع المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى ممَّا تواترت به
الأخبار تواتراً إجماليّاً، بمعنى أنَّ كلَّ عاقل لو اطَّلع على تلك الأخبار لقطع
أو اطمأنَّ بصدق ولو بعضها.
وهو كافٍ في إثبات المطلوب، إذ المطلوب إثبات المشاهدة بنحو القضيَّة الموجبة
الجزئية في مقابل السالبة الكلّية كما نُسِبَت إلى بعض ممَّن علَّل عدم الوقوع بنفي
وجود خصوصيَّة لفلان وفلان المقتضية لحصول المشاهدة واللقاء، فكان نفيه للخصوصيَّة
أقبح من نفيه للمشاهدة، وإلَّا فحتَّى أجهل الناس يعلم ويقطع بأنَّ العباد متفاوتون
في منازلهم عند الله تعالى، وبالتالي عند المعصومين (عليهم السلام)، قال تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ﴾ (الحجرات: ١٣)، ولو اكتفى بتشبُّثه
بالتوقيع المزبور على أحد الوجوه المتقدِّمة لكن أجدر وأقرب إلى القبول.
وعلى أيَّة حالٍ: فقد نقل جملة من الأعلام كثيراً من الأخبار التي دلَّت بشكل صريح
على حصول اليمن بلقائه (عليه السلام)، فبعض ضمَّنوها في بعض تأليفاتهم، وبعض أفرد
فيها كتاباً مستقلّاً.
وبعد هذا فلا مجال لإنكار وقوع المشاهدة في زمن الغيبة الكبرى، نسأله تعالى أن
يُكحِّل ناظرنا الآثم ليطهر برؤيته الميمونة.
إلَّا أنَّ المهمَّ في مقامنا هو بيان الوظيفة الشـرعية - بل الاعتقادية أيضاً -
لغير من تحقَّقت له المشاهدة، وما هو الموقف الذي يتحتَّم عليه، وهو ما سيتَّضح في
بحث الجهة الآتية.
الجهة الثالثة: وظيفتنا تجاه دعاوى المشاهدة:
تأسيس الأصل:
وقبل بيان مقتضـى الدليل الاجتهادي لا بدَّ من بيان مقتضـى الأصل والقاعدة في
المقام، وهي تقتضي عدم المشاهدة مهما كان تفسيرها، ومعه فعلى مدَّعيها إقامة
الدليل.
ومنه يتَّضح الإشكال في قول بعض المدافعين عن بعض المدَّعين اليوم من أنَّ التوقيع
لا يصلح دليلاً على نفي المشاهدة، بدعوى ضعفه سنداً وإجماله دلالةً.
وجوابه من وجوه:
أحدها: أنَّ التوقيع إن لم يكن تامَّ السند أو الدلالة بنفسه فهو تامٌّ بضميمة غيره
إليه، فهو من قبيل الضعيف المحفوف بقرائن تدلُّ على صدوره واعتباره، فلاحظ ما
ذكرناه من قرائن في صالح التوقيع سنداً ودلالةً.
ثانيها: أنَّ الدليل النافي لا ينحصر بالتوقيع المذكور، كما سيأتي.
ثالثها - وهو الأهمُّ -: أنَّ نفي المشاهدة لا يحتاج إلى دليل أصلاً بعد كونه
مقتضـى الأصل، والذي يحتاج إليه إنَّما هو دعوى المشاهدة.
هذا مضافاً إلى أنَّه يلزم أن يكون في الدليل من القوَّة ما يتناسب مع حجم الدعوى،
فمن يدَّعي المشاهدة بمعنى السفارة ليس كمن يدَّعيها مجرَّدةً عن هذا المعنى، ومن
يدَّعي السفارة المطلقة ليس كمن يدَّعيها في أمر خاصٍّ، ومن يدَّعي حصول المشاهدة
مراراً ليس كمن يدَّعي حصولها مرَّة واحدة فقط، وعلى هذا فقس بقيَّة الدعاوى.
الرابع: الأولوية، فإنَّ من الشائع بين الناس دعاوى رؤية المعصومين (عليهم السلام)
في المنام، ومن الشائع أيضاً هو تكذيب كثير منهم أو التشكيك من قِبَل المؤمنين -
لاسيّما العلماء الربّانيين - في أنَّ من رأوه هو المعصوم الفلاني، وذلك لوجوه
عديدة وقعت محلّاً
للكلام(٢٠)،
فإذا كان هذا حال من يدَّعي رؤية المعصوم (عليه السلام) في منامه فما بالك بمن
يدَّعي رؤيته في اليقظة، لاسيّما إذا اقترنت دعوى الرؤية بما هو أكبر منها، كدعوى
السفارة وما أشبه؟!
الخامس: الاعتبار، فإنَّ ممَّا حثَّ عليه الكتاب العزيز والسُّنَّة المطهَّرة وجرت
عليه سيرة العقلاء وحكم به العقل أن يعتبر الإنسان ويتَّعظ من الحوادث الواقعة
قديماً وحديثاً، ليستفيد من ذلك في مستقبل أيّامه، ولو رجعنا إلى التاريخ فكم سجَّل
بين صفحاته من دعاوى كاذبة وجريئة ترتبط بالقضيَّة المهدويَّة، وكم راح ضحيَّتها من
العوامِّ والسُّـذَّج.
ومن هنا يلزم أن يكون الأصل لدى المؤمنين أعزَّهم الله هو عدم تصديق المدَّعين ما
دام يحتمل احتمالاً وجيهاً أن يكونوا كغيرهم من الكذَّابين ممَّن سبقهم، لاسيّما
وأنَّ هذا الأمر يرتبط بمصيرهم في الدين والآخرة، فإمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى
النار، ولاتَ حين مندم.
ومن كلِّ ذلك يتَّضح: أنَّ الأصل في وظيفة المؤمنين - حفظهم الله - تجاه دعاوى
المشاهدة هي عدم ترتيب الأثر عليها مطلقاً، إلَّا إذا جاء عليها المدَّعي بدليل
يتناسب وحجمها، بحيث يذعن له جميع العقلاء، وخصوصاً الربّانيون من العلماء.
وأمَّا ما يقتضيه الدليل الاجتهادي فهو عدم ترتيب الأثر على ذلك أيضاً، لوجوهٍ منها
عامَّة ومنها خاصَّة.
أمَّا العامَّة فكقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ
بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَـرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: ٣٦)، وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَما
يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ
شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (يونس: ٣٦)، وغيرهما من
الآيات الناهية عن اتِّباع غير العلم، أو الذامَّة لاتِّباع الظنِّ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) بحوث في الرؤيا والأحلام للشيخ الطبسي.
وقوله (عليه السلام)
في مقبولة عمر بن حنظلة: «... وإنَّما الأُمور ثلاثة: أمرٌ بَيِّنٌ رُشدُهُ
فَيُتَّبَعُ، وأمرٌ بَيِّنٌ غَـيُّـهُ فَيُجتَـنَب، وأمرٌ مُشكِلٌ يُرَدُّ علمُهُ
إلى الله وإلى رسوله، قال رسول الله: حلالٌ بَيِّنٌ وحرامٌ بَيِّنٌ وشُبُهاتٌ بين
ذلك، فمن ترك الشبهات نجا من المحرَّمات، ومن أخذ بالشبهات ارتكب المحرَّمات، وهلك
من حيث لا يعلم...» الحديث(٢١).
وقوله (عليه السلام) في آخر الحديث السابق: «... فإنَّ الوقوف عند الشُّبُهات خيرٌ
من الاقتحام في الهَلَكَات...».
ومن ذلك ما جاء في باب الشهادات وأنَّه لا تُقبَل الشهادة إلَّا إذا كانت عن علم
ويقين مهما كانت القضيَّة المشهود عليها، كالنبويِّ المروي في كتب الفريقين من قوله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) وقد سأله سائل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها
فاشهد، أو دَعْ»(٢٢)،
وقوله (عليه السلام): «لا تشهدنَّ بشهادة حتَّى تعرفها كما تعرف كفَّك»(٢٣)،
وغيرهما.
فإذا كانت الشهادة لا تُقبَل على أهون الأُمور إلَّا أن تكون بعلم، فكيف تُقبَل في
أخطرها؟!
وأمَّا الخاصَّة فيصعب إحصاؤها بحيث تغني كثرتها الكاثرة عن النظر في أسانيدها(٢٤).
فمنها: ما رواه المفضَّل بن عمر عن إمامنا الصادق (عليه السلام)، قال: سمعت أبا عبد
الله (عليه السلام) يقول: «إيّاكم والتنويه، أمَا والله ليغيبنَّ إمامُكم سنيناً من
دهركم، ولَتُمَحَّصُنَّ حتَّى يقال: مات، قُتِلَ، هلك، بأيِّ وادٍ سلك؟
ولَتَدْمَعَنَّ عليه عيون المؤمنين، ولَتُكْفَأُنَّ كما تُكْفَأُ السفن في أمواج
البحر، فلا ينجو إلَّا من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه،
ولَتُرْفَعَنَّ اثنتا عشـرة رايةً مشتَبَهةً لا يُدرَى أيٌّ من أيٍّ»، قال: فبكيت،
ثمّ قلت: كيف نصنع؟ قال:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) الكافي ١: ٦٧/ الحديث
١٠.
(٢٢) وسائل الشيعة ٢٧: ٣٤٢/
ب ٢٠ من أبواب الشهادات/ ح ٣.
(٢٣) المصدر السابق: ح ١.
(٢٤) اتَّفق العقلاء
والعلماء كافَّة على أنَّ الخبر المتواتر لا يتوقَّف الأخذ به على صحَّة جميع
أسانيده، لأنَّه خبر جماعة يمتنع حصول التواطُؤ بينهم على الكذب فيه، نظير ما لو
نقلت الفضائيّات اليوم خبراً عن حادث معيَّن بحيث توافقت فيه جميع تلك الفضائيّات
حتَّى التي بينها عداء مستحكم، كما لو اتَّفقت في نقله فضائيّات إسرائيليَّة
وفضائيّات إسلاميَّة معادية لإسرائيل، وفضائيّات دينية وأُخرى علمانية، وفضائيّات
محافظة وأُخرى متهتِّكة، وفضائيّات شيعيَّة وأُخرى ناصبية، وهكذا.
فنظر (عليه السلام)
إلى الشمس داخلة في الصُّفَّة فقال: «يا أبا عبد الله، ترى الشمس؟»، قلت: نعم، قال:
«والله لأمرنا أبين من هذه الشمس»(٢٥).
إنَّ مضمون هذه الرواية متطابق تماماً مع العقل والنقل كتاباً وسُنَّةً، فلا
يضـرُّها لو ناقش بعض في سندها من جهة المفضَّل.
وإنَّما ذكرتها لنكتة لا تخفى على الخبير، وهي: أنَّ الله تعالى يقول: ﴿فَلِلّهِ
الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ (الأنعام: ١٤٩)، يعني: الواصلة، ولا تكون كذلك مع
الاشتباه، ولذا فلا بدَّ من أن يكون الحقُّ أبلج واضحاً، ﴿لِئَلَّا
يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ (النساء: ١٦٥)، ولا يمنع من أن يكون
الوضوح مختصّاً بمن عرف الحقَّ من أوَّل الأمر فلا يلتبس عليه لو اشتبه على الناس
في آخره.
فعليك بالتدبُّر في مضمون هذه الرواية جيِّداً آخذاً بالاعتبار ما ذكرت لك، فإنَّه
يشتمل على مطلب نفيس من جهة، وخطير - غاية الخطورة - من جهة أُخرى.
ومنها: ما دلَّ على أنَّه (عليه السلام) عندما يقوم فإنَّه يقتل سبعين رجلاً من
الكذّابين يدَّعون ما يدَّعون، فإنَّه موجب للاحتياط عقلاً ونقلاً، ووجوب شدَّة
التثبُّت في قبول أيِّ دعوى من الدَّعاوى بعد إمكان أن يكون المدَّعي أحد هؤلاء
المشار إليهم. ففي غيبة النعماني بسنده عن أمير المؤمنين أنَّه قال لمالك بن ضمرة:
«كيف أنت إذا اختلفت الشيعة هكذا - وشبك أصابعه وأدخل بعضها في بعض -؟»، فقلت: يا
أمير المؤمنين، ما عند ذلك من خير؟ قال: «الخير كلُّه عند ذلك يا مالك، عند ذلك
يقوم قائمنا فيُقدِّم سبعين رجلاً يكذبون على الله وعلى رسوله فيقتلهم...»(٢٦).
ومنها: الواقع الخارجي، فكم ظهر من كذّابين وأدعياء لا يحصون كثرةً في هذا المجال
بالخصوص، أعني فيما يرتبط بالمهدي (عليه السلام).
والحاصل: أنَّ ثبوت نفس المشاهدة ووقوعها شيءٌ، وإثباتها لمدَّعيها شيءٌ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) الكافي ١: ٣٣٦/ باب
الغيبة/ الحديث ٣.
(٢٦) الغيبة للنعماني: ٢١٤.
آخر، وهو أمر دونه خرط
القتاد، وإلَّا فمن السهل أن يدَّعي شخص أنَّه رآه (عليه السلام) وكحَّل ناظريه
بطلعته الميمونة، ولكن أنَّى له أن يُثبِت ذلك، أو يُثبِته له غيره بعد احتمال كذبه
كائناً من كان؟!
إن قلت: هذا لا ينطبق على الصالحين، فلو ادَّعى أحدهم المشاهدة وجب تصديقه، لحصول
الاطمئنان بصدقه، فصلاحه دليل صدقه.
قلت: لا عبرة بالصلاح السابق على الدَّعوى، لاحتمال انحراف المدَّعي قُبيل إظهارها،
كشأن من حدَّثنا عنهم التاريخ وكتب التراجم والرجال ممَّن كانوا في ظاهر الأمر من
الصالحين، ثمّ بدى منهم ما بدى، حتَّى خرج من الناحية المقدَّسة الأمر بلعنهم،
كالشلمغاني والعبرتائي وغيرهما ممَّن يُعَدُّون في أهل العلم.
أمَا في هذا عبرةٌ وحاجز يحجز المؤمنين عن الاقتحام في الشُّبهة من هذه الناحية؟!
وبعبارة أُخرى: إنَّ الصلاح الذي يستلزم الصدق إنَّما
هو الصلاح الحقيقي الذي لا يعلمه إلَّا الله ومن أطلعه الله (عزَّ وجلَّ) عليه، ولا
عبرة بالصلاح الذي يبدو لنا في ظاهر الحال.
ولا مجال لاستبعاد انحراف أيِّ شخص بعدما ثبت خارجاً قديماً وحديثاً انحراف جملة من
العلماء والصالحين ممَّن لم تكن الأُمَّة تتوقَّع ذلك منهم.
بل ينبغي لكلِّ مؤمن عاقل أن لا يستبعد ذلك من أحد بعد وقوع الانحراف بين بعض أولاد
الأئمَّة (عليهم السلام)، ولكنّا قد ابتلينا بأُمَّة لا تقرأ تاريخها وهي تمرُّ على
آياته تعالى والتي تحثُّ على النظر والتأمُّل في أحوال الذين خلوا من قبل، فإنَّ
الغرض من ذلك هو أخذ العبرة منهم، وعدم الوقوع فيما وقعوا فيه، وإلَّا فليس القرآن
كتاباً أدبيّاً يسرد القصص للترفيه والاستمتاع بها(٢٧).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) ولذا فعلى قارئ القرآن أن يُطبِّق ما نزل في بني إسرائيل - مثلاً - على نفسه، ويجعل نفسه هي المخاطبة بتلك الآيات، كما في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (الجمعة: ٥)، فإنَّ المسلم الذي يقرأ القرآن ولا ينتفع به كالحمار الذي يحمل على ظهره أسفاراً ولا ينتفع بها.
ولو تنزَّلنا فذلك
يختصُّ بمن عُرِفَ بين الناس بصلاحٍ على درجة عاليةٍ منه جدّاً، بحيث يحصل
الاطمئنان بصدقه عند العلماء الربّانيين، ولا يكفي حصوله للعوامِّ، فإنَّهم يطمئنون
لأدنى شيءٍ، ويُسلِّمون قيادهم لأمثال هؤلاء بكلِّ سهولة.
ولا ضير في الالتزام بذلك، ولازمه عدم جواز قبول دعوى مجهول الحال مهما حاط نفسه أو
حاطه أتباعه بهالة من التقديس.
على أنَّ من كان بتلك المثابة من الصلاح لا يفصح عن المشاهدة في العادة، لأنَّ
الإفصاح لا موجب له من جهة، ويجرُّ إلى ما لا تُحمَد عقباه من جهة أُخرى، نعم لا
بأس بالإفصاح لطبقة خاصَّة تثبيتاً لقلوب المؤمنين.
بل يمكن القول: إنَّ وظيفة من شاهده (عليه السلام) هي عدم الإفصاح، وأنَّه لو أفصح
فوظيفتنا نحن تجاهه هي تكذيبه وإن كان صادقاً واقعاً، نظير ما صدر من تكذيب
الأئمَّة (عليهم السلام) لبعض رواة الشيعة حينما حدَّثوا عنهم (عليهم السلام) بما
نهوا عن التحديث به، فكذَّبوهم أمام الناس رغم أنَّهم صدقوا فيما نقلوا عنهم (عليهم
السلام)، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «إنّي لأُحدِّث الرجل الحديث
فينطلق فيُحدِّث به عنّي كما سمعه فاستحلَّ به لعنه والبراءة منه»(٢٨).
والنتيجة: أنَّه لا يجوز ترتيب الأثر على دعوى المشاهدة مطلقاً، بل لا يبعد جواز
تكذيب صاحبها حتَّى لو عُلِمَ صدقه واقعاً، بل ربَّما يجب أحياناً، كما لو اطمأنَّ
المكلَّف بترتّب مفسدة عظمى على ترك تكذيبه، والتفكيك في الأحكام ليس بعزيز(٢٩).
نعم لو كان المدَّعي معروفاً في أوساط الأُمَّة عموماً والعلماء الربّانيين خصوصاً
أنَّه في أعلى درجات الصلاح والورع والتقوى واقعاً لا ظاهراً فقط فلا يبعد جواز
تصديقه لو ادَّعى المشاهدة، لكنه مجرَّد فرض يصعب حصوله، والذي يمكن حصوله هو ما
كان فاقداً لأحد الأمرين، فإمَّا أن يشاهده (عليه السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) الغيبة للنعماني: باب
١/ ح ٧.
(٢٩) كما هو الحال في
الأحكام الظاهرية، وأمثلته كثيرة، منها: الحكم بطهارة اللحم المأخوذ من يد الكافر
مع الحكم بحرمة أكله فيما إذا شككنا في تذكيته، مع أنَّه في الواقع لا يخرج عن أحد
فرضين: فإمَّا أن يكون مذكّى أو ميتة، فإن كان مذكّى فهو طاهر ويحلُّ أكله، وإن كان
ميتة فهو نجس ويحرم أكله، ولا توجد حالة ثالثة واقعاً، أي لا تجتمع الطهارة مع
الحرمة، ولا النجاسة مع الحلّية، لكن مقتضى القواعد هو الحكم بطهارته وحرمته.
صالح بتلك الدرجة من
الصلاح والورع، ولكن مثل هذا يكتم الأمر ولا يفصح عنه حتَّى لو كان في ذلك ذهاب
حياته، وإمَّا طالح دجّال جريءٌ في إظهار دعوى المشاهدة كذباً وزوراً طمعاً في
المكانة العظيمة في نفوس الناس لاسيّما الأغمار منهم والسُّذَّج، ومثل هذا كثير،
ولعلَّ من ظهر منهم أقلُّ ممَّن لم يظهروا بعد وهم ينتظرون الفرصة السانحة لإظهار
دعواهم، وكالعادة سوف تجد لها عدداً ليس بالقليل ممَّن يُصدِّق بها من الجهلة.
نسأله تعالى أن يديم علينا نعمة العقل، وأن يعصمنا من الزلل في القول والعمل، آخذين
بمحكم كتابه، مستضيئين بنور بيِّنات نبيِّه (صلّى الله عليه وآله وسلم)، معتصمين
بهدي آل بيته (عليهم السلام)، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، وصلّى الله
على محمّد وآله الطاهرين.
عنصر الخفاء في القضية المهدوية
الشيخ حسين الأسدي
المقدَّمة:
من المعلوم أنَّ لكلِّ علم من العلوم أسراره التي لا يعرفها إلَّا متخصِّصوه، وأنَّ
لكلِّ نظرية من النظريات مبادئ لا يتقنها إلَّا منظِّروها، وبالتالي، فإنَّ الخفاء
سيكون نصيب الخارجين عن حريم التخصّص في مجال ما من مجالات الحياة، والحيرة قد
تضـرب أخبيتها عند البعيدين عن صياغة النظرية أو عن سبر معالمها.
من هنا، تأسَّست عند العقلاء عموماً ضرورة الرجوع إلى أهل الخبرة في أيِّ جانب من
جوانب الحياة، ليحلّوا الغموض الذي قد يكون فيه، وليدفعوا الشبهات التي قد تُلقي
بظلالها على ما يتعلَّق بذلك الجانب.
ومن هنا، نجد أنَّ الناس ساروا على طبيعتهم وفطرتهم وفق هذا التأسيس، وجاء القرآن
الكريم ليرشدنا إلى تلك الضـرورة في واحد من جوانب الحياة المرتبطة بالجانب
الأُخروي منها، فقال (عزَّ من قائل): ﴿فَسْئَلُوا أَهْلَ
الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (الأنبياء: ٧).
والقضيَّة المهدوية حالها حال غيرها من القضايا الحياتية، لها نظرياتها الخاصَّة،
ولها مصادرها المعتمدة، ولها متخصِّصوها، وبالتالي، فإنَّ عدم الاعتماد على هذه
الأركان الثلاثة (النظرية، المصادر، المتخصِّص) فيها أدّى في كثير من الأحيان إلى
الابتعاد عن الهدف الذي قامت من أجله، وإلى التخبّط خبط عشواء في ظلام الجهل
والشبهات، وإلى استجداء حلول لا تشفي الغليل لمسائل مصيرية فيها، الأمر الذي أتاح
للكثيرين ممَّن يتصيَّدون بالماء العكر أن يرموا شباكهم ليصطادوا بها بعضاً من
البسطاء، وليبنوا مجدهم على أطلال سذاجتهم.
ومن هنا، نجد أنَّ البعض تاه في حيرة بعض الخفايا في القضيَّة المهدوية، فلماذا غاب
المهدي؟ ولماذا الخوف؟ ولماذا خَفيت ولادته؟ ومن هو اليماني بالضبط؟ وكيف نُشخِّص
شعيب بن صالح؟ الخ...
إنَّ الخفاء يكتنف هذه المفردات من عدَّة جوانب، وقد تبقى خفيَّة على البعض، الأمر
الذي قد يُضعِف من إيمان الفرد بها، أو على الأقلّ، يبقى في النفس ما فيها من
التردُّد والحيرة.
في هذا البحث، نحاول تسليط الضوء على بعضٍ مهمّ من المفردات المهدوية التي اكتنفها
الخفاء، لمعرفة السبب الذي كان وراء هذا الغموض، بالاعتماد على الروايات الشـريفة،
وعلى ما توصَّل إليه المتخصِّصون في القضيَّة المهدوية.
أصول موضوعية:
الأصل الأوَّل: إنَّ أهمّ مصادر البحث في القضيَّة
المهدوية عموماً هي الروايات الشـريفة، ذلك لأنَّ المسألة تدور بين تاريخ مضـى،
ومستقبل مرتقَب، ولا نملك وسائل مادّية تأخذنا إلى أعماق التاريخ، أو تُرسِلنا
للمستقبل البعيد، فليس لدينا إلَّا الروايات الشـريفة، فلا مكان للتكهّنات ولا
للآراء الشخصية إلَّا فيما تسمح له الأُصول العلمية من إبداء الاحتمالات اعتماداً
على جمع القرائن وتتبّع الظروف المحيطة بتلك الروايات وما يمكن أن يُستشَفَّ من
ألسنتها.
وبعبارة أُخرى: إنَّ الأصل الأوَّلي الذي نجده في القضيَّة المهدوية هو اكتنافها
بالخفاء في الكثير من جوانبها، وأنَّ الوضوح والإعلان يُمثِّل استثناءً فيها،
وبالتالي، يكون المرجع الأصيل فيها هو نفس الروايات الموضِّحة لمشتبهاتها.
الأصل الثاني: إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) إمام
معصوم، والعصمة تتجلّى بعلم لدنّي يكشف للمعصوم ما خفي علينا، وبحكمة تجعل من
أفعاله كوحي يوحى.
نعم، قد نغضُّ الطرف عن هذا الأصل في بعض الأحيان خلال البحث، من باب مسايرة الطرف
الآخر، وتوفير جواب عقلائي يتناسب حتَّى مع عدم العصمة.
الأصل الثالث: إنَّ التقيَّة مبدأ إسلامي أقرَّه
القرآن الكريم، وأكَّدته السُّنَّة الشـريفة، وإنَّ سيرة المتشـرِّعة، بل والعقلاء
قائمة على أنَّها مبدأ يعمل به العاقل إذا ما دعته الظروف الموضوعية لذلك، فسيرة
العقلاء قائمة وبلا أدنى شكٍّ على أنَّه لو تزاحم مهمّ وأهمّ، فإنَّه يُقدَّم
الأهمّ، فكلُّ عاقل يحكم ولو لم يكن مؤمناً بأيِّ شريعة، بلزوم حفظ دمه أو عرضه
وتقديم ماله أو تقديم تنازل عن موقف معيَّن فيما لو هدَّده ظالم ودار الأمر بين
ذينك الأمرين.
بل إنَّ المسألة فطرية عمَّت حتَّى الحيوانات، فعندما يداهمها خطر ما فإنَّها تبحث
عن أقلّ الخسائر.
مع ملاحظة أنَّ المقصود من التقيَّة في هذا البحث ليس معناها الاصطلاحي فحسب،
وإنَّما ما يشمل المعنى اللغوي الذي يعني فيما يعنيه تعمّد إخفاء شيء ما حمايةً له(١).
الأصل الرابع: إنَّنا لم نُكلَّف بمعرفة العلل
والملاكات الواقعية للأحكام، لأنَّ معرفتها متعذِّرة علينا، ومعه، فإنَّنا لا
نستطيع تقديم الفلسفة الواقعية وراء حكم معيَّن أو فعل جاء بأمر إلهي.
وهذا يعني أنَّ كثيراً ممَّا يُذكر في هذا البحث إنَّما يُساق لبيان الحكمة من
التصـرّف الوقائي الذي يعمد إليه الإمام المهدي (عليه السلام) أو المعصومون من
قبله.
وهذا يعني أنَّ باب الأخذ والردِّ لا ينغلق بهذا البحث، وإنَّما هي محاولة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) في تاج العروس للزبيدي (ج ٢٠/ ص ٣٠٤/ مادَّة وقى): وقاه يقيه وقياً - بالفتح -، ووقايةً - بالكسـر -، وواقيةً، على فاعلة: صانه وستره عن الأذى وحماه وحفظه، فهو واق؛ ومنه قوله تعالى: ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ﴾ [الرعد: ٣٤]؛ أي من دافع.
للتعرّف على بعض الحكمة في بعض التصرّفات الوقائية المذكورة في الروايات الشريفة.
الأصل الخامس: إنَّ الصبغة العامَّة لحركات الأنبياء عموماً وحركة الإمام المهدي
(عليه السلام) خصوصاً هي صبغة القوانين الطبيعية، وأمَّا الاعتماد على عنصـر
الإعجاز وخرق القانون الطبيعي فإنَّه لا يكون إلَّا عند الضرورة أو الحكمة البالغة
التي تُحدِّدها الحكمة الإلهية.
ممَّا يعني أنَّنا سنأخذ بعين الاعتبار قدر الإمكان محاولة التوفيق بين القوانين
الطبيعية ومفردات البحث.
مفردات البحث:
المفردة الأُولى: خفاء وقت الظهور.
المفردة الثانية: خفاء الإمام المهدي (عليه السلام)، أو قل: غيبته، كما عبَّرت
الروايات الشريفة.
المفردة الثالثة: خفاء شخصيات الظهور الإيجابية.
المفردة الرابعة: خفاء ولادة الإمام المهدي (عليه السلام).
المفردة الأولى: خفاء وقت الظهور:
لقد أكَّدت الروايات مراراً وتكراراً على أنَّ الوقت المعيَّن للظهور (أو قل: ساعة
الصفر للظهور) هو أمر مخفي، ولم يُكشَف لأيِّ إنسان ، بل إنَّ السيرة العملية
للمعصومين (عليهم السلام) كانت على عدم الكشف عنه، بل والنهي عن (التوقيت) وجعله
علامة الكذب وربَّما الهلاك.
إنَّ لازم خفاء الوقت المعيَّن، هو تكذيب من يدَّعي التوقيت، ذلك لأنَّ الأمر من
هذه الناحية مستقبلي، فلا نملك فيه إلَّا الروايات - كما تقدَّم في الأصل الموضوعي
الأوَّل -، والروايات لم تذكر أيَّ شيء فيه، فيكون التوقيت ضرباً على التخت.
إنَّ الروايات الدالّة على عدم التوقيت عديدة، ولسانها متَّفق على أنَّ أهل البيت
(عليهم السلام) أخذوا على أنفسهم عدم إعلان التوقيت وعلى تكذيب الموقِّت.
فقد ورد في التوقيع الشـريف، الذي نقله الشيخ الصدوق عن محمّد بن إبراهيم بن إسحاق
الطالقاني (رضي الله عنه)، قال: سمعت أبا عليّ محمّد بن همّام يقول: ... وكتبت
أسأله عن الفرج متى يكون؟ فخرج إليَّ: «كذب الوقّاتون»(٢).
وعن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا محمّد، من أخبرك عنّا
توقيتاً فلا تهابنَّ أن تُكذِّبه، فإنّا لا نُوقِّت لأحد وقتاً»(٣).
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنّا لا نُوقِّت هذا الأمر»(٤).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: جُعلت فداك، متى خروج
القائم (عليه السلام)؟ فقال: «يا أبا محمد، إنّا أهل بيت لا نُوقِّت، وقد قال محمّد
(صلّى الله عليه وآله): كذب الوقّاتون»(٥).
ويثار هنا سؤالان:
السؤال الأوَّل: هل يعني هذا أنَّ أهل البيت
(عليهم السلام) لم يكونوا على علم بوقت الظهور بالضبط؟
الجواب: بناءً على الأصل الموضوعي الثاني، فإنَّ
الإمام حيث إنَّه معصوم، فهو إذن يعلم بساعة الظهور، إمَّا من باب أنَّ العصمة تعني
فيما تعنيه علماً لدنّياً غيبياً بتعليم من الله تعالى، وإمَّا من باب أنَّ من
خصائص الأئمَّة (عليهم السلام) أنَّهم إذا أرادوا أن يعلموا الشـيء، فإنَّ الله
تعالى يُعلِّمهم ذلك الشيء بمجرَّد توجّه نفوسهم القدسية إلى معرفته، الأمر الذي
صرَّحت به الروايات الشريفة.
فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «إذا أراد الإمام أن يعلم شيئاً
علَّمه الله ذلك»(٦).
فضلاً عن هذا فإنَّه يستفاد من بعض الروايات التي وردت في النهي عن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢)كمال الدين وتمام النعمة
للشيخ الصدوق: ٤٨٣/ الباب ٤٥/ الحديث ٣.
(٣)
كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٣٠٠ و٣٠١/ الباب ١٦/ الحديث ٣.
(٤)
نفس المصدر/ الحديث ٥.
(٥)
نفس المصدر/ الحديث ٦.
(٦)
بصائر الدرجات لمحمّد بن الحسن الصفّار: ٣٣٥.
التوقيت أنَّهم (عليهم السلام) كانوا على علم بالوقت المعيَّن، ولكنَّهم لحكمة ما
تعمَّدوا إخفاءه.
فعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما لهذا الأمر أمد
ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال: «بلى، ولكنَّكم أذعتم فأخَّره الله»(٧).
فهذه الرواية يظهر منها أنَّ الإمام (عليه السلام) كان يعلم بالأمد الذي ينتهي إليه
هذا الأمر، ولكنَّه أخفاه لحكمة معيَّنة، أشار لها بقوله (عليه السلام): «ولكنَّكم
أذعتم فأخَّره الله».
وعن إسحاق بن عمّار، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا أبا إسحاق، إنَّ
هذا الأمر قد أُخِّر مرَّتين»(٨).
فعلمُه (عليه السلام) بتأخير هذا الأمر مرَّتين يلزمه علمُه بنفس الوقت وبساعة
الصفر.
وغيرها من الروايات التي يظهر منها أنَّ الأمر كان يعلم به أهل البيت (عليهم
السلام)، ولكنَّهم أخفوه لحكمة معيَّنة، أو أنَّه تأخَّر بسبب معيَّن، وسنتعرَّف
على بعضٍ آخر من هذه الروايات في مستقبل البحث إن شاء الله تعالى.
والخلاصة: أنَّ المعصوم كان عنده المعرفة بالوقت المعيَّن للظهور. وإنَّما خفي ذلك
الوقت علينا.
السؤال الثاني: إذا كان المعصوم يعلم بالوقت
المعيَّن، فلِمَ لَمْ يذكر الوقت للناس؟ أوَلم يكن من الأفضل للشيعة ولعامَّة الناس
أن يعلموا بالوقت المحدَّد حتَّى تطمئنَّ نفوسهم وقلوبهم؟ وحتَّى يستعدَّ المؤمنون
لساعة الصفر أتمّ الاستعداد؟
الجواب:
إنَّ هذا السؤال ينحلُّ إلى دعويين:
الدعوى الأُولى: أنَّ تحديد وقت الظهور يدفع اليأس عن المؤمنين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧)
كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٩٨ و٢٩٩/ باب ١٦/ الحديث ١.
(٨)
نفس المصدر/ الحديث ٩.
الدعوى الثانية: أنَّ تحديد الوقت ينفع في استعداد المؤمنين للظهور المقدَّس.
وكلتا الدعويين غير مقبولة.
أمَّا الدعوى الأُولى، فلأجل التالي:
أوَّلاً: أنَّ الأمر بالعكس تماماً، بمعنى أنَّ تحديد الوقت بالضبط هو ما يورث
اليأس، فلنا أن نتصوَّر مقدار اليأس القاتل للنفوس إذا ما علمنا على وجه الجزم
واليقين بأنَّ الظهور سيكون في عام (٥٠٠٠) للميلاد مثلاً، عندها، سنحسُّ بأنَّ أيَّ
عمل نُقدِّمه تحت عنوان التمهيد للظهور سيكون هواءً في شبك، وبأنَّ أيَّ جهد نبذله
للإصلاح فإنَّه سيكون هباءً منثوراً، وعندها سيكون الانتظار عنصـر تخدير وتسكين لا
حركة وتغيير، وهو ما يحاول أن يُصوِّره المغرضون من أنَّ الدين أفيون الشعوب.
وهذا ما أشار له الإمام الكاظم (عليه السلام) بقوله: «... فلو قيل لنا: إنَّ هذا
الأمر لا يكون إلَّا إلى مائتي سنة وثلاثمائة سنة لقست القلوب ولرجعت عامَّة الناس
عن الإيمان إلى الإسلام»(٩).
ثانياً: أنَّ تحديد وقت الظهور وساعة الصفر، يؤدّي إلى أن تفقد الثورة المهدوية
عنصـراً مهمّاً من عناصر انتصارها، وهو عنصـر المباغتة ومفاجأة العدوّ، فإنَّه من
الواضح جدّاً في السياسة العسكرية أنَّ العلم بساعة الصفر يؤدّي إلى أن يكون العدوّ
متهيّأً تماماً، بل ويتحيَّن الفرصة بعين ثاقبة، بل ربَّما بادر العدوّ بالهجوم،
ليجُهِض الحركة قبل أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام، وحتَّى لو خَطَتْ، فإنَّها
ستكون في موضع المدافع لا المهاجم، وستخسر تخطيطاً مهمّاً للانتصار.
وهذا الأمر هو أحد الأسباب المهمَّة التي أدَّت بزيد بن عليّ (عليهما السلام) أن
يخسـر المعركة، حيث بادره العدوّ العبّاسي قبل أن تحين ساعة الصفر.
ومعه، فيكون من الحكمة العقلائية والحنكة السياسية أن يُخفى وقت الظهور
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٩٩ و٣٠٦/ الباب ١٦/ ح ١٤.
عن الجميع، حتَّى عن الموالين، لأنَّهم وإن كان يُحتَمل فيهم حفظ السـرِّ، ولكن
المحتمل خطر جدّاً، فإنَّ إظهاره سيؤدّي بثورة المهدي، وبالتالي، فالحكمة تقتضـي
الإخفاء عن الجميع، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار ما سنذكره في ما يتعلَّق بغيبة
المهدي (عليه السلام) عن شيعته ممَّا حصل من هتك السـرِّ ممَّا سبَّب تأخير الظهور
عدَّة مرّات.
ثالثاً: أنَّ من أهمّ ما نؤمن به - تبعاً للنصوص الدينية - هو أنَّ الله تعالى -
بحسب حكمته - قد يبدو له في بعض الأُمور، (والبداء هنا بمعنى الإبداء المسبوق
بالعلم كما هو واضح)، وأنَّ مفردات القضيَّة المهدوية لم تُستثنَ من هذا المعنى،
ولذلك ورد أنَّ حتَّى السفياني يمكن أن يناله البداء(١٠)،
ومعه، فلو حُدِّد وقتٌ معيَّن للظهور، وبعدها بدا لله تعالى أن يُغيِّر من هذا
الوقت، لحكمة ما، فربَّما سيفرز هذا البداء اتِّجاهات معاكسة للحالة الإيمانية،
وربَّما يفرز حالة من الردَّة عن الدين، كما حصل لقوم موسى عندما تأخَّر موسى (عليه
السلام) عنهم عشـرة أيّام فقط، حيث إنَّهم تركوا التوحيد وذهبوا ليعبدوا عجل
السامري.
فقد روي أنَّ محمّداً بن الحنفية قال لمحمّد بن بشـر في حديث: (ويحك يا محمّد، إنَّ
الله خالف علمه وقت الموقِّتين، إنَّ موسى (عليه السلام) وعد قومه ثلاثين يوماً،
وكان في علم الله (عزَّ وجلَّ) زيادة عشرة أيّام لم يُخبِر بها موسى، فكفر قومه
واتَّخذوا العجل من بعده لـمَّا جاز عنهم الوقت، وإنَّ يونس وعد قومه العذاب، وكان
في علم الله أن يعفو عنهم، وكان من أمره ما قد علمت...)(١١).
ومعه، فيمكن أن نستكشف بعض الحكمة من إخفاء الوقت المعيَّن للظهور.
رابعاً: أنَّ إخفاء التوقيت حيث إنَّه أمر مقصود من السماء، فلا شكَّ أنَّ فيه
منفعة لا تُوصَف، وحكمة بالغة، سواء علمنا بها أم لم نعلم، وعلى الأقلّ يمكن القول:
إنَّه لو علم الشخص بأنَّ وقت الظهور مثلاً هو في عام (٣٠٠٠) للميلاد، فإنَّ
إمكانية انحرافه عن سبيل الشـريعة وارد جدّاً، وإذا دعوته إلى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) في كتاب الغيبة لمحمّد
بن إبراهيم النعماني: ٣١٤ و٣١٥ / الباب ١٨/ الحديث ١٠: عن أبي هاشم داود بن القاسم
الجعفري، قال: كنّا عند أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الرضا (عليه السلام) فجرى ذكر
السفياني، وما جاء في الرواية من أنَّ أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو
لله في المحتوم؟ قال: «نعم»، قلنا له: فنخاف أن يبدو لله في القائم، فقال: «إنَّ
القائم من الميعاد، والله لا يُخلِف الميعاد».
(١١) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٣٠٢ - ٣٠٦ / الباب ١٦/ الحديث ٧.
التوبة لأخبرك بأنَّه سيتوب قبيل الظهور! وهذا المعنى يكون أوضح إذا نظرنا إلى
قضيَّة الموت، فإنَّ خفاء وقت الموت يستلزم أن يكون العاقل حذراً من مفاجأته له في
أيِّ لحظة، وبالتالي فإنَّه سيكون على أهبة الاستعداد دوماً.
وأمَّا الدعوى الثانية، فيقال في ردِّها التالي:
أوَّلاً: أنَّ للاستعداد آلياته العديدة التي وفَّرتها الروايات الشـريفة، والتي لا
تنحصـر بالتعيين الدقيق لوقت الظهور، بل ولا داعي معها للتحديد.
وتلك الآليات اختزلتها الروايات الشـريفة بالدعوة إلى (انتظار الفرج)، ذلك الانتظار
الذي يعني باختصار: توطين النفس على توقع الظهور في أيِّ ساعة، والتهيّؤ التامّ
للظهور المقدَّس، وعلى جميع المستويات العقائدية والفقهية والسلوكية واللوجستية(١٢).
عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «... فتوقَّعوا الفرج صباحاً ومساءً...»(١٣).
ثانياً: بالإضافة إلى آلية انتظار الفرج، فإنَّ هناك آلية أكَّدت عليها الروايات
كثيراً، وهي آلية (علامات الظهور الحتمية)، فإنَّ حدوثها يُوفِّر عنصـر التهيّؤ
التامّ والاستعداد العالي للظهور المقدَّس، باعتبار:
١ - أنَّها علامات حتمية لا يقع الظهور إلَّا بعدها ما لم يقع فيها البداء.
٢ - أنَّها أُمور فارقة وعلامات واضحة لا تقبل التشكيك.
٣ - أنَّها قريبة نسبياً من الظهور.
٤ - أنَّ بعضاً منها يقوم على الإعجاز غير القابل للتشكيك - بشـرط المعرفة المسبقة(١٤)
- (الصيحة والخسف).
إنَّ اتِّصاف العلامات بهذه الصفات سيكون له الأثر الفعّال في تنبيه الغافلين، وفي
استعداد المؤمنين للظهور المقدَّس.
ومعه، فلا نحتاج بعد هذين الأمرين (انتظار الفرج وعلامات الظهور) إلى التحديد
الزمني للظهور بدقَّة، بل ولا داعي له من هذه الناحية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٢) في كتاب الغيبة لمحمّد
بن إبراهيم النعماني: ٣٣٥/ الباب ٢١/ الحديث ١٠: عن أبي بصير ، قال: قال أبو عبد
الله (عليه السلام): «ليعدنَّ أحدكم لخروج القائم ولو سهماً، فإنَّ الله تعالى إذا
علم ذلك من نيَّته رجوت لأن يُنسئ في عمره حتَّى يُدركه فيكون من أعوانه وأنصاره».
(١٣)
كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ٣٣٧ و٣٣٨/ الباب ٣٣/ الحديث ١٠.
(١٤)
في كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٧٢ و٢٧٣/ الباب ١٤/ الحديث ٢٨: عن
زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : «ينادي منادٍ من
السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون».
قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم
الفائزون - لرجل من بني أُميَّة -». قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه
الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنَّهم هم
المحقّون الصادقون».
إثارة...:
تقدَّم في الجواب (ثانياً) عن الدعوى الأُولى أنَّ الإخفاء كان - فيما كان لأجله -
من أجل الحفاظ على عنصر المباغتة، وهذا أمر لا شكَّ فيه، بل هو ما أكَّدته الروايات
الشريفة كثيراً:
روي أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) قيل له: يا رسول الله، متى يخرج
القائم من ذرّيتك؟ فقال(صلّى الله عليه وآله وسلم): «مثله مثل الساعة التي ﴿لا
يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرضِ لا
تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧]»(١٥).
وقد روي أنَّه سُئِلَ الإمام الصادق (عليه السلام): يا بن رسول الله، فداك أبي
وأُمّي، أيعلم أحد من أهل مكّة من أين يجيء قائمكم إليها؟ قال: «لا»، ثمّ قال: «لا
يظهر إلَّا بغتة بين الركن والمقام»(١٦).
وعن أبي حمزة الثمالي أنَّه سأل الإمام الباقر (عليه السلام) عن قوله تعالى: ﴿حَتَّى
إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[الأنعام: ٤٤]»(١٧).
وفي مكاتبة الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ المفيد (قدّس سرّه): «... فليعمل
كلُّ امرئٍ منكم بما يقرب به من محبَّتنا، ويتجنَّب ما يدنيه من كراهتنا وسخطنا،
فإنَّ أمرنا بغتة فجاءة حين لا تنفعه توبة ولا ينجيه من عقابنا ندم على حوبة»(١٨).
هذا من جهة.
ومن جهة أُخرى فإنَّه قيل في ردِّ الدعوى الثانية: إنَّ العلامات ستُوفِّر أرضية
مناسبة للاستعداد للظهور، خصوصاً وأنَّ علاميتها واضحة جدّاً، وقيام بعض منها على
عنصر المعجزة.
وبالتالي قد يقال:
إنَّ هاهنا تهافتاً في الكلام، فكيف يمكن الحفاظ على عنصـر المباغتة مع كون
العلامات منبِّهات عالية الصدى للظهور؟
إنَّ صدور العلامات، في الوقت الذي يدفع المؤمنين للتهيّؤ الإيجابي للظهور،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥)
كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق: ٣٧٣.
(١٦)
معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام) للشيخ عليّ الكوراني العاملي ٣: ٤٩١، نقله
عن كشف النوري: ٢٢٢ كما في أربعين الخاتون آبادي مختصـراً، عن الفضل بن شاذان من
كتابه في الغيبة. وعن: منتخب الأثر: ٤٦٤ و٤٦٥/ ف ٦/ ب ٩/ ح ٥، عن أربعين الخاتون
آبادي، وأشار إليه في كشف الأستار.
(١٧)
بصائر الدرجات لمحمّد بن الحسن الصفّار: ٩٨.
(١٨)
الاحتجاج للشيخ الطبرسي ٢: ٣٢٣ و٣٢٤.
هو يدفع الأعداء والمناوئين للتهيّؤ السلبي ضدّ الإمام المهدي (عليه السلام)،
والتهيّؤ من الطرفين يتنافى مع كون الظهور سيتمُّ فجأة وبغتة!
فكيف يتمُّ التوفيق بين علامية العلامات
ووضوحها، وبين فجائية الظهور؟
وهنا جوابان:
الجواب الأوَّل:
ينبغي الالتفات إلى التالي:
أوَّلاً: أنَّ المباغتة إنَّما تكون للعدوّ، أمَّا الموالي، فلا ضرورة لتحقّق
المباغتة معه، بل الاستراتيجية الحربية تقتضي أن يكون الصديق والموالي على علم مسبق
بساعة الصفر، حتَّى يكون له يد في إحداث المباغتة للعدوّ. بل تؤكّد الروايات على
وضوح أمر أهل البيت (عليهم السلام) كوضوح الشمس.
ولذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام) للمفضَّل بن عمر عندما بكى من اختلاف
الرايات واشتباهها وخوفه من عدم معرفة الحقِّ: «أهذه الشمس مضيئة؟»، قال المفضَّل:
نعم. فقال (عليه السلام): «والله لأمرنا أضوء منها»(١٩).
ثانياً: أنَّ الروايات وإن أشارت إلى علامات الظهور، إلَّا أنَّها في الوقت ذاته
أكَّدت على أنَّ العلامات إنَّما تكون علامات ملفتة للنظر لمن كانت عنده معرفة
مسبقة وإيمان مستقرّ بقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، وإلَّا، فمن دون معرفة
مسبقة وإيمان مستقرّ، قد تحدث العلامات، وتحدث معها ردّات فعل لكنَّها مؤقَّتة، لا
تدوم طويلاً، وما تفتؤ تحدث حتَّى تُنسى، وبالتالي، سيكون عنصـر المباغتة محفوظاً
من جهة الأعداء والجهّال بالقضيَّة المهدوية.
عن عبد الرحمن بن مسلمة الجريري، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنَّ الناس
يُوبِّخونا ويقولون: من أين يُعرَف المحقُّ من المبطل إذا كانتا؟ فقال: «ما تردّون
عليهم؟»، قلت: فما نردُّ عليهم شيئاً. قال: فقال: «قولوا لهم: يُصدِّق بها إذا كانت
من كان مؤمناً يؤمن بها قبل أن تكون»، قال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ١٥٣ و١٥٤/ الباب ١٠/ الحديث ٩.
يقول: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ
يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾
[يونس: ٣٥]»(٢٠).
فالجواب الأوَّل هو التالي:
إنَّ العلامات وإن كانت ملفتة للنظر، لكن هذا لا ينافي مباغتة العدوّ والجاهل،
فإنَّه سيكون في غفلة عنها رغم رؤيته لها، لأنَّ العلامات إنَّما تكون ملفتة لأنظار
من كانوا على معرفة مسبقة بها، وأمَّا مع الجهل بها أو عدم الإيمان بها، فإنَّها
ستمرُّ عليهم مرور السحاب.
الجواب الثاني:
إنَّ العلامات وإن كانت ملفتة للنظر، ولكن عنصـر المباغتة سيبقى محافظاً على وجوده،
باعتبار أنَّ هناك ظروفاً موضوعية ستؤدّي إلى اختلال أفكار الناس، بحيث يحارون في
أمرهم، وقد يصل الأمر بهم إلى تناسي تلك العلامات والانشغال بتلك الظروف.
وتلك الظروف تتمثَّل في كثرة الفتن والاختبارات والمحن، إلى الحدِّ الذي يصل الأمر
بالحكيم إلى أن يتيه فكره ويحار لبُّه، بالإضافة إلى تتابع دعاوى المهدوية الباطلة،
ممَّا يُقلِّل من أثر تلك العلامات لانشغال الناس بتلك الظروف.
قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لا يخرج القائم حتَّى يخرج اثنا عشـر من بني هاشم
كلّهم يدعو إلى نفسه»(٢١).
وقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «لا تقوم الساعة حتَّى يخرج نحو من
ستّين كذّاباً كلّهم يقول: أنا نبيٌّ»(٢٢).
وعن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) - في حديث له طويل - أنَّه قال: «لا بدَّ من
فتنة صمّاء صيلم(٢٣)،
يسقط فيها كلُّ بطانة ووليجة، وذلك عند فقدان الشيعة الثالث من ولدي، يبكي عليه أهل
السماء وأهل الأرض، وكم من مؤمن متأسِّف حرّان(٢٤)
حزين عند فقد الماء المعين...»(٢٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠)
نفس المصدر/ الحديث ٣٢.
(٢١)
الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٣٧/ الحديث ٤٢٨.
(٢٢)
الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٣٤/ الحديث ٤٢٤.
(٢٣)
الفتنة الصمّاء العمياء هي التي لا سبيل إلى تسكينها لتناهيها في دهائها، لأنَّ
الأصمَّ لا يسمع الاستغاثة، فلا يقلع عمَّا يفعله. وقيل: هي كالحيَّة الصمّاء التي
لا تقبل الرقي. والصيلم: الداهية. (هامش المصدر).
(٢٤)
حرن بالمكان حرونة: إذا لزمه فلم يفارقه (لسان العرب). وفي نسخة: ... حيران
بدل حرّان. (هامش المصدر).
(٢٥)
الغيبة للشيخ الطوسي: ٤٣٨ و٤٣٩/ الحديث ٤٣١.
وهكذا ما ورد من إحداث إبليس لصيحة أُخرى - غير صيحة الحقِّ - يُضلِّل بها غير
المؤمنين ومن لم يكن على اطِّلاع كافٍ بالعلامات وبفتن زمن الظهور، فقد ورد عن
زرارة بن أعين، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «ينادي منادٍ من
السماء: إنَّ فلاناً هو الأمير، وينادي منادٍ: إنَّ عليّاً وشيعته هم الفائزون»،
قلت: فمن يقاتل المهدي بعد هذا؟ فقال: «إنَّ الشيطان ينادي: إنَّ فلاناً وشيعته هم
الفائزون - لرجل من بني أُميَّة -». قلت: فمن يعرف الصادق من الكاذب؟ قال: «يعرفه
الذين كانوا يروون حديثنا، ويقولون: إنَّه يكون قبل أن يكون، ويعلمون أنَّهم هم
المحقّون الصادقون»(٢٦).
فتلك الظروف التي تزلزل الناس ستؤدّي إلى تقلّبات عقائدية سريعة جدّاً، إلى الحدِّ
الذي ذكرت الروايات الشريفة أنَّ البعض يتقلَّب بين الإيمان والكفر بين عشيَّة
وضحاها، مثل تلك الظروف من الممكن أن تُنسي الكثير من الناس ما تريد العلامات أن
تشير إليه، وبالتالي، فعنصـر المباغتة ما زال يمكن تصوّره.
روي عن الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «كيف بكم إذا التفتّم يميناً فلم تروا
أحداً، والتفتّم شمالاً فلم تروا أحداً...، ورجع عن هذا الأمر كثير ممَّن يعتقده،
يُمسـي أحدكم مؤمناً ويُصبح كافراً، فالله الله في أديانكم هنالك فانتظروا الفرج»(٢٧).
وتلك الروايات كما تصدق على زمن الغيبة الكبرى، يمكن أن يستمرَّ حدوثها وصدقها
حتَّى في الزمن القريب من الظهور وبعد حدوث العلامات.
المفردة الثانية: خفاء أو غيبة الإمام المهدي
(عليه السلام):
إنَّ من المفاصل الأساسية في مسألة الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) هو
الاعتقاد بأنَّه (عليه السلام) وبعد استشهاد أبيه العسكري (عليه السلام)(٢٨)
قد غاب عن الجميع، وبالتالي، فقد انقطع التواصل المباشر معه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦)
كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٧٣/ الباب ١٤/ الحديث ٢٨.
(٢٧)
رسائل في الغيبة للشيخ المفيد ٢: ١٣.
(٢٨)
على أنَّ البعض يبني على أنَّ الغيبة الصغرى بدأت منذ ولاته، وهذا الخلاف لا دخل له
الآن في ما نحن بصدده.
عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إنَّ
لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتَّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتِلَ،
وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره من أصحابه إلَّا نفر يسير، لا يطَّلع على
موضعه أحد من وليٍّ ولا غيره، إلَّا المولى الذي يلي أمره»(٢٩).
وفي مقام السؤال عن سبب الغيبة، فقد تنوَّعت إجابة الروايات الشـريفة في ذلك، فبعض
الروايات اكتفت بالإشارة الإجمالية لتلك الأسباب، وأنَّها سرٌّ من الأسرار
الإلهيَّة التي لا تنكشف إلَّا بعد الظهور، وشبَّهتها في ذلك بما فعله الخضر مع
النبيِّ موسى (عليهما السلام).
فقد ورد عن عبد الله بن الفضل الهاشمي، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما
السلام) يقول: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبة لا بدَّ منها، يرتاب فيها كلُّ مبطل»،
فقلت له: ولِـمَ جُعلت فداك؟ قال: «لأمر لم يُؤذَن لنا في كشفه لكم»، قلت: فما وجه
الحكمة في غيبته؟ فقال: «وجه الحكمة في غيبته وجه الحكمة في غيبات من تقدَّمه من
حجج الله تعالى ذكره، إنَّ وجه الحكمة في ذلك لا ينكشف إلَّا بعد ظهوره كما لا
ينكشف وجه الحكمة لما أتاه الخضـر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار،
لموسىإلَّا وقت افتراقهما. يا ابن الفضل، إنَّ هذا الأمر أمر من أمر الله تعالى،
وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، ومتى علمنا أنَّه (عزَّ وجلَّ) حكيم،
صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكمة، وإن كان وجهها غير منكشف»(٣٠).
وبعض الروايات فصَّلت الأسباب أو المقتضيات أو
الحِكَم من تلك الغيبة، وهي باختصار على النحو التالي:
أ) الخوف من القتل:
عن زرارة، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أن يقوم،
وهو المطلوب تراثه»، قلت: ولِـمَ ذلك؟ قال: «يخاف - وأومأ بيده إلى بطنه، يعني
القتل -»(٣١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩)
كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ١٧٦/ الباب ١٠.
(٣٠)
كمال الدين: ٤٨١ و٤٨٢/ باب ٤٥/ ح ١١.
(٣١)
الغيبة للنعماني: ١٨٢ و١٨٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٢٠.
ب) التمييز والتمحيص:
عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «مع القائم من العرب شيء
يسير»، فقيل له: إنَّ من يصف هذا الأمر منهم لكثير، قال: «لا بدَّ للناس من أن
يُمحَّصوا ويُميَّزوا ويُغربَلوا، وسيخرج من الغربال خلق كثير»(٣٢).
ج) حتَّى لا يبايع ظالماً:
ورد في جواب الإمام المهدي (عليه السلام) لمسائل إسحاق بن يعقوب: «وأمَّا علَّة ما
وقع من الغيبة فإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿يا أَيـُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾
[المائدة: ١٠١]، إنَّه لم يكن أحد من آبائي إلَّا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية
زمانه، وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحد من الطواغيت في عنقي...»(٣٣).
د) السنن التاريخية:
عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها»،
فقلت له: يا ابن رسول الله، ولِـمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلَّا
أن تجري فيه سنن الأنبياء في غيباتهم، وإنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مدد
غيباتهم)، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ
طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي سنن من كان قبلكم»(٣٤).
هـ) أن لا تضيع ودائع الله (عزَّ وجلَّ):
أي المؤمنين الذين يظهرون من أصلاب الكافرين، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) في
حديث ابن أبي عمير، عمَّن ذكره، قال: قلت له - يعني أبا عبد الله (عليه السلام) -:
ما بال أمير المؤمنين لم يقاتل مخالفيه في الأوَّل؟ قال: «لآية في كتاب الله تعالى:
﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ
عَذاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]»، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: «ودائع
مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، فكذلك القائم لم يظهر أبداً، حتَّى تخرج ودائع الله
(عزَّ وجلَّ)، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) فقتلهم»(٣٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢)
الغيبة للنعماني: ٢١٢/ باب ١٢/ ح ٦.
(٣٣)
كمال الدين: ٤٨٥/ باب ٤٥/ ح ٤.
(٣٤)
كمال الدين: ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦.
(٣٥)
كمال الدين: ٦٤١/ باب ٥٤.
و) قبائح أعمال العباد، وفضائح أفعالهم، ممَّا
يُسبِّب قلَّة العدد المطلوب من الأنصار:
فإنَّها المانعة عن ظهوره (عليه السلام) عقوبةً علينا كما ورد عن أمير المؤمنين
(عليه السلام) أنَّه قال: «واعلموا أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله (عزَّ وجلَّ)،
ولكنَّ الله سيُعمي خلقه عنها، بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم...» الخبر(٣٦).
ز) إظهار عجز من يسعى للإصلاح الكامل من غير
أهل البيت (عليهم السلام) وإن كان محقّاً:
عن أبي صادق، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «دولتنا آخر الدول، ولن يبقَ أهل بيت
لهم دولة إلَّا ملكوا قبلنا، لئلَّا يقولوا إذا رأوا سيرتنا: إذا ملكنا سرنا مثل
سيرة هؤلاء، وهو قول الله (عزَّ وجلَّ: ﴿وَالْعاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]»(٣٧).
هذا هو إجمال أسباب الغيبة التي ذكرتها الروايات الشـريفة. وفي المقام تساؤلان
يرتبطان بعنوان البحث، وهما:
السؤال الأوَّل: لماذا غاب المهدي (عليه
السلام) عن أعدائه خوفاً؟
عندما نطالع روايات الغيبة، نجد أنَّ من الأسباب التي أكَّدت عليها هو سبب (الخوف)،
وقد تكرَّر هذا السبب في العديد من الروايات(٣٨).
وهنا يتساءل البعض: إذا كان المهدي معصوماً، أي إنَّه كامل من جميع الجهات، وهو
المنقذ الذي سيطيح بعروش الظلمة، وهو البطل الهمام الذي لو صاح بجبل لتدكدك، فكيف
يخاف من أعدائه القتل؟ لماذا يخاف الذبح؟
ألَا يستطيع بإشارة واحدة من عينيه أن يُهلِك من يقصده بسوء؟
فلماذا اختفى عن الأنظار بهذه الطريقة التي منعتنا من الحصول حتَّى على صورة شخصية
له؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦)
الغيبة للنعماني: ١٤٤/ باب ١٠/ ح ٢.
(٣٧) الغيبة للطوسي: ٤٧٢
و٤٧٣/ ح ٤٩٣.
(٣٨) الغيبة للنعماني: ١٧٠/
الباب ١٠ الحديث ٦، و١٨٢/ الباب ١٠/ ح ١٨ و١٩، و١٨٣/ ح ٢٠ و٢١؛ والغيبة للطوسي:
٣٣٢/ ح ٢٧٤، و٣٣٤/ ح ٢٧٩؛ وكمال الدين: ٣٤٢/ الباب ٣٣/ ح ٢٤، و٣٤٦/ الباب ٣٣/ ح ٣٢،
و٤٨١/ الباب ٤٤/ ح ٧ - ١٠. مع الالتفات إلى أنَّ بعض هذه الروايات قد تكرَّرت في
المصادر.
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ هذا السؤال يستلزم القول بأنَّه ما دام المهدي (عليه السلام) هو
المنقذ، فعليه أن يقوم بالثورة من أوَّل الأمر، بلا حاجة إلى الغيبة.
وهذا خلاف الحكمة التي أكَّدت عليها الروايات الشـريفة من أصل ظاهرة الغيبة (كما في
رواية عبد الله بن الفضل الهاشمي)، فإنَّ الحكمة الإلهيَّة قد شاءت أن يكون للظهور
وقت يعلمه هو (جلَّ وعلا)، الأمر الذي يستلزم حصول ظاهرة الغيبة إلى أن يحين الوقت
المعلوم عنده (جلَّ وعلا).
أمَّا ما هي تلك الحكمة؟ وما هو المبرِّر لكلِّ هذه الغيبة؟ وهل الحكمة هي وصول
المجتمع إلى مستوى فكري لائق بيوم الظهور، أو أنَّها مجهولة لدينا كما صرَّحت بذلك
رواية الهاشمي، فهذا أمر آخر لا دخل له بموضوعنا الآن.
وبهذا يمكن الجواب عن تساؤل عند البعض، وأنَّه لماذا كان الذي يملؤ الأرض بالعدل
والقسط وينشر الإسلام في ربوع الأرض هو الإمام المهدي (عليه السلام) ولم يكن هو
الرسول الأعظم (صلّى الله عليه واله) أو أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أحد
الأئمَّة (عليهم السلام)؟
بل إنَّ هذا التساؤل يجري حتَّى في رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم)، فلماذا
كان الخاتم هو محمّد(صلّى الله عليه وآله وسلم) وليس عيسى (عليه السلام) مثلاً،
وهكذا...
والجواب في الجميع هو:
١ - أنَّ مسألة اختيار النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) والإمام (عليه السلام)
ليست بيد البشـر، إنَّما هي بالجعل الإلهي، ﴿وَجَعَلْناهُمْ
أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ [السجدة ٢٤].
وحيث إنَّ أفعال الله تعالى حكيمة لا عبث فيها، فهذا يعني أنَّه (عزَّ وجلَّ) عندما
يختار إماماً لمهمَّة، فهذا يعني أنَّه تبارك وتعالى قد رأى المصلحة والحكمة
المناسبة لذلك.
وليس مهمّاً - بعد هذا - أن نعلم بتلك الحكمة والمصلحة ما دمنا نؤمن بأنَّ الفعل
موافق للحكمة.
٢ - على أنَّه يمكن القول: إنَّ المانع من اختيار غيره (عليه السلام) من الأئمَّة
(عليهم السلام) لمهامّ آخر الزمان ليس في الأئمَّة أنفسهم، وإنَّما المانع كان هو
عدم وصول المجتمع آنذاك للنضج الملائم لقيام دولة الحقِّ؛ فإنَّ تطبيق قانون
الإسلام وإقامة الحقِّ يحتاج فيما يحتاج إليه إلى مجتمع واعٍ تمام الوعي لهذا
القانون، ومستعد تمام الاستعداد للتضحية من أجل المبادئ، ومتفهِّم تماماً لما سيقوم
به المشـرِّع والإمام من أفعال ربَّما تكون غير مفهومة الملاكات، أو قد تكون غير
موافقة للفهم العامّ، وغيرها من الحيثيات التي افتقدها المجتمع الذي عاصره الرسول
الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) والأئمَّة (عليهم السلام).
وبعبارة مختصرة، وكما قالوا في الفلسفة: إنَّ المانع في القابل لا في الفاعل...
ثانياً: أنَّ ذلك التساؤل يوحي بأنَّ السبب الرئيسـي للغيبة هو الخوف، وبالتالي،
فحيث إنَّ المفروض في المهدي (عليه السلام) أن لا يخاف، فعليه أن يظهر.
ولكن الواقع غير ذلك، فإنَّه وبمطالعة الروايات الواردة في بيان أسباب الغيبة -
والتي تقدَّم بعضها - يتبيَّن لنا جليّاً أنَّ الخوف هو مقتضٍ من مقتضيات الغيبة،
وجزء علَّة لها، وليس العلَّة التامَّة لها، وبالتالي، فلا يصلح (انتفاء الخوف) لأن
يكون مقدَّماً لشـرطية جزاؤها (ضرورة الظهور)، فلا يقال: حيث إنَّه لا يخاف فعليه
أن يظهر.
ثالثاً: إنَّ الخوف يُعتَبر في الإنسان أمراً طبيعياً، وقد تقدَّم في الأصل
الموضوعي الخامس أنَّ الصبغة العامَّة للحركات السماوية هي الحركة الخالية من
الإعجاز إلَّا في الحالات الاستثنائية، وبالتالي، صحَّ لنبيٍّ من الأنبياء أن تمرَّ
عليه تلك الحالة الطبيعية، ولذا خرج موسى من المدينة خائفاً يترقَّب، وخرج النبيُّ
الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) من مكّة بعد أن مات حاميه أبو طالب.
والشاهد على هذا، أنَّ المتلقّي المباشر للخطاب من المعصوم، وعندما كان يسمع أنَّ
واحداً من أسباب الغيبة هو الخوف، لم يكن يعترض على هذا الأمر
بأنَّه خلاف العصمة أو أنَّه يتنافى مع المهدوية، الأمر الذي يكشف عن وجود ارتكاز
في النفوس بعقلانية الخوف والابتعاد عن العدوِّ في الظروف التي تقتضي ذلك.
خصوصاً إذا عرفنا أنَّ الخوف الحاصل من النبيِّ أو الإمام ليس من الموت بما هو موت،
كيف وهم أشوق إلى الجنَّة من أيِّ شخص آخر، وإنَّما هو خوف على الرسالة الإلهيَّة
والأمانة الملقاة على النبيِّ أو الإمام من أن ينقطع الطريق أمامه قبل أن يؤدّي
الأمانة ويصل إلى الهدف.
وبهذا الجواب، يجاب عن التساؤل الذي يطرحه البعض عن خروج المهدي خائفاً من المدينة
المنوَّرة، فقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال في حديث: «... ويبعث
السفياني بعثاً إلى المدينة فينفر المهدي منها إلى مكّة، فيبلغ أمير جيش السفياني
أنَّ المهدي قد خرج إلى مكّة، فيبعث جيشاً على أثره فلا يُدركه حتَّى يدخل مكّة
خائفاً يترقَّب على سُنَّة موسى بن عمران»(٣٩).
فإنَّ الرواية قد شبَّهت خروجه هذا بخروج النبيِّ موسى (عليه السلام) في إشارة إلى
جواب نقضي، وأنَّ على المعترض أن يجيب أوَّلاً عن خوف النبيِّ موسى (عليه السلام)
في خروجه من مدينته، وهو القويُّ الذي قضى على رجل بوكزة واحدة بيده، فبأيِّ جواب
أجاب عن هذا الخوف، نجيب نحن عن الخوف المذكور في قضيَّة الإمام المهدي (عليه
السلام).
السؤال الثاني: لماذا غاب عن شيعته ومحبّيه؟
لو وجدنا المبرِّر العقلائي لغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) عن أعدائه، فلربَّما
يقال بصعوبة إيجاد مثله في غيبته عن شيعته!
لماذا غاب المهدي عن محبّيه، وشيعته، وهم ينتظرونه بفارغ الصبر، وكلُّهم شوق
للقائه؟
لماذا لا يلتقي بهم، ليقضي حوائجهم، وليُخفِّف عنهم ما هم فيه من الهمِّ والحزن
والألم؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) كتاب الغيبة لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٨٩/ الباب ١٤/ ح ٦٧.
والجواب:
أوَّلاً: صحيح أنَّ شيعته يُحِبُّونه وينتظرون ظهوره كلَّ حين، لكن هذا لا يعني
ضرورة أن يظهر لهم علانية، ذلك لأنَّ الحكمة الإلهيَّة قد اقتضت أن يغيب الإمام
(عليه السلام) - كما تقدَّم في رواية الهاشمي وغيرها -، فظهوره علناً ولو لشيعته
خلاف مفهوم الغيبة.
ثانياً: ولو تنزَّلنا، وقلنا: إنَّ أسباب الغيبة لا تجري في الشيعة، فيمكن القول:
إنَّ الواقع والوجدان حاكمان على أنَّ الشيعة ليسوا على درجة واحدة من الوثاقة وحفظ
السـرِّ، وبالتالي فاحتمال الدلالة عليه وكشف ستره وارد جدّاً، ولأنَّ المحتمل خطر
جدّاً - حيث إنَّه يعني كشف المهدي (عليه السلام) أمام أعدائه المتربّصين به -
فيحكم العقل آنذاك بضـرورة دفع الضـرر المحتمل عن المهدي (عليه السلام).
وهذا الأمر هو ما أجاب به الشيخ النوبختي عمَّن سأله عن سبب تقديم الشيخ أبي القاسم
الحسين بن روح عليه في السفارة عن المهدي (عليه السلام)، حيث ورد أنَّ أبا سهل
النوبختي سُئِلَ فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح
دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه، ولكن أنا رجل ألقي الخصوم وأُناظرهم، ولو علمت
بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجَّة (على مكانه) لعلّي كنت أدلُّ على مكانه،
وأبو القاسم فلو كانت الحجَّة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه(٤٠).
وبهذا يمكن أن نفهم بعض الوجوه من الروايات التي دلَّت على أنَّ هذا الأمر قد حضـر
غير مرَّة، ولكنَّه بسبب البوح به وعدم حفظ السرِّ فيه فقد تأجَّل إلى وقت غير
معلوم.
فعن إسحاق بن عمّار الصيرفي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «قد كان
لهذا الأمر وقت وكان في سنة أربعين ومائة، فحدَّثتم به وأذعتموه فأخَّره الله (عزَّ
وجلَّ) ولم يجعل الله له بعد ذلك عندنا وقتاً»(٤١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) الغيبة للشيخ الطوسي:
٣٩١/ ح ٣٥٨.
(٤١) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٣٠٣ و٣٠٤/ الباب ١٦/ ح ٨.
وفي رواية أُخرى عن إسحاق بن عمّار، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): «يا
أبا إسحاق، إنَّ هذا الأمر قد أُخِّر مرَّتين»(٤٢).
وفي ثالثة: عن أبي حمزة الثمالي، قال: سمعت أبا جعفر الباقر (عليه السلام) يقول:
«يا ثابت، إنَّ الله تعالى قد كان وقَّت هذا الأمر في سنة السبعين، فلمَّا قُتِلَ
الحسين (عليه السلام) اشتدَّ غضب الله فأخَّره إلى أربعين ومائة، فحدَّثناكم بذلك
فأذعتم وكشفتم قناع الستر فلم يجعل الله لهذا الأمر بعد ذلك وقتاً عندنا، ﴿يَمْحُوا
اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩]»، قال
أبو حمزة: فحدَّثت بذلك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «قد كان ذلك»(٤٣).
فهذه الروايات تؤكّد الفكرة التي تقدَّمت، من أنَّ خطورة المحتمل وحكم العقل بلزوم
دفع الضرر يؤدّي إلى الحكم بضرورة الغيبة حتَّى عن الشيعة.
ثالثاً: وبناءً على هذا، يمكن أن نُعطي جواباً ثالثاً، حاصله: أنَّه مع توفّر
الوثاقة التامَّة، والتي يتمُّ معها الحفاظ على السـرِّ، والتأمين التامّ على حياة
الإمام المهدي (عليه السلام) - طبعاً مع وجود المصلحة التي يُحدِّدها الإمام (عليه
السلام) نفسه -، فإنَّ اللقاء به (عليه السلام) سيكون ممكناً، وسيكون الكشف عن هوية
المهدي الحقيقية وارداً، وهذا لا يتنافى مع الغيبة، لأنَّه من الندرة بحيث يبقى
معها مفهوم الغيبة محفوظاً.
ولذلك، وردت عدَّة روايات تشير إلى هذا الإمكان، بل ووقوعه في الموثوقين بدرجة
عالية من الوثاقة.
وتشير إلى هذا الجواب الرواية التي وردت عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله
(عليه السلام): «للقائم غيبتان: إحداهما قصيرة، والأُخرى طويلة، الغيبة الأُولى لا
يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة شيعته، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلَّا خاصَّة
مواليه»(٤٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٢) نفس المصدر/ ح ٩.
(٤٣) نفس المصدر/ ح ١٠.
(٤٤) الكافي للشيخ الكليني
١: ٣٤٠/ باب في الغيبة/ ح ١٩.
ففي كلٍّ من غيبتيه (عليه السلام) هناك من يعلم بمكانه، وبالتالي يمكن أن يلتقي به
ويتعرَّف عليه، أي يمكن أن لا يكون الإمام المهدي (عليه السلام) غائباً بالنسبة له،
ولكن هذا الأمر لا يُتاح إلَّا لخاصَّة الشيعة ولخاصَّة مواليه (عليه السلام).
ويمكن أن نعتبر هذه الرواية قاعدة عامَّة في الخروج عن أُسلوب الغيبة في حياة
الإمام المهدي (عليه السلام)، وقد نُقلت عدَّة روايات تُمثِّل تطبيقاً لهذه
القاعدة.
ومن أمثلة ذلك، الروايات التالية:
الرواية الأُولى: ما ورد من أنَّ أحمد بن إسحاق سأل
السفير الثاني محمّد بن عثمان فقال له: أنت رأيت الخلف من أبي محمّد (عليه السلام)؟
فقال: (إي والله، ورقبته مثل هذا - وأومأ بيده -)(٤٥).
وعن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه)،
فقلت له: أرأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: (نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو
يقول: «اللّهمّ أنجز لي ما وعدتني»)(٤٦).
فهاتان الروايتان الواردتان عن السفير الثاني تُصـرِّحان بأنَّه قد رأى الإمام
(عليه السلام)، والخصوصية للسفير وإن كانت واردة جدّاً، ولكن ملاكها لا يخرج عن
الوثاقة التامَّة، كما صرَّح به الشيخ النوبختي في الرواية المتقدِّمة.
الرواية الثانية: عن الحسن بن عليِّ بن فضّال، قال:
سمعت أبا الحسن عليَّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) يقول: «إنَّ الخضـر (عليه
السلام) شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتَّى يُنفَخ في الصور، وإنَّه
ليأتينا فيُسلِّم، فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنَّه ليحضـر حيث ما ذُكِرَ، فمن ذكره
منكم فليُسلِّم عليه، وإنَّه ليحضر الموسم كلَّ سنة فيقضـي جميع المناسك، ويقف
بعرفة فيُؤمِّن على دعاء المؤمنين، وسيؤنس الله به وحشة قائمنا في غيبته ويصل به
وحدته»(٤٧).
فهذه الرواية واضحة في أنَّ الخضـر (عليه السلام) سيكون مؤنساً لوحشة الإمام
المهدي(عليه السلام) في غيبته، وهذا يستلزم الكشف عن شخصيته أمامه، لأنَّ ذلك لا
يتنافى مع الغيبة، ولا يُخاف معه على الإمام (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) الغيبة للشيخ الطوسي:
٢٤٣ و٢٤٤/ ح ٢٠٩.
(٤٦) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٤٤٠/ الباب ٤٣/ ح ٩.
(٤٧) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٣٩٠ و٣٩١/ الباب ٣٨/ الحديث ٤.
الرواية الثالثة: ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام)
أنَّه قال: «لا بدَّ لصاحب هذا الأمر من عزلة، ولا بدَّ في عزلته من قوَّة، وما
بثلاثين من وحشة»(٤٨).
وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن عبادة بن الصامت، عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله
وسلم)، قال: «الأبدال في هذه الأُمَّة ثلاثون، مثل إبراهيم خليل الرحمن، كلَّما مات
رجل أبدل الله تبارك وتعالى مكانه رجلاً»(٤٩).
وعن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «لا بدَّ لصاحب هذا الأمر
من غيبة، ولا بدَّ له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة، وما بثلاثين من وحشة»(٥٠).
الأبدال حسب هذه الروايات: مجموعة من الشيعة المخلصين يرافقون الإمام المهدي (عليه
السلام) في غيبته الكبرى، كلَّما مات واحد منهم أبدله الله تعالى بآخر، وهؤلاء
سيردّون الوحشة عن الإمام (عليه السلام) في غيبته. ممَّا يعني أنَّ الإمام (عليه
السلام) كان قد كشف شخصيته أمامهم، للسبب المتقدِّم.
إشارة: على المؤمن أن لا يتوقَّف عن طلب أن يكون من الأنصار للإمام المهدي (عليه
السلام) ومن الأبدال أُولئك، فعلى كلِّ واحد أن يعمل على أن يكون منهم، بعمله،
وليتذكَّر أنَّه بعين إمامه، رغم كونه في مكانه النائي عنّا حسب الذي أراه الله
تعالى له من الصلاح.
الرواية الرابعة: عن المفضَّل بن عمر الجعفي، عن أبي
عبد الله الصادق (عليه السلام)، قال: «إنَّ لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول
حتَّى يقول بعضهم: مات، وبعضهم يقول: قُتِلَ، وبعضهم يقول: ذهب، فلا يبقى على أمره
من أصحابه إلَّا نفر يسير، لا يطَّلع على موضعه أحد من وليٍّ ولا غيره، إلَّا
المولى الذي يلي أمره»(٥١).
وهذه أيضاً صريحة في أنَّ هناك مولى له (عليه السلام) مطَّلعاً عليه في غيبته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) الغيبة للنعماني: ١٩٤/
ب ١٠/ ح ٤١.
(٤٩) مسند أحمد ٥: ٣٢٢.
(٥٠) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ١٩٤.
(٥١) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ١٧٦/ الباب ١٠.
سؤال: هذه الرواية جاءت بأُسلوب الحصـر «إلَّا المولى
الذي يلي أمره»، فهل يتنافى هذا الأمر مع الروايتين السابقتين اللتين ذكرتا الخضر
وثلاثين من الأبدال؟
الجواب: كلَّا، لا تنافي، لأنَّه يمكن القول: إنَّ
المقصود من (المولى) الجنس، فيصدق على المفرد وعلى الجمع - طبعاً بالشـرط المتقدِّم
-، أي بشـرط أن لا يصل إلى الحدِّ الذي ينتفي معه مفهوم الغيبة، ومعه، فيمكن أن
يكون المقصود من (المولى) هو الخضـر، أو الأبدال، أو شخصاً آخر غير الخضـر والأبدال.
وبهذا الاعتبار (الوثاقة التامَّة) يمكن القول بإمكان ما نُقِلَ عن جمٍّ غفير من
علمائنا الأعلام من أنَّهم التقوا بالإمام المهدي (عليه السلام) وكانوا يعرفونه
بحقيقته.
المفردة الثالثة: خفاء شخصيات الظهور
الإيجابية:
عادةً ما يعمد القائد إلى التعريف التامِّ بقوّاد جيشه، وكشف منجزاتهم على مختلف
المستويات، لما في ذلك من تقوية لعزيمة الجنود، وفي نفس الوقت إلقاء للرعب في قلوب
الأعداء.
إلَّا أنَّنا نواجه أمراً عكسياً في شخصيات الظهور، فبينما يتمُّ التعريف بالسفياني
بصورة تصل إلى حدِّ ذكر اسمه وصفته ونسبه وبيان الكثير من أفعاله ومناطق تواجده
وبدايات تحرّكه والمعارك التي يخوضها...، نجد أنَّ هناك إشارات خفيفة حول شخصيات
الظهور الإيجابية، كاليماني والخراساني والحسني وشعيب بن صالح و(المنصور) الذي
يرافق المهدي من المدينة إلى مكّة...
فما هو السرُّ في ذلك؟
الجواب: أنَّ هذا الأمر تابع للظروف الموضوعية
الحاكمة في وقت الظهور، والتفصيل أن يقال:
أوَّلاً: ما هو سبب التعريف بالشخصيات
السلبية؟
الجواب: ربَّما لا نجد صعوبة في تبرير إبراز الكثير من معالم السفياني وأمثاله،
باعتبار أنَّ الأمر يرجع إلى أنَّ تعريفهم بصورة واضحة ينتج عدم الاشتباه بغيرهم،
وهذا ينتج التالي:
١ - الابتعاد عن الانخراط في صفوفهم، وعن تأييدهم ولو باللسان.
٢ - عدم الانخداع بمظاهرهم التي تتلبَّس بلباس الإسلام أو بلباس الواعظ الناصح.
٣ - العمل على التصدّي لهم وردعهم لو حاولوا النيل من المقدَّسات أو النفوس.
وبالتالي لا يكون هناك عذر لمن يُؤيِّدهم.
وهذا الأمر في الحقيقة سيُوفِّر حصانة تامَّة للمؤمنين إبان الظهور من أن ينخرطوا
في الصفوف المعادية للإمام المهدي (عليه السلام).
ثانياً: ما هو سبب إخفاء الكثير من معالم
الشخصيات الإيجابية؟
وهذا يمكن أن يجاب عنه بالتالي:
أوَّلاً: أنَّ الأعداء دائماً يتربَّصون الدوائر
بالحقِّ وأنصاره، وبالتالي، فلو تمَّ التعريف الواضح بالشخصيات المناصرة والممهِّدة
للإمام (عليه السلام) لأمكن تصفيتها قبيل ساعة الصفر، فتخسـر المعركة جنوداً ذوي
أهمّية قصوى فيها.
ثانياً: أنَّ وجود إشارات خفيفة حول تلك الشخصيات
يدفع بالمؤمنين إلى التروّي في اتِّباع من يدَّعي أنَّه واحد من تلك الشخصيات، إلى
أن يدرس الدعوى جيِّداً ليصل إلى اليقين من حقّانيتها أو بطلانها، ذلك لأنَّ تلك
الشخصيات تُمثِّل مقامات سامية في نفوس المؤمنين، وبالتالي يمكن لضعيفي النفوس أن
يدَّعوا مقاماتهم زوراً وبهتاناً، كما حصل بالفعل حيث ادَّعى البعض - ومنهم ابن گاطع
- أنَّه اليماني الموعود، وقد انخدع به من لا نصيب له من العلم والمعرفة.
ثالثاً: أنَّ ذلك يدفع بالمؤمنين إلى زيادة البحث
والتنقيب حول القضيَّة المهدوية عموماً، وبالتالي الرجوع إلى المتخصِّصين في فهم
الروايات، ممَّا يعني الإبقاء على ربط المؤمنين بالفقهاء المؤتمنين، الأمر الذي
ينتج الحفاظ على الثلَّة المؤمنة من أن تقع فريسة للمخادعين.
رابعاً: فضلاً عمَّا تقدَّم، يمكن القول: إنَّ ما
ذُكِرَ من إشارات آنية - إذا صحَّ التعبير - حول تلك الشخصيات كافٍ في مقام تشخيصهم
الواقعي ساعة ظهورهم، بمعنى أنَّ هناك مشخَّصات تحصل عند ظهورهم وبداية إعلان
تحرّكهم، تكفي المؤمنين ومن كان على اطِّلاع مسبق بروايات الظهور في أن يعرفوهم ولا
يشتبهوا بغيرهم، وبالتالي نضمن على الأقلِّ عدم معارضة المؤمنين وعدم الالتواء على
تلك الحركات إن لم نقل نضمن مناصرتها، وذلك ببيان:
إنَّ الروايات الشـريفة، في الوقت الذي أخفت الكثير من معالم شخصيات الظهور
الإيجابية، إلَّا أنَّها ذكرت مشخَّصات موضوعية يمكن أن يلتفت إليها المؤمن،
وبالتالي لا يحصل عنده الاشتباه، وطبعاً ليس مهمّاً أن ينتبه الأعداء لتلك
المشخَّصات، فالمهمُّ هو التفات المؤمنين حتَّى تحصل فائدة العلامات، والتي هي
تنبيه المؤمنين على قرب الظهور، وبالتالي ليزيدوا وليُفعِّلوا انتظارهم العملي.
وهذا ما عبَّر عنه الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله: «يعرفها من كان سمع بها قبل
أن تكون»(٥٢)،
وفي رواية أُخرى قال (عليه السلام): «يُصدِّق بها إذا كانت من كان مؤمناً يؤمن بها
قبل أن تكون»(٥٣).
بل يمكن القول: إنَّه لولا هذه المشخِّصات الآنية لفقدت العلامات علاميتها، فإنَّه
لولا وضوح العلامة لانتفى كونها علامة كما هو واضح، نعم، ذلك الوضوح مختصٌّ
بالمؤمنين، وهذا لا ضير فيه في المقام.
ما هي تلك المشخصات؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٢٧٤/ الباب ١٤/ ح ٣١.
(٥٣) المصدر السابق/ ح ٣٢.
والمشخِّصات المومى إليها هي التالي:
أوَّلاً: اليماني:
مشخِّصاته هي التالي:
١ - خروجه من اليمن:
كما تدلُّ عليه النسبة، وما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وخروج
السفياني من الشام واليماني من اليمن...»(٥٤).
وعن هشام، عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: لـمَّا خرج طالب الحقِّ، قيل لأبي
عبد الله (عليه السلام): نرجو أن يكون هذا اليماني؟ فقال: «لا، اليماني يوالي
عليّاً وهذا يبرأ»(٥٥).
فتجد الإمام الصادق (عليه السلام) قد نفى يمانية هذا (الطالب للحقِّ) من جهة عدم
موالاته لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولو كان ثَمَّة جهة أُخرى لكان مناسباً
للإمام (عليه السلام) أن يُبيِّنها. فيظهر منه أنَّ كون اليماني من اليمن هو من
الواضحات في الذهنية الشيعية عموماً آنذاك، أي في عصـر الإمام (عليه السلام)، وسكوت
الإمام (عليه السلام) عن ذلك إقرار منه بصحَّة هذا الفهم في الذهنية العامَّة.
٢ - خروجه مع السفياني والخراساني في يوم واحد
من شهر رجب:
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «خروج السفياني واليماني والخراساني في سنة
واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، نظام كنظام الخرز يتبع بعضه بعضاً...»(٥٦).
وأمَّا كون الخروج هذا في شهر رجب فلما ورد من أنَّ السفياني يخرج في هذا الشهر،
فعن معلّى بن خنيس، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «من الأمر محتوم،
ومنه ما ليس بمحتوم، ومن المحتوم خروج السفياني في رجب»(٥٧).
٣ - إعلانه دعوته الخالصة للإمام المهدي (عليه
السلام):
في رواية الإمام الباقر (عليه السلام) المتقدِّمة ورد: «وليس في الرايات راية أهدى
من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٤) كمال الدين للشيخ
الصدوق: ٣٣٠/ ح ١٦.
(٥٥) أمالي الشيخ الصدوق:
٦٦١/ رقم (١٣٧٥/١٩).
(٥٦) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٢٦٤/ الباب ١٤/ ح ١٣.
(٥٧) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٣١٠ و٣١١/ الباب ١٨/ ح ٢.
راية اليماني، هي راية هدى، لأنَّه يدعو إلى صاحبكم...، لأنَّه يدعو إلى الحقِّ
وإلى طريق مستقيم»(٥٨).
٤ - مقاتلته للسفياني، فهو من أعداء السفياني
الذي ذكرت الروايات له مشخَّصات عديدة:
روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إذا ظهر الأبقع مع قوم ذوي أجسام
فتكون بينهم ملحمة عظيمة، ثمّ يظهر الأخوص السفياني الملعون فيقاتلها جميعاً فيظهر
عليهما جميعاً، ثمّ يسير إليهم منصور اليماني من صنعاء بجنوده وله فورة شديدة
يستقتل الناس قتل الجاهلية فيلتقي هو والأخوص وراياتهم صفر وثيابهم ملوَّنة فيكون
بينهما قتال شديد...»(٥٩).
ثانياً: الخراساني:
١ - إنَّه من بني هاشم، وهو فتى صبيح الوجه:
روي عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يخرج شاب من بني هاشم بكفِّه اليمنى
خال، من خراسان، برايات سود، بين يديه شعيب بن صالح يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم»(٦٠).
٢ - خروجه من خراسان:
كما تدلُّ عليه النسبة، وكما وصفت الروايات خروجه من جهة المشـرق الذي يُطلَق على
بلاد فارس، لأنَّها تقع بالشـرق من المدينة أو مكّة أو العراق (والإمام لم يكن
إلَّا في واحدة من هذه المدن، فيكون الشرق بالنسبة إليه هو بلاد إيران).
عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنَّه سمعه يقول: «لا بدَّ
أن يملك بنو العبّاس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتَّت أمرهم خرج عليهم الخراساني
والسفياني، هذا من المشـرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان، هذا من
هاهنا، وهذا من هاهنا...»(٦١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٢٦٤/ الباب ١٤/ ح ١٣.
(٥٩) كتاب الفتن لنعيم بن
حمّاد المروزي: ١٧٤.
(٦٠) كتاب الفتن لنعيم بن
حمّاد المروزي: ١٨٩.
(٦١) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٢٦٧/ الباب ١٤/ ح ١٨.
٣ - خروجه مع اليماني والسفياني في يوم واحد
من شهر رجب كما تقدَّم.
٤ - توجّهه نحو الكوفة لردِّ كيد السفياني،
كما دلَّت عليه الرواية المتقدِّمة.
ثالثاً: النفس الزكية:
١ - دعوته للإمام المهدي (عليه السلام) أمام الملأ في مكّة المكرَّمة وعند البيت
المعظَّم.
٢ - إنَّ تلك الدعوة تحصل يوم (٢٤) أو (٢٥) ذي الحجَّة في السنة التي تقع فيها
العلامات الواضحة كالصيحة والخسف وغيرها. لأنَّ قتله يكون قبل الظهور بخمس عشـرة
ليلة، والظهور يكون في العاشر من محرَّم(٦٢).
٣ - إنَّ أهل مكّة يقتلون ذلك الشاب في مكان إعلان دعوته، ولا شكَّ أنَّ قتل شاب في
هذا المكان سيكون ملفتاً للنظر جدّاً، فإنَّه حرم الله الآمن، والحجّاج ما زال
الكثير منهم لم يخرجوا عن مكّة.
عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث طويل إلى أن قال: «يقول القائم لأصحابه: يا قوم،
إنَّ أهل مكّة لا يريدونني، ولكنّي مرسل إليهم لاحتجَّ عليهم بما ينبغي لمثلي أن
يحتجَّ عليهم. فيدعو رجلاً من أصحابه، فيقول له: امض إلى أهل مكّة، فقل: يا أهل
مكّة، أنا رسول فلان إليكم وهو يقول لكم: إنّا أهل بيت الرحمة، ومعدن الرسالة
والخلافة، ونحن ذرّية محمّد وسلالة النبيّين، وإنّا قد ظُلمنا واضطُهدنا وقُهرنا
وابتُزَّ منّا حقّنا منذ قُبِضَ نبيُّنا إلى يومنا هذا، فنحن نستنصـركم فانصـرونا.
فإذا تكلَّم هذا الفتى بهذا الكلام، أتوا إليه فذبحوه بين الركن والمقام، وهي النفس
الزكيَّة...»(٦٣).
وعن صالح مولى بني العذراء، قال: سمعت أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) يقول:
«ليس بين قيام قائم آل محمّد وبين قتل النفس الزكيَّة إلَّا خمسة عشر ليلة»(٦٤).
رابعاً: الحسني:
١ - قدومه من الشـرق (ولذلك احتمل البعض اتِّحاده مع الخراساني، وبناءً عليه
ستتحدُّ مشخَّصاتهما). وقد عبَّرت الرواية عن خروجه ذلك بأنَّه يخرج من الديلم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) ورد عن أبي بصير، عن
أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: «يقوم القائم يوم عاشوراء» (كتاب الغيبة
لمحمّد بن إبراهيم النعماني: ٢٩١/ الباب ١٤/ ح ٦٨).
(٦٣) بحار الأنوار ٥٢: ٣٠٧/
ح ٨١.
(٦٤) كمال الدين: ٦٤٩/ باب
٥٧/ ح ٢.
٢ - قيادته لجيش عظيم يقاتل به المخالفين للحقِّ.
٣ - لقاؤه بالمهدي (عليه السلام) وطلبه منه المعجزة، فيقيمها له المهدي (عليه
السلام)، وبعدها سينضمُّ مع جيشه إليه.
فقد روي: «ويلحقه الحسني في اثني عشـر ألفاً، فيقول له: أنا أحقُّ منك بهذا الأمر،
فيقول له: هات علامة، هات دلالة، فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب
الذي بيده فيخضـرُّ ويعشوشب، فيُسلِّم إليه الحسني الجيش، ويكون الحسني على
مقدَّمته...»(٦٥).
وفي رواية أُخرى عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ثمّ يخرج الحسني الفتى الصبيح من
نحو الديلم...، ويتَّصل به وبأصحابه خبر المهدي، فيقولون: يا ابن رسول الله، من هذا
الذي نزل بساحتنا؟ فيقول: اُخرجوا بنا إليه حتَّى ننظره من هو، وما يريد، والله
ويعلم أنَّه المهدي، وإنَّه يعرفه وإنَّه لم يرد بذلك الأمر إلَّا له...، فيقبل
الحسني حتَّى ينزل بالقرب من المهدي...، فيقول له أصحاب المهدي: هذا وليُّ الله
مهدي آل محمّد...، فيخرج الحسني من عسكره ويخرج المهدي ويقفان بين العسكرين فيقول
له الحسني: ... وأنا أسألك أن تغرس هراوة جدِّك رسول الله في هذا الحجر الصفا،
وتسأل الله أن ينبتها فيها وهو لا يريد بذلك إلَّا أن يرى أصحابه فضل المهدي إليه
التسليم حتَّى يطيعوه ويبايعوه، فيأخذ المهدي الهراوة بيده ويغرسها في الحجر فتنبت
فيه وتعلو وتفرغ وتورق حتَّى تظلَّ عسكر المهدي والحسني، فيقول الحسني: الله أكبر،
مُدَّ يدك يا ابن رسول الله حتَّى أُبايعك، فيمدُّ يده فيبايعه ويبايعه سائر عسكر
الحسني...»(٦٦).
خامساً: شعيب بن صالح:
١ - خروجه من الريِّ.
٢ - إنَّه يكون واحداً من قيادات جيش الخراساني، فمشخَّصات الخراساني تنفع في
تشخيصه أيضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٥) الملاحم والفتن لابن
طاووس: ٢٩٥ و٢٩٦.
(٦٦) الهداية الكبرى للحسين
بن حمدان الخصيبي: ٤٠٣ و٤٠٤.
٣ - إنَّه قائد عسكري محنَّك، يتغلَّب على كلِّ أعدائه.
٤ - إنَّه سيكون صاحب لواء المهدي (عليه السلام) بعد ظهوره.
روي عن جابر، عن أبي جعفر، قال: «يخرج شاب من بني هاشم بكفِّه اليمنى خال، من
خراسان برايات سود بين يديه شعيب بن صالح، يقاتل أصحاب السفياني فيهزمهم»(٦٧).
وروى السيِّد ابن طاووس قال: حدَّثنا نعيم، حدَّثنا عبد الله بن إسماعيل البصـري،
عن أبيه، عن الحسن، قال: «يخرج بالريِّ رجل ربعة(٦٨)
أسمر مولى لبني تميم، كوسج(٦٩)
يقال له: شعيب بن صالح، في أربعة آلاف، ثيابهم بيض، وراياتهم سود، يكون مقدَّمة
للمهدي لا يلقاه أحد إلَّا فلَّه(٧٠)»(٧١).
وروي عن عمّار بن ياسر في حديث له: (يخرج المهدي على لوائه شعيب بن صالح)(٧٢).
وهذه الرواية وإن لم تُروَ عن المعصوم، ولكنَّها بالتالي تحكي عن أمر محتمل، بل قد
تساعد عليه الظروف الموضوعية آنذاك، فإنَّ قائداً محنَّكاً كشعيب لا شكَّ أنَّه
يصلح لأن يكون على لواء المهدي (عليه السلام).
سادساً: المنصور:
لعلَّ أخفى شخصية إيجابية وردت في الروايات الشـريفة هي شخصية (المنصور)، فإنَّه لا
نجد له أيَّ مشخَّص في الروايات، وقد روى العيّاشي في تفسيره عن الإمام الباقر
(عليه السلام) رواية يقول فيها: «... ويبعث [أي السفياني] بعثاً إلى المدينة فيقتل
بها رجلاً، ويهرب المهدي والمنصور منها»(٧٣).
فمن هو هذا (المنصور)؟
يظهر أنَّه واحد من مرافقي الإمام المخلصين جدّاً، وأنَّه عندما يخرج المهدي (عليه
السلام) من المدينة إلى مكّة، فإنَّه سيكون رفيق دربه، ولكن هل له رفقة معه قبل هذا
الطريق، أو أنَّه كان موجوداً في المدينة حينما يصل إليها المهدي (عليه السلام) ثمّ
يرافق الإمام في سفره إلى مكّة؟ لم تُبيِّن الرواية أيَّ شيء عن هذا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٧) الملاحم والفتن
للسيِّد ابن طاووس: ١٢٠.
(٦٨) في هامش المصدر: رجل
ربعة: أي مربوع الخلق لا بالطويل ولا بالقصير. لسان العرب ٥: ١١٩/ مادَّة (ربع).
(٦٩) في هامش المصدر:
الكوسج: الذي لا شعر على عارضيه. لسان العرب ١٢: ٨٨/ مادَّة (كسج).
(٧٠) في هامش المصدر: فله:
أي هزمه. النهاية لابن الأثير ٣: ٤٧٣.
(٧١) الملاحم والفتن
للسيِّد ابن طاووس: ١١٩.
(٧٢) الغيبة للشيخ الطوسي:
٤٦٤/ ح ٤٧٩.
(٧٣) تفسير العيّاشي لمحمّد
بن مسعود العيّاشي ١: ٦٤.
ولعلَّ إخفاء معالمه تماماً كان لأجل أنَّه لا دور له في أحداث الظهور سوى مرافقة
الإمام (عليه السلام) في سفره هذا، ومرافقة الإمام لا تنحصـر به كما تقدَّم، فإنَّ
هناك العديد من الأفراد اللذين لهم الشأنية لتلك المرافقة وأكثر، كالخضـر والأبدال
وما شابه. ومعه، فلا داعي لتفصيل أمر لا أهمّية كثيرة له في أحداث الظهور.
وهنا عدَّة إثارات في تشخيص هذا المنصور:
الإثارة الأُولى: أنَّ هذا المنصور هو المولى الذي
يلي أمر الإمام في غيبته كما ذكرت الرواية ذلك.
ولكنَّه مجرَّد احتمال لا شاهد عليه.
الإثارة الثانية: أنَّ هذا المنصور هو نفسه المهدي
(عليه السلام) لا غير.
فإنَّ من أسماء المهدي (عليه السلام) هو المنصور(٧٤)،
وحينئذٍ تكون الواو (الواردة في الرواية) تفسيرية لا عاطفة لتدلَّ على المغايرة.
ولكنَّه يجاب: أنَّ ظاهر الواو هو العطف والمغايرة، ومجرَّد أنَّ واحداً من أسماء
المهدي (عليه السلام) هو المنصور لا يعني حصـره به. فلا تكفي هذه التسمية لتكون
قرينة على التفسيرية وعدم المغايرة، أو لتكون صارفة عن ظاهر الرواية في المغايرة
بين المعطوف والمعطوف عليه.
الإثارة الثالثة: أنَّ (المنصور) هو قائد الملائكة
التي ستنزل لنصرة الإمام (عليه السلام).
تذكر بعض الروايات الشـريفة أنَّ مجموعة من الملائكة نزلوا لنصـرة الإمام الحسين
(عليه السلام)، ولكنَّهم لم يؤذَن لهم، وكان رئيسهم اسمه (منصور)، وأنَّهم ينتظرون
قيام القائم (عليه السلام) لينصروه وليكونوا معه.
عن الإمام الصادق (عليه السلام): «... وأربعة آلاف هبطوا يريدون القتال مع الحسين
لم يؤذَن لهم، فرجعوا في الاستيمار فهبطوا وقد قُتِلَ الحسين، فهم عند قبره شعث غبر
يبكونه إلى يوم القيامة، ورئيسهم ملك يقال له: منصور، فلا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٤) في تفسير فرات الكوفي لفرات بن إبراهيم الكوفي: ٢٤٠، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً﴾، قال: «الحسين (عليه السلام)ـ»، ﴿فَلا يُسْـرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً﴾ [الإسراء: ٣٣]، قال: «سمّى الله المهدي منصوراً كما سمّى أحمد ومحمّد محموداً، وكما سمّى عيسى المسيح».
يزوره زائر إلَّا استقبلوه، ولا يُودِّعه مودِّع إلَّا شيَّعوه، ولا مريض إلَّا
عادوه، ولا يموت ميِّت إلَّا صلّوا عليه واستغفروا له بعد موته، فكلُّ هؤلاء
ينتظرون قيام القائم...»(٧٥).
ولعلَّ (منصور) هذا هو المعنيُّ بشعار المسلمين يوم بدر: (يا منصور أمت)(٧٦)،
أي اُقتل الكافرين، وكذلك كان هو شعار مسلم بن عقيل في الكوفة(٧٧).
وقد ورد أنَّ واحداً من شعارات أصحاب الإمام المهدي (عليه السلام) هو: (أمت أمت)(٧٨)،
ولعلَّ المقصود هو نفس شعار المسلمين يوم بدر.
فقد يقال: إنَّ (المنصور) الذي سيرافق الإمام (عليه السلام) في سفره من المدينة إلى
مكّة، هو هذا الملك.
ولكنَّه واضح الضعف، فإنَّ ظاهر الرواية أنَّ المنصور بشـر لا ملك، ثمّ إنَّ هذا
الملك وحسبما ذكرت الرواية سينزل مع أربعة آلاف ملك لينصـروا الإمام الحجَّة (عليه
السلام) عند ظهوره، والحال أنَّ الإمام في رواية الخروج إلى مكّة لم يظهر بعد، وعلى
الأقلّ هو لم يُعلِن ظهوره للملأ.
الإثارة الرابعة: إنَّ هذا المنصور هو (اليماني).
اليماني هو أحد شخصيات الظهور الإيجابية، وقد اعتبرته الروايات الشـريفة من علامات
الظهور الحتمية، وقد وصفته بعض الروايات بالمنصور.
عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: وفد على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
أهل اليمن، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «... قوم رقيقة قلوبهم راسخ
إيمانهم، ومنهم المنصور يخرج في سبعين ألفاً ينصر خلفي وخلف وصيّي...»(٧٩).
وقد تقدَّمت رواية جابر عن أبي جعفر (عليه السلام)، والتي سمَّته أيضاً بمنصور
اليماني(٨٠).
فحيث إنَّ المتبادر من الشخص الذي سيخرج من اليمن والذي سينصـر الإمام المهدي (عليه
السلام) هو اليماني لا غير، فيمكن القول: إنَّ المنصور المذكور في هذه الرواية هو
اليماني لا غير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٥) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ٣٢٣.
(٧٦) الكافي للشيخ الكليني
٥: ٤٧.
(٧٧) الإرشاد للشيخ المفيد
٢: ٥٢.
(٧٨) الملاحم والفتن
للسيِّد ابن طاووس: ١٣٨.
(٧٩) غاية المرام للسيِّد
هاشم البحراني ٤: ٣٥٨.
(٨٠) كتاب الفتن لنعيم بن
حمّاد المروزي: ١٧٤.
ومعه قد يقال: إنَّ المنصور الذي سيخرج مع الإمام المهدي (عليه السلام) من المدينة
إلى مكّة سيكون هو نفسه اليماني...
وقد يجاب عن هذا: بأنَّ اليماني - وحسب هذه الرواية التي سمَّته بالمنصور - سيكون
قائد جيش جرّار، بل ذكرت بعض الروايات أنَّه سوف يتسابق مع السفياني كفرسي رهان(٨١)،
فإنَّ المعروف أنَّ السفياني صاحب جيش كبير، وعنده توجّهات توسعية طامعة، فلا
يجاريه ولا يتسابق معه إلَّا من عنده قوَّة توازيه، فلا يُعقَل أن يبقى لوحده، وأن
يتجرَّد من قيادته لذلك الجيش ليرافق الإمام المهدي (عليه السلام) في سفره ذاك.
وقد يُوجَّه هذا: بأنَّ بعض الروايات ذكرت أنَّ السفياني سيخوض حرباً ضدّ (المنصور
اليماني) وسيقضـي عليه، ففي كتاب الفتن عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
«إذ ظهر السفياني على الأبقع وعلى المنصور والكندي والترك والروم خرج وصار إلى
العراق...»(٨٢).
فإنَّ التعبير بـ (ظهر على) يدلُّ على غلبة السفياني على اليماني، وبالتالي يمكن
تصوّر انحلال جيش اليماني بعد هذه الحادثة، وأنَّه سيتوجَّه لوحده لمرافقة الإمام
المهدي (عليه السلام) وليبقى معه إلى حين الظهور الرسمي.
لكن مع ذلك يبقى هذا الاحتمال بلا شاهد قويّ، فتبقى شخصية (المنصور) المرافق للإمام
(عليه السلام) قيد الخفاء حسب ما بين أيدينا من معطيات.
المفردة الرابعة: خفاء الولادة:
بمراجعة سريعة لولادة الإمام المهدي (عليه السلام) نجد أنَّها قد أُحيطت بالسـرّية
التامَّة التي وصلت إلى حدٍّ بعيد.
إنَّ الروايات الواردة في هذا المعنى على صنفين:
الصنف الأوَّل: الروايات التي أخبرت بخفاء ولادته قبل ولادته من آبائه المعصومين
(عليهم السلام)، ومن أمثلة تلك الروايات التالي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨١) في كتاب الغيبة لمحمّد
بن إبراهيم النعماني: ٣١٦ و٣١٧/ الباب ١٨/ الحديث ١٥: عن أبي عبد الله (عليه
السلام) أنَّه قال: «اليماني والسفياني كفرسي رهان».
(٨٢) كتاب الفتن لنعيم بن
حمّاد المروزي: ١٨٤.
الرواية الأُولى: عن عبد الله بن عطاء، قال: قلت لأبي
جعفر (عليه السلام): إنَّ شيعتك بالعراق كثيرون، فوَالله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف
لا تخرج؟ فقال: «يا عبد الله بن عطاء، قد أمكنت الحشو من أُذُنيك، والله ما أنا
بصاحبكم»، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: «اُنظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم»(٨٣).
فهذه الرواية تُصرِّح بأنَّ (صاحبنا) أي المهدي (عليه السلام) يتميَّز عن غيره من
الأئمَّة (عليهم السلام) بخفاء ولادته.
وقوله: «قد أمكنت الحشو من أُذُنيك» بمعنى أنَّه سمح للزائد من الكلام وما لا نفع
فيه وما لا دليل عليه أن يدخل أُذُنه وأن يُصدِّق به، ولعلَّ فيه إشارة إلى أنَّه
كان البعض في ذلك الوقت يعمل على الترويج لمهدوية الإمام الباقر (عليه السلام)،
ولعلَّهم هم من تسمّوا بعد ذلك بالباقرية.
الرواية الثانية: ما ورد من تشبيه الإمام المهدي
(عليه السلام) بالنبيِّ موسى (عليه السلام) من حيث خفاء المولد، فقد ورد عن محمّد
بن مسلم الثقفي الطحّان، قال: دخلت على أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما
السلام) وأنا أُريد أن أسأله عن القائم من آل محمّد (صلّى الله عليه وعليهم)، فقال
لي مبتدئاً: «يا محمّد بن مسلم، إنَّ في القائم من آل محمّد شبهاً من خمسة من
الرسل: يونس بن متّى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمّد، صلوات الله عليهم...،
وأمَّا شبهه من موسى فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته»(٨٤).
الرواية الثالثة: عن أيّوب بن نوح، قال: قلت للرضا
(عليه السلام): إنّا لنرجو أن تكون صاحب هذا الأمر...، فقال: «ما منّا أحد اختلفت
إليه الكتب، وسُئِلَ عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحُمِلَت إليه الأموال إلَّا
اغتيل أو مات على فراشه حتَّى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) لهذا الأمر رجلاً خفي المولد
والمنشأ غير خفي في نسبه»(٨٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٣) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٣٢٥/ الباب ٣٢/ ح ٢.
(٨٤) نفس المصدر/ ح ٧.
(٨٥) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٣٧٠/ الباب ٣٥/ ح ١.
وهذه الرواية في الوقت الذي تُصـرِّح بأنَّ المهدي خفي المولد، كأنَّها تُعطي السبب
في خفاء مولده، بأنَّ ظهوره واشتهاره سيُسبِّب قتله، لذلك فإنَّ كلَّ من ذاع اسمه
من الأئمَّة قد قُتِلَ، وإن لم يُقتَل فإنَّه سيموت من دون تحقيق العدل والقسط على
الأرض كلّ الأرض، وبالتالي، فإنَّ ميزة المهدي عن آبائه (صلوات الله عليهم أجمعين)
هو خفاء المولد، وبالتالي فإنَّه لا تختلف إليه الكتب ولا يُشار له بالأصابع -
طبعاً إلى أن يظهر حيث ترتفع التقيَّة عن أصحابه فضلاً عنه -.
هذا، ومن الطبيعي جدّاً أنَّ خفاء الولادة سيُسبِّب اختباراً صعباً يمرُّ به الناس،
وفي نفس الوقت سيفتح باباً لمن يريد التشكيك في أن يُشكِّك في الولادة، وهذا ما
صرَّحت به الروايات الشـريفة التي وردت وكأنَّها تشير إلى نتيجة خفاء الولادة، حيث
ورد عن زرارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم غيبة قبل
أن يقوم»، فقلت: ولِـمَ؟ قال: «يخاف - وأومى بيده إلى بطنه -»، ثمّ قال: «يا زرارة،
وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، فمنهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم
من يقول: حمل، ومنهم من يقول: غائب، ومنهم من يقول: وُلِدَ قبل وفاة أبيه بسنين...»(٨٦).
وكذلك ما ورد عن الإمام عليِّ بن موسى الرضا (عليهما السلام) من أنَّه قيل له: ...
يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: «... الذي يشكُّ الناس في
ولادته...»(٨٧).
الصنف الثاني: الروايات التاريخية التي ذكرت أحوال الحمل به ولحظات ولادته في ليلة
الخامس عشر من شعبان المعظم.
حيث تذكر هذه الروايات أنَّ الخفاء الذي أحاط بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
كان على أشدّه، بحيث لم يكن يعلم بالحمل به إلَّا أبوه الإمام العسكري (عليه
السلام)،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٦) كتاب الغيبة لمحمّد بن
إبراهيم النعماني: ١٧٠.
(٨٧) كمال الدين وتمام
النعمة للشيخ الصدوق: ٣٧١ و٣٧٢/ الباب ٣٥/ ح ٥.
ولم تُصـرِّح الروايات بعلم غيره بالحمل(٨٨)،
بحيث إنَّ السيِّدة حكيمة استعلمت من الإمام (عليه السلام) لتعرف من هي أُمُّ
المولود الموعود(٨٩).
ومن هنا، يتَّجه السؤال عن سبب هذا الخفاء المطبق والتقيَّة المشدَّدة في ولادة
الإمام المهدي (عليه السلام)، خصوصاً وأنَّ هذا الخفاء قد سبَّب التشكيك بأصل
الولادة!
والجواب:
أنَّ متابعة الظروف الموضوعية التي كانت تحيط ببيت الإمام العسكري (عليه السلام)
كانت تفرض هذه الإجراءات الوقائية عالية الشدَّة، ممَّا يعني أنَّ اللطف الإلهي
والحكمة الإلهية يتَّجهان بالضرورة إلى حفظ المولود الموعود ولو بإحاطته بهذه
السرّية التامَّة والخفاء المدقع.
إنَّ هناك عدَّة معطيات تُوضِّح تلك الظروف المحيطة، خلاصتها
التالي:
١ - أحاديث أنَّ الأئمَّة اثنا عشر(٩٠).
٢ - أحاديث أنَّ المهدي الذي يزيل الطواغيت عن عروشهم هو الإمام الثاني عشر.
٣ - أنَّ الإمام العسكري (عليه السلام) هو الإمام الحادي عشـر، وبالتالي فلا بدَّ
أن يكون ولده هو المهدي (عليه السلام).
٤ - أنَّ هذه الأحاديث ليست خافية على السلطة العبّاسية آنذاك، بل هي مشهورة
ويحفظها الصغير قبل الكبير.
وكردَّة فعل طبيعية لهذه المعطيات فإنَّ السلطة لا بدَّ أن تعمل على وأد هذا
المولود في مهده، لذلك اتَّخذت إجراءات عديدة منها التالي:
١ - المراقبة الشديدة لبيت الإمام العسكري (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٨) ولعلَّها سكتت إمَّا
لأنَّ غيره لم يعلم فعلاً بالحمل، وإمَّا لأنَّ الذين علموا به فقط أهل بيت الإمام
(عليه السلام)، وحيث إنَّ العلم بالحمل أمر طبيعي فلا حاجة لتصريح الروايات به.
(٨٩) الغيبة للشيخ الطوسي:
٢٣٤ و٢٣٥.
(٩٠) قال الشيخ الصدوق في
كمال الدين وتمام النعمة: ٦٨: ... ونقل مخالفونا من أصحاب الحديث نقلاً ظاهراً
مستفيضاً من حديث جابر بن سمرة ما حدَّثنا به أحمد بن محمّد بن إسحاق الدينوري،
وكان من أصحاب الحديث، قال: حدَّثني أبو بكر بن أبي داود، عن إسحاق بن إبراهيم بن
شاذان، عن الوليد بن هشام، عن محمّد بن ذكوان، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن ابن
سيرين، عن جابر بن سمرة السوائي، قال: كنّا عند النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)
فقال: «يلي هذه الأُمَّة اثنا عشـر»، قال: فصـرخ الناس فلم أسمع ما قال، فقلت لأبي
- وكان أقرب إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) منّي -: ما قال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم)؟ فقال: قال: «كلُّهم من قريش».
٢ - مراقبة نساء الإمام وجواريه.
٣ - محاولة اقتناص أيّ خبر عن مولود للإمام.
ولذلك تذكر بعض الروايات أنَّهم وبعد وفاة الإمام العسكري (عليه السلام) وعندما
أسقط بأيديهم في الظفر بالمولود الموعود، فإنَّهم عمدوا إلى كبس دار الإمام وتفتيشه
بدقَّة، حتَّى إنَّ بعض الروايات تذكر أنَّهم كادوا أن يظفروا بالإمام (عليه
السلام) لولا أنَّه كان صغيراً - وقد يكونون يعتقدون بأنَّه رجل كبير لأنَّه خليفة
أبيه والمهدي المنتظر -، ولولا انشغالهم بنهب بيت الإمام (عليه السلام)، ممَّا أتاح
للإمام المهدي (عليه السلام) أن يخرج من بين أيديهم من دون أن ينتبهوا عليه، بل
تذكر بعض الروايات أنَّ الإمام مرَّ عليهم من دون أن يراه قائدهم، وأنَّ جنوده
استغربوا من عدم رؤيته له بعد أن عاتبهم على عدم الإمساك به(٩١).
فإذا عرفنا أنَّ اللطف الإلهي، بل والوعد الإلهي اقتضيا حفظ ذلك الولد ليكون هو
الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً في وقت لا يعلمه إلَّا الله تعالى، عرفنا أنَّ الحكمة
الإلهيَّة حينئذٍ تقتضـي إحاطة هذا المولود بسرّية تامَّة تبدأ من حين الحمل به ثمّ
ولادته، وانتهاءً بغيبته (عليه السلام).
نماذج تاريخية:
إنَّ خفاء ولادة الأولياء وإحاطتها بالسـرّية العالية ليست جديدة في الواقع، بمعنى
أنَّ الظرف الموضوعي هو من يتحكَّم في الإجراء المناسب، فإذا توفَّرت الظروف
الأمنية المناسبة لإظهار الولادة، فلا داعي حينئذٍ للإخفاء من هذه الجهة، أمَّا إذا
كان الظرف الأمني خطراً على المولود الموعود بالقيام بمهمَّة إلهية معنية، اقتضى
اللطف الإلهي أن تجري الحكمة وفق إخفاء وستر المولود بطريقة وبأُخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩١) بحار الأنوار ٥٢: ٥٢ و٥٣.
فالنبيُّ إبراهيم (عليه السلام) كان ممَّن أُخفيت ولادته خوفاً عليه، فقد نُقِلَ
أنَّ ملك ذلك الزمان رأى رؤيا وعبَّرها المعبِّرون بأنَّه يولد غلام ينازعه في
ملكه، فأمر ذلك الملك بذبح كلّ غلام يُولَد فحبلت أُمُّ إبراهيم به وما أظهرت حبلها
للناس، فلمَّا جاءها الطلق ذهبت إلى كهف في جبل ووضعت إبراهيم وسدَّت الباب بحجر،
فجاء جبريل (عليه السلام) ووضع إصبعه في فمه فمصَّه فخرج منه رزقه، وكان يتعهَّده
جبريل (عليه السلام)، فكانت الأُمُّ تأتيه أحياناً وتُرضِعه...(٩٢).
وقصَّة النبيِّ موسى (عليه السلام) واضحة مشهورة في إخفاء ولادته وإبعاده عن أُمِّه
وعيشه في بيت عدوِّه، ليتمَّ الحفاظ عليه من بطش فرعون الذي أمر بقتل كلّ مولود ذكر
يُولَد لبني إسرائيل، وكان اللطف الإلهي واضحاً جدّاً، حيث ألقى الله تعالى
المحبَّة منه على موسى(٩٣)،
بحيث كان كلُّ من يراه يُحِبُّه.
روي عن الإمام الباقر (عليه السلام): «... فلمَّا وضعت أُمُّ موسى بموسى نظرت وحزنت
واغتمَّت وبكت وقالت: يُذبَح الساعة، فعطف الله قلب الموكَّلة بها عليه، فقالت
لأُمِّ موسى: ما لكِ قد اصفرَّ لونكِ؟ فقالت: أخاف أن يُذبَح ولدي، فقالت: لا
تخافي، وكان موسى لا يراه أحد إلَّا أحبَّه وهو قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَأَلْقَيْتُ
عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: ٣٩]، فأحبَّته القبطية الموكَّلة به...،
وكان لفرعون قصر على شطِّ النيل متنزَّه، فنظر من قصـره - ومعه آسية امرأته - إلى
سواد في النيل ترفعه الأمواج وتضـربه الرياح حتَّى جاءت به على باب قصـر فرعون،
فأمر فرعون بأخذه، فأخذ التابوت ورُفِعَ إليه، فلمَّا فتحه وجد فيه صبياً، فقال:
هذا إسرائيلي، فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبَّة شديدة وكذلك في قلب آسية،
وأراد أن يقتله فقالت آسية: ﴿لا تَقْتُلُوهُ عَسَـى أَنْ
يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ٩]
أنَّه موسى، ولم يكن لفرعون ولد، فقال: التمسوا له ظئرا تُربّيه...»(٩٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٢) تفسير الرازي ١٣: ٤٧؛
وقال ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٦: ١٦٤: كانت تخبئه في كهف في جبل بقرية برزة
في الموضع الذي يُعرَف بمقام إبراهيم اليوم.
(٩٣) قال تعالى: ﴿إِذْ
أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ
فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ
لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾
(طه: ٣٨ و٣٩).
(٩٤) بحار الأنوار ١٣: ٢٥
و٢٦/ ح ٢، عن تفسير القمّي ٢: ٣٦.
استخلاص النتائج:
أوَّلاً: أنَّ الصبغة العامَّة لحركة الإمام المهدي
(عليه السلام) هي كونها وفق القوانين الطبيعية، لذلك سيكون هناك بعض الأفعال التي
تتناسب مع هذه القوانين، كالابتعاد عن الظالمين الذين يريدون بالمهدي سوءاً.
ثانياً: لا يمكن أن يُنظَر إلى القضايا المهدوية
كلّاً على حِدَة، بل لا بدَّ من الربط بينها وأخذها ككلٍّ مجموعي، مع ملاحظة الظروف
الموضوعية المحيطة بكلِّ قضيَّة، وهذه النظرة ستحلُّ لنا الكثير من الإشكاليات في
هذه القضايا.
ثالثاً: لا محيص من الرجوع إلى الروايات المفسِّـرة
لبعض القضايا، لأنَّها تُوفِّر لنا كمّاً جيِّداً من المعلومات التي تنفع الباحث
والمنتظِر، وبالتالي لا بدَّ من الرجوع إلى المتخصِّصين في مجال الروايات عموماً
والروايات المهدوية خصوصاً، للوصول إلى نتائج سليمة قدر الإمكان من الأخطاء، ومن
معارضة الأُصول العامَّة للمذهب وثوابته.
الشيخ النعماني وكتابه (الغيبة)
المرحوم الشيخ عامر الجابري
أثناء العمل في هذا
العدد تلقينا ببالغ الحزن نبأ وفاة سماحة الشيخ عامر الجابري (رحمه الله تعالى)
نسأل الله العلي القدير أن يحشره مع محمد وآل محمد (عليهم السلام) ويلهم ذويه الصبر
والسلوان.
------------------------------------
المقدّمة:
يُعَدُّ الشيخ أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني المعروف بـ (ابن أبي
زينب) من كبار علماء الإماميَّة في القرن الرابع الهجري، وهو ممَّن أفنى عمره في
خدمة حديث أهل البيت (عليهم السلام)، وممَّن طاف البلدان وتنقَّل بين المدن الكبرى
في سبيل إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) ونشـر العقيدة الإماميَّة الاثني
عشرية.
وقد عاصر النعماني نهايات الغيبة الصغرى وبدايات الغيبة الكبرى، وأدرك عصـر الحيرة
التي وقع فيها العديد من الشيعة ممَّن لم يألفوا قضيَّة الغيبة ولم يتقبَّلوها
نتيجة ابتعادهم عن حديث أهل البيت (عليهم السلام) ومنابعه الصافية ومصادره
النقيَّة.
وقد كان للنعماني - بما كان يتَّصف به من مكانة علمية واجتماعية وبما يملك من جواهر
حديث أهل البيت (عليهم السلام) - دور أساسي ومؤثِّر في إخراج الكثيرين من تلك
الحيرة وإرجاعهم إلى الخطِّ الإمامي الاثني عشري، وذلك من خلال ما قدَّمه من
الاحتجاجات التي تضمَّنها كتابه في الغيبة.
ولم يقتصر دور الكتاب على ذلك المقطع الزمني فحسب، بل أصبح فيما بعد من المنابع
الرئيسية والمصادر الأساسية في موضوعه بحيث لا يستغني عنه أيُّ باحث أو دارس
لقضيَّة الغيبة.
وقد حاولنا في هذه
العجالة أن نُسلِّط الضوء على شخصية النعماني وسيرته الذاتية والعلمية، ثمّ انطلقنا
نحو تكوين نظرة عامَّة حول كتابه في الغيبة، فبحثنا عن: اسمه، وسبب تأليفه، ومنهجه
وطريقة تبويبه، وأهمّ مصادره، وناقل الكتاب وصحَّة نسبته إلى المؤلِّف، وما اشتمل
عليه من فوائد عرضية وهامشية.
وقد حاولنا أن نُنظِّم جميع ذلك ضمن المبحثين التاليين:
المبحث الأوَّل: سطور من حياة النعماني.
المبحث الثاني: نظرة حول كتاب الغيبة.
هذا وقد ختمنا البحث بخلاصة تتضمَّن أبرز النتائج والثمار التي جنيناها في هذه
الجولة.
المبحث الأوّل: سطور من حياة النعماني:
١ - اسمه ونسبه
وأُسرته:
هو محمّد بن إبراهيم بن جعفر أبو عبد الله الكاتب، النعماني، المعروف بـ (ابن زينب)
كما في رجال النجاشي(١)،
ورجال ابن داود(٢)،
والخلاصة والإيضاح للعلَّامة الحلّي(٣).
وقد اشتهر في العصور المتأخِّرة بـ (ابن أبي زينب) بدلاً من (ابن زينب)، وكأنَّ
كلمة (أبي) قد سقطت من رجال النجاشي فقام بعض المتأخّرين بتصحيحها، و بحسب ما
توفَّر لدينا من مصادر يمكن القول: إنَّ أوَّل من قام بهذا التصحيح هو العلَّامة
المجلسـي (ت ١١١١هـ) في البحار، فقد قال - عند تعريفه بمدينة النعمانية -: (والظاهر
أنَّ منه الشيخ أبا عبد الله محمّد بن محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب الشهير
بالنعماني المعروف بابن أبي زينب تلميذ الكليني، وهو صاحب الغيبة والتفسير)(٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
رجال النجاشي: ٣٨٣.
(٢)
رجال ابن داود: ١٦٠.
(٣)
خلاصة الأقوال في معرفة الرجال: ٢٦٧؛ وإيضاح الإشتباه: ٢٨٩.
(٤)
بحار الأنوار ٥٣: ٢٧١.
(الكاتب): عُرِفَ
المترجَم له بـ (الكاتب)، لأنَّه كان يكتب للشيخ الكليني، وهو أحد رواة الكافي
الأساسيين، وتُعرَف روايته براوية النعماني(٥).
و(النُّعماني) - بضمِّ النون -: نسبة إلى النعمانية، وهي - كما في آثار البلاد -:
(بليدة بين بغداد وواسط، كثيرة الخيرات وافرة الغلّات، ولها قرى ورساتيق. بناها
النعمان بن المنذر بن قيس بن ماء السماء...)(٦)،
وفي معجم البلدان: (النُّعمانية - بالضمِّ - كأنَّها منسوبة إلى رجل اسمه النعمان،
بليدة بين واسط وبغداد في نصف الطريق على ضفة دجلة معدودة من أعمال الزاب الأعلى،
وهي قصبته وأهلها شيعة غالية كلّهم...، وقد نُسِبَ إليها قوم من أهل الأدب في كتاب
ابن طاهر...)(٧).
ولم نقع على نصٍّ يتحدَّث عن نسب النعماني بأكثر ممَّا تقدَّم، كما أنَّنا لم نظفر
بشـيء ممَّا يرتبط بأُسرته وأولاده سوى ما ذكره النجاشي في ترجمة (الوزير أبي
القاسم المغربي) من أنَّ أُمَّه كانت (فاطمة بنت أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن
جعفر النعماني شيخنا صاحب كتاب الغيبة)(٨)،
وهو ما أكَّد عليه ثانيةً عند ترجمته للنعماني بقوله: (وكان الوزير أبو القاسم
الحسين بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن بن يوسف المغربي ابن بنته فاطمة بنت أبي عبد
الله محمّد إبراهيم النعماني رحمهم الله)(٩).
وأودُّ أن أُعلِّق على هذا النصّ بعدَّة تعليقات:
١ - أنَّ الوزير المغربي سبط النعماني هو العالم الفاضل أبو القاسم الحسين بن عليِّ
بن الحسين المنتهي نسبة إلى بهرام جور، كان فاضلاً أديباً عاقلاً شجاعاً، له
مصنَّفات كثيرة منها: خصائص علم القرآن، ومختصر إصلاح المنطق، ورسالة اختيار شعر
أبي تمام، وكتاب أدب الخواصّ، وكتاب المأثور في ملح الخدور، وكتاب الإيناس(١٠).
وقد تقلَّد الوزارة مرَّتين: الأُولى في إمارة آل المسيّب في الموصل لقرواش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥)
يُنظَر: الكافي والكليني: ١٩٣و٣٩٨.
(٦)
آثار البلاد: ٤٦٩.
(٧)
معجم البلدان ٥: ٢٩٤.
(٨)
رجال النجاشي: ٧٠.
(٩)
المصدر السابق: ٣٨٤.
(١٠) يُنظَر: الكنى
والألقاب ٣: ٢٨٦.
بن المقلّد، والثانية
في إمارة بني بويه في بغداد لشرف الدولة أبي عليّ بن بهاء الدولة أبي نصر بن عضد
الدولة(١١).
٢ - وكان والده عليُّ بن الحسين وزيراً أيضاً في دولة بني حمدان - في حلب - حيث
استوزره (سعد الدولة بن سيف الدولة بن حمدان ثمّ هرب خوفاً منه إلى مصـر ووزر
للحاكم فقتله، وكان شاعراً روى عنه الحافظ عبد الغنيِّ، وكانت قتلته سنة أربعمائة)(١٢).
٣ - يمكننا أن نُقدِّر أنَّ هذه المصاهرة بين عليِّ بن الحسين والد الوزير المغربي
والشيخ النعماني قد وقعت في أواخر حياة الشيخ النعماني، حيث أشار النجاشي إلى أنَّ
آخر رحلة من رحلات الشيخ النعماني هي رحلته إلى الشام، وأنَّه قد توفّي هناك. ونحن
وإن كنّا نفتقر إلى ما يُحدِّد لنا التاريخ الدقيق لهذه الرحلة، ولكنَّنا نعلم
أنَّه قد شرع في إملاء كتابه الغيبة على تلميذه الشجاعي في حلب سنة (٣٤٢هـ) كما
يُستفاد من مقدّمة كتاب الغيبة(١٣).
٤ - تكشف هذه المصاهرة عن المكانة العلمية والاجتماعية المرموقة التي كان يتمتَّع
بها الشيخ النعماني، وأنَّه كان معروفاً لدى الملوك والأُمراء والوزراء.
٢ - ولادته ونشأته الأولى:
لم تُحدِّد لنا المصادر - بشكل صريح - مكان ولادة النعماني ونشأته الأُولى، ولكن من
خلال نسبته إلى النعمانية نستطيع أن نقول: إنَّه وُلِدَ ونشأ نشأته الأُولى في هذه
المدينة؛ لأنَّ الإنسان إنَّما يُنسَب إلى مدينة ما لأحد سببين:
السبب الأوَّل: أن تكون مسقط رأسه ومحلّ ولادته.
السبب الثاني: أن يسافر إليها ويتَّخذها وطناً.
وحيث إنَّ المصادر قد نسبت (صاحب الترجمة) إلى هذه المدينة ولم تنصّ على سفره إليها
- مع أنَّها قد أشارت إلى سفره إلى مناطق أُخرى كشيراز وبغداد والشام -، فهذا يدلُّ
على أنَّه من مواليد هذه المدينة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) يُنظَر: وفيات الأعيان
٢: ١٧٦.
(١٢) الوافي بالوفيات ٢١:
٢٤.
(١٣) جاء في بعض نسخ الغيبة
: (حدَّثنا الشيخ أبو الفرج محمّد بن عليِّ بن يعقوب بن أبي قرة القناني (رحمه
الله)، قال: حدَّثنا أبو الحسين محمّد بن علي البجلي الكاتب - واللفظ من أصله وكتبت
هذه النسخة وهو ينظر في أصله -، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمّد بن إبراهيم
النعماني بحلب...)، وجاء في نسخة أُخرى: (حدَّثني محمّد بن علي أبو الحسين الشجاعي
الكاتب (حفظه الله)، قال: حدَّثني محمّد بن إبراهيم أبو عبد الله النعماني (رحمه
الله تعالى) في ذي الحجَّة سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة، قال: ...). (اُنظر:
الغيبة للنعماني بتحقيق الغفّاري: ١٩).
هذا من ناحية محلّ
ولادته، أمَّا من ناحية تاريخها فإنَّ المصادر لم تُحدِّده أيضاً، ولكنَّنا نعلم
أنَّه قد سمع من الشيخ موسى بن محمّد الأشعري القمّي بشيراز سنة (٣١٣هـ)(١٤)،
وحيث إنَّ سفرته إلى شيراز كانت في بدايات حياته كما يُفهَم من كلام النجاشي(١٥)
فيمكن لنا أن نفترض: أنَّ ولادته كانت في نهايات القرن الثالث الهجري.
٣ - عصره:
يُعتَبر عصـر النعماني - من الناحية السياسية - من أفضل العصور التي مرَّت على
الشيعة، فقد انطلق البويهيون - وهم شيعة اثنا عشـرية - من شيراز سنة (٣٢٢هـ)
ليُؤسِّسوا دولتهم التي توسَّعت تدريجياً لتشمل أراضي واسعة من إيران والعراق،
وأصبحوا هم الحكّام الحقيقيين في هذين البلدين، وجرَّدوا الخليفة العبّاسي المستكفي
بالله من أغلب سلطاته الدينية والدنيوية(١٦).
كما استطاع الفاطميون - وهم شيعة إماميَّة إسماعيلية - أن يبسطوا نفوذهم على رقعة
واسعة من العالم الإسلامي، وأن يُؤسِّسوا دولة عظيمة انطلقت من المغرب سنة (٢٩٧هـ)،
ثمّ توسَّعت لتصل إلى مصر سنة (٣٥٨هـ)، ثمّ أخذت بالتوسّع شيئاً فشيئاً باتِّجاه
الشام والحجاز(١٧).
هذا وقد استطاع الحمدانيون - وهم من الأُسر الشيعية - أن يستقلّوا بحكم الموصل سنة
(٣١٧هـ) ثمّ توسَّع نفوذهم بعد مدَّة قليلة فتمكَّنوا من السيطرة على حلب وضمّها
إلى دولتهم(١٨).
وقد ساعد قيام هذه الدول في القرن الرابع الهجري على انتشار وازدهار الفكر الشيعي
بصورة عامَّة والفكر الإمامي بصورة خاصَّة.
يقول المقريزي - واصفاً انتشار التشيّع ورواجه في هذا القرن -: (فانتشـرت مذاهب
الرافضة في عامَّة بلاد المغرب ومصـر والشام وديار بكر والكوفة والبصـرة وبغداد،
وجميع العراق، وبلاد خراسان، وما وراء النهر مع بلاد الحجاز واليمن والبحرين...)(١٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) يُنظَر: الغيبة: ٦٢.
(١٥) قال النجاشي في رجاله:
٣٨٣: ( قدم بغداد وخرج إلى الشام ومات بها)، ونفهم من هذا النصّ أنَّ سفرة شيراز
كانت قبل سفرتي بغداد والشام.
(١٦) يُنظَر: تاريخ ابن
الأثير ٧: ١٤؛ والمنتظم ١٤: ٤٢ و٤٣.
(١٧) يُنظَر: خطط المقريزي
٣: ٢٠، و٢: ١٩٢ و١٩٣.
(١٨) يُنظَر: الدولة
الحمدانية لأحمد عدوان: ١٣٧ و٢٢١.
(١٩) خطط المقريزي ٤: ١٩١.
هذه هي الأجواء
السياسية التي كانت سائدة في عصـر النعماني، وقد استغلَّ النعماني فرصة الحرّية
التي كان يتمتَّع بها الإنسان الشيعي في تلك الفترة، وساهم مع غيره من العلماء في
إرساء قواعد المذهب الإمامي الاثني عشـري وترويج مفاهيمه الأساسية، وقد تركَّزت
جهوده على موضوع الغيبة؛ باعتباره الموضوع العقائدي والفكري الأخطر في تلك الفترة،
ولاسيّما بعد ختم السفارة ووقوع الغيبة الكبرى وإيكال قيادة الجماهير إلى الفقهاء،
وقد استثمر النعماني فرصة وجوده في حلب - التي كانت تخضع لحكم الحمدانيين الشيعة -
وشرع سنة (٣٤٢هـ) بإملاء كتاب الغيبة على تلامذته في هذه المدينة.
٤ - مشايخه:
يُعتَبر السفر من أجل طلب العلم من الصفات اللازمة لطالب العلم، ولاسيّما في القرون
الأربعة الأُولى، فكان الطالب يقصد المدن ويطوف البلدان لغرض الحصول على السند
العالي ولقاء كبار حملة الحديث.
ومن هنا نجد أنَّ النعماني قد سافر إلى مدن عديدة وتنقَّل بين إيران والعراق والشام
للقاء المشايخ والأخذ عنهم، فكان من مشايخه القمّي والبغدادي والكوفي والطبراني
و...، وسنُقدِّم الآن قائمة بأسماء مشايخه بحسب ما يُستفاد من أسانيد كتاب الغيبة،
وسنعود ثانيةً في (المبحث الثاني) عند التعرّض لـ (مصادر كتاب الغيبة) للحديث عن
بعض هؤلاء المشايخ بشيء من التفصيل:
١ - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد (ابن عقدة)، (ت ٣٣٣هـ).
٢ - أبو عليّ محمّد بن همّام الإسكافي (ت ٣٣٢هـ) أو (٣٣٦هـ).
٣ - محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ).
٤ - عليُّ بن أحمد البندنيجي.
٥ - عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي.
٦ - عبد العزيز بن عبد الله بن يونس الموصلي.
٧ - عليُّ بن الحسين.
٨ - أحمد بن هوذة (ت ٣٣٣هـ).
٩ - أحمد بن محمّد بن يعقوب بن عمّار الدهني (ت ٣٤٦هـ).
١٠ - أبو القاسم الحسين بن محمّد الباوري.
١١ - سلامة بن محمّد الأرزني (ت ٣٣٩هـ).
١٢ - عبد الله بن عبد الملك بن سهل الطبراني.
١٣ - محمّد بن الحسن بن محمّد بن جمهور.
١٤ - محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري.
١٥ - محمّد بن عبد الله بن معمّر الطبراني.
١٦ - محمّد بن عثمان بن علّان الدهني.
١٧ - موسى بن محمّد الأشعري القمّي.
١٨ - محمّد بن يحيى، كما في بعض النسخ.
١٩ - عليُّ بن إبراهيم.
٥ - تلامذته:
١ - أبو الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي، ناقل كتاب الغيبة كما سيأتي الحديث عنه.
٢ - أبو غالب الرازي (ت ٣٨٦هـ)(٢٠).
٣ - عليُّ بن محمّد بن يوسف الحرّاني(٢١).
٤ - محمّد بن عليِّ بن طالب البلدي(٢٢).
٦ - منزلته بين العلماء:
قال عنه النجاشي: (شيخ من أصحابنا، عظيم القدر، شريف المنزلة، صحيح العقيدة، كثير
الحديث)(٢٣).
ووصفه العلَّامة المجلسي بـ (الشيخ الفاضل الكامل الزكي)(٢٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) يُنظَر: رسالة أبي
غالب الرازي: ١٧٩.
(٢١) مهج الدعوات: ٢٣٣.
(٢٢) يُنظَر: بحار الأنوار
٢: ٢٦٠، نقلاً عن كنز الفوائد للكراكجي.
(٢٣) رجال النجاشي: ٣٨٣.
(٢٤) يُنظَر: بحار الأنوار
١: ١٤.
ووصفه المحقِّق النوري
بـ (الثقة الجليل)(٢٥)،
و(الشيخ الجليل الأقدم)(٢٦)،
و(الشيخ الجليل المتبحِّر النقّاد)(٢٧).
وقال الشيخ عبّاس القمّي في توصيفه: (الشيخ الأجلّ محمّد بن إبراهيم بن جعفر
النعماني من أكابر علماء الإماميَّة، عظيم القدر، شريف المنزلة، كثير الحديث، صاحب
كتاب الغيبة المعروف)(٢٨).
٧ - مؤلَّفاته:
١ - كتاب الفرائض، ذكره النجاشي(٢٩)،
والمقصود بالفرائض عند القدماء (المواريث)، وهو من الكتب المفقودة.
٢ - تفسير القرآن، قال الحرُّ العاملي في أمل الآمل - عند ترجمته للشيخ النعماني -:
(ومن مؤلَّفاته تفسير القرآن، رأيت قطعة منه)(٣٠).
ويقول الشيخ الطهراني معلِّقاً على كلام الحرِّ العاملي: (ولعلَّ مراده من القطعة
هي الروايات المبسوطة التي رواها النعماني بإسناده إلى الإمام الصادق (عليه
السلام)، وجعلها مقدّمة تفسيره، وهي التي دُوِّنت مفردةً مع خطبة مختصـرة وتُسمى بـ
(المحكم والمتشابه)... وتُنسَب إلى السيِّد المرتضـى...، وقد أوردها بتمامها
العلَّامة المجلسي في مجلَّد القرآن من البحار)(٣١).
ورسالة المحكم والمتشابه قد طُبِعَت مؤخَّراً بتحقيق السيِّد عبد الحسين الغريفي
البهبهاني، وكُتِبَ عليها: (رسالة المحكم والمتشابه المنسوبة إلى الشـريف المرتضـى
علم الهدى المتوفّى سنة (٤٣٦هـ)، وهي قطعة من (تفسير النعماني) للمحدِّث أبي عبد
الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني من أعلام القرن الرابع الهجري).
٣ - التسلّي، نقل عنه العلَّامة المجلسـي خبراً واحداً في بحار الأنوار(٣٢)،
ويبدو أنَّ روايات الكتاب تدور حول عقاب قتلة الإمام الحسين (عليه السلام) في
الدنيا.
٤ - الدلائل، نقل عنه السيِّد ابن طاووس في كتاب (الأمان من أخطار
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) خاتمة المستدرك ١:
١٢٥.
(٢٦) المصدر السابق ١: ٣٤٧.
(٢٧) المصدر السابق ٣: ٢٦٦.
(٢٨) الكنى والألقاب ١:
١٩٥.
(٢٩) يُنظَر: رجال النجاشي:
٣٨٣.
(٣٠) أمل الآمل ٢: ٢٣٣.
(٣١) الذريعة ٤: ٣١٨.
(٣٢) يُنظَر: بحار الأنوار
٤٥: ٣١٢، و٥٨: ١١٠.
الأسفار والأزمان)،
قال: (وجدته في كتاب (الدلائل للنعماني) بإسناده عن الصادق (عليه السلام) لدفع
الأسد إذا عرض للإنسان...)(٣٣).
ونقل عنه حديثاً آخراً في (فرج المهموم)، قال: (الحديث الثالث عشـر فيما روى من
شهادة من قوله حجَّة في العلوم بصحَّة حساب النجوم أرويه بأسانيدي إلى أبي عبد الله
محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعمائي الثقة في كتاب الدلائل في الجزء التاسع فيما فيه
من دلائل مولانا أبي الحسن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام)...)(٣٤).
من خلال النصّين المتقدِّمين نستنتج:
ألف - أنَّ السيِّد ابن طاووس كان يمتلك نسخة من هذا الكتاب، يُفهَم ذلك بوضوح من
قوله: (وجدته في كتاب الدلائل للنعماني).
باء - يبدو أنَّ هذا الكتاب كان موزَّعاً إلى أجزاء أو أقسام بعدد المعصومين (عليهم
السلام) وبهذه الصورة: دلائل النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، دلائل الإمام
عليٍّ (عليه السلام)، دلائل الإمام الحسن(عليه السلام)، وهكذا...
٥ - الردُّ على الإسماعيلية، نصَّ عليه النجاشي(٣٥)،
ولم تكن الإسماعيلية في عصـر النعماني مجرَّد مذهب من المذاهب المخالفة للمذهب
الاثني عشـري، بل كانت هي المذهب الرسمي لدولة عظمى امتدَّت من المحيط الأطلسـي
غرباً إلى الخليج العربي غرباً وهي الدولة الفاطمية، ومن هنا فقد كانت هذه الطائفة
تُشكِّل خطراً حقيقياً على المذهب الاثني عشـري، فانبرى النعماني فيمن انبرى للردِّ
على أفكار ومعتقدات هذه الفرقة، فألَّف كتاباً مستقلّاً في الردِّ عليها، كما أنَّه
قد خصَّص الباب الرابع والعشـرين من كتب الغيبة لـ (ذكر إسماعيل بن أبي عبد الله
(عليه السلام) والدلالة على أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام)).
٦ - الغيبة، وسيأتي الحديث عنه مفصَّلاً في القسم الثاني من البحث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) الأمان من الأخطار:
١٣١.
(٣٤) فرج المهموم: ٤٨.
(٣٥) يُنظَر: رجال النجاشي:
٣٨٣.
٨ - وفاته:
وأمَّا وفاته فقد ذكر النجاشي أنَّه (مات بالشام) ولم يُحدِّد تاريخ وفاته،
ولكن لو لاحظنا تاريخ إملائه لكتاب الغيبة سنة (٣٤٢هـ) في الشام كما هو مثبت في
مقدّمة الكتاب، واعتمدنا على قول العلَّامة الحلّي في تحديد وفاة النجاشي بسنة
(٤٥٠هـ)، فنستطيع أن نقول: إنَّ وفاته كانت بين عامي (٣٤٢ - ٤٥٠هـ).
وأمَّا تحديد وفاته بحدود سنة (٤٦٠هـ) كما يُلاحظ في الطبعات المتداولة، فهذا ممَّا
لا أصل له، وإنَّما أخذ من أخذه من غير تحقيق ولا تدقيق من صاحب كتاب هدية
العارفين، وربَّما يكون صاحب هدية العارفين قد استنتج ذلك من خلال بعض القرائن
والشواهد ولكنَّه لم يشر إلى شيء من ذلك(٣٦).
المبحث الثاني: نظرة حول كتاب الغيبة:
١ - اسم الكتاب:
قال الشيخ آقا بزرك الطهراني: (كتاب الغيبة للحجَّة الشيخ أبي عبد الله الكاتب
النعماني المعروف بابن زينب، محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني الكاتب، تلميذ ثقة
الإسلام الكليني. خرج إلى الشام وبها توفّي. ويظهر من بعض المواضع أنَّ الكتاب كان
موسوماً أو معروفاً بـ (ملاء العيبة في طول الغيبة))(٣٧).
وقال في موضع آخر: (ملاء العيبة في طول الغيبة هو اسم لكتاب الشيخ محمّد بن إبراهيم
النعماني المعروف بغيبة النعماني)(٣٨).
ولكن لا يمكننا أن نُسلِّم بما ذكره الشيخ آقا بزرك الطهراني لسببين:
السبب الأوَّل: أنَّ الشيخ آقا بزرك الطهراني لم
يُحدِّد لنا تلك المواضع التي أشار إليها، وقد بحثت طويلاً لأقف على موضع من تلك
المواضع فلم أفلح، فلعلَّه قد رأى ذلك في بعض المخطوطات، والله العالم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) يُنظَر: هدية العارفين
٢: ٤٦.
(٣٧) الذريعة إلى تصانيف
الشيعة ١٦: ٧٩.
(٣٨) المصدر السابق ٢٢:
١٨٢.
السبب الثاني: الذي يظهر من أصحاب الفهارس أنَّ
الكتاب كان معروفاً باسم (الغيبة) - خلافاً لما يقوله الشيخ آقا بزرك الطهراني -،
يقول النجاشي في ترجمة (النعماني): (له كتب: منها كتاب الغيبة...)(٣٩)،
ويقول في موضع آخر: (... أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر النعماني شيخنا
صاحب كتاب الغيبة)(٤٠)،
ويقول ابن شهر آشوب في ترجمة النعماني: (محمّد بن إبراهيم، أبو عبد الله النعماني،
من كتبه كتاب الغيبة)(٤١).
والذي أعتقده أنَّ النعماني قد ترك كتابه بدون عنوان - وهو أمر مألوف إلى حدٍّ ما
عند القدماء - وقد اشتقَّ له أصحاب الفهارس فيما بعد اسم (الغيبة) من خلال ملاحظة
موضوعه الأساسي حيث إنَّ أغلب روايات الكتاب تدور حول هذا الموضوع كما صرَّح
النعماني نفسه في المقدّمة حيث يقول: (وقد جمعت في هذا الكتاب ما وفَّق الله جمعه
من الأحاديث التي رواها الشيوخ عن أمير المؤمنين والأئمَّة الصادقين (عليهم السلام)
في الغيبة وغيرها ممَّا سبيله أن ينضاف إلى ما روي فيها...)(٤٢).
ولعلَّ ممَّا يُؤيِّد ذلك قول الشيخ المفيد - بعد إيراده للنصوص الواردة في الإمام
الثاني عشـر (عليه السلام): (فممَّن أثبتها على الشـرح والتفصيل محمّد بن إبراهيم
المكنّى أبا عبد الله النعماني في الكتاب الذي صنَّفه في الغيبة)(٤٣).
فهذا أقدم نصّ أشار إلى كتاب الغيبة، وهو أسبق من نصَّـي النجاشي وابن شهرآشوب، وقد
أشار إلى هذا الكتاب من خلال موضوعه (الذي صنَّفه في الغيبة)، ولو كان له اسم معروف
لأشار به إليه بدلاً من هذا التكلّف في التعبير.
٢ - سبب تأليف كتاب الغيبة:
قال الشيخ النعماني في المقدّمة: (فإنّا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى
التشيّع المنتمية إلى نبيِّها محمّد وآله (صلّى الله عليهم) ممَّن يقول بالإمامة...
قد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٩) رجال النجاشي: ٣٨٣.
(٤٠) المصدر السابق: ٦٩.
(٤١) معالم العلماء: ١٥٣.
(٤٢) الغيبة: ٢٩.
(٤٣) الإرشاد ٢: ٣٥٠.
تفرَّقت كلمها،
وتشعَّبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله (عزَّ وجلَّ)، وحنت إلى محارم الله تعالى،
فطار بعضها علوّاً، وانخفض بعضها تقصيراً، وشكّوا جميعاً إلَّا القليل في إمام
زمانهم...).
إلى أن يقول: (ولعمري ما أُتي من تاه وتحيَّر وافتتن وانتقل عن الحقِّ وتعلَّق
بمذاهب أهل الزخرف والباطل إلَّا من قلَّة الرواية والعلم وعدم الدراية والفهم،
فإنَّهم الأشقياء، لم يهتمّوا لطلب العلم ولم يُتعبوا أنفسهم في اقتنائه وروايته من
معادنه الصافية على أنَّهم لو رووا ثمّ لم يدروا لكانوا بمنزلة من لم يرو، وقد قال
جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): «اعرفوا منازل شيعتنا عندنا على قدر روايتهم
عنّا وفهمهم منّا»، فإنَّ الرواية تحتاج إلى الدراية، و(خبر تدريه خير من ألف خبر
ترويه)...).
إلى أن يقول: (فقصدت القربة إلى الله (عزَّ وجلَّ) بذكر ما جاء عن الأئمَّة
الصادقين الطاهرين (عليهم السلام) من لدن أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى آخر من
روي عنه منهم في هذه الغيبة التي عمى عن حقيّتها ونورها من أبعده الله عن العلم بها
والهداية إلى ما أُوتي عنهم (عليهم السلام) فيها ما يُصحِّح لأهل الحقِّ حقيقة ما
رووه ودانوا به، وتُؤكِّد حجَّتهم بوقوعها ويُصدِّق ما آذنوا به منها)(٤٤).
وينبغي هنا أن نُسجِّل عدَّة ملاحظات لتوضيح النصوص
المتقدّمة:
الملاحظة الأُولى: عُرِفَ العصـر الذي تلا وفاة
الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) بـ (عصـر الحيرة)، وهي الحيرة التي وقع فيها
الكثير من الشيعة ممَّن لم يتقبَّلوا (فكرة الإمام الغائب)، ولم يستوعبوا الوضع
الجديد القائم على أساس القيادة غير المباشرة للمعصوم (عليه السلام).
وقد ذكر النوبختي في كتابه (فِرَق الشيعة) أنَّ الشيعة قد تفرَّقوا بعد الإمام
الحسن العسكري (عليه السلام) إلى أربعة عشـر اتِّجاهاً، فكان لكلِّ واحد من هذه
الاتِّجاهات فهمه الخاصّ للغيبة، وهو ممَّا يُؤكِّد عمق الحيرة التي وقع فيها
الشيعة آنذاك(٤٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الملاحظة الثانية: أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) قد
أكَّدوا مراراً وتكراراً وفي مناسبات متعدِّدة على قضيَّة الغيبة ولابدّية وقوعها،
وحذَّروا شيعتهم من الوقوع في فتنة الغيبة وما تُسبِّبه من حيرة وشكٍّ وترديد،
واعتبروها من مصاديق التمحيص الإلهي الذي يختبر الله به عباده، وقد نقل أصحاب
الأئمَّة هذه الأحاديث جيلاً بعد جيل.
ومن هنا نجد أنَّ أغلب الذين وقعوا في الحيرة كانوا من عامَّة الشيعة وبسطائهم،
وممَّن كانوا بعيدين عن حديث أهل البيت (عليهم السلام) ومنابعه ومآخذه، وهذا ما
أشار إليه النعماني بقوله: (ولعمري ما أُتي من تاه وتحيَّر وافتتن وانتقل عن الحقِّ
وتعلَّق بمذاهب أهل الزخرف والباطل إلَّا من قلَّة الرواية والعلم وعدم الدراية
والفهم...).
الملاحظة الثالثة: أنَّ الجهود الجبّارة التي بذلها
العلماء المعاصرون لتلك الفترة - ومنهم النعماني - قد أثمرت بعد فترة وجيزة، فقد
ذابت تلك الاتِّجاهات المخالفة وانصهرت جميعاً في الاتِّجاه الإمامي الاثني عشـري،
وهو ما يُؤكِّده لنا الشيخ المفيد بقوله: (وليس من هؤلاء الفِرَق التي ذكرناها فرقة
موجودة في زماننا هذا وهو سنة ثلاث و سبعين وثلاثمائة إلَّا الإماميَّة الاثنا
عشـرية القائلة بإمامة ابن الحسن المسمّى باسم رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) القاطعة على حياته وبقائه إلى وقت قيامه بالسيف حسبما شرحناه فيما تقدَّم
عنهم، وهم أكثر فِرَق الشيعة عدداً وعلماء ومتكلِّمين ونظّاراً وصالحين وعبّاداً
ومتفقِّهة وأصحاب حديث وأُدباء وشعراء. وهم وجه الإماميَّة، ورؤساء جماعتهم،
والمعتمد عليهم في الديانة. ومن سواهم منقرضون لا يعلم أحد من جملة الأربع عشـرة
فرقة التي قدَّمنا ذكرها ظاهراً بمقالة ولا موجوداً على هذا الوصف من ديانته،
وإنَّما الحاصل منهم حكاية عمَّن سلف وأراجيف بوجود قوم منهم لا تثبت)(٤٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) الفصول المختارة: ٣٢١.
٣ - لمحة حول منهج الكتاب وتبويبه:
قام المصنِّف بتقسيم كتابه إلى (٢٦) باباً، ووضع لكلِّ باب عنوانه المناسب، وأورد
في كلِّ باب ما يناسبه من الأحاديث على طريقة المحدِّثين من الالتزام بذكر سند كلِّ
حديث، وقدَّم لذلك بمقدّمة فصَّل الكلام فيها حول سبب تأليف الكتاب.
وقد سار المؤلِّف في هذا الكتاب على طريقة المنهج النقلي، حيث حاول مؤلِّفه أن
يعالج المواضيع التي تناولها من خلال النصوص حصـراً، ولكنَّه قد يُعلِّق في حالات
نادرة على بعض الأحاديث من باب الضـرورة، كقوله - شارحاً للغيبتين الصغرى والكبرى
-: (هذه الأحاديث التي يُذكر فيها أنَّ للقائم(عليه السلام) غيبتين أحاديث قد صحَّت
عندنا بحمد الله، وأوضح الله قول الأئمَّة (عليهم السلام) وأظهر برهان صدقهم فيها،
فأمَّا الغيبة الأُولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام (عليه السلام)
وبين الخلق قياماً منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان، يخرج على أيديهم غوامض
العلم، وعويص الحِكَم، والأجوبة عن كلِّ ما كان يُسئل عنه من المعضلات والمشكلات،
وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيّامها وتصـرَّمت مدَّتها، والوسائط للأمر الذي
يريده الله تعالى...)(٤٧).
أمَّا أبواب الكتاب الـ (٢٦) فهي كما يلي:
باب ١ - ما روي في صون سرِّ آل محمّد (عليهم السلام) عمَّن ليس من أهله.
باب ٢ - فيما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا
بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾.
باب ٣ - ما جاء في الإمامة والوصيَّة، وأنَّهما من الله (عزَّ وجلَّ).
باب ٤ - ما روي في أنَّ الأئمَّة اثنا عشر إماماً، وأنَّهم من الله وباختياره.
باب ٥ - ما روي فيمن ادَّعى الإمامة ومن زعم أنَّه إمام وليس بإمام.
باب ٦ - الحديث المروي عن طرق العامَّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) الغيبة للنعماني: ١٧٣ و١٧٤.
باب ٧ - ما روي فيمن
شكَّ في واحد من الأئمَّة.
باب ٨ - ما روي في أنَّ الله لا يُخلي أرضه بغير حجَّة.
باب ٩ - ما روي في أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا اثنان لكان أحدهما الحجَّة.
باب ١٠ - ما روي في غيبة الإمام المنتظر الثاني عشر (عليه السلام).
باب ١١ - ما روي فيما أُمِرَ به الشيعة من الصبر والكفِّ والانتظار للفرج.
باب ١٢ - ما يلحق الشيعة من التمحيص والتفرّق والتشتّت عند الغيبة.
باب ١٣ - ما روي في صفته وسيرته وفعله وما نزل من القرآن فيه (عليه السلام).
باب ١٤ - ما جاء في العلامات التي تكون قبل قيام القائم (عليه السلام).
باب ١٥ - ما جاء في الشدَّة التي تكون قبل ظهور صاحب الحقِّ (عليه السلام).
باب ١٦ - ما جاء في المنع عن التوقيت والتسمية لصاحب الأمر (عليه السلام).
باب ١٧ - ما جاء فيما يلقى القائم (عليه السلام) ويستقبل من جاهلية الناس.
باب ١٨ - ما جاء في ذكر السفياني وأنَّ أمره من المحتوم وأنَّه قبل قيام القائم
(عليه السلام).
باب ١٩ - ما جاء في ذكر راية رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلم).
باب ٢٠ - ما جاء في ذكر جيش الغضب وهم أصحاب القائم (عليه السلام).
باب ٢١ - ما جاء في ذكر أحوال الشيعة عند خروج القائم (عليه السلام) وقبله وبعده.
باب ٢٢ - ما روي أنَّ القائم (عليه السلام) يستأنف دعاءً جديداً.
باب ٢٣ - ما جاء في ذكر سنِّ الإمام القائم (عليه السلام).
باب ٢٤ - في ذكر إسماعيل بن أبي عبد الله (عليه السلام).
باب ٢٥ - ما جاء في أنَّ من عرف إمامه لم يضرّه تقدَّم هذا الأمر أو تأخَّر.
باب ٢٦ - ما روي في مدَّة ملك القائم (عليه السلام) بعد قيامه.
٤ - قيمة الكتاب العلمية:
يُعَدُّ كتاب الغيبة للنعماني من أهمّ وأقدم المنابع والمآخذ في موضوعه، وقد نال
إعجاب واهتمام العلماء منذ عصـر المؤلِّف إلى يومنا هذا، وقد أصبح من أهمّ المصادر
في مجال المعارف المهدوية منذ نهايات القرن الرابع الهجري، ويكفينا أن ننقل لكم هنا
قول الشيخ المفيد (ت ٤١٣هـ) - بعد أن ذكر النصوص المرتبطة بالإمام الثاني عشـر
(عليه السلام) -، قال: (وهذا طرف يسير ممَّا جاء في النصوص على الثاني عشـر من
الأئمَّة (عليهم السلام)، والروايات في ذلك كثيرة، قد دوَّنها أصحاب الحديث من هذه
العصابة، وأثبتوها في كتبهم المصنَّفة، فممَّن أثبتها على الشـرح والتفصيل محمّد بن
إبراهيم المكنّى أبا عبد الله النعماني في كتابه الذي صنَّفه في الغيبة...)(٤٨).
ويظهر من كلام النجاشي (ت ٤٥٠هـ) أنَّ الكتاب قد نال شهرةً واسعةً منذ القرن الخامس
الهجري، وأصبح معروفاً بين العلماء، وملازماً للنعماني. نستنتج ذلك من قوله في
ترجمة (الوزير المغربي): (وأُمُّه فاطمة بنت أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم بن جعفر
النعماني شيخنا صاحب كتاب الغيبة)(٤٩).
فهذا النصُّ يكشف بوضوح أنَّ النعماني كان معروفاً بكتابه (الغيبة) منذ القرن
الخامس الهجري، وأنَّه كان ملازماً له كملازمة الكافي للكليني.
وعلى أيِّ حالٍ فإنَّ هذا الكتاب قد أصبح مصدراً لكلِّ من جاء بعده ممَّن تناول
قضيَّة الإمام المهدي بشكل عامّ أو قضيَّة الغيبة بشكل خاصّ، كالشيخ المفيد (ت
٤١٣هـ) في الإرشاد، والشيخ الطوسي (ت ٤٦٠هـ) في الغيبة(٥٠)،
والطبرسي (من أعلام القرن السادس الهجري) في إعلام الورى بأعلام الهدى، والإربلي (ت
٦٩٣هـ) في كشف الغمَّة، والعلَّامة الحلّي (ت ٧٢٦هـ) في المستجاد، والحرِّ العاملي
(ت ١١٠٤هـ) في إثبات الهداة، والمجلسي في البحار (ت ١١١١هـ).
وهكذا نجد أنَّ هذا الكتاب كان معتمداً ومتداولاً بين العلماء في جميع القرون من
عصـر المؤلِّف إلى عصر المجلسي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) الإرشاد ٢: ٣٥٠.
(٤٩) رجال النجاشي: ٦٩.
(٥٠) قال الشيخ الطوسي في
الغيبة: ٢٥٧: (وأخبرني أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر، عن أبي الحسن محمّد بن
عليٍّ الشجاعي الكاتب، عن أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم النعماني، عن يوسف بن أحمد
الجعفري، قال: حججت سنة ستّ وثلاثمائة...)، وهذه الرواية وإن لم نعثر عليها في
الطبعة المتداولة من غيبة النعماني ، ولكنَّه أمر طبيعي يعود لتعدّد النسخ.
٥ - مصادر الكتاب ومآخذه:
ينقل الشيخ النعماني في هذا الكتاب عن (١٨) شيخاً من مشايخه - كما مرَّ عند الحديث
عن مشايخه -، وهؤلاء المشايخ يُمثِّلون المصادر والمنابع التي اغترف النعماني
رواياته منها. ولكن ينبغي الاعتراف أنَّ هؤلاء المشايخ ليسوا على مستوى واحد من حيث
اعتماد النعماني عليهم وكثرة رواياته عنهم، فمنهم من روى عنه عشـرات الروايات كابن
عقدة مثلاً، ومنهم من لم ينقل عنه سوى رواية واحدة كالباوري مثلاً؛ ولذا سنُقصِـر
بحثنا على أُولئك الذين نعتبرهم المصادر الأساسية التي اعتمدها النعماني، والذين
تُشكِّل رواياتهم المادَّة الأساسية للكتاب، وهم خمسة مشايخ، نُرتِّبهم بحسب كثرة
النقل عن كلِّ واحد منهم:
أ - أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن سعيد (ابن
عقدة)، (ت ٣٣٣هـ):
وهو المحدِّث الزيدي المعروف الموثَّق عند الإماميَّة والزيدية والعامَّة، و(هذا
رجل جليل في أصحاب الحديث، مشهور بالحفظ، والحكايات تختلف عنه في الحفظ وعظمه، وكان
كوفياً زيدياً جارودياً على ذلك حتَّى مات، وذكره أصحابنا لاختلاطه بهم ومداخلته
إيّاهم وعظم محلِّه وثقته وأمانته)(٥١).
وقد ذكر المؤرِّخون أنَّ ابن عقدة سافر إلى بغداد ثلاث مرّات(٥٢)،
وكانت سفرته الأخيرة في أواخر عمره(٥٣)،
وقد حدَّث بها عن شيوخه في جامع براثا(٥٤)،
ويبدو أنَّ النعماني قد تتلمذ على يديه وأخذ عنه في هذه السفرة.
وتبلغ روايات النعماني عن ابن عقدة ما يقرب من (١٤٠) رواية، وهي بهذا تُشكِّل ما
يقرب من ربع مادَّة الكتاب الذي تبلغ رواياته (٤٧٨) رواية - بحسب ترقيم الطبعة
المتداولة -، فهو مصدره الأساسي. وفي تقديرنا أنَّ اختيار النعماني لابن عقدة
مصدراً أساسياً من مصادره يرجع إلى سببين:
السبب الأوَّل: أنَّ كتاب الغيبة يُعَدُّ كتاباً
كلامياً احتجاجياً لا كتاباً تاريخياً
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) رجال النجاشي: ٩٤.
(٥٢) يُنظَر: تاريخ بغداد
٦: ١٤٧.
(٥٣) المصدر السابق.
(٥٤) يُنظَر: سير أعلام
النبلاء ٢٩: ٣٤٠.
وإن تجنَّب مصنِّفه
الخوض في الأدلَّة العقلية واقتصـر على الأدلَّة النقلية، ومن هنا كان لا بدَّ له
من الاحتجاج بشخص مقبول لدى كلّ الأطراف، وهذا ما ينطبق على ابن عقدة الذي تحترمه
كلُّ الطوائف.
وقد أشار النعماني إلى هذه النكتة في مقدّمة الكتاب حينما وثَّق ابن عقدة بقوله:
(وهذا الرجل ممَّن لا يُطعَن عليه في الثقة ولا في العلم بالحديث والرجال الناقلين
له)(٥٥).
السبب الثاني: كثرة ما رواه ابن عقدة عن أصحاب
الأئمَّة (عليهم السلام)، فهو وإن كان زيدياً إلَّا أنَّه كما يقول الطوسي: (روى
جميع كتب أصحابنا، وصنَّف لهم، وذكر أُصولهم، وكان حفظة، سمعت جماعة يحكون أنَّه
قال: أحفظ مائة وعشـرين ألف حديث بأسانيدها، وأُذاكر بثلاثمائة ألف حديث)(٥٦).
ب - أبو عليّ محمّد بن همّام الإسكافي (ت
٣٣٢هـ) أو (٣٣٦هـ):
قال الشيخ الطوسي: (محمّد بن همّام الإسكافي يُكنّى أبا عليّ، جليل القدر، ثقة، له
روايات كثيرة، أخبرنا بها عدَّة من أصحابنا، عن أبي المفضَّل، عنه)(٥٧).
وقال النجاشي: (محمّد بن أبي بكر همّام بن سهيل الكاتب الإسكافي، شيخ أصحابنا
ومتقدِّمهم، له منزلة عظيمة، كثير الحديث)(٥٨).
نقل النعماني عن شيخه محمّد بن همّام الإسكافي (٦٥) حديثاً، أي ما يُشكِّل ثمن
مادَّة الكتاب تقريباً، وبهذا يكون هذا الشيخ من المنابع والمآخذ الأساسية لكتاب
الغيبة.
ومن وجهة نظرنا يرجع اختيار النعماني للإسكافي شيخاً ثمّ مصدراً أساسياً لكتابه في
الغيبة - رغم كثرة المشايخ والمصادر في ذلك العصر - لعدَّة أسباب أهمّها:
السبب الأوَّل: مكانته العلمية المرموقة، وعلوّ
منزلته في الحديث، وقربه من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥) الغيبة: ٢٥.
(٥٦) رجال الطوسي: ٤٤٢.
(٥٧) فهرست الطوسي: ١٤١.
(٥٨) رجال النجاشي: ٣٨٠.
النوّاب الأربعة حيث
كانت له مكانه خاصَّة لديهم كما يُستفاد من بعض المعطيات والمؤشّرات التاريخية(٥٩).
السبب الثاني: أنَّ في شيوخ الإسكافي وأساتذته العديد
من المهتمّين بموضوع القضيَّة المهدوية عموماً وقضيَّة الغيبة خصوصاً، فجعله
النعماني طريقاً إليهم، ومنهم على سبيل المثال: الحسن بن محمّد بن سماعة الذي ذكر
المفهرسون أنَّ له كتاباً في الغيبة(٦٠)،
وأحمد بن عليّ بن العبّاس بن نوح السيرافي الذي له كتاب مستوفى أخبار الوكلاء
الأربعة(٦١)،
وعبد الله بن جعفر الحميري الذي كان له مصنَّف بعنوان (الغيبة والحيرة) كما ذكر
النجاشي(٦٢)،
وعبّاد بن يعقوب الذي له كتاب أخبار المهدي(٦٣).
فكثرة رواية النعماني عن الإسكافي وجعله إيّاه المصدر الثاني من حيث كثرة الاعتماد
لم تكن اعتباطاً، بل كان اختياراً مدروساً وموفَّقاً.
ج - محمّد بن يعقوب الكليني (ت ٣٢٩هـ):
أبو جعفر محمّد بن يعقوب الكليني الرازي صاحب كتاب الكافي الذي يُعَدُّ من أهمّ كتب
حديث الشيعة الأربعة.
تشير القرائن والمعطيات التاريخية أنَّ نشأته الأُولى كانت في الريِّ، كما لا
يُستَبعد أنَّه أخذ عن المشايخ القمّيين بعد ما شدَّ الرحال إليهم(٦٤).
ثمّ بعد ذلك شدَّ الرحال نحو بغداد التي كانت عاصمة العلم والثقافة ومقرّ النيابة
العامَّة، ولكنَّنا نجهل التاريخ الدقيق لسفره هذا، وكلُّ ما نقطع به هو أنَّه كان
موجوداً فيها سنة (٣٢٧هـ)، أي قبل وفاته بسنتين(٦٥)،
ولعلَّه قد دخلها قبل هذا التاريخ بسنوات كما يُستفاد من بعض المؤشّرات والمعطيات
وإن كنّا لا نقطع بذلك.
وعلى أيِّ حالٍ فقد قصد النعماني ثقة الإسلام الكليني وتتلمذ على يديه، ويقال:
إنَّه كان معيناً له في كتابة الكافي، ولم أقف على مستند هذا القول، نعم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٩) يُنظَر: كمال الدين
وتمام النعمة: ٥١٢؛ والغيبة للطوسي: ٢٩٧.
(٦٠) يُنظَر: الفهرست
للطوسي: ٥١.
(٦١) يُنظَر: رجال النجاشي:
٤٨٧.
(٦٢) المصدر السابق: ٢١٩.
(٦٣) يُنظَر: الفهرست
للطوسي: ١١٩ و١٢٠.
(٦٤) يُنظَر: الكليني
والكافي للغفّاري: ١٢٦.
(٦٥) يُنظر: الاستبصار.
كان النعماني كاتباً
للكليني - ولهذا اشتهر بالكاتب كما مرَّ -، وهو أيضاً أحد الرواة الأساسيين لكتاب
الكافي(٦٦).
وقد جعل النعماني الكليني مصدراً أساسياً من مصادره، فنقل عنه بحدود (٥٧) رواية، أي
ما يعادل ثمن الكتاب تقريباً، ويظهر من خلال المقارنة أنَّ أغلب هذه الروايات قد
أُخِذَت من الكافي.
د - عليُّ بن أحمد البندنيجي (لم نستطع تحديد
وفاته):
قال عنه ابن الغضائري: (عليُّ بن أحمد بن نصـر البندنيجي أبو الحسن، سكن الرملة،
ضعيف متهافت لا يُلتَفت إليه)(٦٧).
وحيث إنَّ النعماني يروي عن هذا الرجل حوالي (٥١) رواية، وجعله مصدراً أساسياً من
مصادره، فلا بدَّ لنا التحقّق من حاله؛ لأنَّ البناء على كلام الغضائري يعني سقوط
جميع هذه الروايات عن الاعتبار، وبالتالي يفتح ثغرة للتقليل من قيمة الكتاب
العلمية.
ويمكننا أن نتقدَّم بثلاث أجوبة لحلِّ هذه الإشكالية، بحيث يصلح كلُّ واحد منها أن
تكون حلًّا لهذه الإشكالية على ضوء إحدى النظريات الرجالية:
الجواب الأوَّل: أكَّدنا في بحث سابق نُشِـرَ على
صفحات هذه المجلَّة المباركة(٦٨)،
أنَّ تضعيفات وطعون الغضائري والمتشدِّدين من القمّيين غير معتبرة عند كثير من
المحقِّقين في الرجال؛ لأنَّهم لا يستندون في ذلك إلى الشهادة والحسِّ، بل يعتمدون
على النظر في محتويات الروايات، فإذا وجدوا ما ينطبق عليه مفهوم الغلوِّ أو
الارتفاع من وجهة نظرهم الخاصَّة نسبوا الراوي إلى الغلوِّ أو الارتفاع، بل نسبوه
إلى الكذب؛ وما ذلك إلَّا لاشتمالها على بعض المفاهيم التي لا تنسجم مع فهمهم
الخاصّ لمقام الإمامة.
وبناءً على ما تقدَّم نستطيع أن نُوثِّق البندنيجي على ضوء نظرية أصالة العدالة
لكلِّ إمامي لم يثبت فسقه وهو ما يظهر من العلَّامة الحلّي في ترجمة (أحمد بن
إسماعيل بن سمكة)(٦٩).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٦) للكافي - كما ذكر
المحقِّقون - ثلاث روايات أساسية هي: رواية الصفواني، ورواية التلعكبري، ورواية
النعماني.
(٦٧) كما جاء في: خلاصة
الأقوال: ٢٣٥؛ ورجال ابن داود: ٢٦٠.
(٦٨) الشفاء والجلاء.
(٦٩) يُنظَر: خلاصة
الأقوال: ٦٧، قال في ترجمته: (ولم ينصّ علماؤنا عليه بتعديل، ولم يُرْوَ فيه جرح،
فالأقوى قبول روايته مع سلامتها من المعارض).
الجواب الثاني: مع القول ببطلان نظرية (أصالة عدالة
الراوي لكلِّ إمامي لم يثبت فسقه) يمكننا أن نسلك منهج جمع القرائن والشواهد
المفيدة للاطمئنان، وهو أحد الطرق المتَّبعة في تحصيل وثاقة الراوي.
ومن القرائن التي تورث الاطمئنان بوثاقة
البندنيجي:
١ - رواية الثقة عنه، قال البهبهاني - في الفائدة الثالثة في سائر أمارات الوثاقة
والمدح والقوَّة من فوائده -: (ومنها رواية الجليل عنه، وهو أمارة الجلالة
والقوَّة...)، إلى أن قال: (وإذا كان الجليل ممَّن يطعن على الرجال في الرواية عن
المجاهيل ونظائرها فربَّما يشير روايته عنه إلى الوثاقة)(٧٠).
وقد شهد المتخصِّصون للنعماني بالوثاقة والجلالة كما مرَّ، كما أنَّ المتصفِّح في
ثنايا كتابه في الغيبة يلمس عنده الحسّ الرجالي ومعرفته بأحوال الرجال بوضوح،
وبالتالي فإنَّ روايته عن البندنيجي يمكن أن تُعتَبر إحدى قرائن وثاقته.
٢ - يقول الرجاليون: إنَّ من أمارات الاعتماد (كونه ممَّن يُكثِر الرواية عنه
ويُفتي) بها(٧١)،
ومن الواضح أنَّ النعماني قد أكثر الرواية عن البندنيجي واعتمد عليها في موضوع من
أخطر المواضيع العقائدية والفكرية، ومن المعروف أنَّ العلماء يتشدَّدون في التعاطي
مع الروايات العقائدية أكثر من تشدّدهم في التعاطي مع الروايات الفقهية.
وكان السيِّد البروجردي يكتفي بالقرينتين المتقدِّمتين في إثبات وثاقة الراوي
فيقول: (الظاهر أنَّه يمكن استكشافُ وثاقة الراوي من تلاميذه الذين أخذوا الحديث
عنه، فإذا كان الآخِذُ مثلَ الشيخ أو المفيد أو الصدوق أو غيرهم من الأعلام -
خصوصاً مع كثرة الرواية عنه - لا يبقى ارتياب في وثاقته أصلاً حينئذٍ)(٧٢).
٣ - سلامة مضامين الأحاديث التي ينقلها ومطابقتها للخطوط العريضة والأساسية للمذهب
الإمامي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٠) الفوائد الرجالية: ٤٧.
(٧١) المصدر السابق: ٤٩.
(٧٢) نهاية التقرير ٢: ٢٧١.
الجواب الثالث: لو سلَّمنا بما أورده الغضائري من طعن
في البندنيجي، وقلنا بأنَّ القرائن التي ذكرناها في الجواب الثاني غير كافية، فهذا
أيضاً لا يعني سقوط روايات البندنيجي عن الاعتبار، فإنَّ هذه الروايات قد نُقِلَت
بألفاظها أو بمضامينها في كتب أُخرى وعن طرق أُخرى.
هـ - عبد الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي
(لم نستطع تحديد وفاته):
ذكره الشيخ الطوسي في رجاله في باب من لم يرو عنهم (عليهم السلام)، فقال: (عبد
الواحد بن عبد الله بن يونس الموصلي أخو عبد العزيز يُكنّى أبا القاسم سمع منه - أي
التلعكبري - أيضاً سنة ستّ وعشرين وثلاثمائة، وذكر أنَّه كان ثقةً)(٧٣).
ويُستفاد من هذا النصّ عدَّة أُمور:
أوَّلاً: وثاقته بتوثيق التلعكبري له، والتلعكبري هو
أبو محمّد هارون بن موسى بن أحمد بن سعيد بن سعيد من بني شيبان (أحد الأعلام
المتقدِّمين)، قال عنه النجاشي: (كان وجهاً في أصحابنا، ثقةً، معتمداً لا يُطعَن
عليه. له كتب، منها: كتاب الجوامع في علوم الدين. كنت أحضـر في داره مع ابنه أبي
جعفر، والناس يقرؤون عليه)(٧٤).
ثانياً: ذكر النصُّ أنَّ الموصلي كان متصدّياً
للتدريس في سنة (٣٢٦هـ)، والظاهر أنَّه كان في بغداد بقرينة تتلمذ التلعكبري عليه،
ونستطيع أن نُقدِّر من خلال هذه القرينة وقرائن أُخرى - كتواجد النعماني في بغداد
سنة (٣٢٧هـ)(٧٥)
- أنَّ النعماني قد أخذ عنه الحديث في بغداد في حدود تلك الفترة.
ثالثاً: يُصـرِّح النصُّ بأنَّ المترجَم له هو أخو
عبد العزيز الموصلي، وعبد العزيز هذا هو أحد مشايخ النعماني كما مرَّ في المبحث
الأوَّل.
ومهما يكن فقد روى النعماني عن عبد الواحد الموصلي ما يزيد على (٥٠) رواية، وجعله
منبعاً أساسياً ومأخذاً رئيسياً؛ وذلك لوثاقته وعدالته ووجاهته ومعرفته بالحديث.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٣) رجال الطوسي: ٤٨١.
(٧٤) رجال النجاشي: ٤٣٩.
(٧٥) يُنظَر: الغيبة
للنعماني: ٢٤٩.
٦ - ناقل الكتاب وصحَّة نسبته:
أمَّا ناقل كتاب الغيبة إلينا فهو (أبو الحسين محمّد بن عليٍّ البجلي الشجاعي)، جاء
في مقدّمة الغيبة: (حدَّثنا الشيخ أبو الفرج محمّد بن عليِّ بن يعقوب بن أبي قرة
القناني (رحمه الله)، قال: حدَّثنا أبو الحسين محمّد بن عليٍّ البجلي الكاتب -
واللفظ من أصله؛ وكتبت هذه النسخة وهو ينظر في أصله -، قال: حدَّثنا أبو عبد الله
محمّد بن إبراهيم النعماني بحلب...)(٧٦).
وقال النجاشي - عند ترجمة النعماني -: (رأيت أبا الحسين محمّد بن عليٍّ الشجاعي
الكاتب يقرأ عليه كتاب الغيبة تصنيف محمّد بن إبراهيم النعماني بمشهد العتيقة،
لأنَّه كان قرأه عليه، ووصّى لي ابنه أبو عبد الله الحسين بن محمّد الشجاعي بهذا
الكتاب وبسائر كتبه، والنسخة المقروءة عندي)(٧٧).
ولم يرد بحقِّ الشجاعي أيّ توثيق في كتب الرجال، بل لم يعنونوه أصلاً، وإنَّما ذكره
النجاشي - عرضاً - في ترجمة (النعماني)، ومن هنا قد يستغلُّ البعض هذا الأمر جاعلاً
منه ثغرة للطعن في صحَّة انتساب الغيبة للنعماني، والتقليل من قيمته العلمية.
ويمكننا أن نُقدِّم عدَّة حلول لهذه الإشكالية نكتفي بذكر
ثلاثة منها:
الأوَّل: أنَّ الشجاعي وإن لم يرد بحقِّه توثيق في
الكتب الرجالية، ولكنَّه لم يرد بحقِّه طعن أيضاً، ومن هنا يمكننا توثيقه على ضوء
نظرية (أصالة العدالة) التي أشرنا سابقاً، فيكون موثَّقاً عند من يؤمن بهذه
النظرية.
الثاني: يمكننا أن نستكشف وثاقة الشجاعي من خلال
(منهج جمع القرائن)، والقرائن الدالّة على ذلك كثيرة، ومنها:
الأُولى: روايته عن الثقة الجليل الشيخ أبي عبد الله
النعماني، وقد أشرنا سابقاً إلى قرينية ذلك على الوثاقة، كما أشرنا إلى وثاقة
وجلالة النعماني.
الثانية: رواية الثقاة الأجلّاء عنه، فقد روى عنه
الشيخ أبو الفرج محمّد بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عليِّ بن يعقوب بن أبي
قرة القناني أو (القنائي) كما في مقدّمة الغيبة للنعماني، وقد عنونه النجاشي وصرَّح
بوثاقته(٧٨)،
وروى عنه أيضاً أحمد بن عبدون المعروف بابن الحاشر كما في غيبة الطوسي(٧٩)،
وهو أُستاذ النجاشي والطوسي، ويبدو أنَّ كتاب الغيبة للنعماني قد وصل إلى الطوسي عن
طريقه.
الثالثة: من خلال حديث النجاشي عن الشجاعي يظهر أنَّ
النجاشي كان على صلة مع عائلته بحيث يوصي له ابنه بكتبه، وهو يُشعِر أيضاً بمكانة
الشجاعي الرفيعة، وكونه من مشايخ الشيعة المعروفين آنذاك، وأنَّه كان يمتلك ثروة
علمية عظيمة بحيث لم يجد أفضل من النجاشي لتسلُّم هذه الثروة، وهذا ما فعله غير
واحد من أعلام الطائفة كأُستاذه أحمد بن نوح السيرافي الذي وصّى ببعض كتبه إليه(٨٠)،
وشيخ الأدب أبو أحمد عبد السلام بن الحسين البصـري الذي دفع له كتاباً بخطِّه، قد
أجاز له فيه جميع رواياته(٨١).
ومع هذا فنحن لا نريد أن نتَّخذ من هذه الوصاية دليلاً مستقلّاً على وثاقة الشجاعي،
وإنَّما نقول: إنَّ هذا يصلح أن يكون قرينة من القرائن التي كلَّما زادت كلَّما
اقتربنا من الاطمئنان بوثاقته.
الثالث: ما ذكره الشيخ نجم الدين الطبسـي، وهو:
(أنَّه لا إشكال لدينا حول أصل الكتاب وصحَّة نسبته إلى النعماني؛ لأنَّ النجاشي
يقول: إنَّ الشجاعي قد (وصّى لي ابنه أبو عبد الله الحسين بن محمّد الشجاعي بهذا
الكتاب وبسائر كتبه، والنسخة المقروءة عندي)، فهو يعترف أنَّ كتاب النعماني عنده،
والنجاشي هو خبير هذا الفنّ، وشهادته على أنَّ هذا الكتاب هو نفسه الكتاب تُثبِت
لنا صحَّة انتساب الكتاب إلى النعماني)(٨٢).
٧ - الفوائد العرضية في الكتاب:
لا شكَّ أنَّ غرض النعماني الأساسي من تأليف هذا الكتاب هو جمع الأحاديث المرتبطة
بالغيبة وما يناسب ذلك كما صرَّح بذلك في المقدّمة، ومع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٨) المصدر السابق: ٣٩٨.
(٧٩) الغيبة للطوسي: ٢٧٥.
(٨٠) يُنظَر: رجال النجاشي:
١٠٣/ ترجمة (أيّوب بن نوح بن درّاج).
(٨١) يُنظَر: رجال النجاشي:
٨٤/ (ترجمة الدوري).
(٨٢) نگاهي به كتاب غيبت
نعماني/ انتظار موعود (١).
هذا فقد اشتمل الكتاب
على فوائد عرضية أُخرى لم تكن مقصودة للكاتب، ومن تلك الفوائد بحسب تتبّعنا:
أ - اشتمال الكتاب على بعض التوثيقات لبعض الرواة، كتوثيقه لابن عقدة بقوله: (وهذا
الرجل ممَّن لا يُطعَن عليه في الثقة ولا في العلم بالحديث والرجال الناقلين له)(٨٣)،
أو نقله لتوثيقات المشايخ لأساتذتهم، كنقله لتوثيق الحسن بن عليِّ بن عيسى
القوهستاني لشيخه بدر بن إسحاق بن بدر الأنماطي بقوله: (وكان شيخاً نفيساً من
إخواننا الفاضلين)(٨٤).
ب - الشهادة باعتبار بعض الكتب ككتاب سُلَيم بن قيس الهلالي بقوله: (وليس بين جميع
الشيعة ممَّن حمل العلم ورواه عن الأئمَّة (عليهم السلام) خلاف في أنَّ كتاب سُلَيم
بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأُصول التي رواها أهل العلم من حملة حديث أهل
البيت (عليهم السلام) وأقدمها، لأنَّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنَّما هو عن
رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) والمقداد
وسلمان الفارسي وأبي ذرٍّ ومن جرى مجراهم ممَّن شهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسمع منهما، وهو من الأُصول التي ترجع الشيعة
إليها ويُعوَّل عليها)(٨٥).
ج - يُعتَبر الكتاب مصدراً مهمّاً في البحوث العقائدية - غير العقيدة المهدوية -
حيث اشتمل على روايات كثيرة ومعتبرة ترتبط بأصل الإمامة والوصيَّة وبالنصِّ على عدد
الأئمَّة و...
د - تضمَّن الكتاب بعض الروايات التي تشتمل على بعض الأحكام الفقهية كرواية: (...
أمَا إنَّ قائمنا (عليه السلام) إذا قام كسـره وسوّى قبلته...)(٨٦)
التي يوردها الفقهاء أثناء بحثهم عن تحديد قبلة مسجد الكوفة(٨٧).
هـ - يمكن الاستفادة من الكتاب كمصدر مهمّ في التفسير، لاشتماله على روايات
مفسِّـرة أو مؤوِّلة للكثير من الآيات(٨٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٣) الغيبة: ٢٥.
(٨٤) المصدر السابق: ٩٢.
(٨٥) المصدر السابق: ١٠١
و١٠٢.
(٨٦) المصدر السابق: ٣١٨.
(٨٧) يُنظَر: الحدائق
الناضرة ٦: ٣٨٥ و٣٨٦.
(٨٨) يُنظَر: الغيبة: ٢٥
و٢٧ و٣٥ و٣٩ و١١١ و١٣٠ و١٩٨ و٢١٧ و٢٢١ و٢٤١ و٢٥٠ و٢٥١ و٢٧٢ و٣٠١ و٣١٤ و٣١٥ و٣٣٣.
دور الأربعين في صناعة الشخصية المهدوية
الشيخ مشتاق الساعدي
مقدّمة:
من أهمّ الأرصدة المعنوية الماضية التي يمتلكها أتباع مذهب آل البيت (عليهم السلام)
هو وجود إمام ثائر عندهم، كانت وما زالت ثورته نبراس الثورات، وتضحيته أُمُّ
التضحيات، وحرارة مقتله من أشدّ المهيِّجات، فتولَّد لديهم ببركة ثورته ما لم
يتولَّد عند غيرهم، وهو عنصـر الإصلاح لا لمصلحة دنيوية ولو كلَّف ذلك الحياة،
وإنَّ الذلَّة لا وجود لها في صفحة الحياة...، إيماناً منهم بتضحياته وبكلماته...،
والتي منها:
«ما خرجت أشراً ولا بطراً وإنَّما لطلب الإصلاح...»(١).
«... هيهاتَ منّا الذلَّة...»(٢).
«... لا أُعطي بيدي إعطاء الذليل ولا أقرُّ لكم إقرار العبيد...»(٣).
«...مثلي لا يبايع لمثله...»(٤).
ومن الأرصدة المعنوية المستقبلية التي يمتلكها أتباع مذهب آل البيت (عليهم السلام)
الإيمان بالإمام الغائب المنقذ الذي يملؤها قسطاً وعدلاً بعد ما مُلِئَت ظلماً
وجوراً، وأنَّه إمامهم الثاني عشـر. وهذا الإيمان هو ممَّا يُحفِّزهم على العمل
الجادِّ في التمهيد لظهوره، والاستعداد للانخراط تحت قيادته، والانتظار لفرجه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
مثير الأحزان: ٤.
(٢)
الاحتجاج ٢: ٣٠٠.
(٣)
بحار الأنوار ٤٥: ٧.
(٤)
مثير الأحزان: ٢٤.
فإنَّ الانتظار للإمام المنقذ (عليه السلام) من أهم المحفِّزات على العمل الديني
والاجتماعي والإعداد لذلك من أهمّ الطاعات.
فبين تراث الماضي وأمل المستقبل تكوّن الحاضر الإيماني والتعبوي لدى أتباع الحقِّ،
وتولَّدت حالة معنوية عالية تمخَّض منها عدَّة فعّاليات وعبادات وتحرّكات.
منها: الروح الجهادية والقتالية التي يمتلكها الأتباع دون غيرهم، ونموذج الحشد
الشعبي شاهد على ذلك، وهذا يحتاج إلى إفراد أبحاث مستقلَّة للوقوف على هذه الظاهرة.
ومنها: عدم الانصياع للحكومات الظالمة، وعدم الارتباط بها من كلِّ النواحي.
ومنها: الاستقلالية في إدارة المذهب فكرياً واقتصادياً، وعدم الارتباط بأيِّ أجندة.
وغيرها العشرات.
ومن هذه الفعّاليات العبادية المهمَّة فعّالية الزيارة الأربعينية المقدَّسة، فهذه
الفعَّالية تميَّزت بربط الماضي الحسيني بالمستقبل المهدوي لتوليد حاضر يفرض علينا
واقعاً يجعلنا نُنظِّم أنفسنا من كلِّ النواحي استعداداً وتمهيداً لدولة الحقِّ.
فالذي يطَّلع على وقائع زيارة الأربعين وما يراه من تجمهر عشـرات الملايين زماناً
ومكاناً وبلغات وقوميات وتوجّهات شتّى - يجمعهم رجل واحد اسمه الحسين (عليه
السلام)، وينادون بنداء واحد هو: (اللَّهُمَّ عجِّل لوليِّك الفرج، وسهِّل له
المخرج) - يرى بوضوح أنَّ تلك الزيارة من أهمّ ممهِّدات الظهور.
وفي هذا البحث المختصـر نقف على أهمّ تلك المعطيات التي لها دور في الظهور، وسنغضُّ
النظر عن ما للزيارة من أهمّية واضحة ومعطيات جمَّة في شتّى المجالات، لأنَّ هدفنا
هو التركيز على هذه المفردة العظيمة، وهو دور الأربعين في التمهيد للظهور وصناعة
الشخصية المهدوية.
فالتمهيد وانتظار الفرج أهمّ المفردات التي تُشغِل ذهن البشـرية المؤمنة، فالعمل
عليه ومعرفة ما يقرب الظهور ويرفع الموانع من أهمّ العبادات في الغيبة كما ورد في
الروايات: «أفضل الأعمال انتظار الفرج»، ففي (الإمامة والتبصـرة من الحيرة): «إنَّ
النَّبِيَّ قَالَ: أَفْضَلُ أَعْمَالِ أُمَّتِي انْتِظَارُ الْفَرَجِ، وَلَا
يَزَالُ شِيعَتُنَا فِي حُزْنٍ حَتَّى يَظْهَرَ وَلَدِيَ الَّذِي بَشَّـرَ بِهِ
النَّبِيُّ أَنَّهُ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا وَقِسْطاً، كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً
وَجَوْراً»(٥).
ولكن ليس كلُّ انتظار هو ممدوح، وإنَّما الانتظار مع الإيمان والعمل الجادِّ في
التمهيد للإمام (عليه السلام)، والعمل طبقاً لمراد الشـريعة، لا الانتظار مع الخمول
واليأس وارتكاب المحرَّمات والتسليم للظلم والظالمين.
وهناك جملة من الأعمال تُمهِّد للظهور وترفع بعض موانعه وهي تقع على عاتق المؤمنين،
منها: إكمال عدَّة (٣١٣)(٦)
الذين يُشكِّلون النواة القيادية الأُولى حول الإمام (عليه السلام)، ومنها: الدعاء
له بالفرج، وغيرها، ففي الرواية: «فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ
أَهْلِ الْإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ»(٧)،
فظاهر الرواية أنَّ اجتماع العدَّة (٣١٣) شرط لإظهار أمره.
ومن جملة الممهِّدات والمربّيات لمجتمع الظهور هي زيارة الأربعين لما لها من أبعاد
مختلفة وعديدة، نحاول التركيز عليها وبيانها وتطويرها والدفع بالمؤمنين نحو جعلها
من الطرق العبادية التي يُتمسَّك بها لبناء شخصية الظهور.
ونطرح دور الأربعين في البناء للظهور في محاور هذا مجملها:
الأوَّل: البناء المعنوي والروحي.
الثاني: البناء الاقتصادي.
الثالث: البناء التعبوي.
الرابع: البناء الاجتماعي.
الخامس: البناء الفكري والعلمي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥)
الإمامة والتبصرة لابن بابويه: ٢١.
(٦)
كفاية الأثر: ٢٨١: منها ما روي: «... يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ مِنْ أَصْحَابِهِ عَدَدُ
أَهْلِ بَدْرٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَـرَ رَجُلًا مِنْ أَقَاصِي الْأَرْضِ
وَذَلِكَ قَوْلُ الله (عَزَّ وَجَل): ﴿أَيْنَ ما تَكُونُوا
يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعاً إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
[البقرة: ١٤٨]، فَإِذَا اجْتَمَعَتْ لَهُ هَذِهِ الْعِدَّةُ مِنْ أَهْلِ
الْإِخْلَاصِ أَظْهَرَ أَمْرَهُ، فَإِذَا أُكْمِلَ لَهُ الْعَقْدُ وَهِيَ عَشَـرَةُ
ألف [آلَافِ] رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ الله، فَلَا يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ الله
حَتَّى يَرْضَى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى...».
(٧)
المصدر السابق. وقد بحثت ذلك في بحث مستقلٍّ قد يُطبَع لاحقاً.
السادس: البناء الأمني.
السابع: البناء الأخلاقي.
الثامن: المحور العسكري.
التاسع: المحور الإعلامي.
العاشر: المحور التمريني والتدريبي.
الحادي عشر: المحور التكافلي.
الثاني عشر: البناء السياسي.
تفصيل المحاور:
المحور الأوَّل: البناء المعنوي والروحي:
من أهمّ ما يساهم في التمهيد للظهور هو بناء شخصية معنوية وروحية لدى المؤمن
تُؤهِّله لنصـرة القيام المهدوي، وهناك آليات عديدة لبناء الشخصية الإسلاميَّة
عموماً، ولعلَّ أهمّ تلك الآليات هو اتِّخاذ القدوة الحسنة والسير على نهجها
والتزوّد بالعلم والمعرفة وغيرها. وبناء هكذا شخصية يجعل الإنسان قويّاً عند
الشدائد، صبوراً عند النوائب، عزيزاً يأبى الذلَّ، شجاعاً لا يعرف الجبن، صادقاً لا
يكذب، أميناً لا يخون... الخ.
ومن الآليات المهمَّة أيضاً هو انتهاج السلوك العبادي واتِّخاذه وسيلةً للتقرّب لله
وبناء ملكات وفضائل وكسـر الشهوات ومحو الرذائل، فالصلاة - مثلاً - لها آثارها
المعنوية الكبيرة كما نطقت الآيات والروايات، فهي تُعطي حصانةً للإنسان عن الوقوع
في الفحشاء والمنكر ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ
الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت: ٤٥)، وهي وسيلة للتقرّب للساحة
الإلهيَّة والابتعاد عن الخطط الشيطانية «الصلاة قربان كلِّ تقي»(٨)،
وهي سبيل للعروج إلى الربِّ «الصلاة ميزان أُمَّتي»(٩)،
إلى غير ذلك من الآثار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وهكذا الصوم والحجّ والجهاد وأداء الحقوق الشـرعية وغيرها كلٌّ له آثاره وبناءه
لشخصية الإنسان المؤمن وتربيتها تربية إسلاميَّة.
وزيارة الأربعين - وبالخصوص مشياً - تُمثِّل ممارسة عبادية متنوّعة وطويلة الأمد
زماناً ومسافةً - تشابه إلى حدٍّ ما موسم الحجِّ من حيث التنوّع العبادي والجهد
المعنوي والتعبوي، فيمارس فيها مجموعة من العبادات كالزيارة والصلاة - وخصوصاً صلاة
الجماعة - والتسبيح والوعظ والإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعاء
والمشي - بناءً على عباديته - وغيرها.
وهذه الممارسات العبادية المتنوّعة تخلق - خصوصاً مع طول أمدها واستمراريتها -
جوّاً روحياً عالياً من خلال ما يحصده المؤمن من حسنات ومحو للسيِّئات ورفع للدرجات
وتوطين النفس على الصعوبات، وخصوصاً المشي مع تحمّل المتاعب والحرِّ والبرد وتورّم
الأقدام وتغيّر اللون وذبول الشفاه والجوع والخوف - كما في زمن الطغاة -، وغيرها من
الصعوبات.
وهذا يخلق شخصية دينية صلبة الإيمان كي تكون مؤهَّلة ومستعدَّة لنصـرة الإمام
الحجَّة (عليه السلام)، ممَّا يُوفِّر أحد مقتضيات تعجيل الظهور، وهو وجود الموارد
البشـرية الناضجة والمستعدَّة استعداداً حقّاً لنصـرة المنقذ سواء من عدَّة (٣١٣)
أو من عدَّة (١٠.٠٠٠) كما نطقت الروايات، منها: «... فَإِذَا أُكْمِلَ لَهُ
الْعَقْدُ وَهِيَ عَشَـرَةُ ألف [آلَافِ] رَجُلٍ خَرَجَ بِإِذْنِ اللهِ، فَلَا
يَزَالُ يَقْتُلُ أَعْدَاءَ اللهِ حَتَّى يَرْضَى اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»(١٠)،
فإكمال العِدَّة يُمثِّل أحد المقتضيات المهمَّة للظهور، فلا يبقى إلَّا بعض
المقتضيات الأُخرى وزوال المانع.
بعض روايات المشي وأجرها:
لذا وردت روايات في المشـي وأهمّيته العبادية، نذكر منها وهي مستفيضة، بل متواترة،
وفيها الصحاح، فلا حاجة لبحث سندها، منها:
١ - عن أبي الصامت، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «مَنْ أَتَى قَبْرَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠) كفاية الأثر: ٢٨١.
الْحُسَيْنِ مَاشِياً كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ، وَمَحَا
عَنْهُ أَلْفَ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ دَرَجَةٍ...»(١١).
٢ - عن عليِّ بن ميمون الصائغ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «يَا عَلِيُّ،
زُرِ الْحُسَيْنَ وَلَا تَدَعْهُ»، قَالَ: قُلْتُ: مَا لِمَنْ أَتَاهُ مِنَ
الثَّوَابِ؟ قَالَ: «مَنْ أَتَاهُ مَاشِياً كَتَبَ اللهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ
حَسَنَةً، وَمَحَى عَنْهُ سَيِّئَةً، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً، فَإِذَا أَتَاهُ
وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَكْتُبَانِ مَا خَرَجَ مِنْ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ،
وَلَا يَكْتُبَانِ مَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ مِنْ شَرٍّ، وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ،
فَإِذَا انْصَـرَفَ وَدَّعُوهُ، وَقَالُوا: يَا وَلِيَّ اللهِ، مَغْفُوراً لَكَ،
أَنْتَ مِنْ حِزْبِ اللهِ وَحِزْبِ رَسُولِهِ وَحِزْبِ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِهِ،
وَاللهِ لَا تَرَى النَّارَ بِعَيْنِكَ أَبَداً، وَلَا تَرَاكَ، وَلَا تَطْعَمُكَ
أَبَداً»(١٢).
٣ - عن بشير الدهّان، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ
إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ فَلَهُ إِذَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِهِ بِأَوَّلِ خُطْوَةٍ
مَغْفِرَةُ ذُنُوبِهِ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يُقَدَّسُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ حَتَّى
يَأْتِيَهُ، فَإِذَا أَتَاهُ نَاجَاهُ اللهُ تَعَالَى فَقَالَ: عَبْدِي سَلْنِي
أُعْطِكَ، اُدْعُنِي أُجِبْكَ، اُطْلُبْ مِنِّي أُعْطِكَ، سَلْنِي حَاجَةً
أَقْضِيها»(١٣).
وغيرها.
فالروايات واضحة في دور المشـي لزيارة الحسين (عليه السلام) في البناء المعنوي
وتحصيل الأجر الرافع للدرجات، وهو ممَّا تحتاجه الشخصية الممهِّدة للإمام الحجَّة
(عليه السلام) خصوصاً مع اقتران الزيارة بالدعاء بالفرج من قِبَل هذا الزائر الذي
يقول له الله تعالى - كما في الرواية الماضية -: «اُدعني أجبك...».
المحور الثاني: البناء الاقتصادي:
إنَّ القوَّة الاقتصادية وتأمين الوضع المالي من أهمّ مقوّمات نجاح الأُمم والحركات
بعد الموارد البشـرية، وكذلك معرفة كيفية إدارة المال وعدم الإسراف به والتبذير
وحسن الاقتصاد بالصـرف يُشكِّل قوامة اقتصادية أُخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) كامل الزيارات: ١٣٢.
(١٢) المصدر السابق.
(١٣) المصدر السابق.
فالمال والاقتصاد له أهمّية في البناء الاجتماعي والفردي، ودوره مهمٌّ في خلق حياة
سعيدة وأُسرة صالحة وحياة آمنة - كونه أحد مقوّماتها -، ولا يعني ذلك أنَّه علَّة
تامَّة لتلك الأُمور، بل قد يكون وبالاً على الإنسان إذا لم يُحسِن التصرّف، فهو
سلاح ذو حدّين.
والقرآن في اللحظة التي يُبيِّن أنَّ المال زينة ﴿الْمالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ (الكهف: ٤٦)، يُبيِّن أنَّ المال
فتنة ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
(التغابن: ١٥)، فهو زينة ومفاد إيجابي إذا صانه ووضعه في موضعه واتَّخذه وسيلةً
للآخرة وكفى به نفسه وعياله ومجتمعه وأُمَّته الإسلاميَّة وقضـى حوائجهم، وهو فتنة
وعذاب إذا ما ضيَّعه وبذَّره وجعله وسيلةً للدنيا والشهوة والحرام وانتهاك الأعراض
وقتل النفوس. وكذلك الروايات بيَّنت هذه الحقيقة ومدحت المال مع الدين وذمَّت المال
إذا كان وسيلةً للعصيان، ووازنت بين النظرتين(١٤).
ومن الممارسات الإيجابية للمال والاقتصاد هو ما تقوم به الجموع المؤمنة من ممارسات
عبادية في الأربعين، وتوظيف القوَّة المالية في إحياء هذه المناسبة - من خلال
الصـرف المالي على المواكب وإطعام الطعام الذي تمارسه المواكب لملايين الزائرين -،
وهذا ما يُمثِّل قوَّة اقتصادية كامنة في الأُمَّة الحسينية التي هي أُمَّة الإمام
المهدي (عليه السلام) وناصرته، فلا ميزانية مالية ولا دعم دولة ولا حزب وإنَّما هي
تمويل من شعب الحسين لزوّار الحسين (عليه السلام)، وهذا التمويل الهائل ما هو إلَّا
ممارسة وتدريب اقتصادي على الصـرف المالي المنضبط الذي يمارسه الممهِّدون للظهور،
وثقافة متقنة على الصرف والبذل في سبيل الدين وإنجاح الثورة المهدوية.
وهذه الممارسة والاستعداد للصـرف، بل والصـرف الفعلي لم يكن لولا هذه الزيارة
المباركة، فإذا كان عصـر الظهور فلا يجد المؤمن حرجاً في الصـرف المالي بعد أن مارس
الصـرف لعشـرات السنين على جمهور الحسين (عليه السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) راجع: بحار الأنوار ٦٩: ٥٧ وما بعدها حيث وازن بين إشكالية كون المال فتنة وكونه زينة.
خصوصاً وأنَّ بعض المؤمنين يقاسم زوّار الحسين (عليه السلام) قوت عياله ومؤنته
السنوية، لكي يُنفِقها في موسم الزيارة، بل بعضهم - كما سمعت ورأيت بأُمِّ عيني -
يبيع بيته أو سيّارته ويشتري ما هو أقلّ منهما إذا لم يكفِ ما جمعه للموسم.
فهكذا عمل يصدر من هكذا شعب حسيني يُؤهِّلهم لتكوين مجتمع مهدوي يقود الأُمَّة إلى
برِّ الأمان، ويبني اقتصاداً رصيناً يكفُّ حاجة الأُمَّة.
المحور الثالث: البناء التعبوي:
من المفاهيم المهمَّة في عالم الدعوة وتجميع الجماهير والأنصار هو مفهوم التعبئة،
وهي قوَّة شعبية كامنة أو ظاهرة لها حضورها في كلِّ نواحي الحياة لخدمة قضيَّة ما
تهمُّ الوطن أو المواطن، وهي على أنواع، فقد تكون تعبئة عسكرية أو إعلامية أو
اجتماعية أو غيرها.
ومن أهمّ أنواعها هو التعبئة الاجتماعية، وهي تحريك واستنفار المجتمع بكلِّ قطاعاته
للمشاركة الإيجابية لتحقيق الأهداف المطلوبة. ولا بدَّ أن تشمل التعبئة الاجتماعية
جميع قطاعات المجتمع من المسؤولين الرسميين والسياسيين، قادة الرأي، القادة
المحلّيين وجموع المواطنين (نساء، رجال، بل الأطفال من مدارسهم).
وهذا ما يحصل فعلاً في زيارة الأربعين، فإنَّ هناك تعبئة جماهيرية عامَّة لتحقيق
هدف ديني هامّ في حياة الفرد والمجتمع.
فمن أهمّ ما تحتاجه كلُّ دعوة سماوية كانت أم أرضية هو وجود قوَّة معنوية أو مادّية
أو شخصية قيادية تمتلك (كاريزما) عالية تستطيع أن تخلق جمهوراً وأتباعاً من خلال
التعبئة الجماهيرية الواسعة التي تُقدِّم الولاء والخدمة مجّاناً وبلا مقابل.
والذي يلاحظ زيارة الأربعين لا يجد أيّ مجهود في التعبئة الجماهيرية، بل
الجمهور مقبل على الزيارة وعلى الخدمات بلا نظير، بل كثير من الجماهير يُنفِق
أموالاً وجهداً مضاعفاً في تلك الأيّام ويبتهج بذلك الصرف وبهذا الجهد.
وهذا العمل التطوّعي العظيم لا تجد له نظيراً في كلِّ العالم، وهو مفخرة يتميَّز
بها أتباع آل البيت (عليهم السلام)، وهو من ثمرات الثورة الحسينية الخالدة.
وهذه التعبئة الجماهيرية في الزيارة إنَّما هي صورة من صور التعبئة للإمام المهدي
(عليه السلام) حال قيامه بالثورة العالمية المباركة.
فالجمهور الحسيني معبَّأ للحركة المهدوية ومستعدّ لها على أحسن ما يكون، فلا نحتاج
أن نعدَّ برامجاً تعبوية كثيرة لأجل الحركة المهدوية - من هذه الجهة - لأنَّها
معدَّة إعداداً واضحاً وبخبرة تمتدُّ مئات السنين، نعم نحتاج إلى برامج مهدوية
أُخرى من جهات أُخرى.
فدور زيارة الأربعين في تعبئة المؤمنين تعبئة مهدوية واضحة وفعّالة من خلال الحرارة
التي تكوَّنت في قلبهم بمقتل الحسين (عليه السلام).
المحور الرابع: البناء الاجتماعي:
من أهمّ ما يُميِّز المجتمع الناجح والصالح هو قوَّة الترابط الاجتماعي بين أفراده
وعملهم كخليَّة النحل الواحدة لإنجاز مهامّهم المناطة بهم، ممَّا يساعد على البناء
السليم لكلِّ مفاصل الحياة سواء كانت فردية أو اجتماعية ويساعد على أن ينال كلُّ
فرد فرصته في الحياة.
لذا نجد الروايات اهتمَّت كثيراً بالترابط الاجتماعي بين كلِّ أفراد المجتمع سواء
كانوا من الأرحام أم لا، ومن هذه الروايات:
عن مرازم، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): «عليكم بالصلاة في المساجد، وحسن
الجوار للناس، وإقامة الشهادة، وحضور الجنائز، إنَّه لا بدَّ لكم من الناس، إنَّ
أحداً لا يستغني عن الناس حياته، والناس لا بدَّ لبعضهم من بعض»(١٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) الكافي ٢: ٦٣٥.
وعن حبيب الخثعمي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «عليكم بالورع
والاجتهاد، واشهدوا الجنائز، وعودوا المرضى، واحضـروا مع قومكم مساجدكم، وأحبّوا
للناس ما تُحِبُّون لأنفسكم، أمَا يستحيي الرجل منكم أن يعرف جاره حقّه ولا يعرف
حقّ جاره»(١٦).
وعن زيد الشحّام، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... صِلوا عشائركم، واشهدوا
جنائزهم، وعودوا مرضاهم، وأدّوا حقوقهم، فإنَّ الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق
الحديث وأدّى الأمانة وحسن خُلُقه مع الناس قيل: هذا جعفري، فيسرّني ذلك، ويدخل
عليَّ منه السرور...»(١٧).
إلى غيرها من الروايات وآداب التعاشر والترابط الاجتماعي(١٨).
وبالمقابل من أهمّ ما يُدمِّر المجتمع هو كثرة النزاعات والخلافات والتحزّبات
وتحوّله إلى شِيَع يتلاعب به الظلمة ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا
فِي الْأَرضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ
أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾
(القصص: ٤)، وهذه سُنَّة قائمة يتَّخذها الظالمون لإضعاف المجتمع.
كما أنَّ التنازع سبب واضح لهدر الطاقات وضياع الفُرَص والتراجع الفردي والاجتماعي
على كلِّ المستويات.
لذا يحرص علماء الاجتماع في البلدان على خلق جوٍّ اجتماعي بين أفراد مجتمعاتهم
بعيداً عن الخلافات والصـراعات والشتات، والحرص على خلق روح التعاون والمحبَّة
وتقوية الروابط الاجتماعية والأُسرية.
والذي يلاحظ الزيارة الأربعينية يرى قوَّة الترابط بين أفراد الزائرين كباراً
وصغاراً رجالاً ونساءً أثرياء وفقراء رؤساء ومرؤوسين، فلا تميّز بين غني أو فقير
ولا بين مشهور أو مغمور... الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) المصدر السابق.
(١٧) المصدر السابق ٢: ٦٣٦.
(١٨) راجع: آداب العشرة في
الوسائل، أو غيرها من الموسوعات الحديثية.
فالكلُّ سواسية، بل في بعض الأحيان ينقلب الميزان وترى الكبير يخدم الصغير، أو
المشهور يخدم المغمور، أو الرئيس يخدم المرؤوس، وهكذا.
فترى الترابط الاجتماعي بأعلى صورة وبأجمل ما يكون، وكأنَّك تسير في مجتمع ملائكي،
وهذا البناء إنَّما هو بناء نابع من هذه الزيارة المباركة.
وهذا الترابط الاجتماعي ليس بين مدينة ومدينة، بل بين دولة ودولة، بل بين دول ودول
وشعوب وشعوب، فإنَّ هناك جماهير من عشرات الدول تلتقي فيما بينها فتكوّن أواصر
ووشائج قويَّة.
وهذا فضلاً عن أنَّ هناك حواجز اجتماعية ونفسية وثقافية بين شعوب بعض البلدان
والبلدان الأُخرى بسبب حروب أو غيرها، ولكنَّنا نراها قد ذابت بسبب هذا الملتقى
العامّ الحاصل في زيارة الأربعين.
فزيارة الأربعين تجعل الترابط الاجتماعي ليس بين أبناء بلد ما فحسب، بل بين الشعوب
والبلدان الأُخرى ممَّا يُعزِّز خلق نسيج اجتماعي كبير يربط دولاً وشعوباً فيما
بينها بالرغم من اختلافها باللغة أو اللون أو الثقافة أو غيرها، لخلق مجتمع مهدوي
منسجم فيما بينه ممَّا يسهم في الظهور.
إنَّ زيارة الأربعين تلغي الطبقية، وتلغي القطرية، وتلغي العرقية، وتلغي القومية،
وتلغي العنصرية، وتخلق مجتمعاً مترابطاً يرتبط بمنقذ عالمي اسمه المهدي (عليه
السلام).
فزيارة الأربعين تُعمِّق الوجود التعارفي الذي خُلِقَ له الإنسان كما عبَّرت الآية:
﴿يا أَيـُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ
وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ
عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات: ١٣).
إنَّ زيارة الأربعین فرصة كبيرة للانفتاح الحضاري بين أُمَّة الإيمان، ومجال لحوار
الحضارات على أُسس دينية تدعونا إلى الانتظار للإمام والإعداد له كلٌّ
من دولته ولغته وعرقه وقوميته، فيكون ذلك تمهيداً ودعوة إلى عالمية دولة الإمام
الحجَّة (عليه السلام).
المحور الخامس: البناء الفكري والعلمي:
إنَّ تحصين الأُمَّة فكرياً وعلمياً من أهمّ الواجبات التي تقع على عاتق المؤسَّسات
الدينية، ولعلَّ تسويق المعلومة إلى الجمهور يُعَدُّ من أهمّ المشكلات التي تواجه
المبلِّغ.
لذا يجب علينا استثمار المواسم التي يسهل فيها تسويق المعلومات إلى الجمهور،
والمتابع لسيرة النبيِّ وآل البيت (عليهم السلام) يرى أنَّهم يدأبون على استثمار
المواسم العبادية لإيصال صوتهم للجماهير كما في مواسم الحجِّ والعمرة وصلاة العيد
والجمعة والجماعة والمجالس والمآتم الحسينية.
لذا كانت لهم خطب وكلمات ومواقف في تلك المواسم سجَّلها التاريخ ونقلتها الأحاديث.
ولعلَّ شعائر الحسين (عليه السلام) عموماً وزيارة الأربعين خصوصاً من أهمّ ما
يُسوِّق المعلومات الدينية للجمهور في هذه الأيّام.
إنَّ خلق مجتمع متعلِّم على سبيل النجاة يُعَدُّ من أهمّ ركائز البناء الديني للفرد
والمجتمع، بل هو قوام للدين والدنيا، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):
«قوام الدين والدنيا بأربعة: عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلَّم...»(١٩).
ومن جملة البناء الديني المهمّ في عقيدة المؤمن هو بنائه مهدوياً، وذلك من خلال
استثمار ذلك الموسم لتبليغ القضيَّة المهدوية للناس وتعريفهم بتفاصيلها وتحصينهم
فكرياً ضدَّ الدجّالين والمدَّعين والمشوّهين.
فيكون موسم الزيارة موسم تبليغ وترويج لقضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام)، ويقع
هذا التبليغ على عاتق الجميع - خصوصاً أهل التخصّص بالقضيَّة المهدوية - من خلال
المحاضرات والإرشادات والنشرات والكتب وغيرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) جامع أحاديث الشيعة ١٣: ٥٤٠.
فالزيارة فرصة كبيرة لتسويق القضيَّة المهدوية للعالم ككلٍّ، وتوعية الجماهير بها،
والتركيز على عنصر الانتظار، والاستعداد للظهور، وبناء الدولة العالمية الإلهية
المنقذة لكلِّ الشعوب المظلومة.
ومن نماذج ذلك:
أوَّلاً: العمل على إزالة الشبهات التي تثار حول قضيَّة الإمام المهدي (عليه
السلام) كولادته، وطول عمره، وفائدته في زمن الغيبة، وإرهاصات ظهوره، وغيرها.
ثانياً: ردُّ الشبهات المعاصرة كشبهة ابن گويطع وغيره بطرق علمية مبسَّطة.
ثالثاً: تشخيص القضايا المهدوية المهمَّة وبيانها للمجتمع بطرق سهلة ومناسبة.
ويتمُّ ذلك من خلال:
١ - عقد الندوات والبرامج المهدوية في وسائل الإعلام وخصوصاً المرئية.
٢ - إجراء المسابقات العامَّة للاستكتاب في قضايا معاصرة تخصُّ القضيَّة المهدوية.
٣ - إجراء المسابقات العامَّة بين المؤمنين من خلال طرح أسئلة والإجابة عنها.
٤ - الكتابة بالصحف والمجلّات العامَّة وخصوصاً المجلّات العالمية وبلغات مختلفة
لإيصال القضيَّة المهدوية للعالم.
٥ - إرسال المبلِّغين المتخصّصين إلى المجتمع لتبليغ القضيَّة المهدوية واستثمار
المواسم العامَّة لذلك.
٦ - حثُّ الخطباء عموماً وخطباء المنبر الحسيني خصوصاً على طرح القضيَّة المهدوية
وكتابة محاضرات تخصّصية لهم في ذلك.
٧ - إنشاء مراكز تخصّصية علمية وبحثية في الإمام المهدي (عليه السلام) وأبعاد
حركته.
٨ - إنشاء مؤسَّسات تهتمُّ بإقامة فعّاليات ميدانية وكشّافة ومخيَّمات ودورات
للجامعيين وطلّاب المدارس تُعرِّفهم بالإمام المهدي (عليه السلام) وحركته.
وغيرها من الوسائل(٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٠) للمزيد يراجع العدد (٢) من مجلَّة الموعود (ص ٢٩٥).
المحور السادس: البناء الأمني:
تُشكِّل الحصانة الأمنية للشعوب والدول ركيزة أساسية في البناء السليم لها ودفع
المخاطر عنها، لذلك تقاس قوَّة الدول وقدرتها على مقاومة المخاطر بقوَّة نظامها
الأمني العامّ.
إنَّ التحصين الأمني يُعَدُّ اليوم من أهمّ مقوّمات النجاح لأيِّ حركة تريد الإصلاح
والتغيير، وهذا التحصين الأمني لا ينفع كثيراً إذا لم يخرج من النظرية إلى التطبيق،
فلا يُكتفى بمعرفة البناء الأمني والمباني الأمنية من دون أن تُحوَّل تلك المعرفة
إلى تطبيق عملي على أرض الواقع.
وآل البيت (عليهم السلام) جعلوا نظاماً أمنياً كبيراً - يستحقُّ دراسات مستقلَّة -
في كيفية التعامل مع الصديق والعدوِّ، ولعلَّ أهمّ مفاصله روايات التقيَّة(٢١)
وروايات كشف الأسرار والإذاعة(٢٢)،
فهي تُؤسِّس لنظام أمني مركَّز في التعامل العامّ وكيفية تحصين الأُمَّة المؤمنة.
وزيارة الأربعين هي بناء وتدريب أمني معمَّق لعموم المكلَّفين وبالأخصّ لأصحاب
المسؤولية في المواكب والزيارة.
فهم يعملون على عدم السماح بالاختراق لأيِّ شخص غريب أو غير معرَّف سواء داخل
الموكب أو أثناء المسير أو ممَّن يُوزِّع الطعام أو غيرها من الخدمات، وحتَّى من
يُشتَبه به يبقى تحت المراقبة والاختبار حتَّى يرفع اللبس عنه ويتبيَّن أمره.
وهذا ملاحظ بشكل كثير خصوصاً من له تجربة عملية مع أصحاب المواكب والخدمات
والزائرين، فهم يلاحظون حركات وتصـرّفات وسكنات الزائر وتوجّهاته وحتَّى كلامه
ومواقفه، ويسهرون إلى الصباح للحفاظ على أمن الزائر وممتلكاته وحرمته. خصوصاً أمن
الزائرات المؤمنات، لذا ترى أنَّ المرأة تعيش أيّام الزيارة حالة من الأمن من كلِّ
النواحي، فلا تخاف على عرضها ولا على مالها ولا على حياتها ما دامت سائرة في هذا
الطريق المبارك،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وحتَّى الزائرات الأجنبيات عن العراق يسرن لوحدهنَّ، بل أحياناً امرأة منفردة
لوحدها تسير بلا خوف.
وهذا كلُّه بسبب النظام الأمني العالي الذي يكتنف الزيارة، وهو يفوق أيَّ نظام أمني
في العالم وفي أعظم الدول الأمنية، فلا تجد مشاكل ولا تعدّياً ولا غير ذلك، وهذا لا
يحصل في أعظم المجتمعات بسبب الاحتكاك والاختلاط.
وفي هذا الصدد نقل لي أحد أساتذتي عن أحد السياسيين العراقيين أنَّ أحد القادة
الأمنيين الأمريكيين رأى زيارة الأربعين - إبّان الاحتلال الأمريكي للعراق -، وأنَّ
هذا الأمريكي كان يقول: (إنّي أتعجَّب من الشعور بالأمن طوال زيارة الأربعين، وعدم
وجود المشاكل بين الزائرين، وعدم التعدّي على حرمة الزائرات طوال وقت الزيارة،
والحال أنَّنا في أمريكا لو أصبح خلل في الطاقة الكهربائية في واشنطن أو نيويورك
لكانت مئات حالات الاغتصاب والتعدّي والسـرقة وإلخ)، ثمّ قال لي: (أيُّ شخص ربّى
هكذا مجتمع؟)، فقلت: (إنَّ الذي ربّاه شخص اسمه الحسين (عليه السلام)).
فهذا البناء العملي الأمني يعطينا دروساً عملية تنفعنا كثيراً في التمهيد للحركة
المهدوية المباركة، والحفاظ عليها، ومراقبة من يسير فيها.
المحور السابع: البناء الأخلاقي:
من أهمّ المبادئ التي ركَّز عليها التشـريع هو خلق ملكات أخلاقية وصفات نفسانية في
الفرد والمجتمع، وقد دأب المشـرِّع على التنظير لذلك بعشـرات الآيات ومئات الروايات
من جهة، وأرسل أئمَّة وأنبياء بمكارم الأخلاق العظيمة عملياً من جهة أُخرى.
وزيارة الأربعين تُعتَبر من الدروس الأخلاقية العملية التي تكون ملكات أخلاقية من
جهة، وتكشف عملياً عن مستوانا الأخلاقي ودرجته من جهة أُخرى.
ففي زيارة الحسين (عليه السلام) مشياً عدَّة معطيات أخلاقية نذكرها إجمالاً:
١ - الصبر: فإنَّ الصبر قيمة أخلاقية عالية أكَّدت عليها الآيات والروايات، وإليك
جملة منها:
أمَّا الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ
بِشَـيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ
وَالثَّمَراتِ وَبَشِّـرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ
قالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ * أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ
مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (البقرة: ١٥٥ -
١٥٧).
أمَّا الروایات فمنها ما عن أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله
(عليه السلام) يَقُولُ: «... الصَّبْرُ يُعْقِبُ خَيْراً، فَاصْبِرُوا وَوَطِّنُوا
أَنْفُسَكُمْ عَلَى الصَّبْرِ تُوجَرُوا»(٢٣).
وعن حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام)، قَالَ:
«الْجَنَّةُ مَحْفُوفَةٌ بِالمَكَارِهِ وَالصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى
المَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَجَهَنَّمُ مَحْفُوفَةٌ
بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ، فَمَنْ أَعْطَى نَفْسَهُ لَذَّتَهَا وَشَهْوَتَهَا
دَخَلَ النَّارَ»(٢٤).
وعن أَبِي سَيَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)، قَالَ: «إِذَا دَخَلَ
المُؤْمِنُ فِي قَبْرِهِ كَانَتِ الصَّلَاةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَالزَّكَاةُ عَنْ
يَسَارِهِ، وَالْبِرُّ مُطِلٌّ عَلَيْهِ، وَيَتَنَحَّى الصَّبْرُ نَاحِيَةً،
فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ المَلَكَانِ اللَّذَانِ يَلِيَانِ مُسَاءَلَتَهُ قَالَ
الصَّبْرُ لِلصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالْبِرِّ: دُونَكُمْ صَاحِبَكُمْ، فَإِنْ
عَجَزْتُمْ عَنْهُ فَأَنَا دُونَهُ»(٢٥).
فتبيَّن أنَّ الصبر له قيمة معنوية عالية، وله أجر عظيم، وأثر بالغ في الدنيا
والبرزخ والآخرة.
والمشـي في الأربعين وتحمّل عناء السفر ووعثائه وما يحدث من صعاب لهو من المصاديق
الواضحة للصبر، وخصوصاً المشي من أماكن بعيدة مع كثرة الزحام والابتلاءات.
فزيارة الأربعين تعطينا دروساً عملية في الصبر على ما نكره من تحمّل الأذى أو الجوع
أو الألم أو غيرها، والصبر على ما نُحِبُّ من طاعات.
٢ - التواضع: إنَّ سمة التواضع من أهمّ سمات وفضائل المؤمن، وهي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) الكافي ٢: ٨٩.
(٢٤) المصدر السابق.
(٢٥) المصدر السابق ٢: ٩٠.
تقع في قبال رذيلة التكبّر، وقد وقع التواضع موضوعاً للمدح في العديد من الآيات
والروايات.
فمن الآیات قوله تعالى: ﴿وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾
(الفرقان: ٦٣)، وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ
لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الحجر: ٨٨).
ومن الروايات نذكر رواية واحدة، فی مستدرك الوسائل عن مِصْبَاحِ الشَّـرِيعَةِ،
قَالَ الصَّادِقُ (عليه السلام): «التَّوَاضُعُ أَصْلُ كُلِّ شَرَفٍ وَخَيْرٍ
وَنَفِيسٍ، وَمَرْتَبَةٍ رَفِيعَةٍ، وَلَوْ كَانَ لِلتَّوَاضُعِ لُغَةٌ يَفْهَمُهَا
الْخَلْقُ لَنَطَقَ عَنْ حَقَائِقِ مَا فِي مَخْفِيَّاتِ الْعَوَاقِبِ،
وَالتَّوَاضُعُ مَا يَكُونُ لله وَفِي الله، وَمَا سِوَاهُ مَكْرٌ، وَمَنْ
تَوَاضَعَ لله شَرَّفَهُ اللهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ، وَلِأَهْلِ
التَّوَاضُعِ سِيمَاءُ يَعْرِفُهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ مِنَ المَلَائِكَةِ
وَأَهْلُ الْأَرْضِ مِنَ الْعَارِفِينَ، قَالَ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَعَلَى
الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيماهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٦]، وَقَالَ
أَيْضاً: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ
يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ الْآيَةَ [المائدة: ٥٤]. وَأَصْلُ
التَّوَاضُعِ مِنْ إِجْلَالِ الله وَهَيْبَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلَيْسَ لله (عَزَّ
وَجَلَّ) عِبَادَةٌ يَقْبَلُهَا وَيَرْضَاهَا إِلَّا وَبَابُهَا التَّوَاضُعُ،
وَلَا يَعْرِفُ مَا فِي مَعْنَى حَقِيقَةِ التَّوَاضُعِ إِلَّا المُقَرَّبُونَ مِنْ
عِبَادِهِ المُتَّصِلُونَ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، قَالَ اللهُ (عَزَّ وَ جَلَّ): ﴿وَعِبادُ
الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ
الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً﴾ [الفرقان: ٦٣]، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ (عَزَّ
وَجَلَّ) أَعَزَّ خَلْقِهِ وَسَيِّدَ بَرِيَّتِهِ مُحَمَّداً بِالتَّوَاضُعِ
فَقَالَ (عَزَّ وَجَلَّ): ﴿وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ
اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٥]، وَالتَّوَاضُعُ مَزْرَعَةُ
الْخُشُوعِ وَالْخُضُوعِ وَالْخَشْيَةِ وَالْحَيَاءِ، وَإِنَّهُنَّ لَا يَنْبُتْنَ
إِلَّا مِنْهَا وَفِيهَا، وَلَا يَسْلَمُ الشَّوْقُ التَّامُّ الْحَقِيقِيُّ إِلَّا
لِلْمُتَوَاضِعِ فِي ذَاتِ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى»(٢٦).
وفي المشـي إلى كربلاء يمرُّ الماشي بتمارين واضحة في التواضع والبساطة، فقد يبيت
على فراش غير لائق، أو يمشـي في الطرق الوعرة، أو يخدم غيره من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) مستدرك الوسائل ١١: ٢٩٨.
الزوّار، أو يبتدأ بالسلام على من يلاقيه، وهذه كلّها من علامات التواضع كما في
الرواية، ففي مشكاة الأنوار، قَالَ رَسُولُ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «مِنْ
رَأْسِ التَّوَاضُعِ أَنْ تَبْدَأَ بِالسَّلَامِ عَلَى مَنْ لَقِيتَ، وَتَرُدَّ
عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ، وَأَنْ تَرْضَى بِالدُّونِ مِنَ المَجْلِسِ، وَلَا
تُحِبَّ الْمِدْحَةَ وَالتَّزْكِيَةَ»(٢٧).
كما أنَّ ما يُقدِّمه أصحاب الموكب هو من أعظم صور التواضع، فيقومون بفرش الفراش
للزوّار، وإطعامهم، والسهر على خدمتهم، وتوفير كلِّ الأُمور لهم تواضعاً لله وخدمةً
لعنوان قد تعنونوا به وهو عنوان: (زائر الحسين).
٣ - الإيثار: من الكمالات التي تكشف عن رقيِّ نفس الإنسان اتِّصافه بالإيثار، وهو
(تقديم الطرف الآخر لمصلحته وتفضيله على النفس مراعاةً له وتقديمه بمادَّة - مال
مثلاً - أو منفعة أو حقّ من الحقوق)(٢٨).
وقد جاءت الآيات والروايات مادحة لهذه الصفة.
فمن الآيات قوله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ
وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشـر: ٩)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ
النَّاسِ مَنْ يَشْـرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ
بِالْعِبادِ﴾ (البقرة: ٢٠٧).
ومن الروایات ما عن عَلِيِّ بْنِ سُوَيْدٍ السَّائِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ
مُوسَى (عليه السلام)، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: أَوْصِنِي، فَقَالَ: «آمُرُكَ بِتَقْوَى
الله»، ثُمَّ سَكَتَ، فَشَكَوْتُ إِلَيْهِ قِلَّةَ ذَاتِ يَدِي، وَقُلْتُ: وَاللهِ
لَقَدْ عَرِيتُ حَتَّى بَلَغَ مِنْ عُرْيِي أَنَّ أَبَا فُلَانٍ نَزَعَ ثَوْبَيْنِ
كَانَا عَلَيْهِ فَكَسَانِيهِمَا، فَقَالَ: «صُمْ وَتَصَدَّقْ»، فَقُلْتُ:
أَتَصَدَّقُ مِمَّا وَصَلَنِي بِهِ إِخْوَانِي وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؟ قَالَ:
«تَصَدَّقْ بِمَا رَزَقَكَ اللهُ وَلَوْ آثَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ»(٢٩).
عن أبان بن تغلب، قَالَ: كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)
فَعَرَضَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا كَانَ سَأَلَنِي الذَّهَابَ مَعَهُ فِي
حَاجَةٍ، فَأَشَارَ إِلَيَّ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَدَعَ أَبَا عَبْدِ الله (عليه
السلام) وَأَذْهَبَ إِلَيْهِ، فَبَيْنَا أَنَا أَطُوفُ إِذْ أَشَارَ إِلَيَّ
أَيْضاً، فَرَآهُ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) مشكاة الأنوار: ٢٠٠.
(٢٨) الإيثار في المنظومة
الخلقية (العبّاس نموذجاً).
(٢٩) الكافي ٤: ١٨.
فَقَالَ: «يَا أَبَانُ، إِيَّاكَ يُرِيدُ هَذَا؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَنْ
هُوَ؟»، قُلْتُ: رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: «هُوَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتَ
عَلَيْهِ؟»، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاذْهَبْ إِلَيْهِ»، قُلْتُ: فَأَقْطَعُ
الطَّوَافَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ طَوَافَ الْفَرِيضَةِ؟ قَالَ:
«نَعَمْ»، قَالَ: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْدُ،
فَسَأَلْتُهُ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَقِّ المُؤْمِنِ عَلَى المُؤْمِنِ،
فَقَالَ: «يَا أَبَانُ، دَعْهُ لَا تَرِدْهُ»، قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ،
فَلَمْ أَزَلْ أُرَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا أَبَانُ تُقَاسِمُهُ شَطْرَ
مَالِكَ»، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَرَأَى مَا دَخَلَنِي، فَقَالَ: «يَا أَبَانُ،
أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ (عَزَّ وَجَلَّ) قَدْ ذَكَرَ المُؤْثِرِينَ عَلَى
أَنْفُسِهِمْ؟»، قُلْتُ: بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ، فَقَالَ: «أَمَّا إِذَا أَنْتَ
قَاسَمْتَهُ فَلَمْ تُؤْثِرْهُ بَعْدُ إِنَّمَا أَنْتَ وَهُوَ سَوَاءٌ إِنَّمَا
تُؤْثِرُهُ إِذَا أَنْتَ أَعْطَيْتَهُ مِنَ النِّصْفِ الْآخَرِ»(٣٠).
وفي الأربعین نجد مصاديق الإيثار واضحة، فإنَّ تقديم الآخرين على النفس من أعظم ما
يقوم به السائر إلى الحسين والخادم في موكب الحسين، فيُقدِّم مصلحة الزائر على
مصلحة نفسه، وراحة الزائر على راحة نفسه، ويُنفِق من ماله لكي لا ينفق الزائر من
ماله، وهكذا، فيتعلَّم من الزيارة درساً عظيماً وهو الإيثار.
٤ - التضحية: فإنَّ الماشي إلى زيارة الحسين يُقدِّم الجهد الجهيد والتضحية بماله
أو بوقته أو بنفسه تضحية منه لأجل هذه الشعيرة وهذا الدين، وفي ذلك تمرين على
التضحية لأجل المبادئ والقيم السامية، وقد أشار الإمام الصادق إلى ذلك في دعائه
لهم: «... اغْفِرْ لِي وَلِإِخْوَانِي وَزُوَّارِ قَبْرِ أَبِيَ الْحُسَيْنِ
الَّذِينَ أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُمْ رَغْبَةً فِي
بِرِّنَا وَرَجَاءً لِمَا عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا وَسُرُوراً أَدْخَلُوهُ عَلَى
نَبِيِّكَ وَإِجَابَةً مِنْهُمْ لِأَمْرِنَا وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلَى
عَدُوِّنَا...، وَأَعْطِهِمْ أَفْضَلَ مَا أَمَّلُوا مِنْكَ فِي غُرْبَتِهِمْ عَنْ
أَوْطَانِهِمْ وَمَا آثَرُونَا بِهِ عَلَى أَبْنَائِهِمْ وَأَهَالِيهِمْ
وَقَرَابَاتِهِم...»(٣١).
٥ - العفَّة: من الصفات التي ركَّزت عليها الشـريعة صفة العفَّة في البطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والفرج، بل وصفت العفَّة بأنَّها من أفضل العبادات، وجاءت النصوص مبيِّنة لذلك:
فمن القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حافِظُونَ﴾ (المؤمنون: ٥)، وقوله تعالى: ﴿وَالْحافِظِينَ
فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ (الأحزاب: ٣٥).
ومن الروایات ما عَنْ المُفَضَّلٍ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ الله (عليه السلام):
«إِيَّاكَ وَالسَّفِلَةَ فَإِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ مَنْ عَفَّ بَطْنُهُ
وَفَرْجُهُ، وَاشْتَدَّ جِهَادُهُ، وَعَمِلَ لِخَالِقِهِ وَرَجَا ثَوَابَهُ وَخَافَ
عِقَابَهُ، فَإِذَا رَأَيْتَ أُولَئِكَ فَأُولَئِكَ شِيعَةُ جَعْفَرٍ»(٣٢).
فإنَّ الزيارة فيها نحو من أنحاء الاختلاط، وهو وجود الزائرات والزائرين في مكان
واحد، وهنا تبرز العفَّة في التعامل مع الجنس الآخر من خلال غضِّ البصـر وحفظ
اللسان وحفظ اليد والفرج عن التعدّي، ومنع النظرات المحرَّمة والتزام الحجاب
الشـرعي والتعامل مع الآخر بأنَّه من المحارم كما ورد في الروايات: صحیح صَفْوَانَ
الْجَمَّالِ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام): قَدْ عَرَفْتَنِي
بِعَمَلِي تَأْتِينِي المَرْأَةُ أَعْرِفُهَا بِإِسْلَامِهَا وَحُبِّهَا إِيَّاكُمْ
وَوَلَايَتِهَا لَكُمْ لَيْسَ لَهَا مَحْرَمٌ قَالَ: «إِذَا جَاءَتِ المَرْأَةُ
المُسْلِمَةُ فَاحْمِلْهَا فَإِنَّ المُؤْمِنَ مَحْرَمُ المُؤْمِنَةِ»، ثُمَّ تَلَا
هَذِهِ الْآيَةَ: «﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]»(٣٣).
لذا ذهب الفقهاء إلى عدم اشتراط المحرم في الحجِّ والزيارة ما دامت المرأة مأمونة
على نفسها كما بيَّنت ذلك في بحثٍ مستقلٍّ بعنوان (مشي النساء إلى كربلاء)(٣٤).
٦ - الشجاعة: فإنَّ الزيارة تُعلِّم الإنسان الشجاعة في اتِّخاذ الموقف، والصبر على
الخوف، وقوَّة الإقدام خصوصاً مع المنع للزيارة كما كان يحصل أيّام الطاغية.
ففيها توطين للنفس على المواجهة والتعدّي للموت والقتل والسجن والتعذيب، وما هذا
إلَّا صور رائعة من صور الشجاعة والإقدام في سبيل المبادئ والقيم الدينية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٢) الكافي ٢: ٢٣٣.
(٣٣) من لا يحضره الفقيه ٢:
٤٣٩.
(٣٤) مشي النساء إلى
كربلاء/ مجلَّة الإصلاح الحسيني/ العدد ٥.
لذا وردت الروايات في الحثِّ على الزيارة حتَّى في مثل هكذا محن وشدائد.
منها:
أ - أجر من حُبِسَ في طريق الحسين (عليه السلام): في الوسائل عن هشام بن سالم، قال:
قُلْتُ للإمام الصادق (عليه السلام): فَمَا لِمَنْ حُبِسَ فِي إِتْيَانِهِ؟ قَالَ:
«لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ يُحْبَسُ وَيَغْتَمُّ فَرْحَةُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(٣٥).
ب - أجر من ضُرِبَ بطريق الحسين (عليه السلام): في مستدرك الوسائل في حديث طويل
لهشام عن الصادق، قُلْتُ: فَإِنْ ضُرِبَ بَعْدَ الْحَبْسِ فِي إِتْيَانِهِ؟ قَالَ:
«لَهُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ حَوْرَاءُ، وَبِكُلِّ وَجَعٍ يَدْخُلُ عَلَيْهِ أَلْفُ
أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَيُمْحَى بِهَا عَنْهُ أَلْفُ أَلْفِ سَيِّئَة»(٣٦).
ج - أجر من مات في طريق الحسين (عليه السلام): في بحار الأنوار: «... فَإِنْ هَلَكَ
فِي سَفَرِهِ نَزَلَتِ المَلَائِكَةُ فَغَسَّلَتْهُ، وَفُتِحَ لَهُ بَابٌ إِلَى
الْجَنَّةِ يَدْخُلُ عَلَيْهِ رَوْحُهَا حَتَّى يُنْشَـرَ، وَإِنْ سَلِمَ فُتِحَ
الْبَابُ الَّذِي يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَجُعِلَ لَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ
أَنْفَقَهُ عَشَـرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَذُخِرَ ذَلِكَ لَهُ، فَإِذَا حُشِـرَ
قِيلَ لَهُ: لَكَ بِكُلِّ دِرْهَمٍ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَإِنَّ اللهَ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَظَرَ لَكَ وَذَخَرَهَا لَكَ عِنْدَهُ»(٣٧).
د - أجر من قُتِلَ في طريق الحسين (عليه السلام): حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سَالِمٍ،
عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام) فِي حَدِيثٍ لَهُ طَوِيلٍ قَالَ: أَتَاهُ
رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ الله، هَلْ يُزَارُ وَالِدُكَ؟ قَالَ:
فَقَالَ: «نَعَمْ...»، إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: فَمَا لِمَنْ قُتِلَ عِنْدَهُ
جَارَ عَلَيْهِ سُلْطَانٌ فَقَتَلَهُ؟ قَالَ: «أَوَّلُ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ
يُغْفَرُ لَهُ بِهَا كُلُّ خَطِيئَةٍ، وَتُغْسَلُ طِينَتُهُ الَّتِي مِنْهَا خُلِقَ
المَلَائِكَةُ حَتَّى تَخْلُصَ كَمَا خَلَصَتْ لِلْأَنْبِيَاءِ المُخْلَصِينَ،
وَيَذْهَبُ عَنْهَا مَا كَانَ خَالَطَهَا مِنْ أَجْنَاسِ طِينِ أَهْلِ الْكُفْرِ،
وَيُغْسَلُ قَلْبُهُ، وَيُشْـرَحُ صَدْرُهُ، وَيُمْلَأُ إِيمَاناً، فَيَلْقَى اللهَ
وَهُوَ مُخْلَصٌ مِنْ كُلِّ مَا تُخَالِطُهُ الْأَبْدَانُ وَالْقُلُوبُ»(٣٨).
فإنَّ هذه مراكز تدريب ميدانية على الشجاعة والإقدام وعدم التهيّب من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥)
وسائل الشيعة ١٤: ٤٤٢.
(٣٦) مستدرك الوسائل ١٠:
٢٧٩.
(٣٧) بحار الأنوار ٤٥: ١٧٢.
(٣٨) كامل الزيارات: ١٢٣.
الأعداء والطغاة، فتكون من أهمّ وسائل الإعداد الجهادي لأنصار الإمام الحجَّة (عليه
السلام).
٧ - الموالاة والبراءة: من المفاهيم العقائدية التي ركَّزها آل البيت (عليهم
السلام) في نفوس أتباعهم مفهوم الولاء لأولياء الله تعالى والبراءة من أعداء الله
تعالى، وهو أن تجعل حبَّك ومودَّتك وطاعتك لأولياء الله تعالى وبغضك وعصيانك لأعداء
الله تعالى، وهذان المفهومان لهما تأثير على المستوى العقدي فلا إيمان حقيقي إلَّا
بهما، وعلى المستوى العملي فلا قبول، بل لا صحَّة للعمل - على خلاف - إلَّا بهما،
وهذا ما أشارت له الكثير من الآيات والروايات.
فمن الآيات وقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ
بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ
كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾
(المجادلة: ٢٢).
وقوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ
أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ
فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً...﴾ (آل عمران: ٢٨).
ومن الروايات: عَنْ سَعِيدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الله (عليه السلام)،
قَالَ: «مِنْ أَوْثَقِ عُرَى الْإِيمَانِ أَنْ تُحِبَّ فِي اللهِ، وَتُبْغِضَ فِي
اللهِ، وَتُعْطِيَ فِي اللهِ، وَتَمْنَعَ فِي اللهِ»(٣٩).
وعَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ (عليه السلام)، قَالَ:
«كُلُّ مَنْ لَمْ يُحِبَّ عَلَى الدِّينِ وَلَمْ يُبْغِضْ عَلَى الدِّينِ فَلَا
دِينَ لَهُ»(٤٠).
وعن أَبِي مُحَمَّدٍ الْعَسْكَرِيِّ، عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام)، قَالَ: «قَالَ
رَسُولُ اللهِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَحْبِبْ فِي
اللهِ، وَأَبْغِضْ فِي اللهِ، وَوَالِ فِي اللهِ، وَعَادِ فِي اللهِ، فَإِنَّهُ لَا
تَنَالُ وَلَايَةَ اللهِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَلَا يَجِدُ رَجُلٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ
وَإِنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ وَصِيَامُهُ حَتَّى يَكُونَ كَذَلِكَ، وَقَدْ صَارَتْ
مُوَاخَاةُ النَّاسِ يَوْمَكُمْ هَذَا أَكْثَرَهَا فِي الدُّنْيَا، عَلَيْهَا
يَتَوَادُّونَ، وَعَلَيْهَا يَتَبَاغَضُونَ، وَذَلِكَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللهِ شَيْئاً، فَقَالَ لَهُ: وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ أَنِّي قَدْ وَالَيْتُ
وَعَادَيْتُ فِي اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)؟ وَمَنْ وَلِيُّ اللهِ (عَزَّ وَجَلَّ)
حَتَّى أُوَالِيَهُ؟ وَمَنْ عَدُوُّهُ حَتَّى أُعَادِيَهُ؟ فَأَشَارَ لَهُ رَسُولُ
اللهِ إِلَى عَلِيٍّ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا؟ فَقَالَ: بَلَى، قَالَ: وَلِيُّ
هَذَا وَلِيُّ اللهِ فَوَالِهِ، وَعَدُوُّ هَذَا عَدُوُّ اللهِ فَعَادِهِ، وَالِ
وَلِيَّ هَذَا وَلَوْ أَنَّهُ قَاتِلُ أَبِيكَ وَوَلَدِكَ، وَعَادِ عَدُوَّ هَذَا
وَلَوْ أَنَّهُ أَبُوكَ وَوَلَدُكَ»(٤١).
وزيارة الأربعين مصداق واضح لتقوية الولاء لآل البيت (عليهم السلام) والبراءة من
أعدائهم، وخصوصاً إذا اكتنفها الشعارات الدالّة على ذلك ممَّا يُعزِّز العنصـرين
المهمّين في عقيدة الإنسان الحقَّة وعمله المقبول، وهذا التولّي والتبرّي يفعله
زوّار الحسين (عليه السلام) من خلال إحياء الشعائر التي يمارسونها في شعيرة
الأربعين استجابةً لأمر آل البيت (عليهم السلام) وغاظَّةً لأعدائهم، والروايات تشير
لذلك، منها: عن معاوية بن وهب، عن الصادق (عليه السلام): «... اغْفِرْ لِي
وَلِإِخْوَانِي وَزُوَّارِ قَبْرِ أَبِيَ الْحُسَيْنِ الَّذِينَ أَنْفَقُوا
أَمْوَالَهُمْ وَأَشْخَصُوا أَبْدَانَهُمْ رَغْبَةً فِي بِرِّنَا وَرَجَاءً لِمَا
عِنْدَكَ فِي صِلَتِنَا وَسُرُوراً أَدْخَلُوهُ عَلَى نَبِيِّكَ وَإِجَابَةً
مِنْهُمْ لِأَمْرِنَا وَغَيْظاً أَدْخَلُوهُ عَلَى عَدُوِّنَا...»(٤٢).
وفي هذه الصور الولائية البرائية عدَّة أُمور:
أ - إيصال رسالة إلى العالم أجمع بأنَّنا سائرون على هذا النهج الذي رسمه آل البيت
(عليهم السلام) وخصوصاً الإمام الحسين (عليه السلام) في رفض الظلم والدفاع عن عقيدة
الأُمَّة وإصلاحها ولو كلَّف ذلك الحياة.
ب - إيصال رسالة بأنَّنا رافضون للنهج التكفيري والأُموي المستبيح للنفوس والأعراض
والأموال لأغراض سلطوية ودنيوية، وأنَّ هذا النهج لا بدَّ أن يحارب كي لا يتكرَّر
في التاريخ.
ج - إيصال رسالة للعالم بأنَّ مذهب آل البيت (عليهم السلام) هو مذهب الاعتدال
والإنسانية والإصلاح، وأنَّ معيار موالاة أهل طاعة الله تعالى وبغض أهل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
معصية الله تعالى وسيلة لإصلاح العباد والبلاد وردع للظالمين وتقوية للمؤمنين،
وأنَّ الناس لا تقاس على أساس العرق أو اللون أو القرابة وإنَّما على أساس الإيمان
والتقوى والولاء لله تعالى وأولياءه والبراءة من الشيطان وأتباعه من الجنِّ والإنس،
وغيرها.
٨ - التدرّب على التعايش السلمي مع الآخر: من أهمّ الإشكاليات التي تواجه الأُمم
والديانات هو التدرّب على التعايش السلمي مع الآخرين، وكيفية التعامل معهم وعدم
إلغائهم فكرياً أو معنوياً أو حتَّى مادّياً، وهذا ما تسعى لتحقيقه المنظَّمات
الدولية وخصوصاً الأُمم المتَّحدة، وتجعل برامجاً لذلك، وتعمل على نفي الصـراعات
ونشوء حركات وتوجّهات تدعو للقتل والتقاتل كالحركات النازية أو الشعوبية أو
الوهّابية أو ما تمخَّض عن ذلك كداعش والقاعدة والنصـرة وأخواتهنَّ.
وهذا ما جاء به الدين الحنيف من رسم علاقتك مع الآخر وإن اختلف معك في المذهب أو
العرق أو الدين على أُسس لا قتل فيها إلَّا إذا بادرك للحرب والحرابة أو تعدّى على
مقدَّساتك ومعتقداتك، بل الإسلام رسم لنا نمطاً في التعاطي مع الأعداء فضلاً عن
غيرهم(٤٣).
فأمير المؤمنين (عليه السلام) حدَّد مجمل علاقتك بالناس من خلال العهد المبارك -
عهد مالك الأشتر -، والذي هو برنامج أساسي للعلاقات الداخلية والخارجية، والذي منه:
«وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ الرَّحْمَةَ لِلرَّعِيَّةِ، وَالمَحَبَّةَ لَهُمْ،
وَاللُّطْفَ بِهِمْ، وَلَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ
أَكْلَهُمْ، فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا
نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ، يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ، وَتَعْرِضُ لَهُمُ
الْعِلَلُ، وَيُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ، فَأَعْطِهِمْ
مِنْ عَفْوِكَ وَصَفْحِكَ مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ
مِنْ عَفْوِه وَصَفْحِه، فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ، وَوَالِي الأَمْرِ عَلَيْكَ
فَوْقَكَ، وَاللهُ فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ...»(٤٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) راجع بحث (نمط التعاطي
مع الأعداء) بحث نشرته مجلَّة المنهج العدد ٢.
(٤٤) نهج البلاغة/ عهد مالك
الأشتر.
والزيارة بهذه السعة المليونية تُعتَبر موسماً للانفتاح على حضارات ولغات وثقافات
من كلِّ العالم، وذلك يجعلنا نكتسب خبرة عالية من التعامل مع الآخر حتَّى مع
اختلافنا معه في اللون أو القومية أو الثقافة أو البلد أو المذهب أو حتَّى الدين.
٩ - إلغاء الطبقية والتعالي والتكبّر: فإنَّ من أخطر الأمراض التي تنسف بالمجتمعات
هو بروز الطبقية بين أفراده ممَّا ينتج التعالي والتكبّر واستعباد الآخرين بسبب
السلطة أو المال أو الجاه، فيحتاج الإنسان ما يكسـر جموح النفس ويُضعِف هذه الصفات،
ولعلَّ أهمّ ما يعمل على ذلك هو التعاطي العملي والسيرة العملية مع أفراد المجتمع،
وموسم الأربعين إنَّما هو درس عملي لإلغاء التكبّر والتعالي، خصوصاً ما يمارسه
أصحاب المواكب من إلغاء الذات والتواضع وتقديم الخدمات بتفاني لكلِّ الناس، فترى
الكبير يخدم الصغير والغنيّ يخدم الفقير، بل ورَبُّ العمل يخدم عمّاله كما أشرنا في
ما مرَّ من نقطتي التواضع والإيثار.
١٠ - الشعور بالمسؤولية: إنَّ تحمّل المسؤوليات من أهمّ المقوّمات لصناعة الإنسان،
وكلَّما كانت المسؤوليات أكبر كانت الصناعة أقوى، لأنَّها سوف تدخل في كبرى أنَّ
الابتلاء مدرسة لصناعة العظماء.
فتبرز أمامنا مسؤولية عظمى نُسئَل عنها يوم القيامة، وهي نعيم آل البيت (عليهم
السلام) الذي يجب علينا أداء حقِّه، وإبراز الصورة الحقيقية لما هم عليه من أخلاق
وقيم ومعارف.
ففي رواية المحاسن: ... ذَكَرْتُ الْآيَةَ الَّتِي فِي كِتَابِ اللهِ: ﴿لَتُسْئَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (عليه
السلام): «لَا إِنَّمَا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ»(٤٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٥) المحاسن ٢: ٤٠٠.
وفي المحاسن أيضاً عن أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللهِ
(عليه السلام) جَمَاعَةً، فَدَعَا بِطَعَامٍ مَا لَنَا عَهْدٌ بِمِثْلِهِ لَذَاذَةً
وَطِيباً حَتَّى تَمَلَّيْنَا، وَأُتِينَا بِتَمْرٍ يَنْظُرُ فِيهِ إِلَى
وُجُوهِنَا مِنْ صَفَائِهِ وَحُسْنِهِ، فَقَالَ رَجُلٍ: ﴿لَتُسْئَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] عَنْ هَذَا النَّعِيمِ الَّذِي
نُعِّمْتُمْ عِنْدَ ابْنِ رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله وسلم)، فَقَالَ أَبُو
عَبْدِ اللهِ (عليه السلام): «اللهُ أَكْرَمُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُطْعِمَكُمْ
طَعَاماً فَيُسَوِّغَكُمُوهُ ثُمَّ يَسْأَلَكُمْ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ أَنْعَمَ
عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ»(٤٦).
فإنَّ هذه الزيارة تدعونا إلى تحمّل المسؤولية الدينية في إيصال رسالة عامَّة لكلِّ
العالم بأنَّنا مجتمع يملك من الصفات والمقوّمات الحضارية والاجتماعية والتربوية
والإدارية العالية.
فهي فرصة لبيان الإسلام المحمّدي العلوي الناصع من خلال عكس الصورة الحقيقية
للمذهب، لا كما ينقل بعض عن تخلّف الإسلام والمسلمين من خلال عكس صورة لأُناس
يدَّعون انتحالهم للإسلام والإسلام براء منهم كبعض الحركات السلفية والوهّابية،
وبعض الدول المتخلّفة دينياً وقيمياً والمتحلّلة أخلاقياً وتربوياً، وأنَّ تلك
الفئات لا تُمثِّل الإسلام.
والخلاصة:
إنَّ هذه الصفات والمميّزات هي تدريب عملي وتمهيد حقيقي لخلق إنسان الظهور وما بعد
الظهور، فالزيارة مدرسة أخلاقية كبيرة لشخصية الظهور المهدوي المبارك. خصوصاً وأنَّ
هذا البناء ليس بناءً تنظيرياً فحسب، بل هو بناء عملي كبير يخلق روحاً سامية
مؤهَّلة لمرحلة الظهور وما بعده.
المحور الثامن: المحور العسكري:
إنَّ المؤسَّسة العسكرية لا تُقاس بقوَّة تسليحها فقط، وإنَّما الأهمّ فيها هو وجود
الموارد البشـرية فيها، خصوصاً الموارد البشرية الشابَّة والتي لها استعداد عالي
للتضحية والفداء والإباء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) المصدر السابق.
وزيارة الأربعين لهي من أهمّ موارد بناء الشباب المهدوي العسكري المقاوم والمضحّي،
ولعلَّ تجربة مقاومة الاحتلال الأمريكي للعراق وتجربة الحشد الشعبي في العراق من
أكبر الشواهد على ذلك، فإنَّ من أهمّ ما بنى هذه الشخصيات الشابَّة والمضحّية التي
تتحدّى الصعاب وتواجه أشرس الأعداء مع قلَّة العدَّة والعدد هو حضور شخصية الحسين
(عليه السلام) بين ظهرانينا، والتي تبرز في مواسم منها موسم الزيارة، فتكون الشخصية
الحسينية صانعة لشخصية مهدوية.
فما سطره الأبطال في ساحات القتال من تضحيات لم يكن وليد اللحظة، بل هو صناعة
حسينية بمستقبل مهدوي، لذا كانت شعاراتهم في المعركة هي شعارات الحسين والعبّاس
والأكبر و...، وتحرّكاتهم وتطلّعاتهم تطلّعات مهدوية ثائرة تعدُّ لعصر الظهور.
فالتضحية - بالنفس بالمال بالراحة - لأجل الغير ولأجل المبدأ ولأجل الدين ولأجل
الإسلام ولأجل المقدَّسات ولأجل العزَّة إنَّما هي دروس تعلَّمناها من مدرسة الحسين
ومن شعائر الحسين، ربطت بالموعود ومستقبل العالم الذي يقوده الإمام المهدي (عليه
السلام).
فهناك جيش عالمي قد تمَّ إعداده سابقاً، وخاض التجارب في عدَّة دول، ونجح نجاحات
باهرة قد يكون هو نواة من جيش المهدي المنتظر (عليه السلام)، وزيارة الأربعين هي
الرافد الأساسي لهذا الجيش القادم الذي يقوده صاحب الأمر (عليه السلام) نحو تحقيق
العدل والقسط والسلام.
المحور التاسع: المحور الإعلامي:
من العادات الجارية لدى القوى السياسية أو غيرها استعراض جماهيرها من خلال مظاهرات
أو تجمّعات أو احتفالات أو مناورات أو غيرها، وذلك لإيصال رسالة إلى الآخر بأنَّ
لنا جماهير ونحن أقوياء من باب: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ
مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: ٦٠)، كلٌّ
بحسب موقعه وعمله وقدرته.
والمؤمنون بالقضيَّة المهدوية لا بدَّ لهم من ذلك أيضاً، وما يحصل من تجمّع مليوني
ليس له نظير وبشكل عفوي وبتنظيم ذاتي وبتمويل شخصـي لهو أعظم صور الاستعراض
الإعلامي للجمهور المؤمن، فالشعيرة الأربعينية ليست عبادة فردية فحسب، بل أصبحت ذات
طابع يحوي عبادة جماعية كشعائر الحجِّ وصلاة الجمعة، وهذا يُعطي أهمّية كبرى وثراءً
معنوياً وانفجاراً إعلامياً يوصل رسالة واضحة للجميع (بأنَّنا حسينيون، بأنَّنا
ممهِّدون، بأنَّنا مؤمنون، بأنَّنا أقوياء، بأنَّنا منظَّمون، بأنَّنا متكافلون،
بأنَّنا مصلحون، وهكذا).
خصوصاً إذا عكسنا الصورة التي أراد لنا آل البيت (عليهم السلام) عكسها للإنسانية،
وأنَّ الدين الإسلامي هو الخاتم، وأنَّ المهدي (عليه السلام) هو المخلِّص، وأنَّه
لا نجاة إلَّا به.
فيبرز لنا أُمور:
١ - تحقيق منجز عددي وأنَّ جماهيرنا مليونية وبتزايد كلّ عام بحيث لا يسع المكان
للجمهور.
٢ - تحقيق منجز نوعي بأنَّ جماهيرنا مؤمنة وقويَّة ومخلصة ومطيعة لله ورسوله وآله.
٣ - تحقيق منجز دولي بأنَّ زيارتنا دولية وليست إقليمية أو قطرية، إذ يأتيها الناس
من كلِّ فجٍّ عميق.
٤ - تحقيق منجز حضاري بأنَّنا منظَّمون ولا يتعدّى بعضنا على بعض طوال أيّام
الزيارة.
٥ - تحقيق منجز تعارفي بين لغات مختلفة وثقافات متعدّدة وقوميات متنوّعة لتبادل
الخبرات والهموم والمشكلات ومعالجة الأوضاع والشعور بالآخر.
المحور العاشر: المحور التمريني والتدريبي:
إنَّ الإنسان بطبعه يميل إلى الدعة والراحة وعدم الدخول بالصعاب، فإذا مرَّ بصعوبات
قد يؤدّي به إلى الضعف أو الانهيار أو ترك المبادئ أو التخلّي عن بعضها، لذا يحتاج
إلى دورة تدريبية لرفع ذلك.
وموسم الزيارة مع طول المسافات وكثرة الصعوبات وشدَّة الابتلاءات - خصوصاً مع البرد
القارص أو الحرّ الشديد أو الخوف من الظالم كما في عهد النظام المقبور بل وغيره -
لهو مركز تدريبي عامّ وشامل لتحمّل أنواع الصعاب والمحن والثبات على المبدأ الذي
رسمه آل البيت (عليهم السلام).
فالزيارة تُمثِّل مركزاً لتدريب المؤمن للاستعداد والإعداد لعصـر الظهور، فيدخل ذلك
في الإعداد للمهدي (عليه السلام) والنهوض معه في ثورته العالمية وتحمّل الصعاب، فلا
يتفاجئ إذا ما بُلي بصعوبة أو شدَّة، بل يواجهها بعزم حسيني ومستقبل مهدوي.
فهذه الصعوبات والزلازل والمحن التي يمرُّ بها المؤمن ما هي إلَّا تقويةً لصلبه
وتمريناً له لمواجهة العدوِّ.
فالزيارة الأربعينية ورشة عمل معمّقة لصناعة الشخصية المهدوية للظهور وما بعده.
المحور الحادي عشر: المحور التكافلي:
من العناصر المهمَّة في الشخصية الممهِّدة للظهور وجود روح التكافل والإيثار في تلك
الشخصية، ومن أهمّ سُبُل تحقيق هذا البناء هو التدرّب على التكافل ومساعدة الآخرين
وإيثار راحة الآخرين على راحة النفس حتَّى مع التعب والخصاصة، والمشـي في زيارة
الأربعين هو موسم تكافلي عظيم حيث إنَّ الخدمات تُقدَّم مجاناً بلا منَّة ولا ضجر،
بل بفرحة وبهجة، ولعلَّ التكافل الذي يُقدِّمه أصحاب المواكب من أعظم صور التكافل
والخدمة، وهذا واضح
بالوجدان لكلِّ من مشى للزيارة، وكذلك روح الإيثار والمساعدة بين الزائرين وعطف
الكبير على الصغير وتوقير الصغير للكبير ومساعدة الرجل للمرأة والعكس، وهكذا.
والتكافل والإيثار له صور، منها:
- التكافل والإيثار بالطعام ولو على حساب نفسك.
- التكافل والإيثار بالمبيت ولو بقيت سهراناً.
- التكافل والإيثار بالفراش والغطاء.
- التكافل والإيثار حال الرجوع من خلال إعطاء مقعدك لغيرك والبقاء واقفاً.
- التكافل والإيثار بتفضيل راحة الآخرين على راحة النفس.
وهكذا غيرها من الصور.
المحور الثاني عشر: البناء السياسي:
إنَّ زيارة الحسين (عليه السلام) موسم مهمّ لاستذكار مبادئ ثورته، ومنها المبدأ
السياسي، وهو البراءة من الظالمين والثورة عليهم، وخلق إرادة سياسية صادقة لدى
المؤمن للتغيير والخروج على الظالمين، والاستعداد لذلك تحت قيادة الإمام الحجَّة
(عليه السلام) كي يعزّ الأولياء ويذلّ الأعداء ويملئها قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت
ظلماً وجوراً، كما أنَّها رفض للاتِّجاه السياسي المستبدّ وإن تلبَّس بلبوس الدين
وادَّعى النيابة عن المسلمين، وكذلك رفض للسياسة الداعية إلى الخضوع والتذلّل للقوى
العالمية المستبدّة تحت ذريعة سياسة الأمر الواقع ومداهنة الأعداء ممَّا يُضيِّع
معالم الدين والعباد والبلاد.
فاستذكار شعارات الحسين (عليه السلام) في الثورة كخطابه: «أيُّهَا النَّاسُ! إنَّ
رَسُولَ الله قَالَ: مَنْ رَأى سُلْطَانَاً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللهِ،
نَاكِثاً لِعَهْدِ اللهِ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ
رَسُولِ الله، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالإثم وَالعُدْوَانِ، فَلَمْ يُعَيِّرْ
عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أنْ يُدْخِلَهُ
مَدْخَله»(٤٧)
يكون حافزاً كبيراً للاستعداد السياسي والتمهيد السياسي للإمام الحجَّة (عليه
السلام) من خلال نشر الأفكار الدالّة على أنَّ الإمام هو المخلِّص السياسي من ظلم
الدول الجائرة.
وبذلك تنخلق إرادة سياسية لدى الأُمَّة المؤمنة تُحفِّز المؤمن للالتحاق بالشخصية
المنقذة والبراءة من الأُمَّة الظالمة والقاتلة والراضية بذلك كما ورد في الزيارة:
«لَعَنَ اللهُ أُمَّةً قَتَلَتْكَ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً ظَلَمَتْكَ، وَلَعَنَ
اللهُ أُمَّةً خَذَلَتْكَ، وَلَعَنَ اللهُ أُمَّةً خَدَعَتْكَ»(٤٨).
خصوصاً إذا كانت الزيارة مقترنة ببعض النصوص التي تشير إلى نصـرة آل البيت وخاتمهم
الإمام الحجة (عليه السلام) كما في الزيارة: «اللَّهُمَّ أَنْتَ مَنَنْتَ عَلَيَّ
بِزِيَارَةِ مَوْلَايَ وَوَلَايَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ، فَاجْعَلْنِي مِمَّنْ
تَنْصُرُهُ وَتَنْصُرُ بِهِ [يُنْتَصَرُ بِهِ وَيَنْصُرُهُ]، وَمُنَّ عَلَيَّ
بِنَصْرِكَ لِدِينِكَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ»(٤٩).
وبالأخصّ الاستعداد للنصـرة الوارد في زيارة عاشوراء: «فَأَسْأَلُ اللهَ الَّذِي
أَكْرَمَ مَقَامَكَ أَنْ يُكْرِمَنِي بِكَ وَيَرْزُقَنِي طَلَبَ ثَارِكَ مَعَ
إِمَامٍ مَنْصُورٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ»(٥٠).
فزيارة الأربعين كفيلة بهكذا بناء سياسي للمجتمع المهدوي الذي يأبى الظلم والضيم
ويثور على الظالمين والمعتدين ولا يداهن المنحرفين والمستبدّين وإن علوا وتغطرسوا.
هذا ما أردنا ذكره من محاور، وهناك محاور أُخرى قد تظهر للمتتبّع لم نذكرها دفعاً
للإطالة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) بحار الانوار ٧٨: ١٢٨.
(٤٨) كامل الزيارت: ٤٣.
(٤٩) المصدر السابق: ٤٥.
(٥٠) المصدر السابق.
النتيجة:
إنَّ زيارة الأربعين فيها عظيم البركات في كلِّ المستويات المادّية والمعنوية، ومن
أعظم البركات دور وأهمّية هذه الزيارة المليونية في الإعداد العملي للظهور وصناعة
شخصيات الظهور ومجتمعه، فحريٌّ بنا أن نجعل تلك الزيارة مناراً لنا للتمهيد
وانطلاقةً للانتظار الحقيقي الخالص للإمام (عليه السلام)، فنكون ممَّن أسهم في
تعجيل الظهور المهدوي المقدَّس ببركة الزيارة الحسينية المقدَّسة، فنحظى بالنصـر
الإلهي التامّ على أعداء الله تعالى ورسوله وآله (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين)،
ويأخذ المهدي (عليه السلام) بثأر جدِّه الحسين (عليه السلام) ممَّن قتلوه وسلبوه
وسبوا عياله، ويعزُّ الأولياء ويذلُّ الأعداء ويُظهِر الدين ولو كره الكافرون،
إنَّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً.
سلمان المحمّدي (رضي الله عنه) وارتباطه بالعقيدة المهدوية (١)
الشيخ د. عليّ الفياض
المقدَّمة:
يحاول البحث إيجاد العلاقة بين سلمان المحمّدي والقضيَّة المهدوية من خلال نصوص
المعصوم (عليه السلام)، وتمَّ التمهيد له بمقدَّمتين:
المقدَّمة الأُولى كانت تعريفاً موجزاً بالشخصية العظيمة للإمام المهدي (عليه
السلام)، والاعتقاد به مع إعطاء تعريف عامّ حول العقيدة المهدوية.
والمقدَّمة الثانية كانت تعريفاً موجزاً لسلمان المحمّدي (رضي الله عنه).
وأمَّا المبحث الأوَّل، فكان حول مسألة طول عمر سلمان المحمّدي وارتباط ذلك بطول
عمر إمامنا المهدي (عليه السلام). وفيه تمَّ ذكر بعض المعمّرين من الأنبياء (عليهم
السلام) وغيرهم، وتمَّ ذكر الأقوال في عمر سلمان المحمّدي (رضي الله عنه).
وأمَّا المبحث الثاني، فقد ذكرنا فيه علاقة سلمان المحمّدي بالرجعة، وأنَّه يرجع مع
قائم آل محمّد (عليهم السلام)، وعثرنا على نصّين في ذلك:
أحدهما يقول فيه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) لسلمان المحمّدي في حقِّ القائم
(عليه السلام): «يا سلمان، إنَّك مدرِكه ومن كان مثلك ومن تولّاه بحقيقة الإيمان»(٢).
والمبحث الثالث كان في مرويّات سلمان المحمّدي (رضي الله عنه) في الإمام المهدي
(عليه السلام) التي وردت عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) وأمير المؤمنين
(عليه السلام)، وكان مجموعها تسعة عشر نصّاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
تمَّ إنجاز هذا البحث أروقة قسم الشؤون الفكرية - العتبة العلوية المقدَّسة.
(٢)
دلائل الإمامة: ٤٤٧.
والخاتمة كانت في نتيجة البحث.
تعريف موجز بالإمام المهدي (عليه السلام):
١ - هو الإمام الثاني عشر من أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ذرّية الإمام
الحسين (عليهم السلام).
٢ - اسمه محمّد بن الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)(٣).
٣ - وُلِدَ الإمام المهدي (عليه السلام) في مدينة سامراء المقدَّسة سنة (٢٥٥هـ)(٤)،
وتعدُّ مسألة الولادة من المسلَّمات التاريخية، وقد صرَّح بذلك أئمَّة أهل البيت
(عليهم السلام)، مضافاً إلى العديد من محدِّثي الجمهور.
٤ - ألقابه (عليه السلام) كثيرة، أشهرها: المهدي، والقائم، والمنتظر. ومنها:
الحجَّة، والخلف الصالح، وبقيَّة الله، والمنصور، وصاحب الأمر، ووليُّ العصـر،
وصاحب الزمان، وقد أوصلها المحدِّث النوري(٥)
إلى (١٨٢) لقباً.
٥ - يخرج آخر الزمان بعد أن تملأ الأرض ظلماً وجوراً، ليملأها قسطاً(٦)
وعدلاً.
٦ - له غيبة صغرى حدثت سنة (٢٦٠هـ) بعد شهادة الإمام العسكري (عليه السلام)(٧)،
وهناك قول ثانٍ: إنَّها ابتدأت منذ ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، وانتهت
بوفاة السفير الرابع سنة (٣٢٩هـ) لتكون (٧٤) سنة(٨).
وقول ثالث: إنَّها وقعت بعد مولده (عليه السلام) بفترة وفي حياة الإمام العسكري
(عليه السلام)(٩).
٧ - له أربعة سفراء(١٠)
في الغيبة الصغرى، أوَّلهم: عثمان بن سعيد العمري، واستمرَّت سفارته حوالي خمس
سنوات(١١)،
ثمّ بعده ابنه محمّد بن عثمان(١٢)،
استمرَّت سفارته أربعين سنة، ثمّ الحسين بن روح النوبختي(١٣)،
استمرَّت سفارته عشـرين سنة، ثمّ السفير الرابع(١٤)
عليُّ بن محمّد السمري، استمرَّت سفارته (٣) سنوات.
٨ - قام الدليل القطعي على انقطاع السفارة بعد السفير الرابع، فلا يوجد سفير خامس.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
كمال الدين وتمام النعمة: ٢٣٥.
(٤)
راجع: الإرشاد ٢: ٣٣٩؛ الكافي ١: ٥١٤؛ الغيبة للطوسي: ٢٣٨؛ كمال الدين: ٤٣٠.
(٥)
النجم الثاقب ١: ٢٦٥.
(٦)
بحار الأنوار ٣٦: ٣٥٩.
(٧)
كتاب الأربعين للماحوزي: ٢٢٧.
(٨)
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ١: ١٤٣.
(٩)
الغيبة الصغرى والسفراء الأربعة: ٤١.
(١٠)
موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام): ١٤٣ و١٤٤.
(١١) المصدر نفسه.
(١٢) المصدر نفسه.
(١٣) المصدر نفسه.
(١٤) المصدر نفسه.
٩ - بدأت الغيبة الكبرى(١٥)
- الثانية - سنة (٣٢٩هـ)، وتنتهي بظهوره الشريف.
تعريف موجز بسلمان المحمّدي (عليه السلام):
١ - الأحاديث التي وصفت سلمان المحمّدي كثيرة(١٦)
نكتفي بحديث جاء عن صادق أهل البيت (عليهم السلام)، حيث روى الشيخ الطوسي بسنده عن
منصور بزرج، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (عليه السلام): ما أكثر ما أسمع منك يا
سيِّدي ذكر سلمان الفارسي، فقال: «لا تقل الفارسي، ولكن قل: سلمان المحمّدي، أتدري
ما كثرة ذكري له؟»، قلت: لا، قال: «لثلاث خلال أعدُّها: إيثاره هوى أمير المؤمنين
على هوى نفسه، والثانية: حبُّه للفقراء واختياره إيّاهم على أهل الثروة والعدد،
والثالثة: حبُّه للعلم والعلماء. إنَّ سلمان كان عبدا صالحاً حنيفاً مسلماً وما كان
من المشركين»(١٧).
٢ - اسم سلمان هو مايه، ويقال: روزبه. وأمَّا ولادته فيقال: في شيراز، ويقال: في
أصبهان، ويقال: في كازرون، ويقال: في رامهرز(١٨).
٣ - كانت رحلته لطلب دين الله تعالى إلى الشام ثمّ الموصل فنصيبين فعمورية حتَّى
سمع بأنَّ نبيّاً سوف يبعثه الله، فقصد بلاد العرب، فلقيه بنو كلب، فاستعبدوه
وباعوه حتَّى وصل إلى المدينة المنوَّرة، فسمع بالإسلام، وقصد النبيَّ محمّداً
(صلّى الله عليه وآله وسلم)(١٩).
٤ - اختلف في تاريخ ولادته ومدَّة عمره، فقيل: عاش (٣٥٠) سنة(٢٠)،
وقيل: أقلّ، وقيل: أكثر، وروي أنَّه أدرك عيسى (عليه السلام)(٢١).
أمَّا وفاته فكانت سنة (٣٦هـ)(٢٢).
المبحث الأوَّل: طول عمر سلمان (رضي الله عنه)
والمهدوية:
مسألة طول العمر للإمام المهدي (عليه السلام) من المسائل المهمَّة التي وقعت محلًّا
للنزاع بين الإماميَّة وغيرهم، وقد طرحها علماؤنا في كتبهم، كالشيخ المفيد والسيِّد
المرتضى وغيرهم(٢٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٥) موسوعة الفقه الإسلامي
طبقاً لمذهب أهل البيت (عليهم السلام) ١: ١٤٤.
(١٦) سلمان المحمّدي للشيخ
عبد الواحد المظفَّر: ٤٩ - ٥١.
(١٧) أمالي الشيخ الطوسي:
١٣٣.
(١٨) سلمان المحمّدي
للمظفَّر: ١٣.
(١٩) موسوعة طبقات الفقهاء
١: ١١٧.
(٢٠) أعيان الشيعة ٧: ٢٨٠.
(٢١) الغيبة للطوسي: ١١٣.
(٢٢) سلمان المحمّدي
للمظفر: ٧٨.
(٢٣) راجع: الفصول العشرة
للشيخ المفيد: ٩١ - ١٠٣؛ المقنع في الغيبة للسيِّد المرتضى: ٥٤؛ كمال الدين: ١٢٦.
ومن المناسب هنا أن نبحث طول عمر سلمان المحمّدي (رضي الله عنه) ونجعله مؤشِّراً
على إِمكانية طول عمر الإمام المهدي (عليه السلام) المولود سنة (٢٥٥هـ). على أنَّ
ظاهرة طول العمر لا تختصُّ بسلمان المحمدي (رضي الله عنه) وإنَّما هناك الكثير من
المعمّرين في التاريخ سواء كان عمرهم أكثر أو أقلّ من عمر سلمان المحمّدي (رضي الله
عنه).
بعض المعمّرين من
الأنبياء (عليهم السلام):
لنذكر على سبيل المثال لا الحصر هؤلاء المعمّرين:
١ - النبيُّ آدم (عليه السلام)، فقد عاش (٩٣٠) عاماً، فعن الإمام جعفر بن محمّد
الصادق، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام)، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم)، قال: «عاش أبو البشـر آدم تسعمائة وثلاثين سنة...»(٢٤)،
وهناك روايات ذكرت له من العمر أكثر من هذا التقدير.
٢ - النبيُّ نوح (عليه السلام)، فقد عاش (٢٥٠٠) عاماً، فعن الإمام الصادق (عليه
السلام)، قال: «عاش نوح ألفي سنة وخمسائة سنة، منها ثمانمائة وخمسون سنة قبل أن
يُبعَث، وألف سنة إلَّا خمسين عاماً وهو في قومه يدعوهم، وسبعمائة عام بعد ما نزل
من السفينة ونضب الماء(٢٥)
فمصَّر الأمصار وأسكن ولده البلدان، ثمّ إنَّ ملك الموت جاءه وهو في الشمس فقال له:
السلام عليك، فردَّ الجواب، فقال له: ما جاء بك يا ملك الموت؟ فقال جئت لأقبض روحك،
فقال له: تدعني أخرج من الشمس إلى الظلِّ؟ فقال له: نعم، فتحوَّل نوح، ثمّ قال: يا
ملك الموت كأنَّ ما مرَّ بي في الدنيا مثل تحوّلي من الشمس إلى الظلِّ، فامض لما
أُمرت به»، قال: «فقبض روحه»(٢٦).
٣ - النبيُّ شيث (عليه السلام)، فقد عاش (٧١٢) عام، قال المسعودي: (وكان عمر شيث
سبعمائة واثنتي عشرة سنة)(٢٧).
٤ - النبيُّ سليمان (عليه السلام)، فإنَّه عاش أيضاً (٧١٢) عاماً، فعن الإمام
الصادق، عن أبيه، عن جدِّه (عليهم السلام)، عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم):
«... وعاش سليمان بن داود سبعمائة واثنتي عشرة سنة»(٢٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) كمال الدين: ٥٢٣.
(٢٥) أي غار.
(٢٦) كمال الدين: ٥٢٣.
(٢٧) أخبار الزمان: ٧٧.
(٢٨) كمال الدين: ٥٢٤.
٥ - الخضـر (عليه السلام)، فقد أخبرنا القرآن الكريم بقصَّته، وأنَّه كان في زمن
النبيِّ موسى (عليه السلام)، قال تعالى: ﴿فَوَجَدا عَبْداً
مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا
عِلْماً﴾ (الكهف: ٦٥). وإنَّ الله تعالى مدَّ في عمر الخضـر ليكون دليلاً
لطول عمر إمامنا المهدي (عليه السلام)، روى الشيخ الصدوق بسند عن الإمام الصادق
(عليه السلام): «... وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضر - فإنَّ الله تبارك وتعالى
ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشـريعة ينسخ بها
شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة
يفرضها له. بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لـمَّا كان في سابق علمه أن يُقدِّر من عمر
القائم في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر
في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب يوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به
على عمر القائم، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، لئلَّا يكون للناس على الله حجَّة»(٢٩).
الأقوال في العمر الشريف لسلمان المحمّدي:
ذكرت المصادر عدَّة أقوال في مدَّة بقاء سلمان المحمّدي نذكرها كالآتي:
١ - أنَّه عاش مائتين وخمسين عاماً(٣٠).
٢ - أنَّ عمره كان ثلاثمائة وخمسين عاماً(٣١).
٣ - أنَّه عاش أربعمائة وأربع وعشـرين، قال البياضي: (ودور المشتري الأعظم أربعمائة
وأربعة وعشرون، قيل: وهو عمر سلمان الفارسي)(٣٢).
٤ - أكثر من خمسمائة سنة، حيث ذكر الشيخ المفيد بأنَّ سلمان أدرك عيسى (عليه
السلام)، وحيث إنَّ بين نبيِّنا محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم) وبين عيسى (عليه
السلام) قرابة الستمائة سنة، وأنَّ سلمان أدرك النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)،
لذا يكون سلمان عاش أكثر من خمسمائة سنة، وإليك نصّ كلام الشيخ المفيد، قال: (وأكثر
أهل العلم يقولون بأنَّه رأى المسيح وأدرك النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم)،
وعاش بعده، وكانت وفاته وسط أيّام عمر بن الخطّاب)(٣٣).
وقال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) كمال الدين: ٣٥٧.
(٣٠) طرائف المقال ٢: ٦٠٤؛
أعيان الشيعة ٧: ٢٨٠.
(٣١) المصدر السابق.
(٣٢) الصراط المستقيم ٢:
٢٤٥.
(٣٣) الفصول العشرة ١٠٢.
الشيخ الطوسي: (وروى أصحاب الأخبار أنَّ سلمان الفارسي (رضي الله عنه) لقي عيسى بن
مريم (عليه السلام) وبقي إلى زمان نبيِّنا (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وخبره
مشهور)(٣٤).
٥ - أنَّه عاش خمسمائة أو أقلّ، حيث إنَّه أدرك وصيَّ عيسى (عليه السلام)، ففي
رواية طويلة يذكرها الشيخ الصدوق في سبب إسلام سلمان عن الإمام موسى بن جعفر
(عليهما السلام)، وفيها أنَّه وجد في بيته كتاباً فيه عهد يأمره بأن يأتي وصيَّ
عيسى (عليه السلام)(٣٥).
ومن هنا يتَّضح أنَّ سلمان المحمّدي كان من المعمّرين، وهذا يدلُّ بشكل طبيعي على
أنَّ بعض الناس أعطاهم الله العمر المديد، فيكون ذلك مؤشِّراً على إمكان إعطاء
العمر الطويل لإمام زماننا الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
المبحث الثاني: سلمان المحمّدي والرجعة في
زمان الظهور:
يظهر من بعض النصوص أنَّ سلمان المحمّدي يرجع في زمن الإمام المهدي (عليه السلام)
لكي يكون من أنصاره وأعوانه والمجاهدين بين يديه.
١ - جاء في رواية الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا قام قائم آل محمّد استخرج من
ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة عشـر من قوم موسى الذين يقضون بالحقِّ وبه
يعدلون، وسبع من أصحاب الكهف، ويوشع وصيّ موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي،
وأبا دجانة الأنصاري، ومالك الأشتر»(٣٦).
وفي رواية الإرشاد عبارة: (من ظهر الكوفة)(٣٧)،
وليس من ظهر الكعبة، والرواية تُصـرِّح برجوع (٢٧) شخصاً لنصرة الإمام المهدي (عليه
السلام)، ومنهم سلمان المحمّدي.
ويظهر من الروايات أنَّ سلمان المحمّدي ليس من الثلاثمائة والثلاث عشـر الذين
يكونون مع الإمام المهدي (عليه السلام) بعضهم يأتي على السحاب وبعضهم مفقود عن
فراشه، ولا نحتمل أنَّه من الأنصار العاديين، لذا قد يكون شأنه أعلى من هؤلاء
الثلاثمائة والثلاثة عشر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) الغيبة للطوسي ١١٣.
(٣٥) كمال الدين ١٦٢.
(٣٦) معجم أحاديث الإمام
المهدي (عليه السلام) ٥/١٢٢ عن تفسير العياشي ودلائل الإمامة والإرشاد وغيرها من
المصادر.
(٣٧)
الإرشاد، الشيخ المفيد: ج٢، ص٣٨٦.
٢ - الراوية الثانية: روى سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، قال: قال لي رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنَّ الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيّاً ولا رسولاً
إلَّا جعل له اثني عشـر نقيباً»، فقلت: يا رسول الله، قد عرفت هذا من أهل الكتابين.
فقال: «يا سلمان، هل علمت من نقبائي؟ ومن الاثني عشـر الذين اختارهم الله للأُمَّة
من بعدي؟...»، إلى أن قال: «ثمّ ابنه محمّد بن الحسن الهادي المهدي الناطق القائم
بحقِّ الله»، ثمّ قال: «يا سلمان، إنَّك مدركه، ومن كان مثلك، ومن تولّاه بحقيقة
المعرفة». قال سلمان: فشكرت الله كثيراً، ثمّ قلت: يا رسول الله، وإنّي مؤجَّل إلى
عهده؟ قال: «يا سلمان، اقرأ: ﴿جاءَ وَعْدُ أُولاهُما
بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ
وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً * ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ
وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾
[الإسراء: ٥ و٦]».
قال سلمان: فاشتدَّ بكائي وشوقي، ثمّ قلت: يا رسول الله، أبعهد منك؟ فقال: «إي
والله، والذي أرسل محمّداً بالحقِّ منّي ومن عليٍّ وفاطمة والحسن والحسين والتسعة،
وكلُّ من هو منّا ومعنا ومضام فينا. إي والله يا سلمان، وليحضـرنَّ إبليس وجنوده
وكلُّ من محض الإيمان محضاً ومحض الكفر محضاً حتَّى يؤخذ بالقصاص والأوتار، ولا
يظلم ربّك أحد، ويُحقِّق تأويل هذه الآية: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ
نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً
وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرضِ وَنُرِيَ
فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (القصص:
٥ و٦).
قال سلمان: فقمت من بين يدي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وما يبالي سلمان
متى لقي الموت أو الموت لقيه(٣٨).
والرجعة تعني رجوع جماعة قليلة من الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة في صورتهم
التي كانوا عليها عند قيام المهدي (عليه السلام)(٣٩)،
وهذه الرواية تُصـرِّح بوضوح برجعة سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، كما وتُصـرِّح
أنَّ الذين يرجعون هم من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) دلائل الإمامة: ٤٤٧ -
٤٥٠.
(٣٩)
راجع: الموقع الالكتروني لمركز الأبحاث العقائدية، الأسئلة والأجوبة، الرجعة، مفهوم
الرجعة.
محض الإيمان محضاً ومن محض الكفر محضاً وبرجوع إبليس وجنوده، كما وتذكر أنَّ الغرض
من الرجعة هو القصاص وإقامة العدل.
المبحث الثالث: مرويّات سلمان المحمّدي (رضي
الله عنه) في الإمام المهدي (عليه السلام):
وردت أحاديث كثيرة في الإمام المهدي (عليه السلام) عن طريق الصحابي الجليل سلمان
المحمّدي (رضي الله عنه)، بعضها صريح في الإمام القائم (عليه السلام)، وبعضها عامٌّ
في الأئمَّة (عليهم السلام) بما فيهم الإمام الثاني عشـر (عليه السلام)، ونحن ننقل
ما عثرنا عليه من هذه المرويّات في المصادر الروائية:
١ - عن سُليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: دخلت على
النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) وإذا بالحسين (عليه السلام) على فخذيه، وهو
يُقبِّل عينيه ويلثم فاه، وهو يقول: «أنت سيِّد ابن سيِّد، إمام ابن إمام، أبو
الأئمَّة، ابن حجَّة، أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم»(٤٠).
وهذا نصٌّ واضح في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبقيَّة الأئمَّة بما فيهم
الإمام المهدي (عليه السلام) الذي هو الخاتم، ويُصـرِّح النصُّ أنَّه من ذرّية
الحسين (عليه السلام)، وليس من ذرّية الحسن (عليه السلام) كما هو معتقد الجمهور،
فإنَّهم اعتمدوا على حديث أخرجه أبو داود السجستاني في سننه بسند عن أبي إسحاق،
قال: قال عليٌّ (عليه السلام) - ونظر ابنه الحسن -، فقال: «إنَّ ابني هذا سيِّد كما
سمّاه النبيُّ، وسيخرج من صلبه رجل يُسمّى باسم نبيّكم يشبهه في الخلق ولا يشبهه في
الخلق»(٤١)،
فإنَّه لا يمكن الاستناد إليه لمعارضته بأحاديث كثيرة من طرق أهل السُّنَّة تُصرِّح
بأنَّ المهدي (عليه السلام) من ولد الحسين (عليه السلام)(٤٢).
٢ - رواية سلمان (رضي الله عنه) عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) في رجوعه مع
المهدي (عليه السلام)، وقد تقدَّمت حيث ذكرناها في المبحث الثاني، وهي الرواية
الثانية، وتشتمل على مطالب مهمَّة ومفيدة في بحث الرجعة أشرنا إليها إجمالاً.
٣ - عن سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، قال: خطبنا أمير المؤمنين (عليه السلام)
بالمدينة، فذكر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) الخصال: ٤٧٥.
(٤١) سنن أبي داود ٢: ٣١١.
(٤٢) المهدي المنتظر في
الفكر الإسلامي: ٦٤.
الفتنة وقربها، ثمّ ذكر قيام القائم (عليه السلام) من ولده، وأنَّه يملأها عدلاً
كما مُلِئَت جوراً، قال سلمان (عليه السلام)، فأتيته خالياً، فقلت: يا أمير
المؤمنين متى يظهر القائم (عليه السلام) من ولدك؟ فتنفَّس الصعداء، وقال: «لا يظهر
حتَّى يكون أُمور الصبيان، وتضيع حقوق الرحمن، ويتغنّى بالقرآن بالتطريب والألحان،
فإذا قتلت ملوك بني العبّاس أُولي العمى والالتباس أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه
كالتراس(٤٣)،
وخربت البصـرة، وظهرت العشـرة»، قال سلمان: قلت: وما العشـرة يا أمير المؤمنين؟
قال: «منها خروج الزنج، وظهور الفتنة، ووقائع بالعراق، وفتن الآفاق، والزلازل
العظيمة، مقعدة مقيمة، ويظهر الحندر(٤٤)
والديلم بالعقيق والصيلم(٤٥)،
وولاية القصاح(٤٦)
بعقب الفم الجناح، وظهور آيات مقرّبات في النواحي والجنبات، وعمران الفسطاط بعين
العرب والأقباط، ويخرج الحائك الطويل بأرض مصـر النيل»، قال سلمان: قلت: وما الحائك
الطويل؟ قال: «رجل صعلوك ليس من أبناء الملوك، تظهر له معادن الذهب، ويساعده العجم
والعرب، ويأتي له من كلِّ شيء حتَّى يلي الحسن، ويكون في زمانه العظائم والعجائب،
وإذا سار بالعرب إلى الشام، وداس بالبرذون(٤٧)
أرحام، وداس جبل الأُردن واللكام(٤٨)،
وطار الناس من غشيته، وطار السيل من جيشه، ووصل جبل القاعوس(٤٩)
في جيشه، فيجرُّ به بعض الأُمور فيسـرع الأسلاف، ولا يهنيه طعام ولا شراب حتَّى
يعاود بأيلون(٥٠)
مصـر، وكثرة الآراء والظنون...»، قال سلمان (رضي الله عنه): ثمّ انضجع ووضع يده تحت
رأسه وهو يقول: «شعار الرهبانية القناعة»(٥١).
والرواية اشتملت على علامات غيبية مستقبلية كثيرة أخبر بها الإمام أمير المؤمنين
(عليه السلام) سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، وبعض هذه العلامات غير مرتبط بخروج
الإمام المهدي (عليه السلام)، مثل ثورة الزنج، وبعضها مرتبط بظهوره ويكون علامة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٣) جمع ترس، وهي قطعة
يحملها المحارب بيده ليتَّقي بها الضربات. (معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ١٠٧).
(٤٤) الحندر: طائفة من
الهنود يعبدون القمر. (نهاية الأرب في فنون الأدب ١: ٥٧).
(٤٥) الصيلم: الداهية،
ويظهر من النصِّ أنَّه اسم لقوم، ولم نجده في المصادر.
(٤٦) القصاح: لم نجده في
اللغة.
(٤٧) البرذون: هو التركي من
الخيل.
(٤٨) اللكام: جبل مشرف على
أنطاكيا والمصيصة وطرطوس.
(٤٩) القاعوس: لعلَّه تصحيف
(القاعون) جبل شاهق في الأندلس.
(٥٠) بأيلون: لعلَّه تصحيف
(بابليون) اسم عامٌّ لديار مصر بلغة القدماء.
(٥١) دلائل الإمامة: ٤٧٢ -
٤٧٥.
كخراب البصـرة واضطراب الشام وغيرها. ومن الملاحظ صعوبة الألفاظ الموجودة في
الرواية، وقد يبدو عليها بعض الاضطراب، ولعلَّه من الناسخ.
٤ - عن سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول الله
تبارك وتعالى: ﴿كَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ﴾ (الرعد: ٤٣)، فقال: «أنا هو الذي عنده
علم الكتاب، وقد صدَّقه الله وأعطاه الوسيلة في الوصيَّة، ولا تُخلى أُمَّة من
وسيلة إليه إلى الله، فقال: ﴿يا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥]»(٥٢).
وواضح أنَّ قول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولا تُخلى أُمَّة من وسيلة»
إشارة إلى وجود الإمام المهدي (عليه السلام) في زماننا، وهذه الفقرة نفسها تشير إلى
ولادته (عليه السلام).
٥ - عن سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول
في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ
لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]، «فكان رسول الله يعرف الخلق بسيماهم، وأنا
بعده المتوسِّم، والأئمَّة من ذرّيتي المتوسِّمون إلى يوم القيامة»(٥٣).
والمتوسِّمون هم الذين يتفرَّسون حقائق الأشياء وأسبابها وآثارها، ويتفكَّرون في
مباديها وعواقبها حتَّى يعرفها بسيمائها كما ينبغي(٥٤).
والمراد هنا الأئمَّة (عليهم السلام)، ومنهم الإمام المهدي (عليه السلام)، ووصفتهم
الرواية بأنَّهم باقون إلى يوم القيامة دلالةً على الوجود الشـريف للإمام القائم
(عليه السلام).
٦ - عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم) فقال: «معاشر الناس، إنّي راحل عن قريب، ومنطلق إلى المغيب، أُوصيكم في عترتي
خيراً، وإيّاكم والبدع فإنَّ كلَّ بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار... ثمّ قال
(عليه السلام): «إنَّهم هم الأوصياء والخلفاء بعدي، أئمَّة أبرار، عدد أسباط يعقوب
وحواري عيسى»، قلت: فسمِّهم لي يا رسول الله. قال: «أوَّلهم عليُّ بن أبي طالب،
وبعده
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٢) بصائر الدرجات: ٢٦٣.
(٥٣) بصائر الدرجات: ٣٧٧.
(٥٤) شرح أُصول الكافي ٥:
٢٨٨.
سبطاي، وبعدهما عليّ زين العابدين، وبعده محمّد بن عليٍّ الباقر علم النبيِّين،
والصادق جعفر بن محمّد، وابنه الكاظم سميّ موسى بن عمران، والذي يُقتَل بأرض الغربة
ابنه عليّ، ثمّ ابنه محمّد، والصادقان عليّ والحسن، والحجَّة القائم المنتظر في
غيبته، فإنَّهم عترتي من دمي ولحمي، علمهم علمي، وحكمهم حكمي، من آذاني فيهم فلا
أناله الله شفاعتي»(٥٥).
والحديث يُصـرِّح بأنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) هو تاسع الأئمَّة، وأنَّ له
غيبة، وأنَّه ينتظره المنتظرون، وأنَّ المؤذي له لا يستحقُّ شفاعة الرسول (صلّى
الله عليه وآله وسلم).
٧ - عن سلمان، قال: قال (صلّى الله عليه وآله وسلم): «الأئمَّة بعدي اثنا عشـر، عدد
شهور الحول، ومنّا مهدي هذه الأئمَّة، له غيبة موسى، وبهاء عيسى، وحلم داود، وصبر
أيّوب»(٥٦).
والحديث يُركِّز على الاعتقاد بالإمام المهدي (عليه السلام) حيث ذُكِرَ باسمه من
دون ذكر بقيَّة الأئمَّة، ويُصرِّح بغيبته، ويذكر شباهته للأنبياء (عليهم السلام).
٨ - عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «الأئمَّة
بعدي اثنا عشـر»، ثمّ قال: «كلُّهم من قريش، ثمّ يخرج قائمنا فيشفي صدور قوم
مؤمنين، ألَا إنَّهم أعلم منكم فلا تُعلِّموهم، ألَا إنَّهم عترتي من لحمي ودمي، ما
بال أقوام يؤذوني فيهم؟ لا أنالهم الله شفاعتي»(٥٧).
والحديث يشير إلى أنَّ الفرج والراحة للمؤمنين تكون بخروج الإمام المهدي (عليه
السلام)، فتشفى الصدور به، كما ويشير إلى علم الإمام المعصوم، وأنَّه أعلم الناس.
٩ - عن سلمان الفارسي (عليه السلام)، قال: دخلت على رسول (صلّى الله عليه وآله
وسلم) وعنده الحسن والحسين يتغدّيان والنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) يضع
اللقمة تارةً في فم الحسن وتارةً في فم الحسين، فلمَّا فرغ من الطعام أخذ رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم) الحسن على عاتقه والحسين على فخذه ثمّ قال: «يا سلمان،
أتُحِبُّهم؟»، قلت: يا رسول الله، كيف لا أُحِبُّهم ومكانهم منك مكانهم؟ قال: «يا
سلمان، من أحبَّهم فقد أحبَّني، ومن أحبَّني
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٥) كفاية الأثر: ٤٠ - ٤٢.
(٥٦) كفاية الأثر: ٤٣.
(٥٧) كفاية الأثر: ٤٤.
فقد أحبَّ الله»، ثمّ وضع يده على كتف الحسين (عليه السلام) فقال: «إنَّه الإمام
ابن الإمام، تسعة من صلبه أئمَّة أبرار، أُمناء معصومون، والتاسع قائمهم»(٥٨).
والحديث يُوضِّح علاقة سلمان (رضي الله عنه) بالحسن والحسين (عليهما السلام)، كما
ويُصـرِّح بأنَّ الإمام القائم هو من ذرّية الإمام الحسين (عليه السلام)، ويصفه
بأنَّه من الأبرار والأُمناء، وأنَّه قائم الأئمَّة (عليهم السلام).
١٠ - عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم): «الأئمَّة من بعدي بعدد نقباء بني إسرائيل، وكانوا اثني عشـر»، ثمّ وضع يده
على صلب الحسين(عليه السلام) وقال: «تسعة من صلبه، والتاسع مهديهم، يملأ الأرض
قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، فالويل لمبغضيهم»(٥٩).
والحديث يُصـرِّح بإقامة العدل في دولة الإمام المهدي (عليه السلام)، وانتهاء الجور
والظلم، ويتوعَّد المصير المشؤوم لمبغضي آل محمّد.
١١ - قال سُليم: سمعت سلمان الفارسي (رضي الله عنه) يقول: كنت جالساً بين يدي رسول
الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) في مرضه الذي قُبِضَ فيه، فدخلت فاطمة (عليها
السلام)، فلمَّا رأت ما برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) من الضعف خنقتها
العبرة حتَّى جرت دموعها على خدِّيها، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم):
«يا بنيَّة، ما يُبكيكِ؟»، قالت: «يا رسول الله، أخشى على نفسـي وولدي الضيعة من
بعدك... ومنّا - والذي نفسـي بيده - مهدي هذه الأُمَّة الذي يملأ الله به الأرض
قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً...»(٦٠).
والرواية تشتمل على مطالب كثيرة في الإمامة، وفي فضل أمير المؤمنين (عليه السلام)
وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، وتُصرِّح بظهور الإمام المهدي (عليه السلام)
آخر الزمان.
١٢ - عن سُليم بن قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي، قال: قال رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم): «ألَا أُبشِّـركم - أيّها الناس - بالمهدي؟»، قالوا: بلى، قال:
«فاعلموا أنَّ الله تعالى يبعث في أُمَّتي سلطاناً عادلاً وإماماً قاسطاً يملأ
الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً، وهو التاسع من ولد ولدي الحسين، اسمه
اسمي، وكنيته كنيتي. ألَا ولا خير في الحياة بعده، ولا يكون انتهاء دولته إلَّا قبل
القيامة بأربعين يوماً»(٦١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥٨) كفاية الأثر: ٤٥.
(٥٩) كفاية الأثر: ٤٧.
(٦٠) والنصُّ يبدو فيه بعض
الركاكة في التعبير.
(٦١) كتاب سُليم بن قيس:
١٣٢ - ١٣٤.
والرواية فيها بشارة مهمَّة من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) بولده القائم
(عليه السلام) واسمه، وأنَّ اسمه نفس اسم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم)،
وكنيته نفسها أبو القاسم، وأنَّ دولته تستمرُّ إلى نهاية الدنيا إلَّا قبل القيامة
بأربعين يوماً.
١٣ - سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، قال: دخلت على رسول الله، فلمَّا نظر إليَّ قال
(صلّى الله عليه وآله وسلم): «يا سلمان، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لن يبعث نبيّاً ولا
رسولاً إلَّا وله اثنا عشـر نقيباً»...والرواية تقدمت.
١٤ - عن سلمان الفارسي، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، فذكر المهدي القائم
(عليه السلام): «والله ليغيبنَّ حتَّى يقول الجهّال: ما بقي لله في آل محمّد من
حاجة، ثمّ يطلع طلوع البدر في وقت تمامه والشمس في وقت إشراقها، فتقرُّ عيون وتُعمى
عيون»(٦٢).
وفي هذا الحديث تأكيد من أمير المؤمنين على غيبة الإمام المهدي (عليه السلام)،
وإشعار بأنَّ هناك من يُنكِرها إنكاراً شديداً وخصوصاً الجهلة الذين يقولون بأن لا
حاجة في آل محمّد (عليهم السلام).
١٥ - عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) ممَّا آثره عن رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلم) أنَّه ذكر المهدي (عليه السلام) وقال: «إنَّه لقاتل الظالمين، ويقتل
الزنادقة، ولا يقبل منهم توبة، ولا يأخذ منهم جزية، ولا يدع في الأرض أحداً على غير
دين الإسلام إلَّا قتله، ويُهلِك الترك والخزر والديلم والحبش، ويؤتي بملوك الروم
مصفدين في الحديد، ولا يدع يهودياً ولا نصـرانياً، ولا يوجب لهم ذمَّة، ويرد الناس
جميعاً على ملَّة إبراهيم ومحمّد»(٦٣).
وواضح أنَّ ما جاء في الرواية هو مصداق لقوله تعالى: ﴿هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْـرِكُونَ﴾ (التوبة: ٣٣).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
١٦ - عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه)، ومن ذلك ممَّا آثره عن رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) أنَّه قال: «لا بدَّ من قائم من ولد فاطمة يقوم من المغرب، يقتل
الزنادقة، ويملك الترك والخزر والديلم والحبش، ويُؤتى بملوك الروم مصفدين في
الحديد، ولا تقوم راية إلَّا راية الإيمان»(٦٤).
والحديث فيه حتمية ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، وأمَّا فقرة (يقوم من المغرب)
فهي مخالفة لما دلَّ أنَّ ظهوره (عليه السلام) من المشـرق، وربَّما تكون انعكاساً
لما يعتقده صاحب الكتاب القاضي النعماني المغربي من الأحداث التي قام بها المهدي
الفاطمي.
١٧ - عن سلمان الفارسي أنَّه قال: (لا بدَّ من قائم من ولد فاطمة يقوم من المغرب
فيكسـر شوكة المبتدعين ويقتل الظالمين)(٦٥).
ويدلُّ على حتمية ظهور الإمام المهدي (عليه السلام)، ونفس المناقشة في الرواية
السابقة تأتي، ولعلَّها نفس الرواية السابقة.
١٨ - عن سلمان الفارسي (رضي الله عنه) أنَّه قال: (لا ينفكُّ المؤمنون حتَّى يكونوا
كمواة المعز، لا يدري الخابس على أيّها يضع يده، ليس فيهم شرف يشرفونه، ولا سناد
يسندون إليه أمرهم)(٦٦).
أوردها النعماني في كتابه الغيبة، وجعلها تحت عنوان غيبة الإمام المهدي (عليه
السلام)، ولعلَّ دلالتها في الغيبة غير واضحة، وإنَّما هي في الفتن.
١٩ - عن سلمان الفارسي: (فإذا فقدتم الفرقدين فتمسَّكوا بالنجوم الزاهرة)، ثمّ قال:
(وأمَّا النجوم الزاهرة فهم الأئمَّة التسعة من صلب الحسين، والتاسع مهديهم)(٦٧).
وفيها تصريح بأنَّ المهدي من ذرّية الحسين (عليه السلام)، وأنَّه تاسع الأئمَّة
(عليهم السلام).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٤) شرح الأخبار ٣: ٣٧٥.
(٦٥) شرح الأخبار ٣: ٣٧٦.
(٦٦) شرح الأخبار ٣: ٣٩٥.
(٦٧) الغيبة: ١٩٧.
الخاتمة والنتيجة:
يمكن تلخيص نتيجة البحث ضمن النقاط التالية:
١ - تمَّ إثبات طول عمر الصحابي الجليل سلمان المحمّدي (رضي الله عنه)، حيث إنَّه
يصل في بعض الأقوال إلى أكثر من خمسمائة سنة، وهو طريق إلى إثبات إمكان طول عمر
الإمام المهدي (عليه السلام).
٢ - وجود رجعة لسلمان المحمّدي (رضي الله عنه) مع الإمام المهدي (عليه السلام)،
ويحتمل أن تكون منزلته أعلى من الثلاثمائة والثلاث عشر الذين يقاتلون مع الإمام
القائم (عليه السلام).
٣ - أثبتنا عدداً غير قليل (١٩ رواية) من مرويات سلمان المحمّدي (رضي الله عنه) في
قضيَّة الإمام المهدي (عليه السلام) تحتوي على فوائد مهمَّة في الإمامة بصورة
عامَّة وفي الإمام المهدي بصورة خاصَّة في اسمه الشريف وكنيته، وكذا في علامات
ظهوره.
٤ - يمكن القول: إنَّ هذا البحث يُعطي نافذة جديدة ومفتاحاً للباحثين والمحقِّقين
للتحقيق حول علاقة بعض الشخصيات الإسلاميَّة - سواء كانت الشخصية من أصحاب الرسول
(صلّى الله عليه وآله وسلم) أو كانت شخصية علمائية - بقضيَّة الإمام المهدي (عليه
السلام)، ومدى ارتباط هكذا شخصيات بالإمام (عليه السلام) موقفاً وفكراً وروايةً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
١ - القرآن الكريم.
٢ - مقتضب الأثر: أحمد بن عبيد الله الجوهري/ مكتبة الطباطبائي/ قم.
٣ - معجم ألفاظ الفقه الجعفري: أحمد فتح الله/ مطابع المدوخل/ الدمام/ ط١/ ١٤١٥هـ.
٤ - سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني/ تحقيق سعيد محمّد اللحاق/ دار
الفكر/ ط١/ ١٤١٠هـ.
٥ - كتاب سُليم بن قيس: سُليم بن قيس الهلالي الكوفي/ تحقيق محمّد باقر الأنصاري
الزنجاني/ دليل ما/ نگارش/ ط١/ ١٤٢٢هـ.
٦ - مصباح الشـريعة ومفتاح الحقيقة: منسوب إلى الإمام جعفر بن محمّد الصادق/
الأعلمي/ ط١/ ١٤٠٠هـ.
٧ - الهداية الكبرى: الحسين بن حمدان الخصيبي/ مؤسَّسة البلاغ/ بيروت/ ط٤/ ١٤١١هـ.
٨ - المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي: مركز الرسالة/ مهر/ قم/ ط١/ ١٤١٧هـ.
٩ - كفاية الأثر: عليُّ بن محمّد الخزاز القمّي/ تحقيق عبد اللطيف الحسيني/ بيدار/
الخيّام/ قم/ ١٤١٠هـ.
١٠ - سلمان المحمّدي: عبد الواحد المظفَّر/ مكتبة الكلمة الطيِّبة/ بغداد/ ط١/
١٤٣٣هـ.
١١ - أخبار الزمان: عليُّ بن الحسين بن عليٍّ المسعودي/ تصحيح لجنة من الأساتذة/
دار الأندلس/ بيروت/ ط٢/ ١٣٨٥هـ.
١٢ - طرائف المقال: عليّ البروجردي/ تحقيق مهدي الرجائي/ مكتبة آية الله العظمى
المرعشـي النجفي العامَّة/ قم/ ط١/ ١٤١٠هـ.
١٣ - الصـراط المستقيم: عليُّ بن يونس العاملي النباطي البياضي/ تصحيح محمّد الباقر
البهبودي/ المكتبة الرضوية/ الحيدري/ ط١/ ١٣٨٤هـ.
١٤ - معجم أحاديث الإمام المهدي (عليه السلام): عليّ الكوراني العاملي/ ط١/ ١٤٢٦هـ.
١٥ - موسوعة طبقات الفقهاء: اللجنة العلمية في مؤسَّسة الإمام الصادق (عليه
السلام)/ إشراف جعفر السبحاني/ اعتماد/ قم/ ط١/ ١٤١٨هـ.
١٦ - شرح الأخبار: القاضي النعمان المغربي/ تحقيق محمّد الحسيني الجلالي/ مؤسَّسة
النشـر الإسلامي/ قم المشرَّفة/ ط٢/ ١٤١٤هـ.
١٧ - أعيان الشيعة: محسن الأمين/ تحقيق حسن الأمين/ دار التعارف/ بيروت.
١٨ - دلائل الإمامة: محمّد بن جرير الطبري (الشيعي)/ تحقيق مؤسَّسة البعثة/ ط١/
١٤١٣هـ.
١٩ - الأمالي: محمّد بن الحسن الطوسي/ مؤسَّسة البعثة/ دار الثقافة/ ط١/ ١٤١٤هـ.
٢٠ - الغيبة: محمّد بن الحسن الطوسي/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ تحقيق الشيخ
عباد الله الطبراني/ بهمن/ ط١/ ١٤١١هـ.
٢١ - الفصول العشـرة: محمّد بن النعمان العكبري البغدادي (الشيخ المفيد)/ تحقيق
الشيخ فارس الحسّون/ دار المفيد/ بيروت/ ط٢/ ١٤١٤هـ.
٢٢ - الكافي: محمّد بن يعقوب الكليني/ تصحيح عليّ أكبر الغفّاري/ دار الكتب
الإسلاميَّة/ حيدري/ طهران/ ط٣/ ١٣٦٧ش.
٢٣ - كمال الدين وتمام النعمة: محمّد بن عليّ بن الحسين بن بابويه القمّي (الشيخ
الصدوق)/ تصحيح عليّ أكبر الغفّاري / مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم المشرَّفة/١٤٠٥هـ.
٢٤ - الغيبة: محمّد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب (النعماني)/ تحقيق فارس الحسّون/
أنوار الهدى/ مهر/ قم/ ط١/ ١٤٢٢هـ.
٢٥ - مناقب آل أبي طالب: محمّد بن عليّ بن شهر آشوب/ تصحيح لجنة من أساتذة النجف
الأشرف/ المكتبة الحيدرية/ ١٣٧٦هـ.
٢٦ - الموقع الإلكتروني لمركز الأبحاث العقائدية/www.Agaed.com/ الأسئلة العقائدية/
الرجعة/ مفهوم الرجعة.
٢٧ - الخصال: محمّد بن عليّ بن بابويه القمّي (الصدوق)/ تصحيح عليّ أكبر الغفّاري/
مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم/ ١٤٠٣هـ.
٢٨ - بصائر الدرجات: محمّد بن الحسن بن فروخ الصفّار/ تصحيح الحاجّ ميرزا حسن كوجه
باغي/ الأعلمي/ الأحمدي/ طهران/ ١٤٠٤هـ.
٢٩ - شرح أُصول الكافي: محمّد صالح المازندراني/ تعليق الميرزا أبو الحسن الشعراني/
دار إحياء التراث العربي/ بيروت/ ط١/ ١٤٢١هـ.
الدعاء المهدوي وآثاره في بناء الفكر والعقيدة
البناء التوحيدي أنموذجاً
الشيخ حميد الوائلي
مقدّمة:
يُعتَبر الدُّعاء من أهمّ الأركان التي يستند إليها الإنسان في مسيرته نحو الله
سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي
لَوْ لا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ (الفرقان:
٧٧)، وورد في الرواية: «إنَّ الدُّعاء مخُّ العبادة»(١)،
وبعد هذا لا يمكن لنا بأيِّ حالٍ من الأحوال إغفال الدُّعاء أو القفز عليه رضوخاً
لبعض الإشكالات التي تثار هنا أو هناك. إذ أنَّه ومع وضوح دعوة القرآن الكريم
والروايات الشـريفة إلى التزام منهج الدعاء عنصـراً ثابتاً ويومياً في حياة الإنسان
المؤمن ظهرت عندنا بعض النظريات التي ترفض هذا المنهج وقد تعتبر منه منهجاً مخالفاً
حتَّى للتوحيد.
الدعاء سبيل الموحّدين:
تتعدَّد ألسنة الذاهبين إلى رفض الدُّعاء وأهمّيته في نظام الارتباط مع الله سبحانه
وتعالى وتأثيره على الحياة الدنيويَّة والأُخرويَّة معاً أو أحدهما.
فطائفة من هؤلاء يذهبون إلى أنَّ الدعاء يصطدم مع نظام الأسباب والمسببات الذي
خُلِقَ الكون على أساسه وجرت مقادير الأُمور على نظامه، فما دام لكلِّ شيء سبب
وأنَّ هذا السبب لا يختلف ولا يتخلَّف، فالدعاء على
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الوسائل: ج٧ ص٢٧، وفي بحار الأنوار: العلامة المجلسي: ج٩٠، ص٣٠٢.
هذا الأساس يكون من قبيل الأُمور العبثيَّة، فليس هو لا حاجة له وحسب، بل قد يستلزم
التصـرّف العبثي، والذي قد يجرُّ في بعض الأحيان إلى الابتلاء بالمحذور الشـرعي
ومخالفة الأحكام الإلهيَّة الموضَّحة في محلِّها.
والجواب عن هذه الإشكاليَّة يتَّضح من خلال عدَّة زوايا:
فمن زاوية نقول: إنَّ هذا النظام الأسبابي ليس حتمياً بمعنى أنَّه ليس بنحو
لا يختلف ولا يتخلَّف، وإنَّما هو بنحو الاقتضاء، أي بمعنى أن لو جرت مقادير
الأُمور دون دخول عناصر أُخرى لها التأثير في التغيير لكان الأمر مبرماً ويجري
النظام كما هو.
ومن زاوية أُخرى فإنَّ هذا الكون الخاضع لنظام الأسباب والمسبَّبات هو بجملته مخلوق
لله تعالى القادر الحكيم وهو الذي سنَّ أثر الدعاء في التغيير، كما دلَّت عليه
الآيات، على ما يأتي، فالذي خلق الأشياء وأوجدها، وسنَّ نظام السببية، هو نفسه الذي
أَمَرَ بالدعاء وحثَّ عليه وبيَّن من خلال جملة وافرة من آيات ذكره وأحاديث أوليائه
أنَّ الدعاء يمتلك من القدرة الهائلة على تغيير وتبديل حتَّى ما أُبرم إبراماً، فمن
يذعن أنَّ الخالق لنظام الأسباب والمسبَّبات هو الله لا بدَّ أن يذعن أنَّه هو
بنفسه تعالى خالق لنظام الدعاء وآثاره وآمر به. وبعبارة واضحة: إنَّ الدعاء نفسه
يُعبِّر عن مفردة من مفردات نظام الأسباب والمسبَّبات وليس هو مخالفاً لها أو
خارقاً لنظامها.
هذا إذا كان حديثنا عن الأثر التكويني المترتّب على الأشياء وتغييرها بالدعاء،
أمَّا إذا تحدَّثنا عن الآثار المترتّبة على الذنوب والمعاصي والتي هي بطبيعة الحال
متأخِّرة زماناً عن فعل المعصية، فالذنب الصادر من العاصي في الدنيا يُعاقَب عليه
في الآخرة وبعد صدور الذنب يكون هناك مجال واسع لأن يستغفر ويتوب ويدعو الله تعالى
أن يمحو الآثار العقابية المترتّبة على معصيته، فهو وإن استحقَّ العقاب إلَّا أنَّ
منجّزيته متأخِّرة، والدعاء يُحدِث أثره في الزمان
الواقع بينهما، وهذه الصورة أوضح حالاً في كون الدعاء يُؤثِّر في رفع الأثر
المترتّب وإن كان تكوينياً على المعصية من الصورة المتقدّمة.
وطائفة أُخرى تقول: إنَّ الدعاء لا أثر له، ليس لعدم المقتضـي فيه، كلَّا، بل
الدعاء قادر على التغيير ولكن المؤمن الموحِّد الذي يؤمن بأنَّ كلَّ ما يقع عليه من
ابتلاءات وامتحانات ومصائب هي لأجل رفع مرتبته وزيادة حظّه في القرب من الله تعالى،
فيكون الدعاء بعد هذه المعرفة خدشاً في توحيد الموحِّد وهبوطاً في مرتبة إيمانه،
فالله (عزَّ وجلَّ) العالم بحال المؤمنين يُغنيهم عن سؤاله ورفع ما وقع عليهم
بسببهم أو بسبب غيرهم، فمن كان موحِّداً عالي الدرجة مؤمناً مكتمل الإيمان لا يدعو.
والجواب عن هذا الإشكال له عدَّة مقامات نقتصـر منها على واحد، وبيانه: أنَّ مرتبة
التوحيد وسموّها وعلوّ الإيمان ودرجته نابع من أصل العبودية والخضوع فمتى ما تجلَّت
العبودية بأبرز صورها ارتقى التوحيد وارتفع الإيمان إلى أعلى درجاته، وبعد أن أمر
الله تعالى وحثَّ وأكَّد على الدعاء كان لزاماً على المؤمن أن يأخذ به سبيلاً ليرفع
مرتبته وإن كان لا يرجو أثره المادّي - ولو تَنَزُّلاً -، فالمدار في كون الإيمان
يسير في سُلَّم التكامل للوصول إلى أعلى درجة منه هو العبودية التي يُمثِّل الدعاء
حجر الزاوية فيها.
هذا وهناك إشكالات أُخر وإن اختلفت حدودها الوسطى ككون الله عالماً بالغيب فإنَّه
يقتضـي عدم الدعاء، وكونه تعالى قادراً يقتضي عدمه أيضاً، وهكذا.
إلَّا أنَّنا لا نخوض في تفصيلها فضلاً عن ردِّها بعد أن بيَّنّا فيما تقدَّم
المفصل الأساس الذي يتَّكئ عليه الرافضون للدعاء وردِّه.
وفي قبال هذا الرفض المطلق تأتي مقولة أُخرى تتَّكئ على جملة من النصوص القرآنية في
الالتجاء إلى الدعاء وقبوله بشكل مطلق بعيداً عن أيِّ
أسباب ومقوّمات أُخرى، ومن بين ما يُعتَمد عليه من الآيات قوله تعالى: ﴿إِنَّ
اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (آل عمران: ٣٧)، وقوله تعالى:﴿وَمَنْ
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق: ٣)، وقوله تعالى: ﴿وَإِذا
مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (الشعراء: ٨٠)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾
(الطلاق: ٢ و٣)، فهذه وغيرها من الآيات يُستَظهر منها - عند هؤلاء - التوجّه إلى
الدعاء، والتفرّغ للعبادة، وترك السعي في تحصيل الكسب.
وهو قول لا يمكن المصير إليه.
لأنَّنا نعتقد أنَّ هناك نظاماً قائماً على أساس الأسباب والمسبَّبات، وأنَّ هذا
النظام التكويني يتأثَّر بالدعاء بشكل واضح، حاله حال تأثير الأشياء الأُخرى في
النُّظُم التكوينية، فلا يمكن أن نُلغي هذا النظام ونعتمد على الدعاء فقط. فكما
أنَّ للدعاء قسطاً من التأثير في مجريات العالم كذلك لبقيَّة الأسباب أقساطها
الوافرة في التأثير، والوسطية هي قوام الأشياء - فهي نظرية أهل البيت (عليهم
السلام) في نظام الارتباط مع الذات والصفات والآثار المرتبطة بهما -، فالدعاء له
أثره كما أنَّ العمل له أثره، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه العقلاء.
الدعاء لبُّ التوحيد:
التوحيد لله تعالى هو توحيده لصفاته العُلى وأسمائه الحسنى، وأنَّه إله واحد لا
شريك له ولا شبيه، والموحِّد هو من أقرَّ بهذه الصفات وآمن بها على بصيرة ومعرفة
ويقين وإخلاص، ومن لم يؤمن بذلك فهو ليس بموحِّد، وبين هذه وتلك رُتَبٌ لا يحصيها
إلَّا الله تعالى.
وقد تحدَّث جملة من العلماء عن أقسام التوحيد وعن حالات وصفات وشرائط وأُسس ينتظم
عليها توحيد الموحِّدين.
والذي نعتقده أنَّ المنظومة الدينية بأُصولها وفروعها وآدابها وسننها هي دائرة بين
دفَّتي التوحيد، فكلُّ فعل أمر به الشارع المقدَّس يُمثِّل حلقة من حلقات التوحيد
ومرقاة من مراقِ سُلَّمه إذا آمن بها وأدّاها المكلَّف، وفي نفس الوقت فإنَّ كلَّ
نهيٍ يُرتَكب أو عمل يُؤتى به ممَّا نهى الشارع عنه ولم يُحبِّذ التلبُّس به فإنَّه
يوجب نزول الفرد المكلَّف وخسرانه درجة من درجات التوحيد.
وممَّا تحدَّثت عنه الروايات الشـريفة أنَّ النبيَّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلم) بُعِثَ إلى الأنبياء (عليهم السلام) وهم في عالم الأرواح، ودعاهم هناك إلى
توحيد الله وطاعته واتِّباع أمره(٢).
فالطاعة قبل عالمنا تُمثِّل أمارة التوحيد وعلامته، فمن يرد أن يرقى في سُلَّم كمال
التوحيد عليه أن يسير في سُلَّم العبودية، وأن يذوب بعد المعرفة في عالم الطاعة.
ويُمثِّل الإمام المهدي (عليه السلام) منتهى حلقات التوحيد، وعلى يديه تظهر للناس
عياناً مراتب ما خفي عليهم من توحيد الله تعالى، قال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: ٣٣).
ففي صحيح محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): قول الله (عزَّ وجلَّ):
﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلهِ﴾ (البقرة: ١٩٣)، فقال: «لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إنَّ
رسول الله رخَّص لهم بحاجته وحاجة أصحابه، فلو قد جاء تأويلها لم يقبل منهم لكنَّهم
يقتلون حتَّى يُوحَّد الله (عزَّ وجلَّ)، وحتَّى لا يكون شرك».
هذا النصُّ الشـريف يُبرز لنا أنَّ كمال التوحيد وتمامه وظهوره للعيان سيكون على يد
الإمام المهدي (عليه السلام).
فالتوحيد الذي ينشده الكلُّ، والذي يعتمد على مؤشّرات عبادية وقُربية يُستكشف من
خلالها - أي المقدّمات - مقامات الموحِّدين، إذ يُمثِّل الدعاء في هذه المنظومة
التوحيدية اللُّبَّ.
إذ إنّ الدعاء يمثّل إشعار النفس الإنسانية بالافتقار، وضرورة اللجوء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢) علل الشرائع للشيخ الصدوق ١: ١٦٢.
والالتجاء إلى الوجود الغنيِّ المفيض، وهذه الحقيقة عينها حقيقة التوحيد(٣)،
فيمكن أن نقول: إنَّ حقيقة الدعاء هو التوحيد بعينه، لأنَّ الدُّعاء(٤)
يُعبِّر عن حالة الانكسار والتذلّل واللجوء والعبوديَّة إلى ذلك الوجود الكريم
المفيض الغنيّ القادر، وإذا دقَّقنا النظر في الآية الكريمة الآنفة الذكر نلاحظ
أنَّها تلمح إلى هذا المعنى، إذ تُعبِّر أنَّ الله لا يعبأ بالعبد ما لم يكن صاحب
دعاء، بينما الآيات القرآنية الكريمة الأُخرى تقول: ﴿إِنَّ
اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْـرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ﴾ (النساء:
٤٨)، فبملاحظة الآيتين وإرخاء العنان لبصـر القلب ليجول في الأحاديث الشـريفة(٥)
يجد المرء هذه الحقيقة وهي أنَّ الدعاء لُبُّ التوحيد ماثلة أمام عينيه.
جاء في (أُصول الكافي/ كتاب الدُّعاء) عن أبي جعفر (عليه السلام) أنَّه قال: «أفضل
العبادة الدعاء»(٦)،
وفيه عن أبي عبد الله (عليه السلام): «الدُّعاء عمود الدين»(٧).
وفي (الوسائل) عن النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم): «الدُّعاء مخُّ العبادة»(٨).
فهذه الأحاديث الشـريفة خصوصاً الأخير منها تُعبِّر عن هذه الحالة التي ذكرناها،
فعمود الدين وأفضل العبادة، بل مخّها هو الدعاء، ونحن نعلم أنَّ المخَّ هو لبُّ
العقل - ليس المراد به المادّي، بل ذاك الذي تُعبِّر عنه بعض الروايات بروح العقل
وجوهره، فالدعاء على هذا المعنى يُمثِّل جوهر العبادة التي هي عمود الدين -.
فعلى هذا تكون حقيقة الدُّعاء في الشـريعة هي روح العبادة، وهو مخُّها، والعبادة
بلا مخّ كإنسان من غير عقل.
فأرقى حالات الإنسان وهي العبودية التي تجمَّل بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله
وسلم):ـ ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ
بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ (الحديد: ٩)، لا
تكون إلَّا بذلك المخّ، ولا تقف إلَّا على هذا العمود، وهو الدُّعاء.
فحقيقة الدُّعاء بكلمة واحدة أنَّه روح التوحيد، وحقيقة الإيمان، وقلب الإسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
في بحار الأنوار ٣: ٣٢٩: «... إنَّ موسى بن عمران (عليه السلام) لـمَّا ناجى ربَّه
(عزَّ وجلَّ) قال: يا ربِّ، أبعيد أنت منّي فأُناديك أم قريب فأُناجيك؟ فأوحى الله
(جلَّ جلاله) إليه: أنا جليس من ذكرني...»، وأيُّ توحيد أعلى من أن يكون العبد
جليساً مع الله تعالى؟
(٤)
لـمَّا كان الله تعالى مالكاً حقيقياً للأشياء المخلوقة ومنها الإنسان، وأنَّه
تعالى أقرب إلى هذا الإنسان من نفسه ﴿يَحُولُ بَيْنَ
الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (الأنفال: ٢٤)، وليس المراد بالقلب هنا الجسم
المادّي، بل هو حقيقة الإنسان ونفس وجوده، فبمقتضـى هذه الملكية صارت عبوديتهم له
تعالى عبودية حقيقية أيضاً.
حصل بذلك أنَّ له تعالى القدرة الحقيقية على الحيلولة بينهم وبين أيِّ شيء آخر وإن
قرب منهم وأُبرم إبراماً، فكانت إجابة الدعوة منه تعالى: ﴿ادْعُونِي
أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (غافر: ٦٠) لا يمنعها، ويمنع تحقّقها إلَّا ما يجعله
العبد مانعاً.
والإذعان بهذه الحقيقة ذات البعدين، بعد الملكية الحقيقية من جهة الله تعالى، وبعد
المملوكية والعبودية الحقيقة من جهة العبد، هو التوحيد.
فما يشاؤه الله تعالى في ملكه سيقع وما لم يشأ لا يقع، ﴿يا
أَيـُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ
الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: ١٥).
فإذا عرفنا هذه الحقيقة عرفنا بمقتضاها مفاد الآيات الكريمة التي تحدَّثت بقوله
تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).
لذلك نجد الكثير من الآيات فرَّعت الدعاء على الإيمان كما مرَّت في ما سطرناه من
نصوص قرآنية تقدَّمت. لاحظ: الميزان ٢: ٣٠ - ٣٥.
لذلك قسَّم بعض العلماء الدعاء لله تعالى إلى ثلاثة وجوه:
ضرب منها: توحيده...، مثل قوله تعالى: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي
سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ (غافر: ٦٠).
والضرب الثاني: مسألة العفو والرحمة وما يقرب منها، كقولهم: (اللَّهُمَّ اغفر لنا).
والضرب الثالث: مسألة الحظِّ في الدنيا، كقولهم: (اللَّهُمَّ ارزقني مالاً وولداً).
أضواء على دعاء كميل لعزِّ الدين بحر العلوم: ١٤.
(٥)
ففي الوسائل ٧: ٢١/ أبواب الدعاء: باب ١/ ح ١: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:
«إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ [غافر:
٦٠]»، قال: «هو الدعاء».
فالإمام هنا يُعبِّر عن العبادة بأنَّها الدعاء وأنَّ التكبُّر عنها يوجب دخول
جهنَّم. وفي نصٍّ آخر في نفس المصدر (ج ٢) يقول الإمام الصادق (عليه السلام): «إنَّ
الدعاء هو العبادة»، وهو مطلق يشمل العبادات الجوارحية أو الجوانحية.
وفي البحار ٩٠: ٢٩٤: عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... عليكم بالدعاء فإنَّكم لا
تتقرَّبون بمثله...».
في بحار الأنوار ٣: ٨: سأل بعض أصحابنا الصادق (عليه السلام) فقال له: أخبرني أيّ
الأعمال أفضل؟ قال (عليه السلام): «توحيدك لربِّك».
وفي الوسائل ٧: ٢٧: عن الإمام عليٍّ (عليه السلام): «الدعاءُ مخُّ العبادة».
وفيه ٧: ٣٠: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «أفضل العبادة الدعاء».
وبملاحظة حديث «توحيدك لربِّك» وهذا الحديث يظهر أنَّ الدعاء أفضل أنماط التوحيد
التي يحثُّ عليها الشارع المقدَّس.
بل في الوسائل ٧: ٣٠: سُئِلَ الباقر (عليه السلام): أيُّ العبادة أفضل؟ فقال (عليه
السلام): «ما من شيء أفضل عند الله (عزَّ وجلَّ من أن يسأل له ويُطلَب ممَّا عنده».
(٦)
الكافي ٢: ٤٦٦.
(٧)
الكافي ٢: ٤٦٦؛ وفي فلاح السائل للسيِّد ابن طاووس: ٢٨؛ والمجازات النبويَّة للشريف
الرضي: ٢١٠.
(٨)
الوسائل ٧: ٢٧؛ وفي بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي ٩٠: ٣٠٢.
فهل يمكن للإنسان أن يصل إلى الله سبحانه وتعالى دون هذه الحقيقة ودون الاعتماد
عليها؟
وسائل الشريعة في التقرّب إلى الله تعالى:
أوجدت الشـريعة المقدَّسة جملة من الوسائل ليتقرَّب الإنسان من خلالها إلى الله
سبحانه وتعالى، والمدار في كلِّ هذه الوسائل القرب منه سبحانه.
وقد تشكَّلت المنظومة الدينية على أساس مجموعة من العبادات والقوانين التي تُنظِّم
الحياة بما يمكن للإنسان الوصول بها والتقرّب إلى ساحة القدس الإلهي، وبنظرة مجملة
على المنظومة الدينية نجد أنَّ هناك أُصول الدِّين التي يجب الاعتقاد بها، وهي
تُقرِّب إلى الله سبحانه وتعالى، إذ بها يثبت وجود الله تعالى وصفاته وحسن أفعاله.
وبدون إثبات وجوده تعالى كيف يمكن التقرّب إليه؟!
ولنأخذ على كيفية تكوينها للتوحيد في ذات الفرد وتنميتها له نماذج عدِّة:
الصلاة وتنمية التوحيد:
إذا نظرنا إلى الصلاة كطقس عبادي وما أولت الشـريعة المقدَّسة لها من أهمّية، إذ
جعلتها عمود الدِّين(٩)،
وهذا الجعل التشـريعي ذو الآثار التكوينية يكتنز في حقيقته جذوراً توحيديةً تُؤهِّل
الفرد للرقيِّ في سُلَّم التوحيد بشكل تكاملي أسرع ممَّا في غيرها، إذ تبدأ الصلاة
بأن يُؤهِّل الإنسان نفسه للقاء الله، وتصوَّر معي شخصاً يذهب للقاء ذاتٍ تملك جميع
مقدَّراته، وقادرة على تغيير جميع شؤونه، فلو نُظِرَ إليها هكذا فكيف سيكون استعداد
الفرد لها؟!
ولم تترك الشريعة المقدَّسة مكلَّفيها باختيار الطريقة التي تُنظِّم هذا اللقاء
القدسي، والذي يمتلك القدرة على أن يَعرُج بأرواح المصلِّين - إذا كانت صلاتهم ضمن
ما أوصت به الشـريعة المقدَّسة ظاهراً وباطناً - إلى الملكوت الأعلى ومحلِّ القدس.
فبدأت الشـريعة المقدَّسة من مقدّمات هذا اللقاء والاستعداد له، فبعد أن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩) عن أبي جعفر (عليه السلام): «الصلاة عمود الدين»، بحار الأنوار للعلَّامة المجلسي ٧٩: ٢١٨.
طوى المؤمن مراحل المعرفة النظرية والعملية من خلال العقيدة الحقَّة التي توصَّل
إليها عن جهد ونظر وفكر، جاءت مرحلة التطبيق وبدأت هنا المقدّمات لأُولى مراحل
الممارسة العملية في درب التوحيد.
إذ إنَّ أوَّل خطوةٍ يسير فيها العاشق لهذا اللقاء التوحيدي الفريد، والذي يمتلك
قدرة إزالة جميع الأدران العالقة(١٠)
هي أن يتَّجه صوب الطهارة الظاهرية لينسلَّ منها إلى الطهارة الباطنية، فيذهب إلى
الوضوء ويلتمس الماء الذي وصفه القرآن بأنَّه مطهِّر الأشياء(١١)،
فيغترف من ماء يمتلك القدرة على إزالة الذنوب ومحوها إن كان قرين هذا الماء النازل
- على وجهه ويديه والممسوح ببقيَّته رأسه وقدميه - الإخلاص والعبودية.
وما أن يتمَّ السائر في طريق لقاء العشق والتوحيد وضوءه هذا حتَّى تحيط به هالة
النور(١٢)
يحجبه عن كلِّ ظلمة، ليرقى به في سُلَّم الذوبان والعبودية، ليصعد مدارج التوحيد.
فيبدأ بمدارج الصلاة من التوجّه بعد أن نزَّه مكانه وملبسه عن كلِّ ما يمنعه
ويُؤثِّر في عروجه، فيُطهِّر المكان والثوب والبدن، ثمّ يتوجَّه صوب قبلة التوحيد
ووجهة العشق، ليرفع يديه مؤذِّناً، ويخاطب غيره: أنَّني سأتوجَّه في سفر التوحيد
مبتدئاً هذا السفر بجملة (الله أكبر) التي تُمثِّل مفتاح(١٣)
باب العروج، ليطوي بعد هذه المرقاة مراقِ هذا السُّلَّم من خلال تلك الأذكار التي
يترنَّم بها، وكأنَّها لغة خاصَّة في هذا العالم لا يسمعها إلَّا من قصد أن يُوحِّد
بها معبوده، تلك اللغة التي قضـى الله تعالى أن يجعلها خاصَّة بهذا الطريق،
ليُجسِّد بعد هذا الخطاب لوناً من الخضوع وأيّ خضوع غاية التذلّل الذي فيه منتهى
الرفعة من خلال الركوع والسجود، ليشهد بعدهما أنَّه يتشـرَّف بأن يحمل وسام
العبودية، وما أن ينتهي من عروجه هذا حتَّى يُسلِّم على جميع من سار في هذا الدرب
من أولياء وصلحاء وملائكة وأنبياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٠)
عن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه)، قال: خطبنا رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أيّها الناس - بعد كلام تكلَّم به
- عليكم بالصلاة عليكم بالصلاة، فإنَّها عمود دينكم، كابدوا الليل بالصلاة، واذكروا
الله كثيراً يُكفِّر سيِّئاتكم. إنَّما مثل هذه الصلوات الخمس مثل نهرٍ جارٍ بين
يدي باب أحدكم يغتسل منه في اليوم خمس اغتسالات، فكما ينقى بدنه من الدرن بتواتر
الغسل فكذا ينقى من الذنوب مع مداومته الصلاة، فلا يبقى من ذنوبه شيء». (بحار
الأنوار للعلَّامة المجلسي ٧٩: ٢٢٣).
(١١) قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ
عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ (الأنفال: ١١).
(١٢) عن أبي عبد الله (عليه
السلام): «الوضوء على الوضوء نور على نور». (وسائل الشيعة للحرِّ العاملي ١: ٣٧٧).
(١٣) عن أبي عبد الله (عليه
السلام): «إنَّ مفتاح الصلاة التكبير». (وسائل الشيعة للحرِّ العاملي ٤: ٧١٤).
إنَّها حقيقة توحيدية قادرة على أن تُنمّي ذات الفرد، بل والمجتمع، وتُحصِّنهم في
منزلقات الطرق المتعرِّجة، لأنَّها إن تمَّت على أُصولها وضبطها السائرون على نهجها
كان أقلُّ مراتبها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر، والفحشاء والمنكر لغة من لغات
التكبُّر والتغطرس وعبادة الذات وتفرّدها وفرعنتها الذي يقف بالضدِّ من طريق
التوحيد ويُضعِفه.
وهناك المنظومة العملية كالتجارة والمعاملات وبناء الأُسرة وبناء المجتمع، فالتجارة
مثلاً حركة تنموية للبناء الاقتصادي والتوسّع المالي، ولها شروطها وضوابطها
العقلائية، فعندما يأتي الشارع بمقتضى سلطنته ويفرض لتقنينها شروطاً تنظيمية
وأخلاقية، ويُلزم العباد بهذه المنظومة المعاملاتية على مختلف الأصعدة وفي جميع
جوانب الحياة المختلفة، فإنَّ التوجّه التوحيدي من هؤلاء الأفراد والذي يُشكِّل
نموذجاً حيّاً ومتجسِّداً يمكن لنا أن نُطلِق عليه بالتوحيد المعاملاتي، إذ أنَّ
التاجر وصاحب المصنع، بل حتَّى العامل بمقتضـى التزامه بهذه الضوابط وآليات العمل
وفق المنظومة الدينية فإنَّه يتحدَّث بلغة خاصَّة - لغة توحيدية - مفادها: إنّي
أترك التشـريعات غير السماوية، وأترك كلَّ تشـريع لا يرتبط بالإله الواحد، وأتوجَّه
إلى قوانين ونُظُم مشرَّعة من قِبَل إله واحد عالم وقادر وحكيم ومدبِّر.
فإنَّ هذه اللغة التي يتحدَّث بها هذا العبد هي لغة التوحيد في التشـريع في جانبه
المعاملاتي، وهذا توحيد حسّاس ومهمّ، وينبغي أن نلاحظ صعوبة الالتفات إليه، وفي نفس
الوقت أن لا نُهمِل رعايته وتنميته، فكما أنَّنا نداري ونتعب ونُطوِّر ونُنمّي
توحيدنا في الأسماء والصفات وفي العبادة والتوجّه، فلا بدَّ أن نُنمّي توحيدنا
المعاملاتي، إذ أنَّه لا يختلف عن أخواته وإخوانه من أصناف التوحيد من حيث الأثر
الروحي وما يُرتِّبه من ثواب على هذا الاعتقاد.
وهنا يأتي التساؤل الجوهري، ما هي أكثر الوسائل تقريباً إلى الله سبحانه وتعالى؟
إذا رجعنا إلى القرآن وجدنا الله تعالى يقول فيه: ﴿وَإِذا
سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ﴾
(البقرة: ١٨٦).
فنجد أنَّ تحصيل القرب من الله سبحانه يحصل بالدعاء، ويُؤكِّد ذلك ما روي عن أبي
عبد الله (عليه السلام) حيث قال: «عليكم بالدُّعاء فإنَّكم لا تقربون بمثله»(١٤).
فالآية والرواية تدلّان على حقيقة كون الدعاء هو الطريق الأقرب إلى الله سبحانه
وتعالى، وإذا جعلنا المنظومة الدينية هو البدن فإنَّ روح ذلك البدن هو الدعاء، ولا
حياة للبدن بلا روح، وإذا جعلنا المنظومة الدينية هي روح الإنسان فإنَّ مخَّ ذلك
الروح ولبَّه هو الدعاء، ولا روح بلا مخّ.
إلى هنا توصَّلنا إلى حقيقة الدعاء وأهمّيته في المنظومة الإسلاميَّة بشكل مجمل،
وفي الحقيقة هذه مقدّمة للدخول في الموضوع.
كيف يقوم الدعاء بعملية التنمية للفرد
والمجتمع؟
إنَّ لكلِّ ظاهرة من ظواهر الوجود مجموعة من القوانين تحكمها، وظاهرة الدعاء من بين
هذه الظواهر، وقد مرَّ بنا أنَّ الدعاء لُبُّ العبادة ومخُّ الدين، ولكي يأخذ
الدعاء بأيدينا ليوصلنا إلى الله سبحانه وتعالى لا بدَّ أن تكون هناك مجموعة من
القواعد تضبط هذه الحقيقة وتجعلها مؤثِّرة وفاعلة.
وإذا رجعنا إلى الروايات الشـريفة وجدنا أنَّها تُعطي للدعاء خصائص لا تُعطيها
لغيره من وسائل القرب الإلهي، فتصفه بعض الروايات(١٥)
بأنَّه مفاتيح النجاة، وأنَّه نور السماوات والأرضين، وأنَّه سلاح الأنبياء. وهذه
الأوصاف وغيرها من الأوصاف الروائية إنَّما تريد أن تُعبِّر عن حالة يتمتَّع بها
الدعاء وعن خصوصية يمتاز بها، وهي أنَّ له قدرة وفاعلية، على حدِّ تعبير بعض
الروايات إنَّه يرد القضاء(١٦)
المبرم، فهذه المعاني الروائية تريد أن تفتح لنا ولأبصارنا نافذة نطلُّ من خلالها
على تلك الحقيقة النورانية التي يمتلكها الإنسان، والتي لها القدرة على تغيير كلِّ
شيء والتأثير في كلِّ شيء إلى حدٍّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٤) الكافي للشيخ الكليني
٢: ٤٦٧.
(١٥) وسائل الشيعة للحرِّ
العاملي ٧: ٢٧/ باب ٢/ الحديث رقم ٧ و١٥، وأيضاً ٧: ٣٨/ باب ٨/ ح ٣.
حيث ورد فيها: عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «ما فُتِحَ لأحد باب دعاء
إلَّا فتح الله له فيه باب إجابة، فإذا فُتِحَ لأحدكم باب فليجهد، فإنَّ الله لا
يملُّ حتَّى تملّوا».
وعن الصادق (عليه السلام): «الدعاء يرد القضاء بعد ما أُبرم إبراماً، فأكثر من
الدعاء، فإنَّه مفتاح كلِّ رحمة، ونجاح كلِّ حاجة، ولا ينال ما عند الله (عزَّ
وجلَّ) إلَّا بالدعاء، وإنَّه ليس باب يكثر قرعه إلَّا يوشك أن يُفتَح لصاحبه».
وعن أبي عبد الله (عليه السلام): «... الدعاء سلاح المؤمن، وعمود الدين، ونور
السماوات والأرض».
(١٦) وسائل الشيعة ٧: ٣٦/
باب ٧/ ح ٤، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ الدعاء يردُّ القضاء، ينقضه كما
يُنقَض السلك وقد أُبرم إبراماً».
أنَّها تُغيِّر ما قُدِّر وأُبرم، وهذه الخصوصيات لا يمكن أن تكون إلَّا من إنسان
عارف بها أوَّلاً ملتفت إلى تأثيرها ثانياً، يحمل أهدافاً تجعل منه إنساناً
كالأنبياء في نظرته إلى تحقيق الأهداف، لأنَّ الأنبياء كانوا يملكون(١٧)
هذا السلاح الذي له القدرة على التغيير والتأثير إلَّا أنَّهم لم يُفعِّلوه إلَّا
لصالح المجتمع، وصالح ما يأخذ بالمجتمع إلى القرب إلى الله سبحانه وتعالى، وهذا
يعني أنَّه لا بدَّ من الإخلاص(١٨)
بالدعاء، وأنَّ القلب الساهي والمشغول لا يُقبَل منه الدعاء(١٩).
فعملية تنمية الدعاء للفرد والمجتمع أسماها وأجلَّها لا تكون إلَّا من العارف
الملتفت، صاحب الأُفق الواسع.
وهنا يأتي تساؤل: هل يمكن أن نضيف عنصـراً ذا تأثير أكبر في فاعلية الدُّعاء وقدرته
على تنمية الفرد والمجتمع أو لا؟
نرجع إلى القرآن ونستفتيه في ذلك، فإنَّنا نجده يقول: ﴿فَلا
وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا
يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾
(النساء: ٦٥)، فنجده ينهانا في قوله تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا
دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ (النور: ٦٣)، عن
جعل دعائنا كدعائه إذ هذه الآية تُعطي معنىً عاماً بأنّ النبي (صلّى الله عليه وآله
وسلم) لا يساوى مع غيره في كل شيء بما فيه الدعاء(٢٠)،
وحيث إنَّ حديث الثقلين(٢١)
فضلاً عن كثير من الروايات تجعل ذلك في الأئمَّة (عليهم السلام)(٢٢)
وفي الإمام المهدي (عليه السلام)(٢٣)
خصوصاً، فهو إمام الزمان.
وهذا يقتضـي بطبعه وجود خصوصية زائدة مميّزة له (عليه السلام) فضلاً عن آبائه
(عليهم السلام) في كلِّ شيء، ومن تلك الأشياء التي لهم فيها خصوصية هو خصوصية
دعائهم وتميّزه عن دعائنا، وهذا ما نصَّت عليه الآية المتقدِّمة بتحذير المؤمنين من
أن يجعلوا دعاء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلم) - أي دعاء إمامهم - كدعاء بعضهم
لبعض، فالآية تُحذِّر المؤمنين من مغبَّة الوقوع في محذور مساواة دعائهم لدعاء
إمامهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٧) في الكافي ٢: ٤٦٩: عن
الرضا (عليه السلام) أنَّه كان يقول لأصحابه: «عليكم بسلاح الأنبياء»، فقيل: وما
سلاح الأنبياء؟ قال (عليه السلام): «الدعاء».
(١٨) للدعاء جملة وافرة من
الآداب والشـروط ذكرتها الكتب المختصَّة بالدعاء كاليقين بالدعاء، وتسمية الحاجة،
والهام الدعاء والتقدّم فيه، كما أنَّ له أوقاتاً خاصَّة وأزمنة معيَّنة ذُكِرَت في
محلِّها.
راجع لذلك كتاب الكافي ٢: ٤٦٩/ كتاب الدعاء، وكذلك بحار الأنوار (ج ٩٠/ كتاب
الدعاء)، وكتاب وسائل الشيعة (ج ٧/ باب الدعاء). وسنذكر بعض الآداب المختصَّة
بالدعاء للإمام المهدي (عليه السلام).
(١٩) في الكافي ٢: ٤٧٣: عن
أبي عبد الله (عليه السلام) يقول: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) لا يستجيب دعاء بظهر
قلبٍ ساهٍ، فإذا دعوت فأقبل بقلبك».
(٢٠) إنَّ دعاء النبيِّ
(صلّى الله عليه وآله وسلم) لأحد يتمتَّع بعدَّة مميِّزات، فهو الوحيد العارف بالله
تعالى حقَّ معرفته، وهذه المعرفة تجعل من الدعاء الصادر منه محلّ قبول عند الله
تعالى إذا تقدَّم فيه، فضلاً عن معرفة النبيِّ الأكرم بمقتضـى عصمته وعلمه الحضوري
بوقائع الأشياء وموارد استجلاب الخير واستدراره وساعات ذلك وأزمانه، فلا يكون منه
خلاف الواقع ونفس الامر، وأين هذا من دعاء شخص مهما ازداد رقيّه المعنوي وكملت نفسه
بالطاعة فهو في حضيض العلم الحصولي وتخبّط الظنون و... التي لا يجزم بظروف مطابقتها
للواقع ومن عدمه؟!
فكيف يُقاس هذان النحوان من الدعاء بعضهم ببعض؟!
(٢١) عن الصادق (عليه
السلام): «سُئِلَ أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم): إنّي مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال (عليه
السلام): أنا والحسن والحسين والأئمَّة التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم
وخاتمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم حتَّى يردوا على رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) حوضه». (كمال الدين للصدوق: ٢٤٠).
(٢٢) في الكافي ٢: ٢٧٨/ باب
أنَّ للأئمَّة عهد من الله (عزَّ وجلَّ): عن عمرو بن الأشعث، قال: سمعت أبا عبد
الله (عليه السلام) يقول: «أترون الموصي منّا يوصي إلى من يريد؟ لا والله ولكن عهد
من الله ورسوله (صلّى الله عليه وآله وسلم) لرجل فرجل حتَّى ينتهي الأمر إلى
صاحبه».
وفي الكافي ١: ٢٧٥: عن الحارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال
سمعته يقول: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): نحن في الأمر والفهم
والحلال والحرام نجري مجرى واحد، فأمَّا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)
وعليٌّ (عليه السلام) فلهما فضلهما».
وفي كمال الدين للشيخ الصدوق: ٣٨١: عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت
أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم
بالخلف من بعد الخلف؟»، فقلت: ولِـمَ جعلني الله فداك؟ فقال: «لأنَّكم لا ترون
شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: «قولوا: الحجَّة من آل
محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)».
(٢٣) في علل الشـرائع
للصدوق ١: ٢٠٨: عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه
وآله وسلم): «... الأئمَّة من ولدك بهم تُسقى أُمَّتي الغيث وبهم يُستجاب
دعاؤهم...».
فلا بدَّ أن نلتفت إليها ونجعلها من ضمن محاسبات تنمية الدعاء للذات والمجتمع حيث
إنَّها تعني الخصوصية(٢٤)
في المعصوم، وأنَّ لديه حالة الارتباط المباشر(٢٥)
مع الله سبحانه وتعالى ومن دون وسائط، ويكون كلامه مع الله تعالى من خلال الدعاء
مستجاباً بلا إشكال.
نماذج توحيديَّة في الدُّعاء المهدوي:
وينبغي أن يلتفت قبل الخوض في غمار هذا البحث أنّ للدعاء المهدوي نماذج
ثلاثة تجدها مبثوثة في طيَّات البحث وهي:
١ - الدعاء من الإمام (عليه السلام) للناس أو عليهم.
٢ - الدعاء من المؤمنين للإمام (عليه السلام).
٣ - الدعاء من المؤمنين لحوائجهم بالإمام (عليه السلام)، سواءً كان ذلك بأدعية
واردة عنه أو بغيرها.
يُمثِّل الدعاء المهدوي نموذجاً من أرقى النماذج الارتباطية التي تُهيّئ الأرضية
الخصبة للبناء التوحيدي لدى الأفراد والمجتمعات، فالمطالعات للمخزون الدعائي
المرتبط بالإمام المهدي (عليه السلام) يوقف القارئ على كنوز وجدانية توحيدية مختزنة
فيه قلَّ نظيرها في مكامن رفد وجداني آخر.
إنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) يُشكِّل للداعي من خلال منظومة الدعاء المهدوي في
بعدها التوحيدي عنصـراً إلهياً تجسَّدت فيه إرادة السماء في بناء الكون توحيدياً،
فهو عصارة تجارب الأنبياء التوحيدية ووريث علمهم اللَّدنّي.
فالارتباط به على هذا النحو يُوفِّر للأفراد، بل والمجتمعات حالة التنامي الدائم
والتصاعد الروحي واكتشاف الذوات.
فالدّاعي للإمام المهدي (عليه السلام) يُخاطِب الشخص الأوَّل في الوجود، صاحب
القدرة المطلقة والخُلُق السامي، لكي يُهيِّئ له فُرَص ممارسة دوره في بناء نفسه
وتجلية روحه للوقوف على جادَّة طريق التوحيد.
ومن جهة الإمام فهو الشخص الوحيد المخوَّل من قِبَل الله تعالى، والذي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٤) في الكافي ١: ١٩٣: عن
عليِّ بن جعفر، عن أبي الحسن موسى (عليه السلام)، قال: قال أبو عبد الله (عليه
السلام): «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ خلقنا...، وبعبادتنا عُبِدَ الله (عزَّ وجلَّ)،
ولولانا ما عُبِدَ الله».
(٢٥) في تهذيب الأحكام
للشيخ الطوسي ٤: ١٤٤: عن أبي سيار، عن أبي عبد الله في حديث طويل جاء فيه: «... يا
أبا سيار، الأرض كلُّها لنا، فما أخرج الله منها شيء فهو لنا...».
يملك الصلاحيات التامَّة في إعانة الأشخاص على تخطّي الصعاب في هذا المضمار.
فالقضيَّة متحقِّقة من جميع اتِّجاهاتها.
ولم يبقَ فيها إلَّا أن نتوجَّه بالدعاء بأرضية الإخلاص لنيل المطلوب.
وفيما يلي نماذج من النصوص الشـريفة التي تحدَّثت عن أثر الإمام المهدي (عليه
السلام) في التنمية التوحيدية، وكيف يكون الدعاء له أو مقروناً به موجباً للآثار
العظيمة.
النموذج الأوَّل: الآثار التكوينية للإيمان
المهدوي:
النصوص التي تتحدَّث عن الآثار التكوينية والكبيرة لمن يؤمن بالإمام المهدي (عليه
السلام)، وأنَّ هذا الإيمان من هؤلاء الأفراد بإمامهم الغائب له حالة لا يراها
الناس، بل قد لا يؤمنون بها ولا يُصدِّقونها، إذا لم يستهزؤوا بها ويصفوا من يؤمن
بها بالخرافي أو الرجعي الباطني.
فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنَّه قال: «يأتي على الناس زمان يغيب عنهم
إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا في ذلك الزمان، إنَّ أدنى ما يكون لهم من
الثواب أن يناديهم الباري (جلَّ جلاله) فيقول: عبادي - عبيدي - وإمائي آمنتم بسـرّي
وصدَّقتم بغيبتي فأبشـروا بحسن الثواب منّي، فأنتم عبادي وإمائي حقّاً منكم أتقبَّل
وعنكم أعفوا ولكم أغفر وبكم أسقي عبادي الغيث وأدفع عنهم البلاء ولولاكم لأنزلت
عليهم عذابي...»(٢٦).
ويُستفاد من الحديث عدَّة أُمور:
الأوَّل: تقسيم العباد على قسمين: الأوَّل صاحب كمالات وملكات ومؤهّلات عالية جدّاً
تكون سبباً في بقاء القسم الثاني وغفران ذنبه وديمومة الحياة له، ولولا القسم
الأوَّل لما كان للقسم الثاني كرامة في الحياة وفوز في المعاد.
الثاني: أنَّ القسم الأوَّل من العباد - الحقيقيين الموحِّدين العارفين حقّ المعرفة
- ملاكهم في تحصيل هذه المرتبة من القرب الإلهي وامتلاك المؤهّلات العليا هو الثبات
على إمامة الإمام المهدي (عليه السلام) في زمان غيبته.
وهذا العنصـر - الإيمان بالإمام المهدي في زمان غيبته - حسب هذا النصّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) كمال الدين للشيخ الصدوق: ٣٣٠/ باب ٣٢/ رقم الحديث ١٥.
له قدرات تكوينية خفيَّة لا يعرفها فضلاً عن أن يراها إلَّا من تأهَّل لمراتب
إيمانية عالية.
الثالث: أنَّ أدنى مرتبة يملكها المؤمنون بغيبة الإمام المهدي (عليه السلام) هي:
١ - أنَّ الله تعالى يُكلِّمهم - يناديهم الباري -، فلهم بهذا الإيمان صفة الحديث
من قِبَل الله تعالى.
٢ - أنَّ الله تعالى يُبشِّرهم بحسن الثواب منه، وهذا بعد أُخروي.
٣ - أنَّهم عباد الله تعالى الحقيقيون سواء من كان منهم ذكراً أم أُنثى.
٤ - أنَّ أعمالهم وأفعالهم ودعاءهم وكلَّ ما يصدر منهم فهو مقبول عند الله تعالى.
٥ - أنَّ عفو الله تعالى وغفرانه ثابت لهم.
٦ - أنَّ الأرزاق - نزول الغيث - للعباد الآخرين إنَّما يكون بسببهم.
٧ - أنَّهم يُشكِّلون المانع من نزول العذاب على المؤمنين والعباد الآخرين.
٨ - أنَّ البلاء يندفع بهؤلاء المؤمنين الحقيقيين عنهم وعن غيرهم.
هذه هي أدنى مرتبة وآثارها التي يملكها المؤمنون بغيبة الإمام (عليه السلام)، والتي
هي أقلّ ما لهؤلاء، إنَّما جاءت بسبب إيمانهم بالغيبة، فكيف هي الآثار في المراتب
المتوسّطة أو العليا؟
وما هي يا ترى الآثار التي لمرتبة الإمام (عليه السلام)؟ وكيف سيكون دعاؤه للمؤمنين
به وآثار تنميته لتوحيد المؤمنين؟
هذا إن قصـرنا نظرنا بمقتضـى النصّ المتقدِّم على الآثار التكوينية المترتّبة على
الدعاء، ولاحظنا كيف أنَّ أدنى مراتبه هي في نظرنا القاصر عالية جدّاً، وإذا لاحظنا
نصوصاً أُخرى كدعاء الافتتاح الذي كان يدعو به السفير الثاني (رضي الله عنه) والذي
جاء فيه بعد حمد الله وذكر الأئمَّة (عليهم السلام) وآثارهم الاعتقادية على الدعاء
واستجابته ذكر القائم (عليه السلام) في عدَّة مقاطع منها: «اللَّـهُمَّ أَعِزَّهُ
وَاعْزِزْ بِهِ، وَانْصُرْهُ
وَانْتَصِـرْ بِهِ...، اللَّـهُمَّ أَظْهِرْ بِهِ دينَكَ...، اللَّهُمَّ المُمْ
بِهِ شَعَثَنا، وَاشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَارْتُقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْ بِهِ
قِلَّتَنا، وَأَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَاغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَاقْضِ بِهِ عَنْ
مَغْرَمِنا، وَاجْبُرْ بِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّـرْ بِهِ
عُسْـرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ أَسْرَنا، وَأَنْجِحْ بِهِ
طَلِبَتَنا، وَأَنْجِزْ بِهِ مَواعيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَأَعْطِنا
بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ آمالَنا، وَأَعْطِنا
بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِنا، يا خَيْرَ المَسْؤولينَ وَأَوْسَعَ المُعْطينَ، اشْفِ بِهِ
صُدُورَنا، وَأَذْهِبْ بِهِ غَيْظَ قُلُوبِنا، وَاهْدِنا بِهِ لِمَا اخْتُلِفَ فيهِ
مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدي مَنْ تَشاءُ إِلى صِراط مُسْتَقيم،
وَانْصُـرْنا بِهِ عَلى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّنا إلـهَ الْحَقِّ آمينَ».
فهذه النصوص القدسية يُعبِّر كلُّ فقرة من فقراتها عن دعاء مهدوي يُنمّي الذات
التوحيدية من خلال عقيدة الارتباط المهدوي، وأنَّ لولاها لما أمكن تحصيل هذه
القضايا والطلبات والمنايا.
وبهذه المقاطع تستجلى أكثر عقيدة التنمية التوحيدية للإمام (عليه السلام).
النموذج الثاني: المعرفة للإمام موجبة لدعاء
غير محجوب:
ذكرت جملة من الأحاديث أنَّ المعرفة والإيمان لا يكونان في فرد ما لم يؤمن بالإمام
(عليه السلام)، وأنَّ ادِّعاء الإيمان لا يصحُّ من شخص ما لم يكن هذا الادِّعاء
مقروناً منه بالاعتقاد والإيمان به (عليه السلام) على حدِّ تعبير الآية: ﴿وَلَمَّا
يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (الحجرات: ١٤).
فتكون معرفة الإمام والإيمان به هي الأرضية الأُولى التي ينطلق منها الفرد لتنمية
إيمانه، إذ بدونهما لا إيمان أصلاً - لا يوجد مقتضٍ لكي يُبحَث عن وجود مانع من
عدمه -.
ومن بين تلك النصوص:
عن ابن أذينة، عن أحدهما (عليهما السلام) أنَّه قال: «لا يكون العبد مؤمناً حتَّى
يعرف الله ورسوله والأئمَّة كلهم وإمام زمانه، ويردّ إليه ويُسلِّم له...»(٢٧).
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): «إنَّما يعرف الله ويعبده من عرف الله وعرف
إمامه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) الكافي ١: ١٨١/ باب معرفة الإمام والردّ إليه/ الحديث ٢.
منّا أهل البيت، ومن لا يعرف الله (عزَّ وجلَّ) ولا يعرف الإمام منّا أهل البيت
فإنَّما يعرف ويعبد غير الله، هكذا والله ضلالاً»(٢٨).
فالإيمان بمقتضـى هذه النصوص الشـريفة مرهون بالإمام المهدي (عليه السلام)، لأنَّ
الإمام هو السالك بالعباد في طرق الدنيا، بل عن طرق الأرض فضلاً عن طرق السماء، فمن
يرد أن يثبت إيمانه ويعظم وينمي لا بدَّ له من قائد يقود إيمانه للرقّي والتنمية،
ولا بدَّ أن يكون هذا القائد عارفاً بتلك الطرق ومنعرجاتها، وأن تكون معرفته تلك
لدُّنّية، ليأمن السالكون خلفه الوقوع في منزلقات الطريق، وقد أشار الإمام الباقر
(عليه السلام) إلى هذا بحديثه إلى أبي حمزة قائلاً له: «يخرج أحدكم فراسخ فيطلب
لنفسه دليلاً وأنت بطرق السماء أجهل منك بطرق الأرض، فاطلب لنفسك دليلاً»(٢٩).
والدعاء لتنمية الإيمان سفر في طرق السماء، فلا بدَّ أن نطلب له دليلاً.
فمن هو الدليل؟
دعاء الإمام (عليه السلام) هو الدليل:
يجيب الإمام الرضا (عليه السلام) بقوله: «الإمام الدليل على المسالك، من فارقه
هالك...، الإمام أمين الله في أرضه، وحجَّته على عباده، وخليفته في بلاده، الداعي
إلى الله»(٣٠).
وفي حديث للإمام الصادق (عليه السلام) يروي فيه خطبة للنبيِّ الأكرم (صلّى الله
عليه وآله وسلم) جاء فيها: «والنصيحة لأئمَّة المسلمين واللزوم لجماعتهم، فإنَّ
دعوتهم محيطة من ورائهم...»(٣١).
فإنَّ دعاء الأئمَّة (عليهم السلام) للمؤمنين يكفيهم ويحيط بهم من جوانبهم ويحفظهم،
بل إنَّ الإمام (عليه السلام) يُصـرِّح بذلك في توقيعه المروي في (الاحتجاج)(٣٢):
«لأنَّنا من وراء حفظهم بالدعاء الذي لا يُحجَب عن ملك الأرض والسماء، فليطمئنَّ
بذلك من أوليائنا القلوب...».
فالإمام من خلال هذا النصّ الشـريف ضمن الدعاء لأوليائه الذين تحدَّثت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٨) الكافي ١: ١٨١/ باب
معرفة الإمام والردّ إليه/ الحديث ٤.
(٢٩) الكافي ١: ١٨٥.
(٣٠)
الاحتجاج للشيخ الطبرسي ٢: ٢٢٨.
(٣١) أمالي الشيخ المفيد:
١٨٧.
(٣٢) الاحتجاج للشيخ
الطبرسي ٢: ٣٢٥.
النصوص عنهم في الأمر الأوَّل، وأنَّ هذا الدعاء منه (عليه السلام) موجب لاطمئنان
نفوسهم - إن كانوا أولياء حقّاً -، وهذا الدعاء سمته أنَّه لا يُحتَجب عن ملك الأرض
والسماء.
فممَّا لا شكَّ فيه أنَّ الدعاء الصادر من الإمام (عليه السلام) يكون موجباً لتنمية
إيمان الأفراد والمجتمعات.
ولم يكتفِ الأئمَّة (عليهم السلام) بهذه المرتبة لتقوية إيمان المؤمنين بهم بتعقّب
دعائهم وتنمية إيمانهم، بل تجاوز الأمر إلى متابعة شؤونهم الشخصية والشعور بما
ينالهم من همٍّ وحزن، فقد ورد أنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) خاطب أحد أصحابه
قائلاً له: «يا رميلة، ليس من مؤمن يمرض إلَّا مرضنا بمرضه، ولا يحزن إلَّا حزناً
بحزنه، ولا يدعو إلَّا أمنّا لدعائه، ولا يسكت إلَّا دعونا له...»، ثمّ قال له: «يا
رميلة، ليس يغيب عنّا مؤمن في شرق الأرض ولا في غربها»(٣٣).
والنصُّ واضح الدلالة في أنَّ الإمام (عليه السلام) يسعى إلى تقوية دعاء الداعي،
فإن لم يكن في البين دعاء تصدّى هو بنفسه للدعاء عنه. نعم لا بدَّ أن يكون المؤمن
بتلك المرتبة التي تؤهّله لذلك، إذ المقتضي لا بدَّ أن يكون منه.
هذا وقد سجَّلت بعض الروايات الشـريفة للإمام المهدي (عليه السلام) كما لآبائه
(عليهم السلام) أثراً وجودياً يرتبط بالدعاء حاصله: أنَّ محض وجوده المبارك هو دافع
للبلاء عن شيعته وأهله كما في النصِّ الوارد عن طريق أبي نصـر، قال: دخلت على صاحب
الزمان (عليه السلام) فقال: «... أنا خاتم الأوصياء، وبي يدفع الله (عزَّ وجلَّ)
البلاء عن أهلي وشيعتي».
فمن مجموع النصوص المتقدِّمة يمكن أن يُستفاد التالي:
١ - أنَّ الإيمان مقرون بالإمام (عليه السلام).
٢ - أنَّ تنمية الإيمان لا يكون إلَّا من خلال دلالة الإمام (عليه السلام).
٣ - أنَّ الإمام (عليه السلام) يباشر هذه المهمَّة من خلال عدَّة تدبيرات، ويقوم
بخطوات متعدِّدة في سبيل تكميل إيمان الأفراد المؤمنين به، ومن بين تلك الخطوات
التي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) بصائر الدرجات لمحمّد الحسن الصفّار: ٢٨٠.
يقوم بها (عليه السلام) الدعاء، حيث نصَّت بعض الأخبار المتقدِّمة أنَّ التأمين على
دعاء المؤمنين حالة ثابتة من الإمام (عليه السلام) لمن كان منهم في مشـرق الأرض أو
غربها، فإن لم يكن منهم دعاء تبرَّع الإمام (عليه السلام) بالدعاء لهم.
٤ - أنَّ دعاء الإمام (عليه السلام) يتمتَّع بخصوصية أنَّه لا يُحجَب عن الله
تعالى. وإنَّ أقلّ مراتب وجوده المبارك في هذا الزمان هو دفع البلاء، لكي تتهيَّأ
الأرضية وترتفع الموانع عن المؤمنين لاستكمال إيمانهم وتنمية ذواتهم.
وأثناء التتبّع في النصوص الشريفة التي تدور رحاها حول هذا الموضوع وجدت رواية
شريفة لها مفاد عالٍ جدّاً ومضمون راقٍ يتحدَّث عن حقيقة المؤمن ومكانته لدى إمامه
حيث كتب السيِّد ابن طاووس في كتاب الحجَّة في وصيَّته لولده في ما يحفظ فيه للإمام
(عليه السلام) من حقٍّ وأن يعرض حوائجه عليه جاء فيه: (وممَّا أقول لك يا ولدي
محمّد ملأ الله (جلَّ جلاله) عقلك وقلبك من التصديق لأهل الصدق والتوفيق في معرفة
الحقِّ: إنَّ طريق تعريف الله (جلَّ جلاله) لك بجواب مولانا (المهدي) صلوات الله
وسلامه على قدرته (جلَّ جلاله) ورحمته، فمن ذلك ما رواه محمّد بن يعقوب الكليني في
كتاب (الوسائل) عمَّن سمّاه، قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أنَّ الرجل يجب
أن يُفضـي إلى إمامه ما يجب أن يُفضـي به إلى ربِّه؟ قال: فكتب: «إن كانت لك حاجة
فحرِّك شفتيك فإنَّ الجواب يأتيك...»)(٣٤).
ولا يهمّنا التعرّض لسند الحديث باعتبار أنَّه حسب الظاهر موافق للمبادئ العامَّة
التي عليها النصوص العقائدية. والملاحَظ فيه أنَّ الحديث عن السرعة في الإجابة
بمجرَّد تحريك الشفتين.
ثمّ إنَّ حديثنا في إطار النماذج المتقدِّمة كان حديثاً عامّاً وليس لخصوص فردٍ
بعينه، وعن آثار الدعاء في تنمية التوحيد وكيف يُؤثِّر ذلك في عملية توحيده، وهذه
قضيَّة استجلب خيرَها الكثيرُ ممَّن عمل بها، وينبغي أن تخرج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٤) كشف المحجَّة لثمرة المهجة للسيِّد ابن طاووس: ١٥٣. وهذا الحديث المنقول على لسان السيِّد من كتاب الوسائل الذي نسبه إلى الشيخ الكليني وإن كان ليس بأيدينا مصدره إلَّا أنَّ نقله على لسانه وإرساله بهذا الشكل يكشف عن كون تلك النسخة كانت بيده أو قُرِأت عليه، هذا فضلاً عن كونه موافق للأصل، وليس فيه مخالفة، وإنَّما أوردناه كشاهد في بيان المطلوب على لسان الأئمَّة (عليهم السلام).
عن إطارها الفكري التنظيري لتلبس ثوباً تجريبياً، إذ أنَّ الكثير من القضايا
الاعتقادية وآثارها على الفكر والسلوك يدخل في إطار التجربة بمعنى أنَّ هناك مقولات
تصل إلينا عن آثار قضايا غير مرئية لنا، ونحن نؤمن تبعاً للعقيدة الإيمانية بالله
تعالى والأئمَّة (عليهم السلام)، ولكي نُخرج هذه العقيدة من حالة المعرفة النظرية
إلى حالة الممارسة العملية يمكن لأيِّ فردٍ منّا أن يأخذ نموذجاً من هذه النماذج
ويداوم عليه فترة من الزمن بقصد استجلاب آثاره التكوينية، إذ أنَّ الكثير من
الروايات تحدَّثت عن أنَّ هناك آثاراً للتوحيد على نفسية المؤمن، وأنَّ هناك آثاراً
للصلاة والصوم مثلاً على نفسية المؤمن وسلوكه، بل إنَّ جملة من الدراسات أكَّدت ما
قرَّره الشارع المقدَّس على لسان الوحي قبل مئات من السنين بأنَّ النفسية الكلّية
والرعاية الأبوية للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) أو الإمام (عليه السلام) في
أُمَّته تُؤثِّر أثرها وإن لم نتمكَّن من الشعور بذلك الأثر كما في حديث المعراج عن
أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلم) لو فعل فعالاً معيَّنة لتأثَّرت الأُمَّة
بتلك الفعال(٣٥)،
وهذا النموذج التجريبي - الذي يُجسِّد التنظير الفكري العقدي لأُمَّهات العقائد
الإسلاميَّة ومنها الدعاء خصوصاً المختصّ منه بالإمام المهدي (عليه السلام) وأثره
في تنمية التوحيد - يمكن أن يُعَدَّ منهجاً تربوياً يختلف عن كثير من المناهج التي
يُراد لها أن تكون ميزاناً للتربية وانعكاساً لأخلاق أفراد الأُمَّة.
والآن نتحدَّث عن نماذج أثَّر الدعاء في تنميتها وثبات
أصحابها على الاستقامة والتوحيد فضلاً عن تحصيل آثار دنيوية أُخرى:
الأوّل: أحمد بن إبراهيم يُكنّى أبا حامد المراغي،
وهو من أصحاب الإمام العسكري (عليه السلام)، وقد خرج فيه من صاحب الأمر (عليه
السلام) توقيع على يد محمّد بن أحمد بن جعفر القمّي العطّار: «وقفت على ما وصفت به
أبا حامد أعزَّه الله بطاعته، وفهمت ما هو عليه تمَّم الله ذلك له بأحسنه، ولا
أخلاه من تفضُّله عليه، وكان الله وليَّه أكثر السلام وأخصه...»(٣٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) بحار الأنوار ١٨: ٣١٩:
تفسير عليّ بن إبراهيم: أبي، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله
(عليه السلام) قال: «جاء جبرئيل وميكائيل وإسرافيل بالبراق إلى رسول الله (صلّى
الله عليه وآله وسلم)... فوجدنا إبراهيم وموسى وعيسى فيمن شاء الله من أنبياء الله
(عليهم السلام) قد جمعوا إليَّ، وأُقيمت الصلاة، ولا أشكُّ إلَّا وجبرئيل
سيتقدَّمنا، فلمَّا استووا أخذ جبرئيل بعضدي فقدَّمني وأممتهم ولا فخر، ثمّ أتاني
الخازن بثلاثة أوان: إناء فيه لبن، وإناء فيه ماء، وإناء فيه خمر، وسمعت قائلاً
يقول: إن أخذ الماء غرق وغرقت أُمَّته، وإن أخذ الخمر غوي وغويت أُمَّته، وإن أخذ
اللبن هدي وهديت أُمَّته، قال: فأخذت اللبن وشربت منه، فقال لي جبرئيل: هديت وهديت
أُمَّتك، ثمّ قال لي: ماذا رأيت في مسيرك؟ فقلت: ناداني منادٍ عن يميني، فقال لي:
أوَأجبته؟ فقلت: لا ولم ألتفت إليه، فقال: ذلك داعي اليهود، لو أجبته لتهوَّدت
أُمَّتك من بعدك، ثمّ قال: ماذا رأيت؟ فقلت: ناداني منادٍ عن يساري، فقال لي:
أوَأجبته؟ فقلت: لا ولم ألتفت إليه، فقال: ذاك داعي النصارى لو أجبته لتنصَّـرت
أُمَّتك من بعدك، ثمّ قال: ماذا استقبلك؟ فقلت: لقيت امرأة كاشفة عن ذراعيها، عليها
من كلِّ زينة الدنيا، فقالت: يا محمّد، اُنظرني حتَّى أُكلِّمك، فقال لي:
أفكلَّمتها؟ فقلت: لا كلَّمتها ولم ألتفت إليها، فقال: تلك الدنيا، ولو كلَّمتها
لاختارت أُمَّتك الدنيا على الآخرة، ثمّ سمعت صوتاً أفزعني، فقال لي جبرئيل: أتسمع
يا محمّد؟ قلت: نعم، قال: هذه صخرة قذفتها عن شفير جهنَّم منذ سبعين عاماً، فهذا
حين استقرَّت».
(٣٦) معجم رجال الحديث
للسيِّد الخوئي/ الرقم ٣٨٣.
والتوقيع واضح في الدعاء بأحسن ما يمكن أن يتفضَّل الله على عبده المؤمن، وأن
يتولّاه، وأن لا يخليه ممَّا تفضَّل به عليه.
الثاني: توقيعه (عليه السلام) في الدعاء لعثمان بن
سعيد العمري (رحمه الله) عند تعزيته لولده محمد حيث جاء فيها: «نضَّر الله وجهه
وأقاله عثرته»(٣٧).
وكذا ما ورد في الابن من قوله (عليه السلام): «أرشدك الله وثبَّتك»(٣٨).
ومما ورد كذلك في دعاءه (عليه السلام) للحسين بن روح (رحمه الله) السفير الثالث في
توقيع لمن سأل عن حاله (رحمه الله) حيث جاء فيه: «زاد الله في إحسانه إليه...»(٣٩).
الثالث: وهو ما خرج للقاسم بن العلاء حيث نُعيت فيه
إليه نفسه وكان ابنه يرتكب المعاصي، فورد الدعاء له: «ألهمك الله طاعته وجنَّب
معصيته... قد جعلنا أباك إماماً لك وفعاله لك مثالاً»(٤٠).
وأثر الدعاء في استقامة الابن واضح.
الرابع: ما ورد لإسحاق بن يعقوب (رحمه الله) والحميري
(رحمه الله) في جملة تواقيعٍ حيث ورد للأول: «أمّا ما سألت عنه أرشدك الله
وثبَّتك...»(٤١).
وأمّا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري (رحمه الله) فقد سأل الإمام (عليه السلام)
الدعاء له ولإخوانه فخرج التوقيع: «جمع الله لك ولإخوانك خير الدنيا والآخرة»(٤٢).
وفي توقيع آخر للحميري (رحمه الله) أيضاً سأله الدعاء فخرج الجواب منه (عليه
السلام): «جاد الله عليه بما هو جلَّ وعلا أهله، إيجابنا لحقِّه، ورعايتنا لأبيه
(رحمه الله) وقرَّبه منّا بما علمناه من جميل نيَّته ووقفنا عليه من مخالطته
المقرِّبة له من الله التي ترضي الله عزَّ وجلَّ ورسوله وأولياءه... وأن يصلح له من
أمر دينه ودنياه ما يحبُّ صلاحه إنه وليٌّ قدير»(٤٣).
النموذج الثالث: الدعاء بتعجيل الفرج:
فقد ذُكِرَ في النصوص الشـريفة أنَّه (عليه السلام) خاطب أتباعه ومريديه بالإكثار
من دعاء الفرج له، فقد روى الشيخ الطوسي بسنده عن جعفر بن محمّد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) الغيبة للطوسي: ص١٦١.
(٣٨) الاحتجاج: ج٢، ص٤٦٩.
(٣٩) غيبة الطوسي: ص٣٦٧.
(٤٠) الغيبة للطوسي: ص٣٠٨.
(٤١) بحار الأنوار: ج٥٣،
ب٣١.
(٤٢) الغيبة للطوسي: ص٣٧٤.
(٤٣) بحار الأنوار: ج٥٣،
ب٣١.
بن قولويه وأبي غالب الرازي وغيرهم، عن محمّد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب،
قال: سألت محمّد بن عثمان العمري(رحمه الله) أن يوصل إليَّ كتاباً قد سألت فيه عن
مسائل أُشكلت عليَّ، فورد التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الدار (عليه السلام): «أمَّا
ما سألت عنه أرشدك الله وثبَّتك من المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمّنا، فأعلم
أنَّه ليس بين الله (عزَّ وجلَّ) قرابة، ومن أنكرني فليس منّي...، وإنّي لأمان أهل
الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، فأغلق السؤال عمَّا لا يعنيكم، ولا
تتكلَّفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإنَّ ذلك فرجكم»(٤٤).
فإنَّ الغوص في أعماق هذا الدعاء يُري أنَّ فيه نموذجاً توحيدياً وانتماءً عقائدياً
كبيراً حيث إنَّ ثمرات هذا الدعاء والتوجُّه إلى الإمام (عليه السلام) من خلال
الدعاء له والطلب من الله سبحانه وتعالى بتعجيل فرجه فإنَّ الدعاء بهذا المعنى يوجب
حصول التنمية والزيادة كلَّما حصل الإكثار.
فالأمر به في النصِّ الشـريف له أثره الكبير في القرب من الإمام من جهة، والتلبُّس
بصفة الإكثار بالدعاء من جهة أُخرى، والتي حثَّ عليه نصوص شريفة(٤٥)،
كما أنَّه - هذا الإكثار - موجب لقرب الفرج لنفس الدّاعي، إذ بظهور الإمام (عليه
السلام) سيحصل الفرج للجميع دون استثناء.
ولا بدَّ للوقوف حول هذه المفردة التوحيدية في الدعاء من أن نتحدَّث عن الفرج
الفكري، وكيف أنَّ الظهور الشـريف للمولى صاحب العصـر والزمان (عليه السلام)
يُشكِّل للمؤمنين به فرجاً على صعيدهم الفكري، كما أنَّه وفي نفس الوقت يُشكِّل
فرجاً لهم على صعيد الاعتقاد والعبادة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من المناحي، كما
أنَّه ينبغي أن لا يُغفَل حصول الفرج النفسـي والأخلاقي والتربوي، بل وغيرها ممَّا
يخفى علينا ولا نعلمه وسيُظهِره (عليه السلام) إذا ما أكثرنا من الدعاء له، وكان
دعاؤنا موجباً للتفريج عنه. وهذا نموذج توحيدي راقٍ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٤) الغيبة للشيخ الطوسي:
٢٩٢.
(٤٥) فقد ورد في رسالة
الإمام الصادق (عليه السلام): «أكثروا من أن تدعوا الله، فإنَّ الله يُحِبُّ من
عباده المؤمنين أن يدعوه، وقد وعد الله عباده المؤمنين بالاستجابة، والله مصيِّر
دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملاً يزيدهم به في الجنَّة، فأكثروا ذكر الله ما
استطعتم في كلِّ ساعة من ساعات الليل والنهار، فإنَّ الله أمر بكثرة الذكر له،
والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا أنَّ الله لم يذكره أحد من عباده
المؤمنين إلَّا ذكره بخير، فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته، فإنَّ الله لا
يُدرَك شيء من الخير عنده إلَّا بطاعته واجتناب محارمه التي حرَّم الله في ظاهر
القرآن وباطنه، فإنَّ الله تبارك وتعالى قال في كتابه وقوله الحقُّ: ﴿وَذَرُوا
ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠]». (الكافي للشيخ الكليني ٨:
٧).
خاتمة: الدعاء من الإمام (عليه السلام) على
الأشخاص وأثره في الخسران:
تقدَّمت أهمّية الدعاء ودوره في بناء المنظومة التوحيديَّة، وأنَّ الدُّعاء المهدوي
إذا ما تحقَّق من أيِّ فردٍ من أفراد الأُمَّة فإنَّه سيكون مورداً لاستجلاب
التنمية التوحيديَّة وأثرها في بناء الشخصية المؤمنة، وبالتالي فإنَّ الدُّعاء
سينتج أشخاصاً يحملون عقيدة توحيدية رصينة يجابهون بها مخاطر الانحرافات
والانزلاقات التي تحصل للأفراد أثناء مسيرتهم التكاملية في السلوك إلى الله سبحانه
وتعالى، فالمنظومة الدُّعائية - ذلك المخزن الكبير الذي رفدت السماء به أبناء
العقيدة المحقَّة - تمتلك وكما سلف الآثار التكوينيَّة التي يتأهَّل بها أصحاب
العقيدة لنيل الغايات الكُبرى، ولا يخفى أنَّ لهذه المنظومة العملاقة أساسيات
وضوابط لا تنتج الثمار إلَّا من خلالها.
وعلى العكس من هذا يقف الدعاء على الأشخاص موقف المانع من تحصيل الكمالات، بل وفي
بعض الأحيان موقف سَلب المقتضـي، وقد انعكس من خلال الموارد التي سجَّلتها كُتب
التراجم والمعاجم حيث ورد فيها أنَّ هناك أشخاصاً كانت لهم مميّزات خاصَّة، ولكن
ورغم المميّزات الفريدة التي تمتَّعوا بها ولفترات طويلة وأهَّلتهم أن يكون الواحد
منهم مشاراً إليه ورئيساً في قومه وشاخصاً يلتجأ إليه عند حلول النوائب الفكرية أو
الاجتماعية فإنَّه وبسبب اختلال المنظومة الدعائية لديه سُلِبَ منه ما كان يتمتَّع
به، ومن النماذج التي بَرزت في التاريخ والتي سُجِّلت عليها هذه الملاحظة من قِبَل
الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام) هو عُروة بِن يحيى النَّخاس الدهقان.
حيث روى الكشّـي (رحمه الله) في رجاله على ما نقله الشيخ الطوسي (رحمه الله) عنه في
اختيار معرفة الرجال(٤٦)
حيث قال: حدَّثني محمّد بن قولويه الجمّال، عن محمّد بن موسى الهمداني: أنَّ عروة
بن يحيى البغدادي المعروف بالدهقان لعنه الله وكان يكذب على أبي الحسن عليِّ بن
محمّد بن الرضا (عليهم السلام) وعلى أبي محمّد الحسن بن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٦) اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ٢: ٨٤٢.
عليٍّ (عليهما السلام) بعده، وكان يقطع أمواله لنفسه دونه ويكذب عليه، حتَّى لعنه
أبو محمّد (عليه السلام) وأمر شيعته بلعنه، والدعاء عليه لقطع الأموال، لعنه الله.
قال عليُّ بن سلمان بن رشيد العطّار البغدادي: فلعنه أبو محمّد (عليه السلام)، وذلك
أنَّه كانت لأبي محمّد (عليه السلام) خزانة، وكان يليها أبو عليّ بن راشد (رحمه
الله)، فسُلِّمت إلى عروة، فأخذ منها لنفسه ثمّ أحرق باقي ما فيها، يغايظ بذلك أبا
محمّد (عليه السلام)، فلعنه وبَرئ منه ودعا عليه، فما أمهل يومه ذلك وليلته حتَّى
قبضه الله إلى النار. فقال (عليه السلام): «جلست لربّي ليلتي هذه كذا وكذا جلسة،
فما انفجر عمود الصبح ولا انطفى ذلك النار حتَّى قتل الله عدوَّه لعنه الله».
فأنت تلاحظ النصَّ وشدَّة الألم الذي أُصيب به الإمام العسكري (عليه السلام) من هذا
الوكيل الذي كان يرعى شؤوناً للإمام ولكنَّه ومع شديد الأسف انحرف، وأيَّ انحراف
إنَّه الذي يجعله يقوم بأعمال ليس الهدف منها إلَّا أن يغيض الإمام، فأيّ قلب مريض
يمتلك هذا الدهقان حتَّى إنَّ خوف الإمام على شيعته من أمره استدعى منه أن يجلس
عدَّة جلسات للدعاء، فلاحظ النصَّ كيف يقول: «جلست لربّي ليلتي هذه كذا وكذا
جلسة...».
فالإمام المعصوم الذي مهمَّته هداية الناس والأخذ بأيديهم إلى الاستقامة بعد يأسه
من هذا الرجل والذي كان من المقرَّبين اضطرَّ إلى أن يُكرِّر جلسات الدُّعاء
ليتخلَّص من شرِّه.
وأنت تلاحظ جليّاً أثر دعاء الإمام فإنَّه ما إن طلع الصباح حتَّى سَلَّط الله
تعالى على هذا الرجل من يقتله بسبب دعاء الإمام (عليه السلام) عليه، وبقي ذكره
السيِّئ إلى يومنا هذا.
أملي أن لا تغادر هذه الصفحة وترجع إلى الرواية وتقرأها في عدَّة جلسات وتتأمَّل
فيها لترى حال أشخاص كانوا بحسب الظاهر يُحسَبون على الأئمَّة ولكن ومع شديد الأسف
خسـروا أنفسهم ولاحقتهم اللعنة على مرِّ التأريخ، هذا نموذج.
والنموذج الآخر هو أحمد بن هلال العبرتائي الذي دعا عليه الإمام عدَّة مرّات ولعنه
وبرأ منه، وذكر أنَّ ما أوجب حصول ما حصل لابن هلال هو «لم يدعُ المرء ربَّه بأن لا
يزيغ قلبه بعد أن هداه، وأن يجعل ما منَّ به عليه مستقرّاً ولا يجعله مستودعاً. وقد
علمتم ما كان من أمر الدهقان عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله
بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولا يمهله»(٤٧).
وإليك النصُّ الكامل الذي رواه الشيخ الطوسي(رحمه الله) في اختيار معرفة الرجال عن
أحمد بن هلال: عليُّ بن محمّد بن قتيبة، قال: حدَّثني أبو حامد أحمد بن إبراهيم
المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال، وكان ابتداء
ذلك أن كتب (عليه السلام) إلى قوامه بالعراق: «احذروا الصوفي المتصنِّع»، قال: وكان
من شأن أحمد بن هلال أنَّه قد كان حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، عشـرون منها على
قدميه. قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في
مذمَّته، فحملوا القاسم بن العلا على أن يراجع في أمره. فخرج إليه: «قد كان أمرنا
نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال لا (رحمه الله) بما قد علمت، لم يزل لا غفر الله له
ذنبه ولا أقاله عثرته يداخل في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضى يستبدُّ برأيه، فيتحامي
من ديوننا، لا يُمضـي من أمرنا إلَّا بما يهواه ويريد، أرداه الله بذلك في نار
جهنَّم، فصبرنا عليه حتَّى تبر الله بدعوتنا عمره. وكنّا قد عرَّفنا خبره قوماً من
موالينا في أيّامه لا (رحمه الله)، وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصّ من موالينا،
ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال لا (رحمه الله)، وممَّن لا يبرء منه. وأعلم
الإسحاقي سلَّمه الله وأهل بيته ممَّا أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان
سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين ومن كان يستحقُّ أن يطَّلع على ذلك، فإنَّه
لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يؤدِّيه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنَّنا
نفاوضهم سرّنا، ونحمله إيّاه إليهم، وعرفنا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٧) اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ٢: ٨١٧؛ وفي البحار ٥٠: ٣١٩: (لم يدع المرزئة بأن لا يزيغ قلبه)، ولم يظهر لي ذلك.
ما يكون من ذلك إن شاء الله تعالى». وقال أبو حامد: فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه،
فعاودوه فيه فخرج: «لا شكر الله قدره لم يدعُ المرء ربَّه بأن لا يزيغ قلبه بعد أن
هداه، وأن يجعل ما من به عليه مستقرّاً ولا يجعله مستودعاً. وقد علمتم ما كان من
أمر الدهقان عليه لعنة الله وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل
ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولا يمهله، والحمد لله لا شريك له، وصلّى الله على
محمّد وآله وسلَّم»(٤٨).
وبمراجعة النصِّ مرَّة أُخرى - الذي تحدَّث عن قضيَّة أحمد بن هلال -، نجد أنَّ هذا
الرجل لشدَّة ما كان ظاهره مقبولاً لدى العامَّة من الناس كان هناك تشكيك في صدور
تلك التوقيعات الذامَّة له عن المعصوم (عليه السلام)، وأنَّها بقصد ذمِّه وبيان
حقيقة الحال فيه حتَّى استدعى الأمر أن يصدر في حقِّه وبيان حاله أكثر من مكاتبة مع
الأئمَّة (عليهم السلام)، وهذا الأمر لا يهمُّ كثيراً في محلِّ بحثنا وإنَّما أردنا
الإشارة إليه لغرض أن نلتفت إلى بعض الأشخاص وخطرهم على المذهب والدين.
والذي يهمّنا في محلِّ بحثنا إذا رجعنا إلى روايتنا آنفة الذكر أنَّنا نجد في كلام
الإمام (عليه السلام) هذه المقاطع، ونجعلها ضمن نقاط، ليسهل علينا استفادة مداليلها:
١ - قوله (عليه السلام): «قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال لا (رحمه
الله)».
٢ - قوله (عليه السلام): «بما قد علمت لم يزل لا غفر الله له ذنبه».
٣ - قوله (عليه السلام): «ولا أقال عثرته يداخل في أمرنا بلا إذن منّا».
٤ - قوله (عليه السلام): «لا يُمضي من أمرنا إلَّا بما يهواه ويريده أرداه الله
بذلك في نار جهنَّم».
٥ - قوله (عليه السلام): «فصبرنا عليه حتَّى تبر الله بدعوتنا عمره».
٦ - قوله (عليه السلام): «وكنّا قد عرَّفنا خبره قوماً من موالينا في أيّامه لا
(رحمه الله)».
٧ - قوله (عليه السلام): «وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصّ من موالينا ونحن نبرأ إلى
الله من ابن هلال».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٨) اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ٢: ٨١٦ و٨١٧.
٨ - قوله (عليه السلام): «من ابن هلال لا (رحمه الله) وممَّن لا يبرأ منه».
مع ذلك كلّه وهذا التشديد والتعدُّد في الدُّعاء والطَّرد من الرحمة الإلهيَّة
ولزوم الحذر من هذا الشخص إلَّا أنَّ جماعة أنكروا أن يكون مثل هذا النمط حديث
الأئمَّة (عليهم السلام) في حقِّ الرجل، فخرج توقيع آخر من الإمام (عليه السلام)
يدعو فيه عليه، ويُؤكِّد ما خرج فيه من الأئمَّة، وهو النصُّ التالي:
قوله (عليه السلام): «لا شكر الله قدره لم يدعُ المرء ربَّه بأن لا يزيغ قلبه».
لاحظ معي هذه المقاطع المتعدِّدة من دعاء الإمام (عليه السلام) على هذا الرجل الذي
كان من أصحاب الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام)، والذي عاش عمراً قارب
التسعين سنة حيث وُلِدَ (١٨٠هـ) وتوفّي (٢٦٧هـ) فيكون عمره (٨٧) سنة تقريباً، ولم
ينحرف إلَّا أواخر عمره حيث إنَّه كان يرى إمامة الإمام المهدي (عليه السلام)،
وأنَّ السفير الأوَّل عثمان بن سعيد العمري (رضي الله عنه) هو وكيل للإمام المهدي
(عليه السلام)، وكان يرى نفسه المؤهَّل للوكالة بعد السفير الأوَّل، ولـمَّا عيَّن
الإمام المهدي (عليه السلام) السفير الثاني وهو ابن العمري أي محمّد بن عثمان
الخلّاني توقَّف ولم يقل بنيابته عن الإمام، فقال له جماعة من الشيعة: ألَا تقبل
أمر أبي جعفر محمّد بن عثمان وقد نصَّ عليه الإمام المفترض الطاعة؟ فقال لهم: لم
أسمعه بنفسـي ينصُّ عليه بالوكالة، وأنا لم أُنكر أباه عثمان بن سعيد، أمَّا أن
أقول بأنَّ ابنه هو وكيل صاحب الزمان فلا أجسُـر على ذلك. فقال له الشيعة: قد سمعه
غيرك من العلماء وكبراء الشيعة، فأجابهم قائلاً: أنتم وما سمعتم. فلعنوه وتبرَّأوا
منه. وقد خرجت توقيعات بالبراءة منه نقلنا إليك نصوص بعضها، فلاحظ وأنت تقرأ النصَّ
الآنف الذكر كيف أنَّ الإمام (عليه السلام) أكثَرَ من الدعاء على هذا الرجل حيث قال
(عليه السلام): «لا (رحمه الله)...، لا غفر الله له...، لا أقال عثرته...، أرداه
الله بذلك في النار...، تبر الله بدعوتنا عمره...، لا (رحمه الله)...، نبرأ إلى
الله...، لا (رحمه الله)...، لا شكر الله قدره...»، هذه أدعية من
إمام مفترض الطاعة وهو الإمام المهدي (عليه السلام)، بل إنَّ الإمام في التوقيع
الآنف الذكر يبرأُ إلى الله ممَّن لا يبرأ منه، فأيّ فعل شنيع قام به هذا ليقع فيما
وقع فيه ويصدر ما صدر عن إمام الزمان (عليه السلام) عليه؟!
أتعلم أيُّها القارئ العزيز أنَّ هذا الرجل عاش ثمانين سنة من عمره على ظاهر
الاستقامة، وأنَّه إنَّما انحرف في (السبع) سنين الأخيرة من عمره؟!
وهل تعلم أنَّ أثر الدعاء الذي صدر عليه من الإمام (عليه السلام) ماذا صنع به؟
وماذا غيَّر من أحواله.
دقِّق معي فيما سأنقل لك، ولاحظ أثر دعاء الإمام (عليه السلام) على الإنسان وما
يجلبه من شقاء وهلاك أبدي حيث ينقل الصدوق (رحمه الله) على ما نقله السيِّد الخوئي
(قدّس سرّه)(٤٩)
في معجم رجال الحديث قال: قال الصدوق (رحمه الله): (... حدَّثنا شيخنا محمّد بن
الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: سمعت سعد بن عبد الله يقول: ما رأينا
ولا سمعنا بمتشيّع رجع عن تشيّعه إلى النصب إلَّا أحمد بن هلال).
تأمَّل أيُّها العزيز في كلام محدِّث الطائفة الفقيه الصدوق(رحمه الله) وهو ينقل عن
أُستاذه هذه المقالة، وتدبَّر آثار دعاء الإمام (عليه السلام) وما يجلبه من شقاء
على الإنسان، ولا شكَّ أنَّ هذا الشخص لولا الاستعداد الذاتي في داخله واقتضاء
الانحراف في قلبه لما آلت أُموره إلى ذلك، فكان ما يحمل من علم ومكانة في المجتمع
وبالاً عليه وحسـرةً يوم القيامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٩) معجم رجال الحديث للسيِّد الخوئي ٣: ١٤٩.
ضرورة وجود المعصوم (عليه السلام)
الشيخ إسكندر الجعفري
الحديث عن ضرورة وجود
المعصوم يدخل في إطار التعرّف على الإمام الذي يلزم على الأُمَّة معرفته، إذ
بمعرفته يهتدي الإنسان إلى قِوام دينه، وسلامة عقيدته، وتهذيبها من الضلال،
وتنقيتها من شوائب الانحراف.
وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّه قال لزرارة: «إذا أدركت هذا
الزمان فادعُ بهذا الدعاء: اللَّهُمَّ عرِّفني نفسك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني نفسك
لم أعرف نبيَّك، اللَّهُمَّ عرِّفني رسولك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني رسولك لم أعرف
حجَّتك، اللَّهُمَّ عرِّفني حجَّتك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني حجَّتك ضللت عن ديني»(١).
ومن هنا تبرز أهمّية هذا الموضوع الذي نحن بصدده، فإنَّ الحديث عن وجود الإمام
المعصوم في هذا الزمان الذي يشهد ألواناً من الانحرافات العقائدية الخطيرة، التي
يسعى أصحابها إلى تشويش الفكر الديني الأصيل، كفيل بمعالجة بعض الشُبَه، التي
تُطرَح بين الحين والآخر.
وقد تحدَّث المحقِّقون والباحثون في الشؤون العقائدية والمهدوية عن هذا الموضوع
كثيراً، وكتبوا في ذلك الكتب والأبحاث والدراسات والمقالات الشـيء الكثير، ولكن
إنطلاقاً من إيماننا بأهمّية الموضوع، وضرورة إشباعه بحثاً وتدقيقاً، نغتنم هذه
الفرصة للحديث عن ضرورة وجود المعصوم في كلِّ زمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الكافي ١: ٣٣٧/ باب الغيبة/ ح ٥.
من خلال عرض مجموعة من
الروايات تصلح لإثبات ذلك، وهذه الروايات يتلخَّص مضمونها بما جاء في بعضها: (أنَّ
الأرض لا تبقى بغير إمام).
والبحث - إن شاء الله - سيمرُّ من خلال النقطتين التاليتين:
النقطة الأُولى: عرض الروايات.
النقطة الثانية: دلالتها.
إذاً لنتحدَّث عن هاتين النقطتين تباعاً.
النقطة الأولى: عرض الروايات:
روى المحدِّثون من الخاصَّة عدَّة روايات تبلغ حدَّ التواتر - على ما سنلاحظ
- تتَّفق في مضمونها على أنَّ الأرض لا تخلو من الإمام، والمقصود منه: الإمام
المعصوم، كما سيتَّضح ذلك لاحقاً، وقد جاء هذا المضمون أيضاً في بعض مرويات
العامَّة، وفيما يلي نعرض الروايات التي روتها الخاصَّة، ثمّ نعرض ما جاء في كتب
العامَّة.
روايات الإماميَّة:
وهي على طوائف:
الطائفة الأُولى: ما دلَّت على أنَّ الإمام
إذا رُفِعَ من الأرض لساخت:
وهي عدَّة روايات:
١ - ما رواه الصفّار في بصائره بسنده عن أحمد بن عمر، قال: قلت لأبي الحسن (عليه
السلام): هل يبقى الأرض بغير إمام فإنّا نروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«لا يبقى الأرض إلَّا أن يسخط الله على العباد»؟ قال: «لا تبقى إذاً لساخت»(٢).
ورواها أيضاً الصدوق في كتبه بسنده إلى أحمد بن عمر، عن الإمام الرضا (عليه السلام)(٣).
٢ - ما رواه الصفّار أيضاً في بصائره بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: قلت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢)
بصائر الدرجات: ٥٠٨.
(٣)
علل الشرائع ١: ١٩٨؛ عيون أخبار الرضا ١: ٢٤٦؛ كمال الدين وتمام النعمة: ٢٠٢.
لأبي عبد الله (عليه
السلام): تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت»(٤).
ورواه أيضاً عليُّ بن بابويه في الإمامة والتبصـرة، والكليني في الكافي، والصدوق في
العلل عن الصفّار(٥).
ورواها أيضاً في كمال الدين، ولكن فيها: «لو بقيت الأرض ساعة بغير إمام لساخت»(٦).
ورواها النعماني في الغيبة، والشيخ في الغيبة(٧).
٣ - ما رواه الصفّار أيضاً بسنده عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال:
«لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لساخت بأهله كما يموج البحر بأهله»(٨).
ورواها في الكافي، ولكن فيها بدل كلمة (لساخت): «لماجت»(٩).
ورواها أيضاً الصدوق في كمال الدين كما في الكافي(١٠).
ولعلَّ المناسب أنَّها (لماجت) كما في نسخة الكافي وكمال الدين، وذلك لتناسبها مع
الذيل: «كما يموج البحر».
ورواها النعماني في الغيبة عن الكليني، وفيها: «لساخت بأهلها وماجت»(١١).
ورواها الطبري في دلائل الإمامة، وفيها: «لماجت»(١٢).
٤ - ما رواه الصفّار أيضاً في بصائر الدرجات بسنده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي
الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: يكون الأرض بلا إمام فيها؟ قال: «لا إذاً
ساخت بأهلها»(١٣).
ورواها الصدوق في العلل(١٤).
٥ - ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه
السلام)، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، قلت: فإنّا نروي عن أبي
عبد الله (عليه السلام) أنَّها لا تبقى بغير إمام إلَّا أن يسخط الله تعالى على أهل
الأرض أو على العباد، فقال: «لا، لا تبقى إذاً لساخت»(١٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤)
بصائر الدرجات: ٥٠٨.
(٥)
الإمامة والتبصرة: ٣٠؛ الكافي ١: ١٧٩؛ علل الشرائع ١: ١٩٦.
(٦)
كمال الدين وتمام النعمة: ٢٠١.
(٧)
الغيبة للطوسي: ٢٢٠؛ الغيبة للنعماني: ١٣٩.
(٨)
بصائر الدرجات: ٥٠٨.
(٩)
الكافي ١: ١٧٩.
(١٠) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٠٢.
(١١) الغيبة: ١٣٩.
(١٢) دلائل الإمامة: ٤٣٥.
(١٣) بصائر الدرجات: ٥٠٨.
(١٤) علل الشرائع ١: ١٩٨.
(١٥) الكافي ١: ١٧٩.
ورواها الصدوق في كمال
الدين(١٦).
٦ - ما رواه الصفّار في بصائر الدرجات بسنده عن محمّد بن الحسن بن عليٍّ الوشّا،
قال: سألت الرضا (عليه السلام): هل تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، قلت: فإنّا
نروي أنَّها لا تبقى إلَّا أن يسخط الله على العباد، قال: «لا تبقى إذاً لساخت»(١٧).
ورواها في الكافي بسنده عن الوشّا(١٨).
ورواها الصدوق في كتبه بسنده عن الوشّا(١٩).
ورواها النعماني في الغيبة عن الكليني(٢٠).
٧ - ما رواه الصفّار في البصائر بسنده عن سليمان الجعفري، قال: سألت أبا الحسن
الرضا (عليه السلام)، قلت: تخلو الأرض من حجَّة الله؟ قال: «لو خلت الأرض طرفة عين
من حجَّة لساخت بأهلها»(٢١).
ورواها الصدوق في عيون أخبار الرضا(٢٢).
٨ - ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)،
قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم): «إنّي واثنا عشـر من ولدي وأنت يا
عليُّ زرُّ الأرض يعني أوتادها وجبالها، بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا
ذهب الاثنا عشـر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم يُنظَروا»(٢٣).
٩ - ما رواه الصدوق في الأمالي بسنده عن سليمان بن مهران الأعمش، عن الصادق جعفر بن
محمّد، عن أبيه محمّد بن عليٍّ، عن أبيه عليِّ بن الحسين (عليهم السلام)، قال: «نحن
أئمَّة المسلمين، وحجج الله على العالمين، وسادة المؤمنين، وقادة الغرِّ المحجَّلين،
وموالي المؤمنين، ونحن أمان أهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، ونحن
الذين بنا يُمسِك الله السماء أن تقع على الأرض إلَّا بإذنه، وبنا يُمسِك الأرض أن
تميد بأهلها، وبنا ينزل الغيث، وبنا ينشـر الرحمة، ويخرج بركات الأرض، ولولا ما في
الأرض منّا لساخت بأهلها»(٢٤).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٠٢.
(١٧) بصائر الدرجات: ٥٠٩.
(١٨) الكافي ١: ١٧٩.
(١٩)
علل الشرائع ١: ١٩٨؛ عيون أخبار الرضا ١: ٢٤٦.
(٢٠) الغيبة: ١٤٠.
(٢١) بصائر الدرجات: ٥٠٩.
(٢٢) عيون أخبار الرضا ١:
٢٤٧.
(٢٣) الكافي ١: ٥٣٤.
(٢٤) الأمالي: ٢٥٢.
١٠ - ما رواه الخزّاز
القمّي في كفاية الأثر، عن الإمام الحسن (عليه السلام)، قال: «خطب رسول الله يوماً،
فقال بعدما حمد الله وأثنى عليه: معاشر الناس كأنّي اُدعى فأُجيب، وإنّي تارك فيكم
الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ما أن تمسَّكتم بهما لن تضلّوا، فتعلَّموا منهم
ولا تُعلِّموهم فإنَّهم أعلم منكم، لا يخلو الأرض منهم، ولو خلت إذاً لساخت بأهلها»(٢٥).
هذا كلُّ ما عثرت عليه من الروايات في هذه الطائفة، ولعلَّ المتتبِّع يجد غيرها،
وفي ختامها لا بدَّ أن أُشير إلى بعض الملاحظات:
الملاحظة ١: إنَّ تتبّع هذه الروايات، والاطِّلاع على كثرتها، وتعدّد طرقها
وأسانيدها، يوجب حصول العلم بصدورها عن معدن العلم والعصمة، ومعه لا حاجة إلى
متابعة الأسانيد، وملاحظة حال الرواة، على الرغم من صحَّة بعضها، وذلك لأنَّ
الكثرة، وتعدّد الطرق، بالشكل الذي لاحظناه يوجب حصول التواتر.
الملاحظة ٢: هناك تطابق كبير بين بعض الروايات، بل بعضها متطابقة، ومن هنا قد
يُقال: إنَّها رواية واحدة، قد رويت بطرق مختلفة، ومعه فليس من الصواب جعلهما
روايتين، ومثال ذلك الروايات ( ١ و٥ و٦) فإنَّها تشترك بنفس التعبير تقريباً.
ولكن يُقال: صحيح أنَّها تشترك بنفس التعبير، ولكن هناك قرائن توجب الاطمئنان
بتعدّدها، منها: اختلاف الراوي، ففي الأُولى (أحمد بن عمر)، وفي الثانية (محمّد بن
الفضيل)، وفي الثالثة (الوشّا)، وفي جميع هذه الروايات يقول الراوي: سألت أو قلت،
ومن البعيد اجتماعهم كلّهم في مجلس واحد مع الإمام، وكلّهم سأل نفس السؤال، وبنفس
الكيفية، والإمام يُجيب بنفس الجواب، على أنَّ ذلك لو كان، لما كانت رواية واحدة،
بل ثلاث، كما هو واضح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٥) كفاية الأثر: ١٦٣.
الملاحظة ٣: إنَّ
تعدّد الروايات، وتعدّد الرواة لها، وتعدّد الأئمَّة (عليهم السلام) المسؤولين،
يكشف مدى أهمّيتها، وضرورتها، ففي بعضها يبتدأ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلم) الحديث مع الناس بهذا المضمون، وفي بعضها يتحدَّث عن ذلك الإمام عليّ بن
الحسين (عليه السلام)، وفي بعض آخر يُسئَل الإمام الباقر، ثمّ الصادق، ثمّ الرضا
(عليهم السلام)، وكلّها تُؤكِّد أنَّ الأرض لا يمكن أن تخلو من الإمام المعصوم.
الطائفة الثانية: أنَّ الأرض لا تخلو من
الإمام فإنَّها لو خلت لماجت:
١ - ما رواه الكليني في الكافي بسنده عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه
السلام)، قال: «لو أنَّ الإمام رُفِعَ من الأرض ساعة لماجت بأهلها، كما يموج البحر
بأهله»(٢٦).
ورواها أيضاً الصدوق في كمال الدين، بسنده عن أبي هراسة، عن أبي جعفر (عليه السلام)(٢٧).
ورواها عن الصدوق محمّد بن جرير الطبري في دلائل الإمامة(٢٨).
٢ - ما رواه الصدوق في كمال الدين بسنده عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: قال الرضا
(عليه السلام): «نحن حجج الله في خلقه، وخلفاؤه في عباده، وأُمناؤه على سرِّه، ونحن
كلمة التقوى، والعروة الوثقى، ونحن شهداء الله وأعلامه في بريَّته، بنا يُمسِك الله
السماوات والأرض أن تزولا، وبنا ينزل الغيث وينشـر الرحمة، ولا تخلو الأرض من قائم
منّا ظاهر أو خافٍ، ولو خلت يوماً بغير حجَّة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله»(٢٩).
٣ - ما رواه الجوهري في مقتضب الأثر بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله
(صلّى الله عليه وآله وسلم): «لن يزال الدين قائماً إلى اثني عشر من قريش، فإذا
هلكوا ماجت الأرض بأهلها»(٣٠).
الطائفة الثالثة: ما دلَّت على أنَّ الأرض لا
تبقى بغير إمام:
١ - ما رواه الصفّار في بصائر الدرجات بسنده عن عليِّ بن أبي حمزة، عن أبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٦) الكافي ١: ١٧٩.
(٢٧) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٠٢.
(٢٨) دلائل الإمامة: ٤٣٥.
(٢٩) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٠٣.
(٣٠) مقتضب الأثر: ٤.
بصير، عن أبي عبد الله
(عليه السلام)، قال: «إنَّ الله (جلَّ وعزَّ) أجلّ وأعظم من أن يترك الأرض بغير
إمام»(٣١).
ورواها الكليني بسنده عن ابن أبي حمزة عن أبي بصير، ولكن مع إضافة كلمة «عادل» بعد
كلمة «إمام»(٣٢).
ورواها الصدوق في كمال الدين بسنده عن ابن أبي حمزة عن أبي بصير، مع إضافة «عادل»(٣٣).
ويقوّي نسخة الكليني والصدوق المشتملة على الإضافة أُمور:
الأوَّل: أضبطية الكليني، كما هو معروف وواضح للمتتبِّع.
الثاني: نسخة الصدوق وهو يرويها عن البطائني بسند آخر غير سند الكليني، يُؤكِّد
وجود الإضافة.
الثالث: وتظهر فائدة القيد المذكور، إذ الإمام - كما هو معروف - إمامان: عادل،
وجائر، ولا معنى أنَّ الله تعالى لا يترك الأرض بغير إمام مطلقاً، عادلاً كان أو
جائراً، إذ لا مانع من خلوّها من الإمام الجائر، وإنَّما المانع الذي تريد أن ترشد
إليه الرواية هو خلوّها من الإمام العادل.
٢ - ما رواه الصفّار في بصائر الدرجات بسنده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه
السلام)، قال: «والله ما تُرِكَ الأرض منذ قبض الله آدم إلَّا وفيها إمام يُهتدى به
إلى الله، وهو حجَّة الله على عباده، ولا تبقى الأرض بغير إمام حجَّة الله على
عباده»(٣٤).
ورواها عليُّ بن بابويه القمّي في الإمامة والتبصـرة، بسنده عن أبي حمزة، عن أبي
جعفر (عليه السلام)، مع فارق طفيف، فبعد قوله: «ترك» كلمة «الله»، وبدل قوله: «بغير
إمام حجَّة الله...» قوله: «بغير إمام حجَّة لله»(٣٥).
ورواها الكليني في الكافي بسنده عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وفيها
بالإضافة إلى فوارق الإمامة والتبصـرة، بدل كلمة «الأرض» في أوَّلها كلمة «أرضاً»،
وبدل قوله: «وهو حجَّة الله على عباده»: «وهو حجَّته على عباده»(٣٦).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) بصائر الدرجات: ٥٠٥.
(٣٢)
الكافي ١: ١٧٨.
(٣٣) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٢٩.
(٣٤) بصائر الدرجات: ٥٠٥.
(٣٥) الإمامة والتبصرة: ٢٩.
(٣٦) الكافي ١: ١٧٩.
٣ - ما رواه الصفّار
في البصائر بسنده عن الحسين بن أبي العلا، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):
تُترَك الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، فقلنا له: تكون الأرض وفيها إمامان؟ قال: «لا
إلَّا إمام صامت لا يتكلَّم ويتكلَّم الذي قبله»(٣٧).
ورواها الكليني في الكافي بسنده عن الحسين بن أبي العلاء، مع اختلاف طفيف، ففيها:
(تكون الأرض ليس فيها إمام؟)(٣٨).
٤ - وروى الصدوق في كمال الدين وتمام النعمة بسنده عن ابن أبي يعفور أنَّه سأل أبا
عبد الله (عليه السلام): هل تُترَك الأرض بغير إمام؟ قال: «لا»، قلت: فيكون إمامان؟
قال: «لا إلَّا وأحدهما صامت»(٣٩).
وقد تسأل: أليست هذه الرواية هي عين سابقتها؟
فنجيب: تكرَّر سابقاً مثل ذلك، وقلنا: إنَّ اختلاف الراوي يكشف عن تعدّد الرواية،
كما أنَّ الراوي في كلا الروايتين قد سأل الإمام بنفسه، فيندفع احتمال كونهما قد
اجتمعا في مجلس واحد، وسأل أحدهما، وسمع الآخر، وقد روى ما سمعه.
الطائفة الرابعة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تخلو من إمامٍ يعرف الزيادة والنقصان:
وهذه الطائفة لا تختلف عن سابقتها إلَّا في وصف الإمام بأنَّه يعرف الزيادة
والنقيصة، معلَّلةً ذلك بأن لولاه لاختلط على المسلمين أمرهم، فلم يعرفوا الحقَّ من
الباطل، وهي عدَّة روايات، نذكر منها:
١ - ما رواه الصفّار في البصائر بسنده عن أبي حمزة، قال: قال أبو عبد الله (عليه
السلام): «لن تبقى الأرض إلَّا وفيها رجل منّا يعرف الحقَّ، فإذا زاد الناس فيه
قال: قد زادوا، وإذا نقصوا منه قال: قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدَّقهم، ولو لم يكن
كذلك لم يُعرَف الحقُّ من الباطل»(٤٠).
ورواها الصدوق في العلل في موضعين، أحدهما فيه اختلاف طفيف،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٧) بصائر الدرجات: ٥٠٦.
(٣٨) الكافي ١: ١٧٨.
(٣٩) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٣٣.
(٤٠) بصائر الدرجات: ٣٥١.
حيث جاء فيها: «إلَّا
وفيها مَنْ يعرف الحقَّ» بدل «إلَّا وفيها رجل منّا يعرف الحقَّ»(٤١)،
والآخر مطابق(٤٢).
٢ - ما رواه الصفّار في البصائر بسنده عن إسحاق بن عمّار، قال: قال أبو عبد الله
(عليه السلام): «إنَّ الأرض لا تخلو من أن يكون فيها من يعلم الزيادة والنقصان،
فإذا جاء المسلمون بزيادة طرحها، وإذا جاؤوا بالنقصان أكمله لهم، ولولا ذلك لاختلط
على المسلمين أمرهم»(٤٣).
٣ - ما رواه الصفّار في البصائر بسنده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
أنَّه قال: «إنَّ الله لم يدع الأرض إلَّا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان في
الأرض، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردَّهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً،
ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يُفرِّقوا بين الحقِّ والباطل»(٤٤).
ورواها الصدوق في العلل(٤٥).
٤ - وروى الصفّار في البصائر نفس المضمون السابق، ولكن عن أبي جعفر الباقر (عليه
السلام)، مع فارق طفيف، إذ لم يرد فيها: «ولم يُفرِّقوا بين الحقِّ والباطل»(٤٦).
ورواها الصدوق أيضاً في العلل(٤٧).
وهناك روايات كثيرة في نفس هذا المضمون، عند ملاحظتها بتمامها يحصل القطع أو
الاطمئنان بتواترها.
الطائفة الخامسة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تبقى بغير إمامٍ حيٍّ ظاهر:
١ - روى الصفّار في البصائر بسنده عن محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه
السلام)، قال: «لا تبقى الأرض بغير إمام ظاهر»(٤٨).
ورواها أيضاً ابن بابويه القمّي في الإمامة والتبصـرة بسنده عن محمّد بن مسلم، ولكن
فيه: «ظاهر أو باطن»(٤٩).
وفي العلل أيضاً كما في الإمامة والتبصرة(٥٠).
٢ - ما رواه الصدوق في العلل بسنده عن يعقوب السـرّاج، قال: قلت لأبي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) علل الشرائع ١: ١٩٩.
(٤٢) علل الشرائع ١: ٢٠١.
(٤٣) بصائر الدرجات: ٣٥١.
(٤٤) المصدر السابق.
(٤٥) علل الشرائع ١: ١٩٦.
(٤٦) بصائر الدرجات: ٣٥٢.
(٤٧) علل الشرائع ١: ٢٠٠.
(٤٨) بصائر الدرجات: ٥٠٦.
(٤٩) الإمامة والتبصرة: ٣١.
(٥٠) علل الشرائع ١: ١٩٧.
عبد الله (عليه
السلام): تبقى الأرض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال
لي: «إذاً لا يُعبَد الله يا أبا يوسف»(٥١).
ورواها القمّي في الإمامة والتبصرة أيضاً(٥٢).
٣ - ما رواه الصفّار في البصائر بسنده عن أبي إسحاق الهمداني، قال: حدَّثني الثقة
من أصحابنا أنَّه سمع أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «اللَّهُمَّ لا تُخلي(٥٣)
الأرض من حجَّة لك على خلقك ظاهر أو خافي مغمور لئلَّا تبطل حجَّتك وبيِّنانك»(٥٤).
ورواها في الإمامة والتبصرة(٥٥).
وفي الكافي أيضاً(٥٦).
وفي العلل أيضاً(٥٧).
وفي كمال الدين(٥٨).
٤ - وروى الصدوق في كمال الدين بسنده عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله، عن آبائه،
عن عليٍّ (عليهم السلام) أنَّه قال في خطبة له على منبر الكوفة: «اللَّهُمَّ إنَّه
لا بدَّ لأرضك من حجَّة لك على خلقك، يهديهم إلى دينك ويُعلِّمهم علمك، لئلَّا تبطل
حجَّتك ولا يضلُّ أتباع أوليائك بعد إذ هديتهم به، إمَّا ظاهر ليس بالمطاع أو مكتتم
مترقِّب، إن غاب عن الناس شخصه في حال هدايتهم، فإنَّ علمه وآدابه في قلوب المؤمنين
مثبتة، فهم بها عاملون»(٥٩).
الطائفة السادسة: ما دلَّ على أنَّ الأرض لا
تخلو من حجَّة:
١ - روى الصدوق في العلل بسنده عن كرّام، قال: قال أبو عبد الله (عليه
السلام): «لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام»، وقال: «إنَّ آخر من يموت
الإمام، لئلَّا يحتجَّ أحدهم على الله عزَّ وجلَّ تركه بغير حجَّة لله عليه»(٦٠).
ورواها القمّي في الإمامة والتبصرة(٦١).
٢ - ما رواه القمّي في الإمامة والتبصـرة بسنده عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥١) علل الشرائع ١: ١٩٥.
(٥٢)
الإمامة والتبصرة: ٢٧.
(٥٣) هكذا في المصدر،
والصحيح: (لا تخلُ)؛ وهكذا الأمر في (خافي) إذ الصحيح (خافٍ).
(٥٤) بصائر الدرجات: ٥٠٦.
(٥٥) الإمامة والتبصرة: ٢٦.
(٥٦) الكافي ١: ١٧٨.
(٥٧) علل الشرائع ١: ١٩٥.
(٥٨) كمال الدين وتمام
النعمة: ٣٠٢.
(٥٩) المصدر السابق.
(٦٠) علل الشرائع ١: ١٩٦.
(٦١) الإمامة والتبصرة: ٣٠.
الباقر (عليه
السلام): «ما خلت الدنيا - منذ خلق الله السماوات والأرض - من إمام عدل إلى أن تقوم
الساعة حجَّة لله فيها على خلقه»(٦٢).
٣ - وروى القمّي أيضاً في الإمامة والتبصـرة عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال:
حدَّثنا أحمد بن إسحاق، قال: دخلت على مولانا أبي محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري
(عليه السلام)، فقال: «يا أحمد، ما كان حالكم فيما كان فيه الناس من الشكِّ
والارتياب؟»، فقلت له: يا سيِّدي، لـمَّا ورد الكتاب لم يبقَ منّا رجل ولا امرأة
ولا غلام بلغ الفهم إلَّا قال بالحقِّ، فقال: «أحمد الله على ذلك يا أحمد، أمَا
علمتم أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة؟ وأنا ذلك الحجَّة - أو قال: أنا الحجَّة -»(٦٣).
٤ - وروى الكليني في الكافي بسنده عن أبي عليِّ بن راشد، قال: قال أبو الحسن (عليه
السلام): «إنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة، وأنا والله ذلك الحجَّة»(٦٤).
٥ - ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا بسنده عن الفضل بن شاذان فيما كتبه الإمام
الرضا (عليه السلام) للمأمون حيث جاء فيه بعد كلامٍ طويل: «وأنَّ الأرض لا تخلو من
حجَّة الله تعالى على خلقه في كلِّ عصر وأوان»(٦٥).
٦ - وروى الصدوق في كمال الدين بسنده عن زرارة بن أعين، عن أبي عبد الله (عليه
السلام) في حديث له في الحسين بن عليٍّ (عليهما السلام) أنَّه قال في آخره: «ولولا
من على الأرض من حجج الله لنفضت الأرض ما فيها وألقت ما عليها، إنَّ الأرض لا تخلو
ساعة من الحجَّة»(٦٦).
٧ - وروى الصدوق في كمال الدين بسنده عن صفوان بن يحيى، قال: سمعت الرضا (عليه
السلام) يقول: «إنَّ الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منّا»(٦٧).
٨ - وروى الصدوق أيضاً في كمال الدين بسنده عن أبي خالد الكابلي، عن الإمام عليِّ
بن الحسين (عليه السلام) حديثاً طويلاً، وممَّا جاء فيه: فقلت له: يا سيِّدي، روي
لنا عن أمير المؤمنين عليٍّ (عليه السلام) أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله (عزَّ
وجلَّ) على عباده، فمن الحجَّة والإمام بعدك؟ قال: «ابني محمّد، واسمه في التوراة
باقر، يبقر العلم بقراً، هو الحجَّة والإمام بعدي...»(٦٨).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٢) الإمامة والتبصرة: ٢٥.
(٦٣) الإمامة والتبصرة:
١٠٠.
(٦٤) الكافي ١: ١٧٩.
(٦٥) عيون أخبار الرضا ٢:
١٣٠.
(٦٦) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٠٢.
(٦٧) كمال الدين وتمام
النعمة: ٢٢٩.
(٦٨) كمال الدين وتمام
النعمة: ٣١٩.
٩ - وروى الصدوق أيضاً
في كمال الدين بسنده عن السفير الثاني محمّد بن عثمان العمري (قدَّس الله روحه)
يقول: سمعت أبي يقول: سُئِلَ أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وأنا عنده
عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام) أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله على
خلقه إلى يوم القيامة، وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية، فقال
(عليه السلام): «إنَّ هذا حقٌّ كما أنَّ النهار حقٌّ»، فقيل له: يا ابن رسول الله،
فمن الحجَّة والإمام بعدك ؟ فقال: «ابني محمّد، هو الإمام والحجَّة بعدي، من مات
ولم يعرفه مات ميتة جاهلية. أمَا إنَّ له غيبة يُحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها
المبطلون، ويكذب فيها الوقّاتون، ثمّ يخرج، فكأنّي أنظر إلى الأعلام البيض تخفق فوق
رأسه بنجف الكوفة»(٦٩).
١٠ - وروى النعماني في غيبته بسنده عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد الله
(عليه السلام): «خبر تدريه خير من عشـر ترويه، إنَّ لكلِّ حقٍّ حقيقة، ولكلِّ صواب
نوراً»، ثمّ قال: «إنّا والله لا نعدُّ الرجل من شيعتنا فقيهاً حتَّى يلحن له فيعرف
اللحن، إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال على منبر الكوفة: إنَّ من ورائكم
فتناً مظلمة عمياء منكسفة لا ينجو منها إلَّا النومة. قيل: يا أمير المؤمنين، وما
النومة؟ قال: الذي يعرف الناس ولا يعرفونه. واعلموا أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة
لله (عزَّ وجلَّ)، ولكن الله سيُعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم،
ولو خلت الأرض ساعة واحدة من حجَّة لله لساخت بأهلها، ولكن الحجَّة يعرف الناس ولا
يعرفونه، كما كان يوسف يعرف الناس وهم له منكرون»، ثمّ تلا: «﴿يا
حَسْـرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ
يَسْتَهْزِؤُونَ﴾ [يس: ٣٠]»(٧٠).
الطائفة السابعة: ما دلَّ على أنَّ الأرض
والناس لا يصلحهما إلَّا وجود الإمام:
١ - فقد روى القمّي في الإمامة والتبصـرة بسنده عن الحسن بن زياد، عن أبي
عبد الله (عليه السلام)، قال: «الأرض لا تكون إلَّا وفيها عالم يصلحهم، ولا يصلح
الناس إلَّا ذلك»(٧١).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦٩) كمال الدين وتمام
النعمة: ٤٠٩.
(٧٠) الغيبة: ١٤٤.
(٧١) الإمامة والتبصرة: ٢٨.
ورواها الصدوق في
العلل(٧٢).
٢ - وروى أيضاً بسنده عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لا
يصلح الناس إلَّا بإمام، ولا تصلح الأرض إلَّا بذلك»(٧٣).
ورواها الصدوق في العلل(٧٤).
الطائفة الثامنة: ما دلَّ على أنَّ الحجَّة
تكون قبل الخلق ومعهم وبعدهم:
فقد روى الصفّار بسنده عن أبان بن تغلب، قال: قال أبو عبد الله (عليه
السلام): «الحجَّة قبل الخلق، ومع الخلق، وبعد الخلق»(٧٥).
ورواها القمّي في الإمامة والتبصرة(٧٦)،
والكليني في الكافي(٧٧)،
والصدوق في كمال الدين(٧٨).
هذه طوائف ثمان، ذات مضمون واحد، وهو ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمان، وهي تُشكِّل
بجميع طوائفها تواتراً معنوياً، ولعلَّ المتتبِّع يجد طوائف أُخرى يمكن أن تُضاف
إلى هذه الطوائف.
هذا كلّه بلحاظ روايات الإماميَّة.
روايات العامَّة:
بعد التتبّع عثرت على رواية واحدة، رواها بعض العامَّة، وهي ما رواه الحنفي
القندوزي في ينابيع المودَّة، نقلاً عن الحمويني في فرائد السمطين.
فقد ذكر القندوزي في ينابيع المودَّة ما نصّه: وأخرج الشيخ الحمويني في (فرائد
السمطين): بسنده عن سليمان الأعمش بن مهران، عن جعفر الصادق، عن أبيه، عن جدِّه
عليِّ بن الحسين (رضي الله عنهم)، قال: «نحن أئمَّة المسلمين، وحجج الله على
العالمين، وسادات المؤمنين، وقادة الغرِّ المحجَّلين، وموالي المسلمين، ونحن أمان
لأهل الأرض كما أنَّ النجوم أمان لأهل السماء، وبنا يُمسِك السماء أن تقع على الأرض
إلَّا بإذنه، وبنا ينزل الله الغيث وتنشـر الرحمة وتخرج بركات الأرض، ولولا ما على
الأرض منّا لساخت بأهلها»، ثمّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٢) علل الشرائع ١: ١٩٦.
(٧٣) المصدر السابق.
(٧٤) علل الشرائع ١: ١٩٦.
(٧٥) بصائر الدرجات: ٥٠٧.
(٧٦) الإمامة
والتبصرة: ١٣٥.
(٧٧) الكافي ١: ١٧٧.
(٧٨) كمال الدين
وتمام النعمة: ٢٢١.
قال: «ولم تخل الأرض
منذ خلق الله آدم من حجَّة الله فيها، إمَّا ظاهر مشهور أو غائب مستور، ولا تخلو
الأرض إلى أن تقوم الساعة من حجَّة فيها، ولولا ذلك لم يعبد الله». قال سليمان:
فقلت لجعفر الصادق (رضي الله عنه): كيف ينتفع الناس بالحجَّة الغائب المستور؟ قال:
«كما ينتفعون بالشمس إذا سترها سحاب»(٧٩).
إذاً هذا المضمون تشترك في نقله كتب الخاصَّة وكتب العامَّة، ولكن يبقى الفارق
أنَّه في كتبنا قد بلغ حدَّ التواتر، بينما في كتب العامَّة لم نعثر سوى على رواية
واحدة، ولكن المهمّ أنَّ هذا المضمون لم تنفرد الإماميَّة بروايته، بل رواه الجمهور
أيضاً.
وممَّا ينبغي الالتفات إليه أنَّ الدليل الدالّ على التمسّك بأهل البيت وبقائهم إلى
يوم القيامة قائم عند العامَّة، وثابت في مروياتهم، كما اعترف بذلك أحمد بن حجر
الهيتمي المكّي في الصواعق المحرقة، حيث قال ما نصّه: (والحاصل أنَّ الحثَّ وقع على
التمسّك بالكتاب وبالسُّنَّة وبالعلماء بهما من أهل البيت، ويُستفاد من مجموع ذلك
بقاء الأُمور الثلاثة إلى قيام الساعة. ثمّ اعلم أنَّ لحديث التمسّك بذلك طرقاً
كثيرة وردت عن نيّف وعشرين صحابياً)(٨٠).
النقطة الثانية: دلالتها:
مقدّمة:
لا بدَّ أوَّلاً من إيضاح بعض المفردات التي وردت في الروايات المتقدِّمة.
١ - (ساخت الأرض):
قال ابن الأثير في النهاية: (يقال: ساخ في الأرض يسوخ ويسيخ إذا دخل فيها)(٨١).
وقال ابن منظور في لسان العرب: (ثوخ: ثاخَ الشـيءُ ثَوْخاً: ساخ. وثاخَت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٧٩) ينابيع المودَّة ٣:
٣٦١، نقلاً عن فرائد السمطين ١: ٤٥.
(٨٠) الصواعق المحرقة: ١٥٠.
(٨١) النهاية ٣: ٦٥.
قَدَمُه في الوَحَلِ
تَثُوخُ وتَثِيخ: خاضت وغابت فيه؛ قال المتنخل الهذلي يصف سيفاً:
ما ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يَخْتَلي أَبيضُ كالرَّجْع رَسُوبٌ إِذا أَراد بالأَبيض
السيف، والرَّجْع: الغَدير، شبَّه السيف به في بياضه. والرَّسُوبُ: الذي يَرْسُب في
اللحم. والمُحْتَفَل: أَعظم موضع في الجسد. ويختلي: يَقْطَعُ.
وثاخَ وساخَ: ذهب في الأَرض سُفْلاً.
وثاختِ الإِصْبَعُ في الشيء الوارم: ساخت؛ قال أَبو ذؤيب:
بالنِّيِّ فهي تَثُوخُ فيها الإِصْبَعُ قَصَـرَ الصَّبُوحَ لها فَشُـرِّجَ
لَحْمُها.
وروي هذا البيت بالتاء وقد تقدَّم، وهذه الكلمة يائية وواوية.
ثيخ: ثاخَتْ رجلُه تَثِيخ مثل ساخت، والواو فيه لغة، وقد تقدَّم؛ وزعم يعقوب أَن
ثاء ثاخت بدل من سين ساخت، والله أعلم)(٨٢).
وحاصله: أنَّ ساخ بمعنى دخل في الأرض.
وقال الفيروزآبادي في القاموس: (ساخت قوائمه: ثاخت، والشـيء: رسب، والأرض بهم
سيوخاً وسؤوخاً وسوخاناً: انخسفت. وفيه سواخية كعلابطة: طين كثير. وصارت الأرض
سواخاً)(٨٣).
والحاصل: ساخت الأرض بأهلها: رسبت بهم، وغاصت بهم، وانخسفت.
٢ - (ماجت الأرض):
قال الفراهيدي في العين: (موج: الموج: ما ارتفع من الماء فوق الماء. والفعل: ماج
الموج يموج. وماج الناس: دخل بعضهم في بعض)(٨٤).
وقال الجوهري في الصحاح: (ماج البحر يموج موجاً: اضطربت أمواجه. وكذلك الناس
يموجون)(٨٥).
وقال ابن فارس في معجمه: (موج) الميم والواو والجيم أصل واحد يدلُّ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٢) لسان العرب ٣: ١١.
(٨٣) القاموس المحيط ١:
٢٦٢.
(٨٤) العين ٦: ١٩٥.
(٨٥) الصحاح ١: ٣٤٢.
على اضطراب في الشيء.
وماج الناس يموجون إذا اضطربوا. وماج أمرهم ومرج اضطرب، والموج موج البحر سُمّي
لاضطرابه. وماج يموج موجاً وموجاناً. وكلُّ شيء اضطرب فقد ماج)(٨٦).
وقال ابن منظور في لسان العرب: (موج: المَوْجُ: ما ارتفع من الماء فوق الماء،
والفعل ماجَ الموجُ، والجمع أَمْواج؛ وقد ماجَ البحرُ يموجُ مَوْجاً ومَوَجاناً
ومُؤُوجاً، وتَموَّج: اضطرَبَت أَمواجُه. ومَوْجُ كلِّ شيء وموَجانُه: اضطرابُه)(٨٧).
إذاً ماج الشيء اضطرب، فيكون المعنى: ماجت الأرض، أي اضطربت.
٣ - (نفضت الأرض):
قال الجوهري في الصحاح: ([نفض] نفضت الثوب والشجر أنفضه نفضاً، إذا حرَّكته لينتفض.
ونفَّضته شُدِّد للمبالغة. والنفض - بالتحريك -: ما تساقط من الورق والثمر، وهو فعل
بمعنى مفعول، كالقبض بمعنى المقبوض. والنفاض - بالضمِّ - والنفاضة: ما سقط عن
النفض. والمنفض: المنسف. ونفضت المرأة كرشها فهي نفوض: كثيرة الولد. ونفضت الإبل
أيضاً وأنفضت: نتجت)(٨٨).
وقال ابن الأثير في النهاية: (والأصل في النفض: الحركة)(٨٩).
وقال ابن منظور في لسان العرب: (نفض: النَّفْضُ: مصدر نفَضْتُ الثوبَ والشجَرَ
وغيره أَنْفُضُه نَفْضاً إِذا حرَّكْتَه ليَنْتَفِضَ، ونَفَّضْتُه شُدِّد للمبالغة.
والنَّفَضُ - بالتحريك -: ما تَساقَط من الورق والثَّمَر وهو فَعَلٌ بمعنى مفْعُول
كالقَبَضِ بمعنى المَقْبُوضِ. والنَّفَضُ: ما وقَع من الشـيء إِذا نَفَضْتَه.
والنَّفْضُ: أَن تأْخذ بيدك شيئاً فتَنْفُضَه تُزَعْزِعُه وتُتَرْتِرُه وتَنْفُضُ
التراب عنه. ابن سيِّدة: نَفَضَه يَنْفُضُه نَفضاً فانْتَفَضَ. والنُّفاضةُ
والنُّفاضُ - بالضمِّ -: ما سقط من الشـيء إِذا نُفِضَ وكذلك هو من الورق، وقالوا:
نُفاضٌ من ورق كما قالوا: حالٌ من ورَق، وأَكثر ذلك في ورق السَّمُرِ خاصَّة
يُجْمَعُ ويُخْبَط في ثوب. والنَّفَضُ: ما انْتَفَضَ من الشيء)(٩٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨٦) معجم مقاييس اللغة ٥:
٢٨٤.
(٨٧) لسان العرب ٢: ٣٧٠.
(٨٨) الصحاح ٣: ١١٠٩.
(٨٩) النهاية ٥: ٩٧.
(٩٠) لسان العرب ٧: ٢٤٠.
إذاً (نفضت الأرض):
تحرَّكت، وتزعزعت، وألقت ما عليها، تماماً كما يُنتَفض الثوب لإخراج ما عَلُق به من
تراب.
هذه أهمّ المفردات الواردة في هذه الروايات، وقد اتَّضح أنَّ المراد منها شيء واحد،
وهو أنَّ الأرض لا تبقى إذا ارتفع الإمام منها، وقد عبَّرت الروايات عن ذلك تارةً
بـ (ساخت) أي انخسفت، وأُخرى (ماجت) أي اضطربت، وثالثة بـ (نفضت) أي ألقت ما عليها،
وكلُّ ذلك يشير إلى معنى واحد.
دلالة الروايات:
والذي ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أنَّ الغرض من التعرّض لهذه الروايات هو إثبات
ضرورة وجود المعصوم في كلِّ زمان، وبالتالي إثبات وجود الإمام المهدي (عليه السلام)
في عصـر الغيبة الذي نعيشه، ولكي تتَّضح دلالة الروايات على ذلك، نطرح الأسئلة
التالية:
- ما هي علاقة وجود الإمام ببقاء الأرض واستقرارها؟
- ما هي علاقة وجود الإمام بصلاح الناس، وأنَّه لولاه لفسدت أُمورهم واضطربت؟
- كيف نُثبِت أنَّ المراد من الإمام في هذه الروايات هو الإمام المعصوم؟
جواب السؤال الأوَّل:
ممَّا يجدر الالتفات إليه أنَّ الروايات تتحدَّث - بحسب ظاهرها - عن وجود علاقة
تكوينية بين وجود الإمام وبقاء الأرض، فهو علَّة لبقائها واستقرارها، فانخساف الأرض
وتموّجها واضطرابها، وما شاكل ذلك، كلّه من الآثار التكوينية الناجمة عن فقد الإمام
وارتفاعه، ولكن يا تُرى هل المراد منها هذا المعنى الظاهر، أي انخساف الأرض حقيقة
أو المراد معنى كنائي وهو هلاك البشـر واضطراب نظامهم، أو شيء آخر؟
هناك ثلاثة اتِّجاهات في هذا المجال:
الاتِّجاه الأوَّل: ما تبنّاه بعض الأعلام، من
المحافظة على المعنى الظاهر، وأنَّ الأرض تسيخ حقيقةً، وتضطرب وتزول، منهم صاحب
الأنوار الساطعة، حيث قال: (الظاهر هو الهلاك الحقيقي كما لا يخفى)(٩١).
الاتِّجاه الثاني: ما احتمله بعض الأعلام، من أنَّ
المراد منها المعنى الكنائي، وهو الكناية عن هلاك الناس، وذهاب نظامهم. وفرقه عن
الأوَّل أنَّ المفروض في الأوَّل زوال الأرض حقيقةً وفنائها، بينما على هذا المعنى
لا يفترض فناء الأرض وزوالها، وإنَّما هلاك البشر وفنائهم.
منهم المولى المازندراني في شرح أُصول الكافي، حيث قال: (قوله: (لساخت): أي لغاصت
في الماء وغابت، ولعلَّه كناية عن هلاك البشـر وفنائهم، ويحتمل أن يريد الحقيقة
لأنَّ الغرض الأصلي من انكشاف بعض الأرض هو أن يكون مسكناً لهم وكونه مسكناً لغيرهم
من الحيوانات المتنفِّسة إنَّما هو بالعرض، فإذا فات الغرض الأصلي عاد إلى وضعه
الطبيعي)(٩٢)،
ومراده من (عاد إلى وضعه الطبيعي) غوص الأرض في الماء، وزوالها.
ومنهم العلَّامة المجلسـي في مرآة العقول، حيث قال: (والمراد هنا غوصها في الماء
إمَّا حقيقةً أو كناية عن هلاك البشر وذهاب نظامها)(٩٣).
الاتِّجاه الثالث: ما حُكي عن السيِّد المرتضـى في
الشافي، من أنَّ المراد وقوع الفتن، والضلال، وغياب الأمن والسعادة، بسبب ارتفاع
الإمام، وليس المراد زوال الأرض حقيقةً، أو زوال الناس وفنائهم، فهذا الاتِّجاه
يفترض بقاء الأرض، وبقاء الناس مع فقد الإمام، ولكن تضطرب أُمور الناس من حيث
الاستقامة والصلاح، وبهذا يفترق عن الاتِّجاهين السابقين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩١) الأنوار الساطعة في
شرح الزيارة الجامعة ٢: ٥٥.
(٩٢)
شرح أُصول الكافي ٥: ١٢٦.
(٩٣) مرآة العقول ٢: ٢٩٧.
فقد حكى عنه ذلك
الميرزا أبو الحسن الشعراني، في تعليقة له على شرح أُصول الكافي.
قال ما نصّه: (قوله: (ولعلَّه كناية عن هلال البشـر): أنكر السيِّد المرتضـى (رضي
الله عنه) في الشافي أن يكون مذهب الإماميَّة زوال الأرض وهلاكها تكويناً، أمَّا
قولهم: «لولا الحجَّة لساخت الأرض» فإن ثبت صدوره من الإمام المعصوم كان المراد
الفتنة والضلال وهلاك الناس بزوال الأمن والسعادة، لأنَّ عدم وجود الإمام العادل
المتصـرِّف إمَّا أن يكون بعدم وجود أمير مطلقاً وفساد ظاهر، وإمَّا بوجود جائر أو
جاهل وهو مثله)(٩٤).
والاتِّجاه الأوَّل هو الموافق للظاهر، ولا تُرفَع اليد عنه إلَّا بقرينة لفظية أو
عقلية، وهي مفقودة في المقام، ولهذا لا يُصار إلى الاتِّجاهين الآخرين لأنَّهما
خلاف الظاهر.
إن قلت: روايات الطائفة الثالثة تصلح أن تكون قرينة لرفع اليد عن الظاهر، إذ هي
تُعلِّل ضرورة وجود الإمام برفع اللبس عن الناس وتمييزهم بين الحقِّ والباطل،
وأنَّه لو رُفِعَ لالتبس على الناس أُمرهم، ولم يُفرِّقوا بين الحقِّ والباطل، وهذا
يعني أنَّ وجود الإمام وعدمه لا علاقة له بالأرض، وإنَّما العلاقة كلّ العلاقة بحال
الناس، فمع ذهابه يهلك الناس، بحسب الاتِّجاه الثاني، أو يضلّون وتفسد أُمورهم،
بحسب الاتِّجاه الثالث.
قلت: يمكن أن نُجيب بما يلي:
أوَّلاً: قد نقبل هذه القرينة لو لم يكن غير هذه الطائفة من الروايات، ليُقال: إنَّ
ذيلها يصلح لتفسير المراد من صدرها، إلَّا أنَّ وجود بقيَّة الطوائف يمنع من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٤) شرح أُصول الكافي ٥: هامش ص ١٢٦.
قبول ذلك، خصوصاً مع
ملاحظة روايات الطائفة الأُولى التي يدور الكلام فيها سؤالاً وجواباً حول الأرض،
حيث يسأل السائل: هل تبقى الأرض بلا إمام؟ فيقول الإمام: «لا، إذاً لساخت»، أو
يبتدأ الإمام بذلك من غير سؤال، وليس فيها إشارة إلى الناس لا من قريب ولا من بعيد.
ثانياً: لو تنزَّلنا وافترضنا عدم وجود غير هذه الطائفة، لا نُسلِّم دلالتها على
المطلوب أصلاً، إذ هي لا تتنافى مع إرادة المعنى الحقيقي، وإنَّما هي تتحدَّث عن
حال الناس عند فقد الإمام، وأمَّا حال الأرض بعد ذلك، أتبقى أم تزول؟ فهي ساكتة عن
ذلك.
ثمّ ممَّا يقوّي الاتِّجاه الأوَّل كثرة الروايات، الناتج من كثرة السؤال حول هذا
الموضوع، فلو كان المراد أنَّ فقد الإمام ليس له تأثير تكويني، وإنَّما له تأثير في
استقامة الناس وسعادتهم، لما اقتضـى ذلك كثرة الأسئلة، وتكرارها، حتَّى في الرواية
الواحدة، إذ تأثير الإمام العادل في استقامة أُمور الناس وتدبير شؤونهم وسعادتهم من
الأُمور الواضحة التي لا تستوجب كلّ هذه الأسئلة، بينما افتراض تأثير الإمام في
الأرض تأثيراً تكوينياً ممَّا يُثير الاستغراب، ويستدعي كثرة الأسئلة والاستفهامات،
وتكرارها.
والحاصل: ظاهر الروايات وجود علاقة تكوينية بين الإمام والأرض، فمع زواله تزول
الأرض، ولا يوجد ما يمنع من الأخذ بهذا الظاهر، خصوصاً وأنَّ هذا المعنى يتناسب مع
السنن الإلهية الجارية على الأُمم التي كُتِبَ عليها العذاب الدنيوي، فكلُّ أُمَّةٍ
استحقَّت العذاب أخرج الله تعالى منها أنبياءه وصلحاءه ثمّ أهلكهم، ودمَّر أرضهم
ومساكنهم، وإليك بعض تلك الشواهد:
١ - من ذلك ما جاء في قصَّة نبيِّ الله لوط (عليه السلام) حيث أمره الله تعالى
بالخروج
منها مع أهله إلَّا
امرأته، ثمّ أهلك قريته وجعل عاليها سافلها.
قال تعالى: ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ
يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ
مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ
مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا
جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ
مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾
(هود: ٨١ - ٨٣).
٢ - وفي قصَّة نبيِّ الله شعيب قال (عزَّ من قائل): ﴿وَلَمَّا
جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا
وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ
* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
(هود: ٩٤ و٩٥).
٣ - وقال تعالى في قصَّة نبيِّه نوح (عليه السلام):ـ ﴿حَتَّى
إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ
زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ
آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ * وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ
مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي
مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ
مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ * قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ
الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ
بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ * وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي
ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِـيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ
عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (هود: ٤٠ -
٤٤).
إلى غيرها من الشواهد القرآنية الكثيرة.
ومع اتِّضاح هذا نأتي إلى الجواب عن السؤال، فنقول:
أوَّلاً: أنَّ الغاية
من خلق الإنسان هي عبادة الله تعالى، وقد خلق الله الأرض وما عليها لخدمة هذا
الإنسان، الذي هو خليفة الله في الأرض، يُحقِّق إرادته تعالى، ويُنفِّذ مشيئته، قال
تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: ٥٦)، وقال (عزَّ من قائل): ﴿وَإِذْ
قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً قالُوا
أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ
بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
(البقرة: ٣٠).
ثانياً: أنَّ الذنوب والمعاصي التي يرتكبها الإنسان لها آثار تكوينية، من قبيل: منع
المطر، وقلَّة الزرع، وانتشار الأمراض والأوبئة، ونحو ذلك. وقد تحدَّث القرآن
الكريم عن ذلك في عدَّة آيات، وهكذا أحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ
الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ
بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: ٤١)، وقال تعالى:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها * إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها *
فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ناقَةَ اللهِ وَسُقْياها * فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها
فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها﴾ (الشمس: ١١ -
١٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا
وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرضِ وَلكِنْ
كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٦).
ونقرأ في دعاء كميل المروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «اللَّهُمَّ اغفر لي
الذنوب التي تهتك العصم، اللَّهُمَّ اغفر لي الذنوب التي تُنزل النقم، اللَّهُمَّ
اغفر لي الذنوب التي تُغيِّر النِّعَم، اللَّهُمَّ اغفر لي الذنوب التي تحبس
الدعاء، اللَّهُمَّ اغفر لي الذنوب التي تُنزل البلاء»(٩٥).
والنصوص في هذا المجال كثيرة، ومنها يتَّضح بما لا يقبل الشكَّ أنَّ أفعال الإنسان
الصالحة والطالحة ممَّا لها تأثير إيجابي أو سلبي في عالم التكوين، أمَّا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٩٥) مصباح المتهجِّد: ٨٤٤.
كيف يكون هذا التأثير،
وما هي طبيعته؟ فهو ممَّا يحتاج لبحث ودراسة معمَّقة، ولعلَّ بالامكان أن نطرح هذه
الفكرة، وهي: أنَّ الكون كلّه خاضع لنظام وقانون ومعادلات ثابتة، وبمجرَّد أن يحصل
اختلال في بعض جزئياته يتأثَّر نظامه وقانونه، فالأرض تدور حول نفسها، فيحصل الليل
والنهار، وبمجرَّد أن تتوقَّف عن الدوران تنعدم ظاهرة الليل والنهار، ويكون إمَّا
ليل وإمَّا نهار، وقس على ذلك بقيَّة الأمثلة، وحيث إنَّ فعل الإنسان له حصَّة من
الوجود فلا بدَّ أن يخضع لقانون ونظام معيَّن ضمن هذا النظام الكوني العامّ
المترابط في كلِّ جزئياته ومفرداته، فإذا خالف هذا الإنسان هذا القانون من خلال
الخروج عمَّا رسمه الله تعالى له من نظام وقانون فلا بدَّ أن يكون لهذا الخروج من
تأثير على هذا النظام الكوني، وما لم يُصحِّح المسير ويعود هذا الإنسان إلى نظامه
المرسوم له وفق الخطَّة الكونيَّة فلا بدَّ أن تتداعى التأثيرات وتتلاحق، ومن ثَمَّ
يحصل الدمار والخراب، بسبب تعطُّل النظام الكوني العامّ.
ثالثاً: من خلال هذه الفكرة نستطيع أن نفهم الروايات التي تقول: «لا يصلح الناس
إلَّا بإمام، ولا تصلح الأرض إلَّا بذلك»، والتي تقول: عن يعقوب السـرّاج قال: قلت
لأبي عبد الله (عليه السلام): تبقى الأرض بلا عالم حيّ ظاهر يفزع إليه الناس في
حلالهم وحرامهم؟ فقال لي: «إذاً لا يُعبَد الله يا أبا يوسف»، والتي تقول: «لن تبقى
الأرض إلَّا وفيها رجل منّا يعرف الحقَّ، فإذا زاد الناس فيه قال: قد زادوا، وإذا
نقصوا منه قال: قد نقصوا، وإذا جاؤوا به صدَّقهم، ولو لم يكن كذلك لم يُعرَف الحقُّ
من الباطل»، فصلاح الأرض بل الكون لا يتمُّ إلَّا بصلاح الناس لأنَّهم ضمن النظام
الكوني العامّ، الذي إذا ما تصدَّعت بعض أجزائه أو اختلَّت - ومنها أفعال الناس
وآثارهم - تصدَّع سائر الكون واختلَّ نظامه، وحيث إنَّ الخطأ وارد في حقِّ الناس
لعدم عصمتهم، احتاجوا إلى المعصوم الذي يقوم بدور الإصلاح وإيضاح الحقِّ من الباطل.
وإذا أردنا أن نُرتِّب
هذه الروايات ترتيباً منطقياً متسلسلاً، يمكن أن نقول:
١ - لا تصلح الأرض إلَّا بصلاح الناس، ولا يصلح الناس إلَّا بوجود الإمام المعصوم.
٢ - لأنَّهم إذا زادوا شيئاً نبَّههم إلى ذلك، وإن نقصوا شيئاً نبَّههم إلى ذلك،
وإن جاؤوا بالحقِّ كاملاً صدَّقهم.
٣ - فإذا فُقِدَ الإمام اختلط على الناس الحقُّ والباطل، فلم يستطيعوا أن يُحِّققوا
الغاية التي من أجلها خُلقوا وخُلِقَ الكون والأرض لهم، وهي العبادة الكاملة
التامَّة ولو بوجوده المقدس، إذاً بارتفاع الإمام لا يُعبَد الله تعالى حقَّ
عبادته، فتنتفي الغاية التي لأجلها خُلِقَت الأرض، فتضطرب وتزول.
وحاصل الجواب: أنَّ فقد الإمام المعصوم يوجب فقد الغاية التي لأجلها خُلِقَ الكون،
وهي العبادة الصحيحة الكاملة، إذ غير المعصوم لا يستطيع أن يُحقِّق هذه الغاية دون
هذا المرشد والمعلِّم، وحيث إنَّ أفعال الإنسان الناقصة لها تأثير سلبي في تغيير
المعادلات الكونية، فلا بدَّ أن تتأثَّر بذلك الأرض فتضطرب وتسيخ.
جواب السؤال الثاني:
اتَّضح من خلال الجواب المتقدِّم عن السؤال الأوَّل.
جواب السؤال الثالث:
يمكن أن نجيب بجوابين:
١ - اتَّضح من خلال الجواب المتقدِّم أيضاً، فإنَّ الذي يعلم الزيادة والنقصان،
والحقَّ والباطل، بحيث لا يقع في حقِّه الاشتباه أو الخطأ إنَّما هو المعصوم فقط.
٢ - التصـريح بذلك في
بعض الروايات المتقدِّمة، راجع على سبيل المثال الطائفة الأُولى الأحاديث ( ٨ -
١٠)، والطائفة الثانية الأحاديث (٢ و٣)، والطائفة الثالثة الحديث (١).
وفي خاتمة البحث نُلخِّص النتائج التالية:
١ - إنَّ الروايات الدالّة على أنَّ الأرض لا تخلو من الإمام المعصوم قد بلغت حدَّ
التواتر الذي لا يسع معه الإنكار والتكذيب، بل يجب معه الإذعان والتصديق.
٢ - إنَّ هذا المضمون مرويٌّ في مصادر العامَّة، ولم تنفرد الإماميَّة بروايته.
٣ - اتَّضح أنَّ الصحيح المحافظة على ظاهر الروايات الدالّة على أنَّ الأرض تسيخ
حقيقة عند فقد الإمام المعصوم.
٤ - من الواضح أنَّ من الأسباب المهمَّة وراء صدور هذا النوع من الروايات وبهذه
الكثرة العظيمة هو إثبات وجود الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) في عصر الغيبة.
انتظار الفرج وأثره في الحدّ من الآفات الاجتماعية
محمّد
باقر آخوندي
ترجمة: حسن علي مطر
المقدَّمة:
مَنْ منّا لم يعتصر قلبه الألم وهو يشاهد أنواع الانحرافات والآفات الاجتماعية
المتعدِّدة.
حيث إنَّ المرحلة الراهنة تشهد ما يلي:
- الضياع الأخلاقي وضعف العواطف والمشاعر الأُسرية بشكل يتجاوز حدود الوصف.
- لقد أدّى التزيّن الظاهري إلى تشبُّه الرجال بالنساء، والنساء بالرجال.
- تزايد حالات ومظاهر الفسق والفجور في المجتمع.
- تشهد أركان المجتمع حالة من الاضطراب والفوضى، وأصبح الهرج والمرج هو السائد.
- يقوم الأفراد بأكل أموال بعضهم، ويتربَّصون ببعضهم.
- لقد أحاطت نار الأحقاد بكلِّ شيء، واتَّسعت رقعة المذابح الوحشية.
- انتشر الكذب وأضحت شهادات الزور سيِّدة الموقف.
- تمَّ نسيان الفضائل الماضية، وحلَّت محلَّها البدع التي لا تستند إلى أساس صحيح.
- تشهد الحالة الاجتماعية ضعفاً في التمسّك بتعاليم الدين الإلهي(١).
من خلال التوصيف المتقدِّم للآفات الاجتماعية نجد أنَّه على الرغم من رفع مستوى
الوعي لدى الناس، وتطوّر النظام السياسي للسيطرة والإشراف والرقابة على المجتمع،
وتشديد العقوبات، لم تحدّ من تسارع وتيرة الانحرافات، بل إنَّها مع ذلك آخذة في
الازدياد يوماً بعد يوم، ممَّا يُثبِت عدم جدوائية الأساليب المتقدِّمة.
والسؤال المطروح هنا:
ألَا يمكن العثور على حلٍّ للمشاكل الراهنة من خلال الرجوع إلى الدين حيث يُوفِّر
الأرضية المناسبة للسيطرة على المشاكل والآفات الاجتماعية؟
في معرض الجواب عن هذا السؤال تقول الفرضية الرئيسة لهذا المقال: إنَّ (انتظار
الفرج) يُمثِّل واحداً من الحلول الجوهرية للحدِّ من المشاكل والآفات الاجتماعية.
ومن الضـروري لتوضيح هذه الفرضية العمل على دراسة الانحرافات، وتحديد عللها
وأسبابها، وبيان كيفية إيجاد الحلول لهذه المشاكل والانحرافات والآفات من خلال
التدبُّر والتعمُّق في مفهوم (انتظار الفرج).
تعريف المفاهيم:
أ - الآفة الاجتماعية:
إذا كان المعيار قاعدة الفعل الاجتماعي، فإنَّ الآفة سوف تُعَدُّ نقضاً لهذه
القاعدة. إنَّ قواعد الفعل تتحدَّد تارةً من خلال الدين والوحي الإلهي، وتارةً من
خلال المجتمع واتِّفاق الأكثرية، والقانون تارةً أُخرى. كما يتمُّ تقسيم الانحرافات
إلى الانحرافات الأوَّلية والثانوية، والانحرافات الفردية والجماعية، والانحرافات
الواعية واللاواعية(٢).
ب - الانتظار:
الانتظار لغةً: المكث، والرصد، والتوقّع، ونوع من
التفاؤل بالمستقبل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١)
اُنظر: منتخب الأثر للصافي الكلبايكاني: ٤٢٤ و٤٢٨ و٤٣٢/ مركز نشر الكتاب/ قم.
(٢)
اُنظر: ونداليسم اجتماعي لعليّ محسني تبريزي (مصدر فارسي): ٣٠.
وأمَّا اصطلاحاً فيمكن أن يكون هناك مفهومان مستقلّان له:
فمن جهة تتمُّ ترجمة الانتظار إلى (الترصّد) حيث يستسلم الأفراد للواقع القائم، دون
القيام بأيِّ عمل من شأنه إصلاح المستقبل. فهؤلاء يضعون يداً على يد منتظرين ظهور
المنقذ، ليتولّى عملية الإصلاح بالنيابة عنهم، ثمّ يُسلِّم مقاليد الأُمور إليهم.
وفي هذه الظروف تتعطَّل المسؤوليات الاجتماعية والفردية، وتكون الأجواء مفتوحة
لإشاعة الفحشاء وانتشار الفساد. كما تترتَّب على الانتظار بهذا المعنى الكثير من
التداعيات الخطيرة، من قبيل: تعطيل الكثير من الحدود والأوامر الإلهية التي تُعتَبر
من المسؤوليات الاجتماعية والفردية لكلِّ مسلم ومسلمة.
وفي مثل هذه الظروف ليس هناك من شكٍّ في أنَّ مثل هذا المجتمع سيأخذ طريقه إلى
الزوال والانقراض المحتوم طبقاً للسنن التاريخية حتَّى قبل أن يصل الأمر إلى ظهور
المنقذ.
وعلى هذا الأساس يكون هذا النوع من الفهم للانتظار أفيوناً ومخدّراً، ولا شكَّ في
أنَّ الروايات الشريفة لا تريد هذا النوع من الفهم؛ وذلك لأنَّ هذه الروايات تعتبر
الانتظار من أفضل أعمال الأُمَّة الإسلاميَّة، وقد تمَّ رصد الكثير من الأجر
والثواب على من يمارس مفهوم الانتظار بشكله الصحيح.
لقد شهد التاريخ على امتداده الكثير من التيّارات والجماعات والأفراد الذين عملوا
على إلهاء أنفسهم ومن يحيط بهم من خلال التمسُّك بهذا الفهم الساذج والسطحي
للانتظار لفترات من الزمن، ولكن أين هذا من أحكام الدين الحيوية والراقية(٣)؟!
وعلى كلِّ حالٍ رغم اشتمال الانتظار على معنى الترقُّب والتفاؤل بالمستقبل، يمكن
بيانه بشكل آخر.
وفي الفهم الثاني يكون الانتظار جزءاً من فطرة الإنسان(٤)،
حيث يخلق لديه حالة من عدم الرضا بالواقع الراهن، ويسعى إلى تغييره وإصلاحه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣)
لمزيد من الاطِّلاع، اُنظر المصادر الآتية:
أ - قيام وانقلاب مهدي از ديدگاه فلسفه تاريخ لمرتضـى مطهَّري (مصدر فارسي): ٦٢/
انتشارات جامعه مدرِّسين/ قم.
ب - (http://www.hawzah.net/per/magazine/index.htm).
ج - تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) لمكارم الشيرازي ٧: ٣٨١ و٣٨٢.
د - نگاهي دوباره به انتظار لمجيد حيدري نيك (مصدر فارسي)/ فصلية انتظار التخصّصية.
(٤)
اُنظر: شيعه در اسلام (الشيعة في الإسلام) للعلَّامة الطباطبائي: ٢٣٢/ ط ١٣٨٣ش/
نشـر دفتر انتشارات اسلامي. واُنظر أيضاً: گفت وگو درباره ى امام مهدى (بحث حول
المهدي) لمحمّد باقر الصدر/ ترجمه إلى الفارسية: مصطفى شفيعي، (نقلاً عن صحيفة
انتظار التخصّصية/ العدد الأوَّل).
والانتظار بهذا المعنى هو في حقيقته رفض للظلم والجور، وينطوي على عنصـر التحفيز
والشعور بالمسؤولية والحيوية والبناء والوعي واليقظة. كما أنَّ الانتظار بهذا
المعنى يعني العمل والنشاط والحيوية والحركة، وإعداد العُدَّة والأرضية، كما أنَّه
يُمثِّل بالنسبة إلى الفرد المخطِّط وصاحب النظرة البعيدة منهجاً أساسياً في الحياة
الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
إنَّ الانتظار طريق إلى المستقبل والوصول إلى الأهداف السامية في المستقبل.
لا بدَّ من الاعتراف بأنَّ كلَّ عمل عظيم للوصول إلى هدفٍ أسمى إذا لم يكن مسبوقاً
بمرحلة من الانتظار والتمهيد والإعداد النفسـي، فهو أبتر، ولن يتمَّ تحقيقه بالنحو
المطلوب. وكلَّما كان الهدف والغاية أعظم، كانت مرحلة الانتظار أوسع وأكبر أيضاً(٥).
جذور السلبيات والآفات الاجتماعية:
إنَّ الأسباب التي تُذكر لظاهرة الانحراف - بالالتفات إلى مختلف الاتِّجاهات -
تتفاوت بشكل صريح، فبينما يذهب علماء الأحياء إلى القول بأنَّ ذلك يعود إلى نقص في
العضو - على سبيل المثال - يذهب علماء النفس إلى القول بأنَّه يعود إلى المشاكل
النفسية. ويذهب علماء الاجتماع إلى تفسير ثالث مغاير لهما مغايرة جوهرية؛ حيث
يُرجِعون أسباب الانحراف إلى الحقائق الاجتماعية.
وفي هذا المقال نسعى إلى بيان بعض التفسيرات الاجتماعية في هذا المجال ضمن الأمثلة
الثلاثة الآتية، وهي: (النظم الاجتماعي)، و(التضادّ الاجتماعي)، و(ردود الأفعال
الاجتماعية المتبادلة). وعلى الرغم من التبويبات المختلفة والمناسبة المتحقِّقة
حتَّى الآن في بيان الأسباب النظرية للانحراف، إلَّا أنَّ التبويب الآتي قد يفي
بالإجابة المناسبة عن السؤال الأوَّل لهذا المقال.
أ - ضعف السيطرة والرقابة الاجتماعية:
تُثبِت الدراسات حدوث تغيّرات في ثلاثة أركان من المجتمع المعاصر، وهي:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٥)
لمزيد من الاطِّلاع، اُنظر المصادر الآتية:
أ - انتظار مذهب اعتراض لعليّ شريعتي (مصدر فارسي): ٦ و٧، و٩ - ١١.
ب - قيام وانقلاب مهدي از ديدگاه فلسفه تاريخ لمرتضـى مطهَّري (مصدر فارسي): ٦٢.
ج - زمام در آينده لمحمّد جواد مغنية/ ترجمه إلى الفارسية: إبراهيم دامكافي وآخرون:
٥/ ط ١٣٤٤ش.
د - (http://www.hawzah.net/per/magazine/index.htm).
هـ - صحيفة قدس (الإيرانية)/ بتاريخ: (١٥/٤/١٣٨٥ش).
و - تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) لمكارم الشيرازي ٧: ٣٨١ و٣٨٢.
الأركان المتمثِّلة بالأُسرة، وظروف العمل، والمجتمعات المحلّية(٦).
فإنَّ الأُسرة - على سبيل المثال - التي كانت تلعب دوراً محورياً في تلبية الحاجات
الجسدية والنفسية والروحية والعاطفية والاجتماعية للأولاد، والتي كانت تساعدهم في
حقل بناء الشخصية وتكوين الهوية، وتمدُّ لهم يد العون في مجال النموِّ والازدهار
وتطوير طاقاتهم، قد تعرَّضت هي الأُخرى للتغيّر الجوهري في الآليات والأدوات. حيث
أخذ أفراد الأُسرة مؤخَّراً يقضون فترات طويلة من أوقاتهم خارج البيت، ويعودون
أحياناً فرادى ليأخذ كلُّ واحد منهم طريقه إلى مخدع النوم ليستريح بعد يوم حافل
بالعمل الشاقّ والمرهق.
ومن هنا فقد انخفض منسوب العلاقات الاجتماعية المتبادلة ضمن أفراد الأُسرة، وغابت
المودَّة والتراحم فيما بينهم، وحلَّت محلَّها العلاقات الرسمية بالتدريج. فالأُسرة
التي كانت حتَّى الأمس القريب تتكفَّل بجانب كبير من المسؤولية الاجتماعية حيث
تضطلع بمهمَّة الإشراف والسيطرة على أفراد الأُسرة، وتعمل إلى حدٍّ كبير على إصلاح
وتحسين سلوكهم، بدأت تأخذ طريقها نحو الضعف والانحسار.
ومن جهة أُخرى حيث لم يعد باستطاعة بعض أفراد الأُسرة القيام بدورهم على النحو
المطلوب؛ فقد آلت الأُسرة إلى التفكّك والتصدّع(٧).
وفيما يتعلَّق بالمجتمعات المناطقية والمحلّية يجب القول: إنَّ المجتمع المعاصر
يشهد ضعفاً ملحوظاً في هذه الناحية أيضاً؛ حيث لا يحصل الأفراد على الحماية من
قِبَل الأُسر المجاورة لهم. فبينما كانت فترة استقرار وإقامة الأفراد والأُسر في
بيت ومكان واحد تمتدُّ لمدَّة طويلة، وكانت العلاقات بين الأفراد والأُسر والجيران
وثيقة ومتينة، وكان مستوى الرقابة والإشراف في هذه التجمّعات المحلّية على الأفراد
كبيراً، ويُشكِّل عقبة أمام انحرافهم، أخذت فترة الاستقرار والإقامة في مكان واحد
تشهد في الآونة الأخيرة تراجعاً إلى حدٍّ كبير، حيث زاد حجم الانتقال من بيت إلى
بيت، ومن منطقة إلى أُخرى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٦)
اُنظر: آسيب هاي اجتماعي ايران/ إعداد: انجمن جامعه شناسي ايران (مصدر فارسي): ١٧.
(٧)
اُنظر: ونداليسم اجتماعي لعليّ محسني تبريزي (مصدر فارسي): ٦٨ و٦٩.
ومن ناحية أُخرى ساعدت ظاهرة النزوح من الأرياف والقرى والمدن الأُخرى والتنوّع
الثقافي والعرقي ولاسيّما في المدن الكبرى على ضعف الرقابة والسيطرة الاجتماعية
المحلّية إلى حدٍّ كبير، وربَّما زال مفهوم المجتمعات المحلّية في الكثير من المدن
الكبرى [حيث لا يعرف الجارُ جارَه]. ويمكن مشاهدة النموذج البارز لهذه الظاهرة في
ضواحي المدن بوضوح، حيث تكثر هناك الجرائم بالقياس إلى المناطق الأُخرى إلى حدٍّ
كبير(٨).
كما شهدت ظروف العمل في المجتمع المعاصر تغيّراً جوهرياً أيضاً، حيث بدأت تأخذ
طابعاً تعاقدياً ومؤقَّتاً. ومن هنا لم يعد الأفراد يحصلون في الغالب على هوية
وطبيعة عمل ثابتة، ولم يعد بإمكان الوظائف والأشغال أن تسهم في السيطرة على الأفراد
وبسط الرقابة عليهم كما كان الحال في السابق.
ومن هنا قلَّ منسوب الشعور بالأمن لدى المواطنين، وأخذ الأفراد يميلون إلى الانحراف
والسقوط في شبكات الإدمان والتهريب والاتِّجار بالمخدّرات(٩).
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ المتغيّرات الاجتماعية والثقافية الراهنة تغلق الطريق أمام
إمكانية العودة إلى طرق وأساليب تعزيز وتقوية الإشراف والرقابة(١٠)
الاجتماعية القديمة. وعليه لا بدَّ من انتخاب طريق يجمع بين مزايا الأساليب القديمة
والحيوية والقدرة على التناغم والتفاعل مع المتغيّرات والظروف الجديدة والراهنة.
يقوم الادِّعاء في هذا المقال على أنَّ هذا الطريق يتمُّ عبر (انتظار الفرج) على ما
سيتمُّ بيانه لاحقاً.
ب - انخفاض مستوى الشعور بالتبعية والانتماء
إلى المجتمع والقيَم:
إنَّ من بين أُسس تكوّن الجماعات، هو الشعور بالانتماء والتبعية للجماعة، ولذلك
أربعة عناصر رئيسة، وهي كالآتي:
١ - التبعية: يذهب (ترافيس هيرشي) إلى الاعتقاد بأنَّ الانحراف ينشأ
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٨)
اُنظر: حاشيه نشيني در شهر مشهد وچشم انداز آينده لمحمّد باقر آخوندي (مصدر فارسي)/
انتشارات مؤسَّسه تحقيقات ومطالعات بين المللي ابرار معاصر/ ط ١٣٨٢ش.
(٩)
اُنظر: آسيب هاي اجتماعي ايران/ إعداد: انجمن جامعه شناسي ايران (مصدر فارسي): ٢٠.
(١٠) يرى (ريموند بودن)
أنَّ الرقابة الاجتماعية عبارة عن مجموعة من المصادر المادّية والرمزية التي
يمتلكها المجتمع لضمان التناغم والمواءمة بين سلوكيات أفراده في مواجهة الانحرافات،
مع سلسلة من القواعد والأُصول المعيَّنة التي تتمتَّع بالضمانة التنفيذية. (جامعه
شناسي كج روى (مصدر فارسي): ٥٨٥/ ط ١٣٨٠ش/ انتشارات پژوهشكده حوزه ودانشگاه).
بالدرجة الأُولى من ضعف الشعور بالتبعية والانتماء إلى المجتمع(١١).
فلو أنَّ الفرد كان متعلّقاً بمجتمعه وجماعته لن يجد من نفسه ميلاً إلى انتهاك ونقض
معاييره الاجتماعية أبداً. ولن يكتفي من نفسه بعدم نقض هذه المعايير الاجتماعية، بل
سيقف بوجه كلِّ من يحاول نقض هذه المعايير أيضاً.
٢ - الشعور بالمسؤولية: تعني المسؤولية شعور الفرد بأنَّه مدين للمجتمع، ويمكن
تصوّر ذلك على أربعة أشكال: المسؤولية القيَمية، والمسؤولية الاجتماعية، والمسؤولية
تجاه الأهداف الجماعية، والمسؤولية تجاه المصادر الاقتصادية(١٢).
وكلَّما كان شعور الفرد بكونه مديناً للمجتمع في هذه الحقول الأربعة قويّاً، كان
احتمال تعرُّضه للانحراف أقلّ.
٣ - المشاركة الاجتماعية: إنَّ هذا العنصـر من عناصر التبعية الأُخرى للمجتمع، حيث
يشير إلى حجم ونوع الأنشطة الاجتماعية للإنسان. وكلَّما كانت هذه الأنشطة أوسع،
كانت المخاطر التي تُهدِّد الأفراد وتدفعهم ناحية الانحراف أقلّ، بيد أنَّ العاطلين
عن العمل والذين لا يسهمون في النشاط الاجتماعي هم أكثر عرضةً لخطر الانحراف.
٤ - العقيدة والإيمان: يُعَدُّ الإيمان والاعتقاد بالقيم والتعاليم الدينية في
المجتمع عنصـراً جوهرياً في حفظ وصيانة الأفراد. فكلَّما كان إيمان الفرد قويّاً،
كلَّما كان أقلّ عرضةً للانحراف.
كما هو واضح فإنَّ هذه العناصر الأربعة للشعور بالتبعية والانتماء للمجتمع تُعتَبر
أدوات للرقابة والسيطرة الاجتماعية، وتربط بها ارتباطاً وثيقاً.
من هنا لو انخفض مستوى شعور الأفراد بالانتماء والتبعية للمجتمع والثقافة، وانخفض
مستوى إحساسهم بالمسؤولية تجاه المجتمع، وكان حجم مشاركتهم الاجتماعية متدنّياً،
وكان مستوى الالتزام الديني والأخلاقي لديهم ضعيفاً، فإنَّه سيكون عرضةً للانحراف
بشدَّة. وعليه لا بدَّ من العمل على رفع
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١١) اُنظر: درآمدي بر
جامعه: ١٧٦/ ط ١٣٧٧ش/ انتشارات آستان قدس رضوي.
(١٢) اُنظر: جامعه شناسي
نظم لمسعود جلبي (مصدر فارسي): ٧١/ ط ١٣٧٥ش/ نشر ني.
مستوى الشعور بالانتماء والتبعية للمجتمع لدى الأفراد، وأن يتمَّ تعزيز الشعور
بالمسؤولية لديهم تجاه المعايير والقيم الاجتماعية، والعمل على توسيع رقعة مشاركتهم
الاجتماعية، وتعميق التزامهم الديني والأخلاقي. وعلى الرغم من أنَّ الطرق والحلول
الآنفة قد يكون لها تأثير ملحوظ في هذا الشأن، إلَّا أنَّ تأثير الدين ولاسيّما
فيما يتعلَّق بالعنصـر الخاصّ والمتمثّل بانتظار الفرج واضح للغاية.
ج - انخفاض الرصيد الاجتماعي:
إنَّ من بين المفاهيم والعناصر التي أخذت بالتبلور في الآونة الأخيرة في علم
الاجتماع وحتَّى في علم الإدارة، وأضحى لها وجود هو مفهوم (الرسمال الاجتماعي)(١٣).
وأخذ هذا المفهوم يكتسب يوماً بعد يوم مزيداً من الأهمّية لعدَّة أسباب، وقد شغل
اهتمام الكثير من الباحثين والمحقِّقين بشأنه.
إنَّ عناصر من قبيل: انفلات الوضع فيما يتعلَّق بالهجرة والنزوح إلى المدن الكبرى،
واضمحلال المجتمعات التقليدية، وزوال القيم والمعايير المتعلّقة بها، وانهيار
الأُسر وضعف أُسسها، وما إلى ذلك من الأُمور، قد فاقم من الظروف التي جعلت الأبحاث
المرتبطة بالثروة الاجتماعية تحظى بالأولوية في جميع البلدان، ولاسيّما منها
البلدان النامية. وفي تلك البلدان هناك الكثير من الشواهد الدالّة على ضرورة
الاهتمام الجادِّ بمسألة (الرسمال الاجتماعي).
إنَّ الواضح الذي يمكن للشعور العامّ أن يُدركه هو انحسار الصدق والثقة المتبادلة
والشعور بالانتماء والتبعية للمجتمع، يقابل ذلك ارتفاع مستوى الشعور بالقلق والخوف
والاضطراب.
يذهب (بوتنام)(١٤)
إلى القول بأنَّ الرسمال الاجتماعي عبارة عن: الخصائص المنظَّمة للمؤسَّسة
الاجتماعية، من قبيل: الاعتماد والمعايير، وشبكة العلاقات، والتواصل الاجتماعي،
ممَّا يرفع بأجمعه من مستوى فاعلية المجتمع من خلال إيجاد التسهيلات وتنسيق الأعمال(١٥).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٣) (Social Capital).
(١٤) روبرت بوتنام، أُستاذ
العلوم السياسية في جامعة هارفارد الأمريكية، أجرى استطلاعاً شمل عشـرات آلاف
الأشخاص من المواطنين الأمريكيين من شتّى القوميات والأعراق؛ ليصل من خلال ذلك إلى
نتيجة مفادها: أنَّه كلَّما زاد عدد الأعراق والقوميات في مجتمع، كلَّما انخفض
مستوى الثقة والاعتماد بين أفراد المجتمع على مستوى التعامل مع القوميات الأُخرى،
وحتَّى مع أبناء قوميتهم. وتتلخَّص رؤيته لرأس المال الاجتماعي في فكرته الأساسية
القائلة: إنَّ الشبكات الاجتماعية تتضمَّن قيمة للأفراد، فالعلاقات الاجتماعية عنده
تشبه رأس المال البشري. (المعرِّب).
(١٥)
(http://www.sse.rue.dk/instirutional/research-paper).
إنَّ العناصر الرئيسة والأساسية في الرأسمال الاجتماعي، عبارة عن: الاعتماد
الاجتماعي، والمشاركة الاجتماعية، والعلاقات الاجتماعية المتبادلة، والالتزام
الأخلاقي والديني، وعلاقات السلطة والهيمنة. فإذا انخفض مستوى الثقة الاجتماعية في
مجتمع، سوف يرتفع مستوى سوء الظنِّ بين الأفراد، الأمر الذي يخلق البيئة الصالحة
لانخفاض مستوى العلاقات الاجتماعية المتبادلة، وتدنّي مستوى المشاركة الاجتماعية،
الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى ضعف العلاقة مع السلطة في المجتمع.
وفي اعتقادي فإنَّ (انتظار الفرج) يُعَدُّ عنصـراً حيوياً ومحفِّزاً في ثقافة
التشيّع، حيث يتمتَّع بالقدرة التامَّة على رفع الرسمال الاجتماعي بشكل كامل، على
ما سيأتي شرحه وتوضيحه.
د - الافتقار إلى الإجماع الأخلاقي والمعياري
في المجتمع:
حيث تُعتَبر المعايير الاجتماعية قواعد للسلوك الاجتماعي لدى الأفراد، وتُحدِّد
الاتِّجاهات السلوكية للأفراد، فإنَّ أيَّ تصدّع أو شقاق في تلك المعايير
الاجتماعية، سيؤدّي إلى فوضى وهرج ومرج اجتماعي. وفي ظلِّ هذه الظروف المضطربة لا
يغدو بإمكان الأفراد أن يقيموا علاقةً وارتباطاً منطقياً بينهم وبين المجتمع، ولن
يكون بإمكانهم تنظيم أهدافهم وتصـرّفاتهم لتنسجم مع مختلف الظروف؛ وذلك لاضطراب
قواعد السلوك.
إنَّ هذه الشـرائط تُقوِّض الوحدة والانسجام الاجتماعي، وتفضـي إلى تسلّل
الانحرافات والآفات إلى المجتمع(١٦).
ومن جهة أُخرى فإنَّ عدم الوفاق الأخلاقي والمعياري في المجتمع يؤدّي إلى انهيار
السلطة والقدرة الناشئة عن الاتِّحاد والانسجام الاجتماعي وعدم سيطرة ورقابة
المجتمع على الأفراد(١٧).
إنَّ هذه الحالة التي يتمُّ التعبير عنها بـ (الشذوذ المعياري) أيضاً، تُعبِّر عن
حالة اجتماعية خاصَّة يُحشَر فيها الفرد ضمن شرائط معيَّنة تضطرّه إلى الانطواء
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٦) اُنظر: ونداليسم
اجتماعي لعليّ محسني تبريزي (مصدر فارسي): ٥٥.
(١٧) اُنظر: المصدر السابق:
٦١.
على نفسه، ويدعوه سوء ظنِّه وسوداويته إلى إنكار جميع العلاقات الاجتماعية، وهكذا
يتعرَّض الفرد إلى الانحراف، وحيث تقلُّ السيطرة والرقابة الاجتماعية عليه، ترتفع
نسبة انحرافاته وآفاته الاجتماعية.
تقوم فرضية هذا المقال على أنَّ مفهوم (انتظار الفرج) يوجد من الوفاق في القيم
والمعايير بحيث لا يعود المجتمع معه عرضة للشذوذ المعياري أبداً، ولن يكون هناك معه
أيّ خوف أو خشية من انهيار القيم والمعايير.
هـ - عدم الاعتدال البنيوي:
إنَّ دراسة السياسات الاجتماعية في بعض المجتمعات تُثبِت أنَّ هناك شرخاً عميقاً
بين الأهداف التي يتمُّ تسويقها وتعريفها للناس، وبين الفُرَص والآليات التي تُوضَع
بين أيديهم للوصول إلى تحقيق تلك الأهداف.
فعلى سبيل المثال: عندما يتمُّ اعتبار المال والثروة فضيلة وقيمة اجتماعية في
مجتمعٍ ما، وتتمُّ الدعاية لجمع الثروة بحيث يغدو ذلك غاية مطمح لكلِّ فردٍ من
أفراد المجتمع، يجب أن تكون الفرص والإمكانات للوصول إلى هذه الغاية متكافئة وفي
متناول الجميع.
في حين أنَّ الأمر على خلاف ذلك تماماً، حيث لا نجد على أرض الواقع سوى النزر
القليل من الذين يمتلكون الفرص والأدوات الكفيلة بتحقيق هذه الغاية، أمَّا سائر
الناس - وهم الأغلبية - فلا يمتلكون مثل هذه الفرص. وعلى حدِّ تعبير (مارتن): إنَّ
هؤلاء يضطرّون من أجل تحقيق هذه الغاية إلى سلوك الطرق الملتوية وغير المشـروعة(١٨).
في حين يقوم المدَّعى في هذا المقال على أنَّ ثقافة الانتظار تعمل على تعريف تلك
الأهداف بشكل يُمكِّن جميع الأفراد من الوصول إليها، حيث يتمُّ وضع أدوات الوصول
إلى تلك الأهداف في متناول الجميع بشكل متكافئ.
إنَّ الاتِّحاد والانسجام في ثقافة الانتظار من القوَّة بحيث يرى الجميع أنفسهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٨) اُنظر: المصدر السابق: ٦٣.
والآخرين كياناً واحداً حقيقةً، حيث ينشد الجميع هدفاً واحداً محدَّداً، ويسعى
الجميع إلى تحقيقه بكلِّ ما أُوتي من قوَّة.
و - التضادّ والتعارض بين القيَم والمعايير:
في المجتمع المعاصر حيث تتنوَّع الأذواق والأمزجة، وحيث يبدو الشـرخ الواضح بين
الأجيال والتنوّع الثقافي والعرفي واتِّساع رقعة وسائل التواصل الاجتماعي، تتمُّ
الدعاية والإعلام لقيم مختلفة بل ومتعارضة في المجتمع أحياناً. فإنَّ النظرة
التحقيقية إلى ما تُسوِّق له هذه الوسائل الإعلامية، تعكس الترويج إلى الحياة
الباذخة واكتناز الأموال والحصول على السلطة والانغماس في الدنيا أحياناً، وأحياناً
يتمُّ الترويج إلى الأهداف والقيم الدينية السامية، الأمر الذي يعكس عمق التضادّ
القائم بين المفاهيم الراهنة. حيث تتمُّ أحياناً دعوة الناس إلى حبِّ الآخرين،
ومدُّ يد العون إليهم والمبادرة إلى الإيثار والتضحية من أجلهم. وفي أحيان أُخرى -
أو في الوقت نفسه - يتمُّ التسويق لقيم أُخرى تقف على الطرف النقيض من القيم
الأُولى.
فعلى سبيل المثال: في التعاليم المذهبية والدينية يتمُّ تصنيف الانغماس في حبِّ
الدنيا، وجمع الأموال على أنَّها أُمور مخالفة ومتنافية مع القيم، في حين أنَّ
الواقع الاجتماعي - بعيداً عن الانغماس في الدنيا واكتناز الثروة - لا يُوفِّر
إمكانية الحياة لجميع الأفراد على السواء. فلبس العباءة للمرأة يتمُّ الترويج له
تارةً على أنَّه قيمة حضارية للمرأة، وفي الوقت نفسه يتمُّ تصويره في مقلب آخر على
أنَّه مخالف للقيم.
إنَّ التعارض القائم بين القيم يؤدّي إلى تسلّل هذا التضادّ إلى المجتمع ويعمل على
تقسيمه إلى قطبين متنافرين أو إلى عدَّة أقطاب متنافرة تماماً. كما أنَّ هذا
التناقض في القيم والمعايير يُعرِّض النظم والتلاحم الاجتماعي لخطر الانهيار، حيث
يتدنّى مستوى العلاقات الاجتماعية، ويخلق مرتعاً خصباً لانعدام الثقة
الاجتماعية، ويحدُّ من العلاقات العاطفية الخاصَّة(١٩).
إنَّ هذا الوضع يؤدّي بدوره إلى انتكاسة في الرسمال الاجتماعي، كما يُضعِف من
الرقابة والسيطرة الاجتماعية في المجتمع، وبذلك يرتفع حجم الآفات والانحرافات
الاجتماعية بشكل مخيف.
لا بدَّ من الالتفات إلى وجود نظريات أُخرى في بيان الانحراف.
وعلى كلِّ حالٍ فإنَّ أسباب الانحراف من الكثرة والاتِّساع والتأثير، بحيث إذا أمكن
العمل على إصلاحها عبر آلية محدَّدة وفاعلة ومجدية، سوف يمكن القضاء على الجزء
الأعظم من الانحرافات الاجتماعية.
تقوم دعوى هذا المقال على إمكانية توفير الأرضية اللازمة لإصلاح الانحرافات والآفات
عبر آلية (انتظار الفرج) والعمل على الحدِّ منها وتقليلها إلى حدٍّ كبير.
انتظار الفرج: آلية دينية لتطوير وبناء
الإنسان وتكامله:
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ
الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ
إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَـى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
(الشورى: ١٣).
لقد عدَّد الله في هذه الآية الكريمة جميع الشـرائع التي ظهرت على طول التاريخ،
وكان بإمكانها إيصال الإنسان إلى كماله وسعادته الحقيقية، وقد تمَّ حصـر أنبياء هذه
الشـرائع في خمسة، وهم: النبيُّ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى (عليهم السلام)،
والنبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ لو كان هناك من شريعة أُخرى لذكرها
تعالى؛ لكونه في مقام بيان جامعية الشرائع.
إنَّ هذه الآية الكريمة وغيرها من الآيات القرآنية الأُخرى تُثبِت أنَّ أنبياء الله
ينشدون هدفاً واحداً، ولا يوجد هناك أيُّ اختلاف بينهم؛ لأنَّهم أخذوا الوحي
والإلهام من مصدر واحد(٢٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١٩) اُنظر: جامعه شناسي
نظم لمسعود جلبي (مصدر فارسي): ١١٧.
(٢٠) اُنظر: تفسير نمونه
(الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) لمكارم الشيرازي ١: ٣٤٥.
وعلى هذا الأساس لا يوجد من الناحية العقلية ما يُبرِّر أن يوحي الله - وهو العالم
الحكيم - إلى أنبيائه أحكاماً متعارضة ومتناقضة. وطبقاً للآيات الإلهية والعقل
الإنساني حيث تكامل أجيال البشـر على طول التاريخ (من الناحية العقلية والقدرة على
احتضان واستيعاب الوحي الإلهي) فإن: (أنبياء الله كالمعلِّمين، ربّى كلٌّ منهم
البشـرية في فصل دراسي، وبعد انتهاء المرحلة الدراسية الخاصَّة به، يُسلِّم المجتمع
البشري إلى معلِّم آخر؛ ليجتاز الأفراد مرحلة دراسية أعلى)(٢١).
ومن هنا فإنَّ القرآن الكريم في هذه الآية: ﴿قُولُوا آمَنَّا
بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ
وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسَـى وَما أُوتِيَ
النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦) يأمر المسلمين بتقديس جميع الأنبياء والمرسلين
على السواء.
كان الله سبحانه وتعالى يُنزل في كلِّ عصـر جانباً من الشـريعة بما يتناسب مع مستوى
ما توصَّلت إليه المجتمعات البشـرية من التقدُّم والتكامل، والفرق الوحيد بين
الشـرائع المتعدِّدة يكمن في (الإجمال والتفصيل وحجم الفروع) وليس شيئاً آخر. حتَّى
بلغ الإنسان بالتدريج - بعد فترة من الانتظار - مرحلة من البلوغ العقلي والفكري،
جعلته أهلاً لتقبُّل المعارف والتعاليم الإلهية السامية.
في هذه الظروف يكون (الإنسان من حيث العلم والمعرفة قد وصل إلى أعلى المراتب)، وهذا
التقدُّم والتكامل هو الذي أدّى إلى ختم رسالات السماء بالنبيِّ محمّد (صلّى الله
عليه وآله وسلم) خاتم الأنبياء، الذي تمكَّن - بالإضافة إلى (تصديق ما جاء به
الأنبياء السابقون) - من أن يأتي من عند الله بأكمل الشرائع المشتملة على جميع
الشرائع السابقة، ولكلِّ البشر على طول التاريخ(٢٢).
ومن الطبيعي أن تكون رسالة خاتم الأنبياء - الذي يكون أساسه هو
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢١) الأمثل في تفسير كتاب
الله المنزل لمكارم الشيرازي ١: ٢٥٩/ ط ٢/ ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م/ الأميرة للطباعة والنشـر
والتوزيع/ بيروت.
(٢٢) اُنظر: الترجمة
الفارسية لكتاب الميزان في تفسير القرآن ٨: ٢٦٨.
نفس أساس شرائع الأنبياء السابقين وهدفه هدفها، وماهيَّة شريعته ذات ماهيَّة شرائع
الأنبياء السابقين - هي (التسليم) أمام (الأُطروحة) الإلهية، يجب أن يتمَّ الإذعان
لها بشكل صحيح من قِبَل الذين يدينون بدين الأنبياء السابقين، إذ طبقاً للماهيَّة
المتدرِّجة للشـرائع الإلهية، لو تسنّى لكلِّ نبيٍّ من الأنبياء السابقين أن يشهد
عصر النبيِّ الذي يليه لكان مذعناً له ولآمن بشريعته.
وكذلك لو تسنّى لجميع الأنبياء أن يشهدوا عصـر خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله
وسلم) لانضمّوا تحت لوائه وإمرته، وصاروا من أتباع شريعته.
ويبدو أنَّ السبب الوحيد الذي يدعو أتباع الأنبياء السابقين إلى الامتناع من
اتِّباع أوامر وتعاليم النبيِّ اللاحق هو عدم إيمانهم الحقيقي بأنبيائهم وتعاليمهم،
بالإضافة - كذلك - إلى وجود المنافع الشخصية والقومية والعرقية في شريعتهم الإلهية؛
وذلك لأنَّ كلَّ واحد من الأنبياء السابقين قد عرَّف أتباعه بالنبيِّ الذي يليه
باسمه ومواصفاته وظروف عصـره وحتَّى مكان ظهوره، وإنَّ أتباع الأنبياء السابقين
بدورهم كانوا يقضون فترة انتظار ظهور النبيِّ الذي وعد به نبيُّهم، وقد تمتدُّ فترة
الانتظار أحياناً لمدَّة طويلة من الزمن.
وعلى سبيل المثال يمكن الإشارة إلى الآية الحادية والأربعين من سورة البقرة، إذ
يقول الله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً
لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي
ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾.
إنَّ الله سبحانه وتعالى في صدر هذه الآية يأمر اليهود - الذين كانوا من أشدّ
المخالفين للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم) - أن يؤمنوا بالقرآن
والنبيِّ؛ لأنَّ القرآن مصدِّق بالتوراة وشاهد عليه، وأنَّ التوراة قد ذكرت صفات
نبيِّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلم) وتعاليمه الصحيحة. فلو أنَّكم قارنتم
صفات نبيِّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلم) بما تجدوه في التوراة، ستُدركون
أنَّ القرآن منزل من عند الله، وأنَّ من جاء به لا يمكن إلَّا أن يكون صادقاً.
فالقرآن يُصدِّق الكتاب الذي بحوزتكم، والذي يحتوي على
البشارة التي بشَّـر بها جميع الأنبياء السابقين أتباعهم، من أنَّ نبيّاً سيأتي
يحمل هذه الصفات، وأنَّ القرآن يُصدِّق هذه البشارة الواردة في التوراة(٢٣).
ورد في بيان شأن نزول القسم الأخير من هذه الآية الشـريفة، حيث يعكس سبب عدم إيمان
اليهود بالنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلم)، عن الإمام محمّد الباقر (عليه
السلام)، أنَّه قال:
«كان حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف وآخرون من [أثرياء](٢٤)
اليهود لهم مأكلة على اليهود في كلِّ سنة، فكرهوا بطلانها بأمر النبيِّ؛ فحرَّفوا
لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره [ليواصلوا أخذ تلك المأكلة من الناس](٢٥)»(٢٦).
من هنا يمكن استنتاج الأُمور الآتية:
١ - إنَّ الأنبياء الذين كانت لهم شرائع سماوية، هم خمسة أنبياء لا أكثر، وهم:
النبيُّ نوح، والنبيُّ إبراهيم، والنبيُّ موسى، والنبيُّ عيسى (عليهم السلام)،
والنبيُّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلم)، وأمَّا سائر الأنبياء الآخرين (البالغ
عددهم ١٢٤ ألف نبيٍّ) فكانوا مجرَّد مبلِّغين وناشرين لتلك الشرائع.
٢ - إنَّ كلَّ دين آخر غير هذه الأديان الخمسة، إنَّما هو من صنع البشـر، ولا يحظى
بتأييد القرآن الكريم.
٣ - إنَّ جميع الأنبياء قد تلقّوا الوحي من مصدر واحد، وينشدون غاية واحدة.
٤ - إنَّ اختلاف الشرائع السماوية إنَّما يكمن في الإجمال والتفصيل، وفي حجم الفروع
فيها.
٥ - إنَّ جميع الأنبياء كانوا يُصدِّقون بمن سبقهم من الأنبياء، ويُبشِّـرون
بالنبيِّ الذي سيأتي بعدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٣) اُنظر: تفسير نمونه
(الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) لمكارم الشيرازي ١: ١٤٤.
(٢٤) لا توجد في المصدر.
(٢٥) ليست من المصدر.
(٢٦) مجمع البيان للطبرسي
١: ١٣٢/ ط ١/ ١٤٣٠هـ - ٢٠٠٩م/ الأميرة للطباعة والنشـر والتوزيع/ بيروت.
٦ - إنَّ انتظار ظهور المنجي كان موجوداً في جميع الشـرائع السماوية، وفي الفترة
الواقعة بين ظهور شريعة وشريعة أُخرى، كان الناس يعيشون فترة من الانتظار.
٧ - إنَّ شرائع الأنبياء إنَّما هي في الواقع عبارة عن خمسة شؤون لحقيقة واحدة
تُعبِّر عن مسار وهدف واحد متدرِّج.
٨ - إنَّ شريعة خاتم الأنبياء (صلّى الله عليه وآله وسلم) تُمثِّل المرحلة الأخيرة
من مراحل ودرجات سُلَّم تكامل الدين الإلهي، حيث تُلبّي جميع ما يحتاج إليه
الإنسان، وتشتمل على جميع الشرائع السابقة.
٩ - إنَّ شرائع الأنبياء حقيقة واحدة، وهي عبارة عن (تسليم) الإنسان أمام
(المشـروع) الإلهي(٢٧).
يُعتَبر (انتظار الفرج) في المسار التكاملي للدين من وجهة نظر القرآن، هو الطريق
الرئيس للتكامل الفكري والعقائدي للبشر.
يُعرَفون على أساس الآية السابعة والستّين من سورة آل عمران باسم واحد فقط، هم
(المسلمون)(٢٨).
إنَّ ما تقدَّم يُثبِت أنَّ كلَّ واحد من الشـرائع السماوية كانت مقرونة بمرحلة من
الانتظار، وما لم تتصرَّم تلك المرحلة وتبلغ نهايتها فلن تصل المرحلة إلى ظهور
الشـريعة اللاحقة؛ لأنَّ التكامل الفكري للبشرية في كلِّ مرحلة يقتضـي مقداراً من
التعاليم والأحكام الإلهية، ولم يكن بوسع الإنسان في حينها أن يتقبَّل ما يزيد
عليها.
ونتيجة لذلك فقد تعاقبت البشـرية على أربع مراحل تكاملية من الانتظار، حتَّى بلغت
مرحلة من التقدُّم نحو التكامل؛ حتَّى تمكَّن الإنسان من تحمُّل المعارف والأحكام
الإلهية بشكل تامٍّ وكامل.
طبقاً لما تقدَّم نُدرك أنَّ جهود جميع الأنبياء والشـرائع السماوية إنَّما كانت
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٧) اُنظر: از افسانه يهود
ستيزى تا واقعيت اسلام ستيزى در دنيا لمحمّد باقر آخوندي (مصدر فارسي)/ ط ١٣٨٤ش/
انتشارات مؤسَّسه تحقيقات ومطالعات بين المللي ابرار معاصر. (تحقيق غير منشور).
(٢٨) اُنظر: المصدر السابق:
٨.
من أجل بلورة آخر الشـرائع السماوية وأكملها (حيث يشتمل عليها بأجمعها)، وذلك إثر
تكوّن المجتمع المهدوي بعد انقضاء مرحلة من الانتظار.
وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنَّ ثمرة ونتيجة جهود جميع الأنبياء هو الوصول إلى
بناء المجتمع المهدوي عبر اجتياز مراحل من الانتظار على طول التاريخ.
وقد بدأت هذه الجهود منذ نزول شريعة نوح (عليه السلام) واستمرَّت إلى هذه اللحظة
بشكل متسلسل للوصول إلى هدف واحد، إذ تقدَّم أن قلنا: إنَّ الدين الإلهي حقيقة
واحدة ذات شؤون مختلفة ولكنَّها في طول بعضها، وإنَّ كلَّ واحد من هذه الشؤون تولّى
فيها نبيٌّ من أنبياء الله مهمَّة التأسيس لها، وإنَّ الأنبياء يُصدِّقون بعضهم
بعضاً، وكلُّ لاحق منهم يُكمِل مسيرة السابق.
إنَّ المجتمع المهدوي الذي هو نتيجة جميع الشـرائع السماوية لا يختصُّ بقوم أو
مجتمع أو ثقافة محدَّدة، وإنَّه سوف يتبلور عبر مراحل مختلفة من النموِّ والازدهار
الفكري والاعتقادي للبشـر على طول تاريخ ما بعد بعثة الرسول الأعظم (صلّى الله عليه
وآله وسلم).
وفي هذه المرحلة لا يمكن الوصول إلى التكامل الفكري والاعتقادي للناس إلَّا من خلال
انتظار الفرج، كما كان الأمر كذلك في الأزمنة الغابرة، حيث جاء الازدهار الفكري
والعقائدي للناس عبر آلية الانتظار أيضاً، ويمكن لنا أن نرى نماذج لذلك في مختلف
المحطّات التاريخية(٢٩).
ومن دون سلوك مثل هذا المسار لا يمكن أن يبلغ الإنسان مرحلة النموِّ والتكامل، ومن
هنا نجد الرسول الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلم) في الأحاديث الواردة بشأن
المهدويَّة هو أوَّل من بشَّـر بهذه الحقيقة، وأمر الأجيال القادمة بذلك، حتَّى ورد
في الكثير من الروايات وصف (انتظار الفرج) بأنَّه من أفضل أعمال الأُمَّة
الإسلاميَّة، حتَّى نجد الإمام أبا عبد الله الحسين والإمام الصادق (عليهما السلام)
يتمنّيان لو يكونان في ركاب المنجي(٣٠).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٢٩) عن أبي عبد الله (عليه
السلام)، قال: «كانت اليهود تجد في كتبها أنَّ مهاجر محمّد رسول الله (صلّى الله
عليه وآله وسلم) ما بين عير وأُحُد؛ فخرجوا يطلبون الموضع، فمرّوا بجبل يقال له:
حداد، فقالوا: حداد وأُحُد سواء؛ فتفرَّقوا عنده، فنزل بعضهم بتيماء وبعضهم بفدك
وبعضهم بخيبر، فاشتاق الذين بتيماء إلى بعض إخوانهم، فمرَّ بهم أعرابي من قيس
فتكاروا منه، وقال لهم: أمرُّ بكم ما بين عير وأُحُد [وكان في هذا الكلام الذي صدر
عن الأعرابي ما كانوا ينتظرونه منذ زمن بعيد، وكانوا قد هاجروا من أجله، ولكنَّهم
ظنّوا خطأً أنَّ حداد هو أُحُد]؛ فقالوا له: إذا مررت بهما فأذنّا بهما، فلمَّا
توسَّط بهم أرض المدينة قال: ذلك عير وهذا أُحُد. فنزلوا عن ظهر إبله وقالوا له: قد
أصبنا بغيتنا فلا حاجة بنا إلى إبلك فاذهب حيث شئت، وكتبوا إلى إخوانهم الذين بفدك
وخيبر: إنّا قد أصبنا الموضع فهلمّوا إلينا؛ فكتبوا إليهم: إنّا قد استقرَّت بنا
الدار واتَّخذنا بها الأموال وما أقربنا منكم، فإذا كان ذلك [أي إذا ظهر النبيُّ
بينكم] فما أسرعنا إليكم. واتَّخذوا [أي اليهود الذين استوطنوا ما بين جبل عير
وأُحُد] بأرض المدينة أموالاً، فلمَّا كثرت أموالهم بلغ ذلك تُبَّع فغزاهم
فتحصَّنوا منه، فحاصرهم ثمّ أمنهم فنزلوا عليه، فقال لهم: إنّي قد استطبت بلادكم
ولا أراني إلَّا مقيماً فيكم، فقالوا له: ليس ذلك لك إنَّها مهاجر نبيٍّ وليس ذلك
لأحد حتَّى يكون ذلك، فقال لهم: فإنّي مخلف فيكم من أُسرتي من إذا كان ذلك ساعده
ونصـره، فخلف حيين تراهم الأُوُس والخزرج، فلمَّا كثروا بها كانوا يتناولون أموال
اليهود، فكانت اليهود تقول لهم: أمَا لو بُعِثَ محمّد لنُخرِجنَّكم من ديارنا
وأموالنا، فلمَّا بعث الله محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلم) آمنت به الأنصار
وكفرت به اليهود. (مجمع البيان للطبرسي ١: ٢١٥ و٢١٦).
وعن ابن عبّاس، قال: كانت يهود بني قريظة والنضير من قبل أن يُبعَث محمّد (صلّى
الله عليه وآله وسلم) يستفتحون الله، يدعون على الذين كفروا ويقولون: اللَّهُمَّ
إنّا نستنصـرك بحقِّ النبيِّ الأُمّي إلَّا نصـرتنا عليهم. (الميزان في تفسير
القرآن للعلَّامة الطباطبائي ١: ١٨٨).
وعليه فإنَّ اليهود طبقاً لهذه الآية كانوا يعلمون بأنَّ نبيَّ آخر الزمان (صلّى
الله عليه وآله وسلم) سيظهر في شبه الجزيرة العربية، وأنَّه سيهاجر إلى موضع بين
جبلي (عير) و(أُحُد) بالتحديد. ولذلك عمدوا إلى شدِّ الرحال ناحية هذين الجبلين
ليُدركوه. فكانوا يعلمون اسمه وأوصافه بشكل دقيق، ويتصوَّرونه ناصراً لهم. وكانوا
يتصوَّرون أنَّه سيخرج من بينهم (من شعب الله المختار على حدِّ تعبيرهم)، ولذلك
كانوا يفاخرون على الكفّار والمشـركين، ويتوعَّدونَّهم بالانتقام بعد ظهور النبيِّ
الذي كانوا ينتظرونه. ولكن بعد أن بُعِثَ النبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله
وسلم) وهاجر إلى المدينة، وأيقن اليهود من خلال الأوصاف التي كانوا يعرفونه بها
أنَّه هو النبيُّ الموعود الذي بشَّـرت به التوراة، وصدَّق به المشـركون ولاسيّما
قبائل الأُوس والخزرج لما رأوه فيه من الصفات التي طالما سمعوها من اليهود، فآمنوا
به، إلَّا أنَّ اليهود لم يحجموا عن الإيمان به وتصديقه فحسب، بل ناصبوه العداء
وحاربوه بكلِّ الوسائل التي توفَّرت لديهم.
(٣٠) عن أبي عبد الله
الحسين بن عليٍّ (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ: هل وُلِدَ المهدي؟ قال: «لا، لو
أدركته لخدمته أيّام حياتي. (موسوعة كلمات الإمام الحسين: ٦٦٠). [والصحيح كما في
غيبة النعماني أنَّه عن الإمام الصادق (عليه السلام)].
كما تُثبِت الدراسات التاريخية أنَّ هذا المسار هو الذي حفظ للتشيّع حيويَّته
وحركته المتنامية والمزدهرة، وعدم تأثّره بالمتغيّرات الاجتماعية - الثقافية
المتسارعة، بل كان يُضاف إلى حيويَّته حيويَّة أُخرى على مدار الأيّام.
ومن ناحية أُخرى فإنَّ سبب الجمود والشلل الذي أصاب سائر الفِرَق الإسلاميَّة
الأُخرى يعود إلى افتقارها إلى هذا المسار أو قلَّة اهتمامهم به في عقائدهم؛ إذ لا
مجال للنموِّ والتكامل من دونه.
وبطبيعة الحال فإنَّ المسيحية واليهودية من خلال إدراكهما لهذا الأمر تمكَّنا من
الوصول إلى نتائج عجيبة جدّاً، ومن خلال التلفيق بين هذين الأمرين ظهرت فرقة باسم
(الصهيونية المسيحية)، تنتهج في الأساس مفهوم (انتظار الفرج)(٣١)،
والملفت أنَّ هذه الفرقة تُمسِك بالأنظمة السياسية في أغلب الدول الغربية بما فيها
الولايات المتَّحدة الأمريكية، ويبدو أنَّ جميع الممارسات السياسية والعسكرية يتمُّ
تبريرها والدفع بها في ضوء هذا المسار(٣٢).
وعليه فإنَّ الادِّعاء القائم هنا يقول: ألَا يستحق هذا الموضوع - الذي يشتمل على
كلِّ هذه الفاعلية والذي حظي بكلِّ هذا الاهتمام من قِبَل الله سبحانه وتعالى - أن
تكون له مكانة في حلولنا الاجتماعية والثقافية؟ فإذا كان لمفهوم (انتظار الفرج) مثل
هذا الدور في تكامل الإنسان طوال تاريخ ظهور الأديان السماوية، لا شكَّ في إمكان أن
يكون له دور مماثل حتماً في إصلاح المشاكل الاجتماعية والثقافية.
انتظار الفرج: طريق لبعث الأمل والقضاء على
الآفات والانحرافات:
ربَّما أمكن القول بأنَّ التفاؤل بالمستقبل من أهمّ العوامل في تحريك وحيوية
وازدهار المجتمع والأفراد على مستوى الثقافة والاقتصاد والسياسة.
إنَّ التفاؤل بالمستقبل يسدُّ الطريق على الكثير من الانحرافات والآفات، ويعمل في
مختلف جوانب الحياة على تحريك الفرد لبذل المزيد من الجهود.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣١) اُنظر: تحوّلات مذهبي
مسيحيت ويهوديت واحتمال چالش با اسلام لمحمّد باقر آخوندي (ج ٣) (مصدر فارسي)/
انتشارات مؤسَّسه تحقيقات ومطالعات بين المللي ابرار معاصر/ ١٣٨٢ش. (تحقيق غير
منشور).
(٣٢) من هذا القبيل بعض
المعلومات ذات الصلة بهذه المسألة بالاعتماد على مقالة (دونالد فاكنر)، وقد عمد
الدكتور (بيرك) الأمريكي إلى تلخيص العقائد الجوهرية للصهيونية المسيحية على النحو
الآتي:
أ - ميثاق الله مع الإنسان (في الإنجيل): إنَّ ميثاق الله مع إسرائيل ميثاق أبدي
غير مشـروط. وعلى هذا الأساس فإنَّ الوعد بالأرض المعطاة للنبيِّ إبراهيم (عليه
السلام) غير قابل للإبطال أبداً. بعبارة أُخرى: إنَّ الكنيسة لم تحل محلَّ إسرائيل،
وعلى الرغم من العراقيل ونقض العهود والمواثيق لم يتمّ إلغاء امتيازات إسرائيل.
ب - الكنيسة: لقد كانت غاية الله منذ البداية قائمة على إسعاد إسرائيل إلى الأبد.
ومع ذلك حيث لم يستطع إسرائيل اتِّباع عيسى المسيح (عليه السلام) تمَّ طرح الكنيسة،
ولكن في الظهور الثاني للسيِّد المسيح (عليه السلام) سيتمُّ إلغاء الكنيسة، ليعود
إسرائيل ثانيةً بوصفه عاملاً رئيساً في تنفيذ الأهداف الإلهية في العالم. وبعبارة
أُخرى: هناك الآن عهدان وميثاقان معتبران في العالم: الميثاق الأوَّل: ميثاق الله
مع النبيِّ موسى (عليه السلام)، والميثاق الآخر: ميثاق النبيِّ عيسى (عليه السلام)،
وعلى الرغم من ذلك فإنَّ الميثاق الجديد لا ينسخ الميثاق القديم بأيِّ حالٍ من
الأحوال.
ج - حماية إسرائيل الجديدة: يجب على الصهيونية المسيحية أن تؤمن بما جاء في سفر
التكوين (١٣/ ١٢) (Genesis) بالمعنى الواقعي والحقيقي،
وأن يُطبِّقوا ذلك دعماً لدولة إسرائيل الجديدة: (سوف أرحم من يبسط حمايته لكم،
وسوف أنتقم ممَّن يلعنكم). وإنَّ عدم دعم إسرائيل يعني العجز عن توفير الحماية
لبقاء إسرائيل في الظروف الراهنة، وهذا الأمر سيؤدّي إلى نزول العقاب الإلهي.
د - النبوءة: إنَّ النبوءات الموجودة في الإنجيل لا تخصُّ مجرَّد الأحداث التي وقعت
في مرحلة الإنجيل، بل تعمل على بيان الحقائق الراهنة أيضاً. وعلى هذا الأساس عندما
ننظر - مثلاً - في الإصحاح السابع من سفر دانيال (Daniek)،
وكانت لنا القدرة على التفسير بشكل مناسب، سوف نُدرك كيفية التحوّل في التاريخ
المعاصر.
هـ - تأسيس إسرائيل: وهي المرحلة التي تُسـرِّع من تحقّق وعود الإنجيل. وعلى هذا
الأساس، عندما يحين آخر الزمان، يجب على الصهيونية المسيحية أن تنتظر انهيار
الحضارات، وارتفاع عدد الجرائم، وزوال السلام، وغياب الاعتدال العالمي، وانتشار
معاداة المسيحية والتعاليم المخلصة والموالية لإسرائيل، والأهمّ من كلِّ ذلك إنَّ
هذا التحالف والائتلاف السياسي سيُحدِّد موقع هذه الجماعة في اليوم الحاسم والمصيري
لهرمجدون (Armageddon). وهرمجدون هو الموضع الذي ستقع
فيه الحرب الأخيرة والفاصلة بين الخير والشـر قبل يوم المحشـر طبقاً للرواية
الإنجيلية. (اُنظر في هذا الشأن: آينده از نگاه صهيونيسم (مصدر فارسي.
(http://www.icej.org/about/about_doctrines.htmk).
وعلى كلِّ حالٍ طبقاً لعقيدة الصهاينة، فإنَّ (الأيّام الأخيرة) كما سمّاها
(القدّيس بطرس) قبل ألفي سنة، ستشهد حرباً ضروساً بين النور والظلمة، وإنَّ إسرائيل
ستكون في بؤرة هذه المعركة؛ لأنَّ الله سيبسط حكومة عدله وينشـرها في العالم عبر
إسرائيل (زكريّا ٩ / ١٤). إنَّ قوى الشـرِّ سوف تبرز بالمعارضة لسيادة هذه الحاكمية،
وبالتالي سوف تسعى إلى القضاء على إسرائيل، إلَّا أنَّ تحقّق الوعد الإلهي بقيام
إسرائيل وانتصارها، سيكون بمثابة إتمام الحجَّة على العالمين وعلى جميع المخالفين
لإسرائيل، وسيثبت أنَّ قول الله حقٌّ. وعلى هذا الأساس يجب أن يقف الصهاينة
المسيحيون في الخطوط الأمامية من هذه المعركة؛ لأنَّ الحقيقة القائلة بالتحاق
الكثير من الأشخاص إلى هذه الحركة في الأعوام الأخيرة تُمثِّل خير شاهد على أنَّ
الله يُعِدُّ جيشاً روحياً لخوض هذه المواجهة النهائية (Showdown)
الوشيكة.
((http://www.rca.org/images/mission/mideast/christianzionism.pdf).
إنَّ الذين يفقدون الأمل هم في العادة يعيشون حالة من العزلة والانطوائية، أو
السكون في الحدِّ الأدنى، أمَّا الذين يتمتَّعون بالأمل فلا يكتفون بعدم الخضوع
للمخاطر والسلبيات المختلفة، ولا يستسلمون للضغوط والأحوال القاسية، بل ويعتبرونها
فرصاً مناسبة ومؤاتية لتحسين الأداء ومواصلة الطريق.
وفي المقابل نجد الأفراد المحبطين يستسلمون لطوفان الحوادث دون أن يُبدوا أيَّة
مقاومة تجاه المُتغيّرات الحاصلة ناسين قدراتهم وطاقاتهم وكلّ إمكاناتهم في هذا
المجال، بل قد يجدون نفسهم منهارين ومتهاوين أمامها. وعليه فإنَّ وجود الأمل يمنح
المجتمع نشاطاً وحركةً وحيويةً، ويُمهِّد الأرضية لازدهار وانتعاش الطاقات
والكفاءات. إنَّ انقراض واضمحلال المجتمع الفاقد للأمل إذا لم يكن حتمياً، فهو وشيك
لا محالة.
إنَّ تأثير الأمل على النظام الاقتصادي والسياسي في المجتمع عميق جدّاً، إلَّا أنَّ
تأثيره على الثقافة والعناصر الثقافية يحظى بأهمّية أكبر؛ وذلك لأنَّ التفاؤل
والأمل إذا لم يتمّ التعامل معه بوصفه أصلاً وأساساً في الثقافة، فإنَّه سوف يُبتلى
بالموت والفناء، كما سيترك تأثيراً سلبياً للغاية على سائر الأنظمة الاجتماعية
وسيُعرِّض النظام الشخصي للأفراد للفناء أيضاً.
وربَّما لهذا السبب يُعَدُّ اليأس والقنوط في الثقافة الإسلاميَّة من بين الذنوب
الكبيرة (الكبائر).
من هنا يشتمل نظام الثقافة الدينية (التشيّع) على عناصر ثقافية كبيرة للغاية، من
أجل بثِّ الأمل وتزريقه في المجتمع على المستويات، والتي سيؤدّي توظيفها (بالإضافة
إلى التخطيط) إلى إحداث نقلة نوعية وعميقة في المجتمع.
ومن بين تلك العناصر التي تُزوِّد الأنظمة الجزئية في المجتمع، ويبعث روح التفاؤل
لدى الأفراد بالمستقبل، ويحول دون تسلّل العناصر الثقافية الأجنبية، هو انتظار
الفرج. للأسف الشديد فإنَّ النتائج التي نحصل عليها من خلال
الدراسات الإجمالية بشأن المسارات الثقافية السائدة والآخذة في الاتِّساع، تشير إلى
انخفاض حجم استفادة النظام السياسي والمخطِّطين لثقافتنا واستثمارهم لهذه الثروة
العظيمة.
في حين أنَّ هذه الدراسات نفسها تُشير - كما سبق أن ذكرنا - إلى التوظيف الكبير
والمفرط أحياناً لهذه العقيدة من قِبَل سائر الأديان (ولاسيّما المسيحية منها)،
حتَّى في المجالات العسكرية واجتياح البلدان، وإنَّ هذه الغفلة قد تبلغ في بعض
الأحيان حدّاً يؤدّي ببعض المسلمين إلى الركون والاستسلام لليأس رغم امتلاكهم لكلِّ
مقوّمات التمسّك بروح التفاؤل والأمل.
ربَّما كان أحد الأدوار الهامَّة والجوهرية لكلِّ نظام سياسي، بعث روح الأمل
والتفاؤل في نفوس أفراد المجتمع؛ وذلك لأنَّ الحيوية والخطوات المتطلّعة بالأفراد
والمجتمع إلى الأمام، تُشكِّل أرضية لثبات واستقرار النظام السياسي وتعزيز دعائمه.
وعلى هذا الأساس كلَّما كان قلق النظام السياسي على بقائه أكبر، كلَّما وجب عليه
حثّ أعضاء المجتمع على التفاؤل.
ولا يخفى أنَّ اليأس والقنوط وتعميمه على مستوى المجتمع، يمكنه أن يؤدّي إلى تغيير
النظام السياسي.
إنَّ انتظار الفرج يمنح الحياة الاجتماعية نشاطاً وأملاً، ويجعل النظام الثقافي
متعالياً وراقياً، ويحفظ النظام السياسي من الحوادث والعقبات من خلال بثّ روح الأمل
في أفراد المجتمع.
ومن خلال روح الأمل التي يتمُّ تزويد الكيان الاجتماعي بها من خلال مفهوم الانتظار،
يحصل الأفراد على مناعة في مواجهة أمواج الفساد والانحراف، فلا يصابون باليأس عند
اتِّساع رقعة الانحراف، بل بحكم القول القائل (كلَّما اشتدَّت حلقاتها فُرِجَت)
يرون بلوغ الهدف قريباً جدّاً، وكأنَّه
ماثل بين أعينهم، فيزدادون حماسةً في محاربة الفساد أو الدفاع عن وجودهم بكلِّ يقين
وثقة(٣٣).
إنَّ طبيعة الإنسان بحيث إذا انتشـر الفساد بعد اليأس وانعدم الأمل بإمكان إصلاح
الوضع، يستولي عليه التصوّر القاضي بفوات الأوان، وأنَّه لم يعد بالإمكان التمسّك
بحبال الأمل لإصلاح الأُمور.
وعلى هذا الأساس فإنَّه سينساق وراء تصوّره، فيرى في كلِّ جهد لإصلاح الأُمور
مجهوداً عبثياً(٣٤).
أمَّا الأمل الذي يتمُّ تزريقه في البنية الاجتماعية والثقافية عن طريق (انتظار
الفرج)، فهو الأمل بالإصلاح النهائي وتكوين المجتمع المتمحور حول العدالة والمجتمع
المثالي الذي يطمح له الدين، حيث يرى كلّ جهد في إطار تحقيقه يُمثِّل انتصاراً.
وبعبارة أوضح: إنَّ الجهد المبذول من أجل تحقيق المجتمع المهدوي لا يمكن أن يقترن
بأيِّ خسارة أو اندحار؛ إذ حتَّى القتل في هذا السبيل يُعتَبر فوزاً عظيماً وغاية
مطمح وأُمنية لكلِّ حرٍّ. وربَّما لهذا السبب لا يتطرَّق اليأس والقنوط أبداً إلى
نفوس المنتظرين للمنجي، وحيث يبلغ التفاؤل عندهم ذروته، فإنَّهم لا ينجذبون إلى
الفساد والفحشاء والانحراف، بل ويسعون إلى إصلاح هذه الأُمور.
إنَّ آلية انتظار الفرج من خلال بعث الأمل المقرون بالمحبَّة والتفاني يستطيع
السيطرة على السلبيات والآفات الاجتماعية.
وكما هو واضح فإنَّ هذا النوع من الأمل يرفع من مستوى تعلّق الأفراد وشعورهم
بالانتماء إلى المجتمع والدين، ويضاعف من شعورهم بالمسؤولية، والأهمّ من كلِّ ذلك
حيث يشعر جميع الأفراد بالمسؤولية تجاه بعضهم، فإنَّ مستوى الرقابة والسيطرة
الاجتماعية سيتضاعف إلى حدٍّ كبير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٣) اُنظر: تفسير نمونه
(الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل) ٧: ٣٨٨.
(٣٤) اُنظر: المصدر السابق
٧: ٣٨٦ و٣٨٧.
انتظار الفرج: طريق إلى إصلاح شخصيَّة
الأفراد:
إنَّ من بين الأسباب الرئيسة في ظهور الانحراف، عدم تبلور الشخصية المنسجمة
والمتناغمة مع القيم والتعاليم الدينية والاجتماعية.
إنَّ انتظار الفرج يُمهِّد الأرضية بحيث يعمل المنتظرون على توظيف القيم والتعاليم
الدينية في بناء أنفسهم بما يجعلهم في المستقبل أهلاً للانخراط في صفِّ الثوريين.
فهم يؤمنون بأنَّ التحلّي بالطهر والروح الشفّافة والتمتّع بالصدق والوعي هو وحده
الذي يُخوِّلهم انتظار مجتمع يُمثِّل ثمرة ونتيجة جهود جميع الأنبياء.
إنَّهم يُدركون أنَّهم إذا أصبحوا فاسدين ومنحرفين، لا يستطيعون أن ينتظروا نظاماً
يكافح المنحرفين والفاسدين، ولا يمكن أن يكون هناك أيّ دور للفاسدين والمنحرفين في
مثل هذا النظام(٣٥).
وعلى هذا الأساس يجب على الذين ينتظرون هذا النظام السياسي أن يعكسوا المعتقدات
والتعاليم الدينية على أنفسهم وأن يجعلوا من الدين جزءاً من ذواتهم، وأن يتمتَّعوا
بتوجّهات لا تحيد عن أهداف الدين أبداً.
إنَّهم وطبقاً للآية رقم مائتين من سورة آل عمران (يرتبطون) بإمامهم ارتباطاً
وثيقاً، وعلى أساس ذلك يبلغون مرتبة ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلهِ﴾
(البقرة: ١٦٥) حتَّى ينسوا كلَّ شيء سواه.
إنَّ المنتظرين حيث يعتقدون أنَّهم في عين إمامهم لحظة بلحظة، يرون أنفسهم مرتبطين
به دائماً، ويسعون إلى تنظيم أفعالهم ومواقفهم الاجتماعية بحيث لا يسقطون من عين
إمامهم.
إنَّ طبيعة مثل هذه الحالات المقرونة بالصبر والمراقبة الشديدة تؤدّي إلى تبلور
شخصيَّة مقاومة وثابتة وقويَّة تتمتَّع بالاعتدال والحيوية اللازمة والكافية.
إنَّ مثل هذه الشخصية لا تصاب بالانحراف أبداً، حيث يرى أتباع الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٥) اُنظر: المصدر السابق ٧: ٣٨٣.
أنفسهم على الدوام عرضة للأحكام القضائية الصادرة عن إمامهم الحيّ، ولذلك يرون
الأخطار محدقة بهم على الدوام، وتراهم يرفعون من مستوى مراقبتهم لأنفسهم لحظة
بلحظة، وإنَّ هذه المراقبة المتزايدة ترفع من مستوى القوَّة والثبات في شخصياتهم.
قال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا
رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا
تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِـرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾
(فُصِّلت: ٣٠).
إنَّ إدخال المعتقدات البديهية في الإطار الذاتي ينطوي على الكثير من الأهمّية في
بناء الانتظار، بيد أنَّ الذي يجعل من شخصية الفرد - طبقاً لهذه الآية الكريمة -
شخصيَّة قويَّة وراسخة، وتجري منها عيون المعرفة والعرفان، هي الاستقامة والصبر
والثبات على المبادئ.
وعلى هذا الأساس فإنَّ انتظار الفرج إذا اقترن بالاستقامة والصبر والثبات، سوف
يُعَدُّ طريقاً رئيساً وأساسياً في بناء شخصيَّة الأفراد(٣٦).
ولا بدَّ من الالتفات - بطبيعة الحال - إلى أنَّ الأمل والتفاؤل على أساس انتظار
الفرج إذا بلغ الذروة، فإنَّ الاستقامة والصبر والثبات في مرحلة الانتظار لن يكون
مشكلاً أبداً(٣٧).
إنَّ للأمل دوراً أساسياً في الاستقامة والصبر والثبات، وبالتالي في بناء شخصيَّة
الأفراد، وطبقاً لما تقدَّم فإنَّ انتظار الفرج يبلغ بالأمل والتفاؤل مرحلة لا
يتسلَّل إليها أيُّ نوع من أنواع اليأس والقنوط أبداً.
انتظار الفرج: آلية لرفع مستوى الرقابة
والسيطرة الاجتماعية:
كما تقدَّم أن ذكرنا فإنَّ الرقابة والسيطرة الاجتماعية تنقسم إلى قسمين: داخلي
وخارجي. وإنَّ الرقابة والسيطرة الداخلية إنَّما تكون مجدية وفاعلة إذا كانت شخصية
الأفراد قد تبلورت بحيث تقوى فيها السيطرة الذاتية، وكان لكلِّ شخص فيها واعظ من
نفسه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٦) للمزيد من الاطِّلاع،
اُنظر المصادر الآتية:
أ - انتظار لمجيد حيدري نيك/ مجلَّة انتظار التخصّصية (مصدر فارسي).
ب - عصـر زندگي (آينده انسان واسلام) لمحمّد حكيمي (مصدر فارسي): ٣٢٨ - ٣٣٧/ ط
١٣٧١ش/ انتشارات هاتف.
ج - رسالت اسلامي در عصر غيبت لمحمّد صدر (مصدر فارسي): ٣٣ و٣٤/ ط ١٣٦٠ش/ انتشارات
بدر.
(٣٧) للمزيد من الاطِّلاع
بشأن الروايات الموجودة في هذا الشأن، اُنظر المصادر الآتية:
- أُصول الكافي للكليني ٢: ١٦٣، و٨: ٢٣٤.
- بحار الأنوار للمجلسي ٥٢: ١٢٢ و١٤٠.
- الاحتجاج للطبرسي ٢: ٣٢٢.
- من لا يحضره الفقيه للصدوق ٤: ٣٥٨ و٣٦٦.
- وسائل الشيعة للحرِّ العاملي ١٨: ٦٥.
وبعبارة أُخرى: أن تتحوَّل المعتقدات والقيم والمعايير بشكل تُعَدُّ معه جزءاً من
ذات الفرد، بحيث تتغيَّر الشخصية الفردية وتغدو حيوية بفعل المتغيّرات الاجتماعية
والثقافية.
وكما تقدَّم أن ذكرنا في العنوان السابق فإنَّ انتظار الفرج يؤدّي بشخصية الأفراد
إلى التحوّل بحيث يكون الاستحكام والثبات والتقدّم فيها من خصائصها الأوَّلية
والبديهية. وحيث تكون خصوصية الانتظار مقرونة دوماً بالاستقامة والصبر والمراقبة،
فإنَّ الحيوية والحركة في الشخصية تكون بحيث لا تقترن بالتخلّف والرجعية أبداً.
إنَّ السيطرة الداخلية لدى هذا النوع من الأشخاص تكون قد بلغت طورها الأتمّ
والأكمل، وتغدو مراقبتهم الذاتية من خصائصهم الذاتية على كافَّة الجهات.
أمَّا السيطرات الخارجية، فتتمُّ عبر المجتمع والمراكز الرسمية. فإذا كان أفراد
المجتمع يهتمّون ببعضهم، ويشعرون بالمسؤولية تجاه بعضهم، وكان اهتمامهم بمصير
المجتمع والطبقة التي ينتسبون إليها قويّاً، فإنَّ الرقابة والسيطرة الخارجية في
ذلك المجتمع سوف تكون قويَّة أيضاً؛ لأنَّهم سوف يرصدون كلّ نوع من أنواع الانحراف
ويقفون أمامه ويواجهونه بالشكل المنطقي اللائق.
إنَّ هؤلاء لا ينتظرون أيَّ سيطرة رسمية أو إجراءات من قِبَل المنظَّمات المسؤولة،
رغم أنَّ السيطرة الخارجية تشمل الرقابة والسيطرة القانونية أيضاً.
إنَّ الأشخاص في المجتمع الذي يُعَدُّ فيه (الانتظار) المنهج الرئيس، يتمتَّعون
بشخصيَّة قويَّة، ومشاعر اجتماعية متينة، وعواطف مرهفة تُشكِّل أساس النظام
الاجتماعي. وحيث إنَّ الأفراد في مثل هذا المجتمع ينتظرون قيام المجتمع المهدوي،
فإنَّهم يتمتَّعون بمسؤولية اجتماعية قويَّة، فلا يغفلون عن أخطاء الآخرين
وانحرافاتهم، وحيث يرون أهمّية لمصير مجتمعهم فإنَّهم يُشكِّلون سدّاً منيعاً بوجه
المنحرفين والفاسدين.
ومن بين الآثار والنتائج المترتّبة على الانتظار، إنَّه يدفع الفرد إلى المسارات
المتوائمة والمتماهية مع الذات، ويحول دون الخوض في المسارات المتضادَّة أو
الموازية لها(٣٨).
ومن جهة أُخرى فإنَّ تحقّق الانتظار ممكن في الحقيقة مع الانتظار لحظة بلحظة؛ إذ لم
يتمّ تحديد وقت محدَّد للظهور، وإنَّ تحقّقه يحصل فجأةً(٣٩).
كما أنَّ إمام المنتظرين حيٌّ ويشهد أعمال وسلوكيات أتباعه على الدوام. وإنَّ هذا
الاعتقاد يؤدّي بأتباع الإمام المهدي (عليه السلام) إلى أن يعتبروا أنفسهم تحت
مراقبته؛ فلا يرتكبون ما يخالف أهدافه. ومثل هذا الشعور يرفع من مستوى الإحساس
بالمسؤولية، ويُقلِّل خطر الانحراف ويصل به إلى مستوى الصفر. وحتَّى إذا تجاوزنا
هذا الأمر، وسلَّمنا جدلاً بوجود بعض الأشخاص الذين لا يعتقدون بهذه الأُمور، إلَّا
أنَّهم مع ذلك لا يجرؤون على فعل ما يخالف حركة الانتظار بفعل التركيبة الاجتماعية
التي تطغى عليها هذه الحالة.
وبعبارة أوضح: عندما تكون شخصية الأفراد متبلورة على أساس مسار الانتظار بشكل
جيِّد، واقترنت بالاستحكام والثبات المقرون بالحيوية، فإنَّ التركيبة الاجتماعية
العامَّة ستكون بحيث يكون توجّهها متعارضاً مع الانحراف والشذوذ. إنَّ مثل هذا
التناغم إذا قام بين المنظومة الشخصية والنظام الاجتماعي والنظام الثقافي، فسوف
يؤدّي بدوره إلى الاعتدال والحيوية الثقافية والاجتماعية.
انتظار الفرج: آلية ازدياد الثروة الاجتماعية:
طبقاً لما تقدَّم فإنَّ انتظار الفرج يفضـي إلى زيادة التمسّك بالتقاليد
والالتزامات الاجتماعية والأخلاقية وما إلى ذلك. ومن جهة أُخرى فإنَّ الأفراد
يتمسَّكون بالقيم والمعايير والمتبنّيات بشدَّة، ويحافظون عليها. إنَّهم ينتظرون
تأسيس المجتمع المهدوي الذي سيكون الدين أساساً ورافعاً له. وإنَّ هذا الشعور
بالمسؤولية والاعتقاد سيحملهم - بشكل طبيعي - على اعتبار العالم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٣٨) اُنظر: عصر زندگي (آينده
انسان واسلام) لمحمّد حكيمي (مصدر فارسي): ٣٠١ و٣٠٢.
(٣٩) اُنظر: مكيال المكارم
في فوائد الدعاء للقائم لمحمّد تقي الموسوي الأصفهاني: ١٦٠/ ط ١٣٦٣ش/ انتشارات
مؤسَّسة الإمام المهدي (عليه السلام).
بأسره موطناً لهم، ولذلك يسعون إلى الحيلولة دون انحرافه، كما يجهدون في بنائه
وعمارته. وعندما تنخفض الاتّجاهات القومية لدى الأفراد إلى أدنى مستوياتها، ترتفع
حظوظ الاتّجاهات العامَّة والعالمية إلى أعلى مستوياتها، وسوف يقيم الجميع علاقاتهم
على أساس المحبَّة العامَّة؛ وذلك لأنَّ من بين العناصر الرئيسة للنظام المهدوي
الذي سيقيمه الإمام الحجَّة بن الحسن العسكري (عليه السلام) في آخر الزمان، هو جمع
العالم بأسره تحت لواء واحد، ولن يكون في هذه الدولة العالمية موطناً للأنظمة
السياسية العنصـرية والقبلية أبداً.
إنَّ جميع الأفراد في هذا المجتمع متساوون، ويُنظَر إليهم بنظرة واحدة. فإذا كانت
هذه هي هوية هذا النظام السياسي، يجب أن تكون حالة المنتظرين كذلك. فيجب عليهم أن
يعتبروا آلام الآخرين آلامهم، وسعادة الآخرين سعادة لهم. وأن يعمدوا من خلال
علاقاتهم العاطفية والمخلصة مع الجميع، أن يُقدِّموا يد العون إليهم، و(أن يبلسموا
جراح الآخرين، وأن يسعوا إلى رفع مشاكلهم والتخفيف من معاناتهم في حدود الإمكان بما
يرضي إمامهم. فإذا كان ذلك، لن يكون هناك في حدود الجغرافيا والمجتمع الذي يحكمه
الإمام المهدي (عليه السلام) محروم أو مُعدَم أو مريض أو مكتئب أو حزين أو
محتاج...، وربَّما كان من معاني بعض الأحاديث القائلة: (انتظار الفرج، فرج) يرمي
إلى هذا المعنى، وهو أنَّ المجتمع المنتظر إذا كان انتظاره حقيقياً وصادقاً، فإنَّه
في الحدِّ الأدنى وفي حدود دائرته [مجتمعه] يعمل على رفع المشاكل والمنغّصات عن
كاهل الناس، ويعمل على تحقيق الأهداف التي يريدها الإمام الموعود في محيطهم. من هنا
تمَّ تفسير سورة العصر بعصر الغيبة)(٤٠).
إنَّ توسيع رقعة العلاقات التضامنية والحماية الاجتماعية في المجتمع، يؤدّي إلى
تقليل الظلم الاجتماعي، وخفض مستوى التضاد في القيم، ورفع مستوى الوفاق الأخلاقي
والقيَمي والمسؤوليات الاجتماعية لأفراد المجتمع، ويبسط العلاقات الحميمة والودّية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤٠) اُنظر: عصر زندگي (آينده انسان واسلام) لمحمّد حكيمي (مصدر فارسي): ٣٢١ و٣٢٢ و٣٢٥.
ومن جهة أُخرى فإنَّ بسط العلاقات التي تُوفِّر الحماية الاجتماعية في المجتمع
تُقلِّل من حالات الحرمان والانتحار واليأس والاستغلال والانفعال الاجتماعي(٤١).
إنَّ هذه الشـرائط والمناخات تؤدّي إلى رفع مستوى الثقة والاعتماد الاجتماعي وبسط
العلاقات الاجتماعية، وبذلك ستكون للأفراد مشاركة وإسهام واسع في النشاطات
الاجتماعية ذات الصبغة الدينية في الأعمّ الأغلب. وحيث يكون الالتزام والصدق لدى
المنتظرين في مرحلة الانتظار قائماً، يرتفع هنالك مستوى الاعتماد وتكون العلاقات
الاجتماعية في أحسن وأفضل حالاتها. من هنا يرتفع منسوب الرسمال الاجتماعي، وفي هذا
السياق تنحسر حالات الانحراف في المجتمع إلى حدٍّ كبير.
انتظار الفرج: آلية تعزيز الانتماء الاجتماعي
والوفاق الأخلاقي:
يتَّضح ممَّا سبق على نحو جيِّد أنَّ مرحلة الانتظار وما يتبلور من البنى
الاجتماعية والنظام الشخصـي الذي يتمُّ إيجاده، أنَّ تعارض القيم والمعايير ينخفض
بشدَّة، ويرتفع مستوى التوافق على القيم. وفي ظلِّ هذه الظروف يرتفع حجم الانتماء
والتبعية الاجتماعية. ولا يخفى - بطبيعة الحال - أنَّ آلية هذا الانخفاض والارتفاع
يجب أن يتمَّ تحقيقها وتحديدها، وهذا في حدِّ ذاته يستدعي بحثاً تفصيلياً مستقلّاً.
وفي عملية الاستنتاج ممَّا سبق، يمكن التأكيد على الموارد الآتية:
١ - إنَّ انتظار الفرج يُعَدُّ الأرضية لبلورة الشخصية المتقدِّمة والحيوية في
المجتمع.
٢ - إنَّ انتظار الفرج يقضـي على اليأس والقنوط في المجتمع، ويُبقي الأمل والتفاؤل
على أعلى مستوياته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(٤١) اُنظر: جامعه شناسي نظم لمسعود جلبي (مصدر فارسي): ١٥٧ - ١٥٩.
٣ - إنَّ انتظار الفرج يرفع مستوى الرقابة والسيطرة الاجتماعية على المستوى الداخلي
والخارجي، ويُقلِّل من النفقات الاجتماعية والسياسية المترتّبة على هذه الرقابة
وتلك السيطرة.
٤ - إنَّ انتظار الفرج يؤدّي إلى زيادة الثقة والاعتماد الاجتماعي، والعلاقات
الاجتماعية، والمشاركة والمسؤولية الاجتماعية، ويرفع من الرصيد والرسمال الاجتماعي
أيضاً.
٥ - إنَّ انتظار الفرج يرفع من مستوى الانتساب والعواطف الاجتماعية، ويُعزِّز
الشعور بالمسؤولية لدى الأفراد.
٦ - إنَّ انتظار الفرج يؤدّي إلى خفض التعارض والتضادّ الاجتماعي والمعياري
والقيَمي إلى حدٍّ كبير، ويعمل على سدِّ الثغرات والفجوات الاجتماعية والاقتصادية
بشكل لائق.
٧ - إنَّ انتظار الفرج يدفع بجميع الأفراد نحو الوصول إلى هدف وغاية واحدة، الأمر
الذي يساعد على رفع مستوى الوفاق والتوافق على القيم والمعايير.
٨ - إنَّ جميع هذه الأُمور تساعد على بلورة البنية الاجتماعية والشخصية بحيث تؤدّي
إلى انخفاض مستوى الانحراف، واقتصاره على محافل خاصَّة وفردية.
٩ - في مرحلة الانتظار يرتفع منسوب الشعور بالأمن والهدوء والطمأنينة، وتنخفض أسباب
الخوف والقلق.
١٠ - في مرحلة الانتظار تصبح العدالة والمساواة محور المفاصل الاجتماعية، وينخفض
منسوب الشعور بالحرمان النسبي.
١١ - في مرحلة الانتظار يرتفع مستوى الشعور بالمسؤولية والتعاطف مع الآخرين، ويقلُّ
الانحياز إلى القومية والأنانية والغرور والتكبّر.
١٢ - في مرحلة الانتظار يرتفع مستوى الشعور بالانتماء إلى المجتمع والجماعة،
وتتَّسع رقعة العلاقات المخلصة القائمة على العواطف والمشاعر.
