فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » شبهات وردود - الرد على شبهات أحمد الكاتب حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ووجود المهدي المنتظر (عليه السلام)
 كتب أخرى

الكتب شبهات وردود - الرد على شبهات أحمد الكاتب حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ووجود المهدي المنتظر (عليه السلام)

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: السيد سامي البدري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٣/٠٥/١٩ المشاهدات المشاهدات: ٤٣٥٣١ التعليقات التعليقات: ٠

شبهات وردود
الرد على شبهات أحمد الكاتب
حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ووجود المهدي المنتظر (عليه السلام)

تأليف: السيد سامي البدري
الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة ١٤٢١ هـ

المحتويات

الإهداء..................٤
تقريض آية الله العظمى السيد كاظم الحائري الحسيني..................٧
تقريض آية الله العلامة المحقق السيد مرتضى العسكري..................٨
تقريض آية الله الشيخ مجتبى العراقي..................٩
مقدمة الطبعة الثالثة..................١٥
بحوث الكتاب..................١٩
بحث تمهيدي حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ونظام الحكم..................٢١
الإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام)..................٢٣
تصور خاطئ..................٢٣
ثلاث طبقات من العلماء بشريعة الله في الكتب السابقة..................٢٤
أخطر مسألة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)..................٢٦
الشيعة..................٢٦
أهل السنة..................٣١
محور الخلاف الاساس بين الشيعة واهل السنة..................٣٢
نظرية الحكم..................٣٣
نظرية الحكم في الفكر السني..................٣٣
نظرية الحكم في الفكر الشيعي..................٣٨
مصطلح الامام في الفكر الشيعي الاثني عشري..................٤٣
الخلاصة..................٤٧
الحلقة الاولى: الرد على الشبهات التي اثارها احمد الكاتب حول العقيدة الاثني عشرية..................٥٣
المقدمة..................٥٧
الفصل الاول: متى عرف الشيعة العقيدة الاثني عشرية؟..................٦١
الفصل الثاني: الوصية لكل إمام من الاثني عشر بعهد خاص من النبي (صلى الله عليه وآله)..................٦٩
الفصل الثالث: الشيخ الصدوق والعقيدة الاثني عشرية..................٧٧
الفصل الرابع: هل مات زرارة ولم يكن قد عرف إمام زمانه؟..................٨٣
الفصل الخامس: كتاب الكافي وروايات عدد الائمة (عليهم السلام)..................٨٩
الفصل السادس: وصية الامام الهادي (عليه السلام) والبَداء..................٩٧
الفصل السابع: كتاب سليم بن قيس الهلالي..................١٠٥
الفصل الثامن: أسانيد روايات الاثني عشر عند السنة والشيعة..................١٢١
الفصل التاسع: الاستدلال على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بنصوص التوراة..................١٣١
الحلقة الثانية: الرد على الشبهات التي أثارتها نشرة الشورى حول النص على الإمام علي (عليه السلام)..................١٣٩
المقدمة..................١٤٣
الفصل الأول: الأئمة الإثنا عشر حجج إلهيون..................١٤٥
مشيئة الله تعالى في آل محمد (صلى الله عليه وآله)..................١٥٢
من له حق الحكم في الإسلام..................١٥٥
مسألة الشورى..................١٥٨
مسألة البيعة..................١٥٩
الفصل الثاني: ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدر (رحمه الله)..................١٦٣
الفصل الثالث: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير..................١٦٩
الفصل الرابع: السقيفة برواية عمر بن الخطاب..................١٧٧
قصة السقيفة:..................١٧٩
المجتمعون في دار فاطمة (عليها السلام)..................١٨٣
الفصل الخامس: الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون..................١٨٩
قصة الشورى..................١٩٢
علي (عليه السلام) يتظلم من قريش..................١٩٧
الفصل السادس: علي (عليه السلام) بايع الخلفاء مكرهاً..................٢٠١
الفصل السابع: قصة متعة الحج والعبرة منها..................٢١١
العمرة والحج في الإسلام..................٢١٣
العمرة والحج في الجاهلية..................٢١٤
حجة الوداع..................٢١٤
موقف قريش من حج التمتع..................٢١٥
حج التمتع على عهد ابي بكر..................٢١٦
حج التمتع على عهد عمر..................٢١٧
حج التمتع على عهد عثمان..................٢١٨
موقف علي (عليه السلام) من حج التمتع..................٢١٨
حج التمتع على عهد معاوية..................٢١٩
حج التمتع على عهد ابن الزبير..................٢٢٠
حج التمتع على عهد بني مروان..................٢٢١
حج التمتع على عهد بني العباس..................٢٢٢
العبرة من قصة حج التمتع..................٢٢٢
الفصل الثامن: أسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص..................٢٢٥
الحلقة الثالثة: الرد على موارد من كتاب احمد الكاتب..................٢٤٧
المقدمة..................٢٤٩
الفصل الأول: موارد من الكتاب والرد عليها..................٢٥٣
المورد الأول: علي (عليه السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله)..................٢٥٥
المورد الثاني: منهج علي (عليه السلام) في قبول البيعة..................٢٦٩
المورد الثالث: احقية علي (عليه السلام) بالحكم ليست من باب الأفضلية..................٢٧٣
المورد الرابع: دلالة حديث الغدير عند السيد المرتضى (رحمهم الله)..................٢٧٧
المورد الخامس: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير..................٢٨٧
المورد السادس: الصحابة وحديث الغدير..................٢٩١
المورد السابع: رواية مكذوبة على علي (عليه السلام)..................٢٩٧
المورد الثامن: الحسن (عليه السلام) لم يتنازل عن حقه..................٣٠٣
المورد التاسع: الوصية في رسالة الحسين (عليه السلام)..................٣٠٧
المورد العاشر: علي بن الحسين (عليه السلام) والوصية..................٣١١
المورد الحادي عشر: حديث النبي (صلى الله عليه وآله) من جاءكم يريد ان يتولى من غير مشورة فاقتلوه..................٣٢١
المورد الثاني عشر: عقيدة الأجيال الأولى من الشيعة بالإمامة..................٣٢٧
المورد الثالث عشر: الاشعري واخبار عبد الله بن سبأ..................٣٣٧
المورد الرابع عشر: ليس سواءٌ القول باسطورية ابن سبأ وعدمه..................٣٤٧
المورد الخامس عشر: النص والبيعة..................٣٥٣
موارد اخرى من الكتاب رددنا عليها سابقا..................٣٥٩
الفصل الثاني: رسائل القراء..................٣٦٥
اولا: رسالة احمد الكاتب..................٣٦٧
ثانيا: رسائل اخرى..................٣٧٧
الحلقة الرابعة: الرد على شبهات أحمد الكاتب حول ولادة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام)..................٣٨٧
المقدمة..................٣٨٩
الفصل الأول: عقيدة جمهور الشيعة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)..................٣٩١
القضية الأولى: قضية دعوى تفرق أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)..................٣٩٤
القضية الثانية: قضية الحيرة في بدء الغيبة الكبرى..................٤٠٩
الفصل الثاني: الإمامة بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) لا تكون في أخوين..................٤١٣
قول أبي سهل النوبختي..................٤١٥
قول الاشعري القمي..................٤١٥
قول علي بن الحسن النوبختي..................٤١٦
نموذج من الروايات..................٤١٧
الفصل الثالث: روايات اهل البيت (عليهم السلام) في تشخيص هوية الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤١٩
تعليق الشيخ ابي سهل النوبختي على أخبار الغيبتين..................٤٢٢
تعليق النعماني على اخبار الغيبتين..................٤٢٣
تعليق الشيخ الصدوق على أخبار الغيبة..................٤٢٤
تعليق الطبرسي في إعلام الورى على أخبار الغيبة..................٤٢٥
روايات الحسن بن محبوب السّرّاد ومعاصريه في المهدي (عليه السلام)..................٤٢٧
الغيبة الكبرى..................٤٢٧
الغيبتان..................٤٣٦
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام)..................٤٣٨
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام)..................٤٣٩
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الصادق (عليه السلام)..................٤٤١
المهدي هو الثاني عشر من الأئمة وهو من ذرية الكاظم (عليه السلام)..................٤٤٣
المهدي من ذرية الرضا (عليه السلام)..................٤٤٤
علامات ظهوره وسيرته (عليه السلام)..................٤٤٦
المهدي (عليه السلام) في روايات اهل السنة..................٤٥٣
طرف من كتاب الملاحم لنعيم بن حماد..................٤٥٤
المهدي من أهل البيت (عليهم السلام)..................٤٥٤
المهدي من ذرية فاطمة (عليها السلام)..................٤٥٥
المهدي من ذرية الحسين (عليه السلام)..................٤٥٥
رواياته عن علي (عليه السلام) في الملاحم..................٤٥٥
روياته عن ابن عباس في الملاحم..................٤٥٦
رواياته عن الباقر (عليه السلام) في الملاحم..................٤٥٧
خروج المهدي في مكة..................٤٥٩
الدجال..................٤٦٠
الباقر (عليه السلام) يخبر بعذاب القذف والخسف..................٤٦٠
مقارنة بين روايات التراث الشيعي والتراث السني حول المهدي (عليه السلام)..................٤٦١
الفصل الرابع: استدلال متكلمي الشيعة في الغيبة الصغرى على وجود الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٦٣
استدلال أبي سهل النوبختي..................٤٦٥
رد ابن قبة (ت قبل سنة ٣١٩) على ابن بشار..................٤٦٧
استدلال آخر..................٤٧٦
كلمتنا حول منهج اثبات وجود الامام المهدي (عليه السلام)..................٤٧٧
الفصل الخامس: الضرورة التي تفرض الإيمان بأنَّ المهدي الموعود هوابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)..................٤٨١
الفصل السادس: الجواب على اسئلة أحمد الكاتب حول الإمام المهدي (عليه السلام)..................٤٨٩
الفصل السابع: الرسائل المتبادلة بين المؤلف وأحمد الكاتب..................٥٠٥
الرسالة الأولى..................٥٠٧
جوابنا على رسالته الأولى..................٥٠٩
الرسالة الثانية..................٥١٤
ملحق للرسالة الثانية..................٥١٧
جوابنا على رسالته الثانية..................٥١٨
ملاحظة..................٥٢٧
الفصل الثامن: كتبوا للمؤلف..................٥٢٩
كتاب آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري..................٥٣١
كتاب آية الله العظمى السيد كاظم الحائري..................٥٣١
كتاب آية الله الشيخ مجتبى العراقي..................٥٣٢
رسالة الاستاذ حيدر الحلي من السويد..................٥٣٢
رسالة الاستاذ خضير عباس من كندا..................٥٣٣
رسالة الدكتور سعيد السامرائي من بريطانيا..................٥٣٤
رسالة الاستاذ مهدي حمودي من بريطانيا..................٥٣٥
رسالة الاستاذ السيد ثامر العميدي من ايران..................٥٣٦
رسالة الاستاذ الشاعر جواد جميل من ايران..................٥٣٦
رسالة الاستاذ الدكتور عباس ترجمان من ايران..................٥٣٧
رسالة الأستاذ حسين الساعدي من ايران..................٥٣٨
التراجم الواردة في الكتاب..................٥٥١

بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة على محمد وآله الطاهرين

الإهداء:
إلى الباحثين عن الحقيقة...
(الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ)...
اهدي هذا الجهد المتواضع.

↑صفحة ٤↑

قال النبي (صلى الله عليه وآله):
أيها الناس إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا إن اتبعتموهما: كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم ثم قال أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم قالوا نعم فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله.

المعجم الكبير للطبراني ج٥ ص١٦٧

عن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
يخرج في آخر أمتي المهدي يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها ويعطى المال صحاحا وتكثر الماشية وتعظم الأمة.

المستدرك على الصحيحين ٤/٦٠١

عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
لا تذهب الدنيا حتى يملك رجل من أهل بيتي يوطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما.

المعجم الصغير للطبراني ٢/٢٨٩

↑صفحة ٥↑

 

تقريض آية الله العظمى السيد كاظم الحسيني الحائري
m-mahdi.com

↑صفحة ٧↑

تقريض آية الله العلامة السيد مرتضى العسكري
m-mahdi.com

↑صفحة ٨↑

تقريض آية الله الشيخ مجتبى العراقي
m-mahdi.com

↑صفحة ٩↑

مقدمة الطبعة الثالثة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطاهرين.
وبعد:
فهذه والحمد لله الطبعة الثالثة من كتابنا شبهات وردود في الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب على التشيع الاثني عشري حيث جمعت الحلقات الاربع كما هي، وأضفت إليها في هذه الطبعة بحثاً تمهيدياً بعنوان (الإمامة الإلهية ونظرية الحكم) ومن المفيد ان اذكر القارئ الكريم بكلمة عن دعاوى أحمد الكاتب ومنهجه في كتابه وكلمة عن منهجي في الرد وأختم بكلمة شكر وتقدير.
أولا: يدعي أحمد الكاتب جملة أمور تخص الفكر الشيعي وهي ما ادعاه من قبلُ أهل السنة والزيدية وغالبية المعتزلة واهمها:
دعواه: أن اهل البيت (عليهم السلام) لم يدَّعوا مقام الامامة الإلهية الخاصة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، ولا ادَّعوا العصمة، ولا أخبروا بمغيبات، وان الحسن العسكري توفي وليس له ولد. وان النواب الأربعة ادَّعوا له الولد بعد موته (عليه السلام) كذبا كما ادعى من قبل هشام ونظراؤه العصمة والنص وادخلوها في التراث الشيعي كما ادخل اسلافهم من قبل الوصية ذات الاثر السياسي استجابة لعبد الله بن سبأ المزعوم.
ودعواه: ان غالبية الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري في القرن الثالث كانوا يشكون بوجود المهدي ما عدا شرذمة قليلة ممن تأثر بالنواب الاربعة.
اما منهجه فقد اتسم بالخصائص التالية:

↑صفحة ١٥↑

١. الخلط بين المفاهيم من قبيل مفهوم الإمامة بمعناها الخاص الذي يستلزم النص والعصمة والتأييد الإلهي الخاص والحصر في عدد محدود من اسرة النبي (صلى الله عليه وآله) كما هو حالها في الامم السابقة وبين الامامة بمعنى منصب الحكم وتنفيذ الاحكام الذي يقتضي بطبيعته ان لا ينحصر بعدد محدود ولا يستلزم العصمة في شخص من يشغله ولا النص من السابق على اللاحق، واعتبر احمد الكاتب ان المسألة الأساسية التي ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ورفع شعارها الشيعة في حوارهم التاريخي الطويل هي مسألة حقهم في الحكم، ومن هنا جاءت اشكالاته واشكالات غيره حول تحديد الائمة بعدد معين، وكيف يكون الجواد والهادي والمهدي (عليهم السلام) ائمة وهم دون العاشرة؟ او كيف تحصر الامامة باسرة معينة؟ وغير ذلك.
وكان عليه من الناحية المنهجية ان يبحث اولا هل يوجد معصومون بعد النبي (صلى الله عليه وآله) من اسرته لهم منزلة النبي في البيان والشهادة على الناس، فإذا ثبت ذلك اتضحت مسالة انحصار حق الحكم بهم في زمان حضورهم واتضح ايضا دور البيعة والشورى وان حالها معهم حالها مع النبي (صلى الله عليه وآله).
٢. ظواهر اخرى من قبيل:
ظاهرة الخطأ الفاحش في فهم بعض الروايات وكلمات الاقدمين من علماء الشيعة.
وظاهرة الاشتباه الفاحش بالرواية العامية التي توجد في الكتاب الشيعي على انها رواية شيعية وقد اوردها المؤلف الشيعي كالسيد المرتضى رحمه الله في كتابه الشافي للرَّد عليها لا على انه يعتقد بها.
وظاهرة استغفال القارئ غير المطلع بايراد روايات تؤيد مطلبه دون الاشارة الى ما يعارضها من روايات اخرى.
وظاهرة بتر النص وايراد ما يؤيد مدعاه منه وغيرها مما سيجد امثلته في ردودنا هذه.
ثانيا: اعتمدتُ في ردودي المنهج التجزيئي المباشر المتمثل باقتطاع فقرات من كلماته تامة المعنى تعبر عن تمام رأيه في المسألة المعينة والتي تمثل في تقديرنا شبهة

↑صفحة ١٦↑

تثار امام التشيع وفهماً مغلوطاً للرواية أو لإراء علماء الشيعة. وعلقت عليها بما يتيسر بشكل مختصر لتيسيرها للقارئ غير المتخصص او القارئ الذي لا يجد الوقت الكافي لمراجعة مطولات الكتب وقد لا تتيسر له في مكان اقامته، ولم أتناول شخص الكاتب بشيء من التجريح وجريت على قاعدة احترام الشخص لا احترام رأيه الا بقدر ما فيه من الصواب والحق، فإن وفقت في هذه الردود والمنهج فبفضل من الله تعالى وان اخطأت فالخطأ بقصوري وتقصيري وأرجو من القارئ الكريم ان ينبهني لأتداركه في طبعة قادمة.
ثالثا: لما صدرت الحلقات بادر الكثير من الاساتذة والمحققين والمثقفين ممن قرأها بابداء وجهات نظرهم الايجابية شفاها ومكتوبة حول الردود فجزاهم الله تعالى خير الجزاء واخص بالذكر منهم آية الله العظمى السيد كاظم الحائري وآية الله العلاّمة المحقق السيد مرتضى العسكري وآية الله الشيخ مجتبى العراقي حيث ابدوا وجهة نظرهم مكتوبة. كما اشكر الاخوة الذين ساهموا مالياً لإخراج الطبعات السابقة من هذه الردود الى النور ولم يرغبوا بذكر اسمائهم، كما اشكر دار الصادقين الموقرة حين تصدت لإخراج الطبعة الثالثة للحلقات الأربع مجتمعة بهذه الحلة القشيبة.
اللهم اجعله خالصا لوجهك الكريم انك سميع مجيب.

حرره الاقل سامي البدري
بتاريخ ٤ محرم سنة ١٤٢١ هجرية
في مدينة قم حرسها الله تعالى

↑صفحة ١٧↑

بحوث الكتاب

تناولنا في هذه الحلقات الأربع الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب حول المسائل الأساسية في إمامة اهل البيت (عليهم السلام) الإلهية ونظرية الحكم ولكنّها جاءت بشكل متفرق،وتسهيلاً للقارئ قدمنا له في هذه الطبعة أمرين:
الأول: بحثاً تمهيدياً حول (الإمامة الإلهية ونظرية الحكم) استعرضنا فيه المسائل والآراء بشكل افقي ولم نهتم بترجيح بعض الآراء على غيرها وذلك لأنّ الهدف من البحث هو توضيح الخلط واللبس الذي وقع فيه الكثير ومنهم /احمد الكاتب/ بخصوص المسألة الجوهرية في الخلاف بين السنة والشيعة حول اهل البيت (عليهم السلام)، هذا الخلط ادى بهم إلى اعتبار مفاهيم (العصمة) و(النص) و(الاثني عشرية) و(أهل البيت) (وغيبة الامام وظهوره) ترتبط عند الشيعة بنظرية الحكم، والحال أنها مفاهيم ترتبط عندهم بالإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وليس بنظرية الحكم، في ضوء هذا الخلط حاول أحمد الكاتب ان يفهم من طرف واحد ويقول: (ان الشيعة في إيران تخلوا عملياً عن النظرية الإمامية حيث أجازوا إقامة الدولة الإسلامية بدون اشتراط العصمة أو النص او السلالة العلوية الحسينية في الإمام المعاصر...)، ويقول: (وكان من الأجدر بعد إعادة النظر في أساس الفكر الإمامي والتخلي عن شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية في الإمام ان يعاد النظر في الفرضية المهدوية التي تفرعت عن نظرية الإمامة الإلهية وحتمية وجود الإمام المعصوم المعين من قبل الله).
الثاني: فهرساً موضوعياً بالقضايا المبحوثة في الحلقات الأربع حيث جاء بعضها في الموضع الواحد متفرقاً هنا وهناك في هذه الحلقة او تلك، وبشكل عام فقد تناولنا في الحلقات الأربع: الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب حول النص على علي (عليه السلام)

↑صفحة ١٩↑

ودلالة حديث الغدير على امامته الالهية وكذلك الشبهات التي أثارها حول النص على بقية الأئمة وعلى فكرة الاثني عشرية وولادة المهدي وغيبته وظهوره ودور البيعة مع المنصوص عليه أو مع الفقيه في عصر الغيبة.

↑صفحة ٢٠↑

بحث تمهيدي حول إمامة أهل البيت (عليهم السلام) ونظام الحكم

↑صفحة ٢١↑

الإمامة الإلهية لأهل البيت (عليهم السلام)

تصور خاطئ:
هناك تصور خاطئ سائد لدى الكثير من الكتاب والمفكرين حول مفاهيم (العصمة) و(النص) و(اهل البيت) و(الاثني عشرية) و(غيبة المهدي وانتظار ظهوره) المتداولة في الفكر الشيعي بتقدير انها مفاهيم وافكار ترتبط بنظرية الحكم والنظرية السياسية، والحال ان هذه المفاهيم والافكار لا ترتبط بنظرية الحكم في الفكر الشيعي الا بمقدار ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بنظرية الحكم في الفكر السني.
فكما ان ارتباط مفهوم النبوة والرسالة بالحكم في الفكر السني قائم على فكرة مواصلة بيان الرسالة ومفاهيمها الجزئية التي ترتبط بالحكم بشكل عملي لاعطاء تجربة معصومة يقتدى بها في هذه الامور وليس قائما على اساس ان هذا المقام لا يجوز الا للنبي او الرسول، كذلك ارتباط الحكم باهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام) في الفكر الشيعي فهو قائم على اساس مواصلة التجربة المعصومة التي مارسها النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل هؤلاء الاثني عشر لتعميقها وتوضيح تفاصيلها في الاحوال المختلفة التي تمر على الامة، وليس لبيان ان موقع الحكم لا يجوز الا لهؤلاء الاثني عشر فاذا غاب الامام الثاني عشر يتعطل النظام السياسي.
وفي هذا السياق يأتي الدور الايحابي لغيبة المعصوم فان من ابرز حكم الغيبة واسرارها الواضحة هي اتاحة الفرصة للامة التي حملت تراث الائمة المعصومين ان تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على اساس فهمها البشري غير المعصوم للقرآن والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي والائمة، وتأتي ايضاً فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح

↑صفحة ٢٣↑

الاجتماعي والسياسي لتقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها من ناحية، ومن ناحية اخرى لتحقيق الوعد الالهي المذكور في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء/١٠٥ ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الإلهي على الارض كلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية الى الشر والفساد.
وتفصيل ذلك فيما يلي:
ثلاث طبقات من العلماء بشريعة الله في الكتب السابقة:
قال تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ الله وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِي وَلا تَشْتَرُوا بآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ الله فَأُوْلَئِك هُمْ الْكَافِرُونَ) /المائدة /٤٤ وضحت لنا الآية الكريمة قاعدة دستورية ثابتة تتعلق بالحكم مفادها: ان من شروط الحاكم بقانون الله وشريعته ان يكون عالما به مستقيما عليه، ثم ذكرت ثلاث طبقات من العلماء بقانون الله وشريعته وهم النبيون والربانيون والاحبار. وسكتت الاية عن بيان كيفية ممارسة الحكم من قبل هؤلاء، وهنا لا بد لنا من الرجوع الى السنة بوصفها المبينة للاحكام المجملة، شأننا في ذلك شأننا مع الصلاة والزكاة حين بيَّن القرآن حكمها العام وترك بيان التفاصيل الى السنة وهو معنى قوله تعالى (وَنزَلْنَا إِلَيْك الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) النحل/٤٤.
النبيون: هم الذين يكون علمهم عن طريق الله تعالى مباشرة بلا توسط الملك وقد يضاف الى ذلك توسط الملك ولا يُعرَفون الا بالمعجزة او بالنص او بكليهما.
الربانيون: هم المطهرون المعصومون من العلماء ويكون علمهم بالدراسة الخاصة على يد النبي او الرباني ويضاف اليه الالهام بواسطة الملك ولا يُعرَفون الا بالنص او بالنص والمعجزة.

↑صفحة ٢٤↑

والرباني منزلته دون النبي وفوق الحبر وقد بين القرآن عددا من أفراد الربانيين كالاسباط من ذرية يوسف المشار اليهم في قوله تعالى: (قُولُوا آمَنَّا بِالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِىَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِىَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَد مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) البقرة/١٣٦.وطالوت والاسباط من ذرية هارون وهم آل هارون المشار اليهم في قوله تعالى: واثبتها لآل هارون وطالوت (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ الله اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَالله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَالله وَاسِعٌ عَلِيمٌ. وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لَ آيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٧-٢٤٨.
وقد اثبتها القرآن ايضا لمريم ونص انها محدَّثة من قبل الملائكة باذن الله تعالى (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ الله اصْطَفَاك وَطَهَّرَك وَاصْطَفَاك عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ. يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّك وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) آل عمران/٤٢-٤٣.
وأثبت القرآن ايضا ان هذا الصنف من العلماء المطهرين يؤيدهم الله تعالى بما أيد به انبياءه من ظهور معجزات على ايدهم يظهرونها عند الحاجة اليها (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِك وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِىٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيك بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْك طَرْفُك فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي َشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ (٤٠)) النمل، والشخص الذي كان عنده علم من الكتاب هو آصف بن برخيا وكان وارث سليمان ووصيه ولم يكن نبياً.
الاحبار: وهم حملة الكتاب الالهي من اتباع النبيين والربانيين ورواة احاديثهم الفقهاء الذين يكون علمهم عن طريق التلقي والدراسة فقط ويُعرَفون علميا من خلال

↑صفحة ٢٥↑

نتاجهم العلمي، ويُعرَف استحفاظهم واستقامتهم من خلال سيرتهم العملية فمنهم المضيع لكتاب الله ومنهم الحافظ لها الامين عليها. (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) المائدة/٦٦
(فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى الله إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) الأعراف/١٦٩
أخطر مسألة بعد النبي (صلى الله عليه وآله):
ان اهم وأخطر مسألة خلافية بين المسلمين على الاطلاق هي التي ترتبط بجواب السؤال التالي وهو: هل ان العلماء بالقرآن والسنة في امة خاتم الانبياء منذ البعثة والى قيام الساعة هم صنفان النبي الطاهر المطهر والفقهاء غير المطهرين غير المعصومين المشار اليهم في قوله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) التوبة/١٢٢، أم يوجد صنف ثالث وهم العلماء المطهرون نص النبي عليهم وعلى عددهم وعرَّف بهم كما نص موسى مثلا على آل هارون وعرَّف بهم وكما نص زكريا على مريم وعرَّف بها؟
الشيعة:
قام الكيان الشيعي على الجواب الايجابي على السؤال الآنف الذكر وذلك تبعا لما ورد في القرآن والسنة الصحيحة وتبعا لحركة الائمة الإثني عشر في الامة وما صدر عنهم من اقوال وسيرة.
فالقرآن اثبت وجود مطهرين معصومين من أهل بيت النبي دون غيرهم ولم يسمِّهم وسمّاهم النبي كما ورد في الحديث النبوي المعروف بحديث الكساء.

↑صفحة ٢٦↑

واثبت القرآن ان موقع الشهيد على الناس البشير النذير الذي جعله الله تعالى للنبي (صلى الله عليه وآله) ابتداء (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) الأحزاب/٤٥ مستمر في الامة بعد النبي في اهل بيته قال تعالى (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَة مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً) هود/١٧ وقوله تعالى (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ(١) وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) الحج/٧٨.
ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمْ الله مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)) النساء/٥٤-٥٥ وآل ابراهيم هنا هم البقية الباقية من عترته المشار اليها في قوله تعالى (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِن الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّك أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَك وَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّك أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِك وَيُعَلِّمُهُم الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّك أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)) البقرة/١٢٧-١٢٩
وآل ابراهيم هؤلاء قد أورثهم النبي (صلى الله عليه وآله) بامر الله تعالى الكتاب وبيانه وراثة خاصة قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِذْنِ الله ذَلِك هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فاطر/٣٢ فالوارث للكتاب هو السابق بالخيرات. اما المقتصد فهو المتعلم منهم، اما الظالم لنفسه فهو التارك لهم الصادّ عنهم. وهذه الوراثة نظير وراثة آل هارون تراث موسى المشار اليه في قوله تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَك آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِك لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٨.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١) والاية توضح ايضا ان هؤلاء الشهداء على الناس قد بشر بهم في الكتب السابقة كما بشر بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).

↑صفحة ٢٧↑

وقد كلف الله تعالى هؤلاء الوارثين السابقين بالخيرات بإذن الله ان يحفظوا الرسالة بعد النبي وعرضهم على الناس ائمة هدى وفرض الاقتداء بهم (فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩) أُوْلَئِك الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)) الأنعام(٢).
وقد أكد النبي (صلى الله عليه وآله) مفاهيم هذه الايات بقوله: (إني تارك فيكم أمرين (وفي رواية ثقلين) لن تضلوا إن اتبعتموهما (وفي رواية ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابدا): كتاب الله وعترتي أهل بيتي فلا تقدموهما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا ولا تعلموهم فإنهم أعلم منكم. ثم قال: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم. فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). وقوله: (يا علي انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي). وقوله: (يكون لهذه الامة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش). وقوله: (يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى) واصحاب موسى في القران اثنا عشر كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًا) المائدة/١٢-١٣. وقال تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الاعراف/١٥٩-١٦٠. وقوله (صلى الله عليه وآله): (الحسن والحسين سبطان من الاسباط).
وتحرك علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) في الواقع التاريخي حركة منسجمة مع تلك النصوص مع تصريح منهم انهم المراد بهم في تلك الايات دون غيرهم.
قال علي (عليه السلام): (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ان رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢) كرسنا كتابا خاصا لبحث الامامة الالهية لاهل البيت في ضوء القرآن وقبل الرجوع الى السنة النبوية المطهرة.

↑صفحة ٢٨↑

العمى ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم).
وقال (عليه السلام) في ذكر اهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله): (هم موضع سره، ولجأ أمره، وعيبة علمه، وموئل حكمه، وكهوف كتبه، وجبال دينه بهم أقام انحناء ظهره، واذهب ارتعاد فرائصه، لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ولا يسوى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفئ الغالي وبهم يلحق التالي ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة)(٣).
والكتب التي ذكرها (عليه السلام) في هذا الكلام هي ما كتبه بيده عن النبي (صلى الله عليه وآله).
وفي رواية الباقر (عليه السلام) قال قال رسول (صلى الله عليه وآله) الله لعلي (عليه السلام): اكتب ما أملي عليك قال يانبي الله اتخاف علي النسيان؟ قال لست اخاف عليك النسيان وقد دعوت الله ان يحفظك ولا ينسيك ولكن اكتب لشركائك، قال قلت ومن شركائي يانبي الله؟ قال الائمة من ولدك...(٤).
وعن حمران بن اعين عن ابي جعفر (عليه السلام) قال اشار الى بيت كبير وقال يا حمران ان في هذا البيت صحيفة طولها سبعون ذراعا بخط علي واملاء رسول الله ولو لينا الناس لحكمنا بما انزل الله لم نعد ما في هذه الصحيفة(٥).
وفي رواية أخرى قال والله ان عندنا لجلدي ماعز وضأن املاها رسول الله وخط علي (بيده) وأن عندنا لصحيفة طولها سبعون ذراعا املاها رسول الله وخطها علي بيده وان فيها لجميع ما يحتاج اليه حتى ارش الخدش(٦).
وقال الامام الصادق (عليه السلام): (أترون ان الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه). وفي لفظ آخر (إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الامر).
وقال (عليه السلام): (نحن اثنا عشر محدَّثاً). والمحدَّث هو الذي تحدثه الملائكة بإذن الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣) نهج البلاغة الخطبة رقم٢.
(٤) امالي الشيخ الطوسي ط النجف ج٢ /٥٦ وبصائر الدرجات ١٦٧.
(٥) بصائر الدرجات ١٤٣.
(٦) بصائر الدرجات ١٤٥، ١٥٩.

↑صفحة ٢٩↑

وليس شرطا ان يكون نبيا كما هو الحال في مريم (عليه السلام).
وقال الباقر (عليه السلام): (يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي تاسعهم قائمهم).
وقال الصادق: (انا من الذين قال عنهم الله اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده).
وأُثِرَ عن الائمة (عليهم السلام) تراث فكري ضخم جدا، مستقل ومتميز يعكس رواية كاملة للبيان النبوي للاسلام وتجربته الالهية المعصومة، حمَّله عنهم شيعتهم ودوَّنوه في كتبهم المعروفة.
وشاءت حكمة الله تعالى ان يجعل تشابها تكوينيا بين المطهرين من آل النبي (صلى الله عليه وآله) وبين نظرائهم من الاوصياء في الامم السابقة.
شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل في الحجج من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) في امته امرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) كما جعل بعد موسى في امته امرأة حجة وهي مريم بنت عمران (عليه السلام).
وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً ان يجعل من ذرية فاطمة (عليها السلام) خاتم أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الحجة بن الحسن العسكري (عليه السلام) كما جعل من ذرية مريم (عليها السلام) من قبلُ حجته عيسى (عليه السلام) خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.
وشاءت حكمة الله تعالى ان يجعل المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) نظيرا لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته، فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد ان كانوا ينتظرونه جميعا للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(٧)، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.
واختلفت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) في ولادة المهدي المنتظر من ولد فاطمة (عليها السلام) بعد ان اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) عنه وبشَّر به(٨) فآمنت طائفة لما ولد سنة ٢٥٥ هجـ، وهي لا تزال مؤمنة به الى اليوم وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧) ذكرنا في موضعه في الحلقة الثانية مصادر ذلك.
(٨) روى أبو داود في سننه عن أبي الطفيل عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا) وفيه أيضا عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة.) ج٢ / ٤٢٢ ط ١.

↑صفحة ٣٠↑

وامتُحن أنصار عيسى بغيبته، فمنهم من قال قتل، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.
وكذلك امتُحن شيعة المهدي (عليه السلام) بغيبته فمنهم / وهو قليل جدا وفي وقته / من قال انه مات في الغيبة(٩)، وقال الاغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد غيبته القصيرة وهم ينتظرون ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم. وشاءت حكمة الله أيضا ان يجعل في آل محمد (صلى الله عليه وآله) حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد (عليه السلام) ليكون نظيرا ليحيى في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.
وشاءت حكمة الله ان يجعل أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) اثني عشر وان يجعل الثاني عشر منهم المهدي يحقق الله تعالى على يده وعده لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ويرث المؤمنون برسالته الارض كلها (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الانبياء / ١٠٥ وان يكون ذلك نظيرا لاوصياء موسى الاثني عشر وما جعله على يد الثاني عشر من أوصيائه وهو داود من تحقق للوعد الذي وعده لموسى وبني إسرائيل من وراثة ارض فلسطين وما حولها.
وشاءت حكمة الله ان يجعل اغلب أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي (عليه السلام) وان يكون ذلك نظيرا لما جعله الله تعالى من كون اغلب أوصياء موسى (عليه السلام) بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون (عليه السلام) وهم (آل هارون)(١٠).
أهل السنة:
وقام الكيان السني على الاجابة السلبية على السؤال المذكور حيث نفى أهل

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩) سيأتي ذكر ذلك في الحلقة الاولى.
(١٠) قضية التناظر بين آل محمد (صلى الله عليه وآله) وآل عمران وآل هارون والحجج الالهيين في الامم الماضية مسألة ملفتة للنظر جعلها الله تعالى من المعالم الهادية إلى حقانية حركة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) وبخاصة بعد ان أصبحت حركتهم (عليه السلام) بما فيها غيبة المهدي (عجّل الله فرجه) واقعا تاريخيا ناجزا ثابتا تسهل مقارنته مع الواقع التاريخي لحركة الحجج في الامم السابقة كما ذكرها القرآن الكريم والنصوص الموافقة له من أسفار التوراة والانجيل المتداولة وقد درسنا ذلك مفصلا وأعددناه في كتاب خاص.

↑صفحة ٣١↑

السنة وجود معصومين بعد النبي لهم امتياز خاص في البيان النظري او العملي للاسلام أو في حق الحكم.
وحاولوا رد دلالة النصوص الآنفة الذكر على مدعى الشيعة.
ونفوا صحة الاخبار التي تفيد ان عليا والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين قد ساروا في سيرتهم الفكرية والعملية والسياسية سيرة تنسجم مع ما يدعيه الشيعة من فهم لتلك النصوص، ونفوا كذلك صحة النصوص الآنفة الذكر ونظائرها المأثورة عن الائمة (عليهم السلام) واعتبروها وامثالها من مختلقات الشيعة.
محور الخلاف الاساس بين الشيعة واهل السنة:
وفي ضوء ذلك يتضح ان محور الخلاف الاساس بين مدرسة التسنن والتشيع هو حول وجود صنف الربانيين من العلماء الشهداء على الناس شهادة تجعلهم ميزانا فكرياً وعملياً للناس يزنون به اعمالهم في كل حقل من الحقول امتداداً لمنزلة النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك.
الشيعة يعتقدون بوجود اثني عشر شخصا معصوما من اهل بيت النبي يضاف اليهم الزهراء (عليها السلام) لهم موقع الشهادة على الناس كشهادة النبي وامتداد لها، ويترتب على كون الائمة الاثني عشر لهم منزلة النبي الا فيما يخص النبوة والازواج انهم اولى الناس بالحكم كاولوية النبي في زمانه.
وأهل السنة ينفون وجود معصوم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وما يترتب على وجوده.
والشيعة يسوقون أدلتهم من القرآن والسنة والنبوية وما اثر عن الائمة (عليهم السلام) من تراث وسيرة، وأهل السنة ينفون دلالة الايات والروايات وما يؤثر من تراث خاص عن الائمة.
والمسألة مسألة علمية ومفتوحة لكل باحث وتبقى مفتوحة حتى ظهور المهدي بن الحسن العسكري الذي يدعيه الشيعة ويثبت هويته للعالم بوسائله التي اعدها لذلك.

↑صفحة ٣٢↑

نظرية الحكم
نتناولها أولا في الفكر السني.
نظرية الحكم في الفكر السني:

ويهمنا من بحث نظرية الحكم هنا ثلاثة امور بشكل مختصر وهي:
الامر الاول: الشخص المؤهل لاقامة الحكم الاسلامي
الذي نحرزه وان لم يحضرنا موضعه في كتاب معين هو ان الفكر السني يميز في هذا الامر بين فترتين:
الفترة الاولى فترة وجود النبي: والشخص المستحق للحكم هو النبي وحده لمكان نبوته ورسالته ويحرم تقدم أي شخص على النبي في هذا الموقع وفي غيره لكونه اولى بكل مسلم من نفسه ورسالته قال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) الأحزاب/٦. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ الله وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الحجرات/١. وغيرها وفي الواقع فإن هذه المسالة من البديهيات.
الفترة الثانية فترة ما بعد النبي (صلى الله عليه وآله): ويرى مفكرو اهل السنة ان المؤهل للحكم هو العالم بالكتاب والسنة وان الصحابة كلهم مؤهلون على تفاضل بينهم في العلم والكفاءة. وفي جيل ما بعد الصحابة يشترط الكثير من الفقهاء في الحاكم ان يكون فقيها. قال الشريف الجرجاني في شرحه على مواقف عضد الدين: (الجمهور على ان الامامة ومستحقها من هو مجتهد في الاصول والفروع)(١١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١) شرح المواقف للسيد شريف الجرحاني ٨/٣٤٩ مطبعة السعادة ١٩٠٧.

↑صفحة ٣٣↑

الامر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل الى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم
يرى فقهاء اهل السنة ان الطريقة المشروعة التي توصل الانسان الى الحكم وتمنحه السلطة هي البيعة، والاساس في ذلك سنة النبي (صلى الله عليه وآله) مع ملاحظة ان النبي ينص القرآن على ولايته، وهناك من الفقهاء من اعطى مشروعية لما يسمى بالامر الواقع او الغلبة، ففي حالة اختلاف الناس وكثرة المتصدين وكون كل متصدي له جماعة بايعته على القتال يكون الحكم شرعا لمن غلب كما في حالة مروان وابنه عبد الملك وغيرهما.
ولا خلاف عند مؤرخي الاسلام ان البيعة التي تمت في عهد الرسول وقامت دولة الرسول على أثرها كانت قد تمت من قبل سبعين شخصا وامرأتين ممثلين عن اهل المدينة وهي بيعة العقبة الثانية المشهورة، وأكد هذا التمثيل استقبال غالبية اهل المدينة للنبي عندما قدم الى المدينة.
ثم اختلف فقهاء السنة بعد ذلك هل تنعقد الحكومة ببيعة الواحد والاثنين والخمسة وبعهد الحاكم السابق؟
قال الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) في الاحكام السلطانية(١٢) وأبو يعلى (ت: ٤٥٨ هـ) في الاحكام السلطانية(١٣): تنعقد الامامة باختيار أهل الحلّ والعقد، وبعهد الامام من قبل.
فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَن تنعقد به الامامة منهم على مذاهب شتّى:
فقالت طائفة: لا تنعقد إلاّ بجمهور أهل العقد والحلّ من كلّ بلد ليكون الرضا به عامّاً والتسليم لامامته إجماعاً، وهذا مذهب مدفوع ببيعة أبي بكر (رضي الله عنه) على الخلافة باختيار من حضرها ولم ينتظر ببيعته قدوم غائب عنها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢) الاحكام السلطانية لابي الحسن الماوردي كان من وجوه فقهاء الشافعية، له مصنّفات كثيرة.
(١٣) الاحكام السلطانية للشيخ أبي يعلى محمد بن الحسن الفراء الحنبلي، ص ٧ ١١.

↑صفحة ٣٤↑

وقالت طائفة اُخرى: اقلّ من تنعقد به منهم الامامة خمسة يجتمعون على عقدها أو يعقدها أحدهم برضا الاربعة استدلالاً بأمرين أحدهما: أنّ بيعة أبي بكر (رضي الله عنه) انعقدت بخمسة اجتمعوا عليها ثمّ تابعهم الناس فيها، وهم عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجرّاح، واُسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة (رضي الله عنه). والثاني: أنّ عمر (رضي الله عنه) جعل الشورى في ستّة ليعقد لاحدهم برضا الخمسة. وهذا قول أكثر الفقهاء والمتكلّمين من أهل البصرة.
وقال آخرون من أهل الكوفة: تنعقد بثلاثة يتولاّها أحدهم برضا الاثنين ليكونوا حاكماً وشاهدين كما يصحّ عقد النكاح بولىّ وشاهدين.
وقالت طائفة اُخرى: تنعقد بواحد، لانّ العباس قال لعلي رضوان الله عليهما: اُمدد يدك اُبايعك، فيقول الناس عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بايع ابن عمّه، فلا يختلف عليك اثنان، ولا نّه حكم وحكم واحد نافذ) (١٤).
(وأمّا انعقاد الامامة بعهد من قبله، فهو ممّا انعقد الاجماع على جوازه ووقع الاتّفاق على صحّته لامرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما، أحدهما: أنّ أبا بكر (رضي الله عنه) عهد بها إلى عمر (رضي الله عنه) فأثبت المسلمون إمامته بعهده. والثاني: أنّ عمر (رضي الله عنه) عهد بها إلى أهل الشورى... لانّ بيعة عمر (رضي الله عنه) لم تتوقّف على رضا الصحابة، ولانّ الامام أحقّ بها)(١٥).
وقال إمام الحرمين الجويني (ت: ٤٧٨ هـ) في باب الاختيار وصفته وذكر ما ينعقد به الامامة من كتاب الارشاد: (إعلموا أ نّه لا يشترط في عقد الامامة الاجماع، بل تنعقد الامامة وإن لم تجمع الاُمّة على عقدها. والدليل عليه أنّ الامامة لمّا عقدت لابي بكر ابتدر لامضاء أحكام المسلمين، ولم يتأنّ لانتشار الاخبار إلى من نأى من الصحابة في الاقطار، ولم ينكر عليه منكر، ولم يحمله على التريّث حامل. فإذا لم يشترط الاجماع في عقد الامامة، لم يثبت عدد معدود، ولا حدّ محدود، فالوجه الحكم بأنّ الامامة تنعقد بعقد واحد من أهل الحلّ والعقد)(١٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤) الاحكام السلطانية للماوردي / ٦ ٧.
(١٥) المصدر السابق ص ١٠.
(١٦) الارشاد في الكلام لامام الحرمين عبد الملك بن عبد الله الجويني، ط. القاهرة ١٣٦٩ هـ، ص ٤٢٤.

↑صفحة ٣٥↑

وقال الامام ابن العربي (ت: ٥٤٣ هـ): (لا يلزم في عقد البيعة للامام أن تكون من جميع الانام، بل يكفي لعقد ذلك اثنان أو واحد)(١٧).
وقال الشيخ الفقيه الامام العلاّمة المحدّث القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) في المسألة الثامنة في تفسير (إنِّي جاعِلٌ في الارْضِ خَلِيفة) البقرة / ٣٠، من تفسير سورة البقرة: (فإن عقدها واحد من أهل الحلّ والعقد فذلك ثابت، ويلزم الغير فعله، خلافاً لبعض الناس حيث قال: لا تنعقد إلاّ بجماعة من أهل الحلّ والعقد. ودليلنا أنّ عمر (رضي الله عنه) عقد البيعة لابي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك، فوجب ألاّ يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود).
وقال الامام أبو المعالي: (من انعقدت له الامامة بعقد واحد فقد لزمت، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغيّر أمر، قالوا هذا مجمع عليه).
وقال في المسألة الخامسة عشرة من تفسير الاية: (إذا انعقدت الامامة باتّفاق أهل الحلّ والعقد أو بواحد على ما تقدّم وجب على الناس كافّة مبايعته)(١٨).
وقال عضد الدين الايجي (ت: ٧٥٦ هـ) في المواقف: المقصد الثالث في ما تثبت به الامامة، ما ملخّصه: أ نّها تثبت بالنصّ من الرسول، ومن الامام السابق بالاجماع، وتثبت ببيعة أهل الحلّ والعقد خلافاً للشيعة. دليلنا ثبوت إمامة أبي بكر (رضي الله عنه) بالبيعة.
وقال: إذا ثبت حصول الامامة بالاختيار والبيعة، فاعلم أنّ ذلك لا يفتقر إلى الاجماع، إذ لم يقم عليه دليل من العقل أو السمع، بل الواحد والاثنان من أهل الحلّ والعقد كاف، لعلمنا أنّ الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا بذلك كعقد عمر لابي بكر وعقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان، ولم يشترطوا اجتماع مَن في المدينة فضلاً عن إجماع الاُمّة. هذا ولم ينكر عليهم أحد، وعليه انطوت الاعصار إلى وقتنا هذا(١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧) الامام أبو بكر المشهور بابن العربي في شرحه سنن الترمذي ١٣ / ٢٢٩.
(١٨) القرطبي كتاب جامع أحكام القرآن ١ / ٢٦٩ و٢٧٢.
(١٩) المواقف في علم الكلام، ط. مصر ١٣٢٥ هـ، ٨ / ٣٥١ ٣٥٣، تأليف القاضي عبد الرحمن بن أحمد الايجي، توفّي عام ٧٥٦ هـ.

↑صفحة ٣٦↑

ونقل أبو يعلى الفرّاء الحنبلي في الاحكام السلطانية(٢٠) قول بعضهم: إنّها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد... ومن غلب عليهم بالسيف حتّى صار خليفة وسمّي أمير المؤمنين، فلا يحلّ لاحد يؤمن بالله واليوم الاخر أن يبيت ولا يراه إماماً برّاً كان أو فاجراً، فهو أمير المؤمنين... وقال في الامام يخرج عليه من يطلب الملك فيكون مع هذا قوم ومع هذا قوم: (تكون الجمعة مع من غلب) واحتجّ بأنّ ابن عمر صلّى بأهل المدينة في زمن الحرّة وقال: (نحن مع من غلب)(٢١).
الامر الثالث: الموقف من الحاكم إذا خالف الشريعة 
يوجد اتجاهان فقهيان لدى أهل السنة في هذه المسالة احدهما يحرم الخروج على الحاكم الظالم والثاني تؤيد الخروج.
قال النووي في شرحه بباب لزوم طاعة الاُمراء في غير معصية: (وقال جماهير أهل السنّة من الفقهاء والمحدّثين والمتكلّمين: لا ينعزل بالفسق والظلم وتعطيل الحقوق، ولا يخلع ولا يجوز الخروج عليه بذلك، بل يجب وعظه وتخويفه للاحاديث الواردة في ذلك). وقال: (وأمّا الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الاحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنّة أ نّه لا ينعزل السلطان بالفسق)(٢٢).
وقال القاضي أبو بكر محمد بن الطيّب الباقلاني (ت: ٤٠٣ هـ) في كتاب التمهيد(٢٣) في باب ذكر ما يوجب خلع الامام وسقوط فرض طاعته ما ملخّصه: (قال الجمهور من أهل الاثبات وأصحاب الحديث: لا ينخلع الامام بفسقه وظلمه بغصب الاموال، وضرب الابشار، وتناول النفوس المحرّمة، وتضييع الحقوق، وتعطيل الحدود، ولا يجب الخروج عليه، بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شيء ممّا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠) الاحكام السلطانية ص ٧ ١١.
(٢١) المصدر السابق ص ٧ ٨ في طبعة، وفي اُخرى ص ٢٠ ٢٣.
(٢٢) ١٢ / ٢٢٩ في شرحه على صحيح مسلم، وراجع سنن البيهقي ٨ / ١٥٨ ١٥٩.
(٢٣) ط. القاهرة ١٣٦٦ هـ.

↑صفحة ٣٧↑

يدعو إليه من معاصي الله. واحتجّوا في ذلك بأخبار كثيرة متظافرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وعن الصحابة في وجوب طاعة الائمة وإن جاروا واستأثروا بالاموال، وأ نّه قال (عليه السلام): اسمعوا وأطيعوا ولو لعبد أجدع، ولو لعبد حبشي، وصلّوا وراء كلّ برّ وفاجر. وروي أ نّه قال: أطِعْهم وإن أكلوا مالك، وضربوا ظهرك).
وهناك من تحدث من الفقهاء عن عزل الحاكم لفسقه وجوره كالشافعي والغزالي في احياء علوم الدين(٢٤).
قال عضد الدين الايجي: (للامة خلع الامام وعزله بسبب) المواقف ج ٨ /٣٥٣ وقال الشارح: مثل ان يوجد منه ما يوجب اختلال احوال المسلمين وانتكاس امور الدين كما لهم نصبه واقامته لانتظامها وإعلائها.
وقال ابن حزم: فهو الامام الواجب طاعته ما قادنا بكتاب الله وينة رسوله (صلى الله عليه وآله) فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم عليه الحد والحق فإن لم يؤمن أذاه الا بخلعه خلع وولي غيره(٢٥).
نظرية الحكم في الفكر الشيعي:
الامر الاول: الشخص المؤهل لاقامة الحكم الاسلامي 
يميز الفكر الشيعي من هذه الناحية بين ثلاث فترات:
الفترة الاولى: هي فترة النبي (صلى الله عليه وآله) ويلتقي الفكر السني مع الفكر الشيعي من ناحية كون الشخص الوحيد المؤهل والمستحق للحكم هو النبي وحرمة تقدم غيره عليه في هذه الناحية وفي غيرها للنص القرآني (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/٦.
الفترة الثانية: وهي فترة الائمة الاثني عشر وهذه الفترة هي موضع الخلاف بين الشيعة وأهل السنة حيث يرى الشيعة ان هؤلاء الائمة الاثني عشر لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي لانتقال ولايته اليهم (من كنت مولاه فعلي مولاه) فكل واحد منهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤) المشروعية للدكتور علي جريشة /٣١٤.
(٢٥) الفصل في الملل والاهواء والنحل ج٤/١٠٢.

↑صفحة ٣٨↑

في زمانه هو المؤهل الوحيد وحرمة تقدم شخص آخر عليه.
الفترة الثالثة: وهي فترة غيبة الامام الثاني عشر المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السلام) ولا يختلف الشيعة في كون الشخص المؤهل لتنفيذ الاحكام هو الفقيه العادل. وانما اختلفوا في سعة صلاحياته وضيقها كما سيأتي.
قال الشيخ المفيد (ت٤١٣) في المقنعة: اما اقامة الحدود فهو إلى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد (عليهم السلام)، ومن نصبوه لذلك من الامراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الامكان. فمن تمكن من إقامتها على ولده وعبده، ولم يخف من سلطان الجور إضرارا به على ذلك، فليقمها. ومن خاف من الظالمين اعتراضا عليه في إقامتها، أو خاف ضررا بذلك على نفسه، أو على الدين، فقد سقط عنه فرضها.
وكذلك إن استطاع إقامة الحدود على من يليه من قومه، وأمن بوائق الظالمين في ذلك، فقد لزمه إقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم، ويجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الامارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه إقامة الحدود، وتنفيذ الاحكام، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار، ويجب على إخوانه من المؤمنين معونته على ذلك إذا استعان بهم ما لم يتجاوز حدا من حدود الايمان، أو يكون مطيعا في معصية الله تعالى من نصبه من سلطان الضلال. فإن كان على وفاق للظالمين في شئ يخالف الله تعالى به لم يجز لاحد من المؤمنين معونته فيه، وجاز لهم معونته بما يكون به مطيعا لله تعالى من إقامة وإنفاذ حكم على حسب ما تقتضيه الشريعة دون ما خالفها من أحكام أهل الضلال.
وللفقهاء من شيعة الائمة (عليهم السلام) أن يجمعوا بإخوانهم في الصلوات الخمس وصلوات الاعياد، الاستسقاء، والكسوف، والخسوف، إذا تمكنوا من ذلك، وأمنوا فيه من معرة أهل الفساد. ولهم أن يقضوا بينهم بالحق، ويصلحوا بين المختلفين في الدعاوى عند عدم البينات، ويفعلوا جميع ما جعل الى القضاة في الاسلام لان الائمة عليهم السلام قد فوضوا إليهم ذلك عند تمكنهم منه بما ثبت عنهم فيه من الاخبار، وصح به النقل عند

↑صفحة ٣٩↑

أهل المعرفة به من الآثار(٢٦).
الامر الثاني: الطريقة التي توصل الشخص المؤهل الى موقع الحكم ومصدر سلطة الحاكم:

لا يختلف الشيعة حول سلطة النبي والائمة الاثني عشر في الحكم ان مصدرها النص من الله على نبيه في القرآن او النص من نبيه على علي (عليه السلام) وما دور البيعة الا دور النصرة والتمكين.
قال السيد كاظم الحائري: ان المعصوم (عليهم السلام) على رغم ان له ولاية الامر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر الهيا ان يرضخهم لما له من حق الحكومة بالاكراه الاعجازي، كما انه لا تجبر الامة على الاحكام الاخرى كالصلاة والصوم بالجبر الاعجازي والا لبطل الثواب والجزاء، لان الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر ان يصل المعصوم الى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول الى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الاعجاز ينحصر في وجود ناصرين له من البشر، فكان اخذ البيعة منهم لاجل التأكد من وجود ثلة كافية من الامة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر اموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الاعجاز عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا(٢٧).
ويختلف فقهاء الشيعة في تشخيص مصدر سلطة الفقيه وفي حدودها سعة وضيقا.
فمنهم من حصرها في نطاق الامور الحسبية(٢٨) وهناك من وسعها لتشمل ما كان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦) الشيخ المفيد المقنعة ص ٨١٠.
(٢٧) رسالة الثقلين العدد ١٢ مغزى البيعة مع المعصومين.
(٢٨) الامور الحسبية مصطلح فقهي يقصد به الامور والمصالح العامة او الخايصة التي نعلم بصورة قطعية بان الله تعالى لا يرضى بفواتها من ناحية وان حصولها وتحققها يتوقف على وجود من يلي امرها ويمارس الولاية والاشراف عليها من ناحية اخرى، ولم يعين الله تعالى لها وليا خاصا من ناحية ثالثة ويمثل لها عادة بالموقوفات العامة التي هي بحاجة الى من يتولى امرها ولم يعين لها الواقف متوليا خاصا، وكذلك أموال اليتامى والقاصرين الذين ليس لهم اولياء (انظر ولاية الامر للسيد كاظم الحائري المقدمة بقلم السيد علي اكبر الحائري ص٢٠.

↑صفحة ٤٠↑

المعصوم يمارسه من ولاية في المجتمع وهؤلاء ينظرون الى البيعة على ان دورها ايضا دور تأكيدي لا غير(٢٩).
وهناك من الفقهاء من يرى ان الفقيه ليست له ولاية الا بعد بيعة جمهور الامة حيث ان منشأ ولايته هو البيعة والنصوص جاءت لتفيد ان غير الفقيه ليس مؤهلا لهذا الموقع(٣٠).
الأمر الثالث: الموقف من الحاكم اذا خالف احكام الشريعة:
ان الموقف الشيعي من هذا المسألة ينبغي ان يعالج في فترتين وهما:
الفترة الاولى: فترة وجود الامام المعصوم ظاهرا في المجتمع: والثابت من سيرة الائمة (عليهم السلام) والمعروف من اقولهم انهم يرون القيام ضد الحاكم الجائر في حالة توفر الناصر الكافي مع عدم وجود تعهد بعدم القيام من قبل الامام ومع ذلك الحاكم، وأوضح مثال هو موقف الامام الحسين (عليه السلام) من معاوية حيث توفرت كل مبررات القيام بوجهه وبخاصة بعد قتل حجر واصحابه (رض) ومع ذلك لم يقم واوصى شيعته بالسكوت الى ما بعد وفاة معاوية ثم رأيناه يقبل بيعة وجوه اصحاب ابيه على نصرته ضد الامويين بعد موت معاوية ليطيح بالنظام الذي اسسه وشيده.
وحين لا تتوفر شروط القيام من وجود الناصر وغيره يكون السكوت والتقية وعدم اظهار الخلاف السياسي هو الموقف كما سكت بقية الائمة من ذرية الحسين (عليه السلام). وكلام علي (عليه السلام) في خطبته المعروفة بالشقشقية يوضح الموقف تماما قال (عليه السلام): (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها)(٣١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩) انظر كتاب ولاية الامر للسيد كاظم الحائري المسالة الاولى.
(٣٠) انظر كتاب ولاية الامر للشيخ الآصفي فصل نصب الحاكم في عصر الغيبة وكتاب دراسات في ولاية الفقيه للشيخ المنتظري الجزء الاول.
(٣١) نهج البلاغة ج ١ ص ٣٦.

↑صفحة ٤١↑

الفترة الثانية: فترة الغيبة والمعروف بين فقهاء عصر الغيبة اتجاهان فقهيان الاتجاه الاول: وهو عين الاتجاه الذي عرضناه آنفا من سيرة الائمة (عليهم السلام). الاتجاه الثاني: ويلتزم التقية الى ظهور المهدي (عليه السلام) ودليله بعض الروايات من قبيل رواية الكليني في الكافي بسند صحيح عن الامام الصادق (عليه السلام): (كل راية ترفع أو تخرج قبل قيام القائم فهي راية ضلال) وغيرها.

↑صفحة ٤٢↑

مصطلح الامام في الفكر الشيعي الاثني عشري
ورد لفظ الامام في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:
المعنى الاول:
وهو معنى خاص ويراد به من له منزلة النبي (صلى الله عليه وآله) الا النبوة والازواج التي اشرنا اليها أي انه حجة في قوله وفعله وتقريره حيا وميتا، وأول أئمة بهذا المعنى هو النبي (صلى الله عليه وآله)، وعقيدة الشيعة ان هذا المعنى للامامة استمر بعد النبي في إثني عشر شخصاً من أهل بيته بوصية من النبي وبأمر من الله تعالى.
ولهذا المعنى من الامامة ياتي شرط العصمة والنص وحصرها في علي والحسن والحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين كما حصرت الامامة بعد إبراهيم في ذريته اسماعيل ثم اسحاق ثم يعقوب ثم حصرت في ذريته قال الله تعالى: (وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة/١٢٤. وقالى الله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَةِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الانبياء/٧٢-٧٣. إنَّ إسماعيل وإسحاق ويعقوب والاسباط كانوا أئمة هدى يهدون الناس الى سنة إبراهيم بأمر الله تعالى.
روى أبو عمرو الزبيري عن أبى عبد الله (عليه السلام) قوله: (ان مما استحقت به الإمامة(٣٢)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢) قوله (عليه السلام) (ان مما استحقت به الإمامة التطهير... ثم العلم المكنون...): أي العلم المخزون المصون عن الاختلاف، نظير قوله تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَاب مَّكْنُون) الواقعة/٧٧-٧٨. ومراده (عليه السلام) ان الإمامة الإلهية على الناس تستحق بأمرين: الأول: الطهارة من الذنوب صغيرها وكبيرها. الثاني: العلم بكل ما تحتاج إليه الأمة علما مصونا عن الخطأ والاختلاف، وكلاهما فضل من الله يمنحه من يشاء من عباده.

↑صفحة ٤٣↑

التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبقة التي توجب النار، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصة وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخة.
(قال ابو عمرو) قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟.
قال (الامام الصادق) (عليه السلام): قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها(٣٣) (انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يربون الناس بعلمهم(٣٤). وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين. ثم اخبرنا فقال: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ولم يقل بما حملوا منه(٣٥).
والشاهد قوله (عليه السلام) فهذه الائمة دون الانبياء فقد استعملت هنا بمعنى الحجة والهادي المجعول من الله تعالى لاشتراط صفة الطهارة والعلم المصون من الاشتباه.
وروى محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول كل من دان الله بعبادة يجهد فيها نفسه ولا امام له من الله فسعيه غير مقبول...(٣٦).
المعنى الثاني:
وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواء شغل هذا المنصب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣) قوله (عليه السلام) (قول الله فيمن أذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها) هو جواب منه (عليهم السلام) للسائل حيث طلب منه الاستدلال على أمر الإمامة الإلهية. ووجه الاستدلال هو ان الآية أشارت إلى وجود ثلاث طبقات من العلماء بالتوراة وكل الكتب الإلهية التي على شاكلتها ومنها القرآن الكريم.
(٣٤) قوله (عليه السلام) (فهذه الأئمة دون الأنبياء) يشير إلى ان الربانيين في الآية هم الأئمة الإلهيون وهم العلماء أصحاب العلم المصون عن الخطأ المطهرون عن الذنوب المنصوص عليهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة٢٣-٢٤. وهم يوشع وآل هارون وطالوت وصاحب سليمان وغيرهم في بني إسرائيل، ولهم نظائر في أمة محمد (صلى الله عليه وآله) من آل بيته.
(٣٥) تفسير العياشي / الاية ٤٤من سورة المائدة.
(٣٦) الكافي ج١/٣٧٤.

↑صفحة ٤٤↑

شخص المعصوم او شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) في زمانه ومن بعده للائمة الاثني عشر (صلى الله عليه وآله) في زمانهم. وقد انتشر هذا المعنى للّفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الاول الهجري الى اليوم، اما عند الشيعة فقد بقي منحصرا في التراث الروائي لأهل البيت (عليهم السلام) ولم يستخدم في التراث الفقهي الا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الاسلامية في ايران وقبلها.
روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له رجل جنى علي أعفو عنه او ارفعه الى السلطان قال هو حقك ان عفوت عنه فحسن وأن رفعته الى الامام فإنما حقك طلبت(٣٧).
فالامام في الرواية مرادف للسلطان والحاكم كما في الآية الآتية ايضاً.
روى بريد بن معاوية قال سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز وجل (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ) قال ذلك مفوض الى الامام يفعل ما يشاء قلت فموض ذلك اليه قال لا ولكن نحو الجناية(٣٨). وفي رواية قال (عليه السلام) (ان قتله وصلبه وان شاء قطع يده ورجله(٣٩). وفي رواية عبد الله بن ابي طلحة قال يحكم عليه الحاكم بقدر ما عمل وينفى ويحمل في البحر ويقذف به(٤٠).
المعنى الثالث:
وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصيا للنبي حيث اصبحت علما خاصا لهم (عليه السلام) لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم (عليه السلام)، وصار يدل ايضا على المعنى الاول والثاني معا باعتبار التقاء المعنيين في عصر الائمة الاثني عشر في شخصهم (عليه السلام)، فهم حجج الله بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهم المؤهلون وحدهم للحكم في زمانهم، وقد ساد هذا المعنى لدى المتكلمين للشيعة حيث كانوا معنيين بإثبات كلا المعنيين للامامة لهؤلاء الاثني عشر لا غير، ولم يكونوا معنيين بمسألة الحكم كمسألة مستقلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧) الوسائل ٢٧ /٣٨.
(٣٨) الوسائل ج ٢٨ /٣٠٨.
(٣٩) الوسائل ١٨/٥٢٢.
(٤٠) الوسائل ج١٨/٥٤٠.

↑صفحة ٤٠↑

قال الشيخ الطوسي: (وقولنا إمام يستفاد منه أمران: أحدهما أنه مقتدى به في أفعاله وأقواله من حيث قال وفعل، لان حقيقة الامام في اللغة هو المقتدى به، ومنه قيل لمن يصلى بالناس: إمام الصلاة. والثانى أنه يقوم بتدبير الامة وسياستها وتأديب جناتها والقيام بالدفاع عنها وحرب من يعاديها وتولية ولاية من الامراء والقضاة وغير ذلك واقامة الحدود على مستحقيها(٤١).
وبسبب صيرورة اللفظة علَما بالغلبة على المعصومين الاثني عشر تحاشى فقهاء الشيعة استخدام هذا اللفظ وإطلاقه على علمائهم وفقهائهم الا في القرن الاخير حيث اطلق على مرجع الدين نظير اطلاقه من قبل أهل السنة على الفقهاء والمحدثين سابقا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١) الرسائل العشر للشيخ الطوسي /رسالة في الفرق بين النبي والامام.

↑صفحة ٤٦↑

الخلاصة
يتضح من هذه الدراسة المختصرة امور:
١. ان الفرق الجوهري بين السنة والشيعة ليس في النظرية السياسية او نظام الحكم بل في مسألة وجود اثني عشر وصياً معصوما للنبي (صلى الله عليه وآله) وان منزلتهم في بيان القرآن وأحكام الشريعة كمنزلة النبي سواء كان هذا البيان قوليا او سيرة عملية وان هؤلاء الاوصياء الاثني عشر لهم امتياز في الحكم كامتياز النبي (صلى الله عليه وآله) فاثبت ذلك الشيعة ونفاه أهل السنة.
٢. ان الاصل في وجود المعصومين المنصوص عليهم من اهل بيت النبي بعد النبي (صلى الله عليه وآله) المؤيدين بمؤيدات الهية خاصة ليس لان الحكم الاسلامي بحاجة الى معصوم بل لان الرسالة الخاتمة بحاجة الى صيانة من الاجتهادات الخاطئة التي قد تصبح جزءا من الرسالة بحكم قربها من عهد الرسول(٤٢) وايضا بحاجة الى توضيح تفاصيلها في حوادث نوعية في المجتمع الاسلامي سوف تحصل بعد النبي تحتاج الى موقف معصوم يستهدى به من قبيل ما حصل في عهد ابي بكر حين حارب الممتنعين عن الزكاة مع اقرارهم بها وسبى نساءهم ولم يفرق بينهم وبين غيرهم من المرتدين بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢) قال الماوردي: حكي عن الشافعي انه قال: أخذ المسلمون السيرة في قتال المشركين من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأخذوا السيرة في قتال المرتدين من ابي بكر (رض) واخذوا السيرة في قتال البغاة من علي بن ابي طالب (رض). /كتاب قتال اهل البغي ص ٧٤. اقول وفي هذا النص دليل على ما قلناه من ان الاجتهادات لقربها من عهد النبي تاخذه صفة خاصة وتصبح جزءا من الرسالة، وقد روت كتب الحديث والسيرة ان عبد الرحمن بن عوف حين عرض البيعة على علي (صلى الله عليه وآله) اشترط عليه ان يسير بكتاب الله وسيرة النبي وسيرة والشيخين فرفض علي (عليه السلام) ذلك وقال ان كتاب الله وسنة نبيه لا يحتاج معهما الى إجِّيري احد أي لا يحتاجان الى عادة وطريقة احد.

↑صفحة ٤٧↑

 النبي او سائر المشركين، حتى جاء علي (عليه السلام) وسار بسيرة اخرى مع مقاتليه في الجمل ولما نهى جيشه عن النساء اللواتي كن في الجيش اعترضوا عليه قائلين كيف تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم؟ قال كذلك السيرة في أهل القبلة. وقال لهم ان لم تصدقوني واكثرتم عليَّ فأيكم يأخذ امه عائشة؟ قالوا لا، أينا يا أمير المؤمنين بل اصبت وأخطأنا وعلمت وجهلنا، هذا بالاضافة الى ان جيل النبوة يوجد فيه منافقون لميعرفهم حتى النبي قال تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنْ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيم) التوبة/١٠١ وهؤلاء سوف يقومون بالرواية عن النبي (صلى الله عليه وآله) وسوف لا يتحرجون من الكذب على النبي (صلى الله عليه وآله) والناس لا يعلمون انه كذب ويقولون هو احد اصحاب النبي وبذلك تحدث بلبلة فكرية لا مخرج منها الا بوجود الراوي المعصوم والمبيِّن المعصوم ويتأكد ذلك حين ترتبط روايات هؤلاء بتشخيص المصاديق الواقعية من الايات المتشابهة التي يتوقف تشخيص مصداقها الواقعي على بيان النبي.
٣. بعد مرور تجارب معصومة من قبل الاثني عشر سواء في الاستنباط من الكتاب والسنة او في الرواية عن النبي او في المواقف العملية من الحوادث تكون الامة قد استوعبت تراثا هاديا وفكرا وسيرة في الظروف المختلفة تعكس بامانة احكام الاسلام، يصونها من الوقوع في الاختلاف الفكري المستعصي على الحل وتقل اخطاؤها فيما لو استأنفت الحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية لوحدها وتكون اخطاؤها لو حصلت / وهي تحصل بشكل طبيعي / في استنباط الفكر او الموقف العملي اقل ضررا على الرسالة مما لو استأنفت الحياة دون تجارب هؤلاء الاوصياء المعصومين، وفي هذا السياق يتضح الوجه الايجابي(٤٣) لغيبة المعصوم فان من ابرز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣) وجود وجه ايحابي للغيبة لا يعفي المسؤولين عن اسبابها المباشرة التي كانت تتمثل بالتضييق على المعصوم الثاني عشر خوفا على كرسيهم، وقد جرت سنة الله تعالى المكر باعدائه وتحويل المخطط السئ الى عنصر ايجابي في مسيرة المؤمنين مع ابقاء تبعة المكر السيء على اهله (وَمَكْرَ السَّيئ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيّئ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ الله تَحْوِيلاً) فاطر/٤٣ (ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) ومن سنة الله تعالى في الاولين انجاؤه لنبيه عيسى وتغييبه وترك تلاميذ عيسى وشيعته ليمارسوا حياتهم على اساس ما تحملوه من تجارب الفكر والعمل المعصومة التي خلفها عيسى وامه مريم ويحيى وزكريا ثم يظهر الله تعالى نبيه عيسى في آخر الزمان لتقييم تجارب عمل امته التي تحملت رسالته وبالطبع هنا سوف يدين من لم يؤمن برسالة محمد (صلى الله عليه وآله) ويعتبر عدم الايمان بمحمد (صلى الله عليه وآله) وقد بشرهم به وأخذ العهد منهم ان يؤمنوا به معلما من اهم معالم الاخفاق بعده.

↑صفحة ٤٨↑

حكم الغيبة واسرارها الواضحة هي اتاحة الفرصة للامة التي حملت تراث الائمة الاثني عشر ان تمارس مسؤولياتها الفكرية والعلمية والسياسية على اساس فهمها البشري غير المعصوم للكتاب والتراث الفكري الذي خلفته التجربة المعصومة للنبي (صلى الله عليه وآله) والائمة (عليهم السلام)، وتأتي فكرة عودة المعصوم الغائب في آخر الدنيا وظهوره مرة ثانية على المسرح الاجتماعي والسياسي لأجل تقييم التجارب السابقة للمسيرة غير المعصومة والكشف عن مستوى تمثيلها وصدق تعبيرها وأمانتها، ولاجل تحقيق الوعد الالهي المذكور في قوله تعالى (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء/١٠٥ ويتمثل هذا الوعد بحياة حرة سعيدة في ظل النظام الالهي على الارض كلها حيث تستأصل كل عوامل الاختلاف والانحراف المؤدية الى الشر والفساد.
٤. ان البيعة والشورى ليستا في قبال النص بل يقعان على امتداده، فأهل السنة حين يتحدثون عن نظرية الحكم في زمن النبي يقدمونها على اساس النص على شخص الحاكم وهو النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يحق لأحد في زمانه ان يتقدم عليه، وتأتي البيعة في طول هذه النص وليست في عرضه، فالنص يشخص من هو المؤهل للحكم والبيعة يجب ان تتم مع المنصوص عليه بشخصه وهو النبي في القرآن. فهم لا يختلفون عن الشيعة من هذه الناحية الا فيما ذكرناه آنفا من وجود اثني عشر بعد النبي لهم هذه المنزلة في الحكم أي ان النص من النبي على اشخاصهم يمنحهم الحق، والبيعة يجب ان تتم معهم لا مع غيرهم. وهو ما يؤثر عن علي (عليه السلام) حين طولب بالبيعة قال: (انا احق بهذا الامر منكم لا ابايعكم وانتم اولى بالبيعة لي)(٤٤) وقال: ان فلانا وفلانا قد بايعاني وطالباني بالبيعة لمن سبيله ان يبايعني(٤٥).
ومن هنا يتضح خطأ ابن ابي الحديد حين جعل الكلمات المأثورة عن علي (عليه السلام)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٤) شرح النهج ٦/١١٨.
(٤٥) بحار الانوار ٢٨/٢٤٨.

↑صفحة ٤٩↑

في البيعة علامة على بطلان مذهب الشيعة في القول ان الامامة بالنص، وكذلك يتضح خطأ تفسير هذه الكلمات من علي (عليه السلام) على انها صدرت تقية بتصور ان المنصوص عليه ليس بحاجة الى بيعة الناس، والواقع ان فائدة البيعة لا تنحصر بمنح الشرعية للشخص المبايع، بل هناك فائدة اخرى تتمثل بمنحه القدرة على النهوض بالامر وهذه الفائدة هي المتصورة عند وقوعها مع النبي أو مع أوصيائه المعصومين الاثني عشر الذين لهم منزلته وولايته (صلى الله عليه وآله).
٥. الرأي القائل بأن ولاية الفقيه وسلطته الواسعة جدا قائمة على النص وليس على بيعة الامة ليس هو الراي الوحيد الذي ينتجه التراث الامامي الاثنا عشري الذي يقوم على العقيدة بالغيبة وانتظار ظهور الامام الثاني عشر (عليه السلام)، بل يوجد الى جانبه رأي آخر يقول ان الفقيه يستمد سلطته من البيعة ولا سلطة له قبلها، وهو رأي مشروع ومعترف به ولم يُتَّهَم اصحابُه بانهم خرحوا عن مسلمات الفكر الامامي الاثني عشري القائم على العقيدة بالمهدي (عليه السلام) وانتظار ظهوره. وفي ضوء ذلك بالامكان ان تقوم حكومة على رأسها فقيه يستمد سلطته من الامة فيما لو رأى جمهور الامة بيعة ذلك الفقيه، وفي الحقيقة حتى الفقيه الذي يرى ان سلطته قائمة على اساس النص تبقى سلطته هذه من دون واقعية وفعلية على الساحة السياسية ما لم يبايعه الناس وبسطوا يده ويمنحوه القدرة على النهوض بمشروعه السياسي. وكذلك الحال في الراي القائل بوجوب التقية وعدم الثورة في عصر الغيبة عند توفر شروطها ليس هو الراي الوحيد الذي ينتجه الاعتقاد بغيبة الثاني عشر إذ يوجد الى جنبه راي آخر هو عكسه، وكذلك الحال في تعطيل الحدود فيوجد الى جنبه الراي القائل بتنفيذها من قبل الفقيه عند توفر القدرة. ويتضح من ذلك ان العقيدة بغيبة المهدي وانتظار ظهوره تجتمع مع هذه الآراء الفقهية المتنوعة والمتعارضة والسر في ذلك هو ان هذه الاراء هي مسائل فقهية تعكس افهام الفقهاء لادلة هذه المسائل، وهم حين يختلفون في مسائل الفقه تبعا لما يفهمه كل واحد منهم من النص وفق قواعد فهم النص، يتفقون على مسألة غيبة المهدي وانتظار ظهوره حين ينظرون الى ادلتها، نعم قد يختلفون في بيان حكمة الغيبة واسرارها وليس من شك ان هذه الاسرار والحكم المستنبطة ليس جزءا من المعتقد.

↑صفحة ٥٠↑

٦. ورد لفظ الامامة في التراث الفكري الشيعي على ثلاثة معاني:
المعنى الاول: وهو معنى خاص ويراد به منصب الحجة على الخلق بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وهذا المعنى ينحصر باثني عشر من اهل بيت النبي وتلحق بهم الزهراء (عليها السلام) في ذلك.
المعنى الثاني: وهو معنى عام ويراد به منصب الحكومة وإقامة الحدود سواء شغل هذا هذه المنصب المعصوم او شغله غيره، وهذا المعنى يعتقد الشيعة فيه انه للنبي (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للائمة الاثني عشر (صلى الله عليه وآله) ومن بعده للفقهاء العدول. وقد انتشر هذا المعنى للفظة عند متكلمي السنة وفقهائهم منذ القرن الاول الهجري الى اليوم، اما عند الشيعة فقد بقي منحصرا في التراث الروائي ولم يستخدم في التراث الفقهي الا عند ثلة معاصرة منهم قبيل الثورة الاسلامية في ايران.
المعنى الثالث: وهو معنى خاص يراد به خصوص الاثني عشر وصيا للنبي حيث اصبحت علما خاصا لهم (عليهم السلام) لغلبة استعماله من قبل الشيعة فيهم (عليهم السلام)، وصار يدل ايضا على المعنى الاول والثاني معا باعتبار التقاء المعنيين في عصر الائمة الاثني عشر في شخصهم (عليهم السلام)، وهو المراد به عند متكلمي الشيعة في كتبهم الكلامية المشهورة.

↑صفحة ٥١↑

الحلقة الاولى: الرد على الشبهات التي اثارها احمد الكاتب حول العقيدة الاثني عشرية

↑صفحة ٥٣↑

مقدمة الطبعة الثانية للحلقة الأولى

صدرت الطبعة الاولى من هذا الكتاب في شهر ربيع الاول سنة (١٤١٧هـ) وتلقتها الاوساط العلمية والثقافية بإستحسان ورضا تجاوز ظني وكانت قد انطوت على اخطاء طباعية استدركتها في هذه الطبعة مع إضافات وإعادة صياغة بعض المطالب، ثم رأيت ان أضيف إلى بحوث الكتاب ملحقاً بترجمة عدد من الاعلام الذين ورد ذكرهم بأمل استيفائهم في المستقبل ان شاء الله(٤٦).

المؤلف
جمادى الاولى ١٤١٧

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٦) ادرجناهم في هذه الطبعة في المواضع المناسبة وفي ثنايا الكتاب.

↑صفحة ٥٥↑

المقدمة

هذه أوراق متواضعة تكفلت الرد على بعض الشبهات التي وجهت ضد الاسلام والتشيع.
وقصة إثارة الشبهات أمام التشيع بمفهومه الخاص(٤٧) قديمة وهي لا تنقطع إلا بظهور المهدي محمد بن الحسن العسكري (عجل الله فرجه) مؤيَّداً بالبراهين الالهية ومصدِّقا لحركة آبائه (عليهم السلام) وشيعتهم وهي في ذلك نظير قصة إثارة الشبهات أمام رسالة محمد (صلى الله عليه وآله) من قبل أهل الكتاب التي لا تنتهي إلا بظهور عيسى بن مريم (عليه السلام) مؤيداً بالبراهين الالهية ومصدِّقاً برسالة محمد (صلى الله عليه وآله) ومتعبداً بشريعته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٧) ويتمثل هذا المفهوم بالاعتقاد باثني عشر حجة معصوما بعد النبي لهم منزلته في كل شيء إلا النبوة والازواج مع إلحاق الزهراء (عليها السلام) بهم في هذه المنزلة دون خصوصية الحكم، والاعتقاد بان المهدي المنتظر الذي بشَّر به النبي (صلى الله عليه وآله) هو محمد بن الحسن العسكري (عليه السلام) المولود سنة (٢٥٥ هـ) وانه قد غاب بأمر الله تعالى غيبتين إحداهما صغرى كان له فيها نواب أربعة يعرف خبره وأمره بواسطتهم، توفي آخرهم سنة ٣٢٩ هـ وبوفاته بدأت الغيبة الكبرى وانقطع خبره فيها، وقد أمر شيعته بالرجوع في عصر الغيبة الكبرى إلى رواة الاحاديث الفقهاء العدول حيث روي عنه (عليه السلام) انه قال «أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله» وأمرهم أيضاً كما أمرهم آباؤه من قبل بانتظار الفرج بظهوره في آخر الزمان وإلى جانبه عيسى (عليه السلام) ليحقق الله بهما وعلى أيديهما أروع عهد ينتظره المؤمنون. (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الاَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) الانبياء/١٠٥ (وَإِن مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا) النساء/١٥٩. ويستلزم هذا المفهوم تولي هؤلاء الحجج والبراءة من أعدائهم وبخاصة الذين ناصبوهم العداوة ودفعوهم عن مقامهم ومنزلتهم التي أنزلهم الله ورسوله بها، وفي قبال هذا المفهوم الخاص للتشيع هناك مفهوم عام تبناه أهل السنة وأرادوا به تفضيل علي (عليه السلام) على عثمان، أو تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر وعمر وقد وصفوا هذا التشيع بالبدعة الصغرى وسموا النوع الثاني منه بالتشيع الغالي، أما المفهوم الخاص فقد سموه بـ(الرفض) والبدعة الكبرى وسموا أصحابه بالرافضة وأسقطوا الاحتجاج برواياتهم بدعوى ان الرافضة يحُطّون من منزلة أبي بكر وعمر (أي يصغِّرون من منزلتهم). (انظر ميزان الاعتدال للذهبي ترجمة ابان ابن تغلب ومقدمة تهذيب التهذيب لابن حجر).

↑صفحة ٥٧↑

وكما لم يؤمن أكثر أهل الكتاب برسالة الاسلام على الرغم من وضوح دلائل صدقها، وراحوا يثيرون الشبهة تلو الشبهة على مر القرون وقابلهم علماء المسلمين بالرد على شبهاتهم إتماماً للحجة وإزاحةً للعقبة من طريق الحق (لِيَهْلِك مَنْ هَلَك عَن بَيِّنَة ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة) الانفال/٤٢.
كذلك لم يتشيع أكثر المسلمين لاهل البيت (عليهم السلام) ولم يقفوا عليهم في الحلال والحرام على الرغم من تواتر حديث الغدير وحديث الثقلين وحديث المهدي (عليه السلام) وصحة حديث (الائمة من بعدي اثنا عشر) وغيرها. وراحوا يثيرون الشبهة تلو الاخرى تارة بتضعيف سند الحديث وأخرى بتحريف دلالته وثالثة بدفع واقعه التطبيقي، وقد قابلهم علماء الشيعة بالرد على شبهاتهم إتماماً للحجة وإزاحة للعقبة من طريق الحق (لِيَهْلِك مَنْ هَلَك عَن بَيِّنَة ويَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة) الانفال/٤٢.
وعلى الرغم من دور الشبهة السلبي في تطويق انتشار الحق ومحاصرة أهله / وهو الهدف من إثارتها / فإن للشبهة دوراً إيجابياً في تحريك أهل الحق وبعث هممهم للبحث والتنقيب ومن ثم إغناء الساحة الفكرية بما يزيد الحقيقة جلاءً ووضوحاً وهو هدف غير مقصود من قبل أصحاب الشبهة.
فهل ينسى دور شبهات المبشرين في بعث همة العالم السني محمد رحمة الله العثماني(٤٨) ليؤلف كتابه (إظهار الحق).
أو ينسى دور شبهاتهم وردودهم في كتابهم (الهداية) على كتابه (إظهار الحق) في بعث همة العالم الشيعي محمد جواد البلاغي ليؤلف (الهدى إلى دين المصطفى) و(الرحلة المدرسية).
أو ينسى دور شبهات الزيدية في فترة الغيبة الصغرى في بعث همة الشيخ النعماني (ت٣٦٢هـ) ليؤلف كتاب (الغيبة) أو الشيخ محمد بن علي بن بابويه (ت٣٨١هـ) ليؤلف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٨) وقد ألف كتابه بعد المحاورة بينه وبين أحد المبشرين النصارى في الهند ويدعى (فاندر) سنة (١٢٧٠ هـ - ١٨٥٤ م). والكتاب من غرر الكتب في بابه مطبوع في مجلدين ثم ألف جماعة من المبشرين كتاب (الهداية) رداً عليه وقد طبع كتاب (الهداية) في مصر سنة ١٨٩٩م، ثم كتب العلامة البلاغي رحمه الله (ت ١٩٣٣م) (الهدى إلى دين المصطفى) في مجلدين و(الرحلة المدرسية) في مجلد واحد رداً على كتاب الهداية.

↑صفحة ٥٨↑

كتابه (إكمال الدين).
أو ينسى دور شبهات كتاب (المغني)(٤٩) للقاضي عبد الجبار في بعث همة السيد المرتضى (ت٤٣٦هـ) ليؤلف كتابه (الشافي في الامامة)(٥٠).
أو ينسى دور شبهات كتاب (التحفة الاثنا عشرية) تأليف شاه عبد العزيز الدهلوي الهندي في بعث همة السيد مير حامد حسين الهندي (ت١٣٠٦هـ) ليؤلف كتابه (عبقات الانوار)(٥١).
أو ينسى دور شبهات حاول أصحابها ربط ظهور التشيع بمفهومه الخاص بعبد الله بن سبأ في بعث همة العلامة الاميني ليؤلف موسوعته (الغدير) وفي بعث همة العلامة العسكري ليؤلف كتاب (خمسون ومأة صحابي مختلق) وكتاب (رواة مختلقون) وكتاب (عبد الله بن سبأ)(٥٢).
وهكذا فان فرائد الكتب والدراسات في حقل النبوة والامامة والسيرة والتاريخ إنما هي نتائج البحث في رد الشبهات.
ولا أزعم أنني في هذه الاوراق سوف أقدم نظير ما قدمه أولئك الفطاحل ولكني أحاول ان أيسر للباحث عن الحقيقة بعض ما قدموه بشكل مختصر وبخاصة وان الشبهات هي الشبهات وان كتّابها ومثيريها يأخذ بعضهم من بعض في أغلب الاحيان.
اخترت قارئي الكريم للحلقات الاولى من أوراق الرد هذه شبهات وشكوكاً أثارها احمد الكاتب حول الشيعة والتشيع في نشرته (الشورى)(٥٣) وكتبه الثلاثة المتداولة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٩) الجزء المتم للعشرين خاص بالامامة للرد على الشيعة.
(٥٠) وهو مطبوع في أربعة أجزاء حققه العلامة عبد الزهراء الحسيني الخطيب.
(٥١) قال العلامة السيد محسن الامين (رح) في أعيان الشيعة ج١٨/٣٧١ (عبقات الانوار في إمامة الائمة الاطهار بالفارسية لم يكتب مثله في السَّلَف والخَلَف) وقد طبعت عدة من أجزائه، وجاء حديث الثقلين وحده في ستة مجلدات وقد عرّبه واختصره العلامة السيد علي الميلاني فكان حديث الثقلين في مجلدين، وحديث الغدير في أربعة مجلدات وقد بلغ المختصر المعرَّب من عبقات الانوار اثني عشر مجلداً ولمّا يكمل بعد.
(٥٢) لا زال كتاب رواة مختلقون والجزء الثالث من عبد الله بن سبأ والجزء الثالث من خمسون ومائة صحابي مختلق لما تعد للطبع بعد لانشغال المؤلف - أمد الله في عمره - بغيرها.
(٥٣) صدر منها لحد صدور الطبعة الاولى من هذا الكتاب أحد عشر عدداً.

↑صفحة ٥٩↑

بالدسك الكومبيوتري. فقد انكر ولادة المهدي محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام) وغيبته وجعل القول بذلك من ابتكار النواب الاربعة، ونفى أيضاً صحة الاحاديث النبوية في الائمة الاثني عشر الواردة عند الشيعة والسنة وادعى ان العقيدة باثني عشر إماماً لم يكن لها أثر في القرن الثالث الهجري وانها كانت وليدة القرن الرابع الهجري هذا مضافاً إلى نفيه القول بأصل الوصية والنص على الائمة المعصومين بعد النبي وربط ذلك بعبد الله بن سبأ.
وهذه الشبهات وغيرها وان كانت تكراراً لشبهات الزيدية والمعتزلة وأهل التسنن وقد كتب علماؤنا في الرد عليها آلاف الصفحات ومئات الكتب غير أني كما قلت آنفاً أحاول في هذه الاوراق ان اختصر الرد وأيسره لطلاب الحقيقة وبخاصة وان كثيراً منهم لا يتسع وقته لمراجعة مطولات الكتب ولا مختصراتها.
وقد كرست فاتحة هذه الحلقات لتسع شبهات مما أثاره حول العقيدة الاثني عشرية لنكات لا تخفى على القارئ اللبيب أرجو ان لا يذهب وقته معها سدىً وان يغتفر لي نواقصها والله ولي التوفيق.

سامي البدري
قم المشرفة
١٧ ربيع الاول ١٤١٧هجري

↑صفحة ٦٠↑

الفصل الاول: متى عرف الشيعة العقيدة الاثني عشرية؟

قوله: ان تحديد الأئمة (عليهم السلام) باثني عشر لم يكن له أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري إذ لم يشر إليه النوبختي في كتابه فرق الشيعة ولا علي بن بابويه في كتابه الإمامة والتبصرة من الحيرة!
أقول: بل أشار إلى ذلك علي بن بابويه في مقدمة كتابه الإمامة والتبصرة وأشار إلى ذلك أيضا إبراهيم بن نوبخت في كتابه ياقوت الكلام وهو معاصر للنوبختي، وفي ضوء ذلك فان العقيدة الاثني عشرية كانت معروفة في القرن الثالث الهجري بل قبل ذلك.

↑صفحة ٦١↑

نص الشبهة
قال: وهذا (أي الاستدلال بحديث الاثني عشر إماماً) دليل متأخر.. بدأ المتكلمون يستخدمونه بعد اكثر من نصف قرن من الحيرة، أي في القرن الرابع الهجري، ولم يكن له أثر في القرن الثالث عند الشيعة الامامية حيث لم يشر إليه الشيخ علي بن بابويه الصدوق في كتابه (الامامة والتبصرة من الحيرة) كما لم يشر إليه النوبختي في كتابه (فرق الشيعة) ولا سعد بن عبد الله الاشعري في (المقالات والفرق).
من هنا لم يكن الاماميون يقولون بالعدد المحدود في الائمة، ولم يكن حتى الذين قالوا بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) يعتقدون في البداية انه خاتم الائمة، وهذا هو النوبختي يقول في كتابه (فرق الشيعة): (ان الامامة ستستمر في أعقاب الامام الثاني عشر إلى يوم القيامة) (انظر: المصدر: الفرقة التي قالت بوجود ولد للعسكري). ونقل الكفعمي في (المصباح) عن الامام الرضا (عليه السلام) الدعاء التالي حول (صاحب الزمان): (.. اللهم صل على ولاة عهده والائمة من بعده) (القمي: مفاتيح الجنان ص ٥٤٢)(٥٤).
الرد على الشبهة
أقول: في كلامه الانف الذكر عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (ان علي بن بابويه الصدوق (ت٣٢٩هـ) لم يشر إلى دليل الاثني عشرية في كتابه الامامة والتبصرة).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٤) الشورى العدد العاشر ص١٠-١٢.

↑صفحة ٦٣↑

غير صحيح..
إذ ان علي بن بابويه أشار إلى دليل الاثني عشرية في مقدمة كتابه وهي الطبعة التي نقل منها صاحب النشرة بعض النصوص فهو إما لم يقرأها أو تغافل عنها وأحال القارئ إلى متن الكتاب وهو ناقص إذ المخطوطة التي عثر عليها ثم طبعت كانت قد انتهت أحاديثها إلى إمامة الرضا (عليه السلام). وقد حاول محقق الكتاب إكمالها ببعض الروايات من كتب الصدوق بروايته عن أبيه وإلى القارئ الكريم نص كلام علي بن بابويه في مقدمة كتابه.
قال (رحمه الله): ولو كان أمرهم (أي الائمة (عليهم السلام) مهملاً عن العدد وغفلاً لما وردت الاخبار الوافرة بأخذ الله ميثاقهم على الانبياء وسالف الصالحين من الامة. ويدلك على ذلك قول أبي عبد الله عليه السلام حين سئل عن نوح عليه السلام لما ذكر (استوت سفينته على الجودي بهم): هل عرف نوح عددهم فقال: نعم وآدم (عليه السلام).
وكيف يختلف عدد يعرفه أبو البشر ومن درج من عترته والانبياء من عقبه... وأي تأويل يدخل على حديث اللوح وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة عليها السلام(٥٥).
فقوله (رحمه الله) (ولو كان أمرهم مهملاً عن العدد يردُّ فيه على الزيدية الذين قالوا ان حديث الاثني عشر موضوع وان عدد الائمة لا حصر له).
واستدلاله (رحمه الله) بحديث اللوح(٥٦) وحديث الصحيفة المختومة والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة (عليها السلام) يؤكد اعتقاده بصحتها وانه أوردها في متن كتابه وان خلت منها النسخة المطبوعة بسبب نقص المخطوطة التي عُثِرَ عليها.
ثانيا:
لقد أشار إلى العقيدة الاثني عشرية أيضاً إبراهيم بن نوبخت (ت ٣٢٠هـ) في كتابه (ياقوت الكلام) وهو اقدم كتاب كلامي عند الشيعة ومؤلفه من أعلام القرن الثالث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٥) الامامة والتبصرة ص ١١-١٢.
(٥٦) سيأتي نصه في الفصل الثامن.

↑صفحة ٦٤↑

الهجري وهو معاصر لعلي بن بابويه وقد تلقاه الشيعة عنه بالقبول جيلاً بعد جيل حتى وصل إلى العلامة الحلي فافرد كتاباً في شرحه سماه أنوار الملكوت في شرح الياقوت وإلى القارئ الكريم نص كلام صاحب ياقوت الكلام وشرح العلامة الحلي له.
قال إبراهيم بن نوبخت: (القول في إمامة الاحد عشر بعده (اي بعد علي (عليه السلام) نَقْلُ أصحابنا متواتراً النص عليهم بأسمائهم من الرسول (صلى الله عليه وآله) يدل على إمامتهم، وكذلك نقل النص من إمام على إمام وكتب الانبياء سالفاً يدل عليهم وخصوصاً خبر مسروق يعترفون به).
وقال العلامة الحلي في شرح هذا الكلام:
(أما إمامة باقي الائمة (عليهم السلام) فهي ظاهرة بعد إمامة علي (عليه السلام) وذلك من وجوه:
أحدها: النص المتواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) على تعيينهم، ونصبهم أئمة، فقد نقل الشيعة بالتواتر ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: للحسين (عليه السلام) هذا ابني إمام ابن إمام أخو إمام أبو أئمة تسعة، تاسعهم قائمهم، وغير ذلك من الاخبار المتواترة.
الثاني: ما نُقِل من النص على إمام من إمام يسبِقُه بالتواتر من الشيعة.
الثالث: ان اساميهم والنص على إمامتهم موجودة في كتب الانبياء السالفة كالتوراة والانجيل.
الرابع: ان أخبار الخصوم مشهورة في النص عليهم من النبي (صلى الله عليه وآله) لخبر مسروق عن عبد الله بن مسعود انه قال... عهد إلينا نبينا (صلى الله عليه وآله) ان يكون بعده اثنا عشر خليفة عدد نقباء بني إسرائيل وكذا ما نقل عن غيره)(٥٧)،(٥٨).
ثالثا:
ان مؤلِّفَيْ كتاب الفرق وكتاب المقالات على فرض تعددهما(٥٩) كانا بصدد جمع

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٥٧) سيأتي نصه في الفصل الثامن.
(٥٨) انوار الملكوت ص٢٢٩.
(٥٩) هناك جدل حول تعدد الكتابين ويرى أكثر من باحث أنهما كتاب واحد فقد ذهب العلامة الشيخ فضل الله الزنجاني إلى ان الكتاب للنوبختي ويرى الاستاذ عباس إقبال الاشتياني انه تأليف سعد بن عبد الله الاشعري المعاصر للنوبختي وذلك قبل العثور على كتاب المقالات والفرق للاشعري الذي نشره الدكتور جواد مشكور وبعد ان انتشر الكتابان كتب السيد محمد رضا الحسيني مقالا نشره في مجلة تراثنا العدد الاول السنة الاولى ١٤٠٥ ص ٢٩-٥١ يؤيد فيه رأي الاشتياني وذهب إلى ان كتاب فرق الشيعة المطبوع باسم النوبختي هونسخة مختصرة من كتاب المقالات والفرق للاشعري. أقول ان كون الكتابين كتابا واحدا أمر لا ينبغي التردد فيه وإنما الكلام حول مؤلفه هل هو النوبختي أم الاشعري أو شخص آخر.

↑صفحة ٦٥↑

الاقاويل في الفرق وما ينسب إليها ولم يكونا بصدد المناقشة والاستدلال ومن هنا لا ينبغي عد الكتابين مرآة تعكس الفكر الاستدلالي عند الفرق المذكورة وبالتالي فعدم ورود حديث الاثني عشر فيهما لا يعني شيئاً في قبال وروده في كتاب ياقوت الكلام وكتاب الامامة والتبصرة المعاصرين لهما المعدين للاستدلال على العقيدة الاثني عشرية.
رابعا:
أما ما ينسبه صاحب النشرة إلى النوبختي في فرق الشيعة من انه يقول باستمرار الامامة في أعقاب الامام الثاني عشر إلى يوم القيامة.
فهو محض ادعاء..
وهو مبني على التوهم في فهم عبارة النوبختي، ونصها: (وقالت الفرقة الثانية عشرة وهم (الامامية) لله عز وجل في الارض حجة من ولد الحسن بن علي وأمر الله بالغ وهو وصي أبيه على المنهاج الاول والسنن الماضية ولا تكون الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام) ولا يجوز ذلك ولا تكون إلا في عقب الحسن بن علي إلى ان ينقضي الخلق متصلاً ذلك ما اتصلت أمور الله تعالى).
وقد وضح النوبختي نفسه ما يريد حين قال بعد ذلك: (فنحن مستسلمون بالماضي وإمامته مقرون بوفاته معترفون بان له خلفاً قائماً من صلبه وان خلفه هو الامام من بعده حتى يظهر ويعلن امره كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ويأذن الله في ذلك)، وفي لفظ الكتاب المنسوب لسعد بن عبد الله الاشعري: (فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن علي مقرون بوفاته مؤمنون بان له خلفاً من صلبه متدينون بذلك وانه الامام من بعد أبيه الحسن بن علي وانه في هذه الحالة مستتر خائف مغمور مأمور بذلك حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن امره... وقوله بعد ذلك وقد

↑صفحة ٦٦↑

رويت الاخبار الكثيرة الصحيحة ان القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره)...
ولو فرض صحة قول صاحب النشرة ان يكون للنوبختي صاحب كتاب فرق الشيعة مثل ذلك الرأي الذي افتراه عليه لعُرِف عنه وسُجِّل عليه من قبل علماء الشيعة كالشيخ الصدوق والشيخ المفيد وهما قريبان من عصر النوبختي وكلاهما كان قد تصدى للشبهات التي أثيرت على العقيدة بالاثني عشر إماماً، وبخاصة ان الشيخ المفيد قد ذكر في كتابه العيون والمحاسن (ص٣٢١) الفرقة التي تقول بأن الامام بعد الحسن العسكري هو ابنه محمد ولكنه قد مات وسيحيى في آخر الزمان ويقوم بالسيف.
نعم ذكر ابن النديم ان أبا سهل إسماعيل بن علي النوبختي كان يرى ان الامام هو محمد بن الحسن ثم مات في الغيبة واستمرت في ولده إلى يوم القيامة وذكر ان رأيه هذا لم يسبقه إليه أحد(٦٠) غير ان المحقق التستري (رحمه الله) يبرئ ساحة أبي سهل من ذلك الرأي لعدم اعتبار ابن النديم في ما ينفرد به(٦١)، ويؤيد قول التستري عدم ذكر الشيخ الصدوق ذلك عن أبي سهل مع العلم انه كان معاصراً لابن النديم وكان معنياً برد الشبهات حول الغيبة وكذلك الحال في الشيخ المفيد مع أنه كان معنياً بأمثالها.
خامسا:
أما ما نقله صاحب النشرة عن الكفعمي من دعاء منسوب للامام الرضا (عليه السلام) فهو دعاء غير محقَّق النسبة للامام الرضا (عليه السلام)، والاصل فيه رواية موضوعة سيأتي الكلام عليها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٠) الفهرست لابن النديم ص ٢٢٥.
(٦١) انظر قاموس الرجال ج٢/ص٨٧ ترجمة إسماعيل بن علي (أبي سهل النوبختي). وفي الفصل العشرين من مقدمته قال التستري (رح) ان فهرست ابن النديم لا يكون بذاك الاعتبار لانه كان وراقا ينقل عن الكتب والكتب يقع فيها التصحيف كثيرا فبدل أبا بكر الجعابي محمد بن عمر بـ عمر بن محمد، وتوهم في علي بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم انه علي بن اسماعيل بن ميثم، وتوهم انه أول متكلمي الشيعة مع انه كان من تلاميذ هشام بن الحكم وتوهم في يقطين والد علي بن يقطين انه كان إماميا يحمل الاموال إلى الامام الصادق (عليه السلام) ونُمَّ خبره إلى المنصور والمهدي فصرف الله كيدهما عنه مع ان ابنه علي بن يقطين إنما كان إماميا يحمل الاموال إلى الكاظم (عليه السلام) ونم خبره إلى هارون وأما يقطين فكان من وجوه الدعاة إلى بني العباس ومن الناصبين للصادق (عليه السلام)، وتوهم في الفضل بن شاذان الرازي العامي هو الفضل بن شاذان النيشابوري الامامي. قاموس الرجال ج١ص٥١.

↑صفحة ٦٧↑

الخلاصة:
وهكذا يتضح خطأ دعوى صاحب النشرة من كون العقيدة الاثني عشرية لم يكن لها أثر عند الشيعة في القرن الثالث الهجري، إذ أغفل أو تغافل عن مقدمة كتاب علي بن بابويه وعن كتاب إبراهيم بن نوبخت وكلا المؤلفين من علماء الشيعة ومن رجال القرن الثالث الهجري، حيث وردت في هذين الكتابين بشكل صريح وواضح الاشارة إلى العقيدة الاثني عشرية، هذا مضافاً إلى فهمه لعبارة النوبختي كما يرغب ويشتهي وسيأتي في الفصل السابع والثامن ما يثبت وجود أحاديث الاثني عشر عند الشيعة في عهد الائمة الاحد عشر ويأتي أيضاً في الفصل التاسع ان تحديد الائمة بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) باثني عشر مما بشرت به الكتب السابقة جنباً الى جنب مع البشارة بالنبي (صلى الله عليه وآله).

↑صفحة ٦٨↑

الفصل الثاني: الوصية لكل إمام من الاثني عشر بعهد خاص من النبي (صلى الله عليه وآله)

قوله: ان الأئمة لم يكونوا يعلمون بأسماء أوصيائهم من بعدهم إلا قرب وفاتهم!
أقول: قد جاء في الروايات الصحيحة عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه قال لأصحابه: أترون ان الأمر إلينا نضعه فيمن شئنا؟ كلا والله انه عهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى علي (ثم) إلى رجل فرجل إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الأمر.

↑صفحة ٦٩↑

نص الشبهة
قال: تشير روايات كثيرة يذكرها الصفار في بصائر الدرجات والكليني في (الكافي) والحميري في (قرب الاسناد) والعياشي في (تفسيره) والمفيد في (الارشاد) والحر العاملي في (إثبات الهداة) وغيرهم إلى ان الائمة أنفسهم لم يكونوا يعرفون بحكاية القائمة المسبقة المعدة منذ زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعدم معرفتهم بإمامتهم أو بإمامة الامام اللاحق من بعدهم إلا قرب وفاتهم. فضلا عن الشيعة أو الامامية أنفسهم الذين كانوا يقضون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل إمام وكانوا يتوسلون بكل إمام ان يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الامام الجديد. يروي الصفار في (بصائر الدرجات) ص ٤٧٣ باب (ان الائمة يعلمون إلى من يوصون قبل وفاتهم مما يعلمهم الله): حديثا عن الامام الصادق يقول فيه: (ما مات عالم حتى يعلمه الله إلى من يوصي)، كما يرويه الكليني في الكافي ج١ص ٢٧٧، ويروي أيضا عنه (عليه السلام): (لا يموت الامام حتى يعلم من بعده فيوصي إليه) وهو ما يدل على عدم معرفة الائمة من قبل بأسماء خلفائهم، أو بوجود قائمة مسبقة بهم وقد ذهب الصفار والصدوق والكليني ابعد من ذلك فرووا عن أبي عبد الله انه قال: (ان الامام اللاحق يعرف إمامته وينتهي إليه الامر في آخر دقيقة من حياة الاول) (البصائر ٤٧٨ والامامة والتبصرة من الحيرة باب ١٩ ص ٨٤ والكافي ج١ ص ٢٧٥)(٦٢).
الرد على الشبهة
أقول: لقد أخطأ صاحب النشرة في فهم بعض الروايات التي ذكرها، وحمل بعضها الاخر بسبب إجماله على ما يشتهي وكان ينبغي ان يفهمه في ضوء مجموعة أخرى من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٢) الشورى العدد العاشر ص١١.

↑صفحة ٧١↑

الاحاديث أوضح منه وأكثر صراحة.
أما الرواية التي أخطأ في فهمها خطأً فاحشاً فهي رواية صفوان الاتية:
قال صفوان: قلت للرضا (عليه السلام) اخبرني عن الامام متى يعلم انه إمام أحين يبلغه ان صاحبه قد مات أو حين يمضي مثل أبي الحسن قبض ببغداد وأنت هنا قال يعلم ذلك حين يمضي صاحبه، قلت بأي شيء قال يلهمه الله(٦٣).
فمن الواضح ان قول الرضا (عليه السلام) يعلم حين يمضي صاحبه جواب لسؤال عن الامام اللاحق كيف يعرف ان الامر انتهى إليه ومراد السائل حالة التصدي للامامة من اللاحق باعتبار لا يكون إمامان إلا وأحدهما صامت وباعتبار ان الامام السابق قد يموت في مكان بعيد ويستغرق وصول خبر موته مدة طويلة كما في حالة موت الامام الكاظم (عليه السلام) في السجن في بغداد وكان وصيه الرضا (عليه السلام) في المدينة، أو موت الرضا (عليه السلام) في خراسان وكان وصيه الجواد (عليه السلام) في المدينة، وهكذا يتضح ان الرواية تتحدث عن جواب سؤال متى يتصدى الامام اللاحق للامامة ويضطلع بمهماتها فعلاً؟ ولم تكن تتحدث عن سؤال متى يعرف الامام اللاحق انه قد جاءت النصوص فيه والوصية عليه من الامام السابق.
وبعبارة أخرى توجد قضيتان:
الاولى: قضية النص على الامام اللاحق من الامام السابق وهذه قد تحصل في سن مبكرة من عمر الامام السابق كما ستأتي الامثلة على ذلك.
الثانية: قضية اضطلاع الوصي بمهمات الامامة فعلاً وتحصل في اللحظة التي يتوفى فيها الامام اللاحق وليس في اللحظة التي يصل فيها خبر موته مهما بعدت المسافات التي تفصل بينهما ويحصل علمه بموت الامام السابق بإلهام من الله تعالى عبر ملائكته.
أما الرواية المجملة التي كان يجب عليه ان يفهمها في ضوء غيرها فهي قوله (عليه السلام): (لا يموت الامام حتى يعلم من بعده فيوصي إليه) وهذه ونظائرها ينبغي ان يرجع في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٣) الكافي ج١ /٣٨١ ج٤.

↑صفحة ٧٢↑

فهمها إلى الروايات الاكثر وضوحاً وتفصيلاً وهي كثيرة منها رواية الكليني والصفار عن عمرو بن مصعب وعمرو بن الاشعث وأبي بصير وسدير ومعاوية بن عمار ان أبا عبد الله (عليه السلام) قال لهم ولغيرهم (أترون ان الموصي منا يوصي إلى من يريد لا والله ولكنه عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى رجل فرجل حتى انتهى إلى نفسه). وفي لفظ آخر إلى ان ينتهي إلى صاحب هذا الامر(٦٤).
وفي ضوء ذلك يكون معنى الرواية المجملة هو ان الامام السابق لا يموت من دون وصية وتعريف بالامام الذي يكون بعده.
أما قول صاحب النشرة: (ان الامام السابق لا يعرف إمامة الامام اللاحق من بعده إلا قرب وفاته).
فهو غير صحيح..
وتكذبه رواية العهد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) على رجل رجل الآنفة الذكر.
وتكذبه أيضاً روايات النص على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من أبيه الصادق (عليه السلام) كما في رواية صفوان الجَمّال، قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن صاحب هذا الامر فقال ان صاحب هذا الامر لا يلهو ولا يلعب(٦٥) واقبل أبو الحسن موسى وهو صغير ومعه عَناق(٦٦) مكية وهو يقول لها: أسجدي لربك فأخذه أبو عبد الله (عليه السلام) وضمه إليه وقال: بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب ورواية يعقوب السراج التي تشير إلى النص على الامام الكاظم وهو في المهد(٦٧) وقريب من معناها روايات آخر.
وكذلك روايات النص على الرضا (عليه السلام) وولده الجواد من الامام الكاظم (عليه السلام)، بعضها كان منه (عليه السلام) وهو في الحبس كما في رواية الحسين بن المختار(٦٨) وبعضها قبل الحبس كما في رواية محمد بن سنان (ت٢٢٠ هـ) قال دخلت على أبي الحسن موسى (عليه السلام) من قبل ان يقدم العراق بسنة وعلي ابنه جالس بين يديه فنظر اليَّ فقال يا محمد أما انه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٤) الكافي ج ١ ص ٢٧٧ الروايات ١-٤. وأيضا بصائر الدرجات للصفار ص٤٧٠ الروايات ١-١٠، ١٢.
(٦٥) الكافي ج١ ص ٣١١ الرواية ١٥.
(٦٦) العَناق بفتح العين الانثى من المعز وخصصها بعضهم بما لم يتم له سنة (لسان العرب).
(٦٧) الكافي ج١ص ٣١٠ الرواية ١١.
(٦٨) الكافي ج١ ص ٣١٣.

↑صفحة ٧٣↑

سيكون في هذه السنة حركة فلا تجزع قال قلت وما يكون جعلت فداك فقال أصير إلى الطاغية أما انه لا يبدأني منه سوء ولا من الذي يكون بعده (المراد بالطاغية المهدي العباسي وبالذي يكون بعده الهادي العباسي) ثم أشار إلى ابنه علي (عليه السلام) وقال من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن ظلم علي بن أبي طالب (عليه السلام) حقه وجحد إمامته بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال ابن سنان فقلت والله لئن مدَّ الله لي في العمر لاسلمن له حقه ولاقِرَّنَّ له بإمامته قال صدقت يا محمد يمد الله في عمرك وتسلم له حقه وتقر بإمامته وإمامة من يكون من بعده قال قلت ومن ذاك قال محمد ابنه: قلت له الرضا والتسليم(٦٩).
فالامام الكاظم (عليه السلام) هنا لا ينص على الرضا (عليه السلام) فقط بل يخبر باسم الامام بعد الرضا (عليه السلام).
وكذلك روايات النص على الجواد من أبيه الرضا (عليهما السلام) كما في رواية الحسن بن بشار قال كتب ابن قياما إلى أبي الحسن (عليه السلام) كتابا يقول فيه كيف تكون إماماً وليس لك ولد؟ فأجابه أبو الحسن الرضا: وما علمك انه لا يكون لي ولد! والله لا تنقضي الايام والليالي حتى يرزقني الله ولداً ذكراً يفرق به بين الحق والباطل(٧٠).
وفي رواية أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا (عليهما السلام) فجيء بابنه أبي جعفر (عليه السلام) وهو صغير فقال: هذا المولود الذي لم يولد مولود اعظم بركة على شيعتنا منه(٧١).
وفي رواية صفوان بن يحيى قال قلت للرضا (عليه السلام) قد كنا نسألك قبل ان يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول يهب الله لي غلاما فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا فلا أرانا إليه يومك فان كان كون فإلى من؟ فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه، فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين! فقال: (وما يضره من ذلك فقد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين) (وفي نسخة إرشاد المفيد وإعلام الورى ابن اقل من

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٦٩) الكافي ج١ ٣١٩ الرواية ١٦.
(٧٠) الكافي ج١ ص ٢٣٠ الرواية٤.
(٧١) الكافي ج١ص٣٢١ الرواية ٩.

↑صفحة ٧٤↑

ثلاث سنين)(٧٢).
الخلاصة:
ان الذي ادعاه صاحب النشرة من (ان الائمة (عليه السلام) لم يكونوا يعلمون بأسماء أوصيائهم من بعدهم إلا قرب وفاتهم) قد بناه على فهم خاطئ لرواية صفوان الذي كان قد سأل الرضا (عليه السلام) عن الامام اللاحق متى يعلم انه قد اضطلع بالامامة فعلاً هل منذ اللحظة الاولى لموت الامام السابق أو حين يبلغه خبر موته؟ كما لو كان الامام السابق فى بلد والامام اللاحق فى بلد آخر بعيد عنه كما في حالة الامامين الكاظم والرضا (عليهما السلام) أو الامامين الرضا والجواد (عليهما السلام)، ولكن صاحب النشرة حمل الرواية على حالة الوصية والنص، هذا مضافاً إلى إغفاله الروايات الكثيرة التى رواها الصفار فى بصائر الدرجات والكليني في الكافي التي تنص على ان وصية كل إمام للذي من بعده إنما هي بعهد معهود من النبي (صلى الله عليه وآله) واغفاله أيضاً الروايات الكثيرة التي تنص على ان الامام السابق يشير إلى إمامة الامام اللاحق وينص عليه في سن مبكرة من حياته كما في نص الصادق (عليه السلام) على الكاظم (عليه السلام) فى طفولته ونص الرضا (عليه السلام) على الجواد (عليه السلام) وهو ابن ثلاث سنين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٢) الكافي ج١. ص ٣٢١ الرواية رقم ١٠.

↑صفحة ٧٥↑

الفصل الثالث: الشيخ الصدوق والعقيدة الاثني عشرية

قوله: ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الإمامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري.. حيث أبدى الشيخ محمد بن علي الصدوق شكه بتحديد الأئمة في اثني عشر إماما فقط وقال: (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالإقرار باثني عشر إماما، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده).
أقول: ان قول الشيخ الصدوق هذا لا يدل على ما فهمه صاحب النشرة من عدم استقرار النظرية الإمامية الاثني عشرية حتى منتصف القرن الرابع لان كلام الصدوق هذا كان يتناول فترة ما بعد ظهور الثاني عشر (عليه السلام) ولم يكن نظره الى فترة القرن الرابع الهجري!!

↑صفحة ٧٧↑

نص الشبهة
قال: (ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري.. حيث أبدى الشيخ محمد بن علي الصدوق شكه بتحديد الائمة في اثني عشر إماماً فقط / وقال: (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده) إكمال الدين) ص ٧٧(٧٣).
الرد على الشبهة
أقول:
أولا:
قوله: (ولم تكن النظرية الاثنا عشرية مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري..) مر الكلام في بيان خطأ ذلك في الفصل الاول وسيأتي المزيد من البحث في الفصل السابع.
ثانيا:
ان ما اسنده إلى الصدوق من شك في غير محله بل افتراء عليه..
إذ ان كلامه (رحمه الله) يدل على عكس ما ذكره عنه واليك أيها القارئ الكريم نص كلام الشيخ الصدوق.
قال: (قالت الزيدية لا يجوز ان يكون من قول الانبياء ان الائمة اثنا عشر لان الحجة باقية على هذه الامة إلى يوم القيامة، والاثنا عشر بعد محمد (صلى الله عليه وآله) قد مضى منهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٣) الشورى العدد العاشر ص١٢.

↑صفحة ٧٩↑

أحد عشر، وقد زعمت الامامية ان الارض لا تخلو من حجة.
فيقال لهم: ان عدد الائمة (عليهم السلام) اثنا عشر والثاني عشر هو الذي يملا الارض قسطاً وعدلاً، ثم يكون بعده ما يذكره من كون إمام بعده أو قيام القيامة ولسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر (عليه السلام) بعده.
ويقال للزيدية: أفيكذب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله (ان الائمة اثنا عشر)؟
فان قالوا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يقل هذا القول..
قيل لهم: ان جاز لكم دفع هذا الخبر مع شهرته واستفاضته وتلقي طبقات الامامية إياه بالقبول فما أنكرتم ممن يقول: ان قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه) ليس من قول الرسول (صلى الله عليه وآله)؟)(٧٤).
وقول الصدوق (لسنا مستعبدين في ذلك إلا بالاقرار باثني عشر إماماً واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده يؤكد عقيدته باثني عشر اماماً من أهل البيت أولهم علي (عليه السلام) وثاني عشرهم المهدي (عليه السلام) ثم تكون غيبته على مرحلتين إحداهما صغرى دامت تسعا وستين سنة والاخرى كبرى لا يعلم مداها إلا الله تعالى. ثم يبدي الصدوق تردده عن الحالة بعد ظهور المهدي (عليه السلام) واستتباب أمره هل سيعهد إلى إمام من بعده أو يكون يوم القيامة ثم يجيب عن ذلك: أننا مستعبدون بالاقرار والتسليم لما يذكره الثاني عشر بعد ظهور).
ومنشأ تردد الصدوق فيما يجري بعد ظهور المهدي (عليه السلام) من أمر الامامة هو الرواية التي أوردها الطوسي في كتابه الغيبة(٧٥) انه سيكون بعد الاثني عشر إماماً اثنا عشر مهدياً وهي رواية وحيدة وضعيفة السند بل إمارات الوضع ظاهرة عليها وهي معارضة من قبل الروايات التي تجعل من عهد ظهور المهدي وظهور عيسى (عليه السلام) آخر شوط من الحياة الدنيا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٤) إكمال الدين ص ٧٧-٧٨. وسيأتي نظير ذلك من كلامه في الفصل الثالث.
(٧٥) ص١٥٠. قال اخبرنا جماعة، عن أبي عبد الله الحسين بن علي بن سفيان البزوفري عن علي بن سنان الموصلي العدل، عن علي بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن الخليل عن جعفر بن أحمد المصري، عن عمه الحسن بن علي، عن أبيه، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام).

↑صفحة ٨٠↑

وتوجد أيضا روايتان أخريان في المهديين الاثني عشر:
الأولى: رواها الشيخ الصدوق: عن الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي عن النوفلي، عن علي بن أبى حمزة، عن ابي بصير قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) يا ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سمعت من ابيك انه قال يكون بعد القائم اثني عشر مهديا؟ قال: إنما قال: اثنا عشر مهديا ولم يقل اثنا عشر إماما، ولكنهم قوم من شيعتنا يدعون الناس الى موالاتنا ومعرفة حقنا(٧٦).
الثانية: رواها الشيخ الطوسي: عن محمد الحميري، عن أبيه، عن محمد بن عبد الحميد ومحمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث طويل انه قال: يا أبا حمزة ان منا بعد القائم احد عشر مهديا من ولد الحسين (عليه السلام) (٧٧).
وقد أورد الشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة الروايتين الانفتي الذكر إضافة الى ما رواه صاحب المصباح من دعاء الرضا (عليه السلام) هذا مضافا الى الرواية التي أوردناها في صدر البحث فيكون المجموع أربع روايات وقد علق على الرواية الأخيرة بقوله إنها من طرق العامة، ثم علق عليها جميعا بقوله: وأما أحاديث الاثني عشر (أي بعد المهدي (عليه السلام)) فلا يخفى أنها غير موجبة للقطع أو اليقين لندورها وقلتها وكثرة معارضتها(٧٨)... وقد تواترت الأحاديث بان الأئمة الاثنا عشر وان دولتهم ممدودة الى يوم القيامة وان الثاني عشر خاتم الأوصياء والأئمة والخلف وان الأئمة من ولد الحسين الى يوم القيامة ونحو ذلك من العبارات فلو كان يجب علينا الإقرار بإمامة اثني عشر بعدهم لوصلت إلينا نصوص متواترة تقاوم تلك النصوص ينظر في الجمع بينهما(٧٩)،(٨٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٧٦) إكمال الدين ج٢ /٢٧، البحار ج٥٣ / ١٤٥.
(٧٧) غيبة الشيخ الطوسي /٤٧٨ ط مؤسسة المعارف الإسلامية.
(٧٨) يريد رحمه الله الروايات التي تقول ان المهدي (عليه السلام) يموت قبل يوم القيامة بأربعين يوما.
(٧٩) الايقاظ من الهجعة للحر العاملي ص ٤٠١.
(٨٠) وقد ذكر العلامة المجلسي في البحار وجهين في تأويل تلك الروايات كما اورد الحر العاملي في كتابه ستة تأويلات.

↑صفحة ٨١↑

الخلاصة:
ان صاحب النشرة قد فهم من كلام الشيخ الصدوق ما لم يُرِده الصدوق، ولا تساعده على فهمه الخاطئ هذا ولو قرينة ضعيفة في أي كتاب من كتب الصدوق المطبوعة الكثيرة الميسرة لكل باحث، هذا مضافاً إلى ان الصدوق كان بصدد رد شبهة الزيدية على حديث الاثني عشر الذين كانوا يشككون في صدوره عن النبي (صلى الله عليه وآله).

↑صفحة ٨٢↑

الفصل الرابع: هل مات زرارة ولم يكن قد عرف إمام زمانه؟

قوله: ان زرارة وهو فقيه الشيعة مات ولم يعرف خليفة الإمام الصادق!
أقول: وردت الرواية عن الامام الرضا (عليه السلام) انه قال: ان زرارة كان يعرف أمر أبي (عليه السلام) ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي (عليه السلام) هل يجوز له ان يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه... وانه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قول في أبي (عليه السلام) فلم يحب ان يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم ان إمامي من اثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليه السلام).

↑صفحة ٨٣↑

نص الشبهة
قال: (وقد كان زرارة من اعظم تلاميذ الامامين الباقر والصادق، ولكنه لم يعرف خليفة الامام الصادق فأرسل ابنه عبيد الله إلى المدينة لكي يستطلع له الامام الجديد، فمات قبل ان يعود إليه ابنه ومن دون ان يعرف من هو الامام، وانه وضع المصحف على صدره قائلا (اللهم إني ائتم بمن اثبت إمامته هذا المصحف)(٨١).
الرد على الشبهة
أقول:
لا يخفى ان هذه الشبهة هي للزيدية أيضاً كانوا قد أثاروها أمام خبر الأئمة الاثني عشر حيث قالوا: (لو كان خبر الأئمة الاثني عشر صحيحاً لما كان الناس يشُكُّون بعد الصادق جعفر بن محمد في الامام... ولَما مات فقيه الشيعة زرارة وهو يقول والمصحف على صدره اللهم...).
لقد أجاب الشيخ الصدوق (رحمه الله) عن هذه الشبهة بقوله:
(ان هذا كله غرور من القول وزخرف وذلك أنا لم ندَّع انَّ جميع الشيعة في ذلك العصر عرف الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) بأسمائهم وإنما قلنا: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) اخبر ان الائمة بعده اثنا عشر، الذين هم خلفاؤه وان علماء الشيعة قد رووا هذا الحديث بأسمائهم ولا ينكر ان يكون فيهم واحد أو اثنان أو اكثر لم يسمعوا بالحديث.
فأما زرارة بن أعين(٨٢) فإنه مات قبل انصراف من كان بعثه ليعرف الخبر ولم يكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨١) الشورى العدد العاشر ص١١.
(٨٢) اسمه عبد ربه ويكنى أبا الحسن وأبا علي وزرارة لقب له، وله عدة أولاد منهم الحسن والحسين ورومي وعبيد وعبد الله ويحيى، ولزرارة اخوة منهم حمران وله ابنان حمزة بن حمران ومحمد بن حمران، وبكير بن أعين وابنه عبد الله بن بكير وعبد الرحمن بن أعين وعبد الملك بن أعين وابنه ضريس بن عبد الملك، ولهم روايات كثيرة وأصول وتصانيف قال النجاشي: زرارة شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم وكان قاريا فقيها متكلما شاعرا أديبا قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين صادقا فيما يرويه مات سنة خمسين ومائة. وقد روى عن الامام الصادق (عليه السلام) قوله ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير ليث المرادي ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية العجلي ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفاظ الدين وأمناء ابي عليه السلام على حلال الله وحرامه وهم السابقون إلينا في الدنيا والسابقون إلينا في الاخرة، وعنه (عليه السلام) أيضا قال هم نجوم شيعتي أحياء وأمواتا يحيون ذكر أبي (عليه السلام) بهم يكشف الله كل بدعة ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين وتأويل الغالين. وعنه (عليه السلام) قال رحم الله زرارة بن أعين لولا زرارة ونظراؤه لاندرست أحاديث أبي. قال ابن أبي عمير قلت لجميل بن دراج ما احسن محضرك وازين مجلسك قال أي والله ما كنا حول زرارة بن أعين إلا بمنزلة الصبيان في الكتاب حول المعلم.
أقول: وقد وردت روايات عن الامام الصادق تذم زرارة وتلعنه وقد صدرت منه تقية للمحافظة على زرارة من السلطة العباسية في عهد المنصور لما قلب ظهر المجن على الامام الصادق (عليه السلام) وصار يتتبع شيعته. قال عبد الله بن زرارة قال لي أبو عبد الله عليه السلام اقرأ مني على والدك السلام وقل له إني إنما أعيبك دفاعا مني عنك فان الناس والعدو يسارعون إلى كل من قربناه وحمدنا مكانه لادخال الاذى في من نحبه وقتله ويحمدون كل من عبناه وإنما أعيبك لانك قد اشتهرت بنا ولميلك إلينا وأنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الاثر بمودتك لنا فأحببت ان أعيبك ليحمدوا أمرك في الدين ويكون بذلك دافع شرهم عنك بقول الله عز وجل: (أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِك يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَة غَصْبًا) الكهف/٧٩ أما والله ما عابها إلا لكي تسلم عن الملك ولا تعطب على يديه فافهم المثل يرحمك الله فانك والله احب الناس إلىَّ واحب أصحاب أبي (عليه السلام) إلىَّ حياً وميتاً...). قال أبو غالب الزراري روي ان زرارة كان وسيما جسيما ابيض وكان يخرج إلى الجمعة وعلى رأسه برنس اسود وبين عينيه سجادة في يديه عصا يقوم الناس له سماطين وينظرون إليه لحسن هيئته وكان خصما جدلا لا يقوم أحد بحجته صاحب إلزام وحجة قاطعة إلا ان العبادة شغلته عن الكلام والمتكلمون من الشيعة تلاميذه ويقال انه عاش تسعين سنة.

↑صفحة ٨٥↑

سمع بالنص على موسى بن جعفر (عليهما السلام) من حيث قطع الخبر عذره فوضع المصحف الذي هو القرآن على صدره، وقال: اللهم إني ائتم بمن يثبت هذا المصحف إمامته، وهل يفعل الفقيه المتدين عند اختلاف الامر عليه إلا ما فعله زرارة، على انه قد قيل ان زرارة قد كان علم بأمر موسى بن جعفر (عليهما السلام) وبإمامته وإنما بعث ابنه عبيداً ليتعرف من موسى بن جعفر (عليهما السلام) هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه، وهذا أشبه بفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته.
حدثنا احمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حدثني محمد بن عيسى بن عبيد، عن إبراهيم بن محمد الهمداني قال: قلت للرضا (عليه السلام) يا ابن رسول الله اخبرني عن زرارة هل كان يعرف حق بيك فقال: نعم،

↑صفحة ٨٦↑

فقلت له: فلم بعث ابنه عبيداً ليتعرف الخبر إلى من أوصى الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام)؟
فقال (عليه السلام): ان زرارة كان يعرف أمر أبي ونص أبيه عليه وإنما بعث ابنه ليتعرف من أبي هل يجوز له ان يرفع التقية في إظهار أمره ونص أبيه عليه وانه لما أبطأ عنه ابنه طولب بإظهار قول في أبي فلم يحب ان يقدم على ذلك دون أمره فرفع المصحف وقال: اللهم ان إمامي من اثبت هذا المصحف إمامته من ولد جعفر بن محمد (عليهما السلام).
والخبر الذي احتجت به الزيدية ليس فيه ان زرارة لم يعرف إمامة موسى بن جعفر (عليهما السلام) وإنما فيه انه بعث ابنه عبيدا ليسأل عن الخبر.
حدثنا أبي قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن احمد بن يحيى بن عمران الاشعري، عن احمد بن هلال، عن محمد بن عبد الله بن زرارة، عن أبيه قال: لما بعث زرارة عبيدا ابنه إلى المدينة ليسأل عن الخبر بعد مضي أبي عبد الله فلما اشتد به الامر اخذ المصحف وقال من اثبت إمامته هذا المصحف فهو إمامي.
وهذا الخبر لا يوجب انه لم يعرف، على ان راوي هذا الخبر احمد بن هلال وهو مجروح عند مشايخنا رضى الله عنهم.
وقد روى الصدوق أيضاً عن محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد(٨٣) قال سمعت سعد بن عبد الله(٨٤) يقول ما رأينا ولا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٣) قال النجاشي (هو أبو جعفر شيخ القميين وفقيههم ومتقدمهم ووجههم ويقال انه نزيل قم وما كان اصله منها ثقة ثقة عين مسكون إليه). وقال الشيخ الطوسي في الفهرست (جليل القدر عارف بالرجال موثوق به) وقال أيضا (بصير بالفقه ثقة) مات سنة ٣٤٣هـ. قال الصدوق في ذيل خبر صلوة الغدير (ان ابن الوليد لم يصححه وكلما لم يحكم بصحته فهو عندنا متروك غير صحيح) قال العلامة التستري (رحمه الله): (وكذا اتبعه في من استثناه من رجال نوادر محمد بن احمد بن يحيى كما صرح به ابن نوح ولنعم نقاد الاخبار كان ولم أر مثله في الاجلاء ولم يرو بصائر شيخه الصفار لاشتماله على نوادر ولم يرو منتخبات سعد ولم يرو اصلي الزيدين وكتاب خالد بن عبد الله واستثنى من روايات محمد بن سنان وابن اورمة وابن الجمهور ما فيها من تخليط أو غلط وتدليس ومن كتب يونس ما تفرد به العبيدي.

(٨٤) قال الشيخ الطوسي في الفهرست سعد بن عبد الله القمي يكنى أبا القاسم جليل القدر واسع الاخبار كثير التصانيف ثقة وقال النجاشى: هو شيخ الطائفة فقيهها ووجهها وكان سمع من حديث العامة شيئا كثيرا وسافر في طلب الحديث لقي من وجوههم الحسن بن عرفة ومحمد بن عبد الملك الدقيقي وأبا حاتم الرازي وعباس البرقعي توفي سنة ٢٩٩ وقيل مات سنة ثلاثمائة.

↑صفحة ٨٧↑

احمد بن هلال وكانوا يقولون ما تفرد بروايته احمد بن هلال فلا يجوز استعماله).
أقول:
بعد هذا فهل يصح قول صاحب النشرة: (ان الزيدية اعترضوا على الامامية وقالوا ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول أحدثه الامامية قريباً وولَّدوا فيه أحاديث كاذبة.. وان الصدوق لم ينف التهمة ولم يرد عليها)؟! و(ان الصدوق قال باحتمال علم زرارة بالحديث وإخفائه للتقية وانه تراجع عن هذا الاحتمال؟)
ان قول الشيخ الصدوق في زرارة واضح جداً فهو حين أورد الخبر عن الامام (عليه السلام) الذي يفيد ان زرارة كان قد بعث ابنه عبيداً ليتعرف من الامام موسى بن جعفر (عليهما السلام) هل يجوز له إظهار ما يعلم من إمامته أو يستعمل التقية في كتمانه؟ قال بعده: (وهذا أشبه لفضل زرارة بن أعين وأليق بمعرفته، فالصدوق إذن يرجِّح هذا الخبر في امر زرارة ولا يعرضه كخبر مجرد عن الترجيح).
الخلاصة:
ان صاحب النشرة استشهد بشبهة الزيدية حول موت زرارة وعدم اعلانه عن إمامة الكاظم (عليه السلام) عندما سئل وهو على فراش الموت ثم مات ولم يعرف إمام زمانه، وانه لو كانت ثمة قائمة مسبقة بأسماء الائمة الاثني عشر لكان زرارة وهو فقيه الشيعة قد عرف بها، وادعى صاحب النشرة أيضاً ان الصدوق لم يرد على هذه الشبهة، وقد اتضح من خلال البحث ان الشيخ الصدوق قد رد عليها بما لا لُبس فيه ولا غموض ثم بين ان زرارة مات عارفاً بامامة الكاظم (عليه السلام) وانه لم يفصح بها لما سألوه وهو على فراش الموت بسبب التقية الشديدة والظرف السياسي العصيب الذي أحاط بإمامة الكاظم (عليه السلام) وفي أيامها الاولى.

↑صفحة ٨٨↑

الفصل الخامس: كتاب الكافي وروايات عدد الائمة (عليهم السلام)

قوله: عندما نشأت فكرة تحديد عدد الأئمة (عليهم السلام) بعد القول بوجود وغيبة الإمام الثاني عشر (عليهم السلام) كان الشيعة الأمامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر، إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول: بان عدد الأئمة ثلاثة عشر، وقد نقلها الكليني في الكافي.
أقول: أثبت المحققون من علماء الشيعة ان تلك الروايات التي اشار اليها صاحب النشرة قد تعرضت لأخطاء غير متعمدة من النساخ الاوائل. ولم يقل أحد من الشيعة بأن الأئمة ثلاثة عشر إلا هبة الله بن احمد حفيد العمري وكان قد قال ذلك ليستميل جانب أبي شيبة الزيدي طمعا في دنياه.

↑صفحة ٨٩↑

نص الشبهة
قال: (وعندما نشأت فكرة تحديد عدد الائمة، بعد القول بوجود وغيبة الامام الثاني عشر (عليه السلام) كان الشيعة الامامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر، إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول، بان عدد الائمة ثلاثة عشر، وقد نقلها الكليني في (الكافى) (ج١ص٥٣٤) ووجدت في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونسب إلى سليم بن قيس الهلالي، حيث تقول إحدى الروايات، ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لامير المؤمنين (عليه السلام): (أنت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق). وهذا ما دفع هبة الله بن احمد بن محمد الكاتب، حفيد أبي جعفر محمد بن عثمان العمري، الذي كان يتعاطى (الكلام) لان يؤلف كتابا في الامامة، يقول فيه، ان الائمة ثلاثة عشر، ويضيف إلى القائمة المعروفة (زيد بن علي) كما يقول النجاشي في (رجاله)).
الرد الشبهة
أقول في كلامه عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (كادت الشيعة الامامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر أو ثلاثة عشر).
دعوى منه كاذبة..
إذ لم يقل أحد من الشيعة / في ضوء المصادر الشيعية / بان الائمة ثلاثة عشر إلا هبة الله بن احمد حفيد العمري وقد قال عنه النجاشي: كان يتعاطى الكلام وحضر مجلس أبي الحسين بن أبي شيبة العلوي الزيدي المذهب فعمل له كتاباً وذكر ان الائمة

↑صفحة ٩١↑

ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي ان الائمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين.
وحفيد العمري هذا كما قال عنه التستري (رحمه الله) (الظاهر ان الرجل إمامي غير ورع أراد استمالة جانب ابن أبي شيبة الزيدي بدرج زيد في الائمة عليهم السلام لا انه زيدي وكيف يكون زيديا والزيدي لا يرى إمامة السجاد (عليه السلام) ومن بعده لانهم يشترطون في الامامة الخروج بالسيف)(٨٥).
ثانيا:
قوله: (إذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول بان الائمة ثلاثة عشر وقد نقلها الكليني في الكافي ج١ /٥٣٤).
أقول:
روايات الكافي التي يفهم منها ان الائمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة عشر هي خمس روايات نذكرها كما يلي:
الرواية الاولى:
رواها الكليني بسنده عن أبي سعيد العصفري عن عمرو بن ثابت عن أبي الجارود عن أبي جعفر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني واثنا عشر من ولدي وأنت يا علي زر الارض يعني أوتادها وجبالها...).
الرواية الثانية:
رواها عن أبي سعيد العصفري أيضا مرفوعا عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من ولدي اثنا عشر نقباء نجباء محدَّثون مفهَّمون آخرهم القائم بالحق يملاها عدلاً كما ملئت جورا).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٥) قاموس الرجال ج٩/٣٠٠.

↑صفحة ٩٢↑

وأبو سعيد العصفري اسمه عَبّاد له كتاب كما قال الشيخ الطوسي في الفهرست والنجاشي في رجاله وكتابه ويقال له (أصل) موجود كما قال صاحب الذريعة ثم وصل إلى الشيخ النوري وقال عنه ان فيه تسعة عشر حديثا، وتوجد نسخة منه في المكتبة المركزية لجامعة طهران ضمن مجموعة بإسم الاصول الاربعمائة. وفي هذه النسخة كان لفظ الرواية الاولى كالاتي: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إني وأحد عشر من ولدي وأنت يا علي زر الارض...)، وكان لفظ الرواية الثانية كالاتي قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (من ولدي أحد عشر نقباء نجباء محدثون مفهمون آخرهم القائم بالحق).
وفي ضوء ذلك فإن اللفظ الموجود في رواية الكافي خطأ من النساخ.
الرواية الثالثة:
رواها الكليني عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: (دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم).
وقد رواه الصدوق في إكمال الدين وعيون أخبار الرضا والخصال بأسانيد ولا ينقلها عن الكافي ثم يجتمع مع سند الكافي إلى جابر ثم يروي عنه انه قال: (دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه أسماء الاوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم...) بدون كلمة (من ولدها) فهي إذن زيادة من النساخ.
الرواية الرابعة:
رواها الكليني بسنده عن زرارة قال: (سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول الاثنا عشر إماماً من آل محمد (عليهم السلام) كلهم محدث من ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومن ولد علي (عليهم السلام) فرسول الله وعلي هما الوالدان).

↑صفحة ٩٣↑

وقد نقل هذه الرواية عن الكافي الشيخ المفيد في الارشاد والطبرسي في اعلام لورى ولفظهما: (الاثنا عشر الائمة من آل محمد كلهم محدث علي بن أبي طالب واحد عشر من ولده ورسول الله وعلي هما الوالدان).
وفي ضوئه يتضح ان عبارة (علي بن أبي طالب واحد عشر من ولده) وحرف العطف (الواو) بعدها قد سقطت من رواية الكليني ثم أضيفت إلى ما بعد لفظة (رسول الله) الاولى عبارة (ومن ولد علي) وهو من سهو النساخ أيضا ومثله كثير.
الرواية الخامسة:
رواها الكليني بسنده إلى أبي سعيد الخدري في قصة سؤالات يهودي ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ان لهذه الامة اثني عشر أمام هدى من ذرية نبيها وهم مني).
وقد روى مضمون هذا الخبر النعماني في كتابه الغيبة والصدوق في إكمال الدين ان أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: (ان لهذه الامة اثني عشر أمام هدى وهم مني) بدون (من ذرية نبيها)(٨٦)، فهي من إضافة النساخ أيضا.
قال العلامة العسكري:
(ومع تسلسل الاسناد في جوامع الحديث بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) إلى رسول الله فان فقهاء مدرستهم لم يسموا أي جامع من جوامع الحديث لديهم بالصحيح كما فعلته مدرسة الخلفاء حيث سمت بعض جوامع الحديث لديهم بالصحاح ولم يحجروا بذلك على العقول ولم يوصدوا باب البحث العلمي في عصر من العصور وإنما يعرضون كل حديث في جوامعهم على قواعد دراية الحديث لان رواة تلك الاحاديث غير معصومين عن الخطأ والنسيان اللذين يعرضان على كل بشر لم يعصمه الله وفعلا وقع الخطأ في أشهر كتب الحديث بمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) وهو كتاب الكافي. مثل ما ورد في الاحاديث المرقمة ٧، ٩، ١٤، ١٧، ١٨ من كتاب الحجة في الكافي باب النص على الائمة الاثني عشر)، ثم فصل البحث فيها بما نقلناه عنه مختصراً آنفاً.
ثالثا:
قول صاحب النشرة: (ووجدت روايات يفهم منها ان الائمة بعد النبي ثلاثة عشر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٦) استفدنا اصل البحث في الروايات الخمس من كتاب قاموس الرجال للعلامة التستري ج٤/٢ ٤٥-٤٥٣وكتاب معالم المدرستين للعلامة العسكري ج ٣/٣٢٩-٣٣٣.

↑صفحة ٩٤↑

في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونسب إلى سليم بن قيس منها ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأمير المؤمنين (عليه السلام) انت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق.
أقول:
قد عدَّ ابن الغضائري وجود هذه الرواية في كتاب سليم بن قيس إحدى العلامات على وضعه وأجاب عنه العلامة التستري بقوله (انه من سوء تعبير الرواة وإلا فمثله في الكافي أيضاً موجود) ثم ساق الروايات الخمس التي أوردناها آنفاً مع تحقيق الحال فيها.
ومما يؤكد أنها من سوء تعبير الرواة أو خطأ النساخ سواء كانت في الكافي أو في كتاب سليم هو: ان كتاب سليم بن قيس مكرس لبيان العقيدة باثني عشر إماماً مع النص على أسمائهم وكذلك كتاب الكافي ولو فرض أنها لم تكن من خطأ النساخ فهل يعقل من مؤلف كتاب سليم مهما كان امره وقد كرس كتابه لاجل العقيدة باثني عشر إماماً يفسد خطته فيه بذكر رواية تفيد ان الائمة ثلاثة عشر؟
وهل يعقل من الكليني وهو يريد ان يثبت النص على الاثني عشر إماماً ويعقد باباً يعنونه بذلك ثم يدرج تحته خمسة روايات تنص على ان الائمة ثلاثة عشر؟
الخلاصة:
اتضح من البحث ان أحداً من الشيعة لم يقل بأن الائمة ثلاثة عشر الا هبة الله حفيد العمري وكان قد قال ذلك طمعاً في دنيا ابن ابي شيبة الزيدي وأراد بالثالث عشر من الائمة زيد بن علي.
أما دعواه وجود روايات فى الكافي وكتاب سليم تفيد ان الائمة ثلاثة عشر فقد اتضح من خلال البحث انها من اخطاء النساخ الاوائل وقد بحثها المحققون من علماء الشيعة وأشاروا إلى مواضع الخطأ وكان ينبغي على صاحب النشرة ان يشير إلى بحث هؤلاء المحققين ويرد عليه ان كانت لديه أدلة تساعده.

↑صفحة ٩٥↑

الفصل السادس: وصية الامام الهادي (عليه السلام) والبَداء

قوله: ان روايات عديدة يذكرها الكليني في الكافي والمفيد في الإرشاد والطوسي في الغيبة ان الإمام الهادي أوصى في البداية إلى ابنه السيد محمد ولكنه توفي في حياة أبيه فأوصى للإمام الحسن.
أقول: ان هذه الروايات قد حملها العلماء على غير ظاهرها إضافة إلى انها معارضة بروايات أخرى صريحة بالنص من الإمام الهادي (عليه السلام) على إمامة ولده الحسن العسكري (عليه السلام) في حياة ولده ابي جعفر(رح). وكان على صاحب النشرة ان يشير إليها ولا يوهم القارئ أن ما ذكره أعلاه هو الروايات الوحيدة.

↑صفحة ٩٧↑

نص الشبهة
(وتقول روايات عديدة يذكرها الكليني في (الكافي ج١ ص ٣٢٦و٣٢٨) والمفيد في (الارشاد ص ٣٣٦ و٣٣٧) والطوسي في (الغيبة ص ١٢٠ و١٢٢)، ان الامام الهادي أوصى في البداية إلى ابنه السيد محمد، ولكنه توفي في حياة أبيه، فأوصى للامام الحسن وقال له: (لقد بدا لله في محمد كما بدا في إسماعيل.. يابني احدث لله شكرا فقد احدث فيك أمرا، أو نعمة) وهو ما يدل على عدم وجود روايات القائمة المسبقة بأسماء الائمة الاثني عشر من قبل، ولذا لم يعرفها الشيعة الامامية الذين اختلفوا واحتاروا بعد وفاة الامام الحسن العسكري، ولم يشر إليها المحدثون أو المؤرخون الامامية في القرن الثالث الهجري)(٨٧).
الرد على الشبهة
أقول: ان الروايات التي أشار إليها هي كما يلي:
الرواية الاولى:
رواها الطوسي في الغيبة عن سعد بن عبد الله عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: (كنت عند أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وقت وفاة ابنه أبي جعفر، وقد كان أشار إليه ودل عليه وإني لأفكر في نفسي وأقول هذه قصة أبي إبراهيم (عليه السلام) وقصة إسماعيل فأقبل علىَّ أبو الحسن (عليه السلام) وقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي جعفر وصيَّر مكانه أبا محمد كما بدا له في إسماعيل بعدما دَّل عليه أبو عبد الله (عليه السلام) ونصبه وهو كما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٧) الشورى العدد العاشر ص ١٢.

↑صفحة ٩٩↑

حدثتك نفسك وان كره المبطلون، أبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده ما تحتاجون إليه، ومعه آلة الامامة والحمد لله)(٨٨).
وقد رواها في الكافي في باب الاشارة والنص على أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) مختصرة كما يلي: (بعد ما مضى ابنه أبو جعفر وإني لأفكر في نفسي أريد ان أقول: كأنهما أعني أبا جعفر وأبا محمد في هذا الوقت كأبي الحسن موسى وإسماعيل ابني جعفر بن محمد (عليهما السلام) وان قصتهما كقصتهما، إذ كان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر فأقبل علىَّ أبو الحسن قبل ان انطق فقال: نعم يا أبا هاشم بدا لله في أبي محمد بعد أبي جعفر مالم يكن يُعرَف له كما بدا له في موسى عند مضي إسماعيل ما كشف به عن حاله وهو كما حدثتك نفسك وان كره المبطلون وأبو محمد ابني الخلف من بعدي، عنده علم ما يحتاج إليه ومعه آلة الامامة).
وقد رواها الشيخ المفيد في الارشاد عن الكليني بدون عبارة (وكان أبو محمد المرجى بعد أبي جعفر).
الرواية الثانية:
رواها الكليني في الكافي عن علي بن محمد عن اسحق بن محمد عن شاهويه عن عبد الله الجلاب قال: (كتب إليَّ أبو الحسن في كتاب أردت ان تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك فلا تغتم فان الله عز وجل يقول: (وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ) وصاحبك بعدي أبو محمد ابني وعنده ما تحتاجون إليه، يقدم الله ما يشاء ويؤخر ما يشاء (مَا نَنْسَخ مِنْ آيَة أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْر مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) قد كتبت بما فيه بيان وقناع لذي عقل يقظان)(٨٩).
وقد رواها الطوسي في كتابه الغيبة عن الكليني بالسند نفسه وفيها إضافة وهي قول الراوي: (كنت رويت عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) في أبي جعفر ابنه روايات تدل عليه، فلما مضى أبو جعفر قلقت لذلك وبقيت متحيراً لا أتقدم ولا أتأخر، وخفت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٨٨) الشورى العدد العاشر ص ١٢.
(٨٩) الكافي ج١/٣٢٨.

↑صفحة ١٠٠↑

ان اكتب إليه في ذلك فلا ادري ما يكون فكتبت إليه اسأله الدعاء وان يفرِّج الله تعالى عنا في أسباب من قِبَل السلطان كنا نغتم بها في غلماننا. فرجع الجواب بالدعاء ورد الغلمان علينا)(٩٠).
غير ان هاتين الروايتين يرد عليهما:
اولا: أنهما معارضتان بروايات أخرى صريحة بالنص من الهادي (عليه السلام) على إمامة ولده الحسن العسكري في حياة أخيه ابي جعفر، وروايات أخرى صريحة في ان الإمام الهادي (عليه السلام) لم يخص أحدا بالنص قبل وفاة ولده أبي جعفر.
روى الكليني(٩١) عن علي بن محمد عن جعفر بن محمد الكوفي عن بشار بن احمد البصري عن علي بن عمر النوفلي قال: (كنت مع أبي الحسن (عليه السلام) في صحن داره فمر بنا محمد ابنه فقلت له جعلت فداك هذا صاحبنا بعدك فقال لا، صاحبكم بعدي الحسن).
وروى أيضاً(٩٢) عن علي بن محمد عن أبي محمد الاسبارقيني عن علي بن عمرو العطار قال: (دخلت على أبي الحسن العسكري (عليه السلام) وأبو جعفر ابنه في الاحياء وأنا أظن انه هو فقلت جعلت فداك من أخص ولدك فقال لا تخصوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري قال فكتبت إليه بعد(٩٣): في من يكون هذا الامر قال فكتب إليَّ في الكبير من ولدي قال وكان أبو محمد (عليه السلام) اكبر من جعفر)(٩٤).
ثانيا: في الروايتين ألفاظ من غير الممكن الاخذ بظاهرها لانها تجعل البداء الذي يقول به الشيعة هو البداء المستحيل في حق الله تعالى وهم لا يقولون بهذا النحو من البداء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٠) كتاب الغيبة ص٢٠١.
(٩١) الكافي ج١ ص٣٢٥ رواية ١.
(٩٢) الكافي ج١ ص ٣٢٦ الرواية ٧.
(٩٣) وقوله (فكتبت إليه بعد) أي بعد موت أبي جعفر ابن الامام الهادي (عليه السلام).
(٩٤) أي المعروف بالكذاب والرواية في المصدر (أبو جعفر) بدلا من (جعفر) ولكننا اثبتنا في المتن ما جاء في رواية الطبرسي في اعلام الورى وابن شهراشوب في مناقب آل أبي طالب والمفيد في الارشاد وكلهم قد رووها عن الكليني وهي عندهم بلفظ (جعفر) بدلا من أبي جعفر.

↑صفحة ١٠١↑

ان الشيعة يعتقدون تبعاً للروايات الثابتة عن أئمتهم كما مر قسم منها في مناقشة الشبهة الثانية ان الامام السابق حين ينص على الامام اللاحق إنما هو بعهد معهود لرجل فرجل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى.
فلو فرضنا ان الامام الهادي (عليه السلام) قد نص على ولده محمد بالامامة فإنما ينص عن الله تعالى بواسطة رسوله فإذا مات محمد ونص الامام الهادي (عليه السلام) على الحسن (عليه السلام) وهو عن الله تعالى بواسطة رسوله أيضاً ثم نسب ذلك إلى البداء من الله في الحسن (عليه السلام) بعد موت أخيه محمد (رحمه الله) كان معناه ان الله تعالى قد قضى شيئاً قضاء محتوماً على لسان نبيه ثم غيَّره وهو مما يجمع الامامية على رفضه وقد ثبت في تراث أهل البيت (عليهم السلام) ان البداء لا يكون في القضاء المحتوم بل يقع في القضاء الموقوف(٩٥).
وليس من شك ان إمامة الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) من القضاء الالهي المحتوم وذلك للاخبار بعددهم وبأسمائهم وبكبريات الحوادث المرتبطة بهم منذ عهد النبي (صلى الله عليه وآله) ولذكرها في كتب الانبياء السابقين(٩٦).
وبسبب ذلك كان لا بد من حمل الالفاظ الآنفة الذكر على غير ظاهرها ان أمكن أو طرح الروايتين من الاعتبار وقد ذهب الشيخ الطوسي (رحمه الله) إلى الأمر الاول إذ قال بعد ان اورد الخبرين: (ما تضمنه الخبر المتقدم من قوله (بدا لله في محمد كما بدا له في إسماعيل) معناه ظهر من أمر الله وأمره في أخيه الحسن ما أزال الريب والشك في إمامته فان جماعة من الشيعة كانوا يظنون ان الامر في محمد من حيث كان الاكبر كما كان يظن جماعة ان الامر في إسماعيل بن جعفر دون موسى (عليه السلام) فلما مات محمد ظهر أمر الله فيه وانه لم ينصبه إماما كما ظهر في إسماعيل مثل ذلك لا انه كان نصَّ عليه ثم بدا له في النص على غيره فان ذلك لا يجوز على الله تعالى العالم بالعواقب(٩٧)، وهذا التأويل صحيح ولا غبار عليه ولكنه لا يرفع الاشكال عن بقية عبارات الرواية.
ونحن نرى ان الموقف الصحيح من هاتين الروايتين بالالفاظ التي أوردهما الشيخ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٥) انظر كتاب البيان في تفسير القرآن للسيد الخوئي رحمه الله بحث البداء ص٤٠٩.
(٩٦) كما مرت الاشارة إليه في الفصل الاول وستأتي أيضاً في الفصل التاسع.
(٩٧) الغيبة للطوسي ص ٢٠١.

↑صفحة ١٠٢↑

الطوسي هو الطرح لا التأويل، وذلك لاشتمالها على ما يوجب ذلك وهو قول الراوي (وقد كان أشار إليه ودلَّ عليه) أي وكان الهادي (عليه السلام) قد أشار إلى ولده محمد (رحمه الله) ودلَّ عليه كما أشار أبو عبد الله (عليه السلام) من قبل إلى إسماعيل ونصبه. ومما لا شك فيه ان أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) لم ينصب ولده إسماعيل للامامة بل ان هذه الدعوى هي دعوى الاسماعيلية ثم ربطت بالبداء وجعلت مثالاً له من قبل المغرضين لتشويه مسألة البداء عند الشيعة وتشويه مسألة القائمة المعدة بأسماء الائمة الاثني عشر من قبل الله تعالى بواسطة رسوله، وقد أجمع الشيعة على تكذيبهم في تلك الدعوى. كما أجمعوا على تكذيب من يقول ان الهادي (عليه السلام) كان قد نصب ولده أبا جعفر للامامة فلما مات نصب ولده الحسن (عليه السلام).
قال الشيخ المفيد: (وأما (أمر) الامامة فإنه لا يوصف الله فيه بالبداء وعلى ذلك إجماع الامامية ومعهم فيه أثر عنهم عليهم السلام انهم قالوامهما بدا لله في شيء فلا يبدو له في نقل نبي عن نبوته ولا إمام عن إمامته)(٩٨).
الخلاصة:
اتضح من خلال البحث ان صاحب النشرة أورد من الروايات ما يناسب هدفه ثم حمل ظاهرها على ما يريد ولم يشر إلى موقف الشيخ الطوسي من حمل الرواية على غير ظاهرها وكان ينبغي عليه ان يشير إلى ذلك ويناقشه ان كانت لديه مناقشة، ثم كان ينبغي عليه أيضاً ان يورد الروايات الاخرى التي تنص على خلاف مقصوده ويرحج بعضها على بعض بمرجح علمي وبذلك يكون بحثه بحثاً علمياً ومن ثم يكون قارئه على بينة من أمره أما ما قام به فليس من البحث العلمي في شيء مع ما فيه من استغفال القارئ وعدم احترامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٨) العيون والمحاسن ص٣٠٩.

↑صفحة ١٠٣↑

الفصل السابع: كتاب سليم بن قيس الهلالي

قوله: ان كتاب سليم لم يكن معروفا عند أحد من الشيعة في زمن الأئمة الأحد عشر مما يؤكد اختلاقه في عصر الغيبة الصغرى (٢٦٠-٣٢٩) من قبل العبرتائي والصيرفي.
أقول: لا تنحصر رواية كتاب سليم بن قيس او احاديثه في الاثني عشر بالصيرفي والعبرتائي وهناك روايات صحيحة تثبت وجود كتاب سليم او احاديثه في الاثني عشر عند محمد بن ابي عمير (تـ٢١٧) وحماد بن عيسى (تـ٢٠٦) وعمر بن أذينة (تـ١٦٨).

↑صفحة ١٠٥↑

نص الشبهة
(ولكن عامة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكّون في وضع واختلاق كتاب سليم، وذلك لروايته عن طريق (محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة) الكذاب المشهور، و(احمد بن هلال العبرتائي) الغالي الملعونوقد قال ابن الغضائري: (كان أصحابنا يقولون: أن سليما لا يعرف ولا ذكر له.. والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات تدل على ما ذكرنا..) (الحلي: الخلاصة ٨٣)(٩٩).
وقد كانت المشكلة الكبرى التي تواجه الكتاب هو انه خبر واحد ولم يكن معروفاً في عصور الائمة الاحد عشر من الشيعة مما يؤكد وضع الكتاب في عصر الغيبة الصغرى من قبل أصحاب نظرية الاثني عشرية وخاصة احمد بن هلال ومحمد بن علي الصيرفي (أبو سمية) الكذاب المشهور واختلاقه أساساً أو إضافة روايات (الاثني عشرية) إليه خاصة وانه لم تكن هناك نسخ ثابتة ومعروفة منه... ولم يصل الكتاب إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية)(١٠٠).
الرد على الشبهة
أقول: وفي كلامه عدة مواضع للتعليق:
أولا:
قوله: (ان كتاب سليم أو إضافة روايات الاثنا عشرية لم يكن معروفا في عصر الائمة الاحد عشر عند أحد من الشيعة مما يؤكد وضعه في عصر الغيبة من قبل العبرتائي والصيرفي).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٩٩) الشورى العدد العاشر ص ١٢.
(١٠٠) كتابه عن المهدي.

↑صفحة ١٠٧↑

دعوى منه كاذبة..
فان رواية الكليني والطوسي والصدوق لاحاديث سليم في الاثني عشر إماما وكون التسعة المتأخرين منهم من ذرية الحسين (عليه السلام) لا تنحصر بالعبرتائي والصيرفي.
فالكليني (رحمه الله)(١٠١) روى حديث سليم بثلاثة طرق:
الطريق الأول: عن محمد بن يحيى(١٠٢) عن احمد بن محمد(١٠٣) عن محمد بن أبي عمير(١٠٤)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠١) الكافي ج١ ص٥٢٩.
(١٠٢) هو العطار القمي قال النجاشي شيخ اصحابنا في زمانه ثقة عين كثير الحديث، قال السيد البروجردي(ح) هو اوسع شيوخ الكليني في كتابه الكافي رواية وشيوخاً فقد روى عن خمسين شيخا تقريبا (ترتيب اسانيد الكافي).
(١٠٣) هو احمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الاحوص بن السائب الاشعري القمي يكنى أبا جعفر وكان السائب وفد إلى النبي واسلم وهاجر إلى الكوفة وأقام بها، وكان أول من سكن قم من آباء احمد هو عبد الله بن سعد بن مالك هاجر إليها هو وأخوه الاحوص من الكوفة سنة ٩٤ هـ وكان بيت سعد من أجلِّ بيوت الامامية إذ نشأ فيه من العلماء والفقهاء وحملة أحاديث المعصومين (عليهم السلام) ما يعسر إحصاؤه فقلما يوجد حديث لا يكون في سنده واحدا أو اكثر منهم وأبو جعفر هذا كان أكثرهم حديثا وأوسعهم علما وله في الكافي ما يقرب من ثلاثة آلاف وثمانمائة حديث وروى عن مائتي رجل تقريبا من أصحاب الائمة وهو شيخ قم ووجهها وفقيهها وكان أيضا الرئيس الذي يلقى السلطان، ولقي الرضا (عليه السلام) وأبا جعفر الثاني (محمد الجواد) وأبا الحسن العسكري (علي الهادي) (عليه السلام) توفي بعد سنة ٢٨٠ هجرية (ترتيب اسانيد الكافي للسيد الروجردي رحمه الله).
(١٠٤) محمد بن ابي عمير: يكنى أبا احمد كان من أوثق الناس عند الخاصة والعامة وانسكهم واورعهم واعبدهم وقد ذكره الجاحظ في كتابه (فخر قحطان على عدنان) بهذه الصفة وذكر انه كان واحد أهل زمانه في الاشياء وقال في كتابه (البيان والتبيين) (كان ابن ابي عمير وجها من وجوه الرافضة) أدرك من الائمة ثلاثة أبا إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) ولم يرو عنه وروى عن ابي الحسن الرضا والجواد (عليهما السلام) وروى عنه احمد بن محمد بن عيسى كتب مائة رجل من رجال ابي عبد الله (عليه السلام) وله مصنفات كثيرة ذكر ابن بطة ان له أربعة وتسعين كتابا. وكان حبس في أيام الرشيد ليدل على مواضع الشيعة وأصحاب موسى بن جعفر (عليه السلام) وروي انه ضرب اسواطا بلغت منه فكاد ان يقر لعظيم الالم فسمع محمد بن يونس بن عبد الرحمن وهو يقول اتق الله يا محمد بن أبي عمير فصبر ففرج الله عنه وروي أيضا انه حبسه المأمون، وقيل ان أخته دفنت كتبه في حال استتاره وكونه في الحبس أربع سنين فهلكت الكتب فحدَّث من حفظه ومما كان سلف له في أيدي الناس، وروى الكشي عن نصر ان ابن ابي عمير أُخِذ وحبس وأصابه من الجهد والضيق والضرب أمر عظيم وأُخذ كل شيء كان له وصاحبه المأمون وذلك بعد موت الرضا (عليه السلام) وذهبت كتب بن ابي عمير فكان يحفظ أربعين مجلدا فسماه نوادر فلذلك يوجد في أحاديثه أحاديث منقطعة الاسانيد. وعن القتيبي عن الفضل بن شاذان قال سأل ابي من محمد بن ابي عمير فقال انك لقيت مشايخ العامة فكيف لم تسمع منهم فقال سمعت منهم غير إني رأيت كثيرا من أصحابنا قد سمعوا علم العامة وعلم الخاصة فاختلط عليهم حتى كانوا يروون حديث العامة عن الخاصة وحديث الخاصة عن العامة فكرهت ان يختلط علىَّ فتركت ذلك وأقبلت على هذا. وعن الفضل بن شاذان أيضا قال سُعِىَ بمحمد بن أبي عمير إلى السلطان وانه يعرف اسامي الشيعة بالعراق فأمره السلطان ان يسميهم فامتنع فجرد وعلق بين القفازين فضُرب مائة سوط قال الفضل فسمعت ابن ابي عمير يقول لما ضرب فبلغ الضرب مائة سوط ابلغ الضرب فكدت ان اسمي فسمعت نداء محمد بن يونس بن عبد الرحمن يقول يا محمد بن ابي عمير اذكر موقفك بين يدي الله تعالى فتقويت بقوله فصبرت ولم اخبر والحمد لله قال الفضل فاضرَّ في هذا الشأن اكثر من مائة ألف درهم. وروى الكشي في ترجمة جميل: قال دخلت على محمد بن ابي عمير وهو ساجد فأطال السجود فلما رفع رأسه ذكر له الفضل طول سجوده فقال كيف لو رأيت جميل بن دراج. وروى الصدوق في كتابه من لا يحضره الفقيه عن إبراهيم بن هاشم ان محمد بن ابي عمير كان رجلا بزازا فذهب ماله وافتقر وكان له على رجل عشرة آلاف درهم فباع دارا له كان يسكنها بعشرة آلاف درهم وحمل المال إلى بابه فخرج إليه فقال ما هذا قال بعتُ داري التي اسكنها لاقضي ديني فقال محمد بن ابي عمير (رحمه الله) حدثني ذريح المحاربي عن ابي عبد الله (عليه السلام) (لا يخرج الرجل عن مسقط رأسه بالدين) ارفعها فلا حاجة لي فيها والله إني محتاج في وقتي هذا إلى درهم ولا يدخل ملكي منها درهم.

↑صفحة ١٠٨↑

عن عمر بن أذينة(١٠٥) عن أبان بن أبي عياش عن سليم وهذا الطريق صحيح إلى أبان لا غبار عليه.
الطريق الثاني: فهو عن علي بن إبراهيم(١٠٦) عن أبيه(١٠٧) عن حماد بن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٥) عمر بن أذينة قال النجاشي (هو شيخ أصحابنا البصريين ووجههم) وقال الكشي كان هرب من المهدي ومات باليمن فلذلك لم يرو عنه كثير.
(١٠٦) علي بن إبراهيم بن هاشم أبو الحسن القمي: من شيوخ الكليني وأكثرهم رواية عنه إذ روى له ثلاثة آلاف وسبعمائة حديث سوى ما رواه عن الاحمدين في ضمن عدتهما وجل رواياته عن أبيه وعن محمد بن عيسى وقد روى عن أبيه فيما يظهر من أسانيده قريبا من ثلاثة آلاف ومائة وخمسين، قال النجاشي ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب سمع فاكثر واضرَّ في وسط عمره ويظهر من بعض أسانيده انه كان حيا سنة سبع وثلاثمائة (ترتيب أسانيد الكافي للبروجردي).
(١٠٧) هو والد علي بن ابراهيم شيخ الكليني وأوسعهم رواية عنه، وقد تحمَّل ولده علي بن إبراهيم الحديث عنه قال النجاشي اصله كوفي وانتقل إلى قم وله كتاب النوادر وقضايا أمير المؤمنين (عليه السلام).. روى عن نيف ومائة من حملة الحديث من أصحاب الائمة (عليهم السلام) واكثر رواياته عن ابن ابي عمير وبعده عن النوفلي وابن محبوب وحماد بن عيسى وروى عنه غير ابنه علي، احمد بن إدريس وسعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمد بن احمد بن يحيى ومحمد بن الحسن الصفار ومحمد بن علي بن محبوب ومحمد بن يحيى العطار قال السيد البروجردي (رحمه الله) ولم اظفر بتاريخ ولادته ولا وفاته واحتملهما بين ١٩٠ و٢٦٥هجرية (انظر ترتيب أسانيد الكافي ترجمة إبراهيم بن هاشم للسيد البروجردي رحمه الله). قال السيد أبو القاسم الخوئي رحمه الله في معجم رجال الحديث ج ١ / ٢٩١: أن العلامة في الخلاصة قال: "لم أقف لاحد من أصحابنا على قول في القدح فيه، ولا على تعديل بالتنصيص والروايات عنه كثيرة. والارجح قبول روايته ". أقول: لا ينبغي الشك في وثاقة إبراهيم بن هاشم، ويدل على ذلك عدة أمور: ١ - أنه روى عنه ابنه علي في تفسيره كثيرا، وقد التزم في أول كتابه بأن ما يذكره فيه قد انتهى إليه بواسطة الثقات. وتقدم ذكر ذلك في (المدخل) المقدمة الثالثة. ٢ - أن السيد ابن طاووس ادعى الاتفاق على وثاقته، حيث قال عند ذكره رواية عن أمالي الصدوق في سندها إبراهيم بن هاشم: " ورواة الحديث ثقات بالاتفاق ". فلاح السائل: الفصل التاسع عشر، الصفحة ١٥٨. ٣ - أنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم. والقميون قد اعتمدوا على رواياته، وفيهم من هو مستصعب في أمر الحديث، فلو كان فيه شائبة الغمز لم يكن يتسالم على أخذ الرواية عنه، وقبول قوله). وقد وقع إبراهيم بن هاشم في إسناد كثير من الروايات تبلغ ستة الآف وأربعمائة وأربعة عشر موردا، ولا يوجد في الرواة مثله في كثرة الرواية) انتهى. أقول: وجل ثروة ولده علي بن ابراهيم الثقة الثبت عنه وذلك فإن علي بن إبراهيم قد ورد في أسانيد سبعة آلاف ومائة وأربعين رواية منها ستة آلاف ومأتين وأربع عشرة رواية عن ابيه ابراهيم.

↑صفحة ١٠٩↑

عيسى(١٠٨) عن إبراهيم بن عمر(١٠٩) عن أبان وهو طريق صحيح إلى أبان أيضاً.
الطريق الثالث: فهو عن علي بن محمد عن احمد بن هلال العبرتائي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان وهو طريق ضعيف باحمد بن هلال العبرتائي.
والطوسي (رحمه الله) رواه في كتابه الغيبة(١١٠) عن رجاله عن محمد بن يعقوب الكليني بالسند الآنف الذكر.
أما الصدوق (رحمه الله): فقد رواه عن أبيه(١١١) عن سعد بن عبد الله(١١٢) عن احمد بن محمد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٠٨) حماد بن عيسى الجهني غريق الجحفة ثقة له كتاب النوادر كان كوفيا سكن البصرة مات في حياة أبي جعفر الثاني (عليه السلام) وكان ثقة في حديثه صدوقا مات غريقا بوادي قناة وهو واد يسيل من الشجرة إلى المدينة سنة (٢٠٩) وله نيف وتسعون سنة. عن حمدويه عن العبيدي قال حماد بن عيسى دخلت على ابي الحسن الاول فقلت جعلت فداك ادع الله لي ان يرزقني دارا وزوجة وولدا وخادما والحج فقال اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقه دارا وزوجة وولدا وخادما والحج خمسين سنة قال حماد فلما اشترط خمسين سنة علمت إني لا أحج اكثر من خمسين سنة قال حماد وحججت ثماني وأربعين سنة وهذه داري وقد رزقتها وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي وهذا ابني وهذا خادمي قد رزقت كل ذلك فحج بعد هذا الكلام حجتين ثم خرج بعد الخمسين حاجا فزامل أبا العباس النوفلي القصير فلما صار في موضع الاحرام دخل يغتسل فجاء الوادي فحمله فغرقه الماء رحمه الله وأباه قبل ان يحج زيادة على الخمسين عاش إلى وقت الرضا (عليه السلام) وتوفي سنة تسع ومائتين.
(١٠٩) قال النجاشي: شيخ من أصحابنا ثقة روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) ذكر ذلك أبو العباس وغيره له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى وغيره.
قال العلامة التستري: وان المراد بابي العباس في كلام النجاشي خصوص ابن عقدة واعتبار جرحه وتعديله.
وقال ابن الغضائري إبراهيم بن عمر اليماني ضعيف جدا روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليه السلام) وله كتاب.
قال السيد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث: الرجل يعتمد على روايته لتوثيق النجاشي له ولوقوعه في اسناد تفسير القمي ولا يعارضه التضعيف عن ابن الغضائري لما عرفت في المدخل من عدم ثبوت نسبة الكتاب إليه وطريق الصدوق إليه أبوه رضي الله عنه عن سعد بن عبد الله عن يعقوب بن يزيد عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني والطريق صحيح.
(١١٠) ص١٣٧.
(١١١) هو علي بن الحسين بن موسى بن بابويه يكنى أبا الحسن والد الشيخ الصدوق المشهور شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم كان قدم العراق واجتمع مع ابي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) وسأله مسائل ثم كاتبه بعد ذلك على يد محمد بن علي الاسود يسأله أن يوصل له رقعة إلى صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه) ويسأله فيها الولد فكتب (عليه السلام) إليه قد دعونا الله لك بذلك وسترزق ولدين ذكرين خيرين فولد له أبو عبد الله وأبو جعفر (وهو المشهور بالصدوق) وقد مات علي بن الحسين سنة (٣٢٩) وكانت له كتب منها كتاب الامامة والتبصرة من الحيرة مطبوع وكانت النسخة التي عثر عليها ناقصة.
(١١٢) هو الأشعري القمي وقد مرت ترجمته.

↑صفحة ١١٠↑

بن عيسى عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن أبان عن سليم(١١٣).
ورواه أيضا عن ابيه عن سعد عن يعقوب بن يزيد(١١٤) عن حماد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان(١١٥) عن أبان عن سليم(١١٦).
ورواه أيضا عن محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار(١١٧) عن يعقوب بن يزيد وإبراهيم بن هاشم جميعا عن حماد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان(١١٨).
وهي أيضا أسانيد صحيحة إلى أبان(١١٩).
وفي ضوء ذلك:
يتبين ان كتاب سليم أو أحاديث الاثني عشر بروايته قد كانت متداولة عند الشيعة في النصف الثاني من القرن الثاني والربع الأول من القرن الثالث.
وذلك لان محمد بن أبي عمير قد توفي سنة ٢١٧ وقد عاصر الامام الكاظم والرضا (عليهما السلام) وهو من فقهاء أصحابهما.
أما حماد بن عيسى فقد توفي سنة (٢٠٩هـ).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١١٣) كتاب الخصال ص٤٧٧.
(١١٤) قال النجاشي: يعقوب بن يزيد بن حماد الانباري السلمي، أبويوسف، من كتاب المنتصر، روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، وانتقل إلى بغداد، وكان ثقة صدوقا (رجال النجاشي /٤٥٠). وعنونه الشيخ الطوسي في الفهرست (الكاتب الانباري) قال كثير الرواية وهو ثقة.
(١١٥) قال النجاشي عبد الله بن مسكان أبو محمد مولى [عنزة]، ثقة، عين، روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام. (رجال النجاشي ص ٢١٤).
(١١٦) إكمال الدين ٢٦٢.
(١١٧) مولى عيسى بن موسى الاشعري قال النجاشي: كان وجها في أصحابنا القميين ثقة عظيم القدر راجحا قليل السقط في الرواية توفي بقم سنة ٢٩٠ رحمه الله وقال الشيخ الطوسي في الفهرست (له كتب مثل كتب الحسين بن سعيد وزيادة كتاب بصائر الدرجات وغيره).
(١١٨) كتاب الخصال ٤٧٧.
(١١٩) توجد طرق أخرى ورواة آخرون لكتاب سليم وأحاديثه أحصاها العلامة الانصاري في كتابه سليم بن قيس ج١ص٢٠٤-٢٥٣.

↑صفحة ١١١↑

أما عمر بن أذينة وهو من أصحاب الكاظم أدرك أبا عبد الله الصادق (عليه السلام) وروى عنه وكان قد هرب من المهدي العباسي ومات باليمن في حدود سنة (١٦٨هـ).
انظر الجدول التوضيحي بذلك على الصفحة التالية.
ثانيا:
قوله: (ولكن عامة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكون في وضع واختلاق كتاب سليم).
أقول: ليس الامر كما ذكر..
وتحقيق الامر: ان ابن الغضائري وهو معاصر للشيخ الطوسي قال في ترجمته لـ (أبان بن أبي عياش): (لا يلتفت إليه وينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه)، وقال المفيد في شرحه لاعتقادات الصدوق: (وأما ما تعلق به من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عياش فالمعنى فيه صحيح غير ان الكتاب غير موثوق به)(١٢٠).
وان اغلب المحققين من علماء الشيعة لم يعتنوا بتضعيفات ابن الغضائري.
قال السيد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث: (أما الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري فهو لم يثبت ولم يتعرض له العلامة في إجازاته وذكر طرقه إلى الكتب. بل أن وجود هذا الكتاب في زمان النجاشي والشيخ أيضا مشكوك فيه، فإن النجاشي لم يتعرض له مع انه قدس سره بصدد بيان الكتب التي صنفها الامامية حتى انه يذكر مالم يره من الكتب وان ما سمعه من غيره أو رآه في كتابه، فكيف لا يذكر كتاب شيخه الحسين بن عبيد الله أو ابنه احمد! وقد تعرض قدس سره لترجمة الحسين بن عبيد الله ولم يذ كر فيها كتاب الرجال كما انه حكى عن احمد بن الحسين في عدة موارد ولم يذكر انه له كتاب الرجال. نعم أن الشيخ تعرض في مقدمة فهرسته: أن احمد بن الحسين كان له كتابان ذكر في أحدهما المصنفات وفي الاخر الاصول ومدحهما غير انه ذكر عن بعضهم أن بعض ورثته أتلفهما ولم ينسخهما أحد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٠) قاموس الرجال ج١/ترجمة ابان بن أبي عياش.

↑صفحة ١١٢↑

 

m-mahdi.com

↑صفحة ١١٣↑

والمتحصل من ذلك أن الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري لم يثبت بل جزم بعضهم بأنه موضوع وضعه بعض المخالفين ونسبه إلى ابن الغضائري بل أن الاختلاف في النقل عن هذا الكتاب يؤيد عدم ثبوته بل توجد في عدة موارد ترجمة شخص في نسخة ولا توجد في نسخة أخرى إلى غير ذلك من المؤيدات)(١٢١).
وقال العلامة الطهراني (رحمه الله) في الذريعة (.. جرت سيرة الاصحاب على عدم الاعتناء بتضعيفات كتاب الضعفاء على فرض معلومية مؤلفه فضلا على انه مجهول المؤلف فكيف يسكن إلى جرحه).
وقال في كتابه المشيخة أيضاً: (ذكر السيد احمد بن طاووس.. انه وجد نسخة منسوبة إلى ابن الغضائري من دون إسناد له إليه، فأدرج ما في تلك النسخة أيضا ضمن ما جمعه من تلك الاصول الاربعة أي رجال النجاشي ورجال الكشي والشيخ وفهرست الشيخ في المواضع اللائقة بعين ألفاظه.. وهو أقوى سبب لضعف تضعيفات ابن الغضائري حيث أن كتابه لم يكن مسندا للناقل عنه وهو السيد ابن طاووس الذي اخذ من كلامه بعده تلميذه العلامة الحلي وابن داود في كتابي الخلاصة والرجال ثم من تأخر عنه حتى اليوم. فكل ما ينسب إلى ابن الغضائري من الاقوال لم يصل إلينا بأسانيد معتبرة عنه، بل الناقل عنه أولا أعلمنا بعدم الاسناد وخلص نفسه)(١٢٢).
أقول:
وعلى فرض الاعتناء بتضعيفات الغضائري والاخذ بها عند التعارض كما ذهب إلى ذلك نفر من علمائنا كالعلامة الحلي (رحمه الله) (ت٧٢٦هـ) والعلامة التستري (رحمه الله)(ت١٤١٦هـ) صاحب قاموس الرجال، فان ذلك لا يضر بكتاب سليم بن قيس لان جهة حكم ابن الغضائري على الكتاب بالوضع معلومة وهي وجود خبرين الاول خبر وعظ محمد بن أبي بكر أباه عند الموت (وهو خبر محقق الكذب) والثاني خبر يفهم منه أن الائمة ثلاثة عشر (وهو خبر اشتبه فيه راويه قطعا) ووجود هذين الخبرين ونظائرهما ان وجدت وهي قليلة غير كافية في الحكم على اصل الكتاب بالوضع فان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢١) معجم رجال الحديث: ج١ص١٠٢.
(١٢٢) كتاب سليم بن قيس للانصاري ج١ص١٦٢ نقلا عن كتاب المشيخة للطهراني ص ٣٦.

↑صفحة ١١٤↑

قصارى ما تدل عليه هو ان نسخة الكتاب قد لحقها تخليط وتحريف ومن هنا أوجب الشيخ المفيد عدم الاعتماد على كل ما ورد في الكتاب دون تحقيقونظير ذلك كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) لابي مخنف فان الاصل المتداول عند عامة الناس فيه زيادة وتحريف وهي لا توجب الحكم على اصل الكتاب بالوضع وقد روى الطبري في تاريخه اكثر أخباره ومن يقارن بين روايات الطبري عن أبي مخنف وروايات النسخة المتداولة يكتشف مواضع التحريف.
القول الحق في كتاب سليم:
قال العلامة التستري (رحمه الله): (والحق في كتاب سليم بن قيس ان اصله كان صحيحاً قد نقل عنه الاجلة المشايخ الثلاثة والنعماني والصفار وغيرهم، إلا انه حدث فيه تخليط وتدليس من المعاندين فالعدو لا يألو خبالا كما عرفت من المفيد، لا كما قال ابن الغضائري من كون الكتاب موضوعا لخبر وعظ محمد بن أبي بكر أباه، فالكتاب الموضوع ان اشتمل على شيء صحيح يكون في الاقلية كما في التفسير الذي افتروه على العسكري (عليه السلام)، والكتاب بالعكس، بل لم نقف فيه على كذب محقق سوى خبر الوعظ، أما خبر عدد الائمة فقد عرفت انه سوء تعبير من بعض الرواة، ووقوع أخبار خمسة مثله في الكافي، وحينئذ فلا بد ان يراعى القرائن في أخباره كما عرفت من المفيد)(١٢٣).
قول النعماني في كتاب سليم:
أما قول ابن الغضائري /وهو من رجال القرن الخامس الهجري/: (ينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه أي إلى أبان بن أبي عياش فيعارضه قول النعماني وهو من رجال القرن الرابع الهجري (ت٣٦٢هـ) (وليس بين جميع الشيعة فيمن حمل العلم ورواه عن الائمة خلاف في كتاب سليم بن قيس الهلالي اصله من اكبر كتب الاصول التي رواها أهل العلم وحملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقومها لان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٣) قاموس الرجال للتستري ترجمة أبان بن أبي عياش.

↑صفحة ١١٥↑

جميع ما اشتمل عليه هذا الاصل إنما هو عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسلمان والمقداد وأبي ذر ومن جرى مجراهم ممن شهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين وسمع منهم وهو من الاصول التي ترجع الشيعة إليها ويُعوَّل عليها)(١٢٤).
ومراد النعماني من كلمة (الاصل) مراد أهل العلم منها قال الطهراني: (الاصل من كتب الحديث هو ما كان المكتوب فيه مسموعا لمؤلفه من المعصوم (عليه السلام) أو عمن سمع منه لا منقولا من مكتوب)(١٢٥).
قول ابن النديم في كتاب سليم:
ويؤيد كلام النعماني ما ذكره ابن النديم (ت٣٨٠هـ) في كتابه الفهرست قال: (سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان هارباً من الحجاج لانه طلبه ليقتله فلجأ إلى أبان بن أبي عياش فآواه فلما حضرته الوفاة قال لابان ان لك عليَّ حقاً وقد حضرتني الوفاة يا ابن أخي انه كان من أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيت وكيت وأعطاه كتابا وهو كتاب سليم بن قيس المشهور رواه عنه أبان بن أبي عياش ولم يروه عنه غيره.. وهو أول كتاب ظهر للشيعة(١٢٦).
ان ابن النديم حين ذكر كتاب سليم بن قيس إنما ذكره بصفته أول كتاب واقدم كتاب عند الشيعة ثم ذكر بعده مؤلفي الشيعة الاخرين وكتبهم ولو كانت شبهة الوضع تلاحق الكتاب وتقترن به في القرن الرابع الهجري كما يدعي صاحب النشرة لما فاتت على ابن النديم وهو خبير عصره بالكتب التي اشتهرت في زمانه.
وفي ضوء ذلك:
يتضح خطأ قول صاحب النشرة (وكان عامة الشيعة في ذلك الزمان يشكُّون في وضع واختلاق كتاب سليم وذلك لروايته عن طريق محمد بن علي الصيرفي أبو سمينة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٤) النعماني كتاب الغيبة ص١٠٢.
(١٢٥) الذريعة ج٢/١٢٥.
(١٢٦) ابن النديم ص ٢٧٦.

↑صفحة ١١٦↑

الكذاب المشهور واحمد بن هلال العبرتائي الغالي الملعون).
فانه ان كان يقصد شيعة القرن الرابع الهجري فان كلام النعماني الانف الذكر يكذبه وان كان يقصد الشيعة في عصر الشيخ المفيد فقد تبين الحال من مناقشة العلامة التستري.
أما قوله (ان الواضع للكتاب هو أبو سمينة واحمد بن هلال العبرتائي).
فهو قول جزاف(١٢٧).. كان شاهده الوحيد عليه دعواه ان الكتاب لم يكن معروفا عند واحد من الشيعة في عصر الائمة وقد تبين سقوط هذه الدعوى.
نعم كانت الشبهة تحوم على أبان بن أبي عيّاش(١٢٨) كما ذكر ذلك ابن الغضائري وتبناها وقدَّم عليها شاهدين تبيَّن حالهما، وان وجودهما في الكتاب يؤدي إلى القول بوضعهما ودسهما فيه لا القول بوضع كل أخبار الكتاب.
ثالثا:
ما نقله صاحب النشرة من كلام ابن الغضائري من قوله: (وكان أصحابنا يقولون ان سليماً لا يُعرف ولا ذِكرَ له يوحي للقارئ ان سليماً لا يعرف من الرجاليين وليس له ذكر عندهم وان ابن الغضائري كان يقول بذلك).
ولكن واقع الحال ان ابن الغضائري ينفي ذلك وعبارته بتمامها هي كان أصحابنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٧) الجُزاف: هو بيعك الشيء واشتراؤكه بلا وزن ولا كيل (لسان العرب).
(١٢٨) قال العلامة الحلي في الخلاصة في ترجمة ابان بن أبي عياش: لا يلتفت إليه وعن الغضائري انه ينسب أصحابنا وضع كتاب سليم بن قيس إليه وقال السيد علي بن احمد العقيقي في كتاب الرجال (أبان بن ابي عياش كان فاسد المذهب ثم رجع كان سبب تعرفه هذا الامر سليم بن قيس الهلالي حيث طلبه الحجاج ليقتله حيث هو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) فهرب إلى ناحية من ارض فارس ولجأ إلى أبان فلما حضرته الوفاة قال لابان ان لك علي حقا وقد حضرني الموت يا ابن أخي انه كان بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيت وكيت وأعطاه كتابا فلم يرو عن سليم بن قيس أحد من الناس سوى أبان. أقول يبدو ان سليم بن قيس كان قد دوَّن كتابه في فترة طلب الحجاج له واختفائه عنه ومن ثم انحصرت رواية كتابه بأبان الذي لجأ اليه واختفى عنده. وهناك بقية في ترجمة أبان اوردناها في جواب رسالة أحد الأخوة القراء من السودان اوردناها في آخر الكتاب.

↑صفحة ١١٧↑

يقولون ان سليما(١٢٩) لا يعرف ولا ذُكِرَ في خبر، وقد وجدت ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا رواية أبان بن أبي عياش(١٣٠).
رابعا:
قوله: (ولم يصل الكتاب (كتاب سليم) إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية).
أقول: أغنانا في الجواب على هذه الدعوى ما كتبه العلامة الشيخ محمد باقر الانصاري الذي صرف اثنتي عشرة سنة في تحقيق الكتاب وقد أخرجه في ثلاثة مجلدات استوعب كل جوانب التحقيق فيه، ومما جاء فيه قوله مختصراً:
(ان نسخة كتاب سليم كانت موجودة عند ابن أبي عمير وحماد بن عيسى وعبد الرزاق بن همام.
وان نسخة عبد الرزاق قد وصلت إلينا بأربعة طرق:
الاول: طريق ابن عقدة (ت٣٣٣هـ).
الثاني: طريق محمد بن همام بن سهيل (ت٣٣٢هـ).
الثالث: طريق الحسن بن أبي يعقوب الدينوري.
الرابع: طريق أبو طالب محمد بن صبيح بن رجاء بدمشق سنة ٣٣٤وبهذا الطريق اصبح الكتاب متداولا حيث كانت عدة نسخ خطية منه موجودة عند كبار علمائنا كما توجد اليوم مخطوطات منها في مكتبات إيران والعراق والهند.
وان نسخة حماد بن عيسى وصلت إلينا عن طريق الشيخ الطوسي والشيخ النجاشي بأسانيد متصلة.
وان نسخة ابن أبي عمير وصلت إلينا عن طريق الشيخ الطوسي بأسانيد متصلة ووصلت إلى العلامة الحر العاملي والعلامة المجلسي وهي المتداولة اليوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٢٩) قال السيد الخوئي (رحمه الله) في معجم رجال الحديث: (ان سليم بن قيس في نفسه ثقة جليل القدر عظيم الشأن ويكفي في ذلك شهادة البرقي بأنه من الاولياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) المؤيدة بما ذكره النعماني في شأن كتابه). (ت٧٧هـ).
(١٣٠) الخلاصة ٨٣.

↑صفحة ١١٨↑

وان نسخة الشيخ الطوسي برواية ابن أبي عمير وصلت إلى المحدِّث شهر آشوب جد صاحب المناقب والفقيه محمد بن أبي احمد بن شهريار والشيخ أبو علي الطوسي بن الشيخ الطوسي، وأما شهر آشوب فقد انتقلت نسخته إلى محمد بن علي بن شهر آشوب صاحب المناقب وقد اخبر بالكتاب صاحب المناقب بالحلة قراءة عليه سنة (٥٦٧هـ) وأما ابن شهريار الخازن فقد رواه للشريف أبي الحسن العريضي ومنه للشيخ الفقيه محمد بن الكال المتوفى سنة ٥٩٧، أما نسخة الشيخ ابي علي بن الشيخ الطوسي فقد وصلت بواسطة الشيخ الفقيه الحسن بن هبة الله بن رطبة السوراوي وهو قد اخبر بالكتاب في كربلاء سنة (٥٦٠هـ) وأيضا بواسطة الشيخ الحسن بن احمد بن طحال المقدادي ومنه إلى الرئيس أبي البقاء هبة الله بن نما قراءة عليه بالنجف سنة ٥٢٠. ثم وصلت نسخة الشيخ الطوسي هذه إلى العلامة المجلسي صاحب البحار وقد أوردها بتمامها في موسوعته بحار الانوار، وكذلك وصلت إلى الشيخ الحر العاملي صاحب وسائل الشيعة وقد وصلت نسخته بعد ذلك إلى العلامة السماوي وعنها طبع المطبوع المتداول(١٣١).
الخلاصة:
اتضح من خلال البحث بطلان دعوى صاحب النشرة من (كون كتاب سليم بن قيس أو روايات الاثني عشر عنه لم تكن معروفة عند أحد من الشيعة زمن الائمة الاحد عشر) وكذلك دعواه (ان كتاب سليم أو روايات الاثني عشر عند الشيعة من اختلاق العبرتائي والصيرفي)وتبين لنا عدم انحصار الرواية بهما، وان الشبهة في اختلاق كتاب سليم إنما كانت تحوم حول أبان بن أبي عياش الراوي الذي انحصرت به رواية كتاب سليم، واختلاف رجاليي الشيعة في وثاقته وقد قلنا في البحث ان هذا الاختلاف لا يضر في الرد على مقولة صاحب النشرة والزيدية من ان احاديث الاثني عشر قد اختلقها الشيعة في عصر الغيبة، إذ المطلوب اثبات وجودها عند الشيعة في

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣١) كتاب سليم تحقيق الانصاري ج١/٦٩.

↑صفحة ١١٩↑

عصر الائمة (عليهم السلام) وقد اثبتنا ذلك.
وان أدلة ابن الغضائري في التشكيك بأصل كتاب سليم مردودة ومعارضة بكلام النعماني الذي نقل لنا رأي الشيعة في زمانه، هذا مضافاً إلى انه لو كانت شبهة الوضع تلاحق كتاب سليم لما فاتت على ابن النديم الذي ترجم للكتاب وصاحبه.
أما دعوى صاحب النشرة من (ان كتاب سليم لم يصل إلى الاجيال المتعاقبة بصورة موثقة ومروية فقد أجاب عنها مفصلاً محقق كتاب سليم بن قيس كما أشرنا إليه).

↑صفحة ١٢٠↑

الفصل الثامن: أسانيد روايات الاثني عشر عند السنة والشيعة

قوله: ان روايات حصر الأئمة باثني عشر عند السنة والشيعة ضعيفة السند!
أقول: البحث السندي في روايات الاثني عشر إماما عند الفريقين يكذب دعواه تلك. وان الأحاديث الشيعية في الاثني عشر كانت معروفة لدى الثقات من الشيعة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بل منذ القرن الثاني الهجري.

↑صفحة ١٢١↑

نص الشبهة
(ومن هنا فقد اعترض الزيدية على الامامية وقالوا (ان الرواية التي دلت على ان الائمة اثنا عشر قول أحدثه الامامية قريبا وولدوا فيه أحاديث كاذبة(١٣٢). وقام أصحاب النظرية (نظرية الاثني عشر) باستيراد أحاديث من (أهل السنة) مروية عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تشير إلى عدد الخلفاء والامراء من بعده وتذكر رقم (اثني عشر) وأضافوا إليها أحاديث اختلقوها بعد ذلك تشير إلى حصر الامامة في (اثني عشر إماماً) فقط... استعار الذين قالوا بوجود المهدي محمد بن الحسن العسكري وولادته سرا في حياة أبيه بعض الاحاديث الضعيفة والمضطربة والمشوشة والغامضة من السنة والتي تذكر مجيء اثني عشر أميرا أو خليفة بعد رسول الله وهذبوها وشذبوها وطبقوها على عدد الائمة الذين كانوا قد بلغوا مع ابن الحسن المفترض وحسب العد الامامي: اثني عشر واحدا فقالوا بان الائمة اثنا عشر وعرف هؤلاء (الاثني عشر). (ولكن عملية الاستدلال بتلك الاخبار على صحة النظرية (الاثنا عشرية) كانت تواجه ضعف سند تلك الاخبار حيث أنها ضعيفة عند السنة ولا يلتزم أحد منهم بمضمونها. كما أنها اضعف عند الشيعة(١٣٣). ولا توجد بينها رواية واحدة صحيحة حسب مقاييس علم الرجال الشيعي)(١٣٤).
الرد على الشبهة
اقول ولنا على كلامه الانف الذكر تعليقتان:
الاولى:
قوله: (أنها ضعيفة السند عند السنة ولا يلتزم أحد بمضمونه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٢) الشورى العدد العاشر ص١٢.
(١٣٣) كتابه عن المهدي (عليه السلام).
(١٣٤) كتابه نظرية الامامة الالهية.

↑صفحة ١٢٣↑

أقول: ليت صاحب النشرة جاء بكلام واحد من علماء أهل الحديث المعتبرين عند السنة يضعِّف حديث الاثني عشر، وأنى له بذلك وقد روى الحديث كل من البخاري ومسلم في صحيحيهما وأبو داود والترمذي في سننهما ومن قبلهم رواه احمد بن حنبل في مسنده بأسانيد صحيحة ورواه آخرون أيضاً.
روى البخاري عن جابر بن سمرة قال سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا... كلهم من قريش).
وفي رواية لمسلم (لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش)(١٣٥).
وفي رواية (لا تضرهم عداوة من عاداهم)(١٣٦).
وفي رواية (يكون لهذه الامة اثنا عشر قيِّماً لا يضرهم من خذلهم كلهم من قريش)(١٣٧).
وفي رواية مسروق قال: (سأل رجل عبد الله بن مسعود قال له يا أبا عبد الرحمن هل سألتم رسول الله كم يملك هذه الامة من خليفة فقال عبد الله سألناه فقال: اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل)(١٣٨).
وفي رواية أخرى (يكون بعدي من الخلفاء عدة أصحاب موسى)(١٣٩).
وفي رواية أخرى (كلهم تجتمع عليه الامة)(١٤٠).
قال ابن كثير (وقد روي مثل هذا عن عبد الله بن عمر وحذيفة وابن عباس)(١٤١).
أقول: وقد روى مثله الهيثمي في مجمع الزوائد عن الطبراني في الاوسط والكبير،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٣٥) جامع الاصول لابن الاثير ج٤/٤٥-٤٦.
(١٣٦) فتح الباري ١٦/٣٣٨.
(١٣٧) كنز العمال ١٣/٢٧.
(١٣٨) مسند احمد ١/٣٩٨، ٤٠٦ قال احمد شاكر في هامش الحديث الاول: (اسناده صحيح) ومستدرك الحاكم ٤/٥٠١ وفتح الباري ١٦/٣٣٩ مجمع الزوائد ٥/١٩٠، كنز العمال ١٣/٢٧.
(١٣٩) البداية والنهاية لابن كثير ٦/٢٤٨ وكنز العمال ١٣/٢٧.
(١٤٠) سنن أبي داود ج٢ /٤٢٣.
(١٤١) البداية والنهاية ٦/٢٤٨. وحذيفة هو حذيفة بن أسيد ممن بايع تحت الشجرة سكن الكوفة وتوفي بها، ورواية عبد الله بن عمر رواها أبو القاسم البغوي بسند حسن كما ذكر ذلك السيوطي في تاريخ الخلفاء ص٦١ طبعة السعادة بمصر.

↑صفحة ١٢٤↑

والبزار، عن أبي جحيفة(١٤٢).
ويتبين من ذلك ان حديث الاثني عشر عند السنة لا تنحصر روايته بالصحابي جابر بن سمرة بل يرويه صحابة آخرون ذكرت الكتب السنية الميسرة فعلا أربعة منهم الى جنب جابر بن سمرة.
لقد ظن علماء الحديث من أهل السنة ان المراد بهؤلاء الاثني عشر هم الحكام الذين جاءوا بعد الرسول واتفقوا على تسمية الاربعة الاوائل منهم وحاروا في تكملة العدد، فمنهم من عد معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وسليمان بن عبد الملك ثم يزيد بن عبد الملك ثم هشام بن عبد الملك وبين سليمان ويزيد عمر بن عبد العزيز والثاني عشر هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك) وقد رجح هذا القول ابن حجر(١٤٣) ومنهم من قال ان هؤلاء الاثني عشر مفرقين في الامة إلى آخر الدنيا(١٤٤).
وهذا التفسير بعيد عن الصحة تماماً وذلك لان تشبيه النبي (صلى الله عليه وآله) لهؤلاء الاثني عشر بأصحاب موسى ونقباء بني إسرائيل يفيد انهم من سنخهم وقد أخبرنا الله تعالى عن نقباء بني إسرائيل بقوله (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَي عَشَرَ نَقِيبًا) المائدة/١٢-١٣.
وقال تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَي عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الاعراف/١٥٩-١٦٠.
وقد كان أول هؤلاء الاثني عشر بعد موسى هو يوشع بن نون وكان آخرهم داود، وكان ما بينهم النبي إشموئيل وطالوت ولم يكن نبياً بل كان عالماً اصطفاه الله ونص عليه بواسطة نبيه إشموئيل، وكانت تكملة الاثني عشر من آل هارون ولم يكونوا انبياء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٢) مجمع الزوائد ج ٥ ص١٩٠ وأبو جحيفة هو وهب بن عبد الله السوائي كان من صغار الصحابة، نزل الكوفة، وكان علي (عليه السلام) قد جعله على بيت المال بالكوفة وشهد معه مشاهده كلها (الاستيعاب ج٤ ص١٦١٩).
(١٤٣) فتح الباري ١٦/٣٤١.
(١٤٤) انظر كتاب معالم المدرستين للعلامة العسكري ج١/٥٤١-٥٤٧حيث اورد كلمات علماء السنة التي تكشف عن اضطرابهم وحيرتهم في تفسير الحديث.

↑صفحة ١٢٥↑

أيضا بل كانوا علماء اصطفاهم الله وطهرهم ونص عليهم بواسطة نبيه موسى وقد ذُكِروا في القرآن كعنوان للنقباء بعد موسى وقبل النبي إشموئيل ولم يدخل في تفاصيلهم(١٤٥).
وهم المشار إليهم في قوله تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة/٢٣-٢٤.
وكذلك الامر في الائمة الاثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) هم أئمة هدى لا يصلح الحكم إلا لهم في زمانهم ولا تتأثر منزلتهم من الله ورسوله سواء أقبل الناس عليهم أم أعرضوا عنهم.
ويؤيد ذلك قول النبي (صلى الله عليه وآله) عنهم انهم (لا تضرهم عداوة من عاداهم) (لا يضرهم من خذلهم) لان ولايتهم لا تستند إلى الناس بل إلى الله تعالى، هذا بخلاف ولاية الحاكم التي تتضرر بخذلان من يخذل لان قوته وسلطته تستند إلى الناس.
ويؤيد ذلك أيضاً ما ورد عن علي (عليه السلام) قوله أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا ان رفعنا الله ووضعهم وأعطانا وحرمهم وأدخلنا وأخرجهم بنا يستعطى الهدى ويستجلى العمى ان الائمة من قريش غرسوا في هذا البطن من هاشم لا تصلح على سواهم ولا تصلح الولاة من غيرهم(١٤٦).
فهو (عليه السلام) هنا يتحدث عن أئمة هدى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لهم منزلة الرسول في الهداية وفي اختصاص الحكم في زمانهم بهم وكونهم منحصرين في بني هاشم، ومما لاشك فيه انه ليس كل بني هاشم لهم هذه الخصوصية بل هم علي (عليه السلام) والاحد عشر من ولده من فاطمة (عليها السلام). ومن الواضح ان كلامه (عليه السلام) يشير إلى حديث النبي (صلى الله عليه وآله) (الائمة من بعدي اثنا عشرفهم إذن نظراء أئمة الهدى من بني إسرائيل الذين جعلهم الله تعالى بعد موسى وجعلهم اثني عشرة أسباطا أي أحفاداً (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض) آل عمران /٣٢).
وفي ضوء ذلك يحمل قوله (صلى الله عليه وآله): (كلهم تجتمع عليه الامة) أي كلهم ينبغي أن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٥) انظر الايات ٢٤٦ - ٢٤٨ من سورة البقرة.
(١٤٦) نهج البلاغة خ ١٤٤.

↑صفحة ١٢٦↑

تجتمع عليهم أمتي الى آخر الدنيا يأخذون بقولهم وفعلهم وتقريرهم.
الثانية:
قوله: (انها عند الشيعة اضعف) وقوله (أنها مختلقة في عصر الغيبة).
أقول: ليس الامر كما قال..
إذ الروايات التي أوردها الكليني والصدوق توجد فيها روايات صحيحة السند واشهرها الروايات التي تنتهي إلى سليم بن قيس وقد مضى الحديث عنها في الفصل السابع، وقد قلنا هناك: بان الطرق إلى كتاب سليم وروايته في الاثني عشر لم تنحصر بالعبرتائي وابي سمينة.
ولا يضر رواية سليم اختلاف علماء الشيعة في وثاقة أبان بن أبي عياش الراوي عن سليم لان المطلوب في أحاديث الاثني عشر وذكر أسماء الائمة (عليهم السلام) من أجل رد شبهة المستشكل هو إثبات وجودها عند الشيعة قبل الغيبة الصغرى.
وليس من شك ان طائفة من أسانيد الكليني والصدوق إلى أبان بن أبي عياش (ت١٢٨هـ) صحيحة ويرويها عن أبان كل من محمد بن أبي عمير (ت٢١٧هـ) وحماد بن عيسى (ت٢٠٩هـ).
أما ابن ابي عمير فيرويها عن عمر بن أذينة (ت١٦٨هـ).
وأما حمّاد فيرويها عن عمر بن أذينة وإبراهيم بن عمر اليماني المعاصر لابن إذينة.
ومعنى ذلك ان أحاديث الاثني عشر التي تنتهي إلى سليم بن قيس كانت معروفة عند ثقاة الشيعة في القرن الثاني الهجري.
ويضاف إلى ذلك:
الحديث المعروف بحديث اللوح(١٤٧) الذي رواه الكليني في باب ما جاء في الاثني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٧) ونصه: قال جابر دخلت على فاطمة (عليها السلام) وبين يديها لوح فيه اسماء الاوصياء من ولدها فعددت اثني عشر اخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي (ومراده بقوله ثلاثة منهم على أي ثلاثة من الاولاد) إذن مجموع من اسمه علي من الائمة الاثني عشر هم اربعة علي (عليه السلام) وثلاثة من ولده. وقد رواه الشيخ الصدوق في الخصال عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب السراد عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام).

↑صفحة ١٢٧↑

عشر إماماً عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن ابن محبوب عن أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) فان سند الكليني إلى الحسن بن محبوب السراد المتوفى سنة (٢٢٤ هـ) صحيح.
ويضاف إليه أيضا الحديث الاول والثاني عند الكليني في الباب نفسه إذ لا غبار على سندهما في مقياس علم الرجال عند الشيعة.
يضاف إلى ذلك أيضا: الرواية رقم (٢٠) من الباب نفسه في الكافي رواها عن محمد بن يحيى واحمد بن محمد عن محمد بن الحسين عن أبي طالب عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران قال كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر (عليه السلام) في منزله بمكة فقال محمد بن عمران سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول (نحن اثنا عشر محدَّثاً فقال له أبو بصير سمعت من أبي عبد الله (عليه السلام) فحلفته مرة أو مرتين انه سمعه فقال أبو بصير لكني سمعته من أبي جعفر (عليه السلام) ورجال السند ثقاة، ولا يضره واقفية عثمان بن عيسى لانه رجع وتاب عنها).
وقد رواها الشيخ الصدوق في اكمال الدين ص٣٣٥ عن محمد بن علي بن ماجيلوية ومحمد بن موسى بن المتوكل قال حدثنا محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسن الصفار عن أبي طالب عبد الله ابن الصلت القمي عن عثمان بن عيسى عن سماعة بن مهران ورواها أيضا عن محمد بن الحسن بن احمد بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أبي طالب، وفيها لفظ (مهديا) بدلاً من (محدثاً).
وأيضاً الرواية رقم (١٥) من الباب نفسه في الكافي رواها عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن سعيد بن غزوان عن أبي بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال (يكون تسعة أئمة من ذرية الحسين بن علي تاسعهم قائمهم) والسند صحيح.
ويتلخص من ذلك:
ان الذي رواه الكليني والصدوق والطوسي والنعماني باسانيدهما الصحيحة إلى

↑صفحة ١٢٨↑

سماعة بن مهران وابن أبي عمير وحماد بن عيسى وعمر بن أذينة وإبراهيم بن عمر اليماني والحسن بن محبوب السراد وعبد الله بن الصلت القمي وأبي هاشم داود بن القاسم الجعفري تفيد ان احاديث الاثني عشر إماما كانت معروفة لدى الثقاة من الشيعة قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بل منذ القرن الثاني الهجري.
وهي كذلك عند السنة اذ رواها أحمد بن حنبل في مسنده وقد توفي سنة ٢٤٠هـ أي قبل ولادة المهدي (عليه السلام) بخمسة عشر عاما.
ولسنا بحاجة لابطال مقولة صاحب النشرة ومقولة الزيدية من قبل من أنَّ أحاديث الاثني عشر عند الامامية مختلقة في القرن الرابع الهجري إلى اكثر من اثبات وجودها في كتبهم أو عند وجوه رواتهم في القرن الثاني للهجرة او قبل ولادة المهدي (عليه السلام).

↑صفحة ١٢٩↑

الفصل التاسع: الاستدلال على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) بنصوص التوراة

قوله: يلاحظ اعتماد بعض الكتاب المتأخرين على التوراة والإنجيل لتعزيز نظرية الإمامة ونظرية الاثني عشرية... وربما كان عبد الله بن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى الشيعة والتشيع بمقارنته المشهورة بين وصية النبي موسى (عليه السلام) ليوشع بن نون ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب حيث قدم بهذه المقارنة مادة لاتهام الشيعة باستيراد نظرياتهم من الإسرائيليات.
اقول: ان الاستدلال بالتوراة على مسألة إمامة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن من ابتداع المتأخرين بل هو استدلال قديم دأب علماء الشيعة على ذكره ضمن الأدلة الأخرى على الإمامة... وقد اخذ الشيعة الأوائل هذا المنهج عن أئمتهم (عليهم السلام) ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) هو منهج القرآن نفسه حيث كان يستدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بأدلة متنوعة منها وجود خبر بعثته في التوراة.. ثم ان المؤسس للمقارنة هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) وقوله (الخلفاء بعدي اثنا عشر عدتهم كنقباء بني إسرائيل).

↑صفحة ١٣١↑

نص الشبهة
كتب صاحب النشرة مقالا يستنكر فيه الاستدلال بالتوراة على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) وعنون المقال بمانشيت عريض يقول فيه (المنهج السبئي في البناء الفكري) ومما جاء في مقاله هذا قوله:
(يلاحظ اعتماد بعض الكتاب المتأخرين على التوراة والانجيل لتعزيز نظرية الامامة ونظرية الاثني عشرية. وقد نقل السيد مرتضى العسكري في كتاب: (معالم المدرستين) الجزء الاول ص ٥٣٩ فقرة من سفر التكوين، الاصحاح ١٧، الرقم ٢٠١٨ تقول: (وإسماعيل أباركه وأثمره وأكثره جدا جدا، اثنا عشر إماما يلد واجعله أمة كبيرة) وعلق عليها قائلا: (يتضح من هذه الفقرة ان التكثير والمباركة إنما هما في صلب إسماعيل (عليه السلام) مما يجعل القصد واضحا في الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)باعتبارهم امتدادا لنسل إسماعيل). كما استشهد بتلك الفقرة كاتب هو: تامر مير مصطفى في كتاب له صدر تحت عنوان: (بشائر الاسفار بمحمد وآله الاطهار) عن دار التوحيد بقم سنة ١٤١٤. وفسر الكاتب (الاثني عشر رئيسا) الذين وعد الله في التوراة إسماعيل بولادتهم منه بأن المقصود منها ليس هم أبناؤه الاثني عشر المذكورة أسماؤهم في التوراة (سفر التكوين ٢٥، ١٣، ١٦) وإنما المقصود هم الائمة الاثنا عشر من ذرية الرسول، وذلك بعد حساب كلمة (كثيرا جدا) بحساب الجمل واثبات ان مجموعها يعادل رقم ٩٢ وهو مجموع كلمة (محمد)، وقال: كما أثبتنا ان مباركة الله الاولى لاسماعيل قد تحققت بمحمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فان المباركة الثانية قد تحققت بظهور اثني عشر إماما مباركا جعلهم الله خلفاء لرسوله وامتدادا طبيعيا لدعوته المباركة (المصدر ص ٦٢). ولا نريد هنا ان نناقش الكاتبين في مدى دلالة الفقرة الاسرائيلية على المطلوب، أو صراحتها، وهل تشمل (الاثنا عشر) لا تحتاج إلى كل هذا التكلف

↑صفحة ١٣٣↑

والمقارنة والاستعانة بالمصادر الاسرائيلية، ويكفي ان يتم بحثها وإثباتها عن طريق القرآن الكريم والاحاديث النبوية وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) إذا ثبتت فبها ونعمت، وإذا لم تثبت بعض معانيها وتفاصليها فلا بد ان نقتصر على الاحاديث الصحيحة. وربما كان عبد الله بن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى الشيعة والتشيع بمقارنته المشهورة بين وصية النبي موسى (عليه السلام) ليوشع بن نون ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب حيث قدم بهذه المقارنة مادة لاتهام الشيعة باستيراد نظرياتهم من الاسرائيليات)(١٤٨).
الرد على الشبهة
اقول ويؤاخذ على كلامه الآنف الذكر:
أولا:
ان الاستدلال بالتوراة على مسألة إمامة أهل البيت (عليهم السلام) لم تكن من ابتداع المتأخرين بل هو استدلال قديم دأب علماء الشيعة على ذكره ضمن الادلة الاخرى على الامامة وقد مر في الشبهة الاولى ان اقدم كتاب كلامي عند الشيعة هو ياقوت الكلام لابراهيم بن نوبخت قد ذكر ذلك كما ذكره أيضا النعماني (ت٣٦١هـ) في كتابه الغيبة وفيما يلي نص كلامه:
قال النعماني رحمه الله (ويزيد بإذن الله تعالى هذا الباب دلالة وبرهانا وتوكيدا تجب به الحجة على كل مخالف.. ما ثبت في التوراة مما يدل على الائمة الاثني عشر (عليهم السلام) ما ذكره في السفر الاول فيها من قصة إسماعيل قوله عز وجل (وقد أجبت دعاءك في إسماعيل وقد سمعتك ما باركته وسأكثره جدا جدا وسيلد اثني عشر عظيما اجعلهم أئمة كشعب عظيم) أقرأني عبد الحليم بن الحسين السمري رحمه الله ما أملاه عليه رجل من اليهود، ثم أورد النص العبري وهو (وليشمعيل شمعتيخا هني برختي اوتو وهفرتي اوتو وهربيتي اوتو بمئد مئد شنيم عاسار نسيئم يولد ونتتيوا لغوي غادول)، ثم فسره بما ذكره في أول كلامه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٨) الشورى العدد الثالث ص٦.

↑صفحة ١٣٤↑

ثم قال (رحمه الله) بعد ذلك: (فما بعد شهادة كتاب الله عز وجل ورواية الشيعة عن نبيِّها وأئمتها ورواية العامة من طرقها عن رجالها وشهادة الكتب المتقدمة وأهلها بصحة أمر الائمة الاثني عشر لمسترشد مرتاد طالب أو معاند جاحد من حجة تجب وبرهان يظهر وحق يلزم ان في هذا كفاية ومقنعا ومعتبرا ودليلا وبرهانا لمن هداه الله إلى نوره)(١٤٩).
وقد اخذ الشيعة الاوائل هذا المنهج عن أئمتهم (عليهم السلام) حين كانوا يحاجُّون أهل الكتاب ويدلونهم على مواضع ذكرهم مع الرسول (صلى الله عليه وآله) في التوراة والانجيل.
ففي حوار الجاثليق مع الرضا (عليه السلام): قال الرضا (عليه السلام) لنسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الانجيل قال ما احفظني له ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال أتقرأ الانجيل قال: بلى لعمري، قال فخذ على السفر الثالث فان كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته فاشهدوا لي وان لم يكن ذكره فلا تشهدوا(١٥٠)...
ومنهج أهل البيت (عليهم السلام) هو منهج القرآن نفسه حيث كان يستدل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بأدلة متنوعة منها وجود خبر بعثته في التوراة كقوله تعالى (أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ) وقوله (يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ والاِنْجِيلِ) وقد اجمع علماء الاسلام على الاستدلال بالتوراة والانجيل على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) في مقام الاحتجاج على أهل الكتاب وكتبوا بذلك عشرات الكتب.
وإذا كان الله تعالى قد أكرم أهل البيت (عليهم السلام) بان ذكرهم في كتبه الاولى جنباً إلى جنب مع رسوله المكي الموعود فما وجه الغرابة ان يستدل بذلك على إمامتهم؟
والذي ينعم النظر في عدد من نصوص البشارة بمحمد (صلى الله عليه وآله) في الكتب السابقة يجد فيها النبي مقرونا بأهل بيته وليس من شك ان الفقرة (٢٠) من الاصحاح (١٧) من سفر التكوين(١٥١) هي اشهر نص وأوضحه في الحديث عن النبي وأهل بيته وعددهم، وكان يدركها علماء اليهود بوضوح وكانوا حين ينشرح صدرهم للاسلام يختارون الائتمام بأهل البيت (عليهم السلام) سواء في زمانهم أو في عصر الغيبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٤٩) الغيبة للنعماني /١٠٩-١١٠.
(١٥٠) كتاب التوحيد للصدوق /٣١٤.
(١٥١) بحثنا هذا النص بشكل مفصل في مقال نشر في مجلة ميقات الحج العدد الاول.

↑صفحة ١٣٥↑

قال ابن تيمية في تعليقه على حديث الاثني عشر: (وهؤلاء المبشر بهم في حديث جابر بن سمرة وقرر انهم يكونون مفرقين في الامة ولا تقوم الساعة حتى يوجدوا، و(قد) غلط كثير ممن تشرف بالاسلام من اليهود فظنوا انهم الذين تدعوا إليهم فرقة الرافضة فاتبعوهم)(١٥٢).
وكلامه وان كان سلبياً من ناحية تطبيق النص على أهل البيت (عليهم السلام) ولكنه من ناحية أخرى يؤكد ما ذكره النعماني وما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) من وجود نصوص في أمر أهل البيت (عليهم السلام) كما هو الحال في خاتم الانبياء (صلى الله عليه وآله).
وقد فات ابن تيمية ونظراءه ان علماء اليهود الذين أسلموا وتشيعوا لاهل البيت (عليهم السلام) كانوا قد وجدوا أنفسهم أمام ظاهرة من النصوص التوراتية بعضها يعضد بعضاً باتجاه أهل البيت (عليهم السلام) دون غيرهم(١٥٣).
ثانيا:
قوله: (وربما كان ابن سبأ على فرض وجوده قد أساء إلى التشيع بمقارنته بين وصية النبي موسى ليوشع ووصية النبي محمد (صلى الله عليه وآله) لعلي)...
أقول:
ان المؤسس للمقارنة بين الوصيتين هو رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله (يا علي أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا انه لا نبي بعدي) وهو حديث صحيح مروي في الكتب المعتبرة عند السنة فضلاً عن الشيعة(١٥٤).
و بقوله (صلى الله عليه وآله) لسلمان لما سأله يا رسول الله لكل نبي وصي فمن وصيك فسكت عنه ثم بعد ذلك دعاه فقال ياسلمان تعلم من وصي موسى قال سلمان قلت نعم يوشع بن نون، قال ولم قلت لانه كان أعلمهم، قال: (فان وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن ابي طالب)(١٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٢) البداية والنهاية ج٦/٢٥٠.
(١٥٣) وقد قمنا بدراسة تفصيلية لهذه النصوص نرجوا ان نوفق لنشرهافي فرصة قريبة.
(١٥٤) رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما واحمد بن حنبل في مسنده وغيرهم.
(١٥٥) المعجم الكبير للطبراني ج٦/٢٢١/رقم ٦٠٦٣. قال حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا ابراهيم بن الحسن الثعلبي حدثنا يحيى بن يعلى عن ناصح بن عبد الله عن سماك بن حرب عن ابي سعيد الخدري عن سلمان. وقد علق الطبراني على الحديث بقوله (قوله وصيي يعني انه اوصاه في اهله لا بالخلافة وقوله خير من اترك بعدي يعني من اهل بيته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وجاء بهامشه كلام محقق الكتاب حمدي السلفي يخاطب الطبراني (من اين لك هذا يا ابا القاسم (يريد الطبراني) والحديث ليس بصحيح ولو كان صحيحا لم يقبل التأويل وهو بمعنى الخلافة لا كما قلت انت، قال ابن حجر الهيثمي في مجمع الزوائد وفي اسناده ناصح بن عبد الله وهو متروك). أقول: انما تركوا حديث ناصح لاجل حديثه الانف الذكر لما علموا من دلالته الصريحة ولما رواه اسماعيل بن ابان عنه عن سماك عن جابر قال قالوا يا رسول الله من يحمل رايتك يوم القيامة قال من عسى ان يحملها الا من حملها في الدنيا. (رواه الذهبي في ميزان الاعتدال بترجمة ناصح). وقد قال عنه الذهبي في ترجمته انه كان من العابدين ذكره الحسن بن صالح فقال رجل صالح نعم الرجل. وقد روى حديث سلمان هذا ايضا سبط بن الجوزي في كتابه تذكرة الخواص ورواه أيضا المحب الطبري في الرياض النضرة ج٢/١٧٨.

↑صفحة ١٣٦↑

وبقوله (صلى الله عليه وآله): الخلفاء بعدي اثنا عشر عدتهم كنقباء بني إسرائيل.
وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله) في الحسن والحسين إني سميتهما باسم شبر وشبير ولدي هارون.
فهل يقال في حق النبي (صلى الله عليه وآله) انه قدَّم مادة لاتهام الاسلام باستيراد نظرياته من الاسرائيليات؟
وقبل ذلك فان القرآن الكريم هو المؤسس لهذه المقارنة وغارس بذرتها، حين ضرب الامثال للاخِرين بما جرى على الاولين، وقد عني عناية خاصة بقصص بني إسرائيل للتشابه الكبير بينها وبين نظيراتها في بني إسماعيل بعد بعثة محمد (صلى الله عليه وآله) إلى آخر الدنيا. وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): كل ما كان في الامم السالفة فإنه يكون في هذه الامة مثله حذو النعل بالنعل والقُذَّة بالقذة(١٥٦) وفي رواية (لتركبن سنن من كان قبلكم حلوَها ومرَّها)(١٥٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٦) اكمال الدين للصدوق /٥٧٦ (والقذة ريش السهم).
(١٥٧) فتح الباري ١٧/٦٤، مسند احمد ٣/٩٤، ج٢/٣٢٧، ٣٦٧، ٤٥٠، ٥١١، ٥٢٧، ج٣/٩٤ج٤/١٢٥، ج٥/٢١٨، ٣٤٠.

↑صفحة ١٣٧↑

الحلقة الثانية: الرد على الشبهات التي أثارتها نشرة الشورى حول النص على الإمام علي (عليه السلام)

↑صفحة ١٣٩↑

مقدمة الطبعة الثانية

صدرت الطبعة الأولى من هذه الحلقة في رجب الأصب سنة ١٤١٧ هـ. ق وتلقتها الأوساط العلمية والثقافية بالرضا والقبول، وكانت قد انطوت على أخطاء طباعية استدركتها فى هذه الطبعة مع إضافات وإعادة صياغة بعض المطالب مع اضافة فصل خاص رددت فيه على شبهات الدكتور الشرقاوي المنشورة في العدد الخامس من نشرة الشورى، أرجو ان تنال رضا القارئ الكريم.

المؤلف
شوال / ١٤١٧ هـ. ق

↑صفحة ١٤١↑

المقدمة

وبعد فهذه الحلقة الثانية من شبهات وردود وقد كرستها لشبهات أثارتها نشرة الشورى حول النص على علي (عليه السلام)، وكانت أهم هذه الشبهات هي:
انه لو كان هناك ثمة نص على علي (عليه السلام) لاحتج به علي (عليه السلام) نفسه!!
وانه لو كان هناك نص فان الصحابة اكبر من ان يتصور في حقهم انهم يخالفون النبي (صلى الله عليه وآله)!!
وانه لو كان هناك نص فلماذا بايع علي (عليه السلام) الخلفاء الثلاثة برضاه!!
وقد عنيت هذه الحلقة بشكل خاص باحتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير، وبإبراز شاهد لمخالفة الصحابة للنص تتفق عليه مصادر السنة والشيعة بل ان تفاصيله في كتب السنة اكثر بكثير مما ذكر في كتب الشيعة وهو موقف الصحابة من حج التمتع سواء أثناء تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) له أو بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث تجمع المصادر السنية فضلا عن الشيعية ان الصحابة وبخاصة القرشيين منهم استنكروا على النبي (صلى الله عليه وآله) أمر متعة الحج وناقشوه عليها وأغضبوه ثم استجابوا لأمره فيها على مضض، وانهم لما صارت السلطة بيدهم بعد النبي (صلى الله عليه وآله) نهوا عنها، وقد أمر بها القرآن والرسول وخضع لهم بقية المسلمين الا علي (عليه السلام) وأصحابه. هذا مع ان كلام الله تعالى وحديث النبي في هذا المورد يتعلق بقضية عبادية، فيكف يكون أمرهم حينما يتعلق الأمر بقضية الموقع الأول في المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
وتناولنا مضافا إلى ذلك شبهة كان من حقها ان تبحث في الحلقة الأولى وهي قول صاحب النشرة (ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر).

↑صفحة ١٤٣↑

أرجو ان أكون قد وفقت في عملي هذا وان يغتفر لي القارئ الكريم النقص الذي قد يلوح هنا وهناك سواء في هذه الحلقة أو التي قبلها راجيا منه ان ينبهني عليه لتلافيه في طبعة أخرى.
اللهم اجعله لي ذخرا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم انك سميع مجيب.

سامي البدري
قم / ١رجب / ١٤١٧هجـ

↑صفحة ١٤٤↑

الفصل الأول: الأئمة الإثنا عشر حجج إلهيون

قوله: مادام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام فلماذا يحصر عدد الأئمة باثني عشر
أقول: الإمامة المحصورة باثني عشر بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) ليست هي منصب الحكم بل هي منزلة الحجة على الخلق بالقول والفعل والتقرير ومن لوازم هذه المنزلة حصر حق الحكم بصاحبها في زمان حضوره اما في عصر الغيبة فإن منصب الحكم حق للفقهاء العدول.

↑صفحة ١٤٥↑

نص الشبهة
قال صاحب النشرة:
(ما دام في الأرض مسلمون ويحتاجون إلى دولة وإمام وكان محرما عليهم اللجوء إلى الشورى والانتخاب كما تقول النظرية الإمامية وكان لابد أن يعين الله لهم إماما معصوما منصوصا عليه فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحدا فقط(١٥٨)).
الرد على الشبهة
اقول:
اولا:
ان المستشكل أراد بمصطلح الإمام معنى الحكم والرئاسة التنفيذية في المجتمع كما هو واضح من كلامه هنا وفي موارد متعددة من النشرة.
ثانيا:
ان الإمامة التي حصرت باثني عشر من أهل البيت (عليهم السلام) ليست هي إمامة الحكم بل هي الإمامة الدينية التي كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله) خاصة بوصفه حجة الله تعالى بقوله وفعله وتقريره(١٥٩)وكون حق الحكم خاصا به في زمانه لا يجوز لغيره ان يمارسه الاّ بإذنه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٥٨) الشورى العدد العاشر ص ١٩.
(١٥٩) ويترتب على هذه الإمامة ان الله تعالى لا يقبل عمل امرئ ما لم يكن موافقا في التفاصيل مع قول الحجة وفعله وتقريره ويترتب عليها الشفاعة أيضا، فشفاعة الرسول لا تنال إنسانا لا يقتدي بسنته، ويترتب على ذلك أيضا ان صاحب هذه المنزلة يؤيده الله تعالى بخوارق العادات يجريها على يديه حين يتوقف فتح طريق الهداية عليها.

↑صفحة ١٤٧↑

وكذلك الأمر في أوصيائه الاثني عشر فهم حجج الله تعالى على خلقه بعد نبيه الأكرم بقولهم وفعلهم وتقريرهم وكون حق الحكم خاصا بهم في زمانهم لا يجوز لغيرهم ان يمارسه ا لا بإذنهم ومن هنا اشترطت فيهم العصمة والنص.
وفي ضوء ذلك فان إمامة أهل البيت الاثني عشر (عليهم السلام) كما يعتقد بها الشيعة ليست هي الإمامة التي يعتقدها الزيدية أو المعتزلة أو السنة فهؤلاء يعتقدون بالإمامة على أنها حكم وإجراء حدود وتولية أمراء وتطبيق أحكام الشريعة في المجتمع حسب.
ويفترق الزيدية عن غيرهم بقولهم: ان الذي له حق إجراء الحدود هم عليوالحسن والحسين (عليهما السلام) ومن دعا إلى نفسه وحمل السيف من ذرية الحسن والحسين بعدهما.
أما أهل السنة والمعتزلة فقد أنكروا ان تكون هناك نصوص تدل على حصر حق الحكم بأهل البيت (عليهم السلام) بالشكل الذي قال به الزيدية فضلا عما قال به الشيعة.
وفي قبال الزيدية والمعتزلة والسنة قالت الشيعة بإمامة أهل البيت لا بمعنى الحكم بل بالمعنى الذي يجعل منزلتهم بمنزلة الأنبياء أي كونهم حججا إلهيين تجب طاعتهم سواء بايعهم الناس على الحكم أو لم يبايعوهم، لا فرق بينهم وبين النبي (صلى الله عليه وآله) إلا في النبوة والأزواج(١٦٠)، أما الحكم وإجراء الحدود فنسبته إليهم كنسبته إلى الرسول من حيث اختصاصه به وعدم جواز تصدي الغير له مادام حاضرا(١٦١).
وهذا المعنى للإمام أي كونه حجة الله تعالى في دينه هو المأثور عن هشام بن الحكم في مناظراته.
قال الشامي لهشام:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٠) روى الكليني في الكافي ج١: ٢٧٠ عن محمد بن مسلم قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول الأئمة بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا انهم ليسوا بأنبياء ولا يحل لهم من النساء ما يحل للنبي (صلى الله عليه وآله) فأما خلا ذلك فهم فيه بمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)).
(١٦١) انظر كلام القاضي عبد الجبار في كتابه المغني الجزء المتم للعشرين ق١: ٣٦، ٣٩، ٨٩-٩٠ حيث أشار إلى ان الشيعة ينظرون إلى أئمتهم كحجج لله تعالى، وانظر أيضا الشافي في الإمامة للسيد المرتضىج١: ٣٠٩-٣١٠، والشيخ المفيد في كتابه الجمل ط. المؤتمر العالمي:٧٣-٧٤هـ.ش. والعلامة الحلي في كتابه أنوار الملكوت في شرح ياقوت الكلام لإبراهيم بن نوبخت ص ٢٠٤.

↑صفحة ١٤٨↑

(يا غلام سلني في إمامة هذا (وأشار إلى الإمام الصادق (عليه السلام))... قال هشام للشامي يا هذا أربك انظر لخلقه أم خلقه؟ فقال الشامي بل ربي انظر لخلقه. قال ففعل بنظره لهم ماذا؟
قال أقام لهم حجة ودليلا، كيلا يتشتتوا، أو يختلفوا، يتآلفهم ويقيم أودهم(١٦٢) ويخبرهم بفرض ربهم.
قال فمن هو؟
قال رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال هشام فبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
قال الكتاب والسنة.
قال هشام فهل نفعنا اليوم الكتاب والسنة في رفع الاختلاف عنا؟(١٦٣).
قال فسكت الشامي.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي ما لك لا تتكلم؟
قال الشامي ان قلت لم نختلف كذبت، وان قلت ان الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت، لأنهما يحتملان الوجوه، وان قلت قد اختلفنا وكل واحد منا يدعي الحق فلم ينفعنا إذن الكتاب والسنة، إلاّ انَّ لي عليه الحجة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) سله تجده مليا.
فقال الشامي يا هذا من انظر للخلق أربهم أو أنفسهم؟
فقال هشام ربهم انظر لهم منهم لأنفسهم.
فقال الشامي فهل أقام لهم من يجمع لهم كلمتهم ويقيم أودهم ويخبرهم بحقهم من باطلهم؟
قال هشام في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو الساعة؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٢) الأَوَدُ: العِوَج (لسان العرب).
(١٦٣) ادعى صاحب النشرة ان هشام بن الحكم كان يناظر من اجل الإمامة بمعنى الحكم بينما نصوص مناظراته كما يرى القارئ الكريم تدور حول من له مقام الرسول بكونه حجة في قوله وفعله وتقريره وكونه الفيصل في الاختلاف الفكري والفقهي.

↑صفحة ١٤٩↑

قال الشامي في وقت رسول الله رسول الله (صلى الله عليه وآله) والساعة من؟
فقال هشام هذا القاعد الذي تشد إليه الرحال ويخبرنا بأخبار السماء والأرض وراثة عن أب عن جد(١٦٤).
قال الشامي فكيف لي ان اعلم ذلك قال هشام سله عما بدا لك.
قال الشامي قطعت عذري فعليَّ السؤال.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) يا شامي أخبرك كيف كان سفرك، وكيف كان طريقك، كان كذا وكذا.
فاقبل الشامي يقول صدقت، أسلمت لله الساعة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام) بل آمنت بالله الساعة، ان الإسلام قبل الإيمان وعليه يتوارثون ويتناكحون والإيمان عليه يثابون.
فقال الشامي صدقت فأنا الساعة اشهد ان لا اله إلا الله وان محمداً رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانك وصيُّ الأوصياء)(١٦٥).
وهذا المعنى للإمامة الذي ناظر من أجله هشام طفحت به أحاديث الأئمة (عليهم السلام).
روى الكليني عن داود الرقي عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: (ان الحجة لا تقوم لله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٤) يشير قول هشام (رحمهم الله) هذا إلى ما اشتهر عن الإمام الصادق (عليه السلام) انه كان يخبر بوقوع الملاحم استنادا إلى كتب آبائه (عليهم السلام) ومن ذلك ما اخبر عن مستقبل حركة الحسنيين في زمانه وانه لا يملك أحد منهم وان ذلك مذكور عنده في كتاب فاطمة (عليها السلام) أصول الكافي ١: ٢٤٢، وبصائر الدرجات: ١٦٩-١٧٠. وفي هذا الأخير عن معلى بن خنيس قال كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ اقبل محمد بن عبد الله بن الحسن فسلم ثم ذهب ورقَّ له أبو عبد الله ودمعت عينه فقلت له: لقد رأيتك صنعت به ما لم تكن تصنع قال (رققت له لانه ينسب في أمر ليس له، لم أجده في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة ولا ملوكها) وفي مقاتل الطالبيين ص ٢٠٦ قال الصادق (عليه السلام) لعبد الله بن الحسن ان هذا الأمر ليس إليك ولا إلى ولديك وإنما هو لهذا / يعني السفاح / ثم لهذا / يعني المنصور / ثم لولده من بعده لا يزال فيهم حتى يؤمروا الصبيان ويشاوروا النساء. فقال عبد الله والله يا جعفر ما أطلعك الله على غيبه فقال الصادق (عليه السلام): لا والله ما حسدت ابنك وان هذا -يعني أبا جعفر يقتله على أحجار الزيت ثم يقتل أخاه بعده بالطفوف وقوائم فرسه بالماء. وقد اشتهر ذلك عن الإمام الصادق، انظر تاريخ الطبري(طبعة دار المعارف) ٧: ٥٩٨ وأيضا صفحة ٦٠٠، ومقاتل الطالبين ٣٤٧ وابن خلدون في مقدمتهج١ ص٥٩٥ ومن الجدير ذكره ان علم الإمام بالمغيبات وغيرها لا ينحصر من خلال قراءة تلك الكتب الموروثة بل هو محدَّث من قبل الملائكة بإذن الله (الكافي ج١: ٢٧٠) هذا مضافا إلى كونه مؤيدا بروح القدس الذي به يعلم الإمام مادون العرش وما تحت الثرى (الكافي ج١: ٢٧٢).
(١٦٥) الكافي ج١: ص١٧١ الرواية ٤.

↑صفحة ١٥٠↑

على خلقه إلا بإمام حتى يعرف)(١٦٦).
وروى أيضا عن عبد الله بن سليمان العامري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ما زالت الأرض إلا ولله فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله)(١٦٧).
وروى أيضا عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (سمعته يقول ان الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كي ما ان زاد المؤمنون شيئا ردَّهم وان نقصوا شيئا أتمَّه لهم)(١٦٨).
وروى أيضا عن بشير العطار قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (نحن قوم فرض الله طاعتنا(١٦٩) وانتم تأتمون بمن لا يعذر الناس بجهالته)(١٧٠).
وروى الكليني أيضا عن صفوان بن يحيى قال قلت للرضا (عليه السلام) قد كنا نسألك قبل ان يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام) فكنت تقول يهب الله لي غلاما، فقد وهبه الله لك فاقر عيوننا، فلا أرانا إليه يومك، فان كان كون فإلى من؟
فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) وهو قائم بين يديه.
فقلت جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين؟
فقال: (وما يضره من ذلك فقد قام عيسى (عليه السلام) بالحجة وهو ابن ثلاث سنين)(١٧١) وفي نسخة إرشاد المفيد وأعلام الورى (ابن اقل من ثلاث سنين).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٦٦) الكافي ج١ ص ١٧٧.
(١٦٧) الكافي ج١ ص١٧٨.
(١٦٨) الكافي ج١ ص١٧٨.
(١٦٩) روى الكليني في الكافي ج١: ٢٧٦ عن بريد قال، قال أبو جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) النساء: ٦٣ إيانا عنا خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا. وفي تفسير فرات الكوفي عن الحسين انه سأل جعفر بن محمد (عليه السلام) عن قوله الله تعالى(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) قال: أولي الفقه والعلم قلنا: اخاص أم عام قال بل خاص لنا. وفيه أيضا عنه (عليه السلام) قال أولي الأمر في هذه الآية هم آل محمد (صلى الله عليه وآله)) ص ١٠٨ تحقيق محمد الكاظم ط١٤١٠ هج وفي الكافي ج٢ باب دعائم الإسلام ح٢ وح٩ (ان الولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد (صلى الله عليه وآله) ثم ذكر قوله تعالى (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم)) وفي أصول الكافي ج١: ١٨٩ الحديث ١٦ عن الحسين بن علاء قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) الأوصياء طاعتهم مفترضة قال نعم هم الذين قال الله عز وجل (أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) وهم الذين قال الله عز وجل (انما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) أقول: في ضوء هذه النصوص يتضح ان (اولي الامر) في الاية مصطلح خاص اريد به أوصياء الرسول الاثني عشر (عليه السلام) خاصة.
(١٧٠) الكافي ج١ ص١٨٦.
(١٧١) الكافي ج١. ص ٣٢١ الرواية رقم ١٠.

↑صفحة ١٥١↑

والإمامة بهذا المعنى عرضها القرآن الكريم للأنبياء السابقين قال تعالى (وإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَات فَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) البقرة / ١٢٤.
وقال تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) الأنبياء / ٧٣.
فالإمام في كلا الآيتين هو الهادي إلى دين الله والحجة على خلقه بقوله وفعله وتقريره.
وفي ضوء ذلك يتضح:
ان الذي ذكرته الأحاديث النبوية من حصر الإمامة بعد النبي باثني عشر إنما هو منزلة خاصة لا يراد بها موقع الحكم وإجراء الحدود بل أريد بها موقع من هو بمقام الرسول في كونه حجة لله تعالى في القول والفعل والتقرير وكون الحكم وإجراء الحدود من خصائصه في زمانه، وقد ألحقت أحاديث أخرى الزهراء (عليها السلام) بالأئمة فهي حجة في قولها وفعلها وتقريرها دون خصوصية الحكم.
وبواسطة هؤلاء الحجج حفظ الله شريعة نبيه من التحريف وصارت ميسرة لكل من أرادها.
مشيئة الله تعالى في آل محمد (صلى الله عليه وآله):
وقد يقال لِمَ حُصِر الحجج بعد النبي باثني عشر ولِمَ حُصر بأسرة النبي (صلى الله عليه وآله)؟
والجواب:
ان حصر حجج الله تعالى بعد نبيه الأكرم بأسرة النبي (صلى الله عليه وآله) وبعدد محدود منهم، وهم علي والزهراء والحسن والحسين وتسعة من ذرية الحسين (عليهم السلام)، نظير حصر حججه تعالى بعد نوح وإبراهيم ويعقوب وعمران في ذريتهم كما في قوله تعالى: (ولَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وإِبْرَاهِيمَ وجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ والكِتَابَ فَمِنْهُم مُّهْتَد وكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) الحديد / ٢٦ وقوله: (إِنَّ الله اصْطَفَى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إِبْرَاهِيمَ وآلَ عِمْرَانَ

↑صفحة ١٥٢↑

عَلَى العَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْض والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ) آل عمران / ٣٣-٣٤.
وقد شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل في الحجج من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) امرأة حجة وهي فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) كما جعل بعد موسى امرأة حجة وهي مريم بنت عمران.
وشاءت حكمة الله تعالى أيضاً ان يجعل من ذرية فاطمة (عليها السلام) خاتم أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) وهو الحجة بن الحسن العسكري كما جعل من ذرية مريم (عليها السلام) من قبلُ حجته عيسى (عليه السلام) خاتم أصفيائه من آل عمران وبني إسرائيل.
بل شاءت حكمة الله تعالى ان يجعل المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) نظيرا لعيسى من آل عمران من ناحية الاختلاف في ولادته والامتحان بغيبته فقد اختلف بنو إسرائيل في ولادة المسيح بعد ان كانوا ينتظرونه جميعا للنصوص الثابتة عن أنبيائهم وفي كتبهم(١٧٢)، فآمنت طائفة لما ولد وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم.
واختلف بنو إسماعيل (أمة محمد (صلى الله عليه وآله)) في ولادة المهدي المنتظر من ولد فاطمة (عليها السلام) بعد ان اخبر النبي (صلى الله عليه وآله) عنه وبشر به(١٧٣) فآمنت طائفة لما ولد سنة ٢٥٥ هجـ، وهي لا تزال مؤمنة به ألى اليوم، وأنكرت طائفة ذلك إلى اليوم أيضا.
وامتُحن أنصار عيسى بغيبته، فمنهم من قال قتل، ومنهم من قال أنجاه الله من كيد الظالمين واتصل بخواص تلاميذه لفترة يوجههم ثم غيَّبه الله تعالى ليظهره آخر الزمان.
وكذلك امتحن شيعة المهدي (عليه السلام) بغيبته فمنهم / وهو قليل جدا وفي وقته / من قال انه مات في الغيبة(١٧٤)، وقال الأغلب بحياته في غيبته الطويلة التي غاب فيها بعد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٢) جاء في سفر اشعياء / وهو من أسفار الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى / الإصحاح التاسع الفقرة ١٤ قوله (ولكن الرب نفسه يعطيكم آية. ها العذراء تحبل وتلد إبنا وتدعو اسمه عمانوئيل) وعما نوئيل لفظة عبرية معناها (الرب معنا) ومن الواضح ان النص يشير إلى مريم (عليها السلام) التي حملت من غير رجل وقد أيدها الله تعالى لما ولدت عيسى بان انطقه في المهد ليكون آية لأمه ولبني إسرائيل ومع ذلك فقد كذبت طائفة كبيرة من اليهود ذلك وأنكروا ولادة المسيح المنتظر من العذراء إلى اليوم.
(١٧٣) روى أبو داود في سننه عن أبي الطفيل عن علي (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (لو لم يبق من الدهر إلا يوم، لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا) وفيه أيضا عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة). ج٢ / ٤٢٢ ط ١.
(١٧٤) وقد مر الكلام على هذا القول في الشبهة الأولى وقد ذكر الشيخ المفيد في الإرشاد والشيخ الطوسي في الغيبة أقوالا أخرى انقرض أصحابها.

↑صفحة ١٥٣↑

غيبته(١٧٥) القصيرة وهم ينتظرون ظهوره ليحقق الله تعالى به وعده الذي وعده لنبيه الخاتم.
وشاءت حكمة الله أيضا ان يجعل في آل محمد (صلى الله عليه وآله) حجة لله في سن دون العاشرة من عمره وهو أبو جعفر محمد الجواد (عليه السلام) ليكون نظيرا ليحيى في آل عمران آتاه الله الحكم صبيا.
وشاءت حكمة الله ان يجعل أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) اثني عشر وان يجعل الثاني عشر منهم المهدي يحقق الله تعالى على يده وعده لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) ويرث المؤمنون برسالته الأرض كلها (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) الأنبياء / ١٠٥ وان يكون ذلك نظيرا لأوصياء موسى الاثني عشر وما جعله على يد الثاني عشر من أوصيائه وهو داود من تحقق للوعد الذي وعده لموسى وبني إسرائيل من وراثة ارض فلسطين وما حولها.
وشاءت حكمة الله ان يجعل اغلب أوصياء محمد (صلى الله عليه وآله) من ذرية أخيه ووزيره وأول أوصيائه علي (عليه السلام) وان يكون ذلك نظيرا لما جعله الله تعالى من كون اغلب أوصياء موسى (عليه السلام) بعده في ذرية أخيه ووزيره هارون (عليه السلام) (١٧٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٥) قال الفضل بن الحسن الطبرسي (رحمهم الله) في كتابه أعلام الورى ان أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة بل زمان أبيه وجده وخلدها المحدِّثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة أيام السيدين الباقر والصادق (عليه السلام) وآثروها عن النبي والأئمة واحدا بعد واحد... وليس يمكن أحدا دفع ذلك ومن جملة ثقاة المحدثين والمصنفين من الشيعة الحسن بن محبوب الزراد وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة اشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة ومن جملة ما رواه عن إبراهيم الخارقي عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول لقائم آل محمد غيبتان واحدة طويلة والأخرى صغيرة قال: فقال لي نعم يا أبا بصير إحداهما أطول من الأخرى ثم لا يكون ذلك (يعني ظهوره) حتى يختلف ولد فلان ويظهر السفياني ويشتد البلاء) ص ٤١٦. وروى الشيخ الصدوق في إكمال الدين عن سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري ومحمد بن يحيى العطار جميعا قالوا حدثنا احمد بن محمد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم واحمد بن أبي عبد الله البرقي ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب جميعا قالوا حدثنا أبو علي الحسن بن محبوب السراد عن داود بن الحصين عن أبي بصير عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) المهدي من ولدي اسمه اسمي وكنيته كنيتي أشبه الناس بي خلقا وخلقا تكون له غيبة وحيرة حتى تضل الخلق عن أديانهم فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا) ص ٢٨٧، البحار ٥١ صفحة ٧٢.
(١٧٦) قضية التناظر بين آل محمد (صلى الله عليه وآله) وآل عمران وآل هارون والحجج الإلهيين في الأمم الماضية مسألة ملفتة للنظر جعلها الله تعالى من المعالم الهادية إلى حقانية حركة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) وبخاصة بعد ان أصبحت حركتهم (عليه السلام) بما فيها غيبة المهدي (عجّل الله فرجه) واقعا تاريخيا ناجزا ثابتا تسهل مقارنته مع الواقع التاريخي لحركة الحجج في الأمم السابقة كما ذكرها القرآن الكريم والنصوص الموافقة له من أسفار التوراة والإنجيل المتداولة وقد درسنا ذلك مفصلا وأعددناه في كتاب خاص.

↑صفحة ١٥٤↑

من له حق الحكم في الإسلام:
أما ما يتعلق بمسالة الحكم فان القانون الإسلامي قد أوجب على المسلمين إقامته إلى آخر الدنيا، ومن الطبيعي جداً ان لا يحدد عدد الحكام بعدد معين، وإنما الطبيعي هو ان تحدد مواصفات من له أهلية لإشغال هذا المنصب في المجتمع، وقد حدد القانون الإلهي ذلك صريحا في قوله تعالى (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا والرَّبَانِيُّونَ والأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ الله وكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) المائدة / ٤٤.
والنظرية التي تطرحها الآية من وجود ثلاثة طبقات من العلماء بالكتاب الإلهي يبينون أحكامه وينفذونها في المجتمع، وهم النبيون ثم الربانيون ثم الأحبار، ليست خاصة بالتوراة بل تشمل كل كتاب إلهي تضمَّن الشريعة.
والمراد بالأحبار هم الفقهاء رواة أحاديث الأوصياء.
وفي ضوء الآية الكريمة يكون الذي له حق الحكم في المجتمع هو النبي ومن بعده الوصي ومن بعده الفقيه العادل الكفوء.
وقد وردت النصوص في القرآن والسنة تشير إلى وجود منزلة الربانيين والأحبار في أمة محمد (صلى الله عليه وآله).
روى المحدِّث البحراني في تفسيره البرهان عن العياشي عن أبي عمرو الزبيري عن أبى عبد الله (عليه السلام) قوله:
(ان مما استحقت به الإمامة التطهير والطهارة من الذنوب والمعاصي الموبِقة التي توجب النار، ثم العلم المكنون بجميع ما تحتاج إليه الأمة حلالها وحرامها والعلم بكتابها خاصه وعامه والمحكم والمتشابه ودقائق علمه وغرائب تأويله وناسخه ومنسوخه.

↑صفحة ١٥٥↑

قلت: وما الحجة بأن الإمام لا يكون إلا عالما بهذه الأشياء التي ذكرت؟
قال: قول الله فيمن أذن لهم بالحكومة وجعلهم أهلها (انا أنزلنا التوراة فيها هدىونور يحكم بها النبيون الذين اسلموا للذين هادوا والربانيون) فهذه الأئمة دون الأنبياء الذين يؤتون الناس بعلمهم(١٧٧).
وأما (الأحبار) فهم العلماء دون الربانيين.
ثم اخبرنا فقال: (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء) ولم يقل بما حملوا منه)(١٧٨).
شرح الرواية:
قوله (عليه السلام): (ان مما استحقت به الإمامة التطهير... ثم العلم المكنون...).
العلم المكنون هو: العلم المخزون المصون عن الاختلاف، نظير قوله تعالى (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَاب مَّكْنُون) الواقعة٧٧-٧٨.
ومراده (عليه السلام) ان الإمامة الإلهية الخاصة تتقوم بأمرين:
الأول: الطهارة من الذنوب صغيرها وكبيرها.
الثاني: العلم بكل ما تحتاج إليه الأمة علما مصونا عن الخطأ والاختلاف.
وكلاهما فضل من الله يمنحه من يشاء من عباده.
قوله (عليه السلام): (قول الله فيمن أذن الله لهم بالحكومة وجعلهم أهلها).
يشير الى ان الذين أذن الله لهم بالحكومة هم ثلاث فئات:
الفئة الأولى: النبيون.
الفئة الثانية: الربانيون.
الفئة الثالثة: الأحبار(١٧٩).
قوله (عليه السلام): (فهذه الأئمة دون الأنبياء).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٧٧) وفي نسخة (يربون الناس بعلمهم) والظاهر ان هذا هو الصحيح وهو من التربيه بمعنى الاصلاح اي يصلحون الناس بعلمهم.
(١٧٨) تفسير البرهان تفسير الآية.
(١٧٩) انظر تفصيل الاستدلال على ان الربانيين في الاية هم الائمة (عليه السلام) في تفسير الآية عند العلامة الطباطبائي (رحمهم الله).

↑صفحة ١٥٦↑

يشير إلى ان الربانيين في الآية هم الأئمة الإلهيون، وهم العلماء أصحاب العلم المصون عن الخطأ المطهرون عن الذنوب(١٨٠) المنصوص عليهم الذين ورد ذكرهم في قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ فَلاَ تَكُنْ فِي مِرْيَة مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ، وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) السجدة٢٣-٢٤.
ان الأئمة من بني إسرائيل من بعد موسى المشار إليهم في الآية على قسمين:
الأول: أنبياء ورسل كداود وسليمان وزكريا ويحيى وعيسى.
الثاني: غير أنبياء ولكنهم علماء معصومون منصوص عليهم وهم آل هارون وطالوت(١٨١) وصاحب سليمان(١٨٢) وغيرهم وهؤلاء هم الربانيون المشار إليهم في الآية ٤٤ من سورة المائدة موضوع البحث ولهم نظائر في هذه الامة.
وقد قال الامام الباقر (عليه السلام) في تفسيرها: (انها فينا نزلت)(١٨٣)، ومراده (عليه السلام) انها نزلت لبيان مقامهم بواسطة ذكر نظائرهم في الامم السابقة.
وتفسير الإمام الباقر (عليه السلام) هذا من باب البطن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٠) ومن الجدير ذكره هنا هو ان الوصي فضلا عن الفقيه في عصر النبي (صلى الله عليه وآله)) ليس له ان يمارس الحكم إلا بإذن النبي (عليه السلام)، وكذلك الأمر مع الفقهاء في زمن حضور الأوصياء، أما زمان الغيبة الكبرى فقد أذن الأوصياء لفقهاء شيعتهم خاصة ان يمارسوا الحكم وأوجبوا على شيعتهم الرجوع إليهم والرضا بهم دون غيرهم وقد استدل الفقهاء على هذا الإذن بقول الإمام الصادق (عليه السلام) (اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا فإني قد جعلته عليكم قاضيا وإياكم ان يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر (التهذيب للطوسي ج٦ / ٣٠٣) وقوله (عليه السلام) من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فإني قد جعلته عليكم حاكما) (الكافي ج٧ / ٤١٢، من لا يحضره الفقيه ج٣ / ٥، التهذيب ج١ / ٣٠١، وسائل الشيعة ١٨ / ٩٨، والتوقيع الصادر عن الحجة بن الحسن العسكري (عليه السلام) (اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم وأنا حجة الله) إكمال الدين للصدوق ص٤٨٣.
(١٨١) قال تعالى: (وقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وبَقِيًّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الَمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) البقرة:٢٤٨.
(١٨٢) قال تعالى: (قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وإِنِّي عَلَيْهِ لَقُوِىٌّ أَمِينٌ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي َشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ومَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ومَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ) النمل:٣٨-٤٠.
(١٨٣) تفسير العياشي ج١: تفسير الآية ٤٤ من سورة المائدة.

↑صفحة ١٥٧↑

وقد وضَّح الامام الباقر معنى (البطن) حين سأله الفضيل بن يسار عن الرواية التي تقول (ما في القرآن آية الا ولها ظهر وبطن) ما يعني بقوله لها ظهر وبطن قال: (ظهره تنزيله وبطنه تأويله).
وفي رواية مهران عن ابي جعفر (عليه السلام) إيضا قال: (ظهر القرآن الذين نزل فيهم وبطنه الذين عملوا مثل اعمالهم)(١٨٤).
قوله (عليه السلام): (ثم اخبر فقال (بما استحفظوا من كتاب الله..) ولم يقل بما حملوا منه)
إشارة منه (عليه السلام) إلى ان (الاستحفاظ) لا يراد به مجرد حمل العلم فقط، بل يراد به (حمل العلم وعدم تضييعه عمليا) وهذا المعنى صادق دائما مع النبيين والربانيين، أما مع غيرهم فقد يتخلف فيكون عالما بحدود الله ومضيعا لها عمليا.
مسألة الشورى:
أما ما يتعلق بمسالة الشورى فان لها تصوراً مجالات أربعة:
الأول: الشورى كطريق لمعرفة الحجة المعصوم بعد رسوله ولا شك هي غير صالحة لذلك.
الثاني: الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم في زمن الحجج الاثني عشر الذين نص عليهم الرسول، ولا شك هي باطلة في هذا المورد كبطلانها في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، إذ الحكم من خصائص حجة الله نبيا كان أو وصيا وعلى الأمة ان تبايعه وتبسط يده ولا تبايع غيره.
ومما لا شك فيه ان الشورى في هذين المجالين مما اجمع على رفضه الشيعة في كل عصورهم.
الثالث: الشورى كطريق لتشخيص من هو الأصلح للحكم من بين الفقهاء في فترة الغيبة الكبرى، وهذه المسألة لم تكن موضع بحث عند القدامى من علماء الشيعة لعدم ابتلائهم بها، أما المحدثون فقد ذهب قسم منهم ممن بحثها إلى القول بها(١٨٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٤) البرهان ج١: ٢٠.
(١٨٥) حصر بعض الفقهاء المعاصرين حجية الترجيح بالانتخاب في فرض التشاح انظر كتاب ولاية الأمر في عصر الغيبة للسيد كاظم الحائري ص ٣١٤ فما بعدها. وذهب آخرون إلى عدم تقيدها بذلك الفرض انظر دراسات في ولاية الفقيه ج١ للشيخ المنتظري وكتاب الحكم الإسلامي بين النظرية والتطبيق للسيد محمد باقر الحكيم ص ١٠٨-١٠٩وكتاب ولاية الأمر للشيخ الآصفي.

↑صفحة ١٥٨↑

الرابع: الشورى كممارسة من الحاكم في الشؤون التنفيذية العامة كما في كيفية الحرب وغيرها وهذه الشورى قد نص عليها القرآن الكريم في قوله تعالى (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى الله إِنَّ الله يُحِبُّ المُتَوَكِّلِينَ) آل عمران / ١٥٩(١٨٦).
وفي ضوء ذلك يتضح ان قول القائل (ان الشيعة لا يؤمنون بالشورى والانتخاب) ليس صحيحا على إطلاقه بل لابد من مراعاة التفصيل الآنف الذكر.
مسألة البيعة:
وهناك مسألة اخرى تجدر الاشارة اليها هنا وهي مسألة البيعة، والذي يتبناه الشيعة فيها هو: أنَّ البيعة عهد شرعي على النصرة واقامة الحكم لا تصح الا مع من تصح البيعة معه على ذلك(١٨٧) وهم: النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في فترة الغيبة الكبرى.
روى الشيخ الطوسي في أماليه بسنده عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه ان عليا (عليه السلام) قال:
(ان فلانا وفلانا (يريد ابابكر وعمر) أتياني وطالباني بالبيعة لمن سبيله ان يبايعني)(١٨٨).
قال الشيخ راضي آل ياسين (رحمهم الله):
(وانما على الناس ان يبايعوا من ارادته النصوص النبوية ولا تصحح الامامية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٦) انظر الإسلام يقود الحياة للشهيد الصدر رح ص ١٦٢.
(١٨٧) قال السيد مرتضى العسكري: (تنعقد البيعة في الاسلام اذا توفرت فيها الشروط الثلاثة التالية:

أ - ان يكون المبايِع ممن تصِح منه البيعة ويبايِع مختارا.

ب - ان يكون المبايَع له ممن تصِح مبايعته.

ج - ان تكون البيعة لأمر يصِح القيام به. وعلى ما بينا لا تصِح البيعة من صبي او مجنون لانهما غير مكلفين بالاحكام في الاسلام ولا تنعقد بيعة المكره لان البيعة مثل البيع فكما لا ينعقد البيع بأخذ المال من صاحبه قهرا ودفع الثمن له كذلك البيعة لا تنعقد بأخذها بالجبر وفي ظل السيف. وكذلك لا تصِح البيعة للمتجاهر بالمعصية ولا تصِح البيعة للقيام بمعصية الله. اذن فالبيعة مصطلح اسلامي ولها احكامها في الشرع الاسلامي) معالم المدرستين ط٤ ج١ ص٢٠٦.
(١٨٨) البحار ج ٢٨: ٢٤٨. وقريب منه ما رواه ابن أبي الحديد في شرح النهج ٢:٢-٥ (لما قيل لعلي (عليه السلام) بايع قال لهم انا احق بهذا الأمر منكم لا ابايعكم وانتم أولى بالبيعة لي...).

↑صفحة ١٥٩↑

بيعة غيره)(١٨٩).
وقال ايضا:
(لما كان الواجب على الناس ديناً الانقياد الى بيعة الامام المنصوص عليه كان الواجب على الامام مع قيام الحجة بوجود الناصر قبول البيعة،...، ولا مجال للتخلف عن الواجب مع وجود شرطه)(١٩٠).
وقال الشهيد الصدر (رحمهم الله):
(ولا شك ان البيعة للقائد المعصوم واجبة لا يمكن التخلف عنها شرعا)(١٩١).
وقال السيد محمود الهاشمي:
(الناس مكلفون بأن يقوموا بالقسط، وهم من اجل ذلك لا بد وان يبايعوا القائد المنصوب من قبل الله سبحانه وتعالى كي يهيئوا له فرصه اقامة القسط وهذه مسؤولية الامة ايضا، اذ ان من اصول الفكر السياسي في الاسلام (البيعة) لولي الامر المنصب من قبل المبدأ الاعلى او وليه بشكل خاص، او بالشكل العام ضمن الشروط والمواصفات المعينة المعروفة، كما يسمى عند الفقهاء بـ (القضية الحقيقية) ولا نقصد (بالبيعة) جانبها الشكلي او الصوري، وان كان ذلك ايضا محمودا ولازما، وانما نقصد بها لزوم (الطاعة) لتمكين هذا القائد (الحاكم) من القيام بدوره القيادي في اقامة العدل والقسط بين الناس، ولكن لا يكون الا من خلال (المبايعة) واقرار (الطاعة) له)(١٩٢).
وقال السيد مرتضى العسكري:
(فالحاجة الى البيعة هي تنفيذ الاحكام الاسلامية والامام (عليه السلام) بحاجة الى من ينصره لتنفيذ الاحكام.. ولا يلزم من ذلك ان يتعاهد جميع الناس، اذ ان تعاهد مقدار من الناس بانهم يقومون بتنفيذ الاحكام الاسلامية يعتبر كافيا)(١٩٣).
وقال ايضا في سؤال وجه اليه عن رسائل اهل الكوفة هل يمكن اعتبارها بيعة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٨٩) صلح الحسن ص ٥٤.
(١٩٠) صلح الحسن ص ٦٠.
(١٩١) الاسلام يقود الحياة. ١٦٢.
(١٩٢) مصدر التشريع ونظام الحكم في الاسلام ص ١٠٢.
(١٩٣) صحيفة الجهاد العدد (٧٠٠) ١٩٩٥.

↑صفحة ١٦٠↑

قال: (نعم، ولكن البيعة وقعت بعد ذهاب مسلم بن عقيل حيث يصدق على كتبهم قول الامام امير المؤمنين (عليه السلام) (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر)... فيجب عليه تلبية طلب جماعة من المسلمين.. وكذلك فان الكوفة كانت مركزا للجند كالشام مثلا فكان ارسالهم الكتب اليه يلزمه باجابة طلبهم وكان ملزما شرعا ان يجبيهم الى طلبهم)(١٩٤).
اقول: ومن الجدير ذكره ان هذه البيعة الواجبة مع المعصوم ليس دورها دور انشاء حق الحكم للمعصوم لان حقه في ذلك ثابت بالنص كما مر بيانه وانما دورها دور تمكينه وبسط يده.
قال السيد كاظم الحائري:
(ان المعصوم (عليه السلام) على رغم ان له ولاية الامر والحكومة بتشريع من قبل الله تعالى لم يكن من المقرر الهيا ان يرضخهم لما له من حق الحكومة بالاكراه الاعجازي، كما انه لا تجبر الامة على الاحكام الاخرى كالصلاة والصوم بالجبر الاعجازي والا لبطل الثواب والجزاء، لان الناس يصبحون مسيرين عن غير اختيار. بل كان من المقرر ان يصل المعصوم الى السلطة بالطرق الاعتيادية ومن الواضح الوصول الى السلطة بالطريق الاعتيادي وبغير الاعجاز ينحصر في وجود ناصرين له من البشر، فكان اخذ البيعة منهم لاجل التأكد من وجود ثلة كافية من الامة تعهدوا بنصر المعصوم والعمل معه في جهاده وسائر اموره الحكومية ولولاهم لعجز المعصوم حسب القوة البشرية ومن دون الاعجاز عن تحقيق السلطة والحكومة خارجا)(١٩٥).
الخلاصة:
وخلاصة الجواب: ان الامر الذي حُصِرَ باثني عشر هو منزلة خاصة لا يرادبها موقع الحكم واجراء الحدود، بل اريد بها منزلة الحجة على الخلق في القول والفعل والتقرير، والله تعالى اعلم حيث يجعل رسالته وحجته وفي أي اسرة وبأي عدد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٤) الجهاد العدد (٧٠٠) ١٩٩٥.
(١٩٥) رسالة الثقلين العدد ١٢ مغزى البيعة مع المعصومين.

↑صفحة ١٦١↑

اما الحكم واجراء الحدود فهو من اختصاص هؤلاء الحجج في زمانهم وحضورهم ولا يجوز لاحد ان يمارسه الا بإذنهم اما في عصر الغيبة فقد اذن الائمة (عليه السلام) لفقهاء شيعتهم ورواة احكامهم ان يمارسوه وامروا شيعتهم بالرجوع اليهم للاحتكام اليهم والاخذ عنهم.
اما الشورى فقد تبين ان الذي رفضه الشيعة منها هو ما كان في قبال النص، اما ما كان في طوله وامتداده فليس كذلك.
اما البيعة على الحكم فالذي يراه الشيعة هو عدم صحتها مع من لا تصح معه شرعا وان الذي تصح معه بل تجب هو النبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل في عصر الغيبة.

↑صفحة ١٦٢↑

الفصل الثاني: ملاحظات على مقال الدكتور البغدادي في رده على الشهيد الصدر (رحمه الله)

↑صفحة ١٦٣↑

البغدادي يرد على الشهيد الصدر!
نشر احمد الكاتب في نشرته الشورى العدد الثالث مقطعا من كلام الشهيد الصدر اقتطعه من كتابه (بحث حول الولاية) الذي يبرهن فيه على بطلان الشورى في المجال الأول والثاني الآنفي الذكر ويثبت فيه النص على علي (عليه السلام) وبقية أهل البيت (عليهم السلام). وقد صدَّر صاحب النشرة الكلام المقتطع بمانشيت عريض (الصدر: الصحابة لم يعرفوا نظام الشورى) وقدم له مقدمة طلب فيها من القراء والمفكرين المسلمين ان يولوها كبير اهتمامهم لأنها رؤية لا تزال حية في أذهان الكثير من المثقفين وانه يستقبل أية مناقشة لها ثم نشر في العدد السادس مقالا يحمل عنوان الشورى منهج حياة المسلمين) وبتوقيع الدكتور عبد الله البغدادي(١٩٦) يرد فيه على الشهيد الصدر وقد جاء الرد في محورين هما:
المحور الأول: يثبت فيه البغدادي ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يستشير أصحابه في القضايا التنفيذية العامة ويأخذ برأيهم فيها ثم ذكر قصة مشورة النبي أصحابه في قصة بدر واحد وغيرها.
المحور الثاني: وينكر فيه وجود النص على علي (عليه السلام) ويقول ان بيعة الخلفاء كانت على أساس الشورى ودون تهديد أو قوة سلاح ومما قاله في هذا الصدد:
(ان ما جرى في السقيفة من نقاش حصل فيه ترشيح لأبي بكر وآخر لسعد بن عبادة، وقد تغلب الرأي الأول، ولم يكن ذلك تمام الشورى، بل انه كان مجرد ترشيح، والبيعة التي تمت في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) والتي اجمع عليها جمهور المهاجرين والأنصار كانت لأبي بكر وكان ذلك هو الاستفتاء (للجيل الطليعي من الأمة الذي يضم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٦) لا ندري فيما إذا كان هذا الاسم له وجود واقعي أو هو اسم مستعار آخر لصاحب النشرة!

↑صفحة ١٦٥↑

المهاجرين والأنصار) كما وصفه الشهيد الصدر. ولو لم يبايع المسلمون / وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح / لما انعقدت بيعة أبي بكر.
وكذلك الأمر في استخلاف أبي بكر لعمر أو في استخلاف عمر للستة، فالأمر لا يعدو ان يكون ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض من الأمة التي تدلي بصوتها في إعطاء البيعة أو رفض ذلك.
أما الاستنتاج من الشهيد الصدر بأن (الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء، ومعقولا على ضوء ظروف الدعوة والدعاة وسلوك النبي هو ان يختار النبي بأمر من الله شخصا فيعده إعدادا رساليا وقياديا لتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية) (ولم يكن هذا الشخص المرشح للإعداد الرسالي والقيادي والمنصوب لتسلم الدعوة وتزعمها فكريا وسياسيا إلا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)).
فالرد عليه ان الغرابة بمكان ان يكون ذلك (هو الطريق الوحيد الذي بقي منسجما مع طبيعة الأشياء) ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من (الجيل الطليعي للامة) بل لم يذكر أحد ممن حضر السقيفة أو شهد البيعة في المسجد النبوي نصا أو وصية من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذلك.
والأغرب من ذلك هو انه لم يرد نص صريح في القرآن والسنة يشير إلى هذا الاختيار النبوي الذي هو (بأمر من الله)!
والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (عليه السلام) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين) بل كان مما حاجج به الإمام علي (عليه السلام) معاوية الذي نازعه سلطانه الشرعي قوله: (ان القوم الذين بايعوني هم القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر..)) انتهى كلامه.
تعليقنا على الرد في محوره الأول هو:
ان الشهيد الصدر (رحمهم الله) لم يرفض الشورى في مجال ممارسة الحاكم للشؤون التنفيذية العامة ولم يرفض دورها في تشخيص المرجع في فترة الغيبة الكبرى ودور الانتخاب في حسم حالة تعدد المرجعيات المتكافئة المستوفية للشروط اللازمة وقد

↑صفحة ١٦٦↑

وضَّح ذلك مفصلا في كتابيه (لمحة فقهية تمهيدية عن دستور الجمهورية الإسلامية في إيران) و(خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء). وان الذي كان ينفيه من الشورى في كتابه (بحث حول الولاية) هو الشورى في مجال تعيين القيادة الفكرية والسياسية التي تخلف النبي (صلى الله عليه وآله) والتي تقع على امتداد الرسالة في كل شيء إلا النبوة والأزواج كما مرَّ توضيحه.
وكان ينبغي على صاحب النشرة ان ينبه إلى ذلك وينشر مقاطع من كلام الشهيد الصدر توضح رأيه في ذلك.
أما تعليقنا على الرد في محوره الثاني:
فسيأتي تباعا في هذه الحلقة وفي غيرها، ومن الجدير ذكره ان إشكالاته التي أثارها ليست مما ينفرد به بل هي إشكالات أثارها قبله كل من كتب من علماء السنة ومثقفيهم في هذا الموضوع وأجاب عليها الشيعة.

↑صفحة ١٦٧↑

الفصل الثالث: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير

قال البغدادي: ان عليا (عليه السلام) لم يحتج في ما ثبت عنه بأي قول يشير إلى النص عليه
اقول: لقد احتج علي (عليه السلام) بحديث الغدير وقد تواتر ذلك عنه في كتب الحديث

↑صفحة ١٦٩↑

نص الشبهة
قال البغدادي: (والأغرب من ذلك كله.. ان الإمام علي (عليه السلام) لم يحتج لنفسه - فيما ثبت عنه - بأي قول يشير إلى هذا (التعيين)).
الرد على الشبهة
اقول:
أولا:
لقد ثبت تاريخيا ان عليا (عليه السلام) قد احتج بحديث الغدير في اكثر من مناسبة كان اشهرها في المصادر التاريخية والحديثية الميسرة بين أيدينا هي مناشدته للناس في مسجد الكوفة بعد عودته من حرب الجمل.
قال عبد الحق الدهلوي البخاري(١٩٧) في كتابه اللمعات في شرح المشكاة في تعليقه على حديث الغدير:
 (وهذا حديث صحيح لا مرية فيه وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي واحمد وطرقه كثيرة جدا رواه ستة عشر صحابيا(١٩٨) وفي رواية لاحمد انه سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثون صحابيا وشهدوا به لعلي (عليه السلام) لما نوزع أيام خلافته وكثير من أسانيده صحاح وحسان ولا التفات لمن قدح في صحته(١٩٩) ولا إلى قول بعضهم (ان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(١٩٧) عالم سني انظر ترجمته في كتاب سبحة المرجان ص ٥٢.
(١٩٨) بل سمعه من النبي (صلى الله عليه وآله) كل من كان معه في حجة الوداع وهم مابين سبعين ألف إلى مائة ألف وقد أحصى العلامة الاميني في كتابه الغدير الجزء الأول مائة وعشرة من الصحابة في ضوء المصادر الحديثية والتاريخية التي تيسرت له.
(١٩٩) كان ممن قدح في صحة حديث الغدير ابن حزم الأندلسي في ما نقل عنه ابن تيمية في منهاج السنة ج٤: ٨٦، وقال ابن تيمية في الصفحة نفسها عن حديث الغدير انه ليس في الصحاح ولكن هو مما رواه العلماء وتنازع الناس في صحته ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث انهم طعنوا فيه وضعفوه. وذهب إلى تضعيفه أيضا الايجي في المواقف ج٨: ٣٩١، والرازي في كتابه نهاية العقول، وقد استوفى الرد عليهم صاحب العبقات، انظر خلاصة عبقات الأنوار ج٦: ١٣٥-٤٠٤.

↑صفحة ١٧١↑

زيادة اللهم وال من والاه إلى آخره) موضوع فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي(٢٠٠) كثيرا منها كذا قال الشيخ ابن حجر في الصواعق المحرقة).
أقول:
روى احمد بن حنبل عن عبد الله بن عمر الجشمي البصري (ت٢٣٥) عن عبيد الله بن عمر القواريري عن يونس بن أرقم عن يزيد بن زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت ٨٣) قال شهدت عليا في الرحبة(٢٠١) قال: (انشد الله رجلا سمع رسول الله وشهد يوم غدير خم إلا قام ولا يقوم إلا من رآه فقام اثنا عشر بدريا فقالوا نشهد انا سمعنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم (الست أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم فقالوا بلى يا رسول الله قال فمن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه))(٢٠٢).
وفيه أيضا بسند آخر قال (صلى الله عليه وآله) (واخذل من خذله)(٢٠٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٠) قال الذهبي في كتابه سير أعلام النبلاء ج١٤: ٢٧٧: (جمع الطبري (ابن جرير) طرق حديث غدير خم في أربعة أجزاء رأيت شطره فبهرني لسعة رواياته وجزمت بوقوع ذلك. ونقل عنه ابن كثير في تاريخه ج٥: ٢١٤ انه قال (وصدر الحديث (من كنت مولاه فعلي مولاه) متواتر اتيقن ان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قاله، واما (اللهم وال من والاه) فزيادة قوية الاسناد).
أقول: وقد ذكر ياقوت في معجم الأدباء ج١٨: ٨٣-٨٥. ان بعض الشيوخ ببغداد قال بتكذيب حديث غدير خم وقال ان علي بن أبي طالب كان باليمن في الوقت الذي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بغدير خم فبلغ أبا جعفر الطبري ذلك فابتدأ بالكلام في فضائل علي بن أبي طالب وذكر طرق حديث غدير خم، قال ياقوت قال أبو بكر بن كامل حضرت أبا جعفر الطبري حين حضرته الوفاة فسألته ان يجعل كل من عاداه في حل فقال كل من عاداني وتكلم فيَّ إلا رجلا رماني ببدعة قال ياقوت ودفن ليلا خوفا من العامة لانهم كانوا يتهمونه بالتشيع.
أقول: اتهم الطبري بالتشيع لروايته حديث الغدير في كتابه الذي ذكره الذهبي وحديث الوصية في كتابه التاريخ وكانت عقيدته كما ذكر ياقوت هي الاعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي (عليه السلام) وما عليه أصحاب الحديث في التفضيل وكان يكفِّر من كفَّر أصحاب رسول الله من الروافض والخوارج ولا يقبل أخبارهم ولا شهاداتهم (معجم الأدباء ج١٨: ٨٣-٨٥).
(٢٠١) اي: ساحة مسجد الكوفة.
(٢٠٢) ج١: ١١٩ قال في الفتح الرباني إسناده صحيح.
(٢٠٣) ج١: ١١٩ وفيها (إلا ثلاثة لم يقوموا فأصابتهم دعوته).

↑صفحة ١٧٢↑

وفيه أيضا بسنده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ت١٠٠(٢٠٤) قال:
 (جمع علي (عليه السلام) الناس في الرحبة ثم قال لهم:انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.
قال أبو واثلة: فخرجت وكأن في نفسي شيئا فلقيت زيد بن أرقم فقلت له إني سمعت عليا (عليه السلام) يقول كذا وكذا.
قال: فما تنكر قد سمعت رسول الله يقول ذلك له)(٢٠٥).
وقوله (فخرجت وكأن في نفسي شيئا) يبدو منه ان أبا الطفيل استعظم النتائج المترتبة على حديث الغدير وهي هلاك وضلالة من خالف عليا أو خذله أو قاتله أو قدَّم نفسه عليه لذلك راح يستزيد عن القضية اكثر(٢٠٦).
ومن الجدير ذكره هنا ان حديث الغدير الذي استنشده علي (عليه السلام) لم يكن يتضمن ذكر علي (عليه السلام) فقط بل تضمن أيضا ذكر أهل بيته، وقد روى الحاكم النيسابوري الرواية كاملة عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم قال:
(خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى انتهينا إلى غدير خم عند شجيرات خمس ودوحات عظام فكنس الناس ما تحت الشجيرات ثم استراح رسول الله (صلى الله عليه وآله) عشية فصلى ثم قام خطيبا فحمد الله واثنى عليه ثم قال:
(أيها الناس إني تارك فيكم أمرين(٢٠٧) لن تضلوا ان اتبعتموهما وهما كتاب الله وأهل بيتي عترتي ثم قال أتعلمون أني أولى الناس بالمؤمنين من أنفسهم ثلاث مرات قالوا نعم فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فعلي مولاه...)(٢٠٨).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٤) صحابي ولد في أحد وأدرك من عمره ثماني سنوات مع النبي (صلى الله عليه وآله).
(٢٠٥) ج٤: ٣٧٠.
(٢٠٦) وقد روى حديث المناشدة هذا من التابعين منهم سعيد بن وهب، وزيد بن يثيع، وعبد خير، وحبة العرني، وعمرو بن ذي مر، وسعيد بن حدان، وأبو سليمان، وزاذان، وعميرة بن سعد، وغيرهم وقد اخرج أحاديث هؤلاء أبو نعيم في حلية الأولياء وابن كثير في البداية والنهاية والخطيب في تاريخ بغداد والنسائي في الخصائص وابن المغازلي في المناقب وابن حجر العسقلاني في الإصابة وابن الأثير في أسد الغابة وغيرهم.
(٢٠٧) في رواية مسلم واحمد (ثقلين).
(٢٠٨) المستدرك على الصحيحين ٣: ١١٠، ٣: ٥٣٣ تاريخ دمشق ترجمة علي (عليه السلام) ج٢: ٣٦ الحديث رقم ٥٣٤ وقد رواه البلاذري أيضا في الحديث رقم ٤٨ من ترجمة علي (عليه السلام) ص١١٠ تحقيق المحمودي وفيه قول النبي (صلى الله عليه وآله) (كأني قد دعيت فأجبت وان الله مولاي وانا مولى كل مؤمن وانا تارك فيكم...) ورواه ابن كثير في البداية والنهاية ج٢ ص٢٠٦ عن سنن النسائي ورواه أيضا محمد بن جرير الطبري عن أبي الطفيل عن زيد بن أرقم وعن عطية عن أبي سعيد الخدري ورواه أيضا ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص٢٣. كماورواه أيضا في كنز العمال ج ١٣: ١٠٤الحديث رقم (٣٦٣٤٠) تصحيح الشيخ صفوة السقا.

↑صفحة ١٧٣↑

وفي رواية الطبراني بعد قوله عترتي (وان اللطيف الخبير نَبَّني انهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض وسألت ذلك لهما، فلا تَقدَّموهُما فتهلكوا ولا تقصروا عنهما فتهلكوا، ولا تعلموهم فانهم اعلم منكم)(٢٠٩).
وقد ورد حديث النبي (صلى الله عليه وآله) في أهل بيته في مناسبات شتى ولم يكن مقتصرا على مناسبة غدير خم.
قال ابن حجر الهيثمي: (اعلم ان لحديث التمسك بذلك طرقا عديدة كثيرة وردت عن نيف وعشرين(٢١٠) صحابيا وفي بعض تلك الطرق انه قال ذلك بحجة الوداع بعرفة(٢١١) وفي أخرى انه قاله بالمدينة في مرضه وقد امتلأت الحجرة بأصحابه(٢١٢) وفي أخرى انه قال ذلك بغدير خم وفي آخر انه قال ذلك لما قام خطيبا بعد انصرافه من الطائف(٢١٣))(٢١٤).
ثانيا:
وفي ضوء حديث الثقلين وحديث الولاية كان علي (عليه السلام) أيام حكومته يوضح للناس حقيقة منزلته ومنزلة أهل البيت (عليهم السلام).
فمن كلماته قوله (عليه السلام): (لا يقاس بآل محمد (صلى الله عليه وآله) من هذه الأمة أحد ولا يُسَوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا هم أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٠٩) المعجم الكبير ج٥:ص١٦٧ الحديث رقم٤٩٧١ وقال في مجمع الزوائد ٩:١٦٤ فيه حكيم بن جبير وهو ضعيف قال ابن حجر في التقريب ضعيف رمي بالتشيع.
(٢١٠) في غاية المرام للبحراني وصلت الأحاديث من طرق السنة إلى ٣٩ حديثا.
(٢١١) كما روى ذلك الترمذي في ج٥: ٦٢١ والمزي في تهذيب الكمال ج١٠: ٥١ والخطيب التبريزي في المشكاة ج٣: ٢٥٨ والطبراني في المعجم الكبير ج٣: ٦٣ ح ٢٦٧٩.
(٢١٢) أخرجه العصامي في سمط النجوم العوالي ج٢: ٥٠٢ برقم ١٣٦ عن أبي بكر بن أبي شيبة، وذكره أيضا البزار في زاوئده.
(٢١٣) أخرجه في الصواعق ص٧٥ عن ابن أبي شيبة.
(٢١٤) الصواعق المحرقة ٧٩-٩٠.

↑صفحة ١٧٤↑

التالي، ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة الآن إذ رجع الحق إلى أهله ونقل لى منتقله) (الخطبة رقم ٢).
وقوله (عليه السلام): (أين الذين زعموا انهم الراسخون في العلم دوننا كذبا وبغيا علينا، ان رفعنا الله ووضعهم، وأعطانا وحرمهم، وأدخلنا وأخرجهم، بنا يستعطى الهدى، ويستجلى العمى، ان الأئمة من قريش غُرسوا في هذا البطن من هاشم، لا تصلح على سواهم، ولا تصلح الولاة من غيرهم) (الخطبة رقم ١٥٢).
وقوله (عليه السلام): (وخلف فينا راية الحق، من تقدمها مرق، ومن تخلَّف عنها زهق، ومن لزمها لحق).
وقوله (عليه السلام): (هم عيش العلم وموت الجهل.. لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، وهم دعائم الإسلام، وولائج الاعتصام، بهم عاد الحق إلى نصابه، وانزاح الباطل عن مقامه وانقطع لسانه عن منبته) (الخطبة رقم ٢٣٩).
وقوله (عليه السلام) عن نفسه: (وأنا من رسول الله كالضوء من الضوء والذراع من العضد) (الكلام رقم ٤٥١).
وقوله (عليه السلام): (لقد علمتم اني أحق بها من غيري) الخطبة رقم ٧٤.
وقوله (عليه السلام): (أما والله لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى إلىَّ الطير) (الخطبة رقم ٣).
وفي ضوء ذلك يتضح ان الولاية لعلي (عليه السلام) في حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) لا تعني المحبة والنصرة(٢١٥)، لان هذين الأمرين من حق كل مؤمن، وعلي (عليه السلام) أول المؤمنين، وليست لغيره سوابق في الإيمان والجهاد كسوابقه بل ليست لغيره من الطاعة والانقياد لله ورسوله كانقياده وطاعته، وحقه في المحبة والنصرة محفوظ من هذه الناحية، وإنما أراد بالولاية تلك الولاية الخاصة بالرسول دون غيره من المؤمنين، هذه الولاية التي تجعل المؤمنين إلى آخر الدنيا في جانب والرسول في جانب آخر، وولاية الرسول التي ينفرد بها هي ولاية الله تعالى، وولاية الله تعالى لا تقف عند حدود المحبة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٥) كما ذهب إلى ذلك الدهلوي صاحب التحفة الاثني عشرية والشيخ النبهاني في كتابه الشخصية الإسلامية ج٢: ٦٩ وغيرهما من علماء السنة.

↑صفحة ١٧٥↑

والنصرة، بل تمتد إلى جانب الإتباع والطاعة والاحتكام إليه، والوقوف عند أمره ونهيه حيا كان او ميتا(٢١٦)، وهذا هو المعنى الذي فهمه أبو واثلة واستعظمه، لان معناه عليه ان يرتبط بعلي (عليه السلام) كارتباطه برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعد موته وهكذا كان أمره إذ عرف أبو الطفيل عامر بن واثلة انه من شيعة علي (عليه السلام) وشهد مشاهده كلها، وبقي أبو الطفيل بعد علي (عليه السلام) وقد سأله معاوية يوما كيف وَجْدُك على خليلك أبي الحسن يا بن واثلة قال: كحب الفاقد لأخيها وزوجها وولدها وإلى الله تعالى أشكو التقصير(٢١٧).
ثالثا:
وإذا أراد القارئ الكريم مزيدا من التفصيل عن حديث الغدير وما أثير حوله من اشكالات سندية ودلالية وأجوبة علماء الشيعة على ذلك فعليه بكتاب الغدير ج ١ للعلامة الاميني (رحمهم الله) وكتاب عبقات الأنوار ج٦ - ٩ تعريب وتلخيص العلامة الميلاني فأنهما أوسع وافضل ما كتب في هذا الباب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٦) قال السيد كاظم الحائري: ان ولاية المعصوم غير مخصوصة بأيام حياته ونفهم ذلك من قوله تعالى(النبي اولا بالمؤمنين من انفسهم) ومن قوله (صلى الله عليه وآله) من كنت مولاه فهذا علي مولاه. (الامامة وقيادة المجتمع للحائري ص٢١٣).
(٢١٧) كتاب الوافدين من الرجال على معاوية للعباس بن بكار الضبي ص ٢٦.

↑صفحة ١٧٦↑

الفصل الرابع: السقيفة برواية عمر بن الخطاب

قال البغدادي: ان ما جرى في السقيفة كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في المسجد دون تهديد أو إكراه.
اقول: روايات كتب الحديث والسيرة تثبت ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح.

↑صفحة ١٧٧↑

نص الشبهة
قال البغدادي:
(ان ما جرى في السقيفة من نقاش... لم يكن ذلك تمام الشورى بل انه كان مجرد ترشيح والبيعة تمت في مسجد النبي (صلى الله عليه وآله). وقد فعلوا ذلك طواعية دون تهديد أو قوة سلاح).
الرد على الشبهة
أقول: ان قوله هذا خلاف ما ثبت في كتب السيرة والحديث والتاريخ وخلاف المشهور عند أهل السنة.
حيث ذكرت هذه الكتب ان الذي جرى في السقيفة بيعة وليس مجرد ترشيح ومن ثم استشهد فقهاء السنة كالماوردي وغيره بما جرى في السقيفة من بيعة عمر، وأبي عبيدة، واسيد بن حضير، وبشير بن سعد، وسالم مولى أبي حذيفة، لأبي بكر على صحة انعقاد الحكم ببيعة خمسة(٢١٨).
نعم الذي ذكره البغدادي هو رأي البعض من علماء السنة حيث يرى ان حكومة أبي بكر انعقدت ببيعته العامة في المسجد دون بيعته في السقيفة(٢١٩).
قصة السقيفة:
وإلى القارئ الكريم نص كلام عمر بن الخطاب حول السقيفة كما رواه البخاري في صحيحه قال:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢١٨) الأحكام السلطانية للماوردي الشافعي: ٧، المغني للقاضي عبد الجبار المعتزلي. الجزء المتم للعشرين القسم الأول ص ٢٥٦.
(٢١٩) الشخصية الإسلامية الشيخ النبهاني ج٢: ٣٥.

↑صفحة ١٧٩↑

(حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثني إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: ان عمر قال في أول جمعة قدمها من حجته الأخيرة:
إنه بلغني أن قائلا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.
من بايع رجلا عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا.
وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة.
وخالف عنا علي والزبير ومن معهما.
واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر.
فقلت لأبي بكر يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان، فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا أين تريدون يا معشر المهاجرين، فقلنا نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم فقلت والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزَّمِّل بين ظهرانيهم، فقلت من هذا؟ فقالوا هذا سعد بن عبادة، فقلت ما له؟ قالوا يوعك.
فلما جلسنا قليلا، تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفَّت دافَّةٌ(٢٢٠) من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا، وأن يحضنونا من الأمر.
فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني، أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك فكرهت أن أغضبه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٠) الدافة: القوم يسيرون جماعة سيرا ليس بالشديد.

↑صفحة ١٨٠↑

فتكلم أبو بكر فقال ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارا، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح، وهو جالس بيننا.
فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي... أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر...
فقال قائل من الأنصار أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش.
فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار.
ونَزَوْنا على سعد بن عبادة.
فقال قائل منهم قتلتم سعد بن عبادة، فقلت قتل الله سعد بن عبادة.
قال عمر وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تَغِرَّةَ أن يقتلا)(٢٢١).
وفيما يلي شرح لفقراتها التي تتصل بموضوعنا:
قوله: (فلا يغترن امرؤ ان يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت إلا وإنها قد كانت كذلك ولكن الله وقى المسلمين شرها).
نسب البلاذري هذا القول إلى الزبير، ونسبه ابن أبي الحديد إلى عمار، و(الفلتة كما قال ابن الاثير وغيره هي الفجأة وقال ابن الأثير أيضا ومثل هذه البيعة جديرة بأن تكون مهيجة للشر والفتنة فعصم الله تعالى من ذلك ووقى).
أقول: والأمر الفجائي هو ما لم يتوقع حدوثه، ومعنى ذلك ان بيعة أبي بكر لم تكن متوقعة ولا مترقبة، لان الأعناق كانت ممدودة إلى علي (عليه السلام) قال ابن اسحق وكان

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢١) صحيح البخاري كتاب المحاربين باب رجم الحبلى ج٨: ٢٠٨-٢١١.

↑صفحة ١٨١↑

عامة المهاجرين وجل (كل) الأنصار لا يشكون ان عليا (عليه السلام) هو صاحب الأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله))(٢٢٢) وذلك لشدة لصوقه بالنبي (صلى الله عليه وآله) وسابقته المتميزة والنص عليه في الغدير وغيره.
وقوله (وقى الله شرها) يفيد ان بيعة أبي بكر التي فوجئ المسلمون بها ولم يكونوا يترقبونها كانت تنطوي على الشر وسفك الدم والسبب في ذلك هو أنَّ صاحب الحق الشرعي (علي (عليه السلام)) قد أبى ان يبايع ودعا الأنصار إلى نصرته ولو كانوا أجابوه لكان هناك قتال بينه وبين القوم وتفصيل ذلك في الفقرة الآتية.
قوله: (وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة. وخالف عنا علي والزبير ومن معهما. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر).
الذي يظهر من بعض الروايات ان عليا (عليه السلام) وبني هاشم كانوا مشغولين بدفن النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي اثناء ذلك اجتمعت فئة من الأنصار في بيت سعد بن عبادة يتداولون أمر الحكم، ثم انضم إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسالم مولى ابي حذيفة، ثم بويع لأبي بكر، وامتنع علي (عليه السلام) ومن معه من بني هاشم وغيرهم عن بيعته واجتمعوا في دار فاطمة (عليها السلام)(٢٢٣)،(٢٢٤).

قال ابن قتيبة: (وخرج علي (عليه السلام) كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون يا بنت رسول الله قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو ان زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي (عليه السلام) أفكنت ادع رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم ادفنه في بيته واخرج أنازع الناس

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٢) الأخبار الموفقيات لابن بكار تـ ٢٧٢ ص ٥٨٠ ومثله في تاريخ اليعقوبي٢: ١٠٣.
(٢٢٣) لم يذكر البخاري مكان اجتماعهم وتخلفهم عن البيعة وذكره احمد ابن حنبل فى المسندج ١: ٥٥ بروايته عن إسحاق بن عيسى الطباع عن مالك بن انس عن ابن شهاب الزهري. انظر أيضا فتح الباري ج١٥: ١٦٣ وسيرة ابن هشام ٣٣٨٤.
(٢٢٤) وقد وضعت في قبال ذلك من قبل سيف بن عمر وغيره روايات تفيد ان عليا (عليه السلام) بايع أبا بكر طواعية وانه لما سمع بجلوس أبي بكر للبيعة خرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلا كراهية ان يبطئ عنها حتى بايعه وقد ناقش هذه الروايات واثبت بطلانها العلامة العسكري في كتابه عبد الله بن سبأ ج١.

↑صفحة ١٨٢↑

سلطانه، فقالت فاطمة ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم)(٢٢٥).
وفي ضوء ذلك فان تصوير الواقع التاريخي بعد وفاة الرسول بوجود ثلاث كتل ليس صحيحا، لان كتلة الأنصار المزعومة لم تكن كتلة بالمعنى الذين كانت عليه الكتلة القرشية، وإنما كانت اجتماعا طارئا، لا يبعد ان يكون الحزب القرشي قد دفع إليه بواسطة عدد من أعضائه من الأنصار(٢٢٦).
أما علي (عليه السلام) وبنو هاشم ومن معهم فقد صاروا كتلة في قبال الحزب القرشي حين رفضوا بيعة أبي بكر.
والذي يظهر بشكل واضح من نصوص تاريخية وحديثية متعددة ان الحزب القرشي كان له وجود زمن النبي، وكانت أطروحته تتمثل بشعار (حسبنا كتاب) الله وبالموقف السلبي من علي (عليه السلام).
و في قبال ذلك كانت مجموعة من الصحابة كأبي ذر وعمار وسلمان وغيرهم، قد عرفت في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) بأنها شيعة علي (عليه السلام) استجابة لأمر الله ورسوله في علي (عليه السلام).
المجتمعون في دار فاطمة (عليها السلام):
وقد ذكر المؤرخون في عداد من تخلف عن بيعة أبي بكر في بيت فاطمة مع علي(عليهما السلام) والزبير كلا من العباس بن عبد المطلب وعتبة بن أبي لهب وسلمان الفارسي وأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر والمقداد بن الأسود والبراء بن عازب وأبي بن كعب.
وقد ذكر ابن عبد ربه ان أبا بكر بعث عمر بن الخطاب ليخرجهم من بيت فاطمة وقال له: ان أبوا فقاتلهم فاقبل بقبس من نار على ان يضرم عليهم الدار فلقيته فاطمة فقالت يا ابن الخطاب اجئت لتحرق دارنا قال نعم أو تدخلوا فيما دخلت فيه الأمة(٢٢٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٥) الإمامة والسياسة ج١: ١٩.
(٢٢٦) منهم اسيد بن حضير رئيس الاوس وبشير بن سعد أحد وجوه الخزرج وستأتي ترجمتهما.
(٢٢٧) العقد الفريد ٤: ٢٥٩-٢٦٠، كنز العمال ٣: ١٤٠ والإمامة والسياسة ١٢١ انساب الأشراف ١: ٥٨٦.

↑صفحة ١٨٣↑

روى الطبري قال أتى عمر بن الخطاب منزل علي (عليه السلام) وفيه طلحة والزبير ورجال من المهاجرين فقال: (والله لأُحرِّقنَّ عليكم أو لتخرجن إلى البيعة)(٢٢٨).
وقد ذكر أصحاب الحديث عن الزهري: (ان عليا (عليه السلام) وبني هاشم بقوا ستة اشهر لم يبايعوا حتى ماتت فاطمة)(٢٢٩).
وقوله (عليه السلام): (ولم يكن لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت)(٢٣٠).
وقوله: (لو وجدت أربعين ذوي عزم!)(٢٣١).
وفي كتاب معاوية إلى علي (عليه السلام) (وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٢٨) تاريخ الطبري ج ٣: ٢٠٢. روى الذهبي في ميزان الاعتدال ج٣: ١٠٨ وابن حجر في لسان الميزان ج٤: ١٨٨ في ترجمة علوان بن داود قول أبي بكر في مرضه الذي توفي فيه (وددت أني لم اكشف بيت فاطمة وتركته وان اغلق على الحرب) ورواه أيضاالمسعودي في مروج الذهب ج٢:٣٠٩والطبري في تاريخه ج٣: ٤٣٠. واقدم مصدر تاريخي روى ذلك هو كتاب الأموال: ١٧٤ لأبي عبيد (ت ٢٢٤ هجـ) غير انه كنى عنها ولم يصرح بها قال قال أبو بكر (وددت أني لم اكن افعل كذا وكذا لخلة ذكرها) (قال أبو عبيد لا أريدذكرها).
أقول فإذا كان أبو عبيد القاسم بن سلام وأمثاله يتحامون ذكر اصل الهجوم على دار فاطمة (عليها السلام) فهل يترقب ممن ذكره منهم ان يعنى بتفاصيل الهجوم ونتائجه المروعة على الزهراء (عليها السلام)بوصفها الوجه البارز في مخاطبة القوم ومن هنا يظهر للقارئ خطأ قول: ابن أبي الحديد ج٢/٦٠: (فاما الأمور الشنيعة المستهجنة التي تذكرها الشيعة من إرسال قنفذ إلى بيت فاطمة (عليها السلام) وانه ضربها بالعصا فصار في عضدها كالدملج وبقي أثره إلى ان ماتت وان عمر ضغطها بين الباب والجدار... وألقت جنينا ميتا وجعل في عنق علي (عليه السلام) حبل يقاد به... فكله لا اصل له عند أصحابنا.... وانما هو شيء تنفرد الشيعة بنقله) لقد غاب عن ابن أبي الحديد ان الطبري لم يذكر تفاصيل ما جرى بين أبي ذر ومعاوية بعد إشارته إلى اصل الخبر خشية من العامة إذ جاء في تاريخه (كان ما ذكر من أمر أبي ذر ومعاوية في الشام وأشخاص معاوية إياه منها أليها (إلى المدينة) أمور كثيرة كرهت ذكرها) ج٤ ص٢٨٣ وقوله عن المكاتبات التي جرت بين محمد بن أبي بكر ومعاوية بن أبي سفيان (جرت مكاتبات بينهما كرهت ذكرها لما فيها مما لا يحتمل سماعها العامة) الطبري ج٤ ص٥٥٧. فهل يترقب منه ومن نظرائه من المؤرخين ان يذكروا تفاصيل الهجوم الذي جرى على بيت فاطمة (عليها السلام) وبخاصة وان نتائج ذلك على شعور العامة اكثر بكثير من نتائج ذكر تفاصيل ما جرى بين أبي ذر ومعاوية أو ما جرى بين محمد بن أبي بكر ومعاوية أيضا. على اننا لا نعدم الحصول على طرف من المعلومات في هذاالمصدر السني أو ذاك لمن أراد التتبعوالاستقصاء.
(٢٢٩) صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة خيبر ج٣: ٣٨ وصحيح مسلم ١ / ٧٢، ٥: ١٥٣ الاستيعاب ٢: ٢٤٤، أسد الغابة بترجمة أبي بكر (ولم يبايع علي (عليه السلام) إلا بعد ستة اشهر) انساب الأشراف ١: ٥٨٦ وفي الغدير ٣: ١٠٢ عن الفصل لابن حزم ٩٦-٩٧ (وجدنا عليا (رض) تأخر عن البيعة ستة اشهر).
(٢٣٠) قال ابن أبي الحديد وهو قول ما زال يكرره علي (عليه السلام) ولقد قاله عقيب وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (شرح النهج ج٢: ٢٢).
(٢٣١) شرح النهج ج٢: ٢٢.

↑صفحة ١٨٤↑

ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين، يوم بويع أبو بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت إليهم بامرأتك، وأدللت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة ولعمري لو كنت محقا لأجابوك...، ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك لو وجدت أربعين ذوي عزم لناهضت القوم)(٢٣٢).
قوله: (وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر).
أقول: هذا الوصف لا ينطبق على أبي بكر إذ لم تكن له قرابة خاصة من النبي أو سابقة جهادية مميزة أو نص يؤهله لذلك بخلاف علي (عليه السلام) حيث جمع ذلك كله.
قوله: (ولا نعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش).
وفي رواية احمد بن حنبل عن مالك بن انس (ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش) وفي رواية ابن اسحق (قد عرفتم ان هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وان العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم...).
ونستفيد من هذا الكلام امرين هما:
الاول: ان الامر المتنازع عليه في السقيفة ليس هو مجرد السلطة الاجرائية بل هو سلطة اجرائية مقرونة بسلطة دينية وذلك لان العرب لم يكونوا في الجاهلية يخضعون لقريش اجرائيا بل كانوا يخضعون لها دينيا حيث يدينون بكل امر تضعه قريش في امر الدين وبخاصة الحج وهو امر مذكور في كل كتب السيرة(٢٣٣)، وفي ضوء هذه السلطة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٢) وقعة صفين نصر بن مزاحم ١٨٢ ابن أبي الحديد ٢: ٦٧.
(٢٣٣) قال ابن اسحاق: (وكانت قريش ابتدعت امر الحُمْس جمع احمس وهو المتصلب في الدين وسميت قريش حُمْسا لزعمهم بأنهم المتشددون في الدين) ثم ابتدعوا في ذلك امورا لم تكن لهم منها انهم حرموا على اهل الحل (وهم العرب الساكنون خارج مكة) ان يأكلوا من طعام جاؤا به معهم من الحل الى الحرم اذا جاؤا حجاجا او عمارا ولا يطوفوا بالبيت اذا قدموا اول طوافهم الا في ثياب الحمس (اي في ثياب احد القرشيين) فان لم يجدوا منها شيئا طافوا بالبيت عراة فان تكرم من متكرم من رجل او إمرأة ولم يجد ثياب الحمس فطاف في ثيابه التي جاء بها من الحل القاها اذا فرغ من طوافه ثم لم ينتفع بها ولم يمسها هو ولا احد غيره ابدا فكانت العرب تسمي تلك الثياب اللقى. قال ابن اسحاق فحملوا على ذلك العرب فدانت به... فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) فوضع الله تعالى امر الحمس وما كانت قريش ابتدعت منه (اي هدم الله قيمته) السيرة النبوية لابن هشام ج١/٢٠١-٢٠٣.

↑صفحة ١٨٥↑

تجرأ عمر في حكومته على تحريم متعة الحج وقبول الناس ذلك منهم(٢٣٤).
الثاني: ان المهاجرين الاربعة في السقيفة انما غلبوا الانصار الحاضرين بأساس جاهلي كان الإسلام قد أَماته، وهذا الأساس هو الامتياز الديني لقريش وقد نزعه الاسلام عن قريش وكرسه لمحمد (صلى الله عليه وآله) واهل بيته (عليهم السلام).
وامام شعار عمر ورفع الراية القرشية انكسر سعد بن عبادة في هذا الاجتماع المدبر من الحزب القرشي بإعلان اسيد بن حضير(٢٣٥) رئيس الاوس وبشير بن سعد احد وجوه الخزرج(٢٣٦) ميلهما إلى الحزب القرشي ومن ثم بيعتهما ومن معهما من أتباعهما أبا بكر.
قوله: (كان والله ان اقدم فتضرب عنقي... احب إليَّ من ان أتأمر على قوم فيهم أبو بكر).
وقد قال قبل ذلك (وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر).
أقول: لست ادري هل هاتان الكلمتان من أبي حفص كانتا على سبيل الجد أم شأنه فيهما شأنه في كلمته لما توفي النبي (صلى الله عليه وآله) وكشف هو والمغيرة بن شعبة الثوب عن وجه النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: واغشياه ما اشد غشي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ثم اخذ يهدد بالقتل من قال ان رسول الله قد مات، واخذ يقول ان رجالا من المنافقين يزعمون ان رسول الله توفي، وان رسول الله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع بعد ان قيل مات، والله ليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم يزعمون ان رسول الله مات، (من قال انه مات علوت رأسه بسيفي هذا، وإنما ارتفع إلى السماء)(٢٣٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٤) انظر الفصل السابع من هذا الكتاب.
(٢٣٥) أسد الغابة ترجمة اسيد بن حضير وفيه انه اسلم على يد مصعب بن عمير في العقبة الأولى وان أبا بكر في خلافته كان يكرمه ولا يقدم عليه أحدا وتوفي سنة ٢٠ وحمل عمر عنه السرير حتى وضعه بالبقيع انظر تفصيل موقف بشير بن سعد واسيد بن حضير في تاريخ الطبري ج٣ / ٢٢١.
(٢٣٦) وقد قيل انه أول من بايع أبا بكر من الأنصار كان قد شهد العقبة الثانية وبدرا والمشاهد كلها قتل يوم عين التمر مع خالد سنة ١٢ هجـ..
(٢٣٧) تاريخ اليعقوبي ٢: ٩٥، الطبري / البداية والنهاية لابن كثير ٥: ٢٤٢ تيسير الوصول ٢: ٤١، انساب الأشراف ١: ٥٦٥، تاريخ أبي الفداء ١: ١٦٤.

↑صفحة ١٨٦↑

قال ابن أبي الحديد (ان عمر لما علم ان رسول الله قد مات خاف من وقوع فتنة في الإمامة وتغلب أقوام عليها، أما من الأنصار أو من غيرهم، فاقتضت المصلحة عنده تسكين الناس، فاظهر ما أظهره، وأوقع تلك الشبهة في قلوبهم، حراسة للدين والدولة، إلى ان جاء أبو بكر)(٢٣٨).
وفي ما أوردناه من رواية البخاري وشرحها كفاية في توضيح حال السقيفة وإنها كانت بيعة خاصة لأبي بكر في أجواء العصبية القبلية وليست مجرد ترشيح له ثم أردفت ببيعة عامة اقترنت بالتهديد وقوة السلاح.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٨) انظر شرح النهج ج٢: ٤٣.

↑صفحة ١٨٧↑

الفصل الخامس: الشورى السداسية برواية عمرو بن ميمون

قال البغدادي: ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك حصر عمر الشورى بالستة كان ترشيحا خاضعا للقبول والرفض من الأمة.
اقول: قال الماوردي ان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة، وقد روت المصادر السنية المعتبرة ان عمر قال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار فأجمع هؤلاء الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم فإن اجتمع خمسة ورضوا واحدا وأبى واحد فاشدخ رأسه.
نص الشبهة
قال البغدادي: (ان استخلاف أبي بكر لعمر وكذلك استخلاف عمر للستة كان ترشيحا خاضعا للقبول أو الرفض من الأمة).
الرد على الشبهة
اقول: ان قوله هذا رأىٌ شاذ وافقه عليه بعض السنة.
قال الماوردي: (وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله، فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته، لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما:
أحدهما: ان أبا بكر عهد بها إلى عمر فاثبت المسلمون إمامته بعهده.
والثاني: ان عمر عهد بها إلى أهل الشورى فقبلت الجماعة دخولهم فيها وخرج باقي الصحابة منها... فان لم يكن ولدا ولا والدا جاز ان ينفرد بعقد البيعة له وبتفويض العهد إليه وان لم يستشر فيه أحدا من أهل الاختيار لكن اختلفوا هل يكون ظهور الرضا منهم شرطا في انعقاد بيعته أولا؟
فذهب بعض علماء أهل البصرة إلى ان رضا أهل الاختيار شرط في لزومها للامة..
والصحيح ان بيعته منعقدة، وان الرضا بها غير معتبر لان بيعة عمر لم تتوقف على رضا الصحابة)(٢٣٩).
وقال النووي وغيره: (اجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بأهل الحل والعقد لإنسان حيث لا يكون هناك استخلاف غيره)(٢٤٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٣٩) الأحكام السلطانية: ١٠.
(٢٤٠) فتح الباري ج١٦: ٣٣٤.

↑صفحة ١٩١↑

وقصة الشورى واستخلاف عثمان صريحة في أنها كانت بيعة من عبد الرحمن لعثمان بعد ما فوضه الأربعة ان يكون الأمر أمره، ومن هنا قال عبد الرحمن لعلي بايع وإلاّ ضربت عنقك(٢٤١).
ونحن نورد فقرات من رواية مفصلة رواها الطبري عن عمر بن شبة بأسانيده إلى عمرو بن ميمون.
قصة الشورى:
قال عمرو بن ميمون:
 (ان عمر لما طُعِنَ قيل له يا أمير المؤمنين لو استخلفت! قال: من استخلف؟ لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته فان سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول (انه أمين هذه الأمة)(٢٤٢).
ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته فان سألني ربي قلت سمعت نبيك يقول (ان سالما شديد الحب لله)(٢٤٣).
فقال له رجل أدلك عليه، عبد الله بن عمر... قال بحسب آل عمر ان يحاسب منهم رجل واحد.. ان استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، وان اترك فقد ترك من هو خير مني، ولن يضيع الله دينه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤١) انساب الأشراف ج٤: ٥٠٨. واللفظ في صحيح البخاري ج٩: ٩٨ (فلا تجعل على نفسك سبيلا).
(٢٤٢) مما لا شك فيه ان هذا الحديث من الموضوعات وقد وضع في قبال ما عرف عن علي (عليه السلام) والأئمة من ولده أنهم أمناء الله في أرضه وحججه على عباده، وتوجد زيارة لقبر علي (عليه السلام) معروفة بزيارة أمين الله.
(٢٤٣) انظر أيضا في طبقات عمر بن سعد ج٣: ٣٤٣ وتاريخ المدينة لابن شبة٩٢٢ ومسند احمد بن حنبل ج١: ٢٠ ومختصر تاريخ بن عساكر ج٤٣١٩ وقد كان أبو عبيدة وسالم أول من حضر من المهاجرين أمر السقيفة (الأحكام السلطانية ص٧) قال في الاستيعاب: ٥٦٨ في ترجمة سالم (وكان سالم من أهل فارس معدودا من المهاجرين لانه لما أعتقته مولاته زوج أبي حذيفة تولى أبا حذيفة وتبناه أبو حذيفة وقد روي انه هاجر مع عمر ونفر من الصحابة من مكة وكان يؤمهم إذا سافر معهم وقد كان عمر يفرط في الثناء عليه، وقد روي عنه انه قال لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى وذلك بعدما طعن فجعلها شورى) أقول والحديث من الموضوعات ولو تنزلنا وسلمنا به فان من الغريب ان يخضع أبو حفص لقول النبي (صلى الله عليه وآله) في سالم (ان سالم شديد الحب لله) ولا يخضع لقول النبي (صلى الله عليه وآله) في علي يوم خيبر (لأعطين الراية رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار يفتح الله على يده) ثم دعا عليا (عليه السلام) وهو ارمد فأعطاه الراية وكان الفتح على يده.

↑صفحة ١٩٢↑

فخرجوا ثم رجعوا فقالوا يا أمير المؤمنين لو عهدت عهدا، فقال كنت عزمت بعد مقالتي لكم ان انظر فأولي رجلا أمركم، هو أحراكم ان يحملكم على الحق وأشار إلى علي(٢٤٤)... فما أريد ان أتحملها حيا وميتاً(٢٤٥).
عليكم بهؤلاء الرهط الذين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) (انهم من أهل الجنة) علي وعثمان وعبد الرحمن وسعد وطلحة والزبير فليختاروا رجلا. ثم دعا بهم وقال لهم إني نظرت فوجدتكم رؤساءهم وقادتهم ولا يكون هذا الأمر إلاّ فيكم.
وقال لأبي طلحة الأنصاري اختر خمسين رجلا من الأنصار، فاجمع هؤلاء

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٤) انظر أيضا طبقات ابن سعد ج٣: ٣٤٢ وفي انساب الاشراف ج٣: ١٠٣ قال عمر لئن ولوها الاجيلح ليركبن بهم الطريق، وانظر ايضا المصنف لعبد الرزاق الصنعاني ج٥: ٤٤٦، وفي الرياض النضرة لمحب الدين الطبري (تـ ٦٩٤) ط٢ بمصر ٣٧٣، ج٢: ٩٥ قال عمر لله درهم ان ولوها الأصلع كيف يحملهم على الحق وان كان السيف على عنقه قال محمد بن كعب فقلت أتعلم ذلك منه ولا توليه فقال ان تركتهم فقد تركهم من هو خير مني.
(٢٤٥) وفي رواية البلاذري ٤: ٥٠١ قال (اكره ان أتحملها حيا وميتا) قلت (بل تحمل أبو حفص حيا وميتا مسئولية إبعاد علي (عليه السلام) عن موقعه الذي وضعه الله ورسوله فيه، اما تحمله لذلك حياً فقد تبين حين شدَّ عن وسطه وذبَّ عن بيعة أبي بكر وفرضها على المسلمين بكل وسيلة ممكنة حتى لو ادى ذلك إحراق باب فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما مر تفصيله في الفصل الثالث، واما تحمله للأمر ميتا فقد تبيَّن حين ابتكر الشورى السداسية وعيَّن أفرادها وفرض على علي (عليه السلام) ان يكون أحدهم ليضمن ثلاثة أمور الأول: ان لا يبايَع علي (عليه السلام) إذ ليس له من أصوات الخمسة الآخرين الاصوت الزبير في قبال عثمان الذي له اربعة اصوات هذا مضافا الى شرط جديد في البيعة وهو العمل بسيرة الشيخين وهو يعلم جيدا ان عليا سوف يرفض مثل هذا الشرط. الثاني: ان تُضمن بيعة علي لعثمان ولو كرها قبل ان يخرجوا من البيت وهو يعلم من تجربة السقيفة ان عليا سوف يمتنع من البيعة ويطالب المسلمين بنصرته وانه اذا بايع ولو كرها امنوا من تحركه ضدهم. الثالث: ان تخلق الاندادلعلي (عليه السلام) كالزبير الذي كان بالامس جنديا لعلي (عليه السلام) يدافع عنه في قصة السقيفة ثم صار بعد قتل عثمان نِدّاً له ينافسه على الامر ويقاتله عليه. وتذكر المصادر التاريخية ان عمر كان على يقين من ان الشورى السداسية ستكون لصالح عثمان. قال ابن سعد في طبقاته بترجمة سعيد بن العاص ما خلاصته: (ان سعيد بن العاص اتى الخليفة عمر يستزيده في الأرض ليوسع داره فوعده الخليفة بعد صلاة الغداة وذهب معه الى داره قال سعيد فزادني وخط لي برجليه فقلت يا امير المؤمنين زدني فانه نَبَتَتْ لي نابتة من ولد واهل فقال حسبك واختبئ عندك انه سيلي الامر من بعدي من يصل رحمك ويقضي حاجتك قال فمكثت خلافة عمر بن الخطاب حتى استخلف عثمان... فوصلني واحسن وقضى حاجتي واشركني في امانته). وسعيد بن العاص هو من اقرباء عثمان فهو سعيد بن العاص بن سعيد بن احيحة بن امية وعثمان هو ابن عفان بن ابي العاص بن امية.
قال العلامة العسكري (ويتضح من هذه المحاورة ان امر تولية عثمان الخلافة كان قد بُتَّ فيه في حياة الخليفة عمر وتعيين الستة في الشورى كان من اجل تمرير هذا الامر..) معالم الدرستين ج١/١٨٣.

↑صفحة ١٩٣↑

الرهط في بيت حتى يختاروا رجلا منهم، فان اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد فاشدخ رأسه، وان اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رؤوسهما، فان رضي ثلاثة رجلا منهم وثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فان لم يرضوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف واقتلوا الباقين ان رغبوا عما اجتمع عليه الناس(٢٤٦).
واستشار عبد الرحمن الناس(٢٤٧) فقال له عمار بن ياسر ان أردت ان لا يختلف المسلمون فبايع عليا، فقال المقداد بن الأسود صدق عمار ان بايعت عليا قلنا سمعنا واطعنا.
وقال ابن أبي سرح ان أردت إلا تختلف قريش فبايع عثمان، فقال عبد الله بن أبي ربيعة صدق ان بايعت عثمان قلنا سمعنا واطعنا.
وقال عمار: أيها الناس ان الله عز وجل أكرمنا بنبيه وأعزنا بدينه فأنى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم.
فقال رجل من بني مخزوم لقد عدوت طورك يا ابن سمية وما أنت وتأمير قريش لأنفسها(٢٤٨).
فقال سعد بن أبي وقاص: يا عبد الرحمن افرغ قبل ان يفتتن الناس.
ودعا عبد الرحمن على ا فقال له عليك عهد الله وميثاقه لتعملن بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخليفتين من بعده.
قال أرجو ان افعل واعمل بمبلغ علمي وطاقتي(٢٤٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٤٦) في طبقات بن سعد بسنده عن سماك ان عمر قال للانصار ادخلوهم بيتا ثلاثة ايام فان استقاموا والاّ فأدخلوا عليهم فاضربوا اعناقهم ج٣: ٣٤٢، وفي انساب الأشراف للبلاذري٤: ٥٠٣ قال عمر ليتبع الاقل الاكثر فمن خالفكم فاضربوا عنقه ومثله في كنز العمال ١٢: ٦٨١.
(٢٤٧) وفي صحيح البخاري ج٩: ٩٧ قال عبد الرحمن لاهل الشورى لست بالذي انافسكم على هذا الامر ولكنكم ان شئتم اخترت منكم فجعلوا ذلك الى عبد الرحمن ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه وفي ج٥: ٢٢ قال عبد الرحمن لاهل الشورى اجعلوا امركم الى ثلاثة منكم فقال الزبير جعلت امري الى علي فقال طلحة جعلت امري الى عثمان وقال سعد قد جعلت امري الى عبد الرحمن بن عوف ثم قال عبد الرحمن لعلي وعثمان اجعلوه اليّ والله عليّ ان لاآلوا عن افضلكم.
(٢٤٨) انظر ايضا انساب الاشراف تحقيق المحمودي ج٢: ١٤٤ خبر ١٤٢.
(٢٤٩) وفي تاريخ اليعقوبي ١: ١٦٢ ان عليا (عليه السلام) قال لعبد الرحمن لما عرض عليه البيعة على كتاب الله وسنة النبي وسيرة ابي بكر وعمر قال: (ان كتاب الله وسنة نبيه لايحتاج معهما الى اجّيري أحد). والأجيري بالكسر والتشديد: العادة والطريقة).

↑صفحة ١٩٤↑

ودعا عثمان فقال له مثل ما قال لعلي، فقال نعم فبايعه(٢٥٠).
فقال علي: حبوته حبو دهر، ليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلاّ ليرد الأمر إليك(٢٥١).
فقال عبد الرحمن يا علي لا تجعل على نفسك سبيلا فأني قد نظرت وشاورت الناس فإذا هم لا يعدلون بعثمان.
فقال المقداد: ما رأيت مثل ما أوتي إلى أهل هذا البيت بعد نبيهم، إني لأعجب من قريش انهم تركوا رجلا لا أقول ان أحداً اعلم ولا أقضى منه بالعدل أما والله لو أجد عليه أعوانا(٢٥٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٠) وفي صحيح البخاري: ابايعك على سنة الله وسنة رسوله والخليفتين من بعده فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والانصار وامراء الأجناد والمسلمون.
(٢٥١) وفي تاريخ اليعقوبي ١: ١٦٢ قال علي (عليه السلام) لعبد الرحمن بن عوف انت مجتهد ان تزوي هذا الامر عني.
(٢٥٢) جاء في تاريخ اليعقوبي ج٢: ١٦٣ قول المقداد: واعجبا لقريش ودفعهم هذا الامر عن اهل بيت نبيهم. وفي مروج الذهب ج٢:٣٤٣ قال المقداد: يا عبد الرحمن اعجب من قريش انما تطولهم على الناس بفضل اهل هذا البيت قد اجتمعوا على نزع سلطان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعده من ايديهم، اما وايم الله يا عبد الرحمن لو أجد على قريش انصارا لقاتلتهم كقتالي أياهم مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر).
(قال المسعودي وجرى بينهم من الكلام خطب طويل قد أتينا على ذكره في كتابنا أخبار الزمان في أخبار الشورى والدار).
قلت قد أورد الكلام مفصلا ابن أبي الحديد في شرح النهج (ج ٩: ٥٦) نقلا عن سقيفة الجوهري:
قال عوانة قال إسماعيل قال الشعبي فحدثني عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله الأزدي قال كنت جالسا بالمدينة حيث بويع عثمان فجئت فجلست إلى المقداد بن عمرو فسمعته يقول... اما والله لو ان لي على قريش أعوانا لقاتلتهم قتالي إياهم ببدر وأحد فقال عبد الرحمن ثكلتك أمك لا يسمعن هذا الكلام الناس فإني أخاف ان تكون صاحب فتنة وفرقة. قال المقداد ان من دعا إلى الحق وأهله وولاة الأمر لا يكون صاحب فتنة ولكن من أقحم الناس في الباطل وآثر الهوى على الحق فذلك صاحب الفتنة والفرقة. قال فتربد وجه عبد الرحمن ثم قال لو اعلم انك إياي تعنى لكان لي ولك شأن. قال المقداد إياي تهدد يا بن أم عبد الرحمن ثم قام عن عبد الرحمن فانصرف. قال جندب بن عبد الله فاتبعته وقلت له يا عبد الله أنا من أعوانك، فقال رحمك الله ان هذا الأمر لا يغني فيه الرجلان ولا الثلاثة، قال فدخلت من فوري ذلك على علي (عليه السلام) فلما جلست إليه قلت يا أبا الحسن والله ما أصاب قومك بصرف هذا الأمر عنك فقال صبر جميل والله المستعان. فقلت والله انك لصبور قال فان لم اصبر فما ذا اصنع، قلت إني جلست إلى المقداد بن عمرو آنفا وعبد الرحمن بن عوف فقالا كذا وكذا ثم قام المقداد فاتبعته فقلت له كذا فقال لي كذا فقال علي (عليه السلام) لقد صدق المقداد، فماذا اصنع؟ فقلت تقوم فى الناس فتدعوهم إلى نفسك وبخبرهم انك أولى بالنبي (صلى الله عليه وآله)، وتسألهم النصر على هؤلاء المتظاهرين عليك فإذا أجابك عشرة من مائة شددت بهم على الباقين، فان دانوا لك فذاك وإلا قاتلتهم وكنت أولى بالعذر قتلت أو بقيت، وكنت أعلى عند الله حجة، فقال (عليه السلام): اترجو يا جندب ان يبا يعني من كل عشرة واحد؟ قلت ارجو ذلك، قال لكني لا ارجو ذلك، لا والله ولا من المائة واحد وسأخبرك ان الناس ينظرون إلى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله واما قريش بينها تقول ان آل محمد يرون لهم على الناس بنبوته فضلا ويرون انهم اولياء هذا الأمر دون قريش ودون غيرهم من الناس وهم ان وَلَوْه لم يخرج السلطان منهم إلى أحد أبدا ومتى كان في غيرهم تداولته قريش بينها لا والله لا يدفع الناس إلينا هذا الأمر طائعين أبدا. فقلت جعلت فداك يا بن عم رسول الله لقد صدعت قلبي بهذا القول ا فلا ارجع إلى المصر فأوذن الناس بمقالتك وأدعو الناس إليك فقال يا جندب ليس هذا زمان ذاك. قال فانصرفت إلى العراق فكنت اذكر فضل علي على الناس فلا اعدم رجلا يقول لي ما اكره واحسن ما اسمعه قول من يقول دع عنك هذا وخذ فيما ينفعك فأقول ان هذا مما ينفعني وينفعك فيقوم عني ويدعني.
وزاد أبو بكر احمد بن عبد العزيز الجوهري حتى رُفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبه أيام وَلِيَنا فبعث إليَّ فحبسني حتى كُلِّم فيَّ فخلى سبيلي.
وروى الجوهري قال نادى عمار بن ياسر ذلك اليوم يا معشر المسلمين أنا قد كنا ما كنا نستطيع الكلام قلة وذلة فأعزنا الله بدينه ووأكرمنا برسوله فالحمد لله رب العالمين يا معشر قريش إلى متى تصرفون هذا الأمر عن أهل بيت نبيكم تحولونه هاهنا مره وهاهنا مره ما أنا آمن ان ينزعه الله منكم ويضعه في غيركم كما نزعتموه من أهله ووضعتموه في غير أهله. فقال له هشام بن الوليد بن المغيرة يا بن سمية لقد عدوت طورك وما عرفت قدرك ما أنت وما رأت قريش لأنفسها انك لست في شيء من أمرها وإماراتها فتنح عنها. وتكلمت قريش بأجمعها فصاحوا بعمار وانتهروه فقال الحمد لله رب العالمين ما زال أعوان الحق أذلاء ثم قام فانصرف.

↑صفحة ١٩٥↑

فقال عبد الرحمن يا مقداد اتق الله فإني خائف عليك الفتنة)(٢٥٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٣) تاريخ الطبري ج٤: ٢٢٤ عن عمر بن شبة عن علي بن محمد (المدائني) عن وكيع عن الاعمش عن ابراهيم (التيمي) ومحمد بن عبد الله الانصاري عن ابن ابي عروبة عن قتادة عن شهر بن حوشب، وابي مخنف عن يوسف بن يزيد عن عباس بن سهل، ومبارك بن فضالة عن عبيد الله بن عمر ويونس بن ابي اسحق عن عمر وبن ميمون الاودي، وفي تاريخ المدينة المطبوع لابن شبة ج٣ ص ٩٢٤ سقط من الرواية نحو من ثلاث ورقات من اولها مع الاسانيد. وقد روى الرواية ايضا ابن عبد ربه في العقد الفريد ج٢٧٤٤-٢٨٠ روى القسم الاول منها عن يونس عن الحسن وهشام بن عروة عن ابيه، ومن هذا القسم قول عمر لابي طلحة (وقم على رؤوسهم (اي الستة اهل الشورى) فان اجتمع خمسة على رأي واحد وابي واحد فاشدخ راسه بالسيف..) وروى القسم الثاني (ومنه قول المقداد واختلاف بني امية وبني هاشم) عن ابي الحسن المدائني وكلا القسمين لم ينسبهما الى عمرو بن ميمون. وقد حاول يحيى اليحيي في رسالته للماجستير (مرويات ابي مخنف) ط الرياض ١٤١٠ ان يجعل متن الرواية بقسميها على انها رواية ابي مخنف وان قصة الشورى في الطبري انما هي تلفيق بين متون رواية ابراهيم التيمي وشهربن حوشب وابي مخنف، ولا دليل له على ذلك اذ لو كان الطبري قد صنع ذلك لاشار اليه كما هو ديدنه (نظير ما صنعه في المورد الذي رواه في ج٤:٢١٣، وج٤: ١٩٨وغيرها) ولو كان ابن شبة صنعه لاشار اليه ولو اشار اليه لذكره الطبري عنه لان روايته انما هي رواية ابن شبة باسانيدها التي ذكرها ولم يضف اليها شيئا آخر. وقد حاول مؤلف رسالة الماجستير ايضا تضعيف رواية ابن سعد في الطبقات ج٣: ٣٤٢ بسنده الى سماك بن حرب التي تفيد ان عمر امر بادخال اهل الشورى بيتا ثلاثة ايام فان استقاموا والا فلتضرب اعناقهم. بدعوى ان سليمان بن حرب ضعيف ونقل ذلك عن التقريب لابن حجر غير ان المؤلف لم ينقل للقارئ بأمانة ما وجده في المصدر اذ قال ابن حجر في التقريب (ان سماك بن حرب صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة)، وهذا التخصيص قد قال به ابن المدائني قبل ابن حجر، وفي ميزان الاعتدال للذهبي قال في ترجمة سماك (صدوق صالح من اوعية العلم مشهور وقال يعقوب بن شيبة هو في عكرمة غير صالح).

↑صفحة ١٩٦↑

أقول ان هذه الرواية لا تدع شكا في ان حصر عمر الأمر في الستة على ان يبايعوا أحدهم لم يكن مجرد ترشيح ولو كان كذلك فما الداعي إلى الأمر بقتل الواحد إذا خالف الخمسة والاثنين إذا خالفا الأربعة؟
ان التأمل في الفقرات التي أوردناها تلفت نظر القارئ إلى ان السلطة كانت بيد قريش وان المسلمين كانوا مغلوبين على أمرهم، وان مثل عمار بن ياسر الذي يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) (ان عمارا ملئ أيمانا إلى أخمص قدميه) (من ابغض عمار ابغضه الله تعالى)(٢٥٤) كان يقال له حين هتف باسم علي ما أنت وتأمير قريش لأنفسها).
ومن هنا قال المقداد(٢٥٥) قوله (أما والله لو أجد عليه أعوانا) الآنف الذكر.
علي (عليه السلام) يتظلم من قريش:
وقد نبَّه علي (عليه السلام) في أحاديثه مرارا إلى هذه الحقيقة المرة في تغلب قريش بعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأمر كما في قوله: (اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فانهم قطعوا رحمي، وصغرّوا عظيم منزلتي، واكفأوا إنائي، واجمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا إلا ان في الحق ان تأخذه، وفي الحق ان تُمنعه، فاصبر مغموما، أو مُت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد ولا ذاب ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فاغضيت على القذى، وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على أمرِّ من العلقم، وآلم للقلب من حز الشفار(٢٥٦).
وقوله (عليه السلام): (فجزى قريشا عني الجوازي فانهم ظلموني حقي واغتصبوني

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٤) الاستيعاب: ١١٣٨ ترجمة عمار.
(٢٥٥) قال في الاستيعاب: ١٤٨٠ في ترجمته: كان قديم الاسلام وهو من السبعة الاوائل الذين اظهروا الاسلام بمكة وقد شهد مشاهد النبي (صلى الله عليه وآله) كلها.
(٢٥٦) كلام: ٢١٧ نهج البلاغة الخطبة: ١٧٢.

↑صفحة ١٩٧↑

سلطان ابن امي)(٢٥٧).
وقوله: (لقد أخافتني قريش صغيرا، وانصبتني كبيرا، حتى قبض الله رسوله فكانت الطامة الكبرى)(٢٥٨).
وقوله في رسالته لاخيه عقيل: (فان قريشا قد اجتمعت على حرب اخيك اجتماعها على حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، وجدُّوا في اطفاء نور الله، اللهم فاجزِ قريشا عني بفعالها، قد قطعت رحمي وظاهرت عليَّ...)(٢٥٩).
وقوله: (أما والله لقد تقمصها(٢٦٠) فلان(٢٦١) وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير(٢٦٢)، فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا(٢٦٣)، وطفقت ارتئي بين ان أصول بيد جذاء(٢٦٤)، أو أصبر على طخية عمياء(٢٦٥)... فرأيت الصبر على هاتا احجى... حتى إذا مضى الأول لسبيله، فأدلى بها إلى فلان بعده... فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته، إذ عقدها لآخر بعد وفاته، لَشَدَّما تشطرا ضرعيها، فصيّرها في حوزة خشناء، يغلظ كَلْمُها... فصبرت على طول المدة وشدة المحنة(٢٦٦)، حتى إذا مضى لسبيله جعلها في جماعة، زعم أني أحدهم، في الله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٥٧) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج٩: ٣٠٦.
(٢٥٨) شرح النهج ج٩: ٥٤ ومروج الذهب ج٣: ١٢.
(٢٥٩) الامامة والسياسة ج١: ٥٦ انساب الاشراف ج٢: ٧٥ الاغاني ج١٥: ٤٦ نهج البلاغة ج٣: ٦٨ حمهرة رسائل العرب ج١: ٥٩٥.
(٢٦٠) الضمير يرجع الى الخلافة والامرة.
(٢٦١) يريد ابا بكر.
(٢٦٢) أي لا يضاهيه في منزلته في زمانه احد.
(٢٦٣) الكشح بين الخاصرة والجنب وطويت عنها كشحا كناية عن تركها.
(٢٦٤) الجذاء المقطوعة.
(٢٦٥) الطخية هي الظلمة ونسبة العمى اليها مجاز عقلي وانما يعمى القائمون فيها اذ لا يهتدون الى الحق، والمعنى فكرت في حالين حال القيام وليس من ناصر الا اهل بيتي وافراد قلائل وهم لا يكفون للنصرة او الصبر على ظلمة وبعد عن الحق وعودة الى الجاهلية بأسم الاسلام وهي ظلمة يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير كناية عن شدتها وطولها. ثم رأى (عليه السلام) ان الصبر على الحال الاخيرة احجى أي الزم واجدر عقلا وشرعا.
(٢٦٦) استمرت هذه المحنة التي اشار اليها (عليه السلام) خمسا وعشرين سنة وتمثلت بالانقلاب على الاعقاب وكان ابرز مظاهره اضافة الى العدول عمن نصبه الله ورسوله حجة يهتدون بهديه ويحتكمون اليه لا الى غيره احياء بعض الاعراف الجاهلية (انظر الفصل السابع من هذا الكتاب) والمنع من نشر احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) وبخاصة تلك التي ترتبط بالتعريف بأهل بيته (عليهم السلام) انظر مصادر ذلك صفحة ١٥٩ - ١٦٣، من وقد نتج عن هذه السياسة جهل صغار الصحابة فضلا عن اهل البلاد المفتوحة شرقا وغربا بمنزلة اهل البيت (عليهم السلام) وقد اشار إلى ذلك (عليه السلام) في كلام يتحدث فيه عن حال قريش ايام حكم الثلاثة حيث الفتوح بقيادتها وارتفاع ذكرها في تلك الأيام وخمول ذكره (عليه السلام) (فكنا ممن خمل ذكره وخبت ناره وانقطع صوبه وصيته حتى اكل الدهر علينا وشرب) شرح النهج ٢: ٢٩٩.

↑صفحة ١٩٨↑

وللشورى متى اعترض الريب فيَّ مع الأول منهم حتى صرت اقرن إلى هذه النظائر ولكني أسففت إذ أسفوا، وطرت إذ طاروا(٢٦٧)، فصغا رجل(٢٦٨) منهم لضغنه، ومال(٢٦٩) الآخر لصهره، مع هن وهن(٢٧٠)، إلى ان قام ثالث(٢٧١) القوم نافجاً حضنيه بين نثيله ومعتلفه، وقام معه بنو أبيه يخضمون مال الله خضمة الإبل نبتة الربيع، إلى ان انتكث فتله، وأجهز عليه عمله، وكبت به بِطنته.
فما راعني إلا وانثيال الناس كعرف الضبع(٢٧٢) إليَّ ينثالون عليَّ من كل جانب حتى لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضت بالآمر نكثت طائفة(٢٧٣) ومرقت أخرى(٢٧٤) وقسط آخرون(٢٧٥)... أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كِظَّةِ ظالم، ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غار بها، ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه ازهد عندي من عفطة عنز)(٢٧٦).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٦٧) اسف الطائر دنا من الارض. والمعنى انه (عليه السلام) سالمهم فدنا منهم واقترب حين كانوا يرغبون بذلك وابتعد عنهم حين يجد رغبتهم في ذلك.
(٢٦٨) يشير الى سعد بن ابي وقاص قال الشيخ محمد عبده في شرحه للنهج (وكان في نفسه (أي سعد) شيء من علي كرم الله وجهه من قبل اخواله لان امه حمنة بنت سفيان بن امية بن عبد شمس ولعلي في قتل صناديدهم ما هو معروف ومشهور).
(٢٦٩) يشير الى عبد الرحمن بن عوف فقد كان صهرا لعثمان لان زوجته ام كلثوم بنت عقبة بن ابي معيط كانت اختا لعثمان من امه.
(٢٧٠) يشير الى اغراض اخرى كره ذكرها.
(٢٧١) يشير الى عثمان وقوله نافجا حضنيه أي رافعا لهما والحضن ما بين الابط والكشح ويقال للمتكبر جاء نافجا حضنيه. والنثيل الروث. والخضم: الاكل باقصى الاضراس او ملء الفم بالمأكول. والبطنة البطر والاشر.
(٢٧٢) عرف الضبع: ما كثر على عنقها من الشعر ويضرب به المثل في الكثرة والازدحام. وينثالون يتتابعون مزدحمين.
(٢٧٣) يشير إلى طلحة والزبير وأتباعهما.
(٢٧٤) يشير إلى أهل النهروان.
(٢٧٥) يشير إلى أهل صفين.
(٢٧٦) الخطبة: ٣. وهذه الخطبة هي المعروفة با الشقشقية وقد ذكروا في سبب تسميتها بذلك انه (عليه السلام) لما بلغ كلامه إلى الموضع الانف الذكر قام اليه رجل من أهل السواد فناوله كتابا فاقبل ينظر فيه فلما فرغ من قراءته قال له ابن عباس (رضي الله عنه) يا امير المؤمنين لو اطردت مقالتك من حيث افضيت فقال هيهات يابن عباس تلك شقشقة هدرت ثم قرت.
قال ابن عباس فوالله ما اسفت على كلام قط كأسفي على هذا الكلام الا يكون امير المؤمنين بلغ منه حيث اراد.
قال ابن ابي الحديد حدثني شيخي ابو الخير مصدق بن شبيب الواسطي في سنة ثلاث وستمائة، قال: قرأت على الشيخ ابي محمد عبد الله بن احمد المعروف يابن الخشاب هذه الخطبة، فلما انتهيت الى هذا الموضع، قال لي: لو سمعت ابن عباس يقول هذا لقلت له: وهل بقي في نفس ابن عمك امر لم يبلغه في هذه الخطبة لتتأسف الا يكون بلغ كلامه ما اراد والله مارجع عن الاولين ولاعن الاخرين، ولا بقي في نفسه احد لم يذكره الا رسول الله (صلى الله عليه وآله).
قال مصدق: وكان ابن الخشاب صاحب دعابة وهزل. قال: فقلت له: اتقول انها منحولة! فقال: لا والله، واني لأعلم انها كلامه، كما اعلم انك مصدق. قال: فقلت له: ان كثيرا من الناس يقولون انها من كلام الرضي رحمه الله تعالى فقال انى للرضي ولغير الرضي هذا النفس وهذا الاسلوب! قد وقفنا على رسائل الرضي، وعرفنا طريقته وفنه في الكلام المنثور، وما يقع مع هذا الكلام في خل ولا خمر. ثم قال: والله لقد وقفت على هذه الخطبة في كتب صُنِّفَت قبل ان يخلق الرضي بمائتي سنة، ولقد وجدتها مسطورة بخطوط اعرفها، واعرف خطوط من هو من العلماء واهل الادب قبل ان يخلق النقيب ابو احمد والد الرضي.
قال ابن ابي الحديد: وقد وجدت انا كثيرا من هذه الخطبة في تصانيف شيخنا ابي القاسم البلخي امام البغداديين من المعتزلة، وكان في دولة المقتدر قبل ان يخلق الرضي بمدة طويلة. ووجدت ايضا كثيرا منها في كتاب ابي جعفر بن قبة احد متكلمي الامامية وهو الكتاب المشهور المعروف بكتاب (الانصاف) وكان ابو جعفر هذا من تلامذة الشيخ ابي القاسم البلخي رحمه الله تعالى، ومات في ذلك العصر قبل ان يكون الرضي رحمه الله تعالى موجودا. شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ج١: ٢٠٣-٢٠٦.

↑صفحة ١٩٩↑

ومن الواضح ان الأنصار واغلب المهاجرين بعد ان انفلتوا من سلطان قريش(٢٧٧) وعادت إليهم حريتهم تهافتوا على علي (عليه السلام) كتهافت الفراش يطلبون منه البيعة بصفته الشخص الذي دعا الكتاب والسنة إلى بيعته أما في زمن أبي بكر وعمر فلم تكن لهم حرية ان يبايعوا من أرادوا وأراده الكتاب والسنة إذ بايع خمسة أشخاص أبا بكر وهم عمر وأبو عبيدة وسالم من المهاجرين واسيد بن حضير وبشير بن سعد ومن تبعهما من الأنصار ممن كان حاضرا ولبّس الأمر على طائفة من الأنصار بسبب العصبية القبلية وأُجبِر الباقي على البيعة بشكل أو بآخر، وقد أشار علي (عليه السلام) إلى هذه الحرية في إحدى خطبه بقوله (ولئن رُدَّ عليكم أمركم أنكم لسعداء)(٢٧٨). وأشار إلى التلبيس بقوله (ما ختلتكم عن أمركم ولا لبَّسته عليكم).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٧) كان ذلك بسبب عوامل عدة اهمها اختلاف قريش مع عثمان بسبب ايثاره بالولايات والاموال بني امية دون غيرهم من قبائل قريش.
(٢٧٨) خطبة: ١٧٨.

↑صفحة ٢٠٠↑

الفصل السادس: علي (عليه السلام) بايع الخلفاء مكرهاً

قال: ان عليا (عليه السلام) بايع الخلفاء برضاه والشيعة يؤولون ذلك بالتقية.
اقول: قال السيد المرتضى (رحمه الله) وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن عن رضا والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (عليه السلام) ألجئ على البيعة وصار إليها /بعد المدافعة والمحاججة/ لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.

↑صفحة ٢٠١↑

نص الشبهة
قال صاحب النشرة: (وذهب فريق آخر من الباطنية إلى قراءة التاريخ الإسلامي قراءة أخرى وإنكار بعض الأحداث الماضية أو يفسرها تفسيرا معاكسا وتبرير أعمال مثل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة بأنها كانت للتقية)(٢٧٩).
وقال أيضا: (واضطر المتكلمون (الشيعة)... إلى إعادة كتابة التاريخ وتأويل بيعة الإمام أمير المؤمنين للخلفاء الثلاثة ودخوله معهم في الشورى عند انتخاب عثمان واحتجاجه على معاوية بانتخابه عبر الشورى... تأويل كل ذلك بالتقية والإكراه وما إلى ذلك من تأويلات تعسفية ظالمة).
وقال ايضا: (ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي (عليه السلام) لأبي بكر... ويفسرون ذلك بالتقية. وتقول بعض الروايات الشيعية ان بيعة أبي بكر تمت بالقوة والإكراه.
وقد رد القاضي عبد الجبار في المغني على ذلك بقوله: انه لم يجر إكراه وإنما تعلق بذلك بعض الإمامية بروايات ليست صحيحة... وانه لا يجوز من مثل علي التقية... وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين)(٢٨٠).
الرد على الشبهة
أقول: جعل صاحب النشرة الشيعة الإمامية الاثني عشرية أحد أفراد (الباطنية) وستأتي مناقشته على ذلك في موضع آخر.
قوله (ويعترف المؤرخون الشيعة ببيعة الإمام علي لأبي بكر ويفسرون ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٧٩) الشورى العدد ٣ ص ٩.
(٢٨٠) نظرية الامامة الالهية احمد الكاتب الفصل الرابع المبحث الرابع.

↑صفحة ٢٠٣↑

بالتقية) يشير فيه إلى جواب السيد المرتضى ومن جاء بعده من علماء الشيعة الى اليوم ردا على مقولة السنة والمعتزلة من ان عليا (عليه السلام) امتنع عن بيعة أبي بكر ثم بايع راضيا.
ونحن نورد جواب السيد المرتضى باختصار وهو: ان عليا (عليه السلام) صحيح ترك النكير والخلاف بعد ما ظهر منه وبايع بعد وفاة فاطمة (عليها السلام) ولكنه ظهر منه في خلافته ما يكشف ان تركه الخلاف والمنازعة وإظهاره البيعة كان تقية، فهنا قضيتان:
الأولى: ان عليا (عليه السلام) بعد ما بويع واستقر الأمر له بعد عثمان اظهر النكير على الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه وكشف بذلك انه كان قد سالمهم وبايعهم لاعتبارات عدة ليس منها الرضا بهم وقد روي عنه (عليه السلام) انه كان يقول: (بايع الناس والله أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي(٢٨١) بالأرض ثم ان أبا بكر هلك واستخلف عمر وقد والله علم اني أولى بالناس مني بقميصي هذا فكظمت غيظي وانتظرت أمري ثم ان عمر هلك وجعلها شورى وجعلني فيها سادس ستة كسهم الجدة فقال اقتلوا الأقل فكظمت غيظي وانتظرت أمري وألزقت كلكلي بالأرض (ثم ان عثمان قتل فجاؤني فبايعوني طائعين غير مكرهين) حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله)(٢٨٢) وقوله (عليه السلام) (حتى ما وجدت إلا القتال أو الكفر بالله) منبها على ان سبب قتاله لطلحة والزبير ومعاوية وكفه عمن تقدم انه لما وجد الأعوان والأنصار لزمه الأمر وتعين عليه فرض القتال وفي الحال الأولى كان معذورا لفقد الأعوان والأنصار.
وروى الواقدي في كتاب الجمل بإسناده ان أمير المؤمنين (عليه السلام) حين بويع خطب فحمد الله أثنى عليه ثم قال: (حق وباطل ولكل أهل ولئن أمر الباطل لقديما فعل ولئن قل الحق لربما ولعل وقلما أدبر شيء فاقبل وإني لأخشى ان تكونوا في فترة وما علينا إلا الاجتهاد وقد كانت لكم أمور ملتم فيها عليَّ ميلة لم تكونوا عندي فيها بمحمودين أما أني لو أشاء لقلت عفا الله عما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨١) الكلكل: الصدر.
(٢٨٢) انظر ابن عساكرفي تاريخ دمشق ٣:١٠١،١٧٤-١٧٥ بترجمة أمير المؤمنين.

↑صفحة ٢٠٤↑

همته بطنه ويحه لو قُصَّ جناحُه وقُطِع رأسُه لكان خيرا له)(٢٨٣)،(٢٨٤).
وقوله (عليه السلام) (لقد تقمصها ابن أبي قحافة وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى...) الخ الخطبة.
وقوله (عليه السلام) (ما زلت مظلوما منذ قبض الله نبيه صلى الله عليه واله وإلى يوم الناس هذا).
الثانية: ان ترك الإنكار بعد ظهوره منه (عليه السلام) لا يدل على رضاه، لان المسالمة وترك الإنكار قد تكون معبرة عن الرضا وقد تكون معبرة عن التقية والخوف على النفس.
قال السيد المرتضى (رحمهم الله):
(فان قال (أي صاحب المغني) ليس يجب علينا ان نقول فيما يدل على رضاه اكثر من بيعته وترك نكيره لان الظاهر من ذلك يقتضي ما ذكرناه وعلى من ادعى انه كان مبطنا بخلاف الرضا ان يدل على ذلك فانه خلاف الظاهر.
قيل له: ليس الأمر على ما قدرته لان سخط أمير المؤمنين (عليه السلام) هو الاصل لأنه لا خلاف بين الأمة في انه عليه السلام سخط الأمر وأباه ونازع فيه وتأخر عن البيعة (فهنا أمران الأول سخطه (عليه السلام) الثاني: امتناعه عن البيعة) ثم انه لا خلاف في انه بايع بعد ذلك وترك النكير، فيبقى الأمر الأول وهو سخطه على حاله لم ينقله عنه شيء ويجب على من ادعى تغير الحال ان يثبت ذلك وليس له ان يجعل البيعة وترك الإنكار والخلاف دلالة الرضا لانا قد بينا ان البيعة وترك الإنكار قد يكونان عن رضا وقد يكونان عن غيره).
ثم قال (رحمهم الله) أيضا:
(وكيف يشكل على منصف ان بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) لم تكن عن رضا والأخبار متظاهرة بين كل من روى السير بما يقتضي ذلك، حتى ان من تأمل ما روي في هذا الباب لم يبق لديه شك في انه (عليه السلام) أُلجئ على البيعة وصار إليها بعد المدافعة والمحاججة لأمور اقتضت ذلك ليس من جملتها الرضا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٣) ابن ابي الحديد ج١: ٢٧٥.
(٢٨٤) ابن ابي الحديد ج١: ٢٧٥.

↑صفحة ٢٠٥↑

وقد روى أبو الحسن احمد بن يحيى بن جابر البلاذري -وحاله في الثقة عند العامة والبعد عن مقاربة الشيعة والضبط لما يرويه معروف- قال: حدثني بكر بن الهيثم قال حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي (عليه السلام) حين قعد عن بيعته وقال ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام فقال له علي (عليه السلام): احلب حلبا لك شطره والله ما حرصك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غدا،...، ثم أتى فبايعه)(٢٨٥) وهذا الخبر يتضمن ما جرت عليه الحال وما يقوله الشيعة بعينه وقد انطق الله تعالى به رواتهم.
وقد روى البلاذري عن المدائني عن مسلمة بن محارب عن سليمان التيمي عن أبي عون (ان أبا بكر أرسل إلى علي (عليه السلام) يريده على البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه قبس فلقيته فاطمة (عليها السلام) على الباب فقالت: يا ابن الخطاب أتراك محرِّقا عليَّ بابي قال: نعم وذلك أقوِّي فيما جاء به أبوك وجاء علي (عليه السلام) فبايع)(٢٨٦)، وهذا الخبر قد روته الشيعة من طرق كثيرة، وإنما الطريف ان نرويه لشيوخ محدثي العامة وكلهم كانوا يروون ما سمعوا بالسلامة، وربما تنبهوا على ما في بعض ما يروونه عليهم فكفوا عنه، وأي اختيار لمن يحرَّق عليه بابه حتى يبايع.
وقد روى إبراهيم بن سعيد الثقفي، قال حدثنا احمد بن عمرو البجلي، قال حدثنا احمد بن حبيب العامري عن حمران بن أعين عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليه السلام) قال: (والله ما بايع علي (عليه السلام) حتى رأى الدخان قد دخل بيته).
وروى المدائني عن عبد الله بن جعفر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (لما ارتدت العرب مشى عثمان إلى علي (عليه السلام) فقال: يا ابن عم انه لا يخرج أحد إلى قتال هؤلاء وأنت لم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٥) انساب الاشراف ج١: ٥٨٧.
(٢٨٦) انساب الاشراف ج١: ٥٨٦ وفي ذيل الخبر (وقال علي (عليه السلام) كنت عزمت ان لا اخرج من منزلي حتى اجمع القرآن). اقول هذه الزيادة موضوعة على علي (عليه السلام) لتبرير تأخره عن البيعة وقد وردت في خبر آخر رواه البلاذري عن ابن سيرين قال: قال ابو بكر لعلي (عليه السلام) اكرهت امارة (امارتي) قال لا ولكني حلفت ان لا ارتدي بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) برداء حتى اجمع القرآن كما انزل) (ج١: ٥٨٧) ولا شك ان القرآن كان مجموعا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) لان آخر آية نزلت هي آية اكمال الدين في ١٨ ذي الحجة وبقي النبي (صلى الله عليه وآله) بعدها سبعين يوما تقريبا وهي كافية لجمع القرآن ان لم يكن جمع قبل ذلك. كما هو الاليق بتصرف النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) مع القرآن.

↑صفحة ٢٠٦↑

تبايع، ولم يزل به حتى مشى إلى أبي بكر فَسُرَّ المسلمون بذلك، وجَدَّ الناس في قتالهم)(٢٨٧).
وروى البلاذري عن المدائني عن أبي جري عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: (لم يبايع علي أبا بكر حتى ماتت فاطمة بعد ستة اشهر فلما ماتت ضَرَع إلى صلح أبي بكر، فأرسل إليه ان يأتيه، فقال عمر لان تأته وحدك قال: وماذا يصنعون بي فأتاه أبو بكر فقال له (عليه السلام):... والله لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) احب إلي من قرابتي فلم يزل علي (عليه السلام) يذكر حقه وقرابته حتى بكى أبو بكر فقال ميعادك العشية، فلما صلى أبو بكر خطب وذكر عليا (عليه السلام) وبيعته ثم بايع أبا بكر فقال المسلمون: أصبت وأحسنت)(٢٨٨).
ومن تأمل هذا الخبر وما جرى مجراه عليهم كيف وقعت الحال في البيعة، وما الداعي إليها، ولو كانت الحال سليمة والنيات صافية، والتهمة مرتفعة، لما منع عمر أبا بكر ان يصير إلى أمير المؤمنين (عليه السلام).
وروى إبراهيم الثقفي عن محمد بن أبي عمير عن أبي عن صالح بن أبي الأسود عن عقبة بن سنان عن الزهري قال: (ما بايع علي (عليه السلام) إلا بعد ستة اشهر، وما اجتُرِئَ عليه إلا بعد موت فاطمة (عليها السلام)).
وروى إبراهيم عن يحيى بن الحسن، عن عاصم بن عامر، عن نوح بن دراج، عن داود بن يزيد الاودي، عن أبيه عن عدي بن حاتم قال: (ما رحمت أحدا رحمتي عليا حين أتى به مُلَبَّبا فقيل له: بايع، قال: فان لم افعل؟ قالوا: إذا نقتلك، قال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، ثم بايع كذا وضم يده اليمنى).
وروى إبراهيم عن عثمان بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد البجلي عن داود بن يزيد الاودي عن أبيه عن عدي بن حاتم قال (إني لجالس عند أبي بكر إذ جيء بعلي (عليه السلام) فقال له أبو بكر: بايع، فقال له علي (عليه السلام): فأن لم افعل؟ فقال: اضرب الذي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٧) انساب الاشراف ج١ ٥٨٧.
(٢٨٨) روى الخبر مفصلا البخاري في كتاب المغازي باب غزرة خيبر ج٣: ص ٤٦ورواه مسلم في صحيحه كتاب الجهاد ج٥: ١٥٤.

↑صفحة ٢٠٧↑

فيه عيناك(٢٨٩)، فرفع رأسه إلى السماء ثم قال: اللهم اشهد، ثم مد يده).
وقد روي هذا المعنى من طرق مختلفة، وبألفاظ متقاربة المعنى وان اختلفت ألفاظها، وانه (عليه السلام) كان يقول في ذلك اليوم لما أُكرِه على البيعة وحُذِّرَ من التقاعد عنها: (يا ابن أم ان القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين) ويردد ذلك ويكرره، وذِكْرُ اكثر ما روي في هذا المعنى يطول فضلا عن ذكر جميعه، وفيما أشرنا إليه كفاية ودلالة على ان البيعة لم تكن عن رضا واختيار).
ثم قال (رحمهم الله) أيضا:
(ومن أدل دليل على ان كفه (عليه السلام) عن النكير وإظهار الرضا لم يكن اختيارا وإيثارا، بل كان لبعض ما ذكرناه انه لا وجه لمبايعته بعد الإِباء إلا ما ذكرناه بعينه فان إباءه المتقدم لا يخلو من وجوه:
إما ان يكون ما ادعاه صاحب الكتاب من انشغاله بالنبي (صلى الله عليه وآله) وابنته، واستيحاشه من ترك مشاورته، وقد أبطلنا ذلك بما لا زيادة عليه) (٢٩٠).
أو لأنه كان ناظرا في الأمر ومريبا في صحة العقد أما بأن يكون ناظرا في صلاح المعقود له الإمامة، أو في تكامل شروط عقد إمامته، ووقوعه على وجه الصحة، وكل ذلك لا يجوز ان يكون خافيا على أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا ملتبسا، بل كان به اعلم واليه اسبق، ولو جاز ان يخفى على مثله وقتا ووقتين لما جاز ان يستمر الأوقات، وتتراخى المدد في خفائه وكيف يشكل عليه صلاح أبي بكر للإمامة وعندهم ان ذلك كان معلوما ضرورة لكل أحد، وكذلك عندهم صفات العاقدين وعددهم، وشروط العقد الصحيح مما نص النبي (صلى الله عليه وآله) واعلم الجماعة به على سبيل التفصيل. فلم يبق شيء يرتئي فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وينظر في أصابته النظر الطويل يحمل عليه إباؤه وامتناعه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٨٩) لو لم يبايع علي (عليه السلام) لقتل جهرةً كما قتل مالك بن نويرة وقيل عنه قتل مرتدا انظر قصة قتل مالك في شرح النهج ١٨: ٢٠٣ نقلا عن المغني للقاضي عبد الجبار. او يقتل غيلة كما قتل سعد بن عبادة في خلافة عمر حيث بعث اليه عمر رجلا وقال له ادعه الى البيعة وان ابى فأستعن بالله عليه فجاءه فرفض البيعة فرماه بسهم فقتله واشيع عنه ان الجن قتله (البلاذريج١:٥٨٩). وفي شرح النهج ج١٨: ٢٢٣ ان قتل سعد كان في خلافة أبي بكر.
(٢٩٠) انظر الشافي ج٣: ٢٤٩-٢٥٠ حيث تعرض لذلك.

↑صفحة ٢٠٨↑

من البيعة في الأول إلا ما نذكره من أنها وقعت في غير حقها ولغير مستحقها، وذلك يقتضي ان رجوعه إليها لم يكن إلا لضرب من التدبير(٢٩١).
وقوله (إلا لضرب من التدبير) أي للتقية والخوف على النفس.
رد على القاضي عبد الجبار:
اما قول صاحب المغني: (انه لا يجوز من مثل علي (عليه السلام) التقية... وهلا ظهرت منه التقية يوم الجمل وصفين).
فيَرُدُّه قول علي (عليه السلام) (لو لا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر و... لا لقيت حبلها على غاربها) وقوله (عليه السلام) (لوجدت أربعين ذوى عزم لقاتلتهم) وقوله (عليه السلام) لجندب بن عبد الله الازدي حين اقترح عليه ايام الشورى ان يقوم فى الناس فيدعوهم الى نفسه ويسألهم النصر فان اجابه عشرة من مأة شدَّ بهم على الباقين اجابه (عليه السلام) (اترجو ان يبايعنى من كل عشرة واحد؟ قلت ارجو ذلك قال: لكني لا أرجو ذلك لا والله ولا من المأة واحد سأخبرك ان الناس انما ينظرون الى قريش فيقولون هم قوم محمد وقبيله... لا والله لا يدفع الناس (أي قريش) هذا الامر طائعين ابدا).
وكذلك يرده قوله علي (عليه السلام) فى خطبته الشقشقية (فنظرت فاذا ليس لي رائد الا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتي فضننت بهم عن المنية)(٢٩٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩١) انظر كتاب الشافي ج٣: ٢١٧-٢٥١.
(٢٩٢) مرت مصادر هذه الكلمات فى الفصل الاول والفصل الخامس.

↑صفحة ٢٠٩↑

الفصل السابع: قصة متعة الحج والعبرة منها

قال البغدادي: لو كان ثمة نص على علي (عليه السلام) فأن الصحابة اكبر من ان يخالفوا أمر النبي (صلى الله عليه وآله).
أقول: لم يكن الصحابة معصومين وقد تورطوا في اكثر من مرة بمخالفة النص الصريح وقصة متعة الحج من اكبر الشواهد.

↑صفحة ٢١١↑

نص الشهبة
قال البغدادي:
(ان من الغرابة بمكان ان يكون الطريق الوحيد هو ان يختار النبي بأمر الله شخصا/ هو علي / يعده قياديا ورساليا ومع ذلك لم يجد أغلبية تؤيده من الجيل الطليعي للامة).
الرد على الشبهة
اقول: تزول هذه الغرابة إذا عرفنا ان أغلبية الصحابة كانوا قد خالفوا في تشريعات عبادية فضلا عن غيرها ولعل افضل حادثة تصور لنا هذه الحقيقة بكل وضوح هي مسألة حج التمتع وقد وردت أخبارها في كل كتب الحديث والى القارئ الكريم خلاصة عنها:
العمرة والحج في الإسلام:
هناك ثلاثة أنواع من الحج في الإسلام:
الأول حج التمتع: وهو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، ويتألف من عمرة التمتع وحج التمتع، وصورة عمرة التمتع هي، ان يحرم من الميقات في اشهر الحج ثم يأتي مكة ويطوف بها سبعا، ثم يصلي ركعتي الطواف، ثم يسعى بين الصفا والمروة سبعا، ثم يقصر، فيحل من جميع ما حرم عليه بالإحرام، ويقيم بمكة محلا إلى يوم التروية أي اليوم الثامن من ذي الحجة فينشئ إحراما لحج التمتع من الحرم، ثم يخرج إلى عرفات، ثم يفيض عنها بعد غروب التاسع إلى المشعر، ومنه إلى منى لرمي جمرة العقبة الكبرى، ثم الذبح ثم الحلق ان كان حجه صرورة وبه يتحلل إلا من النساء

↑صفحة ٢١٣↑

والطيب، ثم يطوف ويصلي ويسعى فيحل له الطيب، ثم يطوف طواف النساء ويصلي فتحل له النساء، ثم يرجع إلى منى للمبيت بها ورمي الجمرات الثلاث، فإذا بات ليلتين بمنى جاز له النفر في اليوم الثاني عشر بعد الزوال، ويسمى هذا الحج بحج التمتع، لان الحاج يتمتع بالحل بين إحرامي العمرة، والحج ومدة الحل بين الإحرامين هي متعة الحج التي حرمها الخليفة عمر وتبعه اكثر المسلمين في وقته.
الثانى حج الإفراد: ويتألف من حج أولا ثم عمرة يأتي بها بعد الانتهاء من المناسك في منى، وتسمى هذه العمرة بالمفردة، كما يسمى الحج بحج الإفراد، لان الحاج يأتي بكل منهما مفردا وليس في هذا الحج هدي.
الثالث حج القران: هو كحج الإفراد مع ملاحظة ان الحاج يسوق الهدي معه عند إحرامه، وقد سمي بذلك لان الحاج يقرن بين التلبية وسوق الهدي.
والنوعان الأخيران من الحج فرض حاضري المسجد الحرام.
العمرة والحج في الجاهلية:
كان الحج والعمرة من اهم الشعائر في الجاهلية وهما إضافة إلى أمور أخرى مما بقي من دين إبراهيم (عليه السلام)، وقد تحملت قريش بوصفها سكان البيت وذرية ابراهيم (عليه السلام) مسئولية إقامة الحج وتعليم الناس الوافدين إلى مكة أحكام الحج وكانت مكة قد عَظُمَ شأنها بعد حادثة الفيل، وانعكس ذلك على قريش، وابتدعت قريش بعد وفاة عبد المطلب بدعا خاصة في الحج وتابعتها العرب على ذلك، وكان من تلك البدع هو بدعة تحريم العمرة في اشهر الحج وجعلها من افجر الفجور.
قال ابن القيم: (اعتمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد الهجرة أربع عمر كلهن في ذي القعدة.. والمقصود مخالفة هدي المشركين فانهم كانوا يكرهون العمرة في اشهر الحج) زاد المعاد ١ / ٢٠٩.
حجة الوداع:
كانت حجة الوداع هي الحجة الأولى والأخيرة التي بيَّن النبي (صلى الله عليه وآله) فيها أحكام حج

↑صفحة ٢١٤↑

التمتع، وكان قد جعل عمرة التمتع جزءا من الحج، وقد وقعت هذه الحجة في السنة العاشرة من الهجرة، وذلك بعد ان أسلمت جزيرة العرب ومن شاء الله من أهل اليمن وقدم المدينة بشر كثير يريدون ان يأتموا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال أهل السير: (فخرج لخمس بقين من ذي القعدة ومعه أزواجه وأهل بيته وعامة المهاجرين والأنصار ومن شاء الله من قبائل العرب وإفناء الناس)(٢٩٣).
روى أبو داود في سننه(٢٩٤) ان النبي (صلى الله عليه وآله) لما وصل إلى عسفان (وهي بين الجحفة ومكة والجحفة تبعد عن مكة أربعة مراحل) قال له سراقة بن مالك المذحجي يا رسول الله اقض لنا قضاء قوم كأنما ولدوا اليوم فقال (صلى الله عليه وآله):
(ان الله تعالى قد ادخل عليكم في حجكم هذا عمرة فإذا قدمتم فمن تطوف بالبيت وبين الصفا والمروة فقد حل إلاّ من كان معه هدي).
وتكرر منه (صلى الله عليه وآله) نظير ذلك في (سَرَف) التي تبعد ستة أميال من مكة(٢٩٥).
ولننظر الآن كيف تلقى الصحابة تشريع حج التمتع.
موقف قريش من حج التمتع:
روى مسلم في صحيحه(٢٩٦) عن جابر قال:
(أهللنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالحج فلما قدمنا مكة امرنا ان نحل ونجعلها عمرة فَكَبُرَ ذلك علينا وضاقت به صدورنا فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله).. فقال: أيها الناس أحلوا، فلولا الهدي الذي معي فعلت مثل الذي أمرتكم به. قال فأحللنا حتى وطئنا النساء، وفعلنا ما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر أهللنا بالحج).
وفي رواية البخاري في صحيحه عن جابر أيضا: (فبلغه (أي النبي (صلى الله عليه وآله)) انا نقول:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٣) الامتاع ١: ٥١١. وفي السيرة الحلبية ٣:٣٠٨ ان الذين خرجوا معه كانوا اربعين الفا وقيل كانوا سبعين الفا وقيل كانوا تسعين الفا وقيل كانوا مائة الف واربعة عشر الفا وقيل عشرين الفا وقيل كانوا اكثر من ذلك.
(٢٩٤) ١: ١٥٩.
(٢٩٥) صحيح البخاري ١: ١٨٩. وصحيح مسلم: ٨٧٥. وأيضا في بطحاء مكة سنن البيهقي ٥:٤.
(٢٩٦) صحيح مسلم: ٨٨٢ ح١٣٨.

↑صفحة ٢١٥↑

لما لم يكن بيننا وبين عرفة إلا خمس امرنا ان نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا).
ومثله رواية مسلم وابن ماجة وأبي داود ومسند احمد.
وفي رواية أخرى للبخاري(٢٩٧) أيضا: (ففشت في ذلك القالَةُ فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله) فقام خطيبا فقال: بلغني ان أقواما يقولون كذا وكذا والله لانا أبَرُّ واتقى لله منهم) وفي رواية سنن ابن ماجة ومسند احمد ومجمع الزوائد: (قال الناس يا رسول الله قد احرمنا بالحج فيكف نجعلها عمرة؟ قال: انظروا ما آمركم به فافعلوا، فردوا عليه القول، فغضب، فانطلق ثم دخل على عائشة وهو غضبان فرأت الغضب في وجهه فقالت: من أغضبك أغضبه الله! قال: ما لي لا اغضب وأنا آمر أمرا فلا أُتَّبَع)(٢٩٨).
وفي رواية مسلم(٢٩٩): (قالت عائشة: قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس فدخل عليَّ وهو غضبان، فقلت من أغضبك يا رسول الله ادخله الله النار؟ قال: وما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون).
قال العلامة العسكري: (يبدو ان الممتنعين من التمتع بالعمرة إلى الحج الذين تعاظم عليهم ذلك كانوا من مهاجرة قريش من أصحاب النبي ويدل على ذلك أولا: ما رواه ابن عباس في حديثه (ان هذا الحي من قريش ومن دان دينهم كانوا يحرمون العمرة حتى ينسلخ ذو الحجة ومحرم). وثانيا: ان الذين منعوها بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) هم ولاة المسلمين من قريش).
حج التمتع على عهد ابي بكر:
روى البيهقي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال:
(حججتُ مع أبي بكر فجرَّد، ومع عمر فجرد ومع عثمان فجرد)(٣٠٠). ومعنى جَرَّد أي افرد الحج.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٢٩٧) ٢: ٥٢.
(٢٩٨) مسند احمد ٤: ٢٨٦، مجمع الزوائد ٣: ٢٣٣، سنن ابن ماجة: ٩٩٣.
(٢٩٩) صحيح مسلم: ٨٧٩.
(٣٠٠) سنن البيهقي ٥: ٥.

↑صفحة ٢١٦↑

حج التمتع على عهد عمر:
روى مالك بن انس في الموطأ عن عبد الله بن عمر قال:
(ان عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم فان ذلك أتم لحج أحدكم وأتم لعمرته ان يعتمر في غير اشهر الحج).
وفي صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند احمد وغيرهم عن أبي موسى الاشعري قال: (كنت أفتي الناس بذلك (أي بالحل بعد إتمام أعمال متعة الحج) في إمارة أبي بكر وإمارة عمر فإني لقائم بالموسم إذ جاءني رجل فقال انك لا تدري ما احدث أمير المؤمنين في شان النُّسُك فقلت: أيها الناس من كنا أفتيناه بشيء فليتئد فهذا أمير المؤمنين قادم عليكم فبه ائتموا(٣٠١).. ثم ذكر أمره بفصل الحج عن العمرة).
وفي حلية الأولياء(٣٠٢): (ان عمر بن الخطاب نهى عن المتعة في اشهر الحج وقال: فعلتها مع رسول الله وأنا أنهى عنها وذلك:
ان أحدكم يأتي من أفق من الآفاق شعثا نصبا معتمرا اشهر الحج وإنما شعثه ونصبه وتلبيته في عمرته ثم يقدم فيطوف بالبيت ويحل ويلبس ويتطيب ويقع على أهله ان كانوا معه حتى إذا كان يوم التروية أهَلَّ بالحج وخرج إلى منى يلبي بحجة لا شعث فيها ولا نصب ولا تلبية إلا يوما، والحج افضل من العمرة، لو خلينا بينهم وبين هذا لعانقوهن تحت الأراك، وان أهل هذا البيت (أي أهل مكة) ليس لهم ضرع ولا زرع، وإنما ربيعهم في من يطرأ عليهم).
وفي رواية مسلم: (فقال عمر: قد علمت ان النبي فعله وأصحابه ولكن كرهت ان يضلوا معرِّسين بهن في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رؤوسهم)(٣٠٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠١) يؤكد قول الاشعري هذا ان السلطة القرشية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كانت قد عرضت نفسها على انها السلطة التشريعية، بمعنى ان الدين هو ما تقرره، مضافا الى السلطة الاجرائية.
(٣٠٢) ٥: ٢٠٥.
(٣٠٣) صحيح مسلم: ٨٩٦ ح١٥٧. مسند الطيالسي ٢: ٧٠ ح٥١٦. مسند احمد ١: ٤٩ - ٥٠، سنن النسائي ٢: ١٦. من هذه الرواية نفهم ان عمر كان من الذين انكروا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) امر متعة الحج وانه قال ضمن من قال (انغدوا حجاجا ورؤوسنا تقطر).

↑صفحة ٢١٧↑

وقد نقل النووي في شرح صحيح مسلم(٣٠٤) عن القاضي عياض ان عمر كان يضرب على متعة الحج).
حج التمتع على عهد عثمان:
تابَعَ الخليفة عثمان سَلَفه عمر في ما استن من الفصل بين الحج والعمرة والضرب عليها قال ابن حزم(٣٠٥): (ان عثمان سمع رجلا يُهِلُّ بعمرة وحج، فقال: عليَّ بالمُهِل، فضربه وحلقه)، الضرب للتأديب والحلق للتشهير، وفي الشطر الثاني من خلافة عثمان حيث نَقِمَ المسلمون عليه كثيرا من أحداثه، سجلت كتب الحديث اكثر من رواية تشرح معارضة علي (عليه السلام) بقوة تحريم متعة الحج.
موقف علي (عليه السلام) من حج التمتع:
روى مالك في الموطأ: (ان المقداد بن الأسود دخل على علي (عليه السلام) بالسُقْيا وهو يُنجِع بَكرات له دقيقا وخبطا، فقال هذا عثمان بن عفان ينهى ان يقرن بين الحج والعمرة، فخرج علي (عليه السلام) وعلى يديه اثر الدقيق والخبط فما أنسى اثر الدقيق والخبط، على ذراعيه، حتى دخل على عثمان فقال: أنت تنهى عن ان يُقْرَنَ بين الحج والعمرة، فقال: عثمان ذلك رأيي، فخرج عليٌّ (عليه السلام) مغضبا وهو يقول: لبيك اللهم لبيك بحجة وعمرة معا(٣٠٦).
وفي سنن النسائي ومستدرك الصحيحين ومسند احمد واللفظ للاول عن سعيد بن المسيب قال: (حج علي وعثمان فلما كنا ببعض الطريق نهى عثمان عن التمتع فقال علي إذا رأيته ارتحل فارتحلوا فلبى علي وأصحابه بالعمرة...)(٣٠٧).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٤) ١: ١٧٠.
(٣٠٥) المحلى ٧: ١٠٧.
(٣٠٦) موطأ مالك الحديث ٤٠ من باب القِران في الحج: ٣٣٦، وابن كثير ٥: ١٢٩، و(السقيا) قرية جامعة بطريق مكة، و(ينجع) يسقي، و(بكرات) جمع بكرة ولد الناقة أو الفتى منها، و(الخَبْط) ضرب من ورق الشجر حتى ينحات عنه ثم يستخلف من غير ان يضر ذلك باصل الشجر واغصانها قال الليث (الخَبَط) خَبَط ورق العِظاء من الطلح ونحوه يخبط يضرب بالعصا فيتناثر ثم يعلف الابل.
(٣٠٧) سنن النسائي ٢: ١٥ كتاب الحج باب حج التمتع. ومسند احمد ١: ٥٧ الحديث ٤٠٢ بمسند عثمان ومستدرك الصحيحين ١: ٤٧٢. وتاريخ ابن كثير ٥: ١٢٦ و١٢٧.

↑صفحة ٢١٨↑

قال الإمام السندي بهامشه: (قال (إذا رأيتموه قد ارتحل فارتحلوا) أي ارتحلوا معه ملبين بالعمرة ليعلم أنكم قدمتم السنة على قوله، وانه لا طاعة له في مقابل السنة)(٣٠٨).
وفي صحيح البخاري وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن البيهقي ومسند احمد ومسند الطيالسي وغيرها عن علي بن الحسين (عليهما السلام) عن مروان بن الحكم قال: (شهدت عثمان وعليا (عليه السلام) وعثمان ينهى عن المتعة وان يجمع بينهما فلما رأى علي أهل بهما لبيك بعمرة وحجة معا قال ما كنت لأدع سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لقول أحد)(٣٠٩).
وفي لفظ النسائي: (فقال عثمان أتفعلها وأنا أنهى عنها فقال علي لم اكن لأدع سنة رسول الله لأحد من الناس).
هذا هو موقف علي (عليه السلام) من أمر متعة الحج في عهد عثمان، وهو موقفه ايضا في عهد عمر ولكنه (عليه السلام) لم يتابع إنكاره على عمر، بقوة لشدة عمر المعروفة ولما تولى علي (عليه السلام) الأمر بعد قتل عثمان كان من الطبيعي ان يحث على إقامة سنة النبي (صلى الله عليه وآله) في حج التمتع وغيرها وكذلك كان الأمر في عهد الحسن (عليه السلام).
حج التمتع على عهد معاوية:
لما تولى معاوية أمر الحكم عمل على إحياء سنن الخلفاء الثلاثة وكان منها تحريم متعة الحج ففي سنن النسائي عن ابن عباس قال: هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة. وقد تمتع النبي (صلى الله عليه وآله).
وفي موطأ مالك وسنن النسائي وسنن الترمذي عن محمد بن عبد الله بن الحارث: (انه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس عام حج معاوية، وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك: يا بن قيس لا يفعل ذلك إلا من جهل أمر الله عز وجل، فقال سعد: بئس ما قلت يا بن أخي، فقال الضحاك: فإن عمر بن الخطاب قد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٠٨) يتضح من الرواية وتعليق السندي ان عليا (عليه السلام) واصحابه كانوا في الحج على السنة وكان عمر وعثمان ومن اقتدى بهما على خلاف السنة.
(٣٠٩) صحيح البخاري ١: ١٩٠.

↑صفحة ٢١٩↑

نهى عن ذلك، فقال سعد: قد فعلها رسول الله وفعلناها معه).
أقول: قوله (قد فعلها رسول الله)، تعبير غير صحيح من الراوي لان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان قد ساق الهدي ولم يحل، وإنما أمر بالحل.
لقد جدَّ معاوية خاصة بعد وفاة الحسن (عليه السلام) في المنع من متعة الحج فلم يكن يجرؤ من يعرف الحقيقة وثبت عليها من المجاهرة بها كما يظهر من الرواية الآتية:
روى مسلم عن مطرِّف قال: (بعث إليَّ عمران بن الحصين في مرضه الذي توفي منه فقال: أني محدثك بأحاديث لعل الله ان ينفعك بها بعدي فان عشت فاكتم عني وان مت فحدِّث بها ان شئت.. واعلم ان نبي الله (صلى الله عليه وآله) قد جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب يحرم، ولم ينه عنها رسول الله، قال فيها رجل برأيه ما شاء)(٣١٠).
اقول: اراد بالرجل الذي قال فيها برأيه ما شاء هو عمر.
حج التمتع على عهد ابن الزبير:
ولما ولي ابن الزبير مكة اكثر من عشر سنوات واصل هو وبنو أبيه في منع المسلمين من عمرة التمتع فوقعت بينهم وبين أتباع علي (عليه السلام) مناظرات ومساجلات، ففي صحيح مسلم(٣١١): (كان ابن عباس يأمر بالمتعة وكان ابن الزبير ينهى عنها).
وفي زاد المعاد: (قال عبد الله بن الزبير افرِدوا الحج أي لا تجمعوا بين الحج والعمرة ودعوا قول أعماكم هذا (يريد ابن عباس) فقال عبد الله بن عباس: ان الذي أعمى قلبه لأنت، ألا تسأل أمك عن هذا، فأرسل إليها فقالت: صدق ابن عباس جئنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حجاجا فجعلناها عمرة، فحللنا الإحلال كله، حتى سطعت المَجامِر بين الرجال والنساء)(٣١٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٠) صحيح مسلم ج١٦٨: ١٦١، ١٦٩. وعمران بن حصين توفي بالبصرة سنة اثنتين وخمسين. يتضح من هذه الرواية ان السلطة القرشية بعد النبي (صلى الله عليه وآله) كانت قد عرَّضت سنة محمد (صلى الله عليه وآله) للتحريف حين ادخلت فيها برأيها ما شاءت كما عرَّضت سنة ابراهيم في الحج بعد وفاة عبد المطلب حين ادخلت فيها برأيها ما شاءت من بدعة الحمس وتحريم العمرة في اشهر الحج.
(٣١١) الحديث ١٩٤.
(٣١٢) زاد المعاد ١: ٢٤٨. انظر أيضا زوائد المسانيد الثمانية ١: ٣٣٠ الحديث ١١٠٨ والمصنف لابن أبي شيبة ٤: ١٠٣.

↑صفحة ٢٢٠↑

وفي مسند احمد: (قال عروة بن الزبير لابن عباس: متى تضل الناس يا بن عباس؟
قال وما ذاك يا عُرَيَّة(٣١٣)؟
قال تأمرنا بالعمرة في اشهر الحج وقد نهى عنها أبو بكر وعمر!
فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله (صلى الله عليه وآله) (٣١٤). وفي رواية أخرى (فقال ابن عباس: أراهم سيهلكون أقول قال النبي (صلى الله عليه وآله) ويقولون نهى أبو بكر وعمر(٣١٥).
وفي صحيح مسلم عن أبي نضرة قال: (كنت عند جابر فأتاه آت فقال: ان ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين فقال جابر فعلناها مع رسول الله ثم نهى عنها عمر فلم نَعُد لهما(٣١٦).
ولم يفلح ابن الزبير في إرجاع الناس في أمر متعة الحج إلى ما سنه فيها عمر، وتعلقت قلوبهم بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) كما أحياها علي (عليه السلام)، ففي صحيح مسلم:
(قال رجل من بني الهجيم لابن عباس ما هذه الفتيا التي تشغفت أو تشغبت بالناس ان من طاف بالبيت فقد حل فقال سنة نبيكم وان رغمتم، وفي رواية بعدها: ان هذا الأمر قد تفشغ بالناس من طاف بالبيت فقد حل)(٣١٧). وقوله تشغفت أي علقت بقلوب الناس وتشغبت أي خلطت عليهم أمرهم وتفشغ أي انتشر وفشا بين الناس.
حج التمتع على عهد بني مروان:
وحاول عبد الملك ومن جاء من بعده من حكام بني أمية أحياء موقف عمر، وكان الناس في زمانهم يتخوفون من الإفتاء بمتعة الحج كما يظهر ذلك من رواية ابن حزم عن منصور بن المعتمر قال:حج الحسن البصري وحججت معه في ذلك العام، فلما قدمنا مكة جاء رجل إلى الحسن، فقال: يا أبا سعيد إني رجل بعيد الشقة من أهل خراسان وإني قدمت مُهِلاًّ بالحج، فقال له الحسن: اجعلها عمرة واحل، فانكر ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٣) تصغير عروة.
(٣١٤) مسند احمد ١: ٢٥٢.
(٣١٥) مسند احمد: ٣٣٧.
(٣١٦) صحيح مسلم الحديث ١٢٤٩ ص ٩١٤.
(٣١٧) صحيح مسلم ٢٠٦: ٢٠٧.

↑صفحة ٢٢١↑

الناس على الحسن، وشاع قوله بمكة، فأتى عطاء بن أبي رباح فذكر ذلك له، فقال صدق الشيخ لكنا نفرق ان نتكلم بذلك)(٣١٨).
حج التمتع على عهد بني العباس:
زال التخوف والحرج عن المسلمين عن العمل بمتعة الحج في عصر بني العباس، وانتشر القول بعمرة التمتع على عهدهم ولعل لموقف جدهم عبد الله بن العباس دخلا في ذلك، وعلى عهدهم تبنى احمد بن حنبل القول بعمرة التمتع ثم استمر في أتباعه إلى اليوم(٣١٩).
العبرة من قصة حج التمتع:
أقول: إذا كان سبعون ألفا إلى مائة ألف أو اكثر كانوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع، وهي آخر سنة من حركة النبوة، قد سمعوا من النبي (صلى الله عليه وآله) أمر حج التمتع ثم عملوا به بعد مشاكسة وممانعة، ومع ذلك استطاع الخليفة عمر ان ينهاهم عنها، ويعاقبهم إذا خالفوا أمره فيها، ولم يجرؤ على الوقوف أمام هذه المخالفة إلا علي (عليه السلام) ونفر من أصحابه معه كمقداد وعمار وغيرهما، فهل يُستغرَب منهم ان يخالفوا نص النبي (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) في حادثة الغدير ودواعي المخالفة هنا أقوى لمكان الرئاسة والتقدم على الغير؟
ثم لو قارن الباحث بين كيفية تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله) حكم متعة الحج وتدرجه فيه وكيفية تبليغ النص في ولاية علي (عليه السلام) وتدرجه فيه، ثم ردود الفعل إزاء الحُكمين في زمان النبي وبعده، وكيفية تخطيط علي (عليه السلام) لإحياء نص النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أهل بيته يوم الغدير وإحياء سنته (صلى الله عليه وآله) في متعة الحج، لدهش من شدة التشابه، وقد جعل الله تعالى في ذلك عبرة لمن أراد الاعتبار.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣١٨) المحلى ٧: ١٠٣. توفي الحسن البصري سنة ١١٠ هجـ وقد قارب التسعين وعطاء توفي سنة١١٤هجـ.
(٣١٩) استفدنا اكثر ما ورد من بحث العلامة العسكري في كتابه معالم المدرستين ط٤ ج٢:١٩٧-٢٥١. ويعد بحثه في حج التمتع بحق افضل ما كتب في بابه.

↑صفحة ٢٢٢↑

ويتضح تدرج النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغه امر متعة الحج حين سئل في الطريق عن ذلك وقوله (صلى الله عليه وآله) (دخلت العمرة في الحج الى الابد)، وقوله (صلى الله عليه وآله) (من شاء منكم ان يجعلها عمرة او يجعلها حجة). ثم لما اتموا طوافهم امرهم امرا قاطعا بان من لم يسق الهدي ان يجعلها عمرة وكان رد فعلهم زمن النبي (صلى الله عليه وآله) هو كثرة لغطهم ومناقشتهم للنبي (صلى الله عليه وآله) حتى اغضبوه، اما رد فعلهم بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) فهو العمل على خلافها زمن ابي بكر ثم نهي عمر كل المسلمين عن العمل بها.
وتميز موقف علي (عليه السلام) بالاستنكار على عمر استنكارا لينا لما يعلم من شدته، ثم استنكارا شديدا على عثمان في اخريات حكومته حيث تضعضعت سلطته، وكثر كلام الناس عليه، ثم العمل على احياء متعة الحج زمان حكمه.
اما تدرج النبي (صلى الله عليه وآله) في تبليغه الولاية لاهل البيت (عليهم السلام) وتسمية علي (عليه السلام) فهو واضح لمن يتأمل كلمات النبي (صلى الله عليه وآله) فيهم منذ واقعة الدار والى ما قبل حجة الوداع، اذ يجدها خاصة غير عامة فحديث الدار كان مع بني هاشم، وحديث الكساء كان امام ام سلمة وامام هذه المجموعة او تلك من اصحابه وهكذا الامر في كل ما اثر عنه (صلى الله عليه وآله) من احاديث في فضل علي (عليه السلام) او احد من اهل بيته، اما في خطبته يوم عرفة وحديثه في الغدير فقد كان ذكر اهل بيته وعلي (عليه السلام) امام كل اصحابه الذين بلغ عددهم مأة الف او يزيدون، وقد كثر لغطهم لما قرن النبي (صلى الله عليه وآله) اهل بيته بالقرآن وجعل التمسك بهما امانا من الضلالة وذكر الاثني عشر منهم(٣٢٠)، وبسبب اللغط والصخب لم يسم عليا في خطبته في عرفة.
وعند رجوعه (صلى الله عليه وآله) من الحج ووصوله الى غدير خم نزل قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَالله يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ) فقام النبي وخطب اصحابه وذكر اهل بيته (عليهم السلام) وسمى عليا (عليه السلام)، وجعل ولاية علي كولايته وهي كولاية الله تعالى واستجاب الناس لامر الله في علي وسلموا جميعا عليه بامرة المؤمنين، حتى قال عمر بخ بخ لك يا علي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٠) مسند احمد ج٥: ٩٩ حديث سمرة بن جندب.

↑صفحة ٢٢٣↑

اصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة.
وكان رد الفعل بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) هو العدول عن علي (عليه السلام) بل النهي عن ذكر احاديث النبي فيه وفي اهل بيته بل نهيهم عن رواية السنة النبوية مطلقا كرد فعلهم ازاء حج التمتع ونهيهم عنها، كما مرت مصادر دلك فى صفحة ١٥٩ - ١٦٣ من هذا الكتاب.
وتميز موقف علي (عليه السلام) بالاستنكار على اهل السقيفة والامتناع عن البيعة ثم سالمهم حفظا على حياته، ولما صار الامر اليه بعد قتل عثمان احيا ما ذكره النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي اهل بيته، وفي مسجد الكوفة وهو يجمع الالاف المؤلفة من المصلين روى علي (عليه السلام) حديث الغدير واستنشد من كان حاضرا من الصحابة لتأييده، وبسبب ذلك صارت رواية حديث الغدير متميزة من ناحية كثرة رواتها من الصحابة والتابعين وقد سجل الحافظ ابن عقدة في القرن الرابع الهجري رواية مأة وعشرة من الصحابة الامر الذي لم يسجل مثله لاي حديث آخر من احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) سواء في الفضائل او في الاحكام.

↑صفحة ٢٢٤↑

الفصل الثامن: أسئلة الدكتور الشرقاوي حول نظرية النص

↑صفحة ٢٢٥↑

أسئلة الدكتور الشرقاوي
نشرت نشرة الشورى في حقل رسائل القراء رسالة موقعة باسم الدكتور الشرقاوي فيما يلي نصها:
(السيد رئيس تحرير (الشورى) السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
تلبية لدعوتكم إلى مناقشة موضوع الشورى عند جيل الصحابة، ومساهمة في ممارسة الشورى والدخول في نادي (الشورى) أود ان أقول في البداية انني لم اقرأ نقدا موضوعيا هادئا لنظرية الشورى كما قرأته في المقال الموجز للشهيد السيد محمد باقر الصدر (قدس سره) والمقتبس من كراسة له حول (الولاية).. ولست ادري فيما إذا كان ذلك هو رأيه الأخير أم ان له استدراكات أخرى على الموضوع
وعلى أي حال فقد شدتني فكرته القائلة بضرورة قيام الرسول بعملية توعية للامة والدعاة على نظام الشورى وحدوده وتفاصيله. لو كان قد اتخذ منه موقفا إيجابيا، ولأعد المجتمع الإسلامي إعدادا فكريا وروحيا لتقبل هذا النظام، ولطرح فكرة الشورى على نطاق واسع وبعمق وبإعداد نفسي عام وملء لكل الثغرات وإبراز لكل التفاصيل التي تجعل الفكرة عملية، خاصة وان الشورى كفكرة ومفهوم غائم لا يمكن وضعه موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصيله ومقاييس التفضيل عند اختلاف الشورى وهل تقوم على أساس العدد والكم أم على أساس الكيف والخبرة.. وما إلى ذلك من الأسئلة والنقاط المهمة التي أثارها الشهيد الصدر، وقطع على ضوئها بعدم تبني الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) لنظام الشورى، وعدم إسناد زعامة الأمة إلى القيادة التي تنبثق عن هذا النظام.
ومع ان الشهيد الصدر قد انتهى بعد إسقاط أو سقوط نظرية الشورى إلى طرح نظرية النص والتعيين وإعداد النبي للإمام علي من بعده لكي يتولى زعامة الأمة فكريا

↑صفحة ٢٢٧↑

وسياسيا، إلا انني وقبل ان ادخل في مناقشة الموضوع أتساءل فيما إذا كانت هنالك ضرورة لان يسند النبي (صلى الله عليه وآله) زعامة الدعوة إلى أي قائد من بعده خاصة وانه خاتم النبيين وقد اكمل الله تعالى على يديه الدين وقال له: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا).
وبكلمة أخرى.. لماذا نفترض ان النظام السياسي الذي أعقب مرحلة النبوة كان يجب ان يتمتع بهالة قدسية دينية أو ان يقوم بأدوار لإكمال الرسالة إلا يمكن ان يكون الرسول قد ترك وراءه نظاما سياسيا مدنياً وترك للمسلمين حرية اختيار النظام وتطويره حسب الزمان والمكان وإذا كان لابد ان يترك الرسول وراءه نظاما سياسيا يشكل امتدادا لخط النبوة وتتمثل فيه المرجعية الفكرية والزعامة السياسية، وانه - كما يقول الصدر - قد اختار الإمام علي بن أبي طالب واعده إعدادا رساليا وقياديا، وعهد إليه زعامة الأمة من بعده فكريا وسياسيا، فان الاشكالات التي أخذها الصدر كلها ترد على هذه النظرية أيضا وبشكل أقوى.
ويمكن ان نعيد تكرار كل تلك الملاحظات والتساؤلات هنا مرة أخرى.. فتقول مثلا:
ان نظرية النص والتعيين فكرة غامضة وغائمة لا يكفي طرحها هكذا لعدم إمكانية وضعها موضع التنفيذ ما لم تشرح تفاصليها وبدقه، وهل تقتصر على شخص الإمام علي وحده ام تمتد إلى ما وراءه؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده أم تنحصر في سلالة معينة ولماذا؟ وهل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة؟ وإذا كانت الإمامة في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن أو الحسين أو في أولادهما جميعا؟ وكيف تنتقل الإمامة من واحد إلى آخر؟ وكيف نعرف الإمام بعد الإمام وما هي علامات الإمامة؟
وهل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك؟ وإذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم كالإمام الصادق الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي

↑صفحة ٢٢٨↑

الذي أوصى إلى ابنه محمد، فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة؟
وإذا كان الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) قد بين كل هذه التفاصيل فلماذا لم تصل إلينا؟ وإذا كانت قد وصلت إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام؟
ولماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (عليهم السلام)، ولم يذكرها الإمام علي (عليه السلام) في مناظراته مع أصحاب الشورى عند انتخاب الخليفة الثالث عثمان بن عفان؟ ولماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة من المهاجرين والأنصار الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتأولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين، ولم يخطر ببالهم وجود بيعة في أعناقهم للإمام علي (عليه السلام) في غدير خم؟
نرجو ان توضحوا الفرق في النظريتين الشورى والإمامة، في العدد القادم من (الشورى) وتجيبوا على تلك الأسئلة المحيرة التي تقف عقبة امام الإيمان بنظرية النص، خاصة وان الشهيد الصدر لم يذكر مسألة استمرار الإمامة بعد الإمام علي (عليه السلام) ولم يخض في أي جانب من التفاصيل. وشكرا والسلام عليكم.
د. عبد السميع الشرقاوي / مانشستر)(٣٢١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢١) الشورى العدد الرابع ص ٦وقد اجاب عنها احمد الكاتب اجابة مشوهة تنسجم مع رؤيته الخاطئة لمسألة الامامة وقد غضضنا الطرف عن مناقشة اجابته وآثرنا اجابة اسئلة الشرقاوي مباشرةً.

↑صفحة ٢٢٩↑

قضيتان في اسئلة الشرقاوي
اقول: ان أسئلة الدكتور الشرقاوي تدور حول قضيتين رئيسيتين:
الأولى: مبررات القول بفكرة النص ومبررات رفض فكرة الشورى.
الثانية: اشكالات حول فكرة النص من خلال اثارة عدة اسئلة حولها.
القضية الأولى:
اما مبررات القول بفكرة النص فقد وضحها الشهيد الصدر في كتابه (بحث حول الولاية) وهي بشكل مختصر كما يلي:
كان أمام النبي (صلى الله عليه وآله) ثلاثة طرق بالإمكان انتهاجها تجاه مستقبل الدعوة.
أولهما: الطريق السلبي وذلك بان يترك مستقبل الدعوة للظروف والصدف.
ثانيها: الطريق الإيجابي وذلك بان يجعل القيمومة على الدعوة للمهاجرين الأنصار.
ثالثها: ان يختار بأمر الله تعالى من يقوم مقامه.
الطريق الأول (الإهمال):
ثم ناقش الشهيد الصدر (رحمهم الله) الطريق الأول بأن سلط الضوء على الأخطار التي كانت تواجه التجربة الإسلامية الأولى.
سواء تلك التي تنشأ من وجود المنافقين اللذين كانوا يكيدون للنبي (صلى الله عليه وآله) في حياته إضافة إلى مسلمة الفتح والطلقاء الذين اسلموا خضوعا للأمر الواقع انفتاحا على الحقيقة.
أو تلك التي تنشا من عدم النضج الرسالي وتفاوت الفهم والذوبان بالإسلام عند

↑صفحة ٢٣٠↑

المهاجرين والأنصار أو تلك التي تنشأ من طبيعة مواجهة الفراغ دون تخطيط مسبق وهو بنفسه ينطوي على خطر كبير فكيف إذا أضفنا إليه الأمرين السابقين.
ان افتراض الطريق الأول معناه ان النبي كان لا يشعر بتلك الأخطار، وهو أمر لا يمكن تصوره في حق قائد مارس العمل العقائدي فضلا عن خاتم الأنبياء، أو انه كان يشعر بذلك ويقدره إلا انه (صلى الله عليه وآله) لم يكن يهمه أمر سلامة المسيرة من بعده وهذا التفسير أيضا لا يمكن ان يصدق عليه (صلى الله عليه وآله) إذ ان سيرته (صلى الله عليه وآله) حافلة بشواهد كثيرة تدل على ضد ذلك، واهم هذه الشواهد ما أجمعت كتب الحديث عند السنة والشيعة على نقله هو قوله (صلى الله عليه وآله) وهو على فراش المرض: (هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده)(٣٢٢).
فان هذه المحاولة منه (صلى الله عليه وآله) المتفق على نقلها وصحتها تدل وبوضوح على انه (صلى الله عليه وآله) كان يفكر في أخطار المستقبل وانه كان معنيا بصيانة المسيرة بعده من الضلال والانحراف وبالتالي فان افتراض الطريق الأول غير صادق في حقه (صلى الله عليه وآله).
الطريق الثاني (الشورى):
وقد ناقش السيد الشهيد الطريق الثاني بقوله ان الوضع العام الثابت عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وجيل المهاجرين والأنصار ينفي فرضية ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد انتهج هذا الطريق.
إذ لو كان النبي (صلى الله عليه وآله) أراد ان يسند الأمر إلى جيل المهاجرين والأنصار دون حصرها بأهل بيته (عليهم السلام) لكان من أبده الأشياء التي يتطلبها هذا الموقف هو ان يقوم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٢) عن ابن عباس قال: (لما حُضِرَ رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب قال، النبي (صلى الله عليه وآله) هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده فقال عمر ان النبي (صلى الله عليه وآله) قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله...صحيح البخاري كتاب المرض باب قول المريض قوموا عني ج٧: ٩ افست دار الفكر على ط. استانبول، ص ٧ ص ١٥٦ ط. وج ٤: ٧ دار احياء المكتب وج٤: ٥ ط الميمنية بمصر وج ٦ ص ٩٧ ط بمبي وج ٤ ص ٦ ط المطبعة الخيرية بمصر. صحيح مسلم في آخر كتاب الوصية ج ٥ ص ٧٥ ط محمد علي صبيح وط المكتبة التجارية. وج ٢ ص ١٦ ط عيسى الحلبي وج ١١ ص ٩٥ ط مصر بشرح النووي، مسند احمد ج ٤ ص ٣٥٦ ح ٢٩٩٢ بسند صحيح ط دار المارف بمصر (انظر المراجعات بتحقيق حسين الراضي فقد اورد المصادر تفصيلا في الملاحق ص ١٩٢ - ١٩٥).

↑صفحة ٢٣١↑

الرسول (صلى الله عليه وآله) بعملية توعية للأمة على نظام الشورى وتفاصيله وإعداد المجتمع الإسلامي لتقبل هذا النظام.
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قام بتلك التوعية لكان من الطبيعي ان تنعكس في الأحاديث المأثورة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وفي ذهنية جيل المهاجرين والأنصار مع أننا لا نجد في الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أي صورة تشريعية محددة لنظام الشورى.
واما ذهنية المهاجرين والأنصار فلا نجد فيها ملامح أو انعكاسات كاشفة عن توعية من هذا القبيل فان هذا الجيل كان يحتوي على اتجاهين.
أحدهما: الاتجاه الذي يتزعمه أهل البيت (عليه السلام) وكان يؤمن بالوصية.
والآخر: الاتجاه الذي تمثله السقيفة والخلافة التي قامت فعلا بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، وكل الأرقام والشواهد في سيرة أصحاب هذا الاتجاه تدل بصورة لا تقبل الشك على انه لم يكن يؤمن بالشورى، إذ ان أبا بكر حين اشتد به المرض عهد إلى عمر وولاه على الأمة، وسار عمر على المنهج نفسه حين عين ستة يختارون من بينهم واحدا وكان يقول (لو كان سالم حيا ما جعلتها شورى)(٣٢٣).
ولو كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد قرر ان يجعل من جيل المهاجرين والأنصار قيما على الدعوة من بعده، لتحتم عليه ان يعبئ هذا الجيل تعبئة رسالية وفكرية واسعة تجعله قادرا على مواجهة المشكلات الفكرية التي تواجهها الدعوة في حالة انفتاحها على شعوب متعددة وأراضي جديدة.
ولكننا لا نجد أثرا لذلك الإعداد، والمعروف عن الصحابة انهم كانوا يتحاشون من ابتداء النبي (صلى الله عليه وآله) بالسؤال، بل امسكوا عن تدوين آثار الرسول (صلى الله عليه وآله) وسننه على رغم أنها المصدر الثاني من مصادر الإسلام، وكون التدوين هو الأسلوب الوحيد لحفظه(٣٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٣) مرت مصادر ذلك في قصة الشورى المبحوثة في هذا الكتاب.
(٣٢٤) اقول بل رأينا الخلافة تنهى عن نشر السنة النبوية وتأمر بإحراق مادونه الصحابة.
اما مسألة النهي فتوضحه الأخبار الآتية: روى الذهبي ان ابا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: (انكم تحدثون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) احاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم اشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه) تذكرة الحفاظ بترجمة ابي بكر ج: ٣-٢. وروى ايضا عن قرظة بن كعب انه قال:لما سيَّرنا عمر الى العراق مشى معنا عمر الى صرار، ثم قال: اتدرون لم شيعتكم؟ قلنا: اردت ان تشيعنا وتكرمنا، قال: ان مع ذلك لحاجة، انكم تأتون اهل قرية لهم دويٌّ بالقرآن كدويِّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث عن رسول الله وانا شريككم، قال قرظة: فما حدثت بعده حديثا عن رسول الله). تذكرة الحفاظ ح١: ٤-٥ وجامع بيان العلم لابن عبد البر باب ذكر من ذم الاكثار من الحديث دون التفهم له ٢: ١٤٧. وكان في الصحابة مثل قرظة بن كعب ممن تابعوا سنة الخلفاء وامتنعوا عن نشر سنة الرسول نظير عبد الله بن عمر وسعد بن ابي وقاص فقد روى الدارمي في باب من هاب الفتيا بكتاب العلم من سننه ١: ٨٤-٨٥. عن الشعبي قال: جالست ابن عمر سنة فما سمعته يحدث عن رسول الله. وفي رواية اخرى عنه، قال قعدت مع ابن عمر سنتين او سنة ونصف فما سمعته يحدث عن رسول الله شيئا الا هذا الحديث. وروي عن السائب بن يزيد، قال: خرجت مع سعد -ابن ابي وقاص- الى مكة فما سمعته يحدث حديثا عن رسول الله حتى رجعنا إلى المدينة. وكان في الصحابة من خالف سنة الخلفاء في نهيهم عن نشر الحديث النبوي واصر على رواية سنة الرسول وتحمل في سبيل ذلك الارهاق والاذى. روى الذهبي (ان عمر بن الخطاب حبس ثلاثة: ابن مسعود، وابا الدرداء، وابا مسعود الانصاري، فقال: اكثرتم الحديث عن رسول الله) تذكرة الحفاظ ج١: ٧ ترجمة عمر. وروى الدارمي: (ان ابا ذركان جالسا عند الجمرة الوسطى وقد اجتمع الناس يستفتونه فأتاه رجل فوقف عليه ثم قال: الم تُنْهَ عن الفتيا؟ فرفع رأسه اليه، فقال ارقيب انت عليَّ؟ لووضعتم الصَّمصامة على هذه واشار الى قفاه ثم ظننت اني انفذ كلمة سمعت من رسول الله قبل ان تجيزوا عليَّ لانفدتها) سنن الدارمي١: ١٣٢ وطبقات ابن سعد ٢: ٣٥٤ بترجمة ابي ذر، واختصرها البخاري واوردها في صحيحه ١: ١٦١ باب العلم قبل القول، ومعنى اجاز على الجريح: اجهز عليه. وللمزيد من هذه الاخبار انظر معالم المدرستين ج٢ ط٤: ٤٧-٥١.
اما مسألة إحراق مدونات الصحابة في الحديث فتوضحه الاخبار التالية: روى الذهبي في تذكرة الحفاظ ١: ٥ عن عائشة (انَّ ابا بكر جمع خمسمائة من حديث النبي ودعابنار فاحرقها). وروى الخطيب البغدادي فى كتابه تقييد العلم: ٥٢ ط مصر ١٩٧٤ بسنده الى القاسم بن محمد (ان عمر بن الخطاب بلغه انه قد ظهر فى ايدي الناس كتب فاستنكرها وكرهها، وقال: ايها الناس انه قد بلغنى انه قد ظهرت فى ايديكم كتب فاحبها إلى الله اعدلها واقومها فلا يبقين احد عنده كتاب الا اتاني به فارى فيه رأيي، قال فظنوا انه يريد ان ينظر فيها ويقومها على امر لا يكون فيه اختلاف، فاتوه بكتبهم فاحرقها بالنار، ثم قال: امنية كأمنية اهل الكتاب). وفي طبقات ابن سعد ٥: ١٨٨ (قال عبد الله بن العلاء: سألت القاسم يملي عليَّ احاديث، فقال: ان الاحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب فانشد الناس ان يأتوه بها فلما اتوه بها امر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة اهل الكتاب، فمنعني القاسم يومئذ ان اكتب حديثا). وروى الخطيب عن سفيان بن عينة عن عمرو عن يحيى بن جعدة (ان عمر بن الخطاب اراد ان يكتب السنة ثم بدا له ان لا يكتبها، ثم كتب في الامصار: من كان عنده منها شيء فليمحه). تقييد العلم: ٥٣، جامع بيان العلم ١: ٦٥. وروى الخطيب أيضا عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: (جاء علقمة بكتاب من مكة او اليمن صحيفة فيها احاديث في أهل البيت بيت النبي، فاستأذنا على عبد الله (بن مسعود) فدخلنا عليه، قال فدفعنا اليه الصحيفة، قال فدعا الجارية ثم دعا بطست فيها ماء فقلنا له: يا ابا عبد الرحمن انظر فيها فان فيها احاديث حِسانا، قال فجعل يميثها فيها ويقول: نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القرآن القلوب اوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بما سواه). (وماث يميث مَيْثًا اذاب الملح في الماء). وفي رواية اخرى عن عبد الرحمن بن الاسود عن ابيه قال: (جاء رجل من اهل الشام إلى عبد الله بن مسعود ومعه صحيفة، فيها كلام من كلام ابي الدرداء وقصص من قصصه، فقال: يا ابا عبد الرحمن الا تنظر ما في هذه الصحفية من كلام اخيك ابي الدرداء وقصص من قصصه، فاخذ الصحيفة فجعل يقرأ فيها وينظر حتى اتى منزله فقال يا جارية آتيني بالإجّانة مملوءة ماء، فجاءت به فجعل يدلكها ويقول: (الم تلك ايات الكتاب المبين... نحن نقص عليك احسن القصص) اقصصا احسن من قصص الله تريدون او حديثا احسن من حديث الله تريدون). تقييد العلم: ٥٤.

↑صفحة ٢٣٢↑

وقد اثبتت الاحداث بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ان جيل المهاجرين والأنصار لم يكن يملك أي تعليمات محددة عن كثير من المشاكل الكبيرة، حتى ان المساحة الهائلة من الأرض التي امتد إليها الفتح الإسلامي لم يكن لدى الخليفة والوسط الذي يسنده أي تصور محدد عن حكمها الشرعي، وعما إذا كانت تقسم بين المقاتلين أو تجعل وقفا على المسلمين عموما، بل اختلفوا في عدد التكبيرات في صلاة الميت فبعضهم يقول سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يكبر خمسا وآخر يقول سمعت يكبر أربعا.
الطريق الثالث (النص):
وهكذا اتضح ان النبي (صلى الله عليه وآله) لم يسلك الطريق الثاني أيضا.
وان إسناد القيادة والقيمومة إلى الأمة كان إجراءً مبكرا وقبل وقته الطبيعي فلم يبق إذن إلا الطريق الثالث وهو ان النبي (صلى الله عليه وآله) اعد بأمر الله تعالى عليا (عليه السلام) وعينه قيما على الرسالة والأمة وليس ما تواتر عن النبي (صلى الله عليه وآله) من النصوص في أهل بيته (عليهم السلام) وفي علي إلا تعبيرا عن سلوكه (صلى الله عليه وآله) للطريق الثالث الذي كانت تفرضه وتدل عليه قبل ذلك طبيعة الأشياء.
والشواهد في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) على ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعد عليا (عليه السلام) إعداد رساليا خاصا كثيرة جدا، فقد كان يبدأه النبي (صلى الله عليه وآله) بالعطاء الفكري إذا استنفذ أسئلته، ويختلي به الساعات الطوال في الليل والنهار يفتح عينه على مفاهيم الرسالة ومشاكل الطريق إلى آخر يوم من حياته الشريفة.
روى النسائي(٣٢٥) بسنده عن أبي اسحق قال سألت قثم بن العباس(كيف ورث علي (عليه السلام) رسول الله قال لانه كان أولنا به لحوقا واشدنا به لزوقا).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٥) الخصائص ٩١ تحقيق الجويني طبعة دار الكتب العلمية، ورواه ايضا الحاكم في المستدرك ج٣: ١٣٦.

↑صفحة ٢٣٤↑

وروى أيضا(٣٢٦) عن علي (عليه السلام) قال كنت إذا سألت أعطيت وإذا سكت ابتديت.
وروى أبو نعيم في حلية الأولياء(٣٢٧) عن ابن عباس انه قال:كنا نتحدث ان النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى علي سبعين عهدا لم يعهدها إلى غيره).
وروى النسائي عن علي (عليه السلام) انه قال: (كانت لي منزلة من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم تكن لأحد من الخلائق فكنت آتيه كل سحر فاقول السلام عليك يانبي الله فان تنحنح انصرفت إلى اهلي والا دخلت عليه)(٣٢٨).
وعنه أيضا قوله (عليه السلام): (كان لي من النبي مدخلان مدخل بالليل ومدخل بالنهار)(٣٢٩).
وقد انعكس هذا الإعداد الخاص لعلي (عليه السلام) من قبل النبي (صلى الله عليه وآله) حين كان علي (عليه السلام) هو المفزع والمرجع لحل أي مشكلة يستعصي حلها على القيادة الحاكمة وقتئذ، ولا نعرف في تاريخ التجربة الإسلامية على عهد علي (عليه السلام) واقعة واحدة رجع فيها الإمام (عليه السلام) إلى غيره يتعرف على رأي الإسلام وطريقة علاجه للموقف، بينما نعرف في التاريخ عشرات الوقائع التي رجع فيها الخلفاء إلى علي (عليه السلام) رغم تحفظ اتهم في هذا الموضوع.
اما الشواهد على إعلان النبي (صلى الله عليه وآله) تخطيطه في علي وأهل بيته (عليهم السلام) فهي كثيرة وفي مناسبات متعددة كحديث الدار وحديث الثقلين وحديث المنزلة وحديث الغدير وعشرات النصوص النبوية الأخرى.
القضية الثانية:
اما الاشكالات على فكرة النص فهي من خلال الأسئلة الآتية مع اجوبتها:
السؤال الأول:
قوله (لماذا كانت نظرية النص مجهولة عند أهل البيت (عليهم السلام) ولم يذكرها الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٢٦) الخصائص ص ٩٨ والمستدرك ج٣: ١٣٥.
(٣٢٧) ج ١: ٦٨.
(٣٢٨) الخصائص: ٩٧ تحقيق الجويني ط. دار الكتب العلمية.
(٣٢٩) الخصائص: ٩٦.

↑صفحة ٢٣٥↑

علي (عليه السلام) في مناظراته مع أصحاب الشورى؟).
وهذا الإشكال صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره الدكتور البغدادي وغيره (لو كان ثمة نص لاحتج به علي (عليه السلام)).
جوابه:
قد اجبنا عليه مفصلا في جواب الشبهة الحادية عشر (الفصل الثالث من هذا الكتاب وكذلك الفصل الخامس تحت عنوان (علي يتظلم من قريش)، وقلنا هناك ان عليا قد احتج بالنصوص.
السؤال الثاني:
قوله (لماذا كانت نظرية النص غائبة عن أذهان الصحابة الذين ذهبوا فور وفاة الرسول إلى السقيفة يتداولون أمر انتخاب خليفة للمسلمين؟).
وهو صياغة أخرى للسؤال الذي أثاره البغدادي (لو كان ثمة نص فالصحابة اكبر من ان يخالفوا).
جوابه:
قد اجبنا على هذا السؤال مفصلا في الفصل السابع من هذا الكتاب، وقلنا ان الصحابة قد تورطوا في مخالفة النص في اكثر من مورد وفصلنا في مخالفتهم للنص الوارد في شأن متعة الحج.
السؤال الثالث:
قوله (هل يقتصر النص على شخص الإمام علي (عليه السلام) وحده؟ أم يمتد إلى ما وراءه؟ وهل يوصي كل إمام لرجل من عامة المسلمين من بعده؟ أم تنحصر في سلالة معينة؟ ولماذا؟ وإذا كانت في سلالة الإمام علي فهل هي في ولد الحسن؟ أو أولاد الحسين؟ أو أولادهما جميعا؟.

↑صفحة ٢٣٦↑

جوابه:
لقد شخصت نظرية النص بوضوح كامل ان الأوصياء ينحصرون في علي والحسن ثم الحسين ثم في تسعة من ذرية الحسين (عليهم السلام) وان ذلك قد تم بأمر الله تعالى و(لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وهُمْ يَسْأَلُونَ)، وان هؤلاء الأوصياء ليسوا مجرد حكام بل منزلتهم منزلة الرسول في كل شيء إلا النبوة والأزواج كما حصر الله تعالى النبوة والرسالة من قبل في ذرية نوح ثم في ذرية إبراهيم ثم في آل عمران من بني إسرائيل وقد ذكرنا طرفا من الروايات الوارد في هذا الموضوع في الحلقة الاولى.
السؤال الرابع:
قوله (هل ان النص والتعيين لمرحلة زمنية معينة فقط؟ أم أنها نظرية ممتدة إلى يوم القيامة؟).
جوابه:
اجبنا عنه في الفصل الأول من هذه الحلقة.
السؤال الخامس:
قوله (هل أوصى الرسول بأسماء الأئمة من بعده إلى يوم القيامة وأعلن ذلك من قبل؟ أم ترك ذلك للمستقبل وأخفاه؟ وما هي المصادر الموثوقة التي تحدد ذلك؟ ولماذا لم تصل إلينا؟).
جوابه:
أجمعت المصادر الإسلامية على ان النبي (صلى الله عليه وآله) بلغ أمته ان عدد خلفائه من بعده اثنا عشر وانهم من قريش من بني هاشم من أهل بيته وقد أشرنا إلى مصادر الحديث في جواب الفصل الثامن الحلقة من الحلقة الأولى.

↑صفحة ٢٣٧↑

وقد عرَّف النبي (صلى الله عليه وآله) باسم أولهم وهو علي (عليه السلام) في مناسبات شتى كان آخرها مناسبة غدير خم امام مائة ألف أو يزيدون، وعرَّف أيضا باسم ثانيهم وثالثهم وهما الحسن والحسين (ع)، وأشار ان آخرهم المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) بقية التسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) وان المهدي (عليه السلام) من ذرية الحسين (عليه السلام).
روى الجويني عن عبد الله بن عباس قال، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنا سيد النبيين وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين وان أوصيائي من بعدي اثنا عشر أولهم علي بن أبي طالب واخرهم المهدي (عليه السلام).
وروى الجويني عن ابن عباس أيضا قال: (سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنا وعلي الحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون)(٣٣٠).
وقد حوصرت هذه الأحاديث ونظائرها من قبل السلطات الأموية والعباسية ومن هنا لم يصلنا في كتب العامة منها إلا النزر القليل.
اما في كتب الشيعة فقد وصلتنا أحاديث تذكر أسماءهم (عليه السلام) واشهرها ما روي عن سليم بن قيس وقد أشرنا إليه في الفصل الرابع والثامن من الحلقة الأولى.
السؤال السادس:
قوله (إذا كانت أسماء الأئمة قد حددت من قبل فماذا يعني البداء الذي حدث لعدد من الأئمة الذين أوصوا إلى بعض أبنائهم كالإمام الصادق (عليه السلام) الذي أوصى إلى إسماعيل والإمام الهادي الذي أوصى إلى ابنه محمد فتوفوا قبل استلام مقاليد الإمامة؟).
جوابه:
أشرنا إلى ذلك تفصيلا في الفصل السادس من الحلقة الأولى وقلنا هناك ان الإمام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٠) قال الذهبي في ترجمة شيوخة بتذكره الحفاظ ص ١٥٠٥ (الامام الاوحد الاكمل فخر الاسلام صدر الدين ابراهيم بن محمد بن حمويه الجويني الشافعي شيخ الصوفية وكان شديد الاعتناء بالرواية وتحصيل الاجزاء اسلم على يده غازان). معالم المدرستين للعسكري ج١ ط٤: ٥٤٨ نقلا عن فرائد السمطين نسخة مصورة مخطوطة في المكتبة المركزية لجامعة طهران برقم ١١٦٤: ١٦٩٠-١٦٩١ الورقة ١٦٠.

↑صفحة ٢٣٨↑

الصادق (عليه السلام) لم ينص على إمامة إسماعيل، وكذلك الإمام الهادي (عليه السلام) لم ينص على إمامة ولده محمد وان أمر الإمامة لا يوصف الله تعالى فيه بالبداء وعليه إجماع الإمامية كما ذكر ذلك الشيخ المفيد.
السؤال السابع:
قوله (وإذا وصلت أسماء الأئمة إلى الشيعة الأوائل فلماذا افترقوا خلال قرن من الزمان إلى اكثر من خمسين فرقة حيث كانوا يحتارون بعد وفاة كل إمام ويتشرذمون إلى عدة خطوط حسب عدد أولاد كل إمام؟).
جوابه:
خلاصة الجواب ان ذكر اسم الإمام اللاحق من الإمام السابق ليس معناه عصمة الشيعة من الاختلاف ألم ينص النبي (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) امام مائة ألف أو يزيدون من المسلمين ثم جعل أكثرهم النص وراء ظهورهم.
روى الشيخ الصدوق في علل الشرائع عن يونس بن عبد الرحمن قال: (مات أبو الحسن (عليه السلام) وليس من قوامه أحد إلا وعنده المال الكثير فكان ذلك سبب وقفهم وجحودهم لموته وكان عند زياد القندي سبعون ألف دينار وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار)(٣٣١).
وروى الكشي في ترجمة منصور بن يونس عن حمدوية عن محمد بن الاصبغ عن إبراهيم عن عثمان بن القاسم: (ان منصور بن يونس بزرج جحد النص

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣١) علل الشرائع: ٢٣٥، ايضا غيبة الشيخ الصدوق: ٦٤ تحقيق مؤسسة دار المعارف وفيه زيادة من قول يونس (فلما رأت ذلك وتبنيت الحق وعرفت من أمر أبي الحسن الرضا (عليه السلام) ماعلمت تكلمت ودعوت الناس اليه، فبعثا اليَّ وقالا ما يدعوك الى هذا؟ ان كنت تريد المال فنحن نغنيك وضمنا لي عشرة الآف دينار وقالا لي كفَّ، فأبيت وقلت لهما إنّا روينا عن الصادقين (عليهما السلام) انهم قالوا (إذا ظهرت البدع فعلى العالم ان يظهر علمه فإن لم يفعل سلب نور الإيمان)، وما كنت لأدع الجهاد في أمر الله على كل حال، فناصباني وأضمرا لي العداوة.

↑صفحة ٢٣٩↑

على الرضا (عليه السلام) لأموال كانت في يده)(٣٣٢).
وقال الشيخ الطوسي: (روى الثقات ان أول من اظهر هذا الاعتقاد (اي الموقف) علي بن أبي حمزة البطائني وزياد بن مروان القندي وعثمان بن عيسى الرواسي، طمعوا في الدنيا ومالوا إلى حكامها واستمالوا قوما فبذلوا لهم شيئا مما اختانوه من الأموال، نحو حمزة بن بزيع وابن المكاري(٣٣٣) وكرام الخثعمي(٣٣٤) وأمثالهم)(٣٣٥).
السؤال الثامن:
قوله (كيف نعرف الإمام بعد الإمام؟ وما هي علامات الإمامة؟).
جوابه:
أوضحت نظرية النص من خلال روايات عدة عن الأئمة (عليهم السلام) ان الإمام اللاحق يُعرَف بالنص من الإمام السابق وحين يدعي مدع الإمامة في قبال المنصوص عليه أو حين يخفى النص على البعض فهناك علامات ترشد إلى الواقع كما في الروايات التالية:
روى الكافي عن أبي بصير قال: (قلت لابي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك بم يعرف الإمام؟ قال فقال بخصال:
اما أولها فانه بشيء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة لتكون عليهم حجة.
ويُسأل فيجيب، وان سُكِتَ عنه ابتدأ.
ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.
ثم قال لي: يا أبا محمد أعطيك علامة قبل ان تقوم، فلم البث ان دخل علينا رجل من أهل خراسان فكلمه الخراساني بالعربية فاجابه أبو الحسن (عليه السلام) بالفارسية فقال له

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٢) الكشي: ٢: ٧٦٨ ح٨٩٣.
(٣٣٣) هو الحسين بن ابي سعيد هاشم بن حيان (حنان) المكاري قال النجاشي: كان هو وابوه وجهين فيي الواقفة وكان الحسين ثقة في حديثه.
(٣٣٤) هو عبد الكريم بن عمرو بن صالح الخثعميوكرام لقبه قال النجاشي ثقة ثقة.
(٣٣٥) غيبة الشيخ الطوسي: ٦٣-٦٤ تحقيق مؤسسة دار المعارف.

↑صفحة ٢٤٠↑

الخراساني والله جعلت فداك ما منعني ان أكلمك بالخراسانية، غير أني ظننت انك لا تحسنها فقال: سبحان الله إذا كنت لا احسن أجيبك فما فضلي عليك.
ثم قال: يا أبا محمد ان الإمام لا يخفى عليه كلام أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه الروح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام(٣٣٦).
شرح الرواية:
قوله (عليه السلام) (اما أولها فانه بشيء قد تقدم من أبيه فيه بإشارة منه إليه لتكون عليهم حجة).
يريد بهذا الشيء المتقدم من الامام الاب هو النص بالإمامة، أو يريد الوصية الظاهرة التي قد يشرك فيها معه آخرون وهذا الاخير هو الأرجح، لان النص بالإمامة لا يحتاج معه إلى شيء من العلامات الأخرى، ويدل على هذا الرجحان عدة روايات.
منها ما رواه الكليني في الكافي عن عبد الأعلى قال، قال الباقر (عليه السلام) يعرف صاحب هذا الأمر بثلاث خصال لا تكون في غيره: هو أولى الناس بالذي قبله، وهو وصيه، وعنده سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله).. ثم دعا بشهود أربعة كتب وصيته إلى ولده جعفر (عليه السلام) وسأله جعفر عن علة الوصية فقال له (عليه السلام): اني كرهت ان تغلب وان يقال انه لم يوص فأردت ان تكون لك حجة فهو الذي إذا قدم الرجل البلد قال: من وصيُّ فلان قيل فلان قلت (أي عبد الأعلى) فان أشرك في الوصية قال تسألونه فانه سيبين لكم(٣٣٧).
ورواية الكليني أيضا عن هشام بن سالم قال:
(كنا بالمدينة بعد وفاة أبي عبد الله (عليه السلام) أنا وصاحب الطاق والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر انه صاحب الأمر بعد أبيه، فدخلنا عليه أنا وصاحب الطاق والناس عنده وذلك انهم رووا عن أبي عبد الله (عليه السلام) انه قال: ان الأمر في الكبير ما لم تكن به عاهة، فدخلنا عليه نسأله عما كنا نسأل عنه إياه، فسألناه عن الزكاة في كم تجب؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٦) ج١: ٢٨٥ الحديث رقم ٧.
(٣٣٧) ج ١: ٣٧٦ الحديث رقم ٢.

↑صفحة ٢٤١↑

فقال: في مائتين خمسة.
فقلنا: ففي مائة؟
فقال: درهمان ونصف.
فقلنا: والله ما تقول المرجئة هذا.
قال: فرفع يده إلى السماء فقال: والله ما ادري ما تقول المرجئة.
قال: فخرجنا من عنده ضلالا لا ندري إلى أين نتوجه أنا وأبو جعفر الأحول، فقعدنا في بعض أزقة المدينة باكين حيارى لا ندري إلى أين تتوجه ولا من نقصد ونقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى الزيدية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، فنحن كذلك إذ رأيت رجلا شيخا اعرفه، يومي إليَّ بيده فخفت ان يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس ينظرون إلى من اتفقت شيعة جعفر (عليه السلام) عليه، فيضربون عنقه، فخفت ان يكون منهم.
فقلت للأحول: تنح فإني خائف على نفسي وعليك، وانما يريدني لا يريدك، فتنح عني لا تهلك وتعين على نفسك، فتنحّ غير بعيد وتبعت الشيخ وذلك اني ظننت اني لا اقدر على التخلص منه، فما زلت اتبعه وقد عزمت على الموت حتى ورد بي على باب أبي الحسن (عليه السلام) ثم خلاني ومضى.
فإذا خادم بالباب فقال لي: ادخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن موسى (عليه السلام) فقال لي ابتداء منه:
لا إلى المرجئة ولا إلى القدرية ولا إلى الزيدية ولا إلى المعتزلة ولا إلى الخوارج إليَّ إليَّ.
فقلت جعلت فداك مضى أبوك؟
قال: نعم.
قلت: مضى موتا؟
قال نعم.
قلت: فمن لنا من بعده.
فقال: ان شاء الله ان يهديك هداك.

↑صفحة ٢٤٢↑

قلت جعلت فداك ان عبد الله يزعم انه من بعد أبيه؟
قال: يريد عبد الله ان لا يعبد الله.
قال: قلت: جعلت فداك فأنت هو؟
قال: لا ما أقول ذلك(٣٣٨).
قال: فقلت في نفسي لم اصب طريق المسالة.
ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟
قال: لا.
فداخلني شيء لا يعلم إلا الله عز وجل إعظاما له وهيبة اكثر مما كان يحل بي من أبيه إذا دخلت عليه، ثم قلت له: جعلت فداك أسألك عما كنت اسأل أباك؟
فقال: سل تخبر ولا تذع فان أذعت فهو الذبح.
فسألته، فإذا هو بحر لا ينزف.
قلت: جعلت فداك شيعتك وشيعة أبيك ضلال، فألقي إليهم وأدعوهم إليك، وقد أخذت عليَّ الكتمان؟
قال: من أنست منه رشدا فالق إليه وخذ عليه الكتمان، فإن أذاعوا فهو الذبح - وأشار بيده إلى حلقه -.
قال: فخرجت من عنده فلقيت أبا جعفر الأحول.
فقال لي: ما وراءك؟
قلت: الهدى، فحدثته بالقصة.
قال: ثم لقينا الفضيل وأبا بصير، فدخلا عليه وسمعا كلامه وساءلاه وقطعا عليه بالإمامة.
ثم لقينا الناس أفواجا، فكل من دخل عليه قطع، إلا طائفة عمار(٣٣٩) وأصحابه، وبقي عبد الله لا يدخل إليه إلا قليل من الناس.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٣٨) قوله (عليه السلام) (لا ما اقول ذلك) قال المازندراني في شرحه ج٦: ٢٧٨: أي قال (عليه السلام) لست انا هو من عندي، ما اقول ذلك من قبلي بل انا هو من عند الله وعند رسوله ولما كان هذا الجواب غير صريح في المطلوب بل هو ظاهري في غيره لجأ السائل الى طريق آخر).
(٣٣٩) هو عمار بن موسى الساباطي وهو واصحابه فطحية (المازندراني).

↑صفحة ٢٤٣↑

فلما رأى ذلك قال: ما حال الناس؟ فاخبر ان هشاما صد عنك الناس قال هشام: فاقعد لي بالمدينة غير واحد ليضربوني(٣٤٠).
ورواية الكليني ايضا عن محمد بن أبي نصر قال: (قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إذا مات الإمام بم يعرف الذي بعده؟ فقال: للإمام علامات منها ان يكون اكبر ولد أبيه، ويكون فيه الفضل والوصية، ويقدم الركب فيقول إلى من أوصى فلان فيقال إلى فلان.، والسلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل، وتكون الإمامة مع السلاح حيثما كان(٣٤١).
قوله (عليه السلام) (ان يكون اكبر ولد أبيه).
قال المجلسي (رحمهم الله): (ان هذه العلامة بعد الحسين (عليه السلام) ومع ذلك مقيدة بما إذا لم يكن في الكبير عاهة، أي بدنية فان الإمام مبرأ من نقص في الخلقة يوجب شينه، أو دينية كعبد الله الافطح فانه كان بعد أبي عبد الله (عليه السلام) اكبر ولده لكن كان فيه عاهتان الأولى انه افطح الرجلين أي عريضهما، والثاني انه كان جاهلا بل قيل فاسد المذهب، قال المفيد في الإرشاد (وكان أي الافطح متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد ويقال انه كان يخالط الحشوية ويميل إلى مذاهب المرجئة)(٣٤٢).
اقول: وهذه العلامة (أي كون الامام اكبر ولد ابيه) لا تكون بعد الرضا (عليه السلام) مقيدة بالقيد الذي اشار اليه الصادق (عليه السلام) ومن هنا فأن الرضا (عليه السلام) لم يذكره في حديثه لانه يتحدث عن علامة الامام من بعده.
وقوله (عليه السلام) (ويكون فيه الفضل).
أي يكون أشبه أولاد أبيه بسيرته كما في رواية الكليني عن عبد الأعلى قال لأبي عبد الله (عليه السلام): (المتوثب على هذا الأمر المدعي له ما الحجة عليه؟ قال يسأل عن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٠) ج١: ٣٥١ الحديث رقم ٧.
(٣٤١) الكافي ج١: ٢٨٤ الحديث ١.
(٣٤٢) مرآة العقول ج٣: ٢٠٧ شرح الحديث رقم ٧ وفي الفصول المختارة للشيخ المفيد: ٢٥٣ ان عبد الله كان يذهب مذاهب المرجئة الذين يقعون في علي (عليه السلام) وعثمان وان اباعبد الله (عليه السلام) قال وقد خرج من عنده عبد الله (هذا مرجئ كبير) وقال الصدوق في اعتقاداته قال الصادق في ابنه عبد الله انه ليس على شيء مما انتم عليه واني ابرأ منه (قاموس الرجال ترجمة عبد الله الافطح).

↑صفحة ٢٤٤↑

الحلال والحرام، قال ثم اقبل علي فقال: ثلاثة من الحجة لم تجتمع في أحد إلا كان صاحب هذا الأمر:
ان يكون أولى الناس بمن كان قبله.
ويكون عنده السلاح.
ويكون صاحب الوصية الظاهرة(٣٤٣) التي إذا قدمت المدينة سألت عنها العامة والصبيان إلى من أوصى فلان فيقولون إلى فلان بن فلان)(٣٤٤).
وروايته أيضا عن هشام بن سالم وحفص بن البختري عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (قيل له بأي شيء يعرف الإمام؟ قال: بالوصية الظاهرة، وبالفضل، ان الإمام لا يستطيع أحد ان يطعن عليه في فم ولا بطن ولا فرج فيقال كذاب ويأكل أموال الناس وما أشبه هذا)(٣٤٥).
وروايته ايضا الكليني أيضا عن احمد بن عمر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (سألته عن الدلالة على صاحب هذا الأمر؟ فقال: الدلالة عليه الكبر، والفضل، والوصية إذا قدم الركب المدينة فقالوا إلى من أوصى فلان قيل فلان بن فلان، ودوروا مع السلاح حيثما دار فأما المسائل فليس فيها حجة)(٣٤٦).
وقوله (عليه السلام): (ودوروا مع السلاح حيثما دار) لعله إشارة إلى الولد الأكبر الذي يحبى بسلاح أبيه بعد وفاته(٣٤٧). وهذه العلامة كانت مقيدة بعد الصادق (عليه السلام) بقوله (الأكبر ما لم تكن به عاهة) إلا أنها صارت مطلقة بعد الرضا (عليه السلام).
قوله (عليه السلام) (فأما المسائل فليس فيها حجة) قال المجلسي (رضي الله عنه): (أي للعوام وذلك لان هذه العلامة إنما هي للعلماء والخواص)(٣٤٨).
قوله (عليه السلام) (ويخبر بما في غد ويكلم الناس بكل لسان.. ان الإمام لا يخفى عليه كلام

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٣) قال المجلسي (رح) في مرآة العقول ج٣: ٢٠٥ المراد بالوصية هنا ليست الوصية بالامامة بل مطلق الوصية.
(٣٤٤) الكافي ج١: ٢٨٥ الحديث ٢.
(٣٤٥) الكافي ج١: ٢٨٤ الحديث ٣.
(٣٤٦) الكافي ج١: ٢٨٥ الحديث ٥.
(٣٤٧) انظر وسائل الشيعة كتاب الارث باب ما يحيى به الولد الذكر الاكبر من تركه ابيه دون غيره.
(٣٤٨) مرآة العقول ج٣: ٢٠٥ - ٢٠٦ بشرح الحديث رقم ٢: ورقم ٣.

↑صفحة ٢٤٥↑

أحد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شيء فيه روح فمن لم يكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام).
ان هذا القول يشير إلى انهم (عليه السلام) قد أيدهم الله تعالى بما أيد به أنبياءه ورسله من خوارق العادات يظهر ذلك منهم على قدر ما يفتح الطريق لهداية الأفراد كما وردت الأخبار الكثيرة بذلك أو لهداية المجتمع ككل كما يحصل من المهدي (عليه السلام) عند ظهوره إذ ان تشخيص كونه محمد بن الحسن العسكري المولود سنه ٢٥٥ هجـ بحاجة إلى معاجز تظهر على يديه وبغير ذلك فان الطريق يبقى مفتوحا لكل مدع للمهدوية.

↑صفحة ٢٤٦↑

الحلقة الثالثة: الرد على موارد من كتاب احمد الكاتب

↑صفحة ٢٤٧↑

المقدمة

وبعد فهذه الحلقة الثالثة من (شبهات وردود) وقد كرستها للرد على الجزء الاول من كتاب احمد الكاتب الذي طبع مؤخراً باسم (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى... الى ولاية الفقيه).
وهو ثلاثة اجزاء في مجلد واحد يبطل بزعمه في الجزء الاول نظرية الامامة الالهية وينكر في الجزء الثاني ولادة المهدي (عليه السلام) وينفي في الجزء الثالث مسألة ولاية الفقيه وقضايا اخرى.
وقد نهجنا في الرد عليه النهج الذي نهجناه في الحلقتين السابقتين وهو ان نقتطع فقرة تامة المعنى من كلماته ثم نرد عليها.
ان الانطباع العام الذي خرجنا به عند مطالعتنا للكتاب باجزائه الثلاثة هو ان الاستاذ الكاتب قد خلط بين قضيتين ترتبطان بأهل البيت (عليهم السلام).
الاولى: قضية كونهم قد نصبهم الرسول (صلى الله عليه وآله) بأمر الله تعالى شهداء على الناس وائمة هدى مطهرين يؤخذ بقولهم وفعلهم وتقريرهم وحفظة للشريعة وانهم في هذا الموقع امتداد للرسول (صلى الله عليه وآله) الا انهم ليسوا بأنبياء وانهم اثنا عشر كعدة نقباء بني إسرائيل، وان الثاني عشر منهم صاحب العمر الطويل كنوح، وصاحب الغيبتين(٣٤٩) كعيسى، وانه صاحب الوعد الالهي الذي بشرت به الانبياء وهذه القضية لا مجال لغير النص او النص والمعجز فيها.
الثانية: قضية كونهم في زمانهم اولى الناس بالحكم وان هذه الاولوية اولوية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٤٩) اشرنا اليهما في الحلقة الثانية الفصل الاول.

↑صفحة ٢٤٩↑

اختصاص بمعنى انه لا يجوز لغيرهم التصدي لذلك الا بإذنهم، وانهم قد اذنوا للفقهاء من حملة علومهم ان يمارسوا ذلك في زمان الغيبة، وهذه القضية لا مجال فيها ايضا لغير النص ولكن فرقها عن القضية الاولى ان للامة هنا دور ومشاركة في الحكم من جهة ان الامة لها الدور الاساسي في تمكين المنصوص عليه ليقيم الحكم في المجتمع على اساس الكتاب والسنة وان الحاكم حتى لو كان نبيا او وصيا يأخذ برأي الامة في القضايا التنفيذية العامة وقد بيَّن علماء كبار امثال الشهيد الصدر (رحمهم الله) ذلك(٣٥٠) وفي ضوء ذلك فانه في هذه الزاوية لا تعارض بين النص والشورى، حيث يضطلع النص بتشخيص من له حق الحكم وتضطلع الامة بنصرة المنصوص عليه والبيعة له والمشورة عليه في القضايا التنفيذية العامة بالحدود التي بينتها سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) واستنبطها الفقهاء.
وليس من شك ان القضية الاولى قضية عقائدية دلت عليها نصوص القرآن والسنة وتكون الامامة المعروضة لاهل البيت (عليهم السلام) فيها نظير امامة ابراهيم (عليه السلام)، حيث حصرت في ذريته وفي عدد محدد منهم وهم الذين طهرهم الله تعالى، ونظير الامامة في ذرية هارون حيث حصرت فى ذريته وكون الائمة المتأخرين منهم بعضهم اضطلع بموقع الامامة والشهادة على الناس وهو صبي دون العاشرة وهو يحيى (عليه السلام)، وبعضهم اضطلع بموقع الحجة على الناس وهو دون ذلك كعيسى (عليه السلام) صاحب الغيبتين والظهور في آخر الزمان، كذلك الحال في امامة النبي (صلى الله عليه وآله) حيث حصرت في عدد محدود من اسرته وكون الائمة المتأخرين منهم نظراء ليحيى وعيسى (عليه السلام) في صغر السن والغيبة والظهور آخر الزمان.
اما القضية الثانية فهي قضية فقهية الا فيما يرتبط بانحصار حق الحكم بالاثني عشر (عليهم السلام) فانها من لواحق المسألة العقائدية اما ما عدى ذلك من قبيل ما هي حدود القضايا العامة التي يأخذ المعصوم الحاكم فيها برأي الامة؟ وما هي شروط انعقاد البيعة على الحكم او الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واسقاط الحكومة الظالمة؟ وغير ذلك فهي مسائل فقهية تستنبط من سيرة المعصوم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٠) انظر كتابه الاسلام يقود الحياة ص ١٦٢.

↑صفحة ٢٥٠↑

لقد خلط الاستاذ الكاتب بين هاتين القضيتين كما خلط اغلب علماء السنة فى ذلك، واعتبر المسألة التي ترتبط بأهل البيت (عليهم السلام) ورفع شعارها الشيعة انما هي القضية الثانية ومن هنا جاءت اشكالاته واشكالات غيره حول تحديد الائمة بعدد معين، وكيف يكون الجواد والهادي والمهدي (عليهم السلام) ائمة وهم دون العاشرة؟ او كيف تحصر باسرة معينة؟ وغير ذلك.
والى جانب قضية الخلط هذه وهي قضية مركزية في الكتاب باجزائه الثلاثة هناك ظواهر اخرى من قبيل:
ظاهرة الخطأ في فهم بعض الروايات وكلمات الاقدمين من علماء الشيعة.
وظاهرة الاشتباه بالرواية العامية التي توجد في الكتاب الشيعي على انها رواية شيعية وقد اوردها المؤلف الشيعي كالسيد المرتضى رحمه الله في كتابه الشافي للرَّد عليها لا على انه يعتقد بها.
وظاهرة استغفال القارئ بايراد روايات دون الاشارة الى ما يعارضها من روايات اخرى.
وظاهرة بتر النص وايراد ما يؤيد مدعاه.
وغير ذلك مما نبهنا عليه في الحلقتين الماضيتين وفي هذه الحلقة القائمة بين يديك ايها القارئ الكريم، أرجو ان تحقق غرضها في الانتصار لمذهب اهل البيت وارجو ان يجعلها ذخراً وزاداً يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتى الله بقلب سليم.

سامي البدري
قم / ١٤ رجب /١٤١٨ هجـ.

↑صفحة ٢٥١↑

الفصل الأول: موارد من الكتاب والرد عليها

↑صفحة ٢٥٣↑

المورد الأول: علي (عليه السلام) خليفة النبي (صلى الله عليه وآله)
قال: تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري ان عليا (عليه السلام) والعباس (رضي الله عنه) دخلا على النبي (صلى الله عليه وآله) وسألاه ان يستخلف فقال لا...
أقول: الرواية التي ذكرها المرتضى ليست من تراث الشيعة وانما نقلها عن القاضي عبد الجبار للرد عليها!!!

↑صفحة ٢٥٥↑

نص الشبهة
قال: (وبالرغم مما يذكر الإماميون من نصوص حول تعيين النبي (صلى الله عليه وآله) للإمام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده، إلا ان تراثهم يحفل بنصوص أخرى تؤكد التزام الرسول الأعظم وأهل البيت بمبدأ الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها.

تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى - وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب أمير المؤمنين في مرض النبي (صلى الله عليه وآله) ان يسأله عن القائم بالأمر بعده، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا. وان أمير المؤمنين قال: "دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين ثقل، فقلنا: يا رسول الله.. استخلف علينا، فقال: لا، إني أخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو إسرائيل عن هارون، ولكن ان علم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم".
و يقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الإمام جعفر بن محمد الصادق: انه لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الوفاة دعا العباس بن عبد المطلب وامير المؤمنين فقال للعباس:، يا عم محمد.. تأخذ تراث محمد وتقضي دينه وتنجز عداته؟.. فرد عليه فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وأنت تباري الريح. قال فاطرق هنيهة ثم قال: يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقض دينه؟.. فقال كرر كلامه.. قال: أما إني سأعطيها من يأخذها بحقها. ثم قال: يا علي يا أخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه؟.. فقال: نعم بأبي أنت وأمي ذاك عليَّ ولي.
وهذه الوصية، كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية، لا علاقة لها بالسياسة والإمامة، والخلافة الدينية، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبد المطلب، فأشفق منها، وتحملها الإمام أمير المؤمنين طواعية. وهناك وصية أخرى نقلها

↑صفحة ٢٥٧↑

الشيخ المفيد في بعض كتبه عن الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) تقول ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أوصى بها إليه قبل وفاته، وهي أيضا وصية أخلاقية روحية عامة، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات. واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها أقطاب الشيعة الإمامية كالكليني والمفيد والمرتضى، فإننا نرى إنها تكشف عن عدم وصية رسول الله للإمام علي بالخلافة والإمامة، وترك الأمر شورى)(٣٥١).
الرد على الشبة
أقول: أما الرواية التي نسبها إلى الشريف المرتضى فهي مما أورده في كتابه الشافي ج٣/٩١ كجزء من كلام القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغنى) الذي أورد عدة روايات تنفي ان يكون النبي (صلى الله عليه وآله) قد أوصى لعلي أو ان علياً (عليه السلام) قد أوصى للحسن (عليه السلام) وعقب عليها المرتضى (رحمهم الله) بقوله:
(والاخبار التي ادعاها (صاحب المغنى) لم تنقل الا من جهة واحدة (أي جهة أهل السنة) وجميع شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) على اختلاف مذاهبهم يدفعها وينكرها ويكذب رواتها فضلا عن ان ينقلها ولا شيء منها الا ومتى فتشت عن ناقله واصله وجدته صادراً عن متعصب مشهور الانحراف عن أهل البيت (عليهم السلام) والاعراض عنهم)(٣٥٢).
وفي ضوء ذلك يتضح ان هذه الرواية ليست من تراث الشيعة وان الشريف المرتضى حين أوردها لم يكن مصدقاً بها بل رادا عليها فهل حقا غفل الاستاذ الكاتب عن ذلك؟
اما رواية الكليني فهي رواية ضعيفة ومعارضة لروايات كثيرة جداً في الكافي نفسه تؤكد انَّ عليا وارث تراث محمد (صلى الله عليه وآله) قبل حادثة وفاة النبي (صلى الله عليه وآله).
اما رواية الشيخ المفيد في اماليه /المجلس السادس والعشرون/ ص ٢٢٠-٢٢١ فهي وصية أخلاقية عامة من النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) ومن علي لولده الحسن وليس معنى ذلك عدم وجود وصية أخرى في موضوع آخر فلا تعارض بينهما أصلا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥١) احمد الكاتب - تطور الفكر السياسي الشيعي: ١١-١٢.
(٣٥٢) الشافي ج٣/٩٨.

↑صفحة ٢٥٨↑

لقد كان ينبغي على (الاستاذ الكاتب) ان يبحث المسألة بحثاً علميا فيورد كل روايات الوصية في المصادر الشيعية والسنية ويناقشها مناقشة علمية سندا ودلالة أما ان يكتفي بما ذكر ليقول بعده (وإذا القينا نظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) للامام علي بالخلافة والامامة.. وترك الأمر شورى)فهو مما لا يرتضيه منه قارئ يحترم عقله ووقته.
والى القارئ الكريم نموذج من روايات الوصية التي ذكرها المفسرون والمؤرخون والمحدثون.
روى الطبري في تفسير قوله تعالى (وَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ) الشعراء/٢١٤ عن ابن حميد قال (ثنا سلمة قال: ثني محمد بن اسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحرث بن نوفل بن الحرث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن ابي طالب قال:
لما نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله) (وَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ) دعاني رسول الله فقال لى: يا علي ان الله امرني ان انذر عشيرتي الأقربين، قال: فضقت بذلك ذرعاً،وعرفت اني متى ما أُبادِهُّم بهذا الامر أرَ منهم ما اكره فَصَمَتُّ، حتى جاء جبرئيل فقال: يا محمد، انك الا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك، فاصنع لنا صاعاً من طعام، واجعل عليه رجل شاة واملأ لنا عساً من لبن ثم اجمع بني عبد المطلب حتى اكلمهم، وابلغهم ما امرت به، ففعلت ما امرني به، ثم دعوتهم له وهم يومئذ اربعون رجلاً يزيدون رجلاً او ينقصونه، فيهم اعمامه ابو طالب وحمزة والعباس وابو لهب فلما اجتمعوا اليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به فلما وضعته تناول رسول الله (عليه السلام) حذية من اللحم فشقها بأسنانه ثم القاها في نواحي الصحفة، وقال: خذوا باسم الله، فأكل القوم حتى ما لهم بشيء حاجة، وما ارى الا مواضع ايديهم، وايم الله الذي نفس علي بيده، ان كان الرجل الواحد ليأكل ما قدمت لجميعهم، ثم قال: اسق الناس، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً وايم الله ان كان الرجل الواحد منم ليشرب مثله، فلما اراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يكلمهم، بدره ابو لهب الى الكلام فقال لشد

↑صفحة ٢٥٩↑

ما سحركم به صاحبكم، فتفرق القوم، ولم يكلمهم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال من الغد: يا علي، ان هذا الرجل قد سبقني الى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل ان اكلمهم، فعد لنا من الطعام مثل الذي صنعت، ثم اجمعهم لي، قال، ففعلت، ثم جمعتهم،ثم دعاني بالطعام فقربته لهم، ففعل كما فعل بالامس، فأكلوا حتى ما لهم بشيء حاجة، قال: اسقهم، فجئتهم بذلك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعاً.
ثم تكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا بني عبد المطلب، اني والله ما اعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل مما جئتكم به. اني قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة، وقد امرني الله ان أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني
على هذا الامر على ان يكون اخي وكذا وكذا.
قال فأحجم القوم عنها جميعاً وقلت واني لاحدثهم سناً، وارمصهم عيناً، واعظمهم بطناً، واحمشهم ساقاً انا يا نبي الله انا اكون وزيرك.
فأخذ برقبتي ثم قال: ان هذا اخي وكذا وكذا فاسمعوا له واطيعوا.
قال: فقام القوم يضحكون، ويقولون لابي طالب قد امرك ان تسمع لابنك وتطيع)(٣٥٣).
اقول:
قوله (كذا وكذا) في الموردين حذف لأصل الكلام من النساخ الاوائل كما يظهر من رواية الطبري الآتية حيث أوردها في تاريخه بالسند نفسه وفيها (على ان يكون اخي ووصيي وخلفيتي فيكم) (ان هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم)(٣٥٤).
ورواها ابن عساكر بسنده إلى نصر بن سليمان قال انبأنا محمد بن اسحق عن عبد الغفار بن القاسم عن المنهال بن عمرو عن عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب عن عبد الله بن عباس عن علي بن ابي طالب (عليه السلام) وفيها (فايكم يؤازرني على هذا الامر على ان يكون اخي ووصيي وخليفتي فيكم)(٣٥٥).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٣) تفسير الطبري. ج١٩/١٢١-١٢٢.
(٣٥٤) تاريخ الطبري ٢/٣١٩-٣٢١، وقد رواها مختصرة في ص٣٢١ بسند اخر هو زكريا بني يحيى الضرير قال حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا ابو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن ابي صادق عن ربيعة بن ناجذ. وفيها (ويكون اخي وصاحبي ووارثى).
(٣٥٥) تاريخ دمشق ترجمة علي (عليه السلام).

↑صفحة ٢٦٠↑

ورواها ابن كثير في تفسيره عن ابن جرير الطبري وفيها (على ان يكون اخي وكذا وكذا) في الموردين.
ثم علق عليها ابن كثير بقوله: (تفرد بهذا السياق عبد الغفار بن القاسم ابي مريم وهو متروك كذاب شيعي اتهمه علي بن المديني وغيره بوضع الحديث)(٣٥٦).
اقول: وعبد الغفار بن القاسم كنيته ابو مريم الانصاري النجاري عداده في اهل الكوفة يروي عنه شعبة والكوفيون وقد اتهموه ايضا بشرب الخمر كما اتهموا السيد الحميري الشاعر المعروف بولائه لأهل البيت بذلك.
والسر في ذلك هو روايته لهذا الحديث ونظائره في فضائل علي (عليه السلام)، وروايته في مثالب عثمان.
قال احمد بن حنبل: (كان ابو مريم يحدث ببلايا في عثمان)(٣٥٧).
قال ابن حبان: (وكان ممن يروي المثالب في عثمان بن عفان)(٣٥٨).
وقال الدار قطنى: (متروك، وهو شيخ شعبة اثنى عليه شعبة وخفي على شعبة امره)(٣٥٩).
ونُقِلَ عن شعبة قوله: (لم أَرَ احفظ منه).
قال الذهبي: (بقي الى قريب الستين ومائة وكان ذا اعتناء بالعلم والرجال وقد اخذ عنه شعبة ولما تبيَّن له انه ليس بثقة تركه)(٣٦٠).
اقول: أي اخذ عنه شعبة وتعلم منه لماعندما لم يكن يحدث ببلايا عن عثمان فلما حدث بها تركه كما يظهر من قول ابن المديني الاتي.
قال علي ابن المديني: (وكان لشعبة (في عبد الغفار) رأيٌ وتعلَّمَ منه زعموا توقيف الرجال ثم ظهر منه رأي رديء في الرفض فترك حديثه)(٣٦١).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٥٦) تفسير ابن كثير الآية (وانذر عشيرتك الأقربين).
(٣٥٧) ميزان الاعتدال ترجمة عبد الغفار الانصاري ج٢/٦٤٠.
(٣٥٨) كتاب المجروحين لابن حبان٢/١٤٣.
(٣٥٩) لسان الميزان ج٤/٤١٢ -٤١٤ تحقيق المرعشلي.
(٣٦٠) ميزان الاعتدال.
(٣٦١) اقول وموقفهم من عبد الغفار نظير موقفهم من جابر بن يزيد الجعفي قال الذهبى: جابر احد علماء الشيعة، روى عن ابي الطفيل وخلق وروى عنه شعبة وابو عوانة وعدة. وقال ابن حجر في ترجمته: قال ابن مهدي عن سفيان: ما رأيت اورع في الحديث من جابر، وقال ابن علية عن شعبة: جابر صدوق في الحديث، وقال ايضا: كان جابر اذا قال حدثنا وسمعت فهو من اوثق الناس وقال زهير بن معاوية كان اذا قال سمعت او سألت فهو من اصدق الناس وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في ان جابراً ثقة.
اقول: غير انهم اتهموه بالكذب وتكلموا فيه لما اظهر الايمان بالرجعة.
قال ابن عدي في الكامل في ترجمة جابر: وقد احتمله الناس ورووا عنه وعامة ما قذفوه انه كان يؤمن بالرجعة.
وقال زائدة: كان جابر الجعفي كذاباً يؤمن بالرجعة.
وقال يحيى بن معين وكان جابر كذاباً لا يكتب حديثه ولا كرامة ليس بشيء.
وقال سفيان لشعبة لما بدأ يتكلم في جابر وتغير رأيه فيه: لان تكلمت في جابر الجعفي لاتكلمنَّ فيك. وقال معلى بن منصور قال لي ابو عوانة كان سفيان (ابن عيينة) وشعبة ينهياني عن جابر الجعفي، وقال وكيع قيل لشعبة لم طرحت فلانا وفلانا ورويت عن جابر قال لانه جاء باحاديث لم نصبر عنها.
وقال ابن حبان: كان جابر سبائياً من اصحاب عبد الله بن سبأ وكان يقول ان عليا يرجع الى الدنيا فان احتج محتج بان شعبة والثوري رويا عنه قلنا الثوري ليس من مذهبه ترك الرواية عن الضعفاء وأما شعبة وغيره فرأوا عنده اشياء لم يصبروا عنها وكتبوها ليعرفوها فربما ذكر احدهم عنه الشيء بعد الشيء على جهة التعجب. (ميزان الاعتدال. الكامل في الضعفاء تهذيب التهذيب).

↑صفحة ٢٦١↑

وقال ابن عدى: (وسمعت احمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة)(٣٦٢) (تـ ٣٣٢) يثني على ابي مريم ويطريه وتجاوز الحد في مدحه حتى قال: لو انتشر علم ابي مريم وخرج حديثه لم يحتج الناس الى شعبة)(٣٦٣).
وقد فات ابن كثير ان قريباً من سياق حديث الطبري قد رواه احمد بن حنبل في مسنده ج١/١٥٩ بسند آخر من غير طريق عبد الغفار قال احمد حدثنا عفان بن مسلم قال حدثنا ابو عوانة عن عثمان بن المغيرة عن ابي صادق عن ربيعة بن ناجذ عن علي (عليه السلام) وفيها (ويكون اخي وصاحبي ووارثي).
وروى احمد في مسنده ١/١١١ بسند آخر قال: حدثنا اسود بن عامر قال حدثنا شريك عن الاعمش عن المنهال عن عباد بن عبد الله الاسلامي عن علي (عليه السلام) وفيها (ويكون خليفتي).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٢) قال ابن عدي في ترجمته: لولا اني شرطت ان اذكر من تكلم فيه لم اذكره للفضل الذي كان فيه من الفضل والمعرفة.
(٣٦٣) الكامل في الضعفاء ترجمة عبد الغفار الانصاري ج٥/٣٢٧ والملاحظ ان الذهبي لم يذكر ما نقله ابن عدي من ثناء ابن عقدة على ابي مريم مع ان كتاب ابن عدي هو المتن المعتمد لديه في تأليف ميزان الاعتدال.

↑صفحة ٢٦٢↑

وقد رواها قريباً من هذا السياق ايضاً ابو الحسن الثعلبي في تفسيره بسنده عن الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا موسى بن محمد حدثنا الحسن بن علي بن شعيب العمري حدثنا عباد بن يعقوب حدثنا علي بن هاشم عن صباح بن يحيى المزني عن زكريا بن ميسرة عن ابي اسحق عن البراء بن عازب.
ورواها ايضا قريباً من هذا السياق الثعلبي في تفسيره وابن عساكرفي تاريخ دمشق بسندهما عن ابي رافع.
اقول: وقد يشكل بعد الاذعان بصحتها بانها معارضة بما رواه الطبري واحمد واصحاب الصحاح عن عائشة وابن عباس وابي هريرة من انه لما نزل قوله تعالى (وَنذِرْ عَشِيرَتَك الأَقْرَبِينَ). واللفظ لاحمد (دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) قريشاً فعمَّ وخص فقال يا معشر قريش انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني كعب انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني عبد مناف انقذوا انفسكم من النار يا معشر بني هاشم انقذوا انفسكم من النار يا بني عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة بنت محمد انقذي نفسك من الله فاني والله لا املك لكم من الله شيئا، الا ان لكم رحما سأبلها ببلالها) (المسند ٢/٣٦٠).
ويرد عليه ان عائشة وابن عباس كانا طفلين في ذلك الوقت او لم يكونا قد ولدا بعد اما ابو هريرة فلم يكن قد اسلم انذاك وكان في اليمن فلم يكن اذن من شهود الواقعة بخلاف علي (عليه السلام) حيث شهدها وجرت على يديه ورواها عنه ابن عباس وعباد بن عبيد الله الاسديوربيعة بن ناجذ والبراء بن عازب وابو رافع وابنه عبيد الله الذي كان كاتبا لعلي (عليه السلام).
هذا مضافاً الى ان لفظ العشيرة على فرض التسليم بانه مشترك بين بني الاب الادنين او القبيلة فان لفظة (الاقربين) قرينة صريحة في ارادة معنى بني الاب الادنين وهم بنو هاشم دون قريش ومما يؤكد هذا ما رواه البخاري عن جبير بن مطعم قال: (مشينا وعثمان بن عفان الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا يا رسول الله اعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) انما بنو المطلبوبنو هاشم شيء واحد)، ويؤكد ذلك ما ذكروه ايضا في (ذوي القربى) انه لفظ عام خُصَّ ببني

↑صفحة ٢٦٣↑

هاشم والمطلب(٣٦٤).
اقول: مضافا الى ذلك فإن قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي في هذه المناسبة انه اخوه ووصيه وصاحبه ووارثه ووزيره وخليفته تصدقه احاديث النبي (صلى الله عليه وآله) الاخرى كحديث المؤاخاة حيث اخى النبي (صلى الله عليه وآله) بينه وبين علي فقال له: (انت اخي في الدنيا والاخرة)، وقال له: (انت اخي وصاحبي)، وان عليا كان يقول: (والله اني لأخو رسول الله ووليه). ويقول: (انا عبد الله وأخو رسوله لم يقلها قبلي ولا يقولها احد بعدي الا كذاب مفتر)(٣٦٥).
وحديث المنزلة حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي: (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) رواه البخاري وغيره، وهذا الحديث من اقوى الشواهد على صدق ما روي عن علي (عليه السلام) في قصة الانذار.
والقرآن يقول عن موسى: (وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي، هَارُونَ أَخِي، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي، وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي... قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَك يَا مُوسَى) طه/٢٩-٣٦.
وقد كان هذا قبل مجيء موسى الى مصر واجتماعه بأهل بيته فلما قدم مصر واجتمع معهم ابلغهم شأن هارون وموقعه من رسالته وانه نبي ووزير وخليفة ووصي.
ولما كان موقع علي (عليه السلام) من محمد (صلى الله عليه وآله) ورسالته كموقع هارون من موسى ورسالته الا ان عليا لم يكن نبيا، فقد شاءت الحكمة الإلهية ان يكون انذار محمد (صلى الله عليه وآله) لعشيرته الاقربين شبيها بانذار موسى لعشيرته الاقربين.
ففي القرآن الكريم قوله تعالى (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ) الأحقاف/١٠ والضمير في (مثله) يعود الى الشاهد من بني اسرائيل وهو موسى.
وفي التوراة في سفر التثنية الإصحاح ١٨ الفقرات ١٥-٢٢ (يقيم لك الرب من اقرباء اخيك نبياً مثلي) (سأقيم لهم من اقرباء اخيهم نبيا مثلك واضع كلامي في فمه لكي يبلغهم جميع ما امره به).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٤) فتح الباري ج٦/١٨٦-١٧٨.
(٣٦٥) الدرر في اختصار المغازي والسير ابن عبد البر تحقيق شوقي ضعيف /٩٠-٩١.

↑صفحة ٢٦٤↑

وفي القرآن الكريم (إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً) المزمل/١٥.
ان هذه المثلية بين محمد (صلى الله عليه وآله) وموسى (عليه السلام) قد تحققت بشكلها الكامل من خلال قصة انذار العشيرة وابلاغ الناس ان لمحمد (صلى الله عليه وآله) منذ البدء وزيراً وخليفة وهو اخوه علي كما ان لموسى وزيراً وخليفة هو اخوه هارون، ولم يعرض القرآن الكريم في قصص انبيائه نبيا له وزير كموسى من هذه الناحية.
وقد اقترن شخص محمد (صلى الله عليه وآله) بشخص علي لدى قريش في العهد المكي فضلا عن العهد المدني روى ابن الأثير في اسد الغابة (ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي ليلة الهجرة: ان قريشا لم يفقدوني ما رأوك، فلما أصبح ورأوا عليا قالوا: لو خرج محمد لخرج بعلي معه)(٣٦٦).
وقد بلغ موسى ووزيره هارون الرسالة الى فرعون وتحمل موسى وهارون من فرعون ومن قومهما ما تحملا وقد جعل الله الامامة من بعد موسى في ذرية هارون.
وقال تعالى: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ، وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الاعراف / ١٥٩ -١٦٠.
وقال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) المائدة/١٢.
وكذلك بلَّغ محمد (صلى الله عليه وآله) ووزيره عليٌ الرسالة الى قريش ومن آمن منهم ومن غيرهم وتحملا من قومهما ما تحملا، وقد جعل الله الامامة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في ذرية علي وقال تعالى: (وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) الأعراف/١٨١ وقد ذكر المفسرون ان هذه الاية في امة محمد (صلى الله عليه وآله) وقال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِذْنِ الله ذَلِك هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ) فاطر/٣٢ وقد تظافرت الروايات عن اهل البيت (عليهم السلام) انهم هم الذي اورثهم الله الكتاب وعلومه وجعلهم سابقين بالخيرات باذن الله أي جعلهم ائمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٦) اسد الغابة ج٤/٩٦.

↑صفحة ٢٦٥↑

هدى للناس(٣٦٧).
وقد تظافرت الروايات من اهل السنة والشيعة ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (ان الأئمة من بعده اثنا عشر عدتهم عدة نقباء بني اسرائيل)(٣٦٨).
اما صفة علي كوصي للنبي (صلى الله عليه وآله) الواردة في حديث الانذار فقد تكررت منه (صلى الله عليه وآله) في مناسبات عدة منها جوابه (صلى الله عليه وآله) لسلمان لما سأله عن وصيه اجابه ان وصيي علي (عليه السلام) (٣٦٩).
ومنها ما رواه ابن حبان بسنده عن خالد بن عبيد الله العتكي من اهل البصرة سكن مرو عن انس بن مالك عن النبي (صلى الله عليه وآله) (هذا (علي) وصيي وموضع سري وخير من اترك بعدي)(٣٧٠).
وقد عُرِفَت عن علي (عليه السلام) هذه الصفة واشتهرت له حتى صارت مختصة به فاذا قيل الوصي انصرف الذهن الى علي (عليه السلام) وقد نظمها الشعراء منذ صدر الاسلام والى اليوم.
قال ابن ابي الحديد: (ومما رويناه من الشعر القول في صدر الاسلام المتضمن كونه (عليه السلام) وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول عبد الله بن ابي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب:

ومنا علي ذاك صاحب خيبر* * * وصاحب بدر يوم سالت كتائبه
وصي النبي المصطفى وابن عمه * * * فمن ذا يدانيه ومن ذا يقاربه

وقال ابو الهيثم بن التيهان وكان بدريا:

ان الوصي امامنا وولينا * * * برح الخفاء وباحت الاسرار

الى غيرها مما نقله عن كتاب وقعة الجمل، لابي مخنف ثم علق عليها ابن ابي الحديد قائلا: ذكر هذه الاشعار والاراجيز باجمعها ابو مخنف لوط بن يحيى في كتاب وقعة الجمل، وابو مخنف من المحدِّثين وممن يرى صحة الامامة بالاختيار وليس من الشيعة ولا معدوداً من رجالها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٦٧) انظر تفسير نور الثقلين وتفسير البرهان الآية.
(٣٦٨) وقد مرت مصادر ذلك في الحلقة الأولى الفصل الثامن.
(٣٦٩) وقد مرت مصادر الحديث في الحلقة الاولى الفصل التاسع.
(٣٧٠) كتاب المجروحين ج١.

↑صفحة ٢٦٦↑

ثم ذكر ابن ابي الحديد نماذج اخرى من اشعار صفين تتضمن تسميته (عليه السلام) بالوصي مما ذكره ابن مزاحم ثم قال ابن ابي الحديد: والاشعار التي تتضمن هذه اللفظة كثيرة جداً ولكنا ذكرنا منها ها هنا بعض ما قيل فاما ما عداها فانه يجل عن الحصر ويعظم عن الاحصاء والعد ولولا خوف الملالة والاضجار لذكرنا من ذلك ما يملأ اوراقا كثيرة)(٣٧١).
ومن الطريف ان الاستاذ الكاتب فى الوقت الذي يجعل من وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) وصية شخصية وعادية يستشهد برسالة محمد بن عبد الله بن الحسن الى ابي جعفر المنصور فيذكر قوله (فان الحق حقناوانما ادعيتم هذا الامر بنا، وخرجتم له بشيعتنا وحضيتم بفضلنا وان ابانا علي كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟) الكتاب ص ٣٥.
وليس من شك ان هذه الوصية التي يذكرها محمد بن عبد الله بن الحسن هنا ليست وصية عادية اذ لو كانت كذلك فلا مزية فيها خاصة لعلي وهو فى مقام الاحتجاج على المنصور بان الحق حقهم، وقوله (ان ابانا علي كان الوصي وكان الامام فكيف ورثتم ولايته وولده احياء؟) صريح في ان هذه الوصية ذات جنبة سياسية ترتبط بولاية الحكم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧١) شرح النهج ج١/١٤٣-١٥٠ وقد بحث العلامة العسكري صفة علي (عليه السلام) كوصي النبي (صلى الله عليه وآله) في كتابه القيم معالم المدرستين ج١/٢٩٥-٣٢٨.

↑صفحة ٢٦٧↑

المورد الثاني: منهج علي (عليه السلام) في قبول البيعة

قوله: عدم وجود الوصية يفسر لنا احجام الامام علي عن اخذ البيعة من العباس او ابي سفيان
اقول: بل الذي يفسر احجام علي (عليه السلام) عن اخذ البيعة من العباس او ابي سفيان هو انهما عرضا البيعة على اساس قبلي مضافا الى ان عليا ينظر الى بيعة من به الكفاية من اهل السابقة والجهاد ممن عرف النص ووعاه ولم يكن ابو سفيان او العباس كذلك.

↑صفحة ٢٦٨↑

نص الشبهة
قوله: (وهو -أي عدم وجود وصية من النبي لعلي بالخلافة- ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك، حيث قال له: "امدد يدك ابايعك، وآتيك بهذا الشيخ من قريش - يعني ابا سفيان - فيقال: "ان عم رسول الله بايع ابن عمه" فلا يختلف عليك من قريش احد، والناس تبع لقريش". فرفض الامام علي ذلك.
وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده: انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له: أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك، فوالله لأملأنها على ابي فصيل خيلا ورجالا، فانزوى عنه وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على ابي بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا... مازلت صاحب فتنة."(٣٧٢).
الرد على الشبهة
أقول:
أحجم علي (عليه السلام) عن اخذ البيعة من العباس أو من أبي سفيان لان دافعهما في عرض النصرة والبيعة لعلي (عليه السلام) هو العصبية القبلية وليس النص، مضافا الى ان عليا (عليه السلام) ينظر في تصديه للحكم إلى بيعة ذوي السابقة من المهاجرين والأنصار ممن سمع النص ووعاه وان تكون في المسجد على مشهد من عامة الناس لا خفية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٢) احمد الكاتب - تطور الفكر السياسي الشيعي: ١٢.

↑صفحة ٢٧١↑

أما الرواية التي نسبها إلى الإمام الصادق (عليه السلام) وهي قوله: (انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له: أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك، فوالله لأملأنها على ابي فصيل خيلا ورجالا، فانزوى عنه وقال: ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك، وقد اجتمع الناس على ابي بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا... ما زلت صاحب فتنة) فهي رواية موضوعة رواها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه المغني ص ٢٨٩ وذلك لان عرض أبي سفيان على علي (عليه السلام) إنما كان في بدء أمر السقيفة وامتناع بني هاشم مع عدد من المهاجرين في المدينة، وآخرين خارج المدينة منهم مالك بن نويرة وقومه وليس بعد اجتماع الناس على ابي بكر.
أما مسلكه (عليه السلام) في البيعة لجهاد أهل السقيفة فهو ان يكون المبايعون له اربعين مجتمعين ذوي عزم أي ذوي ثبات وصبر في إيمانهم ولم يكن أبو سفيان منهم، والعباس نفر واحد لا تتحقق به بيعة كهذه، مضافا الى الأساس القبلي الذي انطلقا منه وعلي لا يقبل به.

↑صفحة ٢٧٢↑

المورد الثالث: احقية علي (عليه السلام) بالحكم ليست من باب الأفضلية

قوله: بالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية (الأفضلية) في الخلافة الا انه عاد فبايع
اقول: كلمات علي (عليه السلام) صريحة في ان الحكم حق خاص به وليست المسألة مسألة افضلية

↑صفحة ٢٧٣↑

نص الشبهة
قوله: (ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الإمام علي (عليه السلام) امتنع عن بيعة أبي بكر.. وبالرغم من شعور الإمام علي (عليه السلام) بالاحقية والاولوية في الخلافة الا انه عاد فبايع... ولا يشير إلى مسألة النص عليه) ص ١٣.
الرد على الشبهة
اقول:
يذهب (الاستاذ الكاتب) إلى ان علياً (عليه السلام) أولى بالخلافة أولوية تفضيل لا أولوية اختصاص وهو رأي ابن أبي الحديد ومدرسته في تفضيل علي (عليه السلام) على أبي بكر وتصحيح بيعة أبي بكر وانكار النص.
وهذا الرأي مدفوع بالنص وقد تحدثنا عنه، وبكلمات علي (عليه السلام) التي أوردها (الكاتب) نفسه فان قوله (عليه السلام) (بايع الناس أبا بكر وأنا أولى بهم مني بقميصي هذا..) معناه أولوية اختصاص لا أولوية تفضيل، اذ لا معنى لمقارنته (عليه السلام) بين اولويته بالامر واولويته بقميصه غير الاختصاص، فانه مما لا شك فيه ان اولويته بقميصه هي أولوية اختصاص لأنه مالكه، وهو (عليه السلام) يقول ان اولويته بالناس اشد وأكد من اولويته بقميصه، وذلك لان القميص الذي يلبسه قد يحتمل فيه انه مسروق ثم اشتراه من السارق وهو لا يعلم به اما اولويته بالحكم فلا يحتمل فيها شيء من ذلك البتة بل هي نص من النبي (صلى الله عليه وآله) وبأمر من الله تعالى.
وكذلك قوله (عليه السلام): (وطفقت ارتأي بين ان اصول بيد جذاء أو اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه فرأيت ان الصبر على هاتا احجى فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى ارى تراثي نهبا).

↑صفحة ٢٧٥↑

ومعناه اخذت أُخَيِّرُ نفسي بين ان اصول بقوة غير كافية كما في قوله (عليه السلام) (فلم اجد غير أهل بيتي فضننت بهم عن الموت). فلو توفرت له القوة الكافية لقاتل أهل السقيفة وهو المعروف عنه من قوله (عليه السلام) (لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم).
ان هذا الموقف من علي (عليه السلام) لا ينسجم مع فكرة أولوية التفضيل بل ينسجم مع فكرة اولوية الاختصاص.
وكذلك قوله (عليه السلام) (أو اصبر على طخية عمياء..) فان معناه ان الذي حصل لم يكن مجرد غصب سلطة دنيوية حسب بل كان ذلك بداية انقلاب فكري وضلالة تعم الأمة، وهو ما اكده (عليه السلام) بعد مقتل عثمان حين جاؤوه يطلبون البيعة فقال لهم (دعوني والتمسوا غيري فان المحجة قد اغامت والحجة قد تنكرت) وقوله (عليه السلام): (قد ملتم ميلة لم تكونوا عندي محمودين واخشى ان تكونوا في فترة)(٣٧٣).
اما الرواية التي أوردها (الكاتب) ونسبها إلى (شافي) المرتضى وهي قوله (عليه السلام) لابي بكر: (والله ما نَفَسْنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا) فقد رواها المرتضى عن البلاذري وهو يرويها عن المدائني عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة، إنما أوردها للاحتجاج بان عليا تأخر عن البيعة ولم يوردها من اجل الاعتقاد بصحتها، ودلائل الوضع عليها ثم ان حق علي (عليه السلام) في الامرة ليس هو الظن بل هو اليقين كما اسلفنا آنفا، وقد لعب الزهري وعروة بل عائشة أيضا دوراً مهماً في تحريف كثير من النصوص والحوادث.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٣) اراد (عليه السلام) بـ(الفترة) ما اراده القرآن منها في قوله تعالى (... على حين فترة من الرسل) اي اخشى ان تكون في الجاهلية.

↑صفحة ٢٧٦↑

المورد الرابع: دلالة حديث الغدير عند السيد المرتضى (رحمهم الله)

قوله: الشريف المرتضى يعتبر حديث الغدير نصا خفيا غير واضح بالخلافة.
اقول: ليس كذلك بل قال الشريف المرتضى: قد دللنا ثبوت النص على امير المؤمنين (عليه السلام) باخبار النص عليه بغير احتمال ولا اشكال كقوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه)
نص الشبهة
قوله: (واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق امير المؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة، حيث يقول في (الشافي): "انا لا ندعي علم الضرورة في النص، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك") ص ١٤ وأيضا ص ٥٨.
الرد على الشبهة
اقول:
ان مراد السيد المرتضى بـ (النص الخفي) هو ما يسمى عند الاصوليين بـ(المجمل) وعرَّفوه بـ (انه ما لم تتضح دلالته) ويقابله (المبيَّن) وقد ذكروا للاجمال والخفاء اسبابا كثيرة منها ان يكون اللفظ مشتركاً ولا توجد قرينة على أحد معانيه كلفظة (مولى) فانها موضوعة للاولى، وللعبد المملوك، وابن العم، والحليف.
ويتضح من ذلك ان (النص المجمل) و(الخفي) يحتاج إلى استدلال ونظر وذلك بالبحث عن القرائن من داخل النص أو من خارجه وهو ما يصنعه علماء الشيعة مع (حديث الغدير) ومنهم الشريف المرتضى حيث قال:
(الوجه المعتمد في الاستدلال بخبر الغدير على النص هو ما نرتبه فنقول:
ان النبي (صلى الله عليه وآله) استخرج من امته بذلك المقام الاقرار بفرض طاعته ووجوب التصرف بين أمره ونهيه بقوله (صلى الله عليه وآله) (الست أولى بكم من انفسكم؟) وهذا القول وان كان مخرجه مخرج الاستفهام فالمراد به التقرير وهو جار مجرى قوله تعالى (الست بربكم) الاعراف ١٧٢، فلما اجابوه بالاعتراف والاقرار رفع بيد أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال عاطفاً

↑صفحة ٢٧٩↑

على ما تقدم (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه) وفي روايات أخرى (فعلي مولاه اللهم والِ من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله) فاتى بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدمها وان كان محتملا لغيره فوجب ان يريد بها المعنى المتقدم الذي قررهم به على مقتضى استعمال أهل اللغة وعرفهم في خطابهم، وإذا ثبت انه صلى الله عليه واله أراد ما ذكرناه من ايجابه كون أمير المؤمنين عليه السلام أولى بالإمامة من انفسهم فقد اوجب له الإمامة، لأنه لا يكون أولى بهم من انفسهم الا فيما يقتضي فرض طاعته عليهم ونفوذ أمره فيهم ولن يكون كذلك الا من كان إماما.
فان قال: (دلوا على ان لفظة (مولى) محتملة لـ(أولى) وانه أحد اقسام ما يحتمله ثم ان المراد بهذه اللفظة في الخبر هو (الأولى) دون سائر الاقسام، ثم ان (الأولى) يفيد معنى الإمامة.
قيل له: انه من كان له ادنى اختلاط باللغة واهلها يعرف انهم يضعون هذه اللفظة أي (مولى) مكان (أولى) كما انهم يستعملونها في (ابن العم) وغيره وما المنكر لاستعمالها في (الأولى) الا كالمنكر لاستعمالها في غيره من اقسامها.
ونتبرع بايراد جملة تدل على ما ذهبنا إليه فنقول: قد ذهب أبو عبيدة معمر بن المثنى ومنزلته في اللغة منزلته(٣٧٤) في كتابه القرآن المعروف بالمجاز لما انتهى إلى قوله: (مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِىَ مَوْلاكُمْ وبِئْسَ المَصِيرُ) الحديد/١٥ أولى بكم.
وليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة.
ولا خلاف بين المفسرين في ان قوله تعالى (ولِكُل جَعَلْنَا مَوَالِىَ مِمَّا تَرَك الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ الله كَانَ عَلَى كُلِ شيء شَهِيدًا) النساء/٣٣ ان المراد بالموالي (مفرد مولى) من كان املك بالميراث واولى بحيازته واحق به.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٤) ابو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء من العلماء باللغة والشعر والادب وايام العرب واخبارها قال فيه الجاحظ (لم يكن في الارض اعلم بجميع العلوم منه وهو اول من صنف في غريب الحديث توفي سنة ٢٠٩. (السيد عبد الزهراء الخطيب) رح.

↑صفحة ٢٨٠↑

وقال الاخطل(٣٧٥):

فاصبحت مولاها من الناس بعده * * * واحرى قريش ان تهاب وتحمدا

وروي في الحديث (ايما امرأة تزوجت بغير اذن مولاها فنكاحها باطل)(٣٧٦).
كل ما استشهدنا به لم يرد بلفظ (مولى) فيه الا معنى (أولى) دون غيره وقد تقدمت حكايتنا عن المبرد قوله (ان اصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق ومثله المولى) وقال في هذا الموضع بعد ان ذكر تأويل قوله تعالى (ذَلِك بِأَنَّ الله مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَنَّ الكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ) محمد/١١.
وقال الفراء(٣٧٧) في كتاب (معاني القرآن) الولي والمولى في كلام العرب واحد وهو قراءة(٣٧٨) عبد الله بن مسعود (إنما مولاكم الله ورسوله) مكان وليكم.
وقال أبو بكر محمد بن القاسم الانباري(٣٧٩) في كتابه المعروف بـ (المشكل) (المولى في اللغة ينقسم على ثمانية اقسام، اولهن المولى المنعم المعتق، ثم المنعم عليه المعتق، والمولى الولي، والمولى الأولى بالشيء) وذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها (والمولى الجار، والمولى ابن العم، والمولى الصهر، والمولى الحليف).
وقد ذكر أبو عمر وغلام ثعلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة(٣٨٠).

زعموا ان كل من ضر ب العَيْرَ * * * موال لنا وأنا الولاءُ(٣٨١)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٧٥) الاخطل: غياث برعوث التغلبي لقب بالاخطل لبذاءة لسانه نشأ بالحيرة ثم اتصل بالامويين فكان شاعرهم المفضل توفي سنة ٩٠ والبيت من قصيدة له في مدح يزيد بن معاوية بعد توليه الخلافة.
(٣٧٦) سنن الترمذي ١/٢٠٤ ابواب النكاح وفي نهاية ابن الاثير ج٤/٢٢٩ مادة (ولا) عن الهروي وقال بعد نقل الحديث (وليها) أي ولي امرها.
(٣٧٧) الفراء ابو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله الديلمي من ائمة اللغة والادب ومن تلامذة الكسائي قال فيه ثعلب (لولا الفراء ماتت اللغة) ولد بالكوفة ونشأ بها ثم انتقل إلى بغداد فعهد اليه المأمون تأديب ولديه تـ سنة ٢٠٧.
(٣٧٨) اي تفسير عبد الله بن مسعود.
(٣٧٩) نسبة إلى الانبار كان من اعلم اهل زمانه بالادب واللغة ومعرفة ايام العرب ومن اكثرهم حفظا للاشعار وشواهد القرآن حتى قيل: كان يحفظ مائة وعشرين تفسيراً للقرآن وثلاث مائة الف شاهد من شواهده، توفي ببغداد سنة ٣٢٨.
(٣٨٠) الحارث بن حلزة اليشكري شاعر جاهلي من اهل بادية العراق ومن اصحاب المعلقات ارتجل معلقته بين يدي عمرو بن هند ملك الحيرة.
(٣٨١) العير: الوتد أو الحمار، وغالبية الناس في زمانه من اهل الوبر يضربون الاوتاد عند اقامتهم.. وقوله (انا الولاء) أي نحن اهل الولاء.

↑صفحة ٢٨١↑

فذكر من جملة الاقسام: ان المولى السيد وان لم يكن مالكا، والمولى الولي.
واما الذي يدل على ان المراد بلفظ (مولى) في خبر الغدير(الأولى) فهو: ان عادة أهل اللسان في خطابهم إذا رأوا جملة مصرِحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل الا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه ان أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة ومفهما لهم وله عدة عبيد: الستم عارفين بعبدي فلان؟ ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا ان عبدي حر لوجه الله تعالى، لم يجز ان يريد بقوله: عبدي بعد ان قدم ما قدمه الا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، ومتى أراد سواه كان عندهم مُلغِزا خارجاً عن طريقة البيان.
فاما الدليل على ان لفظة (أولى) تفيد معنى الإمامة فهو انا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ الا فيمن كان يملك تدبيره ووصف بأنه أولى بتدبيره وتصريفه ينفذ فيه أمره ونهيه، الا تراهم يقولون السلطان أولى باقامة الحدود من الرعية، وولد الميت أولى بميراثه من كثير من اقاربه، والزوج أولى بامرأته، والمولى أولى بعبده ومرادهم من جميع ذلك ما ذكرناه، ولا خلاف بين المفسرين في ان قوله تعالى (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) الأحزاب/٦ المراد به انه أولى بتدبيرهم والقيام بأمورهم من حيث وجبت طاعته عليهم، ونحن نعلم انه لا يكون أولى بتدبير الخلق وامرهم ونهيهم من كل أحد منهم الا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم)(٣٨٢).
ويتضح بذلك أيضا ان حديث الغدير لم يبقَ على خفائه ولا اجماله في دلالته على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) مع هذا الاستدلال(٣٨٣).
قال السيد المرتضى:
(قد دللنا على ثبوت النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) باخبار مجمع على صحتها متفق عليها وان كان الاختلاف واقعاً في تأويلها وبينا انها تفيد النص عليه بغير احتمال

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٢) الشافي ج٢/٢٦٠-٢٨٢ اختصرنا ما اوردناه مع المحافظة على الفاظ المرتضى رح.
(٣٨٣) قال العلامة المظفر في دلائل الصدق ج٢/٥٧ المطلب الثاني في دلالة حديث الغدير على امامة امير المؤمنين (عليه السلام).

↑صفحة ٢٨٢↑

ولا إشكال كقوله (صلى الله عليه وآله) (انت مني بمنزلة هارون من موسى) و(من كنت مولاه فعلي مولاه) إلى غير ذلك مما دللنا على ان القرآن يشهد به كقوله تعالى (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) المائدة/٥٥ فلا بد ان نطرح كل خبر ناف ما دلت عليه هذه الادلة القاطعة ان كان غير محتمل للتأويل نحمله بالتأويل على ما يوافقها ويطابقها إذا ساغ ذلك فيه)(٣٨٤).
اما مراد السيد المرتضى من قوله (أنا لا ندعي علم الضرورة من النص لا لانفسنا ولا على مخالفينا وما نعرف أحد من اصحابنا صرح بادعاء ذلك). فهو ان نص الغدير لا يدل على تعيين علي (عليه السلام) إماما بالبداهة، والضرورة ومن غير استدلال.
نعم يقول المرتضى ويقول الشيعة القدماء ان النبي (صلى الله عليه وآله) لو لم يرد الإمامة لعلي في حديث الغدير مع ايجاب خطابه لها لكان ملغزا عادلا عن طريق البيان بل عن طريق الحكمة)(٣٨٥).
وفي ضوء ذلك يتضح خطأ ما ذهب إليه (الاستاذ الكاتب) من سوء استفادة من كلام الشريف المرتضى (رحمهم الله) وتحميل كلامه ما لم يرده ولا يعنيه.
ونرى من المفيد في آخر هذه التعليقة ان نضع بين يدي القارئ الكريم كلام الشريف المرتضى في النص الخفي والنص الجلي فيمايلى:
قال الشريف المرتضى (رحمه الله): (الذي نذهب إليه ان النبي صلى الله عليه وآله نص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة بعده، ودل على وجوب فرض طاعته ولزومها لكل مكلف، وينقسم النص عندنا في الاصل إلى قسمين احدهما يرجع إلى الفعل ويدخل فيه القول، والآخر إلى القول دون الفعل.
فأما النص بالفعل والقول، فهو ما دلت عليه افعاله (صلى الله عليه آله) واقواله المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الأمة، الدالة على استحقاقه من التعظيم والاجلال والاختصاص بما لم يكن حاصلاً لغيره كمؤاخاته صلى الله عليه وآله بنفسه وانكاحه سيدة نساء العالمين ابنته عليها السلام، وانه لم يولِ عليه احداً من الصحابة،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٤) الشافي ج٣/٩٩.
(٣٨٥) الشافي ج٢/٢٨٣.

↑صفحة ٢٨٣↑

ولا ندبه لأمر أو بعثه في جيش الا كان هو الوالي عليه المقدم فيه، وانه لم ينقم عليه من طول الصحبة وتراخي المدة شيئاً، ولا انكر منه فعلا، ولا استبطاه في صغير من الأمور ولا كبير مع كثرة ما توجه منه صلى الله عليه وآله إلى جماعة من أصحابه من العتب، اما تصريحا أو تلويحاً.
وقوله صلى الله عليه وآله فيه (علي مني وأنا منه)(٣٨٦) و(علي مع الحق والحق مع علي) و(اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر)(٣٨٧) إلى غير ما ذكرناه من الافعال والاقوال الظاهرة التي لا يخالف فيها ولي ولا عدو، وذِكْرُ جميعها يطول، وإنما شهِدَتْ هذه الافعال والاقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة ونبَّهتْ على انه أولى بمقام الرسول من قبل انها إذا دلَّت على التعظيم والاختصاص الشديد، فقد كشفت عن قوة الاسباب إلى اشرف الولايات، لان من كان ابهر فضلا، واعلى في الدين مكاناً فهو أولى بالتقديم واقرب وسيلة إلى التعظيم، ولأن العادة فيمن يرشح لشريف الولايات، ويؤهل لعظيمها ان يصنع به وينبه عليه ببعض ما قصصناه.
وقد قال قوم من اصحابنا ان دلالة الفعل ربما كانت آكد من دلالة القول: وابعد من الشبهة، لان القول يدخله المجاز، ويحتمل (ضروباً من التأويلات لا يحتملها الفعل.
فأما النص بالقول دون الفعل فينقسم إلى قسمين:
احدهما: ما عَلِمَ سامعوه من الرسول (صلى الله عليه وآله) مراده منه باضطرار، وان كنا الان نعلم ثبوته والمراد منه استدلالاً وهو النص الذي في ظاهره ولفظه الصريح بالإمامة والخلافة، ويسميه اصحابنا النص الجلي كقوله عليه السلام (سلموا على علي بإمرة المؤمنين)(٣٨٨) و(هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له واطيعوا)(٣٨٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٨٦) اخرجه النسائي في الخصائص ص ١٦ بلفظ (ان عليا مني وانا منه وهو ولي كل مؤمن بعدى)، والترمذي ٢/٢٩٧، واحمد في المسند ج ٤/١٣٦، ٤٣٧.
(٣٨٧) جامع الترمذي ج٢/٢٩٩، خصائص النسائى/٥ المستدرك ٣/١٣، تاريخ بغداد ٣/١٧١.
(٣٨٨) انظر شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ١/١٢ وابن عساكر (ترجمة امير المؤمنين (عليه السلام) عن بريدة الاسلمي امرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان نسلم على علي بإمرة المؤمنين...
(٣٨٩) هذا الحديث هو حديث يوم الدار اخرجه الطبري في التاريخ ٢/٣٢١ واحمد في المسند ١/١١١/١٥٩، والحاكم في المستدرك ٣/١٣٢ والحلبي في السيرة ١/٣٨١، والسيوطي في جمع الجوامع ٦/٣٩٧ عن ابن اسحاق وابن جرير وابن ابي حاتم وابن مردويه وابي نعيم والبيهقي.

↑صفحة ٢٨٤↑

والقسم الآخر: لا نقطع على ان سامعيه من الرسول (صلى الله عليه وآله) علموا النص بالإمامة منه اضطراراً ولا يمتنع عندنا ان يكونوا علموه استدلالا من حيث اعتبار دلالة اللفظة، وما يحسن ان يكون المراد أو لا يحسن.
فأما نحن فلا نعلم ثبوته والمراد به الا استدلالاً كقوله (صلى الله عليه وآله) (انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي) و(من كنت مولاه فعلي مولاه) وهذا الضرب من النص هو الذي يسميه اصحابنا النص الخفي.
ثم النص بالقول ينقسم قسمة أخرى إلى ضربين:
فضرب منه تفرد بنقله الشيعة الامامية خاصة، وان كان بعض من لم يفطن بما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئا منه، وهو النص الموسوم بالجلي.
والضرب الاخر رواه الشيعي والناصبي وتلقاه جميع الأمة بالقبول على اختلافها، ولم يدفعه منهم أحد يحفل بدفعه يعد مثله خلافا وان كانوا قد اختلفوا في تأويله وتباينوا في اعتقاد المراد به وهو النص الموسوم بالخفي الذي ذكرناه ثانيا.
ونحن الان نشرع في الدلالة على النص الجلي لأنه الذي تفرد اصحابنا به، وكلام صاحب الكتاب في هذا الفصل: أنه مقصور عليه.
فأما النصوص الباقية فسيجيء الكلام في تأويلها وابطال ما جرح المخالفون فيها فيما بعد بعون الله تعالى)(٣٩٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٠) الشافي ج٢/ص ٦٥ - ٦٨.

↑صفحة ٢٨٥↑

المورد الخامس: احتجاج علي (عليه السلام) بحديث الغدير

قوله: لو كان حديث الغدير يحمل معنى التعيين لاشار الامام علي (عليه السلام) الى ذلك ولحاجج اصحاب الشورى بما هو اقوى من الفضائل.
اقول: لقد احتج علي (عليه السلام) بحديث الغدير وقد فصلنا ذلك في الحلقة الثانية /الفصل الثالث

↑صفحة ٢٨٧↑

نص الشبهة
قوله: (ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى (معنى التعيين) لاشار الإمام إلى ذلك وحاججهم (أصحاب الشورى السداسية) بما هو اقوى من ذكر الفضائل) ص ١٤.
الرد على الشبهة
١. أقول ان الهدف من جعل عمر الشورى في ستة أحدهم علي (عليه السلام) هو نفس الهدف من الاجتماع في السقيفة من دون حضور علي (عليه السلام)، لقد استهدف المخططون لكلا الحدثين مسألة الحكم مع استهداف أمر اضافي آخر في الشورى اريد تحقيقه وهو ان يخرج علي من الشورى وقد بايع لعثمان ولو جبراً وكرها ليؤمَن قيامه عليهم وقد فصلنا الحديث عن ذلك في الحلقة الثانية من هذا الكتاب(٣٩١).
ولما كان الأمر كذلك فان الاجواء غير صالحة في كلا الموردين للاحتجاج لان القوم مصرون على تحقيق هدفهم بكل وسيلة ممكنة، حتى لو كان ذلك بإحراق باب بيت فاطمة (عليها السلام) أو تهديد علي بالقتل إذا لم يبايع أبا بكر أو لم يبايع عثمان قبل ان يخرج من بيت اجتماع أهل الشورى الستة.
ومع ذلك فقد سجلت بعض المصادر احتجاجاً لعلي (عليه السلام) بحديث الغدير على أهل الشورى السداسية كما في مناقب الخوارزمي ص ٢١٧ وفرائد السمطين للحمويني الباب الثامن والخمسين والدر النظيم لابن حاتم الشامي من طريق الحافظ ابن مردويه(٣٩٢).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩١) انظر فصل الشورى السداسية من كتاب شبهات وردود ح٢.
(٣٩٢) انظر الغدير للاميني (رحمهم الله) ج١/ ١٥٩-١٦٢.

↑صفحة ٢٨٩↑

٢. ان دخول علي (عليه السلام) للشورى السداسية لم يكن بمحض اختياره بل اجبر على ذلك ويدل عليه ان عمر امر بقتل المخالف من الستة، اما سبب اكراههم عليا (عليه السلام) على الدخول في الشورى فهو انهم كانوا يخشون منه (عليه السلام) انه إذا لم يدخل سوف يمتنع عن بيعة عثمان كما امتنع عن بيعة أبي بكر من قبل وسوف يلتحق هذه المرة به أناس كانوا قد قصروا في قصة السقيفة أو وقعوا في الشبهة، ومعنى ذلك احتمال تكامل العدد الذي يرجوه علي (عليه السلام) من الانصار فيقوم في وجه عثمان.
٣. لو لم يكن حديث الغدير يحمل هذا المعنى (معنى التعيين والنصب لعلي (عليه السلام) من موقع خلافة الرسول الخاصة التي تفرض ان يكون حق الحكم خاصاُ به كما كان زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) خاصا بالرسول) لما احتج علي (عليه السلام) به ايام خلافته بعد قتل عثمان وقد مر تفصيل ذلك في الحلقة الثانية ص ٥٥-٦٥.

↑صفحة ٢٩٠↑

المورد السادس: الصحابة وحديث الغدير

قوله: ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة
اقول: بل الصحابة فهموا ذلك وبسببه منعوا تداول تلك الاحاديث بين الناس خمساً وعشرين سنة

↑صفحة ٢٩١↑

نص الشبهة
قوله: (ان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير أو غيره من الأحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ولذلك اختاروا طريق الشورى وبايعوا أبا بكر كخليفة من بعد الرسول مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الإمام علي أو عدم وجودها في ذلك الزمان) ص ١٤.
الرد على الشبهة
أقول: بل الصحابة فهموا من الحديث معنى النص والتعيين ولم يكن لديهم شك في ذلك وادل دليل على فهمهم هو منعهم تداول هذه الأحاديث شفاها وتدوينا لما استقرت السلطة بايديهم بل عمدوا إلى ما كتبه هذا وذاك من الصحابة من أحاديث النبي فجمعوه واحرقوه، وجرَّهم ذلك اخيراً إلى احراق المصاحف المنتشرة زمن النبي (صلى الله عليه وآله) بسبب ما يوجد بهامشها من أحاديث النبي (صلى الله عليه وآله) المفسِرة للآيات النازلة في أهل البيت وقد ذكرنا طرفا من أخبار هذه المسألة في الحلقة الثانية من شبهات وردود ط ٢ص ١٥٩- ١٦٣.
ويعضد ذلك ما رواه ابو الطفيل عامر بن واثلة من حديث المناشدة قال: (جمع علي (عليه السلام) الناس في الرحبة ثم قال لهم انشد الله كل امرئ سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام فقام ثلاثون من الناس فشهدوا.
قال أبو الطفيل فخرجت وكأنَّ في نفسي شيئا فلقيت زيد بن ارقم فقلت له اني سمعت عليا يقول كذا وكذا قال فما تنكر قد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول ذلك له)(٣٩٣).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٣) انظر من روى حديث المناشدة هذا في الحلقة الثانية من شبهات وردود ص ٥٩.

↑صفحة ٢٩٣↑

وقد كان ابو الطفيل من صغار الصحابة وكان مقيما في مكة وتوفي النبي (صلى الله عليه وآله) وعمره ثمان سنوات وفي ضوء ذلك يكون عمره لما بويع علي (عليه السلام) على الحكم ثلاثا وثلاثين سنة وكان مقيما في مكة ولم يسمع طوال هذه المدة بحديث الغدير بسبب منع السلطة روايته ورواية غيره من أحاديث النبي في أهل البيت (عليهم السلام)، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو ما الذي استنكره أبو واثلة من حديث الغدير حين سمعه لاول مرة وما الذي وقع في نفسه منه؟ ليس من شك ان الذي وقع في نفسه واستعظمه هو انَّ لعلي بحديث الغدير ولاية كولاية الرسول (صلى الله عليه وآله) على الأمة وهي اعظم من ولاية الحكومة اذ ولاية الحكومة من اثارها وفروعها وبالتالي فان كل من تقدم عليه في الحكم أو في غيره كان كأنه قد تقدَّم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك.
اما قوله (ولذلك اختاروا اي الصحابة طريق الشورى وبايعوا ابا بكر) فقد المحنا في الحلقة الثانية من كتابنا هذا ان الذي جرى بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) كان انقلاباً قد خطط له من قبل، وقد أشار إليه قوله تعالى (وَمَا مُحَمَّدٌ إلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ مَاتَ أو قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلىَ أعْقَابِكُمْ...) وقد اوضحت أحاديث الرسول (صلى الله عليه وآله) الصحيحة المروية في كتب السنة والشيعة تلك الحقيقة المرة.
وإلى القارئ الكريم طرفا منها:
روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: (قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): تحشرون حفاة عراة... فاول من يكسى ابراهيم ثم يؤخذ برجال من اصحابي ذات اليمين وذات الشمال فاقول اصحابي فيقال انهم لم يزالوا مرتدين على اعقابهم منذ فارقتهم فاقولكما قال العبد الصالح عيسى بن مريم: (وكُنْتَ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبُ عَلَيْهِمْ...)(٣٩٤).
قال البخاري: (قال محمد بن يوسف ذكر عن ابي عبد الله عن قبيصة قال: هم المرتدون الذي ارتدوا على عهد ابي بكر فقاتلهم ابو بكر).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٤) البخاري كتاب بدء الخلق باب (واذكر في الكتاب مريم) وباب قوله تعالى واتخذ الله ابراهيم خليلا) وكتاب تفسير القرآن /المائدة. وكتاب الدعوات باب كيفية الحشر.

↑صفحة ٢٩٤↑

اقول: لقد حاول البخاري ومن قبله ان يوجهوا احاديث الحوض ويصرفوها عن الصحابة الى غيرهم ولكن حديث البراء بن عازب يؤكد خلاف ذلك فقد روى البخاري بسنده عن العلاء بن المسيب عن ابيه قال: (لقيت البراء بن عازب فقلت طوبى لك صحبت النبي (صلى الله عليه وآله) وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن اخي انك لا تدري ما احدثنا بعده)(٣٩٥).
وروى البخاري بسنده عن ابن المسيب انه كان يحدث عن اصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: (يرد على الحوض رجال من اصحابي فيحلؤون عنه فاقول يارب اصحابي فيقول انك لاعلم لك بما احدثوا بعدك انهم ارتدوا على ادبارهم القهقرى)(٣٩٦).
وروى البخاري بسنده عن سهل بن سعد قال قال النبي (صلى الله عليه وآله): (اني فَرَطُكُم على الحوض من مرَّ عليَّ شرب ومن شرب لم يضمأ ابداً ليردن عليَّ اقوام اعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم)(٣٩٧).
قال ابو حازم: فسمعني النعمان بن ابي عياش فقال، هكذا سمعت من سعد فقلت نعم. فقال اشهد على ابي سعيد الخدري لسمعته وهو يزيد فيها: (فأقول (أي النبي (صلى الله عليه وآله)) انهم مني فيقال انك لا تدري ما احدثوا بعدك فاقول سحقا سحقاً لمن غير بعدي)(٣٩٨).
وروى البخاري بسنده عن ابي هريرة قال النبي (صلى الله عليه وآله): (بينما انا قائم اذا زمرة حتى اذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم فقال هلم: فقلت اين؟ قال الى النار، قلت وما شأنهم؟ قال انهم ارتدوا على ادبارهم فلا اراه يخلص منهم الا مثل همل النعم(٣٩٩)).
وروى احمد في مسنده بسنده عن ام سلمة انه (صلى الله عليه وآله) قال: (ايها الناس بينما انا على الحوض جيء بكم زمراً فتفرقت بكم الطرق فناديتكم الا هلموا الى الطريق فناداني مناد: انهم قد بدلوا بعدك فقلت: الا سحقا سحقا)(٤٠٠).
وروى احمد ايضا بسنده عن ابي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله) انه قال: (تزعمون

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٣٩٥) البخاري كتاب المغازي باب غزوة الحديبية.
(٣٩٦) البخاري كتاب الدعوات باب ذكر الحوض.
(٣٩٧) البخاري كتاب الرقاق.
(٣٩٨) البخاري كتاب الدعوات باب الصراط جهنم، وكتاب الفتن باب قوله (واتقوا فتنة لا تعيبن).
(٣٩٩) البخاري كتاب الدعوات باب الحوض وقوله تعالى انا اعطيناك الكوثر.
(٤٠٠) مسند احمد ج٦/٢٩٧.

↑صفحة ٢٩٥↑

ان قرابتي لا تنفع قومي؟ والله ان رحمي موصولة في الدنيا والآخرة اذا كان يوم القيامة يرفع لي قوم يؤمر بهم ذات اليسار فيقول الرجل يا محمد انا فلان بن فلان، ويقول الاخر انا فلان بن فلان، فاقول اما النسب قد عرفت ولكنكم احدثتم بعدي وارتددتم على اعقابكم القهقرى)(٤٠١).
اما قوله (او عدم وجودها في ذلك الزمان) فان كان يريد بذلك احتمال ان يكون حديث الغدير موضوعاً فلنقرأ إذن على كل الاحاديث النبوية السلام وذلك لانه لم يتوفر لاي حديث نبوي ما توفر لحديث الغدير من رواة فاذا احتملنا انَّ حديث الغدير موضوع كان كل حديث بعده اولى بهذا الاحتمال وحينئذ لا يثبت لدينا شئ من السنة النبوية المطهرة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠١) مسند احمد ج٣/٣٩.

↑صفحة ٢٩٦↑

المورد السابع: رواية مكذوبة على علي (عليه السلام)

قوله: ان عليا (عليه السلام) قال انا دخلنا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقلنا استخلف فقال لا، اخاف ان تفرقوا عنه.. وان وصية علي (عليه السلام) للحسن وصية اخلاقية روحية
اقول: الرواية التي اوردها لم تكن من تراث الشيعة وقد ردَّ عليها الشريف المرتضى وقال ان عليا (عليه السلام) وصى الى ابنه الحسن واشار اليه واستخلفه

↑صفحة ٢٩٧↑

نص الشبهة
قوله: (ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة، في عملية خلافة الامام الحسن، حيث دخل عليه المسلمون، بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن، فقال: لا، انا دخلنا على رسول الله فقلنا: استخلف، فقال: لا: اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم). ص ١٥.
الرد على الشبهة
اقول:
ان الرواية التي أوردها ونسبها إلى السيد المرتضى في كتابه الشافي رواية عامية رواها القاضي عبد الجبار المعتزلي في كتابه (المغني)، وقد أورد القاضي المعتزلي رواية أخرى رواها عن أبي وائل شقيق بن سلمة والحكم عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) انه قيل له ألا توصي. قال: ما أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوصي، ولكن ان أراد الله بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم) الشافي ج٣/٩١ نقلا عن المغني وقد أجاب عنهما السيد المرتضى بقوله:
(ان الخبر الذي رواه عن أمير المؤمنين، لما قيل له ألا توصي فقال: (ما أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأوصي، ولكن ان أراد الله تعالى بالناس خيرا فسيجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم)، فمتضمن لما يكاد يعلم بطلانه ضرورةً.
والظاهر من أحوال أمير المؤمنين، والمشهور من اقواله وأفعاله جملةً وتفصيلاً

↑صفحة ٢٩٩↑

يقتضي انه كان يقدم نفسه على أبي بكر وغيره من الصحابة، وانه كان لا يعترف لأحدهم بالتقدم عليه.
ومن تصفح الأخبار والسير، ولم تمل به العصبية والهوى، يعلم هذا من حاله على وجه لا يدخل فيه شك.
ولا اعتبار بمن دفع هذا ممن يفضَّل عليه لأنه بين أمرين.
إما ان يكون عاميا أو مقلِداً لم يتصفح الأخبار والسير وما روي من أقواله وأفعاله ولم يختلط بأهل النقل، فلا يعلم ذلك.
أو يكون متأملا متصفحاً إلا ان العصبية قد استولت عليه، والهوى قد ملكه واسترقه، فهو يدفع ذلك عناداً، وإلا فالشبهة مع الإنصاف زائلة في هذا الموضع.
على انه لا يجوز ان يقول هذا من قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه باتفاق (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر)(٤٠٢) فجاء عليه السلام من بين الجماعة فأكل معه.
ولا من يقول النبي (صلى الله عليه وآله) لابنته فاطمة (عليها السلام) (ان الله عز وجل اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منها رجلين جعل احدهما أباك والآخر بعلك)(٤٠٣).
وقال صلى الله عليه وآله فيه (علي سيد العرب)(٤٠٤).
و(خير أمتي)(٤٠٥).
و(خير من اخلف بعدي)(٤٠٦).
ولا يجوز ان يقول هذا من تظاهر الخبر عنه بقوله صلوات الله عليه وقد جرى بينه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٢) حديث الطير رواه جماعة من العلماء كالترمذي ج٢/٢٢٩ والنسائي في خصائصه ص ٥ والحاكم في مستدركه ص/١٣٠و١٣١ وابو نعيم في حليته ٦/٣٣٩، والخطيب في تاريخه ٣/١٧١، والمتقي في كنزه ٦/٤٠٦ والهيثمي في مجمعه ٩/١٢٥ و١٢٦.
(٤٠٣) انظر كنز العمال ٦/١٥٣ ومستدرك الحاكم ٣/١٢٩، وفي مسند احمد ٥/٢٦ (واما ترضين ان زوجتك خير امتي).
(٤٠٤) مستدرك الحاكم ٣/١٢٤، حلية الاولياء ١/٦٣ و٥/٣٨ وفيهما (فقالت عائشة الست سيد العرب؟ قال: انا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب).
(٤٠٥) مسند الامام احمد.
(٤٠٦) كنز العمال ٦/١٥٤.

↑صفحة ٣٠٠↑

وبين عثمان كلام فقال له: أبو بكر وعمر خير منك، فقال (أنا خير منك ومنهما عبدت الله قبلهما وعبدته بعدهما)(٤٠٧).
ومن قال: (نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد)(٤٠٨).
وروى عن عائشة في قصة الخوارج لما سألها مسروق فقال لها بالله يا أمه لا يمنعك ما بينك وبين علي ان تقولي ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه وفيهم قالت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: (هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة).
إلى غير ذلك من أقواله (صلى الله عليه وآله) فيه التي لو ذكرناها اجمع لاحتجنا إلى مثل جميع كتابنا ان لم يزد على ذلك.
وكل هذه الأخبار التي ذكرناها فهي مشهورة معروفة، قد رواها الخاصة والعامة بخلاف ما ادعاه مما يتفرد به بعض الأمة ويدفعه باقيها.
وبعد، فبإزاء هذين الخبرين الشاذين اللذين رواهما في ان أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يوص كما لم يوص رسول الله (صلى الله عليه وآله) الأخبار التي ترويها الشيعة من جهات عدة، طرق مختلفة المتضمنة انه عليه السلام وصى إلى الحسن ابنه، وأشار إليه واستخلفه، وارشد إلى طاعته من بعده، وهي اكثر من ان نعدها ونوردها.
فمنها ما رواه أبو الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام) ان أمير المؤمنين لما ان حضره الذي حضره قال لأبنه الحسن (عليه السلام): (ادن مني حتى اسر إليك ما اسر إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وائتمنك على ما ائتمنني عليه).
وروى حماد بن عيسى عن عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام قال: (أوصى أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام واشهد على وصيته الحسين ومحمداً عليهما السلام وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتب والسلاح).
في خبر طويل يتضمن الأمر بالوصية في واحد بعد واحد إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٧) شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد ٢٠/٢٦٢.
(٤٠٨) كنز العمال ٦/٢١٨.

↑صفحة ٣٠١↑

وأخبار وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى ابنه الحسن عليه السلام واستخلافه له ظاهرة مشهورة بين الشيعة واقل أحوالها واخفض مراتبها ان يعارض ما رواه ويخلص ما استدللنا به)(٤٠٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٠٩) الشافي ج٣/٩٩-١٠٢.

↑صفحة ٣٠٢↑

المورد الثامن: الحسن (عليه السلام) لم يتنازل عن حقه

قوله: لو كانت الخلافة بالنص من الله والرسول لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها تحت اي ظرف.
اقول: النص على اهل البيت ومنهم الحسن (عليه السلام) يفيد ان لهم مقامين: الاول: انهم شهداء على الناس بالقول والفعل والتقرير كالنبي (صلى الله عليه وآله) الا انهم ليسوا بانبياء وهذا المقام لا ينفك عن شخصهم وغير قابل للتعطيل من قبلهم وهو ثابت لهم سواء حكموا او لم يحكموا.
الثاني: أنهم أحق بالحكم احقية اختصاص وعلى الناس ان يبايعوهم.
وصلح الحسن (عليه السلام) مع معاوية انما جرى حول الحكم حسب ولم يتنازل عن حقه فيه وانما جمَّد القيام به مؤقتا لقاء شروط منها خضوع اهل الشام للحسن (عليه السلام) بعد موت معاوية، ومع ذلك فان الصلح لم يجعل من معاوية حاكما شرعيا.

↑صفحة ٣٠٣↑

نص الشبهة
قوله: (ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول، كما تقول النظرية الامامية، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف. ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته. ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولاشار الى ضرورة تعيينه من بعده.. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى). ص١٧-١٨.
الرد على الشبهة
اقول:
١. قد بينا في الحلقة الثانية ان استخلاف النبي (صلى الله عليه وآله) لأهل بيته الاثني عشر (عليهم السلام) يفيد أمرين وليس أمرا واحداً:
الأول: كونهم حججاً إلهيين شهداء على الناس بقولهم وفعلهم في الدنيا شفعاء لمن اخذ عنهم في الآخرة وهذا الموقع لا يتنازلون عنه ولو كلفهم ذلك حياتهم الشريفة.
الثاني: كونهم الأحق بحكم الناس أحقية اختصاص بمعنى ان حق الحكم خاص بهم في زمان حضورهم، وتصديهم لممارسة هذا الحق في الأمة مرهون بشروط بينتها سيرة أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ان قعودهم عنه لفترة مؤقتة وبشروط معينة بينتها سيرة الحسن (عليه السلام) إذ كان من شروط الحسن (عليه السلام) ان يخضع اهل الشام للحسن بعد موت معاوية وإن حدث به حدث فليس لمعاوية ان يعهد لأحد وانما الأمر للحسين (عليه السلام) وان لا

↑صفحة ٣٠٥↑

يسميه امير المؤمنين وان لا يقيم عنده شهادة وعلى أمان شيعة علي (عليه السلام) وغير ذلك من الشروط.
ومن الجدير ذكر هنا هو ان عدم تصدي الأئمة (عليهم السلام) للحكم لعدم توفر الشروط أو تنازلهم عنه او تجميدهم لممارستهم له لمصلحة ليس معناه شرعية حكومة المتصدي في قبالهم بل يبقى ذلك المتصدي في قبالهم غاصبا لحقهم وتبقى الأمة المقصرة عن نصرتهم والتي بايعت غيرهم بغير اذنهم آثمة.
٢. ان قوله (ولم يكن يجوز للحسن ان يهمل الإمام الحسين ولا أشار إلى ضرورة تعينه من بعده ولكن الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك) تخالفه عقيدة الشيعة والنصوص النبوية التي أشارت إلى علي والحسن والحسين، هذا مضافا إلى ان ابن المهنا في كتابه عمدة الطالب قد ذكر ان الحسن (عليه السلام) نص على الحسين في المعاهدة(٤١٠).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٠) انظر عمدة الطالب لابن المهنا ص ٨٦ طبعة بيروت.

↑صفحة ٣٠٦↑

المورد التاسع: الوصية في رسالة الحسين (عليه السلام)

قوله: لا توجد اية اثار لنظرية النص في قصة كربلاء سواء في رسائل الشيعة او رسائل الحسين (عليه السلام)
اقول: بل رسالة الإمام الحسين (عليه السلام) الى اهل البصرة برواية الطبري عن ابي مخنف تذكر الوصية (علما ان الطبري وابا مخنف كلاهما يذهب الى ان الإمامة بالاختيار)

↑صفحة ٣٠٧↑

نص الشبهة
قوله: (ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء سواء في رسائل شيعة الكوفة إلى الإمام الحسين ودعوته للقدوم عليهم أو في رسائل الإمام الحسين لهم) ص١٨.
الرد على الشبهة
أقول: إذا كان الاستاذ الكاتب يريد أخبار قصة كربلاء كما رواها الطبري عن أبي مخنف صاحب كتاب مقتل الحسين (عليه السلام) فان أبا مخنف كان من رجال العامة ويرى الإمامة بالشورى وينكر النص فكيف يترقب منه ان يروي كلمات الحسين (عليه السلام) أو أصحابه التي تشير إلى قول النبي (صلى الله عليه وآله) فيه وفي أخيه وأبيه من قبل؟
ومع ذلك كله فقد روى الطبري عن أبي مخنف عن رجاله كتاب الحسين (عليه السلام) إلى اهل البصرة (أما بعد، فإن الله اصطفى محمداً (صلى الله عليه وآله) على خلقه، وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه الله إليه وقد نصح لعباده، وبلغ ما أرسل به (صلى الله عليه وآله)، وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد احسنوا واصلحوا، وتحروا الحق، فرحمهم الله، وغفر لنا ولهم. وقد بعثت رسولي إليكم بهذا الكتاب، وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله)، فإن السنة قد أميتت، وان البدعة قد أحييت، وان تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(٤١١). وليس من شك ان قوله (عليه السلام) (وكنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١١) تاريخ الطبري ج٥ ص.

↑صفحة ٣٠٩↑

أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه) وقوله (ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه) يشير إلى النص والوصية وأولوية الاختصاص بحق الحكم، ولكن الرواة اضافوا إلى ذلك عبارة (عليه السلام) في الثناء على الخلفاء الثلاثة قوله (فاستأثر علينا قومنا بذلك فرضينا وكرهنا الفرقة... وقد احسنوا واصلحوا وتحروا الحق فرحمهم الله) وهذا الكلام واضح التزوير فان عليا (عليه السلام) لم يبايع من سبقه إلا كرها.
لقد اضاف الرواة هذا القول ليجعلوا الأولوية التي أشار إليها الحسين (عليه السلام) بقوله (وكنا.. أحق الناس بمقامه (صلى الله عليه وآله)) أولوية تفضيل وقد مر الكلام على ان اولوية اهل البيت (عليهم السلام) هي أولوية اختصاص في المورد الاول من الفصل الثاني.

↑صفحة ٣١٠↑

المورد العاشر: علي بن الحسين (عليه السلام) والوصية

قوله: لم يوص الحسين الى ابنه الوحيد علي زين العابدين وانما اوصى الى اخته زينب.
اقول: روايات اهل البيت (عليهم السلام) تؤكد ان علي بن الحسين وارث ابيه ومقامه بوصية منه وبوصية من النبي (صلى الله عليه وآله).

↑صفحة ٣١١↑

نص الشبهة
قوله: (ولم يكن (الامام الحسين) يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله. ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الامامة) الى احد من ولده، ولم يوص الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة: (علي زين العابدين)، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة، ولا تتحدث ابدا عن موضوع الامامة والخلافة) ص ١٩ وأيضا ص ٦٠.
الرد على الشبهة
أقول:
١. اقول مرَّ في التعليق على المورد التاسع قول الحسين في كتابه إلى رؤساء الأخماس بالبصرة (أما بعد فأن الله اصطفى محمداً على خلقه... وكنا أهله وأولياءه وأوصياءه وورثته واحق الناس بمقامه في الناس) وهذا النص منسجم كل الانسجام مع قول أبيه علي (عليه السلام) في أهل البيت (عليهم السلام) (هم موضع سره ولجأ أمره... وفيهم الوصية والوراثة)(٤١٢).
٢. لم يخرج الحسين (عليه السلام) مطالبا بالخلافة، وإنما خرج من المدينة ممتنعا عن بيعة يزيد آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ثم استقر في مكة ولما عرض أهل الكوفة نصرته على جهاد الظالمين ووجد فيهم الشروط متوفرة هاجر إليهم لينطلق بهم في حركة الجهاد ضد الأمويين وشاء الله تعالى ان يحال بينه وبين أنصاره وان يسجن قسم منهم وان يقتل القسم الآخر بين يديه وان يكرمه الشهادة وان يجعل حبس النصر عنه لما هو

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٢) نهج البلاغة الخطبة رقم ٢ وشرح النهج ج١/١٣٨.

↑صفحة ٣١٣↑

أرضى وكان الأمر كذلك فقد صارت شهادة الحسين باذن الله الباب الاوسع لحفظ الاسلام وحفظ حيوية الامة وسر قدرتها على النهوض في وجه الظالمين الى آخر الدنيا.
٣. لقد كان التفاف أهل الكوفة حول الحسين (عليه السلام) امتداداً لالتفافهم حول أخيه الحسن (عليه السلام) ومن قبل أبيهما علي (عليه السلام) وقد بني هذا الالتفاف في عهد حكومة علي (عليه السلام) على أساس الأحاديث النبوية التي كانت قد كتمت في عهد الثلاثة ثم انتشرت في عهد علي (عليه السلام) كقوله (صلى الله عليه وآله) لما نزلت آية التطهير: (اللهم هؤلاء /أي علي وفاطمة والحسن والحسين وقد أدار الكساء عليهم / أهل بيتي وحامتي وخاصتي اللهم اذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم وعدوٌ لمن عاداهم)(٤١٣).
وقوله (صلى الله عليه وآله) (حسين مني وأنا من حسين احب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط)(٤١٤).
والأسباط الذين عناهم النبي (صلى الله عليه وآله) إما هم المشار إليهم في قوله تعالى (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) البقرة/١٤٠ وهؤلاء هم يوسف والأئمة من ذريته أو هم المشار إليهم في قوله تعالى (وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِ وَبِهِ يَعْدِلُونَ وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا) الأعراف/١٥٩-١٦٠ وهم النقباء بعد موسى وهم يوشع بن نون، وولدا هارون والأئمة من ذريتهما وكلا الاحتمالين يؤدي الغرض لان الأسباط في كليهما هم الأحفاد الذين امتدت بهم الرسالة الإلهية بأمر الهي، ولكن الاحتمال الثاني هو الأقرب حيث شبَّه النبي (صلى الله عليه وآله) الأئمة بعده وعددهم بنقباء بني إسرائيل بعد موسى وعددهم كما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٣) ذخائر العقبى ص٥٨ اخرجه عن الغساني في معجمه عن ام سلمة.
(٤١٤) ذخائر العقبى ص ٢٣١، وقد أخرجه الترمذي وقال حسن، وأخرجه ايضا ابو حاتم في صحيحه (٦٩٧١) واحمد في مسند ٤/١٧٢ وابن ماجة (١٤٤) في المقدمة وابن عساكر في تاريخه (مختصره ٧/١٢٠) والمزي في تهذيب الكمال (١٠/٤٢٦-٤٢٧) وايضا سير اعلام النبلاء ٣/٢٨٣، وتقريب صحيح ابن حبان ١٥/٤٢٧ -٤٢٨.

↑صفحة ٣١٤↑

في رواية ابن مسعود (اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل)(٤١٥).
٤. أما قوله (ولم يوصِ الحسين إلى ابنه الوحيد على زين العابدين وإنما أوصى إلى أخته زينب وابنته فاطمة وكانت وصية عادية جداً) هذا النفي منه محض ادعاء، لان الروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) تؤكد ان أمر الإمامة عهد معهود من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الى علي (عليه السلام) ثم إلى رجل فرجل الى ان ينتهي إلى القائم (عليه السلام) (٤١٦) وان كتب علي (عليه السلام) التي أملاها عليه النبي (صلى الله عليه وآله) وكتبها علي بيده صارت من بعد الحسين (عليه السلام) إلى ولده علي بوصية منه،نعم لم يصطحبها الحسين (عليه السلام) معه لما خرج إلى مكة وإنما استودعها عند أم سلمة كما روى أبو بكر الحضرمي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (ان الحسين صلوات الله عليه لما صار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية فلما رجع علي بن الحسين (عليه السلام) دفعتها اليه)(٤١٧).
وفي بصائر الدرجات: عن معلى بن خنيس عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) - قال: ان الكتب كانت عند علي (عليه السلام) فلما سار إلى العراق استودع الكتب أم سلمة فلما مضى علي كانت عند الحسن، فلما مضى الحسن كانت عند الحسين، فلما مضى الحسين كانت عند علي بن الحسين، ثم كانت عند أبي - الإمام الباقر-(٤١٨).
وفي الكافي عن سليم بن قيس قال: (شهدتُ وصية أمير المؤمنين حين أوصى إلى ابنه الحسن (عليه السلام) واشهد على وصيته الحسين ومحمداً وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال لابنه الحسن: يا بني امرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان أوصي إليك وان ادفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلىَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودفع إلىَّ كتبه وسلاحه، وأمَرَني ان آمرك إذا حضرك الموت ان تدفعها إلى أخيك الحسين ثم اقبل على ابنه الحسين، فقال له: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تدفعها إلى ابنك هذا ثم اخذ بيد علي بن الحسين ثم قال لعلي بن الحسين: وأمرك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان تدفعها إلى ابنك محمد بن علي واقرأه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومني السلام)(٤١٩).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤١٥) انظر اسانيده في الحلقة الثانية من شبهات وردود.
(٤١٦) انظر الحلقة الأولى الفصل الثاني.
(٤١٧) الكافي ج١/٣٠٤.
(٤١٨) بصائر الدرجات ص ١٦٢، ص ١٦٧ ح ٢١.
(٤١٩) الكافي والوافى٢/٧٩.

↑صفحة ٣١٥↑

قال العلامة العسكري: (ما سلمه الإمام هنا إلى ابنه الحسن كتاب واحد وهو غير الكتب التي أودعها أم المؤمنين أم سلمة بالمدينة عند هجرته من المدينة، والتي تسلمها الإمام الحسن منها عند عودته إلى المدينة)(٤٢٠).
وفي غيبة الشيخ الطوسي، ومناقب ابن شهر آشوب، والبحار: عن الفضيل قال:
(قال لي أبو جعفر الإمام الباقر (عليه السلام): لما توجه الحسين (عليه السلام) إلى العراق، دفع إلى أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) الوصية والكتب وغير ذلك، وقال لها: إذا أتاك اكبر ولدي فادفعي إليه ما دفعت إليك، فلما قتل الحسين (عليه السلام) أتى علي بن الحسين أم سلمة فدفعت إليه كل شيء أعطاها الحسين (عليه السلام))(٤٢١).
وفي الكافي وأعلام الورى ومناقب ابن شهر آشوب والبحار واللفظ للأول، عن أبي بكر الحضرمي عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ان الحسين (عليه السلام) لما سار إلى العراق استودع أم سلمة (رحمهم الله) الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين (عليه السلام) دفعتها إليه)(٤٢٢).
قال العلامة العسكري: (وكان ذلك غير الوصية التي كتبها في كربلاء ودفعها مع بقية مواريث الإمامة إلى ابنته فاطمة فدفعتها إلى علي بن الحسين وكان يوم ذاك مريضاً لا يرون انه يبقى بعده)(٤٢٣).
وفي الكافي واعلام الورى وبصائر الدرجات والبحار واللفظ للأول عن عيسى بن عبد الله عن أبيه عن جده قال: (التفت علي بن الحسين إلى ولده وهو في الموت وهم مجتمعون عنده، ثم التفت إلى محمد بن علي بأنه، فقال: يا محمد! هذا الصندوق، فأذهب به إلى بيتك، ثم قال - أي علي بن الحسين- أما انه ليس فيه دينار ولا درهم ولكنه كان مملوء علماً)(٤٢٤).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٠) معالم المدرستين ج٢ ص ٣٢٩.
(٤٢١) غيبة الشيخ الطوسي ط تبريز سنة ١٣٢٣ هجـ، ومناقب ابن شهر آشوب ٤/١٧٢، والبحار ٤٦/١٨، ح ٣ وقد اخذنا اللفظ من الاخير.
(٤٢٢) انظر اصول الكافي ١/٣٠٤، واعلام الورى ص ١٥٢، والبحار ٤٦/١٦، ومناقب ابن شهر آشوب ٤/١٧٢. ابو بكر الحضرمي عبد الله بن محمد روى عن الامام الصادق (عليه السلام) قاموس الرجال ١٦/١٥.
(٤٢٣) معالم المدرستين ج٢ ص ٣٣٠.
(٤٢٤) اصول الكافي ١/٣٠٥ ح٢، واعلام الورى ص ٢٦٠، وبصائر الدرجات باب ١ص٤٤، والبحار ٤٦/٢٢٩ ح ١، والوفي ٢/٨٣. وعيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن ابي طالب وقد يقال له: الهاشمي، روى عن الصادق قاموس الرجال ٧/٢٧٥-٢٧٦.

↑صفحة ٣١٧↑

وفي بصائر الدرجات والبحار: عن عيسى بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد - الإمام الصادق (عليه السلام) - قال: (لما حضر علي بن الحسين الموت قبل ذلك اخرج السفط أو الصندوق عنده فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال: فحُمِل بين أربعة رجال فلما توفي جاء اخوته يدَّعون في الصندوق، فقالوا: اعطنا نصيبنا من الصندوق، فقال: والله مالكم فيه شيء، ولو كان لكم فيه شيء ما دفعه إليَّ، وكان في الصندوق سلاح رسول الله وكتبه)(٤٢٥).
وفي بصائر الدرجات عن زرارة عن أبي عبد الله قال: (ما مضى أبو جعفر حتى صارت الكتب إليَّ)(٤٢٦).
وفيه - أيضا- عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله يقول: (ما مات أبو جعفر حتى قبض -أي ابو عبد الله- مصحف فاطمة)(٤٢٧).
وفي الكافي وبصائر الدرجات: عن حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: (سألته عما يتحدث الناس انه دُفِعَت إلى أم سلمة صحيفة مختومة فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض ورث علي (عليه السلام) علمه وسلاحه وما هناك، ثم صار إلى الحسن (عليه السلام)، ثم صار إلى الحسين (عليه السلام) فلما خشينا ان نغشى استودعها أم سلمة ثم قبضها بعد ذلك علي بن الحسين (عليه السلام). قال: فقلت: نعم ثم صار إلى أبيك، ثم انتهى إليك وصار بعد ذلك إليك؟ قال نعم).
وعن عمر بن أبان: قال: (سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عما يتحدث الناس انه دفع إلى أم سلمة صحيفة مختومة، فقال: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قبض ورث علي (عليه السلام) علمه وسلاحه وما هناك ثم صار إلى الحسن (عليه السلام)، قال: قلت ثم صار إلى علي بن الحسين ثم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٥) اصول الكافي ١/٣٠٥ ح ١/ بصائر الدرجات ج٤ باب ٤ ص ١٦٥ واعلام الورى ص ٢٦٠ والبحار ٤٦/٢٢٩.
(٤٢٦) بصائر الدرجات ص ١٥٨، وراجع ص ١٨٦، ١٨٠ و١٨١. زرارة ابو الحسن واسمه عبد ربه ابن اعين مولى بني شيبان بكوفي روى عن الامام الصادق (ت: ١٥٠ هـ) قاموس الرجال ٤/١٥٤.
(٤٢٧) بصائر الدرجات ص ١٥٨.

↑صفحة ٣١٧↑

صار إلى ابنه ثم انتهى إليك فقال: نعم)(٤٢٨).
اقول: ويؤكد مسألة وجود تراث علمي خاص ورثه الصادق (عليه السلام) عن أبيه الباقر عن أبيه علي زين العابدين عن أبيه الحسين عن أخيه الحسن عن أبي علي (عليه السلام) ما ذكره ابن عدي قال: (ولجعفر بن محمد حديث كبير عن أبيه عن جابر وعن أبيه عن آبائه ونسخا لأهل البيت يرويه جعفر بن محمد)(٤٢٩).
وليس من شك ان الميراث العلمي هذا والذي يتقرر صاحبه بالوصية الإلهية هو المشار اليه في قوله تعالى (والَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْك مِنَ الكِتَابِ هُوَ الحَقُّ مُصَدِقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ الله بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ * ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ ومِنْهُم مُّقْتَصِدٌ ومِنْهُمْ سَابِقٌ بِالخَيْرَاتِ بِإذْنِ الله ذَلِك هُوَ الفَضْلُ الكَبِيرُ) فاطر/٣١-٣٢.
ان الآية تقرر بصراحة ان الكتاب الإلهي وبيانه الإلهي من خلال قول النبي وفعله وتقريره يكون ميراثاً خاصاً بوصية إلهية للمصطفين من عباد الله من أتباع محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة وهؤلاء المصطفون هم فئة خاصة وهم أهل البيت الذين طهرهم الله تعالى واذهب عنهم الرجس وجعلهم النبي (صلى الله عليه وآله) عدلاً للقرآن في حديثه المعروف بحديث الثقلين وجعل التمسك بهما معاً أمانا وعصمة من الضلالة.
وتقرر الآية أيضا ان هؤلاء المصطفين الوارثين جعلهم الله تعالى أئمة هدى بعد الرسول (صلى الله عليه وآله).
ان هذه الوراثة الخاصة للكتاب الالهي وعلومه من قبل اهل البيت (عليه السلام) وجعلهم ائمة هدى نظير وراثة آل هارون لكتاب موسى وعلومه وجعلهم ائمة بعد موسى.
قال الله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَة مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بآيَاتِنَا يُوقِنُونَ، إِنَّ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٢٨) الكافي كتاب الحجة ح٣/٤٨ والوافي ٢/١٣٣ وبصائر الدرجات ١٧٧، ١٨٦، ١٨٨ وقد اخذنا روايات هذه التعليقة من كتاب معالم المدرستينج٢/٣٢٩-٣٣٢.
(٤٢٩) الكامل في الضعفاء ومثله ابن حجر في تهذيب التهذيب.

↑صفحة ٣١٨↑

رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) السجدة/٢٣-٢٥
وقال تعالى (وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) البقرة/٢٤٨ أئمة بعد موسى.

↑صفحة ٣١٩↑

المورد الحادي عشر: حديث النبي (صلى الله عليه وآله): من جاءكم يريد ان يتولى من غير مشورة فاقتلوه

قوله: لقد كان ائمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة في اختيار اوليائها، وادانة الاستيلاء بالقوة
اقول: بل كان ائمة اهل البيت يعتقدون بالمبدأ القرآني للحكم الذي يشخص:
(ان الحكم للنبي ثم الوصي ثم الفقيه العادل)
(إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَانِيًّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ الله) المائدة/
وقد بحثنا الآية مفصلا في الحلقة الثانية الفصل الأول
وفي ضوء هذا المبدأ فان الأئمة (عليهم السلام) يدينون استيلاء غير هؤلاء على الحكم
قال علي (عليه السلام): انا اولى الناس بالناس من قميصي هذا
وقال أيضا: لو وجدت اربعين ذوي عزم لناهضت القوم

↑صفحة ٣٢١↑

نص الشبهة
قوله: (لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الإسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة. ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) والذي يقول فيه: "من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه، فان الله عز وجل قد اذن بذلك" لعلنا نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل "الخلفاء" الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق) ص ٤٤٢١.
الرد على الشبهة
أقول:
١. ان كان يريد بأهل البيت (عليهم السلام) المصطلح الإسلامي الذي يفيد انهم علي والحسن والحسين والتسعة من ذرية الحسين (عليه السلام) فان ما نسبه اليهم غير صحيح لان قولهم الوصية والنص القرآني الذي يحدد حق الحكم للنبي والوصي والفقيه العادل وقد بحثناه مفصلا قي الحلقة الثانية الفصل الأول.
٢. قوله (ان أهل البيت يدينون الاستيلاء على السلطة بالقوة)، ان كان يريد البيعة على الحكم في مرحلتها الأولى فهو صحيح اما اذا كان يريد البيعة على الجهاد ودفع الغاصبين فهو غير صحيح وقد مر بيانه.

↑صفحة ٣٢٣↑

٣. ثم ان الحديث الذي استشهد به على فرض صحة صدوره عن الإمام (عليه السلام) له عدة معان:
الأول: ان يريد الرسول (صلى الله عليه وآله) بالجماعة، الجماعة بعد أي بيعة تحققت سواء كان المبايع هو المنصوص عليه أم لا.
الثاني: ان يريد بالجماعة الجماعة بعد البيعة المشروعة حيث اجتمع أهل السابقة والجهاد على المنصوص عليه شرعا.
الثالث: ان يريد بالجماعة الأمة قبل البيعة حيث الأمة واحدة بلحاظ الكتاب والسنة.
وليس من شك ان الاحتمال الأول لا يريده الإمام الرضا (عليه السلام) لما عرف عنه بالضرورة ان مذهبه مذهب آبائه وهو القول بالوصية والنص ووجوب مجاهدة المغاصبين لو وجد صاحب الحق الشرعي عدة كافية من الانصار، كما اثر عن علي (عليه السلام) قوله: (انا اولى بالناس من قميصي هذا) وقوله: (لو وجدت اربعين دوي عزم لناهضت القوم).
يبقى المعنى الثاني والثالث كلاهما محتمل وكلاهما لا يؤيد دعوى (الاستاذ احمد الكاتب).
لان المعنى الثاني، يريد بالجماعة الجماعة التي بايعت المنصوص عليه، وفي ضوئه فان الذي يقوم في وجه هذه الجماعة وجب قتاله ومن هنا قاتل علي (عليه السلام) اهل الجمل واهل صفين.
والمعنى الثالث: يريد بالجماعة الامة قبل البيعة وهي واحدة بلحاظ الكتاب والسنة وامرها وشأنها كأمة مؤمنة بالكتاب والسنة ان تبايع من نصبه واراده الكتاب والسنة فاذا اكرهت على بيعة شخص لم يرده الكتاب والسنة تكون قد غصب امرها وحقها، وفي مثل هذه الحالة يجب قتال المتولي غير القانوني ومن هنا قال علي (عليه السلام) (لو وجدت اربعين ذوي عزم لقاتلت القوم) وذلك لان اهل السقيفة فرضوا على الامة شخصاً في قبال من عينه الله ورسوله، ولما لم يجد هذه العدة استجاب للبيعة بعد الاكراه والاستضعاف.

↑صفحة ٣٢٤↑

٤.أما قول الاستاذ الكاتب: (وإذا كان أهل البيت (عليهم السلام) يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بافضليتهم واولويتهم بالخلافة) فهو يريد ان حق أهل البيت (عليهم السلام) في الحكومة إنما هو حق أفضلية وليس حق اختصاص، وقد مرَّ الكلام في إبطال هذا المعنى من الأولوية الحكم فى حقهم وقلنا هناك ان أحقية أهل البيت (عليهم السلام) واولويتهم بالحكومة إنما هي أحقية واولوية اختصاص.

↑صفحة ٣٢٥↑

المورد الثاني عشر: عقيدة الأجيال الأولى من الشيعة بالإمامة

قوله: النوبختي يقول: كانت اجيال من الشيعة الاول تقول ان عليا اولى الناس ومع ذلك اجازوا امامة ابي بكر. وان عبد الله بن الحسن يقول: "ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا" وان اخاه الحسن يقول: "لو كان يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله في الغدير الإمرة لا فصح لهم"

اقول: والنوبختي يقول ايضا: وهناك أجيال من الشيعة الاوائل يقولون: ان عليا مفروض الطاعة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يجوز لهم غيره. وان الصادق (عليه السلام) كان يندد بالحسن بن الحسن بن الحسن.

↑صفحة ٣٢٧↑

نص الشبهة
قوله: (وتبعا لمفهوم (الاولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل، وخاصة في القرن الاول الهجري:
"ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لفضله وسابقته وعلمه، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم واسخاهم واورعهم وأزهدهم. واجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما، فنحن راضون كما رضي المسلمون له، ولمن بايع، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه".
بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة:
"ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا، أحب ذلك او كرهه، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزّ وجلّ، وطاعته واجبة من الله عزّ وجلّ ".
وقال قسم آخر منهم: "ان امامة علي بن الي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره".
و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده: (ألم يقل رسول الله: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: بلى ولكن - والله - لم يعن رسول الله بذلك الامامة والسلطان، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به.
وكان ابنه عبد الله يقول: "ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا، وليس في احد

↑صفحة ٣٢٩↑

من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله، وكان ينفي امامة أمير المؤمنين انها من الله.
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية، اذ لم يكونوا يعتبرونهما "غاصبين" للخلافة التي تركها رسول الله (صلى الله عليه وآله) شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص. وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما.
الرد على الشبهة
اقول:
يقال للاستاذ الكاتب ان المقولة التي نقلتها ونسبتها إلى أجيال من الشيعة الأوائل إنما هي مقولة أوائل البترية من الزيدية.
وفي قبال مقولتهم مقولة شيعة أوائل أيضا تبعا لمفهوم أولوية الاختصاص كانوا يقولون: (ان علي ابن أبي طالب إمام ومفروض الطاعة من الله ورسوله بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجب على الناس القبول منه والأخذ منه ولا يجوز لهم غيره، من أطاعه أطاع الله ومن عصاه عصى الله لما أقامه رسول الله علما لهم وأوجب إمامته وموالاته وجعله أولى بهم منهم بأنفسهم، والذي وضع عنده من العلم ما يحتاج إليه الناس من الدين والحلال والحرام وجميع منافع دينهم ودنياهم ومضارها وجمع العلوم كلها جليلها ودقيقها واستودعه ذلك كله واستحفظه إياه، وانه استحق الإمامة ومقام النبي (صلى الله عليه وآله) لعصمته وطهارة مولده وسبقه وعلمه وشجاعته وجهاده وسخائه وزهده وعدالته في رعيته، وان النبي (صلى الله عليه وآله) نص عليه وأشار إليه، باسمه ونسبه، وعينه وقلد الأمة إمامته وإقامة ونصبه لهم علما، وعقد له عليهم إمرة المؤمنين، وجعله وصيه وخليفته ووزيره في مواطن كثيرة، اعلمهم ان منزلته منه منزلة هارون من موسى، إلا انه لا نبي بعده، وإذ جعله نظير نفسه في حياته، وانه أولى بهم بعده، كما كان هو (صلى الله عليه وآله) أولى بهم منهم بأنفسهم).

↑صفحة ٣٣٠↑

قال النوبختي والاشعري: (فلم تزل هذه الفرقة ثابتة قائمة لازمة لإمامته وولايته على ما ذكرنا ووصفنا إلى ان قتل صلوات الله عليه)(٤٣٠).
وقد المح الاستاذ الكاتب إلى قول هذه الفئة من الشيعة في الفصل الثاني من الجزء الأول ولكنه سماها بـ (الفئة السبئية) وقال عنها (أنها جماعة قليلة من الشيعة في عهد الإمام علي وان الإمام نفسه قد رفض مقولتهم وزجرهم) (ص ٢٥) وسيأتي التعليق عليه.
٢. أما ما نسبه إلى الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) من كلام فهو جزء رواية رواها ابن عساكر تحت ترجمة الحسن بن الحسن بن علي (عليه السلام) غير أنها للحسن بن الحسن بن الحسن.
قال الفضيل بن مرزوق: سمعت الحسن بن الحسن أخا عبد الله بن الحسن يقول لرجل من الرافضة (ولو كان الأمر كما تقولون ان الله ورسوله اختار عليا لهذا الأمر والقيام على الناس بعده، ان كان علي لأعظم الناس في ذلك خطيئة وجرما في ذلك ان ترك أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ان يقوم فيه كما أمره أو يعذر فيه إلى الناس.
فقال الرافضي ألم يقل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (من كنت مولاه فعلي مولاه).
قال أم والله، ان لو يعني رسول الله بذلك الإمرة والسلطان والقيام على الناس لأفصح لهم بذلك كما افصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت وقال لهم أيها الناس ان هذا ولي أمركم بعدي فاسمعوا له وأطيعوا)(٤٣١).
والحسن بن الحسن بن الحسن أخو عبد الله بن الحسن هو الذي قال فيه الصادق (عليه السلام) كما في خبر الاحتجاج للطبرسي: (ان الحسن لو توفي بالزنا وشرب الخمر كان خيراً مما توفي عليه).
وفي خبر الاحتجاج أيضا عن ابن أبي يعفور قال: (لقيت أنا والمعلى الحسن بن الحسن فقال يا يهودي فاخبرنا بما قال جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال: هو والله

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(٤٣٠) ٠٧:١٠ ص.
(٤٣١) مختصر تاريخ دمشق ج٦/٣٢٩-٣٣٣، تاريخ دمشق ج١٣ وقد خلط ابن عساكر في الروايات بين الحسن بن الحسن بن علي والحسن بن الحسن بن الحسن بن علي، ولعل الخلط من الناسخ.

↑صفحة ٣٣١↑

أولى باليهودية منكما ان اليهودي من شرب الخمر)(٤٣٢).
وقد روى ابن عساكر عن فضيل بن مرزوق قال: (سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله ان قتلك لقربة إلى الله عز وجل، فقال له الرجل: انك تمزح! فقال: والله ما هذا بمزاح ولكنه مني الجد)(٤٣٣).
وفيه أيضا عن فضيل بن مرزوق قال: (سمعت الحسن بن الحسن يقول لرجل من الرافضة: والله لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم ثم لا تقبل منكم توبة)(٤٣٤).
وقد روى ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن الحسن بن الحسن روايات تكشف عن وحدة موقف بينهما من الرافضة.
فقد روى عن أبي بكر بن عياش عن سليمان بن قرم قال: (قلت لعبد الله بن الحسن في أهل قبلتنا كفار؟ قال نعم، الرافضة.
وروى عن أبي خالد الأحمر قال سألت عبد الله بن الحسن عن أبي بكر وعمر فقال صلى الله عليهما ولا صلى على من لم يصل عليهما).
وروى عن عمار بن زريق عن عبد الله بن الحسن قال: (ما أرى رجلا يسب أبا بكر وعمر تيسر له توبة أبدا).
وروى عن شبابة عن حفص بن قيس قال: (سألت عبد الله بن الحسن عن المسح على الخفين؟ فق