فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 كتب أخرى

الكتب إثبات الرجعة

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: الشيخ علي آل محسن تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٥/٠١/١٠ المشاهدات المشاهدات: ١٦٨٣١ التعليقات التعليقات: ٠

إثبات الرجعة

تأليف: علي آل محسن

المحتويات

مقدمة
ما هي الرجعة؟
رأي الشيعة الإمامية في الرجعة
رأي علماء أهل السنة في الرجعة
إمكان الرجعة عند العقل
الآيات القرآنية الدالّة على وقوع الرجعة في الأمم السالفة
الآيات القرآنية الدالة على وقوع الرجعة في آخر الزمان
أحاديث الرجعة في كتب الشيعة الإمامية
أحاديث الرجعة في كتب أهل السنة
كلمات أعلام أهل السنة في رجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنبياء آخرين
أسباب شدّة النفرة من القول بالرجعة
شبهات حول الرجعة
حوادث طريفة حول الرجعة
خاتمة
مصادر البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (سورة البقرة: ٢٨)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الطيّبين الطاهرين، وبعد:
فهذه رسالة مختصرة في بيان عقيدة الرجعة، التي هي من عقائد الشيعة الإمامية، والتي كانت وما زالت محلّ أخذ وردّ وتشنيع من قبل خصوم الشيعة.
وعقيدة الرجعة عقيدة إسلامية، دلَّت عليها الآيات القرآنية الكثيرة، وأثبتتها الأحاديث الصحيحة، ووقعت مكرَّراً في الأمم السالفة، وورد في صحاح الأخبار أنها ستقع في هذه الأمّة.
إلا أن بعض علماء المذاهب الإسلامية الأخرى تلقَّوا إنكار الرجعة عن أسلافهم تقليداً لهم، فأخذوا هذا الإنكار أخذ المسلَّمات، وشنَّعوا على من يقول بها من غير تأمّل ولا رويَّة، فوقعوا في الخطأ الذي وقع فيه أولئك الأسلاف.
ونحن في هذه الرسالة الموجزة سنبيِّن ما هو المراد بالرجعة التي نقول بها، وسنستدل عليها بما ورد في القرآن الكريم، والأحاديث التي وردت في كتب مخالفي الشيعة الإمامية، وكلمات علمائهم المعروفين التي ذكروها في كتبهم المشهورة، سائلين المولى سبحانه أن ينفع بها المؤمنين بمنِّه ولطفه وكرمه، إنه سميع مجيب، والحمد لله ربّ العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيِّبين الطاهرين.

٢٠/٦/١٤٢٩هـ

علي آل محسن

ما هي الرجعة؟
الاعتقاد بالرجعة هو الاعتقاد بأن أقواماً يرجعون في آخر الزمان إلى الحياة الدنيا من بعد موتهم، ويحيون على هذه الأرض حياة ثانية إلى أن يموتوا مرة أخرى أو يُقتلوا.
وقد دلَّت الأخبار المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام أن الذين يرجعون إلى الدنيا هم أئمّة الدين، وخُلَّص المؤمنين الذين محضوا الإيمان محضاً، وعتاة الكفار والمنافقين الذين محضوا الكفر والنفاق محضاً.
والحكمة في وقوع هذه الرجعة هي أن الله تعالى قد كتب الغلبة في الحياة الدنيا قبل الآخرة له ولأنبيائه وأوليائه، حيث قال في كتابه العزيز: (كَتَبَ اللَّهُ لأََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة: ٢١)، وقال سبحانه: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ) (المائدة: ٥٦).
وحيث إن كثيراً من أنبياء الله تعالى ورسله وأوليائه قُتلوا وشُرِّدوا، ووقع لهم من الذُّلّ والهوان والخوف على أيدي أعداء الله ما هو معلوم، ولم يتمكَّنوا من غلبة أهل الكفر والنفاق في حياتهم إلى أن ماتوا، فإنّ الله سبحانه أراد أن يُرجعهم إلى الحياة الدنيا مرّة ثانية؛ لتكون لهم الغلبة على أعدائه، ولكي يذيقوا أعداءه ألَـمَ الذّلّ والهوان في الحياة الدنيا قبل يوم القيامة؛ لئلا يبقى في نفوس أوليائه شيء من آثار ما أصابهم في حياتهم الأولى، وليسعد المؤمنون بالعزّ والكرامة في دولة الإمام المهدي المنتظر عجَّل الله فرَجه الشريف، وليتمتَّعوا بظهور الحق، وذهاب الباطل، ونشر العدل، وانحسار الظلم.
رأي الشيعة الإمامية في الرجعة
ذهب علماء الشيعة الإمامية إلى القول بأن الرجعة وقعت في الأمم السالفة، وأنها ستقع أيضاً في هذه الأمّة في آخر الزمان، واستدلّوا على ذلك بطائفة من الآيات الشريفة التي سيأتي ذكر بعضها، وبجملة وافرة من الأحاديث المرويّة عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام.
قال الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري المعروف بالشيخ المفيد أعلى الله مقامه (ت ٤١٣هـ):
إن الله تعالى يَرُدّ قوماً من الأموات إلى الدنيا في صُوَرهم التي كانوا عليها، فيعز منهم فريقاً، ويذلّ فريقاً، ويديل المحقّين من المبطلين، والمظلومين منهم من الظالمين، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليهم السلام وعليه السلام. وأقول: إن الراجعين إلى الدنيا فريقان: أحدهما: من علت درجته في الإيمان، وكثرت أعماله الصالحات، وخرج من الدنيا على اجتناب الكبائر الموبقات، فيريه الله عزَّ وجلّ دولة الحق، ويعزّه بها، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمنّاه، والآخر من بلغ الغاية في الفساد، وانتهى في خلاف المحقّين إلى أقصى الغايات، وكثر ظلمه لأولياء الله واقترافه السيئات، فينتصر الله تعالى لمن تعدَّى عليه قبل الممات، ويشفي غيظهم منه بما يحلّه (عليه) من النقمات، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلى الموت، ومن بعده إلى النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب، وقد جاء القرآن بصحّة ذلك، وتظاهرت به الأخبار، والإمامية بأجمعها عليه إلا شذاذاً منهم، تأوَّلوا ما ورد فيه مما ذكرناه على وجه يخالف ما وصفناه(١).
وقال السيد علي بن الحسين المرتضى أعلى الله مقامه (ت ٤٣٦هـ):
اعلم أن الذي تذهب الشيعة الإمامية إليه أن الله تعالى يُعيد عند ظهور إمام الزمان المهدي عليه السلام قوماً ممن كان قد تقدَّم موته من شيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ومشاهدة دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه؛ لينتقم منهم، فيلتذّوا بما يشاهدون من ظهور الحق وعلوّ كلمة أهله(٢).
وقال أمين الإسلام الطبرسي قدس سره (ت ٥٤٨هـ) في مجمع البيان:
وقد تظاهرت الأخبار عن أئمة الهدى من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم في أن الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي قوماً ممن تقدَّم موتهم من أوليائه وشيعته؛ ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته، ويبتهجوا بظهور دولته، ويعيد أيضاً قوماً من أعدائه؛ لينتقم منهم، وينالوا بعض ما يستحقّونه من العذاب في القتل على أيدي شيعته، والذلّ والخزي بما يشاهدون من علو كلمته. ولا يشك عاقل أن هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه، وقد فعل الله ذلك في الأمم الخالية، ونطق القرآن بذلك في عدّة مواضع، مثل قصة عزير وغيره على ما فسَّرناه في موضعه، وصحَّ عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة، حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضبٍّ لدخلتموه(٣).
وقال المولى محمد صالح المازندراني قدس سره (ت ١٠٨١هـ):
وأنت خبير بأن قولهم بإبطال الرجعة باطل؛ إذ لا دليل لهم عقلاً ونقلاً على بطلانه مع دلالة الآيات والروايات على وقوعها في هذه الأمّة وفي الأمم السابقة كما في حكاية عزير وموسى وعيسى عليهم السلام، ومن البيِّن أن الحكم بعدم وجود شيء لا يستحيل وجوده عقلاً باعتبار عدم وجدان الدليل على وجوده باطل، فكيف إذا وُجد الدليل عليه، وأما عدم احتياج هذه الدولة القاهرة إلى الاستعانة بالموتىٰ فممنوع، وعلى تقدير التسليم يجوز أن يكون فائدة الرجوع إدخال السرور فيهم، وتشفّي صدورهم من مشاهدة نكال الأعداء، واكتسابهم الأجر مرّتين(٤).
وكلمات أعلام الشيعة الإمامية في إثبات الرجعة كثيرة، لا حاجة لاستقصائها، وفيما ذكرناه غنىً وكفاية.
إلا أن ما يهم بيانه في المقام هو أن الرجعة وإن قال بها الشيعة الإمامية إلا أنها ليست من أصول مذهبهم، فمن جهل بها لم يخرج بجهله بها عن مذهب الشيعة الإمامية، وإن لم يجز له جحدها وتكذيب الأخبار الواردة فيها.
وقد سُئل المرجع الكبير آية الله العظمى الشيخ ميرزا جواد التبريزي قدس سره سؤالاً نصُّه: ما قولكم في الرجعة؟ وهل يصح عدّها من أصول المذهب؟
فأجاب قدس سره بقوله: ليست من أصول المذهب، ولكنها ثابتة يقيناً؛ لورود أخبار معتبرة فيها، ولا يبعد تواترها إجمالاً، والله العالم(٥).
وقد ذكر غيرُ واحد من علماء الطائفة المحقَّة قدَّس الله أسرارهم أن أخبار الرجعة متواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام.
قال الشيخ محمد باقر المجلسي قدس سره:
اعلم يا أخي أني لا أظنّك ترتاب بعد ما مهَّدتُ وأوضحت لك في القول بالرجعة، التي أجمعت الشيعة عليها في جميع الأعصار، واشتهرت بينهم كالشمس في رابعة النهار، حتى نظموها في أشعارهم، واحتجّوا بها على المخالفين في جميع أمصارهم، وشنَّع المخالفون عليهم في ذلك، وأثبتوه في كتبهم وأسفارهم، منهم الرازي، والنيسابوري، وغيرهما، وقد مرَّ كلام ابن أبي الحديد حيث أوضح مذهب الإمامية في ذلك، ولولا مخافة التطويل من غير طائل لأوردتُ كثيراً من كلماتهم في ذلك. وكيف يشك مؤمن بحقيَّة الأئمة الأطهار عليهم السلام فيما تواتر عنهم في قريب من مائتي حديث صريح، رواها نيِّف وأربعون من الثقات العظام، والعلماء الأعلام، في أزيد من خمسين من مؤلّفاتهم، كثقة الإسلام الكليني، والصدوق محمد بن بابويه، والشيخ أبي جعفر الطوسي، والسيد المرتضى، والنجاشي، والكشّي، والعياشي، وعلي بن إبراهيم، وسليم الهلالي، والشيخ المفيد، والكراجكي، والنعماني، والصفار، وسعد بن عبد الله، وابن قولويه، وعلي بن عبد الحميد، والسيد علي بن طاووس، وولده صاحب كتاب زوائد الفوائد، ومحمد بن علي بن إبراهيم، وفرات بن إبراهيم، ومؤلّف كتاب التنزيل والتحريف، وأبي الفضل الطبرسي، وإبراهيم بن محمد الثقفي، ومحمد بن العباس بن مروان، والبرقي، وابن شهرآشوب، والحسن بن سليمان، والقطب الراوندي، والعلّامة الحلي، والسيد بهاء الدين علي بن عبد الكريم، وأحمد بن داود بن سعيد، والحسن بن علي بن أبي حمزة، والفضل بن شاذان، والشيخ الشهيد محمد بن مكي، والحسين بن حمدان، والحسن بن محمد بن جمهور العمي مؤلِّف كتاب الواحدة، والحسن بن محبوب، وجعفر بن محمد بن مالك الكوفي، وطهر بن عبد الله، وشاذان بن جبرئيل، وصاحب كتاب الفضائل، ومؤلِّف كتاب العتيق، ومؤلّف كتاب الخطب، وغيرهم من مؤلّفي الكتب التي عندنا، ولم نعرف مؤلّفه على التعيين، ولذا لم ننسب الأخبار إليهم، وإن كان بعضها موجوداً فيها. وإذا لم يكن مثل هذا متواتراً ففي أي شيء يمكن دعوى التواتر، مع ما روته كافّة الشيعة خلفاً عن سلف؟ وظني أن من يشك في أمثالها فهو شاكٌّ في أئمة الدين، ولا يمكنه إظهار ذلك من بين المؤمنين، فيحتال في تخريب الملة القويمة، بإلقاء ما يتسارع إليه عقول المستضعفين، وتشكيكات الملحدين، (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ)(٦).
قلت: إذا كانت أحاديث الرجعة متواترة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام فلا سبيل إلى إنكار أصل الرجعة؛ لأن إنكارها يستلزم حينئذ تكذيب الأئمة الأطهار عليهم السلام، وتكذيبهم لا يجتمع مع اعتقاد إمامتهم، فيكون مخرجاً عن المذهب الحق.
ومع ثبوت الرجعة في كتاب الله تعالى، واستفاضة الروايات المروية عن الأئمة الأطهار عليهم السلام أو تواترها، إلا أنا لا نعلم بتفاصيل ما يجري في آخر الزمان، ولذلك فنحن نؤمن بها إجمالاً، ونُثبت ما دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة، وأما ما دلَّت عليه الروايات الضعيفة من تفاصيل الرجعة، فنحن لا ننكره، كما لا نثبته، وعلمه عند الله سبحانه.
رأي علماء أهل السنة في الرجعة
أنكر علماء أهل السنة القول بالرجعة، بل شنَّعوا بها على الشيعة، وجعلوا القول بها من الأمور المستقبحة التي عابوا بها جملة من الرواة، أو ضعَّفوهم بها مع أنهم ثقات في أنفسهم، ومتحرِّزون عن الكذب في مروياتهم.
منهم: جابر بن يزيد الجعفي:
فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن جرير أنه قال: لقيتُ جابر بن يزيد الجعفي فلم أكتب عنه، كان يؤمن بالرجعة.
وعن سفيان قال: كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يُظهر ما أظهر، فلما أظهر ما أظهر اتَّهمه الناس في حديثه، وتركه بعض الناس. فقيل له: وما أظهر؟ قال: الإيمان بالرجعة(٧).
هذا مع أن سفيان الثوري كان يقول: كان جابر ورعاً في الحديث، ما رأيتُ أورع في الحديث من جابر(٨).
وقال فيه شعبة: صدوق في الحديث.
وقال أيضاً: لا تنظروا إلى هؤلاء المجانين الذين يقعون في جابر - يعني الجعفي - هل جاءكم عن أحد بشيء لم يلقه؟(٩).
وروى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل عن سفيان أنه قال: إذا قال جابر: (حدثنا) و(أخبرنا) فذاك. وعن يحيى بن أبي كثير قال: كنا عند زهير - يعني ابن معاوية - فذكروا جابراً الجعفي، فقال زهير: كان جابر إذا قال: (سمعت) أو (سألت) فهو من أصدق الناس(١٠).
وعن وكيع أنه قال: مهما شككتم في شيء فلا تشكّوا أن جابر بن يزيد أبا محمد الجعفي ثقة(١١).
ومنهم: الحارث بن حصيرة:
قال ابن حجر العسقلاني:
الحارث بن حصيرة الأزدي، أبو النعمان الكوفي... قال جرير: شيخ طويل السكوت، يُصرّ على أمر عظيم. رواها مسلم في مقدمة صحيحه عن جرير(١٢)، وقال أبو أحمد الزبيري: كان يؤمن بالرجعة. وقال ابن معين: خشبي ثقة، ينسبونه إلى خشبة زيد بن علي التي صُلب عليها. وقال النسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لولا أن الثوري روى عنه لتُرك حديثه. وقال ابن عدي: عامّة روايات الكوفيين عنه في فضائل أهل البيت، وإذا روى عنه البصريون فرواياتهم أحاديث متفرّقة، وهو أحد من يُعدّ من المحترقين بالكوفة في التشيع، وعلى ضعفه يُكتب حديثه. قلت: علق البخاري أثراً لعلي في المزارعة، وهو من رواية هذا، ذكرته في ترجمة عمرو بن صليع. وقال الدارقطني: شيخ للشيعة يغلو في التشيع. وقال الآجري عن أبي داود: شيعي صدوق. ووثَّقه العجلي وابن نمير. وقال العقيلي: له غير حديث منكر لا يتابع عليه، منها حديث أبي ذر في ابن صياد. وقال الأزدي: زائغ، سألت أبا العباس بن سعيد عنه، فقال: كان مذموم المذهب، أفسدوه. وذكره ابن حبان في الثقات(١٣).
ومنهم: أصبغ بن نباتة:
قال ابن حجر في تهذيب التهذيب:
ق (ابن ماجة) أصبغ بن نباتة التميمي ثم الحنظلي أبو القاسم الكوفي...
قال جرير: كان مغيرة لا يعبأ بحديثه، وقال عمرو بن علي: ما سمعت عبد الرحمن ولا يحيى حدَّثا عنه بشيء. وقال يونس بن أبي إسحاق: كان أبي لا يعرض له. وقال أبو بكر بن عياش: الأصبغ بن نباتة وهيثم من الكذّابين.
وقال ابن معين: ليس يساوي حديثه شيئاً. وقال أيضاً: ليس بثقة. وقال مرّة: ليس حديثه بشيء. وقال النسائي: متروك الحديث. وقال مرّة: ليس بثقة. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: ليِّن الحديث. وقال العقيلي: كان يقول بالرجعة. وقال ابن حبان: فُتن بحب علي، فأتىٰ بالطامَّات، فاستحق الترك. وقال الدارقطني: منكر الحديث.
وقال ابن عدي: عامّة ما يرويه عن علي لا يتابعه أحد عليه، وهو بَيِّن الضعف. ثم قال: وإذا حدَّث عنه ثقة فهو عندي لا بأس بروايته، وإنما أتىٰ الإنكار من جهة من روىٰ عنه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة(١٤).
ومنهم: داود بن يزيد الأودي:
قال ابن حبّان:
داود بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الزعافري، من أهل الكوفة، كنيته أبو يزيد، وهو عمّ عبد الله بن إدريس، يروي عن أبيه والشعبي، روى عنه وكيع والمكّي، مات سنة إحدى وخمسين ومائة، وكان ممن يقول بالرجعة، وكان الشعبي يقول له ولجابر الجعفي: لو كان لي عليكما سلطان، ثم لم أجد إلا إبرة لشبكتكما، ثم غللتكما بها(١٥).
هذا مع أن ابن عدي قال: لم أرَ له حديثاً منكراً جاوز الحدّ إذا روى عنه ثقة، وإن كان ليس بقوي في الحديث فإنه يُكتب حديثه، ويُقبل إذا روى عنه ثقة(١٦).
وقال الساجي: صدوق يهم(١٧).
وغير هؤلاء كثير ممن عابهم القوم أو ضعَّفوهم لأجل قولهم بالرجعة، يعثر عليهم المتتبِّع في كتب الرجال المعروفة، ولا حاجة لاستقصائهم وتتبّعهم بعد وضوح الفكرة.
إمكان الرجعة عند العقل
لقد تطابقت كلمة المسلمين على أن الله جلّت قدرته يبعث الأموات يوم القيامة بصُوَرهم وأجسادهم، ويُعيدهم إلى الحياة مرّة ثانية؛ ليجزي المحسن بإحسانه، ويعاقب المسيء على إساءته.
واتَّفقوا على أن منكر ذلك كافر؛ لأن القول بالمعاد مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قطعاً، ونصَّت عليه آيات القرآن الكريم في مواضع كثيرة.
واتّفقوا أيضاً على أن الإعادة من بعد الموت ليست بمحال عقلاً، بل هي أمر ممكن لا مانع من وقوعها إذا اقتضتها الحكمة الإلهية، وتعلَّقت بها القدرة الربَّانية؛ وذلك لأن الله سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه ممكن.
وعليه فلا مانع أيضاً عند العقل من وقوع هذا النوع من بعث الأموات قبل يوم القيامة بقدرة الله تعالى، فيُبعث أقوام من الناس من بعد موتهم إلى الحياة الدنيا إذا اقتضت الحكمة الإلهية ذلك.
بل عند التأمّل نقول: إن إمكان وقوع مثل ذلك يكون بالأولوية القطعية، باعتبار أن هذه الرجعة خاصّة بأقوام مخصوصين، وأنها في الحياة الدنيا، وقد وقع نظائرها في الأزمنة السالفة، بخلاف البعث يوم القيامة، فإنه عام لجميع الناس، ولم يقع مثله.
وهذا كله واضح لا إشكال فيه، وإنكاره عناد ومكابرة واضحة.
إلا أن الكلام في ثبوت ذلك بالدليل الصحيح؛ لأن الإمكان أعم من الوقوع، فكم من أمر ممكن لم يقع وربما لا يقع.
وعليه، فإن تمَّ الدليل على الرجعة وجب القول بها من غير مبالاة بمن عابها، وشنَّع على من يقول بها، وإلا لزم إنكارها وردّها؛ لعدم قيام دليل صحيح عليها، لا لوجود إشكال في إمكانها.
الآيات القرآنية الدالّة على وقوع الرجعة في الأمم السالفة
الآيات القرآنية الدالّة على الرجعة كثيرة، وهي مختلفة في دلالتها على زمان وقوع الرجعة.
ولنا أن نقسّم هذه الآيات إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: هي الآيات الدالّة على وقوع الرجعة في الأمم السالفة.
والطائفة الثانية: هي الآيات الدالّة على وقوع الرجعة في آخر الزمان.
أما الطائفة الأولى فمنها: قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ). (البقرة: ٢٤٣).
وهذه الآية المباركة تدلّ بوضوح على أن جماعة يُعَدّون بالألوف، خرجوا من ديارهم، فأماتهم الله سبحانه، ثم أرجعهم إلى الحياة الدنيا مرّة ثانية.
قال ابن كثير الدمشقي:
ذكر غير واحد من السلف أن هؤلاء القوم كانوا أهل بلدة في زمان بني إسرائيل، استوخموا أرضهم(١٨)، وأصابهم بها وباء شديد، فخرجوا فراراً من الموت هاربين إلى البرِّيَّة، فنزلوا وادياً أفيح(١٩)، فملؤوا ما بين عدوتيه(٢٠)، فأرسل الله إليهم ملَكين، أحدهما من أسفل الوادي، والآخر من أعلاه، فصاحا بهم صيحة واحدة، فماتوا عن آخرهم موتة رجل واحد، فحيزوا إلى حظائر، وبُني عليهم جدران، وفنوا، وتمزَّقوا، وتفرَّقوا، فلما كان بعد دهر مرَّ بهم نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له حزقيل، فسأل الله أن يحييهم على يديه، فأجابه إلى ذلك، وأمره أن يقول: (أيتها العظام البالية إن الله يأمرك أن تجتمعي)، فاجتمع عظام كل جسد بعضها إلى بعض، ثم أمره فنادى: (أيتها العظام إن الله يأمرك بأن تكتسي لحماً وعصباً وجلداً)، فكان ذلك وهو يشاهده، ثم أمره فنادى: (أيتها الأرواح إن الله يأمرك أن ترجع كل روح إلى الجسد الذي كانت تعمره)، فقاموا أحياء ينظرون، قد أحياهم الله بعد رقدتهم الطويلة، وهم يقولون: (سبحانك لا إله إلا أنت). وكان في إحيائهم عبرة ودليل قاطع على وقوع المعاد الجسماني يوم القيامة(٢١).
قلت: هذه هي الرجعة التي يقول بها الشيعة، وأنها كما وقعت لهؤلاء الألوف فإنها ستقع في آخر الزمان لغيرهم حذو النعل بالنعل من غير فرق.
ومنها: قوله سبحانه: (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: ٢٥٩).
قال ابن كثير في تفسيره:
(أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) اختلفوا في هذا المارّ مَن هو، فروى ابن أبي حاتم... عن ناجية بن كعب عن علي بن أبي طالب أنه قال: هو عُزَير. ورواه ابن جرير عن ناجية نفسه، وحكاه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي وسليمان بن بريدة، وهذا القول هو المشهور...
إلى أن قال:
وأما القرية فالمشهور أنها بيت المقدس، مرَّ عليها بعد تخريب بختنصر لها وقتل أهلها، (وَهِيَ خاوِيَةٌ) أي ليس فيها أحد... فوقف متفكِّراً فيما آل أمرها إليه بعد العمارة العظيمة، وقال: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها)، وذلك لما رأى من دثورها، وشدّة خرابها، وبُعدها عن العَود إلى ما كانت عليه. قال الله تعالى: (فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، قال: وعمرت البلدة بعد مضي سبعين سنة من موته، وتكامل ساكنوها، وتراجع بنو إسرائيل إليها، فلما بعثه الله عزَّ وجلّ بعد موته، كان أول شيء أحيا الله فيه عينيه، لينظر بهما إلى صنع الله فيه كيف يحيي بدنه، فلما استقلَّ سويًّا قال الله له - أي بواسطة الملَك: (كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ). قال: وذلك أنه مات أول النهار، ثم بعثه الله في آخر نهار، فلما رأى الشمس باقية ظنَّ أنها شمس ذلك اليوم، فقال: أو بعض يوم. (قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ)، وذلك أنه كان معه فيما ذُكر عنب وتين وعصير، فوجده كما تقدَّم، لم يتغيَّر منه شيء، لا العصير استحال، ولا التين حمض ولا أنتن، ولا العنب نقص. (وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ)، أي كيف يحييه الله عزَّ وجلّ وأنت تنظر، (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) أي دليلاً على المعاد(٢٢).
وقال الطبري في تفسيره:
لم يكن المقصود بالآية تعريف الخلق اسم قائل ذلك، وإنما المقصود بها تعريف المنكرين قدرة الله على إحيائه خلقه بعد مماتهم، وإعادتهم بعد فنائهم، وأنه الذي بيده الحياة والموت، مِن قريش ومَن كان يكذِّب بذلك من سائر العرب(٢٣).
ومنها: قوله تعالى: (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). (سورة البقرة: ٧٢، ٧٣).
قال ابن كثير في تفسيره:
عن عكرمة: (فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها) فضُرب بفخذها، فقام فقال: قتلني فلان. قال ابن أبي حاتم: وروي عن مجاهد وقتادة وعكرمة نحو ذلك. وقال السدّي: فضربوه بالبضعة التي بين الكتفين، فعاش فسألوه، فقال: قتلني ابن أخي. وقال أبو العالية: أمرهم موسى عليه السلام أن يأخذوا عظماً من عظامها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فرجع إليه روحه، فسمَّىٰ لهم قاتله، ثم عاد ميتاً كما كان... وقوله تعالى: (كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى) أي فضربوه فحيي، ونبَّه تعالى على قدرته وإحيائه الموتى بما شاهدوه من أمر القتيل، جعل تبارك وتعالى ذلك الصنيع حجّة لهم على المعاد، وفاصلاً ما كان بينهم من الخصومة والعناد(٢٤).
قلت: وكذلك جعل الله جلّت قدرته هذه الواقعة حجّة للقائلين بالرجعة، وبياناً للخلق بأن الله سبحانه إذا أراد شيئاً أوجده بأيسر الأسباب.
ومنها: قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). (سورة البقرة: ٥٥، ٥٦).
قال القرطبي في تفسيره:
قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي أحييناكم. قال قتادة: ماتوا وذهبت أرواحهم، ثم رُدّوا لاستيفاء آجالهم. قال النحاس: وهذا احتجاج على من لم يؤمن بالبعث من قريش، واحتجاج على أهل الكتاب إذ خبروا بهذا، والمعنى: (لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ما فُعل بكم من البعث بعد الموت. وقيل: ماتوا موت همود يَعتبر به الغير، ثم أُرسلوا(٢٥).
وقال الطبري: يعني بقوله: (ثُمَّ بَعَثْناكُمْ) ثم أحييناكم(٢٦).
وقال: ويعني بقوله: (مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) من بعد موتكم بالصاعقة التي أهلكتكم(٢٧).
أقول: هذه الآيات وغيرها دالّة بوضوح على وقوع رجعة أقوام إلى الحياة الدنيا بعد موتهم في وقائع مختلفة، ولم نجد في ذلك خلافاً بين المسلمين، ولذلك تطابقت كلمات المفسِّرين وغيرهم على رجعة من ذكرتْهم الآيات الشريفة السابقة وغيرها.
وهناك آيات أخر في كتاب الله دلّت على رجوع أقوام آخرين بعد موتهم، لا حاجة لسردها بأجمعها، وما ذكرناه كافٍ في بيان المراد.
الآيات القرآنية الدالة على وقوع الرجعة في آخر الزمان
وأما الطائفة الثانية من آيات الكتاب العزيز فقد دلَّت على أن أقواماً في آخر الزمان سيرجعون إلى الحياة الدنيا من بعد موتهم لحكمة أرادها الله سبحانه وتعالى، وهي آيات كثيرة:
منها: قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ). (النمل: ٨٣).
فإن الحشر هو البعث إلى الحياة من بعد الموت، والفوج هو الزمرة من الناس أو الجماعة، والآية دالّة بوضوح على أن الله سيحشر من كل أمّة جماعة من المكذِّبين بآيات الله، ولا ريب في أنه لا يراد بهذا الحشر البعث العام لجميع الخلائق يوم القيامة؛ لأن البعث العام يوم القيامة لا يكون خاصاً بفوج دون فوج، بل هو عام لجميع الناس كما قال جلَّ شأنه: (وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً). (الكهف: ٤٧).
فلا بدّ أن يكون هذا الحشر الخاصّ واقعاً في الحياة الدنيا وقبل الحشر العام، وهذا هو المراد بالرجعة.
وفي صحيحة حماد عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما يقول الناس في هذه الآية: (وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً)؟ قلت: يقولون: إنها في القيامة. قال: ليس كما يقولون، إن ذلك في الرجعة، أيحشر الله في القيامة من كل أمّة فوجاً ويدع الباقين؟ إنما آية القيامة قوله: (وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً)(٢٨).
فهذه الآية واضحة الدلالة على الرجعة، ولكن لما كان معناها يتنافى مع عقيدة أهل السنة في إنكار الرجعة، فإن بعض مفسّري أهل السنة فرَّوا من بيانها، مكتفين من الآية ببيان معنى (الفوج) و(يوزعون) كما صنع الطبري والقرطبي والواحدي في تفاسيرهم، والسيوطي في الدر المنثور، وابن الجوزي في زاد المسير، وغيرهم(٢٩).
وذكر آخرون منهم أن المراد بهذا الحشر هو الحشر للعذاب بعد الحشر الكلي الشامل لكافّة الخلق(٣٠).
وهذا تكلّف واضح، بل هو خلاف ظاهر الآية، فإن الآية أثبتت حشراً خاصًّا بأفواج من المكذّبين، ولم تُثبت أن هذا الحشر وقع قبله حشر عام آخر، ولو كان الأمر كذلك لما كان وجه لتخصيص هؤلاء بالحشر وقد حُشروا في جملة غيرهم، فلا أدري كيف يُحشَر هؤلاء المكذّبون مرّة ثانية بعد الحشر الأول العام لجميع الخلائق، والحال أنهم حُشروا مع عامّة الناس للعذاب، وما فائدة هذا الحشر الآخر الخاص بهؤلاء المكذبين؟!
والنتيجة أن هذه الآية واضحة الدلالة على ثبوت الرجعة في آخر الزمان لجماعة من المكذِّبين، وهو معنى لا يقول به منكرو الرجعة، وصرف الآية المباركة عن هذا المعنى تحريف لآيات الكتاب العزيز، وردّ لدلالاتها بالأهواء والظنون والتعصّبات.
ومنها: قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ). (آل عمران: ٨١).
فإن أخذ الميثاق من النبيّين بالإيمان بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبنصرته بهذا التأكيد الشديد(٣١)، المستتبَع بأخذ الإقرار منهم، والشهادة منهم ومعهم، يُظهر بوضوح أن المراد بالنصرة هي النصرة التي يُرجىٰ وقوعها منهم في الرجعة، لا مجرد أخذ الميثاق على نصرته صلى الله عليه وآله وسلم لو أدركه الأنبياء حيًّا كما ذكره ابن كثير في تفسيره وغيره، فإن مجرَّد ذلك لا يستدعي كل هذا التأكيد وأخذ الميثاق منهم، خصوصاً مع علم الله سبحانه بعدم إدراكهم زمانه صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم تحقّق نصرتهم له، فإن صدور مثل ذلك من العالِم بعدم وقوعه يُعد عند العرف عبثاً ولغواً، بل فعلاً مستهجناً معيباً، لا يمكن صدوره من الحكيم جلَّ شأنه، وهذا واضح جلي.
ومنها: قوله تبارك وتعالى: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ). (الأنبياء: ٩٥).
قال عكرمة: لم يكن ليرجع منهم راجع، حرام عليهم ذلك(٣٢).
أي يمتنع على أية قرية أهلكها الله بالعذاب أن يرجعوا.
وظاهر الآية أن المراد بالرجوع هو رجوعهم إلى الحياة الدنيا مرّة أخرى، بقرينة المقابلة مع الإهلاك الواقع في الدنيا، وبدليل أن القرى المهلَكة ترجع يوم الحشر، ففي الآية حينئذ إشارة إلى أن القرى التي لم يهلكها الله سبحانه بالعذاب، بل جاءها الموت بأسبابه الطبيعية، لا يمتنع رجوع أهلها إلى الدنيا، وفي هذا إثبات للرجعة، ولولا ذلك لما كان في هذا الإخبار أية فائدة، لأنَّا إذا لم نقل بالرجعة فكل من فارق الدنيا - بهلاك أو بغيره - لا يرجع إليها، فلا وجه حينئذ لتخصيص القرى التي أهلكها الله بعدم الرجوع إلى الدنيا.
وأما إن قلنا: إن المراد هو رجوعهم عن كفرهم، ليكون معنى الآية: ويمتنع على أية قرية أهلكناها أن يرجعوا عن كفرهم، فهو معنى غير صحيح وإن كان مرويًّا عن ابن عباس، وعكرمة، ومال إليه الطبري في تفسيره؛ لأن معنى الآية حينئذ لا يكون مفيداً، فإن كل قرية أهلك الله أهلها لا يمكن لهم أن يرجعوا عن كفرهم ويتوبوا بعد موتهم، إذ لا توبة بعد الموت كما هو معلوم.
أو يكون معناها: ويمتنع على أية قرية أردنا إهلاك أهلها أن يرجعوا عن كفرهم.
وهذا المعنى وإن كان غير ممتنع، إلا أن حمل الإهلاك على إرادة الإهلاك خلاف ظاهر اللفظ، فلا يصار إليه إلا بقرينة، ولا قرينة في البين.
وعليه فلا مناص من حمل الآية على الرجعة إلى الحياة الدنيا بعد نزول العذاب عليهم، وأما في الآخرة فكل الناس يرجعون إلى الحياة الدائمة، من أهلكهم الله بعذاب ومن لم يهلكهم، فلا فرق بينهم في ذلك.
وبهذا الذي قلناه ورد التفسير عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، فقد أخرج الطبري في تفسيره بسنده عن جابر الجعفي قال: سألت أبا جعفر (الباقر عليه السلام) عن الرجعة، فقرأ هذه الآية: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ).
قال الطبري: فكأنّ أبا جعفر وجَّه تأويل ذلك إلى أنه وحرام على أهل قرية أمَتْناهم أن يرجعوا إلى الدنيا(٣٣).
قلت: هذا تحريف واضح لما أراده الإمام الباقر عليه السلام، فإنه عليه السلام لم يرد بالإهلاك الإماتة، ليكون معنى الآية: إنه يمتنع على كل من أماته الله تعالى أن يرجع إلى الحياة الدنيا، لتكون الآية دليلاً على عدم الرجعة، وإنما أراد بالإهلاك إنزال العذاب، فتكون الآية دالة على الرجعة بالبيان الذي ذكرناه آنفاً.
وفي صحيحة أبي بصير ومحمد بن مسلم عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، قالا: كل قرية أهلك الله أهلها بالعذاب، لا يرجعون في الرجعة(٣٤).
وإلى هذا ذهب بعض المفسِّرين أيضاً:
منهم: الجبائي، فإنه قال: معناه وحرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم أن يرجعوا إلى دار الدنيا(٣٥).
وقيل في هذه الآية وجوه من التفسير، أكثرها تخرّصات مجرَّدة أو تكلّفات لا قيمة لها.
ومنها: قوله تعالى: (قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ) (غافر: ١١).
بتقريب: أن هؤلاء القائلين أقرّوا على أنفسهم بأنهم ماتوا مرّتين وأُحيوا مرّتين: أما الحياة الأولى فهي حياتهم الأولى بعد الولادة، وهذه الحياة أعقبها موت، ثم حصلت لهم حياة أخرى في الرجعة بعد موتهم الأول، ثم حصل لهم موت آخر بعد الحياة الثانية.
هذا ما ينبغي أن تحمل عليه الآية الشريفة، وكل ما قيل مما يخالف ما ذكرناه لا يخلو عن إشكال واضح.
أما ما قاله السدّي واختاره الجبّائي والبلخي من أن الإماتة الأولى في الدنيا، والثانية في البرزخ إذا أحيي للمسألة قبل البعث يوم القيامة.
فيردّه أن الحياة في البرزخ للمساءلة ليست مرادة لهؤلاء القائلين، فإنها لا عمل فيها، ولا يكتسب فيها المرء ثواباً ولا إثماً، مع أن الآية تدل على أنهم قد ارتكبوا في كلا الحياتين آثاماً اعترفوا بها، ولهذا قالوا: (فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا)، يعني بما ارتكبناه من الإثم في هاتين الحياتين، (فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ)، أي فهل ثمة سبيل إلى رجوع ثالث للحياة الدنيا، لعلنا نتدارك بعض ما فاتنا من الطاعة.
وقال قتادة: الإماتة الأولى حال كونهم نُطَفاً، فأحياهم الله، ثم يُميتهم، ثم يحييهم يوم القيامة.
ومراده أن الناس حال كونهم نُطَفاً كانوا موتىٰ، فهذا هو الموت الأول، ثم لما تكامل خلقهم حصلت لهم الحياة الأولى، ثم حصلت لهم الإماتة الثانية، ثم لما بعثهم الله يوم القيامة حصلت لهم الحياة الثانية.
وهذا فيه من التكلّف ما لا يخفى، فإن هؤلاء إنما يتكلّمون عن أنفسهم لما كانوا رجالاً قد اكتملت خلقتهم، لا عن حالهم لما كانوا نطفاً لا يشعرون بشيء.
ومن المسلّمات في هذا العصر أن النطفة حيَّة وليست بميتة، ولو صحَّ أن توصف حينئذ بأنها ميتة، لما صحَّ توصيفها بأنها مُماتة، فإن الإماتة لا بد في تحقّقها من سبق الحياة، فلا يمكن إماتة الميت؛ لأن ذلك من تحصيل الحاصل الذي هو محال، مع أن الآية نصَّت على حصول إماتتهم مرّتين لا على وقوع موتهم.
ولهذا وصف الله سبحانه وتعالى الناس قبل بدء حياتهم بأنهم أموات، وأن إماتتهم إنما تقع بعد تحقق حياتهم، فقال عزَّ من قائل: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ). (البقرة: ٢٨).
ومنها: قوله تعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهادُ). (غافر: ٥١).
بتقريب: أن الله سبحانه أخبر أنه ينصر رسله والمؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأكَّد ذلك بأكثر من مؤكّد، مع أن كثيراً من الرسل لم يُنصَروا في حياتهم الدنيا، بل بعضهم قتَلهم أقوامهم، وبعض آخرون فرّوا خوفاً من أعدائهم، كما أخبر الله سبحانه في كتابه العزيز حيث قال: (لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَْنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ) (آل عمران: ١٨١).
وعليه، فلا مناص من حمل تلك النصرة على النصرة بعد وقوع الرجعة في آخر الزمان، حينما يظهر الإمام المهدي المنتظر عليه السلام، وينزل عيسى بن مريم عليه السلام إلى الأرض، ويعزّ الله أولياءه، ويذلّ أعداءه.
وفي صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهادُ)، قال: ذلك والله في الرجعة، أما علمت أن أنبياء كثيرة لم يُنصروا في الدنيا وقُتلوا، والأئمة بعدهم قُتلوا ولم يُنصَروا، ذلك في الرجعة(٣٦).
ومثل هذه الآية قوله تعالى: (كَتَبَ اللَّهُ لأََغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). (المجادلة: ٢١).
وقد أورد الطبري في تفسيره لهذه الآية سؤالاً، فقال:
ما معنى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا)، وقد علمنا أن منهم من قتله أعداؤه، ومثَّلوا به كشعياء ويحيى بن زكريا وأشباههما، ومنهم من همَّ بقتله قومه، فكان أحسن أحواله أن يخلص منهم، حتى فارقهم ناجياً بنفسه، كإبراهيم الذي هاجر إلى الشام من أرضه مفارقاً لقومه، وعيسى الذي رُفع إلى السماء إذ أراد قومه قتله، فأين النصرة التي أخبرنا أنه ينصرها رسله والمؤمنين به في الحياة الدنيا، وهؤلاء أنبياؤه قد نالهم من قومهم ما قد علمت، وما نُصروا على من نالهم بما نالهم به؟
ثم أجاب عن ذلك بجوابين زعم أن كلاهما معناه صحيح:
وحاصل الأول: أن النصرة إما أن تكون بإعلاء الله تعالى كلمة أنبيائه على أعدائه، وتمكينهم من الظفر بهم حتى يقهروهم ويذلّوهم، كما حصل لداود وسليمان عليهما السلام، فأعطاهما من الملك والسلطان ما قهرا به كل كافر، ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - بإظهاره على من كذّبه من قومه.
وإما أن تكون النصرة بالانتقام ممن حادَّهم وشاقّهم بإهلاكهم، وإنجاء الرسل ممن كذّبهم وعاداهم، كما صنع بنوح عليه السلام وقومه من تغريق قومه وإنجائه منهم، وكما صنع بموسى عليه السلام وفرعون وقومه إذ أهلكهم غرقاً، ونجَّى موسى عليه السلام ومن آمن به من بني إسرائيل ونحو ذلك.
وإما أن تكون النصرة بالانتقام في الحياة الدنيا من مكذّبيهم بعد وفاة الرسل، كنصرة شعياء بعد وفاته بتسليط من سلطهم الله على قتلته، وكتسليط بختنصر على قتلة يحيى بن زكريا ونصرته عليهم، وكنصرة عيسى من مريدي قتله بالروم حتى أهلكهم الله بهم(٣٧).
وروى عن السدّي أنه أجاب عن هذا الإشكال بجوابين أيضاً:
أحدهما: أن الأنبياء والمؤمنين كانوا يُقْتَلون في الدنيا وهم منصورون؛ وذلك أن تلك الأمّة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوماً، فينتصر بهم لأولئك الذين قُتلوا منهم.
وهذا هو الجواب الأخير للطبري الذي ذكرناه آنفاً.
والآخر: أن يكون هذا الكلام على وجه الخبر عن جميع الرسل والمؤمنين والمراد به واحد، فيكون تأويل الكلام حينئذ إنّا لننصر رسولنا محمداً - صلى الله عليه وسلم - والذين آمنوا به في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، فإن العرب تخرج الخبر بلفظ الجميع والمراد واحد(٣٨).
ويرد على ما قاله الطبري أن نصرة بعض الرسل والمؤمنين في الحياة الدنيا - وهم القلة القليلة - بالتمكين والقهر لأعدائهم، أو بإنجائهم وإهلاك أعدائهم، وإن كانت نصرة حقيقية، إلا أن ذلك خلاف ظاهر الآية، فإن الظاهر منها أن الله سبحانه ينصر جميع الرسل والمؤمنين في الحياة الدنيا، أو أكثرهم، لا القلة القليلة منهم.
نعم، إطلاق لفظ الكل أو الجمع وإرادة البعض أو الواحد وإن كان جائزاً في اللغة على نحو المجاز، إلا أنه يحتاج إلى قرينة دالّة عليه، ولا قرينة في البين على ذلك، فلا يمكن حمل الكلام عليه حينئذ.
كما أن حمل لفظ (لَنَنْصُرُ) على الانتصار لهم ولو بعد الموت خلاف ظاهر اللفظ، وحمل له على المجاز بلا قرينة، وهذا لا يصحّ في لغة العرب كما هو معلوم.
مضافاً إلى أن الله تعالى لم ينتصر لجميع الرسل ولكل المؤمنين في الحياة الدنيا كما هو واضح لمن تدبّر حوادث التاريخ، واطّلع على سِيَر الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم.
ويرد على ما قاله السدي أن حمل لفظ (رسلنا ورسلي) على الواحد لو جاز في لغة العرب فإنه خلاف الظاهر من اللفظ، وحملٌ له على المجاز، وهو محتاج إلى قرينة، ولا قرينة على ذلك كما مرّ.
وعليه فلا مناص من حمل ألفاظ الآيتين على معانيها الحقيقية الظاهرة، فيكون المراد بـ (رسلنا ورسلي) كافّة الرسل، والمراد بـ (ننصر) هو النصرة الحقيقية حال حياتهم لا بعد وفاتهم، وذلك إنما يتحقق في الرجعة ليس غير.
وفي كتاب الله العزيز آيات أخر دالة على وقوع الرجعة في آخر الزمان لم نذكرها روماً للاختصار.
أحاديث الرجعة في كتب الشيعة الإمامية
ذكرنا فيما تقدَّم أن الأحاديث المروية عن أئمة أهل البيت عليهم السلام مستفيضة إن لم تكن متواترة، واستقصاؤها يستلزم إطالة الكتاب، ونحن سنقتصر على ذكر بعض يسير منها.
فقد روى الشيخ الصدوق قدس سره في كتابه (من لا يحضره الفقيه)، عن إمامنا الصادق قال: ليس منا من لم يؤمن بكَرَّتنا، ويستحل مِتْعَتنا(٣٩).
والإيمان بالكَرَّة هو الإيمان بالرجعة.
ومنها: صحيحة مثنى الحنَّاط، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: أيام الله عزَّ وجلّ ثلاثة: يوم يقوم القائم، ويوم الكَرَّة، ويوم القيامة(٤٠).
ومنها: ما رواه الشيخ الصدوق قدس سره في (عيون أخبار الرضا عليه السلام) في حديث طويل جاء فيه: فقال المأمون: يا أبا الحسن فما تقول في الرجعة؟ فقال الرضا عليه السلام: إنها لحق، قد كانت في الأمم السالفة، ونطق به القرآن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يكون في هذه الأمّة كل ما كان في الأمم السالفة حذو النعل بالنعل والقذّة بالقذّة(٤١).
ومنها: صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له: قول الله تبارك وتعالى: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَْشْهادُ) (غافر: ٥١)، قال: ذلك والله في الرجعة، أما علمت أن أنبياء كثيرة لم يُنصروا في الدنيا، وقُتلوا، والأئمة بعدهم قُتلوا ولم يُنصروا؟ ذلك في الرجعة(٤٢).
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد، قد جمع رملاً، ووضع رأسه عليه، فحرَّكه برجله، ثم قال له: قم يا دابّة الله. فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله أيسمِّي بعضنا بعضاً بهذا الاسم؟ فقال: لا والله، ما هو إلا له خاصّة، وهو الدابّة التي ذكر الله في كتابه: (وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَْرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ) (النمل: ٨٢)، ثم قال: يا علي، إذا كان آخر الزمان أخرجك الله في أحسن صورة، ومعك ميسم تسم به أعداءك...(٤٣).
ومنها: صحيحة أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزّ وجلّ: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) (الإسراء: ٧٢)، قال: في الرجعة(٤٤).
قلت: أي أن من كان في حياته الأولى ضالًّا عن الهدىٰ فهو في الرجعة كذلك.
ومنها: صحيحة المعلى بن خنيس، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: أوّل من يرجع إلى الدنيا الحسين بن علي عليهما السلام، فيملك حتى يسقط حاجباه على عينيه من الكبر. قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام في قول الله عزَّ وجل: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ) (القصص: ٨٥)، قال: نبيِّكم صلى الله عليه وآله وسلم راجع إليكم(٤٥).
ومنها: صحيحة حمران بن أعين عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت له: كان في بني إسرائيل شيء لا يكون ههنا مثله؟ فقال: لا. فقلت: فحدّثني عن قول الله عزّ وجلّ: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)، حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم من يومهم، أو ردَّهم إلى الدنيا؟ فقال: بل ردَّهم إلى الدنيا، حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ولبثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بالآجال(٤٦).
ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، قال: سمعت حمران بن أعين وأبا الخطاب يحدّثان جميعاً قبل أن يُحدث أبو الخطاب ما أحدث، أنهما سمعا أبا عبد الله عليه السلام يقول: أوّل من تنشقّ الأرض عنه، ويرجع إلى الدنيا: الحسين بن علي عليهما السلام، وإن الرجعة ليست بعامّة، وهي خاصّة، لا يرجع إلا من محض الإيمان محضاً، أو محض الشرك محضا(٤٧).
ومنها: صحيحة بكير بن أعين، قال: قال لي من لا أشك فيه يعني أبا جعفر عليه السلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعليًّا عليه السلام سيرجعان(٤٨).
والأحاديث في ذلك كثيرة، لا حاجة لاستقصائها، وفيما ذكرناه كفاية.
أحاديث الرجعة في كتب أهل السنة
عندما نتأمل الأحاديث والآثار المروية في الكتب المشهورة عند أهل السنة نجد أن جملة وافرة - منها مما لم نذكره فيما سبق - دالّة على الرجعة.
وهي تنقسم إلى طائفتين:
الطائفة الأولى: أحاديث وآثار دالّة على وقوع الرجعة في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
منها: ما أخرجه البيهقي في دلائل النبوّة بسنده عن الشعبي أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إني مررتُ ببدر فرأيت رجلاً يخرج من الأرض، فيضربه رجل بمقمعة معه، حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيُفعل به مثل ذلك، قال ذلك مراراً. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ذاك أبو جهل بن هشام، يُعذَّب إلى يوم القيامة(٤٩).
ومنها: ما أخرجه الطبراني بسنده عن عبد الله بن عمر، قال: بينما أنا سائر بجنبات بدر إذ خرج رجل من حفير في عنقه سلسلة، فناداني: (يا عبد الله اسقني، يا عبد الله اسقني)، فلا أدري أعرف اسمي أو دعاني بدعاية العرب، وخرج أسود من ذلك الحفير في يده سوط، فناداني: (يا عبد الله، لا تسقه، فإنه كافر)، ثم ضربه بالسوط، حتى عاد إلى حفرته، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - مسرعاً فأخبرته، فقال لي: أَوَقَدْ رأيته؟ قلت: نعم، قال: ذاك عدو الله أبو جهل بن هشام، وذاك عذابه إلى يوم القيامة(٥٠).
ومنها: الأحاديث التي دلَّت على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى بعض الأنبياء عليهم السلام حقيقة بأجسادهم في ليلة الإسراء، وأنه صلى بهم في بيت المقدس، وسيأتي ذكرها قريباً إن شاء الله تعالى.
والطائفة الثانية: أحاديث وآثار دالّة على وقوع الرجعة بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد اشتهر بينهم أن بعض صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجعوا إلى الحياة مرّة ثانية بعد موتهم، وأنهم تكلّموا بما يثبت مذهبهم في أبي بكر وعمر وعثمان، ومن هؤلاء:
١- زيد بن خارجة:
فقد أخرج البيهقي بسنده عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري، ثم من بني الحارث بن الخزرج، توفي زمن عثمان بن عفان، فسُجّي بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره، ثم تكلّم، ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق، الضعيف في نفسه، القوي في أمر الله، في الكتاب الأول صدق صدق عمر بن الخطاب، القوي الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم، مضت أربع، وبقيت اثنتان أتت بالفتن، وأكل الشديد الضعيف، وقامت الساعة، وسيأتيكم عن جيشكم خبر بئر أريس، وما بئر أريس.
قال يحيى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بني خطمة فسُجّي بثوبه، فسُمع جلجلة في صدره، ثم تكلّم، فقال: إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدق صدق.
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، وله شواهد(٥١).
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة، وأبو بكر عبد الله بن أبي الدنيا في كتاب (من عاش بعد الموت) بسندهما عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: جاءنا يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان بن بشير - يعني إلى أمه -: بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبي هاشم، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، فإنك كتبتِ إليَّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه، وهو يومئذ من أصحّ أهل المدينة، فتوفّي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعناه لظهره، وغشّيناه ببُرْدَين وكساء، فأتاني آتٍ في مقامي، وأنا أسبِّح بعد العصر، فقال: إن زيداً قد تكلَّم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعاً، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول أو يقال على لسانه: الأوسط أجلد القوم، الذي كان لا يبالي في الله لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد الله أمير المؤمنين، صدق صدق، كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين، وهو يعافي الناس من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان وبقي أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضاً، فلا نظام، وأبيحت الأحماء، ثم ارعوى المؤمنون. وقال: كتاب الله وقدره، أيها الناس أقبلوا على أميركم، واسمعوا وأطيعوا، فمن تولّى فلا يعهدن دماً، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، الله أكبر هذه الجنة، وهذه النار، ويقولن النبيّون والصديقون: سلام عليكم، يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه، وسعداً اللذين قُتلا يوم أحد؟ (كَلاَّ إِنَّها لَظى * نَزَّاعَةً لِلشَّوى * تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى * وَجَمَعَ فَأَوْعى).
ثم خفَتَ صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا. فنظر بعضنا إلى بعض، فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول الله، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين خليفة رسول الله، كان ضعيفاً في جسمه، قويًّا في أمر الله، صدق صدق، وكان في الكتاب الأول.
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح(٥٢).
وقال البخاري في التاريخ الكبير: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدراً، توفّي زمن عثمان، وهو الذي تكلَّم بعد الموت(٥٣).
وذكر أنه تكلّم بعد الموت: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وابن حبان في الثقات، وفي مشاهير علماء الأمصار، والذهبي في الكاشف، وابن حجر في تقريب التهذيب، وتهذيب التهذيب، والإصابة، والمزّي في تهذيب الكمال، وابن سعد في الطبقات الكبرى، وغيرهم(٥٤).
وقال ابن عبد البر في الاستيعاب:
زيد بن خارجة بن زيد بن أبي زهير بن مالك... وهو الذي تكلَّم بعد الموت لا يختلفون في ذلك، وذلك أنه غُشي عليه قبل موته، وأُسري بروحه، فسُجّي عليه بثوبه، ثم راجعته نفسه، فتكلَّم بكلام حُفظ عنه في أبي بكر وعمر وعثمان، ثم مات في حينه. روى حديثه هذا ثقات الشاميّين عن النعمان بن بشير، ورواه ثقات الكوفيين عن يزيد بن النعمان بن بشير عن أبيه، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب(٥٥).
وقال ابن الأثير: وهذا زيد هو الذي تكلَّم بعد الموت في أكثر الروايات، وهو الصحيح(٥٦).
٢- ربيع بن حراش:
قال ابن سعد في الطبقات الكبرى: ربيع بن حراش الذي تكلَّم بعد الموت(٥٧).
وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل:
ربيع بن حراش أخو ربعي بن حراش الذي تكلّم بعد الموت، وذُكِر أمره لعائشة، فقالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إنه يتكلَّم رجل من أمّتي بعد الموت من خير التابعين(٥٨).
وأخرج البيهقي في دلائل النبوة بسنده عن ربعي بن حراش، قال: أتيتُ فقيل لي: إن أخاك قد مات. فجئت فوجدت أخي مسجّى عليه ثوب، فأنا عند رأسه أستغفر له، وأترحَّم عليه، إذ كَشف الثوب عن وجهه، فقال: السلام عليك. فقلت: وعليك. فقلنا: سبحان الله، أبعد الموت؟! قال: بعد الموت، إني قدمت على الله عزّ وجلّ بعدكم، فتُلُقّيت برَوح وريحان وربٍّ غير غضبان، وكساني ثياباً خضراً من سندس وإستبرق، ووجدت الأمر أيسر مما تظنّون، فلا تتَّكلوا، إني استأذنت ربي عزّ وجلّ أن أخبركم وأبشّركم، فاحملوني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد عهد إليّ ألا أبرح حتى ألقاه. ثم طفي كما هو.
قال البيهقي: هذا إسناد صحيح، لا يشك حديثيٌّ في صحَّته(٥٩).
٣- رجال آخرون تكلموا بعد الموت:
قال البيهقي: وقد روي في التكلّم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة.
وأخرج بسنده عن عبد الله بن عبيد الأنصاري، أن رجلاً من قتلى مسيلمة تكلَّم، فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان الأمين الرحيم. لا أدري أيش قال لعمر(٦٠).
وأخرج أيضاً بسنده عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال: بينما هم يثوِّرون القتلى(٦١) يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلّم رجل من الأنصار من القتلى، فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان الرحيم. ثم سكت.
وأخرج أيضاً بسنده عن أنس بن مالك، قال: عدت شابًّا من الأنصار، فما كان بأسرع من أن مات، فأغمضناه ومددنا عليه الثوب، قال بعضنا لأمّه: احتسبيه، قالت: وقد مات؟ قلنا: نعم، قالت: أحقٌّ ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدَّت يديها إلى السماء، وقالت: اللهم إني آمنت بك، وهاجرت إلى رسولك، فإذا نزلتْ بي شديدةٌ دعوتك ففرَّجتها، فأسألك اللهم لا تحمل عليَّ هذه المصيبة اليوم، قال: فكشف الثوب عن وجهه، فما برحنا حتى أكلنا وأكل معنا(٦٢).
قلت: والأحاديث التي رووها في ذلك كثيرة جدًّا لا يسعنا استقصاؤها(٦٣)، وقد ألّف الحافظ أبو بكر ابن أبي الدنيا في ذلك كتاباً أسماه: (مَنْ عاشَ بعد الموت)، جمع فيه وقائع كثيرة، فراجعه تجد فيه العجائب.
ثم إن زيد بن خارجة وغيره ممن ذكروا أنهم تكلّموا بعد الموت، إن كانت أرواحهم قد رُدَّت إليهم بعد موتهم، فهذا إقرار منهم بالرجعة، وإن كانت أرواحهم لم تُردّ إليهم، بل تُكُلِّم على لسانهم، فهذا لا يُعَدّ فضيلة لهم، وكلام من تكلّم بعد موته حينئذ لا قيمة له، فإنه لا يُعلم أنه قول صحابي، بل لا يُعلَم قول مَن هو؟ فلعله قد جرى على لسانهم قول شيطان، أو قول واحد من نواصب الجن، بقرينة إغفاله ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في جميع الروايات التي رووها، أو لعلّ القضية من أصلها مختلقة كما هو الراجح؛ فإن كثيراً من تلك الروايات مروي عن الشعبي، وهو ضعيف عندنا، وإن كان ثقة عند القوم يُحتَج به عليهم.
كلمات أعلام أهل السنة في رجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنبياء آخرين
روى أهل السنة في صحاحهم أحاديث تدل على رجعة الأنبياء عليهم السلام إلى الحياة الدنيا بعد موتهم.
منها: ما دلَّ على حياة جميع الأنبياء عليهم السلام في قبورهم، وصلاتهم فيها، فقد أخرج أبو يعلى في مسنده بسنده عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الأنبياء أحياء في قبورهم يصلّون(٦٤).
ومنها: ما دلَّ على حياة بعض الأنبياء بخصوصهم وصلاتهم في قبورهم، فقد أخرج مسلم في صحيحه بسنده عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتيتُ - وفي رواية هَدَّاب: مررتُ - على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره(٦٥).
قال جلال الدين السيوطي:
حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - في قبره هو وسائر الأنبياء معلومة عندنا علماً قطعيًّا؛ لما قام عندنا من الأدلّة في ذلك، وتواترت به الأخبار، وقد ألَّف البيهقي جزءاً في حياة الأنبياء في قبورهم(٦٦).
وقال بدر الدين العيني:
الأنبياء أحياء، فقد رآهم النبي حقيقة، وقد مرَّ على موسىٰ عليه الصلاة والسلام وهو قائم يصلي في قبره، ورآه في السماء السادسة(٦٧).
وقال الملا علي القاري:
وروى مسلم: لما مرَّ بوادي الأزرق أي في حجة الوداع قال: (كأني أنظر إلى موسى من الثنيّة واضعاً إصبعيه في أذنيه، مارًّا بهذا الوادي وله جؤار إلى الله بالتلبية)... فدلَّ على أن الأنبياء أحياء حقيقة، ويريدون أن يتقرَّبوا إلى الله في عالم البرزخ من غير تكليفهم، كما أنّهم يتقرَّبون إلى الله بالصلاة في قبورهم، ففي صحيح مسلم عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام رأى موسىٰ قائماً في قبره يصلي(٦٨).
ومنها: ما دلَّ على أن نبيَّنا صلى الله عليه وآله وسلم رأى بعض الأنبياء السابقين عليهم السلام بعد موتهم، بل وأمَّهم في صلاته في بيت المقدس قبل عروجه إلى السماء أو بعده، فقد أخرج مسلم في صحيحه في حديث طويل ورد فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسىٰ قائم يصلي، فإذا رجل ضَرْبٌ جَعْد(٦٩)، كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسىٰ بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبهاً عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم - يعني نفسه -، فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغتُ من الصلاة قال قائل: يا محمد، هذا مالكٌ صاحب النار فسلِّمْ عليه(٧٠).
قال البيهقي:
وفي حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه لقيهم ببيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأمَّهم نبيُّنا - صلى الله عليه وسلم -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، وفي حديث أبي ذرٍّ ومالك بن صعصعة في قصة الإسراء أنه لقيهم بالسماوات، وطرق ذلك صحيحة، فيُحمل على أنه رأى موسىٰ قائماً يصلي في قبره، ثم عُرج به هو ومن ذُكر من الأنبياء إلى السماوات، فلقيهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم اجتمعوا في بيت المقدس، فحضرت الصلاة، فأمَّهم نبيّنا - صلى الله عليه وسلم -. قال: وصلاتهم في أوقات مختلفة وفي أماكن مختلفة لا يردُّه العقل، وقد ثبت به النقل، فدلَّ ذلك على حياتهم(٧١).
وقال ابن كثير الدمشقي:
والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات، ثم نزل إلى بيت المقدس ثانياً وهم معه، وصلى بهم فيه، ثم إنه ركب البراق وكرَّ راجعاً إلى مكة، والله أعلم(٧٢).
وكيف كان فإن القول بحياة الأنبياء عليهم السلام بعد موتهم، وصلاتهم في قبورهم، وائتمامهم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيت المقدس، يقتضي الإقرار برجعتهم بعد موتهم إلى الحياة الدنيا بأجسادهم حقيقة، فإنا لا نريد بالرجعة غير ذلك، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يؤم صُوَراً أو أرواحاً أو أشباحاً، وإنما أمَّ الأنبياء عليهم السلام حقيقة بأرواحهم وأجسادهم.
ولأجل وقوع هذه الرجعة في الحياة الدنيا بعد الموت ذهب بعض أعلام أهل السنة إلى إمكان رؤية الأنبياء عليهم السلام حقيقة وفي حال اليقظة.
منهم: جلال الدين السيوطي(٧٣):
فإنه كتب رسالة أسماها (تنوير الحَلَك(٧٤) في إمكان رؤية النبي والملَك)، طُبعت ضمن كتابه (الحاوي للفتاوي)، تشتمل على فوائد كثيرة تتعلّق بموضوع رجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وغيره من الأنبياء عليهم السلام إلى الحياة الدنيا بعد موتهم، من دون أن يسمّيها رجعة. قال:
فقد كثر السؤال عن رؤية أرباب الأحوال للنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة، وأن طائفة من أهل العصر ممن لا قدم لهم في العلم بالغوا في إنكار ذلك والتعجّب منه، وادَّعوا أنه مستحيل، فألفتُ هذه الكراسة في ذلك وسمّيتها: (تنوير الحَلَك في إمكان رؤية النبي والملَك)، ونبدأ بالحديث الصحيح الوارد في ذلك.
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مَن رآني في المنام فسيراني في اليقظة، ولا يتمثَّل الشيطان بي(٧٥).
وبعد أن ذكر اختلاف الأقوال في معنى الحديث، خلص إلى القول بأن المراد هو أن من رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامه فسيراه في اليقظة في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو بعد وفاته، وقال: ولا يمتنع رؤية ذاته الشريف بجسده وروحه؛ وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - وسائر الأنبياء عليهم السلام أحياء، رُدَّت إليهم أرواحهم بعدما قُبضوا، وأُذن لهم في الخروج من قبورهم، والتصرّف في الملكوت العلوي والسفلي(٧٦).
ثم نقل أقوال جملة من العلماء الذين ذهبوا إلى هذا الرأي، ثم قال:
فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حيٌّ بجسده وروحه، وأنه يتصرَّف، ويسير حيث شاء في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته، لم يتبدَّل منه شيء، وأنه مغيَّب عن الأبصار كما غُيِّبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم، فإذا أراد الله تعالى رفع الحجاب عمن أراد إكرامه برؤيته رآه على هيئته التي هو عليها، لا مانع من ذلك، ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال(٧٧).
ومنهم: ابن الحاج(٧٨):
فإنه قال:
إن كثيراً من الناس يدَّعي الدين والصلاح، وأنه من أهل الوصول... بل بعضهم يدَّعي رؤيته عليه الصلاة والسلام وهو في اليقظة، وهذا باب ضيِّق، وقلَّ من يقع له ذلك الأمر، إلا من كان على صفةٍ عزيزٍ وجودُها في هذا الزمان، بل عدمت غالباً، مع أنا لا ننكر مَن يقع له هذا من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في ظواهرهم وبواطنهم(٧٩).
قلت: قوله: (قلَّ مَن يقع له ذلك الأمر)، وقوله: (لا ننكر من يقع له هذا من الأكابر) كاشفان عن اعتقاده بإمكان رؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة بعد موته.
ومنهم: بدر الدين العيني(٨٠):
قال:
الموت ليس بعدم، إنما هو انتقال من دار إلى دار، فإذا كان هذا للشهداء كان الأنبياء بذلك أحق وأولى، مع أنه صحَّ عنه أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن النبي قد اجتمع بهم ليلة الإسراء ببيت المقدس والسماء، خصوصاً بموسىٰ عليه الصلاة والسلام، فتحصَّل من جملة هذا القطع بأنهم غُيِّبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة عليهم الصلاة والسلام، فإنهم موجودون أحياء، لا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصَّه الله تعالى بكرامته(٨١).
ومنهم: ابن حجر الهيتمي المكّي(٨٢):
فإنه سُئل سؤالاً نصُّه: هل يمكن الآن الاجتماع بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة والتلقّي منه؟
فأجاب بقوله:
نعم يمكن ذلك، فقد صرَّح بأن ذلك من كرامات الأولياء: الغزالي، والبارزي، والتاج السبكي، والعفيف الشافعي من الشافعية، والقرطبي، وابن أبي جمرة من المالكية(٨٣).
وسُئل سؤالاً آخر، نصّه: هل تمكن رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - في اليقظة؟
فأجاب قائلاً: أنكر ذلك جماعة، وجوَّزه آخرون، وهو الحق، فقد أخبر بذلك من لا يُتَّهَم من الصالحين(٨٤).
وبعد أن ذكر بعض الحكايات الدالّة على ذلك، قال: والحكايات في ذلك عن أولياء الله كثيرة جدًّا، ولا ينكر ذلك إلا معاند أو محروم(٨٥).
قلت: هذا بعض ما قالوه في كتبهم، وهو كثير، ونقله بكامله يستدعي الإطالة، ونحن قد اقتصرنا على نقل مقدار الحاجة منه، ومن أراد المزيد فليتتبَّع كلمات القوم، ففيها غير ما نقلناه مما يوافق ما نذهب إليه من القول بالرجعة، ولا يضر إنكارهم أنها رجعة؛ لأنهم أنكروا اللفظ، وأقرّوا بالمعنى.
أسباب شدّة النفرة من القول بالرجعة
من كل ما مرَّ يتّضح أن الرجعة إلى الحياة الدنيا ممكنة عقلاً، بل هي واقعة، وقد وقعت كثيراً، كما اعترف بذلك علماء أهل السنة فيما تقدَّم.
إلا أن القوم أنكروا الرجعة أي إنكار، وشنَّعوا على من يقول بها لعدّة أسباب:
السبب الأول: أن كثيراً من المنكرين للرجعة إنما يقلِّدون أسلافهم في إنكارهم لها حتى مع قيام الدليل عليها عندهم، وربما يكون الواحد منهم لا يعرف شيئاً عن الرجعة، ومع ذلك ينكرها تقليداً للسابقين لا أكثر.
السبب الثاني: أن القول بالرجعة صار سمة على التشيُّع لأهل البيت عليهم السلام، ولأجل ذلك أنكرها بعضهم خوفاً من أن يُتَّهم بأنه رافضي، أو يترفَّض.
السبب الثالث: أن المنكرين للرجعة لم يألفوا رجوع الأموات إلى الحياة الدنيا بعد موتهم، وكلّ أمر غير مألوف يصعب التصديق به.
قال الشيخ محمد رضا المظفر قدس سره:
لا سبب لاستغراب الرجعة إلا أنها أمر غير معهود لنا فيما ألفناه في حياتنا الدنيا، ولا نعرف من أسبابها أو موانعها ما يقرِّبها إلى اعترافنا أو يبعدها، وخيال الإنسان لا يسهل عليه أن يتقبَّل تصديق ما لم يألفه، وذلك كمن يستغرب البعث فيقول: (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ)، فيقال له: (يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ). نعم في مثل ذلك مما لا دليل عقلي لنا على نفيه أو إثباته، أو نتخيَّل عدم وجود الدليل، يلزمنا الرضوخ إلى النصوص الدينية التي هي من مصدر الوحي الإلهي، وقد ورد في القرآن الكريم ما يثبت وقوع الرجعة إلى الدنيا لبعض الأموات، كمعجزة عيسى عليه السلام في إحياء الموتى: (وَأُبْرِئُ الأَْكْمَهَ وَالأَْبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللَّهِ)، وكقوله تعالى: (أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)(٨٦).
السبب الرابع: أن الرجعة إنما تكون في دولة الحق والعدل، وهي دولة الإمام المهدي المنتظر عجَّل الله تعالى فرَجه الشريف، الذي سيدكُّ عروش الظالمين، ويزيل دُوَلهم، ويُذلُّ أتباعهم، ويبير أئمة الضلال والمروِّجين لهم، ومن الطبيعي أن ينكر هؤلاء الظالمون وأتباعهم كل محاسن تلك الدولة المباركة، ويجحدوا جميع مزاياها التي من ضمنها وقوع الرجعة فيها.
السبب الخامس: أن الرجعة تقتضي - عند القائلين بها - ظهور مذهب أهل البيت على غيره من الأديان والمذاهب الإسلامية الأخرى؛ لأن كل من يرجع إلى الحياة الدنيا من الأنبياء وأئمة الدين وعموم المؤمنين سيؤكِّد على أن الحق مع أهل البيت عليهم السلام، وأن مذهبهم هو الإسلام الخالص من شوائب البدع والضلالات، وأنه المذهب الذي يلزم اتباعه دون ما عداه من المذاهب الأخرى.
السبب السادس: أن جملة من أحاديث الرجعة المرويّة في كتب الشيعة - بغض النظر عن صحَّة أسانيدها - أوجبت نفرة المخالفين من الرجعة.
 منها: الأحاديث التي تقدح في بعض سلاطين الجور، كيزيد بن معاوية وغيره.
ومنها: الأحاديث التي تنصّ على رجوع أمير المؤمنين عليه السلام إلى الدنيا في آخر الزمان دون غيره من الخلفاء السابقين له؛ حيث أثبتت له عليه السلام فضيلة في آخر الزمان لم تثبت لواحد من الخلفاء السابقين له، وكل ما كان كذلك فإن القوم ينكرونه بشدَّة وبدون أدنى توقّف.
ومع أن القوم أكثروا من التشنيع على الشيعة لقولهم برجعة أمير المؤمنين عليه السلام في آخر الزمان، إلا أنهم رووا عن علي عليه السلام أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا علي إن لك في الجنة كنزاً، وإنك ذو قرنيها...(٨٧).
قال المنذري في الترغيب والترهيب: قوله - صلى الله عليه وسلم - لعلي: (وإنك ذو قرنيها) أي ذو قَرْنَي هذه الأمة؛ وذاك لأنه كان له شجَّتان في قرني رأسه، إحداهما من ابن ملجم لعنه الله، والأخرى من عمرو بن ود(٨٨).
قلت: بل لأنه يُضرب أولاً من عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله، فيموت ثم يحيا، فيُضرب مرّة ثانية على رأسه فيموت. ولولا ذلك لما كان لأمير المؤمنين عليه السلام أي خصوصيَّة بسبب تلكم الضربتين، فإن غيره قد ضُرب على رأسه في سبيل الله ضربات كثيرة.
ويدلّ على ذلك أنهم رووا عن علي عليه السلام أنه قال: سلوني قبل أن لا تسألوني، ولن تسألوا بعدي مثلي. فقام إليه ابن الكوَّاء فقال: ما كان ذو القرنين؟ أمَلِكٌ كان أم نبي؟ فقال: لم يكن ملكاً ولا نبيًّا، ولكنه كان عبداً صالحاً، أحبَّ الله وأحبَّه الله، وناصح فنصحه، ضُرب على قرنه الأيمن فمات، ثم بعثه الله عزّ وجلّ، وضُرب على قرنه الأيسر فمات، وفيكم مثله(٨٩).
وهذه الرواية واضحة الدلالة على أن سبب تسمية ذي القرنين بهذا الاسم هو أنه ضُرب أولاً على قرنه الأيمن فمات، ثم بعثه الله، ثم ضُرب ثانياً على قرنه الأيسر فمات.
وقوله: (وفيكم مثله) ظاهر في أن أمير المؤمنين عليه السلام كذلك، وهذا واضح لا غبار عليه.
وبهذا يتّضح أن هذه الأخبار فيها إشارة إلى أن أمير المؤمنين عليه السلام يضربه ابن ملجم لعنه الله على قرنه فيموت، ثم يرجع إلى الدنيا، فيُضرب على قرنه مرّة أخرى، فيموت كما وقع مثل ذلك لذي القرنين.
فهذه الأخبار والآثار دالّة على رجعة أمير المؤمنين عليه السلام، وهي واضحة لا تحتاج إلى مزيد تأمّل، إلا أن القوم أنكروا دلالتها على ذلك؛ لأنها تُثبت فضيلة لأمير المؤمنين عليه السلام لم تَثبت لواحد من الخلفاء الثلاثة، وهذا دأبهم في إنكار كثير من فضائل أمير المؤمنين عليه السلام للسبب نفسه، والله المستعان على ما يصفون.
شبهات حول الرجعة
ذكر القوم عدّة شبهات حول الرجعة، ونحن سنذكر أهمها.
الشبهة الأولى: أن الرجعة لو صحَّت لجاز وقوع التوبة من عتاة هذه الأمّة وغيرهم؛ لأنهم لما ماتوا وذاقوا عذاب القبر، ورأوا أهواله، وشدَّته، فلا يُتوقَّع منهم إذا عادوا إلى الدنيا أن يتمادوا في غيِّهم وضلالهم، بل المتوقَّع منهم أن يتوبوا إلى الله تعالى، ولا سيما أن المُلْك والسلطان قد انتقل عنهم إلى غيرهم، وكان سلطانهم هو الداعي إلى ما اقترفوه من المعاصي والموبقات.
وجوابها: أن هؤلاء العتاة وإن كانت توبتهم ممكنة، إلا أنهم لا يوفَّقون لها، وعذاب القبر الذي عاينوه ليس بأشد من عذاب يوم القيامة، والله سبحانه قد أخبر في كتابه العزيز أن الكافرين المعاندين الذين حقَّ عليهم العذاب يوم القيامة يتمنّون أن يرجعوا إلى الدنيا ليصلحوا بزعمهم ما فسد منهم، إلا أنّ الله تعالى أكذبهم، فقال: (وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) (الأنعام: ٢٧، ٢٨)، فحال أولئك الذين عادوا إلى الدنيا في الرجعة لن يكون بأحسن من حال هؤلاء الذين بُعثوا يوم القيامة وعاينوا عذاب النار.
وهذا المعنى يمكن أن يستفاد من صحيحة أبي بصير عن أحدهما عليهما السلام في قول الله عزَّ وجل: (وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآْخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً) ( الإسراء: ٧٢)، قال: في الرجعة(٩٠).
قلت: أي أنّ من كان في حياته الأولى ضالًّا عن الهدىٰ فهو في الرجعة كذلك، فكيف تتحقّق منه التوبة.
وقد أجاب شيخنا محمد بن محمد بن النعمان العكبري المعروف بالشيخ المفيد أعلى الله مقامه عن هذه الشبهة في كتابه (الفصول المختارة) فقال:
سأل بعضُ المعتزلة شيخاً من أصحابنا الإمامية وأنا حاضر في مجلس، فيهم جماعة كثيرة من أهل النظر والمتفقِّهة، فقال: إذا كان من قولك: إن الله يردُّ الأموات إلى دار الدنيا قبل الآخرة عند قيام القائم؛ ليشفي المؤمنين كما زعمتم من الكافرين، وينتقم لهم منهم كما فعل من بني إسرائيل، حيث يتعلَّقون بقوله تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) (الإسراء: ٦)، فما الذي يؤمنك أن يتوب يزيد، وشمر، وابن ملجم، ويرجعوا عن كفرهم، فيجب عليك ولايتهم والقطع بالثواب لهم؟ وهذا خلاف مذهب الشيعة.
فقال الشيخ المسؤول: القول بالرجعة إنما قلته من طريق التوقيف، وليس للنظر فيه مجال، وأنا لا أجيب عن هذا السؤال؛ لأنه لا نصَّ عندي فيه، ولا يجوز لي أن أتكلَّف - من غير جهة النَّص - الجواب. فشنَّع السائل وجماعة المعتزلة عليه بالعجز والانقطاع.
قال الشيخ أيَّده الله: فأقول: أنا أبيِّن في هذا السؤال جوابين:
أحدهما: أن العقل لا يمنع من وقوع الإيمان ممن ذكره السائل؛ لأنه يكون آنذاك قادراً عليه ومتمكّناً منه، لكن السمع الوارد عن أئمة الهدى عليهم السلام بالقطع عليهم بالخلود في النار، والتديّن بلعنهم والبراءة منهم إلى آخر الزمان، منع من الشك في حالهم، وأوجب القطع على سوء اختيارهم، فَجَرَوا في هذا الباب مجرى فرعون وهامان وقارون، ومجرى من قطع الله على خلوده في النار، ودلَّ القطع على أنهم لا يختارون الإيمان ممن قال الله: (وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) (الأنعام: ١١١)، يريد: إلَّا أنْ يلجئهم الله، والذين قال الله تعالى فيهم: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) (الأنفال: ٨)، وقال الله تعالى لإبليس: (لأََمْلأََنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (ص: ٨٥)، وقال: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) (ص: ٧٨)، وقال: (وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ) (الأنعام: ٢٨)، وقال: (سَيَصْلى ناراً ذاتَ لَهَبٍ) (المسد: ٣)، فقطع عليه بالنار، وأمِنَ من انتقاله إلى ما يوجب له الثواب، وإذا كان الأمر على ما وصفناه بطل ما توهَّموه.
والجواب الآخر: أن الله سبحانه إذا ردَّ الكافرين في الرجعة لينتقم منهم لم تُقبل لهم توبة، وجروا في ذلك مجرى فرعون لما أدركه الغرق، (قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (يونس: ٩٠)، قال سبحانه له: (آلآْنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (يونس: ٩١)، فردَّ الله عليه إيمانه، ولم ينفعه في تلك الحال ندمه وإقلاعه، وكأهل الآخرة الذين لا يقبل الله لهم توبة ولا ينفعهم ندم؛ لأنهم كالملجَئين إلى ذلك الفعل؛ ولأن الحكمة تمنع من قبول التوبة أبداً، وتوجب اختصاصها ببعض الأوقات. وهذا هو الجواب الصحيح على مذهب الإمامية، وقد جاءت به آثار متضافرة عن آل محمد عليهم السلام، فروي عنهم في قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ) (الأنعام: ١٥٨)، فقالوا: (إن هذه الآية هو القائم عليه السلام، فإذا ظهر لم تقبل توبة المخالف)، وهذا يبطل ما اعتمده السائل(٩١).
الشبهة الثانية: أن من يرجع إلى الحياة الدنيا في الرجعة لا يخلو إما أن يكون مكلَّفاً أو غير مكلَّف، فإن رجع إلى الدنيا غير مكلَّف، كان له أن يفعل ما يشاء من الموبقات والمآثم من دون أن يلحقه إثم ولا عقاب، ولا حاجة له حينئذ لعمل الطاعات؛ لعدم حصوله على الثواب بفعلها، فنصرة صاحب الزمان عليه السلام لا ثواب فيها، مع ما في نصرته عليه السلام من احتمال القتل أو الجرح من دون فائدة، كما لا يُعاقب مَن حاربه ممن رجع من العتاة والمنافقين، وهو باطل بالاتفاق.
وأما إذا قيل: إنه يرجع إلى الدنيا مكلَّفاً، فقد انتقض ما هو متّفق عليه من أن ابن آدم إذا مات انقطع عمله.
وجوابها: ١- ما ذهب إليه الحرّ العاملي قدس سره ونقله عن كتاب (الصراط المستقيم) للبياضي العاملي قدس سره، فإنه قال:
إنه يحتمل كون أهل الرجعة غير مكلّفين، كما يُفهم من بعض الأحاديث السابقة، وأنهم إنما يرجعون ليحصل الفرج والسرور للمؤمنين، وينتقموا من أعدائهم، ويظهر تملّكهم وتسلّطهم، ويحصل الغم والذلّ للكافرين وأعداء الدين، وليس عندنا دليل قطعي على كونهم مكلّفين، وإلا لجاز أن يتوب كل واحد من أعداء الدين، لاطّلاعه على جملة من أحوال الآخرة، والأدلّة الدالّة على انقطاع التكليف بالموت بل قبله عند المعاينة كثيرة في الكتاب والسنة، فمن ادَّعى تكليفاً بعد الموت فعليه الدليل، ولا سبيل إليه، وعمومات الخطاب قابلة للتخصيص، على أنها لم تتناول جميع الأزمان بالإجماع، وليس هنا إجماع، وكونهم يجاهدون ويفعلون أفعالاً كثيرة لا يدل على أنهم مكلّفون بها، كما أنهم في الآخرة يفعلون أشياء كثيرة جدًّا لا يمكن عدّها من (التكاليف، مثل) المشي إلى موقف الحساب، وأخذ الكتاب باليمين والشمال، والجواب عن كل ما يُسألون عنه، ومن المرور على الحوض، وسقي من يسقى، وطرد من يُطرد، ومن حمل اللواء، وتمييز أهل الجنة والنار، وسوقهم إلى منازلهم، والشفاعة، وهبة بعضهم حسناته لبعض، وغضّ أبصارهم عند مرور فاطمة عليها السلام، وركوب بعضهم، ومشي الباقين، وقسمة الجنة والنار، والجثو على الركب تارة والقيام أخرى، ودخول الجنة والنار، والنزول بمنزل خاص، وما يصدر من الكلام الطويل بينهم، ومن الأكل والشرب والجماع والنوم والجلوس، وزيارة بعضهم بعضاً، ومن التحميد والتسبيح، وغير ذلك مما هو كثير جدًّا، وليسوا مكلفين بشيء من ذلك، وقد ذكر هذا الوجه صاحب كتاب (الصراط المستقيم)(٩٢).
قلت: مقتضى كلام الحر العاملي قدس سره أن هؤلاء لو رجعوا إلى الدنيا وفعلوا المعاصي والموبقات فإنهم لن يؤاخذوا عليها، لا بمعنى أنها تقع مغفوراً لهم فيها، ولعلّ مراده هو أنها لن تزيدهم عذاباً فوق عذابهم؛ لأنهم بمعاصيهم السابقة صاروا في الدرك الأسفل من النار، واستحقّوا أقصى العقاب، ومعاصيهم اللاحقة لن تؤثّر شيئاً؛ لأنه لا عقاب فوق عقابهم.
٢- أنّه يحتمل أن المكلّف إذا رجع إلى الدنيا عاد إليه التكليف من جديد، فيعاقب على أعماله السيئة في الرجعة، ويثاب على أعماله الصالحة، عملاً بالإطلاقات الدالّة على ذلك، ومنها قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (الزلزلة: ٧، ٨).
وما ورد من أن ابن آدم إذا مات انقطع عمله يراد به انقطاع تكليفه ما دام ميتاً، لا مطلقاً حتى لو عاد إلى الحياة؛ لأنه بموته قد فقد الشرائط العامّة للتكليف، وهي الحياة والعقل والقدرة والاختيار، ولكنه إذا رجع إلى الحياة اتّصف بشرائط التكليف من جديد، فيصير مكلَّفاً، ولا محذور في ذلك، فإن الدنيا دار تكليف من غير فرق بين من يحيا فيها حياته الأولى أو حياته الثانية في الرجعة.
الشبهة الثالثة: أن كل مَن مات فإنه يعلم أنه من أهل الجنة أو من أهل النار، ويكون قبره بعد المساءلة إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، فمن علم أنه من أهل الجنة كيف يرجع إلى دار التكليف مرّة ثانية، فلا يدري بعد ذلك ما يقع له في حياته الثانية، فربما يُفتن في دينه فيكون من أهل النار، وهذا يقتضي ألا يرضى عاقل برجوعه إلى الدنيا مرّة ثانية.
وجوابها: أنه لا استبعاد في أن يرضى المؤمن العاقل برجوعه إلى الدنيا بعد أن يعلم أنه من أهل الجنة؛ لأن من عاش في زمان الخوف والتقية، وفي دولة سلاطين الجور، التي التبس فيها الحق بالباطل، حيث كانت الأهواء والفتن تحوطه من كل جانب ومكان، ومع ذلك آمن وعمل صالحاً، مع صعوبة الأمر وشدَّته، إلى أن مات مستوجباً رضوان الله وجنانه، فكيف يزل عن الحق إذا رجع إلى الدنيا، وعاش في دولة الحق والعدل وقد زالت الفتن، وانحسرت الأهواء، وارتفع الخلاف بين الناس؟!
ولعلّ الكثير من المؤمنين يطمعون في أن يرجعوا إلى الدنيا؛ ليجاهدوا في سبيل الله تحت راية إمام عادل منصور، ولينعموا في دولة العدل الإلهية، ويسعدوا بظهور الحق بعد زواله واضمحلاله، ويستكثروا من الأجر والثواب، وغير ذلك من الدواعي المهمّة التي لا تُنال إلا بالرجعة.
الشبهة الرابعة: وهي أقوى شبهات منكري الرجعة كما قال الحرّ العاملي في كتابه (الإيقاظ من الهجعة)(٩٣).
وحاصلها: أنه قد تقرَّر أن الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين والدنيا، وأن المهدي عليه السلام خاتم الأوصياء والأئمة، فلا يجوز أن تكون الرجعة في زمان المهدي عليه السلام ولا بعده؛ لأنه يلزم إما عزله عليه السلام عن الإمامة، وقد ثبت استمرار إمامته إلى يوم القيامة، وإما تقديم المفضول على الفاضل، أو زيادة الأئمة على اثني عشر، أو عدم عموم رئاسة الإمام عليه السلام.
ومراد صاحب الشبهة هو أن من يعتقد بالرجعة يقول: إن النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام يرجعون إلى الدنيا واحداً بعد واحد، وبعضهم يجتمع مع بعض، ومن هذا يلزم عدّة محاذير، وذلك أنه في حال رجوع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام والإمامين الحسن والحسين عليهما السلام، إن قلنا: إن الإمام المهدي ينعزل عن الإمامة، وتكون الرئاسة العامّة للنبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، أو للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لزم من ذلك محذور عزل إمام معصوم عن إمامته، وعدم استمرار إمامة الإمام المهدي عليه السلام التي ثبت أنها مستمرة إلى حين وفاته.
وأما إذا قلنا: إن الإمام المهدي عليه السلام لا ينعزل عن إمامته، ويكون من ضمن رعيته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإمام أمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، فإنه يلزم من ذلك تقديم المفضول على الفاضل، وهذا قبيح لا يصدر من الحكيم جلَّ وعلا.
وأما إذا قلنا: إن الإمام المهدي عليه السلام لا يكون إماماً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا لأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام، وإنما يكون إماماً لغيرهم، فإنه مضافاً إلى لزوم محذور تقديم المفضول على الفاضل، يلزم منه أيضاً عدم عموم رئاسة الإمام المهدي عليه السلام، فتكون رئاسته عليه السلام غير شاملة لبعض من يعيش في دولته المباركة، وهذا باطل جزماً.
ولعلّ مراد صاحب الشبهة بأن القول الرجعة يستلزم القول بزيادة الأئمة على اثني عشر هو أن الأئمة عليهم السلام إذا رجعوا إلى الدنيا، وتولّى كلُّ واحد منهم أمور المسلمين بعد انقضاء عمر السابق له، فإنه يلزم من ذلك أن يكون الأئمة أربعة وعشرين إماماً؛ لأنهم وإن كان عددهم اثني عشر إلا أن كلّ واحد منهم تولى الإمامة مرّتين، فكأنهم أربعة وعشرون إماماً!
وقد أجاب الحرّ العاملي عن هذه الشبهة بعدّة إجابات:
منها: أنه يمكن كون رجعة الأئمة عليهم السلام كلّها بعد موت الإمام المهدي المنتظر عليه السلام وهو الظاهر؛ لما روي من طرق كثيرة أن أوّل من يرجع إلى الدنيا الحسين عليه السلام في آخر عمر الإمام المهدي عليه السلام، فإذا عرفه الناس مات الإمام المهدي، وغسَّله الإمام الحسين عليه السلام، وتلك المدّة اليسيرة جدًّا تكون مستثناة للضرورة(٩٤).
قلت: من تلك الأخبار ما رواه الكليني قدس سره عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله تعالى: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَْرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً) إلى قوله: (بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ)، قال عليه السلام: قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم عليه السلام، فلا يدَعون وِتْراً لآل محمد إلا قتلوه، (وَكانَ وَعْداً مَفْعُولاً) خروج القائم عليه السلام، (ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ) خروج الحسين عليه السلام في سبعين من أصحابه، عليهم البِّيض المذهَّب، لكل بيضة وجهان، المؤدُّون إلى الناس: أن هذا الحسين قد خرج، حتى لا يشك المؤمنون فيه، وأنه ليس بدجَّال ولا شيطان، والحجّة القائم بين أظهرهم، فإذا استقرت المعرفة في قلوب المؤمنين أنه الحسين عليه السلام، جاء الحجةَ الموتُ، فيكون الذي يغسِّله ويكفّنه، ويحنّطه، ويلحده في حفرته، الحسين بن علي عليهما السلام، ولا يلي الوصي إلا الوصي(٩٥).
ولعل استثناء هذه المدّة اليسيرة من أجل أن يتسلَّم الإمام الحسين عليه السلام مهامّ الدولة من الإمام المهدي عجَّل الله فرجه الشريف.
ويظهر من بعض الأخبار أن رجعة الإمام الحسين عليه السلام إنما تكون بعد موت الإمام المهدي عليه السلام مباشرة، فلا تكون هناك مدّة يسيرة مستثناة.
ومن تلك الأخبار ما رواه الشيخ الحسن بن سليمان الحلي قدس سره في مختصر البصائر بسنده عن أبي عبد الله عليه السلام: سُئل عن الرجعة، أحقٌّ هي؟ قال: نعم. فقيل له: من أوّل من يخرج؟ قال: الحسين عليه السلام يخرج على أثر القائم. قلت: ومعه الناس كلهم؟ قال: لا، بل كما ذكر الله تعالى في كتابه: (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً)، قوماً بعد قوم(٩٦).
ومما أجاب به الحر العاملي قدس سره أيضاً: أنه يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة الأطهار عليهم السلام بعد الرجعة مكلّفين بتكليف خاصّ، لا بنبوّة وإمامة بعد الموت والرجعة؛ لما روي في الأحاديث من أنّ الله أوحى إلى نبيِّه في آخر عمره أنه قد انقضت نبوتك وانقطع أكلك، فاجعل العلم والإيمان وميراث النبوة في العقب من ذرّيّتك(٩٧)، وغير ذلك(٩٨).
ويمكن لنا أن نجيب عن هذه الشبهة أيضاً بأنا نحتمل أن يقوم جميع الأئمة عليهم السلام بجميع مهام الإمامة في وقت واحد من غير حاجة إلى عزل الإمام المهدي عليه السلام عن إمامته، ولا يلزم على ذلك إشكال تقديم المفضول على الفاضل، ولا عزل الإمام المهدي المنتظر عليه السلام عن إمامته، وهو واضح.
كما يمكن الجواب بأن أحاديث الرجعة مسلَّمة ومتواترة عندنا بنحو الإجمال، وأما تفاصيل ما يحدث في الرجعة - ومنها تفاصيل تولي الإمامة في حال اجتماع الأئمة عليهم السلام - فهذا لا نعلمه، ولا نقول فيه بغير علم، ونحن لسنا مكلَّفين بالاعتقاد فيه بشيء، ولا تجب علينا الآن معرفة التكليف فيه في ذلك الوقت، فحاله حال كثير من الأمور التي تقع في آخر الزمان مما لا نعلمها.
حوادث طريفة حول الرجعة
حفلت كتب التاريخ والأدب بسرد وقائع حصلت بين بعض الشيعة القائلين بالرجعة، وبين آخرين ينكرونها، بل ويشنِّعون بها على الشيعة، وبعض تلك الحوادث لا يخلو من فائدة وطرافة.
منها: ما ذكره محمد بن خلف بن حيان في كتابه (أخبار القضاة)، بسنده عن الحارث بن عبد الله الربعي، قال : كنتُ جالساً في مجلس للمنصور وهو بالحبس الأكبر، و(القاضي) سوار عنده، والسيِّد (الحميري) ينشده:

إنَّ الإلهَ الذي لا شيءَ يشبهُهُ * * * آتاكمُ المُلكَ للدنيا وللدينِ
 آتاكمُ اللهُ مُلكاً لا زوالَ له * * * حتى يُقادَ إليكم صاحبُ الصينِ
وصاحبُ الهندِ مأخوذٌ برُمَّتِهِ * * * وصاحبُ التركِ محبوسٌ على هُونِ

حتى أتىٰ على القصيدة والمنصور مسرور، فقال سوار: هذا يعطيك بلسانه ما ليس في قلبه، والله إن القوم الذين يدين بحبِّهم غيركم، وإنه لينطوي على عداوتكم. فقال السيِّد: والله إنه لكاذب، وإني في مدحيك لصادق، ولكنه حمله الحسد إذ رآك على هذه الحال، وإنَّ انقطاعي ومودَّتي لكم أهل البيت، وخلافي لرأي أبويه، ومعاندتي لهما، لم تساير من أنصرف عنكم، وإن هذا وقومه لأعداؤكم في الجاهلية والإسلام، وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ على نبيِّه عليه السلام في أهل بيته: (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ). (الحجرات: ٤). فقال المنصور: صدقت. فقال سوار: إنه يقول بالرجعة. فقال: أما قوله: (إنه يقول بالرجعة)، فإن الله عزَّ وجلّ يقول: (رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ)، وقال: (فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ)، وقال: (فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ)، إنما قلتُ مثل هذا، ولكنه يرجع بعد الموت كلباً أو قرداً أو خنزيراً أو ذرَّة؛ لأنه متجبِّر، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (يُحشَر المتكبِّرون في صورة الذَّر يوم القيامة)، وفي حديث آخر: (في صورة القردة والخنازير، يغشاهم الذلّ من كل مكان).
ثم قال:

جاثيتُ سواراً أبا شملةٍ * * * عندَ الإمامِ الحاكمِ العادلِ
فقالَ قولاً خطلٌ كلُّه * * * عندَ الورى الحافلِ والشاغلِ
ما ذبَّ عما قلتُ من وصمةٍ * * * في أهلِه بل لَجَّ في الباطلِ
وبان للمنصورِ صدقي كما * * * قد بانَ كذْبُ الأنوكِ الجاهلِ
يبغضُ ذا العرشِ ومَن يصطفي * * * مِن غِلِّه بالبيِّنِ الفاصلِ
ويعتدي في الحكمِ في معشرٍ * * * أدَّوا حقوقَ الرُّسْلِ للراسلِ
فبيَّنَ اللهُ تزاويقَه * * * فصارَ مثلَ الهائمِ الهاملِ(٩٩)

وقال صلاح الدين الصفدي في كتابه (الوافي بالوفيات):
قال الصولي: حدّثنا أبو العيناء، قال: السيِّد مذبذب يقول بالرجعة، وقد قال له رجل من ثقيف: بلغني يا أبا هاشم أنك تقول بالرجعة! قال: هو ما بلغك. قال: فأعطني ديناراً بمائة دينار إلى الرجعة! فقال له السيِّد: على أن توثِّق لي بمن يضمن أنك ترجع إنساناً، أخاف أن ترجع قرداً، أو كلباً، فيذهب مالي(١٠٠).
وأخرج الخطيب البغدادي في (تاريخ بغداد) بسنده عن محمد بن جعفر الأسامي، قال: كان أبو حنيفة يتَّهم شيطان الطاق(١٠١) بالرجعة، وكان شيطان الطاق يتَّهم أبا حنيفة بالتناسخ، قال: فخرج أبو حنيفة يوماً إلى السوق، فاستقبله شيطان الطاق ومعه ثوب يريد بيعه. فقال له أبو حنيفة: أتبيع هذا الثوب إلى رجوع عليٍّ؟ فقال: إن أعطيتني كفيلاً أن لا تُمسخ قرداً بعتك. فبُهت أبو حنيفة.
قال: ولما مات جعفر بن محمد، التقى هو وأبو حنيفة، فقال له أبو حنيفة: أمَّا إمامك فقد مات. فقال له شيطان الطاق: أمّا إمامك فمن المنظَرين إلى يوم الوقت المعلوم(١٠٢).
وروى الطبري في تاريخه عن خالد بن القاسم البياضي، قال: مات عكرمة وكُثَيِّر عزَّة الشاعر في يوم واحد سنة خمس ومائة، فرأيتهما جميعاً، صُلَّي عليهما في موضع واحد بعد الظهر في موضع الجنائز، فقال الناس: مات اليوم أفقه الناس وأشعر الناس.
قال: وقال غير خالد بن القاسم: وعجب الناس لاجتماعهما في الموت، واختلاف رأيهما، عكرمة يظن به أنه يرى رأي الخوارج، يكفر بالنظرة، وكُثَيّر شيعي يؤمن بالرجعة(١٠٣).
وقال ابن حجر العسقلان:
وقال البخاري ويعقوب بن سفيان عن علي بن المديني مات (يعني عكرمة) بالمدينة سنة ١٠٤. زاز يعقوب عن علي: فما حمله أحد، أكروا له أربعة، وسمعت بعض المدنيين يقول: اتفقت جنازته وجنازة كثيّر عزّة بباب المسجد في يوم واحد، فما قام إليها أحد. قال: فشهد الناس جنازة كثيّر، وتركوا عكرمة. وعن أحمد نحوه، لكن قال: فلم يشد جنازة عكرمة كَثِيْرُ أحد. وقال الدراوردي نحو الذي قبله، لكن قال: فما شهدها الا السودان(١٠٤).

خاتمة

بعد هذا البيان كلّه يتضح جليًّا أن الرجوع إلى الحياة الدنيا من بعد الموت أمر ممكن عقلاً، بل هو واقع في الأزمنة السالفة، وواقع في هذه الأمة كما مرَّ، بل سيقع في آخر الزمان حتماً.
وهذا الذي قلناه هو الذي نطقت به الآيات القرآنية الشريفة، ودلَّت عليه الأحاديث الثابتة عند الشيعة وأهل السُّنة، فلا مناص حينئذ من الاعتقاد بالرجعة، ولا سبيل إلى جحدها وإنكارها.
وسواء ثبتت الرجعة كما يقول الشيعة الإمامية، أم لم تثبت كما يقول أهل السنة، فإنها تبقى مسألة خلافية يجوز فيها الاجتهاد، ولا يحقّ لمنصف أن يعمد إلى تكفير القائلين بها أو تفسيقهم، ولا سيما أنها لا تُعد من أصول مذهب الشيعة الإمامية، ولا يضر جهل الشيعي بها، ومن قال بالرجعة إن كان مخطئاً فخطؤه ناشئ عن اجتهاد منه، ولا يستلزم القول بها إنكار أصل من أصول الدين، أو جحد آية من آيات الكتاب العزيز، حتى يلزم تكفيره، أو تفسيقه، أو رد روايته.
ولئن كان أعلام أهل السُّنَّة السابقون يحملون على من يقول بالرجعة، ويضعِّفون الراوي لأجل ذلك وإن كان صدوقاً ثبتاً، إلا أنه لا يجب تقليدهم في هذه المسألة، واللازم هو النظر في أدلَّتهم بإنصاف؛ لقبولها أو ردِّها، من أجل الوصول إلى قناعة جديدة حول هذه المسألة، وحول تقييم القائلين بالرجعة.
هذا ما أردت بيانه في هذه الرسالة الموجزة، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرينا الحق حقًّا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه، وألا يكلنا إلى أنفسنا فنتَّبع هوانا، إنه على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيِّدنا محمد وآله الطيِّبين الطاهرين.

مصادر البحث

القرآن الكريم.
١- الأحاديث المختارة: أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الضياء المقدسي، تحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة ١٤١٠هـ.
٢- أخبار القضاة: محمد بن خلف بن حيان (القاضي وكيع)، عالم الكتب، بيروت.
٣- الاستيعاب: يوسف بن عبد الله بن عبد البر الأندلسي، تحقيق علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت ١٤١٢هـ.
٤- أسد الغابة: عز الدين علي بن محمد بن الأثير، تحقيق علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت.
٥- الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني، تحقيق معوض وعبد الموجود، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٥هـ.
٦- الأعلام: خير الدين الزركلي، دار العلم للملايين، بيروت ١٩٨٠م.
٧- إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء - ضمن الحاوي للفتاوي: ٥٥٤.
٨- أوائل المقالات: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بالشيخ المفيد، دار الكتاب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م.
٩- الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة: الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي، تحقيق: مشتاق المظفر، الناشر: دليل ما، قم المقدسة، ١٤٢٨هـ.ق-١٣٨٦هـ.ش.
١٠- بحار الأنوار: المولى محمد باقر المجلسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت ١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م.
١١- البداية والنهاية: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، تحقيق د. أحمد أبو ملحم وجماعة، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
١٢- تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري): أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار سويدان، بيروت.
١٣- تاريخ بغداد: أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٤- التاريخ الكبير: محمد بن إسماعيل البخاري، دار الكتب العلمية، بيروت.
١٥- التبيان في تفسير القرآن: أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
١٦- الترغيب والترهيب: عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٧هـ- ١٩٩٧م.
١٧- تفسير الطبري: محمد بن جرير الطبري، مصورة دار المعرفة، بيروت ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
١٨- تفسير القرآن العظيم: إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، دار الفكر، بيروت ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
١٩- تفسير القرطبي: (الجامع لأحكام القرآن): محمد بن أحمد القرطبي، دار الشعب، القاهرة، ١٣٧٢هـ- ١٩٥٢م.
٢٠- تفسير القمي: أبو الحسن علي بن إبراهيم القمي، تصحيح وتعليق: السيد طيب الموسوي الجزائري، مؤسسة دار الكتاب للطباعة والنشر، قم المقدسة، ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
٢١- تقريب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، تحقيق محمد عوامة، دار الرشيد، حلب ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
٢٢- تنوير الحلك - ضمن الحاوي للفتاوي: جلال الدين السيوطي، تحقيق: الشيخ خالد طرطوسي، دار الكتاب العربي، ١٤٢٥هـ- ٢٠٠٥م.
٢٣- تهذيب التهذيب: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، دار الفكر، بيروت ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
٢٤- تهذيب الكمال في أسماء الرجال: جمال الدين يوسف المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف. مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
٢٥- الجرح والتعديل: عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدرآباد الدكن، الهند.
٢٦- الخصال: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسن بن بابويه، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٤١٠هـ- ١٩٩٠م.
٢٧- الدر المنثور: الدر المنثور في التفسير بالمأثور: جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت ١٤٠٣هـ - ١٩٨٣م.
٢٨- دلائل النبوة: أحمد بن حسين البيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
٢٩- رجال النجاشي: أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي، تحقيق: محمد جواد النائيني، دار الأضواء، بيروت، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٨م.
٣٠- رسائل السيد المرتضى: السيد علي بن الحسين بن موسى الموسوي، المعروف بالشريف المرتضى، دار القرآن الكريم، قم ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
٣١- زاد المسير: عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤١٤هـ- ١٩٩٤م.
٣٢- سلسلة الأحاديث الصحيحة: محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م.
٣٣- سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، دار الفكر، بيروت.
٣٤- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: عبد الحي بن العماد الحنبلي، دار المسيرة، بيروت، ١٣٩٩هـ-١٩٧٩م.
٣٥- شرح أصول الكافي: المولى محمد صالح المازندراني، ضبط وتصحيح: السيد علي عاشور، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٢١هـ- ٢٠٠٠م.
٣٦- صحيح البخاري: محمد بن إسماعيل البخاري، مراجعة وضبط: الشيخ محمد علي القطب والشيخ هشام البخاري، المكتبة العصرية، بيروت وصيدا، ١٤١٨هـ-١٩٩٨.
٣٧- صحيح مسلم: مسـلم بن الحجاج القشيري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، مصورة دار إحياء التراث العربي، بيروت.
٣٨- صراط النجاة: فتاوى السيد أبي القاسم الموسوي الخوئي، والميرزا الشيخ جواد التبريزي، مكتبة فدك، قم المقدسة، ١٤٢٥هـ- ٢٠٠٤م.
٣٩- الطبقات الكبرى: محمد بن سعد، مصورة دار صادر، بيروت.
٤٠- عقائد الإمامية: الشيخ محمد رضا المظفر، دار الزهراء، بيروت، ١٤٠٠هـ- ١٩٨٠م.
٤١- عمدة القاري: بدر الدين محمود بن أحمد العيني، ضبط وتصحيح: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢٩هـ- ٢٠٠٩م.
٤٢- عيون أخبار الرضا عليه السلام: أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه المعروف بالشيخ الصدوق، تصحيح: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
٤٣- الفتاوى الحديثية: أحمد شهاب الدين ابن حجر الهيتمي، دار المعرفة، بيروت.
٤٤- فتح الباري: أحمد بن علي بن حجر، المطبعة البهية المصرية، القاهرة ١٣٤٨هـ.
٤٥- الفصول المختارة من العيون والمحاسن: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان العكبري، المعروف بالشيخ المفيد، دار الأضواء، بيروت، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
٤٦- الفهرست: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، مؤسسة نشر الفقاهة، قم المقدسة، ١٤١٧هـ- ١٩٩٧م.
٤٧- فيض القدير: محمد عبد الرؤوف المعروف بالمناوي، ط مصر ١٣٩١هـ- ١٩٧٢م.
٤٨- الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة: محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تصحيح ومقابلة: صدقي خليل العطار، دار الفكر، بيروت، ١٤١٨هـ- ١٩٩٧م.
٤٩- الكافي: محمد بن يعقوب الكليني، تحقيق علي أكبر الغفاري، دار الأضواء، بيروت، ١٤٠٥هـ- ١٩٨٥م.
٥٠- الكامل في ضعفاء الرجال: عبد الله بن عدي الجرجاني، تحقيق: الشيخ عادل أحمد عبد الموجود، والشيخ علي محمد معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨هـ- ١٩٩٧م.
٥١- كتاب الثقات: محمد بن حبان البستي، طبع حيدر آباد الدكن، الهند ١٣٩٣هـ- ١٩٧٣م.
٥٢- كتاب السنة: عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني، مع تعليق محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٥هـ- ١٩٩٥م.
٥٣- كتاب المجروحين من المحدّثين والضعفاء والمتروكين: محمد بن حبّان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، دار المعرفة، بيروت، ١٤١٢هـ- ١٩٩٢م.
٥٤- مجمع البيان في تفسير القرآن: أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، دار مكتبة الحياة، بيروت.
٥٥- مجمع الزوائد: علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الريان للتراث بالقاهرة، ودار الكتاب العربي ببيروت ١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م.
٥٦- مختصر البصائر: عز الدين الحسن بن سليمان الحلي، تحقيق: مشتاق المظفر، مؤسسة النشر الإسلامي، قم المقدسة، ١٤٢١هـ.
٥٧- المدخل إلى تنمية الأعمال بتحسين النيات ...: محمد بن محمد بن محمد العبدري المالكي الفاسي المعروف بابن الحاج، ضبط وتصحيح: توفيق حمدان، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ- ١٩٩٥م.
٥٨- مرقاة المفاتيح في شرح مشكاة المصابيح: الملا علي القاري، تحقيق صدقي محمد جميل العطار، المكتبة التجارية، مكة المكرمة.
٥٩- المستدرك على الصحيحين: أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم النيسابوري، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١١هـ- ١٩٩٠م.
٦٠- مسند أبي يعلى: أحمد بن علي أبو يعلى الموصلي، تحقيق حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق ١٤٠٤هـ. ط أخرى بتحقيق مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨هـ- ١٩٩٨م.
٦١- مشاهير علماء الأمصار: أبو حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق مرزوق علي إبراهيم، دار الوفاء، المنصورة بمصر، ١٤١١هـ- ١٩٩١م.
٦٢- المصنف لابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق محمد عبد السلام شاهين، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٦هـ- ١٩٩٥هـ.
٦٣- المعجم الأوسط: سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق عوض الله والحسيني، دار الحرمين، القاهرة ١٤١٥هـ-١٩٩٥م. ط أخرى تحقيق محمد حسن الشافعي، دار الفكر، عمّان ١٤٢٠هـ-٢٠٠٠م.
٦٤- المعجم الكبير: سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار العلوم والحكم، الموصل ١٤٠٤هـ-١٩٨٤م.
٦٥- من لا يحضره الفقيه: محمد بن علي بن بابويه (الشيخ الصدوق)، تحقيق: الشيخ حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت ١٤٠٦هـ-١٩٨٦م.
٦٦- الوافي بالوفيات: خليل بن ايبك المعروف بصلاح الدين الصفدي، دار النشر فرانزشتاينر بفيسبادن، ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.


 

 

 

 

 

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) أوائل المقالات: ٨٨.
(٢) رسائل السيد المرتضى ١/١٢٥.
(٣) مجمع البيان ٧/٢٣٤.
(٤) شرح أصول الكافي ١١/٣٧١.
(٥) صراط النجاة ٢/٦١٤.
(٦) بحار الأنوار ٥٣/١٢٢.
(٧) صحيح مسلم ١/٢٠.
(٨) الجرح والتعديل ٢/٤٩٧، ١/٧٧.
(٩) نفس المصدر ١/١٣٦.
(١٠) نفس المصدر ٢/٤٩٧.
(١١) نفس المصدر ٢/٤٩٨.
(١٢) صحيح مسلم ١/٢١.
(١٣) تهذيب التهذيب ٢/١٢١.
(١٤) نفس المصدر ١/٣١٦.
(١٥) كتاب المجروحين ١/٢٨٩.
(١٦) الكامل في ضعفاء الرجال ٣/٥٤٢.
(١٧) تهذيب التهذيب ٣/١٧٨. ومعنى (يهم) أنه يقع في الوهم والخطأ، فتكون رواياته من الحسان إذا قلَّ وهمه.
(١٨) أي وجدوها ثقيلة، وشعروا أن هواءها لا يوافق أبدانهم.
(١٩) أفيح: أي واسع.
(٢٠) أي ملؤوا ما بين جانبيه.
(٢١) تفسير القرآن العظيم ١/٢٩٨.
(٢٢) تفسير القرآن العظيم ١/٣١٤.
(٢٣) تفسير الطبري ٣/٢٩.
(٢٤) تفسير القرآن العظيم ١/١١٢.
(٢٥) تفسير القرطبي ١/٤٠٤.
(٢٦) تفسير الطبري ١/٢٣٠.
(٢٧) نفس المصدر ١/٢٣١.
(٢٨) تفسير القمي ٢/١٣٠.
(٢٩) تفسير الطبري ٢٠/١٢. الدر المنثور ٦/٣٨٤. تفسير القرطبي ١٣/٢٣٨. زاد المسير ٦/١٩٤.
(٣٠) فيض القدير ٤/١٥٤.
(٣١) فإن الآية اشتملت على عدّة مؤكِّدات: منها: أن في قوله تعالى: (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ) ستة مؤكدات: القَسَمين واللامين والنونين. ومنها: أخذ الإقرار منهم، وتقريرهم بقبول عهد الله. ومنها: أمرهم بالشهادة. ومنها: الشهادة معهم.
(٣٢) تفسير الطبري ١٧/٦٩.
(٣٣) تفسير الطبري ١٧/٦٩.
(٣٤) تفسير القمي ٢/٧٥.
(٣٥) التبيان في تفسير القرآن ٧/٢٧٨.
(٣٦) تفسير القمي ٢/٢٥٨.
(٣٧) تفسير الطبري ٢٤/٤٨.
(٣٨) نفس المصدر ٢٤/٤٩.
(٣٩) من لا يحضره الفقيه ٣/٢٩٩.
(٤٠) الخصال: ١٠٨.
(٤١) عيون أخبار الرضا ١/٢١٧.
(٤٢) تفسير القمي ٢/٢٥٨.
(٤٣) تفسير القمي ٢/١٣٠.
(٤٤) مختصر البصائر: ٩٦، بحار الأنوار ٥٣/٦٧.
(٤٥) مختصر البصائر: ١٢٠. بحار الأنوار ٥٣/٤٦.
(٤٦) مختصر البصائر: ١٠٥، بحار الأنوار ٥٣/٧٤.
(٤٧) مختصر البصائر: ١٠٦، بحار الأنوار ٥٣/٣٩.
(٤٨) مختصر البصائر: ١٠٧، بحار الأنوار ٥٣/٣٩.
(٤٩) دلائل النبوة ٣/٨٩. البداية والنهاية ٣/٢٩٠.
(٥٠) المعجم الأوسط ٥/٥٤. مجمع الزوائد ٦/٨٠.
(٥١) دلائل النبوة للبيهقي ٦/٥٥.
(٥٢) دلائل النبوة للبيهقي ٦/٥٥.
(٥٣) التاريخ الكبير ٣/٣٨٣.
(٥٤) الجرح والتعديل ٣/٥٦٢. الثقات ٣/١٣٧. مشاهير علماء الأمصار: ٣٧. الكاشف ١/٤١٦. تقريب التهذيب: ٢٢٣. تهذيب التهذيب ٣/٣٥٣. الإصابة ٢/١٩٠، تهذيب الكمال ١٠/٦٠، ٦١. الطبقات الكبرى ٣/٥٢٤. أسد الغابة ٢/٣٥٤.
(٥٥) الاستيعاب ٢/٥٤٧.
(٥٦) أسد الغابة ٢/٣٥٤.
(٥٧) الطبقات الكبرى ٦/١٢٧.
(٥٨) الجرح والتعديل ٣/٤٥٦.
(٥٩) دلائل النبوة ٦/٤٥٤.
(٦٠) دلائل النبوة ٦/٥٨.
(٦١) أي يبحثون عنهم.
(٦٢) دلائل البنوة ٦/٥١.
(٦٣) راجع مجمع الزوائد ٥/١٨٠، ٧/٢٣٠. المعجم الأوسط ٧/٣٤٧. المعجم الكبير ٤/٢٠٢، ٥/٢١٨ - ٢١٩.
(٦٤) مسند أبي يعلى ٣/٢١٦، صحَّحه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/١٨٧، ونقل تصحيحه عن البيهقي، والسمهوري، والهيثمي، والمناوي.
(٦٥) صحيح مسلم ٤/١٨٤٥.
(٦٦) إنباء الأذكياء بحياة الأنبياء - ضمن الحاوي للفتاوي: ٥٥٤.
(٦٧) عمدة القاري ٤/٤٨.
(٦٨) مرقاة المفاتيح ٥/٣٧٨.
(٦٩) الضَّرْب: الخفيف اللحم الممشوق القوام، والجَعْد: من كان شعره غير سبط ولا مسترسل.
(٧٠) صحيح مسلم ١/١٥٧.
(٧١) عن فتح الباري ٦/٣٧٨.
(٧٢) تفسير القرآن العظيم ٣/١٦.
(٧٣) هو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري الأسيوطي، وُلد في شهر رجب سنة ٨٤٩هـ في القاهرة، وتلقّى علومه على أيدي جمع من علماء عصره، مثل محي الدين الكافيجي، وشرف الدين المناوي وغيرهما، حتى صار من أبرز علماء عصره، وكانت بينه وبين بعض علماء عصره خصومات كثيرة، جعلته يعتزل الناس ويلزم داره، فانقطع للكتابة والتأليف أكثر من ٢٢ عاماً، كتب على أثرها كثيراً من الكتب والمصنفات التي أوصلها بعضهم إلى ٥٣٨ كتاباً في مختلف العلوم، منها الدر المنثور، والجامع الصغير، والحاوي للفتاوي، والإتقان، واللآلئ المصنوعة، وتدريب الراوي، وتنوير الحوالك، وغيرها، توفي في القاهرة في سنة ٩١١هـ عن ٦٢ عاماً.
(٧٤) الحلك: الظلام.
(٧٥) صحيح البخاري ٤/٢١٩٠. صحيح مسلم ٤/١٧٧٥. سنن أبي داود ٤/٣٠٥.
(٧٦) تنوير الحلك ـ ضمن الحاوي للفتاوي: ٦٦٧.
(٧٧) نفس المصدر: ٦٦٩.
(٧٨) هو محمد بن محمد بن محمد ابن الحاج، أبو عبد الله العبدري المالكي الفاسي (ت ٧٣٧ هـ)، نزيل مصر، فاضل، تفقّه في بلاده، وقدم مصر، وحجَّ، وكُفَّ بصره في آخر عمره وأقعد. وتوفي بالقاهرة، عن نحو ٨٠ عاماً. من مؤلفاته: (المدخل) وهو أشهر كتبه، قال فيه ابن حجر: كثير الفوائد، كشف فيه عن معايب وبدع يفعلها الناس ويتساهلون فيها، وأكثرها مما ينكر، وبعضها مما يحتمل. وله: شموس الأنوار وكنوز الأسرار، وبلوغ القصد والمنى في خواص أسماء الله الحسنى. (الأعلام ٧/٣٥ بتصرف وتصحيح).
(٧٩) المدخل ٣/١٥٢.
(٨٠) هو محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد، بدر الدين العيني الحنفي (٧٦٢ ـ ٨٥٥ هـ)، مؤرّخ، علّامة، من كبار المحدّثين. أصله من حلب ومولده في عينتاب قرب حلب (وإليها نسبته)، أقام مدّة في حلب ومصر ودمشق والقدس، وولي في القاهرة الحسبة وقضاء الحنفية ونظر السجون، وتقرَّب من الملك المؤيَّد حتى عُدَّ من أخصائه، ولما ولي الأشرف سامره ولزمه، وكان يكرمه ويقدِّمه، ثم صُرف عن وظائفه، وعكف على التدريس والتصنيف إلى أن توفي بالقاهرة. من كتبه (عمدة القاري في شرح البخاري)، و (مغاني الأخيار في رجال معاني الآثار)، وغيرهما. (الأعلام ٧/١٦٣ بتصرّف).
(٨١) عمدة القاري ١٢/٢٥١.
(٨٢) هو أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي الشافعي (٩٠٩-٩٧٣هـ)، وُلد في محلة أبي الهيتم من إقليم الغربية بمصر، وإليه نسبته، قرأ على علماء عصره، حتى برع في علوم كثيرة، وأُذِنَ له بالإفتاء والتدريس وهو دون العشرين، قدم إلى مكة في أواخر سنة ٩٣٧هـ وحج، ثم جاورها منذ ذلك الوقت، وأقام بها يدرِّس ويفتي ويؤلّف، من مؤلفاته: الصواعق المحرقة، والفتاوى الحديثية، وغيرهما. وصفه ابن العماد في شذرات الذهب ٨/٣٧٠ بأنه الإمام العلامة البحر الزاخر، وأنه شيخ الإسلام، وخاتمة العلماء الأعلام، وإمام الحرمين، وأنه بحر لا تكدّره الدِّلاء وغير ذلك، توفي بمكة، ودُفن بالمعلاة.
(٨٣) الفتاوى الحديثية: ٢٩٧.
(٨٤) المصدر السابق: ٢٩٨.
(٨٥) نفس المصدر: ٢٩٩.
(٨٦) عقائد الإمامية: ١٦٣.
(٨٧) المستدرك على الصحيحين ٣/١٢٣، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. مجمع الزوائد ٤/٢٧٧، ٨/٦٣، قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الأوسط... ورجال الطبراني ثقات.
(٨٨) الترغيب والترهيب ٣/٨.
(٨٩) المصنف لابن أبي شيبة ٦/٣٤٩. كتاب السنة لابن أبي عاصم ٢/٥٨٣. فتح الباري ٦/٢٩٥، قال ابن حجر: وسنده صحيح، سمعناه في الأحاديث المختارة للحافظ الضياء.
قلت: أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ٢/١٧٥، إلا أنه لم يقل: (وفيكم مثله)، ولعلّ هذا من التحريف المتعمّد للتراث.
(٩٠) مختصر البصائر: ٩٦.
(٩١) الفصول المختارة: ١١٥.
(٩٢) الإيقاظ من الهجعة: ٤١٢.
(٩٣) الإيقاظ من الهجعة: ٤١٢.
(٩٤) الإيقاظ من الهجعة: ٤١٥.
(٩٥) الكافي ٨/١٧٤.
(٩٦) مختصر البصائر: ١٦٥.
(٩٧) الكافي ٨/١٧٤.
(٩٨) الإيقاظ من الهجعة: ٤١٤.
(٩٩) أخبار القضاة ٢/٧٤، وقد أصلحنا بعض الأبيات بالرجوع إلى مصادر أخرى ذكرت هذه الواقعة.
(١٠٠) الوافي بالوفيات ٩/١٩٨.
(١٠١) هو محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريقة البجلي مولى، الأحول أبو جعفر، كوفي، صيرفي، يلقَّب بمؤمن الطاق وصاحب الطاق، ويلقبه المخالفون بشيطان الطاق، روى عن الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق عليهم السلام. وكان له دكان في طاق المحامل بالكوفة، فيرجع إليه في النقد، فيرد ردًّا يخرج كما يقول، فسمّي شيطان الطاق. له كتاب (افعل لا تفعل)، وكتاب (الاحتجاج) في إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، وكتاب مجالسه مع أبي حنيفة والمرجئة. قال الشيخ الطوسي في الفهرست: ٢٠٧: وكان ثقة متكلماً حاذقاً حاضر الجواب. (رجال النجاشي ٢/٢٠٣ باختصار).
(١٠٢) تاريخ بغداد ١٣/٤١١.
(١٠٣) تاريخ الأمم والملوك (تاريخ الطبري) ١١/٦٣٤.
(١٠٤) تهذيب التهذيب ٧/٢٤٠.

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *

 

Specialized Studies Foundation of Imam Al-Mahdi (A-S) © 2016