فهرس المكتبة التخصصية
 كتاب مختار:
 البحث في المكتبة:
 الصفحة الرئيسية » المكتبة التخصصية المهدوية » كتب المركز » إرساء المحكمات وتبديد الشبهات في القضية المهدوية
 كتب المركز

الكتب إرساء المحكمات وتبديد الشبهات في القضية المهدوية

القسم القسم: كتب المركز الشخص المؤلف: الشيخ كاظم القره غولّي تاريخ الإضافة تاريخ الإضافة: ٢٠٢٠/٠٩/١٥ المشاهدات المشاهدات: ١١٢ التعليقات التعليقات: ٠

إرساء المحكمات وتبديد الشبهات في القضية المهدوية

الشيخ كاظم القره غولي
تقديم: مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

فهرست الموضوعات

مقدّمة المركز
مقدّمة المؤلِّف
(١) رؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة
وجوه المنع
القرآن الكريم
الإجماع
العقل
السُّنَّة
(٢) إثبات ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)
دعوى خفاء ذكره (عجَّل الله فرجه) في كلمات الأوائل
خفاء ولادته (عجَّل الله فرجه) سبب عدم معرفة عامَّة الناس به
قواعد لا بدَّ من ملاحظتها
الأولى: تعدُّد طريق الرواية يزيد من القيمة الاحتماليَّة لثبوت مضمونها
الثانية: لا علاقة لبحثنا بحجّيَّة الأمارة في مثبتاتها
الثالثة: ظهور الرواية في معنى لا يُسقِط فائدتها في إثبات معنى آخر
الرابعة: انتفاء المضعِّف الاحتمالي المقابل في محلِّ بحثنا
الخامسة: عدم تماميَّة القاعدة إثباتاً لا يلغي احتمالها ثبوتاً
السادسة
السابعة: المهمُّ إثبات وجود الإمام (عجَّل الله فرجه)
طوائف الروايات الدالَّة على ولادته (عجَّل الله فرجه)
الطائفة الأُولى: ما دلَّ على ولادته مطابقةً
الطائفة الثانية: فيمن رآه (عجَّل الله فرجه)
الطائفة الثالثة: ما ظهر من معجزاته (عجَّل الله فرجه)
الطائفة الرابعة: النصُّ على أسماء الأئمَّة (عليهم السلام)
الطائفة الخامسة: نصُّ آبائه (عليهم السلام) على أنَّه (عجَّل الله فرجه) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)
الطائفة السادسة: إنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة
الطائفة السابعة: ما دلَّ على ضرورة معرفة إمام الزمان (عليه السلام)
الطائفة الثامنة: ما نصَّ على غيبته (عجَّل الله فرجه) سنة (٢٦٠ هـ)
الطائفة التاسعة: الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام من الأئمَّة (عليهم السلام)
الطائفة العاشرة: ما دلَّ على أنَّه ما مات عالم فذهب علمه
النتيجة
لا منافاة بين تراكم الاحتمال والمباني في التواتر
مؤيِّدات من القرآن والعقل
الآيات القرآنيَّة
المؤيِّدات العقليَّة
الأوَّل: الوساطة في الفيض
الثاني: قاعدة اللطف
الثالث: الرحمة الإلهيَّة
الرابع: قياس الأولويَّة
الخامس: خاتميَّة الرسالة تقتضي ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ
تراكم الاحتمال لا يجري في الوجوه العقليَّة
ضمُّ الوجه العقلي إلى الوجه النقلي لا يُقوّي احتماله
الإخبارات التي تقوّي بعضها هي المخبر بها بنحو الجزم
ضعف دلالة آية لا ينعكس ضعفاً على دلالة الرواية المرتبطة بها
الروايات الواردة في تفسير بعض الآيات قرينة احتماليَّة
(٣) التوقيعات المهدويَّة وإشكاليَّة عدم الصدور
مقدّمة
كيف نجى السفراء من متابعة الدولة العبّاسيَّة؟
هل تنافي وثاقة السفير احتمال الخطأ فيما أخبر به؟
طلب البيِّنة من السفراء أمر مألوف
ما ورد في توثيق العمريين (رضي الله عنهما)
ما ورد في الحسين بن روح (رضي الله عنه)
تسالم الطائفة على وثاقة السفراء
كلمات الرجاليِّين في حقِّ السفير الثالث (رضي الله عنه)
كلمات الرجاليِّين في حقِّ السفير الرابع (رضي الله عنه)
سكوت متقدِّمي الرجاليِّين لا يُسبِّب مغمزاً
عدم معرفة خطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يمنع من الجزم بخروج التوقيع عنه
المصادر والمراجع

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المركز:
يسعى أصحاب الدعاوى إلى إثبات مدَّعياتهم بطُرُق متعدِّدة، يهدفون من ورائها إلى إثبات ما هم عليه، وهم بذلك على حقٍّ، إذ ما من دعوى إلَّا وهي مجرَّد نظريَّة إنْ لم يتمّ إقامة الدليل عليها.
إلَّا أنَّ الأمر غير المنهجي أنْ يستعمل البعض مغالطات لفظيَّة وشُبُهات واهية لا من أجل مجرَّد إثبات مدَّعاه، وإنَّما لأجل هدم نظريَّة الآخر، غاضًّا الطرف عن ثوابت الآخر وأُسُسه الموضوعيَّة التي لو كان منصفاً وسلَّط الضوء عليها لما وجد لمغالطاته من موضوع معها، ولوجد الحقَّ أبلجاً لا غبش فيه.
ولم يسلم الدِّين عموماً ممَّن يقصد إثارة الشُّبَه والفتن في داخله، وتاريخ الأديان عموماً حافل بالكثير من السجالات العلميَّة التي يُراد منها إثبات متبنّيات الدِّين.
وهكذا نجد أنَّ قضيَّة عظيمة في مذهبنا أُقيمت على مفرداتها المختلفة الأدلَّة الثابتة، ودُفِعَت عنها حتَّى الأسئلة المتوقَّعة قبل صدورها من أحد. إلَّا أنَّ المناوئين لم يخمدوا سيف حقدهم ورمح شُبُهاتهم عنها، فمن ابن خلدون إلى أحمد الكاتب إلى مدَّعي المهدويَّة واليمانيَّة وغيرهم كثير.
إلَّا أنَّ المؤسف حقًّا أنْ نجد شخصاً يدَّعي معرفته بأُسُس المذهب عموماً والقضيَّة المهدويَّة خصوصاً، يبثُّ كلاماً هو أقرب إلى السُّمِّ الزعاف منه إلى الحقيقة في داخل الجسد الشيعي، ويُغلِّف مغالطاته بسجعات منمَّقة، قد ينخدع بها من لا معرفة معمَّقة عنده في هذه القضيَّة.
لقد ابتُلينا أمس واليوم بمن لا حريجة له في الدِّين، وبمن لا يرعوي عن ضلاله ولو انكشف له الصبح وبانت له الحقيقة، وهذا من ابتلاءات هذا المذهب الحقِّ، ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (الأنفال: ٣٧).
وكما لم نُعدَم المهرِّجين بلا دليل، فقد قيَّض الله تعالى من نذر نفسه وقلمه لتتبُّع الشُّبُهات والإجابة عنها بالأدلَّة العلميَّة الرصينة، وكشف مغالطاتها بالبيان الوافي، ومن هؤلاء الجهابذ هو سماحة العلَّامة الشيخ كاظم القره غولّي الذي لم يألُ جهداً في تتبُّع شُبُهات ومغالطات معاصرة، ألقاها بعض المتفيقهين على برامج التواصل الاجتماعي، فكان الشيخ (حفظه الله) أنْ جمع بعضاً من مغالطاته وأجاب عنها بكلِّ شفّافيَّة ورصانة علمية، وهي الشُّبُهات التالية:
١ - لا واقعيَّة لإمكان رؤية الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة الكبرى، ولا سبيل لقبول ما نُقِلَ في هذا المجال.
٢ - عدم صحَّة الروايات الدالَّة على ولادته (عجَّل الله فرجه).
٣ - عدم إمكان إثبات صدور التوقيعات المهدويَّة عنه (عجَّل الله فرجه)، والتشكيك في مصداقيَّة نقل السفراء (رحمهم الله) لتلك التوقيعات والتشكيك في وثاقتهم المطلقة.
ونحن إذ نُقدِّم كتاب (إرساء المحكمات وتبديد الشُّبُهات في العقيدة المهدويَّة)، نُذكِّر بأنَّه قد صدر لسماحة المؤلِّف كتابان مهدويّان عن مركزنا، وهما:
١ - علامات الظهور (قراءة في المعرفة والتطبيق).
٢ - نظرات في رواية الوصيَّة (دراسة نقديَّة لشُبُهات مدَّعي اليمانيَّة).
نسأل الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يجعلها ذخراً له ولنا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلَّا من أتى الله بقلب سليم، وأنْ يُعجِّل بظهور المولى صاحب العصر والزمان (عجَّل الله فرجه)، ليكشف لنا الحقَّ ويُبعِد عنّا شُبُهات المغرضين والمنافقين، إنَّه سميع مجيب.

مركز الدراسات التخصُّصيَّة في الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدّمة المؤلِّف:
الحمد لله، وصلّى الله على خير خلقه المصطفى الأمين، وآله الطيِّبين الطاهرين.
وبعد..
فإنَّ عالم الفكر عالم مليء بالحركة واكتشاف الجديد واستيضاح المستكشف وتبدُّل الرؤى وتشذيب المتبنّى، فإنْ سكن انتفى كونه فكراً.
والفكر الدِّيني لا يخرج عن هذه القاعدة، لا في جانب المعتقد ولا في الأخلاق ولا في الفروع، صحيح أنَّ الشريعة يُفتَرض أنْ تُقدِّم للناس ما يدفع كلَّ شكٍّ ويمنع كلَّ لبس؛ لأنَّ ما تُقدِّمه الشريعة السماويَّة لم تستعمل فيه جهة التشريع استدلالاً قد تكون إحدى مقدّماته استظهاريَّة أو ظنّيَّة، وإنَّما إحاطة تلك الجهة بعالم الوجود على عظمته وكثرة تفاصيله من خلال حضور كلِّ ما في الوجود عند بارئه، ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (النساء: ١٢٦) فعلمه تعالى بكلِّ الأشياء حضوري.
إلَّا أنَّ الأدوات التي وصلت إلينا من خلالها تفاصيل الرؤى الدِّينيَّة لم تكن قطعيَّة، مضافاً إلى ضياع الكثير من الموروث الشرعي، ما أدّى إلى منع حصول الجزم في تلك التفاصيل. ولو كانت الجهة التي تحكي لنا تفاصيل الشريعة معصومة عن الخطأ لما كان للفكر في الدِّين مجال، وإنَّما تتحوَّل من فكر ديني إلى رؤية دينيَّة لا تقبل الخطأ ولا تقبل رؤية أُخرى في مقابلها. لكن غياب القناة المعصومة والمطَّلعة على كلِّ ما يرجع إلى الرؤية الدِّينيَّة، مع ما ذكرنا من ضياع الكثير من الموروث ووجود الطُّرُق الظنّيَّة، فتح الباب أمام البحث والمناقشة في الكثير من المسائل الدِّينيَّة.
وأضيف إلى ذلك انفتاح الأذهان على تساؤلات جديدة، وتصادم الرؤى المستقاة من الشريعة أو التصوُّرات عنها مع رؤى لأيدولوجيّات أُخرى، وتقدُّم العلوم، كلُّ ذلك أدّى إلى تفاعل الفكر وتأثُّر الرؤى والتصوُّرات.
ومن هنا كان الناس في مراجعة دائمة، وفحص مستمرٍّ، وتدقيق لا ينقطع لمتبنياتهم فيما يرجع إلى الشريعة.
وقد حظي الجانب الغيبي في الدِّين بالكثير من البحث والاهتمام، والناس بحكم نزعتها المادّيَّة لا تذعن نفوسها بسهولة لإخبارات الغيب، ومن هنا كان أوَّل وصف للمتَّقين في سورة البقرة أنَّهم يؤمنون بالغيب: ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ١ - ٣).
وقد حاول العديد من الباحثين إرجاع كلِّ المعجزات السماويَّة إلى ما يطابق المُخرج العلمي والمُعطى البحثي، لتتحوَّل تلك المفردات الخارجة عن المألوف إلى مطابق لقوانين المادَّة.
وممَّا ثقل على النفوس مفردة الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، فإنَّها مفردة في غاية الغرابة، غرابة في حمله وولادته ونجاته من أعدائه الذين كانوا ينتظرون ولادته لينقضوا عليه فيصفوا لهم حكمهم؛ إذ كانت نجاته خطراً يُهدِّدهم وبقاؤه كابوساً يقضُّ مضاجعهم. ومن أغرب الجهات عمره الطويل وغيبته كلَّ هذه المدَّة من الزمان، ولولا خبر الغيب الذي لا يقبل الخطأ لما قبلت النفوس بحياته (عجَّل الله فرجه) كلَّ هذه المدَّة وإنْ لم يمنع من ذلك عقل أو عدم شبيه في التاريخ.
فكان خبر الغيب طوق نجاة في بحر همزات الشيطان وشكوك النفوس التي طالما كان الحسُّ والمألوف أساس انصياعها واستئناسها.
ولا يتيسَّر لكلِّ أحد أنْ يتمسَّك بحبل الغيب؛ لأنَّه لا يُمسِك بقوَّة يد وإنَّما بقوَّة إيمان وشدَّة اطمئنان.
﴿قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (البقرة: ٢٦٠).
وما زال غربال الابتلاء يعمل ليُميِّز الخبيث من الطيِّب، ويفصل الزؤان عن البرِّ.
وما فتئ الامتحان منبسطاً على كلِّ مفردات الحياة، اقتضاءً لعلَّة الخلقة في هذه النشأة.
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الملك: ٢).
والتي كانت علَّة لجعل ما على الأرض زينة.
﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧).
ولئن أخرجت شدَّة الابتلاء طوائف من الناس فإنَّها تُرسِّخ إيمان من نجا منها.
والأمواج الكبيرة يكثر زبدها ولكن يصفو الماء المتخلِّف عنها.
وما زالت شدَّة الابتلاء باب خير وبركة تصنع رجالاً كزُبَر الحديد لا تهزُّهم الرياح العواصف.
إنَّ شدَّة الابتلاء كالسور الذي تحدَّثت عنه سورة الحديد ﴿باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (الحديد: ١٣)، فهي مهلكة لأقوام ومرقاة لآخرين.
وقد تناقلت الناس في أيّامنا هذه مجموعة من الشُّبُهات مرتبطة بالقضيَّة المهدويَّة، فأحببت أنْ أتعرَّض لها بشيء من البحث الموضوعي، عسى أنْ يجعل الله تعالى في ذلك دفعاً للإشكال ورفعاً للشبهة.
لقد فاقم المشكلة طرح المناقشات أمام عامَّة الناس وفي وسائل التواصل الاجتماعي. وإذا تدخَّل غير المتخصِّص ضاعت الموازين. ونحن لا نُنكِر أنَّ بعض المقاطع التسجيليَّة قد تُقتَطع من سياقها، فينعكس ما يُفهَم منها، لكنَّنا لسنا بصدد تقييم القائل، ولا بصدد نسبة المفهوم من تلك المقاطع إليه. وإنَّما يُعنينا دفع شُبُهات تولَّدت من هذا التسريب أو ذاك، وحلُّ إشكالات تلاقفتها الإمعات ووظفته ضدَّ المذهب فئات. وتلك الآثار لا ربط لها بنيَّة المتحدِّث وإنَّما بما فهمته عوامُّ الناس، وهو ما قد لا يكون له أيَّ ربطٍ بما عناه المتكلِّم.
وقد كان دخولي في هذه المباحث نزولاً عند رغبة بعض الإخوة، واستجابةً لطلب شديد منهم.
أسأل الله التوفيق لهم ولنا، وأنْ يجعل في جهدي هذا نفعاً للمؤمنين، إنَّه خير ناصر ومعين.

الشيخ كاظم القرة غولّي

(١) رؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلّى الله على خير الورى نبيِّه الكريم وآله الطيِّبين الطاهرين.
وبعد، فما زالت قضيَّة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) وغيبته الغريبة كلُّ الغرابة لخروجها عن المألوف مثاراً للبحث والتدقيق واختلاف الآراء والأنظار. ومن الجزئيّات التي وقعت محلّاً للاختلاف ما نسمعه من لقاء أُناس به في زمان غيبته ومشاهدة تلك الطلعة وذلك الوجود المقدَّس.
ومثل هذا الادِّعاء وإنْ كثر من أُناس لم يُعرَف لهم سابقة في دين ولا منزلة في علم أو معرفة ممَّا يعني قوَّة احتمال كذب مثل هذا الادِّعاء أو نشوئه من توهُّم، إلَّا أنَّ ذلك ليس مسوِّغاً للإنكار ما دام لم يقم دليلٌ نافٍ لها على نحو البتِّ والجزم.
وقد يتحدَّث البعض بضرس قاطع عن عدم صحَّة هذه الدعاوى جملةً وتفصيلاً، ونحن في مقام ما تقتضيه الموضوعيَّة نضع ما يصلح أنْ يكون دليلاً للنفي على ميزان البحث، فنقول:
وجوه المنع:
إنَّ الأدلَّة التي يمكن الاستناد إليها لا تخرج عن أربعة: القرآن، والسُّنَّة، والعقل، والإجماع.
القرآن الكريم:
لم يرد في القرآن بيان يمكن الاستناد إليه للقول بعدم إمكان رؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته، بل لا يوجد فيه دليلٌ مستقلٌّ عن أصل الغيبة، فضلاً عن وجود آية تدلُّ على بعض أحكامها التي منها إمكان اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة.
نعم وردت روايات في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ (المُلك: ٣٠) بغيبة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وقد نقل صاحب (نور الثقلين) في تفسيره روايات في ذلك.
ففي صحيحة عليِّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)، قال: قلت له: ما تأويل قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]؟ فقال: «إذا فقدتم إمامكم فلم تروه، فماذا تصنعون؟»(١).
ونقل عن الصدوق (رحمه الله) بإسناده إلى أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾، قال: «هذه نزلت في الإمام القائم، يقول: إنْ أصبح إمامكم غائباً عنكم لا تدرون أين هو فمن يأتيكم بإمام ظاهر يأتيكم بأخبار السماوات والأرض وحلال الله وحرامه؟»، ثمّ قال (عليه السلام): «والله ما جاء تأويل هذه الآية، ولا بدَّ أنْ يجيء تأويلها»(٢).
وفي ثالثة عن عليِّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام)...، قال: «أرأيتم إنْ أصبح إمامكم غائباً فمن يأتيكم بإمام مثله»(٣)، وفي سندها سهل بن زياد.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ (التكوير: ١٥).
فقد روى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين)، قال: حدَّثنا أبي ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، قالا: حدَّثنا أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن الربيع المدائني، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن أسيد بن ثعلبة، عن أُمِّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]، فقال: «إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستِّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقّاد في ظلمة الليل، فإنْ أدركتِ ذلك قرَّت عيناكِ»(٤).
وهذا الوارد وإنْ لم يكن في معنى التفسير، إذ هو نوع تأويل، لكن الآية كيف كان قد أُوِّلت به.
وما ورد في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: ٣).
فقد روى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين)، قال: حدَّثنا عليُّ بن أحمد بن محمّد الدقّاق (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا أحمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدَّثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمِّه الحسين بن يزيد، عن عليِّ بن أبي حمزة، عن يحيى بن أبي القاسم، قال: سألت الصادق (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿الم * ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ١ - ٣]، فقال: «المتَّقون شيعة عليٍّ (عليه السلام)، والغيب فهو الحجَّة الغائب، وشاهد ذلك قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ٢٠]»(٥).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ (المدَّثِّر: ٨).
فقد روى النعماني (رحمه الله) في (الغيبة)، قال: محمّد بن يعقوب، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الأشعري، عن محمّد بن حسّان، عن محمّد بن عليٍّ، عن عبد الله بن القاسم، عن المفضَّل بن عمر، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه سُئِلَ عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾، قال: «إنَّ منّا إماماً مستتراً، فإذا أراد الله (عزَّ وجلَّ) إظهار أمره نكت في قلبه نكتة، فظهر، فقام بأمر الله (عزَّ وجلَّ)»(٦).
وقوله تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ (لقمان: ٢٠).
ففي الرواية عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: «النعمة الظاهرة الإمام الظاهر، والباطنة الإمام الغائب، يغيب عن أبصار الناس شخصه، ويظهر له كنوز الأرض ويُقرَّب عليه كلَّ بعيد»(٧).
لكن هذه الروايات لم تتعرَّض لإمكان الرؤية في زمن الغيبة من عدمه.
نعم، يمكن أنْ يقال: إنَّ آيات سورة الكهف الواردة في قصَّة الخضر (عليه السلام) ولقاء موسى (عليه السلام) به فيه دلالة على أنَّ الغيبة ليست مانعة من اللقاء بالغائب، وحكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد.
وبناءً على ذلك تكون هذه الآيات بضميمة المماثلة في حيثيَّة الغيبة دالَّة على أنَّ الغائب يمكن أنْ يُرى، فأدلّ دليل على الإمكان الوقوع.
الإجماع:
ليس من الممكن الاستناد للإجماع في مسألتنا؛ لأنَّه لا يتحقَّق عادةً في المسائل الاعتقاديَّة، إذ ليس لكلِّ فقيه رأي في المسائل الكلاميَّة، نعم قد يتحقَّق ذلك في المسائل التي لا بدَّ من تحقيقها لانعكاسها على استنباط الحكم الشرعي، كالبحث في أنَّ المعصوم هل يصدر منه المكروه أو لا، فإذا قيل بالنفي أمكن الاستدلال على أنَّ فعل المعصوم لشيء دليل على عدم كراهته، وإذا قيل بإمكان صدور المكروه منه فهل يواظب المعصوم على فعله؟ فإنْ قيل: لا، أمكن إثبات عدم كراهة الفعل إذا واظب المعصوم على تركه. هذا إذا لم يأخذها الفقيه من علم الكلام كأصل موضوع.
وكيف كان، فليس من السهل اتِّفاق الفقهاء على مسألة خارج دائرة الاستنباط أو قواعدها العامَّة. والذي يمكن أنْ يتحقَّق هو عدم الخلاف، ولا حجّيَّة له في الفروع فضلاً عن غيرها. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ أيًّا من مباني حجّيَّة الإجماع لا يجري في المسائل الاعتقاديَّة.
أمَّا الإجماع الدخولي الذي يعني العلم بدخول المعصوم في الفقهاء الذين أفتوا في هذه المسألة أو تلك بفتوى واحدة، فهو واضح البطلان، إذ من أين لنا أنْ نجزم بدخول المعصوم في هؤلاء الفقهاء؟
وأمَّا الإجماع التشرُّفي الذي يعني أنَّ فقيهاً تشرَّف بلقاء المعصوم (عليه السلام) وأخذ منه الحكم في مسألةٍ ما، ولمَّا أراد أن ينقل ذلك لم يرد أنْ يُصرِّح بأنَّه أخذها من المعصوم (عليه السلام)، فنسبها إلى اتِّفاق الفقهاء أو إجماعهم. ففي حمل إجماعه المدَّعى على التشرُّفي مخالفة واضحة لظاهر كلامه، وهذا بعيد في نفسه ويبقى في حدود الإمكان، بل الإمكان على بعد. على أنَّ ثبوت الإجماع التشرُّفي ينفي عدم إمكان التشرُّف بلقاء الإمام (عليه السلام) كما هو واضح، فكلُّ من عدَّ الإجماع التشرُّفي من أقسام الإجماع، أو ردَّه من جهة أنَّه مخالف لظاهر عبارة ناقل الإجماع، فهو قائل بإمكانه.
وأمَّا الإجماع الحجَّة عقلاً من باب قاعدة اللطف الذي يعني أنَّ لطف الله تعالى - وهو الذي يقتضي فعل كلِّ ما يمكن أن يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد من المعصية - يمنع أنْ يترك الله تعالى علماء الأعصار والأمصار يتَّفقون على رأي واحد مخالف للواقع.
فيردُّ الاستدلال به أنَّ المورد ليس ممَّا فيه إطاعة أو معصية أوَّلاً.
ولم يتعرَّض فيه الفقهاء جميعاً للقول في المسألة، بل إنَّ أكثرهم لا يتحدَّثون في هذه المسألة ثانياً.
وثالثاً: مع عدم العلم بالمخالفة للحكم الواقعي أين المعصية التي يقتضي اللطف فعل ما يُبعِّد عنها؟
ورابعاً: لو قلنا بتماميَّة قاعدة اللطف وتماميَّة تطبيقها على دلالة الإجماع، فإنَّها ستكون أخصُّ من المدَّعى، فإنَّه إذا كان الحكم الواقعي هو الإباحة أو الكراهة وقام الإجماع على الوجوب، فهل يقتضي اللطف الذي هو بمعنى فعل كلِّ ما يُقرِّب من الطاعة ويُبعِّد عن المعصية منع تحقُّقه؟ فهل للإباحة إطاعة في الواقع ليكون إتيان ما قام الإجماع على وجوبه مبعِّداً عن الإطاعة؟ وكذا الكلام في الكراهة.
ومثل هذا الكلام يجري إذا كان الحكم الواقعي هو الاستحباب وقام الإجماع على الوجوب، فإبقاء الإجماع على حاله يعني إتيان الناس المطيعين للحكم الثابت بالإجماع وامتثاله، وهذا بالنسبة للواقع إتيان المستحبِّ فيتحقَّق ملاك المستحبِّ ولو بإتيان متعلَّقه بداعي الوجوب.
وبنفس الطريقة يخرج ما لو قام الإجماع على الحرمة وكان الحكم في الواقع هو الإباحة أو الكراهة أو الاستحباب حتَّى.
نعم يبقى تحته ما لو كان الحكم الواقعي إلزاميًّا - أي وجوب أو حرمة - وقام الإجماع على حكم غير إلزامي. أو قام الإجماع على حكم إلزامي مقابل له، أي كان الحكم الواقعي هو الحرمة وقام الإجماع على الوجوب أو بالعكس.
وخامساً: لِمَ اختصَّت قاعدة اللطف بالإجماع؟ فلو جرت في الإجماع فلِمَ لا تجري إذا كان المتَّفقون على الفتوى يُشكِّلون نسبة (٩٠%) من الفقهاء، بل حتَّى (٩٩%) منهم مع أنَّهم لا يذهبون إلى حجّيَّة اتِّفاق مثل هذه النسبة؟ ولو كان اللطف هو المدار على الحجّيَّة لما وُجِدَ فرق كبير في جريانه بين الإجماع وبين اتِّفاق الغالبيَّة المطلقة.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس كاشفيَّته عن دليل لو وصل إلينا لقلنا بنفس ما قال به المجمعون، فلا ينفع أيضاً إلَّا إذا كانت المسألة قابلة للتعبُّد، وسيأتي أنَّه لا مجال للتعبُّد في مثل هذه المسألة. هذا أوَّلاً.
وثانياً: أنَّ الإجماع الكاشف قطعاً عن الحكم الشرعي لم يتحقَّق في مسألتنا هذه، أي لم تتحقَّق صغرى الإجماع الكاشف عن الحكم الواقعي، بل هو اتِّفاق في الفتوى يكشف بنحو القطع عن وجود دليل على الحكم.
فإنْ قيل: كيف قال الفقهاء بهذه المقالة اعتماداً على ذلك الدليل؟ فإنَّ نفس ذهابهم لهذا الرأي اعتماداً على ذلك الدليل المفترض الوجود يكشف عن إمكان الاستناد إليه لو وصل إلينا، وهذا يعني أنَّنا سنوافقهم في الرأي.
قلنا: إنَّهم أو على الأقلّ بعضهم المعتدُّ يقول بالتعبُّد في تفاصيل الاعتقاد وجزئيّاته، أي بالإمكان الاستناد إلى خبر ثقة دلالته بنحو الظهور، فيحصل التعبُّد في سنده وفي دلالته بحكم الأدلَّة الدالَّة على حجّيَّة خبر الثقة وحجّيَّة الظهور، ونحن لا نلتزم بأيٍّ من الحجَّيَّتين في مسائل الاعتقاد.
وثالثاً: إنَّ مثل هذه المسائل لم تُبحَث بالنحو الذي بُحِثَت فيه مسائل الفروع بحيث تستوعب جميع وجوه الدلالة الممكنة وتُوضَع في ميزان التحقيق والتدقيق. إنَّ من الطبيعي أنْ يتَّبع فقيه فيها رأي غيره. وهذا يعني عدم الاطمئنان بأنَّ إجماعهم سيكون كاشفاً عن دليل لو وصل إلينا لوافقناهم في الرأي. فلا يكون الإجماع حينها من وسائل الإثبات الوجداني للدليل.
وأمَّا الإجماع الحجَّة على أساس الملازمة العاديَّة أو الاتِّفاقيَّة والذي يكون كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) حدساً، وقد مثَّلوا للملازمة العاديَّة بما لو اتَّفق فقهاء جميع العصور دون القول بقاعدة اللطف، ومثَّلوا للملازمة الاتِّفاقيَّة باتِّفاق فقهاء عصر واحد، فإنَّه بالإضافة إلى عدم وجود مثل هذا الاتِّفاق في مسألتنا، لا يوجد ما يدلُّ على هذه الملازمة على فرض وجود اتِّفاق، والشاهد على ذلك أنَّه قد يتَّفق الفقهاء في بعض الموارد على إجراء البراءة على اختلاف أزمنتهم، وعند إجرائها نحتمل أنَّ الحكم الواقعي هو الحرمة، ولو كانت الحرمة ثابتة كحكم واقعي على مرِّ العصور ومع ذلك جرت البراءة، فهذا يعني إمكان اتِّفاق الفقهاء على حكم مخالف للواقع في جميع الأعصار فضلاً عن فقهاء عصر واحد. بل يمكن أنْ يكون قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (المائدة: ١٠١) شاهداً على إمكان مخالفة الحكم الذي لم يظهر على مرِّ العصور.
ببيان: أنَّ بعض الأحكام واصلة إلى كلِّ ما تقتضيه فعليَّتها، نعم هي لم تبد للناس وتظهر لهم، فإذا لم يسأل عنها فإنَّ ذلك يعني احتمال أنْ تكون ممَّا يسوؤنا إبداؤها. والشارع نهانا عن السؤال عنها لكي لا تظهر، فيترتَّب على ذلك لزوم الالتزام بها، فبواسطة ترك السؤال عنها نتخلَّص من تبعة لزوم الالتزام بها وهو الذي يسوؤنا. وهذا يعني إمكان وجود أحكام يتطلَّب دخولها في العهدة السؤال عنها الذي نهينا عنه، وبترك السؤال عن المعصوم (عليه السلام) عنها تكون الفتوى على خلافها على مرِّ العصور. ولا يأتي هنا احتمال اختلاف الفتوى؛ لأنَّها لم تُبيِّن، فلا مجال للاختلاف في فهم ذلك البيان لتختلف الفتوى.
على أنَّ في دعوى الملازمة الاتِّفاقيَّة إشكال إثباتي، حاصله: أنَّه وإنْ أمكن عدم الانفكاك بين اتِّفاق فقهاء عصر واحد على فتوى وموافقة رأي المعصوم (عليه السلام) لهم، لكن الأشياء الاتِّفاقيَّة لا يمكن إقامة البرهان عليها، بل يمكن الاطِّلاع عليها وإدراكها لا بتوسُّط برهان، اللَّهُمَّ إلَّا إذا كان ذلك بملاحظة مفردات مشابهة تكون فيها الموافقة بين الطرفين الذين نحتمل اتِّفاق تواجدهما معاً، دون أن نقف على برهان يثبت أنَّ ما وقع ضروري وغير قابل للانفكاك، ثمّ نُعمِّم ذلك كلٌّ إلى مفردة مشكوكة.
ومثل هذا الطريق غير متيسِّر في محلِّ كلامنا، إذ من أين لنا أنْ نطَّلع على أنَّه في كلِّ المرّات التي حصل فيها اتِّفاق من الفقهاء على حكم كان رأي المعصوم موافقاً لهم؟
وهكذا نصل إلى أنَّ القول بحجّيَّة الإجماع عند هؤلاء بعد عدم وجود دليل عليه ناشئ من السعي لفذلكة هذا القول بعد أنْ قال به فقهاء العامَّة، وربَّما الخاصَّة المتقدِّمين القائلين بأنَّ حجّيَّته من جهة دخول المعصوم (عليه السلام) في المجمعين، وأتباع الشيخ الطوسي (رحمه الله) القائلين: إنَّ حجّيَّته قد ثبتت بالملازمة العقليَّة المستفادة من قاعدة اللطف. وحين لم ينهض عندهم هذان الوجهان حاولوا توجيهها من خلال الملازمة العاديَّة أو الاتِّفاقيَّة، والكلام الأخير خاصٌّ بالملازمة الاتِّفاقيَّة.
نعم، يمكن أنْ توجد ملازمة اتِّفاقيَّة، ولكن لا يمكن البناء عليها ما لم يقم دليل بيِّنٌ يُثبِتها، ومجرَّد الإمكان غير مُجدٍ.
ولو أغمضنا النظر عن كلِّ ذلك، فإنَّ الإجماع هنا محتمل المدركيَّة إنْ لم يكن مدركيًّا، حيث إنّا نكاد نجزم أنَّ مستند المجمعين لو وُجِدَ الإجماع هو الرواية الآتية أو نظائرها. ولو لم نجزم فمن المحتمل جدًّا أنْ يكونوا استندوا في رأيهم لمثل هذه الرواية. وقد ثبت في محلِّه أنَّ الإجماع المحتمل المدركيَّة فضلاً عن المدركي ليس حجَّة، إذ في مثله يُرجَع إلى نفس الدليل الذي استند إليه المجمعون ليُرى هل هو تامُّ الدلالة أو لا. وسيأتي أنَّه غير تامِّ الدلالة. ولو تمَّت دلالته فلا حجّيَّة لها؛ لانخرام شرط الحجّيَّة من خلال وجود القرينة على الخلاف، بل من خلال تحقُّق العلم على الخلاف.
وكيف كان، فالإجماع غير متحقِّق في المسألة، ولو كان لكان عدم الخلاف وهو ليس حجَّة؛ لأنَّه بمنزلة الإجماع المنقول الذي لا يرى فقهاؤنا حجّيَّته إلَّا قلَّة كصاحب الرياض (رحمه الله).
بل عدم الخلاف غير متحقِّق، إذ إنَّ الكثير من الفقهاء لم يُنكِروا على الأعاظم الذين نُقِلَ عنهم اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته.
بل إنَّ بحثهم للإجماع التشرُّفي وحجّيَّته دليل على عدم إنكار إمكان اللقاء بالإمام (عجَّل الله فرجه). ومن أشكل على الإجماع التشرُّفي لم يُشكِل من منطلق عدم القبول بإمكان اللقاء في زمن الغيبة.
وبعد كلِّ هذا هل تعتقد بوجود اتِّفاق على عدم إمكان رؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة أو حتَّى عدم خلاف؟! وعلى فرض تحقُّقه فإنَّه لا حجّيَّة له كما تقدَّم.
العقل:
لا سبيل للعقل إلى نفي الإمكان في موضوعة مشاهدة الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة، ويكفي في إثبات الإمكان وقوع ما يشابهه، وأقرب ما يشابه غيبته (عجَّل الله فرجه) غيبة الخضر (عليه السلام)، والقرآن يُحدِّثنا أنَّه قد تيسَّر لموسى (عليه السلام) أنْ يلتقيه.
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمَّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمَّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً * قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قالَ ذلِكَ ما كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً...﴾ إلى آخر الآيات (الكهف: ٦٠ - ٨٢).
والروايات تُحدِّثنا عن لقاءاته برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وبأمير المؤمنين (عليه السلام)(٨)، وبالأئمَّة (عليهم السلام)(٩)، فإذا جاز لقاء الخضر (عليه السلام) بأحد من الأحياء، فلِمَ لا يمكن لقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) في غيبته مع الناس؟
وإنْ كان الوجه في حكم العقل أنَّ الحكمة الداعية إلى تغييبه (عجَّل الله فرجه) لا بدَّ أنْ تكون داعية لأنْ لا يشاهده أحد فيها، فيردُّه:
١ - عدم جريان بعض الحِكَم المذكورة في الروايات وغيرها لغيبته، بل كلُّها في منع رؤيته من بعض الخواصِّ، كخوف الذبح(١٠)، والحرص على أنْ لا يكون في رقبته بيعة لأحد(١١)، وكون الغيبة عقوبة وأثراً لظلم الناس وتمحيص المؤمنين(١٢)، وإجراء سُنَن الأنبياء السابقين (عليهم السلام) فيه(١٣)، وإخراج المؤمنين من صلب الكافرين(١٤)، وغير ذلك(١٥).
أمَّا خوف الذبح فلأنَّه لم يأذن الله تعالى أنْ تكون الرؤية متيسِّرة لكلِّ أحد، فلم يتحقَّق ما يوجب الخوف.
ومثل ذلك الحرص على أنْ لا تكون في رقبته بيعة لأحد، فإنَّ مجرَّد الرؤية في حالات نادرة من أُناس لهم خصوصيّات عالية في التقوى والدِّين لا يستلزم أخذ البيعة منه (عجَّل الله فرجه) لحاكم في زمان المشاهدة.
نعم، لو كانت المشاهدة ممكنة لعامَّة الناس أو في دائرة واسعة منهم في الحدِّ الأدنى لاستدعى ذلك لفت الأنظار إليه وإظهار الاهتمام به، وهذا ما سيدفع الحُكّام الظالمين إلى السعي لإدخاله ضمن دائرة المطيعين والخاضعين لهم. وإذا التفتنا إلى أنَّه (عجَّل الله فرجه) لا يُمثِّل نقطة استقطاب لأبناء المجتمع فقط، بل يُمثِّل أيضاً صاحب الحقِّ في تسنُّم منصب إدارة أمر المجتمع وقيادة الدولة، اتَّضح أنَّ حُكّام الجور سوف لن يتركوه دون أنْ يُظهِر لهم الطاعة والخضوع. لكن المفروض أنَّ دائرة المشاهدة ضيِّقة جدًّا في الكمِّ والكيف، فأين استلزام المشاهدة للبيعة في رقبة الإمام (عجَّل الله فرجه)؟!
وأمَّا كون الغيبة عقوبة للناس على ظلمهم، فإنَّ العقوبة على تقصير الأعمال لم تقم ضرورة على أنْ تتشخَّص في حجب الحجَّة عن الناس المعاقبين، بل لم تقم ضرورة على أنْ يكون ظرف العقوبة في الدنيا، والأصل في العقوبات أنْ تكون في الدار الآخرة. ولولا أنْ يعمَّ الظلم في الدنيا وتنشغل الناس في دفع الظلم عن سلوك طريق التكامل، ولولا الانغماس في بحور المعاصي، لما قُدِّمت عقوبة إلى الدنيا. فلولا تقديم العقوبات إلى الدنيا بآثار تكوينيَّة أو في حدود أو تعزيرات أو عتق أو كفّارات لما بقي في ربقة المؤمنين إلَّا القليل.
هذا مضافاً إلى أنَّ عقوبة العمل لا تقتضي إلَّا أنْ يُعاقَب المذنب والمسيء دون غيره(١٦)، وهذا لا يمنع من أنْ يرى الإمام (عجَّل الله فرجه) من لم يُقصِّر بالنحو الذي يستحقُّ معه العقوبة المتمثِّلة بالحجب عن رؤية إمام الزمان (عجَّل الله فرجه).
ومضافاً إلى أنَّ حجب الحجَّة عن الناس عقوبة لهم ليست طريقة لازمة، فقد أتت الأُمَم السالفة بشتّى أنواع التقصيرات وأفحش أصناف المخالفات ولم يُحجَب عنها الحُجَج والأنبياء (عليهم السلام)، فحين ترك قوم موسى (عليه السلام) عبادة الله (عزَّ وجلَّ) وتحوَّلوا إلى عبادة العجل، هل حُجِبَ عنهم رؤية أنبيائهم؟ وحين قالت النصارى: ﴿إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ (المائدة: ٧٣)، هل استدعى ذلك أنْ يُغيِّب عنهم أوصياءه والأنبياء (عليهم السلام) من بعده؟
وهذا لا ينفي كون الحجب عن الحجَّة نوع عقوبة، فقد تكون إحدى الحِكَم في الغيبة معصية الأُمَّة، لكن الحكمة تقتضي أصل العقوبة ولا تقتضي نوعها أو شخصها إلَّا إذا كانت العقوبات بنحو السُّنَن الكونيَّة التي هي بنحو العلل التامَّة لا المقتضيات.
ولم يثبت في السُّنَن الكونيَّة هذا النوع من العقوبات على نوع من المخالفات. والسُّنَن الكونيَّة في ذلك قد تكون بنحو العلّيَّة، وقد تكون بنحو الاقتضاء، وكلاهما غير متوفِّر في مثل هذا الأثر، أو على الأقلّ غير معلوم. وإذا لم يثبت في التاريخ ما يشبه هذه العقوبة، كيف لنا أنْ نقول: إنَّها كانت وفق سُنَّة تكوينيَّة؟!
على أنَّ ثبوت السُّنَّة التكوينيَّة لا يُكتفى فيه بالإمكان، بل لا بدَّ من الدليل أو التجربة المتكرِّرة التي تُوجِب القطع بثبوتها. ولا دليل على وجود هذه السُّنَّة، وإنَّما هي كلام فقهاء في مورد جزئي، والذي أظنُّه أنَّهم كانوا بصدد دفع توهُّم لزوم محذور من غيبته (عجَّل الله فرجه) وهو الحجَّة على الخلائق. وقد يكون المحذور هو مخالفة ما يقتضيه اللطف أو ما تستدعيه الرحمة أو ترتُّب محذور الظلم، فحاولوا دفعه من خلال وجه معقول في نفسه وإنْ لم يقم عليه دليل.
وأمَّا إجراء سُنَن الأنبياء السابقين (عليهم السلام)، فليس وجهاً يمكن الاستناد إليه ليكون حكمة لعدم الرؤية في الغيبة، وذلك:
أوَّلاً: لأنَّ غيبة الأنبياء السابقين (عليهم السلام) فعل لله تعالى، وهو اختياري، فيحتاج إلى حكمة، إذ لقائل في زمانهم أنْ يقول: لِمَ غاب الخضر مثلاً؟ ولا تُعلَّل الأفعال بحصول نظير لها، وإنَّما تُعلَّل بغاياتها.
وثانياً: لأنَّ حدوث الغيبة لم يكن عامًّا لكلِّ الأنبياء (عليهم السلام) ولا أكثريًّا ليكون ذلك سُنَّة لتجري في الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه). فلِمَ لم تجرِ فيه سُنَّة الحضور التي جرت في كلِّ الأنبياء (عليهم السلام) إلَّا ما شذَّ وندر؟
وثالثاً: لأنَّ الوارد في بعض الروايات أنَّ غيبة الأولياء السابقين كانت لأجل نفي الاستبعاد عن غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمانه لا العكس.
ففي رواية الصيرفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «... وأمَّا العبد الصالح - أعني الخضر (عليه السلام) - فإنَّ الله تبارك وتعالى ما طوَّل عمره لنبوَّة قدَّرها له، ولا لكتاب يُنزِله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لإمامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بلى إنَّ الله تبارك وتعالى لمَّا كان في سابق علمه أنْ يُقدِّر من عمر القائم (عليه السلام) في أيّام غيبته ما يُقدِّر، وعَلِمَ ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طوَّل عمر العبد الصالح في غير سبب أوجب ذلك إلَّا لعلَّة الاستدلال به على عمر القائم (عليه السلام)، وليقطع بذلك حجَّة المعاندين، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: ١٦٥]»(١٧).
ورابعاً: لأنَّ إجراء سُنَن الأوَّلين لا تصلح لأنْ تكون حكمة، بل غاية ما تصلح له هو نفي الاستبعاد المستند إلى وجه قد يرى صاحبه استحالة امتداد عمر فرد لكلِّ هذه المدَّة من الزمان.
وخامساً: لو فرضنا نهوض سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) كحكمة، فهي لا تُشكِّل أكثر من مصلحة في الفعل، ومجرَّد وجود المصلحة غير كافية في الدفع باتِّجاه الفعل إلَّا إذا كانت بمستوى من الأهمّيَّة يمنع من ترك الفعل، ولم توجد مفسدة مزاحمة لتلك المصلحة أو لم يتيسَّر طريق آخر لاستيفاء نفس المصلحة أو مقدار مكافئ لها. خصوصاً إذا كان الطريق الآخر مزاحماً في الوجود للسبيل الأوَّل أو الفعل الأوَّل. ومن أين لنا إحراز ذلك في محلِّ كلامنا؟ خصوصاً وأنَّ عدم إمكان الرؤية لا تدور مصلحته في فرد واحد في زمان واحد، بل مصلحته لكلِّ العباد في كلِّ المجتمعات وعلى مرِّ عصور الغيبة، ممَّا يعني احتمال اختلاف المصالح من حالة لأُخرى. ولا حاجة للإطالة وزيادة التوضيح، وأكتفي بفهم القارئ.
وأمَّا ما ذكرته بعض الروايات من أنَّ علَّة غيبته هي إخراج بعض المؤمنين من صلب الكافرين، ففيه:
أوَّلاً: أنَّه لو صلح ذلك حكمةً فإنَّه حكمة لعدم قتل الآباء لا للغيبة ولا لتأخير إقامة دولة الحقِّ، فضلاً عن أنْ يكون حكمة لمنع رؤية كلِّ أحد له (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة. فإنَّ قيام الإمام ونهوضه بالسيف لا ينافي إخراج المؤمنين من صلب الكافرين ولو بعد حين وقرون من السنين.
وثانياً: لو التزمنا أنَّ ظهوره (عجَّل الله فرجه) يستلزم نهوضه لإقامة دولة الحقِّ فلا بدَّ من الحرب ويخشى أنْ يُقتَل فيها من كتب الله تعالى لبعض ذرّيَّته ولو كانوا أبناء بعيدين أنْ يكونوا مؤمنين، فإنَّ ذلك سيكون مربوطاً بظهوره العامِّ، لا أنْ يظهر لبعض من الخواصِّ على تباعد من الزمان والمكان.
وأمَّا كون الابتلاء وتمحيص المؤمنين علَّة للغيبة، فإنَّ الابتلاء غاية نشأتنا الدنيويَّة كما يمكن استفادته من قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (الكهف: ٧)، وغاية ما يقتضيه ذلك أنَّه لا بدَّ من الابتلاء خيراً كان أو شرًّا، ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (الأنبياء: ٣٥).
أمَّا تعيين نوع الابتلاء فلا وجه له، ومن هنا اختلفت ابتلاءات الأفراد والأُمَم على مرِّ العصور.
نعم، حين قرَّ القرار الإلهي على ابتلاء الناس في المقطع الزماني قبل القرن الرابع الهجري إلى أنْ يرث الله الأرض ومن عليها ابتلوا بذلك، ولكن هل يلزم من ذلك أنْ لا تتيسَّر رؤيته لكلِّ أحد وفي كلِّ تلك الأزمنة؟ فهذا ما لا تُعيِّنه حكمة الابتلاء. فالابتلاء باقٍ بنوعه وشخصه لكلِّ الناس إلَّا من شذَّ وندر، وحتَّى من شذَّ فليس شرعة له في كلِّ وقت أنْ يلتقي به (عجَّل الله فرجه).
٢ - انسداد الطريق أمام العقل للوصول إلى الأحكام أو ضرورة الأفعال من خلال الحِكَم، فإنَّ الفعل لا يصدر إلَّا إذا تمَّت الإرادة وتعلَّقت به، والإرادة لا تتعلَّق به إلَّا مع رجحان موافقته للغرض، ورجحان الموافقة للغرض بالنحو الملزم لا يمكن الوصول إليه إلَّا مع ملاحظة جميع حيثيّات الفعل ومناسبتها للغرض، وهذا أمر لا يتيسَّر للعقل الإحاطة به.
والحاصل: أنَّه لا سبيل إلى نفي إمكان الرؤية استناداً إلى الوجه العقلي.
السُّنَّة:
وأمَّا السُّنَّة فقد ادُّعي أنَّ المكاتبة التي رواها الحسن بن أحمد المكتَّب تدلُّ على ذلك. ولننقل نصَّها أوَّلاً.
قال الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتاب (كمال الدِّين): حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قدَّس الله سرَّه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته:
«بسم الله الرحمن الرحيم، يا عليُّ بن محمّد السمري، أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنَّك ميِّت ما بينك وبين ستَّة أيّام، فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحدٍ يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية [التامَّة]، فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب مفتر، ولا حول ولا قوَّة إلَّا بالله العلي العظيم».
قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلمَّا كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيُّك من بعدك؟ فقال: لله أمر هو بالغه، ومضى (رضي الله عنه). فهذا آخر كلام سُمِعَ منه(١٨).
ووجه الاستدلال أنَّ الرواية وصفت المدَّعي للمشاهدة بأنَّه مفتر كاذب، فلا يُقبَل مقولة القائل: إنَّه رأى الإمام (عجَّل الله فرجه) ولو لم يدَّعِ السفارة.
والرواية لا تُجدي في المقام نفعاً ولا تصحُّ مستنداً، لوجوه:
الأوَّل: أنَّ فيها قرينة على أنَّ المراد هو ادِّعاء الرؤية مع دعوى السفارة، حيث إنَّ قوله (عجَّل الله فرجه): «فمن ادَّعى الرؤية قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر» ورد بعد قوله (عجَّل الله فرجه) لعليِّ بن محمّد السمري: «فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك فقد وقعت الغيبة التامَّة».
لكن الإنصاف أنَّ ما ذُكِرَ لا يصلح للقرينيَّة، لإطلاق دعوى المشاهدة، إذ لم تُقيَّد باقتران دعوى السفارة، ولا يوجد ما يصلح لتقييدها بدعوى السفارة.
فإنْ قيل: إنَّ القرينة هي المسبوقيَّة بقوله (عجَّل الله فرجه): «ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك»، ثمّ فرَّع بالفاء بعد عدَّة جُمَل وصف مدَّعي المشاهدة بأنَّه مفتر كاذب.
قلنا: توجد قرينة أقوى ظهوراً على خلاف ذلك، بل وأقرب من تلك في لفظ الرواية، وهي قوله (عجَّل الله فرجه): «فقد وقعت الغيبة التامَّة»، وقوله بعدها مباشرةً: «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، والتفريع في (فمن) على هاتين الجملتين أقرب من التفريع على الجملة السابقة عليهما.
ولكن قد يقال: إنَّ وصف الغيبة بالتامَّة إضافي بالنسبة إلى الغيبة السابقة، حيث كان بالإمكان الوصول إلى الإمام (عجَّل الله فرجه) ومعرفة رأيه في الأُمور من خلال السفير، فلا تكون الفقرة قرينة على إرادة الغيبة التي يكون مدَّعي المشاهدة مفتر كاذب. وكذا فقرة: «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، حيث يمكن أن يقال: إنَّ المنفيَّ وهو الظهور لا ينافي أنْ يراه أحد الناس في زمان الغيبة. فتنتفي قرينيَّة الفقرتين على إرادة نفي مجرَّد المشاهدة. ولكن الأصل في القيود المذكورة في الكلام أنْ لا تكون إضافيَّة ما لم يوجد ما يُؤشِّر إلى خلافها.
نعم، بعد سقوط هذا الظهور بما يأتي من الوجوه أو ببعضها يقال: فإذا لم يكن المراد منها ظاهرها فما هو المعنى المراد؟ قيل: يمكن أنْ يكون المراد المشاهدة مع دعوى السفارة، ويمكن أنْ يُجعَل قرينة على إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة أنَّ النيابة الخاصَّة أو السفارة تحتاج إلى تعيين من قِبَل الإمام (عجَّل الله فرجه)، وهكذا كان في كلِّ السفراء، بالنسبة للنائب الأوَّل عثمان بن سعيد العمري كان الإمام العسكري (عليه السلام) قد جمع شيعته حين أدركته الوفاة وأخبرهم أنَّ ولده الخلف (عجَّل الله فرجه) صاحب الأمر، وأنَّ العمري وكيله والسفير بينه وبين شيعته. وحين قرب أجل السفير الأوَّل أعلمه الإمام (عجَّل الله فرجه) بذلك وأمره بالوصيَّة إلى محمّد بن عثمان الخلّاني ولده ليخلفه في النيابة الخاصَّة. فلمَّا دنا أجله نُعيت إليه نفسه وأمر بأنْ يُوصي إلى الحسين بن روح ليكون النائب الخاصّ الثالث، وهكذا كان حين حانت وفاته.
والملاحَظ أنَّ في كلِّ مرَّة يخرج فيها توقيع الإمام للنائب الفعلي يُبيِّن له النائب اللاحق، ولم يرد في أيٍّ منها تكذيب مدَّعي المشاهدة إلَّا في التوقيع الأخير الذي صدر للسمري، فكانت أهمّيَّة هذا التوقيع وهذه الفقرة فيه تكمن في أنَّه قد سدَّ باب افتراء النيابة الخاصَّة وتضليل عامَّة المؤمنين بذلك.
وهذه الملاحظة وإنْ لم تصل إلى مستوى القرينة التي تصرف ظهور التوقيع الأخير عمَّا هو ظاهر فيه، لكنَّها بضميمة قرائن أُخرى قد تُبطِل هذا الظهور أو تُبطِل حجّيَّته، بل قد تُوجِب حجّيَّتها في خصوص دعوى السفارة. وإنْ لم يحصل ذلك فإنَّها تجعل المراد الجدّي من هذه الرواية مجملاً، والروايات المجملة لا تكون حجَّة في أحد احتمالات ما كان مجملاً.
ويكفينا عدم حجّيَّتها ولا نحتاج إلى حجّيَّتها في غير ما ادُّعي ظهورها فيه.
وإنَّما قلنا: لا تصل إلى مستوى القرينيَّة؛ لأنَّه يمكن أنْ يقال: إنَّ الفرق بين ما بعد السفير الرابع وبين بعد من هو قبله أنَّه قبل رحيل السفير الرابع كان للناس منفذ يمكن من خلاله الوقوف على حال المدَّعين وتمييز المحقِّ من المبطل منهم، وذلك بواسطة السفير الموجود بالفعل، كما حصل بالنسبة للشلمغاني وأحمد بن هلال العبرتائي.
أمَّا الشلمغاني وهو ابن أبي العزاقر فقد كان مستقيماً ثمّ تغيَّر. ذكر ابن داود أنَّ سبب تغيُّره هو حسده للحسين بن روح(١٩)، وكذا قال النجاشي فيه(٢٠).
وأمَّا العبرتائي فقد وُصِفَ في توقيع الإمام (عجَّل الله فرجه) أنَّه صوفي متصنِّع(٢١).
وأمَّا بعد رحيل السفير الرابع فلا يوجد طريق لمعرفة المبطل. وربَّما لو بقينا والرواية لقيل: إنَّه لا سبيل إلى رؤيته وفق ظاهرها، ولكن يأتي بعد ذلك بقيَّة الوجوه في ردِّ الاستدلال بها دون هذا الوجه.
وكيف كان، فهذا الوجه لا يمنع من ظهورها في المعنى المزعوم، لكنَّه يُسقِط حجّيَّة هذا الظهور بالقرائن التي أشرنا إليها وستأتي، فلا تنهض لإثبات ما هي ظاهرة فيه.
الثاني: قد يُدَّعى أنَّ الرواية لمَّا ذكرت دعوى المشاهدة قبل ظهور السفياني والصيحة، فهذا يعني أنَّ الحكم لا يجري بعد حصول العلامتين والذي يحصل بعد العلامتين هو ظهوره (عجَّل الله فرجه)، فينساق إلى الذهن أنَّ المنفيَّ دعوى ظهوره (عجَّل الله فرجه) قبل العلامتين، ولم يدَّعِ أحد من العلماء أو الموثوقين أنَّه قد ظهر الإمام (عجَّل الله فرجه)، بل مجرَّد المشاهدة لا بنحو ظهوره بعد طول انتظار لإقامة دولة الحقِّ، فلا أحد منهم ادَّعى انتهاء الغيبة الكبرى وانطواء صفحتها.
وقد يُدعَم ذلك من خلال قوله (عجَّل الله فرجه): «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله (عزَّ وجلَّ)»، ثمّ بعدها بقليل قال (عجَّل الله فرجه): «وسيأتي شيعتي من يدَّعي المشاهدة، ألَا فمن ادَّعى المشاهدة...»، وهذا يجعل احتمال إرادة الظهور من المشاهدة لا يخلو عن قوَّة.
لكن الانصاف أنَّ ذلك لا يُشكِّل قرينة توجب رفع اليد عن ظهور الدليل. نعم، بضميمة بعض القرائن الأُخرى قد يُشكِّل المجموع قرينة، إذ قد تصل هذه الوجوه إذا ضُمَّت إلى بعضها إلى مستوى يوجب الاطمئنان بأنَّ الرواية لم يرد منها نفي مجرَّد المشاهدة في زمن الغيبة.
أمَّا هذا التوجيه فلا يخلو من الضعف؛ لأنَّ التحديد بما قبل ظهور السفياني والصيحة هو وقت الغيبة، وفيه يمكن الافتراء والكذب على الإمام (عجَّل الله فرجه) من خلال ادِّعاء مشاهدته، وأمَّا بعد ظهوره فلا مجال لهذه الدعوى ولا محذور بعد كون الإمام (عجَّل الله فرجه) بين ظهراني الأُمَّة يُرى شخصه ويُسمَع حرفه. فلماذا نُوجِّه الرواية لهذا المعنى دون ذاك؟
وكيف كان، فهذا الوجه قابل للمناقشة؛ لأنَّ الإشكال مبنيٌّ على مخالفة هذا الوجه لمفهوم القيد (قبل السفياني والصيحة) وهو غير ثابت لمثله. فيكون القيد كالمقوِّم للموضوع، إذ لا يوجد بدونه. وما المحذور في تحديد ظرف الحكم من خلال تحديد موضوعه دون أن يكون الدليل ناظراً إلى انتفاء الحكم عند انتفاء القيد؟
وعليه فإذا استظهرنا بضميمة هذه الفقرة: «فلا ظهور إلَّا بعد إذن الله(عزَّ وجلَّ)» أنَّ المراد هو المشاهدة مع دعوى الظهور فهو، وإلَّا كان من قبيل طرح احتمال ممكن بعد أنْ وُجِدَ ما يمنع من الالتزام بظاهرها حيث يمكن أنْ يقال: إنَّه حين لم نقبل ظاهرها فهل قُصِدَ منها معنى معيَّن أم لا فتكون لغواً؟ ومحذور اللغويَّة ينتفي بمجرَّد وجود احتمال ممكن ثبوتاً أن يكون قد أُريد من اللفظ. وهذا الاحتمال ممكن ولو كان مخالفاً للظاهر.
لكن ذلك لا يعني أبداً الجزم بإرادته من اللفظ، اللَّهُمَّ إلَّا إذا تيقَّنا أنَّه لا يوجد محتمل آخر، بل لا يمكن إرادة معنى آخر، فيبقى احتمال إرادة المعنى الظاهر وقد نفته القرينة وهذا الاحتمال، فيتعيَّن.
والذي يُهوِّن الخطب أنّا بصدد نفي إرادة المعنى الظاهر، ولسنا بصدد ضرورة فهم ما هو المراد بها فعلاً.
الثالث: لو تنزَّلنا عن ظهورها في نفي السفارة والأمر في تكذيب مدَّعيها فهي مجملة، لاتِّصال تلك الفقرة التي هي محلُّ البحث بما يمكن أنْ يكون قرينة على الخلاف، والقرينة المحتملة إنْ كانت متَّصلة منعت من انعقاد الظهور، فلا يبقى بعد ذلك مجال لتطبيق كبرى حجّيَّة الظهور. فلو أنَّ قائلاً قال: (اذهب إلى البحر واستمع إلى حديثه)، وشككت أنَّ المراد بالبحر معناه الحقيقي أو العالِم وعبَّر بالبحر عنه لشبه غزارة علمه بغزارة ماء البحر، فإنَّ مقتضى القواعد هو حمل كلمة (البحر) على معناها الحقيقي المعهود، إلَّا إذا وردت قرينة على الخلاف. لكن ظاهر المستمع إلى حديثه هو عدم إرادة البحر بهذا المعنى لأنَّه لا يتحدَّث، فلو لم نستظهر من حديثه إرادة الحديث الصادر من البشر، لم نستظهر إرادة التأمُّل في دلالة العظمة فيه، فإنَّ ذلك يمنع من التمسُّك بظهور كلمة البحر على مستوى الاستعمال لإثبات إرادة معناه الحقيقي. فاحتفاف الكلام بما يحتمل القرينيَّة على الخلاف يمنع من الظهور في إرادة ما يقتضيه ظهوره الاقتضائي - أي الظهور - لولا محتمل القرينيَّة.
ومع الإجمال تسقط هذه الرواية عن الاعتبار والاحتجاج بها في ذلك القسم منها.
وقد قال الشيخ المجلسي (رحمه الله) في بيان له بعد نقل الخبر: (لعلَّه محمول على من يدَّعي المشاهدة مع النيابة وإيصال الأخبار من جانبه (عليه السلام) إلى شيعته، على مثال السفراء)(٢٢).
لكن الإنصاف أنَّه حين عبَّر بـ(محمول) فذلك يُوحي بأنَّ هذا الحمل فيه مخالفة للظاهر، خصوصاً وقد بيَّن المنشأ لهذا الحمل بقوله: (لئلَّا ينافي الأخبار التي مضت وستأتي فيمن رآه (عليه السلام)، والله يعلم). وهذا يعني أنَّ هذا التوجيه لم يكن المستند فيه الفهم من الدليل وإنَّما ألجأنا إليه حقيقة شاخصة متواترة إجمالاً متمثِّلة بحصول المشاهدة له (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة.
بل نفس نقل بعض الأكابر من علمائنا لقاءه (عجَّل الله فرجه) مع أنَّ مثل هذا الخبر بمرأى منهم يُقوّي إمكان حصولها، إذ مع الجزم بتقواهم وتحرُّزهم عن مخالفة الأخبار، كيف يخالفون ما يمكن أنْ يكون ظهوراً له في وصف ادِّعاء المشاهدة بمجرَّدها بالكذب والافتراء؟ على أنَّ ذلك لم يحصل من واحد لنحتمل توهُّمه أو خطأ فهمه للأخبار.
إنَّ ذلك يُفتَرض أنْ يُوجِب عناية في نفس المشاهدة وشيء من التدقيق وإعمال النظر، كما يُوجِب عناية في جانب النقل للمشاهدة.
الرابع: لو سلَّمنا انعقاد ظهور للرواية في كذب المدَّعي للمشاهدة وكونه مفترياً، فإنَّ حجّيَّة الظهور مشروطة بعدم قيام القرينة على الخلاف، وإذا فرضنا أنَّ القطع قد حصل بإخبار مخبر لخصوصيَّة فيه مثلاً أو لاحتفاف كلامه بقرائن قطعيَّة، فلا يبقى حينها مجال للتعبُّد بظهورها، إذ محلُّ التعبُّد الموارد التي لا يُوجَد فيها قطع بالوفاق أو بالخلاف، وحين يأتينا مثل السيِّد بحر العلوم أو مثل السيِّد أحمد بن طاووس (رحمهما الله) حيث نجزم أنَّه ليس لديه خطل في قول أو زلل في فعل أو طلب للرئاسة أو حطام الدنيا، لا يبقى أيُّ مجال للتعبُّد بالرواية؛ لأنَّ دلالتها كانت حجَّة من جهة التعبُّد لا من جهة القطع، فأيُّ مجال للتعبُّد بالظهور والقطع على خلافه؟!
وهذا الكلام جارٍ في الآيات الظاهرة، فمتى قامت القرينة القطعيَّة على خلاف ظاهر الآية سقط ظهورها عن الحجّيَّة، خذ لذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ (الإسراء: ٧٢)، فظاهر لفظة (أعمى) الأُولى أعمى البصر، ولكن لثبوت القرينة القطعيَّة على الخلاف لم نلتزم بظهور اللفظة بالمعنى الحقيقي وهو عمى البصر، فعمى البصر ليس ملاكاً للعمى وضلال السبيل في الآخرة قطعاً.
وليس اعتمادنا في رفع اليد عن ظهور الكلمة المزبورة في الآية على مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحجّ: ٤٦).
ليقال: إنَّ لفظة (أعمى) يُراد بها أعمى القلب، بل آية سورة الحجِّ استُعمِلَت كلمة (العمى) فيها في عمى القلب. لكن ذلك لا يصلح قرينةً أو دليلاً على أنَّ لفظة (العمى) كلَّما وردت في الكتاب أُريد بها عمى القلب. فكما قيل: الاستعمال أعمُّ من الحقيقة، وقد استُعمِلَت الكلمة في معنى مجازي، وذلك لا يُسقِط ظهورها - لو كان - في مورد آخر بالمعنى الحقيقي عند عدم قيام قرينة على الخلاف.
الخامس: عدم صحَّة سند الرواية، فقد رواها الشيخ الصدوق (رحمه الله)، قال: حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري (قدَّس الله روحه)، فحضرته قبل وفاته بأيّام، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته: «بسم الله الرحمن الرحيم...» الخبر.
والحسن بن أحمد هذا لم يُنَصّ على توثيقه. نعم ذكر السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجمه أنَّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) ترحَّم عليه. ومجرَّد الترحُّم ولو من مثل الصدوق (رحمه الله) لا يدلُّ على الوثاقة، نعم فيه دلالة على أنَّ مذهبه حقٌّ على طريقة علمائنا، وإلَّا لقال مثل: (جازاه الله بعمله). ولكن صحَّة المذهب ليست دليلاً على الوثاقة.
ويمكن أنْ يقال: إنَّه من مشايخ الصدوق (رحمه الله)، وهذا يكفي لإثبات وثاقته. لكن ذلك مردود لأكثر من وجه:
١ - إنَّه ليس من مشايخ الإجازة، وما وقع الكلام في إمكان الاستناد إليه لإثبات الوثاقة كون الرجل من مشايخ الإجازة لا مجرَّد الرواية عنه ولو كان الراوي مثل الصدوق (رحمه الله). ومن هنا لم يلتزم بأنَّ كلَّ من روى عنه الصدوق (رحمه الله) لا بدَّ أن يكون ثقة. نعم كانت في قم مشكلة مع من يُكثِر من النقل عن الضعفاء، لا مجرَّد أنْ يروي ولو لمرَّة واحدة عن ضعيف. وهذا يعني أنَّ مجرَّد نقل الصدوق (رحمه الله) عنه رواية واحدة لا يُشعِر بوثاقته فضلاً عن أنْ يكون دليلاً عليها. وهذا الرجل لم تُوجَد له في الموسوعات الروائيَّة أكثر من روايتين، وقد تكرَّر نقلها، إحداهما الرواية المزبورة، والأُخرى نقل فيها الدعاء في زمن الغيبة عن محمّد بن همّام الثقة عن السفير: «اللَّهُمَّ عرِّفني نفسك...»(٢٣).
فإنْ قيل: إنَّ من ينقل مثل هذا الكنز هل يُشَكُّ في صدقه؟
قلنا: أوَّلاً لو كان ذلك موجباً للوثوق لصار وثوقاً بالنصِّ لا وثوقاً بالراوي، فإنَّ الراوي غير الثقة لا يلتزم أحد بأنَّه لا يروي أيَّ حقٍّ في كلماته، فكيف نلتزم بذلك في من لم تثبت وثاقته وإنْ احتملناها واقعاً؟ نعم لا يمكن الاعتماد على خبره. فإنْ جزمنا بخبر عنه أنَّه لا بدَّ أنْ يكون صادراً من المعصوم (عليه السلام) وثقنا بالخبر فقط ولم تثبت وثاقة الراوي.
وثانياً: من قال: إنَّ هذه الرواية بدلالاتها غير قابلة للمناقشة، أو بتعبير آخر هي كنز؟ ولأجل ذلك ترى المجلسي (رحمه الله) احتمل حملها على دعوى السفارة، وبعض على دعوى الظهور، ممَّا يعني أنَّ تسليم ظاهرها مشكل. فكيف يُستَدلُّ بمضمونها على وثاقة راويها؟
وثالثاً: وجود فقرات في رواية ما يُجزَم بكونها صادرة من المعصوم (عليه السلام) لا يعني بالضرورة قبول كلِّ فقراتها. فإنَّ التوهُّم، بل وتعمُّد الكذب قد لا يحصل في النصِّ كلِّه. وانتفاء ذلك في البعض من فقراتها لا يسلتزم الانتفاء في جميع فقراتها. نعم لو كان النفي مستنداً لوثاقة الراوي فإنَّ الوثاقة هي التي تنفي تعمُّد الكذب في كلِّ الفقرات على حدٍّ سواء.
٢ - لو سلَّمنا أنَّه من مشايخ الإجازة، فإنَّ ذلك غير كافٍ أيضاً في إثبات الوثاقة وإنْ وقع كلام من بعض الأعلام في ذلك وربَّما بنى عليها البعض. لكن كبرى هذه القاعدة غير تامَّة.
٣ - إنَّ الواقع الموضوعي التاريخي يُثبِت أنَّ قدماء علمائنا كالصدوق والمفيد (رحمهما الله) وغيرهم لم يأخذوا على أنفسهم أنْ لا يحضروا عند الفقهاء والرواة من بقيَّة المذاهب، ولا كان ديدنهم على الاقتصار في مجالس تحمُّل الحديث على خصوص الثقات، بل ثبت حضورهم عند من لم تثبت وثاقته.
السادس: لو سلَّمنا بانعقاد الظهور، بل بكون الرواية على مستوى النصِّ غير القابل للحمل على معنى آخر ولو بقيام القرينة على الخلاف، فإنَّ صدور الرواية ليس قطعيًّا، فقد رواها الشيخ الصدوق (رحمه الله) قال: (حدَّثنا أبو محمّد الحسن بن أحمد المكتَّب، قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي تُوفّي فيها الشيخ عليُّ بن محمّد السمري...) الخبر.
وعلى فرض صحَّتها سنداً فإنَّها لا تتحوَّل بذلك إلى قطعيَّة الصدور، فيُقبَل مضمونها تعبُّداً، والتعبُّد بالسند كما هو في الظهور يُقبَل إذا لم تقم القرينة على خلافه. ولا يُعتَبر في القرينة أنْ تكون قطعيَّة، لكن يُعتَبر أنْ لا تكون تلك القرينة دلاليَّة. فمثل إعراض المشهور عن الرواية أو مخالفة فتواهم لها تُسقِطها عن الحجّيَّة. وكذا وجود رواية مكافئة لها إذا التزمنا بالتساقط حينها. ومثل ذلك مخالفة الكتاب الكريم. وأوضح من ذلك ما لو قامت القرينة القطعيَّة على خلافها، إذ لو قامت القرينة القطعيَّة على الخلاف، فالعمل بالرواية مستلزم للمحال في نظر المكلَّف على كلِّ حالٍ - أي وإنْ كان قطعه في غير محلِّه -؛ لأنَّه يستلزم نفي الحكم الثابت بالقطع على خلافها. فلا يتعقَّل المكلَّف مع قطعه بالحكم وجود احتمال حكم آخر، إذ يلزم احتمال اجتماع الضدَّين - إذ الأحكام متضادَّة فيما بينها -، واحتمال اجتماع الضدَّين مستحيل كما أنَّ الجزم به مستحيل. فإذا أراد الشارع المقدَّس أنْ يتعبَّد المكلَّف بسند رواية قام القطع على خلافها، فإنَّ المكلَّف سوف لن يتحرَّك عن قطعه ولن يترك العمل بمقتضاه، فيكون جعل الحجّيَّة حينئذٍ لغواً وبلا فائدة. واللغو قبيح، والمولى تعالى منزَّه عن كلِّ قبيح.
ومع قطعنا بحصول بعض لقاءات مع الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة لا يمكن العمل بمضمون الرواية ولو كانت نصًّا في مدلولها.
السابع: أنَّه لم يثبت وجه للاستحالة ليسوغ لنا أنْ ننفي وبضرس قاطع رؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمن الغيبة. والذي نجزم به ورود رواية قيل: إنَّها دالَّة على ذلك. ولا نستطيع أنْ نجزم بمؤدّاها إلَّا إذا كانت قطعيَّة في جوانبها الثلاثة: (الصدور، والدلالة، والجهة) كما يُعبِّرون.
أمَّا الصدور فيحصل القطع به من خلال التواتر أو بالاحتفاف بقرائن قطعيَّة على الصدور، وهما غير متوفِّرين جزماً.
وأمَّا الدلالة فبوجود مفردات في الرواية لا نحتمل معها ولو ضعيفاً إرادة معنى آخر، وهو غير متحقَّق، خصوصاً وقد احتملنا إرادة المشاهدة مع دعوى السفارة كما احتملنا إرادة المشاهدة مع ظهوره (عجَّل الله فرجه) لا مجرَّد المشاهدة.
وأمَّا الجهة وهي أنْ لا تكون صدرت مزاحاً أو تقيَّةً أو مجرَّد تلفُّظ دون إرادة معنى منه، فالمزاح لا سبيل في كلامه (عجَّل الله فرجه) إليه، خصوصاً والرواية تشير إلى أمر مهمٍّ جدًّا في غاية الحسّاسيَّة وفي وقت شكَّل تحوُّلاً في مسيرة أتباع المذهب الحقِّ. وأمَّا عدم إرادة معنى فكذلك، خصوصاً في المكاتبات، مضافاً إلى ما تقدَّم من أهمّيَّة المطلب وحسّاسيَّة الوقت. أمَّا التقيَّة فهي خلاف الظاهر، ولكنَّنا نحتمل أنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) يتحدَّث بطريقة موضوعها يشبه التقيَّة من حيث اقتضاء مصلحة مهمَّة أنْ ينفي بضرس قاطع صحَّة مدَّعي المشاهدة، ليكون أوقع في النفوس كي تجتنب أصحاب مثل هذه الدعاوى، وينقطع الأمل بلقائه (عجَّل الله فرجه) في غيبته، فيضطرُّوا إلى الاعتماد على الموروث في الفهم وعلى حسن التدبير في المسيرة الحياتيَّة وتطبيقات الأحكام، ولو كان عندهم أيُّ أمل بلقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) فإنَّ ذلك سيمنعهم من الإقدام على اتِّخاذ القرار، إذ قراراتنا تعتمد على استظهارات عادةً، والاستظهارات ظنّيَّة والأخذ من الإمام (عجَّل الله فرجه) قطعي. ولمَّا كان اتِّباع الظنِّ محتمل الوقوع في الخطأ، فإنَّ الإنسان قد لا يقدم عليه مع توفُّر بديل مأمون لا نحتمل فيه الخطأ. وهذا يعني أنَّه مع احتمال إيصال مسألتك للإمام (عجَّل الله فرجه) فإنَّك لا تقدم على سلوك سبيل ظنّي. نعم إذا جزمت بسدِّ طريق تحصيل العلم بالسلوك أو القرار المطابق للمصلحة، فإنَّك ستضطرُّ إلى العمل ببعض الظنون في بعض الموارد.
والحقُّ أنَّ احتمال التقيَّة منفيٌّ هنا، فأيُّ خوف من الإمام (عجَّل الله فرجه) وهو غائب أنْ يُخبِر بوقوع الغيبة؟
وأمَّا الصدور، فقد تقدَّم أنَّه ليس موثوقاً فضلاً عن أنْ يكون قطعيًّا.
وكيف كان، فإنَّ عدم قطعيَّة جهة واحدة من الجهات الثلاث في الرواية (الصدور، والدلالة، والجهة) يمنع من أنْ تكون قطعيَّة، فكيف وكلُّ الجهات أو جهتان فيها غير قطعيَّة؟!
وإذا لم تكن الرواية قطعيَّة كيف لنا أنْ نقطع بمضمونها ونجزم أمام الملأ أنَّ كلَّ من ادَّعى الرؤية فهو كاذب؟ وقد تقدَّم أنَّه لا توجد دلالة خارج الرواية على الاستحالة. فلا الرواية ناهضة لإثبات الاستحالة، ولا يوجد دالٌّ آخر على ذلك بنحو البتِّ والجزم. فأنّى لنا الالتزام بكذب وافتراء مدَّعي المشاهدة؟!
الثامن: أنَّ كلَّ ما تقدَّم لوحظ فيه إمكان الاستناد إلى الرواية إذا توفَّرت فيها شرائط الحجّيَّة، وتبيَّن أنَّها غير متوفِّرة على شرائط الحجّيَّة.
وهنا نقول: على فرض توفُّر شرائط الحجّيَّة، فإنَّها لا تثبت في مثل محلِّ الكلام.
لأنَّ مجال التعبُّد بالظنون الخاصَّة هو الفروع أي الأحكام الفرعيَّة دون الاعتقاد.
صحيح أنَّ بعض الفقهاء فرَّقوا بين تفاصيل الاعتقاد وأُصوله، فقبلوا التعبُّد في التفاصيل دون الأُصول، إلَّا أنَّ ذلك لا معنى له. والسرُّ أنَّ المطلوب في الاعتقاد ذات الواقع لا الواقع المحرز ولو بدليل ظنّي حجَّة. والمطلوب عقد القلب على ما انكشف أنَّه واقع بالجزم واليقين. وقيام الحجَّة التعبُّدية على شيء لا يجعله واقعاً بعد أنْ لم يكن من الواقع. نعم لو كان المطلوب عقد القلب على الصورة التي رسم الدليل التعبُّدي بعض ملامحها مثلاً لأمكن التعبُّد بذلك الدليل.
لكن الاعتقاد يُراد به أنْ يكون متعلَّقه الواقع الثابت بالجزم واليقين. والخبر غير القطعي والدلالة غير النصّيَّة (غير الجزميَّة) والتي لم تحتف بها قرائن قطعيَّة لا يفيد اليقين بما حكى عنه. والجزم الحاصل إنَّما هو بالحاكي لا بالمحكي.
مضافاً إلى أنَّ المسالك المعروفة في مسألة الحجّيَّة وحقيقتها ثلاثة:
١ - وهو ما ذهب إليه صاحب الكفاية حيث بنى على أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّيَّة عبارة عن المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة، وهما غير معقولين في الموارد التي لا يُوجَد فيها ما يقبل التنجيز والتعذير عنه، إذ لا حكم فيها ليكون محلّاً للتنجيز والتعذير.
٢ - مسلك جعل الحكم المماثل، والذي يعني أنَّ الشارع المقدَّس نتيجةً لقيام الأمارة الحجَّة يحكم بحكم مطابق لمؤدّاها، فإذا أخبر الثقة مثلاً بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال، فإنَّ الشارع - طبق هذا المسلك - سيحكم بوجوب ذلك الدعاء حتَّى وإنْ لم يكن ما حكاه الثقة ثابتاً في الواقع.
وهذا المسلك على وضوح بطلانه في الفروع، إذ فضلاً عن عدم الدليل على مثل هذا الجعل في موارد الحُجَج، يلزم منه أنْ تكون الأحكام الظاهريَّة غير ثابتة ومتغيِّرة بحسب الأفراد من جهة اختلاف مداليل الأمارات أو اختلاف فهمها. لا يمكن الالتزام به في الاعتقاد، إذ لا تُتعقَّل الأحكام لتأتي الحُجَج فتحكي عنها فيحكم الشارع بحكم طبق مؤدّاها. وهذا المحذور الأخير يمكن التخلُّص منه، ولكن يبقى هذا الوجه بلا دليل يدلُّ عليه، بل الأصل ينفيه.
٣ - مسلك جعل العلميَّة والذي بنى عليه النائيني (رحمه الله)، حيث إنَّه واجه مشكلة من جهة أنَّ الحكم في مورد الأمارات الظنّيَّة لمَّا لم يكن معلوماً، فموضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان تامٌّ وهو عدم البيان - أي عدم العلم -، إذ الدليل الظنّي ولو كان حجَّة لا يستلزم العلم الوجداني. وهذا يعني عدم توفُّر السبيل لإبطال حكم العقل، والأحكام العقليَّة كما هو معروف غير قابلة للتخصيص، وحينئذٍ يبطل دليل الحجّيَّة؛ لأنَّه ينافي حكم العقل. ومن هنا ذهب النائيني (رحمه الله) إلى أنَّ الشارع حين جعل الحجّيَّة سلك مسلك رفع موضوع حكم العقل، وبارتفاع الموضوع يرتفع الحكم وينتفي. أمَّا كيف رفع الموضوع مع أنَّه متحقِّق وجداناً إذ إنَّنا لا نعلم بالحكم؟ يقول الميرزا: إنَّه يُرفَع تعبُّداً من خلال تنزيل الظنِّ الذي هو مورد الأمارة أو الخبر منزلة القطع والعلم. فالأمارة الحجَّة تورث العلم التعبُّدي المجعول من الشارع بدليل الحجّيَّة، فيتحقَّق بذلك البيان، لكنَّه بيان تعبُّدي لا حقيقي، فينتفي موضوع الحكم العقلي وهو عدم البيان، فتترتَّب آثار العلم الحقيقي وهي المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة.
لكن جعل العلم لا يُستفاد من أدلَّة الحجّيَّة، ولا حاجة إلى تقديره ما دام بالإمكان قبول أدلَّة الحجّيَّة دون تقدير جعل العلم؛ لأنَّ ما بنى النائيني (رحمه الله) على أنَّه محذور ليس بمحذور، إذ إنَّ الحكم الواقعي وإن لم يكن عليه بيان لكن الحكم الظاهري قد بُيِّن، فموضوع البراءة العقليَّة أو قاعدة قبح العقاب بلا بيان مرتفع، فلا مجال للحكم العقلي. هذا مضافاً إلى التشكيك في حكم العقل هذا، إذ قيل: إنَّ حكم العقل هنا هو الاحتياط ما لم يُرخِّص الشارع بترك التحفُّظ تجاه التكليف المشكوك.
إذن لا محذور في التزام أنَّ المجعول هو المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة. ويعود نفس كلامنا السابق وهو عدم وجود حكم في الاعتقاد لنتعقَّل تنجُّزه علينا. ثمّ إنَّ جعل العلم كانت الغاية منه إثبات المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة لا شيء آخر.
ويمكن القول: إنَّ ما يُعيِّن أنَّ المجعول هو المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة في الظنون الخاصَّة التي قام الدليل على حجّيَّتها هو أنَّ الدليل الأساسي في الاستناد إليه لإثبات حجّيَّة الظهور وحجّيَّة الخبر هو السيرة العقلائيَّة، وهذا يعني أنَّ أصل الحجّيَّة شيء بنى عليه العقلاء قبل الشارع المقدَّس، ثمّ حين جاء الشارع لم يردع عنها، ممَّا يعني أنَّه أمضاها وقَبِلَ التعاطي مع مراداته في مقام تشخيصها وفهمها بواسطة الظهور وأخبار الثقات مثلاً.
والعقلاء لا يعرفون جعل الحكم المماثل، كما لا يلتفتون إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ليقال: إنَّ المنجِّزيَّة لا تُعقَل في مورد عدم العلم.
فالذي يُجعَل في التباني العقلائي هو المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة دون الحكم المماثل أو العلم التعبُّدي.
بل حتَّى لو استندنا إلى الأدلَّة الشرعيَّة المثبتة لحجّيَّة الخبر وحجّيَّة الظهور مثلاً، كآية النبأ والسؤال عن أهل الذكر وغيرهما من الآيات، بل والروايات، ولم نلتفت إلى السيرة العقلائيَّة، فإنَّ من البعيد بمكان أنْ يكون المجعول فيها غير ما هو المعروف بين العقلاء، والذي هو عبارة عن المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة.
وكيف كان، فالمتعيَّن هو أنَّ المجعول في أدلَّة الحجّيَّة هو المنجِّزيَّة والمعذِّريَّة دون ما سواهما. وهما لا يُتعقَّلان إلَّا في مورد يُتعقَّل فيه التنجيز والتعذير، وهذا مختصٌّ بالموارد التي فيها أحكام شرعية، والمعتقَد ليس فيه حكم شرعي.
فكيف نبني معتقَدنا على خبر ضعيف في وقتٍ لا أثر فيه للخبر الصحيح؟
والحاصل: أنَّه لا يسوغ الاعتماد على الخبر المذكور لنفي لقاء أحد بالإمام (عجَّل الله فرجه) في زمان الغيبة ما دام لم ينهض دليل على الاستحالة. والمفروض عدم وجود هذا الدليل.
ولا يفوتنا هنا أنَّ الفقهاء لم يزدروا مقالة أحد من أكابر الأولياء وأعاظم الفقهاء قال بأنَّه وُفِّقَ للقاء الإمام (عجَّل الله فرجه) في زمان الغيبة، وهذه الرواية حاضرة أمامهم، بل من نقل هذه الرواية كصاحب البحار لم يعمل بمضمونها وحملها على معنى آخر ونقل مجموعة من الوقائع التي حدث فيها لقاءات معه (عجَّل الله فرجه). ممَّا يعني أنَّه لم يفهم وجود أيِّ مجالٍ لردِّ مثل هذه الدعاوى أو لإثبات عدمها.
عندما يصل الفقيه في بحثه عن حكم شرعي إلى دلالة تامَّة على ذلك الحكم ولا يرى دليلاً معارضاً له ينظر فإنْ كانت فتوى المشهور على خلاف ما وصل إليه قال: ليس الإفتاء وفق الدليل إلَّا جرأةً على مخالفة المشهور، وحذراً من تلك الجرأة يتحوَّل إلى الاحتياط في الفتوى. مع أنَّ المشهور قد يكونون نظروا إلى نفس ما نظر إليه من الأدلَّة، لكنَّهم فهموا منها شيئاً آخر غير ما فهمه هو. ومع أنَّ فهمهم لا يعني بالضرورة إدراك الواقع في المسألة، فالمسألة تبقى حدسيَّة. وحتَّى مثل الشيخ الأنصاري (رحمه الله) على تضلُّعه في صنعة الإفتاء لا يخالف المشهور ولو تمَّ الدليل على خلاف رأيهم.
ونحن نعرف أنَّ من ذكر منهم أنَّه تشرَّف برؤية الإمام (عجَّل الله فرجه) يستند إلى الحسِّ، ومنهم من لا يُخطئ في معرفة شخصه ولا يتطرَّق فيه احتمال الكذب، ومع ذلك نجزم بالتوهُّم، وأيُّ مستند لنا؟ هل هو ما تقدَّم من الرواية التي ذكرنا أنَّ في الاستدلال بها جملة من الإشكالات والمؤاخذات؟
لا شكَّ أنَّ ذلك غير لائق، خصوصاً والذين قالوا: إنَّهم قد تشرَّفوا بخدمة الإمام (عجَّل الله فرجه) ولو لم يُعرَف دليلهم فيهم الأعاظم والمقدَّسون كالسيِّد مهدي بحر العلوم والسيِّد ابن طاووس (رحمهما الله)، والقائمة تطول.
إنَّ إخباراً واحداً من أمثال هؤلاء يوصل إلى الجزم، فكيف ننفي أصل الرؤية عن الجميع؟
نحن لا نُنكِر أنَّ سوق الدعاوى كثيرة البضاعة، والدنيا مليئة بالحمقى الذين تَروج عندهم هذه السلعة، خصوصاً والنفوس تواقَّة لاختزال طريق الاستكمال ونيل الحظوة عند الإمام (عجَّل الله فرجه) بمتابعة مدَّعٍ وتصديق مفترٍ يريد أنْ يستأكل الدنيا بدينه، فينال دنياه من خلال بيع غيره لدينهم. ﴿وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (البقرة: ١٠٢).
وعلى هذا فنحن لا نقبل دعوى كلِّ مدَّعٍ، لكنَّنا في نفس الوقت لا نرى أنَّ باب المشاهدة موصَد أمام كلِّ الناس بنحو يُجزَم بكذب كلِّ من يقول: إنّي قد منَّ الله عليَّ وشرَّفني بالنظر إلى وجهه (عجَّل الله فرجه).
ثمّ إنَّه قد يقال بأنَّ المشاهدة لا يقتصر دليل عدمها على الرواية السابقة التي رواها الصدوق (رضوان الله عليه)، إذ هناك الكثير من الروايات التي يمكن أنْ يُستَظهر منها ذلك، ومنها:
١ - كمال الدِّين: حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن محمّد ابن أحمد العلوي، عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟»، قلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟ قال: «لأنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه»، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد (صلوات الله عليه وسلامه)»(٢٤).
والرواية إنْ لم تكن صحيحة فهي حسنة لمحمّد بن أحمد العلوي، وقد قال عنه النجاشي: إنَّه من شيوخ أصحابنا. وقد ذُكِرَت أمارات في توثيقه، منها: أنَّه يروي عنه الأجلَّة. ومنها: عدم استثناء ابن الوليد رواياته عن روايات محمّد بن أحمد بن يحيى، وهذا يدلُّ على توثيق ابن الوليد له. ومنها: أنَّ العلَّامة صحَّح رواية وقع محمّد بن أحمد العلوي في طريقها، ومنها: أنَّ الصدوق قد وثَّقه في (كمال الدِّين) حيث قال: حدَّثنا شريف الدِّين أبو عليٍّ (أبو محمّد) الصدوق...(٢٥)، لكن شيئاً من هذه الأمارات لم يسلم من الإشكال. لكن حسنه لا ريب فيه. وعليه فالرواية إنْ لم تكن صحيحة فهي حسنة.
٢ - كمال الدِّين: حدَّثنا أبي ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن جعفر بن محمّد بن مالك، عن عليِّ بن الحسن بن فضّال، عن الريّان ابن الصلت، قال: سُئِلَ الرضا (عليه السلام) عن القائم (عليه السلام)، فقال: «لا يُرى جسمه، ولا يُسمّى باسمه»(٢٦).
ولا مشكلة في سند الرواية إلَّا في جعفر بن محمّد بن مالك الذي ضعَّفه النجاشي، وتوقَّف فيه العلَّامة، ولكن وثَّقه الشيخ الطوسي، ويظهر أنَّه اطَّلع على ضعف وجه تضعيف النجاشي له؛ لأنَّه قال: إنَّه ثقة، ويُضعِّفه قوم(٢٧). فتكون الرواية موثَّقة لوجود ابن فضّال فيها.
٣ - الغيبة للطوسي: جعفر بن محمّد بن مالك الكوفي، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطّاب، عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصمّ، عن عبد الرحمن بن سيابة، عن عمران بن ميثم، عن عباية بن ربعي الأسدي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «[كيف] أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى ولا علم يُرى يبرأ بعضكم من بعض؟»(٢٨).
ونظائر هذه الروايات كثيرة.
لكن التأمُّل يُعطي أنَّها غير ناهضة لإثبات ذلك، إذ يكفي في صدق أنَّه (عجَّل الله فرجه) لا يُرى شخصه أو جسمه أو أنَّه لا يُرى عدم تمكُّن السواد الأعظم من الناس رؤيته، بل من قيل: إنَّه رآه نادر جدًّا، فلا تُعتَبر هذه الروايات من أدلَّة نفي المشاهدة.
هذا مضافاً إلى ما ذكرناه في ردِّ الاستدلال بالرواية السابقة من أنَّها على فرض ظهورها فليست حجَّة في مثل المقام؛ لأنَّها غير قطعيَّة لا في سندها ولا في دلالتها. نعم ربَّما يكون مضمونها مقطوع الصدور من جهة التواتر الذي إنْ لم يكن معنويًّا فهو إجمالي، ولكن تبقى مشكلة الدلالة. ولو تمَّت الدلالة فهي غير قطعيَّة، فلا تصلح للاستدلال في محلِّ كلامنا.
ولقائل أنْ يقول: إنَّ ما نُقِلَ من مفردات اللقاء وإنْ نُسِبَت إلى الأكابر إلَّا أنَّ أحداً منهم لم يروها مباشرةً، وإنَّما هي نقولات في صفحات كُتُب لا تتعدّى أخبار آحاد مسندة أو مرسَلة، وهذا يجعلنا نشكُّ فيها.
قلنا: إنَّ ذلك لو صحَّ فإنَّه لا يمنع من حصول تواتر إجمالي أنَّ واحدة من هذه النقولات حاصلة قطعاً.
ولو لم تصل إلى التواتر الإجمالي فهي محتملة الحصول. والخبر الضعيف لا يصحُّ الاعتماد عليه، ولكن لا يُقطَع بعدم صحَّته. فإذا نظرنا إلى أنَّ البحث ليس في مسألة فرعيَّة يُراد استنباط حكمها كان لا بدَّ من القطع ليُبنى عليها، ومع وجود الاحتمال المخالف كما هو المفروض كحدٍّ أدنى في مسألتنا فلا حجّيَّة لما قابل هذا الاحتمال.
نعم لو تمَّ سند هذه الرواية - وهو لم يتمّ -، وسلمت دلالتها بمستوى الظهور - كما هو ليس ببعيد -، وقلنا بإمكان التعبُّد في مثل هذه المسائل، أمكن الاستناد إليها لنفي الرؤية في زمان الغيبة، والحال أنَّه لم يتمّ سند الرواية عندنا، ولم نلتزم بالتعبُّد خارج دائرة الفروع.
ومع فرض توفُّر هذه الشروط الثلاثة للعمل بمؤدّاها لا تنفعها إلَّا في حدود عدم ترتيب الأثر على مثل هذه الدعاوى، ولا تُسوِّغ لنا أنْ نجزم بكذب كلِّ من ادَّعى المشاهدة.
فالتعبُّد في مورد يجعل الاحتمال المقابل ملغى تعبُّداً، وهو ما يعني عدم ترتيب الأثر على وجوده، أي في مقام العمل وترتيب الأثر نتعامل كأنَّه غير موجود في الواقع. ولا يُسوِّغ ذلك الالتزام بعدم وجوده واقعاً، فليس ذلك ضمن مساحة التعبُّد، إذ الاحتمال انكشاف، والانكشافات خاضعة لأسبابها التكوينيَّة غير قابلة للانفكاك عنها، فلا يمكن للشارع أنْ يُكلِّفنا بذلك؛ لأنَّه يلزم التكليف بغير المقدور.
وهذا هو الذي أردنا الوصول إليه من خلال هذه السطور، فالبتُّ والجزم بعدم الرؤية في زمن الغيبة لا يمكن نفيه، لعدم قابليَّة ما يُذكَر من وجه لإثباته.
سدَّدنا الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، إنَّه خير مسؤول.

* * *
(٢) إثبات ولادة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)

مثَّلت الإمامة محطَّة الابتلاء، وباب الاصطفاء، من دخله نجا، ومن أعرض عنه غوى. وشكَّلت غربالاً لإيمان المؤمنين. فكثر الكلام وزلَّت الأقدام في هذه الحيثيَّة التي عندما رآها إبراهيم (عليه السلام) على علوِّ شأنه وقرب منزلته بَهَرَته فسألها لذرّيَّته: ﴿قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ١٢٤).
وصار الناس بين منكرٍ لها وبين مطبِّقٍ لها على غير أهلها.
وبين قِلَّةٍ شَمَلَتْها رحمة من ربِّها فآمنت بالهداة والذادة الكماة، عملوا بوصيَّة نبيِّهم وأذعنوا بإمامة سادتهم.
﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سبأ: ١٣).
﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (المؤمنون: ٧٠).
إنَّ عظم منزلة الإمامة جعلها نقطة افتراق داخل الجسد الإسلامي، فمن لم تُدركه لفتة الرحمة من ربِّه أبعده حسده أو قعد به جهله أو أسره هواه.
وكانت حيثيّات الإمامة مثاراً للبحث والتدقيق، فبعضٌ حظُّه الرفض، وآخر كفله التصديق.
ولطالما كان من سمة الفكر والمعتقد الجذب والدفع، وبمرور الليالي والأيّام تجلّى في الإمامة ذلك في الأنام.
فكم من ناصب أدار التوفيق دفَّة مركبه لبحر الولاء، وكم من موالٍ عصف به كيد الشيطان في مستنقع العداء. والإيمان منه ثابت ومنه مستودع. ومن عثر فيه على مرتع لم يضمن دوام المهجع، فغربال الابتلاء ما فتئ يعمل ووابل الامتحان ما انفكَّ يهطل. يتجلّى في أرضٍ حياةً ورحمةً، وينزل في أُخرى بلاءً ونقمةً. شأنٌ لهذه الحياة لا يتبدَّل وقانونٌ لها لا يتعطَّل. والنار تُحرق الخشب وتُنقّي الذهب.
ومن لم يُسلم عنانه للشيطان في أصل الإسلام كَمَنَ له اللعين في معرفة الإمام. وقبول القضايا في تناسب عكسي مع مقدار غرابتها. ومن أغرب القضايا أنْ يعيش إنسان لقرون متمادية، وأغرب من ذلك أنْ لا يعرفه أحد على مرِّ العصور وتوالي الدهور، ومن هنا خُصِّت مسألة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) بالكثير من الاهتمام، وصار الحديث فيها مورداً للنقض والإبرام. فأنكر قومٌ ولادته وبنى آخرون على وفاته، وأعلمنا آباؤه الكرام (عليهم السلام) أنَّه سيقال فيه: «هلك، في أيِّ وادٍ سلك؟»(٢٩).
وما زالت مسألة حياة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) كلَّ هذه المدَّة مورداً للأخذ والردِّ والنقض والإبرام، فبين منكر لها لا يستند إلَّا إلى وجوه الاستبعاد، والاستناد إلى مثلها في البحث عن الحقيقة بعيد عن السداد، وبين مذعن بها انقادت نفسه لإخبارات الغيب فابتعدت بذلك عن ساحة الريب، وبين من هم في ريبهم يتردَّدون، مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
وقد تحيَّر الأعيان في إيصال هذه الموضوعة إلى الناس بسبيل يدفع عن نفوسهم الأوهام ويدفعها إلى التسليم بولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) وبقائه حيًّا كلَّ هذه السنين، وقد سلكوا ضمن ما سلكوا سبيل الحسِّ الذي نقل لهم حالات مشاهدة ومفردات مشابهة في طول العمر وفي الغيبة، فنقلوا قَصصاً عن المعمِّرين لم تكن مسلَّمة في كُتُب المؤرِّخين، ودوَّنوا حكايات عن لقاءات به (عجَّل الله فرجه) أكثرها لا تتوفَّر على شرائط الاحتجاج ولا تُجدي في ردع أهل اللجاج، وإنَّ إيراد تلك المفردات في كُتُب القوم لشاهد على شدَّة الضغط الذي تعيشه نفوسهم لإقناع الناس بما اعتقدوا به من إخبارات بالغيب من جهة العصمة التي لا تنطق عن الهوى.
وقد شكَّك البعض في تواتر الأخبار - على بعض المباني - في ولادته (عجَّل الله فرجه). ونظراً لأهمّيَّة المسألة ومحوريَّتها في معتقدنا رأيت أنْ أتعرَّض إلى الأدلَّة التي يمكن أنْ تكون دالَّة على ولادته، ولم أقتصر في الاستعراض على ما يدلُّ على ذلك مطابقةً، وإنَّما طفت في طوائف الأخبار التي تدلُّ عليه التزاماً. ولم أُرْخِ العنان لقلم البحث لاستيعاب كلِّ ما يمكن أنْ ينفع في ذلك من آحاد الأخبار، بل تعرَّضت لطوائف وانتقيت بعضاً من كلٍّ منها، مع إشارة إلى وجه الدلالة. ولو لم يكن في هذه الطوائف إلَّا خصوص ما سقته من الروايات لكان فيها ما يزيد على الكفاية.
دعوى خفاء ذكره (عجَّل الله فرجه) في كلمات الأوائل:
لقد أُثيرت مسألة ترك التعرُّض لإمامة الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) بعد وفاة والده (عليه السلام) لمدَّة من الزمن في كُتُب علمائنا المتقدِّمين ولم يتحدَّثوا عن ولادته (عجَّل الله فرجه)، فكان ذلك مثاراً للتشكيك في وجوده، بل وربَّما التشكيك في دواعي الحديث عنه بعد ذلك. وكان المناسب البحث عن سبب عدم الحديث في أوائل الغيبة لا البحث عن الحديث اللاحق. ولا نرى تأييداً ولا شهادةً فضلاً عن دلالة في عدم الحديث في أوائل الغيبة على عدم وجوده (عجَّل الله فرجه).
وهل يُخِلُّ في حقيقة أنْ لا تعرفها عامَّة الناس في زمانٍ؟ حين تطبق الدنيا على عبادة الأصنام وتنكر وجود الباري تبارك وتعالى، فهل أوجب ذلك خللاً في حقيقة الوجود المقدَّس؟
وحين تتَّفق الناس على أنَّ عيسى (عليه السلام) ابنٌ لله تعالى، فهل خدش ذلك في واقع كونه عبداً لله اصطفاه لحمل أعباء النبوَّة؟
وحين اتَّفقت الناس على محاربة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمدَّة من الزمن، أكان ذلك موجباً للتشكيك بنبوَّته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بعد أنْ قام الدليل القطعي عليها؟
لقد جهلت أجيال حقيقة إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، بل لم يعرفوا أصلها ولم نرَ في ذلك مؤشِّراً موجباً للتردُّد في قبولها. وهكذا باقي الأئمَّة (عليهم السلام)، بل والأنبياء (عليهم السلام).
فنوح (عليه السلام) من أُولي العزم من الرُّسُل جهل الناس قدره وأنكروا منه أمره لألف سنة إلَّا خمسين عاماً، فما ضرَّ جهل العالمين بحقّانيَّة دعوة الأولياء والصالحين.
إنَّ القرآن الكريم - كما ورد في الروايات(٣٠) - لا تُفنى عجائبه ولا تنقضي غرائبه، وما زال مغدقاً بالعطاء على من ورد باب التأمُّل في آياته. والعطاء الجديد ممَّا جادت به السور والآيات لم يكن معلوماً للسابقين، ولم تمنعنا حداثة المعنى المستفاد من قبوله، ولا أوقفنا عدم تمكُّن الآخرين من استفادته.
بل في بعض الروايات ما يُصرِّح بأنَّ بعض آياته وسوره لم تنزل ليفهمها أهل زمان النزول ومن كان يحيى في زمن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
ففي الخبر الصحيح الذي رواه الكليني عن مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، قَالَ: سُئِلَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ (عليه السلام) عَنِ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) عَلِمَ أَنَّهُ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ مُتَعَمِّقُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَالْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحَدِيدِ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [الحديد: ٦]، فَمَنْ رَامَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَقَدْ هَلَكَ»(٣١).
لقد خفيت إمامة بعض الأئمَّة (عليهم السلام) لمدَّة من الزمن، ولم يضرّ ذلك في حقّانيَّة إمامتهم، كالإمام الرضا (عليه السلام).
وكلُّ هذه المفردات المتفرِّقة لم تُعدَم المعتقِد بها في زمانها، وولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) كسواها من هذه القضايا في زمانها حيث لم تُعدَم المتحدِّث بها والناقل لها فضلاً عن المعتقدين من خواصِّ الإمام العسكري (عليه السلام).
ونحن إذ ننفي التأييد لعدم تعرُّض الأوائل لذكره (عجَّل الله فرجه) على عدم ولادته فضلاً عن الشهادة أو الدلالة، نجزم بالخلاف، لوجود الأدلَّة التي هي أكثر بكثير من الحدِّ الأدنى للتواتر الموجب للجزم والقطع بولادته (عجَّل الله فرجه) وتشرُّف الأرض بوجوده المبارك، وما قيمة الاستبعاد أمام الدلالة القطعيَّة لو كان في البين مجال للاستبعاد؟ إذ بعد تصوّر الحكمة الداعية إلى الإخفاء وقبولها ينتفي أيُّ استبعاد، بل يتَّضح أنَّ المناسب هو التكتُّم من قِبَل الأئمَّة (عليهم السلام) وأصحابهم القريبين في زمن الغيبة.
على أنَّنا نُشكِّك في أنَّ الأوائل من علمائنا لم يتعرَّضوا لذلك، فما أكثر الروايات في الكافي عنه (عجَّل الله فرجه) والتي تناولت جوانب متعدِّدة من القضيَّة المهدويَّة، وقد كُتِبَ الكافي في زمن الغيبة. وأمَّا الصدوق (رحمه الله) فعطاؤه في الكتابة والتأليف كان جلُّه بعد انتهاء الغيبة الصغرى، وما أكثر ما جمعه الصدوق (رحمه الله) في ذلك، وكتابه كمال الدِّين وعيون أخبار الرضا (عليه السلام) والخصال وغيرها مصدر أساسي للباحث في القضيَّة المهدويَّة.
خفاء ولادته (عجَّل الله فرجه) سبب عدم معرفة عامَّة الناس به:
حين تعلَّقت إرادة الله تعالى بأنْ يكون للناس إمام هو الثاني عشر (عجَّل الله فرجه) بترتيب الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنْ يكون هذا الإمام حاملاً للواء النصر وناشراً لراية الهدى، واقتضت الحكمة أنْ يخرج شيء من البيان ومقدار من التنويه باسمه، ووصل ذلك إلى السلاطين وحُكّام الجور وأذنابهم، أجمع القوم أمرهم على أنْ يقفوا في وجه ذلك المشروع فينقضُّوا على الإمام (عجَّل الله فرجه) ويطووا صفحته، كما طويت صفحات آبائه (عليهم السلام) على أيدي أسلافهم، والمُلك عقيم، لو نازع الولد أباه فيه لأخذ منه الذي فيه عيناه.
صحيح أنَّ الله تعالى غالب على أمره، وأنَّه تعالى إذا أراد شيئاً فإنَّما يقول له: كن، فيكون، لكن طريقة الحقِّ تعالى في تحقيق ما يريد من الناس هو سلوك السُّبُل المألوفة وعدم الخروج عنها إلى الإعجاز إلَّا في الحالات الاستثنائيَّة.
فتوسَّطت الأسباب المألوفة للناس بين إرادته تعالى ومراده، فكان ما كان مع الأنبياء والأولياء والصالحين في دعوتهم إلى صراط الله المستقيم. نُشِرَ البعض بالمناشير، وقُرِّض آخرون بالمقاريض، ورُمي آخرون بالمنجنيق، وخرج آخر خائفاً يترقَّب ليموت في سنوات التيه، وغير ذلك، ليفعل الله أمراً كان مقدوراً.
وكان من جملة التدابير الإلهيَّة ليبلغ الكتاب أجله وينجو الإمام من كيد الظالمين أنْ خفي أمر حَمْله وولادته ذلك في التكوين، وأنْ حرَّم ذكر اسمه في التشريع(٣٢).
ولئلَّا ينقطع خبره عن الناس أظهره والده العسكري (عليه السلام) لبعض الخواصِّ في مرّات متعدِّدة، لتتمَّ الحجَّة عن طريق ذلك على الناس، ولله الحجَّة البالغة على خلقه.
وقد مهَّد الأئمَّة السابقون (عليهم السلام) لذلك من خلال التعرُّض له، وأنَّه ستخفى ولادته (عليه السلام).
وهذه جملة من الروايات عن الباقر والصادق والكاظم والرضا (عليهم السلام) في خفاء ولادته (عجَّل الله فرجه).
روى الصدوق (رحمه الله) عن محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن الحسين، عن عثمان [بن] عيسى، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين، قال: سمعت الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) يقول: «إنَّ للغلام غيبة قبل أنْ يقوم»، قلت: ولِمَ ذاك جُعلت فداك؟ فقال: «يخاف - وأشار بيده إلى بطنه وعنقه -»، ثمّ قال (عليه السلام): «وهو المنتظر الذي يشكُّ الناس في ولادته، فمنهم من يقول إذا مات أبوه: مات ولا عقب له، ومنهم من يقول: قد وُلِدَ قبل وفاة أبيه بسنتين...» الخبر(٣٣).
والرواية تامَّة سنداً، فعثمان بن عيسى وإنْ كان لفترة من وجوه الواقفة، لكن لم يُشكَّك في وثاقته، بل عدَّه البعض من أصحاب الإجماع(٣٤)، وخالد بن نجيح وإنْ لم يُنَصّ على وثاقته لكنَّ نَقْلَ ابن أبي عمير عنه كافٍ في توثيقه على المشهور من قاعدة مشايخ الثلاثة(٣٥). وباقي الرواة لا مشكلة فيهم.
وفي رواية الحسين بن خالد، عن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام):... فقيل له: يا بن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ قال: «الرابع من ولدي ابن سيِّدة الإماء، يُطهِّر الله به الأرض من كلِّ جور ويُقدِّسها من كلِّ ظلم، [وهو] الذي يشكُّ الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه...» الخبر(٣٦).
وفي سندها عليُّ بن معبد الذي له كتاب على ما ذكر النجاشي إلَّا أنَّه لم يُوثَّق(٣٧). والحسين بن خالد الراوي المباشر عن الرضا (عليه السلام) ممدوح فلا يضرُّ عدم النصِّ على وثاقته(٣٨)، إذ إنَّ روايته ستكون حسنة وإنْ لم تكن صحيحة. هذا مضافاً إلى ما ذُكِرَ في بعض البحث من أنَّ الأُمور الاعتقادية تحتاج إلى القطع، فالرواية تُشكِّل قرينة احتماليَّة تساهم بضميمة القرائن الأُخرى في تحصيل القطع بمؤدّاها. هذا مضافاً إلى أنَّنا أوردنا الروايات هنا للاستشهاد لا للاستدلال.
وفي الخبر الصحيح الذي رواه الكليني عن العدَّة، عن سعد بن عبد الله، عن أيّوب بن نوح، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّا نرجو أنْ تكون صاحب هذا الأمر، وأنْ يسوقه الله إليك عفواً بغير سيف، فقد بويع لك، وقد ضُرِبَت الدراهم باسمك، فقال: «ما منّا أحد اختلفت الكُتُب إليه، وأُشير إليه بالأصابع، وسُئِلَ عن المسائل، وحُمِلَت إليه الأموال، إلَّا اغتيل أو مات على فراشه، حتَّى يبعث الله لهذا الأمر غلاماً منّا خفيَّ المولد والمنشأ، غير خفيٍّ في نسبه»(٣٩).
وفي (كمال الدِّين) عن أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عليُّ بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي أحمد محمّد بن زياد الأزدي، عن موسى بن جعفر (عليهما السلام) أنَّه قال عند ذكر القائم (عجَّل الله فرجه): «... تخفى على الناس ولادته، ولا يحلُّ لهم تسميته حتَّى يُظهِره الله (عزَّ وجلَّ)، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً»(٤٠).
وفيه أيضاً عن محمّد بن أحمد الشيباني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن سهل بن زياد الآدمي، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن محمّد بن عليٍّ (عليه السلام)، قال: «... القائم... هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُّه...»الخبر(٤١).
وفيه أيضاً عن أحمد بن هارون الفامي وعليِّ بن الحسين بن شاذويه المؤدّب وجعفر بن محمّد بن مسرور وجعفر بن الحسين (رضي الله عنهم)، قالوا: حدَّثنا محمّد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أيّوب بن نوح، عن العبّاس بن عامر القصباني. وحدَّثنا جعفر بن عليِّ بن الحسن بن عليِّ [بن] عبد الله بن المغيرة الكوفي، قال: حدَّثني جدِّي الحسن بن عليِّ بن عبد الله، عن العبّاس بن عامر القصباني، عن موسى بن هلال الضبي، عن عبد الله بن عطاء، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنَّ شيعتك بالعراق كثيرون، فوَالله ما في أهل بيتك مثلك، فكيف لا تخرج؟ فقال: «يا عبد الله بن عطاء، قد أمكنت الحشو من أُذنيك، والله ما أنا بصاحبكم»، قلت: فمن صاحبنا؟ قال: «انظروا من تخفى على الناس ولادته فهو صاحبكم»(٤٢).
وبعد ملاحظة خفاء الولادة وتحريم الاسم يكون من الطبيعي أنْ لا ينتشر ذكره (عجَّل الله فرجه)، وأنَّ أجلَّة الأصحاب لا يتحدَّثون بما رأوا ولا ينقلون ما سمعوا. ولا يعني ذلك أبداً أنَّه (عجَّل الله فرجه) غير موجود، وأنَّ القول بولادته فريَّة افتراها المتقدِّمون طمعاً في فتات دنيا، أعوذ بالله تعالى من غضبه.
إنَّ مقتضى ما ذكرنا من مقتضيات الإخفاء أنْ لا تعلم العوامُّ، وأنْ لا يتحدَّث الخواصُّ حتَّى إذا مرَّت الأيّام والسنين واطمأنَّت نفوس الظالمين بعد رحيل العسكري (عليه السلام) بعقود يخفُّ الطلب فيصبح بالإمكان أنْ يُسرَّب أمر ولادته، فدُوِّن في (الكافي) الذي كُتِبَ في زمن الغيبة الصغرى، وفيما سطرته يدا الصدوق (رحمه الله) بعد ذلك بمدَّة ليست بالطويلة جدًّا.
قواعد لا بدَّ من ملاحظتها:
هناك جملة من القواعد التي لا بدَّ أنْ لا يغفل عنها الباحث فيما إذا أراد تحصيل العلم من خلال تجميع القرائن، وهذه القواعد قد لا تجري في البحوث الاستنباطيَّة في المسائل الفرعيَّة، ومن هنا قد يغفل الباحث عنها في مثل مسألتنا، ولذا رأيت من المناسب أنْ أُنوِّه لها وأُنبِّه عليها.
الأولى: تعدُّد طريق الرواية يزيد من القيمة الاحتماليَّة لثبوت مضمونها:
إنَّ وحدة الرواية مع اختلاف الطريق لا يُسقِط فائدة اختلاف الطريق إلَّا إذا كان الخبر متوفِّراً على شرائط الحجّيَّة، فلو أنَّ زرارة مثلاً في الخبر الصحيح أخبر أنَّ الإمام (عليه السلام) قد نصَّ على حكم في واقعة خاصَّة، ومحمّد بن مسلم نقل نفس تلك الواقعة في خبر صحيح آخر، فإنَّ هذا النقل الثاني لا يترك أثراً زائداً على ما ثبت للخبر الأوَّل من الحجّيَّة، إذ لا يختلف الحال كثيراً عند الاستناد إلى خبر الثقة بين وجود خبر واحد أو خبرين يحكيان الواقعة، هذا من ناحية الحجّيَّة. نعم، يختلف الحال في جهة شدَّة الانكشاف، إذ بالحساب الوجداني يكون احتمال إصابة الواقع بالخبرين أكبر من احتمال الإصابة بالخبر الواحد، لكن ارتقاء الاحتمال وقوَّته لا أثر له في الاستنباط؛ لأنَّه ما لم يصل إلى القطع فهو حجَّة بحجّيَّة خبر الثقة، سواء كان احتمال إصابته للواقع بمستوى (٩٠%) أو بنسبة (٧٠%).
وأمَّا إذا لم يكن الخبر متوفِّراً على شرائط الحجّيَّة، فأثره هو الكشف الاحتمالي، ولا قيمة له إلَّا إذا وصل بضميمة القرائن الأُخرى إلى القطع أو إلى الاطمئنان في الموارد التي لم يرد فيها نهي عن ترتيب الأثر ولو حصل الاطمئنان كما في القياس، واكتُفي فيها بالتعبُّد، وإلَّا فإنَّ حصول الاطمئنان لا يُوفِّر شرط الحجّيَّة فيما اعتُبِرَ فيه القطع؛ لأنَّ حجّيَّة الاطمئنان تعبُّديَّة، ولذا فهو غير كافٍ في تحقُّق القطع إذا كان خصوص القطع معتبراً. وكلَّما ازداد الاحتمال قوَّةً قرب أكثر من القطع بحجّيَّته، واحتمال (١٠%) أقلّ فائدة من احتمال (١٥%) في ذلك، بل ولو كان متوفِّراً على شرائط الحجّيَّة وتوفُّر طريقان لنقله، فإنَّ القيمة الاحتماليَّة لمطابقته للواقع أكبر من القيمة الاحتماليَّة فيما لو لم يتوفَّر إلَّا على طريق واحد.
والسرُّ أنَّ تراكم الاحتمال يعني زيادة الانكشاف، والانكشاف أصلاً ومقداراً خاضع لأسبابه التكوينيَّة ولا ربط للشارع المقدَّس به، نعم قد يُهيِّئ الشارعُ الكاشفَ كإخبار شرعي لكنَّه لا علاقة له أبداً فيما بعد ذلك من الانكشاف. والتشريع مساحته عالم الاعتبار حيث تقبل الأشياء أنْ توجد فيه بجعل جاعل دون أنْ يكون لها ما بإزاء في الخارج، ولا ربط له بعالم التكوين حيث تكون الآثار خاضعة لما هو سبب تكويني لها.
ولا يختلف الحال بين أنْ يكون اختلاف الطريق إلى آخرِ فردٍ فيه أو إلى من هو قبله، فلو كان لنا طريقان إلى زرارة الراوي عن الإمام (عليه السلام) أو الناقل للواقعة، فاحتمال صدق الواقعة وثبوتها من خلال نقل طريق واحد أقلّ من احتمال ثبوتها لو توفَّر طريق آخر للنقل إلى زرارة، وهكذا يترتَّب هذا الأثر لو كان في وسط السلسلة ثلاثة مثلاً يروونها عن واحد، والشيخ الصدوق (رحمه الله) مثلاً يرويها عنهم عن ذلك المنقول عنه.
ولنُوضِّح ذلك بمثال، لو أنَّ رواية رويت عن زرارة بطريقين، ورواها زرارة عن الإمام (عليه السلام)، وكان في كلٍّ من الطريقين إلى زرارة رجلان، ولنفرض أنَّ نسبة الصدق وعدم الخطأ في كلٍّ من الرجلين (٧٠%)، وكذلك في الرجلين الآخرين، وكانت نسبة عدم الخطأ في نقل زرارة (٩٥%)، فإنَّ احتمال صدور الرواية وفق الطريق الأوَّل هو حاصل ضرب احتمالات الصدق وعدم الخطأ في رجال ذلك الطريق الذي يساوي (٧٠×٧٠×٩٥) والذي يساوي (٤٦.٥٥%)، هذا إذا لاحظنا طريقاً واحداً إلى زرارة، وأمَّا إذا لاحظنا الطريقين إليه، فاحتمال إخبار زرارة في كلٍّ من الطريقين هو حاصل ضرب (٧٠×٧٠) وهو (٤٩%)، واحتمال إخباره في الطريق الثاني (٤٩%) أيضاً، فاحتمال عدم صدور الإخبار عن زرارة لأحد الطريقين ما قابل (٤٩%) في كلٍّ منهما مضروباً ببعضه أي (٥١%×٥١%) وهو يساوي (٢٦.٠١%)، فاحتمال صدور الإخبار من زرارة لواحد منهما (٧٣.٩٩%)، وإذا أردنا أنْ نعرف احتمال صدور الخبر من الإمام (عليه السلام) كانت النتيجة حاصل ضرب (٧٣.٩٩%×٩٥%) وهو (٧٠.٢٩٠٥%).
فكان انعكاس وجود طريقين إلى زرارة إلى الإمام (عليه السلام) واضحاً، إذ على ملاحظة طريق واحد جعل الاحتمال (٤٦.٥٥%) تقريباً، وعلى ملاحظة الطريقين كانت النتيجة (٧٠.٣%) تقريباً.
فلا يرد إشكال أنَّ الرواية واحدة، فلا وجه للتعرُّض للطريق الثاني.
نعم، إذا كان الإثبات بواسطة التعبُّد بالسند لم ينفع كثيراً وجود طريق ثاني؛ لأنَّه لا يُحوِّلها إلى متيقِّنة، ولا فرق في التعبّدي بعد توفُّر شرائط التعبُّد بين طريق واحد وطريقين، إذ يكفينا للتعبُّد وجود طريق واحدٍ تامٍّ، ويُحقِّق موضوع الحجّيَّة.
والمفروض أنَّنا نبحث عن القرائن الاحتماليَّة التي توصلنا إلى اليقين.
الثانية: لا علاقة لبحثنا بحجّيَّة الأمارة في مثبتاتها:
ثمّ لا علاقة لما ذكرناه من دلالة الأدلَّة بالدلالة الالتزاميَّة بما بنى عليه البعض من عدم حجّيَّة الأمارات في مداليلها الالتزاميَّة.
توضيحه: أنَّ الأُصوليِّين قد اختلفوا في حجّيَّة الأمارة التي قام الدليل على اعتبارها في المدلول الالتزامي بعد الاتِّفاق على الحجّيَّة في المدلول المطابقي. وقد بنى النائيني (رحمه الله) على أنَّ الحجّيَّة تُفسَّر بجعل العلميَّة، فالشارع المقدَّس حين قبل بحجّيَّة خبر الثقة وأمضاها كان قد جعل في موردها علماً تعبُّديًّا اعتباريًّا، فإذا أخبرني الثقة بأنَّ ابني الغائب حيٌّ ثبتت حياته بالعلم الاعتباري، إذ ليس في الوجدان إلَّا الظنُّ الناشئ من إخبار الثقة.
ولمَّا كانت الحياة ملازمة للأكل والشرب، فإذا كان حيًّا فهو يأكل ويشرب، فالعلم بالشيء علم بلوازمه، فعلمي الجعلي بحياة الولد علم جعلي أيضاً بأنَّه يأكل ويشرب.
وقد أشكل السيِّد الخوئي على أُستاذه النائيني (قدس سرّهما) بأنَّ اعتبار الشخص عالماً بالحياة لا يستلزم اعتباره عالماً بلوازمها، فدائرة الاعتبار تحديدها اختياري للمعتبر، فقد يجعل الاعتبار لأحد المتلازمين دون الآخر. وهذا في حدِّ نفسه صحيح إنْ كان اعتباراً محضاً، أمَّا إذا كان الاعتبار دائراً مدار مقدار الانكشاف بالخبر مثلاً فانكشاف المدلول الالتزامي بمستوى انكشاف المدلول المطابقي فلا بدَّ من شمول الاعتبار للمدلول الالتزامي أيضاً.
ولسنا بصدد مناقشة سلامة أو سقم مبنى السيِّد الخوئي (قدّس سرّه)، بل نقول: إنَّ هذا المبنى لا يُؤثِّر على النتيجة في محلِّ بحثنا؛ لأنَّه إنَّما يُؤثِّر إذا أردنا أنْ نُثبِت المدَّعى من خلال دليل الحجّيَّة التعبُّديَّة في مساحة المدلول الالتزامي، ونحن من خلال استعراض الشواهد والأدلَّة بما في ذلك ما كان دالّاً بالدلالة الالتزاميَّة نبغي الوصول إلى القطع من خلال ضمِّ الأدلَّة إلى بعضها. والانكشاف في المداليل الالتزامية وجداني وإنْ لم نُدخِل فيه دليل الحجّيَّة، وضمُّ هذه المحتملات إلى بعضها عن طريق نظريَّة تراكم الاحتمال يوصلنا إلى القطع الوجداني، والقطع حجّيَّته غير مجعولة ليُشكَّك في شمولها لهذا المورد أو لا، بل هي لازمة الثبوت له غير قابلة للانفكاك عنه، حتَّى لو أراد الشارع أنْ يُسقِطها عنه فإنَّه لا يمكنه ذلك، إذ يستحيل على الشارع بما هو شارع أنْ يُفكِّك بين المتلازمين، فإنَّ القدرة تتعلَّق بالممكن، والتفكيك بين المتلازمين أمر ممتنع، نعم للشارع بما هو خالق أنْ يرفع موضوع حجّيَّة القطع، أي أنْ يرفع القطع من نفس المكلَّف فترتفع حجّيَّته تبعاً لذلك.
وعليه، إذا وصلنا إلى القطع فالمباني تتَّفق على حجّيَّته وعلى عدم إمكان التفكيك بينه وبين حجّيَّته، ولا فرق بين أنْ يكون منشأ تولُّده مداليل التزاميَّة أو مطابقيَّة أو ما هو ملفَّق منهما معاً، فحجّيَّة القطع لا ربط لها بمقدّمات حصوله، نعم أسقط البعض حجّيَّته إذا كان ناشئاً من مقدّمات عقليَّة، ومنع البعض من معذّريَّته إذا حصل لقطّاع - وهو الذي يحصل عنده القطع سريعاً -، وهذان المبنيان على بطلانهما لا يضرّان في محلِّ كلامنا.
بل إنَّ موضوعنا لا ربط له بالحجّيَّة التعبُّديَّة؛ لأنَّنا نتحدَّث عن مسألة اعتقاديَّة وليست فرعاً من الفروع الفقهيَّة، والمعتقد ليس فيه أحكام ليُنظَر في تنجيزها أو التعذير عنها كما هو مقتضى الحجّيَّة؛ لأنّي في الجانب العقدي أسعى لإدراك الواقع، ولا أبحث عن منجِّز أو معذِّر بلحاظه. نعم، قد يحكم العقل في بعض المعتقدات بضرورة النظر في المقدّمات فيجب النظر، ولا ربط لذلك بحجّيَّة الدليل الذي أنظر إليه، وإنَّما وجب النظر لكي تنكشف الحقيقة التي قد يكون إدراكها مقدّمة للواجب، كما قيل في وجوب شكر المنعم شكراً لائقاً بشأنه، ومعرفة اللائق بشأنه تتوقَّف على معرفته.
الثالثة: ظهور الرواية في معنى لا يُسقِط فائدتها في إثبات معنى آخر:
إنَّ تجميع القرائن الاحتماليَّة وضمَّها إلى بعضها يتَّسع ليشمل الروايات لإثبات معنى مقابل للمعنى الذي تكون الرواية ظاهرة فيه، فإنَّه ما دام احتمال إرادته من الرواية واقعيًّا فإنَّ الرواية تُشكِّل قيمة احتماليَّة إضافيَّة قد يستفيد منها الباحث من خلال ضمِّها إلى بقيَّة القرائن الأُخرى، ليكون الحاصل الاحتمالي من المجموع أكثر من احتمال كلِّ قرينة على حِدَة.
فلو رأيت اجتماع قوم وسألت عن سبب الاجتماع فنصَّ ثقةٌ على أنَّ بطلاً يخطب في الناس، وكانت نسبة مطابقة ظاهر خبره للواقع (٨٠%)، وفي ليل ذلك اليوم أخبرك شخص آخر بأنَّه رأى في ذلك اليوم في مكان الاجتماع أسداً يزأر وكانت نسبة صدقه (١٠٠%) مثلاً، لكن احتمال إرادته للمعنى الحقيقي أي الحيوان المفترس المعهود (٦٠%) واحتمال إرادة البطل الذي يخطب (٤٠%)، فإنَّ احتمال أنْ يكون بطل قد خطب في ذلك اليوم في ذلك المكان هو حاصل ضمِّ الاحتمالين (٨٠%) و(٤٠%)، وفي مثله يُحسَب الناتج من خلال أخذ الاحتمال المخالف في كلٍّ منهما ويُضرَبان، والاحتمال المقابل لحاصل عمليَّة الضرب هو حاصل الخبرين.
وحاصل عمليَّة ضرب (٢٠%) المقابل لـ(٨٠%) و(٦٠%) المقابل لـ(٤٠%) هو (١٢%)، فاحتمال وقوع خطبة لبطل في السوق هذا اليوم (٨٨%).
فانعكس ضمُّ هذه القرينة الاحتماليَّة مع أنَّها على خلاف الظاهر بزيادة قدرها (٨%).
نعم لا يتحقَّق ذلك، بل يتحقَّق عكسه لو فرضنا أنَّ المحتمل بنسبة (٦٠%) ينفي المحتمل بنسبة (٤٠%) كما لو كان الخبران السابقان يتحدَّثان عن نفس الواقعة لا عن واقعتين ربَّما حصلتا في مكان واحد، بل هي واقعة واحدة وهي إمَّا خطبة بطل أو زئير أسد، وليس من المعقول أنْ يكون الخبر النافي لمضمون الخبر الأوَّل بنسبة (٦٠%) والموافق له بنسبة (٤٠%) داعماً للخبر الأوَّل.
ففي الوقت الذي تدعم فيه نسبة الـ(٤٠%) مضمون الخبر الأوَّل فإنَّ الـ(٦٠%) تُضعِّفه، ومن غير المعقول أنْ يكون تأثير النسبة الأقلّ أكثر من تأثير النسبة الأكثر.
أمَّا لو كان المحتمل بنسبة (٦٠%) لا ينافي المحتمل بنسبة الأربعين في الخبر فإنَّ ذلك بقوَّة الخبرين المستقلَّين أحدهما مطابق لمضمون خبرنا الأوَّل السابق ونسبته (٤٠%)، والآخر لا علاقة له به ونسبته (٦٠%)، فيبقى تأثير هذه الـ(٤٠%) بلا معارض في التأثير.
ويمكن أنْ يقع ذلك فذلكة لوجه جعل بعض الأخبار الضعيفة أو غير الحجَّة مؤيِّداً للأدلَّة التي تدلُّ على مضمونٍ ما، إذ قد يكون التخريج الفنّي للتأييد هو ما ذكرناه.
والنتيجة أنَّ الأخبار التي لا ترتقي إلى الحجّيَّة، بل لا ترتقي إلى الظهور في الدلالة لا تسقط عن الانتفاع بها في عمليَّة تجميع القرائن للوصول إلى القطع أو ما هو كالقطع فعلاً أو عملاً بحكم العقل، إذا كان الاحتمال القابل له بدرجة من الضآلة بحيث إنَّ العقل لا يلتفت إليه أو لا يُرتِّب عليه الأثر وإن التفت إليه.
نعم، مثل هذا الخبر لا يمكن الاحتجاج به كدليل مستقلٍّ ونحن لسنا بصدد الاحتجاج به منفرداً، خصوصاً وقد ذكرنا أنَّ مفردات الاعتقاد ولو كانت في التفاصيل لا يجري فيها التعبُّد وقبول الأدلَّة الظنّيَّة التي يحتجُّ بها في الفروع.
ويمكن أنْ نُعمِّم ذلك للخبر المجمل الذي لا يتنافى معنياه المحتملا الإرادة منه. والمقصود بالتنافي ليس التنافر في مرحلة الحكاية، بل تنافر ذات المحكيَّين قبل الحكاية أو بغضِّ النظر عن الحكاية، فلو أتى بكلام واحتملنا أنَّه أراد المعنى الأوَّل أو المعنى الثاني، كما لو أخبر بوجود زيد في الخارج، ولم نعرف أنَّه أراد زيداً الأوَّل أو الثاني كان كلٌّ منهما محتمل الإرادة. والمحكيان بغضِّ النظر عن الحكاية لا تنافي بينهما، إذ يمكن أنْ يكونا معاً في الخارج. نعم في مرحلة الحكاية علمنا أنَّه أراد الإخبار عن وجود أحدهما في الخارج، فحكايته هنا توجب قوَّة احتماليَّة أنْ يكون المراد زيداً الأوَّل كما توجب احتمال أنْ يكون المراد زيداً الثاني.
الرابعة: انتفاء المضعِّف الاحتمالي المقابل في محلِّ بحثنا:
ثمّ إنَّ هذا الذي أثبتناه بتراكم الاحتمال يتميَّز بأنَّه لا مضعِّف له في الجهة الأُخرى، أي إنَّه لا يوجد شاهد أو دالٌّ على عدم وجوده (عجَّل الله فرجه)، فالشواهد العكسيَّة منتفية. وما عسى النافي لوجوده (عجَّل الله فرجه) أنْ يقول، وما الدليل الذي يصحُّ أنْ يستند إليه؟ اللَّهُمَّ إلَّا نحو من الاستبعادات التي لا تستند إلى مبرِّر موضوعي ووجه قابل للتعويل عليه.
فالرواية المتواترة قد تجد رواية معارضة لها، والإجماع قد تجد من يُفتي بخلافه من الطائفة مثلاً، أمَّا هنا فلا وجه لخلاف شخص نحتمل فيه أنَّه استند إلى مبرَّر موضوعي.
نعم، من المسلَّم أنَّ في هذه القضيَّة ما يجعل الاحتمال الموافق أضعف ممَّا في قضايا أُخرى؛ لأنَّ للأخبار بحياته (عجَّل الله فرجه) لوازم غير مألوفة، وغرابة القضايا ولو من خلال غرابة لوازمها تجعل كاشفيَّة الحاكي عنها أقلّ ممَّا هي فيما عداها من القضايا.
ومن مفردات الغرابة والاستبعاد:
١ - بقاء شخص كلَّ هذه المدَّة المديدة من العمر، فإنْ قيل: تحقُّق الحالات المشابهة يدفع الغرابة ويلغي الاستبعاد، وقد تحدَّث القرآن الكريم عن حالة مشابهة وهي عمر نوح، وأثبت الموروث الروائي حياة الخضر وحياة إدريس النبيِّ وحياة عيسى المسيح (عليهم السلام)، ولكن ذلك غير كافٍ في رفع الغرابة، ولو ثبتت على مرِّ التاريخ مائة حالة من هذا القبيل لما زالت الغرابة، نعم تَخُفُّ إلى حدٍّ ما.
٢ - وجوده بين الناس أو في الأرض دون أنْ يتيسَّر لهم معرفة شخصه لكلِّ هذه المدَّة المديدة.
٣ - تمكُّنه من التخلُّص من البحث والطلب الحثيث من السلطات في أوائل غيبته دون أنْ يعثروا على عين أو أثر منه.
ومثل هذه المفردات تجعل القيمة الاحتمالية لصحَّة الخبر بوجوده (عجَّل الله فرجه) أضعف، ممَّا يعني الحاجة في سبيل الوصول إلى القطع إلى روايات أكثر ممَّا تحتاجه قضيَّة عاديَّة لكي يحصل القطع بها.
الخامسة: عدم تماميَّة القاعدة إثباتاً لا يلغي احتمالها ثبوتاً:
هناك بعض القواعد الرجاليَّة التي تُثبِت توثيقات عامَّة، أي لا تختصُّ براوٍ دون آخر. وقد اختُلِفَ في بعضها، فمثلاً اختُلِفَ في أنَّ ورود اسم الراوي في تفسير القمّي هل يُعتَبر دليلاً على وثاقته أو لا؟ واختُلِفَ في أنَّ ورود اسم راوٍ في أسانيد كامل الزيارة هل هو دليل على الوثاقة أو لا؟ وكذا في كون راوٍ من مشايخ الإجازة دالّاً على الوثاقة أو لا؟ وغير ذلك من القواعد.
فإنْ تمَّت تلك القاعدة ثبتت وثاقة الراوي، ووثاقته تعني ضعف احتمال أنْ يكون خبره مخالفاً للواقع؛ لأنَّ الوثاقة تنفي تعمُّد الكذب، فيبقى مع الوثاقة احتمال الخطأ غير المقصود، وهو في النقل الحسّي احتمال ضعيف، بل الوثاقة بنفسها تستدعي إعمال الدقَّة في النقل ممَّا يُضيِّق احتمال وقوع الخطأ.
ولمَّا كانت هذه القواعد العامَّة في التوثيقات استظهاريَّة في الأغلب احتملنا أنَّ الوثاقة الثابتة بها غير ثابتة في الواقع، فلا يسقط احتمال تعمُّد الكذب إلَّا أنَّه يضعف جدًّا.
وأمَّا إذا لم تثبت تلك القاعدة، فإنَّ غاية ما يقال: إنَّها لم ينهض دليل لإثباتها مع أنَّها يحتمل أنْ تكون موجودة في الواقع، وهذا يعني أنَّ من تنطبق عليه القاعدة الرجاليَّة للتوثيق والتي اختُلِفَ في صحَّتها، لا يكون الكشف الاحتمالي لصحَّة إخباره كمن لم تشمله مثل هذه القاعدة حتَّى عند من لم تثبت عنده تلك القاعدة، فالنافي لها لم ينهض عنده دليل على نفيها في كثير من الأحيان، إلَّا أنَّه لم يتمّ الدليل على صحَّتها، وعدم تماميَّة الدليل لا ينفي ثبوت المستدَلِّ عليه في الواقع. نعم، احتمال مطابقة خبره للواقع أقلّ من احتمال مطابقة خبر من شملته قاعدة صحيحة في التوثيقات العامَّة نوعاً.
السادسة:
إنَّ المبحوث عنه هو صدور هذا اللفظ من المعصوم (عليه السلام) مثلاً مع إرادة خصوص المعنى الكذائي من الحديث، وليست وثاقة الراوي إلَّا طريقاً لذلك. ولا فرق في هذا بين كون موضوع الحجّيَّة وثاقة الراوي أو الوثوق بالمرويِّ كما عليه المشهور. والأمر لا يختلف كثيراً من الناحية العمليَّة؛ لأنَّ من قال: إنَّ موضوع الحجّيَّة هو الوثوق بالمرويِّ طريقه الأساسي لإثبات ذلك هو وثاقة الراوي. نعم، قد يظهر الفرق فيما لو توفَّرت قرائن غير وثاقة الراوي استدعت الوثوق بالمرويِّ ولم تتوفَّر وثاقة للراوي، فإنَّه يقال بالحجّيَّة بناءً على كون موضوعها الوثوق بالمرويِّ، ولا تثبت الحجّيَّة بناءً على كون الموضوع هو وثاقة الراوي.
وقد وردت بعض الأخبار - سنشير إليها في طيّات البحث - نصل فيها إلى راوٍ لم تثبت وثاقته إلَّا أنَّه كان في زمان سابق على ما أخبر به وتحقَّق ما أخبر به في لاحق الأيّام، فلا حاجة إلى البحث عن وثاقته، بل نجزم حينها بصحَّة الخبر منه. وذلك لا يعني أنَّه ثقة، بل يعني أنَّ خبره هذا صحيح. فإذا ورد عنه خبر آخر لم نثق بمضمونه لا يمكن أنْ نعتمد عليه؛ لأنَّه روى لنا مرَّة خبراً مطابقاً للواقع. فالكذاب لا يكون كلُّ قوله كذباً، فإذا وجدنا في الرجل صدقاً مرَّة لم يعن ذلك أبداً أنَّه صادق في كلِّ ما يقول.
وينسحب الأمر إلى من نقل هذا الراوي الخبر عنهم ولو بواسطة، فنقبل ذلك الخبر منهم لشاهد الصدق الذي فيه، بل لدليل الصدق القاطع الذي فيه. ولا فرق هنا بين كون المبنى في الحجّيَّة معتمداً على الوثوق بالمرويِّ أو على وثاقة الراوي؛ لأنَّ القبول للخبر هنا ليس للتعبُّد، بل للقطع، فلا علاقة للحجّيَّة به. هذا أوَّلاً.
وثانياً لأنَّ ما نبحث عنه - وفق ما ستراه في ما سيأتي من البحث - هو الانكشاف الواقعي للقضيَّة التي نبحث عن ثبوتها لا التعبُّد بثبوتها.
ومن هنا يتَّضح أنَّ الكاشف الاحتمالي في هذا الراوي - في خصوص الخبر - ومن نقل عنهم لا يعمل، بل هو قطع كما تقدَّم.
وهذا يسري إلى من نقل عن هذا الراوي إذا كان خبره قبل حدوث ما أخبر عنه، إذ يصبح خبره قطعي الصدق من جهة تصديق الواقع له، فلا يكون تعدُّد الطبقات هنا مضعِّفاً احتماليًّا لصحَّة الخبر وصدق مضمونه.
السابعة: المهمُّ إثبات وجود الإمام (عجَّل الله فرجه):
ليس من الضروري إثبات ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه) بأدلَّة دلَّت على ذلك مطابقةً، بل يكفي قيام الأدلَّة على ذلك ولو كانت دلالتها التزاميَّة. وليس من الضروري إثبات أنَّ الإمامة ضرورة عقلاً أو قرآنيًّا أو حتَّى روائيًّا، بل المهمُّ إثبات أنَّها حقيقة شاخصة بنحو البتِّ والجزم، فالصلاة التي هي عمود الدِّين بصيغتها المعروفة ليست بهذه الصيغة ضرورةً.
وبتعبير آخر ليس مهمًّا إثبات الضرورة قبل الجعل، بل المهمُّ والملزم هو القطع بعد الجعل، أو بتعبير أدقّ القطع بالجعل.
نعم، إثبات ضرورتها قد ينعكس على فهمنا لحيثيَّة إضافيَّة.
طوائف الروايات الدالَّة على ولادته (عجَّل الله فرجه):
هنا جملة من الطوائف الروائيَّة التي دلَّت على وجوده (عجَّل الله فرجه)، وسنحاول الوقوف على بعض أمثلتها، وليس المقصود أبداً استيعابها جميعاً وإلَّا اتَّسع البحث إلى ما لا يتلاءم مع الغرض من كتابة هذه الأوراق.
وكلُّ هذه الأخبار إلَّا طائفة أو طائفتين ترجع إلى إخبارات المعصومين (عليهم السلام).
المعصومون (عليهم السلام) الذين يُنبؤوننا عن الغيب فنُصدِّقهم، ويُخبروننا عن الله (عزَّ وجلَّ) فنقبل منهم، ويُعلِّموننا الكتاب والحكمة فنذعن لهم؛ لأنَّنا نعلم أنَّ ما يُخبِرون به ويتحدَّثون عنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهم الذين لا ينطقون عن الهوى، طابت وطهرت نفوسهم، وكم هو جميل كلام خزيمة بن ثابت في قصَّة شراء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فرساً من الأعرابي، وهي قصَّة معروفة.
فعن محمّد بن الحسن، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنَّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) اشترى فرساً من أعرابي، فأعجبه، فقام أقوام من المنافقين حسدوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) على ما أخذ منه، فقالوا للأعرابي: لو تبلَّغت به إلى السوق بعته بأضعاف هذا، فدخل الأعرابي الشَّرَه، فقال: ألَا أرجع، فأستقيله؟ فقالوا: لا، ولكنَّه رجل صالح، فإذا جاءك بنقدك فقل: ما بعتك بهذا فإنَّه سيردُّه عليك، فلمَّا جاء النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أخرج إليه النقد، فقال: ما بعتك بهذا، فقال النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «والذي بعثني بالحقِّ لقد بعتني بهذا»، فقام خزيمة بن ثابت فقال: يا أعرابي، أشهد لقد بعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بهذا الثمن الذي قال، فقال الأعرابي: لقد بعته وما معنا من أحد، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لخزيمة: «كيف شهدت بهذا؟»، فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأُمّي تُخبِرنا عن الله وأخبار السماوات فنُصدِّقك ولا نُصدِّقك في ثمن هذا؟ فجعل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) شهادته شهادة رجلين، فهو ذو الشهادتين(٤٣).
والروايات التي أوردتها - ولادته (عجَّل الله فرجه) - كثيرة، وسنبدأ باستعراض بعض أمثلة طوائفها:
الطائفة الأُولى: ما دلَّ على ولادته مطابقةً:
١ - كمال الدِّين: حدَّثنا الحسين بن أحمد بن إدريس (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسماعيل، قال: حدَّثني محمّد بن إبراهيم الكوفي، قال: حدَّثنا محمّد بن عبد الله الطهوي، قال: قصدت حكيمة بنت محمّد (عليه السلام) بعد مضيِّ أبو محمّد (عليه السلام) أسألها عن الحجَّة وما قد اختلف فيه الناس من الحيرة التي هم فيها، فقالت لي...
فقلت: يا مولاتي، هل كان للحسن (عليه السلام) ولد؟
فتبسَّمت، ثمّ قالت: إذا لم يكن للحسن (عليه السلام) عقب فمن الحجَّة من بعده وقد أخبرتك أنَّه لا إمامة لأخوين بعد الحسن والحسين (عليهما السلام)؟
فقلت: يا سيِّدتي، حدِّثيني بولادة مولاي وغيبته (عليه السلام).
قالت: نعم، كانت لي جارية يقال لها: نرجس، فزارني ابن أخي، فأقبل يحدق النظر إليها، فقلت له: يا سيِّدي، لعلَّك هويتها، فأُرسلها إليك؟
فقال: «لا يا عمَّة، ولكنّي أتعجَّب منها».
فقلت: وما أعجبك [منها]؟
فقال (عليه السلام): «سيخرج منها ولد كريم على الله (عزَّ وجلَّ)، الذي يملأ الله به الأرض عدلاً وقسطاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً(٤٤).
٢ - كمال الدِّين: حدَّثنا عليُّ بن الحسن بن الفرج المؤذِّن (رضي الله عنه)، قال: حدَّثني محمّد بن الحسن الكرخي، قال: سمعت أبا هارون - رجلاً من أصحابنا - يقول: رأيت صاحب الزمان (عليه السلام)، وكان مولده يوم الجمعة سنة ستّ وخمسين ومائتين(٤٥).
٣ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه)، قال: حدَّثني عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدَّثني محمّد بن إبراهيم الكوفي أنَّ أبا محمّد (عليه السلام) بعث إلى بعض من سمّاه لي بشاة مذبوحة، وقال: «هذه من عقيقة ابني محمّد»(٤٦).
٤ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن عليٍّ ماجيلويه (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن يحيى العطّار، قال: حدَّثنا الحسين بن عليٍّ النيسابوري، قال: حدَّثنا الحسن بن المنذر، عن حمزة بن أبي الفتح، قال: جاءني يوماً فقال لي: البشارة، وُلِدَ البارحة في الدار مولود لأبي محمّد (عليه السلام)، وأمر بكتمانه، قلت: وما اسمه؟ قال: سُمّي بمحمّد، وكُنّي بجعفر(٤٧).
٥ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا الحسن بن عليِّ بن زكريا بمدينة السلام، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمّد بن خليلان، قال: حدَّثني أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن غياث بن أسيد، قال: شهدت محمّد بن عثمان العمري (قدَّس الله روحه) يقول: لمَّا وُلِدَ الخلف المهدي (عليه السلام) سطع نور من فوق رأسه إلى أعنان السماء، ثمّ سقط لوجهه ساجداً لربِّه (تعالى ذكره)، ثمّ رفع رأسه وهو يقول: «﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٨ و١٩]»، قال: وكان مولده يوم الجمعة(٤٨).
٦ - كمال الدِّين: بهذا الإسناد(٤٩)، عن محمّد بن عثمان العمري (قدَّس الله روحه) أنَّه قال: وُلِدَ السيِّد (عليه السلام) مختوناً، وسمعت حكيمة تقول: لم يُرَ بأُمِّه دم في نفاسها، وهكذا سبيل أُمَّهات الأئمَّة (عليهم السلام)(٥٠).
٧ - كمال الدِّين: حدَّثنا أبو العبّاس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن مهران الآبي الأزدي العروضي بمرو، قال: حدَّثنا أحمد بن الحسن بن إسحاق القمّي، قال: لمَّا وُلِدَ الخلف الصالح (عليه السلام) ورد عن مولانا أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) إلى جدِّي أحمد بن إسحاق كتاب، فإذا فيه مكتوب بخطِّ يده (عليه السلام) الذي كان ترد به التوقيعات عليه، وفيه: «وُلِدَ لنا مولود، فليكن عندك مستوراً وعن جميع الناس مكتوماً، فإنّا لم نُظهِر عليه إلَّا الأقرب لقرابته والوليَّ لولايته، أحببنا إعلامك ليسرَّك الله به مثل ما سرَّنا به، والسلام»(٥١).
٨ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن الكرخي، قال: حدَّثنا عبد الله بن العبّاس العلوي، قال: حدَّثنا أبو الفضل الحسن بن الحسين العلوي، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ (عليهما السلام) بسُرَّ من رأى، فهنَّأته بولادة ابنه القائم (عليه السلام)(٥٢).
٩ - الغيبة للطوسي: أخبرنا جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى التلعكبري، عن أحمد بن عليٍّ الرازي، قال: حدَّثني محمّد بن عليٍّ، عن حنظلة بن زكريّا، عن الثقة، قال: حدَّثني عبد الله بن العبّاس العلوي - وما رأيت أصدق لهجةً منه، وكان خالفنا في أشياء كثيرة -، قال: حدَّثني أبو الفضل الحسين بن الحسن العلوي، قال: دخلت على أبي محمّد (عليه السلام) بسُرَّ من رأى، فهنَّأته بسيِّدنا صاحب الزمان (عليه السلام) لمَّا وُلِدَ(٥٣).
١٠ - كمال الدِّين: وقال أبو الحسن عليُّ بن محمّد حباب، حدَّثني أبو الأديان، قال: قال عقيد الخادم. وقال أبو محمّد بن خيرويه التستري، وقال حاجز الوشّاء، كلُّهم حكوا عن عقيد الخادم. وقال أبو سهل بن نوبخت: قال عقيد الخادم: وُلِدَ وليُّ الله الحجَّة بن الحسن بن عليِّ بن محمّد بن عليِّ بن موسى ابن جعفر بن محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم) أجمعين ليلة الجمعة غرَّة شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين من الهجرة، ويُكنّى أبا القاسم، ويقال: أبو جعفر، ولقبه: المهدي، وهو حجَّة الله (عزَّ وجلَّ) في أرضه على جميع خلقه، وأُمُّه صقيل الجارية، ومولده بسُرَّ من رأى في درب الرصافة، وقد اختلف الناس في ولادته، فمنهم من أظهر، ومنهم من كتم، ومنهم من نهى عن ذكر خبره، ومنهم من أبدى ذكره، والله أعلم به(٥٤).
١١ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدَّثنا محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي غانم الخادم، قال: وُلِدَ لأبي محمّد (عليه السلام) ولد، فسمّاه محمّداً، فعرضه على أصحابه يوم الثالث، وقال: »هذا صاحبكم من بعدي، وخليفتي عليكم، وهو القائم الذي تمتدُّ إليه الأعناق بالانتظار، فإذا امتلأت الأرض جوراً وظلماً خرج فملأها قسطاً وعدلاً»(٥٥).
١٢ - كمال الدِّين: حدَّثنا أبي ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا عبد الله ابن جعفر الحميري، قال: كنت مع أحمد بن إسحاق عند العمري (رضي الله عنه)، فقلت للعمري: إنّي أسألك عن مسألة كما قال الله (عزَّ وجلَّ) في قصَّة إبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]: هل رأيت صاحبي؟ فقال لي: نعم، وله عنق مثل ذي - وأومأ بيديه جميعاً إلى عنقه -، قال: قلت: فالاسم؟ قال: إيّاك أنْ تبحث عن هذا، فإنَّ عند القوم أنَّ هذا النسل قد انقطع(٥٦).
وهذه الرواية لا نبالغ إنْ قلنا بكفايتها في إثبات وجوده (عجَّل الله فرجه)، إذ لا نحتمل الخطأ وتعمُّد الكذب في والد الصدوق وابن الوليد معاً، وكذا الحميري والعمري، والمسألة ليست ممَّا يتحقَّق فيه الاشتباه.
وأمَّا الدلالة فلا غبار عليها، فإنَّنا وإنْ لم نكتفِ بكلمة (صاحبي)، لكن قوله: (إيّاك أنْ تبحث عن هذا فإنَّ عند القوم أنَّ هذا النسل قد انقطع) يُشكِّل قرينة قطعيَّة على أنَّ المراد هو الإمام (عجَّل الله فرجه).
ولو لم نقطع فإنَّها موجبة للاطمئنان العالي.
١٣ - كمال الدِّين: حدَّثنا محمّد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رضي الله عنه)، قال: سمعت أبا عليٍّ محمّد بن همّام يقول: سمعت محمّد بن عثمان العمري (قدَّس الله روحه) يقول: خرج توقيع بخطٍّ أعرفه: «من سمّاني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله»، قال أبو عليٍّ محمّد بن همّام: وكتبت أسأله عن الفرج متى يكون؟ فخرج إليَّ: «كذب الوقّاتون»(٥٧).
ومحمّد بن همّام ثقة جليل القدر(٥٨).
ومحمّد بن إبراهيم ترضّى عنه الشيخ الصدوق (رحمه الله)، لكن ذلك لا يُثبِت وثاقته.
وهذه الرواية لا شكَّ أنَّ المقصود فيمن خرج توقيعه هو الإمام (عجَّل الله فرجه).
كما أنَّ قوَّة احتمال صدورها واضحة، وربَّما هي أكثر من قوَّة احتمال صدور رواية في سندها خمسة ثقات مثلاً كانت نسبة مطابقة الواقع في أخبارهم بمستوى (٨٠%)؛ لأنَّ احتمال صدور هكذا رواية هو حاصل ضرب (٨٠%) في نفسها خمس مرّات وهو ما يقلُّ قليلاً عن (٣٣%).
وأمَّا هذه الرواية إذا فرضنا أنَّ نسبة المطابقة في إخبار محمّد بن إبراهيم (٥٠%) وهو قليل؛ لأنَّ الشيخ الصدوق (رحمه الله) قد ترضّى عليه في المشيخة في طريقه إلى أبي سعيد الخدري وإلى أحمد بن محمّد بن سعيد، ويوجد ما يدلُّ على تشيُّع الرجل. وقد روى عنه الصدوق (رحمه الله) كثيراً، وكنّاه في أكثر من مورد بأبي العبّاس(٥٩). وهذه القرائن إنْ لم تُثبِت وثاقته، فلا أقلَّ من عدم كونه معروفاً بالكذب.
وهذا يجعل احتمال الصدق في خبره أكثر من (٥٠%) بمقدار واضح، لكن لو فرضنا أنَّ نسبة المطابقة في خبره هذا (٥٠%) ونسبة المطابقة في خبر محمّد بن همّام باعتباره جليل القدر (٩٠%)، فاحتمال صدور الخبر (٤٥%)، وهو أكثر بلا شكٍّ من (٣٣%).
الطائفة الثانية: فيمن رآه (عجَّل الله فرجه):
روى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن عليِّ بن عبد الله الورّاق، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري، قال: دخلت على أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) وأنا أُريد أنْ أسأله عن الخلف [من] بعده، فقال لي مبتدئاً: «يا أحمد بن إسحاق، إنَّ الله تبارك وتعالى لم يُخل الأرض منذ خلق آدم (عليه السلام) ولا يُخليها إلى أنْ تقوم الساعة من حجَّة لله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه يُنزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض».
قال: فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام والخليفة بعدك؟
فنهض (عليه السلام) مسرعاً، فدخل البيت، ثمّ خرج وعلى عاتقه غلام كأنَّ وجهه القمر ليلة البدر من أبناء الثلاث سنين، فقال: «يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله (عزَّ وجلَّ) وعلى حُجَجه ما عرضت عليك ابني هذا، إنَّه سميُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكنيُّه، الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت جوراً وظلماً. يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأُمَّة مثل الخضر (عليه السلام)، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبنَّ غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلَّا من ثبَّته الله (عزَّ وجلَّ) على القول بإمامته وفقه [فيها] للدعاء بتعجيل فرجه».
فقال أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي، فهل من علامة يطمئنُّ إليها قلبي؟
فنطق الغلام (عليه السلام) بلسان عربي فصيح، فقال: «أنا بقيَّة الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثراً بعد عين يا أحمد بن إسحاق».
فقال أحمد بن إسحاق: فخرجت مسروراً فرحاً، فلمَّا كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا بن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت [به] عليَّ، فما السُّنَّة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟
فقال: «طول الغيبة يا أحمد».
قلت: يا بن رسول الله، وإنَّ غيبته لتطول؟
قال: «إي وربّي حتَّى يرجع عن هذا الأمر أكثر القائلين به، ولا يبقى إلَّا من أخذ الله (عزَّ وجلَّ) عهده لولا يتنا، وكتب في قلبه الإيمان، وأيَّده بروح منه. يا أحمد ابن إسحاق، هذا أمر من أمر الله، وسرٌّ من سرِّ الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه وكن من الشاكرين تكن معنا غداً في علِّيين»(٦٠).
وعليُّ بن عبد الله الورّاق شيخ الصدوق (رحمه الله)، وقد ترضّى عنه وترحَّم عليه في عدَّة مواضع من كُتُبه(٦١).
وسعد هو ابن عبد الله الأشعري القمّي شيخ القمّيِّين ووجههم(٦٢).
وأحمد بن إسحاق وإنْ كان مشتركاً بين الأشعري والرازي إلَّا أنَّ الرازي ثقة(٦٣)، والأشعري ذكر الشيخ الطوسي فيه: (أبو عليٍّ، كبير القدر، وكان من خواصِّ أبي محمّد (عليه السلام)...، وهو شيخ القمّيِّين ووافدهم)(٦٤).
والمعنيُّ في هذه الرواية الأشعري؛ لأنَّ الرازي لم يروِ عن الحسن العسكري (عليه السلام)، على أنَّ الشيخ الطوسي (رحمه الله) صرَّح أنَّ الأشعري رأى الإمام صاحب الزمان (عجَّل الله فرجه)(٦٥).
وعلى هذا فالرواية تورث قيمة احتماليَّة معتدًّا بها؛ إذ في سندها ثلاث، اثنان منهم من أعاظم الرواة وأكابرهم.
وروى الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة) عن جماعة، عن محمّد بن عليِّ بن الحسين [الصدوق]، قال: أخبرنا أبي ومحمّد بن الحسن ومحمّد بن موسى بن المتوكِّل، عن عبد الله بن جعفر الحميري، أنَّه قال: سألت محمّد بن عثمان (رضي الله عنه)، فقلت له: رأيت صاحب هذا الأمر؟ فقال: نعم، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول: «اللَّهُمَّ أنجز لي ما وعدتني».
قال محمّد بن عثمان (رضي الله عنه): ورأيته (صلوات الله عليه) متعلِّقاً بأستار الكعبة في المستجار، وهو يقول: «اللَّهُمَّ انتقم لي من أعدائك»(٦٦).
ونقل الصدوق (رحمه الله) في غاية الوثاقة، فأبوه نار على علم في الورع والتقوى(٦٧)، وابن المتوكِّل ثقة بلا ريب(٦٨)، وابن الوليد جليل القدر ثقة(٦٩)، والحميري كذلك(٧٠)، وأمَّا محمّد بن عثمان العمري فهو السفير الثاني.
فهذه الرواية منفردةً قد تكون موجبة للاطمئنان أو على الأقلّ توجب مرتبة عالية من الظنِّ.
وروى الشيخ الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن محمّد بن موسى بن المتوكِّل (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار، قال: قَدِمْتُ مدينة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فبحثت عن أخبار آل أبي محمّد الحسن بن عليٍّ الأخير (عليهما السلام)، فلم أقع على شيء منها، فرحلت منها إلى مكَّة مستبحثاً عن ذلك، فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللون، رائع الحسن، جميل المخيلة، يطيل التوسُّم فيَّ، فعدت إليه مؤمِّلاً منه عرفان ما قصدت له، فلمَّا قربت منه سلَّمت، فأحسن الإجابة، ثمّ قال: من أيِّ البلاد أنت؟
قلت: رجل من أهل العراق.
قال: من أيِّ العراق؟
قلت: من الأهواز.
فقال: مرحباً بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصيني.
قلت: دُعي فأجاب.
قال: رحمة الله عليه، ما كان أطول ليله وأجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم ابن مهزيار.
قلت: أنا إبراهيم بن مهزيار.
فعانقني مليًّا، ثمّ قال: مرحباً بك يا أبا إسحاق، ما فعلت بالعلامة التي وشجت بينك وبين أبي محمّد (عليه السلام)؟
فقلت: لعلَّك تريد الخاتم الذي آثرني الله به من الطيِّب أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ (عليهما السلام).
فقال: ما أردت سواه، فأخرجته إليه، فلمَّا نظر إليه استعبر وقبَّله، ثمّ قرأ كتابته...، ثمّ يروي القصَّة كاملة، وكيف وصل إلى لقاء الإمام (عجَّل الله فرجه)(٧١).
وقد تركنا نقل القصَّة كاملة لطولها، وقد نقلها في البحار بتمامها(٧٢)، وإنَّما اخترتها على غيرها لتماميَّة سندها.
الطائفة الثالثة: ما ظهر من معجزاته (عجَّل الله فرجه):
ويمكن الاستدلال على ذلك بما ظهر من معجزاته (عجَّل الله فرجه)، فإنَّها إذا ثبتت ثبت وجوده (عجَّل الله فرجه) في ذلك الزمان، ممَّا يعني ولادته قبلها. وقد جمع في البحار عشرات الشواهد على ذلك، ونكتفي بذكر بعضها.
ففي (الخرائج والجرائح) عن محمّد بن شاذان بالتنعيم، قال: اجتمعت عندي خمسمائة درهم تنقص عشرون درهماً، فأتممتها من عندي، وبعثت بها إلى محمّد بن أحمد القمّي، ولم أكتب كم لي فيها، فأنفذ إليَّ كتابه: «وصلت خمسمائة درهم لك فيها عشرون درهماً»(٧٣).
وفي (رجال النجاشي)، قال: اجتمع مع أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) وسأله مسائل، ثمّ كاتبه بعد ذلك على يد عليِّ بن جعفر بن الأسود يسأله أنْ يوصل له رقعة إلى الصاحب (عليه السلام) ويسأله فيها الولد، فكتب إليه: «قد دعونا الله لك بذلك، وستُرزَق ولدين ذكرين خيِّرين»، فوُلِدَ له أبو جعفر وأبو عبد الله من أُمِّ ولد. وكان أبو عبد الله الحسين بن عبيد الله يقول: سمعت أبا جعفر يقول: أنا وُلِدْتُ بدعوة صاحب الأمر (عليه السلام)، ويفتخر بذلك(٧٤).
وفي (الكافي) عن عليِّ بن محمد، عن سعد بن عبد الله، قال: إنَّ الحسن بن النضر وأبا صِدَام وجماعة تكلَّموا بعد مضيِّ أبي محمّد (عليه السلام) فيما في أيدي الوكلاء وأرادوا الفحص، فجاء الحسن بن النضر إلى أبي الصِّدَام فقال: إنّي أُريد الحجَّ، فقال له أبو صِدَام: أخِّره هذه السنة، فقال له الحسن [بن النضر]: إنّي أفزع في المنام، ولا بدَّ من الخروج، وأوصى إلى أحمد بن يعلى بن حمّاد، وأوصى للناحية بمال، وأمره أنْ لا يُخرج شيئاً إلَّا من يده إلى يده بعد ظهور.
قال: فقال الحسن: لمَّا وافيت بغداد اكتريت داراً فنزلتها، فجاءني بعض الوكلاء بثياب ودنانير وخلفها عندي، فقلت له: ما هذا؟ قال: هو ما ترى، ثمّ جاءني آخر بمثلها وآخر حتَّى كبسوا الدار، ثمّ جاءني أحمد بن إسحاق بجميع ما كان معه، فتعجَّبت وبقيت متفكِّراً، فوردت عليَّ رقعة الرجل (عليه السلام): «إذا مضى من النهار كذا وكذا فاحمل ما معك»، فرحلت وحملت ما معي وفي الطريق صعلوك يقطع الطريق في ستِّين رجلاً، فاجتزت عليه وسلَّمني الله منه، فوافيت العسكر ونزلت، فوردت علي رقعة أنْ «احمل ما معك»، فعبَّيته في صنان الحمّالين، فلمَّا بلغت الدهليز إذا فيه أسود قائم، فقال: أنت الحسن بن النضر؟ قلت: نعم، قال: ادخل، فدخلت الدار ودخلت بيتاً وفرَّغت صنان الحمّالين وإذا في زاوية البيت خبز كثير، فأعطى كلَّ واحد من الحمّالين رغيفين وأُخرجوا، وإذا بيت عليه ستر، فنوديت منه: «يا حسن بن النضر، احمد الله على ما منَّ به عليك ولا تشكَّنَّ، فودَّ الشيطان أنَّك شككت»، وأخرج إليَّ ثوبين وقيل: «خذها فستحتاج إليهما»، فأخذتهما وخرجت.
قال سعد: فانصرف الحسن بن النضر، ومات في شهر رمضان وكُفِّن في الثوبين(٧٥).
والرواية صحيحة السند، فعليُّ بن محمّد الذي يروي عنه الكليني ثقة(٧٦).
وأمَّا سعد بن عبد الله الأشعري القمّي فكان وجه الشيعة ومن أجلَّتهم(٧٧).
والحسن بن النضر من أجلَّة إخواننا كما عبَّر عنه علماء الرجال(٧٨).
وروى الشيخ الطوسي في (الغيبة) عن محمّد بن يعقوب، عن عليِّ بن محمّد، قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحائر، فلمَّا كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطاني فقال له: الق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أنْ يُتفقَّد كلُّ من زار، فيقبض عليه(٧٩).
والظاهر أنَّ زيارة مقابر قريش أُريد بها زيارة الكاظمين (عليهما السلام).
والرواية صحيحة أيضاً.
وفي الغيبة للطوسي: أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي (رحمه الله)، عن أبي عليٍّ [محمّد] بن همّام، قال: أنفذ محمّد بن عليٍّ الشلمغاني العزاقري إلى الشيخ الحسين بن روح يسأله أنْ يباهله وقال: أنا صاحب الرجل، وقد أُمرت بإظهار العلم، وقد أظهرته باطناً وظاهراً، فباهلني، فأنفذ إليه الشيخ (رضي الله عنه) في جواب ذلك: أيُّنا تقدَّم صاحبه فهو المخصوم، فتقدَّم العزاقري فقُتِلَ وصُلِبَ وأُخِذَ معه ابن أبي عون، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة(٨٠).
والرواية صحيحة السند، والمباهلة لإثبات من هو وكيل الناحية.
وروى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الصالح، قال: كتبت أسأله الدعاء لباداشاله وقد حبسه ابن عبد العزيز، وأستأذن في جارية لي أستولدها، فخرج: «استولدها ويفعل الله ما يشاء، والمحبوس يُخلِّصه الله»، فاستولدت الجارية فولدت فماتت، وخُلّي عن المحبوس يوم خرج إليَّ التوقيع(٨١).
والرواية صحيحة ظاهراً؛ لأنَّ والد الصدوق عَلَم في الوثاقة والتقوى، وسعد يُراد به ابن عبد الله الأشعري القمّي، ومحمّد بن صالح وكيل كان من أصحاب العسكري (عليه السلام)(٨٢).
وهل تراه كان ينتظر توقيعاً من شخص غير الإمام (عجَّل الله فرجه)؟!
الطائفة الرابعة: النصُّ على أسماء الأئمَّة (عليهم السلام):
لقد وردت جملة من الروايات التي ذُكِرَ فيها أسماء الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) هو ابن العسكري (عليه السلام).
منها: ما رواه الكليني (رحمه الله) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام)، قال: «أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام) ومعه الحسن بن عليٍّ (عليه السلام) وهو متَّكئ على يد سلمان، فدخل المسجد الحرام، فجلس إذ أقبل رجل حسن الهيأة واللباس، فسلَّم على أمير المؤمنين، فردَّ عليه السلام، فجلس، ثمّ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك عن ثلاث مسائل إنْ أخبرتني بهنَّ علمت أنَّ القوم ركبوا من أمرك ما قَضى عليهم، وأنْ ليسوا بمأمونين في دنياهم وآخرتهم، وإنْ تكن الأُخرى علمت أنَّك وهم شرع سواء.
فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): سَلْني عمَّا بدا لك.
قال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟
فالتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الحسن، فقال: يا أبا محمّد أجبه.
قال: فأجابه الحسن (عليه السلام).
فقال الرجل: أشهد أنْ لا إله إلَّا الله ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنَّ محمّداً رسول الله ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنَّك وصيُّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والقائم بحجَّته - وأشار إلى أمير المؤمنين - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنَّك وصيُّه والقائم بحجَّته - وأشار إلى الحسن (عليه السلام) -، وأشهد أنَّ الحسين بن عليٍّ وصيُّ أخيه والقائم بحجَّته بعده، وأشهد على عليِّ بن الحسين أنَّه القائم بأمر الحسين بعده، وأشهد على محمّد بن عليٍّ أنَّه القائم بأمر عليِّ بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمّد بأنَّه القائم بأمر محمّد، وأشهد على موسى أنَّه القائم بأمر جعفر بن محمّد، وأشهد على عليِّ بن موسى أنَّه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمّد بن عليٍّ أنَّه القائم بأمر عليِّ بن موسى، وأشهد على عليِّ بن محمّد بأنَّه القائم بأمر محمّد بن عليٍّ، وأشهد على الحسن بن عليٍّ بأنَّه القائم بأمر عليِّ بن محمّد، وأشهد على رجل من ولد الحسن لا يُكنّى ولا يُسمّى حتَّى يظهر أمره فيملأها عدلاً كما مُلِئَت جوراً، والسلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ثمّ قام فمضى.
فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمّد، اتبعه فانظر أين يقصد؟
فخرج الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فقال: ما كان إلَّا أنْ وضع رجله خارجاً من المسجد فما دريت أين أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأعلمته.
فقال: يا أبا محمّد، أتعرفه؟
قلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم.
قال: هو الخضر (عليه السلام)»(٨٣).
والرواية صحيحة السند، فمن ضمن عدَّة الكافي لأحمد بن محمّد بن خالد البرقي عليُّ بن إبراهيم الثقة الجليل صاحب تفسير القمّي(٨٤).
وأحمد بن محمّد البرقي ثقة بلا شكٍّ وإنْ أُشكل عليه أنَّه يُكثِر من النقل عن الضعفاء لكن ذلك لا يخدش وثاقته(٨٥).
وأمَّا داود بن القاسم الجعفري، فهو داود بن القاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان ثقةً جليل القدر عظيم المنزلة عند الأئمَّة (عليهم السلام)، شهد أبا جعفر وأبا الحسن وأبا محمّد (عليهم السلام)(٨٦).
فسندها قصير، والطبقات الثلاث فيها اتَّسموا بجلالة القدر فضلاً عن الوثاقة.
وقال الكليني (رحمه الله): وحدَّثني محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي هاشم، مثله سواء(٨٧).
وهذا يعني أنَّ هناك طريقاً تامًّا آخر للبرقي في عرض العدَّة، فمحمّد بن يحيى الذي يروي عنه الكليني (رحمه الله) هو العطّار، وهو ثقة(٨٨).
والصفّار أيضاً ثقة جليل(٨٩).
وأحمد بن أبي عبد الله هو البرقي(٩٠).
ولكن في ذيل هذا النقل الثاني زيادة وهي: قال محمّد بن يحيى: فقلت لمحمّد بن الحسن: يا أبا جعفر، وددت أنَّ هذا الخبر جاء من غير جهة أحمد بن أبي عبد الله، قال: فقال: لقد حدَّثني قبل الحيرة بعشر سنين.
وفي ذلك شهادة أُخرى على صدق الحديث؛ لأنَّه خبر صدَّقه الواقع بعد مدَّة، إذ وُلِدَ للحسن (عليه السلام) وغاب كما جاء في الخبر.
ومنها: ما رواه الكليني عن محمّد بن يحيى ومحمّد بن عبد الله، عن عبد الله بن جعفر، عن الحسن بن ظريف وعليِّ بن محمّد، عن صالح بن أبي حمّاد، عن بكر بن صالح، عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال أبي لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنَّ لي إليك حاجة، فمتى يخفُّ عليك أنْ أخلو بك فأسألك عنها؟
فقال له جابر: أيَّ الأوقات أحببته.
فخلا به في بعض الأيّام، فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أُمّي فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وما أخبرتك به أُمّي أنَّه في ذلك اللوح مكتوب.
فقال جابر: أشهد بالله أنّي دخلت على أُمِّك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فهنَّيتها بولادة الحسين، ورأيت في يديها لوحاً أخضر ظننت أنَّه من زمرُّد، ورأيت فيه كتاباً أبيض شبه لون الشمس، فقلت لها: بأبي وأُمّي يا بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ما هذا اللوح؟
فقالت: هذا لوح أهداه الله إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابنيَّ واسم الأوصياء من ولدي، وأعطانيه أبي ليُبشِّرني بذلك.
قال جابر: فأعطتنيه أُمُّك فاطمة (عليها السلام)، فقرأته واستنسخته.
فقال له أبي: فهل لك يا جابر أنْ تعرضه عليَّ؟
قال: نعم، فمشى معه أبي إلى منزل جابر، فأخرج صحيفة من رقٍّ.
فقال: يا جابر، انظر في كتابك لأقرأ [أنا] عليك، فنظر جابر في نسخته، فقرأه أبي، فما خالف حرف حرفاً.
فقال جابر: فأشهد بالله أنّي هكذا رأيته في اللوح مكتوباً:
«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ لِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ وَنُورِهِ وَسَفِيرِهِ وَحِجَابِهِ وَدَلِيلِهِ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
عَظِّمْ يَا مُحَمَّدُ أَسْمَائِي، وَاشْكُرْ نَعْمَائِي، وَلَا تَجْحَدْ آلَائِي، إِنِّي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ، وَمُدِيلُ المَظْلُومِينَ، وَدَيَّانُ الدِّينِ.
إِنِّي أَنَا اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، فَمَنْ رَجَا غَيْرَ فَضْلِي أَوْ خَافَ غَيْرَ عَدْلِي عَذَّبْتُهُ عَذَاباً لَا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ، فَإِيَّايَ فَاعْبُدْ، وَعَلَيَّ فَتَوَكَّلْ.
إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ نَبِيًّا فَأُكْمِلَتْ أَيَّامُهُ وَانْقَضَتْ مُدَّتُهُ إِلَّا جَعَلْتُ لَهُ وَصِيًّا، وَإِنِّي فَضَّلْتُكَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَفَضَّلْتُ وَصِيَّكَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ، وَأَكْرَمْتُكَ بِشِبْلَيْكَ وَسِبْطَيْكَ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ، فَجَعَلْتُ حَسَناً مَعْدِنَ عِلْمِي بَعْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ أَبِيهِ.
وَجَعَلْتُ حُسَيْناً خَازِنَ وَحْيِي، وَأَكْرَمْتُهُ بِالشَّهَادَةِ، وَخَتَمْتُ لَهُ بِالسَّعَادَةِ، فَهُوَ أَفْضَلُ مَنِ اسْتُشْهِدَ، وَأَرْفَعُ الشُّهَدَاءِ دَرَجَةً، جَعَلْتُ كَلِمَتِيَ التَّامَّةَ مَعَهُ، وَحُجَّتِيَ الْبَالِغَةَ عِنْدَهُ، بِعِتْرَتِهِ أُثِيبُ وَأُعَاقِبُ.
أَوَّلُهُمْ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَابِدِينَ، وَزَيْنُ أَوْلِيَائِيَ المَاضِينَ.
وَابْنُهُ شِبْهُ جَدِّهِ المَحْمُودِ مُحَمَّدٌ، الْبَاقِرُ عِلْمِي، وَالمَعْدِنُ لِحِكْمَتِي.
سَيَهْلِكُ المُرْتَابُونَ فِي جَعْفَرٍ، الرَّادُّ عَلَيْهِ كَالرَّادِّ عَلَيَّ، حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأُكْرِمَنَّ مَثْوَى جَعْفَرٍ، وَلَأَسُرَّنَّهُ فِي أَشْيَاعِهِ وَأَنْصَارِهِ وَأَوْلِيَائِهِ.
أُتِيحَتْ بَعْدَهُ مُوسَى فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ حِنْدِسٌ؛ لِأَنَّ خَيْطَ فَرْضِي لَا يَنْقَطِعُ، وَحُجَّتِي لَا تَخْفَى، وَأَنَّ أَوْلِيَائِي يُسْقَوْنَ بِالْكَأْسِ الْأَوْفَى، مَنْ جَحَدَ وَاحِداً مِنْهُمْ فَقَدْ جَحَدَ نِعْمَتِي، وَمَنْ غَيَّرَ آيَةً مِنْ كِتَابِي فَقَدِ افْتَرَى عَلَيَّ.
وَيْلٌ لِلْمُفْتَرِينَ الْجَاحِدِينَ عِنْدَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ مُوسَى عَبْدِي وَحَبِيبِي وَخِيَرَتِي فِي عَلِيٍّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَمَنْ أَضَعُ عَلَيْهِ أَعْبَاءَ النُّبُوَّةِ، وَأَمْتَحِنُهُ بِالِاضْطِلَاعِ بِهَا، يَقْتُلُهُ عِفْرِيتٌ مُسْتَكْبِرٌ، يُدْفَنُ فِي المَدِينَةِ الَّتِي بَنَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ إِلَى جَنْبِ شَرِّ خَلْقِي.
حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَسُرَّنَّهُ بِمُحَمَّدٍ ابْنِهِ، وَخَلِيفَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، وَوَارِثِ عِلْمِهِ، فَهُوَ مَعْدِنُ عِلْمِي، وَمَوْضِعُ سِرِّي، وَحُجَّتِي عَلَى خَلْقِي، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِهِ إِلَّا جَعَلْتُ الْجَنَّةَ مَثْوَاهُ، وَشَفَّعْتُهُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ.
وَأَخْتِمُ بِالسَّعَادَةِ لِابْنِهِ عَلِيٍّ وَلِيِّي وَنَاصِرِي، وَالشَّاهِدِ فِي خَلْقِي، وَأَمِينِي عَلَى وَحْيِي.
أُخْرِجُ مِنْهُ الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلي، وَالْخَازِنَ لِعِلْمِيَ الْحَسَنَ.
وَأُكْمِلُ ذَلِكَ بِابْنِهِ (م ح م د) رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، عَلَيْهِ كَمَالُ مُوسَى، وَبَهَاءُ عِيسَى، وَصَبْرُ أَيُّوبَ، فَيُذَلُّ أَوْلِيَائِي فِي زَمَانِهِ، وَتُتَهَادَى رُؤُوسُهُمْ كَمَا تُتَهَادَى رُؤُوسُ التُّرْكِ وَالدَّيْلَمِ، فَيُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيَكُونُونَ خَائِفِينَ مَرْعُوبِينَ وَجِلِينَ تُصْبَغُ الْأَرْضُ بِدِمَائِهِمْ وَيَفْشُو الْوَيْلُ وَالرَّنَّةُ فِي نِسَائِهِمْ، أُولَئِكَ أَوْلِيَائِي حَقًّا، بِهِمْ أَدْفَعُ كُلَّ فِتْنَةٍ عَمْيَاءَ حِنْدِسٍ، وَبِهِمْ أَكْشِفُ الزَّلَازِلَ وَأَدْفَعُ الْآصَارَ وَالْأَغْلَالَ، أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ».
قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلَّا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلَّا عن أهله(٩١).
والرواية لا مشكلة في سندها إلَّا ما في بكر بن صالح، لكن ضعفه لا يمنع من الاستدلال بالرواية، فإنَّها تامَّة السند فيمن روى عنه، وأمَّا بالنسبة لبكر فقد ورد في أسانيد كامل الزيارة، فعلى المبنى القائل بتوثيق كلِّ من ورد في أسانيده يمكن الالتزام بوثاقته، لكن ذلك غير تامٍّ؛ لأنَّ نفس المبنى غير تامٍّ أوَّلاً، ولأنَّه قد نُصَّ على تضعيفه حيث إنَّه ليس ببعيد أنْ يُراد منه بكر بن صالح الرازي كما ذكر السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجاله(٩٢)، وقد ضعَّفه النجاشي(٩٣).
وأمَّا كيفيَّة دفع منافاة ضعف الراوي مع الاستدلال بالرواية، فإنَّ الرواية قد نقلها بكر في زمان الرضا (عليه السلام) أو في زمان أبيه (عليه السلام)؛ إذ عدَّه الشيخ الطوسي من أصحاب الرضا (عليه السلام)، وعدَّه النجاشي من أصحاب أبي الحسن موسى(عليه السلام). وهذا يعني أنَّه نصَّ على أسماء الأئمَّة ممَّن لم يولدوا بعد، فإذا لم يكن الرجل موضع اعتماد في بقيَّة إخباراته، فهذا الخبر كان الواقع قد أثبت صحَّته حيث وُلِدَ الجواد والهادي والعسكري (عليهم السلام) بعد هذا الإخبار وطبقاً لما أخبر، ممَّا يعني أنَّ الخبر لم يكن من عنده جزماً، ولا من جهة قد افترت على الله كذباً في ذلك.
ودلالة الخبر تامَّة على أنَّ الإمام محمّد (عجَّل الله فرجه) ابن للإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
وقد روي هذا المضمون من قصَّة جابر وحديث الصحيفة التي فيها نصٌّ على أسماء الأئمَّة (عليهم السلام) بألفاظ أُخرى وببعض التفاصيل المختلفة برواية أبي نضرة في (كمال الدِّين) و(عيون أخبار الرضا (عليه السلام))(٩٤).
ورواها جابر بن يزيد الجعفي، لكنَّها مختصرة جدًّا؛ إذ فيها: دخلت على فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقُدّامها لوح يكاد ضوؤه يغشى الأبصار، وفيه اثنا عشر اسماً...، قال جابر: فرأيت فيه محمّد محمّد محمّد - في ثلاثة مواضع -، وعليًّا عليًّا عليًّا عليًّا - في أربعة مواضع -(٩٥).
وهناك روايات أُخرى تركناها للاختصار.
الطائفة الخامسة: نصُّ آبائه (عليهم السلام) على أنَّه (عجَّل الله فرجه) ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام):
وممّا يمكن أنْ يُستَدلَّ به على أنَّه (عجَّل الله فرجه) قد وُلِدَ، جملةٌ من الروايات التي نصَّت على أنَّه ابن الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، حيث إنَّه لمَّا تُوفّي فلا بدَّ أنْ يكون قد وُلِدَ (عجَّل الله فرجه) في حياته أو بعدها بقليل، وإلَّا كيف يقال بنسبته إلى أبيه ويرحل والده عن الدنيا وتمرُّ سنين قبل أنْ يُولَد؟!
ومن هذه الروايات ما روي عن عليِّ بن أحمد بن محمّد الدقّاق (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا محمّد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمِّه الحسين بن يزيد النوفلي، عن المفضَّل بن عمر، قال: دخلت على سيِّدي جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، فقلت: يا سيِّدي، لو عهدت إلينا في الخلف من بعدك؟
فقال لي: «يا مفضَّل، الإمام من بعدي ابني موسى، والخلف المأمول المنتظر (م ح م د) ابن الحسن بن عليِّ بن محمّد [بن] عليِّ بن موسى»(٩٦).
وعن الصادق (عليه السلام): «الخامس من ولد السابع»، وهي رواية ابن أبي يعفور(٩٧).
وعنه (عليه السلام): «السادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمَّة الهداة»، وهي رواية الحميري(٩٨).
وعنه (عليه السلام): «الخامس من ولد ابني موسى، ذلك ابن سيِّدة الإماء»(٩٩).
وعن الكاظم (عليه السلام): «إذا فُقِدَ الخامس من ولد السابع»، وهي رواية عليِّ ابن جعفر(١٠٠).
وعن محمّد بن عليٍّ، قال: حدَّثنا عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس العطّار، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمّد بن قتيبة النيسابوري، قال: حدَّثنا حمدان بن سليمان، قال: حدَّثنا الصقر بن أبي دلف، قال: سمعت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: «الإمام بعدي ابني عليٍّ، أمره أمري وقوله قولي وطاعته طاعتي، والإمام بعده ابنه الحسن أمره أمر أبيه وقوله قول أبيه وطاعته طاعة أبيه»، ثمّ سكت.
فقلت له: يا بن رسول الله، فمن الإمام بعد الحسن؟
فبكى (عليه السلام) بكاءً شديداً، ثمّ قال: «إنَّ بعد الحسن ابنه القائم بالحقِّ المنتظر...» الخبر(١٠١).
وفي (كمال الدِّين): حدَّثنا محمّد بن الحسن (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله، قال: حدَّثنا أبو جعفر محمّد بن أحمد العلوي، عن أبي هاشم داود بن القاسم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن صاحب العسكر (عليه السلام) يقول: «الخلف من بعدي ابني الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟».
فقلت: ولِمَ جعلني الله فداك؟
فقال: «لأنَّكم لا ترون شخصه، ولا يحلُّ لكم ذكره باسمه».
قلت: فكيف نذكره؟
قال: «قولوا: الحجَّة من آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)»(١٠٢).
وفيه أيضاً: حدَّثنا محمّد بن عليِّ بن بشّار القزويني (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا أبو الفرج المظفَّر بن أحمد، قال: حدَّثنا محمّد بن جعفر الكوفي، قال: حدَّثنا محمّد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدَّثنا الحسن بن محمّد بن صالح البزّاز، قال: سمعت الحسن بن عليٍّ العسكري (عليهما السلام) يقول: «إنَّ ابني هو القائم من بعدي، وهو الذي يجري فيه سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) بالتعمير والغيبة حتَّى تقسو القلوب لطول الأمد، فلا يثبت على القول به إلَّا من كتب الله (عزَّ وجلَّ) في قلبه الإيمان وأيَّده بروح منه»(١٠٣).
الطائفة السادسة: إنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة:
تعدَّدت الروايات التي نصَّت على أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة لله تعالى، وبما أنَّه بعد رحيل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) لا نعرف حجَّة غير الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، فهي دالَّة على أنَّه كان موجوداً بعد رحيل والده (عليه السلام).
ومن هذه الروايات ما رواه الكليني (رحمه الله) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن الحسين بن أبي العلاء، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): تكون الأرض ليس فيها إمام؟ قال: «لا»، قلت: يكون إمامان؟ قال: «لا، إلَّا وأحدهما صامت»(١٠٤).
والرواية صحيحة السند، وقال المجلسي (رحمه الله) في (مرآة العقول): إنَّها حسنة(١٠٥).
وما رواه (رحمه الله) عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمّد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس وسعدان بن مسلم، عن إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: «إنَّ الأرض لا تخلو إلَّا وفيها إمام، كيما إنْ زاد المؤمنون شيئاً ردَّهم، وإنْ نقصوا شيئاً أتمَّه لهم»(١٠٦).
والرواية معتبرة، وإبراهيم بن هاشم يوجب وصفها بالحسن(١٠٧)، وإسحاق ابن عمّار يجعلها موثَّقة(١٠٨).
وقد جمع الكليني (رحمه الله) في الكافي في هذا الباب (١٣) رواية، والرواية الخامسة منها وإنْ كانت صحيحة السند لكن دلالتها غير واضحة، لكن الأمر إذا كان مرتبطاً بحساب الاحتمال فهي نافعة في محلِّ كلامنا.
وإنما قلنا إنها غير واضحة الدلالة لأن متنها هو: «إنَّ الله لم يدع الأرض بغير عالم، ولولا ذلك لم يُعرَف الحقُّ من الباطل»(١٠٩).
فلفظ (عالم) أعمُّ من الإمام (عليه السلام)، لكن يمكن تجاوز هذا الإشكال الدلالي من خلال قرينتين:
الأُولى: أنَّ العالم يُستَعمل كثيراً في الإمام (عليه السلام).
والثانية: التعليل بأنَّه «لولا ذلك لم يُعرَف الحقُّ من الباطل» الذي يعني أنَّ العالم المذكور يعرف الحقَّ من الباطل، وهو على الإطلاق لا يتحقَّق إلَّا بالإمام المعصوم (عليه السلام).
والقرينة الأُولى قابلة للمناقشة؛ لأنَّ كثرة استعمال اللفظ في معنى لا تستوجب ظهوره فيه إذا ورد بغير قرينة، إلَّا إذا استوجب ذلك الوضع التعيُّني، أي أنْ يصبح المعنى المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقيًّا له. هذا أوَّلاً.
وثانياً: إذا هُجِرَ استعماله في المعنى الأوَّل فيصبح كالمنقول، أو من المنقول الذي وُضِعَ لمعنى جديد وترك الاستعمال فيما وُضِعَ له أوَّلاً.
نعم، هذه القرينة تنفع في نفي البعد عن إرادة الإمام المعصوم (عليه السلام) من لفظ (العالم) فيما إذا توفَّرت قرينة ودلالة على أنَّ المراد هو الإمام (عليه السلام).
وقد ورد في بعضها أنَّها لا تخلو من إمام، وهي في المجموع تامَّة الدلالة. نعم، بعضها ضعيف السند، لكن الذي يبحث عن التواتر لا يمنعه ضعف السند. نعم، ضعف السند يجعل عدد الروايات التي لا بدَّ من توفُّرها أكبر.
ومن تلك الروايات ما دلَّ على أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة.
وقد ذكر الكليني (رحمه الله) خمس روايات تحت هذا العنوان(١١٠)، وهي وإنْ كانت غير ناهضة لضعفها السندي، إلَّا أنَّها نافعة في تجميع القرائن الاحتماليَّة.
والرواية الأُولى والثانية والرابعة ضعيفة السند، والثالثة مرسَلة، والخامسة مجهولة.
وكان متن الأُولى: «لو لم يبقَ في الأرض إلّاَ اثنان لكان أحدهما الحجَّة».
والثانية: «لو بقي اثنان لكان أحدهما الحجَّة على صاحبه».
وفي الثالثة: «لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام»، وقال: «إنَّ آخر من يموت الإمام؛ لئلَّا يحتجّ أحد على الله (عزَّ وجلَّ) أنَّه تركه بغير حجَّة لله عليه».
وقريب من الأُولى والثانية متن الرابعة والخامسة.
الطائفة السابعة: ما دلَّ على ضرورة معرفة إمام الزمان (عليه السلام):
هناك العديد من الروايات التي دلَّت على ضرورة معرفة إمام الزمان (عليه السلام)، وهذا يستدعي وجوده، ونحن لا نعرف أحداً سواه منذ رحيل الحسن العسكري (عليه السلام).
ومن هذه الروايات: صحيحة زرارة، فقد روى الكليني (رحمه الله) عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟
فقال: «إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) بعث محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى الناس أجمعين رسولاً وحجَّةً لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمّد رسول الله واتَّبعه وصدَّقه فإنَّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتَّبعه ولم يُصدِّقه ويعرف حقَّهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقَّهما؟!».
قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله ويُصدِّق رسوله في جميع ما أنزل الله، يجب على أُولئك حقُّ معرفتكم؟
قال: «نعم، أليس هؤلاء يعرفون فلاناً وفلاناً؟».
قلت: بلى.
قال: «أترى أنَّ الله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلَّا الشيطان، لا والله ما ألهم المؤمنين حقَّنا إلَّا الله (عزَّ وجلَّ)»(١١١).
ومنها صحيحة محمّد بن مسلم، فقد رواها الكليني (رحمه الله) عن محمّد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «كلُّ من دان الله (عزَّ وجلَّ) بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، وهو ضالٌّ متحيِّر، والله شانئ لأعماله، ومَثَله كمَثَل شاة ضلَّت عن راعيها وقطيعها، فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلمَّا جنَّها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنَّت إليها واغترَّت بها، فباتت معها في مربضها، فلمَّا أنْ ساق الراعي قطيعه أنكرت راعيها وقطيعها، فهجمت متحيِّرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها، فحنَّت إليها واغترَّت بها، فصاح بها الراعي: الحقي براعيكِ وقطيعكِ، فأنت تائهة متحيِّرة عن راعيكِ وقطيعكِ، فهجمت ذعرة متحيِّرة تائهة، لا راعي لها يُرشِدها إلى مرعاها أو يردُّها، فبينا هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها، فأكلها، وكذلك والله يا محمّد من أصبح من هذه الأُمَّة لا إمام له من الله (عزَّ وجلَّ) ظاهر عادل، أصبح ضالًّا تائهاً، وإنْ مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق...» الخبر»(١١٢).
وهذه الرواية وإن أمكن التشكيك في إمكان الاستناد إليها من جهة أنَّها مثَّلت للذي لا يعرف إمامه بالشاة التائهة التي يتربَّص الذئب بها، والمؤمن في زمن الغيبة هذا حاله، لأنَّه لا يتمكَّن من الوصول إلى إمامه. وقد يجعل ذلك قرينة على إرادة خصوص زمن الحضور حيث يمكن التواصل مع الإمام (عليه السلام)، إلَّا أنَّ الرواية لا تخلو من دلالة احتماليَّة وبمستوى جيِّد عن ضرورة وجود إمام في كلِّ زمان.
وقد نقل الكليني في هذا الباب(١١٣) (١٤) رواية بعضها لا دلالة لها على المدَّعى كالرواية الأخيرة، وهي ما رواه بسند ضعيف فيه معلّى بن محمّد(١١٤)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): دخل أبو عبد الله الجدلي على أمير المؤمنين، فقال (عليه السلام): يا أبا عبد الله، ألَا أُخبرك بقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٩ و٩٠]؟
قال: بلى يا أمير المؤمنين، جُعلت فداك.
فقال: الحسنة معرفه الولاية وحبُّنا أهل البيت، والسيِّئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت، ثمّ قرأ عليه هذه الآية»(١١٥).
ولا دلالة فيها على وجود الإمام الثاني عشر المستقبلي.
والرواية التاسعة كذلك.
والرواية الثامنة كذلك؛ لأنَّه ورد فيها: «من أصبح من هذه الأُمَّة لا إمام له من الله (عزَّ وجلَّ) ظاهر عادل، أصبح ضالًّا تائهاً...»(١١٦)، وقد قُيِّد الإمام بصفة (الظاهر)، وهذا ما لا ينطبق على الإمام الثاني عشر في زمن الغيبة.
والرواية السابعة؛ إذ جاء فيها: «أبى الله أنْ يجري الأشياء إلَّا بأسباب، فجعل لكلِّ شيء سبباً، وجعل لكلِّ سبب شرحاً، وجعل لكلِّ شرح علماً، وجعل لكلِّ علم باباً ناطقاً، عرفه من عرفه، وجهله من جهله، ذاك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ونحن»(١١٧).
ولا دلالة فيها، مضافاً إلى أنَّها مرسَلة.
والسادسة أيضاً لم يأتِ فيها إلَّا الأمر باتِّباع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأهل بيته (عليهم السلام)، والإشارة إلى وصل طاعة وليِّ الأمر بطاعة الرسول.
بل والأُولى، وفيها: جُعلت فداك، فما معرفة الله؟
قال: «تصديق الله (عزَّ وجلَّ) وتصديق رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وموالاة عليٍّ (عليه السلام) والائتمام به وبأئمَّة الهدى (عليهم السلام)، والبراءة إلى الله (عزَّ وجلَّ) من عدوِّهم، هكذا يُعرَف الله (عزَّ وجلَّ)»(١١٨).
والخامسة لم تتحدَّث إلَّا عن الأئمَّة الخمسة الأوائل.
الطائفة الثامنة: ما نصَّ على غيبته (عجَّل الله فرجه) سنة (٢٦٠ هـ):
روى الصدوق (رحمه الله) عن أبيه ومحمّد بن الحسن (رضي الله عنهما)، قالا: حدَّثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري، قالا: حدَّثنا أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد، عن الحسين بن الربيع المدائني، قال: حدَّثنا محمّد بن إسحاق، عن أسيد بن ثعلبة، عن أُمِّ هانئ، قالت: لقيت أبا جعفر محمّد بن عليِّ بن الحسين بن عليِّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، فسألته عن هذه الآية: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ [التكوير: ١٥ و١٦]؟
فقال: «إمام يخنس في زمانه عند انقضاء من علمه سنة ستِّين ومائتين، ثمّ يبدو كالشهاب الوقّاد في ظلمة الليل، فإنْ أدركتِ ذلك قرَّت عيناكِ»(١١٩).
ولا شكَّ في وثاقة عليِّ بن بابويه والد الصدوق وابن الوليد، بل وجلالة قدرهما، وكذا سعد والحميري.
كما نصَّ علماء الرجال على وثاقة أحمد بن الحسين بن عمر بن يزيد(١٢٠).
والحسين بن الربيع لم يُوثَّق(١٢١)، ولا يضرُّ عدم توثيقه؛ لأنَّ الحسين بن الربيع في طبقة قبل الغيبة، ووثاقة من نقل عنه ولو بواسطة في هذه الرواية لا شكَّ فيها، وهذا يعني أنَّ احتمال الكذب المعتدَّ به لو كان فهو من الحسين بن الربيع أو من كان قبله في السند، ممَّا يعني أنَّ أحمد بن الحسين قد أخذ منه قبل زمان الغيبة، ونفس إخباره بهذه السنة بالدقَّة والتي حصلت فيها الغيبة قبل حصول الغيبة دليل على صحَّة إخباره ونفي احتمال الكذب والوضع منه هنا وإنْ لم تثبت وثاقته.
وبهذا تُعتَبر الرواية من الأدلَّة الصحيحة على غيبته (عجَّل الله فرجه)، ولازم ذلك ولادته أوَّلاً.
وقد رويت بطريق آخر إلى محمّد بن إسحاق، وهو: سُلامة بن محمّد، عن أحمد بن داود، عن أحمد بن الحسن، عن عمران بن الحجّاج، عن ابن أبي نجران، عن ابن أبي عمير، عن محمّد بن إسحاق(١٢٢).
مع اختلاف قليل في المتن.
ورويت بطريق ثالث، فقد رواها الكليني (رحمه الله) عن عليِّ بن محمّد، عن جعفر بن محمّد، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن وهب بن شاذان، عن الحسين بن الربيع، عن محمّد بن إسحاق، مع زيادة: «كالشهاب يتوقَّد في الليلة الظلماء»(١٢٣).
وكِلَا الطريقين فيهما ضعف، فالثالث مثلاً فيه موسى بن جعفر البغدادي(١٢٤)، ووهب بن شاذان(١٢٥)، مضافاً إلى الحسين بن الربيع(١٢٦)، ولم يرد فيهم توثيق، فهم مجاهيل. لكن الطريق الثاني يُضعِّف كون الواضع - لو كان ثَمَّة وضع - هو الحسين بن الربيع(١٢٧).
وكيف كان، فالرواية لا تختلف عن الصحيحة السند، فمثل هذا الضعف في الراوي لا يُضعِّف مثل هذه الرواية.
الطائفة التاسعة: الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام من الأئمَّة (عليهم السلام):
ويمكن الاستدلال بالروايات التي نصَّت على أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام، وظاهرها يشمل الإمام العسكري (عليه السلام)، فلا بدَّ أنْ يكون الإمام (عجَّل الله فرجه) موجوداً حين وفاة والده؛ إذ لا إمام سواه.
لكن هذه الروايات ليست قطعيَّة الدلالة؛ لأنَّ دلالتها في حدود الظهور، ليشمل مؤدّاها الإمام العسكري (عليه السلام).
مضافاً إلى أنَّ الموجود منها في الكافي تشترك في الضعف السندي، لوجود معلّى بن محمّد في سندها جميعاً، وهو البصري، وهو مضطرب الحديث والمذهب(١٢٨).
مضافاً إلى أنَّ إحداها مرسَلة فوق ذلك، والثانية والثالثة فيهما محمّد بن جمهور الذي نصَّ الرجاليُّون على ضعفه في الحديث وفساد مذهبه، وقيل فيه أشياء الله أعلم بها من عظمها، هكذا قالوا(١٢٩).
مضافاً إلى ضعف في دلالة إحداها.
والروايات هي:
١ - الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن الحسين بن عليٍّ الوشّاء، عن أحمد بن عمر الحلّال أو غيره، عن الرضا (عليه السلام)، قال: قلت له: إنَّهم يحاجُّونا يقولون: إنَّ الامام لا يُغسِّله إلَّا الإمام.
قال: فقال: «ما يُدريهم من غسَّله؟ فما قلت لهم؟».
قال: فقلت جُعلت فداك، قلت لهم: إنْ قال مولاي: إنَّه غسَّله تحت عرش ربّي فقد صدق، وإنْ قال: غسَّله في تخوم الأرض فقد صدق.
قال: «لا، هكذا».
[قال] فقلت: فما أقول لهم؟
قال: «قل لهم: إنّي غسَّلته».
فقلت: أقول لهم: إنَّك غسَّلته؟
فقال: «نعم»(١٣٠).
وظاهر كلام الإمام (عليه السلام) أنَّه أقرَّ ما كانوا قد اعتقدوا به من أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام، وكأنَّ إشكال المستشكلين أنَّ الإمام الكاظم (عليه السلام) قد تُوفّي في السجن ببغداد ولم يكن قد حضره ولده الإمام الرضا (عليه السلام)، فكيف ينسجم ذلك مع ما كانوا قد بنوا عليه من أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام؟
وإرسال هذه الرواية من جهة أنَّ الوشّاء نقل إمَّا عن الحلّال أو آخر غير معروف لنا، فهي مرسَلة.
٢ - الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، قال: حدَّثنا أبو معمّر، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الإمام يُغسِّله الإمام؟
قال: «سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)»(١٣١).
وكأنَّه (عليه السلام) يشير إلى تولّي وصيِّ موسى (عليه السلام) عمليَّة تغسيله وتجهيزه(عليه السلام). وحين قال (عليه السلام): «سُنَّة موسى بن عمران (عليه السلام)) فإنَّه أشار إلى كونها قاعدة في تجهيز الأنبياء والأئمَّة (عليهم السلام)، فتنطبق على الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فلا بدَّ أنْ يكون وصيُّه قد جهَّزه، ووصيُّه ليس إلَّا الحجَّة (عجَّل الله فرجه).
وأبو معمّر مجهول(١٣٢).
٣ - الحسين بن محمّد، عن معلّى بن محمّد، عن محمّد بن جمهور، عن يونس، عن طلحة، قال: قلت للرضا (عليه السلام): إنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام؟
فقال: «أمَا تدرون من حضر لغُسله، قد حضره خير ممَّن غاب عنه، الذين حضروا يوسف في الجُبِّ حين غاب عنه أبواه وأهل بيته»(١٣٣).
وطلحة مجهول.
وفي هذه الرواية مشكلة دلاليَّة؛ إذ إنَّ ظاهر الرواية أنَّ الإمام (عليه السلام) دفع إشكالهم بأنَّه لم يحضر تغسيل والده، وأنَّ ذلك يُشَكِّل نقضاً لقاعدة الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام، فأخبرهم بأنَّ الذي حضره هو خير ممَّن غاب عنه، أي إنَّ الحاضر كان آخرين غير الإمام الرضا (عليه السلام).
وعلى هذا يمكن أنْ يقال: إنَّ الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) مثلاً قد لا يكون من حضره ولده، فلا ضرورة على وجود ابن له ليصحَّ أنَّه غسَّله إمام.
ومثل هذه الرواية ما روي عن معاوية بن حكيم، عن إبراهيم بن أبي سماك، قال: كتبت إلى أبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّا قد روينا عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا الإمام، وقد بلغنا هذا الحديث، فما تقول فيه؟
فكتب إليَّ: «إنَّ الذي بلغك هو الحقُّ».
قال: فدخلت عليه بعد ذلك، فقلت له: أبوك من غسَّله ومن وليُّه؟
فقال: «لعلَّ الذين حضروه أفضل من الذين تخلَّفوا عنه».
قلت: ومن هم؟
قال: «حضروه الذين حضروا يوسف، ملائكة الله ورحمته»(١٣٤).
وهذه الرواية أوضح دلالةً على العدم.
ولكن هناك أخبار كثيرة دلَّت على حضور الإمام الرضا (عليه السلام) عند تغسيل والده، قال المجلسي (رحمه الله): (لعلَّ الخبرين محمولان على التقيَّة...) إلى آخر كلامه(١٣٥).
بقيت رواية نقلها صاحب (البحار) عن (مناقب آل أبي طالب)، وهي مرسَلة؛ إذ رواها عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام): «فيما أوصاني به أبي (عليه السلام) أنْ قال: يا بنيَّ، إذا أنا متُّ فلا يُغسِّلني أحد غيرك، فإنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام»(١٣٦).
ورواية أبي بصير في (الخرائج والجرائح)، وهي مرسَلة أيضاً، فقد نقلها عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «كان فيما أوصى به إليَّ أبي عليُّ بن الحسين (عليهما السلام) أنْ قال: يا بنيَّ، إذا أنا متُّ فلا يلي غُسلي غيرك، فإنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام مثله...» الخبر(١٣٧).
وهي مرسَلة أيضاً.
وقد نقلها في (كشف الغمَّة) أيضاً(١٣٨).
وقد تبيَّن لك أنَّ هذه الروايات كلَّها ضعيفة السند لا يمكن الاعتماد عليها في إثبات شيء من الفروع، فكيف يُستَدلُّ بها على تفصيل في الأُصول؟!
إلَّا أنَّنا لم نذكرها لأجل الاعتماد عليها كدليل مستقلٍّ، وإنَّما ذكرناها كقرينة احتماليَّة تدعم بقيَّة القرائن حتَّى نصل إلى القطع أو ما هو بحكمه عقلاً.
وضعف الرواية لا يعني أبداً عدم مطابقة مؤدّاها للواقع، بل غاية ما يقال فيها: إنَّ طريقها لا ينهض لإثبات صدورها، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني أيضاً عدم صدورها.
وبذلك يتبيَّن لك أنَّ الإشكال الدلالي لا يُسقِط هذه الروايات عن الاستفادة منها كقرائن احتماليَّة.
فقد قيل: إنَّ ذلك مقيَّد بصورة الحضور، ولذلك استدلَّ الصدوق - على ما نقل عنه في البحار - بأمر الصادق (عليه السلام) بتغسيل ولده إسماعيل لإبطال إمامته، قال: لأنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام إذا حضره(١٣٩).
بل طرح الصدوق وجهاً آخر(١٤٠) مردُّه إلى أنَّ (لا يُغسِّله إلَّا إمام) جملة يُراد بها الإنشاء، أي إنَّها تنهى غير الإمام أنْ يتصدّى لغُسل الإمام السابق، فلو كان (يُغسِّله) مرفوعاً فهي جملة خبريَّة في مقام الإنشاء، وهذا المبنى يكون فعليًّا لو وُجِدَ الإمام الآخر، فتسقط دلالتها على وجود الإمام (عليه السلام) بعد وفاة والده.
ومأخذ هذا الوجه رواية عن الرضا (عليه السلام)، وهي ما رواه الصدوق (رحمه الله) في (عيون الأخبار) عن تميم بن عبد الله بن تميم القرشي (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثني محمّد بن يحيى، قال: حدَّثني ابن خلف الطاطري، قال: حدَّثني هرثمة بن أعين، قال: كنت ليلة بين يدي المأمون حتَّى مضى من الليل أربع ساعات، ثمّ أذن لي في الانصراف، فانصرفت، فلمَّا مضى من الليل نصفه قرع قارع الباب، فأجابه بعض غلماني، فقال له: قل لهرثمة: أجب سيِّدك.
قال: فقمت مسرعاً، وأخذت عليَّ أثوابي، وأسرعت إلى سيِّدي الرضا (عليه السلام)، فدخل الغلام بين يديَّ ودخلت وراءه، فإذا أنا بسيِّدي (عليه السلام) في صحن داره جالس، فقال لي: «يا هرثمة».
فقلت: لبَّيك يا مولاي.
فقال لي: «اجلس»، فجلست، فقال لي: «اسمع وعِه، يا هرثمة، هذا أوان رحيلي إلى الله تعالى ولحوقي بجدِّي وآبائي (عليهم السلام)، وقد بلغ الكتاب أجله، وقد عزم هذا الطاغي على سمّي في عنب ورُمّان مفروك، فأمَّا العنب فإنَّه يغمس السلك في السُّمِّ ويجذبه بالخيط بالعنب، وأمَّا الرُّمّان فإنَّه يطرح السُّمَّ في كفِّ بعض غلمانه ويفرك الرُّمّان بيده ليتلطَّخ حبَّه [في] ذلك السُّمِّ، وأنَّه سيدعوني في اليوم المقبل ويُقرِّب إليَّ الرُّمّان والعنب، ويسألني أكلها، فآكلها، ثمّ ينفذ الحكم ويحضر القضاء، فإذا أنا متُّ فسيقول: أنا أُغسِّله بيدي، فإذا قال ذلك فقل له: عنّي بينك وبينه، إنَّه قال لي: لا تتعرَّض لغُسلي ولا لتكفيني ولا لدفني، فإنَّك إنْ فعلت ذلك عاجلك من العذاب ما أُخِّر عنك، وحلَّ بك أليم ما تحذر، فإنَّه سينتهي».
قال: فقلت: نعم يا سيِّدي.
قال: «فإذا خُلّي بينك وبين غُسلي حتَّى ترى، فيجلس في علوٍّ من أبنيته مشرفاً على موضع غُسلي لينظر، فلا تتعرَّض يا هرثمة لشيء من غُسلي حتَّى ترى فسطاطاً أبيض قد ضُرِبَ في جانب الدار، فإذا رأيت ذلك فاحملني في أثوابي التي أنا فيها، فضعني من وراء الفسطاط، وقف من ورائه، ويكون من معك دونك، ولا تكشف عنّي الفسطاط حتَّى تراني فتهلك، فإنَّه سيشرف عليك ويقول لك: يا هرثمة، أليس زعمتم أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام مثله، فمن يُغسِّل أبا الحسن عليَّ بن موسى وابنه محمّد بالمدينة من بلاد الحجاز ونحن بطوس؟ فإذا قال ذلك فأجبه وقل له: إنّا نقول: إنَّ الامام لا يجب أنْ يُغسِّله إلَّا إمام مثله، فإنْ تعدّى متعدٍّ فغسَّل الإمام لم تبطل إمامة الإمام لتعدّي غاسله ولا بطلت إمامة الإمام الذي بعده بان غُلِبَ على غُسل أبيه، ولو تُرِكَ أبو الحسن عليُّ بن موسى الرضا (عليه السلام) بالمدينة لغسَّله ابنه محمّد ظاهراً مكشوفاً، ولا يُغسِّله الآن أيضاً إلَّا هو من حيث يخفى. فإذا ارتفع الفسطاط فسوف تراني مدرجاً في أكفاني، فضعني على نعشي واحملني...» الخبر(١٤١).
ولا تصلح هذه الرواية وجهاً لما ذكره الصدوق (رحمه الله)؛ لأنَّها كانت في مقام بيان جواب للمأمون وليست لبيان الواقع. مضافاً إلى أنَّ نفس الرواية قالت: «ولا يُغسِّله الآن إلَّا هو من حيث يخفى».
وكيف كان، فالاحتمال باقٍ على حاله؛ إذ يمكن أنْ يكون المراد الواقعي منها على فرض صدورها هو إخبار بواقع مؤدّاه أنَّ كلَّ إمام لا يُغسِّله إلَّا إمام آخر، وأنَّ ذلك يشمل الإمام الحسن العسكري (عليه السلام). والتشكيك الدلالي لا يلغي الاحتمال، نعم يُضعِّفه من جهة قيمته. وفائدة هذا الاحتمال وإنْ ازدادت كلَّما كبر، إلَّا أنَّ أصل الفائدة لا تتوقَّف على قوَّته.
الطائفة العاشرة: ما دلَّ على أنَّه ما مات عالم فذهب علمه:
روى الكليني (رحمه الله) عن عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن بريد بن معاوية، عن محمّد بن مسلم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ عليًّا (عليه السلام) كان عالماً، والعلم يتوارث، ولن يهلك عالم إلَّا بقي من بعده من يعلم علمه، أو ما شاء الله»(١٤٢).
والرواية صحيحة السند.
وعن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة والفضيل، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنَّ العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يُرفَع، والعلم يتوارث، وكان عليٌّ (عليه السلام) عالم هذه الأُمَّة، وإنَّه لم يهلك منّا عالم قطُّ إلَّا خلفه من أهله من عَلِمَ مثل علمه، أو ما شاء الله»(١٤٣).
والرواية حسنة.
وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن البرقي، عن النضر بن سويد، عن يحيى الحلبي، عن عبد الحميد الطائي، عن محمّد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنَّ العلم يتوارث، ولا يموت عالم إلَّا وترك من يعلم مثل علمه، أو ما شاء الله»(١٤٤).
والرواية صحيحة السند، فعبد الحميد الطائي هو ابن عواض الذي وثَّقه الشيخ في رجاله(١٤٥).
وأمَّا يحيى الحلبي فهو يحيى بن عمران بن عليِّ بن أبي شعبة، وهو ثقة ثقة صحيح الحديث(١٤٦).
والباقون وثاقتهم واضحة.
وعن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة ابن أيّوب، عن عمر بن أبان، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ العلم الذي نزل مع آدم (عليه السلام) لم يُرفَع، وما مات عالم فذهب علمه»(١٤٧).
وهو حديث صحيح، فعمر بن أبان يُراد به الكلبي أبو حفص، وهو مولى كوفي ثقة(١٤٨).
والباقون وثاقتهم واضحة.
هذه أربع روايات معتبرة السند دلَّت على أنَّه لن يهلك عالم إلَّا بقي مِنْ بعده مَنْ يعلم علمه أو ما شاء الله، وطُبِّق العالم على عليٍّ (عليه السلام) في بعضها(١٤٩).
وأمَّا دلالتها على ضرورة وجود الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) فلأنَّه لولا ذلك لما وُجِدَ من يرث علم العسكري (عليه السلام) وعلم آبائه (عليهم السلام).
النتيجة:
بعد كلِّ ما ذكرناه من الروايات وأشرنا إليه دون نصِّه أتظنُّ أنَّه يوجد مجال للتشكيك في التواتر على ولادته (عجَّل الله فرجه)؟
إنَّ عدد الروايات التي جمعها الشيخ آصف محسني في النصِّ على ولادته (عجَّل الله فرجه) (٣٢) رواية، اثنان منها صحيحتا السند(١٥٠). ومجموع ما يدخل تحت ما ذكرناه من الأبواب يتجاوز المائة بلا شكٍّ بكثير. وبعضه ليس في سنده إلَّا رجلان ممَّا يُعطيه قوَّة احتمال أكبر ممَّا لو تعدَّدت طبقات سند الحديث، وبعض الأسانيد تجد فيها اثنين أو ثلاثة من أعاظم الرواة وأعيان الفقهاء.
لو أردنا أنْ نتسامح وقلنا: إنَّ إثبات الرواية من هذه الروايات لولادته (عجَّل الله فرجه)، أي حاصل إثباتها الملحوظ فيه احتمال صدورها وإرادة هذا المعنى منها كان بمستوى (١٠%) في المعدّل، وهو أكثر بكثير في العديد منها بلا شكٍّ، فإنَّ مائة رواية مثبتة بهذا المستوى من درجة الكشف ثبَّتت المطلوب بما قابل حاصل ضرب (٩٠%) في نفسها مائة مرَّة.
وهذا ما يساوي تقريباً ما قابل (٢٧.٥) من المليون، وما قابله يساوي (٩٩٩٩٧٢.٥) من المليون، أي إنَّ احتمال الخطأ أقلّ من ثلث الواحد من العشرة آلاف، هذا مع ملاحظة أنَّ نسبة المطابقة للواقع قد أخذناها بأقلّ احتمال وهو العشرة بالمائة، وبعضها قد يتجاوز الثمانين بالمائة، مثل رواية الكليني (رحمه الله) عن العدَّة عن البرقي عن داود بن القاسم الجعفري في الطائفة الرابعة(١٥١)، ومثل رواية الكليني (رحمه الله) عن عليِّ بن محمّد الذي نقل خروج النهي عن زيارة مقابر قريش(١٥٢)، والرواية التي نقلها الطوسي (رحمه الله) عن الغضائري، عن محمّد بن أحمد بن داود، عن أبي عليٍّ محمّد بن همّام(١٥٣)، ورواية الصدوق عن أبيه وابن المتوكِّل وابن الوليد عن الحميري، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري(١٥٤)، وأنا أرى أنَّ مثل هذا السند يوصل إلى كشف قد يتجاوز (٩٠%).
ولنقف عند هذا الحدِّ فإنَّ الغاية هي التمثيل لا الاستقصاء.
ولك أنْ تقضي عجباً لمن يُشكِّك في تواتر الأدلَّة الدالَّة على ولادته (عجَّل الله فرجه).
ولا يفوتني أنْ أُنبِّه مرَّةً أُخرى أنَّ ما ذُكِرَ وما أُشير إليه أكثر بكثير من المائة، كما أنّي تركت استقصاء أو حتَّى ذكر أخبار مَنْ قيل: إنَّه قد التقاه في غيبته الكبرى، وما أكثر هذه المفردات وإن قلَّت قيمتها الاحتماليَّة.
إنَّ ما ذكرناه أو أشرنا إليه من الروايات كانت دلالة الأكثر منه بالدلالة الالتزاميَّة لا المطابقيَّة، وبما أنَّ بعض الأعاظم لا يبني على حجّيَّة الأمارات بما في ذلك أخبار الثقات، فقد يكون ذلك منشأ لتوهُّم أنَّه لا فائدة في هذه الروايات وفق المبنى المشار إليه لإثبات ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه).
لكنَّنا سبق وبيَّنّا في أوَّل هذا البحث أنَّ الحاجة إلى إثبات حجّيَّة الأمارات في مداليلها الالتزاميَّة أو في مثبتاتها - كما يُعبِّرون - إنَّما هي في دائرة التعبُّد وما يمكن أنْ يثبت بواسطة حجّيَّة الأمارة، لا ما كان مترتِّباً على الأمارة من جهة الكشف، فإنَّه أثر تكويني لا علاقة لدليل الحجّيَّة به.
وهذا يعني أنَّ الدلالات القطعيَّة ولو كانت حاصلة بتراكم الاحتمال لا ربط لها بمبنى الحجّيَّة التعبُّديَّة، ومثل السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) ممَّن بنى على عدم حجّيَّة الأمارة في مثبتاتها لا شكَّ أنَّه لا يريد إسقاط كاشفيَّتها الظنّيَّة مثلاً عن المداليل الالتزاميَّة.
وفي تراكم الاحتمال لا نحتاج إلَّا إلى هذه الكاشفيَّة.
والتواتر من وسائل الإثبات الوجداني، أي القطعي، والذي لا يُعتَمد في حصوله على الحجّيَّة الشرعيَّة، بل على كشف الروايات المتواترة في موضوع معيَّن مثلاً عن ثبوت صدور هذا اللفظ قطعاً من المعصوم - في التواتر اللفظي -، أو ثبوت صدور هذا المعنى - في التواتر المعنوي -، أو ثبوت صدور رواية واحدة على الأقلّ من الروايات المتواترة - في التواتر الإجمالي -، كلُّ ذلك بنحو البتِّ والجزم.
فالمبنى المزبور لا علاقة له بحصول التواتر أو عدمه.
ولا يفوتني أنْ أُنوِّه إلى أنَّ بعض القواعد المقدّمة والتي قلنا: لا بدَّ من ملاحظتها لأنَّها تُؤثِّر في قوَّة الاحتمال الحاصل منها والكاشفيَّة، قد يكون بعضها ممَّا لم نُشِر إليه في التطبيق، وإنَّما لم نذكرها هناك للاستغناء عنها بعد هذا الكمِّ من الروايات والتنوُّع فيها، وإنَّما ذكرتها ليلاحظها الباحث لقطع الشكِّ في نفسه إذا شكَّك في حصول التواتر وترتُّب الجزم والقطع عليه، ذلك ﴿لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ (الفرقان: ٦٢).
لا منافاة بين تراكم الاحتمال والمباني في التواتر:
قد يقول قائل: إنَّ تراكم الاحتمال كنظريَّة لا يرتبط بمبنى السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) أو غيره في التواتر، فالحديث عن أنَّه وفق مبنى السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) لا يتحقَّق التواتر على ولادة الإمام (عجَّل الله فرجه)، وعلى هذا يكون الخوض في تراكم الاحتمال أجنبيًّا بالمرَّة عن محلِّ النزاع.
لكن تراكم الاحتمال لا يتنافى مع أيِّ مبنى في التواتر؛ إذ إنَّهم قد عرَّفوا التواتر بأنَّه إخبار جماعة يمتنع تواطؤهم على الكذب - وإنْ كان في هذا التعريف نوع مسامحة -، وينبغي أنْ يكون المقصود إخبار جماعة يمتنع مخالفة خبرهم للواقع، فلا دخالة للتواطؤ، كما لا دخالة للكذب، فقد يكون منشأ مخالفة الواقع الخطأ والاشتباه من المخبر.
ووجه عدم التنافي بين نظريَّة التراكم وبين أيِّ مبنى في التواتر هو أنَّ تراكم الاحتمال يُبيِّن لنا كيفيَّة حصول العلم من الخبر المتواتر، وهذا قابل للانطباق على كلِّ المباني، والتي اختلفت من حيث العدد المعتبر في المخبرين، والذي بموجبه يحصل القطع بمطابقة خبرهم للواقع.
نعم، قد ينعكس الأخذ بتراكم الاحتمال على ما هو معتبر في التواتر؛ إذ حينها لا خصوصيَّة للعدد وإنْ كانت أصل الكثرة معتبرة، بل المدار على ما يحصل به الجزم، وهذا مرتبط بنوعيَّة المخبر ونوعيَّة القضيَّة المخبر عنها وبمسلك الراوي، فمن يُخبر بقضيَّة على خلاف متبنّاه يكون احتمال الصدق في خبره أكبر ممَّا لو أخبر بقضيَّة موافقة لمتبنّاه. وعلى هذا فقد يحصل التواتر بإخبار عشرة وقد لا يحصل بإخبار عشرين.
وكيف كان، فلا مجال لتوهُّم كون تراكم الاحتمال أجنبيًّا عمَّا اتُّخِذَ من مسلك في حصول التواتر.
ولا فرق حينئذٍ بين أنْ تكون الدلالة مطابقيَّة أو التزاميَّة؛ لأنَّ الدليل الذي يكشف عن مدلوله المطابقي بدرجة ما يكشف بنفس الدرجة عن المدلول الالتزامي بمقتضى الملازمة.
وهذا لا علاقة له أيضاً بمبحث حجّيَّة الأمارات في المداليل الالتزاميَّة ثبوتاً وعدماً كما تقدَّم(١٥٥).
مؤيِّدات من القرآن والعقل:
الآيات القرآنيَّة:
ويُؤيِّد ما ذكرنا جملة من الآيات الشريفة سنتعرَّض لذكرها وبيان وجه تأييدها بشيء من الاختصار، وهي لا تُثبِت مباشرةً أو تُؤيِّد مستقلَّةً وجود الإمام وولادته، بل فيها تأييد أو ربَّما أكثر من تأييد لوجود حجَّة في الأرض، فتحتاج إلى أدلَّة أُخرى أو متمِّمات للدلالة أو التأييد.
الآية الأُولى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١).
وقد استند إليها البعض لإثبات وجود إمام في كلِّ زمانٍ، ببيان أنَّ دعوة كلِّ أُناس بإمامهم تشمل كلَّ الأعصار، وهذا يعني أنَّه لا بدَّ من إمام لكلِّ أُناس، ممَّا يقتضي أنَّه لا بدَّ أنْ يكون موجوداً. وظاهر لفظة (إمام) الإمام الحقُّ، وهو واحد في كلِّ زمانٍ.
ولكن في الدلالة ما فيها، ولذلك جعلناها مؤيِّدة.
وفي الرواية عن عبد الله بن سنان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾؟
قال: «إمامهم الذي بين أظهرهم، وهو قائم أهل زمانه»(١٥٦).
وفي الصحيح عن الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾، قال: «يجيء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قومه، وعليٌّ في قومه، والحسن في قومه، والحسين في قومه، وكلُّ من مات بين ظهراني قوم جاؤوا معه»(١٥٧).
وعن عمّار الساباطي، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «لا تُترَك الأرض بغير إمام يحلُّ حلال الله ويُحرِّم حرام الله، وهو قول الله: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾»، ثمّ قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): من مات ميتةً جاهليَّةً»، فمدُّوا أعناقهم وفتحوا أعينهم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «أليست الجاهليَّة الجهلاء؟»، فلمَّا خرجنا من عنده قال لنا سليمان: هو والله الجاهليَّة الجهلاء، ولكن لمَّا رآكم مددتم أعناقكم وفتحتم أعينكم قال لكم كذلك(١٥٨).
والروايات ظاهرة الدلالة في أنَّه لا بدَّ في كلِّ زمانٍ من إمام.
وهذا يعني أنَّ هذه الآية بضميمة الروايات ستكون تامَّة الدلالة، لكن دلالتها في حدود الظهور وليست نصًّا.
الآية الثانية: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ (البقرة: ١٤٣).
ووجه التأييد أنَّ الشهادة وفق المنطق القرآني إنَّما هي لما يدور عليه الحساب يوم القيامة، ولمَّا كانت المحاسبة على ما تكسبه القلوب ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (البقرة: ٢٢٥)، وإدراك ذلك لا يتيسَّر إلَّا لمن مكَّنه الله تعالى، فكشف له عن مستور النفوس، سواء كانت حاضرة أم غائبة، وذلك أمر خاصٌّ بأُناس تولّى الله تعالى شؤونهم.
فمقام الشهادة على هذا لأفراد من هذه الأُمَّة وليس لجميع أبنائها؛ إذ ليس جميع أفراد الأُمَّة لهم هذه القدرة والقابليَّة على الاطِّلاع على ما تكنه نفوس الناس.
ولمَّا كانت الشهادة وفق المنطق القرآني تقتضي الحياة كما في قول عيسى (عليه السلام): ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (المائدة: ١١٧)، فالآية لا تخلو من شهادة وتأييد على أنَّه لا بدَّ من وجود بعض أفراد هذه الأُمَّة يشهدون على الناس في كلِّ الأزمنة، ويتحمَّلون شهادتهم حال حياتهم.
ومقام الشهادة بالشرط الذي ذكرناه لا يتيسَّر إلَّا للأئمَّة (عليهم السلام)، والشهادة مطلقة، وأداؤها يوم القيامة، وإطلاق لفظ (الناس) ظاهر في الامتداد على جميع الأزمنة حتَّى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد تكرَّر في الروايات أنَّهم (عليهم السلام) هم الأُمَّة الوسط والشهداء على الناس، ففي رواية حمران بن أعين عن الباقر (عليه السلام) إنَّما أنزل الله: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾، يعني عدولاً، ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ [البقرة: ١٤٣]»، قال: «ولا يكون شهداء على الناس إلَّا الأئمَّة (عليهم السلام) والرُّسُل، فأمَّا الأُمَّة فإنَّه غير جايز أنْ يستشهدها الله، وفيهم من لا تجوز شهادته في الدنيا على حزمة بقل»(١٥٩).
وفي رواية بريد العجلي - وهي صحيحة على مبنى -، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ﴾، فقال: «نحن الأُمَّة الوسطى، ونحن شهداء الله على خلقه، وحُجَجه في أرضه»(١٦٠).
وفي روايته الأُخرى - وهي حسنة على مبنى وصحيحة على آخر - نفس المعنى(١٦١).
وكيف كان فالاستدلال بالآية منفردة مدخول بما ليس هذا محلّ تفصيله، لكن التأييد لا غبار عليه، كما لا غبار على الدلالة بضميمة الروايات الواردة في تفسيرها أو تطبيقها على محلِّ الكلام.
وهذا شأن بقيَّة الآيات، فلا حاجة إلى إعادة الكلام هناك. وليُلتَفت إلى أنَّ تماميَّة الدلالة إنَّما هو فيما إذا أمكن القطع من مجموع الآية والروايات الملحقة بها وفق ما حقَّقناه من ضرورة توفُّر القطع في موارد المعتقد.
الآية الثالثة: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: ٣٠).
وتوجيه دلالتها أنَّ الخلافة المجعولة لمَّا كانت مطلقة أي لم تكن خلافة لموجود آخر ليصبح المعنى أنّي وضعت الإنسان في الأرض ليخلف من قبله، بل هو خليفة للجاعل وهو الله تبارك وتعالى.
ويدعم ذلك أنَّ الخلافة التي كانت مطلوبة للملائكة هي الخلافة الإلهيَّة لا الخلافة عن المخلوقات الأرضيَّة الماضية.
ويُؤيِّده أنَّه لو كانت الخلافة المرادة عن غيره من المخلوقات لم يكن مجال لاستغراب الملائكة بقولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ (البقرة: ٣٠)، فمن كانوا قبل النوع الإنساني عاثوا فساداً في الأرض، فلِمَ الاستغراب من الملائكة؟
وإطلاق الخلافة يعني خلافة الإنسان لله تعالى في مختلف الشؤون، ومن هنا لزم توفُّر القدرة في الخليفة للتصرُّف المناسب في الأُمور، وممَّا تتوقَّف عليه القدرة على ذلك كون الخليفة عالماً بجميع صفات المستخلِف وشؤون ما يستخلفه فيه، وهو الإنسان الكامل الذي يكون خليفة الله في أرضه.
ولمَّا لم تكن هذه الخصائص ثابتة لجميع الناس، إذن فالمراد البعض، بل بعض الآحاد، وهو الأوحدي.
وحين استعمل القرآن مفردة: ﴿جاعِلٌ﴾ اقتضى ذلك استمرار هذا الجعل في أمد الزمان من أوَّل خلقة آدم (عليه السلام) إلى يوم القيامة.
وهذا المعنى تدلُّنا عليه رواية محمّد بن إسحاق بن عمّار، قال: قلت لأبي الحسن الأوَّل (عليه السلام): ألَا تدلَّني إلى من آخذ عنه ديني؟
فقال: «هذا ابني عليٌّ، إنَّ أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقال: يا بنيَّ، إنَّ الله (عزَّ وجلَّ) قال: ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾، وإنَّ الله (عزَّ وجلَّ) إذا قال قولاً وفى به»(١٦٢).
وكأنَّ سؤال السائل: من آخذ عنه ديني بعد وفاتك؟
وقوله (عزَّ وجلَّ): ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرضِ خَلِيفَةً﴾ أراد به: إنّي أجعل ذلك أبداً ولا أُخلي الأرض من خليفة إلى يوم القيامة.
لا يقال: إنَّ الآية ناظرة إلى جعل الخلافة لآدم (عليه السلام)، فكيف عُمِّمت إلى أبناء نوعه؟
لأنَّه يقال: لو كان الملائكة قد فهموا جعلها لشخص آدم (عليه السلام) فقط لما ساغ لهم أنْ يقولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾. هذا أوَّلاً.
وثانياً: لمَّا كان دفع شبهتهم من قِبَل الله تعالى بتعليم آدم (عليه السلام) للأسماء، بل كان المناسب أنْ يُثبِت لهم أنَّه (عليه السلام) لا يُفسِد فيها ولا يُسفِك الدماء.
فالمجعول للخلافة آدم النوعي، والمناط فيه قابليَّة للعلم ما كانت موجودة عند الملائكة، لا مجرَّد أنَّه تعالى قد علَّمه بعض الأسماء أو كلَّها، وإلَّا لقالوا: إنَّما أجابك وأنبأنا بالأسماء لأنَّك أعلمته إيّاها.
بل لا يخلو العدول عن التعبير بـ(أعلم) إلى (علَّم) من إشارة إلى أنَّ الذي حصل لم يكن مجرَّد طباعة أسماء في ذهن آدم (عليه السلام)، فالتعليم غير الإعلام؛ إذ التعليم يوحي بأنَّه إفادة القابليَّة، وهي هنا على التفكير والاستنتاج والإعلام إفادة معلومة.
ومن هنا يتَّضح أنَّ الله تعالى لم يكن - في مقام بيان واقع مناط الاستخلاف - بحاجة إلى أنْ ينفي ما ذكرته الملائكة من وجود نزعة الشرِّ عند بني النوع الإنساني، بل سكوته عنها يشير إلى تقرير ذلك عند بعض أبناء النوع، بل حتَّى غالبيَّتهم المطلقة.
الآية الرابعة: ﴿يا أَيهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ (المائدة: ٦٧).
ببيان أنَّ الله تبارك وتعالى أمر نبيَّه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفق هذه الآية بتبليغ أمر للناس يكون التبليغ السابق لكلِّ ما بلغ من تفاصيل الشريعة كالعدم في صورة تبليغ هذا الأمر، وحين نأتي إلى المعطى التاريخي والروائي نجد أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد امتثل هذا الأمر بأخذ البيعة لعليٍّ (عليه السلام) في غدير خُمٍّ، حيث نصَّ هناك على أنَّ أمير المؤمنين عليًّا (عليه السلام) أولى بالمؤمنين من أنفسهم كما كان هو أولى بهم من أنفسهم ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (الأحزاب: ٦).
ممَّا يعني أنَّ ترك تبليغ ولاية عليٍّ (عليه السلام) يجعل ما سبق من تبليغ الرسالة كالعدم، وبملاحظة أنَّ بيعة الغدير ونزول الآية في سورة المائدة كان في أُخريات حياة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نصل إلى أنَّ هناك أهمّيَّة بالغة الشدَّة في تبليغ الولاية، وما يوجب ذلك أحد أمرين:
الأوَّل: أنَّ هناك أحكاماً وتعليمات أُخرى في الشريعة لم يُبلِّغها النبيُّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فأوكل الأمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لإكمال المهمَّة، وكان لا بدَّ من أخذ البيعة له من الناس ليُطيعوه فيما يأمرهم.
الثاني: أنَّ هناك أمراً يكون بقاء الشريعة منوطاً به، فإذا انتفى ذهبت الشريعة أدراج الرياح، فتكون كالعدم.
أمَّا الاحتمال الأوَّل فيُضعِّفه أنَّ بقاء بعض أحكام الشريعة غير مبيَّنة لا يستوجب تنزيل ما بلغ منها منزلة العدم، اللَّهُمَّ إلَّا إذا كان المراد من قوله تعالى: ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾: ما بلَّغت تمام رسالته، وهو خلاف الظاهر؛ لأنَّه يحتاج إلى التقدير، والأصل عدم التقدير، وأعني بالظاهر ظاهر حاله في أنَّ ما لا يقوله لا يريده.
كذلك يحتاج الاحتمال الأوَّل إلى إثبات عدم بيان بعض أحكام الشريعة على عهد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وهذا لا مشكلة كبيرة فيه؛ إذ الكثير من جزئيّات الشريعة ولو بمستوى تطبيق تعاليمها فضلاً عن تفسير الآيات وأحاديث النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم تتَّضح في زمانه.
فيتعيَّن الاحتمال الثاني.
لكن الإنصاف أنَّ للمناقشة في وجه الدلالة هذا مجالاً، إلَّا أنَّه لا يضرُّ، من جهة أنَّ الآية كانت مؤيِّدة ولم نرد من سوقها هنا أكثر من إثبات كونها مؤيِّدة لما ثبت بالروايات المتواترة ولو إجمالاً على وجود حجَّة لله تعالى في كلِّ زمانٍ.
وهناك آيات أُخرى لا شهادة فيها منفردة لكن الروايات دلَّت على أنَّ المراد بها هو الإمام (عليه السلام)، منها قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ (الحجّ: ٤١)، ففي رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «هذه الآية لآل محمّد (عليهم السلام) إلى آخر الأئمَّة، والمهدي وأصحابه يُملِّكهم الله مشارق الأرض ومغاربها، ويُظهِر الدِّين، ويُميت الله به وبأصحابه البِدَع والباطل كما أمات السفه الحقَّ حتَّى لا يُرى أثر للظلم»(١٦٣).
ولا بدَّ من إضافة الروايات التي قالت: إنَّ المهدي هو ابن الحسن العسكري (عليه السلام).
ولنكتفِ بهذا المقدار؛ إذ ليس الغرض هو الاستقصاء وإنَّما الإتيان بشواهد وأمثلة من الدوال على هذا الأمر.
المؤيِّدات العقليَّة:
هناك وجوه عقليَّة تناثرت في كُتُب الكلام سيقت كأدلَّة على ضرورة وجود حجَّة في كلِّ زمانٍ أو حافظ للشريعة بعد النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) دون أنْ تنصبَّ على شخص الإمام أو الحجَّة في زمان؛ لأنَّ الحديث عن شخص هو حديث عن مسألة جزئيَّة، والعقل لا يتطرَّق إلى الجزئيّات إثباتاً؛ لأنَّ مساحة عمله الكلّيّات. وإنْ أمكن نفي الجزئيَّة اعتماداً على الدليل العقلي لكن لا بما هي جزئيَّة، بل عن طريق إقامة البرهان على النفي الكلّي، والسلب الكلّي يقتضي انتفاء الجزئيّات قطعاً.
ونحن هنا نتعرَّض لبعضها لا بعنوان أنَّها أدلَّة لإمكان المناقشة فيها، بل بعنوان المؤيِّدات.
والمناقشات تورث انتفاء ترتُّب القطع على الدليل، ولا تورث القطع بانتفاء المدلول، إلَّا إذا تضمَّنت المناقشة مؤونة زائدة يمكن من خلالها إثبات القطع بالانتفاء.
الأوَّل: الوساطة في الفيض:
إنَّ الأشياء محتاجة إلى الله تعالى في أصل وجودها، وهذا مقتضى التوحيد في الخالقية، فالله تعالى خالق كلِّ شيء ولا خالق سواه.
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ (الحجّ: ٧٣).
والأشياء محتاجة في بقائها إليه تعالى، فلو انقطع عنها الفيض الإلهي لآنٍ من الزمان لانتفى وجودها، ومن هنا لم ولن ينقطع الفيض عن الموجودات في ظرف وجودها.
وقد اتَّخذ الله تعالى وسائط في إيصال فيضه إلى مخلوقاته، وقد دلَّت الأدلَّة على أنَّ النبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وآله الكرام (عليهم السلام) وسائط بين الله وبين خلقه في ذلك، وهذا يعني أنَّه لا بقاء للوجود بدونهم (عليهم السلام)، ممَّا يعني أنَّه لا بدَّ من واحد منهم في كلِّ زمانٍ، وهذا يقتضي وجود أحدهم في فترة ما بعد رحيل الحسن العسكري (عليه السلام) إلى زماننا، وليس هو إلَّا الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه).
هذه هي جهة التأييد، أمَّا لماذا لم نقل: إنَّه دليل؟ لأنَّ وساطة الفيض لا تقتضي أنْ تكون واسطة الفيض في هذه النشأة، فالنبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) واسطة في الفيض قبل مجيئه إلى هذه النشأة، فلقد تشرَّف عالم الإمكان بوجوده قبل أنْ تشرق الأرض بولادته.
الثاني: قاعدة اللطف:
ممَّا استند إليه في إثبات ضرورة بعثة الأنبياء (عليهم السلام) وضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ قاعدة اللطف. ولنُلخِّص ما ذكره في (عقائد الإماميَّة)(١٦٤) في مبحث النبوَّة في نقاط:
١ - إنَّ الإنسان مخلوق غريب الأطوار، وقد اجتمعت فيه نوازع الفساد من جهة وبواعث الخير والصلاح من جهة أُخرى، تُحرِّكه العواطف والغرائز ويُرشِده العقل والضمير.
٢ - لا يزال الخصام الداخلي في النفس الإنسانيَّة مستمرًّا بين العاطفة والعقل، وأشدّ هذين المتخاصمين أثراً على النفس العاطفة وجنودها، ﴿وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (يوسف: ١٠٣).
٣ - لقصور الإنسان ومحدوديَّة اطِّلاعه لا يستطيع أنْ يعرف كلَّ ما يضرُّه وينفعه، سواء على المستوى الشخصي أو النوعي، ولأجل أنْ يبلغ مراتب السعادة يحتاج إلى من يُحدِّد له معالم الطريق.
٤ - لأجل ذلك وجب على الله بمقتضى لطفه أنْ يبعث رسولاً ﴿مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: ٢).
واللطف يقتضيه كمال الله المطلق عندما يوجد القابل المستعدُّ.
وأضاف في مبحث الإمامة(١٦٥) ما ملخَّصه:
إنَّ الإمامة لطف كالنبوَّة، فلا بدَّ أنْ يكون في كلِّ عصر إمام هادي يخلف النبيَّ في وظائفه من الهداية والإرشاد إلى ما فيه الصلاح.
فالدليل الذي يوجب إرسال الرُّسُل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد النبيِّ. وعليه لا يجوز أنْ يخلو عصر من العصور من إمام مفروض.
ويمكن أنْ تُستفاد الإشارة إلى قاعدة اللطف وتطبيقها في هذا الخصوص من رواية يونس بن يعقوب، فقد روى الكليني (رحمه الله) عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عمَّن ذكره، عن يونس بن يعقوب، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فورد عليه رجل من أهل الشام، فقال: إنّي رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «كلامك من كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو من عندك؟».
فقال: من كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ومن عندي.
فقال أبو عبد الله: «فأنت إذاً شريك رسول الله؟».
قال: لا.
قال: «فسمعت الوحي عن الله (عزَّ وجلَّ) يُخبرك؟».
قال: لا.
قال: «فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟».
قال: لا.
فالتفت أبو عبد الله (عليه السلام) إليَّ فقال: «يا يونس بن يعقوب، هذا قد خصم نفسه قبل أنْ يتكلَّم»، ثمّ قال: «يا يونس، لو كنت تُحسِن الكلام كلَّمته».
قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جُعلت فداك، إنّي سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «إنَّما قلت: فويل لهم إنْ تركوا ما أقول وذهبوا إلى ما يريدون»، ثمّ قال لي: اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلِّمين فأدخله».
قال: فأدخلت حمران بن أعين وكان يُحسِن الكلام، وأدخلت الأحول وكان يُحسِن الكلام، وأدخلت هشام بن سالم وكان يُحسِن الكلام، وأدخلت قيس بن الماصر وكان عندي أحسنهم كلاماً، وكان قد تعلَّم الكلام من عليِّ بن الحسين (عليهما السلام)، فلمَّا استقرَّ بنا المجلس - وكان أبو عبد الله (عليه السلام) قبل الحجِّ يستقرُّ أيّاماً في جبل في طرف الحرم في فازة له مضروبة -.
قال: فأخرج أبو عبد الله رأسه من فازته، فإذا هو ببعير يخبُّ، فقال: «هشام وربِّ الكعبة».
قال: فظننَّا أنَّ هشاماً رجل من ولد عقيل كان شديد المحبَّة له.
قال: فورد هشام بن الحَكَم، وهو أوَّل ما اختطَّت لحيته، وليس فينا إلَّا من هو أكبر سنًّا منه.
قال: فوسَّع له أبو عبد الله (عليه السلام)، وقال: «ناصرنا بقلبه ولسانه ويده»، ثمّ قال: «يا حمران، كلِّم الرجل»، فكلَّمه، فظهر عليه حمران.
ثمّ قال: «يا طاقي، كلِّمه»، فكلَّمه، فظهر عليه الأحول.
ثمّ قال: «يا هشام بن سالم، كلِّمه»، فتعارفا.
ثمّ قال أبو عبد الله (عليه السلام) لقيس الماصر: «كلِّمه»، فكلَّمه، فأقبل أبو عبد الله (عليه السلام) يضحك من كلامهما ممَّا قد أصاب الشامي.
فقال للشامي: «كلِّم هذا الغلام - يعني هشام بن الحَكَم -».
فقال: نعم، فقال لهشام: يا غلام، سَلْني في إمامة هذا.
فغضب هشام حتَّى ارتعد، ثمّ قال للشامي: يا هذا، أربُّك أنظر لخلقه أم خلقه لأنفسهم؟
فقال الشامي: بل ربّي أنظر لخلقه.
قال: ففعل بنظره لهم ماذا؟
قال: أقام لهم حجَّةً ودليلاً كيلا يتشتَّتوا أو يختلفوا، يتألَّفهم ويُقيم أودهم ويُخبرهم بفرض ربِّهم.
قال: فمن هو؟
قال: رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
قال هشام: فبعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)؟
قال: الكتاب والسُّنَّة.
قال هشام: فهل نفعنا اليوم الكتاب والسُّنَّة في رفع الاختلاف عنّا؟
قال الشامي: نعم.
قال: فلِمَ اختلفنا أنا وأنت وصرت إلينا من الشام في مخالفتنا إيّاك؟
قال: فسكت الشامي، فقال أبو عبد الله (عليه السلام) للشامي: «ما لك لا تتكلَّم؟».
قال الشامي: إنْ قلتُ: لم نختلف كذبت، وإنْ قلتُ: إنَّ الكتاب والسُّنَّة يرفعان عنّا الاختلاف أبطلت؛ لأنَّهما يحتملان الوجوه، وإنْ قلتُ: قد اختلفنا وكلُّ واحدٍ منّا يدَّعي الحقَّ، فلم ينفعنا إذن الكتاب والسُّنَّة، إلَّا أنَّ لي عليه هذه الحجَّة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «سَلْه تجده مليًّا».
فقال الشامي: يا هذا، من أنظر للخلق أربُّهم أو أنفسهم؟
فقال هشام: ربُّهم أنظر لهم منهم لأنفسهم.
فقال الشامي: فهل أقام من يجمع لهم كلمتهم ويُقيم أودهم ويُخبرهم بحقِّهم من باطلهم؟
قال هشام: في وقت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الساعة؟
قال الشامي: في وقت رسول الله، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والساعة من؟
فقال هشام: هذا القاعد الذي تُشَدُّ إليه الرحال، ويُخبرنا بأخبار السماء [والأرض] وراثةً عن أبٍ عن جدٍّ.
قال الشامي: فكيف لي أنْ أعلم ذلك؟
قال هشام: سَلْه عمَّا بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري، فعليَّ السؤال.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا شامي، أُخبرك كيف كان سفرك؟ وكيف كان طريقك؟ كان كذا وكذا»، فأقبل الشامي يقول: صدقت، أسلمت لله الساعة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «بل آمنت بالله الساعة، إنَّ الإسلام قبل الإيمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون».
فقال الشامي: صدقت... الخبر(١٦٦).
وإنَّما لم نقل بتماميَّة الاستدلال بقاعدة اللطف للإشكال في اقتضاء اللطف ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ؛ لأنَّه منقوض عليها بأجيال خلت من النذير ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (يس: ٦)، وأُمَم لم يُبعَث فيها نبيٌّ ولا يوجد فيهم إمام لقرون متمادية كالأمريكتين وأُستراليا منذ بعثة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى زمان وصول الحضارة لهم.
الثالث: الرحمة الإلهيَّة:
وتوجيهه أنَّ الكمال المطلق ثابت لله تبارك وتعالى، وكذا رحيميَّته المطلقة، وعلمه تعالى بنظام الخير قد اقتضى أنْ يخلق له شعراً على الحاجب وشعراً على الأشفار، كما اقتضى أنْ يُقعِر أخمس القدم، وغير ذلك.
فهل اقتضت عنايته تعالى تلك المنافع ولم تقتضِ وجود الأنبياء والرُّسُل والأئمَّة (عليهم السلام) لتعليم الناس ما يُصلِحهم ويضرُّهم وسوقهم نحو سعادتهم في الدنيا والآخرة؟
إنَّ مقتضى كماله المطلق ورحمته المطلقة وعلمه وقابليَّة المحلِّ مع عدم وجود المانع هو الإفاضة، وإلَّا لزم الخلف في إطلاق رحمته وكماله، فلا بدَّ في كلِّ زمانٍ من وجود إمام يكون إنساناً كاملاً هادياً للناس مقيماً للعدل والقسط، رافعاً للظلم والعدوان، مجسِّداً للشريعة بسلوكه، حافظاً لدين الله، رافعاً للشبهة والاختلاف، وهذا ما استدلَّ به الحكماء.
وغير خفيٍّ أنَّ المراد هو الحجَّة لا الإمام، لكن لعدم وجود من يكون الحجَّة المجسِّد للشريعة بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) سوى الأئمَّة (عليهم السلام) التزمنا بأنَّ المراد ولو من جهة تطبيق الحجَّة هو الإمام (عليه السلام)، وبعد رحيل الإمام العسكري (عليه السلام) هو الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه).
ولا مشكلة في هذا الوجه في حدود التأييد، ويكفي في عدم الدلالة الدخل الذي أوردناه على قاعدة اللطف، فلا حاجة للإطالة والتكرار.
الرابع: قياس الأولويَّة:
ممَّا ذُكِرَ في الروايات كوجه عقلي لإثبات ضرورة وجود الإمام في كلِّ زمانٍ قياس الأولويَّة.
فقد روى الكليني (رحمه الله) عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن إبراهيم، عن يونس بن يعقوب، قال: كان عند أبي عبد الله (عليه السلام) جماعة من أصحابه منهم: حمران بن أعين، ومحمّد بن النعمان، وهشام بن سالم، والطيّار، وجماعة فيهم هشام بن الحَكَم، وهو شابٌّ، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا هشام، ألَا تُخبرني كيف صنعت بعمرو بن عبيد وكيف سألته؟».
فقال هشام: يا بن رسول الله، إنّي أُجِلُّك وأستحييك ولا يعمل لساني بين يديك.
فقال أبو عبد الله: «إذا أمرتكم بشيء فافعلوا».
قال هشام: بلغني ما كان فيه عمرو بن عبيد وجلوسه في مسجد البصرة، فعظم ذلك عليَّ، فخرجت إليه، ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتيت مسجد البصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عمرو بن عبيد وعليه شملة سوداء متَّزر بها من صوف، وشملة مرتد بها والناس يسألونه، فاستفرجت الناس فأفرجوا لي، ثمّ قعدت في آخر القوم على ركبتيَّ، ثمّ قلت: أيُّها العالم، إنّي رجل غريب تأذن لي في مسألة؟
فقال لي: نعم.
فقلت له: ألك عين؟
فقال: يا بنيَّ، أيّ شيء هذا من السؤال؟ وشيء تراه كيف تسأل عنه؟
فقلت: هكذا مسألتي.
فقال: يا بنيَّ، سَلْ وإنْ كانت مسألتك حمقاء.
قلت: أجبني فيه.
قال لي: سَلْ.
قلت: ألك عين؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع بها؟
قال: أرى بها الألوان والأشخاص.
قلت: فلك أنف؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أشمُّ به الرائحة.
قلت: ألك فم؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أذوق به الطعم.
قلت: فلك أُذُن؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع بها؟
قال: أسمع بها الصوت.
قلت: ألك قلب؟
قال: نعم.
قلت: فما تصنع به؟
قال: أُميِّز به كلَّما ورد على هذه الجوارح والحواسِّ.
قلت: أوَليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟
فقال: لا.
قلت: وكيف ذلك وهي صحيحة سليمة؟
قال: يا بنيَّ، إنَّ الجوارح إذا شكَّت في شيء شمَّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردَّته إلى القلب، فيستيقن اليقين ويُبطِل الشكَّ.
قال هشام: فقلت له: فإنَّما أقام الله القلب لشكِّ الجوارح؟
قال: نعم.
قلت: لا بدَّ من القلب وإلَّا لم تستيقن الجوارح؟
قال: نعم.
فقلت له: يا أبا مروان، فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتَّى جعل لها إماماً يُصحِّح لها الصحيح ويتيقَّن به ما شكَّ فيه، ويترك هذا الخلق كلَّهم في حيرتهم وشكِّهم واختلافهم، لا يقيم لهم إماماً يردُّون إليه شكَّهم وحيرتهم، ويقيم لك إماماً لجوارحك تردُّ إليه حيرتك وشكِّك؟!
قال: فسكت ولم يقل لي شيئاً.
ثمّ التفت إليَّ، فقال لي: أنت هشام بن الحَكَم؟
فقلت: لا.
قال: أمن جلسائه؟
قلت: لا.
قال: فمن أين أنت؟
قال: قلت: من أهل الكوفة.
قال: فأنت إذاً هو، ثمّ ضمَّني إليه، وأقعدني في مجلسه، وزال عن مجلسه، وما نطق حتَّى قمت.
قال: فضحك أبو عبد الله (عليه السلام)، وقال: «يا هشام، من علَّمك هذا؟».
قلت: شيء أخذته منك وألَّفته.
فقال: «هذا والله مكتوب في صُحُف إبراهيم وموسى»(١٦٧).
وقياس الأولويَّة هنا أنَّه لمَّا كانت الناس على كثرتها قد تقع في الشكِّ فهي في حاجة إلى من يرفع شكَّها، فإذا كانت حاجة الحواسِّ للذي يرفع شكَّها عند حصوله استدعت أنْ يخلق الله معها ما ترجع إليه لدفع الشكِّ ومعرفة الحقِّ ورفع الحيرة والتردُّد، فالخلق أولى بأنْ يجعل لهم إماماً.
وإنَّما لم يُجعَل دليلاً لأنَّ الحواسَّ ليست إلَّا أدوات للإدراك، والنفس هي المدرِك، فالحواسُّ لا إدراك فيها ليقع الشكُّ فيها لترجع بعدها إلى حجَّة.
نعم، ما ذُكِرَ يصلح للاحتجاج خطابيًّا لا بشكل علمي يصحُّ الاستناد إليه لإثبات المطالب الاعتقاديَّة.
الخامس: خاتميَّة الرسالة تقتضي ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ:
قد يقال: إنَّ بالإمكان إثبات ضرورة وجود الإمام الحافظ للشريعة والحامل لأتباعها على المحجَّة البيضاء في كلِّ زمانٍ بملاحظة أمرين:
الأوَّل: أنَّ شريعة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هي الشريعة الخاتمة، وهذا ما لا شكَّ فيه، ويشير إليه بشكل لا غبار عليه، قوله تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (الأحزاب: ٤٠).
الثاني: عمومية الرسالة لكلِّ الأُمم وأتباع الديانات السابقة، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ: ٢٨)، وقوله تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان: ١).
ولمَّا سُدَّ باب النبوَّة وشُرِّعت الشريعة الخاتمة كان لا بدَّ من عناية خاصَّة تضمن بقاءها وإبعادها عن التحريف ما أمكن وإبقاء الشاهد على سماويَّة هذه الدعوة والبرهان القاطع على ذلك، فوفَّرت الإرادة الإلهيَّة شاهد الحقِّ والمتمثِّل بالقرآن الكريم الذي اختلف عن كلِّ المعجزات بأنَّه شاهد في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، فشهادته على صدق النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قوله: إنَّه رسول من الله تعالى لم تُحدَّد في ظرف خاصٍّ، والعناية الإلهيَّة لخصوصيَّة أنَّه معجزة النبيِّ الخاتم حفظته من يد التلاعب والتحريف، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩).
وجزئيّات الشريعة ومفرداتها التطبيقيَّة لا بدَّ أنْ تكون في عهدة جهة معصومة عن الزلل والخطأ، ممَّا يعني ضرورة وجود الحجَّة في كلِّ زمانٍ، فضياع الشرائع السابقة وتحريفها ليس في الأثر السلبي بمستوى حصول ذلك في الشريعة الإسلاميَّة، لا في طول المدَّة ولا في العموميَّة لكلِّ الناس(١٦٨) ولا في عدد من يفترض أنْ يتَّبعها.
لكن ذلك لا يخرج عن كونه مؤيِّداً كالوجوه السابقة؛ لأنَّه مدخول بما ليس هذا محلُّ التعرُّض له.
تراكم الاحتمال لا يجري في الوجوه العقليَّة:
إنَّ ضمَّ الاستدلالات العقليَّة غير القطعيَّة إلى بعضها لا تجري فيه قاعدة تراكم الاحتمال، فلو كان عندي دليلان عقليّان مثلاً على ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ، ولم تكن بعض مقدّماتهما قطعيَّة، بل كانت ظنّيَّة، فنتيجة كلِّ دليل منهما الظنُّ الذي بمستوى الظنِّ بصحَّة تلك المقدّمة - هذا إذا كانت بقيَّة المقدّمات قطعيَّة -، فلو كان عندي دليل عقلي فيه خمس مقدّمات أربع منها قطعيَّة وواحدة ظنّيَّة بمستوى (٨٠%)، فإنَّ حاصل الدليل بمقدّماته الخمس احتمال (٨٠%) لا أكثر، وأمَّا لو كان الاحتمال في كلٍّ من اثنتين منها (٨٠%) مع قطعيَّة المقدّمات الثلاث الأُخرى فإنَّ حاصل الدليل بمقدّماته الخمس (٦٤%).
فلو كان عندي دليلان عقليّان، بل أربعة أدلَّة عقليَّة كشف كلٍّ منها بمستوى (٨٠%) مثلاً، فإنَّ تعدُّد هذه الأدلَّة لا يجعل الكشف أكثر من الكشف في أحدها فقط أي (٨٠%)، ولا يحصل تراكم الاحتمال.
ولنُقرِّب ذلك بمثال حسّي أوَّلاً: لو كان لبيت جدار من أربع جهات، وأطللت عليه أربع مرّات كلَّ مرَّة من جهة من جهاته الأربع تريد أنْ تعرف أنَّ زيداً في الدار أو لا، ومن كلِّ إطلالة منها احتملت لمعطيات أنَّه موجود في الدار باحتمال (٧٠%)، فلا فرق بين أنْ تطل مرَّة واحدة أو عشر مرّات. ولو جرت عمليَّة تراكم الاحتمال لكان الحاصل من أربع إطلالات الاحتمال المقابل لضرب (٣٠%) في نفسه أربع مرّات، وهو (٨١ من عشرة آلاف)، والاحتمال المقابل لذلك هو (٩٩.٩٩%) والوجدان حاكم بأنَّ حاصل مجموع هذه الإطلالات الأربع لا يصل إلى ذلك المستوى.
ونفس الكلام يجري إذا أطلَّ أربعة أفراد كلٌّ من جهة فأخبروا جميعاً بأنَّ احتمال وجود زيد في الدار (٨٠%)، فنتيجة هذه الإخبارات بتعدُّدها يبقى بمستوى (٨٠%) عند المخبرين أمَّا عند غيرهم فالاحتمال أقلّ بحسب العادة. وكيف كان فتعدُّد الإخبارات لا يجعل الاحتمال عند السامع أكثر من أعلاها، فلو أخبر ألف رجل ثقة بأنَّ احتمال وجود زيد في الدار بمستوى (٨٠%) فالحاصل عند السامع ليس احتمالاً قابلاً لأنْ يتجاوز (٨٠%) إذا كان مستنداً في كشفه إلى إخباراتهم فقط، والبحث فيه تفاصيل لا تناسب هذا المقام.
والأدلَّة العقليَّة بمثابة إطلالات على الواقع من جهات مختلفة ومقاربات للحقيقة من نواحي متعدِّدة، وتعدُّد المقاربات لا يضيف قيمة احتماليَّة لأيّ منها أو لما يُستفاد من إحداها.
ضمُّ الوجه العقلي إلى الوجه النقلي لا يُقوّي احتماله:
إنَّ الاستدلال العقلي إمَّا أنْ يتمَّ - ولا ينفع في المجال الشرعي إلَّا إذا كان قطعيًّا(١٦٩) - أو لا يتمُّ. فإذا لم يكن قطعيًّا كان احتماليًّا بالمعنى الأعمّ من الظنِّ والوهم والشكِّ المنطقيّات. وهل ينفع الوجه العقلي الاحتمالي في تراكم الاحتمال إذا ضُمَّت إليه قرائن احتمالية أُخرى غير عقليَّة؟
فلو فرضنا وجود احتمال كمعطى عقلي بمستوى (٩٠%)، ثمّ أخبرني الثقة والذي نسبة المطابقة في خبره بمستوى (٩٠%) مثلاً، فهل نتعاطى في المورد كما نتعاطى مع خبرين في عرض بعضهما ونسبة الإصابة والصدق في كلٍّ منهما (٩٠%) أو لا؟
لو كان عندنا خبران بمستوى الكشف المزبور فإنَّ حاصل احتمال المطابقة من ضميمة أحدها إلى الآخر هو ما قابل حاصل ضرب (١٠%) المقابل لـ(٩٠%) في (١٠%) المقابلة في الخبر الآخر أي ما قابل (١%) وهو (٩٩%).
ومعلوم أنَّ ضمَّ القرينة العقليَّة المفروضة في السطور السابقة إلى خبر نسبة صدقه (٩٠%) لا يُولِّد احتمال مطابقة بنسبة (٩٩%) والمسألة وجدانيَّة.
ثمّ إنَّ الاستدلال العقلي يُسقِط حتَّى مستوى الكشف الاحتمالي إذا وُجِدَ نقض عليه، فيكون وجوده كالعدم، فالعقل إنَّما يُدرِك الكلّيات، فإذا عثرنا على نقض على تلك الكلّيَّة المزعومة تبيَّن أنَّه لا وجود لتلك الكلّيَّة العقليَّة، لا أنَّ القطع بها هو الذي ينتفي فيبقى الظنُّ أو الاحتمال، بل سيجزم بعدم صحَّتها.
نعم يبقى احتمال وجود المجزم به بواسطتها، لكن ليس على أساس أنَّه مستفاد من هذه القاعدة العقليَّة التي ثبت بطلانها.
الإخبارات التي تقوّي بعضها هي المخبر بها بنحو الجزم:
إنَّ الإخبارات المتعدِّدة في عرض بعضها إنَّما تدعم بعضها البعض ويجعل المورد من موارد قاعدة تراكم الاحتمال إذا كان المخبر يُخبر بنحو البتِّ والجزم واعتماداً على الحسِّ، أمَّا إذا جاءك خمسة أشخاص أخبروك بحدوث قضيَّة معيَّنة ولكن ذلك كان بنحو الاحتمال أو حتَّى الظنَّ لا الجزم، فقال الأوَّل: أحتمل بنسبة (٧٠%) أنَّه قد حصل الأمر الكذائي، ثمّ جاءك الثاني فأخبرك بخبر مماثل، وهكذا إلى الخامس، فإنَّ ضمَّ الإخبارات إلى بعضها لا يزيد عن (٧٠%)، بل ربَّما ينقص إذا كانت النسبة في صدقهم - أنَّهم (٧٠%) - بمستوى (٥٠%).
والمسألة غاية في الدقَّة حتَّى مع الأمثلة المقرِّبة.
وهناك تفاصيل أُخرى لا تتناسب مع موضوعنا لتُبحَث فيه، رأينا أنَّ المناسب التجاوز عن التعرُّض لها، كما لو فرضنا أنَّ المخبرين اعتمدوا على دليل عقلي لا على الحسِّ، وكما لو أخبر عن حسٍّ عن إدراك عقلي.
بقي شيء وهو أنَّ المدرك الحسّي لا يكون إلَّا قطعيًّا عند مدركه، ولو لم يكن قطعيًّا فإنَّ ذلك سيكون من جانب غير حسّي، فلو رأيت رجلاً من بعيد ولم تعرف ملامحه وظننت أنَّه زيد باحتمال (٧٥%)، فإنَّ إدراكك الحسّي قطعي، وهو وجود الرجل، والتطبيق على زيد لم يكن حسّيًّا، ومن هنا أمكن أنْ لا يكون قطعيًّا.
ضعف دلالة آية لا ينعكس ضعفاً على دلالة الرواية المرتبطة بها:
إنَّ كلَّ آية من الآيات التي قيل: إنَّ فيها دلالة بنحو ما على المطلب المذكور وإنْ لم نقبل بها كدليلٍ مستقلٍّ، لكنَّها إنْ لم تكن ظاهرة فيه فلا أقلَّ من احتمال إرادته منها كمدلول مطابقي أو حتَّى التزامي لها، فهي كاشفة عنه بمستوى معيَّن من الكشف لا يصل إلى مستوى الظهور (الظنِّ).
خذ لذلك مثلاً قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ﴾ (الإسراء: ٧١)، فلفظة ﴿كُلَّ﴾ ظاهر في التعميم، فاحتمال إرادة العموم الحقيقي لكلِّ جيل من البشر ربَّما كان بمستوى (٧٠%) أو أكثر حتَّى، ولم نقل: (١٠٠%) لأنَّ لفظة ﴿كُلَّ﴾ ليست نصًّا في التعميم، فلذا إذا جاء دليل مخصِّص يُخرج طائفة من الأُمَم أو الأجيال لم يكن منافياً ومعارضاً بالتعارض المستقرِّ للفظ ﴿كُلَّ﴾ في الآية.
ولفظة ﴿إِمامِهِمْ﴾ يُحتَمل فيها الإمام الأعمّ من إمام الحقِّ أو الباطل، لكن احتمال إمام الحقِّ عالٍ على الاحتمال الآخر، فإمام الباطل قد يقال: إنَّه ليس إماماً في نظر المتكلِّم وهو الله تعالى، بل هو إمام وفق نظرهم، ولنفرض أنَّ كاشفيَّة لفظة إمامهم عن إمام الحقِّ كان بمستوى (٦٠%).
والإمام المعنيُّ يحتمل أنْ يُراد به الإمام الذي يكون بين ظهرانيِّهم ومزامناً لهم، ويحتمل أنْ يُراد به ما كان إماماً لهم واقعاً أو وفق زعمهم ولو لم يكن مزامناً لهم، كما نقول: إمامنا عليٌّ (عليه السلام) مع أنَّه لم يُحْيَ في زماننا، ولنفرض أنَّ احتمال إرادة الإمام الذي بين ظهرانيِّهم كان بمستوى (٥٠%).
وهذا يُؤدّي بنا إلى أنَّ كاشفيَّة الآية عن ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ سيكون حاصل تماميَّة هذه الدلالات الثلاث معاً، وهو وفق قاعدة حساب الاحتمال عبارة عن حاصل ضرب الكاشفيّات الثلاثة (٧٠%) × (٦٠%) × (٥٠%)، والذي يساوي (٢١%) وربَّما أقلّ.
إذن فاحتمال إرادة المعنى المطلوب كان بمستوى ضعيف يمنع من الاستناد إلى هذه الآية كدليلٍ مستقلٍّ لإثبات ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ.
ثمّ ننتقل إلى الآية الثانية والثالثة والرابعة وجميع الآيات ليس فيها مضعِّف احتمالي من جهة الصدور، بل مضعِّفها الاحتمالي مقتصر على الدلالة؛ لأنَّ صدورها قطعي كشأن كلِّ آيات الكتاب الكريم.
ويكفينا لإثبات المطلب الجزم بإرادة المعنى المبحوث عنه في المقام أو الدلالة عليه ولو بالالتزام بواسطة آية واحدة لا على التعيين، أي نعلم إجمالاً بأنَّ هذا المعنى تكشف عنه آية ما من مجموع هذه الآيات وإنْ لم نجزم بواحدة بخصوصها.
والطريق إلى ذلك ضمُّ هذه القرائن الاحتماليَّة إلى بعضها، فإنْ أوصلتنا إلى الجزم بالمعنى المقصود ثبت المطلوب بهذا العلم الإجمالي بلحاظ الآية، والتفصيلي بلحاظ نوع الدلالة القرآنيَّة.
فإذا كان عندنا عشر آيات كاشفيَّة كلٍّ منها عن هذا المعنى بمستوى (٢٠%)، فنوع الدلالة القرآنيَّة على ذلك تكون بمستوى الاحتمال المقابل لحاصل ضرب الاحتمالات المخالفة لكلِّ الآيات في بعضها، أي ما قابل احتمال ضرب (٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠×٨٠) وهو بمستوى (١٠.٧٣٧٤%) تقريباً، وما قابله (٨٩.٢%) تقريباً.
وبنفس الطريقة تجري الحسابات إذا كانت الاحتمالات مختلفة عمَّا سبق، فلو كان الكشف الاحتمالي في الآيات جميعاً بمستوى (٣٠%) لكان كشف المجموع من عشر آيات ما قابل ضرب الاحتمال المقابل فيها وهو (٧٠%) في نفسه بعدد الآيات وليكن عددها عشراً وحاصل الضرب هذا هو (٢.٨%) تقريباً، فيكون احتمال الموافقة في أحدها غير المعيَّن بمستوى (٩٧.٢%) تقريباً، وهو احتمال كبير جدًّا.
أمَّا لو كان مستوى الكشف الموافق مختلفاً في الأدلَّة أو بتعبير أدقّ لم يكن الكشف الموافق متساوياً في كلِّ الآيات، فإنّا لا نرجع إلى المعدل الكشفي ثمّ نجري عليه العمليَّة السابقة، بل لا بدَّ من ضرب احتمال المخالفة في كلِّ دليل باحتمال المخالفة في الثاني ثمّ الثالث وهكذا حتَّى نصل إلى النتيجة النهائيَّة، ثمّ نأخذ مخالفها وهو احتمال الموافقة في المجموع كما فعلنا في المثالين السابقين.
وإنَّما منعنا من أخذ المعدَّل الكشفي لاختلاف نتيجته عن نتيجة ملاحظة كلِّ احتمال، فضرب (٥×٥×٣×٣) لا يساوي حاصل ضرب (٤×٤×٤×٤)؛ إذ ناتج الأوَّل هو (٢٢٥) وناتج الثاني (٢٥٦)، مع أنَّ معدَّل (٥ و٥ و٣ و٣) هو (٤).
وإذا أردنا مثالاً مختصراً فحاصل ضرب (٥×٣) وهو (١٥) لا يساوي حاصل ضرب المعدَّل بنفسه وهو (٤×٤)؛ لأنَّه يساوي (١٦).
ومن هنا لم يجز الاعتماد على المعدَّل مضروباً في نفسه بعدد المرّات.
فضرب المعدَّل في نفسه مكرَّراً أكثر دائماً من ضرب الأعداد المتفاوتة والتي كان معدَّلاً لها، ولنحصر كلامنا في رقمين، ومن خلال الحديث عنهما يتبيَّن وجه الفرق لو كان عندنا أعداد متعدِّدة، والقاعدة أنَّ الفرق بين أحد العددين والمعدَّل إنْ كان واحداً أو اثنين أو ثلاثة...، فإنَّ الفرق بين ضرب العددين وضرب المعدَّل في نفسه مرَّة يساوي الفرق مربَّعاً أي مضروباً في نفسه، فضرب (٢٠×٢٠=٤٠٠)، والعشرون معدَّل لـ(١٩ و٢١) ولـ(١٨ و٢٢) ولـ(١٧ و٢٣) ولـ(١٦ و٢٤) ولـ(١٥ و٢٥) وهكذا.
وحاصل ضرب (١٩×٢١) هو (٣٩٩)، وفرقه عن ضرب المعدَّل (٢٠) في نفسه هو (١)، والواحد هو التفاوت بين (١٩ و٢٠)، وهو مقدار التفاوت بين (٢١ و٢٠).
وحاصل ضرب (١٨×٢٢) هو (٣٩٦)، وفرقه عن الـ(٤٠٠) هو (٤) التي هي حاصل ضرب (٢×٢)، واثنان هي التفاوت بين (١٨ و٢٠) أو بين (٢٢ و٢٠).
وحاصل ضرب (١٧×٢٣) هو (٣٩١)، وهو أقلّ من الـ(٤٠٠) بـ(٣) × نفسها أي تسعة.
وحاصل ضرب (١٦×٢٤) هو (٣٨٤)، وهو أقلّ من الـ(٤٠٠) بـ(٤) × نفسها أي (١٦).
وحاصل ضرب (١٥×٢٥) هو (٣٧٥)، وهو أقلّ من الـ(٤٠٠) بـ(٥×٥) أي (٢٥) وهكذا، هذه هي القاعدة.
أمَّا برهانها والدليل عليها، فهو:
إذا فرضنا أنَّ المعدل بين العددين هو (س)، فحاصل ضرب المعدَّل في نفسه هو (س٢)، وإذا فرضنا أنَّ الفرق بين العدد والمعدَّل هو (أ)، فالعددان اللذان يُراد ضربهما ببعضهما لا بدَّ أن يكونا (س - أ) و(س + أ)، وحاصل ضربهما هو (س٢ + أس - أس - أ٢)، وهو يساوي (س٢ - أ٢).
وهذا يعني أنَّ حاصل ضرب العددين في بعضهما أقلّ دائماً من حاصل ضرب معدَّلهما في نفسه بالفارق بين العدد والمعدَّل مضروباً في نفسه، والمثال المتقدِّم يكفي للتوضيح.
ولا تجري هذه القاعدة فيما إذا كانت الأعداد ثلاثة أو أكثر، وكلَّما كانت الأعداد أكثر ازداد الاختلاف بين ضربها جميعاً ببعضها وضرب المعدَّل في نفسه مكرَّراً بعددها، لكنَّها لا تخرج عن كون حاصل ضربها جميعاً أقلّ من حاصل ضرب معدَّلها في نفسه مكرَّراً بعددها.
وهنا لا ينفع مجرَّد هذا الاحتمال حتَّى في ما يقبل التعبُّد كالفروع في الفقه وكتفاصيل الاعتقاد على نظر مشهور، بل لا بدَّ من القطع، فالقطع حجَّة في كلِّ موارده والظنُّ ليس حجَّة إلَّا فيما دلَّ الدليل على حجّيَّته وكان المورد قابلاً للتعبُّد بالظنِّ فيه، وضمُّ القرائن الاحتماليَّة لا دليل على الحجّيَّة التعبُّديَّة فيه، والمفروض انتفاء الحجّيَّة الذاتيَّة؛ لأنَّه ليس قطعاً. إلَّا أنَّ ذلك لا يعني سقوطه عن الانتفاع؛ إذ يمكن أنْ ينفعنا كقرينة احتماليَّة قويَّة تدعم القرائن الأُخرى التي تأتي من الروايات. ولا شكَّ أنَّها تُقرِّب حصول القطع أو ما يقرب منه جدًّا جدًّا بالأقلّ، والذي لا يُعتنى بمخالفه أو لا يُلتَفت إليه لشدَّة ضعفه.
إنَّ استعمال نظريَّة تراكم الاحتمال والتي مفرداتها دلالات لفظيَّة وكاشفيَّة الدليل اللفظي ليس بالأمر السهل، وليس تحقيق جزئيّاتها ومستوى الدلالات فيها بالممكن على مستوى الدقَّة التي تحتاجها العمليَّة الرياضيَّة، والسبب أنَّ وجود احتمال إرادة معنى من المعاني من لفظ من الألفاظ يُمثِّل هذا الاحتمال حالة وجدانيَّة عند من يعرف علاقات الألفاظ بالمعاني ومساحة استعمالها فيها، ومثل هذه الحالة لا يمكن للنفس أنْ تراها بدقَّة وفق الكشف، فلا يمكن لنا بسهولة أنْ نقول: إنَّ احتمال إرادة هذا المعنى من اللفظ الكذائي في المورد الكذائي هو (١٠%) أو (٢٠%) على وجه الدقَّة، فذلك أمر لم تتوفَّر مقدّماته للنفس، ولن تتوفَّر بالمستوى الذي يُحدِّد الاحتمال بالدقَّة، وكلُّ الذي يقدر عليه حتَّى المتضلِّع في اللغة أنْ يأتي باحتمال تقريبي لا دقّي.
وهذا جارٍ في كلِّ العمليّات الاستظهاريَّة، كظهور الحال، وكثير من التحليلات السياسيَّة وتحليل القضايا الاجتماعيَّة، فإنَّها جميعاً يحصل فيها عادةً إدراكات وجدانيَّة ربَّما تكون مستندة إلى مقدّمات ليست قطعيَّة، ولا تكون الكثير منها قابلة للتحديد الدقيق، فتكون النتائج في الكشف تقريبيَّة، ولا أقلَّ من عموم ذلك في الاستظهارات سواء كان موردها دلالات الألفاظ أو الحال.
إلَّا أنَّ ذلك لا يُسقِطها عن الفائدة والاعتبار؛ إذ يمكن للباحث أنْ يأخذ الاحتمال المتيقَّن، فإذا كان تقريباً (٣٠%) فإنَّ المتيقَّن تحقُّق (٢٥%) من الكشف؛ إذ يجزم بأنَّ الاحتمال لا يقلُّ عن (٢٥%)، وذلك لا ينافي عدم جزمه بتوفُّر (٣٠%).
إنَّ كلامنا في تراكم الاحتمال له مجال إذا لم يرد نقض على ذلك الكشف، فمثلاً إذا ورد دليل كشف عن ضرورة وجود إمام أو حجَّة في كلِّ زمانٍ، ثمّ ورد ما يُثبِت عكس ذلك كما في خبر قطعي الصدور قطعي الدلالة، وكان مدلوله خلوّ مرحلة زمانيَّة ما من حجَّة أو نبيٍّ، فإنَّه حينها لا تبقى كاشفيَّة معتدٌّ بها لذلك الدليل على ضرورة وجود إمام في كلِّ زمانٍ، بل تبطل تلك الدلالة وتكون كالعدم، بل حتَّى ولو كانت كاشفيَّته لولا القرينة الخارجيَّة المتمثِّلة بالناقض مثلاً بمستوى الاطمئنان أو بمستوى (٩٩%) مثلاً، ولذا كان في موارد القياس التي يحصل فيها كشف كبير جدًّا لولا القرينة الخارجيَّة تُبيِّن بطلان ذلك الكشف وانتفاؤه إذا أخبر الإمام المعصوم بخلافه.
ومثاله الواضح قضيَّة أبان بن تغلب والإمام الصادق (عليه السلام) في دية قطع ثلاثة من أصابع المرأة المساوية لدية قطع ثلاثة أصابع للرجل، ودية قطع أربعة أصابع للمرأة والتي هي نصف دية قطع أربعة أصابع للرجل، فهي أقلّ من دية قطع ثلاثة أصابع منها.
والقياس الذي استند إليه أبان حتَّى وصف هذا الحكم الذي بلغه بأنَّه قد جاء به شيطان، لكن حين أخبره الإمام (عليه السلام) عن بطلان هذا القياس انتفى الكشف المعتبر به، بل انتفى الكشف مع ملاحظة بيان الإمام (عليه السلام)(١٧٠).
وليس في ذلك خروج عن القاعدة العقليَّة المتمثِّلة بتراكم الاحتمال؛ لأنَّ القرينة الأُخرى المتمثِّلة بالنقض مثلاً قد أسقطت القيمة الاحتماليَّة لهذه المفردة.
نعم، قد يكون دور القرينة المنفصلة إبطال الظهور في جهة معيَّنة أو فرد من الأفراد دون بقيَّة الأفراد، كما لو قال لك شخص: جاء كلُّ الطُّلّاب، وعلمت بأنَّ زيداً منهم لم يأتِ، فإنَّ علمك بذلك أخرج زيداً عن عموم الطُّلّاب، ولم يبطل ظهور كلام ذلك الشخص بالشمول لبقيَّة الطُّلّاب.
وهذا يستدعي ملاحظة ما يمكن أنْ يرد من مناقشة أو نقض على دلالة كلِّ آية، لنرى هل أنَّ ذلك يُبطِل أصل كشفها أو يُضعِّفه أو يُبطِل الكشف بالنسبة لفردٍ خاصٍّ أو حصَّةٍ خاصَّةٍ من الأفراد.
فمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ (فاطر: ٢٤) قد يقال: إنَّ لها ظهوراً في وجود نذير في كلِّ زمنٍ - على بُعد نفس الآية - وإنْ دلَّت عليه الرواية التي رواها الكليني في الكافي(١٧١)، وقد وردت آية أُخرى في سورة يس: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (يس: ٦).
فمثل هذه الآية تُبطِل ظهور الآية الأُولى في الشمول لأجيال من قوم النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ممَّن سبقوه، إلَّا أنَّ ذلك لا ينفي أو يُلغي ظهورها في بقيَّة الأجيال وبقيَّة الأُمَم، فتبقى مثل هذه القرينة المنفصلة المتمثِّلة بالآية التي في سورة يس والتي أتت بنقض على المدلول الذي كانت آية سورة فاطر ظاهرة فيه غير ضارَّة بذلك الظهور، نعم أخرجت فرداً أو حصَّةً خاصَّةً منها، ولا يضرُّ هذا الخروج بقرينيَّة آية سورة فاطر على وجود حجَّة أو نذير في بقيَّة الأُمَم على امتداد الأزمنة المختلفة، والمسألة غاية في الدقَّة.
وما ذكرناه يفتح باباً واسعاً للاستفادة من الأدلَّة الشرعيَّة ولو لم تكن دلالتها تامَّة أو لم تكن لدلالتها حجّيَّة على مطلب من المطالب الاعتقاديَّة. نعم، من الناحية التطبيقيَّة يستلزم ذلك دقَّة كبيرة ومتابعة جزئيَّة مستوعبة إلى حدٍّ بعيد كلِّ التفاصيل فيما ذُكِرَ من الأدلَّة والشواهد والمؤيِّدات لمثل هذا المطلب.
الروايات الواردة في تفسير بعض الآيات قرينة احتماليَّة:
إنَّ من الروايات التي يمكن الاستفادة منها في إثبات ضرورة وجود حجَّة أو إمام في كلِّ زمانٍ، والروايات الواردة في بيان أنَّ المراد من آيات معيَّنة ذلك وهي الآيات التي قيل: إنَّها دالَّة على ذلك، وعدم تماميَّة دلالة الآيات المذكورة على ذلك لا يعني سقوط هذه الروايات عن الاستفادة هنا، فإنَّ دلالة هذه الروايات وتماميَّة تلك الدلالة على ذلك المدَّعى غير متفرِّعة على تماميَّة تلك الآيات في دلالتها.
وهذا يعني أنَّ الإشكال على دلالة الآيات لا ينعكس على دلالة تلك الروايات، فإنَّ هذه الروايات لها دلالتها المستقلَّة وإنْ وردت في تفسير تلك الآيات، فلا يُعتَبر اختلافها في الدلالة عن ما دلَّ عليه ظاهر الآيات مأخذاً على دلالتها، بل قد تكون دالَّة على المعنى المراد من الآية ولو لم تكن الآية ظاهرة فيه، هذا إذا كانت واردة في مقام تفسير الآية، وهذا يعني أنَّ الرواية يمكن أنْ تكون مؤثِّرة في توجيه دلالة الآيَّة ولو على خلاف ظاهرها. فكيف تكون دلالتها متفرِّعة على تمامية دلالة الآية على ذلك المعنى؟ وظهور الآيات إنَّما يكون مرجعاً في تحديد المعنى المراد منها إذا لم ترد قرينة على الخلاف تمنع من التمسُّك بذلك الظهور، كالقرينة العقليَّة والرواية الصادرة من المعصومين (عليهم السلام).
ومثال القرينة العقليَّة ما ثبت بواسطة العقل أنَّ الله تعالى ليس له جسم وأعضاء، فهي مانعة من الالتزام بظاهر قوله تعالى:
﴿يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: ١٠).
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ (القلم: ٤٢).
﴿وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ﴾ (الرحمن: ٢٧).
وهي الظاهرة في أنَّ له يداً ورجلاً ووجهاً.
وبعد هذا أترى مناسباً للإنصاف أنْ يُشكِّك منتحل بهذا المذهب في حصول التواتر على ولادته (عجَّل الله فرجه) ولو على بعض المباني؟ ما لكم كيف تحكمون؟!
ثبَّتنا الله بالقول الثابت في الدنيا والآخرة، إنَّه خير ناصر ومعين.

* * *
(٣) التوقيعات المهدويَّة وإشكاليَّة عدم الصدور

مقدّمة:
إنَّ طلب المعرفة في النوع البشري شيء جبلّي ما دام له عقل يُفكِّر به وله حواسٌّ تُزوِّده بموادٍّ خامٍّ لهذا المصنع لينتج منها معلومات جديدة، هذا هو ديدن البشر، عطشه للمعرفة لا ترويه رشفة معلومات ولا قدح معرفة ولا نهر اطِّلاع، وسعته أشبه باللانهائيّات، فهو والاستزادة في العلم كعاشق لا تُقنِعه ساعة وصال.
هكذا أراده الله تعالى، ولولا أنَّه كذلك لتخلَّف عن غاية أُريدت له من خلقته قضت الحكمة أنْ يقطع أجزاء طريقها باختياره، فكان تكوينه معيناً للتشريع، ونوازعه دابَّة للمسير، ومستشاره العقل، يستفيد من مقدّمات برهانيَّة ومعلومات بديهيَّة ودلالات خارجيَّة يُشكِّل الوحي جزءاً مهمًّا منها، إذ يُقدِّم له صورة عن الكون الذي يعيش فيه، ومبدأه ومنتهاه، وإطاراً عامًّا للتحرُّك، وبياناً تفصيليًّا لكثير من الجزئيّات، ونبذة عن تجارب الأُمَم ومآلاتها، ومسيرة ومواقف الأفراد ودلالاتها.
إنَّ منطلق العلم هو الشكُّ عادةً، باستثناء الأنبياء والرُّسُل (عليهم السلام)، كما في قوله تعالى بحقِّ عيسى (عليه السلام): ﴿قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (مريم: ٢٩ - ٣٣).
وكالنبيِّ يحيى (عليه السلام) وقد قال تعالى عنه: ﴿يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ (مريم: ١٢).
لكن طلب المعرفة لا يتوقَّف حتَّى بعد بلوغ مرتبة النبوَّة، وقصَّة النبيِّ موسى (عليه السلام) مع الخضر (عليه السلام) لا غبار في دلالتها على ذلك: ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ (الكهف: ٦٥ - ٦٦).
ولم يشأ النبيُّ موسى (عليه السلام) أنْ يفارقه حتَّى قال له الخضر (عليه السلام): ﴿هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (الكهف: ٧٨).
ومطلوبيَّة التفكُّر تشمل كلَّ البشر بما في ذلك أعاظم الأنبياء (عليهم السلام)، وهو تفكُّر لا تذكُّر، والتفكُّر به يُكشَف ستر المستور ويُعلَم من خلاله المجهول.
وها هو الخطاب القرآني للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنْ يطلب من الله تعالى زيادة العلم: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه: ١١٤).
فالإنسان مهما ارتقى في مضامير الكمال - ومنها مضمار العلم - لا يصل إلى حدِّها الأقصى، فالكمال ليس له حدٌّ، والبشر مخلوق ممكن محدود، وبين اللّامحدود والمحدود ما لا حدَّ له، وإلَّا لما كان لا محدوداً.
ويمكن أنْ تكون الآيات التي تحدَّثت عن علم الله تعالى بكلِّ شيء وإحاطته بكلِّ شيء موجِّهة للإنسان الطالب للكمال العلمي إلى الله تعالى ومنبِّهة له أنَّ مطلوبه إنَّما هو الله تعالى، ففيه العلم غير المحدود والإحاطة بكلِّ شيء.
﴿وَللهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (النساء: ١٢٦).
﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فُصِّلت: ٥٣).
وربَّما سار البحث عن الدليل مساراً خاطئاً، كمن تمَّت عنده المعلومة فيبدأ بالتبطُّر في طلب الدليل، كما فعل الحواريُّون حين سألوا النبيَّ عيسى (عليه السلام) إنزال المائدة: ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (المائدة: ١١٢).
ولأنَّ طلبهم لم يكن موضوعيًّا ردعهم النبيُّ عيسى (عليه السلام) وأمرهم بالتقوى وقيَّد ذلك بصورة كونهم مؤمنين، حتَّى إذا ألحُّوا طلب من الله تعالى إنزال المائدة بأدبه الراقي: ﴿رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ (المائدة: ١١٤).
وحين استجاب الله تعالى له اقترن ذلك بوعيد شديد لمن يكفر بعد ذلك منهم: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (المائدة: ١١٥).
وقد يُشكِّك الإنسان فيما كان واضحاً أو حتَّى فيما كان يُفتَرض أنْ يكون كذلك، فيكون ذلك موجباً للإنكار: ﴿قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرضِ﴾ (إبراهيم: ١٠).
وقد يأخذه العناد إلى حدٍّ بعيد فيلغي احتمال الإيمان والإذعان ولو اجتمع عنده أقوى الشواهد، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (الأنعام: ١١١).
وليس بعيداً عن هذا ما جاء في سورة الإسراء: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرضِ يَنْبُوعاً * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً * أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً﴾ (الإسراء: ٩٠ - ٩٣).
وبين هذا وذاك تأتي البيانات والأدلَّة والآيات، وفائدتها في الحدِّ الأدنى إتمام الحجَّة على الناس ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (الأنفال: ٤٢).
وقد كثرت التساؤلات في أيّامنا هذه - حيث تيسَّر التواصل بين الحضارات - عن مفردات الشريعة أُصولاً وفروعاً، دليلاً ومدلولاً.
وقد حظيت القضيَّة المهدويَّة بسهم وافر من هذه التساؤلات وحصَّة كبيرة من الإشكالات، ومن تلك التساؤلات ما يرجع إلى التوقيعات الشريفة التي خرجت من الإمام (عجَّل الله فرجه)، وربَّما وَجَدَت هذه التساؤلات صدى لها عند أتباع المذهب من العوامِّ. فقد قيل: كيف يُعرَف أنَّ هذا هو خطُّ الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ وقيل: كيف نقبل بقول السفراء؟ وما إلى ذلك.
ونحن في هذه الوريقات نحاول أنْ نُسلِّط الضوء على ما نرى أنَّه يُمثِّل جواباً لهذه التساؤلات، نسأل الله أنْ يُوفِّقنا لقول الحقِّ والعمل به، وأنْ يجعل التسديد رفيقنا، إنَّه خير مسؤول.
كيف نجى السفراء من متابعة الدولة العبّاسيَّة؟
من الأسئلة التي تتوارد بخصوص السفراء وتداولتها أخيراً بعض وسائل التواصل الاجتماعي: كيف أمكن للسفراء العمل في ظلِّ وجود الدولة العبّاسيَّة، رغم أنَّ العبّاسيِّين كانوا يبحثون عن أيِّ خيط يوصلهم إلى الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)؟ فهل يُعقَل أنْ يعمل السفراء بحرّيَّة رغم أنَّهم كانوا معروفين في الأوساط العامَّة ولا تتبعهم السلطة العبّاسيَّة ليصلوا من خلالهم إلى الإمام (عجَّل الله فرجه)؟ ألَا يوجب ذلك احتمال كونهم على علاقة مع السلطة وأنَّهم لم يكونوا يلتقون بالإمام (عجَّل الله فرجه)؟ هذا مع ملاحظة أنَّ السفارة استمرَّت ما يقرب من سبعين سنة.
والجواب:
أوَّلاً: أنَّ ذلك الاستبعاد كان مبتنياً على الأسباب الطبيعيَّة وقطع ربط المسألة بالأسباب الغيبيَّة، ولا شكَّ أنَّ هذه المسألة مرتبطة بالغيب، والغيب وإنْ أخرج المسألة عن الأسباب المألوفة إلَّا أنَّه لا يُخرجها عن السببيَّة، وهو تعالى مسبِّب الأسباب.
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (يس: ٨٢).
﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: ٢١).
﴿إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (الطلاق: ٣).
وقد تولّى الله تعالى الدفاع عن المؤمنين حين قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحجّ: ٣٨).
حين اقتضت الحكمة أنْ يُبعَث في بني إسرائيل نبيٌّ وعَلِمَ فرعون بذلك طافت زبانيته في بيوت بني إسرائيل يذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم، في وقت كان هو الذي يتولّى رعاية ذلك النبيِّ؛ إذ اتَّخذوه ولداً، وقبل ذلك أخفى علامة حمله إلى ليلة الولادة كما حصل ذلك أيضاً مع الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) حيث نُقِلَ جدُّه الإمام الهادي (عليه السلام) إلى سامراء تحسُّباً لمجيء الإمام الثاني عشر الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً.
حين اقتضت الإرادة الإلهيَّة أنْ يبقى النبيُّ يونس (عليه السلام) حيًّا في بطن الحوت بقي تطوف به البحار، مع أنَّ ذلك أغرب من أنْ يُربّي طاغوت عدوَّه دون أن يعلم.
حين اقتضت الحكمة أنْ يُبعَث عُزير من الموت عاد إلى الحياة بعد عشرات السنين من الموت إلى الحياة. وهل لمؤمن أنْ يستبعد ذلك على الله تعالى؟
وأغرب من قضيَّة عُزير ما حصل لأصحاب الكهف الذين ناموا لمدَّة ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ (الكهف: ٢٥)، لم يموتوا ولم تأكل الأرض أجسادهم، ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً﴾ (الكهف: ١٨).
ثانياً: أنَّ التاريخ قد حفظ لنا حوادث عن أتباع الأنبياء والأولياء (عليهم السلام) ممَّن كانوا يعملون بقرب الطواغيت، وربَّما جاءت الأخبار عن البعض أنَّه من طائفة الأعداء، فمن غابر الأيّام يُحدِّثنا القرآن عن مؤمن آل فرعون الذي كان يكتم إيمانه: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (غافر: ٢٨).
ومن تاريخنا الحديث يُنقَل إلينا أنَّ المقاومة في الدول التي احتلَّتها ألمانيا في الحرب العالميَّة الثانية كانت تمارس العمل الثوري المسلَّح في تلك الدول رغم وحشيَّة (الغستابو) في التعاطي مع المناوئين لهم، ورغم تطوُّر وسائل التجسُّس والمتابعة والإمكانات الهائلة، إلَّا أنَّ الكثير من هؤلاء الثوّار نجوا، بل وتطوَّر عملهم بشكل كبير إلى أنْ رأوا هزيمة النازيين وموت (هتلر) بعد أنْ وضعت الحرب أوزارها، وعمل هؤلاء كان مسلَّحاً، وعمل السفراء لم يكن فيه أيّ جانب عسكري، وأيّ نوع مقاومة مسلَّحة.
والمجموعات المسلَّحة التي كانت تناهض الشيوعيَّة في الاتِّحاد السوفيتي أيّام (ستالين) طال زمان عملها دون علم الـ(KGB) بها مع كلِّ الإمكانات المسخَّرة له. والمجموعات الجاسوسيَّة تجوب الدنيا لا تنجو منها حتَّى أقوى مخابرات العالم كالـ(CIA) وغيرها، مع وجود أقسام متخصِّصة في مكافحة التجسُّس، وكثير من الجواسيس لا يُكتَشف أمرهم إلى زمان انقضاء مهمّاتهم أو إلى أُخريات حياتهم.
وإذا رجعنا إلى التاريخ مرَّة أُخرى نجد الروايات تحكي لنا عن عليِّ بن يقطين صاحب الإمام الكاظم (عليه السلام)، وقد كان الوشاة يسعون به عند الرشيد لكن رعاية الإمام الكاظم (عليه السلام) له منعت أنْ يُوصَل إليه بسوء(١٧٢).
وقد كان الإمام (عجَّل الله فرجه) يدفع أيضاً عن وكلائه، فقد روى الكليني (رحمه الله) عن الحسين بن الحسن العلوي، قال: كان رجل من ندماء روزحسني وآخر معه، فقال له: هو ذا يجبي الأموال وله وكلاء وسمُّوا جميع الوكلاء في النواحي، وأُنهي ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل، فإنَّ هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا، ولكن دسُّوا لهم قوماً لا يُعرَفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبِضَ عليه، قال: فخرج بأنْ يتقدَّم إلى جميع الوكلاء أنْ لا يأخذوا من أحد شيئاً، وأنْ يمتنعوا من ذلك، ويتجاهلوا الأمر، فاندسَّ لمحمّد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به، فقال: معي مال أُريد أنْ أُوصله، فقال له محمّد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطَّفه ومحمّد يتجاهل عليه، وبثُّوا الجواسيس، وامتنع الوكلاء كلُّهم لما كان تقدَّم إليهم(١٧٣).
وروى (رحمه الله) عن الحسن بن الفضل بن زيد اليماني، قال: كتب أبي بخطِّه كتاباً فورد جوابه، ثمّ كتبت بخطّي فورد جوابه، ثمّ كتب بخطِّ رجل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فكانت العلَّة أنَّ الرجل تحوَّل قرمطيًّا(١٧٤).
وروى (رحمه الله) عن عليِّ بن محمّد، قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحير(١٧٥)، فلمَّا كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطائي، فقال له: الق بني الفرات والبرسيين(١٧٦)، وقل لهم: لا يزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أنْ يُتفقَّد كلُّ من زار فيُقبَض [عليه](١٧٧).
والرواية صحيحة.
ثالثاً: أنَّ السفراء كانوا يعملون بطريقة مدروسة مُحْكَمة لدفع أنظار الظالمين عنهم، فقد أخفوا عملهم إلَّا عن الثُلَّة القليلة المخلصة ممَّن يُطمَأنُّ لهم وعرفوا منهم صدق الولاء.
ومضافاً إلى ذلك كانت لهم مجموعة خطوات هامَّة:
منها: أنَّهم نقلوا عملهم من سامراء عاصمة الدولة العبّاسيَّة آنذاك إلى بغداد، وكان بُعد المسافة بين المدينتين كفيلاً بتخفيف المتابعة لهم.
ومنها: أنَّهم قد تخفُّوا ببعض العناوين الأُخرى، فالسفير الأوَّل كان سمّاناً، أي يمتهن بيع السمن.
ومنها: أنَّهم كانوا يعملون بالتقيَّة، خصوصاً عند اشتداد الأمر عليهم، وهذا ما حفظته الروايات عن السفير الثالث الحسين بن روح (رضي الله عنه).
فقد نقل الشيخ الطوسي في كتاب (الغيبة) من الوقائع التي استعمل فيها بعض السفراء التقيَّة، ولذا كان في موقع جليل حتَّى عند العامَّة، فقد قال:
وكان أبو القاسم (رحمه الله) من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقيَّة، فروى أبو نصر هبة الله بن محمّد، قال: حدَّثني أبو عبد الله بن غالب حمو أبي الحسن بن أبي الطيِّب، قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح، ولعهدي به يوماً في دار ابن يسار، وكان له محلٌّ عند السيِّد والمقتدر عظيم، وكانت العامَّة أيضاً تُعظِّمه، وكان أبو القاسم يحضر تقيَّةً وخوفاً.
وعهدي به وقد تناظر اثنان، فزعم واحد أنَّ أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ثمّ عمر ثمّ عليّ، وقال الآخر: بل عليٌّ أفضل من عمر، فزاد الكلام بينهما.
فقال أبو القاسم (رضي الله عنه): الذي اجتمعت الصحابة عليه هو تقديم الصدِّيق، ثمّ بعده الفاروق، ثمّ بعده عثمان ذو النورين، ثمّ عليٌّ الوصيِّ، وأصحاب الحديث على ذلك، وهو الصحيح عندنا، فبقي من حضر المجلس متعجِّباً من هذا القول، وكان العامَّة الحضور يرفعونه على رؤسهم، وكثر الدعاء له والطعن على من يرميه بالرفض.
فوقع عليَّ الضحك، فلم أزل أتصبَّر وأمنع نفسي وأدسُّ كُمّي في فمي، فخشيت أنْ أفتضح، فوثبت عن المجلس، ونظر إليَّ ففطن بي، فلمَّا حصلت في منزلي فإذا بالباب يُطرَق، فخرجت مبادراً، فإذا بأبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) راكباً بغلته قد وافاني من المجلس قبل مضيِّه إلى داره.
فقال لي: يا أبا عبد الله، أيَّدك الله، لِمَ ضحكت، فأردت أنْ تهتف بي كأنَّ الذي قلته عندك ليس بحقٍّ؟
فقلت: كذاك هو عندي.
فقال لي: اتَّق الله أيُّها الشيخ فإنّي لا أجعلك في حلٍّ، تستعظم هذا القول منّي.
فقلت: يا سيِّدي، رجل يرى بأنَّه صاحب الإمام ووكيله يقول ذلك القول لا يُتعجَّب منه و[لا] يُضحَك من قوله هذا؟
فقال لي: وحياتك لئن عدت لأهجرنَّك، وودَّعني وانصرف(١٧٨).
وقال أبو نصر هبة الله: وحدَّثني أبو أحمد درانويه الأبرص الذي كانت داره في درب القراطيس، قال: قال لي: إنّي كنت أنا وإخوتي ندخل إلى أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) نعامله، قال: وكانوا باعة، ونحن مثلاً عشرة تسعة نلعنه وواحد يُشكِّك، فنخرج من عنده بعدما دخلنا إليه تسعة نتقرَّب إلى الله بمحبَّته وواحد واقف، لأنَّه كان يجارينا من فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه، فنكتبه لحسنه عنه (رضي الله عنه)(١٧٩).
وفي الغيبة للطوسي: أخبرني جماعة، عن أبي عبد الله أحمد بن محمّد بن عيّاش، عن أبي غالب الزراري، قال: قَدِمْتُ من الكوفة وأنا شابٌّ إحدى قدماتي ومعي رجل من إخواننا قد ذهب على أبي عبد الله اسمه، وذلك في أيّام الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رحمه الله) واستتاره، ونصبه أبا جعفر محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني، وكان مستقيماً لم يظهر منه ما ظهر (منه) من الكفر والإلحاد، وكان الناس يقصدونه ويلقونه لأنَّه كان صاحب الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح سفيراً بينهم وبينه في حوائجهم ومهمّاتهم.
فقال لي صاحبي: هل لك أنْ تلقى أبا جعفر وتُحدِث به عهداً، فإنَّه المنصوب اليوم لهذه الطائفة، فإنّي أُريد أنْ أسأله شيئاً من الدعاء يكتب به إلى الناحية.
قال: فقلت [له]: نعم، فدخلنا إليه، فرأينا عنده جماعة من أصحابنا، فسلَّمنا عليه وجلسنا، فأقبل على صاحبي، فقال: من هذا الفتى معك؟
فقال له: رجل من آل زرارة بن أعين.
فأقبل عليَّ، فقال: من أيّ زرارة أنت؟
فقلت: يا سيِّدي، أنا من ولد بكير بن أعين أخي زرارة.
فقال: أهل بيت جليل عظيم القدر في هذا الأمر.
فأقبل عليه صاحبي، فقال له: يا سيِّدنا، أُريد المكاتبة في شيء من الدعاء.
فقال: نعم.
قال: فلمَّا سمعت هذا اعتقدت أنْ أسأل أنا أيضاً مثل ذلك، وكنت اعتقدت في نفسي ما لم أُبده لأحد من خلق الله حال والدة أبي العبّاس ابني، وكانت كثيرة الخلاف والغضب عليَّ، وكانت منّي بمنزلة، فقلت في نفسي: أسأل الدعاء لي في أمر قد أهمَّني ولا أُسمّيه، فقلت: أطال الله بقاء سيِّدنا، وأنا أسأل حاجة.
قال: وما هي؟
قلت: الدعاء لي بالفرج من أمر قد أهمَّني.
قال: فأخذ درجاً بين يديه كان أثبت فيه حاجة الرجل، فكتب: (و)الزراري يسأل الدعاء له في أمر قد أهمَّه.
قال: ثمّ طواه، فقمنا وانصرفنا، فلمَّا كان بعد أيّام قال لي صاحبي: ألَا نعود إلى أبي جعفر فنسأله عن حوائجنا التي كنّا سألناه، فمضيت معه ودخلنا عليه، فحين جلسنا عنده أخرج الدرج، وفيه مسائل كثيرة قد أُجيب في تضاعيفها، فأقبل على صاحبي، فقرأ عليه جواب ما سأل، ثمّ أقبل عليَّ وهو يقرأ، [فقال:] «وأمَّا الزراري وحال الزوج والزوجة فأصلح الله ذات بينهما».
قال: فورد عليَّ أمر عظيم، وقمنا، فانصرفت.
فقال لي: قد ورد عليك هذا الأمر.
فقلت: أعجب منه.
قال: مثل أيّ شيء؟
فقلت: لأنَّه سرٌّ لم يعلمه إلَّا الله تعالى وغيري، فقد أخبرني به.
فقال: أتشكُّ في أمر الناحية؟ أخبرني الآن ما هو؟ فأخبرته، فعجب منه.
ثمّ قضى أنْ عدنا إلى الكوفة، فدخلت داري، وكانت أُمُّ أبي العبّاس مغاضبة لي في منزل أهلها، فجاءت إليَّ، فاسترضتني واعتذرت ووافقتني ولم تخالفني حتَّى فرَّق الموت بيننا... الخبر(١٨٠).
والرواية وإنْ لم تكن تامَّة سنداً إلَّا أنّا أوردناها وما سبقها للاستشهاد وليس للاستدلال.
وفي الكافي عن عليِّ بن محمّد، عن محمّد بن صالح، قال: لمَّا مات أبي وصار الأمر لي، كان لأبي على الناس سفاتج من مال الغريم، فكتبت إليه أُعلمه، فكتب: «طالبهم واستقض عليهم»، فقضاني الناس إلَّا رجل واحد كانت عليه سفتجة بأربعمائة دينار، فجئت إليه أُطالبه، فماطلني واستخفَّ بي ابنه وسفَّه عليَّ، فشكوت إلى أبيه، فقال: وكان ماذا؟ فقبضت على لحيته وأخذت برجله وسحبته إلى وسط الدار وركلته ركلاً كثيراً، فخرج بأنَّه يستغيث بأهل بغداد ويقول: قمّي رافضي قد قتل والدي، فاجتمع عليَّ منهم الخلق، فركبت دابَّتي وقلت: أحسنتم يا أهل بغداد تميلون مع الظالم على الغريب المظلوم، أنا رجل من أهل همدان من أهل السُّنَّة، وهذا ينسبني إلى أهل قم والرفض ليذهب بحقّي ومالي. قال: فمالوا عليه وأرادوا أنْ يدخلوا على حانوته حتَّى سكَّنتهم، وطلب إليَّ صاحب السفتجة وحلف بالطلاق أنْ يوفيني مالي حتَّى أخرجتهم عنه(١٨١).
وقد قال المجلسي (رحمه الله) في هذا الخبر: حسن كالصحيح(١٨٢).
ويشهد لما ذكرناه من إعمال التقيَّة أنَّهم لم يكونوا معروفين عند عامَّة الشيعة، ولذا تجد عند تصفُّحك في الروايات أنَّ عامَّة الشيعة كانت تُكلِّف الخواصَّ أنْ تذهب بما عليها من الحقوق إلى سفراء الإمام ووكلائه.
ويظهر أيضاً للمتتبِّع في الروايات أنَّ الخواصَّ لم يكونوا يعرفون السفراء، ولذلك ما كانوا يُسلِّمون إليهم الأموال إلَّا بعد البيِّنة والاختبار، فإذا جاءهم منهم أمر بيِّن سلَّموا الأموال.
ولعدم وضوح الأمر عندهم ابتداءً كان البعض منهم يذهب إلى جعفر عمِّ الإمام حتَّى إذا لم يجدوا عنده ما يريدون امتنعوا عن تسليمه الأموال وذهبوا إلى مظانٍّ أُخرى حتَّى يقعوا على مبتغاهم.
ممَّا يكشف لك عن عدم معرفة صفة السفراء إلَّا ضمن نطاق دائرة ضيِّقة جدًّا.
ومع هذا لِمَ الاستبعاد أنْ لا تكون السلطات قد علمت بشأنهم؟
وكيف كان، ففي الروايات دلائل على أنَّ السفراء لم يكونوا معروفين عند عامَّة الشيعة، بل عند الكثير من خواصِّهم، فكيف تعرفهم أعداؤهم بنحو سهل؟
ففي الإرشاد: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمّد، عن محمّد بن يعقوب، عن عليِّ بن محمّد، عن الحسن بن عيسى العريضي، قال: لمَّا مضى أبو محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) ورد رجل من مصر بمال إلى مكَّة لصاحب الأمر، فاختُلِفَ عليه، وقال بعض الناس: إنَّ أبا محمّد قد مضى عن غير خلف، وقال آخرون: الخلف من بعده جعفر، وقال آخرون: الخلف من بعده ولده، فبعث رجلاً يُكنّى أبا طالب إلى العسكر يبحث عن الأمر وصحَّته، ومعه كتاب، فصار الرجل إلى جعفر وسأله عن برهان، فقال له جعفر: لا يتهيَّأ لي في هذا الوقت، فصار الرجل إلى الباب، وأنفذ الكتاب إلى أصحابنا الموسومين بالسفارة، فخرج إليه: «آجرك الله في صاحبك فقد مات، وأوصى بالمال الذي كان معه إلى ثقة يعمل فيه بما يجب»، وأُجيب عن كتابه، وكان الأمر كما قيل له(١٨٣).
وفي رواية أحمد الدينوري: قال: فقلت: يا قوم، هذه حيرة، ولا نعرف الباب في هذا الوقت، قال: فقالوا: إنَّما اخترناك لحمل هذا المال لما نعرف من ثقتك وكرمك، فاحمله، على ألَّا تُخرجه من يديك إلَّا بحجة... الخبر(١٨٤).
وفي رواية أحمد بن أبي روح، قال: وجَّهت إليَّ امرأة من أهل دينور، فأتيتها، فقالت: يا بن أبي روح، أنت أوثق من في ناحيتنا ديناً وورعاً، وإنّي أُريد أنْ أُودعك أمانة أجعلها في رقبتك تُؤدّيها وتقوم بها، فقلت: أفعل إنْ شاء الله تعالى، فقالت: هذه دراهم في هذا الكيس المختوم، لا تحلُّه ولا تنظر فيه حتَّى تُؤدّيه إلى من يُخبرك بما فيه، وهذا قرطي يساوي عشرة دنانير، وفيه ثلاث حبّات لؤلؤ تساوي عشرة دنانير، ولي إلى صاحب الزمان حاجة أُريد أنْ يُخبرني بها قبل أنْ أسأله عنها، فقلت: وما الحاجة؟ قالت: عشرة دنانير استقرضتها أُمّي في عرسي لا أدري ممَّن استقرضتها، ولا أدري إلى من أدفعها، فإن أخبرك بها فادفعها إلى من يأمرك بها...، إلى أنْ وصل إلى سُرَّ من رأى وحصل على ما يريد(١٨٥)، ولم ننقل الرواية كاملة لأنَّ محلَّ الشاهد فيها أنَّهم لا يقبلون من كلِّ أحد إلَّا ببيِّنة، وهذا يسري حتَّى على العوامِّ من الشيعة.
وفي (كمال الدِّين): حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله، عن أبي حامد المراغي، عن محمّد بن شاذان بن نعيم، قال: بعث رجل من أهل بلخ بمال ورقعة ليس فيها كتابة قد خطَّ فيها بإصبعه كما تدور من غير كتابة، وقال للرسول: احمل هذا المال، فمن أخبرك بقصَّته وأجاب عن الرقعة فأوصل إليه المال، فصار الرجل إلى العسكر وقد قصد جعفراً وأخبره الخبر، فقال له جعفر: تقرُّ بالبداء؟ قال الرجل: نعم، قال له: فإنَّ صاحبك قد بدا له وأمرك أنْ تُعطيني المال، فقال له الرسول: لا يُقنعني هذا الجواب، فخرج من عنده وجعل يدور على أصحابنا، فخرجت إليه رقعة قال: «هذا مال قد كان غرَّر به، وكان فوق صندوق فدخل اللصوص البيت وأخذوا ما في الصندوق»، وسلَّم المال وردت عليه الرقعة وقد كُتِبَ فيها: «كما تدور، وسألت الدعاء فعل الله بك، وفعل»(١٨٦).
والرواية تامَّة سنداً، فأبو حامد المراغي هو أحمد بن إبراهيم المراغي، قد روى الكشّي توقيعاً شريفاً يدلُّ على مدحه، وقال ابن داود عنه: إنَّه ممدوح عظيم الشأن(١٨٧).
ومحمّد بن شاذان بن نعيم ثقة، كان من وكلاء الناحية(١٨٨).
وسعد هو ابن عبد الله الأشعري القمّي الجليل القدر(١٨٩).
ووالد الصدوق عَلَم في الوثاقة(١٩٠).
ولكن ليس من الواضح في الرواية أنَّ محمّد بن شاذان قد رأى الكتاب وعرف الخطَّ الذي فيه.
والأمر سهل؛ لأنَّ ذكر الرواية وما سبقها لمجرَّد الاستشهاد وليس للاستدلال، ومن الواضح فيها أنَّهم لم يكونوا يقبلون من أيِّ أحد أنْ يُخبرهم عن الإمام (عجَّل الله فرجه) أو يأخذ المال له.
هل تنافي وثاقة السفير احتمال الخطأ فيما أخبر به؟
ومن الأسئلة والشبهات فيما يرجع إلى السفراء أنَّ غاية ما يمكن أنْ يقال عنهم: إنَّهم على أعلى درجات الوثاقة، والثقة نحتمل الخطأ منه، ونحتمل وقوعه في الكذب وإنْ نفينا عنه الإصرار على الكذب، وهذا الاحتمال مانع من الجزم بما نقلوه لنا من التوقيعات.
وفي مقام الجواب عن هذه الشبهة نقول:
لقد بعث الله تعالى رُسُله للناس كي يأخذوا بأيديهم إلى ما فيه صلاح الدنيا ومنفعة العباد، يتَّكئ ذلك على رؤية للكون ومآل الدنيا وأفراد البشر تقدَّمها الشرائع للناس، ويستقيم فوق ذلك منظومة أحكام تضبط إيقاع حركة الأفراد وفق ما في طبائع الأفعال من نفع وضرر، ويتوسَّط بين هذا وذاك منظومة أخلاقيَّة تضمن دوام الاستقامة لمن أراد أنْ ﴿يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ (الفرقان: ٦٢)، وتجعل سلوكه الحسن نبتة نمت في بيئتها المناسبة ممَّا يضمن استمرار اخضرارها.
ولمَّا كثرت تفاصيل الشرائع بما في ذلك الشريعة الإسلاميَّة بنحو تسبَّب في انعدام فرصة العلم بكلِّ تفاصيلها لكثرة تشعُّبها، وللبعد الزماني عن حضور المشرِّع المحيط بالشريعة، ولظروف أُخرى، قضت الضرورة أنْ يقبل الشارع بما دون العلم في إحراز أحكامه، فجعل الحجّيَّة لبعض الظنون الخاصَّة، كالظنِّ الناشئ من إخبار الثقة، والظنِّ الناشئ من الظهور، وأبقى بعض الظنون على حالها، بل ردع عن العمل ببعضها، كما في القياس الذي منع الشارع من جعله مستنداً ولو أورث أعلى درجات الظنِّ، «إنَّ السُّنَّة إذا قيست مُحِقَ الدِّين»(١٩١).
وقد اتَّفقت كلمات الفقهاء على حجّيَّة الأخبار التي ينقلها الثقات في الجملة، وشذَّ عن ذلك نفر يسير كالطبرسي وابن إدريس (أعلى الله مقامهما)، ومثل ذلك حجّيَّة الظهورات. نعم، وقع الخلاف في بعض التفصيلات في الحجّيَّتين.
وكانت النتيجة: أنَّ أغلب أحكامنا ثبتت بأدلَّة ظنّيَّة من جهة الصدور أو الدلالة أو كليهما، ولا مشكلة في ذلك، لأنَّ ثبوت الحجّيَّة الشرعيَّة يضمن المُؤَمِّن من تبعة مخالفة الواقع غير المعلوم، كما يضمن الثواب للمنقاد لو كان ما أتى به - اعتماداً على الظنِّ الحجَّة - من إطاعة بنظرة مخالفاً للواقع.
فكان ذلك سبباً في نشوء علم الجرح والتعديل للتعامل مع الموروث الروائي لتتجاوز مشكلة عدم حصول العلم بالصدور من الشارع المقدَّس، وتكفَّل هذا العلم ضبط أحوال الرجال ممَّن يقعون في أسانيد الروايات اعتماداً على شهادات خاصَّة بالراوي أو اتِّكالاً على قواعد عامَّة كمشايخ الثلاثة وأصحاب الإجماع.
فالفقيه والباحث إنْ لم يحصل على علم بصدور الخبر لم يُعدَم الحجَّة التعبُّديَّة في عديد الموارد.
وقد أُلِّفت موسوعات رجاليَّة كثيرة لتكون معيناً للباحثين حوت كمًّا كبيراً من المعلومات التي تساعد في تكوين صورة عن رواة الأحاديث.
ومن ضمن من تعرَّض له أرباب هذا الفنِّ سفراء الإمام الثاني عشر ووكلاؤه في زمن الغيبة الصغرى، والذين خرجت توقيعاته (عجَّل الله فرجه) عن طريقهم، فلا يُعتَبر القطع بصدور تلك التوقيعات عنه (عجَّل الله فرجه)، بل يكفي مجرَّد طريق معتبر وفق الضوابط العامَّة التي أُشير إليها آنفاً.
كما لا نحتاج إلى إثبات السفارة أو الوكالة عن الناحية المقدَّسة، فأيّ فرق بين رواية نقلها زرارة أو محمّد بن مسلم أو أبو بصير أو غيرهم من أعلام الرواة، وبين رواية نقلها عثمان بن سعيد أو ولده محمّد أو الحسين بن روح أو عليُّ بن محمّد السمري، أو حتَّى الوكلاء غير السفراء، لنقبل رواية الأوائل دون السفراء أو الوكلاء؟
بل هنا ما يجعل رواية الوكلاء والسفراء أولى بالقبول، وهو:
١ - إنَّ من المضعِّفات الاحتماليَّة في الخبر نوعاً احتمال وقوع المخبر في الخطأ واحتمال نسيانه في القول لفقرة من الكلام الذي ينقله أو الحادثة التي يرويها، وهذا لا مجال له في التوقيع الذي يكون بخطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه)، لأنَّ دور السفير ليس إلَّا تسليم تلك المكاتبة بخطِّه (عجَّل الله فرجه). والمفروض أنَّ كلامنا في التوقيعات التي صدرت من الإمام (عجَّل الله فرجه) ونُقِلَت إلينا عن طريق السفراء.
٢ - أنَّ مستوى الوثاقة مختلف من فرد إلى آخر، فبعض الناس تجزم بعدم تعمُّده للكذب والافتراء، ومن يتَّهم مثل زرارة بالكذب أو يتعقَّل احتمال قصده الكذب؟
واحتمال نفي الكذب في مثل زرارة لا يستند إلى استحالته العقليَّة، بل يستند إلى واقع بنيته النفسيَّة ومستوى تديُّنه الذي علمناه عليه.
والأعلام الأربعة الذين هم سفراء الغيبة الصغرى لا شكَّ أنَّهم كذلك من هذه الناحية، وأمَّا احتمال أنْ يأتي السفير بكتاب يقول عنه: إنَّه مكاتبة من الإمام (عجَّل الله فرجه) وليس هو في الواقع كذلك، فهذا غير متصوَّر فيه، فالناس تسأل ثمّ تنتظر مدَّة ليأتي التوقيع الشريف وفيه ما يخصُّهم.
وأمَّا نقل قول الإمام (عجَّل الله فرجه) فلا يدخل تحت عنوان المكاتبات أو التوقيعات الشريفة له، وإن كان متَّصفاً بنفس الوثاقة والاطمئنان بصدوره عنه (عجَّل الله فرجه).
٣ - انتفاء احتمال التقيَّة أو ضعفه إلى حدٍّ بعيد، لأنَّ الإمام غائب عن أعين الناس فلا يخاف على نفسه من الظالمين من جهة رأيه ليضطرَّ إلى بيان حكم موافق للعامَّة دفعاً للشبهات. والروايات وإنْ ورد العديد منها في بيان علَّة الغيبة بالخوف على نفسه، إلَّا أنَّ الخوف في غيبته ناشئ من احتمال معرفة الظالمين بأصل وجوده لا من رأيه المخالف للظالمين، وورود خبر عنه فيه رأي له لا يُفرِّق فيه بين أنْ يكون موافقاً لفقهاء العامَّة أو لا يكون؛ لأنَّ التقيَّة في زمن آبائه كثيراً ما كانت لدفع بعض ما يدفع الظالم نحو قرار تصفيته أو التضييق عليه، وفي زمن غيبته قد صدر قرار تصفيته، لكنَّهم لم يعثروا عليه، فظهور خبر عنه هو مطلوب حكومات الجور، وافق مضمون الخبر رأي علمائهم أم خالفها.
ولهذا لا تجد إماماً من الأئمَّة المتقدِّمين طلبته سلطة الجور في صغره، بل قبل تسنُّمه منصب الإمامة فضلاً عن فترة ما قبل ولادته، بل لم يطلب بحسب العادة بمجرَّد تصدِّيه لمنصب الإمامة وإنَّما بعد مدَّة من إمامته لأسباب ليس هذا محلّ استقصائها.
وإنَّما قلنا بحسب العادة لأنَّ المنصور طلب من يتصدّى بعد الإمام الصادق (عليه السلام)، وطلب هارون خليفة الإمام الكاظم (عليه السلام)، ثمّ خفتتْ في الاثنين نار الحقد بعد إقدامهم على قتل الإمامين (عليهما السلام).
وأمَّا الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه) فقد طلبه أعداؤه قبل ولادته بمدَّة من الزمان، لما انتهى إليهم من أنَّ الإمام الثاني عشر هو الذي يُسقِط عروش الظالمين ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً. وذلك هو سبب الإتيان بالإمام الهادي (عليه السلام) إلى سامراء عاصمة الخلافة آنذاك، وأُبقي الإمام الحسن العسكري (عليه السلام) تحت نظرهم هناك أيضاً. وكانت جلاوزتهم تترقَّب الأخبار عن الولادة الميمونة، ونساؤهم تدخل إلى بيت الإمام العسكري (عليه السلام) لتُفتِّش بين نسائه وجواريه عن الحمل. ولم يأتِ المولود الميمون إلَّا من خلال طريق معجز لم يظهر له أيُّ أثر حتَّى ليلة ولادته (عجَّل الله فرجه)، بل حتَّى السيِّدة حكيمة حين أُخبرت بأنَّ في تلك الليلة ستشرق الأرض بولادته استغربت حين فحصت أُمَّه ولم ترَ أيَّ أثر للحمل.
وعلى أيِّ حالٍ، فوجود الإمام الثاني عشر كان مستهدفاً، ومن هنا لا يفرق كثيراً بين خبر صدر منه على وجه التقيَّة أو على نحو الإرادة الجدّيَّة.
والتقيَّة تقتضي عدم صدور التوقيع لو اقتضت ذلك، لا صدوره بمضمون يتناسب مع التقيَّة، بخلاف من تقدَّمه من آبائه (عليهم السلام).
وقد دلَّت جملة من الروايات على تحريم ذكر اسمه (عجَّل الله فرجه)، وكفاك بمثلها دليلاً على أنَّ ذكر رواية عنه - ولو بمضمون موافق للتقيَّة لو كان - على خلاف التقيَّة.
نعم، قد يُتعقَّل احتمال التقيَّة على غير الإمام من الأتباع، لكن ذلك يجري في غير الحجَّة (عجَّل الله فرجه)، كما في ذمِّ الإمام الصادق (عليه السلام) لزرارة في بعض الروايات لأجل دفع الشبهة عنه، لكن ذلك لا مجال له فيما صدر من توقيع عن الحجَّة (أنار الله الأرض بظهوره)، لأنَّ دفع الشبهة عن تابع للإمام يزاحم عادةً دفع الخطر عن الإمام (عجَّل الله فرجه)، والثاني أرجح من الأوَّل.
وبهذا يضعف المضعف النوعي في مكاتبات باقي الأئمَّة (عليهم السلام) والمتمثِّل باحتمال صدورها تقيَّةً في توقيعات الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه).
وقد يقال: إنَّ الإمام (عجَّل الله فرجه) حريص على سلامة أتباعه، ومن هنا كانت بعض الأوامر تخرج إليهم للعمل بما يُتَّقى معه شرَّ الظالمين، فالتقيَّة واردة في توقيعاته (عجَّل الله فرجه) دفعاً للضرر عن أتباعه.
فقد روى الكليني (رحمه الله) عن الحسين بن الحسن العلوي، قال: كان رجل من ندماء روزحسني وآخر معه، فقال له: هو ذا يجبي الأموال وله وكلاء وسمُّوا جميع الوكلاء في النواحي، وأُنهي ذلك إلى عبيد الله بن سليمان الوزير، فهمَّ الوزير بالقبض عليهم، فقال السلطان: اطلبوا أين هذا الرجل، فإنَّ هذا أمر غليظ، فقال عبيد الله بن سليمان: نقبض على الوكلاء، فقال السلطان: لا، ولكن دسُّوا لهم قوماً لا يُعرَفون بالأموال، فمن قبض منهم شيئاً قُبِضَ عليه، قال: فخرج بأنْ يتقدَّم إلى جميع الوكلاء أنْ لا يأخذوا من أحد شيئاً، وأنْ يمتنعوا من ذلك، ويتجاهلوا الأمر، فاندسَّ لمحمّد بن أحمد رجل لا يعرفه وخلا به، فقال: معي مال أُريد أنْ أُوصله، فقال له محمّد: غلطت أنا لا أعرف من هذا شيئاً، فلم يزل يتلطَّفه ومحمّد يتجاهل عليه، وبثُّوا الجواسيس، وامتنع الوكلاء كلُّهم لما كان تقدَّم إليهم(١٩٢).
وفي (الغيبة للطوسي) عن محمّد بن يعقوب، عن عليِّ بن محمّد، قال: خرج نهي عن زيارة مقابر قريش والحير، فلمَّا كان بعد أشهر دعا الوزير الباقطاني فقال له: الق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أنْ يُتفقَّد كلُّ من زار، فيقبض عليه(١٩٣).
وعليُّ بن محمّد الذي يروي عنه محمّد بن يعقوب هو عليُّ بن محمّد بن بندار، وبندار هو أبو القاسم عبد الله بن عمران البرقي، وقد نصَّ على توثيقه(١٩٤)، فالرواية صحيحة السند.
بل ورد عن الإمام (عجَّل الله فرجه) الكثير من الإجابات عن موارد شخصيَّة، ففي الحسنة روى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن أبيه، عن سعد بن عبد الله، عن محمّد بن الصالح، قال: كتبت أسأله الدعاء لباداشاله وقد حبسه ابن عبد العزيز، وأستأذن في جارية لي أستولدها، فخرج: «استولدها ويفعل الله ما يشاء، والمحبوس يُخلِّصه الله»، فاستولدت الجارية فولدت فماتت، وخُلّي عن المحبوس يوم خرج إليَّ التوقيع(١٩٥).
وروى في الحسنة عن أبيه (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله، عن عليِّ بن محمّد الشمشاطي رسول جعفر بن إبراهيم اليماني، قال: كنت مقيماً ببغداد، وتهيَّأت قافلة اليمانيِّين للخروج، فكتبت أستأذن في الخروج معها، فخرج: «لا تخرج معها، فما لك في الخروج خيرة، وأقم بالكوفة»، فخرجت القافلة وخرجت عليها بنو حنظلة فاجتاحوها، قال: وكتبت أستأذن في ركوب الماء، فخرج: «لا تفعل»، فما خرجت سفينة في تلك السنة إلَّا خرجت عليها البوارج فقطعوا عليها... الخبر(١٩٦).
لكن ذلك مردود من جهة أنَّ احتمال التقيَّة الذي ضعَّفناه هو إطلاق لفظ وإرادة معنى غير ظاهر منه أو إرادة إيهام من يسمعه أنَّه يُراد ظاهره، ومثل ما تقدَّم من الروايات لم يتحقَّق فيها هذا الاحتمال، فلا مشكلة فيها من جهة التقيَّة توجب احتمال إرادة غير ظاهرها، ففي عين الوقت الذي يكون الداعي لبيان تلك الموارد الحرص على الأتباع، لا نحتمل في هذه التوقيعات صدورها على نحو التقيَّة، بل في بعضها أمر للوكلاء ولعامَّة الشيعة بالتقيَّة، وهذا غير صدور التوقيع على وجه التقيَّة.
بل قد ورد في بعض الروايات الأمر بتمزيق الكتاب الذي فيه التوقيع، ففي (كمال الدِّين): حدَّثنا أبي (رضي الله عنه)، عن سعد بن عبد الله، قال: حدَّثني أبو عليٍّ المتيلي، قال: جاءني أبو جعفر، فمضى بي إلى العبّاسيَّة وأدخلني خربة وأخرج كتاباً فقرأه عليَّ، فإذا فيه شرح جميع ما حدث على الدار، وفيه: أنَّ فلانة - يعني أُمّ عبد الله - تُؤخَذ بشعرها وتُخرَج من الدار ويحدر بها إلى بغداد، فتقعد بين يدي السلطان - وأشياء مما يحدث -، ثمّ قال لي: احفظ، ثمّ مزَّق الكتاب، وذلك من قبل أنْ يحدث ما حدث بمدَّة(١٩٧).
٤ - قرب إسناد التواقيع، حيث لا يفصل زمان كبير بين صدور هذه التوقيعات وكتابة مجامع الحديث، إذ كُتِبَ الكافي في زمان الغيبة الصغرى التي دامت (٦٩) عاماً، بينما غالبيَّة رواياتنا كانت قد نُقِلَت عن الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام)، وقد استشهد الإمام الباقر (عليه السلام) في زمن الدولة الأُمويَّة التي انتهت عام (١٣٢هـ)، بل استشهد عام (١١٤هـ) على وجه التحديد، والإمام الصادق (عليه السلام) قد استشهد عام (١٤٨هـ)، فالمدَّة بين وفاة الإمام الباقر (عليه السلام). وبداية الغيبة الصغرى (١٤٢) عاماً، ولم تُنقَل كلُّ الروايات عنه في آخر سنة من عمره، ولا توقيعات الإمام (عجَّل الله فرجه) قد خرجت في أوَّل سنة من غيبته. والمدَّة بين استشهاد الإمام الصادق (عليه السلام) وبداية الغيبة الصغرى (١١٢) سنة، وليست الروايات المنقولة عنه نُقِلَت في آخر سنة من حياته، بل يمكن أنْ تكون في بداية إمامته التي دامت أربعة وثلاثين عاماً، ليكون الفاصل بين صدور مثلها وبداية الغيبة (١٤٦) عاماً.
نعم، لا يخلُّ ذلك بالحجّيَّة، لكنَّه يترك أثره من الناحية الاحتماليَّة.
٥ - إنَّ التوقيعات الصادرة عن الإمام الحجَّة (عجَّل الله فرجه) تكون بداية سندها ثقة في العادة، لأنَّ من نقلوها سفراء الغيبة ووكلاء الناحية المقدَّسة، بخلاف الروايات التي صدرت عن باقي الأئمَّة (عليهم السلام)، فإنَّ من نقل عنهم قد كان فيهم الغثُّ والسمين، وما أكثر الرواة المباشرين ممَّن لم تثبت وثاقتهم.
بل الراوي المباشر للتوقيع على أعلى درجات الوثاقة، بل فيهم من نصَّ المعصوم (عليه السلام) على أنَّه الثقة الذي لا يُخطئ في نقله عنه «ما أدَّى فعنّي يُؤدّي»(١٩٨)، وسيأتيك مزيد من التوضيح والتفصيل.
٦ - لمَّا كان من استتار الإمام (عجَّل الله فرجه) ما كان عرف الشيعة أنَّ الخبر عنه لا يأتي من كلِّ أحد، فمن أخبر عن الوكلاء بخبر عنه (عجَّل الله فرجه) يعرف أنَّ الشيعة لا تُصدِّق ذلك عن كلِّ أحد، وقد يكون ذلك أدعى للارتداع عن الكذب في البعض، وهذا يُشكِّل مضعِّفاً نوعيًّا لاحتمال الكذب وإنْ لم يكن مانعاً قطعيًّا عنه.
نعم، قد يكون هناك احتمال مقابل؛ لأنَّ اهتمام الناس بالإمام (عجَّل الله فرجه) يجعلهم يولُّون الاهتمام ويُظهرون الاحترام لمن ينقل الأخبار عنه (عجَّل الله فرجه)، لكن الذي جمع الأخبار هم ممَّن لم يُعدَموا نوع المعرفة بذلك، وما وصلنا ليس من عامَّة الناس، بل من خواصِّهم وعلمائهم الذين تحمَّلوا مسؤوليَّة جمع الأخبار وتدوينها.
٧ - إنَّ أمارات التوثيق وشواهده كانت أقرب للرجاليِّين الأوائل من مثيلاتها في رواة الأخبار من الأئمَّة المتقدِّمين، فمعدَّل (١٥٠) سنة على الأقلّ ليست بالمدَّة اليسيرة ليُحفَظ فيها خصوصيّات الأفراد ممَّا له دخل في قبول الرواية وعدمها، وقد تجاوز مشكلتها علماء الرجال، ولكنَّها ليست كمشكلة من كان أقرب إليهم بمدَّة قرن ونصف من الزمان. فاحتمال صدق التوثيق في رواة التوقيعات أعلى من مثيله في الرواة الذين كانوا على عهد الإمامين الباقرين (عليهما السلام).
٨ - في الوقت الذي لم يُشكِّل تكذيب واضعي الحديث على الأئمَّة المتقدِّمين من قِبَلهم (عليهم السلام) ظاهرة، كان ذلك ظاهرة في من كذب على الإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)؛ لأنَّ الأمر لم يقتصر على نقل رواية فحسب، بل كان يتعدّاه إلى ادِّعاء السفارة، ومن هنا قضت الضرورة بالتصدّي لهم. وحين تجاسرت أنفسهم على ادِّعاء السفارة كان ذلك إيذاناً بدعاوى أكبر من بعضهم، وقد نقل الشيخ الطوسي عن هارون بن موسى قوله: وكلُّ هؤلاء المدَّعين إنَّما يكون كذبهم أوَّلاً على الإمام وأنَّهم وكلاؤه، فيدعون الضعفة بهذا القول إلى موالاتهم، ثمّ يترقّى (الأمر) بهم إلى قول الحلّاجيَّة، كما اشتهر من أبي جعفر الشلمغاني ونظرائه (عليهم جميعاً لعائن الله تترى)(١٩٩).
ومثل الشلمغاني: الشريعي والنصيري.
وقد نقل توقيع الإمام (عجَّل الله فرجه) في لعن الشريعي والتبرّي منه، (وهو أوَّل من ادَّعى مقاماً لم يجعله الله فيه)(٢٠٠).
وجاء بعده محمّد بن نصير النميري، لكن لعنه والتبرّي منه والاحتجاب عنه كان من محمّد بن عثمان(٢٠١).
وممَّن ظهر التوقيع بلعنه والبراءة منه أحمد بن هلال الكرخي، حيث خرج التوقيع على يد أبي القاسم بن روح بلعنه والبراءة منه(٢٠٢).
وممَّن خرج التوقيع بلعنه والبراءة منه: محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني المعروف باسم العزاقري(٢٠٣).
٩ - إنَّ بعض الروايات التي نُقِلَت عن الأئمَّة (عليهم السلام) في زمن الحضور قد نُقِلَت بالمعنى ولم يُنقَل لفظها بالنصِّ، ويحتمل ولو ضعيفاً أنْ يشتبه الراوي في فهم مراد الإمام (عليه السلام)، وهذا الاحتمال لا يأتي في نقل مكاتبة بخطِّه (عجَّل الله فرجه)، والنقل بالمعنى وإنْ لم يمنع من الحجّيَّة إلَّا أنَّه يبقى مضعِّفاً احتماليًّا، خصوصاً إذا لم يكن الراوي ضليعاً بالفهم، بل كان مجرَّد راوٍ ثبتت وثاقته.
ولست باستعراضي لهذه القرائن بصدد إثبات حجّيَّة التوقيعات الصادرة عنه (عجَّل الله فرجه) أو المنسوبة إليه دون إعمال الضوابط في القبول وعدمه، بل إنَّ ما ذُكِرَ يُشكِّل قرائن احتماليَّة لا توصل إلى الجزم، ولكنَّها في الحدِّ الأدنى تمنع من النظر إلى التوقيعات على أنَّها في القبول دون الروايات التي نُقِلَت في زمان الحضور عن باقي الأئمَّة (عليهم السلام). فلِمَ نقبل بقيَّة الروايات في صورة توفُّرها على شرائط الحجّيَّة ولا نقبل التوقيعات أو نُشكِّك فيها إنْ كانت كذلك؟!
فإذا تمَّت أسانيد التوقيعات لا بدَّ من الأخذ بها عندما تنتفي وجداناً أو تعبُّداً احتمالات التقيَّة. وعندما ينتفي أيضاً وجود القرينة المانعة من العمل بها من وجود رواية أُخرى معارضة مكافئة لهذه المكاتبة أو أقوى بنحو تُقَدَّم عليها وفق قواعد صنعة الاستنباط، أو مخالفة لدليل قرآني أو قرينة عقليَّة، أو إعراض للمشهور عنها مع كونها بين أيديهم.
وبهذا لا يكون من الضروري معرفة خطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) وكون التوقيع بذلك الخطِّ حتَّى يتساءل المتسائل: ومن قال: إنَّ هذا الخطَّ هو خطُّ الإمام المعصوم (عليه السلام)؟ كما قيل.
وهل سجَّل الرواة عن الأئمَّة المتقدِّمين (عليهم السلام) أمثال زرارة ومحمّد بن مسلم ويونس بن عبد الرحمن وأضرابهم صوت الإمام الباقر والإمام الصادق أو غيرهما من الأئمَّة (عليهم السلام)، وعرفنا هذا الصوت لنقبل منهم خبرهم بعد مطابقة الصوت أم أنَّ مجرَّد وثاقتهم كان كافياً في الاعتماد على ما نقلوه لنا؟ فلماذا نعتبر في التوقيعات هذا الشرط الإضافي دون بقيَّة الروايات؟!
ومع كلِّ ذلك سيأتي أنَّ الخطَّ كان معروفاً للخواصِّ، وأنَّ المكاتبات كانت تخرج بنفس الخطِّ المعروف.
طلب البيِّنة من السفراء أمر مألوف:
إنَّ من الطبيعي أنْ يتردَّد الإنسان في قبول الدعاوى الغريبة، بل من المألوف ردُّها لمجرَّد غرابتها، والناس لا تضع مثل هذه الأُمور تحت مجهر الدقَّة العقليَّة، هذا إنْ كان لهم قلوب يعقلون بها أو أعين يُبصِرون بها أو آذان يسمعون بها.
ومن هنا احتاج الأنبياء (عليهم السلام) إلى المعجزات، فإنَّ السفارة في الخلق عن الله تعالى أمر غاية في الغرابة.
وكلَّما ازدادت غرابة الأمر كانت المعجزة أكثر لزوماً ومن سنخ مختلف، فحين يأتي بخلق النبيِّ عيسى (عليه السلام) من غير أب وهو أمر لم يتكرَّر بعد خلق آدم وحوّاء، كانت طريقة إثبات ذلك بشيء لا لبس فيها يُشخِّصه الجاهل والعالم على حدٍّ سواء، فأنطقه الله تعالى في المهد صبيًّا، ومع معرفتهم السابقة بطهارة مريم (عليها السلام) والذي دعاهم إلى الاستغراب من مجيئها بمولودها إلَّا أنَّ البرهان القاطع كان من خلال إنطاق وليدها حديث الولادة، فألقم الناس حجراً.
وحين تضيق الآفاق على النبيِّ موسى (عليه السلام) ومن معه عندما سعى فرعون لإدراكهم، ينشقُّ لهم البحر ليمضي بقومه بين طودين عظيمين من الماء، ثمّ يكون نفس طريق الإعجاز الذي أنقذ قوم موسى (عليه السلام) طريق بوار وهلاك لفرعون وجيشه. وتلك المعجزة لم تكن لإتمام الحجَّة على قوم فرعون بلا شكٍّ، إذ لم يمهلهم الأجل لما بعدها كي يعتبروا، بل لتكميل إيمان قوم موسى (عليه السلام) وإتمام الحجَّة عليهم، ومع ذلك لم يكتمل إيمانهم!
وهكذا حتَّى يصل الأمر إلى النبوَّة الخاتمة، فاحتاجت أنْ يأتي النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالمعجزات، ولكن لأنَّه كان رسولاً ﴿كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ (سبأ: ٢٨)، ولكونه ﴿لِلْعالَمِينَ نَذِيراً﴾ (الفرقان: ١)، و﴿نَذِيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (المدَّثِّر: ٣٦ و٣٧)؛ ولأنَّ النبوَّة قد أُوصِد بابها به (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، اقتضى ذلك أنْ تكون له معجزة تكسر حدود الزمان والمكان، فأنزل الله تعالى عليه القرآن مع التحدّي الصارخ لكلِّ المشكِّكين، بل التحدّي الذي يسم جباههم بوسم الذلِّ والصغار حين جعل ساحة النزال أنْ يأتوا بسورة واحدة مثله.
وقد جرى الأمر في الأئمَّة (عليهم السلام) ولكن بمستوى أدنى، فبعد قبول نبوَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانت الإمامة أقلُّ غرابةً من نزول وحي واتِّصال بالسماء واطِّلاع على الغيب، هذا مع إشارة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى أهل بيته (عليهم السلام) بالحثِّ على محبَّتهم، وببيان أنَّهم عِدل القرآن، وأنَّهم لن يفترقوا عنه، وما إلى ذلك.
لكن لكون الإمامة تسلب شرعيَّة أنظمة حاكمة وقوى ظالمة، فإنَّ تلك الطغم لم تألُ جهداً في الوقوف بوجهها بتهديد ووعيد وخلق أجواء تشكيك، ووُظِّف لذلك علماء وفقهاء باعوا دينهم بالدنيا ورضوا بدل الآخرة بالأُولى، وتمكَّنوا بذلك من صرف عامَّة الناس عن إمامة أئمَّة الهدى، فكانت الحاجة إلى ما يقطع الشكَّ باليقين ويرد حبائل الشياطين بين الفينة والأُخرى. وكان حقًّا طبيعيًّا أنْ يُطلَب من الإمام (عليه السلام) شاهد الحقِّ على إمامته.
حين يأتي الشامي إلى أبي عبد الله (عليه السلام) في الرواية المعروفة وقد تقدَّمت ويقول: إنّي رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك. ويطول الكلام بينه وبين أصحاب الإمام (عليه السلام) إلى أنْ قال الشامي: فهل أقام من يجمع لهم كلمتهم ويُقيم أودهم ويُخبرهم بحقِّهم من باطلهم؟
قال هشام: في وقت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أو الساعة؟
قال الشامي: في وقت رسول الله، رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والساعة من؟
فقال هشام: هذا القاعد الذي تُشَدُّ إليه الرحال، ويُخبرنا بأخبار السماء [والأرض] وراثةً عن أبٍ عن جدٍّ.
قال الشامي: فكيف لي أنْ أعلم ذلك؟
قال هشام: سَلْه عمَّا بدا لك.
قال الشامي: قطعت عذري، فعليَّ السؤال.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «يا شامي، أُخبرك كيف كان سفرك؟ وكيف كان طريقك؟ كان كذا وكذا»، فأقبل الشامي يقول: صدقت، أسلمت لله الساعة.
فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «بل آمنت بالله الساعة، إنَّ الإسلام قبل الإيمان...» الخبر(٢٠٤).
ولمَّا وقعت الغيبة وظهر من يقول أو يقال له: إنَّه سفير الإمام الغائب عن أعين الناس، كان الأمر بحاجة إلى إثبات ودعم مع خصوصيَّة أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) في زمن الحضور والنبيَّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كانوا حين يأتون بما يقطع الشكَّ باليقين يكتفون بمفردة في جمع من الناس، ولمَّا كانت غيبة الإمام (عجَّل الله فرجه) زمن أشدّ حالات التقيَّة للخوف على الإمام (عجَّل الله فرجه) كانت الدلائل على صدق قول السفير إنَّه سفير تظهر لآحاد الأفراد مع السعي إلى التكتُّم عليها، ولذلك كان طبيعيًّا أنْ يكون كلُّ من أراد الاتِّصال بالسفير بعنوان أنَّه سفير يطلب البيِّنة والبرهان أنَّه كذلك.
وكيف كان، فلنقف للنظر هل جاء في التراث الشيعي ما يُثبِت وثاقة السفراء والوكلاء ليكون ذلك موجباً للركون إلى نقلهم أو لا؟
ما ورد في توثيق العمريين (رضي الله عنهما):
لقد وردت جملة من الروايات الناصَّة على وثاقة عثمان بن سعيد العمري وولده محمّد، وهما السفير الأوَّل والثاني، ومنها:
١ - جماعة، عن أبي محمّد هارون بن موسى، عن أبي عليٍّ محمّد بن همّام الإسكافي، قال: حدَّثنا عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدَّثنا أحمد بن إسحاق بن سعد القمّي، قال: دخلت على أبي الحسن عليِّ بن محمّد (صلوات الله عليه) في يوم من الأيّام، فقلت: يا سيِّدي، أنا أغيب وأشهد ولا يتهيَّأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كلِّ وقتٍ، فقول من نقبل، وأمر من نمتثل؟
فقال لي (صلوات الله عليه): «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّاه إليكم فعنّي يُؤدّيه».
فلمَّا مضى أبو الحسن (عليه السلام) وصلت إلى أبي محمّد ابنه الحسن العسكري (عليه السلام) ذات يوم، فقلت له (عليه السلام) مثل قولي لأبيه، فقال لي: «هذا أبو عمرو الثقة الأمين، ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات، فما قاله لكم فعنّي يقوله، وما أدّى إليكم فعنّي يُؤدّيه».
قال أبو محمّد هارون: قال أبو عليٍّ: قال أبو العبّاس الحميري: فكنّا كثيراً ما نتذاكر هذا القول ونتواصف جلالة محلِّ أبي عمرو(٢٠٥).
وهارون بن موسى هو ابن أحمد بن سعيد التلعكبري من بني شيبان، قال النجاشي: (كان وجهاً في أصحابنا، ثقةً، معتمداً، لا يُطعَن عليه)(٢٠٦).
ومحمّد بن همّام هو محمّد بن أبي بكر همّام بن سهيل، وقد قال الشيخ عنه: (جليل القدر، ثقة)(٢٠٧).
وعبد الله بن جعفر عَلَم في الوثاقة(٢٠٨).
وتبقى المشكلة في الجماعة الذين يروي عنهم الشيخ، ويقوى احتمال الصحَّة نظراً لكونهم جماعة.
٢ - وفي الرواية التي بعدها حين يلتقي عبد الله بن جعفر بأبي عمرو عند أحمد بن إسحاق قال له:
إنَّ هذا الشيخ - أحمد بن إسحاق - وهو عندنا الثقة المرضي حدَّثنا فيك بكيت وكيت - واقتصَّ عليه ما تقدَّم - وأنت الآن ممَّن لا يُشَكُّ في قوله وصدقه، فأسألك بحقِّ الإمامين اللذين وثَّقاك هل رأيت ابن أبي محمّد الذي هو صاحب الزمان (عليه السلام)؟ فبكى ثمّ قال: على أنْ لا تُخبِر بذلك أحداً وأنا حيٌّ، قلت: نعم، قال: قد رأيته (عليه السلام) وعنقه هكذا... الخبر(٢٠٩).
فها هو عبد الله بن جعفر على جلالته يقول اعتماداً على خبر أحمد بن إسحاق: أنت الآن ممَّن لا يُشَكُّ في قوله وصدقه.
٣ - روى الكليني (رحمه الله) بسند صحيح عن أحمد بن إسحاق أنَّه سأل أبا محمّد الحسن بن عليٍّ، فقال: من أُعامل وعمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال (عليه السلام) له: «العمري [عثمان بن سعيد] وابنه ثقتان، فما أدَّيا إليك فعنّي يُؤدِّيان..» الحديث(٢١٠).
٤ - محمّد بن عبد الله ومحمّد بن يحيى جميعاً، عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو (رحمه الله) عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أنْ أسأله عن الخلف، فقلت له: يا أبا عمرو، إنّي أُريد أنْ أسألك عن شيء وما أنا بشاكٍّ فيما أُريد أنْ أسألك عنه، فإنَّ اعتقادي وديني أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة إلَّا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوماً، فإذا كان ذلك رُفِعَت الحجَّة وأُغلق باب التوبة فلم يكُ ﴿يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ١٥٨]، فأُولئك أشرار من خلق الله (عزَّ وجلَّ)، وهم الذين تقوم عليهم القيامة، ولكنّي أحببت أنْ أزداد يقيناً، وإنَّ إبراهيم (عليه السلام) سأل ربَّه (عزَّ وجلَّ) أنْ يريه كيف يُحيي الموتى، قال: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وقد أخبرني أبو عليٍّ أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: سألته وقلت: من أُعامل أو عمَّن آخذ وقول من أقبل؟ فقال له: «العمري ثقتي، فما أدّى إليك عنّي فعنّي يُؤدّي، وما قال لك عنّي فعنّي يقول، فاسمع له وأطع، فإنَّه الثقة المأمون»، وأخبرني أبو عليٍّ أنَّه سأل أبا محمّد (عليه السلام) عن مثل ذلك، فقال له: «العمري وابنه ثقتان، فما أدّيا إليك عنّي فعنّي يُؤدّيان، وما قالا لك فعنّي يقولان، فاسمع لهما وأطعمها فإنَّهما الثقتان المأمونان»، فهذا قول إمامين قد مضيا فيك.
قال: فخرَّ أبو عمرو ساجداً وبكى... الخبر(٢١١).
والرواية صحيحة السند.
٥ - الشيخ الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة)، قال: وقال جعفر بن محمّد بن مالك الفزاري البزّاز، عن جماعة من الشيعة منهم عليُّ بن بلال وأحمد بن هلال ومحمّد ابن معاوية بن حكيم والحسن بن أيّوب بن نوح في خبر طويل مشهور، قالوا جميعاً: اجتمعنا إلى أبي محمّد الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام) نسأله عن الحجَّة من بعده، وفي مجلسه (عليه السلام) أربعون رجلاً، فقام إليه عثمان بن سعيد بن عمرو العمري، فقال له: يا بن رسول الله، أُريد أنْ أسألك عن أمر أنت أعلم به منّي.
فقال له: «اجلس يا عثمان»، فقام مغضباً ليخرج، فقال: «لا يخرجنَّ أحد»، فلم يخرج منّا أحد إلى (أنْ) كان بعد ساعة، فصاح (عليه السلام) بعثمان، فقام على قدميه، فقال: «أخبركم بما جئتم؟».
قالوا: نعم، يا بن رسول الله.
قال: «جئتم تسألوني عن الحجَّة من بعدي».
قالوا: نعم، فإذا غلام كأنَّه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمّد (عليه السلام)، فقال: «هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، أطيعوه ولا تتفرَّقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألَا وإنَّكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتَّى يتمَّ له عمر، فاقبلوا من عثمان ما يقوله، وانتهوا إلى أمره، واقبلوا قوله، فهو خليفة إمامكم، والأمر إليه...» في حديث طويل(٢١٢).
وجعفر بن محمّد بن مالك قد وثَّقه الطوسي (رحمه الله)(٢١٣).
وأحد من يروي عنهم وهو أحمد بن هلال ثقة أيضاً(٢١٤)، ومجهوليَّة عليِّ بن بلال(٢١٥) ومحمّد بن معاوية(٢١٦) والحسن بن أيّوب(٢١٧) لا تضرُّ؛ لأنَّ أحمد بن هلال في عرضهم.
٦ - روى الشيخ بإسناده عن عبد الله بن جعفر الحميري، قال: خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمّد بن عثمان بن سعيد العمري (قدَّس الله روحه) في التعزية بأبيه (رضي الله عنه)، وفيه: «أجزل الله لك الثواب وأحسن لك العزاء، رُزئت ورُزئنا وأوحشك فراقه وأوحشنا، فسرَّه الله في منقلبه، [و]كان من كمال سعادته أنْ رزقه الله تعالى ولداً مثلك يخلفه من بعده، ويقوم مقامه بأمره، ويترحَّم عليه، وأقول: الحمد لله، فإنَّ الأنفس طيِّبة بمكانك، وما جعله الله (عزَّ وجلَّ) فيك وعندك، أعانك الله وقوّاك وعضدك ووفَّقك، وكان لك وليًّا وحافظاً وراعياً وكافياً»(٢١٨).
ودلالتها واضحة على وثاقته ووثاقة أبيه.
وطريق الشيخ إليه تامٌّ، فقد قال الشيخ: أخبر بجميع كُتُبه [أي عبد الله بن جعفر] ورواياته: (الشيخ المفيد (رحمه الله)، عن أبي جعفر بن بابويه، عن أبيه ومحمّد بن الحسن، عنه)، وهذا الطريق تامٌّ.
قال: (وأخبرنا بها ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عنه)(٢١٩)، وهو تامٌّ أيضاً، إلَّا أنَّ ابن أبي جيد يعدُّون حديثه صحيحاً أو حسناً.
ما ورد في الحسين بن روح (رضي الله عنه):
هنا جملة من الشواهد ممَّا ورد في السفير الثالث ممَّا يدعم ما هو متسالم من وثاقته وسفارته للإمام (عجَّل الله فرجه).
ولكن لم يرد نصٌّ مباشر من المعصومين (عليهم السلام) بتوثيقه بالخصوص، لا هو ولا السمري (رضوان الله عليهما)(٢٢٠)؛ لأنَّهما لم يكونا في زمن الحضور بخلاف العمريين فقد عاصرا الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، وعاصر الأب الإمام الهادي (عليه السلام) أيضاً. نعم، أدلَّة اختيارهما للسفارة وأنَّ ذلك كان بأمر الإمام (عجَّل الله فرجه) يدلُّ بالالتزام على الوثاقة.
ومن الشواهد ما ورد في الغيبة للطوسي: أخبرني الحسين بن عبيد الله، عن أبي الحسن محمّد بن أحمد بن داود القمّي (رحمه الله)، عن أبي عليٍّ [محمّد] بن همّام، قال: أنفذ محمّد بن عليٍّ الشلمغاني العزاقري إلى الشيخ الحسين بن روح يسأله أنْ يباهله وقال: أنا صاحب الرجل، وقد أُمرت بإظهار العلم، وقد أظهرته باطناً وظاهراً، فباهلني، فأنفذ إليه الشيخ (رضي الله عنه) في جواب ذلك: أيُّنا تقدَّم صاحبه فهو المخصوم، فتقدَّم العزاقري فقُتِلَ وصُلِبَ وأُخِذَ معه ابن أبي عون، وذلك في سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة(٢٢١).
والرواية صحيحة سنداً، فالحسين بن عبيد الله هو ابن الغضائري(٢٢٢).
ومحمّد بن أحمد جليل القدر، شيخ القمّيين في وقته(٢٢٣).
وأبو عليٍّ بن همّام هو محمّد بن همّام البغدادي جليل القدر أيضاً، عظيم المنزلة(٢٢٤).
وقد كان الحسين بن روح بمنزلة حتَّى أنَّ الصدوق الأب كان يكتب له أنْ يسأل الناحية المقدَّسة، فقد روى الشيخ الطوسي (رحمه الله) عن ابن نوح قوله: وحدَّثني أبو عبد الله الحسين محمّد بن سورة القمّي (رحمه الله) حين قَدِمَ علينا حاجًّا، قال: حدَّثني عليُّ بن الحسن بن يوسف الصائغ القمّي ومحمّد بن أحمد بن محمّد الصيرفي المعروف بابن الدلّال وغيرهما من مشايخ أهل قم أنَّ عليَّ بن الحسين بن موسى بن بابويه كانت تحته بنت عمِّه محمّد بن موسى بن بابويه، فلم يُرزَق منها ولداً. فكتب إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه) أنْ يسأل الحضرة أنْ يدعو الله أنْ يرزقه أولاداً فقهاء، فجاء الجواب: «إنَّك لا تُرزَق من هذه، وستملك جارية ديلميَّة وتُرزَق منها ولدين فقيهين»... الخبر(٢٢٥).
قال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجاله بعد إيراد هذه الرواية: (يظهر من الرواية الأخيرة أنَّ قصَّة ولادة محمّد بن عليِّ بن الحسين بدعاء الإمام (عليه السلام) أمر مستفيض معروف متسالم عليه...) إلى آخر كلامه(٢٢٦).
وروى الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه)، قال: سألني عليُّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي الله عنه) بعد موت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أنْ أسأل أبا القاسم الروحي أنْ يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أنْ يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته، فأنهى ذلك، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين، وأنَّه سيُولَد له ولد مبارك ينفع [الله] به، وبعده أولاد... الخبر(٢٢٧).
وليس في سندها إلَّا محمّد بن عليٍّ الأسود، وقد ترحَّم عليه الشيخ الصدوق وترضّى عليه، فتكون الرواية تامَّة سنداً، لا أقلّ على بعض المباني.
تسالم الطائفة على وثاقة السفراء:
لقد كانت وثاقة السفراء وجلالة قدرهم وعظم منزلتهم أمراً متسالماً عليه بين علماء الطائفة، ولم يقبل ذلك أيّ تشكيك من أهل الفنِّ والاختصاص.
ورد في كتاب (الغيبة) للشيخ الطوسي (رحمه الله): (وكانت توقيعات صاحب الأمر (عليه السلام) تخرج على يديّ عثمان بن سعيد وابنه أبي جعفر محمّد بن عثمان إلى شيعته وخواصِّ أبيه أبي محمّد (عليه السلام) بالأمر والنهي والأجوبة عمَّا يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام)، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أنْ تُوفّي عثمان بن سعيد (رحمه الله ورضي عنه)، وغسَّله ابنه أبو جعفر، وتولّى القيام به، وحصل الأمر كلُّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته، لما تقدَّم له من النصِّ عليه بالأمانة والعدالة والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام)، وبعد موته في حياة أبيه عثمان (رحمة الله عليه))(٢٢٨).
وفي الاحتجاج: (وأمَّا الأبواب المرضيُّون والسفراء الممدوحون في زمان الغيبة:
فأوَّلهم: الشيخ الموثوق به أبو عمرو (عثمان) بن سعيد العمري. نصبه أوَّلاً أبو الحسن عليُّ بن محمّد العسكري، ثمّ ابنه أبو محمّد الحسن، فتولّى القيام بأُمورهما حال حياتهما (عليهما السلام)، ثمّ بعد ذلك قام بأمر صاحب الزمان (عليه السلام)، وكان توقيعاته وجواب المسائل تخرج على يديه.
فلمَّا مضى لسبيله، قام ابنه أبو جعفر (محمّد) بن عثمان مقامه، وناب منابه في جميع ذلك.
فلمَّا مضى هو، قام بذلك أبو القاسم (حسين بن روح) من بني نوبخت.
فلمَّا مضى هو، قام مقامه أبو الحسن (عليُّ) بن محمّد السمري.
ولم يقم أحد منهم بذلك إلَّا بنصٍّ عليه من قِبَل صاحب الأمر (عليه السلام)، ونصب صاحبه الذي تقدَّم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم إلَّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلِّ واحدٍ منهم من قِبَل صاحب الأمر (عليه السلام)، تدلُّ على صدق مقالتهم، وصحَّة بابيَّتهم)(٢٢٩).
وورد في خاتمة الوسائل في الفائدة السابعة: (وأمَّا الجماعة الذين وثَّقهم الأئمَّة (عليهم السلام) وأثنوا عليهم، وأمروا بالرجوع إليهم والعمل برواياتهم ونصبوهم وكلاء وجعلوهم مرجعاً للشيعة فهم كثيرون، ونحن نذكر جملة منهم، وأكثرهم مذكور في كتاب (الغيبة) للشيخ.
وقد تقدَّم بعضهم في القضاء، ويأتي جملة أُخرى منهم.
فمن أجلّائهم وعظمائهم:
محمّد بن عثمان العمري، وعثمان بن سعيد العمري، والحسين بن روح النوبختي، وعليُّ بن محمّد السمري...) إلى آخر كلامه(٢٣٠).
وقال الشيخ الحائري (رحمه الله) في (منتهى المقال) بحقِّ العمريين: (حالهما في العظمة والجلالة والثقة أظهر من أنْ يحتاج إلى بيان)(٢٣١).
وقال المامقاني (رحمه الله) بحقِّ عثمان بن سعيد: (جلالة شأن الرجل وعلوُّ قدره ومنزلته في الإماميَّة أشهر من أنْ يحتاج إلى بيان وإقامة برهان)(٢٣٢).
وفي الغيبة للطوسي: قال أبو العبّاس: وأخبرني هبة الله بن محمّد ابن بنت أُمِّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري (رضي الله عنه)، عن شيوخه، قالوا: لم تزل الشيعة مقيمة على عدالة عثمان بن سعيد (ومحمّد بن عثمان (رحمها الله تعالى) إلى أنْ تُوفّي أبو عمرو عثمان ابن سعيد) (رحمه الله تعالى)، وغسَّله ابنه أبو جعفر محمّد بن عثمان، وتولّى القيام به، وجعل الأمر كلَّه مردوداً إليه، والشيعة مجتمعة على عدالته وثقته وأمانته، لما تقدَّم له من النصِّ عليه بالأمانة والعدالة، والأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن (عليه السلام) وبعد موته في حياة أبيه عثمان بن سعيد، لا يُختَلف في عدالته، ولا يُرتاب بأمانته، والتوقيعات تخرج على يده إلى الشيعة في المهمّات طول حياته بالخطِّ الذي كانت تخرج في حياة أبيه عثمان، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره، ولا يُرجَع إلى أحد سواه.
وقد نُقِلَت عنه دلائل كثيرة، ومعجزات الإمام ظهرت على يده، وأُمور أخبرهم بها عنه زادتهم في هذا الأمر بصيرة... إلى آخر كلامه(٢٣٣).
وأبو العبّاس هو أحمد بن عليِّ بن نوح، وهو من مشايخ النجاشي، وهو ثقة(٢٣٤).
وهبة الله هو هبة الله بن أحمد بن محمّد الكاتب المعروف بابن برينة، وقد ذكر السيِّد الخوئي (قدّس سرّه) في معجم رجاله عن النجاشي أنَّه رأى أبا العبّاس ابن نوح قد عوَّل عليه في كتابه (أخبار الوكلاء)، وكان هذا الرجل كثير الزيارات، وآخر زيارة حضرها معنا - كما قال النجاشي - يوم الغدير سنة أربعمائة بمشهد أمير المؤمنين (عليه السلام)(٢٣٥).
كلمات الرجاليِّين في حقِّ السفير الثالث (رضي الله عنه):
قال الشيخ الطوسي (رحمه الله) في مدح الحسين بن روح (رضي الله عنه): (وكان أبو القاسم (رحمه الله) من أعقل الناس عند المخالف والموافق، ويستعمل التقيَّة، فروى أبو نصر هبة الله بن محمّد، قال: حدَّثني أبو عبد الله بن غالب حمو أبي الحسن بن أبي الطيِّب، قال: ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح)(٢٣٦).
وقال ابن حجر العسقلاني في ترجمته: (أحد رؤساء الشيعة في خلافة المقتدر، وله وقائع في ذلك مع الوزراء...)، إلى أنْ قال: (وإنَّه كان كثير الجلالة في بغداد)(٢٣٧).
وقال السيِّد الخوئي (قدّس سرّه): (النوبختي أبو القاسم: هو أحد السفراء والنوّاب الخاصَّة للإمام الثاني عشر (عجَّل الله فرجه)، وشهرة جلالته وعظمته أغنتنا عن الإطالة في شأنه)(٢٣٨).
كلمات الرجاليِّين في حقِّ السفير الرابع (رضي الله عنه):
لقد اتَّفقت كلمة أصحاب التراجم على وثاقة وجلالة أبي الحسن عليِّ بن محمّد السمري، فقد قال الحائري في منتهى مقاله: (عليُّ بن محمّد السمري، من السفراء والنوّاب، وجلالته تُغني عن التعرُّض لحاله)(٢٣٩).
وقال الأصفهاني في (ثقات الرواة): (رابع السفراء والنوّاب الأربعة للإمام الثاني عشر المنتظر الحجَّة بن الحسن العسكري (عليه السلام)...)، إلى أنْ قال: (فكفى في وثاقته وجلالة شأنه وعلوِّ منزلته أنَّه منصوب من قِبَله (عليه السلام) بعنوان الخاصِّ)(٢٤٠).
وقال المامقاني فيه: (هو السفير بعد أبي القاسم بن روح، وثقته وجلالته أشهر من أنْ تُذكَر وأظهر من أنْ تُحرَز، فهو كالشمس لا يحتاج إلى بيان نوره)(٢٤١).
سكوت متقدِّمي الرجاليِّين لا يُسبِّب مغمزاً:
إنَّ من اللافت أنَّ بعض الأعاظم من الرواة لم يتعرَّض لهم متقدِّمو الرجاليِّين بجرح أو تعديل، ومن أمثلة ذلك السفراء الأربعة أو بعضهم في الحدِّ الأدنى، إلَّا أنَّ ذلك لا يعني الجهالة في حال هؤلاء الأعاظم، إذ بعض الرواة يكون بدرجة من عظم المنزلة بحيث يصبح توثيقه من نفل القول وتحصيل الحاصل، فالشمس الساطعة في نهار الأرض لا يحتاج إثباتها إلى دليل. وهكذا الحال في جملة من الأعاظم، وهكذا استدلَّ البعض على وثاقة بعض المسكوت عن توثيقهم في التراجم، كالقاسم بن عروة الذي استدلَّ الميرزا جواد التبريزي في درسه على وثاقته بذلك، إذ نفس نقل عدد من أكابر الرواة عنه مع سكوت الرجاليِّين عن التعرُّض لتوثيقه قد اعتبره دليلاً على وثاقته، وسكوت بعض مؤسِّسي علم الجرح والتعديل عن وثاقة السفراء الأربعة مع تداول مسألة سفارتهم بهذا المقدار من الاتِّساع لدليل واضح على أنَّهم فوق كلِّ مغمز وأعظم من أنْ ينالوا بجرح في وثاقة النقل، وكفى بذلك شاهداً على الوثاقة.
عدم معرفة خطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لا يمنع من الجزم بخروج التوقيع عنه:
ومن الشبهات التي تُلقى في هذه الأيّام فيما يرجع إلى توقيعات الإمام (عجَّل الله فرجه) أنَّه لا يوجد شخص اطَّلع على خطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) ليعرف أنَّها خرجت منه، فقد تكون تلك رسائل من غيره وتُنسَب إليه.
وما أعجب مثل هذه التُّرَّهات، خصوصاً من منتسب إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، ولنبدأ أوَّلاً بالروايات التي دلَّت على أنَّ خطَّه (عجَّل الله فرجه) كان معروفاً.
قال الطوسي (رحمه الله) في (الغيبة): وأخبرني جماعة، عن هارون بن موسى، عن محمّد بن همّام، قال: قال لي عبد الله بن جعفر الحميري: لمَّا مضى أبو عمرو (رضي الله تعالى عنه) أتتنا الكُتُب بالخطِّ الذي كنّا نكاتب به بإقامة أبي جعفر (رضي الله عنه) مقامه(٢٤٢).
وقال (رحمه الله) أيضاً: وأخبرنا جماعة، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه وأبي غالب الزراري وأبي محمّد التلعكبري كلُّهم، عن محمّد بن يعقوب، عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمري (رحمه الله) أنْ يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليَّ. فوقع التوقيع بخطِّ مولانا صاحب الدار (عليه السلام): «... وأمَّا محمّد بن عثمان العمري فرضي الله تعالى عنه وعن أبيه من قبل، فإنَّه ثقتي وكتابه كتابي»(٢٤٣).
وظاهر الرواية أنَّ إسحاق بن يعقوب كان يعرف خطَّ الإمام (عجَّل الله فرجه)، كما أنَّ جهالة الجماعة الذين رووا عن جعفر بن محمّد بن قولويه قد لا تمنع من الاستناد إلى هذه الرواية، وذلك:
أوَّلاً: لأنَّهم جماعة، فيقوى بحساب الاحتمال صدق أحدهم.
وثانياً: رووا عن ثلاثة، وظاهر السند أنَّ الجماعة كلُّهم رووا عن الثلاثة، ويبعد أنْ يكذب الجميع من خلال نسبة الخبر إلى الثلاثة كلِّهم.
وثالثاً: أنَّ مضمون الرواية قد ورد في روايات معتبرة، ومن البعيد أنْ يتَّفق الثلاثة على الكذب في خصوص كلمة (بخطِّ مولانا)، ولا أثر كبيراً يترتَّب على ذلك - أي على قولهم: مولانا - ليقال: إنَّ هناك ما دعا الجميع إلى إضافة هذه الكلمة عند وضعهم للرواية على فرض ذلك؛ إذ كأنَّه قال: فخرج التوقيع؛ إذ كان الأتباع يفهمون أنَّ المراد خطَّ الإمام (عجَّل الله فرجه).
وإسحاق بن يعقوب قد روى الكشّي توقيعاً يتضمَّن مدحه(٢٤٤).
وقال الطوسي (رحمه الله): وذكر أبو نصر هبة الله [بن] محمّد بن أحمد أنَّ أبا جعفر العمري (رحمه الله) مات في سنة أربع وثلاثمائة، وأنَّه كان يتولّى هذا الأمر نحواً من خمسين سنة يحمل الناس إليه أموالهم، ويُخرج إليهم التوقيعات بالخطِّ الذي كان يخرج في حياة الحسن (عليه السلام) إليهم بالمهمّات في أمر الدِّين والدنيا وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجيبة (رضي الله عنه وأرضاه)(٢٤٥).
وأبو نصر وإنْ لم يُنَص على توثيقه لكن ذكر النجاشي أنَّه رأى أبا العبّاس ابن نوح قد عوَّل عليه في كتابه (أخبار الوكلاء)، وكان هذا الرجل كثير الزيارات كما مرَّ(٢٤٦).
وكيف كان، فالرواية صريحة في معرفتهم بالخطِّ الذي كان يخرج التوقيع به.
ثمّ أيَّة حاجة إلى معرفة خطِّ الإمام (عجَّل الله فرجه) لنقبل توقيعه؟ وهل سجَّل الرواة فيما سبق أصوات الأئمَّة (عليهم السلام) وأسمعوها للناس الذين كانوا يعرفون صوت الإمام (عليه السلام) لأجل أنْ يقبلوها؟ ما لكم كيف تحكمون؟ إنَّ مجرَّد وثاقة الطريق كافية للاعتماد، بل لم تكتفِ الناس بالوثاقة فقط حتَّى قطعوا الشكَّ باليقين.
وقد قال الطبرسي (رحمه الله) في (الاحتجاج): (ولم تقبل الشيعة قولهم إلَّا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كلِّ واحدٍ منهم من قِبَل صاحب الأمر (عليه السلام)، تدلُّ على صدق مقالتهم، وصحَّة بابيَّتهم)(٢٤٧).
وهذا ما يحتاج إلى بيان مقدّمته ومآله.
إنَّ ميزة الإنسان التي أهَّلته للاستخلاف في الأرض دون سواه من المخلوقات بما في ذلك الملائكة تتمثَّل في قابليَّته للتعلُّم، ومن هنا حين أراد الله تعالى أنْ يرفع منشأ التساؤل والشكِّ في نفوس الملائكة عند تساؤلهم عن الحكمة في اختياره دونهم لهذه المسؤوليَّة الكبرى أظهر لهم من خلال موقف عملي قابليَّة الإنسان للتعلُّم بعد أنْ علَّمه الأسماء كلَّها، ولم يقع بعد ذلك تساؤل منهم؛ إذ ارتفع المنشأ.
ويبقى سعي الإنسان للاستزادة المعرفيَّة ملازماً له إلى آخر لحظة في عمره؛ إذ إنَّ الله تبارك وتعالى قد أعمل التكوين من خلال خلقة هذا النوع متَّصفاً بحُبِّ الاطِّلاع؛ لأنَّ ذلك عنصر أساسي في عمليَّة ارتقائه وتكامله، الذي هو غاية لخلقته.
ولمَّا كانت المعرفة أسيرة البرهان والاستدلال في أغلب الحالات، كان الشارع المقدَّس يحثُّ على التفكُّر والتدبُّر والسعي لطلب العلم، والإشادة بالعلماء والمتعلِّمين.
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: ٩).
﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ (المجادلة: ١١).
وكان مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء(٢٤٨)، والملائكة تخفض أجنحتها لطالب العلم(٢٤٩)، ومن هنا أيضاً تكفَّل الله تعالى تهيئة ما يوصل الناس إلى المعتقد الحقِّ.
﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْأَفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فُصِّلت: ٥٣).
ومن هنا أيضاً كان حقًّا للناس على الأنبياء أنْ يأتوهم بالآيات والبيِّنات والشواهد التي لا تقبل الشكَّ على صدق مدَّعاهم.
﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ (الأعراف: ١٠١).
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُوهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ (الروم: ٤٧).
﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ﴾ (الحديد: ٢٥).
لا يقبل في الإيمان إلَّا ما كان مبتنياً على رؤية واضحة وبرهان مبين، وما سواه يكون مورداً للسؤال والمؤاخذة.
﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (يونس: ٦٨).
﴿وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ (الإسراء: ٣٦).
لقد شقَّ الله تعالى البحر، وأنطق عيسى (عليه السلام) في المهد صبيًّا، ومُنِعَت النار عن حرق إبراهيم (عليه السلام)، وسخرت الرياح غدوّها شهر ورواحها شهر لسليمان (عليه السلام)، ورفع الجبل فوق بني إسرائيل كأنَّه ظلَّة، ودُعيت الشجرة فجاءت تخدُّ الأرض سعياً للنبيِّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، وغير ذلك من مئات المعاجز التي جاء بها الأنبياء (عليهم السلام) للبشر؛ لأنَّ الله تعالى لم يرد من الناس أنْ يؤمنوا دون برهان واضح ودليل بيِّن. فهل تراه تعالى يريد منّا الاعتقاد بممثِّل للإمام وسفير له في خلقه دون أنْ يفتح للناس باب طلب ما يمكن أن يكون فيصلاً في إثبات حقّانيَّة الدعوى أو زيفها؟ خصوصاً والمسألة ممَّا يكثر فيها الادِّعاء من طلّاب الدنيا والمورد مورد مغمز للمشكِّكين.
إنَّ مجرَّد نقل خبر أو حادثة قد لا يحتاج أكثر من الوثاقة، وتلك حالة نعيش تطبيقاتها في كلِّ يوم تقريباً، وجرت عليها طريقة العقلاء، وارتضاها الشارع المقدَّس في التعامل مع ما يُنسَب إليه حين أمضى هذه السيرة ولم يردع عنها، وقد قال جمع من علمائنا بدلالة الآية الشريفة: ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: ٦) على حجّيَّة خبر العادل، وربَّما عُمِّم ذلك إلى كلِّ ثقة.
ولكن في الأُمور العظيمة لا يُكتفى بمجرَّد الوثاقة، ولذا لم يقبل الناس بنبوَّة النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بمجرَّد وثاقته، مع أنَّهم كانوا يعرفونه بصفة الصادق الأمين، بل يمكن تعميم ذلك إلى كلِّ الأنبياء (عليهم السلام) حيث إنّا نعتقد بعصمتهم حتَّى في فترة ما قبل النبوَّة، ممَّا يعني بحسب العادة ثبوت الوثاقة والصدق والأمانة في النقل عند من يعرفهم، ومع ذلك لم تكتفِ الناس بذلك حتَّى جاءتهم المعجزات، بل لم يُكلِّفهم الله تعالى بالإيمان إلَّا بعد البرهان القاطع، إذ كان الإرسال بالآيات.
بل لم يقتصر الشارع المقدَّس في نبوّات الأنبياء ووصاية الأوصياء على بلاغ وإعلام من نبيٍّ ثبتت نبوَّته أو إخبار من وصيٍّ قام الدليل القطعي على كونه وصيًّا.
وهكذا هي السفارة، نعم لا يُعتَبر أنْ يأتي هو بمعجزة، بل يكفي أنْ يأتي معه برهان على ذلك ولو كان الذي أتى به هو الإمام (عليه السلام)، وهذا ما حدث كثيراً حين كان السفير ينقل إلى الناس بعض ما يخفى على عامَّتهم، وقد يكون بعض ما يقوله لهم ممَّا كان شاهداً على صدق سفارته تفصيلاً أخذه من الإمام (عليه السلام).
وبعض هذه الإخبارات وإنْ لم تكن بمثابة الدليل البرهاني القاطع، إلَّا أنَّ ما كان في السفراء قد يُشكِّل موجباً للاطمئنان عند الكثير من الناس أوَّلاً، وثانياً أنَّه لم يقتصر عليه، بل أُضيفت له وثاقتهم المشهود عليها حتَّى من الأئمَّة المعصومين (عليهم السلام)، وعدم الخطأ في النقل: «ما أدّيا إليك فعنِّي يُؤدّيان»(٢٥٠)، وخطُّ الإمام (عجَّل الله فرجه) الذي يعرفه خواصُّهم حيث كانت الكُتُب تخرج به، وعدم كونهم ذوي قرابة مع بعضهم إلَّا السفير الأوَّل والثاني، وإخبار الرابع منهم أنَّه آخر هذه السلسلة، وغير ذلك من الشواهد والدلائل التي يُجزم من خلالها بأنَّهم لم يحكوا من أنفسهم وإنَّما كانوا واسطة بين الإمام المعصوم (عليه السلام) وشيعته، فهي كانت بمثابة التمهيد لسدِّ باب التواصل ولو بالواسطة مع الإمام الغائب (عجَّل الله فرجه).
وقد كانت الشيعة تطالب المدَّعين - عندما يشكُّون فيهم - بالأشياء الخارقة للتمييز بين دعوى الحقِّ وفريَّة الباطل، وفي الرواية عن الحسين بن إبراهيم، عن أبي العبّاس أحمد بن عليِّ بن نوح، عن أبي نصر هبة الله بن محمّد الكاتب ابن بنت أُمِّ كلثوم بنت أبي جعفر العمري، قال: لمَّا أراد الله تعالى أنْ يكشف أمر الحلّاج ويُظهِر فضيحته ويُخزيه، وقع له أنَّ أبا سهل إسماعيل بن عليٍّ النوبختي (رضي الله عنه) ممَّن تجوز عليه مخرقته وتتمُّ عليه حيلته، فوجَّه إليه يستدعيه، وظنَّ أنَّ أبا سهل كغيره من الضعفاء في هذا الأمر بفرط جهله، وقدر أنْ يستجرَّه إليه فيتمخرق (به) ويتسوَّف بانقياده على غيره، فيستتبُّ له ما قصد إليه من الحيلة والبهرجة على الضعفة، لقدر أبي سهل في أنفس الناس ومحلِّه من العلم والأدب أيضاً عندهم.
ويقول له في مراسلته إيّاه: إنّي وكيل صاحب الزمان (عليه السلام) - وبهذا أوَّلاً كان يستجرُّ الجُهّال ثم يعلو منه إلى غيره -، وقد أُمرت بمراسلتك وإظهار ما تريده من النصرة لك لتقوي نفسك، ولا ترتاب بهذا الأمر.
فأرسل إليه أبو سهل (رضي الله عنه) يقول له: إنّي أسألك أمراً يسيراً يخفُّ مثله عليك في جنب ما ظهر على يديك من الدلائل والبراهين، وهو أنّي رجل أُحِبُّ الجواري وأصبو إليهنَّ، ولي منهنَّ عدَّة أتحظّاهنَّ، والشيب يُبعدني عنهنَّ [ويُبغِّضني إليهنَّ]، وأحتاج أنْ أخضبه في كلِّ جمعة، وأتحمَّل منه مشقَّة شديدة لأستر عنهنَّ ذلك، وإلَّا انكشف أمري عندهنَّ، فصار القرب بعداً والوصال هجراً، وأُريد أنْ تُغنيني عن الخضاب وتكفيني مؤنته، وتجعل لحيتي سوداء، فإنّي طوع يديك، وصائر إليك، وقائل بقولك، وداعٍ إلى مذهبك، مع ما لي في ذلك من البصيرة ولك من المعونة.
فلمَّا سمع ذلك الحلّاج من قوله وجوابه عَلِمَ أنَّه قد أخطأ في مراسلته وجهل في الخروج إليه بمذهبه، وأمسك عنه ولم يرد إليه جواباً، ولم يُرسِل إليه رسولاً، وصيَّره أبو سهل (رضي الله عنه) أُحدوثة وضحكة ويُطنِّز به عند كلِّ أحد، وشهَّر أمره عند الصغير والكبير، وكان هذا الفعل سبباً لكشف أمره وتنفير الجماعة عنه(٢٥١).
وفي رواية عن (كمال الدِّين)، قال: حدَّثنا أبو الأديان:... فنحن جلوس إذ قَدِمَ نفر من قم، فسألوا عن الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فعرفوا موته، فقالوا: فمن (نُعزّي)؟ فأشار الناس إلى جعفر بن عليٍّ، فسلَّموا عليه وعزُّوه وهنُّوه، وقالوا: إنَّ معنا كُتُباً ومالاً، فتقول ممَّن الكتب وكم المال.
فقام ينفض أثوابه ويقول: تريدون منّا أنْ نعلم الغيب.
قال: فخرج الخادم، فقال: معكم كُتُب فلان وفلان (وفلان)، وهميان فيه ألف دينار وعشرة دنانير منها مطليَّة، فدفعوا إليه الكُتُب والمال وقالوا: الذي وجَّه بك لأخذ ذلك هو الإمام(٢٥٢).
وفي أُخرى: لمَّا قُبِضَ سيِّدنا أبو محمّد الحسن بن عليٍّ العسكري (صلوات الله عليهما) وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تُحمَل على الرسم والعادة، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن (عليه السلام)، فلمَّا أنْ وصلوا إلى سُرَّ من رأى سألوا عن سيِّدنا الحسن بن عليٍّ (عليهما السلام)، فقيل لهم: إنَّه قد فُقِدَ، فقالوا: ومن وارثه؟ قالوا: أخوه جعفر بن عليٍّ، فسألوا عنه، فقيل لهم: إنَّه قد خرج متنزِّهاً وركب زورقاً في الدجلة يشرب ومعه المغنُّون.
قال: فتشاور القوم، فقالوا: هذه ليست من صفة الإمام، وقال بعضهم لبعض: امضوا بنا حتَّى نردَّ هذه الأموال على أصحابها.
فقال أبو العبّاس محمّد بن جعفر الحميري القمّي: قفوا بنا حتَّى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحَّة.
قال: فلمَّا انصرف دخلوا عليه، فسلَّموا عليه، وقالوا: يا سيِّدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها، وكنّا نحمل إلى سيِّدنا أبي محمّد الحسن ابن عليٍّ الأموال.
فقال: وأين هي؟
قالوا: معنا.
قال: احملوها إليَّ.
قالوا: لا، إنَّ لهذه الأموال خبراً طريفاً.
فقال: وما هو؟
قالوا: إنَّ هذه الأموال تُجمَع ويكون فيها من عامَّة الشيعة الدينار والديناران، ثمّ يجعلونها في كيس ويختمون عليه، وكنّا إذا وردنا بالمال على سيِّدنا أبي محمّد (عليه السلام) يقول: جملة المال كذا وكذا ديناراً، من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتَّى يأتي على أسماء الناس كلِّهم، ويقول ما على الخواتيم من نقش.
فقال جعفر: كذبتم، تقولون على أخي ما لا يفعله، هذا علم الغيب... الخبر(٢٥٣).
وهناك موارد عديدة كانت تُظهِر دلائل الصدق وشواهد الحقِّ من دون سعي للاختبار من قِبَل السائل، كان يُخبره السفير أو الوكيل بما أضمره في نفسه أو يأتي الجواب في رقعته التي طلبها مع الإشارة إلى شيء ممَّا يُثبِت أنَّ من جاء بالرقعة لم يأتِ بها من نفسه، أو يُخبره عن شيء سيحصل له في قادم الأيّام أو يدعو له بأمر فيُقضى.
وما أكثر ما ذكرته الروايات في ذلك، ومثاله ما رواه الصدوق (رحمه الله) في (كمال الدِّين) عن أبي جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه)، قال: سألني عليُّ بن الحسين بن موسى بن بابويه (رضي الله عنه) بعد موت محمّد بن عثمان العمري (رضي الله عنه) أنْ أسأل أبا القاسم الروحي أنْ يسأل مولانا صاحب الزمان (عليه السلام) أنْ يدعو الله (عزَّ وجلَّ) أنْ يرزقه ولداً ذكراً، قال: فسألته، فأنهى ذلك، ثمّ أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيّام أنَّه قد دعا لعليِّ بن الحسين، وأنَّه سيُولَد له ولد مبارك ينفع [الله] به، وبعده أولاد.
قال أبو جعفر محمّد بن عليٍّ الأسود (رضي الله عنه): وسألته في أمر نفسي أنْ يدعو الله لي أنْ يرزقني ولداً ذَكَراً، فلم يجبني إليه، وقال: ليس إلى هذا سبيل.
قال: فوُلِدَ لعليِّ بن الحسين (رضي الله عنه) محمّد بن عليٍّ وبعده أولاد، ولم يُولَد لي شيء(٢٥٤).
والرواية تامَّة سنداً، إذ ليس في سندها إلَّا محمّد بن عليٍّ الأسود، ويكفي لقبول روايته ترضّي الصدوق عليه، كما بنى البعض عليه، وإنْ لم يقبل هذا المبنى آخرون.
ومحلُّ الاستشهاد بالرواية إخبار الصدوق الأب أنَّه سيُرزَق ولداً مباركاً ينفع الله به وبعده أولاد.
ومثاله الآخر ما رواه الصدوق (رحمه الله) عن شيخه الحسين بن عليِّ بن محمّد القمّي المعروف بأبي عليٍّ البغدادي، قال: كنت ببخارى، فدفع إليَّ المعروف بابن جاوشير عشرة سبائك ذهباً، وأمرني أنْ أُسلِّمها بمدينة السلام إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدَّس الله روحه)، فحملتها معي، فلمَّا بلغت آمويه ضاعت منّي سبيكة من تلك السبائك، ولم أعلم بذلك حتَّى دخلت مدينة السلام، فأخرجت السبائك لأُسلِّمها، فوجدتها قد نقصت واحدة، فاشتريت سبيكة مكانها بوزنها وأضفتها إلى التسع السبائك، ثمّ دخلت على الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (قدَّس الله روحه) ووضعت السبائك بين يديه، فقال لي: خذ تلك السبيكة التي اشتريتها - وأشار إليها بيده -، وقال: إنَّ السبيكة التي ضيَّعتها قد وصلت إلينا، وهو ذا هي، ثمّ أخرج إليَّ تلك السبيكة التي كانت ضاعت منّي بآمويه، فنظرت إليها فعرفتها.
قال الحسين بن عليِّ بن محمّد المعروف بأبي عليٍّ البغدادي: ورأيت تلك السنة بمدينة السلام امرأة، فسألتني عن وكيل مولانا (عليه السلام) من هو؟ فأخبرها بعض القمّيِّين أنَّه أبو القاسم الحسين بن روح وأشار إليها، فدخلت عليه وأنا عنده، فقالت له: أيُّها الشيخ أيّ شيء معي؟
فقال: ما معكِ فألقيه في الدجلة، ثمّ ائتيني حتَّى أُخبرك.
قال: فذهبت المرأة وحملت ما كان معها فألقته في الدجلة، ثمّ رجعت ودخلت إلى أبي القاسم الروحي (قدَّس الله روحه)، فقال أبو القاسم لمملوكة له: أخرجي إليَّ الحُقَّ، فأخرجت إليه حُقَّة، فقال للمرأة: هذه الحُقَّة التي كانت معكِ ورميتِ بها في الدجلة، أُخبرك بما فيها أو تُخبريني؟
فقالت له: بل أخبرني أنت.
فقال: في هذه الحُقَّة زوج سوار ذهب، وحلقة كبيرة فيها جوهرة، وحلقتان صغيرتان فيهما جوهر، وخاتمان أحدهما فيروزج والآخر عقيق.
فكان الأمر كما ذكر، لم يغادر منه شيئاً، ثمّ فتح الحُقَّة فعرض عليَّ ما فيها فنظرت المرأة إليه، فقالت: هذا الذي حملته بعينه ورميت به في الدجلة، فغشي عليَّ وعلى المرأة فرحاً بما شاهدناه من صدق الدلالة(٢٥٥).
وليس في السند إلَّا الحسين بن عليِّ بن محمّد القمّي، وهو شيخ الصدوق (رحمه الله)(٢٥٦).
ونكتفي بهذا المقدار لأنَّنا لسنا بصدد الاستقصاء وجمع كلِّ الشواهد على ذلك، وهذه الرواية الأخيرة وإنْ كانت المرأة بصدد الاختبار، إلَّا أنَّ السفير الثالث أظهر صدق محلِّه بالإتيان بشيء آخر أكثر ممَّا طلبته.

* * *
المصادر والمراجع

١ - القرآن الكريم.
٢ - الاحتجاج: الطبرسي/ تحقيق: محمّد باقر الخرسان/ دار النعمان/ ١٣٨٦هـ.
٣ - الاختصاص: الشيخ المفيد/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٤ - اختيار معرفة الرجال: الشيخ الطوسي/ مطبعة بعثت/ قم/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ١٤٠٤هـ.
٥ - الإرشاد: الشيخ المفيد/ تحقيق: مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ دار المفيد/ بيروت.
٦ - الأمالي: الشيخ الطوسي/ تحقيق: مؤسَّسة البعثة/ ط ١/ ١٤١٤هـ/ دار الثقافة/ قم.
٧ - بحار الأنوار: العلَّامة المجلسي/ ط ٢ المصحَّحة/ ١٤٠٣هـ/ مؤسَّسة الوفاء/ بيروت.
٨ - تفسير العيّاشي: العيّاشي/ تحقيق: هاشم الرسولي المحلّاتي/ المكتبة العلميَّة الإسلاميَّة/ طهران.
٩ - تفسير القمّي: عليُّ بن إبراهيم القمّي/ تحقيق: طيِّب الجزائري/ ط ٣/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة دار الكتاب/ قم.
١٠ - تفسير نور الثقلين: الحويزي/ تحقيق: هاشم الرسولي المحلّاتي/ ط ٤/ ١٤١٢هـ/ مؤسَّسة إسماعيليان/ قم.
١١ - تنقيح المقال: الشيخ عبد الله المامقاني/ مطبعة المرتضويَّة/ النجف الأشرف.
١٢ - الخرائج والجرائح: قطب الدِّين الراوندي/ ط ١ كاملة محقَّقة/ ١٤٠٩هـ/ مؤسَّسة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه)/ قم.
١٣ - دلائل الإمامة: الطبري (الشيعي)/ ط ١/ ١٤١٣هـ/ مؤسَّسة البعثة/ قم.
١٤ - رجال ابن داود: ابن داود الحلّي/ تحقيق: محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٩٢هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
١٥ - رجال الطوسي: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي.
١٦ - رجال النجاشي: النجاشي/ ط ٥/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
١٧ - عقائد الإماميَّة: محمّد رضا المظفَّر/ انتشارات أنصاريان/ قم.
١٨ - علل الشرائع: الشيخ الصدوق/ تحقيق: محمّد صادق بحر العلوم/ ١٣٨٥هـ/ منشورات المكتبة الحيدريَّة ومطبعتها/ النجف الأشرف.
١٩ - عيون أخبار الرضا (عليه السلام): الشيخ الصدوق/ تحقيق: حسين الأعلمي/ ١٤٠٤هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٢٠ - الغيبة: الشيخ الطوسي/ تحقيق: عبد الله الطهراني وعليّ أحمد ناصح/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مطبعة بهمن/ مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة/ قم.
٢١ - الغيبة: النعماني/ تحقيق: فارس حسّون كريم/ ط ١/ ١٤٢٢هـ/ مطبعة مهر/ أنوار الهدى.
٢٢ - الفهرست: الشيخ الطوسي/ تحقيق: جواد القيّومي/ ط ١/ ١٤١٧هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي.
٢٣ - الكافي: الشيخ الكليني/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط٥/ ١٣٦٣ش/ مطبعة حيدري/ دار الكُتُب الإسلاميَّة/ طهران.
٢٤ - كشف الغمَّة: ابن أبي الفتح الإربلي/ ط ٢/ ١٤٠٥هـ/ دار الأضواء/ بيروت.
٢٥ - كفاية الأثر: الخزّاز القمّي/ تحقيق: عبد اللطيف الكوه كمري الخوئي/ ١٤٠١هـ/ مطبعة الخيّام/ انتشارات بيدار.
٢٦ - كمال الدِّين: الشيخ الصدوق/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ١٤٠٥هـ/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٢٧ - لسان الميزان: ابن حجر/ ط ٢/ ١٣٩٠هـ/ مؤسَّسة الأعلمي/ بيروت.
٢٨ - مختصر بصائر الدَّرجات: الحسن بن سليمان الحلّي/ ط ١/ ١٣٧٠هـ/ منشورات المطبعة الحيدريَّة/ النجف الأشرف.
٢٩ - مرآة العقول: العلَّامة المجلسي/ ط ٢/ ١٤٠٤هـ/ دار الكُتُب الإسلاميَّة.
٣٠ - مستدرك علم رجال الحديث: عليٌّ النمازي/ ط ١/ ١٤١٢هـ/ مطبعة شفق/ طهران.
٣١ - مشرعة بحار الأنوار: الشيخ محمّد آصف محسني/ مؤسَّسة العارف للمطبوعات/ ط ٢/ ١٤٢٦هـ/ بيروت.
٣٢ - مصباح المتهجِّد: الشيخ الطوسي/ ط ١/ ١٤١١هـ/ مؤسَّسة فقه الشيعة/ بيروت.
٣٣ - معجم البلدان: الحموي/ ١٣٩٩هـ/ دار إحياء التراث العربي/ بيروت.
٣٤ - معجم رجال الحديث: السيِّد الخوئي/ ط ٥/ ١٤١٣هـ.
٣٥ - من لا يحضره الفقيه: الشيخ الصدوق/ تحقيق: عليّ أكبر الغفاري/ ط ٢/ مؤسَّسة النشر الإسلامي/ قم.
٣٦ - مناقب آل أبي طالب: ابن شهرآشوب/ تحقيق: لجنة من أساتذة النجف/ ١٣٧٦هـ/ المكتبة الحيدرية/ النجف.
٣٧ - منتهى المقال: الشيخ المازندراني/ ط ١/ ١٤١٦هـ/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ قم.
٣٨ - نهج البلاغة: الشريف الرضي/ ضبط نصَّه الدكتور صبحي صالح/ ط ١/ ١٣٨٧هـ/ بيروت.
٣٩ - وسائل الشيعة: الحرُّ العاملي/ ط ٢/ ١٤١٤هـ/ مطبعة مهر/ مؤسَّسة آل البيت (عليهم السلام)/ قم.

* * *

الهوامش:

ــــــــــــــــــــــ

(١) نور الثقلين (ج ٥/ ص ٣٨٦ و٣٨٧/ ح ٤٠)، عن كمال الدِّين (ص ٣٦٠/ باب ٣٤/ ح ٣).
(٢) نور الثقلين (ج ٥/ ص ٣٨٧/ ح ٤١)، عن كمال الدِّين (ص ٣٢٥ و٣٢٦/ باب ٣٢/ ح ٣).
(٣) نور الثقلين (ج ٥/ ص ٣٨٦/ ح ٣٧).
(٤) كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١).
(٥) كمال الدِّين (ص ٣٤٠ و٣٤١/ باب ٣٣/ ح ٢٠).
(٦) الغيبة للنعماني (ص ١٩٣/ باب ١٠/ فصل ٤/ ح ٤٠).
(٧) بحار الأنوار (ج ٥١/ ص ٦٤)؛ ورواه الصدوق (رحمه الله) بتفاوت في كمال الدِّين (ص ٣٦٨ و٣٦٩/ باب ٣٤/ ح ٦).
(٨) من أمثلة ذلك ما رواه المفيد بالإسناد عن ابن نباتة، قال: كان أمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (عليه السلام) يُصلّي عند الأُسطوانة السابعة من باب الفيل، إذ أقبل عليه رجل بردان أخضران وعليه عقيصتان سوداوان، أبيض اللحية، فلمَّا سلَّم أمير المؤمنين (عليه السلام) من صلاته أكبَّ عليه فقبَّل رأسه، ثمّ أخذ بيده فأخرجه من باب كندة، قال: فخرجنا مسرعين خلفهما ولم نأمن عليه، فاستقبلنا (عليه السلام) في جارسوج كندة قد أقبل راجعاً، فقال: «ما لكم؟»، فقلنا: لم نأمن عليك هذا الفارس، فقال: «هذا أخي الخضر، ألم تروا كيف أكبَّ عليَّ؟»، قلنا: بلى، فقال: «إنَّه قال لي: إنَّك في مدرة لا يريدها جبّار بسوء إلَّا قصمه الله، واحذر الناس، فخرجت معه لأُشيِّعه، لأنَّه أراد الظهر». (أمالي الطوسي: ص ٥١/ ح ٦٧/٣٦).
(٩) روى الصدوق في كمال الدِّين (ص ٣٩٠ و٣٩١/ ما روي من حديث الخضر (عليه السلام)/ ح ٤)، بالإسناد عن الرضا (عليه السلام)، قال: «إنَّ الخضر شرب من ماء الحياة، فهو حيٌّ لا يموت حتَّى يُنفَخ في الصور، وإنَّه ليأتينا فيُسلِّم علينا فنسمع صوته ولا نرى شخصه، وإنَّه ليحضر حيث ما ذُكِرَ، فمن ذكره منكم فليسلم عليه، وإنَّه ليحضر الموسم كلَّ سنة، فيقضي جميع المناسك، ويقف بعرفة، فيُؤمِّن على دعاء المؤمنين، وسيُؤنِس الله به وحشة قائمنا في غيبته، ويصل به وحدته».
(١٠) دلَّت على ذلك جملة من الروايات، منها صحيحة زرارة التي رواها الصدوق في كمال الدِّين (ص ٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٩)، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إنَّ للقائم غيبة قبل ظهوره»، قلت: ولِمَ؟ قال: «يخاف»، وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعني القتل.
(١١) ورد ذلك في عدد غير قليل من الروايات، ومنها صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «صاحب هذا الأمر تُعمى ولادته على هذا الخلق، لئلَّا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج» (كمال الدِّين: ص ٤٧٩/ باب ٤٤/ ح ١).
(١٢) لم أجد ذلك في الروايات، ولكنَّه ورد في كلمات العلماء، ولعلَّ ذهابهم إلى ذلك لالتزامهم بقاعدة اللطف التي تقتضي وجود الإمام بين ظهراني الأُمَّة، وحين رأوا أنَّ ذلك لا يتناسب مع الغيبة وجَّهوا الأمر بأنْ لم تكن من الله ابتداءً، وإنَّما كان ذلك أثراً لتقصير الناس، والاعتبار لا يساعد على هذا الوجه، فضلاً عن أنَّ أصل تطبيق قاعدة اللطف في المقام محلُّ إشكال، هذا لو تمَّت قاعدة اللطف.
(١٣) روى الصدوق بإسناده عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إنَّ للقائم منّا غيبة يطول أمدها»، فقلت له: يا بن رسول الله، ولِمَ ذلك؟ قال: «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) أبى إلَّا أنْ تجري فيه سُنَن الأنبياء (عليهم السلام) في غيباتهم، وإنَّه لا بدَّ له يا سدير من استيفاء مُدَد غيباتهم، قال الله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [الانشقاق: ١٩]، أي سُنَن من كان قبلكم» (كمال الدِّين: ص ٤٨٠ و٤٨١/ باب ٤٤/ ح ٦).
(١٤) روى الصدوق في علل الشرائع (ج ١/ ص ١٤٧/ باب ١٢٢/ ح ٢)، وكمال الدِّين (ص ٦٤١) عن ابن أبي عمير مرسَلاً، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: ما بال أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يقاتل مخالفيه في الأوَّل؟ قال: «لآية في كتاب الله (عزَّ وجلَّ): ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ [الفتح: ٢٥]»، قال: قلت: وما يعني بتزايلهم؟ قال: «ودائع مؤمنون في أصلاب قوم كافرين، فكذلك القائم (عليه السلام) لن يظهر أبداً حتَّى تخرج ودائع الله (عزَّ وجلَّ)، فإذا خرجت ظهر على من ظهر من أعداء الله (عزَّ وجلَّ) فقتلهم».
(١٥) منها كراهة الله أنْ يجاوروا قوماً، وقد جاء في رواية مروان الأنباري عن الباقر (عليه السلام): «إنَّ الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم» (علل الشرائع: ص ٢٤٤/ باب ١٧٩/ ح ٢).
لكن في دلالة الرواية على حكمة الغيبة تأمُّل، وإنْ كان قد ذكره في البحار (ج ٥٢/ ص ٩٠) في علل الغيبة.
ومنها امتحان الخلق، فمن رواية رواها زرارة عن الصادق (عليه السلام) وهي صحيحة في بيان حكمة من حِكَم الغيبة، قال (عليه السلام): «لأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) يُحِبُّ أنْ يمتحن خلقه، فعند ذلك يرتاب المبطلون» (كمال الدِّين: ص ٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣٢).
(١٦) نعم، يُستثنى من ذلك ما كان من الآثار التكوينيَّة التي تأتي بعنوان عقوبة، منها ما دل عليه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (الروم: ٤١)، كما يُستثنى بعض أحكام الجزاء الوضعيَّة، كالحكم بعبوديَّة الرجال والنساء في المناطق المفتوحة عنوة ولو لم يشتركوا في الحرب، ورقّيَّة أولاد العبيد المولودين بعد الاسترقاق.
(١٧) كمال الدِّين (ص ٣٥٧/ باب ٣٣/ ح ٥٠).
(١٨) كمال الدِّين (ص ٥١٦/ باب ٤٥/ ح ٤٤).
(١٩) قال (رحمه الله) في رجاله (ص ٢٧٤/ الرقم ٤٧١): (وكان سبب تغييره الحسد لأبي القاسم بن روح حتَّى خرجت فيه توقيعات أوجبت ما عمل به).
(٢٠) قال (رحمه الله) في رجاله (ص ٣٧٨/ الرقم ١٠٢٩): (محمّد بن عليٍّ الشلمغاني أبو جعفر المعروف بابن أبي العزاقر، كان متقدِّماً في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم الحسين بن روح على ترك المذهب والدخول في المذاهب الرديئة (الرديَّة)، حتَّى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان وقتله وصلبه).
(٢١) أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال، وكان ابتداء ذلك أنْ كتب (عليه السلام) إلى قوّامه بالعراق: «احذروا الصوفي المتصنِّع...» (اختيار معرفة الرجال: ج ٢/ ص ٨١٦/ ح ١٠٢٠).
(٢٢) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ١٥١/ باب ٢٣/ ذيل الحديث ١).
(٢٣) راجع: كمال الدِّين (ص ٥١٢/ باب ٤٥/ ح ٤٣).
(٢٤) كمال الدِّين (ص ٦٤٨/ باب ٥٦/ ح ٤).
(٢٥) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ٥٩ - ٦١/ الرقم ١٠١٩٧).
(٢٦) كمال الدِّين (ص ٦٤٨/ باب ٥٦/ ح ٢).
(٢٧) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٥/ ص ٨٧ - ٩٠/ الرقم ٢٢٨٨).
(٢٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٤١/ ح ٢٩١).
(٢٩) الغيبة للنعماني (ص ١٥٨/ ب ١٠/ فصل ١/ ح ١٨).
(٣٠) نهج البلاغة (ص ٦١/ ح ١٨).
(٣١) الكافي (ج ١/ ص ٩١/ باب النسبة/ ح ٣).
(٣٢) تكرَّر في الروايات النهي عن تسميته (عجَّل الله فرجه)، وقد نقل صاحب البحار في باب النهي عن التسمية ثلاث عشرة رواية (بحار الأنوار: ج ٥١/ ص ٣١ - ٣٤). وفي الأُولى عن الغيبة للنعماني (ص ٢٩٩ و٣٠٠/ باب ١٦/ ح ٢) يسأل أبو خالد الكابلي الباقر (عليه السلام) بقوله: أُريد أنْ تسميه لي حتَّى أعرفه باسمه، فقال: «سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمر ما كنت محدِّثاً به أحداً لحدَّثتك، ولقد سألتني عن أمر لو أنَّ بني فاطمة عرفوه حرصوا على أنْ يُقطِّعوه بضعة بضعة».
ويكفي شاهداً على صحَّة ذلك ما تحدَّثت به الروايات عن كيد عمِّه جعفر، وهو أقرب الناس إليه وأولاهم به.
وفي الرواية السابعة عن الكافي (ج ١/ ص ٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح ٢) عن عليِّ بن محمّد، عن أبي عبد الله الصالحي (وهو أبو عبد الله بن الصالح)، قال: سألني أصحابنا بعد مضيِّ أبي محمّد (عليه السلام) أنْ أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: «إن دللتهم عن الاسم أذاعوه، وإنْ عرفوا المكان دلُّوا عليه».
ونقل في الكافي (ج ١/ ص ٣٣٣/ باب في النهي عن الاسم/ ح ٣ و٤) رواية الريّان بن الصلت في ذلك وهي موثَّقة، ورواية ابن رئاب وهي صحيحة السند.
(٣٣) كمال الدِّين (ص ٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣٢).
(٣٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ١٢٩ - ١٣٦/ الرقم ٧٦٢٣).
(٣٥) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٨/ ص ٣٨ - ٤٠/ الرقم ٤٢٢٦).
(٣٦) كمال الدِّين (ص ٣٧١ و٣٧٢/ باب ٣٥/ ح ٥).
(٣٧) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٣/ ص ١٩٥ و١٩٦/ الرقم ٨٥٣٥).
(٣٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٦/ ص ٢٤٩ - ٢٥٢/ الرقم ٣٣٩٠).
(٣٩) الغيبة للنعماني (ص ١٧٣/ باب ١٠/ فصل ٣/ ح ٩).
(٤٠) كمال الدِّين (ص ٣٦٨ و٣٦٩/ باب ٣٤/ ح ٦).
(٤١) كمال الدِّين (ص ٣٧٧ و٣٧٨/ باب ٣٦/ ح ٢).
(٤٢) كمال الدِّين (ص ٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ٢).
(٤٣) الاختصاص (ص ٦٤).
(٤٤) كمال الدِّين (ص ٤٢٦/ باب ٤٢/ ح ٢).
(٤٥) كمال الدِّين (ص ٤٣٢/ باب ٤٢/ ح ٩).
(٤٦) كمال الدِّين (ص ٤٣٢/ باب ٤٢/ ح ١٠).
(٤٧) كمال الدِّين (ص ٤٣٢/ باب ٤٢/ ح ١١).
(٤٨) كمال الدِّين (ص ٤٣٣/ باب ٤٢/ ح ١٣).
(٤٩) أي إسناد الرواية السابقة.
(٥٠) كمال الدِّين (ص ٤٣٣/ باب ٤٢/ ح ١٤)
(٥١) كمال الدِّين (ص ٤٣٣ و٤٣٤/ باب ٤٢/ ح ١٦).
(٥٢) كمال الدِّين (ص ٤٣٤/ باب ٤٣/ ح ١).
(٥٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٢٩ و٢٣٠/ ح ١٩٥).
(٥٤) كمال الدِّين (ص ٤٧٤ و٤٧٥/ باب ٤٣/ ضمن الحديث ٢٦).
(٥٥) كمال الدِّين (ص ٤٣١/ باب ٤٢/ ح ٨).
(٥٦) كمال الدِّين (ص ٤٤١ و٤٤٢/ باب ٤٣/ ح ١٤).
(٥٧) كمال الدِّين (ص ٤٨٣/ باب ٤٥/ ح ٣).
(٥٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٥/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ الرقم ٩٩٩٢).
(٥٩) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٥/ ص ٢٣٠ و٢٣١/ الرقم ٩٩٦١).
(٦٠) كمال الدِّين (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ باب ٣٨/ ح ١).
(٦١) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٣/ ص ٩١/ الرقم ٨٣٠٤).
(٦٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٩/ ص ٧٧ - ٩٠/ الرقم ٥٠٥٨).
(٦٣) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢/ ص ٥٥/ الرقم ٤٣٦).
(٦٤) الفهرست (ص ٧٠/ الرقم ٧٨/١٦).
(٦٥) المصدر السابق.
(٦٦) الغيبة للطوسي (ص ٢٥١/ ح ٢٢٢).
(٦٧) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٣٩٨ - ٤٠٠/ الرقم ٨٠٧٦).
(٦٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٨/ ص ٢٩٩ و٣٠٠/ الرقم ١١٨٧٨).
(٦٩) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ٢١٩ - ٢٢١/ الرقم ١٠٤٩٠).
(٧٠) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١١/ ص ١٤٨ - ١٥٤/ الرقم ٦٧٦٦).
(٧١) كمال الدِّين (ص ٤٤٥ - ٤٥٣/ باب ٤٣/ ح ١٩).
(٧٢) بحار الأنوار (ج ٥٢/ ص ٣٢ - ٣٧/ ح ٢٨).
(٧٣) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٦٩٧ و٦٩٨/ ح ١٤).
(٧٤) رجال النجاشي (ص ٢٦١/ الرقم ٦٨٤).
(٧٥) الكافي (ج ١/ ص ٥١٧ و٥١٨/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٤).
(٧٦) استظهر السيِّد الخوئي في معجم رجاله (ج ١٣/ ص ١٣٥ و١٣٦/ الرقم ٨٣٩٨) أنَّه عليُّ بن محمّد بن بندار (أبو القاسم) الثقة.
(٧٧) تقدَّم تخريجه في (ص ٧٩)، فراجع.
(٧٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٦/ ص ١٦١/ الرقم ٣١٧٩).
(٧٩) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٤/ ح ٢٤٤).
(٨٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٧/ ح ٢٥٨).
(٨١) كمال الدِّين (ص ٤٨٩/ باب ٤٥/ ح ١٢).
(٨٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٧/ ص ١٩٤ - ١٩٦/ الرقم ١٠٩٩٤).
(٨٣) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٥ و٥٢٦/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ١).
(٨٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٢١٢ - ٢٢٩/ الرقم ٧٨٣٠).
(٨٥) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٣/ ص ٤٩ - ٦١/ الرقم ٨٦١).
(٨٦) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٨/ ص ١٢٢ - ١٢٦/ الرقم ٤٤٢٨).
(٨٧) الكافي (ج ١/ص ٥٢٦ و٥٢٧/باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ح ٢).
(٨٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٩/ ص ٣٣/ الرقم ١٢٠١٠).
(٨٩) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ٢٦٣ - ٢٦٥/ الرقم ١٠٥٣٢).
(٩٠) تقدَّم تخريجه قبل قليل.
(٩١) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٧ و٥٢٨/ باب ما جاء في الاثني عشر والنصِّ عليهم (عليهم السلام)/ ح ٣).
(٩٢) معجم رجال الحديث (ج ٤/ ص ٢٥١ - ٢٥٥/ الرقم ١٨٥٨).
(٩٣) رجال النجاشي (ص ١٠٩/ الرقم ٢٧٦).
(٩٤) كمال الدِّين (ص ٣٠٨/باب ٢٨)؛ عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ص ٤٨ - ٥٠/ح ٢).
(٩٥) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٥١ و٥٢/ ح ٥).
(٩٦) كمال الدِّين (ص ٣٣٤/ باب ٣٣/ ح ٤).
(٩٧) راجع: كمال الدِّين (ص ٣٣٨/ باب ٣٣/ ح ١٢).
(٩٨) راجع: كمال الدِّين (ص ٣٤٢/ باب ٣٣/ ح ٢٣).
(٩٩) راجع: كمال الدِّين (ص ٣٤٥ و٣٤٦/ باب ٣٣/ ح ٣١).
(١٠٠) راجع: علل الشرائع (ج ١/ ص ٢٤٤ و٢٤٥/ باب ١٧٩/ ح ٤).
(١٠١) كفاية الأثر (ص ٢٨٣ و٢٨٤).
(١٠٢) كمال الدِّين (ص ٣٨١/ باب ٣٧/ ح ٥).
(١٠٣) كمال الدِّين (ص ٥٢٤/ باب ٤٦/ ح ٤).
(١٠٤) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ١).
(١٠٥) راجع: مرآة العقول (ج ٢/ شرح ص ٢٩٤).
(١٠٦) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٢).
(١٠٧) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١/ ص ٢٨٩ - ٣٢٢/ الرقم ٣٣٢).
(١٠٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٣/ ص ٢١٢ - ٢٢٤/ الرقم ١١٦٣ - ١١٦٦).
(١٠٩) الكافي (ج ١/ ص ١٧٨/ باب أنَّ الأرض لا تخلو من حجَّة/ ح ٥).
(١١٠) الكافي (ج ١/ص ١٧٩ و١٨٠/باب (أنَّه لو لم يبقَ في الأرض إلَّا رجلان لكان أحدهما الحجَّة).
(١١١) الكافي (ج ١/ ص ١٨٠ و١٨١/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٣).
(١١٢) الكافي (ج ١/ ص ١٨٣ و١٨٤/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٧).
(١١٣) باب معرفة الإمام (عليه السلام) والردِّ إليه.
(١١٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٩/ ص ٢٧٩ - ٢٨٢/ الرقم ١٢٥٣٦ و١٢٥٣٧).
(١١٥) الكافي (ج ١/ ص ١٨٥/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ١٤).
(١١٦) الكافي (ج ١/ ص ١٨٣ و١٨٤/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٨).
(١١٧) الكافي (ج ١/ ص ١٨٣/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ٧).
(١١٨) الكافي (ج ١/ ص ١٨٠/ باب معرفة الإمام والردِّ إليه/ ح ١).
(١١٩) كمال الدِّين (ص ٣٢٤ و٣٢٥/ باب ٣٢/ ح ١).
(١٢٠) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢/ ص ١٠٧/ الرقم ٥٣٢).
(١٢١) راجع: مستدركات علم رجال الحديث (ج ٣/ ص ١٢٨/ الرم ٤٣٤٤).
(١٢٢) راجع: الغيبة للنعماني (ص ١٥١/ باب ١٠/ ح ٦).
(١٢٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٤١/ باب في الغيبة/ ح ٢٢).
(١٢٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٣٧ و٣٨/ الرقم ١٢٧٧١).
(١٢٥) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٢٢٧/ الرقم ١٣٢١٦).
(١٢٦) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٥/ ص ٣١٧ و٣١٨/ الرقم ٢٨٢٤ و٢٨٢٥).
(١٢٧) وهناك طريق رابع للصدوق (رحمه الله) لم يذكره المصنِّف وهو: (عبد الواحد بن محمّد بن عبدوس (رضي الله عنه)، قال: حدَّثنا أبو عمرو الكشّي، عن محمّد بن مسعود، عن نصر بن الصبّاح، عن جعفر بن سهيل، قال: حدَّثني أبو عبد الله أخو أبي عليٍّ الكابلي، عن القابوسي، عن نصر بن السندي، عن الخليل بن عمرو، عن عليِّ بن الحسين الفزاري، عن إبراهيم بن عطيَّة، عن أُمِّ هانئ الثقفيَّة). (راجع: كمال الدِّين: ص ٣٣٠/ باب ٣٢/ ح ١٤).
(١٢٨) تمَّ تخريجه في (ص ٩٨)، فراجع.
(١٢٩) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ١٨٩ - ١٩٢/ الرقم ١٠٤٣٩).
(١٣٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٨٤ و٣٨٥/ باب أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام.../ ح ١).
(١٣١) الكافي (ج ١/ ص ٣٨٥/ باب أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام.../ ح ٢).
(١٣٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢٣/ ص ٦١/ الرقم ١٤٨٦٠).
(١٣٣) الكافي (ج ١/ ص ٣٨٥/ باب أنَّ الإمام لا يُغسِّله إلَّا إمام.../ ح ٣).
(١٣٤) مختصر بصائر الدرجات (ص ١٣).
(١٣٥) بحار الأنوار (ج ٢٧/ ص ٢٨٩/ ذيل الحديث ٢).
(١٣٦) بحار الأنوار (ج ٢٧/ ص ٢٩٠/ ح ٤)، عن مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٣٥١).
(١٣٧) الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٢٦٤/ ح ٨).
(١٣٨) كشف الغمَّة (ج ٢/ ص ٣٥١).
(١٣٩) بحار الأنوار (ج ٤٧/ ص ٢٤٨/ ذيل الحديث ١٠)، عن كمال الدِّين (ص ٧١).
(١٤٠) راجع: عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ١/ ص ٩٧ و٩٨/ ذيل الحديث ٨).
(١٤١) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) (ج ٢/ ص ٢٧٥ - ٢٧٩/ ح ١).
(١٤٢) الكافي (ج ١/ ص ٢٢١ و٢٢٢/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) ورثة العلم.../ ح ١).
(١٤٣) الكافي (ج ١/ ص ٢٢٢/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) ورثة العلم.../ ح ٢).
(١٤٤) الكافي (ج ١/ ص ٢٢٢/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) ورثة العلم.../ ح ٣).
(١٤٥) رجال الطوسي (ص ٣٣٩/ الرقم ٥٠٤٥/٦).
(١٤٦) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢١/ ص ٧٧ و٧٨/ الرقم ١٣٥٩٣).
(١٤٧) الكافي (ج ١/ ص ٢٢٢/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) ورثة العلم.../ ح ٥).
(١٤٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٤/ ص ١٢ - ١٤/ الرقم ٨٦٩٥).
(١٤٩) طُبِّق ذلك في الرواية الثانية.
(١٥٠) راجع: مشرعة بحار الأنوار (ج ٢/ص ٢٠٨)، وفيه أنَّ هذا الباب فيه أكثر من أربعين رواية.
(١٥١) تقدَّمت في (ص ٨٥)، فراجع.
(١٥٢) تقدَّمت في (ص ٨٤)، فراجع.
(١٥٣) تقدَّمت في (ص ٨٤)، فراجع.
(١٥٤) تقدَّمت في (ص ٨٠)، فراجع.
(١٥٥) في (ص ٦٣)، فراجع.
(١٥٦) تفسير نور الثقلين (ج ٣/ ص ١٩١ و١٩٢/ ح ٣٣٠)؛ الكافي (ج ١/ ص ٥٣٦ و٥٣٧/ باب أنَّ الأئمَّة (عليهم السلام) كلَّهم قائمون بأمر الله.../ ح ٣).
(١٥٧) تفسير نور الثقلين (ج ٣/ ص ١٩٢/ ح ٣٣٢)؛ تفسير القمّي (ج ٢/ ص ٢٢ و٢٣).
(١٥٨) تفسير نور الثقلين (ج ٣/ص ١٩٤/ح ٣٤٣)؛ تفسير العيّاشي (ج ٢/ص ٣٠٣/ح ١١٩).
(١٥٩) تفسير نور الثقلين (ج ١/ ص ١٣٥/ ح ٤١١)؛ مناقب آل أبي طالب (ج ٣/ ص ٣١٤).
(١٦٠) تفسير نور الثقلين (ج ١/ ص ١٣٤/ ح ٤٠٢)، عن الكافي (ج ١/ ص ١٩٠/ باب في أنَّ الأئمَّة شهداء الله (عزَّ وجلَّ) على خلقه/ ح ٢).
(١٦١) تفسير نور الثقلين (ج ١/ ص ١٣٤/ ح ٤٠٣).
(١٦٢) الكافي (ج ١/ ص ٣١٢/ باب الإشارة والنصِّ على أبي الحسن الرضا (عليه السلام)/ ح ٤).
(١٦٣) تفسير القمي (ج ٢/ ص ٨٧).
(١٦٤) راجع: عقائد الإماميَّة (ص ٤٨ - ٦٤).
(١٦٥) راجع: عقائد الإماميَّة (ص ٦٥ - ٨٨).
(١٦٦) الكافي (ج ١/ ص ١٧١ - ١٧٣/ باب الاضطرار إلى الحجَّة/ ح ٤).
(١٦٧) الكافي (ج ١/ ص ١٦٩ - ١٧١/ باب الاضطرار إلى الحجَّة/ ح ٣).
(١٦٨) إذ لم يثبت عالميَّة الشرائع السابقة، فقد ورد في الكتاب أنَّ عيسى (عليه السلام) كان رسولاً إلى بني إسرائيل ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ... وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ (آل عمران: ٤٩ و٥٠)، على أنَّ آباء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكونوا من النصارى، ولو كانت شريعة عيسى (عليه السلام) عالميَّة بمعنى ضرورة إيمان كلِّ الناس بها لما كان آباء النبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مؤمنين، وهو خلاف ما حُقِّق في علم الكلام من إيمان الأصلاب والأرحام التي تقلَّب فيها النبيُّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمَّة (عليهم السلام)، «أشهد أنَّك كنت نوراً في الأصلاب الشامخة والأرحام المطهَّرة» (مصباح المتهجِّد: ص ٧٢١).
والنبيُّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قبل بعثته لم يكن من أتباع الشريعة العيسويَّة، ولو كانت تلك الشريعة عالميَّة بمعنى أنَّها يجب الإيمان بها لما ساغ للنبيِّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنْ يتركها.
(١٦٩) قد ينفع فيما إذا أورث الاطمئنان؛ إذ الاطمئنان حجَّة بدليل إمضاء السيرة، والسيرة قائمة على العمل به، وقد ينفع فيما إذا أورث الظنَّ بناءً على تماميَّة مقدّمات دليل الانسداد المشار إليه في كُتُب الأُصول. (المؤلِّف).
(١٧٠) راجع: الكافي (ج ٧/ص ٢٩٩ و٣٠٠/باب الرجل يقتل المرأة والمرأة تقتل الرجل.../ح ٦).
(١٧١) راجع: الكافي (ج ١/ص ٢٤٩ و٢٥٠/باب في شأن إنّا أنزلناه في ليلة القدر.../ح ٦).
(١٧٢) إنَّ هارون العبّاسي خلع على عليِّ بن يقطين درّاعة خزٍّ سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، فأنفذها عليُّ [بن يقطين] إلى [الإمام] موسى بن جعفر (عليهما السلام) مع مال كثير، فردَّ الدرّاعة إلى عليِّ ابن يقطين، وقال: «احتفظ بها فإنَّك تحتاج إليها»، فبعد أيّام صرف عليُّ بن يقطين خاصًّا له عن خدمته، [وكان] يعرف ميله إلى موسى (عليه السلام)، فسعى به إلى الرشيد، فقال: إنَّه يقول بإمامة موسى ابن جعفر، وقد بعث بتلك الدرّاعة إليه، فغضب الرشيد [من ذلك]، فقال: لأكشفنَّ عن ذلك، فأحضر عليُّ بن يقطين وقال: ما فعلت بالدرّاعة التي كسوتك [بها]؟ قال: هي عندي في سفط، قال: أحضرها، فقال لغلامه: امض إلى داري وخذ السفط الذي في [الصندوق في] البيت الفلاني بختمي فجئني به، [فمضى الغلام وأحضر السفط، ففتحه]، فنظر الرشيد إلى الدرّاعة، فسكن من غضبه، وأعطاه جائزة أُخرى، وضرب الساعي حتَّى مات.
وروي أنَّ عليَّ بن يقطين كتب إلى [الإمام] موسى بن جعفر (عليه السلام): اختُلِفَ في (المسح على الرجلين) فإنْ رأيت أنْ تكتب ما يكون عملي عليه فعلت، فكتب أبو الحسن (عليه السلام): «الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثاً، وتستنشق ثلاثاً، وتغسل وجهك ثلاثاً، وتُخلِّل شعر لحيتك، وتغسل يديك ثلاثاً، وتمسح رأسك كلَّه، وتمسح ظاهر أُذُنيك وباطنهما، وتغسل رجليك ثلاثاً، ولا تخالف ذلك إلى غيره»، فامتثل أمره وعمل عليه، فقال الرشيد [يوماً]: أُحِبُّ أنْ أستبرئ أمر عليِّ ابن يقطين، فإنَّهم يقولون: إنَّه رافضي والرافضة يُخفِّفون في الوضوء، [فطلبه]، فناطه بشيء من الشغل في الدار حتَّى دخل وقت الصلاة، فوقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى عليَّ بن يقطين ولا يراه هو، وقد بعث إليه بالماء للوضوء، فتوضَّأ كما أمره موسى (عليه السلام)، فقام الرشيد وقال: كذب من زعم أنَّك رافضي، فورد على عليِّ بن يقطين [بعد ذلك] كتاب موسى ابن جعفر (عليه السلام): «من الآن توضَّأ كما أمر الله: اغسل وجهك مرَّة فريضة وأُخرى إسباغاً، واغسل [يديك] من المرفقين كذلك، وامسح مقدَّم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما يُخاف عليك».
الخرائج والجرائح (ج ١/ ص ٣٣٤ - ٣٣٦/ ح ٢٥ و٢٦).
(١٧٣) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٥/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٣٠).
(١٧٤) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٠/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١٣).
(١٧٥) في بعض النُّسَخ: (الحائر).
(١٧٦) برس: ناحية بأرض بابل. (معجم البلدان: ج ١/ ص ١٠٣).
(١٧٧) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٥/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٣١).
(١٧٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ ح ٣٤٧).
(١٧٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٨٦/ ح ٣٤٩).
(١٨٠) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٢ - ٣٠٤/ ح ٢٥٦).
(١٨١) الكافي (ج ١/ ص ٥٢١ و٥٢٢/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ١٥).
(١٨٢) مرآة العقول (ج ٦/ شرح ص ١٨٩).
(١٨٣) الإرشاد (ج ٢/ ص ٣٦٤ و٣٦٥).
(١٨٤) دلائل الإمامة (ص ٥١٩ - ٥٢٤/ ح ٤٩٣/٩٧).
(١٨٥) الخرائج والجرائح (ج ٢/ ص ٦٩٩ - ٧٠٢/ ح ١٧).
(١٨٦) كمال الدِّين (ص ٤٨٨ و٤٨٩/ باب ٤٥/ ح ١١).
(١٨٧) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢/ ص ١٦/ الرقم ٣٨٣).
(١٨٨) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٦/ ص ٢٦ - ٢٩/ الرقم ١٠١٧٧).
(١٨٩) تقدَّم تخريجه في (ص ٧٩)، فراجع.
(١٩٠) تقدَّم تخريجه في (ص ٨٠)، فراجع.
(١٩١) راجع: الكافي (ج ١/ ص ٥٧/ باب البدع والرأي والمقاييس/ ح ١٥).
(١٩٢) الكافي (ج ١/ ص ٥٢٥/ باب مولد الصاحب (عليه السلام)/ ح ٣٠).
(١٩٣) الغيبة للطوسي (ص ٢٨٤/ ح ٢٤٤).
(١٩٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٣/ ص ١٣٥ و١٣٦/ الرقم ٨٣٩٨).
(١٩٥) كمال الدِّين (ص ٤٨٩/ باب ٤٥/ ح ١٢).
(١٩٦) كمال الدِّين (ص ٤٩١/ باب ٤٥/ ح ١٤).
(١٩٧) كمال الدِّين (ص ٤٩٨/ باب ٤٥/ ح ٢٠).
(١٩٨) راجع: الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(١٩٩) الغيبة للطوسي (ص ٣٩٧ و٣٩٨/ ح ٣٦٨).
(٢٠٠) راجع: المصدر السابق.
(٢٠١) راجع: الغيبة للطوسي (ص ٣٩٨/ ح ٣٦٩).
(٢٠٢) عليُّ بن محمّد بن قتيبة، قال: حدَّثني أبو حامد أحمد بن إبراهيم المراغي، قال: ورد على القاسم بن العلاء نسخة ما خرج من لعن ابن هلال، وكان ابتداء ذلك أنْ كتب (عليه السلام) إلى قوّامه بالعراق: «احذروا الصوفي المتصنِّع».
قال: وكان من شأن أحمد بن هلال أنَّه قد كان حجَّ أربعاً وخمسين حجَّة، عشرون منها على قدميه.
قال: وكان رواة أصحابنا بالعراق لقوه وكتبوا منه، وأنكروا ما ورد في مذمَّته، فحملوا القاسم ابن العلاء على أنْ يراجع في أمره، فخرج إليه: «قد كان أمرنا نفذ إليك في المتصنِّع ابن هلال (لا رحمه الله) بما قد علمت، لم يزل (لا غفر الله له ذنبه ولا أقاله عثرته) يداخل في أمرنا بلا إذن منّا ولا رضى، يستبدُّ برأيه، فيتحامي من ديوننا، لا يمضي من أمرنا إلَّا بما يهواه ويريد، أرداه الله بذلك في نار جهنَّم، فصبرنا عليه حتَّى بتر الله بدعوتنا عمره. وكنّا قد عرَّفنا خبره قوماً من موالينا في أيّامه (لا رحمه الله)، وأمرناهم بإلقاء ذلك إلى الخاصِّ من موالينا، ونحن نبرأ إلى الله من ابن هلال (لا رحمه الله)، وممَّن لا يبرأ منه. وأعلم الإسحاقي (سلَّمه الله) وأهل بيته ممَّا أعلمناك من حال هذا الفاجر، وجميع من كان سألك ويسألك عنه من أهل بلده والخارجين ومن كان يستحقُّ أنْ يطَّلع على ذلك، فإنَّه لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يُؤدّيه عنّا ثقاتنا، قد عرفوا بأنَّنا نفاوضهم سرَّنا، ونحمله إيّاه إليهم، وعرفنا ما يكون من ذلك إنْ شاء الله تعالى».
وقال أبو حامد: فثبت قوم على إنكار ما خرج فيه، فعاودوه فيه، فخرج: «لا شكر الله قدره لم يدعُ المرء ربَّه بأنْ لا يزيغ قلبه بعد أنْ هداه وأنْ يجعل ما منَّ به عليه مستقرًّا ولا يجعله مستودعاً. وقد علمتم ما كان من أمر الدهقان (عليه لعنة الله) وخدمته وطول صحبته، فأبدله الله بالإيمان كفراً حين فعل ما فعل، فعاجله الله بالنقمة ولم يمهله، والحمد الله لا شريك له، وصلّى الله على محمّد وآله وسلَّم».
(اختيار معرفة الرجال: ج ٢/ ص ٨١٦ و٨١٧/ ح ١٠٢٠).
(٢٠٣) والتوقيع الذي خرج بلعنه مع آخرين كان على يد الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح (رضي الله عنه)، ونسخته: «عرِّف (أطال الله بقاك وعرَّفك الله الخير كلَّه وختم به عملك) من تثق بدينه وتسكن إلى نيَّته من إخواننا أدام الله سعادتهم بأنَّ محمّد بن عليٍّ المعروف بالشلمغاني (عجَّل الله له النقمة ولا أمهله) قد ارتدَّ عن الإسلام وفارقه، وألحد في دين الله، وادَّعى ما كفر معه بالخالق (جلَّ وتعالى)، وافترى كذباً وزوراً، وقال بهتاناً وإثماً عظيماً، كذب العادلون بالله وضلُّوا ضلالاً بعيداً وخسروا خسراناً مبيناً. وإنّا برئنا إلى الله تعالى وإلى رسوله (صلوات الله عليه وسلامه ورحمته وبركاته) منه، ولعنّاه (عليه لعاين الله تترى) في الظاهر منّا والباطن، في السرِّ والجهر، وفي كلِّ وقتٍ وعلى كلِّ حالٍ، وعلى كلِّ من شايعه وبلغه هذا القول منّا فأقام على توليه بعده. أعلمهم (تولّاك الله) أنَّنا في التوقّي والمحاذرة منه على مثل ما كنّا عليه ممَّن تقدَّمه من نظرائه من السريعي [الشريعي] والنميري والهلالي والبلالي وغيرهم. وعادة الله (جلَّ ثناؤه) مع ذلك قبله وبعده عندنا جميلة، وبه نثق، وإيّاه نستعين، وهو حسبنا في كلِّ أُمورنا ونعم الوكيل» (الاحتجاج: ج ٢/ ص ٢٩٠).
(٢٠٤) الكافي (ج ١/ ص ١٧١ - ١٧٣/ باب الاضطرار إلى الحجَّة/ ح ٤).
(٢٠٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٤ و٣٥٥/ ح ٣١٥).
(٢٠٦) رجال النجاشي (ص ٤٣٩/ الرقم ١١٨٤).
(٢٠٧) الفهرست (ص ٢١٧/ الرقم ٦١٢/٢٧).
(٢٠٨) تقدَّم تخريجه في (ص ٨٠)، فراجع.
(٢٠٩) الغيبة الطوسي (ص ٣٥٥/ ح ٣١٦).
(٢١٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(٢١١) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(٢١٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٧/ ح ٣١٩).
(٢١٣) رجال الطوسي (ص ٤١٨/ الرقم ٦٠٣٧/٢).
(٢١٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٣/ ص ١٤٩ - ١٥٦/ الرقم ١٠٠٨).
(٢١٥) بل هو ثقة، راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٢/ ص ٣٠٦ - ٣٠٨/ الرقم ٧٩٦٦).
(٢١٦) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٨/ ص ٢٧٩/ الرقم ١١٨٣٣).
(٢١٧) راجع: مستدركات علم رجال الحديث (ج ٢/ ص ٣٥٥/ الرقم ٣٣٩٣).
(٢١٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٦١/ ح ٣٢٣).
(٢١٩) الفهرست (ص ١٦٧ و١٦٨/ الرقم ٤٣٩/٧).
(٢٢٠) نعم ورد نصٌّ من المعصوم في حقِّ السمري، لكن زمان خروجه في عام (٣٠٥هـ) في شهر متأخِّر عن رحيل السفير الثاني، ممَّا يعني أنَّ التوقيع قد خرج على يد السفير الثالث نفسه، ولا يمكن الاستناد إليه لإثبات الوثاقة؛ لاستلزام ذلك الدور.
(٢٢١) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٧/ ح ٢٥٨).
(٢٢٢) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٧/ ص ٢٢ - ٢٤/ الرقم ٣٤٩٠).
(٢٢٣) راجع: معجم رجال الحديث (ج ١٥/ ص ٣٤٥ - ٣٤٩/ الرقم ١٠١٢١).
(٢٢٤) تقدَّم تخريجه في (ص ٧٧)، فراجع.
(٢٢٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٠٨ و٣٠٩/ الرقم ٢٦١).
(٢٢٦) معجم رجال الحديث (ج ١٧/ ص ٣٤٦).
(٢٢٧) كمال الدِّين (ص ٥٠٢ و٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣١).
(٢٢٨) الغيبة للطوسي (ص ٣٥٦ و٣٥٧/ ح ٣١٨).
(٢٢٩) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٦ و٢٩٧).
(٢٣٠) وسائل الشيعة (ج ٣٠/ ص ٢٣٢).
(٢٣١) منتهى المقال (ج ٦/ ص ١٠٨).
(٢٣٢) تنقيح المقال (ج ٣/ ص ١٤٩/ الرقم ١١٠٥١).
(٢٣٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢ و٣٦٣/ ح ٣٢٧).
(٢٣٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٣/ ص ١٤٦ و١٤٧/ الرقم ١٠٠١).
(٢٣٥) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٢٠/ ص ٢٧٦/ الرقم ١٣٣١٦).
(٢٣٦) الغيبة للطوسي (ص ٣٨٤ و٣٨٥/ ح ٣٤٧).
(٢٣٧) لسان الميزان (ج ٢/ ص ٢٨٣/ الرقم ١١٧٧).
(٢٣٨) معجم رجال الحديث (ج ٦/ ص ٢٥٧/ الرقم ٣٤٠٦).
(٢٣٩) منتهى المقال (ج ٥/ ص ٥٧/ الرقم ٢٠٩٢).
(٢٤٠) ثقات الرواة (ج ٣/ ص ٦٠).
(٢٤١) تنقيح المقال (ج ٢/ ص ٣٠٥/ الرقم ٨٤٧٦).
(٢٤٢) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢/ الرقم ٣٢٤).
(٢٤٣) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٢/ ح ٣٢٦).
(٢٤٤) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٣/ص ٢٣٦ و٢٣٧/الرقم ١٢٠١)، وليس فيه ذكر للتوقيع.
(٢٤٥) الغيبة للطوسي (ص ٣٦٦/ ح ٣٣٤).
(٢٤٦) تقدَّم في (ص ١٨٧)، فراجع.
(٢٤٧) الاحتجاج (ج ٢/ ص ٢٩٧).
(٢٤٨) عن مدرك بن عبد الرحمن، عن أبي عبد الله الصادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، قال: «إذا كان يوم القيامة جمع الله (عزَّ وجلَّ) الناس في صعيد واحد، ووُضِعَت الموازين، فتُوزَن دماء الشهداء مع مداد العلماء، فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء» (من لا يحضره الفقيه: ج ٤/ص ٣٩٩/ح ٥٨٥٣).
(٢٤٩) عن القدّاح، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم): «من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً به...» (الكافي: ج ١/ ص ٣٤/ باب ثواب العالم والمتعلِّم/ ح ١).
(٢٥٠) الكافي (ج ١/ ص ٣٢٩ و٣٣٠/ باب في تسمية من رآه (عليه السلام)/ ح ١).
(٢٥١) الغيبة للطوسي (ص ٤٠١ و٤٠٢/ ح ٣٧٦).
(٢٥٢) كمال الدِّين (ص ٤٧٦/ باب ٤٣/ ح ٢٥).
(٢٥٣) كمال الدِّين (ص ٤٧٦ و٤٧٧/ باب ٤٣/ ح ٢٦).
(٢٥٤) كمال الدِّين (ص ٥٠٢ و٥٠٣/ باب ٤٥/ ح ٣١).
(٢٥٥) كمال الدِّين (ص ٥١٨ و٥١٩/ باب ٤٥/ ح ٤٧).
(٢٥٦) راجع: معجم رجال الحديث (ج ٧/ ص ٥٤/ الرقم ٣٥٤٩).

التحميلات التحميلات:
التقييم التقييم:
  ٠ / ٠.٠
 التعليقات
لا توجد تعليقات.

الإسم: *
الدولة:
البريد الإلكتروني:
النص: *
 

Copyright© 2004-2013 M-mahdi.com All Rights Reserved