الصفحة الرئيسية » البحوث والمقالات المهدوية » (٢٥١) التكامل العقلي في عصر الظهور
 البحوث والمقالات المهدوية

المقالات (٢٥١) التكامل العقلي في عصر الظهور

القسم القسم: البحوث والمقالات المهدوية الشخص الكاتب: السيد فاضل الجابري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٦/٠٤ المشاهدات المشاهدات: ٢٦٤٧ التعليقات التعليقات: ٠

التكامل العقلي في عصر الظهور

السيد فاضل الجابري

جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: إذا قام القائم (عليه السلام) وضع يده على رؤوس العباد... .
ومن المعلوم أن اليد في العربية تأتي بمعنى النعمة ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ فهل تكون الأيدي هنا بمعنى النعم الكثيرة التي أنعم الله تبارك وتعالى بها عليه، فيكون المقصود من اليد هنا، سواء فسرنا أن اليد هي يد لله (عزَّ وجل) أو يد الإمام (عجّل الله فرجه) ليس إلا النعم، وما يترتب من ذلك إكمال عقول البشر وجمعها وإكمال أحلامهم وهي نعم إلهية، فعندما يجتمع عقل الإنسان ويكتمل حلمه فقد نال من الله تبارك وتعالى النعمة الكبيرة، لما يشكله العقل من دور كبير في تكامل الإنسان وتمييز الخير من الشر والحق من الباطل، وبذلك يخرج الإنسان عن دائرة الجهل ويتحول إلى المعرفة والعلم ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ والحكمة هي الإدراك المعرفي للواقع بما يحمل من معطيات فكرية وعملية، سواء كان هذا الإدراك متعلقاً بالعقل النظري الذي يدرك به الإنسان ما ينبغي أن يعلمه، أو كان متعلقاً بالعقل العملي الذي يدرك به ما ينبغي أن يعمله، وهو تسيير حياة الإنسان وتسييس حياته، وهذا يتناسب مع رواية أخرى للإمام الباقر (عليه السلام) يقول فيها: وتؤتون الحكمة في زمانه.
فالإمام (عجّل الله فرجه) هو الواسطة التكوينية في إفاضة النعم الإلهية، لأنه واسطة في قوس الصعود ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ و(عجّل الله فرجه) هو العمل الصالح الذي يرفع به أعمال العباد، وكذلك حينما ينزّل الله (عزَّ وجل) بواسطته النعم: بكم أنزل الله الغيث، بكم تمطر السماء، بكم ينبت الله الزرع. فالإمام (عجّل الله فرجه) كالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رحمة للعالمين ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
أما إذا فسرنا اليد بمعنى (القدرة)، فهذا لا ينسجم مع ذيل العبارة وهو اجتماع العقل واكتمال الحلم.
وفي عبارة (فجمع بها عقولهم)، أي بتلك اليد، ففيها احتمالان، الأول أن يجمع عقولهم المتفرقة على رأي واحد، وهو الإيمان ونصرة الحق الذي يأتي به الإمام (عجّل الله فرجه).
أما الاحتمال الآخر فإنه يعني أن الإنسان حينما يجتمع عقله، فسوف ينتج عنه نتائج ايجابية، فعقل الإنسان المشتت عقل مشوش، فقراراته غير صائبة بسبب القوى النفسية المؤثرة عليه.

وهذا الاحتمال هو الأرجح والأوضح. فهناك ارتقاء من نوع رفيع جداً للإنسان يستفيد فيه من القوى العقلية التي تكون عنده.
جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (لما خلق الله العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل. فاقبل، ثم قال له: أدبر. فأدبر، ثم قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك، ولا أكملتك إلا في من أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب). فالعقل: المجموع غير المشوش يعرف به الإنسان قيمة الحياة، ويستطيع أن يدرك الحياة بمعناها الواقعي وهذا هو العقل النظري، بمعنى المعرفة والإدراك.
وفي الرواية التي دائما ما تتكرر (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً)، فالعدل لا يعني فقط العدالة في القضاء أو في التوزيع أو في المساواة الاجتماعية بل ربّما يعني أيضاً التوازن الفكري، بمعنى أن يكون هناك اعتدال في العقول وفي التفكير الإنساني.
فلو نظرنا بصورة عامة إلى مشاكل الإنسان نجدها تأتي من؛ الكفر، الظلم، الطغيان، الفساد، الانحراف، النزاعات، الحروب، وكل هذا من الهوى. فمشكلة الإنسان هي مشكلة الجهل والتخلف والانصياع للقوى النفسانية المرتبطة بالهوى وحب الدنيا وحب الشهوات وحب الرئاسة وما شابه ذلك، ولو استطاع الإنسان أن يسيطر على قواه النفسية فتصبح هذه القوى خاضعة للعقل، وليس العقل هو الخاضع لها فسوف تحل كل مشاكل الإنسان.
ولذلك جاء المقطع الآخر يقول: (وكملت به أحلامهم)، فالحلم هو العقل في بعض الروايات أو في بعض التفسيرات، أو ما ينتج عن العقل، أي التمهل والتأني والتفكير.
والإنسان المفكر يكون أمله في خير البشرية والمعرفة والإدراك وما شابه ذلك، يقول تعالى: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾، ويقول (عزَّ وجل): ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ فالحلم ينسجم مع العقل العملي، والعقل العملي يجعل الإنسان يدرك ما ينبغي أن يعمل.
وعلى هذا فهناك عقل نظري وإدراك مجرد، وهناك إدراك متعلق بالعمل، وهما جانبا المعرفة عند الإنسان، فإن الإنسان إذا لم يكن يعرف وليس له تصورات صحيحة واستنتاجات صحيحة فكرية فإنه لا يستطيع أن يمارس سلوكاً عملياً منسجماً مع ذلك الإدراك.
فبالعقل النظري وهو إدراك المدركات الصحيحة وتركيب الأفكار وتنظيمها والاستنتاج منها، وبالعقل العملي أي ما يتعلق بكيفية العمل وكيفية التصرف في المواقع، سوف نصل إلى نتائج جداً مهمة وهي إن البشرية سوف تصل إلى مرحلة التكامل لأن الإنسان يتكامل بالعقلين النظري والعملي معاً.
جاء عن أمير المؤمنين أنّه قال (عليه السلام): (العقل أصل العلم وداعية الفهم). وعنه (عليه السلام) أيضاً: (بالعقول تنال ذروة العلوم). وعنه (عليه السلام) أيضاً: (العقل مركب العلم والعلم مركب الحلم). كما في الرواية (ذاك عقل وهذا حلم)، وفي رواية أخرى تقول: (بالعقل استخرج غور الحكمة وبالحكمة استخرج غور العقل).
وهذا يعود بنا إلى قضية التقدم العلمي في عصر الظهور، وأن ذلك لن يكون إلا بالعقل وبالوسائل الطبيعية، فنحن الآن نجد إن البشرية قطعت شوطاً كبيراً في التقدم العلمي والمعرفي والتكنولوجي. وهي في كل يوم تتطور في هذا المجال إلى درجة تبهر العقول، وإلى حين ظهور الإمام (عجّل الله فرجه) فكيف يكون فيه التقدم العلمي والتكنولوجي والمعرفي، وما هو الفرق بين ما قبل الظهور وما بعده، ولا شك أن الإمام (عجّل الله فرجه) سوف يضيف للبشرية شيئاً كبيراً من العلم والتقدم.
إن في قبالة هذا التقدم العلمي الذي بين أيدينا نجد انهياراً في شخصية الإنسان، في الجوانب الاجتماعية، والأخلاقية، وتفشي الظلم والفساد والطغيان والاستبداد وتحويل الإنسان من كائن له روح وله جسد وله نفس وله عقل وله مشاعر وعواطف إلى آلة مادياً، فليس المقصود بالعقل العلم وإنما العلم بمركب العقل كما ذكرت الرواية، وهو الذي يجعل الإنسان يعمل أعمالاً ويدرك مدركات يرتقي بها من حالته الحيوانية والمادية، ومن الخلود إلى الأرض إلى حالة التكامل الوجودي والحركة نحو كماله، وهي الغاية التي خلق لأجلها، وهي وصوله إلى السعادة الوجودية المطلقة، ولولا هذه الإضافة لا نجد تكاملاً.
وقد دلت الروايات على أن العقل الإنساني لا يتكامل ولا يصل إلى هذه الغاية إلا عند الظهور المقدس؟

التقييم التقييم:
  ٢ / ٥.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved