فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب أخرى » المهدي المنتظر - رؤية استشراقية
 كتب أخرى

الكتب المهدي المنتظر - رؤية استشراقية

القسم القسم: كتب أخرى الشخص المؤلف: د. رباح صعصع عنان الشمري تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠١٩/١٢/١٢ المشاهدات المشاهدات: ٤١٩٩ التعليقات التعليقات: ٠

المهدي المنتظر (عجّل الله فرجه) - رؤية استشراقية

د. رباح صعصع عنان الشمري

فهرس المحتويات

المقدمة
مبحث تمهيدي
أولاً: الاستشراق والمستشرقون
ثانياً: المهدي المنتظر
ثالثاً: النقد
الفصل الأول: الفكر الاستشراقي - قراءة في المناهج والموارد والمصادر
المبحث الأول: ببلوغرافيا المصادر والدراسات الاستشراقية
المطلب الأول: سرد المؤلفات الاستشراقية عن المهدي المنتظر
المطلب الثاني: مناهج المستشرقين في العقيدة المهدوية
المبحث الثاني: التمذهب في عقيدة المهدي المنتظر
المطلب الأول: الأسباب والدوافع
الدافع العقائدي
الدافع السياسي
دافع بحثي، علمي، موضوعي
المطلب الثاني: العوامل والمنطلقات التي أدت إلى نشأة انتظار المهدي
العامل الأول: اضطهاد الحكام لجمهور الشيعة
العامل الثاني: منطلقات سياسية أفلاطونية
العامل الثالث: نزعة الثأر ولاسيما ثأر كربلاء
الفصل الثاني: العقيدة المهدوية في المرقاب الاستشراقي
المبحث الأول: حول أصل العقيدة المهدوية
المطلب الأول: عقيدة المهدي المنتظر من مختصات عقائد الشيعة
المطلب الثاني: عقيدة المهدي المنتظر من المخترعات والأيديولوجيا الشيعية
المطلب الثالث: مناقشة أقوال وكلمات المستشرقين
المبحث الثاني: شبهة عدم وجود الأصل القرآني والحديثي للعقيدة المهدوية
المبحث الثالث: مناقشة الأصل القرآني وجواب الإشكالات
المطلب الأول: الأدلة على شمول النصوص القرآنية للعقيدة المهدوية
المطلب الثاني: الآيات الدالة على عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر
الفصل الثالث: الأصل الحديثي للأطروحة المهدوية ومناقشة شبهات المستشرقين
المبحث الأول: أحاديث العقيدة المهدوية
المطلب الأول: أحاديث فيها تصريح بلفظ (المهدي)
المطلب الثاني: أحاديث في المهدي المنتظر غير مصرحة باسمه
المبحث الثاني: أحاديث العقيدة المهدوية درجتها، رواتها، تخريجها
المطلب الأول: تواتر الأحاديث
المطلب الثاني: سردٌ بأسماء الرواة والتخريج
أولاً: أسماء الذين رووا أحاديث المهدي المنتظر، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) من أهل بيت النبي (عليهم السلام) والصحابة
ثانياً: أسماء من خرّج أحاديث المهدي المنتظر، وبعض من صرَّح بصحتها
المبحث الثالث: إشكالان حول أحاديث المهدي المنتظر
المطلب الأول: المستشرقون وإشكال عدم ذكر المهدي المنتظر في صحيحي البخاري ومسلم
المطلب الثاني: المستشرقون وإشكال ابن خلدون
الفصل الرابع: أهم شبهات المستشرقين حول الأطروحة المهدوية - عرضاً ونقداً وتحليلاً
المبحث الأول: شبهة التأثر بالديانات الأخرى
المبحث الثاني: التأصيل الديني للأطروحة المهدوية في الأديان الأخرى
ديانة مصر القديمة
الديانة الهندوسية
الديانة الهلنستية
الديانة البوذية
الديانة الزرادشتية
الديانة اليهودية والديانة المسيحية
مفهوم وراثة الأرض
مفهوم المنقذ والمخلص
مفهوم الانتظار
علامات المسيح المنتظر
الفصل الخامس: مسائل مرتبطة بعقيدة المهدي المنتظر
المبحث الأول: الفارقليط
النصوص الإنجيلية التي ذكرت البارقليط
المبحث الثاني: مُدَّعو المهدوية
المبحث الثالث: المستشرقون والإسماعيلية
المبحث الرابع: ولادة الإمام المهدي المنتظر وغيبته
جواب إشكالات المستشرقين
عوامل التشكيك في وجود وحياة الإمام المهدي المنتظر
مجموعة روايات عن ولادة وحياة الإمام المهدي (عليه السلام)
الروايات الدالة على أنه من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام)
روايات صريحة بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)
روايات دالة على رؤية أصحاب الأئمة للإمام المهدي (عليه السلام)
روايات تعيِّن بأنه ابن الإمام العسكري (عليه السلام)
الروايات التي تُصرِّح بغيبته (عليه السلام) قبل وبعد وقوعها
السفراء الأربعة والغيبة الصغرى ودلالتها على المطلوب
روايات التوقيعات التي صدرت من الإمام المهدي (عليه السلام)
شهادات من غير الشيعة الإمامية
خلاصة التحقيق في مسألة الولادة
قائمة المصادر والمراجع

مقدمة

كتب المستشرقون في مجالاتٍ عدةٍ، بل في المجالات المعرفية كلِّها، الدينية، والثقافية، والتاريخية، والعلمية، تخصصيةً كانت أو غير ذلك، فكتبوا في كل ما يخص الشرق ولأجل ذلك سُمُّوا بالمستشرقين، فهم أقرب للأنثروبولوجيا (علم الإنسان) من غيرها من العلوم، ما دعاهم (أي قربهم للأنثروبولوجيا) إلى الكتابة في مجالاتٍ متعدّدةٍ، فلا غَرْوَ أنْ كتبوا وبحثوا عن عقيدة المهدي المنتظر عند المسلمين، لما لها من ثقلٍ كبيرٍ في مناحي عقائد المسلمين، وتدخلها وارتباطها بالأديان السماوية الأخرى من جهةٍ، والتصاقها بأشراط الساعة وآخر الزمان من جهةٍ أخرى.
فكانت بحوثهم وكتاباتهم، سبباً في لفت الانتباه وشدِّ الفكر تُجَاهَ قضيةٍ عقديةٍ مهمةٍ، لكنها كانت في ما جرت عادتهم، تحمل النهج السيئ عند أغلبهم، وهو أنْ ينظروا للمسألة بعينٍ بحثية واحدةٍ (عوراء) من جهة عدم رجوعهم إلى المصادر التي من شأنها أنْ تغني البحث بصورةٍ شاملةٍ، واعتمادهم الأُحادية في انتقاء المصادر التي تخدم أغراضهم المُعَدّة سلفاً، فكتبوا وأدلوا بدلوهم في هذا المجال بمناهجَ عدّةٍ وأساليبَ وطرقٍ متنوّعةٍ؛ فقسمٌ منهم كان منصفاً محايداً، وقسمٌ كان مغرضاً، والآخر كان حاقداً متجنياً، يكتب بعداءٍ واضحٍ وصريحٍ هذا التعميم في الكتابات والأقوال أدّى إلى غموضِ المسألة لدى المتلقي وتشويشٍ في فهم الحقائق كما هي.
هذا الكتاب يتناول دراسة آراء المستشرقين في القضية المهدوية، دراسةً نقدية موضوعية، فكانت هذه الدراسة محاولةً جادّةً للوقوف على ما كتبه المستشرقون عن مسألة المهدي المنتظر وما يكتنفها من ورائياتٍ وغيبياتٍ حول الشخص الذي اتفقت حوله كلمة علماء المسلمين، ونطقت الأحاديث الصحيحة الصريحة، بأنه سيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وسيحقق نتاج وثمرة وجهود جميع الأنبياء والمرسلين.
الموضوع وأهميّته وأسبابه:
لمّا كانت المقدمة هي المرآة الصغيرة العاكسة للكتاب الكبير، سيُعرضُ فيها توضيحٌ لما هو كامنٌ في وريقاته، وإذكاءٌ لما هو دفينٌ تحت رماده، على أنه يجب لحظُ أنَّ هناك فرقاً، يبدو غيرَ واضحٍ بين أهمية الموضوع وأهدافه وأسبابه، غالباً ما يحدث التداخل الذي لا يضرُّ بين هذه المصطلحات الثلاثة، وسيتبين هذا الفارق عن طريق المثال التالي: لو أنَّ شخصاً أراد أنْ يبني مسجداً جامعاً في مدينةٍ ما، نسأله عن الأسباب: لِمَ تبني هذا الجامع؟ ما السبب في بنائه؟ يجيب لعدم وجود مسجدٍ في هذه المنطقة، ورأيت الناس يقيمون صلواتهم وشعائرهم في الشارع.
ونسأله ما أهميته؟ هل توجد له أهمية معتدٌّ بها؟ يجيب بأنَّ أهميته تأتِي من ارتباطها بعبادة الله تعالى، وما دامت عبادة الله تعالى مهمّةً بصريح القرآن لأن الله خلق الجنّ والإنس حتى يعبدوه، فهذا مكانٌ للعبادة.
ونسأله: ما الأهداف التي ترمي لها من وراء بنائه والتي ستحققها عن طريقه؟ يجيب: تحقيق السلام والأمن والأمان والتراحم والتواصل والأُلفة والمحبة بين الناس. ويكمل إجابته قائلاً: لأن الناس عندما ستتردد وتزداد أعدادها في المجيء للمسجد وسيقرؤون القرآن ويسمعون الخطب على المنبر والوعظ والنصيحة، سيتجهون جماعياً لله تعالى، وسيتأثرون بكل ذلك، فينعكس على سلوكهم وتعاملهم وستنحسر حوادث السرقة والقتل وغيرها من المشكلات.
لذا كان لاختيار موضوع الدراسة أسباب:
السبب الأول: وجود الإشكالات المتعددة والمُثارة من المستشرقين حول عقيدة المهدي المنتظر وتأليفهم الكم الهائل من الكتب والبحوث والدراسات، لكن بقراءةٍ خاطئةٍ لهذه العقيدة، ومحاولة التشكيك بما هو متّفقٌ عليه ومشتركٌ بين المسلمين، وهو خروج المهدي المنتظر وبشارة النبي لآخر الزمان، والاستهزاء بعقيدة المسلمين بانتظاره. وكذلك الرؤية القاصرة للثقافة الاستشراقية المرتبطة بفلسفة الحضارة الغربية التي تستند على التحليل المادي الذي لا يؤمن بالغيب، بل يؤمن بالتفسيرات الحسِّية والتحليل العلمي المادي.
السبب الثاني: عدم وجود الدراسات الكافية والمستفيضة التي من شأنها إغناء البحث وإشباعه، مما يختص بالمستشرقين حول هذه المسألة بالذات، ولا سيَّما لمناقشة مستشرقين اختصوا بالكتابة عن المهدي المنتظر إنّ هذه محاولةٌ جادّةٌ لإيضاح وعرض شبهات المستشرقين بمناقشاتٍ موضوعية بعيدةٍ عن التعصب بكل أشكاله، ولإعطاء صورةٍ إيجابية عن اتّفاق الاتّجاهات الإسلامية في النظر إلى حقيقة عقيدة المهدي المنتظر، وإنْ كانت التفسيراتُ مختلفةً، إلا أنَّ الاتفاق حاصلٌ على حقيقة هذه العقيدة التي استفاضت أخبارها في السُّنّة المشرفة بما لا يدع مجالاً للإنكار، وبما يعطي أملاً للتفسير الإسلامي مع شدة ظلام الفتن.
السبب الثالث: عدم وجود تنظيرٍ وتعبئةٍ ثقافية كافيةٍ لهذه المسألة العقدية الأساسية، على مستوى العالم عموماً، والعالم الإسلامي على وجه الخصوص، ومع كثرة الدراسات والكتب والبحوث التي أُلّفت لها، تبقى تفتقر إلى جوانبَ عدّةٍ لم تُبحث فيها.
أهمية الموضوع:
١ - تأتي أهميته بوصفه مرتبطاً بعقيدةٍ تخص وتهمُّ جميع المسلمين في شتى نِحَلِهم، فقد يتوهم بعضهم أنَّ عقيدة المهدي المنتظر هي عقيدةٌ خاصّةٌ بطائفةٍ معيّنةٍ من المسلمين، بينما هي كمفردةٍ إيمانية أصيلةٍ متجذرةٌ يجب الإيمان بها كباقي الواجبات الإيمانية، لا فرق بين الجميع في ثبوت البشارة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بخروج المهدي المنتظر في آخر الزمان ولا في مهمته العالمية، بأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، ولا في صفات شخصيّته المتميّزة، ولا في علامات خروجه ومعالم ثورته، نعم توجد هناك مختصاتٌ وفروقاتٌ لكل طائفةٍ من المسلمين؛ لكنَّها لا تؤثر على أصل العقيدة والإيمان بها. منها مثلاً: أنَّ الشيعة الإمامية يعتقدون بأنَّه هو الإمام الثاني عشر من أئمتهم، المولود سنة ٢٥٥هو أنَّه حيٌّ وغائبٌ الآن، بينما يعتقد أهل السنّة بما توافر لهم من معطياتٍ، أنه غيرُ مولودٍ بعدُ، ولا موجودٌ الآن، بل سوف يولد يوماً ما، ويحقق ما بشّر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
٢ - تكمن أهميّته العالمية، بوصفه تشترك به الأديان السماوية أيضاً، بل تشترك به باقي الملل والنحل من غير الأديان - على ما سيثبت لاحقاً - فالأطروحة المهدوية أطروحةٌ إنسانية نعم، الإنسانية جمعاء بانتظار القائد، المنقذ، المصلح، المخلِّص، الفادي، المسيح، المهدي، المنتظر، الذي سيحقق ويجني جهود جميع الأنبياء والصالحين وثمرة دعوات الأنبياء والمرسلين، فهو حتماً القائد الذي سيملأ الأرض عدلاً.
٣ - تنبعث أهمية الموضوع بوصفه يبحث في نتاجٍ كبيرٍ وثقيلٍ، لا يُستهان به من المستشرقين المتخصصين، ويناقش ويوضح مغالق كلماتهم التي مآلُها شبهاتٌ، والتي سيطرت عليها الضبابية وأحاطها الغموض، وهي مؤطرةٌ بإطارٍ وغلافٍ علميٍّ مُبطَّنٍ، قد يخفى على بعض المتتبعين. وزيادة على ذلك أنَّ المستشرقين، لهم المقبولية والشعبية في بلدانهم، عند شعوبهم وقرَّائهم. وفي العالم الإسلامي هناك فئةٌ من المثقفين ممن تأثر بالخطاب الاستشراقي وفكره.
فمن الأهمية بمكان الإجابة على تلك الشبهات، لأن الشبهة المغلوطة إذا لم تتبين وتتوضح ستبقى عالقةً تتأرجح في عقل المتلقي وستأتي بنتيجةٍ سلبية حتماً على كافة الأصعدة.
مشكلة الدراسة:
١ - المشكلة الأساسية، هي محاولة المستشرقين تهميش وإنكار وجود هذه العقيدة عند المسلمين، فهم يحاولون إنْ لم يستطيعوا أنْ ينكروها أو يهمشوها، أنْ يضفوا عليها ضبابيةً، ويعملون على تشويشها عند عقل المتلقي، عن طريق تعمّد الفهم الخاطئ والقراءة غير الصحيحة لما تحتويه مادة هذه العقيدة. هؤلاء يحاولون تبعيض وتشتيت وتقطيع وتفصيل هذه المسألة العقدية بحسب أغراضهم الدفينة وأهوائهم ونزعاتهم التبشيرية والعنصرية والفئوية.
٢ - إنَّ أغلب المستشرقين قد أظهروا عقيدة المهدي المنتظر كأنها مختصةٌ فقط بفئةٍ معيّنةٍ من المسلمين وهم (الشيعة) وهذه المسألة تكمن وراءها أغراضٌ وأهدافٌ من أهمها وأخطرها أنْ يوقعوا شرخاً كبيراً في النسيج الإسلامي، عن طريق بيان أنَّ هذه العقيدة شاذةٌ وغريبةٌ عن المفردات الإيمانية الأخرى، ومِنْ ثَمَّ فإنَّ من يعتقد ويؤمن بها، سيكون غريباً عن حضيرة الإسلام والمسلمين، وليس منهم.
فالعقيدة المهدوية - بحسب الزعم الاستشراقيّ - مقترنةٌ بعقائد وأصول المذهب الشيعي، دون غيرهم من الطوائف والمشارب الإسلامية. فإذا كان هناك نقدٌ على مبتنيات هذه العقيدة وتفرعاتها وما يرتبط بها وبمدّعيها، سيتوجه صوبَ تلك الطائفة، لأنها هي المعنية بذلك، ولا يوجد أحدٌ يؤمن ويعتقد بها غيرهم، لذا سوف لا تجد ذكراً لهذه العقيدة في مؤلفات المستشرقين وكتاباتهم، إلا عندما يكتبون عن الشيعة، ولا سيَّما الشيعة الإمامية، كما سيظهر جلياً بحسب ما ترشَّح من كتاباتهم. فهم يحاولون الولوج من هذا الباب لاستغلال وانتهاز موطِئ قدم فكري، للتفريق وتعميق الهوة بين فرق المسلمين ومذاهبهم، معتمدين بتصورهم، بوصف مسألة المهدي المنتظر. مسألةً خلافية بامتيازٍ بين المسلمين بحسب فهمهم وقراءتهم لها، ولا يؤمن بها إلا من شذّ منهم.
وللأسف فإنّهم قد نجحوا في ذلك بنسبةٍ معيّنةٍ، لأن المتلقي والشباب العربي المسلم عموماً يستهوي البضاعة والأفكار المستوردة الجاهزة والمغلفة بإطارٍ غربيٍّ حداثويٍّ.
لقد نجحوا في ذلك بإيهام عقل المتلقي عن طريق مغالطةٍ ومصادرةٍ للمطلوب اعتمدها المستشرقون، وهي ذكر الموارد والنقاط والتفاصيل والمختصات، المختلف فيها بين المسلمين في موضوع القضية المهدوية، وتغييب وتضييع البحث في النقاط المشتركة فيها، ومحاولة نفي وتشويه صورة تلك النقاط المختلف فيها، وحاولوا كذلك أن يجعلوا من نفي موارد الاختلاف منطلقاً ومبدأً لنفي نقاط الاشتراك والاتفاق، ومن ثَمَّ وتبعاً لذلك ستنتفي العقيدة المهدوية برمتها.
وسيتبين في طياّت الكتاب هل إنّ هذه العقيدة فعلاً لا يؤمن بها المسلمون بجميع أطيافهم؟ أو هي عقيدةٌ إسلامية أصيلةٌ لدى جميع المسلمين بكل مشاربهم ومذاهبهم؟ باتفاق المدارس الإسلامية على جوهرها وإنْ اختلفت أساليب التعبير عنها، أو بعض الجزئيات فيها.
أسئلة مثيرة:
١ - ماذا قال أو كتب المستشرقون عن عقيدة المهدي المنتظر؟ ولِمَ يكتبون هذا الكم الهائل عن عقائد المسلمين وركزوا على هذه العقيدة خاصّةً؟ وهل يجب أنْ نقرأ للمستشرقين ونهتم وندقق ونحلل ونناقش ما كتبوا؟ وما الضير إذا لم نقرأ ونناقش ولم نُولِهم الاهتمام؟
٢ - هل مفردة (المهدي المنتظر) الإيمانية، من العقائد والمفردات الإيمانية المشتركة بين المسلمين، أو هي عند فئةٍ دون أخرى؟ وما هي نقاط الاختلاف فيها بين فرق المسلمين؟ ومدى نقاط الاشتراك فيها؟ وأيُّ النقاط مرجحة فيها؟
٣ - هل وجود أطروحة (المهديّ المنتظر) على أنها مفهومٌ عامٌّ للمنقذ والمصلح والمخلِّص في النِحَل والمِلَل وأهل الكتاب من الأديان السابقة على الإسلام، هل وجودها يفيد ويخدم القضية الإيمانية الدينية الإسلامية، أو يزيد الأمور تعقيداً باعتبارها ستُعدُّ اقتباساً من تلك الديانات السالفة؟
٤ - هل تأصيل هذه الأطروحة والعقيدة المهدوية في القرآن الكريم والسُّنّة الشريفة، كافٍ في الرد والإجابة على شبهات المستشرقين؟ وهل يكفي فقط وجود الأحاديث النبوية الشريفة للتأصيل لمثل هذه العقيدة الحيوية في الجسد الإسلامي؟ أم يجب أنْ يؤصَّلَ لها أصلٌ قرآنيٌّ يُعتدُّ به؟
فرضيّاتٌ مطروحةٌ:
- أقوال المستشرقين ومؤلفاتهم يجب ألاَّ تهمل في هذا المجال، لأن مجرد التغاضي عن الشبهات، لا يصنع حلّاً للشبهة نفسها.
- يجب ألَّا يحتكم المسلمون لأقوال المستشرقين ومؤلفاتهم في صحة عقائدهم أو عدمها، أو حتى جعل أقوال المستشرقين وآرائهم تأييداً لتلك العقائد.
- أشار القرآن الكريم لعقيدة المهديّ المنتظر، والسُّنَّة الشريفة صرحت تصريحاً مباشراً بها، والأديان أو الشرائع السابقة أشارت لها في الكتب والألواح والصحف السماوية.
- بعض المستشرقين لهم كلماتٌ منصفةٌ في هذا المجال يمكن استثمارها والاستفادة منها في مناقشة وجواب بعضٍ آخر منهم.
- الأخذ بنظر الاعتبار أنَّ توجيه وإثارة أيِّ شبهةٍ حول مسألةٍ وعقيدةٍ ما، من عقائد المسلمين، أو قد تكون مختصةً بأيِّ اتجاهِ أو مذهبٍ من مذاهب المسلمين، إنَّما هو ضربٌ وتوجيه للإسلام بصورةٍ عامّةٍ، لأن المستشرقين عندما يكتبون ويتحدثون للمتلقي بقولهم (المسلمون يعتقدون كذا، أو الطائفة المعيّنة من المسلمين تعتقد بكذا) كأنهم يتحدثون عن جميع المسلمين، فلا مناص من مواجهتهم فكريّاً، والدفاع عن الإسلام برمته من غير تبعيضه، بلحاظ أنَّ المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
منهج الدراسة:
لمّا كانت الدراسة تدخل في مجال الدراسات الوصفية الاستقرائية التي تتطلب نوعاً من الدراسة المسحية، بحيث تشمل أقوال المستشرقين في هذه القضية، فيكون المنهج المناسب هو المنهج الاستقرائي التتبعي، وذلك عن طريق جمع أقوال وكتابات المستشرقين وتتبّعها. ومن ثَمّ بعد دراسة مناهجهم فإنَّ المنهج المناسب هو التحليلي وقد يحتاج إلى توظيفٍ جزئيٍّ للمنهج التاريخي، فكان ذلك عند الحديث عن استقراء مؤلفات المستشرقين. وأحياناً أُحتيج للمنهج البيبليوغرافي، لذكر ووصف مجموعة كبيرة من أسماء لشخصياتٍ أو مؤلفاتٍ ووصفها وصفاً عامّاً. ولا يخفى بأنَّ المنهج النقدي كان حاضراً أكثر من غيره.
خطة الدراسة:
اشتملت الدراسة على مقدمةٍ ومبحثٍ تمهيديٍّ وخمسةِ فصولٍ وقائمةٍ بالمصادر. المبحث التمهيدي تم فيه شرح وتوضيح الكلمات الرئيسة للعنوان والتعريف بها، مرةً باختصارٍ غيرِ مُخِلٍّ، وأخرى بتطويلٍ غيرِ مُملٍّ.
وبعده يأتي الفصل الأول، الذي جاء للتعرف على المصادر والمؤلفات والدراسات التي أنتجها المستشرقون حول المهدي المنتظر، فجاءت فيه قائمةٌ بأسماء المستشرقين ومؤلفاتهم بالتفصيل، وتطرق هذا الفصل أيضاً إلى مناهج المستشرقين التي ساروا عليها في العقيدة المهدوية، وعن الأسباب والدوافع التي جعلتهم يتجهون هذا المنحى، وكذلك أقوالهم في العوامل والمنطلقات التي أدت إلى نشأة انتظار المهدي برأيهم.
الفصل الثاني جاء مباشرةً في صلب الموضوع وهو عرضٌ لآراء المستشرقين وأقوالهم وكلماتهم ومناقشتها والجواب على ما اشتبه فيها. جاء هذا الفصل هكذا في صميم الموضوع، فنوقشت فيه محاولاتهم في إقصاء هذه العقيدة وجعلها مختصةً بالشيعة فقط وتصوير الحالة كأنها مؤدلجةٌ شيعيّاً ضمن إطار معين. بحسب الزعم لا يوجد أصلٌ قرآنيٌّ أو حديثيٌّ للعقيدة المهدوية. وجاء الجواب عنه عن طريق عرض محاور الاشتراك والاتفاق بين المسلمين في عقيدة المهدي المنتظر، والآيات التي يمكن أنْ تشير إلى عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر، بما جادت به قريحة مفسري المسلمين، والقرائن والأدلة التي تؤيد إشارة تلك الآيات.
ويأتي الفصل الثالث تباعاً الذي استوجب إتيان مكانه هنا - أي بعد الفصل الثاني - لأنه مكمِّلٌ لما قبله في إثبات الأصل الحديثي لأطروحة المهدي المنتظر، في مقابل إنكارها وتضعيفها حديثيّاً من قِبَلِ المستشرقين، وكان هذا الفصل أسهلَ من سابقه، لأن الأحاديث جاءت صريحةً في ذكر اسم المهدي المنتظر، أو شأنٍ من شؤونه، فتمَّ ذلك بذكر أحاديث فيها تصريحٌ بلفظ (المهدي) وأحاديث فيه غير مصرِّحةٍ باسمه، ومحاولة إثبات تواترها، وذُكِرَ فيه أسماء وعدد الرواة بالتفصيل من أهل بيت النبي والصحابة الكرام، وكذا إكمالاً للحجة، ذكر أسماء من خرّجَ أحاديث المهدي المنتظر من علماء المسلمين، من أرباب علوم الحديث وبعض من صرَّحَ بصحتها، ومناقشة وجواب إشكاليْن مهمّيْن، أوردهما المستشرقون، الأول: عدم ذكر المهدي المنتظر في صحيحي البخاري ومسلم، والأخر: إشكال تضعيف ابن خلدون لمجمل الأحاديث في هذا الشأن.
الفصل الرابع، جاء شبيهاً ملاصقاً للفصل الثالث من جهة عرضه لأهم شبهات المستشرقين حول الأطروحة المهدوية، وهي شبهة التأثر بالديانات الأخرى التي طالما أوردها المستشرقون في مناسباتٍ عدّةٍ عند التطرق للإسلام والمسلمين وعقائد الإسلام، فهي أسهلُ وأسرعُ شبهةٍ يمكن أنْ يأتوا بها، فتمَّ عرضها ونقدها وتحليلها، والجواب عليها، في مبحث التأصيل الديني للأطروحة المهدوية في الأديان الأخرى.
والفصل الخامس كان لا بدَّ أنْ يكون هو الفصل الأخير، لأنه يبحث عن مسائلَ مرتبطةٍ بعقيدة المهدي المنتظر، وليست هي المهدي المنتظر، فلا بدَّ من بحثها ولا يمكن تعدِّيها، وهو مناقشة الإشارات في الكتب المقدسة في الأديان التي تتفق مع التفسير الإسلامي للموضوع، كمبحث (الفارقليط) الذي ذُكِرَ في كتب العهدين للمسيحيين واليهود، ويُقصد به النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو يُقصد به المهدي المنتظر على رأيٍ آخر، أو يمكن أن يُقصد به الوجهان. وهذا المبحث جاء مرتبطاً بالفصل السابق وكأنه انتقالٌ من الكلي إلى الجزئي، إذ كان الفصل السابق تأصيلاً دينيّاً للأطروحة المهدوية في الأديان الأخرى، ولا سيَّما المسيحية واليهودية.
وأيضاً بُحِثَ في هذا الفصل مسألة مُدَّعي المهدوية على مر التاريخ، وكيف حاول المستشرقون توهين عقيدة المهدي المنتظر بسبب ادعاءات المهدوية من مجموعةٍ من الكَذَبَةِ ومدعي الإيمان والنفعيين، مع أنَّه لا ملازمة بين الأمرين، بين ادعاء الشيء كذباً، وبين أصل صحته وصدوره من الله تعالى. وبحثت كذلك مسألة الإسماعيلية، إذ كان قوام ومِلاكُ مذهبهم ومحوره، الوعد برجوع المهدي الذي تجسد بإسماعيل أو ابنه محمد، على شرحٍ سيُفصّل في محله.
وكذا بُحِثت ولادة الإمام المهدي المنتظر وغيبته، وهي من أهم النقاط المفصلية بين الشيعة الإمامية وبين عموم المسلمين، باعتبار أنَّ عموم المسلمين من أهل السنة والجماعة، بحسب المعطيات والأدلة المتوافرة يؤمنون بأنَّ المهدي المنتظر غيرُ مولودٍ بعدُ وليس موجوداً الآن، وأنَّه سوف يولد في ما بعد عند أجلٍ غيرِ مسمًّى، بخلاف الشيعة الإمامية الذين يعتقدون بولادته ومن ثَمَّ فإنّهم يؤمنون بوجوده وإمامته ما دام مولوداً، وبغيبته بالتَبَع، وانتظاره إلى أنْ يظهر آخر الزمان.
هذا الكتاب إنْ شاء الله تعالى، سيمثّل مطارحاتٍ علميةً لعرضٍ وتحليلٍ ونقدٍ موضوعيٍّ بنّاءٍ لكلمات المستشرقين حول القضية المهدوية، وكيف فهموا هذه القضية، ومن ثَمَّ توصلهم إلى تلك النتائج، ومحاولة نقد هذا النتاج الفكري ومدى استيعابه لمفهوم العقيدة المهدوية، وسيمثِّل مطارحةً بحثيةً مع علماء الغرب من المستشرقين المختصين، الذين لا يُستهان بنتاجهم الفكري، لخوض غمار البحث والفكر والعلم فيها ﴿وَإِنَّا أَو إِيَّاكُم لَعَلَى هُدًى أَو فِي ضَلَال مُّبِين﴾ (سبأ: ٢٤).
في النهاية، قلمي يرجو السماح والاعتذار لهفواته لأنه غيرُ معصومٍ وما دام هذا العمل من نتاجي وأنا إنسانٌ من عامة البشر، إذاً سوف يكون عملاً غيرَ كاملٍ لأن الكمال لله وحده.
وحسبي الله ربي ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَهُوَ رَبُّ العَرشِ العَظِيمِ﴾.

المؤلف د. رباح صعصع

مبحثٌ تمهيديٌّ

الكلمات المفتاحية: وتعني الكلمات الرئيسة، التي تدور حولها المحاور:
أولاً - الاستشراق والمستشرقون:
إذا تمَّ هنا تعريف الاستشراق لغةً واصطلاحاً، سيكون إعادةً وتكراراً، ممّلاً، ذلك لأنه ما من كتابٍ كتب في هذا المجال، إلاَّ وابتدأ بتعريف الاستشراق لغةً واصطلاحاً، وبتفاصيلَ مُسهبةٍ(١).
فإنْ كان ولا بدَّ من الكماليات، أو قلْ من مكملات التمهيد، لا بأس بذكر بعض الأسطر تتناول الاستشراق من زاويةٍ أخرى حادَّةٍ، من غيرِ إسهابٍ. على كل حالٍّ من الصعوبة بمكانٍ تحديد تعريفٍ خاصٍّ بالاستشراق يكون جامعاً مانعاً وذلك لتطوّر العلوم وتغيّر مفاهيمها بتقدمها وكثرة المشتركات والاختلافات في ما بين مفاهيمها، لا سيَّما وأنَّ الاستشراق ليس من العلوم التجريبية الحسية، كذلك لوجود الطبقات المتعددة من المستشرقين، والمدارس المتشعبة والدول التي تختص به، والأهداف والدوافع المتغيرة، وهناك أيضاً ما يقابله مصطلح الاستغراب والمستغربين، ومفهوم الاستعراب والمستعربين، فيمكن أنْ يقال هنا: (فهو أحياناً يُراد به: ذلك العلم الذي تناول المجتمعات الشرقية بالدراسة والتحليل من قِبَلِ علماء الغرب. وأحياناً يُقصد به أسلوبٌ للتفكير يرتكز على التمييز المعرفي والعرقي والأيديولوجي بين الشرق والغرب. ومرةً أخرى يحدد مفهومه بالناس الذين يقومون به ونعني بهم المستشرقين، وهم الكُتّاب الغربيون)(٢).
وكذلك اختلاف تحديد جهة الشرق جغرافيّاً؛ لأن صيغة كلمة (استشراق) فيها صيغة طلبٍ، أي طلب الشرق، يأتي السؤال هنا من أين يتم تحديد الشرق وفي أي نقطةٍ من مركز الكرة الأرضية؟ حتى ينحصر مَنْ المستشرقون؟ هل هم الذين يسكنون جهة الغرب فقط؟ وهل يسمّى غير المسلم وغير العربي الذي يسكن الشرق، مستشرقاً أم لا؟
 فضلاً عن أنَّ المستشرقين أنفسهم بدأوا يتملصون من لوازم المصطلح، فيسمّون كتاباتهم مثلاً بدراسات الشرق الأوسط، أو الدراسات العربية، كل هذا جعل من تعريف المصطلح أوسعَ ومختلفاً بحسب هذه التنوعات، ذلك بما ادَّعوا وقرروا بأنَّ (تعبير (الاستشراق والمستشرقون) قد انسدل عليه الستار المعرفي في عام ١٩٧٣ أي في المؤتمر المئوي الأخير الذي عقده المستشرقون في باريس... قد وصلوا إلى قرارٍ مفاده لزوم التوقف عن استعمال أو ترديد هذا التعبير في المؤتمرات اللاحقة، وذلك لكونه غير موائمٍ فكريّاً وسياسيّاً لطبيعة المرحلة ولتطور العلاقات بين الغرب والشرق أو بين الغرب والإسلام أو بين الثقافة الغربية - الأميركية وبين العلماء والعرب المسلمين من الشرق الأوسط)،(٣) أو لأسبابٍ أخرى:
منها: حركة الاستهجان والردود والنقود الهائلة والحادَّة من علماء الشرق والمهتمين ولا سيَّما الإسلاميّين منهم. ومنها: مثلاً لكي يأتي المستشرقون مرةً أخرى، بثوبٍ ولباسٍ جديدٍ مقبول، لتقديم أبحاثٍ قد تكون معاصرةً، لكنها ما من شكٍّ، عيالٌ على ما كتب المستشرقون الأوائل من أجيال نولدكه وغولد تسيهر وجفري وغيرهم. ومنها: أنَّ هذا المصطلح بات يشكِّل عبئاً على أذهان ومسامع العرب والمسلمين، كما أفصحت بذلك ناديا أنجيليسكو عندما قدمت رفضها بأنْ تُنعت بالمستشرقة بقولها: (خلال زيارتي إلى البلدان العربية قدمتني الصحف أكثر من مرة بـ(المستشرقة الرومانية ناديا أنجيليسكو) واحتججت أكثر من مرةٍ على هذه التسمية. طبعاً كان من أهم الأسباب لاحتجاجي أنَّ شخصية المستشرق أصبحت مشؤومة إلى حدٍّ ما في الوطن العربي...)(٤).
ولسائلٍ أنْ يسأل هنا: لِمَ حرصوا على مثل هذا القرار وقد عاشت هذه المصطلحات على أمد سنين، وهي أسبابٌ غيرُ كافيةٍ ومقنعةٍ لترك تلك المصطلحات التي تحدد طبيعة عملهم البحثي والتحقيقي؟ وهل فعلاً لم يُستعمل المصطلح، ولم يكن هناك نتاجٌ على مستوى الدراسات التي كانت في السابق؟ كل هذا لم يحصل بل إلى الآن ثَمَّة استعمالٌ للمصطلح - وإنْ كان بشيءٍ أقلَّ من ذي قبل - ولا زالت الدراسات والأبحاث تترى وتتوالى أكثر فأكثر، لا سيَّما وأحداث الشرق الأوسط بتغيِّرٍ وحَرَاكٍ مستمرَّيْن، على المستوى السياسي والديني والثقافي والمعرفي.
أمّا بالنسبة لتعريفه، فنجد تعاريف كثيرةً فيُعرّف بأنَّه: (دراسةٌ يقوم بها الغربيون لقضايا الشرق، وبخاصةٍ كل ما يتعلق بتاريخه ولغاته وآدابه وفنونه وعلومه وتقاليده وعاداته)(٥) فهو تعريفٌ من جهة الجغرافيا والجَنْبَةِ العلمية، أما المفكر إدوارد سعيد فيعرّف الاستشراق بأنَّه: (نمطٌ من الإسقاط الغربي على الشرق وإرادة السيطرة عليه)(٦)، والواضح منه أن التعريف جاء من جهة الدوافع الاستعمارية والاحتلالية، في المقابل كما لا يخفى على المتتبع، هناك من المستشرقين من لديه دوافعُ علمية نزيهةٌ بعيدةٌ عن النزعة الاستعمارية.
وهناك من عرّفه بالمفهوم الإجرائي الذي شاع بين الأوساط العلمية الأكاديمية الآن، هو تصدي علماء غير المسلمين - سواءً أكانوا من الشرق أم من الغرب - لدراسة علوم المسلمين وحضارتهم ومعتقداتهم وآدابهم وتقاليد شعوبهم وعاداتهم وآثارهم(٧). إذن هنا خرج عن دائرة الجغرافيا والأمكنة ولم تحدده كلمة أو مصطلح الاستشراق بما تعني من جهة الشرق، فصار يدخل تحت عباءة هذا المصطلح كلُّ من كتب عن المسلمين وحضارتهم ومعتقداتهم وكل ما يتعلق بهم، وإنْ كانوا يقطنون البلاد العربية والإسلامية كـ(فيليب حتي: مستشرقٌ أمريكيٌّ من أصلٍ لبنانيٍّ، من أبناء الطائفة المسيحية). ولا يصمدُ هذا الرأي في الحقيقة هنا، لأن الغالبية العظمى من المستشرقين هم ليسوا من الشرق، كذلك منشأ ومبدأ وعراقة وأصالة الاستشراق بدأ من ها هناك، كذلك مؤلفات وكتابات المستشرقين التي تلهج وتنطق بعدم انتمائها لأيِّ شرقٍ كان، إلا إنه ستواجهنا مشكلةٌ واضحةٌ لا يمكن التغاضي عنها، وهي ماذا نعمل للاستشراق الروسي والياباني وأيضاً الاستشراق اليهودي الإسرائيلي، إذ إنهم من الشرق لكنهم ليسوا بمسلمين ولا عرباً، هل ينطوون تحت مسمى المصطلح أو خارجه؟ ويمكن أنْ ينطووا تحت مسمى: (الاستشراق بالمعنى الأعم) لا الاستشراق بالمعنى الأخص، أي كل من يكتب من الغرب عن الشرق فهو مستشرقٌ لا العكس.
لذا حاول المستشرقون منذ البداية تعلّم وإجادة اللغة العربية، بدليل قرار أحد المؤتمرات جاء بتنصيب أستاذين في كل جامعة من الجامعات الأوروبية الخمس لتدريس اللغات، اليونانية، العربية، العبرية والكلدانية، حيث فهموا وعرفوا مقدار أهمية مكانة الإلمام باللغات ولا سيَّما العربية منها، في مجال النشاط التبشيري(٨).
يُذكر أنَّ تعبير (Orientalist - المستشرق) هذا إنَّما يدل على أنَّ المصطلح، له جذورٌ وبصماتٌ غربية أضفت عليه هذا المعنى الموجود اليوم، مع الأخذ بنظر الاعتبار عدم تسمية كلِّ من كتب أو قال شيئاً ولو يسيراً عن الشرق وتاريخه واسلامه وأدبه، عدم تسميتهِ بمصطلح (مستشرق) عالمٍ بعلوم الشرق؛ فهناك من غير المتخصصين والعلماء من يكتب مقالةً صغيرةً، فهذا لا يجعله عالماً متخصصاً بالشرق، كغيره ممن أفنوا أعمارهم في تعلم اللغة العربية، كي تأتي بحوثهم وتحقيقاتهم على الوجه المراد منه إيصال الحقيقة.
ولهذا يُعرِّف المستشرق الألماني ألبرت ديتريش، المستشرق: (هو ذلك الباحث الذي يحاول دراسة الشرق وتفهمه، ولن يتأتى له الوصول إلى نتائجَ سليمةٍ ما لم يتقن لغات الشرق(٩)). إذن وعلى هذا النمط من التعريف (الفضفاض) العريض للمستشرق، الذي يمكن أنْ يدخل فيه كل من قام بدراساتٍ وبحوثٍ بمختلف الصفات والتخصصات وباختلاف المراحل التي تخطاها الاستشراق، من الرحّالين، والمبشرين، والضبّاط، ورجال الاستعمار، واللغويين، واللاهوتيين، وعلماء الفن والآثار، والإنسانيين الأنثروبولوجيين، ومؤرخي الحضارات، والتربويين، ورجال المخابرات، والاقتصاديين ومندوبي الشركات، وخبراء الأسواق التجارية، والسياسيين والمهتمين بالشرق كافةً.
لكن لا يصح ذلك بالمعنى الأكاديمي، فكثيرٌ منهم جواسيسُ وخبراءُ متخصصون في الشرق، وغير متمكنين في دراساتهم من إتقان لغات الشعوب الشرقية، ولا تتعدّى دراساتهم التقارير الصغيرة التي يكتبونها(١٠).
كان لفظ المستشرق يُطلق في الغالب على الشخص الذي يحمل هوية غربية أوروبية أو أميركية، ولكن لمّا خاض عدد من الدارسين في الإسلام من المنتمين إلى أقطار غير مسلمة مثل: الصين والهند واليابان على غرار المستشرقين من الغربيين، إذ عمدوا إلى البحث والتحقيق بشأن الإسلام والقرآن والمسلمين وخصائص البلدان الإسلامية، فكانت جهودهم تحمل الطابع الملحوظ في الجهود الغربية، وكانت آثارهم العلمية قد خضعت لنفس ملاكات نقدها من علماء المسلمين، فلم يكن لهويتهم أو رقعتهم الجغرافية أيّ دورٍ في تمييزهم من غيرهم، لذلك تمّ إلغاء خصوصية (الانتماء الغربي) للمستشرق، ليحل محلها عدم الانتماء إلى الإسلام.
والاستشراق على أنه فكرٌ غربيٌّ، كَتَبَ وأنتج وصدَّر، ضمن بيئة تنظر إلى الشرق نظرةً غربيةً، وحاول الاستشراق نقد الشرق وتحليله ودراسته ووضع المقدمات والنتائج، بعقلية غربية علمانية، ولذلك ينبغي أنْ يُدرس الفكر الاستشراقي على وفق القراءة الواعية، وبنظرةٍ واقعية محايدةٍ تأخذ بنظر الاعتبار خصوصية شعوب المنطقة ودينها وعاداتها.
ثانياً - المهديّ المنتظر:
لا يُراد هنا في الكلمات المفتاحية الرئيسة للعنوان البحث عن لفظ المهدي المنتظر في معناها اللغوي والاصطلاحي، من قبيل أنَّه جاء من الفعل هدى، وأنَّه اسم مفعول، أو اسم فاعل، فلا داعيَ لها، ليس لوضوحها فحسب، بل لعدم جدواها، وعدم إضافتها شيئاً جديداً للبحث، وإنَّما المراد من عنونة المطلب هنا، لبيان ماذا يُقصد من المهدي المنتظر في العنوان الرئيس ومن هو المهديّ المبحوث عنه هنا؟
هل الذي ذكرته أحاديث المسلمين بشتى صحاحهم وموسوعاتهم الحديثية، بصورٍ عامّةٍ وخاصّةٍ، بكل مشاربهم وأنواعهم وأطيافهم؟ أهو المهدي (الخاص) الذي تناولته رواياتٌ خاصّةٌ بفريقٍ معيّنٍ، لأنه يتناسب مع توجُّه معيّنٍ وأسلوبٍ ونتائجَ ممنهجةٍ، في إطار بحثٍ مرسومِ الخريطة، بنتائجَ قَبْلِيةٍ لا تقبل التغيير والحياد؟ أو هو المهدي الذي تأطّر بِأُطرٍ استشراقية، وصاغته أفكارٌ ورؤًى تحركت بأناملَ بحثية بعينٍ غربيةٍ، تريد فرضَ رؤيتها وتسليمها وجعلها مسلّماتٍ لدى الآخرين، وتريد أنْ تجرَّ البحثَ إلى (قرصها)، لتجعلنا تحت وطأة طاولة نقاشها، والمهاترات البحثية التي جعلتها كمَطَبّاتٍ بحثية تجبرك على التوقف عندها؟
الجواب:
لا هذا ولا ذاك! إنَّما سيكون البحث عن (المهديّ المنتظر) سيراً على وفق آثار الخطوات التي تقف على أرضٍ صلبةٍ من الأمور المشتركة في هذه المسألة؛ فأينما يكون هناك مشتركاتٌ، ستكون هناك انطلاقةٌ بحثية متجدّدةٌ في عقيدة المهدي المنتظر بين المسلمين، بل حتى بين أتباع الديانات السماوية، وذلك إنصافاً للعقيدة بما هي عقيدةٌ مهدوية، بعيداً عن أيِّ شؤونٍ أخرى، أو قل عناداً - إنْ جاز التعبير - وحجاجاً ولجاجاً مع المستشرقين الذين حاولوا كما سيتضح في جميع طيات الكتاب (طية طية) وأوراقه (ورقةً ورقةً) بأنَّهم أرادوا إثبات غير ذلك بزعمهم: لا وجودَ ولا أصلَ لعقيدة المهدي المنتظر إلا عند الشيعة، وإنَّهم مبتدعة يغرّدون خارج السرب الإسلامي، وذلك عن طريق الخوض وبسط الكلام في المختصات والاختلافات من غير المشتركات، أو عن طريق النقولات المغرضة في هذه العقيدة، لنفي ما يشترك بها المسلمون فيها، ومِنْ ثَمَّ نفيها جميعاً وإنكارها بوصفها خارجةً عن المفردات الإيمانية، ولا تمثل إلا فئةً قليلةً من المسلمين.
والمشتركات على ما يبدو كثيرةٌ، من قبيل المثال لا الحصر:
الخروج الحتمي وبعثه في آخر الزمان.
ب - وأنَّه من أهل البيت (بأيِّ معنًى كان).
وأن الأرض تمتلئ بالجور والظلم، ويُبعَث المهدي فيملأها بالقسط والعدل ... عَنِ النَّبِي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَالَ: «لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ يَوْمٌ لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِى يَمْلأُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا»(١١).
وأنّه يشبه اسم النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): «لا تذهب الدنيا حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمُه اسمي»(١٢).
سيجري البحث سيراً مع ما تتطلبه حدود الدراسة النقدية لرأي هذا المستشرق أو ذاك، على وفق معاييرَ بحثية مُتّزنةٍ مُتّسقةٍ بميزان وسياق القرآن الكريم والسنة الشريفة، ومحاكمتها عن طريق القرآن والسنة الشريفة.
والسؤال هنا: هل ذُكر لفظ (المهدي - المنتظر) بعينه في القرآن أو لم يُذكر؟ أو هل ذُكر هذا اللفظ في الأحاديث والروايات؟
وهذا السؤال مرتبطٌ بالعنوان الرئيس، إذ ذكرت الأحاديث لفظ المهدي نفسه، إذ جاء في الحديث: (عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ كُنَّا عِنْدَ أُمِّ سَلَمَةَ فَتَذَاكَرْنَا الْمَهْدِيَّ فَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُولُ: الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ)(١٣). ولم يُذكر هذا اللفظ نفسه في القرآن.
وقد اشتهر هذا الاصطلاح (المهدي) بحيث صار عند الإطلاق، يُراد به المهدي المنتظر الذي يخرج آخر الزمان، أما لفظ المنتظر فقد ذكرته الأحاديث والأدعية الواردة عن طريق العترة الطاهرة من أهل البيت، حيث جاء في الكافي للكليني بسنده (عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله [الصادق] (عليه السلام) يقول: إنَّ للغلام غيبةً قبل أنْ يقوم،... ثم قال: يا زرارة وهو المُنتظَر، وهو الذي يُشكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خَلَف، ومنهم من يقول: حَمْل [أي مات أبوه وهو حمل في بطن أمه] ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر)(١٤). الرواية صحيحةٌ كما جاء في كتاب معجم الأحاديث المعتبرة، للشيخ محمد آصف محسني.
وتناقل المسلمون هذا الاسم عبر الأجيال، فهو يعبِّر عن انتظار تلك البشرى التي بشَّر بها الرسول الأكرم، وذلك القائد الذي يحقق آمال البشرية وتحقيق جهود الأنبياء، حيث سيملأها قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً كما بشّر به الرسول الأكرم، من هنا كان للفظ المنتظر هذا المعنى؛ لذا من البدهي أنْ نقول بأنَّه صيغة اسم مفعول (مُنتظَر) وليس اسم فاعل، لانتظار البشرية ذلك المخلِّص الموعود، الذي يحقق العدل الإلهي الكامل ويحقق حلم وجهود جميع الأنبياء والمرسلين، أما إذا تأكد وجوده وأنَّه حيٌّ غائبٌ، بحسب اعتقاد الإمامية، فيمكن أنْ يكون اسم (المُنتظِر) على صيغة اسم الفاعل باعتبار أنَّه ينتظر الإذن والأمر الإلهي بخروجه وظهوره لتحقيق العدل الإلهي المنشود، ونقلت الأحاديث هذا المعنى بأنَّه المُنتظِر (بصيغة الفاعل) لأمر الله بالخروج، ما جاء في آخر رسالة لآخر سفيرٍ له (عليه السلام)، روى الشيخ الصدوق ذلك في خبرٍ طويلٍ: (حدثنا أبو محمد الحسن ابن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام... فأخرج إلى الناس توقيعاً [من الإمام المهدي (عليه السلام)] نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا عليُّ بن محمد السمري... لا توصِ إلى أحدٍ يقومُ مقامَك بعد وفاتِك، فقد وقعتْ الغيبةُ الثانيةُ فلا ظهورَ إلّا بعد إذنِ الله (عزَّ وجلَّ) وذلك بعد طولِ الأمدِ وقسوةِ القلوب، وامتلاء الأرض جوراً...)(١٥).
من هنا ظهرت مؤلفاتٌ بهذا المعنى وهذا اللفظ، لجملةٍ من أعلام المسلمين، مثل: (القول المختصر في علامات المهدي المُنتظَر) لابن حجر الهيتمي، وأيضاً (عُقد الدُّرَر في أخبار المُنتظَر) وهو كتابٌ للشيخ يوسف بن يحيى السلمي الشافعي، وغيرها كثير.
من جهةٍ أخرى يظهر أنه صِيغَ بهذه الصياغة عن طريق ما ذُكر في الأحاديث في ما نقلته مصادر المسلمين - ولا سيَّما الإمامية - من الحثّ على انتظار الإمام المهدي (عليه السلام) أو الحث على انتظار الفرج، كما في (عيون أخبار الرضا) بأسانيدَ ثلاثةٍ معتبرةٍ عن الشيخ الصدوق بإسناده: (... قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله)(١٦) وجاء مثله في سنن الترمذي(١٧).
ثالثاً - النقد:
المعروف لدى بعضهم أو غالباً، عند من يمارس النقد عمليّاً، هو إظهار العيوب والمثالب وكلِّ أمرٍ سيئٍ، وبثها على لسان العدو والصديق، كما يُفهم من إطلاق قول أبي الدرداء الذي استشهد به ابنُ منظور في لسانه: (إِنْ نقَدْتَ الناسَ نَقَدُوكَ وإِنْ تَرَكْتَهُمْ تركوك، معنى نقدتهم أَي عِبْتهم واغتَبْتَهم قابلوك بمثله)(١٨) لكن في الحقيقة كما أنَّ النقد، هو كشفٌ للعيوب وإبرازها، في المقابل هو إظهار الإيجابيات والجانب الجيد فيها أيضاً، كما فُهِمَ ذلك من بعض معاني التعريفات اللغوية لمفردة النقد واستعمالاتها، حيث جاء النقد في اللغة: تَمْيِيزُ الدَّراهِمِ وإِخراجُ الزَّيْفِ منها كذا تَمييزُ غَيْرِها كالتَّنْقَادِ والتَّنْقُّدِ وقد نَقَدها يَنْقُدُها نَقْداً وانْتَقَدها وتَنَقَّدها إِذا مَيَّزَ جَيِّدها مِن رَدِيئها، و(نَقْدُ الدِّرْهَمِ) هو أَنْ يُكْشَفَ عَنْ حَالِهِ فِي جَوْدَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وإبرازه وبروزه(١٩).
أمّا النقد اصطلاحاً، كما هو معروفٌ في التعريفات الاصطلاحية التي لا بدّ وأنْ تأخذ شمَّةً - إن صحّ التعبير - وجَنْبَةً من التعريف اللغوي، وأنْ تكون هناك مناسبة بين الجذر اللغوي والمعنى الاصطلاحي، وعلى ذلك جاءت أنسب التعريفات تناغماً مع التعريف اللغوي، فإنّه (النقد دراسة الأشياء وتفسيرها وتحليلها وموازنتها بغيرها المشابهة لها أو المقابلة، ثم الحكم عليها ببيان قيمتها ودرجتها)(٢٠).
من هذا وذاك سوف تكون منهجية هذه الدراسة، أي مناقشة الآراء ومحاولة تحليلها ومقابلتها وموازنتها مع غيرها، ليَمِيِزَ الخبيث من الطيب منها، ويجعل الخبيث بعضه على بعض ليركمه فيجعله في خانة الإدانة، بعد ما كان في قدسية ساحة النقاش والحوار.

الفصل الأول: الفكر الاستشراقي - قراءة في المناهج والموارد والمصادر
المبحث الأول: ببليوغرافيا المصادر والدراسات الاستشراقية

توطئة:
في هذا المبحث لا بدّ من التعرف عن كثبٍ على المصادر والمؤلفات والدراسات الاستشراقية التي اهتمت وكتبت عن المهدي المنتظر، وذلك بعملية مسحٍ للمراجع والدراسات، قدر ما أمكن ذلك، مع عدم الاهتمام بذكر الآراء هنا بالتفصيل - فسيتم تفصيلها لاحقاً إنْ شاء الله تعالى فضلاً عن مناقشتها - وسيتم هنا ذكر هذه المصادر، سواءً أتشابهت وتقاربت هذه الدراسات أم لا، أم كانت مؤلَّفاً خاصّاً عن المهديّ المنتظر، أم خُصِّصَ له فصلٌ ضمن كتابٍ، أم غير ذلك. مع الإشارة إلى وجود مصادرَ ودراساتٍ أخرى في ذات الشأن، لكن لم يتسنَّ الوصول لها أو الاستفادة والتطرق لها، لأسبابٍ مختلفة، أهمها: لتكرارها نفس المنهج والأسلوب الذي يميل إليه المستشرقون. كذلك تجدر الإشارة والتنويه إلى أنَّ المستشرق عندما يتناول قضية المهدي المنتظر، غالباً ما يتناولها عند الشيعة وعقيدتهم بالمهدي الموعود، لذا تجد آراءهم عن المهدي المنتظر ضمن مؤلفاتهم وكتبهم عن الشيعة، لأنهم تصوروا أو هكذا أرادوا أنْ يصوّروا المسألة، واعتقدوا عن عمدٍ أو عن غير عمدٍ، أنَّ مسألة المهدي المنتظر، من مختصات وعقائد الشيعة فقط.
من هنا إذا أراد أيُّ باحثٍ أنْ يبحث، فعليه أنْ يتحرى مصادر المستشرقين وكتاباتهم عن الشيعة والتشيع وعقائدهم، لأنهم أثبتوا وجعلوا عقيدة المهدي المنتظر من مختصات عقائد الشيعة فحسب. وكذلك ينبغي مراعاة الخلفية العَقَدية للمستشرقين، الذين غالباً ما يعبِّرون عن رؤيةٍ توراتيةٍ، أو مستمدةٍ من عقائد النصرانية في هذه المسألة.
المطلب الأول: سردُ المؤلفات الاستشراقية عن المهدي المنتظر:
المستشرق غولد تسيهر، اليهودي المجري:
ألّف كتاباً بعنوان (العقيدة والشريعة في الإسلام) تحدث فيه عن تطور العقيدة ونموها في العالم الإسلامي وعن الزهد والتصوف والصوفية، وقد كان القسم الخامس منه عن (الفِرَق) الإسلامية والقسم السادس (الحركات الدينية الأخيرة) وخصص شطراً منه عن التشيع وعقائدهم وعن عقيدة المهدي المنتظر.
وذكر الدكتور عبد الجبار ناجي أنَّ تسيهر له (دراساتٌ إسلامية) تقع في جزأين أتى فيهما على مناقشة موضوع الشيعة الإمامية، وتطرق لعقيدة المهدي المنتظر، وكذلك له بحثٌ آخرٌ موسومٌ (موجز تاريخ أدب الجدل الشيعي السني) خصص فيها شطراً عن المهدي المنتظر(٢١)
وألَّف غولد تسيهر بحثاً بعنوان (تبجيل الميت في الإسلام والوثنية) تطرق فيه عن الأثر الفارسي القديم - الساساني - على العقائد الشيعية ومنها عقيدة المهدي المنتظر، وقد نشره في مجلّة دراساتٌ إسلامية عام ١٩٦٧(٢٢).
وأيضاً له كتابٌ بعنوان (مدخلٌ إلى الفقه والشريعة الإسلامية) ضمَّنه معلوماتٍ عن فلسفة الإمام عند الشيعة وطبيعة الإمام المهدي، وطُبع في جامعة برنستون(٢٣).
 وكتب بحثاً آخرَ عن العناصر الأفلاطونية المحدثة والغنوصية الموجودة في الحديث، وتطرق فيه إلى الحديث (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد أنْ مُلئت ظلماً وجوراً) وذلك بهدف إظهار أثر عددٍ من العناصر الأفلاطونية المحدثة وتأثير الأسفار اليهودية في ذلك الحديث(٢٤).
هاينس هالم (Heinz Halm)، ألمانيٌّ:
صدر له كتابٌ (التشيّع الإسلامي من الدين إلى الثورة) وطبع سنة ١٩٤٤، بالألمانية وتُرجم إلى الإنجليزية في أمريكا سنة ١٩٩٦م. وكان قد نشر (كتابٌ شيعيٌّ للمُفَضَّل بن عمر، أحد أصحاب الإمام الصادق [عليه السلام]) وإنَّه قد وقف فيه على عقيدةٍ الإمام المهدي(٢٥).
ب - له كتابٌ بعنوان (الشيعة)(٢٦) تضمن عنواناتٍ رئيسةً منها: (الأئمة في سامراء) و(غيبة الإمام الثاني عشر) و(عودة المهدي).
ت - وكذا له مؤلَّفٌ بعنوان (الغنوصية في الإسلام) تطرق فيه إلى التراث الشيعي والسني وجاء فيه على الفِرَق الغلاة، وعلى مدعي المهدوية من الفرق.
ث - ولديه كتابٌ مهمٌّ جدّاً في هذا المجال بعنوان: (إمبراطورية المهدي وصعود الفاطميين ٨٧٥م - ٩٧٣م)(٢٧)، لكن الكتاب في الحقيقة لا يتحدث عن المهدي المنتظر بالخصوص، إنَّما عن مدعي المهدوية في الدولة الفاطمية وعن الدعوة الإسماعيلية وانتشارها الواسع السريع، ويعود سبب هذا الانتشار إلى فكرة المهدي أو القائم، وهو يُعدُّ الإمام السابع والأخير للاسماعيلية، الغائب المستتر.
ج - هناك بحثٌ (أطروحةٌ) له بصورة كتابٍ عنوانه: (الفاطميون وتقاليدهم في التعليم)(٢٨) وفيه عن مناهجهم في الدعوة لمذهب الإسماعيلية، وفي سبيل نشر البشائر بقرب ظهور المهدي، واعتقاد الاسماعيليين بما يُعرف لديهم بالإمام المستور (المهدي المنتظر). وعن الدولة الفاطمية (المهدية) وأساليبهم في نشر دعوتهم المرتكزة على أخذ العهد للإمام المهدي المستور عندهم.
يوليوس فلهاوزن، ألمانيٌّ:
كتب عن عقيدة المهدي المنتظر في أكثر من مناسبةٍ، له كتابٌ مهمٌّ جدّاً في الدراسات الاستشراقية الألمانية بعنوان: (أحزابُ المعارضة السياسية الدّينية في صدر الإسلام - الخوارج والشيعة) ترجمه عن الألمانية عبد الرحمن بدوي.
أيضاً له إسهامٌ آخرُ تمثل بكتاب (تاريخ الدولة العربية منذ ظهور الإسلام إلى نهاية الدولة الأموية) تضمن شيئاً يسيراً عن المهدي المنتظر.
رودولف شتروثمان، ألمانيٌّ:
اشتهر بكتاب له مهمٌّ في هذا الشأن بعنوان (الشيعة الاثنا عشرية) والذي درس فيه العقيدة الشيعية ومن ضمنها عقيدة الإمامية في المهدي المنتظر(٢٩).
كما ألّف بحثاً عن (تاريخ البدع والغلاة في الإسلام) وقف فيه على الآثار الغنوصية والأفلاطونية المحدثة على بعض معتقدات الشيعة(٣٠).
وكتب شتروثمان بحثاً في دائرة المعارف الإسلامية، مادة (الشيعة) تضمن بحثاً عن المهدي المنتظر.
وله كتابٌ مهمٌّ بعنوان: (فرقة الزيدية) تضمَّن عقيدة المهدي المنتظر أيضاً. وتطرق فيه عن مدعي المهدوية.
جرهارد كونسلمان، كاتبٌ وصحافيٌّ ألمانيٌّ معاصرٌ اهتم بالشؤون العربية والشرق أوسطية من مؤلفاته (سطوع نجم الشيعة):
في كتابه (سطوع نجم الشيعة) تحدث عن أئمة الشيعة الإمامية واحداً بعد واحدٍ، ومن ضمنهم آخرهم، الإمام المنتظر. بعنوان: (الإمام الثاني عشر - المهدي الذي اختاره الله).
تيودور نولدكه (Noldeke)، ألمانيٌّ:
له كتابٌ عن الإمام الحسين وواقعة كربلاء، أشار فيه إلى النتائج العقدية المهمة للفاجعة في عقيدة المهدي المنتظر. أيضاً له دراسة بهذا الصدد وتبحث في حركة التشيع وتطورها ونُشرت في مجلة Der islam عام ١٩٢٣(٣١).
ولفرد مادولنك، ألمانيٌّ:
يُعد مادولنك، من المختصين في هذه الدراسات:
فقد ألف كتاباً بعنوان (محاضراتٌ عن تاريخ التشيع) وكذلك كتاباً آخَرَ عنوانه (اتجاهاتٌ دينية في إيران الإسلامية في الفترة المبكرة).
وكذلك نشر كتاباً (دراسةٌ في الخلافة بعد وفاة رسول الله) وقف فيه على موضوع عقيدة المهدي في النصف الأول منه.
وألّف بحثاً بعنوان (الولاية عند الشيعة الاثني عشرية في فترة غياب الإمام).
وكذلك ما كتبه في دائرة المعارف الإسلامية - والمكتوبة بأيدي المستشرقين - كتب بحثاً بعنوان (المهدي)، تتبع فيه الحديث الشريف بشأن المهدي عند السنّة والشيعة الإمامية والزيدية والإسماعيلية.
وأيضاً في دائرة المعارف الإسلامية كتب بحثين آخرين، البحث الأول بعنوان: (الإمامة) ركز فيه على افتراق عقيدة الشيعة والسنّة فيها، ومنها عقيدة المهديّ المنتظر، والبحث الآخر مخصصٌ لذات الشأن، بعنوان (قائم آل محمد).
وله مشاركاتٌ أخرى في الشأن ذاته، منها بحثه الذي خصصه للبحث عن السلطة (الولاية) عند الشيعة الإمامية الاثني عشرية بعد غياب الإمام المهدي.
وكذلك ناقش عقيدة الإمام الغائب في بحثه الموسوم (جدال الشيعة حول شرعية الخراج) وموقف علماء الشيعة من الوكالة والسفارة في عهد الغيبة(٣٢).
كارل بروكلمان (Carl Brocklman)، ألمانيٌّ:
كتاب بروكلمان الكبير والمشهور، (تاريخ الشعوب الإسلامية)(٣٣)، جاء فيه ذكر واستعراض تاريخ الفرق، كفرقة القرامطة وفرقة (الحشاشين) والإسماعيلية، فتطرق بذلك إلى مدعي المهدوية.
آدم متز (Adam Metz) مستشرق ألمانيٌّ:
في كتابه المعروف بمجلدين (الحضارة الإسلامية)، عنْوَنَ الفصل الخامس منه في المجلد الأول (الشيعة) وتطرق فيه إلى العقيدة المهدوية وتأثرها بالديانة المسيحية.
بيتر هاينه، ألمانيٌّ معاصرٌ.
ألّف كتاباً بعنوان (الإسلام) طُبع سنة ٢٠١٢م ترجمة أسامة الشحماني، خصص جانباً منه عن عقيدة المهدي المنتظر لدى المسلمين عامّةً، والشيعة الاثني عشرية بوجهٍ خاصٍّ، في فصلٍ سمَّاه: (طوائفُ وأشكالٌ خاصّةٌ) تحدث فيه عن الانشقاق العقائدي، والسنة والشيعة وفرقٍ أخرى كالإسماعيلية والزيدية، وعن استشهاد الحسين (عليه السلام) في العقيدة الشيعية، وعن الأئمة وعنْونَ مبحثاً بارزاً (المهديّ).
آوغست مولر، مستشرقٌ ألمانيٌّ:
له دراسةٌ خاصّةٌ حول عقيدة المهدي المنتظر بعنوان: (حول موضوعية المهدية في الإسلام) وتم طبعها عام ١٩٠١.
ب - وقام بتحقيق وترجمة وطبع كتابٍ شيعيٍّ مهم في هذا المجال، عنوانه (كمال الدين وتمام النعمة في إثبات الغيبة) للشيخ الصدوق بن بابويه القمي(٣٤).
جوزيف فان إس (Josef Van Ess)، ألمانيٌّ:
كتاب (التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام) جاء فيه عن عقيدة الانتظار ضمن فصل عنوانه (السنّة والشيعة).
فون كريمر (Kremer)، نمساويٌّ:
لديه كتابٌ عن الفرق الإسلامية تناول فيه عقائدها ومن بينها فرقة الشيعة وعقائدها، ولا سيَّما عقيدة المهدي(٣٥).
هنري كوربان (Henry Corbin): فيلسوفٌ ومستشرقٌ فرنسيٌّ.
بحكم سفره إلى إيران وإقامته هناك مدّةً من الزمن، وسلسلة حواراته الطويلة مع علماء الشيعة، فقد اهتم بدراسة الفلسفة الإسلامية واختصّ أيضاً بدراسة التشيع وعقائده:
فألَّف سلسلته الدراسية الضخمة (في الإسلام الإيراني، مشاهدُ روحية وفلسفية) بأربعة أجزاء لسبعة كتبٍ.
ب - الجزء الأول، هو كتاب (التشيّع الاثنا عشري) وكانت عقيدة المهدي المنتظر قد أخذت حيزاً كبيراً منه، وعن فلسفة فكرة الإمامة ومفهومها ومعنى الإمام للروحانية الشيعية.
ت - والجزء الثالث والرابع منه بحث فيه عن التصوف والتشيع والفلسفة في كتاب عنوانه: (تاريخ الفلسفة الاسلامية) فقد ضمًّن قسماً منه عن الإمام الغائب والإمام المستور، وأكّد إنَّ فكرة الانتظار هي شعورٌ فطريٌّ يدفع الانسان لانتظار الأفضل والأصلح. وتحدّث عن مفهوم الإمام بالتحديد وأوجه الاشتراك بين الروحية الصوفية والوجدان الشيعي، وكذلك ما سَمَّاهُ اللاهوت الشيعي مع الفكرة اللاهوتية المسيحية.
ث - وأيضاً ألّف كتاباً آخر من هذه السلسلة بعنوان: (الشيعة الاثنا عشرية) عن مفهوم الشيعة في الاثني عشر إماماً، وتطرق عن خاتم الولاية المحمدية - بحسب تعبيره - المهديّ المنتظر، في فصلٍ سَمَّاهُ: دورة النبوّة ودورة الولاية.
أخيراً خصّص كوربان الكتاب السابع والأخير من سلسلة دراسته لبحث بعنوان: (الإمام الثاني عشر)، عرض فيه بتفصيلٍ أكثرَ من تلك الكتب التي سبقته، سيرة الإمام، والغيبة الكبرى، وعقد فصلاً بعنوان: (الإمام الثاني عشر وعصر البارقليط)، تحدث فيه عن المماثلة في البشارة الإنجيلية، بين الإمام الثاني عشر المنتظر، والبارقليط الروح القدس الذي أنْبَأَ به يسوع في إنجيل حنَّا، وأنَّ فكرة البارقليط (المؤيد، المدافع) هي التي تبدو محاطة بهالةٍ بالنسبة للرؤية الشيعية.
فرانسوا تويال (Francois Thual)، فرنسيٌّ:
له كتابٌ عنوانه (الشيعة في العالم، صحوة المستبعدين واستراتيجيّتهم) جعل قسماً منه عن عقيدة المهدي المنتظر وعنونه: (شِيَعُ الشيعة).
المستشرق دار مستتر (Darmstater)، فرنسيٌّ:
من المستشرقين الفرنسيين القدامى الذين كتبوا عن عقيدة المهدي المنتظر، ألّف كتاباً بعنوان (المهدي من بداية أصوله الإسلامية وحتى أيامنا هذه) وقد تعقّب المهدوية عبر التاريخ في دراسته، ووقف على العقيدة المهدوية بشكلٍ مستفيضٍ(٣٦).
يان ريشار، مستشرقٌ فرنسيٌّ:
له كتاب بعنوان (الإسلام الشيعي) يتحدث فيه عن المعتقدات والإيديولوجيات، أكثر من الحديث عن العقائد، بضمنها قسمٌ عن عقيدة الإمام المختفي. وتناول فيه الحياة الدينية الإيرانية بشيءٍ من التفصيل(٣٧).
المستشرق الفرنسي البارون كارا دي فو (Carra de Vaux):
درس الإسلام بصورةٍ عامّةٍ والأصول السامية والآرية في كتاب بعنوان (المحمدية) ويقصد الإسلام، لكنه لم يكن مخصَّصاً عن عقيدة المهدي المنتظر، وإنَّما أشار إليها إشاراتٍ، واكتفى بنصوصٍ قليلةٍ بيّن فيها ذلك(٣٨).
المستشرق غارسين دي تاسي (Garcin De Tassy)، فرنسيٌّ:
وقف على العقيدة المهدوية بوجهٍ غيرِ مفصَّلٍ في كتابه الشامل (الإسلاموية)(٣٩).
دومينيك أورفوا (Dominique Oorvoa)، مستشرقٌ فرنسيٌّ:
ألف كتاباً تأريخياً واسعاً بعنوان (تاريخ الفكر العربي والإسلامي) ضمّنه كلاماً عن عقيدة المهدي المنتظر، ضمن عنوانات فرعية عنوان: (الشيعية) والفصل السادس منه عنوان: (توطد الفكر الشيعي).
هنري ماسيه (H. Masse)، فرنسيٌّ:
لديه دراسةٌ مهمّةٌ في ميدان عقيدة انتظار المهدي، والتي اعتمدها عددٌ من المستشرقين، وهي بعنوان (المسيحية في الهرطقة (البدع) الإسلامية)(٤٠).
هو لم يتخصّص في الدراسات العقائدية، إلا أنه كتب في هذا الشأن في كتابه المعروف (الإسلام) ضمن الفصل الخامس (التطور الديني والفلسفي) عنواناتها: (المهدية، الشيعة، الإسماعيلية، القرامطة، المعتزلة الأشعرية، الصوفيون).
لويس أرنولد، فرنسيٌّ:
له دراسةٌ عن عقيدة المهدي المنتظر بالفرنسية عنوانها (عقيدة الإمامية الاثني عشرية)(٤١).
بيلفوندز (Y. Linant de Bellefonds)، فرنسيٌّ:
نشر بحثاً في كتاب الشيعة الإمامية المطبوع في باريس ١٩٧٠ بعنوان (الإمام الثاني عشر)(٤٢).
كليمونت هيوار (Cl. Huart)، فرنسيٌّ:
كتب بحثاً في دائرة المعارف الإسلامية بعنوان (الاثنا عشرية)، وقف فيه على عقيدة المهدي المنتظر بأنَّه (hojtn) اختفى وسيظهر في آخر الزمان معلناً قيام الساعة فيملأ الأرض عدلاً(٤٣).
لويس غاردي (Louis Gardi)، فرنسيٌّ:
لديه كتابٌ بعنوان (أثر الإسلام في العقلية العربية) تناول هذا الموضوع ضمن القسم الثالث من الكتاب تحت عنوان (إسلام واحدٌ أم أكثرُ) في الفصل الثالث منه، بعنوان (العوالم الشيعية) وتعرض أيضاً فيه لعقائد الزيدية.
دومينيك سورديل (Dominique Sourdel) فرنسيٌّ تخصص في المذاهب والفرق.
في كتابه (الإسلام، العقيدة.. السياسة.. الحضارة) جاء على ذكر عقيدة الإمام الغائب، بضمن عنوان (الحركة الشيعية)
جيمرت ومونو:(Gimaret and G. Monnot)
لهما دراسةٌ عن كتاب في الفرق الدينية وقفا فيها على عقيدة المهدي(٤٤).
بندلي الجوزي: مستشرقٌ فلسطينيّ/ روسيٌّ.
عقد فصلين عن فرق الاسماعلية والقرامطة فيهما عن عقيدة المهدي المنتظر الإمام المحجوب، في كتابٍ له بعنوان (من تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام).
وليم مونتغمري وات: بريطانيٌّ:
كتب في مجال الفلسفة وعلم الكلام والعقائد، منها:
كتاب (العقائد الإسلامية) و(الفلسفة وعلم الكلام) وخصص قسماً منها عن العقيدة المهدوية في كتابه (الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي) في الفصل التاسع منه (استقطاب المذهب السني والمذهب الشيعي) والفصل السادس عشر بعنوان (تطوّر علم الكلام الشيعي).
ب - في كتاب (إعادة قراءة التشيّع في العراق - حفرياتٌ استشراقية) لنخبةٍ من المستشرقين، لديه بحثان: الأول بعنوان (التشيّع في العهد الأموي) والآخر (إعادة تقويم التشيع في العصر العباسي) تطرق فيهما لمدعي المهدوية، وعن الشبه بين الأفكار المسيحية والعقيدة المهدوية.
ت - في كتابه (الإسلام واندماج المجتمع) تطرق لذكر عقيدة الإمام الغائب، ضمن عنوانٍ لقسمٍ منه (حركة الشيعة الأولى).
المستشرق المبشر المُبَجّل كانون أدوارد سيل (Canon sell): بريطانيٌّ:
له إسهاماتٌ مباشرةٌ في هذا الشأن منها:
كتابه المطبوع عنوانه (الشيعة الاثنا عشرية)(٤٥).
ب - وكتابه المهم الآخر (عقيدة الإسلام).
ت - وهناك مؤلَّف آخرُ له يشير بوضوحٍ إلى اهتمامه وتخصصه في الكتابة عن التشيع بصورةٍ عامّةٍ، وعن عقيدة المهدي المنتظر بصورةٍ خاصةٍ، وهو بعنوان (The Cult of Aliوقد يقصد المبشر سيل (عبادة علي أو إعجاب الشيعة بعلي)(٤٦).
ث - وفي دراسة له عن القرآن بعنوان (تدوين القرآن) فقد تطرق فيها بذات الشأن(٤٧).
دوايت م. دونالدسون (Donaldson D.M)، بريطانيٌّ، مبشرٌ، دكتورٌ في اللاهوت، ودكتور في الفلسفة:
تناول هذا الموضوع في كتابه المهم والمعروف (عقيدة الشيعة)، الذي تضمن الباب الحادي والعشرين منه (الإمام الغائب المنتظر)، وجاء فيه ذكر المهدي عند أهل السنة، والمهدي عند الشيعة وعلامات مجيئ الدجال، ونزول المسيح، وأكمل في الباب الثاني والعشرين منه (سامراء مدينة أواخر الأئمة) وجاء الباب الثالث والعشرون ليتمم بحثه في الباب الرابع والعشرين (وكلاء الإمام الغائب الأربعة).
برنارد لويس (Bernard Lewis)، بريطانيٌّ من أصلٍ يهوديٍّ:
ألّف كتاباً مختصاً بعنوان: (أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية) وكتب قسماً بعنوان (فكرة المهدي) وحاول إرجاعها إلى أصولٍ يهودية، وبيان أصول فرقة الإسماعيلية وارتباطها بالإمام المستور. وكذلك لديه كتاب مستقل بعنوان: (فرقة الحشاشين) وهي فرقةٌ منشقةٌ عن الإسماعيلية، تضمن فيه مسألة مدعي المهدوية.
المستشرق الرحال جيمس فريزر (B. James Freser)، أسكتلنديٌّ:
كتبٌ رحلةٌ في خراسانٌ نشرها في لندن عام ١٨٢٥م وتحدث فيها عن عدد من عقائد الشيعة، ومنها (عقيدة مهدي في عيون رحال إنكليزي)(٤٨).
المستشرق الأمريكي دوغلاس كريم كرو (Douglas K. CROW):
له بحثٌ مهمٌّ بعنوان (مقتل الحسين بن علي والآراء المبكرة للإمامة) في كتاب (إعادة قراءة التشيع في العراق - حفرياتٌ استشراقية) لنخبةٍ من المستشرقين، وتطرق في بحثه عن تقارب المسيحية والمهدية وعن مدعي المهدوية ومحمّد بن الحنفية، تحت عنوان (ابن الحنفية، اليسوع والقرآن).
أيرام. لابيدس (Ira M. Lapidus)، أمريكيٌّ:
في كتابٍ له بعنوان (تاريخ المجتمعات الإسلامية)، جاء على وصف عقيدة المهدي المنتظر، في قسمين منه، حملا عنوانين (الإسلام الشيعي) والآخر (الجماعات الإسلامية ومجتمعات الشرق الأوسط - الفرق الشيعية).
كولن تيرنر (Colin Turner)، مستشرقٌ أميركيٌّ معاصرٌ:
تطرّق للعقيدة المهدوية في كتابه (الإسلام الأسس) في قسمين منه، تحت عنوان (أزمة الخلافة ومولد الشيعة) والآخر ضمّنه تحت عنوان (الشريعة عند الشيعة) وربط العلاقة والشبه بين المهدوية ودور المسيح.
 وله كتابٌ مهمٌّ في هذا الباب (التشيّع والتحوّل في العصر الصفوي)، في الفصل الخامس منه ضمن عنوان (عقيدتا الانتظار والرجعة عند الإمامية)، الذي تضمَّن محاورَ عدّةً منها ما سَمَّاهُ (الأحاديث السُّنّية حول المهدي) و(المهدي في الأحاديث الشيعية) وغيرها.
جون إل. إسبوزيتو (John L. Esposito)، أمريكيٌّ، معاصرٌ:
جاء في كتابه (مستقبل الإسلام) على ذكر عقيدة المسلمين بالمهدي المنتظر ضمن عنوانين (السنة والشيعة - فروعٌ متعدّدةٌ لدينٍ واحدٍ) و(هل يستطيع التفرقة بين السني والشيعي؟).
فيليب حتي: مستشرقٌ أمريكيٌّ من أصلٍ لبنانيٍّ.
في كتاب له كتبه بالإنكليزية، عنوانه: (الإسلام منهج حياة) كتب عن العقيدة المهدوية، وأنَّها متأثرةٌ بالعقائد اليهودية والمسيحية.
المستشرق ميلر (Miller):
كتب بحثاً تناول فيه عقيدة المهدي بعنوان (التصوف الشيعي) نشره في مجلة عالم الإسلام.(٤٩)
بيتر فون سيفرس (Peter Von Sivers):
كتب فصلاً بعنوان(قرن النضال ضد الكولونيالية وأوهام المهدي المنتظر في المغرب والسودان). وكان هذا جزءاً من كتاب عنوانه: (الإسلام والسياسة والحركات الاجتماعية).
فان فلوتن (G. Van Vloten)، هولنديٌّ:
كتب كتاباً كاملاً خصصه بما سَمَّاها المعتقدات المهدية وعنوانه: (السيطرة العربية والتشيّع والمعتقدات المهدية في ظل خلافة بني أمية) وفصَّل فيه محاورَ عديدةً في صلب الموضوع، من المسيح الدجال إلى نزول عيسى، ومدعي المهدوية، ونَقَلَ الأحاديث وناقشها، وأنَّها من آمال وأماني المسلمين الخيالية، ومن التأثير اليهودي على المعتقدات الإسلامية ولا سيَّما الشيعية منها، وغيرها. فالكتاب عبارةٌ عن ثلاثة أقسامٍ: الأول: السيطرة العربية، والثاني: التشيّع، والثالث: المعتقدات المهدية.
ميرسيا إلياد/ ميرتشا إلياده (Mircea Eliade) رومانيٌّ:
في كتاب له بعنوان (تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية) كتب في الجزء الثالث من الفصل الخامس والثلاثين تحت عنوان (علومٌ دينية وروحانية إسلامية) بضمن عنوانٍ فرعيٍّ (الشيعية والتأويل الباطني).
ألبرت حوراني (Albert Hourani)، إنكليزيٌّ من أصلٍ لبنانيٍّ:
تطرق ألبرت في كتابه (تاريخ الشعوب العربية) إلى ذكر عقيدة المهدي المنتظر، وربطها بمقتل الحسين (عليه السلام) وذلك ضمن فصل حَمَلَ عنوانَ: (الخلافة).
جفري (S.H.M)، مستشرقٌ أستراليٌّ:
في كتابه (أصول التشيع الإسلامي وتطوره المبكر) تطرّق إلى مدعي المهدوية في الفصل الحادي عشر منه تحت عنوان (عقيدة الإمامة).
وهناك كثيرٌ من المؤلفات للمستشرقين بهذا الشأن والخصوص، لا يمكن ذكرها هنا جميعاً، لطول المقام فيها، ولقد تم ذكر الأهم منها فقط.
المطلب الثاني: مناهج المستشرقين في العقيدة المهدوية:
ويُقصد بالمناهج هنا في هذه الدراسة الطريقة أو الطرق التي عبَّرت عن رؤية الاستشراق لعقيدة المهدي المنتظر، وهو أمرٌ يحتاج إلى تحليلٍ ودراسةٍ، إذ إنَّ المستشرقين لم يكونوا متطابقين في الرؤية لهذه العقيدة.
فالمنهج يُعبَّر عنه بالاصطلاح: الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفةٍ من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة مطلوبة(٥٠). لكنْ أغلب المستشرقين لم تكن طرائقهم واضحةً وبيّنةً - على ما سيتضح - بل في بعض الأحيان، هذه التي تسمى مناهج، يكتنفها الغموض والتشويش، أو أنها لا تستند إلى دليلٍ علميٍّ صريحٍ، فهي غيرُ واضحةٍ وغيرُ بيّنةٍ، ولا تصلح لأن تبين حقيقةً من الحقائق، وإنْ كانت تُعدُّ حقيقةً بالنسبة لهم. (ومع غياب الدليل يكون غياب المنهج، فالمنهج يراد به الدليلية بنحوٍ ما، فكما أنَّ الدليل هو الطريق الواضح لإثبات المدّعى فكذلك المنهج. ومعنى كون الإنسان يُفتي أو يدّعي بدون دليلٍ هو أنّه بدون منهجٍ)(٥١).
وتجدر الإشارة هنا إلى أنهم عندما يريدون أنْ يشككوا أو ينفوا، إنَّما يَمَسُّون أصل العقيدة المهدوية بحد ذاتها، حتى وإنْ كان نقدهم وتشكيكهم موجهاً إلى طائفةٍ بعينها من طوائف المسلمين، فإنَّهم يقصدون المساس والتشكيك بأصل العقيدة الإسلامية المشتركة. هذا إذا كان نقدهم وتشكيكهم ونفيهم لمسائلَ عمومية في عقيدة المهدي المنتظر، مثلاً كقولهم (عدم وجود أحاديث تدعم هذه العقيدة) فلا يضر ولا يهم إنْ كان رأيهم ونقدهم موجّهاً صوبَ طائفةٍ أو فرقةٍ من فرق المسلمين التي تعتقد وتشترك بأصل الفكرة والعقيدة مع باقي الفرق والطوائف الأخرى، حينها سيُنظر إلى النقد أو النفي والتشكيك من المستشرقين بأنَّه متوجهٌ إلى هذا المشترك الأصل، لا إلى تلك الطائفة أو الفرقة، أما إذا عرفنا بأنَّ ذلك النقد والتشكيك والنفي يخص تفاصيل وجزئيات تختص بها طائفةٌ أو فرقةٌ معيّنةٌ، فالأمر مختلفٌ. وهنا نقف عند جملةٍ من الأساليب أو السمات التي يشترك فيها المستشرقون في نظرتهم إلى الاعتقاد بالمهدي المنتظر:
أولاً - أنهم جعلوا الاعتقاد بالمهدي المنتظر من مختصات الشيعة، (فهو مرتبطٌ برجعة الإمام الغائب... لكن هذه الرجعة صارت معتقداً خاصاً بالمذهب الشيعي وحده)(٥٢)، ولا يوجد أحدٌ يؤمن ويعتقد بها غيرهم، لذا لا تجد ذكراً لهذه العقيدة في مؤلفات المستشرقين وكتاباتهم، إلا عندما يكتبون عن الشيعة، ولا سيَّما الشيعة الإمامية كما ظهر جليّاً في المطلب السابق عند ذكر قائمةٍ بمؤلفاتهم ودراساتهم حول المهدي المنتظر.
إذن وبحسب ما ترشَّح من كتاباتهم فهي مقترنةٌ بعقائد الطائفة الشيعية وأصولها، دون غيرهم من الطوائف والمشارب الإسلامية. وإذا كان هناك نقدٌ على متبيَّنات هذه العقيدة وتفرعاتها وما يرتبط بها ومدّعيها، فهو يتوجه صوبَ تلك الطائفة، لأنها هي المعنية بذلك.
ومثالٌ لذلك بلا حصرٍ، قولهم أنَّ الشيعة وضعوا لأنفسهم مبدأ (الزعيم الأوحد fuhror - prinzip) وأطلقوه على كل من كان عندهم موضع عبادة الأبطال، أي (الإمام المهديّ)(٥٣) وقال آخر: يمكن القول إنَّ الشيعة احتكرت فكرة المهدي لمصلحة خلافة علي، عضو عائلة النبي وأولاده(٥٤)، وبذلك مصادرةٌ واضحةٌ للمطلوب، لإثبات عدم وجود العقيدة المهدوية عند المسلمين وجعلها من عقائد فئةٍ خاصّةٍ منهم، حتى لا يتم النقاش بعدها في التفاصيل الأخرى، كوجوده من عدمه، وحياته وولادته من عدمها، وانتظاره وتهيؤ أفراد الأمة لمقدمه وخروجه، بل ونصرته في مهمته العظيمة ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، على حدٍّ سواءٍ من القائلين بوجوده وأنَّه مولودٌ الآن، أو أنه سوف يولدُ بعد. ومِنْ ثَمَّ سوف يتم نفي وإقصاء كل ما يرتبط بالمسألة المهدوية.
ويزاد على ذلك أنَّ نسبة العقيدة المهدوية إلى طائفة الشيعة فقط، يمكن تفسيرها بأنّها محاولةٌ من بعض المستشرقين لإثبات الاختلاف بين فرق المسلمين وتعميقه في مشاعر أتباع الفرق والطوائف الإسلامية.
ثانياً - إنكار كل ما يخالف العقل (الجمعي) ولا سيَّما الأمور المرتبطة بالغيبيات - وإنْ كان ما يظنونه من إشكالاتٍ عقلية هو في الحقيقة وجهاتِ نظرٍ شخصية تتبع طبيعة الثقافة الذاتية - ومنهج الإنكار والتشكيك للقضية المهدوية، تمثَّلَ في إنكار الحقائق الواضحة والجلية في العقيدة المهدوية لدى المسلمين، بحيث جعلوها بأنْ لا وجود ولا أصل ولا حتى إشارة لها، في القرآن ولا في السنة الشريفة، ولعل من الواضح أنَّ مناهج المستشرقين عموماً هي اعتمادهم على العقل والاستدلال العقلي، فهُمْ يؤمنون بما يقبله العقل، لإيمانهم بالمادة والحس أكثر من الغيب والماورائيات، وأما ما ينكره الحس فلا يؤمنون به، ومن الأمور التي ادَّعوا عدم قبول العقل لها، هي مسألة الإيمان بوجود الإمام الذي يخرج آخر الزمان سواءً أكان موجوداً مولوداً وقد غاب ثم يظهر، أم إنه يُولد في آخر الزمان ليحقق العدل الإلهي الموعود، فإنكار ذلك لاستحالة تحققه عقلاً من وجهة نظرهم.
فتُعدُّ هذه المسألة من المستحيلات بزعمهم، وقالوا أنّها من المختلقات وأنّها لا يوجد لها ارتباطٌ تاريخيٌّ بكل الوقائع الغابرة في التاريخ أو التي ستقع لاحقاً(٥٥).
وقد أخضعوا هذه القضية إلى العقل الغربي والبيئة الغربية التي ترتبط بالفلسفة المادية وإنكار الغيبيات، والتشكيك فيها، ومِنْ ثَمَّ إنكار ورودِ أحاديثَ صحيحةٍ عن النبي في هذه العقيدة، وقالوا إنَّها من أماني وأوهام المسلمين أنفسهم، ولا سيَّما الشيعة منهم، يُمنّون بها آمالهم بالخلاص من الظلم والطغيان الذي يجري في هذه الدنيا، فمن (المحتمل جدّاً أنَّ الفشل الظاهر الذي أصاب المملكة الإسلامية في توطيد أركان العدل والتساوي على زمن دولة الأمويين (٤١ - ١٣٢ه) كان من الأسباب لظهور فكرة المهدي آخر الزمان... ومما [هو] جدير بالملاحظة أنَّ استعمال هذا المصطلح [المهدي المنتظر] سَبَقَ تدوينَ الحديث بنحو مائتَيْ سنةٍ، وهي فترةٌ كافيةٌ لتَبلوُر فكرة المهدي واتخاذها شكلاً قطعيّاً)(٥٦).
ثالثاً - (منهج اجترار الآراء والأفكار): هو منهجٌ اتخذه بعضهم، وهو ترديد المستشرقين لآراء وتفسيرات بعضهم لبعضٍ وإعادة صداها، وإنْ كانت خاطئةً مُجانبةً للصواب، ومثاله قضية تأثر المسلمين بالأديان الأخرى، كما نلحظُ المستشرق غولد تسيهر عندما ينقل نصّاً بالفكرة والمضمون عن (فلهاوزن) بعدما ذكر الأخير في كتابه (أحزاب المعارضة الدينية والسياسية)(٥٧) قوله (وفكرة الرجعة(٥٨) ذاتها ليست من وضع الشيعة أو من عقائدهم التي اختصوا بها، ويحتمل أنْ تكون قد تسربت إلى الإسلام عن طريق المؤثرات اليهودية والمسيحية)(٥٩) فيؤيده (تسيهر) معتقداً أنَّ الإسلام والمسلمين تأثروا بالعقائد اليهودية والمسيحية، مردداً الرأيَ ذاته، بقوله: (فعند اليهود والنصارى أنَّ النبي إيليا قد رُفع إلى السماء، وأنَّه لا بدّ أنْ يعود إلى الأرض في آخر الزمان لإقامة دعائم الحق والعدل)(٦٠)، وإنَّ الفكرة المهدية ترجع في أصلها إلى العناصر اليهودية والمسيحية(٦١). وهذا كلام مجافٍ للحقيقة وليس كذلك بالضبط - كما سيتضح لاحقاً - لأن الأديان، المسيحية واليهودية والإسلامية مصدرها واحدٌ، فلا بدَّ من تشابه عقائدها ومفرداتها وتفاصيلها، وهذه اللابُدِّية متأتية بوصفها صدرت من مصدر التشريع الواحد وهو الله تعالى، فلا غرابة من هذا التشابه، وليس كل ديانةٍ متأثرةٍ بالأخرى كما يحلو لهم أنْ يسمُّوه (تأثراً).
وشبيهٌ بهذا الرأي - رأي غولد تسيهر - ردَّده وتأثر به المستشرق مونتغمري وات(٦٢) وبذلك أيضاً ردَّدَ ما يتناغم وهذا الرأي، المستشرق (آدم متز) في كتابه الحضارة الإسلامية، بأنَّ الرجعة - ويقصد بها العقيدة المهدوية - توجد في مذاهب الغنوصيين والمسيحيين(٦٣).
رابعاً - المنهج أو الأسلوب الموضوعي، ولا أعني بالموضوعية، هو القول بترجيح رأيٍ على آخر، ولكن الموضوعية هنا تعني الحياد بالنقل وعدم التجني بالآراء وإطلاق الأحكام الجزافية والفتاوى البحثية غير الصحيحة، وعدم تحميل النصوص فوق ما لا تحتمل، فعلى سبيل المثال نجد بعضاً منهم يقوم بنقل النصوص والحقيقة كما هي بدون زيادةٍ أو نقيصةٍ تُوهِمُ القارئ المتلقي، فينقل الصورة كما هي للمتلقي - الغربي خاصةً - بدون أيِّ تلاعبٍ أو تمويهٍ. أو يعطي رأياً لكن بدون تلفيقٍ أو كذبٍ أو تزويرٍ للحقيقة الأصلية، وإنْ أعطى رأياً أو انحاز إلى رأيٍ دون آخر، فالمهم أنه يجب ألَّا يكون لجهةٍ على حساب جهةٍ أخرى والتعامل مع الرأي الحيادي نفسه، من غير الركون إلى التلفيق والتزوير في الحقائق.
فحينما يأتي المستشرق (بيتر هاينه) بشيءٍ من الإنصاف والموضوعية ليقرر: أنَّ فكرة ظهور المهدي على أنه منقذٌ ومخلِّصٌ، كما هي موجودةٌ في الإسلام الشيعي، هي ليست غريبةً على الإسلام السني، وكثيراً ما يُشار إلى المنقذ المنتظر في السنة النبوية صراحةً، وينقل من ذلك نصَّينِ نبويين(٦٤).
بالتأكيد (بيتر هاينه) لا يعني هنا أنَّ كلَّ ما يؤمن به المذهب الشيعي من تفاصيل في القضية المهدوية، كذلك أيضاَ يؤمن به الطرف أو المذهب السني بالتحديد، وإنَّما الواضح يُراد منه وجود أصل العقيدة والمشتركات فيها.
وهكذا كما هو الظاهر من طرح (هاينس هالم) المستشرق الألماني المعاصر عندما يتحدث عن مفهوم الخلاص بأنَّه لا ينبع من موروثٍ خارجٍ عن الإطار الإسلامي بقوله: (فالشيعة، شأنها شأن الإسلام السني، لا تعرف الخطيئة البدئية أو الخطيئة الموروثة، أي لا تؤمن كالمسيحية بأنَّ الإنسان يولد خاطئاً، وهي بالتالي [مِنْ ثَمَّ] لا تعرف مفهوم (الخلاص) ولا يوجد في علم المصطلحات الإسلامية كلمةٌ مناسبةٌ له)(٦٥). لكن هناك معتقداتٌ وتفاصيلُ خاصّةٌ عند الشيعة تختلف عن سائر المسلمين، وأنَّ الإمام الثاني عشر لديهم موجودٌ غائبٌ ومتخفٍّ في مكانٍ ما، ولا أحد يعرف ساعة عودته المظفرة ولكن يجب توقعها في أيِّ لحظةٍ، وإنَّها ليست مصادفةً أنْ يحمل الإمام الثاني عشر اسمَ (محمّد) فهو يأتي ليكمل رسالة جده النبي بحسب التسلسل الذهبي للأئمة واحداً بعد الآخر وهو الذي يحمل الاسم نفسه(٦٦).
إلى أنْ يقول: (فالاعتقاد بمجيء منقذٍ ومجددٍ للإسلام يسمى المهدي موجودٌ لا فقط لدى الشيعة، بل هو منتشرٌ في جميع أرجاء العالم الإسلامي لكن فكرة انتظار المهدي لا تتخذ عند السنة مثل هذه المكانة المركزية، بل إنَّ التصورات المرتبطة بذلك تتخذ عند الشيعة فقط أشكالاً نموذجيةً محدّدةً تماماً).(٦٧) وهكذا لويس غاردي عندما يقول: هناك مرحلةٌ خاصّةٌ تسبق يوم القيامة والدينونة، فقط للأولياء والعادلين، والتي تنفتح وتزدهر في (عودة المسيح) تحت قيادة المهدي المنتظر. سيكون ذلك هو عهد العادلين المصلحين في الأرض، قبل الانعدام الكبير والفناء في نهاية العالم، والقيامة العامة(٦٨).
وهكذا عندما ينقل أيضاً آراء الإمامية وعقيدتهم بظهوره: (إنَّه (غائبٌ) لكنه لم يمت أبداً. فالاعتقاد الإمامي يؤمن ببقائه حيّاً في الخفاء، ويأمل رجعته وينتظرها. فهو الذي سيكون البرهان الأعظم، المهدي/ الراشد/ لآخر عمر العالم (والي الزمان). والذي سيملأ الأرض عدلاً، عند الرجعة الألفية للمسيح، قبل أنْ تقوم القيامة. فغيابه وهو يمدّد انتظار المخلصين، إنَّما (يمدّد) يوم العالم الأخير. لأنّ الأمة لا يمكنها أنْ تعيش بلا إمامٍ. وهكذا يظل (محمد المهدي) حيّاً وحاضراً حضوراً غيرَ منظورٍ، لكنه حضورٌ حقيقيٌّ)(٦٩).
برنارد لويس، البريطانيُّ ذو الأصل اليهودي، والذي لم تكن كتاباته منصفةً بعض الأحيان، قد يكون من الموضوعية أنْ يكتب عن استمرار توارث إمامة الأئمة - أعني الوراثة الإلهية(٧٠) لا الفقهية - وتخفيف شدة الوطء للخلاف العقيم بين السنة والشيعة، قائلاً باستمرار خط الإمامة: (حتى الإمام الثاني عشر الذي اختفى - عام ٨٧٣م - وما يزال الإمام المنتظر أو المهدي الذي يؤمن به أغلبية الشيعة وهم يمثلون الخط الأكثر اعتدالاً في المذهب، وإنَّ خلافاتهم مع السنة محدودةٌ جدّاً وتقتصر على نقاطٍ قليلةٍ في الشريعة، وأصبحت في السنوات اللاحقة أقل أهمية)(٧١).
لكن يا تُرى هل مجردُ النقل بالنص فقط، يُعدُّ من الحيادية والموضوعية؟ كما فعل توماس آرنولد عندما ينقل حديثاً أو حديثين عن النبي الأكرم بشأن المهدي المنتظر في كتابه (الخلافة)(٧٢). إنَّ النقل بالنص قد يعزز الإيمان بالقضية ولكنه يبقى بحاجةٍ إلى دعمٍ وموقفٍ واضحٍ، لترجيح الإيمان بالمسألة على الشبهات والشكوك التي أُثيرت حولها. وكذلك يبقى في الحيادية أنْ ينقل الباحث عقيدة الآخر بلا تزييفٍ وبلا دعمٍ وتأييد، نعم لو نقل رأياً سلبيّاً عن جهةٍ مناوئةٍ لذلك الرأي وجبَ أنْ ينقل الرد والدفاع عن معتنقي ذلك الرأي المُنتقَد.
المبحث الثاني: التمذهب في عقيدة المهديّ المنتظر:
المطلب الأول: الأسباب والدوافع:
السؤال هنا: ما الذي يجعل هذا العدد الهائل من المستشرقين يكتبون حول المهديّ المنتظر، ويقيمون الدراسات والمؤتمرات لذلك؟ ما الذي يجعل هؤلاء العلماء من الغرب يخصصون الاهتمام بمثل هذا الموضوع؟ ولِمَ لا نكتب نحن أهل الشرق والمسلمين مثلهم، بمثل هذه التفاصيل الواسعة والإسهاب الطويل والبحث المتشعب؟
ما الأسباب والدوافع التي حفّزت تلك الثُّلة من العلماء المخصتين إلى خوض غمار الكتابة عن عقائد الأديان الأخرى وتفاصيلَ عقائدية دقيقةٍ قد لا يدركها حتى بعض معتنقيها، من هنا يمكن التكهن ببعض ما يجول في خاطر البحث من أسباب ودوافع، إلا إنها - الأسباب والدوافع - أيضاً تشبه إلى حدٍّ ما دوافعهم وأهدافهم في الكتابة عن الإسلام والقرآن وعن نبي الإسلام عموماً:
١ - الدافع العقائدي:
قد يكون من الدوافع التي جعلت المستشرقين يخوضون في هذا الكم الهائل الضخم في كتابتهم عن العقيدة المهدوية وما تعلق بها، هو دافعٌ عقائديٌّ، دينيٌّ، لأن المستشرقين هم ليسوا ملحدين بأيِّ نوعٍ من الإلحاد، لا الإلحاد بالمعنى الأعم ولا الأخص، وإنَّما هم أناسٌ مؤمنون، كلٌّ بحسبِ ما تغذَّى من موائد أديانهم وعقائدهم.
وإذا ما عرفنا أنَّ تواريخ الأديان تزخر بفكرة المنقذ والمخلِّص والمُنْجي والفداء والمستقبل السعيد من الديانة اليهودية والمسيحية وغيرها من النحل والملل الأخرى غير الرسمية أو غير الإلهية السماوية، كالوثنية وغيرها، وأنَّها مسألةٌ عقدية دينية، كان من الطبيعي أنْ يتصدوا للبحث والتنقيب، كما حدث مع قضايا ومسائلَ دينية أخرى.
وكذلك لا ننسى الجانب التبشيري الذي سارت عليه الأجيال من الرهبان والأجيال من المستشرقين، إذ ذهب المستشرق (رودي بارت) إلى أنَّ الهدف الرئيس من جهود المستشرقين في بدايات الاستشراق في القرن الثاني عشر الميلادي وفي القرون التالية له هو التبشير(٧٣).
وعرّفه (باريت) بأنَّه: إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام، واجتذابهم إلى الدين المسيحي، أو بما يسمى بتعليم الدين المسيحي ونشره(٧٤).
وقد كشفت مصادرُ عدّةٌ لإحصائيات بتزايد أعداد المبشرين في العالم والحركات التبشيرية في السنوات الأخيرة بصورةٍ مروعةٍ ومذهلةٍ لم يسبق لها مثيلٌ، وتؤكد بأنَّه تمَّ تنصير خمسة ملايين مسلم في أندونيسيا - أكبر دولة إسلامية - بواسطة ستين ألف مبشِّرٍ مزوَّدين بالمُؤَن والمال والسفن(٧٥).
ومن الواضح وبلا إشكال أنَّ مسألة المهدي المنتظر هي من صميم الحركة التبشيرية - التبشير بإيجاد بديلها - حتى وإنْ لم يصرحوا بالاسم، إذا ما عرفنا أنَّ من أبجديات اللاهوت المسيحي هي عقيدة الخلاص وأنَّ المخلِّص والمُنْجي والفادي الوحيد في هذه الدنيا هو السيد المسيح ولا يوجد غيره، كذلك عند اطلاعهم على الأحاديث المعتبرة عند عموم المسلمين التي تؤكد بأنَّ النبي عيسى هو الذي يصلي خلف المهدي المنتظر، فلا شكَّ ولا شبهةَ من باب أولى أنْ يحاولوا نفي هذه العقيدة وإحلال أخرى مكانها، أو إثبات بطلانها أو إثبات أنها مما كان لعقائد المسيحيين بنزول المسيح لخلاص العالم، وقد انتزعها واقتبسها المسلمون.
كذلك لو تتبعنا المقارنة والمواءَمة بين تبشير النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بإقامة العدل الإلهي على يد المهدي المنتظر، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجوراً، وتبشير السيد المسيح بما يُعرف (البارقليط Parakleton - الْمُعَزِّي) ما جاء في إنجيل يوحنا (حيث وردت كلمة باراقليط paraklhton، حرفيّاً باراكليتوس - Parakltos، في العهد الجديد وبالتحديد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا والرسالة الأولى للقديس‏ يوحنا خمس مراتٍ فقط، أربع مرّاتٍ في الإنجيل ومرةً واحدةً في رسالته الأولى. ولم ترد ثانيةً في بقية العهد الجديد)(٧٦).
فجاء ذكره في عدة ظروفٍ من العهد الجديد منها المذكور في إنجيل يوحنا: (وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الأَبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا آخَر لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إلى الأَبَدِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ)(٧٧).
وهنا في هذا التبشير قد يُعنى به المهدي المنتظر على وجهٍ من الوجوه، لا الرسول محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما هو المشهور من تفسير كلمة البارقليط(٧٨) عند المسلمين (وفي هذا المضمار تقول دائرة المعارف الفرنسية الكبيرة في جزئها ٢٣/ ص ٤١٧٤ عند شرحها لكلمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو مؤسس الدين الإسلامي [هو رسول الإسلام وليس مؤسس الإسلام] ومبعوث الله وخاتم الأنبياء وجاءت كلمة محمد من الحمد واشتقاقها من حَمَدَ يَحْمَدُ الذي هو معنى التمجيد والتجليل. ومن الصدف العجيبة أنَّ هناك اسماً آخَرَ مشتقّاً من الحمد وهو مرادف للفظ (محمد) وهو كلمة (أحمد) التي يغلب على الظن أنَّ المسيحيين في الجزيرة العربية كانوا يستعملونها مكان فارقليط. وأحمد معناه المحمود كثيراً والمحترم جدّاً وهو ترجمة لكلمة (بريكلتيوس) التي أخطأوا فوضعوا مكانها كلمة باركليتوس)(٧٩).
لأنَّ التصريح في القرآن الكريم بالبشارة للرسول محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جاء بصراحةٍ لا بالإشارة فقط لقوله تعالى ﴿وَإِذ قَالَ عِيسَى بنُ مَريَمَ يَبَنِي إِسرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّرَاً بِرَسُول يَأتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ﴾(٨٠) فهو وإنْ لم يكن يعني به بالذات للتبشير بمخلِّص آخر الزمان المهدي المنتظر؛ فهو متضمِّن لذلك باعتبار أنَّ نبيَّ آخر الزمان سيبشر بمنقذ ومخلِّص آخر الزمان، ما ورد عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ يَوْمٌ لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بيتي يَمْلؤهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا)(٨١).
وهذا المعنى وهذا التفسير المطلوب إثباته هنا، تحملُه النصوص بدلالتها ويتفق بالأساس مع مهمة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولا سيَّما إذا ما عرفنا أنَّ رواد التبشير المسيحي يحاولون إبعاد هذا التفسير، أي ما فسره المسلمون (البارقليط) بالنبي أحمد كما جاء في كتابٍ عنوانه: (هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟) محاولاً في هذا الكتاب، الرد على المسلمين بكل ما أوتي من (فَذْلَكَة) بحثية جدلية، وأنَّ المسلمين تصوّروا، أو هكذا أرادوا أنْ يتصوّروا، أو يُصوّروا لأنفسهم ولغيرهم، أنَّ الباراقليط مشتقٌّ لغويّاً من ‏الحمد ويعني (الحماد) المحمود أو الممدوح أو المُمجَّد، ويُشير إلى نبيٍّ يشتق اسمه من الحمد، وأنَّ ما أطلقه المسيح من صفات على الباراقليط هي صفات هذا النبي وتشير إلى أعماله وشريعته وما شهد به المسيح عنه! وتخيلهم أنَّ الباراقليط الذي وُعِدَ بمجيئه، حجّةٌ على صحّة مزاعمهم وقالوا أنَّ البارقليط هو ترجمةٌ له ويشير إلى ذلك النبي الموعود!! ونقول لهم إنَّ الروح القدس لم يحل على التلاميذ إلا بعد هذا الوعد الذي وعدهم به لا قبله(٨٢).
وكذلك مما ورد في هذا الكتاب للرد على المسلمين، قال: بأنَّ المسلمين متأثرون بما سَمَّاهُ الكتاب المزّيف والمدعو زورًا بإنجيل (برنابا) والذي أكّد زيفه كلّ العلماء المسيحيين وبعض الكُتَّاب من الأخوة المسلمين وتجاهلته الغالبية العظمى من العلماء المسلمين إمّا لثقتهم بأنَّه كتابٌ مزيّفٌ أو على الأقل لشكِّهم في صحّته أنَّ المسيح يسوع ليس هو المسيح المنتظر، إنَّما المسيح المنتظر هو نبيّ المسلمين! وأنَّ كل نبوءات التوراة عن محمد مذكورةٌ في كتب اليهود، في دائرة المعارف تحت كلمة المسيا أو كلمة المسيح، أما المسلمون من قبل ظهور إنجيل برنابا فإنَّهم كانوا يعرفون آياتٍ من النبوءات، ويفسّرونها على محمد تحت لقب (النبي) لا المسيح ولا المسيا(٨٣).
من ذلك يتماهى مع ما أشار إليه المستشرق الفرنسي هنري كوربان من فهم النصوص الشيعية بأنَّ (فكرة التأويل الشيعية لا تنفصل عن الفكرة البرقليطية)(٨٤) بعد شرح كلمات النبي (لو لم يبقَ من الدنيا إلا يوم...) وأنَّ البارقليط بلسانهم هو (الإمام المنتظر المهديّ) لأنه هو الذي سيأتي بتأويل القرآن وتحقيقه لأن للقرآن ظاهراً وباطناً وتفسيراً وتأويلاً(٨٥). قد يكون هذا إشارةً إلى قول السيد المسيح في إنجيل يوحنا: (وَأَمَّا الْمُعَزِّي - Parakletos الرُّوحُ الْقُدُسُ الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الأبُ بِاسْمِي فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ)(٨٦).
كل ما تقدم يمكن أنْ يشير لنا بأنَّ الدافع من تناول القضية المهدوية بهذا الإسهاب والتفصيل، هو دافعٌ تبشيريٌّ عقديٌّ، وعموماً التبشير المسيحي لا يحدد التفاصيل التي يريدها ويصبو إليها عن طريق دورته المكوكية ببذل الجهود لتغيير معتقد المسلمين بعقيدةٍ فرعية من عقائده، إنَّما يحاول هدم المنظومة الرئيسة ببطلان الإسلام، ومِنْ ثَمَّ سوف تبطل كل الفرعيات والعقائد المرتبطة به.
نعم فإنَّه (ينشأ عن المعتقد القوي يقينٌ لا يزعزعه شيءٌ، ومن مثل هذا اليقين تشتق أكثر حوادث التاريخ أهميةً، فقد أيقن (محمد) أنَّ الله أمره بالدعوة إلى دينٍ جديدٍ أوحي به لتجديد العالم. فاستطاع بفضل يقينه أنْ يقلب الدنيا، وأيقن (بطرس) الراهب أنَّ الرب يريد استرداد قبر المسيح من يد الكفار فاستطاع بقوة إيمانه أنْ يسوق ملايين من الرجال إلى الهلاك)(٨٧).
 ولا ننسَ عقيدة اليهود بشعب الله المختار وأنَّ المسيح المخلِّص الذي ينتظرونه، هو أيضاً الذي يبشر به الإسلام، سيسود العالم ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلِئَتْ ظلماً وجوراً. (والمسيح المنتظر عندهم من نسل داود النبي في رأيٍ، وقيل بل هو داود نفسه يبعثه الله ليعمل سيفه البتَّار في أعداء شعب الله المختار وليقيم دولتهم)(٨٨).
وقد ورد مفهوم المخلِّص عند اليهود بعدة عنواناتٍ (لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ)(٨٩). أي إنه سيكون صاحب الأمر والنهي وتخضع له كلُّ الشعوب.
هذا وقد تنبأ اليهود وآمنوا ببقاء مُلكهم بمخلِّصٍ ومسيحٍ موعودٍ وقيل أنه سليمان الذي سيُبعَث، وقيل بل اسمه داود من غير أنْ يكون نفسه النبي داود، وأنَّه وُلِدَ في أورشليم يوم خراب المعبد، وهو لا يزال على قيد الحياة في مكان خفيٍّ لا يراه الناس، وسيظهر آخر الزمان(٩٠).
وعن طريق نبوَّات جميع الأنبياء يتبين أنَّ هؤلاء (المُسَحَاء) جميعًا، سواءً الكهنة أو الأنبياء أو الملوك، كانوا ظلاً ورمزًا للمسيح الآتي والذي دُعي منذ عصر داود فصاعدًا ب(المسيح) مُعَرّفًا بالألف واللام، وكانوا جميعًا متعلّقين بهذا المسيح الآتي والذي سوف يكون له وظائف الكاهن الكامل والنبي الكامل والملك الكامل، ووارث عرش داود النبي والملك على حسب عهد الله الذي قطعه مع داود النبي والملك (٩١). كما جاء: (قَطَعْتُ عَهْداً مَعَ مُخْتَارِي. حَلَفْتُ لِدَاوُدَ عَبْدِي. إلى الدَّهْرِ أُثَبِّتُ نَسْلَكَ وَأَبْنِي إلى دَوْرٍ فَدَوْرٍ كُرْسِيَّكَ.... وَجَدْتُ دَاوُدَ عَبْدِي. بِدُهْنِ قُدْسِي مَسَحْتُهُ. إلى الدَّهْرِ أَحْفَظُ لَهُ رَحْمَتِي. وَعَهْدِي يُثَبَّتُ لَهُ. وَأَجْعَلُ إلى الأَبَدِ نَسْلَهُ وَكُرْسِيَّهُ مِثْلَ أَيَّامِ السَّمَاوَاتِ. مَرَّةً حَلَفْتُ بِقُدْسِي أَنِّي لاَ أَكْذِبُ لِدَاوُدَ. نَسْلُهُ إلى الدَّهْرِ يَكُونُ وَكُرْسِيُّهُ كَالشَّمْسِ أَمَامِي. مِثْلَ الْقَمَرِ يُثَبَّتُ إلى الدَّهْرِ. وَالشَّاهِدُ فِي السَّمَاءِ أَمِينٌ)(٩٢).
٢ - الدافع السياسي:
وهو مرتبطٌ بالدافع العقائدي، بل وكل الدوافع يمكن أنْ تعود بالضمن إليه - أي إلى الدافع العقائدي - لأن المستشرق وهو لا يكاد يخلو من عقيدةٍ أو قاعدةٍ دينية يعتقد بها وينطلق منها، فـ(إنَّ آثار التعصب الديني الغربي لا تزال ظاهرةً في مؤلفات عددٍ من العلماء المعاصرين وبعضها لا يزال مستترًا وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية)(٩٣)، وقد صرح بذلك المستشرق الهولندي فان فلوتن Van Vloten) بأنَّ الدافع ذو تأثيرٍ سياسيٍّ بتصريحه: (أما عندنا نحن الغربيين، فالمهدية - أو المهدي المنتظر تحديداً - استأثرت باهتمام المستشرقين منّا، لما لها من تأثيرٍ على سياسة الشرق حتى اليوم)(٩٤). وهو يعني أنَّ المهدوية تحرك جماهير عريضةً في الشرق، فتحتمَ دراستها والاهتمام بها.
والمعتقدات الدينية كالمعتقدات السياسية في عدم التسامح، فكلما كان المعتقد قويّاً قلَّ تساهله، فالناس بعد أنْ يدخل الإيمان في قلوبهم لا يصطبرون على من ليس عليه. فليس من يجهل الشدة التي أبادَ بها رجال العهد الذين اعتقدوا أنهم على الحق المطلق، خصومَ إيمانِهم السياسي، وستظل كلمة القديس (طوماس) مبدأً لكل مؤمنٍ حقيقيٍّ وهي: إنَّ الإلحاد إثمٌ يستحق صاحبه القتل(٩٥).
لذا عندما تتوالى الأخبار والأحاديث بأنَّ هناك منقذاً ومخلصاً في آخر الزمان، يُسمى بعدة أسماء، الفداء والمُنْجي والمسيح، وأكثرها انتشاراً هو اسم المهدي المنتظر، (ولنتساءل بعد، عن مدى ما تُسْهِم به العقيدة الخاصة بالإمام الخفي في الحوادث الدنيوية، وأثر هذه المساهمة في التصورات السياسية والدينية للكون عند الشيعة)(٩٦). وجاء هذا الانتشار الواسع لأنه صار على لسان الديانة الإسلامية واسعة الانتشار، وبوصفهم - أي المستشرقين - ديدنهم العام هو أنْ ينظروا إلى التاريخ الإسلامي من زوايا خاصّةٍ، (الزاوية المادية التي يؤمنون بها.. إيمانهم بالحضارة الغربية ووجهة نظرها إلى الكون والحياة، تلك الوجهة التي نتجت بعد عصر النهضة [أو قل بعد الثورة الفرنسية] وأنتجت فصل الدين عن الدولة والكفر بسائر القيم الروحية والأخلاقية)(٩٧).
كل ذلك يمكن أنْ يكون دافعاً لمعرفة هذا القائد التي تتنبأ به جميع الأديان والملل والنِّحَل؛ وأنَّه سيقود هذا العالم بأجمعه ويقع تحت سيطرته؛ كي يستعدوا لمواجهته عسكريّاً، ولا سيَّما إذا ما عرفنا أنَّ القائد المهدي المنتظر سيقوم بالسيف كما هو المعروف. مع الالتفات إلى أنَّ القيام بالسيف، ليس هو الوسيلة الوحيدة للإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وإنَّما قد يضطر إلى استخدامه في مواجهة من يعصي ويتمرد ويقاوم ويعتدي.
نعم فيبقى المعتقدُ الديني مرتبطاً بالدافع السياسي (وبفضل المعتقدات التي تُخَرِّب أحياناً. وتُبْدع غالباً، وتنتصر دائماً تتأسس [تُؤَسَس] دول التاريخ الرهيبة. ودعائم الحضارات الصادقة. ولولا المعتقدات لما عاشت الأمم)(٩٨). نعم فجملةٌ من المستشرقين ينظرون إلى الأمر من (الزاوية الاستعمارية، فإنَّ جملةً منهم عملاء من حيث يعلمون أو لا يعلمون، للدول التي ينتمون إليها أو للحضارة التي يعيشون فيها. فالمستشرق هو إما مأجورٌ حقيقةً، أو (عضوَ شرفٍ) في قائمة الدس والتلفيق، حيث يشعر بضرورة الانتصار لدولته أو مصالح دينه أو قومه أو لأيِّ شعارٍ من الشعارات المعادية للإسلام على أنَّ الأجر المبذول للتبشير الاستعماري المسيحي، ليس بالقليل ولا الضئيل، بل هو مما يعد بالملايين، يسيل لها لعاب كثيرٍ من المفكرين وتُشتَرى بها عقول عددٍ من الباحثين. ومن ثَمَّ لم تصلح كتب المستشرقين لإعطاء الباحث صورةً واضحةً سليمةً عن التاريخ الإسلامي)(٩٩). وعلى هذا الأساس فإنَّ نظرة المستشرقين إلى العقيدة المهدوية يشوبها كثيرٌ من التشويه والغموض والتشكيك.
٣ - دافعٌ بحثيٌّ، علميٌّ، موضوعيٌّ:
وهو يكاد أنْ يكون الدافع المشترك بين الموضوعات التي يبحث ويكتب عنها المستشرقون في أغلب الأصعدة، القرآنية، التاريخية، الاجتماعية، وغيرها؛ ذلك لأن ساحة العلم والعلماء تُقام فيها أشرفُ وأجلُّ المباريات، وهي مباراةٌ البحث والنقد العلمي الموضوعي ومحاولة بيان مَنْ علمه أسبق وحجته أنصع وأصدق، عن طريق التأكيد على عراقة الحضارة والعلوم على كافة الأصعدة، وقد تكون بوسائلَ غيرِ منهجية تبررها الغايات كما فعله وأكَّده المستشرق بيكر عندما يسمّي حضارة العرب (بأسطورة حضارة العرب)(١٠٠) لا بالحضارة الحقّة. وأيضاً على تلك الشاكلة المستشرق (دي بور) محاولاً إنكار الفلسفة الإسلامية بقوله: ظلت الفلسفة العربية على الدوام فلسفةً انتخابيةً قوامها الاقتباس الصِّرف من ترجمات الإغريق(١٠١).
وأكثر حدّةً وأشدُّ لهجةً منهما المستشرق برنارد لويس إذ قال: (إنَّ ما تعودنا عليه في الغرب هو أنْ يزداد تمسكنا بمُثُلِنا الغربية كلما ازداد اتجاه الشرقيين إلينا، وذلك بجعل أنفسنا مثالاً للفضيلة والتقدم الحضاري. فإذا تشبَّه الشرقيون بنا فذلك جيّدٌ والعكس يُعدُّ عندنا شرّاً. فالتقدّم هو في محاكاتنا والتقهقر والسقوط هو في عدم التشبّه بنا)(١٠٢).
فمعرفة عقيدةٍ أو قضية إسلامية كالعقيدة المهدوية، شغلت الفكر الإنساني والديانات السماوية على أمد عصور وأزمان، لا بدَّ وأنْ تستفزَّ حفيظة الفكر الاستشراقي بما فيه من نَهَمٍّ وشوقٍ وقدراتٍ بحثية كتابية، وتُحرِّكُ الأقلام المنصفة منهم. ولا سيَّما أنها مرتبطةٌ بالفكر الإسلامي ومن القضايا العقدية التي أكدت عليها الأحاديث المعتبرة.
لا أنْ تبقى وتهيمن النظرة العدائية لكل كلمةٍ تخرج من أفواه كتاباتهم، فهناك الجيل المنصف منهم كما صنَّفهم أربابُ الاستشراق من مفكري العرب والمسلمين، أمثال د. عمر فروخ، عندما صنّف تحت عنوان: (نماذج من طبقات المستشرقين، مستشرقون محسنون - مستشرقون مسيئون)(١٠٣). كما حاول بذلك المستشرق مكسيم رودنسون، حاول أنْ يطمئن شارع الفكر العربي والإسلامي بأسلوبه الخاص الصريح، وإبعاد فكرة التجني السافر على الإسلام والمسلمين قائلاً: وهوسُ المرء بوجود مؤامرةٍ عليه، يتولد بشكلٍ لا يقل حتميةً عن المنافسة والصراع، وهذا الهوس يمثل نوعاً جماعيّاً من أنواع الذهان الهذياني، والمسلمون ليسوا وحدهم المصابين به. في الواقع إنَّ الاعتقاد بوجود مؤامرةٍ كونية على الإسلام ليس حديث العهد بل له سوابقُ تعود إلى القرون الوسطى، وبالتأكيد فإنَّ كلَّ معارضةٍ حقيقية وكلَّ هجومٍ محسوسٍ يقوّي من هذا الاعتقاد أو التوهم. وتزداد الفكرة رسوخاً عندما يأتي الهجوم من جهتين أو من عدة جهاتٍ دفعةً واحدةً، فيبدو وكأن هناك اتفاقاً أو تواطؤاً بينهم، أو أنَّ هناك مؤامرةً جماعيةً. والهَوَسُ بوجود مؤامرةٍ كونيةٍ ودائمةٍ يضرب بجذوره عميقاً في تربة الحقد الشرير فقط، هذا الحقد الذي يكنُّه الآخر لنا ولجماعتنا قد جرَّ أناساً أذكياء وعليمين إلى تبني تصوراتٍ خاطئةٍ ومبالَغٍ فيها(١٠٤).
فنجد - على سبيل المثال لا الحصر - من المدرسة الألمانية أمثال: هاينس هالم، والمستشرق يوليوس فلهاوزن، ورودولف شتروثمان، وبيتر هاينه المعاصر، تلحظ من كتاباتهم السردية والوصف، ومحاولة التعريف بمسألة المهدي المنتظر، وظاهرها أنّها خاليةٌ من النزعة التبشيرية، وقد يُعزى ذلك - وقد تفيد التقليل هنا - لكون الألمان بحسب الظاهر لم توجد لديهم أطماعٌ استعمارية توسّعيةٌ كما كان عند بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط، ولا سيَّما بعد الحربين العالميتين.
وكذلك سلسلة الأبحاث والمؤلفات للمستشرق هنري كوربان الفيلسوف الفرنسي الذي أفنى سنواتٍ من عمره لتعلّم وإتقان اللغة الفارسية وحاول أنْ يكتب بإسهاب غيرِ مُخِلٍّ عن المهدي المنتظر، بحكم سفره إلى إيران وإقامته هناك مدة من الزمن وحواراته الطويلة مع علماء الشيعة؛ فأنتج كتاب (التشيع الإثنا عشري)، وكانت عقيدة المهدي المنتظر قد أخذت حيِّزاً كبيراً منه، وكتاباً عنوانه: (تاريخ الفلسفة الإسلامية)، خصّص قسماً منه للإمام الغائب والإمام المستور، وأشار إلى وإنَّ فكرة الانتظار شعورٌ فطريٌّ يدفع الإنسان لانتظار الأفضل والأصلح، وكتاباً عنوانه: (الشيعة الاثنا عشرية) والكتاب الأخير من سلسلة دراسته أفردهُ عن عقيدة المهدي المنتظر، بعنوان: (الإمام الثاني عشر).
وكما يرى د. عبد الجبار ناجي في كتابه «الاستشراق والتاريخ»، ليس كل الكتابات أهدافها تبشيرية فحسب، ويتساءل بأنَّ المستشرق البريطاني دونالدسون المبشر الذي قضى سنينَ من حياته العلمية ليؤلف أطروحة دكتوراه، يبين فيها مثل هذه العقائد، وكانت بعنوان: عقيدة الشيعة، فهل اندفع بدافعٍ تبشيريٍّ فقط؟ قد يكون الجواب كذلك ولكنه قد قدَّم خدمةً كبيرةً للقارئ المسلم والعربي وغير المسلم عن المنبع الأساس في التدوين والكتابة لمثل هذه العقائد في أوائل سنة ١٩٣٠ في الوقت الذي لم يظهر آنذاك عالمٌ مسلمٌ يتناول هذا الموضوع بأسلوبٍ وصفيٍّ تارةً وتحليليٍّ تارةً أخرى(١٠٥).
المطلب الثاني: العوامل والمنطلقات التي أدّت إلى نشأة انتظار المهدي:
بعد إنكار المستشرقين لحقيقة وجود المهديّ المنتظر في آخر الزمان، كان عليهم أنْ يجدوا الأسباب والأعذار والعوامل التي أدت إلى نشوء هذا الإيمان والاعتقاد عند المسلمين وكيف وصل إلى ذروته، فابتدع المستشرقون وأدْلَجُوا لها عدةَ عواملَ وأسبابٍ منها:
١ - العامل الأول: اضطهاد الحكام لجمهور الشيعة:
بحسب مدعياتهم من أهم الأسباب، اضطهاد سواد أهل السُّنة وحكّامهم لجمهور عامة الشيعة، بما يتصور المستشرق الفرنسي (ألفرد بِلْ) فمنذ البدء (اغتيال عليّ على يد الخوارج في سنة ٦٦١م ثم ذبح الحسين، ابنه الثاني، في كربلاء بعد ذلك بقرابة عشرين عاماً، وذبح قرابته على يد قوات الحكومة التي أرسلها الخليفة الأموي الثاني يزيد بن معاوية في سنة ٦٨٠م كل هذا أثار ثائرة الشيعة ضد حكام أهل السنة. ومنذ ذلك التاريخ عدَّوا هذه الكارثة المزدوجة (مصرع علي ومصرع الحسين) علامةً على الاستشهاد الذي ينتظر أئمتهم وعلامة على آلام جماعتهم، ما سيفتح لهم الطريق إلى الجنة)(١٠٦). لذا نجد برنارد لويس عندما يحث ويدعو للانتقام للدماء التي تستصرخ يقول: دائماً ما نرى اغتيال الحكام نتيجة الخلافات داخل الأسر الحاكمة أكثر من كونه استجابةً لدوافع ثورية، (وعلى عكس ذلك، يقول الشيعة أنَّ أئمتهم وسائر أهل بيت النبي هم الذين تعرضوا للاغتيال بتحريضٍ من الخلفاء السُّنّيين وتضم أدبياتهم لوائحَ كبيرةً بأسماء الشهداء العلويين الذين تستصرخ دماؤهم الانتقام)(١٠٧).
وأكثر وضوحاً ما نَظَّرَهُ المستشرقان دومينيك وجانين سورديل: عندما انتشرت عادة زيارة قبور الأئمة في أوساط الشيعة وكانت زيارة التبرك إلى كربلاء كانت عرفاً جارياً، حتى أنَّ المتوكل اتخذ قراراً بهدم مشهد الحسين ومنع الناس من التجمع هناك. كذلك أضيف إلى هذه العادة عادة تكريم قبرَيْ اثنين من الأئمة المدفونين في بغداد، وأيضاً شرعوا بزيارة القبو الذي اختفى منه الإمام الثاني عشر في سامراء. وفي بلدة قم في إيران مشهد فاطمة أخت الإمام الثامن علي الرضا، استهدفته السلطات السُّنّية غالباً، وفي وسط خضم هذه الأحداث السياسية المختلفة تبلورت المعتقدات الخاصة بالإمامية، ولا سيِّما تلك المتعلقة بغيبة الإمام ورجوع هذا الإمام المنتظر(١٠٨).
نعم يقول في (البلاد السُّنِّية، فقد كان الاثنا عشرية عرضةً لأن يُطردوا من المساجد ويُوضعوا على هامش المجتمع، إنْ لم يكونوا عرضةً للملاحقة ولأقسى العقوبات الهادفة إلى كبح نمو الفرق والعقائد المنحرفة داخل أمة الإسلام... وإذا ما حظرت السلطة ممارساتهم المعتبرة بدعاً، أخفى الشيعة معتقداتهم لتفادي الملاحقة، وذلك عملاً بمبدأ (التقية) واسع الاستعمال... فإنَّ مبدأ التقية نفسه يفسر سرعة اختفاء الإمامين [الإمام المهدي] ظاهريّاً على الأقل)(١٠٩). أقول: إنْ حصل هذا فعلاً، فبِفِعْلِ الحكام الطغاة المستبدين لا من غيرهم، وغالباً ما يحدث هذا الفعل بدافعٍ سياسيٍّ لا بدافعٍ دينيٍّ، إذ إنَّ العلماء، علماء المسلمين بتنوعهم، كانت الصلات والتبادل المعرفي قائماً في ما بينهم على أمد السنين والأعوام.
عودة إلى ما أكد عليه دومينيك أورفوا، من منطلقات وعوامل ظهور العقيدة المهدوية بقوله: (أفضى تضافر القمع الذي قام به الخلفاء وإنهاء التحشيد الذي إليه الانقسام إلى دفع حركة الشيعة نحو شكلٍ من التسامي العقدي. بعد ثورة المختار... ظهرت حركاتٌ خَلاصِية. فقد أعلنت مجموعةٌ محبطةٌ لاختفاء إمامها بأنَّه (مستورٌ) مؤقتاً فحسب)(١١٠).
لذا قد برز تمادي أحد المستشرقين الواضح عندما يرمي اللوم على السُّنّة بحدِّ زعمه وتعبيره بقوله: (وكان المنتظر وهو آخر الباقين على قيد الحياة من سلالة علي، قد كسب لنفسه في عام ٨٧٨ م مركز الشهيد بسبب اختفائه بطريقةٍ غامضةٍ في أقبية مسجد سامراء، وما من شكٍّ أنه كان ضحية الحرس التركي السُّنّي)(١١١).
من هنا عوداً على بدءٍ، يمكننا معرفة ما تقرر في مطلب أهداف وأغراض المستشرقين، الهدف من وراء كتاباتهم الهائلة، حول مثل هذه الموضوعات الحساسة التي تمس صميم القلب العقدي للمسلمين، وكان من بين تلك الأهداف، إيجاد الفرقة وتعميق الهوّة بين الفرق والطوائف الإسلامية، وتعزيز مشاعر الكراهية بين مختلف المسلمين.
إذ توالى الظلم والاضطهاد والقتل والملاحقة على الشيعة والتشيع، من طغاة حكام الدولة الأموية والعباسية - وهم يمثلون حكاماً من أهل السُّنّة في مقابل الشيعة - بحسب ما يرى المستشرق فلوتن، ما جعل هذا الأمر حافزاً للتمسك بفكرة المنقذ والمهدي، بقوله: (ولم يكن جور النظام العباسي وعسفه منذ قيام الدولة العباسية بأقل من النظام الأموي المختل حافزاً للنفوس إلى التمسك بعقيدة المهدي، والتطلع إلى ظهوره لتخليصها من قسوة ذلك النظام الجديد وجوره)(١١٢). من هنا وأمثال هذا، تتبين أغراض وأسباب خوض المستشرقين غمار الكتابة والبحث في مثل هذه المجالات، فهي أغراضٌ ليست على مستوى البحث والنطاق العلمي الموضوعي، كما يدّعي بعضهم ويصوّر أنه يريد عن طريق خوضه البحث، الخدمة العلمية وطلباً للحقيقة الموضوعية، وحاولوا أنْ يصوروا الحال على غير ما هي عليه، وليس كذلك، فالأمر ليس مقصوراً على الشيعة، إذ إنَّ كثيراً من الفرق وعلماء أهل السنة، يؤكدون وجود عقيدة الإمام المهدي (عليه السلام)، ويعتقدون به كما مرَّ آنفاً، واستنادهم على أحاديثَ كثيرةٍ مشتهرةٍ ويعضد بعضها بعضاً.
٢ - العامل الثاني: جاء من منطلقات سياسية أفلاطونية:
السياسة يجب أنْ تكون حاضرةً في كل شطرٍ من الحيوات الدينية والتاريخية، لأن عزو الأسباب وإرجاعها للسياسة يحسم كثيراً من القضايا العالقة الشائكة، سهلةً كانت أو صعبةً، لذا من السهل أنْ يرى ماسي رأيه في قوله: (إنَّ الإخفاق السياسي للمذهب الشيعي نشأ عنه أحد عناصر هذا المذهب التكوينية: فكرة الألم والفداء - الفكرة القائدة لمؤلفات دراماتيكية... إنَّ الإمام يجب بالضرورة أنْ ينتهي بالشهيد - وبالفعل، فإنَّ الجميع ماتوا موتاً غيرَ طبيعيٍّ - إذا صدقنا المؤرخين - ولكن وجود الإمام ضروريٌّ للعالم في كلِّ زمانٍ، والأخير من الأئمة لم يمت، إنه غائبٌ فقط ويجب أنْ يعود ذات يوم)(١١٣).
من جانب آخرَ، يُعدُّ المنطلق الفلسفي الهُلامي بعد أنْ يمتزج بالعامل السياسي كما يراه غولد تسيهر (من أقوى المؤثرات التي ساعدت على تطور الأفكار الإسلامية ما أتى عن طريق الفلسفة الأفلاطونية الحديثة، فقد نَفَذَتْ نظرياتها إلى أرحب ميادين الفكر الإسلامي، بل تسربت إلى الوثائق الدينية التي كانت أساساً لما نما وازدهر من التعاليم الإسلامية ذات الطابع السُّنّي الأكيد... وقد ظهرت أيضاً في البيئات الشيعية محاولاتٌ رمت إلى مزج عقيدتَيِ الإمامة والمهدية بنظرية الفيض في الأفلاطونية المحدثة)(١١٤). وهذا الكلام محاولةٌ صدرت من عقلٍ استشراقيٍّ، نظر إلى الإسلام خليطاً من عقائد الديانات الأخرى السابقة، ويؤكد أيضاً هذه الأفكار، بالنسبة للشيعة أيضاً والإسلام بصورةٍ عامّةٍ، ولمَّا جمح بالشيعة الخيال إلى تصوّراتٍ وهمية في مهديهم المنتظر، (ففي مجال المحتوى الديني لجأ الشيعة وتفرعاتهم، بعد فترةٍ، إلى تطوير اجتهاداتهم اللاهوتية المستوحاة غالباً من الفلسفة الأفلاطونية المحدثة)(١١٥). وإنَّ مفكريهم غالباً ما تأثروا ببعض الأفكار الخاصة بالفلسفة الهلنسية وسهّلوا بذلك انتشارها. فالنظرة السياسية وتداخلها بتطور فكرة الحكم في إسلام العصر الوسيط، لم تكن مشربةً بالفلسفة القديمة وحدها بل بالفكر الشيعي ورئيس مدينته الفاضلة يشبه الحكيم والفيلسوف والإمام المنتظر في الوقت نفسه(١١٦).
وإنَّ هذا المبدأ من الحكم، أي مبدأ الحاكم العادل المطلق الذي يمثل خليفة الله في الكون، ظهر في الدوائر الفلسفية الإسلامية، والذي يحاول المسلمون ولا سيَّما الشيعة منهم، أنْ يروّجوا وينظِّروا إليه لمكاسبَ سياسية سلطوية وينفذوا عن طريقه إلى قلوب المستضعفين من الناس، وهذا المبدأ (وراءه مؤثراتٌ أفلاطونية، سعى إلى أنْ يعدل نظرية الملك - الفيلسوف بنظرية الإمام - الخليفة عند المسلمين الذي ينفِّذ أحكام الشريعة بتوجيهٍ من الحكمة الإلهية)(١١٧).
ويؤكد (جِبْ) قوله: (فالحاكم يتميز على غيره من الناس بتعضيد الله له، حتى يتسنى له أنْ يقود الأشخاص في طريق الكمال، ويوفر لهم نظاماً يكفل دفع الأذى عنهم. يقول عنه الفلاسفة أنه (ملكٌ مطلقٌ) ويطلق عليه المُحْدَثون (بمعنى الفلاسفة المسلمون) اسم الإمام وعلى وظيفته اسم الإمامة، ويسميه أفلاطون (المهيمن على الكون)(١١٨).
هذه الصياغة لمفهوم الإمامة والإمام المختبئ والتي تعتقد برجعته تجعلنا نقبل بوجود تأثيراتٍ غيرِ إسلامية عرفانية مانوية موروثةٍ عن الأفلاطونية الوسيطة والجديدة(١١٩)، هذه الصياغة (وفَّرت سياقاً ماورائيّاً (ميتافيزيقيّاً) جديداً وفتحت الباب في إطار الشيعية الإمامية لصيغٍ عرفانية... مع حلول منتصف القرن الحادي عشر كانت الفرقة الشيعية الإمامية قد خلقت حياةً دنيوية مَعيشة في انتظارٍ أبديٍّ للعالم المنتظر، وفي معارضةٍ دائمةٍ للأنظمة السياسية القائمة، كانت الإمامية قد أصبحت دينَ خلاصٍ. وكان من شأن هذا الخلاص أنْ يتحقق عبر العيش على وفق ما ورد في أحاديث محمد والأئمة)(١٢٠).
وأقول باختصارٍ:
أولاً - إنَّ أقوال المستشرقين هذه وكلماتهم قد تبدو لأول وهلةٍ، صحيحةً وقريبةً للذهن الذي لا يؤمن بالغيب والقرآن، فما تمثله نظرية وفكرة المهدي المنتظر من خيال وأحلامِ المدينة الفاضلة التي يسودها العدل والقسط والمساواة بعد آلاف السنين من الظلم والجور وآلام المستضعفين، تمثل الجانب الهُلامي الذي لا يتحقق إلا بالأدوات الحسّية المادية، وتبدو كلماتهم مضبوطةً وجلية وقريبةً فكريّاً لمن لا يؤمن بما جاء به الرسول الأكرم والأئمة الأطهار من أحاديث في شؤون المهدي المنتظر، فقد فاقت حدَّ التواتر على ما سيثبت لاحقاً، ولو تنزلنا جدلاً - أي للجدال والنقاش فقط - بعدم وجود آية أو إشارةٍ في القرآن، تدل على مهدي آخر الزمان أو على شأنٍ من شؤونه، فتكفي آيةٌ واحدةٌ في كتاب الله فقط، قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾(١٢١) وقد أتت أحاديثُ صحيحةٌ وصريحةٌ متواترةٌ عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ظهور المهدي المنتظر، فما نحن فاعلون؟ وما موقفنا إزاء هذا الكم الكبير من الأحاديث النبوية الشريفة؟
ثانياً - يلحظُ معي المتتبع للبحث، هنا التركيز على ما أردت إثباته في طيّات هذه الوريقات، وهو تركيز المستشرقين وصَبُّ جامِ بحوثهم ونتائجهم حول مسألة إثبات أنَّ القضية المهدوية لا تخص إلا الطائفة الشيعية فقط.
مع النظر إلى أنَّ عموم المسلمين من أهل السُّنّة لم يكونوا بمنأًى عن ظلم الحكام الطغاة وظلم الظالمين، إذاً هذه العقيدة جاءت لظروفٍ ربما تكون سياسية قهرية، لكل المسلمين وليس للشيعة فحسب، (وهذا المعتقد سرعان ما استوعبته أيضاً وبالتدريج مخيَّلة أهل السُّنّة؛ لأنهم أيضاً اضطروا لتحمُّل حكم خلفاء غير جديرين بالخلافة وحكام غير صالحين منذ موت خليفتهم الرابع، علي بن أبي طالب)(١٢٢).
فالعقيدة المهدوية، هي عقيدةٌ من صميم الإسلام، فالله تعالى شأنه، أراد للدين أنْ يستمر ويبقى تبليغاً وتطبيقاً، في الحاضر والمستقبل ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّنَ رَسُولاً مِنهُم يَتلُوا عَلَيهِم آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِم وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالحِكمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبلُ لَفِي ضَلَل مُّبِين وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾(١٢٣) فقوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنهُم لَمَّا يَلحَقُوا بِهِم﴾ إشارةٌ إلى الأجيال المتلاحقة، فإذن هي عقيدة مستقبلية حتمية لكل المسلمين، بل لكافّة الناس وإنْ لم يؤمنوا بها حاضراً، نعم قد يكون للظروف القهرية الآنية، دورٌ في الانسحاب الجزئي من الساحة أو الغياب، لحين توافر الظروف الموضوعية الخارجية لعملية قيادة المجتمع والعالم.
٣ - العامل أو المنطلق الثالث: نزعة الثأر ولا سيَّما ثأر كربلاء:
عندما ينكر المستشرقون عقيدةً إيمانية من عقائد المسلمين، وهي ثابتةٌ بصريح الأحاديث الشريفة ودلالة الآيات القرآنية، كان لا بدّ أنْ يوجدوا أسباباً واقعية لنشوء وبلورة هذه المفردة وأنَّها جاءت نتيجةً لظروفٍ معيّنةٍ طارئةٍ أنتجتها وصاغتها بهذه الصياغة، فمن بين هذه الظروف الطارئة هي قضية واقعة كربلاء ومقتل الحسين (عليه السلام) والثأر لها ولقضايا أخرى عقديةٍ كالخلافة ومقتل الأئمة واحداً بعد واحدٍ على أيدي الطغاة الظالمين وأعوانهم.
كان هذا الرأي وهذا الدافع، قد أخذ حيزاً من جانب المستشرقين بالقول: إنَّ إخفاق الشيعة في مساعيهم إلى تولي الأوضاع - أي التمسك بالسلطة - وذكرى استشهاد الحسين في كربلاء، أنتج نظرةً مستمرةً من الإحساس بالظلم والحاجة إلى المعارضة، وأصبح حلم الشيعيين دائماً هو تحقيق نظامٍ اجتماعيٍّ عادلٍ(١٢٤).
وإنَّ بوادر تبلور عقيدة انتظار المخلِّص والمهدي، ظهرت عند مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء وظهور المختار ومحمد بن الحنفية على الساحة السياسية(١٢٥).
من جهةٍ أخرى يُؤدلِجُ القضية دومينيك أورفوا، للفوز بمكاسبَ على مستوى الأحداث، بأبرز حدثٍ تأريخيٍّ مهمٍّ، وهو مقتل الإمام الحسين (عليه السلام) وكأن القضية ضمن تخطيطٍ مُسبقٍ، وهناك ما يبرر للشيعة ذلك على حدِّ فهمه لذا (على الصعيد الإيديولوجي، يمكن أنَّ نلحظَ أنَّ الموضوعات المؤسِّسة عربيةٌ بصورةٍ نموذجية: فكرة أنَّ (العائلة) تمتلك مزايا خاصّةً؛ موضوعة (الثأر) بعد كربلاء التي تبرر التمرد على الأمويين والتي تستعيد في مواجهتهم الحجة نفسها التي استعملوها بصدد اغتيال عثمان. لكن تتميز موضوعةٌ نوعيةٌ تسيطر على ذلك: فكرة امتلاك إمامٍ عيَّنه سابِقُهُ لفضيلةٍ خاصةٍ تنحدر من سلالةٍ وتتفوق عليها في الآنِ عينِه... فقد أعلنت مجموعةٌ محبطةٌ لاختفاء إمامها بأنَّه (مستور) مؤقتاً فحسب: اختبأ في جبلٍ وسيعود في الوقت المناسب).(١٢٦) ولم يقرأ هذا المستشرق أدنى قراءةٍ تاريخية، ويعدّ نفسه باحثاً تأريخيّاً، فلم يذكر التاريخ الواقعي ولا الاجتهادي أنَّ عائلة النبي قَتَلَتْ أو حتى شاركت بقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فهذا الطرح من البحث إذا أراد أنْ يكشف، فإنَّما يكشف شيئاً واحداً أساسيّاً، هو أخطاء ومجانبة أغلب المستشرقين للحقائق الواضحة المشهورة، فكيف بالأحداث المختلف بها والتي وردت بعدّة اتجاهاتٍ.
إذن فمسألة الثأر الحسيني شكلت هاجساً كبيراً في تبلور عقيدة المهدي المخلِّص على حد زعم دوغلاس وقسمٍ كبيرٍ من المستشرقين (فالإيديولوجيا الأخروية الخصوصية أو المتميزة المسيحية [أي عقيدة المخلِّص]... الجديدة قد ميزت أو حددت بالتوجه والنزاعة الثوريتين إزاء الفوضى الخفية - وأقصد دافع الثأر والتوقعات السياسية الملموسة أو العينية تلك التي كانت قد تغلفت كلاهما ضمن عقيدة المهديّ - والتي أدت إلى انفجارٍ متوالفٍ مع الشرعية العلوية، وهكذا ضمَّنت الإغراء أو المناشدة الواسعة الدائمية والمستمرة للتوقعات السياسية الألفية في الإسلام. فإنَّها هي التوليفة التي جمعت بين الفكر والإيديولوجيا المسيحية وبين العناصر الأرستقراطية العربية، تلك التي تموضعت وراء أو خلف الثورات العلوية)(١٢٧). إشارة منه وتلويحاً بأنَّها جاءت عن أصولٍ مسيحية فكرة الخلاص والمخلِّص بالصلب والقتل، وهكذا إدعاءاتٌ أخرى بشأن العقيدة المهدوية وغيرها.
مع أنَّ دوغلاس لم يقدم دليلاً أو توثيقاً لذلك، ما ذكره في هامش بحثه حيث قال: (آمل أنْ أُوَفِّرَ توثيقاً لمثل هذه الادعاءات في دراسةٍ لاحقةٍ عن التعاليم العلوية الحسينية)(١٢٨).
والمستشرق الهولندي فان فلوتن عندما يقدم من ضمن عناصرَ رئيسةٍ كانت وراء خلفية سقوط الدولة الأموية وانتصار القضية العباسية - على حدِّ تعبيره - منها: التشيّع (Le Chiitisme) أو الاتجاه الموالي لبيت النبي، رائد المعارضة السياسية، والذي كانت لديه المقدرة على تحريك الفئات المضطهَدة، وتبلور فكره السياسي، نتيجةً للاضطهاد والملاحقة والقتل وذلك منذ سقوط الحسين في كربلاء، متجسداً فيه الرمز المأساوي لنضال الشيعة، وكذلك انتظار المنقذ أو المسيح المخلِّص Messie الذي أسهم باعتباره فكرةً غيبيةً، في التأثير على عواطف الجماهير وحقنها بدماء جديدةٍ، حتى لا يفترسها القنوط واليأس، وتبقى القضية السياسية دائمة التوهج في النفوس(١٢٩).
وعقدة الثأر لم تأت طارئةً، وارتباطها جاء بتبلور عقيدة المهدي المنتظر، على حد الزعم القائل: (إنَّ عدم استطاعة الشيعة الاحتفاظ بالخلافة بعد موت علي بن أبي طالب جعلهم يعيشون في انتظار الخلاص المنتظر ولا ينظرون إلى هذه الحياة بعين الاعتبار وقد زَكّى ذلك [أي جعله يُنَمِّي] القدرة على تحمّل المكاره عندهم إلى أنْ يأتي المهدي المنتظر - المخلِّص)(١٣٠).
وهذا القول فيه مجافاةٌ لحقائقَ عدّةٍ منها: أنَّ عقيدة المهدي المنتظر موجودةٌ لدى المسلمين قبل الخلافة العلوية بتصريحاتٍ واضحةٍ وجلية بأكثرَ من مناسبةٍ، بتصريح النبي الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ومنها: أنها بشارة النبي الأكرم كما قرأنا بشّر بها الناس المستضعفين عموماً، ووعدٌ ربانيٌّ عامٌّ لا يخص فئةً من غير أخرى ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةٗ وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾(١٣١)، وأنَّ أمير المؤمنين نفسه قد بشَّر بها في عدة أقوالٍ ومناسباتٍ مع أنَّه كان في وقت زمام الخلافة بيده آنئذٍ، فالخلافة ليس لها علاقةٌ بعقيدة مهمّةٍ عريقةٍ ثابتةٍ عند جميع المسلمين كهذه العقيدة.
من ذلك قالوا إنه: بحسب المعتقدات الشيعية، إنَّ جميع الحكومات تُعدُّ حكوماتٍ مغتصَبةً؛ لأن أحقية الحكم والخلافة تعود إلى الإمام الثاني عشر (الإمام المعصوم)(١٣٢).
ولابدَّ أن نؤكد على أن المستشرقين، حاولوا صياغة الفكرة حول العقيدة المهدوية، من الصراعات السياسية وحصروا العقيدة بالدولة وقيادتها، مع العلم أنَّ هذه العقيدة ترتبط بالمجتمع والحياة الفكرية، وكذلك تعبِّر عن فسحة أملٍ إيمانيةٍ يرتبط بها المسلم، وهي وإنْ كانت موجودةً في بعض أوجهها في الديانات الأخرى، فإنَّ هذا يؤكد على أنَّ فكرة القيادة والرمز تمثل جوهراً عقديّاً، يقود المجتمع والأمة نحو العدل وإقامته، وإنَّ إقامة العدل ترتبط بالممارسة الحياتية والعلاقات الاجتماعية كما ترتبط بالإمامة والسياسة سواءً بسواءٍ، وإنَّ الخلاف حول طبيعة هذه العقيدة سواءً كانت مع اعتقاد الولادة أم مع اعتقاد الغيبة، لا يؤثر في الاعتقاد بها، لأنها ترتبط بالقدرة والإرادة الإلهية التي لا يعجزها شيء.

الفصل الثاني: العقيدة المهدوية في المرقاب الاستشراقي

المبحث الأول: حول أصل العقيدة المهدوية:
المطلب الأول: عقيدة المهديّ المنتظر من مختصات عقائد الشيعة:
أغلب ومعظم المستشرقين جعل من قضية المهدي المنتظر من عقائد الشيعة خاصّةً فقط لا غيرهم، وأرسلوها من مسلّماتهم، (وقد جهد الشيعة في تبيان الأساس الديني لهذه العقيدة، والدفاع عنها لوقايتها من سخرية المرتابين وخصومة المعادين، حتى استغرقت جزءاً كبيراً من مؤلفاتهم الدينية)(١٣٣). والخوف والحذر منها بوصفها ذاتَ بعدٍ سياسيٍّ لا دينيّاً فحسب: (وهكذا احتفظت فكرة الإمامة بقوَّتها حتى الوقت الحاضر، وارتقت حتى بلغت أوجَهَا كعقيدةٍ من العقائد الأساسية وأصبحت عنصراً جوهريّاً فعالاً في النظام الديني والسياسي بعد أنْ درسنا عقيدة الإمامة وخطرها)(١٣٤).
أقول: ولا أدري: لِمَ غولد تسيهر يشعر بالخطر إزاء إمامة المهدي المنتظر؟ عندما يعبّر عنها بقوله: (عنصراً جوهريّاً فعالاً) فإذ لم تكن له دوافعُ سياسية احتلالية استعمارية، فلِمَ إذاً يشعر بالخطر جرّاء إمامة المهديّ المنتظر؟
وهذه مشكلةٌ أساسية تواجه البحث العلمي، أي إنَّه إذا أراد أيُّ باحثٍ أن يبحث عن رؤية المستشرقين ومفهومهم للأطروحة المهدوية، عليه أنْ يلجأ إلى كتاباتهم عن الشيعة وعقائد الشيعة؛ لأنه كما قال تويال: عقيدة المهدي المنتظر هي في أساس اعتقاد الشيعة الاثني عشرية(١٣٥). دون المذاهب والفِرَق الإسلامية الأخرى. ما جاء في الفصل الأول من هذه الكتاب يؤكد ويؤيد هذه الحقيقة، بجردِ مؤلفاتهم ونتاجاتهم حول هذا الموضوع.
ومن حقنا التكهن، إذا لم نَقُلْ التساؤل عن الأسباب وراء هذا الإصرار، والحقيقة أنَّ ذلك قد يكون لأحد سببين محتملين أو لكليهما معاً:
السبب الأول: بحسب ما عرفناه وتداولناه في المجال البحثي الاستشراقي، حتى صار من البدهيات وشبه المسلَّمات، من كل البحوث والمؤلفات التي كتبت في الاستشراق وتاريخه ونشأته وأسبابه ودوافعه، هو أنَّ من أهم دوافع المستشرقين وأسباب كتابتهم عن الشرق وعلومه وحضارته وأديانه والعرب والاسلام بصورةٍ خاصّةٍ، هما دافعان:
الدافع التبشيري العقائدي الديني، والدافع الاستعماري الاحتلالي، المجمع عليهما من المهتمين في الشأن الاستشراقي، فإذا كان والحال هذه بحسب هذين الدافعين والسببين، جازَ القول بضرسٍ قاطع، بأنَّ السبب الذي حرّك أقلام المستشرقين بجعل العقيدة المهدوية، عقيدةً من مختصات وملاك وقِوام المذهب الشيعي فقط وفقط، هو للتفرقة بين فِرَق ومذاهب المسلمين وتهديم البُنى الأساسية للعقائد الإسلامية بجعلها عقائدَ هامشية غيرَ معترفٍ بها من جميع الطوائف الإسلامية، وإيجاد الثغرة لتوسيع الهوّة بين المسلمين عن طريق تحجيم العقائد ذات القيمة الإيمانية المهمة. والإيغال في بناء حواجزَ عقدية وفكرية بين المذاهب.
ونجد هذا المعنى عند المستشرق غولدتسيهر (اليهودي المجري) إذ عَدَّ الإيمان بظهور المهدي من مختصات ومبادئ التشيع فقط محاولاً التركيز على التباين الشاسع واصفاً استهزاء طائفةٍ بأخرى، في كتابه العقيدة والشريعة ضمن فصل سَمَّاهُ (الفِرَق) قوله: (ومنذ بداية التشيع ازدادت الثقة الوطيدة بعودة الإمام المختفي يوماً ما... وما دمنا قد أدركنا كنه التشيع، فمن الطبيعي أنْ يكون الإسلام بصورته الشيعية هو وحده البيئة الملائمة التي ينبغي أنْ تنمو بها بذرة الأماني المهدية... وهكذا نمتِ العقيدة المهدية عند الشيعة، وقويت حتى صارت عصباً حيويّاً في مجموعة المبادئ الشيعية. أما في الإسلام السُّنّي، فإنَّ ترقب ظهور المهدي، مع استناده إلى الوثائق الحديثية والمناقشات الكلامية، لم يصل البتّة إلى أنْ يتقرر على أنه عقيدةٌ دينية، ولم يبدُ قط عند أهل السُّنّة إلا كحليةٍ أسطورية لغايةٍ مثلى مستقلّةٍ أو كأمرٍ ثانويٍّ بالنسبة لجوهر النظرية السُّنّية للكون)(١٣٦).
بعدها يصف هذا التباين محاولاً عرض انتقاص وانتقاد المذاهب الإسلامية في ما بينها، لبيان أنهم لم يشتركوا ويتفقوا على أيِّ مفردةٍ إيمانية عقديةٍ، ومنها العقيدة والأطروحة المهدوية، بقوله: (ويرفض الإسلام السُّنِّي رفضاً قاطعاً العقيدة المهدية على صورتها الشيعية كما يهزأ بفكرة الإمام الكامن وحياته الطويلة. وسبق أنْ تجلت لأهل السُّنَّة سخافة عقيدة الاثني عشرية الخاصة بالمهدي؟ لأن المهدي، تبعاً لما جاء في الروايات السُّنِّية، يجب أنْ يكون اسمه كالنبي - محمد بن عبد الله - بينا والد الإمام الخفي، وهو الإمام الحادي عشر اسمه الحسن... وعلى نقيض ذلك، نجد أنَّ الإيمان بتحقق الأماني المهدية في المستقبل له أهمية اعتقادية جوهرية في الإسلام الشيعي، فهو حجر الزاوية في العقائد الشيعية... وقد جَدَّ علماء من الشيعة، ممن يتسمون بالجد والوقار أنْ يثبتوا، إزاء تهكُّم أهل السنة، أنَّ حياة الإمام الخفي الطويلة والمخالفة للمألوف، ممكنة الوقوع وليست بمستحيلةٍ، مستشهدين باعتباراتٍ فيسيولوجية [مادية جسدية] وأسانيدَ تاريخية خطيرةٍ)(١٣٧).
قد يقول قائل: إنَّ كلامه صحيحٌ وإنَّه يصف الحقيقة لكن بطريقته الخاصّة، فما المحذور من ذلك؟
أقول: تبين كما هو المتوقع سابقاً، بأنَّ السبب من جرَّاء كتاباتهم الهائلة والعميقة والضخمة بمثل هذه الموضوعات، بعد أنْ نتساءل: ما سببها؟ ما الذي يجعل هؤلاء الغربيين عبرَ هذه القارات والمسافات البعيدة بكل معاني البعد، الحضارية والثقافية واللغوية والعرقية، جعلهم يكتبون عن موضوعاتٍ دينية عقائدية بَحْتَةٍ بهذا الشكل؟ وإلّا لو كانت من الموضوعات العلمية أو الفيزيائية الرياضية وغيرها من باقي العلوم الطبيعية - باعتبارها موضوعاتٍ عامّةً مشتركةً عند جميع الناس ويستفيد منها كل أصناف البشر - لما أثار ذلك استغراب الباحثين وتوقعهم، فتبين أنَّ السبب هنا هو: إيجاد الثغرة والفرقة أو تعميقها إنْ كانت موجودة، وذلك لأغراضٍ - كما هو سالف الذكر - تبشيرية استعمارية احتلالية.
ولو أنْعَمْنا النظر معاً في كلام غولدتسيهر للحظنا وقرأنا في ما بين السطور - وقِوام الدراسات النقدية أنْ يقرأ الباحث المتتبع ما بين السطور والكلمات - التناقض الحاصل بين محاولته جعل العقيدة المهدوية من العقائد المختصة بالشيعة فقط، والتي لا وجود لها في (الإسلام السُّنِّي) كما عبَّر هو بذلك، وبين إقراره بوجودها عند أهل السنة، لكنها مختلفةٌ تمام الاختلاف معهم، وهذا هو بحد ذاته شيءٌ واعترافٌ مهم، إذ إنَّ أصل العقيدة موجودةٌ ومشتركةٌ بين الفريقين، وهذا أمرٌ لا بأس بأهميّته، لأنه ينقدح عنه كثيرٌ من المشتركات الخاصّة والعامّة. والجانب الإنساني والوازع الأخلاقي يدعونا دائماً إلى أنْ ننظرَ إلى النصف الممتلئ من الكأس وإنْ ضَؤُلَ، لا إلى النصف الفارغ منه.
ولا يوجد شيءٌ يخفى بعد توالي الأحداث وتسارعها، أو هم غير مضطرين لإخفاء ذلك، لذا نجد (جون إل. إسوزيتو John L. Esposito) في كتابه المعاصر (مستقبل الإسلام) عندما يبحث العقائد الإسلامية وبضمنها المهدي الموعود، يقول في مطلبٍ في الكتاب تحت عنوان (هل تستطيع التفرقة بين السني والشيعي؟) هذا السؤال الذي هو عنوانٌ لمطلبٍ في كتابه، سأله محرر الأمن القومي إلى مسؤولين كبار الكونغرس الأمريكي وفي مكتب التحقيقات الفدرالية (FPI) وعجزوا عن الإجابة عنها وعن أسئلة بسيطة حول الإسلام.(١٣٨) لذا أردف (جون) قائلاً: (إنَّ معرفة منشأ مسلمي السُّنَّة والشيعة، والاختلافات التي أصبحت مصدراً للصراعات بينهما، يساعدنا على فهم الأحداث الدينية والسياسية على مر التاريخ، وذلك منذ بداية تكوّن المجتمع الإسلامي وحتى التوترات والصراعات الحاصلة اليوم حول العالم. بالإضافة إلى الصراعات بين السنة والشيعة... والخلافات الطائفية والحروب التي اشتعلت لمراتٍ عدّةٍ... فدراسة جذور تلك الانقسامات والعداءات العميقة بين السنة والشيعة يُعَدُّ ضرورياً لمساعدتنا في فهم مصدر الخلاف الطائفي)(١٣٩).
إذن، فإنَّ المستشرقين الذين يمارسون التبشير المسيحي يحاولون إبطال الإسلام وإيجاد البديل عنه وهو (المسيحية) كما هو دأب العمل التبشيري المحض، والقسم الآخر ذو التوجهات اليهودية يحاول إحلال العقائد والآثار التوراتية بدلاً عن التعاليم الإسلامية.
ولعلّ الأهم من ذلك كله، هو محاولاتهم معرفة وسبر أغوار الفوارق بين الطوائف وكشفها، لتوظيفها في تأجيج الصراع الطائفي بين المسلمين وهو ما يحصل اليوم بعينه.
وسيتضح من أثر النقاش في كلماتهم ربما بعد عدة أسطرٍ، أنّها عقيدةٌ أصيلةٌ يشترك فيها جميع المسلمين، في أصل العقيدة، مع اختلافٍ بالتفاصيل، المهم في الأصل الذي يقول: سيخرج المهدي المنتظر في آخر الزمان ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. وأنَّه يوجد اختلافٌ في بعض تفاصيل النبوة في العصمة الذاتية له والسهو أو النسيان عليه، بل حتى في التوحيد في الصفات والذات والرؤية لله بالعين البصرية، وما شاكلَ ذلك، أمورٌ مختلفٌ فيها حتماً، لكن بنفس الآن، يبقى أصلُ التوحيد والنبوة، أصليْن مشتركيْن لا يختلف عليهما مسلمٌ قط.
السبب الثاني: الذي هيأ الأرضية الخصبة للمستشرقين في خوضهم غمار البحث والكتابة بهذا الكم الضخم والهائل عن القضية المهدوية، هو أنَّ المدرسة الشيعية، ولا سيَّما الإمامية منهم، غطَّت أحداث تاريخ العقيدة المهدوية، تغطيةً كاملة ًبحسب اعتقاده منذ الولادة بكل تفاصيلها، إلى الغيبة الصغرى بكل سفرائها ووكلائها ولقاءاتهم، إلى الغيبة الكبرى وما يحدث فيها من أحداثٍ وعلاماتٍ حتمية وغيرِ حتمية تسبق يوم الظهور، أكثر من غيرها من مذاهب وفرق المسلمين، باعتبار إيمانهم أنه الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت (عليهم السلام). وهذا الأمر يجعل الإمامية الأكثر إحاطةً واستيعاباً لفلسفة العقيدة المهدوية، لارتباطها بالإمامة التي هي من أصول المذهب الإمامي.
 ولعرض نماذجَ من كتابات المستشرقين حول هذا المطلب، ما يُلحظ هنا عند توماس آرنولد عند تطرقه إلى لفظ الإمام والإمامة، بأنَّ الاسم المفضل لرئيس الدين عند الشيعة، (الإمام) فينسبون إليه قوّةً عجيبةً خارقةً تقريباً حتى إنهم توصلوا إلى الاعتقاد بوجود إمامٍ خفيٍّ لا يراه الناس يرشد المؤمنين على الأرض ويوجههم. بينما هذا الاسم لم يكن مفضلاً لدى السُّنّة كما هو لدى الشيعة(١٤٠).
وآخر يعبِّر عنها بالاحتكار: (ويمكن القول أنَّ الشيعة احتكرت فكرة المهدي لمصلحة عليٍّ، عضو عائلة النبي وأعقابه)(١٤١) وكذا المستشرق المبشر البريطاني دوايت دونالدسون، قال في كتابه المسمى (عقيدة الشيعة) في الباب الحادي والعشرين، تحت عنوان (الإمام الغائب المنتظر) قال مؤكداً المعنى السالف الذكر: (المهدي عند أهل السنة شخصٌ يخرج آخر الزمان، بشَّرَ بمجيئه الرسول. والمهدي، صيغة المفعول به من هدى، وهو من يهديه الله. غير أنها تُعَدُّ في هذا الموضع بمعنى فاعل، وتعني المختار لهداية الناس. ولم ترد هذه الصيغة في القرآن بل وردت في صيغة الفاعل، قال تعالى [لا أتوقع أنَّ المستشرق يقول كلمة (قال تعالى) قد تكون زيادة في الترجمة] ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِراَط مُّستَقِيم﴾(١٤٢) وقال: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً﴾(١٤٣) ولا شك في أنَّ هذه الآيات لا علاقة لها في انتظار المهدي، لكن بعضهم اتخذ من هاتين الآيتين أساساً لموضوع واسعٍ حول انتظار مجيئه... أما عند الشيعة فإنَّ انتظار مجيء المهديّ من الاعتقادات الأساسية، ويفسرون بأنَّ الهداة الوارد ذكرهم في القرآن هم الأئمة)(١٤٤).
أقول: قد أخطأ المستشرق دوايت دونالدسون وجانبَ الحقيقة، فلم يقل أحدٌ بتفسيرٍ أو سبب نزولٍ، أو أيِّ كتابٍ قرآنيٍّ بأنَّ هذه الآيات تدل أو فيها سببٌ لانتظار المهدي المنتظر، بوصفها تحمل مادة حروفها (ه د ي) نفسها. نعم هناك آيات أُخر - على ما سيأتي في مطلبٍ لاحقٍ - فسَّرها الإمامية بحسب مصادرهم وطرقهم بأنَّها تدل على المهدي المنتظر أو على أحد شؤونه.
وإذا ما أراد المتتبع تقريرَ حقيقة أنَّ المستشرقين أرادوا القضية المهدوية من المسائل العقدية المرتبطة بالشيعة فقط، مراجعة الفصل الأول من هذا الكتاب، ليرى الكَمَّ الهائل والضخم من المؤلفات التي أُلفت بذلك الشأن، فهذا المستشرق الفيلسوف هنري كوربان في كتابه المعنون: (الإمام الثاني عشر) ويعني به الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) من أئمة أهل البيت، بحسب ما يعتقد به الإمامية، يقرأ القراءة ذاتها:
بأنَّ التشيع والأفهوم الخاص به لأطروحة النبوّة، يُبقي الآتي مفتوحاً بقوله أنَّ بعد (خاتم النبيين) ثمَّة ما يُنتظر، وهو الكشف عن المعنى الروحي للرسالات التي أتى بها الأنبياء العظام، بما تشير له العبارة الاصطلاحية لكلمة التأويل، أي تفسير باطن القرآن وإعادة الشيء إلى أوّله، إلى أٌنموذجه الأصلي. على خلاف الإسلام السُّنّي الأكثري الذي يقول بأنَّ البشرية لم يَعُدْ لها جديدٌ تنتظره بعد بعثة النبي الأخير(١٤٥). (تلك كانت المهمة التأويلية التي أُوكِلَت إلى الأئمة الأطهار الذين تملأ تعاليمهم المجلدات. لكن هذا الإدراك الروحي لن يكتمل إلا في نهاية دهرنا، عند ظهور الإمام الثاني عشر، الإمام الغائب راهناً، وقطب هذا العالم... وكما التأويل، وضعت أطروحةُ النبوّة الشيعية المفكرين الشيعة أمام المشكلات نفسها التي طرحها مبحث المسيح على المفكّرين المسيحيين، لكن المفكرين الشيعة سعوا دائماً إلى حلها بالمعنى الذي رفضته الكريستولوجيا(١٤٦)* الرسمية)(١٤٧).
وإنَّ التَّمَثُلَ الشيعي لا يستطيع أنْ يفصل عن الوجوه الإحدى عشر والتي هي عالم إبداع الإمامة، وذلك لأن قانون الرقم الاثني عشر، وهو رقم ثابتٌ في حقب أدوار النبوة كلها ويرمز للكلية وهناك بعض المشابهات، كإشارات البروج الاثني عشر، والاثني عشر ينبوعاً التي فجرها موسى بعصاه من الصخر، والعلاقة بشهور السنة الاثني عشر وكلها متقابلة مع لاهوتيات الأيون(١٤٨)* القديمة، ولقد كان لكلٍّ من الأنبياء الكبار أصحاب الشرائع أوصياء اثنا عشر، والخلفاء من بعد النبي محمد اثنا عشر(١٤٩).
وهذا الوصف قد يُعدُّ مريحاً، لأنه لا يعتمد تشويه القصة بمنحها بُعداً أسطوريّاً. ليَخْلُصَ كوربان إلى القول: بأنَّ (الإمام المهديّ الذي تختلف فكرة الشيعة فيه عن فكرة باقي الإسلاميين اختلافاً عميقاً)(١٥٠).
 وبذلك يتّضح أنَّ نظرة المستشرقين للعقيدة المهدوية، شابَها كثير من التشويش وسوء الفهم، فهؤلاء المستشرقون، إما عرضوا القصة بفهمٍ ناقصٍ وغيرِ مرتبطٍ بحقيقة التعاليم الدينية وفهم مقاصدها أو بقصدٍ سيّئٍ في محاولةٍ للتشويه المتعمد، وعدّ قضية الإيمان بها على أنه مقتبسٌ من الأديان الأخرى لتعطيلَ أصالة الدين الإسلامي وإثبات أنَّ هذا الدين ليس ديناً سماويّاً، وإنَّما هو تلفيقٌ وكذبٌ وتزويرٌ للحقائق التي جاءت بها الأديان الأخرى. وسيتبين كيف أن هؤلاء المستشرقين قد حاولوا تعطيل الإسلام وتشويه الحقائق والعقائد الإسلامية، ولا بدّ من الذكر أنَّ بعضاً منهم حاول أنْ يعرض القضايا الإسلامية عرضاً علميّاً واستعمل التحليل العلمي والعقلي بصورةٍ تبدو محايدةً.
المطلب الثاني: عقيدة المهدي المنتظر من المخترعات والإيديولوجيا الشيعية:
هذا المطلب مرتبطٌ وملاصقٌ لسابقه، إذ جالَ في خاطر بعض المستشرقين إنكار ما هو ثابتٌ عند جميع المسلمين، فاستسهلوا مؤونة البحث والتدقيق في مناشئَ ومنابعَ أصيلةٍ لتلك العقائد، فعرجوا إلى القول: بأنَّ هذه العقيدة، لا وجود لها ولا فضاء لها يمكن أنْ تحلق فيه إلا في سماء خيالات الشيعة أنفسهم، عن طريق الإيديولوجيا التي تبنتها الفرق الشيعية منذ تكونها، بوصفها حركةً مبتدعةً(١٥١).
قد يكون لتصوير أنَّ الشيعة بوصفها حركة مبتدعة، وإنَّها تغرد خارج السرب الإسلامي العريض، ابتدعوا هذه المفردة الإيمانية المهدوية فـ(جماعة الاثني عشرية الذين اختفى إمامهم الثاني عشر، أنشأوا معتقداً لهذا الإمام المختبئ، وهو أنَّه سيعود في نهاية الزمان ليقيم مجتمعاً إسلاميّاً عادلاً وصادقاً)(١٥٢).
والصيغة التي تبنتها الحركة الشيعية بوصفها إيديولوجيا، والنظرية التي تنص على أن حلقة النبوة التي أغلقها محمد قد تلتها ولاية (صداقة لله) لم تتم صياغتها إلا بعد وفاة الإمام الحادي عشر، ما يتزامن تقريباً مع اختفاء الإمام الثاني عشر، الذي يوصف بأنَّه مستورٌ وسيعود في نهاية الزمان(١٥٣).
وكذا ما ردده المتحامل على الإسلام فلوتن: والمسيح المخلِّص عند الشيعة متميّزٌ جدّاً عمّن سواهم، معروفٌ جدّاً وهو (المهديّ المنتظر)، وكان من ضمن ألقاب الشرف العالي في بادئ الأمر، قبل أنْ يصبح الرمز لذلك المخلِّص الذي يظهر من أهل البيت ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. ومن الواضح أنَّ فكرة انتظار المهدي لم ترتبط في الأصل بأسرة النبي ولكنها أخذت تنتشر مع ازدياد نفوذ الشيعة(١٥٤). وقد زعم الإمام المهدي أنه اختفى ليظهر مرةً أخرى في آخر الزمان(١٥٥).
متناسياً (فلوتن) تأريخيّاً ودينيّاً ولم يقرأ المَعْلَمَ الأساسي في العقيدة المهدوية والأحاديث الصريحة المتواترة عن الرسول الأكرم التي تُنْبِئ بأنَّ المهدي المنتظر من نسل الرسول الأكرم، فجاءت ألفاظ الأحاديث: (المهدي مني، من ولدي، من ولد فاطمة، من عترتي، رجلٌ منِّا أهل البيت).
على أنَّنا ينبغي ألّا ننسى بأنَّ المنهج القرآني يخالف مناهج المستشرقين، فالقرآن الكريم كان يدعو المسلمين إلى الابتعاد عن الدنيا وملذاتها وانتظار الخلاص السماوي عن طريق السنن في معاقبة الظالمين، وتأخير الثواب الأُخروي للصابرين على بلاء الدنيا، فلا علاقة بين الإيمان بأنَّ الموت يعبِّر عن خلاصٍ للإنسان من ظلم الظالمين وهي العقيدة الإسلامية التي بشَّرَ بها القرآن الكريم، وبين عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر، فهذه عقيدةٌ أخرى تدعو إلى الإصلاح عن طريق المصلح المؤيَّد من السماء، فالمسلم يقرأ القرآن الكريم أنَّ مؤمن آل ياسين عندما قتله قومه، قال: ﴿قَالَ يَا لَيتَ قَومِي يَعلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ المُكرَمِينَ﴾(١٥٦) فالموت في سبيل الله، هو أعلى قيمة في سُلّم الانتصار في الإسلام.
ولمَّا كانت هذه من مبتدعات الشيعة - على حدِّ هذا الزعم - صاروا في حيرةٍ: مَنْ الذي يعطونه منصب المهدي المنتظر؟ فبعد أنْ رفضوا قبول أيِّ خليفةٍ لم يكن من نَسْلِ عليٍّ، وضعوا لأنفسهم مبدأ (الزعيم الأوحد)(١٥٧): (ولكن اختلف بشأن من يدَّعونه بالإمام المهدي، من نَسْلِ عليٍّ، ففرقة منهم أطلقت الاسم على السابع في سلسلة النسب، وهو إسماعيل وكان من أحفاد الحسين المتأخرين، وعرف أفرادها في ما بعد باسم (الإسماعيلية)... ومن ثَمَّ وقع اختيارهم على أخيه الأصغر (محمد المنتظر) ويشغل المركز الثاني عشر في سلسلة النسب العلوي، ومن هنا عرفت الجماعة باسم (الاثني عشرية)(١٥٨). نعم هكذا صوَّروا المسألة، أو هكذا يريدون أنْ يصوروها مسألةً كيفيةً مزاجيةً، لا تستند إلى أيِّ مستندٍ دينيٍّ رساليٍّ تعبديٍّ، مع أنَّ ما يعتقد به الشيعة الإمامية بأنَّه جعلٌ وتنصيبٌ إلهيٌّ، والخطأ الواضح والصريح في ادعاء المستشرق أعلاه، أنَّ (محمداً المنتظر) الثاني عشر لم يكن أخاً لإسماعيل الأصغر، بل كان ابنَ الإمام الحادي عشر، الحسن العسكري (عليه السلام) من سلسلة الأئمة الاثني عشر.
وأكثر من ذلك ذهب ميرسيا إلياد: إلى أنَّ الصورة الخرافية والأسطورية للإمام المستور قد اتصلت مراراً بأسطورةٍ أُخرويةٍ للمهدي، لغةً القائد أو الدليل الذي أُهدي من الله. إنَّ اختفاء وظهور المهدي في نهاية الزمان لعب دوراً بارزاً في التدين الشعبي وفي الأزمات الألفية. فقد جرّب العديد من الرؤساء السياسيين الحصول على السلطة وحصلوا عليها في كثيرٍ من المرات، بإعلان أنفسهم أنَّهم المهدي(١٥٩).
بهذه الأساليب وغيرها كثيرٌ، كذكر الأمور والتفاصيل المختَلف فيها بين المسلمين في مفردة المهدي المنتظر وهي - أي الأمور الخلافية فيها قليلةٌ - حاول المستشرقون إثبات أنَّ مفردة المهدي المنتظر من مختصات أو مخترعات الطائفة الشيعية، وسيأتي نقاش ذلك في المطلب الآتي.
المطلب الثالث: مناقشة أقوال وكلمات المستشرقين:
محاور الاشتراك والاتفاق بين المسلمين في عقيدة المهديّ المنتظر:
لقد جَرَتْ مناقشاتٌ آنيةٌ لبعض كلمات المستشرقين في المطلب السابق المعنون: (عقيدة المهدي المنتظر من مختصات عقائد الشيعة) الذي حاول أنْ يقرره قسمٌ كبيرٌ منهم، لكن يمكن زيادة، بأنَّها مغالطة سطحية كما هو مفهوم وواضح من عرضهم، بأنْ يقرروا أنَّ العقيدة المهدوية لا وجود لها في (الإسلام السُّنّي) - كما عبَّروا بذلك - وهي مهمّشةٌ عندهم وليست من الأمور الأساسية التي يجب الإيمان بها إيماناً كاملاً، وإنَّ الذين يؤمنون ويعتقدون بها إيماناً كاملاً، هم الشيعة فقط، وهي جوهر عقائدهم ولا قِوام للتشيع من غيرها.
مع أنَّ الحقيقة غير ذلك عند عموم المسلمين؛ ولذا صدَّر ابن خلدون (ت ٨٠٨ه)(١٦٠) الفصل الذي عقده في مقدمته (مقدمة ابن خلدون) للمهدي المنتظر بقوله: (اعلم أنَّ في المشهور بين الكافة من أهل الإسلام على ممر الأعصار أنه لا بدَّ في آخر الزمان من ظهور رجلٍ من أهل البيت يؤيد الدين، ويُظهر العدل، ويتبعه المسلمون، ويستولي على الممالك الإسلامية، ويسمى بالمهدي، ويكون خروج الدجال وما بعده من أشراط الساعة الثابتة في الصحيح على أثره، وأنَّ عيسى ينزل من بعده فيقتل الدجال، أو ينزل معه فيساعده على قتله، ويأتم بالمهدي في صلاته، ويحتجون في هذا الشأن بأحاديث خرّجها الأئمة، وتكلم فيها المنكرون لذلك، وربما عارضوها ببعض الأخبار)(١٦١). على أنه سيتم في مبحثٍ لاحقٍ، ذكرُ الأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتي ساقها علماء المسلمين من أئمة الحديث وذكرتها المصادر والمراجع المعتمدة.
كما قال الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري (ت ٣٦٣ه) في كتاب (مناقب الشافعي): (وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (ص) بذكر المهدي وأنَّه من أهل بيته وأنَّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلاً وأنه يخرج مع عيسى ابن مريم، ويساعده في قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين وأنَّه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه)(١٦٢). وهناك كثيرٌ من النقاط والمسائل المشتركة بين عموم المسلمين يمكن إجمالها، ها هنا أو تفصيل بعضها.
لكنه في البدء يجب الإشارة بأنَّ هناك مغالطةً ومصادرةً للمطلوب أوردها المستشرقون لنفي وإنكار العقيدة المهدوية، وهي ذكر الموارد والنقاط والتفاصيل والمختصات المختلف فيها، فرعيةً كانت أو أساسية، ويجعلونها منطلقاً ومبدأً لنفي نقاط الاشتراك والاتفاق، ومِنْ ثَمَّ تبعاً تنتفي العقيدة المهدوية برمتها. وهنا ما يجب تأكيده وتقريره: هو أنَّ نقاط الاتفاق والاشتراك في القضية المهدوية، كفيلةٌ لدفع ودحض أقوال المستشرقين وأغراضهم.
وكما يقال وكما هو مقرّرٌ بأنَّ نفي نقاط الاختلاف لا يستلزم نفي نقاط الاتفاق، فلا ملازمة بين الأمرين (نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف) قد يتّفقون في نقاطٍ ويختلفون في نقاطٍ أخرى فلا ملازمة بين ثبوت نقاط الاتفاق لننتقل منها إلى نفي نقاط الاختلاف ولا ملازمة بين نفي نقاط الاختلاف لننتقل منها إلى نفي نقاط الاتفاق وهذه مغالطةٌ أو لغطٌ قد يقع فيه كثيرٌ من الباحثين والكُتّاب والمؤلفين والمتحدثين(١٦٣).
كذلك إنَّ أصل المسألة له أساسٌ ومتّفقٌ عليه بين مذاهب المسلمين وإنْ وُجدت اختلافاتٌ في تحديد تفاصيل المسألة بين عالمٍ وآخرَ، وهذا لا يعني أن الشيعة انفردوا بهذه المفردة العقدية.
وإنَّ الأمة إذا أجمعت على أمرٍ ما، كان هدىً من الضلال ونوراً من العمى؛ لأنَّ أمة النبي الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لا تجتمع على ضلالٍ، ولأجله يمكن إيجاز محاور ونقاط الاشتراك بما يأتي:
خروج إمامٍ مهديٍّ منتظرٍ يقيم العدل والقسط، هو من المحتوم الذي لا بدَّ من قضائه قبل أنْ تقوم الساعة. فلا تقوم القيامة إلا بعد خروجه حتماً.
 وقد جاءت أحاديثُ بهذا المعنى، كما في السنن لأبي داود: (عن علي رضي الله تعالى عنه: عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ يَوْمٌ لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بَيْتِى يَمْلأهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا)(١٦٤).
وكذلك ما جاء عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن الشيخ الصدوق بإسناده في حديثٍ طويلٍ وهو يخاطب شاعراً ألقى قصيدةً في حضرة الإمام: (... يا دعبل... الحجة القائم، المنتظر في غيبته، المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج فيملؤها عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً)(١٦٥) الرواية معتبرة، جاءت في كتاب المعتبر من بحار الأنوار.
أنَّ المهدي المنتظر من أهل البيت، كما هو مذكورٌ هذا الوصف في أحاديث كثيرة لا مجال لذكرها جميعاً، فمِّما جاء في سنن الترمذي: (قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي)(١٦٦). وقد صححه الترمذي وكذلك الألباني كما أشار محقق الكتاب قال: قال أبو عيسى: وفي الباب عن علي وأبي سعيد وأم سلمة وأبي هريرة وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال الشيخ الألباني: حسنٌ صحيح(١٦٧).
ومثل هذا اللفظ روى الشيخ الطوسي (ت ٤٠٦) مما جاء: (عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): لا تذهب الدنيا حتى يلي أمتي رجلٌ من أهل بيتي يُقال له المهديّ)(١٦٨).
اسمه محمد، اسم النبي ولقبه المهدي، هذا باتفاق كلمات علماء المسلمين وما عبَّرت عنه الأحاديث المستفيضة. كما هو بيِّنٌ من الحديث سالف الذكر أعلاه، في سنن الترمذي، وما روى الشيخ الصدوق بإسناده: (... عن الصادق جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): المهدي من ولدي، اسمه اسمي،...)(١٦٩).
ومن أهم الأساسيات المشتركة، بأنَّه يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً، وهو الدور الأساس والمهمة العظيمة التي ستتحقق على يديه بتأييد من الله تعالى، وهذه هي الثمرة الأخيرة لأصل شجرة الأنبياء وتحقيق نتاج وآمال جميع الأنبياء والمرسلين، ولو لم تكن فقط إلّا هذه النقطة - وهي نقطةٌ مهمةٌ - يشترك بها المسلمون في هذه العقيدة، لكانت جديرةٌ بالاعتقاد والاهتمام والالتفاف حولها دون باقي المختلفات.
فقد روي في مسند أحمد بن حنبل (عن أبي سعيد أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: تُملأ الأرض ظلماً وجوراً ثم يخرج رجلٌ من عترتي يملك سبعاً أو تسعاً فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(١٧٠).
وبلفظ الحديث نفسه لكن بغير طريقٍ، جاء في بحار الأنوار للعلامة المجلسي: (... عن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال: تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْمًا‏ وَجَوْرًا، ‏ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي، ‏يَمْلِكُ سَبْعًا أَوْ تِسْعًا، فَيَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا)(١٧١). ومن هذين الحديثين يتضح بالاتفاق على:
تُمْلَأُ الْأَرْضُ ظُلْمًا‏ وَجَوْرًا.
ومن المحاور الأساسية والمهمة المتفق عليها، بأنَّه من العترة، عترة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) - كما جاء في الحديثين أعلاه - ويجب ملاحظة أنَّ تعبير ومفهوم العترة، هل توجد فيه خصوصيةٌ أدقُّ وأخصُّ من مفهوم أهل البيت؟ أو أنه مرادف للفظ ومفهوم أهل البيت؟
له ملك الأرض، وعدد السنين لا يهم، قد يزيد وقد ينقص باختلاف الروايات.
إنه بإذن الله وتسديده يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، وهو الذي يقود عملية التغيير الكبرى.
إن عيسى يصلي خلف الإمام المهدي المنتظر وهذا محورٌ أساسيٌّ ومهمٌّ، فيه دلالاتٌ مهمّةٌ وأساسية، إذ إنَّ نبيّاً من أنبياء أولي العزم يصلي خلف ذلك الإمام، فمن ذا الذي يكون أفضل من نبي من أنبياء أولي العزم، وذلك يعني أنَّ هذا الإمام ليس شخصاً عاديّاً من عامة الناس، وأنَّه مدَّخرٌ من الله تعالى لتلك المهمة التي أنيطت به وهي إقامة العدل الشامل والمطلق في هذا العالم بعد ملئه بالظلم والجور.
وفي اتفاق واستفاضة هذه المسألة، أمرٌ واضحٌ، وكثرة رواتها عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجيء المهدي، وأنَّه من أهل بيته، وأنه يخرج معه النبي عيسى، فيساعده على قتل الدجال، وأنه يؤم هذه الأمة، وعيسى يُصلي خلفه.
بعض ما ورد في سنن ابن ماجه، وصحيح مسلم والبخاري، لم يذكر صراحةً أنَّه يصلي خلف الإمام المهدي المنتظر، لكن إذا جمعنا هذه الأحاديث مع أحاديث أخرى مخرَّجة في كتب السنن والآثار؛ سيتعين منها مصداقها بالمهدي المنتظر، ففي صحيح البخاري (ت ٢٥٦ه) (أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)(١٧٢) وفي صحيح مسلم (ت ٢٦١ه). عن (جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: لا تزال طائفةٌ من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا فيقول لا إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة).(١٧٣) وفي حديثٍ طويلٍ في سنن ابن ماجه (ت ٢٧٣ه) عن الدجال وأشراط الساعة، نأخذ موضع الشاهد منه: (... فَقَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أَبِى الْعُكَرِ: يَا رَسُولَ اللهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: هُمْ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ وَجُلُّهُمْ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِمَامُهُمْ رَجُلٌ صَالِحٌ فَبَيْنَمَا إِمَامُهُمْ قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّى بِهِمُ الصُّبْحَ إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسَى بنُ مَريَمَ الصُّبْحَ فَرَجَعَ ذَلِكَ الإِمَامُ يَنْكُصُ يَمْشِى الْقَهْقَرَى لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَيَضَعُ عِيسَى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ)(١٧٤). وعند شرح الحديث أعلاه من صحيح البخاري، في فتح الباري أشار إلى تعيين ذلك الإمام بعد الجمع والتوافق بين تلكم الأحاديث استشهد ابن حجر: قال (الآبري في مناقب الشافعي: تواترت الأخبار بأنَّ المهدي من هذه الأمة وأنَّ عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك ردّاً للحديث الذي أخرجه ابن ماجه عن أنس وفيه ولا مهدي إلا عيسى).(١٧٥) ثم ذكر ابن حجر بأنَّه (وفي صلاة عيسى خلف رجلٍ من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالةٌ للصحيح من الأقوال أنَّ الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجةٍ)(١٧٦).
وجاء بوجهٍ صريح، الذي يصلي خلفه هو (المهدي) ففي الحديث: (يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ المهدي: تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَهمْ أَمِيرُ بَعْضٍ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ)(١٧٧) وقال ابن القيم عن إسناده: هذا إسنادٌ جيّدٌ(١٧٨). وصححه الألباني قال: وهو كما قال ابن القيم، فإنَّ رجاله كلهم ثقاتٌ من رجال أبي داود(١٧٩).
أورد الشيخ الصدوق بهذا المعنى حديثاً طويلاً، بسنده: (... عن مجاهد قال: قال ابن عباس: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول:...[إلى أنْ يقول بعد تعداد الأئمة] والعلّام الحسن بن علي [العسكري]، ومن يصلي خلفه عيسى ابن مريم (عليه السلام) القائم (عليه السلام)(١٨٠).
هناك محور من أهم المحاور، وهو أنَّ قضية الإمام المهدي المنتظر هي من الأمور العقائدية وليست من الأمور العبادية كالصوم والصلاة والحج، ولا بدَّ أنْ يؤمن كلُّ مسلمٍ بها كإيمانه بيوم القيامة، فكما أنه لا يكمل إيمان المسلم إلا بالإيمان بالمعاد والقيامة، كذلك لا يتم إيمانه إلا أنْ يؤمن بالمهدي المنتظر.
نعم لو تتبعنا الأحاديث الواردة بشأن الإمام المهدي المنتظر لوجدناها غالباً تُذكر في كتب الأحاديث والآثار في باب أشراط الساعة، وأنَّه لا تقوم الساعة حتى تُملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، وكما هو متيقَّنٌ فإنَّ أشراط الساعة والإيمان بقيامها من الأمور الإيمانية العقدية وليس من الأمور العبادية الفرعية، وهذه العنوانات التي يعنونها أرباب الحديث لها المدخلية البارزة والأهمية البالغة في فهم مضمون الأحاديث التي تقع تحت تلك العنوانات.
كما نجد هذا المعنى في عدّة كتبٍ ومؤلفاتٍ، مثلاً: الحاكم النيسابوري وغيره(١٨١). فالعلماء الأعلام من المسلمين قرروا بوجوب الاعتقاد بها كأيِّ أمرٍ عقائديٍّ، لما ورد عن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه (أخبر عن أمورٍ مستقبلةٍ لا بدَّ من التصديق بها، والاعتقاد أنها ستقع على وفق ما جاء عنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)... إنَّ من بين الأمور المستقبلة التي تجري في آخر الزمان، عند نزول عيسى بن مريم من السماء، هو خروج رجلٍ من أهل بيت النبوة من ولد علي بن أبي طالب... وذلك لدلالة الأحاديث المستفيضة عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، التي تلقّتْها الأمة بالقبول، واعتقدت موجبها إلاّ من شذَّ)(١٨٢).
إذن يجب الإيمان إيماناً كاملاً ولا يكفي فقط العلم بما هو واجبٌ الإيمان به، فقد ورد من حديث عن (رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنّه كان يوماً بارزاً للناس إذ أتاه رجلٌ يمشي فقال يا رسول الله ما الإيمان؟ قال: الإيمان أنْ تؤمن بالله وملائكته ورسله ولقائه وتؤمن بالبعث الآخر...)(١٨٣). لذا نجد ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ه‍)، قال في ما يجب الاعتقاد به في القول المختصر: (والذي يتعين اعتقاده ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة في وجود المهدي المنتظر الذي يخرج الدجال وعيسى في زمنه)(١٨٤). ودليل هذه القضية واضحٌ، وهو الحديث الوارد في الصحاح عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (قال: أمرت أنْ أقاتل الناس حتى يشهدوا أنْ لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله)(١٨٥).
وإذا آمن الإنسان المسلم بنبوة النبي الخاتم، يترتب عليه بعد ذلك الإيمان وتطبيق كل ما يصدر عنه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما تضمَّنه قوله تعالى: ﴿وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾(١٨٦) فعلى هذا القول، لا يكتمل إيمان المسلم إذا لم يومن بكل ما أتى به النبي الخاتم؛ لأن من جملة ما أتى به هو بشارة ظهور المهدي المنتظر في آخر الزمان.
والمراد تقريره هنا: أي إنه إذا صحَّت روايةٌ ما - بغض النظر عن تواترها وعدمه - فالإيمان والأخذ بها واجبٌ، لمن صحَّت عنده، وإنَّ إنكارها يؤدي إلى إنكار ما وجب الإيمان به.
وكذلك مما أثبته أهل العلم، منهم ناصر الدين الألباني في موسوعته، موسوعة العقيدة، وأثبت تعداد ثلاثين نقطةً ضمَّنها جملةً من العقائد تحت عنوان سَمَّاهُ: (باب أمثلة على العقائد الإسلامية المتواترة(١٨٧)) عندما قال: هذه جملةٌ من العقائد الإسلامية التي تلقاها الخلف عن السلف، وجاءت الأحاديث متضافرةً متوافرةً شاهدةً عليها، من بينها: (الإيمان بمجموع أشراط الساعة، كخروج المهدي، ونزول عيسى النبي وخروج الدجال) وهي بعض العقائد الإسلامية الصحيحة التي وردت في الأحاديث الثابتة المتواترة أو المستفيضة، وتلقتها الأمة بالقبول، وما أظن أحداً من المسلمين يجرأُ على إنكارها، أو التشكيك فيها.(١٨٨) وهذا يدل على وجوب الإيمان بها إجمالاً، أما التفاصيل، فتُحال على الخلاف في فهمها.
وأردف قائلاً مصرحاً: (إنَّ عقيدة خروج المهدي عقيدةٌ ثابتةٌ متواترةٌ عنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يجب الإيمان بها لأنها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ﴾(١٨٩) وإنَّ إنكارها لا يصدر إلا من جاهلٍ أو مكابرٍ. أسأل الله تعالى أنْ يتوفانا على الإيمان بها وبكل ما صحَّ في الكتاب والسُّنَّة)(١٩٠).
وكذلك ممن أثبت ذلك بوجهٍ قاطعٍ، السفاريني في منظومته المسماة: الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، الشهيرة بالعقيدة السفارينية عندما قال:

(وما أتى في النص من أشراطِ * * * فكلُّه حقٌ بلا شطاط
منها الإمامُ الخاتمُ الفصيحُ * * * محمدُ المهديُّ والمسيحُ)(١٩١).

جاء في شرح البيتين: (يعني كل ما أتى في النص من أشراط الساعة فكله حقٌّ (بلا شطاطِ) يعني بلا شططٍ في اعتقاده، ولا في المنازعة فيه، بل يجب أنْ يكون مسلَّماً... (منها) أي من أشراط الساعة، (الإمام الخاتم الفصيح محمّد المهديّ)(١٩٢).
ومن المحاور الأساسية المشتركة والمهمة والتي لها دلالاتٌ قيِّمةٌ في هذا الباب، هو أنه (خليفة الله) (... عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ... فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ الْمَهْدِىُّ)(١٩٣) لكن الحديث ضعفه بعض أهل الحديث، وصححه آخرون، فممن ضعفه، الألباني.(١٩٤)
ومما جاء في السياق نفسه والمضمون نفسه أخرج الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ه) في كتاب (الأربعون في المهدي): (عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يخرج المهدي على رأسه غمامةٌ، فيها منادٍ ينادي: هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه)(١٩٥).
بعد ذلك إذا لم يتحصَّل مما تقدم على اتفاقٍ مشتركٍ للفظ (خليفة الله)(١٩٦) في الأحاديث المشتركة بين المسلمين في العقيدة المهدوية، فالقدر المتيقن المتحصل من هذه الأحاديث هو لفظ (خليفة). ومثل هذا الوحي النبوي لا بدَّ أنْ يتواءَم مع الوحي القرآني، مثال قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِل فِي الأَرضِ خَلِيفَة﴾(١٩٧) فهل هذا الجعل للخليفة في الأرض على نحو القضية الحقيقية أو الخارجية؟ يعني فقط المصداق بالجعل الإلهي، كان وقتئذ لنبي الله آدم؟ أم هذا الجعل يستمر إلى قيام الساعة؟
والمسألة تستدعي النظر والتأمل، ويمكن الاستئناس أو الاستدلال بها كشاهدٍ في هذا الموضوع.
المحور التاسع الذي اتفقت عليه كلمة المسلمين، هو أنَّ المهديّ المنتظر (إمامٌ) فـ(مما يلحق بباب الإمامة بحث خروج المهدي ونزول عيسى وهما من أشراط الساعة وقد وردت في هذا الباب أخبارٌ صحاحٌ وإنْ كانت آحاداً(١٩٨)... فذهب العلماء إلى أنه إمامٌ عادلٌ من ولد فاطمة (رض) يخلقه الله تعالى متى شاء ويبعثه نصرة لدينه)(١٩٩).
فما تقدم من الأحاديث من أنه ينزل نبي الله عيسى ابن مريم فيصلي خلف المهدي المنتظر، يعني هو إمامٌ وعيسى النبي مأمومٌ، وقد أخرج البخاري (أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)(٢٠٠).
وذكر الصنعاني (ت ٢١١ه) في مصنفه (باب المهديّ): (عن جابر بن عبد الله قال يكون على الناس إمامٌ لا يعدُّ لهم الدراهم ولكن يحثو)(٢٠١).
وعبَّرَ عنه في المنظومة السفارينية تعبيراً دقيقاً، بأنَّه خاتم الأئمة:

(وما أتى في النص من أشراطِ * * * فكله حقٌ بلا شطاطِ
منها الإمامُ الخاتمُ الفصيحُ * * * محمدُ المهديُّ والمسيحُ)(٢٠٢)

وجاء في شرح المنظومة لمفردة الإمام من هذين البيتين: (الإمام: يعني الذي يؤم الناس، لا في الصلاة ولكن في القيادة، فيكون إماماً لهم أعظم كالخليفة، وهذا الإمام يقول [السفاريني]: إنه (الخاتم) أي للأئمة، لأنه لا إمام بعده، فهو خاتم الأئمة، واسمه يقول: محمد ولقبه المهديّ)(٢٠٣).
وهناك كثيرٌ من المسائل الفرعية، وكثير من الأمور الجزئية، مشتركةٌ ومتّفقٌ عليها بين المسلمين جميعاً في قضية الإمام المهدي المنتظر، يمكن التعرف عليها بيُسرٍ وسهولةٍ من الأحاديث الصحيحة الصريحة. ومرةً أخرى نُذكِّرُ بأنَّه نعم توجد اختلافاتٌ ومختصاتٌ في عدة أمورٍ، لكنها لا تساوي شيئاً أمام نسبة تسعين بالمئة من النقاط المتوائمة والمشتركة، ووجود (النقاط والجزئيات المختصة، المختلفة) ليس بالضروري أنْ ينفي النقاط المشتركة والمتفق عليها بين عموم المسلمين، كما أقحم المستشرقون أنفسهم في مثل هذه المغالطة المقصودة.
ولو أردت ذِكْرَها جميعاً، لاشتطَّ البحثُ وانحرف عن مساره، لكن لا بُدَّ من ذكر بعضها، كي يخمدَ تشدُّقُ المستشرقين بقولهم: إنها ليست عقيدة عموم المسلمين وإنَّها من مخترعات ومختصات الشيعة، وإنَّ الإيديولوجيا الشيعية هي التي رسمت واختطت تلك الأصول، وذلك عن طريق ذكر المستشرقين للأشياء المختصة فقط دون ما يتّفق به المسلمون، كقول أحدهم: (محمد المهدي فيعتبر الشيعة أنه غاب وهذه الغيبة هي في أساس اعتقاد الشيعة الاثني عشرية... غادر الأرض ليقودهم على وجهٍ أفضلَ، تاركاً وراءه الشيعة الاثني عشرية. هذه الفكرة عصيةٌ على الفهم. فالأمر ليس (صعوداً إلى السماء) كما في الدين المسيحي، بل غيبةٌ شاءها الله كي يسمح لمحمدٍ المهديّ بأنْ يقود الناس بطريقةٍ خفيةٍ... فالشيعة ينتظرون نهاية العالم وعودة الإمام، باعتبار أنَّ هذه العودة هي، بشكلٍ أو بآخر، نهاية التاريخ وانتصار الله في مصائر البشر)(٢٠٤).
وهناك كثيرٌ من النماذج للمسائل الفرعية، الجزئية، المشتركة بين المسلمين، منها: - على سبيل المثال لا الحصر - في أوصافه الخَلْقية والخُلقية وتشتمل على أوصافه الجسمية، وهي مما اتفق عليها المسلمون، أجلى الجبهة(٢٠٥) أجلى الجبين(٢٠٦) أقنى(٢٠٧) الأنف(٢٠٨) شابٌّ حسنُ الوجه، كأنه كوكبٌ درّيٌّ، على خده الأيمن خالٌ أسودٌ، كأنه من رجال بني إسرائيل(٢٠٩) رَجلٌ أَزجُّ(٢١٠) أبلج العين(٢١١) المشرّب حمرةً(٢١٢)(٢١٣) العريض ما بين المنكبين(٢١٤).
وهناك أمورٌ وأحاديثٌ مشتركةٌ فيها، منها: الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ، وعند خروجه وظهوره لا تدع السماء من قطرها شيئاً إلا صبته مدراراً، ولا تدع الأرض من مائها شيئاً إلا أخرجته، يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها، يحثي المال حثياً ولا يعدُّه، يقسم المال صحاحاً بالسوية، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة، يجب إدراكه ومبايعته وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ، يصلحه الله في ليلة، من سادة أهل الجنة، يواطئ اسمه اسم النبي، يملك سبع سنين، هو بشارة النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بشر به، ومنها: أنه أشبه الناس برسول الله خَلْقاً وخُلُقَاً.
وغيرها كثيرٌ من المشتركات، مثل علامات زمن ظهوره كخروج السفياني وصفاته ونهايته، والدجال وأوصافه ونهايته، والخسف بالبيداء وقتل النفس الزكية والخسوف والكسوف، والصيحة في السماء، وأحوال آخر الزمان قبل وبعد خروجه، وأحوال القتال والجيش والأنصار والرايات التي تسانده، وإنَّ عدتَهم كعدة أهل بدرٍ، ومكان مبايعته بين الركن والمقام، وطلوع الكوكب المذنب، والفتن والحوادث قبيل الخروج، وإنَّ المهدي المنتظر لديه مواريث الأنبياء، ودخوله بيت المقدس، وفتح القسطنطينية، وحربه مع الروم مع عيسى ابن مريم، وأحاديث مدة ملكه، وانتظاره، ورضا الناس عنه ورضا ساكن السماء والأرض(٢١٥).
هذا غيضٌ من فيضٍ للمشتركات بين عموم المسلمين في عقيدة المهديّ المنتظر، ولا أقول يمكن أنْ تُكتَب فيها مجلداتٌ، لأنه كُتِبت فعلاً مجلداتٌ موجودةٌ بهذا المجال.
وهذه العنوانات المهمة سالفة الذكر لشؤون المهدي المنتظر الخاصة والعامة، التي ستحصل، والتي ذكرتها الأحاديث الصحيحة، كلها لها دلالاتٌ مهمّةٌ وواقعية، لا مجال ولا محطة لذكرها هنا، على سبيل الذكر لا للحصر:
منها: تعني أنه ليس شخصاً عاديّاً من عامة الناس، بل هو مختارٌ من الله تعالى، لا أنه تنتجه الظروف الطارئة.
منها: أنَّ هناك تأييداً وتسديداً وتوفيقاً إلهيّاً كبيراً سيكون، بل معاجز بالمعنى الأوفق، تخرق القوانين الطبيعية سوف تحدث.
منها: أنَّه إمامٌ وخليفةٌ وقائدٌ منصَّبٌ من الله تعالى. وإلا ما معنى أنْ يصلّي خلفه نبيٌّ من الأنبياء أولي العزم؟
المبحث الثاني: شبهة عدم وجود الأصل القرآني والحديثي للعقيدة المهدوية:
هذه إحدى الحجج أو أحد المناهج التي اعتمد عليها أغلب المستشرقين في إنكار عقيدة المهدي المنتظر، لأسبابٍ ودوافعَ استشراقية سواءً أحطنا بها جميعها أم لم نحط بها معرفةً - قد جرى الكلام عنها في ما سبق - وقد ركزوا على هذا النقض، ولا سيَّما الأصل القرآني للعقيدة المهدوية، وهذا هو الديدن السهل والمُعَبَّد والأقرب للنقض، لأن كثيراً من الحوادث الإسلامية الواضحة لم تُذكَر صراحةً بالقرآن، لذا اعتمدوا كثيراً على هذا النفي، وهو عدم وجود أصلٍ قرآنيٍّ للأطروحة المهدوية.
وزادوا على ذلك، عدم وجود الأصل الحديثي الذي يدعم هذه العقيدة، وكأنَّما جاء أمراً طارئاً مفاجئاً، وإذا كان هناك يوجد ما يؤيده، فهو من الموضوعات والمنحولات التي لا وجود لها ويؤكدون هذه المعاني ويرددونها في مقولاتهم، حيث (كانت عودة الإمام المستتر بوصفه هو المهديّ المنتظر مسألة ينتظرها - بصبرٍ - المؤمنون الشيعة، ويعتبرون ظهوره فجر عصرٍ جديدٍ من الطهارة والنقاء والأعمال الصالحة والاعتقاد القويم - أي يعتبرون ظهوره هو الظهور النهائي للإسلام الحقيقي قبل نهاية العالم (الدنيا). ولدعم هذا الاعتقاد وتأييده جرى تجميع عددٍ كبيرٍ من الأحاديث كقول النبي ما يفيد بأنَّه حتى إذا لم يبق على قيام الساعة سوى يومٍ واحدٍ، فإن الله سبحانه سيطيل هذا اليوم حتى يرسل للدنيا رجلاً من عترة النبي محمد وبيته واسمه محمد كاسم النبي ليملأ الدنيا عدلاً وإنصافاً بعد أنْ كانت قد مُلِئت فساداً وطغياناً)(٢١٦).
وبقوله كذلك بأنَّ الاعتقاد في المهدي القائم لم يَرِد نصّاً في القرآن(٢١٧)، بل أكثر حتى المسيح الدجال كما يسميه العرب، وهو من أصل آرامي، لم يرد ذكره في القرآن. على أنَّ هذه الأطروحة يحاول المسلمون أنْ ينسبوا أحاديث لنبيّهم(٢١٨)، مفسّرين الآيات بها: (ثمَّة حديثٌ آخرُ يجري الاستشهاد به بشكلٍ أكثرَ، حيث سأل عليٌّ محمداً قائلاً: يا نبي الله، متى يظهر [القائم] (Qaim) support من أسرتنا (من بيتنا)؟ فأجاب النبي: إنَّ أمره كأمر الساعة (يوم القيامة) أشار إليها القرآن الكريم (السورة ٧، الآية ١٨٧) ﴿يَسألُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرسَاهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَت فِي السَّماَوَاتِ وَالأَرضِ لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغتَةً يَسألُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنهَا قُل إِنَّمَا عِلمُهَا عِندَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ﴾(٢١٩) وهناك حديثٌ آخرُ يفيد أنَّ قدوم الساعة سيكون عندما يشيع الجهل بالدين وتختفي المعرفة ويكثر القتل)(٢٢٠).
ويبدو أنَّ المسلمين ولا سيَّما الشيعة منهم متأثرون بالمسيحية وتفسيراتهم، هذا ما أراد تقريره المستشرق الفرنسي ماسِّي: (رأينا أنَّ فكرة المهدي محيي العدالة التي ستسبق نهاية الزمان، ظهرت غيرَ واضحةٍ ومتأخرةً نسبيّاً عند السُّنِّيِّين. ويبدو أنَّ هذه الفكرة طُبِّقَت أولاً على شخص المسيح ثم على شخص محمّدٍ الذي قال: (لا نبي بعدي)... والمهدي الذي يجب أنْ يحمل اسم النبي نفسه يجب أنْ يكون تجسيداً لمحمّدٍ. ونجد هنا إذاً أفكار التجسيد العزيزة على المذهب الشيعي المتقدم. ونعلم أنَّ القرآن يتضمن سلسلةً من الآيات المتعلقة بالساعة الأخيرة وخصوصاً (٧٧ - ٧، ٥٤ - ١)(٢٢١) وهي آياتٌ تذكرنا برؤيا القديس يوحنا إذا لم تكن مشتقةً منها بصورةٍ غيرِ مباشرةٍ. وقد نشأ عن هذه الآيات أحاديثُ عديدةٌ يعزو أحدها إلى محمد الكلام التالي، فاتحاً الباب لجميع محاولات الدجالين: لن ينتهي العالم قبل أنْ يقود شعبي رجلٌ من عائلتي ويكون اسمه مطابقاً لاسمي(٢٢٢))(٢٢٣).
ويُلحظ هنا في طيات كلام المستشرق، ولا بدَّ من الإشارة عوداً على بدءٍ من مناهجَ ودوافعَ وأسبابٍ كتابة المستشرقين حول الموضوعات الإسلامية، يُلحظ هنا الديدن التبشيري الواضح من كلامه: بأنَّ الآيات التي أشار لها مشتقةٌ من الإنجيل عندما قال: (تذكرنا برؤيا القديس يوحنا). ومحاولة إثبات أنَّ القرآن ليس وحياً سماويّاً ومِنْ ثَمَّ إسقاط كل العقائد الإسلامية عن الاعتبار، فلا تبقى قيمةٌ لها.
وهذا الإصرار على الإنكار لعقائد المسلمين الثابتة عندهم، يؤكد قصد الإساءة للإسلام والمسلمين والسخرية من عقائدهم، وكما هو واضحٌ من كلام المستشرق ماسّي محاولاً التشكيك في الآيات القرآنية الدالة على يوم القيامة - القريب من أيام ظهور المهدي المنتظر بحسب ما يُراد فهمه - على أنها مأخوذة من أحد الأناجيل، ناعتاً العقائد الثابتة عند المسلمين بالدجل، واختراع الأحاديث المكذوبة.
وهذا المعنى نجده أكثر صراحةً عند مستشرقٍ آخرَ، على أنها جاءت عبْرَ أحاديثَ موضوعةٍ: (وتبني الفرق الشيعية المختلفة اعتقادها بخلود الإمام الذي تعدّه خاتم الأئمة، كما تدعم إيمانها بعودته إلى الظهور في يومٍ من الأيام على أحاديثَ موضوعةٍ مُخْتَلَقةٍ يؤيدون بها عقيدتهم هذه)(٢٢٤).
وقد تكون هذه إشارةً منه إلى صحيحيْ مسلم والبخاري بأنَّهما لم يردْ فيهما ذكرُ المهدي المنتظر بوجه الخصوص عندما يقول: (وقد خاض [جرى] الحديث في موضوع هذه العقيدة التي كثر نقاش المسلمين فيها، ونُسِبَت للرسول أحاديثُ صَوَّر فيها على وجه الدقة الصفات الشخصية التي يتصف بها منقذ العالم الذي وعد به في آخر الزمان. على أنها لم تجد في الحقيقة منفذاً تتسرب منه إلى مصنفات الحديث الصحيحة المتشددة في ضبط الرواية، ولكن أخرجتها الكتب الأخرى التي كانت أقل تشدداً في صحة تخريج الأحاديث).(٢٢٥) وسيأتي الحديث لاحقاً عن مدعى عدم وجود ذكر أحاديث المهدي المنتظر في الكتابين المشار لهما.
وكذلك ممّا لا شك فيه هو أنّه لا توجد آياتٌ قرآنية لها علاقةٌ في انتظار المهديّ، لكن بعضهم اتخذ من بعض الآيات أساساً لموضوعٍ واسعٍ حول انتظار مجيئه وبالتحديد الشيعة فيفسرون بأنَّ الهداة الوارد ذكرهم في القرآن هم الأئمة(٢٢٦).
وفي القرآن (يفسر الشيعة كلمة القائم الواردة في سورة الرعد الآية ٣٢ ﴿أَفَمَن هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفسِ بِمَا كَسَبَت﴾ بأنَّه هو المهدي)(٢٢٧). وأخطأ المستشرق في هذا، نعم هناك آياتٌ أخرى فسّروها بالإمام المهدي المنتظر، لكن هذه الآية، بحسب التتبع والاستقراء لا يوجد تفسيرٌ واحدٌ فسَّرها بهذا المضمون.
ولم يكتفِ الشيعة بتأويلهم للقرآن، بل أيَّدوها بأحاديثَ نقلوها في كتبهم مثل حياة القلوب، عن النبي: معاشر الناس، إنِّي نبيٌّ وعليٌّ وصيٌّ، ألا وإنَّ خاتم الأئمة منَّا القائم المهدي...(٢٢٨).
نقل هذا المستشرق من كتاب حياة القلوب للمجلسي، وهنا يمكن التعليق على ذلك: وكأنّ القضية فقط ينقلها الشيعة بوجود مهديٍّ قائمٍ في آخر الزمان وأنَّه من العترة ومن أهل البيت كما صرحت به الأحاديث الصحيحة، نرجع ونقول: هناك اختلافٌ في التفاصيل والجزئيات، لكن لا يوجد اختلافٌ في أصل العقيدة.
وممن ينكر وجود الأحاديث فان فلوتن المستشرق الهولندي المتحامل جدّاً على هذه الأطروحة والمحاول لتغييبها أصلاً كما سيتبين، إلا أنه فقط يعترف بوجود حديثين دون الاعتماد عليهما، بعد إعادة فكرة المهدي إلى ارتباطها بجذورٍ يهودية ومسيحية، بقوله: فمن المحتمل جدّاً أنَّ التكهن بعودة عيسى ابن مريم (المسيح) قد شاع بين المسلمين في المدة المتزامنة مع انتظار الدجال، مع أنه ليس لديّ ما أستند إليه سوى ما أورده الحديث النبوي في صحيح أبي داود وصحيح الترمذي، ولو جاز الاعتماد على القصص والطرائف التاريخية، وهي كثيرةٌ، لأمكننا الاستنتاج أنَّ التكهن بعودة المسيح، كان أقل تأثيراً في النفوس من عودة الدجال. والمسيح المخلِّص معروفٌ جدّاً وهو (المهديّ المنتظر) إلا أنَّه كان من ألقاب الشرف في بادئ الأمر، قبل أنْ يصبح الرمز لذلك المخلِّص الذي يظهر من أهل البيت ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً وظلماً، وكانت فكرة المهدي معروفةً حقيقةً لدى السنّة، إلى درجةِ أن طغت على منافسيه من المهديين(٢٢٩).
وهذا إنكارٌ وتشكيكٌ لعقيدةٍ ثابتةٍ باتفاق كلمة علماء المسلمين، الصحيحة الصريحة، المتفق عليها عند الأعلام، إلا إنهم يصورونها كحالةٍ طارئةٍ جاءت نتيجة الظروف القهرية التي مرت بها الأمة (فيصبح هذا الأمل هو العزاء النفسي الوحيد للأتقياء المسلمين. وسوف لا تأخذنا الدهشة إذا رأينا أملاً آخرَ يحيي النفوس... فمن أجل بناء صرحٍ قويٍّ للسعادة، وجب أولاً هدم الأطلال ورفع أنقاضها من الأرض. ومن هنا كانت الحاجة ماسّةً إلى ظهور رجلٍ، يقضي على تلك الأطلال ويهيِّئ السبيل لذلك المهدي المنتظر)(٢٣٠)؛ أو إنها أحلامٌ وأوهامٌ أفرزتها شدة الآلام والظلم لحكام الطغاة على مرِّ التاريخ (وهذه العقيدة وما تنطوي عليه من آمالٍ وأمانٍ، تظهر في بيئات التُقى والورع عند المسلمين، كزفرةٍ من زفرات الأسف والانتظار يُصَعِّدُونها، وهم في غمرة حالةٍ سياسية واجتماعية لا تنقطع ثورة ضمائرهم حيالها)(٢٣١).
إذاً النتيجة المدَّعاة: إنَّ المهدي المنتظر اتّصل بأسطورةٍ أخرويةٍ، وهذا التعبير لا يوجد في القرآن، وقد طبقه عددٌ من المؤلفين السُّنّة على شخصيّاتٍ تاريخية، ومع ذلك فإنَّ الهالة والقدسية والتقدير الأخروي هو الذي أثار الخيال عند بعضهم. فرأوا أنَّ المهدي كان يسوع (عيسى) ولكن أكثرية رجال الدين جعلوه منحدراً من أسرة النبي، وبالنسبة للسُنّيين، فإنَّ المهدي، مع أنَّه يطلق التجديد العالمي، فهو ليس القائد الذي لا يُقهر كما أعلنه الشيعة، وهؤلاء الأخيرون وحَّدوا المهدي مع الإمام(٢٣٢).
وبذات النَفَسِ والحِس لأغلب شرائح المستشرقين فإنَّ عقيدة المهدي المنتظر لم تتأتَّ عن طريق أيِّ أصلٍ دينيٍّ قرآنيٍّ أو حديثيٍّ، وكأن هذه المسألة جاءت جزافيةً من البشر وحتى من أناس خارج الإسلام والدين، بدون إرادةِ وتوجيهِ إلهٍ أو نبيٍّ (وهي فكرة اتخذت أشكالاً عدّةً، وكان أكثرها أهمية على الأمد الطويل، تلك التي جعلت (عليّاً) ونسله زعماء شرعيين للمجتمع (أئمةً). وحول هذه الفكرة تجمَّع آخرون، جاء بعضهم من ثقافاتٍ دينية من البلاد التي دخلها الفتح الإسلامي وكان المعتقد أنَّ علياً وخلفاءه قد انتقلت إليهم، عن طريق محمّدٍ، نفحةٌ روحية وخاصّةً المعرفة بالمعاني الباطنة للقرآن بصفتهم أكثر من بشر. وإنَّ أحدهم سوف يعود ليحقق سيادة العدل، وقد ظهرت التوقعات بمجيء (المهديّ) مبكراً في التاريخ)(٢٣٣).
أقول: قد يكون عدم ورود ذكرٍ للمهدي المنتظر صراحةً في القرآن الكريم، لأن الناس عامةً والمسلمين بوجهٍ خاصٍّ، يحتاجون إلى إعمال الفكر والنظر والتأمل للوصول إلى ذلك المصلح العالمي والمنقذ الموعود، ومعرفته بالاستهداء بالأحاديث الشريفة، ودلالة النصوص القرآنية، وذلك كله لاختبار وامتحان إيمان المؤمنين، كما لم يذكر القرآن الكريم صراحةً عذاب القبر والبرزخ وما يجري فيه، ولم يذكر أشراط الساعة الكبرى، كذلك الحال في ذكر المهديّ المنتظر، لتثبيت دعائم مشروع الإصلاح العالمي في الأرض لتمتلئ قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً. كما سيتضح في المطلب الآتي، عن الأصل القرآني للعقيدة المهدوية.
المبحث الثالث: مناقشة الأصل القرآني وجواب الإشكالات:
توطئة: وهنا مقدماتٌ:

الأولى: لا يمكن لعقيدةٍ إسلامية مهمّةٍ كالعقيدة المهدوية، التي اتفقت عليها جميع كلمات علماء المسلمين بكل الاتجاهات والطوائف والمشارب - إلا شِرْذِمةً قليلةً ممن شذَّ - أنْ تقتصر على أحاديث السُّنَّة الشريفة فحسب، لأنَّ عقيدةً كبيرةً قريبةً من أشراط الساعة، بهذا الثقل وهذه الأهمية الكبيرة لا يمكن أن تحتملها الأحاديث فقط. وإنَّ القرآن الكريم (يجب) أنْ يبين لنا كلَّ شيءٍ، بضمنها عقيدة المهدي المنتظر، الوجوب هنا وجوب (مِن) لا وجوب (على) أي ليس وجوباً على القرآن بالمعنى الحقيقي، إنَّما كان وجوباً من القرآن نفسه، هو الذي أوجب على نفسه أنْ يبين كل شيءٍ.
فالقرآن الكريم فيه بيانٌ وافٍ لكل شيءٍ ﴿وَنَزَّلنَا عَلَيكَ الكِتَبَ تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحمَةً وَبُشرَى لِلمُسلِمِينَ﴾(٢٣٤) لا لبعض الشيء كما في الكتب السماوية الأخرى، قوله تعالى: ﴿وَكَتَبنَا لَهُ فِي الأَلوَاحِ مِن كُلِّ شَيءٍ مَّوعِظَةً وَتَفصِيلاً لِّكُلِّ شَيءٍ﴾(٢٣٥) (من فيه للتبعيض كما يؤيده السياق اللاحق... ويؤول المعنى إلى مثل قولنا: وكتبنا لموسى في الألواح وهي التوراة النازلة مختاراتٍ من كلِّ شيءٍ ونعني بذلك أنَّا كتبنا له موعظةً وتفصيلاً ما وتشريحاً ما لكل شيءٍ بحسب ما يحتاج إليها قومه في الاعتقاد والعمل. ففي الكلام دلالةٌ على أنَّ التوراة لم تستكمل جميع ما تمس به حاجة البشر من المعارف والشرائع، وهو كذلك كما يدل عليه أيضاً قوله تعالى بعد ذكر التوراة والإنجيل ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الكِتَبَ بِالحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الكِتَبِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾(٢٣٦))(٢٣٧).
وإنَّ القرآن الكريم بمفاد الآيات القرآنية ينعت نفسه بأنَّه نورٌ وهدًى يستضيء به العالم في ظلمة الجهل؛ ليصل به إلى نور الحقيقة والعلم، وكذلك هدُى من الضلال، ولم يبقَ شيءٌ إلا وبيَّنه ووضحه القرآن الكريم للعالمين ﴿مَّا فَرَّطنَا فِي الكِتَبِ مِن شَيءٍ﴾(٢٣٨).
الثانية: إلى الآن تحصَّل مما تقدم كبرى القياس بحسب الاصطلاح المنطقي: (كلُّ شيءٍ موجودٌ ومذكورٌ وموضَّحٌ في القرآن الكريم صراحةً أو دلالةً).
أمّا الصغرى فيجب أنْ تكون في بحثنا (المهديّ المنتظر شيءٌ من الأشياء).
والنتيجة المنطقية لهذا القياس الأرسطي من الشكل الأول هي: (إذاً المهدي المنتظر موجودٌ وموضَّحٌ ومبيَّنٌ في القرآن الكريم). لكن هل يكفي هذا القياس ونتيجته بدون ذكر مصداقٍ وشاهدٍ له؟ مع أنَّه بالإمكان المنطقي، والإمكان العلمي، كافٍ لذلك، لكن يبقى الإمكان العملي الإجرائي، قد لا يرضي غرور بعض المتتبعين العلمي والبحثي للمسألة.
الثالثة: وهنا يمكن السؤال: هل كل ما جاء به الرسول الأكرم من وحيٍ حديثيٍّ وذَكَرَه وتحدَّث عنه الرسول الأكرم؛ بوصفه ﴿مَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِن هُوَ إِلَّا وَحيٌ يُوحَى﴾(٢٣٩) لا بدَّ أنْ يكون هذا الوحي موجوداً ومذكوراً في القرآن الكريم، بالذكر الصريح نفسه، لأنه - أي القرآن - تبيانٌ لكل شيءٍ؟ قد يقول قائلٌ نعم يجب.
وهل ثمَّة أشياء مما قالها الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعقائد وحوادث أخبر بها جزماً، لا توجد في القرآن الكريم؟ ولو فرضنا عدم وجودٍ لذكر عقيدة المهدي في القرآن، بل وجدت في السنة النبوية وحدها، هل يقدح هذا الشيء بمشروعيتها وبالإيمان بها؟ وما العمل إذا لم نجد آية واحدةً تصرح أو تشير لعقيدة المهدي المنتظر؟ هل نؤمن ونعتقد بما ذكرت الأحاديث في هذا الأمر الإيماني؟
الجواب: أولاً - أنَّ الآية الكريمة: ﴿وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾(٢٤٠) بحدِّ ذاتها متضمنةٌ لمعنى(تِبيَاناً لِّكُلِّ شَيءٍ) فالقرآن الكريم يريد أنْ يبين كلَّ شيءٍ لكن ليس شرطاً من داخل القرآن، لذا فتح نافذةً أخرى وهناك وحيٌ آخرُ يبين فيه ما لم يذكره: ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾(٢٤١) وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنزَلنَا عَلَيكَ الكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ وَهُدى وَرَحمَة لقَوم يُؤمِنُونَ﴾(٢٤٢).
ثانياً - هناك مغالطةٌ يتصورها بعضهم بأنَّ الأمور التي تذكرها الأحاديث الشريفة، هي فقط أمورٌ ثانويةٌ هامشيةٌ ليست مهمّةً وليست من العقائد بشيءٍ! بمعنى إنَّ الأمور الإيمانية التي ذكرها القرآن، هي الأمور الأساسية والمهمّة فقط لا غيرها!! لا ليس الأمر كذلك فهناك توجد أمورٌ قد يذكرها القرآن الكريم وهي ثانوية - إنْ صح التعبير - وليست من الأصول كالأمور الفقهية مثلاً. وهناك جملةٌ من المفردات الإيمانية لم يذكرها القرآن الكريم وذكرتها السنة الشريفة، ويجب الإيمان والاعتقاد بها، كعذاب القبر والبرزخ وتفاصيل أهوال يوم القيامة مثلاً؛ لأنَّ القرآن هو الذي أمرنا بالتوجه إلى الرسول لأخذ الدين، كل الدين منه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ﴿فَإِن تَناَزَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ﴾(٢٤٣)، ولتبيان كل شيءٍ لم يذكره القرآن، أو بيان لكل شيءٍ ذكره القرآن أيضاً بتفصيله ومصاديقه ﴿لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اختَلَفُوا فِيهِ﴾. فبعبارة أخرى يمكننا القول: إنَّ الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عنده تبيانٌ لكلِّ شيءٍ بلا منازعٍ. وإذا كان الأمر مثلما يُتصور، أي أنَّ كلَّ ما لم يذكره القرآن يكون غيرَ صحيحٍ وباطلاً، فستكون كثير من الأمور التي يعتقد بها المسلمون ولم تُذكر في القرآن باطلةً، مثلاً: الحدث المهم والأبرز عند المسلمين، وهو الخلافة للخلفاء جميعاً بعد الرسول الأكرم وأخذ البيعة من المسلمين إليهم - على القول أنها لم تُذكَر في القرآن - ستكون باطلةً، وهذا خلاف الواقع العملي للمسلمين. أو غيرها من الحقائق الإيمانية التي أَوكلَ القرآنُ بيانَها إلى النبي الكريم.
ولا يُراد ولا يُفهم من تقديم هذه المقدمة، ومن هذا اللف والنشر المرتب أو غير المرتب، وإثارة هذه الأسئلة التي عادةً يكون جوابها كامناً فيها أو في عقل المتلقي، هو لتسويغ عدم وجود أصلٍ قرآنيٍّ للمهدي المنتظر، فعقيدة المهدي المنتظر على ما سيثبت قريباً، موجودة قرآنيّاً إما بالمفهوم، أو الوصف، أو بالضمن، أو الإشارة له أو لشأنٍ من شؤونه.
هذا على المستوى الإسلامي العام، أما لو كانت المسألة فقط عن طريق الإمامية، لكانت القضية محلولةً، محسومةً، لأن طرقهم أفاضت واستفاضت بعشرات الآيات الدالة على وجود المهدي وظهوره المنتظر آخر الزمان، إما تفسيريّاً بحسب العُدَد والأدوات التفسيرية العامّة والخاصّة بهم، أو تأويليّاً بحسب مبانيهم التأويلية، وبحسب ما جاء بطرق أهل بيت النبوة، ونحن ما دمنا في محاججةٍ، أو قل في مناقشةٍ مع المستشرقين، لا مع طوائفَ ومِللٍ ونِحَلٍ أخرى من المسلمين في ما بينهم، يستدعي هذا الأمر أو يسمح لنا بإيراد بعض الشواهد القرآنية التي استشهدت بها وجاءت عن طرق الإمامية الصحيحة، وإنْ كانت هناك مؤيداتٌ لها وأدلّةٌ من السنّة الشريفة، أو من تفسيرات بعض المفسرين.
المطلب الأول: الأدلّة على شمول النصوص القرآنية للعقيدة المهدوية:
وهنا مقدماتٌ:
أحكامٌ ومسائلٌ إيمانية جاءت في السُّنّة دون القرآن الكريم:
ليس كل ما لم يُذكر في القرآن الكريم يعني عدم وجوده في الخارج وعدم ترتب الأثر عليه، وإنَّما جاءت السُّنّة الشريفة، والتي هي وحي من الله تعالى لتبين كثيراً من الأحكام، وكذلك هناك بعض الأحكام المجملة أو العامة تحتاج إلى بيانٍ وتخصيصٍ وتوضيحٍ، بل وزيادةِ حكمٍ شرعيٍّ أيضاً، وهذه أمثلتها كثيرةٌ، كالصلاة وأحكامها والصوم والحج والزكاة، فالحكم الرئيس موجودٌ (أقم الصلاة) لكن كيف وكم عدد الركعات وتفصيل الوقت الدقيق، هذا لم يذكره القرآن، إنَّما أوكل بيانه إلى الرسول الأكرم، لأنَّه لا ينطق عن الهوى. نطق الحق تعالى به: ﴿وَأَنزَلنَا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرُونَ﴾(٢٤٤).
بل أكثر من ذلك توجد أحكامٌ لا توجد في القرآن الكريم كما في تحريم جمع زواج عمة الزوجة أو خالتها مع الزوجة، وإنَّه لم يذكر في القرآن الكريم في آية تحريم أصناف النساء أو في آية أخرى: ﴿حُرِّمَت عَلَيكُم أُمَّهَاتُكُم وَبَنَاتُكُم وَأَخَوَاتُكُم وَعَمّاَتُكُم وَخَلَاتُكُم وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُختِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّتِي أَرضَعنَكُم وَأَخَوَاتُكُم منَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُم وَرَبَائِبُكُمُ الَّتِي فِي حُجُورِكُم من نسَائِكُمُ الَّتِي دَخَلتُم بِهِنَّ فَإِن لَّم تَكُونُوا دَخَلتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيكُم وَحَلَائِلُ أَبنَائِكُمُ الَّذِينَ مِن أَصلَابِكُم وَأَن تَجمَعُوا بَينَ الأُختَينِ إِلَّا مَا قَد سَلَفَ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورا رَّحِيما﴾(٢٤٥) بينما ذكرت السنة الشريفة هذا الحكم بضرسٍ قاطعٍ: (... أنه سمع أبا هريرة يقول نهى النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنْ تنكح المرأة على عمتها والمرأة وخالتها)(٢٤٦) كذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه (عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لاَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا)(٢٤٧). يكتفى بهذا الشاهد هنا، وإلاَّ توجد شواهدُ كثيرةٌ، لكنها تُخرج البحث عن مساره، منها مثلاً: تحريم لباس الحرير والذهب على الرجل أيضاً لم يُذكر في القرآن وغيرها.
أما من جهة المسائل الإيمانية العقدية فهذا حاصلٌ أيضاً، وهو، وجودها وذكرها في السُّنَّة الشريفة وليس لها ذكر في القرآن الكريم، فهناك كما هو واردٌ في الأحاديث والآثار يوجد ١٢٤ ألف نبيٍّ بُعثوا من الله تعالى لكنهم لم يُذكروا جميعاً في القرآن الكريم سوى خمسةٍ وعشرين نبيّاً منهم، مع أنَّه من أهم العقائد الإسلامية، الإيمان بجميع الأنبياء إيماناً كاملاً، لا ببعضهم الذين ذُكروا في القرآن.
وكمثالٍ آخرَ مهم: قضية معراج النبي الأكرم، هذه أيضاً لم تُذكر تفصيلاً في القرآن الكريم، لكن أخبر بها النبي الأكرم بكل تفاصيلها - بغض النظر عمَّا هو مختلفٌ فيه، هل عرج بروحه فقط أم بروحه وجسمه - المهم هو أنها قضية إيمانية واجبٌ الإيمان بها، ولقد دلّت الأحاديث على قضية وقوع المعراج، ما جاء (عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة (رض): أنَّ نبي الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) حدَّثهم عن ليلة أسري به... فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا؟ قال جبريل قيل ومن معك؟ قال محمّد...)(٢٤٨).
وكذلك (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَالَ: أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْل... ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إلى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ (عليه السلام)...)(٢٤٩) وقد ذُكرت في كتب العقائد، كما في شرح العقيدة الطحاوية: (والمعراج حقٌّ، وقد أُسري بالنبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)(٢٥٠) فالإسراء والمعراج حقٌّ، ومن أنكره فهو خارجٌ عن دائرة الإيمان، ولم ينكره إلا المشركون(٢٥١).
فمسألة معراج النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تضمنتها الآيات القرآنية لكن بالوصف والعلامة، أو بشأنٍ من شؤونها، وعدم ذكر اسم المعراج، لا يعني أنه غير موجود ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى ذُو مِرَّة فَاستَوَى وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوسَينِ أَو أَدنَى فَأَوحَى إِلَى عَبدِهِ مَا أَوحَى مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَرُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَد رَءَاهُ نَزلَةً أُخرَى عِندَ سِدرَةِ المُنتَهَى عِندَهَا جَنَّةُ المَأوَى إِذ يَغشَى السِّدرَةَ مَا يَغشَى مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَد رَأَى مِن آيَاتِ رَبِّهِ الكُبرَى﴾(٢٥٢). المراد بالآيات ليس بيان صفة كلِّ وحيٍ، بل بيان وحي المشافهة الذي أوحاه الله سبحانه إلى نبيه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليلة المعراج، فالآيات متضمنةٌ لقصة المعراج وظاهر الآيات لا يخلو من تأييدٍ للروايات التي ذكرت القصة وتفصيلاتها، وهو المستفاد أيضاً من أقوال بعض الصحابة كابن عباس وأنس وأبي سعيد الخدري وغيرهم على ما روي عنهم وعلى ذلك جرى كلام المفسرين(٢٥٣).
نعم فهذه الآيات القرآنية تمثل عروج الرسول (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم). وقيل ثم تدلى من الأفق الأعلى فدنا فيكون من الرسول (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إشعاراً بأنَّه عرج به غير منفصلٍ عن محله تقريراً لشدة قوته وأنَّه ما رأى ببصره من صورة جبريل (عليه السلام) أو آيات ربه، أي ما كذب بصره بما حكاه له، فلقد رأى من آياته وعجائبه الملكية والملكوتية ليلة المعراج وقد قيل أنها المعنية بما (رأى)(٢٥٤).
فالمسألة في شأنِ (ما هو مذكور صريحاً بالعبارة في القرآن الكريم فقط)
(وما هو موجودٌ ومقرَّرٌ في السُّنة الشريفة فقط)
هي عمومٌ وخصوصٌ من وجهٍ(٢٥٥)، لا عمومٌ وخصوصٌ مطلقٌ، أي: تتكون وتنحلُّ منها ثلاث قضايا:
بعض ما هو مذكورٌ في القرآن الكريم، ولكنه وإنْ جاء مجملاً، هو مذكورٌ وموجودٌ في السُّنة الشريفة بالتفصيل مثل وجوب الحج ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلاً﴾(٢٥٦) وذكر الصلاة والزكاة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاركَعُوا مَعَ الراكِعِينَ﴾(٢٥٧).
بعض ما هو موجودٌ ومذكورٌ ومقرّرٌ في السُّنة الشريفة، ليس مذكوراً صريحاً بالعبارة في القرآن الكريم (كالمعراج والخضر والمهدي المنتظر والسفياني).
وإنَّ بعض ما هو مذكورٌ صريحاً بالعبارة في القرآن الكريم، ليس موجوداً ومذكوراً في السُنة الشريفة مثاله: أنَّ الفواكه والنخيل وكثيراً من الزرع مختلفٌ بالأنواع، ربما لم يُذكر هذا الأمر في السنة والأحاديث الشريفة، فقد جاء في القرآن الكريم: ﴿وَفِي الأَرضِ قِطَع مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِن أَعنَاب وَزَرعٌ وَنَخِيلٌ صِنوَانٌ وَغَيرُ صِنوَانٍ يُسقَى بِمَاءٍ وَاحِد وَنُفَضِّلُ بَعضَهَا عَلَى بَعض فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوم يَعقِلُونَ﴾(٢٥٨).
فعدم ذكر المهدي المنتظر في القرآن الكريم صراحةً، لا يقدح بأصل القضية العقدية، وهو ليس شرطاً، ومَدْعاةً لإنكار أصل وجودها، والدليل القرآني حاضرٌ على ذلك، فكم يوجد من الأنبياء والرسل لكن لم يذكرهم القرآن الكريم بأسمائهم، ﴿وَلَقَد أَرسَلنَا رُسُلاً مِّن قَبلِكَ مِنهُم مَّن قَصَصنَا عَلَيكَ وَمِنهُم مَّن لَّم نَقصُص عَلَيكَ﴾(٢٥٩). فهل هذا يعني أننا يجب علينا الإيمان بما ورد ذكره من الأنبياء، وإنكار ما ورد من ذكر قصص وأسماء الأنبياء عن طريق السنّة النبوية؟!
مما تقدم بمسير هذا المطلب المراد إثباته أكيداً يتبيّن أنَّ عقيدة المهدي المنتظر هي من ضمن سائر الأمور الموجودة بكثرةٍ التي لها أصلٌ قرآنيٌّ، لكن ليس بالذكر الصريح، وإنَّما بالإشارة والعلامة والوصف، تقدم أمثلته وسينبسط الكلام بعد قليلٍ أكثر تباعاً بأمثلةٍ أخرى آنيةٍ في المطلب الآتي.
المطلب الثاني: الآيات الدالة على عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر:
ثَمَّة منهجٌ قرآنيٌّ واضحٌ في آيات الذكر الحكيم، وهو: ذكر أسماء بعض الماضين سواء كانوا صالحين أم طالحين، لأخذ العبرة والتذكّر، وعدم ذكر من يأتي مستقبلاً، سواءَ كان صالحاً، كالمهديّ المنتظر، أو طالحاً، كالدجّال(٢٦٠). وهناك عددٌ مُعتدٌّ به من الآيات القرآنية تدل تفسيراً أو تأويلاً، أو تشير إشارةً أو بالوصف والعلامة، يُشار لبعض منها:
الآية الأولى:
﴿ذَلِكَ الكِتَبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقنَهُم يُنفِقُونَ﴾(٢٦١) لمّا كان المهدي المنتظر من الأمور الغيبية، كالرزق والموت وقيام الساعة، فهو داخلٌ في مصاديق الآية، للوعد الإلهي: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾(٢٦٢). وبما تعضده الروايات لذلك، واعترض بعض أهل العلم: (بأنَّ تقييد المطلق أو تخصيص العام من غير دليلٍ باطلٌ) أقول: هذا ليس من قبيل التخصيص فلم يقل أحدٌ أنَّها ناظرة فقط لمورد المهدي المنتظر، بل جملة الأمور الغيبية، لأنَّ هذا المعنى ينطبق على غير هذا المورد فـ(هذا المعنى مرويٌّ في غير هذه الرواية وهو من الجري)(٢٦٣)،(٢٦٤) أي مجريات الحوادث في المستقبل.
فالاعتقاد بعقيدة المهدي المنتظر (يجب الإيمان بها لأنَّها من أمور الغيب، والإيمان بها من صفات المتقين كما قال تعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الكِتَبُ لَا رَيبَ فِيهِ هُدى لِّلمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِمَّا رَزَقنَاهُم يُنفِقُونَ﴾(٢٦٥) وإنَّ إنكارها لا يصدر إلا من جاهلٍ أو مكابرٍ. أسأل الله تعالى أنْ يتوفانا على الإيمان بها وبكل ما صح في الكتاب والسنة)(٢٦٦).
وجاء تفسيريّاً: لما وصف القرآن بأنَّه هدًى للمتقين بيَّنَ صفة المتقين فقال ﴿الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ﴾ أي يصدّقون بجميع ما أوجبه الله تعالى أو ندب إليه أو أباحه وقيل يصدّقون بالقيامة والجنة والنار وقيل بما جاء من عند الله وقيل بما غاب عن العباد علمه وهذا أولى لعمومه ويدخل فيه ما روي من زمان غيبة الإمام المهديّ (عليه السلام) ووقت خروجه(٢٦٧).
جاء في تفسير الآية بوصف أصحاب المهدي المنتظر في كتاب (كفاية الأثر) وكذلك روى القُندوزي (الحنفي) في ينابيع المودة، في سؤالٍ ليهوديٍّ إلى النبي الأكرم (عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخل جندب بن جنادة من خيبر على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال: يا محمد أخبرني عمَّا ليس لله، وعمَّا ليس عند الله، وعما لا يعلمه الله؟... [وسأله عن الأوصياء فأجابه] قال: نعم الأئمة بعدي اثنا عشر. فقال: يا رسول الله كلهم في زمنٍ واحدٍ؟... فقال: تسعةٌ من صلب الحسين والمهديّ منهم... [وذكر الأئمة كلهم] فإذا انقضت مدة علي [الهادي] قام بالأمر بعده الحسن ابنه يدعى بالأمين، ثم يغيب عنهم إمامهم. قال: يا رسول الله هو الحسن [العسكري] يغيب عنهم، قال: لا ولكن ابنه الحجة. قال يا رسول الله فما اسمه؟ قال: لا يسمى حتى يظهره الله... فإذا عجَّل الله خروج قائمنا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. ثم قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم): طوبى للصابرين في غيبته، طوبى للمقيمين على محبتهم، أولئك الذين وصفهم الله في كتابه، وقال ﴿هُدًى لِّلمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤمِنُونَ بِالغَيبِ﴾ وقال: ﴿أُوْلَئِكَ حِزبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزبَ اللهِ هُمُ المُفلِحُونَ﴾(٢٦٨))(٢٦٩).
وكذلك ما جاء في الآية الكريمة، عندما سأل أحدُهم الإمام الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) عن الآية (فقال:... والغيب فهو الحجة الغائب. وشاهد ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ للهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ﴾(٢٧٠). فأخبر (عزَّ وجلَّ) أنَّ الآية هي الغيب، والغيب هو الحجة، وتصديق ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَجَعَلنَا ابنَ مَريَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾(٢٧١) يعنى حجة)(٢٧٢).
وكأن الإمام الصادق (عليه السلام) أراد تفعيل منهج تفسير القرآن بالقرآن عندما فسّر كلمة (الغيب) بالآية الأولى مستشهداً عليها بالآية الثانية. كما أسس لهذا المنهج وانتهجه الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
الآية الثانية:
﴿يُرِيدُونَ أَن يُطفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفوَاهِهِم وَيَأبَى اللهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾(٢٧٣).
قال القرطبي: ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ﴾ يريد محمداً (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) ﴿بِالهُدَى﴾ أي بالفرقان ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ أي بالحجة والبراهين وقد أظهره على شرائع الدين حتى لا يخفى عليه شيءٌ منها عن ابن عباس وغيره. وقيل: ﴿لِيُظهِرَهُ﴾ أي ليظهر الدين دين الإسلام على كل دينٍ، قال أبو هريرة والضحَّاك: هذا عند نزول عيسى (عليه السلام) وقال السُّدي: ذاك عند خروج (المهدي) لا يبقى أحدٌ إلا دخل في الإسلام أو أدى الجزية)(٢٧٤).
وأيضاً هنا قولٌ آخرُ، ردَّه القرطبي: (وقيل: المهدي هو عيسى فقط، وهو غيرُ صحيحٍ لأن الأخبار الصحاح قد تواترت على أنَّ المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فلا يجوز حمله على عيسى والحديث الذي ورد في أنه: (لا مهدي إلا عيسى) غيرُ صحيحٍ... والأحاديث التي قبله في التنصيص على خروج المهدي وفيها بيان كون المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أصح إسناداً وقيل أراد ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ في جزيرة العرب وقد فعل)(٢٧٥).
وفي جوابٍ للفخر الرازي عن كون الإسلام غالباً لكل الأديان؟ أجاب بأنَّه ليس الأمر كذلك، فإنَّ الإسلام لم يصرْ غالباً لسائر الأديان في أرض الهند والصين والروم، وسائر أراضي الكفرة. وذلك من عدة وجوهٍ كان أحدها: (ما روي عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعد من الله تعالى بجعل الإسلام غالباً على جميع الأديان وتمام هذا إنَّما يحصل عند خروج عيسى (عليه السلام) فإنَّه لا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، وقال السُّدي: ذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحدٌ إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج)(٢٧٦). وكذا: أجاب على الإشكال نفسه المتقدم بالوجه نفسه من الجواب، الشربيني الخطيب، صاحب تفسير السراج المنير(٢٧٧).
وممن نقل رأيَ السُّدي في تفسير الآية، الثعلبي في تفسيره (الكشف والبيان عن تفسير القرآن): (قال السُّدي: وذلك عند خروج المهدي لا يبقى أحدٌ إلا دخل في الإسلام أو أدّى الخراج)(٢٧٨).
وكذلك أبو حيان (ت ٧٤٥ه) صاحب تفسير البحر المحيط استشهد برأي السُّدي وأردفَ وأكملَ باقي الأقوال: وقيل ﴿لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ مخصوصٌ بجزيرة العرب، وقد حصل ذلك ما أبقى فيها أحداً من الكفار. وقيل: مخصوصٌ بقرب الساعة، فإنَّه إذ ذاك يرجع الناس إلى دين آبائهم. وقيل: ليظهره بالحجة والبيان. وضعف هذا القول الأخير لأنّ ذلك كان حاصلاً أول الأمر(٢٧٩).
وكذا من استشهد برأي السُّدي، صاحب تفسير السراج المنير (الخطيب الشربيني الفقيه الشافعي)(٢٨٠) وأيضاً حكاه صاحب تفسير اللباب لابن عادل (المتوفى بعد سنة ٨٨٠ه)(٢٨١).
وكذلك استشهد به في تفسير النيسابوري (عن أبي هريرة أنه قال: هذا وعدٌ من الله بأنْ يجعل الإسلام ظاهراً على جميع الأديان. وتمام هذا إنَّما يظهر عند خروج المهدي ونزول عيسى وقال السُّدي: ذلك عند خروج المهدي)(٢٨٢) وابن الجوزي في تفسير زاد المسير(٢٨٣).
وروى الحاكم في المستدرك في باب: حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بموافقة الذهبي للحديث بإسناده (عَنْ عَائِشَةَ (رَض) أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَالَ: لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى تُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كُنْتُ أَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾(٢٨٤). أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ تَامًّا، فَقَالَ: إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ رِيحًا طَيِّبًا، فَيُتَوَفَّى مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إلى دَيْنِ آبَائِهِمْ)(٢٨٥). قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وتعليق الذهبي: على شرط مسلمٍ.
ويمكن أن يُرجَّح من بين الأقوال، القول الأول الذي فسَّر به السُّدي وأبو هريرة والضحاك، لأن سياق الآية والجو العام لها لا يحتمل باقي الأقوال، حيث جاءت في معرض المناجزة مع الكافرين والمشركين، وإنَّه لم يتحقق هذا الهدف والأمل الرسالي الذي أرسل به الأنبياء والمرسلين لتحقيقه، وإنَّ الله تعالى لا يبشر بأمرٍ قد تحقق، وأما القول بأنَّه (مخصوصٌ بقرب الساعة) هذا لا ينافي كونه عند خروج عيسى والمهدي المنتظر، لأنهما من أشراط الساعة. وشواهد الأحاديث المؤيدة لترجيح قول السُّدي بعدم تحقق ظهور الدين كله على كل الأديان إلى الآن، منها: (عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِي قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُولُ: لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الإِسْلاَمَ وَذُلاًّ يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ)(٢٨٦).
وصحيحٌ أنَّ الدين الإسلامي قد ظهر تمام الظهور بالحجة البالغة (ولله الحجة البالغة)، لكنَّ (ظهور الشيء على غيره قد يكون بالحجة وقد يكون بالكثرة والوفور وقد يكون بالغلبة والاستيلاء ومعلوم أنَّه تعالى بشَّرَ بذلك ولا يجوز أنْ يبشّر إلا بأمرٍ مستقبلٍ غيرِ حاصلٍ، وظهورُ هذا الدين بالحجة مقرَّرٌ معلومٌ، فالواجب حمله على الظهور بالغلبة)(٢٨٧).
فالآية (تعطينا بوضوحٍ، الغاية والغرض الرئيس من إرسال رسول الإسلام (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالهدى ودين الحق. يدلنا على ذلك قوله تعالى لِيُظهِرَهُ، حيث دلَّت لام التعليل على الغاية، والسبب في إنزال شريعة الإسلام وهو أنْ يظهره أي يجعله منتصراً ومسيطراً على غيره من الأديان والعقائد كلها. وذلك لا يكون إلا بسيطرة دين الحق على العالم كله. وإذا كان هذا غايةً من إرسال الإٍسلام، إذاً فهو يقيني الحدوث في مستقبل الدهر، لأن الغايات الإلهية غير قابلة للتخلف)(٢٨٨).
زيادةً على ذلك، يعضد هذا الرأيَ الرواياتُ المستفيضةُ من طرق الإمامية: في حديثٍ طويلٍ يسأل المفضل بن عمر أحد أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). عن تأويل الآية، ألم يكن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ظهر على الدين كله؟ فأجابه الإمام: (يا مُفَضَّل لو كان ظهر على الدين كله ما كان مجوسية ولا نصرانية ولا يهودية ولا صابئةٌ ولا فرقةٌ ولا خلافٌ ولا شكٌّ ولا شِركٌ ولا عبدة أصنامٍ ولا أوثان ولا اللات ولا العزّى ولا عبدة الشمس ولا القمر ولا النجوم ولا النار ولا الحجارة، وإنَّما قوله (لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ) في هذا اليوم وهذا المهدي وهذه الرجعة، وهو قوله: ﴿وَقَتِلُوهُم حَتَّى لَا تَكُونَ فِتنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ للهِ﴾(٢٨٩))(٢٩٠)(٢٩١). ونلحظ الإمام (عليه السلام) مرةً أخرى يزاوج بين الآيات الكريمة لتنقدح النتيجة التفسيرية بما يُعرف من تفسير القرآن بالقرآن، وهو من أوضح المناهج التفسيرية.
الآية الثالثة:
إشارةً إلى المهدي المنتظر أو إلى شأنٍ من شؤونه في قوله تعالى: ﴿لَهُم فِي الدُّنيَا خِزي وَلَهُم فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيم﴾(٢٩٢).
نقل شيخ المفسرين الطبري (ت ٣١٠ ه) في أحد أقوال تفسير هذا المقطع من الآية: (... عن السُّدي قوله: ﴿لَهُم فِي الدُّنيَا خِزيٌ﴾ أمّا خزيهم في الدنيا، فإنَّهم إذا قام المهدي وفُتِحَت القسطنطينية قَتَلَهم. فذلك الخزي. وأما العذاب العظيم، فإنَّه عذاب جهنم الذي لا يخفف عن أهله، ولا يقضى عليهم فيها فيموتوا)(٢٩٣).
واستشهد ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧ه) في تفسيره بقول السُّدي (ت ١٢٨ه) وتفسيره للآية (... عَنِ السُّدي (أَمَّا خِزْيُهُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ إِذَا قَامَ الْمَهْدِيُّ فَتَحَ الْقُسْطَنْطِينِية وَقَتَلَهُمْ فَذَلِكَ الْخِزْيُ) وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَوَائِلِ بْنِ دَاوُدَ نَحْوُ ذَلِكَ)(٢٩٤).
وكذلك حكى القرطبي: (قيل: القتل للحربي والجزية للذمي عن قتادة والسدي: الخزي لهم في الدنيا قيام المهدي وفتح عمورية ورومية وقسطنطينية وغير ذلك من مدنهم على ما ذكرناه في كتاب التذكرة ومن جعلها في قريشٍ جعل الخزي عليهم في الفتح والعذاب في الآخرة لمن مات منهم كافراً)(٢٩٥).
وأيضاً فسرها ابن كثير (ت ٧٧٤ه) بحسب تفسير السُّدي قوله: (وفسَّر هؤلاء الخزي من الدنيا، بخروج المهدي عند السُّدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسَّره قتادة بأداء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون)(٢٩٦).
وقال الشوكاني (ت ١٢٥٠ه) في تفسيره فتح القدير: (أما خزيهم في الدنيا، فإنَّه إذا قام المهدي، وفتحت القسطنطينية قتلهم، فذلك الخزي)(٢٩٧). هذا وقد سكتت مصادر الإمامية عن هذه الآية والقول أنها في خروج المهدي. لعله لم يأت أحد بتفسيرها بخروج المهدي المنتظر؛ لعدم ورود أخبارٍ فيها.
وقد سيقت هذه الأخبار وهي تتفق على أنَّ الرسالة الخاتمة والبعثة النبوية الشريفة، هي إشارةٌ وعلامةٌ على ظهور الإسلام أولاً بالحجة مع الغلبة والقوة، وفي آخر الزمان ينصر الله دينه، إما بفتح مدن ومراكز الروم المعروفة أو بظهور المهديّ المنتظر ونزول النبي عيسى أو بالاثنين معاً وتقدمُ أحدِهما على الآخر، لا يغير في الحقيقة شيئاً.
الآية الرابعة:
﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم من بَعدِ خَوفِهِم أَمناً يَعبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيئاً وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾(٢٩٨).
جاء ذكر هذه الآية في خبرٍ طويلٍ إشارةً منه إلى المهدي المنتظر وزمان ظهوره (عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: دخل جندب بن جنادة من خيبر على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) [وسأله أسئلة من ضمنها عن الأوصياء من بعده فأجابه] قال: نعم الأئمة بعدي اثنا عشر. فقال: يا رسول الله كلهم في زمنٍ واحدٍ؟ قال: لا ولكنهم خَلَفٌ بعد خَلَفٍ... فقال: تسعةٌ من صلب الحسين والمهدي منهم... [وذكر الأئمة كلهم] فإذا انقضت مدة عليٍّ [الهادي] قام بالأمر بعده الحسن ابنه يدعى بالأمين، ثم يغيب عنهم إمامهم. قال: يا رسول الله هو الحسن [العسكري] يغيب عنهم، قال: لا ولكن ابنه الحجة. قال يا رسول الله فما اسمه؟ قال: لا يسمى حتى يظهره الله. قال جندب: يا رسول الله قد وجدنا ذكرهم في التوراة، وقد بشّرنا موسى بن عمران بك وبالأوصياء بعدك من ذريتك. ثم تلا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً﴾ فقال جندب: يا رسول الله فما خوفهم؟ قال: يا جندب في زمن كلِّ واحدٍ منهم سلطانٌ يعتريه ويؤذيه، فإذا عجَّل الله خروج قائمنا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...)(٢٩٩).
أخرج النعماني (المتوفى حدود سنة ٣٦٠ه) في كتابه الغيبة بسنده (عن أبي بصير، عن أبي عبد الله [الصادق] (عليه السلام) في معنى قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً يَعبُدُونَنِي لَا يُشرِكُونَ بِي شَيئاً وَمَن كَفَرَ بَعدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ﴾. قال: نزلت في القائم وأصحابه)(٣٠٠).
وذكر الطوسي (ت٤٠٦ه) في التبيان في تفسير القرآن: (قال أهل البيت (عليهم السلام) إنَّ المراد بذلك المهدي (عليه السلام) لأنَّه يظهر بعد الخوف، ويتمكن بعد أنْ كان مغلوباً)(٣٠١).
فهذا وعدٌ صريحٌ من الله (عزَّ وجلَّ) ﴿حَتَّى يَأتِيَ وَعدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخلِفُ المِيعَادَ﴾(٣٠٢) للبشرية المؤمنة الصالحة التي قاست الظلم والعذاب في عصور الانحراف وبذلت من التضحيات الكبيرة والصعبة، بأنْ يستخلفهم في الأرض، بمعنى أنه يوفقهم إلى السلطة الفعلية على البشرية وممارسة الولاية الحقيقية فيهم.
فإذا استطعنا أنْ نفهم من (الأرض) كل القسم المسكون من البسيطة، كما هو الظاهر من الكلمة والمعنى الواضح منها حملاً (للام) على الجنس بعد عدم وجود أيِّ قرينةٍ على انصرافها إلى أرضٍ معيّنةٍ. ومعنى حملها على الجنس: أنَّ كل أرضٍ على الإطلاق سوف تكون مشمولةً لسلطة المؤمنين واستخلافهم وسيحكمون وجه البسيطة. وهذا هو المناسب مع الجمل المتأخرة في الآية الكريمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم﴾. فإنَّ التمكين التام والاستقرار الحقيقي للدين، لا يكون إلَّا عند سيادته في العالم أجمع. وكقوله تعالى: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً﴾ ومن المعروف أنَّ الأمن والأمان لم يتحقق في ربوع المعمورة إلا بنسبٍ بسيطةٍ، حتى في عصر النبي الأكرم وبعده من الخلفاء وأنَّ هذا الوضع الاجتماعي العالمي الموعود، لم يتحقق على مدى التاريخ منذ فجر البشرية إلى عصرنا الحاضر. إذاً فهو مما سيتحقق في مستقبل الدهر يقيناً طبقاً للوعد الالهي القطعي غير القابل للتخلف أو التمييع(٣٠٣). ويمكن حمل (اللام) للعهد (الذهني) يعني المعهود والمعروف في أذهاننا، باعتبار أنّ الكلام يشير إلى هذه الأرض المعهودة بيننا وليس غيرها.
فإذا ضممنا الأحاديث التي تعبِّر بمضمون الخليفة في آخر الزمان، يمكن أنْ يكون تأييداً لتفسير هذه الآية بشأن المهدي المنتظر في آخر الزمان، إذ جاء في صحيح مسلمٍ (عن أبي سعيد وجابر ابن عبد الله قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يكون في آخر الزمان خليفةٌ يقسّم المال ولا يعدُّه)(٣٠٤).
والحديث الآخر أيضاً جاء في صحيح مسلمٍ (عن أبي نضرة قال... قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يكون في آخر أمتي خليفةٌ، يحثي المال حثياً، لا يعدُّه عدّاً)(٣٠٥).
وحكى الطبرسي في تفسير الآية: (قيل: هي عامة في أمّة محمدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن ابن عباسٍ ومجاهدٍ، والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام) أنها في المهدي من آل محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣٠٦).
في الآية وعدٌ من الله تعالى للمؤمنين ذوي الأعمال الصالحة بالاستخلاف في الأرض وتمكينهم من نشر دينهم وتمتعهم بالأمن الكامل، فما خصائص هؤلاء الموعودين بالاستخلاف؟
هناك اختلاف بين المفسِّرين بهذا الصدد: يرى بعض المفسّرين أنَّ الوعد بالاستخلاف خاصٌّ بأصحاب الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذين استخلفهم الله في الأرض في عصر النّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). (ولا يقصد بالأرض جميعها، بل هو مفهوم يطلق على الجزء والكل). ويرى آخرون أنّه خاصٌّ بالخلفاء الأربعة الذين خَلَفُوا الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ويرى بعضهم أنَّ مفهومه واسعٌ يشمل جميع المسلمين الذين اتصفوا بهذه الصفات(٣٠٧).
وهذا الرأي الأخير هو المرجح، صاحب المفهوم الواسع الذي يشمل جميع المسلمين الذين اتصفوا بهذه الصفات، وهو رأيٌ يتفق مع رأي بعض المفسرين لهذه الآية، حتى إنَّ المستشرق توماس آرنولد، هو أيضاً أدلى بدلوه مع المفسرين برأيٍ ليس بعيدٍ عنهم - لا بأس في الاستئناس به ما دام موضوع الدراسة عن المستشرقين وآرائِهم - ففي سياق حديثه عن معنى الخليفة والخلافة في القرآن في كتابه المعروف بعنوان: (الخلافة) قال ضمن عنوانٍ فرعيٍّ (المؤيد أو المسوغ الديني للخلافة) بأنَّه: (كثير من الآيات التي وردت فيها العبارة كانت لا تقبل أيَّ تفسيرٍ يتصل مباشرةً مع المؤسسة السياسية التي كانوا يدافعون عنها، إذ يرد معنى الخليفة والخلفاء أو الخلائف بتعابيرَ عامّةٍ لم تكن خاصّةً بشخصٍ مفردٍ مُبجّلٍ، وهكذا كانت الحالة في الآيات الآتية: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ﴾(٣٠٨). ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُم خَلَائِفَ الأَرضِ وَرَفَعَ بَعضَكُم فَوقَ بَعض دَرَجَات لِّيَبلُوَكُم فِي مَا آتَاكُم﴾(٣٠٩). يظهر هنا أنه يعني جمهور المؤمنين العام الذين هم خلائف بدخولهم في إرث أجدادهم)(٣١٠).
بعدها يستشهد آرنولد على ذلك بحديثٍ ويجعل النبي يتنبأ بالخلافة المستقبلية بظهور المهدي المنتظر، لأن نظرية طاعة الخليفة من طاعة النبي، والأخيرة من طاعة الله، تدل على أنَّ الله يعين السلطة الزمنية بكاملها، فـ(يتنبأ النبي عن مستقبل الجماعة المسلمة والاضطرابات التي تسبق ظهور المهدي فيقول: أبشركم بالمهدي يُبعث في أمتي على اختلافٍ من الناس وزلازل، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئت ظلماً وجوراً...)(٣١١). إلى آخر الحديث كاملاً.
ويرى آخرون أنَّ مفاد الآية إشارةٌ إلى حكومة المهدي (عليه السلام) الذي يخضع له الشرق والغرب في العالم، ويجري حكم الحقّ في عهده في جميع أرجاء العالم، ويزول الاضطراب والخوف والحرب وتتحقق للبشرية عبادة الله النقية من كلّ أنواع الشرك(٣١٢).
وما يؤيد ذلك أنّ لفظ الخليفة جاء في الأحاديث التي تشير لخلافة المهدي المنتظر في آخر الزمان: (... عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ... فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْواً عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ الْمَهْدِيُّ)(٣١٣).
ولا ريب في أنَّ هذه الآية تشمل المسلمين الأوائل، كما أنَّ حكومة المهدي المنتظر مصداقٌ لها، بل هي المصداق الأكمل إذْ يتفق المسلمون كافة على أنَّ المهدي المنتظر يملأ الأرض عَدْلاً وقسطاً بعد أنْ مُلئت جوراً وظلماً. ومع كل هذا لا مانع من تعميمها. فإنّ نتيجة جهود جميع الأنبياء والمرسلين، حصول حكمٍ يسوده التوحيد والأمن الكامل والعبادة الخالية من أيِّ نوعٍ من الشرك، وذلك حين ظهور المهدي المنتظر، وهو من سلالة الأنبياء ومن عترة النّبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٣١٤).
أقول: وما يؤيد هذا المعنى - مع الجدير بالذكر، بأنَّه لا يوجد تأييد لتلك المعاني والتفسيرات الأخرى - هذا الحديث الذي تناقلته مصادر المسلمين عن الرّسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم): (...عن عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَا تَنْقَضِي الْأَيَّامُ وَلَا يَذْهَبُ الدَّهْرُ حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي اسْمُهُ يُوَاطِئُ اسْمِي)(٣١٥). وهذا المعنى يتواءَم ويتوافق مع الوحي القرآني بمسألة الاستخلاف في الأرض في آخر الزمان في قوله تعالى ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾(٣١٦). وهو وعد الله حقٌّ لا يختلف ولا يتخلّف لأنه (عزَّ وجلَّ) لا يخلف ميعاده.
الآية الخامسة: ﴿وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَان قَرِيب﴾(٣١٧).
وهي تذكر شأناً من شؤون المهدي المنتظر بحسب تفاسير علماء المسلمين، فإنَّ من أشهر علامات ظهور المهدي المنتظر، هو الخسف بجيش السفياني في البيداء الذي يهاجم مكة.
وفي الحقيقة في البدء لا بدَّ من الإشارة إلى: أولاً: أنَّ الأقوال والأحاديث التي استشهد بها المفسرون على تفسير وتأويل الآية بهذا الشأن وهو (الخسف بجيش السفياني) لم أجدْ لها تصحيحاتٍ أو تحسيناتٍ عند المحققين بهذا الشأن من أرباب الحديث، لكنَّني وجدتُ بما يقرب من الثلاثين ما بين مفسّرٍ وعالمٍ، فسَّر هذه الآية (بجيش السفياني الذي يخسف به في البيداء) مستشهدين على ذلك بأحاديث نقلوها بهذا الصدد، فلم أجدْ بُدّاً إلا أنْ أتعرض لهذه الأقوال، وتبقى قناعات هؤلاء المفسرين والعلماء مهمّةً في هذا الباب، لا يمكن إغفالها والتغاضي عنها بحالٍ من الأحوال، فإذا لم تكن تقدم دليلاً صارماً قاطعاً، فحتماً ستكون مؤيِّداً ناجعاً.
ثانياً: القول بهذا التفسير أو التأويل، هو من أحد مصاديق الآية التي ذكر لها المفسرون مصاديقَ غيرها، وليس هو مصداقها الأتم الأوحد الأكمل.
فينقل ابن حماد (المتوفى ٢٢٨ه) (شيخ البخاري) أخباراً، تحت باب عنوانه: (الخسف بجيش السفياني الذي يبعثه إلى المهدي) ويمكن عدُّه تفسيراً لهذه الآية: بسنده (... عَنْ عَلِيٍّ (رض) قَالَ: إِذَا نَزَلَ جَيْشٌ فِي طَلَبِ الَّذِينَ خَرَجُوا إلى مَكَّةَ فَنَزَلُوا الْبَيْدَاءَ خُسِفَ بِهِمْ، وَيُبَادُ بِهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ (عزَّ وجلَّ): ﴿وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ وَأُخِذُوا مِن مَكَان قَرِيب﴾ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِمْ...).(٣١٨)
وذكر الطبري (ت ٣١٠ ه) في تفسيره لهذه الآية أقوالاً من ضمنها قال: (عنى بذلك جيش يخسف بهم ببيداء من الأرض. ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد قال: ثنا يعقوب عن جعفر عن سعيد في قوله (وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ) قال: هم الجيش الذي يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجلٌ واحدٌ فقط يخبر الناس بما لقي أصحابه)(٣١٩).
ويذكر أيضاً الطبري حديثاً آخَرَ (حدثنا عصام بن روَّاد بن الجراح قال: ثنا أَبي قال: ثنا سفيان بن سعيد قال: ثني منصور بن المعتمرِ عن رِبْعيِّ بن حِراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وذكر فتنةٌ تكون بين أهل المشرق والمغرب، قال: فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك، حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين، جيشًا إلى المشرق، وجيشًا إلى المدينة، حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلافٍ،... ثم يخرجون متوجهين إلى مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء، بعث الله جبريل، فيقول: يا جبرائيل اذهب فأبدهم، فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم، فذلك قوله في سورة سبأ (وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ...) الآية، ولا ينفلت منهم إلا رجلان، أحدهما بشيرٌ والآخر نذيرٌ)(٣٢٠).
وباللفظ بنفسه من غير طريقٍ، ذكره صاحب تفسير كشف البيان للثعلبي(ت ٤٢٧ه)(٣٢١). وذُكر الخبر في كتاب عقد الدرر في أخبار المنتظر، للشافعي السلمي، يوسف بن يحيى(ت بعد ٦٥٨ه)(٣٢٢).
ونقله القرطبي (ت ٦٧١ه) في تفسيره بعد ما يذكر أقوالاً، قال: (وفي هذا المعنى خبرٌ مرفوعٌ عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكرة)(٣٢٣)، إذ نقله في كتابه أيضاً (التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة)(٣٢٤). ونقله أبو حيان (ت ٧٤٥ه) في تفسيره البحر المحيط، قال: (وروى في هذا المعنى حديثاً مطولاً عن حذيفة. وذكر الطبري أنه ضعيفُ السند، مكذوبٌ فيه على رواية ابن الجراح)(٣٢٥)، لكن بعد مراجعة تفسير الطبري، تبين عدم وجود أيِّ تضعيفٍ أو تكذيبٍ للخبر من الطبري.
ونقل الثعلبي أيضاً، تفسير الصحابي (ابن أبْزَى) للآية: (... وأخبرنا محمد بن نعيم عن محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي بن عفان عن الحسن بن عطية عن يعقوب الأصفهاني عن ابن أبْزَى: (وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ) قال: خسفٌ بالبيداء)(٣٢٦).
وكذا البغوي (ت ٥١٦ه) صاحب تفسير معالم التنزيل، استشهد بقول (ابن أبْزَى)(٣٢٧).
وينقل الزمخشري (ت ٥٣٨ه) قول ابن عباس في تفسيرها قال: (وعن ابن عباس (رض): نزلت في خسف البيداء)(٣٢٨).
وكذلك ممن نقل قول (ابن أبْزَى) صاحب تفسير الخازن، المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل، لصاحبه: الشهير بالخازن (ت ٧٤١ه)(٣٢٩).
وكذلك ممن ينقل قول (ابن أبْزَى) ابن عادل (المتوفى بعد سنة ٨٨٠ه) أبو حفص سراج الدين الحنبلي الدمشقي، في تفسيره المشهور باسم تفسير اللباب لابن عادل(٣٣٠).
أقول: بمراجعة أقوال المفسرين في هذه الآية الكريمة، تجدهم ذكروا عدّة أقوالٍ لتفسيرها كما فعل السيوطي (ت ٩١١ه) في دُرِّه المنثور(٣٣١) عَن السُّدي، وعَن مُجَاهِد، وعَن قَتَادَة، وعَن ابْن عَبَّاس (رض) وعَن ابْن زيد (رض) وعن َالضَّحَّاك، لكن اللافت للنظر العلمي بأنَّهم لم يستشهدوا بأحاديثَ مباشرةٍ للرسول الأكرم، إلاَّ في القول الأخير القائل بأنَّه الخسف بالبيداء بجيش السفياني - هذا بضميمة أحاديثَ أُخرَ خاصّةٍ، تحدثت عن الخسف بجيش السفياني - وخلاصة الأقوال في تفسير الآية عند السيوطي منها: إنها (فِي الدُّنْيَا عِنْد الْمَوْت حِين عاينوا الْمَلَائِكَة وَرَأَوا بَاس الله... [ومنها] قَالَ يَوْم الْقِيَامَة (فَلَا فَوتَ) فَلم يفوتوا رَبك... [ومنها] قَالَ فِي الْقُبُور من الصَّيْحَة... [ومنها] هَذَا يَوْم بدرٍ حين ضربت أَعْنَاقهم فعاينوا الْعَذَاب... [ومنها] قَالَ: هُوَ يَوْم بدرٍ... [ومنها] هم قَتْلَى الْمُشْركين من أهل بدرٍ...)(٣٣٢) هذه أقوال لتفاسير بدون الاستشهاد عليها بأحاديث للنبي الأكرم، أما القول بتفسيرها بخسف بجيش السفياني في البيداء، فالحال يختلف فهناك المؤيدات لهذا القول، وهذه التعابير وهذا الأسلوب السردي، يُشعران أنَّ السيوطي وغيره ممن استشهدوا لهذا التفسير أنهم مع هذا القول بالترجيح (في تفسيرها بخسف بجيش السفياني في البيداء) أكثر من غيره، وهو كذلك الحال فعلاً بترجيح هذا القول.
وإليك ما جاء في السيوطي بالتحديد، وفي غيره من التفاسير متناثراً، والتي سيتمُّ ذكرها في أسفل الهامش لا في المتن، كي لا يكون الاقتباس يتعدى حدوده، ولأنَّ الهامش هو الساحة الحرة للكاتب يطيل فيها إيضاحاته، وإنَّهم - أي أرباب المناهج البحثية - جوَّزوا هذه الإطالة في الهامش؛ لأن القارئ، غيرُ ملزمٍ بقراءة الهوامش(٣٣٣).
قد يقول قائل: إنَّ بعض مفسري التفاسير والأحاديث لم تذكر الجيش الذي يخسف به بالبيداء، بأنَّه هو جيش السفياني الذي سيقاتل المهدي المنتظر، ومِنْ ثَمَّ ستؤول الآية إلى عدم إشارتها إلى شأن من شؤون المهدي المنتظر.
أقول: هناك أحاديثُ أيضاً لم تذكر الخسف الخاص بالسفياني الذي يقاتله المهدي المنتظر، فقط ذكرت أنَّ جيش السفياني سيقابل المهدي المنتظر، لكن إذا نظرنا إلى الأحاديث الأخرى الذاكرة للخسف بالجيش وبضم تلك الأحاديث، فمن الممكن إشارة الآية إلى المطلوب؛ زيادةً على أنَّ الأحاديث الواردة بهذا الصدد عندما تتحدث عن الخسف بالبيداء، جميعها عند الإطلاق، لا تتحدث إلاَّ عن الخسف الذي يحصل لجيش السفياني الذي يقابل المهدي المنتظر، بمعنى الخسف المعهود، المصطلح عليه.
وقد ذكر الهيتمي في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) تحت باب (علامة خروجه أنْ يُخسف بالجيش بالبيداء) ويذكر أحاديث في ذلك(٣٣٤).
الآية السادسة: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلم لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ﴾(٣٣٥).
هذه الآية الكريمة، تذكر شأناً أو علامةً من العلامات أو حدثاً لا يحدث إلا ومعه يحدث ظهور المهدي المنتظر، عبِّرْ ما تشاء (شأناً، علامةً، حدثاً، مقدمةً للظهور) ذلك بما أفادت وأجادت قريحة المفسرين القدامى والمحدَثين والروايات والأحاديث الخاصة بالآية بأنَّها (تعني نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة). بل أكثر من ذلك أثبت بعضهم، أنَّ الآية نزلت في المهدي المنتظر، على ما سيأتي.
لكن لسائلٍ أنْ يسأل، وليكن هذا السائل هو لسان حال المستشرق: لو ثبت أنَّ الآية يكون تفسيرها ومصداقها بنزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة، كيف أنَّ الآية تدل على وجود وتأصيل ذكر المهدي المنتظر في القرآن؟ وما علاقة عيسى ابن مريم ونزول الآية في عيسى، مع المهدي المنتظر ودلالة الآية عليه؟
والذي سوَّغ لي هنا أنْ أتحدث بلسان حال المستشرق، هو إنكاره أصلاً لما يعتقد به المسلمون من عودة ونزول عيسى المسيح كشرطٍ من أشراط الساعة، ففي نظره (هذه التنبؤات تعود كلها إلى أصلٍ يهوديٍّ أو مسيحيٍّ، قبل أنْ تكتسب طابعها العربي في القرن الأول الهجري. وقد وصلت إلى المسلمين إمّا على شكل تنبؤاتٍ مجهولةِ المصدر، وإما تحت ستار الأحاديث الموضوعة، التي نقلها غالباً اليهود أو النصارى ممن اعتنقوا الإسلام)(٣٣٦).
إلا أنه يعترف فقط بوجود حديثين دون الاعتماد عليهما، بعد إعادة فكرة المهدي والمسيح إلى ارتباطها بجذورٍ يهودية ومسيحية، بقوله: (فمن المحتمل جدّاً أنَّ التكهن بعودة عيسى ابن مريم (المسيح) قد شاع بين المسلمين في الفترة [المدة] المتزامنة مع انتظار الدجال، مع أنه ليس لدي ما استند إليه سوى ما أورده الحديث النبوي(٣٣٧) [وقد ذكر رقمين لحديثين من سنن أبي داود والترمذي] ولو جاز الاعتماد على القصص والطرائف التاريخية، وهي كثيرةٌ، لأمكننا الاستنتاج أنَّ التكهن بعودة المسيح، كان أقل تأثيراً في النفوس من عودة الدجال)(٣٣٨). وعليه سيكون الجواب بضمن مقدماتٍ:
المقدمة الأولى: بقراءةٍ سريعةٍ وواضحةٍ في الأحاديث الصحيحة، المتواترة التي تحدثت عن نزول عيسى ابن مريم في آخر الزمان وأنَّه من أشراط الساعة أي إنه لا تقوم الساعة إلا أنْ تصدق وتتحقق تلك العلامات؛ لأنها صدرت ممن لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحى.
قال الألباني: (ونزول عيسى (عليه السلام) متواترٌ يجب الإيمان به، ولا يغتر بمن يزعم أنه حديث آحادٍ، فإنَّه ليس من أهل العلم بهذا الشأن، كيف ذلك وقد استخرجت له أنا بنفسي عشرين طريقًا عن عشرين صحابيًا بأكثر من عشرين سندًا صحيحًا)(٣٣٩).
المقدمة الثانية: عند استنطاق تلكم الأحاديث بأدنى معاني الاستنطاق والاستنباط، ستنطق بشكلٍ قاطعٍ: بأنَّ نزول عيسى مرتبطٌ بخروج المهدي المنتظر وأنَّه لا عيسى إلا بالمهديّ المنتظر، أو العكس - لا يضر - (لا مهدي إلا بعيسى ابن مريم) بل إنَّ المهدي المنتظر يخرج قبل عيسى، والأخير هذا يصلي خلف الأول، بحسب الروايات المعتمدة الصحيحة.
المقدمة الثالثة: نلحظ من الأحاديث الواردة، سياقاً ونقاطاً وظروفاً وبيئةً متوافقين جميعاً، بين نزول عيسى ابن مريم، وخروج المهدي المنتظر، فإذا ما لحظنا بعض النقاط في الأحاديث، سنستخرج نتيجةً واضحةً بأنَّ (عيسى ابن مريم النبي يصلي خلف الإمام المهدي المنتظر) ومن هذه النقاط:
كلاهما من أشراط الساعة: كما قرأنا سالفاً - في مبحثٍ سابقٍ - ما جاء في صحيح البخاري(٣٤٠) وصحيح مسلمٍ(٣٤١) أنَّ من أهم أشراط الساعة الحتمية، نزول عيسى ابن مريم للصلاة خلف إمام وأمير هذه الأمة.
وكذلك نجدُ (المهدي المنتظر) مرتبطاً بقيام الساعة، ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده (عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي،...).(٣٤٢) حديثٌ صحيحٌ دون قوله: (يكون سبع سنين)(٣٤٣) وشاهده قريبٌ من هذا اللفظ: (عن عبد الله بن مسعود (رض) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لا تقوم الساعة حتى يملك رجلٌ من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي يملأ الأرض عدلاً وقسطاً كما ملئت ظلماً وجوراً)(٣٤٤).
إنَّ المهدي المنتظر (إمام) و(خليفة) يخرج في آخر الزمان:
أشارت الأحاديث إلى أنَّ المهدي المنتظر (إمامٌ)، منها ما أخبر به الصنعاني (ت ٢١١ه) مرفوعاً في (باب المهدي): (عن جابر بن عبد الله قال يكون على الناس إمامٌ لا يعدُّ لهم الدراهم ولكن يحثو)(٣٤٥) وشاهده من صحيح مسلمٍ بالمضمون نفسه لكن بتعبيرٍ (الخليفة): (قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا، لَا يَعُدُّهُ عَدَدًا)(٣٤٦) وكذلك (عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يكون في آخر الزمان خليفةٌ يقسم المال ولا يَعُدُّهُ)(٣٤٧).
وبملاحظة أنَّ عيسى يصلّي خلف إمام من الأمة في آخر الزمان، وحيث لا يتحقق المشروط إلا بتحقق الشرط، أي سوف لا يكون عيسى ابن مريم مأموماً، إلاَّ بإمامة إمامٍ، والإمام المذكور على لسان الأحاديث الشريفة، هو المهدي المنتظر بحتمية وضم وجمع الأحاديث الأخرى.
إن من يصلي خلفه عيسى ابن مريم بتعبير الرسول الأكرم (منِّا) (أخرج أبو نعيم عن أبى سعيد (رض) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): منِّا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه)(٣٤٨)، إما من أهل البيت، بضم حديثٍ آخرَ يذكر (يخرج من أهل بيتي) أو من هذه الأمة، بتعبير حديث صحيح البخاري (إمامكم منكم) فعلى كلا المعنيين، يكون الذي يصلي خلفه هو المهدي المنتظر بجمع حديثٍ آخر، يذكر الاسم فيه (المهدي مني) (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): الْمَهْدِيُّ مِنِّى أَجْلَى الْجَبْهَةِ أَقْنَى الأَنْفِ يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا وَظُلْمًا يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ)(٣٤٩).
بعبارةٍ أخرى منطقية وبقياسٍ أرسطيٍّ من الشكل الأول، يدل معنى الحديث على:
(أنَّ الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه، منَّا)
(والْمَهْدِىُّ مِنِّي)
إذن (المهديُّ الذي يصلي عيسى بن مريم خلفه)
وبتدرج البحث شيئاً فشيئاً، هنا أحاديثُ تذكر تصريحاً لا تلميحاً، بأنَّ الإمام الذي يصلي خلفه عيسى ابن مريم، هو المهدي المنتظر: (أخرج أبو نعيم عن أبى سعيد (رض) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): ينزل عيسى ابن مريم (عليه السلام) فيقول أميرهم المهدي: تعال صلِّ بنا، فيقول: ألا وإنَّ بعضكم على بعضٍ أمراء تكرمةً لهذه الأمة)(٣٥٠). صححه الألباني في سلسلته الصحيحة.(٣٥١) وقال بعد ما ينقل الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه بالمضمون نفسه وقريباً من اللفظ نفسه، ولم يذكر فيه اسم المهدي المنتظر قال: (فالأمير في هذه الرواية هو المهدي في حديث الترجمة وهو مفسِّر لها)(٣٥٢). وهناك من يبادر إلى إنكار الأحاديث الصحيحة الواردة في خروج المهدي في آخر الزمان، ويدّعي بكل جرأةٍ أنها موضوعةٌ وخرافةٌ!! ويسفّه أقوال العلماء الذين قالوا بصحتها، وأنَّ هذا الأسلوب قد يؤدي بهم إلى إنكار أحاديث نزول عيسى عليه الصلاة والسلام أيضاً، مع كونها متواترةً(٣٥٣)!
تبقى المقدمة الأخيرة التي جرت العادة أنْ تكون في البداية، وهي أقوال التفاسير والأحاديث والشواهد التي تدل وتثبت أنَّ هذه الآية موضع البحث ﴿وَإِنَّهُ لَعِلم لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُّستَقِيمٌ﴾(٣٥٤)، يجب أنْ تدل على نزول عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة، كي تصبح النتيجة المتقدمة المذكورة آنفاً (عيسى ابن مريم النبي يصلي خلف الإمام المهدي المنتظر) تصبح ذاتَ قيمةٍ. وقيمتها تتبين لنا وتفيدنا في إثبات أنَّ الآية تدل على شأنٍ أو علامةٍ أو شرطٍ من علامات المهدي المنتظر. فقد جاء (عن ابن عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فِي قَوْلِهِ: (وَإِنَّهُ لَعِلم لِلسَّاعَةِ) قَالَ: نزول عيسى ابن مريم من قبل يوم القيامة)(٣٥٥)، وتعليق المحقق شعيب الأرنؤوط مهمٌّ لا بأس أنْ يُعتنى به(٣٥٦).
بلحاظ السياق القرآني للآيات التي سبقت هذه الآية، مع الأحاديث التي نصت وخصصت الآية، تكون الآية فعلاً تدل على نزول عيسى النبي في آخر الزمان، وهذا النزول علامةٌ من علامات قرب الساعة، والآيات الكريمة هي: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابنُ مَريَمَ مَثَلًا إِذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ * وَقَالُوا آلهَتُنَا خَيرٌ أَم هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلاً بَل هُم قَومٌ خَصِمُونَ * إِن هُوَ إِلَّا عَبدٌ أَنعَمنَا عَلَيهِ وَجَعَلنَهُ مَثَلاً لّبَنِي إِسرَائِيلَ * وَلَو نَشَاءُ لَجَعَلنَا مِنكُم مَلَائِكَة فِي الأَرضِ يَخلُفُونَ * وَإِنَّهُ لَعِلمٌ للسَّاعَةِ فَلَا تَمتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاط مُّستَقِيمٌ﴾(٣٥٧) فقد جاء في سبب نزول الآية (عن ابن عباس، أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال لقريش: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ فِيهِ خَيْرٌ وَقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ، وَمَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وَعَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ صَالِحًا، فَلَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَإِنَّ آلِهَتَهُمْ لَكَمَا تَقُولُونَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ (عزَّ وجلَّ): (وَلَمَّا ضُرِبَ ابنُ مَريَمَ مَثَلًا إِذَا قَومُكَ مِنهُ يَصِدُّونَ) قَالَ: قُلْتُ: مَا يَصِدُّونَ؟ قَالَ: يَضِجُّونَ، (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قَالَ: هُوَ خُرُوجُ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ (عليه السلام) قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)(٣٥٨).
ونقل السيوطي أقوال العلماء والمفسرين القائلين بخروج عيسى قبل القيامة حتماً، في هذه الآية، عن طريق عبد بن حميد (ت ٢٤٩ه). ثمانية إلى عشرة تخريجاتٍ من طرقٍ متعدّدةٍ: (عن ابن عباس (رض) في قوله (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: خروج عيسى قبل يوم القيامة)(٣٥٩).
وأخرج عبد بن حميد، عن أبي هريرة (رض) (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: خروج عيسى يمكث في الأرض أربعين سنةً، تكون تلك الأربعون أربع سنين يحج ويعتمر. وأخرج عبد بن حميد وابن جريرٍ، عن مجاهدٍ (رض) (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: آيةٌ للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، عن الحسن (رض) (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: آيةٌ للساعة خروج عيسى ابن مريم قبل يوم القيامة، وأخرج ابن جرير من طرقٍ، عن ابن عباس رضي الله عنهما (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: نزول عيسى(٣٦٠).
وفي غريب القرآن لابن قتيبة: (إِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) أي نزول المسيح (عليه السلام) يُعلم به قرب الساعة ومن قرأ: لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فإنَّه يعني العلامة والدليل)(٣٦١). وكذلك (أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير، عن قتادة (رض) (وَإِنَّهُ لَعِلمٌ لِّلسَّاعَةِ) قال: نزول عيسى علمٌ للساعة، وناس يقولون: القرآن علمٌ للساعة)(٣٦٢).
لكن الأكثر يرجح القول الأول - أي نزول عيسى - وهو كذلك المرجح أكيداً، لأن (الضمير الذي في وَإِنَّهُ في معناه قولان: مذهب ابن عباس وأبي هريرة وأبي مالك ومجاهد والضحاك أنَّ الضمير لعيسى (عليه السلام) والمعنى: لنزوله، والقول الآخر، وهو قول الحسن، أنَّ الضمير للقرآن أي وإنَّ القرآن لعلمٌ للساعة لأنه لا ينزل كتابٌ بعده، والقول الأول أبين وعليه أكثر الناس، وقد قيل: في هذا دليلٌ على أنَّه إذا نزل عيسى (عليه السلام) رفعت المحنة ولم تقبل من أحد توبة)(٣٦٣). لكنَّ المعنى المتبادر والراجح هو الرأي الأول، أي بمعنى أنّ الضمير يعود على عيسى (عليه السلام) أو نزوله.
الآية السابعة: ﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٣٦٤).
هذا الوعد الإلهي بوراثة الأرض، يمكن أنْ يدل على أثرٍ أو فيه إشارةٌ متأولةٌ إلى المهدي المنتظر، وهو أنه بتعبير الأحاديث الواردة، يملك الأرض هو والمؤمنون الذين معه في آخر الزمان، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهي مطلق الأرض بتعبير الآية وبتعبير الأحاديث النبوية، لكنَّ الآية لا تصرح بحد ذاتها على شخص المهدي المنتظر، أو أنه وُلدَ، أو سيُولَدُ في آخر الزمان، والمهم أنها تتلاءَم مع معنى الأحاديث المصرحة بأنَّ المهدي المنتظر سيملك الأرض ومن عليها، وإنَّ الأحاديث المذكورة تفسر معنى الآية المشار إليها، وإنَّه يحكم الأرض، ويقسم المال بالسوية، إذ قرأنا مراراً الحديث المُجْمَع عليه بين المسلمين (عَنِ النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدَّهْرِ إِلاَّ يَوْمٌ لَبَعَثَ اللهُ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ بيتي يَمْلؤُهَا عَدْلاً كَمَا مُلِئَتْ جَوْرًا)(٣٦٥).
وجاء في تفسير معنى الأرض أقوالٌ، أوضحها أنَّ كلمة (الأرض) تطلق على مجموع الكرة الأرضية، إلاّ أنْ تكون هناك قرينةٌ خاصّةٌ في الأمر، ومع أنَّ بعضهم احتمل أنْ يكون المراد وراثة كلِّ الأرض في القيامة، إلاّ أنَّ ظاهر كلمة الأرض عندما تذكر مطلقاً تعني أرض هذا العالم(٣٦٦).
فالمراد من (الأرض) أرض الدنيا فإنٍّه سبحانه وتعالى سيورثها المؤمنين في الدنيا وهو قول الكَلْبي وابن عباس في بعض الروايات ودليل هذا القول قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ﴾(٣٦٧) وقوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَومِهِ استَعِينُوا بِاللهِ وَاصبِرُوا إِنَّ الأَرضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ﴾(٣٦٨) وثالثها: هي الأرض المقدسة يرثها الصالحون، ودليله قوله تعالى: ﴿وَأَورَثنَا القَومَ الَّذِينَ كَانُوا يُستَضعَفُونَ مَشَرِقَ الأَرضِ وَمَغَرِبَهَا الَّتِي بَرَكنَا فِيهَا﴾(٣٦٩) ثم في الآخرة يورثها أمّة محمدٍ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) عند نزول عيسى ابن مريم (عليه السلام)(٣٧٠). والخلاف، هل الأرض تشمل الأرض كلها أو أنها أرضٌ مخصوصةٌ بالبركة أو المقدسة كما ذُكر. والخلاف لا يؤثر في المعنى وهو التمكين للعباد الصالحين في الأرض التي كانوا يستضعفون فيها، أو الأرض على عموم الدلالة وأنَّ هؤلاء العباد الصالحين لا بدَّ أن يكون لهم أميرٌ، وهنا يرتبط معنى الأرض بشخص الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).

والظاهر أنَّ المراد بالزبور كتاب داود (عليه السلام) وقد سمي صراحةً بهذا الاسم في قوله تعالى﴿وآاتَينَا دَاوُدَ زَبُوراً﴾(٣٧١)(٣٧٢) وفي كتاب مزاميز داوُد (الزّبور) جاء في المزمور (٣٧): (لأن عاملي الشر يقطعون والذين ينتظرون الرب هم يرثون الأرض... أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون في كثرة السلامة... لأن المباركين منه يرثون الأرض والملعونين منه يقطعون... لأن الرب يحب الحق ولا يتخلى عن أتقيائه إلى الأبد يحفظون أما نسل الأشرار فينقطع. الصديقون يرثون الأرض ويسكنونها إلى الأبد)(٣٧٣). وهذه التعابير تنطبق مع ما جاءَ في القرآن الكريم الآية (محل البحث) ﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٣٧٤)
وفي نظرية وراثة الأرض في القرآن الكريم، ذكر الفخر الرازي أيضاً، أنه تعالى كتب في الزبور أنَّ محمداً خاتم النبيين وأنَّ أمته خير الأمم قال تعالى: ﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٣٧٥) وهم محمدٌ وأمّته(٣٧٦). أو يعني عامة المؤمنين، أو الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها أو أمة محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)(٣٧٧). وعلى أقل التقادير، والقدر المتيقن أنَّ المهدي المنتظر من أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو من العباد الصالحين الذين يرثون الأرض، بل هو إمامهم الذي سيصلِّي عيسى النبي خلفه.
ويلحظ في ألفاظ هذه الآية والآيات القرآنية التي ذكرت وراثة الأرض، فالملفت للنظر العلمي فيها، هو حتمية تحقق الوعد الإلهي بوراثة الأرض للعباد الصالحين (يقول تعالى مخبراً عمَّا حتمه وقضاه لعباده الصالحين، من السعادة في الدنيا والآخرة، ووراثة الأرض في الدنيا والآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الأَرضَ للهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ وَالعَقِبَةُ لِلمُتَّقِينَ﴾(٣٧٨) وقال: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَوةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَدُ﴾(٣٧٩) وقال: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعدِ خَوفِهِم أَمناً﴾(٣٨٠) وأخبر تعالى أنَّ هذا مكتوبٌ مسطورٌ في الكتب الشرعية والقدرية فهو كائنٌ لا محالة، ولهذا قال تعالى: وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ)(٣٨١).
دلالة الإرادة الإلهية على الحتمية: أراد الله سبحانه وتعالى أنْ يمنَّ على المستضعفين بوراثة الأرض لقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّة وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾(٣٨٢) ففي الآية إعلانٌ لإرادة الله تعالى بوراثة الأرض على المستضعفين، ولمّا كانت الإرادة الإلهية لا تختلف ولا تتخلّف عن مراده سبحانه لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(٣٨٣) فوراثة الأرض للعباد الصالحين المذكورين في الآية (١٠٥) من سورة الأنبياء، هي حتمية الوقوع لا محالة. وكذلك ما تضمَّن الوعد الإلهي بوراثة الأرض ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم﴾(٣٨٤) فمن حيث الوعد الإلهي صار تحققها من الحتم المقطوع بوقوعه، لأنه سبحانه لا يخلف وعده لقوله تعالى: ﴿وَعدَ اللهِ لَا يُخلِفُ اللهُ وَعدَهُ وَلَكِنَّ أَكثَرَ النَّاسِ لَا يَعلَمُونَ﴾(٣٨٥) فوعده سبحانه صادرٌ عن حكمته وإرادته المطلقة؛ فلابدَّ من وقوع وعده سبحانه(٣٨٦).
ومع أنَّ أغلب التفاسير في الآية ﴿وَنَجعَلَهُم أَئِمَّة وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾ فسّرت بحسب سياق الآيات وسبب نزولها، ببني إسرائيل لأنهم كانوا مستضعفين لدى فرعون وهامان، إلا أنَّ خصوص المورد لا يخصص الوارد، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فيبقى عموم اللفظ يشمل عدة مصاديق، ولعل المصداق الأوضح والأكمل للآية الكريمة في آخر الزمان، عندما يملك الأرض ويحكم المهديّ المنتظر هو وأصحابه المؤمنون ويقسم المال بالسوية، فلا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجلٌ من أهل بيت النبي يواطئ اسمه اسم النبي، وأنَّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، ويكون على الناس إمامٌ لا يعدُّ لهم الدراهم ولكن يحثو، فالآية باقية حية لا تموت وإنْ مات القوم الذين نزلت فيهم.
ويلحظ أنَّ كل الآيات والأحاديث الواردة في الباب، تؤكد على حقيقةٍ ظاهرةٍ، وهي حاجة الأرض عند فساد الزمان إلى قيادةٍ رشيدةٍ عادلةٍ، تحقق العدل وتعيد الأمور إلى نصابها وتردع الظالمين وتنتصر للمظلومين، وهذه المعاني تتحقق عن طريق التمكين الإلهي لإمامٍ من أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يظهر في آخر الزمان، يقود الأمة في التيه والضياع إلى النصر والتمكين والقسط والعدل والخير، وهذه المواصفات تتوافق وتنطبق على شخصية الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، بحسب ما جادتْ به دلالات الأحاديث الشريفة.
الآية الثامنة: ﴿قُل أَرَأَيتُم إِن أَصبَحَ مَاؤُكُم غَوراً فَمَن يَأتِيكُم بِمَاء مَّعِينِ﴾(٣٨٧).
جاء في الحديث بخصوص الآية في كتاب (كفاية الأثر) باب ما جاء عن عمار بن ياسر (رض) عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النصوص على الأئمة الاثني عشر صلوات الله عليهم أجمعين: (... أتيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقلت له: يا رسول الله صلى الله عليك إنَّ عليّاً قد جاهد في الله حق جهاده. فقال:... ألا إنه أبو سبطي والأئمة من صلبه يخرج الله تعالى الأئمة الراشدين، ومنهم مهدي هذه الأمة. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذا المهدي؟ قال: يا عمار إن الله تبارك وتعالى عهد إليّ أنَّه يخرج من صلب الحسين تسعةٌ، والتاسع من ولده يغيب عنهم، وذلك قوله (عزَّ وجلَّ) ﴿قُل أَرَأيتُم إِن أَصبَحَ مَاؤُكُم غَوراً فَمَن يَأتِيكُم بِمَاء مَّعِينِ﴾، يكون له غيبةٌ طويلةٌ يرجع عنها قوم ويثبت عليها آخرون، فإذا كان في آخر الزمان يخرج فيملأ الدنيا قسطاً وعدلاً ويقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل، وهو سَمِيِّي وأشبهُ الناس بي...)(٣٨٨) الواضح هنا إذاً هو تأويل وإخبار من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمصداق الآية المباركة وليس بياناً لسبب نزولها.
ولهذا الحديث شواهدُ، منها ما أورده الشيخ الصدوق بإسناده: (... عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر قلت له: ما تأويل قول الله (عزَّ وجلَّ) ﴿قُل أَرَأيتُم إِن أَصبَحَ مَاؤُكُم غَوراً فَمَن يَأتِيكُم بِمَاء مَّعِينِ﴾ فقال: إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون)(٣٨٩)، تأويل هذه الآية يُشبِّه المهدي المنتظر بالماء الصالح للحياة وللبشر كافةً، يظهر بعد عطشٍ وظمأٍ لا مثيل له وبعد حاجةٍ وشدّةٍ، فمن يأتيكم ويخلصكم من الظلم والجور غيره بإذن الله تعالى.
وهناك العشرات من الآيات القرآنية وردت بطرقٍ عامّةٍ وبطرقٍ خاصّةٍ عن الإمامية لكن لا يسع المقام لذكرها جميعاً.
توطئة:
ذُكرَ في مطلبٍ أو مبحثٍ سابقٍ، كيف حاول المستشرقون إنكار عقيدة المهدي المنتظر عن طريق التشكيك بما ورد من أحاديث عند عموم المسلمين وفي مصنفاتهم، وزيادةً أو تأكيداً لِمَا بدأه المستشرقون في التعامل إزاء هذه المفردة من المفردات الإيمانية، ومن إنكارها حتى على المستوى الحديثي، تلاعباً بعقائد المسلمين الإيمانية لأغراضٍ مشبوهةٍ من وراء ذلك؛ يُذكر هنا قول المستشرق دوايت دونالدسون عن بعض الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر، في كتابه (عقيدة الشيعة) يقول: بأنَّها منسوبةٌ للرسول وليست ثابتةً، لأن الفشل الذي أصاب المسلمين في توطيد أركان العدل، والفشل الذي أصاب المملكة الإسلامية، كان من الأسباب لظهور فكرة المهدي في آخر الزمان.(٣٩٠) وتجده يؤيد ما فنَّده ابن خلدون (المتوفى: ٨٠٨ه) في مقدمته (مقدمة ابن خلدون) جميعَ الأحاديث الواردة بهذا الخصوص، بأنَّها ضعيفةُ أو مشكوكٌ بها؛ لعدم ورودها في صحيحي البخاري ومسلم، لذا فإنَّ عقيدة المهدي لا تدخل في اعتقادات أهل السنة والجماعة(٣٩١).
الجواب على الإشكالات والشبهات التي أوردها المستشرقون بهذا الخصوص، وهو ثبوت عقيدة المهدي المنتظر عن طريق الأحاديث الشريفة، عادةً تكون أكثر تفصيلاً وأوضح دلالةً، وأسهل وأخف مؤونةً، مما كان عليه إثبات دلالة الآيات القرآنية على تلك العقيدة المهدوية، لأن الأحاديث جاءت هنا صريحةً وبطرقٍ عدّةٍ، وبألفاظٍ متعدّدةٍ، بل إنها متواترةٌ على ما سيثبت قريباً. وقد جاء في الحديث الشريف (... عن المقدام بن مَعْدي كَرِبَ عن رَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أَنَّهُ قَالَ: أَلاَ إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ...)(٣٩٢) وكما هو معلومٌ بأنَّ الآيات الشريفة تحمل دلالاتٍ ومصاديقَ عدّةً، قد تؤدي إلى الاختلاف في معناها بين المفسرين والعلماء، وقد يستغلها بعضهم من المستشرقين للطعن أو التشكيك فيها؛ ولذلك ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما بعث ابن عباس (رض) لمحادثة ومناقشة الخوارج، قال له: لا تخاصمهم بالقرآن فإنَّ القرآن حمَّالٌ ذو وجوهٍ تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنَّهم لن يجدوا عنها محيصاً(٣٩٣). وعلى هذا الأساس كان الحديث النبوي شارحاً ومبيناً للقرآن الكريم، ولا يمكن الاكتفاء بالنص القرآني وحده، وإنَّما نرجع إلى السنة المشرفة لمعرفة معاني كثيرٍ من الآيات الشريفة ومن ثَمَّ نذهب إلى آراء العلماء أو أئمة التفسير واللغة.
 فهذا الفصل هو لمناقشة وجواب، ما أورده بعض المستشرقين من شبهات، تفيد بأنَّ الأحاديث بهذا المجال مُختلَقةٌ، موضوعةٌ، أو ضعيفةٌ، ولا ترتقي لمستوى البحث والتحقيق، ولا يمكن الاعتماد عليها لإثبات عقيدةٍ إيمانية صحيحةٍ، فسيكون الجواب عن ذلك ضمن مباحثَ عدّةٍ.

الفصل الثالث: الأصل الحديثي للأطروحة المهدوية ومناقشة شبهات المستشرقين

المبحث الأول: أحاديث العقيدة المهدوية:
المطلب الأول: أحاديثُ فيها تصريحٌ بلفظ (المهديّ):
الحديث الأول: (عَنْ عَلِيّ [ابن أبي طالب] قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): الْمَهْدِيُّ مِنَّا، أَهْلَ الْبَيْتِ، يُصْلِحُهُ اللهُ فِي لَيْلَةٍ)(٣٩٤).
ذكر محقق السنن لابن ماجه، شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيفٌ(٣٩٥). ويُحتمل لقولهم إسناده ضعيفٌ، يقصدون به وجاء لقول البخاري في (تاريخه الكبير) عن إبراهيم بن محمَّد بن الحنفية في ترجمته قال: (في إسناده نظرٌ)(٣٩٦).
هذا وقد درس الحديث وخرَّجه بطرقٍ متعدّدةٍ، الدكتور عبد العليم البستوي (الأستاذ في جامعة أم القرى) وعدَّها أربعة عشر طريقاً، ودرس أسانيدها وأحوال رجالها، فذكر الحديث ابن عدي والذهبي في ترجمة ياسين العجلي وذكرا عن البخاري قوله: (في إسناده نظرُ) ولكن لم أجد هذه الكلمة في ترجمة ياسين العجلي، من التاريخ الكبير ولا ذكره البخاري في كتاب الضعفاء. وكلام البخاري هذا، لا يعني تضعيفَ الراوي، فهو جرحٌ غيرُ مفسّرٍ ولم أجد من فسر وجهة نظره، فلا يمكن تضعيف الحديث من أجله ولا سيًّما وقد تبين أنَّ رجاله كلهم ممن يُحتج بهم وإسناده متّصلٌ. ولعلّ الإمام البخاري يشير إلى ما وقع فيه من خلافٍ في رفعه ووقفه(٣٩٧). أي الحديث لا الراوي.
صحح إسناده محقق المسند، أحمد محمد شاكر، قال: إسناده صحيحٌ(٣٩٨). وحسَّنه السيوطي (ت ٩١١ه) في كتاب (الجامع الصغير)(٣٩٩). وحكم الألباني بصحته(٤٠٠) كما ونقل تحسين السيوطي، المناوي (ت ١٠٣١ه) في فيض القدير(٤٠١).
وصحح الحديث ابن حجر (ت ٨٥٢ه) فقال: وقع في سنن ابن ماجه عن ياسين غيرَ منسوبٍ فظنه بعض الحفاظ المُحدَثين، (ياسين بن معاذ الزيات) فضعَّف الحديث به فلم يصنع شيئاً(٤٠٢).
وأخيراً نتيجة الحكم على الحديث بأنَّ (إسناده حسنٌ). فهو متردّدٌ بين الصحيح والضعيف، ولكن التحقيق يرجح تصحيحه لبعض الوهم الذي دخل على المتن من الرواة(٤٠٣).
الحديث الثاني: في سنن أبي داود: (عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال: قال رسولُ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): المهديُّ منِّي أجْلَى الجَبهَةِ، أَقنَى الأنفِ، يملأُ الأرضَ قِسطْاً وعَدلاً، كما مُلِئَت جَوْراً وظُلماً، يملِكُ سبعَ سنين)(٤٠٤).
قال الحاكم (ت ٤٠٥ه) عند إخراجه الحديث: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. وتعليق الذهبي: عمران ضعيفٌ ولم يخرج له مسلمٌ(٤٠٥). وبعد النظر في رجال الأسانيد تبين أنَّ مدار الحديث في الإسناد الأول على عمران القطان، وجرى اختلاف أقوال الرجال فيه، فمنها جرحٌ ومنها تعديلٌ، إلا أنه تُوبِعَ(٤٠٦) بالأسانيد الأخرى(٤٠٧). وأنَّه كان من أخص النَّاس بقتادة وَكَانُوا يَقُولُونَ أنَّه يمِيل إليه إِلَّا إنَّهم لم يثبتوا عَلَيْهِ شَيْئاً(٤٠٨). وقد ذكر القنوجي (ت ١٣٠٧ه) بعض ما سبق من الجرح في عمران القطان ثم قال: ولكن ذلك كله لا ينافي الضبط والصدق الذي عليهما مدار الصحة والقوة(٤٠٩). وهكذا يتبين أن عمران القطان وإنْ كان يَهِم أحياناً، كما قال عنه البخاري في التاريخ الكبير: صدوق يهم، إلا أنه لم يَهِمْ في هذا الحديث بشهادة غيره له(٤١٠).
وابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ه) قال: (رواه أبو داود بإسناد جيد)(٤١١). وذكره السيوطي (ت ٩١١ه) في الجامع الصغير بالصحة(٤١٢). وقال الألباني: حسنٌ(٤١٣).
النتيجة: الحديث حسنٌ إن شاء الله تعالى لشواهده(٤١٤).
الحديث الثالث: في المستدرك على الصحيحين عن أبي سعيد الخدري (رض) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، قال: (يَخْرُجُ فِي آخِرِ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ يَسْقِيهِ اللهُ الْغَيْثَ، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَيُعْطِي الْمَالَ صِحَاحًا، وَتَكْثُرُ الْمَاشِيَةُ وَتَعْظُمُ الْأُمَّةُ، يَعِيشُ سَبْعًا أَوْ ثَمَانِيَ)(٤١٥). قال الحاكم (ت ٤٠٥ه): هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وتعليق الذهبي: صحيحٌ(٤١٦) وهو كما قال الذهبي، لأن رجاله كلهم ثقاتٌ على شرط الصحيح(٤١٧). صححه الألباني في سلسلته الصحيحة وقال: فهو إسنادٌ صحيحٌ كما تقدم عن الحاكم والذهبي. وبقية الطرق والشواهد قد خَرَّجتُها في (الروض النضير) تحت حديث ابن مسعود رقم (٦٤٧)(٤١٨). فبالنظر إلى ما تقدم من أحكام أرباب الحديث فيكون إسناده صحيحاً.
 الحديث الرابع: جاء في مسند أحمد بن حنبل، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): (يَكُونُ مِنْ أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ، فَإِنْ طَالَ عُمْرُهُ أَوْ قَصُرَ عُمْرُهُ عَاشَ سَبْعَ سِنِينَ، أَوْ ثَمَانيَ سِنِينَ، أَوْ تِسْعَ سِنِينَ، يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا، وَتُخْرِجُ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَتُمْطِرُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا)(٤١٩).
أخرجه نعيم بن حماد (المتوفى: ٢٢٨ه) في كتاب الفتن(٤٢٠). وأخرجه ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ه) في مصنفه(٤٢١).
وأخرجه البوصيري (المتوفى: ٨٤٠ه) في كتاب إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة(٤٢٢). ولهذا الحديث شواهدُ(٤٢٣) عدّةٌ منها، الحديث الثالث، سالف الذكر، والذي صححه الألباني والذهبي(٤٢٤).
ولهذا الحديث شاهدٌ أخرجه ابن ماجه (ت ٢٧٣ه) في السنن. بسنده: (... عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، قَالَ: يَكُونُ فِي أُمَّتِي الْمَهْدِيُّ إِنْ قَصَّرَ فَسَبْعٌ وَإِلَّا فَتِسْعٌ، فتَنْعَمُ فِيهِ أُمَّتِي نِعْمَةً لَمْ يَنْعَمُوا مِثْلَهَا قَطُّ، تُؤْتِي الْأَرْضُ أُكُلَهَا ولَا تَدَّخِرُ منْهُمْ شَيْئًا، وَالْمَالُ يَوْمَئِذٍ كُدُوسٌ يَقُومُ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي، فَيَقُولُ: خُذْ)(٤٢٥) أخرجه الحاكم (ت ٤٠٥ه) في المستدرك وسكت عنه الحاكم(٤٢٦) وأخرجه الداني (ت ٤٤٤ه) في السنن الواردة في الفتن(٤٢٧). وحسَّنه الألباني (ت ١٤٢٠ه)(٤٢٨).
وذكر البستوي، أنه بعد دراسة رجال السند - للحديث الرابع آنف الذكر - دراسةً وافيةً، تبيّن أنهم كلهم ثقاتٌ ما عدا (زيداً العَمِّيّ) وجمهور الأئمة على تضعيفه، إلا أنه ليس شديد الضعف بحيث يُترك حديثه، فهناك من وثقه، بل هو صالحٌ للاعتبار(٤٢٩).
حيث جاء حديثٌ آخرُ في سنن الترمذي، وفي طريقه زيدٌ العمي: (حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت زيداً العَمِّيَ قال: سمعت أبا الصديق الناجي يحدث عن أبي سعيد الخدري قال: خشينا أنْ يكون بعد نبينا حدثٌ فسألنا نبي الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) فقال: (إِنَّ فِي أُمَّتِي المَهْدِيَّ يَخْرُجُ يَعِيشُ خَمْساً أَوْ سَبْعاً أَوْ تِسْعاً) زَيْدٌ الشَّاكُّ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: (سِنِينَ) قَالَ: (فَيَجِيءُ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي) قَالَ: (فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ)(٤٣٠). حسّنه الترمذي والألباني، ومحقق السنن (أحمد محمد شاكر وآخرون): (قال أبو عيسى هذا حديث حسنٌ وقد روي من غير وجه عن أبي سعيد عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وأبو الصديق الناجي اسمه بكر بن عمرو ويقال بكر بن قيس، قال الشيخ الألباني: حسنٌ)(٤٣١).
فتكون النتيجة: الحديث حسنٌ لشواهده(٤٣٢).
الحديث الخامس: أخرج ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ه) (عن جابر قال قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ المهدي: تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَهمْ أَمِيرُ بَعْضٍ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ)(٤٣٣). وذكر ابن قيم في (المنار المنيف) سنده، بأنْ أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده. حيث قال: أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا إبراهيم بن عقيل عن أبيه عن وهبِ بن منبهٍ عن جابرٍ قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): وذكر الحديث. وقال ابن القيم: هذا إسنادٌ جيدٌ(٤٣٤).
وصححه الألباني قال: وهو كما قال ابن القيم، فإنَّ رجاله كلهم ثقاتٌ من رجال أبي داود(٤٣٥).
وذكر الحديث ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ه) في كتابه (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة) وقال: صَحَّ مَرْفُوعاً.(٤٣٦) كذلك ذكر الحديث وأمضاه واحتج به الشيخ عبد المحسن ابن العباد في رسائله المنشورة المعنونة (الرد على من كذب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي)(٤٣٧).
ولهذا الحديث شواهدُ من أحاديث أخرى بلفظٍ مختلفٍ، لا بأس بذكر أحدها، منها ما جاء في مسند أبي يعلى (المتوفى: ٣٠٧ه): (حَدَّثَنَا حَفْصٌ الْحُلْوَانِيُّ، حَدَّثَنَا بُهْلُولُ بْنُ مُوَرِّقٍ الشَّامِيُّ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَا تَزَالُ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ إِمَامُهُمْ: تَقَدَّمْ، فَيَقُولُ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بَعْضُكُمْ أُمَرَاءُ بَعْضٍ. أَمْرٌ أَكْرَمَ اللهُ بِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ)(٤٣٨).
الحديث السادس: في سنن ابن ماجه: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، وَأَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي أَسْمَاءَ الرَّحَبِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلَاثَةٌ، كُلُّهُمْ ابْنُ خَلِيفَةٍ، ثُمَّ لَا يَصِيرُ إلى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ تَطْلُعُ الرَّايَاتُ السُّودُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، فَيَقْتُلُونَكُمْ قَتْلًا لَمْ يُقْتَلْهُ قَوْمٌ. ثُمَّ ذَكَرَ شَيْئًا لَا أَحْفَظُهُ، فَقَالَ: فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًاً عَلَى الثَّلْجِ، فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ، الْمَهْدِيُّ)(٤٣٩).
أخرجه الحاكم (المتوفى: ٤٠٥ه) في المستدرك، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذهبي قال: على شرط البخاري ومسلمٍ(٤٤٠).
وأخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ه) في كتابه (الأربعون حديثاً في المهدي)(٤٤١).
وأخرجه أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ه) في سننه، بطريقٍ آخرَ، مدارُهُ(٤٤٢)على (عبد الرزاق). باختلاف بعض الألفاظ(٤٤٣). وأخرجه البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ه) في دلائل النبوة(٤٤٤).
وأخرجه ابن كثير الدمشقي (المتوفى: ٧٧٤ه) في البداية والنهاية(٤٤٥). وأخرجه البوصيري (المتوفى: ٨٤٠ه) في كتاب مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه(٤٤٦). وكما ذكره السيوطي (المتوفى: ٩١١ه) في الحاوي، في أخبار المهدي(٤٤٧). وأخرج ذيل الحديث، أحمد بن حنبل في مسنده(٤٤٨). وكذلك ابن الجوزي (المتوفى: ٥٩٧ه) في العلل المتناهية(٤٤٩).
ضعَّفه الألباني قال عنه منكر(٤٥٠)(٤٥١) هذا واستنكر الألباني متن الحديث، من أجل لفظ (خليفة الله) إذ قال: (وهذه الزيادة (خليفة الله) ليس لها طريقٌ ثابتٌ، ولا ما يصلح أنْ يكون شاهداً لها، فهي منكرةٌ ومن نكارتها أنه لا يجوز في الشرع أنْ يقال: فلان خليفة الله، لما فيه من إيهام ما لا يليق بالله تعالى من النقص والعجز والله تعالى لا يجوز له خليفة(٤٥٢))(٤٥٣).
رَمَزَ له السيوطي لهذا الحديث بالصحة(٤٥٤). ونقل تصحيح السيوطي، المناوي في فيض القدير(٤٥٥). وقد ضعَّفه الألباني لأجل عنعنة(٤٥٦) أبي قلابة، فأما اختلاط عبد الرزاق فلا يضر في صحة هذا الإسناد(٤٥٧). وقال الحاكم [عن الحديث السادس أعلاه المتقدم الذكر]: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، ووافقه الذهبي: على شرط البخاري ومسلمٍ(٤٥٨). وقال ابن كثير: تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ ماجه، وهذا إسنادٌ قويٌّ صحيحٌ(٤٥٩).
وقال البوصيري: هَذَا إِسْنَاد صَحِيحٌ رِجَاله ثِقَاتٌ(٤٦٠). وكذلك قال القرطبي في التذكرة: إسناده صحيح(٤٦١). والنتيجة لما تقدم يكون إسنادهُ صحيحاً.
الحديث السابع: روى أبو داود في السنن (حدَّثنا أحمد بن إبراهيم، حدَّثنا عبد الله بن جعفرٍ الرَّقيُّ، حدَّثنا أبو المليح الحسن بن عمر، عن زياد بن بيان، عن علي بن نُفيلٍ، عن سعيدِ بن المسيِّب عن أُمِّ سلمة، قالت: سمعتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: المهديُّ من عِترتي من ولَدِ فاطمة)(٤٦٢). وأخرجه نعيم بن حماد (المتوفى: ٢٢٨ه) في كتاب الفتن بطريقين، بلفظ (الْمَهْدِيُّ مِنْ وَلَدِ فَاطِمَةَ)(٤٦٣).
وأخرجه البخاري (المتوفى: ٢٥٦ه) في التاريخ الكبير، وقال عنه: وَفِي إسناده نَظَرٌ(٤٦٤). وبطريقٍ آخرَ للبخاري في التاريخ الكبير موقوفاً(٤٦٥) على سعيد بن المسيب(٤٦٦).
وأخرجه أبو الحسن الآبري (المتوفى: ٣٦٣ه) بنفس الطريق واللفظ، في كتابه (مناقب الإمام الشافعي) قال: ورواه سفيان الثوري، عن عاصم. ورواه فطرٌ، عن عاصمٍ، عن زر، عن عبد الله، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في ذكر المهدي. ورواه أيضاً زائدة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله(٤٦٧).
أخرجه ابن ماجه (المتوفى: ٢٧٣ه) في سننه(٤٦٨).
وأخرجه أبو علي القشيري، (المتوفى: ٣٣٤ه) بطريقين في كتابه (تاريخ الرقة ومن نزلها من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) والتابعين والفقهاء والمحدثين)(٤٦٩).
وأخرجه أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ه) بلفظٍ آخر في المعجم الكبير(٤٧٠).
وأخرجه الحاكم (المتوفى: ٤٠٥ه) في المستدرك(٤٧١).
وأخرجه الداني (ت ٤٤٤ه) في السنن الواردة في الفتن(٤٧٢).
وأخرجه البغوي الشافعي (المتوفى: ٥١٦ه) في شرح السنة، بَاب الْمَهْدِي(٤٧٣).
وأخرجه واستشهد به الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ه) في تذكرة الحفاظ(٤٧٤).
وأخرجه ابن كثير (المتوفى: ٧٧٤ه) في (النهاية في الفتن والملاحم)(٤٧٥).
هذا الحديث له طرقٌ كثيرةٌ تلتقي في أبي المليح الرقي. وإذا نظرنا إلى رجال الإسناد لا يوجد فيهم مغمزٌ، فكلهم من الذين يُحتج بأمثالهم لدى العلماء(٤٧٦).
أبو داود في سننه سكت عن الحديث، بمعنى أنَّ الحديث عنده صالحُ للاعتبار؛ فقد ورد في رسالته إلى أهل مكة في وصف سننه، وجواباً عن الحديث المسكوت عنه في سننه، قال: (ما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالحٌ وبعضها أصحُّ من بعضٍ وهذا لو وضعه غيري لقلت أنا فيه أكثر)(٤٧٧). ورمز له السيوطي بالصحة(٤٧٨).
وصرَّح القرطبي في التذكرة عن حديث ابن ماجه في المهدي: إسناده صحيحٌ، قال: بأنَّ حديث: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) هو أصح من حديث محمد بن خالد الجندي(٤٧٩).
حكم الألباني بصحته قال: صحيحٌ، جاء ذلك في سلسلة الأحاديث الضعيفة، عندما أثبت تكذيب حديث (المهدي من ولد العباس عمي) قال: ومما يدل على كذب هذا الحديث أنَّه مخالف لقوله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) عن سعيد بن المسيب عن أم سلمة مرفوعاً، وسنده سندٌ جيّدٌ رجاله كلهم ثقاتٌ، وله شواهدُ كثيرةٌ(٤٨٠). وينظر تصحيح الألباني أيضاً في كتابه صحيح وضعيف الجامع الصغير(٤٨١). وذكر تصحيحه في كتاب: مشكاة المصابيح(٤٨٢).
المطلب الثاني: أحاديثُ في المهديّ المنتظر، غيرُ مصرِّحةٍ باسمه:
هنا أحاديث لم تصرح باسم أو لفظ المهدي، لكنها تُفسَّر بالأحاديث الأخرى مجتمعةً، ولا سيَّما أنَّها ذكرها العلماء وأرباب الحديث في باب (ما جاء في المهدي المنتظر) وتحت هذا العنوان والمسمى.
الحديث الأول: ما أخرجه أبو داود: (... عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لو لم يبق من الدَّهر إلا يومٌ، لبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجُلاً من أهل بيتي يملؤها عدلاً كما مُلِئَت جَوْراً)(٤٨٣).
وأخرجه ابن أبي شيبة (المتوفى: ٢٣٥ه) في المصنف(٤٨٤).
وأخرجه أحمد بن حنبل (المتوفى: ٢٤١ه) في مسنده بلفظٍ آخرَ(٤٨٥).
وأخرجه البزار (المتوفى: ٢٩٢ه) في مسنده(٤٨٦).
وأخرجه الداني (ت ٤٤٤ه) في السنن الواردة في الفتن(٤٨٧).
هذا الحديث سكت عنه أبو داود في سننه، بمعنى أنَّ الحديث عنده صالح للاعتبار(٤٨٨)، وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط في تحقيقه سنن أبي داود إذ قال: (إسناده صحيحٌ. وقال العلامة العظيم آبادي، سنده حسن قوي)(٤٨٩). ورمز لهذا الحديث السيوطي بالحسن(٤٩٠).
وقال الذهبي في كتاب تلخيص العلل المتناهية: سنده صالح(٤٩١) وقال أحمد محمد شاكر: إسناداه صحيحان(٤٩٢).
وشعيب الأرنؤوط بتحقيقه مسند أحمد في الطريق الذي أخرجه في المسند قال: رجاله ثقات رجال الشيخين غير (فطر بن خليفة) فله حديثٌ واحدٌ عند البخاري مقروناً بغيره(٤٩٣).
وحكم الألباني بصحته قال: صحيحٌ(٤٩٤).
الحديث الثاني: وهذا الحديث أيضاً بهذا المتن شاهدٌ على الحديث السابق، أخرجه أبو داود عن طريق عبد الله بن مسعود (... عن النبيِّ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لا تذهب - أو لا تنقضي - الدُّنيا حتى يملك العربَ رجلٌ من أهل بيتي، يواطئُ اسمُه اسمي)(٤٩٥).
وأخرجه مسند أحمد بن حنبل (المتوفى: ٢٤١ه) بطريقين(٤٩٦).
وأخرجه الترمذي (المتوفى: ٢٧٩ه) في السنن(٤٩٧).
وأخرجه البزار (المتوفى: ٢٩٢ه) في مسنده، بطرقٍ أخرى(٤٩٨).
وأخرجه أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ه) في المعجم الكبير بعدةِ طرقٍ(٤٩٩).
وأخرجه ابن عدي (المتوفى: ٣٦٥ه) في الكامل في ضعفاء الرجال(٥٠٠).
وأخرجه الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ه) في كتاب (سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم)(٥٠١).
وأخرجه أبو عمرو الداني (المتوفى: ٤٤٤ه) في سننه، بأربعة طرقٍ وبألفاظٍ مختلفةٍ(٥٠٢).
وأخرجه الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ه) في تاريخ بغداد(٥٠٣).
وروى الحديث الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ه) في تذكرة الحفاظ(٥٠٤).
الحديث صححه الترمذي عندما أخرجه، وقال عنه: هذا حديث حسن صحيح(٥٠٥). وحكم له بأنَّه حسن ابن الجوزي في كتابه العلل المتناهية، قال: فأما طريق الترمذي فإسناد حسن(٥٠٦).
وصحح إسناده شعيب الأرنؤوط بتحقيقه السنن قال: صحيحٌ لغيره، وهذا إسناد حسنٌ من أجل عاصم - وهو ابن أبي النَّجود - فهو صدوقٌ حسنُ الحديث، وباقي رجاله ثقات(٥٠٧). وكذلك في تحقيقه مسند أحمد إذ قال: إسناده حسنٌ من أجل عاصم بن أبي النجود، وبقية رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين، عمر بن عبيد: هو الطنافسي.(٥٠٨)
وصحح إسناده محقق مسند أحمد بن حنبل (أحمد محمد شاكر) قال: إسناده صحيحٌ(٥٠٩). وذكره الألباني بالحُسن في كتاب مشكاة المصابيح(٥١٠) وصححه في صحيح الجامع الصغير(٥١١).
الحديث الثالث: في سنن الترمذي (... عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: يَلِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي)(٥١٢). وأخرجه أحمد في مسنده(٥١٣).
وحُكمُ الحديث: قال عنه الترمذي: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ(٥١٤).
وقال الألباني: حسن(٥١٥). وصححه المحقق أحمد محمد شاكر، قال: إسناده صحيحٌ(٥١٦).
الحديث الرابع: في صحيح ابن حبان (المتوفى: ٣٥٤ه) بإسناده: (... قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا لَيْلَةٌ، لَمَلَكَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بيتي اسمه اسمي)(٥١٧).
وأخرجه أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ه) في المعجم الكبير(٥١٨).
حكم الحديث: حسَّنَ المحقق شعيب الأرنؤوط إسناده، في تحقيقه صحيح ابن حبان: وهذا سندٌ حسنٌ(٥١٩). وقال الألباني: حسنٌ صحيحٌ(٥٢٠).
الحديث الخامس: جاء في الحديث (... عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا لَيْلَةٌ، لَمَلَكَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النبي).
أخرجه العَسْكرِيُّ، (المتوفى: بعد ٢٨٢ه) في مسند أبي هريرة(٥٢١).
وأخرجه ابن حبان (المتوفى: ٣٥٤ه) في صحيحه(٥٢٢).
وأخرجه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ه) في كتابه المسمى (الأربعون)(٥٢٣).
وأخرجه الداني، (ت ٤٤٤ه) في السنن الواردة في الفتن(٥٢٤).
وأخرجه الهيثمي (المتوفى: ٨٠٧ه) في كتاب موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان(٥٢٥).
حَكَمَ على الحديث، محققا كتاب موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، بأنَّه: إسناده حسنٌ(٥٢٦). وبعد دراسة سند الحديث بالتفصيل ظهر بأن: الحديث حسنٌ لشواهده(٥٢٧).
الحديث السادس: أخرج أبو القاسم الطبراني (المتوفى: ٣٦٠ه) في المعجم الكبير (عن عبد الله بن مسعود، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: يَلِي أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي آخِرِ زَمَانِهَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُوَاطِئُ اسْمُهُ اسْمِي)(٥٢٨).
وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ه) في كتاب أخبار أصبهان(٥٢٩).
وبعد دراسة رجال الحديث تبين أنه: إسناده حسنٌ(٥٣٠).
الحديث السابع: أخرج البخاري (المتوفى: ٢٥٦ه) في الصحيح. (أنَّ أبا هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)(٥٣١).
وأخرجه مسلم (المتوفى: ٢٦١ه) باللفظ نفسه، وبلفظٍ آخرَ: (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ)(٥٣٢). سيأتي في مبحثٍ لاحقٍ، بعد الجمع بين الأحاديث سيتبين بكلِّ وضوحٍ أنَّ الإمام المذكور في حديث البخاري ومسلمٍ، هو (الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
الحديث الثامن: في مسند أحمد بن حنبل (ت٢٤١ه): (حدثنا أبو النضر، حدثنا أبو معاوية شيبان، عن مطر بن طهمان، عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَجْلَى أَقْنَى، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا، كَمَا مُلِئَتْ قَبْلَهُ ظُلْمًا، يَكُونُ سَبْعَ سِنِينَ)(٥٣٣).
وأخرجه أبو يعلى الموصلي (المتوفى: ٣٠٧ه) بطريقٍ آخر، وبلفظٍ آخرَ: (عن أبي الصديق، عن أبي سعيد، عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لَيَقُومَنَّ عَلَى أُمَّتِي مِنْ أَهْلِ بَيْتِي أَقْنَى، أَجْلَى، يُوسِعُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا وُسِعَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ)(٥٣٤). وبطريقٍ ولفظٍ آخرَيْن (عن أبي سعيد الخدري، عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي...)(٥٣٥).
وأخرجه ابن حبان (المتوفى: ٣٥٤ه) بلفظٍ آخرَ في صحيحه(٥٣٦).
وأخرجه أبو نعيم الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ه) في كتاب أخبار أصبهان، بلفظٍ آخر: (لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُسْتَخْلَفَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، أَجْلى، أَقْنَى، يَمْلَأُ الْأَرْضَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ظُلْمًا، يكون سَبْعَ سِنِينَ)(٥٣٧).
والحديث الأول أعلاه الذي أخرجه أبو يعلى(ت ٣٠٧ه) ذكره الهيثمي (ت ٨٠٧ه) في كتاب المقصد العلي (باب ما جاء في المهدي).(٥٣٨) وأيضاً في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد.(٥٣٩) وقال: (رواه أبو يعلى وفيه عدي بن أبي عمارة، قال العقيلي: في حديثه اضطراب، وبقية رجاله رجال الصحيح)(٥٤٠).
حكم الحديث: صحيحٌ، قال المحقق شعيب الأرنؤوط: حديثٌ صحيحٌ دون قوله: (يكون سبع سنين)(٥٤١).
هذه بعض النماذج للأحاديث الواردة في هذا الشأن، وإلا فهي فائقةُ الكثرة، وهناك أيضاً أحاديثُ عن طريق أهل البيت، وآثارٌ أخرى عن الصحابة، لا مجال لذكرها وقد اقتصرت على ذكر الأحاديث الواردة عن الرسول الأكرم فقط. وهذا ما يثبت تواترها في الدلالة والمعنى، فإنَّ الحديث عندما يكون في كتبٍ متعدّدةٍ عند أرباب الحديث بطرقٍ مختلفةٍ، كما تقدم من كثرة من خرّجها وصحهها، واعتقد بوجوب الإيمان بها، فذلك يقوّي ويرفع درجة وقيمة تلك الأحاديث.
بعد ما تقدم يتبين الوهم أو الحقيقة حول ما قاله المستشرقون في محاولة منهم لطمس الحقائق الواضحة والترويج لإنكارها وتهميشها في عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر، بقولهم: - كما مرَّ آنفاً - لا يوجد ما يؤيدها من أحاديث، وحتى إنْ وجدت فهي من مخترعات وموضوعات الشيعة.
المبحث الثاني: أحاديث العقيدة المهدوية درجتها، رواتها، تخريجها:
المطلب الأول: تواتر الأحاديث:
الأحاديث في العقيدة المهدوية بتعدد طرقها وشواهدها، والتي تفوق حد الإحصاء، كافيةٌ لأثبات عقيدة الإيمان بالمهدي المنتظر، بل وتوكيدها وإطباق المسلمين على الإيمان بها، وذلك بشهادة العلماء الأعلام من المسلمين كافةً بتواترها، منهم:
١ - قال الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين الآبري (ت ٣٦٣ه) في كتابه (مناقب الشافعي): (وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بذكر المهدي وأنَّه من أهل بيته وأنَّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلاً وأنَّه يخرج مع عيسى ابن مريم، ويساعده في قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين وأنَّه يؤم هذه الأمة وعيسى يصلي خلفه)(٥٤٢).
٢ - القرطبي (ت ٦٧١ه) عندما أراد تصحيح أحاديث المهدي المنتظر، مقارنةً بأحاديثَ أخرى قال: (والأحاديث عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في التنصيص على خروج المهدي من عترته من ولد فاطمة ثابتةٌ أصحُّ من هذا الحديث فالحكم لها دونه)(٥٤٣). وكذلك أيَّدَ ونقل كلام الآبري بالتواتر(٥٤٤)، وكذلك صرَّح بتواترها في تفسيره الآية ٣٣ من سورة التوبة ﴿هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المُشرِكُونَ﴾(٥٤٥). إذ قال: (الأخبار الصحاح قد تواترت على أنَّ المهدي من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)(٥٤٦).
٣ - وكذلك أبو الحجاج المزي (ت ٧٤٢ه) قد أقرّ قولَ الآبري أعلاه، وارتضاه في كتابه تهذيب الكمال.(٥٤٧)
٤ - ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ه) كذلك ذكر كلام الآبري وأقرَّه وذكر قسماً من الأحاديث وبعدها قسَّمها وقال: وهذه الأحاديث أربعة أقسامٍ صحاحٌ وحِسانٌ وغرائبُ وموضوعةٌ(٥٤٨).
٥ - ابن حجر العسقلاني، (المتوفى: ٨٥٢ه) أيضاً استشهد بكلام الآبري في كتاب تهذيب التهذيب(٥٤٩).
٦ - والسخاوي (المتوفى: ٩٠٢ه) في كتابه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) ضمن عنوان فرعيٍّ: (الأحاديث المتواترة) ذكر الأحاديث الموصوفة بالتواتر، ومنها قال: (حديث المهدي).(٥٥٠)
٧ - السيوطي (ت ٩١١ه) قال بتواتر الأحاديث في ذات الشأن، وكذلك نصَّ ونقل قول الآبري بالتواتر في كتابه، (العَرْفُ الوَرْدِي في أخبار المَهْدِي)(٥٥١). وكذلك (نص [السيوطي] على تواتر أحاديث المهدي... في الفوائد المتكاثرة في الأحاديث المتواترة، وفي اختصاره المسمى بالأزهار المتناثرة وغيرهما من كتبه)(٥٥٢).
٨ - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ه) في كتابه (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) قال: والأحاديث الثابتة التصريح بأنَّه من عترته، من ولد فاطمة، واستشهد بقول الآبري بأنَّ الأحاديث متواترة في ذلك(٥٥٣). وأيضاً في كتابه (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة).(٥٥٤)
٩ - مرعي بن يوسف الحنبلي (ت ١٠٣٣ه) قال بتواتر أحاديث المهدي المنتظر، في كتابه (فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر) واستشهد على ذلك بقول الآبري وذكره نصّاً(٥٥٥).
١٠ - البرزنجي محمد بن عبد رسول (ت ١١٠٣ه) صرَّح بالتواتر، في كتابه (الإشاعة لأشراط الساعة) قال: (الباب الثالث في الأشراط العِظام والأمارات القريبة التي تعقبها الساعة، وهي كثيرةٌ، فمنها المهدي، وهو أولها، واعلم أنَّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها لا تكاد تنحصر)(٥٥٦).
وقال أيضاً: (أحاديث وجود المهدي، وخروجه آخر الزمان، وأنَّه من عترة رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، ومن ولد فاطمة رضي الله عنها، بلغت حد التواتر المعنوي، فلا معنى لإنكارها)(٥٥٧).
وقال في موضعٍ آخرَ: (وغاية ما ثبت بالأخبار الصحيحة الصريحة الكثيرة الشهيرة التي بلغت التواتر المعنوي، وجود الآيات العظام التي منها، بل أولها خروج المهدي، وأنَّه يأتي في آخر الزمان من ولد فاطمة رضي الله عنها يملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماَ)(٥٥٨).
١١ - الشيخ محمد بن قاسم جَسُّوس (ت ١١٨٢ه) نقل الكتاني في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) تصريحه بالتواتر(٥٥٩).
١٢ - ونقل الكتاني، تصريحَ أبي علاء العراقي (ت ١١٨٣ه) بالتواتر قال: (وفي تأليف لأبي العلاء إدريس بن محمد بن إدريس الحسين العراقي في المهدي هذا أنَّ أحاديثه متواترةٌ أو كادت، قال: وجزم بالأول غيرُ واحدٍ من الحُفّاظ النُّقّاد)(٥٦٠).
 ١٣ - وممن نصَّ على التواتر، السفاريني (محمد بن أحمد بن سالم) (ت ١١٨٨ه) ما نصّه: (وقد كثرت بخروجه الروايات حتى بلغت حد التواتر المعنوي وشاع ذلك بين العلماء حتى عُدَّ من معتقداتهم... وقد روي عمن ذكر من الصحابة وغير من ذكر منهم رضي الله عنهم برواياتٍ متعدّدةٍ وعن التابعين من بعدهم ما يفيد مجموعُهُ العلمَ القطعي، فالإيمان بخروج المهدي واجب كما هو مقرر عند أهل العلم ومدون في عقائد أهل السنة والجماعة وكذا عند أهل الشيعة)(٥٦١).
 ١٤ - وللقاضي العلامة الشوكاني (محمد بن علي بن محمد بن عبد الله المتوفى ١٢٥٠ه) رسالة سَمَّاها (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح)، قال فيها: (والأحاديث الواردة في المهدي التي أمكن الوقوف عليها، منها خمسون حديثًا، فيها الصحيح والحسن والضعيف المنجبر، وهي متواترةٌ بلا شكٍّ ولا شبهةٍ، بل يصدق وصف التواتر على ما دونها على جميع الاصطلاحات المحررة في الأصول، وأما الآثار عن الصحابة المصرحة بالمهدي فهي كثيرةٌ أيضًا لها حكم الرفع، إذ لا مجال للاجتهاد في مثل ذلك)(٥٦٢).
 وقال أيضاً: (فتقرر أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترةٌ والأحاديث الواردة في الدجال متواترة، والأحاديث الواردة في نزول عيسى ابن مريم متواترةٌ)(٥٦٣).
 ١٥ - الشبلنجي مؤمن بن حسن (ت بعد ١٣٠٨ه) صرّح بأنَّه: تواترت الأخبار عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنَّ المهدي المنتظر، من أهل بيته وأنَّه يملأ الأرض عدلاً(٥٦٤).
١٦ - القنوجي البخاري محمد صديق حسن (ت ١٣٠٧ه) فقال في كتابه (الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة) في باب الفتن التي تعقبها الساعة: (منها: المهدي الموعود المنتظر الفاطمي، وهو أولها، والأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرةٌ جدّاً، تبلغ حد التواتر، وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد)(٥٦٥).
وقال أيضاً بعدما نقل عدة أحاديث يستشهد بها: (هذه جملة الأحاديث التي خرَّجها الأئمة في شأن المهدي، وهي كما رأيت يقوّي بعضها بعضاً... لا شكَ في أنَّ المهدي يخرج في آخر الزمان من غير تعيين لشهرٍ وعامٍ، لما تواتر من الأخبار في الباب، واتفق عليه جمهور الأمة سلفاً عن خلف إلا من لا يُعتَدُّ بخلافه)(٥٦٦).
١٧ - قال التويجري (الشيخ العالم العلامة أبو عبد الله حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن المتوفى: ١٤١٣ه) في كتابه (الاحتجَاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر): إنَّ خروج المهدي في آخر الزمان من أمور الغيب، التي أخبر بها رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وليس ذلك مجرد فكرةٍ فإنَّ الأمور الغيبية لا تدرك بالأفكار، وإنَّما تُعلم بخبر الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إنْ هو إلا وحيٌ يوحى. فالإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان داخلٌ في ضمن الإيمان بأنَّ محمدًا رسول الله، ومن لم يؤمن بما ثبت عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، ما جاء من أنباء الغيب، فلا شك أنه لم يحقق الشهادة بالرسالة. وإنَّ العقائد الصحيحة إَّنما تؤخذ من الكتاب والسنة، فكل ما جاء في الكتاب والسنة من أنباء الغيوب الماضية والآتية، فالإيمان به واجبٌ، ومن ذلك الإيمان بخروج المهدي في آخر الزمان، لأنَّه قد ثبت عن النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) أنَّه أخبر بخروجه، فمن لم يؤمن بخروجه فهو مخالفٌ لعقيدة المسلمين(٥٦٧).
١٨ - الكتَّاني محمد بن جعفر، (المتوفى: ١٣٤٠ه) في كتابه (نظم المتناثر من الحديث المتواتر) حيث أورد الأحاديث ما يمكن إيراده من الأحاديث المتواترة فأورد: تحت عنوان (خروج المهدي الموعود المنتظر الفاطمي) وذكر الصحابة الذين نقلوا الأحاديث والكتب والسنن التي خرَّجتها، واستشهد على التواتر بذكر أقوال العلماء الآبري، والسفاريني، والسخاوي، والشوكاني، وأبي العلاء إدريس بن محمد العراقي، وابن حجر الهيتمي، وغيرهم وقال: بأنَّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرةٌ جدّاً تبلغ حد التواتر، فإنكارها مع ذلك مما لا ينبغي والأحاديث يشد بعضها بعضاً ويتقوى أمرها بالشواهد والمتابعات، والحاصل أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر متواترةٌ وكذا الواردة في الدجال وفي نزول سيدنا عيسى ابن مريم(٥٦٨).
١٩ - ناصر الدين الألباني (المتوفى: ١٤٢٠ه) قال في مقال في مجلة التمدن الإسلامي، عنوانه: (حول المهدي): (وأما مسألة المهدي فليعلم أنَّ في خروجه أحاديثَ كثيرةً صحيحةً، قسمٌ كبيرٌ منها له أسانيدُ صحيحةٌ. وأنا موردٌ هنا أمثلةً منها، ثم معقباً ذلك بدفع شبهة الذين طعنوا فيها)(٥٦٩)، ثم ذكر أمثلةً من الأحاديث، ومن آراء العلماء بتواترها، ثم قال: (والأحاديث الواردة في المهدي على اختلاف رواياتها كثيرةٌ جدّاً تبلغ حدَّ التواتر وهي في السنن وغيرها من دواوين الإسلام من المعاجم والمسانيد)(٥٧٠)، وبعد مناقشةٍ لأقوال منكري الأحاديث ومحاولة الرد عليها قال: (وخلاصة القول أنَّ عقيدة خروج المهدي عقيدةٌ ثابتةٌ متواترةٌ عنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يجب الإيمان بها لأنها من أمور الغيب)(٥٧١).
المطلب الثاني: سردٌ بأسماء الرواة والتخريج:
أوّلاً: أسماء الذين رووا أحاديث المهديّ المنتظر، عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من أهل بيت النبيّ والصحابة(٥٧٢):
بحسب وفياتهم:
١ - فاطمة الزهراء (عليها السلام) (ت ١١ه).
٢ - ومعاذ بن جبل (ت ١٨ه).
٣ - وقتادة بن النعمان (ت ٢٣ه).
٤ - وأبو ذر الغفاري (ت ٣٢ه).
٥ - وعبد الرحمن بن عوف (ت ٣٢ه).
٦ - وعبد الله بن مسعود (ت ٣٢ه).
٧ - والعباس بن عبد المطلب (ت ٣٢ه).
٨ - وعثمان بن عفان (ت ٣٥ه).
٩ - وسلمان الفارسي (ت ٣٥ أو ٣٦ه).
١٠ - وطلحة بن عبد الله (ت ٣٦ه).
١١ - حذيفة بن اليمان (ت ٣٦ه).
١٢ - عمار بن ياسر (استشهد سنة ٣٧ه).
١٣ - والإمام علي (عليه السلام) (استشهد سنة ٤٠ه).
١٤ - والإمام الحسن السبط (عليه السلام) (استشهد سنة ٥٠ه).
١٥ - وتميم الداري (ت ٥٠ه).
١٦ - وعبد الرحمن بن سمرة (ت ٥٠ه).
١٧ - ومجمع بن جارية (ت ٥٠ه).
١٨ - عمران بن حصين (ت ٥٢ه).
١٩ - وأبو أيوب الأنصاري (ت ٥٢ه).
٢٠ - وثوبان مولى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (ت ٥٤ه).
٢١ - أم المؤمنين عائشة زوج النبي بنت أبي بكر (توفيت في أواخر سنة ٥٧ه أو أوائل ٥٨ه) .
٢٢ - وأبو هريرة (توفي في أواخر سنة ٥٧ه أو أوائل ٥٨ه).
٢٣ - والإمام الحسين السبط الشهيد (عليه السلام) (استشهد سنة ٦١ه).
٢٤ - أم المؤمنين أم سلمة (ت ٦٢ه).
٢٥ - وعلقمة بن قيس بن عبد الله (ت ٦٢ه).
٢٦ - وعبد الله بن عمرو بن العاص (ت ٦٥ه).
٢٧ - وعبد الله بن عباس (ت ٦٨ه).
٢٨ - وزيد بن أرقم (ت ٦٨ه).
٢٩ - وعوف بن مالك (ت ٧٣ه).
٣٠ - وعبد الله بن عمر بن الخطاب (ت ٧٣ وقيل ٧٤ه).
٣١ - وأبو سعيد الخدري (ت ٧٤ه).
٣٢ - وجابر بن سمرة (ت ٤٧ه).
٣٣ - وجابر بن عبد الله الأنصاري (ت ٧٨ه).
٣٤ - وعبد الله بن جعفر الطيار (ت ٨٠ه).
٣٥ - وأبو أمامة الباهلي (ت ٨١ه).
٣٦ - وبشر بن المنذر بن الجارود (ت ٨٣ه) وقد اختلفوا فيه فقيل جدُّ الراوي الجارود بن عمرو (ت ٢٠ه).
٣٧ - وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي (ت ٨٦ه).
٣٨ - وسهل بن سعد الساعدي (ت ٩١ه).
٣٩ - أنس بن مالك (ت ٩٣ه).
٤٠ - وأبو الطفيل (ت ١٠٠ه).
٤١ - وغيرهم ممن لم أقف على تاريخ وفياتهم: أبو الجحاف.
٤٢ - أبو سلمى راعي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اسمه حريث.
٤٣ - وأبو ليلى: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري.
٤٤ - وأبو وائل، شقيق بن سلمة الأسدي.
٤٥ - وحذيفة بْن أسيد بْن خَالِد بْن الأغوس بْن الوقيعة بْن حرام بن غفار بن مليل، أبو صريحة الغفاري.
٤٦ - وأبو قتادة الأنصاري، اسمه الحارث بْن ربعي بْن بلدمة بْن خناس بن عبيد بن غنم بْن كعب بْن سلمة بْن سعد الأنصاري الخزرجي السلمي. فارس رَسُول اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
٤٧ - وزر بن عبد الله، بن كليب الفقيميّ.
٤٨ - وعبد الله بن أبي أوفى، اسمه علقمة بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد بن رفاعة بن ثعلبة بن هوازن بن أسلم الأسلمي.
٤٩ - والعلاء بن الحضرميّ، عبد الله بن ضمار بن مالك.
٥٠ - وعلي الهلالي.
٥١ - وقرة بن إياس. بن هلال بن رياب المزني، جد إياس بن معاوية القاضي.
٥٢ - وجابر بن ماجد الصدفي.
٥٣ - وعمرو بن مرة الجهني أبو مريم الفلسطيني الأزدي(٥٧٣).
ثانياً: أسماء من خرّجَ أحاديث المهدي المنتظر، وبعض من صرَّحَ بصحتها:
ما يدلّ على اهتمام جميع المسلمين بالقضية المهدوية، لا فئةٍ معيّنةٍ مختّصةٍ، وأنَّها تشغل حيزاً واسعاً من الساحة الإيمانية والعقائدية، وليست هي من الأمور الثانوية ومن الترف الفكري أو الترف الحديثي - إن جازَ التعبير -:
١ - عبد الرزاق الصنعاني (ت ٢١١ه) في مصنفه.
٢ - نعيم بن حماد (ت ٢٢٨ه) في كتابه الفتن.
٣ - ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ه) في المصنف في الأحاديث والآثار.
٤ - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ه) في المسند.
٥ - البخاري، محمد بن إسماعيل (المتوفى: ٢٥٦ه) في كتابه (التاريخ الكبير) وسيأتي لاحقاً بأنَّه خرَّجَ في صحيح البخاري، لكن بالوصف دون التصريح بالمهدي المنتظر.
٦ - ابن ماجه (ت ٢٧٣ه) في سننه.
٧ - أبو داود (ت ٢٧٥ه) في سننه.
٨ - الحارث بن أبي أسامة (المتوفى: ٢٨٢ه) في مسنده (بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث).
٩ - البزار، أبو بكر أحمد بن عمرو (المتوفى: ٢٩٢ه) في مسنده (مسند البزار المشهور باسم البحر الزخار)
١٠ - الترمذي (ت ٢٧٩ ه) قال عن ثلاثة أحاديث في الإمام المهدي: هذا حديث حسن صحيح. وقال عن حديث رابع: هذا حديث حسن.
١١ - أبو يعلى الموصلي (ت ٣٠٧ه) في مسنده (مسند أبي يعلى).
١٢ - الحافظ أبو جعفر العقيلي (ت ٣٢٢ ه) أورد حديثاً ضعيفاً في الإمام المهدي ثم قال: وفي المهدي أحاديث جياد من غير هذا الوجه بخلاف هذا اللفظ.(٥٧٤)
١٣ - ابن حبان (ت ٣٥٤ه) في صحيحه.
١٤ - أبو القاسم الطبراني (ت ٣٦٠ه) في المعجم الكبير.
١٥ - علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥ه) في كتابه (الأفراد).
١٦ - الخطابي البستي أبو سليمان حمد بن محمد (ت ٣٨٨ه) في كتابه معالم السنن في شرح كتاب السنن.
١٧ - الحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥ه) في (المستدرك على الصحيحين) وكتاب (سؤالات مسعود بن علي السجزي) قال عن أربعة أحاديث: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وعن ثلاثة أحاديث: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وعن ثمانية أحاديث: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
١٨ - الحافظ أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠ه) في كتبه: (الأربعون) و(دلائل النبوة) و(حلية الأولياء) و(تاريخ أصبهان).
١٩ - أبو عمرو الداني (ت ٤٤٤ه) في (السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها).
٢٠ - البيهقي (ت ٤٥٨ ه) في كتابه (دلائل النبوة).
٢١ - الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ه) في (تاريخ بغداد) وكتاب (تلخيص المتشابه في الرسم).
٢٢ - الديلمي، الحافظ شيرويه بن شهردار (ت ٥٠٩ه) في كتابه (فردوس الأخبار).
٢٣ - البغوي (ت ٥١٦ه) في مصابيح السنة، أخرج حديثاً في المهدي في فصل الصحاح، وخمسة أحاديث فيه أيضاً في فصل الحسان من كتابه (مصابيح السنة).
٢٤ - ابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦ ه) في كتاب (جامع الأصول في أحاديث الرسول).
٢٥ - محيي الدين بن عربي (ت ٦٣٨ه) في (الفتوحات المكية).
٢٦ - محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ه) في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول).
٢٧ - ابن الجوزي شمس الدين الحنفي (ت ٦٥٤ه) في كتابه (تذكرة الخواص).
٢٨ - الحافظ المنذري الشافعي عبد العظيم بن عبد القوي (ت ٦٥٦) في كتابه (مختصر سنن أبي داود).
٢٩ - الكنجي الشافعي أبو عبد الله محمد بن يوسف (ت ٦٥٨ه) في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام). قال عن حديثٍ أخرجه الترمذي وصححه في المهدي المنتظر: هذا حديثٌ صحيحٌ، وعن آخر مثله، وقال عن حديث: (المهدي مني أجلى الجبهة): هذا الحديث ثابتٌ حسنٌ صحيحٌ، وقال عن حديث: (المهديّ حقٌّ وهو من ولد فاطمة): هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
٣٠ - يوسف بن يحيى السلمي الشافعي (ت بعد ٦٥٨ه) في كتابه (عقد الدرر في أخبار المهدي المنتظر)
٣١ - القرطبي المالكي (ت ٦٧١ه) في كتاب (التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة) وهو من القائلين بالتواتر. كما تقدم، وإنَّه قال عن حديث ابن ماجه في المهدي: إسناده صحيح مصرحا بأنَّ حديث: (المهدي من عترتي من ولد فاطمة) هو أصح من حديث محمد بن خالد الجندي.
٣٢ - الحافظ محب الدين أحمد بن عبد الله الطبري المكي الشافعي (ت ٦٩٤ه) في كتابه (ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى).
٣٣ - ابن تيمية الحراني (ت ٧٢٨ه) في كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) في معرض رده على أحد العلماء قال: (فصلٌ: وأما الحديث الذي رواه عن ابن عمر عن النبي - (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) (يخرج في آخر الزمان رجل من ولدي، اسمه كاسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً، وذلك هو المهدي) فالجواب: أنَّ الأحاديث التي يحتج بها على خروج المهدي أحاديث صحيحة، رواها أبو داود، والترمذي، وأحمد، وغيرهم، من حديث ابن مسعود وغيره)(٥٧٥).
٣٤ - المحدث الكبير إبراهيم بن محمد الجويني الخراساني (ت٧٣٢ه) في كتابه (فرائد السمطين).
٣٥ - الشيخ محمد بن عبد الله الخطيب العمري التبريزي (ت ٧٤١ه) في كتابه (مشكاة المصابيح) بتحقيق الألباني.
٣٦ - الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ ه) في كتاب (تلخيص المستدرك على الصحيحين) سكت عن جميع ما صححه الحاكم في مستدركه من أحاديث المهدي مصرحاً بصحة حديثين، وسكوته قد يكون إشارة إلى موافقته لما صححه الحاكم؛ لأنه كثيراً ما يعلق ويردُّ الأحاديث إذا لم يوافق التصحيح.
٣٧ - الحافظ ابن القيم الجوزية (ت ٧٥١ه) في كتاب (المنار المنيف في الصحيح والضعيف) اعترف بحسن بعض أحاديث المهدي وصحة بعضها الآخر بعد أنْ أورد جملة منها، وابن القيم من القائلين بتواترها.
٣٨ - ابن كثير (ت ٧٧٤ه) في كتاب (النهاية أو الفتن والملاحم) قال عن سند حديث: وهذا إسناد قوي صحيح، ثم نقل حديثاً عن ابن ماجه وقال: وهذا حديث حسن.
٣٩ - التفتازاني، سعد الدين (ت ٧٩٣ه) في كتاب (شرح المقاصد) قال: (مما يلحق بباب الإمامة بحث خروج المهدي ونزول عيسى (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وهما من أشراط الساعة وقد وردت في هذا الباب أخبار صحاح)(٥٧٦).
٤٠ - الهيثمي نور الدين (ت ٨٠٧ه) في كتاب (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد) وكتاب (موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان) أورد جملة من الأحاديث في المهدي واعترف بصحتها ووثاقة رواتها.
٤١ - نور الدين علي بن محمد المعروف (ابن الصباغ المالكي) في كتابه (الفصول المهمة في معرفة أحوال الأئمة (عليهم السلام)).
٤٢ - السيوطي جلال الدين (ت ٩١١ه) في كتاب (العرف الوردي في أخبار المهدي) رمز لبعض الأحاديث الواردة في المهدي بعلامة (صح) أي: صحيحٌ، ولبعضها الآخر بعلامة (ح) أي: حسنٌ.
٤٣ - عبد الوهاب الشعراني (ت ٩٧٣ه) في كتاب (اليواقيت والجواهر).
٤٤ - ابن حجر الهيتمي (ت ٩٧٤ه) في كتبه: (الصواعق المحرقة) و(الفتاوى الحديثية) و(القول المختصر في علامات المهدي المنتظر).
٤٥ - المتقي الهندي (ت ٩٧٥ه) في كتاب (كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال) وكتابه (البرهان في علامات مهدي آخر الزمان).
٤٦ - المناوي (ت ١٠٣١ه) في (فيض القدير).
٤٧ - البرزنجي، محمد رسول (ت ١١٠٣ه) في كتابه (الإشاعة لأشراط الساعة).
٤٨ - الشوكاني (ت ١٢٥٠ه) في رسالة سَمَّاها (التوضيح في تواتر ما جاء في المهدي المنتظر والدجال والمسيح).
٤٩ - القندوزي الحنفي (ت ١٢٧٠ه) في (ينابيع المودة).
٥٠ - القنوجي البخاري محمد صديق حسن (ت ١٣٠٧ه) في كتابه (الإذاعة لما كان ويكون بين يدي الساعة).
فهذه بعض النماذج للذين خرَّجوا، أوردتها فقط للتعرف على مدى اهتمام علماء المسلمين بهذه المفردة الإيمانية العقدية، وإلا فإنَّ إحصاءهم يفوق هذا العدد بكثير. والإيمان بما ورد من صحة تلك الأحاديث والعمل بها واجبٌ دينيٌّ وشرعيٌّ، بما تضمنته الآية القرآنية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾(٥٧٧) من الأخذ وإطاعة الرسول الأكرم وتطبيق التعاليم القرآنية والحديثية على حدٍّ سواءٍ.
وهناك قائمةٌ أخرى بأسماء من احتج بأحاديث المهدي المنتظر، في مقابل من أنكرها، وهناك قائمةٌ طويلةٌ للذين أفردوا مسألة المهدي بالتأليف من العلماء(٥٧٨)، وقائمةٌ أخرى وأخرى بالمؤلفات التي كتبت في ذات الشأن من العلماء كافة، عدَّها السيوطي إلى تسعة عشر بعد المائة.(٥٧٩) وهناك قائمة طويلة بنصوص أهل العلم والعلماء الأعلام في إثبات حقيقة المهدي الموعود المنتظر(٥٨٠).
وهناك آثارٌ صحيحة كثيرة مع الأحاديث المتقدمة الذكر، نقلتها المصنفات المعتبرة،(٥٨١) لكن المقام لا يسع، فيكتفى هنا بما تقدم من الأحاديث بشواهدها ومتابعاتها وعدد وتنوع من خرَّجها من العلماء الأعلام.
وهناك الأحاديث والآثار في الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، التي جاءت عن طريق أهل بيت النبي والسلسلة الذهبية لأئمة الهدى المتصلة بالرسول الأكرم، بقولهم: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، إلى أنْ يصل سنده إلى النبي الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم). حيث جاء في الكافي الشريف بإسناده: (... سمعنا أبا عبد الله [الصادق] (عليه السلام) يقول: حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وحديث رسول الله قول الله (عزَّ وجلَّ))(٥٨٢).
بعد هذا العرض لأحاديث المهدي المنتظر وصحتها وتواترها، وإنْ كان عرضاً مجملاً، إلا أنه وافٍ بحد ذاته، فتفصيله يحتاج إلى عدة مجلدات، فبعد هذا العرض يثبت زيف آراء المستشرقين التي تحاول إثبات إنكار هذه الحقيقة الناصعة وجعلها ظلاماً دامساً لا بياض فيه، عندما يقول أحدهم وهو غولدتسيهر ليصور هذه العقيدة مجرد أحلامٍ وآمالٍ واهيةٍ بقوله: (على أنه قد تبين أنَّ الاحتكام إلى الله أو ترك الأمر لله الذي كان يتمثل في اللعنات التي كان يصبها الأتقياء والمتذمرون على الأمويين، وكان من الأسلحة التي لا تجدي فتيلاً. على أنه مهما يكن، فقد كانوا يرون أن ما أَذِنَ الله به أنْ يكون، لا يمكن أنْ يعترض عليه الإنسان، وإذًا فلا يسع المرء إلا أنْ يضع رجاءه في الله الذي سيحكم يوماً ما العالم المليء بالمظالم والآثام. وتلك هي الآمال الصامتة التي خرجت منها فكرة المهدي، التي وفقت بين الواقع والمثل الأعلى، وبدأ على أثرها الاعتقاد الراسخ في ظهور حاكمٍ إلهيٍّ يوجهه الله توجيهاً حسناً).(٥٨٣)
وكذلك نجد (فلوتن) يعزو ذلك إلى تأثر الروح والشخصية الشرقية، ومدى الدور الذي يحتله عامل التنبؤ والتنجيم، وبكل ما له علاقة باستكشاف الغيب والمستقبل المجهول؛ لذا كان الاعتقاد بالمخلِّص والمنقذ موائمًا لتلك الطبيعة، الصادرة عن الجهل واللاوعي.(٥٨٤) وهذا بالحقيقة يُعدُّ نوعاً من الإسقاط النفسي على قراءة وتصور الأحداث التاريخية.
ومما يكشف ضحالة ما يُصَوِّرُه المستشرقون للعالم، ما يسمى (بالمنهج العلمي) الذي يعتمدونه، والذي يعدُّونه لا نظير له في دراساتهم، عندما يعزو أحدهم مثلا أغلب الأحداث الإسلامية إلى مجرد تنبؤات، وقد صدقت بالفعل من باب المصادفة قد تكون ليس إلا، بقوله: فأكثر الأحداث والمعلومات هي عبارةٌ عن تنبؤاتٍ متناثرةٍ، كرجلٍ من ثقيف وهو الحجاج، ومقتل رجلٍ يستحل حرمة الكعبة وهو زيد حفيد الحسين، ومعظم أصحاب هذه التنبؤات كانوا في الأصل على اليهودية أو المسيحية، أو اقتبسوها عن اليهود والمسيحيين، كما تنبأ يهوديٌّ (رأس الجالوت) بموت الحسين حفيد الرسول، وأنَّ المهدي الموعود إحدى تلك التنبؤات المهمة التي قد تتحقق أو لا.(٥٨٥)
في الواقع الأحداث التي أطلق عليها «تنبؤاتٍ»، لا يوجد لها مصدرٌ أساساً، بل هي من نسج خياله، نعم توجد علاماتٌ قبل ظهور المهدي المنتظر إلا أنها تختلف عمَّا ذكره المستشرق، ويُذكر أنَّ الاختلاف بين طوائف المسلمين، حول طبيعة شخصية المهدي المنتظر (عليه السلام)، وهل أنه غائبٌ الآن وسيظهر، أو أنه سيولد في ما بعد، لا يؤثر في حقيقة الإيمان بالإمام المهدي (عليه السلام) وبأصل العقيدة الإيمانية المهدوية، وهناك إجاباتٌ في مبحثٍ لاحقٍ على بعض هذه الإشكالات.
المبحث الثالث: إشكاليتان حول أحاديث المهدي المنتظر:
المطلب الأول: المستشرقون وإشكالية عدم ذكر المهدي المنتظر في صحيحي البخاري ومسلم:
بعد أنْ حاول بعض المستشرقين إنكار وإلغاء حقيقة اعتقاد المسلمين بخروج مهديٍّ في آخر الزمان يقيم العدل والقسط، عن طريق إثارة شبهة أنَّ خبره لم يَرِد ذكره في الأحاديث الصحيحة المعتمدة، أو أنَّ خبره ذُكرَ، لكن في أحاديثَ موضوعةٍ مختلَقةٍ، وقد ثبت غير ذلك بوجهٍ قاطعٍ كما هو سالفٌ.
هنا حاول بعضٌ آخرُ منهم، أنْ يقول بأنَّ الأحاديث وإنْ وُجدت، إلا أنها لم تُذكر في الكتب الرصينة المعتمدة والشديدة في تحري الصحيح منها، كما قال غولدتسيهر، وقد تكون إشارةً منه إلى صحيحَيْ مسلم والبخاري، بأنَّهما لم يُصرَّح فيهما بذكرِ المهدي المنتظر بوجه الخصوص عندما يقول: (وقد خاض الحديث في موضوع هذه العقيدة التي كثر نقاش المسلمين فيها، ونُسِبَت للرسول أحاديثُ صَوَّر فيها على وجه الدقة الصفات الشخصية التي يتصف بها منقذ العالم الذي وعد به في آخر الزمان. على أنها [الأحاديث] لم تجد في الحقيقة منفذاً تتسرب منه إلى مصنفات الحديث الصحيحة المتشددة في ضبط الرواية، ولكن أخرجتها الكتب الأخرى التي كانت أقل تشدداً في صحة تخريج الأحاديث)(٥٨٦).
تحرير محل الإشكال:
محل الإشكال، هو أنَّ كلَّ قضيةٍ إيمانيةٍ، عقديةً كانت أو حتى فقهيةً لم تُذكر في الصحيحين، أو كل حديث لم يُذكر فيهما، تكون تلك المفردة وذلك الحديث محل نظرٍ وشكٍّ ويجب التوقف عندها.
فيكون معنى قول المُشكِل (المستشرق): ما دامت أحاديث المهدي المنتظر، لم ترد ولم تُذكر في الصحيحين المزبورين، يكون العمل بها غيرَ ملزمٍ وغيرَ صحيحٍ ولا تنعقد عليها أيُّ آثارٍ عقديةٍ وعمليةٍ، حتى وإنْ وجدت في مصنفاتٍ حديثيةٍ غيرها. وهذا - أي عدم وجود ذكرٌ لها في الصحيحين - مما يدل على عدم صحة تلك الأحاديث عند البخاري ومسلمٍ.
الجواب:
لا يمكن أنْ يصح ذلك، إذا عُممت هذه القاعدة، لأنه سوف تتعطل كثيرٌ من الأحكام، وسوف تندرس كثير من المسائل الإيمانية والعقدية، إذ إنها لم يرد ذكرها في صحيحي البخاري ومسلمٍ؛ مع أنَّ الواقع العملي يؤكد غير ذلك، وهو أنَّ كثيراً من الأحاديث النبوية الشريفة لم تذكر في صحيح البخاري، وقد عمل بها المسلمون لثبوت صحتها، لأن ما في كتب الحديث الأخرى، ليس كله موضوعاً أو مكذوباً، وفيها كثيرٌ من الأحاديث الصحيحة، وإنْ لم يخرجها البخاري ومسلمٍ، وإنَّ هذا القصور سيلغي أحاديثَ كثيرةً مشتهرةً في كتب الحديث، والتي دُرست واعتُمِدَت لدى العلماء الأعلام، وسيأتي ذكره لاحقاً.
والملفت للنظر، هو أنّ مؤلف الصحيح نفسه قد عنونه (بالجامع المختصر) يعني أنّه غيرُ موسَّعٍ، فلم يجمع فيه كل ما ورد في الشريعة. وقد أجاب بعض العلماء عن هذه الشبهة وهذا الإشكال وأفادوا وتوسعوا بالجواب:
أولاً: عدم إيراد الحديث في الصحيحين، ليس دليلاً على ضعفه عند الشيخين البخاري ومسلمٍ، لأنه لم ينقل عنهما أنهما استوعبا كلَّ الصحيح في صحيحيهما وإنَّما جاء عنهما التصريح بخلاف ذلك فقد روي عن البخاري أنه قال: (ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح لحال الطول) وروي عن مسلم أنه قال: (ليس كلُّ شيءٍ عندي صحيحٌ وضعته ها هنا إنَّما وضعت هنا ما أجمعوا عليه)، وأنَّه جاء عن البخاري أنه قال: (أحفظ مائة ألف حديثٍ صحيحٍ ومائتي ألفِ حديثٍ غيرِ صحيحٍ) مع أنَّ جملة ما في صحيحه من الأحاديث المسندة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما في ذلك الأحاديث المعلَّقة(٥٨٧) لا تبلغ عشرة آلاف حديث.(٥٨٨) وقد جاء في تعريف الحديث المعلق: (الذي حُذف من مبتدأ إسناده واحدٌ أو أكثرُ، وأغلب ما وقع ذلك في كتاب البخاري، وهو في كتاب مسلم قليلٌ جدّاً).(٥٨٩)
ثانياً: أنَّ الصحيح من الحديث كما أنه موجودٌ في الصحيحين، فهو موجودٌ خارجهما في الكتب المؤلفة في الحديث النبوي مثل: سنن أبي داود وسنن الترمذي والنسائي وابن ماجه والدارقطني وموطأ مالك وصحيح ابن خزيمة وصحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم والبيهقي وغيرها، وهو أمرٌ واضحٌ غاية الوضوح.
ثالثاً: أنَّ المقبول من الحديث عند المحدثين أربعةُ أنواعٍ هي الصحيح لذاته، والصحيح لغيره، والحسن لذاته، والحسن لغيره؛ ومعلوم أنَّ الحديث الصحيح موجودٌ في الصحيحين وفي غيرهما أما الحسن فوجوده في غير الصحيحين.(٥٩٠)
رابعاً: أنَّ العلماء قسَّموا الصحيح على سبع مراتبَ، مُرتَّبةٍ حسب القوة على النحو التالي:
١ - صحيحٌ اتفق على إخراجه البخاري ومسلمٌ.
٢ - صحيحٌ انفرد بإخراجه البخاري عن مسلمٍ.
٣ - صحيح انفرد بإخراجه مسلمٌ عن البخاري.
٤ - صحيح على شرطهما معاً ولم يخرجاه.
٥ - صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه.
٦ - صحيح على شرط مسلمٍ ولم يخرجه.
٧ - صحيح لم يخرجاه ولم يكن على شرطهما معاً ولا على شرط واحدٍ منهما(٥٩١).
وهذه المراتب السبع للصحيح، وليس في الصحيحين من هذه المراتب إلا الثلاث الأولى، أما الأربع الباقية فلا وجود لها إلا خارج الصحيحين. ولم يزل من دأب العلماء في جميع العصور، الاحتجاج بالأحاديث الصحيحة، بل والحسنة الموجودة خارج الصحيحين والعمل بها مطلقاً، واعتبار ما دلت عليه دون إعراضٍ عنها أو تعرُّضٍ للحطِّ من شأنها والتقليل من قيمتها، ومن أمثلة ذلك في أمور الاعتقاد الحديث المشتمل على العشرة المبشرين بالجنة، فإنَّه في السنن ومسند الإمام أحمد وغيره وليس في الصحيحين ومع ذلك اعتقدت الأمة موجبه بناءً على ذلك وكذا الحديث الذي فيه تسمية المَلَكَين اللذين يسألان الميت في قبره بمنكرٍ ونكيرٍ، لم يرد في الصحيحين وقد اعتقد موجبه المسلمون جميعاً.(٥٩٢)
ومع كل هذا فإنَّ الصحيحين لم يخلُوَا من الأحاديث في هذا الشأن، فقد جاء فيهما وصفٌ للمهدي المنتظر، أو ذكر شأنٍ من شؤونه، بما تفسره الأحاديث الصحيحة في المصنفات الأخرى، فإنَّ الأحاديث أيضاً يفسر بعضها بعضاً، كما هو حال القرآن الكريم، فإنَّ آياته يفسرُ بعضُها بعضاً.
فجاء فيهما عن (جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَيَنْزِلُ عِيسَى بنُ مَريَمَ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ).(٥٩٣) وأيضاً جاء: (أنَّ أبا هريرة، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ)(٥٩٤). فهنا وإنْ لم يصرح به باسم المهدي، إلا أنَّ الأحاديث الأخرى في التصانيف والسنن ذكرت اسم هذا الأمير الذي يصلي خلفه وهو (المهدي) فقد جاء في الحديث: (يَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ المهدي: تَعَالَ صَلِّ بِنَا، فَيَقُولُ: لَا، إِنَّ بَعْضَهمْ أَمِيرُ بَعْضٍ، تَكْرِمَةَ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ)(٥٩٥).
وأيضاً جاء ما يدل على شأنٍ من شؤون المهدي المنتظر، كالخسف في البيداء، ونزول عيسى، فجاء في الصحيحين: (أنَّ سعيد بن المسيب، سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا)(٥٩٦). وقد جاءت الأخبار وقَرْانَا في ما صَحَّ منها أنَّ نزول عيسى ابن مريم مقارنٌ مع خروج المهدي المنتظر في آخر الزمان، وكذلك قَرْانَا في الأحاديث أنَّ المهدي المنتظر يُفيض في زمانه المال ويَحثي المال حثياً، فهذا الحديث ذكر شؤوناً تجري في زمان، أو على يد المهدي الموعود المنتظر.
وشأنٌ آخر جاء في الصحيحين وهو الخسف بالبيداء، وكما هو المشهور من علامات خروج المهدي المنتظر، الخسف بجيش السفياني الذي يقابله، كما ذكر ذلك الهيتمي، في (القول المختصر في علامات المهدي المنتظر) تحت باب (علامة خروجه أنْ يُخسف بالجيش بالبيداء) ويذكر أحاديث في ذلك.(٥٩٧) وعليه جاء في الصحيحين: (قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ...)(٥٩٨) قال القنوجي عن هذا الحديث مبيناً: (ليس فيه أيضاً ذكر المهدي، ولكن لا محملَ له ولأمثاله من الأحاديث إلا المهدي المنتظر، لما دلَّت على ذلك الأخبار المتقدمة والآثار الكثيرة)(٥٩٩).
وهو الصحيح كذلك، لأنه إذا لم نحمل، ولم نفسر الأحاديث الواردة في صحيحي البخاري ومسلم، إذا لم نفسرها بالمهدي المنتظر، فإنَّ هذا يجرُّنا إلى عدم تفسير جميع ما وردَ من أحاديث في الصحيحين وفي غيرهما من المصنفات التي لم تصرح باسم المهدي المنتظر، ألّا نفسرها به، يعني تكون عائمةً ولا يمكن ضمُّها إلى تلك الأحاديث التي ذكرت اسم المهدي المنتظر صراحةً.
كانت هذه بعض الشواهد التي تعزز وتؤصل الاعتقاد بما ورد عن المهدي المنتظر، وإنْ جاء ذكرُ بعضٍ منها سابقاً.
المطلب الثاني: المستشرقون وإشكالية ابن خلدون:
من الممرات التي سلكها المستشرقون في إنكار وتسفيه عقيدة المهدي المنتظر لدى المسلمين، ترديد ما أثاره بعض علماء المسلمين من تضعيفٍ وتوهينٍ لهذه الحقيقة الإيمانية، بتضعيف الأحاديث الواردة بهذا الشأن وعدم جدواها في نهوض تلك الحقيقة الإيمانية، ومن هؤلاء (ابن خلدون) (المتوفى: ٨٠٨ ه) في مقدمته، لما له من شهرةٍ علميةٍ وتاريخيةٍ في العالم الإسلامي، ومقدمته صارت مرجعاً مهمّاً لكثيرٍ من العلماء والباحثين في الشرق والغرب، فكتب أحدُ المستشرقين: (وتستند الشهرة الخالدة لمقدمته، وهي المجلد الأول من تاريخه العالمي الكبير، إلى الإسهام الأساسي الذي قدمته للمعرفة، وإلى كشفها عن الدور الحيوي الذي تلعبه عواملُ معينةٌ مهمةٌ في نشأة المجتمع الإنساني وتطوره. وقد نجح ابن خلدون في تقديم صورةٍ عن مفهومه للحضارة الإسلامية ظلت بعد ذلك أساساً ومرجعاً نهائيّاً، واعتمد في ذلك على الفكر السياسي والفقهي السابقين، مع إدراكٍ تامٍّ للاتجاهات والحقائق الأساسية اللازمة لفهم الحياة الفكرية الإسلامية في مجموعها)(٦٠٠).
فقد حاول ابن خلدون بكل ما أوتي من أدواتٍ علميةٍ، تضعيفَ أحاديث العقيدة المهدوية، والمعروف عن منهج ابن خلدون أنه اتبع منهجاً عقليّاً، وحاول التقليل من الروايات التي يصعب على العقل والحسِّ تصديقها، لقربها من إخبار الغيب، أو التي تخالف المنطق العقلي وظهر منهجه هذا في نقده للرواية التاريخية.
لذا وجد المستشرقون ممرّاً سهلاً في الاستشهاد على مدعياتهم بتوهين الحقائق والعقائد الإسلامية ومنها، المفردة المهدوية، فالمستشرق روندلسن بعدما أرجع ظهور فكرة (أنَّ من المحتمل جداً أنَّ الفشل الظاهر الذي أصاب المملكة الإسلامية في توطيد أركان العدل والتساوي على زمن دولة الأمويين ٤١ - ١٣٢ه كان من الأسباب لظهور فكرة المهدي آخر الزمان... وما هو جديرٌ بالنظر أنَّ استعمال هذا المصطلح [المهدي المنتظر] سبق تدوين الحديث بنحو مائتي سنةٍ، وهي فترةٌ كافيةٌ لتبلور فكرة المهدي واتخاذها شكلاً قطعيّاً)،(٦٠١) استشهد بابن خلدون إذ قال: (وقد فنَّدَ ابن خلدون في مقدمته جميع الأحاديث الواردة بهذا الخصوص فأشار إلى عدم ورودها في صحيحي البخاري ومسلمٍ، وأشار إلى أنَّ الأحاديث الواردة في الترمذي وأبي داود مأخوذةٌ عن عاصمٍ، وعاصمٌ هذا في حديثه اضطرابٌ... وعلى هذا فبالنظر إلى عدم ذكر القرآن شيئاً عن المهدي وأنَّ الأحاديث الواردة بشأنه كلها ضعيفةٌ أو مشكوكٌ بها فإنَّ عقيدة المهدي لا تدخل في اعتقادات أهل السنة والجماعة)(٦٠٢).
ومرةً أخرى مع المستشرق فلوتن عندما حاول نسف حقيقة خروج المهدي المنتظر في آخر الزمان، بوصفها شيئاً من التنبؤات ليس إلا، والتي لا يمكن لها أنْ تتحقق، ودعم تفسيره هذا بما طرحه ابن خلدون: (وقد خصص ابن خلدون في (مقدمته) فصلين من أهم فصولها لدراسة هذا الموضوع، فكان المؤرخ الشرقي الوحيد الذي أدرك أهمية هذا التنبؤ، وأول من حمل عليه [على موضوع المهدي المنتظر] وأثبت بطلانه)(٦٠٣).
أمّا المستشرق الفرنسي ماسيّي، فيدعم أيضاً رأيه وطرْحه بما كتبه ابن خلدون في مقدمته المعروفة، ويقول أنَّ الفكرة المهدوية، اتخذها الشيعة لمصلحة (عليٍّ) فحسب، والذي سيتحول (عليٌّ) عند الشيعة المتطرفين إلى إلهٍ، وسيصبح المهدي شيئاً فشيئاً لا عضواً في عائلة (محمدٍ) بل عضوًا في عائلة (عليٍّ)، وبوجهٍ آخر فالإمام المختبئ أو حفيد (فاطمة) الفاطمي المنتظر هو الذي عرَّفه وذكره ابن خلدون بما يأتي: إنَّ الفاطمي هو المسيح ابن مريم(٦٠٤). وهذا الكلام الذي يذكره المستشرق يشير بصورةٍ واضحةٍ ومتحاملةٍ بدوافعَ تفسيرٍ سياسيٍّ أو لتأكيد صفة الخلاف السياسي الذي حدث في الإسلام ولتعزيز مشاعر الكره بين الفرق الإسلامية.
وقوله: (إنَّ الفاطمي هو المسيح ابن مريم) إشارةٌ منه إلى الحديث الذي رواه ابن ماجه (المتوفى: ٢٧٣ه) في سننه بسنده: (... عن أنس بن مالك، أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً، وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا، وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ، وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ)(٦٠٥). وهذا المقطع الأخير (لَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) يعني: أنَّ المهدي، هو نفسه عيسى ابن مريم ولا غيرية بين الاثنين، وهذا يعارض تمام المعارضة مع ما تقدم من ذكر الأخبار الصحيحة، والمتواترة - على الأقل بالتواتر المعنوي - وقد ضعَّفه غير واحدٍ من أرباب الحديث وأهل الفن.
فقال عنه المحقق الأرنؤوط مستنداً إلى كلام الذهبي قال: صحيحٌ لغيره، دون قوله: (ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم) فمنكرةٌ، وهذا إسنادٌ ضعيفٌ لضعف محمَّد بن خالد الجندي، والحسن - وهو البصري - مدلسٌ وقد عَنْعَنَ.
وقال الآبري: ومحمد بن خالد الجندي غيرُ معروفٍ عند أهل الصناعة من أهل العلم والنقل وقد تواترت الأخبار واستفاضت عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بذكر المهدي وأنَّه من أهل بيته وأنَّه يملك سبع سنين، ويملأ الأرض عدلاً وأنَّه يخرج مع عيسى ابن مريم(٦٠٦). ولمن أراد التفصيل، فقد ثبت بطلان هذا المقطع وهذه الزيادة من الحديث، بشرحٍ وافٍ في كتاب (إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون) ومن ثمانية وجوهٍ، منها باختصارٍ:
بأنَّه كل من خرَّج هذا الحديث عن طريق محمد بن خالد الجندي، وهو متروكٌ ومنكرُ الحديث، وكذابٌ وَضّاعٌ، وقال الحاكم بعد إخراجه: إنَّما أخرجت هذا الحديث تعجباً لا محتجّاً به.
وقد ظهر كذب محمد بن خالد الجندي، بورود الحديث مجرداً عن الزيادة المنكرة من غير طريقه، ولم تذكر فيه الزيادة الباطلة الشاذة، بل هي مِن صُنْعه وتلك عادته.
مما يدل على بطلان هذا الخبر أو هذه الزيادة فيه، معارضته للتواتر المفيد للقطع فقد قرر علماء الأصول أنَّ من شرط قبول الخبر عدم مخالفته للنص القطعي على وجهٍ لا يمكن الجمع بينهما بحالٍ، فلا يمكن الجمع هنا بين هذا الحديث وبين تلك الأخبار، إذ لا تعارض بين متواترٍ وباطلٍ(٦٠٧).
وبالعودة إلى المستشرق هنري ماسِيّي، بقوله سابقاً أنَّ العقيدة المهدوية مقتبسةٌ من فكرة المسيح المخلِّص، وقال بأنَّها موجودةٌ في كل العصور الإسلامية، مستنداً لابن خلدون قال: (وبالإجمال فإنَّ الفكرة المسيحية Messinique ظهرت في كل عصر في تاريخ الإسلام: فقد روى ابن خلدون مثلاً أنَّ أهالي الحلة (بلاد ما بين النهرين) كانوا يعتقدون برجعة أحد العلويين... [يقصد المهدي المنتظر] وكانوا يأتون كل مساءٍ بجوادٍ مسروجٍ إلى أمام بيته وينادونه باسمه. وفي أيام الصفويين الفرس في ما بعد كان هنالك جوادان يظلان على أهبة الاستعداد، واحدٌ لسيد الزمان والآخر للمسيح نائبه. وبالمستطاع ذكر أمثلةٍ أخرى من هذا الاعتقاد قد استعمل كوسيلة للاشتراكية تارةً وللثيوقراطية تارةً أخرى).(٦٠٨) ويعني بالاشتراكية تلك المعتقدات التي يعتقد بها المحرومون والذين يؤمنون بالخلاص من التسلط الطبقي، أما الثيوقراطية فتعني إعطاء تسويغ لهيمنة طبقة رجال الدين للسيطرة على المجتمع وهذا التفسير محاولة أخرى للتشكيك بعقيدة المهدي المنتظر.
لكن ما رآه المستشرق روندلسن: أنَّ الاعتقاد العام عند الشيعة اليوم، وهو يتفق مع ما ذكره الأقدمون، بأنَّه غاب في سامراء إلا أنَّ ابن خلدون يرى أنه غاب في الحلة فيذكر ابن خلدون، بأنَّه عندما حُبِسَ مع أمِّه دخلا سرداباً أو حفرة في الدار التي سكنها أهلُهُ بالحلة واختفى هناك وأنَّه سيظهر آخر الزمان(٦٠٩).
وهذا إشارةٌ منهم إلى ما ردده ابن خلدون (المتوفى: ٨٠٨ه) في مقدمته بأنَّ: (الإمامية ولا سيَّما الاثنا عشرية منهم يزعمون أنَّ الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبُّونه المهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة وتغيب حين اعتقل مع أمّه وغاب هنالك وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك، ويقفون في كل ليلةٍ بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد قدموا مركباً فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية وهم على ذلك لهذا العهد)(٦١٠).
وهذه المحاولات يتشبث بها الاستشراق على أنه فكرٌ ماديٌّ لإثبات التفسير الأسطوري للتاريخ الإسلامي ومعطياته الإيمانية لمواجهة التحديات الخارجية. وهنا سيكون الرد على المستشرق ماسيّي بسهولةٍ، وبلا عناءٍ، لأن الكذب كان فاضحاً ومكشوفاً في الادعاء، لذا سيكون الردّ سهلاً:
أولاً - أنهم لم ينقلوا هذه المسألة من المصادر الإمامية، باعتبار اختفاء الإمام المهدي المنتظر وغيبته من مختصات ومُتبنيات الإمامية، فكان لزاماً عليهم أنْ ينقلوا هذا المعتقد ممن يقول ويعتقد به، ولو نقلوا لما وقعوا في هذا الخطأ، وهذه المنهجية الخاطئة طالما ينزلق فيها المستشرقون عمداً أو بلا عمدٍ، وهي قراءة الأحداث وتصورها والبناء عليها واستخراج وفهم واستنباط للنظريات والنتائج، في مسألةٍ معينةٍ تخصّ ديناً أو مذهباً معيناً، يقرأها عند الدين الآخر أو المذهب الآخر، ولا يقرؤها من المصادر التي تتبنى تلك المفردة العقيدية أو التاريخية.
ثانياً - وإنَّ المعروف والمشهور، الذي لا يختلف عليه اثنان، بأنَّ ولادة واختفاء المهدي المنتظر بحسب اعتقاد ومصادر الإمامية، كان في مدينة سامراء لا غيرها أبداً. وهذا ما تسالم عليه المؤالف والمخالف كما يعبِّرون.
ثالثاً - أنَّ مدينة الحلة أٌنشِئَت سنة ٤٩٥ه وكان أول من عَمَّرها ونزلها، سيفُ الدولة (صدقة ابن منصور الأسدي) وكانت أَجَمَة قصب تأوي إليها السباع، فنزل بها بأهله وعساكره وبنى بها المساكن الجليلة والدور الفاخرة(٦١١). ومن الثابت أنَّ ولادة الإمام المنتظر (عليه السلام) سنة ٢٥٥ه وغيبته سنة٢٦٠ه، يعني مدينة الحلة لم تكن ولم تنشأ بعدُ، فكيف ينتظره أتباعه في سردابٍ اختفى فيه بالحلة، وهي لم تكن موجودةً أصلاً حين غيبته أو اختفائه. وهذا إنَّما يدل على شيء، هو (لا علم لهم باختفاء الإمام الثاني عشر ولا بإنشاء مدينة الحلة، وما قالوه عن الإمام الثاني عشر من أنَّه اختفى في الحلة، التي لم تكن موجودة آنئذ، أي سنة ٢٦٠ للهجرة وإنَّما أنشأها (صدقة بن منصور المزيدي) في سنة ٤٩٥ه)(٦١٢).
وإنَّ هذا السرداب الموجود حاليّاً في مدينة سامراء، ثبت تاريخيّاً لدى الإمامية، بأنَّه آخر مكانٍ رأوا الإمام فيه، وغاب منه عن أنظار الأعداء الذين كانوا يطلبونه، وبعدها بدأت الغيبة الصغرى التي تخلَّلَها سفراء الإمام المهدي الأربعة، وليس هو المكان الذي اختفى في داخله ولم يخرج منه وموجودٌ فيه الآن، لا ليس الأمر كذلك، والواقع العملي يصدّق ذلك، فأنا بنفسي ذهبت إلى هذا السرداب في مدينة سامراء وتأكدت بنفسي، حتى إنه مفتوحٌ وليس فيه بابٌ يُغلق، ولا أحدَ بداخله، فبماذا يؤمن ويصدق الإنسان؟ بالبدهيات، ومن ضمنها المشاهدات الحسِّية، أم باجترارِ قراءةِ الأحداثِ التاريخية لأشخاصٍ يزعمون المنهج العلمي؟!
وعوداً على بدءٍ في مناقشة بعض المستشرقين في اعتمادهم على تضعيف ابن خلدون لأغلب الأحاديث الواردة في المهدي المنتظر، فقد ردَّ علماء المسلمين وتعقبوا كلماته وتضعيفاته، كلمةً كلمةً، وحديثاً حديثاً، بما يكفي ذكرُه للرد على المستشرقين في إنكار وإلغاء حقيقة العقيدة المهدوية، بتعكُّزِهم على أقوال ابن خلدون، فقال الكتّاني: وتتبع ابن خلدون في مقدمته طرق أحاديث خروجه مستوعباً لها على حسب وسعِهِ، فلم تسلم له من علةٍ، لكن ردوا عليه بأنَّ الأحاديث الواردة فيه على اختلاف رواياتها كثيرةٌ جدّاً تبلغ حد التواتر. وذكر الكتّاني في معرض ردّه عددَ من خرّج الأحاديث، ثم أردفَ قولاً: ولولا مخافة التطويل لأوردت ها هنا ما وقفت عليه من أحاديثه لأني رأيت كثيراً من الناس في هذا الوقت يشككون في أمره ويقولون يا ترى هل أحاديثه قطعيةٌ أو لا، وكثيرٌ منهم يقف مع كلام ابن خلدون ويعتمده مع أنَّه ليس من أهل هذا الميدان، والحق الرجوع في كل فنٍّ لأربابه، والعلم لله تبارك وتعالى.(٦١٣)
وقال الألباني في معرض تصحيحه لأحد أحاديث المهدي المنتظر في سلسلته الصحيحة، رداً على ابن خلدون: (ولذلك لم يتمكن ابن خلدون من تضعيفه، مع شططه في تضعيف أكثر أحاديث المهدي بل أقرَّ الحاكم على تصحيحه لهذه الطريق والطريق الآتية، فمن نَسَبَ إليه [أي إلى ابن خلدون] أنه ضعَّف كل أحاديث المهدي فقد كذب عليه سهواً أو عمداً).(٦١٤) مع العلم أنَّ ابن خلدون لم يضعفها قاطبةً، فقال بالأخير: فهذه جملة الأحاديث التي خرّجها الأئمة في شأن المهدي وخروجه آخر الزمان. وهي كما رأيت لم يخلُص منها من النقد إلا القليل والأقل منه.(٦١٥) فاستثنى منها أحاديثَ صحاحاً.
وهناك ردٌّ آخرُ في تصحيح حديث من جملة ما ضعَّفه ابن خلدون (لا تقوم الساعة حتى يَلي رجل من أهل بيتي) قال المحقق أحمد محمد شاكر: إسناده صحيحٌ، ومن صحته أنه على شرط الشيخين، ثم قال: وطرق حديث عاصمٍ عن زرٍ عن عبد الله، كلها صحيحةٌ(٦١٦) إلى أنْ قال: (أما ابن خلدون فقد قفا ما ليس له به علمٌ، واقتحم قحمًا لم يكن من رجالها، وغلبه ما شغله من السياسة وأمور الدولة وخدمة من كان يخدم من الملوك والأمراء، فأوهَمَ أنَّ شأن المهدي عقيدةٌ شيعيةٌ أو أوهَمَتُه نفسُه ذلك، فعقد في مقدمته المشهورة فصلاً طويلاً، جعل عنوانه: (فصل في أمر الفاطمي، وما يذهب إليه الناس في شأنه، وكشف الغطاء عن ذلك) تهافتَ في هذا الفصل تهافتًا عجيبًا، وغلط فيه أغلاطًا واضحة... إنَّ ابن خلدون لم يحسن قول المحدثين: (الجرح مقدمٌ على التعديل) ولو اطَّلع على أقوالهم وفقهها ما قال شيئاً مما قال، وقد يكون قرأ وعرف، ولكنه أراد تضعيف أحاديث المهدي بما غلب عليه من الرأي السياسي في عصره).(٦١٧)
وقد ردَّ الشيخ التويجري، تضعيف ابن خلدون وتوسع في ذلك، لأن عنوان كتابه أصلاً قد أُعِدَّ لهذا الشأن، فكان عنوانه: (الاحتجَاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر) فقال: (ابن خلدون قد ضعَّف أحاديثَ صحيحة لا مطعن فيها، وقد صححها كثيرٌ من أكابر العلماء ممن لا يدانيهم ابن خلدون في نقد الأحاديث ومعرفة صحيحها من ضعيفها فضلاً عن أنْ يساويهم).(٦١٨)
وأيضاً ممن ناقش وردَّ تضعيفات ابن خلدون ردّاً عنيفاً، الشيخ عبد المحسن العباد، وعنوان كتابه يفي بالغرض (الرد على من كذَّب بالأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي) حيث قال: (أنَّ ابن خلدون مؤرخٌ وليس من رجال الحديث فلا يُعتدُّ به في التصحيح والتضعيف وإنَّما الاعتداد بذلك بمثل البيهقي والعقيلي والخطابي والذهبي وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل الرواية والدراية الذين قالوا بصحة كثيرٍ من أحاديث المهدي فالذي يرجع في ذلك إلى ابن خلدون كالذي يقصد الساقية ويترك البحور الزاخرة وعمل ابن خلدون في نقد الأحاديث أشبه ما يكون بعمل المتطبب إذا خالف الأطباء الحذاق المهرة)(٦١٩).
ولمن أراد التفصيل والاستزادة أكثر، فقد تتبع الشيخ عبد الله بن الصديق الغماري، كلام ابن خلدون، ونقده وتناول كلَّ حديثٍ ضعَّفه ابن خلدون، فأثبت الشيخ الغماري صحَّته أو حُسنه، وذكر له شاهداً أو متابعاً، وردَّ عليه رداً علميّاً موسعاً يغني كلَّ باحثٍ ومتتبعٍ في كتابه (إبراز الوهم المكنون في الرد على ابن خلدون) إلى أنْ استنفد كل الأحاديث قال: (أقول ادعاؤه [أي ابن خلدون] استيفاء أخبار المهدي باطلٌ فإنَّ جميع ما ذكره من الأحاديث ثمانية وعشرون [وإذا طرحنا أربعة أحاديث منها صحح إسنادها ابن خلدون، يبقى أربعة وعشرون فقط] والوارد في الباب ضِعْفُ أضعاف ذلك وها أنا موردٌ من أخباره ما أُكمل به المائة من مرفوعاتٍ وموقوفاتٍ دون المقطوعات، إذ لو تتبعنا خصوصاً الوارد عن أهل البيت لأتيت منها بعددٍ كبيرٍ وقدرٍ غيرِ يسيرٍ مما ينبغي أنْ يفرد بالتأليف)(٦٢٠).
وأخيراً قال الألباني بعد ذكره وتصحيحه لأحاديث المهدي المنتظر: (وقد أخطأ ابن خلدون خطأً واضحاً، إذ ضعَّفَ أحاديث المهديّ جُلّها، ولا غرابة في ذلك، فإنَّ الحديث ليس من صناعته. والحق أنَّ الأحاديث الواردة في المهدي فيها الصحيح والحسن، وفيها الضعيف والموضوع، وتمييز ذلك ليس سهلًا إلا على المتضلِّع في علم السُّنَّة ومصطلح الحديث، فلا تعبأ بكلام من يتكلم فيما لا علم له به)(٦٢١).

الفصل الرابع: أهم شبهات المستشرقين حول الأطروحة المهدوية - عرضاً ونقداً وتحليلاً

المبحث الأول: شبهة التأثر بالديانات الأخرى:
إنكار المستشرقين للعقيدة المهدوية، امتد إلى أنْ جعلوها متأثرةً بل مقتبسةً بأجمعها من الديانات السابقة في العصور والأزمنة التي خلت قبل الإسلام وهذه الشبهة ليست جديدةً وليست منحصرةً بالعقيدة المهدوية، فإنَّهم من قبل قالوا أنَّ الإسلام والرسالة والقرآن أصلها من الديانتين اليهودية والمسيحية، وأنَّ القرآن من تأليف نبي الإسلام محمد نفسه، وهي ذاتها الشبهة التي أثارها المشركون وقت إعلان النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لنبوته وللوحي القرآني، وقولهم بأنَّه كان يعلِّمه أحد النصارى في مكة، وقد رد عليهم القرآن مباشرةً في قوله تعالى: ﴿وَلَقَد نَعلَمُ أَنَّهُم يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلحِدُونَ إِلَيهِ أَعجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾(٦٢٢) إذًا هي فريةٌ وشبهةٌ ليست بالجديدة، فلا غرابة في أن يشكلوا على الأطروحة المهدوية بقولهم أنَّها مقتبسةٌ ومتأثرةٌ بالديانات القديمة السابقة على الإسلام.
وهذا السبيل ما دأبَ عليه المستشرقون، لأنَّه سهل المؤونة بإرجاع كل ما في الإسلام إلى الديانات السابقة عليه ولا سيَّما المسيحية واليهودية، وقد يكون السبب في ذلك أن هدف ومهمة المهدي المنتظر والسيد المسيح باتجاهٍ واحدٍ، كما قال المستشرق كولن تيرنر: (إنَّ دور المهدي الذي يشبه دور المسيح له كبير الأثر في الشيعة(٦٢٣) الذين يجدون الراحة والقوة في الاعتقاد بأنَّه يوماً ما سيختفي الطغيان والقمع من على وجه الأرض)(٦٢٤).
حتى صار هذا الأمر كأنه من المسلَّمات الواضحات فقال قائلهم: (من الواضح أنَّ هذه العقيدة في المهدي تحمل شَبَهَاً للفكرة اليهودية المسيحية في انتظار المخلّص. أما من الناحية النفسية فإنَّ الاعتقاد بالإمام المنتظر كان تشخيصاً لأملٍ محبَّبٍ كان يراود أفكار قلّةٍ محرومةٍ مضطهدةٍ. ولقد أدى الاعتقاد برجوع المهدي إلى وضع كثيرٍ من المؤلفات الغيبية الخيالية).(٦٢٥) ويلحظُ أنَّ إطلاق العبارة هكذا (مؤلفاتٌ غيبيةٌ خياليةٌ) يريد أن يدسَّ معنى بأنَّ العقيدة المهدوية في أساسها تستند على خرافةٍ وخيالٍ ولا علاقة لها بالنصوص أو الإيمان العقلي!
وتخبَّطَ بعضهم في هذا الإطار حتى نسجوا حكاياتٍ، قالوا عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّه هو المسيح المنتظر، بما ادعاه المستشرق (أنتوني نتنج) في تكذيب قصة الإسراء والمعراج للنبي إذ قال: (لم تعد قصة هذه الرحلة الليلية بكثيرٍ من النفع على قضية محمدٍ إذ لم يصدقها آنذاك حتى أقرب صحابته... ولكن عند هذه النقطة التقى به في سوق عكاظ جماعةٌ من حجاج يثرب... وتأثروا كثيراً بما حدثهم به. وبعد أن عادوا إلى ديارهم أقنعوا يهود مدينتهم أن محمداً هو المسيح المنتظر)(٦٢٦).
ومنهم من جعل عيسى المسيح هو نفسه المهدي المنتظر، ولا غيرية بينهما وإنَّ التقدير الأخروي للمهدي المنتظر هو الذي أثار خيال المسلمين. فبالنسبة لبعض المسلمين، المهدي كان يسوع (عيسى) ولكن أكثرية رجال الدين جعلوه منحدراً من أسرة النبي.(٦٢٧) وهذا قد يكون إشارةً منه، أو تأثُّرًا بحديث (لا مهدي إلا عيسى ابن مريم) الذي تقدم الكلام عنه وثبت أنه موضوعٌ ومكذوبٌ ومخالِفٌ للأحاديث الصحيحة.
بينما (مونتكَمري وات) يرى بأنَّ السِّمةَ الأكثر أهمية، في الاعتقاد الأساس بالضرورة والحاجة من أجل ضمان أو صيانة وجود العالم، بأنَّه لا بدَّ من وجود إمامٍ، حتى وإنْ لم يظهر ولم يُعرف، فالسِمةُ في هذا الاعتقاد أنّ له ميولًا مسيحيةً Messianic.(٦٢٨) (إذًا هناك حضورٌ للأفكار المسيحية messiansm بما يعني توقُّعًا شبهَ إلهيٍّ، [أي قوة فوق الطبيعية] أو منجِيًا ملهَمًا أو موصًى إليه. وهذه الفكرة وُجدت في أثناء الحقبة الأموية... وكانت دينيةً بشكلٍ أساسيٍّ، انبثقت أو انطلقت من الحاجة في التأمين والسلامة جاءت من المعتقد الثابت بأنَّ المُنْجي deliverer سوف يأتي ويطبق كل ما هو حقٌّ وصحيحٌ)(٦٢٩). وإنَّه يقارن في ما بعد بين الفكرة المسيحية والمهدوية ويعزو الفكرة المهدوية إلى الجانب والمنحى السياسي من أجل الحصول على السلطة الدينية والسياسية في آنٍ واحدٍ فيقول: (واعتياديّاً فإنَّ الفكرة المسيحية كانت من الجانب السياسي ساكنةً ومنعزلةً quietist، غير أنَّه في مناسباتٍ وأحيانٍ أخرى فإن زعيماً قويّاً يدّعي أو يزعم بأنَّه الإمام أو رسول أو مبعوث الإمام وأنَّه سيدعو أو يعلن عن عملٍ ثوريٍّ. وقد تحققت وأنجزت هذه النقلة في العمل الناشط في السياسة بالقول بغيبة الإمام وأنَّ الإمام الغائب سيرجع، أو أنَّه على وشك الرجوع والعودة من غيبته. وكانت هذه الناشطية في السياسة على العموم استثنائيةً، ويبدو أنها ترتبط كثيراً بالأفكار المسيحية المعتدلة)(٦٣٠).
وأغرب ما في تفسيرات ومقارنات مونتكَمري وات، هو تفسيره هذا التشابه والتناغم مع الأفكار المسيحية، يعزوها إلى انجذاب أو تأثر أئمة أهل البيت بتلك الأفكار، بقوله: (يمكن ملاحظة أن من الأئمة الاثني عشر، أولئك الذين كانوا أكثر انجذاباً للأفكار المسيحية منهم جعفر وموسى - السادس والسابع - أما العامل لهذا الانجذاب، ربما هو الشك أو الغموض في مسألة السابع - الذي زُعِمَ أنه قُتِلَ في السجن - والثاني عشر - الذي وجوده أصلاً أمرٌ يُشك فيه -... وبحسبما يبدو أنه في أثناء عملية تبرير المعتقد بأنَّ شخصاً معيناً كان المهدي وأنَّ سلسلة الأئمة تدريجاً قد أحرزت الاعتراف. فالتفاصيل غيرُ مؤكدةٍ وغامضةٌ)(٦٣١).
والأمر يميزه بصوره أفصحَ وأوضحَ هنري ماسِّي إذ قال: (بعض عناصر المذهب الديني الشيعي وخصوصاً قاعدته الثيوقراطية [اللاهوتية] والاعتقاد برجعة الإمام المختبئ - يبدو أنها يهوديةٌ - مسيحيةٌ (دون أن نتكلم عن التفاصيل التي تجعلنا نقبل بوجود تأثيراتٍ زرادشتيةٍ وأفلاطونيةٍ حديثةٍ ومانويةٍ)،(٦٣٢) وقريب من هذا الكلام المستشرق اليهودي غولدتسيهر قال: (وقد امتزج بالفكرة المهدية التي ترجع في أصلها إلى العناصر اليهودية والمسيحية بعض خصائص الزرادشتي، كما امتزج بها ما كان يجول في أذهان بعض العاطلين البارعين من خيالاتٍ وتصوراتٍ جامحةٍ أنتجت على أمد الأيام كثيراً من الأساطير الفنية الزاخرة عن العقيدة المهدية).(٦٣٣)وحيث قال في موضعٍ آخرَ: (فتحولت فكرة المهدي تدريجاً إلى أن صارت طوبى utopie مهديةً، دفع المؤمنون بها إلى مستقبلٍ بعيدٍ غامضٍ، وأصبحت قابلةً لأن تمتزج بها دائماً خرافاتٌ وأقاصيصُ أخرويةٌ ممعنةٌ في السذاجة والإغراب).(٦٣٤)
أقول: هذا لا ينفي أصل صحة العقيدة، وإنْ حِيكَتْ عنها آلاف القصص والأساطير، فيجب النظر والالتفات إلى أصل الدين لا إلى المتدينين بهذا الدين، وإلى أصل القضية الإيمانية، لا إلى المؤمنين الذين يحملونها في قلوبهم وما يقولون عنها، وإلى أصل الأطروحة والنظرية، لا إلى المنظّرين أو الشارحين الذين قد يخطئون بتنظيرهم لها.
ألم تُحَك القصص والأساطير ضد أو حول الإسلام من المشركين أو اليهود والنصارى آنذاك في عصر صدر الإسلام؟ بل حتى من المستشرقين أنفسهم وإلى الآن، ألم يدَّعِ النبوة مسيلمة الكذاب وغيره وصيغت القصص في ذلك ووُضِعَت الأحاديث؟ هل يعني ذلك أن ننفي أصل النبوة وأصل الإسلام لمجرد صياغة الأساطير من بعض معتنقي الإسلام الجهلة أو بعض المغرضين؟ فلا ملازمة ولا تداخل بين صياغة الأساطير والحكايات حول عقيدةٍ ما، وبين نفي أصل وصحة تلك العقيدة.
وهكذا يبدأ غولدتسيهر بذكر نماذجَ تشبه الفكرة المهدية بحد زعمه: (نصادف في البيئات غير الإسلامية عقائدَ مماثلةً لهذه، مقترنةً بأمانٍ أخرويةٍ مستخلصةٍ منها، ففرقة الدوسيتيين تنكر موت مؤسسها (دوسيتيوس Dositheos) وتؤمن بخلوده؛ وإنَّ (ڤيشنو) في عقيدة (الڤايشنافاس) الهندية سيعود إلى الظهور في نهاية العهد الحالي للعالم، متجسداً في صورة (كالخي) وذلك لكي يخلص (أرياس) من حكامها الظلمة، أي تخليص الهند من فاتحيها من المسلمين؛ وينتظر مسيحيو الحبشة رجعة ملكهم تيودور كمهديٍّ في آخر الزمان؛ ولا يزال المغول يعتقدون بأنَّ (چنكيزخان) الذي يقدمون له القرابين على ضريحه، كان قد وعد قبل موته أنه سيعود إلى الدنيا بعد ثمانية قرونٍ أو تسعةٍ، لكي ينقذ المغول من نير الحكم الصيني).(٦٣٥)
وهنا مداخلةٌ، نريد أن نسأل المستشرق: لو لم يكن الإيمان بحياة وعودة وظهور المهدي المنتظر آخر الزمان، لو لم يكن هذا الإيمان موجوداً، وكان الاعتقاد بأنَّه غيرُ موجودٍ حاليّاً ولا يعود بعد غيبته، بل إنه سوف يوجد ويولد في آخر الزمان إلى أجلٍ لا يعلمه إلا الله تعالى، كما عليه الآن اعتقاد سواد المسلمين من أهل السنة والجماعة، بأنَّه سوف يولد في النهاية. السؤال: هل سيغير المستشرق المُشْكِل، انطباعه وفكرته ولا يَعدُّ هذه الفكرة بأنها جاءت من أصولٍ يهوديةٍ مسيحيةٍ ومن مِللٍ ونِحلٍ أخرى أو ماذا؟ بصيغةٍ أخرى: لِمَ لم يؤيد إحدى الفكرتين؟ إذا كانت غيبة وخلود الإمام حتى يرجع ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، تشبه إلى حدٍّ كبير العقائد للأديان الأخرى وأنَّها تأصلت من هناك، فليؤيد تلك التي تقول أنَّ المهدي غيرُ موجودٍ وغيرُ حيٍّ وأنَّه سوف يولد ويخرج آخر الزمان، وقد تكون هذه الثانية خاليةً من خرق العادة والإعجاز في خلود إنسان لمدة آلاف السنين وقريبة للحس المادي الذي يمكن أنْ يصدقه؟!
الجواب: هو لا يؤمن ولا يصدق بكلا الأطروحتين كما قرر ذلك عندما قال: (أما في الإسلام السُّنِّي، فإنَّ ترقب ظهور المهدي، مع استناده إلى الوثائق الحديثية والمناقشات الكلامية، لم يصل البتة إلى أن يتقرر على أنه عقيدةٌ دينيةٌ، ولم يبد قط عند أهل السنة إلا كحليةٍ أسطوريةٍ لغايةٍ مثلى مستقلةٍ أو كأمرٍ ثانويٍّ بالنسبة لجوهر النظرية السُّنِّية للكون)(٦٣٦). وهذا إنَّما يدل على أنه فقط يريد الإنكار والتسفيه والتنكيل لأصل العقيدة، والاستهزاء بكل جزئياتها وإلاِّ كان قد رجَّح إحدى الأطروحتين. هذا السؤال - المتقدم الذكر - إنَّما يُطرحُ هنا لبعض الذين يتوهمون ويريدون أن ينجَّروا وراء سراب هذا المستشرق أو ذاك ويتأثروا بالمعلومة (المستوردة والمَصوغة أجنبيّاً إن صح التعبير) وأنَّه بمجرد أن أنكر ونقد إحدى الأطروحتين، فهو إذا سيؤيد ويصدِّق الأخرى، أبداً فالأمر ليس كذلك ولا كما يظن بعضهم.
ويستمر غولدتسيهر بتدعيم قواعد رأيه حتى ذهب قائلاً: (وقد حاول أيضاً كثيرٌ من فقهاء اليهود ومتصوفتهم - وغالبيتهم تستند على سفر دنيال - أن يقوموا بحساباتٍ تأويليةٍ خاصةٍ لتحديد وقت ظهور المهدي، وسار على هذا المنوال بعض متصوفة المسلمين البارعين وبعض الشيعة)(٦٣٧).
وبالقول نفسه ذهب المستشرق فان فلوتن بأنَّ فكرة المهدي المنتظر المنقذ المخلص، انتقلت إلى المسلمين بتأثيراتٍ من الفكر اليهودي والمسيحي، والسبب في توجه المستشرقين بهذا الاتجاه، يرجعه فلوتن، إلى أنَّه من السهل دخول عقائدَ وعاداتٍ يهوديةٍ مسيحيةٍ إلى الدين الإسلامي، بما دخل إلى اٍلاسلام من يهود ونصارى، ويسميها (تنبؤاتٍ) ليس لها من الحقيقة شيءٌ، (التي نقلها غالباً اليهود أو النصارى ممن اعتنقوا الإسلام. وبفضل هذا النوع من التنبؤ، اكتسب شهرةً واسعةً كلُّ من وهب بن منبه وتميم الداري وكعب الأحبار)،(٦٣٨) وكأنه يقدِّم بما يتصوره دليلاً مهمّاً بتشابه بعض ما جاء في الإسلام والقرآن مع ما جاء في المسيحية، وكذلك يضع هذا المستشرق معياراً لقبول واشتهار راوي الحديث، وهو أمرٌ لا يمكن قبوله بمعيار قواعد قبول الحديث النبوي الشريف وتداوله بين المسلمين، إذ إن المسلمين وضعوا القواعد الدقيقة والمحكمة في نقد الرواية وقبولها، ويتحدث عن الإيمان بالآخرة وأنَّها متأثرةٌ بأصولٍ مسيحيةٍ أيضاً بقوله: (والحديث عن الآخرة معروفٌ في القرآن وهو من مبادئه الأساسية، أو ما يعبر عنه باقتراب الساعة - يوم الحساب - الذي كان معروفاً لدى المسيحية من قبل)،(٦٣٩) وله تصوراتٌ لمعطياتٍ أخرى حول ما نسجه منسوج الأدلة الواهي بقولٍ آخرٍ: (وكثيراً ما نجد في العراق من يقول أن اللاهوتية اجتمعت في عليٍّ، كما اجتمعت في عيسى من قبل... ومن هذا ما يُحكى عن المسيح، وقد ظلت هذه الصفات عند المسلمين مما اختص به المسيح مدةً طويلةً، وسرى كثيرٌ مما كان يقال لإثارة العواطف في يوم جمعة الآلام عند المسيحيين إلى يوم عاشوراء... وكذلك زعم الشيعة أن الحسين لم يُقتل وإنَّه شُبِّه للناس، كعيسى ابن مريم)،(٦٤٠) متناسياً (فلوتن) - عن عمدٍ طبعاً - بأنَّ هناك أصولاً ثابتةً متفقةَ عليها جميع الأديان السماوية بما فيها، بل على رأسها يوم القيامة والحساب الآخر، لا يشذ منها دينٌ، وهذا التداخل والتشابه في الأصول والعقائد بين الأديان، لا يعني أنه أخذه واقتبسه دينٌ عن الآخر، بل من الواضح معناه وحدة المصدر لتلك الأديان وهو الله تعالى. وهذه مناسبةٌ، وفرصةٌ للتأكيد على قضيةٍ أساسيةٍ بين الأديان، وهي أن وجود اتفاق بين الأديان في بعض المسائل لا يعني أن اللاحق أخذ من السابق وإنَّما يؤكد بصورةٍ واضحةٍ أنَّ هذه العقيدة أو المسألة، تشكل عمقاً دينيّاً حقيقيّاً، زيادةً على ما ذُكِرَ في وحدة المصدر لتلك الأديان.
ويذهب فلوتن كغيره إلى أنَّ من الشعوب الإسلامية من بلاد فارس الذين عانوا إدارةً فاسدةً وعمَّالاً يستولي عليهم الجشع. هؤلاء قد انبعث فيهم الأمل في نفوسهم، مبشراً بالعدالة والسعادة، لذلك لا نعجب من تبنيهم بشدةٍ دعوة أحدهم بالخلاص من ذلك الظلم، فذهب بعضهم في الاعتقاد باعتباره أحد أحفاد زرادشت Zoroastre، الرجل الذي ينتظر المجوس ظهوره كالمهدي بالنسبة للمسلمين(٦٤١).
وإنَّ فكرة الإمام الخفي لعبت دوراً حاسماً في التجربة الصوفية والفروع الشيعية الأخرى، ويزاد على ذلك أن مفاهيمَ مُشابِهةً تتعلق بالقداسة، لا بل الألوهية تصادف وتشابه كذلك في تقاليدَ دينيةٍ أخرى (الهند المسيحية في القرون الوسطى)(٦٤٢).
ولمناقشة ما تقدم من أقوال المستشرقين من تأثير الأديان الأخرى على إنتاج واستخلاص فكرة المهدي المخلِّص عند المسلمين، وأنَّها جاءت من باقي الأديان متأثرةً بها، للإجابة عليها نورد عدة نقاطٍ:
ليس مستغرباً، فليست هي المرة الأولى والأخيرة التي يحاول فيها المستشرقون إرجاع أصول العقائد والأحداث الإسلامية، بل حتى الجزئيات منها، إلى عناصرَ يهوديةٍ أو نصرانيةٍ أو أديانٍ أخرى. فهي ليست جديدةً وليست منحصرةً بالعقيدة المهدوية، فإنَّهم من قبل قالوا أنّ الاسلام والرسالة والقرآن أصلهما من الديانة اليهودية والمسيحية، وأنَّ القرآن من تأليف (محمدٍ).
فمن البدهي بعد ذلك أن يقولوا عن العقيدة المهدوية، بأنَّها متأثرةٌ بتأثيرٍ خارجيٍّ عن الإسلام ومستوردةٌ استيراداً منهجيّاً - إن جازَ التعبير - إذ إنَّ المسلمين معتادون لذلك (ولعلنا نستطيع أنْ نقول: إنَّ نظرية الفناء الصوفية قد تأثرت - إلى حدٍّ ما - بالبوذية كما تأثرت بالحلولية الهندية الفارسية، وتقبُّل الإسلام للأفكار الأجنبية، قد اعترف به كل باحثٍ آخرَ. وما تاريخ الصوفية إلا مثلٌ واحدٌ للقاعدة العامة)(٦٤٣).
مثالان اثنان فقط، أولاً، ما قاله المستشرق (جون بلر) في معرض كلامه عن وجود (عقيدة اليوم الآخر) في الإسلام وهي مقتبسةٌ من الأديان الأخرى على حدِّ زعمه: (إنَّ المكافأة في يوم الحساب على أعمال المرء، مذكورةٌ في كتبٍ عديدةٍ من العهدين القديم والجديد. لكن لا يجب الافتراض أن محمداً استعار أفكاره بخصوص البعث ويوم الحساب مباشرةً من كتب العهدين القديم والجديد المقدسة. لقد رأينا بأنَّه ليس ثمة دليلٌ يثبت أن هذه الكتب المقدسة قد تُرجمت إلى العربية قبل زمن محمدٍ... وهذا ما أدى بنا إلى الاستنتاج بأنَّ محمداً لم يحصل على معرفته بالعهدين القديم والجديد من السجلات المكتوبة، لكن حاز عليها بأغلبها، إن لم يكن كلها، من النقل مما سبَّبَ وجود المفارقات التاريخية في القرآن، والتعارضات التي حدثت بين الأسفار المقدسة والنسخة القرآنية. وبهذا الشأن، علينا أنْ نتذكر أيضاً بأنَّه كان من ديدن محمدٍ إخفاء اقتباساته، وعدم إعادة معلوماته أبداً في نفس اللغة التي سمعها بها)(٦٤٤).
وثانياً، ما قاله كلير تسدل هذا المستشرق المتحامل على الإسلام وعلى نبي الإسلام، فيذكر ما يسميه (توهم محمدٍ) قصة أصحاب الكهف وأنَّها مقتبسةٌ ويسميها المسيحيون (السبعة النيام) وقصة مريم التي ورد ذكرها في أسفار موسى الخمسة، وقصة طفولية المسيح بأنَّ القرآن اقتبسها من الأناجيل، ومعجزة إحياء الطير المصنوع من الطين أخذت من كتابٍ يونانيٍّ اسمه (بشارة توما الإسرائيلي) وأنَّ محمداً قد غيَّر في هذه الأقوال المنسوبة إلى المسيح بكيفيةٍ تلائم اعتقاده وتعليمه، وأنَّه سمع القصة من زوجته ماريا القبطية، ودوَّنها في القرآن، وغيرها من ذكر الميزان في القرآن مقتبسٌ أيضاً، وقصة صعود إبراهيم إلى السماء، وقصة الاسراء والمعراج، كلها مصطنعة من الديانات الأخرى(٦٤٥).
بعد هذه النماذج السريعة، لا نستغرب من المستشرقين إذا ما حاولوا أن يقولوا أو يثبتوا، بأنَّ عقيدة المهدي المنتظر جاءت من اقتباسات وتأثيرات الأديان الأخرى، ولا سيَّما اليهودية والمسيحية. فهذه المقولة ليست جديدةً، ولا منحصرةً بالعقيدة المهدوية، فإنَّهم من قبلُ قالوا أنَّ الإسلام والرسالة المحمدية والقرآن أصلها من الديانة اليهودية والمسيحية.
 هناك كثيرٌ من التشابه في العقائد أو الممارسات الدينية في الديانة المسيحية واليهودية، مع الديانة الإسلامية، وهل يعني ذلك أننا ننكر تلك العقائد لمجرد التداخل والتشابه بينهما، أو يعني أن ديانةً أخذت من أخرى - كما تقدم ذكره سابقاً -، كلا، لا يعني ذلك أبداً وإنَّما حصل هذا التشابه لأن مصدرها ومنبعها واحدٌ، وهو السماء، فالله (عزَّ وجلَّ) هو الذي أنزل هذه الشرائع ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيكَ الكِتَبَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ وَأَنزَلَ التَّورَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبلُ هُدًى للنَّاسِ وَأَنزَلَ الفُرقَانَ﴾(٦٤٦).
نعم هناك أشياءُ عامةٌ ترتبط بها جميع الأديان السماوية من قبيل الإيمان بالتوحيد وبوجود الله تعالى كما في الآية المتقدمة، وجاء في التوراة مثل ذلك، ففي سفر الخروج (ثُمَّ تَكَلَّمَ اللهُ بِجَمِيعِ هذِهِ الْكَلِمَاتِ قَائِلاً: أَنَا الرَّبُّ إِلهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِية. لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي. لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا، وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ، وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ، لأَنِّي أَنَا الرَّبَّ إِلهَكَ إِلهٌ غَيُورٌ)(٦٤٧)، والإيمان بالنبوة، فهذا واضحٌ في الديانات الثلاث على الأقل، والإيمان باليوم الآخر، يوم الحساب، وإنْ كان هناك اختلافٌ في الجزئيات، وقد أمر الله أنبياءه الإيمان بما جاء وأنزل على الأنبياء السابقين لأنه وحيٌ واحدٌ، وأخلاقٌ واحدةٌ أرادها الله تعالى لكل البشر والخلق والإنسانية وعدلٌ وحقٌ واحدٌ، لا يتعدد ولا يتغير في زمانٍ دون آخرَ، وحقيقةٌ مطلقةٌ واحدةٌ، قال تعالى: ﴿وَقَفَّينَا عَلَى آثَارِهِم بِعِيسَى ابنِ مَريَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّورَاةِ وَآتَينَهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّورَاةِ وَهُدًى وَمَوعِظَةً لِلمُتَّقِينَ﴾،(٦٤٨) وقال الله تعالى أيضاً: ﴿قَالَ عِيسَى بنُ مَريَمَ يَبَنِي إِسرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم مُّصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّرَا بِرَسُول يَأتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ﴾،(٦٤٩) لذا نجد التشابه والتداخل كثيرًا في الأصول، بل حتى في التشريعات، مثلاً الوصايا العشر التي جاءت في التوراة (أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ...)(٦٥٠) نجدها بعينها موجودةً في الإسلام إما في الوحي القرآني أو الوحي النبوي الحديثي. ومثلها من الإيمان بالله الواحد والتشريعات، جاء في إنجيل متَّى: (... إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا. قَالَ لَهُ: أَية الْوَصَايَا؟ فَقَالَ يَسُوعُ: لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَأَحِبَّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. قَالَ لَهُ الشَّابُّ: هذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي. فَمَاذَا يُعْوِزُني بَعْدُ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَكُونَ كَامِلاً فَاذْهَبْ وَبعْ أَمْلاَكَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ، فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ، وَتَعَالَ اتْبَعْنِي)(٦٥١).
لكن المستشرق بوكاي اعترف بأنَّ المشكلة ليست في الإسلام والمسلمين واعتبار المعطيات الموضوعية لتاريخ الديانات، يضع العهد القديم والإنجيل والقرآن، في مستوًى واحدٍ على أنَّه مجموعةٌ من الوحي المكتوب. بيدَ أن هذا الأمر وإنْ كان مبدئياً مقبولاً لدى المسلمين، فهو لدى مؤمني بلادنا الغربية المتأثرين باليهودية - المسيحية غيرُ مقبولٍ. بل يرفضون إعطاء القرآن سمة الكتاب الموحى به(٦٥٢). (فلليهودية التوراة العبرية كتابٌ مقدسٌ. وهي تختلف عن العهد القديم المسيحي بزيادته بعض الأجزاء غير الموجودة في العبرية. وهذا الاختلاف لا يغير في العقيدة شيئاً من الناحية العلمية. غير أن اليهودية لا تعترف بأيِّ وحيٍ جاء بعد وحيها. وقد تبنت المسيحية التوراة العبرية، وزادت بعض الإضافات عليها... ولا تعترف المسيحية بعد هذا بأيِّ وحيٍ جاء بعد عيسى ورسله، ومِنْ ثَمَّ فإنَّها تسقط القرآن من هذا الحساب. أما الوحي القرآني الذي نزل عقب ستة قرونٍ من المسيح، فقد احتفظ بالعديد من تعاليم التوراة والإنجيل اللذين أكثر من ذكرهما، بل فرض على كل مسلمٍ الإيمان بالكتب السابقة)(٦٥٣).
أقول: لكن المشكلة في الاتِّباع بأنَّهم (الغرب) يريدون أن يكون الإسلام والمسلمون تابعين لهم في كل شيءٍ حتى بالأديان والعقائد، والدليل الحملات التبشيرية والتنصيرية في دول العالم، ولا سيَّما الدول الفقيرة منها، فصدق الله ورسوله، إذ قال: ﴿وَلَن تَرضَى عَنكَ اليَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم قُل إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعتَ أَهوَاءَهُم بَعدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ العِلمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾(٦٥٤).
وفي المطلب اللاحق (المهدي المنتظر في الديانات الأخرى) سيتبين أن وحدة هذه الأطروحة، أو الفكرة، أو العقيدة - عبِّر ما تشاء - وهي أطروحة المنقذ، المسيح، المخلص، المنتظر، الفداء، وارتباطها الوثيق بكل الديانات والملل والنحل، هي عنصر قوةٍ للأطروحة، وليس عنصر ضعفٍ كما يريد أن يصادر هذا المطلوب بعض متعصبي المستشرقين.
المبحث الثاني: التأصيل الديني للأطروحة المهدوية في الأديان الأخرى:
هذا المطلب هو تأصيلٌ للأطروحة المهدوية وتقريرٌ لها، وكذلك هو مناقشةٌ لأقوال المستشرقين المتقدمة، بقولهم أن العقيدة المهدوية عند المسلمين، هي من أصل تأثير الأديان الأخرى واقتباساً منها، سيثبت أن وجود الفكرة أو الأطروحة المهدوية في تلك الديانات، يعدُّ دليلاً أو تأييداً للفكرة لا نفياً لها، كما يسوّق المستشرقون، لكن لا يراد من هذا المطلب أن يكون دليلاً بقدر ما يكون تأييداً، لأنه في الحقيقة وبصريح العبارة، المسلمون أنفسهم مختلفون في تشخيص من هو المهدي المنتظر الذي أخبرت عنه الأحاديث ودلت وأشارت عليه الآيات القرآنية، وإثبات وجود الفكرة في تلك الأديان والأمم السابقة، لا يعني إثبات المهدي المنتظر بعينه ومصداقه الذي يؤمن به المسلمون، فكلٌّ يؤمن بمنتظرٍ مخلِّصٍ بحسب اعتقاده ومعطياته الدينية والتاريخية، حتى المسلمون أنفسهم لا يوجد تطابقٌ تامٌّ كاملٌ بشأن الأطروحة المهدوية، والأكثر من ذلك حتى فرق الشيعة تختلف في تشخيص من هو المهدي، فالإسماعيلية تعتقد تشخيصاً معيناً والزيدية وغيرهم بتشخيصٍ آخرَ، والإمامية تعيِّن المهدي المنتظر على غير ما رأته تلك الفرق؛ لذا سيقتصر المطلب على ذكر نماذجَ معينةٍ، دون الولوج في تفاصيلَ وجزئياتٍ متفرعةٍ.
لكن المهم في المسألة، هو أن الأطروحة المهدوية، أطروحةٌ إنسانيةٌ، عالميةٌ، يؤمن بها جميع شرائح الإنسانية بمختلف مشاربهم الدينية والعقدية.
في ديانة مصر القديمة:
اعتقد المصريون القدامى الذين تعدد شكل الآلهة لديهم آنئذٍ، آمنوا واعتقدوا بفكرة الخلاص والمنقذ، ولا سيَّما بعد الموت ففي تلك (العصور القديمة انتشرت بين الخلق عقيدة أزوريس(٦٥٥) ووفاته وإحلال ابنه حوريس محله على عرش مصر حتى صار لها مكانٌ عظيمٌ في نقوش الموتى... وكثيراً ما ورد على الآثار ما معناه (ليعش هذا الميت كما عاش المعبود. وليدرأ عن هذا المتوفى الفناء كما درأ عن أزوريس الفناء وليحفظ من التلف كما حفظ أزوريس)(٦٥٦).
فاعتقدوا بأنَّ إلهَهُم الذي كان يعبدونه في الدنيا سينقذهم ويخلِّصهم في الآخرة وهو في انتظارهم، ويبرهن على ذلك ما لديهم (من الدعوات لأحد الأموات (لقد فتح لك باب السماء وأقفالها إكراماً لك وتبجيلاً. هناك ستجد المعبود (رع) في انتظارك فيقودك بيدك إلى المحل المقدس في السماء ويجلسك على عرش أزوريس النحاسي فيصبح عرشك وتحكم الأموات الموقرين... أنت العامل لأعماله نحو الأموات والشهداء... أنت الرافع منزلك بعد حياتك والدافع الأذى عن أطفالك)(٦٥٧) فبدأوا يتطلعون إلى وجود منقذٍ ينتظرهم في تلك الحياة الآخرة سينقذهم ويخلِّصهم من العذاب المتوقع؛ لأن (القوم وقتئذٍ أخذوا يعتقدون بوجود محاكمةٍ في الآخرة أمام أزوريس وأنَّ هذه المحاكمة ستتناول كل ما أتاه المتوفى في دنياه من صالحٍ وطالحٍ. وليلاحظ أن محاكمة أزوريس أحدثت تأثيراً أدبيّاً في نفوس المصريين)(٦٥٨).
لكن لسائلٍ أن يسأل: كيف ظهرت عقيدة المنقذ، المخلِّص عند قدماء المصريين؟ فيمكن القول بأنَّه كان (مدارها الإيمان بظهور شخصيةٍ قدسيةٍ على الأرض تعيد إلى الأرض السلام وتقرُّ العدالة بعد أن ملئت الأرض جوراً وفساداً وظلماً. ولعل [نهر] النيل هو مرجع هذه العقيدة لأنه يعود بعد إمحالٍ ويؤوب جالباً معه الخيرات والبركات بعد جوعٍ وعطشٍ)(٦٥٩).
فعقيدة المنقذ المنتظر المخلِّص في آخر الزمان، أقرَّ بها المستشرقون أنفسهم الذين شككوا بها، فقولهم بأنَّ عقيدة المهدي المنتظر جاءت وتأثرت بالأديان للأمم السابقة والديانات القديمة، دليلٌ على أنَّ تلك العقيدة متأصلةٌ ومتجذرةٌ إنسانيّاً باعتراف أقوالهم المتقدمة المذكورة آنفاً. فإنَّ تاريخ الأديان حافلٌ بهذا الطموح والإيمان، كما قال المستشرق توينبي: فإنَّ الأديان ولا سيَّما الأربعة (الإسلام، المهاينا البوذية، الهندوكية، المسيحية) يرتبط بعضها ببعضٍ ارتباطاً وثيقاً أشد كثيراً مما يربط الحضارات المعاصرة بعضها ببعضها الآخر. ونجد هذا التعاطف أشد وضوحاً بين المسيحية والبوذية المهايانية، إذ تشترك الديانتان بوجود إلهٍ مخلِّصٍ يضحي بنفسه فداءً للبشر)(٦٦٠).
قبل ذلك كان المنقذ المنتظر يتمثل لديهم في شخصية ما يُعرف (الاسكندر الأكبر) بعد أنْ اتسم الحكم الفارسي بعد غزو مصر سنة (٥٢٥ ق.م) بانتهاكه للديانة المصرية والحط من شأن المصريين زيادةً على الفقر والبؤس اللذين أصابا الشعب المصري، فقامت ثوراتٌ كثيرةٌ ضد الفرس، لكنها جميعاً باءت بالفشل(٦٦١).
ولم يفكر المصريون باليأس لأنهم كانوا بانتظار منقذ لهم من الخارج، وأدى الدين المصري دوراً مهمّاً في إبقاء حالة الشعب في حالة انتظارٍ، ذلك بنبوءةٍ خرجت من معبد آمون، مقتضاها أن الفرس سيُطرَدون وأنَّ الملك الوطني سيعود. وظاهر الحال يؤكد أن الانتظار لمجيء منقذٍ منتظرٍ كان مجدياً إلى حدٍّ بعيدٍ، وفعلاً تحققت النبوءة وصدق كهنة الديانة المصرية، إذ دخل الاسكندر محرراً ومخلِّصاً لمصر من الفرس، فقد أوحى إلى الشعب عن طريق الكهنة، بأنَّ زمن العبودية والتنكر للآلهة قد انتهى، فهيأ الشعب لاستقبال المنقذ المنتظر(٦٦٢).
١ - الديانة الهندوسية:
بالنسبة للدين الهندوسي لديهم عدة طروحاتٍ في مسألة الخلاص والإنقاذ من الظلم في نهاية المطاف، هنا اخترتُ أوضحها جلاءً وأقربها لمفهوم وفكرة المخلص، ففي تجسد الإله على شكل إنسانٍ أو حيوانٍ لينقذهم من الشرور والظلم فالآلهة عندهم متعددةٌ، هناك (ثلاث صورٍ متعينةٍ وشخصيةٍ للواقع المطلق سادت الهندوسية (فيشنو وشيفا وكالي) ويمثل كل إلهٍ من هذه الآلهة بعداً مختلفاً من أبعاد الواقع، ذلك أن فيشنو(٦٦٣) هو قدرة الواقع على الحفاظ على الحياة وتغذيتها. وشيفا هو كلٌّ من القوة المدمرة التي تنحّي القديم جانباً لتفسح المجال للجديد واللغز التجاوزي الذي يكمن في ما وراء الخلق والدمار. وكالي هي الطاقة الإلهية التي تكمن في قرار قوة التغيير المحولة، وكما سنرى فإنَّه كما أن هناك العديد من الرموز للمطلق كذلك هناك العديد من الأشكال لكلٍّ من هذه الأرباب، وكلٌّ منها يمثل وظيفة أو قوة لها أهميتها)(٦٦٤).
وفي التصور الديني الهندوسي للثالوث الإلهي، حيث (براهما) يخلق و(شيفا) يدمر، فإنَّ وظيفة فيشنو هي الحفاظ على العالم، ولما كانت التجربة الإنسانية الشاملة على وجه التقريب تقول أن الحب يغذي الحياة، ويُبقي عليها، فمن الطبيعي أنْ يتم النظر إلى فيشنو، بوصفه المحافظ على الوجود، على أنه التجسيد للحب، وهو تجسيد يبدو واضحاً، كأقصى ما يكون الوضوح، في تجليه، ووظيفته الخاصة بالحفاظ على الوجود تظهر بطرقٍ عدةٍ مختلفةٍ(٦٦٥).
وكانوا يصورون ظهوره بحسب معتقداتهم بعدة تجلياتٍ: (ويظهر فيشنو في تجليه الأول على أنَّه ماتسايا - وهي سمكةٌ هائلةٌ - لإنقاذ (مانو) في أثناء الفيضان العظيم.... وعندما تهدد مياه الفيضان بالقضاء عليه، ومِنْ ثَمَّ بالقضاء على الجنس البشري بأسره فإنَّ فيشنو يتجسد في صورة سمكةٍ هائلةٍ، لكي يستطيع حماية البشر من الفيضان. ومرةً أخرى، عندما تقوم الأرباب والأرواح الحارسة بتحريك مياه المحيط بعنفٍ للحصول على إكسير الخلود، فإنَّها تهدد بغمر الأرض بأسرها بالماء والقضاء عليها. وهكذا يظهر فيشنو في صورة (كورما) السلحفاة العملاقة، التي تسند الأرض إلى ظهورها، ومِنْ ثَمَّ تنقذها من الدمار. ومرةً أخرى كذلك، وبعد أن غمرت مياه المحيطات الأرض، تجلى فيشنو في صورة خنزيرٍ برِّيٍّ ضخمٍ، هو (فاراها) يرفع الأرض فوق الماء. وكما حدث في المرات السابقة، فقد اتخذ فيشنو صورةً مناسبةً لما يقتضيه المقام، منقذاً العالم من الدمار.... ولذا فقد ظهر، فيشنو الذي كان يعرف موضع ضعفه الخفي،... وقام فامانا القزم الذي تجسد فيه فيشنو، بإنقاذ العالم من عفريت شرير يدعى (بالي)(٦٦٦).
وفي آخر مجيء وظهور وتجلٍ له (يأتي فيشنو في نهاية هذا العصر المظلم على شكل رجلٍ يمتطي حصاناً أبيضَ وفي يده سيفٌ يلمع ليحاكم الخطاة ويكافئ المحسنين ويعيد إلى الذهب قيمته التي ضاعت)، وكذلك قال أحد المؤرخين المستشرقين: (أما التجلي العاشر... على جواده الأبيض، فسوف يكون الهبوط التالي لفيشنو، وهو هبوطٌ سيحدث في نهاية العصر الحاضر. وهو نوعٌ من المخلِّص، جاء ليعاقب الأشرار، وليكافئ الأخيار، مطلقاً العنان لعهدٍ جديدٍ من القداسة والنعيم، وليس من الواضح ما إذا كان هذا التجلي مستلهمًا من التعاليم البوذية الخاصة ببوذا المستقبل أو من الأفكار الزرادشتية عن المخلّص الذي سينتصر على الشر)(٦٦٧).
وأخيراً بُعيْدَ الاطلاع على معتقدات الديانات القديمة إجمالاً، ولا سيَّما معتقد الإنقاذ والخلاص، أجدُ أن هذه الديانات القديمة لا تؤمن ولا تعتقد بالمنقذ والمخلِّص بالإيمان الذي ننشده ونتوق له، ويتفق مع فكرة المنقذ المخلِّص في نهاية الزمان وقبل نهاية الدنيا، إنَّما كانت عقيدتهم بالمنقذ المصلح والمخلِّص على حدِّ زمانهم المؤقت ولا يمتد هذا الاعتقاد إلى آخر الزمان عندما تملأ الدنيا ظلماً ليأتي فيملؤها قسطاً وعدلاً، كما عليه الإيمان الصريح في الأديان الرئيسة الثلاثة (الإسلام، المسيحية، اليهودية). وكذلك فإنّ رؤيتهم للمنقذ والمخلِّص هي رؤيةٌ دنيويةٌ نابعةٌ من ارتباطاتٍ دنيويةٍ ومآسٍ وآلام ارتبط الخلاص منها بظهور هذا المنقذ، وهذه الرؤية تختلف عن الرؤية الإسلامية على الخصوص لطبيعة وظيفة المخلِّص أو المنقذ في آخر الزمان، إذ ارتبطت العقيدة بملءِ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا هو منهج الإسلام عموماً في إحقاق الحق وإقامة العدل.
٣ - الديانة الهلنستية:
الديانة الهلنستية، ديانةٌ وثنيةٌ(٦٦٨) وفكرة المنقذ المخلِّص في هذه الديانة، تتمثل في التجلي والتجسد أيضاً، حيث (دفعت حياة الإسكندر الأكبر المقدوني القصيرة (٣٥٦ - ٣٢٣ ق.م) بالحدود إلى الوراء بعدةِ طرقٍ، فاهتزت الآلهة القديمة وعظّم اليونانيون أبطالهم ومؤسسي المدن، فحاولوا أن يجعلوا ألوهيته هي الفكرة التي تربط الإمبراطورية، صحيحٌ أنه فشل، لكنه وضع سابقةً. وعندما زار (ديمتريوس فاتح المدن) أثينا عام ٣٠٧ ق. م أنشدوا له ترنيمةً جميلةً تعلن أن الآلهة الأخرى غائبةٌ، صمّاءُ، غيرُ مكترثةٍ أو غيرُ موجودةٍ، أما هو، فهو تجلٍّ للإله الواحد الحق... وبعد ذلك اتخذ الحكام ألقاباً مثل (Euergetes المُحسِن) أو المنقذ وتجلي الإله)(٦٦٩).
ولديهم أيضاً أنَّ الإله سيرابيس Sarapis، واحدٌ من أطرف إبداعات العصر وهو صيغةٌ جديدةٌ من الإلهين المصريين أوزريس، الإله المخلِّص، ومع ذلك فهو يرتبط ارتباطاً غريباً مع سينوب Sinope الواقعة على البحر الأسود، إذ اتحد مع زيوس الإله الشافي، الإله المخلِّص، الإله الأب(٦٧٠).
وقد قالت جماعةٌ منهم أنَّ حالة الإنقاذ والخلاص يمكن أن تحدث في كل وقتٍ أو زمانٍ، فقد قالوا واعتقدوا بفناء النفس التي هي بنيةٌ من الذرات تنحل مع انحلال الجسد، وأنكروا أن الآلهة تعاقب الشرير وتكافئ المستقيم، لكنهم يجمعون على أنّ الآلهة موجودةٌ يقول بهذا إجماع الناس، ونحن ندركها في الأحلام أنها تعيش في نعيمٍ مقيمٍ، دون أن يزعجها شيءٌ، وتدور بينها مناقشاتٌ فلسفيةٌ حول العالم وما فيه من خللٍ دون أن تهتم بشؤون البشر. غير أن الروح التي هي و(حالة تناغم مع اللامتناهي) تستطيع أن تلتقط فيوضاتهم كما نلتقط موجات الراديو وذلك منفعتها وسعادتها(٦٧١).
٤ - الديانة البوذية:
بوذا(٦٧٢) هو المنقذ والمخلِّص، هذا ما تنبأ به منذ ولادته، مفسرو الأحلام في الهند، بعد أن كانت أمّه الملكة حاملاً به، فحلمت حلماً استغربت له، فجاء الملكُ بأربعة وستين من أعلام ومفسري البراهمة واستفسرهم عمّا يكنه الغيب، فقالوا: (سيكون لك ابنٌ، ولو سكن ذلك الولد بيتاً فسيكون ملكاً، سيكون ملكاً على الدنيا بأسرها، وأما إن ترك داره وخرج من أحضان العالم، فسيصبح بوذا [يعني مخلِّصاً] وسيكون في هذا العالم رافع الغشاوة عن أعين الناس)(٦٧٣).
ومفهوم البوذيستفا Bodhisattva يعني به (بوذا المنتظر - أو الشخص الذي يصل إلى مرحلة ما قبل الاستنارة - أي الشخص الواعد أن يصبح بوذا - وعدد هؤلاء من الناحية النظرية لا حصر له، يحمل أسماءَ مختلفةً في الصين والتبت واليابان)(٦٧٤).
في البوذية، هنالك مفهوم (البوذيستفا): (هو كلُّ شخصٍ يكون على أعتاب (النرفانا)(٦٧٥) ثم يؤجل عامداً الدخول في حالة الغبطة النهائية (النرفانا) شفقةً منه على جماهير الناس العاديين وبدلًا من أن يتحول إلى (بوذا) كاملٍ فإنَّه يظل مقيماً في العالم الزماني المؤقت مكرساً نفسه لخلاص الآخرين)(٦٧٦).
وكذلك يُنظَر أيضاً إلى البوذيستفا نظرة المحرر والمنقذ الذي سيعود لهم بطريقةٍ أو بأخرى (بوصفه شخصاً تحرر من الخضوع للحدود البدنية للحياة البشرية، وأصبح يسكن عالماً سماويّاً ومجالاً روحيّاً أوجده بفضل قداسته، وقد اعتقد الناس أنه يستطيع أن يدخل الآخرين في هذا العالم المبارك عن طريق قواه الروحية)(٦٧٧).
والظاهر أن البوذيين فهموا هذا المعنى، معنى الخلاص والعودة والإنقاذ، بجعله أنه هو الإله، وكذلك ما ترشح من كلمات بوذا نفسه، فقد جاء في كتاب (الدامابادا)(٦٧٨) كتاب بوذا المقدس، ما يطلقون عليه قرآن بوذا، جاء بما يُسمونها سورة الأزهار:
(مَن سيكونُ له هذا العالَم؟
وعالَمُ الموتِ والآلهة؟
مَن سيجد طريقَ الحقّ،
كما يجدُ امرؤٌ عارفٌ، الزهرةَ؟
الطالبُ الحكيمُ سيكونُ له هذا العالَمُ
وعالَمُ الموتِ والآلهة.
الطالبُ الحكيمُ سوف يجد طريقَ الحقّ
كما يجدُ امرؤٌ عارفٌ، الزهرةَ).(٦٧٩)
فمن الواضح بعد أن عدَّه البوذيون أتباعه، إلهاً جعلوه مخلِّصاً لا يموت في كل زمانٍ ومكانٍ، على سبيل المثال، جاء أحد مريديه يسأله: أُخبِرتُ (أنَّك أنت (بوذا الواحد المقدس) العارف كل شيءٍ، وأنك سيد العالم، وما دمت أنت (بوذا)، فلم لا تظهر بمجدك العظيم بأبّهةٍ وجلالٍ كملكٍ قديرٍ؟)(٦٨٠).
وأكثر صراحةً وجلاءً، ما جاء على لسان بوذا نفسه، بأنَّه هو المنقذ الذي سيعود ويخلصهم، إذ قال لأتباعه ومريديه: (إنَّ الذين لا يؤمنون بي يدعونني (غوتاما) أما أنتم فادعوني (بوذا) الواحد المبارك، والمعلم... واعلموا أن (بوذا) لا يموت أبداً بل يبقى حيّاً في جسد الشريعة المقدسة... يا أولادي ثقوا أني أنا أبوكم، وبواسطتي نجوتم من الآلام والأوجاع. أنا نفسي وصلت الشاطئ الآخر لأساعد الآخرين على اجتياز ساقية الآلام، وقد دُفِعَ لي كلُّ سلطانٍ فأنا المخلِّص المنقذ، اطمئنوا لأني سأنقذ الآخرين وأقودهم إلى مقر الراحة. سأبعث فرحاً في المتعبين، وأمنح غِبْطةً لموتى الأوجاع، وأمدهم بالمساعدة للخلاص. لقد ولدتُ في هذا العالم ملكاً للحقيقة لكي أخلص العالم، فالذي أقوله حقٌّ وما أقوله عن نفسي حقٌّ، وما أبشّر به حقٌّ).(٦٨١)
لكن السؤال يبقى هنا: هل البوذيون الآن في الوقت الحاضر، يؤمنون بعودة بوذا نفسه لينقذهم؟ أو أن لكلمة بوذا بمعناها العام (المتيقظ، المستنير) - أي الحقيقة الخالدة للواحد المتيقظ التي تدور حول واقعة المتيقظ وهذه اليقظة ممكنة وكذلك الحقيقة يعلنها ذلك الشخص المتيقظ وسوف يواصل الظهور كلما فقد الناس معرفة الحقيقة الخالدة وتوقفوا عن أداء ممارسة طريقة الحياة، كما هو سالف الذكر - تبيح لهم هذه الكلمة بهذا المعنى، انتظار بوذا آخر، يحمل ذات الصفات من الزهد والعلم والفكر والاستنارة والتيقظ؟ وهذه الفكرة تعبّر عن رمزية عقيدة المنقذ وإعطائه بُعداً روحيّاً لا يرتبط بإمكانات الواقع.
٥ - الديانة الزرادشتية(٦٨٢):

كان للإيرانيين الفرس دياناتٌ وآلهةٌ متعددةٌ منذ العهود الآرية القديمة التي سبقت هجرتهم، لكن بعد ما جاء زرادشت في القرن السادس ق.م شرع في تأمل حياة الناس بغية الوصول إلى ديانةٍ جديدةٍ تلائم حياتهم وتسد حاجتهم، فتأمل زرادشت الصراع المستمر بين الخير والشر - وهو يكاد يكون أُسّ الديانة الزرادشتية - هذا الصراع الذي كان يراه حوله أينما سار، والذي رآه ممثلاً في ديانة الشعب وفي عقائدهم. وبدا له أن هذا الصراع قائمٌ بين مجموعةٍ من قوى الخير ومجموعةٍ من قوى الشر، واعتقد أن الخير ليس إلا كائناً إلهيّاً أطلق عليه اسم مازدا Mazda، الذي كان اسماً لأحد الآلهة القدامى أو (أهورامزدا) Ahurmazda ومعناها (رب الحكمة) الذي رأى فيه أنه هو (الله).(٦٨٣) وكان من بين تلك الآلهة، الإله (مترا) هو الإله المخلِّص عند الفرس الذي سيعود ويخلصهم، وهو إله القبة الزرقاء وحليف (أهورا مزدا)(٦٨٤).
وجاء في كتاب أفِستا(٦٨٥) (الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية): كان (ميترا) الإله الآري الأصل، يُعبد في إيران في الزرادشتية كإلهٍ للعقود والاتفاقيات. وهو يحفظ الحق والنظام. وبوصفه حارساً للحقيقة فهو قاضي الأرواح بعد الموت، وبوصفه الحافظ للاتفاقات والعقود، فهو الذي يحدد متى تنتهي فترة حكم الشيطان. ويُنتظَر قدومه في أيام النصر. كما تتضمن بعض النصوص المسيحية في القرن الخامس وجود (أسطورة عن مترا) وتنبؤات تتوافق ومتبنياتهم واعتقاداتهم، تنبئ بظهور نجم يقود المجوس إلى المكان الذي سيولد فيه المخلِّص(٦٨٦).
كذلك تبلورت فكرة انتظار المنقذ والمخلِّص عند الزرادشتية، لينقذهم من عقاب الجحيم، فالجحيم الأبدي في نظرهم، هي التعاليم اللاأخلاقية. والإله الطيب لن يسمح لعباده أن يعانوا إلى الأبد، لأن الغرض من العقاب هو الإصلاح، حتى إذا جاء يوم البعث أمكن أنْ يقوم الجميع، بفضل المخلِّص لمواجهة الحساب الأخير، عندئذٍ، وعندما يصبح الجميع أنقياء في النهاية، فإنَّ الشيطان وجميع أفعاله سيتم تدميرها في النهاية(٦٨٧).
وفكرة الانتظار عموماً، هذه - انتظار المنقذ والمخلِّص - عند الفرس الزرادشتية قد يكون جاءت من تنبؤاتٍ أخبرهم بها زرادشت وآمنوا وصدقوا بها، بحسب اعتقادهم به، بما يعدّونه نبيّاً موحًى إليه، من الإله (أهورامازدا) وساروا على خطاها، فكما يظهر، قد تنبأ لهم بظهور المسيح المخلص، كما جاءت تفاصيل هذه النبوءة في إنجيل (متّى) وتشير إلى قدوم مجوس المشرق إلى بيت لحم: (وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِية، فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ، إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: أَيْنَ هُوَ الْمَوْلُودُ مَلِكُ الْيَهُودِ؟ فَإِنَّنَا رَأَيْنَا نَجْمَهُ فِي الْمَشْرِقِ وَأَتَيْنَا لِنَسْجُدَ لَهُ. فَلَمَّا سَمِعَ هِيرُودُسُ الْمَلِكُ اضْطَرَبَ وَجَمِيعُ أُورُشَلِيمَ مَعَهُ. ٤ فَجَمَعَ كُلَّ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَكَتَبَةِ الشَّعْب، وَسَأَلَهُمْ: أَيْنَ يُولَدُ الْمَسِيحُ؟ فَقَالُوا لَهُ: فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِية. لأَنَّهُ هكَذَا مَكْتُوبٌ بِالنَّبِيِّ: وَأَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمٍ، أَرْضَ يَهُوذَا لَسْتِ الصُّغْرَى بَيْنَ رُؤَسَاءِ يَهُوذَا، لأَنْ مِنْكِ يَخْرُجُ مُدَبِّرٌ يَرْعَى شَعْبِي إِسْرَائِيلَ... وَإِذَا النَّجْمُ الَّذِي رَأَوْهُ فِي الْمَشْرِقِ يَتَقَدَّمُهُمْ حَتَّى جَاءَ وَوَقَفَ فَوْقُ، حَيْثُ كَانَ الصَّبِيُّ. فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا. وَأَتَوْا إِلَى الْبَيْتِ، وَرَأَوْا الصَّبِيَّ مَعَ مَرْيَمَ أُمِّهِ. فَخَرُّوا وَسَجَدُوا لَهُ. ثُمَّ فَتَحُوا كُنُوزَهُمْ وَقَدَّمُوا لَهُ هَدَايَا: ذَهَبًا وَلُبَانًا وَمُرًّا.)(٦٨٨) فبقي هذا الوازع لديهم، وهذا الأمل، بانتظار المسيح المخلِّص في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، بعد غياب ورحيل زرادشت عنهم.
وجاءت هذه النبوءة ذاتها في (إنجيل الطفولة المنحول)(٦٨٩) وعيَّنت اسم النبي المُتَنَبّأ به، والذي جاء بالوصف فقط في إنجيل (متى) فذُكِرَ في هذا الإنجيل - إنجيل الطفولة المنحول - بالذكر الصريح: اسم (زرادشت) حيث جاء فيه: (وحدث عندما ولِدَ الربُّ يسوع في بيت لحم اليهودية، في زمن الملك هيردوس، جاء مجوسٌ من المشرق إلى أُورشليم، كما تنبَّأ بذلك زرادشت، وكانوا يحملون معهم هدايا، ذهبًا ولبانًا ومرًّا، وسجدوا للطفل وقدموا له هداياهم)(٦٩٠).
وكما ترشح هذا المعنى - معنى المنقذ والمخلِّص - على أنه عقيدةٌ أكثرُ وضوحاً وتصريحاً، من كلمات زرادشت نفسه في الكتاب المقدس للمجوس (أفستا) حيث جاء فيه: (عسى أن يبلغ ما هو أفضل من الخير، ذلك الذي يعلّمنا الطرق المستقيمة للقداسة في هذه الحياة الدنيوية وفي تلك الحياة العقلية، الطرق الحقة، التي تؤدي إلى العالم الذي يسكنه آهورامازدا المنقذ والحكيم، المقدس والسامي)(٦٩١).
وفي كلامٍ آخرَ له: (أنا زرادشت، عدوٌّ حقيقيٌّ للكاذب الشرير بأقصى حدٍّ من قوتي، لكني نصيرٌ قويٌّ للإنسان الصالح، ولعلي أبلغ الأشياء المستقبلية للسيادة اللامتناهية بمديحي وتمجيدي إليك يا مازدا)(٦٩٢).
وفي موضعٍ آخرَ من (أفستا الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية) يَعِدُهُم بوجود المنقذ، والذي يُصْطلَحُ عليه (الساوشيانت): ([زرادشت](٦٩٣): الذي يكره الأبالسة، ويطيع الساوشيانت [المنقذ](٦٩٤) سيكون ضميرُ ساوشيانت المقدس سيدَ منزله، بدلاً من الصديق والأخ والأب يا آهورامازدا)(٦٩٥) وهم يُعدّون لذلك المنقذ والمخلِّص ويحترمونه لأنه سينتصر لهم ويحميهم من شر الأشرار، بما جاء: (نُبجّلُ الذي اسمه سيكون المنتصر ساوشيانت، الذي سيكون اسمه Astvat - ereta سيكون ساوشيانت [الرحيم](٦٩٦) لأنه سيرحم العالم المادي كله، سيكون Astvat - ereta [الذي سيجعل المخلوقات المادية تنهض](٦٩٧)، وكونه مخلوقاً ماديّاً وحيّاً سيقف ضد دمار المخلوقات المادية)(٦٩٨) في أكثر من موضعٍ في الأفستا صرّح بنفسه على أنَّه مخلِّصٌ ويهتف: (عسى أن نكون هؤلاء الذين يجددون هذا الوجود، فليقوِّنا آهورامازدا، فلتقوِّنا القداسة... حينئذٍ يتوقف الشر عن الازدهار)(٦٩٩).
بل وهناك بحسب اعتقادهم، يوجد في النهاية منقذون متعددون، لكل زمنٍ (الساوشيانتيون يحموننا في المحن بمساعدة آهورامازدا،... التي عبدها زرادشت بعظمة شديدة في العالم المادي)(٧٠٠) وهذا التبجيل والتعظيم للمنقذ المخلِّص عموماً ولزرادشت خصوصاً وهبه إياه الإله آهورامازدا: (أنا آهورا، صديق آرتا وخالق الكلمة مانترا [الكلمة المقدسة، الخطاب الإلهي أو التعويذة](٧٠١)... يقول للعقل الخير هناك واحدٌ أحدٌ في الأرض، يُبجِّل وصاياي بقدسية، إنه زرادشت المخلِّص لمازدا مثل آرتا لقد مجَّدنا دائماً، لذا أهبه الكلمة)(٧٠٢).
وفي سؤالٍ لزرادشت يسأل آهورامازدا - الإله الذي يعتقد به - وكأنه يُعدُّ نفسَه ليوم الخلاص، في دائرة الصراع القائم بين الخير والشر، بين الأخيار في مقابل الأشرار، يجيبه آهورامازدا، بما يناسب ظروف زرادشت، على أنَّه منقذٌ ومخلِّصٌ: (قل لي أيها الروح، خالق الحياة المسطحة، أيُّ شيءٍ يؤثر أكثر من الكل، من الكلمة المقدسة، الأكثر عظمةً، والأكثر نصرةً، والأكثر غزارةً للخيرات؟ وأيُّ شيءٍ الأكثرُ نصرةً، والأكثر نجاحاً؟ وأي شيءٍ سيحطم عداوة الناس والأبالسة؟... نطق آهورامازدا: سيكون اسمي يا زرادشت سپيتاما(٧٠٣) من الأسماء المقدسة الخالدة... الأكثر ظفراً، الأكثر غزارةً للخيرات، الأكثر تأثيراً، هو الأكثر نصراً، الأكثر شفاءً، وسيحطم بشكلٍ أكثرَ عداوةً الناس والأبالسة، [ثم قال زرادشت] عندئذٍ سأسحق عداوة الناس والأبالسة، عندئذ سأسحق كل السحرة، ولا يستطيع أن يقهرني الناس، ولا الأبالسة، ولا السحرة، ونطق آهورامازدا: أيها المخلِّص زرادشت! اسمي الذي يُسْأل، الاسم الثاني، الذي يحيا فيه القطيع... صلِّ لي يا زرادشت ليلاً ونهاراً، وقم بقربان اللائق، وأنا آهورامازدا نفسه سأقوم بالمساعدة... وستأتي لمساعدتك المياه، النباتات، والفراڤاشيون الصالحون، عندما يا زرادشت تريد أن تسحق عداوة الناس والأبالسة والسحرة، والكاڤيين الطغاة، والكارابانيين الأشرار... جيش [الأعداء الجرار](٧٠٤) ذو الأعلام [العديدة](٧٠٥) المرفوعة [المصبوغة](٧٠٦) بالدماء، عندئذ كرر شفهيّاً هذه الأسماء ليلاً ونهارًا... اسمي المدمر، اسمي الساخط، اسمي الساحق، اسمي الخالق... كل هذه الأسماء العشرون للوقاية والحماية... تعطيك الحماية مثل ألف رجلٍ)(٧٠٧).
إذن نشأت وتبلورت عقيدة انتظار المخلِّص والمنقذ، من شر الأشرار - وهو زرادشت - من صميم الديانة الزرادشتية وليست منحولةً عليهم، لذا قال المستشرقون وغيرهم بأنَّ هذه العقيدة عند المسلمين متأثرةٌ ومقتبسةٌ من الزرادشتية سابقاً، والقول نفسه اتهموا به الديانة اليهودية والمسيحية وتأثرهم بالزرادشتية في عقيدة انتظار الخلاص والمسيح المخلِّص.
لكن السؤال هنا يبقى في مقابل أقوال المستشرقين: هل وجود هذه الفكرة أو العقيدة عند الزرادشتية، بهذا الحضور والوجود الفاعل، يعد دعماً وتأييداً للقضية المهدوية الإسلامية أو حتى دليلاً قوياً لإثباتها فعلاً؟
إذا كان الجواب بنعم وأنَّه قد يعد تأصيلاً لما جاء في الإسلام ومن قبله في الديانة المسيحية واليهودية لهذه العقيدة، عقيدة انتظار المنقذ والمخلِّص في آخر الزمان، سينقدح سؤالٌ بالتَبَع: من أين جاءت للزرادشتية هذه العقيدة بهذه التفاصيل؟ - وإنْ كان لم يتم ذكر جميع تفاصيلها وشؤونها الأخرى المذكورة في الأفستا الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، لئلا يشتط البحث عن خطه ومساره المرسوم - إذا لم يكن زرادشت نبيّاً موحًى إليه كما هو الثابت والمقرر، فمن أين تجذرت لديهم مثل هذه العقيدة بهذه التفاصيل؟ ومع أنَّ عقيدة المنقذ تعبِّر عن حاجةٍ حقيقيةٍ للخلاص من الظلم فإنَّها تؤكد حاجة الإنسانية إلى العدل والحرية لمواجهة الاستبداد والتحكم في حياة البشر وهذا يفسر وجود هذه العقيدة في الزرادشتية وغيرها.
وإذا كنَّا نجيب ونناقش المستشرقين للرد على مثل هذا الشبهة مع الديانة اليهودية والمسيحية، بقولنا لهم: هذا يدل على وحدة المصدر لهذه الديانات الثلاث - أي وجود لمثل عقيدة انتظار المنقذ والمصلح والمخلِّص في الديانة اليهودية والمسيحية والإسلامية - ومِنْ ثَمَّ لهذه العقيدة الحقة؛ لأنَّها شرائعُ سماويةٌ متصلةٌ بالسماء ومنبعها واحدٌ وهو الله تعالى عن طريق الوحي والوساطة النبوية والرسالية. والتشابه في العقائد والأحكام في ما بينها، دليل صحتها وقوتها، ولا يُعدّ دليلاً على ضعفها، وإنْ قال المستشرقون هذا يعد دليلاً على ضعفها واقتباسها من تلك الديانات السابقة على الإسلام، وإنْ شاؤوا ذلك حسب رغباتهم وأغراضهم، ﴿ذَلِكَ مَبلَغُهُم مِّنَ العِلمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعلَمُ بِمَنِ اهتَدَى﴾(٧٠٨) ونقول لهم، أيضاً، كلما كانت تلك الأحكام والعقائد والمفردات الإيمانية متطابقةً كانت أقوى حجةً، وأنصع دليلاً بأنَّ مصدرها واحدٌ.
عودةٌ إلى التساؤل، فبم يمكن الإجابة مع الزرادشتية والبوذية وغيرهم، الذين لا يمتُّون إلى وحي السماء بصلةٍ وهم يعتقدون ويعتنقون فكرة المنقذ، المخلَّص بتفاصيل تتشابه مع التفاصيل الإسلامية واليهودية والمسيحية؟
الجواب: باختصار إن الأطروحة المهدوية بصورتها العامة، بمعنى المنقذ العالمي، المصلح، المخلص، أطروحةٌ إنسانيةٌ متجذرةٌ بالضمير والواقع الإنساني، والإنسان الذي يحمل الأمل النابض في الروح الإنسانية، لا يخلو من تلك الأطروحة، ولا يلبث أن يتطلع إلى واقعٍ أفضلَ وأرحبَ، بما لديه من إرادةٍ وعزيمةٍ وأملٍ في تغيير الواقع، وبما يمتلك من تجربةٍ واقعيةٍ إما عاصرها أو عاشها أو سمع بها، ألم يَبْنِ افلاطون مدينته الفاضلة على الورق أملاً منه بالتغيير المنشود؟ ألم تتنبأ المادية أو الماركسية بالمستقبل السعيد؟
لذا ثبت أن جذور هذه العقيدة مرتبطةٌ بالسماء أكثر من الأرض، وهي تراود الفكر الإنساني الذي يتطلع إلى عدالة السماء وهو يعاني ظلم جنسه، من هنا ارتبطت هذه التصورات بالإيمان بقدرة الإله وتدخله لتعديل مسار الانحراف عند البشر لذلك فإنَّ عقيدة المنقذ أو المخلِّص ارتبطت بالألوهية من جهةٍ، وبالنبوّات من جهةٍ أخرى.
وزرادشت وبوذا وغيرهم من المفكرين أو الفلاسفة أو النوابغ أو الحكماء - عبّر عنهم ما تشاء - ممن نظَّرَ لمثل هذه الأطروحة عاشوا في هذا المجتمع وتربَّوا وكبروا فيه وأحسُّوا ما الفقر وعرفوا ما الظلم، وتحسسوا مشكلات الناس، فعرفوا بإدراك الفطرة الإنسانية أنَّ الخلاص لا بدَّ أنْ يكون إما على أيديهم أو من يأتي بعدهم بمساعدة الناس الفقراء المظلومين أصحاب الشأن، والتغيير إلى واقعٍ أفضلَ يجب أن ينطلق من ثورة الجياع كما يعبرون. أدركوا أنّ الخلاص سيأتي يوماً ما، فغيرُ بعيدٍ كلُّ ما هو آتٍ.
حفّز الله تعالى هذا الوازع وهذا الأمل بتغيير الواقع وحثَّ عليه عن طريق الوحي بأنَّ هناك أملًا للخلاص والتغيير للسعي وراء هذا التغيير،﴿إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِم﴾(٧٠٩) أو إن أطروحة الانتظار للخلاص والمخلِّص هي صورةٌ مصغَّرةٌ عاكسةٌ لانتظار يوم الخلاص الأكبر وهو يوم القيامة يوم العدل الإلهي. والقرآن والكتب السماوية قننَت وسنَّت وأشارت إلى هذا المفهوم وأقرّته قوله تعالى: ﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٧١٠).
والقرآن الكريم يحدثنا كثيراً كيف أن الله تعالى يفرّج عن المؤمنين في النهاية بعد شوطٍ كبيرٍ من الآلام والتعب والانتظار، وظلم الظالمين والغياب الطويل والشدة، ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَينَا نُنجِ المُؤمِنِينَ﴾(٧١١) وقوله تعالى ﴿وَلَمَّا يَأتِكُم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوا مِن قَبلِكُم مَسَّتهُمُ البَأسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾(٧١٢) ففراق يوسف النبي (عليه السلام) عن والده ثم اللقاء والفرج، وإزالة المحنة والأيام العجاف عن أهل مصر ولا سيَّما الفقراء والعبيد منهم، إذ كان الأمل عندهم كلٌّ بحسب اعتقاده، فبعضٌ يَتُوقُ إلى الخلاص والمخلِّص إلى نهر النيل، وآخر إلى الأفعى أو التنّين الذي يحميهم وهم نائمون وبعضٌ آخرُ بآمون وآخرُ إيمانه بالإله الواحد الأحد.
ونجاة القوم المؤمنين من قوم نوح النبي (عليه السلام) من الطوفان والغرق، بعد ردحٍ طويلٍ من الصبر والانتظار، وغياب أهل الكهف بنومهم وبعثهم من جديدٍ لإحياء الأمل عند الناس بأنَّ هناك يوماً تبعث فيه الناس للقاء رب الأرباب وقيامة العدل والحق فيهم، ونجاة قوم موسى (عليه السلام) بعد زمنٍ من الظلم والطغيان من فرعون، إذ كان يقتل أبناءَهم ويستحيي نساءهم، ﴿وَإِذ نَجَّينَكُم مِن آل فِرعَونَ يَسُومُونَكُم سُوءَ العَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبنَاءَكُم وَيَستَحيُونَ نِسَاءَكُم﴾(٧١٣).
وانتظار ولادة السيد المسيح لسنينَ طويلةٍ ليخلِّصهم من الآلام والفقر والظلم، وكذلك قوم طالوت وجنوده عندما آمنوا به ولم يشربوا من النهر إلا غرفةً واحدةً، حيث كانوا مؤمنين بلقاء الله تعالى وانقاذهم في النهاية، فنصرهم الله تعالى وأنجاهم من شر جالوت وجنوده ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللهِ﴾(٧١٤). كذلك الناس المؤمنون من قوم هود النبي (عليه السلام) ﴿نَجَّينَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحمَةٍ مِّنَّا﴾(٧١٥) وكذلك القوم المؤمنون من قوم النبي صالح (عليه السلام) ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمرُنَا نَجَّينَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾(٧١٦)، فأمل الناس يتطلع في كل الدهور والأزمان إلى الإله الخالق الذي خلقهم ويدبر شؤونهم من المبدأ إلى النهاية، الذي يعتقدون به أنَّه المدبر للأمور لهم، فالله تعالى هو من يغير ويفرج عن الناس المظلومين بتغيير أحوالهم بأنفسهم.
فالعامل المشترك هو الأمل والتغيير للأفضل والأحسن في الخلاص من الظلم والفقر الواقع على الناس من الظالمين والطغاة على مر العصور والأزمان، وهذا الأمل هو الإله والخالق والمدبر الذي سيرسل لهم من ينجيهم ويخلصهم من ظلم الظالمين، فهم في الحقيقة تعلقوا وتشبثوا بالمخلِّص والمُنْجي الحقيقي، وهو الله الذي يعتقدون به ويعبدونه، يبقى سؤالٌ: من هذا الإله والخالق والمدبر والمُنْجي؟ الجواب: كلٌ بحسبه وحسب اعتقاده وعبادته. فالإنسان بفطرته دائم التعلق بقوةٍ ما، أقوى منه، بشيءٍ ما، سينجّيه، وسيخلِّصه على كل حالٍ، قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الفُلكِ دَعَوُا اللهَ مُخلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُم إِلَى البَرِّ إِذَا هُم يُشرِكُونَ﴾(٧١٧) وعلى هذا النحو، جاء رجلٌ، في مناظرةٍ عن إثبات وجود الله (سُئِل مولانا الصادق عن الله فقال للسائل: يا عبد الله هل ركبت سفينةً قطُّ قال: بلى، قال: فهل كسر[كُسِرَت] بك حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟ قال: بلى، قال: فهل تعلَّق قلُبك هناك أنَّ شيئاً من الأشياء قادرٌ على أنْ يخلِّصَك من ورطتك؟ قال: بلى، قال الصادق: فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حين لا مُنجي، وعلى الإغاثة حين لا مغيث)(٧١٨).
وهذا التعلق الفطري بالخلاص، هو على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية، يعني هي غيرُ مختصةٍ بأفرادٍ وزمانٍ ومكانٍ معيَّنين ﴿قُل مَن يُنَجِّيكُم مِن ظُلُمَاتِ البَرِّ وَالبَحرِ تَدعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفيَةً﴾(٧١٩) يأتي الجواب ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِنهَا وَمِن كُلِّ كَرب﴾(٧٢٠) بالفطرة المجبولة للإنسان ﴿فِطرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيهَا لَا تَبدِيلَ لِخَلقِ اللهِ﴾(٧٢١) بلا شك ولا ريب هو الله تعالى ﴿أَفِي اللهِ شَكّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ﴾(٧٢٢) وهذه الآيات القرآنية، وإنْ لم يسمع بها كل البشر ولم يعتقد بها ويعتنقها كلُّ إنسانٍ، إن كان من الأولين أو الآخرين، لكنها حقائقُ واقعيةٌ يحدّثنا عنها القرآن الكريم، عاشها جميع البشر بمختلف الأزمان مع اختلاف المصاديق، جاءت على لسان الحق تعالى لا تختلف ولا تتخلف في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، والمُسْتَنِدُ إليها، كالذي يأوي إلى ركنٍ شديدٍ، لا يسقط في هاوية الضلالة.
٥ - الديانة اليهودية والمسيحية:
عقيدة المنقذ والمخلِّص المنتظر في الديانة اليهودية والمسيحية، يمكن أن نجدها أكثر وضوحاً وتفصيلاً مما هي عليه في الديانات القديمة، ذلك لأن كلَّ شيءٍ بتقدم الزمن والأعصار يكون بازديادٍ مستمرٍ ومتنامٍ وتطورٍ من طورٍ إلى طورٍ آخرَ، فالناس وسكان البلدان بازديادٍ كثيفٍ ومِنْ ثَمَّ ازديادُ احتياج الناس على كافة الأصعدة المعيشية واختلاط المعاملات بين الناس ومِنْ ثَمَّ ستكثر المشكلات وسيزداد الظلم في ما بين الناس ومِنْ ثَمَّ سيزداد ظلم الحكام الظالمين والطغاة وغاصبي حقوق الناس الفقراء، ومع هذا الازدياد والاتساع في كل شيءٍ سيزداد عدد ونوع الآلهة التي تُعْبَد، وتتطور الأفكار والرؤى الدينية أيضاً، وعلى وفق هذا التطور والازدياد على كل المستويات ستكون هناك الحاجة الملحة لانتظار منقذٍ ومخلِّصٍ ومصلحٍ لتردّي الأوضاع، إذًا يبقى هذا الإحساس والتعلق عند كل الأجناس من البشر، ذلك لأنه (ليس المهدي (عليه السلام) تجسيداً لعقيدة إسلامية ذات طابعٍ دينيٍّ فحسب، بل هو عنوانٌ لطموحٍ اتجهت إليه البشرية بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغةٌ لإلهامٍ فطريٍّ أدرك الناس عن طريقه على تنوع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب، أن للإنسانية يوماً موعوداً على الأرض تحقق فيه رسالات السماء مغزاها الكبير وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها بعد عناءٍ طويلٍ. بل لم يقتصر هذا الشعور الغيبي، والمستقبل المنتظر على المؤمنين دينيّاً بالغيب، بل امتد إلى غيرهم أيضاً وانعكس حتى على أشد الأيدولوجيات والاتجاهات رفضاً للغيب، كالمادية الجدلية التي فسرت التاريخ على أساس التناقضات وآمنت بيومٍ موعودٍ، تُصفّى فيه كل تلك التناقضات ويسودُ فيه الوئامُ والسلامُ)(٧٢٣).
في البدء هناك مفاهيمُ ومفرداتٌ، ذُكرت في كتب العهدين القديم والجديد (التوراة والإنجيل) بصورةٍ عامةٍ، وهذه المفاهيم تتداخل إيجابيّاً، ولها علاقةٌ في صميم أطروحة المسيح المنتظر والمخلِّص الموعود في الديانتين المزبورتين، وتشير هذه المفردات والمفاهيم من قريب وليس من بعيد، إلى المنقذ المخلِّص المنتظر في آخر الزمان، وتنسجم مع ما ورد في الأطروحة المهدوية الإسلامية إما تصريحاً أو إشارةً، منها:
أولاً - مفهوم وراثة الأرض:

ورد في القرآن الكريم مفردة ومفهوم الميراث والوراثة التي تكون للمؤمنين الصالحين، وقد وردت بعدة معانٍ، منها، معنى وراثة الجنة، والميراث الشرعي الفقهي لها، ومعانٍ أخرى، لكن المهم في المقام، هو الذي بمعنى الاستخلاف والتمكين والسيطرة والهيمنة، بإذن الله تعالى، كما في قوله جلَّ شأنه:﴿وَلَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(٧٢٤) وجاء معنى الوراثة - وهي التصورات المتفقة مع التفسير الإسلامي المذكور آنفاً - وهي شأنٌ من شؤون المصلح الموعود والمسيح المنتظر في العهدين للديانتين السماوية، اليهودية والمسيحية كما في سِفر العدد: (أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى. وَيَكُونُ أَدُومُ مِيرَاثًا، وَيَكُونُ سِعِيرُ أَعْدَاؤُهُ مِيرَاثًا. وَيَصْنَعُ إِسْرَائِيلُ بِبَاسٍ)،(٧٢٥) فتعبير (ليس قريباً) يكون إشارة إلى نهاية الزمان، والميراث (الأدوم) على صيغة أفعل التفضيل، يشير إلى أن هناك ميراثاً قبله بمعنى من المعاني، ليس بدائمٍ.
وأيضاً جاء على النحو نفسه في سفر التكوين على لسان الرب: (لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ.... قُمِ امْشِ فِي الأَرْضِ طُولَهَا وَعَرْضَهَا، لأَنِّي لَكَ أُعْطِيهَا)،(٧٢٦) وفي موضعٍ آخرَ بلفظ الميراث:(وَيُعْطِيكَ بَرَكَةَ إِبْرَاهِيمَ لَكَ وَلِنَسْلِكَ مَعَكَ، لِتَرِثَ أَرْضَ غُرْبَتِكَ الَّتِي أَعْطَاهَا اللهُ لإِبْرَاهِيمَ)(٧٢٧) فهل هي وراثةٌ مجردةٌ بمعنى الامتلاك الإرثي الفقهي؟ بل هي وراثة تمكينٍ وسيطرةٍ، بدلالة كلمة (جميع الأرض) وكلمة (طولها وعرضها).
والوراثة جاءت صريحةً بمعنى وراثة الجنة وبمعنى وراثة الأرض، وهذه الوراثة لا بدّ أن تتداخل بالمعنى الإيجابي للمخلّص الموعود الذي هو حتماً الذي سيرث الأرض مع المؤمنين الصالحين لا غيرهم، وهو المعنيّ بهذه الإشارات وهذه المعاني الواردة في العهدين كما في إنجيل متّى: (طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. طُوبَى لِلْحَزَانَى، لأَنَّهُمْ يَتَعَزَّوْنَ. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ)(٧٢٨).
وجاء في تفسير هذه الفقرة أي: (سينالون البركة قريبًا، لأنّ يوم التعزية ينتظرهم... سيتعزون في اليوم الآتي عن قريب حيث (سيمسح الله كلَّ دمعةٍ من عيونهم)... سيرثون الأرض حرفيِّاً عندما يأتي المسيح الملك ليملك على الأرض مدة ألف سنةٍ في سلام وازدهار)،(٧٢٩) وكلمة الملكوت لا تعني الآخرة كما قد يتصورها بعضهم عندما تذكر ملكوت السماوات، إنّما يُعنى بها الحياة الآخرة، إنَّما (تعني كلمة ملكوت في الكتاب المقدس، خاصة في العهد الجديد، حكم الله وسيادته على الكون باعتباره خالقه ومعطيه نعمة الوجود... وقد تكررت كلمة ملكوت الله، وملكوت السماوات، والملكوت، في العهد الجديد حوالي مائة مرةٍ، وتعني أن الله هو ملك الملكوت، كما تعني أيضاً ملكوت المسيح باعتباره ابن الله)(٧٣٠).
ثانياً - مفهوم المنقذ والمخلِّص:

حيث جاءت نصوصٌ في الديانات تسلط الضوء على شخصيةٍ تحدث على يديها مرحلة التمكين والخلافة الإلهية للمؤمنين والمستضعفين والمظلومين في الأرض، وهذا المعنى والمفهوم جارٍ في المنظومة والرؤية الإسلامية، قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُم وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَستَخلِفَنَّهُم فِي الأَرضِ كَمَا استَخلَفَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِم وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُم دِينَهُمُ الَّذِي ارتَضَى لَهُم وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِن بَعدِ خَوفِهِم أَمنًا﴾(٧٣١) ليتحقق الوعد الإلهي للمستضعفين على يد المسيح المنقذ المخلِّص المنتظر، كما هو واضحٌ في إنجيل متّى: (وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ،... ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَمِ).(٧٣٢) وجاء أن: (دينونة الأمم فتحدث على الأرض بعد أن يأتي المسيح ليملك)(٧٣٣) وهذا مرتبطٌ بالنقطة السابقة في مفهوم وراثة الأرض، بالمفهوم نفسه في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّةً وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ﴾(٧٣٤) ولم يتحقق إلى الآن هذا الوعد الإلهي بالوراثة الكاملة والتمكين التام والكامل للأرض وللمستضعفين، وفي هذا إشارةٌ أيضاً إلى تحقّق حالة التمكين والوراثة، بجعلهم أئمةً قادةً، وهو معنًى مرتبطٌ بصفات الإمام أو القائد.
نعم مثل هذه الإشارات، إذا لم تكن تصريحاتٍ في التوراة والتلمود عن المخلِّص في آخر الزمان المرتبطة بميراث الأرض له وللمؤمنين معه، تبين أن الميراث في الدنيا وليس كما يريد بعضهم أن يفسره بالخلود الأخروي: (أَرَاهُ وَلكِنْ لَيْسَ الآنَ. أُبْصِرُهُ وَلكِنْ لَيْسَ قَرِيبًا. يَبْرُزُ كَوْكَبٌ مِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ قَضِيبٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ، فَيُحَطِّمُ طَرَفَيْ مُوآبَ، وَيُهْلِكُ كُلَّ بَنِي الْوَغَى. وَيَكُونُ أَدُومُ مِيرَاثًا، وَيَكُونُ سِعِيرُ أَعْدَاؤُهُ مِيرَاثًا. وَيَصْنَعُ إِسْرَائِيلُ بِبَاسٍ)،(٧٣٥) سيتم ذلك بالوجه الكامل عند مجيء المسيح ثانية(٧٣٦).
المسيح المخلِّص اسمه عند اليهود وفي الآرامية (الماشيح) وفي اللاتينية والعربية هو المسيح، ومعناه الممسوح بالزيت على عادة شعوب الشرق الأوسط في تتويج ملوكهم، وتطور المعنى بعد السبي البابلي لليهود، ليعني المُهدى - بضم الميم - المُنتَظر، ومعناه: كان في البداية أنه المخلِّص الذي يحرر اليهود من العبودية لمضطهديهم ويعيدهم من المنفى، لكن بعد ذلك تطور هذا المعنى وصار يعني المخلِّص والمنقذ العالمي الذي على يديه يعم العدل ويسود السلم وتخصب الأرض.(٧٣٧)
ولكن هناك نصوصٌ في العهدين لا تُثبت بأنَّهم يعتقدون بالمسيح بأنَّه مخلِّصٌ يأتي في آخر الزمان وإنَّما يفهم منها بأنَّه يُخلِّصهم من الخطيئة الأصلية، ومن كل الخطايا التي يقعون فيها بحياتهم، ذلك عندما صار المسيح فداءً لجميع البشر بصلبه، بحسب معتقدهم في ذلك، حيث (كان مجيئه الأول في اتضاعٍ ليقدّم ذاته فديةً للعالم وصعد إلى السماوات وجلس عن يمين العظمة).(٧٣٨) فيلحظ ما جاء في إنجيل يوحنا، تحت عنوان (الإيمان بالمسيح المخلّص): (لأَنَّهُ هكَذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ، لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِية. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ)(٧٣٩). فمثل هذه النصوص موجودةٌ لكنها تتحدث عن الخلاص والفداء الأساسي الذي أُرسل لأجله، والمراد في مقام البحث والتأصيل للأطروحة المهدوية الإسلامية، نصوصٌ تثبت أن المسيح المخلِّص لليهودية والمسيحية هو ما يكون مخلصاً آخر الزمان ونهاية العالم.
ثالثاً - مفهوم الانتظار:

هذا المفهوم الذي له علاقةٌ بانتظار الخلاص في آخر الزمان أيضاً ورد في كتب العهدين كما جاء كذلك في القرآن الكريم على عدة معانٍ منها انتظار الفرج على يد المهدي المنتظر.
وجاء الانتظار مقدمةً - قد تكون واجبةً - لوراثة الأرض للمؤمنين الصالحين، لأن المنتظِر، هو المريد الحقيقي للرب، كما ورد في سفر المزامير: (انْتَظِرِ الرَّبَّ وَاحْفَظْ طَرِيقَهُ، فَيَرْفَعَكَ لِتَرِثَ الأَرْضَ. إِلَى انْقِرَاضِ الأَشْرَارِ تَنْظُرُ).(٧٤٠) إذًا جاء ذكر الانتظار والميراث على نحو المدح والعمل الجيد لنتيجةٍ مثمرةٍ جيدةٍ، وإلا لما حثّ وهيّأ السبلَ لها: (لأَنَّ عَامِلِي الشَّرِّ يُقْطَعُونَ، وَالَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ الرَّبَّ هُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ)(٧٤١). وهو انتظار ليوم عودة السيد المسيح، حيث جاء في تفسير هذه الفقرة: (سيأتي اليوم الذي تُصحَّح فيه كل أخطاء الأرض. عندئذ سيُقطَع فاعلي الشَّر... وفي وقتٍ ليس ببعيدٍ سيختفي الأشرار من المشهد! وفي ذلك اليوم سيرث الودعاء الأرض ويتمتعون بخيرات الأرض التي لم يسبق لها مثيلٌ... يبدأ عندما ينزل المُخلِّص في السحب ليختطف شعبه الذي ينتظره...، فيبدأ عندما يعود الرب يسوع إلى الأرض ليسحق أعداءَه وبذلك يملك ألف سنةٍ في سلامٍ).(٧٤٢)
كذلك حثَّ القرآن الكريم على الانتظار وجعله في خانة الحث على الصبر والتحمل وهو المطلوب في أكثرَ من موضعٍ، وقرنه بالعمل والجدّ والتهيؤ تارةً، وأخرى بالغيب الإلهي الذي يجب أن نرقبه وننتظره: ﴿وَيَقُولُونَ لَولَا أُنزِلَ عَلَيهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُل إِنَّمَا الغَيبُ للهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ المُنتَظِرِينَ﴾(٧٤٣) وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَقُل للَّذِينَ لَا يُؤمِنُونَ اعمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُم إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَللهِ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَإِلَيهِ يُرجَعُ الأَمرُ كُلُّهُ﴾(٧٤٤) لأن الانتظار لا يعني أن يجلس الإنسان مُقْعَداً بلا عملٍ ولا شغلٍ يشغله، بل يجب أن يشتغل ويستعد للعمل الذي سوف يقوم به حين يأتي الموعد الذي ينتظره وخصوصاً في انتظار ذلك اليوم الموعود كما جاء ذلك على لسان السيد المسيح وهو يهيِّئ أصحابه، ويحثّهم ويبشرهم بيوم الخلاص الموعود، وهنا أيضاً عبَّر عن الانتظار بالسهر، لذا يستوجب عليهم العمل الدؤوب لتحصيل نتيجة وثمرة ذلك الانتظار بانتفاض العزائم، وشحذ الهِمَم: (لِتَكُنْ أَحْقَاؤُكُمْ مُمَنْطَقَةً وَسُرُجُكُمْ مُوقَدَةً، وَأَنْتُمْ مِثْلُ أُنَاسٍ يَنْتَظِرُونَ سَيِّدَهُمْ مَتَى يَرْجعُ مِنَ الْعُرْسِ، حَتَّى إِذَا جَاءَ وَقَرَعَ يَفْتَحُونَ لَهُ لِلْوَقْتِ. طُوبَى لأُولَئِكَ الْعَبِيدِ الَّذِينَ إِذَا جَاءَ سَيِّدُهُمْ يَجِدُهُمْ سَاهِرِينَ)،(٧٤٥) نعم كان عليهم العيش متوقعين رجوعه باستمرار، لذا فإنَّ الأحقاء الممنطقة تشير إلى مهمةٍ يجب إكمالها، كما أن السرج الموقدة توحي بالشهادة التي ينبغي إعلانها. كان على التلاميذ أن يعيشوا لحظةً فلحظةً متوقِّعين رجوع المسيح. قلوبهم هي في انتظاره، فهو سيِّدهم، وهم يحبونه وينتظرونه. وما أنْ يقرع حتى يفتحوا له للوقت. وهي ضرورة السير في انتظار رجوعه. وأنْ يكون عبيده ساهرين بكل نشاطٍ، وعلى أُهبة الاستعداد للتحرك عند أمره.(٧٤٦)
وهم فعلاً منتظرون بشوقٍ وشغفٍ لإمامهم وسيدهم حتى قال قائلهم:

يسوعُ قد طال الغياب والشوقُ أحشائي يذيبُ * * * متى تعود للأحبابِ كما وعدت يا حبيبُ؟(٧٤٧)

وهي دعوةٌ للانتظار قائمةٌ في أسفار العهد القديم أيضاً في أكثر من سفرٍ: (لِذلِكَ فَانْتَظِرُونِي، يَقُولُ الرَّبُّ، إِلَى يَوْمِ أَقُومُ إِلَى السَّلْبِ، لأَنَّ حُكْمِي هُوَ بِجَمْعِ الأُمَمِ وَحَشْرِ الْمَمَالِكِ،... لأَنَّهُ بِنَارِ غَيْرَتِي تُؤْكَلُ كُلُّ الأَرْضِ. لأَنِّي حِينَئِذٍ أُحَوِّلُ الشُّعُوبَ إِلَى شَفَةٍ نَقِية، لِيَدْعُوا كُلُّهُمْ بِاسْمِ الرَّبِّ، لِيَعْبُدُوهُ بِكَتِفٍ وَاحِدَةٍ)(٧٤٨). والاستفهام أو الإشكال، الذي يرد على اليهود الذين يؤمنون فقط بالعهد القديم وأسفاره ولا يؤمنون بالإنجيل بوصفهم لا يؤمنون بنبوة عيسى المسيح، إذا كانوا يبشّرون بانتظار السيد المسيح في أسفار العهد القديم وجاء السيد المسيح ولم يؤمنوا به وبنبوته، وجاءت نبوة الخاتم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ولم يؤمنوا بها كذلك، بِمَ يفسّرون هذه البشارات بالمسيح المخلص؟ فلا يبقى إلا تفسيرها بحسب المعطيات والقرائن الداخلية والخارجية، بالأطروحة المهدوية المتمثلة بالمهدي المنتظر.
ولابدّ من تأكيد أن الانتظار يتبلور بعد اشتداد الظلم وقسوته، فيلجأ المؤمنون إلى الأمل بالفرج، وهذه العقيدة إذا لم توضع في مسارها الصحيح قد تؤدي إلى حالةٍ من الركود واليأس، فهذا من سلبيات الانحراف في التصور في عقيدة الانتظار، وقد يؤدي الانتظار السلبي إلى تراجعٍ إيمانيٍّ أو تخلٍّ عن الإيمان، إذا لم يكن الانتظار مع ترقُّبٍ ويقظةٍ في الوعي الإيماني، وقد حدث مثل هذه التصورات السلبية لدى اليهود والنصارى وبعض الاتجاهات السلبية عند بعض فرق المسلمين، وهو أمرٌ ساعد على ظهور موجاتٍ من الفساد والإلحاد، وفي عصرنا الحالي نشهد بعض الاتجاهات تنادي باستبعاد الدين عن الواقع بكل تفاصيله.
وجاء تبشيراً بذلك الموعود: (يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْنًا، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إِلهًا قَدِيرًا، أَبًا أَبَدِيًّا، رَئِيسَ السَّلاَمِ. لِنُمُوِّ رِيَاسَتِهِ، وَلِلسَّلاَمِ لاَ نِهَايَةَ عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ وَعَلَى مَمْلَكَتِهِ، لِيُثَبِّتَهَا وَيَعْضُدَهَا بِالْحَقِّ وَالْبِرِّ، مِنَ الآنَ إِلَى الأَبَدِ)(٧٤٩).
رابعاً - علامات المسيح المنتظر:
هناك علاماتٌ وأحداثٌ، تحدث قبل اليوم الموعود للمسيح المنتظر، أغلبها تتوافق إلى حدٍّ ما، مع العلامات السابقة للمهدي الموعود في الأطروحة المهدوية الإسلامية، وأوضحها، كما هو مبين في النصوص الآتية:
ادِّعاء المُسَحاء الذين يدَّعون زوراً بأنَّهم المسيح المخلِّص. ومثلهم موجودٌ وهم مُدَّعو المهدوية على مر العصور.
أنْ تُملأ الأرض ظلماً وجوراً وبعدها يأتي المسيح ليخلِّصهم من الظلم ويسود العدل.
حيث جاء: (فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ! وَالزَّمَانُ قَدْ قَرُبَ! فَلاَ تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ. فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِل فَلاَ تَجْزَعُوا، لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هذَا أَوَّلاً، وَلكِنْ لاَ يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعًا... وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ، وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ... وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ، وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفٍ وَانْتِظَارِ مَا يَأتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ... اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلاً لِلنَّجَاةِ)(٧٥٠).
ومن تلك العلامات التي تحدثُ سابقةً ليوم انتظار المسيح المخلِّص، ويبشرهم بأنَّ من يصبر سيكون مهيئاً للخلاص وسيكون معي: (وَسَيُسْلِمُ الأَخُ أَخَاهُ إِلَى الْمَوْتِ، وَالأَبُ وَلَدَهُ، وَيَقُومُ الأَوْلاَدُ عَلَى وَالِدِيهِمْ وَيَقْتُلُونَهُمْ. وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي وَلكِنَّ الَّذِي يَصْبِرُ إِلَى الْمُنْتَهَى فَهذَا يَخْلُصُ... لأَنَّهُ يَكُونُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ ضِيقٌ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مُنْذُ ابْتِدَاءِ الْخَلِيقَةِ الَّتِي خَلَقَهَا اللهُ إِلَى الآنَ، وَلَنْ يَكُونَ. وَلَوْ لَمْ يُقَصِّرِ الرَّبُّ تِلْكَ الأَيَّامَ، لَمْ يَخْلُصْ جَسَدٌ. حِينَئِذٍ إِنْ قَالَ لَكُمْ أَحَدٌ: هُوَذَا الْمَسِيحُ هُنَا! أَوْ: هُوَذَا هُنَاكَ! فَلاَ تُصَدِّقُوا. لأَنَّهُ سَيَقُومُ مُسَحَاءُ كَذَبَةٌ وَأَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ، وَيُعْطُونَ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ، لِكَيْ يُضِلُّوا لَوْ أَمْكَنَ الْمُخْتَارِينَ أَيْضًا... وَأَمَّا فِي تِلْكَ الأَيَّامِ بَعْدَ ذلِكَ الضِّيقِ، فَالشَّمْسُ تُظْلِمُ، وَالْقَمَرُ لاَ يُعْطِي ضَوْءَهُ، وَنُجُومُ السَّمَاءِ تَتَسَاقَطُ،... وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابٍ بِقُوَّةٍ كَثِيرَةٍ... مَتَى رَأَيْتُمْ هذِهِ الأَشْيَاءَ صَائِرَةً، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَرِيبٌ عَلَى الأَبْوَابِ... وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلاَ الابْنُ، إِلاَّ الآبُ. اُنْظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ... اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأتِي رَبُّ الْبَيْتِ،... وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا)(٧٥١).
فاعتقادهم أنَّه يخلصهم مرتين مرةً من الخطيئة، ومرةً أخرى يأتي في آخر الزمان: (الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ،... هُوَذَا يَأتِي مَعَ السَّحَابِ، وَسَتَنْظُرُهُ كُلُّ عَيْنٍ، وَالَّذِينَ طَعَنُوهُ، وَيَنُوحُ عَلَيْهِ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ)،(٧٥٢) كذلك ومن تلك العلامات والأحداث التي تحدث وذُكرت في كتب العهدين كثيرةٌ - لامجال لذكرها - من أهمها ظهور الدجال وقتله من قبل السيد المسيح وهذا ما يتناسب مع ما جاء في التراث الإسلامي، لكن يعبَّر عنه في العهد الجديد بالنبي الكذاب: (وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ [ويقصد به عدو المسيح] وَمُلُوكَ الأَرْضِ وَأَجْنَادَهُمْ مُجْتَمِعِينَ لِيَصْنَعُوا حَرْبًا مَعَ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ [يعني المسيح] وَمَعَ جُنْدِهِ. فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ)(٧٥٣).
وورد اسم (الشيلون) في العهد القديم التوراة وفسروه بأنَّه المسيح المنتظر المخلص، فجاء في سفر التكوين (وَدَعَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ وَقَالَ: اجْتَمِعُوا لأُنْبِئَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّامِ. اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا يَا بَنِي يَعْقُوبَ... لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ)(٧٥٤) (حتى يأتي شيلون) أي (المسيا) والذي سيمتد حكمه إلى الأبد. وشعبه سيطيعه طواعيةً في يوم قوّته. ومعنى اسم شيلون: رئيس السلام، وترجمها بعضهم بالمُسالِم وصانع السلام فتنطبق على لقب المسيح ويومئذ ولِد المسيح وجاء شيلون أي صانع السلام. فلا يزول صولجان الملك وكان ذلك القضيب منقوشاً يعطيه الملك ابنه علامةً على أنه يكون خليفته في الملك. إن يعقوب يفترض أنه بمجيء شيلون (المسيح المنتظر) سيكون له خضوع الشعوب أي اجتماعهم وطاعتهم(٧٥٥).
وفي تلك المدة التي تسبق الظهور بسبع سنواتٍ يظهر عدو المسيح كملكٍ ذي بأسٍ شديدٍ، وما يسبقه من ظلمٍ وفسادٍ، وتكثر الحروب والكوارث المختلفة، وستظهر الوجوه الحقيقية لعدو المسيح،(٧٥٦) كما جاء في رسالة الرسول بولس الثانية: (أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ مَجِيءِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاجْتِمَاعِنَا إِلَيْهِ... أَيْ أَنَّ يَوْمَ الْمَسِيحِ قَدْ حَضَرَ. لاَ يَخْدَعَنَّكُمْ أَحَدٌ عَلَى طَرِيقَةٍ مَا، لأَنَّهُ لاَ يَأتِي إِنْ لَمْ يَأتِ الارْتِدَادُ أَوَّلاً... لأَنَّ سِرَّ الإِثْمِ الآنَ يَعْمَلُ فَقَطْ... وَحِينَئِذٍ سَيُسْتَعْلَنُ الأَثِيمُ، الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ. الَّذِي مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ... وَأَمَّا نَحْنُ فَيَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَشْكُرَ اللهَ كُلَّ حِينٍ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْمَحْبُوبُونَ مِنَ الرَّبِّ، أَنَّ اللهَ اخْتَارَكُمْ مِنَ الْبَدْءِ لِلْخَلاَصِ)(٧٥٧) هنا عبّر عنه ب(المجيء) وذكر تعبير آخر (الظهور): (أَنْ تَحْفَظَ الْوَصِية بِلاَ دَنَسٍ وَلاَ لَوْمٍ إِلَى ظُهُورِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ)،(٧٥٨) أي مجيئه بالجسد ثانيةً ليدين العالم ويثيب المؤمنين ويعاقب الأشرار.(٧٥٩) وكذا في موضعٍ آخرَ: (هكَذَا الْمَسِيحُ أَيْضًا، بَعْدَمَا قُدِّمَ مَرَّةً لِكَيْ يَحْمِلَ خَطَايَا كَثِيرِينَ، سَيَظْهَرُ ثَانِيَةً بِلاَ خَطِية لِلْخَلاَصِ لِلَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُ)،(٧٦٠) وفي إنجيل متّى أيضاً تُذكر علاماتٌ تسبق يوم مجيء المسيح في آخر الزمان(٧٦١).
هذه العلامات تشبه وتتوافق مع ما جاء في التراث الإسلامي، من علاماتٍ قبل ظهور المهدي المنتظر في اليوم الموعود، من حروبٍ واقتتالٍ وظهور الدجال، الذي يكون في العهدين عدواً للمسيح، ويمكن أيضاً فهم هذا المعنى عند ذكر كلمة (الوحش) أو (المتمرد) (وأضداد المسيح وعلى رأسهم ضد المسيح الأخير أو ما يسمى بالمسيح الكذاب أو الدجال)(٧٦٢) ومن تلك العلامات: الصيحة في السماء، والدخان والنداء أيضاً في السماء، والزلازل، وأنَّ السيد المسيح يأتي بغتةً، وهذا موجودٌ في ما يعتقد به المسلمون من أمر المهدي المنتظر، لا يعلم ساعته إلا الله تعالى، ويمكن أن تكون تأييداً في المقام، فبعد ذكر مجموعةٍ من الحوادث، يبشرهم بيوم الخلاص الموعود، عند سؤال تلاميذه عن ذلك الموعد: (وَمَا هِيَ عَلاَمَةُ مَجِيئِكَ وَانْقِضَاءِ الدَّهْرِ؟ فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: انْظُرُوا! لاَ يُضِلُّكُمْ أَحَدٌ. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: أَنَا هُوَ الْمَسِيحُ! وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوب وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلُّهَا... وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ. وَيَقُومُ أَنْبِيَاءُ كَذَبَةٌ كَثِيرُونَ وَيُضِلُّونَ كَثِيرِينَ. وَلِكَثْرَةِ الإِثْمِ تَبْرُدُ مَحَبَّةُ الْكَثِيرِينَ... ثُمَّ يَأتِي الْمُنْتَهَى... وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ فِي السَّمَاءِ. وَحِينَئِذٍ تَنُوحُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ، وَيُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا عَلَى سَحَاب السَّمَاءِ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. فَيُرْسِلُ مَلاَئِكَتَهُ بِبُوق عَظِيمِ الصَّوْتِ... وَأَمَّا ذلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلاَ يَعْلَمُ بِهِمَا أَحَدٌ، وَلاَ مَلاَئِكَةُ السَّمَاوَاتِ، إِلاَّ أَبِي وَحْدَهُ. وَكَمَا كَانَتْ أَيَّامُ نُوحٍ كَذلِكَ يَكُونُ أَيْضًا مَجِيءُ ابْنِ الإِنْسَانِ... اِسْهَرُوا إِذن لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ فِي أَية سَاعَةٍ يَأتِي رَبُّكُمْ. وَاعْلَمُوا هذَا: أَنَّهُ لَوْ عَرَفَ رَبُّ الْبَيْتِ فِي أَيِّ هَزِيعٍ يَأتِي السَّارِقُ، لَسَهِرَ وَلَمْ يَدَعْ بَيْتَهُ يُنْقَبُ. لِذلِكَ كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مُسْتَعِدِّينَ، لأَنَّهُ فِي سَاعَةٍ لاَ تَظُنُّونَ يَأتِي ابْنُ الإِنْسَانِ)(٧٦٣).
وفي العهد القديم من سفر دانيال: (وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ يَقُومُ مِيخَائِيلُ الرَّئِيسُ الْعَظِيمُ الْقَائِمُ لِبَنِي شَعْبِكَ، وَيَكُونُ زَمَانُ ضِيقٍ لَمْ يَكُنْ مُنْذُ كَانَتْ أُمَّةٌ إِلَى ذلِكَ الْوَقْتِ. وَفِي ذلِكَ الْوَقْتِ يُنَجَّى شَعْبُكَ، كُلُّ مَنْ يُوجَدُ مَكْتُوبًا فِي السِّفْرِ)(٧٦٤).
بعدها يذكر البشارة بتحقق الوعد الإلهي لهم بالخلاص والفوز بالقرب وملكوت السماء: (وَمَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي مَجْدِهِ وَجَمِيعُ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ مَعَهُ، فَحِينَئِذٍ يَجْلِسُ عَلَى كُرْسِيِّ مَجْدِهِ. وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ... ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأسِيسِ الْعَالَمِ)(٧٦٥).
السؤال المثير هنا: من هو ابن الإنسان المذكور في الإنجيل وبعدةِ مواردَ؟ وما تفسيره في ما تقدم وفي غيره من المواضع الأخرى؟ هل هو نفسه السيد المسيح أو غيره؟ القدر المتيقن والمقصود به عن طريق النصين المذكورين، هو ذلك المخلِّص والمنقذ العالمي المنتظر. بغض النظر عن مصداقه وما يراد تفسيره على وفق المعطيات الإسلامية بأَّنه المهدي المنتظر. أصحاب الإنجيل وتفاسيره، يفسرونه بالسيد المسيح، لكنه يجب أن يكون غيره، إذا صار القياس على وفق معتقداتهم، لأن النبوءة تقول (ابن الإنسان) وهم لا يعتقدون بالسيد المسيح بأنَّه (ابنٌ لإنسان) بل هو ابن الله بحسب مدعاهم. وكذلك لو (كان المقصود بابن الإنسان السيد المسيح كما يقول النصارى، لَمَا عبَّرَ عنه بصفة الغائب، ولعبَّرَ عنه بصفته الشخصية بالحاضر، وبالمتكلم أي لقالَ، مجيئي، وعلامتي ويبصرونني)،(٧٦٦) حيث قد تحدث في الإصحاح نفسه في غير موضعٍ منه بصفة المتكلم، الحاضر، لكن عندما يذكر مجيء ابن الإنسان بصفة الغائب.
زيادةً على أن بعض مفسري الكتاب المقدس، لم يفسر (ابن الإنسان) بالسيد المسيح، بالقول: (لسنا نعلم ما هي هذه العلامة... ويعتقد بعضهم أنّ ابن الإنسان هو نفسه العلامة ومهما كان معنى العلامة، فإنَّها ستكون واضحة للجميع عندما تظهر... تلك هي اللّحظة التي كانت الخليقة تئنّ لأجلها منذ آلاف السنين).(٧٦٧)
وتفسيره بالسيد المسيح تفسيرٌ مريبٌ لا يقبله العقل والمنطق، وهو صراحةً جاء بأنَّه ابن آدم: (إنَّ هذا اللقب استعمل في العهد القديم سواءً في سفر العدد أو سفر المزامير أو سفر أشعياء أو سفر حزقيال (ابن آدم) بمعنًى عامٍّ هو الإنسان في اتضاعه وضعفه كالمخلوق من ترابٍ بالمقارنة مع الله الخالق في رفعته وسمَّوه)،(٧٦٨) وليس ثمة معنًى صحيحٌ ولا أساسٌ لهذا التفسير، حيث تفسيره: (ولكن عندما جاء [لقب ابن الإنسان] على لسان المسيح ولقّب به نفسه كالمسيح الآتي والمنتظر الذي هو ليس مجرد إنسانٍ من ترابٍ بل هو الرب الذي من السماء، استعمله ليعبِّر به عن نفسه كالإله المتجسد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته (إنسانيته) فقد كان هو ابن الإنسان الآتي من نسل آدم).(٧٦٩)
فكيف يُعقل أنْ يكون ابن الله وابن الإنسان في الوقت ذاته وتفسيراتهم التي لا تقنع أدنى صاحب مِسكة من العقل؟!
فإنسانيته الخالصة تثبت من تصريح الإنجيل نفسه، وإنَّ الرب سيبعث نبيّاً، وهو السيد المسيح، مثل النبي موسى، إذ ورد: (فَإِنَّ مُوسَى قَالَ لِلآبَاءِ: إِنَّ نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ فِي كُلِّ مَا يُكَلِّمُكُمْ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ لاَ تَسْمَعُ لِذلِكَ النَّبِيِّ تُبَادُ مِنَ الشَّعْبِ)(٧٧٠). وفي موضعٍ آخرَ: (هذَا هُوَ مُوسَى الَّذِي قَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: [ِنَّ] نَبِيًّا مِثْلِي سَيُقِيمُ لَكُمُ الرَّبُّ إِلهُكُمْ مِنْ إِخْوَتِكُمْ. لَهُ تَسْمَعُونَ).(٧٧١)
ويمكن القول بأنَّ (ابن الإنسان) الذي يخبر به ويبشر به السيد المسيح في الكتاب المقدس، هو المهدي المنتظر، إذ ورد على لسانه: (أَنَا لَسْتُ أَطْلُبُ مَجْدِي. يُوجَدُ مَنْ يَطْلُبُ وَيَدِينُ)،(٧٧٢) وقرأنا سابقاً ما جاء في الأحاديث أنَّ عيسى المسيح ينزل ويصلي خلف المهدي المنتظر، ولأن رسالة الإسلام هي خاتمة الرسالات وما بشَّر به النبي الأكرم هي خاتمة البشارات؛ فيمكن أنْ يكون مصداق (ابن الإنسان) عند التبشير به كمخلصٍ في آخر الزمان، هو المهدي المنتظر، وتفسيرٌ آخرُ في مواضعَ أخرى غير التبشيرية تفسرها بالسيد المسيح مثل ما يرون ذلك، تلك التي لا تعطي معنى التبشير بالخلاص في آخر الزمان.
وعلى أيِّ حال، هي محاولةٌ لانتزاع دليلٍ من هنا أو هناك، لإثبات المطلوب في المقام، وإنْ كان البحث عموماً وهذا المطلب خصوصاً، ليس مهمته إثبات المهدي المنتظر عن طريق كتب الأديان الأخرى - لأنَّه يحتاج ذلك لوحده، إلى جهد مطوَّلٍ ومستقلٍّ - وإنَّما يُراد هنا فقط التأصيل لوجود أطروحة المهدي المنتظر بمعناها العام في الديانات الأخر والملل والنحل المختلفة، وإنَّها تجسيدٌ لحاجةٍ إنسانيةٍ فطريةٍ، ستتكلل وتتوّج بما بشّر به الخاتم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لو لم يبق من الدنيا إلا يومٌ واحدٌ لطوّل الله ذلك اليوم حتى يخرج المهدي المنتظر ليملأ الأرض قسطاً وعدلا بعدما ملئت ظلماً وجوراً، كما في الروايات الإسلامية.
وهذا ردٌّ في ما يقابل الشبهة التي أثارها بعض المستشرقين، من أن الأطروحة المهدوية في الإسلام متأثرةٌ ومقتبسةٌ من الديانات السماوية السابقة على الإسلام، والديانات القديمة للأمم الأخرى، حيث إنَّ الاعتقاد بالمهدي المنتظر والمنقذ والمخلِّص بصورته العامة، مما تلتقي وتتفق عليه هذه الرسالات السماوية، كما تشترك وتلتقي في كثيرٍ من المشتركات الأخرى، قال الله تعالى في ما يشير إلى المشتركات: ﴿قُل يَا أَهلَ الكِتَبِ تَعَالَوا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَينَنَا وَبَينَكُم أَلَّا نَعبُدَ إِلَّا اللهَ وَلَا نُشرِكَ بِهِ شَيئاً وَلَا يَتَّخِذَ بَعضُنَا بَعضًا أَربَابًا مِن دُونِ اللهِ﴾،(٧٧٣) فمحاولة تصوير أن هذه الديانات، هي دياناتٌ منفصلةٌ بعضها عن بعض بالكلية بالكامل، هي مصادرةٌ للمطلوب، فهي ليست كذلك، فقد قال الله تعالى على لسان نبيه الكريم: ﴿قُل آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَينَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبرَاهِيمَ وَإِسمَاعِيلَ وَإِسحَاقَ وَيَعقُوبَ وَالأَسبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِم لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَد مِنهُم وَنَحنُ لَهُ مُسلِمُونَ﴾(٧٧٤).
وهذا ما اعترف به المستشرق جون إسبوزيتو مع تعصّبه قال: (فالمسلمون يشاركون اليهود والمسحيين في وجود إلهٍ واحدٍ وأنَّه أرسل أنبياءه وأوحى إليهم، كما يتشاركون في المسؤولية الأخلاقية، وبتقديرهم للسلام والعدالة الاجتماعية. فجميع الأديان الثلاثة يعتقدون أنَّ لديهم عهوداً ومواثيقَ مع الله، وأنَّهم خلفاء الله في الأرض، ومأمورون بطاعة أوامره بالحفاظ على العالم وحمايته وتطويره من أجل الأجيال المستقبيلة. فالأديان الثلاثة يعدُّون أنفسهم أدياناً تدعو للسلام)(٧٧٥).

الفصل الخامس: مسائل مرتبطة بعقيدة المهدي المنتظر

توطئةٌ:
هناك مباحثُ ومطالبُ متصلةٌ بالقضية المهدوية، من بعيدٍ أو من قريبٍ، تطرق لها المستشرقون في كتاباتهم، لذا يحسُنُ التعرض لها هنا، إما عرضاً أو تحليلاً أو نقداً. منها:
الفارقليط.
مُدَّعو المهدوية.
الإسماعيلية.
ولادة المهدي المنتظر.
السفراء الأربعة.
المبحث الأول: الفارقليط:
أو البارقليط: مصطلحٌ يونانيٌّ يعني عند النصارى: الْمُعَزِّي أو المعين، استُعمِلَ في العهد الجديد للإشارة إلى الروح القدس في المسيحية. وترجمها المسلمون بأنَّها تعني أحمد وبذلك تعني التبشير والإخبار عن النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)(٧٧٦).
في البدء يمكننا القول كنتيجةٍ سابقةٍ لأوانها بأنّ: (الفارقليط هو المهدي المنتظر) وهنا يُقصد (المهدي المنتظر) بصورته العامة، بغض النظر عن مصداقه الخارجي، لا صورته المختصة بفئةٍ أو طائفةٍ معينةٍ، بصفاته العامة المتفق عليها عند عموم المسلمين، يعني: ذاك الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً، والذي ينزل عيسى النبي فيصلّي خلفه، والذي يواطئ اسمُهُ اسمَ النبي الأكرم، والذي يحارب الظالمين وأولهم السفياني، ويقضي على المسيح الدجال بمعية عيسى النبي، والذي يعطي المال صحاحاً، وغيرها من الصفات العامة.
هذه النتيجة جاءت لمعطياتٍ توفرت وستعرض تباعاً بعد بيان عدة مطالبَ أو عدة نقاطٍ. لكن قبل الولوج في هذا المضمار البحثي، هناك سؤالٌ قد يسأله سائلٌ: كيف يمكن الاعتماد والاستشهاد بنصوصٍ من الكتاب المقدس (التوراة والانجيل) مع القول بأنَّ يد التحريف قد طالتها وعبثت بها؟ وهذا سيلزم نقصان أو بطلان الحجة والدليل الذي يعتمد الكتاب المقدس؟
الجواب: أولاً، يمكن الأخذ ببعض ما هو موجودٌ في كتب العهدين لأن كتب العهدين القديم والجديد، محرفةٌ، لكن لا بالجملة، أي إنَّ بعضاً منها لا كلها محرفةٌ، وهذا ثابت قرآنيّاً وعمليّاً، فقرآنيّاً قال تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَوَاضِعِهِ﴾(٧٧٧)وقوله تعالى: ﴿يَسمَعُونَ كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُم يَعلَمُونَ﴾،(٧٧٨) أما عمليّاً، فلا يستطيع أحدٌ أن يجزم على نحو الكلية الموجبة، ويقول بأنَّ كلَّ ما جاء بكتب العهدين بكل تفاصيلها وجزيئاتها محرَّفةٌ، ومن الثابت والمعروف أنَّ كتب العهدين كتبت من بعد سنين بعد نزول الوحي على أنبيائها، وإلا لو كانت محرفةً بالكامل في كل حرفٍ منها، لما بقي حجرٌ على حجرٍ - كما يعبِّرون - ثانياً، يمكن الاستشهاد بكتب العهدين من بابٍ وتحت مقولة: (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) فأتباع هذه الديانات يؤمنون بكل ما جاء في هذه الكتب، وعندما نستشهد بنصٍّ أو بدليلٍ منها، فليس بالضرورة أننا نؤمن بها وندين بكل ما فيها، وإنَّما كدعمٍ ودليلٍ للقضايا والمفردات المراد إثباتها وتأكيدها.
وهناك روايةٌ حديثيةٌ في صحيح البخاري: (فقال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم، وقولوا:﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَينَا﴾(٧٧٩))،(٧٨٠) أي لا تصدقوهم بكل شيءٍ؛ لئلا تُصَدَّق مسألةٌ محرفةٌ، ولا تكذبوهم بكل شيءٍ، لئلا تُكَذَّب مسألةٌ صادقةٌ. يعني: (إذا كان ما يخبرونكم به محتملاً لئلا يكون في نفس الأمر صدقاً فتكذبوه، أو كذباً فتصدقوه فتقعوا في الحرج، ولم يرد النهي عن تكذيبهم فيما ورد شرعنا بخلافه).(٧٨١)
وسيتم بيان مدى صدق أو درجة هذه النتيجة المتقدمة الذكر (الفارقليط هو المهدي المنتظر) ضمن عدة نقاطٍ:
أولاً - عدد مرات هذه الكلمة في كتب العهدين: أنَّ كلمة الفارقليط - على اللفظ المشهور - أو البارقليط - على اللفظ الأصح، غير المتعارف، وسيتبين صحة هذا اللفظ من ذاك - (حيث وردت كلمة باراقليط paraklhton، حرفيًا باراكليتوس - Parakletos، في العهد الجديد وبالتحديد في الإنجيل بحسب القديس يوحنا والرسالة الأولى للقديس‏ يوحنا خمس مراتٍ فقط، أربع مرّاتٍ في الإنجيل ومرةً واحدةً في رسالته الأولى. ولم ترد ثانيةَ في بقية العهد الجديد).(٧٨٢) وستُذكر النصوص الواردة فيها تباعاً. لكن عندما ترجموها للعربية تلاعبوا بترجمتها وقالوا تعني (الْمُعَزِّي).
ثانياً - ترجمة الكلمة ومعناها، وهل أنها تعني اسم النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
(الْمُعَزِّي) الذي بشَّر به السيد المسيح قبل رفْعِه إلى السماء، ترجمةٌ للكلمة الإغريقية (البارقليط) ومعناها في قاموس اللغة اليونانية: (الْمُعَزِّي. المحامي. الشفيع. المحمد. المحمود) وورد اسم بارقليط. فارقليط. باراكليت. والْمُعَزِّي. والمحامي. والمؤيد، في تراجم إنجيل يوحنا. والحق أن المسيح نطق لفظ (بيرقليط) وهو يترجم: أحمد. ويقول النصارى أن المسيح نطق (باراقليط) وعلى ذلك فليس هو أحمد. أي إنَّ الخلاف في الكسرة والفتحة. فعلى الكسرة يكون اسم أحمد. وعلى الفتحة لا يكون اسم أحمد. بل صفته هي الْمُعَزِّي. وهم يعتمدون رواية الفتحة.(٧٨٣)
وكتبت دائرة المعارف الفرنسية حول هذا التفسير والاختلاف فيه عن اعتماد رواية الفتحة أو الكسرة (تقول دائرة المعارف الفرنسية الكبيرة في جزئها ٢٣/ص٤١٧٤ عند شرحها لكلمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو مؤسس الدين الإسلامي ومبعوث الله وخاتم الأنبياء وجاءت كلمة محمد من الحمد واشتقاقها من حمد يحمد الذي هو معنى التمجيد والتجليل. ومن الصدف العجيبة أن هناك اسماً آخر مشتقاً من الحمد وهو مرادف للفظ (محمد) وهو كلمة (أحمد) التي يغلب على الظن أن المسيحيين في الجزيرة العربية كانوا يستعملونها مكان فارقليط. وأحمد معناه المحمود كثيراً والمحترم جدّاً وهو ترجمة لكلمة بريكلتيوس [بكسر الباء] التي أخطؤوا فوضعوا مكانها كلمة باركليتوس [بفتح الباء]).(٧٨٤) إذ جاء في إنجيل يوحنا: (وَأَمَّا الْمُعَزِّي[البارقليط] الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ)(٧٨٥).
ولكن عندما تم كتابة تلك القصص عن يسوع اختلطت ثم حُرّفت في ما بعد وأصابها تشويشٌ هائلٌ فقد ترجموها (الْمُعَزِّي أو المسلي أو الروح القدس) في حين أن جميع المعاجم لا زالت تشهد بأنَّ معناها (أحمد). المفسرون هنا يقولون بأنَّ هذا البارقليط هو (معزٍّ أو مُسَلٍّ وهو يسوع أو الروح القدس) ولكن هذا كله كذبٌ، فمن أتى بعد المسيح فَهِمَ هذه الكلمة على أنها بشارةٌ بنبي يأتي بعد رحيل يسوع(٧٨٦).
مفسرو الإنجيل ورواد التبشير يحاولون إبعاد هذا التفسير، أي ما فسره المسلمون (البارقليط) بلفظ (محمد وأحمد) كما جاء في كتاب (هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آَخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟) محاولاً هذا الكتاب، الرد على المسلمين بكل ما أوتي من فَذْلَكَةٍ بحثيةٍ جدليةٍ، وأنَّ المسلمين تصوّروا، أو هكذا أرادوا أنْ يتصوّروا، أو يُصوّروا لأنفسهم ولغيرهم، أنَّ الباراقليط مشتقٌّ لغويًّا من ‏الحمد ويعني (الحماد) المحمود أو الممدوح أو الممجد، ويُشير إلى نبيٍّ يُشتق اسمه من الحمد، وأنَّ ما أطلقه المسيح من صفاتٍ على الباراقليط هي صفات هذا النبي وتشير إلى أعماله وشريعته وما شهد به المسيح عنه!!. وتخيُّلُهم أنَّ الباراقليط الذي وعد بمجيئه، حجّةٌ على صحّة مزاعمهم وقالوا - أي المسلمون - أنَّ البارقليط هو ترجمةٌ له ويشير إلى ذلك النبي الموعود!! ونقول لهم أنَّ الروح القدس لم يحلَّ على التلاميذ إلا بعد هذا الوعد الذي وعدهم به لا قبله.(٧٨٧)
وكذلك من جملة الردود على المسلمين في هذا الشأن: بأنَّ المسلمين متأثرون بما سَمَّاهُ الكتاب المزّيف والمدعو زوراً بإنجيل برنابا والذي أكّد زيفه كلّ العلماء المسيحيين وبعض الكتاب من الإخوة المسلمين وتجاهلته الغالبية العظمى من العلماء المسلمين إمّا لثقتهم بأنَّه كتابٌ مزيّفٌ أو على الأقل لشكِّهم في صحّته أن المسيح يسوع ليس هو المسيح المنتظر إنَّما المسيح المنتظر هو نبيّ المسلمين!! وأنَّ كل نبوءات التوراة عن محمدٍ مذكورةٌ في كتب اليهود، في دائرة المعارف تحت كلمة المسيا أو كلمة المسيح، أما المسلمون من قبل ظهور إنجيل برنابا فإنَّهم كانوا يعرفون آيات من النبوءات، ويفسّرونها على محمد تحت لقب (النبي) لا المسيح ولا المسيا(٧٨٨).
وردّاً على ذلك في المقابل: إنَّ كلمة البرقليط الواردة في إنجيل يوحنا باللغة العبرية أو الآرامية - لأن السيد المسيح لا يتكلم اليونانية أو العربية - هي لا تعني معزياً أو محامياً أو وسيطاً كما جرى تشويهها، والاسم مركب من مقطعين Peri والثاني Kleitos مشتقٌ من التمجيد والثناء ويُكتب Periqlytos أو Periqleitos، الترجمة اللاتينية المعتمدة ترجمتها (الْمُعَزِّي) لكن الكلمة الآرامية الأصلية لم تكن سوى (محّمده) أو (حمده) وهي تقابل كلمة (محمد) أو (أحمد) بالعربية كما إنها تقابل كلمة (البرقليطوس) اليونانية(٧٨٩).
وليس هي الروح القدس كما فسرها المسيحيون، فمن أتى بعد المسيح فَهِمَ هذه الكلمة على أنها بشارةٌ بنبي يأتي بعد رحيل يسوع ولذلك نرى (ماني) - مؤسس الديانة المانوية وسميت هذه الديانة باسمه، وهي من الديانات الفارسية القديمة - زعم في كتابه أنه هو الفارقليط الذي بشّر به يسوع ولذلك اشتهر عنه هذا القول: (أنا الباراقليط الذي أُعلنت رسالته من زمن قديم بواسطة يسوع والذي كان يجب أنْ يأتي ليقنع العالم)(٧٩٠).
إذن الفهم والتفسير العام لهذه الكلمة عند المسلمين أو عند قليلٍ ممّن لا ينتمي للإسلام، أنها تعني (محمداً أو أحمد أو شيئاً مشتقاً من الحمد) وبذلك فهي تعني التبشير والإخبار عن نبيٍّ يأتي بعد المسيح وهو الخاتم محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
إذا تم تفسيرها بالعزاء والْمُعَزِّي، وإذا كان أحد معاني العزاء: الصَّبْر، و(تَعَزَّى تَعَزِّياً) أَي تَصَبَّرَ تَصَبُّراً،(٧٩١) وعَزَّه يَعُزه عَزَّاً: أَعانَه ويعينه إعانةً، وبه فَسَّر من قرأَ ﴿فَعَزَّزنَا بِثَالِث﴾(٧٩٢)(٧٩٣) فيكون هو أمل المستضعفين في الأرض جميعاً، لأنه سيبسط العدل الإلهي بإذن الله تعالى وهو الاعتقاد الإنساني القادم بأنَّه سيأتي في يومٍ ما، إما هو المسيح المنتظر بنفسه، بحسب تفسير التبشر المسيحي، وإما النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحسب المعطيات للتفسير الإسلامي، وإما البارقليط الذي سيخرج في آخر الزمان هو المهدي المنتظر، لأن المهدي المنتظر أيضاً اسمه (محمد) فقد قرأنا يواطئ اسمه اسم النبي، ولأنه هو من سيخلِّص العالم من براثن الظلم والجور الذي يملأ الأرض بعدلٍ وقسطٍ نقيضه، أي أنَّه المفهوم نفسه باختلاف المصاديق.
ولا يُراد هنا الممازجة بين الأحداث وتفصيل النصوص على وفق مقاس المصداق الذي نَصْبُو إليه، بل بحسب المعطيات المتوافرة، ويبقى هو رأيٌ يسمح بالنقاش والمطارحة، والنصوص تحتمل هذا المعنى، وهو رأيٌ قابلٌ للاستدلال والمراجعة، أو بالإمكان الاستئناس به وتعزيز موضوع الكتاب. وهو ليس قرآناً منزلاً يجب الإذعان له، ما دام هو من مكنونات الغيب، التي عادةً ما تكون عُرضةً للتأويلات والتفسيرات المختلفة.
ثالثاً - إذا تناولنا مفهوم البارقليط كمفهومٍ لا كمصداقٍ محدَّدٍ أو كلفظٍ، سنصل إلى نتيجةٍ مفادها: على أنَّه البشارة بالبارقليط هي بشارة المهدي المنتظر نفسها، إذا اتكأنا على مفهوم البارقليط كمخلِّصٍ ومنقذٍ ومصلحٍ عالميٍّ، سيأتي في الفصل الأخير من عمر هذه الدنيا، وهذه الجدلية بين المفهوم والمصداق قائمةٌ على قدمٍ وساقٍ كما يعبّرون، لأننا إذا تمسكنا بظاهر اللفظ ووقت النزول للآية أو الرواية أو حتى النص الإنجيلي، سوف لا نحصل إلا على مصداقٍ واحدٍ، وهو الذي تحدثت عنه الآية أو الرواية أو النص الإنجيلي، فقد جاء (عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):... فقال: رحمك الله يا أبا محمد لو كانت إذا نزلت آيةٌ على رجلٍ ثم مات ذلك الرجل، ماتت الآية، مات الكتاب ولكنه حيٌّ يجري فيمن بقي كما جرى فيمن مضى).(٧٩٤)
فالغاية ومقصد النص، والعامل المشترك، الذي جاء من أجله النص، بخصوص (المهدي المنتظر، والفارقليط، والمخلِّص المسيح، والتبشير بنبوة خاتم الرسل) هو الخلاص من الظلم والوعد للبشرية بمستقبلٍ سعيدٍ آمنٍ ينتهي فيه الظلم من غير رجعةٍ، هذا العامل المشترك والغرض الأساس للمفهوم، هو الذي يمكن أن يُنشئ لنا أكثرَ من مصداقٍ، طبعاً بحسب المعايير والضوابط الصحيحة العلمية المنهجية المتبعة، لا كما يشاء الهوى النفسي والتنظيري.
والمقصود هو أن النص يبقى ينتج معانيَ عدةً وبحسب تطور المفاهيم والمعارف كما فسرت (القوة) في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا استَطَعتُم مِّن قُوَّة﴾(٧٩٥) فإنَّها في عصر النبوة ونزول الآية، كان من بين ما تشتمل عليه الرمي والسهام والسيف والنبل، ثم تطورت إلى قوةٍ مفتوحةٍ متطورةٍ، بتطور العصور والأزمان، فصارت تشمل الأسلحة الحالية الحديثة.
وحتى وإنْ فسرها مفسرو الإنجيل التبشريين بالعزاء والْمُعَزِّي، أي هو الأمل والاعتقاد القادم، بأنَّه سيأتي يوماً ما، فهو سيكون (الْمُعَزِّي) إما هو المسيح المنتظر بنفسه، وإما النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإما البرقليط الموعود سيأتي.
النبيُّ محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، خاتم الأنبياء والمرسلين، ورسالته خاتمة الرسالات والشرائع، لكن المهدي المنتظر، خاتم الأولياء الصالحين، يمكن القول خاتم الولاية التشريعية والتكوينية، وهنا ليست مقارنةً أو مفاضلةً بينهما إطلاقاً، وإنَّما تعدد أدوارٍ ومسؤولياتٍ ومهماتٍ، كما كان للعبد الصالح الخضر وموسى (عليهما السلام) لكل واحدٍ دوره ومسؤوليته المنوطة به. وكل ذلك نؤمن به لوجود نصوصٍ دينيةٍ تعزز رصيد هذا المفهوم، وليس ذلك من باب الاجتهاد الشخصي، ولكن النية التي ترتبط بالله تعالى هي التي تحدد مقاصد هذا التأويل الذي يتحمله النص، لأننا نؤمن بأنَّ الله تعالى هو الفاعل، وهو القادر على كل شيءٍ.
كيف لا يكون (المهدي المنتظر) كذلك وخاتماً بهذا المعنى، وقد هيَّأَ له وبشّر به النبي الخاتم بأنَّ (المهدي المنتظر) هو الذي ستُختم به هذه الدنيا بالعدل والقسط والصلاح، ففي الحديث (قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباً فطوبى للغرباء)،(٧٩٦) وبلفظ آخر وبزيادةٍ جاء في سنن الترمذي (ت ٢٧٩ه): (أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قَالَ:... إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِى مِنْ سُنَّتِي).(٧٩٧)
إذًا لابدَّ من مُصْلِحٍ يُصلِح ما أفسده الناس من بعد شريعة الهدى للنبي الكريم يعيد لهذا الدين أصالته ووجاهته، فيرجع حكم الله تعالى على الأرض غضّاَ طريّاً، ويعيد للأمة الإسلامية وللكون عموماً كلَّ حقٍّ مغتصَبٍ، وينصف كلَّ مظلومٍ، فقد قرأنا يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما مُلئت ظلماً وجوراً. وبذلك يكون الإيمان بوجود الإمام المهدي (عليه السلام)، مشروعاً إصلاحيّاً يعيد الأمة إلى طريق الحق.
وهذا المفهوم العام، ما يدل عليه أيضاً معنى جذر الكلمة اللغوي، إذ ورد في تاج العروس ومن أسمائه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) في الكتب السالفة (فارق ليطا) أي يفرق بين الحق والباطل. ونصه في إنجيل يوحنا أنَّ الفارقليط روح الحق الذي يرسله أي: هو الذي يعلّمكم كل شيءٍ والفارقليط عندهم الحماد وقيل: الحامد. وجمهورهم أنه المخلِّص (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).(٧٩٨)
رابعاً - النصوص الإنجيلية التي ذكرت البارقليط:

استعراضٌ وتحليلٌ بحثيٌّ لها، ومواءَمتها مع مفهوم المخلِّص لآخر الزمان (المهدي المنتظر) والنبي الخاتم لآخر الأمم:
النص الأول: (إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَنِي فَاحْفَظُوا وَصَايَايَ، وَأَنَا أَطْلُبُ مِنَ الأَبِ فَيُعْطِيكُمْ مُعَزِّيًا [بارقليطاً] آخَرَ لِيَمْكُثَ مَعَكُمْ إِلَى الأَبَدِ، رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ).(٧٩٩)
١ - الظاهر من هذا النص أن هناك اثنين من البارقليط، لا واحداً فقط، لأنه قال (آخر) وعليه سيكون بأن الأول هو النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والثاني هو المهدي المنتظر، لأنَّ بقوله (آخر) لم يقصد أن البارقليط الأول، هو السيد المسيح نفسه، وكذلك قد تحدث بصيغة الغائب، وقال في نهاية النص (إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ) بصيغة المتكلم. فيكون في هذا النص على ظاهره: هناك بارقليط أول وثانٍ، والسيد المسيح نفسه.
٢ - والبارقليط الذي يراد هنا إجبار النصوص وترويضها على إحدى مصاديقه، لكونه المهدي المنتظر، سيمكث إلى الأبد، فهل المراد منه الأبد، بمعنى الذي لا نهاية له؟ أو الأبد بمعنى إلى يوم القيامة؟ القدر المتيقن من هذا النص، أنَّ البارقليط حتماً سيختم الفصل الأخير من هذه الدنيا، وهو المحطة الأخيرة التي يكون بعدها يوم القيامة، وهذا ما ينطبق على أطروحة المهدي المنتظر، وأنَّه من أشراط الساعة - كما قرأنا - ودلالة خروجه وبعد انتهاء مهمته، هو قرب الساعة يوم القيامة.
٣ - نقطة أخرى في النص (لاَ يَسْتَطِيعُ الْعَالَمُ أَنْ يَقْبَلَهُ، لأَنَّهُ لاَ يَرَاهُ وَلاَ يَعْرِفُهُ) فالمهدي المنتظر، لا يقبله أكثر الناس، بسبب أن العالم لم يره، ولا يستطيع أن يراه، إما لأنه غائبٌ عن الأنظار، وهذا الغياب، سواءً على الإيمان القائل بوجود المهدي المنتظر وأنَّه حيٌّ وأنَّ العالم فقط ينتظر خروجه، أم غائب بنحوٍ ثانٍ ومعنًى آخرَ للغياب، على الإيمان القائل بأنَّه غيرُ موجودٍ الآن وليس حيّاً، وإنَّما يولد بأجلٍ غيرِ مسمًّى.
ولم يقبله العالم ولم يؤمن به كثيرٌ من الناس، ذلك إذا قسّمنا العالم إلى مسلمين وغير مسلمين وهم - غير المسلمين - الأعم الأغلب، وهؤلاء من باب أولى ألّا يقبلوا، لأنهم غير مسلمين أصلاً، وهنا في هذه الدراسة وهذا الكتاب، مثالٌ حيٌّ على ذلك، هو إنكار المستشرقين لهذه العقيدة، ومحاولة تسفيهها لدى معتنقيها، وقد عقدت هذه الدراسة من أجل دفع شبهاتهم حول ذلك.
والقسم الثاني، المسلمون - بالصورة العامة الغالبة، دون الدخول بالتفاصيل الجزئية لجميع الملل والنحل - أيضاً منقسمون على شطرين، شطرٍ لا يقبل هذه المفردة العقدية وينكرها، ويشكك بما ورد فيها من أحاديث، لأنَّه قد يعدها من الأمور الغيبية التي يصعب تصديقها في مقابل الحسية، أو لأنَّه بتصوره لم يرد ذكرها صريحاً في القرآن الكريم، والشطر الآخر يقبلها سواءً بالإيمان القائل بوجود المهدي المنتظر وأنَّه حيٌّ وسيخرج في آخر الزمان، أم بالإيمان القائل بأنَّه غيرُ موجودٍ الآن وليس حيّاً، وإنَّما يولد ويظهر بأجلٍ غيرِ مسمًّى.
٤ - وعبارة (وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَعْرِفُونَهُ لأَنَّهُ مَاكِثٌ مَعَكُمْ وَيَكُونُ فِيكُمْ. لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ) باعتبار أنَّ السواد الأعظم من النصارى سيؤمنون بالبارقليط (المهدي المنتظر) لأنَّ السيد المسيح سينزل معه قوله (لاَ أَتْرُكُكُمْ يَتَامَى. إِنِّي آتِي إِلَيْكُمْ).
وجاء في الموسوعة المهدوية إلى أن وجود السيد المسيح مع الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) سيؤثر إيجاباً في إيمان اليهود والنصارى بالمهدي المنتظر، وهم يمثّلون قسمًا كبيراً من البشرية، وذلك حين يثبت لهم بالحجّة الواضحة أنّه هو المسيح يسوع الناصري نفسه، وأنَّ الإنجيل والتوراة إنّما هي هكذا على شكلها الواقعي، وأنَّ ملكوت الله الذي بشّر به هو في حياته الأُولى على الأرض قد تحقّق فعلاً، متمثّلاً بدولة العدل العالمية. ولن يبقى منهم شخصٌ من ذلك الجيل المعاصر للظهور إلاّ ويؤمن به - باليسوع - كما هو المستفاد من قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن أَهلِ الكِتَبِ إِلَّا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيهِم شَهِيدًا﴾.(٨٠٠) فإنَّ الاستثناء بعد النفي يفيد العموم.(٨٠١)
أقول: وقد يطبق الآية بعض المفسرين مصداقاً على النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإنَّ أهل الكتاب سيؤمنون به - بالنبي الأكرم - فهذا لا ينافي ما يستفاد من الآية لكون أهل الكتاب سيؤمنون بالنبي عيسى (عليه السلام) وبالمهدي المنتظر، لأن إيمانهم الأولي - بالنبي - شاملٌ لإيمانهم الثاني بعيسى والمهدي المنتظر، وصدقهم هذا وإيمانهم تابعٌ لإيمانهم بالنبي الأكرم بحسب تفسير الآية به.
وقد جاء عن الامام الباقر (عليه السلام): (إنَّ عيسى ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا فلا يبقى أهل ملة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ إلا آمن به قبل موته، ويصلي خلف المهدي).(٨٠٢)
وجاء في صحيح البخاري ذكر الآية أعلاه بأنَّ أبا هريرة جعل قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، تفسيراً للآية القرآنية، المراد منها أنَّ اليهود والنصارى سوف يؤمنون بالسيد المسيح قبل موته وقبل يوم القيامة، وهذا يفيد بالتبع، بأنَّهم سوف يؤمنون بالمهدي المنتظر، لأنَّهم سوف يرون نبيهم من أنبياء أولي العزم سيصلي خلف المهدي المنتظر، ما يعطي الشرعية التامة والأولوية والقيادة لذلك، حيث وردَ: (قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿وَإِن مِّن أَهلِ الكِتَبِ إِلَّا لَيُؤمِنَنَّ بِهِ قَبلَ مَوتِهِ وَيَومَ القِيَمَةِ يَكُونُ عَلَيهِم شَهِيدا﴾(٨٠٣)).(٨٠٤)
ثم يعلق المحقق في الحاشية شارحاً قول أبي هريرة: (إنْ شئتم): أي إن شئتم أن تتأكدوا من معنى وصدق ما أروي فهذه الآية تؤكد لكم ﴿وَإِن مِّن أَهلِ الكِتَبِ﴾ أي: وما من أحدٍ من اليهود والنصارى ﴿بِهِ﴾ بعيسى (عليه السلام) ﴿قَبلَ مَوتِهِ﴾ الموت العادي المألوف بعد نزوله (عليه السلام).(٨٠٥)
النص الثاني: (وَأَمَّا الْمُعَزِّي [البارقليط]، الرُّوحُ الْقُدُسُ، الَّذِي سَيُرْسِلُهُ الآبُ بِاسْمِي، فَهُوَ يُعَلِّمُكُمْ كُلَّ شَيْءٍ، وَيُذَكِّرُكُمْ بِكُلِّ مَا قُلْتُهُ لَكُمْ).(٨٠٦)
جاء التفسير المسيحي في هذه اللفظة (معزٍّ) باراقليط، تعني من يُدعى إلى جانب شخصٍ آخرَ لمساعدته. كما أنها تترجم أيضًا (شفيع) فاليسوع هو شفيعنا أو معزّينا، والبارقليط هو معزٍّ آخرُ، لا بمعنى أنه من صنف آخرَ، بل بوصفه شخصاً آخرَ له الصفات عينها، والبارقليط الْمُعَزِّي سيمكث مع المؤمنين إلى الأبد.(٨٠٧) فمعناها مَنْ يمسك بأمورنا لكي يساعدنا ويعيننا.(٨٠٨) وفي معنى الروح القدس الذي أراد التفسير المسيحي أقنوماً ثالثاً وإبعاده عن التفسير الإسلامي للبارقليط، قال المستشرق كوربان: (كان فكرة تطور الإنسانية الذي هو العمل المستمر للروح القدس، والذي سيكون مآله النهائي سيادة البارقليط المُبشَّر به في إنجيل يوحنا).(٨٠٩)
وهنا أراد أن يقول السيد المسيح لهم، إنهم سيدخلون إلى دائرةٍ أعمقَ من الفهم عند مجيء ذلك الْمُعَزِّي، فهو يعلمهم كل شيءٍ، أي يقودهم إلى فهم المكتوب فالواسطة الوحيدة لتعليمنا هي البارقليط، الْمُعَزِّي.(٨١٠)
وهذا النص الإنجيلي وهذه التفسيرات المسيحية للبارقليط، جاءت قريبةً وتشير إلى تكاليف وبعض مهام المهدي المنتظر، التي من ضمنها يقود الناس ويبسط العدل باسم الدين الإسلامي وعلى وفق الأطروحة الإسلامية العادلة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فقد روى الكليني بسنده: عن الإمام الباقر (عليه السلام): (... إن الدنيا لا تذهب حتى يبعث الله (عزَّ وجلَّ) رجلاً منّا أهل البيت يعمل بكتاب الله لا يرى فيكم منكراً إلا أنكره).(٨١١)
ويرى كوربان كعادته في مسألة الروح القدس، بأنَّه إذا كانت أطروحة الإمامة في الإلهيات الشيعية نظير مبحث المسيح في اللاهوت المسيحي، فيظهر أن الأَوْلى أن تكون نظير لاهوت الروح القدس بوصفه البارقليط.(٨١٢)
وقد يُتصور أن المهدي المنتظر سوف يأتي بشيءٍ جديدٍ من عندياته الخاصة، لا ليس الأمر كذلك كما أكَّدَ قولاً فيه كوربان: (يدرك حكماؤنا المتألهون الشيعة [أي علماء الإلهيات] أن الإمام المنتظر، الفارقليط لن يأتي بشريعةٍ جديدةٍ، بكتابٍ جديدٍ، ولكن سيأتي بكشف المعنى الكامل في كل النصوص المقدسة. وهذا المعنى بكون هو الإمام، بما أنه الإنسان الكامل).(٨١٣)
وإنَّه - المهدي المنتظر - سيهدي الناس إلى طريق الهدى والحق ويبعدهم عن جادة الضلالة والردى، وتماهياً مع البشارة الإنجيلية بالبارقليط بأنَّه سيذكرهم بالإنجيل ويعلمهم كل ما يحتاجونه، عن طريق محاججتهم بكتبهم، فقد جاء من طريق الإمامية عن الإمام الباقر (عليه السلام): (قال إذا قام قائم أهل البيت قسم بالسوية وعدل في الرعية،... وإنَّما سمي المهدي مهديّاً لأنه يهدي إلى أمرٍ خفيٍّ... ويحكم بين أهل التوراة بالتوراة وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن...)(٨١٤) لكن يبقى تفسير البارقليط عند بعض علماء المسلمين بأنه النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هو المصداق الأتم والأوحد. وللحق لا بدَّ أنْ نؤكد أنَّ حقيقة الإمام المهدي تستمد مبرراتها الشرعية من النبوة والرسالة المحمدية، ومن شخصية النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
بينما المستشرق كوربان يرى أنَّه لا إشكال في اعتقاد بعض الحكماء المتألهين الشيعة - علماء الإلهيات - الذي يماهي الإمام الثاني عشر بالبارقليط المُبشَّر به في إنجيل يوحنا، هذا الاعتقاد ليس فيه غرابة، فهناك نصوص تنطوي على هذا التماهي، كالآية القرآنية ﴿وَإِذ قَالَ عِيسَى بنُ مَريَمَ يَا بَنِي إِسرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيكُم مُّصَدِّقا لِّمَا بَينَ يَدَيَّ مِنَ التَّورَاةِ وَمُبَشِّرَا بِرَسُول يَأتِي مِن بَعدِي اسمُهُ أَحمَدُ﴾(٨١٥)(٨١٦) (ويَعدُّ التفسيرُ الإسلامي السائد أن اسم البارقليط (مشجعٌ، معزٍّ) تحريفٌ لاسم بارقليط (مرادفه بالعربية أحمد = محمد) وقد اقترفه المسيحيون لتفادي أن تُفهم الآيات من إنجيل يوحنا على أنها تبشير بخاتم النبيين. على وفق هذا التفسير، فإنَّ البارقليط المبشر به هو النبي محمد. ولا غضاضة في نقل هذا التوصيف ما دام أن النبي، إذ بشَّر بمجيء القائم علة أنه من ولده، فقد تحدَّث عنه كأنه هو (اسمه اسمي كنيته كنيتي) لكن البارقليط المبشَّر به لن يكون مبلغاً بشريعةٍ جديدةٍ، بل سيكون من يكشف الحجاب عن المعنى الداخلي الباطن لكل الشرائع السابقة).(٨١٧)
النص الثالث: (وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي [البارقليط] الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الأَبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الأَبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي).(٨١٨)
يقول هنري كوربان: (كان فكرة تطور الإنسانية الذي هو العمل المستمر للروح القدس، والذي سيكون مآله النهائي سيادة البارقليط المُبشَّر به في إنجيل يوحنا).(٨١٩)
نعم فالمهدي المنتظر سوف يشهد للسيد المسيح، من كون مهمة قتل الأعور الدجال قد أُنيطت به - بالسيد المسيح - وإذا ما جعلنا المهدي المنتظر عبر بوابة هذه الآية القرآنية المباركة شاهداً على السيد المسيح، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَكُم أُمَّة وَسَطا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدا﴾(٨٢٠) وبعد الحصول على تفسير أن أمة محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ستشهد للأنبياء كما ورد هذا التفسير عند بعض علماء المسلمين،(٨٢١) على وفق ما روي ذلك في كتب الحديث وعلى رأسها صحيح البخاري: (قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى هَلْ بَلَّغْتَ فَيَقُولُ نَعَمْ أَيْ رَبِّ فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُونَ لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ فَيَقُولُ لِنُوحٍ مَنْ يَشْهَدُ لَكَ فَيَقُولُ مُحَمَّدٌ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) وَأُمَّتُهُ فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَكُم أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾(٨٢٢) وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ)(٨٢٣) هم أمة محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، وقالوا ذلك هم شهداء على سائر الأمم، أي: يوم القيامة تشهدون يا أمة محمد للأنبياء على أممهم أنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله بتبليغه إليهم، ويكون الرسول شهيداً على أمته بأنَّهم قد فعلوا ما أمره بتبليغه إليهم(٨٢٤).
بعد ما تقدم سيكون الطريق معبَّداً للقول بأنَّ المهدي المنتظر يشهد للمسيح في آخر الزمان عند خروجهما في آخر الزمان، تماهياً مع النص الإنجيلي (فَهُوَ يَشْهَدُ لِي) أعلاه سالف الذكر، مضافاً إلى ما ورد عن طريق الإمامية، قد يكون قريباً من هذا التفسير المتقدم القائل بأنَّ أمة محمد شاهدة أيضاً، لكن تنحصر الدائرة بالمعصومين من أهل بيت النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وليس لكل الأمة الإسلامية بملياراتها العددية، ففي (الكافي) بسنده (عن بريد العجلي قال: سألت أبا عبد الله [الصادق] (عليه السلام)، عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَكُم أُمَّة وَسَطا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ قال: نحن الأمة الوسطى ونحن شهداء الله على خلقه وحججه في أرضه،... (ليكون الرسول عليكم شهيداً) فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الشهيد علينا بما بلغنا عن الله (عزَّ وجلَّ) ونحن الشهداء على الناس).(٨٢٥)
أقول إذا كانت الأمة الإسلامية تشهد للأنبياء بحسب تفسيرٍ ما، فمن باب أولى يكون المهدي المنتظر شهيداً يشهد للسيد المسيح، كونه، والقدر المتيقن هو من أمة محمدٍ، إذا لم يكن أحد الأئمة الأطهار بحسب اعتقاد الإمامية.
وقد يقول قائلٌ: إن هذه الشهادة التي تحكي عنها الآية القرآنية، إنَّما هي في الآخرة، في يوم القيامة، لهذا لا يمكن حمل النص الإنجيلي (البارقليط) على المهدي المنتظر؟
أقول: لا منافاة بين الشهادتين في دار الدنيا وفي يوم القيامة، كما قرر ذلك الفخر الرازي في تفسيره الكبير مفاتح الغيب: إن أداء هذه الشهادة إنَّما يكون في الدنيا وتقريره: أن الشهادة والمشاهدة والشهود هو الرؤية إنَّ كل من عرف حال شيءٍ وكشف عنه كان شاهداً عليه، والله تعالى وصف هذه الأمة بالشهادة، فهذه الشهادة إما أن تكون في الآخرة أو في الدنيا، لا جائز أن تكون في الآخرة، لأن الله تعالى جعلهم عدولاً في الدنيا لأجل أن يكونوا شهداء وذلك يقتضي أن يكونوا شهداء في الدنيا، لأنه تعالى قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلنَكُم أُمَّة﴾ وهذا إخبارٌ عن الماضي فلا أقل من حصوله في الحال، ورتّبَ بوصفهم شهداء على صيرورتهم وسطاً، ترتيب الجزاء على الشرط، واعلم أن الدليل الذي ذكرناه على صحة هذا القول لا يبطل القول الأول لأنَّا بيَّنا بهذه الدلالة أنَّ الأمة لا بد وأنْ يكونوا شهوداً في الدنيا وهذا لا ينافي كونهم شهوداً في القيامة.(٨٢٦)
وهناك أهم مصداقٍ للشهادة للسيد المسيح، هي الصلاة خلف المهدي المنتظر، تكرمةً لهذه الأمة، فجاءت الشهادة أيضاً تكرمةً لهذه الأمة، ما جاء في صحيح مسلم (... فينزل عيسى ابن مريم، فيقول أميرهم: تعال صلِّ لنا. فيقول: لا، إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة)،(٨٢٧) كإمامٍ لا في الصلاة فحسب، بل لكل العالم، الذي سيقع تحت سيطرته وعدله وحكمه، كما قرأنا في شرح مفردة (الإمام) للمنظومة السفارينية (الإمام: يعني الذي يؤم الناس، لا في الصلاة ولكن في القيادة، فيكون إماماً لهم أعظم كالخليفة، وهذا الإمام يقول: إنه (الخاتم) أي للأئمة، لأنه لا إمام بعده، فهو خاتم الأئمة، واسمه يقول: محمد ولقبه المهدي).(٨٢٨)
وقال ابن حجر في فتح الباري: (وفي صلاة عيسى (عليه السلام) خلف رجلٍ من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة، دلالةٌ للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو من قائمٍ لله بحجةٍ).(٨٢٩)
النص الرابع: (إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ، لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يأتِيكُمُ [البارقليط] الْمُعَزِّي، وَلكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ. وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِية وَعَلَى بِرّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ)(٨٣٠).
يرى المستشرق هنري كوربان عن طريق هذه النصوص حول البارقليط، أنّ هناك علاقةً بين المسيحية والتشيع، بين المسيح والإمام، في العلاقة التي تمثل سرَّ الإمام المهدي في أكثر من إشارةٍ - ومنها هذه النصوص البارقليطية - إلى أطروحة المسيح التي نجدها في أطروحة الإمامة الشيعية، إذ إن المسيح لم يمتْ على الصليب، بل رفعه الله إليه كما رفع إدريس وإلياس من قبل، وكذا سيرجع الإمام المنتظر ويؤدي المسيح الصلاة خلفه، فعصر البارقليط بحسب الشيعة ومجيء الإمام البارقليط يفتح عصر المعنى الروحي المحض للرسالات الإلهية، وهذا الجناس مذهلٌ ومن الممكن الحديث عن وضعٍ تأويليٍّ مشتركٍ، أي (طريقةِ فهمٍ) مشتركةٍ بين هؤلاء وأولئك.(٨٣١)
وإنَّ حقبتي (الأب) و(الابن) المسيحية تؤديان إلى حقبة الروح التي هي عصر البارقليط وسيادته، وإنَّ دائرة النبوة ودائرة الإمامة الشيعية تقودان إلى الخاتم النهائي للولاية الذي هو الإمام الثاني عشر الذي يرى الحكماء المتألهون أنه هو البارقليط.(٨٣٢)
وإذا كانت أطروحة الإمامة في الإلهيات الشيعية نظير مبحث المسيح في اللاهوت المسيحي، فيظهر أن الأَوْلى أن تكون نظير لاهوت الروح القدس بوصفه البارقليط.(٨٣٣)
إذ إن التمسك بالإمامة والخلافة الإلهية المجعولة من الله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما﴾(٨٣٤) ﴿إِنِّي جَاعِل فِي الأَرضِ خَلِيفَة﴾(٨٣٥) ﴿إِنَّا جَعَلنَكَ خَلِيفَة فِي الأَرضِ﴾(٨٣٦) هذا إنَّما (يبرز التماهي بين الإمام والبارقليط لدى حكمائنا [الحكماء] المتألهين الشيعة بما له من دلالةٍ، بل دلالةٍ محرّرةٍ. إن هذا التماهي هو في اتفاقٍ كاملٍ مع تماهي العقل الفعّال بالروح القدس، لأن هذا التماهي يجعل كلَّ فلسفةٍ على تواصلٍ مباشرٍ مع العالم الروحي، دون أن تتوسط بينهما سلطةٌ عقائديةٌ لا إكليركيةٌ(٨٣٧)* ولا علمانيةٌ).(٨٣٨)
إذًا بحسب الحكمة الإسلامية إيقاع التاريخ القدسي يقع على زمانين، زمان المبدأ وزمان المعاد، زمان التنزيل وزمان التأويل، ولا يمكن لهذا التاريخ أن يعرف عصر (الابن)، لأن الوحي القرآني هو وحيٌ بَعد مسيحيٌّ، لاحقٌ على عصر الابن وتاريخه. إنه يعبُرُ مباشرةً من دائرة النبوة، عصر الشريعة التي أتى الأنبياء بها، إلى دائرة الولاية أو العلم الروحي دائرة الإمامة، التي خاتمها الإمام الثاني عشر. وليس ثمة مجالٌ للقول هنا أنَّ عصر الروح الخلاّق يفترض مسبقاً (الخلاص) أنَّه هو (الخلاص) بعينه(٨٣٩).
وأخبر وبشّر به السيد المسيح: (لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّؤوا. وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأتِيَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ)(٨٤٠).
فإنَّ الحكمة الإلهية الإسلامية - كما الحكمة الإلهية المسيحية - ستواصل المبحث الميتافيزيقي في الروح القدس. لقد خلفت دائرة الولاية دائرة شريعة الأنبياء، في التاريخ القدسي الوجودي، ومع ذلك فإنَّهما في الزمان التاريخي تتجاوزان، لأنَّ عصر الشريعة يستمر حتى ظهور الإمام الفارقليط(٨٤١).
وأخيراً يرى المستشرق الفيلسوف الفرنسي كوربان، أنَّه من الإنصاف عدم إهمال الرؤية الشيعية بالنسبة للإمام المهدي المنتظر وعصر البارقليط (فإنَّ كلَّ ما ظهر ويستمر في الظهور على الوعي الشيعي في صورة الإمام الثاني عشر وأحداث سيرته: ولادته، غيبته، ظهوراته، مجيئه كبرقليط، حتى وإنْ كان كلُّ هذا أحداثاً رؤيويةً أكثرَ من كونها أحداثاً تاريخيةً بالمعنى العادي للكلمة، أي حتى وإنْ كانت هذه السيرة بمعظمها، تُنبئنا بما ظهر على الوعي الشيعي وبما اختبره واقعاً، أنَّ كل ذلك ينبغي من الآن فصاعداً أنْ يكون له معنىً عند الغربي، ومن الآن فصاعداً ينبغي ألّا يكون الطرح الشيعي عن الإمام الغائب قصيّاً عن دراستنا في الميتافيزيقا الأخروية)(٨٤٢).
وهذا الكلام يعكس العقل الاستشراقي في نظره إلى الإسلام على أنَّه نسخةٌ من المسيحية، وفي الحق أن المهدي المنتظر في الإسلام، لا يشبه الرؤية اللاهوتية للسيد المسيح، فالمهدي المنتظر في الشريعة الإسلامية، مشروعٌ إصلاحيٌّ وليس معنى رؤيويّاً، كما ذكر ذلك، أي معنى غيبيًّا ميتافيزيقيًّا، بل إنَّ مهمة الإمام المهدي المنتظر ومن يؤمن به، هي مهمة الإصلاح وتغيير الواقع الفاسد المليء بالظلم، وفي عصر غيبته (عليه السلام) تقع مهمة الإصلاح على من يؤمن بالنبوة والرسالة والعقيدة المهدوية.
المبحث الثاني: مُدَّعو المهدوية:
هذا المبحث يرتبط بهذه الأطروحة المهدوية، سواء أكان ارتباطاً قريباً أم بعيداً، فهناك من ادّعى المهدوية وهم كُثر، وهناك من ادُّعيت له المهدوية وهو يعلم أو لا يعلم بذلك. ولمّا كتب المستشرقون عن هذه المسائل؛ ولمّا كانت هذه الدراسة يُراد ويُتأمل منها أن تكون مرجعاً يُعتد به في لملمة آراء المستشرقين في هذا الشأن وما يرتبط به، فكان لزاماً التعرض ولو إجمالاً لمثل هذه المباحث.
يبتدأ المستشرق الألماني هاينس هالم في كتابه (الغنوصية(٨٤٣) في الإسلام) على خلفية جعله كون الغنوص الإسلامي ظاهرةً شيعيةً، لما يكتنف بعض فرق الشيعة من الباطنية في تعاليمهم وأبجدياتهم، وتوظيفها سياسيّاً لمصلحة البيت العلوي، ما جعله يقول، بأنَّ الإمام عليًّا (عليه السلام) هو (المهدي الغائب) وقد أخطأ في قوله، تاريخيّاً ومعرفيّاً، لأنه لم يحدد الغلاة منهم، أو الإسماعيلية عمليّاً أصحاب المذهب الباطني المعروف، وإنَّما شمل الشيعة بكل أصنافها، بل عنى وخصص الإمامية منهم، وهذا خطأٌ من مئات الأخطاء التي اُبتليت بها المنظومة الإسلامية عموماً والشيعة الإمامية على وجه التحديد، من استهداف المستشرقين للإسلام.
وهذه مناسبةٌ أخرى أيضاً لا بأس التذكير فيها، بالغرض الأساس لمثل هؤلاء المستشرقين في نماذج كتاباتهم، وهو إيجاد الثغرة، وتعميق الفرقة دائماً بين طوائف المسلمين، قوله: (من الممكن أن يقوم الشيعة (حزب عليٍّ، شيعة عليٍّ) بحركةٍ سياسيةٍ هدفُها دنيويٌّ محضٌ: أن يُسقطَ أحدُ أحفادِ عليٍّ الأُمويين الكفار، مغتصبي عرش الخلافة ويعيد ل(أهل البيت) حقوقهم المتوارثة، فالعلويون هم وحدهم الأئمة الحقيقيون والقادة الشرعيون لكافة الأمة الإسلامية. ولكن بُعَيدَ موت عليٍّ أينعت الآمال بأنَّ (أمير المؤمنين) عليًّا الميت في ظاهره والغائب في الحقيقة، سوف يرجع شخصيّاً ويرأس حزبه وهو مظَّفرٌ بالنصر. وأصبح هذا الإيمان برجعة الإمام الغائب لاعتباره هو (المهدي) وبتقدم الزمن، يُسنَدُ تباعاً إلى العديد من أحفاد عليٍّ، وهو بمثابة العلامة المميزة للفرق والنحل الشيعية عامة، وللشيعة المتزمتين على وجه الخصوص، أي للشيعة الإمامية أو الاثني عشرية).(٨٤٤)
وكذلك تطرق هاينس هالم إلى محمد بن الحنفية، فهو لم يدَّعِ المهدوية، ولكنه ممن ادُّعي لهم ذلك، فينقل نصّاً كاملاً بخصوص محمد بن الحنفية، من كتاب (فِرَق الشيعة) للنوبختي - وهو من أقدم المصادر في هذا الشأن - بأنَّ ابن الحنفية لم يدَّعِ المهدوية ولكن الفرقة التي تبعته هي من جعلته إماماً غائباً.(٨٤٥) وكتاب النوبختي أقدم كتاب في هذا الشأن، فهو من أعلام القرن الثالث و(هالم) نقل ذلك بقوله: (يظهر أن محمد بنَ الحنفية بعد فشل المختار في الكوفة عام ٦٧ه عن كل الطموحات في السلطة السياسية - إذا كان لديه مثل هذه الطموحات -... كان بعضهم الآخر لا يريد تصديق خبر موته وانتظروا عودة الغائب الظافرة. واتخذ انتظار المنقذ المستقبلي - المهدي - في آمال الفرق والمجموعات الكيسانية لأول مرة شكلاً مذهلاً)(٨٤٦) حيث كان قد أُطلق لقب المهدي سنة ٦٦ه على محمد بن الحنفية وسمي المهدي ابن الوصي، فلما مات ودُفن عند جبل رضوى بالحجاز قال أصحابه برجعته فأصبح بذلك عندهم المهدي المنتظر.(٨٤٧)
ومونتكمري وات أيضاً ينقل في بحثٍ له بعنوان: (التشيع في عهد الأمويين) يستشهد بكتاب النوبختي (فرق الشيعة) والأشعري القمّي وكتابه (المقالات والفرق) يستشهد على أبي مسلم الخراساني ودعوى المهدوية: (ولعل يمكن القول أنَّ أبا مسلم قد تعلَّمَ بعض الأفكار المسيحية المتداولة بين صفوف الشيعة... وأنَّه بعد وفاته فإنَّ بعض أتباعه جزموا بأنَّه كان الإمام الغائب، وأنَّه المهدي)(٨٤٨) ويتحدث آخرُ عن إنكار الناس أو قل سخطهم للعقيدة المهدوية من جرّاء ادعاءات المهدوية، حيث (يمكن ملاحظة السخط على عقيدة الإمام الغائب في محاولات بعض الجماعات... إذ جمعت الحركة التي قاده [أحد الموالين للعباسيين] لصالح العباسيين في صفوفها خيوطاً عديدةً من الحركة الشيعية وعقائدها، وكانت عقيدة الإمام الغائب واضحة فيها)(٨٤٩).
وكذلك بروكلمان وهو يتحدث عن المغزى السياسي السلطوي وراء ادعاء المهدوية وأنَّ التشيع أول ما بدأ خالصاً، لكن انضوى تحت لوائه الداخلون حديثاً في الإسلام ليناضلوا ضد السياسة القائمة و(كان [التشيع] في كثير من الأحيان ستاراً يستعمله الانتهازيون الذين لا ذمة لهم ولا ذمام، لتحقيق أهدافهم الأنانية الصِرْفة، المناهضة للحكومة. وكان في جملة دعاة الشيعة المتنقلين في البلاد، في عهد ملكشاه [ملك امبراطورية السلاجقة] لاجتذاب الغوغاء من طريق التبشير بقرب ظهور المهدي الذي سينتقم لهم من حكامهم الظالمين، رجل يدعى الحسن بن الصباح).(٨٥٠) وكان الحسنُ بن الصباح هذا رئيسَ (فرقة الحشاشين)(٨٥١).
أفردَ المستشرق برنارد لويس كتاباً كاملاً عن هذه الفرقة التي انشقت عن الإسماعيلية وادعت المهدوية لمؤسسها، أطلق عنواناً على كتابه: (فرقة الحشاشين: مذهبٌ راديكاليٌّ(٨٥٢) في الاسلام) كان قد ادعى بأنَّه هو الحجة الإمام ومصدر معرفةٍ للإمام المستور في ذلك الوقت، في فترة اختفاء الإمام، وهو الرابط الحي بين الأئمة الظاهرين في الماضي وفي المستقبل وزعيم الدعوة الإسماعيلية، إذ كان تحويل الولاء إلى إمامٍ غائبٍ غامضٍ مستورٍ قد ألهب شعور الإسماعيليين وحماسهم وتولى الحسن الصباح قيادتهم وحث هممهم كإمامٍ أو كممثلٍ للإمام(٨٥٣).
وكتب المستشرق توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام، بقوله أن زيداً بن علي (ابن الحسين بن علي بن أبي طالب) ادعى المهدوية: (زيد بن علي حفيد الحسين، كما هو أحد أحفاد علي ابن عم محمدٍ، وقد ادعى في عهد الخليفة هشام أنه الإمام المهدي، وأشعل نار الثورة بين حزب الشيعة، ولكنه هُزِمَ وقُتِلَ سنة ١٢٢ه)(٨٥٤) مع أنَّ زيدَ بن علي لم يدَّعِ بنفسه الإمامة هذا ما أكد عليه أصحاب المِلل والنِحَل.
وادَّعى بعض النزاريين - إحدى الفرق الإسماعيلية - عندما كان نزار الإمام الشرعي بعد المستنصر الخليفة الفاطمي الذي كان يحكم القاهرة وهو إمام ذلك الزمان والرئيس الروحي للمذهب الإسماعيلي، فعندما قتل نزار في السجن في الإسكندرية، ادعوا أن نزاراً لم يمت فعلاً وأنَّه متخفٍ وسيعود بصفة المهدي(٨٥٥).
المستشرق جفري في كتابه (أصول التشيع الإسلامي وتطوره المبكر) ذكر فيه أنَّ (المجموعة الأولى الغلاة ذابت في الكيسانية أتباع محمد بن الحنفية وهم يعتقدون بمهدويته ومن ثَم اتبعوا ابنه أبا هاشم عبد الله).(٨٥٦) هذه الفئة التي غالت في معتقداتها وعَزَتْ إلى محمد بن الحنفية الإحاطة بالمعرفة العظمى وبجميع العلوم، وأنَّ أخويه الحسن والحسين قد عهدا إليه بالعلم الحقيقي في التأويل والباطن، وذلك من منطلق اعتقادهم بتفوق الإمام عليٍّ في تفسير الشريعة الإلهية، وهذا ما يميزهم عن الشيعة المعتدلين(٨٥٧).
كذلك المستشرق برنارد لويس عندما يعزو مجيء تسمية المهدي بالمعنى الخلاصي من (مبدأ استعمالها بالمعنى (المسيحي) فقد ظهر - بلا جدالٍ - في ثورة المختار سنة ٦٦ه الذي ادعى أن محمد بن الحنفية - أحد أبناء عليٍّ من أمٍّ حنفيةٍ - هو المهدي المنتظر... كانت الكوفة حينما بدأ المختار ثورته فيها، كانت مرتعاً مدهشاً لحركات مختلفة العناصر، مصطبغةٍ بفكرة ظهور المسيح... ولم يجد المختار رجلاً في سنٍّ موافقةٍ من سلالة فاطمة فاختار محمد بن الحنفية ليكون إمامه المهدي، وجعله أسمى ممثِّلٍ للحكومة الإلهية على الأرض... وادعى كثيرٌ من أتباعه أن محمداً لم يمت حقّاً، لكنه في غيبة وسيعود يوماً... ومن هنا ظهرت لأول مرةٍ عقيدة الغيبة والرجعة المهديتين)،(٨٥٨) وانتظار رجعة الإمام الغائب يمكن أن يظهر مستقلاً عن الاستشهاد كما يدل على ذلك القول بغيبة المهدي محمد بن الحنفية(٨٥٩).
أقول: قد يكون نُسبت الدعوة المهدوية لمحمد بن الحنفية، لأن المختار في مراسلاته السرية عندما أراد أن يثور للأخذ بثأر الإمام الحسين (عليه السلام)، كان يُلَقِّب ابنَ الحنفية باسمٍ حركيٍّ متفقٍ بينهما (المهدي) كما ذكر فلهاوزن، وهو ينقل نصوصاً من تاريخ الطبري، إذ (قام المختار يدعو باسم محمد بن الحنفية، ويسميه (المهدي)... وادعى المختار أنه (أمينه) و(وزيره). فشك نفرٌ من الشيعة في صحة هذه الدعوى... وأخيراً وصله [أي وصل كتاب إلى أحد الذين شكوا بالمختار] كتابٌ يطلب فيه ابن الحنفية نفسه منه أن يعترف بالمختار بن أبي عبيد. ولكنه تضايق [الشخص الشاك] من كون ابن الحنفية يُلَقِّب نفسه في هذا الكتاب بلقب (المهدي).(٨٦٠) وقد أُخِذَ على المختار (إنَّه استعان بالتنبؤ للوصول إلى الحكم... هو أن تستر وراء شبحٍ وناطورٍ خياليٍّ هو (محمد بن الحنفية) لم يشأ أن يُعلم عن أمره شيئاً، ولكن الظروف في ذلك الحين لم تسمح له - بوصفه مسلماً وشيعيّاً - أن يظهر باسمه الخاص، بل كان عليه أن يخلق لنفسه مركز (أمين) للمهدي المستتر).(٨٦١) إذًا هو لم يدَّعِ المهدوية لنفسه.
وحول مدعي المهدوية كتب دوغلاس كرو، Douglas K - crow، المستشرق الأمريكي، تحت عنوان: (ابن الحنفية، اليسوع والقرآن) حيث كان رأي الكيسانية (بأنَّ (محمد بن الحنفية) قد اختفى عن الأنظار وأنَّه يعيش ويطعم بمعجزةٍ في ظروف شبهِ فردوسيةٍ على جبل رضوى، يغذى بالماء والعسل، وأنَّه سوف يظهر كمهدي... وهذه [الدعوى] قد دحضها أو كذّبها المذهب الاثني عشري في الحقب المتأخرة)(٨٦٢) وقد ذكر محاورةٌ جرت بهذا الخصوص، تبين دحض الإمامية وتكذيبهم لهذا الشيء(٨٦٣).
وقد عزا المستشرق دومينيك أورفوا، في كتابه تاريخ الفكر العربي والإسلامي، إلى دور الوعي والتعلق بأحاديث النبي التي لا تزال المادة الغضة الطرية ولم تفسدْ، مما يفتح الشهية - إن جازَ التعبير - على ادعاء المهدوية بيسرٍ وسهولةٍ، فـ(بعد ثورة المختار، مرّ أكثرُ من نصف قرنٍ من غير تمردٍ مسلحٍ، في المقابل ظهرت حركاتٌ خلاصيةٌ. فقد أعلنت مجموعةٌ محبطةٌ لاختفاء إمامها بأنَّه (مستورٌ) مؤقتاً فحسب: اختبأ في جبلٍ وسيعود في الوقت المناسب! وقد لعب الدور الأساسي في هذه العملية أعضاء طبقة المحدثين الجديدة، ممن نالوا الاحترام بوصفهم حافظي أقوال النبي)(٨٦٤).
وإشارةً إلى تأثر المهدوية بالخلاص المسيحي، أو تشبيهها به، وهذا التأثر جاء مبكراً متمثلاً بابن الحنفية، فعندما (اختص الاثنا عشرية بقبول فكرة الاختفاء المؤقت للإمام الأخير الذي يضمن رجوعه المنتظر انتصار الحق على الباطل والعدل على الجور، ظهر هذا الميل المسيحاني مبكراً، منذ العصر الأموي فيما يبدو، عند أصحاب محمد بن الحنفية).(٨٦٥)
وبنفس الخلاص المسيحاني كذلك ممن ادعى المهدوية عندما تحولت إيران إلى المذهب الشيعي (ادعى الشاه إسماعيل أنه من تجليات الله، وأنَّه نار الإمام الغائب الإلهية، وأنَّه المهدي. أطلق على نفسه لقب ظل الله على الأرض، حاذياً حذو أباطرة الفرس وأكاسرتهم).(٨٦٦) وفي ختام نقل هذه الآراء نجد أن المستشرقين في تحليلهم يستندون على جانبين:
محاولة ربط الفرق الغالية والمنشقة وإثبات اعتقاداتهم، كأنها متفقٌ عليها بين فرق الشيعة، وكما نقل برنارد لويس عن الحشاشين وغيره عن الكيسانية.
والإمامية وهي أكبر الفِرَق، وهي الفرقة التي جمعت بين الرواية والعقل وأخذت عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) حقائق هذه العقائد، أكّدوا الإمامية على أن هذه الفِرَق مثل الإسماعيلية الحشاشين وغيرها، لا تمثل العقيدة الصحيحة التي استقر عليها التشيع الإمامي، بينما المستشرقون يحاولون الإساءة إلى التاريخ وتشويهه كليّاً.
أنَّ الخلفية العلمية للمستشرقين حتى لو سَلِمَت نيَّتُهم فإنَّهم لا يعرفون معرفة دقيقة بعقائد الإسلام وغلب عليهم أن أكثر عقائد الإسلام مأخوذةٌ من المسيحية أو الأديان الأخرى.
وهنا تعقيبٌ يجدر التوقف عنده، وهو أن ظروف الأمة وظهور التتار واضطراب الأحداث وظهور الفتن، شجَّع كثيرًا من المسلمين على التشبث بمفاهيمَ وعقائدَ تمنحهم شعوراً بالأمل والطمأنينة أمام هذه التحديات والانحرافات واستبداد السلاطين وضعف الوازع الديني، كل ذلك قد - وقد هنا تفيد التقليل - يدفع إلى تبني بعض العقائد الخاطئة والتي لا تستند إلى دليلٍ شرعيٍّ موثَّقٍ، ويكثر أدعياء الدين والدجالون الذين يُلبِسون الدين لباسَ الخرافة والأسطورة؛ ولذلك نحن لا ننكر أن قراءة المستشرقين قد يكون فيها بعض الاستدلالات العقلية، لكن ارتباط هؤلاء بالمنظومة الفكرية الغربية لا يوفر لهم قدرة على الحيادية والعلمية، وينساقون وراء بعض الأخبار الضعيفة، فيبنوا عليها آراءهم التي تجمع بين الغثّ والسمين، والصحيح والسقيم، وقد تُنقل صورةٌ مشوهةٌ، يُراد أنْ تُسوِّقَ عن الإسلام وبعض الفرق الإسلامية، لتأكيد تأثر الإسلام بالفرق المسيحية واليهودية والأديان القديمة السابقة عليه، ويجب التأكيد هنا أنَّ الدراسات العلمية المحايدة والمنصفة تؤكد على أن العقيدة المهدوية، تعبِّر عن مفهومٍ تحتاج إليه الأمة في كل عصرٍ، بل الإنسانية أجمع.
المبحث الثالث: المستشرقون والاسماعيلية(٨٦٧):
كان من المفترض أنْ يكون هذا المطلب مُدرجاً تحت عنوان (مدعو المهدوية) السابق، لأنَّ الإسماعيلية ادَّعوا الإمامة المهدوية والغيبة ومن ثَمَّ العودة لإسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام)، ولكن لكثرة ما كتب المستشرقون عن هذا الموضوع، صار من الصحيح أنْ ينعقد مطلبٌ خاصٌّ به.
كتب المستشرق توماس أرنولد بإسهابٍ طويلٍ، عن الإسماعيلية في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) قائلاً: وقد بدأت في فارس حول أواسط القرن الثامن عشر الميلادي حركةٌ تثير الاهتمام في تاريخ الدعوة الإِسلامية، وهي ظهور طائفة الإِسماعيلية، والذي يسترعي اهتمامنا حقّاً هو ذلك النظام المدهش من حيث دقة النظر في الطبيعة الإِنسانية والمهارة التامة في تلقين مبادئ هذا المذهب للناس، كلٌّ على حسب قدرته وميوله(٨٦٨).
وخصص هاينس هالم كتاباً بعنوان (الفاطميون وتقاليدهم في التعليم) يخص مناهجهم في الدعوة لمذهبهم، إذ عمل أئمتهم على نشر (العلم) و(الحكمة) عن طريق دعاتهم، الذين كانوا يدعون الناس لاتباع الإمام الحق، وأهم تعليم وما يدعون إليه منذ البدايات الأولى، كان الدعاة يرتحلون في طول البلاد وعرضها في سبيل نشر البشائر بقرب ظهور المهدي. والدعوةِ وأخذِ العهد للإمام المهدي، الذي لم يكن قد تم الإفصاح عن اسمه بعد(٨٦٩).
وكذلك له كتابٌ آخرُ بعنوان: (إمبراطورية المهدي وصعود الفاطميين) إذ (كان المحرك الرئيس لهذا الانتشار الواسع يعود إلى فكرة المهدي أو القائم، وهو السابع والأخير محمد بن إسماعيل، الغائب أو المستتر مؤقتاً والذي سيعود في يومٍ ما ويملأ الأرض عدلاً وخيراً كما هي مملوءة الآن ظلماً وجوراً. هذه الشخصية للمخلص المنتظر)(٨٧٠) كانت تكمن فيها القوة التفجيرية الحقيقية للرسالة الإسماعيلية. والتي اتخذت من عقيدة المهدي المنتظر سِمةً متميزةً كليّاً للدعاية باسمها(٨٧١).
وقد استطاع هؤلاء الدعاة أنْ يأسروا العامة بما كانوا يقومون به من الأعمال الخارقة للمألوف التي كانت في أعينهم كمعجزاتٍ، وأنْ يجذبوا جميع الطبقات إِلى رئيس الدعوة الإِسماعيلية، وكانوا يتظاهرون للأتقياء بالتقوى والتحمس الديني، ويظهرون للزهاد المثل الأعلى للفضيلة والحماس الديني، ويُجْلُون للصوفيين ما غمض عليهم من التعاليم المعروفة،(٨٧٢) (ومن ثَمَّ أخذ هؤلاء وأولئك يوحون إِلى المتشوقين بظهور منقذٍ يصلح الأديان العديدة السائدة في ذلك الحين فأعلنوا للمسلمين قرب ظهور المهدي المنتظر، ولليهود ظهور المسيح، وللنصارى الْمُعَزِّي. بَيْدَ أنهم لقّنوهم أنَّ ما يطمح إِليه كل فرد لا يمكن أن يتحقق إلا برجعة عليٍّ المنقذ الأكبر وكان على الداعي الإِسماعيلي، أنْ يظهر بمظهر المتحمس لجميع العقائد الشيعية، ويثير قسوة السنيين وظلمهم لـ(عليٍّ) وأولاده، ويجاهر بالحطّ من شأن الخلفاء السنيين)(٨٧٣).
وهذه الرؤية تؤكد منهج المستشرقين في التركيز على إثارة مشاعر الكراهية بين طوائف المسلمين، عن طريق التركيز على إثارة موضوع قسوة السُّنّة - بحسب ادعائهم - وكذلك هذا الاتجاه يؤكد على أنَّ المستشرقين متفقون على أنَّ الإسلام في معظم تعاليمه وعقائده متأثر بالديانات السابقة له من اليهودية والمسيحية، ويُشعر كلام المستشرقين إلى عدم حياديتهم وموضوعيتهم واعتمادهم على تفسيراتٍ مُسْبقةٍ وأحكامٍ سطحيةٍ، وقد درسوا هذه العقائد وتفاصيل الدعوة الإسماعيلية لهذه الأسباب.
فإذا ما مهَّد الإسماعيلي السبيل على هذا النحو، وجب عليه أن ينتقل على وفق ما تتطلبه مبادئ الطائفة الإِسماعيلية العميقة في التأويل. وإِذا ما خاطب اليهودي أظهر احتقاره للنصارى والمسلمين، ووافق المدعو في تطلعه إلى قرب ظهور المسيح المنتظر، ولكنه يتدرج معه في الحديث حتى يعتقد أنَّ هذا المسيح لا يمكن أن يكون سوى علي بن أبى طالب، وهو المهدي الأكبر عند طائفة الإسماعيلية. كما يجب عليه أيضاً أن يشير في حذرٍ وحرصٍ إِلى أنّ المسيحيين قد أساؤوا نوعاً ما تأويل نظرية المسيح المنتظر (البرقليط) Paraclete، وأنَّ هذا المسيح المنتظر لا يوجد إلا في شخص علي بن أبي طالب. ومن ثَم جمع الناس تحت لواءٍ واحدٍ جعلهم ينتظرون قرب ظهور الإِمام المهدي.(٨٧٤) (وإنَّ إسماعيل غاب، مخلِّفاً الشيعة الإسماعيلية، فكذلك المهدي غادر الأرض والبشر ليقودهم على وجهٍ أفضلَ تاركاً وراءه الشيعة الاثني عشرية)،(٨٧٥) وما يميزهم جوهرياً عن الاثني عشرية تسميتهم بالسَبْعية، لوقوفهم على سلسلة الأئمة الظاهرين عند الإمام السابع إسماعيل وعدُّوه المهدي المحتجب(٨٧٦).

وكذلك المستشرق برنارد لويس بحث وكتب كثيراً عن الإسماعيلية: بأنَّها شكلت مذهباً وعملت بسريةٍ وتنظيمٍ وتماسكٍ وتفوقت على جميع الفرق المنافسة لها، في عام ٩٠٩م أصبح الإسماعيليون أقوياء لدرجة أنَّ الإمام المستور ظهر وأعلن نفسه خليفة في شمال أفريقيا واتخذ لقب المهدي، وبهذا أنشأ دولةً وراثيةً عُرفت بالفاطمية في إشارةٍ إلى تحدر الخلفاء من نسل فاطمة ابنة النبي محمد.(٨٧٧) (ففي هذا القرن العاشر الميلادي قدَّم أحد الوعاظ الإسماعيليين نفسه ويدعى عبيد الله، على أنَّه من نسل فاطمة بنت النبي محمد ووريث إسماعيل بن جعفر الصادق... بأنَّه المهدي الموعود وأسس سنة ٩٠٩ ميلادية خلافةً منشقةً عن الخلافة السُّنّية العباسية).(٨٧٨) ولقَّب عبيد لله الفاطمي نفسه بأمير المؤمنين بعد أنْ كان مكتفياً بلقب المهدي، وأمر ببناء المهدية ليتخذها تختًا وموطناً(٨٧٩).
وفي عام ٩٦٩م احتلت القوات الفاطمية وادي النيل وبنى القادة الفاطميون - الإسماعيليون - مدينةً جديدةً سميت القاهرة وأصبحت عاصمة لإمبراطوريتهم، وأصبح جامع الأزهر مركزاً دينيّاً وعلميّاً لمذهبهم. لكن شيئاً فشيئاً فشل الفاطميون واستمرت الخلافة العباسية، من جرّاء الانشقاق الديني والغزو الأجنبي والانحراف السياسي والنزاعات الداخلية، وواجه الخليفة الفاطمي الرابع المُعزّ صعوباتٍ في أوج انتصاره وذلك في أثناء فتح مصر، وحدث انشقاقٌ آخرُ أيضاً بعد اختفاء الخليفة الفاطمي السادس الحاكم بأمر الله عام ١٠٢١م في ظروفٍ غامضةٍ، فقد كانت مجموعةٌ من المؤمنين به تعتقد أنَّ الحاكم بأمر الله لم يمت وأنَّه استتر وسيعود. وأثناء المدة الطويلة لحكم الخليفة الفاطمي الثامن، المستنصر (١٠٣٦م - ١٠٩٤م) وصلت الإمبراطورية الفاطمية إلى ذروتها ثم تبع ذلك انحدارٌ كبيرٌ، وبعد موته تمزقت الدعوة الإسماعيلية وشهدت انشقاقاً داخليّاً كبيراً. وفي عام ١٠٩٤م حدثت تغييراتٌ طفيفةٌ في شؤون الدولة وتوفي الخليفة المستنصر، كان هناك نزار في جانب وهو الابن الأكبر للمستنصر وفي جانبٍ آخرَ كان هناك المستعلي وهو شابٌّ وتم اختيار المستعلي خليفةً وأدى هذا الأمر إلى انقسامٍ كبيرٍ في المذهب الإسماعيلي، وبذلك تكرس الخلاف وقطع الاسماعيليون علاقاتهم مع النظام الجديد في القاهرة، وفي عام ١١٣٠م بعد مقتل ابن المستعلي على يد أتباع النزارية رفض هؤلاء الاعتراف بالخليفة الجديد وتبنوا الاعتقاد القائل بأنَّ ابناً صغيراً مفقوداً للأمير يدعى الطيب هو الإمام المستور والمنتظر ولن يكون هناك أئمةٌ من بعده. عام ١١٧١م وعندما مات آخر الخلفاء الفاطميين في قصره، أصبح القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي سيد مصر الحقيقي، وهكذا أُلغيت رسميّاً الخلافة الفاطمية وجمعت الكتب الإسماعيلية (المهرطقة) في كومٍ ثم أُحرقت، وما يزالون حتى اليوم في اليمن والهند حيث يُعرفون (بالبهرة) ويطلق على عقيدتهم الإسماعيلية اسم (الدعوة القديمة). في القرن الحادي عشر ضَعُفَ العالم الإسلامي بعد تعرضه لسلسلةٍ من الغزوات أهمها من السلاجقة الأتراك، ولم يعد أمام المفكرين الدينيين المتشددين تحدياتٌ كبيرةٌ، لكن هناك طرائقُ أخرى للهجوم رأى فيها الإسماعيليون أسلوباً مغرياً للثورة ضد السلاجقة بعد فشل الدعوة القديمة وهذا ما أظهر الحاجة إلى طريقةٍ جديدةٍ وإلى (دعوةٍ جديدةٍ) وقد ابتكرها ثائرٌ عبقريٌّ هو (الحسن الصباح). وانبثقت فرقة الحشاشين(٨٨٠)،(٨٨١).
 وكتب المستشرق دومينيك أورفوا كتابه في تاريخ الفكر العربي والإسلامي، في فصلٍ تحت عنوان: (العرفانية الإسماعيلية) عن الإسماعيلية من جانب الصبغة العرفانية والباطنية، لأبجديات عقائدهم في عودة الإمام السابع لديهم بعد غيابه، وإنَّ أول مجيء للإمام السابع قد أنهى الحقبة التي دشّنها النبي محمد [صلّى الله عليه وآله] وهي الحقبة السادسة في التاريخ الكوني، فابتدأت حينذاك الحقبة السابعة، حقبة أبطال الشريعة.(٨٨٢)
ويرى المستشرق هنري ماسِّي في كتابه (الإسلام) الذي ضمنّه عنواناً: (القرامطة والإسماعيلية)، يرى أنَّ أساس بناء الفرقة الإسماعيلية هي فكرة الإمام المختبئ المستنبطة من عقيدة المهدي المنتظر الشيعية، واستُعْمِلَ على أنَّه وسيلةٌ للاشتراكية والثيوقراطية،(٨٨٣) وهاتان المنشودتان هما ضالتا الجماعتين الشيعيتين الرئيستين (الإسماعيلية والقرامطة)(٨٨٤).
وكذلك بالنمطية نفسها كتبت المستشرقة الأمريكية أيرا لابيدس، بأنَّ توجه الإسماعيلية المهدوي القوي أفضى إلى إحداث تغييراتٍ عقائديةٍ، مذهبيةٍ، كما إلى حركةٍ سياسيةٍ،(٨٨٥) و(قامت الإسماعيلية بالمزاوجة بين نوعٍ من المفهوم التاريخي الدوري للنبوة من جهةٍ وبين النزعة المهدوية، الخلاصية المسيحانية الأخروية من جهةٍ ثانيةٍ).(٨٨٦)
لكن ما كتبه المستشرق (أنتوني نتنج) في شأن الإسماعيلية في كتابه (العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام) كان فيه شيءٌ من التجنّي والأخطاء المطبعية تاريخيّاً - إن صح التعبير - عندما يقول: (ولكن اسم إسماعيل كان كريهاً إلى غيرهم من الشيعة بسبب ما زعموا من إدمانه الخمر، ومن ثَمَّ وقع اختيارهم على أخيه الأصغر (محمد المنتظر) ويشغل المركز الثاني عشر في سلسلة النسب العلوي، ومن هنا عرفت الجماعة باسم الاثني عشرية... وكان المنتظر وهو آخر الباقين على قيد الحياة من سلالة عليٍّ، قد كسب لنفسه في عام ٨٧٨ م مركز الشهيد بسبب اختفائه... ولما كان الشيعة يعدُّون أن الأئمة لا يجوز عليهم الموت، لهذا أعلن الإسماعيلية والاثنا عشرية على التوالي أنَّ إسماعيل الذي توفي سنة ٧٦٠م، والمنتظر؛ هما في (غيبة) أو (ستر) وكان يشار إلى كلٍّ منهما بأنَّه الإمام الغائب أو (المستور) الذي سيعود يوماً إلى الظهور ويعيد الدين الصحيح ويغزو العالم)(٨٨٧).
أولاً، تاريخيّاً لم يثبت ولم يذكر أحدٌ أنَّ إسماعيل ابن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) كان يشرب الخمر، ولم يثبت ذلك، بغض النظر عن أن الإمامة المهدوية ادعاها أو ادعيت له، وهو بعيدٌ كل البُعد عن عملٍ حرامٍ كهذا يغضب الله تعالى، بنظر كلِّ مسلمٍ، كيف وإذا كان هو ربيب بيت الإمام الصادق (عليه السلام). حتى إنَّ المستشرق شتروثمان استدل على ذلك عندما كتب عن الإسماعيلية في دائرة المعارف الإسلامية تحت عنوان (السبعية) إذ قال: (ويظهر أن الأدلة الزائفة التي جاؤوا بها لإثبات ذلك [إمامة إسماعيل] قد انطلت على الناس، حتى على خصومهم، إلى درجة أن هؤلاء وجدوا أنفسهم مضطرين في رفضهم لإمامة إسماعيل إلى الطعن في شخصه، فزعموا أنَّ أباه جعفراً بعد أنْ عَهِدَ له بخلافته خلعه منها لسوء سيرته. ولكن هذا الطعن على إسماعيل، ولا سيَّما التشنيع عليه بشرب الخمر، يمكن تعليله بأنَّه في الحقيقة طعن على الشيعة السَّبْعية...)(٨٨٨)
وثانياً، الخطأ الواضح والصريح، أنَّ (محمداً المنتظر) لم يكن أخاً لإسماعيل ابن الإمام الصادق (عليه السلام)، بل كان ابنَ الإمام الحادي عشر الحسن العسكري (عليه السلام) من سلسلة الأئمة الاثني عشر.
وثالثاً، وهو عادة المستشرقين التي تعودنا عليها، بعدم الإتيان بدليلٍ أو الإحالة إلى مصدرٍ للتأريخ الذي يسطرونه والمعلومات التي يكتبونها، بأنَّه لا يوجد من يقول من الشيعة، ولا سيَّما الإمامية، على أنَّ الأئمة لا يجوز عليهم الموت، لأنَّهم سيجابهون بهذه الآية القرآنية ﴿كُلُّ نَفس ذَائِقَةُ المَوتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرجَعُونَ﴾،(٨٨٩) حتى المهدي المنتظر الذي ينتظرونه، عندما سيظهر ويؤدي المهمة المناطة به، (يملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً) سيموت في النهاية بالأجل الحتمي الذي كتبه الله تعالى له، كما للخلق جميعاً، ويكون يوم القيامة.
وقد يكون تركيز المستشرقين على هذا المطلب والجانب من القضية المهدوية، وهو ادِّعاء ومدعو المهدوية، هو لتسفيه هذه العقيدة عند معتنقيها من المسلمين وتشويشها تاريخيّاً وعقائديّاً، لجعل الصورة ضبابيةً أكثرَ مما هي عليه.
 أقول: إنَّ مجرد ادعاء الشيء، لا يعني انتسابه حقيقةً لذاك المدعي، ويجب الإشارة إلى أنَّ هذا الأمر - ادعاء المهدوية - لا يوهن ولا يُضعف أبداً هذه العقيدة الحقة، العقيدة المهدوية لدى المسلمين، أو يقلل من شأنها أو شأن أدلتها، لأنَّ مجرد ادعاء الشيء وانتحاله وتقمصه، لا يعني سلبه من الأول صاحب الدعوة الأصل وجعله عند الآخر مدعي الكذب، وأقربُ شاهدٍ على ذلك ادعاء مسيلمة الكذاب للنبوة، لم يجعل منه نبيّاً حقّاً ولم يؤثّر في أصل النبوة، وادعاء فرعون للربوبية، لم يصيّره ربّاً بالمعنى، ولم يهتز عرش الله تعالى من جراء ذلك الادعاء.
المبحث الرابع: ولادة الإمام المهدي المنتظر وغيبته:
إنَّ الحديث عن الولادة مرتبطٌ غالباً بالغيبة، وذلك لأنه بحسب ما يعتقد به الشيعة الإمامية، هو في الوقت الذي ولد فيه الإمام الحجة المنتظر (عليه السلام) في الوقت نفسه هو مغيبٌ ومحتجبٌ عن الناس إلا على الخواص من شيعة وأتباع والده الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) - على ما سنقرأ بعد قليلٍ -.
هذا المطلب قد يكون من أوضح مختصات الشيعة الإمامية عن غيرهم، ولا سيَّما يعدّ أهمّ نقطة افتراقٍ مع عموم المسلمين من أهل السنة والجماعة، بل وحتى من فرق الشيعة الأخرى كالإسماعيلية والزيدية، لكون عموم المسلمين من أهل السنة والجماعة، بحسب المعطيات والأدلة المتوافرة لديهم يؤمنون بأنَّ المهدي المنتظر بعدُ غير مولودٍ وليس موجوداً الآن، وأنَّه سوف يولد في ما بعد عند أجلٍ غيرِ مسمًّى، بخلاف الشيعة الإمامية الذين يعتقدون بولادته ويومها وقصة الولادة، ويقيمون عليها الدليل تلوَ الدليل ويثبتونها بحسب الأدلة التي يسوقونها، ومِنْ ثَمَّ سوف يؤمنون بوجوده ما دام هو مولودٌ، وبغيبته بالتبع، وانتظاره إلى أنْ يظهر آخر الزمان.
إذن هو كما قرأ غارديه عقيدة الإمامية ب(أنَّه (غائبٌ) لكنه لم يمت أبداً. فالاعتقاد الإمامي يؤمن ببقائه حيّاً في الخفاء، ويأمل رجعته وينتظرها... والذي سيملأ الأرض عدلاً، عند الرجعة الألفية للمسيح، قبل أنْ تقوم القيامة. فغيابه وهو يمدّد انتظار المخلصين، إنَّما (يمدّد) يوم العالم الأخير. لأنّ الأمة لا يمكنها أن تعيش بلا إمامٍ. وهكذا يظل (محمد المهدي) حيّاً وحاضراً حضوراً غيرَ منظورٍ، لكنه حضورٌ حقيقيٌّ).(٨٩٠) ويكمل غارديه ببعض تجنٍّ استشراقيّ لا يقف عند حدٍّ معيَّنٍ، بقوله: (وعبادته [محمد المهدي] لا تزال حية، وربما أكثرَ حيويةً من عبادة فاطمةَ وعليٍّ والحسين)،(٨٩١) لكن الجميع يعرف ويدرك أنْ المسلمين جميعاً باختلاف مشاربهم لا يعبدون إلا الله وحده لا شريك له ولا يحتاج أنْ يقيم الفرد على مثل هذه الأبجدية أدنى دليلٍ، وإنْ يقصد المستشرق بعضَ الممارسات العبادية - مهما بلغت تلك الممارسات - التي يؤديها الإمامية تجاه أئمتهم والتي لديهم المسوغات الشرعية لأدائها - ليس محل ذكرها هنا - فهذا لا يصيِّر الإمام إلهاً يُعبد بأيِّ حالٍ من الأحوال.
على أيِّ حال إذا أنكر المستشرقون عقيدة المسلمين في الأطروحة المهدوية جملةً، والمهدي المنتظر أصلاً، بشتى أنواع الإنكار والتسفيه، فمن باب أولى إنكار ولادته وغيبته وسفرائه، وصولاً إلى انتظاره والإيمان بخروجه آخر الزمان. ف(من المشكوك فيه كل الشك أنَّ الحسن الخالص [الحسن العسكري] وهو الإمام الحادي عشر، قد خلَّف ولداً على الإطلاق لما مات عام (٨٧٣ م). لكن سادَ بين الشيعة الإمامية، الاعتقاد بوجود ابنٍ له هو محمد حجة الله الذي قيل أنه اختفى على نحوٍ غيرِ معروفٍ وأنَّه سيظهر على صورة المهدي وهكذا يصير الأئمة اثني عشر وإنْ كان الخلاف مدةً طويلةً حول مسألة هي: هل كان ثمة إمامٌ ثالث عشر؟)(٨٩٢) وهذا الخلاف في عدد أئمة الإمامية الاثني عشر، لم يُذكر ولم ينقله أيُّ أحدٍ لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ، الظاهر أنه من عنديات هذا المستشرق بما يحلو له، إلا أنْ يكون يقصد به ما يوجد عند الإسماعيلية أو الزيدية، فأضافه إلى الأئمة الاثني عشر.
وينقل المستشرق دوايت دونالدسون قصة ولادة الإمام المنتظر (عليه السلام)(٨٩٣) بكل تفاصيلها وجزيئاتها - وسيأتي ذكرها في معرض جواب إشكال الولادة والغيبة - في كتابه المهم والمعروف (عقيدة الشيعة) ضمن الباب الحادي والعشرين منه تحت عنوان: (الإمام الغائب المنتظر) ينقل القصة التي يعتمد عليها الشيعة الإمامية من مصادرهم، وهو بالتأكيد ينقلها بصيغة التشكيك والإنكار، لا بصدد إثباتها والاستفادة منها في موضوع البحث، بحيث كأنه يريد القولَ بأنَّ الإمامية جعلوا من هذه القصة مطابقاً لما جاء في الأخبار والأحاديث الواردة، فيُعبِّر عنا بصيغة (يُقال) بما فيها من تضعيفٍ وازدراءٍ: (فيقال أنَّ الإمام الثاني عشر وهو صاحب الزمان ولد في سامراء سنة ٢٥٥ أو ٢٥٦ه. أي قبل وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري بأربع أو خمس سنواتٍ. ونلحظ أن ما روي عن الطفل كان قد جعل لينطبق على ما كان منتظراً من المهدي، وأنَّ الحقيقة نفسها تلقى شكّاً على الأخبار التي تُهَيِّئُ الدليل الوحيد على حياته، فقد أخبر الرسول قبل ذلك بأكثر من مائتي عامٍ، أو قيل عنه بأنَّ (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي وألقابه المهدي والحجة والمنتظر وصاحب الزمان) فلا عجب إذا سمعنا بتكرر إطلاق هذه الأسماء عليه في الأخبار)(٨٩٤).
كان الاعتقاد العام عند الشيعة اليوم، وهو يتفق مع ما ذكره الأقدمون، بأنَّه غاب في سامراء إلا أنَّ ابن خلدون يرى أنه غاب في الحلة، فيذكر ابن خلدون: بأنَّه عندما حُبِسَ مع أمِّه دخلا سرداباً أو حفرةً في الدار التي سكنها أهله بالحلة واختفى هناك وأنَّه سيظهر آخر الزمان(٨٩٥)،(٨٩٦).
كذلك المستشرق جرهارد كونسلمان في كتابه (سطوع نجم الشيعة) تحدث عن ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، بشكلٍ كاملٍ ووافٍ، وبالتأكيد ينقله من مصادر الإمامية أيضاً، منذ بدء زواج الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) من أُمِّ الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) إلى حين ولادة الإمام، لا بداعي الإثبات، ولكنه يصفها بالأسطورة،(٨٩٧) إذ (استطاع مؤرخو الشيعة عن طريق مثل هذه الأسطورة التأكيد على نبل سلالة النبي. فحسن بن علي [العسكري] زوجٌ ذو نسبٍ شريفٍ والأميرة الزوجة تنتسب إلى أنبل أسرةٍ مسيحيةٍ في العالم: فوحَّدَ ابنهما [المهدي] الإسلام والمسيحية. وبهذا يصير مُخلٍّصاً لأتباع الديانتين وبذلك العالم كله. وليس هنا من شكٍّ في أنَّ الأساطير حول النسب وحول القدرة العجيبة في رؤية الأمور الإلهية، التي وصف بها ابن الإمام الحادي عشر، قد نشأت في حياة الإمام الحادي عشر)(٨٩٨).
وإنَّ قصة نرجس خاتون أُمِّ الإمام المنتظر وأنَّها كانت أميرة وبنت قيصر ملك الروم البيزنطي، قد تكون من وضع الخيال، زيادةً في تعظيم الإمام الثاني عشر.(٨٩٩) (تلك هي عقيدة وأمل الاثني عشرية، الشيعة الذين يعتقدون باثني عشر إماماً، ويقولون بأنَّ الإمامة انتقلت من عليٍّ إلى وَلَدَيْه الحسن والحسين، ثم من الحسين إلى عليٍّ زين العابدين ثم إلى ابنه محمدٍ الباقر ثم إلى ابنه جعفرٍ الصادق ثم إلى ابنه موسى الكاظم ثم إلى عليٍّ الرضا ثم إلى ابنه محمدٍّ التقي ثم إلى ابنه عليٍّ النقي ثم إلى ابنه محمدٍّ العسكريّ، وأخيراً بحسب الروايات التي يصعب البرهنة على صحتها، إلى محمد المهدي الذي اختفى وسيظهر في آخر الزمان قرب قيام الساعة فيملأ الأرض عدلاً)(٩٠٠).
وهنا من حقنا بوصفنا متلقين أو مجادلين، أنْ نسأل المستشرق روندلسن - على أنَّه سيعرض بعد قليلٍ كل ما جاء من شبهاتٍ لإنكار الولادة ووجود الإمام المنتظر وغيبته حيّاً - فالسؤال موجَّهٌ للمستشرق: أيُّ المقياس الصحيح للبرهان الذي تعتقد وتؤمن بصحة الروايات فيه؟ حتى تقتنع به؟ وحتى يمكن أنْ نهيئ له لوازم ومباني الصحة؟ وعن طريقه تنقل لنا صورةً منك إلى قرائك في الغرب، بأنَّ مثل هذه العقائد، هي عقائدُ محترمةٌ للمسلمين يجب احترامها واحترام معتنقيها، لأنَّ لديهم أدلتهم وثوابتهم التي استندوا عليها.
وما هي الآلية للبرهان الذي يمكن أنْ يكون صحيحاً على وفق القواعد التي تؤمن بها؟ وأنت في أيِّ طرفٍ وفي أيِّ جهةٍ من الخطاب؟ وما مباني الصحة لديك، حتى نلزمك إياها على وفق قاعدة ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم؟
وماذا نفعل للحديث الذي صحَّ عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنَّ الخلفاء أو الأمراء أو الأئمة من بعدي اثنا عشر؟ أين سنذهب بهذا الحديث وكيف يكون مصداقه ليكون مقياساً لصحة البرهان الذي تقتنع به؟ وهل يفيدك أيها المستشرق لو طبقنا رقم الاثني عشر على الخلفاء المباشرين بعد النبي، ومن بعدهم معاوية بن أبي سفيان وابنه يزيد وبعده مروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان، وهشام بن عبد الملك إلى أنْ يكتمل العدد اثنا عشر، وصولاً إلى الخليفة الذي أحيا عصر الخلافة الراشدة عمر بن عبد العزيز؟ هل هذا التطبيق والمصداق سينسجم مع قواعد البرهان التي تؤمن أنت بصحتها والتي لا نعرف لها طريقًا؟.
هذه إثاراتٌ مهمةٌ، يُراد منها تذكير القارئ اللبيب بغرض المستشرقين الأساسي وبالمشكلة الأساسية، وهي الإتيان والتأكيد على ما هو مختلفٌ به عند المسلمين في هذه العقيدة، لكي تنتفي بالتَبَع وبحركة بحثيةٍ انسيابيةٍ، عقيدة المهدي المنتظر برمتها. لكن هنا لا بدَّ أن نقرر بأنَّ منهج المستشرقين، منهجٌ يصدر عن عقلٍ غربيٍّ مادّيٍّ تأثر ببيئته العلمانية، ومن شأنه أنْ ينكر الأمور التي لا تنسجم مع تصوره المادي، حتى ولو ثبتت بالنقل الصحيح، فهم لا ينظرون إلى النصوص القرآنية والحديثية على أنها نصوصٌ مقدسةٌ أو تتضمن الأخبار عن حقائق الوجود، زد على ذلك تأثير الثقافة المسيحية، اليهودية، التبشيرية، التي ترفض التصديق بوجود دينٍ إسلاميٍّ سماويٍّ أصلاً.
أمّا عن أمر التشكيك في وجود وولادة الإمام المهدي (عليه السلام) وتعدد الأقوال والظنون والشكوك، فليس بالأمر الجديد، فقد أخبر عنه آباؤه الطاهرون من قبل، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) ما جاء في الكافي الشريف بسنده: (... ثم قال: يا زرارة وهو المنتظر، وهو الذي يُشَكُّ في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خَلَفٍ ومنهم من يقول: حمل [أي مات أبوه وهو حمل] ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين، وهو المنتظر غير أنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يحب أنْ يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون...)(٩٠١)،(٩٠٢).
لذا نجد المستشرق هيوار Huart قسّمَ الشيعة إلى عدة فرقٍ بحسب القول في ولادة وحياة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وهذه الفِرق (ليس لها أسماءُ خاصةٌ بها بل كانت تتميز إحداها عن الأخرى بما يأتي: الأولى قالت أنَّ الحسن العسكري لم يمت ولكنه غائبٌ فقط. الثانية قالت أنَّ الحسن قد مات ولا ولد له ولكنه يجيء بعد الموت. الثالثة قالت أن الحسن قد مات وأوصى إلى جعفرٍ أخيه. الرابعة قالت أنَّ الحسن قد مات دون أنْ يترك وارثاً له في الإمامة. الخامسة قالت أن محمد بن علي [الهادي] هو الإمام. السادسة قالت أن للحسن ابناً ولِدَ قبل وفاة أبيه بسنتين واسمه محمد. السابعة قالت أنَّ للحسن ابناً ولكنه ولِدَ بعد موت أبيه بثمانية أشهر. الثامنة قالت بصحة وفاة الحسن من غير أنْ يعقِّب نسلاً، وأَلَّا إمام بعده على أهل الأرض لمعاصيهم. التاسعة قالت أنَّ الحسن قد ولِدَ له ابن ولكنه غيرُ معروفٍ. العاشرة قالت أنَّ الحسن قد مات ولا بدَّ للناس من إمامٍ، ولا ندري أهو من ولد الحسن أم من ولد غيره).(٩٠٣) هذه الأقاويل موجودةٌ أصولها في التراث الشيعي، لكن التحقيق يؤكد عدم وجود مثل هذه الفِرَق كما سيثبت في هذا المطلب الآتي.
جواب إشكالات المستشرقين:
هذا التفريق والتقسيم أعلاه، للمستشرق هيوار ليس رسميّاً معتدّاً به بحسب الفرق والملل والنحل، لكنه جاء من طريق أنَّ ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، كان يكتنفها كثيرٌ من الاحتجاب والاختفاء، حذراً من السلطات الحاكمة آنذاك - على ما سنقرأ بعد قليلٍ - فما يشاع من أقوالٍ متعددةٍ في الولادة، نابعٌ من الظروف التي أُحيطت بولادته (عليه السلام)، وجاءت الشواهد في هذا المجال، كثيرةً لا حصر لها، حيث جاء في الكافي للكليني: (... عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج عن أبي محمد [العسكري] (عليه السلام) حين قُتِل الزبيري(٩٠٤) لعنه الله، هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، يزعم أنه يقتلني وليس لي عقبٌ، فكيف رأى قدرة الله فيه، وولد له ولد سماه (محمد) في سنة ست وخمسين ومائتين)،(٩٠٥) صحح الرواية الشيخ أحمد الماحوزي (معاصر: هو الشيخ أحمد ابن الحاج عبد الحسن بن مهدي بن ناصر القيدوم الماحوزي البحراني).
وكذلك جاء في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق: (حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري قال: كنت مع أحمد بن إسحاق عند العمري، فقلت للعمري: إني أسألك عن مسألةٍ...: هل رأيت صاحبي [الإمام المهدي (عليه السلام)]؟ فقال لي: نعم وله عنقٌ مثل ذي - وأومأ بيديه جميعاً إلى عنقه - قال: قلت: فالاسم؟ قال: إياك أنْ تبحث عن هذا فإنَّ عند القوم [يعني السلطات الحاكمة] أنَّ هذا النسل قد انقطع).(٩٠٦)
فالسلطات الحاكمة وأغلب الناس كانوا لا يعلمون بولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، بسبب التحفظ والتخفي الذي عمل عليه الإمامان الهادي والعسكري (عليهما السلام)، ما جعلهم يظنون والحال هذه، بأنَّ الإمام العسكري ليس له ولدٌ، ما أوجد التعدد في الأقوال بشأن ذرية الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لأن الإمام الهادي والعسكري (عليهما السلام) هيّأ لهذا الأمر وهو اختفاء الإمام المهدي وغيبته خوفاً وحذراً من السلطات الحاكمة، لكون السلطات على علمٍ بما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأخبروا به الأئمة بأنَّ المهدي المنتظر من ولد النبي ومن ولد فاطمة وأهل بيت النبي صلوات الله عليهم، وهو الإمام الثاني عشر، ما جعل السلطات تترقب وتضع الإمام العسكري تحت المراقبة، فقد روى الشيخ الصدوق بإسناده (... عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: دخلت على سيدي علي بن - محمد (عليهما السلام) [وسأل الإمام مسائل]... فقال (عليه السلام): ومن بعدي الحسن ابني فكيف للناس بالخَلَف من بعده؟ قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟ قال: لأنه لا يُرى شخصُه ولا يحلُّ ذكره باسمه حتي يخرج فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...)،(٩٠٧) (لا ترون شخصه) لأنه سيكون في احتجابٍ واختفاءٍ منذ اللحظة الأولى، كما سيتضح.
ونجد أنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) أرسل إلى أحد أصحابه (كتابًا فإذا فيه مكتوبٌ بخط يده (عليه السلام) الذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه: ولِدَ لنا مولودٌ فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنِّا لم نظهر عليه إلا الأقرب لقرابته والولي لولايته، أحببنا إعلامك ليسرَّك الله به، مثل ما سرَّنا به).(٩٠٨)
وهنا ينبري القول والسؤال: لِمَ البحث ينصبُّ حول ولادة المهدي المنتظر (عليه السلام) دون غيره من الأئمة، أو الأنبياء؟ كيف ثبتت ولادات الأئمة أو الأنبياء أو كيف ثبت وجودهم؟ لم تثبت بذكر قصة الولادة أو اسم القابلة أو اليوم والساعة، سوى بذكر أسمائهم إما في القرآن أو في الأحاديث، أو هذا ما تواتر وتم التسليم بوجوده، وكيف ثبت لنا ولادة الخضر ووجوده وحياته، ولم يرو لنا أحدٌ كيفية ولادته ولم يذكر اسمه في القرآن الكريم، بل وأغلب الأنبياء لم تذكر حتى أسماؤهم في القرآن، ولم تذكر رواياتٌ متواترةٌ توجب القطع واليقين عن ولاداتهم بما فيهم النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
لِمَ لا أحد يكذِّب الشيعة الإمامية في ولادة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) مثلاً؟ ما الدليل على ولادة الإمام الباقر والجواد والرضا والكاظم (عليهم السلام)؟ بل ما الدليل المتواتر القطعي على ولادة النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
إنَّ الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) شخصٌ ولِدَ كما ولِدَ باقي الأئمة، الفرق أنَّ الأئمة ثبت أنهم ماتوا وتوفوا، وهو لم يثبت ولم يقف أحدٌ على موته (عليه السلام)، بقي حيّاً غائباً عن الأنظار، أما كيف يتسنّى له هذا العمر الطويل وهذه الغيبة الإعجازية؟ فهذه أمور لها أدلتها في مظانِّها عند الإمامية، ولها خصوصيتها التي يختصّ بها ويحتاجها هذا القائد العالمي الذي سيحكم الأرض بأقاليمها السبعة فيملأها قسطاً وعدلاً، ولها إعجازها الإلهي وعنايتها الإلهية الخاصة، التي يعتقدون بها ويستدلون عليها.
على أنه تمَّ نقل بعض الأخبار والروايات لبيان عقيدة الإمامية في هذا الأمر (ولادة وحياة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام) وسيتم نقلها بتفصيلٍ مُقِلٍّ غيرِ مُخِلٍّ من داخل الحرم الإمامي والمصادر الشيعية المعتمدة، لإثبات هذه العقيدة نقلاً موثقاً. ﴿لِّيَهلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾.(٩٠٩) أما أنْ تقرأ أيها المستشرق عقيدة المهدي المنتظر للشيعة الإمامية قراءةً مغلوطةً، وتفسِّر وتبيِّن الأحداث وتنقلها للقارئ الغربي، على وفق أهوائك وأغراضك الاستشراقية، من غير مصادر الشيعة الإمامية التي يعتمدونها، فهذا شأنك، وهو بعيد كل البعد عن البحث الموضوعي الذي طالما أنت تدَّعيه، كما ذُكِرَ سابقاً.
ولا زال الحديث عن جواب إشكالات المستشرقين حول ولادة وحياة المهدي المنتظر، فيكون ضمن عدةِ نقاطٍ:
أولاً - عوامل التشكيك في وجود وحياة الإمام المهدي المنتظر:
هناك عواملُ عدةٌ يمكن ذكر اثنين منها طلباً للاختصار:
الاحتجاب والغيبة:
قد يكون هذا من أهم الأسباب التي أدت إلى الشك من بعضهم بولادة الإمام، وهو اختفائه واحتجابه من السلطات والتكتم منذ الولادة أدى إلى عدم الاعتراف بذلك. بل حتى قبل الولادة - على ما سنقرأ - وهذا الاختفاء كان من تخطيط الإمامين الهادي والعسكري (عليهما السلام)، وقد أخبر به الأئمة من قبل، ممّا جاء عن الشيخ الصدوق بسنده عن الإمام الكاظم (عليه السلام) يسأله أحد أصحابه (... فقلت له: ويكون في الأئمة من يغيب؟ قال: نعم يغيب عن أبصار الناس شخصه، ولا يغيب عن قلوب المؤمنين ذكره، وهو الثاني عشر منّا... الذى تخفى على الناس ولادته، ولا يحلُّ لهم تسميته حتى يظهره الله (عزَّ وجلَّ) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً).(٩١٠)
وروى الشيخ الصدوق ما جاء عن الإمام موسى الكاظم جدُّ الإمام المهدي (عليهما السلام) في ظروف التهيئة والتعبئة لمولد الإمام، بإسناده قال: (... عن العباس بن عامر القصباني قال: سمعت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) يقول: صاحب هذا الأمر من يقول الناس[عنه]: لم يولد بعد)،(٩١١) والأسباب والعوامل والظروف التي أدت إلى غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) متعددةٌ، منها على نحو الاختصار: الخوف والحذر من السلطة الحاكمة، لأنها كانت تتوقع ذلك، لأنها كباقي المسلمين يعرفون ويعلمون بأخبار المهدي المنتظر الذي سيقوم بالسيف ضد الظالمين ويحق الحق ويدحض الباطل، ويطيح بدولة الظلم الباطلة. فكانوا يتوجسون ويتحسسون أخبار مولودٍ جديدٍ من أهل البيت وبالتحديد بيت الإمام العسكري (عليه السلام). (فإذا ما كان أهل بلاد الرافدين مؤمنين بمجيء المهدي والذي أعطاه الله - طبقاً لعقيدتهم - سلطةً واجبةً على الناس، فكان على هؤلاء القواد أنْ يخشوا أنْ يتبع الناس هذا الإمام بصورةٍ أكثر إصراراً عن اتباعهم لكل الأئمة الآخرين في الماضي، ولذا جعلت مراكز القوى في العاصمة تراقب بيقظة منزل الإمام الحادي عشر - الحسن بن علي - في المدينة ليلَ نهارَ. فكان يجب ملاحظة كل صوتٍ له علاقةٌ بمسلك أحفاد النبي نحو النساء، وباحتمالات الحمل، على أنْ يُبلّغ هذا إلى سامراء فوراً).(٩١٢) يقصد المستشرق بكلمة (سامراء) مركز الحكم والقرار العباسي آنذاك، لأن بيت الإمام العسكري كان في سامراء أيضاً.
ادّعاء جعفر ابن الإمام الهادي بعدم وجود ولدٍ لأخيه العسكري:
جعفر، هو أخو الإمام الحسن العسكري وعمّ الإمام المهدي (عليهما السلام) وقد ادعى الإمامة بعد موت أخيه الحسن العسكري، لذا عُرِفَ ﺑ(جعفر الكذاب)، وحاول تزعّم أمر الإمامة وكذلك قام بأخذ التركة والميراث بأمرٍ من الدولة، وأول تصرفٍ قام به جعفر، هو محاولة الصلاة على جنازة الإمام العسكري، لما لها لهذه الصلاة من أهميةٍ ودلالةٍ على الإمامة بعده، كما سنقرأ في الرواية القادمة والتي تبيِّن أيضاً ظهور الإمام الحقيقي بعد الإمام العسكري.
فإنَّ ادعاء الإمامة من جعفرٍ، كان له دلالةٌ للعامة آنذاك، بعدم وجود خَلَفٍ وولدٍ للإمام العسكري، لذا كان الشكُّ واردًا من العامة حول ولادة الإمام المهدي (عليه السلام). وجاء هذا الادعاء بارزاً بشكلٍ إجرائيٍّ واضحٍ في أثناء تصرفاتٍ ومواقفَ ثلاثةٍ:
محاولة الصلاة (صلاة الجنازة) على أخيه الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، ما يعطيه الشرعية الرسمية في حق الإمامة:
جاء عن الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة) بسنده (... قال عقيد الخادم: وُلِدَ ولي الله الحجة [المهدي] بن الحسن بن علي [الهادي] بن محمد [الجواد] بن علي [الرضا] بن موسى [الكاظم] ابن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] بن علي [السجاد] بن الحسين [الشهيد] بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم... وقد اختلف الناس في ولادته، فمنهم من أظهر، ومنهم من كتم، ومنهم من نهي عن ذكر خبره، ومنهم من أبدى ذكره... فكتب [الإمام العسكري (عليه السلام)] معي كتباً وقال: امض بها إلى المدائن فإنَّك ستغيب خمسة عشر يوماً وتدخل إلى سُرَّ من رأى يوم الخامس عشر وتسمع الواعية في داري وتجدني على المغتسل قال أبو الأديان: فقلت: يا سيدي فإذا كان ذلك فمن [يعني الإمام بعدك]؟ قال: من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم من بعدي، فقلت: زدني، فقال: من يصلي عليَّ فهو القائم بعدي... فإذا أنا بالواعية في داره وإذا به على المغتسل وإذا أنا بجعفر بن عليٍّ أخيه بباب الدار والشيعة من حوله يعزّونه [على وفاة أخيه] ويهنّونه [على منصب الإمامة] فقلت في نفسي: إنْ يكن هذا الإمام فقد بطلت الإمامة، لأني كنت أعرفه يشرب النبيذ ويقامر في الجوسق ويلعب بالطنبور، فتقدمت فعزّيت وهنّيت فلم يسألني عن شيءٍ، ثم خرج عقيدٌ فقال: يا سيدي قد كُفِّنَ أخوك فقم وصلِّ عليه فدخل جعفر بن عليٍّ والشيعة من حوله... إذا نحن بالحسن بن علي صلوات الله عليه على نعشه مكفَّناً فتقدم جعفر بن عليٍّ ليصلي على أخيه، فلما همَّ بالتكبير خرج صبي بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج، فجبذ برداء جعفر بن عليِّ وقال: تأخر يا عم فأنا أحقُّ بالصلاة على أبي، فتأخر جعفر، وقد أربدَ وجهه واصفرَّ فتقدم الصبي وصلَّى عليه ودُفِنَ إلى جانب قبر أبيه (عليهما السلام) ثم قال: يا بصريُّ [أبو الأديان]، هات جوابات الكتب التي معك، فدفعتها إليه، فقلت في نفسي: هذه بيِّنتان بقي الهميان، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر، فقال له حاجز الوشاء: يا سيدي مَن الصبي لنقيم الحجة عليه؟ فقال: والله ما رأيته قط ولا أعرفه...)(٩١٣)
ب - ادعاؤه الوراثة بأنَّه الوريث الوحيد والشرعي للإمام العسكري:
وفي إجراءٍ وتصرفٍ آخرَ من جعفرٍ أدى النتيجة السابقة نفسها، وهي إيهام أغلب الناس بأنَّ الإمام الحسن العسكري لا عَقِبَ له ولا ولد، والذي يجعل من هذه الإجراءات والتصرفات من جعفرٍ سريعة الانتشار والفعالية، بوصفه أخا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) وله ارتباطٌ بهذا البيت الشريف، له أثره الناجع والفعَّال عند أغلب الناس.
فقد نقل الصدوق حادثة ادعاء جعفر لميراث أخيه الإمام العسكري باعتباره هو الوريث الشرعي الوحيد وذلك بمساعدة السلطة الحاكمة، وتم تقسيم الميراث على ذلك، فقد ورد على السلطان في وقت وفاة أخيه الحسن العسكري (عليه السلام)، فلما دفن وتفرق الناس، ظهر اضطراب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا على قسمة ميراثه، فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وثبت ذلك عند القاضي. وبذلك خرج صاحب الزمان على جعفر الكذاب من موضع لم يعلم به عندما نازع في الميراث بعد مضي أبي محمد (عليه السلام) فقال له: يا جعفر مالك تعرض في حقوقي؟ فتحير جعفر وبهت، ثم غاب عنه، فطلبه جعفر بعد ذلك في الناس فلم يره.(٩١٤)
فهذا الادعاء الذي جاء بدعمٍ من السطلة الجائرة، اتخذ منحًى رسميّاً عند العامة من الناس بعدم وجود الولد للإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وقد نقل الكليني في الكافي الشريف ما يُنْبِئُ عن ذلك، عندما ينقل سؤالاً موجَّهًا لأحد سفراء الإمام المهدي (عليه السلام)، عن اسم الخلف والحجة بعد الإمام العسكري الحسن (عليه السلام)، إذ أجاب: (فالاسم؟ قال: محرم عليكم أنْ تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أنْ أحلل ولا أحرم، ولكن عنه (عليه السلام)، فإنَّ الأمر عند السلطان، أنَّ أبا محمد [الإمام العسكري] مضى ولم يخلّف ولداً وقُسِّمَ ميراثه وأخذه من لا حق له فيه وهو ذا، عياله يجولون ليس أحد يجسر أنْ يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئاً، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك).(٩١٥)
ج - محاولة استلامه الحقوق الشرعية من الموالين للإمام العسكري:
جاءت الروايات(٩١٦) كثيرةً تحكي عن هذا المَعْلَم، ولكن أبرز ما جاء فيها: روى الصدوق في روايةٍ طويلةِ الذيل، بسنده قال: (لما قُبِضَ سيدنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليهما وفد من قم والجبال وفودٌ بالأموال التي كانت تُحمَل على الرسم والعادة،... سألوا عن سيدنا الحسن بن علي (عليهما السلام)، فقيل لهم: إنه قد فُقِدَ، فقالوا: ومن وارثه؟ قالوا: أخوه جعفر بن عليٍّ فسألوا عنه... وقالوا: يا سيدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعةٌ من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال فقال [جعفر]: وأين هي؟ قالوا: معنا، قال: احملوها إليَّ، قالوا: لا، إنَّ لهذه الأموال خبراً طريفاً، فقال: وما هو؟ قالوا: إنَّ هذه الأموال تُجمَع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه وكنّا إذا وردنا بمالٍ على سيدنا أبي محمد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً،... فقال جعفر: كذبتم تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله... قال: فدخل جعفر على الخليفة - وكان بسُرّ من رأى - فاستعدى عليهم، فلما أحضروا قال الخليفة: احملوا هذا المال إلى جعفر، قالوا: أصلح الله أمير المؤمنين إنّا قومٌ مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال وهي وداعةٌ لجماعةٍ وأمرونا بأنْ لا نسلّمها إلا بعلامةٍ ودلالةٍ، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي (عليهما السلام) قال القوم: كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي؟ فاذا فعل ذلك سلمناها إليه، وقد وفدنا إليه مراراً فكانت هذه علامتنا معه ودلالتنا، وقد مات، فإنْ يكن هذا الرجل صاحب هذا الأمر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه [الإمام العسكري]، وإلاِّ رددناها إلى أصحابها فقال جعفر: يا أمير المؤمنين إنَّ هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب فقال الخليفة: القوم رسلٌ وما على الرسول إلا البلاغ المبين قال: فبهت جعفر ولم يرد جواباً...)(٩١٧) الروايةُ طويلةٌ، أوردنا فقط محل الشاهد منها.
أقول: في ما تقدم من قضية جعفر (الكذاب) وادعاءاته المتعددة والمتكررة للإمامة بعد أخيه العسكري، ودعواه في التوريث بوصفه الوريث الوحيد، وعدم الاعتراف بوجود ولدٍ من صلب أخيه العسكري، بصيغةٍ رسميةٍ من الدولة، كل هذا بحوادثه ورواياته ومناسباته المتعددة بأكثرَ من مصدرٍ، كل هذا جاء ونُقِلَ في الكتب والمصادر والتراث الشيعي الإمامي، فإذا كان ما يسميه المستشرقون في قضية الولادة قد تكون (من وضع الخيال، زيادةً في تعظيم الإمام الثاني عشر)(٩١٨) أو ما أطلقوا عليها أسطورة ولادة المهدي المنتظر(٩١٩) كذلك أرادوا أنْ يسموها، والسؤال التعجبي أو الاستنكاري هنا: كيف يكون أو يصح للإمامية إذا أرادوا أنْ يثبتوا ولادة ووجود وحياة المهدي المنتظر، بأنْ ينقلوا شيئاً ضدهم ويضعف أدلتهم؟ بل ويصحح ويؤكد تشكيك المشككين ويثبت كلامهم بما سمُّوه (الأسطورة والكذبة)؟ لكون ادعاءات جعفر (الكذاب) هي عين ما يقوله المشككون من عدم وجود المهدي المنتظر أساساً، وتصبّ في تعزيز موقفهم، ولأنه جاء من داخل عائلة ومنزل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، بوصفه شقيقه. كيف يمكن أو يكون ذلك إذا أرادوا وضعَ أسطورةٍ وكذبةٍ؟
لم يبق إلا أنَّها جاءت كذلك لأن ولادة ووجود وحياة الإمام المهدي (عليه السلام) لها حقيقةٌ أصيلةٌ متجذرةٌ في رحم التاريخ الواقعي الحاصل آنذاك، لذلك جاءت هذه الأحداث ونقلت على حقيقتها كما هي، غيرَ مُنمَّقةٍ، وإلا كيف يمكن لكذبةٍ أنْ تعيش طوال هذه السنين ويؤمن بها الناس ويصدقونها؟ وإذا كان الشيعة أرادوا تزوير الحقائق بنقلهم الأحاديث التي تؤيد مدعياتهم بوجود وولادة الإمام المهدي المنتظر، ولو كانت قصة الولادة من مخترعات وخيال الشيعة الإمامية أو مفبركةً، لما نقلوا ذلك في رواياتٍ تخص جعفراً (الكذاب) وهو يجاهر بعدم ولادة المهدي المنتظر.
وهنا لا بدَّ من التوقف عند قضيةٍ تُعدُّ مهمةً في سياق قصة الإمام الغائب (عليه السلام)، وهي علاقة السلطة ومتابعتها ودعمها لشخصٍ ادعى الإمامة وهو غيرُ مستحقٍّ لها، وهذه القضية مرتبطةٌ بالوضع السياسي، إذ إنَّ السلطة العباسية كانت تراقب البيت العلوي منذ التأسيس، وهناك مخاوفُ حقيقيةٌ من ظهور رمزٍ يجتمع حوله المسلمون، ولا سيِّما الشيعة، فيقوِّضُ أمرَ السلطة السياسية لبني العباس، لذلك يحاولون بشتى الوسائل منع ظهور مثل هذه الشخصية، ومن وسائلهم استمالة بعض الأشخاص المرتبطين نسباً بأهل البيت والتأثير عليهم للانشقاق عن البيت العلوي والتخلي عن قضية الإمامة وهي الحجر الأساس في عقيدة الإمامية. ولذلك نجد أنْ تبني السلطة لرواياتٍ تشوِّش على الولادة للإمام الغائب (عليه السلام) ودعمها لأشخاصٍ آخرين غيرِ الإمام المعيَّن، وغيرها من الروايات التي يتشبث بها أيضاً المستشرقون، كل ذلك أدى إلى هذا الاضطراب في الروايات.
ثانياً - (أي النقطة الثانية لجواب إشكال المستشرقين عن الولادة) ذكر مجموعة رواياتٍ عن ولادة وحياة الإمام المهدي (عليه السلام):
الروايات التي تحكي عن إثبات ولادة الإمام المهدي (عليه السلام) كثيرةٌ ومستفيضةٌ ومتواترةٌ عند الشيعة الإمامية في أهم المصادر المعتمدة، لأنها من أبجديات عقائدهم الضرورية، ويجب الإشارة هنا إلى أنَّ أحاديث أئمة أهل البيت، توارثوها ونقلوها عن النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ ورد (... عن أبي حمزة الثمالي عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): يا جابر والله لو كنّا نحدِّث الناس أو حدَّثناهم برأينا لكُنّا من الهالكين. ولكِنّا نحدِّثهم بآثارٍ عندنا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يتوارثها كابرٌ عن كابرٍ نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم)(٩٢٠).
فتعددت تلك الروايات منها:
الروايات الدالة على أنَّه من ذرية الإمام الحسين (عليه السلام):
ذكر الشيخ الصدوق في (كمال الدين وتمام النعمة) أخبار وبشارات النبي محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار بالنص على الإمام المهدي (عليه السلام) وتعيينه بأنَّه التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) والحادي عشر من تعداد الأئمة، فجعلها أبواباً (باب ما روي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النص على القائم) و(باب ما أخبر به أمير المؤمنين على بن أبي طالب (عليه السلام) من وقوع الغيبة بالقائم الثاني عشر من الائمة (عليهم السلام)) وهكذا إخبارات باقي الأئمة إلى الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
روى الشيخ الصدوق وكذلك والده بإسناده: (عن سلمان الفارسي (رض) قال: دخلت على النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يقبِّل عينيه ويلثم فاه، ويقول: أنت سيدٌ ابن سيدٍ، أنت إمامٌ ابن إمامٍ أبو أئمةٍ، أنت حجة الله ابن حجته، وأبو حججٍ تسعةٍ من صلبك، تاسعهم قائمهم).(٩٢١)
(عن أبي جعفر [الباقر] (عليه السلام) قال: يكون تسعة أئمةٍ بعد الحسين بن عليٍّ، تاسعهم قائمهم).(٩٢٢)
روى الشيخ الصدوق بإسناده قال: (حدثنا أحمد بن محمد [بسند إلى الأئمة] عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الأئمة بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا علي وآخرهم القائم الذي يفتح الله (عزَّ وجلَّ) على يديه مشارق الأرض ومغاربها).(٩٢٣)
رواياتٌ صريحةٌ بولادة الإمام المهدي (عليه السلام):
روى الشيخ الصدوق بإسناده عن حكيمة بنت الإمام الجواد وعمّة الإمام الحسن العسكري (عليهما السلام)، وهي تُعد القابلة التي شهدت الولادة، وهي الرواية المعتمدة والمتعارف عليها عند الإمامية، مع الإشارة إلى أنَّ إيراد مثل هذه الرواية، ليس لازماً في مقام الاستدلال هنا، لأن المهم هنا إثبات أنَّه مولودٌ وموجودٌ في الحياة، المهم أنه قد وُلد (عليه السلام) فعلاً، وليس المهم كيف ولد، بالليل كان أو بالنهار، ومن هي القابلة التي أولدته، ومن هي أمه وما نسبها، وهكذا باقي تفاصيل حدث الولادة: (قالت: بعث إليَّ أبو محمد الحسن بن علي [العسكري] (عليهما السلام) فقال: يا عمّة اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنَّها ليلة النصف من شعبان فإنَّ الله تبارك وتعالى سيُظهِرُ في هذه الليلة الحجة، وهو حجته في أرضه [وفي رواية سيولد الليلة المولود الكريم](٩٢٤) قالت: فقلت له: ومن أمُّه؟ قال لي: نرجس، قلت له: جعلني الله فداك ما بها أثرٌ [يعني لا توجد آثار الحمل عليها] فقال: هو ما أقول لك،... قالت: فقلت لها: يا بُنية إنَّ الله تعالى سيهبُ لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة قالت: فخجلتْ واستحيتْ فلما أنْ فرغتُ من صلاة العشاء الآخرة أفطرتُ وأخذتُ مضجعي فرقدتُ، فلما أنْ كان في جوف الليل قمتُ إلى الصلاة ففرغتُ من صلاتي وهي نائمةٌ ليس بها حادثٌ ثم جلستُ معقِّبةً [أي تعقيب الصلاة] ثم اضطجعتُ ثم انتبهتُ فزعةً وهي راقدةٌ، ثم قامت فصلَّت ونامت، قالت حكيمة: وخرجتُ أتفقد الفجر فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمد [العسكري] (عليه السلام) من المجلس فقال: لا تعجلي يا عمة فإنَّ الأمر قد قرب. قالت: فجلستُ وقرأتُ الم السجدة ويس، فبينما أنا كذلك إذا انتبهتْ فزعةً فوثبتُ إليها فقلتُ: اسم الله عليك، ثم قلتُ لها: أتحسّين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلتُ لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، لا خوف عليك إنْ شاء الله، وأخذتُ وسادةً فألقيتها في وسط البيت وأجلستها عليها وجلستُ منها حيث تقعد المرأة من المرأة للولادة فقبضتْ على كفي وغمزتْ غمزةً شديدةً ثم أنَّتْ أنةً وتشهدتْ ونظرتُ تحتها، فإذا أنا بولي الله صلوات الله عليه متلقياً الأرض بمساجده. فأخذتُ بكتفيه فأجلستُه في حجري، فإذا هو نظيف مفروغ منه، فناداني أبو محمد (عليه السلام): يا عمة هلمّي فأتيني بابني فأتيته به، فتناوله وأخرج لسانه فمسحه على عينيه ففتحها ثم أدخله في فيه فحنَّكَه ثم في أذنيه، وأجلسه في راحته اليسرى فاستوى وليُّ الله جالساً فمسح يده على رأسه وقال له: يا بني انطق بقدرة الله فاستعاذ ولي الله (عليه السلام) من الشيطان الرجيم واستفتح: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ استُضعِفُوا فِي الأَرضِ وَنَجعَلَهُم أَئِمَّة وَنَجعَلَهُمُ الوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُم فِي الأَرضِ وَنُرِيَ فِرعَونَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنهُم مَا كَانُوا يَحذَرُونَ﴾(٩٢٥) وصلى على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلى أمير المؤمنين والأئمة (عليهم السلام) واحداً واحداً حتى انتهى إلى أبيه، فناولنيه أبو محمد (عليه السلام) وقال: يا عمة ردِّيه إلى أمه حتى (تقرَّ عينُها ولا تحزن ولتعلم أنَّ وعد الله حق ولكن أكثر الناس لا يعلمون)، فرددته إلى أمّه وقد انفجر الفجر الثاني فصلّيتُ الفريضة وعقّبتُ إلى أنْ طلعت الشمس، ثم ودعتُ أبا محمد [العسكري] (عليه السلام) وانصرفتُ إلى منزلي).(٩٢٦)
هذه الرواية تؤكد ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، بحضور والده والعمّة حكيمة، وهو كعادة أيِّ مولودٍ يولد بين أهله وفي منزله، لا كما يتصور بعضهم بأنَّه يجب أنْ يولد وسطَ تجمُّعٍ كبيرٍ وحاشدٍ أو في مسجدٍ مليءٍ بالناس لكي يشهدوا على ولادته، أما في ما يوجد فيها من تفاصيلَ إعجازيةٍ فيطول المقام لو أُريد التعليق عليها، فالمهم فيها هو الشاهد الأبرز، وهو ولادة الإمام المهدي (عليه السلام).
رواياتٌ دالةٌ على رؤية أصحاب الأئمة للإمام المهدي (عليه السلام):
ولذكر واحدةً منها: روى الصدوق بسنده حدَّث أصحاب الإمام العسكري ومنهم (... محمد بن عثمان العمري قالوا: عرض علينا أبو محمد الحسن بن علي [العسكري] (عليهما السلام) ونحن في منزله وكنا أربعين رجلاً فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرقوا من بعدي في أديانكم فتهلكوا، أما إنكم لا ترونه بعد يومكم هذا...)(٩٢٧) فهذا الخبر يبين شهادة أربعين رجلاً أو يزيدون على ولادة وحياة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
فمن هي الأفضل أو الأهم، الشهادة على العدم أو الشهادة على الوجود؟! قال الشيخ الصدوق: قد ثبت أنَّ الحسن العسكري (عليه السلام) كان له خَلَفٌ من عقبه، بشهادة من أثبت له ولداً من الفضلاء والشيعة وغيرهم من الأخيار، لأنَّ الشهادة التي يجب قبولها هي شهادة المُثْبِت لا شهادة النافي وإنْ كان عدد النافين أكثر من عدد المثبتين.(٩٢٨)
رواياتٌ تعيِّن بأنَّه ابن الإمام العسكري (عليه السلام):
وهنا التأكيد مرةً أخرى على أنَّ كل بابٍ من هذه الروايات فيه رواياتٌ كثيرةٌ ومستفيضةٌ لكن هنا يتم نقل أنموذجٍ واحدٍ أو اثنين، اختصاراً، وقد تم سالفاً نقل روايةٍ في هذا الشأن،(٩٢٩) فعن الشيخ الصدوق بإسناده (...عن أحمد ابن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلت علي أبي محمد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) فقلت له: يا ابن رسول الله فمن الإمام والخليفة بعدك؟ فنهض (عليه السلام) مسرعاً فدخل البيت، ثم خرج وعلى عاتقه غلام كأن وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: يا أحمد بن إسحاق لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سَمِيُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكَنِيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً...)(٩٣٠) وهذه المجاميع من أنواع الروايات تتداخل في ما بينها، ومن الصعوبة بمكانٍ العزل والفصل بينها، فبينما نراها تدل على تعيين الإمام المهدي بوصفه ابن الإمام العسكري (عليهما السلام)، نجدها تدل على تعمّد عرض الإمام العسكري ولدَه لبعض خواصه من الشيعة وإراءَتهم إياه. وبالوقت نفسه حجب الإمام المهدي عن عيون السلطة والمحافظة على حياته من الأعداء والسلطة الحاكمة.
الروايات التي تصرح بغيبته (عليه السلام) قبل وبعد وقوعها:
مثل هذه الروايات حتماً تدل بالدلالية الإلتزامية على حياة ووجود الإمام المهدي (عليه السلام) التي هي أعم من ولادته، لأنه كيف يمكن أنْ يغيب لو لم يكن موجوداً وحيّاً ومولوداً أصلاً؟!
روى الكليني في الكافي الشريف خبراً بإسناده في سؤالٍ موجَّهٍ للإمام علي (عليه السلام) حول الدنيا، نستقي الشاهد منه: ما روى الصدوق (ت ٣٨١ه) بإسناده (عن أبي الحسن على بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه، عن عليٍّ (عليهما السلام) قال: قال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم): والذي بعثني بالحق بشيراً ليَغيبنّ القائمُ من ولدي بعهدٍ معهودٍ إليه مني حتى يقول أكثر الناس: ما لله في آل محمد حاجةٌ، ويشك آخرون في ولادته،...).(٩٣١)
وروى الكليني بإسناده: (قال أبو عبد الله (عليه السلام): للقائم غيبتان: إحداهما قصيرةٌ والأخرى طويلةٌ، الغيبة الأولى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم بمكانه فيها إلا خاصة مواليه).(٩٣٢)
السفراء الأربعة والغيبة الصغرى ودلالتها على المطلوب:
فكما تبين سالفاً أنَّ الإمام المهدي (عليه السلام) كانت السلطات تبحث عنه وعن أيِّ إشارةٍ تدل عليه منذ أنْ عرفوا بولادته عن طريق عمه جعفر، لذا كان الطريق الوحيد وهو الذي كان مُتَّبَعًا من أبيه الإمام العسكري (عليه السلام) هو طريق الثقات الذين نصبهم أبوه لهذه المهمة ومن قبل ذلك جدُّه الإمام الهادي (عليهما السلام).
ادعى بعض المستشرقين بأنَّ هؤلاء نصبوا أنفسهم بدون تنصيبٍ من أحدٍ، وعن غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) وسفارتهم قال شتروثمان: (كان ينوب عنهم سفراء ووكلاء، أو يزعمون أنهم ينوبون عنهم. وكان منصب الوكيل يصبح أعظم شأناً عندما يكون الإمام غائباً، فهو عند ذلك يدعي أنه الوحيد الذي يعرف الإمام الغائب. وقد أفلح أربعة أشخاص منذ عام ٢٦٠ه في أنْ يدَّعوا ذلك لأنفسهم. ولمَّا مات رابعهم، وهو علي بن محمد السامراتي [السمري] سنة ٣٣٤ه انتهت الغيبة المسماة: الغيبة الصغرى. وأعقبتها الغيبة الكبرى التي تمتد إلى أيامنا).(٩٣٣)
وهذه قراءةٌ خاطئةٌ مستمرةٌ، من المستشرقين، فهؤلاء الوكلاء والسفراء لم ينصّبوا أنفسهم، بل نصَّبهم الأئمة وهيأوا لذلك الأمر المهم، وهو غيبة الإمام الثاني عشر منهم، إذ جاء في غيبة الطوسي (ت٤٠٦ه) بإسناده: (... حدثنا أحمد بن إسحاق بن سعد القمي قال: دخلت على أبي الحسن علي ابن محمد [الهادي] صلوات الله عليه في يومٍ من الأيام فقلت: يا سيدي أنا أغيب وأشهد [أشهد: أحضر] ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كلِّ وقتٍ، فقول من نقبل؟ وأمر من نمتثل؟ فقال لي صلوات الله عليه: هذا أبو عمرو الثقة الأمين ما قاله لكم فعني يقوله، وما أدَّاه إليكم فعني يؤديه. فلما مضى أبو الحسن [الهادي] (عليه السلام) وصلت إلى أبي محمد ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) ذات يوم فقلت له (عليه السلام) مثل قولي لأبيه، فقال لي: هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا).(٩٣٤)
ونقل الشيخ الصدوق (ت ٣٨١ه) والشيخ الطوسي (ت٤٠٦ه) بأنَّ السفراء في زمان الغيبة أربعةٌ:
الأول: من نصَّبه الإمام علي الهادي والحسن العسكري ابنه (عليهم السلام)، وهو الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري.(٩٣٥) كما في الرواية المتقدمة آنفاً.
الثاني: [والكلام للصدوق] فلما مات عثمان أوصى إلى ابنه أبي جعفر محمد بن عثمان، (أبو جعفر بن محمد بن عثمان العسكري المعروف بالسمان، ويُعرف أيضاً بالعُمَري، رئيس الإمامية، وكان يدعي أنَّه الباب إلى الإمام المنتظر، وأوصى إلى أبي القاسم بن الحسين بن روح).(٩٣٦) حيث نصَّبه الإمام المهدي (عليه السلام) سفيراً له، لا كما يشتهي أنْ يقرأها المستشرق بقراءةٍ خاطئةٍ بأنَّهم نصّبوا أنفسهم بأنفسهم، فجاء عن الشيخ الصدوق بإسناده: (قال عبد الله بن جعفر الحميري: وخرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري في التعزية بأبيه:... أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رُزِئْتَ ورُزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسَرَّهُ الله في منقلبه، وكان من كمال سعادته أنْ رزقه الله (عزَّ وجلَّ) ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره... توقيع من صاحب الزمان (عليه السلام) كان خرج إلى العُمَري وابنه).(٩٣٧)
الثالث: وأوصى أبو جعفر السفير الثاني إلى أبي القاسم الحسين بن روح [والكلام للصدوق وروى بإسناده] (... قال: لما حضرتْ أبا جعفر محمد بن عثمان العمري [السفير الثاني] الوفاة... قال لي: قد أُمِرتُ أنْ أوصي إلى أبي القاسم الحسين بن روح...)(٩٣٨).
الرابع: [والكلام للصدوق] وأوصى أبو القاسم [السفير الثالث] إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري، فلما حضرتْ السمري الوفاة سُئِلَ أنْ يوصي [لسفير آخر بعده] فقال: لله أمرٌ هو بالغه، فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد مضي السمري.(٩٣٩) وروى الشيخ الصدوق: (حدثنا أبو محمد الحسن ابن أحمد المكتب قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ علي بن محمد السمري فحضرته قبل وفاته بأيامٍ فأخرج إلى الناس توقيعاً [من الإمام المهدي (عليه السلام)] نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري... ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية فلا ظهور إلّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ) وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً...)(٩٤٠).
روايات التوقيعات التي صدرت من الإمام المهدي (عليه السلام):
والتوقيعات: تعني مجموعةً من الكتب والرسائل والمكاتبات بينه وبين أتباعه ومريديه، وهي عبارةٌ عن أسئلةٍ أو استفتاءاتٍ، أو طلب دعاءٍ وغيره، كانت تصدر من الإمام المهدي (عليه السلام) والتي كانت تأتي بالطبع عن طريق وبواسطة سفرائه، روى الصدوق بإسناده: (... قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه بعد موت محمد بن عثمان العمري [السفير الثاني] أنْ أسأل أبا القاسم الروحي أنْ يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أنْ يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يرزقه ولداً ذكراً قال: فسألته فأنهى ذلك، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا لعلي بن الحسين وأنَّه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به وبعده أولاده...)(٩٤١).
وفي سؤالٍ موجَّهٍ من أحدهم إلى الإمام المهدي (عليه السلام): (كتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين ابن روح [سفير الإمام المهدي (عليه السلام)] يستأذن في الخروج إلى الحج. فخرج في الجواب [من الإمام المهدي (عليه السلام)] لا تخرج في هذه السنة...)(٩٤٢) ومثل هذه الروايات تُنبئ بوضوحٍ عبر الدلالة الالتزامية على أنه (عليه السلام) مولودٌ، وموجودٌ، بل ويمارس دور الإمامة، حيث كانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على أيدي سفرائه الأربعة بالأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال.
ثالثاً - شهاداتٌ من غير الشيعة الإمامية:
شهاداتٌ مهمةٌ على ولادة الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري (عليهما السلام)، وتشمل المؤرخين وعلماء التراجم والسّيَر والنسَّابة وعلماء المسلمين عموماً.
ويجب الإشارة إلى نقطةٍ مهمةٍ قبل الولوج في نصوص تلك الكلمات، بأنَّها لا تدل أكثر من أنه وُلِدَ (عليه السلام) بغض النظر عن معتنقي هذه الحقائق في الشهادات الآتية، فمنهم من يقررون حقيقة الولادة ويقولون بأنَّه مات وتوفي، يعني ليس لديهم إشكالٌ في أنه قد ولد، كما سنقرأ، ولكن إشكالهم في مسائل أخرى كطول عمره وغيبته وعصمته وبقاءه حيّاً إلى يومنا هذا، كما هو اعتقاد الإمامية.
وهذه الكلمات التاريخية مهمة في اعتبارها مؤيداتٍ وافيةً لما تقدم من الروايات التي أُريدَ منها إثبات ولادته (عليه السلام):
الكامل في التاريخ لابن الأثير (المتوفى: ٦٣٠ه) قال: (الحسن [العسكري] بن علي [الهادي] ابن محمد [الجواد] بن علي [الرضا] بن موسى [الكاظم] بن جعفر [الصادق] بن محمد [الباقر] ابن علي [السجاد] بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) وهو أبو محمد العلوي العسكري وهو أحد الأئمة الاثني عشر على مذهب الإمامية وهو والد محمد الذي يعتقدونه المنتظر بسرداب سامرا).(٩٤٣)
مفتي دمشق وخطيبها كمال الدين محمد بن طلحة الشافعي (ت ٦٥٢ه) في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول) أيضاً يذكر النسب كاملاً.(٩٤٤)
العلامة المؤرخ شمس الدين أبو المظفر سبط ابن الجوزي الحنفي (ت ٦٥٤ ه) ذكر النسب كاملاً في تذكرة الخواص، بأنَّ الإمام محمد المهدي (عليه السلام) ابن الإمام العسكري (عليه السلام).(٩٤٥)
الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يوسف الگنجيّ الشافعيّ - (المقتول سنة ٦٥٨ ه). في كتابه (البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام). ذكر في ترجمة (الحسن العسكري (عليه السلام)... وخلَّف ابنَه الإمام المنتظر).(٩٤٦)
ابن خلكان (ت ٦٨١ه) المشهور بكتابه وفيات الأعيان قال في ترجمة الإمام المهدي (عليه السلام): (أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري بن علي الهادي بن محمد الجواد المذكور قبله، ثاني عشر الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، المعروف بالحجة، وهو الذي تَزْعُم الشيعة أنه المنتظر والقائم والمهدي، وهو صاحب السرداب عندهم، وأقاويلهم فيه كثيرةٌ، وهم ينتظرون ظهوره في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى. كانت ولادته يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين، ولما توفي أبوه كان عمره خمس سنين، واسم أمه خمط، وقيل نرجس).(٩٤٧) وهذا تصريحٌ واضحٌ من هذا المؤرخ المعتمد في تأريخه. ونلحظ هنا هو يُثبّت الولادة لكنه ينفي أموراً أخرى، ويعترض على مسائل أخرى، والمهم هنا إثبات الولادة.
الذهبي (ت ٧٤٨ه) في تاريخه (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) قال في ترجمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (الْحَسَن بْن عليٍّ... ويقال لَهُ: الْحَسَن العسكريّ لكونه سكن سامرّاء،... وهو والد منتظَر الرّافضة... وأمّا ابنه محمد بْن الْحَسَن الَّذِي يدعوه الرّافضة القائم الخَلَف الحُجّة، فولد سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة ستٍّ وخمسين. عاشَ بعد أَبِيهِ سنتين ثمّ عُدِم، ولم يُعلَم كيف مات. وأمُّهُ أمّ وُلِد).(٩٤٨) هنا المهم هو الشاهد في ولادته لا يهم في المقام أنْ يقول عنه بعد ذلك مات وعُدِم، لأنَّه لا يعتقد ببقائه حيّاً ولا يعتقد بغيبته، فالمهم هنا إثبات المطلوب وهو الولادة.
وكذلك قال في ترجمته للإمام المهدي (عليه السلام): (محمد بْن الْحَسَن العسكريّ بن عليٍّ الهادي... خاتم الاثني عشر إمامًا للشّيعة... وهو منتظر الرّافضة الذي يزعمون أنَّه المهديّ. وأنَّه صاحب الزّمان، وأنَّه الخَلَف الحُجّة).(٩٤٩)
وفي كتابه سِيَر أعلام النبلاء (المنتظر أبو القاسم محمد بن الحسن العسكري... خاتمة الاثني عشر سيداً، الذين تدّعي الإمامية عصمتهم - ولا عصمة إلا لنبي - ومحمدٌ هذا هو الذي يزعمون أنه الخلف الحجة، وأنَّه صاحب الزمان، وأنَّه صاحب السرداب بسامراء، وأنَّه حيٌّ لا يموت حتى يخرج، فيملأ الأرض عدلاً وقسطاً، كما ملئت ظلماً وجوراً).(٩٥٠) إذًا عنده الولادة ثابتةٌ وأنَّه ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، لكن باقي الأمور لم تثبت لديه ولم يعتقد بها.
كتاب (مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان) لليافعي (المتوفى: ٧٦٨ه) قال: (سنة ستين ومائتين وفيها توفي الشريف العسكري أبو محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا بن جعفر الصادق، أحد الأئمة الاثني عشر على اعتقاد الإمامية، وهو والد المنتظر عندهم صاحب السرداب، ويعرف بالعسكري)(٩٥١).
كتاب (الوافي بالوفيات) للصفدي (المتوفى: ٧٦٤ه) قال: (العسكري وَالِد الإِمَام المنتظر الْحسن بن عَليّ... أَبُو مُحَمَّد العسكري أحد أَئِمَّة الشِّيعَة الَّذين يدَّعون عصمتهم وَيُقَال لَهُ الْحسن العسكري لكَونه نزل سامرا وَهُوَ وَالِد منتظر الرافضة).(٩٥٢) ويلحظ في هذه النصوص هو يعترف بأنَّه ولِدَ، لكن لا يعترف بغير ذلك من شؤون العصمة أو الإمامة، وهذا هو المراد هنا في المقام، أما باقي الأمور لها مقاماتٌ أخرى للبحث فيها.
النَّسَّابة الشهير السيد جمال الدين أحمد بن علي الحسنى (المتوفى ٨٢٨ه) المعروف بابن عنبة، في كتابه (عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب) أيضاً أثبت النسب، وقال عن الأمور الزائدة على النسب: هي من عند الإمامية(٩٥٣).
ابن الصباغ، علي بن محمد بن أحمد المالكي الحنفي (ت ٨٥٥ه) في كتابه (الفصول المهمة في معرفة الأئمة). ذكر بأنَّه ابن الإمام العسكري (عليه السلام)، ولم يخلف أبوه ولداً غيره.(٩٥٤)
تحفة الطالب في معرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب للسمرقندي المدني (ت ٩٩٦ه) في ترجمته: (أبو محمد الحسن الخالص وهو الحسن العسكري... وأما ولده محمد المهدي بن الحسن العسكري... ولد يوم الجمعة منتصف شعبان، سنة خمس وخمسين ومائتين... وكان عمره حين توفي أبوه خمس سنين... والشيعة يقولون: إنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه... وهم ينتظرون خروجه من السرداب في آخر الزمان، وذلك في سرَّ من رأى، وأقاويلهم فيه كثيرةٌ، والله أعلم أنّى ذلك كان).(٩٥٥)
ابن طولون شمس الدين محمد الحنفي الدمشقي الصالحي، (المتوفى ٩٥٣ه) في الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشر عند الإمامية) قال: (ابنه محمد بن الحسن... ثاني عشر الأئمة الاثني عشر، على اعتقاد الإمامية... كانت ولادته، رضي الله عنه، يوم الجمعة منتصف شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين).(٩٥٦)
ابن حجر الهيتمي (المتوفى: ٩٧٤ه) في (الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة) يثبت ولادةَ وحياةَ ابنٍ للإمام العسكري اسمه محمدٌ، لكن لا يعتقد بأنَّه المهدي المنتظر، الذي تحدثت عنه الأحاديث، قال ذلك وهو في معرض الاحتجاج بأنَّ المهدي المنتظر ليس هو محمد بن العسكري كما تدعيه الشيعة (لَا حجَّة فِيهِ لما زعمته الرافضة أَنَّ الْمهْدي هُوَ الإِمَام أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد الْحجَّة بن الْحسن العسكري ثَانِي عشر الْأَئِمَّة... وَيَردُّهُ أَيْضاً قَولُ عَليّ مولد الْمهْدي بِالْمَدِينَةِ وَمُحَمّد الْحجَّة هَذا إِنَّمَا ولد بِسُرَّ من رأى سنة خمس وَخمسين وَمِائَتَيْنِ... وَأَنَّ الْجُمْهُور غير الإمامية على أَنَّ الْمهْدي غير الْحجَّة هَذَا).(٩٥٧) إذًا هو ليس لديه اعتراضٌ على وجود ولدٍ للإمام العسكري اسمه محمد، إنَّما الاعتراض على اعتباره هو المهدي المنتظر، وفي موضعٍ آخرَ في ترجمة الإمام الحسن العسكري: (أَبُو مُحَمَّد الْحسن الْخَالِص وَجعل ابْن خلكان هَذَا هُوَ العسكري... إِلَى أَنْ مَاتَ بسُرَّ من رأى ودفن عِنْد أَبِيه وَعَمه وعمره ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ سنة وَيُقَال إِنَّه سُمَّ أَيْضاً وَلم يخلف غير وَلَده أبي الْقَاسِم مُحَمَّد الْحجَّة وعمره عِنْد وَفَاة أَبِيه خمس سِنِين).(٩٥٨)
وكذلك، عبد الملك بن حسين العصامي المكي (المتوفى: ١١١١ه) في كتابه: سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي.(٩٥٩)
أخبار الدول وآثار الأُول في التاريخ للقرماني أحمد بين يوسف (المتوفى ١٠١٩ه) في الفصل الحادي عشر(في ذكر أبي القاسم محمد الحجة الخلف الصالح وكان عمره عند وفاة أبيه خمس سنين... وزعم الشيعة أنه غاب في السرداب).(٩٦٠)
شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد العَكري الحنبلي (المتوفى: ١٠٨٩ه) وهو يذكر رقم السنة وما حدث فيها من أحداثٍ أو وفياتٍ: (سنة ستّين ومائتين، وفيها [توفي] الحسن [العسكري] ابن علي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق العلويّ الحسينيّ، أحد الاثني عشر الذين تعتقد الرافضة فيهم العصمة، وهو والد المنتظر محمد صاحب السرداب).(٩٦١)
كتاب: مختصر تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار، للمدني ضامن بن شدقم (كان حياً سنة ١٠٩٠ه) اختصر ذلك على شكل شجرة الأنساب.(٩٦٢)
خير الدين الزركلي (المتوفى: ١٣٩٦ه) في كتابه المشهور (الأعلام) في ترجمته يقول: (المَهْدي المُنْتَظَر (٢٥٦ - ٢٧٥ ه) محمد بن الحسن العسكري (الخالص) بن علي الهادي، أبو القاسم: آخر الأئمة الاثني عشر عند الإمامية وهو المعروف عندهم بالمهديّ، وصاحب الزمان، والمنتظر... ولد في سامراء. ومات أبوه وله من العمر نحو خمس سنين).(٩٦٣) فهنا هو يثبت سنة الولادة ومعها سنة الوفاة بحسب ما يدعيه. يعني يعتقد بأنَّه وُلِد، وبالحين نفسه يعتقد موته.
وفي ترجمة الإمام الحسن العسكري (عليه السلام): (الحَسَن الخالِص (٢٣٢ - ٢٦٠ ه) الحسن ابن علي الهادي بن محمد الجواد الحسيني الهاشمي: أبو محمد، الإمام الحادي عشر عند الإمامية).(٩٦٤)
كتاب: الأصول في ذرية البضعة البتول، للنسابة الشريف أنس يعقوب الكتبي (معاصر) ذكر النسب بالتفصيل.(٩٦٥)
يُكتفى بهذا القدر من ذكر استشهاد العلماء على ولادة الإمام المهدي المنتظر، وأنَّ الولادة ليست أسطورةً كما عبّر عنها المستشرقون، وهذه الكلمات والشهادات التاريخية سالفة الذكر، إذا لم تُعَدَّ أدلةً واضحةً على المطلوب، فهي لا بدَّ وأنْ تشكّل مؤيداتٍ مهمةً لما ورد في روايات الإمامية على ولادة المهدي المنتظر (عليه السلام).
وهنا يجب التوقف والإشارة إلى مسألتين:
الأولى: مسألة التواتر المعنوي، وهو أنْ ينقل جماعةٌ يستحيل تواطؤهم على الكذب كاستحالة تواطئهم في المتواتر اللفظي، فينقلون وقائعَ مختلفةً تشترك في أمرٍ يتواتر منه ذلك القدر المشترك، كما إذا نقل رجلٌ عن حاتم مثلاً أنَّه أعطى جملاً وآخر أنه أعطى فرساً وآخر أنه أعطى ديناراً وهلمَّ جرًّا، فيتواتر القدر المشترك بين أخبارهم وهو الإعطاء، لأن وجود الإعطاء مشتركٌ في جميع هذه القضايا، إذًا هو ما تواتر معناه لا لفظه، كأحاديث رفع اليدين في الدعاء فقد ورد عنه (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) نحو مائة حديثٍ فيه رفع يديه في الدعاء، لكنها في قضايا مختلفةٍ، فكل قضيةٍ منها لم تتواتر، والقدر المشترك فيها وهو الرفع عند الدعاء تواتر باعتبار المجموع.(٩٦٦)
فلو سُلِّمَ جدلاً (٩٦٧) بأنَّ هذه الروايات المتقدمة الذكر ومعها الروايات التي لم تُذكر والتي بقيت في بطون الكتب - طلباً للاختصار - لو أنَّها ليست متواترةً بالتواتر اللفظي إذا أفردنا كلَّ واحدةٍ على جانبٍ، لكنها يمكن أنْ تشترك بقدرٍ متيقنٍ في أمرٍ ما، وهو وجود وولادة وحياة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام) على أقل التقادير.
ويبقى سؤالٌ: هل يجب ويلزم في الخبر المتواتر لفظيّاً كان أو معنويّاً، أنْ يكون المخبر ثقةً؟
الجواب: لا يلزم في الخبر المتواتر أنْ يكون المخبر من الثقات، فذلك يلزم في خبر الآحاد غير المتواتر، كما إذا جاءنا شخصٌ واحدٌ أو اثنان أو ثلاثة وأخبرونا بقضيةٍ، هنا يشترط أن يكون المخبر عادلاً، أما لو كانت القضية أخبر بها جماعةٌ كثيرةٌ يستحيل تواطؤهم على الكذب، يعني العدد كان يشكّل التواتر فالمسألة تختلف، فالعدالة والوثاقة هي شرطٌ في الخبر غير المتواتر. ولماذا لا نشترط في الخبر المتواتر العدالة والوثاقة؟ النكتة هي: أنَّ الخبر المتواتر حسب الفرض يفيد العلم، لكثرة المخبرين، وبعدما أفاد العلم لا معنى لاشتراط الوثاقة والعدالة، إذ المفروض أنْ العلم حصل، وليس بعد العلم شيءٌ يُقصد، فلا معنى إذًا لاشتراط الوثاقة والعدالة في باب الخبر المتواتر، وهذه قضيةٌ بديهيةٌ وواضحةٌ في سوق العلم.(٩٦٨)
فإذا لوحظ كثرة الأحاديث والطرق والأسانيد المتعددة المتكثرة، في أقدم الكتب والمصادر الأساسية ومنها المعاصرة لعصر الغيبة (غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) الصغرى) كما تقدم النقل منها، كتاب الكافي للكليني، وكمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق، وله أيضاً كتاب الخصال، وكتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، وكتاب آمالي الصدوق، وكتاب بحار الأنوار للعلامة المجلسي، ومؤلفات محمد آصف محسني: (مشرعة البحار) و(معجم الأحاديث المعتبرة)، وكذلك ما يعرف بكتاب (صحيح الكافي) للشيخ محمد باقر البهبودي، وكتاب (المعتبر من بحار الأنوار).
وعند الإمامية ما نقل من أخبارٍ، عن ولادة وغيبة الإمام الغائب (عليه السلام)، مستفيضةٍ، بل متواترةٍ، لذلك أصبحت عقيدةً يؤمن بها الإمامية إيماناً قاطعاً لا مجال للشك فيه.
والسؤال هنا الذي يفرض نفسه: هل يصح أنْ نرفض الأحاديث التي يراد منها أنْ تثبت وجود وولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، لمجرد وجود بعض الأسانيد الضعيفة أو مجهولٌ هنا أو هناك فيها؟
الجواب: (هذا ليس بصحيحٍ، فإنَّ هذا صحيحٌ لو فرض أنَّ الرواية كانت واحدةً أو اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس أو عشر، أما بعد فرض أن تكون الروايات الدالة على ولادة الامام المهدي سلام الله عليه قد بلغت حد التواتر، لا معنى أنْ نقول: هذه الرواية الأولى ضعيفة السند، والثانية ضعيفة السند لجهالة الراوي والثالثة هكذا، فإنَّ هذه الطريقة وجيهةٌ في الخبر غير المتواتر، أما في الخبر المتواتر فلا معنى لها).(٩٦٩)
الثانية: لو سُلِّمَ جدلاً أنَّ هذه القضية في تلكم الأحاديث - المدعاة أنها متواترةٌ إما باللفظي أو بالمعنوي - لو أنها كانت ليست متواترةً بذينك القسمين اللفظي والمعنوي، يمكن أنْ نستعين بقرائنَ وشواهدَ، ثابتةٍ صحيحةٍ، تأريخيةٍ أو عقليةٍ أو غير ذلك، تقوي وتعضد وتعزز موقف تلك الأحاديث، التي عن طريقها يمكن إثبات ولادة ووجود الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام).
وليس بالضرورة هنا في مقام إثبات ولادته (عليه السلام) بأنَّ هذه الأحاديث التي نريد منها أنْ تثبت ولادته وحياته (عليه السلام)، نطلب منها أنْ تثبت غير ذلك من الأمور كإمامته أو عصمته، أو طول عمره، فإنَّ هذه الأمور في بعض الروايات قد تحتاج إلى أدلةٍ أخرى تنضم معها وهي ليست محل البحث هنا، لأن المستشرقين لم يتطرقوا لها.
فلو فرضنا أنَّ الأحاديث التي استشهدنا بها على ولادة الإمام وحياته، آحادٌ وقليلةٌ وظنية غيرُ متواترةٍ (ولكن انضمت إلى ذلك قرائن من هنا وهناك، يحصل العلم بسببها على مستوى حساب الاحتمال. فلنفترض أنَّ هناك شخصًا مصابًا بمرضٍ عضالٍ، وجاء شخصٌ وأخبر بأنَّ فلاناً قد شفي من مرضه، يحصل احتمال أّنه شفي بدرجة ثلاثين بالمائة مثلاً، لكن إذا انضمت إلى ذلك قرائنُ فسوف ترتفع القيمة الاحتمالية من ثلاثين إلى أربعين وإلى خمسين وإلى أكثر، افترض أّننا شاهدناه لا يستعمل الدواء بعد ذلك [يعني بعد أنْ أخبر المخبر بأنَّه قد شُفي، وهذه إحدى القرائن] وكان حينما يحضر في مكان يستعمل الدواء، فهذا يقوي احتمال الشفاء، وإذا كانت القيمة الاحتمالية للشفاء بدرجة ثلاثين الآن ترتفع وتصير بدرجة أربعين مثلاً، وأيضًا شاهدناه يجلس في المجلس ضاحكاً مستبشرًا [هذه قرينةٌ أخرى] هذه الظاهرة أيضاً تصعّد من القيمة الاحتمالية لهذا الخبر، وهكذا حينما تنضم قرائنُ من هذا القبيل، فسوف ترتفع القيمة الاحتمالية للخبر إلى أنْ تصل الى درجة مائةٍ بالمائة. هذا الخبر هو في الحقيقة ليس خبراً متواتراً، لكن لانضمام القرائن حصل العلم. فهنا حصول العلم يحصل بحساب الاحتمال، يعني بتقوي القيمة الاحتمالية بسبب انضمام القرائن).(٩٧٠) وهذا من قبيل نظرية حساب الاحتمال(٩٧١).
وإنّ من تلك القرائن التي تقوي صدق ثبوت الولادة هي:
منها: شهادة وكلمات المؤرخين وعلماء غير الإمامية.
منها: تسليم الأجيال عبر الأجيال بولادة الإمام المهدي (عليه السلام) ولا سيَّما عند الإمامية، وإلا كيف يمكن لكذبةٍ أنْ تعيش طوال هذه السنين ويؤمن بها الناس وتصدّقها الأجيال؟
منها: مسألة التوقيعات والسفارة التي دامت سبعين سنةً.
منها: تفتيش السلطة لبيت الإمام العسكري (عليه السلام) والبحث بعد إخبار جعفر وهو أخو الإمام العسكري، يفتشون عن وجود ولد للإمام العسكري.
وغيرها من القرائن الأخرى يطول المقام فيها، كضم حديث الثقلين وما يحويه من مضامين ودلالات مهمة في المقام.
أقول: توجد نقطة مهمة، ويمكن جعلها نقطة خامسة في النقاط الأساسية السابقة للجواب عن إثبات ولادة الإمام المهدي المنتظر (عليه السلام)، وهي: هناك عاملٌ من العوامل التي يمكن أنْ تدل على ولادة الإمام المهدي (عليه السلام)، هو عدم وجود ولدٌ يُذكر للإمام الحسن العسكري (عليه السلام) غير (محمد المهدي المنتظر) فعلماء الأنساب وأرباب التاريخ لم يذكروا إطلاقاً ذلك، فإذا افترضنا بأنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لم يكن له ولدٌ، بذلك سوف يكون تعداد الأئمة أحد عشر إماماً، وهذا خلاف ما عليه تعداد الأئمة بحسب التسلسل الإمامي المعروف، كون العدد اثني عشر إماماً، وكون الثاني عشر يجب أنْ يكون ابناً للإمام العسكري (عليه السلام)؛ لأن الإمام العسكري هو صاحب الرقم الحادي عشر، وبذلك يثبت وجود ولد اسمه (محمد) وهو الوحيد للإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
لكن هذا يحتاج إلى دليلٍ خارجيٍّ يثبت أنَّ عِدَّة الأئمة اثنا عشر، وليس أقل أو أكثر، وأنْ يكون هذا العدد مختصًّا بهؤلاء الأئمة، لا بغيرهم، وإلاِّ سيلزم منه الدور، لأنه سيتوقف إثبات النتيجة المطلوبة على فرضية المسألة نفسها، وهذا معنى الدور بأنْ يتوقف وجود الشيء على نفسه.
- جملةٌ معترضةٌ: المراد هنا في هذا المقام، فقط إثبات تعداد الأئمة من حيث هم كأشخاصٍ بتسلسل تواريخ وجودهم واحداً بعد الآخر، بغض النظر عن إثبات الإمامة وشؤونٍ أخرى لهم عن طريق العدد اثني عشر، لأن المراد هنا إثبات ولادة المهدي المنتظر في مقابل نفي وتشكيك المستشرقين - الدليل الخارجي الذي يمكن أنْ يُساق هنا، هو حديث الخلفاء من بعدي اثنا عشر، الذي يساوق العدد المشهور للأئمة الإمامية اثني عشر، إذ ورد في صحيح البخاري (المتوفى: ٢٥٦ه) (قال: سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، يقول: يَكُونُ اثْنَا عَشَرَ أَمِيرًا، فَقَالَ كَلِمَةً لَمْ أَسْمَعْهَا، فَقَالَ أَبِي: إِنَّهُ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ).(٩٧٢)
وفي صحيح مسلمٍ التعبير عنهم بالخلفاء، عن أحد الصحابة (قال: دخلت مع أبي على النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، فسمعته يقول: إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَنْقَضِي حَتَّى يَمْضِيَ فِيهِمِ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، قَالَ: ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ خَفِيَ عَلَيَّ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا قَالَ؟ قَالَ: كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ).(٩٧٣)
لكن هذا الدليل أيضاً يحتاج إلى بيانٍ ودليلٍ آخرَ، يثبت أنَّ الاثني عشر خليفة المذكورة في الحديث، مصداقها أئمة أهل البيت التي يعتقد بها الإمامية، ويمكن تطبيق ذلك عن طريق عدةِ نقاطٍ بإيجازٍ:
لا يمكن تطبيق هذا الحديث على اثني عشر خليفةٍ استلموا الحكم السياسي بعد النبي، لأنَّ الحديث يقول (كلهم من قريشٍ) وأولئك فيهم من بني أمية ومن بني العباس، وكذلك وافق خليفتين في آنٍ واحد وهما: عبد الملك بن مروان في الشام، وعبد الله بن الزبير في مكة، بالإضافة إلى أنَّ فيهم يزيد بن معاوية، وهو مشهورٌ ومتفقٌ على ما هو مشهورٌ به من الفسق والفجور وشرب الخمر والجواري وملاعبة القرود، وواقعة قتل الإمام الحسين (عليه السلام) واستباحة المدينة في واقعة الحرّة، ورميه بيت الله بالمنجنيق، ولا يصح ولا يمكن عقلاً ومنطقاً وشرعاً ذلك في خلافة الله ورسوله.
وإذا كمُل العدد اثنا عشر لخامس الخلفاء الراشدين - كما يعبرون - عمر بن عبد العزيز، سيكون بعده خلوّ الزمان والدهر كله من الخلفاء الذين يجب أنْ يستمروا إلى يوم القيامة كما سنقرأ في النقطة التالية.
يجب عدم خلو أيِّ زمانٍ من هؤلاء الاثني عشر خليفةً إلى قيام الساعة، إذ جاء في صحيح مسلمٍ أيضاً عن أحد الصحابة رضي الله عنهم: (سمعت رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يوم جمعةٍ عشية رجم الأسلمي يقول: لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَوْ يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً، كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ...)(٩٧٤) وكذلك جاء أيضاً: (قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لا يزال هذا الأمر في قريشٍ ما بقي من الناس اثنان).(٩٧٥) وهذا ينطبق على المهدي المنتظر بوصفه إماماً ثاني عشر، وإنَّه سيخرج آخر الزمان، وهو من أشراط الساعة.
يعني يجب ألّا تخلو الأرض من هؤلاء الخلفاء الاثني عشر، وإنْ بقي من الناس اثنان يجب أنْ يكون أحدهما خليفة لله ولرسوله. وهذا ما يؤكده معنى الحديث الوارد في صحيح مسلمٍ بسندٍ متصلٍ عن (رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِية)(٩٧٦) والمراد بالميتة الجاهلية، حالة الموت كموت أهل الجاهلية على ضلالٍ وليس له إمامٌ مطاعٌ، ويحتمل التشبيه، ومعناه أنه يموت مثل موت الجاهلي.(٩٧٧)
بالإضافة إلى ما يؤكد هذا المعنى - وهو لا بُدّ من وجود إمامٍ وخليفةٍ - صلاة عيسى وهو نبيٌّ من أنبياء أولي العزم مأموماً، خلف المهدي المنتظر إماماً، وهو إمام آخر الزمان، كما أكد هذا المعنى ابن حجر العسقلاني: (وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالةٌ للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائمٍ لله بحجةٍ).(٩٧٨)
التعبير عن المهدي المنتظر في الأحاديث بأنَّه (خليفةٌ) هو نقطةٌ جديرةٌ بأنْ تفيد في المقام بوصفه هو الثاني عشر من الخلفاء المقصودين في حديث الخلفاء من بعدي اثني عشر، إذ جاء في الحديث: (عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يَقْتَتِلُ عِنْدَ كَنْزِكُمْ ثَلاَثَةٌ كُلُّهُمُ ابْنُ خَلِيفَةٍ... فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَبَايِعُوهُ وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الثَّلْجِ فَإِنَّهُ خَلِيفَةُ اللهِ الْمَهْدِي)(٩٧٩).
انطباق حديث (الخلفاء من بعدي اثنا عشر) على الأئمة الاثني عشر من أهل البيت، ليس مجرد مصادفةٍ حدثت وموافقةٍ بين شيءٍ حدث في الخارج وتم تطبيقه وحمله على الأحاديث، بل هو إخبارٌ بالغيب، وهذه من معاجز النبوة المحمدية، وهذا الإخبار تحقق واقعاً، فلا يوجد أيُّ مصداقٍ واقعيٍّ للعدد اثني عشر الذي أخبر به النبي، إلا أنْ يكون رقم الثاني عشر هو (خَلِيفَةُ اللهِ الْمَهْدِيُّ) بحسب تعبير الأحاديث عنه. خصوصاً أنَّ المهدي المنتظر من عترة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والتعبير بالعترة يكون أخص من التعبير بأهل البيت، جاء في مسند أحمد (عن أبي سعيد أن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) قال: تُملأ الأرض ظلماً وجوراً ثم يخرج رجلٌ من عترتي يملك سبعاً أو تسعاً فيَملأ الأرض قسطاً وعدلاً)(٩٨٠) وفي سنن أبي داود بإسناده (عن سعيدِ بن المسيِّب عن أُمِّ سلمة، قالت: سمعتُ رسولَ الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: المهديُّ من عِترتي من ولَدِ فاطمة).(٩٨١) فقد يكون التعبير (بأهل البيت) تعبيرٌ عامٌّ وشاملٌ، لكن التعبير بالعترة خاصٌّ لا يتعدى عليّاً (عليه السلام) وولديه وصولاً إلى المهدي المنتظر (عليهم السلام).
وأخيراً، ما تواتر وتسالمَ عليه الإمامية في المصادر المعتبرة، من أنَّ الثاني عشر من الأئمة هو محمد المهدي المنتظر ابن الإمام العسكري (عليهما السلام) (... سُئِل أبو محمد الحسن [العسكري] بن علي (عليهما السلام) وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه (عليهم السلام): أنَّ الأرض لا تخلو من حجةٍ لله على خلقه إلى يوم القيامة وأنَّ من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتةً جاهليةً فقال (عليه السلام): إنَّ هذا حقٌّ كما أنَّ النهار حقٌّ، فقيل له: يا بن رسول الله فمن الحجة والإمام بعدك؟ فقال ابني محمد، هو الامام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتةً جاهليةً...).(٩٨٢)
وكذلك أخرج الصدوق بإسناده: (حدثنا أحمد بن محمد... عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): الأئمة من بعدي اثنا عشر أولهم أنت يا عليُّ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها).(٩٨٣)
خلاصة التحقيق في المسألة:

أنَّ الأدلة على ولادة الإمام الثاني عشر ووجوده وغيبته، حقيقةٌ ثابتةٌ - على الأقل لدى معتنقيها - ولكن عندما يعتقد ويؤمن بولادته من آمن، بما توارد لديه من الأخبار وما عاضدها ما يحقق دليلاً واضحاً على هذه المسألة، لا بدَّ أنْ نؤكد أنَّ الإيمان بها لن يخرج الآخرين ممن لم يؤمنوا بها، لن يخرجهم عن دائرة الإيمان العامة بالعقائد الأخرى، كالإيمان بالله تعالى والرسل واليوم الآخر، والمسألة مرتبطةٌ بالتصديق الإيماني، وقد جادل المنكرون من المستشرقين في هذه المسألة، وإنْ قدَّم المنكرون أدلةً يظنون أنها عقليةٌ لإبطالها، فقد سيق في هذا الفصل من الأدلة العقلية والنقلية ما يعزِّزها. وإذا جادل بعض من ينكر وجود الله، فليس بمستغرَبٍ أنْ يجادل بعضٌ آخرُ أيضاً في مسائلَ عقديةٍ أخرى، مثل البعث والمعاد واليوم الآخر والنبوات وعقيدة المهدي المنتظر، ونحن في عصرنا نودُّ أنْ نؤكد: بأنَّ الإيمان مسألةٌ قلبيةٌ، فإنْ آمن بها القلب وصدَّقها العقل، تحققت فيه صفات المؤمنين بالمنهج الذي أمر به ودعا إليه، وإنْ لم يؤمن فهو حرٌّ في ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَليُؤمِن وَمَن شَاءَ فَليَكفُر﴾،(٩٨٤) فلا إكراه في الدين ولا إلزام.
ويمكن هنا إضافةُ حقيقةٍ مهمةٍ اتفق عليها المسلمون جميعاً وهي (أنَّ الحكمة في عدم تعيين وقت ظهور الإمام المهدي، هي نفسها الحكمة في عدم تعيين يوم القيامة وتتلخص بما يأتي: أنَّ كل وقتٍ وعصرٍ بحاجةٍ إلى معنى المهدي الذي يكون أساساً للقوة المعنوية وخلاصاً من اليأس، فيلزم أنْ يكون لكل عصرٍ نصيبًا من هذا المعنى)،(٩٨٥) نعم لأن الظلم والطغيان لا زالا يعيثان في الأرض فساداً وظلماً وجوراً، والمهدي المنتظر هو الأمل والخلاص الذي بشرت به الأديان السماوية، ولا سيَّما خاتمة الرسالات.
الخلاصة الأخيرة:
وفيها أهم ما توصلتْ إليه هذه الدراسة من نتائجَ، مع الأخذ بنظر الاعتبار نقطتين مهمتين:
إنَّ النتائج لا تُذكَر معها تفصيلاتها وأسبابها، ودواعي الوصول لها، فهذه أمورٌ ذُكرت مراراً في صفحات الكتاب، يعني فقط تُذكر النتيجة التي هي أشبه بعنوان (المانشيت) إنْ صح التعبير.
وكذلك تُعدُّ هذه النتائجُ جهدًا بشريًّا قابلًا للخطأ والصواب، فإنْ كانت صائبةً فالشكر والحمد لله، وإنْ خاطئة فالرجاء العذر من القارئ والدعاء من الله تعالى بالمغفرة وهو حسبنا.
النتيجة الأولى: نجح المستشرقون في إيهام عقل المتلقي الغربي، وكذلك إيهام قرَّائهم ومعتنقي أفكارهم من العالم الشرقي، العربي والإسلامي ممن يتلقفون الأفكار المستوردة والجاهزة: بأنَّ المهدي المنتظر أسطورةٌ وخرافةٌ ليس لها وجودٌ وأساسٌ أصلاً، وأنها مسألةٌ غريبةٌ عن الجسد الإسلامي لا يؤمن بها من العالم اٍلاسلامي إلا الشيعة فقط، وهذا بسبب النتيجة التالية التي استنبطتها وجاءت تباعاً.
النتيجة الثانية: وهي بحسب التتبع والاستقراء، لا يوجد أيُّ مستشرقٍ كتب عن (المهدي المنتظر) عند المسلمين من أهل السُّنّة والجماعة، وإذا يوجد أحدٌ قد كتب، فلا يتعدى ما كتبه بضعة أسطرٍ، بينما تجد العشرات - إذا لم نَقُلْ المئات - من مؤلفاتٍ أو بحوثٍ أو مؤتمراتٍ عُقدت أو دراساتٍ للمستشرقين عن المهدي المنتظر عند الشيعة ولا سيَّما الإمامية. وهذه تحتاج إلى توقُّفٍ، أحسبُ أنَّ هذا الكتاب قد أغناها وناقشها بالتفصيل وتابع آثارها.
النتيجة الثالثة: مفردة المهدي المنتظر، من الأمور الإيمانية العقائدية، لا الفرعية، ويجب الإيمان بها كالإيمان بوجود الأنبياء السابقين والإيمان بالمعاد ويوم القيامة.
النتيجة الرابعة: عقيدة (المهدي المنتظر) عقيدةٌ حية متجددةٌ ومعاصرةٌ، ويجب الإعداد والتهيؤ ليوم خروجه، على كافة المستويات والأصعدة، وهذا الوجوب بالانتظار والتهيؤ سواءً على الإيمان القائل بأنَّه بعدُ لم يولد وغيرُ موجودٍ حاليّاً، أم على الإيمان القائل بأنَّه موجودٌ الآن، مولودٌ حيٌّ غائبٌ، ومِنْ ثَمَّ هي من أهم المفردات الإيمانية العقائدية في الوقت المعاصر، التي يمكن الاصطفاف والالتفاف حولها في تقريب وجهات النظر بين المذاهب والطوائف الإسلامية، بل بين الأديان السماوية، ويمكن أنْ تدخل في حوار الأديان. وذلك بسبب النتيجة التالية.
النتيجة الخامسة: بأنَّ الأمور والمحاور والنقاط المشتركة بين المسلمين في الأطروحة المهدوية، أكثر بكثير من تلك التي يختلفون فيها، منها نقاطٌ أساسيةٌ متفقٌ عليها بين المسلمين، ومنها فرعيةٌ جزئيةٌ. وليس معنى هذا أنَّ المسلمين جميعاً يؤمنون بمصداقٍ خارجيٍّ واحدٍ مشتركٍ للمهدي المنتظر، وهذا - أي عدم الإيمان الآن بمصداقٍ خارجيٍّ واحدٍ - لا يضر بالإيمان بأصل العقيدة المهدوية وببشارة النبي الخاتم به. ولن يكون سبباً في تأجيج الخلاف بين المسلمين، بل هو عاملٌ إيجابيٌّ في تقريب اتجاهات الإسلاميين على اختلاف مذاهبهم.
النتيجة السادسة: (المهدي المنتظر) المذكور بصورةٍ عامةٍ في الأحاديث النبوية الشريفة عند المسلمين، مصداقه الأكمل والأوحد والأتم - بحسب ما توصلتْ إليه المعطيات والأدلة المَسُوقة في ثنايا هذه الوريقات - هو الإمام الثاني عشر من الأئمة التي تعتقد بها الشيعة الإمامية (محمد المهدي بن الحسن العسكري).
النتيجة السابعة: كتابات المستشرقين بهذا الكم الهائل والتنوع بالأساليب والطرق وبهذه التفصيلات المتعددة والجزئيات المتناهية، جاءت ضمن الدور الذي يلعبه المستشرقون غالباً - من حيث يعلمون أو لا يعلمون - والذي تستفيد منه الحكومات الاستعمارية والاحتلالية، عندما تريد السيطرة على إحدى بلدان الشرق الأوسط، فتستفيد من سيل المعلومات المتوافرة عند المستشرقين، لكن هذه المرة جاءت هذه المعلومات ضمن تلك المؤلفات المتعددة، قد يكون للتهيؤ لضربةٍ (عسكريةٍ) لهذا الرجل القائد المصلح الذي يعتقد به المسلمون، سوف يخرج في آخر الزمان ليقضي على الظلم والظالمين، والكفر والكافرين، ولمّا كان هو - أي المهدي المنتظر - من المسلمين فسوف يقضي على بلدان الغرب لكونها - ولو في الظاهر - تمثل الكفر في مقابل الإسلام، والمعروف أنَّ الاستعمار والاحتلالات التي حدثت في الشرق الأوسط قد أفادت من كتابات علمائهم وما نصطلح عليهم اليوم (بالمستشرقين). لقد استفاد الاستعمار منهم للتعرف على طبيعة البلدان المراد استعمارها، ومعرفة طبيعة الناس وتوجهاتهم على كافة المستويات الدينية والمذهبية والثقافية عامةً، حتى الطبيعة الجغرافية والعمرانية وتفصيلاتٍ كثيرةٍ، قبل الدخول في عملٍ عسكريٍّ عادةً، وهناك كلمةٌ مشهورةٌ قيلت في هذا المجال: أساطيل المستشرقين دائماً تسبق الأساطيل العسكرية.
النتيجة الثامنة: عقيدة المهدي المنتظر لها أصلٌ قرآنيٌّ واضحٌ، وإنْ لم يُذكر صريحاً، فيكفي فيه الآية القرآنية ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُم عَنهُ فَانتَهُوا﴾ الحشر: آية ٧، لأن مسألة المهدي المنتظر، مما أتى به الرسول.
النتيجة التاسعة: أنَّ الصراع العالمي القائم اليوم الذي تغذِّيه وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام العالمي الجديد والصهيونية العالمية، تقوم قاعدتُه الإيديولوجية على تحطيم معنويات المسلمين وتدمير ثرواتهم وأمتهم، وأنَّ عقيدة المهدي المنتظر من شأنها - إذا ما تُوجَّه الانتظارُ التوجه الصحيح الإيجابي لا الانتظار السلبي - أنْ تعطي الأمل للأمة الإسلامية وتمنحهم القوة المعنوية لمواجهة هذه المؤامرة العالمية التي أُسِّسَت على البعد الديني لتعبئة المجتمعات الغربية، ومما يؤسف له أنَّ الأمة الأسلامية تعيش تراجعاً إيمانيّاً في قضيتها العقدية، والتي تُعدُّ من قضاياها المهمة هي إعادة الثقة في نفوس المؤمنين بالإيمان بالظهور الإيماني للإمام المهدي الذي يمثل رمز التوحيد والإسلام في آخر الزمان والذي ستتحطم أمامه أعتى القوى المادية من الصليبية والصهيونية العالمية، وإنَّ غداً لناظره قريبٌ. ﴿إِنَّ مَوعِدَهُمُ الصُّبحُ أَلَيسَ الصُّبحُ بِقَرِيب﴾ (هود: ٨١).
تمَّ الكتاب ﴿وَمَا تَوفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ﴾ (هود: ٨٨).

قائمة المصادر والمراجع

كتب أهل الشرائع السماوية والأديان والمِلَل.
القرآن الكريم
الكتاب المقدس: كتب ورسائل وأسفار العهدين القديم والجديد (الإنجيل، التوراة).
الدامابادا، كتاب بوذا المقدس، ترجمة: سعدي يوسف، دار تكوين للتأليف والترجمة والنشر، دمشق - سوريا، الطبعة الأولى، ٢٠١٠م.
أفِستا، الكتاب المقدس للديانة الزرادشتية، إعداد: د. خليل عبد الرحمن، الناشر: روافد للثقافة والفنون، سوريا - دمشق، الطبعة الثانية، ٢٠٠٨م.
المصادر والمراجع العربية
الآبري، محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم، أبو الحسن السجستاني.
مناقب الإمام الشافعي، تحقيق: د. جمال عزون، الناشر: الدار الأثرية، الطبعة الأولى ١٤٣٠هـ- ٢٠٠٩م.
الأبطحي، السيد محمد علي الموحد.
تهذيب المقال في تنقيح كتاب الرجال للشيخ الجليل أبي العباس أحمد بن علي النجاشي، الناشر: ابن المؤلف السيد محمد - قم المقدسة، الطبعة الثانية - مصححة قم المقدسة ١٤١٧ه.
أبو ليلة، د. محمد محمد.
كتاب محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) بين الحقيقة والافتراء، دار النشر للجامعات، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ه - ١٩٩٩م.
أبو داود: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو، السجستاني الأزدي المعروف بأبي داود، (٢٧٥ه).
سنن أبي داود، تحقيق: شعَيب الأرنؤوط - محَمَّد كامِل قره بللي، دار الرسالة العالمية، بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٣٠ هـ- ٢٠٠٩.
أبو يعلى، أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي.
مسند أبي يعلى، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث، دمشق - سورية، الطبعة الأولى - ١٩٨٤م.
الأشعري القمّي، أبو خلف سعد بن عبد الله (المتوفى ٢٩٩ه).
كتاب المقالات والفرق، صححه وقدم له وعلّق عليه: د. محمد جواد مشكور، منشورات: مركز انتشار علمي فرهنكي - إيران، الطبعة والسنة: بلا.
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني.
موسوعة العلامة محمد ناصر الدين الألباني، موسوعةٌ تحتوي على أكثر من (٥٠) عملاً ودراسةً حول العلامة الألباني وتراثه الخالد، صَنَعَهُ: شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، الناشر: مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، صنعاء - اليمن، الطبعة الأولى، ١٤٣١ هـ- ٢٠١٠ م.
ضعيف سنن الترمذي، أشرف على استخراجه وطباعته والتعليق عليه وفهرسته زهير الشاويش بتكليف من مكتب التربية العربي لدول الخليج الرياض، المكتب الاسلامي - بيروت، الطبعة الأولى - ١٩٩١م.
سلسلةُ الأحاديث الصحيحة وشيءٌ من فقهها وفوائدها، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، عام النشر: جزء ١ إلى ٤: ١٤١٥ه - ١٩٩٥م جزء ٦: ١٤١٦ه - ١٩٩٦م. جزء ٧: ١٤٢٢ه - ٢٠٠٢م.
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السّيِّئ في الأمة، الناشر: دار المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ه - ١٩٩٢م.
الأصبهاني: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ه).
حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الرابعة، ١٤٠٥ه.
تاريخ أصبهان = أخبار أصبهان، تحقيق: سيد كسروي حسن، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤١٠ هـ- ١٩٩٠م.
الأربعون حديثاً في المهديّ: من إخراج وتحقيق: أبي يعلى البيضاوي، مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار الثاني.
الإربلي، أبو الحسن علي بن عيسى، أبو الفتح الإربلي.
كشف الغمة في معرفة الأئمة، الناشر: مركز الطباعة والنشر للمجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام) - دار التعارف، بيروت - لبنان، ١٤٣٣ه - ٢٠١٢م.
الآلوسي، شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني (المتوفى: ١٢٧٠ه).
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية - بيروت، ط١، ١٤١٥ ه.
الإيرواني، محمد باقر (معاصر).
الإمام المهدي (عليه السلام) بين التواتر وحساب الاحتمال، مركز الأبحاث العقائدية، إيران - قم المقدسة، الطبعة الاولى - سنة ١٤٢٠ ه.
الإيماني، مهدي الفقيه.
كتاب الإمام المهدي (عليه السلام) عند أهل السنة، الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام)، دار التعارف، الطبعة الثالثة، ٢٠١٠م.
باقر، طه.
مقدمةٌ في تاريخ الحضارات القديمة، دار الوراق للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد - شارع المتنبي، الطبعة الأولى، ٢٠١١م.
بدوي، عبد الرحمن.
مناهج البحث العلمي، الناشر: وكالة المطبوعات، الكويت - شارع فهد السالم، الطبعة الثالثة، ١٩٧٧م.
البخاري: محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الجعفي. (ت ٢٥٦ه).
الجامع الصحيح المختصر، المعروف بصحيح البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر: دار طوق النجاة (مصورةٌ عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ه.
ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: ٦٣٠ه)
الكامل في التاريخ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧هـ/ ١٩٩٧م.
ابن الأثير، مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الكريم الشيباني الجزري، (المتوفى: ٦٠٦ه).
جامع الأصول في أحاديث الرسول، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - التتمة تحقيق بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، الطبعة الأولى، السنة: بلا.
النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: طاهر أحمد الزاوى - محمود محمد الطناحي، الناشر: المكتبة العلمية - بيروت، ١٣٩٩هـ- ١٩٧٩م.
البغدادي: أبو بكر أحمد بن علي بْن ثابت بْن أَحْمَد بْن مهدي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ه).
تاريخ بغداد، تحقيق: الدكتور بشار عواد معروف، الناشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ- ٢٠٠٢م.
البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء. المتوفى ٥١٦ ه
معالم التنزيل، حققه وخرج أحاديثه: محمد عبد الله النمر - عثمان جمعة ضميرية - سليمان مسلم الحرش، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧م.
مصابيح السنة، تحقيق: الدكتور يوسف عبد الرحمن المرعشلي - محمد سليم إبراهيم سمارة - جمال حمدي الذهبي، دَار المعرفَة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠٧هـ- ١٩٨٧م.
شرح السنة، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - محمد زهير الشاويش، الناشر: المكتب الإسلامي - دمشق، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣هـ- ١٩٨٣م.
ابن أبي حاتم: عبد الرحمن بن محمد أبي حاتم ابن إدريس بن المنذر التميمي الحنظلي (ت ٣٢٧ ه).
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن أبي حاتم) تحقيق: أسعد محمد الطيب، الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ ه.
ابن أبي شيبة، أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي العبسي (ت ٢٣٥ه).
المصنف في الأحاديث والآثار، المعروف بمصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩ه.
ابن بابويه القمي، المحدث أبو الحسن علي بن الحسين (المتوفى ٣٢٩ ه‍) والد الشيخ الصدوق.
الإمامة والتبصرة من الحيرة، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) - قم المقدسة، الناشر: مدرسة الإمام المهدي (عليه السلام) - قم المقدسة، الطبعة: الأولى١٤٠٤ه.
ابن تيمية، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ه).
منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، تحقيق: محمد رشاد سالم، الناشر: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦ هـ- ١٩٨٦ م.
ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد (المتوفى: ٥٩٧ه).
زاد المسير في علم التفسير، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤٢٢ ه.
ابن الجوزي، يوسف بن فرغلي بن عبد الله البغدادي، سبط الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي الحنفي، المعروف العلامة سبط الجوزي (٦٥٤ ه).
تذكرة الخواص، المعروف بتذكرة خواص الأمة في خصائص الأئمة، تحقيق ودراسة: الدكتور عامر النجار، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة قناة السويس، الناشر: مكتبة الثقافة الدينية، الطبعة الأولى ١٤٢٩ هـ- ٢٠٠٨ م.
ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد بن حبان أبو حاتم البستي السجستاني (ت٣٥٤ه).
صحيح ابن حبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة - بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - ١٩٨٨م.
ابن حنبل، أحمد: أبو عبد الله بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني. (ت ٢٤١ه).
مسند أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ه - ٢٠٠١م.
ابن حماد، أبو عبد الله نعيم بن حماد بن معاوية بن الحارث الخزاعي المروزي. (ت: ٢٢٨ه)
كتاب الفتن تحقيق: سمير أمين الزهيري، الناشر: مكتبة التوحيد، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى، ١٤١٢ه.
ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد بن محمد، ولي الدين الحضرمي الإشبيلي. (ت ٨٠٨ه).
مقدمة ابن خلدون، وهي مقدمة تاريخه المسمى بـ(كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر) تحقيق كتاب مقدمة ابن خلدون: عبد الله محمد الدرويش، دار يعرب، دمشق - سورية، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٤م.
ابن خلكان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر البرمكي الإربلي (المتوفى: ٦٨١ه)
وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان تحقيق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر - بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٩٧١م.
ابن الصباغ، علي بن محمد بن أحمد المالكي المكي الحنفي (ت ٨٥٥ه).
الفصول المهمة في معرفة الأئمة، تحقيق وتعليق: سامي الغريري، دار الحديث للطباعة والنشر، قم - إيران، الطبعة الأولى، ١٤٢٢ه.
ابن الصلاح، تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن أبو عمرو، المعروف بابن الصلاح. (ت: ٦٤٣ه).
معرفة أنواع علوم الحديث، ويُعرف بمقدمة ابن الصلاح، تحقيق: نور الدين عتر، الناشر: دار الفكر - سوريا، دار الفكر المعاصر - بيروت - لبنان، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
ابن طولون، شمس الدين محمد الحنفي الدمشقي، مؤرخ دمشق (ت ٩٥٣ه).
الشذرات الذهبية في تراجم الأئمة الاثني عشر عند الإمامية، تحقيق: صلاح الدين المنجد، منشورات الرضى، قم - إيران، الطبعة والسنة: بلا.
ابن فارس، أحمد أبو الحسين بن زكريا القزويني الرازي (ت ٣٩٥ه).
معجم مقاييس اللغة، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، ١٩٧٩م.
ابن قيم الجوزية محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين (المتوفى: ٧٥١ه)
المنار المنيف في الصحيح والضعيف، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتبة المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة: الأولى، ١٣٩٠هـ- ١٩٧٠م.
البستوي، عبد العليم عبد العظيم، (معاصر).
المهدي المنتظر في ضوء الأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء وآراء الفرق المختلفة، المكتبة المكية، مكة المكرمة - السعودية، دار ابن حزم للطباعة، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٩٩٩م.
البرزنجي، محمد بن رسول، البرزنجي الحسيني (ت ١١٠٣ه).
الإشاعة لأشراط الساعة، تعليق: العلامة محمد زكريا الكاندهلوي، قابله واعتنى به: حسين محمد علي شكري، دار المنهاج للنشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، ٢٠٠٥م.
ابن شاهين، أبو حفص عمر بن أحمد البغدادي المعروف بابن شاهين، (المتوفى: ٣٨٥ه).
تاريخ أسماء الثقات، صبحي السامرائي، الناشر: الدار السلفية - الكويت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤ - ١٩٨٤م.
ابن عادل، أبو حفص عمر بن على الدمشقي الحنبلي (المتوفى بعد سنة ٨٨٠ ه).
تفسير اللباب لابن عادل، دار النشر / دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة والسنة: بلا. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة الإصدار العاشر.
ابن قتيبة، أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (المتوفى: ٢٧٦ه).
غريب القرآن لابن قتيبة، المحقق: سعيد اللحام، من إعداد المكتبة الشاملة نسخة الإصدار العاشر.
ابن كثير: أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (ت ٧٧٤ ه).
تفسير بن كثير: تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر - بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٩٩م.
البداية والنهاية، تحقيق: علي شيري، الناشر: دار إحياء التراث العربي الطبعة: الأولى ١٤٠٨، هـ- ١٩٨٨ م.
ابن ماجه: أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٣ه).
سنن ابن ماجه، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ه - ٢٠٠٩م.
ابن منظور: محمد بن مكرم بن منظور الإفريقي المصري (ت٧١١ ه).
لسان العرب، دار صادر، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة - ١٤١٤ه.
ابن عنبة، النسابة الشهير السيد جمال الدين أحمد بن علي الحسنى، المعروف بابن عنبة (المتوفى سنة ٨٢٨ ه).
عمدة الطالب في نسب آل أبي طالب، تحقيق: محمد حسن آل الطالقاني، الناشر: منشورات المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، الطبعة: الثانية، ١٣٨٠ه١٩٦١م.
البهبودي، الشيخ محمد الباقر. (١٩٢٩ - ٢٠١٥م)
صحيح الكافي، الدار الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٠١ه - ١٩٨١م.
البوصيري، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن سليم بن قايماز بن عثمان الكناني الشافعي (المتوفى: ٨٤٠ه).
إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، تقديم: الشيخ الدكتور أحمد معبد عبد الكريم، تحقيق: دار المشكاة للبحث العلمي بإشراف أبو تميم ياسر بن إبراهيم، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض - السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ- ١٩٩٩ م.
مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، تحقيق: محمد المنتقى الكشناوي، الناشر: دار العربية - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٣ ه.
أبو حيان، محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥ه)
البحر المحيط في التفسير، المحقق: صدقي محمد جميل، الناشر: دار الفكر - بيروت، الطبعة: بلا، ١٤٢٠ ه.
أبو الفيض الغُمَارِي، أحمد بن الصدِّيق (المتوفى ١٣٨٠ ه)
إبراز الوهم المكنون من كلام ابن خلدون، مطبعة الترقي، دمشق - الشام، ١٣٤٧ه.
الأبياري، إبراهيم بن إسماعيل (المتوفى: ١٤١٤ه).
الموسوعة القرآنية، الناشر: مؤسسة سجل العرب، الطبعة: بلا، ١٤٠٥ه.
التبريزي، محمد بن عبد الله الخطيب العمري، أبو عبد الله، (المتوفى: ٧٤١ه).
مشكاة المصابيح، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة: الثالثة، ١٩٨٥م.
التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله. (ت ٧٩٣ ه)
شرح المقاصد في علم الكلام، الناشر: دار المعارف النعمانية، باكستان، الطبعة: بلا، ١٤٠١هـ- ١٩٨١م.
التويجري، حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن (المتوفى: ١٤١٣ه).
إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة، الناشر: دار الصميعي للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية، ١٤١٤ ه.
الاحتجَاج بالأثر على من أنكر المهدي المنتظر، الناشر: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٠٣ هـ- ١٩٨٣ م.
فؤاد، د. عبد المنعم، معاصرٌ.
من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية في الإسلام، مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى الخاصة بمكتبة العبيكان، ٢٠٠١م.
الشافعي، كمال الدين محمد بن طلحة بن محمد بن الحسن القرشي العدوي النصيبي الشافعي (ت ٦٥٢ه).
مطالب السؤول في مناقب آل الرسول، مؤسسة البلاغ، الطبعة والسنة: بلا. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة الإصدار الثاني.
الشافعي السلمي، يوسف بن يحيى المقدسي (ت بعد ٦٥٨ه).
عقد الدرر في أخبار المنتظر، حققه وراجع نصوصه وعلق عليه وخرّج أحاديثه: الشيخ مهيب بن صالح بن عبد الرحمن البوريني، مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن، الطبعة الثانية، ١٤١٠ه - ١٩٨٩م.
الشافعيّ الگنجيّ، أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمد القرشي (ت ٦٥٨ه).
البيان في أخبار صاحب الزمان (عليه السلام). يُذكر أنَّ هذا الكتاب مجموعٌ مع كتاب (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) للمؤلفِ نفسِه، تحقيق: الدكتور الشيخ: محمد هادي الأميني، الناشر: دار إحياء تراث أهل البيت، طهران - إيران، الطبعة الثالثة، ١٤٠٤ه.
البيضاوي: ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي البيضاوي (ت ٦٨٥ه).
أنوار التنزيل وأسرار التأويل، المعروف ب(تفسير البيضاوي) تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٨ ه.
البيهقي: علي أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر (المتوفى: ٤٥٨ه).
السنن الكبرى، تحقيق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ- ٢٠٠٣ م.
الترمذي، أبو عيسى محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك (المتوفى ٢٧٩ه).
سنن الترمذي، الجامع الصحيح، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، نشر مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، ١٣٩٥ه - ١٩٧٥م.
الثعلبي: أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (ت ٤٢٧ه).
الكشف والبيان عن تفسير القرآن تحقيق: أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق: الأستاذ نظير الساعدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - ٢٠٠٢م.
الجرجاني: عبد الله بن عدي بن عبد الله بن محمد أبو أحمد، (ت ٣٦٥ ه).
الكامل في ضعفاء الرجال، تحقيق: يحيى مختار غزاوي، دار الفكر - بيروت، الطبعة الثالثة - ١٩٨٨م.
الجصاص: أحمد بن علي المكنى بأبي بكر الرازي الجصاص الحنفي (ت ٣٧٠ه)
أحكام القرآن، تحقيق: عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الأولى - ١٩٩٤م.
الحاكم: أبو عبد الله الحاكم محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه بن نُعيم بن الحكم الضبي الطهماني النيسابوري. (ت ٤٠٥ه).
المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١١ه - ١٩٩٠م.
سؤالات مسعود بن علي السجزي للحاكم، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، دار النشر: دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٨ه، ١٩٨٨م
الحسيني المدني، ضامن بن شدقم، (كان حيّاً سنة ١٠٩٠ه).
مختصر تحفة الأزهار وزلال الأنهار في نسب أبناء الأئمة الأطهار، مكتبة جل المعرفة، الرياض - السعودية، مكتبة التوبة، الرياض - السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ه - ٢٠٠٥م.
الحلي، يوسف كركوش. (المتوفى ١٩٩٠م)
 تاريخ الحلة، الناشر: محمد صادق الكُتبي، المطبعة الحيدرية - النجف الأشرف، ١٣٨٥ه - ١٩٦٥م.
الحنبلي، عبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري، أبو الفلاح (المتوفى: ١٠٨٩ه).
شذرات الذهب في أخبار من ذهب، حققه: محمود الأرنؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرنؤوط، الناشر: دار ابن كثير، دمشق - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦ م.
الخازن، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي الشهير بالخازن (المتوفى ٧٤١ه)
تفسير الخازن المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل، دار النشر: دار الفكر - بيروت - لبنان، ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩م.
الخصيبى، أبو عبد الله الحسين بن حمدان (المتوفى ٣٣٤ه).
الهداية الكبرى، مؤسسة البلاغ للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الرابعة ١٤١١ ه‍ - ١٩٩١ م.
الخزاز، أبو القاسم على بن محمد بن علي القمي الرازي (من علماء القرن الرابع).
كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر، حققه العلم الحجة: السيد عبد اللطيف الحسيني الكوه كمري الخوئى الناشر: انتشارات بيدار مطبعة الخيام - مدينة قم - ١٤٠١ ه.
الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي (ت ١٤١٣ه).
معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، الطبعة الخامسة، طبعةٌ منقحةٌ ومَزِيدة، السنة: ١٤١٣ ه - ١٩٩٢ م.
الداني، عثمان بن سعيد بن عثمان بن عمر أبو عمرو (المتوفى: ٤٤٤ه).
السنن الواردة في الفتن وغوائلها والساعة وأشراطها، تحقيق: د. رضاء الله بن محمد إدريس المباركفوري، الناشر: دار العاصمة - الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٦م.
الداماد، المير محمد باقر الحسيني. (المتوفى ١٠٤١ه)
الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية، منشورات مكتبه آية الله العظمى المرعشى، قم المقدسة - إيران ١٤٠٥ه.
الدروبي، الشيخ محمد غازي.
كتاب كلمات القرآن، وهو من الطلاب القدامى للشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني عندما كان في دمشق. واعتمد في تفسير كلمات القرآن على الأحاديث الصحيحة على وفق منهج أهل السنة والجماعة. إعداد: المكتبة الشاملة. نسخة الإصدار العاشر.
الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ت ٧٤٨ه).
تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام التدمري، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤١٣ هـ- ١٩٩٣ م.
تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - ١٩٩٨م.
سِير أعلام النبلاء، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف شعيب الأرنؤوط، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الثالثة، ١٤٠٥ه - ١٩٨٥م.
الرازي: أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الملقب بفخر الدين (ت٦٠٦ه).
تفسير مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤٢٠ه.
الراوندي: هو أبو الحسين، وقيل أبو الحسن قطب الدين سعيد بن عبد الله بن الحسين بن هبة الله بن الحسن بن عيسى الراوندي الكاشاني، المشهور بقطب الدين الراوندي (ت ٥٧٣ ه).
الزَّبيدي: محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، مرتضى، الزبيدي (ت ١٢٠٥ه).
تاج العروس من جواهر القاموس، تحقيق: مجموعة من المحققين، دار الفكر - بيروت دار الهداية، الطبعة: الأولى، ١٤١٤ه.
الزركلي: خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس، الدمشقي (ت ١٣٩٦ ه).
الأعلام، قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان الطبعة الخامسة عشر، أيار - ٢٠٠٢م.
الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، جار الله. (ت ٥٣٨ه).
الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة - ١٤٠٧ه.
الساعدي، د. نور مهدي كاظم (معاصرةٌ).
وراثة الأرض في القرآن الكريم والكتب السماوية، طبع مركز الدراسات التخصّصية في الإمام المهدي (عليه السلام)، النجف - العراق، الطبعة الأولى: ١٤٣٤ ه.
سالم، د. الحاج ساسي. (المتوفى ٢٦ /٥/ ١٩٩٨م)
نقد الخطاب الاستشراقي، دار المداد الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - ٢٠٠٢م.
السخاوي، شمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد (المتوفى: ٩٠٢ه).
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي، تحقيق: علي حسين علي، الناشر: مكتبة السنة - مصر، الطبعة: الأولى، ١٤٢٤هـ- ٢٠٠٣م.
السقا، د. أحمد حجازي أحمد علي.
نقد التوراة، الناشر: مكتبة النافذة، الجيزة - مصر، الطبعة والسنة: بلا.
السمرقندي المدني، العلامة النسَّابة محمد بن الحسين بن عبد الله الحسيني السمرقندي (ت ٩٩٦ه).
تحفة الطالب في معرفة من ينتسب إلى عبد الله وأبي طالب، تحقيق: الشريف أنس الكتبي الحسني، منشورات الخزانة الكتبية الحسنية الخاصة، الطبعة والسنة: بلا.
السمين الحلبي، أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي (المتوفى: ٧٥٦ه).
الدُّر المصون في علوم الكتاب المكنون، تحقيق: أحمد محمد الخراط، الناشر: دار القلم، السنة: بلا.
السيوطي: جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت ٩١١ ه).
تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق: أبو قتيبة نظر محمد الفاريابي، دار طيبة للنشر والتوزيع بالرياض، السنة: بلا.
جامع الأحاديث صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته. مع الكتاب: أحكام محمد ناصر الدين الألباني، هذا الكتاب الإلكتروني، يمثل جميع أحاديث الجامع الصغير وزيادته للسيوطي، مع حكم الشيخ ناصر من صحيح أو ضعيف الجامع الصغير، وهو متنٌ مرتبطٌ بشرحه، من فيض القدير للمناوي، الكتاب مرقم آليا، فهو - بهذا الترتيب - إلكتروني فقط، لا يوجد مطبوعاً.
الدُّر المنثور، دار الفكر - بيروت - لبنان، الطبعة: بلا، ١٤٠٣ه.
العرف الوردي في أخبار المهدي، تحقيق: أبي يعلى البيضاوي، الدار البيضاء ١٦ صفر ١٤٢٦ه.
الإكليل في استنباط التنزيل، تحقيق: سيف الدين عبد القادر الكاتب، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت ١٤٠١ هـ- ١٩٨١ م.
الشايب، أحمد، أستاذ بجامعة القاهرة سابقاً.
أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة: العاشرة، ١٩٩٤م.
الشبلنجي، مؤمن بن حسن بن مؤمن (ت ١٢٩١ه).
نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، قدم له: دكتور عبد العزيز سالمان، المكتبة التوفيقية، مصر - أمام الباب الأخضر - سيدنا الحسين، الطبعة والسنة: بلا.
الشربيني الخطيب، محمد بن أحمد شمس الدين.
تفسير السراج المنير، دار الكتب العلمية - بيروت - لبنان، الطبعة والسنة: بلا.
الشريف الرضي: أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) (ت ٤٠٦ ه).
نهج البلاغة: وهو مجموع ما اختاره الشريف الرضي من كلام وخطب سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، شرح الأستاذ الشيخ محمد عبده: تحقيق: الشيخ فارس الحسّون، مركز الأبحاث العقائدية، إيران - قم المقدسة، العراق - النجف الأشرف، المطبعة: ستارة، الطبعة الأولى، ١٤١٩ ه.
الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد (المتوفى: ٥٤٨ه).
الملل والنحل، تحقيق: محمد سيد كيلاني، الناشر: دار المعرفة - بيروت - لبنان، الطبعة: بلا، ١٤٠٤ه.
الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله اليمني (المتوفى: ١٢٥٠ه)
فتح القدير، الناشر: دار ابن كثير، ودار الكلم الطيب - دمشق، بيروت الطبعة الأولى، ١٤١٤ه.
الشيرازي، السيد صادق الحسيني.
المهدي (عليه السلام) في القرآن والسنة، دار الأمين بيروت - لبنان الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م.
الشيرازي: ناصر بن محمد كريم بن محمد باقر مكارم (١٣٤٥ هـ، شيراز معاصر).
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، دار الأميرة للطباعة والنشر - بيروت، الطبعة الثانية - ٢٠٠٩م.
الصالح، د. صبحي إبراهيم (المتوفى: ١٤٠٧ه)
علوم الحديث ومصطلحه، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، الطبعة: الخامسة عشر، ١٩٨٤ م.
الصدر: محمد باقر بن السيد حيدر. (ت ١٩٨٠م).
الأسس المنطقية للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ط٥ - ١٩٨٦م.
دروس في علم الأصول، الناشر: دار الكتاب اللبناني - بيروت - لبنان، مكتبة المدرسة، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٦هـ- ١٩٨٦م.
الصدر: السيد محمد بن محمد صادق بن محمد مهدي بن إسماعيل. (المتوفى: ١٩٩٠م)
موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام) مركز بني الزهراء عليها السلام للطباعة والنشر، إيران - قم المقدسة، الطبعة: الثانية، ١٤٢٧ه.
الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه القمي، (ت ٣٨١ه).
كتاب الخصال، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات، جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة، سنة الطبع: بلا.
كمال الدين وتمام النعمة تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، المطبعة: بلا، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، محرم الحرام ١٤٠٥ه.
عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، صححه وقدم له وعلق عليه: العلامة الشيخ حسين الأعلمي، منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى ١٤٠٤ه - ١٩٨٤م.
الصفار، الثقة الجليل والمحدث شيخ القميين أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ من أصحاب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) (المتوفى ٢٩٠ه).
بصائر الدرجات في فضائل آل محمد (عليهم السلام)، مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار الثاني.
الصفدي، صلاح الدين خليل، بن أيبك بن عبد الله الصفدي (المتوفى: ٧٦٤ه).
الوافي بالوفيات، تحقيق: أحمد الأرنؤوط وتركي مصطفى، الناشر: دار إحياء التراث - بيروت، عام النشر:١٤٢٠هـ- ٢٠٠٠م.
الصغير: د. محمد حسين علي، أستاذ الدراسات القرآنية في جامعة الكوفة. (معاصر)
المستشرقون والدراسات القرآنية، دار المؤرخ العربي، بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٩م.
الصنعاني: أبو بكر عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري اليماني الصنعاني.
المصنف، المعروف بمصنف عبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الناشر: المجلس العلمي - الهند، يطلب من: المكتب الإسلامي - بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ١٤٠٣ه.
الطباطبائي: محمد حسين، (ت ١٤٠٢ه).
الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت، ط١، ١٩٩٧م.
القرآن في الإسلام، مؤسسة المحبين للطباعة والنشر، الطبعة الأولى - ٢٠٠٤م.
الطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي (المتوفى: ٣٦٠ه).
المعجم الأوسط، تحقيق: جمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة - مصر، الطبعة الثانية، السنة: بلا.
المعجم الكبير، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، السنة: بلا.
الطبرسي: أبو علي الفضل بن الحسن بن الفضل (ت ٥٤٨ ه).
إِعلامُ الوَرى بأعلام الهُدى، تحقيق: مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار الثاني.
مجمع البيان في تفسير القرآن، دار العلوم، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠٠٥م.
الطبري: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر (ت ٣١٠ه).
جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى - ٢٠٠٠م.
الطحاوي: أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي المصري المعروف بالطحاوي (ت ٣٢١ه).
شرح العقيدة الطحاوية، شرحها: الفوزان، صالح بن فوزان بن عبد الله، الناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع - الرياض، السنة: بلا.
الطوسي: أبو جعفر محمد بن الحسن الملقب بشيخ الطائفة. (ت٤٠٦ه)
التبيان في تفسير القرآن، تحقيق: أحمد حبيب قصير العاملي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى - ١٤٠٩ه.
كتاب الغَيْبة، تحقيق: الشيخ عبد الله الطهراني - الشيخ علي أحمد ناصح، مؤسسة
المعارف الاسلامية الطبعة المحققة الأولى، قم المقدسة - إيران ١٤١١ه.
العاملي، الفقيه المحدث الأديب الشيخ حسين بن عبد الصمد (ت ٩٨٤ه).
وصول الأخيار الى أصول الأخبار، تحقيق: السيد عبد اللطيف الكوهكمري نشر: مجمع الذخائر الإسلامية، مطبعة الخيام، قم - إيران ١٠٤١ه.
عبد النور، جبور (١٩١٣م - معاصر).
المعجم الادبي، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية - ١٩٨٤م.
العثيمين: محمد بن صالح بن محمد العثيمين. (معاصرٌ)
شرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، الناشر: دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ ه.
مصطلح الحديث، مكتبة العلم، القاهرة - مصر الطبعة الأولى ١٩٩٤م.
العسقلاني: أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر الشافعي (ت ٨٥٢ ه).
تهذيب التهذيب، مطبعة دائرة المعارف النظامية - الهند، الطبعة الأولى - ١٣٢٦ه.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، رقّم كتبه وأبوابه وأحاديثه: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار المعرفة، بيروت - لبنان، ١٣٧٩ه.
العَسْكرِيُّ، أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيْمُ بنُ حَرْبٍ، السِّمْسَارُ (المتوفى: بعد ٢٨٢ه)
مسند أبي هريرة، تحقيق: عامر حسن صبري، الناشر: دار البشائر الإسلامية، الطبعة: الأولى ١٤٢٧ هـ- ٢٠٠٦ م.
العصامي المكي، عبد الملك بن حسين بن عبد الملك (المتوفى: ١١١١ه)
سمط النجوم العوالي في أنباء الأوائل والتوالي، تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود - علي محمد معوض، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ- ١٩٩٨ م.
العقيلي، أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد العقيلي المكي (المتوفى: ٣٢٢ه)
الضعفاء الكبير، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشر: دار المكتبة العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٤هـ- ١٩٨٤م.
عمرو، يوسف محمد.
المسيح الموعود والمهدي المنتظر، دار المؤرخ العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ه - ٢٠٠٠م.
العيني، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابي الحنفي (المتوفى: ٨٥٥ه).
عمدة القاري شرح صحيح البخاري، الناشر: دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، السنة: بلا.
الكتبي الحسني، النسابة الشريف أنس يعقوب الكتبي الحسني.
الأصول في ذرية البضعة البتول، منشورات الخزانة الكتبية الحسنية الخاصة، الناشر: دار المجتبى للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ه - ١٩٩٩م.
الفهداوي، الشيخ عمار. (معاصرٌ)
المعتبر من بحار الأنوار، على وفق نظريات الشيخ محمد آصف محسني، إشراف ومراجعة: الشيخ حيدر حب الله، دار المحجة البيضاء، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٣٧ه - ٢٠١٦م.
فوزي، فاروق عمر.
الاستشراق والتاريخ الاسلامي، الأهلية للنشر والتوزيع، عمان - الأردن، الطبعة: الأولى، ١٩٩٨م.
القرماني، أحمد بين يوسف، (ت١٠١٩ه).
أخبار الدول وآثار الأُول في التاريخ، دراسة وتحقيق: د. فهمي سعد - د. أحمد حطيط، دار عالم الكتب، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤١٢ه - ١٩٩٢م.
القرطبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري شمس الدين القرطبي (المتوفى: ٦٧١ه).
تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن، تح: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة الأولى، ١٩٦٤ م.
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة، تحقيق ودراسة: الدكتور: الصادق بن محمد بن إبراهيم، الناشر: مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤٢٥ ه.
القشيري، أبو علي محمد بن سعيد بن عبد الرحمن (المتوفى: ٣٣٤ه)
تاريخ الرقة ومن نزلها من أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) والتابعين والفقهاء والمحدثين، تحقيق: إبراهيم صالح الناشر: دار البشائر، الطبعة الأولى، ١٤١٩ه - ١٩٩٨م.
القضاعي: أبو عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي المصري (ت٤٥٤ه).
مسند الشهاب، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية - ١٩٨٦م.
القمّي: أبي الحسن علي بن إبراهيم، (من أعلام القرنين ٣ - ٤ ه‍)
تفسير القمي، تصحيح السيّد طيب الموسوي الجزائري، طبعة قم، ١٤٠٤ ه. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار الثاني.
القندوزي، سليمان بن إبراهيم الحنفي. (المتوفى: ١٢٩٤ه)
ينابيع المودة لذوي القربى، تحقيق: سيد علي جمال أشرف الحسيني الناشر: دار الأسوة للطباعة والنشر، الطبعة الأولى: ١٤١٦ ه‍.
القنوجي، محمد صديق حسن البخاري (ت ١٣٠٧ه).
الإذاعة لما كان وما يكون بين يدي الساعة، نشر المكتبة العلمية بالمدينة، مطبعة المدني، القاهرة، ١٣٩١هـ- ١٩٧١م.
الكتاني، أبو عبد الله محمد بن أبي الفيض جعفر بن إدريس الحسني الإدريسي (المتوفى: ١٣٤٥ه).
نظم المتناثر من الحديث المتواتر، تحقيق: شرف حجازي، الناشر: دار الكتب السلفية - مصر، الطبعة: الثانية المصححة ذات الفهارس العلمية. السنة: بلا.
الكليني، ثقة الاسلام أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق (ت ٣٢٩ ه).
الأصول من الكافي، منشورات الفجر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٧م.
الماحوزي الشيخ أحمد (معاصر).
ولادة القائم المهدي بالروايات الصحيحة الصريحة، تحرير: السيد مصطفى المزيدي، مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عليه السلام) - النجف الأشرف، الطبعة والسنة: بلا.
أربعون حديثاً معتبراً في النص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم، حرره وأعده للطباعة: جاسم بو كنان، الناشر: مدينة العلم - مدينة قم، ٢٠٠٨م.
النصوص على أهل الخصوص بالروايات المتواترة والمستفيضة والمعتبرة، الناشر: فاروس، دار زين العابدين، إيران - قم، الطبعة الأولى، ١٣٩٣ه.
المتقي الهندي: علاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي البرهان فوري ثم المدني فالمكي الشهير بالمتقي الهندي (المتوفى: ٩٧٥ه).
كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني - صفوة السقا، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الخامسة، ١٤٠١ه/١٩٨١م
محسني، الشيخ محمد آصف.
 معجم الأحاديث المعتبرة، دار النشر الأديان، الطبعة الثانية، قم - إيران ١٤٣٧ه - ٢٠١٦م.
المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، (ت ١١١٠ه).
بحار الانوار الجامعة لدرر أخبار الائمة الاطهار، مؤسسة الوفاء، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية،١٩٨٣م.
مركز الرسالة.
المهدي المنتظر في الفكر الإسلامي، الناشر: مركز الرسالة، قم - إيران، المطبعة: مهر - مدينة قم، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: ١٤١٧ه.
المزيني، خالد بن سليمان.
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة دراسة الأسباب رواية ودراية، الناشر: دار ابن الجوزي، الدمام - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ- ٢٠٠٦ م.
المزّي، يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي (المتوفى: ٧٤٢ه).
تهذيب الكمال في أسماء الرجال، تحقيق: د. بشار عواد معروف، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٠٠ - ١٩٨٠م.
مسلم، بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري (ت ٢٦١ه).
صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، السنة: بلا.
المظفر: محمد رضا (ت ١٣٨٣ ه).
المقرر في توضيح منطق المظفر مع متن منطق المظفر، السيد رائد الحيدري. الناشر: مؤسسة التاريخ العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م.
المقدسي الحنبلي، مرعي بن يوسف، من علماء القرن الحادي عشر الهجري.
فرائد فوائد الفكر في الإمام المهدي المنتظر، تحقيق: سامي الغريري، مؤسسة دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الأولى ٢٠٠٣م.
المقدم، محمد بن أحمد إسماعيل. (معاصرٌ).
 كتاب المهدي، الدار العالمية للنشر والتوزيع، الإسكندرية - مصر، الطبعة الحادية عشر، ١٤٢٩هـ- ٢٠٠٨م.
المناوي: زين الدين محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (ت ١٠٣٠ه).
فيض القدير شرح الجامع الصغير، الناشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر، الطبعة: الأولى، ١٣٥٦ ه.
مهدي، فالح.
البحث عن منقذٍ، دراسةٌ مقارنةٌ بين ثماني دياناتٍ، دار ابن الرشد، الطبعة الأولى، ١٩٨١م.
ناجي، د. عبد الجبار، (معاصرٌ).
الاستشراق في التاريخ، المركز الأكاديمي للأبحاث، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، ٢٠١٣م.
التشيع والاستشراق، منشورات الجمل، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠١١م.
الناصري، محمد أمير. (معاصر)
الإمام المهدي في الأحاديث المشتركة بين السنة والشيعة، إشراف: الشيخ محمد علي التسخيري، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، الطبعة الثانية، ٢٠٠٧م.
ناصف الشيخ منصور علي من علماء الأزهر الشريف.
التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، دار الجيل، بيروت - لبنان، الطبعة: بلا.
النحّاس، أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي (المتوفى: ٣٣٨ه).
معاني القرآن، تحقيق: محمد علي الصابوني، الناشر: جامعة أم القرى - مكة المرمة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٩.
إعراب القرآن، وضع حواشيه وعلق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، الناشر: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ ه.
النعماني، أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن جعفر الكاتب، المعروف بابن أبي زينب النّعماني. (المتوفى حدود سنة ٣٦٠ه).
كتاب الغَيْبة، تحقيق: فارس حسون كريم، الناشر: مؤسسة مدين، قم المقدسة - إيران، المطبعة: النهضة، الطبعة الأولى، ١٤٢٦ه.
النوبختي، أبو محمد الحسن بن موسى، (من أعلام القرن الثالث).
فِرق الشيعة، صححه وعلّق عليه: السيد محمد صادق آل بحر العلوم، الناشر: المكتبة الرضوية، النجف الأشرف - العراق، طبع: المطبعة الحيدرية، النجف الأشرف، ١٣٥٥ه - ١٩٣٦م.
النورسي، بديع الزمان (ت ١٩٦٠م).
السنة النبوية مرقاة ومنهاج: ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر - القاهرة - ١٩٩٧م.
النوري، خاتمة المحدثين الحاج ميرزا حسين النوري الطبرسي (المتوفى ١٢٣١ه).
مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، بيروت - لبنان، الطبعة المحققة الأولى ٨٠٤١ ه - ٧٨٩١ م. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة، نسخة الإصدار الثاني.
النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجّة الغائب (عج) تقديم وترجمة وتحقيق وتعليق: السيّد ياسين الموسوي، إعداد: مركز الأبحاث العقائدية، مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار الثاني.
النملة، علي بن إبراهيم. (معاصرٌ).
كُنه الاستشراق - المفهوم الأهداف الارتباطات، بيسان للنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الثالثة، ٢٠١١م.
النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي (المتوفى: ٨٥٠ه)
غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المعروف بتفسير النيسابوري، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة: الأولى - ١٤١٦ ه.
الهيتمي: ابن حجر أبي العباس أحمد بن محمد بن علي بن حجر السعدي الأنصاري الهيتمي (ت ٩٧٤ ه).
الصواعق المحرقة، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الله التركي وكامل محمد الخراط، الناشر: مؤسسة الرسالة، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى - ١٩٩٧.
القول المختصر في علامات المهدي المنتظر، تحقيق: مصطفى عاشور، مكتبة القرآن للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨٧م.
الهيثمي: أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان، (ت ٨٠٧ ه).
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، تحقيق: حسام الدين القدسي، الناشر: مكتبة القدسي، القاهرة - مصر، عام النشر: ١٤١٤ ه، ١٩٩٤ م.
موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان: تحقيق: حسين سليم أسد الدّاراني - عبده علي الكوشك، الناشر: دار الثقافة العربية، دمشق، الطبعة: الأولى، ١٤١١ه - ١٩٩٠م.
المقصد العلي في زوائد أبي يعلى الموصلي، تحقيق: سيد كسروي حسن، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، السنة: بلا.
الوادعِيُّ، مُقْبلُ بنُ هَادِي بنِ مُقْبِلِ بنِ قَائِدَةَ الهَمْدَاني (ت ١٤٢٢ه).
الصحيح المسند من أسباب النزول، الناشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الرابعة، ١٤٠٨هـ- ١٩٨٧م.
اليافعي، أبو محمد عفيف الدين عبد الله بن أسعد بن علي بن سليمان اليافعي (المتوفى: ٧٦٨ه).
مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان، وضع حواشيه: خليل المنصور، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٤١٧ هـ- ١٩٩٧ م.
يوسفي، جمشيد.
الزرادشتية الديانة والطقوس والتحولات اللاحقة، دار الوسام العربي للنشر والتوزيع - الجزائر، منشورات: زين، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠١٢م.
الكتب الأجنبية والمترجمة
إدي، وليم.
الكنز الجليل في تفسير الإنجيل، شرح الرسالة الأولى إلى تيموثاوس، صدر عن مجمع الكنائس في الشرق الأدنى، بيروت - لبنان، ١٩٧٣م.
آرنولد، السير توماس.
الخلافة، ترجمة: محمد شكري العزاوي - الأستاذ غانم النقاش، دار الورّاق، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠١٦م.
وتوجد طبعةٌ أخرى، ترجمة: حسن حيدر الشيباني، مطبعة دار التضامن، بغداد - العراق، الطبعة: بلا، ١٩٦١م.
الدعوة إلى الإسلام، ترجمه إلى العربية وعلق عليه: الدكتور حسن إبراهيم حسن - الدكتور عبد المجيد عابدين - إسماعيل النحراوي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة الأولى، ١٩٤٧م.    
إسبوزيتو، جون إل.
مستقبل الإسلام، ترجمة: دار النشر للجامعات، المطبعة: دار النشر للجامعات، القاهرة - مصر، الطبعة: الأولى، ٢٠١١م.
إلياد، ميرسيا.
تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ترجمة: عبد الهادي عباس المحامي، دار دمشق للطباعة والنشر، دمشق - شارع بور سعيد، الطبعة: الأولى، ١٩٨٧م.
أورفوا، دومينيك.
تاريخ الفكر العربي والإسلامي، ترجمة: رندة بعث، مراجعة: د. سهيل سليمان، المكتبة الشرقية، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى،٢٠١٠م.
بارت، رودي.
الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية. ترجمة: د. مصطفى ماهر، دار الكاتب العربي، القاهرة - مصر، الطبعة: بلا، ١٩٦٧م.
بارندر، جفري.
المعتقدات الدينية لدى الشعوب، ترجمة: د. إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة: د. عبد الغفار مكاوي، لسلسة عالم المعرفة، عدد: ١٧٣، لسنة ١٩٩٥م، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت، صدرت هذه السلسلة في عام ١٩٧٨م، بإشراف أحمد مشاري العدواني (المتوفى: ١٩٩٠م).
بريستد، جيمس هنري.
تاريخ مصر من أقدم العصور إلى الفتح الفارسي، ترجمة: د. حسن كمال، مراجعة وتصحيح: محمد حسنين الغمراوي، الناشر: مكتبة مدبولي - القاهرة، الطبعة الثانية، ١٤١٦ه ١٩٩٦م.
انتصار الحضارة، ترجمة: أحمد فخري، تقديم: ممدوح محمد الدمياطي، المركز القومي للترجمة، القاهرة - مصر، الطبعة: بلا، ٢٠١١م.
بلر. جون John C. Blair
مصادر الإسلام، ترجمة: مالك مسلماني، مجتمع الأدب المسيحي للهند، الله أباد - كولمبو ١٩٢٥م.
وتوجد نسخة بالإنكليزية:
SOURCES OF ISLAM. AN INQUIRY INTO THE SOURCES OF THE FAITH AND PRACTICE OF THE MUHAMMADAN RELIGION BY. THE REV. JOHN C. BLAIR
بِل، ألفرِد.
الفِرق الإسلامية في الشمال الإفريقي من الفتح العربي حتى اليوم، ترجمه عن الفرنسية: عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، دار صادر بيروت - لبنان الطبعة: الرابعة، ٢٠١٠م.
الجوزي، بندلي.
تاريخ الحركات الفكرية في الإسلام، الناشر: الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين الأمانة العامة - جمعية الصداقة الفلسطينية السوفياتية، الطبعة الثانية - ١٩٨١م.
بوكاي، موريس.
القرآن والتوراة والإنجيل والعلم، دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة، مكتبة مدبولي - القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠٠٤م.
بويرينغ، غيرهارد.
القرآن في محيطه التاريخي، كتاب يتضمن مجموعةً من البحوث، إعداد: جبرئيل سعيد رينولدز، ترجمة: سعد الله السعدي، منشورات الجمل، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ٢٠١٢م.
تسدل، كلير (ت ١٩٢٨م).
مصادر الاسلام، منشورات أسمار - باريس طبعة: بلا، ٢٠٠٧م.
تويال، فرانسوا.
الشيعة في العالم، ترجمه عن الفرنسية: نسيب عون، دار الفارابي، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٧م.
توينبي، آرنولد.
دراسةٌ للتاريخ، تقديم وعرض: فؤاد محمد شبل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة - مصر، الطبعة والسنة: بلا.
تيرنر، كولن.
الإسلام الأسس، ترجمة: نجوان نور الدين، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٩م.
التشيع والتحول في العصر الصفوي، ترجمة: حسين علي عبد الساتر، تقديم: الشيخ حيدر حب الله، منشورات الجمل، كولونيا (ألمانيا) - بغداد ٢٠٠٨م.
غولدتسيهر، إغناس (ت ١٩٢١م).
العقيدة والشريعة في الإسلام، ترجمة: محمد يوسف موسى وعبد العزيز عبد الحق، وعلي حسين عبد القادر، دار الرائد العربي، القاهرة، طبعة: بلا، ١٩٤٦م.
د. جيتين سايا، گوگهان.
مشكلة الشيعة، بحثٌ قدمه كجزءٍ من متطلبات أطروحة الدكتوراه إلى جامعة مانشتر في بريطانيا في سنة ١٩٩٦. وهو موجودٌ ضمن كتاب: مشكلة الشيعة والتشيع في العراق العثماني، تأليف لثلاثة باحثين: د. گوگهان جيتين سايا - د. سليم ديرنگل - د. كارين كيرن، ترجمة وإعداد: علي أبو طحين، دار ميزوبوتاميا، بغداد - شارع المتنبي، الطبعة: الأولى، ٢٠١٥م.
جفري S.H.M،
أصول التشيع الإسلامي وتطوره المبكر، ترجمة: مهيب عيزوقي، الناشر: دار الكنوز الأدبية، بيروت - لبنان، طبع: دار حوران للطباعة والنشر والتوزيع، سورية - دمشق، الطبعة الأولى، ٢٠٠٨م.
حتي، فيليب.
الإسلام منهج الحياة، ترجمه عن الإنكليزية: د. عمر فَرّوخ، دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، السنة: بلا.
حوراني، ألبرت.
تاريخ الشعوب العربية، ترجمة: أسعد صقر، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق - سورية، الطبعة الأولى، ١٩٩٧م.
داود، البرفسور عبد الأحد، قسيس إرميا في إيران سابقاً.
محمد كما ورد في كتاب اليهود والنصارى، ترجمة: محمد فاروق الزين، الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ه - ١٩٩٧م.
ديدات، أحمد.
حوارٌ مع مبشِّرٍ، ترجمة: علي عثمان، المختار الإسلامي للنشر، القاهرة - مصر، طبعة: بلا، السنة: بلا.     
دومينيك، سورديل.
الإسلام، العقيدة السياسة، الحضارة، ترجمة: د. علي مقلد، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية - ١٩٩٨م.
دومينيك وجانين سورديل.
الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي، ترجمة: حسني زينة، دار الحقيقة للطباعة، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، كانون الثاني ١٩٨٠م.
ديورانت، وِل وَايرْيل.
قصة الحضارة، ترجمة: د. زكي نجيب محمود، دار الجيل للطبع والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة والسنة: بلا.
روجرسون، برنابي.
ورثة محمد، جذور الخلاف السني الشيعي، ترجمة: د عبد الرحمن عبد الله الشيخ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، الطبعة الثانية، ٢٠١٠م.
دونالدسون، دوايت.
عقيدة الشيعة، ترجمة: (ع. م) مكتبة الخانجي ومطبعتها، مطبعة السعادة بجوار محافظة مصر، السنة: بلا.
سعيد، إدوارد.
الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسسة الأبحاث العربية، الطبعة الثانية، ١٩٨٤م.
السواح، فراس (معاصرٌ).
كتاب موسوعة تاريخ الأديان، الكتاب الخامس، ترجمة: عبد الرزاق العلي - محمود منقذ الهاشمي، طبع: دار التكوين، الناشر: مكتبة الفكر الجديد - ٢٠١٨م.
الوجه الآخر للمسيح ومقدمة في المسيحية الغنوصية، منشورات: دار علاء الدين، سورية - دمشق، الطبعة الأولى، ٢٠٠٤م.
سيديو، لويس - أميلي (Louis - Amélie Sédillot) (ت ١٨٧٥ م)
خلاصة تاريخ العرب، ترجمة: عادل زعيتر، دار الآثار للطباعة - بيروت، الطبعة والسنة: بلا.
علي، د. جواد (ت ١٩٨٧م).
المهدي المنتظر عند الشيعة الاثني عشرية، ترجمه عن الألمانية: د. أبو العيد دودو، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، كولونيا (ألمانيا) - بغداد ٢٠٠٥م. أصل الكتاب أطروحة دكتوراه من جامعة هامبورغ عام ١٩٣٩م.
غارديه، لويس.
أثر الاسلام في العقلية العربية، ترجمة: د. خليل أحمد خليل، دار الفكر اللبناني للطباعة، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٩٩٢م.
الغندور، نبيل أنسى.
المسيح المخلِّص في المصادر اليهودية والمسيحية، الناشر: مكتبة النافذة، الجيزة - مصر، الطبعة الأولى، ٢٠٠٧م.
فان إس، جوزيف (Josef van Ess) وهانس كونغ.
التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ١٩٩٤م.
عنوان هذا الكتاب الأصل هو: (المسيحية وديانات العالم - Christentum und Weltreligionen) تأليف البرفيسور هانس كونغ Hans Kung وجوزيف فان إس وآخرين. وأصل هذا الكتاب، إحدى ندوات الحوار التي نظمتها جامعة توبنجن بألمانيا الغربية ما بين عام ١٩٨٢م - ١٩٨٤م بين أحد أشهر مستشرقي ألمانيا المعاصرين مع أحد أشهر رجال الكنيسة الكاثوليكية (هانس كونغ) ونشر هذا الكتاب دار بيبر Piper للنشر بمدينة ميونخ بألمانيا الاتحادية سنة ١٩٨٤م وطبع في فيينا، وقد عرضه لنا معرَّباً لأهم ما ورد في النص الأصلي الدكتور السيد محمد هاشم، بعنوان: التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام.
فلوتن، فان. (المتوفى: ١٩٠٣م)
السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية، ترجمة: الدكتور إبراهيم بيضون، دار النهضة العرية، بيروت - لبنان، الطبعة: بلا، ١٩٩٦م.
فوك، يوهان.
تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة: عمر لطفي العالم، دار المدار الإسلامي - بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ٢٠٠١م.
فودانو، مكسيم - Maxime Vaudano.
المسلمون الشيعة العرب هم أصل التشيع، بحثٌ أو مقالٌ ضمن كتاب (المسألة الشيعية - رؤيةٌ فرنسيةٌ) من إعداد وتحرير وترجمة د. جواد بشارة، ضم الكتاب مجموعةً من المقالات المترجمة لعدد من المستشرقين والباحثين. دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر، بغداد - العراق، ١٤٣٦ه - ٢٠١٥م.
فلهاوزن، يليوس.
أحزاب المعارضة السياسية والدينية في صدر الإسلام الخوارج والشيعة، ترجمه عن الألمانية: عبد الرحمن بدوي، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة - مصر، الطبعة: بلا، ١٩٥٨م.
كارل، بروكلمان (ت ١٩٥٦م).
كتاب بروكلمان الكبير والمشهور، (تاريخ الشعوب الإسلامية) نقله للعربية: نبيه أمين فارس - ومنير البعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، وقد طُبع الكتاب خمس طبعات آخرها الطبعة الخامسة، تموز ١٩٦٨.
كرو، دوغلاس.
مقتل الحسين بن علي والآراء المبكرة للإمامة، ورقةُ بحثٍ ضمن كتاب (إعادة التشيع في العراق: حفرياتٌ استشراقيةٌ) لنخبة من المستشرقين، تعريب وتقديم وتعليق، د. عبد الجبار ناجي، الناشر: المركز الأكاديمي للأبحاث، العراق - تورنتو - كندا، الطبعة: الأولى، ٢٠١٥م.
كوربان، هنري.
الكتاب السابع الإمام الثاني عشر، ترجمة: نواف محمود الموسوي، دار الهادي للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، الطبعة: الأولى، ٢٠٠٧م.
تاريخ الفلسفة الإسلامية، ترجمة: نصير مروة - حسن قبيسي، راجعه وقدم له: السيد موسى الصدر - الأمير عارف تامر، دار عويدات للنشر والطباعة، بيروت - لبنان، الطبعة: بلا، السنة ٢٠٠٤م.
كولر، جون.
الفكر الشرقي القديم، ترجمة: كامل يوسف حسين، مراجعة: د. إمام عبد الفتاح إمام، لسلسة عالم المعرفة، عدد: ١٩٩، لسنة ١٩٩٣م، سلسلةُ كتبٍ ثقافيةٍ شهريةٍ يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت، صدرت هذه السلسلة في عام ١٩٧٨م، بإشراف أحمد مشاري العدواني (المتوفى: ١٩٩٠م).
كونسلمان، جرهارد.
سطوع نجم الشيعة، ترجمة: محمد أبو رحمة، مكتبة مدبولي، القاهرة - مصر، الطبعة الأولى، ١٩٩٢م.
لابيدس، أيرا.م.
تاريخ المجتمعات الاسلامية، ترجمة، فاضل جتكر، دار الكتاب العربية، بيروت - لبنان الطبعة: الثانية، ٢٠١١م.
لوبون، غوستاف.
الآراء والمعتقدات، ترجمة: عادل زعيتر، طبع: كلمات عربية للترجمة والنشر، القاهرة - مصر، السنة: بلا.
لويس، برنارد.
فرقة الحشاشين، ترجمة وتحقيق: المقدم الركن إلياس فرحات دار البيضاء، بيروت - لبنان، السنة: بلا. وتُرجم الكتاب بترجمتين: الأولى ترجمة المقدم الركن الياس فرحات، دار البيضاء، بيروت - لبنان، والثانية: تعريب محمد العزب موسى، الناشر: مكتبة مدبولي، الطبعة الثانية، القاهرة ٢٠٠٦.
أصول الإسماعيلية والفاطمية والقرمطية، راجعه وقدّم له: د. خليل أحمد خليل، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية، دار الحداثة، الطبعة الأولى، ١٩٨٠م.
العرب في التاريخ (The Arabs in History) ترجمه إلى العربية: نبيه أمين فارس ومحمد يوسف زايد، بيروت، الطبعة الخامسة، ١٩٧٠م.
ماسيه، هنري (ت ١٩٦٩م)
الإسلام، ترجمة: بهيج شعبان، منشورات عويدات، بيروت - باريس، الطبعة الثالثة - ١٩٨٨م.
متز، آدم.
الحضارة الإسلامية، ترجمة: محمد عبد الهادي أبو ريده، أعدَّ فهارسه: رفعت البدراوي، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة: الخامسة، السنة: بلا.
د. نيكلسون، ر. أ.
الصوفية في الإسلام، ترجمه وعلق عليه: نور الدين شرّيبه، خريج كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر، الناشر: مكتبة الخانجي، القاهرة - مصر، الطبعة الثانية، ١٤٢٢ه - ٢٠٠٢م.
هاينه، بيتر.
الإسلام، ترجمة: أسامة الشحماني، مؤسسة شرق غرب، ديوان المسار للنشر، الإمارات - دبي، الطبعة: الأولى، ٢٠١٢م.
هالم، هاينس.
إمبراطورية المهدي وصعود الفاطميين ٨٧٥م - ٩٧٣م، عنوانه بالألمانية:
 Der Aufstieg der Fatimiden (٨٧٥ - ٩٧٣) Das Reich des Mahdi
ترجمه للعربية: محمود كبيبو، الناشر: دار الوراق للنشر عام ٢٠١٣م.
الشيعة (DIE SCHIITEN)، ترجمه للعربية: محمود كبيبو، ألّف هذا الكتاب عام ١٩٨٨م، وصدر الكتاب الأصلي عام ٢٠٠٥م، الناشر: دار الوراق للنشر عام ٢٠١١م.
الغنوصية في الإسلام، ترجمة: رائد الباش، مراجعة: سالمة صالح، منشورات الجمل، بيروت - لبنان، الطبعة الثانية، ٢٠١٠م.
الفاطميون وتقاليهم في التعليم، ترجمة: سيف الدين القصير، مراجعة: د. مجيد الراضي، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا - دمشق، الطبعة الأولى - ١٩٩٩م.
وتوجد النسخة الإنكليزية: Fatimids and Their Traditions of Learning The، أصل هذا الكتاب، بحثُ أطروحةٍ ثانيةٍ يتطلبها نظام الجامعات الألماني لإتمام التأهيل العلمي، فطُلِبَ منه في جامعة طوبنجن سنة ١٩٦٩. ترجمه للعربية: سيف الدين القصير، دار المدى للثقافة والنشر، سوريا - دمشق، الطبعة: الأولى، ١٩٩٩م.
هاملتون جِبْ، وهارولد بوون.
المجتمع الإسلامي والغرب، ترجمة: د. أحمد عبد الرحيم مصطفى، مراجعة: د. أحمد عزت عبد الكريم، مكتبة الأسرة، القاهرة - مصر، الطبعة: بلا، ٢٠١٤م.
نتنج، أنتوني.
العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام، ترجمة: راشد البراوي، مكتبة الأنجلو المصرية، الطبعة: بلا، ١٩٧٤م.
وات، مونتكمري.
الفلسفة وعلم الكلام الاسلامي، ترجمة كاظم سعد الدين، الناشر: بيت الحكمة - بغداد، الطبعة: بلا، ٢٠١٠م.
الإسلام واندماج المجتمع، ترجمة: د. علي عباس مراد، أستاذ الفكر السياسي المشارك - جامعة قاريونس، مراجعة: أ. م. د. ستار جبار علّاي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ه - ٢٠٠٩م.
إعادة تقويم التشيع في العصر العباسي، بحثٌ ضمن كتاب: إعادة التشيع في العراق: حفرياتٌ استشراقيةٌ، لنخبةٍ من المستشرقين، تعريب وتقديم وتعليق، د. عبد الجبار ناجي، الناشر: المركز الأكاديمي للأبحاث، العراق - تورنتو - كندا، الطبعة: الأولى، ٢٠١٥م.
التشيع في عهد الأمويين، بحثٌ ضمن كتاب: إعادة التشيع في العراق: حفرياتٌ استشراقيةٌ، لنخبة من المستشرقين، تعريب وتقديم وتعليق، د. عبد الجبار ناجي، الناشر: المركز الأكاديمي للأبحاث، العراق - تورنتو - كندا، الطبعة: الأولى، ٢٠١٥م.
البحوث والمقالات في المجلات والنشرات
روزنتال، فرانز،
(الأدب) بحثٌ ضمن كتاب: تراث الإسلام الجزء الثاني، لسلسة عالم المعرفة، عدد: ٢٣٤، لسنة ١٩٩٨م، لعدة مؤلفين، سلسلةُ كتبٍ ثقافيةٍ شهريةٍ يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب - الكويت، صدرت هذه السلسلة في عام ١٩٧٨م، بإشراف أحمد مشاري العدواني (المتوفى: ١٩٩٠م)
ناجي، د. عبد الجبار.
(الإبستمولوجيا العربية والإسلامية) بحثٌ منشورٌ في مجلة دراساتٌ تاريخيةٌ، مجلةٌ فصليةٌ محكّمةٌ تصدر عن قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة - بغداد: العدد ٣٧ لعام ٢٠١٤.
العباد، عبد المحسن بن حمد.
(عقيدة أهل السنة والأثر في المهدي المنتظر) رسالةٌ أو محاضرةٌ، منشورةٌ في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: العدد:٣، السنة الأولى، شباط ١٩٦٩م.
(الرد على من كذَّب الأحاديث الصحيحة الواردة في المهدي) وأصل الكتاب، رسالةٌ ومقالةٌ منشورةٌ في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد ٤٥، والعدد ٤٦.
الألباني: أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني.
مقالة بعنوان: (حول المهدي) منشورةٌ في مجلة التمدن الإسلامي: عدد ٢٢، دمشق - سورية.
الصدر: محمد باقر بن السيد حيدر (ت ١٩٨٠م).
(بحث حول المهدي) (عليه السلام)، جاء كتقديمٍ لكتاب تاريخ الغيبة الصغرى، من موسوعة الامام المهدي (عليه السلام) للسيد الصدر، محمد محمد صادق، مركز بني الزهراء (عليه السلام) للطباعة والنشر، إيران - قم المقدسة، الطبعة الثانية، السنة: بلا.
دوائر المعارف
شتروثمان، رودولف.
دائرة المعارف الإسلامية الألمانية، المجلد الرابع عشر، مادة (الشيعة) تعريب: أحمد الشنتناوي - إبراهيم زكي خورشيد - عبد الحميد يونس، دار الشعب، القاهرة ١٩٦٩م.
دائرة المعارف الإسلامية الألمانية: المجلد الحادي عشر، مادة (السبعية). تعريب: أحمد الشنتناوي - إبراهيم زكي خورشيد - عبد الحميد يونس، دار الشعب، القاهرة ١٩٦٩م.
هيوار Cl Huart. (ت ١٩٢٧م)
دائرة المعارف الإسلامية الألمانية: المجلد الأول، مادة (اثنى عشرية). تعريب: أحمد الشنتناوي - إبراهيم زكي خورشيد - عبد الحميد يونس، دار الشعب، القاهرة ١٩٦٩م.
مواقع شبكة الانترنت
بنيامين، إيزابيلا،
كتاب: ما لا تعرفه عن الكتاب المقدس:
مصدر الكتاب من الموقع الرسمي للمؤلفة على شبكة الإنترنت: http://izapilla.blogspot.com
موقع: الأنبا (تكلا هيمانوت) القبطي الأرثوذكسي، رابط الموقع: st-takla.
كتاب إلكتروني بعنوان: هل تنبأ الكتاب المقدس عن نبيٍّ آخرَ يأتي بعد المسيح؟ القس أبو الخير، عبد المسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد. الطبعة الأولى، ٧/١/٢٠٠٤.
كتاب: المجيء الثاني وهل سينتهي العالم سنة ٢٠٠١م أو ٢٠١٢م؟ القس عبد المسيح بسيط أبو الخير، مطبعة المصريين، ١٩٩٩م.
كتاب: سلسلةُ أسئلةٍ عن المسيح رقم: (٨). القس عبد المسيح بسيط أبو الخير.
سل، كانون إدورد
تدوين القرآن، ترجمة: مالك مسلماني، من موقع: www.muhammadanism.org طبع في: s.p.c.k. press,vepery,madras ١٩٠٩.
موقع الأبحاث العقائدية: www.aqaed.com
موقع عن اللاهوت المسيحي: https://www.difa٣iat.com
موقع مكتبة الكتب المسيحية | كتب قبطية | المكتبة القبطية الأرثوذكسية.
موقع إسلاميات.كوم، islameyat.com تفسير الكتاب المقدس، إنجيل متّى.
الموقع الرسمي للسيد كمال الحيدري: الحيدري، السيد كمال بن باقر بن حسن (معاصرٌ).
كتاب مناهج تفسير القرآن، من أبحاث السيد الحيدري، بقلم الدكتور الشيخ طلال الحسن.
موقع كلمة الحياة، www.kalimatalhayat.com
تفسير الكتاب المقدس، وليم ماكدونالد.
تفسير الكتاب المقدس، بنيامين بنكرتن.
تفسير الكتاب المقدس، تشارلز ماكنتوش.
تفسير الكتاب المقدس، وليم مارش.
تفسير الكتاب المقدس، هلال أمين.
موقع الشيخ أحمد ديدات: http://ahmed-deedat.net

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) فقد عرَف جبور عبد النور، في كتاب المعجم الأدبي: ص١٧. الاستشراق: هو "دراسةٌ يقوم بها الغربيون لقضايا الشرق، وبخاصةٍ كل ما يتعلق بتاريخه ولغاته وآدابه وفنونه وعلومه وتقاليده وعاداته".
(٢) سالم، د. الحاج ساسي، نقد الخطاب الاستشراقي: ج١، ص٢٠.
(٣) ناجي، عبد الجبار، الأبستمولوجيا العربيّة والإسلاميّة، بحثٌ منشورٌ في مجلة دراساتٌ تاريخيّةٌ، مجلةٌ فصليةٌ محكّمةٌ تصدر عن قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة - بغداد: ص١٠٦، العدد ٣٧ لعام ٢٠١٤.
(٤) ناديا أنجيليسكو، الاستشراق والحوار الثقافي: ص١٧ - ١٨، نقلاً عن: النملة، علي بن إبراهيم، كُنه الاستشراق - المفهوم، الأهداف، الارتباطات: ص٤٠.
(٥) عبد النور، جبور، المعجم الأدبي، ص١٧.
(٦) سعيد، إدوارد: الاستشراق، ص١٢٠.
(٧) ظ: الأسعد، محمد، مستشرقون في علم الآثار: كيف قرأوا الألواح وكتبوا التاريخ: ص٢٤٦. نقلاً عن: النملة، علي بن إبراهيم، كُنه الاستشراق - المفهوم، الأهداف، الارتباطات: ص٢٥.
(٨) ظ: فوك، يوهان، تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة: عمر لطفي العالم، ص٣٦.
(٩) ظ: ديترش، ألبرت، الدراسات العربيّة في ألمانيا، تطورها التاريخي ووضعها الحالي: ص٧، نقلاً عن: الصغير، د محمد حسين، المستشرقون والدراسات القرآنيّة: ص١١.
(١٠) ظ: سالم، د. الحاج ساسي، نقد الخطاب الاستشراقي: ج١، ص٢٣.
(١١) سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى: ٢٧٥هـ): أول كتب المهدي: ج٦، ص٣٤١، رقم الحديث: ٤٢٨٣. صححه محقق كتاب السنن شعَيب الأرنؤوط في الهامش قال: (إسناده صحيح. وقال العلامة العظيم آبادي: سنده حسنٌ قويٌّ). وصححه الألباني قال: صحيحٌ. في سلسلة الأحاديث الصحيحة: ج٤، ص٤١.
(١٢) سنن الترمذي: ج٤، ص٥٠٥، رقم الحديث: ٢٢٣٠. أبواب الفتن عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): باب ما جاء في المهدي. وحكم بصحته الترمذي: قال أبو عيسى وهذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. وصححه الألباني كما أشار محقق الكتاب لذلك قال الشيخ الألباني: حسنٌ صحيحٌ. ينظر: المصدر نفسه، ج٤، ص٥٠٥.
(١٣) سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٣هـ): ج٥، ص٤١٢، رقم الحديث: ٤٠٨٦. أبواب الفتن، باب خروج المهدي.
(١٤) الكليني، أبو جعفر محمد بن يعقوب، (ت ٣٢٨ه)، الأصول من الكافي: ج١، ص٣٣٧، باب في الغيبة. والرواية معتبرةٌ ومعتمدةٌ؛ فقد جاءت هذه الرواية في كتاب معجم الأحاديث المعتبرة، للشيخ محمد آصف محسني: ج٢، ص٣٢٠. وحققها ودرس سندها وصححها الشيخ أحمد الماحوزي، قال: (مرتبة الحديث: حسنٌ، بل صحيحٌ، رجاله أجلاء). الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، كتابه: ولادة القائم المهديّ بالروايات الصحيحة الصريحة: ص٢٢.
(١٥) الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت ٣٨١ه)، كمال الدين وتمام النعمة: ص٥١٦. رقم الحديث: ٤٤، باب ذكر التوقيعات الواردة عن القائم (عليه السلام).
صحح الرواية الشيخ الماحوزي، قال: (سنده الصحيح) ينظر: الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، كتابه: النصوص على أهل الخصوص بالروايات المتواترة والمستفيضة والمعتبرة: هامش ص٦١٠.
ومما يؤيد صحة الرواية أنَّ السيد الخوئي أخرجها في ترجمة (علي بن محمد السمري). ينظر: الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث: ج١٣، ص١٨٢ - ١٨٣.
(١٦) الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت ٣٨١ه)، عيون أخبار الرضا: ص٣٩. الرواية أسانيدها ثلاثةٌ معتبرةٌ كما في كتاب معجم الأحاديث المعتبرة للشيخ محمد آصف محسني: ج٢، ص٣٤٣.
(١٧) سنن الترمذي: بإسناده (... قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): ... وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَجِ) سنن الترمذي: ج٥، ٥٦٥، رقم الحديث: ٣٥٧١. أبواب الدعوات عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم)، باب: في انتظار الفرج. حكم الحديث: ضعيفٌ، قال محقق السنن أحمد محمد شاكر، في الهامش: ضعفه الألباني.
 أقول: وإنْ كان ضعيفاً ألا يمكن أن يكون شاهداً له؟ أو يكون مؤيداً لما جاء في الحديث أعلاه في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، للشيخ الصدوق. لأنه يندرج ضمن ما اجتمعت عليه كلمة علماء المسلمين، وأمة النبي الأكرم لا تجتمع على ضلالةٍ.
(١٨) ابن منظور، محمد بن مكرم (ت ٧١١هـ)، لسان العرب: ج٣، ص٤٢٥.
(١٩) ينظر: ابن فارس، أحمد أبو الحسين (ت ٣٩٥هـ)، معجم مقاييس اللغة: ج٥، ص٤٦٧. وكذا ينظر: ابن منظور، محمد بن مكرم (ت٧١١هـ)، لسان العرب: ج٣، ص٤٢٥، مادة (نقد). وينظر: الزَّبيدي، محمّد بن عبد الرزّاق (ت ١٢٠٥هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس: ج٥، ص٢٨٢.
(٢٠) الشايب، أحمد، أصول النقد الأدبي، ص١١٥.
(٢١) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٠٦ - ٢١٠.
(٢٢) ظ: المصدر نفسه، ص٢٠٦ - ٢١٠.
(٢٣) ظ: المصدر نفسه، ص٢٠٦ - ٢١٠.
(٢٤) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٠٦ - ٢١٠.
(٢٥) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق: ص٢١٦ - ٢١٧.
(٢٦) DIE SCHIITEN ترجمه للعربية: محمود كبيبو، ألّف هذا الكتاب عام ١٩٨٨م، وصدر الكتاب الأصلي عام ٢٠٠٥م، الناشر: دار الوراق للنشر عام ٢٠١١م، يتحدث الكتاب عن الشيعة الإمامية الإثني عشرية، دون باقي فرق الشيعة الأخرى.
(٢٧) عنوانه بالألمانيّة: Der Aufstieg der Fatimiden (٨٧٥-٩٧٣) Das Reich des Mahdi
ترجمه للعربية: محمود كبيبو، الناشر: دار الوراق للنشر عام ٢٠١٣م.
(٢٨) أصل هذا الكتاب، بحث أطروحة ثانية يتطلبها نظام الجامعات الألماني لإتمام التأهيل العلمي، فطُلِبَ منه في جامعة طوبنجن سنة ١٩٦٩.

The Fatimids and Their Traditions of Learning - Heinz Halm - ينظر: هالم، هاينس، الفاطميون وتقاليدهم في التعليم، مقدمة الكتاب ص٣ وما بعدها.
(٢٩) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق: ص٢١٠ - ٢١١.
(٣٠) ظ: المصدر نفسه: ص٢١٠ - ٢١١.
(٣١) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٠٧.
(٣٢) الفقرات من حرف (أ) إلى حرف (خ) ينظر فيها المصدر نفسه: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق: ص٢١٤ - ٢١٥.
(٣٣) نقله للعربية: نبيه أمين فارس - ومنير البعلبكي، الناشر: دار العلم للملايين، بيروت - لبنان، وقد طُبع الكتاب خمس طبعات آخرها الطبعة الخامسة، تموز ١٩٦٨.
(٣٤) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٠٧.
(٣٥) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٠٦ - ٦٠٧.
(٣٦) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق، ص٢٢٢. طبع هذا الكتاب مرتين الأولى سنة ١٨٨٥م. وعنوانه بالفرنسية:
Mahdi depuis les origines de L`islam jusqu’a nos Jours (Paris ١٨٨٥) وقد اعتمده المستشرق الألماني مادولنك في بحثه (المهدي) في دائرة المعارف الإسلاميّة (طبعة حديثة).
(٣٧) عنوان الكتاب في الأصل: L`ISLAM CHI`ITE
(٣٨) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق، ص٢٢٢. عنوان الكتاب وصاحبته بالفرنسية:
Veaux: Le Mahometisme, Le genie semitique et le genie Aryen dans Carra de L’Islam (Paris ١٨٩٨).
ونشر في باريس سنة ١٨٩٥م.
(٣٩) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق، ص٢٢٣. Garcin de tassy, L’Islamisme (Paris) ١٨٧٤). نشر في باريس عام ١٨٧٤م. وقد اعتمده المستشرق البريطاني دونالدسون عند تطرقه إلى عقيدة المهدي.
(٤٠) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق، ص٢٢٣: نشره في باريس عام ١٩٠٣. تحت عنوان:
Blochet.ê, Le Messianisme dans L’hétérodoxie musalmane (Paris ١٩٠٣).
(٤١) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق: ص٢٢٦.
(٤٢) ظ: المصدر نفسه: ص٢٢٧.
(٤٣) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق: ص
٢٤٣ Cl. Huart (Ithna Ashariyya) in Encyclopedia of Islam (First Edition) - volume I.٤٢٩ - ٣١.
(٤٤) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق: ص
٢٢٨. Gimaret and G. Monnot. Livre des relgions et des sects (Peters - Unesco/ ١٩٨٦).
(٤٥) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق: ص٢٣٢. عنوانه بالإنكليزية: Rev Canon sell. Ithna Ashariyya or The Twelver Shi’as (Madras ١٩٢٣).
(٤٦) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيّع والاستشراق: ص٢٣٢.
(٤٧) تفاصيل الدراسة بالإنكليزيّة: CHRISTIAN LITERATURE SOCIETY. LONDON, MADRAS AND COLOMBO
CANON SELL, D.D., M.R.A.S. Fellow of the University of Madras CHRISTIAN LITERATURE SOCIETY LONDON, MADRAS AND COLOMBO ١٩٠٩.
- ترجمها للعربية: مالك مسلماني.
(٤٨) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق، ص٢٢٨. عنوان الكتاب بالإنكليزية: James Freser B. Journey into Khorasan (London ١٨٢٥).
(٤٩) ظ: ناجي، عبد الجبار، التشيع والاستشراق، ص٢٤٣. Miller, William ‘’Shia mysticism’’ in Moslem World.
(٥٠) ظ: بدوي، عبد الرحمن، مناهج البحث العلمي: ص٥.
(٥١) الحيدري، سيد كمال، مناهج تفسير القرآن: ص٢٥.
(٥٢) غاردي، لويس، أثر الإسلام في العقلية العربية، ص٢٢٤.
(٥٣) ظ: نتنج، أنتوني، العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام، ص٢١٧. وينظر: فان إس، جوزيف، التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام، ص٣٨. عنوان الكتاب الأصل هو: (المسيحية وديانات العالم - (Christentum und Weltreligionen تأليف البرفيسور هانس كونغ Hans Kung وجوزيف فان آس وآخرين. وأصل هذا الكتاب، إحدى ندوات الحوار التي نظمتها جامعة توبنجن بألمانيا الغربية ما بين عام ١٩٨٢م - ١٩٨٤م بين أحد أشهر مستشرقي ألمانيا المعاصرين مع أحد أشهر رجال الكنيسة الكاثوليكية (هانس كونغ) ونشر هذا الكتاب دار بيبر (Piper للنشر بمدينة ميونخ بألمانيا الاتحادية سنة ١٩٨٤م وطبع في فيينا، وقد عرضه لنا معرَّباً لأهم ما ورد في النص الأصلي الدكتور السيد محمد هاشم، بعنوان: التوحيد والنبوّة والقرآن في حوار المسيحيّة والإسلام.
(٥٤) ظ: ماسي، هنري، كتاب الإسلام: ص١٩٩.
(٥٥) يراجع كتاب ميرسيا إلياد، بعنوان (تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية) ص١٣٦. وكذا كتاب أنتوني نتنج بعنوان: (العرب، انتصاراتهم وأمجاد الإسلام): ص٢١٧. وكتاب جولد تسيهر، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩٦.
(٥٦) دونالدسون، دوايت، عقيدة الشيعة: ص٢٣١.
(٥٧) يراجع: فلهاوزن، يليوس، أحزاب المعارضة السياسية والدينية في صدر الإسلام الخوارج والشيعة، الصفحات ٢٣٤ - ٢٥٤ تحت عنوان: العلاقة بين الشيعة وبعض الفِرَق اليهوديّة.
(٥٨) هذا خلطٌ بين الرجعة عند الشيعة الإمامية والتي تعني رجوع الحياة لعدد من الأموات وبين العقيدة المهدوية، وهنا عند ذكره الرجعة، يقصد بها العقيدة المهدوية.
(٥٩) تسيهر، غولد، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩٢.
(٦٠) المصدر نفسه: ص١٩٢.
(٦١) ظ: المصدر نفسه: ص١٩٥.
(٦٢) ظ: وات، مونتغمري، إعادة تقويم التشيع في العصر العباسي، بحثٌ ضمن كتاب: إعادة التشيع في العراق، حفرياتٌ إستشراقيّة، لنخبةٍ من المستشرقين، تعريب وتقديم وتعليق، د. عبد الجبار ناجي: ص١٣٢.
(٦٣) ظ: متز، آدم، الحضارة الإسلامية، ج١، ص١٢٥.
(٦٤) ظ: هاينه، بيتر، الإسلام: ص٢٢٧ - ٢٢٨ فينقل النصيين (يخرج في آخر أمتي المهديّ يسقيه الله الغيث وتخرج الأرض نباتها، ويعطي المال صحاحاً يحثي المال حثياً ولا يعدُّه، وتكثر الماشية، وتعظم الأمة) والنص الثاني (لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً).
(٦٥) هالم، هاينس، الشيعة: ص٥١.
(٦٦) ظ: المصدر نفسه: ص٥٣.
(٦٧) هالم، هاينس، كتاب الشيعة، ص٥٣.
(٦٨) ظ: غاردي، لويس، أثر الإسلام في العقليّة العربيّة: ص٢٢٤.
(٦٩) غاردي، لويس، أثر الإسلام في العقليّة العربيّة: ص٢٢٧.
(٧٠) ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُدَ﴾ النمل: ١٦ وقوله تعالى: ﴿فَهَب لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِن آلِ يَعقُوبَ﴾ مريم: ٥ - ٦. ﴿ولَقَد كَتَبنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعدِ الذِّكرِ أَنَّ الأَرضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ الأنبياء: ١٠٥.
(٧١) لويس، برنارد، فرقة الحشاشين: ص٣٩.
(٧٢) ظ: آرنولد، توماس، الخلافة: ٤٦.
(٧٣) (التبشير: من البشرى والبشارة، واصطلاحاً يستعمل مصطلح التبشير على تلك الحملة التي تولتها الصليبية في ما يسمى بتعليم الدين المسيحي ونشره) ديدات، أحمد، كتاب حوارٌ مع مبشِّرٍ: ص١١.
(٧٤) ظ: بارت، رودي، الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية (المستشرقون الألمان منذ تيودور نولدكه): ص١٤.
(٧٥) ديدات، أحمد، كتاب حوار مع مبشر: ص١٧.
(٧٦) القس أبو الخير، عبد المسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد، كتاب: هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آَخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟ ص١٥٥. موقع: الأنبا (تكلا هيمانوت) القبطي الأرثوذكسي، رابط الموقع: st-takla.
(٧٧) إنجيل يوحنا الإصحاح ١٤/ ١٦ - ١٨.
(٧٨) سيأتي في مبحثٍ لاحقٍ بالتفصيل عن مفهوم البارقليط وارتباطه بعصر المهديّ المنتظر.
(٧٩) موقع الأبحاث العقائدية، الشبكة العنكبوتية الإنترنت.
(٨٠) الصف: ٦.
(٨١) سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى: ٢٧٥هـ): أول كتاب المهديّ ج٦، ص٣٤١، رقم الحديث: ٤٢٨٣. صححه محقق كتاب السنن شعَيب الأرنؤوط في الهامش قال: (إسناده صحيح. وقال العلامة العظيم آبادي: سنده حسنٌ قويٌّ). صححه الألباني قال: صحيحٌ. في سلسلة الأحاديث الصحيحة: ج٤، ص٤١.
(٨٢) ظ: القس أبو الخير، عبد المسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد، كتاب: هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آَخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟ ص١٤٦ - ١٥٤. موقع: الأنبا (تكلا هيمانوت) القبطي الأرثوذكسي، رابط الموقع: st-takla.
(٨٣) ظ: القس أبو الخير، عبد المسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد، كتاب: هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آَخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟ ص٩٨. موقع: الأنبا (تكلا هيمانوت) القبطي الأرثوذكسي، رابط الموقع: st-takla.
(٨٤) كوربان، هنري، الكتاب السابع الإمام الثاني عشر، ص٢٢١.
(٨٥) ظ: المصدر نفسه: ص٢٢١.
(٨٦) إنجيل يوحنا الإصحاح ١٤/ ٢٦.
(٨٧) لوبون، غوستاف، الآراء والمعتقدات: ص١٨١ - ١٨٢.
(٨٨) الغندور، نبيل أنسى، المسيح المخلِّص في المصادر اليهوديّة والمسيحيّة: ص١٧.
(٨٩) سفر التكوين، الأصحاح ٤٨.
(٩٠) الغندور، نبيل أنسى، المسيح المخلِّص في المصادر اليهوديّة والمسيحيّة: ص١٧.
(٩١) ظ: القس أبو الخير، عبد المسيح بسيط، كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد، كتاب: هَلْ تَنَبّأَ الكِتَابُ المُقدّس عَنْ نَبِيٍّ آَخَرَ يَأتِي بَعْدَ المَسِيحِ؟ ص٩٩. موقع: الأنبا (تكلا هيمانوت) القبطي الأرثوذكسي، رابط الموقع: st-takla.
(٩٢) العهد القديم، مزمور ٨٩/ ٣٠ - ٣٧.
(٩٣) لويس، برنارد، العرب في التاريخ (The Arabs in History) ص٦٣.
(٩٤) فلوتن، فان، السيطرة العربيّة والتشيع والمعتقدات (المهديّة) في ظل خلافة بني أمية: ص٩٧.
(٩٥) ظ: لوبون، غوستاف، الآراء والمعتقدات: ص١٧٦.
(٩٦) تسيهر، غولد، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩٧.
(٩٧) الصدر، السيد محمد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، الكتاب الأول، تاريخ الغيبة الصغرى: ص٣٣.
(٩٨) لوبون، غوستاف، الآراء والمعتقدات: ص١٧٩.
(٩٩) الصدر، السيد محمد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام)، ج١، الكتاب الأول تاريخ الغيبة الصغرى، ص٣٤.
(١٠٠) فوزي، فاروق عمر، الاستشراق والتاريخ الاسلامي، ص٣٥.
(١٠١) ظ: المصدر نفسه، ص٣٥.
(١٠٢) لويس، برنارد، الغرب والشرق الأوسط: ص٦٠، نقلاً عن: فوزي، فاروق عمر، الاستشراق والتاريخ الإسلامي: ص٣٥.
(١٠٣) ظ: فروخ، د. عمر، (المستشرقون ما لهم وما عليهم) بحثٌ منشورٌ في مجلة الاستشراق، عدد: ١ لسنة ١٩٨٧: ص٧، نقلاً عن: ناجي، د. عبد الجبار، كتاب التشيّع والاستشراق: ص٦٢.
(١٠٤) ظ: رودنسون، مكسيم، كتاب الاستشراق بين دعاته ومعارضيه، لمجموعة من المؤلفين: محمد أركون - مكسيم رودنسون - آلان روسيون - بيرنارد لويس - فرانسيسكو غابرييلي - كلود كاهين، جمعها وترجمها هاشم صالح: ص١١٧ - ١١٨، نقلاً عن: ناجي، د. عبد الجبار، كتاب التشيع والاستشراق: ص٧٠ - ٧١.
(١٠٥) ظ: ناجي، د. عبد الجبار، الاستشراق في التاريخ، ص١٢٧.
(١٠٦) بِل، ألفرِد، الفرق الإسلاميّة في الشمال الأفريقي من الفتح العربي حتى اليوم: ص١٥٢.
(١٠٧) لويس، برنارد، كتاب فرقة الحشاشين: ص١٥٣.
(١٠٨) ظ: دومينيك وجانين سورديل، الحضارة الإسلاميّة في عصرها الذهبي: ج١، ص١٣٦ - ١٣٧.
(١٠٩) المصدر نفسه: ج١، ص١٣٨ - ١٣٩.
(١١٠) أورفوا، دومينيك، تاريخ الفكر العربي والإسلامي: ص٨٥.
(١١١) نتنج، أنتوني، العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام: ص٢١٧.
(١١٢) ظ: فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية: ص١٣٢.
(١١٣) ماسي، هنري، كتاب الإسلام: ص١٩٦.
(١١٤) تسيهر، جولد، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص٢١٣.
يُذكر أن تسيهر المتحامل على الإسلام، صاحب الغرض والهدف العنصري الفئوي الصريح، المُعلَن لكتابته عن الإسلام وعن الفرق الإسلامية خاصةً، شبّه أكثر من مرة التعاليم الإسلامية بمدينة إفلاطون الفاضلة، عند بحثه عن التفرقة بين المسلمين (ولعل أعظم الفروق المذهبيّة بين فقه السنة وفقه الشيعة تتجلى في أحكام النكاح، وهي فروق نراها - ونحن بصدد بحث التعاليم الشيعية وتقديرها - أعظم خطراً من تلك الفروق التعبدية التافهة... وهي: صحة النكاح المعقود لمدّةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ أو بطلانه، وهو ما نسميه بالنكاح المؤقت. لقد أباح أفلاطون الزواج المؤقت في كتابه الجمهورية، متأثراً باعتباراتٍ تختلف في الحقيقة اختلافاً جوهريّاً، عن تلك التي يمكن أن نقدر أهميتها في الحياة الإسلامية؛ وقد أباحه للنخبة المختارة من المجتمع الذين أطلق عليهم الفيلسوف اسم (الحراس) تسيهر، غولد، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص٢٠١.
(١١٥) تويال، فرانسوا، كتاب الشيعة في العالم: ص٣٧.
(١١٦) ظ: دومينيك وجانين سورديل، الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي: ج١، ص١٣٧.
(١١٧) هاملتون جب وهارولد بوون، H.Gibb-Harold Bowen، المجتمع الإسلامي والغرب: ج١، ص٥٠.
(١١٨) المصدر نفسه: ج١، ص٥٠.
(١١٩) ظ: ماسي، هنري، H. Massé)، كتاب الإسلام: ص١٩٢. وينظر: غاردي، لويس، أثر الإسلام في العقلية العربية: ص٢٢٣.
(١٢٠) لابيدس، أيرا م. Ira M. Lapidus، تاريخ المجتمعات الإسلامية: ج١، ص٢٥٥.
(١٢١) الحشر: ٧.
(١٢٢) روجرسون، برنابي، ورثة محمد - جذور الخلاف السني الشيعي: ص٣٤٩.
(١٢٣) الجمعة: ٢ - ٣.
(١٢٤) ظ: إسبوزيتو، جون إل John L. Esposito، مستقبل الإسلام: ص٨١.
(١٢٥) ظ: حوراني، ألبرت، تاريخ الشعوب العربية: ج١، ص٧١.
(١٢٦) أورفوا، دومينيك، تاريخ الفكر العربي والإسلامي: ص٨٤ - ٨٥.
(١٢٧) كرو، دوغلاس Douglas K-crow، المستشرق الأمريكي، مقتل الحسين بن علي والآراء المبكرة للإمامة، ورقةُ بحثٍ ضمن كتاب حفريّاتٌ استشراقيّةٌ - إعادة قراءة التشيع في العراق، لنخبةٍ من المستشرقين، ترجمة د. عبد الجبار ناجي: ص١٨٦ - ١٨٧.
(١٢٨) ظ: كرو، دوغلاس Douglas K-crow، هامش رقم ١١ في أصل البحث، وهامش رقم ١٨٤ ص١٨٨ ضمن كتاب حفرياتٌ استشراقيّةٌ - إعادة قراءة التشيع في العراق، لنخبةٍ من المستشرقين.
(١٢٩) ظ: فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية، مقدمة مترجم الكتاب، ومقدمة مؤلفه ص١٤ - ١٨.
(١٣٠) فان إس، جوزيف، كتاب التوحيد والنبوة والقرآن في حوار المسيحية والإسلام: ص٣٨.
(١٣١) القصص: ٥.
(١٣٢) ظ: أستاذ التاريخ البرفسور جيتين سايا، گوگهان، (مشكلة الشيعة) بحث قدمه كجزءٍ من متطلبات أطروحة الدكتوراه إلى جامعة مانشستر في بريطانيا في سنة ١٩٩٦. وهو موجود ضمن كتاب مشكلة الشيعة والتشيع في العراق العثماني، لثلاثة باحثين: ص٣٦.
(١٣٣) غولد تسيهر، إغناس العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩١.
(١٣٤) المصدر نفسه: ص١٩٧.
(١٣٥) ظ: تويال، فرانسوا، كتاب الشيعة في العالم: ص٣٩.
(١٣٦) غولدتسيهر إغناس، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩١ - ١٩٦.
(١٣٧) تسيهر، غولد، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩٦.
(١٣٨) ظ: إسبوزيتو، جون إل John L. Esposito، مستقبل الإسلام: ص٧٨.
(١٣٩) المصدر نفسه: ص٨٠.
(١٤٠) ظ: آرنولد، توماس، الخلافة: ٣٨.
(١٤١) ماسّيه، هنري، كتاب الإسلام: ١٩٩.
(١٤٢) الحج: ٥٤.
(١٤٣) الفرقان: ٣١.
(١٤٤) دونالدسون، دوايت، عقيدة الشيعة: ص٢٣٠ - ٢٣١.
(١٤٥) ظ: كوربان، هنري، كتاب الإمام الثاني عشر: ص١٩.
(١٤٦) الكريستولوجيا: هي مجالُ دراسةٍ ضمن المثيولوجيا المسيحية مهتمةٌ بدراسة طبيعة يسوع، وخاصةً كيفيّة ارتباط الألوهية والإنسانية في شخص يسوع. موقع ويكيبيديا الموسوعة الحرة - شبكة الانترنت.
(١٤٧) كوربان، هنري، كتاب الإمام الثاني عشر: ص١٩ - ٢٠.
(١٤٨) هذا المصطلح يرجع إلى الغنوصية التي تنكر صلب المسيح باعتبار أنه ليس بجسمٍ، وكانوا ينظرون للمادة على أنها شرٌّ! وآمنوا بمجموعةٍ كبيرةٍ من الآلهة، فقالوا أنه في البدء كان الإله السامي غير المعروف وغير المدرك الذي هو روحٌ مطلقٌ، ولم تكن هناك المادة، هذا الإله الصالح، انبثق منه (أخرج من ذاته)، عدد من القوات الروحية ذات الأنظمة المختلفة التي سمّوها بالأيونات (Aeons). هذه القوات المنبثقة من الإله السامي كان لها أنظمةٌ مختلفةٌ وأسماء مختلفةٌ وتصنيفاتٌ وأوصافٌ مختلفةٌ. وتكوّن هذه الأيونات مع الإله السامي أو الملْء الكامل، دائرة الملْء الإلهي. وإنَّ هذا الإله السامي الذي أخرج العالم الروحي من ذاته لم يخلق شيئاً. المصدر: موقع عن اللاهوت المسيحي https://www.difa٣iat.com
(١٤٩) ظ: كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، ص١٠٩.
(١٥٠) المصدر نفسه: ص١٣١. وللمزيد حول ذات المطلب ينظر: هالم، هاينس، كتاب الشيعة، ص٤٧ - ٥٦ تحت عنوان غيبة الإمام الثاني عشر. وينظر: وات، مونتكَمري، كتاب الفلسفة وعلم الكلام الإسلامي، تحت فصل سَمَّاهُ: (استقطاب المذهب السني والمذهب الشيعي): ص١٠١ - ١٠٩. وينظر: فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيّع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية، في الفصل الثالث من الكتاب ضمن عنوان: المعتقدات المهدية ص٩٧ وما بعدها.
(١٥١) ظ: أورفوا، دومينيك، تاريخ الفكر العربي والإسلامي: ص٨٣.
(١٥٢) إسبوزيتو، جون إل John L. Esposito، مستقبل الإسلام: ص٨٢.
(١٥٣) ظ: أورفوا، دومينيك، تاريخ الفكر العربي والإسلامي: ص٨٣.
(١٥٤) فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيّع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية: ص١٠٨.
(١٥٥) ظ: تيرنر، كولن، الإسلام الأسس - Islam: The Basics: ص٣٤٧.
(١٥٦) يس: ٢٦ - ٢٧.
(١٥٧) ظ: نتنج، أنتوني، العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام: ص٢١٧.
(١٥٨) نتنج، أنتوني، العرب انتصاراتهم وأمجاد الإسلام: ص٢١٧.
(١٥٩) ظ: إلياد، ميرسيا، بعنوان (تاريخ المعتقدات والأفكار الدينيّة): ص١٣٦ - ١٣٧.
(١٦٠) يُذكر إن ابن خلدون رغم شهادته هذه إلا إنه ضعَّف أغلب الأحاديث الواردة في المهديّ المنتظر، وسيأتي الحديث لاحقاً عن رأيه بالتفصيل.
(١٦١) مقدمة ابن خلدون، ولي الدين عبد الرحمن بن محمّد: ص٥١٤.
(١٦٢) الآبري، الحافظ أبو الحسن محمد بن الحسين السجستاني، كتاب مناقب الشافعي: ص٩٥.
(١٦٣) ظ: الحيدري، السيد كمال، (حديث الثقلين سنده ودلالته ٤٣): مقال من سلسلة حلقات للأطروحة المهدويّة، يراجع الموقع الرسمي للسيد كمال الحيدري.
(١٦٤) سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (المتوفى: ٢٧٥هـ): أول كتب المهدي: ج٦، ص٣٤١، رقم الحديث: ٤٢٨٣. صححه محقق كتاب السنن شعَيب الأرنؤوط في الهامش قال: (إسناده صحيح. وقال العلامة العظيم آبادي: سنده حسن قوي). صححه الألباني قال: صحيحٌ. في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ج٤، ص٤١.
وينظر: مسند الإمام أحمد بن حنبل، (ت ٢٤١هـ) ج١، ص٩٩. بلفظ (لو لم يبق من الدنيا...) صححه المحقق شعيب الأرنؤوط قال: رجاله ثقاتٌ رجال الشيخين غير فطر بن خليفة فله حديث واحد عند البخاري مقروناً بغيره وروى له أصحاب السنن.
(١٦٥) الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت ٣٨١ه)، عيون أخبار الرضا: ص٢٩٧. والرواية معتبرةٌ معتمدةٌ، إذ وردت في كتاب المعتبر من بحار الأنوار، على وفق نظريات الشيخ محمد آصف محسني، إعداد وتنظيم: الشيخ عمار الفهداوي، إشراف ومراجعة: الشيخ حيدر حب الله: ج٢، ص١٤٢.
وصححها الماحوزي، قال بعد دراسة رجال السند: (مرتبة الحديث: صحيحٌ، رجاله ثقاتٌ عيونٌ) الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، في كتابه المسمَّى: أربعون حديثاً معتبراً في النص على الأئمة الإثني عشر بأسمائهم: ص١١٨.
وكذلك نقلها واستشهد بها السيد أبو القاسم الخوئي على صدق وعدالة الشاعر دعبل الخزاعي، في ترجمته للشاعر، في كتابه المعروف، معجم رجال الحديث: ج٨، ص١٠٣.
(١٦٦) سنن الترمذي: ج٤، ص٥٠٥، رقم الحديث: ٢٢٣٠. أبواب الفتن عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): باب ما جاء في المهدي.
(١٦٧) ظ: المصدر نفسه: ج٤، ص٥٠٥. وينظر: المصنف لابن أبي شيبة: ج١٥، ص١٩٨، رقم الحديث: ١٩٤٩٣.
(١٦٨) الطوسي، شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن، كتاب الغيبة: ص١٨٢.
(١٦٩) الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت ٣٨١هـ)، كمال الدين وتمام النعمة: ص٥١٦. رقم الحديث: ٤، باب ما أخبر به النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من وقوع الغيبة بالقائم (عليه السلام). والحديث من الأحاديث المعتبرة المعتمدة، إذ ورد في كتاب المعتبر من بحار الأنوار، على وفق نظريات الشيخ محمد آصف محسني، إعداد وتنظيم: الشيخ عمار الفهداوي، إشراف ومراجعة: الشيخ حيدر حب الله: ج٢، ص١٨٥.
(١٧٠) مسند أحمد بن حنبل: ج١٧، ص٣٢١، رقم الحديث: ١١٢٢٣. مسند أبي سعيد الخدري (رض). وأخرجه من طريق آخر، باللفظ نفسه: ج١٧، ص٢٠٥، رقم الحديث: ١١٦٦٥. مسند أبي سعيد الخدري (رض). الحديث صحيح، صححه شعيب الأرنؤوط قال: صحيح دون قوله (يملك سبعاً أو تسعاً) رجاله ثقات رجال الصحيح. ينظر: المصدر نفسه: ج١٧، ص٢٠٥، رقم الحديث: ١١٦٦٥.
(١٧١) المجلسي، محمد باقر (ت١١١٠ هـ)، بحار الأنوار: ج٥١، ص٧٨، رقم الحديث: ٣٧.
وكذا في كتاب الغيبة للطوسي: (عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يقول على المنبر: إن المهديّ من عترتي من أهل بيتي يخرج في آخر الزمان...) الطوسي، كتاب الغيبة، ص١١١.
(١٧٢) صحيح البخاري: ج٤، ص١٦٨، رقم الحديث: ٣٤٤٩، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم (عليه السلام).
(١٧٣) صحيح مسلم: ج١، ص١٣٧، رقم الحديث: ١٥٦، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
(١٧٤) سنن ابن ماجه: ج٢، ص١٣٥٩، رقم الحديث: ٤٠٧٧، أبواب الفتن، باب خروج المهدي. وباللفظ نفسه أخرجه في الفتن لابن حماد الخزاعي المروزي، ج ١، ص٣٤٦.
(١٧٥) ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري: ج ٦، ص٤٩٣.
(١٧٦) المصدر نفسه: ج٦، ص٤٩٤.
(١٧٧) ابن قيم الجوزية، المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ص١٤٧.
(١٧٨) ظ: المصدر نفسه: ص١٤٧ - ١٤٨.
(١٧٩) ظ: الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيءٌ من فقهها وفوائدها، ج٥، ص٢٧٦، صحيحة رقم: ٢٢٣٦. وله شاهدٌ في نصٍ آخر في عقد الدرر (... قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يلتفتُ المهديُّ، وقد نزل عيسى بن مريم، كأنَّما يقطر من شعره الماء، فيقول المهدي: تقدم صلِّ بالناس. فيقول عيسى: ما أقيمت الصلاة إلا لك. فيصلي خلف رجل من ولدي). الشافعي السلمي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص٧٣.
(١٨٠) الصدوق، أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت ٣٨١هـ)، كمال الدين وتمام النعمة: ص٢٨٣ - ٢٨٤. رقم الحديث: ٣٦، باب ماروي عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في النص على القائم (عليه السلام) وأنَّه الثاني عشر من الأئمة (عليهم السلام). الحديث معتبرٌ موثقٌ، وثقه الماحوزي، بعد دراسة رجال السند، ففيه رجالٌ من غير الإمامية، ينظر الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، في كتابه: أربعون حديثاً معتبراً في النص على الأئمة الإثني عشر بأسمائهم: ص٨٧ - ٨٩.
(١٨١) ينظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ): ج٤، ص٦٠٠، رقم الحديث ٨٦٦٩. كتاب الفتن والملاحم.
وكذا ينظر: كتاب مصابيح السنَّة للبغوي (ت ٥١٦هـ) أبو محمد الحسين بن مسعود، ج١، ص١٩٢. باب أشراط الساعة. حيث جرى ذكر المهديّ المنتظر.
وكذا ينظر: كتاب جامع الأصول من أحاديث الرسول لابن الأثير الجزري (ت ٦٠٦هـ): ج١٠، ص٣٢٧ وما بعدها، الكتاب التاسع في القيامة وما يتعلق بها أولاً وآخراً، الباب الأول: في أشراط الساعة وعلاماتها، الفصل الأول: في المسيح والمهدي (عليه السلام).
(١٨٢) العباد، عبد المحسن بن حمد، عقيدة أهل السنة والأثر في المهديّ المنتظر، رسالةٌ أو محاضرةٌ، منشورةٌ في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة: ٣٠٤ - العدد: ٣، السنة الأولى، شباط ١٩٦٩م.
(١٨٣) صحيح البخاري: ج٦، ص١١٥، رقم الحديث: ٤٧٧٧. كتاب تفسير القرآن، باب قوله: إن الله عنده علم الساعة.
(١٨٤) الهيتمي، ابن حجر، القول المختصر في علامات المهديّ المنتظر (١٢٩ ألف): نقلاً عن: البستوي دكتور عبد العليم عبد العظيم، المهديّ المنتظر في ضوء الأحاديث والآثار الصحيحة: ص٥٥.
(١٨٥) صحيح البخاري: ج١، ص١٤، رقم الحديث: ٢٥. كتاب تفسير القرآن، باب: فإنْ تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم. وينظر: صحيح مسلم: عن أبي هريرة عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): ج١، ص٥٣، رقم الحديث: ٢٢. كتاب الإيمان، باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله.
(١٨٦) الحشر: آية ٧.
(١٨٧) المتواتر: (عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورةً، ولا بُدَّ في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه). ابن الصلاح، تقي الدين عثمان بن عبد الرحمن (ت: ٦٤٣هـ)، معرفة أنواع علوم الحديث، ويُعرف بمقدمة ابن الصلاح: ص٢٦٧.
أو: هُوَ مَا نَقَلَهُ مَنْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِصِدْقِهِمْ ضَرُورَةً عَنْ مِثْلِهِمْ مِنْ أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، مثل حَدِيثُ (مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ) السيوطي، جلال الدين (ت: ٩١١هـ)، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: ج٢، ص٦٢١.
وينظر: العاملي، الشيخ حسين بن عبد الصمد (ت ٩٨٤هـ)، وصول الأخيار إلى أصول الأخبار: ص٩٤. وينظر: الداماد، المير محمد باقر الحسينى، الرواشح السماوية في شرح الأحاديث الإمامية: ص٤٠.
(١٨٨) ظ: الألباني، محمد ناصر الدين، موسوعة العلامة محمد ناصر الدين الألباني، موسوعة تحتوي على أكثر من (٥٠) عملاً ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد. ج١، ص٣٤٠ - ٣٤٢.
(١٨٩) البقرة: ٢.
(١٩٠) الألباني، ناصر الدين، حول المهدي: مقالة منشورة في مجلة التمدن الإسلامي، عدد ٢٢، ص٦٤٣، دمشق.
(١٩١) السفاريني، الشيخ محمد بن أحمد النابلسي الحنبلي (ت ١١٨٨هـ)، شرح العقيدة السفارينية، لمحمد بن صالح العثيمين (ت: ١٤٢١هـ)، ص١١.
(١٩٢) العثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية، ص٤٥٠.
(١٩٣) سنن ابن ماجه: ج٥، ص٢١١، رقم الحديث: ٤٠٨٤. أبواب الفتن، باب خروج المهدي. وباللفظ بنفسه جاء في الفتن لابن حماد الخزاعي المروزي: ج١، ص٣٤٦.
(١٩٤) قال عنه الألباني: منكر، في كتاب سلسلة الأحاديث الضعيفة: ج١، ص١٩٥، رقم الحديث: ٨٥.
أقول: لكن هل يمكن أن يُجبر ضعفه، إذا لم يكن في الأسانيد الضعيفة كذَّابٌ أو وضَّاعٌ، بأنْ يُعضد بطرقٍ أخرى صحيحةٍ وأحاديثَ بالمضمون نفسه، وتسمى الشواهد، إذا تعددت الطرق للمضمون نفسه أو المتن. مع أنَّ المحقق محمد فؤاد عبد الباقي، (محقق سنن ابن ماجه) حكم بصحة هذا الحديث في الهامش قائلاً: (في الزوائد هذا إسناده صحيح، رجاله ثقات. ورواه الحاكم في المستدرك). سنن ابن ماجه، بتحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، طبعة: دار إحياء الكتب العربيّة، ج٢، هامش ص١٣٦٧، كتاب الفتن، باب خروج المهدي. رقم الحديث: ٤٠٨٤.
ويمكن الحكم بصحته، ولا سيَّما إذا علَّق عليه الذهبي في المستدرك، وكان على شرط الشيخين بشهادة تعليق الذهبي إذ جاء بطريقٍ آخرَ يلتقي مع سفيان الثوري: (أخبرنا أبو عبد الله الصفار ثنا محمد بن إبراهيم بن أرومة ثنا الحسين بن حفص ثنا سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان (رض) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يقتتل عند كنزكم ثلاثة كلهم ابن خليفة... فقال: إذا رأيتموه فبايعوه ولو حبوا على الثلج فإنَّه خليفة الله المهدي. هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط الشيخين. تعليق الذهبي قي التلخيص: على شرط البخاري ومسلم) وتعليق الذهبي قال: (على شرط البخاري ومسلم). المستدرك على الصحيحين: ج٤، ص٥١٠، رقم الحديث: ٨٤٣٢. كتاب الفتن والملاحم.
وحيث جاء الحديث بلفظٍ آخرَ في مسند أحمد (فأتوها فإنَّ فيها خليفة الله المهدي) وتعليق شعيب الأرنؤوط: إسناده ضعيفٌ، مسند أحمد بن حنبل، ج٣٧، ص٧٠، رقم الحديث: ٢٢٣٨٧. مسند ثوبان.
أقول: يعني الإسناد هنا بهذا الطريق ضعيفٌ، لكن بغير طريقٍ هو صحيحٌ، فقال التويجري: (رواه ابن ماجة بإسناد صحيح، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه) التويجري، حمود بن عبد الله (ت ١٤١٣هـ)، إتحاف الجماعة بما جاء في الفتن والملاحم وأشراط الساعة: ج٢، ص١٨٧.
بعد ذلك إذا ضممنا الأحاديث التي تعبِّر بمضمون الخليفة في آخر الزمان، كما جاء في صحيح مسلم (عن أبي سعيد وجابر بن عبد الله قالا: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يكون في آخر الزمان خليفة يقسم المال ولا يعدّه) صحيح مسلم: ج٤، ٢٢٣٥، رقم الحديث: ٢٩١٤. كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
 والحديث الآخر أيضاً جاء (عن أبي نضرة قال... قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يكون في آخر أمتي خليفةٌ؛ يحثي المال حثياً؛ لا يعدُّه عداً) صحيح مسلم: ج٤، ص٢٢٣٤، رقم الحديث: ٢٩١٣، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
(١٩٥) الأصبهاني، أبو نعيم، (ت ٤٣٠هـ)، الأربعون حديثاً في المهدي: ص١٤، رقم الحديث: ١٥. مصدر الكتاب: المكتبة الشاملة نسخة الإصدار العاشر.
وأخرجه السلمي الشافعي، يوسف بن يحيى (ت بعد ٦٥٨هـ)، عقد الدرر في أخبار المنتظر: بلفظ (على رأسه عمامة): ص٢٠٥.
وأخرجه صاحب كتاب كشف الغمة، أبو الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي (ت ٦٩٢هـ): ج٤، ص١٨٧.
وأخرجه العلامة المجلسي، محمد باقر (ت١١١٠هـ) في بحار الأنوار: ج٥١، ص٨١.
(١٩٦) يُذكر أن بعض الأعلام عَنْونوا أبوابهم بهذا اللفظ (الخليفة المهدي) كما في كتاب التاج الجامع للأصول في أحاديث الرسول، تأليف الشيخ منصور علي ناصف من علماء الأزهر الشريف: كتاب الفتن وعلامات الساعة، الباب السابع: في الخليفة المهديّ رضي الله عنه، ج٥، ص٣٤١.
(١٩٧) البقرة: ٣٠.
(١٩٨) عرَّف علماء الاختصاص خبر (الآحاد: ما سوى المتواتر) العثيمين، محمد بن صالح، علم مصطلح الحديث: ص٧.
 يعني: أنَّ خبر الآحاد يسمى آحاداً وإنْ روته جماعةٌ ما دام لم يبلغ حدّ التواتر، وينقسم على اعتباراتٍ متعدّدةٍ، إلى المشهور، العزيز، الغريب، الصحيح، الحسن، والضعيف، وغيرها.
وهذا الرأيٌ (وهو أن أخبار المهديّ المنتظر من أخبار الآحاد) رأيٌ يُحترم لصاحبه حيثما أخذ به دليلُه لذلك الرأي، لكن ليس رأياً عاماً ثابتاً لعموم علماء المسلمين، فسيثبت لاحقاً أنها متواترةٌ. وإنْ كان تواتراً في المعنى، إذ الفرق معروف بين المتواتر اللفظي والمتواتر المعنوي.
(١٩٩) التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله (ت٧٩١ هـ)، شرح المقاصد في علم الكلام: ج٢، ص٣٠٧.
(٢٠٠) صحيح البخاري، ج٤، ص١٦٨، رقم الحديث: ٣٤٤٩، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم (عليه السلام).
أخرجه مسلم في صحيحه: ج١، ص١٣٥، رقم الحديث: ٢٤٤. كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريعة نبينا محمد (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم).
(٢٠١) الصنعاني، الحافظ أبو بكر عبد الرزاق، المصنف: ج١١، ص٣٧٢، رقم الحديث: ٢٠٧٧٤. باب المهدي.
(٢٠٢) السفاريني، الشيخ محمد بن أحمد النابلسي الحنبلي (ت ١١٨٨هـ)، شرح العقيدة السفارينية، لمحمد بن صالح العثيمين (ت: ١٤٢١هـ): ص١١.
(٢٠٣) العثيمين، محمد بن صالح، شرح العقيدة السفارينية - الدرة المضية في عقد أهل الفرقة المرضية: ص٤٥٠.
(٢٠٤) تويال، فرانسوا، كتاب الشيعة في العالم، ص٣٩.
(٢٠٥) أَجْلَى الجَبْهَةِ: الأَجْلَى الخفيف شعر ما بين النَّزَعتين من الصُّدغين والذي انحسر الشعر عن جبهته. ينظر: لسان العرب لابن منظور، محمد بن مكرم: ج١٤، ص١٤٩، مادة: جلا.
(٢٠٦) أجلى الجبين انحسارُ: الشَّعْر عن جانِبَي الرَّأس، قال رؤبة:

لمّا رأتني خَلَقَ المُمَوَّهِ * * * بَرَّاقَ أصْلادِ الجبينِ الأَجْلَهِ.

ينظر: ابن فارس، أحمد أبو الحسين، معجم مقاييس اللغة: ج١، ص٤٦٨. مادة: جله.
(٢٠٧) أقنى الأنف: (القَنا في الأنف طوله ودِقَّة أَرْنبته مع حدَب في وسطه) لسان العرب لابن منظور، محمد بن مكرم: ج١٥، ص٢٠١، مادة: قنا.
(٢٠٨) ذُكرت هذه الصفات في أحاديثَ معتبرةٍ، ينظر: الصنعاني، الحافظ أبو بكر عبد الرزاق (ت ٢١١هـ)، المصنف: ج١١، ص٣٧٢، رقم الحديث: ٢٠٧٧٣. باب المهدي. وكذا ينظر: سنن أبي داود (ت ٢٧٥هـ): أول كتب المهدي: ج٦، ص٣٤٢، رقم الحديث: ٢٤٨٥. وكذا ينظر كشف الغمة في معرفة الأئمة، تأليف العلامة المحقق أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي: ج٤، ص٢١١. تم دراسة سند الحديث: ينظر: سنن أبي داود: هامش تعليق: شعَيب الأرنؤوط، ج٦، ص٣٤٢ - ٣٤٤. وينظر هامش صفحة ١٤٤ من هذا الكتاب.
(٢٠٩) ظ: الطبراني، المعجم الكبير: ج٨، ص١٠١، رقم الحديث: ٧٤٩٥.
(٢١٠) رجل أَزَجُّ: طويل الساقين والزَجَجُ: دِقَّةٌ في الحاجبَين وطولٌ. وزَجَّجَتِ المرأة حاجبَها: دَقَّقَتْهُ وطَوَّلتْهُ. الزَّجَجُ دِقَّة في الحاجبين وطُولٌ. لسان العرب لابن منظور، محمد بن مكرم: ج٢، ص٢٨٥، مادة: زجج.
(٢١١) أبلج: (وكُلُّ مُتَّضِحٍ أَبْلَجُ) من صُبْحٍ وحَقٍ وأَمْرٍ ووَجْهٍ يقال للرّجُلِ الطَّلْقِ الوَجْهِ: أَبْلَجُ (أَبْلَجُ الوَجْهِ) أَي مُسْفِرُه مُشْرِقُه. ينظر: الزَّبيدي، محمّد بن عبد الرزّاق، تاج العروس من جواهر القاموس: ج٥، ص٤٢٧. مادة: بلج.
(٢١٢) أبْيضُ مُشْرَبٌ حُمْرةً الإشْرَابُ: خَلْطُ لَوْنٍ بلونٍ كأن أحدَ اللَّوْنين سُقِي اللّونَ الآخَر. يقال بياضٌ مُشْرَبٌ حُمرةً بالتخفيف. وإذا شُدِّد كان للتكثير والمبالغة. ينظر: ابن الأثير الجزري مجد الدين أبو السعادات، النهاية في غريب الحديث والأثر: باب الشين مع الراء، ج٢، ص٤٥٤.
(٢١٣) ظ: نعيم بن حماد، الفتن، ص٢٢٦.
(٢١٤) ظ: النعماني (المتوفى حدود سنة ٣٦٠هـ) الشيخ محمد بن إبراهيم، كتاب الغَيْبَة، ص٢١٥، باب: ما روى في صفته وسيرته وفعله وما نزل من القرآن فيه (عليه السلام).
(٢١٥) ينظر: الصنعاني، الحافظ أبو بكر عبد الرزاق (ت ٢١١هـ)، المصنف: ج١١، ص٣٧١ - ٣٧٤. باب المهدي.
وينظر: المصنف لابن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ): ج٧، ص٥١٢ - ٢١٤. كتاب الفتن.
وينظر: مسند أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ): ج١٧، ص٤٢٦، رقم الحديث: ١١٣٢٦. مسند أبي سعيد الخدري (رض) وفي مسانيد أخرى من الكتاب.
وينظر: سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد القزويني (ت ٢٧٣هـ): أبواب الفتن، باب خروج المهدي: ج٥، ص٢٠٩ - ٢١٥.
وينظر: سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت ٢٧٥هـ): أول كتب المهديّ ص٣٣٥ إلى ص٣٤٨، آخر كتاب المهدي.
وينظر: سنن الترمذي (ت ٢٩٧هـ): ج٤، ص٥٠٤ - ٥٠٦. أبواب الفتن، باب: ما جاء في المهدي.
وينظر: المستدرك على الصحيحين، للحاكم النيسابوري (ت ٤٠٥هـ): ج٤، ص٥٠١ - ص٥١٠ - ص٦٠٠ - ص٦٠١ - ص٥١١ - ص٥١٢. كتاب الفتن والملاحم.
وينظر: كتاب الغيبة للنعماني، للشيخ ابن أبى زينب محمد بن إبراهيم النعماني (المتوفى حدود سنة ٣٦٠هـ): ص٢١٥ - ٢٤١، باب: ما روى في صفته وسيرته وفعله وما نزل من القرآن فيه (عليه السلام).
وينظر: كتاب الغيبة، للطوسي، محمد بن الحسن بن علي (ت ٤٦٠هـ): ص٢٦٦، ص٣٥٧ - ٣٥٨. ١٨٢. ١١١.
وينظر: عقد الدرر في أخبار المنتظر، للسلمي الشافعي، يوسف بن يحيى (ت بعد ٦٥٨هـ): ص٧٣، ص٧٤، ص٢٠٥.
وينظر: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للهيثمي، نور الدين علي بن أبي بكر (ت ٨٠٧هـ). باب: ما جاء في المهدي: ص٣١٣ - ٣١٩.
وينظر: بحار الأنوار، للعلامة المجلسي، محمد باقر (ت ١١١٠هـ): الأجزاء ٥١ - ٥٢ - ٥٣ - المختصة بالإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام).
وينظر: كشف الغمة في معرفة الأئمة، تأليف العلامة المحقق أبي الحسن علي بن عيسى بن أبي الفتح الإربلي. الفصل الثامن عشر في بشارة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمته بالمهدي: ج٤، ص١٨٧.
وينظر: كتاب الإمام المهدي (عليه السلام) عند أهل السنة، لمؤلفه: مهدي الفقيه الإيماني، المجمع العالمي لأهل البيت (عليهم السلام): ص١١ - ١٢٠. ويمكن الاستزادة من الكتاب كله في مسألة النقاط المشتركة في المهديّ المنتظر.
وينظر: كتاب الإمام المهديّ في الأحاديث المشتركة بين السنة والشيعة، محمد أمير الناصري: ص١٩ - ٧٢. ويمكن الاستزادة من الكتاب كله في مسألة النقاط المشتركة في المهديّ المنتظر.
(٢١٦) روجرسون، برنابي، ورثة محمد - جذور الخلاف السني الشيعي: ص٣٤٨.
(٢١٧) ظ: المصدر نفسه: ص٣٤٩.
(٢١٨) ظ: فلوتن، فان، السيطرة العربيّة والتشيّع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية: ص١٠٤ - ١٠٥.
(٢١٩) الأعراف: ١٨٧.
(٢٢٠) روجرسون، برنابي، ورثة محمد - جذور الخلاف السني الشيعي: ص٣٤٨.
(٢٢١) يقصد: الآيتان: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ المرسلات: ٧ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ القمر: ١.
(٢٢٢) إشارة إلى الحديث الوارد في سنن الترمذي (لا تذهب أو لا تنقضي الدنيا حتى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي) سنن الترمذي: ج٤، ص٥٠٥، رقم الحديث: ٢٢٣٠. أبواب الفتن عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): باب ما جاء في المهدي.
(٢٢٣) ماسّيه، هنري، كتاب الإسلام: ١٩٩.
(٢٢٤) غولدتسيهر، إغناس، العقيدة والشريعة في الإسلام: ص١٩١.
(٢٢٥) المصدر نفسه: ص١٩٥.
(٢٢٦) ظ: دونالدسون، دوايت، عقيدة الشيعة: ص٢٣١.
(٢٢٧) دونالدسون، دوايت، عقيدة الشيعة: ص٢٣٢.
(٢٢٨) ظ: المصدر نفسه: ص٢٣٢.
(٢٢٩) ظ: فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية: ص١٠٦ - ١٠٨.
(٢٣٠) المصدر نفسه: ص١١١.
(٢٣١) غولدتسيهر، إغناس، العقيدة والشريعة في الإسلام، ص١٩٤.
(٢٣٢) ظ: إلياد، ميرسيا، تاريخ المعتقدات والأفكار الدينية، ص١٣٦.
(٢٣٣) حوراني، ألبرت، تاريخ الشعوب العربية، ج١، ص٧٠.
(٢٣٤) النحل: ٨٩.
(٢٣٥) الأعراف: ١٤٥.
(٢٣٦) المائدة: ٤٨.
(٢٣٧) الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج٨، ص٢٥٠، تفسير سورة الأعراف الآية: ٤٥.
(٢٣٨) الأنعام: ٣٨.
(٢٣٩) النجم: ٣.
(٢٤٠) الحشر: ٧.
(٢٤١) النحل: ٤٤.
(٢٤٢) النحل: ٦٤.
(٢٤٣) النساء: ٥٩.
(٢٤٤) النحل: ٤٤.
(٢٤٥) النساء: ٢٣.
(٢٤٦) صحيح البخاري: ج٧، ص١٢، رقم الحديث: ٥١١٠. كتاب النكاح، باب: لا تنكح المرأة على عمتها.
(٢٤٧) صحيح مسلم: ج٢، ص١٠٢٩، رقم الحديث: ١٤٠٨، كتاب النكاح، باب: تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح.
(٢٤٨) صحيح البخاري: ج٥، ص٥٢، رقم الحديث: ٣٨٨٧. كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج. وينظر: سنن الترمذي: ج٥، ص٣١٦، رقم الحديث: ٣١٥٧، أبواب القراءات عن رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): باب: ومن سورة مريم.
(٢٤٩) صحيح مسلم: ج١، ص١٤٥، رقم الحديث: ١٦٢، كتاب الإيمان، باب الإِسْرَاءِ بِرَسُولِ اللهِ (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) إلى السَّمَوَاتِ وَفَرْضِ الصَّلَوَاتِ.
ومُنكِرُ ذلك مُنكِرٌ لضروري الدين الثابت بالكتاب والسُّنّة، فعن الإمام الرضا (عليه السلام): (مَن كذّب بالمعراج فقد كذّب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). المجلسي، محمد باقر (ت ١١١٠هـ) بحار الأنوار: ج١٨، ص٣١٢، باب: اثبات المعراج ومعناه وكيفيته وصفته.
(٢٥٠) هذه عبارة المتن لصاحبها الطحاوي، أبي جعفر أحمد بن محمد المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: ٣٢١هـ). من كتاب شرح العقيدة الطحاوية، شرح صالح بن فوزان بن عبد الله: ص٨٨.
(٢٥١) وهذه عبارة الشارح الفوزان، صالح بن فوزان بن عبد الله، شرح العقيدة الطحاوية: ص٩٠.
(٢٥٢) النجم: ٥-١٨.
(٢٥٣) ظ: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١٩، ص٢٧، تفسير سورة النجم، الآيات: ١-١٨.
(٢٥٤) ظ: البيضاوي، تفسير أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ج٥، ص١٥٧.
(٢٥٥) نسبة العموم والخصوص من وجهٍ: وتكون بين المفهومين الكليين اللذين يجتمعان في بعض مصاديقهما، ويفترق كلٌ منهما عن الآخر في مصاديق تخصه، كمفهوم (الطير والأسود) فإنَّهما يجتمعان في الغراب، لأنه طير وأسود، ويفترق الطير عن الأسود في الحمام الأبيض أو غير الأسود، لأن الحمام قد يكون أسودَ وقد لا يكون أسودَ. ويفترق كلّيّ الأسود عن الطير في الصوف الأسود مثلاً. فبطبيعة الحال عندما يفترقان في بعض أفرادهما، حينئذٍ يكون لكلّ كلّيٍّ نطاقه الخاص به. ومرجع العموم والخصوص من وجهٍ إلى ثلاث قضايا:
موجبةٌ جزئيةٌ موضوعها أحد الطرفين مخيراً، مثالها: بعض الطير أسود مثل: (الغراب) وإنَّما اكتفي بموجبةٍ جزئيةٍ واحدةٍ، لأنها تدل على تصادق الطرفين في بعض الأفراد، فهي تغني عن عكسها، فإنَّ (بعض الطير أسود) تغني عن (بعض الأسود طير) وتدل عليها وتنعكس إليها.
وقضيتين سالبيتين جزئيتين من الطرفين:
بعض الطير ليس بأسود (طير أبيض أو أحمر) سالبة جزئية.
بعض الأسود ليس بطير (الصوف أو الثوب الأسود) سالبة جزئية.
لكن هنا بخلاف الموجبة الجزئية، لم يُكتف بسالبةٍ جزئيةٍ واحدةٍ؛ لأنها لا تنعكس أصلاً، فإنَّ (بعض الطير ليس بأسودَ، وهو الطير الأبيض في المثال) لا تدل على (بعض الأسود ليس بطيرٍ، وهو الصوف الأسود في المثال) ولا تغني عنها. ينظر: المقرر في توضيح منطق المظفر، السيد رائد الحيدري، ص١٠٧.
(٢٥٦) آل عمران: ٩٧.
(٢٥٧) البقرة: ٤٣.
(٢٥٨) الرعد: ٤.
(٢٥٩) غافر: ٧٨.
(٢٦٠) ظ: موقع مركز الأبحاث العقائدية http://www.aqaed.com/faq
(٢٦١) البقرة: ٢ - ٣.
(٢٦٢) النور: ٥٥.
(٢٦٣) الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١، ص٥٠، تفسير سورة البقرة، الآية: ٢ - ٣.
(٢٦٤) قال العلامة الطباطبائي في قاعدة الجري والانطباق: (القرآن الكريم كتابٌ دائمٌ لكل الأزمان وتسري أحكامه على كل الناس، فيجري في الغائب كما يجري في الحاضر وينطبق على الماضي والمستقبل كما ينطبق على الحال. فمثلاً الآيات النازلة في حكمٍ ما على أحد المؤمنين بشروط خاصة في عصر النبوة يسري ذلك الحكم على غيره لو توفرت تلك الشروط في العصور التالية أيضاً، والآيات التي تمدح أو تذم بعض من يتحلى بصفاتٍ ممدوحةٍ أو مذمومةٍ تشمل من يتحلى بها ممن لم يعاصر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). فإذاً مورد نزول آيةٍ من الآيات لا يكون مخصصاً لتلك الآية نفسها). الطباطبائي، كتاب القرآن في الإسلام، ص٦٦.
وهي مأخوذة من قول أئمة أهل البيت (عليهم السلام). ففي تفسير العياشي، عن الفضيل بن يسار قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الرواية: ما في القرآن آيةٌ إلا ولها ظهرٌ وبطنٌ وما فيها حرفٌ إلا وله حدٌّ، ولكل حدٍّ مطلعٌ. ما يعني بقوله: ظهرٌ وبطنٌ؟ قال؟ ظهره تنزيله وبطنه تأويله، منه ما مضى ومنه ما لم يكن بعد، يجري كما يجري الشمس والقمر. فإنَّ القرآن نزل هدًى للعالمين يهديهم إلى واجب الاعتقاد وواجب الخُلُق وواجب العمل، وما بينه من المعارف النظرية حقائقُ لا تختص بحالٍ دون حالٍ ولا زمانٍ، دون زمانٍ وما ذكره من فضيلةٍ أو رذيلةٍ أو شرعةٍ من حكمٍ عمليٍّ لا يتقيد بفردٍ دون فردٍ ولا عصرٍ دون عصرٍ لعموم التشريع. ينظر: الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان: ج١، ص٤٤، تفسير سورة الحمد، الآية: ٦-٧.
أقول: وكذلك للقاعدة المشهورة بأن: المورد لا يخصص الوارد، وأنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(٢٦٥) البقرة: ٢ - ٣.
(٢٦٦) الألباني، ناصر الدين، حول المهدي، مقالة منشورة في مجلة التمدن الإسلامي: عدد ٢٢، ص٦٤٣، دمشق.
(٢٦٧) ظ: الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن الملقب بشيخ الطائفة (ت ٤٠٦هـ)، التبيان في تفسير القرآن: ج١، ص٥٥. وينظر: الطبرسي، أبو على الفضل بن الحسن (ت ٥٤٨هـ)، مجمع البيان: ج١، ص٥٠. وينظر: الشيرازي، السيد صادق الحسيني، المهدي (عليه السلام) في القرآن والسنة: ص٨.
(٢٦٨) المجادلة: ٢٢.
(٢٦٩) أخرجه: الخزاز أبو القاسم على بن محمد الرازي (من علماء القرن الرابع)، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: ص٦٠. وأخرجه: القندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم (ت ١٢٧٠هـ)، ينابيع المودة، ج٣، ص٢٨٤. والحكم على الحديث: صححه الماحوزي، بعد دراسة رجال سند الحديث واحداً واحداً قال: (مرتبة الحديث: سند الفضل بن شاذان صحيح رجاله ثقات أجلَّاء) الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، في كتابه: أربعون حديثاً معتبراً في النص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم: ص٦٢.
(٢٧٠) يونس: ٢٠.
(٢٧١) المؤمنون: ٥٠.
(٢٧٢) الصدوق، أبو جعفر أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (ت٣٨١ هـ)، كمال الدين وتمام النعمة: ص١٨.
(٢٧٣) التوبة: ٣٢ - ٣٣. تكررت هاتان الآيتان باللفظ نفسه باختلاف حرف واحد في كلمة (لِيُطفِئوا) وكلمة (وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ) ﴿يُرِيدُونَ لِيُطفِئوا نُورَ اللهِ بِأَفوَاهِهِم وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ الـمشرِكُونَ﴾ سورة الصف: ٨ - ٩. وتكررت الآية ٣٣ من سورة التوبة مرةً ثالثةً في سورة الفتح باختلافٍ (وكفى بالله شهيداً) ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ الفتح: ٢٨.
(٢٧٤) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ج٨، ص١٢١.
(٢٧٥) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ج٨: ص١٢١ - ١٢٢.
(٢٧٦) الفخر الرازي، تفسير مفاتيح الغيب: ج١٦، ص٣٣.
(٢٧٧) الشربيني الخطيب، محمد بن أحمد، الفقيه الشافعي، تفسير السراج المنير: ج١، ص٦٩٢.
(٢٧٨) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، (ت ٤٢٧هـ)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج٥، ص٣٦.
(٢٧٩) ظ: أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي، البحر المحيط في التفسير: ج٥، ٤٠٦.
(٢٨٠) الشربيني الخطيب، محمد بن أحمد، الفقيه الشافعي، تفسير السراج المنير: ج١، ص٦٩٢.
(٢٨١) ابن عادل، أبو حفص سراج الدين الحنبلي الدمشقي، تفسير اللباب لابن العادل: ج١٠، ص٦٨.
(٢٨٢) النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد (ت ٨٥٠هـ) تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان، المعروف بتفسير النيسابوري: ج٣، ص٤٥٨.
(٢٨٣) ابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج (ت ٥٩٧هـ) زاد المسير في علم التفسير: ج٢، ص٢٥٤.
(٢٨٤) التوبة: ٣٣.
(٢٨٥) الحاكم، أبو عبد الله النيسابوري، (ت ٤٠٥هـ)، المستدرك على الصحيحين: ج٤، ص٤٩٤. رقم الحديث: ٨٣٨١. كتاب الفتن والملاحم.
(٢٨٦) مسند أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ): ج٢٨، ص١٥٥، رقم الحديث: ١٦٩٥٧، حديث تميم الداري (رض). وفي نفس الصفحة من المسند، صحح الحديث شعيب الأرناؤوط قال: إسناده صحيح على شرط مسلم.
وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ج٢٢، ص٣٢٥، رقم الحديث: ٥٩٦، والحاكم في المستدرك، ج٤، ص٤٧٧، رقم الحديث: ٨٣٢٦. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، التعليق - من تلخيص الذهبي على شرط البخاري ومسلم.
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ج٩، ص١٨١، رقم الحديث: ١٨٤٠٠. وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث المقداد بن الأسود: ج١٥، ص٩١، رقم الحديث: ٦٦٩٩. باب: ذكر الإخبار عن إظهار الله تعالى الإسلام في أرض العرب وجزائرها.
 وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، وقال: ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء في معنوياتهم ومادياتهم وسلاحهم حتى يستطيعوا أن يتغلبوا على قوى الكفر والطغيان. ينظر: ج١، ص٣٢، رقم الحديث: ٣.
(٢٨٧) الفخر الرازي، تفسير مفاتيح الغيب: ج١٦، ص٣٣.
(٢٨٨) الصدر، السيد محمد محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام) الكتاب الثاني تاريخ الغيبة الكبرى: ٢٠٥.
(٢٨٩) الأنفال: ٣٩.
(٢٩٠) الخصيبي، الحسين بن حمدان (ت ٣٣٤هـ)، الهداية الكبرى: ص٤٣٠. وينظر المجلسي، محمد باقر (ت ١١١٠هـ) بحار الأنوار: ج٥٣، ص٣٤.
(٢٩١) نعم هناك روايات عدَّة كثيرة مستفيضة من طرق الإمامية في تفسير هذه الآية؛ لكن نكتفي بطرح مثال آخر: وردَ في كتاب كمال الدين وتمام النعمة للشيخ الصدوق (ت٣٨١) بإسناده (عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزَّ وجل: هُوَ الَّذِي أَرسَلَ رَسُولَهُ بِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَو كَرِهَ المشرِكُونَ﴾ فقال: والله ما نزل تأويلها بعد، ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم (عليه السلام) فإذا خرج القائم (عليه السلام) لم يبق كافرٌ بالله العظيم ولا مشركٌ بالإمام إلا كره خروجه...) الشيخ الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة: ص٦٧١.
(٢٩٢) البقرة: ١١٤.
(٢٩٣) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن: ج٢، ص٥٢٥. وكذا ينظر: السيوطي، جلال الدين، في الدر المنثور في التفسير بالمأثور: ص٤٧.
(٢٩٤) ابن أبي حاتم، أبو محمد عبد الرحمن الرازي، تفسير القرآن العظيم المعروف بتفسير ابن أبي حاتم: ج١، ص٢١١، رقم الحديث: ١١١٨.
(٢٩٥) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ج٢، ص٧٩.
(٢٩٦) ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل القرشي الدمشقي (ت ٧٧٤هـ)، تفسير القرآن العظيم: ج١، ص٣٩٠.
(٢٩٧) الشوكاني محمد بن علي اليمني (ت ١٢٥٠هـ)، تفسير فتح القدير: ج١، ص١٥٤.
(٢٩٨) النور ٥٥.
(٢٩٩) أخرجه: الخزاز أبو القاسم على بن محمد الرازي (من علماء القرن الرابع)، كفاية الأثر في النص على الأئمة الاثني عشر: ص٦٠. وأخرجه: القندوزي الحنفي، سليمان بن إبراهيم (ت ١٢٧٠هـ)، ينابيع المودة: ج٣، ص٢٨٤. الحكم على الحديث: صححه الماحوزي بعد دراسة رجال سند الحديث واحداً واحداً قال: (مرتبة الحديث: سند الفضل بن شاذان صحيح رجاله ثقات أجلِّاء) الماحوزي، الشيخ أحمد بن عبد الحسن البحراني، في كتابه: أربعون حديثاً معتبراً في النص على الأئمة الاثني عشر بأسمائهم: ص٦٢.
(٣٠٠) النعماني، الشيخ محمد بن إبراهيم (المتوفى حدود سنة ٣٦٠هـ) كتاب الغَيْبة: ص٢٤١.
(٣٠١) الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن الملقب بشيخ الطائفة (ت ٤٠٦هـ)، التبيان في تفسير القرآن: ج٧، ص٤٥٠.
(٣٠٢) الرعد: ٣١.
(٣٠٣) ظ: الصدر، محمد صادق، موسوعة الإمام المهدي (عليه السلام) الكتاب الثاني: تاريخ الغيبة الكبرى: ص٢٠٤.
(٣٠٤) صحيح مسلم: ج٤، ٢٢٣٥، رقم الحديث: ٢٩١٤. كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
(٣٠٥) صحيح مسلم: ج٤، ص٢٢٣٤، رقم الحديث: ٢٩١٣. كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء.
(٣٠٦) الطبرسي، تفسير مجمع البيان: ج٧، ص١٩٤ - ١٩٥.
(٣٠٧) ظ: الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل: ج١١، ص٩٩ - ١٠٠.
(٣٠٨) النور: ٥٥.
(٣٠٩) الأنعام: ١٦٥.
(٣١٠) آرنولد، توماس، الخلافة: ٤١.
(٣١١) آرنولد، توماس، الخلافة: ص٤٦.
(٣١٢) ظ: الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل: ج١١، ص١٠٠.
(٣١٣) سنن ابن ماجه: ج٥، ص٢١١، رقم الحديث: ٤٠٨٤. أبواب الفتن، باب خروج المهدي. باللفظ بنفسه جاء في الفتن لابن حماد الخزاعي المروزي، ج ١، ص٣٤٦. تم دراسة حكم الحديث في موضع سابق من هذا الكتاب واتضح بأنَّه: صحيح. راجع الصفحة: ٨٨.
(٣١٤) ظ: الشيرازي، ناصر مكارم، تفسير الأمثل: ج١١، ص١٠٠.
(٣١٥) مسند الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١هـ): ج٦، ص٤٤، رقم الحديث: ٣٥٧٢، قال محقق الكتاب شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن من أجل عاصم بن أبي النجود، وبقية رجاله ثقات رجال الشيخين، عمر بن عبيد: هو الطنافسي.
(٣١٦) النور: ٥٥.
(٣١٧) سبأ: ٥١.
(٣١٨) نعيم بن حماد، الفتن: ج١، ص٣٢٩.
(٣١٩) الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن: ج٢٠، ص٤٢٢.
(٣٢٠) المصدر نفسه: ج٢٠، ص٤٢٢.
(٣٢١) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن: ج٨، ص٩٤.
(٣٢٢) الشافعي السلمي، يوسف بن يحيى، عقد الدرر في أخبار المنتظر: ص١٤٦.
(٣٢٣) تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ج١٤، ص٣١٤.
(٣٢٤) القرطبي، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة: ص١١٩٤.
(٣٢٥) أبو حيان، محمد بن يوسف أثير الدين الأندلسي (المتوفى: ٧٤٥هـ)، تفسير البحر المحيط: ج٨، ص٥٦٥.
(٣٢٦) الثعلبي، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، ج٨، ص٩٤.
(٣٢٧) البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود، معالم التنزيل: ج٦، ص٤٠٦.
(٣٢٨) الزمخشري، أبو القاسم جار الله، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، ج٣، ٥٩٣.
وكذا في الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لجلال الدين السيوطي، ينقل قول ابن عباس: ج٦، ص٧١٢.
(٣٢٩) تفسير الخازن، المسمى لباب التأويل في معاني التنزيل، لصاحبه: علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم الشهير بالخازن، ج٥، ص٢٩٦.
(٣٣٠) ابن عادل، أبو حفص سراج الدين الحنبلي الدمشقي، تفسير اللباب لابن العادل، ج١٠، ص٦٨.
(٣٣١) السيوطي، لجلال الدين الدر المنثور في التفسير بالمأثور، ج٦، ص٧١١ - ٧١٤.
أقوال لتفاسير بدون الاستشهاد.
(٣٣٢) السيوطي، لجلال الدين الدر المنثور في التفسير بالمأثور: ج٦، ص٧١١ - ٧١٢.
(٣٣٣) فقد جاء في الدر المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين السيوطي: (أخرج ابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس (رض) فِي قَوْله ﴿وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ وَأُخِذُوا مِن مَكَان قَرِيب﴾ قَالَ: هُوَ جَيش السفياني قَالَ: من أَيْن أَخذ قَالَ: من تَحت أَقْدَامهم. وَأخرج ابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن عَطِيَّة (رض) فِي قَوْله (وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا) قَالَ: قومٌ خسف بهم أخذُوا من تَحت أَقْدَامهم. وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه عَن حُذَيْفَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يُبْعَث نَاسٌ إلى الْمَدِينَة حَتَّى إِذا كَانُوا ببيداء بعث الله عَلَيْهِم جِبْرِيل (عليه السلام) فضربهم بِرجلِهِ ضَرْبَة فيخسف الله بهم فَذَلِك قَوْله ﴿وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ وَأُخِذُوا مِن مَكَان قَرِيب﴾. وأخرج عبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم عَن سعيد بن جُبَير (رض) (وَلَو تَرَى إِذ فَزِعُوا فَلَا فَوتَ) قَالَ: هم الْجَيْش الَّذين يخسف بهم بِالْبَيْدَاءِ يبْقى مِنْهُم رجل يخبر النَّاس بِمَا لَقِي أَصْحَابه.
وَأخرج أَحْمد عَن نفيرة امْرَأَة الْقَعْقَاع بن أبي حدرة (رض) سَمِعت رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُول: إِذا سَمِعْتُمْ بِجَيْش قد خسف بِهِ فقد أطلت السَّاعَة. وَأخرج أَحْمد وَمُسلم وَالْحَاكِم عَن حَفْصَة أم الْمُؤمنِينَ (رض) سَمِعت رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُول: ليؤمنّ هَذَا الْبَيْت جَيشٌ يغزونه حَتَّى إِذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خسف بأوسطهم فينادي أَوَّلهمْ آخِرهم فيخسف بهم خسفاً فَلَا ينجو إِلَّا الشريد الَّذِي يخبر عَنْهُم. وَأخرج أَحْمد عَن حَفْصه (رض) قَالَت: سَمِعت رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُول: يَاتِي جَيشٌ من قِبل الْمشرق يُرِيدُونَ رجلاً من أهل مَكَّة حَتَّى إِذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خسف بهم فَيرجع من كَانَ أمامهم لينْظر مَا فعل الْقَوْم فيصيبهم مَا أَصَابَهُم قلت: يَا رَسُول الله فَكيف بِمن كَانَ مستكرهاً قَالَ: يصيبهم كلهم ذَلِك ثمَّ يبْعَث الله كل امْرِئ على نِيَّته.
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأحمد عَن صَفِيَّة أم الْمُؤمنِينَ (رض) قَالَت: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) لَا يَنْتَهِي النَّاس عَن غَزْو هَذَا الْبَيْت حَتَّى يغزوه جَيشٌ حَتَّى إِذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خُسف بأولهم وَآخرهمْ وَلم ينجُ أوسطهم قلت: يَا رَسُول الله أَرَأَيْت الْمُكْره قَالَ: يَبْعَثهُم الله على مَا فِي أنفسهم. وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أم سَلمَة (رض) سَمِعت رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يَقُول: يعوذ عَائِذٌ بِالْحرم فيُبعث إِلَيْهِ بعث فَإِذا كَانَ ببيداء من الأَرْض خسف بهم قلت: يَا رَسُول الله فَكيف بِمن يخرج كَارِهًا قَالَ: يخسف بِهِ مَعَهم وَلكنه يبْعَث على نِيَّته يَوْم الْقِيَامَة. وَأخرج ابْن أبي شيبه وَالطَّبَرَانِيّ عَن أم سَلمَة (رض) قَالَت: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يُبَايع الرجل من أمتِي بَين الرُّكْن وَالْمقَام كعدة أهل بدر فيأتيه عصب الْعرَاق وأبدال الشَّام فيأتيهم جَيش من الشَّام حَتَّى إِذا كَانُوا بِالْبَيْدَاءِ خسف بهم ثمَّ يسير إِلَيْهِ رجل من قُرَيْش أخواله من كلب فيهزمهم الله. قَالَ: وَكَانَ يُقَال إِن الخائب يَوْمئِذٍ من خَابَ من غنيمَة كلب. وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة (رض) قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): المحروم من حُرم غنيمَةَ كلبٍ وَلَو عقَالًا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَتُبَاعَنَّ نِسَاؤُهُم على درج دمشق حَتَّى تُردَّ الْمَرْأَة من كسرٍ بساقها. وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة (رض) عَن النَّبِي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): لَا تَنْتَهِ الْبعُوث عَن غَزْو بَيت الله حَتَّى يُخسف بِجَيْش مِنْهُم وَأخرج الْحَاكِم عَن عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده (رض) قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): فِي ذِي الْقعدَة تحارب الْقَبَائِل وعامئذ يُنهب الْحَاجُّ وَتَكون ملحمةٌ بمنى حَتَّى يهرب صَاحبهمْ فيُبايَع بَين الرُّكْن وَالْمقَام وَهُوَ كَارِه يبايعه مثل عدَّة أهل بدر يرضى عَنهُ سَاكن السَّمَاء وَسَاكن الأَرْض. وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن أبي هُرَيْرَة (رض) قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): يخرج رجل يُقَال لَهُ السفياني فِي عمق دمشق وَعَامة من يتبعهُ من كلب فَيقْتل حَتَّى يبقر بطُون النِّسَاء وَيقتل الصّبيان فَيجمع لَهُم قيس فيقتلها حَتَّى لَا يمْنَع ذَنْب تلعة وَيخرج رجل من أهل بَيْتِي فَيبلغ السفياني فيبعث إِلَيْهِ جنداً من جنده فيهزمه فيسير إِلَيْهِ السفياني بِمن مَعَه حَتَّى إِذا صَار ببيداء من الأَرْض خسف بهم فَلَا ينجو مِنْهُم إِلَّا الْمخبر عَنْهُم. وَأخرج الْحَاكِم وَصَححهُ عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: قَالَ رَسُول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم): أحذركم سبع فتن فتْنَة تقبل من الْمَدِينَة وفتنة بِمَكَّة وفتنة بِالْيمن وفتنة تقبل من الشَّام وفتنة تقبل من الْمشرق وفتنة تقبل من الْمغرب وفتنه من بطن الشَّام وَهِي السفياني فَقَالَ ابْن مَسْعُود (رض): مِنْكُم من يدْرك أولها ومن هَذِه الْأمة من يدْرك آخرهَا قَالَ الْوَلِيد بن عَيَّاش (رض): فَكَانَت فتْنَة الْمَدِينَة من قبل طَلْحَة وَالزُّبَيْر وفتنة مَكَّة فتْنَة ابْن الزبير وفتنة الشَّام من قبل بني أُمِّيّه وفتنة الْمشرق من قبل هَؤُلَاءِ.) السيوطي، جلال الدين، الدر المنثور في التفسير بالمأثور: ج٦، ص٧١١ - ٧١٤.
(٣٣٤) الهيتمي، ابن حجر، القول المختصر في علامات المهديّ المنتظر: ص١١.
(٣٣٥) الزخرف: ٦١.
(٣٣٦) فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية، ص١٠٢.
(٣٣٧) ذَكَرَ في هامش الصفحة نفسها ١٠٢ رقمين لحديثين من سنن أبي داود والترمذي، دون ذكر لفظ الحديثين.
(٣٣٨) فلوتن، فان، السيطرة العربية والتشيع والمعتقدات (المهدية) في ظل خلافة بني أمية، ص١٠٦.
(٣٣٩) الألباني، محمد ناصر الدين، موسوعة العلامة مجدد العصر محمد ناصر الدين الألباني، موسوعة تحتوي على أكثر من (٥٠) عملاً ودراسة حول العلامة الألباني وتراثه الخالد. ج٩، ص٢٣١.
(٣٤٠) الحديث: (أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) (كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ) صحيح البخاري: ج٤، ص١٦٨، رقم الحديث: ٣٤٤٩، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: نزول عيسى بن مريم (عليه السلام).
(٣٤١) ما ورد عن (جابر بن عبد الله يقول سمعت النبي (صلّى الله عليه [وآله] وسلّم) يقول: لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة قال فينزل عيسى بن مريم، فيقول أميرهم تعال صلِّ لنا فيقول لا إنَّ بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) صحيح مسلم: ج١، ص١٣٧، رقم الحديث: ١٥٦، كتاب الإيمان، باب نزول عيسى بن مريم حاكماً بشريع